{"pages":[{"id":1,"text":"الفن الأول\rالسماء\rالقسم الأول\rفي السماء وما فيها\rوفيه خمسة أبواب:\rالباب الأول\rمن القسم الأول من الفن الأول\rخلق السماء\rفي مبدأ خلق السماء قال الله تعالى: \" أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها \" .\rوالسماء تذكر وتؤنث.\rفشاهد التذكير قول الله \" عز وجل \" : \" السماء منفطر به \" ؛ وقول الشاعر:\rفلو رفع السماء إليه قوماً، ... لحقنا بالسماء مع السجاب!\rوشاهد التأنيث، قوله \" تبارك وتعالى \" : \" إذا السماء انفطرت \" ؛ وقول الشاعر: يا رب، رب الناس في سماته! ما قيل في أسماء السماء وخلقها قد نطقت العرب للسماء بأسماء.\rمنها: الجرباء. وسميت بذلك لكثرة النجوم.\rمنها: الخلقاء. لملاستها.\rوبرقع. والرقيع. ومنه قول رسول الله \" صلى الله عليه وسلم \" لسعد بن معاذ: \" لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة \" . أي من فوق سبع سماوات. ومنها: الطرائق. قال الله تعالى: \" ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق \" . والسماء مخلوقة من دخان.\rحكى في سبب حدوث الدخان أن الله تعالى خلق جوهرة، وصف من طولها وعرضها عظما. ثم نظر إليها نظر هيبة، فانماعت، وعلاها من شدة الخوف زبد ودخان. فخلق الله من الزبد الأرض، وفتقها سبعا؛ ومن الدخان السماء، وفتقها سبعا. ودليله قوله تعالى: \" ثم استوى إلى السماء وهي دخان \" . قال: ولما فتق الله تعالى السماوات أوحى في كل سماء أمرها. واختلف المفسرون في الأمر، ما هو؟ فقال قوم: خلق فيها جبالا من برد وبحارا؛ وقال قوم: جعل في كل سماء كوكباً، قدر عليه الطلوع والأفول، والسير والرجوع. وقال قوم: أسكنها ملائكة سخرهم للعالم السفلى، فوكل طائفة بالسحاب وطائفة بالريح، وجعل منهم حفظه لبنى آدم وكاتبين لأعمالهم ومستغفرين لذنوبهم.\rالباب الثاني:\rفي هيئة السماء\rفي هيئتها ذهب المفسرون لكتاب الله عز وجل أن السماء مسطوحة، بدليل قوله تعالى: \" أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت \" .\rوقال تعالى: \" الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن \" .\rويطلق على مجموعها فلك، لقوله تعالى: \" وكل في فلك يسبحون \" .\rوذهب الحسن إلى أن الفلك غير السماوات، وأنه الحامل بأمر الله تعالى للشمس والقمر والنجوم.\rقالوا: ولما فتق الله تعالى رتق السماوات، جعل بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام.\rوروى عن أبي هريرة \" رضي الله عنه \" ، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس هو وأصحابه، إذ أتى عليهم سحاب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا العنان، هذه روايا الأرض، يسوقها الله تعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه. ثم قال: أتدرون ما فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا الرقيع: سقف محفوظ، وموج مكفوف. ثم قال: هل تدرون ما بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بينكم وبينها خمسمائة سنة. ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: سماء في بعد ما بينها خمسمائة سنة. قال ذلك حتى بلغ سبع سماوات، ما بين كل سماءين، وما بين السماء والأرض. ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إن فوق ذلك العرش. وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين. ثم قال: هل تدرون ما تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال إنها الأرض. ثم قال: أتدرون ما تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إن تحتها أرضاً أخرى، بينهما مسيرة خمسمائة سنة. حتى عد سبع أرضين، بين كل أرض وأرض خمسمائة سنة. أخرجه أبو عيسى الترمذي، في جامعة.","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"ويروى عن ابن عباس \" رضي الله عنهما \" أن رسول الله \" صلى الله عليه وسلم \" كان جالساً بالبطحاء، بين أصحابه، إذ مرت عليهم سحابة. فنظروا إليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تدرون ما اسم هذه؟ قالوا: نعم. هذا السحاب. فقال صلى الله عليه وسلم: والمزن. قالوا: والمزن. قال: والعنان. قالوا: والعنان. فقال: هل تدرون ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري. قال: خمسمائة عام. وبينها وبين السماء التي فوقها كذلك. \" حتى عدّ سبع سماوات \" . ثم قال: وفوق السماء السابعة بحرٌ، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء \" وفي لفظ: كما بين السماء والأرض \" . وفوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض.\rوجاء في رواية أخرى ذكر الكرسي، قال: \" ثم ما بين السماء السابعة والكرسي مسيرة خمسمائة عام. ثم ما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام. والعرش فوق الماء. \" ولم يذكر الأوعال.\rوجاء في رواية أخرى ذكر الكرسي، وأن السماوات في ضمنه. وهي بالنسبة إليه كحلقه ملقاة في أرض فلاة، والكرسي بالنسبة إلى العرش كذرة ملقاة في أرض فلاة فيحاء. \" وفي رواية كحلقه \" .\rوروي أن أبا ذرّ رضي الله عنه قال: يا رسول الله: أي أية أنزلت عليك أعظم؟ قال: أية الكرسيّ. ثم قال: يا أبا ذرّ! أتدري ما الكرسيّ؟ قلت: لا؛ فعلمني يا رسول الله، مما علمك الله. فقال: ما السماوات والأرض فيهن في الكرسي، إلا كحلقة ألقاها ملق في فلاة. وما الكرسي في العرش، إلا كحلقة ألقاها ملق في فلاة. وما العرش في الماء، إلا كحلقة ألقاها ملق في فلاة. وما الماء في الريح، إلا كحلقة ملق في فلاة. وجميع ذلك في قبضة الله كالحبة، وأصغر من الحبة، في كف أحدكم. تعالى الله سبحانه. رواه أبو حاتم في كتاب العظمة.\rوالقول في هيئة السماء، على مذاهب أصحاب علم الهيئة، كثبر. أغضينا عنه، لآنه لا يقوم عليه دليل واضح. فلذلك اقتصرنا على ذكر المنقول دون المعقول.\rفلنذكر ما جاء في الأمثال التي فيها ذكر السماء. وما وصفها الشعراء به وشبهوها.\rأما الأمثال فقولهم: أرفع من السماء، للمبالغة.\rوقول الشاعر: من ذا رأى أرضاً بغير سماء؟ إن السماء ترحى حين تحتجب.\rإن السماء، إذا لم تبك مقلتها، ... لم تضحك الأرض عن شئ من الزهر.\rوأما الوصف والتشبيه فمنه قول عبد الله بن المعتز:\rكأن سماءنا لما تجلت ... خلال نجومهم عند الصباح\rرياض بنفسج خضل، نداه ... تفتح بينه نور الأقاح\rوقال آخر:\rكأن سماءنا، والشهب فيها، ... وأصغرها لأكبرها مزاحم\rبساط زمرد نثرت عليه ... دنانير تخالطها دراهم\rونحوه قول الآخر:\rكأن سماء الأرض نطع زمرد، ... وقد فرشت فيه الدنانير للصرف\rوقال آخر:\rورأيت السماء كالبحر إلا ... أن مرسوبه من الدر طافى.\rفيه ما يملأ العيون كبير ... وصغير ما بين ذلك خافي.\rوقال التنوخي يصف ليلة:\rكأنما نجومها، ... نصب عيون الرمق\rدراهم قد نثرت ... على بساط أزرق\rوقال أبو طالب الرقي:\rوكأن أجرام السماء، لوامعا، ... درر نثرن على بساط أزرق.\rوقال ظافر الحداد:\rكأن نجوم الليل، لما تبلجت، ... توقد جمر في خلال رماد.\rحكى، فوق ممتد المجرة شكلها، ... فواقع تطفو فوق لجة وادي.\rوقال آخر:\rكأن النجوم، نجوم السما، ... وقد لحن للعين من فرط بعدِ،\rمسامير من فضة سمرت ... على وجه لوح من اللازورد.\rوقال محمد بن عاصم:\rترى صفحة الخضراء، والنجم فوقها، ... ككف سدوسى بدا فيه درهم.\rترى، وعلى الآفاق أثواب ظلمة، ... وأزرارها منها شمال ومرزم.\rوفي الفلك قال أبو العلاء المعري:\rيا ليت شعري! وهل ليت بنافعه؟ ... ماذا وراءك أو ما أنت يا فلك؟\rكم خاض في إثرك الأقوام واختلفوا ... قدما! فما أوضحوا حقا ولا تركوا.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"شمس تغيب ويقفوا إثرها قمر، ... ونور صبح يوافي بعده حلك.\rطحنت طحن الرحى من قبلنا أمما ... شتى، ولم يدر خلق أية سلكوا.\rوقال، إنك طبع خامس، نفر. ... عمري! لقد زعموا بطلاً وقد أفكوا!\rراموا سرائر للرحمن حجبها. ... ما نالهن نبي، لا ولا ملك.\rوقال الرئيس أبو علي بن سينا:\rبربك! أيها الفلك المدار، ... أقصد ذا المسير أم اضطرار؟\rمدارك، قل لنا، في أي شيء؟ ... ففي أفهامنا منك ابتهار!\rوعندك ترفع الأرواح؟ أم هل ... مع الأجساد يدركها البوار؟\rوفيك الشمس رافعة شعاعاً، ... بأجنحة قوادها قصار؟\rقطوف، ذي النجوم اللآلى؟ ... هلال أم يد فيها سوار؟\rوشهب، ذي المجرة أم ذبال ... عليها المرخ يقدح والعفار؟\rوترصيع، نجومك أم حباب ... تؤلف بينها اللجج الغزار؟\rتمد رقومها ليلاً وتطوى ... نهاراً، مثل ما طوى الإزار!\rفكم بصقالها صدى البرايا! ... وما يصدا لها أبداً غرار.\rوتبدو ثم تخنس راجعات ... وتكنس مثل ما كنس الصوار.\rفبينا الشرق يقدمها صعودا ... تلقاها من الغرب انحدار.\rهي العشواء، ما خبطت هشيم ... هي العجماء ما جرحت جبار.\rوقال أبو عبادة البحتري:\rأناة! أيها الفلك المدار! ... انهب ما تصرف أم خيار؟\rستبلى مثل ما نبلى، وتفنى ... كما نفنى، ويؤخذ منك ثار.\rالباب الثالث:\rمن القسم الأول من الفن الأول\rالملائكة\rفي ذكر الملائكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطت السماء، وحق لها أن تئط. ما فيها موضع أربع أصابع، إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد.\rوالملائكة أولو أجنحة: مثنى، وثلاث، ورباع، وأكثر من ذلك. فإنه قد ورد أن جبريل عليه السلام له ستمائة جناح. وهي الصورة التي رآه النبي صلى الله عليه وسلم فيها مرتين: أحدهما في الأرض، وقد سد ما بين الخافقين. ووصفه الله تعالى بالقوة، فقال تعالى: \" ذي قوة عند ذي العرش مكين \" . ومن قوته، أنه اقتلع مدائن قوم لوط، وكانت خمس مدائن، من الماء الأسود، وحملها على جناحه، ورفعها إلى السماء، حتى أن أهل السماء يسمعون نباح كلابهم، وأصوات دجاجهم؛ ثم قلبها.\rوالمرة الثانية رآه صلى الله عليه وسلم عند سدرة المنتهى. قال الله تعالى: \" لقد رأه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى \" .\rوكان هبوط جبريل عليه السلام على الأنبياء صلوات الله عليهم ورجوعه في أوحى من رجع الطرف.\rوعظماء الملائكة أربعة، وهم: إسرافيل، وميكائيل، وجبرائيل، وعزرائيل. وأقربهم من الله تعالى منزلة، إسرافيل.\rفإذا أراد الله تعالى بوحيٍ، جاء اللوح المحفوظ حتى يقرع جبهة إسرافيل، فيرفع رأسه، فينظر فيه. فإن كان إلى السماء، دفعه إلى ميكائيل؛ وإن كان إلى الأرض، دفعه إلى جبرائيل؛ وإن كان بموت أحد، أمر به عزرائيل صلوات الله عليهم! وقد روي في قوله تعالى: \" فالمدبرات أمرا \" ، هم أربعة من الملائكة جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، فجبريل على الجنود والرياح، وميكائيل على القطر والنبات، وعزرائيل على قبض الأرواح، وإسرافيل يبلغهم ما يؤمرون به.\rوجعل الله تعالى لهم أن يتمثلوا للبشر على ما شاءوا من الصور، كما كان جبريل يتمثل لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على صورة دحية الكلبى مرارا، وفي صورة غيره من الرجال؛ وكما تمثل لمريم عليها السلام بشر سوياً. ونزلت الملائكة في غزوة بدر على الخيول المسومة، وقد سدلوا ذوائب عمائمهم على مناكبهم. وهم مخلوقون من نور. صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين!\rالباب الرابع: من القسم الأول من الفن الأول\rالكواكب المتحيرة\rفي الكواكب السبعة المتحيرة قال الله تعالى: \" فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس \" . ذهب المفسرون إلى أنها هي الكواكب السبعة: زحل، المشتري، والمريخ، والشمس، والزهرة، وعطارد، والقمر.\rوقالوا: إن هذه الكواكب هي المنيعة بقوله تعالى: \" فالمدبرات أمرا \" .","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"وسميت كنسا لأنها تجري في البروج ثم تكنس أي تستتر كما تكنس الظباء؛ وخنسا لاستقامتها ورجوعها. وقيل الخنس والكنس منها خمسة، دون الشمس والقمر. وسميت خنساً لأن الخنوس في كلام العرب الانقباض. وفي الحديث الشريف الشيطان يوسوس للعبد، فإذا ذكر الله تعالى خنس أي انقبض ورجع. فيكون في الكوكب بمعنى الرجوع. وكنسا من قول العرب كنس الظبي إذا دخل الكناس، وهو مقره؛ ويكون في الكوكب اختفاءه تحت ضوء الشمس.\rوأسماء هذه الكواكب عند العرب مشتقة من صفاتها.\rفقالوا في زحل: زحل فلان إذا أبطأ، وبذلك سمي هذا الكوكب لبطئه في السماء. وقيل الزحل والزحيل الحقد وهو في طبعه. وهذا الكوكب عند المفسرين هو المعنى بقول الله عز وجل \" والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب \" .\rوقالوا في المشتري: إنه إنما سمي بذلك لحسنه، كأنه اشترى الحسن لنفسه. وقيل لأنه نجم الشراء والبيع، ودليل الأموال، والأرباح.\rوقالوا في المريخ: إنه مأخوذ من المرخ \" وهو شجر تحتك بعض أغصانه ببعض فتورى ناراً \" فسمي بذلك لاحمراره. وقال آخرون المريخ سهم لا ريش له إذا رمي به لا يستمر في ممرّه وكذلك المريخ، فيه التواء كثير في سيره وحكمه، فشبه بذلك.\rوقالوا في الشمس: إنها لما أن كانت واسطة بين ثلاثة كواكب علوية وثلاثة سفلية، سميت بذلك لأن الواسطة التي في المخنقة تسمى شمسة.\rوقالوا في الزهرة: أنها مشتقة من الزاهر، وهو الأبيض النير من كل شيء.\rوقالوا في عطارد: إنه النافذ في الأمور، ولهذا سمي بالكاتب. وهكذا هذا الكوكب كثير التصرف مع ما يلابسه ويقارنه.\rوقالوا في القمر: إنه مأخوذ من القمرة، وهي البياض؛ والأقمر الأبيض.\rوالفرس تسمى هذه الكواكب بلغتها كيوان، ويعنون به زحل؛ وتير، ويعنون به المشتري \" وبعضهم يسميه البرجيس \" ؛ وبهرام ويعنون به المريخ؛ ومهر ويعنون به الشمس؛ و أناهيد ويعنون به الزهرة \" وبعضهم يسميها بيدخت \" ، وهرمس \" ويعنون به عطارد \" ، وماه \" ويعنون به القمر \" .\rوقد جمع بعض الشعراء أسماء هذه الكواكب في بيت واحد من بيتين يمدح بهما بعض الرؤساء فقال:\rلازلت تبقى وترقى للعلا أبداً ... ما دام للسبعة الأفلاك أحكام!\rمهر، وماه، وكيوان، وتيرمعاً ... وهرمس، وأناهيد، وبهرام!\rوقال أبو إسحاق الصابي:\rنل المنى في يومك الأجود، ... مستنجحاً بالطالع الأسعد!\rوارق كمرقى زحل صاعداً ... إلى المعالي أشرف المقصد!\rوفض كفيض المشتري بالندى ... إذا اعتلى في أفقه الأبعد!\rوزد على المريخ سطواً بمن ... عاداك من ذي نخوة أصيد!\rواطلع كما تطلع شمس الضحى ... كاسفة للحندس الأسود!\rوخذ من الزهرة أفعالها ... في عيشك المستقبل الأرغد!\rوضاه بالأقلام في جريها ... عطارد الكاتب ذا السؤدد!\rوباه بالمنظر بدر الدجى ... وافضله في بهجته وازدد!\rوقد اختص كل كوكب من هذه الكواكب بقول. سنذكر من ذلك ما تقوم به الحجة، وينهض به الدليل من الكتاب والسنة، وما يتمثل به مما فيه ذكرها، وما ورد في ذلك من الأوصاف والتشبيهات: نظماً ونثراً مما وقفت عليه في أثناء مطالعتي لكتب الفضلاء وتصانيفهم ودواوينهم. وعدلت عن أقوال المنجمين لما فيها من سوء الطوية وقبح الإعتقاد: لأن منهم من يرى أن للنجوم في الوجود تأثيرات وأفعالاً. أعاذنا الله تعالى من ذلك! ما قيل في الشمس \" والشمس هي النير الأعظم \" وقد ذهب بعض المفسرين لكتاب الله تعالى إلا أن نور الشمس والقمر في سائر السماوات بدليل قول الله عز وجل \" وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً.\rوجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الشمس والقمر وجوههما إلى السماء وأقفاؤهما إلى الأرض وفي حديث آخر وجوههما إلى العرش وأقفاؤهما إلى الأرض. وفي حديث آخر أن الشمس تكون في الصيف في السماء الخامسة، وفي الشتاء في السماء السابعة تحت عرش الرحمن.\rوزعموا أن حركتهما وحركة سائر الكواكب مستقيمة غير مستديرة، وأن الشمس تقطع سماء الدنيا في يومها، وتغيب في الأرض في عين حمئةٍ. ومعنى حمئة ذات حمأة.","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"وقد جاء في تفسير قوله تعالى \" والشمس تجري لمستقرٍّ لها \" أي إلى موضع قرارها، لأنها تجري إلى أبعد منازلها في الغروب، ثم ترجع؛ ومن قرأ لا مستقر لها أي هي دائبة السير ليلاً ونهاراً. وهي قراءة شاذة.\rوقد قال الله تعالى \" وسخر لكم الشمس والقمر دائبين \" وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها تجري لمستقر لها تحت العرش، فتخرّ ساجدة؛ فلا تزال كذلك حتى يؤذن لها في الطلوع. ويوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت؛ وذلك طلوعها من مغربها.\rوذهب وهب بن منبِّه إلى أن الشمس على عجلة لها ثلثمائة وستون عروة، وقد تعلق بكل عروة ملكٌ؛ يجرونها في السماء ودونها البحر المسجور في موج مكفوف كأنه جبل ممدود في الهواء، ولو بدت الشمس من ذلك البحر لأحرقت ما على وجه الأرض من شيء حتى الجبال والصخور. وروي عن كعب أنه قال: خلق الله القمر من نور وخلق الشمس من نار.\rوقال تعالى \" ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً \" . والسراج لا يكون إلا من نار؛ وهما مضيآن لأهل السماوات؛ كما يضيآن لأهل الأرض.\rوقد تقدم الدليل على ذلك.\rما يتمثل به مما فيه ذكر الشمس يقال: أشهر من الشمس. أحسن من الشمس. أدل على الصبح من الشمس.\rومن أنصاف الأبيات\rوهل شمس تكون بلا شعاع ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل\rولو لم تغب شمس النهار لملت ... الشمس نمامة والليل قواد\rالشمس طالعة إن غيب القمر ... وربما تنكسف الشمس\rوالشمس تنحط في المجرى وترتفع ... إذا الشمس لم تغرب، فلا طلع البدر\rومن الأبيات قول الطائي:\rفإني رأيت الشمس زيدت محبةً ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد.\rوقال علي بن الجهم.\rوالشمس لولا أنها محجوبةٌ ... عن ناطريك لما أضاء الفرقد.\rوقال أبو تمام:\rوإن صريح الرأي والحزم لامرئ ... إذا بلغتهُ الشمس، أن يتحولا.\rوقوله:\rوكل كسوفٍ في الدراري شنيعةٌ، ... ولكنه في الشمس والبدر أشنع.\rوقوله أيضاً:\rأعندك الشمس تجري في منازلها، ... وأنت مشتغل الألحاظ بالقمر؟\rوقال البحتري:\rكذاك الشمس تبعد أن تُسامى، ... ويدنو الضوء منها والشعاعُ.\rوقال ابن الرومي:\rورأيته كالشمس: إن هي لم تُنل ... فالدفء منها والضياء ينال\rوقال أيضاً:\rكالشمس لا تبدو فضيلتها ... حتى تغشى الأرض بالظلم.\rوقال أيضاً\rكالشمس في كبد السماء محلها، ... وشعاعها في سائرالآفاق.\rوقال العباس بن الأحنف:\rهي الشمس مسكنها في السماء. ... فعز الفؤاد عزاء جميلاً!\rوقال أبو عبيد البكري:\rوالشمس يستغنى، إذا طلعت، ... أن يستضاء بغرة البدر.\rوقال أبو الطيب المتنبي:\rكالشمس لا تبتغي بما صنعت ... منفعة عنده ولا جاها.\rوقال ابن لنكك البصري:\rوهبك كالشمس في حسن؛ ألم ترها ... يفر منها إذا مالت إلى الضرر؟\rوقال ابن عباد:\rفقلت: وشمس الضحى تحتمى ... إذا بسطت في المصيف الأذى.\rوقال ابن مسعويه الخالدي:\rلا يعجبنك حسن القصر تِنزلهُ ... فضيلة الشمِس ليست في منازلها.\rوقال أبو الفتح البستي:\rفالحرُّ حَرٌّ عزيز النفس حيث ثوى، ... والشمس في كل بُرجٍ ذات أنوار.\rوصف الشمس وتشبيهها من ذلك قول الوزير المهلبي:\rالشمس في مشرقها قد بدت ... منيرةً ليس لها حاجب\rكأنها بودقةٌ أحميت، ... يجول فيها ذهب ذائب.\rوقال ظافر الحداد:\rانظر لقرن الشمس بازغةً ... في الشرق تبدو ثم ترتفع!\rكسبيكة الزجاج ذائبةً ... حمراء ينفخها فتتسع.\rوقال أبو هلال العسكري:\rوالشمس واضحة الجبين كأنها ... وجه المليحة في الخمار الأزرق!\rوكأنها عند انبساط شعاعها ... تبر يذوب على فروع المشرق!","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"وقال أحمد بن عبد العزيز القرطبي:\rأو ما ترى شمس الأصيل عليلةً ... تزداد من بين المغارب مغربا؟\rمالت لتحجب شخصها فكأنها ... مدت على الدنيا ملاءً مذهبا!\rومما وصفت به - وقد قابلت القمر - قول الشاعر:\rأما ترى الشمس، وهي طالعةٌ، ... تمنع عنا إدامة النظر؟\rحمراء صفراء في تلونها ... كأنها تشتكي من السهر.\rمثل عروسٍ غداة ليلتها ... تمسك مرآتها من القمر.\rوقال مؤيد الدين الطغرائي، عفا الله عنه ورحمه:\rوكأنما الشمس المنيرة إذ بدت، ... والبدر يجنح للمغيب وما غرب،\rمتحاربان: لذا مجنٌ صاغه ... من فضة، ولذا مجنٌ من ذهب.\rومن أحسن ما وصفت به في الطلوع والزوال والغروب قول أعرابي.\rمخبأةٌ: أما إذا الليل جنها ... فتخفى وأما في النهار فتظهر.\rإذا انشق عنها ساطع الفجر وانجلى ... دجى الليل وإنجاب الحجاب المستر\rوألبس عرض الأفق لوناً كأنه ... على الأفق الغربي ثوب معصفر\rعليها دروع الزعفران، يشوبه ... شعاع تلالا فهو أبيض أصفر:\rترى الظل يطوى حين تبدو وتارةً ... تراه إذا زالت على الأرض يُنشر.\rفافنت قرونا، وهي في ذاك لم تزل ... تموت وتحيا كل يومٍ وتُنشر!\rوقال آخر:\rوبدا لنا ترسٌ من الذهب، الذي ... لم ينتزع من معدن بتعمل.\rمرآة نور لم تُشن بصياغة ... كلا ولا جليت بكف الصيَقل.\rتسمو إلى كبد السماء كأنها ... تبغي هناك دفاع أمرٍ مُعضِل.\rحتى إذا بلغت إلى حيث انتهت ... وقفت كوقفة سائل عن منزل.\rومما وصفت به، وقد قابلت الغيم، قول ابن المعتز :\rتظل الشمس ترمَقُنا بطرفٍ ... خفي لحظه من خلف ستر.\rتحاول فتق غيمٍ وهو يأبى ... كعنينٍ يحاول نيل بكر.\rوقال آخر :\rوعين الشمس ترنو من بعيدٍ ... رنو البكر من خلف الستور.\rوقال محمد بن رشيق:\rفكأن الشمس بكرٌ حجبت ... وكأن الغيم سترٌ قد ستر.\rمما وصفت به على طريق الذم فمن ذلك ما قاله عبد الملك بن عمير، وقد سئل عنها فقال: مظهرة للداء، مثقلة للهواء، مبلاة للثوب، جالبة للهب.\rوقال آخر: الشمس تشحب اللون، وتغير العرق، وتُرخى البدن، وتثير المرة.\rإذا احتجمت فيها، أمرضتك؛ وإن أطلت النوم فيها، أفَلجتك؛ وإن قربت منها، صرت زنجياً، وإن بعدت عنها، صرت صقلياً .\rوقال ابن سينا الملك:\rلا كانت الشمس! فكم أصدأت ... صفحةَ خدً كالحسام الصقيل!\rوكم وكم صدت بوادي الكرى ... طيف خيالٍ جاءني عن خليل!\rوأعدمتني من نجوم الدجى ... ومنه روضاً بين ظلً ظليل!\rتكذب في الوعد؛ وبرهانه ... أن سراب القفر منها سليل.\rوهي إذا أبصرها مبصرٌ ... حديد طرفٍ، راح عنها كليل!\rياعلة المهموم، يا جلدة ال ... محموم، يا زفرة صبٍّ نحيل!\rيا قرحة المشرق عند الضحى، ... وسلحة المغرب عند الأصيل!\rأنت عجوزٌ، لم تبرجت لي، ... وقد بدا منك لعاب يسيل؟\rوقال التيفاشي، عفا الله تعالى عنه ورحمه:\rفي خلقه الشمس وأخلاقها ... شتى عيوبٌ ستة تذكر .\rرمداء، عمشاء، إذا أصبحت، ... عمياء عند الليل، لا تبصر.\rويغتدى البدر لها كاسفاً ... وجرمها من جرمه أكبر .\rحرورها في القيظ لا تتقى ... ودفؤها في القر مستحقر.\rوخلقها خلق المليك الذي ... ينكث في العهد ولا يصبر.\rليست بحسناء. وما حسن من ... يحسر عنه اللحظ يبصر؟\rوقال أبو الطيب المتنبي:\rتسود الشمس منا بيض أوجهنا ... ولا تسود بيض العذر واللمم.\rوكان حالهما في الحكم واحدةً ... لو اختصمنا من الدنيا إلى حكم.\rما قيل في الكسوف","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"روى أن الشمس كسفت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووافق ذلك موت إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس: إنما كسفت الشمس لأجله فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يخوف بهما عباده، وإنهما لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك، فادعوا الله وكبروا وصلوا حتى يكشف ما بكم.\rوقال محمد بن هانئ في الكسوف.\rهي الحوادث لا تبقى ولا تذر! ... ما للبرية من محتومها وزرُ!\rلو كان ينجي علوٌّ من بوائقها ... لم تكسف الشمس بل لم يخسف القمر!\rأسماء الشمس اللغوية وللشمس أسماء نطقت بها العرب. فمنها: ذكاء، والجارية، والجونة، والغزالة، واللاهة، والضحى، والضح، ويوح \" بالياء المثناة والباء الموحدة \" ، والشرق، وحناذِ، والعين، والمؤوبة، والسراج.\rعباد الشمس قال الشهر ستاني في كتابة المترجم بالملل والنحل : إن عبدة الشمس طائفةٌ من الهنود يسمون الديبكينية أي عباد الشمس؛ ومذهبهم مذهب الصابئة. وتوجههم إلى الهياكل السماوية دون قصر الإلهية والربوبية عليها. ويزعمون أن الشمس ملك من الملائكة، وأن لها نفساً وعقلاً، ومنها نور الكواكب، وضياء العالم، وتكون الموجودات السفلية. وهي ملك يستحق التعظيم، والسجود، والتبخير، والدعاء. ومن سنتهم أنهم اتخذوا لها صنماً بيده جوهرة على لون النار. وللصنم بيت خاص بنوه باسمه ووقفوا عليه ضياعاً، وله سدنة وقوام. فتأتي هذه الطائفة إلى البيت، ويصلون فيه ثلاث كرات. ويأتي أصحاب العلل والأمراض فيصومون له، ويصلون، ويدعون، ويستشفون به.\rما قيل في القمر \" وهو النير الثاني \" ذهب وهب بن منبه أن القمر موضوع على عجلة في فلك، والفلك يدور بأمر الله تعالى إلى ناحية المغرب، والعجلة يجرها ثلمائة وستون ملكاً إلى ناحية المشرق؛ وتدوير العجلة من تدرير الفلك الأعظم؛ وتدوير فلك القمر من تدوير العجلة.\rويقال: إن القمر كان كالشمس في الضياء. فلم يكن يعرف الليل من النهار، فأمر الله تعالى جبريل أن يمر عليه بجناحه، فمر عليه، فمحاه، فهو ما ترى فيه من السواد.\rوبهذا القول فسر قوله تعالى \" وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة \" .\rقالوا: ولا يسمى قمرا إلا بعد مضى ثلاث ليال من استهلاله. والأقمر هو الأبيض.\rما قيل في القمر \" من استهلاله إلى انقضاء الشهر وأسماء لياليه \" قالوا: وللقمر من أول الشهر إلى آخره خمس حالات؛ وللياليه عشرة أسماء أما حالاته الخمس: فالأولى: الهلالية، وهي خروجه من تحت شعاع الشمس وظهوره في الغرب في أول الشهر.\rالثانية: أن يفضل فيه النور على الظلمة، وذلك في الليلة السابعة من الشهر.\rالثالثة: الاستقبال، وهو كونه في البرج السابع من بروج الشمس، ويسمى الامتلاء لامتلاء القمر فيه نورا، وذلك في الليلة الرابعة عشرة من الشهر، ويسمى القمر فيها بدراً لكماله، ويسمى بذلك لامتلائه، وقبل لمبادرته الشمس بالطلوع، وتسمى الليلة التي قبلها \" وهي الثالثة عشرة \" ليلة السواء لاستواء القمر فيها، وقيل: لاستواء ليلها ونهارها في الضياء، وهي ليلة التمام.\rالرابعة: أن تفضل الظلمة فيه على النور، وذلك في الليلة الثانية والعشرين من الشهر.\rالخامسة: المحاقية، وهي مدة استتاره بشعاع الشمس؛ ويسمى ذلك أيضاً سرارا، وذلك في الليلة التاسعة والعشرين، ويمكن أن يغيب ثلاث ليال لا يرى ويهل في اليوم الرابع، ويسمى حينئذ قمرا لا هلالاً؛ والشمس تعطيه من نورها كل ليلة ما يستضئ به نصف سبع قرصه حتى يكمل، ثم يسلبه من الليلة الخامسة عشرة، في كل ليلة نصف سبع قرصه حتى لا يبقى فيه نور فيستتر.\rوأما أسماء لياليه، فإنه يقال لأول ثلاثة منها غرر، والثانية شهب، والثالثة زهر، والرابعة بهر، والخامسة بيض، والسادسة درع، والسابعة حنادس، والثامنة ظلم، والتاسعة دآدٍ، والعاشرة ليلتان منها محاق وليلة سرار؛ ويسمون الليلة الثامنة والعشرون الدعجاء، والليلة التاسعة والعشرين الدهماء، والليلة الموفية ثلاثين الليلاء، ويسمونها ليلة البراء لتبرى القمر من الشمس.\rأسماء القمر اللغوية","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"وللقمر أسماء نطقت بها العرب. فمنها: القمر، والباهر، البدر، والطوس، والجلم، والغاسق، والوباض، والزبرقان، والمنشق، والواضح، والباحور، والأبرص، والزمهرير. ومنه قول الله سبحانه وتعالى: \" لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً \" وقول بعض العرب.\rوليلةٍ ظلامها قد اعتكر ... قطعتها والزمهرير ما ظهر.\rومن أسمائه: السمنار، والساهور.\rوالفخت ضوءه، والأخذ منزلته. وكذلك الوكس، وهي المنزلة التي يكسف فيها. والهالة دارته.\rما يتمثل به مما فيه ذكر القمر يقال في أمثالهم: أضيع من قمر الشتاء! قيل لأنه لا يجلس فيه.\rإن يبغ عليك قومك، لا يبغ عليك القمر.\rويقال: أضوأ من القمر؛ وأتم من البدر.\rومن أنصاف الأبيات:\rأريها السها وتريني القمر ... لا تخرج الأقمار من هالاتها\rهكذا البدر في الظلام يوافي ... كذاك كسوف البدر عند تمامه\rومن الأبيات قول الطائي:\rإن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا.\rوقال ابن أبي البغل، والبيت الثاني لابن بحر:\rالمرء مثل هلال حين تبصره ... يبدو ضعيفاً ضئيلاً ثم يتسق.\r\" يزداد حتى إذا ما تم أعقبه ... كر الجديدين نقصاً ثم ينمحق \" .\rوقال أبو الفرج الببغا:\rستخلص من السرار وأيما ... هلالٌ توارى في السرار فما خلص!\rما قيل في وصفه وتشبيهه من ذلك قول عبد الله بن المعتز في الهلال:\rوانظر إليه كزورقٍ من فضةٍ ... قد أثقلته حموله من عنبر!\rوقول عبد الجبار بن حمديس الصقلي:\rورب صُبحٍ رقبناه، وقد طلعت ... بقية البدر في أولى بشائره!\rكأنما أدهم الإظلام حين نجا ... من أشهب الصبح، ألقى نعل حافره!\rوقال آخر:\rقد انقضت دولة الصيام وقد ... بشر سقم الهلال بالعيد!\rيتلو الثريا كفاغرٍ شرهٍ ... يفتح فاه لأكل عنقود!\rوقال أبو الهلال العسكري:\rفي هلالٍ كأنه حية الرم ... ل أصابت على اليفاع مقيلا.\rبات في معصم الظلام سوراً ... وعلى مفرق الدجى إكليلا.\rوقال آخر:\rوالجو صافٍ والهلال مُشنف ... بالزهرة الزهراء نحو المغرب.\rكصحيفةٍ زرقاء فيها نقطةٌ ... من فضة من تحت نون مذهب.\rوقال آخر:\rقلت لما دنت لمغربها الشم ... ش ولاح الهلال للنظار:\rأقرض الشرق صنوه الغرب دينا ... را فأعطاه الرهن نصف سوار\rوقال أبو العلاء المعري:\rولاح هلالٌ مثل نونٍ أجادها ... بذوب النضار الكاتب ابن هلال.\rوقال آخر:\rوكأن الهلال نون لجينٍ ... غرفت في صحيفةٍ زرقاء.\rوقال أبو عاصم البصري من شعراء التيمة:\rرأيت الهلال، وقد أحدقت ... نجوم الثريا لكي تسبقه.\rفشبهته وهو في إثرها ... وبينهما الزهرة المشرقة،\rبقوسٍ لرامٍ رمى طائراً ... فأتبع في إثره بندقه.\rوقال آخر:\rولاح لنا الهلال كشطرِ طوقٍ ... على لباب زرقاءِ اللباسِ.\rوقال الواوا الدمشقي رحمه الله:\rوكأن الهلال تحت الثريا ... ملكٌ فوق رأسه إكليل!\rوقال لإبراهيم بن محمد المراديّ، من شعراء الأنموذج، ملغزا فيه:\rدع ذا! وقل للناس: ما طارقٌ، ... يطرقكم جهراً ولا يتقي؟\rليس له روحٌ على أنه ... يركب ظهر الأدهم الأبلق.\rشيخ رأى آدم في عصرِه ... وهو إلى الآن نجدً نقي.\rومد وسط السجن مع قومه ... لا ينبرى من نهجة الضيق.\rهذا ويمشي الأرض في ليلة ... أعجب به من موثقٍ مطلق.\rفتارة ينزل تحت الثرى ... وتارةً وسط السما يرتقى.\rوتارة يوجد في مغربٍ ... وتارةً يوجد في المشرق.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"وتارة تحسبه سابحاً ... يسرى بشاطئ البحر البحر كالزورق.\rوتارةً تحسبه وهو في ... أستاره والبعض منه بقي،\rذبابة من صارمٍ مرهفٍ ... بارزةً من جفنه المطبق.\rيدنو إلى عرس له حسنها ... يختطف الأبصار بالرونق.\rحتى إذاجامعها يرتدي ... بحلة سوداء كالمحرق.\rوهو على عادته دائماً ... يجامع الأنثى ولا يتقي.\rثم يجوب القفر من أجلها ... مشتملاً في مطرف أزرق.\rحتى إذا قابلها ثانياً ... تشكه بالرمح في المفرق.\rوبعد ذا تلبسه حلةً ... يا حسنها في لونها المونق!\rفجسمه من ذهبٍ جامدٍ ... وجلده صيغ من الزئبق.\rوهو إذا أبصرته هكذا ... أملح من صاحبة القرطق.\rوقال ابن المعتز:\rنظرت في يوم لذةٍ عجبا ... وافى به للسعود مقدارُ.\rيقابل الشمس فيه بدر دجى ... يأخذ من نورها ويمتارُ.\rكصير في يروح منتقداً ... في كفه درهمً ودينارُ.\rوقال عبد الله بن علي الكاتب:\rكشف البدر وجهه لتمامٍ، ... فوجوه النجوم مستترات.\rوكأن البدر التمام عروسٌ، ... وكأن النجوم مستنقبات.\rمما قيل فيه على طريق الذم حكى أن أعرابياً رأى رجلاً يرقب الهلال. فقال له: ما ترقب فيه، وفيه عيوب لو كانت في الحمار لرد بها؟ قال: وما هي؟ فقال: إنه يهدم العمر، ويقرب الأجل، ويحل الدين، ويقرض الكتان، ويشحب اللون، ويفسد اللحم، ويفضح الطارق، ويدل السارق.\rومن عيوبه أن الإنسان إذا نام في ضوئه حدث في بدنه نوع من الاسترخاء والكسل، ويهيج عليه الزكام والصداع؛ وإذا وضعت لحوم الحيوانات مكشوفة في ضوئه، تغبرت طعومها وروائحها.\rوقال ابن الرومي:\rرب عرضٍ منزهٍ عن قبيحٍ ... دنسته معرضات الهجاء.\rلو أراد الأديب أن يهجو البد ... ر، رماه بالخطة الشنعاء.\rقال: يا بدر أنت تغدر بالسا ... رى وتزرى بزروة الحسناء.\rكلف في شحوب وجهك يحكى ... نكتا فوق وجنةٍ برضاءِ.\rيعتريك المحاق ثم يخلي ... ك شبيه القلامة الحجناء.\rويليك النقصان في آخر الشه ... ر فيمحوك من أديم السماء.\rفإذا البدر نيل بالهجو، هل يأ ... من ذو الفضل ألسن الشعراء؟\rلا لأجل المديح، بل خيفة الهج ... و أخذنا جوائز الخلفاء!\rهذا ما أمكن إيراده في القمر، فلنذكر خبر عباد القمر.\rذكر عباد القمر قال الشهر ستانى: عباد القمر طائفة الهنود يسمون الحندر بكتية، أي عباد القمر. يزعمون أن القمر ملك من الملائكة يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي، ومنه نضج الأشياء المتكونة واتصالها إلى كمالها؛ وبزيادته ونقصانه تعرف الأزمان والساعات؛ وهو تلو الشمس وقرينها، ومنها نوره، وبالنظر إليها زيادته ونقصانه؛ ومن سنتهم أنهم اتخذوا صنما على عجلة تجره أربعة، وبيده جوهرة؛ ومن دينهم أن يسجدوا له ويعبدوه، وأن يصوموا النصف من كل شهر، ولا يفطروا حتى يطلع القمر، ثم يأتون الصنم بالطعام والشراب واللبن، ثم يرعبون إليه وينظرون إلى القمر، ويسألونه حوائجهم؛ فإذا استهل الشهر علوا السطوح، وأوقدوا الدخن، ودعوا عند رؤيته، ورغبوا إليه، ثم نزلوا عن السطوح إلى الطعام والشراب والفرح والسرور، ولم ينظروا إليه إلا على وجوه الحسنة. وفي نصف الشهر إذا فرغوا من الإفطار، وأخذوا في الرقص واللعب بالمعازف بين يدي الصنم والقمر.\rما قيل في الكواكب المتحيرة","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"والكواكب الخمسة الباقية من الكواكب السبعة تسمى المتحيرة. ثلاثة منها علوية تعلو أفلاكها فلك الشمس، وهي زحل، والمشتري، والمريخ، واثنان منها سفلية فلكهما تحت فلك الشمس، وهي الزهرة، وعطارد.\rوسميت هذه الكواكب المتحيرة لأنها ترجع أحياناً عن سمت مسيرها بالحركة الشرقية، وتتبع الغربية، فهذا الارتداد فيها شبه التحير.\rذكر عباد الروحانيات \" وما احتجوا به في سبب عبادتهم لها \" وعباد الروحانيات هم الصابئة. يقال: صبأ الرجل إذا مال وزاغ.\rومذهب هؤلاء أن للعالم صانعاً فاطراً حكيماً مقدساً عن سمات الحدثان.\rوكانت الصابئة تقول: إنا نحتاج في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه، إلى متوسط؛ ولكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانياً لا جسمانياً. وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها وقربها من رب الأرباب؛ والجسماني بشر مثلنا يأكل مما نأكل، ويشرب مما نشرب، ويماثلنا في الصورة والمادة.\rقالوا: \" ولئن أطعمتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون \" .\rوقالوا: الواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه، وهم الروحانيون المقدسون المطهرون، جوهرا وفعلا وحالة.\rأما الجوهر فهم المقدسون عن المواد الجسمانية، المبرؤون عن القوى الجسدانية، أي منزهون عن الحركات المكانية، والتغيرات الزمانية، قد جبلوا على الطهارة، وفطروا على التقديس والتسبيح \" لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون \" .\rوإنما أرشدنا إلى هذا معلمنا الأول، غاديمون، وهرمس. فنحن نتقرب إليهم، ونتوكل عليهم، وهم أربابنا، وآلهتنا، ووسائلنا، وشفعاؤنا عند رب الأرباب، وإله الآلهة. فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا من دنس الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانية والغضبية، حتى يحصل لنا مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات. فحينئذ نسأل حاجاتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبأ في جميع أمورنا إليهم. فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم، ورازقنا ورازقهم. وهذه التطهير والتهذيب ليس إلا باكتسابنا، ورياضنا، وفطامنا لأنفسنا عن دنيات الشهوات، باستمداد من جهة الروحانيات؛ والاستمداد هو التضرع والابتهال. بالدعوات، وإقامة الصلوات، وبذل الزكوات، والصيام عن المطعومات والمشروبات، وتقريب القرابين والذبائح، وتنجير البخورات، وتعزيم العزائم. فيحصل لنفوسنا استعداد أو استمداد من غير واسطة، بل يكون حكمنا وحكم من يدعى الوحي واحدا.\rقالوا: والأنبياء أمثالنا في النوع، وأشكالنا في الصورة، ومشاركونا في المادة. يأكلون مما نأكل، ويشربون مما نشرب، ويساهموننا في الصورة. أناس بشر مثلنا، فمن أين لنا طاعتهم، وبأية مزية لهم لزم مشايعتهم؟ \" ولئن أطعمتم بشراً مثلكم إنكم إذا لخاسرون \" .\rقالوا: وما الفعل، فالروحانيات هم الأسباب المتوسطون في الاختراع، والإيجاد، وتصريف الأمور من حال إلى حال، وتوجيه المخلوقات من مبدأ إلى كمال، يستمدون القوة من الحضرة القدسية، ويفيضون على الموجودات السفلية.\rفمنها مدبرات الكواكب السبعة السّيارة في أفلاكها، وهي هياكلها. فلكل روحاني هيكل، ولكل هيكل فلك. ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به نسبة الروح إلى الجسد. فهو ربه ومديره ومدبره.\rوكانوا يسمون الهياكل أربابا \" وربما يسمونها اباء \" ، والعناصر أمهات. ففعل الروحانيات تحريكها على قدر مخصوص ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر، فيحصل من ذلك تركيبات وامثراجات في المركبات فتتبعها قوى جسمانية، وتركب عليها نفوس روحانية، مثل أنواع النبات والحيوان. ثم قد تكون التأثيرات كلية صادرة عن روحاني كلى، وقد تكون جزئية صادرة عن روحاني جزئي. فمع حنس المطر ملك، ومع كل قطرة ملك.\rومنها مدبرات الآثار العلوية الظاهرة في الجو مما يصعد من الأرض فينزل مثل الأمطار والثلوج والبرد والرياح؛ وما ينزل من السماء مثل الصواعق والشهب؛ وما يحدث في الجو من الرعد والبرق والسحاب وقوس قزح وذوات الأذناب والهالة والمجرة؛ وما يحدث في الأرض من الزلال والمياه والأنجرة إلى غير ذلك.\rومنها متوسطات القوى السارية في جميع الموجودات، ومدبرات الهداية الشائعة في جميع الكائنات، حتى لا ترى موجوداً ما خالياً عن قوة وهداية، إذا كان قابلاً لهما.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"قالوا: وأما الحالة، فأحول الروحانيات من الروح، والريحان، والنعمة، واللذة، والراحة، والبهجة، والسرور في جوار رب العالمين، كيف تخفى؟ ثم طعامهم وشرابهم والتسبيح والتقديس والتهليل والتمجيد؛ وأنسهم بذكر الله وطاعته، فمن قائم وراكع وساجد، ومن قاعد لا يريد تبدل حالته لما هو فيه من النعمة واللذة، ومن خاشع بصره لا يرفع، ومن ناظر لا يغمض، ومن ساكن لا يتحرك، ومتحرك لا يسكن، وكروبي في عالم القبض، وروحاني في عالم البسط \" لا يعصون الله ما أمرهم \" .\rوقد جرت مناظرات ومحاورات بين الصابئة والحنفاء في المفاصلة بين الروحاني المحض والبشرية النبوية، ليس هذا موضع إيرادها.\rفلنذكر إن شاء الله تعالى بيوت الهياكل، تلو ما ذكرناه من عباد الروحانيات ومحتجاتهم! بيوت الهياكل \" وأماكنها ونسبتها إلى الكواكب \" قالوا: ثم لم تقتصر على الصابئة على التقرب إلى الروحانيات بأعيانها، والتلقى بذواتها حتى اتخذوا أصناماً على هيئة الكواكب السبعة، وجعلوا لها بيوتاً، وسموا البيوت بالهياكل، وجعلوا الهياكل الأفلاك للكواكب. وعظموا هذه الأصنام التي صنعوها، وزعموا أنهم إذا عظموها تحركت لهم الكواكب السبعة العلوية بكل ما يريدون.\rوحكى المسعودي في كتابه المترجم بمروج الذهب ومعادن الجوهر أن هذه الطائفة تزعم أن البيت الحرام هيكل زحل، وإنما طال بقاء هذا البيت على مرور الدهور، معظماً في سائر العصور، لأن زحل تولاه: إذ من شأنه الثبوت.\rومن البيوت المشهورة: بيت على رأس جبل أصفهان، ويسمى مارس، ثم اتخذه بعض ملوك المجوس بيت نار؛ وبيت ببلاد الهند، وبيت ببلخ، بناه منو شهر على اسم القمر، وكان الموكل بسدانته يسمونه برمك، وإليه تنسب البرامكة؛ وبيت غمدان باليمن، بناه الضحاك على اسم الزهرة؛ وبيت بفرغانة، على اسم الشمس، يعرف بكاوسان، بناه كاوس أحد ملوك الفرس، وخربه المعتضد بالله؛ وبيت ببلاد الصين، بناه ولد عامور بن شوبل بن يافث، وقيل بناه ملوك الترك.\rوحكى غير المسعودي أن البيت الأول الكعبة. ويذكرون أن إدريس عليه السلام أوصى به، وأوصى أن يكون الحج إليه وهو عندهم بيت زحل؛ والبيت الثاني وهو بيت المريخ، يزعمون أنه كان بصور من الساحل الشامي؛ والبيت الثالث وهو بيت المشتري، كان بدمشق بناه جيرون بن سعد بن عاد، وموضعه الآن الجامع الأموي؛ والبيت الرابع وهو بيت الشمس بمصر، ويسمى عين شمس، وآثاره باقية إلى وقتنا هذا؛ والبيت الخامس هو بيت الزهرة، كان بمنبج وخرب، والبيت السادس بيت عطارد، وكان بصيدا من الساحل الشامي وخرب؛ والبيت السابع وهو بيت القمر، كان بحران؛ وهو بيت الصابئة الأعظم.\rالباب الخامس من القسم الأول من الفن الأول\rالكواكب الثابتة\rذهب بعض من تكلم في ذلك أن هذه الكواكب معلقة في سماء الدنيا كالقناديل، وأنها مخلوقة من نور.\rوقال آخرون: إنها معلقة بأيدي ملائكة. وفسر بهذا القول قوله تعالى \" إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت \" . يقال انتثارها يكون بموت من كان يحملها من الملائكة.\rوهذه الكواكب في سماء الدنيا بنص الكتاب العزيز، لقول الله عز وجل: ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين.\rوقال قتادة: خلق الله تعالى هذه النجوم لثلاثة: جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البر والبحر. فمن تأول غير هذا فقد أخطأ.\rقالوا: وإنما سميت بالثوابت، وإن كانت متحركة لأنها ثابتة الأبعاد على الأبد، لا يقرب أحدها من الآخر، ولا يبعد عنه، ولا يزيد، ولا ينقص، ولا تتغير عن جهاتها. لأنها تتحرك بحركتها الطبيعية حول قطبي العالم. ولهذا سميت ثابتة. وهي في فلك ثامن غير أفلاك الكواكب السبعة السيارة. ودليل ذلك أن للكواكب السبعة حركات أسرع من حركات هذه.\rما يتمثل به في ذكر الكواكب يقال: أنأى من كوكب؛ أبعد من مناط النجم؛ أهدى من النجم .\rومن أنصاف الأبيات :\rوأين نزيل الأرض عند الكواكب؟ ... وأين الثريا من يد المتناول؟\rوالكوكب النحس يسقى الأرض أحيانا\rومن الأبيات قول أبي تمام عفا الله عنه:\rكالنجم إن سافرت كان مواكبا ... وإذا حططت الرحل كان جليسا.\rوقال أبو نواس:","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"أين النجوم الثابتا ... ت من الأهلة والبدور؟\rوقال آخر:\rوكنا في اجتماع كالثريا، ... فصرنا فرقة كبنات نعش!\rوقال آخر:\rكالفرقدين إذا تأمل ناظرٌ، ... لم يعل موضع فرقد من فرقد.\rوقال الوزير أبو الفتح البستى:\rوللنجم من بعد الرجوع استقامةٌ ... وللشمس من بعد الغروب طلوع.\rوقال جحظة:\rمثل الذي يرجو البلو ... غ إلى الكواكب وهو مقعد.\rوقال عمر بن أ بي ربيعة:\rأيها المنكح الثريا سهيلاً، ... عمرك الله! كيف يلتقيان؟\rهي شامية إذا ما استهلت، ... وسهيل إذا استهل يماني.\rوقال آخر:\rوكل أخ مفارقه أخوه، ... لعمر أبيك، إلا الفرقدان!\rذكر ما قيل في وصف الكواكب وتشبيهها من ذلك ما قاله ابن حجاج في المجرة:\rيا صاحبي استيقظا من رقدةٍ ... تزرى على عقل اللبيب الأكيس!\rهذى المجرة والنجوم كأنها ... نهر تدفق في حديقة نرجس!\rوقال آخر:\rوكان المجر جدول ماءٍ ... نور الأقحوان في جانبيه.\rوقال المهذب بن الزبير فيها:\rوترى المجرة والنجوم كأنها ... تسقى الرياض بجدولٍ ملآنِ.\rلو لم يكن نهراً، لما عامت به ... أبداً نجوم الحوت والسرطانِ.\rوقال أبو هلال العسكري:\rتبدو المجرة منجراً ذوائبها ... كالماء ينساح أو كالأيم ينسابُ\rوقال هشام بن إلياس في الجوزاء:\rفكأنما جوزاؤه في غربها ... بيضاء سابحةٌ ببركة زئبقِ.\rوكأنما أومت ثلاث أناملٍ ... منها تقول: إلى ثلاثٍ نلتقي!\rوقال آخر:\rوكأن الجوزاء لما استقلت ... وتدلت، سِرادقٌ ممدودُ.\rوقال العلوي فيها أيضاً:\rها إنها الجوزاءُ في أفقها ... واهيةٌ ناعسةٌ تُسحبُ.\rنطاقها واهٍ لدى أفقها ... ينسل منها كوكبٌ كوكبُ.\rوقال ابن وكيع فيها:\rقم فاسقني صافيةً ... تهتك جنح الغسقِ!\rأما ترى الصبح بدا ... في ثوب ليلٍ خلقِِ؟\rأما ترى جوزاءه ... كأنها في الأفق،\rمنطقةٌ من ذهبٍ ... فوق قباءٍ أزرقِ؟\rوقال كعب الغنوي:\rوقد مالت الجوزاء حتى كأنها ... فساطيط ركب بالفلاة نُزُولُ.\rوقال امرؤ القيس في الثريا:\rإذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصلِ.\rوقال ابن الطثرية:\rإذا ما الثريا في السماء كأنها ... جُمانٌ وهي من سلكه، فتبددا.\rوقال المبرد:\rإذا ما الثريا في السماء تعرضت ... يراها حِديدُ العينِ ستة أنجُم.\rعلى كبد الجرباء وهي كأنها ... جبيرة دُرٍّ ركبت فوق معصم.\rوقال عبد الله بن المعتز:\rفناولنيها، والثريا كأنها ... جنى نرجس حيا الندامى بها الساقي.\rوقال أيضاً\rكأن الثريا في أواخر ليلها ... تفتح نورٍ أو لجام مفضض.\rوقال السلامي، شاعر اليتيمة فيها:\rفسمونا، والفجر يضحك في الشر ... ق إلينا مبشراً بالصباح.\rوالثريا كراية أو لجام ... أو بنانٍ أو طائرٍ أو وشَاح،\rوكأن النجوم في يّدِ ساق ... يتهادى تهادى الأقداح.\rوقال ابن المعتز:\rولاحت لساريها الثريا كأنها ... على الأفق الغربي قرطٌ مسَلسَلُ.\rوقال أبونضلة:\rوتأملت الثريا ... في طُلوُعٍ ومغيب.\rفتخيرت لها التش ... بيه في المعنى المُصيب.\rوهي كأس في شروق ... وهي قرط في غرُوُب.\rوقال آخر:\rكأن الثريا هودج فوق ناقةٍ ... يسير بها حادٍ مع الليل مزعجُ،\rوقد لمعت بين النجوم كأنها ... قوارير فيها زئبقٌ يترجرج.\rوقال ابن سكرة الهاشمي:\rترى الثريا، والغرب يجذبها ... والبدر يهوى والفجر ينفجر.\rكف عروسٍ لاحت خواتمها ... أو عقد درٍّ في البحر ينتثر.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"وقال محمد بن حسن الحاتمي:\rوخلت الثريا كف عذراء طفلةٍ ... مختمةٍ بالدرّ منها الأناملُ.\rتخيلتها في الجو طرة جعبةٍ ... ملوكيةٍ لم تعتلقها جمائلُ.\rكأن نبالاً ستة من لآلِئ ... يوافي بها في قبة الأفق نابل.\rوقال أحمد بن إبراهيم الضبي، شاعر اليتيمة:\rخلت الثريا إذ بدت ... طالعةً في الحندس:\rمرسلةً من لؤلؤٍ ... أو باقةً من نَرجِس\rوقال أبو العلاء المعري في سهيل:\rوسهيل كوجنة الحب في اللو ... ن وقلب المحب في الخفقان.\rمستبداً كأنه الفارس المع ... لم يبدو معارض الفرسان.\rوقال عبد الله بن المعتز:\rوقد لاح للساري سهيلٌ كأنه ... على كل نجمٍ في السماء رقيبُ!\rوقال الشريف بن طباطبا:\rوسهيل كأنه قلب صب ... فاجأته بالخوف عين الرقيب.\rوقال أبو عبادة البحتري:\rكأن سهيلاً شخص ظمآن جانحٌ ... من الليل في نهرٍ من الماء يَكرَع.\rوقال ابن طباطبا:\rكأن سهيلاً، والنجوم أمامه ... يُعارِضُها، راعٍ أمام قطيع.\rوقال الشريف الرضي في الفرقدين:\rوهبت لضوء الفرقدين نواظري ... إلى أن بدا ضوءٌ من الفجر ساطعُ.\rكأنهما إلفان قال كلاهما ... لشخص أخيه: قل فإني سامعُ!\rوقال آخر:\rقلت للفرقدين والليل مرخٍ ... ستر ظلمائه على الآفاق:\rابقيا ما بقيتما سوف يرمى ... بين شخصيكما بسهم الفراق!\rوقال القاضي التنوخىّ:\rوأشقر الجو قد لاجت كواكبه ... فيه كدرٍّ على الياقوت منثور.\rوقال القاضي الفاضل، عبد الرحيم من رسالة: سرنا، وروضة السماء فيها من الزهر زَهرَ، ومن المجرة نهرَ؛ والليل كالبنفسج تخلله من النجوم أَقاَح، أو كالزنج شعله من الرمح جراح، والكواكب سائرات المواكب لا معرس لها دون الصباح؛ وسهيل كالظمآن تدلى إلى الأرض ليشرب، أو الكريم أنف من المُقام بدار الذل فتغرب، فكأنه قبَسَ تتلاعب به الرياح، أو زينة قدمها بين يدي الصباح؛ أو ناظر يُغضُّه الغيظ ويفتحه، أو معنىً يغمضه الحسن ثم يشرحه؛ أو صديقٌ لجماعة الكواكب مغاضب، أو رقيبٌ على المواكب مواكب؛ أو فارسٌ يحمي الأعقاب، أو داع به إليها وقد شردت عن الأصحاب.\rوالجوزاء كالسرادق المضروب، أو الهودج المنصوب؛ أو الشجرة المنورة، أو الحبر المصورّة. والثريا قد هم عُنقودها أن يتدلى، وجيش الليل قد هم أن يتولىّ.\rالقسم الثاني من الفن الأول\rوفيه أربع أبواب\rالآثار العلوية\rالباب الأول: من القسم الثاني من الفن الأول\rالسحاب والثلج\rسبب حدوثه والسحاب من الآثار العلوية.\rروى أبو الفرج بن الجوزي بإسناد يرفعه إلى عبيد ابن عمير أنه قال: يبعث الله ريحا فتَقم الأرض، ثم يبعث المُثيرة فتثير السحاب، وذلك أنها تحمل الماء فتمجه في السحاب، ثم يمريه فيدر كما تدر اللقحة.\rوقد روى في الأثران أن الرياح أربع: ريح تقم؛ وريح تُثير، فتجعله كسفا؛ وريح تؤلف، فتجعله ركاماً؛ وريح تُمطر.\rوروى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن الله تعالى يرسل الرياح فتثير سحابا، وينزل عليه المطر فتتمخض به الريح كما تمخض النتوج بولدها.\rوروى عن عكرمة رضي الله عنه أنه قال: ينزل الله الماء من السماء السابعة فتقع القطرة على السحاب مثل البعير، والسحاب للمطر كالغربال ينزل منه بقدر. ولولا ذلك لأفسد ما على الأرض.\rوقال الزمخشري في تفسيره: السحاب من السماء ينحدر، ومنها يأخذ ماءه لا كزعم من يزعم أنه يأخذ من البحر،ويؤيد ذلك قوله عز وجل \" وينزل من السماء من جبالٍ فيها من بَرَد \" .\rما قيل في ترتيب السحاب \" وأسمائه اللغوية وأصنافه \" قال أبو منصور، عبد الملك بن محمد الثعالبي في فقه اللغة، ينقله عن أئمتها: أول ما ينشأ السحاب، فهو نشء.\rفإذا انسحب في الهواء، فهو السحابُ.\rفإذا تغيرت وتغممت له السماء، فهو الغَمَام.\rفإذا كان غيم ينشأ في عُرض السماء فلا تبصره، وإنما تسمع رعده، فهو العَقْر.\rفإذا أطل وأظل السماء، فهو العارضُ.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"فإذا كان ذا رعد وبرق، فهو الَعرَّاصُ.\rفإذا كانت السحابة قطعا صغارا متدانياً بعضها مع بعض، فهي النَّمرةُ.\rفإذا كانت متفرقة، فهي القَزَعُ.\rفإذا كانت قطعا متراكمة، فهي الكِرفِئ \" واحدتها كِرْفئةَ \" .\rفإذا كانت قطعا كأنها قطع الجبال، فهي قلعٌ، وكنهورٌ \" واحدتها كنهورةٌ \" .\rفإذا كانت قطعا رقاقا، فهي الطخاريرُ \" واحدتها طخرورٌ \" فإذا كانت حولها قطع من السحاب، فهي مكللةٌ.\rفإذا كانت سوداء، فهي طخياءُ، ومتُطخِطخَة.\rفإذا رأيتها وحسبتها ماطرة، فهي مُخيلة.\rفإذا غلظ السحاب وركب بعضه بعضا، فهو المُكَفهِر.\rفإذا ارتفع ولم ينبسط، فهو النَّشاص.\rفإذا تقطع في أقطار السماء وتلبد بعضه فوق بعض، فهو القِردُ.\rفإذا ارتفع وحمل الماء وكثف وأطبق، فهو العَمَاء، والعَمَاية ، والطَّخاء، والطَّخاف، والطَّهاء.\rفإذا اعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء، فهو الحبيُّ.\rفإذا عنّ، فهو العنان.\rفإذا أظل الأرض فهو الدَّجن.\rفإذا اسود وتراكب، فهو المُحمومي.\rفإذا تعلق سحاب دون السحاب، فهو الرَّباَب.\rفإذا كان سحاب فوق سحاب، فهو الغفارةُ.\rفإذا تدلى ودنا من الأرض مثل هدب القطيفة، فهو الهيدبُ.\rفإذا كان ذا ماء كثير، فهو القنيف.\rفإذا كان أبيض، فهو المزن، والصَّبير.\rفإذا كان لرعده صوُت، فهو الهَزيم.\rفإذا أشد صوت رعده، فهو الأجشُّ.\rفإذا كان بارداً وليس فيه ماءٌ، فهو الصُّراد.\rفإذا كان ذا صوت شديد، فهو الصَّيّب.\rفإذا أهرق ماءه، فهو الجهام \" وقيل بل الجَهاَم الذي لا ماء فيه \" .\rما قيل في ترتيب المطر قال الثعالبي رحمه الله: أخف المطر وأضعفه الطل، ثم الرذاذ،ثم البغش والدث ومثله الرك، ثم الرهمة.\rويقال أيضاً: أوّله رشّ وطشّ، ثم طلُّ ورذاذ، ثم نضح ونضخ، وهو قطر بين قطرين، ثم هطل وتهتان، ثم وابل وجود.\rما قيل فيفعل السحاب والمطر يقال إذا أتت السماء بالمطر اليسير الخفيف: حفشت، وحشكت.\rفإذا استمر قطرها، قيل: هطلت، وهتنت.\rفإذا صبت الماء، قيل:همعت، وهضبت.\rفإذا ارتفع صوت وقعها، قيل: انهلت واستهلت.\rفإذا سال المطر بكثرة، قيل: انسكب، وانبعق.\rفإذا سال يركب بعضه بعضاً، قيل: اثعنجر، واثعنجج.\rفإذا دام أياماً لا يقلع، قيل: أثجم، وأغبط، وأدجن.\rفإذا أقلع، قيل أنجم، وأفصم، وأفصى.\rأسماء أمطار الأزمنة قالت العرب: أول ما يبدأ المطر في إقبال الشتاء، فاسمه الخريف، ثم يليه الوسمى، ثم الربيع، ثم الصيف، ثم الحميم.\rوقيل المطر الأول هو الوسمى، ثم يليه الولى، ثم الربيع، ثم الصيف، ثم الحميم.\rأسماء المطر اللغوية. قال الثعالبي: إذا أحيا الأرض بعد موتها فهو الحيا.\rفإذا جاء عقيب المحل أو عند الحاجة إليه، فهو الغيث.\rفإذا دام مع سكون، فهو الديمة. والضرب فوق ذلك قليلا، والهطل فوقه.\rفإذا زاد، فهو الهتلان، والهتان، والتهتان.\rفإذا كان القطر صغارا كأنه شذر، فهو القطقط.\rفإذا كانت مطرة ضعيفة، فهي الرهمة.\rفإذا كانت ليست بالكثيرة، فهي الغيبة، والحفشة، والحشكة.\rفإذا كانت ضعيفة يسيرة، فهي الذهاب، والهميمة.\rفإذا كان المطر مستمرا، فهو الودق.\rفإذا كان ضخم القطر شديد الوقع، فهو الوابل.\rفإذا انبعق بالماء، فهو البعاق.\rفإذا كان يروي كل شيءٍ، فهو الجود.\rفإذا كان عاماً، فهو الجدا.\rفإذا دام أياما لا يقلع، فهو العين.\rفإذا كان مسترسلاً سائلاً، فهو المرُثعن.\rفإذا كان كثير القطر، فهو الغدق.\rفإذا كان شديد الوقع كثير الصوب، فهو السحيفة.\rفإذا كان شديداً كثيراً، فهو العز، والعباب.\rفإذا جرف ما مر به، فهو السحيقة.\rفإذا قشرت وجه الأرض، فهي الساحية.\rفإذا أثرت في الأرض من شدة وقعها، فهي الحريصة.\rفإذا أصابت القطعة من الأرض وأخطأت الأخرى، فهي النفضة.\rفإذا جاءت المطرة لما يأتي بعدها، فهي الرصدة، والعهاد نحوٌ منها.\rفإذا أتى المطر بعد المطر، فهو الولى.\rفإذا رجع وتكرر، فهو الرجُع.\rفإذا تتابع، فهو اليعلولُ.\rفإذا جاءت المطرة دفعات، فهي الشآبيب.\rما يتمثل به في ذكر المطر","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"يقال: أبرد من غب المطر. أرق من دمع الغمام. أسرع من السيل إلى الحدور. أطغى من السيل. أغشم من السيل. أمضى من السيل. يذهب يوم الغيم ولا يشعر به. قد بلغ السيل الزبى. اضطره السيل إلى معطشه. أرينها نمره، أريكها مطره. سبق سيله مطره. قبل السحاب أصابني الوكف.\rومن أنصاف الأبيات\rهل يرتجى مطرٌ بغير سحاب ... وأول الغيث طل ثم ينسكبُ\rسحابة صيفٍ عن قريبٍ تقشع ... فدر كما در السحاب على الرعدِ\rأسرع السحب في المسير الجهام ... ومن يسد طريق العارض الهطل؟\rسحابٌ عداني فيضه وهو صيب ... يحسب الممطور أن كل مطر\rسال به السيل وما يدري بهِ\rومن الأبيات قول الطائي\rوكذا السحائب، قلما تدعو إلى ... معروفها الرواد ما لم تُبرِق.\rوقال البحتري عفى عنه:\rواعلم بأن الغيث ليس بنافعٍ ... ما لم يكن للناس في إبانِهِ.\rوقال أبو الطيب:\rليت الغمام الذي عندي صواعِقُهُ ... يزيلهنَّ إلى من عندهُ الديم!\rوقال كثير:\rكما أبرقت يوما عطاشاً غمامةٌ. ... فلما رجوها أقشعت وتجلت.\rوقال آخر:\rأنا في ذمة السحاب وأظما! ... إن هذا لوصمة في السحاب!\rوقال آخر:\rوالله ينشي سحاباً تطمئن به النف ... وس من قبل بل الأرض بالمطر.\rوصف السحاب والمطر قال أبو تمام الطائي:\rسحابة صادقة الأنواء ... تجر أهداباً على البطحاء.\rتجمع بين الضحك والبكاء: ... بدت بنارٍ وثنت بماءِ.\rوقال أبو عبادة البحتري عفا الله تعالى عنه:\rذات ارتجاس بحنين الرعد ... مجرورة الذيل صدوق الوعد،\rمسفوحة الدمع بغير وجد ... لها نسيمٌ كنسيم الورد،\rورنة مثل زئير الأسد ... ولمع برقٍ كسيوف الهند.\rجاءت بها ريح الصبا من نجد ... فانتثرت مثل انتثار العقد.\rوراحت الأرض بعيش رغد ... من وشي أنوار الثرى في برد.\rكأنما غدرانها في الوهد ... يلعبن ترحاباً بها بالرند.\rوقال أبو الحسن علي بن القاسم القاشاني من شعراء اليتيمة عفا عنه:\rإذا الغيوم أرجحن باسقها ... وحف أرجاءها بوارقها،\rوعبيت للثرى كتائبها ... وانتصبت وسطها عقائقها،\rوجلجل الرعد بينها فحكى ... خفق طبولٍ ألح خافقها،\rوابتسمت فرحةً لوامعها ... واختلفت عبرةً حمالقها،\rوقيل: طوبى لبلدةٍ نتجت ... بجو أكنافها بوارقها.\rأية نعماء لا تحل بها؟ ... وأي بأساء لا تفارقها؟\rوقال القاضي التنوخي:\rسحاب أتى كالأمن بعد تخوف ... له في الثرى فعل الشفاء بمندف.\rأكب على الآفاق إكباب مطرقٍ ... يفكر أو كالنادم المتلهف.\rومد جناحيه على الأرض جانحاً ... فراح عليها كالغراب المرفرف.\rغدا البر بحراً زخراً وانثنى الضحى ... بظلمته في ثوب ليلٍ مسجف.\rفعبس عن برقٍ به متبسمٍ ... عبوس بخيلٍ فيه تبسم معتف.\rتحاول منه الشمس في الجو مخرجاً ... كما حاول المغلوب تجريد مرهف.\rوقال ابن الرومي:\rسحائب قيست بالبلاد فألفيت ... غطاءً على أغوارها ونجودها.\rحدتها النعامى مقبلاتٍ فأقبلت ... تهادى رويداً سيلها كركودها.\rوقال أبو هلال العسكري:\rوبرقٍ سرى، والليل يمحى سواده ... فقلت: سوارٌ في معاصم أسمرا!\rوقد سد عرض الأفق غيم تخاله ... يزرُّ على الدنيا قميصاً معنبرا.\rتهادى على أيدي الحبائب والصبا ... كخرقٍ من الفتيان نازع مسكرا.\rتخال به مسكاً وبالقطر لؤلؤاً ... وبالروض ياقوتاً وبالوحل عنبرا.\rسواد غمام يبعث الماء أبيضاً ... وغرةٍ أرض تنبت الزهر أصفرا.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"أتتك به أنفاس ريح مريضةٍ ... كمفظعة رعناء تستاق عسكرا.\rفألقى على الغدران درعا مسرداً ... وأهدى إلى القيعان برداً محبرا.\rتخال الحيا في الجو درا منظماً ... وفي وجنات الروض درا منثرا.\rوأقبل نشر الأرض في نفس الصبا ... فبات به ثوب الهواء معطرا.\rإذا ما دعت فيه الرعود فأسمعت ... أجاب حداةً واستهل فأغزرا.\rويبكي إذا ما أضحك البرق سنهُ ... فيجعل نار البرق ماءً مفجرا.\rكأن به رؤد الشباب خريدةً ... قد اتخذت ثنى السحابة معجرا.\rفثغر يرينا من بعيد تبلجاً ... ودمعٌ يرينا من بعيدٍ تحدُّرا.\rوقال مؤيد الدين الطغرائي:\rساريةٌ ذات عبوسٍ برقها ... يضحك والأجفان منها تهمل.\rكحلةٍ دكناء في حاشية ... فيها طراز مذهب مسلسل.\rإذا دنت عشارها، صاح بها ... قاصف رعدٍ وحدتها الشمأل.\rوقال عبد الله بن المعتز:\rومزنة جاد من أجفانها المطر: ... فالروض منتظمٌ والقطر منتثر.\rترى مواقعة في الأرض لائحةً ... مثل الدراهم تبدو ثم تستر.\rوقال أيضاً:\rما ترى نعمة السماء على الأر ... ض وشكر الرياض للأمطار؟\rوكان الربيع يجلو عروساوكأنا من قطره في نثار؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!\rوقال ابن عوف الكاتب في إطباق الغيم وقربه:\rفي مزنة أطبقت فكادت ... تصافح الترب بالغمام.\rوقال آخر:\rتبسمت الريح، ريح الجنو ... ب فيها هوىً غالباً وادكار.\rوساقت سحاباً كمثل الجبال ... إذا البرق أومض فيه، أنارا.\rإذا الرعد جلجل في جانبي ... ه روى النبات وأروى الصحاري.\rتطالعنا الشمس من دونه ... طلاع فتاةٍ تخاف اشتهار ،\rتخاف الرقيب على نفسها ... وتحذر من زوجها أن يغارا.\rفتستر غرتها بالخما ... رطوراً، وطوراً تزيل الخمارا.\rفلما رآه هبوب الجنو ... ب وانهمر الماء فيه انهمارا،\rتبسمت الارض لما بكت ... عليها السماء دموعاً غزار؟؟؟؟؟؟؟؟؟!\rوقال الأسعد بن بليطة من شعراء الذخيرة:\rلو كنت شاهدنا عشية أمسنا، ... والمزن تبكينا بعيني مذنب،\rوالشمس قد مدت أديم شعاعها ... في الأرض تجنح غير أن لم تذهب،\rخلت الرذاذ برادة من فضة ... قد غربلت من فوق نطعٍ مذهب!\rوقال أبو عبد الله محمد بن الخياط من شعرائها:\rراحت تذكر بالنسيم الَّراحا ... وطفاء تكسر للجنوح جناحا.\rأخفى مسالكها الظلام فأوقدت ... من برقها، كي تهتدي، مصباحا.\rوكان صوت الرعد خلف سحابها ... حاد إذا ونت السحائب، صاحا.\rجادت على التلعات فاكتست الربا ... ملّلاً أقام لها الربيع وشاحا.\rوقال ابن برد الأصغر الأندلسي من شعرائها:\rومازلت أحسب فيه السحاب، ... ونار بوارقها تلتهب:\rبخاتي توضع في سيرها ... وقد قرعت بسياط الذهب.\rومما ورد في وصفها نثرا قال بعض الأندلسيين من رسالة:","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"ثم أرسل الله الرياح من كنائنها، وأخرجها من خزائنها؛ قجرت ذيولها، وأجرت خيولها؛ خافقة بنودها، متلاحقة جنودها؛ فاثارت الغمام، وقادته بغير زمام؛ وأنشأت بحرية من السحاب، ذات أتراب وأصحاب؛ كثيراً عددها، غزيرا مددها، فبشرت بالقطر كل شائم، وانذرت بالورد كل حائم، والريح تنثهّا، والبرق يحثهُّا، كأنه قضيب من ذهب، أو لسان من لهب؛ وللسحاب من ضوء البرق هاد، ومن صوت الرعد حاد؛ والريح توسع بلحمتها سداها، وتسرع في حياكتها يداها. فلما التحم فتقها، والتأم رتقها؛ وامتدت أشطانها، واتسعت أعطانها؛ وانفسحت أجنابها، وانسدلت أطنابها؛ وتهدل خملها، وتمخض حملها؛ ومدت على آفاق السماء نطاقها، وزرت على أعناق الجبال أطواقها، كأنها بناء على الجو مقبوب، أو طبقٌ على الأرض مكبوب؛ تمشي من الثقل هونا، وتستدعى من الريح عونا؛ ومخايلها تقوى، وعارضها أحوى. فلما أذن الله لها بالانحدار، وأنزل منه الودق بمقدار، أرسلت الريح خيوط القطر من رود السحائب، وأسبلتها إسبال الذوائب، فدرت من خلف مصرور، ونثرت طلها نثر الدرور. ثم انخرق جيبها وانبثق سيبها؛ وصار الخيط حبلاً،والطل وبلا. فالسحاب يتعلق، والبرق يتألق، والرعد يرتجس، والقطر ينبجس، والنقط تترامى طباقاً، وتتبارى اتساقا، فيردف السابق المصلي، ويتصل التابع بالمولى، كما يقع من المنخل البر، وينتثر من النظام الدر، فجيوب السماء تسقطه، وأكف الغدران تلقطه؛ والأرض قد فتحت أفواها، وجرعت أمواها، حتى أخذت ريها من المطر، وبلغت منه غاية الوطر، خفى من الرعد تسبيحه، وطفئت من البرق مصابيحه، وحسرت الماء نقابها، وولت المطر أعقابها؛ وحكت في ردها طلق السابق، وهرب الآبق.\rومن رسالة لمحمد بن شرف القيرواني: برئ عليل البرى، وأثرى فقير الثرى، وتاريخ ذلك انصرام ناجر، وقد بلغت القلوب الحناجر، محمارةٌ أحمرت لها خضرة السماء، واغبرت مرآة الماء، حتى انهل طالع وسمي، وتلاه تابع ولى، دنا فأسف، ووكف فما كفّ. فما فتئ مسكوباً قطره، محجوباً شمسه وبدره، وجليب عروس الشمس، معتذرة عن مغيبها بالأمس، فعندها مزق عن الدقعاء صحيح إهابها، واختزن در البر في أصداف ترابها. فما مرت أيام إلا والقيعان مسندسه، والآكام مطوسه.\rومن رسالة لأبي القاسم، محمد بن عبد الله بن أبي الجد في وصف مطر بعد قحط: قال: لله تعالى في عباده أسرار، لا تدركها الأفكار، وأحكام، لا تنالها الأوهام. تختلف والعدل متفق، وتفترق والفضل مجتمع متسق. ففي منحها نفائس المأمول، وفي محنها مداوس العقول. وفي أثناء فوائدها حدائق الإنعام رائقه، وبين أرجاء سرائرها بوارق الإعذار والإنذار خافقه. وربما تفتحت كمائم النوائب، عن زهرات المواهب. وانسكبت غمائم الرزايا، بنفحات العطايا. وصدع ليل اليأس صبح الرجاء، وخلع عامل البأس وإلى الرخاء. ذلك تقدير اللطيف الخبير، وتدبير العزيز القدير!","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"ولما ساءت بتثبط الغيث الظنون، وانقبض من تبسط الشك اليقين، واسترابت حياض الوهاد، بعهود العهاد، وتأهبت رياض النجاد، لبرود الحداد، واكتحلت أجفان الأزهار، بإثمد النقع المثار، وتعطلت أجياد الأنوار، من حلى الديمة المدرار، أرسل الله بين يدي رحمته ريحا بليلة الجناح، مخيلة النجاح، سريعة الإلقاح، فنظمت عقود السحاب، نظم السخاب، وأحكمت برود الغمام، رائقة الأعلام. وحين ضربت تلك المخيلة في الأفق قبابها، ومدت على الأرض أطنابها، لم تلبث أن انهتك رواقها، وانبتك وشيكاً نطاقها، وانبرت مدامعها تبكي بأجفان المشتاق، غداة الفراق، وتحكي بنان الكرام، عند أريحية المدام، فاستغربت الرياض ضحكا ببكائها، واهتز رفات النبات طربا لتغريد مكائها، واكتسب ظهور الأرض من بيض إنائها، خضر ملائها. فكأن صنعاء قد نشرت على بسيطها بساطا مفوًّفا، وأهدت إليها من زخارف بزها ومطارف وشيها ألطافا وتحفا. وخيل للعيون أن زواهر النجوم، قد طلعت من مواقع التخوم، ومباسم الحسان، قد وصلت بافتزاز الغيظان. فيا برد موقعها على القلوب والأكباد! ويا خلوص ريها إلى غلل النفوس الصّواد! كأنما استعارت أنفاس الأحباب، أو ترشفت شنب الثنايا العذاب، أو تحملت ماء الوصال، إلى نار البلبال. أو سرت على أنداء الأسحار وريحان الآصال. لقد تبين للصنع الجليل، من خلال ديمها تنفس ونصول، وتمكن للشكر الجميل، ومن ظلال نعمها معرس ومقيل. فالحمد لله على ذلك ما انسكب قطر، وانصدع فجر؛ وتوقد قبس، وتردد نفس؛ وهو الكفيل تعالى بإتمام النعمى، وصلة أسباب الحياة والحيا بعزته! وقال الوزير أبو عمرو الباجي في مثل ذلك: إن لله تعالى قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعة للفضل؛ ونعم يبسطها إذا شاء إنعاماً وترفيها، ويقبضها متى أراد إلهاماً وتنبيهاً؛ ويجعلها لقوم صلاحا وخيراً، ولآخرين فساداً وطيرا. \" وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد \" .\rوإنه كان من امتساك السقيا، وتوقف الحيا؛ ما ريع به الأمن واستطير له الساكن؛ ورجفت الأكباد فزعاً، وذهلت الألباب جزعاً؛ وأذكت ذكاء حرها، ومنعت السماء ردها؛ وكتست الأرض غبرة بعد خضرة، ولبست شحوبا بعد نضرة؛ وكادت برود الرياض تطوى، ومدود نعم الله تزوى، ثم نشر الله تعالى رحمته، وبسط نعمته، وأتاح منته، وأزاح محنته. فبعث الرياح لواقح، وأرسل الغمام سوافح؛ بماء يتدفق، ورواء غدق، من سماء طبق. استهل جفنها فدمع، وسمح دمعها فهمع، وصاب وبلها فنقع. فاستوفت الأرض رياً، واستكملت من نباتها أثاثاً وريا؛ فزينت الأرض مشهورة، وحلة الزهر منشورة، ومنه الرب موفوره، والقلوب ناعمة بعد بؤسها، والوجوه ضاحكة أثر عبوسها؛ وأثار الجزع ممحوه، وسور الشكر متلوه؛ ونحن نستزيد الواهب نعمة التوفيق ونستهديه في قضاء الحقوق إلى سواء الطريق؛ ونستعيذ به من المنة أن تعود فتنه، والمنحة أن تصير محنه! والحمد لله رب العالمين! مما وصف به الثلج والبرد قال أبو الفتح كشاجم:\rالثلج يسقط أم لجين يسبك، ... أم ذا حصى الكافور ظلَّ يفرك؟\rراحت به الأرض الفضاء كأنها ... في كل ناحيةٍ بثغر تضحك!\rشابت ذوائبها فبين ضحكها ... طرباً وعهدي بالمشيب ينسك!\rوتردت الأشجار منه ملاءةً ... عما قليلٍ بالرياح تهتك!\rوقال أيضاً\rثلجٌ وشمسٌ وصوب غاديةٍ ... فالأرض من كل جانب غُرَّه!\rباتت وقيعانها زبر جدةٌ. ... فأصبحت قد تحولت دره!\rكأنها والثلوج تضحكها ... تعار ممن أحبه ثغره!\rشابت فسرت بذاك وابتهجت ... وكان عهدي بالشيب يستكره!\rوقال الصاحب بن عباد:\rأقبل الثلج في غلائل نورٍ ... تتهادى بلؤلؤ منثور!\rفكأن السماء صاهرت الأر ... ض فصار النثار من كافور!\rوقال النميري:\rأهدى لنا بردا يلوح كأنه ... في الجو حَبَّ لآلئٍ لم يثقب،\rأو ثغر حواء اللثات تبسمت ... عن واضح مثل الأقاحي أشنب!\rالباب الثاني:\rمن القسم الثاني من الفن الأول\rالنيازك، والصواعق\rوالرعد، والبرق، وقوس قزح","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"(ا)فأما النيازك فهو ما يرى من الذوائب المتصلة بالشهب والكواكب.\rروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لجماعة من الأنصار: ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به؟ قالوا: يا رسول الله، كنا نقول إذا رأيناها يرمى بها: مات ملك، ولد مولود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك كذلك، ولكن الله تعالى كان إذا قضي في خلقه أمر اسمعه الملائكة فيسبحون، فيسبح من تحتهم لتسبيحهم، فيسبح من تحت أولئك حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيسبحون، ثم يقولون ألا تسألون من فوقكم مم يسبحون؛ فيقولون قضى الله في خلقه كذا وكذا، للأمر الذي كان. فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيتحدثون به، فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاف. ثم يأتون به الكهان، فيصيبون بعضا، ويخطئون بعضا. ثم أن الله تعالى حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها فانقطعت الكهانة، فلا كهانة اليوم.\rوالشهب التي يقذف بها الشياطين غير النجوم الثوابت التي منها البروج والمنازل لقول الله تعالى \" ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين \" .\rوقال بعض الشعراء:\rوكوكبٍ نظر العفريت مسترقاً ... للسمع فانقض يذكى أثره لهبه\rكفارس حل من تيهٍ عمامته ... وجرَّها كلها من خلفه عذبه\rوكتب ابن الحرون إلى صديق له، وقد كثر انقضاض الكواكب، وذلك في أيام المتوكل على الله: أما بعد. فإن الفلك قد تفرى عن شهبٍ ثواقب، كنيران الحباحب، متقدة كشرر الزنود، وشعل زبر الحديد، مازجها عرض حمرة البهرمان، وصفرة العقيان. فهي كأرسال جرادٍ منتشر، وهشيم ذرته ريح صرصر، في سرعة الكف، ووحي لحظ الطرف.\r(ب)وأما الصواعق، فهي ما قاله الزمخشري في تفسيره: الصاعقة قصفة في رعد ينقض معها شقة من نار.\rوقالوا: إنها تنقدح من السحاب إذا أصطكت أجرامه. وهي نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء لا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود. على أنها متى سقطت على نخلة أحرقت عاليها .\rوقال صاحب كتاب مناهج الفكر ومباهج العبر في كتابه: ومن عجيب شأنها أنها تحرق ما في الكيس، ولا تحرق الكيس؛ وإن احترق فإنما يحترق باحتراق ما ذاب فيه سال. قال: وهي إذا سقطت على جبل أو حجر كلسته ونفذته، وإذا سقطت في بحر غاصت فيه وأحرقت ما لاقت من جوانبه. وربما عرض لها عند انطفائها في الأرض برد ويبس، فتكون منها إجرام حجرية أو حديدية، أو نحاسية. وريما طبعت الحديد سيوفاً لا يقوم لها شيء.\r(ج)وأما الرعد وما قيل فيه. قال الله تبارك وتعالى: \" ويسبح الرعد بحمده \" . قال المفسرون: الرعد ملك موكل بالسحاب، معه كر من حديد، يسوقه من بلد إلى بلد كما يسوق الراعي إبله. فكلما خالف سحاب، صاح به فزجره فالذي يسمع هو صوت الملك.\rوقال الزمخشري من تفسيره: الرعد الذي يسمع من السحاب، كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتفض إذا حدتها الريح فتصوت عند ذلك.\rوأما صوت الرعد، تقول العرب: رعدت السماء.\rفإذا ازداد صوتها، قيل: ارتجست.\rفإذا زاد، قيل: أرزمت، وقعقعت.\rفإذا بلغت النهاية، قيل: جلجلت، وهدهدت.\rالمثل رب صلف تحت الراعدة . \" للبخيل المتكبر \" .\r(د)وأما البرق وما قيل فيه، فقد ذهب المفسرون لقول الله تعالى إلى إنه ضرب الملك الذي هو الرعد للسحاب بمخراق من حديد. وروي عن مجاهد: إن الله عز وجل وكل بالسحاب ملكا. فالرعد قعقعة صوته، والبرق سوطه.\rوأما ترتيبه في لمعانه تقول العرب إذا برق كأنه يتبسم، وذلك بقدر ما يريك سواد الغيم من بياضه: انكل انكلالاً.\rفإذا بدا من السماء برقٌ يسير، قيل: أوشمت السماء. ومنه قيل:أوشمت النبت إذا أبصرت أوله.\rفإذا برق برقا ضعيفا، قيل: خفا.\rفإذا لمع لمعاً خفيفا، قيل: لمح، وأومض.\rفإذا تشقق، قيل: أنعق انعقاقَّا.\rفإذا ملأ السماء وتكشف واضطرب، قيل: تبوج.\rفإذا كثر وتتابع، قيل: ارتعج.\rفإذا لمع وأطمع ثم عدل، قيل له: خلبٌ.\rالمثل: ليس في البرق اللامع مستمتعٌ.\rوصف الرعد والبرق قال أبو هلال العسكري، عفا الله عنه:\rوالرعد في أرجائه مترنم ... والبرق في حافاته متلهب.\rكالبلق ترمح، والصوارم تنتضى ... والجو يبتسم، والأنامل تحسب\rوقال آخر:","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"إذا ونت السحب الثقال وحثها ... من الرعد حاد ليس يبصر أكمهُ،\rأحاديثه مستهولاتٌ وصوته ... إذا انخفضت أصواتهن مقهقه،\rإذا صاح في آثارهن حسبته ... يجاور به من خلفه صاحبٌ له\rوقال ابن الدقاق الأندلسي:\rأرى بارقا بالأبلق الفرد يومض ... يذهب أكناف الدجى ويقضض.\rكأن سليمى من أعاليه أشرفت ... تمد لنا كفا خضيبا وتقبض.\rوقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسي:\rويوم جرى برقه أشقرا ... يطارد من مزنه أشهبا:\rترى الأرض فيه وقد فضضت ... ووجه السماء وقد ذهبا!\rوقال أحمد بن عبد العزيز القرطبي، شاعر الذخيرة:\rولما تجلى الليل والبرق لامعٌ ... كما سل زنجي حساماً من التبّر.\rوبت سمير النجم وهو كأنه ... على معصم الدنيا جبائر من در.\rوقال محمد بن عاصم، شاعر الخريدة عفا الله عنه:د\rأضاء بوادي الأثل والليل مظلم ... بريق كحد السيف ضرجه الدم.\rإذا البرقُ أجرى طرفه فصهيله ... إذا ما تفرى رعده المترنم.\rفشبهته إذ لاح في غسق الدجى ... بأسنان زنجي بدت تتبسم.\rوقال أيضاً:\rوالبرق يضحك كالحبيب وعنده ... رعدٌ يخشن كالرقيب مقالهُ!\rوقال آخر:\rأرقت لبرق غدا موهنا ... خفي كغمزك بالحاجب\rكأن تألقه في السماء ... يدا كاتب أو يد حاسب.\rوقال عبد الله بن المعتز، يشير إلى سحابة:\rرأيت فيها برقها منذ بدت ... كمثل طرف العين أو قلبٍ يحب.\rثم حدت بها الصبا حتى بدا ... فيها إلى البرق كأمثال الشّهب.\rتحسبه فيها إذا ما انصدعت ... أحشاؤها عنه شجاعاً يضطرب.\rوتارةً تبصره كأنه ... أبلق مال جله حين وثب.\rحتى إذا ما رفع اليوم الضّحى ... حسبته سلالاً من الذهب.\rقوله شجاعا مأخوذ من قول دعبل\rأرقت لبرقٍ آخر الليل منصب ... خفى كبطن الحية المتقلب.\rوقال أيضا:\rما زلت أكلأ برقاً في جوانبه ... كطرفة العين تخبر ثم تختطف.\rبرق تجاسر من حفان لاُمِعه ... يقض اللبانَةَ من قلبي وينَصَرفُ.\rوأما قوس قزح وما قيل فيه: قالوا: وإنما سمي لذلك لتلونه.\rوكان ابن عباس رضي الله عنهما يكره أن يسميه قوس قزح، ويسميه قوس الله، ويقول: قُزَحُ اسم الشيطان.\rوزعم القدماء في علة تلونه وتكونه، إنه إذا تكاثف جزء من الهواء بالبرد ثم أشرق عليه نور بعض الكواكب انصبغ ذلك الجزء، وانعطف منه الضوء إلى ما يليه من الهواء كالحمرة الصافية إذا طلعت عليه الشمس سطع نورها، وانعطف منه ألوان مختلفة إلى ما يقرب منها. وحمرته وصفرته من قبل الرطوبة واليبُس.\rقالوا: وقياس ذلك النار، فإنها إذا كانت من حطب رطب، كان لونها أحمر كدراً، فإن كانت من حطب يابس، كان لونها أصفر صافيا.\rوقال آخرون: القوس يحدث عن رطوبة الهواء وصقالته، حتى يمكن أن ترسم فيه دائرة الشمس كما ترسم الأشباح في المرايا، وتشتبك الأشعة بما يكون فيه البخار الرطب فيتولد، فيكون منها تلك الألوان. وإنما توجد دائرة على الناظر، لأن الشمس أبداً تكون في قفاها، ولذلك ترى في مقابلة الجهة التي تكون فيها الشمس، فترى في المغرب إذا كانت الشمس في المشرق، وترى في المشرق إذا كانت في المغرب. وزعم بعض القدماء إن أثر القوس غير حقيقي، وإنما هو تخييل لا وجود له في نفسه. وقال إن ادراكه على نحو إدراك صورة الإنسان في المرآة من غير أن تكون منطبعة على الحقيقة فيها ولا قائمة بها. وذلك بحسب غلظ الحس الباصر وهو لا يرى إلا أن يكون وراء السحاب الصقيل، إذا ذاك يكون كالمرآة مؤدياً للبصر على نحو تأدية البلور، إذا جعل وراء شيء غير مشف. ولا يكون ذلك عن السحاب الصقيل وحده، كما لا يكون عن البلور وحده، ولا عن غير المشف وحده. والله أعلم.\rوصف وتشبيه القوس قال أبو الفرج الوأواء، عفا الله تعالى عنه و :\rسقياً ليوم بدا قوس الغمام به ... والشمس طالعةٌ والبرق خلاسُ!","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"كأنه قوس رامٍ والبروق له ... رشق السهام وعين الشمس برجاس\rوقال سعيد بن حميد القيرواني، رحمة الله عليه:\rأما ترى القوس في الغمام وقد ... نمق فيه الهواء نورا؟\rحكى الطواويس وهي جاعلةٌ ... أذنابها للمياه أستارا.\rأخضر في أحمرٍ على يققٍ ... على وشاح السحاب قد دارا.\rكأنما المزن وهي راهبةٌ ... شدت على الأفق منه زنارا.\rوقال ظاهر الدين الحريري. شاعر الخريدة عفا الله عنه:\rألست ترى الجو مستعبراً ... يضاحكه برقه الخلب؟\rوقد بات من قزح قوسه ... بعيدا وتحسبه يقرب؟\rكطاقي عقيقٍ وفيروزج ... وبينهما آخر مذهبُ.\rوقال سيف الدولة بن حمدان، من أبيات:\rوقد نشرت أيدي الجنوب مطارفاً ... على الجود كنا والحواشي على الأرض.\rيطرزها قوس السحاب بأصفر ... على أحمر في أخضر وسط مبيض.\rكأذيال خودٍ أقبلت في غلائلٍ ... مصبغةٍ،والبعض أقصرُ من بعض.\rوقال عبد المحسن الصوري، عفا الله تعالى عنه:\rتأمل الجو ترى والياً ... قد ولى العهد على السحب!\rسار، وقوس الله تاج له، ... ركضا من الشرق إلى الضرب!\rالباب الثالث\rمن القسم الثاني من الفن الأول\rالهواء\rفي أسطقس الهواء روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: الريح من روح الله تعالى، تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب. فلا تسبوها، واسألوا الله خيرها؛ واستعيذوا بالله من شرها.\rأخرجه البيهقي في سننه.\rوروى أبو الفرج بن الجوزي بإسناده إن الريح تنقسم إلى قسمين: رحمة وعذاب؛ وينقسم كل قسم إلى أربع أقسام. ولكل قسم اسم، فأسماء أقسام قسم الرحمة: المبشرات، والنشر، والمرسلات، والرخاء. وأسماء أقسام قسم العذاب: العاصف، والقاصف، \" وهما في البحر \" ، والعقيم، والصرصر \" وهما في البر \" .\rوقد جاء القرءان بكل هذه الأسماء.\rما قيل في حد الهواء قال الشيخ الرئيس أبو على بن سينا في حدّه: الهواء حرم بسيط، طباعه أن يكون حاراً رطباً مشفا متحركاً إلى المكان الذي تحت كرة النار التي فوق كرة الأرض والماء.\rوقال إبقراط: إن تغير حالات الهواء هو الذي يغير حالات الناس مرة إلى الغضب، ومرة إلى السكون، وإلى الهم والسرور، وغير ذلك. وإذا استوت حالات الهواء، استوت حالات الناس وأخلاقهم.\rوقال: إن قوى النفوس تابعة لأمزجة الأبدان، وأمزجة الأبدان تابعة لتصرف الهواء، إذا برد مرة، وسخن مرة، خرج مرة الزرع نضيجا، ومرة غير نضيج، ومرة قليلا، ومرة كثيرا، ومرة حارا، ومرة باردا، فتتغير لذلك صورهم ومزاجاتهم. وإذا استوى واعتدل الهواء، خرج الزرع معتدلاً، فاعتدلت بذلك الصور والمزاجات. قال: والعلة في تشابه الترك، هو أنه لما استوى هواء بلادهم في البرد استوت صورهم وتشابهوا.\rوقال: إن الرياح تقلب الحيوان حالاً إلى حال، وتصرفه من حر إلى برد، ومن يبس إلى رطوبة، ومن سرور إلى خزن؛ وإنها تغير ما في البيوت من أصناف المأكل كالتمر، والعسل، والسمن، والشراب، فتسخنها مرة، وتبردها أخرى، وتصلبها مرة، وتيبسها مرة. وعلة ذلك أن الشمس والكواكب تغير الهواء بحركاتها؛ وإذا تغير الهواء، تغير بتغيره كل شيء.\rوقال: أن الجنوب إذا هبت، أذابت الهواء وبردته، وسخنت البخار والأنهار فكل شيء في رطوبة تغير لونه وحالاته. وهي ترخى الأبدان والعصب، وتورث الكسل، وتحث ثقلاً في الأسماع، وغشاوة في الأبصار. وأما الشمال فإنها تصلب الأبدان، وتصحح الأدمغة، وتحسن اللون، وتصفي الحواس، وتقوي الشهوة والحركة، غير أنها تهيج السعال، ووجع الصدر.\rوزعم بعض من تأخر في الإسلام من الحكماء: أن الجنوب إذا هبت بأرض العراق، تغير الورد، وتناثر الورق، وتشقق القنبيط، وسخن الماء، واسترخت الأبدان، وتكدر الهواء.\rوزعم آخرون من القدماء: إن الهواء جسم رقيق متى تموج من المشرق إلى المغرب سمي ريح الصبا.","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"قيل: سميت ريح الصبا، لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها. والصبوة الميل. وجاء في بعض الآثار: ما بعث نبي إلا والصبا معه، وهي الريح التي سخرت لسليمان عليه السلام غدوها شهرا، أي من أول النهار إلى الزوال، ورواحها شهر، أي من الزوال إلى المغرب. كان يغدو من تدمر من بلاد الشام فيقيل في إصطخر من بلاد فارس، ويبيت بكابل من بلاد الهند.\rوعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور.\rوإذا تموج من الجنوب إلى الشمال، سمي ريح الجنوب، وهي الريح التي أهلك الله عز وجل بها عاداً وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تهالى في الفن الخامس من كتابنا هذا.\rوإذا تموج من الشمال إلىالجنوب، سمي ريح الشمال.\rوهم يزعمون أن مبادئ الرياح شمالية أخذت إلى الجنوب، وغربية أخذت إلى المشرق للطف الهواء في هاتين الجهتين،.\rوالعرب تحب الصبا لرقتها، ولأنها تجيء بالسحاب. والمطر فيها والخصب، وهي عندهم اليمانية.\rأسماء الرياح اللغوية\rقال الثعالبي في فقه اللغة: إذا وقعت الريح بين ريحين، فهي النكباء.\rفإذا وقعت بين الجنوب والصبا، فهي الحربياء.\rفإذا هبت من جهات مختلفة، فهي المتناوحة.\rفإذا كانت لينة، فهي الريدانة.\rفإذا جاءت بنفس ضعيف وروح، فهي النسيم.\rفإذا كان لها حنين كحنين الإبل، فهي الحنون.\rفإذا ابتدأت بشدة، فهي العاصف، والسيهوج.\rفإذا كانت شديدة ولها زفزفة وهي الصوت، فهي الزفزافة.\rفإذا اشتدت حتى تقلع الخيام، فهي الهجوم.\rفإذا حركت الأغصان تحريكاً شديداً أو قلعت الأشجار، فهي الزعزاع، والزعزعان، والزعزع فإذا جاءت بالحصباء، فهي الحاصبة.\rفإذا درجت حتى ترى لها ذيلاً كالرسن في الرمل، فهي الدروج.\rفإذا كانت شديدة المرور، فهي النؤوج.\rفإذا كانت سريعة، فهي المجفل، والجافلة.\rفإذا هبت من الأرض كالعمود نحو السماء، فهي الإعصار.\rفإذا هبت بالغبرة، فهي الهبَوة.\rفإذا حملت المور وجرت الذيل، فهي الهوجاء.\rفإذا كانت باردة فهي الحرجف، والصرصر، والعرية.\rفإذا كان مع بردها ندىً، فهي البليل.\rفإذا كانت حارةً، فهي الحرور، والسموم.\rفإذا كانت حارة وأتت من قبل اليمن، فهي الهيف.\rفإذا كانت باردة شديدة تخرق البيوت، فهي الخريق.\rفإذا ضعفت وجرت فويق الأرض، فهي المسفسة.\rفإذا لم تلقح شجرا ولم تحمل مطرا، فهي العقيم. \" وقد نطق بها القرآن \" .\rالرياح بلفظ الجمع\rيقال: الرياح الحواشك: المختلفة الشديدة. البوارح: الشمال الحارة في الصيف. الأعاصير: التي تهيج بالغبار. المعصرات: التي تأتي بالأمطار. المبشرات: التي تهب بالسحاب والغيث السوافي: التي تسقى التراب\rما يتمثل به في ذكر الهواء\rيقال: أخف من النسيم. أسرع من الريح. ريحهما جنوب \" يضرب للمتصافيين \" . هو ساكن الريح \" إذا كان حليما \" . قد هبت ريحه \" إذا قامت دولته \" .\rومن أنصاف الأبيات.\rإن كنت ريحاً فقد لاقيتَ إعصارا ... وبعض القول يذَهبُ بالرياح\rتجري الرياح بما لا تشتهي السفن ... لو كنت ريحا كانت الدبورا\rومن الأبيات:\rإذا هبت رياحك ، فاغتنمها ... فإن لكل خافقةٍ سُكُونُ!\rوقال آخر:\rوكلَّ ريح لها هُبوُبُ ... يوما فلا بَّد من رُكُودِ.\rوقال آخر:\rوالريح ترجع عاصفا ... من بعد ما ابتدأت نسيما.\rوقال أبو تمام، عفا الله عنه:\rإن الرياح إذا ما أعصفت، قصفت ... عيدان نجدٍ ولم يعبأن بالرتم.\rوقال ابن الرومي، رحمة الله عليه:\rلا تطفئن جوىً بلومٍ إنه ... كالريح تغَرِى النار بالإحراق.\rوصف الهواء وتشبيهه\rقال عبد الله بن المعتز، رحمة الله عليه:\rونسيم يبشر الأرض بالقط ... ر كذيل الغلالة المبلول.\rووجوه البلاد تنتظر الغي ... ث انتظار المحب رَّد الرسول.\rوقال ابن الرومي:\rحيتك عنا الشمال طاف طائفها ... تحية، فجرت روحا وريحانا.\rهبت سحيرا فناجى الغصن صاحبه ... سرابها، وتنادى الطير إعلانا.\rورق تغنَّى على خضرٍ مهدّلة ... تسمو بها وتشم الأرض أحيانا.","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"يخال طائرها نشوان من طربٍ ... والغصن من هزه عطيفة نشوانا.\rوقال أيضا:\rكأن نسيمها أرج الخزامى ... ولاها بعد وسميَّ وليُّ.\rهدية شمال هبت بليل ... لأفنان الغصون بها نجي.\rإذا أنفاسها نسمت سحيرا ... تنفس كالشجي لها الخلي\rوقال آخر:\rوأنفاس كأنفاس الخزامى ... قبيل الصبح بلتها السماءُ.\rتنفس نشرها سحراً فجاءت ... به سحرية المسرى رخاء.\rوقال إسحاق الموصلي:\rيا حبذا ريح الجنوب إذا جرت ... في الصبح وهي ضعيفةُ الأنفاِس!\rقد حملت برَدَ الندى وتحملَّت ... عبقاً من الجثجاث والبسباس!\rوقال آخر:\rإذا خلا الجو من هواء، ... فعيشهم غمة وبوس.\rفهو حياة لكل حيٍّ، ... كأن أنفاسه نفوس.\rوقال ابن سعيد الأندلسي:\rالريح أقود ما يكون لأنها ... تبدي خفايا الردف والأعكان.\rوتميل الأغصان بعد علُّوها ... حتى تقبل أوجه الغدران.\rوكذلك العشاق يتخذونها ... رسلا إلى الأحباب والأوطان.\rوقال آخر:\rأيا جبلى نعمان بالله خليا ... سبيل الصبَّا يخلص إلى نسيمها.\rأجد بردها أو تشف مني حرارةً ... على كبدٍ لم يبق إلا صميمها.\rفإن الصبا ريح إذا ما تنفست ... على كبدٍ حراء، قلت همومها.\rوقال ابن هتيمل اليمني:\rهبت لنا سحراً، والصبح ملتثم، ... والليل قد غاب فيه الشيب والهرم.\rسقيمة من نبات الشرق أضعفها ... عن قوة السير، لما هبت، السقم.\rفبلغت بلسان الحال قائلةً ... ما لم يبلغه يوماً إلى فم،\rسرا لغاينه تسرى إلى به ... من النسيم رسول ليس يتهم.\rأصافح الريح إجلالاً لما حملت ... إلى من ريح برديها وأستلم.\rالباب الرابع:\rمن القسم الثاني من الفن الأول\rالنار\rفي أسطقس النار وأسمائها، وعبادها، وبيوت النيران حكى أصحاب التواريخ في حدوث النار أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض وحج، ونزل جبل أبي قبيس. فأنزل الله إليه مرختين من السماء، فحك إحداهما بالأخرى فأوريا نارا، فلهذا سمي الجبل بأبي قبيس.\rويدل على أن النار من الشجر، وقوله عز وجل: \" الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون \" .\rوالعرب تقول: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار. لأنهما أسرع اقتداحا.\rقال الله عز وجل: \" أفرأيتم النار التي توقدون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون \" .\rوقال أصحاب الكلام في الطبائع: إن الله عز وجل جمع من النار الحركة، والحرارة، واليبوسة، واللطافة، والنور. وهي تفعل بكل صورة من هذه الصور خلاف ما تفعل بالأخرى.\rفبالحركة تعلي الأجسام؛ وبالحرارة تسخن؛ وباليبوسة تجفف؛ وباللطافة تنفذ؛ وبالنور تضيء ما حولها.\rومنفعة النار تختص بالإنسان دون سائر الحيوان. فلا يحتاج إليها شيء سواه، وليس به عنها غني في حال من الأحوال.\rولهذا عظمتها المجوس، وقالوا: إذ أفردتنا بنفعها، فنفردها بتعظيمها. على أنهم يعظمون جميع ما فيه منعة على العباد، فلا يدفنون موتاهم في الأرض، ولا يستنجون في الأنهار.\rأسماء النار \" وأحوالها في معالجتها وترتيبها \" أما أسماؤها، فمنها: النار، والصلاء، والسكن، والضرمة، والحرق، والحمدة \" وهو صوت التهابها \" ، والحدمة، والجحيم، والسعير، والوحى.\rوأما تفصيلأحوالها ومعالجتها وترتيبها، فقد قال الثعالبي في فقه اللغة: إذا لم يخرج النار عن القدح، قيل: كبايكبو.\rفإذا صوت ولم يخرج، قيل: صلد يصد.\rفإذا أخرج النار، قيل: ورى يرى.\rفإذا ألقى الإنسان عليها ما يحفظها ويذكيها، تقول: شيعتها وأثقبتها.\rفإذا عالجها لتلهب، قال: حضأتها وأرثتها.\rفإذا جعل لها مذهباً تحت القدر، قال: سخوتها.\rفإذا زاد في إيقادها وإشعالها، قال: أحجبتها.\rفإذا اشتد تأججها، فهي جاحمة.\rفإذا طفئت البتة، فهي هامدة.\rفإذا صارت رماداً، فهي هابية.\rوالله تعالى أعلم.\rعباد النار","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"\" وسبب عبادتها وبيوت النيران \" أول من عبد النار قابيل بن آدم.\rوذلك أنه لما قتل أخاه هابيل هرب من أبيه إلى اليمن، فجاءه إبليس لعنه الله، وقال له: إنما قبل قربان هابيل وأكلته النار لأنه كان يخدمها ويعبدها. فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار. فهو أول من نصب النار وعبدها.\rوأول من عظمها من ملوك الفرس، جم. وهو أحد ملوك الفرس الأول، عظمه ودعل الناس إلى تعظيمها، وقال: إنها تشبه ضوء الشمس والكواكب، لأن النور عنده أفضل من الظلمة.\rثم عبدت النار بالعراق، وأرض فارس، وكرمان، وسجستان، وخراسان، وطبرستان، والجبال، وأذربيجان، وأران، وفي بلاد الهند، والسند، والصين.\rوبنى في جميع هذه الأماكن بيوت للنيران، نذكرها بعد إن شاء الله تعالى.\rثم انقطعت عبادة النيران من أكثر هذه الأماكن إلا الهند. فإنهم يعبدونها إلى يومنا هذا. وهم طئفة تدعى الإكنواطرية. زعموا أن النار أعظم العناصر جرما، وأوسعها حيزا، وأعلاها مكانا، وأشرفها جوهرا، وأنورها ضياء وإشراقا، وألطفها جسما وكيانا، وأن الاحتياج إليها أكثر من الاحتياج إلى سائر الطبائع؛ ولا نور في العالم إلا بها، ولا نمو ولا انعقاد إلا بممازجتها.\rوعبادتهم لها أن يحفروا أخدودا مربعا في الأرض ويحشوا النار فيه، وثم لا يدعون طعاماً لذيذاً، ولا شراباً لطيفاً، ولا ثوباً فاخراً، ولا عطراً فائحاً، ولا جوهراً نفيساً، إلا طرحوه فيها: تقرباً إليها، وتبركاً بها، وحرموا إلقاء النفوس فيها، وإحراق الأبدان بها، خلافاً لجماعة أخرى من زهاد الهند.\rوعلى هذا المذهب أكثر ملوك الهند وعظمائها. يعظمون النار لجوهرها تعظيماً بالغاً، ويقدمونها على الموجودات كلها.\rومنهم زهاد وعباد يجلسون حول النار صاغين، يسدون منافسهم حتى لا يصل إليها أنفاسهم نفس صدر عن صدر مجرم. وسنتهم الحث على الأخلاق الحسنة، والمنع من أضدادها، وهي الكذب، والحسد، والحقد، والكفاح، والحرص، والبغي، والبطر. فإذا تجرد الإنسان عنها، تقرب من النار.\rوأما بيوت النيران، ومن رسمها من ملوك الفرس قال المسعودي: أول ما حكى ذلك عنه أفريدون الملك. وذلك أنه وجد نارا يعظمها أهلها، و \" هم \" معتكفون على عبادتها. \" فسألهم عن خبرها ووجه الحكمة منهم في عبادتها. فأخبروه بأشياء اجتذبت نفسه إلى عبادتها \" وأنها واسطة بين الله تعالى وبين خلقه، وأنها من جنس الآلهة النورية، وأشياء ذكروها له. وجعلوا للنور مراتب وقوانين \" وفرقوا بين طبع النار والنور \" وزعموا أن الحيوان يجتذبه النور، فيحرق نفسه: كالفراش الطائر بالليل فما لطف جسمه، ويطرح نفسه في السراج فيحرقها. وغير ذلك مما يقع في صيد الليل من الغزلان، والوحش، والطير، وكظهور الحيتان في الماء إذا قربت من السراج في الزوارق كما يصاد السمك ببلاد البصرة في الليل، فإنهم يجعلون السرج حوالي المركب، فيثب السمك من الماء إليها؛ وان النور صلاح هذا العالم، وشرف النار على الظلمة إلى غير ذلك.\rفلما أخبروا أفريدون بذلك أمر أن تحمل جمرة منها إلى خراسان، فحملت. فاتخذ لها بيتا بطوس. \" واتخذ بيتا آخر بمدينة بخارا يقال له برد سورة \" . وبيتا آخر بسجستان كواكر، كان اتخذه بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن يهراسف.\rوبيت آخر ببلاد الشير والران، كانت فيه أصنام أخرجها منه أنوشروان، وقيل إنه صادف هذا البيت، وفيه نار معظمة فنقلها إلى الموضع المعروف بالبركة.\rوبيت آخر للنار يقال له كوسجة: بناه كيخسرو الملك.\rوقد كان بقومس بيت نار معظم لا يدرى من بناه، ويقال له حريش. ويقال أن الإسكندر لما غلب عليها. تركها ولم يطفئها.\rوبيت نار آخر يسمى كنكدز، بناه سياوش بن كاوس الجبار، وذلك في زمن لبثه بشرق الصين مما يلي البركة.\rوبيت نار بمدينة أرجان من ارض فارس، بناه قمار.\rوبيت بأرض فارس أتخذ في أيام يهراسف.","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"فهذه البيوت كانت زرادشت بعد ذلك بيوتا للنيران. فكان مما اتخذ بيت بمدينة نيسابور من بلاد خراسان، وبيت بمدينة نسا والبيضاء من أرض فارس. وقد كان زرادشت أمر يستاسف الملك بطلب نار كان يعظمها جم فطلبت، فوجدت بمدينة خوارزم. فنقلها يستاسف الملك إلى مدينة دار بجرد من أرض فارس والمجوس تعظم هذه النار مالا تعظم غيرها من النيران والبيوت وللفرس بيت نار بإصطخر فارس، يعظمه المجوس. كان في قديم الزمان للأصنام، فأخرجتها جمان بنت بهمن بن اسبنديار وجعلته بيت نار. ثم نقلت عنه النار فجرب وفي مدينة سابور من أرض فارس بيت معظم عندهم اتخذه دارا بن دارا. وفي مدينة جور من أرض فارس بيت بناه أردشير بن بابك وقد كان أردشير بني بيت نار يقال له بارنوا في اليوم الثاني من غلبته على فارس. وبيت نار على خليج القسطنطينية من بلاد الروم بناه سابور الجنود ابن أردشير بن بابك حين نزل على هذا الخليج وحاصر القسطنطينية. ولم يزل هذا البيتإلى خلافة المهدي. وكان سابور اشترط على الروم بقاء هذا البيت وبأرض العراق بين نار بالقرب من مدينة السلام. بنته بوران بنت كسرى ابرويز، الملكة، بالموضع المعروف بأسنيبا.\rوبيوت النيران كثيرة تعظمها المجوس. والذي ذكرناه هو المشهور منها.\rنيران العرب ونيران العرب أربعة عشر نارا.\rنار المزدلفة توقد حتى يراها من دفع من عرفة. وأول من أوقدها قصي بن كلاب.\rنار الاستسقاء كانت الجاهلية الأولى ، إذا تتابعت عليهم الأزمات، واشتد الجدب، واحتاجوا إلى الأمطار. يجمعون لها بقراً، في أذنابها وعراقيبها السلع والعشر، ويصعدون بها إلى جبل وعر، ويشعلون فيها النار، ويضجون بالدعاء والتضرع. وكانوا يرون ذلك من الأسباب المتوصل بها إلى نزول الغيث. وفي ذاك يقول الوديك الطائي:\rلا درَّ درُّ رجالٍ خاب سعيهم، ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر؟؟؟؟؟؟؟!\rأجاعل أنت بيقوراً مسلعة ... ذريعة لك بين الله والمطر؟\rوقال أمية بن أبي الصلت:\rويسوقون باقر السهل للطو ... د مهازيل خشية أن تبورا.\rعاقدين النيران في بكر الأذ ... ناب منها، لكي تهيج النحورا.\rسلع ما ومثله عشر ما ... عائل وما وعالت البيقورا.\rنار الزائر والمسافر ويسمونها نار الطرد. وذلك أنهم كانوا إذا لم يحبوا رجوع شخص، أوقدوا خلفه نارا ودعوا عليه. ويقولون في الدعاء. أبعد الله وأسحقه! وأوقدوا نار إثره. قال الشاعر:\rوجمة قوم قد أتوك ولم تكن ... لتوقد ناراً خلفها للتندم.\rوالجمة: الجماعة يمشون في الدم، وفي الصلح. ومعنى هذا البيت: لم تندم على ما أعطيت في الحمالة عند كلام الجماعة، فتوقد خلفهم نارا كي لا يعودوا.\rنار التحاليف كانوا لا يعقدون حلفهم إلا عليها، فيذكرون منافعها، ويدعون الله بالحرمان والمنع من منافعها على الذي ينقض العهد، ويطرحون فيها الكبريت والملح. فإذ فرقعت هول على الحالف. قال الكميت:\rهمو خوفوني بالعمى هوة الردى ... كما شب نار الحالفين المهول.\rوقال أوس بن حجر :\rإذا استقبلته الشمس، صد بوجهه ... كما صد عن نار المهول حالف.\rنار الغدر كانت العرب إذا غدر الرحل بجاره، أوقدوا له نارا بمنى، أيام الحج على الأخشب \" وهو الجبل المطل على منى \" . ثم صاحوا: هذه غدرة فلان. قالت امرأة من هاشم:\rفإن نهلك فلم نعرف عقوقا ... ولم توقد لنا بالغدر نار.\rنار السلامة وهي نار توقد للقادم من سفره، إذا قدم بالسلامة والغنيمة. قال الشاعر:\rيا سليمى أوقدي النارا ... إن من تهوين قد زارا.\rنار الحرب وتسمى نار الأهبة والإنذار. توقد على يفاعٍ، فتكون إعلاما لمن بعد. قال ابن الرومي:\rله ناران: نار قرى وحرب. ... ترى كلتيهما ذات التهاب.\rنار الصيد يوقدونها لصيد الظباء، لتعشى أبصارها.\rنار الأسد كانت العرب توقدها إذا خافوه؛ فإن الأسد إذا عاين النار حدق إليها وتأملها.\rنار السليم توقد للملدوغ، والمجروح، ومن عضه الكلب حتى لا يناموا فيشتد بهم الألم. قال النابغة:","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"يسهد من ليل التمام سليمها ... لحلى النساء في يديه قعاقع.\rوذلك لأنهم يعقلون عليه حلى النساء ويتركونه سبع أيام.\rنار الفداء وذلك أن ملوكهم كانوا إذا سبوا قبيلة وخرجت إليهم السادات في الفداء وفي الاستهياب، كرهوا أن يعرضوا النساء نهارا فيفتضحن. وأما في الظلمة فيخفى قدر ما يحسبون من الصفي لأنفسهم، وقدر ما يجودون به، وما يأخذون عليه الفداء. فيوقدون لذلك النار. قال الشاعر:\rنساء بني شيبان يوم أوارة ... على النار إذ تجلى له فتيانها.\rنار الوسم كانوا يقولون للرجل: ما نارك؟ \" في الاستخبار عن الإبل \" أو ما سمتك؟ \" فيقول \" : حياط، أو علاط، أو حلقة، أو كذا، أوكذا.\rحكي أن بعض اللصوص قرب إبلا كان قد أغار عليها وسلبها من قبائل شتى إلى بعض الأسواق، فقال له بعض: ما نراك؟ وإنما سأله عن ذلك، لأنهم كانوا يعرفون ميسم كل قوم وكرم إبلهم من لؤمها، فقال:\rتسألني الباعة: ما نجارها، ... إذ زعزعوها فسمت أبصارها؟\rوكل دار لأناس دارها! ... وكل نار العالمين نارها!\rنار القرى وهي من أعظم مفاخر العرب. كانوا يوقدونها في ليالي الشتاء، ويرفعونها لمن يلتمس القرى. فكلما كانت أضخم وموضعها أرفع، كان أفخر، وهم يتمادحون بها، قال الشاعر:\rله نار تشب بكل وادٍ ... إذا النيران ألبست القناعا.\rوقال إبراهيم بن هرمة:\rإذا ضل عنهم ضيفهم، رفعوا له ... من النار في الظلماء ألوية حمرا.\rوكانت للعرب نار عظمى تسمى نار الحرتين وهي التي أطفأها الله تعالى بخالد بن سنان العبسي. وكانت حرة ببلاد عبس، وتسمى حرة الحدثان.\rروي عن ابن الكلبي أنه قال: كان يخرج منها عنق فيسيح مسافة ثلاثة أو أربعة أميال، لا تمر بشيء إلا أحرقته. وأن خالد بن سنان أخذ من كل بطن من بني عبس رجلاً فخرج بهم نحوها، ومعه درة حتى انتهى إلى طرفها، وقد خرج منها عنق كأنها عنق بعير فأحاط بهم، فقالوا له: هلكت والله أشياخ بني عبس آخر الدهر! فقال خالد كلا! وجعل يضرب ذلك العنق بالدرة ويقول: بداً بداً، كل هدي الله يؤدى! أنا عبد الله خالد بن سنان! فما زال يضربه حتى رجع، وهو يتبعه والقوم معه كأنه ثعبان يتملك حجارة الحرة حتى انتهى إلى قليب، فانساب فيه وتقدم عليه، فمكث طويلاً. فقال ابن عم لخالد، يقال له عروة بن شب: لا أرى خالدا يخرج إليكم أبدا! فخرج ينطف عرقا، وهو يقول: زعم ابن راعية المعزى أني لا أخرج. فقيل لهم بنو راعية المعزى إلى الآن.\rوفي هذه النار يقول الشاعر:\rكنار الحرتين لها زفير ... تصم مسامع الرجل السميع.\rالنيران المجازية ومن النيران، نيران مجازية لا حقيقة. فمنها: نار البرق. وقد وصفها بعض الأعراب فقال:\rنار تجدد للعيدان نظرتها ... والنار تشعل عيدان فتحترق.\rإشارة إلى أن النار تحرق العيدان، إلا نار البرق فأنها تجيء بالغيث.\rنار المعدة. وهي التي تهضم الطعام. وهي كنار الحياة، ونار الغريزة. وقوتها مادة للصحة، كما أن ضعفها سبب للعلة.\rنار الحمى. وقد قيل: النيران ثلاثة: نار لا تأكل ولا تشرب، وهي نار الآخرة؛ ونار تأكل وتشرب، وهي نار الحمى،تأكل اللحم وتشرب الدم؛ ونار تأكل ولا تشرب، وهي نار الدنيا.\rومن النيران المجازية: نار الشوق، نار الشره، نار الشباب، نار الشراب.\rقال شاعر يمدح بعض الملوك:\rوقيت نار الجحيم يا ملك، ... أربع نيرانه له نسق!\rنار شباب تروق نظرتها، ... ونار راح كأنه شفق،\rونار سلطانه، تقارنها ... نار قرى لا تزال تأتلق،\rنيران يضرب المثل بها يضرب المثل: بنار الحباحب. وهي نار لبخيل كان يوقدها. فإذا استضاء بها إنسان، أطفأها. وقيل: إنها النار التي توريها الخيل بسنابكها من الحجارة. قال الله تعالى: \" فالموريات قدحا \" . وقال النابغة: ويوقدن بالصفاح نار الحباحب.\rوهذا المثل يضرب لما لا منفعة فيه ولا حاصل له.\rنار الغضى، يضرب بها المثل في الحرارة. وهي جمر أبيض لا يصلح إلا للوقود.\rنار العرفج. وهي نار تتقد سريعاً. قال قتيبة بن مسلم لعمرو بن عباد بن الحصين:","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"للسؤدد أسرع إليك من النار في يبس العرفج. إذا التهبت فيه النار انتشرت وتسمى نار الزحفتين، لأن العرفج إذا انتشرت فيه النار عظمت واستفاضت. فمن كان بالقرب منها زحف عنها، ثم لا تلبث أن تنطفئ من ساعتها. فيحتاج الذي زحف عنها أن يزحف إليها. فلا يزال المصطلى بها كذلك، فلذلك سميت نار الزحفتين.\rنار الحلفاء. يضرب بها المثل في سرعة الاتقاد، كما قيل:\rفما ظنك بالحلفا ... ء أدنيت له نارا.\rوفي سرعة الانطفاء، كما قيل: نار الحلفاء، سريعة الانطفاء.\rما جاء منها على لفظ أفعل يقال: آكل من النار؛ أحر من الجمرة؛ أحسن من النار؛ أسرع من شرارة في قصباء.ويقال: فلان واري الزناد؛ وريت بك زنادي؛ فلان ثاقب الزند؛ فلان كابي الزناد؛ صلدت زناده؛ فلام يصطلى بناره؛ هو القابس العجلان؛ هما زندان في وعاء.\rومن أنصاف الأبيات:\rوالنار قد يخمدها النافخ ... كملتمس إطفاء نار بنافخ\rوالجمر يوضع في الرماد فيخمد ... كذا كل نارروحت تتوهج\rهيهات تكتم في الظلام المشاعل\rومن الأبيات قول علي بن الجهم:\rوالنار في أحجارها مكنونة ... لا تصطلى إن لم تثرها الأزند\rوقال آخر:\rوالنار بالماء الذي هو ضدها ... تعطي النضاج، وطبعها الإحراق.\rوقال آخر:\rوالكاتم الأمر ليس يخفى ... كالموقد النار باليفاع.\rوقال آخر:\rلا تتبع كل دخان ترى ... فالنار قد توقد للكي.\rوقال أبو تمام:\rلولا اشتعال النار فيما جاورت، ... ما كان يعرف طيب عرف العود.\rوقال آخر:\rوفتيلة المصباح تحرق نفسها ... وتضيء للساري، وأنت كذاكا.\rوصف النار وتشبيهها قال عبد الله بن المعتز، غفر الله له:\rكأن الشرار على نارها ... وقد راق منظرها كل عين.\rسحالة تبر إذا ما علا ... فإما هوى ففتات اللجين.\rأخذه العسكري فقال:\rأوقدت بعد الهدو نارا ... لها على الطارقين عين.\rشرارها إن علا نضارٌ ... لكنه إن هوى لجين.\rوقال السري الرفاء:\rوالتهبت نارنا، فمنظرها ... يغنيك عن كل منظر عجب.\rإذا رمت بالشرار فاطردت ... على ذراها مطارد اللهب،\rرأيت ياقوتة مشبكة ... تطير عنها قراضة الذهب.\rوقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسي:\rحمراء نازعت الرياح رداءها ... وهناً وزاحمت السماء بمنكب.\rضربت سماء من دخان فوقها، ... لم تدر منها شعلة من كوكب.\rوتنفخت عن كل نفحة جمرة ... باتت لها ريح الشمال بمرقب.\rقد ألهبت فتذهبت فكأنها ... شقراء تمرح في عجاج أكهب.\rوقال أبو الفتح كشاجم:\rكأنما النار والرماد وقد ... كاد يوارى من نورها النورا:\rورد جني القطاف أحمر قد ... ذرت عليه الأكف كافورا.\rوقال تاج الملوك بن أيوب:\rأما ترى النار وهي تضرم في ... أحشاء كانونها وتلتهب؟\rكأنما الفحم فوقها قضب ... من عنبر وهي تحته ذهب.\rوقال أبو مروان بن أبي الخصال:\rلابنة الزند في الكوانين جمر ... كالدراري في دجى الظلماء.\rخبروني عنها و لا تكتموني، ... ألديها صناعة الكيمياء؟\rسبكت فحمها صفائح تبر ... رصعتها بالفضة البيضاء.\rكلما رفرف النسيم عليها ... رقصت في غلالة حمراء.\rهذا البيت مأخوذ من قول الخفاجي:\rوكأنها والريح عابثة بها ... تزهى فترقص في قميص أحمر.\rوقال أبو هلال العسمري:\rنار تلعب بالسقوف كأنها ... حلل مشققة على حبشان.\rردت عليها الريح فضل دخانها ... فأنت به سبجاً على عقيان.\rفالجو يضحك في ابيضاض شرائر ... منها ويعبس في اسوداد دخان.\rوقال ابن أبي الخصال:\rوعوجوا على ياقوتة ذهبية ... يهيم بها المقرور بالسبرات.\rإذا ما ارتمت من فحمها بشرارها ... رأيت نجوم الليل منكدرات.","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"وقال سيف الدولة بن حمدان:\rكأنما النار والرماد معا ... وضوءها في ظلامه يحجب:\rوجنة عذراء مسها خجل ... فاستترت تحت عنبر أشهب.\rوقال آخر:\rفحم كيوم الفراق تشعله ... نار كنار الفراق في الكبد.\rأسود قد صار تحت حمرتها ... مثل العيون اكتحلن بالرمد.\rوقال أبو طالب المأموني:\rما نرى النار كيف أسقمها الق ... ر فأضحت تخبو وطورا تسعر؟\rوغدا الجمر والرماد عليه ... في قميص مذهب ومعنبر؟\rوقال أبو فراس الحمداني:\rلله برد ما أش ... د ومنظر ما كان أعجب!\rجاء الغلام بناره ... هو جاء في فحم تلهب.\rفكأنما جمع الحلي ... فمحرق منه ومذهب.\rثم انطفت فكأنما ... ما بيننا ند معشب.\rالشمعة والشمعدان \" والسراج والقنديل \" أما الشمعة، فمن جيد ما قيل فيها قول الأرجاني:\rنمت بأسرار ليل كان يخفيها ... وأطلعت قلبها للناس من فيها.\rقلب لها لم يرعنا وهو مكتمن ... إلا برقية نار من تراقيها.\rسقيمة لم يزل طول اللسان لها ... في الحي يجني عليها ضرب هاديها.\rغريقة في دموع، وهي تحرقها ... أنفاسها بدوام من تلظيها.\rتنفست نفس المهجور إذ ذكرت ... عهد الخليط فبات الوجد يبكيها.\rيخشى عليها الردى مهما ألم بها ... نسيم ريح إذا وافى يحيها.\rبدت كالنجوم هوى في إثر عفرية ... في الأرض فاشتعلت منه نواصيها.\rنجم رأى الأرض أولى أن يبوأها ... من السماء، فأمسى طوع أهليها.\rكأنها غرة قد سال شادخها ... في وجه ذهماء يزهيها تجليها.\rأو ضرة خلقت للشمس حاسدة، ... فكلما حجبت، قامت تحاكيها.\rوحيدة كشباة الرمح هازمة ... عساكر الليل إن حلت بواديها.\rما طنبت قط في أرض مخيمة ... إلا وأقمر للأبصار داجيها.\rلها غرائم تبدو من محاسنها، ... إذا تفكرت يوماً في معانيها.\rكصعدة في حشا الظلماء طاعنة ... تسقي أسفلها ريا أعاليها.\rفالوجنة الورد إلا في تناولها ... والقامة الغصن إلا في تثنيها.\rصفراء هندية في اللون إن نعتت ... والقد واللين إن أتممت تشبيها.\rفالهند تقتل بالنيران أنفسها ... وعندها أن ذاك القتل يحييها.\rقد أثمرت وردة حمراء طالعة ... تجني على الكف إن أهويت تجنيها.\rورد تشاك به الأيدي إذا قطفت، ... وما على غصنها شواك يوقيها.\rما إن تزال تبيت الليل ساهرة ... وما بها غلة في الصدر تطفيها.\rصفر غلائلها، حمر عمائمها ... سود ذوائبها، بيض لياليها.\rتحيي الليالي نوراً، وهي تقتلها. ... بئس الجزاء لعمر الله تجزيها!\rقدت على ثوب قد تبطنها ... ولم يقدر عليها الثوب كاسيها.\rغراء فرعاء ما تنفك قالية ... تقص لمتها طوراً وتفليها.\rشباء شعثاء لا تكسي غدائرها ... لون الشبيبة إلا حين تبليها.\rقناة ظلماء لا تنفك يأكلها ... سنانها طول طعن أو يشظيها.\rمفتوحة العين تفنى ليلها سهراً؛ ... نعم، وإفناؤها إياه يفنيها.\rوربما نال من أطرافها مرض ... لم يشف منه بغير القطع مشفيها.\rوقال آخر:\rبيضاء أضحكت الظلام فراعها ... فبكت واسبلت الدموع بوادرا.\rجفت دموع جفونها فكأنما ... كسيت من الطلع النضيد ظفائرا.\rوقال أبو القاسم المطرز من الأبيات:\rوللشموع عيون كلما نظرت ... تظلمت من يديها أنجم الغسق.\rمن كل مرهفة الأعطاف كالغصن ... المياد لكنه عار من الورق.","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"إني لأعجب منها وهي وادعة ... تبلى وعيشتها من ضربة العنق!\rوقال آخر:\rجاءت بجسم كأنه ذهب ... تبكي وتشكي الهوى وتلتهب.\rكأنها في أكف حاملها ... رمح لجين سنانه ذهب.\rوقال محمد بن أبي الثبات، شاعر اليتيمة:\rومجدولة مثل صدر القناة ... تعرت وباطنها مكتسي.\rلها مقلة هي روح لها، ... وتاج على الرأس كالبرنس.\rإذا غازلتها الصبا حركت ... لسانا من الذهب الأملس.\rوتنتج من حيث ما ألقحت ... ضياء يجلي دجى الحندس.\rفنحن من النور في أسعد ... وتلك من النار في أنحس!\rوقال آخر:\rورشيقة بيضاء تطلع في الدجى ... صبحا وتشفى الناظرين بدائها.\rشابت ذوائبها أوان شبابها ... واسود مفرقها أوان فنائها.\rكالعين: في طبقاتها ودموعها ... وبياضها وسوادها وضيائها.\rوقال الصاحب بن عباد:\rوشمعة قدمت إلينا ... تجمع أوصاف كل صب:\rصفرة لون وذوب جسم ... وفيض دمع، وحر قلب.\rوقال السري الرفاء:\rمفتولةٌ مجدولةٌ ... تحكي لنا قد الأسل.\rكأنها عمر الفتى ... والنار فيها كالأجل.\rومما ورد في وصفها نثرا.\rمن رسالة لابن الأثير الجزري جاء منها: وكان بين يدي شمعة تعم مجلسي بالإيناس، وتغني بوجودها عن كثرة الجلاس، وكانت الريح تتلاعب بشعبها، وتدور على قطب لهبها؛ فطورا تقيمه فيصير أنمله، وطورا تميله فيصير سلسله؛ وتارة تجوفه فيصير مدهنه، وتارة تجعله ذا ورقات فيمثل سوسنه؛ وآونة تنشره فيبسط منديلا، وآونة تلقه على رأسها فيستدير إكليلا.\rومن رسالة أخرى له: وكانت الريح تتلاعب بلهبها لدى الخادم فتشكله أشكالاً، فتارة تبرزه نجما، وتارة تبرزه هلالا، ولربما سطع طورا كالجلنارة في تضاعيف أوراقها، وطورا كالأصابع في انضمامها وافتراقها.\rوقال سيف الدين المشد في الفانوس:\rوكأنما الفانوس في غسق الدجى ... دنف براه سقمه وسهاده.\rحنيت أضالعه ورق أديمه ... وجرت مدامعه وذاب فؤاده.\rومما قيل في السراج من رسالة لأبي عبد الله محمد بن أبي الخصال، جاء منها: عذرا إليك أيدك الله! فإني خططت والنوم مغازل، والقرنازل؛ والريح تلعب بالسراج، وتصول عليه صولة الحجاج؛ فطورا تبرزه سنانا، وتحركه لسانا؛ وآونه تطويه جنابه، وأخرى تنشره ذوائبه؛ وتارة تقيم إبرة لهب، وتعطفه برة ذهب؛ وحينا تقوسه حاجب فتات، ذات غمزات؛ وتسلطه على سليطه، وتديله على خليطه؛ وربما نصبته أذن جواد، ومسخته حدق جراد؛ ومشتقه حروف برق، بكف ودق؛ ولثمت بسناه قنديله، وألقت على أعطافه منديله؛ فلاحظ منه للعين، ولا هداية في الطرس لليدين.\rرسالة القنديل والشمعدان. من إنشاء الولى الفاضل البارع البليغ تاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني، سمعتها من لفظه، وقرأتها عليه، وأجاز لي روايتها عنه، وهي الموسومة بزهر الجنان، في المفاخرة بين القنديل والشمعدان.\rابتدأها بأن قال: الحمد لله الذي أنار حالك الظلماء، بأنوار بدر السماء؛ وحلي جيدها، بعقود النجوم، وحرس مشيدها، بسهام الرجوم؛ وجعلها عبرة للاستبصار، ونزهة للأبصار؛ غشاؤها لا زورد مكلل بنضار، أو أقاحي خميلة تفتحت فيها أزرار الأزهار؛ تهدى السارى بسواريها، وتزرى بالدررر أنوار دراريها؛ كرع في نهر مجرتها النسران، ورتع في مراعي رياضها الفرقدان.\rأحمده على نعمه التي لا يقوم بشكرها لسان، ولا يؤدي واجب حقها إنسان يجلب إلى الحامد أنواع الإحسان، ويسوق إلى الشاكر ركائب الخيرات الحسان.\rوأصلي وأسلم على سيدنا محمد الذي أنار الله بوجوده ظلمة الوجود، وأظهر بظهور أفعال الركوع والسجود؛ صلى الله عليه وسلم وعلى آله الوافين للعهود، وعلى أصحابه أهل الإفضال والجود، صلاة وسلام دائمين إلى اليوم الموعود!","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"وبعد فإن فنون الآداب كثيرة الشعوب، متباينة الأسلوب؛ طالما تلاعب الأديب بفنونها بين جد ومجون، وكيف لا والحديث ذو شجون. وكنت بحمد الله ممن هو قادر على إبراز ملح الأدب، وعلى إظهار لطائف لغة العرب؛ فتمثل في خاطري المفاخرة بين الشمعدان والقنديل، ولا بد من إبراز المفاخرة بينهما في أحسن تمثيل؛ لأنهما آلتا نور، ونديما سرور؛ طالما مزقا جلباب الدجى بأضوائهما، وحسما مادة الظلمة بأنوارهما؛ وطلعا في سماء المجالس بدورا، وأخجلا نور الرياض لما أصدر من جوهرهما نورا. سما كل واحد منهما إلى أنه الأصل،وأن بمدحه يحسن الفضل والوصل؛ وأنه الجوهرة اليتيمة، والبدرة التي ليست لها قيمة؛ سارت بمحاسنه ركائب الركبان، ونظمت في جيد مجده قلائد العقيان.\rفأحببت أن أنظمهما في ميدان المناظرة ليبرز كل واحد منهما خصائصه الواضحة، ويظهر نقائص صاحبه الفاضحة؛ وليتسم غارب الاستحقاق بالفضيلة، ويؤكد في تقرير فضائله الراجحة دليله؛ مع أنه لا تقبل الدعاوى إلا بالبرهان، ولعمري لقد قيل قدماً:\rمن تحلى بغير ما هو فيه ... فضحته شواهد الامتحان.\rفأتلع الشمعدان جيدة للمطاولة، وعرض سمهريه اللجيني للمناضلة،وقال: استنت الفصال حتى القرعى لست بنديم الملوك في المجالس، كلا ولا الروضة الغناء للمجالس! طالما أحدقت بي عساكر النظار، ووقفت في استحسان هياكلي رؤية الأبصار؛ وحملت على الرؤوس إذا علقت بآذانك، وجليت كجلاء المرهفات إذا اسود وجهك في دخانك.\rفنضنض لسان القنديل ونضنضة الصل، وارتفع ارتفاع البازي المطل. وقال: إن كان فخرك بمجالسة السلاطين، فافتخاري بمجالسة أهل الدين!، طالما طلعت في أفق المحراب نجما ازداد علا، وازدانت الأماكن المقدسة بشموس أنواري حلا؛ جمع شكلي مجموع العناصر، فعلى مثلي تعقد الخناصر؛ يحسبني الرائي جوهرة العقد الثمين، إذا رأى اصفرار لونك كصفرة الحزين؛ ولقد علوتك في المجالس زمانا، ومن صبر على حر المشقة ارتفع مكانا.\rفنظر إليه الشمعدان مغضبا، وهم بأن يكون عن جوابه منكبا. وقال: أين ثمنك من ثمني، ومسكنك من مسكني؟ صفائحي صفحات الإبريز، فلذا سموت عليك بالتبريز؛ تنزه العيون في حمائلي الذهبية، وتسر النفوس ببزوغ أنواري الشمسية؛ ولا يملكني إلا من أوطنته السعدة مهادها، وقربت له الرياسة جيادها؛ ولقد نفعت في الصحة والسقم، وازدادت قيمتي إذا نقصت في القيم؛ وإن انفصمت عراك فلا تشعب، ولا تعاد إلى سبك نار فتصب وتقلب؛ لست من فرسان مناظرتي، ولا من قرناء مفاخرتي.\rفالتفت القنديل التفات الضرغام، وفوق إلى قرينه سهام الملام. وقال: أنت عندي كثعاله، ولا محاله؛ طالك العنقود، فأبرزت أنواع الحقود؛ وأين الثريا من يد المتناول؟ أم أين السها من كف المتطاول؟ تالله إنك في صرفك بصفرك مغلوط! لقد خصصت بالعلو وخصصت بالهبوط. ترى باطني من ظاهري مشرقا، وتخالني لخزائن الأنوار مطلقا؛ فحديث سيادتي مسلسل، وتاج فضائلي بجوهر العلو مكلل.\rفلحظه الشمعدان بطرف طرفه، وأرسل في ميدان المناظرة عنان طرفه. وقال: إن افتخارك بالعلو غير مفيد، وميزة اختصاصك به ليس له أبهة مزيد؛ طالما على القتام وانحطت الفرسان، ومكث الجمر وسما الدخان؛ ولقد صيرتك كنظر المشنوق حاله، وكضوء السها ذباله؛ وأنت الخليق بما قيل: وقلب بلا لب، وأذن بلا سمع وسلاسلك تشعر بعقلك، وعلوك يبني على غلو إسقاط كمثلك؛ عادلت التبر كفة بكفه، ووزنته إذا كان فيه خفه؛ فأصخ لمفاخري الجليله، واستمع مناقبي الجميلة. أطارد جيوش الظلماء برمحي، وأمزق أثواب الديجور بصبحي؛ وجمع عاملي بين طلع النخل، وحلاوة النحل، يتلو سورة النور لساني، ويقوى في مصادمة عساكر الليل البهيم جناني؛ أسامر المليك خلوه، ويستجلى من محاسني أحسن جلوه.\rولله در القائل:\rانظر إلى شمعدان شكله عجب ... كروضة روضت أزهارها السحب.\rيطارد الليل رمح فيه ورق ... سنانه لهب من دونه الذهب.\rفمثل هذه المناقب تتلى، ومثل هذه المحاسن تظهر وتجلى.\rفأضرم نار تبيينه، في أحشاء قرينه. فعندها قال القنديل:","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"لقد أطلت الافتخار بمحاسن غيرك، لما وقفت في المناظرة ركائب سيرك؛ فاشكر اليد البيضاء من شمعك، واحرص على معرفة قيمتك ووضعك؛ وأما افتخارك بتلاوة سورة النور، فأنا أحق بها منك إذ محلي الجوامع، والفرقان فارق بيني وبينك مع أنه ليس بيننا جامع؛ ففضيلتي فيه بينه،وآية نورى في سورة النور مبينة؛ فاقطع مواد اللجاجة، واقرأ الآية المشتملة على الزجاجة؛ يظهر لك من هو الأعلى، ومن بالفتخار الأولى؛ تخالني درة علقت في الهواء، أو كوكبا من بعض كواكب الجوزاء.\rولله در القائل:\rقنديلنا فاق بأنواره ... نور رياض لم تزل مزهره.\rذبالة فيه إذا أوقدت ... حكت بحسن الوضع نيلوفره.\rلا يحمل الأقذاء خاطري، ولا يغتم مشاهدي وناظري؛ فأنا خلاصة السبك، والتبر الذي لا يفتقر إلى الحك؛ اشتقاق اسمك من النحوس، ومن جرمك تقام هياكل الفلوس؛ لقد عرضت نفسك للمنية، وانعكست عليك مواد الأمنية؛ مع أن الحق أوضح من لبة الصباح، وأسطع من ضوء المصباح؛ والآن غضصت بريقك، وخفيت لوامع بروقك؛ فهذه الشهباء والحلبة، وهذه ميادين المناظلة رحبه.\rفحار الشمعدان في الجواب، وجعل ما بداه أولاً فصل الخطاب.\rفقال القنديل: لا بد من الإقرار بأن قدح المعلى، وأن عليك بالتقديم الأولى؛ وأن مقامي العالي، ونوري المتوالي.\rفقال الشمعدان: لا منازعة فيما جاء به الكتاب من تفضيلك، وكونك الكوكب الدري الذي قصر عن بلوغك باع مثيلك.\rفجنح الشمعدان للسلم، وترفع عن استيطان مواطن الإثم؛ وشرع يبدي شعائر الخضوع، وينشر أعلام الأوبة عما قال والرجوع؛ قال: لولا حمية النفوس، ما تجملت بمفاخرنا صفحات الطروس؛ ولولا القال والقيل، ما ضمنا معرض التمثيل؛ ولكن أين صفاءك من كدري، وأين نظرك من نظري؛ خصك الله بنوره، وذكرك في فرقانه وزبوره.\rفعندها تهلك أسارير القنديل، وتبسم فرحاً بالتعظيم والتبجيل. وقال: حيث رجعنا إلى شرع الإنصاف، وإظهار محاسن الأوصاف؛ ففضلك لا يبارى، ووصفك لا يجارى؛ يحسبك الرائي خميلة نور تفتحت أزهارها، وحديقو نرجس أطردت أنهارها؛ تسر بك النفوس، وتدار على نضارتك الكؤوس؛ وإن اللائق بحالنا طي بساط المنافسة، وإخماد شرر المقابسة؛ واستغفار فيما فرض من كلامنا، والرجوع إلى الله في إصلاح أقوالنا وأفعالنا.\rونقول: الأصل فيما نقلناه عدمه، فقد حف كل واحد منا في إبراز معايبة قلمه. ونسأل الله أن تدوم لنا نعمه، ويتعاهدنا في المساء والصباح كرمه! بمنه وجوده وكرمه! آمين!\rالقسم الثالث من الفن الأول\rالليالي والأيام والشهور والأعوام\rفي الليالي والأيام والشهور والأعوام والفصول والمواسم والأعياد وفيه أربعة أبواب\rالباب الأول\rالليل والأيام\rفي الليالي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: خلق الله الخلق في ظلمة.\r\" وروي في عماء \" ثم رش عليهم من نوره.\rوهذا يدل على أن الظلمة خلقت قبل النور.\rوروي أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما سئل عن الليل، أكان قبل أو النهار؟ قال: أرأيتم حيث كانت السماوات والأرض رتفا، هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا أن الليل كان قبل النهار.\rوالذي ورد في القرآن من ذكر الليل والنهار، والظلمات والنور بدأ الله عز وجل بذكر الليل قبل النهار، وبالظلمات قيل النور.\rويروى أن الله عز وجل لما خلق السماء والأرض، وقع ظل السماء على الأرض فأظلمت، فجعل الشمس ضياء والقمر نورا.\rثم خلق الزمان وقسمه قسمين: ليلا، ونهارا. فجعل حصة الليل للقمر، وحصة النهار للشمس. فكانا يتعاقبان بالطلوع فيهما، فلم يكن بين الليل والنهار فرق في الإضاءة.\rفلما أراد الله عز وجل خلق النوع الإنساني - وعلم أنه لا غنى له عن حركته للمعاش نهاراً وسكونه للراحة ليلاً - أمر جبريل فأمر جناحه على القمر فمحا نوره. فالسواد الذي يرى في القمر هو أثر المحو، وصار الليل مظلماً والنهار مبصراً.","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"وروي أيضاً أن الله عز وجل خلق حجاباً من ظلمة مما يلي المشرق ووكل به مالكاً يقال له سراهيل. فإذا انقضت مدة النهار، فبض الملك قبضة من تلك الظلمة واستقبل بها المغرب، فلا تزال الظلمة تخرج من خلل أصابعه وهو يراعي الشفق. فإذا غاب الشفق، بست كفه فطبق الدنيا ظلمة. فإذا انقضت مدة الليل قبض كفه على الظلمة، إصبعاً بعد إصبع إلى أن يذهب الظلام، حتى تنتقل الشمس من الشرق إلى الغرب. وذلك من أشراق الساعة. والله أعلم!\rما قيل في الليل وأقسامه\rالليل طبيعي وشرعي.\rأما الطبيعي، فهو من حين غروب الشمس واستتارها إلى طلوعها وظهورها. وأما الشرعي، فهو من حين غروبها إلى طلوع الفجر الثاني، وهو المراد بقوله تعالى: \" حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر \" .\rوالليل ينقسم إلى اثنتي عشرة ساعة، لها أسماء وضعتها العرب، وهي: الشاهد، ثم الغسق، ثم العتمة، ثم الفحمة، ثم الموهن، ثم القطع، ثم الجوشن، ثم الكعبة، ثم التباشير، ثم الفجر الأول، ثم الفجر الثاني، ثم المتعرض.\rهذا ما ذكره ابن النحاس في وصف صناعة الكتاب.\rوحكى الثعالبي في فقه اللغة - عن حمزة الاصفهاني، قال: وعليه عهدته - أسماء غير هذه، وهي: الجهمة، والشفق، والغسق، والعتمة، والسدفة، والزلة، والزلفة، والبهرة ،والسحر، والفجر، والصبح، والصباح.\rفصل وقد عبر الليالي عن الأيام، كقول الله عز وجل: \" وواعدنا موسى ثلاثين ليلة \" ؛ وقوله تعالى: \" والفجر وليال عشر \" . فعبر عن الأيام بالليالي، لأن كل ليلة تتضمن يوماً.\rالليالي المشهورة\rمن الليالي المشهورة ليلة البراءة. وهي ليلة النصف من شعبان، قيل سميت بذلك لأنها براءة لمن يحيها؛ وليلة القدر. والصحيح أنها من مفردات العشر الأخير من شهر رمضان؛ وليلة الغدير. وهي ليلة الثامن عشرة من ذي الحجة.\rوليلة الهرير. وهي ليلة من ليالي صفين، قتل فيها خلق كثير من أصحاب معاوية رضي الله عنه؛ وليلة الخلعاء. وهي ليلة باتها أبو الطمحان القيني عند دبرانيه، فأكل طفيشلها بلحم الخنزير، وشرب خمرها، وزني بها، وسرق كساءها؛ وليلة النابغة. يضرب بها المثل في الخوف؛ وليلة المتوكل. تضرب مثلاً في موت نتج من سرور، لأنه قتل في مجلس أنسه، على ما نذكره في أخباره إن شاء الله تعالى.\rما يتمثل به في ذكر الليل\rيقال: أطغى من الليل. أطفل من نيل على النهار. أحير من الليل. أستر من الليل. أظلم من الليل. أندى من ليلة ماطرة.\rويقال: الليل أخفى للويل. الليل نهار الأريب. الليل طويل وأنت مقمر. والليل وأهضام الوادي. والليل أعور \" لأنه لا يبصر فيه \" .\rويقال: اتخذ الليل جملا. شمر ذيلا، وادرع ليلا. أمر نهار قضى بليل.\rومن أنصاف الأبيات:\rالليل حبلي ليس تدري ما تلد ... ما أقصر الليل على الراقد!\rما أشبه الليلة بالبارحة! ... وليل المحب بلا آخر\rإحدى لياليك فهيسي هيسي! ... فإنك كالليل الذي هو مدركي\rومن الأبيات:\rإن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان.\rوالليالي كما عهدت حبالى ... مقر بات يلدن كل عجيب.\rأما ترى الليل والنهارا ... جارين لا يبقيان جارا؟\rوقال حميد بن ثور:\rولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تمنيا!\rوقال أبو حية النميري:\rإذا ما تقاضى المرء يوم وليلة، ... تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا.\rوصف الليل وتشبيهه\rقد أكثر الشعراء في وصف الليل بالطول والقصر. وذكروا سبب الطول الهموم وسبب القصر السرور.\rولهذا أشار بعض الشعراء في قوله:\rإن الليالي للأنام مناهل ... تطوى وتنشر بينها الأعمار.\rفقصارهن مع الهموم طويلة، ... وطوالهن مع السرور قصار.\rوقال آخر:\rإن التواصل في أيامه قصر، ... كما التهاجر في أيامه طول.\rفليس يعرف تسهيداً ولا رمد ... جفن برؤية من يهواه مشغول.\rوقال ابن بسام:\rلا أظلم الليل ولا أدعي ... أن نجوم الليل ليست تغور.\rليل كما شاءت فإن لم تزر ... طال؛ وإن زارت، فليل قصير.","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"أصله من قول علي بن الخليل:\rلاأظلم الليل ولا أدعي ... أن نجوم الليل ليست تعول.\rليل كما شاءت قصير إذا ... جادت، وإن صدت، فليل طويل.\rوقال آخر:\rأخو الهوى يستطيل الليل من سهر، ... والليل في طوله جار على قدره.\rليل الهوى سنة في الهجر مدته؛ ... لكنه سنة في الوصل من قصر.\rوقال الوليد ين يزيد بن عبد الملك:\rلا أسأل الله تغيرا لما صنعت: ... نامت وقد أسهرت عيني عيناها.\rفالليل أطول شيء حين أفقدها ... والليل أقصر شيء حين ألقاها.\rما وصف به من الطول\rقال الخباز:\rوليل كواكبه لا تسير ... ولا هو منها يطيق البراحا.\rكيوم القيامة في طوله ... على من يراقب فيه الصباحا.\rوقال ابن المعتز:\rمالي أرى الليل مسبلاً شعراً ... عن غرة الصبح غير مفروق.\rوقال بشار:\rخليلي!ما بال الدجى لا يزحزح، ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضح؟\rأضل النهار المستنير طريقه؟ ... أم الدهر ليل كله ليس يبرح؟\rوقال الرفاء:\rألا رب ليل بت أرعى نجومه ... فلم أغتمض فيه ولا الليل أغمضا.\rكأن الثريا راحة تشبر الدجى ... لتعلم طال الليل لي أم تعرضا.\rعجبت لليل بين شرق ومغرب ... يقاس بشبر كيف يرجى له انقضا؟\rوقال محمد بن عاصم:\rأقول، والليل دجى مسبل ... والأنجم الزهر به مثل:\rيا طول ليل ما له آخر ... منك، وصبح ما له أول!\rوقال التنوخي:\rوليلة كأنها قرب أمل ... ظلامها كالدهر ما فيه خلل.\rكأنما الإصباح فيها باطل ... أزهقه الله بحق، فبطل.\rساعاتها أطول من يوم النوى ... وليلة الهجر وساعات العذل.\rمؤصدة على الورى أبوابها ... كالنار لا يخرج منها من دخل.\rوقال أبو محمد، عبد الله بن السيد البطليوسي:\rترى ليلنا شابت نواصيه كبرة ... كما شب، أو في الجوروض نهار؟\rكأن الليالي السبع في الأفق جمعت ... ولا فصل في ما بينها بنهار.\rوقال الشريف البياضي:\rأقول لصحبي والنجوم كأنها، ... وقد ركدت في بحر حندسها غرقى:\rأرى ثوب هذا الليل لا يعرف البلى! ... فهل أرين للصبح في ذيله فتقا؟\rوقال أيضاً:\rأقول وللدجى عمر مديد ... وآخره يرد إلى معاد.\rوقد ضلت كواكبه، فظلت ... حيارى ما لها في الأفق هادي:\rلعل الليل مات الصبح فيه، ... فلازم بعده لبس الحداد.\rوقال آخر:\rأما لظلام ليلي من صباح؟ ... أما للنجم فيه من براح؟\rكأن الأفق سد، فليس يرجى ... به نهج إلى كل النواحي.\rكأن الشمس قد مسخت نجوماً ... تسير مسير رواد طلاح.\rكأن الصبح مهجور طريد، ... كأن الليل مات صريع راح.\rكأن بنات نعش متن حزناً، ... كأن النسر مكسور الجناح.\rوقال آخر:\rيا ليلة طالت على عاشق ... منتظر للصبح ميعادا!\rكادت تكون الحول في طولها؛ ... إذا مضي أولها، عاد.\rوقال ابن الرومي:\rرب ليل كأنه الدهر طولاً ... قد تناهى فليس فيه مزيد.\rذا نجوم كأنهن نجوم الش ... يب ليست تزول، لكن تزيد.\rوقال أبو الأحنف:\rحدثوني عن النهار حديثاً ... أو صفوه فقد نسيت النهارا.\rوقال بشار:\rطال هذا الليل بل طال السهر! ... ولقد أعرف ليلة بالقصر.\rلم يطل حتى دهاني بالهوى ... ناعم الأطراف فتان النظر.\rفكأن الهجر شخص مائل ... كلما أبصره النوم نفر.\rوقال إبراهيم بن خفاجة الأنداسي:\rيا ليل وجد بنجد ... أما لطيفك مسرى؟\rوما لدمعي طليق ... وأنجم الجو أسرى؟\rوقد طما بحر ليل ... لم يعقب المد جزرا.","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"لا يعبر الطرف فيه ... غير المجرة جسراً.\rوقال أبو مروان ابن أبي الخصال:\rوليل كأن الدهر أفضى بعمره ... جميعاً إليه، فانتهى في ابتدائه.\rيحدث بعض القوم بعضاً بطوله، ... ولم يمض منه غير وقت عشائه.\rوقال إبراهيم ولد ابن لنكك البصري، شاعر اليتيمة:\rوليلة أرقني طولها ... فبتها في حيرة الذاهل.\rكأنما اشتقت لإفراطها ... في طولها من أمل الجاهل.\rوقال امرؤ القيس:\rوليل كموج البحر مرخٍ سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي.\rفقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف اعجازاً وناء بكلكل:\rألا أيها الليل الطويل، ألا أنجلي ... بصبح! وما الإصباح منك بأمثل!\rفيا لك من ليل كأن نجومه ... بأمراس كتان إلى صم جندل.\rوقال آخر:\rأراقب في السماء بنات نعش؛ ... ولو أستطيع، كنت لهن حادي.\rكأن الليل أوثق جانباه ... وأوسطه بأمراس شداد.\rوقال أخرم بن حميد:\rوليل طويل الجانبين قطعته ... على كمد، والدمع تجري سواكبه.\rكواكبه حسرى عليه كأنها ... مقيدة دون المسير كواكبه.\rوقال ابن الرقاع:\rوكأن ليلي حين تغرب شمسه ... بسواد آخر مثله موصول.\rأرعى النجوم. إذا تغيب كوكب، ... أبصرت آخر كالسراج يجول.\rوقال آخر:\rما لنجوم الليل لا تغرب؟ ... كأنها من خلفها تجذب!\rرواكد ما غار في غربها ... ولا بدا من شرقها كوكب.\rوقال سعيد ين حميد:\rيا ليل، بل يا أبد! ... أنائم عنك غد؟\rيا ليل لو تلقى الذي ... ألقى بها أو تجد،\rقصر من طولك أو ... ضعف منك الجلد!\rوقال سيف الدين المشد:\rمات الصباح بليل ... أحييته حين عسعس.\rلو كان في الدهر صبح ... يعيش، كان تنفس.\rما وصف به من القصر\rفمن ذلك قول إبراهيم بن العباس:\rوليلة إحدى الليالي الزهر، ... قابلت فيها بدرها ببدري.\rلم تك غير شفق وفجر، ... حتى تولت وهي بكر الدهر.\rوقال الشريف الرضي:\rيا ليلة كاد من تقاصرها ... يعثر فيها العشاء بالسحر.\rوقال آخر:\rيا ليلة جمعتنا بعد فرقتنا ... فبت من صبحها لما بدا، فرقا.\rلما خلوت بآمالي بها، قصرت ... وكاد يسبق فيها فجرها الغسقا.\rوقال آخر:\rيا رب ليل سرور خلته قصراً ... يعارض البرق في أفق الدجى برقا.\rقد كاد يعثر أولاه بآخره ... وكاد يسبق منه فجره الشفقا.\rوقال القاضي السعيد بن سناء الملك:\rيا ليلة الوصل، بل يا ليلة العمر! ... أحسنت، إلا إلى المشتاق، في القصر.\rيا ليت زيد بحكم الوصل فيك لنا ... ما طول الهجر من أيامك الأخر.\rأو ليت نجمك لم تقفل ركائبه، ... أو ليت صبحك لم يقدم من السفر.\rأو ليت لم يصف فيك الشرق من غبش، ... فذلك الصفو عندي غاية الكدر.\rأو ليت كل من الشرقين ما ابتسما، ... أو ليت كلاً من النسرين لم يطر،\rأو ليت كنت كما قد قال بعضهم: ... ليل الضرير فصبحي غير منتظر.\rأو ليت فجرك لم ينفر به رشئي، ... أو ليت شمسك ما جارت على قمري.\rأو ليت قلبي وطرفي تحت ملك يدي ... فزدت فيه سواد القلب والبصر.\rأو ليت ألقى حبيبي سحر مقلته ... على العشاء فأبقاه بلا سحر.\rأو ليت كنت سألتيه مساعدة ... فكان يحبوك بالتكحيل والشعر.\rكأنها حين ولت قمت أجذبها ... فانقد في الشرق منها الثوب من دبر.\rلا مرحبا بصباح جاءني بدلا ... من غرة النجم أو من طلعة القمر!\rوقال عبد الله بن المعتز:","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"يل ليلة ما كان أط ... يبها سوى قصر البقاء!\rأحييتها فأمتها ... وطويتها طي الرداء.\rحتى رأيت الشمس تت ... لو البدر في أفق السماء.\rفكأنه وكأنها ... قد حان من خمر وماء.\rوقال المهلبي:\rقد قصر الليل عند ألفتنا ... كأن حادي الصباح صاح به.\rوقال آخر:\rكأنما الليل راكب فرساً ... منهزماً والصباح في طلبه.\rما وصف به من الإشراق\rفمن ذلك قول شاعر أندلسي:\rرب ليل عمرته ... فيك خال من الفكر.\rكثرت حوله الحجو ... ل وسارت به الغرر.\rوقال أبو بكر الصنوبري:\rيا ليلة طلعت بأسعد طالع ... تاهت على ضوء النهار الساطع.\rبمحاسن مقرونة بمحاسن ... وبدائع موصولة ببدائع.\rضوء الشموع وضوء وجهك مازجاً ... ضوء العقار وضوء برق لامع.\rفكأنما ألقى الدجى جلبابه ... وأراك جلباب النهار الساطع\rما وصف به من الظلمة\rقال الله عز وجل: \" أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض \" . فهذه أتم أوصاف الظلمة.\rوقال مضرس بن ربعي:\rوليل يقول الناس في ظلماته: ... سواء صحيحات العيون وعورها\rكأن لنا منه بيوتاً حصينة ... مسوح أعاليها وساج كسورها\rوقال أبو تمام:\rإليك هتكنا جنح ليل كأنما ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد\rوقال أبو نواس:\rأبني لي: كيف صرت إلى حريمي، ... وجفن الليل مكتحل بقار\rوقال العلوي الأصفهاني:\rورب ليل باتت عساكره ... تحمل في الجو سود رايات\rلامعة فوقها أسنتها ... مثل الأزاهير وسط روضات\rومن رسالة لأبي عبد الله بن أبي الخصال. جاء منها: والليل زنجي الأديم، تبري النجوم؛ قد جللنا ساجه، وأغرقتنا أمواجه؛ فلا مجال للحظ، ولا تعارف إلا باللفظ؛ ولو نظرت فيه الزرقاء لاكتحلت، ولو خضبت به الشيبة ما نصلت.\rتباشير الصباح\rقال أبو محمد العلوي:\rكأن اخضرار الجو صرح ممرد ... وفيه لآل لم تشن بثقوب.\rكأن سواد الليل في ضوء صبحه ... سواد شباب في بياض مشيب.\rوقال أبو علي بن لؤلؤ، الكاتب:\rرب فجر كطلعة البدر جلى ... جنح ليل كطلعة الهجران،\rزار في حلة النراة فولى الليل عنه في حلة الغربان.\rوقال الخالديان:\rوكأنما الصبح المنير وقد بدا ... باز أطار من الظلام غرابا\rوقال النظام البلخي، من شعراء الخريدة:\rفلاح الصبح مبتسم الثنايا ... وطار الليل مقصوص الجناح.\rيطير غراب أو كاز الدياجي ... إذا ما حل بازي الصباح.\rوقال تميم بن المعز:\rوكأن الصباح في الأفق باز ... والدجى بين مخلبيه غراب.\rوقال ابن وكيع:\rغرد الطير فنبه من نعس. ... وأدر كأسك فالعيش خلس!\rسل سيف الفجر من غمد الدجى ... وتعرى الصبح من ثوب الغلس.\rوانجلى في حلة فضية ... ما بها من ظلمة الليل دنس.\rوقال أبو مروان بن أبي الخصال:\rلما رأيت الغرب قد غص بالدجى ... وفي الشرق من ثوب الصباح دلائل،\rتوهمت أن الغرب بحر أخوضه ... وأن الذي يبدو من الشرق ساحل.\rوقال أسعد بن بليطة الأندلسي:\rجرت بمسك الدجى كافورة السحر ... فغاب إلا بقايا منه في الطرر،\rصبح يفيض وجنح الليل منغمس ... فيه كما غرق الزنجي في نهر.\rقد حار بينهما في برزخ قمر ... يلوح كالشنف بين الخد والشعر.\rوقال أحمد بن عبد العزيز القرطبي:\rبتنا كأن حداد الليل شملتنا ... حتى بدا الصبح في ثوب سحولي.\rكأن ليلتنا والصبح يتبعها، ... زنجية هربت قدام رومي.\rوقال أبو نواس:\rفقمت والليل يجلوه الصباح، كما ... جلا التبسم عن غر الثنيات.\rوقال عبد الله بن المعتز:","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"قد أغتدي والليل في جلبابه ... كالحبشي فر من أصحابه.\rوالصبح قد كشر عن أنيابه ... كأنما يضحك من ذهابه.\rوقال السري:\rوشرد الصبح عنا الليل فاتضحت ... سطوره البيض في آياته السود.\rوقال أبو فراس:\rمددنا علينا الليل، والليل راضع ... إلى أن تردى رأسه بمشيب.\rبحال ترد الحاسدين بغيظهم ... وتطرف عنا عين كل رقيب.\rإلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... مبادى نصول في عذار خضيب.\rوقال عبد الصمد بن بابك، شاعر اليتيمة:\rواستهلت لمصرع الليل ورق ... ثاكلات،حدادها التطويق.\rفتضاحكت شامتا وكأن الصبح جيب على الدجى مشقوق.\rوقال أبو بكر الصنوبري:\rوليلة كالرفرف المعلم ... محفوظة الظلماء بالأنجم.\rتعلق الفجر بأرجائها، ... تعلق الأشقر بالادهم.\rوقال السلامي، شاعر اليتيمة:\rوقد خالط الفجر الظلام كما التقى ... على روضة خضراء ورد وأدهم.\rوعهدي بها، والليل ساق ووصلنا ... عقار، وفوها الكأس أو كأسها الفم.\rإلى بدرنا بالنجوم، وغربها، ... يفض عقود الدر والشرق ينظم.\rونبهت فتيان الصبوح للذة ... تلوح كدينار يغطيه درهم.\rومن رسالة للقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني، عفا الله عنه. حاء منها: فلما قضى الليل نحبه، وأرسل الصباح على دهمه شهبه؛ شمر الليل إزاره، ووضع النجم أوزاره؛ ونزح بالطيف طادرا، وظل وراء الصبح ناشدا؛ وفجر الفجر نهر النهار، واسترد البنفسج وأهدى البهار؛ فمواكب الكواكب منهزمة، وغرة الفجر كغرة مولاي مبتسمة.\rومما يدخل في هذا الباب، ما حكي عن أن بعض الأعراب تزوج بأربع نسوة، فأراد أن يختبر عقولهن.\rفقال إحداهن: إذا دنا الصبح فأيقظيني. فلما دنا الصبح، قالت له: قم، فقد دنا الصبح؟! فقال: وما يدريك؟ قالت: غارت صغار النجوم وبقي أحسنها وأضوؤها وأكبرها، وبرد الحلي على جسدي، واستلذذت باستنشاق النسيم. فقال لها: إن في ذلك دليلاً.\rثم بات عند الثانية، فقال لها مثل مقالته للأولى. فلما دنا الصبح، أيقظته. فقال لها: وما يدريك؟ قالت: ضحكت السماء من جوانبها، ولم تبق نابتة إلا فاحت روائحها، وعيني تطالبني بإغفاءة الصباح. فقال لها: إن في ذلك دليلاً.\rثم بات عند الثالثة، فقال لها مثل ذلك. فلما دنا الصبح، أيقظته. فقال لها: وما يدريك؟ فقالت: لم يبق طائر إلا غرد، ولا ملبوس إلا برد، وقد صار للطرف في الليل مجال، وليس ذلك إلا من دنو الصباح. فقال لها: إن في ذلك لدليلاً.\rثم بات عند الرابعة، فقال لها مثل ذلك. فلما دنا الصبح، قالت له: قم، فقد دنا الصبح! فقال لها: وما يدريك؟ قالت: أبت نفسي النوم، وطلبني فمي بالسواك واحتجت إلى الوضوء. فقال لها: أنت طالق، فإنك أقبحهن وصفا.\rما قيل في النهار والنهار طبيعي، وشرعي.\rفالطبيعي زمان بين طلوع نصف قرص من المشرق، وإلى غيابه في المغرب. والشرعي ما بين انفجار الفجر الثاني إلى غروب الشمس.\rوالفجر فجران: الفجر الكاذب، وهو بياض مستطيل؛ والفجر الصادق بياض مستطير.\rوقد وضعت العرب لساعات النهار أسماء، كما وضعت لساعات الليل، وهي: الذرور، ثم البزوغ، ثم الضحى، ثم الغزالة، ثم الهاجرة، ثم الزوال، ثم الدلوك، ثم العصر، ثم الأصيل، ثم الصبوب، ثم الحدور، ثم الغروب.\rويقال أيضاً: البكور، ثم الشروق، ثم الإشراق، ثم الرأد، ثم الضحى، ثم المتوع، ثم الهاجرة، ثم الأصيل، ثم العصر، ثم الطفل، ثم العشى، ثم الغروب.\rذكر ذلك معا أبو جعفر النحاس.\rوحكى الثعالبي في كتاب فقه اللغة - عن حمزة بن الحسن - قال: وعليه عهدتها: الشروق، ثم البكور، ثمالغدوة، ثم الضحى، ثم الهاجرة، ثم الظهيرة، ثم الرواح، ثم العصر، ثم القصر، ثم الأصيل، ثم العشي، ثم الغروب.\rوكانت العرب العاربة تسمى أ يام الأسبوع بأسماء غير هذه التي تتداولها الناس في وقتنا هذا، وهي: \" أول \" وهو الأحد \" أهون \" وهو الاثنان \" جبار \" وهو الثلاثاء \" دبار \" وهو الأربعاء \" مؤنس \" وهو الخميس \" عروبة \" وهو الجمعة \" شيار \" وهو السبت.\rنظم ذلك شاعرفقال:","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"أؤمل أن أعيش وأن يومي ... لأول أو لأهون أو جبار،\rأو التالي دبار وإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار.\rالأيام التي خصت بالذكر\rمنها: الأيام المعلومات. وهي عشر ذى الحجة، وفيها يوم التروية. وهو اليوم الثامن سمى بذلك لأنهم يرتوون من الماء لما بعده، لأن منىً لا ماء بها.\rالأيام المعدودات. هي أيام التشريق. وعدتها ثلاثة بعد يوم النحر. سميت بذلك لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي في الشمس والهواء، لئلا تفسد.\rأيام العجوز. ويقال فيها الأيام الأعجاز، وهي سبعة: أولها السادس والعشرون من شباط من شهر الروم؛ والخامس من برمهات من شهور القبط. وهي لا تخلو من رياح وبرد. وسميت بالعجوز: لأنها في عجز الشتاء.\rيوم عبيد، مثل لليوم المنحوس. كان عبيد بن الأبرص قد تصدى للنعمان في يوم بؤسه الذي لا يفلح من لقيه فيه، كما لا يخيب من لقيه في يوم نعيمه، قال أبو تمام:\rمن بعد ما ظن الأعادي أنه ... سيكون لي يوم كيوم عبيد.\rيوم المطر. يضرب مثلا في كفر النعمة. وذلك أنه حكى عن المعتمد على الله ابن عباد صاحب إشبيلية أنه خلا بزوجته الرميكية في مجلس أنس، والزمان فيه قيظ. فتمنت عليه غيما ومطرا. فأمر بمجامر العنبر والعود والند، حتى انعقد الدخان كالضباب،ثم أمر برش صحن المجلس بماء الورد من أعلاه. وحصل بينهما بعد ذلك نبوة، فقالت له: ما رأيت معك يوم سرور قط؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟! فقال لها:ولا يوم المطر؟ صدق رسول الله \" صلى الله عليه وسلم \" في قوله: إنهن يكفرن العشير.\rيوم وهو اليوم العاشر من محرم. ورد في فضله أحاديث كثيرة.\rويقال إن نوحا \" عليه السلام \" ركب السفينة فيه فصامه وأمر من معه بصومه.\rوصح أن رسول الله \" صلى الله عليه وسلم \" لما هاجر، رأى اليهود في المدينة صياماً في هذا اليوم. فسألهم عنه، فقالوا: هذا اليوم الذي نجى الله تعالى فيه موسى وبني إسرائيل، وأغرق فرعون وقومه. فنحن نصومه شكرا لله تعالى. فقال \" عليه الصلاة والسلام \" : أنا أحق بأخي موسى.ثم أمر منادياً فنادى: من أكل فليمسك، ومن لم يأكل فليصم! وفيه قتل الحسين بن علي \" رضي الله عنه \" .\rأيام أصحاب الملل الثلاث\rيوم الجمعة، للمسلمين. وسبب اتخاذهم له أنه اليوم الذي أتم الله به خلق العالم، وأوجد فيه أبا البشر آدم \" عليه السلام \" وفيه قبض، وفيه يكون النفخ في الصور، وفيه الصعق، وفيه الساعة التي لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله فيها حاجة إلا قضاها له.\rيوم السبت، لليهود. وحجتهم على اتخاذهم له أن الله تعالى ابتدأ خلق العالم يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة، وأن يوم السبت يوم فراغ ودعةٍ. ولهم في ذلك أقوال كثيرة.\rيوم الأحد، للنصارى. ذكر في سبب اتخاذهم له أن الله \" سبحانه وتعالى \" ابتدأ فيه بخلق الأشياء.\rما يتمثل به في ذكر النهار\rيقال: أطول من يوم الفراق. أضوأ من نهارٍ. أنور من وضح النهار.\rويقال: يذهب يوم الهم ولا يشعر به. ما يوم حليمة بسر. من ير يوماً ير به. يوم السرور قصير. اليوم خمر وغداً أمر. اليوم عيش وغداً خيش. اليوم فعل وغداً ثواب.يوم لنا ويوم علينا. لكل قومٍ يوم.\rومن أنصاف الأبيات:\rوهل يخفى على الناس النهار ... وفي الليالي والأيام معتبر\rواله ما أمكن يوم صالح ... إن يوم الشر لا كان عتيدا!\rوقال أخر:\rأمام!لا أدري، وإن سألت: ... ما نسك يوم جمعةٍ من سبت.\rوقال آخر:\rوأيام! الشرور مقصصات ... وأيام السرور تطير طيرا.\rوقال آخر:\rلا تحملن هموم أيام على ... يومٍ، لعلك أن تقصر عن غده\rوصف النهار وتشبيهه\rفمن ذلك قول شاعر،يصفه بالقصر:\rويوم سرورٍ قد تكامل وصفه ... سوى قصرٍ، لا عيب فيه سواه!\rوعهدي به كالرمح طولاً، فعندما ... هززناه للهو التقى طرفاه.\rوقال آخر:\rبأبي من نعمت منه بيومٍ، ... لم يزل للسرور فيه نمو!\rيوم لهوٍ، قد التقى طرفاه ... فكأن العشى فيه غدو\rوقال آخر:\rلم ينتشر فلق الإصباح من قصر ... فيه إلى أن طواه فيلق الغسق.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"ولم يكن ملتقى جفنى أخي رمدٍ ... كملتقى طرفيه: الصبح والشفق.\rوما تناولت فيه الرطل مصطبحا ... إلا أعادته منى كف مغتبق.\rوقال آخر:\rلله يوم مسرة ... أضوا وأقصر من ذبالة!\rلما نصبنا للمنى ... فيه بإشراك حباله.\rطار النهار مروعاً ... وفيه وأجفلت الغزالة!\rوقال آخر:\rحث الكؤوس! فذا يوم به قصر، ... وما به من تمام الحسن تقصير.\rصحو وغيم، يروق الطرف حسنهما: ... فالصحو فيروزج، والغيم بلور.\rوقال آخر:\rويوم كحلي الغانيات سلبته ... حلي الربا حتى انثنى.\rسبقت إليه الشمس، والشمس غضة ... وصبغ الدجى من مفرق الفجر ناصل.\rومن كلام ابن برد الأصغر الأندلسي: اليوم يوم بكت أمطاره، وضحكت أزهاره؛ وتقنعت شمسه، وتعطر نسيمه؛ وعندما بلل هزج، وساق غنج؛ وسلافتان: سلافة أخوان، وسلافة دنان؛ قد تشاكلتا في الطباع، وازدوجنا في إثارة السرور. فأخرق إلينا سرادق الدجن تجد مرأي لم يحسن إلا لك ولا يتم إلا بك.\rومن كلامه أيضاً: لم نلتق منذ عرينا مركب اللهو، وأخلينا ربع الأنس، وقصصنا جناح الطرب، وعبسنا في وجوه اللذات. فإن رأيت أن تخف إلى مجلس قد نسخت فيه الرياحين بالدواويين، والمجامر والمحابر، والأطباق، بالأوراق، وتنازع المدام، بتنازع الكلام؛ واستماع الأوتار، باستماع الأخبار؛ وسجع البلابل، بسجع الرسائل؛ كان أشحذ لذهنك، وأرشد لرأيك.\rمما وصفت به الآلات\rالموضوعة لمعرفة الأوقات قد وضع أهل هذا الفن لمعرفة درجات الليل وساعات النهار آلات يستدلون بها على معرفة ما مضى من ذلك وما بقي، ولتحرير المواقيت: كالاصطرلاب، والطرجهارة والبنكام.\rووصف الشعراء والفضلاء ذلك بأوصاف، نذكر منها إن شاء الله تعالى ما نقف عليه فأما الاصطرلاب وما قيل فيه. فقال أبو طالب، عبد السلام المأموني:\rوشبيه بالشمس يسترق الأنوار من نور جرمها في في خفاء.\rفتراه أدرى وأعلم منها، ... وهو في الأرض، بالذي في السماء.\rوقال أيضاً :\rوعالم بالغيب من غير ما ... سمع ولا قلب، ولا ناظر!\rيقابل الشمس فيأتي بما ... ضمنها من خبر حاضر.\rكأنه ناجته لما بدا ... لعينها بالفكر والخاطر.\rوألهمته على ما يحتوي ... عليه صدر الفلك الدائر.\rوقال أبو إسحاق الصابي، وقد أهداه في مهرجان إلى مخدومه:\rأهدى إليك بنو الآمال واجتهدوا ... في مهرجان جديد أنت تبليه.\rلكنك عبدك إبراهيم حين رأى ... سمو قدرك عن شيء يساميه.\rلم يرض بالأرض يهديها إليك ... فقد أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه!\rوقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز:\rأفضل ما استصحب النبيل فلا ... يعدل به في المقام والسفر،\rجرم إذا ما التمست قيمته ... جل عن التبر وهو من صفر.\rمختصر وهو إذ تفشته ... عن ملح العلم غير مختصر.\rذو مقلة تستنير ما رمقت ... عن صائب اللحظ صادق النظر.\rتحملته وهو حامل فلك ... لو لم يدر بالبنان لم يبدر.\rمسكنه الأرض وهو ينبئنا ... عن جل ما في السماء من خبر.\rأبدعه رب فكرة بعدت ... في اللطف عن إن تقاس بالفكر.\rفاستوجب الشكر والثناء به ... من كل ذي فطنة من البشر.\rفهو لذي اللب شاهد عجب ... على اختلاف العقول والفطر.\rوكتب أبو الفرج الببغاء يصف اصطرلابا أهداه فقال:","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"آثرتك - أيدك الله - ببرهان الحكمة ونسبها، ومدار الفلسفة وقطبها؛ ومرشد الفكر ومناره، وميزان الحسن ومعياره؛ ونافي الشك ومزيله، وشاهد الأثير ودليله؛ مصور الحكمة وممثلها، ومقسم البروج ومعدلها؛ وموقف النجوم ومسيرها، وجامع الأقاليم ومدبرها؛ مرآة الحبك، وصورة الفلك؛ وأمين الكواكب، وحد المشارق والمغارب؛ مما اخترعت العقول تسطيحه، وأتقن الحساب تصحيحه وتمارت الفطن في ترتيبه، واصطلحت بالحكماء على تركيبه؛ فأوضحت بالنقش تقسيمه، وأبانت بالكتابة رسومه؛ إلى أن شافهنا بالارتفاع على بعد مسافته، وحصر متفرق الأمور في خرق عضادته؛ واحتوى على قطر الشمال والجنوب، واطلع باللطف على خفيات الغيوب؛ الملقب بالاصطرلاب، الفاصل بين الخطأ والصواب.\rوقال أبو نصر الكاتب فيه: قطب الزمن ومداره، زميزان الفلك ومعياره؛ وأساس الحكمة وموضوعها، وتفصيل الفطنة ومجموعها؛ الناطق في صمته، الموفي على نعمه؛ مظهر السر المكنون، المخبر بما كان وما يكون؛ ذو شكل مقمر ومستدير، لون مشمس مستنير؛ ومنطقه محيطة بأجزائه؛ وخطوط معدلة على أغضائه؛ وكتابة مطبقة بتدويره، ورموزبائحة بضميره؛ متقابل الأهداف، متكامل الأوصاف؛ بحجرة مسكونة، وصفائح مصونة؛ وقد موموق، وباب مطروق؛ للعلم فتحه ورتاجه، وعليه طريقه ومنهاجه؛ إذا انتصب قال فحمد، وإذا اضطجع عني فلم يفد؛ صفري الانتساب ذهي الإهاب؛ يخترق الأنوار من نقابه، ويستخدم الشمس فيحسابه؛ يجمع الشرق والغرب في صفحته، ويستره الحامل في راحته؛ رافعه ينظر من تحته، وأخباره تسند عن خرته.\rومما قيل في طرجهارة. قال أبو الفتح كشاجم يصفها:\rروح من الماء في جسم من الصفر ... مؤلف بلطيف الحسن والفكر.\rله على الظهر أجفان محجرة ... مقلة دمعها جار على قدر.\rتنشا له حركات في اسافله ... كأنها حركات الماء في الشجر.\rوفي أعاليه حساب مفصلة ... للناظرين بلا ذهن ولا نظر.\rإذا بكى، دار في أحشائه فلك ... حافي المسير؛ وإن، لم يبكي لم يدر.\rومخرج لك بالأجزاء ألطفها ... من النهار، وقوس الليل في السحر.\rمترجم عن مواقيت يخبرنا ... عنها فيوجد فيها صادق الخبر.\rتقضي به الخمس في وقت الوجوب وإن ... غطي على الشمس أو غطي على القمر.\rوإن سهرت لأسباب تؤرقني ... عرفت مقدار ما ألقي من السهر.\rمحدد كل ميقات، تخيره ... ذوو التخير للأسباب والسفر.\rالباب الثاني:\rمن القسم الثالث من الفن الأول\rفي الشهور والأعوام\rنذكر في هذا الباب الشهور العربية واشتقاقها، والشهور العجمية، ودخول بعضها في بعض، والسنين القمرية، والشمسية، والنسيء ومعناها، وما يجري هذا المجرى، مما لمحناه أثناء المطالعة بعون الله تعالى وقدرته. وإياه أسأل التوفيق بكرمه ومنته! الشهور وما قيل فيها الشهر إما طبيعي، وإما اصطلاحي.\rفالطبيعي هو مدة مسير القمر من حين يفارق الشمس إلى حين يفارقها مرة أخرى وقال آخرون: هو عود شكل القمر في جهة بعينها إلى شكله الأول.\rوأما الاصطلاحي، فهو مدة قطع الشمس مقدار برج من بروج الفلك. وذلك ثلاثون يوماً، وثلث عشر يوم بالتقريب. وهذا مذهب الروم، والسريان، والفرس، والقبط. والله سبحانه وتعالى أعلم!\rالأشهر العربية\r\" وما يختص بها من القول \" والأشهر العربية قسمان: قسم غير مستعمل، وهو الذي وضعته العرب العاربة؛ وقسم مستعمل، وهو الذي وضعته العرب المستعربة، وكلا القسمين موضوع على الأشهر القمرية.\rفأما القسم غير المستعمل، فهو أسماء كانت العرب العاربة اصطلحوا عليها، وهي: مؤتمر، ناجر، خوان، صوان \" ويقال فيه: بصان \" ، رنى، أيدة، الأصم، عادل، ناطل، واغل، ورنة، برك.\rوفي هذه الأسماء خلاف عند أهل اللغة. والدي ذكرناه منها هو المشهور، ويدل عليه قول الشاعر:\rبمؤتمر وناجر ابتدأنا ... وبالخوان يتبعه البصان\rورنى ثم يده تليه ... تعود أصم صم به السنان","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"وعادله وناطله جميعاً ... وواغله فهم غرر حسان\rوورنة بعدها برك فتمت ... شهور الحول يعقدها البنان\rوأما القسم المستعمل، فهو هذه الأسماء المشهورة: المحرم، صفر، الربيعان، الجماديان، رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة.\rقيل: وإنما وضعوا هذه الأسماء على هذه الشهور لاتفاق حالات وقعت في كل شهر فسمي الشهر بها عند ابتداء الوضع فسموا المحرم محرماً: لأنهم أغاروا فيه فلم ينجحوا، فحرموا القتال فيه، فسموه محرما.وسموا صفراً: لصفر بيوتهم فيه منهم عند خروجهم إلى الغارات. وقيل: لأنهم كانوا يغيرون على الصفرية، وهي بلاد. وشهرا ربيع: لأنهم كانوا يخصبون فيهما بما أصابوا في صفر، الربيع الخصب. وجماديان: من جمد الماء لأن الوقت الذي سميا فيه بهذه التسمية كان الماء جامداً فيه لبرده. ورجب: لتعظيمهم له. والترجيب التعظيم. وقيل: لأنه وسط السنة فهو مشتق من الرواجب، وهي. أنامل الأصبع الوسطى. وقيل: إن العود رجب النبات فيه أي أخرجه، فسمي بذلك. وكذلك تشعب العود في الشهر الذي يليه فسمي شعبان. وقيل: سمي بذلك لتشعبهم فيه للغارات. وسمي رمضان، أي شهر الحر. مشتق من الرمضاء. وشوال، من شالت الإبل أذنابها إذا حالت، أو من شال يشول إذا ارتفع. وذو القعدة: لقعودهم فيه عن القتال إذ هو من الأشهر الحرم. وذو الحجة، لأن الحج اتفق فيه قسمي به.\rويقال أن أو من سماها بهذه الأسماء، كلاب بم مرة.\rومن مجموع هذه الأشهر أربعة حرم، ثلاثة سرد، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ وواحد فرد، وهو رجب.\rهذا ما رواه الأصمعي عن العرب في ترتيب الأشهر الحرم. واختار غيره أن الواحد الفرد هو المحرم؛ والسرد رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، لتكون الأربعة أشهر في سنة واحدة. وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.\rومنها أربعة أشهر لا تكاد العرب تنطق بها إلا مضافة، وهي: شهرا ربيع، وشهر رجب، وشهر رمضان.\rفهذه الشهور العربية وما قيل فيها.\rوأما شهور اليهود فأسماؤها: تشرى، مرحشوان، كسلاو، طابات، شباط، آذار، نيسان، أيار، سيوان، تموز، آب، أيلول.\rوأما الشهور العجمية فإنها شمسية. وهي أقسام، بحسب الأمم التي تنسب إليهم.\rفمنها الشهور القبطية، وتنسب لدقلطيانوس. وكل شهر منها ثلاثون يوماً.\rوما فضل من عدد أيام السنة الشمسية جعلوه كبيساً في آخر شهر منها وهي: توت، بابه، هاتور، كيهك، طوبه، أمشير، برمهات، برمودة، بشنس، بؤونه، أبيت، مسرى.\rوأول توت يكون النوروز. وفي أول يوم من كيهك تدخل الأربعينيات، وهي أربعون يوم باردة تؤذن بالشتاء. وفي الرابع من برمودة تدخل الخمسينات، وهي أيام حارة تؤذن بالصيف.\rومنها شهور السريان والروم. وهما متفقان في العدد والدخول. والسريانيون ينسبون شهورهم لأغسطش، وهو قيصر. وهذه الشهور منها ما ينقص عن الثلاثين، ومنها ما يوفيها، ومنها ما يزيد عليها. وفيها يقول الكيزاني:\rشهور الروم ألوان: ... زيادات ونقصان.\rفتشرينهم الثاني، ... وأيلول ونيسان.\rثلاثون، ثلاثون، ... سواء، وحزيران.\rوأشباط ثمان بعد عشرين له شان.\rوالسبعة التي تركها، كل شهر منها يزيد يوما.\rووضع لها بعض المغاربة ضابطاً، وهو حروف معجمة ومهملة يجمعها في أربع كلمات، وهي: فاز رجل ختم بحج. وجمعها آخر في مثل ذلك فقال: غاب عنك زيد فحج. فما كان معجما فهو أحد وثلاثون يوما، وما كان مهملاً فهو ثلاثون، والشهر الموافق للألف ثمانية وعشرون.","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"وأول سنة السريان تشرين الأول. ودخوله رابع بابه، ويوافق أكتوبر من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم تشرين الثاني، ودخوله في الخامس من هتور، ويوافقه نومبر من شهور الروم، وهو ثلاثون يوما، ثم كانون الأول، ودخوله في الخامس من كيهك، ويوافقه دجبنر من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم كانون الثاني، ودخوله في السادس من طوبه، ويوافقه ينير من شهور الروم، وهو أول سنتهم، وعدد أيامه أحد وثلاثون يوما؛ ثم شباط، ودخوله في السابع من أمشير ويوافقه فبرير من شهور الروم، وهو ثمانية وعشرون يوماً وربع يوم؛ ثم آذار، ودخوله في الخامس من برمهات، ويوافقه مارس من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم نيسان ودخوله في السادس من برمودة، ويوافقه أبريل من شهور الروم، وهو ثلاثون يوما؛ ثم أيار، ودخوله في السادس من بشنش، ويوافقه مايه من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم حزيران، ودخوله في السابع من بؤونة، ويوافقه يونيه من شهور الروم، وهو ثلاثون يوما؛ ثم تموز، ودخوله في السابع من أبيب، ويوافقه يوليه من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم آب؛ ودخوله في الثامن من مسرى، ويوافقه أغشت من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم أيلول، ودخوله في الرابع من توت، ويوافقه ستنبر من شهور الروم، وهو ثلاثون يوما.\rونظم بعض الشعراء أرجوزة في مداخلة الشهور، فقال:\rوإن حفظت أشهر السريان ... وكنت من ذاك على بيان.\rورمت منها عمل المنازل ... فإنها معلومة التداخل.\rأيلول يبدو رابعاً من توت ... هذا بحكم النظر المثبوت.\rوهكذا تشرين وهو الأول ... من بابه أربعة تكمل.\rأول تشرين الأخير يدخل ... ومن هتور خمسة يا رجل.\rأول كانون وأعنى الأولا ... وخامس من هيكل تعدلا.\rأول كانون الأخير سادس ... من طوبة فيها يقيس القائس.\rومن شباط أول يوافي ... سابع أمشير بلا خلاف.\rأول آذار حساب صادق ... من برمهات خامساً يوافق.\rبرمودة سادسه وأول ... نيسان وفق ليس عنه معدل.\rأول أيار بغير لبس ... يوافق السادس من بشنس.\rبؤونة وافق منه سابعه ... أول حزيران لما يتابعه.\rأول تموز على الترتيب ... يدخل في السابع من أبيب.\rأول آب ثامن من مسرى، ... العلم بالمرء اللبيب أحرى.\rقال بعض الشعراء في مثل ذلك:\rمتى تشأ معرفة التداخل ... من أول فهي الشهور في المنازل.\rفعد من توت بلا تطويل ... أربعة فهي ابتدا أيلول.\rوبابه كذلك من تشرين ... الأول السابق في السنين.\rوالخامس المعدود من هاتور ... أول تشرينهم الأخير.\rأول كانون بغير دلسة ... إذا نقصت من كيهك خمسة.\rوطوبة إن مر منه ستة ... أتاك كانون الأخير بغته.\rومن شباط أول يوافق ... سابع أمشير، حساب صادق.\rأول آذار إذا جعلته ... لبرمهات خامساً وجدته.\rأول نيسان لدى التجريد ... السادس المعدود من برمود.\rومثله أيار مع بشنس ... واحدة مقرونة بخمس.\rأما حزيران فيحسبونه ... من أول السابع من بؤونة.\rكذلك السابع من أبيب ... أول تموز بلا تكذيب.\rأول آب عند من يحصل ... ثامن مسرى ذاك مالا يجهل.","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"وأما شهور الفرس، فهي موافقة لشهور القبض في العدد. لأن كل شهر منها ثلاثون يوما، إلا أبان ماه، وهو الشهر الثامن، فإنهم يضيفون إليه خمس أيام لأجل النسيء، ويسمونها الاندركاه. ولكل يوم من أيام الشهر اسم خاص، يزعمون أنه اسم ملك من الملائكة موكل به. فأسماء المشهور منها: افريدون ماه \" وهو رأس سنتهم \" ، أرديهشت ماه، حرداد ماه، تير ماه، ترد ماه، بر ماه، مهر ماه، أبان ماه، ادر ماه، دى ماه، بهمن ماه، اسفندر ماه. ويعنون بقولهم ماه القمر.\rقول بعض الشعراء:\rشهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار.\rما يختص بالسنة من القول\rوما جاء من اختلاف الأمم في ابتدائها وانتهائها، والفرق بين السنة والعام.\rأما الفرق بين السنة والعام، فإنهم يقولون سنة جدب و عام خصب. قال الله تعالى: \" ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات \" . وقال تعالى: \" ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون \" .\rوالصحيح أنهما اسمان موضوعان على مسمى واحد. قال الله تعالى: \" فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما \" .\rوالسنة طبيعية، واصطلاحية.\rفالطبيعية قمرية؛ وأولها استهلال القمر في غرة المحرم، وانسلاخها بسراره في ذي الحجة. وهي اثنا عشر شهرا، وعدد أيامها ثلثمائة يوم وأربعة وخمسون يوما وخمس وسدس يوم تقريباً؛ ويتم من هذا الخمس والسدس في ثلاث سنين يوم، فتصير السنة في الثالثة ثلثمائة وخمسة وخمسين يوماً. ويبق شيء يتم منه ومن خمس اليوم وسدسه المستأنف في السنة يوم واحد إلى أن يبقى الكسر أصلا بأحد عشر يوما عند تمام ثلاثين سنة. وتسمى تلك السنة كبائس العرب.\rوأما السنة الاصطلاحية فإنها شمسية، وعدد أيامها عند سائر الأمم ثلثمائة يوم وخمسة وستون يوما وربع يوم. فتكون زيادتها على السنة العربية عشرة أيام ونصف يوم وربع يوم وثمن يوم وخمساً من خمس يوم.\rويقال: إنهم كانوا في صدر الإسلام يسقطون عند رأس كل اثنتين وثلاثين سنة عربية سنةً، ويسمونها الازدلاف. لأن كل ثلاث وثلاثين سنة قمرية اثنتان وثلاثون سنة شمسية تقريباً. وذلك تحرزهم من الوقوع في النسيء في عصرنا هذا بين كتاب التصرف التحويل. لأنا نحول السنة الخراجية إلى الهلالية، ولا يكون ذلك إلا بأمر السلطان.\rوسنة العالم - على ما اتفق عليه المنجمون - هي من حين حلول الشمس رأس الحمل، وهو الاعتدال الربيعي. ومنهم من يجعل أولها من حين حلول الشمس رأس الميزان، وهو الاعتدال الخريفي. وابتداء سنة القبط قطع الشمس اثنتي عشرة درجة من السنبلة، وابتدؤا بفعل ذلك في زمن اغسطش، وهو قيصر الأول على ما ذكره أصحاب الزيجات.\rوأما السر يانيون، فأول سنتهم عند قطع الشمس من الميزان ست عشرة درجة.\rالنسيء ومذهب العرب فيه\rيقال إن عمرو بن لحي، وهو خزاعة - ويقال اسمه عمرو بن عامر الخزاعي - هو أول من نسأ الشهور، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وجعل الوصيلة، والحامي. وهو أول من دعا الناس إلى عبادة هبل، قدم به معه من هيت.\rومعنى النسيء أنهم ينسئون المحرم إلى صفر، ورجب إلى شعبان.\rوكان جملة ما يعتقدونه من الدين تعظيم الأشهر الحرم الأربعة، وكانوا يتحرجون فيها من القتال. وكان قبائل منهم يستبيحونها فإذا قاتلوا في شهر حرام، حرموا مكانه شهراً من أشهر الحل، ويقولون نسيء الشهر.\rوحكى ابن إسحاق صاحب السيرة النبوية \" على صاحبها أفضل الصلاة والسلام \" أن أول من نسأ الشهور على العرب، وأحل منها ما أحل، وحرم ما حرم القلمس. وهو حذيفة بن فقيم بن عامر بن الحرث بن مالك بن كنانة بن خزيمة.\rثم قام بعده ولده عباد، ثم قام بعد عباد ابنه قلع، ثم قام بعد قلع ابنه أمية، ثم قام بعد أمية ابنه عوف، ثم قام بعد عوف ابنه أبو ثمامة جناده، وعليه ظهر الإسلام.\rفكانت العرب إذا فرغت من حجها، اجتمعت عليه بمنى، فقام فيها على جمل، وقال بأعلى صوته: \" اللهم إني لا أخاف ولا أعاف، ولا مرد لما قضيت! اللهم إني أحللت شهر كذا \" ويذكر شهراً من الأشهر الحرم، وقع اتفاقهم على شن الغارات فيه \" وأنسأته إلى العام القابل \" أي أخرت تحريمه \" وحرمت مكانه شهر كذا من الأشهر البواقي! \" وكانوا يحلون ما أحل، ويحرمون ما حرم.\rوفي ذلك يقول عمرو بن قيس بن جذل الطعان، من أبيات يفتخر:","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل، نجعلها حراما؟\rوحكى السهيلي في كتابه المترجم بالروض الأنف أن نسيء العرب كان على ضربين: أحدهما تأخير المحرم إلى صفر لحاجاتهم إلى شن الغارات وطلب الثأر، والثاني تأخير الحج عن وقته تحرياً منهم للسنة الشمسية. فكانوا يؤخرونه في كل عام أحد عشر يوما حتى يدور الدور في ثلاث وثلاثين سنة فيعود إلى وقته. فلما كانت السنة التاسعة من الهجرة حج بالناس أبو بكر الصديق رضي الله عنه فوافق حجه في ذي القعدة، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام القابل فوافق عود الحج إلى وقته في ذي الحجة كما وضع أولاً. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حجه، خطب فكان مما قال في خطبته صلى اله عليه وسلم: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض. يعني أن الحج قد عاد في ذي الحجة.\rالسنة التي يضرب بها المثل\rيضرب المثل: بعام الجراد. كان سنة ثمان من الهجرة.\rعام الحزن. وهي لسنة التي مات فيها أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم وخديجة رضي الله عنها وهي سنة عشر من الهجرة، وكان موتها بعده بثلاثة أيام وقيل بسبعة.\rعام الرمادة. كان سنة ثماني عشرة من الهجرة، في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.أصاب الناس فيه قحط حتى صارت وجوههم في لون الرماد من الجوع. وقيل: كانت الريح تسفي تراباً كالرماد لشدة يبس الأرض، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في التاريخ.\rعام الرعاف. كان سنة أربع وعشرين من الهجرة، سمي بذلك لكثرة ما أصاب الناس فيه من الرعاف.\rعام الجماعة. كان سنة أربعين من الهجرة. فيه سلم الحسن بن علي رضي الله عنهما الخلافة لمعاوية، فاجتمعت الكلمة فيه.\rعام الجحاف. كان سنة ثمانين من الهجرة، وقع بمكة سيل عظيم ذهب بالإبل وعليها الحمول.\rعام الفقهاء. وهو سنة أربع وتسعين من الهجرة. فيها مات علي بن الحسين زين العابدين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعطاء بن يسار، وسعيد بن زيد بن ثابت. وفيه قتل الحجاج بن يوسف الثقفي سعيد بن جبير.\rسنيات خالد. يضرب بها المثل في الجدب. وهو خالد بن عبد الملك بن الحارث المعروف بأبي مطير. كان قد تولى لهشام بن عبد الملك المدينة سبع سنين توالى القحط فيها حتى أجلى أهل البوادي.\rسنة عشر ومائة. مات فيها فرينان في الزهد: الحسن البصري ومحمد بن سيرين، وقرينان في الشعر: جرير والفرزدق.\rسنة ست وخمسين وثلثمائة. مات فيها جماعة من الملوك، وهم: شمكير بن زياد صاحب طبرستان وجرجان، ومعز الدولة بن بويه، وكافور الأخشيدي صاحب مصر، ويقفور ملك الروم، وأبو علي محمد بن إلياس صاحب كرمان، وسيف الدولة ابن حمدان ممدوح المتنبي، والحسن بن فيرزان صاحب أذربيجان.\rالباب الثالث\rمن القسم الثالث من الفن الأول:\rالفصول\rفي الفصول وأزمنتها وفصول السنة أربعة: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء. ولكل فصل منها ثلاثة بروج، وثلاثة أشهر، وسبع منازل، وموافقة من الطبائع الأربع.\rفأما فصل الربيع، وهو عند العرب الصيف، فطبعه حار رطب.\rودخوله عند حلول الشمس برج الحمل، والثور، والجوزاء. وهذه البروج عندهم تدل على الحركة. وله من السن الطفولية والحداثة، ومن الرياح الجنوب، ومن الساعات الأولى والثانية والثالثة، ومن القوى القوة الجاذبية، ومن الأخلاط الدم، ومن الكواكب القمر والزهرة، ومن المنازل بعض الفرغ المقدم والفرغ المؤخر، والرشاء، والسرطان، والبطين، والثريا، والدبران، وبعض الهقعة. وعدد أيامه أربعة وستون يوما.\rوحلول الشمس في الثاني عشر من آذار، ويوافقه مارس من شهور الروم، وفي السادس عشر من برمهات من شهور القبط، وفي العشرين من اسفندار ما من شهور الفرس. وإذا حلت الشمس برج الحمل، اعتدل الليل والنهار، وصار كل واحد منهما اثنتي عشرة ساعة. ثم يأخذ النهار في الزيادة، والليل في النقصان.\rوفي هذا الفصل تتحرك الطبائع، وتظهر المواد المتولدة في الشتاء. فيطلع النبات وتزهر الأشجار وتورق، وتهيج الحيوان في للسفاد، وتذوب الثلوج، وتنبع العيون، وتسيل الأودية.\rوصف فصل الربيع\rوتشبيهه نظماً ونثراً.\rفمن ذلك ما قاله الصنوبري:","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"ما الدهر إلا الربيع المستنير إذا ... جاء الربيع، أتاك النور والنور.\rفالأرض ياقوتة، والجو لؤلؤة، ... والنبت فيروزج، والماء بلور.\rوقال آخر:\rاشرب هنيئاً قد أتاك زمان ... متعطر، متهلل، نشوان!\rفالأرض وشي، والنسيم معنبر، ... والماء راح، والطيور قيان.\rوقال الثعالبي:\rأظن الربيع العام قد جاء زائراً ... ففي الشمس بزازاً، وفي الريح عطارا.\rوما العيش إلا أن تواجه وجهه ... وتقضي بين الوشي والمسك أوطارا.\rوقال آخر:\rوفصل فصل الربيع الرياض ... عقوداً ورصع منها حليا.\rوفاخر بالأرض أفق السماء ... فحلى الثرى بنجوم الثريا.\rوقال الحسن بن وهب:\rطلعت أوائل للربيع فبشرت ... نور الرياض بجدة وشباب!\rوغدا السحاب يكاد يسحب في الثرى ... أذيال أسحم حالك الجلباب.\rفترى السماء إذا أجدر بابها ... فكأنما التحفت جناح غراب.\rوترى الغصون إذا الرياح تناوحت ... ملتفة كتعانق الأحباب.\rوقال بعض فضلاء أصفهان في وصف فصل الربيع من رسالة ذكرها العماد الأصفهاني في الخريدة: أما بعد. فإن الزمان جسد وفصل الربيع روحه، وسر حكمة إلهية وبه كشفه ووضوحه؛ وعمر مقدور وهو الشبيبة فيه، ومنهل جم وهو نميره وصافيه؛ ودوحة خضرة وهو ينعها وجناها، وألفاظ مجموعة وهو نتيجتها ومعناها؛ فمن لم يستهو طباعه نسيم هوائه، ولم يدرك شفاء دائه في صفاء دوائه؛ لم يذق لطعم حياته نفعاً، ولم يجد لخفض حظه من أيامه رفعاً.\rوأما فصل الصيف، فإن طبيعته الحرارة واليبس، ودخوله عند حلول الشمس برج السرطان والأسد والسنبلة.\rوهذه البروج تدل على السكون. وله من السن الشباب؛ ومن الرياح الصبا؛ ومن الساعات الرابعة والخامسة والسادسة؛ ومن القوى القوة الماسكة؛ ومن الأخلاط المرة الصفراء؛ ومن الكواكب المريخ، والشمس؛ ومن المنازل بعض الهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة والطرف والجبهة \" وهي أربعة عشر يوما \" والخراتان وبعض الصرفة. وتنزل الشمس في برج السرطان في الرابع عشر من حزيران. وعدد أيامه ثلاثة وتسعون يوماً، ويوافقه ينير من شهور الروم؛ وفي العشرين من بؤونة، وإذا حلت الشمس برج السرطان، أخذ الليل في الزيادة، والنهار في النقصان. والله أعلم.\rذكر ما قيل في وصف فصل الصيف وتشبيهه نظما ونثرا فمن ذلك ما قاله ذو الرمة:\rوهاجرةٍ حرها واقد ... نصبت لحاجبها حاجبي.\rتلوذ من الشمس أطلائها ... لياذ الغريم من الطالب.\rوتسجد للشمس حربائها ... كما يسجد القس للراهب.\rوقال مسكين الدارمي.\rوهاجرة ظلت كأن ظباءها ... إذا ما اتقتها بالقرون سجود.\rتلوذ بشؤبوب من الشمس فوقها ... كما لاذ من حرالسنان طريد.\rوقال ابن الفقيسي:\rفي زمان يشوي الوجوه بحر، ... ويذيب الجسوم لو كن صخراً.\rلا تطير النسور فيه إذا ما ... وقفت شمسه وقارب ظهراً.\rويود الغصن النضير به لو ... أنه من لحائه يتعرى.\rوقال أيضاً:\rيا ليلة بت بها ساهداً ... من شدة الحر وفرط الأوار.\rكأنني في جناحها محرم ... لو أن للعورة مني استتار.\rوكيف لا أحرم في ليلة ... سماؤها بالشهب ترمي الجمار؟\rوقال آخر:\rويوم سموم خلت أن نسيمه ... ذوات سموم للقلوب لوداغ،\rظللت به أشكو مكابدة الهوى ... فكوزي ملآن ومائي فارغ.\rوقال محمد بن أبي الثياب، شاعر اليتيمة:\rوهاجرة تشوي الوجوه كأنها ... إذا لفحت خدي نار توهج.\rوماء كلون الزيت ملح كأنه ... بوجدي يغلي أو بهجرك يمزج.\rوقال الثعالبي:\rرب يوم هواؤه يتلظى ... فيحاكي فؤاد صب متيم.\rقلت إذ صك حره حر وجهي: ... ربنا اصرف عنا عذاب جهنم!\rومما وصف به من النثر قول بعضهم:","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"أوقدت الظهيرة نارها، وأذكت أوارها؛ فأذابت دماغ الضب، وألهبت قلب الصب، هاجرة كأنها من قلوب العشاق، إذا اشتعلت بنيران الفراق، حر تهرب له الحرباء من الشمس، وتستجير بمراكب الرمس، لا يطيب معه عيش، ولا ينفع معه سرج ولا خيش؛ فهو كقلب المهجور، أو كالتنور المسجور.\rوأما فصل الخريف، فإن طبعه بارد يابس؛ ودخوله عند حلول الشمس برأس الميزان والعقرب والقوس.\rوهذه البروج تدل على الحركة؛ وله من السن الكهولة؛ ومن الرياح الشمال؛ ومن الساعت السابعة والثامنة والتاسعة؛ ومن القوى القوة الهاضمة؛ ومن الأخلاط المرة السوداء؛ ومن الكواكب زحل؛ ومن المنازل بعض الصرفة والعواء و السماك والغفر والزبانيان والقلب وبعض الشولة؛ وعدد أيامه تسعة وثمانون يوماً؛ ويكون حلول الشمس الميزان في الخامس عشر من أيلول، ويوافقه ستمبر من شهور الروم، وفي الثامن عشر من توت.\rوفي هذا الفصل يبرد الهواء، ويتغير الزمان، ويغبر وجه الأرض، ويصفر ورق الشجر، وتهزل البهائم، وتموت الهوام، وتنحجر الحشرات، وتطلب الطير المواضع الدفئة، وتصير الدنيا كأنها كهلة مدبرة.\rويقال: فصل الخريف ربيع النفس كما أن فصل الربيع ربيع العين. والله أعلم.\rذكر ما قيل في وصف فصل الخريف وتشبيه نظما ونثرا.\rفمن ذلك ما قاله الصنوبري، عفا الله عنه:\rما قضى في الربيع حق المسرا ... ت مضيع زمانه في الخريف.\rنحن منه على تلقي شتاءٍ ... يوجب القصف أو وداع مصيف.\rفي قميص من الزمان رقيق ... ورداء من الهواء خفيف.\rيرعد الماء منه خوفاً إذا ما ... لمسته يد النسيم الضعيف.\rوقال عبد الله بن المعتز:\rطاب شرب الصبوح في أيلول! ... برد الظل في الضحى والأصيل!\rوخبت جمرة الهواجر عنا، ... واسترحنا من النهار الطويل.\rوخرجنا من السموم إلى بر ... د نسيم، وطيب ظل ظليل،\rوشمال تبشر الأرض بالقطر كذيل الغلالة المبلول.\rفكأنا نزداد قربا إلى الجنة في كل شارق وأصيل.\rووجوه البقاع تنتظر الغيث انتظار المحب رد الرسول.\rتبتغي غلة لتعمل روضا ... بكثير من الحيا أو قليل.\rوقال آخر:\rاشرب على طيب الزمان فقد حدا ... بالصيف من أيلول أسرع حاد.\rوأشمنا بالليل برد نسيمه ... فارتاحت الأرواح في الأجساد.\rوأفاك بالأنداء قدام الجيا ... فالأرض للأمطار في استعداد.\rكم في ضمائر تربها من روضة ... بمسيل ماء أو قرارة واد.\rتبدو إذا جاد السحاب بقطره ... فكأنما كانا على ميعاد.\rوقال آخر:\rلا تضع للوم إن اللوم تضليل ... واشرب ففي الشرب للأحزان تحليل.\rفقد مضى القيظ واجتثت رواحله، ... وطابت الراح لما آل أيلول.\rوليس في الأرض نبت يشتكي يبساً ... إلا وناظره بالطل مكحول.\rوقال آخر:\rخذ بالتدثر في الخريف فإنه ... مستوبل، ونسيمه خطاف.\rيجري مع الأيام جري نفاقها ... لصديقها ومن الصديق يخاف.\rومما وصف به النثر: قال أبو إسحاق الصابي يصفه: الخريف أصح فصول السنة زمانا، وأسهلها أوانا، وهو أحد الاعتدالين، المتوسطين بين الانقلابين، حين أبدت الأرض عن ثمرتها، وصرحت عن زينتها؛ وأطلقت السماء حوافل أنوائها، وتأذنت بانسكاب مائها؛ وصارت الموارد،كمتون المبارد؛ صفاء من كدرها، وتهدباً من عكرها؛ واطراد من نفحات الهواء، وحركات الريح الشجواء؛ واكتسب الماشية وبرها القشيب، والطائر ريشه العجيب.\rوقال ابن شبل: كل ما يظهر في الربيع نواره، ففي الخريف تجني ثماره، فهو الحاجب أمامه، والمطرق قدامه.\rوقال ضياء الدين ابن الأثير الجزري عن الخريف يفتخر على فصل الربيع: أنا الذي آتي بذهاب السموم، وإياب الغيوم، واعتصار بنات الكروم، وتكاثر ألوان المشروب والمطعوم؛ وفي يترقرق صفاء الأنهار، فتشبه القوابل بالأسحار، وأيامي هي الذهبيات وتلك نسبة كريمة النجار؛ ومن ثمراتي ما لا تزال أمهاته حوامل، وأوراقه نواضر وغيره ذوابل، وقد شبه بالمصابيح وشبهت أغصانه بالسلاسل.","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"ولقد أنصف من قال:\rمحاسن للخريف بهن فخر ... على زمن الربيع، وأي فخر!\rبه صار الزمان أمام برد ... يراقب نزحه وعقيب حر.\rوأما فصل الشتاء، فإن طبعه بارد رطب، ودخوله عند حلول الشمس رأس الجدي والدلو والحوت.\rوهذه البروج تدل على السكون. وله من السن الشيخوخة؛ ومن الرياح الدبور؛ ومن الساعات العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة؛ ومن القوى القوة الدافعة؛ ومن الأخلاط البلغم؛ ومن الكواكب المشتري وعطارد؛ ومن المنازل بعض الشولة والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد السعود وسعد الأخبية وبعض الفرغ المقدم؛ وعدد أيامه تسعة وثمانون يوماً.\rويكون حلول الشمس برأس الجدي في الثالث عشر من كانون الأول، وإذا حلت الشمس ببرج الجدي يشتد البرد، ويخشن الهواء، ويتساقط ورق الشجر، وتنجحر الحيوانات، وتضعف قوى الأبدان، وتكثر الأنواء، ويظلم الجو، وتصير الدنيا كأنها عجوز هرمة قد دنا منها الموت.\rوروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: توقوا البرد في اوله، وتلقوه في آخره، فإنه يفعل في الأبدان كفعله في الأشجار: أوله يحرق وآخره يورق.\rذكر ما قيل في وصف فصل الشتاء وتشبيهه.\rفمن ذلك ما قاله جرير شاعر الحماسة:\rفي ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب في ظلمائها ظلما.\rلا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يلف على خيشومه الدنيا.\rوقال ابن حكينا البغدادي:\rالبس إذا قدم الشتاء برودا ... وافرش على رغم الحصير لبودا.\rالريق في اللهوات أصبح جامداً ... والدمع في الآماق صار برودا.\rوإذا رميت بفضل كأسك في الهوا ... عادت عليك من العقيق عقودا.\rوترى على برد المياه طيورها ... تختار حر النار والسفودا.\rيا صاحب العودين لا تهملهما ... أوقد لنا عوداً وحرك عودا.\rوقال آخر:\rويومنا أرواحه قرة ... تخمش الأبدان من قرصها.\rيوم تود الشمس من برده ... لو جرت النار إلى قرصها!\rوقال عبد الله بن المعتز:\rقد منع الماء من الّلمس ... وأمكن الجمر من المس.\rفليس نلقى غير ذي رعدة ... ومسلم يسجد للشمس!\rوقال آخر:\rليس عندي من آلة البرد إلا ... حسن صبري، ورعدتي، وقنوعي.\rفكأني لشدة البرد هر ... يرقب الشمس في أوان الطلوع.\rوقال ابن سكرة الهاشمي، عفا الله تعالى عنه ورحمه:\rقيل: ما أعدت للبر ... د وقد جاء بشدة؟\rقلت: دراعة برد ... تحتها جبة رعده.\rوقال أبو سعيد المخرومي:\rإذا كنت في بلدة نازلاً ... وحل الشتاء حلول المقيم،\rفلا تبرزن إلا أن ترى ... من الصخور يوماً صحيح الأديم.\rفكم زلقة في حواشي الطريق ... ترد الثياب بخزي عظيم.\rوكم من لئيم غدا راكباً ... يحب البلاء لماشٍ كريم.\rوقال الصاحب بن عباد:\rأنى ركبت فكف الأرض كاتبة ... على ثيابي سطوراً ليس تنكتم.\rفالأرض محبرة، والحبر من لثقِ ٍ ... والطرس ثوبي، ويمني الأشهب القلم.\rقال أبو علي كاتب بكر شاعر اليتيمة:\rيا بلدة أسلمني بردها ... وبرد من يسكنها للقلق.\rلا يسلم الشاتي بها من أذى ... من لثقٍ، أو دمق، أو زلق.\rومما وصف به نثراً قول بعضهم: إذا حلتالشمس برج الجدي مد الشتاء رواقه، وحل نطاقه، ودبت عقارب البرد لاسبة، ونفع مدخور الكسب كاسبه.\rومن رسالة لابن أبي الخصال، جاء منها.\rالكلب قد صافح خيشومه ذنبه، وأنكر البيت وطنبه؛ والتوى التواء الحباب، واستدار استدارة الغراب؛ وجلده الجليد، وضربه الضريب وصعد أنفاسه الصعيد؛ فحماه مباح مباح، ولا هرير، ولا نباح، والنار كالصديق، أو كالرحيق، كلاهما عنقاء مغرب، أو نجم مغرب.\rوقال بعضهم: برد يغير الألوان، وينشف الأبدان، ويجمد الريق في الأشداق، والدمع في الآماق، برد حال بين الكلب وهريره، والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره.","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"وقيل لبعضهم: أي البرد أشد؟ فقال: إذا دمعت العينان، وقطر النخران، وتلجلج اللسان، واصطكت الأسنان.ووصف ابن وكيع الفصول الأربعة في أرجوزة فقال:\rعندي في وصف الفصول الأربعة مقالة ... مقالة تغني اللبيب مقنعة.\rما قيل في فصل الصيف\rأما المصيف، فاستمع ما فيه ... من فطن يفهم سامعيه.\rفصل من الدهر إذا قيل حضر، ... أذكرنا بحرة نار سقر.\rظل فيه القلب مقشعراً ... والأرض تشكو خره المضرا.\rأوله فيه ندى منغص ... كأنه على القلوب يقنص.\rيلصق منه الجلد بالثياب ... ويعلق التراب بالأثواب.\rحتى إذا ما طردته الشمس ... وفرحت بأن يزول النفس.\rفتحت النار لنا أبوابها ... وشب فيها مالك شهابها.\rحر يحيل الأوجه الغرانا ... حتى ترى الروم به حبشانا.\rيعلو به الكرب ويشتد القلق ... وتنضج الأبدان فيه بالعرق.\rتبصره فوق القميص قد علا ... حتى ترى مبيضه مصندلا.\rإن كان رثا، زاد في تمزيقه؛ ... أو مستجدا، جد جبل زيقه.\rثم يعيد الماء ناراً حامية ... يزيد في كرب القلوب الصاديه.\rشاربه يكرع في حميم ... كأنه من ساكني الجحيم.\rينسه ما يلقى من التهابه ... أن يحمد الله على شرابه.\rحتى إذا أعيا، انقضى نهاره ... وأرخيت من ليله أستاره،\rتحركت في جنحه دواهي ... سارية، وأنت عنها لاهي.\rمن عقرب يسعى كسعي اللص ... سلاحها في إثره كالشص.\rوحية تنقث سما قاتلا ... تزود الملسوع حتفا عاجلا.\rتبصر ما بجلدها من الرقش ... كوجنة مصفرة فيها نمش.\rلو نهشت بالناب منها الخضرا، ... لنثرت منه الحياة نثرا.\rفلا تقل إن جاء يوماً أهلا ... فلعنة الله عليه فضلا.\rما قيل في فصل الخريف\rحتى إذا زال، أتى الخريف: ... فصل بكل سوأة معروف.\rأهونه يسرع في حل الجسد ... وهو كطبع الموت يبس وبرد.\rيجني على الأجسام من آفاته، ... وأرضه قرعاء من نباته.\rلا يمكن الناس اتقاء شره ... ولا خلاف برده وحره.\rتبصره مثل الصبي الأرعن ... من كثرة العشاق والتلون.\rفأنت منه خائف على حذر ... لأنه يمزج بالصفو الكدر.\rأحسن ما يهدي لك النسيما ... يقلبه في ساعة سموما.\rوهو على المعدود من ذنوبه ... خير من من الصيف على عيوبه.\rما قيل في فصل الشتاء\rحتى إذا ما أقبل الشتاء ... جاءتك منه غمة عمياء.\rلو أنه روحٌ، لكان فدما ... أو أنه شخص لكان جهما.\rيلقاك منه أسد يزير ... له وعيد وله تحذير.\rيأتيك في أيامه رياح ... ليس على لاعنها جناح.\rحراكها ليس إلا سكون ... تضر بالأسماع والعيون.\rيحدث من أفعالها الزكام ... هذا إذا ما فاتك الصدام.\rثم يليها مطر مداوم ... كأنه خصم لنا ملازم.\rيقطعنا بعضاً عن الطريق ... وعن قضاء الحق للصديق.\rوربما خر عليك السقف ... فإن عفا عنك أتاك الوكف.\rوإن أردت في النهار الشربا ... فيه، فقد قاسيت خطباً صعبا.\rواحتجت أن توقد فيه نارا ... تطير نحو الحدق الشرارا.\rيترك مبيض الثياب أرقطا ... يحكي السعيدي لك المنقطا.\rوبعد ذا تسدد النقابا ... من خوفه وتغلق الأبوابا.\rنعم، وترخى دونه الستورا ... حتى ترى صباحه ديجورا.","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"وإن أردت الشرب في الظلام ... عاقك عن تناول المدام.\rحسبك أن تدنس في اللحاف ... من خشية البرد على الأطراف.\rورعده يشغل عن كل عمل ... ويؤثر النوم ويستحلي الكسل.\rحتى إذا جئت إلى الرقاد، ... نمت على فرش من القتاد.\rإن البراغيث عذاب مزعج ... لكل قلب ولجلد ينضج.\rلا يستلذ جلدك المضاجعا ... كأنما أفرشه مباضعا.\rتنح فصلاً فوق ما ذممته ... لو أنه يظهر لي قتلته.\rحتى إذا ما هو عنا بانا ... وزال عنا بغضه لا كانا!\rما قيل في فصل الربيع\rجاء إلينا زمن الربيع ... فجاء فصل حسن الجميع.\rلبرده وحره مقدار ... لم يكتنف حدهما إكثار.\rعدل في أوزانه حتى اعتدل ... وحمد التفصيل منه والجمل.\rنهاره في أحسن النهار ... في غاية الإشراق والاسفار.\rتضحك فيه الشمس من غير عجب ... كأنها في الأفق جام من ذهب.\rوليله مستلطف النسيم ... مقوم في أحسن التقويم.\rلبدره فضل على البدور ... في حسن إشراق وفرط نور.\rكجامة البلور في صفائها ... أذابت الجراد في نقابها.\rكأنها إذا دنت من بدره ... جوزاؤه قبل طلوع فجره.\rرومية حلتها زرقاء ... في الجيد منها درة بيضاء.\rهذا وكم تجمع من أمور ... إطراء مطريها من التقصير.\rفيه تظل الطير في ترنم ... حاذقة باللحن لم تعلم.\rغناؤها ذو عجمة لا يفهمه ... سامعه وهو على ذا يغرمه.\rمن كل دبسي له رنين ... وكل قمري له حنين.\rفي قرطق أعجل أن يوردا ... خاط له الخياط طوقاً أسودا.\rتبصره منه على الحيزوم ... كمثل عقد سبج منظوم.\rهذا وفيه للرياض منظر ... يفشىالسرىفي سره مايضمر.\rسر نبات حسنه إعلانه ... إذا سواه زانه كتمانه.\rفيه ضروب لنبات الغض ... يحكي لباس الجند يوم العرض.\rمن نرجس أبيض الثغور ... كأنه مخانق الكافور.\rوروضة تزهر من بنفسج ... كأنها أرض من الفيرزوج.\rقد لبست غلالة زرقاء ... وكايدت بلونها السماء.\rيضحك منها زهر الشقيق ... كأنه مداهن العقيق.\rمضمنات قطعاً من السبج ... قد أشرقت من احمرار ودعج.\rكأنما المحمر في المسود ... منه إذا لاح عيون الرمد.\rوارم بعينيك إلى البهار ... فإنه من أحسن الأزهار.\rكأنه مداهن من عسجد ... قد سمرت في قضب الزبرجد.\rفانهض إلى اللهو ولا تخلف ... فلست في ذلك بالمنعف.\rواشرب عقاراً طال فينا كونها ... يصفر من خوف المزاج لونها.\rدونك هذي صفة الزمان ... مشروحة في أحسن التبيان!\rوارض بتقليدي فيما قلته ... فإنني أدرى بما وصفته.\rالباب الرابع:\rمن القسم الثالث من الفن الأول\rمواسم الأمم وأعيادها\rفي ذكر مواسم الأمم وأعيادها، وأسباب اتخاذهم لها، وما قيل في ذلك والذي أورده في هذا الباب، هو مما وقفت عليه أثناء مطالعتي للكتب الموضوعة فيه، ونقلته منها لما تعذر على من أتلقاه من فيه. وضمنته أعياد المسلمين، والفرس والنصارى، واليهود.\rذكر الأعياد الإسلامية والأعياد الإسلامية التي وردت بها الشريعة اثنان: عيد الفطر، وعيد الأضحى.","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"والسبب في اتخاذهما، ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قدم لمدينة، ولأهلها يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ فقلوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل قد بدلكم خيرا منهما، يوم الفطر، ويوم الأضحى. فأول ما بدأ به من العيدين عيد الفطر، وذلك في سنة اثنتين من الهجرة. وفيها كان عيد الأضحى.\rوعيد ابتدعته الشيعة، وسموه عيد الغدير. وسبب اتخاذهم له مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم غدير خم، والغدير على ثلاثة أيام من الجحفة بسرة الطريق. قالوا: وهذا الغدير تصب فيه عين، وحوله شجر كثير ملتف بعضها ببعض. وبين الغدير والعين مسجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. واليوم الذي ابتدعوا فيه هذا العيد هو الثامن عشر من ذي الحجة، لأن المؤاخاة كانت فيه في سنة عشرة من الهجرة، وهي حجة الوداع. وهم يحيون ليلتها بالصلاة، ويصلون في صبيحتها ركعتين قبل الزوال. وشعارهم فيه لبس الجديد، وعتق الرقاب، وبر الأجانب، والذبائح.\rوأول من أحدثه معزي الدولة أبو الحسن علي بن بويه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره في سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة.\rولما ابتدع الشيعة هذا العيد واتخذوه من سننهم، عمل عوام السنة يوم سرور نظير عيد الشيعة في سنة تسع وثمانين وثلثمائة. وجعلوه بعد عيد الشيعة بثمانية أيام، وقالوا: هذا يوم دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم الغار هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه. وأظهروا في هذا اليوم الزينة، ونصب القباب، وإيقاد النيران.\rذكر أعياد الفرس وأعياد الفرس كثيرة جداً. وقد صنف علي بن حمزة الأصفهاني فيها كتاباً مستقلاً ذكر فيه أعيادهم، وسبب اتخادهم لها، وسنن ملوكهم فيها. وقد رأيت أن أقتصر على المشهور منها، وهي ثلاثة أعياد: النيروز، والمهرجان، والسدق.\rفأما النيروز، فهو أعظم أعيادهم وأجلها. يقال أن أول من اتخذه جمشيد أحد ملوك الفرس الأول. ويقال فيها جمشاد،ومعنى جم القمر وشاد الشعاع والضياء؛ وسبب اتخاذهم لهذا العيد أن طهومرت لما هلك، ملك بعد جمشاد. فسمى اليوم الذي ملك فيه نوروز، أي اليوم الجديد.\rومن الفرس من يزعم أن النيروز اليوم الذي خلق الله عز وجل فيه النور، وأنه كان معظم القدر عند جمشاد. وبعضهم يزعم أنه أول الزمان الذي ابتدأ فيه الفلك في الدوران.\rومدته عندهم ستة أيام، أولها اليوم الأول من شهر أفريدون ماه، الذي هو أول شهور سنتهم. ويسمون اليوم السادس النوروز الكبير، لأن الأكاسرة كانوا يقضون في الأيام الخمسة حوائج الناس ثم ينتقلون إلى مجاس أنسهم مع خواصهم.\rوحكى ابن المقفع أنه كان من عادتهم فيه أن يأتي الملك من الليل رجل جميل الوجه، قد أرصد لما يفعله. فيقف على الباب حتى يصبح. فإذا أصبح دخل علىالملك من غير استئذان. فإذا رآه الملك، يقول له: من أنت؟ ومن أين أقبلت؟ وأين تريد؟ وما اسمك؟ ولأي شيء وردت؟ وما معك؟ فيقول: أنا المنصور، واسمي المبارك، ومن قبل الله أقبلت، والملك السعيد أردت، وبالهناء والسلام وردت، ومعي السنة الجديدة. ثم يجلس ويدخل بعد ه رجل معه طبق من فضة، وفيه حنطة، وشعير، وجلبان، وحمص، وسمسم، وأرز \" من كل واحد سبع سنابل وتسع حبات \" وقطعة سكر، ودينار ودرهم جديدان. فيضع الطبق بين يدي الملك. ثم تدخل عليه الهدايا. ويكون أول من يدخل عليه وزيره، ثم صاحب الخراج، ثم صاحب المعونة، ثم الناس على طبقاتهم ومراتبهم. ثم يقدم للملك رغيف كبير مصنوع من تلك الحبوب، موضوع في سلة. فيأكل منه ويطعم من حضره. ثم يقول: هذا يوم جديد، من شهر جديد، من عام جديد، من زمان جديد، يحتاج أن نجدد فيه ما أخلق من الزمان، وأحق الناس بالفضل والإحسان الرأس لفضله على سائر الأعضاء. ثم يخلع على وجوه دولته ويصلهم ويفرق فيهم ما حمل إليه من الهدايا.\rوكانت عادة عوام الفرس فيه رفع النار في ليلته، ورش الماء في صبيحته. وفي ذلك يقول المعوج:\rكيف ابتهاجك بالنيروز يا سكني؟ ... وكل ما فيه يحكيني وأحكيه!\rفناره كلهيب النار في كبدي! ... وماؤه كتوالي عبرتي فيه!\rوقال آخر:\rنورز الناس ونورز ... ت، ولكن بدموعي!\rوذكت نارهم، والنار ما بين ضلوعي!","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"وأما المهرجان، فوقوعه في السادس والعشرين من تشرين الأول من شهور السريان، وفي السادس عشر من مهرماه من شهور الفرس.\rوهذا الأوان وسط زمان الخريف، وفيه يقول بعض الشعراء:\rأحب المهرجان لأن فيه ... سروراً للملوك ذوي السناء،\rوباباً للمصير إلى أوان ... تفتح فيه أبواب السماء.\rوهو ستة أيام. ويسمى اليوم السادس المهرجان الأكبر. قال المسعودي: وسبب تسميتهم لهذا اليوم بهذا الاسم، أنهم كانوا يسمون شهورهم بأسماء ملوكهم. وكان لهم ملك يسمى مهر، يسير فيهم بالعنف والعسف. فمات في نصف الشهر الذي يسمونه مهر ماه، فسمي ذلك اليوم مهرجان. وتفسيره نفس مهر ذهبت وهذه لغة الفرس الأول. وزعم آخرون أن مهر بالفارسية حفاظ وجان الروح.\rوقد نظم عبيد الله بن عبد الله بن ظاهر ذلك، فقال:\rإذا ما تحقق بالمهرجا ... ن من ليس يعرف معناه، غاظا.\rومعناه أن غلب الفرس فيه ... فسموه للروح حقاً حفاظا.\rويقال إنه إنما عمل في عهد أفريدون الملك، وأن معنى هذا الاسم إدراك الثأر وسبب اتخاذهم له، أن بيوراسف \" وهو الضحاك \" ، ويقال له أزدهاق ذو الحيتين والأفواه الثلاثة والأعين الستة، الداهي الخبيث المتمرد، لما قتل جمشاد، وملك بعده، غير دين المجوسية. وجاء إبليس في صورة خادم، فقبل منكبيه، فنبت فيهما حيتان، فكان يطعمهما أدمغة الناس. فأجحف ذلك بالرعية، فخرج رجل بأصبهان، يقال له كابي، ويقال فيه كابيان. ودعا الناس إلى قتاله، فاجتمع له خلق كثير. فشخص الضحاك لقتاله، فهاب كثرة جمعه وفر منه. فاجتمع الناس على كابي ليملكوه عليهم، فأبى ذلك وقال: ما أنا من أهل الملك، وأخرج صبياً من واد جمشاد، يسمى أفريدون وملكه، فأطاعه الناس فيه وملكوه عليهم.\rوخرج أفريدون في طلب الضحاك ليأخذ ثأر جده فظفر به، وجعل ذلك اليوم عيدا، وسماه المهرجان. ويقال أن المهرجان هو اليوم الذي عقد فيه التاج على رأس أردشير بن بابك، أول ملوك الفرس الساسانية.\rوقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يفضل المهرجان على النيروز:\rأخا الفرس إن الفرس تعلم إنه ... لأطيب من نيروزها مهرجانها:\rلإدبار أيام يغم هواؤها ... وإقبال أيام يسر زمانها.\rوكان مذهب الفرس فيه أن يدهن ملوكهم بدهن البان تبركاً، وكذلك عوامهم، وأن يلبس القصب والوشى، ويتوج بتاج عليه صورة الشمس وحجلتها الدائرة عليها، ويكون أول من يدخل عليه الموبذان بطبق فيه أترجة،وقطعة سكر، ونبق، وسفرجل، وعناب، وتفاح، وعنقود عنب أبيض، وسبع طاقات آس قد زمزم ثم يدخل الناس على طبقاتهم بمثل ذلك.\rوكان أردشير، وأنوشروان يأمران بإخراج ما في خزائنهم في المهرجان والنيروز من أنواع الملابس والفرش، فتفرق كلها في الناس على مراتبهم، ويقولان: إن الملوك تستغني عن كسوة الصيف في الشتاء، وعن كسوة الشتاء في الصيف، وليس من أخلاقهم أن يخبؤوا كسوتهم في خزائنهم ويساووا العامة في فعلها.\rوزعم بعض أصحاب التاريخ أن النيروز عملته الفرس قبل المهرجان بألفي سنة وخمسمائة سنة.\rوأما السدق، فإنه يعمل من شهر بهمن ماه. ويسمى هذا اليوم عندهم أبان روز، لأن لكل يوم من أيام الشهر عندهم اسما.\rويقال في سبب اتخاذهم له: أن فراسياب لما ملك، سار إلى بلاد بابل وأكثر فيها الفساد، وخرب العمران. فخرج عليه دق بن طهماسب، وطرده عن مملكته إلى بلاد الترك. وكان ذلك في يوم أبان روز. فاتخذ الفرس هذا اليوم عيدا، وجعلوه ثالثاً ليوم النيروز، والمهرجان.\rويقال أيضاً في سبب اتخاذهم له: إن الأب الأول وهو عندهم كيومرت، لما كمل له مائة ولد، زوج الذكور بالإناث، وصنع لهم عرساً أكثر فيه من إشعال النار، فوافق ذلك الليلة المذكورة، واستسنه الفرس بعده.\rوهم يوقدون النيران بسائر الأدهان، ويزيدون في الولوع بها، حتى أنهم يلقون فيها سائر الحيوانات.\rوفي ذلك يقول ابن حجاج من أبيات يمدح بها عضد الدولة بن بويه:\rمولاي يا من نداه يعدو ... ففات سبتا وليس يلحق.\rليلتنا حسنها عجيب ... بالقصف والعزف قد تحقق.\rلنارها في السما لسان ... عن نور ضوء الصباح ينطق.","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"والجو منها قد صار جمرا ... والنجم منها قد كاد يحرق.\rودجلة أضرمت حريقا ... بألف نار وألف زورق.\rفماؤها كلها حميم ... قد فار مما إلى وبقبق.\rوقال أبو القاسم المطرز، في سدق عمله السلطان ملك شاه، أشعل فيه الشموع والنيران في السميريات بدجلة، وذلك في سنة أربع وثمانين وأربعمائة:\rوكل نار العشاق مضرمة ... من نار قلبي أو من ليلة السدق.\rنار تجلت بها الظلماء فاشتبهت ... بسدفة الليل فيها غرة الفلق!\rوزارت الشمس فيها الليل واصطلحا ... على الكواكب بعد الغيظ والحنق.\rمدت على الأرض بسطاً من جواهرها ... ما بين مجتمع وار ومفترق.\rمثل المصابيح إلا أنها نزلت ... من السماء بلا رجم ولا حرق.\rأعجب بنار ورضوان يسعرها ... ومالك قائم منها على فرق!\rفيمجلس ضحكت روض الجنان له ... لما جلا ثغره عن واضح يقق.\rذكر أعياد النصارى القبط وأعياد النصارى أربعة عشر عيدا: سبعة يسمونها كبارا، وسبعة صغارا فأما الكبار: فمنها عيد البشارة. ويعنون بها بشارة غبريال، وهو عندهم جبريل عليه السلام على ما يزعمون أنه بشر مريم ابنة عمران بميلاد عيسى عليهما السلام. وهم يعملونه في التاسع والعشرين من برمهات من شهورهم.\rومنها عيد الزيتونة. وهو عيد الشعانين، وتفسيره التسبيح. يعملونه في سابع أحد من صومهم. وسنتهم فيه أخرجوا بسعف النخل من الكنيسة. ويزعمون أنه يوم ركوب المسيح اليعفور في القدس،وهو الحمار، ودخوله صهيون وهو راكب، والناس يسبحون بين يديه، وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.\rومنها الفصح. وهو العيد الكبير عندهم يقولون أن المسيح قام فيه بعد الصلبوت بثلاثة أيام.\rومنها خميس الأربعين. ويسميه الشاميون السلاق. وهو الثاني والأربعون من الفطر. يزعمون أن المسيح عليه السلام تسلق فيه من بين تلاميذه إلى السماء من بعد القيام، ووعدهم إرسال الفارقليط وهو روح القدس.\rومنها عيد الخميس. وهو العنصرة يعمل بعد خمسين يوما من يوم القيام يقولون إن روح القدس حلت بالتلاميذ، وتفرقت عليهم ألسنة الناس، فتكلموا بجميع الألسنة، وتوجه كل واحد منهم إلى بلاد لسانه الذي تكلم به يدعوهم إلى دين المسيح.\rومنها النيلاد. وهو اليوم الذي ولد فيه المسيح. يقولون إنه ولد في يوم الاثنين فيجعلون عشية الأحد ليلة الميلاد. وهم يوقدون فيه المصابيح بالكنائس ويزينونها. ويعمل في التاسع والعشرين كيهك من شهورهم.\rومنها الغطاس. ويعمل في الحادي عشرمن طوبة من شهورهم. ويقولون إن يحيى بن زكريا، وينعتونه بالمعمدان، غسل عيسى عليه السلام فيبحيرة الأردان، ويزعمون أن عيسى عليه السلام لما خرج من الماء اتصل به روح القدس على هيئة حمامة. والنصارى يغمسون أولادهم في الملء فيه، ووقته شديد البرد.\rوأما الأعياد الصغار: فمنها الختان. ويعمل فيسادس بؤنة، ويقولون إن المسيح ختن في هذا اليوم، وهو الثامن من الميلاد.\rومنها الأربعون. وهو عند دخول الهيكل يقولون إن سمعان الكاهن دخل بعيسى عليه السلام مع أمة \" الهيكل \" وبارك عليه. ويعمل في ثامن أمشير من شهورهم.\rومنها خميس العهد. ويعمل قبل الفصح بثلاثة أيام. وسنتهم فيه أن يأخذوا إناء ويملؤوه ماء ويزمزموا عليه، ثم يغسل البطريك به أرجل سائر الناس.ويزعمون أن المسيح عيسى غليه السلام فعل مثل هذا بتلاميذه في مثل هذا اليوم، يعلمهم التواضع، وأخذ عليهم العهد أن لا يتفرقوا، وأن يتواضع بعضهم لبعض. وعوام النصارى يسمون هذا الخميس خميس العدس،وهم يطبخون فيه العدس المقشور على ألوان، ويسميه أهل الشام خميس الأرز. ومنها خميس البيض أيضاً. ويسميه أهل الأندلس خميس أبريل، وأبريل شهر من شهور الروم.","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"ومنها سبت النور. وهو قبل الفصح بيوم. يقولون إن النور يظهر على مقبرة المسيح في هذا اليوم، فتشتعل منه مصابيح كنيسة القيامة التي بالقدس. وليس كذلك، بل هو من تخييلات فعلها أكابرهم ليستميلوا بها عقول أصاغرهم. وقيل إنهم يعلقون القناديل في بيت المذبح، ويتحيلون في إيصال النار إليها بأن يمدوا على سائرها شريطاً من حديد في غاية الدقة، يدهنونه بدهن البلسان ودهن الزنبق. فإذا صلوا وحان وقت الزوال، فتحوا المذبح، فدخل الناس إليه، وقد أشعلت فيه الشموع. ويتوصل بعض القوم إلى أن يعلق بطرف الشريط الحديد النار فتسري عليه، فتقد القناديل واحدا بعد واحد بسبب الدهن.\rومنها حد الحدود. وهو بعد الفصح بثمانية أيام. يعمل أول أحد بعد الفطر، لأن الآحاد قبله مشغولة بالصوم. وفيه يجدون الآلات، والأثاث، واللباس، ويأخذون في المعاملات، والأمور الدنيوية.\rومنها التجلي. يقولون: إن المسيح عليه السلام، تجلى لتلاميذه بعد أن رفع، وتمنوا عليه أن يحضر لهم إيليا، وموسى، فأحضرهما لهم فيمصلى بيت المقدس، ثم صعد. ويعمل في ثالث عشر مسرى من شهورهم.\rوعيد الصليب. وتزعم النصارى أن قسطنطين بن هيلاني انتقل عن اعتقاد اليونان إلى اعتقاد النصرانية، وبنى كنيسة قسطنطينية العظمى، وسائر كنائس الشام.\rوسبب ذلك - على ما نقله المؤرخون - أنه كان مجاور للبرجان، فضاق بهم درعا من كثرة غاراتهم على بلاده. فهم أن يصانعهم ويقرر لهم عليه إتاوة في كل عام ليكفوا عنه. فرأى ليلاً في المنام أن ملائكة نزلت من السماء ومعهم أعلام عليها صلبان، فحاربت البرجان فهزموهم. فلما أصبح، عمل أعلاماً وصور فيها صلباناً، ثم قاتل بها البرجان فهزمهم.\rوقيل أنه رأى في المنام صلبانا من نور في السماء، وقائل يقول له: اعمل مثل هذا على رؤوس أعلامك فإنك تنتصر. فلما أصبح، أمر بعمل صلبان من ذهب على رؤوس أعلامه فقاتل بها فنصر. فأمر أهل مملكته بالرجوع عن دينهم والدخول في دين النصرانية، وأن يقصوا شعورهم، ويحلقوا لحاهم. وإنما فعل ذلك بهم لأن رسل عيسى عليه السلام كانوا قد وردوا على اليونان من قبل يأمرونهم بالتعبد بدين النصرانية، فأعرضوا عنهم، ومثلوا بهم هذه المثلى نكالا بهم. ففعلوا ذلك تأسياً بهم.\rولما تنصر قسطنطين، خرجت أمه هيلاني إلى الشام، فبنت الكنائس، وسارت إلى بيت المقدس، فطلبت الخشبة التي صلب عليها المسيح، على ما يزعمون. وكانت مدفونة في مزبلة، فأخرجت منها، وفيها مواضع سبعة مسافرين فلما حملت إليها، غلفتها بالذهب وحملتها إلى ابنها. واتخذت يوم رؤيتها لها عيدا.\rقال المسعودي: وذلك لأربع عشر ليلة خلت من أيلول، ووافق ذلك سبع عشرة ليلة خلت من توت من شهور القبط. وكان من مولد عيسى إلى اليوم الذي وجدت فيه الخشبة ثلثمائة وثمان وعشرون سنة.\rوسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار الروم في فن التاريخ، وهو في الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب.\rذكر أعياد اليهود وأعياد اليهود التي نطقت بها توارتهم خمسة: منها عيد رأس السنة. ويسمون رأس هيشا، أي عيد رأس الشهر وهو أول يوم من تشرين ينزل عندهم منزلة عيد الأضحية عندنا. ويقولون أن الله عز وجل أمر إبراهيم بذبح إسحاق ابنه عليهما السلام فيه، وفداه بذبح عظيم.\rومنها عيد صوماريا. ويسمى الكبور. وهو عندهم الصوم العظيم الذي فرض عليهم الصوم العظيم الذي فرض عليهم ويقتل من لم يصمه. ومدة الصوم خمس وعشرون ساعة، يبأ فيها قبل غروب الشمس في اليوم التاسع من شهر تشرين، ويختم بمضي ساعة بعد غروبها في اليوم العاشر. ويشترطون رؤية ثلاثة كواكب عند الإفطار. وهي عندهم تمام الأربعين الثالثة التي صام فيها موسى عليه السلام ولا يجوز أن يقع عندهم في يوم الأحد، ولا يوم الثلاثاء، ولا في يوم الجمعة. ويزعمون أن الله تعالى يغفر لهم فيه جميع ذنوبهم إلا الزنا بالمحصنات، وظلم الرجل أخاه، وجحد ربوبية الله تعالى.","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"ومنها عيد المظلمة. وهو ثمانية أيام، أولها الخامس عشر من تشرين. وكلها أعياد، واليوم الأخير منها يسمى عراباً، وتفسيره شجر الخلاف. وهو أيضاً حج لهم. وهم يجلسون في هذه الأيام تحت ظلال سعف النخل الأخضر، وأغصان الزيتون، والخلاف، وسائر الشجر الذي لا ينشر ورقه على الأرض. ويزعمون أن ذلك تذكار منهم لإظلال الله تعالى إياهم في التية بالغمام .\rومنها عيد الفطير. ويسمونه الفصح. ويكون في الخامس عشر من نيسان. وهو سبعة أيام يأكلون فيها الفطير، وينظفون بيوتهم فيها من خبز الخمير. لأنها عندهم الأيام التي خلص الله تعالى فيها بني إسرائيل من فرعون وأغرقه، فخرجوا إلى التيه، وجعلوا يأكلون اللحم، والخبز الفطير، وهم بذلك فرحون. وفي آخر هذه الأيام غرق فرعون.\rومنها عيد الأسابيع، وهي الأسابيع التي فرضت عليهم فيها الفرائض، وكمل فيها الدين. ويسمى عيد العنصرة، وعيد الخطاب. ويكون بعد عيد الفطير بسبعة أسابيع. ويقولون أنه اليوم الذي خاطب الله تعالى فيه بني إسرائيل من طورسينا. من حجوجهم، وحجوجهم ثلاثة: الأسابيع، والفطير، والمظلة. وهم يعظمونه ويأكلون فيه القطائف ويجعلونها بدلا عن المن الذي أنزل عليهم في هذا اليوم، على ما يزعمون. واتخاذهم لهذا العيد في اليوم السادس من سيوان.\rوعيد الفوز. وهو عيد أحدثوه، ويسمونه الفوريم. وذكروا في سبب اتخاذهم له بختنصر لما أجلى من كان ببيت المقدس من اليهود إلى عراق العجم، أسكنهم مدينة جي، وهي إحدى مدينتي أصفهان. فلما ملك أردشير بن بابك، سماه اليهود بالعبرانية أجشادوس. وكان له وزير يسمونه بلغتهم هيمون. ولليهود يومئذ حبر يسمى بلغتهم مردوخاني. فبلع أردشير أن له ابنة عم جميلة الصورة من أحسن أهل زمانها. فطلب تزويجها منه، فأجابه إلى ذلك. فتزوجها، وحظيت عنده، وصار مردوخاي قريباً منه. فأراد هيمون الوزير إصغاره حسداً، وعزم على إهلاك طائفة اليهود التي في جميع مملكة أردشير. فرتب مع نواب الملك في سائر الأعمال أن يقتل كل واحد منهم من يعلمه من اليهود. وعين لهم يوم وهو النصف من آذار. وإنما خص هذا اليوم دون غيره، لأن اليهود يزعمون أن موسى عليه السلام ولد فيه وتوفي فيه. وأراد بذلك المبالغة في نكايتهم ليضاعف الحزن عليهم بهلاكهم، وبموت موسى عليه السلام.\rفبلغ مردوخاي ذلك، فأرسل إلى ابنة عمه يعلمها بما بلغه، ويحضها على أعمال الحيلة في خلاصهم فأعلمت الملك بالحال، وذكرت له أن الوزير إنما حمله على ذلك الحسد، لفرب مردوخاي منه. فأمر بقتل هيمون الوزير، وأن يكتب أمان لليهود فاتخذوه عيدا. واليهود يصومون قبل ثلاثة أيام.\rوهذا العيد عندهم عيد سرور، وله، وخلاعة، وهدايا يهديها بعضهم لبعض، ويصورون فيه من الورق صورة هيمون، ويملئون بطن الصورة نخالة ويلقونها في النار حتى تحترق.\rوعيد الحنكة. وهو أيضاً مما أحدثوه. وهو ثمانية أيام، أولها ليلة الخامس والعشرون من كسلا. وهم يوقدون في الليلة الأولى من لياليه على كل باب من أبوابهم سراجاً؛ وفي الثانية سراجين؛ ويضعف ذلك في كل ليلة إلى ثمان ليال. فيكون في الثامنة ثمانية سرج.\rوسبب اتخاذهم لهذا العيد، أن بع الجبابرة تغلب على البيت المقدس وقتل من كان فيه من بني إسرائيل، وافتض أبكارهم. فوثب عليه أولاد كأنهم، وكانوا ثمانية، فقتله أصغرهم. فطلب اليهود زيتا لوقود الهيكل فلم يجدوا إلا يسيرا، وزعوه على عدد ما يوقدونه من السرج على أبوابهم في كل ليلة إلى ثمانية ليال. فاتخذوا هذه الأيام عيدا وسموه الحنكة، وهو مشتق من التنظيف، لأنهم نظفوا فيها الهيكل من أقذار شيعت الجبار\rالقسم الرابع من الفن الأول\rفي الأرض، والجبال، والبحار\rوالجزائر، والأنهار، والعيون، والغدران.\rوفيه سبعة أبواب\rالباب الأول\rمبدأ خلق الأرض\rقال الله تعالى: \" أم من جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً \" .\rوالأرض سبع، كم أن السماوات سبع. والدليل على ذلك قوله عز وجل: \" والله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن \" .","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"واختلف فيها هل هي سبع متطابقات بعضها فوق بعض، أو سبع متجاورات؟ فذهب قوم إلى أن الله تعالى خلق سبع سماوات متطابقات متعاليات، وسبع أرضين متطابقات متسافلات؛ وبين كل أرض وأرض، كما بين كل سماء وسماء، خمسمائة عام. وفسر بهذا قوله تعالى: \" أو لم يرى الذين كفروا إن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما \" . أي كانت سماء واحدة ففتقناهما سبعا.\rقيل: ولكل أرض أهل وسكان مختلفون الصور والهيئات؛ ولكل أرض اسم خاص وذهب قوم إلى أنها سبع متجاورات متفرقات لا متطابقات. فجعلوا الصين أرضاً، وخراسان أرضاً، والسند والهند أرضاً، وفارس والجبال والعراق وجزيرة العرب أرضاً، والجزيرة والشام وبلاد أرمنية أرضاً، ومصر وأفريقية أرضاً، وجزيرة الأندلس وما جاورها من بلاد الجلاقة والأنكبردة وسائر طوائف الروم أرضاً.\rويقال: إنها كانت على ماء والماء على صخرة والصخرة على سنام ثور، والثور على كمكم، والكمك على ظهر حوت، والحوت على الماء، والماء على الريح، والريح على حجاب ظلمة، والظلمة على الثرى. وإلى الثرى انقطع على المخلوقين.\rقال الله تعالى: \" له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى \" .\rوزعم آخرون أن تحت الأرض السابعة صخرة، وتحت الصخرة حوت، وتحت الحوت الماء، وتحتن الماء الظلمة، وتحت الظلمة الهواء،وتحت الهواء الثرى.\rوقد تقدم في الباب الأول من هذا الكتاب أن الرض مخلوقة من الزبد فلا فائدة في تكراره.\rالباب الثاني\rمن القسم الرابع من الفن الأول\rأسماء الأرض\rفي تفصيل أسماء الأرضين وصفاتها في الاتساع، والاستواء، والبعد، والغلظ، والصلابة، والسهولة، والخزونة، والارتفاع، والانخفاض، وغير ذلك قال الثعالبي: في كتابه المترجم بفقه اللغة وأسنده إلى أئمة اللغة.\rإذا اتسعت الأرض ولم يتخللها شجر أو خمر، فهي الفضاء والبراز والبراح؛ ثم الصحراء والعراء، ثم الرهاء والجهراء.\rفإذا كانت مستوية مع الاتساع، فهي الخبت والجدد؛ ثم الصحصح والصردح؛ ثم القاع والقرقر؛ ثم القرق والصفصف.\rفإذا كانت مع الاستواء والاتساع بعيدة الأكناف والأطراف؛ فهي السهب والخرق، ثم السبسب والسملق والملق.\rفإذا كانت مع الاتساع والاستواء والبعد لا ما فيها، فهي الفلات والمهمة؛ ثم التنوفة والفيفاء؛ ثم النفنف والصرماء.\rفإذا كانت مع هذه الصفات لا يهتدى فيها لطريق، فهي اليهماء والغطشاء.\rفإذا كانت تضل سالكها، فهي المضلة والمتيهة.\rفإذا لم يكن بها أعلام ولا معلم، فهي المجهل والهوجل.\rفإذا لم يكن بها أثر، فهي الغفل.\rفإذا كانت قفراء، فهي القي.\rفإذا كانت تبيد سالكها، فهي البيداء والمفازة كناية عنها.\rفإذا لم يكن فيها شيء من النبت، فهي المرت والمليع.\rفإذا لم يكن فيها شيء، فهي المروراة والسبروت والبلقع.\rفإذا كانت الأرض غليظة صلبة، فهي الجبوب، ثم الجلد، ثم العزاز، ثم الصيداء، ثم الجدجد.\rفإذا كانت صلبة يابسة من غير حصى، فهي الكلد، ثم الجعجاع.\rفإذا كانت غليظة ذات حجارة ورمل، فهي البرقة والأبرق، فإذا كانت ذات حصى، فهي المحصاة والمحصبة.\rفإذا كثيرة الحصى، فهي الأنعز والمعزاء.\rفإذا اشتملت عليها كلها حجارة سود، فهي الحرة واللابة.\rفإذا كانت الأرض مطمئنة، فهي الجوب والغائط؛ ثم الهجل والهضم.\rفإذا كانت مرتفعة، فهي النجد والنشز.\rفإذا جمعت الأرض والارتفاع والصلابة والغلظ، فهي المتن والصمد، ثم القف والفدفد والقردد فإذا كان ارتفاعها مع اتساع، فهي اليفاع.\rفإذا كان طولها في السماء مثل البيت، وعرض ظهرها نحو عشرة أذرع، فهي التل؛ وأطول وأعرض منها الربوة والرابية؛ ثم الأكمة؛ ثم الزبية؛ وهي التي لا يعلوها الماء وبها ضرب المثل في قولهم: بلغ السيل الزبى؛ ثم النجوة، وهي المكان الذي تظن أنه نجاؤك؛ ثم الصمان، وهي الأرض الغليظة دون الجبل.\rفإذا ارتفعت عن موضع السيل وانحدرت عن غلظ الجبل، فهي الخيف.\rفإذا كانت الأرض لينة سهلة من غير رمل، فهي الرقاق والبرث، ثم الميثاء والدمثة.\rفإذا كانت طيبة التربة كريمة المنبت بعيدة عن الأحساء والنزور،فهي العذاة.\rفإذا كانت مخيلة للنبت والخير فهي الأريضة.\rفإذا كانت ظاهرة لا شجر فيها ولا شيء يختلط بها، فهي القراح والقرواح.","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"فإذا كانت مهيأة للزراعة، فهي الحقل والمشارة والدبرة.\r\" فإذا لم تهيأ للزراعة، فهي بور \" .\rفإذا لم يصبها المطر، فهي الفل والجرز.\rفإذا كانت غير ممطورة وهي بين أرضين ممطورتين، فهي الخطيطة.\rفإذا كانت ذات ندي ووخامة، فهي الغمقة.\rفإذا كانت ذات سباخ، فهي السبخة.\rفإذا كانت ذات وباء، فهي الوبئة والوبيئة.\rفإذا كانت كثيرة الشجر، فهي الشجراء والشجرة.\rفإذا كانت ذات حيات، فهي المحواة.\rفإذا كانت ذات سباع أو ذئاب، فهي المسبعة والمذأبة.\rتفصيل أسماء التراب وصفاته قال الثعالبي رحمه الله تعالى: الصعيد، تراب وجه الأرض.\rوالبوغاء، والدقعاء، التراب الرخو الرقيق الذي كأنه ذريرة.\rوالثرى، التراب الندي: وهو كل تراب لا يصير طيناً لازباً إذا بل.\rالمور، التراب الذي تطيره الريح فتراه على وجوه الناس وجلودهم وثيابهم \" يلتزق لزوقاً \" .\r\" والهابي، الذي دق وارتفع \" .\rالسافياء، التراب الذي يذهب في الأرض مع الريح.\rالنبيثة، التراب الذي يخرج من البئر عند حفرها.\rالراهطاء والداماء، التراب الذي يخرجه اليربوع من حجره ويجمعه.\rالجرثومة، التراب الذي يجمعه النمل عند قريته.\rالعفاء، التراب الذي يعفي الآثار. وكذلك العفر.\rالسماد، التراب الذي يسمد به النبات. فإذا كان مع السرقين، فهو الدمال.\rتفصيل أسماء الغبار وأوصافه النقع والعكوب، الغبار الذي يثور من حوافر الخيل وأخفاف الإبل.\rالعجاج، الغبار الذي تثيره الريح.\rالرهج والقسطل، غبار الحرب.\rالخيضعة، غبار المعركة.\rالعثير، غبار الأقدام.\rالمنين ما تقطع منه.\rتفصيل أسماء الطين وأوصافه قال: إذا كان الطين حر يابساً، فهو الصلصال.\rفإذا مطبوخاً، فهو الفخار.\rفإذا كان علكاً لاصقاً، فهو اللازب.\rفإذا غيره الماء وأفسده، فهو الحمأ.\r\" وقد نطق القرآن بهذه الأسماء الأربعة \" .\rفإذا كان رطباً، فهو الثأطة والثرمطة والطثرة.\rفإذا كان رقيقاً فهو الرداغ.\rفإذا كان ترتطم فيه الدواب، فهو الوحل. وأشد منه الردغة والرزغة. وأشد منها الورطة تقع فيها الغنم فلا تقدر على التخلص منها؛ ثم صارت مثلاً لكل شدة يقع فيها الإنسان.\rفإذا كان حراً طيباً علكاً وفيه خضرا، فهو الغضراء.\rفإذا كان مخلوطا بالتبن، فهو السياع.\rفإذا جعل بين اللبن، فهو الملاط.\rتفصيل أسماء الرمال قال: العداب، ما استرق من الرمل.\rالحبل، ما استطال منه.\rاللبب، ما انحدر منه.\rالحقف، ما اعوج منه.\rالدعص، ما استدار منه.\rالعقدة، ما تعقد منه.\rالسقط، ما جعل يتقطع ويتصل منه.\rالنهبورة، ما أشرف منه.\rالتيهور، ما اطمأن منه.\rالشقيقة، ما انقطع وغلظ منه.\rالكثيب والنقا، ما احدودب وانهال منه.\rالعاقر، مالا ينبت شيئاً منه.\rالهدملة، ما كثر شجره منه.\rالأوعس، ما سهل ولان منه.\rالرغام، ما لا منه. وليس هو الذي يسيل من اليد.\rالهيام، ما لا يتمالك أن يمسك باليد منه للينه.\rالدكداك، ما التبد بالأرض منه.\rالعانك، ما تعقد منه حتى لا يقدر البعير على المسير فيه.\rترتيب كمية الرمل. قال الثعالبي: الكثير يقال له العقنقل.\rفإذا نقص، فهو كثير.\rفإذا نقص، فهو عوكل.\rفإذا تقص عنه، فهو سقط.\rفإذا نقص عنه فهو عداب.\rفإذا نقص، فهو لبب.\rوقال في كتابه الغريب: إذا كانت الرملة مجتمعة، فهي العوكلة.\rفإذا انبسطت وطالت، فهي الكثيب.\rفإذا انتقل الكثيب من موضع إلى آخر بالرياح وبقي منه شيء رقيق، فهو اللبب.\rفإذا نقص فهو العداب.\rتفصيل أسماء الطرق وأوصافها قال الثعالبي: المرصاد والنجد، الطريق الواضح؛ وكذلك الصراط والجادة والمنهج واللقم والمحجة، وسط الطريق ومعظمه.\rواللاحب، الطريق الموطأ.\rالمهيع، الطريق الواسع.\rالوهم، الطريق الذي يرد فيه الموارد.\rالشارع، الطريق الأعظم.\rالنقب والشعب، الطريق في الجبل.\rالخل، الطريق في الرمل.\rالمخرف، الطريق في الأشجار. ومنه الحديث: عائد المريض في مخارف الجنة.\rالنسيب، الطريق المستقيم؛ وقيل أنه المستدق الواضح، كطريق النمل والحية وحمر الوحش. والله أعلم.\rالباب الثالث\rفي طول الأرض ومسافاتها\rمن القسم الرابع من الفن الأول\rفي طول الأرض ومسافاتها","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"ذهب المتكلمون في ذلك أن مسافة الأرض خمسمائة عام: ثلث عمران، وثلث خراب، وثلث بحار؛ وأن مقدار المعمور من الأرض مائة وعشرون سنة: تسعون منها ليأجوج ومأجوج، واثنا عشر للسودان، وثمانية للروم، وثلاثة للعرب، وسبعة لسائر الأمم.\rوقيل أن الدنيا سبعة أجزاء: ستة منها ليأجوج ومأجوج، وواحد لسائر الناس.\rوقيل أن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ: للسودان منها اثنا عشر ألفاً، وللروم ثمانية آلاف فرسخ، ولفارس ثلاثة آلاف، وللعرب ألف.\rوقال وهب بن منية: ما العمارة من الدنيا في الخراب إلا كفسطاط في الصحراء.\rوقال أردشير بن بابك: إن الأرض أربعة أجزاء: جزء منها للترك جزء للعرب، وجزء للفرس. وجزء للسودان.\rوقيل: أن الأقاليم سبعة، والأطراف أربعة، والنواحي خمسة وأربعون، والمدائن عشرة آلاف، والرساتيق مائتا ألف وستة وخمسون ألفاً وقال الخوارزمي صاحب الزيج: دور المعمور سبعة آلاف فرسخ، وهو نصف سدس الأرض، والجبال، والمفاوز، والبحار. والباقي خراب يباب لا نبات فيه ولا حيوان. ومثل المعمور بصورة طائر، رأسه الصين، والجناح الأيمن الهند والسند، والجناح الأيسر الخزر، وصدره مكة والعراق والشام ومصر، وذنبه الغرب.\rوزعم أصحاب الهيئة أن قطر الأرض سبعة آلاف وأربعمائة وأربعة عشر ميلاً، وأن دورها عشرون ألف ميل وأربعمائة ميل. وذلك جميع ما أحاطت به من بر وبحر.\rوإنما علم ذلك وحرر من عبد الله المأمون، وذلك أنه لما أشكل عليه ما ذكره المتقدمون من مقدار الأرض بعث جماعة من أهل الخبرة بالحساب والنجوم - منهم علي بن عيسى - إلى برية سنجار. وتفرقوا من هناك. فذهب بعضهم إلى جهة القطب الشمالي، وذهب آخرون إلى جهة القطب الجنوبي،وسار كل منهم في جهته إلى وصل غاية ارتفاع الشمس نصف النهار، وقد زال وتغير عن الموضع الذي اجتمعوا فيه وترفقوا منه، مقدار درجة واحدة. وكانوا قد ذرعوا الطريق في ذهابهم، فنصبوا السهام، ووتدوا الأوتاد، وشدوا الحبال. ثم رجعوا وامتحنوا الذرع ثانية، فوجدوا مقدار درجة واحدة من السماء سامتت وجه بسيط الأرض ستة وخمسين ميلاً وثلثي ميل. \" والميل أربعة آلاف ذراع؛ والذراع ست قبضات؛ والقبضة أربع أصابع؛ والإصبع ست شعيرات، بطون بعضها إلى بعض؛ والشعيرة ست شعيرات من شعر الخيل \" .فضربت هذه الأميال في جميع درجات الفلك، وهي ثلثمائة وستون درجة، فخرج من الضرب عشرون ألف ميل وأربعمائة ميل. فحكم بأن ذلك دور الأرض.\rوقال أبو زيد أحمد بن سهل البلخي: مسافة طول الأرض من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب نحو من أربعمائة مرحلة، ومسافة عرضها من حيث العمران الذي من جهة الشمال \" وهو مساكن يأجوج ومأجوج \" إلى حيث العمران من جهة الجنوب \" وهو مساكن السودان \" مائتان وعشرون مرحلة؛ وما بين براري يأجوج ومأجوج والبحر المحيط في الجنوب خراب ليس فيه عمارة.\rويقال إن مسافة ذلك خمسة آلاف فرسخ.\rحكى هذه الأقوال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر رحمه الله.\rالباب الرابع\rالأقاليم\rمن القسم الرابع من الفن الأول\rفي الأقاليم السبعة ذهب أصحاب الزيجات إلى أن كل إقليم منها كأنه بساط ممدود، طوله من المغرب إلى المشرق، وعرضه من الجنوب إلى الشمال.\rفأما الإقليم الأول. فمبدؤه من مشرق أرض الصين إلى مدائن أبوابها. وهي الأنهار التي تدخل السفن فيها من البحر إلى المدائن الجليلة مثل خانقو وخانفور. وفيه جزيرة سرنديب. ومن أرض اليمن ما كان جنوبياً من صنعاء، مثل ظفار وحضرموت وعدن. وفيه من بلد النوبة دنقلة؛ ومن بلد السودان غانة. ثم ينتهي إلى البحر المحيط. وعرضه من خط الاستواء إلى مقدار ما يبعد عنه عشرون درجة وثلاث عشرة دقيقة.\rوذهب بعض الناس إلى أن أول المعمور من حيث يكون العرض وخط الاستواء اثنتي عشرة درجة ونصف وربع درجة، وفيما بين هذا العرض وخط الاستواء مسكون بطوائف من السودان في عداد الوحوش والبهائم. وعد فيه بطليموس من البلاد ذوات العروض ستين مدينة.وأهل هذه الإقليم سود، وهو قليل الساكن لإفراط حره.","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"أما الإقليم الثاني. فيبتدئ من بلاد الصين، ويمر على بعض بلاد الهند الساحلية مثل تانة،وصيمور، وسندان؛ ومن بلاد السند على المنصورة وديبل، ثم يبلغ عمان. ويكون فيه من أرض العرب: نجران، وهجر، وجنابة، ومهرة، وسبأ، وتبالة، والطائف، وجدة، ومكة، والمدينة، ومملكة الحبشة، وأرض البجة، وأسوان، وقوص، والصعيد الأعلى ، وجنوب بلاد المغرب حتى ينتهي إلى البحر المحيط؛ وعرضه من غاية الإقليم الأول إلى سبعة وعشرين درجة واثنتي عشرة دقيقة.\rوزعم بطليموس أن فيه أربعمائة وخمسين مدينة. وأهله بين السمرة والسواد، وهو كثير الذهب.\rأما الإقليم الثالث. فمبدؤه من شرق أرض الصين، وفيه مدينة مملكتها، حمدان؛ وفيه من بلاد الهند تانش والقندهار، ومن بلاد السند المولتان وقزدار. ثم يمر ببلاد سجستان، وكرمان، وفارس، وأصبهان، والأهواز، والبصرة، والكوفة، وأرض بابل، وبلاد الجزيرة، والشام، وفلسطين، وبيت المقدس، والقلزم، والتيه، وأرض مصر، والإسكندرية، وبلاد برقة، وإفريقية، وتاهرت، وبلاد طنجة، والسومن، وينتهي إلى البحر المحيط. وعرضه من غاية الإقليم الثاني في العرض إلى تمام ثلاث وثلاثين درجة وتسع وأربعين دقيقة.\rوزعم بطليموس أن فيه تسعا وخمسين مدينة. وأهله سمر.\rوأما الإقليم الرابع. فمبدؤه من أرض الصين، ويمر على التبت والحنق، ثم على بلاد قشمير، ووخان،وتل حسان، وكابل، والغور، وهراة، وبلخ، وطخارستان، ويمتد إلى الرى، وقم، وهمذان، وحلوان، وبغداد، والموصل، وأذربيجان. ويمتد على منبج، وطرسوس، والثغور، وأنطاكية، وجزيرة قبرس. وصقلية، ثم على الزقاق إلى البحر المحيط؛ وعرضه من غاية الإقليم الثالث في العرض إلى تتمة تسع وثلاثين درجة وعشرين دقيقة.\rوزعم بطلميوس أن فيه مائة وثلاثين مدينة. وأهله بين السمرة والبياض.\rوأما الإقليم الخامس. فمبدؤه من أرض الترك المشرفين على يأجوج ومأجوج إلى كاشغرا، وبلاساغون، وفرغانة، وإسبيجاب، والشاش، وأشروسنة، وسمرقند، وبخارى وخوارزم، وبحر الخزر إلى باب الأبواب، وبرذغة، وميافارقين، ودروب الروم، وبلادهم. ثم يمر على رومية الكبرى، وأرض الجلاقة، وبلاد الأندلس؛ وينتهي إلى البحر المحيط. وعرضه من غاية الإقليم الرابع إلى تمام ثلاث وأربعين درجة وثماني عشر دقيقة.\rوذكر بطلميوس أن فيه سبعة وتسعين مدينة. وأكثر أهله بيض.\rوأما الإقليم السادس فمبدؤه من مساكن ترك المشرق، وهم الخرخيز، والكيمال، والتغزغز، ثم على بلاد الخوز من شمال تخومها، واللان، والسرير، وأرض برجان، ثم على قسطنطينية، وأفرنجة، وشمال الأندلس، وينتهي إلى البحر المحيط؛ وعرضه من غاية الأقليم الخامس إلى تمام سبعة وأربعين درجة وخمسة عشر دقيقة.\rوزعم بطلميوس أن فيه ثلاثة وثلاثين مدينة، وهو كثير الإمداد والثلوج. وأهله بيض الأبدان، شقر الشعور، وأما الإقليم السابع. فليس فيه كبير عمارة، وإنما هو في المشرق غياظ وجبال يأوى إليها طوائف من الترك كالمتوحشين. ويمر على بلاد البجناك، ثم علة بلاد البلغار، قم على الروس والصقالبة، وينتهي إلى البحر المحيط. وعرضه من غاية الإقليم السادس إلى تتمة خمسين درجة ونصف. وفيه الأرض المحفورة، وهي وهدة لا يقدر أحد أن ينزل إليها، ولا أن يصعد منها من هو فيها لبعد قعرها. يسكنها أمة من الناس لا يدرى من هم. وإنما علم أنها معمورة برؤية الدخان فيها نهارا، والنار ليلا. يشقها نهر يجري، والعمارة محيطة به.\rوزعم بطليموس أن فيها ثلاثا وعشرين مدينة. وأهل الإقليم بيض صهب الشعور.\rوما بقي من المعمور إلى نهايته إلى ثلاث وستين درجة مضاف إلى هذا الإقليم ومحسوب فيه. يسكنه طوائف من الناس هم بالبهائم في الخلق والخلق أشبه منهم ببني آدم.\rما يتمثل به مما فيه ذكر الأرض\rيقال:أحمل من الأرض. أكتم من الأرض. أصبر من الأرض. آمن من الأرض. أوثق من الأرض. أوطأ من الأرض. أحفظ من الأرض. أكثر من الرمل. أظلم من الرمل. أعطش من الرمل. أوجد من التراب.\rويقال: قتل أرضاً عالمها، وقتل أرض جاهلها. رماه بين سمه الأرض وبصرها. أخذت الأرض زخارفها. أفق قبل أن يحفر ثراك. ابتغوا الرزق في خبايا الأرض.\rومن أنصاف الأبيات:\rالأرض من تربة والناس من رجل ... وإن تمطر الأرض السماء.\rومن الأبيات:","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"والأرض لا تطعم من فوقها ... إلا لكي تطعم من تطعمه\rقال آخر:\rإذا الأرض أدت ريع ما أنت زارع ... من البذر، فهي الأرض. ناهيك من أرض!\rوقال آخر:\rولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا، ... فكم تحتها قوم همو منك أرفع!\rوقال آخر:\rيا أرض كم وافد أتاك فلم ... يرجع إلى أهله ولم يؤب!\rوصف الأرض وتشبيهها قال الأخطل:\rوتيهاء ممحال كان نعامها ... بأرجائها القصوى أباعر همل.\rترى لامعات الآل فيها كأنها ... رجال تعرى تارة وتسربل.\rوجوز فلاة لا يغمض ركبها ... ولا عين هاديها من الخوف تغفل.\rوكل بعيد الغور لا يهتدي له ... بعرفان أعلام ولا فيه منهل.\rملاعب جنان كأن ترابها ... إذا اطردت فيها الرياح تغربل.\rترى الثعلب الحولى فيها كأنه ... إذا ما علا نشز حصان محجل.\rوقال ذو الرمة:\rودوية جرداء جداء خميت ... بها هبوات الصيف من كل جانب.\rسباريت يخلو سمع مجتازها بها ... من الصوت، إلا من صياح الثعالب.\rوقال ذو الرمة:\rوهاجرة السراب من الموامي ... ترقص في عساقلها الأروم.\rتموت قطا الفلاة بها أواما ... ويهلك في جوانبها النسيم.\rمللت بها المقام فأرقتني ... هموم لا تنام ولا تنيم.\rوقال ضابئ البرجمي:\rوداوية تيه يحاربها القطا ... على من علاها من ضلول ومهتدي.\rمسافهة للعيس ناء نياطها؛ ... إذا سار فيها راكب، لم يغرد.\rوقال مسلم بن الوليد:\rوقاطعة رجل السبيل مخوفة ... كأن على أرجائها حد مبرد.\rمؤزرة بالآل فيها كأنها ... رجال قعود في ملأ معمد.\rوقال الصاحب بن عباد:\rوتيهاء لم تطمث بخف وحافر ... ولم يدر فيها النجم كيف يغور.\rمعالمها أن لا معالم بينها، ... وآياتها أن المسير غرور.\rولو قيل للغيث، اسقها: ما اهتدى لها ... ولو ظل ملء الأرض وهو جذور.\rتجشمتها والليل وحف جناحه ... كأني سر والظلام ضمير.\rوقال الشريف الرضي:\rوتنوفه حصباؤها ... خلقت لنار القيظ جمرا.\rتبدأ جنادبها الأنين أسى على المجتاز ظهرا.\rوترى بها العصفور متخذا وجاز الضب وكرا.\rوقال المتنبي:\rمهالك لم يصحب بها الذئب نفسه ... ولا حملت فيها الغراب قوادمه.\rوقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسي:\rومفازة لا نجم في ظلمائها ... يسري ولا فلك بها دوار.\rتتلهب الشعرى بها فكأنها ... في كف زنجي الدجى دينار.\rيرمي بها الغيطان فيها والربى ... آل كما يتموج التيار.\rوالقطب ملتزم لمركزه بها ... فكأنه في ساجه مسمار.\rقد لفنا فيها الظلام وطاف بي ... ذئب يلم مع الدجى زوار.\rطراق ساحات الديار معاور ... خبث لأبناء السرى غدار.\rيسري، وقد فضح الدجى وجه الضيا، ... في فروة قد مسها اقشعرار.\rفعشوت في ظلماء لم يقدح بها ... إلا لمقلته، وباس نار.\rورفلت في خلع على من الدجى ... عقدت بها من أنجم أزرار.\rوالليل يقصر خطوه، ولربما ... طالت ليالي الركب وهي قصار.\rوقال آخر:\rمجهولة الأعلام طامسة الصوى ... إذا عسفتها العيس بالركب، ضلت.\rإذا ما تهادى الركب في فلواتها، ... أجابت نداء الركب فيها فأصدت.\rوقال مسعود أخو ذي الرمة يصف بعد فلاة:\rومهمهة فيها السراب يلمح ... يدأب فيها القوم حتى يطلحوا.\rثم يظلون كأن لم يبرحوا ... كأنما أمسوا بحيث أصبحوا.\rوقال مسلم:","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"تجري الرياح بها مرضى مولهة ... حسرى تلوذ بأطراف الجلاميد.\rوقال آخر:\rودية مثل السماء قطعتها ... مطوقة آفاقها بسمائها.\rوقال بعض الأعراب في الآل:\rكفى خزنا أنى تطاللت كي أرى ... ذرى علمي دمخ فما يريان!\rكأنما، والآل ينجاب عنهما ... من البعد عيناً برفع خلقان.\rقال أبو هلال: وهذا من أغرب ما روي من تشبيهات القدماء.\rوقال آخر:\rوالآل تنزو بالصوى أمواجه ... نزوالقطا الكدري في الأشراك.\rوالظل مقرون بكل مطية ... مشى المهار الدهم بين رماك.\rوقال ابن المعتز:\rوما راعني بالبين إلا ظعائن ... دعون بكائي، فاستجاب سواكبه.\rبدت في بياض الآل والبعد دونه ... كأسطر رق أمرض الخط كاتبه.\rالباب الخامس\rمن القسم الرابع من الفن الأول\rالجبال\rقال الله تعالى: وألقي في الأرض رواسي أن تميد بكم.\rوقال المفسرون: خلق الله عز وجل الأرض على الماء فمادت وتكفأت، كما تتكفأ السفينة، فأثبتها بالجبال. ولولا ذلك ما أقرت عليها خلقا.\rوروى أبو حاتم في كتاب العظمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى لما خلق الأرض، جعلت تميد. فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فعجبت الملائكة من خلق الجبال، وقالت: يا رب هل خلقت خلقاً أشد من الجبال؟ قال: الحديد، قالت: فهل من خلق أشد من الحديد؟ قال: النار، قالت: فهل من خلق أشد من النار؟ قال: الماء، قالت: فهل من خلق أشد من الماء؟ قال: الريح، قالت: فهل من خلق أشد من الريح؟ قال: ابن آدم، يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض. فبعث الله ريحاً فعصفت الماء فأبرز عن حشفة في موضع البيت. فدحا الأرض من تحتها فمادت فأوتدها بالجبال.\rفكان أول حبل وضع، جبل أبي قبيس. وهو الجبل المطل على الكعبة. وفي كنيته بأبي قبيس قولان: أحدهما أن آدم كناه بذلك حين اقتبس منه النار التي بين أيدي الناس \" وقد تقدم بيان ذلك في الباب الرابع من القسم الثاني من هذا الفن في ذكر النيران \" .\rالثاني أنه أضيف إلى رجل من جرهم كان يتعبد فيه،اسمه أبو قبيس. ويقال فيه أبو قابوس، وشيخ الجبال. وكان من قبل يسمى بالأمين.\rوقال محمد بن السائب الكلبي: أن الله عز وجل لما خلق الأرض، مادت بأهلها. فضربها بجبل السراة فاطمأنت.\rوهو أعظم جبال العرب وأكثرها خيرا، ويسمى الحجاز. وهو الذي حجز بين تهامة ونجد. فتهامة من جهته الغربية مما يلي البحر، ونجد من جهته الشرقية. وهو أخذ من قعر عدن إلى أطرار الشام. ويسمى هناك جبل لبنان. فإذا تجاوز اللاذقية ومر بالثغور، سمي جبل اللكام. ثم يميد في بلاد الروم إلى بلاد أرمينية، فيسمى هناك حارثة وحويرثا. ثم يمتد إلى بحر الخزر، وفيه الباب والأبواب. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ق والقرآن المجيد إنه جبل محيط بالعالم من زمرده خضراء، وإن جبال الدنيا متفرعة عنه.\rوقال قوم: إن السماء مطبقة عليه والشمس تغرب فيه، وهو الحجاب الساتر لها عن أعين الناس، في أحد الوجوه المفسر بها قوله تعالى: حتى توارت بالحجاب. وقال قوم: إن منه إلى السماء مقدار ميل، وأن الذي يرى من خضرة السماء مكتسب من لونه.\rوقال ابن حوقل : جميع الجبال الموجودة في الدنيا متفرعة عن الجبل الخارج من بلاد الصين، مشرقاً ذاهباً على خط مستقيم إلى بلاد السودان مغربه.\rوقال أبو الفرج قدامة بن جعفر في كتاب الخراج: وجدت خلف خط الستواء في الجنوب وقبل الإقليم الأول جبالاً تسعة: خمسة منها متقاربة المقادير، أطوالها ما بين أربعمائة ميل إلى خمسمائة ميل؛ وجبلا طوله سبعمائة ميل؛ وجبل القمر، وطوله ألف ميل؛ وجبلا بعضه وراء خط الاستواء، وبعضه في الإقليم الأول؛ وجبلا بعضه وراء خط الاستواء، وبعضه في الإقليم الثاني.","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"قال: ومجموع ما عرف في الأقاليم السبعة من الجبال مائة وثمانية وتسعون جبلا منها في الإقليم الأول سبعة عشر جبلا، وفي الإقليم الثاني تسع وعشرون جبلا، وفي الإقليم الثالث أحد وثلاثون جبلا، وفي الإقليم الرابع أربع وعشرون جبلا، وفي الإقليم الخامس تسعة وعشرون جبلا، وفي الإقليم السادس أربعة وعشرون جبلا، وفي الإقليم السابع أربعة وأربعون جبلا.\rأسماء ما ارتفع من الأرض إلى أن يبلغ الجبيل، ثم ما ارتفع عن ذلك إلى أن يبلغ الجبل العظيم وترتيب ذلك.\rوقال الثعالبي في كتابه المترجم بفقه اللغة وأسنده إلى أئمتها: أصغر ما ارتفع من الأرض النبكة؛ ثم الرابية أعلى منها؛ ثم الأكمة؛ ثم الزبية؛ ثم النجوة، ثم الريع؛ ثم القف؛ ثم الهضبة \" وهو الجبل المنبسط على الأرض \" ؛ ثم القرن \" وزهو الجبل الصغير \" ؛ ثم الدك \" وهو الجبل الذليل \" ؛ ثم الضلع \" وهو الجبل الذي ليس بالطويل \" ؛ ثم النيق \" وهو الجبل الطويل \" ؛ ثم الطود؛ ثم الباذح والشامخ؛ ثم الشاهق؛ ثم المشمخر؛ ثم الأقود والأخشب؛ ثم الأيهم؛ ثم القهب \" وهو العظيم \" ؛ ثم الخشام.\rترتيب أبعاض الجبل قال الثعالبي: أول الجبل الحضيض، وهو القرار من الارض عند أصل الجبل.\rثم السفح، وهو ذيله.\rثم السند، وهو المرتفع في أصله.\rثم الكيح، وهو ما أطاف به.\rثم الريد، وهو ناحيته المشرفة على الهواء.\rثم العرعرة، وهي غلظة ومعظمة.\rثم الحيد، وهو جناحه.\rثم الرعن، وهو أنفه.\rثم السعفة، وهي رأسه.\rوقال صاحب كتاب الفاخر: يقال من أسماء الجبال: العظيم منها الطور، والطود، والكفر، والقهب، والعمود، والعلم، والأرعن، والمشمخر.\rوالأيهم الطويل وهو الشامخ، والشاهق، والباذخ، والباسق، والأقود.\rوالأخشب، والخشن.\rوالعقاب، الصعاب.\rوالثنايا، التي ليست بصعبة.\rوالهرشم، النخر.\rوالخشام، جبل طويل ذو أنف.\rوالوزر، والملجأن والقلعة، ما يحصن فيه.\rوالقرن، جبل صغير.\rوالضلع والدك، فيه دقة وانحناء.\rوالنيق، الذي لا يستطاع أن يرتقى إليه.\rوأعلى الجبل قلته وقنته وذؤابته.\rوعرعرته، غلظه.\rوالفند، القطعة منه.\rوشعفه ومصاده، أعلاه.\rوالكيح والكاح، عرضه.\rوالركح، ناحيته المشرفة على الهواء.\rوالخضيض، أسفله.\rقال: وصغار الجبال، اليفع، والضرس، والضرب، والعنتبية، والعنتوت، والأكمة، والهضبة.\rوالذريحة ما انبسط على وجه الأرض.\rواللوذ، حضن الجبل وما يطيف به.\rوالريد والريود، نواحيه المحددة.\rوالحيد، شاخص يتقدم كالجناح. ومثله الشنعوف.\rوالصدع والشقب، شق فيه.\rوالغار والكهف، مثل البيوت فيه.\rوالقردوعة، الزاوية فيه.\rواللهب والنفنف والغار، مهواة بين جبلين.\rوالشؤون، خطوط فيه.\rوالمخرم، منقطع أنفه.\rوالقرناس، شبه الأنف.\rوالإرم، العلم فيه.\rترتيب مقادير الحجارة قال الثعالبي: إذا كانت صغيرة فهي حصاة.\rفإذا كانت مثل الجوزة وصلحت للاستنجاء بها، فهي نبلة. وفي الحديث: اتقوا الملاعن وعدوا النبل. يعني عند إتيان الغائط.\rفإذا كانت أعظم من الجوزة فهي قنزعة. فإذا كانت أعظم منها وأصلحت للقذف، فهي مقذاف ورجمة ومرداة. ويقال: إن المرداة، حجر الضب الذي ينصبه علامة لحجره.\rفإذا كانت ملء الكف، فهي يهير.\rفإذا كانت أعظم منها، فهي: فهر، ثم جندل، ثم جلمد، ثم صخرة، ثم قلعة. وهي التي تنقلع ن عرض الجبل. وبها سميت القلعة التي هي الحصن.\rوقال صاحب كتاب الفاخر: من أسمائها الحجارة، والجلمود والجلمد الحجر الصلب.\rوالبرطيل، الصخرة العظيمة.\rوالصفوان، الأملس.\rوالرضمة، الحجر العظيم.\rوالأتان، صخرة في مسيل ماء أو حافة نهر.\rوالإزاء، التي عند مهراق الدلو.\rوالرجمة، ما تطوى به البئر.\rوالكذان، الرخو.\rواليرمع، الأبيض الرخو.\rوالمدق والمداك والصلاية، حجر العطار الذي يسحق عليه العطر.\rوالفهر، ما يملأ الكف ويسحق به العطر.\rوالمرداة، ما يكسر به الحجر.\rوالمرداس ما يرمى به في البئر لينظر أفيها ماء أم لا. قال الشاعر:\rمن جعل العد القديم الذي ... أنت له عدة أحراس،\rإلى ظنون أنت من مائه ... منتظر رجعة مرداس.\rوالنشف، حجر تدلك به الرجل في الحمام.\rوالنقل، ما كان في طرق الجبال.","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"والأثقية. ما ينصب عليه القدر.\rوالقلاعة، ما يرمى به في المقلاع.\rوالظران، حجارة محددة يذبح بها.\rوالصفيح، ما رق منه عرض.\rواللخاف، حجارة عراض.\rوالفلك، قطعة مستديرة وترتفع عما حولها.\rوالمدملك، المدور.\rوالكليت، حجر مستدير يسد به وجار الضبع.\rوالبليت، التام.\rوقال ابن الأعرابي: القبيلة، صخرة على رأس البئر، والعقابان من جنبتيها يعضدانها.\rومنها المرو، وهي البيض كالحصى.\rوالحصباء، الصغار.\rوالرضراض، نحوها.\rوالقضيض، أصغر منها.\rوالزنانير، واحدها زنير، أضغر ما يكون.\rما يتمثل به من ذكر الجبال والحجارة ما جاء من ذلك على لفظ أفعل. يقال: أثقل من ثهلان. أثقل من نضاد. أثقل من أحد. أصلب من الحجر. أصلب من الجندل. أقسى من الحجر. أصبر من حجر. أيبس من صخر. أبقى من النقش في الحجر.\rويقال: رمي فلان بحجره. رد الحجر من حيث جاءك. وجه الحجر وجهة ما، أي دبر الأمر على وجهه. ألقمه الحجر، أي جاوبه بجواب مسكت. رماه بثالثة الأثافي. أنجد من رأى حضنا \" وحضن جبل بنجد \" أي من رآه لم يحتج أن يسأل هل بلغ نجداً أم لا. الليل يواري حضنا، أي يخفي كل شيء حتى الجبل.\rومن أنصاف الأبيات:\rكأنه علم في رأسه نار ... إذا قطعنا علما بدا علم\rقوموا انظروا كيف تزول الجبال\rيضرب لموت الرؤساء\rجندلتان اصطكتا اصتكاكا\rيصرب لقرنين يتصاولان\rومن الأبيات:\rولو بغى جبل يوما على جبل، ... لانهد منه أعاليه وأسفله!\rتتناثر الأطواد وهي شوامخ ... حتى تصير مداوس الأقدام.\rجد فقد تنفجر للصخرة ... بالماء الزلال.\rفي وصف الجبال وتشبيهها قال السموءل بن عاديا:\rلنا جبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل!\rرسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا يرام طويل!\rقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسي:\rأرعن طماح الذؤابة باذخ ... يطاول أعنان السماء بغارب.\rيصد مهب الريح من كل وجهة ... ويزحم ليلا شبهه بالمناكب.\rوقور على ظهر الفلاة كأنه ... طوال الليالي ناظر في العواقب.\rيلوث عليه الغيم سود عمائم ... لها من وميض البرق حمر ذوائب.\rأضحت إليه وهو أخرس صامت ... فحدثني ليل السرى بالعجائب.\rوقال: ألا كم كنت ملجأ فاتك ... وموطن أواه وموئل تائب!\rوكم مر بي من مدلج ومؤوب ... وقال بسفحي من مطي وراكب!\rولا طم من نكب الرياح معاطفي ... وزاحم من خضر البحار جوانبي!\rفما كان إلا أن طوتهم يد الردى ... فطارت بهم ريح النوى والنوائب.\rوما غيض السلوان دمعي كل عبرة ... يترجمها عنه لسان التجارب.\rفسلى بما أبكى، وسر بما شجى، ... وكان على ليل السرى خير صاحب.\rوقلت وقد نكبت عنه مطيتي: ... سلام فأنا مقيم وذاهب!\rوقال أيضاً عفا الله عنه:\rوأشرف طماح الذؤابة شامخ ... تمنطق بالجوزاء ليلا، له خصر.\rوقور على مر الليالي كأنما ... يصيخ إلى نجوى وفي أذنه وقر.\rتمهد منه كل ركن زكا به ... فقطب إطراقا وقد ضحك البدر.\rولاذ به نسر السماء كأنما ... يجر إلى وكر به ذلك النسر.\rفلم أدر من صمت له وسكينة ... أكبرة سن وقرت منه أم كبر.\rوقال أيضاً يصفه نثرا من رسالة كتبها لبعض الرؤساء: وكيف لي بقربك ودونك كل علم باذخ، مج الليل عليه رض به، وصافحت النجوم هضابه؛ قد ناء بطرفه؛ وشمخ بأنفه، وسال الوقار على عطفه، قد لاث من غمامه عمامه، وأرسل من ربابه ذؤابه؛ تطرزها البروق الخواطف، وتهفو بها الرياح العواصف؛ بحيث مده البسيط بساطا، وضريب السماء فسطاطا.\rالباب السادس:\rمن القسم الرابع من الفن الأول\rفي البحار والجزائر","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما أراد الله عز وجل أن يخلق الماء خلق ياقوتة خضراء ووصف من طولها وعرضها وسمكها، ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء يترقرق لا يثبت في ضحضاح. فما يرى من التموج والاضطراب إنما هو ارتعاده من خشية الله تعالى؛ ثم خلق الريح فوضع الماء على منته؛ ثم خلق العرش ووضعه على متن الماء. وفسر بهذا قوله عز وجل: وكان عرشه على الماء.\rبحار المعمور من الأرض وبحار المعمور ثلاثة: أعظمها البحر المحيط، ثم ما نطيش، ثم بحر الخزر.\rفأما البحر المحيط وجزائره، ويسمى باليونانية أوقيانوس، ويسمى بحر الظلمات، سمي بذلك لأن ما يتصاعد من البخار عنه لا تحلله الشمس لأنها لا تطلع عليه. فيغلظ ويتكاثف فلا يدرك البصر هيئته. ولعظم أمواجه، وتكاثف ظلمته، وغلظ مائه، وكثرة أهوائه، لم يعلم العالم من حاله إلا بعض سواحله وجزائره القريبة من المعمور. والذي علم به من الجزائر ستة من جهة المغرب، تسمى جزائر السعادات، والجزائر الخالدات.\rقال أبو عبيد البكري في كتابه المترجم بالمسالك والممالك: وبإزاء طنجة الجزائر المسماة باليونانية، فرطناتس أي السعيدة. وسميت بذلك لأن في شعرائها وغياضها كلها أصناف الفواكه الطيبة من غير غراسه ولا فلاحة، وأن أرضها تحمل الزرع مكان العشب،وأصناف الرياض بدل الشوك. وهي متفرقة متقاربة.\rويقال إن بعض المراكب عصفت عليها الريح فألقتها إلى جزيرة من هذه الجزائر، فنزل من فيها من الركاب إليها، فوجدوا فيها من أنواع أشجار الفواكه وأشجار الأفاويه وأنواع اليواقيت كل مستحسن. فحملوا منه ما أطاقوا ودخلوا به بلاد الأندلس. فسألهم ملكها من أين لهم هذا. فأخبروه بأمرهم. فجهز مراكب وسيرها، فلم يقفوا على جزيرة منها. وعدمت المراكب لعظم البحر وشدة عصف الريح فلم يرجع منها شيء.\rويقال إن هذه الجزائر مسكونة بقوم هم الوحوش أشبه منهم بالناس. وبينها وبين ساحل البحر عشرة أجزاء.\rويقال إن في جهة المشرق مما يلي بلاد الصين ستة جزائر أخرى، تسمى جزائر السيلي. يقال إن ساكنيها قوم من العلويين، وقعوا إليها لما هربوا من بني أمية.\rويقال أن جزائر السيلي لم يدخلها أحد من الغرباء وطاوعته نفسه على الخروج منها لصحة هوائها ورقة مائها، وإن كان منها في عيش قشيف.\rوفي هذا البحر من الجزائر العامرة جزيرة برطانية، وهي تحاذي جزيرة الأندلس، وأهلها صهب الشعور، زرق العيون.د ومما يلي بلاد إفرانسية جزائر يعمرها خلق من الفرنج، لا ينقادون لبلد، ولا يدينون بدين.\rوفيما يلي الأرض الكبيرة جزيرة ذات أبرجة، تحيط بها سبعمائة ميل وخمسون ميلا،وفيهاأربع مدائن، وفي كل مدينة ملك.\rوجزيرة برغافة. يحيط بها أربعة آلاف ميل، وفيها ثلاث مدائن عامرة. والداخل إليها قليل. وهي كثيرة الأنواء والأمطار. وأهلها يحصدون زرعها قبل جفافه لقلة طلوع الشمس عندهم، ويجعلونه في بيت ويوقدون النار حوله حتى يجف.\rوجزيرة أنقلطرة. فيها مدائن عامرة، وحبال شاهقة،وأودية، وأرض سهلة، والشتاء بها دائم، وبين هذه الجزيرة والبر مجاز سعته اثنا عشر ميلا.\rوفيه مما يلي الصقالبة جزيرتان: إحداهما جزيرة أمر نانيوس النساء، لا يسكنها غير النساء فقط. وتسمى الأخرى أمرنانيوس الرجال، ولا يسكنها غير الرجال. وهم في كل عام يجتمعون زمان الربيع، ويتناكحون نحو شهر ثم يفترقون.\rويقال إن هاتين الجزيرتين لا يكاد يقع طرف أحد عليهما لكثرة الغمام، وظلمة البحر، وعظم الأمواج.\rما يتفرع من البحر المحيط يتفرع من البحر المحيط خليجان: أحدهما من جهة المغرب، ويسمى البحر الرومي. والآخر من جهة المشرق، ويسمى البحر الصيني، والهندي، والفارسي، واليمني، والحبشي، بحسب ما يمر عليه من البلاد.\rوهما المرادان بقوله تعالى: \" مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان \" .\rأي لا يبغي هذا على هذا.\rوالبرزخ أرض بين الفرما التي هي على بحر الروم، وبين مدينة القلزم التي هي على بحر الحبش، مسافتها ثلاثة أيام. وقيل: البرزخ إرسال ماء البحر الحلو على ماء البحر الملح، لأنه مغيض له. فلا سبيل لأحدهما على الآخر، بل جعل الله بينهما حاجزا وهو البرزخ.","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"فإما البحر الرومي وجزائره، فإن المؤرخين قالوا إن الإسكندر حفره وأجراه من البحر المحيط. يقولون إن جزيرة الأندلس وبلاد البربر أرضا واحدة يسكنها الإشبان والبربر. وكان بعضهم يغير على بعض، والحرب بينهم سجال. فلما ملك الإسكندر، رغب إليه فيما يحول بينهم وبين البربر. فرأى أن يجعل بينهما خليجا من البحر يمكن به احتراس كل طائفة من الأخرى. فحفر زقاقا طوله ثمانية عشر ميلا، وعرضه اثنا عشر ميلا. وبنى بجانبيه سكرين، وعقد بينهما قنطرة يجاز عليها، وجعل عليها حراسا يمنعون الجوار عليها من جهة البربر إلا بإذن من جعله ناثبا عنه في بلاد الإشبان. وكان قاموس البحر أعلى من أرض الزقاق، فطما وغطى السكرين والقنطرة، وساق بين يديه بلادا وطغا على أخرى. حتى إن المسافرين فيه يخبرون أن المراكب في بعض الأوقات يتوقف سيرها فيه مع وجود الريح. فيسبرون أمرها؛ فيجدون المانع لها سلوكها بين شرفات السور أو بين حائطين.\rفعظم طولا وعرضا،وصار بحرا.\rقال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر: وقد زاد عرضه ستة أميال عما كان عليه في زمن الإسكندر. فصار ثمانية عشر ميلا.\rقال: وزعم السالكون فيه أن البحر ربما جزر في بعض الأوقات، فترى القنطرة. قالوا: وهذا الزقاق صعب شديد متلاطم الأمواج مهول، شبيه بما جاوره من البحر المحيط.\rوأهل الأندلس يقولون إن بين هذا البحر وبين البحر المحيط بحرا يسمونه بحر الأيلاية بتفخيم اللم. وهو بحر عظيم الموج صعب السلوك.\rومبدأ جريه من البحر الرومي من الإقليم الرابع. فإذا خرج من الزقاق يمر مشرقا في جهة بلاد البربر وشمال المغرب الأقصى إلى أن يمر بالمغرب الأوسط، إلى إفريقية، إلى برقة، وإلى الإسكندرية، إلى شمال أرض التيه وأرض فلسطين. فيمر بسواحل الشام إلى أن يصل إلى السويدية التي هي فرضة أنطاكية، وعندها حجز البحر. ومنها يعطف فيمر على العلايا وأنطاكية \" وهما فرضتان لبلاد الروم \" ، ثم على ظهر بلاد قسطنطينية إلى أن ينتهي إلى المكان الذي منه خرج. وطوله خمسة آلاف ميل،وقيل ستة آلاف. وعرضه مختلف: ففي موضع ثلثمائة ميل، وموضع ستمائة ميل، وفي موضع سبعمائة.\rويقال إن فيه ما يزيد على مائة وسبعين جزيرة. كانت عامرة بطوائف من الفرنج، أخرب المسلمون أكثرها بالمغازي في صدر الإسلام.\rوأجل ما ملك المسلمون منها، ثم انتزع أكثره من أيديهم: جزيرة الأندلس.\rوجزيرة يابسة. وهي حيال جزيرة الأندلس، ومسافتها يومان في يوم. وفيه مدينة صغيرة مسورة.\rوجزيرة منرقة، ومسافتها يومان ونصف يوم، وفيها مدينة عامرة.\rوجزيرة ميورقة. ويقال فيها مايورقه. ومسافتها يومان في يومين، ويها مدينة.\rوجزيرة رودس. وهي حيال بلاد أفرنجة. ويحيط بها ثلثمائة ميل وفيها حصنان.\rوجزيرة سردانية. طولها مائتان وثمانون ميلا. وفيها ثلاث مدائن كبار. وسكانها قوم من الفرنج متوحشون. وبها معدن فضة.\rوجزيرة صقلية. وهي حيال إفريقية مضاهية لجزيرة الأندلس. وشكلها مثلث. يحيط بها خمسمائة ميل. كثيرة الجبال، والحصون، والأمصار، والأنهار، والأشجار.\rومما فيها من المدن المشهورة على ساحل البحر: بلرمو. وبها يكون الملك؛ وكانت قصبة الجزيرة بعد أن فتحها المسلمون ثم النتقل الناس منها إلى الخالصة. وهي محدثة. بنيت في أيام القائم ابن المهدي العبيدي في سنة خمس وعشرين وثلثمائة. ثم صارت بلرمو وبقيت الخالصة ربضا لها؛ وقطانية. وكانت عظمية فأحرقها البركان الذي في الجزيرة. فبنى الأمبراطور مدينة عوضها، وسماها غشطارة.\rومسيني. وهي على أحد أركان الجزيرة.\rوسرقوسة. وهي على الركن الآخر، والبحر محيط بها من ثلاث جهاتها.\rوطرابنش. وهي على الركن الثالث، والبحر محيط بها. ولها مجاز.\rومن بلاد هذه الجزيرة البرية: والشاقة، ومازر، وكركنت، ونوطس، وطبرمين، وقصريانة، والنور، ورغوص، وغليظة، وغير ذلك.\rوبهذه الجزيرة. \" يقال بجزيرة ملاصقة لها \" بركان، وهو أطمة يخرج منها أجسام كأجسام الناس بغير رؤوس من النار، فتعلوا في الهواء ليلا ثم تسقط في البحر، فتطفوا على وجه الماء. فمنها يكون حجر المرو الذي تحك به الأرجل.\rوجزيرة بلونس. ودورها ألف ميل. ولها مجاز إلى البر الطويل، عرضه ستة أميال. فيها ما يزيد على خمسين مدينة؛ القواعد منها خمس عشرة مدينة، وهي مشهورة عند الفرنج.","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"وجزيرة مالطة. وطولها أربعة وعشرةن ميلا، وعضها اثنا عشر وفي وسطها مدينة واحدة.\rوجزيرة قوسرة. وفيها مواضع متوحشة.\rوجزيرة أقريطش. وهي حيال برقة. طولها ثلثمائة ميل، وعرضها مائة وثلاثون ميلا. وبها مدينتان: إحداهما تسمى الخندق، والأخرى تسمى ربض الجبن. وفيها معدن ذهب.\rوجزيرة قبرس. وهو اسم النحاس، لأن بها معدن النحاس. يحيط بها ألف ميل وخمسمائة ميل. وفيها من المدن الجليلة، ليسمون، والباف بباء مفخمة، والماغوطة. وكلها في البحر. وفي وسط الجزيرة مدينة الأفقسية، وهي القصبة. وبها يكون متولي الجزيرة.\rويخرج من هذا البحر خليجان أحدهما يسمى جون البنادقة، والآخر يسمى خليج كبير متسع ليس له فوهة. وإنما هو جون له ركنان، سعة ما بينهما سبعون ميلا. ويحيط بهذا الجون مدن جليلة لطائفة من الفرنج تسمى البنادقة. وهي ذوات حصون وقلاع ممتنعة.\rومبدؤه من شرقي بلاد قلورية عند مدينة تسمى أذرنت، ومنتهاه بلاد إيكلاية. ومن هناك يعطف، وطوله ألف ميل ومائة ميل. وفيه ست جزائر، ثلاثة منها في ضفة، وثلاثة في أخرى، وبها مدن عامرة. وثلاثة معترضة بين ركنيه مهملة لا ساكن بها.\rوأما خليج القسطنطينية. ويسمى بحر نيطش فإن فوهته مقابلة لجزيرة رودس، وسعتها غلوة سهم. ويقال إنه كان بين الشطين سلسلة طرفاها في برجين تمنع المراكب من العبور إلا بإذن الموكل بها.\rويمر هذا الخليج نحو مائتي ميل وخمسين ميلا إلى أن ينتهي إلى القسطنطينية فتكون في غربيه، ويحيط بجهتين منها.\rوهي مدينة عظيمة مشهورة. وعرض البحر عندها أربعة أميال.\rثم يمر ستين ميلا حتى ينصب في بحر ما نيطش. وهو بحر سوداق. وعرض فوهته هناك عشرة أميال. وفي موضع أقل، وفي موضع أكثر.\rفهذا البحر الرومي وجزائره وما تفرع منه.\rوالله أعلم.\rوأما بحر الهند وجزائره فمبدؤه من مشرق الصين فوق خط الاستواء. ويجري إلى جهة الغرب، فيجتاز ببلاد الواق، وبلاد سفالة الزبخ، ثم ببلاد الزبخ حتى يصل إلى بلاد بربرا، وهناك حجزه.\rوأما الشرقي: فمبدؤه من لوقين، وهي أول مرافئ الصين ثم بخانقو فرضة الصين العظمى؛ ثم إلى سمندور من بلاد الهند؛ ثم إلى حارتين، إلى قندرينه، إلى تانه، إلى سنددابور، إلى بروص \" ويقال بروج، وإليها ينسب القماش البروجي \" ، إلى صيمور، إلى سندان، إلى سوتارة، إلى كنباية. \" وإليها ينسب القماش الكنبايتي \" ، إلى دبيل \" وهي أول مرافئ السند \" ؛ ثم إلى سرون، ثم إلى التير من بلاد مكران، وهي أحد ركني الخليج الفارسي. والركن الآخر يسمى رأس الجمجمة: وهو جبل خارج في البحر، ومن هناك يسمى بحر اليمن، ثم يمتد على ظفار؛ ثم على الشحر ساحل بلاد مهرة؛ ثم على شرمة ولسعا \" ساحلي بلاد حضرموت \" ، ثم على أبين، ثم على عدن، ثم المخنق، ثم العارة، ثم يمتد إلى باب المندب.\rومن هناك يخرج خليج القلزم، وطوله ثمانية آلاف ميل، وعرضه يختلف. في موضع ألف ميل وسبعمائة ميل، وفي موضع ألفان، وفي موضع دون ذلك.\rويقال: إن بينه وبين البحر بحرا آخر يسمى البحر الزفتي، سمي بذلك لظلمته وسواده، وطوله ألف ميل وخمسمائة ميل.\rوهذا البحر - أعني الهندي - بجملته قسمه السالكون له ست قطع، وضعوا لها أسماء مختلفة.\rفالذي يمر بأرض الصين يسمى بحر صنجي، ينسب لمدينة في جزيرة من جزائره. وهو بحر كثير الأمواج مهول. فإذا كان في أول هياجه ظهر فيه بالليل أشخاص سود، طول الواحد منهم خمسة أشبار وأقل من ذلك. يصعدون إلى المراكب ولا يضرون أحدا. فإذا عاينهم السفار، أيقنوا بالدمار. وإذا قدر الله تعالى نجاتهم من هذه الشدة. أراهم على رأس الدقل طائرا أبيض كأنما خلق من النور، فيتباشرون به. فإذا ذهب عنهم الروع، فقدوه.\rوفيه من الجزائر المعمورة: جزيرة شريرة. يحيط بها ألف ميل ومائتا ميل. فيها مدائن كثيرة، أجلها المدينة التي تنسب إليها، ومنها يجلب الكافور.\rوجزيرة صنجي. وإليها تنسب هذه القطعة. وطولها مائتا ميل؛ وعرضها أقل من ذلك. وفيها جواميس وبقر بغير أذناب.\rوجزيرة أنفوجة. يحيط بها أربعمائة ميل. عمارتها متصلة.","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"ويلي هذه القطعة قطعة تسمى بحر الصنف. وفي جزيرة من جزائره مدينة. وهو بحر خبيث كثير الأمطار والرياح الشديدة. وفي جباله معادن الذهب والرصاص، وفيه مغاص اللؤلؤ، وفي غياضه الخيزران. وفيه مملكة المهراج. ويشتمل على جزائر لا تحصى، ولا يمكن المراكب أن تطوف بها في سنة. وفيها أنواع الطيب من الكافور، والقرنفل، والعود، والصندل، والجوزبوي، والبسباسة، والكبابة.\rومن جزائره المشهورة: جزيرة الزانج. وتكسيرها سبعمائة فرسخ، وبها يكون المهراج، وهو اسم يطلق على من ملكها.\rوجزيرة البركان، وهي جزيرة فيها جبل يرمي بالشرر ليلا، وبالرعود والقواصف نهارا، وهي أحد آطام الدنيا المشورة.\rوجزيرة قمار. وإليها ينسب العود القماري. وبها شجر الصندل. دورها أربعة أشهر. وهي مأوى عباد الهند وعلمائهم. ويسمى ملكها قامرون.\rوجزائر الرامي. وهي نحو ألف جزيرة معمورة. بها الملوك. وفيها معادن الذهب، وشجر الكافور.\rوجزائر لنجيالوس. ويقال لنكيالوس. وهي كثيرة، وأهلها سود، مشوهو الصور لقربها من خط الاستواء. وبها معادن الحديد.\rويلي هذه القطعة قطعة تسمى بحر لاروي، وبحر كله، وبحر الجاوه، وبحر فنصور. وإنما ترادفت عليه هذه الأسماء بحسب ما يمر عليه من البلاد والجزائر.\rوهو بحر لا يدرك قعره. وفيه نحو ألف جزيرة النارجيل، لكثرته بها. وكلها عامرة بالناس. وبين الجزيرة والجزيرة الفرسخ والفرسخان. وليس يوجد في سائر جزائر البحر ألطف صنعة من أهل جزائره في سائر المهن. وبيوت أمواله الودع.\rومن جزائره المشهورة مما يلي أوائل بلاد الهند: جزيرة الماند. وهي جزيرة يحيط بها ألف ميل. وفيها ثلاث مدن كبار.\rوجزيرة بلي. منسوبة لمدينة من الهند على ساحله. يأتيها التجار لأجل الفلفل.\rوجزائر الذئاب. وهي كثيرة. وأكبرها جزيرة ديني. وسكانها قبائل من العرب. ويحيط بها أربعمائة ميل. وفيها الموز، وقصب السكر.\rوجزيرة السيلان. وطولها ستمائة ميل. وعرضها قريب من ذلك. وفيها مدن كثيرة. وإليها ينسب العود السيلي.\rوجزيرة كله. وإليها ينسب البحر. وهي جزيرة خطيرة، طولها ثمانمائة ميل، وعرضها ثلثمائة ميل وخمسون ميلا. وبها من المدن فنصور. وفيها شجر الكافور \" وفيها العود الفاخر \" وملاير، ولاروي، وكله \" وإليها ينسب الدهن \" . ولكل مدينة من هذه المدن خور تعبره المراكب من البحر.\rوجزيرة صندابولات. وطولها نحو من مائتي ميل، وعرضها نحو مائة ميل. تنسب إلى مدينة هي فيها.\rوجزائر بداميان. فيها أمم سود، قباح الوجوه. قامة الرجل منهم أقل من ذراع. ليس لهم مراكب. فإذا وقع إليهم غريق أو من يتيه من التجار، أكلوه.\rويلي هذه القطعة قطعة تسمى بحر هركند، وفيه جزائر كثيرة. ويقال إن عدتها ألف جزيرة وتسعمائة جزيرة. ويقع فيها العنبر الذي تكون القطعة منه مثل البيت. وسكانها أحذق الناس في الحياكة، ينسجون القميص بكمية ودخاريزه قطعة واحدة.\rوفيه من الجزائر المشهورة: جزيرة سرنديب. وهي مدورة الشكل، يحيط بها ألف فرسخ. يشقها جبل الرهوان، وهو الجبل الذي هبط عليه آدم عليه السلام \" من الجنة. وفي أوديتها الياقوت والماس والسبناذج. وطولها مائتان وستون ميلا. ومدينة هذه الجزائر العظمى تسمى أغنا، يسكنها مسلمون، ونصارى، ويهود، ومجدوس، ولكل أهل ملة من هذه الملل خاكم. لا ينبغي بعضهم على بعض. وكلهم يرجع إلى ملك يسوسهم ويجمع كلمتهم. ولهذا البحر أربعة أودية تصب في البحر تسمى الأغباب.\rويلي هذه القطعة قطعة تسمى بحر اليمن. وأوله بحر الجمحة، وهو بلاد مهرة. معترض في البحر فيمر بحاسك \" وهو أول مرافئ اليمن \" ؛ ثم يمر بمرباط \" ساحل بلاد ظفار \" ؛ ثم يمر بالشجر \" ساحل بلاد مهرة \" ؛ ثم بشرمة ولسعا \" ساحلي بلاد حضرموت \" ؛ ثم بأبين، ثم بعدن، ثم بالمخنق، ثم بالعارة، ثم الباب بالمندب.\rوفيه من الجزائر المشهورة: جزيرة سقوطرة. وطولها نحو من مائة وثمانين ميلا، وعرضها في الوسط نحو خمسة عشر ميلا. وبها الصبر. يسكنها قوم من اليونان، تغلبوا على من كان فيها من الهند في زمن الإسكندر. وبها عيون يقال إن الشراب منها يزيد في العقل.\rولهذا سميت في الكتب القديمة جزيرة العقل.\rويلي هذه القطعة قطعة تسمى بحر الزنج، وبحر بربرا؛ ويسمى ساحله الزنجبار.\rوفيه مما يلي بلاد اليمن جزائر. منها: جزيرة دعون. وهي مدورة","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"وجزيرة السود.\rوجزيرة حورتان.\rوجزيرة مروان. وفيها مدن يسكنها السراق، وهي مقابلة لبلاد مهرة.\rوجزائر الديجبات. وهي كثيرة. وأهلها مفرطون في السواد. وجميع ما عندهم أسود، حتى قصب السكر والكافور.\rوجزيرة القمر. وتسمى جزيرة ملاي. وطولها أربعة أشهر، وعرض الواسع منها ما يريد على عشرين يوما. وهي تحاذي جزيرة سرنديب. وفيها بلاد كثيرة أحلها كيدانة، وملاي \" وإليها تنسب الجزيرة \" ودهمي، وبليق، وخافورا، ودعلي، وقمرية \" وإليها ينسب القمر \" .ويقال: إن بهذه الجزيرة خشبا، ينحت من الخشبة منه شان يكون طوله ستين ذراعا، يجذف على ظهره مائة وستون رجلا. ولما ضاقت هذه الجزيرة بأهلها بنوا على الساحل محلات يسكنونها في سفح جبل يعرف بهم. ومنها خرج نهر النيل.\rويخرج من هذا البحر الذي يجمع هذه القطع خليجان أحدهما بحر القلزم، والآخر بحر فارس.\rفأما خليج القلزم. فخروجه من باب المندب. وهو جبل طوله اثنا عشر ميلا. وسعة فوهته بمقدار أن الرجل يرى صاحبه من البر الآخر. فإذا قارب المندب يمر في جهة الشمال، بغلافقة، والأهواب \" وهما ساحلا زبيد \" ثم الجردة، ثم الشرجة، ثم عثر \" وكانت مقر ملك قديم \" ثم بالسرين، وحلي، وعسفان، والجار \" وهي فرضة المدينة \" والجحفة، والصفراء، والحوراء، ومدين، وأيلة، والطور، وفاران، ثم القلزم \" وكانت مدينة مسكونة، وكذلك أيلة \" . ومن القلزم ينعطف من جهة الجنوب فيمر بالقيصر \" وهي فرضة لقوص \" ثم إلى عيذاب \" وهي فرضة لبلاد البجة \" ، ثم يمتد إلى زيلع \" وهي ساحل بلاد الحبشة \" ويتصل ببربرا.\rوطوله ألف ميل وخمسمائة ميل. وعرضه في مواضع أربعمائة ميل، ودون ذلك إلى مائتي ميل إلى ما دون ذلك.\rوهو بحر كريه المنظر والرائحة.\rوفيه فيما بين القلزم وأيلة المكان المعروف بتاران، وهو مكان يشبه دردور عمان. لأنه في سفح جبل إذا وقفت الريح على دردورته انقطعت بنصفين على شعبتين متقابلتين؛ ثم يخرج من كمي هاتين الشعبتين، فيثير البحر فتتلبد السفن باختلاف الريح فلا تكاد تسلم. وهاتان الشعبتان تسميان الجبلين، ومقدار هذا الموضع ستة أميال، ويسمى بركة الغرندان. ويقال: إنها التي أغرق الله فرعون وقومه فيها. فإذا كان للجنوب أدنى مهب، فلا يمكن سلوكه.\rوفيه من الجزائر خمس عشرة جزيرة، العامر منها أربعة، وهي: جزيرة دهلك. يحيط بها نحو مائتي ميل؛ ويسكنها قوم من الحبوش، مسلمون.\rوجزيرة سواكن. وهي أقل من ميل في ميل. وبينها وبين البحر الحبشي بحر قصير يخاض. وأهلها طائفة من البجة تسمى الخاسد وهم مسلمون، ولهم بها ملك.\rوجزيرة النعمان. وبها نويس تعيش من لحوم السلاحف.\rوجزيرة السامري. يسكنها قوم من اليهود، سامرة، في عيش قشيف.\rوأما خليج فارس. فإنه مثلث الشكل على هيئة القلع.\rأحد أضلاعه من تيز مكران. فيمر في بلاد كرمان على هرمز، ومن بلاد فارس على سيراف، ونوح، ونجيرم، وجنابة، ودارين، وسينيز، ومهروبان؛ ومنها يفضي البحر إلى عبادان، ومن عبادان ينعطف الضلع الآخر فيمر بالخط، وهو ساحل بلاد عمان إلى صور، وهي ساحل بلاد عمان مما يلي بلاد اليمن؛ ثم يمتد إلى رأس الجمحة منبلاد مهرة.\rوالضلع الآخر يمتد على سطح البحر من تيز مكران إلى رأس الجمحة.\rوهذه الأضلاع غير متفاوتة في الطول؛ فإن الضلع الذي يمتد على سطح البحر طوله خمسمائة ميل، وطول الضلع الآخر من حيث يبتدئ من تيز مكران إلى أن ينتهي إلى عبادان ثم ينعطف إلى أن يصل إلى رأس الجمحة، تسعمائة ميل.\rوفيه مما يلي عبادان مكان يعرف بالدردور. وهو بين جبلين، أحدهما يسمى كسير، والآخر عوير، ويضاف إليهما جبل آخر بالقرب منهما يقال فيه وأخر ما فيه خير لشدة ما يرى بها من الأهوال. وهي جبال سود ذاهبة في الهواء يتكسر الماء على شعبها. ولا بد للمراكب أن تمر بينها، وقلما تسلم.\rوفي هذا البحر من الجزائر المشهورة على ألسنة التجار تسع، منها أربعة عامرة، وهي: جزيرة خارك. يحيط بها اثنا عشر ميلا.وهي عامرة آهلة كثيرة البساتين. وبها مغاص اللؤلؤ.\rوجزيرة كيش. وبها مغاص اللؤلؤ أيضاً، وهي آهلة، وتسمى هذه الجزيرة في عصرنا هذا قيس.\rوجزيرة أوال. وهي تجاه ساحل البحرين، وبينهما يوم. وبها مدينة. وأوال مدينة من مدائن البحرين.","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"وجزيرة لافت. وتعرف بجزيرة بني كاوان. وطولها اثنان وخمسون ميلا، وعرضها تسعة أميال. وهي آهلة.\rوهاتان الجزيرتان معدودتان في بلاد جور من أعمال فارس.\rويقال أيضاً إنه يخرج من البحر المحيط خليج ثالث في شمال الصقالبة، ويمتد قرب بلد بلغار المسلمين، ويسمى بحر أدريك، منسوب إلى أمة على ساحله في جهة الشمال، ثم ينحرف نحو المشرق؛ وبين ساحله وبين أقصى بلاد الترك أرضون وجبال مجهولة خربة.\rفهذا البحر المحيط وما يتفرح عنه.\rوأما بحر مانيطش ويسمى البحر الأسود. وهي مدينة على ساحله. هي فرضة لبلاد القفجاق مما يلي القسطنطينية. وعليه أيضا للقفجاق مدينة عظيمة قرم، مقصودة من كل الجهات. وبها علماء، وفقهاء، ورؤساء، وهي محدثة. مصرت فيما بين الثلاثين والأربعين وستمائة للهجرة النبوية. ويسمى هذا البحر أيضا بحر الروس، لجزائر فيه يسكنها أمة تسمى الروس، نصارى، وهو بحر ضخم كثير الأخوار والتروش والجبال الجرش. وطوله من الشمال إلى الحنوب ألف ميل وثلثمائة، وعرضه مختلف. ففي موضع ستمائة ميل، وفي موضع ثلثمائة ميل. والناس مختلفون فيه، فمنهم من يقول إنه بحر مستقل بنفسه، يخرج منه خليج القسطنطينية ويصب في بحر الروم أو هو مغيض لخليج القسطنطينية. وأكثرهم على أنه بحر مستقل بنفسه لطوله وعرضه وكثرة جزائره. وبعضهم يقول أنه خليج يخرج من البحر المحيط على ظهر بلاد الصقالبة، ويحيط به بلد البطلمية، وبلاد الغامانية، وبلاد الأزكشية، وبلاد الشركسية، وبلاد العلان والعنكر والناشقرد.\rوفيه ست جزائر عامرة، وهي كثيرة المدن والقرى، يسكنها الروس.\rوأما بحر الخزر وهو بحر جرجان وطبرستان والديلم. وذلك بحسب ما يمر عليه من البلاد وهو - على ما حكاه ابن حوقل - مدور الشكل، ليس له اتصال ببحر آخر.\rقال: ولو أن إنساناً طاف به، لانتهى إلى الموضع الذي ابتدأ منه، لا يقطعه عن ذلك إلا نهر يصب فيه.\rوفي شرقي هذا البحر بعض بلاد الديلم، وبلاد طبرستان، وجرجان، وبعض المسافة التي بين جرجان وحوارزم؛ وغربيه بلاد أران، وبلاد الخزر، وبعض مفازة الغرية؛ وشماليه مفازة الطغزغزية؛ وجنوبيه الجيل، والديلم، وطوله ثمانمائة ميل، وعرضه ستمائة ميل.\rوقال صاحب كتاب نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق: طوله من جهة الخزر إلى عين الهم ألف ميل، وعرضه من ناحية جرجان إلى مصب نهر إتل ستمائة ميل، وخمسون ميلا وهو يقطع عرضا من طبرستان إلى مدينة باب الأبواب في أسبوع بالريح الطيبة، وفيه أربع جزائر، وهي: جزيرة سياكوه. وهي تجاه آبسكون، فرضة جرجان. يسكنها طائفة من الترك. يصاد بها البزاة البيض.\rوجزيرة سهلان. وطولها نحو مائة ميل، وعرضها نحو خمسين ميلا.\rوجزيرة البركان. وهي أطمة عظيمة تظهر منها نار في الهواء، كأشمخ ما يكون من الجبال. ترى من نحو مائة فرسخ من البر.\rوجزيرة تجاه باب الأبواب. كثيرة المروج والأنهار. وهذا البحر يقال إنه كثير التنانين.\rوقد اختلف فيها. فمن الناس من يقول إنها دواب تعظم في قعر البحر فتؤذي ما به من دواب، فيبعث الله عز وجل عليها السحاب والملائكة فتخرجها من البحر وتقلبها في أرض يأجوج ومأجوج، فتكون طعاما لهم. هذا مما يحكى عن ابن عباس رضي الله عنهما. ومنهم من رأى أنها ريح سوداء تكون في قعر البحر فتظهر إلى النسيم وتلحق بالسحاب، كالزوبعة التي تثور في الأرض وتسدير ثم تطول في الهواء. فيتوهم الناس أنها حيات سود.\rوسائر البحار تمد وتجزر، خلا هذا البحر.\rويقال أن علة المد والجزر تكون عن وضع الملك الموكل بقاموس البحر عقبه في أقصى بحر الصين، فيفور فيكون منه المد؛ ثم يرفعه فيكون من رفعه الجزر.\r\" ومنهم من روى مكان العقب الإبهام \" ومنهم من قال أن العلة فيه غير هذا كله.\rوالله أعلم! ما في المعمور من البحيرات المالحة المشهورة وما بها من العجائب وفي المعمور بحيرات مالحة: فالذي اشتهر منها: بحيرة خوارزم. وشكلها مثلث كالقلع، وليس في المعمور بحيرة أعظم منها. يحيط بها أربعمائة فرسخ. يصب فيها نهرا سيحون وجيحون، الذان في أرض الهياطلة، وغيرهما من الأنهار العظيمة الجارية في بلاد الترك. وهي مع ذلك لا تزيد ولا تعذب.","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"وزعم صاحب كتاب نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق إن في هذه البحيرة حيواناً يظهر على سطحها في صورة الإنسان يتكلم ثلاث كلمات أو أربعا، بلغة لا تفهم ثم يغوص. وظهوره عندهم يدل على موت ملك من ملوك ذلك الحين.\rومنها بحيرة الطريخ: لسمك صغير يصاد منها ويحمل إلى سائر بلاد أرمينية وأذربيجان. وطولها أربع مراحل، وعرضها مرحلة. يجمع من أطرافها البوق. والسمك يوجد بها في زمان مخصوص يأتيها في نهر يصب إليها، ويكثر حتى يصاد بالأيدي. فإذا انقضى ذلك الزمان، لا يوجد منه شيء البتة.\rوفي بلاد أذربيجان بحيرة كوبوذان. وكبوذان قرية في جزيرة، يسكنها ملاحو المراكب التي يركب فيها من هذه البحيرة. وطول هذه البحيرة نحو ثلاثة أيام، وعرضها كذلك. وفيها جزائر: منها جزيرة فيها قلعة حصينة تسمى تلا. ولا يكون بهذه البحيرة حيوان البتة، لأن ماءها منتن رديء.\rوفي بلاد البحرين بحيرة. وبها بالبحر الكبير سميت أرض هجر: البحرين.\rوفي الشام بأرض الغور بحيرة زغر، وتسمى المتنة والميتة. لأنها لا يعيش بها حيوان ولا يتكون فيها شيء مما يتكون في المياه الجارية والراكدة من الحيوانات وطولها ستون ميلا، وعرضها اثنا عشر ميلا.\rويقال إنها ديار قوم لوط التي خسفهم الله بها. ويقال إنها كانت خمسة مدن، أسماؤها: ضيعة، و ضوعة، و عمرة، و دوما، و سدوم، وكانت سدوم أكبرها وأعظمها.\rويصب في هذه البحيرة نهر الأردن وغيره من الأنهار الصغار والسيول من بلاد الكرك وغيرها، فلا تزيد. ويقال أن لها منفذ إلى بحر القلزم. وبساحلها الشرقي إلى حد أريحا معدن الكبريت الأبيض، يحفر عليه ويخرج. ويتكون في هذه البحيرة على شكل ممر، ويطفو على وجهها ويتفق، فيجمع منه شيء أسود يسمونه الحمر وينقل إلى قلعة الكرك يدخربها، يدخل في النفط.\rوفي أعمال مصر بحيرة تنيس، مقدارها إقلاع يوم في \" عرض \" نصف يوم. يكون ماؤها فيأكثر السنة ملحاً من دخول ماء البحر الرومي إليها، فإذا مد النيل صب فيها فتحلو فإذا جزر ملحت.\rويقال: إنه كان في مكانها برمسلوك تغلب عليه البحر في ليلة واحدة، فما كانت أرضه مستفلة غرق وما كانت أرضه عالية مثل تنيس وتونة بقي.\rوفي وسط هذه البحيرة جزيرة صغيرة تسمى سنجار، يسكنها قوم صيادون.\rوقال إبراهيم بن وصيف شاه في كتاب العجائب الكبير: إن بحيرة تنيس كانت أجنة وكروما ومنازل ومنتزهات، وكانت مقسومة بين ملكين من ولد أتريب بن مصر، وكان أحدهما مؤمناً والآخر كافراً، فأنفق المؤمن ماله في وجوه البر حتى باع حصته من أخيه ويفرق مالها أيضاً، فأصلحها أخوه وزاد فيها غروساً وفجر فيها أنهارا وبنى فيها بنياناً، واحتاج أخوه إلى ما في يده فكان يمنعه ويفتخر عليه بما في يده من المال والأجنة، فخاطبه أخوه في بعض الأيام فسطا عليه، وقال: أنا أكثر منك مالا وولدا وخيرا، فقال له أخوه: فما أراك شاكراً لله تعالى على ما رزقك، ويوشك أن ينزع ذلك منك. ويقال: إنه دعا عليه فغرق ماء البحر ما كان له في ليلة واحدة.\rوقيل: أن هذين اللذان ذكرهما الله تعالى في كتابه العزيز، فقال: \" واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنين \" الآيات، والله تعالى أعلم.\rوبالقرب من الإسكندرية بحيرة، طولها إقلاع يوم وعرضها كذلك، يدخل إليها الماء من بحر الروم من مكان الأشتوم، ويخرج منها إلى بحيرة أخرى دونها في خليج عليه مدينتان، أحدهما تسمى الجدية،والأخرى تسمى أتلو كثيرة المقات والنخل، وكلها في الرمل. ويصب في البحيرة خليج من النيل يسمى الحافر طوله نصف يوم إقلاعاً، وهو كثير الطير والسمك والعشب.\rوفي بلاد أفريقية بحيرة بنزرت ماؤها ملح، وطولها ستة عشر ميلا، وعرضها ثمانية أميال. وعلى عشرة أميال منها بحيرة ماؤها عذب تسمى بحيرة متيجة. فإذا جاء الشتاء وكثرت السيول، غاضت بحيرة بنزرت، وفاضت بحيرة متيجة حتى تمدها ستة شهور فلا يحلو ماؤها؛ فإذا انقضى زمن الشتاء وجاء الصيف، غاضت بحيرة متيجة، وفاضت بحيرة بنزرت فلا يملح ماؤها. ويصاد في هذه البحيرة في كل شهرين من شهور السنة نوع من السمك لا يخالطه غيره؛ وأهل الناحية يعرفون دخول الشهر بتغيير السمك فيها.\rوحكى صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر: إن بتخوم بلاد أرمينية بحيرة يكون فيها","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"الماء والسمك والطير ستة أشهر كوامل، ثم تجف فلا يرى فيها ماء ولا سمك ولا طير سبع سنين، فإذا كانت السنة الثامنة ظهر ذلك فيها ستة أشهر ثم ينقطع. وهذا دأبها مدى الزمن.\rوبخلاط بحيرة لا يرى فيها سمك ولا ضفدع ولا سرطان عشرة أشهر من السنة، ثم يظهر ذلك كله في الشهرين الباقيين وبقرية من ناحية ينجهير من بلاد خراسان بحيرة، ما غمس فيها شيء إلا ذاب: حديداً كان أو خشباً.\rوكذلك بركة النطرون التي بأرض مصر ما وقع فيها شيء إلا صار نطرونا حتى العظم والحجارة.\rذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر البحر \" ما جاء من ذلك على لفظ أفعل \" يقال: أعمق من البحر. أندى من البحر.\rويقال: حدث عن البحر ولا جرح.\rومن أنصاف الأبيات:\rوهل يملك البحر أن لا يفيضا؟ ... ومن ورد البحر استقل السواقيا!\rأنا الغريق، فما خوفي من البلل؟\rومن الأبيات:\rهو البحر إلا أنه عذب مورود ... وذا عجب أن العذوبة في البحر!\rوقال ابن الرومي:\rكالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلا، وتعلو فوقه جيفه.\rومثله قول الآخر:\rكمثل البحر يغرق فيه حي ... ولا ينفك تطفو فيه جيفه.\rوقال ابن الرومي:\rألا فارجه واخشه إنه ... هو البحر: فيه الغنى والغرق!\rوقال أبو نواس:\rمن قاس غيركم بكم ... قاس الثماد إلى البحور!\rوقال آخر:\rإذا كنت قرب البحر مالي مخلص ... إليه، فما يغني اقترابي من البحر!\rقال آخر:\rكالبحر يقذف للقريب جواهرا ... منه ويرسل للبعيد سحائباً\rفي وصف البحر وتشبيهه قال ابن رشيق عفا الله عنه:\rالبحر مر المذاق صعب ... لا جعلت حاجتي إليه.\rأليس ماء ونحن طين؟ ... فما عسى صبرنا عليه؟\rوقال ابن حمديس:\rلا أركب البحر، أخشى ... غلي منه المعاطب!\rطين أنا وهو ماء، ... والطين في الماء ذائن.\rوقال آخر:\rوزاخر ليس له صوله ... إلا إذا ما هبت الريح.\rفهو إذا ما سكنت ساكن ... كأنما الريح له روح.\rوقال أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت:\rتناهى البحر في عرض وطول، ... وليس له على التحقيق كنة.\rوأعجب كلما شاهدت فيها ... سلامتنا على الأهوال منه.\rفحسبي أن أراه من بعيد ... وأهرب فوق ظهر الأرض عنه.\rومما وصف به البحر والسفن قال بشر بن أبي خازم:\rأطاعن صفهم ولقد أراني ... على زوراء تسجد للرياح\rإذا اعترضت براكبها خليجا، ... تذكر ما عليه من جناح.\rونحن على جوانبها قعود، ... نغض الطرف كالإبل القماح.\rوقال ابن تولو من أبيات:\rتحث بنا فيه قلاص كأنها ... وعال، تبدت من جبال شواهق.\rلها كافلا ماء وريح كلاهما ... يعلمها في الجري سبق السوابق.\rإذا انحدرت؛ فالماء ألطف قائد ... وإن صعدت، فالريح أعسف سائق.\rوقال السلامي:\rوميدان تجول به خيول ... تقود الدارعين ولا تقاد.\rركبت به إلى اللذات طرفا ... له جسم وليس له فؤاد!\rجرى فظننت أن الأرض وجهه ... ودجلة ناظر، وهو السواد.\rوقال محمد بن هانئ:\rمعطفة الأعناق نحو متونها ... كما نبهت أيدي الحواة الأفاعي\rإذا أعملوا فيها المجاذيف سرعة، ... ترى عقربا منها على الماء ماشيا.\rإذا ما ورزن الماء شوقاً لبرده،صدرن ولم يشربن غرثى صواديا.\rوقال الرسمي:\rلم نزل مشفقين مذ قيل : سارت ... بك دهم قليلة الأوضاح.\rأصلها البر وهي ساكنة في ... البحر سكنى إقامة لا براح.\rهي في الماء وهي صفر من الما ... ء سوى نضح موجها النضاح.\rفإذا أوقرت، فذات وقار؛ ... وإذا أخليت، فذات جماح.\rوتراها في اللج ذات جناح ... ين وإن لم تكن بذات جناح.","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"من مطايا لا يغتدن ولا يس ... أمن سير البكور بعد الرواح.\rمنشآت من الجواري اللواتي ... لسن من صتعة الجواري الملاح.\rوالدت مولدات بلا حل ... نكاح ولا حرام سفاج.\rلا من البيض بل من السود ألوا ... نا وذات الألواح والأرواح.\rطائرات مع الرياح، طوراً ... كاسرات بالجري حد الرياح.\rسائرات لا يشتكين سرى اللي ... ل ولا يرتقبن ضوء الصباح.\rساكنات بلا خضوع سكون ... جامحات بلا غرام جماع.\rلا يخفن الغمار يقذفن فيها، ... ويفن المرور بالضحضاح.\rإن صدمن الحصى عطبن ولا ... يعطبن إما صدمن حد الرماح.\rما رأى الناس من قصور على الما ... ء سواها يسير سير القداح.\rيتسبسبن كالأساود في الخفة ... لا في معاداة الأشباح.\rفإذا ما تقابلت، قلت: ذود ... من كباش تقابلت للنطاج.\rشرعها البيض كالغمامات في الصي ... ف صحاحا منها وغير صحاح.\rكم مدل بالجاه والمال فيها، ... وبه حاجة إلى الملاح!\rقائد جنده لهم أدوات ... نفعها ثم فوق نفع السلاح.\rفإذا البحر صال، صالوا عليها ... بمواض تمضي بغير جراح.\rيكثرون الصياح حتى كأن السفن ... تجري من خوف ذاك الصياح.\rومما وصفت به البحار والسفن نثرا وقال أبو عمرو صاحب الصلاة القرطبي يصف شانيا سافر فيه:","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"فارقت مولاي حين أخذت للسفر عدة الحزم، وشددت عقدة العزم؛ وانتظمت مع السفر في سلك، وركبنا على اسم الله ظهر الفلك، في شان عظيم الشان، أحدقت به النطق إحداق الحيازم، وأمسكته لإمساك الأبازم؛ ثم تتبع خلله فسد، ورخوه فشد؛ حذراً على ألواحه من الإنخاع،واتصلت بعرانيسه اتصال الجلود بالأضلاع؛ ثم جلببت جلبابا من القار، ومخ في المتنين ولبفقار؛ فامتاز بأغرب ميسم، وعاد كالغراب الأعصم؛ قد حسن منه المخبر، وكأن الكافور قد قرن فيه بالعنبر، له من التماسيح أجنابها، ومن الخطاطيف أذنابها؛ واستقلت رجله بفراشها، استقلال السهام برياشها؛ وقد مد قليعه ذراعيه متلقيا من وفد الرياح مصافحه، ومستهديا منها منافخة. تقلد الحكم عليها إشتيام ذو تيقظ واستبصار، واستدلال على الأعماق والأقصار؛ يستدل باختلاف المياه إذا جرى، ويهتدي بالنجوم إذا سرى؛ قد جعل السماء مرآة ينظر فيها، ويحذر من دجن يوافيها؛ فإذا أصدأها الظلام بحنادسه، وصقلها الضياء بمداوسه، يسبح الله فيمصبحه وممساه، ويبسمل في مجراه ومرساه، ويذكر ربا يحفظه ولا ينساه. قد اتخذ فيه مولتيه، من أنجد النواتية؛ مشمرين الأثواب، مدبرين بالصواب؛ يفهمون عنه بالإيماء، ويتصرفون له تصرف الأفعال للأسماء؛ ويترنمون عند الجذب والدفع، والحط والرفع: بهيمنة تبعثهم على النشاط. والجمام، وتؤديهم في عملهم بالتمام. فخرجنا ونفح الريح نسيم، ووجه البحر وسيم؛ وراحة الريح تصافح عبابه مصافحة الخل، وتطوي جناحه طي السجل؛ وتجول من لججه أبرادا، وتصوغ منحبكه أزرادا: كأنما ترسم في أديم رقشا، أو تفتح في فصوص نقشا. قلما توسطنا ثبج البحر، وصرنا منه بين السحر والنحر؛ صحت الريح من سكرها، وطارت من وكرها؛ فسمعنا من ددوي البحر زئرا، ومن جبال الشاني صفيرا؛ ورأيناه يزبد ويضطرب، كأنه بكأس الجنوب قد شرب؛ واستقبلنا منه وجه باسر، وطارت من أمواجه عقبان كواسر؛ يضطرب ويصطفق، ويختلف ولا يتفق؛ كأن الجو يأخذ بنواصيها، ويجدبها من أقاصيها؛ والشاني تلعب به أكف الموج، ويفحص منها بكلكله فوجا بعد فوج؛ ويجوب منها ما بين أنجاد وأغوار، وخنادق وأسوار؛ والبحر تحتتنا كأرض تميد بأهلها، وتتزلزل بوعرها وسهلها؛ ونحن قعود، دود على عود؛ قد نبت بنا من القلق أمكنتنا، وخرست من الفرق ألستنا؛ والرش يكتفنا من كل جانب، ويسيل من أثوابنا سيل المذانب. فشممنا ريح الموت وظننا التلف والفوت؛ وبقينا في هم ناصب، وعذاب واصب؛ حتى انتهينا إلى كنف الجون،وصرنا منه فيكن وصون؛ وهدأ من البحر ما استشرى، وتنادينا بالبشرى؛ ووطئنا من الأرض جددا، ولبسنا أثواب الحياة جددا! ومن رسالة لأبي عامر بن عقال الأندلسي عفا الله عنه جاء منها: وكان جوازه، أيده الله على بحر ساكن، قد ذل بعد استصعابه، وسهل بعد أن رأى الشامخ من هضابه؛ وصار حيه ميتا، وهديره صمتا؛ وجباله لا ترى بها عوجا ولا أمتا، وضعف بعد تعاطيه، وعقد السلم بين موجه وشاطيه. فعبر آمناً من لهواته، ممتلكاً لصهواته؛ على جواد يقطع البحر سبحا، ويكاد يسبق الريح لمحا؛ لا يحمل لجاماً ولا سراجا، ولا يعرف غير اللجة سرجا؛ فلله هو من جواد، له جسم وليس له فؤداً؛ يخترق الهواء ولا يرهبه، ويركض في الماء ولا يشربه! ومن رسالة للأستاذ ابن العميد في مثل ذلك جاء منها: وكأن العشاريات وقد رديت بالقار، وحليت باللجين والنضار؛ عرائس منشورة الذوائب، مخضوبة الحواجب؛ موشحة المناكب، مقلدة الترائب؛ متوجة المفارق، مكللة العواتق، فضية الحلل والقراطق؛ أو طواويس أبرزت رقابها، ونشرت أجنحتها وأذنابها؛ وكأنها إذا حدت في اللحاق، وتنافست في السباق؛ نوافر نعام، أو حوافل أنعام، أو عقارب شالت بالإبر، أو دهم الخيل واضحة الحجول والغرر؛ وكأن المجاذيف طير تنفض خوافيها، أو حبائب تعانق حبائب بأيديها.\rالباب السابع\rالعيون والأنهار والغدران\rمن القسم الرابع من الفن الأول\rفي العيون والأنهار والغدران وما وصفت به البرك والدواليب والنواعير والجداول قال الله تعالى: \" ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض \" .\rقال المفسرون: هو المطر. ومعنى سلكه أدخله في الأرض، وجعله عيونا ومسالك ومجاري كالعروق في الجسد.","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"قال أبو الفرج، قدامة بن جعفر: مجموع ما في المعمور من الأنهار في الأقاليم السبعة مائة نهر واربعة وثمانون نهرا، منها: في الإقليم الأول ثلاثة وعشرون نهرا؛ وفي الإقليم الثاني تسعة وعشرون نهرا؛ وفي الإقليم الثالث ستة وعشرون نهرا؛ وفي الإقليم الرابع أربعة وعشرون نهرا؛ وفي الإقليم الخامس ثمانية وعشرون نهرا؛ وفي الإقليم السادس ستة وعشرون نهرا؛ وفي الإقليم السابع ثمانية وعشرون نهرا.\rثم قال: وفي هذه الأنهار ما جريانه من الشرق إلى الغرب، كنهر نهاوند ونهر سجستان؛ وما جريانه من الشمال إلى الجنوب كدجلة؛ وما جريانه من الجنوب إلى الشمال، كنهر النيل ونهر مهران؛ وما جريانه مركب من هذه الجهات، كنهر الفرات وجيحون ونهر الكر.\rوسنذكر المشهور منها.\rفأما نهر النيل فزعم قدامة بن جعفر أن انبعاثه من جبل القمر وراء خط الاستواء، من عين تجري منها عشرة أنهار، كل خمسة منها تنصب إلى بطيحة. ثم يخرج من كل بطيحة نهران، وتجري الأنهار الأربعة إلى بطيحة كبيرة في الإقليم الأول. ومن هذه البطيحة يخرج نهر النيل.وقال صاحب كتاب نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق: \" إن هذه البحيرة تسمى بحيرة كوري منسوبة لطائفة من السودان يسكنون حولها، متوحشون: يأكلون من وقع إليهم من الناس. ومنهذه البحيرة يخرج نهر عانة، ونهر الحبشة؛ فإذا خرج النيل منها يشق بلاد كوري ثم بلاد ننه \" طائفة من السودان أيضاً، وهم بين كانم والوبة \" ، فإذا بلغ دنقلة \" مدينة النوبة \" عطف من غربيها إلى المغرب، وانحدر إلى الإقليم الثاني، فيكون على شطيه عمارة النوبة. وفيه هناك جزائر متسعة عامرة بالمدن والقرى. ثم يشرق إلى الجنادل، وإليها تنتهي مراكب النوبة انحدارا، ومراكب الصعيد إقلاعا. وهناك أحجار مضرسة لامرور للمراكب عليها إلا في إبان زيادة النيل. ثم يأخذ على الشمال فيكون على شرقيه مدينة أسوان من بلاد الصعيد الأعلى؛ ثم يمر بين جبلين هما يكتنفان لأعمال مصر، أحدهما شرقي والآخر غربي حتى يأتي مدينة مصر فتكون في شرقيه. فإذا تجاوزها بمسافة يوم، انقسم قسمين: أحدهما يمر حتى يصب في بحر الروم عند مدينة دمياط، ويسمى بحر الشرق؛ والآخر - وهو عمود النيل ومعظمه - يمر إلى أن يصب في بحر الروم أيضا عند مدينة رشيد، ويسمى بحر الغرب.\rقالوا: وتكون مسافة النيل من منبعه إلى أن يصب في رشيد سبعمائة فرسخ وثمانية وأربعين فرسخا. وقيل إنه يجري في الخراب أربعة أشهر، وفي بلاد السودان شهرين، وفي بلاد الإسلام شهرا. \" وروى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج، قال: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آان الفيلة. \" قال: هذه سدرة المنتهى \" وإذا أربعة أنهارنهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان، فنهران في الجنة؛ وأما الظاهران، فالنيل والفرات. وليس في الأرض نهر يزيد حين تنقص الأنهار وتغيض، غيره. وذلك أن زيادته تكون في الفيظ الشديد فيشمس السرطان والأسد والسنبله.\rوقد حكي في فضائل مصر أن الأنهار تمده بمائها، وذلك عن أمر الله تعالى.\rوقال قوم: إن زيادته من ثلوج يذيبها الصيف على حسب مددها، كثيرة كانت أو قليلة، وفي مدده اختلاف كثير.\rوكان منتهى زيادته قديما ستة عشر ذراعا، والذراع أربعة وعشرون إصبعا، بمقياس مصر. فإن زاد عن ذلك ذراعا واحدا، زاد في الخراج مائة ألف دينار: لما يروي من الأراضي العالية.\rوالغاية القصوى في الزيادة ثمانية عشر ذراعا في مقياس مصر. فإذا انتهى إلى هذا الحد، وكان في الصعيد الأعلى اثنتين وعشرين ذراعا: لارتفاع البقاع التي يمر عليها.\rفإذا انتهت زيادته، فتحت خلجانات وترع تتخرق المياه فيها يميناً وشمالاً إلى البلاد البعيدة عن مجرى النيل.\rوللنيل ثمان خلجانات،وهي: خليج الإسكندرية؛ وخليج دمياط؛ وخليج منف؛ وخليج المنهى \" حفره يوسف الصديق عليه السلام \" ؛ وخليج أشموم طناح؛ وخليج سردوس \" حفره هامان لفرعون \" ؛ وخليج سخا؛ وخليج حفره عمرو بن عاص، يجري إلىأن يصب فيه السباخ.","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"ويحصل لأهل مصر إذا وفى النيل ستة عشر ذراعا - وهي قانون الري - فرح عظيم: بحيث أن السلطان يركب في خواص دولته وأكابر الأمراء في الحراريق إلى المقياس، ويمد فيه سماطا يأكل منه الخواص والعوام، ويخلع على القياس، ويصله بصلة مقررة له في كل سنة.\rوقد ذكر بعض المفسرين للكتاب العزيز أن يوم وفاء النيل هو اليوم الذي وعد فيه فرعون موسى بالاجتماع، وهو قوله تعالى إخبارا عن فرعون \" قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى \" . والعادة جارية أن اجتماع الناس للتخليق في هذا الوقت.\rومتى قصر النيل عن هذا النقدار، غلت الأسعار.\rوهو إذا ابتدأ في زيادته يكون مخضرا، ثم محمرا، ثم كدرا.\rوإذا انتهى في الزيادة غشي الأرض، وتصير القرى الروابي فلا يتوصل إليها إلا في المراكب أو على الجسور الممتدة التي تنفق عليها الأموال الكثيرة وتتخذ لحفظ الماء.\rفإذا انتهى رأى مكان وأخذ حده، قطع جسر ذلك المكان من مكان معروف \" يعرفه خولة البلاد ومشايخها \" يروى منه الجهة التي تليها مع ما تجمع فيها من الماء المختص بها. ولولا إتقان هذه الجسور وحفر الترع لقل الانتفاع بالنيل.\rوقد حكي أنه كان يرصد لعمارة الجسور في كل سنة ثلث الخراج لعنايتهم بها: لما يترتب عليها من المصالح، ويحصل بها من النفع في ري البلاد.\rوقد وصفت بعض الشعراء، النيل في طلوعه وهبوطه، فقال:\rواهاً بهذا النيل أي عجيبة ... بكر بمثل حديثها لا يسمع!\rيلقى الثرى في العام وهو مسلم ... حتى إذا ما مل عاد يودع.\rمستقبل مثل الهلال، فدهره ... أبدا يزيد كما يزيد ويرجع.\rوللشعراء فيه أوصاف وتشبيهات تذكرها بعد أن شاء الله تعالى في موصعها.\rوهذا النهر مخالف في جريه لسائر الأنهار، لأنه يجري مما يلي الجنوب مستقبل الشمال. وكذلك نهر مهران بالسند، ونهر الأرنط، وهو نهر حمص وحماة، ويسمى العاصي لمخالفته للأنهار في جريها، وما عداها من الأنهار جريها من الشمال إلى الجنوب: لارتفاع الشمال عن الجنوب وكثرة مياهه.\rوهو أخف المياه وأحلاها وأعمها نفعاً وأكثرها خراجاً.\rوقد حكى أنه جبى في أيام كيقاوش \" أحد ملوك القبط الأول \" مائة ألف ألف وثلاثين ألف دينار؛ وجباه عزيز مصر مائة ألف ألف دينار؛ وجباه عمرو بن العاص اثنا عشرة ألف ألف دينار؛ ثم رذل إلى أن جبى أيام القائد جوهر \" مولى المعز العبيدي \" ثلاثة آلاف ألف ومائتي دينار.\rوسبب تقهقره أن الملوك لم تسمح نفوسهم بما كان ينفق في حفر ترعة وإتقان جسوره وإزالة ما هو شاغل للأرض عن الزراعة كالصب والحلفاء.\rوحكى ابن لهيعة أن المرتبين لذلك كانوا مائة ألف وعشرين ألف رجل سبعون ألفا للصعيد، وخمسون ألف للوجه البحري.\rوحكى ابن زولاق أن أحمد بن المدبر لما ولى الخراج بمصر، كشف أرضها فوجد غامرها أكثر من عامرها، فقال: والله لو عمرها السلطان لوفت له بخراج الدنيا.\rوقيل أنها مسحت أيام هشام بن عبد الملك؛ فكان ما يركبه العامر والغامر مائة ألف ألف فدان. والفدان أربعمائة قصبة، والقصبة عشرة أذرع.\rواعتبر أحمد بن المدبر ما يصلح للزراعة بمصر في وقت ولايته، فوجده أربعة وعشرين ألف ألف فدان. والباقي استبحر وتلف.\rواعتبر مدة الحرث فوجدها ستين يوما. والحراث يحرث خمسين فدانا، فكانت محتاجة إلى أربعمائة ألف وثمانين ألف حراث وأما الفرات فهو أحد الرافدين، ويقال الوافدين، والآخر دجلة، سميا بذلك لأنهما يجريان في جانبي بغداد: دجلة من شرقيها، والفرات من غربيها: يأتي إليها من دجلو من واسط، والبصرة، والإبلة، والأهواز، وفارس، وعمان، واليمامة، والبحرين، وسائر بلاد الهند، والسند، والصين؛ ويأتي إليها من الفرات من الموصل، وأذربيجان، وأرمينية، الجزيرة، والثغور، والشام، ومصر، والمغرب؛ وقد تقدم ذكرنا لحديث البخاري أنه يجري من تحت سدرة المنهى.","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"وأما مبتدأ جريه الذي يعرفه الناس فمن مدينة قاليقيلا من نهر يسمى أودخش، ويجري مقدار أربعمائة وخمسين ميلا مغربا، ثم يخرج من جهة الجنوب حتى يمر بين ثغرة مليطة وسميساط؛ ثم إلى جسر منبج؛ ثم يعطف ويأخذ جهة الجنوب حتى يصل إلى بالس ويمر بنصيبين، والرقة، وقرقيسيا، والرحبة؛ فليتحف على عانات؛ ثم يمتد حتى يمر بهيب والأنبار. فإذا جاوزها انقسم قسمين: قسم يأخذ نحو الجنوب قليلا وهو المسمى بالعلقم، ينتهي إلى بلاد سورا وقصر ابن هبيرة والكوفة والحلة، إلى البطيحة التي بين البصرة وواسط؛ والقسم الآخر يسمى نهر عيسى، منسوب لعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو ينتهي إلى بغداد، ويمر حتى يصب في دجلة، قال المسعودي: وقد كان الأكثر من ماء الفرات ينتهي إلى بلاد الحيرة؛ ثم يتجاوزها ويصب في البحر الفارسي، وكان البحر يوم ذاك في الموضع المعروف بالنجف في هذا الوقت، وكانت مراكب الهند والصين ترد على ملوك الحيرة فيه.\rقال: والموضع الذي كان يجري فيه بين إلى زمن وضعي هذا الكتاب، يعني كتاب مروج الذهب وهو في سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، ويعرف بالعتيق، وعليه كانت وقعة القادسية.\rوطول الفرات من حيث يخرج عند ملطية إلى أن يأتي منه إلى بغداد ستمائة فرسخ وثلاثة وعشرون فرسخا وفي شطة مدن من جزائر تعد من أعمال الفرات، وهي الريسة، والناووسة، والقصر، والحديثة، وعانات، والدالية.\rوأما نهر دجلة ويسمى السلامة، وبه سميت بغداد دار السلام على أحد القولين، والثاني السلام على الخلفاء فيها.\rوهذا للنهر فارز بين العراق والجزيرة، وانبعاثه من أعين بجبال آمد، ويصب إليه نهران يخرجان من أرزن الروم وميافارقين وعيون أخرى من جبال السلسة، فيمر ببلد، ثم بالموصل فيصب فيه نهر الخابور الخارج من بلاد أذربيجان على فرسخ من الحديثة. ويسمى المجنون لحدته وشدة جريه، ثم تمر دجلة فيصب فيها الزاب الأوسط، ومخرجه من الفرات ويجري بين إربل ودقوقاء، ويصب فيدجلة أيضا الزاب الأصغر من الفرات.\rوهذه الزوابي الثلاثة أنبطها زاب بن طهماسب: أحد ملوك الفرس الأول، ثم تمر دجلة بتكريت إلى أن تتجاوز سامرا قليلا فيقع فيها نهر عيسى ويمر حتى يشق بغداد. فإذا تجاوزها صب فيه نهر يخرج من بلاد أرمينية يسمى تامرا بعد أن يمر بناصلو ثم بباجسرا فيسمى النهروان، ويشق مدينة تعرف به، ثم تمر دجلة بجرجرايا والنعمانية ثم بواسط، ثم إلى البطائح، ثم تخرج منها فتمر بالبصرة وتجري حتى تنتهي إلى عبادان، وعندها تصب في البحر الفارسي.\rوما يمر من دجلة بالبصرة يملح إذا مد البحر فلا يشرب منه البتة؛ ويحلو إذا جزر. فأهل البصرة ينتظرون بالاستقاء منه الجزر، وهو يمد بكرة ويجزر عشاء.\rوكانت المراكب التي ترد من الهند والصين تدخل في دجلة من بحر فارس إلى مدينة المداين، فاتفق أن انبثق في أسافل كسكربثق عظيم على عهد قباذ بن قيروز فأهمل حتى طغى ماؤه وغرق غمارات وضياعا فصارت بطائح.\rويسمى هذا البثق دجلة العوراء لتحول الماء عنه. وصار بين دجلة الآن ودجلة العوراء مسافة بعيدة تسمى بطن جوخى، وهو من حد فارس من أعمال واسط إلى نحو السوس من أعمال خوزستان.\rويقال إن كسرى أنفق أموالا عظيمة على أن يحول الماء إليها فأعياه ذلك. ورامه خالد بن عبد الله القسري فعجز عنه.\rومقدار مسافة جري نهر دجلة إلى أن يصب في البحر الفارسي ثلثمائة فرسخ؛ ومقدار البطائح ثلاثون فرسخا طولا وعرضا. وهي تفيض في كثير من الأوقات حتى يخشى على بغداد الغرق.\rوأما نهر سجستان ويسمى الهند مند، فيقال إن منوجهر بن أيراج بن أفريدون أنبطة.\rوهو يجري من عيون في بلاد الهند ويمر ببلد الغور؛ فإذا تجاوزها، مر من أعالي سجستان على بررخج، ثم على بسط، ثم على دونج فتتفرع منه أنهار تجري في شوارعها. ثم يمر عمود النهر حتى يصب في بحيرة زرة.\rوطول هذا النهر من حيث يبتدئ إلى نهايته مائة فرسخ.\rوزعم قوم أنه يخرج من نهر الكنك.\rوأما نهر مهران وهو نهر السند، فهو يشبه نيل مصر في زيادته ونقصه واصناف حيوانه وما يتفرع منه من الخلجان.","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"وهو يستمد من أربعة أنهر: نهران يجريان من السند، نهر من ناحية كابل، ونهر من بلاد قشمير. وتجتمع فتكون نهرا واحدا،ويجري حتى ينتهي إلى الدور فيمر بها، ومن ثم نهر مهران، ثم يمر بالمولتان، ثم بالمنصورة، ثم يجري إلى ديبل. فإذا تجاوزها صب في بحر الهند على ستة أميال منها.\rوطوله ألف فرسخ.\rوأما نهر جيحون ويسمى بالفارسية به روذ وهو نهر بلخ.\rوانبعاثه من بحيرة في بلاد التبت، مقدارها طولا وعرضا أربعون ميلا، تجتمع من أنهار الختل.\rفإذا خرج منها مر بوخان فيسمى نهر جرياب، ويجري من المشرق إلى المغرب إلى أعلى حدود بلخ. ثم يعطف إلى ناحية الشمال إلى أن يصير إلى الترمذ، ثم منها إلى زم وآمل من بلاد خرسان. ثم يجري إلى أن يمر ببلاد خوارزم فيشق قصبتها.\rفإذا تجاوزها تشعب منه أنهار وخلجان يمينا وشمالا، تصب إلى مستنقعات وبطائح يصاد فيها السمك.\rثم تخرج منها مياه تجتمع وتصير عمودا واحدا، تجري مقدار أربعة وعشرين فرسخا، ثم تصب في بحيرة خوارزم.\rويكون مقدار جريه من مبدئه إلى نهايته ثلاثمائة وخمسين فرسخا. وقيل: أربعمائة. وساحله يسمى الروذبار.\rويقال إنه يخرج منه خليج يأخذ سمت المغرب حتى يقرب من كرمان، ثم يمضي حتى يصب في بحر فارس.\rونهر جيحون ربما جمد في الشتاء حتى تعبر عليه القفول. قالوا: ويبتدئ جموده من ناحية خوارزم.\rوأما نهر سيحون ويسمى نهر الشاش، وهو فارز بين بلاد الهياطلة وبلاد تركستان.\rقال ابن حوقل: مبتدؤه من أنهار تجتمع في حدود بلاد الترك \" والإسلام \" ، فتصير عمودا واحدا وتجري حتى تظهر في حدود أوزكند من بلاد فرغانة فتصب فيه فيعظم ويكثر ماؤه، ثم يمتد إلى فاراب. فإذا تجاوزها يجري فيبرية فيكون على جانبيه الأتراك الغزية، ويمر إلى أن يصب في نهر جيحون.\rوبين موقعه في النهر وبين بحيرة خوارزم عشرة أيام.\rوأما نهر الكنك وهو نهر تعظمه الهند، فينبعث من بلاد قشمير ويجري في أعالي بلاد الهند.\rوهم يزعمون أنه من الجنة فيعظمونه غاية التعظيم.\rومن عجائبه أنه إذا ألقى فيه شيء من القاذورات، أظلم جوه ورجفت أرجاؤه وكثرت الأمطار والرياح والصواعق.\rوقد وصفه العتبي في التاريخ اليميني فقال: وهذا النهر الذي يتواصف الهنود قدره وشرفه، فيرون من عين الخلد التي في السماء مغترفه؛ إذا أحرق منهم ميت ذروه فيه بعظامه، فيظنون أن ذلك طهر لآثامه؛ وربما أتاه الناسك من المكان البعيد فيغرق نفسه فيه، يرى أن هذا الفعل ينجيه. والهنود يفرطون في تعظيمه حتى إن الرجل منهم إذا أراد الفوز، أحرق نفسه وألقى رماده فيه، أو يأتي إلى النهر \" وهناك شجر القنا في غاية الارتفاع، وقوم هناك بأيديهم سيوف مسلولة وخناجر \" فيربط نفسه في طرف قناة، ثم يخر رأسه بيده فيبقى الرأس معلقا في طرف القناة وتسقط الجثة، أو يلقي نفسه من شاهق على تلك السيوف والخناجر فيتقطع، ومنهم من يلقي نفسه في النهر فيغرق.\rوأما نهر الكر فهو نهر بأرض أرمينية.\rوانبعاثه من بلاد اللان، فيمر ببلاد الأنجاز حتى يأتي تغر تفليس فيشقه ويجري في بلاد الساوردية. ثم يخرج بأرض برذعة، ويجري إلى برزنج فيصيب فيه نهر الرس.\rوهذا النهر هو المذكور في القرآن العزيز في قوله تعالى \" وأصحاب الرس \" على ما ذهب إليه بعض المفسرين. فإذا صب فيه هذا النهر، صارا نهرا واحدا يصب في بحر الخزر.\rونهر الرس يخرج من أقاصي بلاد الروم، على ما زعم المسعودي.\rوأما نهر إتل وهو نهر عظيم، فهو نهر الخزر.\rويمر جانبه الشرقي على ناحية خزخيز، ويجري ما بين الكيماكية والغزية. ثم يمتد غرباً على ظهر بلغار وبرطاس والخزر. ثم ينقسم قسمين: أحدهما إلى مدينة إتل يشقها بنصفين ويجري إلى يصب في بحر الخزر، ويجري الآخر فيمر ببلد الروس حتى يصب في بحرهم وهو بحر سوداق.\rويقال إنه يتشعب منه نيف وتسعون نهرا، وإذا وقع في البحر، يجري فيه مسيرة يومين ثم يغلب عليه.\rوقيل إنه يجمد في الشتاء، وتبين لونه في لون البحر.\rوالله سبحانه وتعالى أعلم.\rما في المعمور من الأنهار والعيون التي يتعجب منها قال صاحب مباهج الفكر ومناهج العبر في كتابه:","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"\" وذكر المعتنون بتدوين العجائب في كتبهم التي وضعوها لذلك أن في المعمور أنهارا وعيونا يتعجب منها إذا أخبر عنها. فذكروا منها نهر الكنك \" وقد تقدم ذكره \" وأن بأرض الهند مكانا يعرف بعقبة عورك فيه عين ماء لا تقبل نجسا ولا قذرا، وإن ألقي فيها شيء من ذلك، أكفهرت السماء وهبت الريح وكثر الرعد والبرق والمطر. فلا تزال كذلك إلى أن يخرج منها ما طرح فيها.\r\" وذكروا أن في ناحية الباميان عينا تسمى ديواش تفور من الأرض كغليان القدر؛ متى بصق فيها إنسان أو رمى فيها شيئاً من القاذورات، ازداد غليانها وفورانها وفاضت. فربما أدركت من جعل ذلك فيها فغرقته.\r\" وبناحية الباميان أيضا عين تجري من جبل في بعض الأحيان. فإذا خرج ماؤها، صار حجر أبيض.\r\" وبقرية من أعمال فارس كهف بين جبال شاهقة فيه حفرة بقدر الصحفة، يقطر فيها من أعلى الكهف ماء: إن شرب منه واحد لا يفضل عنه منه شيء، وإن شرب منه ألف عمهم وأرواهم.\r\" وبناحية أردشير جرد عين يجري منها ماء حلو يشرب لشفية الجوف. فمن شرب منه قدحا أقامه مرة، وإن زاد فعلى قدر الزيادة.\r\" وبدارين من أعمال فارس نهر ماؤه شروب. إذا غطت فيه الثياب خضرها.\r\" وفي بعض رساتيق همذان عيون متى خرج منها الماء تحجر.\r\" وبنواحيها أيضا ماء يخرج من تحت قلعة ويجري في جداول إلى بعض الرساتيق. فما تشبث منه في صدع أو شق صار حجرا صلدا، وإذا صب في خزفة وأقام فيها ثلاثة أيام ثم كسرت، وجد في جوفها أخرى قد تحجرت من الماء.\r\" وبناحية تفليس عين تنبع، فإذا خرج منها الماء صار حيات.\r\" وبأرض القدموس من حصون الدعوة بربضها حمام يجري إليها الماء من عين هناك. فإذا كان في أول شهر تموز ينبع في الحمام حيات في طول شبرين أولا، ثم في طول شبر، وتكثر. ولا توجد في غير الحمام. فإذا انقضى شهر تموز، عدمت تلك الحيات، فلا توجد إلى العام القابل.\r\" وبأرض أرمينية واد لا يقدر أحد ينظر إليه ولا يقف عليه ولا يدري ما هو. إذا وضعت القدر على ضفته غلت ونضج ما فيها. وفيها واد عليه الأرحاء والبساتين. ماؤه حامض؛ فإذا نزل في الإناء، عذب وحلا.\r\" وبالمراغة عيون إذا خرج ماؤها لم يلبث إلا قليلا حتى يتحجر. فمنه تفرش دورهم.\r\" وبنواحي أرزن الروم ماء يستقى فيستحجر ويصير ملحا.\r\" وأكثر مياه بلاد اليمن تستحيل شبا.\rوبنواحي واحات من أعمال مصرعيون مياهها ألوان مختلفة: من الحمرة والصفرة والخضرة. تسيل إلى مستنقعات، فتكون ملحا بحسب ألوانها.\r\" وفي هذه الناحية عيون يطبخ بمائها بدلا عن الخل.\r\" وبنواحي أسوان منالصعيد الأعلى مستنقعات منها النفط \" وكذلك بتكريت من أرض العراق.\r\" وبأرض كتامة من بلد إفريقية عين تسمى عين الأوقات. تجري في أوقات الصلوات الخمس. فإذا حضر جنب أوامره حائض، لا تبض بشيء من الماء. وإذا اتهم رجلان، أتت بالماء للصادق وشحت على الكاذب.\r\" وببلد إفريقية أيضا عين تنبع بالمداد، يكتب به أهل تلك الناحية.\r\" وبطرطوشة من بلاد الأندلس واد يجري رملا.\rقال: وذكر بعض أصحاب المجاميع أنه كان بمدينة طحا من كورة الأشمونين من صعيد مصر بئر فيها ماء معين يشرب منها طول أيام السنة فيكون الماء كسائر المياه، حتى إذا كان أول يوم من برمودة من شهور القبط فمن شرب من ذلك الماء يومئذ خدمته الطبيعة مقدار ما شرب. فإذا كان وقت الوزال عاد الماء إلى حالته الأولى، ثم لا يفعل كذلك إلا في مثل ذلك اليوم من العام القابل.\rوقال: إنه كان بمدينة الأشمونين كنيسة تعرف ببوجرج إلى جانبها بئر لانداوة فيها ولا بلل في ساءر أيام السنة، فإذا كان اليوم العاشر من طوبة من شهور القبط تمتلئ تلك البئر ماء شروبا. فلا يبق أحد من نصارى ذلك البلد إلا ويأخذ من ذلك الماء للتبرك به. حتى إذا كان عند الزوال، غاض الماء فلا يبقى في البئر منه شيء ويجف لوقته.\r\" وبأرض مرمنيثا من عمل حصن الأكراد عين تسمى الفوارة. تكون في غالب الأوقات بينها وبين وجه الأرض تقدير ثلاثة أذرع. وتفور في بعض الأيام ويخرج منها ماء يدير أرحيه الطواحين ويسقي البساتين فيستمر كذلك بعض يوم ثم يغور. ويتكرر ذلك في الأسبوع مرتين أو ثلاثة.\r\" وبقلعة بعلبك من الشام بئر تعرف ببئر الرحمة لا يرى فيها الماء إلا حوصرت فإنها عند ذلك تمتلئ حتى تفيض. فإذا زال الحصار جفت \" .","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"ما يتمثل به مما فيه ذكر الماء ما جاء من ذلك على لفظ أفعل \" الأمثال: يقال: أسرع من الماء إلى قراره.\rأرق من الماء.\rأحمق من لاعق الماء.\rأحمق من القابض على الماء.\rأصفى من ماء المفاصل.\rأعذب من ماء المفاصل.\rأجرى من الماء.\rأعذب من ماء الحشرج.\rأعذب من ماء البارق.\rألطف من الماء.\rأوجد من الماء.\rويقال: أن ترد الماء بماء أكيس.\rماء ولا كصداء.\rقد بلغ الماء الزبى.\rويقال: فلان يرقم على الماء. \" إذا كان حاذقا \" .\rثأطة مدت بماء. \" للأمر يزداد فسادا \" .\rليس الري في التشاف. \" في ذم الاستقصاء \" .\rالماء إذا طال مكثه، ظهر خبثه، وإذا سكن متنه، تحرك نتنه.\rالكدر من رأس العين.\rإذا عذبت العيون، طابت الأنهار.\rهذا غيض من فيض، وبرض من عد. \" أي قليل من كثير \" .\rومن أنصاف الأبيات:\rوالمرء يشرق بالزلال البارد! ... كذلك عمر الماء يروي ويغرق!\rوالمشرب العذب كثير الزحام! ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي!\rوكيف يعاف الرنق من كان صاديا؟\rومن الأبيات:\rيا سرحة الماء قد سدت موارده ... أما إليك سبيل غير مسدود؟\rلحائم حام حتى لا حيام به ... محلإ عن طريق الماء مصدود!\rوقال آخر:\rأيجوز أخذ الماء من ... متلهب الأحشاء صادي؟\rوقال آخر:\rأرى ماء وبي عطشٌ شديدٌ ... ولكن لا سبيل إلى الورود!\rوقال آخر:\rمن غص داوى بشرب الماء غصته ... فكيف يصنع من قد غص بالماء؟\rوقال آخر:\rوما كنت إلا الماء جئنا لشربه ... فلما وردناه إذا الماء جامد!\rوقال آخر:\rوفي نظرة الصادي إلى الماء حسرة ... إذا كان ممنوعاً سبيل الموارد!\rوقال آخر:\rوإنى للماء المخالط للقذى ... إذا كثرت وراده، لعيوف!\rوقال آخر:\rسأقنع بالثماد، لعل دهراً ... يسوق الماء من حر كريم!\rوقال آخر:\rومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء، خانته فروج الأصابع.\rوقال آخر:\rوإني وإشرافي عليك بهمتي ... لكالمبتغي زبدا من الماء بالمخض.\rوقال آخر:\rفقل في مكرع عذب ... وقد وافاه عطشان!\rوقال آخر:\rوكيف الصبر عنك، وأي صبر ... لظمآن عن الماء الزلال؟\rوقال آخر:\rوإن الماء في العيدان يجري، ... وربتما تغير في الحلوق!\rوقال آخر:\rإذا أنت عاتبت الملول فإنما ... أخط بأقلام على الماء أحرفا!\rوقال آخر:\rوالماء ليس عجيباً أن أعذبه ... يفنى، ويمتد عمر الآجن الأسن.\rوقال آخر:\rالمال يكسب أهله، مل لم يفض ... في الراغبين إليه، سوء ثناء.\rكالماء تأسن بئره إلا إذا ... خبط السقاة جمامه بدلاء.\rفي وصف الماء وتشبهه\rفأما ما اختص به نهر النيل من الوصف.\rفمن ذلك قول ابن النقيب:\rكأن النيل ذو فهم ولب ... لما يبدو لعين الناس منه.\rفيأتي حين حاجتهم إليه، ... ويمضي حين يستغنون عنه!\rوقال تميم بن المعز العبيدي:\rيوم لنا بالنيل مختصر ... ولكل يوم مسرة قصر.\rوالسفن تجري كالخيول بنا ... صعدا، وجيش الماء منحدر.\rفكأنما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر.\rومن رسالة للقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني قال: وأما النيل فقد ملأ البقاع، وانتقل من الإصبع إلى الذراع. فكأنما غار على الأرض فغطاها، وعار عليها فاستقعدها وما تخطاها.فما يوجد بمصر قاطع طريق سواه، ولا مرغوب مرهوب إلا إياه.\rوأما ما اختصت به دجلة من الوصف.\rقال التنوخي:\rوكأن دجلة إذ تغمض موجها ... ملك يعظم، خيفة ويبجل.\rعذبت، فما أدري أماء ماؤها ... عند المذاقة أم رحيق سلسل؟\rوكأنها ياقوتة أو أعين ... زرق يلاءم بينها ويوصل.\rولها بمد بعد جزر ذاهب ... جيشان: يدبرذا، وهذا يقبل.\rوقال محمد بن عبد الله السلامي، شاعر اليتيمة:","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"وميدان تجول به خيول ... تقود الدارعين ولا تقاد.\rركبت به إلى اللذات طرفاً ... له جسم وليس له فؤاد.\rجرى فظننت أن الأرض وجه ... ودجلة ناظر وهو السواد.\rوقال الصنوبري:\rفلما تعالى البدر واشتد ضوءه ... بدجلة في تشرين بالطول والعرض\rوقد قابل الماء المفضض نوره ... وبعض نجوم الليل يطفي سنا بعض،\rتوهم ذو العين البصيرة أنه ... يرى ظاهر الأفلاك في باطن الأرض.\rومما وصفتبه الأنهار قال الصنوبري:\rوالعوجان الذي كلفت به ... قد سوى الحسن فيه مذ عوج.\rما أخطأ الأيم في تعوجه ... شيئاً إذا مااستقام أو عرج.\rتدرج الريح متنه فترى ... جوشن ماء عليه قد درج.\rإن أعنقت بالجنوب أعنق في ... لطف، وإن هملجت به هملج.\rمن أين طافت شمس النهار به ... حسبت شمسا من جوفه تخرج.\rوقال أبو فراس:\rوالماء يفصل بين زهر الروض في الشطين فصلا.\rكبساط وشى جردت ... أيدي القيان عليه نصلا.\rوقال الناجم:\rانظر إلى الروض الذك ... ي فحسنه للعين قرة؟؟!\rفكأن خضرته السما ... ء، ونهره فيه المجرة.\rوقال عبد الله بن المعتز:\rوترى الرياح إذا مسحنا غديره ... وصفينه ونقينا كل قذاة،\rما أن يزال عليه ظبي كارع ... كتطلع الحسناء في المرآة.\rومثله قول الآخر:\rوغدير رقت حواشيه حتى ... بان في قعره الذي كان ساخا.\rوكأن الطيور إذا وردته ... من صفاء به، تزق فراخا.\rوقال آخر:\rوالنهر مكسو غلالة فضة؛ ... فإذا جرى سيل، فثوب نضار.\rوإذا استقام، رأيت صفحة منصل؛ ... وإذا استدار، رأيت عطف سوار.\rوقال أبو مروان بن أبي الخصال:\rالنهر قد رقت غلالة خصره ... وعليه من صبغ الأصيل طراز.\rتترقرق الأمواج فيه كأنها ... عكن الخصور تهزها الأعجاز.\rوقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسي:\rلله نهر سال في بطحاء ... أشهى وروداً من لمى الحسناء!\rوغدت تحف به الغصون كأنها ... هدب تحف بمقلة زرقاء.\rوالريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء!\rوقال أبو القاسم بن العطار:\rمررنا بشاطئ النهر بين حدائق ... بها حدق الأزهار تستوقف الحدق.\rوقد نسجت كف النسيم مفاضة ... عليه، وما غير الحباب لها حلق!\rوقال محمد بن سهل البلخي، شاعر \" الذخيرة \" :\rراقنا النهر صفاءً ... بعد تكدير صفائه.\rكان مثل السيف مدمى ... فجلوم من دمائه.\rأو كمثل الورد غضا ... فهو اليوم كمائه.\rوقال القاضي التنوخي، شاعر \" اليتيمة \" :\rأحبب إلي بنهر معقل الذي ... فيه لقلبي من همومي معقل!\rعذب إذا ما عب فيه ناهل ... فكأنه من ريق حب ينهل.\rمتسلسل فكأنه لصفائه ... دمع بخدي كاعب يتسلسل.\rفإذا الرياح جرين فوق متونه ... فكأنها درع جلاه الصيقل!\rوقال مؤيد الدين الطغرائي في الغدير:\rعجنا إلى الجزع الذي مد في ... أرجائه الغيم بساط الزهر.\rحول غذير ماؤه المنتمي ... إلى بنات المزن يشكو الخصر.\rلولاذه الريح سموماً به ... لانقلبت وهي نسيم السحر.\rحصباؤه در ورضراضه ... سحالة العسجد حول الدرر.\rوقد كسته الريح من نسجها ... درعا به يلقى نبال المطر.\rوألبسته الشمس من صبغها ... نواراً به يخطف نور البصر.\rكأنها المرآة مجلوة ... على بساط أخضر قد نشر.\rوقال أيضاً:\rملنا إلى النشر الذي ترتقي ... إليه أنفاس الصبا عاطره.\rحول غدير ماؤه دراع ... والأرض من رقته حاسرة.","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"والشمس إن حاذته رأد الضحى ... حسناء في مرآتها ناظرة.\rوالهب إن حاذته جنح الدجى ... تسبح في لجته الزاخرة.\rقد ركب الخضراء فيه فمن ... حصبائه أنجمها زاهرة.\rيخضر إن مرت بأرجائه ... لفح سموم في لظى هاجره.\rأنموذج الماء الذي جاءنا ... الوعد بأن نسقاه في الآخرة!\rومما وصفت به البرك قال البحيري عفا الله عنه:\rيا من رأى البركة الحسناء رؤيتها ... والآنسات التي لاحت مغانيها!\rما بال دجلة كالغيري تنافسها ... في الحسن طورا ، وأطوارا تباهيها؟\rكأن جن سليمان الذين ولوا ... إبداعها فأدقوا في معانيها.\rفلو تمر بها بلقيس عن عرض ، ... قالت: هي الصرح تمثيلاً وتشبيها.\rتنصب فيها وفود الماء معجلة ... كالخيل خارجة من حبل مجريها .\rكأنما الفضة البيضاء سائلة ... من السبائك تجري في مجاريها.\rإذا علتها الصبا أبدت لها حبكاً ... مثل الجواشن مصقولاً حواشيها.\rإذا النجوم تراءت في جوانبها ... ليلاً، حسبت سماء ركبت فيها.\rلا يبلغ السمك المحصور غايتها ... لبعد ما بين قاصيها ودانيها.\rيعمن فيها بأوساط مجنحة ... كالطير تنقض في جو خوافيها.\rكأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها!\rوقال ابن طباطبا:\rكم ليلة ساهرت أنجمها لدى ... عرصات أرض ماؤها كسمائها.\rقد سيرت فيها النجوم كأنما ... فلك السماء يدور في أرجائها.\rأحسن بها بحراً إذا التبس الدجى، ... كانت نجوم الليل من حصبائها!\rترنو إلى الجوزاء وهي غريقة ... تبغي النجاء، ولات حين نجائها!\rتطفو وترسب في اصطفاق مياهها ... لا مستعان لها سوى أسمائها.\rوالبدر يخفق وسطها فكأنه ... قلب لها قد ريع في أحشائها.\rوقال عبد الجبار بن حمديس، يصف بركة يجري إليها الماء من شاذروان من أفواه طيور وزرافات وأسود، من أبيات:\rوالماء منه سبائك من فضة ... ذابت على دولاب شاذروان!\rفكأنما سيف هناك مشطب ... ألقته يوم الروع كف جبان!\rكم شاخص فيه يطيل تعجبا ... من دوحة نبتت من العقيان!\rعجبا لها تسقي هناك ينائعاً ... ينعت من الثمرات والأغصان!\rخصت بطائرة على فنن لها ... حسنت، فأفرد حسنها من ثاني!\rقس الطيور الساجعات بلاغة ... وفصاحة من منطق وبيان.\rفإذا أتيح لها الكلام تكلمت ... بخرير ماء دائم الهملان.\rوكأن صانعها استبد بصنعة ... فجر الجماد بها على الحيوان!\rأوفت على حوض لها فكأنها ... منها إلى العجب العجاب روان.\rوكأنها ظنت حلاوة مائها ... شهداً، فذاقته بكل لسان.\rوزرافة في الجو من أنبوبها ... ماء يريك الجري في الطيران.\rمركوزة كالرمح حيث ترى له ... من طعنه الحلق انعطاف سنان.\rوكأنما ترمي السماء ببندق ... مستنبط من لؤلؤ وجمان!\rلو عاد ذاك الماء نفطا، أحرقت ... في الجو منه قميص كل عنان.\rفي بركة قامت على حافاتها ... أسد تذل لعزة السلطان!\rنزعت إلى ظلم النفوس نفوسها، ... فلذلك انتزعت من الأبدان.\rوكأنما الحيات من أفواهها ... يطرحن أنفسهن في غدران.\rوكأنما الحيتان إذ لم تخشها ... أخذت من المنصور عهد أمان!\rوقال آخر:\rولقد رأيت، وما رأيت كبركة ... في الحسن ذات تدفق وخرير!\rعقدت لها أيدي المياه قناطرا ... من جوهر فيلجة من نور!\rوقال علي بن الجهم، يصف فوارة:","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"وفوارة ثارها في السماء، ... فليست تقصر عن ثارها!\rتراها إذا صعدت في السماء ... تعود إلينا بأخبارها\rترد على المزن ما أنزلت ... على الأرض من صوب مدرارها!\rوقال ابن حجاج فيها:\rعلمت في دارك فوارة ... غرقت الأفق بها الأنجما!\rفاض على نجم السما ماؤها، ... فأصبحت أرضك تسقي السما!\rوقال تميم بن المعز العبيدي:\rوقاذفة بالماء في وسط بركة ... قد التحفت ظلا من الأيك سجسجا.\rإذا أينعت بالماء سلته منصلا ... وعاد عليها ذلك النصل هودجا.\rتحاول إدراك النجوم بقذفها، ... كأن لها قلباً على الجو محرجا!\rومما وصفت به الدواليب والنواعير قال أبو حفص بن وضاح:\rلله دولاب يطوف بسلسل ... في روضة قد أينعت أفنانا!\rقد طارحت فيه الحمائم شجوها ... بنحيبها، وترجع الألحانا.\rفكأنه دنف يطوف بمعهد، ... يبكي ويسأل فيه عمن بانا.\rضاقت مجاري طرفه عن دمعه، ... فتفتحت أضلاعه أجفانا!\rوقال الموفقي، رحمه الله:\rناعورة تحسب من صوتها ... متيما يشكو إلى زائر.\rكأنما كيزانها عصبة ... رموا بصرف الزمن الواتر.\rقد منعوا أن يلتقوا فاغتدوا ... أولهم يبكي على الآخر!\rوقال آخر:\rوناعورة قد ضاعفت بنواحها ... نواحي، وأجرت مقلتي دموعها!\rوقد ضعفت مما تئن، وقد غدت ... من الضعف والشكوى تعد ضلوعها!\rوقال ابن منير الطرابلسي:\rلنواعيرها على الماء ألحا ... ن تهيج الشجا لقلب المشوق.\rفهي مثل الأفلاك شكلاً وفعلاً ... قسمت قسم جاهل بالحقوق:\rبين عال، هام، ينكسه الخط ... ويعلو بسافل مرزوق.\rوقال أبو الفرج الوأواء:\rوكريمة سقت الرياض بدرها ... فغدت تنوب عن السحاب الهامع.\rبلباس محزون، ودمعة عاشق، ... وحنين مشتاق، وأنه جازع.\rفكأ،ها فلك يدور، وعلوه ... يرمي القرار بكل نجم طالع.\rوقال الصنوبري:\rفلك من الدولاب فيه كواكب ... من مائة تنقض ساعة تطلع.\rمتلون الأصوات: يخفض صوته ... بغنائه، طورا وطورا يرفع.\rومما وصف به نثرا من رسالة للشيخ ضياء الدين القرطبي إلى بعض إخوانه يستدعى منه ثلاثة أسهم ومليات. جاء منها: والحاجة داعية إلى ثلاثة أسهم، كأنها هقعة الأنجم؛ ممتدة امتداد الرمح، مقومة تقويم القدح؛ غير مشعئة الأطراف، ولا معقدة الأعطاف؛ ولا مسوسة الأجواف؛ تحاسن الغصون بقوامها، والقدود بتمامها؛ وتخالف هيفها لامتلاء خصورها وتساوي \" بين \" هواديها وصدورها؛ معتدلة القدود، ناعمة الحدود؛ مع مليات أخذت النار منها مأخذها فاسودت وتطاولت عليها مدة الجفاف فاشتدت؛ وترامت بها مدة القدم، كأنها في حيز العدم؛ صلاب المكاسر، غلاظ المآزر؛ تشبه أخلاقه في هيجاء السلم، وتحكي صلابة آرائه في نفاذ الرأي ومضاء العزم؛ تكظم على الماء بغيظها، فتجود على الأرض بفيضها؛ تمد يد أيدها في اقتضاء إرادتها، وتطلع طلوع الأنجم في فلك إدارتها؛ وتعانق أخواتها معانقة التشييع، فآخر التسليم أول التوديع، على أنها بحقائق الاعتبار، وتجري جري الفلك المدار في قناة الأعمار:\rتمر كأنفاس الفتى في حياته ... وتسعى كسعي المرء أثناء عمره.\rيفارق خل خله، وهو سائر ... على مثل حال الخل في إثر سيره.\rويعلمه التداور، لو يعقل الفتى ... بأن مرور العمر فيه كمره.\rفمن أدركت أفكاره سر أمرها ... فقد أدركت أفكاره سر أمره.\rومن فاته، الإدراك أدركه الردى: ... إذا جزعت أنفاسه كأس مره.\rومما وصفت به الجداول قال ابن المعتز، عفا الله عنه:\rعلى جدول ريان، لا يقبل القذى: ... كأن سواقيه متون المبارد.\rوقال الناجم:","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"أحاطت أزاهير الربيع سوية ... سماطين مصطفين، تستنبت المرعى.\rعلى جدول ريان كالسهم مرسلا، ... أو الصارم المسلول، أو حية تسعى.\rوقال المفجع:\rعلى جدول ريان ينساب متنه ... صقيلا، كمتن السيف وافى مجردا.\rإذا الريح ناغته، تحلق وجهه ... دروعا وضاء، أو تحزز مبردا.\rوقال ابن الرومي:\rعلى خفاقي جدول مسجور ... أبيض مثل المهرق المنشور.\rأو مثل متن المنصل المشهور ... ينساب مثل الحية المذعور.\rوقال ذو الرمة:\rفما انشق ضوء الصبح حتى تبينت ... جداول أمثال السيوف القواطع.\rوحيث انتهينا من ذكر المياه إلى هذه الغاية فلنذكر عباد الماء.\rذكر عباد الماء\rوعباد الماء طائفة من الهند يسمون الجلهكية، يزعم أن الماء ملك، ومعه ملائكة، وأنه أصل كل شيء، وبه كل ولادة ونمو ونشوء وبقاء وطهارة وعمارة، وما من عمل في الدنيا إلا ويحتاج إلى الماء.\rفإذا أراد الرجل منهم عبادته، تجرد وستر عورته. ثم دخل الماء حتى يصل إلى وشطه، فيقيم ساعتين وأكثر، ويأخذ ما أمكنه من الرياحين فيقطعها صغارا ويلقي في الماء بعضها بعد بعض، وهو يسبح ويقرأ، وإذا أراد الانصراف، حرك الماء بيده. ثم أخذ منه فنقط على رأسه ووجهه وسائر جسده. ثم يسجد وينصرف. \"\rالقسم الخامس من الفن الأول:\rفي طبائع البلاد،\rفي طبائع البلاد، وأخلاق سكانها، وخصائصها، والمباني القديمة، والمعاقل، وما وصفت به القصور والمنازل وفيه خمسة أبواب\rالباب الأول\r\" في طبائع البلاد، وأخلاق سكانها \"\rروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلاد وأخلاق سكانها، فقال : إن الله تعالى لما خلق الأشياء، جعل كل شيء لشيء. فقال العقل: أنا لا حق بالشأم، فقالت الفتنة: وأنا معك. وقال الخصب: أنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك. وقال الشقاء :أنا لاحق بالبادية،فقالت الصحة: وأنا معك.\rوقال محمد بن حبيب: لما خلق الله تعالى الخلق، خلق معهم عشرة أخلاق: الإيمان، والحياء، والنجدة، والفتنة ، والكبر، والنفاق، والغنى، والفقر، والذل، والشقاء.فقال الإيمان: أنا لاحق باليمن، فقال الحياء: وأنا معك. وقالت النجدة: أنا لاحقة بالشأم، فقالت الفتنة: وأنا معك. وقال الكبر: أنا لاحق بالعراق، فقال النفاق: وأنا معك. وقال الغنى: أنا لاحق بمصر، وقال الذل: وأنا معك. وقال الفقر: أنا لاحق بالبادية، فقال الشقاء: وأنا معك.\rوحكي عن الحجاج أنه قال: لما تبوأت الأشياء منازلها، قال الطاعون: أنا نازل بالشأم، فقالت الطاعة: وأنا معك. وقال النفاق: أنا نازل بالعراق، فقالت النعمة: وأنا معك. وقال الشقاء: أنا نازل بالبادية، فقال الصبر: وأنا معك.\rنوع آخر منه روي عن عبد بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن الله تعالى خلق البركة عشرة أجزاء: فتسعة منها في قريش، وواحد في سائر الناس. وجعل الكرم عشرة أجزاء: وتسعة منها في العرب، وواحد في سائر الناس. وجعل الغيرة عشرة أجزاء: فتسعة منها في الأكراد، وواحد في سائر الناس. وجعل المكر عشرة أجزاء: فتسعة منها في القبط، وواحد في سائر الناس. وجعل الشفاء عشرة أجزاء: فتسعة منها البربر، وواحد في سائر الناس.وجعل النجابة عشرة أجزاء: فتسعة منها في الروم، وواحد في سائر الناس.وجعل الصناعة عشرة أجزاء: فتسعة منها في الصين، وواحد في سائر الناس.وجعل الشهوة عشرة أجزاء: فتسعة منها في النساء، وواحد في سائر الناس.وجعل العمل عشرة أجزاء: فتسعة منها في الأنبياء، وواحد في سائر الناس.وجعل الحسد عشرة أجزاء: فتسعة منها في اليهود، وواحد في سائر الناس.\rويقال: قسم الحقد عشرة أجزاء: فتسعة منها في العرب، وواحد في سائر الناس. وقسم البخل عشرة أجزاء: فتسعة منها في الفرس، وواحد في سائر الناس. وقسم الكبر عشرة أجزاء: فتسعة منها في الروم، وواحد في سائر الناس. وقسم الطرب عشرة أجزاء: فتسعة منها في السودان، وواحد في سائر الناس. وقسم الشبق عشرة أجزاء: فتسعة منها في اليهود، وواحد في سائر الناس.\rويقال: أربعة لا تعرف في أربعة: السخاء في الروم، والوفاء في الترك، والشجاعة في القبط، والغم الزنج.\rنوع آخر منه","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"حكي عن الحجاج أنه سأل أيوب بن القرية عن طبائع أهل البلاد، فقال: أهل الحجاز أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم عنها؛ رجالها جفاة، ونساؤها كساة عراة. وأهل اليمن أهل سمع وطاعة، ولزوم الجماعة. وأهل عمان عرب استنبطوا. وأهل البحرين نبط استعربوا. وأهل اليمامة أهل جفاة، واختلاف آراء. وأهل فارس أهل بئس شديد، وعز عتيد. وأهل العراق أبحث الناس عن صغيره، وأضيعهم لكبيرة. وأهل الجزيرة أشجع فرسان، وأقتل للأقران. وأهل الشام أطوعهم لمخلوق وأعصاهم لخالق. وأهل مصر عبيد لمن غلب؛ أكيس الناس صغارا، واجهلهم كبارا.\rوحكي عن أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أنه قال: كنا نعلم في المكتب كما نعلم القرآن: احذروا حماقة أهل بخاري، وغل أهل مرو، وشغب أهل نيسابور، وحسد أهل هراة، وحقد أهل سجستان.\rوقال أبو حامد القاضي: أعياني أن أرى خراسانياً ذكياً، وطبريا رزينا، وهمذانياً لبيباً، وبصريا ركيكا، وكوفيا رئيسا، وبغدادياً سخياً، وموصلياً لطيفاً، وشامياً خفيفاً، وحجازياً منافقاً، وبدوياً ظريفاً.\rوقال بختيشوع: تسعة لا تخلو من تسعة: قميا من رعونة، ويماني من جنون، وواسطي من غفلة، وبصري من جدل، وكوفي من كذب، وسوداني من جهل، وبغدادي من مخرقة، وخوزي من لؤم، وطبري من زرق.\rوقيل: جاور أهل الشام الروم، فأخذوا عنهم اللؤم وقلة الغيرة. وجاور أهل الكوفة أهل السواد، فأخذوا عنهم السخاء والغيرة. وجاور أهل البصرة الخوز، فأخذوا عنهم الزنا وقلة الوفاء.\rويقال: إن القدماء اعتبروا البلاد وما امتاز به بعضها عن بعض من الطبائع، فوجدوا أخصب بقاع الدنيا ثمانية مواضع: أرمينية، وأذربيجان، وماه دينور، وماه نهاوند، وكرمان، وأصبهان، وقومس، وطبرستان.\rووجدوا أخف بقاع الدنيا ماء، ماء ثمانية مواضع: دجلة، والفرات، وزندرود أصبهان، وماء سوران، وماء هفيجان، وماء جنديسابور، وماء بلخ، وماء سمرقند.\r\" وغفلوا عن نيل مصر، ولعله أحقها بهذه الخصوصية من سائر المياه \" .\rووجدوا أوبأ بقاع الدنيا ستة مواضع: النوبندجان، وسابور خواست، وجرجان، وحلوان، وبرذعة، وزنجان. \" وغفلوا عن شيزر. \" ووجدوا أعقل أهل البلاد تسعة: أهل أصبهان، والحيرة، والمداين، وماه دينور، وإصطخر، ونيسابور، والري، وطبرستان، ونشوى \" وهي نقجوان \" .\rووجدوا أسرى أهل بقاع الدنيا أهل سبعة مواضع: طوسفون \" وهي المداين \" ، وبلاشون \" وهي حلوان \" ، وماسبذان، ونهاوند، والري، واصبهان، ونيسابور.\rووجدوا أهل بقاع الدنيا أهل عشرة مواضع: ماسبذان، ومهرجانقذق، وسورستان، والري، والرويان، وأذربيجان، والموصل، وأرمينية، وشهرزور، والصامغان.\rووجدوا البخل في أهل ثمان بقاع: مرو، وإصطخر، ودارابجرد، وخوزستان، وماسبذان، وديبل، وماه دينور، وحلوان.\rووجدوا أسفل أرض بقاع الأرض أربعة: أهل السدجان، وبادرايا، وماكسايا، وخوذستان.\rووجدوا أقل أهل الأرض نظراً في العواقب أهل سبعة مواضع: طبرستان، وأرمينية، وقومس، وكرمان، وكوسان، ومكران، وشهرزور.\rويقال: إنه وفد رجل من عجم خراسان على كسرى، فقال له: اخبرني من أحسن أهل خراسان لقاءً؟ قال: أهل بخاري. قال: فمن أوسعهم بذلا للخبز والملح؟ قال: أهل جوزجان. قال: فمن أحسنهم ضيافة؟ قال: أهل سمرقتد. قال: فمن أدقهم نظرا وتقديرا؟ قال: أهل مرو. قال: فمن أسوأهم طاعة؟ قال: أهل خوارزم. قال: فمن أخبثهم طوية؟ قال: أهل مرو الروذ، إن رضي بذلك أهل أبيورد. قال: فمن اسقطهم عقلا؟ قال: أهل طوس، إن رضي بذلك أهل نسا. قال: فمن أكثرهم شغبا وجدلا: قال: أهل سرخس، إن رضي بذلك أهل قوهستان. قال فمن أضعفهم وأخبثهم؟ قال: أهل نيسابور. قال: فمن أقلهم غيرة على النساء؟ قال: أهل هراة.\rالباب الثاني\rفي خصائص البلاد\rمن القسم الخامس من الفن الأول\rولنبدأ من ذلك بمكة ويثرب، وأعرب عما أنقله من فضلهما ولا أغرب؛ وأصله بذكر البيت المقدس والمسجد الأقصى، ولا أشترط الاستيعاب لأن فضائلها لا تحصى.\rفأما مكة \" شرفها الله تعالى وعظمها \" ففضائلها مشهورة بينة. قال الله تعالى: \" وإن أول بيت وضع للناس للذي بمكة مباركاً وهدىً للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً \" . وقال الله تعالى: \" وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً \" .","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"قال بعض المفسرين: أمنا من النار. وقيل: كان يأمن من الطلب من أحدث حدثا ولجأ إليه في الجاهلية.\rوحكى القاضي عياض في كتاب الشفا أنه حدث أن قوما أتوا سعدون الخولاني بالمنستير، وأعلموه أ، كتامة قتلوا رجلا وأضرموا عليه النار طول الليل، فلم تعمل فيه وبقي أبيض البدن، فقال: لعله حج ثلاث حجج؟ قالوا: نعم. قال: حدثت أن من حج حجة أدى فرضه، ومن حج ثانية داين ربه، ومن حج ثلاث حجج حرم الله شعره وبشره على النار.\rولما نطر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قال: مرحبا بك من بيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك!. وجاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: ما من أحد يدعو الله عند الركن الأسود إلا استجاب له. وكذلك عند الركن.\rوعنه صلى الله عليه وسلم: من صلى خلف المقام ركعتين، غفر له ما تقدم من ذبنه وما تأخر وحشر يوم القيامة مع الآمنين.\rما كانت الكعبة عليه فوق الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض قال أبو الوليد الأزرقي بسند يرفعه إلى كعب الأحبار أنه قال: كانت الكعبة غثاء على الماء قبل أن يخلق الله عز وجل السماوات والأرضين بأربعين سنة. ومنها دحيت الأرض.\rوقال يرفعه إلى مجاهد: خلق الله تعالى هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرضين. وعنه يرفعه إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما كان العرش على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بعث الله ريحا فصفقت الماء فأبرزت عن حشفة في موضع البيت كأنها قبة. فدحا الله عز وجل الأرض من تحتها فمادت ثم مادت. فأوتدها الله تعالى بالجبال، فكان أول جبل وضع فيها أبو قبيس، فلذلك سميت مكة أم القرى وعنه يرفعه إلى مجاهد أنه قال: لقد خلق الله عز وجل موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى.\rبناء الملائكة الكعبة\rقبل خلق آدم عليه السلام، ومبدأ الطواف وقال أبو الوليد الأزرقي، يرفعه إلى على بن الحسين رضي الله عنهما إنه أتاه سائل يسأله، فقال له: عم تسأل؟ فقال: أسألك عن بدء الطواف بهذا البيت لم كان؟ وأنى كان؟ وحيث كان؟ وكيف كان بالحجر؟ فقال له: نعم، ومن أين أنت؟ فقال: من أهل الشام. فقال: أين مسكنك؟ قال: في بيت المقدس. فهل قرأت الكتابين؟ \" يعني التوراة والإنجيل \" . قال له الرجل: نعم. فقال له: يا أخا أهل الشام احفظ، ولا تروين عني إلا حقا: أما بدء هذا الطواب بهذا البيت، فإن اله تعالى قال للملائكة: \" إني جاعل في الأرض خليفةً \" ، قالت الملائكة: أي رب، أخليقة من غيرنا: ممن يفسد فيها ويسفك الدماء ويتحاسدون، ويتباغضون، ويتنازعون؟ أي رب، اجعل ذلك الخليفة منا، فنحن لا نفسد فيها، ولا نسفك الدماء، ولا نتباغض، ولا نتحاسد، ولا نتباغى؛ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، ونطيعك ولا نعصيك. قال الله تبارك وتعالى: \" إني أعلم ما لا تعلمون \" . قال: فظنت الملائكة أن ما قالوه رد على ربهم عز وجل وأنه قد غضب من قولهم، فلاذوا بالعرش، ورفعوا رءوسهم، وأشاروا بالأصابع يتضرعون ويبكون إشفافا لغضبه. فطافوا بالعرش ثلاث ساعات فنظر الله عز وجل إليهم، فنزلت الرحمة عليهم، فوضع الله سبحانه تحت العرش بيتا على أربع أساطين من زبرجد، وغشاة بياقوتة حمراء وسمي البيت الضراح. ثم قال للملائكة: طوفوا بهذا البيت، ودعوا العرش، فطافت الملائكة بالبيت وتركوا العرش، وصار أهون عليهم، وهو البيت، وهو البيت المعمور الذي ذكره الله عز وجل: يدخله كل يوم وليلة سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبداً. ثم إن الله سبحانه بعث ملائكة فقال: ابنوا لي بيتا في الأرض بمثاله وقدره. فأمر الله سبحانه من في الأرض من خلقه أن طوفوا بهذا البيت، كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.\rفقال الرجل: صدقت يا ابن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، هكذا كان.\rزيارة الملائكة البيت الحرام\rقال الأزرقي، يرفعه إلى ابن عباس رضي الله عنهما: إن جبريل عليه السلام وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه عصابة حمراء قد علاها الغبار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا الغبار الذي أرى على عصابتك، أيها الروح الأمين؟ قال: إني زرت البيت فازدحمت الملائكة على الركن، وهذا الغبار الذي ترى مما تثير بأجنحتها.","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"وقال، ورفعه إلى ليث بن معاذ رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا البيت خامس خمسة عشر بيتا، سبعة منها في السماء إلى العرش، وسبغة منها إلى تخوم الأرض السفلى، وأعلاها الذي يلي العرش: البيت المعمور. لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت. لو سقط منها بيت، لسقط بعضها على بعض إلى تخوم الأرض السفلى، ولكل بيت من أهل السماء ومن أهل الأرض من يعمره، كما يعمر هذا البيت.\rهبوط آدم إلى الأرض، وبنيانه الكعبة\rالمشرفة وحجه وطوافه بالبيت قال الأزرقي، يرفعه إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما أهبط الله عز وجل آدم عليه السلام إلى الأرض من الجنة، كان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض. وهو مثل الفلك من رعدته. قال: فطأطأ الله عز وجل منه إلى الأرض ستين ذراعا، فقال: مالي لا أسمع أصوات الملائكة ولا حسهم؟ قال: خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابن لي بيتاً تطف به واذكرني حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي، قال: فأقبل آدم عليه السلام يتخطى، فطويت له الأرض وقبضت له المفاوز، فصارت كل مفازة يمر بها خطوة، وقبض له ما كان فيها من مخاض أو بحر فجعله خطوة، ولم يقع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمرانا وبركة حتى انتهى إلى مكة. فبنى البيت الحرام. وإن جبريل عليه السلام ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس ثابت في الأرض السفلى فقذفت الملائكة فيه الصخر، ما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلاً. وإنه بناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطورزيتا، وطورسينا، والجودى، وحراء، حتى استوى على وجه الأرض.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: فكان أول من أسس البيت وصلى فيه وطاف به، آدم عليه السلام. حتى بعث الله سبحانه الطوفان، فدرس موضع البيت في الطوفان. حتى بعث الله تبارك وتعالى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فرفعا قواعده وأعلامه. ثم بنته قريش بعد ذلك. وهو بحذاء البيت المعمور، لو سقط، ما سقط إلا عليه.","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"وقال أبو الوليد أيضا، ورفعه إلى وهب بن منبه: إن الله تبارك وتعالى لما تاب على آدم عليه السلام، أمره أن يسير إلى مكة. فطوى له الأرض وقبض له المفاوز، فصارة كل مفازة يمر بها خطوة، وقبض له ما كان فيها من مخاض ماء أو بحر فجعله له خطوة. فلم يضع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمرانا وبركة حتى انتهى إلى مكة. وكان قبل ذلك قد اشتد بكاؤه وحزنه لما كان فيه من عظم المصيبة، حتى إن كانت الملائكة لتحزن لحزنه ولتبكي لبكائه. فعزاه الله عز وجل بخيمة من خيام الجنة، ووضعها له بمكة في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة. وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من ياقوت الجنة: فيها ثلاث قناديل من ذهب من تبر الجنة، فيها نور يتلهب من نور الحنة. ونزل معها الركن، وهو يومئذ ياقوتة بيضاء من ربض الجنة. وكان كرسيا لآدم عليه السلام، يجلس عليه. فلما صار آدم بمكة، حرسها الله تعالى، حرسه الله تعالى وحرس تلك الخيمة بالملائكة كانوا يحرسونها ويذودون عنها ساكن الأرض، وساكنوها يومئذ الجن والشياطين، فلا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء من الجنة، لأنه من نظر إلى شيء من الجنة وجبت له. والأرض يومئذ طاهرة نقية لم تنجس ولم يسفك فيها الدم، ولم تعمل فيها الخطايا. فلذلك جعلها الله عز وجل مسكن الملائكة، وجعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبحون الليل والنهار، لا يفترون. وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفاً واحداً مستديرين بالحرم كله: الحل من خلفهم، والحرم كله من أمامهم. ولا يجوزهم جني ولا شيطان. ومن أجل مقام الملائكة حرم الحرم حتى اليوم. ووضعت أعلام حيث كان مقام الملائكة. وحرم الله على حواء دخول الحرم والنظر إلى خيمة آدم من أجل خطيئتها التي أخطأت في الجنة. فلم تنظر إلى شيء من ذلك حتى قبضت. وإن آدم عليه السلام كان إذا أراد لقاءها ليلم بها للولد، خرج من الحرم كله حتى يلقاها، فلم تزل خيمة آدم مكانها حتى قبض الله آدم عليه السلام ورفعها الله. وبنى بنو آدم بها من بعدها مكانا: بيتا بالطين والحجارة. فلم يزل معمورا، يعمرونه ومن بعدهم حتى كان زمن نوح عليه السلام. فنسفه الغرق وخفي مكانه. فلما بعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام طلب الأساس، فلما وصل إليه ظلل الله مكان البيت بغمامة. فكانت حفاف البيت الأول، ثم لم تزل راكزة على حفافه تظل إبراهيم عليه السلام وتهديه مكان القواعد حتى رفع الله القواعد قامة. ثم انكشفت الغمامة، فذلك قوله تعالى: \" وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت \" أي الغمامة التي ركزت على الحفاف لتهديه مكان القواعد.\rوعن وهب بن منبه أنه قال: قرأت في كتاب من الكتب الأول، ذكر فيه أمر الكعبة، فوجدت فيه أن ليس من الملائكة بعثه الله تعالى إلى الأرض إلى أمره بزيارة البيت. فينقض من عند العرش محرماً ملبياً، حتى يستلم الحجر. ثم يطوف في البيت سبعا ويركع في جوفه ركعتين، ثم يصعد.\rوقال الأزرقي، يرفعه إلأى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض، أهبطه إلى موضع البيت الحرام. وهو مثل الفلك من رعدته. ثم أنزل عليه الحجر الأسود يعني الركن، وهو يتلألأ من شدة بياضه. فأخذه آدم صلى الله عليه وسلم فضمه إليه أنساً به. ثم أنزلت عليه العصى فقيل له: تخط يا آدم، فتخطى، فإذا هو بأرض الهند والسند. فمكث هناك ما شاء الله، ثم استوحش إلى الركن فقيل له: احجج، قال فحج فلقيته الملائكة فقالوا: بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألف عام.\rقال: وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كعب الأحبار فقال: أخبرني عن البيت الحرام. فقال كعب: أنزله الله من السماء ياقوتة مجوفة مع آدم، فقال له: يا آدم إن هذا بيتي أنزلته معك، يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى حوله كما يصلى حول عرشي. ونزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة ثم وضعوا البيت عليه. فكان آدم يطوف حوله كما يطاف حول العرش، ويصلي عنده كما يصلى عند العرش. فلما أغرق الله تعالى قوم نوح، رفعه إلى السماء وبقيت قواعده.","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"وقال وهب بن منبه: كان البيت الذي بوأه الله تعالى لآدم عليه السلام يومئذ من ياقوت الجنة. وكان من ياقوتة حمراء تلتهب، لها بابان: أحدهما شرقي والآخر غربي. وكان فيه قتاديل من نور آنيتها ذهب من تبر الجنة. وهو منظوم بنجوم من ياقوت أبيض. والركن يومئذ نجم من نجومه وهو يومئذ ياقوتة بيضاء. والله أعلم\rفضل البيت الحرام","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"قال أبو الوليد، برفعه عن وهب بن منبه أنه قال: إن آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش فيهاما رأى من سعتها ولم ير فيه أحداً غيره، فقال: يا رب، أما لأرضك هذه من عامر يسبحك فيه ويقدس لك غيري؟ قال: إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري ويسبحني فيها خلقي، وسأبوئك فيها بيتاً أختاره لنفسي، وأخصه بكرامتي، وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي، فأسميه بيتي، وأنطعه بعظمتي، وأخوزه بحرماتي، وأجعله أحق بيوت الأرض كلها وأولاها بذكرى، وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي، فأني اخترت مكانه يوم خلقت السماوات والأرض؛ وقبل ذلك قد كان بعيني: فهو صفوتي من البيوت، ولست أسكنه، وليس ينبغي لي أن أسكن البيوت؛ ولا ينبغي أن تسعني، ولكن على كرسي الكبرياء والجبروت؛ وهو الذي استقل بعزتي، وعليه وضعت عظمتي وجلالي، وهناك استقر قراري؛ ثم هو بعد ضعيف عني لولا قوتي؛ ثم أنا بعد ذلك ملء كل شيء، وفوق كل شيء، ومحيط بكل شيء، وأمام كل شيء، وخلف كل شيء، وليس ينبغي لشيء أن يعلم علمي ولا يقدر قدرتي، ولا يبلغ كنه شاني. أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرماً وأمناً، أحرم بحرماته ما فوقه وما تحته وما حوله. فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرماتي، ومن أحله فقد أباح حرماتي، ومن أمن أهله فقد استوجب بذلك أماني، ومن أخافهم أخفرني في ذمتي، ومن عظم شأنه عظم في عيني، ومن تهاون به صغر في عيني؛ ولكل ملك حيازة ما حواليه مما حواليه، وبطن مكة خيرتي وحيازتي؛ وجيران بيتي وعمارها وزوارها، وفدي وأضيافي، في كنفي وأفنيتي، ضامنون على ذمتي وجواري؛ فأجعله أول بيت وضع للناس، وأعمره بأهل السماء وأهل الأرض: يأتونه أفواجا شعثا غبرا على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يعجون بالتكبير عجيجا، ويرجون بالتلبية رجيجا، وينتحبون بالبكاء نحيبا، فمن اعتمره لا يريد غيره، فقد زارني ووفد إلي ونزل بي؛ ومن نزل بي، فحقيق علي أن أتحفه بكرامتي؛ وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه، وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته. تعمره يا آدم ما كنت حيا، ثم تعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء: أمة بعد أمة، وقرن بعد قرن، ونبي بعد نبي، حتى ينتهي ذلك إلى نبي من ولدك وهو خاتم النبين، فأجعله من عماره وسكانه وحماته، وولاته وسقاته. يكون أميني عليه ما كان حيا. فإذا انقلب إلي، وجدني قد ذخرت له من أجره وفضيلته ما يتمكن به القربة مني والوسيلة إلي، وأفضل المنازل في دار المقام. وأجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وثناءه ومكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي وهو أبوه يقال له إبراهيم، أرفع له قواعده، وأقضي على يديه عمارته، وأنبط له سقايته، وأريه حله وحرمه ومواقفه، وأعلمه مشاعره ومناسكه، وأجعله أمة واحدة قانتا لي، قائما بأمري، داعيا إلى سبيلي؛ أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم؛ أبتليه فيصبر، وأعافيه فيشكر؛ وينذر لي فيفي؛ ويعدني فينجز؛ أستجيب له في ولده وذريته من بعده وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وولاته وحماته وسقاته وخدامه وخزانه وحجابه حتى يبتدعوا ويغيروا؛ فإذا فعلوا ذلك فأنا الله أقدر القادرين على أن أستبدل من أشاء بمن أشاء. أجعل إبراهيم إمام أهل ذلك البيت وأهل تلك الشريعة، يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الأنس والجن؛ يطئون فيها أثاره، ويتبعون فيها سنته، ويقتدرون فيها بهديه. فمن فعل ذلك منهم أوفى نذره ، واستكمل نسكه؛ ومن لم يفعل ذلك منهم ضيع نسكه، وأخطأ بغيته. فمن سأل عني يومئذ في تلك المواطن: أين أنا؟ فأنا مع الشعث الغبر الموفين بنذورهم المستكملين مناسكهم، المبتهلين إلى ربهم الذي يعلم ما يبدون وما يكتمون. وليس هذا الخلق ولا هذا الأرمر الذي قصصت عليك شأنه؛ يا آدم، بزائدي في ملكي ولا عظمتي ولا سلطاني ولا شيء مما عندي إلا كما زادت قطرة من رشاش وقعت في سبعة أبحر تمدها من بعدها سبعة أبحر لا تحصى، بل القطرة أزيد في البحر من هذا الأمر في شيء مما عندي. ولو لم أخلقه لم ينتقص شيء من ملكي ولا عظمتي ولا مما عندي من الغناء والسعة، إلا كما نقصت الأرض ذرة وقعت من جميع ترابها وجبالها وحصاها ورمالها وأشجارها، بل الذرة أنقص للأرض من هذا الأمر لو لم أخلقه. ليس مما عندي ويعد هذا مثل للعزيز الحكيم.\rطواف سفينة نوح (ع) بالبيت","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"قال أبو الوليد الأزرقي، ورفعه إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان مع نوح عليه السلام في السفينة ثمانون رجلاً معهم أهلوهم، وإنهم كانوا في السفينة مائة وخمسين يوما، وإن الله جل ثناءه وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوماً، ثم وجهها إلى الجودي فاستقرت عليه.\rوقال عن مجاهد: كان موضع الكعبة قد خفي ودرس الزمن الغرق فيما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام. فكان موضعه أكمة حمراء مدورة، لا تعلوها السيول. غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت فيما هنالك ولا يثبت موضعه. وكان يأتيه المظلوم والمبعود من أقطار الأرض، ويدعو عنده المكروب. فقل من دعا هنالك، إلا أستجيب له. وكان الناس يحجون إلى مكة، إلى موضع البيت، حتى بوأ الله تعالى مكانه لإبراهيم عليه السلام. فلم يزل منذ أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض معظما محرما تتناسخه الأمم والملل أمة بعد أمة، وملة بعد ملة. قال: وكانت الملائكة تحجه قبل آدم عليه السلام.\rتخير إبراهيم عليه السلام موضع البيت\rقال عثمان بن ساج: بلغنا \" والله أعلم \" أن إبراهيم خليل الله عليه السلام عرج به إلى السماء فنظر إلى الأرض، مشارقها ومغاربها، فاختار موضع الكعبة. فقالت له الملائكة: يا خليل الرحمن اخترت حرم الله في الأرض، قال: فبناه من حجارة سبعة أجبل \" ويقولون خمسة \" . وكانت الملائكة تأتي بالحجارة إلى إبراهيم عليه السلام من تلك الجبال.\rحج إبراهيم عليه السلام واذانه بالحج\rوحج الأنبياء بعده وطوافهم قال أبو الوليد عن محمد بن إسحاق: لما فرغ إبراهيم خليل الرحمن من بناء البيت الحرام، جاءه جبريل عليه السلام فقال: طف به سبعاً، فطاف به سبعا، هو وإسماعيل. يستلمان الأركان كلها في كل طواف، فلما أكملا سبعا صليا خلف المقام ركعتين. قال: فقام معه جبريل فأراه المناسك كلها: الصفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفة. فلما دخل منى وهبط من العقبة، مثل له إبليس عند جمرة، فقال له جبريل: ارمه، فرماه إبراهيم بسبع حصيات، فغاب عنه؛ ثم برز له عند الجمرة السفلى، فقال له جبريل: ارمه، فرماه بسبع حصيات مثل حصى الخذف، فغاب عنه ابليس؛ ثم مضى إبراهيم في حجه وجبريل يوقفه على المواقف ويعلمه المناسك حتى انتهى إلى عرفة . فلما انتهى إليها، قال له جبريل: أعرفت مناسكك؟ قال: نعم، قال: فسميت عرفات بذلك.قال: ثم أمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج، فقال إبراهيم: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال الله جل ثناؤه: أذن، وعلي البلاغ، قال: فعلا إبراهيم على المقام فأشرف به حتى صار أرفع الجبال وأطولها فجمعت له الأرض يومئذ: سهلها، وجبلها، وبرها، وبحرها، وإنسها، وجنها حتى أسمعهم جميعاً، فأدخل إصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا وبدأ بشق اليمين فقال: أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فأجيبوا ربكم فأجابوه من تحت التخوم السبعة، ومن بين المشرق والمغرب إلى منقطع التراب من أقطار الأرض كلها: \" لبيك، اللهم لبيك \" . قال: وكانت الحجارة على ما هي اليوم،إلا أن الله عز وجل أراد أن يجعل المقام آية. فكان أثر قدميه في المقام آية إلى اليوم. قال: أفلا تراهم اليوم يقولون: \" لبيك، اللهم لبيك \" . فكل من حج إلى اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم. وأثر قدمي إبراهيم في المقام آية. وذلك قوله تعالى: \" فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا \" .\rقال ابن إسحاق: وبلغني أن آدم عليه السلام كان استلم الأركان كلها قبل إبراهيم، حجه وإسحاق وسارة من الشام. قال: وكان إبراهيم يحجه كل سنة على البراق. قال: وحجت بعد ذلك الأنبياء والأمم.\rوعن مجاهد، قال: حج إبراهيم وإسماعيل، ماشيين.\rوعن عبد الله بن ضمرة السلولي: ما بين الركن إلى المقام إلى زمزم قبر تسعة وتسعين نبياً جاءوا حجاجا فقبروا هنالك.\rوفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق بمكة فتعبد بها النبي ومن معه حتى يموت. فمات بها: نوح، وهود، وصالح، وشعيب. وقبورهم بين زمزم والحجر.","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"وعن مجاهد: حج موسى النبي عليه السلام على جمل. فمر بالروحاء عليه عباءتان وقطوانيتان متزر بإحداهما، مرتد بالأخرى. فطاف في البيت ثم سعى بين الصفا والمروة. فبينما هو يلبي بين الصفا والمروة، إذ سمع صوتا من السماء يقول: \" لبيك عبدي، أنا معك \" قال: فخر موسى ساجداً.\rوعن عروة بن الزبير رضي عنهما قال: بلغني أن البيت وضع لآدم يطوف به ويعبد الله عنده وأن نوحاً قد حجه وجاءه وعظمه قبل الغرق. فلما أصاب البيت ما أصاب الأرض من الغرق فكان ربوة حمراء معروفاً مكانه؛ فبعث الله هوداً إلى عاد، فتشاغل بأمر قومه حتى هلك ولم يحجه. ثم بوأه الله تعالى لإبراهيم عليه السلام فحجه وأعلم مناسكه ودعا إلى زيارته. ثم لم يبعث الله نبياً بعد إبراهيم، إلا حجه.\rوعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لقد سلك فج الروحاء سبعون نبياً، حجاجاً: عليهم لباس الصوف، مخطمي إبلهم بحبال الليف. ولقد صلى في مسجد الخيف سبعون نبياً.\rوعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لقد مر بفج الروحاء : \" أو لقد مر بهذا الفج \" سبعون نبياً على نوق حمر خطمها الليف، لبوسهم الغباء وتلبيتهم شتى. فمنهم يونس بن متى. فكان يونس يقول: \" لبيك فراج الكرب، لبيك \" ؛ وكان موسى يقول: \" لبيك، أنا عبدك لديك،لبيك \" قال : وتلبية عيسى: \" لبيك، أنا عبدك ابن أمتك بنت عبديك، لبيك \" .\rوعن عطاء بن إبراهيم رأى رجلاً يطوف بالبيت فأنكره، فسأله: ممن أنت؟ فقال: من أصحاب ذي القرنين، قال: وأين هو؟ قال: هو بالأبطح.فتلقاه إبراهيم عليه السلام فاعتنقه، فقال لذي القرنين: ألا تركب؟ قال: ما كنت لأركب، وهذا يمشي، فحج ماشياً.\rمسألة إبراهيم عليه السلام الأمن والرزق لأهل مكة\rوالكتب التي وجد فيها تعظيم الحرم قال أبو الوليد الأزرقي: يرفعه إلى محمد بن كعب القرظي أنه قال: دع إبراهيم عليه السلام للمؤمنين، وترك الكفار لم يدع لهم بشيء، فقال الله تعالى: \" ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى النار وبئس المصير \" .\rوقال عثمان بن ساج: وأخبرني محمد بن السائب الكلبي قال: قال إبراهيم عليه السلام \" ورب اجعل هذا البلد آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر \" . فاستجاب الله عز وجل له فجعله بلدا آمنا وآمن في الخائف ورزق أهله من الثمرات، تحمل إليهم من الآفاق.\rوقال مجاهد: جعل الله هذا البلد آمنا، لا يخاف فيه من دخله.\rوقال سعيد بن السائب بن يسار: لما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة أن يرزق أهلها من الثمرات، نقل الله أرض الطائف من الشام فوضعها هنالك: رزقا لحرم.\rوروي عن محمد بن المنكدر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما وضع الله الحرم نقل له الطائف من الشام.\rوعن الزهري أن الله نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف، لدعوة إبراهيم خليل الله: \" وارزق أهله من الثمرات \" .\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: جاء إبراهيم يطالع إسماعيل عليهما السلام فوجده غائبا، ووجد امرأته الآخرة، وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي. فوقف وسلم فردت السلام واستنزلته وعرضت عليه الطعام والشراب، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم والماء، قال: هل من حب أو غيره من الطعام؟ قالت: لا، قال: بارك الله لكم في اللحم والماء.\rقال ابن عباس رضي اله عنهما: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو وجد عندها يومئذ حبا لدعا لهم بالبركةفيه، فكانت تكون أرضا ذات زرع.\rوعن سعيد بن جبير مثله، وزاد فيه: ولا يخلو أحد من اللحم والماء في غير مكة إلا وجع بطنه؛ وإن خلا عليهما بمكة لم يجد لذلك أذى.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وجد في المقام كتاب فيههذا بيت الله الحرام بمكة، توكل الله برزق أهله من ثلاث سبل، مبارك لأهله في اللحم واللبن ووجد في حجر في الحجر كتاب من خلقة الحجر أنا الله ذو بكة الحرم صغتها يوم صغت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها مبارك لأهلها في اللحم والماء.","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما هدموا البيت وبلغوا أساس إبراهيم عليه السلام وجدوا في حجر من الأساس كتاباً، فدعوا له رجلا من أهل اليمن، وآخر من الرهبان، فإذا فيه: أنا الله ذو بكة حرمتها يوم خلقت السماوات والأرض والشمس والقمر ويوم صغت هذين الجبلين وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها مبارك لأهلها في الماء واللبن.\rوعن مجاهد رضي الله عنه قال: وجد في بعض الزبور أما الله ذو بكة جعلتها بين هذين الجبلين وصغتها يوم صغت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء وجعلت رزق أهلها من ثلاث سبل فليس يوتا أهل مكة إلا من ثلاثة طرق أعلى الوادي وأسفله وكدى وباركت لأهلها في اللحم والماء.\rأسماء الكعبة ومكة\rعن ابن أبي نجيح قال: إنما سميت الكعبة لأنها مكعبة على خلقة الكعب. قال:وكان الناس يبنون بيوتهم مدورة تعظيم للكعبة. فأول من بنى بيتاً مربعاً حميد بن زهير، فقالت قريش: ربع حميد بن زهير بيتاً، إما حياتاً إما موتاً.\rوعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: إنما سميت بكة لأنه يجتمع فيها الرجال والنساء جميعاً. وقالوا: بكة موضع البيت، ومكة القرية.\rوقال ابن أبي أنيسة: بكة موضع البيت، ومكة هو الحرم كله.\rوكان ابن جريح يقول: إنما سميت بكة لتباك الناس بأقدامهم قدام الكعبة.\rويقال: إنما سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة.\rوعن الزهري: أنه بلغه إنما سمي البيت العتيق من أن الله تعالى أعتقه من الجبابرة.\rوعن مجاهد والسدي: إنما سمي البيت العتيق الكعبة، أعتقها الله من اجبابرة؛ فلا يتجبرون فيه إذا طافوا. وكان البيت يدعى قادسا ويدعى بادرا ويدعى القرية القديمة ويدعى البيت العتيق.\rوعن مجاهد قال: من أسمائها مكة وبكة وأم رحم وأم القرى وصلاح وكوثى والباسة.\rوعن ابن أبي نجيح قال: بلغني أن أسماء مكة مكة؛ وبكة؛ وأم رحم؛ وأم القرى؛ والباسة؛ والبيت العتيق؛ والحاطمة: \" تحطم من يستخف بها \" ؛ والناسة \" تنسهم، أي تخرجهم إخراجا إذا غشموا وظلموا \" .د\rفي فضل الركن الأسود\rعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس في الأرض من الجنة إلا الركن الأسود والمقام، فإنهما جوهرتان من جواهر الجنة؛ ولولا ما مسهما من أهل الشرك ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه الله عز وجل.\rوعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال في الركن الأسود: لولا ما مسه من أنجاس الجاهلية وأرجاسهم، ما مسه ذو عاهة إلا برأ، وقال: نزل الركن، وإنه لأشد بياضا من الفضة.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها، وهي تطوف معه بالكعبة حين استلم الركن: لولا ما طبع على هذا الحجر، ياعائشة،من أرجاس الجاهلية وأنجاسها، إذن لا ستشفي به من كل عاهة، وإذن لألفي كهيئته يوم أنزله الله، وليعيدنه الله إلى ما خلقه أول مرة، وإنه لياقوتة بيضاء من يواقيت الجنة، ولكن الله غيره بمعصية العاصين، وستر زينته عن الظلمة والأثمة لأنهم لا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شيء كان بدؤه من الجنة.\rوعنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله يبعث الركن الأسود، وله عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به: يشهد لمن استلمه بحق.\rوعنه رضي الله عنه: الركن يمين الله في الأرض: يصافح بها عباده كما يصافح أحدكم أخاه.\rوعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرجنا مع عمر بن الحطاب رضي الله عنه إلى مكة. فلما دخلنا الطواف، قام عند الحجر وقال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. ثم قبله ومضى في الطواف فقال له علي رضي الله عنه: بل يا أمير المؤمنين هو يضر وينفع، قال: وبم قلت ذلك؟ قال: بكتاب الله، قال: وأين ذلك من كتاب الله؟ قال: قال الله عز وجل: \" وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا \" . فلما خلق الله تعالى آدم مسح ظهره وأخرج ذريته من صلبه فقررهم أنه الرب وهم العبيد، ثم كتب ميثاقهم في رق، وكان هذا الحجر له عينان ولسان، فقال له: افتح فاك، فألقمه ذلك الرق وجعله في هذا الموضع، وقال: تشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم، يا أبا الحسن.","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"وعن عكرمة: أن الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن لم يدرك بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح الركن فقد بايع الله ورسوله.\rوعن مجاهد: يأتي الركن والمقام يوم القيامة، وكل واحد منهما مثل أبو قبيس: يشهدان لمن وافاهما بالموافاة.\rوالله أعلم.\rفضل استلام الركن الأسود، واليماني\rعن عطاء بن السائب أن عبيد بن عمير قال لابن عمر رضي الله عنهما: إني أراك تزاحم على هذين الركنين، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن استلامهما يحط الخطايا حطا.\rوسئل رضي الله عنه، فقيل له: إنا نراك تفعل خصالا أربعا لا يفعلها الناس: نراك لا تستلم من الأركان إلا الحجر والركن اليماني، ونراك لا تلبس من النعال إلا السبتية، ونراك تضفر شعرك وقد يصبغ الناس بالحناء، ونراك لا تحرم حتى تستوي بك راحلتك وتوجه. فقال عبد الله: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك.\rوعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدع الركن الأسود واليماني أن يستلمهما في كل طواف أتى عليهما. قال: كان لا يدعهما في كل طواف طاف بهما حتى يستلمهما، لقد زاحم على الركن مرة في شدة الزحام حتى رعف، فخرج فغسل عنه ثم رجع. فعاد يزاحم فلم يصل إليه حتى رعف الثانية، فخرج فغسل عنه ثم رجع. فما تركه حتى استلم.\rوعن نافع قال: لقد رأيت ابن عمر رضي الله عنهما، زاحم مرة على الركن اليماني حتى انبهر فتنحى فجلس في ناحية الطواف حتى استراح، ثم عاد فلم يدعه حتى استلمه. قالوا: وليس هذا واجبا على الناس، ولكنه كان يحب أن يصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rفضل الطواف بالكعبة\rعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من طاف بالبيت، كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحا عنه سيئة.\rوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا خرج المرء يريد الطواف بالبيت، أقبل يريد الرحمة. فإذا دخله غمرته. ثم لا يرفع فدما ولا يضع قدما إلا كتب الله له بكل قدم خمسمائة حسنة، وحط عنه خمسمائة سيئة \" أو قال خطيئة \" ، ورفعت له خمسمائة درجة. فإذا فرغ من طوافه فصلى ركعتين دبر المقام، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وكتب له أجر عتق عشر رقاب من ولد إسماعيل، واستقبله ملك على الركن فقال له: استأنف العمل فيما بقي فقد كفيت ما مضى، وشفع في سبعين من أهل بيته.\rوعن حسان بن عطية: أن الله خلق لهذا البيت عشرين ومائة رحمة ينزلها في كل يوم، فستون منها للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين. قال حسان: فنظرنا فإذا هي كلها للطائفين هو يطوف ويصلي وينظر.\rما جاء في فضل زمزم\rعن وهب بن منبه أنه قال في زمزم: والذي نفسي بيده، إنها لفي كتاب الله مضنونة، وإنها لفي كتاب الله برة، وإنها لفي كتاب الله شراب الأبرار، وإنها لفي كتاب الله طعام طعم وشفاء سقم.\rوعن ابن خثيم قال: قدم علينا وهب بن منبه مكة فاشتكى، فجئناه نعوده، فإذا عنده من ماء زمزم. قال: فقلنا له. لو استعذبت، فإن هذا الماء فيه غلظ؟ قال: ما أريد أن أشرب حتى أخرج منها غيره، والذي نفس وهب بيده، إنها لفي كتاب الله زمزم لا تنزف ولا تذم، وإنها لفي كتاب الله برة شراب الأبرار، وإنها لفي كتاب الله مضنونة، وإنها لفي كتاب الله طعام من طعم وشفاء من سقم، والذي نفس وهب بيده لا يعمد أحد إليها فيشرب منها حتى يتضلع إلا نزعت منه داء أو أحدثت له شفاء.\rوعن كعب أنه قال لزمزم:إنا نجدها مضنونة ضن بها لكم، وإن أول من سقي ماءها إسماعيل عليه السلام، طعام من طعم، وشفاء من سقم.\rوعن مجاهد قال: ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تريد به شفاءً شفاك الله، وإن شربته للظمأ أرواك الله، وإن شربته لجوع أشبعك الله، وهي هزمة جبريل عليه السلام بعقبه.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق.","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"وعن الضحاك بن مزاحم أنه قال: بلغني أن التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق، وأن ماءها يذهب بالصداع، وأن التطلع فيها يجلو البصر، وأنه سيأتي عليها زمان تكون أعذب من النيل والفرات. قال: قال لنا الخزاعي: وقد رأينا ذلك في سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائتين، وذلك أنه أصاب مكة أمطار كثيرة وسال واديها في سنة تسع وسبعين، وسنة ثمانين ومائتين، فكثر ماء زمزم وارتفع حتى قارب رأسها، فلم يكن بينه وبين شفتها العليا إلا سبع أذرع أو نحوها. وعذبت حتى كان ماؤها أعذب مياه مكة التي يشربها أهلها. وإنا رأيناها أعذب من مياه العيون.\rوعن الضحاك بن مزاحم أيضا أن الله عز وجل يرفع المياه العذاب قبل يوم القيامة غير زمزم، وتغور المياه العذبة غير زمزم.\rاتساع منىً أيام الحج\rولم سميت منىً\rعن أبي الطفيل، قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يسأل عن منى، ويقال له: عجباً لضيقه في غير أيام الحج! فقال ابن عباس: إن منى يتسع بأهله كما يتسع الرحم للولد.\rوعن ابن عباس، قال: إنما سميت منى منىً لأن جبريل حين أراد أن يفارق آدم، قال له. تمن، قال: أتمنى الجنة، فسميت منى لتمني آدم.\rوقيل إنما سميت منى لمنى الدماء بها.\rفي فضائل مقبرة مكة\rعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: نعم المقبرة هذه! \" لمقبرة أهل مكة \" .\rوعن محمد بن عبد الله بن صيفي أنه قال: من قبر في هذه المقبرة، بعث آمنا يوم القيامة \" يعني مقبرة مكة \" .\rمن خصائص مكة\rمن خصائصها أن الذئب فيها يروع الظبي ويعارضه ويصيده. فإذا دخل الحرم، كف عنه.\rومنها أنه لا يسقط على الكعبة حمام إلا إن كان عليلا؛ وأن عادة الطير إذا حاذت الكعبة أن تفترق فرقتين ولا تعلوها. والله أعلم.\rوأما المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ففضائلها أوسع من أحصرها، وأعظم من أن أسبرها، ناهيك بها من بلد اختاره الله تعالى لرسوله، ونص على فضله في محكم تنزيله، قال الله عز وجل: \" لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه \" .\rوروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي مسجد هو؟ فقال: مسجدي هذا، وهو قول ابن المسيب وزيد بن ثابت وابن عمر رضي الله تعالى عنهم، وبه أخذ مالك رحمه الله. وقال ابن عباس: هو مسجد قباء.\rوروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام.\rقال القاضي عياض رحمه الله: إختلف الناس في معنى هذا الاستثناء على اختلافهم في المفاضلة بين مكة والمدينة. فذهب مالك أن الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة فيه بدون الألف. واحتج مالك وأشهب وابن نافع وجماعة أصحابه بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه فتأتي فضيلة مسجد الرسول عليه بتسعمائة وعلى غيره بألف. وهذا مبنى على تفضيل المدينة على مكة، وهو قول عمر بن الخطاب ومالك وأكثر المدنيين.\rوذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة. وهو قول عطاء وابن وهب وابن حبيب، من أصحاب مالك. وحكاه الباجي عن الشافعي.\rقال القاضي أبو الوليد الباجي: الذي يقتضيه الحديث محالفة حكم مكة لسائر المساجد،ولا يعلم منه حكمها مع المدينة.\rقال القاضي عياض: ولا خلاف أن موضع قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل بقاع الأرض.\rقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة.\rقالوا: هذا يحتمل معنيين، \" أحدهما \" . أنه موجب لذلك وأن الدعاء والصلاة فيه تستحق ذلك من الثواب كما قيل: الجنة تحت ظلال السيوف. \" والثاني \" أن تلك البقعة قد ينقلها الله فتكون في الجنة بعينها. قاله الداوديز.\rوروي ابن عمرو جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المدينة:لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد، إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة.\rوقال صلى الله عليه وسلم فيمن تحمل عن المدينة: والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. وقال: إنما المدينة كالكير: تنفي خبثها وتنصع طيبها.","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"وقال: لا يخرج أحد من المدينة رغبة إلا أبدلها الله خيراً منه.\rوعنه صلى عليه وسلم: من مات في أحد الحرمين حاجا أو معتمرا، بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب. وفي طريق آخر: بعث من الآمنين يوم القيامة.\rوعن ابن عمر رضي الله عنهما: من استطاع أن يموت بالمدينة، فليمت بها فإني أشفع لمن يموت بها.\rوعن أنس بن مالك رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه. اللهم إن إبراهيم حرم ما بين لابتيها.\rوعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وانقل حماها إلى الجحفة، اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا. ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة فقال: اللهم بارك لهم في ميكالهم، وبارك لهم في صاعهم ومدهم،،.\rوقال صلى الله عليه وسلم: من زار قبري، وجبت له شفاعتي.\rوعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من زارني في المدينة محتسبا، كان في جواري وكنت له شفيعا يوم القيامة.\rوكان مالك رحمه الله لا يركب في المدينة دابة، ويقول: أستحي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابة.\rوروي أنه وهب للشافعي كراعا كثيرا، فقال له الشافعي: أمسك منها دابة. فأجابه بمثل هذا الجواب.\rوحكى القاضي عياض في كتاب الشفاء قال: حدث أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة زائرا وقرب منها، ترجل ومشى باكيا منشدا:\rولما رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤاداً لعرفان الرسوم ولا لبا،\rنزلنا عن الأكوار نمشي، كرامة ... لمن بان عنه أن يلم به ركبا.\rقال: وحكي بعض المريدين أنه لما أشرف على مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنشأ يقول متمثلا:\rرفع الحجاب لنا فلاح لناظر ... قمر تقطع دونه الأوهام.\rوإذا المطي بنا بلغن محمداً ... فظهورهن على الرجال حرام.\rقربننا من خير من وطئ الثرى، ... فلها علينا حرمة وذمام.\rوأفتى مالك رحمه الله فيمن قال تربة المدينة ردية بضرب ثلاثين درة، وأمر بحبسه؛ وكان له قدر. وقال: ما أحوجه إلى ضرب عنقه، تربة دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم، يزعم أنها غير طيبة!.\rوفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المدينة: من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.\rخصائص المدينة المشرفة وأسمائها\rعلى صحابها أفضل الصلاة والسلام من خصائصها، أن العطر والبخور يوجد لهما فيها من الضوع والرائحة الطيبة أضعاف ما يوجد في سائر البلاد؛ ولها في قصبتها فغمة طيبة ورائحة عطرة، وإن لم يكن فيها شيء من الطيب البته. ولهذا سميت طيبة و طابة قال الشاعر:\rماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا؟\rوهذا البيت ينسب لفاطمة الزهراء رضي الله عنها.\rومن أسمائها طيبةوطابة ويثرب والمدينة والدار.\rقال القاضي غياض رحمه الله: وجدير بمواطن عمرت بالوحي والتنزيل، وتردد بها جبريل وميكائيل، عرجت منها الملائكة والروح، وضجت عرصاتها بالتقديس والتسبيح؛ وأشملت تربتها على جسد سيد البشر، وانتشر عنها من دين الله وسنة رسوله ما انتشر؛ مدارس آيات، ومساجد جماعات وصلوات، ومشاهد الفضل والخيرات، ومعاهد البراهين والمعجزات، ومناسك الدين، ومشاعر المسلمين؛ ومواقف سيد المرسلين، ومتبوأ خاتم النبيين؛ حيث انفجرت النبوة، وأين فاض عابها، ومواطن مهبط الرسالة، وأول أرض مس جلد المصطفى ترابها: أن تعظم عرصاتها، وتتسم نفحاتها، وتقبل ربوعها وجدراتها.\rوقال: يا دار خير المرسلين ومن به ... هدى الأنام وخص بالآيات.\rعندي لأجلك لوعة وصبابة ... وتشوق متوقد الجمرات.\rوعلى عهد إن ملأت محاجري ... من تلكم الجدارات والعرصات،\rلأغفرن مصون شيبي بينها ... من كثرة التقبيل والرشفات.\rلولا العوادي والأعادي، زرتها ... أبداً ولو سحباً على الوجنات.","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"لكن سأهدي من حفيل تحيتي ... لقطين تلك الدار والحجرات.\rأذكى من المسك المفتق نفحة ... تغشاه بالأصال والبكرات.\rوتخصه بزواكي الصلوات ... ونوامي التسليم والبركات.\rوأما البيت المقدس، والمسجد الأقصى فالبيت المقدس أحد القبلتين، والمسجد الأقصى ثالث الحرمين. إليه تشد الرجال، ويكثر النزول والارتحال؛ وفي الأرض المقدسة تحشر الخلائق يوم العرض، ويبسط الله تعالى الصخرة الشريفة حتى تكون كعرض السماء والأرض؛ وتجتمع الناس هناك لفصل الحساب، ويضرب بينهم بسور له باب، باطنة فيه الرحمة وظاهرة من قبله العذاب.\rولنبدأ بذكر الأرض المقدسة قال الله عز وجل إخبارا عن موسى عليه السلام: \" يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم \" . قال الزجاج: والمقدسة المطهرة.\rوقيل للسطل القدس لأنه يتطهر منه. وسمي بيت المقدس لأنه يتطهر فيه من الذنوب. وقيل: سماها مقدسة لأنها طهرت من الشرك وجعلت مسكنا للأنبياء والمؤمنين.\rوقد اختلف في الأرض المقدسة ما هي؟ فذهب ابن عباس رضي الله عنهما إلى أنها أريحا.\rوقال السدي: أريحا هي أرض بيت المقدس. وقال مجاهد: هي الطور وما حوله. وقال الضحاك: هي إيلياء وبيت المقدس. وقال الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن. وقال قتادة: هي الشام كلها.\rوقال عبد الله بن عمر: والحرم محرم مقداره من السماوات والأرض، وبيت المقدس مقدس مقداره من السماوات والأرض.\rوقال ابن قتيبة. وقرأت في مناجاة موسى عليه السلام أنه قال: اللهم إنك اخترت من الأنعام الضائنة، ومن الطير الحمامة، ومن البيوت مكة وإيلياء، ومن إيلياء بيت المقدس.\rوقال الله تعالى: \" سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله \" .\rوالمسجد الأقصى بيت المقدس سمي أقصى لأنه أبعد المساجد التي تزار. وقيل: لبعد المسافة بين المسجدين. وقوله عز وجل \" الذي باركنا حوله \" قيل: بالماء والأنهار والأشجار والثمار. وقال مجاهد: سماه مباركا لأنه مقر الأنبياء، وفيه مهبط الملائكة والوحي، وهو الصخرة، ومنه يحشر الناس يوم القيامة.\rوقال تعالى: \" والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين \" .\rقال الثعلبي في تفسيره: قال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد وعبد الرحمن بن غنم: \" التين مسجد دمشق، والزيتون بيت المقدس \" . وقال الضحاك: هما مسجدان بالشام \" . وقال محمد بن كعب: \" التين مسجد أصحاب الكهف، والزيتون مسجد إيلياء \" . ومجازه على هذا التأويل: منابت التين والزيتون.\rوروى عطية عن ابن عباس: \" التين مسجد نوح عليه السلام الذي بني على الجودي، والزيتون بيت المقدس \" .\rوروى نهشل عن الضحاك: \" التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى \" قال: \" وطور سينين، يعني جبل موسى عليه السلام \" .\rقال عكرمة: \" السينين الحسن بلغة الحبشة \" . وعنه : كل جبل ينبت فهو سينين .\rوقال مجاهد: \" الطور الجبل، وسينين المبارك \" .\rوقال قتادة: \" المبارك الحسن \" .\rوقال مقاتل: \" كل جبل فيه شجر، وسيناء وهو بلغة النبط \" .\rوقال الكلبي: \" يعني الجبل المشجر \" .\rوقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: \" أربعة أجبال مقدسة بين يدي الله تعالى: طور تينة، وطور زيتا، وطور سينا، وطور تيمانا.\rفأما طور تينة: فدمشق.\rوأما طور زيتا: فبيت المقدس.\rوأما طور سينا: فهو الذي كان عليه موسى عليه السلام.\rوأما طور تيمانا: فمكة.\r\" والبلد الأمين مكة بلا خلاف \" .\rومسجد بيت المقدس أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما ورد في الصحيح: \" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى \" .\rوفي الصحيح أيضاً \" أن موسى عليه السلام، لما حضرته الوفاة سأل الله تعالى أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر \" .\rوكانت عمارة مسجد البيت المقدس بأمر الله عز وجل لنبيه داود عليه السلام أن يعمره ثم لم يقدر له عمارته وقدر الله تعالى ذلك على يدي سليمان بن داود عليهما السلام، فهو الذي عمره. وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى مبينا في الفن الخامس في التاريخ.","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"وقد وردت آثار وأحاديث في فضل بيت المقدس، وفضل زيارته، وثواب الصلاة فيه، ومضاعفة الحسنات والسيئات فيه،وفضل السكنى فيه، والإقامة به، والوفاة فيه، وما به من قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومحراب داود، وعين سلوان، وما ورد في أن الحشر منه، وما ورد في فضل الصخرة والصلاة إلى جانبها، وما ورد من أن الله عز وجل عرج بنبيه من بيت المقدس إلى السماء،وثواب الإهلال من بيت المقدس، وما ورد من أن الكعبة تزور الصخرة يوم القيامة.\rوسنذكر من ذلك طرفا تقف عليه إن شاء الله تعالى ونحذف أسانيد الأحاديث الواردة فيه رغبة في الاختصار فنقول، وبالله التوفيق: أما فضل بيت المقدس فقد ورد عن الزهري أنه قال: لم يبعث الله عز وجل نبيا، إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس. وقد صلى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته سبعة عشر شهرا، كما روي في الصحيحين، حتى أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلمك \" قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شكره \" .\rوتحويل القبلة أول ما نسخ من أمور الشرع. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة. فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أمره الله تعالى أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من تعيينه في التوراة.\rهذا قول عامة المفسرين، على ما حكاه الثعلبي عنهم.\rوقال عبد الرحمن بن زيد: قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: \" فأينما تولوا فثم وجه الله \" ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله. فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا جميعا: فصلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا، وكانت الأنصار قد صلت قبل بيت المقدس ستين يوما، قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم.\rوكانت الكعبة أحب القبلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rواختلفوا في السبب الذي كان عليه الصلاة والسلام من أجله يكره قبلة بيت المقدس ويهوى قبلة الكعبة.\rفقال ابن عباس رضي الله عنهما: لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم عليهما السلام.\rوقال مجاهد: من أجل أن اليهود قالوا: يخالفنا محمد في ديننا، ويتبع قبلتنا؟؟ وقال مقاتل بن حيان: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي نحو بيت المقدس، قالت اليهود: يزعم محمد أنه نبي، وما نراه أحدث في نبوته شيئا؟ أليس يصلي إلى قبلتنا ويستسن بسننا؟ فإن كانت هذه نبوة. فنحن أقدم وأوفر نصيبا.\rفبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشق عليه وزاده شوقا إلى الكعبة.\rوقال ابن زيد: لما استقبل النبي صلى الله عليه وسلم نحوالبيت المقدس، بلغه أن اليهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم، قالوا جميعا: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها، فإني أبغضهم وأبغض مواقفهم، فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك، ليس لي من الأمر شيء، فسل ربك، فعرج جبريل. وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة. فأنزل الله عز وجل: \" قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك \" الآية.\rفلما صرفت القبلة إلى الكعبة قال مشركو مكة: قد تردد على محمد أمره، واشتاق إلى مولده ومولد آبائه، وقد توجه نحو قبلتهم وهو راجع إلى دينكم عاجلا، وتكلم اليهود والمنفقون في تحويلها. فأنزل الله تعالى: \" سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم \" .\rوروي عن كعب أنه قال: إن الله عز وجل ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين.\rوأما فضل زيارته، وفضل الصلاة فيه","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"فقد روي عن مكحول أنه قال: من زار بيت المقدس شوقا إليه، دخل الجنة وزاره جميع الأنبياء في الجنة وغبطوه بمنزلته من الله تعالى؛ وأيما رفقة خرجوا يريدون بيت المقدس، شيعهم آلاف من الملائكة: يستغفرون لهم ويصلونن عليهم، ولهم مثل أعمالهم إذا انتهو إلى بيت المقدس، ولهم بكل يرم يقيمون فيه صلاة سبعين ملكا؛ ومن دخل بيت المقدس طاهرا من الكبائر، تلقاه الله بمائة رحمة إلا ولو قسمت على جميع الخلائق لوسعتهم؛ ومن صلى في بيت المقدس ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وكان له بكل شعرة على جسده حسنة؛ ومن صلى في بيت المقدس أربع ركعات، مر على الصراط كالبرق وأعطى أمانا من الفزع الأكبر يوم القيامة؛ ومن صلى في بيت المقدس ست ركعات، أعطى مائة دعوة مستجابة، أدهانا براءة من النار، وجبت له الجنة؛ ومن صلى في بيت المقدس ثمان ركعات، كان رفيق إبراهيم خليل الرحمن؛ ومن صلى في بيت المقدس عشر ركعات، كان رفيق داود وسليمان في الجنة؛ ومن استغفر للمؤمنين والمؤمنات في بيت المقدس ثلاث مرات، كان له مثل حسناتهم، ودخل على كل مؤمن ومؤمنة من دعائه سبعون مغفرة، وغفر له ذنوبه كلها.\rوروي عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى ببيت المقدس خمس صلوات نافلة، كل صلاة أربع ركعات يقرأ في الخمس صلوات عشرة آلاف مرة \" قل هو الله أحد \" ، فقد اشترى نفسه من الله عز وجل؛ ليس للنار عليه سلطان.\rوعنه أيضا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة الرجل في بيته بصلاة واحدة، وصلاته في مسجد القبائل بست وعشرين، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة.\rوعن مكحول أن ميمونة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيت المقدس قال: نعم المسكن بيت المقدس ومن صلى فيه بألف صلاة فيما سواه. قالت: فمن لم يطق ذلك؟ قال يهدي له زيتا وعن مكجول عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا يسمع أهل السماء من كلام بني آدم شيئا غير أذان مؤذن بيت المقدس.\rوأما ما ورد في بيت المقدس من مضاعفة الحسنات والسيئات فيه فقد روي عن نافع، قال: قال ابن عمر رضي الله عنهما، ونحن في بيت المقدس: يا نافع، اخرج بنا من هذا البيت، فإن السيئات تضاعف فيه كما تضاعف الحسنات.\rوقال جرير بن عثمان وصفوان بن عمرو: الحسنة في بيت المقدس بألف والسيئة بألف.\rوأما فضل السكني فيه والإقامة والوفاة به فقد روي عن ذي الأصابع أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت يا رسول الله إن ابتلينا بالبقاء بعدك، فأين تأمرنا؟ قال: عليك ببيت المقدس لعل الله يرزقك ذرية تغدو إليه وتروح.\rوعن أبي أمامة الباهلي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لغدوهم قاهرين، لايضرهم من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله عز وجل وهم كذلك. قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس.\rوعن عطاء، قال: لا تقوم الساعة حتى يسوق الله عز وجل خيار عباده إلى بيت المقدس وإلى الأرض المقدسة، فيسكنهم إياها.\rوعن كعب، قال: قال الله عز وجل لبيت المقدس أنت حنتي وقدسي وصفوتي من بلادي، ومن سكنك فبرحمة مني، ومن خرج منك فبسخط مني عليه.\rوعن وهب بن منبه، قال: أهل بيت المقدس جيران الله، وحق على الله عز وجل أن لايعذب جيرانه؛ ومن دفن في بيت المقدس نجا من فتنة القبر وضيقه.\rوعن كعب قال : اليوم في بيت المقدس كألف يوم، والشهر في كألف شهر، والسنة كألف سنة، ومن مات فيه فكأنما مات في السماء ومن مات حوله فكأنما مات فيه.\rوعن خالد بن معدان قال: سمعت كعبا يقول: مقبور بيت المقدس لا يعذب.\rوأما ما به من قبور الأنبياء ومحراب داود وعين سلوان ففي الأرض المقدسة قبر إبراهيم الخليل،وإسحاق، ويعقوب، ويوسف عليهم السلام.\rوفي الصحيح أن موسى عليه السلام لما حضرته الوفاة سأل الله عز وجل أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر.\rوروى الحافظ أبو بكر الخطيب بسنده عن بشر بن بكر عن أم عبد الله عن ابنها أنه قال: من أتى بيت المقدس، فليأت محراب داود، فليصل فيه، ويسبح في عين سوان فإنها من الجنة.","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"وبسنده إلى سعيد بن عبد العزيز، قال: كان في زمان بني إسرائيل في بيت المقدس عند عين سلوان عين. وكانت المرأة إذا قذفت، أتوا بها فشربت منها فإن كانت بريئة لم تضرها، وإن كانت نطفة ماتت. فلما حملت مريم حملوها، فشربت منها فلم تزدد إلا خيرا. فدعت الله أن لا يفضح بها امرأة مؤنة. فغارت العين.\rوأما ما ورد في أن الحشر من البيت المقدس فقد روي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله أخبرنا عن بيت المقدس قال: أرض المحشر والمنشر اتيوه فصلوا فيه وليأتين على بيت المقدس ؟. ولبسطق قوس أو مسحة قوس في بيت المقدس أو من حيث يرى بيت المقدس خير من كذا وكذا.\rوعن كعب قال: العرض والحساب من بيت المقدس.\rوعن قتادة في قوله تعالى \" يوم ينادي المناد من مكان قريب \" قال: من صخرة بيت المقدس.\rوعن يزيد بن جابر يوم ينادي المناد من مكان قريب قال: يقف إسرافيل على صخرة بيت المقدس فينفخ في الصور فيقول: أيتها العظام النخرة، والجلود المتمزقة، والأشعار المتقطهة؛ إن الله تعالى أمرك أن تجتمعي للحساب.\rوقال المفسرون في قوله تعالى \" واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب \" هو أن إسرافيل يقف على صخرة بيت المقدس فينادي: يا أيها الناس، هلموا إلى الحساب، إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل القضاء، وهذه هي النفخة الأخيرة.\rوالمكان القريب صخرة بيت المقدس.\rقال كعب ومقاتل: هي أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال ابن السائب: باثني عشر ميلا.\rوعن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله تعالى \" فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب \" قال: هو حائط بيت المقدس الشرقي الذي من ورائه واد يقال له وادي جهنم، ومن دونه باب يقال له باب الرحمة.\rوأما ورد في فضل الصخرة، والصلاة إلى جانبها فقد روي عن أنس بن مالك، قال: إن الجنة لتحن شوقاً إلى بيت المقدس، وإن بيت المقدس من جنة الفردوس، وهي سرة الأرض.\rوعن أبي إدريس الخولاني: قال: يحول الله صخرة بيت المقدس مرجانة بيضاء كعرض السماء والأرض، ثم ينصب عليها عرشه، ثم يقضي بين عباده: يصيرون منها إلى الحنة وإلى النار.\rوعن أبي العالية في قوله تعالى \" إلى الأرض التي باركنا فيها \" قال: من بركتها أن كل ماء عذب يخرج من أصل صخرة بيت المقدس.\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: الأنهار كلها والسحاب والبحار والرياح من تحت صخرة بيت المقدس.\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما: صخرة بيت المقدس من صخور الجنة.\rقال الزجاج: يقال إنها في وسط الأرض.\rوعن كعب قال: من أتى بيت المقدس فصلى عن يمين الصخرة وشمالها، ودعا عند موضع السلسلة، وتصدق بما قل أو كثر، استجيب دعاؤه، وكشف الله حزنه، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ وإن سأل الله الزيادة أعطاه إياها.\rوأما ما ورد في أن الله عز وجل عرج من بيت المقدس إلى السماء فقد روى الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن أحمد الواسطي الخطيب رحمه الله بسنده إلى سوادة بن عطاء الحضرمي، قال: نجد في الكتاب مكتوبا أن الله عز وجل لما أن خلق الأرض وشاء أن يعرج إلى السماء وهي دخان، استشرف لذلك الجبال أيها يكون ذلك عليه؟ وخشعت صخرة بيت المقدس تواضعا لله عز وجل، فشكر الله لها ذلك وجعل المعراج عنها. وكان عليها ما شاء الله أن يكون. قال: فمد الجبار يديه حتى كانتا حيث يشاء أن تكونا، ثم قال: \" هذه جنتي غرباً، وهذه ناري شرقا، وهذا موضع ميزاني طرف الجبل، وأنا الله ديان يوم الدين \" وكان معراجه إلى السماء عن الصخرة.\rوروي أيضا بسنده إلى هانئ بن عبد الرحمن، ورديح بن عطية عن إبراهيم ابن أبي عبلة أحسبه كذا قال: وسئل عبادة بن الصامت ورافع بن خديج وكانا عقبيين بدريين، فقيل لهما: أرأيتما ما يقول الناس في هذه الصخرة أحقاً هو فنأخذ به، أم هو شيء أصله من أهل الكتاب فندعه؟ فقال كلاهما: سبحان الله! ومن يشك في أمرها، إن الله عز وجل لما استوى إلى السماء، قال لصخرة بيت المقدس: \" هذا مقامي وموضع عرشي يوم القيامة، ومحشر عبادي، وهذا موضع ناري عن يسارها وفيه وأنصب ميزاني أمامها، وأنا الله ديان يوم الدين \" ثم استوى إلى عليين.","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"وروي أيضا بسنده عن كعب، قال: إن في التوراة أنه يقول لصخرة بيت المقدس \" أنت عرشي الأدنى ومنك ارتفعت إلى السماء، ومن تحتك بسطت الأرض وكل ما يسيل من ذروة الجبال من تحتك؛ من مات فيك فكأنما مات في السماء، ومن مات حولك فكأنما مات فيك، لا تنقضي الأيام والليالي حتى أرسل عليك نارا من السماء فتأكل آثارا أكف بني آدم وأقدامهم منك، وأرسل عليك ماء من تحت العرش فأغسلك حتى أتركك كالمرآة، وأضرب عليك سورا من غمام غلظه اثنا عشر ميلا، وسياجا من نار؛ وأجعل عليك قبة جبلتها بيدي، وأنزل فيك روحي وملائكتي يسبحون لي فيك؛ لا يدخلك أحد من ولد لآدم إلى يوم القيامة؛ فمن بر ضوء تلك القبة من بعيد، يقول: طوبى لوجه يخر فيك لله ساجدا، وأضرب عليك حائطا من نار وسياجا من الغمام،وخمسة حيطان من ياقوت ودرر وزبر جد؛أنت البيدر،وإليك المحشر،ومنك المنشر \" وروى أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي رحمه الله في ذلك حديثين، ثم تكلم عليهما وضعف رواتهما.\rأما أحدهما، فقال: أخبرنا المبارك بن أحمد، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد، قال: أنبأنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن عمر النصيبي، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن صالح بن عمر المقري، قال: حدثنا عيسى بن عبيد الله، قال: حدثنا على ابن جعفر الرازي، قال: حدثنا العباس بن أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا عبد الله ابن عمر المقدسي، قال: حدثنا بكر بن زياد الباهلي، عن عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أسري بي إلى بيت المقدس مر بي جبريل عليه السلام إلى قبر إبراهيم، فقال: انزل، فصل هاهنا ركعتين، هاهنا قبر أبيك إبراهيم. ثم مر بي ببيت لحم، فقال: انزل، صل هاهنا ركعتين، فإن هاهنا ولد أخيك عيسى. ثم أتي بي إلى الصخرة فقال: من هاهنا عرج ربك إلى السماء.\rقال الحافظ أبو حاتم بن حيان: هذا حديث لا يشك عوام أصحاب الحديث أنه موضوع. وكان بكر بن زياد يضع الحديث على الثقات.\rوأما الحديث الثاني، فرواه بسند إلى إبراهيم بن أعين عن رديح بن عطية بن النعمان، عن عبد الله بن بشر الحمصي، عن كعب الأحبار، قال: يقول الله عز وجل لبيت المقدس: أنت عرشي الذي منك رتفعت إلى السماء، ومنك بسطت الأرض، ومن تحتك جعلت كل ماء عذب يطلع في رؤوس الجبال.\rقال أبو حاتم الرازي: إبراهيم بن أعين منكر الحديث.\rهذا ما ورد في هذا الفصل وقد نبهنا على ما فيه من المآخذ والله أعلم.\rوأما ثواب الإهلال من بيت المقدس فقد روي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أهل من بيت المقدس، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال سالم: وأهل ابن عمر رضي الله عنهما من بيت المقدس بعمرة.\rوروي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحرم من بيت المقدس، قدم مكة مغفوراً له.\rوأما ما ورد من أن الكعبة تزور الصخرة يوم القيامة فقد روي عن كعب الأحبار قال: لا تقوم الساعة حتى يزور الحرام بيت المقدس، فينقادان جميعاً إلى الجنة وفيهما أهلوهما.\rوروي عن خالد بن معدان قال: يحشر الله الكعبة إلى الصخرة زفاً إليها زفاً، متعلقين بجميع من حج إليهما، تقول الصخرة مرحبا: بالزائرة والمزور إليها.\rهذا ما اتفق إيراده في فضائل البيت المقدس، وسنذكر إن شاء الله تعالى من أخباره طرفا آخر وهو الباب الثاني، من القسم الثالث من الفن الخامس في التاريخ عند ذكرنا لأخبار سليمان بن داود عليهما السلام. فلنذكر خلاف ذلك.\rوأما اليمن وما يختص به فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: الإيمان يمان، والحكمة يمانية.\rوقال الجاحظ: من خصائص اليمن السيوف، والبرود، والقرود.\rويقال: إن السيف متى قلع بالهند وطبع باليمن، فناهيك به! وقال الأصمعي: أربعة ملأت الدنيا ولا تكون إلا باليمن، وهي الورس، والكندر، والخضض، والعقيق.\rوأما الشام وما يختص به فمن ذلك أن الشام موطن الأنبياء عليهم السلام، ومعدن الزهاد والعباد.\rوحكي أن الأبدال السبعين بأرض الشام، بجبل لكام وجبل لبنان.\rومن خصائص الشام: مسجد دمشق","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"الذي ما عمر على وجه الأرض مثله وكانت عمارته في سنة ست وثمانين، عمره الوليد بن عبد الملك. ووقع الحريق فيه سنة إحدى وستين وأربعمائة، فدثرت محاسنه وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة.\rوعن قتادة، قال: أقسم الله تعالى بمساجد أربعة، والتين وهو مسجد دمشق، والزيتون وهو بيت المقدس، وطور سينين وهو حيث كلم الله موسى، وهذا البلد الأمين وهو مكة.\rوقال محمد بن شعيب: سمعت غير واحد من قدمائنا يذكرون أن التين مسجد دمشق، وأنهم قد أدركوا فيه شجرا من تين قبل أن يبنيه الوليد.\rوعن هشام بن عبد الملك قال: لما أمر الوليد ببناء مسجد دمشق، وجدوا في الحائط القبلي من المسجد لوحا فيه نقش فأتوا به إلى الوليد، فبعث إلى الروم والعبرانيين وغيرهم، فلم يستخرجوه. فدل على وهب بن منبه فبعث إليه، فلما قدم أخبره بموضع اللوح فإذا الحائط الذي وجد فيه بناء هود عليه السلام.\rوعن زيد بن واقد قال: وكني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق، فوجدنا فيه مغارة فعرفنا الوليد ذلك. فلما كان الليل وافي، وبين يديه الشمع، فنزل فإذا هي كنيسة لطيفة: ثلاثة أرع في ثلاثة أذرع، وإذا فيها صندوق، ففتح فإذا فيه سفط، وفي السفط رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام، مكتوب عليه هذا رأ س يحيى بن زكريا فأمر الوليد، فرد إلى مكانه، وقال: اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرا من الأعمدة، فجعلوا عليه عمودا مسفط الرأس. وكانت البشرة والشعر على رأسه لم يتغير.\rوقال أبو زرعة: مسجد دمشق خطه أبو عبيد بن الجراح، وكذلك مسجد حمص. وقيل: لما قدم المهدي يريد بيت المقدس، دخل مسجد دمشق ومعه أبو عبد الله الأشعري كاتبه، فقال: يا أبا عبد الله سبقنا بنو أمية بثلاث، قال: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: بهذا البيت \" يعني المسجد \" لا أعلم على وجه الأرض مثله، وبنبل الموالي فإن ليس لنا مثلهم، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون فينا مثله أبدت! ثم أتى بيت المقدس فدخل الصخرة، فقال: يا أبا عبد الله وهذه رابعة.\rوحكى عمرو بن مهاجر الأنصاري قال: حسبوا ما أنفق على الكرمة التي في قبلة مسجد دمشق، فإذا هو سبعون ألف دينار.\rوقال أبو قصي: أنفق في عمارة مسجد دمشق أربعمائة صندوق، وكل صندوق أربعة عشر ألف دينار.\rوقال بعض الشعراء المحدثين في وصفه:\rدمشق قد شاع ذكر جامعها ... وما حوته ربى مرابعها.\rبديعة المدن في الكمال لما ... يدركه الطرف من بدائعها.\rطيبة أرضها مباركة ... باليمن والسعد أخذ طالعها.\rجامعها جامع المحاسن قد ... فاقت به المدن في جوامعها.\rتذكر في فضله ورفعته ... أخبار صدق راقت لسامعها.\rقد كان قبل الحريق مدهشة ... فغيرته نار بلاقعها.\rفأذهبت بالحريق بهجته ... فليس يرجى إياب راجعها.\rإذا تفكرت في الفصوص وما ... فيها، تيقنت حذق واضعها.\rأشجارها لا تزال مثمرة ... لا ترهب الريح في مدافعها.\rكأنها من زمرد غرست ... في أرض تبر يغشى بفاقعها.\rفيها ثمار تخالها ينعت ... وليس يخشى فساد يانعها.\rتقطف باللحظ لا بجارحة ... الأيدي ولا تجتني لبائعها.\rوتحتها من رخامه قطع ... لا قطع الله كف قاطعها.\rأحكم ترخيمها المرخم ... بان عليها إحكام صانعها.\rوإن تفكرت في قناطره ... وسقفه، بان حذق رافعها.\rوإن تبينت حسن قبته ... تحير اللب في أضالعها.\rتخترق الريح في مخارمها ... عصفا فتقوى على زعازعها.\rوأرضه بالرخام قد فرشت ... ينفسح الطرف في مواضعها.\rمجالس العلم فيه مونفة ... ينشرح الصدر في مجامعها.\rوكل باب عليه مطهرة ... قد أمن الناس دفع مانعها.\rيرتفق الخلق من مرافقها ... ولا يصدون عن منافعها.\rولا تزال المياه جارية ... فيها لما شق من مشارعها.","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"وسوقها لا تزال آهلة ... يزدحم الناس في شوارعها.\rلما يشاءون من فواكهها ... وما يريدون من بضائعها.\rكأنها جنة معجلة ... في الأرض، لولا سري فجائعها.\rدامت برغم العدا مسلمة ... وحاطها الله من قوارعها.\rوقال عبد الله بن سلام: بالشام من قبور الأنبياء ألفا قبر وسبعمائة قبر؛ وقبر موسى بدمشق؛ ودمشق معقل الناس الناس في آخر الزمان.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من أراد أن ينظر إلى الموضع الذي قال الله عز وجل فيه \" وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين \" فليأت النيرب الأعلى بدمشق بين النهرين، وليصعد الغار في جبل قاسيون، فليصل فيه فإنه بيت عيسى وأمه. ومن رأراد أن ينظر إلى إرم، فليأت نهرا في دمشق يقال له بردى. ومن أراد أن ينظر إلى المقبرة التي فيها مريم بنت عمران والحواريون. فليأت مقبرة الفراديس.\rومن خصائصها التفاح الذي يضرب به المثل في الحسن والطيب.وكان يحمل منه إلى الخلفاء في كل سنة ثلاثون ألف تفاحة.\rوبها الغوطة، وهي أحد منتزهات الدنيا الأريعه وهي أجلها.\rوسنذكر وصفها في باب الرياض إن شاء الله تعالى.\rوأما مصر وما يختص بها من الفضائل فمن فضلها أن الله عز وجل ذكرها في كتابه العزيز في أربعة وعشرين موضعا. منها ما هو بصريح اللفظ. ومنها ما دلت عليه القرائن والتفاسير.\rفأما صريح اللفظ، فقوله تعالى: \" إهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم \" .\rوقوله تعالى مخبرا عن فرعون: \" أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي \" .\rوقوله عز وجل مخبراً عن يوسف عليه السلام: \" ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين \" .\rوقوله تعالى: \" وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة \" .\rوأما ما دلت عليه القرائن، فمنه قوله تعالى: \" ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق \" .\rوقوله عز وجل: \" وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين \" . قال ابن عباس، وسعيد المسيب، ووهب بن منبه وغيرهم: هي مصر.\rوقوله تعالى: \" فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم \" .\rوقوله تعالى: \" وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها \" . يعني مصر.\rوقوله تعالى: \" كم تركوا من جنات وعيون و زروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوماً آخرين \" . يعني قوم فرعون، وأن بني إسرائيل ورثوا أرض مصر.\rوقوله عز وجل: \" ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون \" .\rوقوله تعالى مخبرا عن نبيه موسى عليه السلام: \" يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين \" .\rوقوله عز وجل مخبرا عن فرعون: \" يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض \" .\rوقوله تعالى: \" وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون \" .\rوقوله تعالى مخبرا عن قوم فرعون: \" أتذر موسى وقومه ليفسدون في الأرض \" يعني أرض مصر.\rوقوله عز وجل مخبرا عن نبيه يوسف عليه السلام: \" إجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم \" .\rوقوله تعالى: \" وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء \" وقوله عز وجل مخبرا عن بني إسرائيل: \" ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا \" .\rوقوله تعالى مخبرا عن نبيه موسى عليه السلام: \" عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض \" .\rوقوله تعالى: \" أو أن يظهر في الأرض الفساد \" . يعني أرض مصر.\rوقوله تعالى: \" وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى \" .\rوقوله عز وجل: \" إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا \" .\rوقوله تعالى مخبرا عن ابن يعقوب: \" فلن أبرح الأرض \" . يعني أرض مصر.\rوقوله تعالى: \" إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض \" .\rوذكر ابن عباس مصر، فقال: سميت مصر بالأرض كلها في عشرة مواضع من القرآن. والله أعلم.\rوأما ما ورد فيها من الحديث النبوي صلوات الله وسلامه على قائله فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ستفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيراً فإن لهم ذمة ورحما","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا بها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض فقال أبو بكر رضي الله عنه: ولم يا رسول الله؟ فقال: لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة وعنه صلى الله عليه وسلم، وذكر مصر: ما كادهم أحد إلا كفاهم الله مؤونته.\rوتكررت الأحاديث في فضلها.\rوقال عبد الله بن عمرو: وأهل مصر أكرم الأعاجم كلها، وأسمحهم يدا، وأفضلهم عنصرا، وأقربهم رحماً بالعرب عامة وبقريش خاصة.\rوقال أيضا: لما خلق الله عز وجل آدم، مثل له الدنيا: شرقها، وغربها، وسهلها، وجبلها، وأنهارها، وبحارها، وبناءها، وخرابها، ومن يسكنها من الأمم، ومن يملكها من الملوك. فلما رأى مصر، رآها أرضاً سهلةً ذات نهر جار، مادته من الجنة، تنحدر فيه البركة، ورأى جبلا من جبالها مكسوا نورا لا يخلو من نظر الرب عز وجل إليه بالرحمة. في سفحه أشجار مثمرة، فروعها في الجنة تسقي بماء الرحمة. فدعا آدم في النيل بالبركة، ودعا في أرض مصر بالرحمة والبر والتقوى، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات. ثم قال: \" يا أيها الجبل المرحوم، سفح جنة وتربتك مسكة تدفن فيها عرائس الجنة، أرض حافظة مطبقة رحيمة، لا خلتك يا مصر بركة، ولا زال بك حفظ، ولا زال منك ملك وعز، يا أرض مصر فيك الخباء والكنوز، ولك البر والثروة، سال نهرك عسلا. كثر الله زرعك، ودر ضرعك، وزكا نباتك، وعظمت بركتك وخصبت، ولا زال فيك يا مصر خير ما لم تتجبري وتتكبري أو تخوني، فإذا فعلت ذلك عراك شر، ثم تغور خيرك \" .\rفكان آدم أول من دعا لها بالخصب والرحمة والرأفة والبركة.\rوقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: دعا نوح عليه السلام لبن ابنه بيصر ابن حام وهو أبو مصر، فقال: اللهم إنه قد أجاب دعوتي، فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض الطيبة المباركة التي هي أم البلاد.\rقال عبد الله بن عمرو: لما قسم نوح عليه السلام الأرض بين ولده، جعل لحام مصر وسواحلها والمغرب وشاطئ النيل. فلما دخل بيصر بن حام وبلغ العريش، قال: \" اللهم إن كانت هذه الأرض التي وعدتنا على لسان نبيك نوح عليه السلام وجعلتها لنا منزلا فاصرف عنا وباها، وطيب لنا ثراها، واجمع ماها، وأنبت كلاها، وبارك لنا فيها، وتمم لنا وعدك، إنك على كل شيء قدير، وإنك لا تخلف الميعاد \" وجعلها بيصر لابنه مصر وسماها به. والقبط ولد مصر بن بيصر بن حام بن نوح.\rوسنذكر إن شاء الله أخبار مصر وبنيه عند ذكرنا لملوك مصر، وهو في الفن الخامس من التاريخ.\rوعن كعب الأحبار: لولا رغبتي في بيت المقدس لما سكنت إلا مصر، فقيل له: ولم؟ فقال: لأنها معافاة من الفتن ومن أرادها بسوء كبه الله على وجهه، وهو بلد مبارك لأهله فيه.\rوقال أبو بصرة الغفاري: سلطان مصر سلطان الأرض كلها.\rقال: وفي التوراة مكتوب: مصر خزائن الأرض كلها، فمن أرادها بسوء قصمه الله تعالى.\rوقال عمرو بن العاص: ولاية مصر جامعة، تعدل الخلافة.\rوقال أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز، قاضي العراق: سألت أحمد بن المدبر عن مصر فقال: كشفتها فوجدت غامرها أضعاف عامرها. ولو عمرها السلطان، لوفت له بخراج الدنيا.\rذكر من ولد بمصر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن كان بها منهم ولد بمصر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جماعة، منهم: موسى، وهارون، ويوشع بن نون، ودانيال، وارميا، ولقمان، وعيسى بن مريم، ولدته أمه بأهناس، وبها النخلة التي ذكرها الله تعالى لمريم على أحد الأقوال.\rولما سار عيسى إلى الشأم أخذ على سفح المقطم ماشيا، عليه جبة صوف مربوط الوسط بشريط، وأمه تمشي خلفه، فالتفت إليها وقال: يا أماه، هذه مقبرة أمة محمد صلى الله عليه وسلم.\rوأما من كان بها منهم، فكان إبراهيم الخليل، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف عليهم السلام، واثنا عشر سبطا.\rذكر من كان من الصديقين والصديقات رضي الله عنهم كان بها من الصديقين مؤمن آل فرعون الذي ذكره الله عز وجل في القرآن. وقيل: إنه ابن لفرعون لصلبه. آمن بموسى ولحق به وجعله نبياً وآيةً.\rوكان بها وزراء فرعون الذين وصفهم الله تعالى وفضلهم على قوم نمرود حين قالوا: أرجئه وأخاه وقال وزراء النمرود: اقتلوه أو حرّقوه.","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"وأخرجت مصر السحرة الذين أحضرهم فرعون لموسى،وكانت عدتهم مائتي ألف واثنتين وثلاثين ألفا وقيل أكثر من ذلك، آمنوا كلهم في ساعة واحدة. ولم نعلم ممن آمن في ساعة واحدة مثل هذا العدد.\rومن فضائل مصر ونبل أهلها أنهم لم يفتنوا بعبادة العجل.\rوكان بها من الصديقات آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وأم إسحاق، ومريم بنت عمران،وماشطة بنت فرعون، التي مشطها فرعون بأمشاط الكتان لما آمنت بموسى.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شممت ليلة أسرى بي في الجنة رائحة ما شممت أطيب منها، فقلت: يا جبريل ما هذا؟ فقال: هذا رائحة ماشطة بنت فرعون ذكر من صاهر أهل مصر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منهم: إبراهيم الخليل عليه السلام، تزوج بهاجر أم إسماعيل.\rويوسف الصديق، تزوج بنت صاحب عين شمس، وتزوج زليخا بعد أن عجزت وعميت. دعا الله فردها إلى حالتها الأولى ورزق منها الولد.\rوتسري سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية التي أهداها له المقوقس، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في السيرة النبوية.\rذكر من أظهرته مصر من الحكماء \" الذين عمروا الدنيا بكلامهم وحكمهم وتدبيرهم، وأظهروا ما خفي من العلوم \" قال الحسن بن إبراهيم، صاحب تاريخ مصر: منهم: ذو القرنين، وهوالإسكندر من قرية يقال لها لوبية. وهو الذي قتل دارا بن دارا. وسيأتي خبره إن شاء الله تعالى في التاريخ في ذكر ملوك اليونان.\rومنهم: هرمس، وهو المثلث بالنعمة: نبي، وحكيم، وملك: وهو الذي صير الرصاص ذهبا، وبني الهرمين الكبيرين على أحد الأقوال. وقيل: هو إدريس عليه السلام.\rومنهم تلميذاه: أغاثا ذيمون وفيثاغورس، ولهما من العلوم الموروثة صناعة الكيمياء، والنجوم، والسحر، وعلم النارنجيات، والطلسمات، والبرابي، وأسرار الطبيعة.\rومنهم أوسلا وسيزوارس وبندقليس، أصحاب الكهانة والزجر.\rومنهم سقراط، صاحب الحكمة، والكلام على البارئ جل ذكره، وهو صاحب البلاغة.\rومنهم أفلاطون، صاحب السياسة، والنواميس، والكلام على المدن والملوك.\rومنهم بطليموس، صاحب الرصد، والمساحة، والحساب؛ وهو صاحب كتاب المجسطي من كتب الأفلاك، وحركة الشمس، والقمر والمواكب المتحيرة والثابتة، وصورة فلك البروج. وله صفة الأمم الذين يعمرون الأرض، وكتاب الثمرة على علم النجوم وتسطيح الكرة.\rومنهم أرسطاطاليس، صاحب المنطق، والآثار العلوية، والحسن والمحسوس، والكون والفساد، والسماء والعالم، وسمع الكيان والسمع الطبيعي، ورسالة نبت الذهب، قالوا: وليعقوب بن إسحاق الكندي نحو ألف كتاب مستخرجة من كتب أرسطاطاليس.\rومنهم أراطس، صاحب البيضة ذات الثمانية والأربعين صورة في تشكيل صورة الفلك، والألف كوكب، اثنان وعشرون كوكبا من الكواكب الثابتة، والزيج.\rومنهم أنطوليوس، صاحب الفلاحة.\rومنهم إبرخس، صاحب الرصد والآلة المعروفة بذات الحلق.\rومنهم ثاون، صاحب الزيج المنسوب إليه.\rومنهم اسطنس، ودروثيوس، والنس، أصحاب كتب أحكام النجوم، وعنهم انتشر ذلك.\rومنهم إيران، صاحب الهندسة والمقادير، وكتاب جر الأثقال، والحيل الروحانية، وعمل البناكيم والآلات لقياس الساعات.\rومنهم فيلون البرنطي، وله عمل الدواليب والأرحية والحركات بالحيل اللطيفة.\rومنهم أرشميدس، صاحب الحيل والهندسة والمرايا المحرقة وعمل المجانيق ورمي الحصون، والحيل على الجيوش والعساكر براً وبحراً.\rومنهم ماريه وقلبطره، أصحاب الطلمسات، والخواص للطبائع.\rومنهم أبلونيوس، وله كتاب المخروطات وقطع الخطوط.\rومنهم ثيودوسيس، وهو صاحب كتاب الأكر.\rومنهم ذيوفنطس، وله كتاب الحساب.\rومنهم أوطوقيس، وله كتاب الكرة والأسطوانة.\rومنهم المشاءون أصحاب الرواق.\rوبمصر من العلوم التي عمرت بها الدنيا علم الطب اليوناني، وعلم النجوم، وعلم المساحة، وعلم الهندسة، وعلم الكيمياء، وغير ذلك وبها الطلسمات العشرة.\rوبادي الإسكندري صاحب الزيج.\rوالذين نشروا الطب وشرحوه جالينوس، صاحب الطب، تعلمه بمصر، ومن كتبها أخذ.\rومنهم ديسقريد: صاحب الحشائش، وديوجانس، واركاغانس، وارباسيوس، وفريقونوس، وروفس، هؤلاء أصحاب الطب اليوناني.\rفهؤلاء حكماء الأرض وعلماؤهم الذين ورثوا الحكمة، من مصر خرجوا، وبها ولدوا؛ ومنها انتشرت علومهم في الأرض.","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"قال الحسن بن إبراهيم: وكانت مصر يسير إليها في الزمن الأول طلبة العلم وأصحاب العلم الدقيق لتكون أذهانهم على الزيادة وقوة الذكاء ودقة الفطنة. والله تعالى أعلم.\rومن فضائل مصر أنها تمير الحرمين الشريفين، ولولا مصر لما أمكن أهل الحرمين وأعمالهما المقام بهما، ولما توصل إليهما من يرد من أقطار الأرض.\rومنها أنها فرضة الدنيا، ويحمل من خيرها إلى سواحلها، وذلك أن من ساحلها بالقلزم ينقل إلى الحرمين، وإلى جدة، وإلى عمان، وإلى الهند، وإلى الصين، وصنعاء، وعدن، والشحر، والسند، وجزائر البحر.\rومن جهة تنيس، ودمياط، والفرما فرضة بلد الروم، وأقاصي الأفرنجه، وقبرس، وسائر سواحل الشام، والثغور إلى حدود العراق.\rومن جهة الإسكندرية فرضة أقريطش، وصقلية، بلد الروم، والمغرب كله إلى طنجة، ومغرب الشمس.\rومن جهة الصعيد فرضة بلد النوبة، والبجة، والحبشة، والحجاز، واليمن.\rوفيها من ثغور الرباط: البرلس، ورشيد، والإسكندرية، ورباط ذات الحمام، ورباط الحيرة، ورباط إخنا، ورباط دمياط، وشطا، وتنيس، والأشتوم، والفرما، والوارد، والعريش، والشجرتين، ورباط الحرس، وجهة الحبشة، والبجة، ورباط أسوان على النوبة. ورباط الواحات على البر والسودان. ورباط قوص.\rوبها من المساجد والمشاهد والآثار الصالحة، وما لم يكن في غيرها. ولو استقصينا ذلك لطال به الشرح وانبسط القول.\rوقال سعيد بن عقبة: كنت بحضرة المأمون حتى قال، وهو في قبة الهواء: لعن الله فرعون حين يقول \" أليس لي ملك مصر \" فلو رأى العراق!. فقلت: يا أمير المؤمنين لا تقل هذا فإن الله عز وجل قال \" ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون \" . فما ظنك يا أمير المؤمنين بشيء دمره الله، هذا بقيته؟.\rقال: ثم قلت لقد بلغني أن أرضاً لم تكن أعظم من مصر، وجميع أهل الأرض يحتاجون إليها. وكانت الأنهار بقناطر وجسور وتقدير حتى أن الماء يجري تحت منازلهم وأفنيتهم: يحسبونه متى شاءوا ويرسلونه متى شاءوا. وكانت البساتين بحافتي النيل من أوله إلى آخره، ما بين أسوان إلى رشيد إلى الشام متصلة لا تنقطع. ولقد كانت الأمة تضع المكتل على رأسها فيمتلئ مما يسقط من الشجر. وكانت المرأة تخرج حاسرة لا تحتاج إلى خمار لكثرة الشجر.\rومن فضائلها النيل، وقد تقدم ذكره في باب الأنهار.\rومن عجائبها الهرمان وسيأتي ذكرها في باب المباني القديمة إن شاء الله تعالى.\rومن عجائبها أن أهلها مستغنون عن كل بلد، حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسور، استغنى أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا.\rوفيها ما ليس في غيرها، وهو حيوان السقنقور، والنمس. ولولاه لأكلت الثعابين أهلها؛ وهو لها كقنافذ سجستان لأهلها.\rوفيها سمك يسمى الرعاد. وهو سمك إذا أمسكه إنسان أو أمسك ما يتصل به من خيط الصَّنارة أو الشبكة التي يقع فيها، ارتعدت يده.\rوالحطب السنط الذي لو وقد منه يوما وجمع ما وجد من رماده كان ملء كف. وهو صلب العود، سريع الوقود، بطيء الخمود. ويقال: إنه الأبنوس، وإنما البقعة قصرت عن الكيان فجاء أحمر شديد الحمرة ودهن البلسان. والأفيون، وهو عصارة الخشخاش. وكان بها اللبلخ، وهو ثمر في قدر اللوز الأخضر إلا أن المأكول منه الظاهر. ورأيته أنا بنا وأكلت منه سنة ثلاث وتسعين وستمائة.\rوبها الأترج الأبلق وبها من المعادن: معدن الزمرذ، ومعدن النفط، والشب، والبرام، والرخام.\rوقيل: إن بها سائر المعادن كلها.\rوأهلها يأكلون صيد بحر الروم وبحر فارس طريا.\rوفي كل شهر من شهور القبط صنف من المأكول والمشروب والمشموم، يوجد فيه دون غيره. فيقال: رطب توت ورمان بابه، وموز هاتور، وسمك كهيك، وماء طوبة، وخروف أمشير، ولبن برمهات، وورد برمودة، ونبق بشنس، وتين بؤنة، وعسل أبيب، وعنب مسرى.\rومنها أن صيفها خريف، وشتاءها ربيع؛ وما يقطعه الحر والبرد في سائر البلاد من الفواكه يوجد فيها في الحر والبرد: لأنها في الإقليم الثالث والرابع، فسلمت من حر الأول والثاني، وبرد السادس والسابع.\rويقال: ولو لم يكن من فضل مصر إلا أنه تَغني في الصيف عن الخيش والثلج وبطون الأرض، وفي الشتاء عن الوقود والفراء.\rومما وصفت به","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"أن صعيدها حجازي. حجره كحجر الحجاز ينبت النخل والدوم \" وهو شجر المقل \" ، والعشر، والقرظ، والإهليلج، والفلفل، والخيار شنبر. وأسفل أرضها شامي: يمطر كمطر الشام، وتقع فيه الثلوج،وينبت التين والزيتون والعنب والجوز واللوز والفستق وسائر الفواكه، والبقول والرياحين وهي ما بين أربع صفات: فضة بيضاء، أو مسكة سوداء، أو زبرجدة خضراء، أو ذهبة صفراء. وذلك أن النيل يعم أرضها فتصير كالفضة البيضاء، ثم ينصب عنها فتصير مسكة سوداء، ثم تزرع فتصير برجدة خضراء، ثم تستحصد فتصير ذهبة صفراء.\rوحكى ابن زولاق في فضائل مصر إن أميرها موسى بن عيسى \" الهاشمي \" وقف بالميدان عند بركة الحبش فالتفت يمينا وشمالا، وقال لمن كان معه: أترون ما أرى؟ قالوا: وما يرى الأمير؟ قال: أرى عجبا ما في الدنيا مثله؟ فقالوا: يقول الأمير؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فقال: أرى ميدان رهان، وحيطان نخل، وبستان شجر، ومنازل سكنى، وذروة جبل، وجبانة أموات، ونهر عجاجا، وأرض زرعٍ، ومراعي ماشية، ومراتع خيل، وساحل بحر. \" وصائد نهر \" وقانص وحش، وصائد سمك، وملاح سفينة، وحادي ابل، ومفازة رمل، وسهلا، وجبلا .فهذه ثمانية عشر منتزها في أقل من ميل في ميل.\rوأين هذه الأوصاف من وصف الواصف لقصر أنس بالبصرة حيث يقول:\rزر وادي القصر نعم القصر والوادي! ... لا بد من زورةٍ من غير مِيعاد.\rزره فليس له شيء يشاكله ... من منزل حاضرٍ إن شئت أو بادي.\rترى به السفن والظُّلمان حاضرة ... والضب والنون والملاح والحادي.\rوقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي، يصف جبل الرصد مثل ما وصف به قصر أنس.\rيا نزهة الرصد المصري قد جمعت ... من كل شيء حلا في جانب الوادي.\rفذا غدير، وذا روض، ذا جبل: ... فالاضب والنون والملاح والحادي.\rفهذه نبذة من فضائل مصر. ولولا الرغبة في الاختصار، لكانت فضائلها تكون كتابا مفردا.\rوأما جزيرة الأندلس فقد اقتصرت في وصفها على رسالة وصفها ابن حزم فيها، فقال: أرضها شامية في طيبها، تهامية في اعتدالها واستوائها، أهوازية في عظم خراجها وجبايتها، عدنية في منافع سواحلها، صينية في معادنها، هندية في عطرها وطيبها وذكائها. وأهلها عرب في الأنساب والعزة والأنفة، وفصاحة الألسن، وطيب النفوس وإباء الضيم، وقلة احتمال الذل والإهانة، والنزاهة عن الخضوع؛ هنديون في فرط عنايتهم بالعلوم وحبهم لها؛ بغداديون في ظرفهم ونظافتهم، ورقة أخلاقهم ونباهتهم، ولطافة أذهانهم وحدة أفكارهم؛ نبطيون في استنباط المياه، معاناتهم للغراسة وتركيب الشجر والفلاحة؛ صينيون في إتقان الصنائع العلمية، وإحكام المهن الصورية؛ تركيون في معاناة الحروب ومعالجة آلاتها، والنظر في مهماتها.\rقال إبراهيم بن خفاجة، يصفها:\rإن للجنة بالأندلس ... مجتلى عين وريا نفس!\rفسنا صبحتها من شنبٍ ... ودجى ليلتها من لعس.\rوقد أظهرت الأندلس جماعة من الفضلاء والأعيان والأكابر؛ ذكرهم ابن بسام في كتابة المترجم بالذخيرة، في محاسن أهل الجزيرة وذكرهم الفتح بن خاقان في كتابة المطمح وقلائد العقيان وغيرهما.\rوسنذكر إن شاء الله تعالى حال الأندلس وابتداء عمارتها وملوكها عند ذكرنا فتحها، وهو في الباب الخامس من القسم الأول من الفن الخامس في التاريخ من أخبار الدولة الأموية في التاريخ من أخبار الدولة الأموية في خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان في سنة اثنان وتسعون من الهجرة.\rوأما البصرة وما اختصت به فمن خصائصها أن للغربان بها ضربا من العجب. وذلك أنها تقع إليها بالخريف حتى تكون الأرض بها سوداء، وتقع على كل نخلة أصرم ثمرها، ولا تقع على ما لم تصرم، ولو بقي عليها عذق واحد.\rومن عجائبها، أن التمر يكون مصبوباً في بيادره فلا يقع عليه شيء من الذباب ولا في الليل ولا في النهار.\rوأهل البصرة يتخذون المظلات على التمر والعجوة خوفا عليها من الخفاش. ومن عادة الذباب الفرار من الشمس إلى الظل، فلا يوجد في تلك الظلال شيء منه البتة. فيتوهم المتوهم أن هاتين الحالتين من طلسم، له من الخاصية ما يمنع الغربان والذباب.\rوليس كذلك، وإنما هو من حماية الله ووقايته","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"ووصف خالد بن صفوان البصرة، فقال: منابتها قصب، وأنهارها عجب، وسماؤها رطب، وأرضها ذهب.\rوفي الكوفة عدم الوفاء وأما بغداد وما اختصت به فإنه يقال إنها جنة الأرض، ومجتمع الوافدين: دجلة والفرات، وواسطة الدنيا، ومدينة السلام، وقبة الإسلام، لأنها غرة البلاد، ودار السلام والخلافة، ومجمع الطرائف والطيبات، ومعدن المحاسن واللطائف، وبها أرباب النهايات في كل فن، وآحاد الدهر في كل نوع.\rوكان أبو إسحاق الزجاج يقول: بغداد حاضرة الدنيا، وما عداها بادية.\rوكان أبو الفضل بن العميد إذا طرأ عليه أحد وأراد امتحان عقله سأله عن بغداد. فإن فطن لفضائلها وخواصها، جعل ذلك مقدمة فضله وعنوان عقله.\rوقال ابن زريق الكوفي، الكاتب:\rسافرت أبغى لبغدادٍ وساكنها ... مثلا، فحاولت شيئا دونه اليأس\rهيهات! بغداد الدنيا بأجمعها ... عند وسكان بغدادٍ هم الناس.\rوقال آخر:\rسقى الله بغداد من جنة ... غدت للورى نُزهة الأُنفس.\rعلى أنها منية الموسرين ... ولكنها حسرة المفلس.\rوأما الأهواز وما اختصت به فقال أبو العثمان عمرو بن بحر الجاحظ: إن قصبة الأهواز مخصوصة بالحمى الدائمة اللازمة، حتى أنها ليست إلى الغريب بأسرع منها إلى القريب.\rوقال إبراهيم بن العباس عن مشيخة من أهلها عن القوابل بها: أنهن ربما قبلن الطفل المولود بها فيجدنه محموما؛ ولا تكاد توجد بها وجنة حمراء لصبي ولا صبية، ولا دم ظاهر.\rومن عجائب خصائصها: أن جميع أصناف الطيب تستحيل رائحته فيها جدا، حتى لا تكاد توجد له رائحة. وذلك من كثرة الرطوبات، وغلظ الهواء، والأبخرة الفاسدة. \" وهذا موجود بأنطاكية والقسطنطينية \" ويقال: أن الخيل لا تنزو بها ولا تصهل، وإنها تعتلف الحشيش دون التبن؛ لما يلحقها من الربو، لنداوة البلد وعفونته.\rوأما فارس وما اختصت به فمن خصائصها: ماء الورد الذي لا يوجد مثله في سائر البلاد طيباً والجوري. الموصوف من أحد بلادها يُجلب إلى أقاصي البلاد، ويضرب به المثل.\rولشيراز من بلاد فارس فغمة طيبة ليست فيما عادها من بلاد فارس.\rوأما أصفهان وما اختصت به فهي موصوفة بصحة الهواء، وجودة التربة، وعذوبة الماء.\rوحكي أن الحجاج ولى بعض خواصه أصفهان، فقال له: قد وليتك بلدة حجرها الكحل، وذبابها النحل، وحشيشها الزعفران.\rومن خصائص الرَّي: برودها موصوفة كبرود اليمن، وتسمى العدنيات تشبيهاً لها ببر(ود عدن. وفيها الثياب المنيرة.\rقالوا: واللص الحاذق ينسب إلى الرَّي.\rوأما جرجان وما اختصت به فهي سهلية جبلية، برية بحرية. وأهلها يعدون زيادة على مائة نوع من أنواع الرياحين، والبقول، والحشائش الصحراوية، والثمار والحبوب السهلية التي هي مبذولة بها للفقراء والغرباء.\rومن خصائصها: العناب الذي لا يكون في سائر البلاد مثله، ويقال: هي بغداد الصغرى، إلا أنها وبية، مختلفة الهواء في اليوم الواحد، قتالة للغرباء، كثيرة النداء.\rويقال: جرجان مقبرة أهل خراسان.\rوفي بعض الكتب القديمة أن بخراسان بلدة يقال لها جرجان، يساق إلى قصار الأعمار من الناس.\rوكان أبو تراب النيسابوري يقول: لما قُسمت البلادُ بين الملائكة، وقعت جرجان في قسم أبي يحيى \" يعني ملك الموت \" .\rوأما نيسابور وما اختصت به فحكي عن عمرو بن الليث الصفار أنه كان يقول: كيف لا أقاتل عن بلدة حشيشها الريباس، وترابها النقل، وحجرها الفيروزج. أراد بقوله: ترابها النقل طين الأكل الذي لا يوجد مثله في الأرض، ويحمل منها إلى أقاصي البلاد وأدانيها، ويتحف به الملوك. قالوا: وربما بيع الرطل منه بدينار. قال المأمون يصفه:\rجد لي من النقل، فذاك الذي ... منه خلقنا وإليه نصير.\rذاك الذي يحسب في مثله ... أحجار كافور عليها عبير.\rقالوا: والفيروزج لا يكون إلا في نيسابور، وربما بلغت قيمة الفص منه - الذي إذا أربى وزنه على مثقال، وجمع الخضرة والاستدارة، وصبر على النار، وامتنع على المبرد، ولم يتغير بالماء الحار - مائتي دينار.\rويقال إن له خاصية في تقوية القلب بالنظر إليه، كما أن للياقوت خاصية في مسرة النفس.","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"ولما دخلها إسماعيل بن أحمد الساماني، ملك ما وراء النهر وخراسان، استحسنها واستطابها، وقال: يا لها من بلدة جليلة، لو لم يكن لها عيبان! كان ينبغي أن تكون مياهها التي في باطن الأرض على ظاهرها، وأن تكون مسالحها التي على ظهرها في بطنها.\rومن خصائصها الثياب النيسابورية الرقاق.\rوأهلها لا يكرمون الغريب. قال المرادي:\rلا تنزلنَّ بنيسابور مغترباً ... إلا وحبلك موصولٌ بسلطانِ.\rأولا، فلا أدبٌ يغني ولا حسبٌ ... يجدي ولا حرمةٌ ترعى لإنسانِ.\rوقال أيضاً فيها:\rقال المرادي قولاً غير متهم، ... والنصح ما كان من ذي اللب مقبولُ:\rلا تنزلن بنيسابور مغتربَاً، ... إن الغريب بنيسابور مخذولُ.\rوأما طوس وما اختصت به فمن خصائصها السبج الذي لا يكون إلا بها، ومنها ينقل إلى الآفاق، والحجر الأبيض الذي تتخذ منه القدور.\rويقال: إن الله عز وجل ألان لأهلها الحجارة كما ألان لداود الحديد، حتى إنهم يتخذون منها ما يتخذ غيرهم من الزجاج من سائر الأواني.\rوأما بلخ وما اختصت به فيقال: هي من أقدم البلاد وأخصها بالملوك، وهي شبيهة بالعراق، وخراسان، والهند. وإليها ينسب جيحون، فيقال: نهر بلخ.\rوكان سعيد بن الحسن يقول: العيش في الصيف ببلخ كتصحيفها.\rومن خصائصها البخاتي والنيلوفر.\rوأما بست وما اختصت به فيقال: إن هواءها كهواء العراق، وماءها كماء الفرات؛ ومن خصائصها الإجاص الذي لا يوجد مثله في غيرها. ويقال: إن من مات ببست مغفوراً له فقد انتقل من جنة إلى جنة.\rوأما غزنة وما اختصت به فهي موصوفة بصحة الهواء،وجودة التربة، وعذوبة الماء، وهي جبلية شمالية؛ ومن خصائصها أن الأعمار بها طويلة، والأمراض قليلة. قالوا: وهي أرض تنبت الذهب، ولا تولد الحيات والعقارب والحشرات المؤذية. ومنها خرج الأجلاء الأنجاد من الرجال.\rوقال أبو سعيد منصور زعيم جرجان: لم أر بلدة في الصيف أطيب، وفي الربيع أشبه، ومن الحشرات أنظف من غزنة. ثم قال: إن قلة ثمارها من منافعها، لأن كثرة الثمار مقترنةٌ بكثرة الأمراض. وقد وصفها صاحب كتاب لطائف المعارف فقال:\rواهاً لغزنة إذ غدت ... للملك والإسلام داَراَ.\rمن كعبةٍ قد أصبحت ... للمجد والعليا مداَراَ.\rفي صدرها الملك الذي ... قطب السعود عليه داَراَ\rوقال أيضا فيها:\rيا دار ملك نرى كل الجمال بها ... وأسعد الدهر تبدو من جوانبها.\rكأنما جنة الفردوس قد نزلت ... بأرض غزنة تعجيلاً لصاحبها.\rوأما سجستان وما اختصت به فيقال فيها: ماؤها وشل، وثمرها دقل، ولصها بطل.\rوما تختص به الطاسات وجلاجل البزاة، والطبول الموكبية، والفرش الديباج.\rوأما الهند وما اختصت به فيقال: الهند بحرها در، وجبلها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر.\rوعود الهند يذكر مع أمهات الطيب.\rوفي الهند الفيل، والكركدن، والبير، والطاووس، والببغاء.\rوفيه الياقوت الأحمر، والصندل الأبيض والعاج، وأصناف العطر، والثياب المخملة وغيرها، واللنس، والأقمشة.\rوأما الصين وما اختص به فإن العرب تقول لكل طرفة من الأواني: صينية كائنةً ما كانت: لاختصاص الصين بالطرائف.\rوأهل الصين خصوا بصناعة الطرف، والملح، وخرط التماثيل، والإبداع في عمل النقوش والتصاوير، حتى إن مصورهم يصور الإنسان فلا يغادر شيئاً إلا الروح، ثم لا يرضى بذلك حتى يفصل بين ضحك الشامت وضحك الخجل، وبين المبتسم والمستغرب، وبين ضحك المسرور والهازئ، ويركب صورة في صورة.\rوفيه مناديل الغمر التي إذا اتسخت وألقيت في النار، نقيت ولم تحترق.\rوفيه الحديد. وربما اشترى بأضعاف وزنه فضةً.\rوفيه السنجاب الفارحاني الذي هو من أنفس الأوبار. وفيه اللبود الجياد.\rقال الجاحظ في كتاب النظر في التجارة: إن خير اللبود الصينية، ثم المغربية الحمر، ثم الطالقانية البيض.\rوأما سمرقند وما اختصت به قال قتيبة بن مسلم، لما أشرف على سمرقند لأصحابه: شبهوها، فلم يأتوا فيها بشيء، فقال: كأنها السماء في الخضرة، وكأن قصورها النجوم الزاهرة، وكأن أنهارها المجرة. فاستحسنوا هذا التشبيه.","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"ومن خصائصها: الكواغد التي عطلت قراطيس مصر، والجلود التي كان الأوائل يكتبون عليها، لأنها أحسن وأنعم وأرفق وأرق. ولا تكون إلا بها وبالصين.\rومن خصائصها الثياب الوذارية، والنشادر، والزئبق، والبندق.\rوأما بلاد الترك وما اختصت به فإنه يقال. إنها توازن بلاد الهند في كثرة الخصائص.\rوفيها المسك والسنجاب والسمور والقاقم والفنك والثعالب السود والأرانب البيض وغير ذلك.\rوفيها البزاة البيض والخيل.\rوتثبت من بلاد الترك خاصيةً : أنه من أقام بها اعتراه سرور لا يدري ما سببه، ولا يزال متبسماً ضاحكاً؛ وأن الميت إذا مات فيها لا يدخل على أهله كبير حزن كما يلحق غيرهم عند موت محبوب.\rوأما خوارزم وما اختصت به فأنها تقارب بلاد الترك، بل تنافسها في الخصائص والمتاجر.\rومن خصائصها البطيخ الذي يقال له النارنج يقال إنه أحلى البطاطيخ وأطيبها.\rوكان يحمل منها إلى المأمون وإلى الواثق في قوالب الرصاص. معبأة في الثلج. فكانت تقوم الواحدة منه - إذا سلمت ووصلت - بسبعمائة درهم. والله أعلم.\rذكر الخصائص التي تجري مجرى الطلسمات منها: مدينة خبيص من مدن كرمان. لا يمطر المطر فيها داخل السور أبداً حتى إن الرجل يخرج يده من سورها إلى خارجها، فتبتل يده ولا يبتل ساعده.\rوبقرية من قرى كرمان أيضاً حصن عادي ليس فيه فأر. وإذا دخل إليه فأر، مات.\rومدينة حمص لا يوجد فيها عقرب. وإذا نثر ترابها على ظهر عقرب، ماتت.\rوكذلك قلعة أعزاز من أعمال حلب. ويقال إنه لا يدخل مدينتها حية. ومتى نثر عليها من ترابها، ماتت لوقتها. ولا يوجد فيها بعوض البتة. وإن الرجل متى أخرج يده من السور، وقع عليها؛ فإذا أدخل يده، طار عنها.\rوبمصر أن التماسيح إذا ساقها الماء إليها وحاذتها، انقلبت على ظهرها. فإذا بعدت عنها، لا تضر أحدا. بخلاف ما هي في بلاد الصعيد، فإنها تفترس جميع ما تظفر به من الحيوان حتى الخيل. ولا يقوى على قتالها إلا الجاموس.\rومدينة سجلماسة لا يوجد فيها ذباب البتة ذكر خصائص البلاد في أشياء مختلفة \" وهي العلم، والعمل، والجواهر، والملابس، والأوبار، والفرش، والمراكب، والحيوانات ذوات السموم، والحلوى، والثمار، والرياحين، والخلق، والأخلاق، والأمراض، والآثار العلوية. \" أما خصائصها العلمية والعملية، فيقال: حكماء اليونان، وأطباء جنديسابور، وصاغة حران، وحاكة اليمن، وكتاب السواد.\rومن خصائصها في الجواهر، يقال:فيروزج نيسابور، وياقوت سرنديب، ولؤلؤ عمان، وزبرجد مصر، وعقيق اليمن، وجزع ظفار، وبجادي بلخ، ومرجان إفريقية.\rومن خصائصها في الملابس، يقال: برود اليمن، ووشي صنعاء، وريط الشام، وقصب مصر، وديباج الروم، وقز السوس، وحرير الصين، وأكسية فارس، وحلل أصبهان، وسقلاطون بغداد، وعمائم الأبلة، ومنير الري، وملحم مرو، وتكك أرمينية، ومناديل الدامغان، وجوارب قزوين.\rومن خصائصها في الأوبار، يقال: سنجاب خريز، وسمور بلغار، وثعالب الخزر، وفنك كاشغر، وحواصل هراة، وقاقم تغزغز.\rومن خصائصها في الفرش، يقال: بسط أرمينية، وزلالي قاليقلا،ومطارح ميسان وحصر بغداد.\rومن خصائصها في المراكب، يقال: عتاق البادية، ونجائب الحجاز، - وبراذين طخارستان، وحمير مصر، وبغال برذعة.\rومن خصائصها في الحيوانات ذوات السموم، يقال: أفاعي سجستان، وحيات أصفهان، وثعابين مصر، وعقارب شهرزور، وجرارات الأهواز، وبراغيث أرمينية، وفأر أرزن، ونمل ميافارقين، وذباب تل فافان، واقداح نلد.\rومن خصائصها في الحلواء، يقال: سكر الأهواز، وعسل أصفهان، وفانيذ ماكسان ودبس أرجان.\rومن خصائصها في الثمار، يقال: رطب العراق، وتمر كرمان، عناب جرجان، وإجاص بست، وسفرجل نيسايور، وتفاح الشام، ومشمش طوس، وكمثرى نهاوند، وأترج طبرستان، ونارنج البصرة، وتين حلوان، وعنب بغداد، وقشمش هراة وموز اليمن، وجوز الهند، وبطيخ خوارزم، وباقلاء الكوفة.\rومن خصائصها في الرياحين، يقال: نرجس جرجان، وورد جور، ونيلوفر السيروان، ومنثور بغداد، وزعفران قم، شاهسفرم سمرقند.\rومن خصائصها في الخلق والأخلاق، ويقال: شقرة الروم، وسواد الزنج، وغلظ الترك، وجفاء الجيل، ودمامة الصين، قصر يأجوج.","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"ومن خصائصها في الأمراض، يقال: طواعين الشام، وطحال البحرين، ودماميل الجزيرة، وجنون حمص، وعرق اليمن، ووباء مصر، وبرسام العراق، والنار الفارسية، وقروح بلخ.\rومن خصائصها في الآثار العلوية، يقال: شتاء أرمينية، ومصيف عمان، وصواعق تهامة، وزلزال دبيل.\rوقال الجاحظ في كتاب الأمصار: الصناعة بالبصرة، والفصاحة الكوفة، والتخنيث ببغداد، والطرمذة بسمرقند، والغي بالري، والجفاء بنيسابور، والحسن بهراة، والمروءة ببلخ، والعجائب بمصر.\rوحكي عن عمر بن عامر مزيقياً، إنه قال لقومه لما تحقق كون سيل العرم: من كان ذا شاء وبعير وجمل غير شرود، فليلحق بالعشب من كوفان، فلحقت به همذان؛ ومن كان ذا سياسة وصبر على أزمات الدهر فليلحق ببطن مر، فلحقت به خزاعة. ومن كان يريد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فلحقت بها بنو قيلة، وهم الأوس والخزرج؛ ومن كان يريد الخمر والخمير والأمر والتأمير فليلحق ببصرى وسدير \" وهي من أرض الشام \" ، فلحقت به غسان؛ ومن كان يريد الثياب الرقاق، والخيول العتاق، والذهب والأوراق، فليلحق بالعراف، فلحقت به لخم، والله سبحانه وتعالى أعلم.\rالباب الثالث\rمن القسم الخامس من الفن الأول\r\" في المباني القديمة \"\rوالمباني القديمة كثيرة، فلنذكر منها ما عظم خطره، وشاع في الآفاق ذكره ذكر أول بناء وضع على وجه الأرض قيل: أول ما بني على وجه الأرض الصرح ويسمى المجدل بناه النمرود الأكبر ابن كوش بن حام بن نوح، بكوثي ربي من أرض بابل. قيل: وبها إلى هذا العصر من أثره كالجبال. وكان طوله في الهواء خمسة آلاف ذراع، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع. وكان مبينا بالحجارة والرصاص والكلس والشمع واللبان. بناه ليمنعه وقومه من بأس الله عز وجل. وكان قد كفر وطغى وادعى الألوهية، فأرسل الله تعالى إليه جبريل، فضربه بخافقة جناحه فهدمه، وهام من كان حوله على وجهه، وقد تبلبلت ألسنتهم من الدهش والذعر، فكانت عنه هذه اللغات التي يتكلم بها سائر الأمم، وهي اثنتان وسبعون لغة، وسميت تلك الأرض التي كان بها بابل.\rذكر خبر إرم ذات العماد وهي التي ذكرها الله عز وجل في كتابه العزيز، فقال تعالى: \" ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد \" .\rوكان سبب عمارتها أن شداد بن عاد بن إرم لما سمع وصف الجنة سولت له نفسه أن يبني مثلها. فبنى مدينة حضرموت وصنعاء، طولها اثنا عشر فرسخا، وعرضها مثل ذلك. وأحاط بها سوراً ارتفاعه خمسمائة ذراع، غشاه بصفائح الفضة المموهة بالذهب، فلا يدركه البصر إذا أشرقت عليه الشمس. وبنى داخلها مائة ألف قصر \" بعدد رؤساء أهل مملكته \" من الذهب والفضة، وكذلك جذوع سقوفها وأعمدتها. وأجرى في وسطها نهرا صفح أرضه بالذهب، وجعل على حافتيه أنواع الجواهر واليواقيت بدلاً من الحصباء وألقى فيه المسك والعنبر بدلا من الحمأة. وفرع منه جداول إلى تلك القصور والمنازل، وغرس على شطوطها من الأشجار ما كان لزهره عرفٌ طيبٌ ورائحةٌ ذكية.\rزعموا أنه أقام في بنائها ثلاثمائة سنة، فلما تم بناؤها، زاد في طغيانه وخرج من حضرموت إليها ليسكنها. فلما أشرف عليها جاءته صيحة من السماء فأهلكته هو وجنوده.\rويروى أن عبد الله بن قلابة خرج في طلب إبل له ندت فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه، فبلغ معاوية خبره، فاستحضره وسأله فقص عليه قصته. فبعث معاوية إلى كعب الأحبار، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك: أحمر قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل ندت. ثم التفت فرأى ابن قلابة فقال: هذا والله ذاك الرجل.\rوزعم الأخباريون أنه كان بها أربعمائة ألف وأربعون ألف عمود، ولهذا سميت ذات العماد. وقد ذهب قوم إلى أنها دمشق.\rوسنذكر إن شاء الله تعالى خبر إرم ذات العماد بما هو أبسط من هذا عند ذكرنا لخبر شديد وشداد، ابني عاد؛ وهو في الباب الخامس من القسم الأول، من الفن الخامس في التاريخ، وذلك في السفر الحادي عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا فتأمله هناك. والله تعالى أعلم.\rذكر خبر سد يأجوج ومأجوج هو في الإقليم السادس في آخر الجزء التاسع من تجزئة عشرة أجزاء.","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"قال صاحب كتاب نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق إن الواثق بالله لما رأى في المنام كأن السد الذي بناه ذو القرنين مفتوح، أحضر سلاما الترجمان وقال له: اذهب فانظر إلى هذا السد وجئني بخبره وحاله وما هو عليه، ثم أمر له بأصحاب يسيرون معه، عددهم خمسون رجلا، ووصله بخمسة آلاف دينار، وأعطاه ديته عشرة آلاف درهم، وأمر أن يعطي كل واحد من أصحابه الخمسين ألف درهم ورزق سنة، وأمر لهم بمائة بغل تحمل الماء والزاد. قال سلام الترجمان: فشخصنا من سامرا بكتاب الواثق إلى إسحاق بن إسماعيل صاحب أرمينية بالنظر إلى تنفيذنا من هناك؛ فكتب لنا كتابا إلى ملك السرير وأنفذنا إليه. فلما وردنا عليه، أشخصنا إلى ملك اللان. فلما وصلنا إليه، أشخصنا إلى صاحب فيلان شاه. فلما وردنا عليه \" أرسلنا إلى ملك الخزر وهو \" اختار لنا خمسة أدلاء يدلون على الطريق. فسرنا من عنده سبعة وعشرين يوما في تخوم بلاد بسجرت إلى أن وصلنا إلى أرض سوداء طويلة ممتدة كريهة الرائحة، فشققناها في عشرة أيام. وكنا قد تزودنا لقطعها أشياء نشمها خوفا من أذى روائحها الكريهة. ثم انفصلنا عنها فسرنا مدة شهر في بلاد خراب قد درست أبنيتها ولم يبق منها إلا رسوم يستدل بها عليها. فسألنا من معنا عن تلك المدن، فأخبرونا أنها المدن التي كان يأجوج ومأجوج يغزونها ويخربونها. ثم سرنا إلى حصون بالقرب من الجبل الذي في شعبة السد وذلك في ستة أيام. وفي تلك الحصون قوم يتكلمون بالعربية والفارسبة. وهناك مدينة يدعى ملكها خاقان بن أدكش، وأهلها مسلمون لهم مساجد ومكاتب، فسألونا من أين أقبلنا، فأخبرناهم أنا رسل أمير المؤمنين الواثق بالله، فعجبوا منا ومن قولنا أمير المؤمنين ثم سألونا عن أمير المؤمنين: أشيخ هو أم شاب؟ فقلنا: شاب، فعجبوا أيضا. ثم قالوا: وأين يكون؟ قلنا: هو بالعراق بمدينة سر من رأى. فعجبوا أيضا من ذلك، وقالوا: ما سمعنا هذا قط. فسألناهم عن إسلامهم من أين وصلهم ومن علمه لهم؟ فقالوا: وصل إلينا منذ أعوام كثيرة رجل راكب على دابة طويلة العنق طويلة اليدين والرجلين، لها في موضع صلبها حدبة، \" فعلمنا أنهم يصفون الجمل \" قالوا: فنزل بنا وكلمنا بكلام فهمناه، ثم علمنا شرائع الإسلام فقبلناها، وعلمنا أيضا القرآن ومعانيه فتعلمناه وحفظناه. قال سلام: ثم خرجنا بعد هذا إلى السد لنبصره، فسرنا عن المدينة نحوا من فرسخين، فوصلنا إلى السد.فإذا جبل مقطوع بواد عرضه مائة وخمسون ذراعا، وله في وسط هذا الفناء باب من حديدطوله خمسون ذراعا قد اكتنفه عضادتان، عرض كل عضادة منهما خمسة وعشرون ذراعا. والظاهر من تحتها عشرة أذرع خارج الباب. وكله مبنى بلبن الحديد مغيب بالنحاس. وارتفاع العضادتين خمسون ذراعا، وعلى أعلى العضادتين دروند حديد، طوله مائة وعشرون ذراعا، والدروند للعتبة العليا، وقد ركب منها على كل واحدة من العضادتين مقدار عشرة أذرع. ومن فوق الدروند بنيان متصل بلبن الحديد المغيب بالنحاس إلى رأس الجبل، وارتفاعه مد البصر. وفوقه شرافات حديد، في طرف كل شرافة قرنتان تنثني أطراف كل واحدة منهما على الأخرى، وللباب مصراعان مغلقان، عرض كل مصراع خمسون ذراعا في ثخن خمسة أذرع؛ وقائمتاهما في دوارة على قدر الدروند. وعلى الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع في الاستدارة؛ وارتفاع القفل من الأرض خمسة وعشرون ذراعا. وفوق القفل بخمسة أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل وعلى الغلق مفتاح طوله ذراع ونصف، وله اثنتا عشرة دنداجة، كل دنداجة منها كأغلظ ما يكون من دساتخ الهواوين، معلق كل واحد منها بسلسلة على قدر حلقة المنجنيق. وعتبة الباب السفلى عشرة أذرع بسط مائة ذراع سوى ما تحت العضادتين الظاهر منها خمسة أذرع. وكلها مكتالة بالذراع السوادي. ورئيس ذلك الحصن يركب في كل جمعة مع عشرة فوارس، مع كل فارس إرزبة حديد، كل إرزبة خمسة أمنان فيضرب القفل بتلك الإرزبات في كل يوم ثلاثة مرات ليسمع من خلف الباب. فيعلم أن هناك حفظةً، وليعلم هؤلاء أن يأجوج ومأجوج لم يتحدثوا في الباب حدثا وإذا ضرب أصحاب الإرزبات القفل، وضعوا آذانهم ليسمعوا ما وراء الباب فيسمعون من ورائه دويا يدل على أن خلفه بشرا. وبالقرب من هذا الموضع حصن يكون عشرة \" فراسخ \" في عشرة \" فراسخ \" . ومع الباب حصنان يكون كل واحد منهما مائتي ذراع في مائتي ذراع؛ وبين","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"هذين الحصنين عين ماء عذبة، في أحد الحصنين آلة البناء التي بني بها السد من قدور الحديد ومغارف الحديد؛ والقدور فوق ديكدانات الحصنين عين ماء عذبة، في أحد الحصنين آلة البناء التي بني بها السد من قدور الحديد ومغارف الحديد؛ والقدور فوق ديكدانات على كل ديكدان أربع قدور مثل قدور الصابون؛ وهناك أيضا بقايا من لبن الحديد التي بنى بها السد وقد التصق بعضها ببعض من الصدإ، وطول اللبنة ذراع ونصف في ارتفاع شبر.\rقال سلام الترجمان: وقد سألنا من خاطبناه من أهل تلك الجهات هل رأوا أحدا من يأجوج ومأجوج قط، فأخبرونا أنهم رأوا منهم \" مرة \" عددا فوق شرفات الردم، فهبت عليهم ريح عاصفة، فرمت منهم ثلاثة إلى ناحيتنا. وكان مقدار الرجل منهم شبرين ونصفا.\rقال سلام : فكتبت هذه الصفات كلها، ثم انصرفنا مع الأدلاء من تلك الحصون فأخذوا بنا على ناحية خراسان. فسرنا إلى مدينة بختان، إلى غريان، إلى مدينة برساخان، إلى انطرار، إلى سمرقند، فوصلنا إلى عبد الله بن طاهر، ثم وصلنا إلى الري، ثم رجعنا إلى سر من رأى بعد خروجنا عنها. فكان مغيبنا في سفرنا ثمانية وعشرين شهرا.\rقال: فهذا جميع ما حدث به سلام.\rوقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي في تفسيره: إن ارتفاع السد مائة ذراع وخمسون ذراعا. قال: وروي في طوله ما بين طرفي الجبلين مائة فرسخ، وفي عرضه خمسون ذراعا. نقله عن وهب بن وهب بن منبه.\rوسنذكر إن شاء الله تعالى في أخبار السد وكيفية بنائه وطوله وعرضه، وغير ذلك مما هو متعلق به عند ذكرنا لأخبار ذي القرنين فتأمله هناك، وهو في الباب الأول من القسم الرابع من الفن الخامس في التاريخ، وهو في السفر الثاني عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا.\rذكر مباني الفرس المشهورة ومباني الفرس كثيرة: قديمة وحديثة.\rفمن قديمها سد اللبن. بناه قباذ بن فيروز، وقيل إن الذي بناه ابنه كسرى ابن قباذ فيروز. كذا ورد في التاريخ.\rوهذا السد من أرض شروان إلى بلاد اللان، وبينهما مائة فرسخ، بين شعاب جبل القبق. وهو جبل عظيم قد اشتمل على اثنتين وسبعين أمة، لكل أمة لسان وملك، لا يعرف بعضهم بعضا لكثرة غياضه وأشجاره؛ وفيه عيون وأنهار؛ وتقدير مسافة طولا وعرضا نحو شهرين.\rومبدأ السور من جوف بحر الخزر على مقدار مسافة ميل مارا إلى البر، ثم يمر إلى أن يتصل بقلعة طبرشروان. وهو مبنى بالصخر والحديد والرصاص. بناه على زقاق البقر المنفوخة، فكان كلما ارتفع البناء نزلت تلك الزقاق إلى أن استقرت في قعر البحر، فغاصت الرجال بالخناجر فشقوها فتمكن البناء. وجعل بين كل ثلاثة أميال من السور وأقل وأكثر بابا من الحديد على حسب الطريق التي تجعل من أجله، وبنى عليه حصنا وأسكن فيه من يحفظ ذلك الباب ويحرسه.\rوزعم المؤرخون أن سبب بناؤه لهذا السور أن الخزر كانت تغير على بلد فارس إلى أن تبلغ همذان والموصل، فحجزهم بهذا السور.\rومن مباني الفرس إيوان كسرى زعم المسعودي أن سابور ذا الأكتاف بناه في نيف وعشرين سنة، وطوله مائة ذراع في عرض خمسين ذراعا في ارتفاع مائة ذراع، وطول كل شرفة منه خمسة عشر ذراعا. ولما ملك المسلمون المداين، أحرق ستر هذا الإيوان فأخرجوا منه مائة ألف دينار ذهبا.\rولما بنى المنصور بغداد أحب أن ينقضه ويبنيها به، فاستشار خالد بن برمك في ذلك فنهاه، وقال: هو آية للإسلام، ومن رآه علم أن الذي بناه لا يزيل ملكه إلا نبي والمؤون على نقضه اكثر من الارتفاق به. فقال له: أبيت إلا ميلا إلى العجم فهدمت منه ثلمة . فبلغت النفق عليها مالا كثيرا، فأمسك المنصور عن هدمه، فقال له خالد: أنا الآن ، يا أمير المؤمنين، أشير بهدمه لئلا يتحدث الناس بعجزك عن هدم ما بناه غيرك فلم يفعل.\rوحكي مثل هذه القصة أنها وقعت ليحيى بن خالد مع الرشيد، وهو إذ ذاك في اعتقاله. وكان الرشيد بلغه أن تحته كنزا فأراد هدمه واستشار يحيى فاشار عليه بمثل هذا.\rومن عجيب ما يحكى من تقلب الأحوال أن بعض شرفاته هدمت وجعلت في أساس سور بغداد.\rوقال ابن الأثير في تاريخه إن الإيوان باق إلى الآن. \" وكان يوم ذاك في سنة خمس وعشرين وستمائة \" ، والله أعلم.\rومن المباني القديمة الحضر وكان حصناً حصيناً مبنياً بالرخام، يسكنه ملوك الضيازن. وهو بين دجلة والفرات، بحيال تكريت.","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"ويقال إن بانيه الساطرون. وذكر أن قصر ملكه قائم إلى وقتنا هذا في وسط المدينة، وفي وسطه هيكل مربع مبني بالصخر، وفيه صور دقيقة المعاني.\rحكي أن سابور الجنود حاصره أربع سنين فلم يقدر عليه. واتفق أن بنت ملكه وهي النضرة بنت الضيزن حاضت ، فأخرجت من القصر إلى ربضة لأجل ذلك فرأت سابور، وكان جميل الصورة، فعشقته. فأرسلت إليه تقول: إن ملكتك الحصن فما تجعل لي؟ قال: حكمتك. قالت: تتزوج بي. فأجابها إلى ذلك، فقالت له: خذ حمامه ورقاء مطوقة، فأخضب رجليها بدم حيض جارية بكر زرقاء، وأرسلها. فإنها تقع على سور البلد فيقع لوقته. وكان ذلك حل طلسم له. ففعل ذلك، فوقع السور ودخل سابور الحصن وقتل ملكه وأصحابه واصطفى ابنته لنفسه فلما كانت ليلة دخولها عليه، لم تزل متململة قلق طول ليلتها، فالتمس سابور ما الذي قلقت من أجله، فإذا ورقة أس قد لصقت بعكنة من عكنها، فقال لها ما كان أبوك يغدوكِ؟ فقالت: الزبد والمخ وشهد أبكار النحل والخمر، فقال لها: أنا أحق منك بثار أبيك، ثم أمر رجلا أن يركب فرسا جموحا وأن يربط غدائرها في ذنبه ويركض به ففعل ذلك، فتقطعت.\rوهذا الحصن قد اختلف في موضعه. فقيل: بحيال تكريت بين دجلة والفرات. وقيل: بالجزيرة. ويقال إنه كان حاجزا بين الروم والفرس، وملكته الزباء بنت مليح واسمه فارعة.\rوفيه يقول عدي بن زيد العبادي من قصيدة:\rوأخو الحضر إذ بناه وإذ دجل ... ة تجبي إله والخابور.\rشاده مرمراً وكلله كل ... سا فللطير في ذراه وكُورُ.\rلم يهبه ريب المنون فباد الم ... لك عنه فبابه مهجورُ.\rومن المباني القديمة القليس وهي كنيسة كانت باليمن بناها أبرهة بن الصباح، ملك اليمن بصنعاء. ونقل إليها الرخام المجزع والملون، والحجارة المنقوشة بالذهب من قصر بلقيس. وكان أراد أن يرفع بناءها حتى يشرف منها على بحر عدن، فلما أهلكه الله تعالى وفرق ملكه، أقفر ما حول هذه الكنيسة، وكثرت حولها السباع والحشرات. وبقيت إلى زمن السفاح فذكر له أمرها، فبعث إليها من خربها وأخذ ما كان فيها. حكى ذلك السهلي في الروض الأنف.\rوحكى كيفية بناء هذه الكنيسة أنه كان لها باب من نحاس طوله عشرة أذرع وعرضه أربعة أذرع يدخل منه إلى بيت طوله ثمانون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا، مسقف بالساج المنقوش، مسمر بمسامير الذهب والفضة. ثم يدخل من البيت إلى إيوان معقود طوله أربعون ذراعا، عن يمينه ويساره عقود مزخرفة ثم يدخل من الإيوان إلى قبة، ثلاثون ذراعا في ثلاثين ذراعا، جدرها مموهة بالذهب والفضة. وفي صدر القبة منبر من الأبنوس المرصع بالعاج، المصفح بالذهب والفضة. ولما تم بناؤها، خرج رجل من بني كنانة فقعد فيها ليلا \" أي أحدث \" ، فأغضب أبرهة ذلك، فحلف ليهدمن الكعبة، فخرج بجيش كثيف من الحبشة، فكان من أمره ما قصه الله تعالى في كتابه العزيز في سورة النمل: \" ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم إنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لمن يعلمون \" .\rوذكر لي أن الذي خربها العباس بن الربيع بن عبد الله العامري، عامل المنصور على اليمن.\rومن المباني المشهورة قنطرة صنجة وهي من مباني الروم على نهر عظيم يسمى بهذا الاسم، يصب في الفرات، لا يمكن خوضه: لأن قراره رمل سائل متى وطئه الإنسان برجله سال. وهو ما بين حصن منصور وكيسوم من ديار بكر.\rوهذه القنطرة طاق واحد، ما بين جدرانها مائة خطوة. وهي مبنية بحجارة مهندمة، طول الحجر منها عشرة أذرع في ارتفاع خمسة أذرع.\rومن المباني القديمة ملعبا بعلبك وهما كبير وصغير.\rفالكبير، يحكى أنه من بناء سليمان بن داود عليهما السلام. وهو مبنى على عمد شاهقه،وحجارته منها ما هو عشرة أذرع وأكثر.\rوالملعب الصغير تهدم أكثره وبقي منه حائط طوله عشرون ذراعا وارتفاعه كذلك. ليس فيه إلا سبعة أحجار: واحد من أسفله، وحجران فوقه، وأربعة أحجار فوقهما ويقال إنه البيت الذي كان فيه الصنم الذي كان يدعى بعلا.\rذكر مباني العرب المشهورة وهي غمدان، وحصن تيما، والخورنق، والسدير، والغريان.\rقال الجاحظ: أحبت العرب أن تشارك الفرس في البناء وتنفرد بالشعر، فبنوا: غمدان، وكعبة نجران، وحصن مارد، والأبلق الفرد.","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"فأما غمدان فكان بصنعاء. زعم بعض المؤرخين أن بانيه حام بن نوح. وزعم آخرون أن بيوراسب بناه على اسم الزهرة.\rوقال ابن هشام إن الذي أسسه يعرب بن قحطان، وأكمله بعده وائل بن حمير ابن سبأ بن يعرب. وخربه عثمان بن عفان، رضي الله عنه.\rوقيل في صفته إنه كان مربعا، أحد أركانه مبنية بالرخام الأبيض، والثاني بالرخام الأصفر، والثالث بالرخام الأخضر، والرابع بالرخام الأحمر. وفيه سبعة سقوف طباقا، ما بين السقف والآخر خمسون ذراعا، وعلى كل ركن تمثال أسد من نحاس إذا هبت الريح دخلت من دبره وخرجت من فيه، فيسمع لها صوت كزئير الأسد. وقال ابن الكلبي: كان على كل ركن من أركان غمدان مكتوب أسلم غمدان، معاديك مقتول بسيف العدوان.\rويقال: إن سليمان بن داود عليهما السلام أمر الشياطين أن يبنوا لبلقيس أربعة قصور: غمدان، وصرواخ، وبينين، وسلحين. وكلها باليمن.\rويروى أن عمر بت الخطاب رضي الله عنه قال: لا يستقيم أمر العرب ما دام فيها غمدانها. وهذا القول هو الذي حض عثمان على هدمه.\rويقال إن آثاره باقية إلى عصرنا هذا، وإنه تل عال مطل على صنعاء.\rوأما حصن تيماء فهو الأبلق الفرد. سمي بالأبلق الفرد لأنه كان مبنيا بحجارة مختلفة الألوان وهو بأرض تيماء.\rبناه السموءل بن عاديا اليهودي. ويقال إنه من بناء سليمان داود عليه السلام.\rوبه تضرب العرب المثل في المنعة والحصانة. وفيه يقول الشاعر:\rطلب الأبلق العقوق فلما ... لم ينله فرام بيض الأنوق.\rوقصدت الزباء هذا الحصن وحصن ما ردٍ فلم تقدر عليهما، فقالت: تمرد ما رد وعز الأبلق.\rوما رد حصن كان بدومة الجندل مبني بحجارة سود. ويقال إنه أيضا من بناء السموءل بن عاديا اليهودي.\rوأما الخورنق والسدير فكان الخورنق على ثلاثة أميال من الحيرة والسدير في تربة بالقرب منها: بناها النعمان بن امرئ القيس، وهو النعمان الأكبر. ويقال في سبب بنائه لهما: إن يزد جرد بن سابور كان لا يعيش له ولد، فسأل عن مكان صحيح الهواء، فذكر له ظهر الحيرة. فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان وأمره ببناء الخورنق. فبناه على نهر سنداد في عشرين سنة. بناه له رجل يسمى سنمار.\rفلما فرغ من بنائه،عجب النعمان من حسن بنائه واتقانه، فأمر أن يلقي سنمار من اعلاه حتى لا يبني مثله لأحد. ويقال إنه إنما فعل ذلك به لأنه لما أعجبه، شكره على عمله ووصله، فقال: لو علمت أن الملك يحسن إلي هذا الإحسان، لبنيت له بناء يدور مع الشمس كيفما دارت، فقال له النعمان: وإنك لتقدر على أن تبني أفضل منه، ولم تبنه؟ فأمر به؛ فطرح من أعلاه.\rوقيل: بل قال: أنا أعرف فيه حجرا متى أخذ من موضعه، تداعى البناء. فخاف النعمان إن هو لم ينصفه في أجرته فعل ذلك. فقتله.\rوالعرب تضرب المثل بفعل النعمان مع سنمار في المكافأة على الفعل الحسن بالقبيح، فيقال: جازاه مجازاة سنمار.\rوفيه يقول بعض الشعراء:\rجزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمارٍ، وما كان ذا ذنب.\rسوى رفعه البنيان عشرين حجةً ... يعلي عليه بالقراميد والسكب.\rوالخورنق تعريب خورنقاه، وهو الموضع الذي يؤكل فيه ويشرب. والسدير تعريب سادل أي قبة في ثلاث قباب متداخلة.\rوفي هذه الأبنية يقول الأسود ابن يعفر:\rماذا أؤمل بعد آل محرقٍ ... تركوا منازلهم، وبعد إياد؟\rأهل الخورنق والسدير وبارقٍ ... والقصر ذي الشرفات من سنداد.\rوقال عدي بن زيد العبادي:\rوتفكر رب الخورنق إذ أشرف يوماً، وللهدى تفكير.\rسره ملكه وكثرة ما يحويه والبحر معرضا والسدير.\rفارعوى قلبه، فقال: فما غبطة حيً إلى الممات يصير؟\rوأما الغرِيان فهما أسطوانتان كانتا بظاهر الكوفة.\rبناهما النعمان بن المنذر بن ماء السماء، على جاريتين كانتا قينتين تغنيان بين يديه. فماتتا، فأمر بدفنهما وبنى عليهما الغريين.","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"ويقال إن المنذر غزا الحارث بن أبي شمر الغساني، وكان بينهما وقعة على عين أباغ، وهي من أيام العرب المشهورة. فقتل للحارث ولدان، وقتل المنذر وانهزمت جيوشه. فأخذ الحارث ولديه وجعلهما عدلين على بعير، وجعل المنذر فوقهما، وقال: \" ما العلاوة بدون العدلين! \" فذهبت مثلا. ثم رحل إلى الحيرة فانتهبها وحرقها ودفن ابنيه بها، وبنى الغريين عليهما. حكاه ابن الأثير في تاريخه الكامل.\rوأمر المنصور بهدم أحدهما، لكنز توهم أنه تحتهما. فلم يجد شيئا.\rوقيل في سبب بنائهما غير ذلك. والله أعلم ذكر الأبنية القديمة التي بالديار المصرية وهي الأهرام، وحائط العجوز، وملعب أنصنا، ومدينة عين شمس، والبرابي، وحنية اللازورد، ومنارة الإسكندرية، ورواق الإسكندرانيين.\rفأما الأهرام التي بأرض مصر فهي كثيرة. وأعظمها الهرمان اللذان بالجيزة غربي مصر. وقد اختلف في بانيهما.\rفقال قوم: بانيهما سوريد بن سهلوق بن سرناق. بناهما قبل الطوفان لرؤيا رآها، فقصها على الكهنة، فنظروا فيما تدل عليه الكواكب النيرة من أحداث تحدث في العالم، فأقاموا مراكزها في وقت المسألة. فدلت على أنها نازلة من السماء تحيط بوجه الأرض. فأمر حينئذ ببناء البرابي والأهرام، وصور فيها صور الكواكب ودرجها وما لها من الأعمال وأسرار الطبائع والنواميس وعمل الصنعة.\rويقال إن هرمس المثلث بالحكمة \" وهو الذي يسميه العبرانيون أخنخ، وهو إدريس عليه السلام \" استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان. فأمر ببناء الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم وما يخاف عليه الذهاب والدثور.\rوكل هرم منها مربع القاعدة، مخروط الشكل، ارتفاع عموده ثلاثمائة ذراع وسبعة عشرة ذراعا، يحيط به أربعة سطوح متساويات الأضلاع، كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعا، ويرتفع إلى أن يكون سطحه مقدار ستة أذرع في مثلها.\rويقال إنه كان عليه حجر شبه المكبة فرمته الرياح العواصف.\rوهو مع هذا العظم من إحكام الصنعة وإتقان الهندسة وحسن التقدير بحيث أنه لم يتأثر إلى يومنا هذا بعصف الرياح وهطل الأمطار وزعزعة الزلازل؛ وطول الحجر منه خمسة أذرع في سمك ذراعين.\rويقال إن بانيهما جعل لهما أبوابا على آزاج مبنية بالحجارة في الأرض، طول كل أزج منها عشرون ذراعا. وكل باب من حجر واحد يدور بلولب، إذا أطبق لم يعلم أحد أنه باب. فأزج الشرقي منها في ناحية الجنوب، وأزج الغربي في ناحية الغرب. يدخل من كل باب منها إلى سبعة بيوت، كل بيت منها على اسم كوكب من الكواكب السبعة؛ وكلها مقفلة بأقفال. وحذاء كل بيت منها صنم من ذهب مجوف، إحدى يديه على فيه، وفي جبهته كتابة بالمسند إذا قرئت انفتح فوه فتوجد فيه مفاتيح ذلك القفل فيفتح بها.\rوالقبط يزعمون أنها والهرم الصغير الملون قبور: فالهرم الشرقي فيه سوريد الملك، وفي الهرم الغربي أخوه هوحيت.\rوالصابئة تزعم أن أحدها قبر أغاثديمون، والآخر فبر هرمس، والملون قبر صاب ابن هرمس؛ وإليه تنسب الصابئة على قول من زعم ذلك منهم؛ وهم يحجون إليها ويذبحون عندها الديكة والعجول السود، ويبخرون بدخن؛ ويزعمون أنهم يعرفون عند اضطراب ما يذبحون حالة الذبح ما يريدون عمله من الأمور الطبيعية.\rوقصرت همم الملوك والخلفاء عن معرفة ما في هذين الهرمين، إلى أن ولي عبد الله المأمون الخلافة وورد مصر، أمر بفتح واحد منها. ففتح بعد عناء طويل، واتفق لسعادته أنه وقع النقب علة مكان يسلك منه إلى الغرض المطلوب، وهو زلاقة ضيقة من الحجر الصوان الماتع الذي لا يعمل فيه الحديد، بين حاجزين ملتصقين بالحائط قد نقر في الزلاقة حفر، يتمسك السالك بتلك الحفر، ويستعين بها على المشي في الزلاقة لئلا يزلق، وأسفل الزلاقة بئر عظيمة بعيدة القعر. ويقال إن أسفل البئر أبواب يدخل منها إلى مواضع كثيرة وبيوت ومخادع وعجائب.\rوانتهت بهم الزلاقة إلى موضع مربع في وسطه حوض من حجر صلد مغطى. فلما كشف عنه غطاؤه، لم يوجد فيه إلا رمة بالية. فأمر المأمون بالكف عما سواه.\rوهذا الموضع يدخله الناس إلى وقتنا هذا.\rوسنذكر إن شاء الله تعالى خبر الأهرام عند ذكرنا لأخبار ملوك مصر الذين كانوا قبل الطوفان وبعده، وذلك في الباب الثاني من القسم الرابع من الفن الخامس، وهو في السفر الثاني عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا فتأمله هناك.","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"وقال بعض أهل النظر، وقد عاين الأهرام: كل بناء يخاف عليه من الدهر، إلا هذا البناء فإني أخاف على الدهر منه.\rونظم عمارة اليمني هذا القول، فقال:\rخليلي، ما تحت السماء بنيةٌ ... تماثل في إتقانها هرمي مصر!\rبناء يخاف الدهر منه، وكل ما ... على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر!\rتنزه طرفي في بديع بنائها، ... ولم يتنزه في المراد بها فكري.\rوقال بعض الشعراء:\rحسرت عقول ذوي النهى الأهرام، ... واستصغرت لعظيمها الأعلام.\rملس منيفة البناء شواهقٌ، ... قصرت لعال دونهن سهام!\rلم أدر حين كبا التفكر دونها ... واستبهمت لعجيبها الأوهام،\rأقبور أملاك الأعاجم هن، أم ... طلسم رملٍ هن، أم أعلام؟\rوقال أبو الطيب المتنبي:\rأين الذي الهرمان من بنيانه؟ ... ما قومه؟ ما يومه؟ ما المصرع؟\rتتخلف الآثار عن أصحابها ... حيناً، ويدركها الفناء فتتبع.\rوقال أمية بن عبد العزيز الأندلسي:\rبعيشك هل أبصرت أحسن منظراً ... على طول ما عاينت من هرمي مصر؟\rأنافا بأعنان السماء وأشرفا ... على الجو إشراف السماك أو النسر.\rوقد وافيا نشزا من الأرض عالياً ... كأنهما ثديان قاما على صدر.\rوقال آخر:\rانظر إلى الهرمين إذ برزا ... للعين في علو وفي صعد!\rوكأنما الأرض العريضة إذ ... ظمئت لفرط الحر والومد.\rحسرت عن الثديين بارزة ... تدعو الإله لفرقة الولد.\rفأجابها: لبيك! يوسعها ... ريا ويشفيها من الكمد.\rوقال ابن الساعاتي:\rومن العجائب، والعجائب جمة ... دقت عن الإكثار والإسهاب.\rهرمان قد هرم الزمان وأدبرت ... أيامه، وتزيد حسن شباب.\rلله! أي بنية أزليةٍ ... تبغي السماء بأطول الأسباب؟\rولربما وقفت وقوف تبلدٍ ... أسفاً على الأيام والأحقاب.\rكتمت عن الأسماع فصل خطابها ... وغدت تشير به إلى الألباب.\rوقال سيف الدين بن جبارة:\rلله! أي غريبة وعجيبة ... في صنعة الأهرام للألباب؟\rأخفت عن الأسماع قصة أهلها، ... ونضت عن الإبداع كل نقاب.\rفكأنما هي كالخيام مقامة ... من غير ما عمد و لا أطناب.\rومن رسالة لضياء الدين بن الأثير الجزري في ذكر مصر ووصف الأهرام،جاء منها: بلد أشهد بفضله على البلاد، ووجدته هو المصر وما عداه فهو السواد. فما رآه راءٍ إلا ملأ عينه وصدره، ولا وصفه واصف إلا علم أنه لم يقدره قدره. وبه عجائب من الآثار، لا يضبطها العيان ولا الإخبار.فمن ذلك الهرمان، اللذان هرم الدهر وهما لا يهرمان، قد اختص كل منهما بعظم البناء، وسعة الفناء؛ وبلغ من الارتفاع غاية لا يبلغها الطير على بعد تحليقه، ولا يدركها الطرف على مدة تحديقه؛ فإذا أضرم برأسه قبس ظنه المتأمل نجما، وإذا استدارت عليه قوس السماء كان لها سهما \" .\rوبالقرب من الأهرام صنم على صورة إنسان، تسميه العامة أبو الهول لعظمه. والقبط يزعمون أنه طلسم للرمل الذي هناك، لئلا يغلب على أرض الجيزة.\rوأما حائط العجوز والعجوز هي دلوكا ملكة مصر.\rوهذا الحائط من العريش \" وهو حد مصر من جهة الشام \" إلى أسوان \" وهي حد مصر من جهة النوبة \" ، شاملا للديار المصرية من الجانب الشرقي.\rوزعمت القبط أن سبب بنائها أن الله عز وجل لما أغرق فرعون وقومه، خافت دلوكا على مصر أن يطمع الملوك فيها. فبنته، وزوجت النساء بالعبيد حتى يكثر النسل والذرية.\rوقيل في سبب بنائه: إن دلوكا ولدت ولدا فأخذت لمولده رصدا، فرأت أن التمساح يقتله، فبنت هذا الحائط وقاية له من التمساح. فلما شب الغلام رأى في مولده ذلك، فأحب أن يراه. فصور له من خشب. فلما رآه، هاله منظره واستولى على نفسه الوهم والفزع، فمات.\rوأما ملعب أنصنا فإنه كان مقياسا للنيل.","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"ويقال: إنه من بناء دلوكا. وكان كالطيلسان، وعليه أعمدة بعده بعدد أيام السنة من الصوان الأحمر الماتع، بين العمود والعمود خطوة. وكان النيل يدخل إليه من فوهة فيه عند زيادة النيل. فإذا بلغ الحد الذي يحصل به الري، جلس الملك في مشترف له، ويصعد قوم إلى رؤوس الأعمدة فيتعادون عليها ما بين ذاهب وآت. فمن زلت به قدمه منهم، سقط إلى البركة.\rوأما مدينة عين شمس فهي من المباني التي درست.\rوكانت مصر فرعون موسى، ومنها خرج بجنوده في طلب موسى وبني إسرائيل؛ وكانت عدتهم ستمائة ألف، ليس فيهم ابن عشرين سنة ولا ابن ستين سنة. واستقل فرعون هذا العدد وقال كما أخبر الله تعالى عنه: \" إن هؤلاء لشر ذمة قليلون \" . وكان بها هيكل الشمس فخرب.\rوالفرس تزعم أن هرسيك بناها.\rويقال: إنه كان قد بقي منها عمودان من حجر صلد، فلكات طول كل عمود منها أربعة وثمانون ذراعاً، على رأس كل عمود صورة إنسان على دابة، وعلى رأسهما شبه الصومعتين من نحاس. فإذا. كان \" الليل \" ، قطر من رأس كل واحد منهما ماء لا يتجاوز نصف العمود الذي هو مركب عليه. والموضع الذي يصل إليه الماء لا يزال أخضر رطبا.\rوقد وقع العمودان بعد الخمسين وستمائة.\rوأما البرابي وهي بيوت حكمة القبط يقال أنه كان لكل كورة من كور مصر برباة، يجلس فيها كاهن على كرسي من ذهب.\rومن أعجب البرابي وأعظمها \" برباة إخميم \" . وهي مبنية بحجر المرمر، طول كل حجر خمسة أذرع في سمك ذراعين. وهي سبعة دهاليز، سقوفها حجارة، طول كل حجر منها ثمانية عشر ذراعا في عرض خمسة أذرع، مدهونة باللازورد وسائر الأصباغ، يخالها الناظر إليها كأنما فرغ الدهان منها. يقال أن كل دهليز منها على اسم كوكب من الكواكب السبعة. وجدران هذه الدهاليز منقوشة بصور مختلفة الهيئات والمقادير، يقال أنها رموز على علوم القبط، وهي: الكيمياء والسيمياء، والطلمسات، والطب. أودعوها هذه الصور.\rويقال أن ذا النون المصري العابد فك منها علم الكيمياء.\rوأما حنية اللازورد وهي بأرض منف. ومنف هذه هي التي تسمى مصر القديمة.\rيقال إن عقد الحنية أحسن من عقد قنطرة صنجة التي تقدم ذكرها. والحنية معقودة مع حجارة مهندمة، طول كل حجر منها أكثر من خمسة عشر ذراعا. وفيها نقوش وكتابة وطلمسات مموهة باللازورد. وهي من الشرق إلى الغرب، وفي صدرها فضاء فيه بناء مرتفع، عليه بلاطة من الصوان الأسود، مكتوب فيها بالقلم البرباوي ثلاثون سطرا. يقال إنة قبر الذي بنى الحنية، وأنه ديساره: ملك كان بمصر، حكيم.\rوللقبط عيد يسمى ديساره: وهو عيد هذا الملك ويسمى عيد العنب.\rوأما منارة الإسكندرية فهي مبنية بحجارة مهندمة مضببة بالرصاص، على قنطار من زجاج، والقنطار على ظهر سرطان من نحاس. وفيها نحو ثلاثمائة بيت بعضها فوق بعض، تصعد الدابة بحملها إلى سائر البيوت من داخلها. وللبيوت طاقات ينظر منها إلى البحر.\rوبين أهل التاريخ خلاف فيمن بناها فزعم بعضهم أنها من بناء الإسكندر بن قيلبس المقدوني. وزعم آخرون أنها من بناء دلوكا، ملكة مصر. ويقال إن على جانبها الشرقي كتابة، وإنها نقلت إلى اللسان العربي فوجدت بنت هذه القنطرة فرتنا بنت مرتيوس اليونانية لرصد الكواكب.\rويقال: أن طولها كان ألف ذراع وكان في أعلاها تماثيل من نحاس.\rمنها تمثال قد أشار بسبابته اليمنى نحو الشمس: أين ما كانت من الفلك، يدور معها حيثما دارت.\rومنها تمثال وجهه في البحر متى صار العدو منهم على نحو من ليلة، سمع له صوت هائل يعلم به أهل المدينة طروق العدو.\rومنها تمثال كلما مضى من الليل ساعة صوت صوتا مطربا.\rويقال: إنه كان بأعلاه مرآة ترى منها قسطنطينية، وبينهما عرض البحر. كلما جهز الروم جيشا رؤي في المرآة.\rوحكى المسعودي في مروج الذهب أن هذه المنارة كانت في وسط الإسكندرية، وأنها تعد من بناء العالم العجيب، بناها بعض البطالسة من ملوك اليونان يقال له الإسكندر، لما كان بينهم وبين الروم من الحروب في البر والبحر فجعلوا هذه المنارة مرقبا، وجعلوا في أعلاها مرآة من الأحجار المشفة، تشاهد فيها مراكب البحر إذا أقبلت من رومية على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها.","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"ولم تزل كذلك إلى أن ملكها المسلمون، فاحتال ملك الروم على الوليد بن عبد الملك بأن أنفذ أحد خواصه ومعه جماعة إلى بعض ثغور الشام على أنه راغب في الإسلام. فوصل إلى الوليد، وأخرج كنوزاً ودفائن كانت في الشام حملت الوليد على تصديقه فيما يدعيه. ثم قال له: إن تحت المنارة أموالا ودفائن وأسلحة، دفنها الإسكندر فصدقه وجهزه مع جماعة من ثقاته إلى الإسكندرية، فهدم ثلث المنارة وأزال المرآة، ثم فطن الناس أنها مكيدة، فاستشعرذلك فهرب في مركب كانت معدة له. ثم بنى ما هدم بالجص بالآجر.\rثم قال المسعودي: وطول المنارة في هذا الوقت \" يعني الوقت الذي وضع فيه كتابه، وهو سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة \" مائتان وثلاثون ذراعا. وكان طولها قديما نحو من أربعمائة ذراع.\rوهي في عصرنا هذا ثلاثة أشكال: فمنها تقدير الثلث مربع مبني بالحجارة، ثم بعد ذلك بناه مثمن الشكل بالآجر والجص نحو ستين ذراعا، وأعلاها مدور الشكل.\rويقال أن أحمد بن طولون بنى في أعلاها قبة من الخشب فهدمتها الرياح. فبنى في مكانها مسجدا في الدولة الظاهرية الركنية بيبرس صاحب مصر رحمه الله تعالى. ثم هدم في ذي الحجة اثنتين وسبعمائة بسبب الزلزلة الحادثة. ثم بنى في شهور سنة ثلاث وسبعمائة في دولة السلطان الملك الناصر ولد السلطان الملك المنصور، ثبت الله دولته، وكان المندوب لذلك الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصوري، نائب السلطة الشريفة في الغيبة.\rوقد وصف الشعراء منارة الإسكندرية.\rفمن ذلك ما قاله الوجيه الدروي\rوسامية الأرجاء تهدي أخا السرى ... ضياءً، إذا ما حندس الليل أظلما.\rلبست لها بردا من الأنس ضافياً ... فكان بتذكار الأحبة معلما.\rوقد ضللتني من ذراها بقبة ... ألا حظ فيها من صحابي أنجما.\rفخيلت أن البحر تحت غمامة ... وإن قد خيمت في كبد السما!\rوقال أبو الفتح الأغر بن قلاقس:\rومنزل جاوز الجوزاء مرتقيا ... كأنما فيه للنسرين أوكارُ.\rراسى القرارة سامي الفرع في يده ... للنور والنون أخبار وأخيارُ.\rأطلقت فيه عنان القول فاطردت ... خيل لها في بديع الشعر مضمارُ.\rوأما رواق الإسكندرانيين فهو ملعب كان بالإسكندرية. كانوا حكماء يجتمعون فيه فلا يرى أحد منهم شيئاً دون الآخر، ووجه كل واحد منهم - وإن اختلفت جهاتهم - تلقاء وجه الآخر. وإن عمل أحد منهم شيئا أو تكلم، سمعه الآخر. ونظر القريب والبعيد في سواه. وقد بقيت منه بقايا عمد تكسرت، غير عمود منها يسمى عمود السواري في غاية الطول والغلظ من الحجر الصوان الأحمر ذكر شيء من عجائب المباني قال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر: ذكر بعض المصنفين لكتب العجائب، إن الفرس تزعم أن أوشهنج بنى بأرض بابل سبع مدائن، جعل في كل مدينة منها أعجوبة ليست في الأخرى فكان في الأولى - التي يكون فيها الملك - مثال أنهار الدنيا كلها. فإذا التوى عليه أحد من أهل مملكته بخراجهم، خرج نهرا من تلك الأنهار الشبيه بنهر تلك الناحية فغرقوا. فإذا أدوا الخراج، سد عليهم من عنده فانسد عنهم.\rوفي الثانية حوض فإذا أراد الملك أن يجمع الناس لشراب، أتى من أحب منهم بشراب له خاص فيصبه في الحوض. يفعل ذلك كل إنسان منهم، فيختلط الجميع. ثم تقوم السقاة فتأخذ الأواني ويسقى كل واحد من شرابه الذي جاء به.\rوفي الثالثة طبل. فإذا غاب من البلد أحد وأراد أهله أن يعلموا خبره، أحي هو أو ميت ضربوا الطبل فإذا كان حيا صوت، وإن كان ميتا لم يصوت.\rوفي الرابعة المرآة. فإذا غاب الرجل عن أهله وأرادوا أن يعلموا حاله، نظروا في المرآة فرأوه في الحالة التي هو عليها.\rوفي الخامسة إوزة نحاس. فإذا دخل المدينة غريب، صفرت. فيعلمون أن غريباً دخلها.\rوفي السادسة قاضيان جالسان على الماء. فيجيء المحق والمبطل ليجلسا معهما فيجلس المحق، ويرسب المبطل.\rوفي السابعة شجرة. لا تظل إلا ساقها. فإذا جلس تحتها واحد أظلته إلى ألف. فإن زاد على الألف واحد، قعدوا كلهم في الشمس.\rوكنت قد أنكرت هذه الحكاية وقصدت حذفها وإلغاءها والإضراب عنها، فرأيت ابن الجوزي وضعها في كتابه الذي سماه سلوة الأحزان فأوردتها.","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"وحكي أنه بمدينة قيسارية - لما كانت في أيدي الروم - كنيسة بها مرآة. إذا اتهم رجل إمرأته بزنا، نظر في تلك المرآة، فيرى وجه المتهم فيها. وأن بعض الناس اتهم فرأوه فيها فقتله الملك، فجاء أهله إلى المرآة حمية فكسروها.\rوحكى الواقدي في فتوح السند: أن عبد الله العبدي عامل معاوية على السند غزا بلد القيقان، فأصاب منهم غنائم كثيرة، وأن ملك القيقان بعث إليه يطلب منه الفداء وحمل إليه هدايا كان فيها قطعة من مرآة، يذكر أهل العلم أن الله تعالى أنزلها على آدم عليه السلام، لما كثر ولده وانتشروا في الأرض، فكان ينظر فيها فيرى من بعد منهم على الحالة التي هو عليها من خير أو شر، فحملها عبد الله إلى معاوية فبقيت في ذخائر بني أمية إلى أن انتقل الملك عنهم إلى بني العباس، فضاعت فيما فقد من الذخائر.\rوقيل: إن بنهاوند حجر يسمى الكيلان، بالقرب منه صخرة من أراد أن يعترف حال غائب أو أبق أو سارق، أتى إلى تلك الصخرة فنام تحتها فيرى في النوم حال ما تعرف به على ما هو عليه. وعجائب المباني كثيرة، سنذكر إن شاء الله تعالى منها جملة في أخبار ملوك مصر الذين كانوا قبل الطوفان وبعده فتأمله هناك تجده.\rالباب الرابع\r\" فيما وصفت به المعاقل والحصون \"\rمن القسم الخامس من الفن الأول\rوهذا الباب قد ترجمت عليه في الفن الثاني الذي يلي هذا الفن فيما يحتاج إليه الملك. وإنما ضممته إلى هذا الفن لمناسبته له وشبهه به، واستثنيته من الفن الثاني واقتصرت فيه على مجرد الترجمة. وبالله التوفيق.\rوقد أوسع الفضلاء والأدباء والكتاب والبلغاء القول في هذا المعنى وتواردوا فيه، فاقتصرنا على ما نورده من ذلك، وهو قليل من كثير.\rفمن ذلك ما قاله بعض الأندلسيين يصف قلعة فتحت من غير حصار: \" وهذه القلعة التي انتهينا إلى قرارها، واستولينا على أقطارها، أرحب المدن أمدا للعيون، وأخصبها بلدا إذا أمحلت السنون؛ فروعها فوق الثريا شامخة، وعروقها تحت الثرى راسخة؛ تباهى بأزهارها نجوم السماء، وتناجى بأسرارها أذن الجوزاء؛ وكانت في الزمن الغابر، عتت على عظيم القياصر؛ فنازلها بأكثر من النجوم عددا، وطاولها بأوفى من البحر مددا؛ فأبت على طاعته كل الإباء، واستعصت على مقارعته أشد استعصاء، ومردت مرود مارد على الزباء؛ فأمكننا الله من ذروتها؛ وأنزل ركابها لنا عن صهوتها \" وقال لقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني رحمه الله يصف آمد من رسالة جاء منها: \" وآمد ذكرها بين العالم متعالم، وطالما صادم جانبها من تقادم، فرجع عنها مقدوعة آنفة وإن كان فحلا، وفر عنها فريدا بهمة وإن استصحب خيلا ورجلا؛ ورأى حجرها فقدر أنه لا يفك له حجر، وسوادها فظن أنه لا ينسخه فجر، وحمية أنف أنفتها فاعتقد أنه لا يستجيب لزجر؛ من ملوك كلهم قد طوى صدره على الغليل إلى موردها، ووقف وقفة المحب السائل فلم يُفز بما أمل من سؤال معهدها \" .\rوقال من أخرى يصفها: \" وهي العقيلة التي صدر الصدور الأول محلا عن وردها، والطريدة التي حصل منها على راحة يأسه وتعب طردها؛ والمحجبة التي كشف ستورها، ودار لعصمتها كسوار معصمها سورها، وغلت على أنها السوداء على خطابها لأن المهج مهورها؛ ولربما نأى بجانبه الإعراض، ونبا جوهرها عن الأعراض، وطاشت دون أوصافها سهام الأغراض؛ ودرجت الملوك على حسرتها فلم تحسر لها لثاما، وما استطاعت لثغرها ثلما ولا له التثاما \" .\rوقال من أخرى يصف قلعة نجم،وهي من عيون الرسائل، جاء منها: \" هي نجم في سحاب وعقاب في عقاب؛ وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملت إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة؛ عاقدة حبوةً صالحها الدهر أن لا يحلها بقرعة بادية عصمة صافحها الزمن على أن لا يروعها بخلعة؛ فاكتنفت بها عقارب منجنيقات لم تطبع طبع حمص في العقارب، وضربتها بحجارة أظهرت فيها العداوة المعلومة في الأقارب؛ فلم يكن غير ثلاثة إلا وقد أثرت فيها الحجارة جدريا بضربها، ولم يصل إلى السابعة إلا والبحر مؤذن بنقبها؛ فاتسع الخرق على الراقع، وسقط سعده عن الطالع، إلى مولد من هو إليها طالع؛ وفتحت الأبراج فكانت أبوابا، وسيرت الجبال فكانت سرابا \" .\rوقال من أخرى في فتح بيت المقدس جاء منها:","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"\" زاول المدينة من جانب فإذا هو أودية عميقة. ولجج وعرٍ غريقة؛ وسور قد انعطف عطف السوار، وأبرجه قد نزلت مكان الواسطة من عقر الدار؛ وقدم المنجنيقات التي تتولى عقاب الحصون عصيها وحبالها، وأوتر لهم قسيها التي تضرب ولا تفارق سهامها نصالها؛ فصافحت السور فإذا سهامها في ثنايا شرفاتها سواك، وقدم النصر بشرى من المنجنيق تخلد إخلاده إلى الأرض وتعلو علوة إلى السماك؛ فشج مرابع أبراجها، وأسمع صوت عجيبها، ورفع مثار عجاجها؛ وأسفر النقاب عن الخراب النقاب، وأعاد الحجر إلى خلقته الأولى من التراب؛ ومضع سرد حجارته بأنياب مغولة، وأظهر من صناعته الكثيفة ما يدل على لطافة أنمله وأسمع الصخرة الشريفة أنينه إلى أن كانت ترق لمقتله \" .\rوقال أيضا من أخرى: \" فنصبنا عليها المنجنيقات تمطر سماءها نبل الوبال وتملأ أرضها بالنكاية والنكال، وتهد بساريات حجارته راسيات الجبال؛ وتنزل نوازل الأسواء بالأسوار، وتوسع مجال الدوائر في الديار، وتخطف بخطافاتها أعمار الأغمار؛ وتطير حمامها بكتب الحمام وتديم إغراء سهامها في أهلها بتوفير سهام الإرغام؛ وكشف النقابون نقاب السور المحجوج المحجوب؛ فتهدم بنيانه، وتداعت أركانه، بتظاهر المنجنيقات عليها والنقوب \" .\rووصف القاضي الفاضل المنجنيق من رسالة فقال: \" فسلمت كأنها بنان، ونضنضت كأنها لسان، وأطت كأنها مرنان، واهتزت كأنها جان، وتقومت كأنها سنان، وانعطفت كأنها عنان، وأقدمت كأنها شجاع وأحجمت كأنها جبان. ورمت رؤوسهم الموقرة من أحجارها بأمثال الرؤوس المحلقة، فأعادتهم إلى الخلقة الأولى مخلقة وغير مخلقة \" ووصف النامي المنجنيق فقال:\rوحسن زيادة غدوة السبت نافثاً ... سماما أراك ابن الأراقم أرقما.\rنصبت له في الأرض بيت حديقة ... تمد لها في الجو كفا ومعصما.\rلها أخوات للمنايا كوامن ... وإن لم يكن ما أضمرته مُكتما.\rعذاري، ولكن قد وجدن حواملاً ... بعرس تراه للجنادل مأتما.\rترى الصخر فيه الصخر وهو نسيبةُ ... عَدواً بيوم أرضه تمطر السما.\rإذا أقعدت جدار قياما رأيتها ... تنبه قيعاناً من الترب نَوما.\rومما وصفت به المعاقل والحصون نظما.\rفمن ذلك قول كعب الأشقري، يصف قلعة:\rمحلقةٌ دون السماء كأنها ... غمامة صيفٍ زال عنها سحابها.\rولا يبلغ الأروى شماريخَها العلا، ... ولا الطير إلا نسرها وعُقابُها.\rولا خوفت بالذنب ولدان أهلها، ... ولا نبحت إلا النجوم كلابُها.\rوقال أبو تمام يصف عَمُّروية:\rوبرزة الوجه قد أعيت رياضتها ... كسرى وصدت صدودا عن أبي كرب.\rبكرٌ، فما افترعتها كف حادثةٍ ... ولا ترقت إليها همةُ النوبِ.\rمن عهد إسكندرٍ أو قبل ذاك، فقد ... شابت نواصي الليالي وهي لم تشب!\rوقال الخالديان:\rوخلقاء قد تاهت على من يرومها ... بمرقبها العالي وجانبها الصعبِ.\rيزر عليها الجو جيب غمامه ... ويلبسها عقدا بأنجمه الشهبِ.\rإذا ما سرى برق بدت من خلاله ... كما لاحت العذراء من خلل الحجبِ.\rسموت لها بالرأي يشرق في الدجى ... ويقطع في الجلى، ويصدع في الهضبِ.\rفأبرزتها مهتوكة الجيب بالقنا ... وغادرتها ملصوقة الخد بالتربِ!\rوقالا أيضا في قلعة:\rوقلعة عانق العيوق سافلها، ... وجار منطقة الجوزا أعاليها.\rلا تعرف القطر، إذ كان الغمام لها ... أرضا توطأ قطريه مواشيها.\rإذا الغمامة لاحت، خاص ساكنها ... حياضها قبل أن تهمي عزاليها.\rيعد من أنجم الأفلاك مرقبها، ... لو أنه كان يجري في مجاريها.\rعلى ذرى شامخ وعرٍ: قد امتلأت ... كبراً به، وهو مملوء بها تيها.\rله عقاب: غقاب الجو حائمةٌ ... من دونها، فهي تخفي في خوافيها.\rوقال أبو بكر الخوارزمي:\rوبكر تحامتها البعول مخاقةً، ... فقد تركت من كثرة المهر أيمِّا.","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"ممنعة لم يغلط الدهر باسمها، ... ولم يرها في النوم إلا توهما.\rتزل عقاب الجو عن شرفاتها ... وتبغي إليها الريح مرقي وسلما!\rويسمع في الأفلاك صيحة ديكها ... فتحسب ديك العرش صاح ترنُّما.\rعجوز، ترى في صحة الجسم كاعباً ... ولو أرخت، كانت من الدهر أقدما!\rتواري أساسا بالتخوم مؤزرَّا، ... وتبرز رأسا بالنجوم معمما.\rتنازعها الأرض السماء وتدَّعي ... لديها بها حقا لها متهضما.\rوتحسبها زهر الكواكب كوكبا ... هوى خلف شيطان رجيم، فخيما!\rالباب الخامس\rمن القسم الخامس من الفن الأول\r\" فيما وصفت به القصور والمنازل \"\rوانبدأ بذكر ما بناه المتوكل من القصور وما أنفق عليها، ثم نذكر ما قيل في وصفها، وما وصفت به المنازل الخالية، وما قيل في حب الوطن.\rفأما قصور المتوكل، فهي: الكامل، والجعفري، وبركوانا، والعروس، والبركة، والجوسق، والمختار، والغريب، والبديع، والصبيح، والمليح، والقصر، والبرج، والمتوكلية، والقلاية.\rحكى المؤرخون أنه أنفق في بنائها مائة ألف دينار وخمسون ألف دينار عيناً، ومائتا ألف ألف وثمانية وخمسون ألف ألف وخمسمائة ألف درهم.\rقالوا: وكان البرج من أحسنها. كان فيه صور عظيمة من الذهب والفضة، وبركة عظيمة غشي ظاهرها وباطنها بصفائح الفضة، وجعل عليها شجرة من الذهب فيها طيور تصوت وتصفر سماها طوبى بلغت النفقة على هذا القصر ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار.\rوقد وصفه الشعراء، فمن ذلك قول السرى:\rمجلس في فناء دجلة، يرتا ... حَ إليه الخليع والمستوُرُ.\rطائرٌ في الهواء، فالبرق يسرى ... دون أعلاه والحمامُ يطيرُ.\rفإذا الغيم سار، أسبل منه ... حلل دون جدره وستور.\rوإذا غارت الكواكب صبحا، ... فهو الكواكب الذي لا يغور!\rوقال أيضاً:\rمنزلٌ كالربيع حلت عليه ... حاليات السحاب عقد النطاق.\rيُمتع العين في طرائف حسنٍ ... تتحامى بها عن الإطراق.\rبين ساجٍ كأنه ذائب التبر ... على مثل ذائب الأوراق.\rوقال أيضاً:\rوالقصر يبسم عن وجه الضحى،فترى ... وجه الضحى عند ما أبدي له شحبا.\rيبيت أعلاه بالجوزاء منتطقاً، ... ويغتدي برداء الغيم محتجبا!\rوقال أبو سعيد الرستمي، يصف دارا بناه الصاحب بن عبَّاد:\rوسامية الأعلام تلحظ دونها ... سنا النجم في آفاقها متضائلاً.\rنسخت بها إيوان كسرى بن هرمز، ... فأصبح في أرض المداين عاطَلا.\rفلو أبصرت ذات العماد عمادها، ... لامست أعاليها حياءً أسافلاَ.\rولو لحظت جنات تدمر حسنها، ... درت كيف تبني بعدهن المجادلا.\rمتى ترها خلت السماء سرادقاً ... عليها وأعلام النجوم تماثلا.\rوقال علي بن يوسف الإيادي، يذكر داراً بناها المعز العبيدي بمصر وسماها العروسين :\rبنى منظرا يسمى العروسين رفعةً، ... كأن الثريا عرست في قبابهِ.\rإذا الليل أخفاه بحلكة لونه، ... بدا ضوءه كالبدر تحت سحابهِ.\rتمكن من سعد السعود محله، ... فأضحى ومفتاح الغنى فتح بابهِ.\rولو شاده عزم المعز ورأيه ... على قدره في ملكه ونصابهِ،\rلكان حصى الياقوت والتبر مفرغاً ... على المسك من أجرِّه وترابهِ.\rوقال عبد الجبار بن حمديس الصقلي، يصف داراً بناها المعتمد بن عباد من أبيات:\rويا حبذا دار قضى الله أنها ... يجدد فيها كل عز ولا يبلى!\rوما هي إلا خطة الملك التي ... يحط إليها كل ذي أملٍ رحلا.\rإذا فتحت أبوابها، خلت أنها ... تقول بترحيب لداخلها: أهلا.\rوقد نقلت صناعها من صفاتهِ ... إليها أفانينا، فأحسنت النقلا.\rفمن صدره رحبا، ومن نوره سناً، ... ومن صيته فرعا، ومن حلمه أصلا!","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"فأعلت به في رتبة الملك نادياً، ... وقل له فوق السماكين أن يعلى.\rنسيت به إيوان كسرى، لأنني ... أراه له مولىً من الحسن لا مثلا.\rترى الشمس فيها ليقةً تستمدها ... أكفٌ، أقامت من تصاويرها شكلا.\rلها حركات أودعت في سكونها، ... فما تبعت من نقلهن يد رجلا.\rولما عشينا من توقد نورها، ... تخذنا سناه في نواظرنا كحلا.\rوقال أيضاً من قصيدة يصف فيها دارا بناها المنصور ببجاية، جاء منها:\rواعمر بقصر الملك ناديك الذي ... أضحى بمجدك بيته معمورا!\rقصرٌ لو انك قد كحلت بنوره ... أعمى، لعاد على المقام بصيرا.\rواشتق من معنى الحياة نسيمه، ... فيكاد يحدث للعظام نشورا.\rفلو أن بالإيوان قوبل حسنه، ... ما كان شيئاً عنده مذكورا.\rنسي الصبيح مع المليح بذكره، ... وسما ففاق خورنقاً و سديرا.\rأعيت مطالعه على الفرس الألى ... رفعوا البناء وأحكموا التدبيرا.\rومضت على القوم الدهور وما بنوا ... لملوكهم شبهاً له ونظيرا.\rأذكرتنا الفردوس حين أريتنا ... غرفا رفعت بناءها، وقصورا.\rفلكٌ من الأفلاك، إلا أنه ... حقر البدور فأطلع المنصورا .\rأبصرته فرأيت أبدَع منظرا ... ثم انثنيت بناظري محسورا.\rوظننت أني حالم في جنةٍ ... لما رأيت الملك فيه كبيرا.\rوإذا الولائد فتحت أبواَبهَا، ... جعلت ترحبَ بالعفُاة صَريرا.\rعضت على حلقاتهن ضراغمٌ ... فغرت بها أفواهها تكشيرا.\rفكأنها لبدت لتهصر عندها ... من لم يكن بدخوله مأمورا.\rتجري الخواطر مطلقات أعنةٍ ... فيه، فتكبو عن مداهُ قصورا.\rبمرخم الساحات تحسب أنهَ ... فرش البها وتوشح الكافورا.\rومحصب بالدرَّ تحسب تربه ... مسكاً تضوع نشره وعبيرا.\rيستخلف الإصباح منه إذا انقضى ... صبحاً على غسق الظلام منيرا.\rضحكت محاسنه إليك كأنما ... جعلت له زهر النجوم ثغورا.\rومصفح الأبواب تبراً نظروا ... بالنقش بين شكوله تنظيرا.\rتبدو مسامير النضار كما علت ... فلك النهود من الحسان صدورا.\rخلعت عليه غلائلاً ورسيةً ... شمسٌ ترد الطرف عنه حسيرا.\rفإذا نظرت إلى غرائب حسنه، ... أبصرت روضاً في السماء نضيرا.\rوعجبت من خطافي عسجده التي ... حامت لتبني في ذراه وكورا.\rوضعت به صناعه أقلامها، ... فأرتك كل طريدةٍ تصويرا.\rفكأنما للشمس فيه ليقةٌ ... مشقوا بها التزويق والتشجيرا.\rوكأنما فرشوا عليه ملاءةً ... تركوا مكان وشاحها مقصورا.\rيا مالك الملك الذي أضحى له ... ملك السماء على العُداة نصَيرا.\rكم من قصور للملوك تقدمت ... فاستوجبت بقصورك التأجيرا.\rفعمرتها وملكت كل رياسةٍ ... منها، ودمرت العِدا تدميرا.\rوقال عمارة اليمني، يصف دارا بناه فارس الإسلام من أبيات:\rفتملَّ دارا شيدتها همةٌ، ... يغدو العسير بأمرها متيسرا.\rفاقت على الإطلاق كل بنيةٍ ... وسمت بسعدك عزة وتكبرا.\rأنشأت فيها للعيون بدائعاً ... دقت فأذهل حسنها من أ بصرا.\rفمن الرخام: مسيراً، ومسهماً، ... ومنمنما، ومدرهما، ومدنرا.\rوسقيت من ذوب المضار سقوفها ... حتى يكاد نضارها أن يقطرا.\rلم يبق نوع صامت أو ناطقٌ ... إلا غدا فيها الجميع مصورا.","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"فيها حدائق لم تجدها ديمةٌ ... كلا ولا نبتت على وجه الثرى.\rلم يبد فيها الروض إلا مزهرا ... والنخل والرمان إلا مثمرا.\rوالطير مذ وقعت على أغصانها ... وثمارها لم تستطع أن تنفرا.\rوبها من الحيوان كل مشبهٍ ... لبس الحرير العبقري مصورا.\rلا تعدم الأبصار بين مروجها ... ليثا ولا ظبياً بوجرة أعفرا.\rأنست نوافر وحشها لسباعها ... فظبائها لا تتقي أسد الشرى.\rوكأن صولتك المخيفة أمنَّت ... أسرابها أن لا تخاف فتذعرا.\rوبها زرافات كأن رقابها ... في الطول ألويةً تؤم العسكرا.\rنوبية المنشا تريك من المها ... روقاً ومن بزل المهاري مشفرا.\rجبلت على الإيقاع من أعجازها ... فتخالها في التيه تمشي القهقرى!\rوقال أبو الصلت أمية بن عبد العزيز، يصف قصرا بناه علي بن تميم بن المعز بمصر:\rلله، مجلسك المنيف! فبابهَ ... بموطد فوق السماك مؤسس.\rموف على حبك المجرة تلتقي ... فيه الجواري بالجوار الكنُس.\rتتقابل الأنوار في جنباته ... فالليل فيه كالنهار المشمس.\rعطفت حناياه دوين سمائه ... عطف الأهلة والحواجب والقسي.\rواستشرفت عمد الرخام وظُوهرت ... بأجل من زهر الربيع وأنفس.\rفهواؤه من كل قد أهيف، ... وقراره من كل خدٍّ أملس.\rفلك تحير فيه كل منجمٍ ... وأقر بالتقصير كل مهندس.\rفبدا للحظ العين أحسن منظرا ... وغدا لطيب العيش خير معرس.\rفاطلع به قمرا، إذا ما أطلعت ... شمس الخدور عليك شمس الأكؤس.\rفالناس أجمع دون قدرك رتبة ... والأرض أجمع دون هذا المجلس!\rوقال الوزير أبو سليمان بن أبي أمية:\rيا دار، آمنك الزما ... نُ خطوب ونوائبه.\rوجرت سعودك بالذي ... يهوى نزيلك دائبه.\rفلنعم مأوى الضيف أن ... ت إذا تحاموا جانبه.\rخطر شأوت الديا ... ر، فأذعنت لك قاطبة.\rوقال أبو صخر القرطبي:\rديارٌ عليها من بشاشة أهلها ... بقايا، تسر النفس أنساً ومنظرا.\rربوع كساها المزن من خلع الحيا ... بُروُداً، وحلاها من النور جوهرا\rوقال الشريف الرضي:\rما زلت أطرق المنازل باللوى ... حتى نزلت منازل النعمان.\rبالحيرة البيضاء حيث تقابلت ... شم العماد، عريضة الأعطان.\rشهدت بفضل الرافعين قبابها. ... ويبين بالبنيان فضل الباني!\rما ينفع الماضين أن بقيت لهم ... خطط معمرة بعمرٍ فاني!\rوأما ما وصفت به المنازل الخالية: فمن ذلك ما قاله البحتري يشير إلى الكِرمان الذي بناه كسرى أو أنو شروان من أبيات:\rفكأن الكرمان من عدم الأن ... سِ وإخلائه بنية رمس.\rلو تراه، علمت أن الليالي ... خلعت في مأتما بعد عُرس.\rوهو ينبيك عن عجائب قومٍ، ... لا يشاب البيان فيها بلبس.\rوإذا ما رأيت صورة أنطاك ... ية ارتعت بين روم وفرس.\rوالمنايا مواثل وأنو شروا ... ن يزجي الصفوف تحت الدرفس!\rوقال أيضا من قصيدة يرثى فيها المتوكل، ويذكر قصره الجعفري:\rمحل على القاطول أخلق داره، ... وعادت صروف الدهر جيشاً تعُاورهْ.\rكأن الصبا توفي نذورا، إذا انبرت ... تجر به أذيالها وتباكره.\rورب زمانٍ ناعم تم عهده، ... ترق حواشيه ويونق ناظره.\rتغير حسن الجعفري وأنسه ... وقوض بادي الجعفري وحاضره.\rتحمل عنه ساكنوه فجاءة، ... فعادت سواءً دوره ومقابره\rإذا نحن زرناه، أجد لنا الأسى؛ ... وقد كان قبل اليوم يبهج زائره.","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"ولم أنس وحش القصرإذريع سربه ... وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره.\rوإذ صيح فيه بالرحيل فهتكت ... على عجل أستاره وسرائره.\rوأوحشه حتى كأن لم يكن به ... أنيسٌ ولم تحسن العين مناظره.\rكأن لم تبت فيه الخلافة طلقةً ... بشاشتها، والملك يشرق زاهره.\rولم تجمع الدنيا إليه بهاءها ... وبهجتها والعيش غض مكاسره.\rفأين الحجاب الصعب حيث تمنعت ... بهيبتها أبوابه وستائره؟\rوأين عمود الملك في كل نوبة ... تنوب وناهي الدهر فيه وآمره؟\rوقال عمرو ابن أبي ربيعة:\rيا دار أمسى دارسا رسمها ... وحشاً قفاراً ما بها آهل.\rقد جرت الريح بها ذيلها ... واستن في أطلالها الوابل.\rوقال شاعر أندلسي:\rقلت يوما لدار قوم تفانوا: ... أين سكانك الكرام لدينا؟\rفأجابت: هنا أقاموا قليلا ... ثم ساروا، ولست أعلم أينا!\rوقال عبد الله بن الخياط الأندلسي:\rيا دار علوة، قد هيجت لي شجناً ... وزدتني حزناً! حيُيت من دار!\rكم بت فيك على اللذات معتكفاً ... والليل مدرعٌ ثوبا من القار!\rكأنه راهب في المسح ملتحفٌ، ... شد المجرَّ له وسطاً بزنار!\rوقال أبو حامد أحمد الأنطاكي:\rإن ربعا عرفته مألوفاً ... كان للبيض مربعاً ومصيفاً.\rغيرت آيه صروف الليالي، ... وغدا عنه حُسنُه مصروفاً.\rما مررنا عليه إلا وقفنا ... وأطلنا شوقاً إليه الوقوفا.\rألفاً للبكاء فيه كأني ... لم أكن فيه للغواني أليفا.\rحاسداً للجفون لما أذالت ... في مغانيه دمعها المذروفا!\rوقال الشريف الرضي من أبيات:\rولقد رأيت بدير هندٍ منزلاً ... ألماً من الضراء والحدثان!\rبالي المعالم أطرقت شرفاته ... إطراق منجذب القرينة عانى.\rأمقاصر الغزلان غيرك البلى ... حتى غدوت مراتع الغزلان!\rوملاعب الأنس الجميع طوى الردى ... منهم فصرت ملاعب الجِنانِ!\rوقال أبو الحسن علي القابوسي نثرا: \" قد كان منزله مألف الأضياف، ومأنس الأشراف، ومنتجع الركب، ومقصد الوفد؛ فاستبدل بالأنس وحشه، وبالنضارة غبره، وبالضياء ظلمه؛ واعتاض من تزاحم المواكب، بالأدم النوادب؛ ومن ضجيج النداء والصهيل، عجيج البكاء والعويل \" .\rومن رسالة لضياء الدين بن الأثير الجزري، جاء منها: \" دار لعبت بها أيدي الزمن، وفرت بين الساكن والسكن. كانت مقاصير جنة، فأضحت وهي ملاعب جنة. ولقد عميت أخبار قطانها وعفت آثارها آثار وطانها، حتى شابهت إحداهما في الجفا الأخرى في العفا. وكنت أظن أنها لا تسقى بعدهم بغمام، ولا يرفع عنها جلباب ظلام؛ غير أن السحاب بكاهم وأجرى بها سوافح دموعه، والليل شق عليهم جيوبه فظهر الصباح من خلال صدوعه \" .\rومما قيل في حب الأوطان قال ابن الرومي \" وهو أول من بين السبب في حب الوطن \" :\rولي منزلٌ، آليت أن لا أبيعه ... وأن لا أرى غيري له الدهر مالكَا!\rعهدت به شرخ الشباب ونعمةً ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلاَلكَا.\rفقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسدٌ، إن غاب غودرت هالَكا.\rوحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا.\rإذا ذكروا أوطانهم، ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا!\rذكر شيء مما قيل في الحمَّام قال إبراهيم بن خفاجة الأندلسي:\rأهلاً ببيت النار من منزلٍ ... شيد لأبرارٍ وفُجَّار!\rيدخله ملتمس لذةً ... فيدخل الحنة في النار!\rوقال أبو عامر بن شهيد الأندلسي:\rنعم، أبا عامرٍ بلذته ... وأعجب لأمرين فيه قد جُمِعا!\rنيرانه من زنادكم قدحت ... وماءه من بنانكم نبعا!\rوقال علي بن عطية البلنسي:\rرب حمام تلظى ... كتلظي كل وامق.","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"ثم أذرت عبراتٌ ... صوبها بالوجد ناطق.\rفغدا مني ومنه ... عاشق في جوف عاشق!\rوقال أبو طالب المأموني، شاعر اليتيمة:\rوبيت كأحشاء المحب دخلته ... ومالي ثياب فيه غير إهابي\rأرى محرماً فيه وليس بكعبةٍ ... فما ساغ إلا فيه خلع ثيابي.\rبماء كدمع الصب في حر قلبه ... إذا آذنت أحشاؤه بذهابِ.\rتوهمت فيه قطعةً من جهنم ... ولكنها من غير مس عقابِ.\rيثير ضباباً بالبخار مجدلا ... بدور زجاج في سماءِ قباب!\rوقال آخر:\rإن حمَّامكَ هذا ... غير مذموِم الجوارِ.\rما رأينا قبل هذا ... جنةً في وسط نارِ!\rوأنشدني جمال الدين محمد بن الحكم لنفسه:\rقالوا: نراك دخلت حماماً وما ... حِلف الهوى يلتذ بالأهواءِ.\rفأجبتهم: لم تكف أدمع مقلتي ... حتى بكيت بحمله الأعضاءِ.\rالفن الثاني\rالإنسان وما يتعلق به\rوهذا الفن قد اشتمل على معانٍ مؤنسة للسامع، مشنِّفة للمسامع؛ مرصِّعة لصدور الطروس والدفاتر، جاذبةٍ لنوافر القلوب والخواطر؛ واضحة البيان، معربة عن وصف الإنسان.\rفمن تشبيهاتٍ فائقة، وغزليَّاتٍ رائقة؛ وأنسابٍ طاهرة، ووقائع ظاهرة؛ وأمثالٍ امتدّت أطنابها، وتبينت أسبابها؛ وأوابد جعلتها العرب لها عادةً ودليلا، واتخذتها ضلالة وتبديلا؛ ونصبتها أحكاماً ونسكا، وصيرتها عبادة ومداواة فتبوّأت بها من النار دركاً؛ وشيٍ من أخبار الكُهَّان، وزجر عبدة الأوثان؛ وكناياتٍ نقلت الألفاظ إلى معانٍ أبهى من معانيها، وبلغت النفوس بعذوبتها غاية أمانيها؛ وألغازٍ غوّرت بالمعاني وأنجدت، وأشارت إليها بالتأويل حتَّى إذا قربتها من الأفهام أبعدت؛ ومدائح رفعت للممدوح من الفضل مناراً، وأهاجي صيَّرت المهجوَّ من القوم يتوارى؛ ومجون ترتاح إليها عند خلوتها النفوس، ويبتسم عند سماعها ذو الوجه العبوس؛ وشيءٍ مما قيل في الخمر والمعاقرة، وأرباب الطَّرب وذوي المسامرة؛ وتهانٍ نشرت من البشائر ملاء، ورفعت من المخامد لواء؛ وتعازٍ حسرت نقاب الحسرات، وأبرزت مصون العبرات.\rوأوردت فيه نبذةً من الزهد والإنابة، وجملةً من الدعوات المستجابة.\rوطرّزته بذكر ملك، مدَّ رواق العدل، ونشر لواء الفضل؛ وقام بفروض الجهاد وسننه، وأراع العدوّ في حالتي يقظته ووسنه؛ وعمّ الأولياء بمواصلة برِّه وموالاة نواله، وقهر الأعداء بمراسلة سهامه ومناضلة نصاله؛ وشمل رعاياه بعدله وجوده، وأردف سراياه بجيوشه وجنوده، فهو الملك الذي جمع بين شدّة البأس، ولين النَّدى، وأزال مرارة الإياس، بحلاوة العطا.\rوما يحتاج إليه لإقامة المملكة: من نائبٍ ناهيك به من نائب!، يكُفُّ بعزمه كفَّ الحوادث ويفُلُّ بحزمه ناب النوائب؛ وينصف الضعيف من القوىّ، ويفرّق ببديهته بين المريب والبريّ؛ ويتفقد أحوال الجيوش ويصرف همته إليهم، ويجعل اهتمامه بهم وفكرته فيهم وتعويله عليهم؛ إلى غير ذلك من استكمال عددها، والمطالبة بعرض خيولها وإصلاح عددها؛ وسدِّ ثغور الممالك، وضبط الطرق وتسهيل المسالك؛ وقمع المفسدين، وإرغام الملحدين؛ وبث السَّرايا، وتيسير، الأرزاق والعطايا. ووزيرٍ يشيِّد قواعد ملكه بحسن تدبيره وجميل سداده، ويعمل فكره فيما يستقرّ بسببه نظام الملك على مهاده؛ ويأمر بتحصيل الأموال من جهات حلِّها، ويقرّ مناصب الدّولة الشريفة في الكفاة من أهلها؛ ويتصفَّح الأقاليم والمعاملات والأعمال، ويستكفي لمباشرتها أمناء النظَّار ومحقِّقي المستوفين وكفاة العمال.\rوقائد جيوش إن انتدبه للقاء عدوّ بدر الكتائب، وأنهل من دمائهم السُّمر العوالي وعلا هامهم بالبيض القواضب؛ تتبعه عساكر تنفر قلوبهم عهن الفرار، ويحلُّوا من قاتلهم من أعداء الله دار البوار؛ يدَّرعون السابريَّة الذوائل، ويعتقلون الَّسمهرية الذَّوابل؛ ويتقلدون المشرفية البواتر؛ ويتنكَّبون القسيّ النواتر، ويمتطون من كل جواد صفا منه أديمه وعيناه وحوافره، واتسع منه جوفه وجبهته ومناخره؛ وطال منه أنفه وعنقه وذراعه، وقصر منه ظهره وساقه وعسيبه وامتد عند الحضر باعه: فهو من أكرم الأصائل، والمعنيّ بقول القائل:","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"وقد أغتدي قبل ضوء الصباح ... وورد القطا في الغطاط الحثاث\rبصافي الثَّلاث عريض الثلاث ... قصير الثلاث طويل الثَّلاث\rوذكرت ما ورد في فضل الرباط والجهاد، وما أعدّ الله تعالى من الثواب لمن أنفق فيه الطَّوارف والتِّلاد؛ وبذل الكريمين: النفس والمال لحسن المآل ؛ وهجر الحبيبين: الوطن والعيال لبلوغ الآمال.\rومن قاضٍ يحكم بين الناس بالعدل، ويقدّم ذوي النباهة والفضل.\rومتولِّي مظالم يردها على أهلها بقهره وسلطانه، وسطوته وأعوانه.\rوناظر حسبة يجري الأمور على قواعدها الشرعية، وأوضاعها العرفية وقوانينها المرضية.\rإلى غير ذلك: من كاتب، ذي رأيٍ صائب، وفهم ثاقب؛ انقادت له المعاني بأسهل زمام، وأغنت صحائفه عن صفحات الحسام:\rلو لاحظت عين ابن أوسٍ كتبه ... ما قال: \" إن السيف منها أصدقُ \"\rوكاتب خراج ضبط بقلمه الأموال، وحرّر بنباهته الغلال؛ وبسط الموازين، ووضع القوانين؛ وفصل بين الخراجيّ والهلالي، وميز ما بين الأعمال والتوالي.\rوما لا بدّ للملك منه من خواصَّ جبلت على محبته قلوبهم، وتجافت عن المضاجع في خدمته جنوبهم.\rومن معقلٍ شمخ على الجوزاء بأنفه، واتخذ الثريَّا وشاحاً لعطفه؛ توارى في قرار التخوم أساسه، ولاح للساري ككوكب الظلماء مقباسه. فالأرض تدّعيه: لأنه ثبت على مناكبها، والسماء تنازعها فيه: لأنه تمنطق بكواكبها؛ والجبال تقول مني اتُّخذت أحجاره، والمياه تقول عليّ استقرّ قراره؛ وجفن السحاب يهمع لانحطاطه عن هذه الرتبة، والطير تقول إن لم أبلغه فقد اتّحد به من بيني وبينه نسبه.\rوضَّمنت هذا الفن من المنقول ما يسهل تعاطيه على الأفهام، ووضعته على خمسة أقسام.\rالقسم الأول\rاشتقاقه، وتسميته، وتنقلاته، وطبائعه..،\rووصفه، وتشبيهه.والغزل، والنَّسب، والهوى، والمحبة، والعشق، والأسباب وفيه أربعة أبواب\rالباب الأوّل من القسم الأوّل من الفن الثاني\rاشتقاقه، وتسميته،..\rوتنقلاته، وطبائعه، وما يتصل بذلك فأما اشتقاقه وتسميته، فقد اختلف الناس في ذلك: هل هو من الأنْس الذي هو نقيض الوحشة، أو النَّوْس الذي هو نقيض السكون، أو الإيناس الذي هو بمعنى الإبصار، أو النِّسيان الذي هو نقيض الذِّكْر.\rقال الشريف السيد ضياء الدّين أبو السعادات هبة الله المعروف بابن الشجري في أماليه في المجلس التاسع عشر وهو يوم السبت سابع عشر رجب سنة أربع وعشرين وخمسمائة في شرح قول أعشى تغلب:\rوكانوا أُناساً ينفحون فأصبحوا، ... وأكثر ما يعطونك النظر الشَّزْرُ\rقوله: \" وكانوا أُناساً ينفحون \" وزن أناس فُعال، وناس منقوص منه عند أكثر النحويين: فوزنه عالٌ. والنقص والإتمام فيه متساويان في كثرة الاستعمال ما دام منكوراً. فإذا دخلت عليه الألف واللام، التزموا فيه الحذف، فقالوا \" الناس \" ولا يكادون يقولون \" الأُناس \" إلا في الشعر. كقوله:\rإنَّ المنايا يطَّلْعن على الأُناس الآمنينا\rوحجة هذا المذهب وقوع الأُنس على الناس. فاشتقاقه من الأُنس نقيض الوحشة: لأن بعضهم يأنس إلى بعض. وبه أخذ بعض الشعراء في قوله:\rوما سُمَّي الإنسان إلا لأُنْسِه ... ولا القلب إلا أنه يتقلَّبُ\rقال: وذهب الكسائيّ إلى أن \" الناس \" لغة مفردة، وهو اسم تام وألفه منقلبة عن واو، واستدلَّ بقول العرب في تحقيره نويْس.\rقال: ولو كان منقوصاً من أناس لردّه التحقير إلى أصله، فقيل \" أُنيْس \" .\rوقال بعض من وافق الكسائيّ في هذا القول: إنه مأخوذ من النَّوس، مصدر ناس ينوس إذا تحرّك. ومنه قيل لملك من ملوك حمير ذو نُواس: لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقه.\rقال الفرّاء: والمذهب الأوّل أشبه، وهو مذهب المشيخة.\rوقال أبو عليّ الفارسيّ: أصل الناس الأناس. فحذفت الهمزة التي هي فاء ويدلك على ذلك الإنْسُ والأناسيّ. فأما قولهم في تحقيره نُويس فإن الألف لما صارت ثانية وهي زائدة أشبهت ألف فاعل. يعني أنها أشبهت بكونها ثانية وهي زائدة ألف \" ضاربٍ \" فقيل نويس، كما قيل ضويرب.\rوقال سلمة بن عاصم، وكان من أصحاب الفراء: الأشبه في القياس أن يكون كلُّ واحد منهما أصلاً بنفسه فأناس من الأنس، وناس من النوس لقولهم في تحقيره نويس كبويب في تحقير باب.","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"هذا ما قاله ابن الشجريّ في أماليه.\rوذهب أبو عمرو الشَّيبانيّ: أنه مشتق من الإيناس، الذي هو بمعنى الإبصار؛ وحجته قوله تعالى: \" إنِّي آنسْت ناراً \" أي أبصرت نارا.\rوذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من النِّسيان، وحجتهم أن أصله إنسيان. فحذفت الياء تخفيفاً وفتحت السين لأن الألف تطلب فتح ما قبلها. ولأن العرب حين صغرته قالت فيه أُنيْسيان، فزادت الياء. والتصغير يردّ الأشياء إلى أصولها، ولو لم تكن في المكبر لما رُدَّت في المصغَّر. وبه أخذ أبو تمام في قوله:\rلا تنْسينْ تلك العهود فإنما ... سُمِّيت إنساناً لأنك ناسي\rوأنكر البصريون ذلك، وقالوا: لا حجة فيه، لأن العرب قد صغرت أشياء على غير قياس كما قالوا في تصغير رجل بمعنى راجل رُويْجل، وفي تصغير ليلة لُيَيْلة. وفي تصغير عشيّة عُشَيْشة.\rوقال ابن عباس: إنما سمي الإنسان إنساناً لأنه عُهد إليه فنسي.\rوهذا هو الأرجح والله تعالى أعلم.\rآدم عليه السلام قال أحمد بن محمد بن عبد ربه صاحب العقد في كتابه يرفعه إلى وهب بن منبِّه إنه قال: قرأت في \" التوراة \" أن الله عز وجل حين خلق آدم رَكَّب جسده من أربعة أشياء؛ ثم جعلها وراثة في ولده، تنمى في أجسادهم وينمون عليها إلى يوم القيامة. رَطْب، ويابس، وسُخْن، وبارد. قال: وذلك أن الله سبحانه وتعالى خلقه من تراب وماء، وجعل فيه يُبْساً ورطوبة، فيبوسة كل جسد من قبل التراب، ورطوبته من قبل الماء، وحرارته من قبل النفس، وبرودته من قبل الروح. ثم خلق للجسد بعد هذا الخلق الأوّل أربعة أنواع أُخر وهي ملاك الجسد وقوامه، لا يقوم الجسد إلا بهنّ، ولا تقوم واحدة منهنّ إلا بالأخرى: المِرّة السوداء، والمرّة الصفراء، والدم الرطب الحارّ، والبلغم البارد. ثم أسكن بعض هذا الخلق في بعض، فجعل مَسْكن اليبوسة في المِرّة السوداء، ومسكن الرطوبة في الدّم، ومسكن البرودة في البلغم، ومسكن الحرارة في المِرّة الصفراء. فأيما جسدٍ اعتدلت فيه هذه الفطر الأربع وكانت كلُّ واحدة فيه وفقاً لا تزيد ولا تنقص، كملت صحته واعتدل بناؤه. فإن زادت واحدة منهنّ عليهنّ وقهرتْهنّ ومالت بهنّ، دخل على أخواتها السُّقْم من ناحيتها بقدر ما زادت؛ وإن كانت ناقصة عنهنّ، مِلْن بها وعلونها وأدخلن عليها السُّقْم من نواحيهنّ، لغلبتهنّ عليها حتَّى تضعف عن طاقتهنّ وتعجز عن مقاومتهنّ.\rقال وهب: وجعل عقله في دماغه، وشرهه في كُلْيتيه، وغضبه في كبده، وصرامته في قلبه، ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وحزنه وفرحه في وجهه. وجعل فيه ثلاثمائة وستين مفصلا.\rويقال: إنما لُقِّب الإنسان بالعالم الصغير، لأنهم مثَّلُوا رأسه بالفلك، ووجهه بالشمس إذ لا قوام للعالم إلا بها كما لا قوام للجسد إلا بالرُّوح، وعقله بالقمر لأنه يزيد وينقص ويذهب ويعود؛ ومثلوا حواسَّه الخمس ببقية الكواكب السيَّارة، وآراءه بالنجوم الثابتة، ودمعه بالمطر، وصوته بالرعد، وضحكه بالبرق، وظهره بالبرّ، وبطنه بالبحر، ولحمه بالأرض، وعظامه بالجبال، وشعره بالنبات، وأعضاءه بالأقاليم، وعروقه بالأنهار، ومغار عروقه بالعيون.\rومنها: أن فيه ما يشاكل الجمعة، والشهر، والأيام، والسنة.\rأما أيام الجمعة، فإن بدنه سبعة أجزاء، وهي اللحم، والعظام، والعروق، والأعصاب، والدّم، والجلد، والشعر.\rوأما الشهور، فإن لبدنه أثنى عشر جزءا مدبرةً: ستة منها باطنة؛ وهي الدماغ، والقلب، والكبد، والطِّحال، والمعدة، والكُلْيتان؛ وستة ظاهرة، وهي العقل، والحواسُّ الخمس؛ فهذه الاثنا عشر مقابلة لشهور السنة.\rوأما الأيام، فإن فيه ثلاثمائة وستين عظما؛ منها ما هو لبنية الجسد مائتان وثمانية وأربعون عظما. والإنسان ينقسم إلى أربعة أنواع: الرأس، واليدان، والبدن، والرجلان، ففي الرأس اثنتان وأربعون عظما؛ وفي اليدين اثنان وثمانون عظما؛ وفي البدن أربعون عظما؛ وفي الرجلين أربعة وثمانون عظما؛ والباقي سُمْسُمانية لسدّ الفروج التي تكون بين العظام. وفيه ثلاثمائة وستون عِرْقا.","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"وأما فصول السنة: فإن فيه أربعة أخلاط طبْعُها طبعُ الفصول الأربعة، فالدّم كالربيع في حرارته ورطوبته، والمِرّة الصفراء كالصيف في حرّه ويبسه، والمرّة السوداء كالخريف في برده ويبسه، والبلغم كالشتاء في برده ورطوبته. وهذه الأخلاط من أوّل مزاج الأركان التي هي العناصر الأربعة، وهي: النار، والهواء، والماء، والأرض.\rترتيب أحواله وتنقل السنّ به\rإلى أن يتناهى: قال الله تبارك وتعالى: \" يا أيُّها النَّاس إنْ كُنْتمْ في ريْبٍ من البعْث فإنَّا خلقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفةٍ ثُمَّ مِنْ علقةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغةٍ مُخَلَّقةٍ وغيْر مُخَلَّقةٍ لنُبييِّن لكُمْ ونُقرُّ في الأرْحامِ ما نشاءُ إلى أجلٍ مُسَمَّى ثُمَّ نُخْرجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لتبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ومِنْكُمْ مَنْ يُتوفَّى ومِنْكم مَنْ يُرَدُّ إلى أرْذل العُمُر لكيْ لا يعْلم مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئاً \" .\rوقال تعالى: \" ولقدْ خلقْنا الإنْسانَ مِنْ سُلالةٍ مِن طينٍ ثُمَّ جَعلْناهُ نُطْفةً في قرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خلقْنا النُّطْفة علقةً فخلقْنا الْعلقة مُضْغةً فخلقْنا الْمُضغة عظاماً فكسوْنا العظام لحمْاً ثُمَّ أنْشأْناهُ خلْقاً آخر فتبارك الله أحْسنُ الْخالقين \" .\rوقال عز وجل: \" هُوَ الَّذي خلقكُمْ مِنْ تُرَاب ثم من نطفةٍ ثُمَّ مِنْ علقةٍ ثُمَّ يُخْرجُكُمْ طِفلاً ثُمَّ لتبْلغُوا أشُدَّكُمْ ثُمَّ لتكُونُوا شُيُوخاً ومِنْكُمْ مَنْ يُتوفَّى منْ قبْلُ ولتبْلُغُوا أجلاً مُسمَّى ولعلَّكُمْ تعْقلُون \" .\rوفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إنَّ أحدكم يجمع في بطن أُمِّه أربعين يوماً، ثمَّ يكون علقةً مثل ذلك، ثمَّ يكون مضغةً مثل ذلك، ثمَّ يبعث الله تعالى ملكاً فيؤمر بأربع: برزقه وأجله وشقيّ أو سعيد \" ، الحديث.\rوعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" وكِّل الله بالرحم ملكا: فبقول أيْ رب نطفةٌ! أي ربِّ علقةٌ! أي ربِّ مضغةٌ! فإذا أراد الله أن يقْض خلْقها قال: أيْ ربِّ ذكرٌ أم أنثى؟ أشقيّ أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيُكتب كذلك في بطن أمِّه. خرج ذلك البخاري في صحيحه في باب القدر.\rوقال الثعلبيّ في تفسير قوله تعالى \" لَتَرْكَبُنَّ طَبقَاً عَنْ طَبَقٍ \" : \" قالت الحكماء: يشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يهرم ويموت على سبعة وثلاثين حالا، وسبعة وثلاثين اسما: نُطْفة، ثم علقة، ثم مُضغة، ثم عظماً، ثم خلقاً آخر، ثم جنينا، ثم وليداً، ثم رضيعاً، ثم فطيماً، ثم يافعاً، ثم ناشئاً، ثم مترعرعاً، ثم حزوَّراً، ثم مُراهقاً، ثم مُحْتلماً، ثم بالغاً، ثم أمرد، ثم طارّاً، ثم باقلاً، ثم مُسيطراً، ثم مُصْرخاً، ثم مُخْتطاً، ثم صُمُلاً، ثم مُلحياً، ثم مستريماً، ثم مصعداً، ثم مُجْتمعاً.\rوقال غيره: ما دام الولد في الَّرحم، فهو جنين؛ فإذا ولد، فهو وليد، وما دام لم يسْتتم سبعة أيام، فهو صديغ: لأنه لم يشتدّ صُدغه إلى تمام السبعة؛ ثم ما دام يرْضع، فهو رضيع؛ فإذا قُطع عنه اللبن، فهو فطيم؛ ثم إذا غلُظ وذهبت عنه ترارة الرِّضاعة، فهو جحوش.\rقال الهذليّ:\rقتلنا مخْلداً وابنيْ خُراق ... وآخر جحوشاً فوق الفطيم\rثم إذا دبَّ ونما، فهو دارج.\rفإذا بلغ طُولُه خمسة أشبار، فهو خُماسيّ.\rفإذا سقطت رواضعه، فهو مثْغور.\rفإذا نبتت أسنانه بعد السقوط، فهو مُثَّغر ومتَّغر معاً.\rفإذا تجاوز عشر سنين أو جاوزها، فهو مترعْرع وناشئ.\rفإذا كاد أن يبلغ الحلم أو بلغه، فهو يافعٌ ومراهق.\rفإذا احتلم واجتمعت قوّته، فهو حزوّر؛ واسمه في جميع هذه الأحوال التي تقدّم ذكرها غُلام.\rفإذا احضرَّ شاربه وأخذ عذاره يسيل، قيل فيه قد بقل وجهه.\rفإذا صار ذا فتاءٍ، فهو فتىً وشارخ.\rفإذا اجتمعت لحيته وبلغ غاية سبابه، فهو مجتمع.\rثم ما دام بين الثلاثين والأربعين، فهو شابٌّ، ثم هو كهْل إلى أن يستوف الستين.\rظهور الشيب وعمومه\rيقال للرجل أوّل ما يظهر به الشيب، قد وخطه الشيب.\rفإذا زاد، قيل خصَّفه وخوَّصه.\rفإذا ابيضَّ بعض رأسه، قيل قد أخْلس رأسه، فهو مُخْلس.\rفإذا غلب بياضه سواده، فهو أغثم.\rفإذا شمطت مواضع من لحيته، قيل وخزه القتير ولهزه.\rفإذا كثر فيه الشيب وانتشر، قيل فيه قد تقشَّع فيه الشيب.","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"ويقال أيضاً: شاب الرجل، ثم شمط، ثم شاخ، ثم كبر، ثم توجَّه، ثم دلف، ثم دبَّ، ثم مجَّ، ثم هدج، ثم ثلَّب، ثم الموت.\rوقيل: ما السرور؟ قال: إدراك الحقيقة، واستنباط الدَّقيقة.\rوأما النفس الغضبية، فهمُّ صاحبها منافسة الأكْفاء ومغالبة الأقْران ومكاثرة العشيرة.\rومن ذلك ما أجاب به حصين بن المنذر، وقد قيل له: ما السُّرور؟ قال: لواءٌ منشور، والجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير.\rوقيل للحسن بن سهل: ما السرور؟ قال: توقيع جائر، وأمر نافذ. وقيل لعبد الله بن الأهتم: ما السرور؟ قال: رفع الأولياء، ووضع الأعداء، وطول البقاء، مع الصحة والنماء.\rوقيل لزياد: ما السرور؟ قال: من طال عُمُره، ورأى في عدوّه ما يُسُّره.\rوقيل لأبي مسلم، صاحب الدعوة: ما السرور؟ قال: ركوب الهمالجة، وقتل الجبابرة. وقيل له: ما اللذة؟ قال: إقبال الزمان، وعزُّ السلطان.\rوأما النفس البهيمية، فهمُّ صاحبها طلب الراحة. وانهماك النفس على الشهوة من الطعام والشراب والنكاح.\rوعلى هذه الطبيعة البهيمية قسمت الفُرْسُ دهرها كلَّه، فقالوا: يوم المطر للشرب، ويوم الريح للنوم، ويوم الدّجْن للصيد، ويوم الصَّحو للجلوس.\rقيل: ولما بلغ ابن خالويه ما قسمته الفرس من أيامها قال: ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم! \" يعْلَمُون ظَاهراً مِنَ الْحَياة الدُّنْيا وهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غافلُون \" .\rولكنَّ نبينا صلى الله عليه وسلم جزَّأ نهاره ثلاثة أجزاء: جزءاً لله، وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه؛ ثم جزَّأ جزأه بينه وبين الناس، فكان يستعين بالخاصة على العامة، ويقول: \" أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي. فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع، آمنه الله يوم الفزع الأكبر \" .\rقالوا: والطبيعة البهيمية هي أغلب الطبائع على الإنسان: لأخذها بمجامع هواه، وإيثار الراحة وقلة العمل.\rومن ذلك قولهم: الرأى نائم، والهوى يقظان؛ وقولهم: الهوى إلهٌ معبودٌ.\rومن ذلك ما أجاب به امرؤ القيس، وقد قيل له: ما السرور؟ فقال: بيضاء رُعْبُوبة، بالطيب مشبوبة، باللحم مكروبة. وكان مفتوناً بالنساء.\rوقيل لأعشى بكر: ما السرور؟ قال: صهباء صافية، تمزُجُها ساقية، من صوْب غادية. وكان مغرماً بالشراب.\rوقيل لطرفة بن العبد: ما السرور؟ قال: مطعم هنيّ، ومشرب رويّ، وملبس دفيّ، ومركب وطيّ. وكان يؤثر الخفض والدَّعة. وهو القائل:\rفلولا ثلاثٌ هنّ من عيشة الفتى ... وعيشك! لم أحْفل متى قام عُوَّدي\rفمنهنّ سبقي العاذلات بشربة ... كُميت متى ما تعل بالماء تزبدِ\rوكَرِّي إذا نادى المُضافُ مُحنَّبا ... كسيد الغضا نبَّهْته المتورِّدِ\rوتقصير يوم الدَّجْن، والدَّجْنُ مُعْجب، ... ببهْكنةٍ تحت الخباء المُعمَّدِ\rوسمع هذه الأبيات عمر بن عبد العزيز فقال: وأنا لولا ثلاث لم أحفل متى قام عُوَّدي: لولا أن أعدل في الرعية، وأقسم بالسويَّة، وأنفر في السَّريَّة.\rوقال عبد الله بن نهيك، عفا الله تعالى عنه:\rفلولا ثلاثٌ هنّ من عيشة الفتى ... وعيشك، لم أحفل متى قام رامسُ\rفمنهن سبْقُ العاذلات بشربة ... كأنَّ أخاها مطلع الشمس ناعسُ\rومنهنّ تجريد الكواعب كالدُّمى ... إذا ابتُرَّ عن أكفالهنّ الملابسُ\rومنهن تقريط الجواد عنانه ... إذا ابتدر الشخص الخفيّ الفوارسُ\rوقيل ليزيد بن مزيد: ما السرور؟ فقال: قُبْلة على غفلة: وقيل لُحرقة بنت النعمان: ما كانت لذة أبيك؟ قالت: شرب الجرْيال، ومحادثة الرجال.\rوقيل للحسن بن هانئ: ما السرور؟ فقال: مجالسة الفتْيان، في بيوت القيان، ومنادمة الإخوان، على قُضب الرَّيْحان؛ ثم أنشد:\rقلت بالقُفْص لموسى، ... ونداماي نيامُ:\rيا رضيعي ثدي أمٍّ ... ليس لي عنه فطامُ!\rإنما العيشُ سماعٌ ... ومُدام وندامُ.\rفإذا فاتك هذا، ... فعلى الدّنيا السلامُ!\rالباب الثاني\rمن القسم الأوّل من الفن الثاني\rأعضاء الإنسان وتشبيهها","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"وما وصف به طيب الريق والنَّكْهة، وحسن الحديث، والنَّعْمة، واعتدال القدود، ووصف مشْي النساء. وهو مرتب على ترتيب بنْية الإنسان في المذكر والمؤنث.\rالشَّعر وما قيل فيه قال الثعالبيّ عن أئمة اللغة: العقيقة، الشعر الذي يولد به الإنسان.\rالفروة، شعر معظم الرأس.\rالناصية، شعر مقدّم الرأس.\rالذُّؤابة، شعر مؤخَّر الرأس.\rالفرْع، شعر رأس المرأة.\rالغديرة، شعر ذُؤابتها.\rالغفر، شعر ساقها.\rالدَّبب، شعر وجهها.\rالوفْرة، ما بلغ شحمة الأذن من الشعر.\rاللِّمَّة، ما ألمَّ بالمنكب منه.\rالطُّرَّة، ما غشَّى الجبهة منه.\rالجُمَّة والغفْرة، ما غطى الرأس منه.\rالهُدب، شعر أشفار العين.\rالشارب، شعر الشَّفة العليا.\rالعنْفقة، شعر الشفة السُّفلى.\rالمَسْربة، شعر الصدر. وفي الحديث أنه كان عليه الصلاة والسلام دقيق المسْربة.\rالشِّعْرة، العانة.\rالإسْب، شعر الأست.\rالزَّبب، شعر بدن الرجل. ويقال بل هو كثرة الشعر في الأذنين.\rتفصيل أوصافه\rيقال: شعر جُفال، إذا كان كثيرا.\rووحْفٌ، إذا كان متصلا.\rوكثٌّ، إذا كان كثيراً كثيفاً مجتمعاً.\rومُعْلنْكس، ومُعْلنْكك، إذا زادت كثافته.\rومُنْسدر، إذا كان منبسطاً.\rوسبْط، إذا كان مسترْسلاً.\rورجْل، إذا كان غير جَعْد ولا سبط.\rوقططٌ، إذا كان شديد الجُعُودة.\rومقْلعطٌّ، إذا زاد على القطط.\rومُفلفل، إذا كان نهايةً في الجعودة كشعر الزِّنج.\rوسُخام، إذا كان حسناً ليِّناً.\rومُغْدودن، إذا كان طويلاً ناعماً.\rوقال الأصمعيّ: من لم يخفَّ شعره قبل الثلاثين لم يصلع أبداً؛ ومن لم يحمل اللحم قبل الثلاثين لم يحمله أبداً.\rوصف به الشّعرُ\rقال نصر بن أحمد، عفا الله تعالى عنه:\rسلْسل الشَّعْر فوق وجهٍ، فحاكى ... ظُلْمَةَ الليل فوق ضوْء الصَّباحِ\rوقال ابن الروميّ:\rوفاحمٍ واردٍ يُقبِّلُ مم ... شاه إذا اخْتال مُرْسلاً غُدُرهْ\rأقبل كاللَّيل من مفارقه ... منحدراً لا يذُمُّ منحدرهْ\rحتَّى تناهى إلى مواطنه ... يلْثمُ من كلِّ موْطئ عفرهْ\rكأنَّهُ عاشقٌ دنا شغفاً ... حتَّى قضى من حبيبه وطرهْ\rوقال فتح الدّين بن عبد الظاهر:\rحلَّ ثلاثاً يوم حمَّامه ... ذوائباً يعْبقُ منها الغوالْ\rفقلتُ، والقصدُ ذُؤاباته: ... يا سهري في ذي اللِّيالِ الطِّوالْ!\rوقال آخر:\rقد عُلِّق القلب بدبُّوقةٍ ... وجُنَّ منها فهو مفْتونُ؟\rواعجياً للعشق في حُكمه ... بشعرة قُيِّد مجنونُ!\rوقال آخر:\rرأيت على قدِّ الحبيب ذُؤابةً ... فعيْني على تلك الذُّؤابة تهْمعُ\rيقول لي الواشون: مالك باكياً؟ ... فقلت: بعيني شعرةٌ فهي تدْمعُ\rوقال آخر:\rوشعرةٍ عاينهنا ناظري ... على قوامٍ مائس الخطْرة\rفسال دمعاً وهمي جفنُه، ... والدمع لا شكَّ من الشَّعْرة\rوقال آخر:\rولرُبَّ ممشوق القوام تضُمُّه ... ممشوقةٌ، فتعانقا غُصْنينِ\rأرخت ذوائبها وأسبل شعره، ... فتقابلا قمرين في ليليْنِ\rشعور النساء\rقال بكر بن النطَّاح:\rبيضاءُ تسحب من قيام فرعها ... وتغيبُ فيه فهو جثْلٌ أسْحمُ\rفكأنها فيه نهارٌ ساطعٌ، ... وكأنه ليلٌ عليها مُظلِمُ\rوقال آخر:\rنشرتْ عليَّ ذوائباً من شعرها، ... حذر الكْواشح والعدوِّ المُحْنقِ\rفكأنَّني وكأنها وكأنه ... صُبحانِ باتا تحت ليلٍ مُطبق\rوقال عمر بن أبي ربيعة:\rسبتْهُ بوحْف في العقاص كأنَّهُ ... عناقيدُ، دلاَّها من الكّرم قاطِفُ\rأسيلات أبدانٍ، دقاقٌ خصورها، ... وثيرات ما التفَّت عليه الملاحفُ\rوقال المتنبي:\rومن كُلَّما جرَّدْتُها من ثيابها، ... كساها ثياباً غيرها الشَّعرُ الوحْفُ\rوقال أيضاً:\rدعت خلاخيلها ذوائبها، ... فجئْن من فرْقها إلى القدمِ\rوقال في أخرى:","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"نشرتْ ثلاث ذوائبٍ من شعرها ... في ليلةٍ، فأرتْ ليالي أربعاً\rواستقبلت قمر السماء بوجهها، ... فأرتني القمرين في وقتٍ معاً\rوقد ألمَّ في ذلك بقول ابن المعتزّ:\rسقتْني في ليلٍ شبيهٍ بشعرها ... شبيهة خدَّيها بغير رقيبِ\rفأمْسيْت في ليلين بالشعر والدُّجى، ... وشمسيْن من خمْرٍ وخدِّ حبيبِ\rوقال ابن المعتزّ:\rفلما أن قضت وطراً وهمَّتْ ... على عجلٍ بأخذٍ للرِّداءِ،\rرأتْ شخص الرَّقيب على تدانٍ ... فأسبلت الظَّلام على الضِّياءِ.\rوغاب الصبح منها تحت ليلٍ، ... وظلَّ الماء يقطر فوق ماءِ.\rوقال ابن لنْكك:\rهل طالبٌ ثأر من قد أهدرت دمهُ ... بيضٌ، عليهنّ نذْرٌ قتل من عشقاً؟\rمن العقائل ما يخطرن عن عُرُضٍ ... إلاَّ أريْنك في قدٍّ قناً ونقاً.\rرواعفٌ بخدودٍ زانها سبجٌ ... قد زرْفن الحسن في أصداغها حلقاً.\rنواشرٌ في الضُّحى من فرعها غسقاً، ... وفي ظلام الدُّجى من وجهها فلقاً.\rأعرن غيد ظباءٍ رُوِّعت غيداً، ... والورد توريد خدٍّ، والمها حدقاً.\rوقال ابن دريد الأزديّ:\rغرَّاء لو جلت الخُدود شُعاعها ... للشَّمْس عند طُلُوعها، لم تُشْرقِ\rغُصْن على دعْصٍ تألَّق فوقه ... قمرٌ تألَّق تحت ليل مُطبقِ\rلو قيل للحُسْن: احتكم لم يعْدُها ... أو قيل: خاطبْ غيرها! لم ينْطقِ\rفكأنَّنا من فرعها في مغربٍ، ... وكأنَّنا من وجهها في مشرقِ\rوقال آخر:\rجُعودةُ شعرها تحْكي غديرا ... يُصفِّقه الجنوبُ مع الشَّمالِ\rالشيب والخضاب\rمن المدح والذم فأما مدح الشيب، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من شاب شيبةً في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة \" .\rوقال ابن أبي شيبة: \" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نَتْف الشيب وقال: هو نور المؤمن \" .\rوفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: \" إن أوّل من رأى الشيب إبراهيم الخليل عليه السلام، فقال: يا ربِّ ما هذا؟ فقال له: الوقار، فقال: رب زدْني وقارا \" .\rوتأمل حكيمٌ شيبه فقال: مرحباً بزهرة الحُنْكة ويُمْن الهدى ومقدِّمة العفَّة ولباس التقوى.\rوقيل: دخل أبو دُلف على المأمون وعنده جارية له، وكان أبو دلف قد ترك الخضاب، فأشار المأمون إلى الجارية فقالت له: شبْت يا أبا دُلف، إنا لله وإنا إليه راجعون. فسكت عنها أبو دلف، فقال له المأمون: أجبها، فقال:\rتهزَّأت إذ رأت شيْبي فقلتُ لها: ... لا تهزئي من يطُلْ عمرٌ به يشيبِ!\rشيبُ الرجال لهم زيْنٌ ومكْرُمةٌ، ... وشيبُكن لكُنَّ الويل فاكتئبي!\rفينا لكُنَّ وإن شيب بدا أربٌ،وليس فيكُنَّ بعد الشَّيب من أربِ!\rوقال آخر:\rأهلاً وسهلاً بالمشيب ومرحباً، ... أهلاً به من وافدٍ ونزيلِ!\rأهْدي الوقار وذاد كلَّ جهالة ... كانت، وساق إليّ كلَّ جميلِ.\rفصحبت في أهل التقى أهل النهى ... ولقيت بالتعظيم والتبجيلِ.\rورأى لي الشُّبَّان فضل جلالةٍ ... لما اكتهلت، وكنت غير جليلِ.\rفإذا رأوْني مقبلاً، نهضوا معاً: ... فِعلُ المقرِّ لهيبة التفضيلِ.\rإن قلت، كنت مصدقاً في منطقي، ... ماضي المقالة حاضر التعديلِ.\rوقال مسلم بن الوليد:\rالشيب كُرهٌ، وكُرهٌ أن يُفارقني ... اعجب لشيءٍ على البغضاء مودود.\rوقال عليّ بن محمد الكوفيّ:\rبكى للشَّيب، ثم بكى عليه ... وكان أعزَّ من فقد الشَّبابِ.\rفقلْ للشَّيب: لا تبْرحْ حميداً ... إذا نادى شبابك بالذهابِ.\rوقال العسكريّ:\rيودُّ أنَّ شيبه ... إذ جاء لا ينْصرفُ.\rيخْلُفُ ريعان الصِّبا ... والموت منه خلفُ.\rوقال ابن المعتزّ:\rقد يشيبُ الفتى، وليس عجيباً ... أن يُرى النَّوْرُ في القضيب الرَّطيبِ.","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"وقال أبو تمام:\rولا يؤرِّقْك إيماضُ القتير به ... فإنَّ ذاك ابتسام الرأي والأدبِ.\rوقال أبو الفتح البستي:\rيا شيْبتي دُومي ولا تترحَّلي ... وتيقَّني أنِّي بوصلكِ مُولعُ!\rقد كنت أجْزعُ من حُلولك مرةً، ... فالآن من خوف ارتحالك أجزعُ!\rوقال آخر:\rفأما المشيب فصُبْحٌ بدا ... وأما الشباب فليل أفلْ.\rسقى الله هذا وهذا معاً ... فنعم المولِّى ونعم البدلْ!\rوقال أبو الفتح كشاجم:\rتفكرت في شيب الفتى وشبابه ... فأيقنْت أن الحقَّ للشَّيب واجبُ.\rيصاحبني شرخ الشباب فينقضي، ... وشيبي لي حتَّى الممات مصاحبُ.\rوقال أبو العلاء السرويّ، شاعر اليتيمة:\rحيِّ شيباً أتى لغير رحيل، ... وشباباً مضى لغير إيابِ!\rأيُّ شيءٍ يكون أحسن من عا ... ج مشيبٍ في آبنوس شبابِ؟\rوقال أبو عوانة الكاتب:\rهزئت إذ رأت مشيبي، وهل غي ... ر المصابيح زينةٌ للسماءِ؟\rوتولت فقلت قولاً بإفصا ... حٍ لها، لا بالَّرْمز والإيماءِ:\rإنما الشيب في المفارق كالنُّو ... ر بدا والسَّواد كالظلماءِ.\rلا محيضٌ عن المشيب أو المو ... ت، فكُنْ للحوباء أو للنمَّاءِ!\rإن عمراً عوضت فيه عن المو ... ت بشيبٍ من أعظم النَّعماءِ!\rوقال ابن عبد ربه:\rكأنَّ سواد لمته ظلام ... يُطلُّ من المشيب عليه نُورُ.\rوقال أبو عبد الله الأسباطي:\rلا يَرُعك المشيبُ، يا ابنة عبد الله، فالشيب زينةٌ ووقارُ!\rإنما تحسُنُ الرياض إذا ما ... ضحكت في ظلالها الأنوارُ.\rذم الشيب،\rقال قيس بن عاصم رحمة الله عليه: الشيب خطام المنيَّة.\rوقال غيره: الشيب نذير الموت.\rوقد ورد في بعض التفاسير في قوله تبارك وتعالى \" وجاءكم النَّذير \" . قيل: هو الشيب.\rوقال أعرابيّ: كنت أُنكر البيضاء، فصرت أُنكر السوداء؛ فيا خيْر مبدول ويا شرّ بدل.\rوقيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: عجَّل عليك الشيب يا رسول الله، قال: \" شيَّبتني هودٌ وأخواتها \" . قيل: هي عبس، والمرسلات، والنازعات.\rوقيل لعبد الملك بن مروان: عجَّل عليك الشيب يا أمير المؤمنين، قال: شيبني ارتقاء المنابر وتوقُّع اللحن.\rوقال بعضهم: خرجت إلى ناحية الطُّفاوة، فإذا أنا بامرأة لم أر أجمل منها، فقلت: أيتها المرأة، إن كان لك زوج فبارك الله له فيك، وإلا فأعلميني. قال فقالت: وما تصنع بي؟ وفيّ شيء لا أراك ترتضيه. قلت: وما هو؟ قالت: شيبٌ في رأسي. قال: فثنيت عنان دابتي راجعاً، فصاحت بي: على رسلك، أخبرك بشيْ، فوقفت وقلت: وما هو، يرحمك الله؟ قالت: والله ما بلغت العشرين بعد، وهذا رأسي فكشفت عن عناقيد كالحمم، وقالت: والله ما رأيت برأسي بياضاً قطُّ، ولكن أحببت أن تعلم أنّا نكره منك ما تكره منا، وأنشدت:\rأرى شيب الرِّجال من الغواني ... بموضع شيبهنّ من الرجال!\rقال: فرجعت خجلاً، كاسف البال.\rقال أبو تمام:\rغدا الشيب مختطاً بفوْديّ خطةً ... سبيل الرَّدى منها إلى النفس مهيعُ.\rهو الزُّور يُجْفى، والمعاشر يُجتوى، ... وذو الإلف يُقلى، والجديد يرقَّعُ.\rله منظرٌ في العين أبيض ناصعٌ ... ولكنه في القلب أسود أسفعُ.\rوقال آخر:\rتقول لمَّا رأتْ مشيبي ... بدا، وعندي له انقباضُ:\rلا ترجُ عطفاً عليك منِّي، ... سوّد ما بيننا البياضُ!\rوقال آخر:\rوقالوا: مشيب المرء فيه وقاره، ... وما علموا أن المشيب هو العيبُ.\rوأيُّ وقارٍ لامرئ عُرِّى الصِّبا، ... ومن خلفه شيبٌ وقدَّامه شيبُ؟\rوقال آخر:\rمن شاب، قد مات وهو حيٌّ، ... يمشي على الأرض مشي هالكْ!\rلو كان عُمر الفتى حساباً ... كان له شيبه فذالكْ.\rوقال محمود الوراق:\rبكيت لقرب الأجلْ، ... وبعد فوات الأملْ!.\rووافق شيبٌ طرا ... بعقب شبابٍ رحلْ.","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"شبابٌ كأن لم يكن ... وشيبٌ كأن لم يزلْ.\rطوى صاحبٌ صاحباً ... كذاك اختلاف الدُّولْ!\rوقال عبيد بن الأبرص:\rوالشيب شيْنٌ لمن أمسى بساحته! ... لله درُّ شباب اللِّمة الخالي.\rوقال البحتري:\rوددت بياض السيف يوم لقينني ... مكان بياض الشيب حلَّ بمفرقي.\rوقال أبو العتاهية:\rعريت عن الشباب، وكان غضّاً، ... كما يعرى من الورق القضيبُ.\rألا ليت الشباب يعود يوماً ... فأخبره بما فعل المشيبُ!\rوقال آخر:\rيا حسرتاً أين الشباب الذي ... على تعدِّيه المشيبُ اعتدى؟\rشبْتُ، فما أنْفكُّ من حسرةٍ ... والشيب في الرأس رسول الرَّدى!\rإنَّ مدى العمر قريبٌ فما ... بقاء نفسي بعد قُرب المدى؟\rوقال آخر:\rهذا عذارك بالمشيب مُطرَّزُ ... فقبول عُذْرك في التصابي مُعْوزُ!\rولقد علمت وما علمت توهُّماً أن المشيب لهدم عمرك يرْمزُ.\rوقال أيضاً:\rألست ترى نجوم الشَّيب لاحت ... وشيب المرء عنوان الفساد!\rوقال أيضاً:\rأبلى جديدي هذان الجديدان ... والشأن في أن هذا الشَّيب ينعاني!\rكأنما اعتمَّ رأسي منه بالجبل الر ... اسي، فأوهنني ثقْلاً وأوهاني.\rوقال آخر:\rلما رأت وضح المشيب بعارضي ... صدّت صدود مُجانب متحمِّلِ.\rفجعلت أطلب وصلها بتلطُّف، ... والشيب يغمزها بأن لا تفْعلي!\rوقال كشاجم:\rضحكت! من شيبةٍ ضحكت ... لسواد الِّلِّمة الرجلة\rثم قالت وهي هازئةٌ: ... جاء هذا الشيب بالعجلة!\rقلت: من حُبِّيك، لا كبرٌ، ... شاب رأسي فانثنت خجلة.\rوثنت جفْناً على كحلٍ ... هي منه الدَّهر مكتحلة.\rأكثرت منه تعجُّبها! ... فهي تجْنيه وتعْجب له.\rوقال أبو تمام:\rدقةٌ في الحياة تُدعى جلالاً، ... مثل ما سُمِّي اللَّديغ سليماً.\rغُرَّة مُرَّة ألا إنما كن ... ت أغرّاً أيام كنت بهيماً.\rوقال ابن المعتز:\rلقد أبغضت نفسي في مشيبي ... فكيف تُحبُّني الخُودُ الكعابُ؟\rوقال أبو هلال العسكريّ:\rفلا تعجبا أن يعبْن المشيبا ... فما عبْن من ذاك إلا معيباً!\rإذا كان شيْبي بغيضاً إلى ... فكيف يكون إليها حبيباً؟\rوقال محمد بن أُمية:\rرأين الغواني الشيب لاح بعارضي، ... فأعرضْن عنِّي بالخُدود النَّواضرِ.\rوكنّ إذا أبصرنني أو سمعن بي، ... دنوْن فرقَّعْن الِّلوى بالمحاجرِ.\rوقال آخر:\rقالت، وقد راعها مشيبي: ... كنت ابن عمّ فصرت عمَّا.\rواستهزأتْ بي، فقلت أيضاً: ... قد كنت بنتاً فصرت أُمّاً.\rوقال آخر:\rتضاحكت لمَّا رأتْ ... شيبْاً تلالاً غُررُهْ.\rقلتُ لها: لا تعجبي ... أنبيك، عندي خبرُهْ.\rهذا غمامٌ للردَّى، ... ودمع عيني مطرُهْ.\rمدح الخضاب\rما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" غيِّروا هذا الشيب، وجنِّبُوه السواد \" .\rوكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يخْضب بالحناء وبالكتم.\rوقد مدح الشعراء الخضاب.\rفمن ذلك قول عبد الله بن المعتزّ:\rوقالوا: النُّضُولُ مشيبٌ جديدْ! ... فقلت: الخضاب شباب جديدْ!\rإساءة هذا بإحسان ذا ... فإن عاد هذا فهذا يعودْ.\rوقال أبو الطيب المتنبي:\rوما خضب الناس البياض لأنَّهُ ... قبيحٌ، ولكن أحسنُ الشَّعْر فاحمُه.\rوقال محمود الورّاق:\rللضَّيْف أن يُقْرى ويُعْرف حقُّه! ... والشيب ضيفُك، فاقره بخضابِ.\rوقال عبدان الأصبهانيّ:\rفي مشيبي شماتةٌ لعداتي، ... وهو ناعٍ منغِّصٌ لحياتي.\rويعيبُ الخضاب قومٌ، وفيه ... أيّ أُنْسٍ إلى حُضُور وفاتي.","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"لا ومنْ يعلم السرائر منِّي ... ما به رُمْتُ خُلَّة الغانياتِ.\rإنما رمتُ أن يُغيَّب عني ... ما ترينيه كلَّ يومٍ مراتي.\rوهو ناعٍ إليّ نفْسي، ومن ذا ... سرَّه أن يرى وجوه النُّعاتِ؟\rوقال ابن الروميّ:\rيا بياض المشيب سودت وجهي، ... عند بيض الوجوه سود القرون!\rفلعمري، لأُخفينِّك جُهْدي ... عن عياني وعن عيان العيون!\rولعمري، لأمْنعنَّك أن تض ... حك في رأس آسفٍ محزونٍ!\rبخضابٍ فيه ابيضاضٌ لوجهي ... وسوادٌ لوجهك الملعونِ!\rوقال آخر:\rنهى الشيب الغواني عن وصالي ... وأوْقع بين أحبابي وبيْني.\rفلست بتاركٍ تدبير ذقني ... إلى أن ينقضي أمدي لحيني.\rأُدبِّر لحْيتي ما دمت حيّاً ... وأعتقُها ولكن بعد عيني.\rوقال آخر:\rقالوا: فلانٌ لم يشبْ، ... وأرى المشيب عليه أبطا.\rفأجبتهمْ: لولا حدي ... ث الصَّبْغ لانكشف المغطَّى.\rذم الخضاب\rقال محمود الورّاق، رحمه الله:\rيا خاضب الشيب الَّذي ... في كُلِّ ثالثةٍ يعودْ.\rإن النُّصول إذا بدا ... فكأنه شيبٌ جديدْ.\rوله بديهة روعةٍ ... مكروهها أبدا عتيدْ.\rفدع المشيب لما أرا ... د فلنْ بعود لما تُريدْ.\rوقال آخر:\rتستَّر بالخضاب، وأيّ شيءٍ ... أدلُّ على المشيب من الخضابِ؟\rوقال ابن الروميّ:\rقلْ للمسوِّد حين سوّد: هكذا ... غشُّ الغواني في الهوى إيّاكاً!\rكذّب الغواني في سواد عذاره، ... فكذبْنه في وُدِّهنَّ كذاكاً!\rوقال المتنبي:\rومن هوى كلِّ من ليست مموِّهة ... تركت لون مشيبي غير مخضوبِ.\rومن هوى الصدق في قولي وعادته ... رغبت عن شعر في الوجه مكذوبِ.\rوقال الأمير شهاب الدين بن يغمور عفا الله عنه:\rيا صابغ الشَّيب، والأيام تُظهره: ... هذا الشباب، وحقِّ الله مصنوعُ!\rإن الجديد إذا ما كان في خلق ... يبين للناس أن الثوب مرقوعُ.\rما وصف به الوجه فمن ذلك ما قيل في المذكر.قال الوجيهيّ:\rمستْقبلٌ بالذي يهوى، وإن كثرت ... منه الإساءة، معذورٌ بما صنعا.\rفي وجهه شافعٌ يمحو إساءته ... من القلوب، وجيها حيثما شفعا.\rوقال الآخر:\rرأيت الهلال على وجهه ... فلم أدْرِ أيُّهما أنورُ؟\rسوى أنَّ ذاك قريب المزارِ ... وهذا بعيد لمن ينظُر.\rوذاك يغيب وذا حاضرٌ ... فما منْ يغيب كمن يحضُر.\rونفْع الهلال كثيرٌ لنا ... ونفع الحبيب لنا أكْثرُ.\rوقال ابن لنكك:\rالبدْرُ والشمس المني ... رة والدُّمى والكوكبُ:\rأضْحتْ ضرائر وجهه ... من حيث يطْلُعُ تغرُبُ.\rوكأنّ جمر جوانحي ... في خدّه يتلهَّبُ.\rوكأنّ غُصْن قوامه ... من ماء دمعي يشربُ.\rوصوالجٍ في صُدْغه ... بسواد قلبي تلْعبُ.\rوقال ابن المعدّل:\rنظرتُ إلى مَنْ زيَّن الله وجهه، ... فيا نظرةً كادت على عاشقٍ تقضي!\rوكبَّرت عشراً، ثم قلت لصاحبي: ... متى نزل البدر المنير إلى الأرضِ؟\rوقال الخُبْزأرزِّي:\rرأيت الهلال ووجه الحبيب ... فكانا هلاليْن عند النَّظرْ.\rفلم أدر من حيرتي فيهما ... هلال الدُّجى من هلال البشرْ!\rفلولا التورّد في الوجنتيْن ... وما راعني من سواد الشَّعرْ،\rلكنت أظنُّ الهلال الحبيب ... وكنت أظنُّ الحبيب القمرْ!\rوقال أبو الشيص:\rتخْشع شمس النهار طالعةً ... حين تراه، ويخشع القمرُ.\rتعْرفُه أنه يفوقُهما ... بالحسن، في عين من له بصرُ.\rوقال أبو هلال العسكريّ:","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"ووجه نشرَّب ماء النعيم، ... فلو عُصر الحسن منه انعصرْ.\rيمُرّ فأمنحه ناظري ... فينثُرُ ورداً عليه الخفرْ.\rتمتعت العين في حسنه، ... فما حفلت بطلوع القمرْ.\rوقال ابن المعتز:\rيا مُفرداً بالحسن والشكلِ، ... من دلّ عينيك على قتلي؟\rالبدر من شمس الضُّحى نوره، ... والشمس من وجهك تستملي.\rوقال ابن المعدّل يصف عُتْبة:\rلعتبة صفحتا قمرٍ ... يفوق سناهما القمرا.\rيزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا.\rوقال السريّ الرفاء:\rقمرٌ تفرّد بالمحاسن كلِّها، ... فإليه يُنسب كلُّ حسنٍ يوصفُ.\rفجبينه صُبْحٌ، وطُرّته دُجىً، ... وقوامه غصنٌ رطيب أهيفُ.\rلله ذاك الوجه! كيف تألَّفت ... فيه محاسن لم تكن تتألَّفُ؟\rوقال آخر:\rوفي أربع منِّي حلت منك أربعٌ، ... فما أنا أدري أيُّها هاج لي كرْبي؟\rأوجهك في عيني، أم الرِّيق في فمي، ... أم النطق في سمعي، أم الحبُّ في قلبي؟\rومثله قول يعقوب الكنديّ:\rوفي خمسةٍ منِّي حلتْ منك خمسةٌ: ... فريقك منها في فمي طيِّب الرَّشْفِ،\rووجهك في عيني، ولمسك في يدي، ... ونطْقك في سمعي، وعرْفك في أنفي.\rوقال أبو نواس:\rكأنما الوجه إذ بدا قمرٌ ... مركَّب فوق قامة الغُصُن.\rيا ذا الذي أصبح العباد به ... في فتنةٍ من عظائم الفتن!\rأقبلْ بوجه الهوى إليّ، فقد ... أطلت بالصدّ مُعرضاً حزني!\rوقال محمد بن وهب:\rنم فقد وكَّلت بي الأرقا ... لا هنا بعد لمن عشقا.\rإنما أبقيت من جسدي ... شبحاً غير الذي خُلقا.\rما لمن تمَّت محاسنه ... أن يُعادي طرف من رمقا.\rلك أن تُبدي لنا حسنا ... ولنا أن نُعمل الحدقا.\rوجه الأنثى\rقال ابن سكرة:\rفي وجه إنسانةٍ كلفت بها ... أربعةٌ ما اجتمعن في أحدِ.\rفالخدُّ وردٌ والصُّدغ غاليةٌ ... والرِّيق خمرٌ والثغر من بردِ.\rلكلِّ جزء من حسنها بدعٌ ... تودع قلبي ودائع الكمدِ!\rوكان مكتوباً على عصابة ورد جارية الماهانيّ:\rتمَّتْ! وتمَّ الحسن في وجهها! ... فكلُّ شيءٍ ما سواها مُحالْ.\rللناس في الشهر هلالٌ، ولي ... في وجهها كلَّ صباحٍ هلالْ!\rوقال آخر:\rوإذا الدُّرّ زان حُسْن وجوهٍ، ... كان للدُّرّ حسنُ وجهك زيْنا.\rوتزيدين طيِّب الطيب طيباً ... إن تمسِّيه! أين مثلك أينا؟\rوقال آخر:\rليس فيها أن يُقال لها: ... كملتْ، لو أن ذا كَمُلا.\rكلُّ جزءٍ من محاسنها ... صائر من حسنها مثلا.\rوقال عمر بن أبي ربيعة:\rوفتاةٍ إن يغبْ بدر الدُّجى، ... فلنا في وجهها عنه خلفْ.\rأجمع الناس على تفضيلها، ... وهواهمْ في سواها مختلفْ.\rوقال الجمانيّ من أبيات:\rنرى الشمس والبدر معناهما ... بها واحداً، وهما معْنيانْ.\rإذا طلعتْ وجهها، أشرقا ... بطلعتها، وهما آفلانْ.\rصفاء الوجه ورقَّة البشرة،\rفمن ذلك ما قيل مذكراً.\rقال أبو نواس:\rنظرت إلى وجهه نظرةً ... فأبصرت وجهي في وجهه.\rوقال آخر:\rأعدْ نظراً! فما في الخدِّ نبتٌ، ... حماهُ الله من ريْب المنونِ!\rولكن رقَّ ماء الوجه حتَّى ... أراك مثال أهداب الجفونِ!\rومثله قول الآخر:\rولما استدارتْ أعين الناس حولهُ ... تُلاحظُه كيف استقلَّ وسارا،\rتمثَّلت الأهداب في ماء وجهه، ... فظنُّوا خيال الشَّعْر فيه عذارا.\rوقال الأرّجانيّ:\rما أنْس، لا أنْسى له موْقفاً، ... والعيسُ قد ثوَّرهُنَّ الحُداهْ.\rلما تجلَّى وجهه طالعاً، ... وقد ترامت نظراتُ الوشاة.","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"قابلني حين بدت أدمعي ... في خدِّه المصقول مثل المراهْ.\rيوهم صحبي أنه مُسْعدي ... بأدمعٍ لم تُذْرها مقلتاهْ.\rوإنما قلَّدني منَّةً ... بدمع عينٍ من جُفوني امتراهْ.\rولم تقع في خدِّه قطرة ... إلا خيالات دموع البكاهْ.\rوقال أيضاً:\rوأغيد رقَّ ماء الوجه منه، ... فلو أرخى لثاماً عنه، سالا.\rتبين سوادها الأبصارُ فيه، ... فحيث لحظت منه، حسبت خالا.\rومن ذلك ومما قيل في المؤنث، قال بشار:\rوما ظفرتْ عيني غداة لقيتها ... بشيٍْ، سوى أطرافها والمحاجرِ.\rبحوراء من حُور الجنان عزيزةٍ، ... يرى وجهه في وجهها كلُّ ناظرِ.\rوقال السريّ الرفاء:\rبيضاءُ تنظر من طرْفٍ تقلِّبه: ... مفرِّقٍ بين أجسادٍ وأرواحِ.\rماء النعيم على ديباجٍ وجنتها ... يجولُ بين جنى وردٍ وتُفَّاحِ.\rرقَّتْ: فلو مُزج الماء القراح بها ... والراحُ، لامتزجت بالماء والراحِ!\rوقال الأرّجانيّ من أبيات:\rولمَّا تلاقينا، وللعين عادةٌ ... تثير وشاةً عند كلِّ لقاءِ،\rبدتْ أدمعي في خدِّها من صقاله، ... فغاروا وظنوا أن بكتْ لبكائي!\rومما قيل في صفرة الوجه، فمن ذلك ما قيل مذكراً.\rقال أبو عبادة البحتريّ:\rبدتْ صُفرةٌ في وجهه، إنَّ حمدهمْ ... من الدُّرّ ما اصفرَّت نواحيه في العقْدِ.\rوقال آخر:\rلم تشنْ وجهه المليح، ولكن ... جعلتْ ورد وجنتيه بهارا.\rوقال الأرّجانيّ وأجاد:\rراق ماء الحياة من وجنتيه، ... فهو مرآةُ أوجه العُشَّاقِ!\rومن ذلك ما قيل في المؤنث، قال سلم الخاسر:\rتبدّت فقلت: الشمس عند طلوعها ... بوجهٍ غنيِّ اللون عن أثر الورسِ!\rفقلتُ لأصحابي، وبي مثلُ ما بهم، ... على مرْيةٍ: ما ها هنا مطلع الشمسِ!\rوقال أبو تمام:\rصفراءُ صفرة صحة قد رُكِّبتْجُثمانها في ثوب سُقم أصفر.\rوقال مسعود الأصبهانيّ، شاعر الخريدة:\rوقينةٍ قال لها ناقصٌ: ... كملت، لولا صُفرة اللونِ.\rقلتُ: اتَّئد! فالشمسُ مصفرّةٌ، ... وهي صلاح الأرض في الكونِ!\rومما قيل في السمرة، قال شاعر:\rكيف لا أعشق ظبيا ... سارحاً في ظلِّ ملك.\rإنما السُّمرة فيه ... مزْجُ كافور بمسكِ.\rوقال آخر:\rيا ذا الذي يُذهب أموالهُ ... في حبِّ هذا الأسمر الفائق!\rما الذهب الصامت مستكثراً ... إذهابه في الذهب الناطق!\rوقال آخر:\rذهبيُّ اللون! تحسب من ... وجنتيه النار تُقتدحُ.\rخوّفوني من فضيحته! ... ليته وافى، وأفتضحُ!\rومما قيل في السَّواد (وهو يختص بالمؤنث): قال الزركشيّ في \" دنانير \" البرمكية:\rأشبهك المسكُ، وأشبهته: ... قائمةً في لونه قاعدة.\rلا شكَّ، إذ لونكما واحدٌ، ... أنكما من طينةٍ واحدة.\rوقال ابن الروميّ:\rأكْسبها الحُبَّ أنها صُبغتْ ... صبغة حبِّ القلوب والحدقِ.\rفأقبلتْ نحوها الضمائر وال ... أبصار، يعبقْن أيَّما عبقِ!\rيفترُّ ذاك السواد عن يققٍ ... في ثغرها كالَّلآلئ النَّسقِ.\rكأنها، والمزاح يُضْحكها، ... ليلٌ تفرّى دُجاه عن غسقِ.\rوقال الصنوبريّ:\rيا غُصُنا من سبج رطْبِ، ... أصبح منك الدرّفي كَرْبِ!\rحبُّك من قلبي مكان الذي ... أشبهته من حبَّة القلبِ.\rوقال محمد بن عبد الله السلاميّ، شاعر اليتيمة عفا الله عنه:\rيا رُبَّ غانيةٍ بيضاء تصبحي ... من العتاب كُؤوساً ليس تنْساغُ.\rأشتاق طُرّتها أو صُدْغها ومعي ... من كلِّها طررٌ سود وأصداغُ!\rكأننا، لا أتاح الله فُرقتنا! ... يا كعبة المسك، يا زنْجيَّةً، زاغُ.\rوقال آخر:","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"أحبُّ النساء السُّود من أجل تكتمٍ، ... ومن أجلها أحببت من كان أسوداً!\rفجئني بمثل المسك أطيب نفحةً! ... وجئني بمثل الليل أطيب مرقداً!\rوقال العسكريّ:\rصرفت وُدّي إلى السُّودان من هجر، ... ولا التفتُّ إلى رومٍ ولا خزرِ!\rأصبحت أعشق من وجهٍ ومن بدنٍ ... ما يعشق الناس من عينٍ ومن شعرِ.\rفإن حسبت سواد الخدِّ منْقصةً، ... فانظر إلى سُفعة في وجنة القمر!\rوقال بشار وأجاد:\rيكون الخال في خدٍّ نقيٍّ ... فيكسبه الملاحة والجمالا،\rويونقه لأعين مبصريه، ... فكيف إذا رأيت اللون خالا؟\rوقال أبو عليّ بن رشيق:\rدعا بك الحسن فاستجيبي ... باسمك في صبغة وطيبِ.\rتيهي على البيض واستطيلي، ... تيه شبابٍ على مشيبِ!\rولا يرُعْكِ اسوداد لونٍ ... كمقلة الشادن الرَّبيبِ.\rفإنما النُّور عن سواد ... في أعين الناس والقلوبِ!\rوقال آخر:\rإن أزهرت ليلاً نجوم السما ... بيضاً على أسود مرخي الإزارْ.\rوأوجب العكس مثالاً لها، ... فالسُّود في الأرض نجوم النهارْ.\rومما وصف به أثر الجدريّ في الوجه، فمن ذلك قول الناجم:\rيا قمراً جدّر لما استوى ... واكتسب الملح بتلك الكُلُومْ!\rأظنُّه غنَّى لشمس الضُّحى ... فنقَّطته فرحاً بالنُّجومْ.\rوقال آخر:\rوقالوا: شابه الجدريُّ، فانظرْ ... إلى وجهٍ به أثر الكُلومِ!\rفقلت: ملاحةٌ نُثرت عليه! ... وما أحسن السماء بلا نجومِ؟\rومثله قول الآخر:\rأيُّها العائبون وجهاً مليحاً ... نثر الحسنُ فيه نبْذ خُدُوشِ!\rأيُّ أُفقٍ بها بغير نُجوم؟ ... أيُّ ثوب زها بغير نُقُوشِ؟\rوقال أبو زيد القاضي:\rغايةُ الحاسد الذي لام فيه ... أن رأى فوق خدِّه جُدرياً.\rإنما وجهه هلالُ تمامٍ، ... جعلوا برقعاً عليه الثريَّا!\rوقال أبو تمام بن رباح:\rخدُّك مرآة كلِّ حُسْنٍ، ... تحسنُ من حُسنها الصِّفاتُ!\rمالي أرى فوقه نُجُوماً، ... قد كُسفتْ وهي نيِّراتُ؟\rومما قيل في الحواجب، فمن محاسنها: الزَّجج، والبلج.\rفأما الزَّجج، فدقة الحاجبين وامتدادهما.\rوأما البلج، فهو أن يكون بينهما فُرجة. والعرب تستحب ذلك.\rومن معايبها: القرن، والزَّبب، والمعط.\rفالقرن، اتصال الحاجبين، والعرب تكرهه.\rوالزَّبب، كثرة شعرهما.\rوالمعط، تساقط الشعر عن بعض أجزائهما.\rومما وصفت به الحواجب، قال الزاهي:\rوأغيد مجدول القوام جبينه ... سنا القمر البدريّ في الغُصُن الرَّطبِ.\rتنكَّب قوس الحاجبين فسهمه ... لواحظه المرضى، وبرجاسه قلبي!\rوقال عبد الله بن أبي الشيص:\rحذرت الهوى حتَّى رُميتُ من الهوى ... بأصردِ سهمٍ من قسيّ الحواجبِ.\rوقال محمد بن عبد الرحمن الكوفيّ:\rومستلبٍ عين الغزال وقد تُرى ... بجبهته عين الغزالة مائلا.\rتناول قوس الحاجبين مُفوِّقاً ... بأسهم ألحاظٍ تشُكُّ المقاتلا.\rوقال آخر:\rغزاني الهوى في جيشه وجنوده ... وعبي عليّ الخيل من كلِّ جانب.\rبميمنةٍ أعلامها أعين المها ... وميسرةٍ تقضي بِزُجِّ الحواجبِ.\rوقال آخر:\rلها حاجبان، الحسن والغنج منهما ... كأنهما نونان من خطِّ ماشقِ.\rالعيون ووصفها فمن محاسنها: الدَّعج، وهو شدّة السَّواد مع سعة المُقْلة.\rالبرج، وهو شدّة سوادها وشدة بياضها.\rالنَّجل، سعتها.\rالكحل، سواد جفونها من غير كحل.\rالحور، اتساع سوادها كأعين الظباء. وقيل: هو سواد العين وشدة بياضها.\rالوطف، طول أشفارها؛ وفي الحديث أنه كان عليه الصلاة والسلام في أشفاره وطفٌ.\rالشُّهْلة، حمرة في سوادها.\rومن معايبها: الحوص، ضيق العين.\rالخوص، غُؤورها مع الضيق.","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"الشَّتر، انقلاب الجفن.\rالعمش، هو أن العين لا تزال سائلةً رامصةً.\rالكمش، أن لا تكاد تبصر.\rالغطش، شبه العمش.\rالجهر، أن لا تبصر نهاراً.\rالعشا، أن لا تبصر ليلاً.\rالخزر، أن ينظر بمؤْخر عينه.\rالغضنُ، أن يكسر عينه حتَّى تتغضَّن جُفونه.\rالقبل، أن يكون كأنه ينظر إلى أنفه. وهو أهون من الحول.\rالشُّطور، أن تراه ينظر إليك وهو ينظر إلى غيرك. وهو قريب من صفة الأحول. وفيه يقول الشاعر:\rحمدتُ إلهي إذ بلاني بحبِّه ... وبي حولٌ أغنى عن النظر الشَّزرِ.\rنظرتُ إليه والرقيب يظنُّنينظرت إليه فاسترحتُ من العذرِ.\rالشَّوص، أن ينظر بإحدى عينيه ويميل وجهه في شق العين التي ينظر بها.\rالخفش، صغر العين وضعف البصر. ويقال إنه فساد في العين يضيق له الجفن من غير وجع.\rالدَّوش، ضيق العين وفساد البصر.\rالإطْراق، استرخاء الجفن.\rالجُحُوظ، خروج المُقْلة وظهورها من الحجاج.\rالبخق، أن يذهب البصر؛ والعين منفتحةٌ.\rالكمه، أن يولد الإنسان وهو أعمى.\rالبخص، أن يكون فوق العين أو تحتها لحم ناتئ.\rعوارض العين\rيقال: حسرتْ عينه، إذا اعتراها كلال من طول النظر.\rزرَّتْ عينه، إذا توقَّدت من خوف.\rسدرتْ عينه، إذا لم تكد تبصر.\rاسمدرّت عينه، إذا لاحت لها سماديرُ؛ وهي ما يتراءى لها من أشباه الذُّباب وغيره.\rقدعت عينه، إذا ضعفت من الإكباب على النظر.\rحرجت عينه، إذا حارت.\rقال ذو الرمّة: وتحْرجُ العين فيها حين تنْتقبُ هجمتْ، إذا غارت.\rونقْنقتْ، إذا زاد غؤورها؛ وكذلك حجلتْ وهجَّجتْ.\rذهبت، إذا رأتْ ذهباً كثيراً فحارت فيه.\rشخصت، إذا لم تكد تطرف من الحيْرة.\rكيفية النظر وهيئته\rإذا نظر الإنسان إلى الشيء بمجامع عينيه، قيل: قد رمقه.\rفإذا نظر من جانب أذنه، قيل: لحظه.\rفإذا نظر إليه بعجلة، قيل: لمحه.\rفإذا رماه ببصره مع حدَّة، قيل: حدجه بطرْفه.\rوفي الحديث ابن مسعود \" حدِّث القوم ما حدجوك بأبصارهم \" .\rفإن نظر إليه بشدّة وحدّة، قيل: أرشقه وأسفَّ النظر إليه.\rوفي حديث الشعبيّ أنه كره أن يُسفَّ الرجلُ إلى أمّه وأخته وابنته.\rفإن نظر إليه نظر المتعجِّب أو الكاره المبغض، قيل: شفنه وشفن إليه شُفُونا وشفْنا.\rفإن أعاره لحظ العداوة، قيل: نظر إليه شزراً.\rفإن نظر إليه بعين المحبة، قيل: نظر إليه نظرة ذي علق.\rفإن نظر إليه نظرة المستثْبت، قيل: توضَّحه.\rفإن نظر إليه واضعاً يده على حاجبه مستظلاً بها من الشمس ليستبين المنظور إليه: قيل استكفَّه واستوْضحه واستشرفه.\rفإن نشر الثوب ورفعه لينظر إلى صفاقته: قيل استشفَّه.\rفإن نظر إلى الشيء كاللَّحمة ثم خفى عنه، قيل: لاحه لوحةً. قال الشاعر: وهلْ تنْفعنيِّ لوحةٌ لو ألُوحُها فإن نظر إلى جميع ما في المكان حتَّى يعرفه، قيل: نفضه نفضاً.\rفإن نظر في كتاب أو حساب، قيل: تصفَّحه.\rفإن فتح عينيه لشدة النظر، قيل: حدق.\rفإن لأْلأهما، قيل: برَّق.\rفإن انقلب حُمْلاق عينيه، قيل: حمْلق.\rفإن غاب سواد عينيه من الفزع، قيل: برق بصره.\rفإن فتح عين مُفَزَّع أو مهدَّد، قيل: حمَّج.\rفإن بالغ في فتحها وأحدَّ النظر عند الخوف، قيل: حدَّج.\rفإن كسر عينه عند النظر، قيل: دنْقش وطرْفش.\rفإن فتح عينه وجعل لا يطْرف، قيل: شخص. وفي القرآن العزيز: \" شَاخِصَةٌ أبْصَارُهُمْ \" .\rفإن أدام النظر مع سكون، قيل: أسْجد.\rفإن نظر إلى أُفُقْ الهلال ليراه، قيل تبصَّره.\rفإن أتبع الشيء بصره، قيل: أتأره بصره.\rوقد أوسع الشعراء في وصف العيون ووصفوها بالمرض والسَّقْم، وإن كانت صحيحةً. فمن ذلك قول الشاعر:\rبرَّح السُّقْمُ بي وليس صحيحاً ... منْ رأت عينه عُيوناً مراضاً.\rإنَّ للأعْيُنِ المراض سهاماً ... صيَّرتْ أنفُس الورى أغْراضاً.\rجوهرُ الحُسْن منذ أعراض للقلْ ... ب ثنى الجسم كلَّه أعراضاً.\rوقال جرير:\rإنَّ العيون التي في طرفها مرضٌ ... قتلْننا ثُمَّ لم يُحْيين قتْلانا.\rيصرعنْ ذا الُّلبِّ حتَّى لا حراك به ... وهُنَّ أضعفُ خلْقِ الله أرْكانا.\rوقال ذو الرمّة:","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"وعينان قال الله كُونا فكانتا ... فعُولين بالألباب ما تفْعل الخمر.\rومما وصفت به العيون على لفظ التذكير، فمن ذلك قول عبد الله بن المعتز:\rعليمٌ بما تحت الصُّدور من الهوى ... سريعٌ بكرِّ اللَّحظ والقلب جازعُ.\rويجرح أحشائي بعينٍ مريضةٍ ... كما لان مسُّ السيف والسيف قاطعُ.\rوقال خالد:\rعينه سفَّاكةُ المُهج ... من دمي في أعظم الحرج.\rأسهرتني وهي لاهيةٌ ... باحورار العين والدَّعج.\rوقال الهمْذانيّ:\rتعمل الأجفان بالدَّعج ... عمل الصَّهباء بالمُهَجِ.\rقلْ لظبْيٍ تُسْترقُّ له ... مُهج الأحرار بالدَّعجِ.\rأنت والأجفان ما لحظتْ ... من فُتور العين في حرجِ.\rكيف أدعو الله أسأله ... فرجاً ممَّنْ به فرجي؟\rوقال خالد:\rومريض طرفٍ ليس يصرف طرفه ... نحو امرئٍ، إلا رماه بحتفهِ.\rقد قلت إذ أبصرته متمايلاً، ... والرِّدفُ يجذب خصره من خلفه:\rيا من يُسلِّم خصره من ردفه، ... سلِّمْ فُؤاد محِّبه مِنْ طرفهِ!\rوقال أبو هفّان:\rأخُو دنفٍ رمتْه فأقصدتْهُ ... سهامٌ من جفونك لا تطيشُ.\rقواتل لاقداح سوى احورارٍ ... بهنَّ، ولا سوى الأهداب ريشُ.\rوقال أبو تمام:\rيا سقم الجفن من حبيبي، ... ألبستني حُلَّة السِّقامِ!\rكمْ قتلتْ مُقْلتاك ظُلْماً ... من عاشق القلب مُستهام.\rيا من بعينيه لي غرامٌ ... قرَّب من مُهْجتي حمامي!\rقد رويتْ من دمي، فحسْبي ... صوائبُ النَّبْلِ والسِّهامِ!\rوقال العسكريّ:\rفأرْعى تحت حاشية الدَّياجي ... شقائق وجنةٍ سُقيتْ مُداماً.\rإذا كرَّتْ لواحظ مقلتيه، ... حسبت قلوبنا مُطرت سهاماً.\rوقال ابن المعلم:\rسلْ من بعينيه يصولْ: ... أهي اللِّحاظُ أم النُّصُولْ؟\rما جُرِّدت يوم النَّوى، ... إلا لتخْتلس العقولْ!\rشهرت عيونهم سيو ... فاً، ما بمضْربها فُلولْ.\rتُصْمي بغير جراحةٍ، ... تفري بغير دمٍ يسيلْ.\rولها بأفئدة الهوى ... فتْكٌ، وليس لها صليلْ.\rوقال آخر:\rروحي الفداء لمن أدار بلحظه ... صهباء في عقْلي لها تأثيرُ!\rومن العجائب أن يدير بلحظه ... مشمولةً، وإناؤها مكسورُ!\rوقال آخر:\rالقلب بك المسلوب والملسوب ... والصب بك المعتوب والمتعوب.\rيا من طلبت لحاظه سفْك دمي: ... مهلاً، ضعف الطالب والمطلوب!\rوقال أبو تمام:\rمتطلِّبٌ بصدوده قتلي ... فرد المحاسن وجهه شُغلي.\rألحاظه في الخلق مُسْرعةٌ ... فيما تُريد كسرعة النَّبْلِ.\rوقال آخر:\rألحاظكم تجرحنا في الحشا، ... ولحظنا يجرحكم في الخُدودْ.\rجرح بجرح، فاجعلوا ذا بذا! ... فما الَّذي أوجب هذا الصُّدودْ؟\rوقال آخر:\rومُقْلة شادن أودت بقلبي، ... كأنَّ السُّقْم لي ولها لباسُ.\rيسلُّ اللحظ منها مشْرفيّاً ... لقتلي، ثم يغمده النُّعاسُ.\rوقال ابن الروميّ:\rيا عليلاً، جعل الع ... لَّة مفتاحاً لظلمي!\rليس في الأرض عليلٌ ... غير جفنيك وجسمي.\rبك سُقْمٌ في جفون، ... سُقْمها أكَّد سُقمي.\rوقال تاج الدين بن أيوب:\rأسقمني طرْفُك السَّقيم، وقد ... حكاه منِّي في سُقْمه الجسدُ!\rهبَّ نسيمٌ من نحو أرضك لي ... فزادني في هواك ما أجدُ.\rوهاج شوقي، والنار ما برحت ... عند هبوب الرِّياح تتَّقدُ.\rوقال ابن المعتز:\rضعيفةٌ أجفانه، ... والقلب منه حجرُ!\rكأنما ألحاظه ... من فعْله تعتذرُ.\rوصف العيون على لفظ التأنيث\rفمن ذلك ما قاله عديّ بن الرقاع:","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"وكأنَّها بين النِّساء أعارها ... عينيه أحور من جاذر جاسم.\rوسنان أقصده النُّعاسُ فرنَّقتْ ... في عينه سنةٌ وليس بنائم؟\rوقال الناجم:\rكاد الغزال يكونها، ... لكنَّما هو دونها.\rوالنَّرجس الغضُّ الجن ... يّ أغضُّ منه جفونها.\rمن كان يعرف فضلها ... فعن القياس يصونها.\rوقال أبو دلف:\rنقتنص الآساد من غيلها، ... وأعين العين لنا صائدهْ!\rينبو الحسام العضب عنا وقد ... تكْلُم فينا النظرة القاصدةْ!\rتهابنا الأُسْدُ، ونخشى المها: ... آبدةٌ ما مثلها آبدهْ!\rوقال آخر:\rلله ما صنعت بنا ... تلك المحاجر في المعاجرْ!\rأمضى وأنفذ في القلو ... ب من الخناجر في الحناجرْ!\rوقال آخر:\rينظرن من خلل السُّجوف كأنَّما ... يُمْطرن أحشاء الكريم نبالاً!\rوقال أبو فراس الحمدانيّ عفا الله تعالى عنه ورحمه:\rوبيضٍ بألحاظ العيون كأنما ... هززن سيوفاً أو سللن خناجرا.\rتصدّين لي يوماً بمنعرج اللِّوى ... فغادرن قلبي بالتصبرُّ غادرا.\rسفرْن بدوراً، وانتقبْن أهلَّةً، ... ومسْن غصوناً، والتفتْن جاذرا.\rوأطلعْن في الأجياد للدُّرّ أنجماً ... جُعلْن لحبَّات القلوب ضرائرا.\rوقال ابن الروميّ:\rنظرت، فأقصدت الفؤاد بطرفها، ... ثم انثنت عنيِّ، فكدتُ أهيمُ!\rويلاي! إن نظرت وإن هي أعرضتْ: ... وقع السِّهام ونزعهنّ أليمُ!\rوقال أيضاً:\rلطرفها وهو مصروفٌ كموقعه ... في القلب حين يروع القلب موقعُه.\rتصُدّ بالطَّرْف لا كالسَّهم تصْرفه ... عنِّي، ولكنَّه كالسَّهْم تنْزعُه.\rوقال الأرّجاني:\rنقّبوهنَّ خشية العشَّاق! ... أو لم تكْف فتنة الأحداق؟\rإن في الأعين المراض لشغلاً ... للمُعنَّى عن الخدود الرِّقاق!\rكلُّ ما فات في الليالي المواضي ... فهو في ذمّة اللِّيالي البواقي.\rوقال أيضاً:\rسترْن المحاسن إلا العيونا ... كما يشهد المعرك الدَّارعونا.\rسللن سيوفاً ولاقيننا! ... فلا تسأل اليوم ماذا لقينا.\rكسرن الجفون ولولا الرِّضا، ... بحكمْ الغرام كسرْنا الجُفُونا.\rوحسْب الشهيد سُروراً بأن ... يُعاين حُوراً مع القتل عينا.\rوقال أبو نواس:\rضعيفة كرِّ الطَّرف تحسب أنها ... قريبةُ عهدٍ بالإفاقة من سُقم.\rوقال آخر:\rيا من تكحَّل طرْفها ... بالسِّحر لا بالإثمدِ!\rنفسي كما عذَّبتها ... وقتلتها بالإثمْ، دِي!\rأدواء العين\rفمن ذلك: الغمص، أن لا تزال العين ترْمص.\rاللَّحح، أسوأ الغمص.\rاللَّخص، التصاق الجفون.\rالعائر، الرَّمد الشديد. وفيه يقول النابغة:\rوبات وباتت له ليلةٌ ... كليلة ذي العائر الأرمد.\rوكذلك الساهك.\rالغرْب، ورم في المآقي.\rالسَّبل، أن يكون على بياضها وسوادها شبه غشاء.\rالسَّجا، أن يعسر على الإنسان فتح عينيه إذا انتبه من النوم: الظّفر، ظهور ظفرة وهي جُليدة تغشي العين من تلقاء المآقي.\rالطَّرْفة، أن يحدث في العين نقطةٌ حمراء.\rالانتشار، أن يتسع ثقْب الناظر حتَّى يلحق البياض من كل جانب.\rالحثر، أن يخرج في العين حبٌّ وهو الجرب.\rالقمر، أن يعرض للعين فترة وفساد. يقال: قمرت عينه.\rمما قيل في أرمد\rفمن ذلك قول عبد الله بن المعتز وقيل إنها لابن الروميّ، وقيل للناجم:\rقالوا: اشتكت عينه! فقلتُ لهم: ... من كثرة الفتك نالها الوصبُ!\rحُمرتُها من دماء من قتلتْ، ... والدمُ في النَّصْل شاهدٌ عجبُ.\rوقال ابن منير الطرابلسيّ:\rرنا وفي طرفه احمرارٌ، ... يغُضُّ من سحر مقلتيْهِ.\rوفاض من نرجسيْه ماءٌ، ... ضرَّجه وردُ وجنتيهِ.\rفقلت يا ممرضي بوجهٍ، ... أظنُّ دائي سرى إليهِ!","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"هيهاتَ، لا تجحدنّ قتلي! ... هذا دمي شاهدٌ عليه!\rوقال الواثق بالله:\rلي حبيبٌ قد طال شوقي إليه، ... لا أُسَمِّيه من حذاري عليهِ.\rلم تكن عينُه لتجحد قتلي، ... ودمي شاهدٌ على وجنتيْه!\rوقال الصوليّ:\rيكسرُ لي طرفاً به حُمرةٌ، ... قد خلط النَّرجس في ورْدِهْ.\rما احمرت العين، ولكنَّهُ ... يكْحُلُها من وردتيْ خدِّهْ!\rوقال آخر:\rقالوا: بدت في عينه حُمرةٌ ... قد حازها من مردة الخدِّ.\rفقلتُ: لم يرْمدْ ولكنه ... يُصافح النَّرجس بالوردِ!\rوقال أبو عبد الله بن الحدّاد الوزير:\rيا شاكي الرَّمد الذي بشكاته، ... قد صار دهري فيه ليلة أرمدا!\rالله والإشفاق يعلم أنَّني ... لو أستطيع فداً، لكنت لك الفدا!\rكم من دمٍ سفكتْ جفونك لم تزلْ ... تُخْفي وتكتم سفْكه حتَّى بدا.\rلم يشتمل بدمٍ غرار مهنَّدٍ ... إلا وقد أهدى النفوس إلى الرَّدى.\rوقال أبو الفرج الببغاء:\rبنفسي ما يشكوه من راح طرْفهُ ... ونرجسُه مما دهى حسنه وردُ!\rأراقت دمي ظُلماً محاسن وجهه ... فأضحت وفي عينيه آثاره تبدو!\rغدت عينه كالجمر حتَّى كأنما ... سقى عينه من ماء توريده الخدُّ.\rلئن أصبحت رمداء مُقلةُ مالكي، ... لقد طال ما استشْفتْ به مُقل رُمدُ!\rوقال آخر:\rقُضب الهند والقنا أخدانُك! ... والمقادير في الورى أعوانُكْ!\rأيُّها ذا الأمير ما رمدت عيْ ... نك! حاشا لها، ولا أجفانُكْ!\rبل حكت فعلك الكريم ليضحى ... شأنها في العلى سواءً وشأنُك.\rفهي تحْمرُّ مثل سيفك في الرَّو ... ع، وتصفو كما صفا إحسانُك.\rوقال آخر وأجاد:\rلقد جار ما تشكوه في الحكم واعتدى ... وأسرف في أفعاله وتمرّدا!\rفمن لي بأن لو كنت أعرف حيلةً ... تصيِّر أجفاني لأجفانك الفدا؟\rدهتْ عينك العين التي قد قضى القضا ... بأنك فيها سوف تُصبح أرمدا.\rفمذ بُدِّلتْ من نرجسٍ بشقائقٍ، ... أعادتْ لُجين الدمع منِّي عسْجدا.\rسللْت حُسام اللحظ منها على الورى، ... وقد كان أحرى أن يُصان ويُغمدا!\rفأنت الذي أبليتها بالذي بها، ... إذا السيف لم يُغمدْ تراكبه الصَّدا.\rومما قيل في أرمد غطى عينيه بشعْريَّة،\rقول السراج الورّاق:\rشعْريَّتي، مُذْ رمدت قد حجبتْ ... كرفي عنكم، فصرت محبوسا.\rالحمد لله! زادني شرفاً: ... كنت سراجاً فصرْت فانوسا.\rوقال آخر:\rغطِّى على عينيه شعْريَّةً ... تُشْعل في القلب لهيب الغرامْ.\rكأنَّه البدر بدا نصْفُه، ... ونصفُه الآخرُ تحت الغمام!\rوقال آخر:\rلا تحسبوا شعْريَّةً أصبحتْ ... من رمدٍ في وجهه مُرسلة.\rوإنما وجنته كعبة، ... أستارها من فوقها مُسبلة.\rومن رقعة كتبها أرمد وهو عبد الله بن عثمان الواثقي غفا الله عنه. قال: صادف ورود كتابه رمداً في عيني قد حصرني في الظلمة، وحبسني بين الغم والغُمَّة، وتركني أُدرك بيدي ما كنت أدرك بعيني: كليل سلاح البصر، قصير خطْو النظر. قد ثكلْت مصباح وجهي، وعدمت بعضي، الذي هو آثر عندي من كُلِّي. فالبيض عندي سُود، والقريب منِّي بعيد! قد أحاط الوجع أجفاني، وقبض عن التصُّرف بناني؛ ففراغي شُغل، ونهاري ليل، وطوال الخطا قصار، وقصار أوقاتي طوال. وأنا ضرير وإن عُددت في البصراء، وأّميّ وإن كنت من جملة الكُتَّاب والقرّاء. قد قصرت العلة خطوتي قلمي وبناني، وقامت بين يدي ولساني.\rوقد كانت العرب تزاوج بين كلمات، فيقولون: القلَّة ذلَّة، والوحدة وحشة، والهوى هوان، والأقارب عقارب، والمرض حرض، والرَّمد كمد، والعلة قلَّة، والقاعد مُقْعد.\rوالله تعالى أعلم.\rترتيب البكاء\rإذا تهيأ الرجل للبكاء، قيل: أجهش.","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"فإذا امتلأت عينه دموعاً، قيل: اغرورقت عينه، وترقرقت.\rفإذا سالت، قيل: دمعت، وهمعت.\rفإذا كثُرتْ دموعه، قيل: همت.\rفإن كان لبكائه صوت، قيل: نحب ونشج.\rفإذا صاح مع بكائه، قيل: أعول.\rقال سلم الخاسر:\rأتتْني تؤنِّبني في البكاء ... فأهْلاً بها، وبتأْنيبها!\rتقول، وفي قولها حشْمةٌ: ... أتبْكي بعين تراني بها؟\rفقلت: إذا استحسنتْ غيركم، ... أمرت الدُّموع بتأديبها.\rالأنف الشَّمم، ارتفاع قصبة الأنف مع استواء أعلاها.\rالقنا، طول الأنف، ودقَّة أرنبته، وحدبٌ في وسطه.\rالفطس، تطامن قصبته مع ضخم الأرنبة.\rالخنس، تأخر الأنف عن الوجه.\rالدَّلف، شُخوص طرفه مع صغر أرنبته.\rالخشم، فقدان حاسَّة الشمّ.\rالخرم، شقٌّ في المنخرين.\rالخثم، عرض الأنف. يقال ثور أخثم.\rالقعم، اعوجاج في الأنف. قال الشاعر:\rليِّن المنخرين معتدل الما ... رن لا سائل ولا جعدُ.\rالشفاه والفم، الشَّدق..، سعة الشِّدقين.\rالضَّجم، ميل في الفم وفيما يليه.\rالضَّزز، لصوق الحنك الأعلى بالأسفل.\rالهدل، استرخاء الشفتين وغلظهما.\rاللَّطع، بياضٌ يعتريهما.\rالقلب، انقلابهما.\rالجلع، قصرهما عن الانضمام.\rتقسيم ماء الفم\rما دام فيه، فهو ريق، ورضاب.\rفإذا علك، فهو عصيب.\rفإذا سال، فهو لُعاب.\rفإذا رمى به، فهو بزاق، وبصاق.\rترتيب الضحك\rالتبسُّم أوّل مراتبه، ثم الإهلاس وهو إخفاؤه، ثم الافترار، ثم الانكلال وهما الضحك الحسن، ثم الكتكتة أشدّ منهما، ثم القهقهة والقرقرة والكركرة، ثم الاستغراب، ثم الطَّخْطخة، ثم الإهْزاق والزَّهْزقة، وهو أن يذهب الضحك به كلَّ مذهب.\rقال كُشاجم:\rعذُبتْ في الرَّشْف منه شفةٌ ... مصُّها أطيب من نيل الأملْ!\rوعليها حُمرةٌ في لعسٍ ... تستعير اللون من صبغ الخجلْ!\rهي فيما خلْتُ آثار دمٍ ... من فؤادي، علَّ فيه ونهلْ!\rوقال ابن سُكَّرة الهاشميّ:\rيا ضاحكاً، يستهلُّ مضْحكه ... عن برد واضح وعن شنبِ!\rأعطيتني قُبلة رشفتُ بها الشَّ ... هد مشوباً بعبرة العنبِ.\rكأنَّني إذ لثمت فاك بها ... لثمت تُفاحةً من الذهب.\rوقال كشاجم:\rكأن الشفاه اللعس منها خواتمٌ ... من التِّبرْ مختومٌ بهنَّ على دُرّ.\rوقال سيف الدّولة بن حمدان، في صباه:\rأُقبِّلُه على عجلٍ ... كشُرب الطائر الفزعِ.\rرأى ماءً فأطمعه ... فخاف عواقب الطَّمعِ.\rفصادف فُرصة فدنا ... ولم يلْتد بالجرعِ.\rطيب الريق والنَّكْهة\rطيب الريق على لفظ التذكير\rفمن ذلك قول ابن الروميّ:\rأهيف الغُصْن، أهيل الدِّعْصِ لما ... يقْتسم قدَّه وشاحٌ ومرطُ.\rطيِّب طعمه إذا ذُقت فاه، ... والثُّريَّا في جانب الغرب قُرطُ.\rوقال آخر:\rيا مانعي طيب المنام، ومانحي ... ثوب السِّقام، وتاركي كالآل!\rعمن أخذت جواز منعي ريقك ال ... معسول، يا ذا المعْطف العسَّال؟\rعن ثغرك النظَّام، أم عن شعرك ال ... فحام، أم عن طرفك الغزَّال؟\rوقال آخر:\rأتدرون شمعتنا لم هوتْ؟ ... لتقبيل ذا الرَّشا الأكحل!\rدرتْ أن ريقته شُهدةٌ ... فحنَّتْ إلى إلفها الأوّل.\rوقال بشار بن بردْ:\rيا أطيب الناس ثغراً غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك!\rوقال ابن وكيع البستيّ:\rريقٌ إذا ما ازددت من شُربه ... ريّاً، ثناني الرِّيُّ ظمآنا.\rكالخمر أروى ما يكون الفتى ... من شُربها أعطش ما كانا.\rوقال ابن الروميّ:\rيا رُبَّ ريقٍ بات بدرُ الدّجى ... يمجُّه بين ثناياكا.\rيُروي ولا ينهاك عن شربه ... والماء يُرويك وينهاكا.\rوقال أبو الفتح كشاجم:\rبلغته الكأْسُ فارتعدت ... طرباً منها إلى فمه.","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"منعته أن يؤخِّرها ... في يديه من تحشُّمه.\rفحساها ثم أعقبها ... أرجاً من طيب مبسمه.\rوقال آخر:\rبقدر الصَّبابة عند المغيبِ، ... تكون المسرّةُ عند الحضورِ.\rوأطيب ما كان بردُ الثغورِ ... إذا هو صادف حرّ الصُّدور.\rطيب الريق على لفظ التأنيث\rفمن ذلك قول ابن ميّادة:\rكأنَّ على أنيابها المِسْك شابهُ ... بعيد الكرى من آخر الليل عابقُ.\rوما ذُقْته إلا بعيني تفرّساً ... كما شيم في أعلى السحابة بارقُ.\rيضم إليّ الليلُ أذيال حُبِّها ... كما ضمَّ أردان القميص البنائقُ.\rوقال البحتريّ:\rكأنَّ على أنيابها بعد هجْعةٍ، ... إذا ما نُجومُ الليل حان انحدارها،\rمُجاجة مسك صُفِّقت بمدامةٍ ... معتَّقة صهباء، حان اعتصارها.\rوقال ذو الرمة:\rأسيلةُ مجرى الدّمع هيفاءُ طفلة ... عروبٌ،كإيماض الغمام ابتسامُها.\rكأنّ على فيها، وما ذُقت طعمه، ... زُجاجة خمر طاب فيها مُدامُها\rوقال كشاجم:\rالبدر لا يُغنيك عنها إذا ... غابت وتُغنيك عن البدر.\rفي فمها مسك ومشمولةٌ ... صرفٌ ومنظومٌ من الدُّرّ.\rفالمسك للنكهة، والخمر للرِّ ... يقة، واللُّؤلؤ للثَّغْر.\rوقال الهذليّ:\rوما صهباء صافيةٌ شمولٌ، ... كعين الدّيك مُنجابٌ قذاها،\rتُشجُّ بماء ساريةٍ عريض ... على ظمأ به رصيف صفاها،\rبأطيب نكهةً من طعم فيها ... إذا ما طار عن سنةٍ كراها.\rوقال ابن الروميّ:\rوما تعتريها آفةٌ بشريَّة ... من النَّوم إلا أنها تتختَّرُ.\rكذلك أنفاس الرِّياض بسحرةٍ ... تطيب وأنفاس الأنامِ تغيَّرُ.\rوما ذُقته إلا بشمِّ ابتسامها ... وكم مُخْبرٍ يدنيه للعين منْظرُ.\rوغير عجيبٍ طيب أنفاس روضة ... مُنورة باتت تُراح وتمطرُ.\rوقال جميل:\rوكأنَّ طارقها على علل الكرى، ... والنجمُ وهْناً قد دنا لتغوُّر،\rيستافُ ريح مُدامةٍ معلولة ... بذكيِّ مسكٍ أو سحيق العنبر.\rوقال الشريف الموسويّ، شاعر اليتيمة:\rيا عذْبة المبسم! بُلِّي الجوى ... بنهلةٍ من ريقك البارد!\rأرى غديراً سيِّحاً ماؤه، ... فهل لذاك الماء من وارد؟\rمن لي بذاك العسل الذائب ال ... جاري خلال البرد الجامد؟\rطيب عرف النساء قالوا: من أجود ما قيل في ذلك من قديم الشعر قول الأعشى:\rما روضةٌ من رياض الحزْن مُعشبةٌ ... خضراء جاد عليها مُسبلٌ هطلُ،\rيُضاحك الشمس منها كوكبٌ شرقٌ ... مؤزِّرٌ بعميم النبت مكتهلُ،\rيوماً بأطيب منها نشْر رائحةٍ ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأُصُلُ.\rوقول القطاميّ:\rوما ريح قاعٍ ذي خُزامى وحولهُ ... شذا أرجٍ من طيِّب النَّبْت غاربِ،\rبأطيب من ميٍّ إذا ما تقلَّبتْ ... من الليل وسنى جانباً بعد جانبِ.\rأخذه ابن المعتز ببعض لفظه وزاد زيادة حسنة، فقال:\rوما ريحُ قاعٍ مسَّت النَّدى ... وروضٍ من الرَّيحان سحَّت سحائبُه،\rفجاء سُحيراً بين يومٍ وليلةٍ ... كما جرَّ من ذيل الغلالة ساحبُه،\rبأطيب من أنياب سرَّة موهناً ... إذا الليل أدجى وارجحنَّت كتائبُه.\rإذا رغبت عن جانبٍ من فراشها ... تضوّع مسكاً أين مالت جوانبُه.\rوقال ابن الروميّ:\rوالعرفُ ندّ ذكيّ، وهي ذاكيةٌ ... إذا أساء جوار العطر أبدانُ.\rنعيمُ كلِّ بهارٍ من مجامرها ... ويُشمس الليل منها فهو ضحْيانُ.\rكأنها، وعُثانُ النَّدّ يشملها، ... شمسٌ عليها ضباباتٌ وأدجانُ.\rوقال ابن الأحنف:","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"ذكرتك بالرِّيحان لمَّا شممتُه ... وبالراح لما قابلتْ أوجه الشَّرْبِ.\rتذكَّرتُ بالريحان منك روائحاً ... وبالراح طعماً من مُقبَّلك العذْبِ.\rومن بليغ قول سحيم:\rفما زال بُردى طيباً من ثيابها ... إلى الحول، حتَّى أنهج البُرْدُ باليا.\rوأبلغ منه قول الأحنف:\rوجد الناس ساطع المسك من دج ... لة قد أوسع المشارع طيبا.\rفهم يُنكرون ذاك وما يد ... رون أن قد حللت منها قريبا.\rوقال آخر:، وأحسن:\rجاريةٌ أطيب من طيبها ... والطِّيب فيها المسكُ والعنْبرُ.\rووجهها أحسن من حليها ... والحلْيُ فيها الدّرّ والجوهر.\rوقال امرؤ القيس:\rألم تر أني كُلَّما جئت طارقاً، ... وجدْتُ بها طيباً، وإن لم تطيَّب.\rوقال آخر:\rأتاها بعطر أهلها فتضاحكتْ ... وقالت: وهل يحتاج عطر إلى عطر؟\rوقد بالغوا حتَّى وصفوا طيب المواضع التي وطئها المحبوبُ.\rوأوّل من قال ذلك النميري الشاعر في زينب بنت يوسف أخت الحجاج فقال:\rتضوّع مسكاً بطنُ نعمان أن مشتْ ... به زينبٌ في نسْوة خفراتِ.\rوقال جميل:\rألا أيُّها الربعُ الذي غيَّر البلى! ... عفا وخلا، من بعدما كان لا يخلو.\rتداءب ريح المسك فيه وإنما ... به المسكُ أن جرّتْ به ذيلها جُمْلُ.\rوقول الآخر:\rأرى كلَّ أرض دُست فيها، وإن مضت ... لها حججٌ، يزداد طيباً تُرابها!\rالأسنان\rمن محاسنها\rالشَّنب، وهو رقَّة الأسنان واستواؤها وحُسنها.\rالرَّتل، حسن تنضيدها واتساقها.\rالتَّفْليج، تفرُّج ما بينها.\rالشَّتت، تفرّقها من غير تباعد بل في استواء وحسن. يقال: ثغر شتيت، إذا كان مُفلَّجاً حسناً أبيض.\rالأشرُ، تحزيز في أطراف الثنايا يدل على حداثة السن.\rالظَّلْم، الماء الذي يجري على الأسنان من البريق لا من الرِّيق.\rفي مقابحها\rالرَّوق، طولها.\rالكسسُ، صغرها.\rالثَّغلُ، تراكُبُها وزيادة سنٍّ فيها.\rالشَّغا، اختلاف منابتها.\rاللَّصصُ، شدّة تقاربها وانضمامها.\rاليلل، إقبالها على باطن الفم.\rالدَّفق، انصبابها إلى قدّام.\rالفقمُ، تقدّم سُفْلاها على العليا.\rالقلحُ، صُفرتها.\rالطُّرامة، خضْرتها.\rالحفر، ما يلزق بها.\rالدَّردُ، ذهابها.\rالهتمُ، انكساها.\rاللَّطط، سقوطها.\rترتيب الأسنان\rوهي: أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربع أنياب، وأربع ضواحك، وثنْتا عشرة رحاً، وأربعةُ نواجذ.\rقال أبو الفتح كشاجم:\rعرضْن! فعرَّضْن القلوب من الجوى ... لأسرع في كيِّ القلوب من الجمر!\rكأن الشِّفاه اللُّعْس فيها خواتمٌ ... من المسك، مختومٌ بهنَّ على دُرِّ.\rوقال أيضاً:\rكالغُصْن في روضة تميسُ: ... تصبو إلى حسنها النُّفُوسُ.\rما شهدتْ والنِّساء عُرساً، ... فشكَّ في أنها عروسُ!\rتبْسمُ عن باسم برودٍ ... تعبقُ من طيبه الكؤوسُ.\rيجمع فيه لمجتنيه: ... مسكٌ، وورد، وخندريسُ.\rوقال المتنبي:\rويبْسمن عن دُرٍّ تقلَّدْن مثله ... كأنَّ التَّراقي وُشِّحتْ بالمباسم.\rوقال الصنوبريّ:\rتلك الثَّنايا من عقْدها نُظمتْ، ... بل نُظم العقدُ من ثناياها.\rوقال البحتريّ:\rويرْجعُ الليلُ مُبيضّاً إذا ضحكتْ ... عن أبيضٍ خصلِ السِّمْطيْنِ وضَّاحِ.\rوقال ابن الروميّ:\rكأنِّي لم أبتْ أُسْقى رُضاباً: ... يموت به ويحيا المُستهامُ!\rتُعلِّلُنيه واضحة الثَّنايا، ... كأنّ لقاءها حولاً لمامُ.\rتنفَّسُ كالشَّمول ضُحىً شمالٌ ... إذا ما فُضَّ عن فمها الختامُ.\rوقال النابغة:\rتجلو بقادمتي حمامةِ أيكةٍ ... برداً، أسفَّ لثاته بالإثْمدِ.\rكالأُقْحوان غداة غبِّ سمائه ... جفَّتْ أعاليه، وأسفله ندى.\rوقال شقيق بن سليل:\rوتبسم عن ألمى اللِّثاتِ، مفلَّج: ... خليق الثَّنايا بالعذوبة والبردِ.","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"وقال جميل:\rبذي أُشرٍ كالأقحوان يرينه ... ندى الطَّلِّ، إلا أنه هو أملحُ.\rوقال السمهريّ:\rكأنَّ وميض البرق بيني وبينها، ... إذا حان من بعض البيوت، ابتسامُها.\rوقال آخر:\rأحاذرُ في الظلماء أن تستشِفَّني ... عيون العبارى في وميض المضاحك!\rفي السِّواك\rقول بعض الشعراء:\rأقولُ لمسواك الحبيب: لك الهنا، ... بلثم فمٍ ما ناله ثغرُ عاشقِ!\rفقال، وفي أحشائه حُرق الجوى ... مقالة صبٍّ للديار مُفارقِ:\rتذكَّرتُ أوطاني فقلبي كما ترى، ... أُعلِّلهُ بين العُذيب وبارق!\rوقال آخر:\rنقل الأراك بأن ريقة ثغره ... من قهوةٍ، مُزجت بماء الكوثر.\rقد صحَّ ما نقل الأراكُ لأنه ... قد جاء يروي عن \" صحاح الجوهري \" .\rوقال آخر:\rبالله، إن جُزت بوادي الأراكْ ... وقبلتْ أغصانه اللُّدْنُ فاكْ،\rفانبعث إلى المملوك من بعضها ... فإنَّني والله مالي سواك!\rمما قيل في اللسان\rمن محاسنه\rإذا كان الرجل حادّ اللسان قادراً على الكلام، فهو ذرب اللسان، وفتيق اللسان.\rفإذا كان جيِّده، فهو لسن.\rفإذا كان يضعه حيث أراد، فهو ذليق.\rفإذا كان فصيحاً بيِّن اللَّهجة، فهو حُذاقيّ.\rفإذا كان مع حدّة اللسان بليغاً، فهو مسلاق.\rفإذا كان لا يعترض لسانه عُقدة، ولا يتحيَّفُ بيانه عُجمة، فهو مصقع.\rفإذا كان المتكلم عن القوم، فهو مدْرهٌ.\rفصل في عيوبه الرُّتَّة، حُبْسةٌ في لسان الرجل، وعجلة في كلامه.\rاللُّكنة والحُكْلة، عقدة في اللسان وعُجْمة في البيان.\rالهتهتة بالتاء والثاء، حكاية التواء اللسان عند الكلام.\rالتَّعتعة بالتاء والثاء، حكايةُ صوت الألكن والعيّ.\rالُّلثْغة، أن يصيِّر الراء لاماً من كلامه.\rالفأْفأة، أن يتردّد في الفاء.\rالتَّمتمة، أن يتردد في التاء.\rاللَّفف، أن يكون في اللسان ثقل وانعقاد.\rاللَّيغ، أن لا يُبيِّن الكلام.\rاللَّجْلجة، أن يكون فيه عيّ وإدخال بعض كلامه في بعض.\rالخنْخنة، أن يتكلم من لدن أنفه. ويقال: هي أن لا يُبيِّن الرجل كلامه فيخنخن في خياشيمه.\rالمقمقة، أن يتكلم من أقصى حلقه.\rفي ترتيب العيّ\rيقال: رجل عيِيٌّ، ثم حصر، ثم فهٌّ، ثم مفُحْم، ثم لجلاج، ثم أبْكم.\rقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: المرء مخبوٌ تحت لسانه.\rوقال شاعر:\rوما المرء إلاَّ الأصغران: لسانه ... ومعقوله. والجسم خلقٌ مصوَّرُ.\rوقال امرؤ القيس:\rوذلك من نبأ جاءني، ... وخُبِّرته عن أبي الأسْودِ.\rولو عن نثا غيره جاءني، ... وجرح اللسان كجرح اليد.\rالنَّثا القبيح من الكلام.\rوقال جرير:\rلساني وسيفي: صارمان كلاهما! ... وللسيفُ أشوى وقعةً من لسانيا!\rقوله أشوى إذا أخطأ المقتل.\rوقال آخر:\rوجرح السيف تدامله فيبرى، ... وجرح الدّهر ما جرح اللسانُ!\rحسن الحديث والنغمة\rفمن ذلك قول ذي الرمّة:\rولمَّا تلاقينا، جرت من عيوننا ... دموعٌ كففنا غربها بالأصابعِ.\rونلنا سُقاطا من حديثٍ كأنه ... جنى النحل ممزوجاً بماء الوقائعِ.\rوقال أيضاً:\rوإنا ليجري بيننا حين نلتقي ... حديثٌ له وشيٌ كوشي المطارفِ!\rحديثٌ كوقع القطر في المحل يُشتفى ... به من جوىً في داخل القلب، لاطف.\rوقال ابن الروميّ:\rولقد سئمتُ مآربي، ... فكأنَّ طيِّبها خبيثْ.\rإلاَّ الحديث فإنَّهُ ... مثل اسمه أبداً حديثْ.\rوقال بشَّار:\rوكأنَّ رجْع حديثها ... قطع الرياض كُسين زهرا.\rوكأنَّ تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا.\rوتخالُ ما اشتملت علي ... ه ثيابها: ذهباً وعطرا.\rوقال البحتريّ:\rفلمَّا التقينا والنَّقا موعدٌ لنا تعجَّب رائي الدُّرّ حُسناً ولاقطه.\rفمن لؤلؤٍ تجلوه عند ابتسامها، ... ومن لؤلؤ عند الحديث تُساقطه!\rوقال آخر:","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"ظللنا نشاوي عند أمِّ محمدٍ ... بنومٍ، ولم نشرب شراباً ولا خمرا!\rإذا صمتت عنَّا، صحونا بصمتها؛ ... وإن نطقت، هاجت لألبابنا سُكرا.\rوقال ابن الروميّ عفا الله عنه:\rوحديثُها السِّحر الحلال، لو أنَّه ... لم يجنِ قتل العاشق المتحرِّزِ.\rإن طال لم يملل، وإن هي أوجزتْ ... ودّ المحدِّثُ أنها لم تُوجزِ.\rشركُ القلوب، وفتنةٌ ما مثلها ... للمطمئنِّ، وعقْلةُ المستوفزِ.\rوقال القطاميّ:\rفهنَّ ينْبذن من قولٍ يُصبن به ... مواقع الماء من ذي الغُلَّة الصادي.\rوقال عليّ بن عطية البلنسيّ:\rلَّمتني فخلْت دُرّاً نثيراً، ... وتأملت عقدها هل تناثر.\rفازدهاها جمالها، فأرتني ... عقد دُرٍّ من التبسُّم آخر!\rوقال الوأواء الدّمشقيّ:\rوحديثٍ كأنَّه ... أوبةٌ من مسافرِ.\rكان أحلى من الرُّقا ... د لدي طرف ساهرِ.\rبتُّ ألهو بطيبه ... في رياضٍ زواهرِ:\rبين ساقٍ وسامر ... ومُغنٍّ وزامرِ.\rوقال الطائيّ:\rمدَّتْ إليك بنانةً أُسروعاً، ... تشكو الفراق، ومُقلةً ينبوعا.\rكادت لعرفان النَّوى ألفاظها ... من رقَّة الشَّكوى تكون دموعا.\rوقال ابن المعتزّ:\rوسر أحاديثٍ عذابٍ لو أنَّها ... جني النحل، لم تمْجُج حلاوتها النحلُ.\rومما قيل في الأذن، الصَّمع، صغرها.\rالسَّكك، كونها في نهاية الصِّغر.\rالقنف، استرخاؤهما وإقبالهما إلى الوجه.\rالخطل، غلظهما.\rفي ترتيب الصَّمم يقال: بأذنه وقرٌ.\rفإذا زاد، فهو صممٌ.\rفإذا زاد، فهو طرشٌ.\rفإذا زاد حتَّى لا يسمع الرعد، فهو صلخٌ.\rمما وصف به الصُّدغ، فمن ذلك قول عبد الله بن المعتزّ:\rريمٌ! يتيه بُحسن صورته، ... عبث الفتور بلحظ مُقلتهِ.\rفكأن عقرب صُدغه وقفتْ، ... لما دنتْ من نار وجنتهِ.\rوقال ابن الروميّ:\rأبداً نحن في خلاف: فمنِّي ... فرط حُبٍّ ومنك لي فرط بُغض.\rفبصدْغيْك فوق خطِّ عذارٍ ... ظُلماتٌ، وبعضها فوق بعض.\rوقال الصاحب بن عبّاد:\rوعهدي بالعقارب حين تشتو ... تُخفِّف لدغها وتقلُّ ضُرّا.\rفما بالُ الشتاء أتى، وهذا ... عقارب صُدغِه يزددْنَ شرّاً؟\rوقال ابن المعتزّ:\rأمن سبجٍ في عارضيه صوالجٌ ... مُعطَّفةٌ تُفَّاح خدّيه تضربُ؟\rوما ضرَّه نارٌ بخدَّيه الهُبت؛ ... ولكن بها قلب المُحبِّ يُعذَّبُ؟\rعناقيدُ صُدغيه بخدَّيه تلتوي ... وأمواجُ ردفيه بخصريه تقلبُ.\rشربت الهوى صرفاً زُلالاً، وإنما ... لواحظُه تسْقي وقلبي يشْربُ.\rوقال الثعالبيّ:\rصولجانٍ في يديْ شادنٍ ... لا يسمعُ العاشقُ أن يذْكُرهْ.\rوصولجان المسك في خدِّه ... متَّخذٌ حبَّة قلبي كُرهْ.\rوقال الناشئ الأصغر:\rلك صُدْغٌ كأنما ... نونه ونون كاتبْ.\rيلدغُ الناس إذ تعقْ ... رب لدغ العقاربْ.\rوقال الصاحب بن عبّاد:\rيا شادناً في وجهه عقْربٌ ... ما يستجيبُ الدّهر للراقي.\rيسلمُ خدَّاه على لدغها، ... ولدْغها في كبدي باقي!\rوقال عمر المطوعيّ:\rبنفسي من تمَّتْ محاسنُ وجهه! ... فما هو إلا البدرُ عند تمامِ.\rوأرسل صُدغاً فوق خدٍّ كأنه ... جناحُ غرابٍ فوق طوق حمامِ.\rوقال آخر:\rحلَّتْ عقارب صُدغه في خدِّه ... قمراً، فجلَّ بها عن التشبيهِ!\rولقد عهدناه يحلُّ ببرْجها ... فمن العجائب كيف جلَّتْ فيه؟\rوقال العماد الأصبهانيّ:\rوإذا بدا لك صُدغه في وجهه، ... أبصرته قمراً بدا في العقرب!\rوقال أبو الفتح كُشاجم:\rومنعْن وردَ خدودهنَّ فلم نُطِقْ ... قطفاً لها لعقارب الأصْداغِ!\rوصف الخدود والوجنات","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"فمن ذلك ما ورد على لفظ التذكير.\rقال أبو الفتح كُشاجم:\rغداً، وغداً تورُّدُ وجنتيْه ... لعين محبه يصف الرِّياضا.\rعلى خدّيْهِ ماءٌ عسجديٌّ؛ ... فلو نظر الرقيب إليه، غاضا.\rوقال آخر:\rدعوتُ بماء في زُجاج، فجاءني ... حبيبي به خمراً نظرت له شزرا.\rفقال: هو الماء القراح وإنما ... تجلَّى له خدّي فأوهمك الخمرا!\rوقال أبو القاسم عبد الغفار المصريّ، شاعر اليتيمة:\rوردُ الخدودِ أرقُّ من ... ورد الرِّياضِ وأنعمُ.\rهذا تنشَّقُهُ الأُنُو ... فُ، وذا يقبِّلُهُ الفمُ.\rفإذا عدلت، فأفضلُ ال ... وردين وردٌ يُلثمُ.\rوقال أيضاً ويروى للوأواء الدمشقيّ:\rلا تظلموا الناس ولا تطلبوا ... بثارى اليوم أذى مُسلمِ!\rويا لقومي دونكم شادناً ... معتدل القامة والمبسمِ!\rفإن أبى إلا جحود الهوى ... واكتتم الأمر ولم يُعلمِ،\rقولوا له يكشف عن خدِّه؛ ... فإن فيه نُقطاً من دمي.\rوقال ابن الروميّ:\rوغزالٍ ترى على وجنتيه ... قطر سهميه من دماء القلوبِ.\rلهف نفسي لتلك من وجناتٍ ... وردها ورد شارقٍ مهضوبِ!\rأُنْهلت صبغ نفسها ثم عُلَّتْ ... من دماء القتلى بغير ذُنوبِ.\rجرحته العيون فاقتصَّ منها ... بجوىً في القلوب دامي النُّدوبِ.\rوقال أيضاً:\rيا وجنتيْه اللتين من بهجِ ... في صُدغيه اللذين من دعجِ!\rما حمرةٌ فيكما: أمن خجلٍ، ... أم صبغة الله، أم دمُ المُهج؟\rوقال أبو الفتح البستيّ:\rومُهفهفٍ غنجِ الشمائل أزْعجتْ ... قلبي محاسن وجهه إزعاجا.\rدرت الطبيعة أن فاحم شعره ... ليلٌ فأذكت وجنتيه سراجا.\rوقال عبد الله بن المعتزّ:\rيا من يجودُ بموعدٍ من لحظه ... ويصُدّ حين أقول: أين الموعدُ؟\rويظلُّ صبَّاغُ الحياء بخدِّه ... تعباً: يصفر تارة ويُورِّدُ.\rوقال الراضي بالله:\rيصفرُّ وجهي إذا تأمَّلني ... خوفاً، ويحمرُّ خدُّه خجلا.\rحتَّى كأنَّ الذي بوجنته ... من ماء وجهي إليه قد نُقلا.\rوقال الخُبْزأرزّي:\rصلْ بخدِّي خدَّيك، تلق عجيباً ... من معانٍ يجارُ فيها الضميرُ.\rفبخدَّيْك للرَّبيع رياضٌ، ... وبخدِّي للدُّموع غديرُ.\rوقال أيضاً:\rأظهر الكبرياء من فرط زهوٍ، ... فتلقَّيتُهُ بذُلِّ الخضوعِ.\rوحباني ربيع خدّيه بالور ... دِ فأمطرْته سحاب الدُّموعِ.\rوقال الصنوبريّ:\rرقَّ، فلو كلَّفته أعيُنُنا ... أن يرشح الخمر خدُّهُ، رشحا.\rوقال المفجّع:\rظبْيٌ إذا عقرب أصداغه، ... رأيت ما لا يُحسن العقربُ.\rتُفاح خدّيْهِ له نضْرةٌ ... كأنَّه من دمعتي يشربُ.\rوقال آخر:\rومُبيحُ أسرار القُلو ... ب بوجنتيه وحاجبيهِ.\rجمع الإله له المحا ... سن ثم أفرغها عليهِ.\rوكأنَّ مرآتين عُلِّ ... قتا بصفْحة عارضيهِ.\rوكأنَّ ورد الجُلَّن ... ار مضعَّف في وجنتيهِ.\rوقال عليّ بن عطيّة البلنسيّ في غلام جُرح خدّه:\rوأحوى رمى عن قسيّ الحورْ ... سهاماً يفوِّقُهنّ النظرْ.\rيقولون: وجنته قُسِّمت ... ورسم محاسنه قد دثرْ.\rوما شقَّ وجنته عابثاً ... ولكنَّها آيةٌ للبشرْ.\rجلاها لنا الله كيما نرى ... بها كيف كان انشقاق القمرْ.\rوصفها على لفظ التأنيث\rفمن ذلك قول عبد الله بن المعتزّ:\rنُجْلُ العيون، سواحر اللحظاتِ ... هيَّجْن منك سواكن الحركاتِ.\rأقبلْن يرمين الجمار تنسُّكاً، ... فجعلن قلبك موضع الجمراتِ.","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"فكأنهنّ غصون بانٍ ناعمٍ ... يحملْن تُفاحاً على الوجناتِ.\rوقال ابن الروميّ:\rتشرع الألحاظ في وجنتها ... فتلاقيّ الرِّيّ من مشربِها.\rفهي حسب العين من نزهتها، ... وهي حسب الأذن من مطربِها.\rوقال ديك الجنّ:\rبأبي الثلاثُ الآنسا ... تُ الرائقاتُ الغانياتْ!\rأقبلْن، والأصداغ في ... وجناتهنَّ معقرباتْ!\rألفاظُهنَّ مؤنَّثا ... تٌ والجفون مُذكَّراتْ!\rحتَّى إذا عاينته ... نّ وللأمور مسبِّباتْ،\rجمَّشتهنَّ، وقلت: طي ... ب عناقكُنَّ هو الحياةْ!\rفخجلن حتَّى خلتُ أ ... نّ خدودهنَّ معصفراتْ.\rمما وصفت به الخيلان فمن ذلك ما ورد على لفظ التذكير.\rقال بعض الشعراء:\rفي الساعد الأيمن خالٌ له ... مثل السُّويداء على القلبِ.\rكأنه من سبجٍ فاحمٍ ... مركَّب من لؤلؤ رطبِ.\rوقال ابن منير الطرابلسي:\rلاح لنا عاطلاً، فصيغ له ... مناطقٌ من مراشق المُقلِ.\rحياة روحي وفي لواحظهِ ... حتفي بين النَّشاطِ والكسلِ.\rما خاله من فتيت عنبر صُد ... غيه ولا قطر صبغة الكحلِ.\rلكن سويداء قلب عاشقهِ ... طفت على نار وردة الخجلِ.\rوقال أيضاً:\rأنكرت مُقلته سفك دمي، ... وعلى وجنته فاعترفتْ.\rلا تخالوا خاله في خدِّه ... قطرةً من صبغ جفنٍ نطفتْ.\rتلك من نار فؤادي جذوةٌ ... فيه ساخت وانطفت ثم طفتْ!\rوقال آخر:\rلا تخال الخال يعلو خدَّهُ ... نقط مسك ذاب من طرَّتهِ.\rذاك قلبي سُلبتْ حبَّتُهُ ... فاستوت خالاً على وجنتهِ.\rوقال ابن منير:\rكأنَّ خدّيه ديناران قد وزنا ... وحرّر الصَّيْرفيُّ الوزن واحتاطا.\rفخفَّ إحداهما عن وزن صاحبهِ، ... فحطَّ فوق الذي قد خفَّ قيراطا.\rوقال آخر:\rأضحى ليوسف في الجمال خليفةً، ... يخشاه كلُّ العالمين إذا بدا.\rعرِّجْ معي وانظر إليه لكيْ ترى ... في خدّه علم الخلافة أسودا.\rوقال آخر:\rكم قلت للنفس: اذهبي، ... فحبُّه المشهور من مذهبي!\rمُهفهف القدِّ له شامةٌ ... من عنبرٍ في خدّه المُذْهبِ.\rآيسني التوبة من حبِّه ... طلوعه شمساً من المغربِ!\rوقال آخر:\rومهفهفٍ من شعره وجبينهِ ... يغدو الورى في ظلمةٍ وضياءِ.\rلا تنكروا الخال الذي في خدِّه ... كلُّ الشقيق بنقطةٍ سوداءِ.\rوقال آخر:\rلهيب الخدّ حين رأته عيني ... هوى قلبي عليه كالفراشِ.\rفأحرقه فصار عليه خالاً؛ ... وها أثر الدُّخان على الحواشي!\rوقال آخر:\rبدا على خدّه خالٌ يزيِّنه، ... فزادني شغفاً منه إلى شغفي،\rكأنَّ حبَّة قلبي عند رُؤيته ... طارت فقلت لها: في الخدِّ منه قفي!\rوقال آخر:\rخيلانُ خدِّك ردّت ... صحيح قلبي مريضا.\rفي العين سودٌ، ولكن ما زلن في القلب بيضا.\rوقال آخر:\rخدُّك مرآة كلِّ حُسنٍ ... يحسن من حسنها الصِّفاتُ.\rمالي أرى فوقه نُجوماً ... قد كُسفتْ وهي نيِّراتُ؟\rوقال آخر:\rحجَّتْ إلى وجهك أبصارنا ... طائفةً، يا كعبة الحسن!\rتمسح خالاً منك في وجنةٍ ... كالحجر الأسود في الركْن.\rوقال الأسعد بن بليطة:\rسكران لا أدري وقد وافى بنا أمن الملاحة أم من الجريالِ.\rتتنفَّسُ الصَّهباء في لهواته ... كتنفُّس الرِّيْحان في الآصالِ.\rوكأنما الخيلان في وجناتِه ... ساعات هجر في ليال وصالِ.\rوصفه على لفظ التأنيث\rفمن ذلك قول أبي الفتح كُشاجم:\rفديتُ زائرةً في العيد واصلةً ... لمستهامٍ بها للوصل منتظر.","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"فلم يزلٍْ خدُّها رُكْنا ألُوذُ به، والخال في صحْنه يُغني عن الحجرِ.\rوقال العباس بن الأحنف:\rمحجوبةٍ في الخدر عن كلِّ ناظر، ... ولو برزتْ، ما ضلَّ بالليل من يسري.\rبخالٍ بذاك الخدّ أحسن منظرا ... من النُّقطة السَّوداء في وضح البدرِ.\rمما قيل في العذار فمن ذلك ما ورد فيه على سبيل المدح قال ماني الموسوس عفا الله عنه ورحمه:\rوما غاضتْ محاسنه؛ ولكنْ ... بماء الحُسن أورق عارضاهُ.\rسمعت به فهمت إليه شوقاً! ... فكيف لك التصبُّرُ، لو تراه؟\rوقال أبو فراس:\rمن أين للرشاء الغرير الأحور ... في الخدّ مثل عذاره المنحدِّرِ؟\rيا من يلوم على هواه سفاهةً! ... أُنظر إلى تلك السوالف، تَعْذُرِ.\rقمرٌ كأنَّ بعارضيه كليهما ... مسكٌ تساقط فوق وردٍ أحمرِ.\rوقال ابن المعدّل:\rسالت مسايل عارضي ... ه بنفسجاً في وردِهْ.\rفكأنَّهُ من حُسنه ... عبث الربيع بخدِّه.\rوقال الخباز البلدي:\rوعارضٍ مثل دارة البدرِ ... دار بوجهٍ كليلة القدرِ.\rفلو تراه وحسن منظره، ... شهدت أنّ الجمال للشَّعْر.\rوقال ابن المعتزّ:\rوتكاد الشمس تُشْبههُ ... ويكاد البدر يحكيه.\rكيف لا يخضرُّ عارضه، ... ومياه الحُسن تسقيه؟\rوقال محمد بن وهب:\rصدُودُك في الورى هتك استتاري، ... وساعده البكاء على اشتهاري.\rولم أخلع عذاري فيك إلاَّ ... لما عانيت من حُسن العذارِ.\rوكم أبصرت من حُسنٍ، ولكن ... عليك من الورى وقع اختياري.\rوقال أبو الفرج الوأواء:\rوشمسٌ بأعلاه ولبلان أُسْبلا ... بخدّيْه، إلا أنَّها ليس تغْرُبُ.\rولمَّا حوى نصف الدّجى نصف خدّه ... تحيرَّ حتَّى ما درى أين يذهبُ.\rوقال الخبزأرُزّي:\rانظر إلى الغُنْج يجري في لواحظه، ... وانظر إلى دعج في طرفه الساجي!\rوانظر إلى شعراتٍ فوق عارضه ... كأنهنَّ نمالٌ سرن في العاجِ!\rوقال أيضاً:\rوجهٌ تكامل حُسنه ... لما تطرَّفه عذارهْ.\rوالسيفُ أحسنُ ما ترى ... ما كان مُخْضراً غرارُهْ.\rوقال الأمير سيف الدّين المشدّ:\rولائمٍ في عذار بدرٍ ... لم أستطع عن هواه ميلا.\rفقلت، والدّمع في جفوني ... لفرط وجدي تسيل سيلا:\rضللتُ في خدِّه نهارا! ... كيف رشادي، وصار ليلا؟\rوقال أيضاً:\rولمَّا أن بدا في الخدّ شعْرٌ ... توقَّف عند منتصف العذارِ.\rفقلت للائمي فيه: تعجَّبْ ... لنصف الليل في نصف النهار!\rوقال أيضاً:\rومهفهفٍ يحمي ورود رضابِه ... بصوارمٍ سُلَّتْ من الأجفانِ.\rكتب العذارُ بليقةٍ مسْكيَّةٍ ... في خدّه سطراً من الرِّيحانِ.\rوقال أيضاً:\rيقول العواذلُ لمَّا بدا ... على خدِّه شعرٌ زائرُ:\rذوي وردُ خدّيه، قلت: اقصروا ... فنرجس ألحاظه وافرُ!\rوقال آخر:\rوقالوا: تسلَّى فقد شانه ... عذارٌ أراحك من صدِّه.\rفقلت: وهمتم، ولكنَّني ... خلعْتُ العذار على خدّه.\rوقال آخر:\rبروحي وقلبي ذلك العارض الذي ... غدا مسكه فوق السَّوالف سائلا.\rدرى خدُّه أنِّي أُجنُّ من الهوى، ... فأظهر لي الجنون سلاسلا!\rوقال آخر:\rأصبحت مأسوراً بغنج لحاظه ... ومقيّداً من صُدغه بسلاسلِ.\rحتَّى بدا سيفُ العذار مجرّداً ... فخشيت منه، فقلت هذا قاتلي!\rوقال آخر:\rقالت: اسودَّ عارضاك بشعرٍ، ... وبه تقْبُح الوجوه الحسانُ!\rقلت: أشعلت في فؤادي ناراً، ... فعلى عارضيَّ منه دُخانُ!\rوقال آخر:\rقلت، وقد أبصرته مُقبلاً ... وقد بدا الشَّعر على الخدِّ:","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"صُعود ذا النمل على خدّه ... يشهد أن الرِّيق من شهدِ.\rومثله قول الآخر:\rقالوا: التحى، فاصبُ إلى غيره! ... قلت لهم: لست إذاً أسْلو!\rلو لم يكنْ من عسلٍ ريقُه، ... ما دبَّ في عارضه النمّلُ.\rوقال آخر:\rعذارُه أحسسُ ما فيه، ... تيهُهُ من أحسن التَّيهِ.\rفي فمه الشَّهْد، فلا تعجبوا ... إن دبَّ نملُ بعذاريهِ.\rوقال آخر:\rأصلى بنار الخدِّ عنبر خاله ... فغدا العذارُ دخانّ ذاك العنبرِ.\rوقال آخر وقد تقدّم إيراده في صفاء الخدّ:\rأعدْ نظراً، فما في الخدّ نبْتٌ ... حماه الله من ريب المنونِ!\rولكن رقَّ ماء الوجه حتَّى ... أراك مثال أهداب الجفونِ.\rومثله قول الآخر وقد تقدّم إيراده:\rولمَّا استدارتْ أعين الناس حولهُ ... تُلاحظه كيف استقلَّ وسارا،\rتمثَّلت الأهداب في ماء وجهه ... فظنُّوا خيال الشَّعْر فيه عذارا.\rوقال الحاجريّ:\rوما اخضرَّ ذاك الخدُّ نبْتاً، وإنما ... لكثرة ما شُقَّت عليه المرائِرُ.\rوقال آخر:\rيا لائمي في حُبِّ ذي عارضٍ، ... ما البلدُ المُخْصبُ كالماحلِ!\rيموجُ ماء الحسنِ في وجههِ ... فيقْذفُ العنْبر في الساحلِ.\rوقال آخر:\rولمَّا بدا خطُّ العذار بوجهه ... كظُلمة ليل في ضياء نهار،\rتغلغل في قلبي هواه فلم أزلْ ... خليع عذار في جديدِ عذار.\rوقال آخر:\rقالوا: التحى، فامتحتْ بالشَّعر بهجتُه! ... فقلت: لولا الدُّجى لم يحسن القمرُ.\rمن كان منتظراً للصبر عنه به، ... فإنَّني لغرامي كنت أنتظرُ.\rخطَّتْ يدُ الحسن منه فوق وجنته: ... هذي محاسنُ، يا أهل الهوى، أُخرُ!\rوقال آخر:\rوقلت: الشَّعر يُسليني هواه! ... ولم أعلم بأنَّ الشَّعْر حيني.\rفظلت لشقوتي أفدي وأحمي ... سواد عذاره بسواد عيني.\rوقال محمد بن عبد الله السلامي، شاعر اليتيمة:\rعذارك جادتْ عليه الرِّيا ... ضُ بأجْفانها وبآماقها.\rوطال غرام الغواني به ... فقد طرّزتْه بأحداقها.\rوقال ابن سُكَّرة الهاشميّ:\rوغزالٍ لولا نميمةُ شعر ... ذكَّرتْه، لقلت: إحدى الجواري.\rشاربٌ أشرب الصَّبابة قلبي، ... وعذارٌ خلعْتُ فيه عذاري.\rوقال آخر:\rقالوا: التحى وستسلو عنه، قلت لهم: ... هل يحسن الروض ما لم يطلُعِ الزَّهرُ؟\rهل التحى طرفه الساجي، فأهْجرهَ؟ ... وهل تزحزح عن ألحاظه الحور؟\rوقال أبو الفتح كشاجم:\rمن عذيري من عذارى قمرٍ، ... عرّض القلب لأسباب التلفْ؟\rزيد حُسناً وضياءً بهما، ... فهو الآن كبدرٍ في سدفْ.\rخمَّشا خدّيه ثم انعطفا، ... آه ما أحسن ذاك المنعطفْ!\rعلم الشَّعر الذي عاجله ... أنه جار عليه، فوقفْ.\rفهو في وقفته معترفٌ ... بالتناهي في التعدِّي والسَّرفْ.\rوقال آخر:\rلا تعتقدوا ما لاح في وجنتهِ ... شعراً، غلطاً! ما ذاك من شيمتهِ!\rبل ساكن ماء الحسن قد حرَّكه ... موجٌ قذف العنبر في حافتهِ.\rوقال عبد الله بن سارة الإشبيليّ:\rومُعذِّرٍ رقَّت حواشي حُسنهِ، ... فقلوبنا حذراً عليه رقاقُ.\rلم يُكس عارضه السواد، وإنما ... نفضتْ عليه صباغها الأحداقُ.\rوقال أبو بكر الدانيّ، شاعر الذخيرة:\rبدا على خدِّه عذارٌ ... في مثله يُعذر الكئيبُ.\rوليس ذاك العذارُ شَعْراً، ... لكنَّما سرُّه غريبُ.\rلمَّا أراق الدّماء ظلماً، ... بدت على خدّه الذُّنوبُ.\rوقال عبد الجليل الأندلسيّ:\rومُعذِّرين كأنما بخدودهم ... طرُقُ العيون ومنهجُ الأوداجِ.","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"وكأنما صقلوا الجمال فأظهروا ... مشى النِّمال على مُتُون العاجِ.\rومما وصف به العذار\rعلى طريق الذمّ، فمن ذلك ما قاله الوزير أبو المغيرة ابن حزم، عندما عُرضت عليه رسالة بديع الزمان في الغلام الذي خطب إليه وُدّه بعد أن عذَّر، قال: \" ورد كتابك ينشد ضالة ودِّنا، ويرقع خلق عهدنا؛ ويطلب ما أفاءته جريرتك إلينا، وذهبت به جنايتك علينا؛ أيام غصنك ناضر، وبدرك زاهر؛ لا نجد رسولاً إليك، غير لحظة تخْرق حجاب الدّموع، أو زفرةٍ تُقيم مُنْآد الضُّلوع؛ فإن رُمْنا شكوى ينفُث بها مصْدورنا، ويستريح إليها مهجورنا؛ لقينا دونها أمنع سدّ، وأقبح كفٍّ وصدّ، وأقدح ردّ. \" وفي فصل منها: \" حتَّى إذا طفئتْ تلك النِّيران، وانتصف لنا منك الزمان؛ بشعراتٍ أغشت هلالك كسوفاً، وقلبت ديباجك صوفاً؛ وأعادت نهارك ليلاً، وناحت عليك تلهُّفاً وويلاً؛ وأطار حمامك غرابك، وحجب ضياءك ضبابك؛ فصار عُرسك مأتماً، وعاد وصلك محرّماً، قال القائل:\rوبتَّ مُداماً تُسرُّ النزيف ... فأصبحت تُجرع خلاً ثقيفا.\rوصرت حجازاً جديب المحلِّ، ... وقد كنت للطالب الخصب ريفا.\rأقبلت تتسلَّل إلينا لواذاً، وتطلب منا عياذاً؛ قد أنساك ذُلُّ العزل عزَّ الولاية، وأولاك طمعاً نسياننا تلك الجناية؛ أيام ترشقنا سهام ألحاظك رشقا، وتقتلنا سيوف ألفاظك عشقاً؛ وتميس غصناً، فتثير حزناً؛ وتطلع شمسنا، فتفتِّت نفساً.\rفالآن نلقاك بدمع قد جفّ، ووجد قد كفّ؛ وعزاء قد أبَّد، وصبر قد أغار وأنْجد؛ وننظر منك إلى روض قد صوّح، وسارٍ قد أصبح؛ وأعجم قد أفصح، ومُبهمٍ قد صرّح. فلا شكَّ قد رُفع الغطاء، ولا إفك قد برح الخفاء، ولا لوم قد وقع الجزاء. وهلاَّ ذكرت المثل الممتهن \" الصيف ضيَّعت اللبن! \" ونسيت من أحرقت قلبه صدّا، وأقلقت جنبه ردّا؛ وملأت جوانحه ناراً، وتركت نومه غراراً؛ أن يوفيك قرضاً، ويجازيك حتَّى ترضى؛ حين نُكِّس علمك، وعثرت قدمك؛ وضاقت طُرقك، وأظلم أُفقك؛ وهوى نجمك، وخاب قدحك؛ وفُلَّ سيفك، وحُطّ رُمحك؛ فاطو ثوب وصلك فلا حاجة لنا إلى لباسه، وازو طارق شخصك فلا رغبة لنا في إيناسه؛ فما يشتهي اليوم زيارة رمس، من زهد فيه أمس. قال:\rحانت منيتُه فاسودَّ عارضُهُ، ... كما تُسوّد بعد الميِّتِ الدارُ.\rيا من نعته إلى الإخوان لحيته، ... أدبرت، والناس إقبال وإدبارُ!\rفيا لدهرٍ مضى ما كان أحسنهُ! ... إذ أنت ممتنعٌ والشَّرْطُ دينارُ.\rأيام وجهك مصقولٌ عوارضه، ... وللرياض على خدّيك أنوارُ!\rوقال عليّ بن نصر الكاتب تعزيةً لمن طلعت لحيته: لكل حادثة يفجع بها الدهر - أحسن الله معونتك - حدّ من القلق والالتياع، ومبلغ من التحرّق والارتياع؛ تستوجب فنّاً من التعزية، وتستحق نصيباً من العظة والتسلية؛ والاختصار فيها لما قرب خطبه وشانه، والإكثار لما جلّ محلّه ومكانه.\rومُصابُك هذا - أعانك الله - في بياض عارضك لما اسودّ، كمُصابك في سواده إذا ابيضّ؛ والألم ببياض روضه جميماً، نظير الألم به يوم يعود هشيماً.\rفليس أحد يدفع عظيم النازل بك، ولا يستصغر جسيم الطارق لك؛ وإن كان ما يتعقبه من المشيب أقذى للعيون.\rالتفتت عنك النواظر، وكانت ملتفتة إليك، ووقفت عنك الخواطر، وكانت موقوفة عليك؛ وصيَّرك قذى الأجفان وكنت جلاها، وجعلك كُرْبة النفوس وكنت هواها؛ وأبدلك من أنس التقبل، وحشة التنقل؛ وعوّضك من رقة الترفرف، وكلفة التأفُّف؛ فتبارك الله الذي صرف عنك الأبصار، ونقَّل فيك الأطوار! فعويلاً دائماً وبكاء! وعزاء عن الذكر الجميل عزاء! فلكل أجل كتاب، وعلى كل جائحة ثواب.\rولقد استوفيت أمد الصبا والصبابة، واستنبت الحسرة عليها والكآبة. فرزيَّتُك راسية والرزايا سوائر، ومصيبتك ثابتة والمصائب عوائر. \" إنا لله وإنا إليه راجعون \" .","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"ثم لا حيلة، فإنها الأيام التي لا تثبت على حاله، ولا تعرف غير التنقل والاستحالة! فآجرك الله في وجه نضب ماؤه، وذهب رواؤه ومات حياؤه! وفي ضيعة استأجم برُّها، واستدغل نورها؛ وأسبع طريقها، واتسعت تنوفتُها! وفي جاه كان عامراً فخرب، ودخل كان وافراً فذهب، وتذكار كان واصلاً إلى القلوب فحُجب! فأصبحت مسبوق السكِّيت، وظللت حياً وأنت الميت؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله من محنٍ دُفعت إليها، ولم تُعن بحال عليها.\rوقد يشغل الإنسان عن نوائبه المشاركون فيها، ويسلِّيه عنها المساهمون في معنى معانيها؛ وأنت من بين هذه المنزلة لا شريك لك، فإنهم يعتاضون عنها ولست بمعتاض، ويركضون للعيش ولست بركَّاض. والدهر يطوي محاسنك طيَّ السجلِّ كتابه، وينشر مقابحك نشر اليماني أثوابه. ويملُّ الطرف رؤيتك فلا يُفيق عليك جفناً، ويمجُّ السمع ذكرك فلا يجد عنده أذناً.\rومنها: وقد جعلت رُقعتي هذه جامعةً بين البكاء عليك والأنين، وناظمةً بين العزاء والتأبين. لها حلاوة النثر، وعليها طلاوة الشعر. نتجتْها قريحةٌ عليك، ونسجتها خواطر خاطرت إليك؛ تخفِّف غرامك والناس مشاغيل بتثقيله، وتكرم مكانك والإجماع واقع على تهوينه. فإن عرفت لي ذاك، وإلا عرفه الصِّندق؛ وإن شكرنه، وإلا شكره الحق.\rوالسلام عليك من أسير لا يخلص بالفدية، وقتيل بسيف السِّبال واللحية. \" وقال الصنوبريّ:\rما بدت شعرةٌ بخدِّك إلاَّ ... قلتُ في ناظريَّ أو في فؤادي.\rأنت بدرٌ جنى الخسوفُ عليه ... ظلمةً، لا أرى لها من نفاذِ.\rفاسوداد العذار بعد ابيضاضٍ ... كابيضاض العذار بعد اسودادِ.\rوقال آخر:\rأصبح نحساً وكان سعداً من كان موْلىً فصار عبدا.\rبكى على حُسنه زماناً ... لما رأى الشَّعْر قد تبدّى.\rلو نبت الشَّعْرُ في وصالهٍ، ... لعاد ذاك الوصالُ صدّا!\rوقال الخبزأرزي:\rبدا الشَّعْرُ في وجهه، فانتقمْ ... لعاشقه منه لمَّا ظلمْ.\rوما سلَّط الله نبْت اللِّحى ... على المُرْدِ إلاَّ زوال النِّعمْ.\rتوحَّشت العين في وجهه، ... وحق لها وحشةٌ في الظُّلمْ.\rإذا اسودّ فاضلُ قرطاسه، ... فما ظنُّه بمجاري القلمْ؟\rولم يعْلُ في خدِّه كالدُّخا ... ن إلاَّ وأسفله كالحممْ.\rوقال التَّنُوخيّ:\rقلتُ لأصحابي، وقد مرّ بي ... مُنتقباً بعد الضِّيا بالظُّلمِ:\rبالله، يا أهل ودادي! قفوا ... كي تُبصروا كيف زوال النِّعمِ!\rوقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسيّ في ملتحٍ:\rما للعذارِ، وكان وجهك قبلةً، ... قد خطَّ فيه من الدُّجى محرابا.\rوإذا الشَّباب وكان ليس بخاشع قد خرّ فيه راكعاً، وأنابا.\rوقال أيضاً:\rوافى بأوّله صحيفة صفحةٍ ... جعل العذارُ بها يسيل مدادا.\rمتجهِّماً ثكل الشَّباب كأنما ... لبس العذار على الشَّباب حدادا.\rوقال عمر المطوعيّ، من شعراء اليتيمة:\rغدا منذ التحى ليلاً بهيماً،وكان كأنَّه القمر المنيرُ.\rفقد كتب السَّواد بعارضيه ... لمن يقرا: \" وجاءكمُ النَّذيرُ \" .\rوقال عبد الجليل الأندلسيّ، من شعراء الذخيرة:\rوأمرد يستهيم بكل وادٍ ... وينصب للحشا خدّاً صليبا.\rدعوت دعاء مظلومٍ عليه، ... وكان الله مستمعاً مُجيبا.\rفطوّقه الزمان بما جناه، ... وعلَّق من عذاريْه الذُّنوبا.\rمما قيل في العُنُق يقال:الجيد، طولها - التَّلع، إشرافها - الهنع، تطامنها - الغلب، غلظها - البتع، شدّتها - الصَّعر، ميلها - الوقص، قصرها - الخضع، خضوعها - الحدل، عوجها.\rوقال دعبل:\rأتاح لك الهوى بيض حانٌ ... سلبنك بالعيون وبالنُّحُورِ.\rنظرْتَ إلى النحور فكدت تقضي ... فأولى لو نظرت إلى الخُصُورِ.\rوقال قيس بن الخطيم:\rوجيدٍ كجيد الرِّيم صافٍ يزينه ... توقُّدُ ياقوتٍ وفصْلُ زبرْجدِ.","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"كأنَّ الثريَّا فوق ثُغرة نحرها ... توقَّدُ في الظَّلماء أيَّ توقُّدِ.\rمما قيل في اليد إذا باشرت ما يعلق بها يقال: من اللحم غمرة، ومن الشحم زهمة، ومن السمن نسمة، ومن الزُّبد وضرة، ومن الجُبن نشمة، ومن اللبن مذقة، ومن البيض زهكة، ومن المسك صمرة، ومن الزيت قنمة، ومن الخمر عتكة، ومن الخل خمطة، ومن العسل ونحوه لزجة، ومن الطيب عطرة، ومن الغالية عبقة، ومن الزعفران ردعة، ومن العنبر لطخة، ومن الخلوق ضمخة، ومن الحنَّاء قنئة، ومن الدّم ضرجة، ومن الماء بللة، ومن الطين لثقة وردغة، ومن البرد صردة، ومن التراب كئبة وغضرة، ومن القار حلكة، ومن الفحم حممة، ومن المداد طرسة، ومن الحديد سهكة، ومن الفضة سبكة، ومن الذهب نضرة، ومن النار شعلة، ومن الرياحين فوحة، ومن البقل زهرة، ومن الفاكهة الرطبة لزقة، ومن البابسة فكهة، ومن العمل مجلة ونفطة، ومن الخشونة شثنة وثفنة، ومن الشوك مشطة وشظية، ومن الحطب حزمة، ومن الرمح كعبة، ومن الصولجان لعبة، ومن الجود سبطة، ومن العظية منحة، ومن البخل جعدة، ومن المنع لحزة، ومن العدم تربة، ومن الرزّ زنخة، ومن الصابون حفرة، ومن الفرصاد قانية، ومن الرجيع قثمة، ومن كل القاذورات قذرة، ومن الوسخ درنة.\rمما مدحت به اليد\rقال مؤيد الدّين الطُّغرائي:\rويدٍ تُمدُّ المال راحتها ... أبداً، ويغمر ظهرها القُبلُ.\rإن ضنَّ غيثٌ أو خبا قمرٌ ... فجبينه ويمينه البدلُ.\rوقال عبد المؤمن بن هبة الله الأصبهانيّ:\rقالوا: بدتْ عارضةٌ لا بدتْ! في كفِّ ذاك السيِّد الأوحدِ.\rراحته راحة من يجتدي، ... وكفُّه كفُّ الذي يعتدي.\rفلا أصابت يده آفةٌ! ... فكم يدٍ عندي لتلك اليدِ.\rوقال ابن دريد:\rيا من يقبِّلُ كفَّ مُمخرقٍ، ... هذا ابن يحيى ليس بالمخراقِ!\rقبِّلْ أنامله، فلسْن أناملاً؛ ... لكنهنَّ مفاتح الأرزاقِ!\rوقال ابراهيم بن العباس بن محمد:\rلفضل بن سهلٍ يدٌ ... تقاصر عنها المثلْ.\rفباطُنها للنَّدى، ... وظاهرها للقُبلْ.\rوبسطتُها للغنى، ... وسطوتُها للأجلْ.\rوقال ابن الروميّ:\rفامدُدْ إليّ يداً تعوّد بطنها ... بذل النَّوالِ، وظهرها التقبيلا.\rوقال أبو ناس:\rيا قمراً، أبرزه مأتمٌ ... يندُب شجواً بين أتراب!\rيبكي فُيذْري الدُّرَّ من نرجس، ... ويلطم الورد بعنَّاب.\rوقال الناشي:\rمنْ كفِّ جاريةٍ كأنَّ بنانها ... من فضَّةٍ قد طُرِّفت عُنَّابا.\rوكأنّ يُمناها إذا نطقتْ بها ... تُلْقى على يدها الشِّمال حسابا.\rوقال الراضي بالله:\rقالوا: الرَّحيل! فأنْشبت أظفارها ... في خدِّها، وقد اعتلقن خضابا.\rفاخضرَّ تحت بنانها فكأنَّها ... غرست بأرض بنفسجٍ عُنابا.\rوقال ابن كيغلغ:\rلمَّا اعتنقنا للوداع وأعربت ... عبراتنا عنَّا بدمع ناطقِ،\rفرَّقْن بين معاجرٍ ومحاجرٍ، ... وجمعن بين بنفسج وشقائقِ.\rوقال كشاجم:\rفما أنْسها، لا أنسَ منها إشارةً ... بسبَّابة اليُمنى إلى خاتم الفمِ!\rوأعلنت بالشكوى إليها فأومأت ... حذاراً من الواشين أن لا تكلَّمِ.\rفلم أرَ شكلاً واقعاً فوق شكله ... كعُنَّابةٍ تُومى بها فوق عنْدمِ.\rمما قيل في النهود يقال: ثُنْدُوة الرّجل، ثدي المرأة، خِلف الناقة، ضرع الشاة والبقرة، طُبْيُ الكلبة.\rقال ابن الروميّ:\rصدورٌ فوقهنَّ حقاق عاجٍ، ... وحلْيٌ زانه حٌسن اتساقِ!\rيقول الناظرون إذا رأوها: ... أهذا الحلْيُ من هذي الحقاقِ؟\rوما تلك الحقاق سوى ثُديٍّ ... قدرن من الحقاق على وفاقِ.\rنواهدُ لا يُعدُّ لهنَّ عيْبٌ ... سوى منع المُحبِّ من العناقِ.\rوهو مأخوذ من قول بعض الأعراب:","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"أبت الرَّوادف والثُّديُّ لقُمْصها ... مسَّ البطون، وأن تمسَّ ظهورا.\rوقال محمد بن مبادر:\rولها ثديان ما عدوا ... من حقاق العاج أن كعبا.\rقسمت نصفين دعص نقاً ... وقضيباً لان، فاضطربا.\rوقال عبد الله بن أبي السَّمط بن مروان:\rكأنَّ الثُّديّ إذا ما بدت ... وزان العقود بهنَّ النُّحورا،\rحقاقٌ من العاج مكنونةٌ ... يسعن من الدّرِّ شيئاً كثيرا.\rوقال عليّ بن الجهم:\rكنت مُشتاقاً وما يحجزني ... عنك إلا حاجزٌ يمنعني.\rشاخصٌ في الصدر، غضبانٌ على ... قبب البطن وطيِّ العُكنْ.\rيملأ الكفَّ ولا يفْضله، ... وإذا أثْنيته لا ينثني.\rوقال ابن الروميّ:\rمُلقماتٌ أطفالهْنَّ ثُديّاً ... ناهداتٍ كأحسن الرُّمانِ.\rمُفعماتٌ كأنها حافلاتٌ ... وهي صفر من درّة الألبانِ.\rوقال ابن المعتزّ:\rقبيحٌ بمثلك أن تهجري، ... وأقبح من ذاك أن تُهجري.\rأقاتلتي بفتور الجفون ... ورُمَّانتين على منبرِ،\rكحقين من لُبِّ كافورةٍ ... برأسيهما نُقطتا عنبرِ!\rمما قيل في البطن يقال: الدّحل، عظمه - الحبن، خروجه - الثَّجل، استرخاؤه - القمل، ضخمه - الضُّمُور، لطافته - العجر، البجر، شُخُوصه - التَّخرْخر، اضطرابه.\rقال محمد بن مبادر:\rوالبطنُ ذو عُنكةٍ لطيفٌ ... صفْرٌ وشاحاه جائلانِ.\rأشرف من فوقه عليه ... ثديان ميلان ناهدانِ.\rمما قيل في الأرداف والخصور فمن ذلك ما ورد على لفظ التذكير.\rفمنه قول عبد الله بن طاهر:\rصبٌّ كئيبٌ يشتكيك الهوى ... كما اشتكى خصرك من رِدفكا.\rلسانه عن وصف أسقامهِ ... أكلُّ منه عن مدى وصفكا.\rوقال ابن أبي البغل:\rكأنَّه في اعتداله غُصُن ... وفي السَّراويل منه أمواجُ.\rإذا مشى كالقضيب جاذبُه ... ردفٌ له كالكثيب رجاجُ.\rويعلم الله أنَّني رجُل ... إليه مذ قد كبرتُ محتاجُ.\rوأنشد أبو بكر دُريْد عفا الله عنه ورحمه:\rقد قلتُ لمَّا مرّ يخطرُ ماشياً ... والردف يجْذب خصره من خلفهِ.\rيا من يُسلِّم خصره من ردفه ... سلِّم فُؤاد محبِّه من طرفهِ.\rوقال السريّ الرفَّاء:\rضعفت معاقد خصره وعهوده ... فكأنَّ عقد الخصر عقد وفائه.\rوقال المتنبي:\rوخصْر تثبتُ الأبصار فيه ... كأنَّ عليه من حدقٍ نطاقا.\rوقال السريّ الرفَّاء:\rأحاطت عيون الناظرين بخصره ... فهنّ له دون النِّطاق نطاقُ.\rوقال الأمير سيف الدّين المشدّ:\rوأهيف القدِّ بتُّ أشكو ... له تلافي وما تلافي.\rفلان عطفاً ودقَّ خصراً ... وإنما ردفه تجافى.\rوقال أبو نواس:\rليِّن القدِّ لذيذُ المُعتنقْ ... يشبه البدر إذا البدر اتَّسقْ.\rمثقل الردف إذا ولَّى حكى ... مُوثقاً في القيد يمشي في زلقْ.\rوإذا أقبل كادت أعينٌ ... نحوه تجرح فيه بالحدقْ.\rوقال آخر وأجاد:\rأيامن نصفه غُضنُ ... يميل ونصفُه كفلُ.\rصفاتك في تبايُنها ... فمُنفصلٌ ومُتَّصلُ.\rفنصفُك موجُ عاصفةٍ ... ونصفك شاربٌ ثملُ.\rوصفها على لفظ التأنيث\rفمنه قول أبي عُبادة البُحتريّ:\rكأنَّهن وقد قاربن في نظري ... ضدّين في الحسن تثقيلاً وإخْطافا.\rرددن ما خفَّفتْ عنه الخصور إلى ... ما في المآزر فاستثقلن أرْدافا.\rوقال آخر:\rلها ردفٌ تعلق في لطيف ... فذاك الرِّدف لي ولها ظلومُ.\rيعذِّبني إذا فكَّرت فيه ... ويُتعبها إذا قصدت تقومُ.\rوقال مؤمل وأفرط:\rمن رأى مثل حبَّتي ... تُشْبه البدر إذ بدا.\rتدخلُ اليوم ثم تدْ ... خُلُ أردافها غدا.\rوقال أبو هلال:","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"تمْشي بأردافٍ أبين قعُودها ... بين النِّساء كما أبين قيامها.\rوقال عليّ بن عطية البلنسي:\rوإنْسيَّةٍ زارتْ من اللَّيْل مضْجعي ... فعانقت غُصن البان منها إلى الفجر.\rأسائلها أين الوشاحُ؟ وقد سرتْ ... مُعطَّلةً منه، معطَّرة النَّشْر.\rفقلت: وأومت، للسِّوار نقلته ... إلى معصمي لما تقلقل في خصري.\rوقال الطائيّ:\rمن الهيف لو أنَّ الخلاخل صُيِّرت ... لها وُشُحاً عليها الخلاخلُ.\rوقال إسحاق الموصليّ:\rظباءٌ كاليعافيرِ ... كُنُوسٌ في المقاصيرِ.\rوأدبرن بأعْجازٍ ... كأوساط الزنَّانيرِ.\rوقال عمر بن أبي ربيعة:\rيتقابلن كالبدور على الأغْ ... صان في مُثقل من الأردافِ.\rبخصورٍ تحكي خُصُور الزناني ... ر ضعافٍ هممن بالانقصافِ.\rوقال آخر:\rعظُمتْ روادفُها فآذتْ خصرها ... ووشاحها قلقٌ كقلب المغرم.\rوقال آخر:\rآخرها مُتْعبٌ لأوّلها ... فبعضها جائرٌ على بعضِ.\rوقال آخر:\rتمشي فتُثقلُها روادفها ... فكأنَّها تمشي إلى خلف.\rوقال البجليّ:\rإن العزيز عليّ خصرك إنه ... بالردف حُمِّل منك ما لا يُحملُ.\rفخذي له جسمي مكان وشاحه ... إن العليل بشكله يتعلَّلُ.\rومما قيل في السُّوق فمن ذلك قول الأمير سيف الدّين المشدّ:\rساقٍ تجلَّى كأنَّه قمرُ، ... يحمل شمساً، أفديه من ساقِ!\rشمَّر عن ساقه غلائله، ... فقلت: مهلاً، واكفف عن الباقي!\rلمَّا رآني، وقد فُتنتُ به ... من فرط وجدي وعُظْم أشواقي،\rغنَّى وكأسُ المُدامِ في يده: ... قامت حروب الهوى على ساقِ.\rوقال عروة:\rفقمن بطيئاً مشْيهنَّ تأوّدا ... على قصبٍ قد ضاق عنه خلاخلهْ.\rكما هزَّت الميزان ريحٌ فحَّركتْ ... أعاليه منه وارجحنَّتْ أسافلهْ.\rوقال كُثيِّر عزَّة:\rويجعلن الخلاخل حين تلوى ... بأسوقهنَّ في قصبٍ خدال.\rوقال كشاجم:\rقلت: وقد أبصرتها حاسراً ... عن ساقها فاضل سربالها:\rلو لم تكن من بردٍ ساقها، ... لاحترقت من نار خلخالها.\rوله أيضاً:\rوإذا لبسن خلاخلاً، ... كذَّبْن أسماء الخلاخل.\rمما وصفت به القدود فمن ذلك قول أبي فراس الحمدانيّ:\rغلامٌ فوق ما أصفُ ... كأنَّ قوامه ألفُ.\rإذا ما مال يُرعبُني: ... أخاف عليه ينقصفُ.\rوأشفق من تأوّدُه: ... أخاف يُذيبه التَّرفُ.\rوقال الخُبْزأرزِّيّ:\rأهيف يحكي بقدِّه الألفا ... يخسر من لم يُكن به كلفا.\rأحسن من بهجة الخلافة والأم ... ن لمن قد يُحاذر التَّلفا.\rلو أبصر الوجه منه مُنهزمٌ ... يطلبه ألفُ فارسٍ، وقفا.\rوقال ماني:\rأتمنَّى الذي إذا أنا أومأ ... تُ إليه بطرف عيني، تجنَّى.\rأهيفٌ كالقضيب لو أنَّ ريحاً ... حرَّكت هدب ثوبه، لتثنَّى!\rوقال آخر:\rأيا سائلي عن قدِّ محبوبي الَّذي ... كلفتُ به وجداً وهمتُ غراما.\rأبى قصر الأغصان ثُمَّ رأى القنا ... طوالاً، فأضحى بين ذاك قواما.\rوقال آخر، وهو محمد بن التلمساني:\rيا مُخجلاً بقوامه ... أغصان بنات اللِّوى!\rما أنت عنْدي والقضي ... ب اللَّدْنُ في حدٍّ سوى!\rهذاك حرَّكه الهوا ... ء وأنت حرَّكت الهوى!\rوقال آخر:\rيا غُصناً راح الصِّبا ... يثنيه، لا ريح الصِّبا!\rما إن بدا للعين إلا ... ارتاح قلبي وصبا.\rولا انثنى يخطر إلا ... ازداد قلبي وصبا.\rوقال آخر، وهو كشاجم:\rمعتلٌ من كُلِّ أعطافه، ... مُستحسن القامة والملتفتْ.","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"لو قيست الدّنيا ولذَّاتها ... بساعةٍ من وصله، ما وفتْ.\rسُلِّطت الألحاظُ منه على ... قلبي، فلو أودت به ما اشتفتْ.\rواستعذبت روحي هواه فلا ... تصحو ولا تسلو، ولو أتْلفتْ.\rمما قيل في العناق فمن ذلك ما ورد على لفظ التذكير: فمنه قول الحسين بن الضحاك:\rومُوشَّح، نازعت فضل وشاحه ... وكسوته من ساعديَّ وشاحا.\rبات الغيور يشُقُّ جلدة خدِّه ... وأمال أعطافاً عليّ ملاحا.\rوقال آخر:\rبتُّ وبدرُ الدُّجى نديمي ... وهو مواتٍ بلا امتناعِ.\rفقلت للحاسدين لمَّا ... أشرقت الشمس بالشُّعاعِ:\rالقلبُ والطِّرْف منزلاه ... وهو إلى الآن في الذِّراع.\rوقال ابن المعتزّ:\rما أقصر الليل على الراقدِ! ... وأهون السُّقْم على العائدِ!\rيفديك ما أبقيت من مُهجتي، ... لست لما أوليت بالجاحدِ.\rكأنَّني عانقت ريحانةً ... تنفَّست في ليلها الباردِ.\rفلو ترانا في قميص الدُّجى، ... حسبتنا في جسدٍ واحدِ.\rوقال أبو هلال في نحو ذلك:\rونحن في نظم الهوى واحدٌ ... كأنَّنا عقدانِ في نحرِ.\rوقال ابن الصولي:\rطال عمر الليل عندي ... إذ تولَّعت بصدِّ.\rيا ظلوماً نقض العه ... د ولم يُوفِ بعهدِ!\rأنسيت الوصل إذ بت ... نا على مرقدِ وردِ.\rواعتنقنا كوشاح ... وانتظمنا نظم عقدِ.\rوتعطَّفْنا كغصني ... ن، فقدّانا كقدِّ.\rوقال ابن عبد كان الكاتب:\rوكلانا مُرتدٍ صاحبه ... كارتداء السَّيْف في يوم الوغى.\rبخدودٍ شافياتٍ من جوىً ... وشفاهٍ مُروياتٍ من ظما.\rنتساقى الريق فيما بيننا: ... زقَّ أُمَّات القطا زُغب القطا.\rوقال عليّ بن الجهم:\rسقى الله ليلاً ضمنا بعد فُرقة، ... وأدنى فؤاداً من فؤادٍ مُعذَّبِ!\rفبتنا جميعاً: لو تُراق زُجاجةٌ ... من الخمر فيما بيننا، لم تسرَّبِ.\rوقال الخبزأرزِّيّ:\rطوّقته طوق العناق بساعدي، ... وجعلت كفِّي للِّثامِ وشاحا.\rهذا هو الفوز العظيم فخلِّنا، ... مُتعانقين فما نُريد براحا!\rوقال صالح بن يونس:\rلي سيِّدٌ ما مثله سيِّدٌ، ... تصدّت الحمَّى له فاشتكى.\rعانقته عند موافاته، ... والأفق بالليل قد احلولكا.\rفجاءت الحمَّى كعادتها، ... فلم تجد ما بيننا مسلكا\rوقال الحسين بن عليّ بن بشر الكاتب\rضممته ضمَّ مُفرط الضَّمِّ، ... لا كأبٍ مُشفقٍ ولا أُمِّ\rولم نزل، والظلام حارسنا، ... جسمين مستودعين في جسمِ\rألثمه في الدُّجى، وبرْقُ ثنا ... ياه يُريني مواضع اللَّثْمِ\rثُمَّ افترقنا عند الصباح وقد ... أثَّرت فيه كهيئة الختمِ\rوقال أبو عبد الله الحامديّ\rسقاني وحيّاني وبات معانقي! ... فيا عطف معشوقٍ على ذُلِّ عاشقِ!\rويا ليلةً، باتت سواعدنا بها ... تدور على الأعناق دور المخانقِ!\rنبُثُّ من الشَّكوى حديثاً كأنَّه ... قلائد درٍّ في نُحور العواتقِ.\rمما ورد على لفظ التأنيث\rفمن ذلك قول أبي إسحاق الصابي:\rهيفاء تحكي قضيباً ... قد جمَّشتْه الرِّياحُ.\rتفترُّ عن سمط دُرٍّ ... عليه مسْكٌ وراحُ.\rجرَّدتُها واعتنقنا: ... كلُّ لكلٍّ وشاحُ!\rباتت، وكلُّ مصونٍ ... لي من حماها مُباحُ.\rفي ليلةٍ لم يعبها ... في الدّهر إلا الصَّباحُ.\rوقال أيضاً:\rأقول وقد جرَّدُتها من ثيابها ... وعانقْتها كالبدر في ليلة التِّمِّ:","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"لئن آلمت صدري بشدّة ضمِّها، ... لقد جبرت قلبي وإن أوهنت عظمي!\rوقال أبو الفضل الأصبهانيّ:\rيا ليلةً قُرنت لنا ... فيها المآرب بالنجاحْ.\rبتنا برغم وشاتنا ... متعانقين إلى الصَّباحْ.\rمتمازجين كأنَّنا ... روحان من ماء وراحْ.\rظنَّ الوشاة لفرط ضمِّ ... ي أنني بعض الوشاحْ!\rوصف مشي النساء يقال: تهالكت المرأة، إذا انفتلت في مشيتها.\rتأوَّدتْ، إذا اختالت في تثنٍّ وتكسُّر.\rبدحت وتبدَّحت، إذا أحسنت مشيتها.\rتهزَّعت تهزعاً، إذا اضطربت في مشيتها.\rقرصعت قرصعةً، وهي المشية القبيحة؛ وكذلك مثعت مثْعاً.\rوقال الأعشى:\rغراء، فرعاء، مصقولٌ عوارضها ... تمشي الهوينى كما يمشي الوجى الوحلُ.\rكأنَّ مشيتها من بيت جارتها ... مرُّ السحابةِ: لا ريث ولا عجلُ.\rوقال آخر:\rيمشين مشي قطا البطاح تأوُّداً، ... قب البطون، رواجح الأكفالِ.\rوقال ابن عائشة من أبيات:\rفكأنَّهنّ إذا أردن خُطاً ... يقلعن أرجلهنَّ من وحلِ.\rوقال أبو الفتح كشاجم:\rوتهتزُّ في مشيتها مثل ما ... تهزُّ الصَّبا غُصناً ناعما.\rوتأمُر بالأمر فيه الذي ... كرهت فأرضى به راغما.\rوقال آخر:\rشبَّهت مشيتها بمشية ظافرٍ ... يختال بين أسنَّةٍ وسيوفِ.\rصلفٍ تباهت نفسه في نفسه، ... لما انثنى بسنانه المرعُوفِ.\rوقال آخر:\rتمشي الهوينى إذا مشت فُضلاً ... مشي النَّزيف المخمور في صعد.\rتظلُّ من زور بيت جارتها ... واضعةً كفَّها على الكبد.\rوقال المنخَّل اليشكريّ:\rولقد دخلت على القنا ... ة الخدر في اليوم المطيرْ.\rفدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغديرْ.\rولمتُها فتنفَّست ... كتنفس الظَّبي البهيرْ.\rوقال عمر بن أبي ربيعة:\rأبصرتها ليلةً، ونسوتها ... يمشين بين المقام والحجرِ.\rيرفلن في الرَّيط والمروط كما ... تمشي الهوينى سواكن البقرِ.\rوقال ابن مُقبل:\rيهزُزن للمشي أوصالاً منَّعمةً ... هزَّ الجنوب ضُحىً عيدان يبرينا.\rأو كاهتزاز ردينيٍّ تداوله ... أيدي التِّجار فزادوا متنه لينا.\rيمشين هيل النَّقا مالت جوانبه ... ينهال حيناً وينهال الثَّرى حينا.\rوقال أشجع السلميّ:\rوماجت كموج الماء بين ثيابها ... يميل بها شطرٌ ويعدلها شطرُ.\rإذا وصفت ما فوق مجرى وشاحها ... غلائلها ردَّت شهادتها الأزرُ.\rوقال العباس بن الأحنف:\rشمسٌ مقدّرةٌ في خلق جاريةٍ ... كأنما كشحها طيُّ الطَّواميرِ.\rكأنها حين تمشي في وصائفها ... تخطو على البيض أو خضر القواريرِ!\rانتهى الغرض في وصف الأعضاء، وما شاكلها واتصل بها.\rفلنذكر إن شاء الله تعالى ما جاء فيما قدّمناه من الأمثال.\rأمثال ذكر فيها الإنسان يقال: شديدٌ على الإنسان ما لم يعوَّد.\rوما عُلِّم الإنسان إلا ليعلما.\rالناس من جهة التمثيل أكفاء.\rالناس أخيافٌ وشتَّى في الشيم.\rالناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم.\rوما الناس إلا هالكٌ وابن هالك.\rوالناس أولاد علاَّتٍ فمن علموا ... أن قد أقلَّ فمهجورٌ ومحقورُ.\rوقال آخر:\rالناس أكيس من أن يحسدوا رجلاً ... حتَّى يروا عنده آثار إحسان.\rويقال: المرء أعلم بشأنه.\rالمرء مع من أحبّ.\rدعِ امرأً وما اختار.\rكلُّ امرئٍ في شأنه ساع.\rكلُّ امرئٍ مصبَّحٌ في أهله.\rكلُّ امرئٍ من شجو صاحبه خلو.\rالمرء يعجز لا محالة.\rالمرء توَّاقٌ إلى ما لم ينلْ.\rالمرء يجمع، والزمان يفرِّقُ.\rويقال: الرِّجال بالأموال.\rتُقطِّع أعناق الرجال المطامع.\rولكلِّ دهر دولةٌ ورجالٌ.\rأمثال في ذكر النفس يقال: النفس مولعةٌ بحبِّ العاجل.\rالنفس أعلم من أخوك النافع.","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"أكذب النفس إذا حدّثتها.\rما عاتب الرجل اللبيب كنفسه.\rالجود بالنفس أقصى غاية الجود.\rنفس عصامٍ سؤدت عصاما.\rأعضاء الإنسان في الأمثال الظاهرة والباطنة\rالرأس والشعر\rمن نجا برأسه فقد ربح.\rرماه بأقحاف رأسه. أي بالدواهي.\rاختلفت رؤوسها فرتعت.\rكلُّ رأسٍ به صداع.\rويقال: أدقُّ من الشَّعر.\rأهون من الشَّعر الساقط.\rذكر الوجه\rوجه المحرِّش أقبح. أي وجه مبلغ القبيح أقبح من وجه قائله.\rفي وجه مالكٍ تُعرف إمرته.\rقبل البكاء كان وجهك عابساً.\rقال أبو تمام:\rوما أُبالي، وخير القول أصدقه، ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي.\rوقال ابن الروميّ:\rوقلَّ من ضمنت خيراً طويَّته ... إلا وفي وجهه للخير عنوانُ.\rله مُحيّاً جميلٌ يُستدلُّ به ... على جميلٍ، وللبطنان ظهرانُ.\rوقال آخر:\rصلابة الوجه صلاح الفتى ... ورقَّة الوجه من الخُرقة.\rمن ذكر العين\rيقال: أسرع من طرف العين.\rأسرع من لمح البصر.\rالعين ترجمان القلب.\rشاهد البغض اللحظ.\rرُبَّ عينٍ أنمُّ من لسان.\rليس لما قرّت به العين ثمن.\rنظرةٌ من ذي علق.\rعينٌ عرفت فذرفت.\rلحظة أصدق من لفظه.\rليس لعينٍ ما رأت، ولكن لكفٍّ ما أخذت.\rلا تطلب أثراً بعد عينٍ.\rمن أطاع طرفه، أصاب حتفه.\rوأيُّ عارٍ على عين بلا حور.\rوالدّمع قد يعلن ما في الصدور.\rومن الأبيات:\rوعين الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ؛ ... ولكنَّ عين السُّخط تُبدي المساويا.\rوقال الأمير أبو الفضل الميكالي:\rكم والدٍ يحرم أولاده ... وخيره يحظى به الأبعدُ.\rكالعين لا تنظر ما حولها، ... ولحظُها يُدرك ما يبعدُ.\rذكر الأنف\rأنفك منك وإن كان أجدع. يضرب في القريب السوء.\rشفيتُ نفسي وجدعت أنفي.\rلأمرٍ مَّا جُدع قصيرٌ أنفه.\rكلُّ شيءٍ أخطأ الأنف جلل.\rلُدغتُ حيث لا يضع الراقي أنفه. يضرب للأمر الذي لا دواء له.\rرُبَّ حامٍ لأنفه وهو جادعه. يضرب لمن أنف من الشيء فتوقعه الأنفة في أشدَّ منه.\rمات حتف أنفه.\rجدع الحلال أنف الغيرة. قاله رسول الله، صلى الله عليه وسلم.\rأنفٌ في السماء، واستٌ في الماء!\rذكر الفم، واللسان، والأسنان\rكل جانٍ يده إلى فيه.\rحدّثني، فاه إلى فيّ.\rفلان خفيف الشفة. أي قليل المسألة.\rسكت ألفاً، ونطق خلفاً.\rقرع سنّ النادم.\rكدمت في غير مكدم. أي طلبت غير مطلب.\rوجرح الدهر ما جرح اللِّسان.\rوجرح اللسان كجرح اليد.\rذكر الأذن\rجاء فلانٌ ناشراً أذنيه.\rلبست على ذلك أُذُنيّ.\rأساء سمعاً فأساء إجابةً.\rكلامه يدخل في الأذن بلا إذن.\rجعلت ذلك دبر أُذُني.\rذكر العنق\rحسبُك من القلادة ما أحاط بالعنق.\rأذلَّ الحرص أعناق الرجال.\rوقال أبو الفتح البستيّ:\rفكم دقَّت وشقَّت واسترقَّت ... فضُول العيش أعناق الرِّجالِ.\rذكر اليد\rأهدى من اليد إلى الفم.\rألزم من اليمين للشمال.\rيداك أوكتا، وفوك نفخ.\rاليد العليا خيرٌ من اليد السفلى.\rآثر لديه من يمين يديه.\rذهبوا أيدي سبا. أي متفرّقين.\rبالساعد تبطش الكفُّ.\rعلى يدي دار الحديث. إذا كان خبيراً بالأمر.\rهو على حبل ذراعه. أي موافق له.\rتربت يداه. دعاء عليه بالفقر.\rما تبلُّ إحدى يديه الأخرى. للبخيل.\rتركه على أنقى من الراحة.\rفلان يُقلِّب كفَّيه.\rسُقط في يديه. للنادم.\rأعطاه عن ظهر يدٍ. أي ابتدأه لا عن مكافأة.\rما سدّ فقرك مثل ذات يدك.\rإن الذَّليل الذي ليست له عضد.\rيدٌ تشحُّ، وأخرى منك تأسوني.\rعلى اليد ردٌّ ما أخذت.\rوما الكفُّ إلا إصبعٌ ثم إصبع.\rومن الأبيات:\rقد تطرف الكفُّ عين صاحبها، ... ولا يرى قطعها من الرَّشدِ.\rوقال آخر:\rفلو أنَّها إحدى يديّ رزئتها؛ ... ولكن يدي بانت على إثرها يدُ.\rوقال أبو تمام:\rوهل يستعيض المرء من خمس كفِّه، ... ولو صاغ من حُرّ اللُّجين بنانها؟\rذكر الصدر والقلب\rصدرك أوسع لسِّك.\rصدور الأحرار، قبور الأسرار.\rلا بدّ للمصدور من أن ينفث.","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"ألزم له من شعرات صدره.\rما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه.\rالقلب طليعةٌ.\rالقلوب تتقلَّب.\rقال بعض الشعراء:\rمتى تجمع القلب الذَّكي وصارماً ... وأنفاً حمياً، تجتنبك المظالم.\rوقال آخر:\rإنَّ التباعد لا يض ... رّ إذا تقاربت القلوبْ.\rذكر الظهر والبطن والجنب\rاستظهر على الدّهر بخفَّة الظَّهر.\rقلب الأمر ظهراً لبطنٍ.\rلا تجعل حاجتي بظهرٍ. أي لا تلقها وراء ظهرك.\rانقطع السَّلى في البطن. لتناهي الشِّدة.\rنزت به البطنة. لمن لا يحتمل النِّعمة.\rلكُلِّ جنبٍ مصرعٌ.\rلجنبه فلتكن الوجبة، في الدعاء عليه.\rدمِّث لجنبك قبل النَّوم مضطجعاً.\rذكر الكبد والدّم والعروق\rيا بردها على الكبد! فلانٌ بين الخلب والكبد.\rما ينفع الكبد يضرّ الطِّحال.\rويقال: جرى منه مجرى الدّم في العروق.\rهو أعزُّ من دم الفؤاد.\rسرُّك من دمك.\rلا تكايل بالدّم.\rلا يحزنك دمٌ هراقه وأهلكه. للجاني على نفسه.\rفلانٌ لا يشرب الماء إلا بدمٍ.\rالعرق نزَّاع.\rألا إنَّ عرق السُّوء لا بدّ مدرك!\rذكر الساق والقدم\rيقال: التفَّت الساق بالساق. في الشدّة.\rكشفت الحرب عن ساقها، وكشرت عن نابها.\rقدح في ساقه، إذا عمل في شيء يكرهه.\rلا يرسل الساق إلا ممسكاً ساقاً.\rقد شمَّرت عن ساقها، فشمِّري! في الحثِّ على الجدّ.\rويقال: له قدم في الخير. أي سابقةٌ.\rإنك لا تسعى برجلي من أتى.\rوقال الشاعر:\rإنَّ قُريشاً وهي من خير الأمم لا يضعون قدماً على قدمْ.\rمن ضُرب به المثل\rمن الرجال\rيقولون: أسخى من حاتم.\rأجود من كعب بن مامة.\rأجود من هرم. قال الميداني: هو هرم بن سنان بن أبي حارثة. وفيه يقول زهير بن أبي سلمى:\rإن البخيل ملومٌ حيث كان ول ... كنَّ الجواد على علاَّته هرم.\rأقرى من مطاعيم الرِّيح. ومطاعيم الريح أربعة: منهم أبو محجن الثقفيّ. وكان لبيد بن ربيعة العامريّ يُطعم إذا هبت الصَّبا.\rأشجع من ربيعة بن مُكدَّم.\rأعزُّ من كُليب بن وائل.\rأعزُّ من مروان القرظ.\rأسود من قيس بن عاصم.\rأحلم من الأحنف بن قيس.\rأزكن من إياس بن معاوية.\rأفتك من البرَّاض بن قيس النمريّ، خليع بني كنانة. فتك بعروة الرحَّال، والمساور بن مالك الغطفانيّ، وأسد بن خيثم الغنويّ بسبب لطيمة النعمان. وبسبب ذلك كانت أيام الفجار الأخر؛ وسنذكرها في وقائع العرب إن شاء الله تعالى.\rأوفى من الحارث بن عباد. وخبره مشهور مع مهلهل أخي كليب لما أمنه يوم تحلاق اللِّمم.\rأوفى من عوف بن مُحلِّم.\rأوفى من هانئ بن قبيصة. وخبره مشهور في أدرع النعمان؛ وبسببها كانت وقعة ذي قار.\rأوفى من السَّموءل بن عادياء.\rأجمل من ذي العمامة. وهو سعيد بن العاص بن أمية، ويكنى أبا أحيحة؛ وهو المقول فيه:\rأبو أحيحة من يعتمُّ عمَّته ... يضرب ولو كان ذا مالٍ وذا ولدِ.\rأمضى من سليك المقانب.\rأغلى فداءً من حاجب بن زُرارة؛ ومن بسطام بن قيس؛ ومن الأشعث. أسرته مذحج ففدى نفسه بثلاثة آلاف بعير.\rأعدى من الشَّنفري؛ ومن السُّليك بن السُّلكة.\rأبطأ من فند. وهو مولى لعائشة بنت طلحة؛ وقال أبو هلال العسكري: عائشة بنت سعد بن أبي وقَّاص، بعثت به مولاته ليقتبس ناراً، فأتى مصر، فأقام بها سنة، ثم جاء يشتد ومعه نارٌ، فتبددت فقال: تعست العجلة!","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"أنوم من عبُّود. كان عبود عبداً أسود؛ وكان الله عز وجل قد بعث نبياً إلى قومه. قال الميداني: إن النبيّ هو خالد بن صفوان، نبيُّ أهل الرَّسِّ. فلم يؤمن به أحد منهم إلا ذلك العبد الأسود، وإن قومه احتفروا له بئراً فصيروه فيها وأطبقوا عليه صخرةً. فكان ذلك الأسود يخرج من القرية فيحتطب، ويبيع الحطب فيشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إليه فيعينه الله تعالى على الصخرة فيرفعها ويدلي إليه الطعام والشراب. فاحتطب يوماً وجلس فنام على شقِّه الأيسر سبع سنين. ثم هبَّ من نومه فانقلب على شقِّه الأيمن، فنام سبع سنين، وهو يظن أنه نام ساعة من نهار. ثم احتمل حُزمته وأتى القرية، فباع الحطب وجاء إلى الحفرة فلم يجد النبيّ وكان قد بدا للقوم فأخرجوه. فكان يسأل عن الأسود، فيقولون: لا ندري. فضُرب به المثل لمن ينام نوماً طويلاً. وقيل فيه غير ذلك. وذكره الميداني في أمثاله ولم يذكر السبعة الثانية، وإنما ذكرها صاحب كتاب المفاخر.\rأنعم من خريم الناعم. هو رجل من ولد سنان بن أبي حارثة، كان في زمن الحجاج.\rأبلغ من سحبان وائل. ويقال أخطب من سحبان: وهو الذي يقول:\rلقد علم الحيُّ اليمانون أنَّني ... إذا قلت: أمَّا بعد، أنِّي خطيبها.\rأخطب من قُسٍّ. هو قُسٍّ بن ساعدة بن حُذافة بن زهير بن إياد بن نزار. وكان من حكماء العرب وهو أول من كتب من فلان إلى فلان؛ وأوّل من أقر بالبعث من غير علم؛ وأوّل من قال: \" البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر \" . وقيل: إنه عُمِّر مائةً وثمانين سنةً.\rروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: وفد وفد بكر بن وائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم! فلما فرغ من حوائجهم قال: أفيكم من يعرف قُسٍّ بن ساعدة الإياديّ؟ فقالوا: كلنا نعرفه! قال: ما فعل؟ قالوا: هلك! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: كأنِّي به على جملٍ أحمر بعكاظ قائماً، يقول: \" أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا! كلُّ من عاش مات، وكلُّ من مات فات، وكل ما هو آتٍ أت! إنَّ في السماء لخبراً، وإن في الأرض لعبراً: مهادٌ موضوع، وسقف مرفوع، وبحارٌ تموج، وتجارةٌ لن تبور وليلٌ داج، وسماءٌ ذات أبراج! أقسم قُسٌّ حقاً: إن كان في الأرض رضاً ليكوننَّ بعده سخط! وإن لله عز وجل ديناً هو أحبُّ إليه من دينكم الذي أنتم عليه! مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أرضوا فأقاموا؟ أم تُركوا فناموا! \" ثم أنشد أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه شعراً حفظه له، وهو:\rفي الذاهبين الأوّل ... ين من القرون لنا بصائر.\rلمَّا رأيتُ موارداً ... للموت ليس لها مصادرْ.\rورأيت قومي نحوها ... تسعى: الأصاغر والأكابرْ.\rلا يرجع الماضي إليّ ... ولا من الباقين غابر.\rأيقنت أنِّي لا محا ... لة حيث صار القوم صائر!\rويقال: أعيا من باقلٍ. وهو رجل من ربيعة ابتاع ظبياً وحشياً بأحد عشر درهماً، وجعل بقية الدراهم في فيه. فسئل عن ثمنه، ففعل بيديه تجاه السائل أي فتح أصابعه وفغر فاه وأدلى لسانه يشير بذلك إلى ثمنه. فحصل من ذلك انفلات الظبي؛ وسقوط الدراهم؛ والإساءة على السائل فضُرب به المثل.\rأبرُّ من العملَّس. كان برّاً بأمه يحملها على عاتقه.\rأبرُّ من فلحسٍ. وهو رجل من شيبان. حمل أباه على ظهره وحج به. وفيه أيضاً يقال: أسأل من فلحسٍ كان سيداً عزيزاً، يسأل سهماً في الجيش وهو في بيته فيُعطى لعزه؛ فإذا أُعطي سأل لامرأته؛ فإذا أُعطي سأل لبعيره، وكان له ولد يقال له زاهر، فكان مثله، فقيل فيه: \" العصا من العصيَّة \" .\rويقال: أخيب صفقةً من شيخ مهو. وهو حيّ من عبد القيس اشتروا الفسو من إياد وكانوا يعرفون به، فعرفت به عبد القيس. قال الميداني: هذا الشيخ اسمه عبد الله بن بيدرة، اشترى الفسو من إياد ببردى حبرةٍ، وقال لقومه: اشتريت لكم عار الدهر، فقالت عبد القيس في ذلك:\rإن الفساة قبلما إيادُ ... ونحن لا نفسو ولا نكادُ.\rوفيهم يقول شاعر:\rيا من رأى كصفقة ابن بيدرة ... من صفقةٍ خاسرة مُخسَّرة؟\rالمشتري العار ببردى حبره! ... شلَّت يمين صافقٍ ما أخسره!","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"أخسر صفقةً من أبي غبشان. فإنه باع مفاتيح الكعبة من قصيّ بزقِّ خمر.\rأضلُّ من سنانٍ. وهو ابن أبي حارثة المرّي؛ وكان قومه عنفوه على الجود، فركب ناقة له ورمى بها الفلاة، فلم يُر بعد ذلك. وسمته العرب ضالَّة غطفان؛ وقالوا: إن الجانَّ استفحلته تطلب كرم نجله.\rأبطش من دوسر. وهي كتيبة النعمان.\rأهدى من قيس بن زهير.\rأفرغ من حجَّام ساباط. يقال إنه كان إذا أعوزه من يحجمه حجم أمَّه. فلم يزل يحجمها حتى نزف دمها، فماتت.\rأندم من الكُسعيّ. واسمه مُحارب بن قيس، وقيل غامد بن الحارث. وكان أرمى الناس، لا يخطئ له سهم، فخرج ومعه قوس سهام فرمى صيداً في الليل فأصاب سهمه ونفذ، فوقع في الحجر فقدح ناراً. ثم رمى كذلك حتى استنفذ السِّهام. وهو يظن أنه أخطأ في الجميع فكسر قوسه، وخلع إبهامه. فلما أصبح رأى رميَّته، فندم على فعله.\rأمنع من الحارث بن ظالم. وسيأتي خبره في وقائع العرب.\rأبخل من مادر. وسيأتي خبره في باب الهجاء.\rأكذب من مسلمة الحنفيّ، وخبره مشهور في دعواه النبوّة ومن المُهلَّب، وكان يكذب لأصحابه في حرب الأزارقة، يعدهم بالنجدة والإمداد.\rأحمق من راعي ضأنٍ ثمانين، وذلك أن أعرابياً بشَّر كسرى ببشارة سُرَّ بها، فقال له كسرى: سلني ما شئت! فقال: أسألك ضأناً ثمانين؛ ومن هبنَّقة، وهو ذو الودعات؛ واسمه يزيد بن ثروان أحد بني قيس بن ثثعلبة؛ وبلغ من حمقه أنه ضلّ له بعير، فنادى من وجد بعيري فهو له، فقيل له: فلم تُنشده؟ قال: فأين حلاوة الوجدان. وفيه يقول الشاعر:\rعش بجدّ وكن هبنَّقة القي ... سي نوكاً أو شيبة بن الوليدِ.\rرُبَّ ذي إربةٍ مُقلٌّ من الما ... ل وذي عُنجهيةٍ مجدودِ.\rالعنجهية الجهل.\rأحمق من ربيعة البكَّاء. هو ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. ومن حُمقه أن أمّه تزوجت بعد أبيه، فدخل عليها الخباء، وكان قد التحى فوجد زوجها يباضعها، فتوهم أنه يريد قتلها، فبكى وهتك الخباء، فاجتمع الناس وسألوه عن شأنه، فأخبرهم أنه وجده على بطنها يريد قتلها، فقالوا: \" أهون مقتول \" فصار مثلاً.\rأتيه من أحمق ثقيفٍ. وهو يوسف بن عمرو.\rألصُّ من شظاظٍ. وهو رجل من بني ضبَّة.\rأزنى من قرد. وهو قرد بن معاوية بن هُذيل.\rأمطل من عرقوب.\rوقال كعب بن زهير:\rكانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلاً ... وما مواعيدها إلا الأباطيل\rأشأم من خوتعة. وهو رجل من بني غُفيلة بن قاسط أخي النمر بن قاسط.\rأشأم من قدار وهو عاقر الناقة؛ ومن أحمر ثمود وهو عاقرها أيضاً.\rأشأم من طويس. وهو مخنث، كان يقول إنه ولد يوم مات النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وفُطم يوم مات أبو بكر؛ وبلغ يوم قتل عُمر؛ وتزوَّج يوم قتل عثمان؛ وولد له يوم قتل عليّ.\rأمكر من قيس بن زهير.\rمن النساء\rيقال. أنجب من مارية. ولدت لزرارة: حاجباً، ولقيطاً، وعلقمة.\rأنجب من بنت الحارث. ولدت لزياد العبسيّ بنيه الكملة، وهم: ربيعة الكامل، وعمارة الوهاب، وقيسٌ الحافظ، وأنس الفوارس.\rأنجب من أُمِّ البنين. ولدت لمالك بن جعفر بن كلاب، ملاعب الأسنة عامراً، وفارساً.\rأنجب من عاتكة: ولدت لعبد مناف هاشماً، وعبد شمس، والمطَّلب.\rأسرع من نكاح أُمِّ خارجة. وهي عُميرة بنت سعد بن عبد الله بن قُدار بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرُب بن قحطان. ولدت في نيِّف وعشرين حيّاً من العرب. كان الرجل يقول لها: خِطبٌ! فتقول: نكحٌ! قال أبو الفرج الأصبهاني: فمن ولدت، الدِّيل، وليث، والحارث بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة؛ وغاضرة بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خُزيمة؛ والعنبر، وأسيد، والهجيم بنو عمرو بن تميم؛ وخارجة بن يشكر وبه كانت تكنى؛ وسعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن مُزيقيا وهو أبو المصطلق.\rقال: زعموا أن بعض أزواجها طلَّقها فرحل بها ابن لها عن حيه إلى حيها فلقيها راكب، فلما تبينته، قالت لابنها: هذا خاطب لي لا شكَّ فيه، أفتراه يعجلني أن أنزل عن بعيري، فجعل ابنها يسُّبها.\rأحمق من الممهورة إحدى خدمتيها. وذلك أن زوجها طلقها، فطالبته بمهرها، فأخذ أحد خلخاليها من رجلها وأعطاها إيَّاه، فرضيت به.","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"أحمق من دغة. وهي مارية بنت مغنج بن ربيعة بن عجل، وقيل بنت منعج؛ تزوّجت وهي صغيرة في بني العنبر بن تميم، فحملت. فلما أدركها المخاض، ظنَّت أنها تريد الخلاء فتبرزت فولدت فاستهلَّ الولد. فانصرفت وهي تقدر أنها إنما أحدثت. فقالت لضرَّتها يا هنتاه، هل يفغر الجعرفاه؟ قالت: نعم، ويدعو أباه! فمضت ضرَّتها للولد فأخذته، فبنو العنبر تسمي بنى الجعراء.\rأبصر من زرقاء اليمامة وهي امرأة من طسم، كانت تبصر الراكب على مسيرة ثلاث ليال. وسيأتي إن شاء الله تعالى خبرها في وقعة طسم وجديس.\rأزنى من هرٍّ. وهي امرأة يهودية؛ وهي التي قطع المهاجر يدها فيمن قطع من النساء حين شمتن بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rأشبق من حُبَّي المدنيَّة.\rأشأم من البسوس. وهي جارة جساس بن مرة، صاحبة الناقة التي قتل بسببها كُليب، وثارت الحرب بين بكر وتغلب أربعين سنة.\rويقال: أمنع من أمِّ قرفة. وهي امرأة مالك بن حذيفة بن بدر الفزاري. كان يُعلَّق في بيتها سبعون سيفاً، كلُّ سيفٍ لذي محرم منها. فضرب بها المثل. والله سبحانه وتعالى أعلم.\rالباب الثالث من القسم الأوّل من الفن الثاني\rالغزل، والنَّسيب، والهوى..،\rوالمحبة، والعشق ولنبدأ بذكر الهوى، لأنه السبب الباعث على الغزل. وذلك أنه إذا حلَّ في الأجسام ارتاحت النفوس، ورقَّت القلوب، وانجذبت الخواطر، وصفت الأذهان، وسهل على القرائح فأبرزته الألسن. والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.\rذكر شيء مما قيل في الهوى، والمحبة ، والعشق، وما قيل في ماهية العشق، وحقيقته وسببه، وما قيل في مدحه، وذمّه، والممدوح منه، والمذموم، وضرر العشق في الدّنيا، والآفات التي تجري على العاشق: من المرض، والجنون، والضَّنا، والمخاطرات بالنفوس، وإلقائها إلى الهلاك.\rثم نذكر أخبار ... ... ... ... ... ... ... ... .... ومن أخرجه عن دينه حتى كفر بربه، ومن قتل، وقُتل فيه، ومن قتل نفسه.\rثم نذكر ما ورد في التحذير من فتنة النساء، وذمِّ الزنا، والنظر إلى المردان، والتحذير من اللِّواط، وعقوبة اللائط، وغير ذلك من أمر العشق، على ما سنشرحه إن شاء الله تعالى فنقول، وبالله التوفيق.\rأمَّا ماهية العشق وحقيقته، فقد تكلم عليه أوائل الحكماء والفلاسفة وغيرهم من المسلمين، على ما نشرحه إن شاء الله تعالى.\rكلام الحكماء والفلاسفة فقال أفلاطون: العِشق، حركة النفس الفارغة بغير فكرة.\rوسئل ديوجانس عن العشق، فقال: سوء اختيارٍ صادف نفساً فارغة.\rوقال أرسطاطاليس: العشق، هو عمى الحسِّ عن إدراك عيوب المحبوب.\rوقال فيثاغورس: العشق، طبع يتولد في القلب ويتحرّك وينمى ثم يتربى، ويجتمع إليه موادّ من الحرص، وكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللِّجاج، والتمادي في الطمع، والفكر في الأمانيّ، والحرص على الطلب، حتى يؤدّيه ذلك إلى الغم المقلق.\rوإلى هذا المعنى أشار المتنبي بقوله:\rوما العشق إلا غرّةٌ وطماعةٌ: ... يعرض قلبٌ نفسه فيُصاب.\rوقال بعض الفلاسفة: لم أر حقّاً أشبه بباطل، ولا باطلاً أشبه بحق من العشق: هزله جدّ، وجدّه هزْل، وأوّله لعب، وآخره عطب.\rوقد ذهب بعضهم إلى أنه مرضٌ وسواسيٌّ شبيه بالماليخوليا.\rكلام الإسلاميين في العشق فقد حكي عن أبي العالية الشاميّ، قال: سأل المأمون بن يحيى بن أكثم عن العشق ما هو؟ فقال: هو سوانح للمرء يهيم بها قلبه وتؤثرها نفسه! قال فقال له ثمامة: اسكت يا يحيى! إنما عليك أن تجيب في مسئلة طلاقٍ أو مُحرمٍ صاد ظبياً، أو قتل نملة؛ فأما هذه فمسائلنا نحن! فقال له المأمون: ما العشق؟ يا ثمامة، فقال: العشق جليسٌ ممتع، وأليف مؤنس، وصاحب مملَّك، ومالك قاهر، ومسالكة لطيفة، ومذاهبه غامضة، وأحكامه جائرة؛ ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول وآراءها، وأعطى عنان طاعتها، وقيود تصرفها، وتوارى عن الأبصار مدخله، وغيض في القلوب مسلكه! فقال له المأمون: أحسنت والله، يا ثمامة! وأمر له بألف دينار.","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"وحكي عن الفضل بن يعقوب: قال لما اجتمع ثمامة بن أشرس، ويحيى بن أكثم عند المأمون، قال ليحيى: خبِّرني عن العشق ما هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، سوانح تسنح للعاشق يؤثرها، ويهيم بها تسمَّى عشقاً! فقال له ثمامة: يا يحيى، أنت بمسائل الفقه أبصر منك بهذا، ونحن بهذا أحذق منك! فقال المأمون: فهات ما عندك! فقال: يا أمير المؤمنين، إذا امتزجت خواطر النفوس بوصل المشاكلة نتجت لمح نور ساطع تستضيء به نواظر العقول، ويتصوّر من ذلك اللمح نور خاص بالنفوس متصل بجواهرها يسمَّى عشقاً! فقال له المأمون: صدقت، هذا وأبيك الجواب! وحكيعن الأصمعيّ، قال: دخلت على هارون الرشيد، فقال: يا أصمعيّ، إني أرقت ليلتي هذه، فقلت: ممّ؟ أنام الله عين أمير المؤمنين، قال: فكَّرت في العشق ممَّ هو، فلم أقف عليه، فصفه لي حتَّى أخاله جسماً مجسماً! قال الأصمعيّ: لا والله ما كان عندي قبل ذلك فيه شيء فأطرقت مليّاً، ثم قلت: نعم يا سيدي، إذا تقاربت الأخلاق المشاكلة وتمازجت الأرواح المشابهة، لمح نورٌ ساطع يستضيء به العقل، وتهتز لإشراقه طباع الحياة، ويتصوّر من ذلك النور خُلُق خاص بالنفس متصل بجوهريتها يسمَّى العشق! فقال: أحسنت والله! يا غلام، أعطه وأعطه وأعطه! فأعطيت ثلاثين ألف درهم.\rوحكي عن الأصمعيّ أنه قال: لقد أكثر الناس في العشق، فما سمعت أوجز ولا أجمل من قول أعرابية وقد سئلت عن العشق فقلت: ذلٌّ وجنونٌ. قلت: هذه صفة ثمرة العشق ومآله.\rوالتحقيق أن العشق شدّة ميل النفس إلى صورة تلائم طبعها، فإذا قوي فكرها فيه تصوّرت حصولها وتمنت ذلك، فيجدد من شدّة الفكر مرضٌ.\rوقيل لبعضهم: ما العشق؟ فقال: ارتياح في الخلقة، وفرح يجول في الرُّوح، وسرور ينساب في أجزاء القوى.\rوقال أبو العيناء: سألت أعرابياً عن الهوى؛ فقال: هو أظهر من أن يخفى، وأخفى من أن يُرى، كامنٌ ككمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى.\rوسئل يحيى بن معاذ عن حقيقة المحبة، فقال: التي لا تزيد بالبر، ولا تنقص بالجفاء.\rوسئل بعض الصوفية عن الهوى والمحبة فقال: الهوى يحلّ في القلب، والمحبة يحلّ فيها القلب!.\rوللعشق مراتب من ابتدائه إلى انتهائه.\rمراتب العشق وضروبه قالوا: أوّل ما يتجدّد الاستحسان للشخص تحدُث إرادة القرب منه، ثم المودّة، وهو أن يودّ لو ملكه، ثم يقوى الودّ فيصير محبة، ثم يصير هوىً فيهوي بصاحبه في محابِّ المحبوب من غير تمالك، ثم يصير عشقاً، ثم يصير تتيُّماً والتتيّم حالة يصير بها المعشوق مالكاً للعاشق لا يوجد في قلبه سواه، ثم يزيد التتيّم فيصير ولهاً والوله الخروج عن حدّ الترتيب، والتعطيل عن أحواله التمييز.\rوقال بعضهم: أوّل مراتب العشق الميل إلى المحبوب، ثم العلاقة، ثم الحب، ثم يستحكم الهوى فيصير مودّة تزيد بالمؤانسة، وتدرس بالجفاء والأذى، ثم الخُلَّة، ثم الصَّبابة وهي رقة الشوق تولدها الألفة، ويبعثها الإشفاق، ويهيجها الذكر، ثم يصير عشقاً. وهو على أضرب. فمبدؤه يصفي الذهن، ويهذِّب العقل. كما قال ذو الرياستين لأصحابه: اعشقوا، ولا تعشقوا حراماً! فإن عشق الحرام يطلق اللسان ويرفع التبلّد ويطلق كفّ البخيل ويبعث على النظافة ويدعو إلى الذكاء، فإذا زاد؛ مرض الجسد، فإذا زاد؛ أخرج العقل وأزال الرأى فاستهلك، ثم يترقَّى فيصير ولهاً، ويسمَّى ذو الوله مُدلهاً، ومستهاماً، ومستهتراً، وحيران؛ ثم بعدها التتيّم فيدعى متيماً، والتتيّم نهاية الهوى، وآخر العشق؛ ومن التتيّم يكون الداء الدَّويّ، والجنون الشاغل.\rوقال بعض الحكماء: أوّل الحب العلاقة وهو شيء يحدثه النظر أو السمع فيخطر للبال، ويعرض للفكر، ويرتاح له القلب، ثم ينمى بالطمع، واللَّجاج، وإدمان الذكر، ثم يقوى فيصير حُبّاً، ثم يصير هوىً، ثم يصير خُلَّة، ثم عشقاً، ثم ولهاً، فيسمَّى صاحبه مُدلَّهاً، ومستهاماً، وهائماً، وحيران، ثم يصير متيمّاً، وهو أرفع منازل الحب، لأن التتيم التعبُّد؛ والوجد ألم الحب، والهيمان الذهاب في طلب غرض لا غاية له؛ والكلف والشَّغف اللَّهج بطلب الغرض.\rوقال الفرّاء: اللَّوعة، وحرقة القلب من الحب.","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"وقال أبو عُبيد القاسم بن سلاّم: العلاقة الحب اللازم للقلب؛ والجوى الهوى الباطن؛ واللَّوعة حرقة الهوى؛ واللاعج الهوى المحرق؛ والشغف أن يبلغ الحب شغاف القلب وهو جلد دونه؛ والتتيم أن يستعبده الهوى؛ والتَّبل أن يُسقمه الهوى، يقال: رجل متبول؛ والتّدْليه، ذهاب العقل من الهوى، يقال: رجل مُدلَّهٌ؛ والهيوم أن يذهب على وجهه؛ والشَّغف إحراق القلب مع لذة يجدها وهو شبيه باللَّوعة.\rوقال أبو عبد الله بن عرفة: الإرادة قبل المحبة، ثم المحبة، ثم الهوى، ثم العشق.\rوقال ابن دُريد: الصَّبابة رقَّة الهوى. واشتقاق الحب من أحب البعير، إذا برك من الإعياء.\rالفرق بين المحبة والعشق قالوا: المحبة جنس، والعشق نوع. فإن الرجل يحب أباه وأمه، ولا يبعثه ذلك على تلف نفسه، بخلاف العاشق.\rوقد حكي أن بعض العشاق نظر إلى جارية كان يهواها، فارتعدت فرائصه وغُشي عليه، فقيل لبعض الحكماء: ما الذي أصابه؟ فقال: نظر من يحبُّه، فانفرج قلبه، فتحرّك الجسم لانفراج القلب! فقيل له: فنحن نحب أهالينا ولا يصيبنا ذلك فقال: تلك محبة العقل، وهذه محبة الرُّوح! وقالوا: كل عشق يسمَّى حُبّاً، وليس كل حب يسمَّى عشقاً. لأن العشق اسم لما فضل عن المحبة، كما أن السَّرف اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما نقص عن الاقتصاد، والجبن اسم لما فضل عن شدّة الاحتراس، والهوج اسم لما فضل عن الشجاعة.\rقال الشاعر:\rثلاثةُ أحبابٍ: فحبٌّ علاقةٌ، ... وحُبٌّ تملاَّقٌ، وحُبٌّ هو القتلُ!\rوأما سبب العشق وما قيل فيه، فقالوا: سبب العشق مصادفة النفس ما يلائم طبعها فتستحسنه وتميل إليه. وأكثر أسباب المصادفة النظر. ولا يكون ذلك باللمح، بل بالتثبت في النظر ومعاودته بالنظر، فإذا غاب المحبوب عن العين طلبته النفس، ورامت التقرب منه، وتمنَّت الاستمتاع به. فيصير فكرها فيه، وتصويرها إياه في الغيبة حاضراً، وشغلها كله به، فيتجدّد من ذلك أمراضٌ لانصراف الفكر إلى ذلك المعنى. وكلما قويت الشهوة البدنية، قوي الفكر في ذلك. وقد أمر الله عز وجل بغضِّ البصر فقال: \" قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظَوا فُرُوجَهُمْ \" \" وَقُلْ لِلْمُؤمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ \" . فقرن غض البصر بحفظ الفرج، لأنه يسببه ويؤول إليه.\rوعن عليّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: \" لا تُتْبِع النظرة النظرة، فإن لك الأولى! وليست لك الآخرة \" .\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" العينان تزنيان، وزناهما النظر \" .\rوعن عليّ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم! \" يا عليّ، اتَّقِ النظرة بعد النَّظْرة! فإنها سهم مسمومٌ، يورث الشَّهوة في القلب \" .\rوعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" نظر الرجل إلى محاسن المرأة سهمٌ مسمومٌ من سهام إبليس \" .\rوعن يحيى بن سعيد قال: كان عيسى بن مريم عليه السلام يقول: \" النظر يزرع في القلب الشهوة، وكفى بها خطيئةً! \" .\rوعن سفيان قال: قال عيسى عليه السلام: \" إياكم والنظر! فإنَّه يزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنةً! \" .\rوقال الحسن البصريّ: من أطلق طرفه، أطال أسفه.\rوقال ذو النون: اللَّحظات تورث الحسرات: أوّلها أسفٌ، وآخرها تلفٌ. فمن تابع طرفه، تابع حتفه.\rوقال حكيم: أوّل العشق النظر، وأوّل الحريق الشَّرر.\rوقال أبو الفرج بن الجوزيّ: البصر صاحب خبر القلب. ينقل إليه أخبار المبصرات، وينقش فيه صورها، فيجول الفكر فيها فيشغله ذلك عن الفكر فيما ينفعه من أمر الآخرة. فاحذر من شر النظر! فكم أهلك من عابد، وفسخ عزم زاهد! وهو سبب الآفات، إلا أن علاجه في بدايته قريب. فإذا كرر تمكن الشرّ فصعب علاجه. فإن النظرة إذا أثَّرت في القلب، فإن أعجل الحازم بغضها وحسم المادّة من أوّلها سُهل علاجه، وإن كرر النظر نقَّب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب متفرّغ ونقشها فيه. فكلما تواصلت النظرات كانت كالمياه تسقى بها الشجرة، فلا تزال تنمو فيفسد القلب، ويُعرض عن الفكر فيما أُمر به، ويخرج بصاحبه إلى المحن، ويوجب ارتكاب المحظورات، ويلقى في التلف.","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"وقد أكثر الشعراء في وصف ما يحدثه النظر من البلايا، فمن ذلك، قول الفرزدق:\rتزوّد منها نظرةً لم تدع له ... فؤاداً، ولم يشعر بما قد تزوّدا.\rفلم أر مقتولاً ولم أر قاتلاً ... بغير سلاح مثلها حين أقصدا.\rوقال إبراهيم بن العباس بن صول الكاتب:\rفمن كان يُؤتى من عدوٍّ وحاسدٍ، ... فإنِّي من عيني أُتيت ومن قلبي!\rهما اعتوراني نظرةً ثم فكرةً، ... فما أبقيا لي من رقاد ولا لُبِّ!\rوقال إسمعيل بن عمار الأعرابيّ:\rعينان مشؤمتان، ويحهما! ... والقلب حيرانُ مُبتلىً بهما.\rعرَّفتاه الهوى لظلمهما، ... يا ليتني قبله عدمتهما!\rوقال أبو عبد الله المارستانيّ:\rرماني بها طرفي فلم يُخطِ مقتلي، ... وما كُلُّ من يُرمى تُصاب مقاتله!\rإذا مُتُّ، فابكوني قتيلاً لطرفه ... قتيل عدُوٍّ حاضر ما يُزايله!\rوقال ابن المعتزّ:\rمتيَّمٌ يرعى نجوم الدُّجى ... يبكي عليه رحمةً عاذلُه!\rعيني أشاطت بدمي في الهوى، ... فابكوا قتيلاً بعضه قاتله!\rوقال المتنبي:\rوأناالَّذي اجتلب المنيَّة طرفه ... فمن المطالب؟ والقتيل القاتلُ!\rوقال ابن المعتز:\rوما أدري، إذا ما جنّ ليلٌ، ... أشوقاً في فؤادي أم حريقاً؟\rألا يا مقلتيّ، دهيتماني ... بلحظكما فذوقا! ثم ذُوقا!\rوقال أبو عبد الله بن الحجاج:\rيا من رأى سُقمي يزي ... د وعلَّتي تُعيي طبيبي.\rلا تعجبنَّ فهكذا ... تجني العيون على القلوبِ!\rوقال أبو منصور بن الفضل:\rلواحظنا، تجني ولا علم عندها ... وأنفسنا مأخوذةٌ بالجرائرِ.\rولم أر أغبى من نفوسٍ عفائفٍ ... تُصدِّق أخبار العيون الفواجرِ.\rومن كانت الأجفان حُجَّاب قلبه ... أذنَّ على أحشائه بالفواقر!\rوقال أبو محمد بن الخفاجيّ:\rرمت عينها عيني، وراحت سليمةً! ... فمن حاكمٌ بين الكحيلة والعبرا؟\rفيا طرف، قد حذَّرتك النظرة التي ... خلست فما راقبت نهياً ولا زجرا!\rويا قلب، قد أرداك من قبل مرةً! ... فويحك! لم طاوعته مرةً أخرى؟\rوقال عبد المحسن بن غالب الصوريّ:\rما نظرةٌ إلا لها سكرةٌ ... كأنَّما طرفك خمَّارُ.\rهذا هوىً يصدر عنه جوىً ... يتلوه لوعاتٌ وأفكارُ.\rوهذه أفعالها، هذه! ... ما بعد رأى العين إخبارُ.\rولم يكن أوّل من غرني! ... كلُّ غرير الطَّرف غرَّارُ!\rوقال أبو شجاع الوزير:\rلأعذِّبنَّ العين غير مفكِّرٍ ... فيها، جرت بالدمع أم فاضت دما!\rولأهجرنَّ من الرُّقاد لذيذه ... حتى يصير على الجفون مُحرَّما!\rسفكت دمي، فلأسفكنّ دموعها ... وهي التي بدأت فكانت أظلما!\rهي أوقعتني في حبائل فتنةٍ: ... لو لم تكن نظرات، لكنت مسلَّما!\rوقال آخر عفا الله عنه:\rيا عين أنت قتلتني، ... وجعلت ذنبك من ذنوبي!\rوأراك تهوين الدُّمو ... ع كأنَّها وفق الحبيبِ.\rتالله، أحلف صادقاً ... والصِّدق من شيم الأريبِ!\rلو مُيِّزت نوب الزما ... ن من البعيد إلى القريبِ،\rما كُنَّ إلا دون ما ... جنت العيون على القلوبِ!\rوقال آخر، وأجاد:\rأنا ما بين عدوّي ... ن هما: قلبي وطرفي.\rينظر الطَّرف ويهوى ال ... قلب، والمقصود حتفي.\rوقال ابن الحريريّ:\rفتصبَّرْ، ولا تشمْ كلَّ برقٍ! ... رُبَّ برقٍ فيه صواعق حينِ!\rواغضض الطَّرف، تسترح من غرامٍ ... تكتسي فيه ثوب ذُلٍّ وشينِ.\rفقياد الفتى موافقة النف ... س، وبدء الهوى طموح العينِ.\rسماع الغناء، وإنشاد الغزل","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"قالوا: ومن أسباب العشق، سماع الغناء، وإنشاد الغزل. فإن ذلك يصوّر في النفس نقوش صور فتخمِّر خميرة صورة موصوفة، ثم تصادف نظراً مستحسناً، فتتعلق النفس بما كانت تطلبه حالة الوصف.\rلا يقع العشق إلا لمجانس وذكر بعض الحكماء أنه لا يقع العشق إلا لمجانس ، وأنه يضعف ويقوى على قدر التشاكل. واستدل بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم! \" الأرواح جنودٌ مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف \" . قال: وقد كانت الأرواح موجودة قبل الأجسام، فمال الجنس إلى الجنس. فلما افترقت في الأجساد، بقي في كل نفس حب ما كان مقارناً لها. فإذا شاهدت النفس من نفسٍ نوع موافقة، مالت إليها ظانَّة أنها هي التي كانت قرينتها. فإن كان التشاكل في المعاني كانت صداقةً وموّدة، وإن كان في معنى يتعلق بالصورة، كان عشقاً. وإنما يوجد الملل والإعراض من بعض الناس لأن التجربة أبانت ارتفاع المجانسة والمناسبة.\rوأنشدوا على ذلك:\rوقائلٍ: كيف تهاجرتما؟ ... فقلت قولاً فيه إنصافُ:\rلم يك من شكلي ففارقته، ... والناس أشكال واُلاَّفُ.\rقال أبو الفرج بن الجوزيّ: فإن قيل إذا كان سبب العشق نوع موافقة بين شخصين في الطباع، فكيف يحب أحدهما صاحبه والآخر لا يحبه؟ فالجواب أنه يتفق في طبع المعشوق ما يوافق طبع العاشق، ولا يتفق في طبع العاشق ما يلائم طبع المعشوق. فإذا كان سبب العشق اتفاقاً في الطباع بطل قول من قال: إن العشق لا يكون إلا للأشياء المستحسنة. إنما يكون العشق لنوع مناسبة وملاءمة، ثم قد يكون الشيء حسناً عند شخص غير حسن عند آخر. وحكي على ذلك حكاية رفعها بالسند إلى عليّ بن الحسين القرشيّ، عن رجل من أهل المدينة كان أديباً ظريفاً طلاَّباً للأدب والملح، قال: كنت يوماً في مجلس رجل من قريش ومعنا قينة ظريفة حسنة الصورة، ومعنا فتىً من أقبح ما رأته العين، والقينة مقبلة عليه بحديثها وغنائها. فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا فتىً من أحسن الناس وجهاً، وأثراهم ثوباً، وأطيبهم ريحاً، فأقبل عليّ صاحب البيت، فقال: إن في أمر هذين لعجبا! قلت: وما ذاك؟ قال: هذه الجارية تحب هذا (يعني القبيح الوجه) وليس لها في قلبه محبة، وهذا الحسن الوجه يحبها، وليس له في قلبها محبةٌ. فبينما نحن على شرابنا إذ سرّ الفتى الحسن الوجه فتغنِّى وقال:\rبيد الذي شُغف الفؤاد بهم ... فرج الذي ألقى من السُّقْم!\rفاستيقني أن قد كلفت بكم ... ثم افعلي ما شئت عن علم!\rفأقبلت عليه، وقالت: قد علمنا ذاك، فمه! ثم تركته، وأقبلت على القبيح الوجه، فلبثنا ساعة، ثم تغنى الفتى أيضاً:\rألا ليتني أعمى أصمُّ تقودني ... بثينة لا يخفى عليَّ كلامها!\rفقالت: اللهم أعط عبدك ما سأل! فغاظتني، فقلت لها: يا فاجرة تختارين هذا، وهو أقبح من ذنوب المصرِّين، على هذا الذي هو أحسن من توبة التائبين، فقالت لي: ليس الهوى بالاختيار! ثم أنشأت تغني وتقول:\rفلا تلم المُحبَّ على هواه ... فكل متيمٍ كلفٍ عميدِ\rيظُنُّ حبيبه حسناً جميلاً، ... وإن كان الحبيب من القرود!\rفقلت: أجل! إنه لكما قلت، وليس في هذا حيلة، وذكرت قول عمر بن أبي ربيعة:\rفتضاحكن، وقد قلن لنا: ... حسنٌ في كلِّ عينٍ ما تودّ!\rادمان النظر قالوا: ويتأكد العشق بإدمان النظر، وكثرة اللقاء، وطول الحديث. فإن انضم إلى ذلك معانقة أو تقبيل فقد تمَّ استحكامه.\rوقد ذكر حكماء الأوائل أنه إذا وقعت القبل بين المتحابين ووصلت بلَّة من ريق كل واحد منهما إلى معدة الآخر، واختلط ذلك بجميع البدن ووصل إلى جرم ، وهكذا إذا تنفس كل واحد منهما في وجه صاحبه، فإنه يخرج مع ذلك النفس شيءٌ من نسيم كل واحد منهما فيختلط بأجزاء الهواء، فإذا استنشق من ذلك الهواء دخل في الخياشيم، فوصل بعضه إلى الدماغ فسرى فيه كسريان النور في جرم البدن فينعقد في بدن هذا ما تحلل من بدن هذا فيصير مزاجاً، فيتولد به العشق وينمى.\rهذا ما قيل في سبب العشق والله أعلم.","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"وأما ما قيل في مدحه وذمّه والممدوح منه والمذموم، قال ابن الجوزيّ في كتابه المترجم ب \" ذمِّ الهوى \" : اختلف الناس في العشق، هل هو ممدوح أو مذموم. فقال قوم: هو ممدوح، لأنه لا يكون إلا من لطافة الطبع، ولا يقع عند جامد الطبع. ومن لم يجد منه شيئاً فذلك من غلظ الطبيعة. فهو يجلو العقول، ويصفِّي الأذهان، ما لم يُفرط. فإن أفرط عاد سُماً قاتلاً. وقال آخرون: هو مذموم، لأنه يستأسر العاشق ويجعله في مقام المستعبد. قال: قلت: وفصل الحكم في هذا الفصل أن نقول: أما المحبة والودّ والميل إلى الأشياء المستحسنة والملائمة فلا يُذم، وأما العشق الذي يزيد على حدّ الميل والمحبة فيملك العقل ويصرف صاحبه على غير مقتضى الحكمة فذلك مذموم. ويتحاشى من مثله الحكماء.\rهذا ما قيل في مدحه وذمّه مجملاً. والله تعالى أعلم.\rفأما الممدوح منه، وهو الذي قدّمنا ذكره، فقد وقع فيه جماعة من الخلفاء والأكابر فلم يُعب عليهم ولا نقصهم. وقد تكلموا في مدحه وتفضيله بما سنذكر منه إن شاء الله تعالى طرفاً.\rفقالوا: العشق يولِّد الأخلاق الحميدة! وقالوا: لو لم يكن في الهوى إلا أنه يشجع الجبان، ويصفِّي الأذهان، ويبعث حزم العاجز، لكفاه شرفاً! وقال أعرابيّ: من لم يُحبَّ قط فهو رديء التركيب جافي الطبع كزُّ المعاطف.\rوقد روي أن الشعبيّ كان ينشد:\rإذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى، ... فأنت وعيرٌ في الفلاة سواء!\rوسمع ابن أبي مليكة غناء وهو يؤذِّن، فطرب. فقيل له في ذلك، فقال:\rإذا أنت لم تطرب ولم تدر ما الهوى ... فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا.\rوسئل أبو نوفل: هل يسلم أحدٌ من العشق؟ فقال: نعم الجلف الجافي الذي ليس فيه فضل ولا عنده فهم. فأما من في طبعه أدنى ظرف أو معه دماثة أهل الحجاز ورقَّة أهل العراق، فهيهات!","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"وحكى أبو الفرج بن الجوزيّ بسند يرفعه إلى اليمان بن عمرو مولى ذي الرياستين، قال: كان ذو الرياستين يبعثني ويبعث أحداثاً من أهله إلى شيخ عالم بخراسان، له أدبٌ وحسن معرفة بالأمور، ويقول لنا: تعلَّموا منه الحكمة، فإنه حكيم!، وكنا نأتيه. فإذا انصرفنا من عنده، سألنا ذو الرياستين واعترض ما حفظناه فنخبره به. فقصدناه ذات يوم، فقال: أنتم أدباء، وقد سمعتم الحكمة ولكم جداتٌ ونعمٌ، فهل فيكم عاشق؟ فقلنا: لا. فقال: اعشقوا، فإن العشق يُطلق اللسان العييّ، ويفتح جبلة البليد، ويبعث على التنظيف وتحسين اللباس وتطييب المطعم، ويدعو إلى الحركة والذَّكاء، ويُشرِّف الهمة! وإياكم والحرام! فانصرفنا من عنده إلى ذي الرياستين، فسألنا عما أخذنا في يومنا ذلك فهبناه أن نخبره. فعزم علينا فأخبرناه، فقال: صدق والله! فهل تعلمون من أين أخذ هذا؟ فقلنا: لا. قال ذو الرياستين: إن بهرام جور كان له ابن، وكان قد رشَّحه للأمر من بعده، فنشأ الفتى ناقص الهمة، ساقط المروءة، خامل النفس، سيء الأدب. فغمه ذلك ووكَّل به من يلازمه من المؤدِّبين والحكماء ليعلموه. فكان يسألهم عنه فيحكون عنه ما يغُمُّه من سوء فهمه وقلة أدبه. إلى أن سأل بعض مؤدبيه يوماً، فقال له المؤدب: قد كنا نخاف سوء أدبه، فحدث من أمره ما صيرنا إلى اليأس من فلاحه، قال: وما ذاك الذي حدث؟ قال: إنه رأى ابنة فلان المرزبان فعشقها حتى غلب عليه هواها، فهو لا يهذي إلا بها، ولا يتشاغل إلا بذكرها. فقال بهرام: الآن رجوت فلاحه! ثم دعا بأبي الجارية، فقال: إني مُسرٌّ إليك سرّاً فلا يعدُونَّك. فضمن له ستره. فأعلمه أن ابنه قد عشق ابنته، وأنه يريد أن ينكحها إياه، وأمره أن يأمرها بإطماعه في نفسها ومراسلته من غير أن يراها، فإذا استحكم طمعه فيها تجنَّت عليه وهجرته، فإن استعتبها أعلمته أنها لا تصلح إلا لملك ومن همته همة الملوك، وأنه يمنعها من مواصلته أنه لا يصلح للملك. ثم ليعلمه خبرها، فقبل أبوها ذلك منه. ثم قال للمؤدب الموكل به خوّفه مني وشجعه على مراسلة المرأة! ففعل ذلك وفعلت الصبية ما أمرها به أبوها. فلما انتهت إلى التجني عليه، وعلم الفتى السبب الذي كرهته له، أخذ في الأدب وطلب الحكمة والعلم والفروسية والرِّماية وضرب الصوالجة حتِّى مهر في ذلك. ثم رفع إلى أبيه أنهمحتاج من الدوابّ والآلت والمطاعم والملابس والندماء إلى فوق ما عنده. فسُرّ الملك بذلك، وأمر له بما طلب. ثم دعا مؤدبه، فقال: إن الموضع الذي وضع به ابني نفسه من حبِّ هذه المرأة لا يُزري به. فتقدّم إليه أن يرفع ذلك إليّ ويسألني أن أزوّجه إياها. ففعل. ورفع الفتى ذلك إلى أبيه، فاستدعى أباها، وزوّجه بها، وأمر بتعجيلها إليه، وقال له: إذا اجتمعت بها فلا تحدث شيئاً حتَّى آتيك! فلما اجتمع أتاه، فقال: يا بنيَّ لا يضعنَّ منها عندك مراسلتها إيَّاك، وليست في حبالك! فإني أنا أمرتها بذلك. وهي أعظم الناس مِنَّةً عليك، بما دعتك إليه من طلب الحكمة والتخلق بأخلاق الملوك، حتّى بلغت الحدّ الذي تصلح معه للملك بعدي. فزدها من التشريف والإكرام بقدر ما تستحق منك! ففعل الفتى ذلك، وعاش مسروراً بالجارية، وعاش أبوه مسروراً به، وأحسن ثواب أبيها، ورفع مرتبته وشرفه بصيانة سره وطاعته، وأحسن جائزة المؤدب، وعقد لابنه على الملك من بعده.\rقال اليمان: ثم قال لنا ذو الرياستين: سلوا الشيخ الآن: لم حملكم على العشق؟ فسألناه: فحدّثنا بحديث بهرام جور وابنه.\rفهذا ممن ارتفع بالهوى وترقَّى بسببه إلى مرتبة الملك.\rوحكى ابن الجوزيّ أيضاً، قال: حدّث القاسم بن محمد النميري، قال: ما رأيت شاباً ولا كهلاً من ولد العباس أصون لنفسه، وأضبط لجأشه وأعفُّ لساناً وفرجاً من عبد الله بن المعتزّ! وكان ربما عبثنا بالهزل في مجلسه، فجرى معنا فيما لا يقدح به عليه قادح. وكان أكثر ما يشغل به نفسه سماع الغناء. وكان كثيراً ما يعيب العشق، ويقول: هو ضرب من الحمق! وكان إذا رأى منا من هو مطرق أو مفكِّر اتهمه بالعشق ويقول: وقعت والله يا فلان! وقلّ عقلك وسخفت! إلى أن رأيناه، وقد حدث به سهو شديد، وفكر دائم، وزفير متتابع، وسمعناه ينشد أشعاراً منها:\rما لي أرى الثُّريَّا ... ولا أرى الرَّقيبا؟\rيا مرسلاً غزالاً، ... أما تخاف ذيبا؟","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"وسمعناه مرة أخرى ينشد، وهو يشرب في إناء قد لفه، فاتهمناه فيه. وكتب هذا الشعر:\rما قليلٌ منك لي بقليلِ، ... يا مُنى عيني وغاية سولي!\rسل بحقِّ الله عينيك عنِّي: ... هل أحسَّت في الهوى بقتيل؟\rأنت أفسدت حياتي بهجرٍ، ... ومماتي بحسابٍ طويلِ!\rوأنشد:\rأسر الحبُّ أميراً ... لم يكن قبل أسيرا.\rفارحموا ذُلَّ عزيز ... صار عبداً مستجيرا!\rوأنشد يوماً، وقد رأى دار بعض الناس، فقال:\rأيا دار كم فيك من لذَّةٍ ... وعيشٍ لنا، كان ما أطيبه!\rومن قينةٍ أفسدت ناسكاً، ... وكانت له في التُّقى مرتبة.\rوقال أيضاً مرّة:\rلقد قتلت عيناك نفساً كريمةً، ... فلا تأمنن إن مُتُّ سطوة ثائرِ!\rكأنَّ فؤادي في السماء معلَّقٌ، ... إذا غبت عن عيني، بمخلب طائر.\rوأنشد يوماً، وفي يده خاتم:\rحصلت منك على خا ... تم حوته البنانُ!\rفما يُفارق كفِّي ... كأنَّه قهرمانُ.\rيا أهل وُدِّي بعدتم ... وأنتم جيرانُ!\rقال النميريّ: فقلت له: جعلنا الله فداك! هذه أشياء قد كنت تعيب أمثالها منا، ونحن الآن ننكرها منك! وكان يرجع عن بعض ذلك تصنعاً، ثم لا يلبث مستوره أن يظهر حتى تحقق عندنا عشقه، ودخل في طبقة المرحومين، فسمعته يوماً ينشد:\rمكتومُ، يا أحسن خلق الله ... لا تتركيني هكذا بالله!\rثم تنفس إثر ذلك فأجبته:\rقد ظفر العشق بعبد الله ... وانتهك السِّتر بحمد الله.\rفقل له: سمِّ لنا سيِّدي ... هذا الذي تهوى، بحقِّ الله!\rفضحك وقال: لا، ولا كرامة! فكتبت إليه من الغد:\rبكت عينه وشكا حُرقةً ... من الوجد في القلب ما تنطفي.\rفقلت له: سيِّدي، ما الذي ... أرى بك؟ قال: سقام خفي.\rفقلت: أعشقٌ؟ فقال: اقتصر ... على ما ترى بي، أما تكتفي؟\rفكتب إليّ:\rيا من يُحدث عنِّي ... بظنِّ سمع وعينِ!\rإن كنت تخطب سرِّي، ... فارجع بخُفِّي حنينِ!\rفكتبت إليه:\rهيهات لحظك عندي ... يُقرُّ فيه بعشقك!\rدع عنك خُفَّيْ حنينٍ ... واحرص على حلِّ ربقك!\rتعال نحتال فيما ... تهوى، برفقي ورفقك!\rوصرت إليه فقال: يا أبا طيب، قد عصيت إبليس أكثر مما عصى ربَّه إلى أن أوقعني في حبائله، فأنشدته:\rمن أين لا كان إبلي ... س جاءني بك يسعى؟\rأبداك لي من بعيدٍ ... فقلت: طوعاً وسمعا!\rفأخبرني بقصته. فسعيت له بلطيف الحيلة وأعانني بحزم الرأي حتى فاز بالظفر.\rقال أبو بكر الصولي: اعتل عبد الله بن المعتز فأتاه أبوه عائداً وقال: ما عراك، يا بنيّ؟ فأنشأ يقول:\rأيها العاذلون، لا تعذلوني ... وانظروا حسن وجهها تعذروني!\rوانظروا هل ترون أحسن منها، ... إن رأيتم شبيهها فاعذلوني!\rبي جنون الهوى، وما بي جنونٌ ... وجنون الهوى جنون الجنونِ!\rقال: فتتبع أبوه الحال حتى وقع عليها، فابتاع الجارية التي شغف بها بسبعة آلاف دينار، ووجّهها إليه.\rوحكي أن الرشيد كان له ثلاث جوارٍ اشتدّ شغفه بهنّ، فقال العباس بن الأحنف على لسانه:\rملك الثَّلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكُلِّ مكانِ!\rما لي تطاوعني البريَّة كلُّها ... وأطيعهنَّ وهُنَّ في عصياني؟\rما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه عززن أعزُّ من سلطاني!\rأخذ المعنى والرويّ سليمان بن الحكم المستعين، أحد خلفاء بني أمية بالأندلس، فقال:\rعجباً يهاب الليث حدَّ سناني، ... وأهاب لحظ فواتر الأجفانِ!\rوأقارع الأهوال لا متهيباً ... منها سوى الإعراض والهجرانِ!\rوتملكت نفسي ثلاثٌ كالدمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدانِ!\rككواكب الظلماء لحن لناظرٍ ... من فوق أغصانٍ على كُثبانِ.","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"هذه الهلال، وتلك بنت المشتري ... حسناً، وهذه أخت غُصن البانِ!\rحاكمت فيهنَّ السُّلوَّ إلى الصِّبا ... فقضى لسلطانٍ على سلطانِ.\rفأبحن من قلبي الحمى وثنينني ... عن عز ملك كالأسير العاني.\rلا تعذلوا ملكاً تذلل في الهوى ... ذل الهوى عزٌ وملكٌ ثاني.\rإن لم أطع فيهنَّ سلطان الهوى! ... كلفا بهنَّ، فلست من مروانِ!\rوإذا كريم أحب، أمَّن ألفه ... خطب الفلى وحوادث السلوانِ!\rوقال العباس:\rلا عار في الحبِّ إن الحبَّ؛ مكرمةٌ ... لكنَّه ربما أزرى بذي الخطر!\rوأما القسم المذموم منه، وهو الذي ثنينا بذكره في صدر هذا الفصل فقد أكثر الناس القول في ذمه، وبينوا أسبابه.\rفقال ابن الجوزيّ: بيان ذمه أن الشيء إنما يعرف مذموماً أو ممدوحاً بتأمل ذاته وفوائده وعواقبه، وذات العشق لهج بصورة، وهذا ليس فيه فضيلة فتمدح، ولا فائدة في العشق للنفس الناطقة، إنما هو أثر غلبة النفس الشهوانية.\rوقال بعض الحكماء: ليس العشق من أدواء الحصفاء الحكماء، إنما هو من أمراض الخلعاء الذين جعلوا دأبهم ولهجهم متابعة النفس وإرخاء عنان الشهوة وإمراح النظر في المستحسنات من الصور. فهنالك تتقيد النفس ببعض الصور فتأنس، ثم تألف، ثم تتوق، ثم تلهج، فيقال \" عشق \" . وليس هذا من صفة الحكماء: لأن الحكيم من استطال رأيه على هواه، وتسلطت حكمته على شهوته. فرعونات طبعه مقيدة أبداً كصبي بين يدي معلمه أو عبد بمرأى سيده؛ وما كان العشق قط إلا لأرعن بطَّال. وقلَّ أن يكون لمشغول بصناعة أو بتجارة، فكيف لمشغول بالعلوم والحكم، فإنها تصرفه عن ذلك. ولهذا لا تكاد تجده في الحكماء.\rوقال ابن عُقيل: العشق مرض يعتري النفوس العاطلة، والقلوب الفارغة المتلمحة للصور لدواعٍ من النفس، ويساعدها إدمان المخالطة، فيتأكد الإلف ويتمكن الأنس، فيصير بالإدمان شغفاً. وما عشق قط إلا فارغٌ. فهو من علل البطالين وأمراض الفارغين من النظر في دلائل العبر، وطلب الحقائق؛ المستدل بها على عظم الخالق. ولهذا قلما تراه إلا في الرُّعن البطرين، وأرباب الخلاعة النَّوكى. وما عشق حكيم قط: لأن قلوب الحكماء أشدّ تمنعاً عن أن توقفها صورة من صور الكون مع شدة تطلبها، فهي أبداً تلحظ وتخطف ولا تقف. وقلَّ أن يحصل عشق من لمحة، وقلَّ أن يضيف حكيم إلى لمحة نظرةً، فإنه مار في طلب المعاني، ومن كان طالباً لمعرفة الله لا توقفه صورة عن الطلب لأنها تحجبه عن الصور.\rوقال ابن الجوزيّ: واعلم أن العشاق قد جاوزوا حدّ البهائم في عدم ملكة النفس في الانقياد إلى الشهوات: لأنهم لم يرضوا أن يصيبوا شهوة الوطء وهي أقبح الشهوات عند النفس الناطقة من أيّ موضع كان حتى أرادوها من شخص بعينه فضموا شهوة إلى شهوة، وذلُّوا للهوى ذل على ذل. والبهيمة إنما تقصد دفع الأذى عنها حسب. وهؤلاء استخدموا عقولهم في تدبير نيل شهواتهم.\rثم قال: والعشق بين الضرر في الدِّين والدنيا. أما في الدّين فإنه يشغل القلب عن الفكر فيما له خلق: من معرفة الله تعالى، والخوف منه، والقرب إليه. ثم ينفذ ما ينال من موافقة غرضه المحرّم الذي يكون فيه خسران أخرته. ويعرضه لعقوبة خالقه. فكلما قرب من هواه، بعد من مولاه. ولا يكاد العشق يقع في الحلال المقدور عليه فإن وقع، فيا سرعان زواله! قالت الحكماء: كل مملوك مملول. وقال الشاعر:\rوزادني شغفاً بالحبِّ أن منعت ... أحبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما منعا.\rفإن كان المعشوق لا يباح، اشتدّ القلق به والطلب له. فإن نيل منه غرض، فالعذاب الشديد في مقابلته. على أن بلوغ الغرض يزيد ألماً فتر بي مرارة الفراق على لذَّة الوصال. كما قال الشاعر:\rكلُّ شيءٍ ربحته في التَّداني ... والتلاقي، خسرته في الفراق.\rفإن منعه خوف الله تعالى عن نيل غرض، فالامتناع عذاب شديد فهو معذب في كل حال.\rهذا ضرره في الدّين.","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"وأما ضرره في الدنيا فإنه يورث الهمَّ الدائم، والفكر اللازم، والوسواس، والأرق، وقلة المطعم، وكثرة السهر. ويتسلط على الجوارح فتنشأ الصفرة في البدن، والرِّعدة في الأطراف، واللَّجلجة في اللسان، والنُّحول في الجسد. فالرأي عاطل، والقلب غائب عن تدبير مصلحة، والدموع هواطل، والحسرات تتتابع، والزفرات تتوالى، والأنفاس لا تمتدّ، والأحشاء تضطرم. فإذا غشَّى على القلب غشاء ثانياً أخرج إلى الجنون. وما أقربه حينئذ من التلف! قال: هذا، وكم جنى من جناية على العرض، ووهنَّ الجاه بين الخلق. وربما أوقع في عقوبات البدن وإقامة الحدود.\rوقال جالينوس: العشق من فعل النفس، وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد.\rوفي الدماغ ثلاثة مساكن: مسكن للتخيُّل، وهو في مقدّم الرأس؛ ومسكن للفكر، وهو في وسطه؛ ومسكن للذُّكر، وهو في مؤخره.\rولا يسمى عاشقاً إلا من إذا فارق معشوقه لم يخل من تخيله فيمتنع من الطعام والشراب باشتغال الكبد، ومن النوم باشتغال الدماغ بالتخيل والفكر والذكر فيكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به.\rوقال الجاحظ: ذكر لي بعض حكماء الهند أنه قال: إذا ظهر العشق عندنا في رجل أو امرأة، غدونا على أهله بالتعزية.\rقال: وبلغني أن عاشقاً مات بالهند عشقاً، فبعث ملك الهند إلى المعشوق فقتله به.\rوقال الربعي: سمعت أعرابية تقول: مسكينٌ العاشق! كل شيءٍ عدّوه! هبوب الريح يقلقه، ولمعان البرق يؤرقه، ورسوم الديار تحرقه، والعذل يؤلمه، والتذكُّر يُسقمه، والبعد والقرب يهيجه، والليل يضاعف بلاءه، والرقاد يهرب منه. ولقد تداويت بالقرب والبعد فلم ينجع فيه دواء، ولا عزَّ بي عزاء.\rوقال الشاعر:\rوقد زعموا أنّ المحبّ إذا دنا ... يملُّ، وأن النأي يشفي من الوجدِ!\rبكلٍّ تداوينا، فلم يُشف ما بنا! ... على أنَّ قرب الدار خيرٌ من البعدِ!\rوأنشد المارستاني:\rإذا قربت دارٌ كلفت، وإن نأت ... أسفت! فلا بالقرب أسلو ولا البعدِ!\rوإن وعدتْ زاد الهوى لانتظارها، ... وإن بخلت بالوعد مُتُّ على الوعدِ!\rففي كُلِّ حبٍّ لا محالة فرحةٌ، ... وحبُّك ما فيه سوى محكم الجهدِ!\rوحكى الزبير بن بكَّار قال: حدثني موهوب بن راشد قال: وقفت امرأة من بني عقيل على أختٍ لها، فقالت لها: يا فلانة، كيف أصبحت من حبِّ فلان؟ قالت: قلقل والله حبُّه الساكن، وسكن المتحرّك! ثم أنشدتها:\rلو أنَّ ما بي بالحصى فلق الحصى، ... وبالرِّيح لم يسمع لهنَّ هبوبُ!\rولو أنَّني أستغفر الله كلَّما ... ذكرتك لم يُكتب على ذنوبُ!\rقالت: لا جرم والله، لا أقف حتَّى أسأله كيف أصبح من حبِّك! فجاءته فسألته فقال: إنما الهوى هوانٌ، وإنما خولف باسمه، وإنما يعرف ما أقول من كان مثلي قد أبكته المعارف والطلول.\rوقال مسلم بن عبد الله بن جندب الهذليّ: خرجت أنا وريان السوّاق إلى العقيق فلقينا نسوةً نازلات من العقيق ذوات جمالٍ وفيهن جارية حسناء العينين، فأنشد ريان قول أُبيّ:\rألا يا عباد الله، هذا أخوكم ... قتيلٌ! فهلاَّ فيكم اليوم ثائرُ؟\rخذوا بدمي إن متُّ كلَّ خريدةٍ ... مريضة جفن العين، والطَّرف ساحرُ!\rوأقبل عليّ، وأشار إليها فقال: يا ابن الكرام دم أبيك في أثوابها فلا تطلب أثراً بعد عين! قال: فأقبلت عليّ امرأة جميلة، أجمل من تيك، فقالت: أنت ابن جندب؟ فقلت: نعم. قالت: إن أسيرنا لا يُفكُّ، وقتيلنا لا يودي، فاحتسب أباك، واغتنم نفسك! ومضين.\rذمّ العشق والحب قال الأصمعيّ: سئل أعرابيّ عن الحبّ، فقال: وما الحب؟ وما عسى أن يكون؟ هل هو إلا سحر أو جنون. ثم قال:\rهل الحُبُّ إلا زفرةٌ بعد زفرةٍ، ... وحرٌّ على الأحشاء ليس له برد؟\rوفيض دموع العين منِّي كلما ... بدا علمٌ من أرضكم لم يكن يبدو؟\rوقال: قلت لأعرابيّ: ما الحب؟ فقال:\rالحبُّ مشغلةٌ عن كلِّ صالحةٍ ... وسكرة الحبِّ تنفي سكرة الوسنِ.\rوقال محمد بن عبد الله بن مبادر:\rمن فتىً أصبح في الحُ ... بِّ سقاه الحُبُّ سُمّا؟","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"كلما أخفى جوى الحُ ... بِّ، عليه الدمع نمَّا.\rساهر لا يطعم النو ... م إذا الليل ادلهمَّا.\rكلَّما راقب نجما ... فهوى، راقب نجما.\rأنتمو هميِّ فإن لم ... تصلوني متُّ غمَّا.\rيا ثقاتي، خطم الحُ ... بُّ لكم أنفى وزمّا!\rيا أخي، دائي جوى الح ... بُّ وداء الناس حُمَّى.\rلا تلم مفتضحاً في ال ... حُبِّ، إن الحبَّ أعمى!\rوقال محمد بن أبي أمية:\rفو الله، ما أدري أمن لوعة الهوى ... صبرت على التقصير أم ليس لي قلبُ؟\rأقبِّح أمراً، والفؤاد يودّه، ... أجُنَّ فؤادي في الهوى؟ بل هو الحُبُّ.\rوقال أبو عبادة البحتريّ:\rقال بطلاً وأفال الراي من ... لم يقلْ إن المنايا في الحدقْ!\rإن تكن محتسباً من قد ثوى ... بحمام، فاحتسب من قد عشق!\rوقال أبو تمام:\rأما الهوى فهو العذاب، فإن جرت ... فيه النَّوى فالتَّيم كلّ التَّيمِ.\rوقال ابن أبي حصينة:\rوالعشق يجتذب النفوس إلى الرَّدى ... بالطبع، واحسداً لمن لم يعشقِ!\rطرق الخيال فهاج لي بطروقه ... ولهاً، فليت خيالها لم يطرقِ!\rوقال صالح بن عبد القدّوس:\rعاص الهوى إن الهوى مركبٌ ... يصعب بعد اللِّين منه الذَّلول!\rإن يجلب اليوم الهوى لذَّةً ... ففي غدٍ منه البكا والعويل.\rوقال ابن المعتز:\rفكأنّ الهوى امرؤ علويٌّ ... ظنَّ أنِّي وليت قتل الحسين!\rوكأنِّي لديه نجل زيادٍ ... فهو يختار أوجع القتلتين!\rوقال أبو عبد الله بن الحجاج:\rويحك، يا قلبي ما أغفلك! ... تعشق من يعشق أن يقتلك؟\rوأنت يا طرفي أوقعتني، ... ويحك يا طرفي ما لي ولك؟\rقد كان من حقِّ بكائي على ... تبتُّلى بالحُبِّ أن يشغلك.\rحتى توصلت لقتلي، فلا ... كنت ولا كان الذي أرسلك!\rوقال عبد المحسن بن غالب الصوريّ:\rوكان ابتداء الذي بي مجونا، ... فلمَّا تمكن أمسى حنونا.\rوكنت أظنُّ الهوى هيناً ... فلاقيت منه عذاباً مهينا.\rوقال أبو بكر بن محمد بن عمر العنبريّ:\rيا صاح، إنِّي مذ عرفت الهوى ... غرقت في بحر بلا ساحلِ!\rعيني لحيني نظرت نظرةً ... رحت بها في شغلٍ شاغلِ.\rعُلِّقته في البيت من فارسٍ؛ ... لكنَّه في السِّحر من بابلِ.\rيظلمني، والعدل من شأنه! ... ما أوجع الظُّلم من العادل!\rوقال آخر:\rمن سرَّه أن يرى المنايا ... بعينه منظراً صراحا.\rفليحس كأساً من التجنِّي ... وليعشق الأوجه الملاحا!\rيا أعيناً أرسلت مراضاً ... فاختلست أعيناً صحاحا!\rوقال آخر:\rما أقتل الحُبَّ! والإنسان يجهله ... وكلُّ ما لم يذقه فهو مجهولُ.\rراح الرُّماة إلى بعض المها، فإذا ... بعض الرُّماة ببعض الصيد مقتولُ!\rوأما الآفات التي تجري على العاشق من المرض والضَّنا والجنون والمخاطرات بالنفوس وإلقائها إلى الهلاك، فهي كثيرة جداً، مشاهدة ومسموعة.","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"فمن ذلك ما حكاه أبو الفرج بن الجوزيّ بسند يرفعه، قال: لما بعثت قريشٌ عمارة بن الوليد مع عمرو بن العاص إلى النجاشيّ يكلمانه فيمن قدم عليه من المهاجرين، فراسل عمارة جارية لعمرو بن العاص كانت معه فصغت إليه. فاطلع عمرو على ذلك فوجد على عمارة. وكان عمارة أخبر عمراً أن زوجة النجاشيّ علقته وأدخلته إليها فوشى عمرو بعمارة عند النجاشيّ وأخبره بالخبر، فقال له النجاشيّ: ائتني بعلامة أستدلُّ بها على ما قلت! ثم عاد عمارة فأخبر عمراً بأمره وأمر زوجة النجاشيّ، فقال له عمرو: لا أقبل هذا منك إلا أن تُعطيك من دهن الملك الذي لا يدَّهن به غيره. فكلمها عمارة في ذلك، فقالت: أخاف من الملك فأبى أن يرضى منها حتى تعطيه من ذلك الدُّهن فأعطته منه فأعطاه عمراً فجاء به عمرو إلى النجاشيّ فنفخ سحراً في إحليل عمارة. فذهب مع الوحش - فيما تقول قريش - فلم يزل متوحشاً يرد ماء في جزيرة بأرض الحبش حتى خرج إليه عبد الله بن أبي ربيعة في جماعة من أصحابه فرصده على الماء فأخذه فجعل يصيح به: يا بجير أرسلني! فإني أموت إن أمسكتني! فأمسكه فمات في يده.\rوحكي عن محمد بن زياد الأعرابيّ قال: رأيت بالبادية أعرابياً في عنقه تمائم وهو عريانٌ وعلى سوأته خرقة وفي رجله حبل ومن خلفه عجوز آخذة بطرف الحبل وهو يعضُّ ذراعيه، فقلت للعجوز: من هذا؟ فقالت: ابن ابنتي! فقلت لها: أبه مسٌّ من الجنّ؟ فقالت: لا والله ولكنه نشأ وابنة عمّ له في مكان واحد، فعُلِّقها وعُلِّقته. فحبسها أهلها ومنعوها منه فزال عقله وصار إلى ما ترى! فقلت لها: ما اسمه قالت: عكرمة. فقلت: أيا عكرمة ما أصابك؟ قال: أصابني داء قيس وعروة وجميل: فالجسم مني نحيل، والفؤاد عليل. قال: فتركته ومضيت.\rوحكي عن ابن عبيد، قال: كان بالمدينة جارية ظريفةٌ حاذقةٌ بالغناء فهويت فتىً من قريش، فكانت لا تفارقه ولا يفارقها. فملَّها الفتى وفارقها، وتزايدت محبتها له حتى ولهت. وتفاقم الأمر بها حتى هامت على وجهها ومزقت ثيابها، فرآها مولاها في ليلة من الليالي، وهي تدور في السِّكك ومعه أصحاب له، فجعلت تبكي وتقول:\rالحُبُّ أوّل ما يكون لجاجة ... تأتي به وتسوقه الأقدارُ.\rحتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى ... جاءت أمورٌ لا تطاق كبارُ.\rقال: فما بقى أحد إلا رحمها. فقال لها مولاها: يا فلانة، امضي معنا إلى بيتنا! فأبت وقالت: شغل الحلى أهله أن يعارا قال: وذكر بعض من رآها ليلة وقد لقيتها جاريةٌ أخرى مجنونةٌ فقالت لها: فلانة، كيف أنت؟ قالت: كما لا أحب، فكيف أنت من ولهك وحُبِّك؟ قالت: على ما لم يزل، يتزايد على مرِّ الأيام! قالت لها: فغنِّي بصوتٍ من أصواتك فإني قريبة الشبه بك! فأخذت قصبة تُوقِّع بها وغنَّت:\rيا من شكا ألماً للحُبِّ شبهه ... بالنار في القلب من حُزنٍ وتذكارِ!\rإنِّي لأعظم ما بي أن أشبِّهه ... شيئاً يُقاس إلى مثلٍ ومقدارِ.\rلو أنَّ قلبي في نارٍ لأحرقها، ... لأنَّ أجزاءه أذكى من النارِ!\rثم مضت.\rوحكي عن سليمان بن يحيى بن معاذ قال: قدم عليّ بن يسابور إبراهيم بن سبابة الشاعر البصري. فأنزلته عليّ ليلة من الليالي وهو مكروب قد هاج. فجعل يصيح بي: يا أبا أيوب! فخشيت أن يكون قد غشيته بليةٌ، فقلت: ما تشاء؟ فقال: أعياني الشادن الرَّبيبُ! فقلت: بماذا؟ فقال: أشكو إليه فلا يُجيبُ! فقلت: داره وداوه! فقال:\rمن أين أبغي شفاء دائي؟ ... وإنما دائي الطَّبيب!\rفقلت: إذن يفرّج الله عز وجل! فقال:\rيا ربِّ، فرج إذاً وعجِّل، ... فإنَّك السامع المجيبُ!\rثم انصرف.\rوحدث عن علي بن محمد النوفليّ عن أبي المختار عن محمد بن قيس العبديّ، قال: إني لبمزدلفة بين النائم واليقظان إذ سمعت بكاء حرقاً وغناء عالياً. فاتبعت الصوت فإذا أنا بجارية كأنها الشمس حسناً ومعها عجوز. فلطئت بالأرض لأمتع عيني بحسنها، فسمعتها تقول:\rدعوتك يا مولاي سراً وجهرة ... دعاء ضعيف القلب عن محمل الحبِّ!\rبليت بقاسي القلب لا يعرف الهوى ... وأقتل خلق الله للهائم الصبِّ!","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"فإن كنت لم تقض المودة بيننا ... فلا تُخلِ من حبٍّ له أبدا قلبي!\rرضيت بهذا ما حييت فإن أمت ... فحسبي معاداً في المعاد به حسبي!\rقال: وجعلت تردّد هذه الأبيات وتبكي، فقمت إليها وقلت: بنفسي من أنت؟ مع هذا الوجه وهذا الجمال يمتنع عليك من تريدين؟ قالت: نعم! والله إنه يفعل تصبراً وفي قلبه أكثر مما في قلبي! قلت: فإلى كم البكاء؟ قالت: أبداً! أو يصير الدمع دماً وتتلف نفسي غماً. فقلت: إن هذه آخر ليلة من ليالي الحج، فلو سألت الله تعالى التوبة مما أنت فيه، رجوت أن يذهب حبه من قلبك! قالت: يا هذا، عليك بنفسك في طلب رغبتك، فإني قد قدّمت رغبتي إلى من ليس يجهل بغيتي! وحوّلت وجهها عني، وأقبلت على بكائها وشعرها.\rوحكى أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزيّ في كتابه المترجم ب ذم الهوى بسند رفعه إلى هشام بن عروة، قال: أذن معاوية بن أبي سفيان يوماً للناس، فكان فيمن دخل عليه فتى من بني عذرة. فلما أخذ الناس مجالسهم، قام الفتى العذريّ بين السماطين فأنشأ يقول:\rمُعاوي، يا ذا الفضل والحلم والعقلِ ... وذا البرِّ والإحسان والجود والبذل!\rأتيتك لمَّا ضاق في الأرض مسكني ... وأنكرت مما قد أُصبت به عقلي.\rففرَّج كلاك الله عنِّي فإننيلقيت الذي لم يلقه أحدٌ قبلي!\rوخذ لي هداك الله حقِّي من الذيرماني بسهم كان أهونه قتلي!\rوكنت أرجي عدله إن أتيته ... فأكثر تردادي مع الحبس والكبلِ!\rسباني سُعدي والنبرى لخصومتي ... وجار ولم يعدل وغاضبني أهلي.\rفطلَّقتها من جهد ما قد أصابني! ... فهذا أمير المؤمنين من العدلِ؟\rفقال معاوية: ادن بارك الله عليك! ما خطبك؟ فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين! إنني رجل من بني عذرة، تزوجت ابنة عمّ لي. وكانت لي صرمةٌ من الإبل وشويهات فأنفقت ذلك عليها، فلما أصابتني نائبة الزمان وحادثات الدهر، رغب عني أبوها. وكانت جارية فيها الحياء والكرم، فكرهت مخالفة أبيها. فأتيت عاملك مروان بن الحكم مستصرخاً به راجياً لنصرته. فذكرت له قصتي، فأحضر أباها وسأله عن قضيتي. وكان قد بلغه جمالها، فدفع لأبيها عشرة آلاف درهم، وقال له: هذه لك، وزوّجني بها وأنا أضمن خلاصها من هذا الأعرابيّ! فرغب أبوها في البذل فصار الأمير لي خصماً وعليّ منكرا! فانتهرني وأمر بي إلى السجن وأرسل إليّ أن أطلقها فلم أفعل. فحبسني وضيق عليّ وعذبني بأنواع العذاب، فلما أصابني مسُّ الحديد وألم العذاب ولم أجد بدّاً عن ذلك، طلقتها. فما استكملت عدّتها حتّى تزوج بها. فلما دخل بها أرسل إليّ فأطلقني. وقد أتيتك يا أمير المؤمنين مستجيراً بك، وأنت غياث المكروب، وسند المسلوب. فهل من فرج؟ وبكى وقال في بكائه:\rفي القلب منِّي نارُ ... والنار فيها استعارُ!\rوالجسم منِّي نحيلٌ ... واللون فيه اصفرارُ.\rوالعين تبكي بشجوٍ ... فدمعها مدرارُ.\rوالحبُّ داء عسيرٌ ... فيه الطَّبيب يحارُ.\rحُمِّلت منه عظيماً ... فما عليه اصطبارُ.\rفليس ليلي ليلاً ... ولا نهاري نهارُ!\rفرقَّ له معاوية وكتب إلى ابن الحكم كتاباً غليظاً، وكتب في آخره:\rركبت أمراً عظيماً لست أعرفه ... أستغفر الله من جور امرئٍ زاني!\rقد كُنت تُشبه صُوفياً له كُتبٌ ... من الفرائض أو آيات فرقانِ.\rحتَّى أتانا الفتى العذريُّ منتحباً ... يشكو إليّ بحقٍّ غير بهتانِ.\rأُعطي الإله عهوداً لا أخيس بها ... أو لا فبرِّئت من دينٍ وإيمانِ!\rإن أنت راجعتني فيما كتبت به ... لأجعلنَّك لحماً بين عقبانِ!\rطلِّق سُعاد، وجهزها معجَّلةً ... مع الكميت، ومع نصر بن ذبيانِ!\rفما سمعت كما بُلغت من عجب ... ولا فعالك حقاً فعل إنسانِ!\rثم طوى الكتاب ودفعه إلى الكميت ونصر بن ذبيان وقال: اذهبا به إليه!","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"قال: فلما ورد كتاب معاوية على ابن الحكم وقرأه تنفس الصعداء، وقال: وددت أن أمير المؤمنين خلَّى بيني وبينها سنة ثم عرضني على السيف! وجعل يؤامر نفسه في طلاقها فلا يقدر. فلما أزعجه الوفد طلقها وأسلمها إليهما. فلما رآها الوفد على هذه الصورة العظيمة وما اشتملت عليه من الجمال المفرط، قالوا: لا تصلح هذه إلا لأمير المؤمنين! وكتب ابن الحكم كتاباً لأمير المؤمنين معاوية، ودفعه إليهما مع الجارية. فكان مما كتب فيه يقول:\rلا تحنثنَّ أمير المؤمنين فقد ... أوفي بعهدك في رفق وإحسانِ.\rوما ركبت حراماً حين أعجبني، ... فكيف سُمِّيت باسم الخائن الزاني؟\rأعذر فإنك لو أبصرتها لجرت ... منك الأماني على تمثال إنسانِ!\rوسوف تأتيك شمسٌ ليس يعدلها ... عند البريَّة من إنس ومن جانِ!\rحوراء يقصر عنها الوصف إن وصفت، ... أقول ذلك في سرٍّ وإعلانِ!\rفلما ورد الكتاب على معاوية وقرأه، قال: لقد أحسن في الطاعة، ولكن أطنب في ذكر الجارية! ولئن كانت أعطيت حسن النَّغمة مع هذا الوصف الحسن فهي أكمل البرية! فأمر بإحضارها، فلما مثلت بين يديه، استنطقها فإذا هي أحسن الناس كلاماً وأكملهم شكلاً ودلالاً. فقال: يا أعرابيّ، هذه سعدي! ولكن هل لك عنها من سلوة بأفضل الرغبة؟ قال نعم، إذا فرَّقت بين رأسي وجسدي! فقال: أعوّضك عنها يا أعرابيّ بثلاث جوارٍ ومع كل واحدة ألف دينار وأقسم لك من بيت المال ما يكفيك في كل سنة ويعينك على صحبتهنّ. فشهق شهقة ظن معاوية أنه مات. فقال له: ما بالك يا أعرابيّ؟ قال: أشرُّ بال وأسوأ حال، استجرت بعدلك من جور ابن الحكم، فعند من أستجير من جورك؟ ثم أنشأ يقول:\rلا تجعلني والأمثال تضرب بي ... كالمستغيث من الرَّمضاء بالنارِ!\rأردد سُعاد على حيران مكتئبٍ ... يُمسي ويصبح في همٍّ وتذكارِ!\rقد شفَّه قلقٌ ما مثله قلقٌ ... وأسعر القلب منه أيّ إسعارِ!\rكيف السُّلوُّ، وقد هام الفؤاد بها ... وأصبح القلب عنها غير صبارِ؟\rقال: فغضب معاوية غضباً شديداً، ثم قال: يا أعرابيّ، أنت مقرٌّ بأنك طلقتها! ومروان مقرٌّ بأنه طلقها، ونحن نخيرها فإن اختارتك أعدناها إليك بعقد جديد، وإن اختارت سواك زوّجناه بها. ثم التفت إليها أمير المؤمنين وقال: ما تقولين، يا سعدى؟ أيما أحبُّ إليك، أمير المؤمنين في عزه وشرفه وسلطانه وما تصيرين إليه عنده، أو مروان بن الحكم في عسفه وجوره، أو هذا الأعرابي في فقره وسوء حاله؟ فأنشأت تقول:\rهذا، وإن كان في فقرٍ وإضرارِ، ... أعزُّ عندي من قومي ومن جاري!\rوصاحب التَّاج أو مروان عامله ... وكلِّ ذي درهمٍ عندي ودينارِ!\rثم قالت: والله يا أمير المؤمنين، ما أنا بخاذلته لحادثة الزمان ولا لغدرات الأيام! وإن لي معه صحبة لا تنسى ومحبة لا تبلى! والله إني لأحق من صبر معه الضراء كما تنعَّمت معه السرَّاء! فعجب كلُّ من كان حاضراً. فأمر له بها ثم أعادها له بعقد جديد، وأمر لهما بألف دينار. فأخذها وانصرف يقول:\rخلُّوا عن الطريق للأعرابي! ... ألم ترقُّوا، ويحكم مما بي؟\rقال: فضحك معاوية وأمر بها فأدخلت في قصوره حتى انقضت عدّتها من ابن الحكم ثم أمر برفعها إلى الأعرابي.\rولقد ساق ابن الجوزيّ في كتابه من أخبار العشاق وما نالهم من الأمراض والجنون والضنا، وقصّ كثيراً من أخبارهم، تركنا إيراد ذلك رغبةً في الاختصار، لأنه أمر غير منكور.\rوأما من خاطر بنفسه وألقاها إلى الهلاك لأجل محبوبه، فمن ذلك ما روي عن أبي ريحانة أحد حجاب عبد الملك بن مروان أنه قال: كان عبد الملك يجلس يومين في الأسبوع جلوساً عامّاً للناس: فبينما هو جالس في مستشرفٍ له وقد أدخلت عليه القصص، إذ وقعت في يده قصَّة غير مترجمة. فيها: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته فلانة تغنيني ثلاثة أصوات ثم ينفذ فيّ ما شاء من حكمه، فعل!.","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"فاستشاط من ذلك غضباً وغيظاً، وقال: يا رباح! عليّ بصاحب هذه القصة! فخرج الناس جميعاً فأدخل عليه الغلام كما عذَّر، من أحسن الفتيان، فقال له عبد الملك: يا غلام، هذه قصتك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: وما الذي غرّك منّي؟ والله لأمثلنّ بك ولأردعنّ بك نظراءك من أهل الجسارة! ثم قال: عليّ بالجارية فجيء بها كأنها فلقة قمر! وبيدها عودها ووضع لها كرسيّ، فجلست، فقال عبد الملك: مرها يا غلام! فقال لها: يا جارية، غنيني بشعر قيس بن ذريح:\rلقد كنت حسب النفس، لو دام ودنا؛ ... ولكنما الدنيا متاع غُرورِ!\rوكنَّا جميعاً قبل أن يظهر الهوى ... بأنعم حالي غبطةٍ وسرورِ.\rفما برح الواشون حتَّى بدت لنا ... بطون الهوى مقلوبةً لظهورِ.\rفغنت. فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقاً، ثم قال له عبد الملك: مرها تغنك الصوت الثاني! فقال: غنيني بشعر جميل:\rألا ليت شعري! هل أبيتنَّ ليلةً ... بوادي القرى؟ إني إذاً لسعيدُ!\rإذا قلت: ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحُبِّ! قالت: ثابتٌ ويزيدُ!\rوإن قلت: رُدِّي بعض عقلي أعش به ... مع الناس! قالت: ذاك منك بعيدُ!\rفلا أنا مردودٌ بما جئت طالباً، ... ولا حُبُّها فيما يبيد يبيدُ!\rيموت الهوى منِّي إذا ما لقيتها، ... ويحيا إذا فارقتها فيعودُ!\rفغنت الجارية. فسقط الغلام مغشياً عليه ساعة. ثم أفاق، فقال له عبد الملك: مرها فلتغنك الصوت الثالث! فقال يا جارية! غنيني بشعر قيس بن الملوّح:\rوفي الجيرة الغادين من بطن وجرةٍ ... غزالٌ غضيضُ المقلتين ربيبُ.\rفلا تحسبي أن الغريب الذي نأى، ... ولكنَّ من تنأين عنه غريبُ!\rفغنته الجارية فطرح نفسه من المستشرف، فتقطع قبل وصوله إلى الأرض. فقال عبد الملك: ويحه! لقد عجل على نفسه! ولقد كان تقديري فيه غير الذي فعل! وأمر بإخراج الجارية عن قصره، فأخرجت. ثم سأل عن الغلام فقالوا: غريب، لا يعرف إلا أنه منذ ثلاث ينادي في الأسواق، ويده على رأسه:\rغداً يكثر الباكون منا ومنكم، ... وتزداد داري من دياركم بُعدا!\rوحكي أن هذه الحكاية جرت في مجلس سليمان بن عبد الملك.\rحكي عن أبي عثمان الجاحظ أنه قال: قعد سليمان بن عبد الملك يوماً للمظالم وعرضت عليه القصص فمرّت به قصة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إليّ فلانة إحدى جواريه حتى تغنيني ثلاثة أصوات، فعل. فاغتاظ سليمان وأمر أن يؤتى برأسه. ثم أتبع الرسول برسول آخر فأمره أن يدخل الرجل إليه. فلما مثل بين يديه، قال له: ما الذي حملك على ما صنعت؟ فقال: الثقة بحلمك، والاتكال على عفوك! فأمره بالجلوس، فجلس حتى لم يبق من بني أمية أحد. ثم أمر بإخراج الجارية فأخرجت ومعها عود، ثم قال: اختر! فقال: تغني لي بقول قيس بن الملوّح:\rتعلَّق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعد أن كنَّا نطافاً وفي المهدِ!\rفعاش كما عشنا فأصبح نامياً،وليس وإن متنا بمنقصف العهدِ.\rيكاد فضيض الماء يخدش جلدها، ... إذا اغتسلت بالماء من رقَّة الجلدِ.\rوإني لمشتاق إلى ريح جيبها، ... كما اشتاق إدريس إلى جنَّة الخلدِ!\rفغنت. ثم قال: تأمر لي برطل. فأمر له به فشربه. ثم قال: تغني بقول جميل:\rعلقت الهوى منها وليداً، فلم يزل ... إلى اليوم ينمى حبُّها ويزيدُ.\rوأفنيت عُمري في انتظار نوالها ... وأبليت فيها الدَّهر وهو جديدُ.\rفلا أنا مردودٌ بما جئت طالباً، ... ولا حُبُّها فيما يبيد يبيدُ.\rإذا قلت: ما بي يا بثينة طالباً، ... ولا حُبُّها فيما يبيد يبيدُ.\rوإن قلت: ردّي بعض عقلي أعش به ... مع الناس! قالت: ذاك منك بعيدُ.\rفغنت، فقال له سليمان: قل ما تريد؟ قال: تأمر لي برطل، فأمر له فشربه. ثم قال: تغني بقول قيس بن ذريح: لقد كنت حسب النفس الأبيات.","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"فغنت. فقال له سليمان: قل ما تشاء! قال: تأمر لي برطل! فأمر له به، فما استتمه حتى وثب فصعد إلى أعلى قبة ثم زجَّ نفسه على دماغه فمات. فاسترجع سليمان وقال: أتراه توهم الجاهل أني أُخرج إليه جاريتي وأردّها إلى ملكي؟ يا غلام خذ بيدها فانطلق بها إلى أهله إن كان له أهل، وإلا فبيعوها وتصدّقوا بثمنها عنه. فلما انطلقوا بها، نظرت إلى حفرة في الدار قد أُعدت للمطر، فجذبت يدها من أيديهم وأنشأت تقول:\rمن مات عشقاً فليمت هكذا! ... لا خير في عشق بلا موتِ!\rوزجت نفسها في الحفرة على دماغها. فماتت.\rوقد حكي أيضاً مثل هذه، وأنها وقعت للرشيد.\rروي عن أبي بكر محمد بن عليّ المخزومي قال: اشتريت للرشيد جارية مدنية. فأُعجب بها وأمر الفضل بن الربيع أن يبعث في حمل أهلها ومواليها لينصرفوا بجوائزها. وأراد بذلك تشريفها. فوفد إلى مدينة السلام ثمانون رجلاً، ووفد معهم رجل من أهل العراق استوطن المدينة كان يهوى الجارية. فلما بلغ الرشيد خبر مقدمهم أمر الفضل أن يخرج إليهم ليكتب اسم كل واحد منهم وحاجته، ففعل. فلما بلغ إلى العراقيّ قال: ما حاجتك؟ قال له: إن أنت كتبتها وضمنت لي عرضها مع ما يعرض، أنبأتك بها. فقال: أفعل ذلك، فقال: حاجتي أن أجلس مع فلانة حتى تغنِّيني ثلاثة أصوات وأشرب ثلاثة أرطال، وأخبرها بما تُجنّ ضلوعي من حبها! فقال الفضل: أنت موسوس مدخول عليك في عقلك! فقال: يا هذا، قد أُمرت أن تكتب ما يقول كلُّ واحد منا فاكتب ما أقول واعرضه، فإن أُجبت إليه وإلا فأنت في أوسع العذر، فدخل الفضل مغضباً فوقف بين يدي الرشيد، وقرأ عليه ما كتب من حوائجهم. فلما فرغ قال: يا أمير المؤمنين فيهم واحد مجنون! سأل ما أُجلُّ مجلس أمير المؤمنين عن التفوّه به. فقال: قل، ولا تجزعنّ! فقال: قال كذا وكذا. فقال: اخرج إليه، وقل له إذا كان بعد ثلاث، فاحضر لينجز لك ما سألت. وكن أنت متولِّي الاستئذان له. ثم دعا بخادم فقال له: امض إلى فلانة فقل لها: حضر رجل يذكر كذا وكذا وقد أجبناه إلى ما سأل فكوني على أهبة. وخرج الفضل إلى الرجل وأخبره بما قال الرشيد، فانصرف وجاء في اليوم الثالث. فعرّف الفضل الرشيد خبره فقال: يوضع له بحيث أرى كرسيٌّ من فضة، وللجارية كرسيٌّ من ذهب! وليخرج إليه ثلاثة أرطال! ففعلوا ذلك وجاء الفتى فجلس على الكرسيّ، والجارية بإزائه، فجعل يحدّثها والرشيد يراهما، فقال له الخادم: لم تدخل فتشتو وتصيِّف! فأخذ رطلاً وخرّ ساجداً، قال: إن شئت أن تغنِّي فغنِّي:\rخليليَّ عوجاً! بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هندٌ بأرضكما قصدا!\rوقولا لها: ليس الضلال أجازنا؛ ... ولكنَّما جزنا لنلقاكما عمدا!\rغداً يكثر الباكون منا ومنكم، ... وتزدادا داري من دياركم بعدا!\rفغنت، فشرب الرطل، وحادثها ساعة. فاستحثه الخادم فأخذ الرطل بيده وقال: غني جعلني الله فداءك!\rتكلَّم منَّا في الوجوه عيوننا، ... فنحن سكوتٌ والهوى يتكلَّمُ!\rونغضب أحياناً ونرضى بطرفنا، ... وذلك فيما بيننا ليس يُعلمُ!\rفغنته وشرب الرطل الثاني وحادثها ساعة. واستعجله الخادم فخرّ ساجداً يبكي وأخذ الرطل بيده واستودعها الله وقام ودموعه تستبق المطر وقال: إذا شئت أن تغنِّي فغنِّي.\rأحسن ما كُنَّا تفرّقنا ... وخاننا الدّهر وما خُنَّا!\rفليت ذا الدهر لنا مرَّةً ... عاد لنا الدّهر كما كنا!\rفغنته الصوت، فقلَّب الفتى طرفه فبصر بدرجة في الصحن، فأمها. فاتبعه الخدم ليهدوه الطريق، ففاتهم وصعد الدرجة فألقى نفسه إلى الأرض على رأسه فمات. فقال الرشيد: عجَّل الفتى! ولو لم يعجِّل لوهبتها له!","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"وممن خاطر بنفسه في هواه وعرَّضها للتلف فنجا ونال خيراً، مال حكاه ابن الجوزيّ بسند يرفعه إلى أبي الفرج أحمد بن عثمان بن إبراهيم الفقيه المعروف بابن الترسي قال: كنت جالساً بحضرة أبي، وأنا حدث، وعنده جماعة. فحدّثني حديث وصول النعم إلى الناس بالألوان الظريفة. وكان ممن حضر صديق لأبي. فسمعته يحدّث أبي، قال: حضرت عند صديق لي من التُّجَّار - كان يتَّجر بمائة ألف دينار - في دعوة. وكان حسن المروءة، فقدّم مائدة وقدّم عليها ديكريكة فلم يأكل منها، فامتنعنا. فقال: كلوا! فإني أتأذَّى بأكل هذا اللون. فقلنا: نساعدك على تركه. قال: بل أساعدكم على الأكل، وأحتمل الأذى! فأكل وأكلنا، فلما أراد غسل يده أطال. فعددت عليه أنه قد غسلها أربعين مرة. فقلت: يا هذا، وسوست! فقال: هذه الأذية التي قرفت منها! فقلت: وما سببها؟ فامتنع من ذكر السبب، فلما ألححت عليه، قال: مات أبي وسني عشرون سنة، وخلف لي نعمة وفيرة ورأس مال ومتاعاً في دكانه. فقال لما حضرته الوفاة: يا بُنيّ! إنه لا وارث لي غيرك، ولا دين عليّ ولا ظلمة. فإذا أنا متُّ فأحسن جهازي وتصدّق عني بكذا وكذا، وأخرج عني حجَّة بكذا، وبارك الله لك في الباقي! ولكن احفظ وصيتي! فقلت: قل! قال: لا تسرف في مالك، فتحتاج إلى ما في يدي الناس فلا تجده.\rواعلم أن القليل مع الإصلاح كثير، والكثير مع الفساد قليل. فالزم السُّوق وكن أوّل من يدخلها، وآخر من يخرج منها. وإن استطعت أن تدخلها سحراً بليل فافعل، فإنك تستفيد بذلك فوائد تكشفها لك الأيام، ومات. فأنفذت وصيته، وعملت بما أشار به. وكنت أدخل السوق سحراً، وأخرج منها عشاء. فلا أعدم من يجيء يطلب كفناً فلا يجد من قد فتح غيري فأحتكم عليه، ومن يبيع شيئاً والسوق لم تقم فأبتاع منه، وأشياء من هذه الفوائد. ومضى عليّ سنة وكسر، فصار لي بذلك جاه عند أهل السوق وعرفوا استقامتي وأكرموني. فبينما أنا جالس يوماً ولم تتكامل السوق، وإذا بامرأة راكبة حماراً مصرياً وعلى كفله منديل دبيقي ومعها خادم وهي بزيّ القهارمة. فبلغت آخر السوق ثم رجعت، فنزلت عندي. فقمت إليها وأكرمتها، وقلت: ما تأمرين؟ وتأملتها فإذا بامرأة لم أر قبلها ولا بعدها إلى الآن أحسن منها في كل شيء. فتكلمت وقالت: أريد كذا وكذا ثياباً طلبتها. فسمعت نغمة ورأيت شكلاً قتلني فعشقتها في الحال أشدّ عشق، وقلت: اصبري حتى يخرج الناس، فآخذ ذلك لك فليس عندي إلا القليل مما يصلح لك. وأخرجت الذي عندي وجلست تحادثني، وكأن السكاكين في فؤادي من عشقها. وكشفت عن أنامل رأيتها كالطَّلع، ووجه كدارة القمر. فقمت لئلا يزيد عليّ الأمر، وأخذت لها من السوق ما أرادت، وكان ثمنه مع مالي نحو خمسمائة دينار، فأخذته وركبت ولم تعطني شيئاً. وذهب عني لما تداخلني من حبها أن أمنعها من المتاع إلا بالمال، وأن أستدل على منزلها ومن دار من هي؟ فحين غابت عني، وقع لي أنها محتالة وأن ذلك سبب فقري. فتحيرت في أمري وكتمت خبري، لئلا أفتضح بما للناس عليّ. وأجمعت على بيع ما في يدي من المتاع وإضافته إلى ما عندي من الراهم وأدفع أموال الناس إليهم ولزوم البيت والاقتصار على غلة العقار الذي ورثته. وأخذت أشرع في ذلك مدة أسبوع، وإذا بها قد أقبلت ونزلت عندي، فحين رأيتها أُنسيت جميع ما جرى عليّ، وقمت إليها. فقالت: يا فتى، تأخرنا عنك لشغل عرض لنا، وما شككنا في أنك لم تشك أنا احتلنا عليك، فقلت: قد رفع الله قدرك عن هذا! فقالت، هات التخت والطيار، فأحضرته، فأخرجت دنانير عتقاً، فوفتني المال بأسره. وأخرجت تذكرة بأشياء أُخر. فأنفذت إلى التجَّار أموالهم وطلبت منهم الذي أرادت، وحصلت أنا في الوسط ربحاً جيداً. وأحضر التُجَّار الثياب فقمت وثمنتها معهم لنفسي. ثم بعتها عليها بربح عظيم، وأنا في خلال ذلك أنظر إليها نظر من تألف حبها، وهي تنظر إليّ نظر من فطنت بذلك ولم تنكره.","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"فهممت بخطابها ولم أقدر عليه. وجمعت المتاع فكان ثمنه ألف دينار. فأخذته، وركبت ولم أسألها عن موضعها. فلما غابت عني، قلت: هذه الآن الحيلة المحكمة! أعطتني خمسمائة دينار وأخذت ألف دينار، وليس إلا بيع عقاري الآن، والحصول على الفقر! وتطاولت غيبتها عني نحو شهر. وألّح التجار عليّ بالمطالبة، فعرضت عقاري على البيع، ولازمني بعض التجار فوزنت جميع ما كنت أملكه ورقاً وعيناً. فبينما أنا كذلك، إذ نزلت عندي. فزال عني جميع ما كنت فيه برؤيتها. واستدعيت الطيار والتخت، فوزنت المال ورمت إليّ تذكرة يزيد ما فيها على ألفي دينار بكثير. فتشاغلت بإحضار التجار ودفع أموالهم إليهم وأخذ المتاع منهم، وطال الحديث بيننا. فقالت لي: يا فتى، ألك زوجةٌ؟ فقلت: لا، والله ما عرفت امرأة قط، وأطمعني ذلك فيها، وقلت: هذا وقد خطابها، والإمساك عنها عجزٌ، ولعلها تعود أو لا تعود. وأردت كلامها فهبتُها. وقمت كأني أحُثُّ التجار على جمع المتاع. وأخذت يد الخادم وأخرجت إليه دنانير وسألته أن يأخذها ويقضي لي حاجة. فقال: أفعل، فقصصت عليه قصتي وسألته توسط الأمر بيني وبينها. فضحك وقال: والله إنها لك أعشق منك لها! ووالله ما بها إلى أكثر هذا الذي تشتريه، وإنما تأتيك محبةً لك وطريقاً إلى مطاولتك، فخاطبها ودعني، فجسَّرني على خطابها فخاطبتها وكشفت لها عشقي ومحبتي وبكيت، فضحكت. وتقبلت ذلك أحسن قبول. وقالت: الخادم يأتيك برسالتي. ونهضت ولم تأخذ شيئاً من المتاع، فرددته على أصحابه. وحصل لي مما اشترته أوّلاً وثانياً ألوف دراهم ربحاً، ولم أعرف النوم في تلك الليلة شوقاً إليها، وخوفاً من انقطاع السبب بيننا. فلما كان بعد أيام جاءني الخادم، فأكرمته وسألته عن خبرها، فقال: هي والله عليلة من شوقها إليك، فقلت: اشرح لي أمرها، فقال: هذه مملوكة السيدة أم المقتدر وهي من أخص جواريها، واشتهت رؤية الناس والدخول والخروج. فتوصلت حتى جعلتها قهرمانة.","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"وقد والله حدّثت السيدة بحديثك وبكت بين يديها وسألتها أن تزوّجها منك، فقالت السيدة: لا أفعل أو أرى هذا الرجل. فإن كان يستأهلك وإلا لم أدعك ورأيك. وتحتاج أن تحتال في إدخالك الدار بحيلة، فإن تمت وصلت بها إلى تزويجك بها، وإن انكشفت ضرب عنقك. وقد أنقذتني إليك في هذه الرسالة، وقالت لك: إن صبرت على هذا، وإلا فلا طريق لك والله إليّ، ولا لي إليك بعدها! فحملني ما في نفسي أن قلت: أصبر، فقال: إذا كانت الليلة فاعبر إلى المحرم، وادخل إلى المسجد، وبت فيه. ففعلت ذلك. فلما كان وقت السَّحر، إذا بطيار قد قدم، وخدم قد رفعوا صناديق فراغاً. فجعلوها في المسجد وانصرفوا. وخرجت الجارية فصعدت إلى المسجد، والخادم معها. فجلست وفرقت باقي الخدم في حوائج، واستدعتني فعانقتني وقبلتني. ولم أكن نلت ذلك منها قبله. ثم أجلستني في بعض الصناديق وأقفلته. وطلعت الشمس وجاء الخدم بثياب وحوائج من المواضع التي كانت أنفذتهم إليها، فجعلت ذلك بحضرتهم في باقي الصناديق، وأقفلتها. وحُملت إلى الطيار وانحدر. فلما حصلت فيه ندمت وقلت: قتلت نفسي لشهوة، وأقبلت ألومها تارةً، وأشجعها وأمنيِّها أخرى، وأنذر النُّذور على خلاصي، وأوطِّن مرة نفسي على القتل إلى أن بلغنا الدار. وحمل الخدم الصناديق، وحمل صندوقي الخادم الذي يعرف الحديث، وبادر به أمام الصناديق وهي معي، والخدم يحملون بقيتها. وكلما جازت بطائفة من الخدم والبوّابين، قالوا: نريد أن نفتش الصندوق، فتصيح عليهم وتقول: متى جرى الرسم معي بهذا؟ فيمسكون عنها ورُوحي في السياق إلى أن انتهينا إلى خادم خاطبته هي بالأُستاذ. فعلمت أنه أجل الخدم، فقال: لا بدّ من فتح الصندوق الذي معك، فخاطبته بلين وذل، فلم يجبها. وعلمت أنها ما ذلَّت ولها حيلة، فأغمى عليّ. وأنزلوا الصُّندوق ليفتحوه. فبلت من شدة ما نالني من الفزع، فجرى البول من خلال الصندوق. فصاحت: يا أستاذ، أهلكت علينا متاعاً بخمسة آلاف دينار في الصندوق، ثيابٌ مصبَّغات وماء ورد، وقد انقلب على الثياب، والساعة تختلط ألوانها، وهي هلاكي مع السيدة! فقال لها: خذي صندوقك إلى لعنة الله أنت وهو، مُري! فصاحت بالخدم: احملوا، فأُدخلت الدار ورجعت إليّ روحي، فبينما نحن كذلك إذ قالت: واويلاه! الخليفة والله! فجاءني أعظم من الأوّل. وسمعت كلام خدم وهو يقول من بينهم: ويلك يا فلانة! إيش في صندوقك؟ أريني هو، فقالت: ثياب لستي يا مولاي، والساعة أفتحه بين يديها، وتراه، وقالت للخدم: أسرعوا ويلكم! فأسرعوا فأدخلتني إلى الحجرة وفتحت الصندوق وقال: اصعد من هذه الدرجة إلى الغرفة فاجلس فيها، وفتحت صندوقاً آخر فقلبت بعض ما فيه إلى الصندوق الذي كنت فيه، وأقفلت الجميع.","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"وجاء المقتدر وقال: افتحيه، ففتحته، فلم ير شيئاً فيه. فصعدت إليّ وجعلت تقبلني ترشفني. ونسيت ما جرى. ثم تركتني، وأقفلت باب الحجرة يومها. ثم جاءتني ليلاً فأطعمتني وسقتني وانصرفت. فلما كان من غد جاءتني، فقالت: السيدة الساعة تجيء، فانظر كيف تخاطبها، ثم عادت بعد ساعة مع السيدة، وقالت: انزل، فنزلت. فإذا بالسيدة جالسة على كرسيّ وليس معها إلا وصيفتان وصاحبتي. فقبَّلْت الأرض وقمت بين يديها، فقالت: اجلس، فقلت: أنا عبد السيدة وخادمها، وليس من محلي أن أجلس بحضرتها، فتأملتني وقالت: ما اخترت يا فلانة إلا حسن الوجه والأدب، ونهضت، فجاءتني صاحبتي بعد ساعة، وقالت: أبشر، فقد أذنت لي في تزويجك، وما بقي الآن عقبة إلا الخروج. فقلت: يسلم الله! فلما كان من غدٍ حملتني في الصندوق. فخرجت كما دخلت بعد مخاطرة أخرى وفزع ثان. ونزلت في المسجد ورجعت إلى منزلي، فتصدّقت، وحمدت الله تعالى على السلامة. فلما كان بعد أيام جاءني الخادم ومعه كيس وفيه ثلاثة آلاف دينار عيناً وقال: أمرتني ستي بإنفاذ هذا إليك من مالها. وقالت: اشتر به ثياباً ومركوباً وخدماً، وأصلح به ظاهرك، واحضر يوم الموكب إلى باب العامَّة، وقف حتَّى تُطلب. فقد وافق الخليفة أن يزوجك بحضرته. فأخذت المال وأجبت عن رقعة كانت معه، واشتريت ما قالوه بشيء يسير منه وبقي الأكثر عندي. وركبت إلى باب العامة في يوم الموكب بزيّ حسن. وجاء الناس فدخلوا إلى الخليفة، ووقفت إلى أن استدعيت ودخلت. فإذا أنا بالمقتدر جالساً والقضاة والقوّاد وغيرهم من الهاشميين. فهبت المجلس وعُلِّمت كيف أُسلِّم. ففعلت. وتقدّم المقتدر إلى بعض القضاة الحاضرين فخطب لي وزوّجني. وخرجت من حضرته. فلما انتهيت إلى بعض الدهاليز، عُدل بي إلى دار عظيمة مفروشة بأنواع الفرش الفاخرة وفيها من الآلات والخدم والقماش ما لم أر مثله قطُّ. وانصرف من أدخلني. فجلست يومي لا أقوم إلا إلى الصلاة. وخدمٌ يدخلون وخدم يخرجون، وطعام عظيم ينقل وهم يقولون: الليلة تُزف فلانة باسم صاحبتي إلى زوجها البزّاز، وأنا لا أصدق فرحاً. فلما جاء الليل أثَّر فيّ الجوع وأُقفلت الأبواب، ويئست من الجارية، فقمت أطوف الدار فوقعت على المطبخ. ووجدت الطباخين جلوساً فاستطعمتهم فلم يعرفوني وقدّروني بعض الوكلاء. فقدموا إليّ هذا اللون مع رغيفين فأكلتهما وغسلت يدي بأشنان كان في المطبخ وقدّرت أنها قد نقيت. وعدت إلى مكاني.","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"فلما جنّ الليل إذا طبول وزمور وأصوات عظيمة، وإذا أنا بالأبواب قد فُتِّحت وصاحبتي قد أُهديت إليّ وجاءوا بها فجلوها عليّ، وأنا أقدّر أن ذلك في النوم. ثم تركت معي في المجلس. وتفرّق ذلك البوش. فلما خلونا، تقدمت إليها فقبلتها وقبلتني. فلما شمَّت رائحة لحيتي، رفستني فرمت بي عن المنصة وقالت: أنكرت والله أن تفلح يا عاميِّ، يا سفلة، وقامت لتخرج، فقمت وعلقت بها وقبلت الأرض ورجليها، وقلت: عرفيني ذنبي واعملي بعده ما شئت، فقالت: ويحك، أكلت ولم تغسل يدك! فقصصت عليها قصتي، فلما بلغت إلى آخرها قلت: عليّ وعليّ - وحلفت بطلاقها وطلاق كل امرأة أتزوّجها وصدقة مالي وجميع ما أملكه والحجِّ ماشياً على قدميّ وكلِّ ما يحلف به المسلمون لا أكلت بعدها ديكيريكة إلا غسلت يدي أربعين مرة. فاستحيت وتبسمت وصاحت: يا جواري! فجاء مقدار عشر جوار ووصائف، فقالت: هاتوا شيئاً نأكل، فقدّمت ألوان ظريفة وطعام من أطعمة الخلفاء. فأكلنا وغسلنا أيدينا. واستدعت شراباً فشربنا وغنَّى أولئك الوصائف أطيب غناء وأحسنه، ثم قمنا إلى الفراش فخلوت بها وبتُّ بأطيب ليلة، ولم نفترق أسبوعاً. وكانت يوم الأسبوع وليمةٌ عظيمةٌ اجتمع في ه الجواري. فلما كان من الغد، قالت لي: إن دار الخلافة لا تحتمل المقام فيها أكثر من هذا مع جارية غيري، لمحبة سيدتي لي. وجميع ما تراه فهو هبة من السيدة لي. وقد أعطتني خمسين ألف دينار من عين وورق وجوهر. ولي ذخائر في خارج القصر كثيرةٌ من كل لون. وجميعها لك، فاخرج إلى منزلك، وخذ معك مالاً واشتر داراً سريَّةً واسعة الصحن، فيها بستان، كثيرة الحجر. وتحوّل إليها، وعرفني لأنقل إليها هذا كله، ثم آتيك، وسلمت إليّ عشرة آلاف دينار عيناً. فخرجت وابتعت الدار وكتبت إليها بالخبر. فحملت إليّ تلك النعمة بأسرها. فجميع ما أنا فيه منها، فأقامت عندي كذا وكذا سنة أعيش معها عيش الخلفاء. ولم أدع مع ذلك التجارة. فزاد مالي وعظمت منزلتي وأثرت حالي، وولدت لي هؤلاء الفتيان وأومأ إلى أولاده. ثم ماتت رحمها الله وبقي عليّ من مضرة الديكيريكة ما شاهدته.\rوبالجملة فلا يغترّ أحد بهذه الحكاية وأمثالها، فيجهل بنفسه فيهلكها. فما المغرِّر محمود وإن سلما.\rوأما من كفر بسبب العشق فكثير جداً لا ينحصرون، ومما ورد في ذلك حكاية عجيبة أوردتها لغرابتها وهي مما حكاه ابن الجوزيّ في كتابه المترجم بذم الهوى قال: سمعت شيخنا أبا الحسن عليّ بن عبيد الله الزعفراني يحكي أن رجلاً اجتاز بباب امرأة نصرانية، فرآها فهويها من وقته، وزاد الأمر به حتى غلب على عقله، فحمل إلى البيمارستان. وكان له صديق يتردّد إليه ويترسل بينه وبينها. ثم زاد الأمر به، فقالت أمُّه لصديقه: إني أجيء إليه فلا يكلمني، فقال: تعالي معي، فأتت معه. فقال له: إن صاحبتك بعثت إليك رسالة، قال: كيف؟ قلت: هذه أمك تؤدّي رسالتها. فجعلت أمه تحدّثه عنها بشيء من الكذب. ثم زاد الأمر عليه ونزل به الموت، فقال لصديقه: قد جاء الأجل وحان الوقت وما لقيت صاحبتي في الدّنيا، وأنا أريد أن ألقاها في الآخرة. فقال له: كيف تصنع؟ قال: أرجع عن دين محمد، وأقول عيسى ومريم والصليب الأعظم. فقال ذلك ومات.\rفمضى صديقه إلى تلك المرأة فوجدها عليلة فجعل يحدّثها، وأخبرها بموت صاحبها، فقالت: أنا ما لقيته في الدّنيا وأنا أريد أن ألقاه في الآخرة. وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأنا بريئة من دين النصرانية. فقام أبوها فقال للرجل: خذوها الآن فإنها منكم، فقام الرجل ليخرج، فقال له: قف ساعة؛ فوقف، فما لبث أن ماتت.","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"قال: وبلغني عن رجل ببغداد يقال له صالح المؤذن، أذَّن أربعين سنة، وكان يُعرف بالصلاح أنه صعد يوماً إلى المنارة ليؤذن فرأى بنت رجل نصرانيّ كان بيته إلى جانب المسجد. فافتتن بها، فجاء فطرق الباب فقالت له: من أنت؟ قال: أنا صالح المؤذن. ففتحت له الباب فدخل وضمها إليه، فقالت: أنتم أصحاب الأمانات، فما هذه الخيانة؟ فقال: إن وافقتيني على ما أريد وإلا قتلتك، فقالت: لا، إلا أن تترك دينك، فقال كلمة الكفر وبرئ من الإسلام. ثم تقدّم إليها فقالت: إنما قلت هذا لتقضي غرضك ثم تعود إلى دينك. فكل من لحم الخنزير، فأكل منه، قالت: فاشرب الخمر، فشرب. فلما دبَّ الشراب فيه دنا منها فدخلت بيتاً وأغلقت بينها وبينه الباب، وقالت له: اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبي زوّجني منك. فصعد فسقط فمات. فخرجت إليه ولفته في مسح. وجاء أبوها فقصت عليه القصة فأخرجه في الليل ورماه في السكة. وظهر حديثه، فرمي على مزبلة.\rوأما من قتل بسبب العشق فلا يكاد ذلك يحصر كثرةً، وأعظمه وأشده واقعة عبد الرحمن بن ملجم المراديّ، لعنه الله.\rقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه: يا عليّ أشقى الأوّلين عاقر ناقة صالح، وأشقى الأوّلين والآخرين قاتلك، وهو هذا وأشار إلى ابن ملجم قبحه الله تعالى ولعنه، وأوجب له خزيه ومقته وعذابه، وذلك نكالاً لما اجترأ عليه في قتله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وذلك أن ابن ملجم قبحه الله رأى امرأة من تيم الرباب يقال لها قطام، كانت من أجمل النساء وكانت ترى رأى الخوارج، وقد قتل عليّ رضي الله عنه قومها يوم النَّهروان. فلما رآها ابن ملجم عشقها فخطبها فقالت: لا أتزوجك إلا على ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة، وأن تقتل عليّ بن أبي طالب. فحمله العشق على أن خسر الدنيا والآخرة، وتزوجها على ذلك. وكان من خبره في قتل عليّ رضي الله عنه ما نذكره إن شاء الله تعالى في التاريخ.\rوفي ذلك يقول الشاعر:\rفلم أر مهراً ساقه ذو سماحةٍ ... كمهر قطام بينَّاً غير مُعجم.\rثلاثة آلافٍ، وعبدٌ، وقينةٌ، ... وضربٌ عليٍّ بالحسام المصمِّم.\rفلا مهر أغلى من عليٍّ وإن علا ... ولا فتك إلا فتك ابن ملجم!\rومنهم من حمله العشق على قتل أبيه. وهو أبو عبد الملك مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن الناصر، ويعرف هذا بالطليق. كان يتعشق جارية كان أبوه قد ربَّاها معه وذكر أنها له، ثم استأثر بها وخلا معها. فحمله العشق على أن انتضى سيفاً ورصد أباه في بعض خلواته بها فقتله. فسجنه المنصور بن ابي عامر سنين، ثم أطلقه. فلُقِّب بالطَّليق واعتراه من ذلك شبه الجنون فكان يُصرع في بعض الأوقات.\rوأما من قُتل بسبب العشق، فروي عن الشعبيّ قال: دخل عمرو بن معد يكرب على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له عمر: يا عمرو، أخبرني عن أشجع من لقيت، فقال: نعم يا أمير المؤمنين.\rخرجت مرة أريد الغارة. فبينما أنا أسير إذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز، وإذا رجل جالس، وهو كأعظم ما يكون من الرجال خلقاً، وهو محتب بسيف. فقلت له: خذ حذرك فإني قاتلك، فقال: ومن أنت؟ قلت: أنا عمرو بن معد يكرب، فشهق شهقة فمات.\rفهذا أجبن من رأيت يا أمير المؤمنين.\rوخرجت يوماً حتى انتهيت إلى حيّ. فإذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز وإذا صاحبه في وهدة يقضي حاجةً. فقلت: خذ حذرك فإني قاتلك، قال: من أنت؟ قلت: أنا عمرو بن معد يكرب، قال: أبا ثور، ما أنصفتني، أنت على ظهر فرسك، وأنا في بئر، فأعطني عهداً أنك لا تقتلني حتى أركب فرسي وآخذ حذري، فأعطيته عهداً أن لا أقتله حتى يركب فرسه ويأخذ حذره. فخرج من الموضع الذي كان فيه حتى احتبى بسيفه وجلس. فقلت له: ما هذا؟ فقال: ما أنا براكب فرسي ولا بمقاتلك، فإن نكثت عهدك فأنت أعلم، فتركته ومضيت.\rفهذا يا أمير المؤمنين أحيل من رأيت!","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"ثم إني خرجت يوماً آخر حتى انتهيت إلى موضع كنت أقطع فيه. فلم أر أحداً فأجريت فرسي يميناً وشمالاً فظهر لي فارس. فلما دنا مني إذا هو غلام قد أقبل من نحو اليمامة. فلما قرب مني سلَّم فرددت عليه وقلت: من الفتى؟ قال: أنا الحارث بن سعد، فارس الشهباء، فقلت له: خذ حذرك، فإني قاتلك. فقال: الويل لك! من أنت؟ قلت: أنا عمرو بن معد يكرب، قال: الحقير الذليل؟ والله ما يمنعني من قتلك إلا استصغارك، فتصاغرت نفسي إليّ وعظُم عندي ما استقبلني. فقلت له: خذ حذرك، فو الله لا ينصرف إلا أحدنا، قال: أغرب، ثكلتك أمُّك! فإني من أهل بيت ما نكلنا عن فارس قط! فقلت: هو الذي تسمع، قال: اختر لنفسك، إما أن تطرد لي، وإما أن أطرد لك، فاغتنمتها منه، فقلت: أطرد لي، فأطرد وحملت عليه، حتى إذا قلت إني وضعت الرمح بين كتفيه، إذ هو قد صار حزاماً لفرسه، ثم اتبعني فقرع بالقناة رأسي، وقال: يا عمرو، خذها إليك واحدة، فوالله لولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك، فتصاغرت إليّ نفسي، وكان الموت والله يا أمير المؤمنين أحبَّ إليّ مما رأيت، فقلت: والله لا ينصرف إلا أحدنا، فقال: اختر لنفسك، فقلت: أطرد لي، فأطرد لي. فظننت أني قد تمكنت منه واتبعته حتى إذا ظننت أني قد وضعت الرمح بين كتفيه، فإذا هو قد صار لبياً لفرسه، ثم اتبعني فقرع رأسي بالقناة وقال: يا عمرو، خذها إليك اثنتين، فتصاغرت إليّ نفسي فقلت: والله لا ينصرف إلا أحدنا، فقال: اختر لنفسك، فقلت: أطرد لي، فأطرد حتى إذا قلت إني وضعت الرمح بين كتفيه وثب عن فرسه فإذا هو على الأرض، فأخطأته ومضيت، فاستوى على فرسه واتبعني فقرع بالقناة رأسي وقال: يا عمرو، خذها إليك ثالثة، ولولا أني قتل مثلك لقتلتك، فقلت له: اقتلني، فإن الموت أحب إليّ مما أرى بنفسي وأن تسمع فتيان العرب بهذا، فقال: يا عمرو إنما العفو ثلاث، وإني إن استمكنت منك الرابعة قتلتك، وأنشأ يقول:\rوكدَّت أغلاظاً من الأيمانِ ... إن عدت يا عمرو إلى الطِّعان،\rلتوجرنَّ لهب السِّنان ... أولا، فلست من بني شيبان!\rفلما قال هكذا، كرهت الموت، وهبته هيبة شديدة، وقلت: إنّ لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قلت: أكون لك صاحباً، ورضيت بذلك يا أمير المؤمنين، قال: لست من أصحابي، فكان ذلك والله أشدّ عليّ وأعظم مما صنع. فلم أزل أطلب إليه حتى قال: ويحك، وهل تدري أين أريد؟ قلت: لا، قال: أريد الموت عياناً، فقلت: رضيت بالموت معك، فقال: امضي بنا، فسرنا جميع يومنا وليلتنا حتى جننَّا الليل وذهب شطره. فوردنا على حيٍّ من أحياء العرب، فقال لي: يا عمرو في هذا الحيِّ الموت، ثم أومأ إلى قبةٍ في الحيِّ فقال: وفي تلك القبة الموت الأحمر، فإما أن تمسك عليّ فرسي فأنزل فأتي بحاجتي، وإما أن أمسك عليك فرسك فتنزل فتأتيني بحاجتي، فقلت: لا، بل انزل أنت، فأنت أعرف بموضع حاجتك، فرمى إليّ بعنان الفرس ونزل، فرضيت لنفسي يا أمير المؤمنين أن أكون له ساساً. ثم مضى حتى دخل العقبة فاستخرج منها جاريةً لم تر عيناي قط مثلها حسناً وجمالاً، فحملها على ناقة، ثم قال: يا عمرو، قلت: لبيك، قال: إما أن تحميني وأقود أنا، وإما أن أحميك وتقود أنت، قلت: بل تحميني أنت، وأقود أنا، فرمى إليّ بزمام الناقة، وسرنا بين يديه وهو خلفنا حتى أصبحنا، فقال لي: يا عمرو، قلت: لبيك، ما تشاء؟ قال: التفت فانظر هل ترى أحداً؟ قال: فالتفت، فقلت: أرى جمالاً، قال: أغذّ السير، ثم قال لي: يا عمرو، قلت: لبيك، قال: انظر، فإن كان القوم قليلاً فالجلد والقوة والموت، وإن كانوا كثيراً فليسوا بشيء، قال: فالتفتُّ، فقلت: هم أربعة أو خمسة، قال: أغذَّ السير، ففعلت، وسمع وقع الخيل، فقال لي: يا عمرو، قلت: لبيك! قال: كن عن يمين الطريق، وقف وحوّل وجوه دوابنا إلى الطريق، ففعلت، ووقفت عن يمين الراحلة ووقف هو عن يسارها. ودنا القوم منا، فإذا هم ثلاثة نفر فيهم شيخ وهو أبو الجارية وأخواها غلامان شابان، فسلموا فرددنا السلام، ووقفوا عن يسار الطريق. فقال الشيخ: خلِّ عن الجارية يا ابن أخي، فقال: ما كنت لأخليها ولا لهذا أخذتها، فقال لأصغر ابنيه: اخرج إليه، فخرج وهو يجرّ رمحه وحمل عليه الحارث وهو يقول:\rمن دون ما ترجوه خصب الذابل ... من فارسٍ مستلئم مقاتل","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"ينمي إلى شيبان خير وائل ... ما كان سيرى نحوها بباطل!\rثم شدَّ عليه فطعنه طعنةً دقَّ منها صلبه، فسقط ميتاً. فقال الشيخ لابنه الآخر: اخرج إليه يا بنيَّ، فلا خير في الحياة على الذل، فخرج إليه وأقبل الحارث يقول:\rلقد رأيت كيف كانت طعنتي! ... والطعن للقرن الشديد همَّتي.\rوالموت خيرٌ من فراق خلّتي ... فقتلتي اليوم ولا مذلَّتي!\rثم شدّ عليه فطعنه طعنةً سقط منها ميتاً. فقال له الشيخ: خلِّ عن الظعينة يا ابن أخي، فإني لست كمن رأيت، قال: ما كنت لأخلِّيها ولا هذا قصدت، فقال له الشيخ: اختر يا ابن أخي، فإن شئت طاردتك، وإن شئت نازلتك، فاغتنمها الفتى ونزل. ونزل الشيخ وهو يقول:\rما أرتجي بعد فناء عُمري؟ ... سأجعل السِّنين مثل الشهرِ.\rشيخٌ يحامي دون بيض الخدر. ... إن استباح البيض قصم الظَّهر.\rسوف ترى كيف يكون صبري فأقبل الحارث وهو يقول:\rبعد ارتحالي وطويل سفري ... وقد ظفرت وشفيت صدري.\rوالموت خيرٌ من لباس الغدر، ... والعار أُهديه لحيِّ بكر.\rثم دنا فقال له الشيخ: يا ابن أخي، إن شئت نازلتك، وإن بقيت فيك قوة ضربتني، وإن شئت فاضربني، فإن بقيت فيّ قوةٌ ضربتك، فاغتنمها الفتى فقال: وأنا أبدؤك، قال: هات، فرفع الحارث السيف، فلما نظر الشيخ أنه قد أهوى به إلى رأسه، ضرب بطنه ضربة فقد معاه، ووقعت ضربة الحارث في رأسه. فسقطا ميتين. فأخذت يا أمير المؤمنين أربعة أفراس وأربعة أسياف، ثم أقبلت إلى الناقة فعقدت أعنة الأفراس بعضها إلى بعض وجعلت أقودها. فقالت الجارية: يا عمرو، إلى أين؟ ولست لي بصاحب، ولست كمن رأيت، ولو كنت صاحبي لسلكت سبيلهم! فقلت: اسكتي، قالت: فإن كنت صادقاً فأعطني سيفاً ورمحاً، فإن غلبتني فأنا لك، وإن غلبتك قتلتك، فقلت لها: ما أنا بمعطيك ذلك، وقد عرفت أصلك وجُرأة قومك وشجاعتهم، فرمت بنفسها عن البعير وهي تقول:\rأ بعدما شيخي وبعد اخوتي ... أطلب عيشاً بعدهم في لذَّةِ؟\rهل لا تكون قبل ذا منيَّتي؟ وأهوت إلى الرُّمح فكادت تنتزعه من يدي. فلما رأيت ذلك خفت إن هي ظفرت بي أن تقتلني، فقتلتها.\rفهذا أشد ما رأيته يا أمير المؤمنين.\rفقال عمر بن الخطاب: صدقت يا عمرو.","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"وروى ابن الجوزيّ بسند إلى الليث بن سعد أنه قال: أُتي عمر رضي الله عنه بفتىً أمرد قد وجد قتيلاً مُلقى في الطريق. فسأل عمر عن أمره واجتهد فلم يقف له على خبر، ولم يعرف قاتله. فشقَّ ذلك عليه، وقال: اللهم ظفِّرني بقاتله. حتى إذا كان رأس الحول أو قريب من ذلك، وجد صبي مولود مُلقى بموضع القتيل فأُتي به عمر. فلما أُتي به وأُخبر بمكانه، قال: ظفرت تالله بدم القتيل إن شاء الله تعالى، فدفع الصبي إلى امرأة، وأمرها أن تقوم بشأنه وأعطاها نفقة. وقال: انظري من يأخذه منك، فإذا وجدت امرأة تقبله وتضمه إلى صدرها فأعلميني بمكانها. فلما شبّ الصبي جاءت جاريةٌ فقالت للمرأة إن سيدتي بعثتني إليك لتبعثي إليها بالصبيّ لتراه وتردّه إليك. قالت: نعم، اذهبي به إليها وأنا معك، فذهبت بالصبيّ والمرأة معها إلى سيدتها. فلما رأته أخذته فقبلته وضمَّته إلى صدرها. وإذا هي بنت شيخ من الأنصار، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبرت عمر خبرها. فاشتمل على سيفه، ثم أقبل على منزلها، فوجد أباها متكئاً على باب داره. فسلم عليه، وقلا له: أبا فلان، قال: لبيك، قال: ما فعلت ابنتك فلانة؟ قال: يا أمير المؤمنين، جزاها الله خيراً، هي من أعرف الناس بحق الله تعالى وحق أبيها، مع حسن صلاتها وصيامها والقيام بدينها، فقال عمر: قد أحببت أن أدخل إليها فأزيدها رغبةً في الخير وأحثها على ذلك. فقال: جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين، لمكث مكانك حتى أعود إليك، فاستأذن بعمر، فلما دخل عمر، أمر من كان عندها بالخروج عنها، فخرجوا. وبقيت هي وعمر ليس معهما ثالث. فكشف عمر عن السيف، وقال: لتصدقيني وإلا ضربت عنقك، وكان عمر لا يكذب، فقالت: على رسلك يا أمير المؤمنين، فو الله لأصدقنك. إن عجوزاً كانت تدخل عليّ فاتخذتها أمّاً، وكانت تقوم من أمري بما تقوم به الوالدة، وكنت لها بمنزلة البنت، فأمضت بذلك حيناً. ثم إنها قالت لي يوماً: يا بنية، إنه قد عرض لي سفر، ولي بنت في موضع أتخوّف عليها فيه أن تضيع، وقد أحببت أن أضمها إليك حتى أرجع من سفري، فعمدت إلى ابن لها شاب أمرد، فهيأته كهيئة الجارية وأتتني به لا أشك أنه جارية. فكان يرى مني ما ترى الجارية من الجارية حتى أغفلني يوماً وأنا نائمة فما شعرت حتى علاني وخالطني. فمددت يدي إلى شفرة كانت إلى جنبي فقتلته. ثم أمرت به فألقي حيث رأيت. فاشتملت منه على هذا الصبي، فلما وضعته ألقيته في موضع أبيه. فهذا والله خبرهما، فقال عمر: صدقت، بارك الله فيك، ثم أوصاها ووعظها ودعا لها وخرج، وقال لأبيها: بارك الله لك في ابنتك، فنعم الابنة هي! وقد وعظتها وأمرتها، فقال: وصلك الله يا أمير المؤمنين، وجزاك خيراً عن رعيتك.","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"وروى أيضاً بسنده إلى أبي عباد قال: أدركت الخادم الذي كان يقوم على رأس الحجاج، فقلت له: أخبرني بأعجب شيء رأيته من الحجاج! قال: كان ابن أخيه أميراً على واسط، وكان بواسط امرأة يقال لها أبَّة، لم يكن بواسط في ذلك الوقت أجمل منها. فأرسل ابن أخيه إليها يراودها عن نفسها مع خادم له. فأبت عليه وقالت: إن أردتني فاخطبني إلى اخوتي، وكان لها أربعة اخوة فأبى، وقال: لا، إلا كذا. وعاودها فأبت، فراجعها وأرسل إليها بهدية فأخذتها وعزلتها. وأرسل إليها عشية الجمعة: إني آتيك الليلة، فقالت لأمها: إن الأمير بعث إليّ بكذا وكذا. فأنكرت أمُّها ذلك، وقالت أمها لاخوتها إن أختكم قد زعمت كيت وكيت: فأنكروا ذلك وكذبوها. فقالت إنه قد وعدني أن يأتيني الليلة، لترونه. قال: فقعد اخوتها في بيت حيال البيت الذي هي فيه، وجويريةٌ لها على باب الدار تنتظره. فجاء ونزل عن دابته وقال لغلامه: إذا أذن المؤذن في الغلس، فأتني بدابتي، ودخل والجارية أمامه. فوجد أبَّة على سرير مستلقيةً. فاستلقى إلى جانبها ثم وضع يده عليها، وقال: إلى كم ذا المطل؟ فقالت له: كف يدك يا فاسق، ودخل اخوتها عليه بأيديهم السيوف فقطَّعوه ثم لفوه في نطع وجاءوا به إلى سكة من سكك واسط فألقوه فيها. وجاء الغلام بالدابة فجعل يدُقُّ الباب دقّاً رفيقاً فلا يكلمه أحد. فلما خشي الضوء وأن تعرف الدابة انصرف. وأصبح الناس فإذا هم به على تلك الصفة. فأتوا به الحجاج فأخذ أهل تلك السكة، فقال أخبروني: ما قصته؟ قالوا: لا نعلم حاله، غير أنا وجدناه ملقىً. ففطن الحجاج فقال: عليّ بمن كان يخدمه، فأُتي بذلك الخصيّ الذي كان الرسول بينهما، فقالوا: هذا كان صاحب سره، فقال له الحجاج: اصدقني عن خبره وقصته، فأبى. فقال: إن صدقتني لم أضرب عنقك، وإن لم تصدقني فعلت بك وفعلت. قال: فأخبره الأمر على جهته. فأمر بالمرأة وأُمها واخوتها، فجيء بهم، وعُزلت المرأة عنهم. فسألها فأخبرته بمثل ما أخبر به الخصيّ، ثم سأل اخوتها، فأخبروه بمثل ذلك ولم يختلفوا، وقالوا: نحن صنعنا به الذي ترى، فأمر برقيقه ودوابه للمرأة، فقالت المرأة هديته عندي، فقال: بارك الله لك فيها، وكثَّر في النساء مثلك، وهي لك، وما ترك من شيء فهو لك، وقال: مثل هذا لا يدفن. فألقوه للكلاب، ودعا بالخصيّ فقال: أما أنت فقد قلت لك إني لا أضرب عنقك! وأمر بضرب وسطه، فقطع نصفين.\rوالأخبار في مثل هذا كثيرة، فلا نطوّل بذكرها.\rوأما من قتله العشق فكثير جداً لا يكاد يحصر، روى عن عكرمة قال: إني لمع ابن عباس عشية عرفة، إذ أقبل فتيةٌ يحملون فتىً من بني عُذرة في كساء، وهو ناحل البدن، أحلى من رأيت من الفتيان، فوضعوه بين يديه ثم قالوا: استشف لهذا يا ابن عمّ رسول الله، فقال: وما به؟ فترنم الفتى بصوت ضعيف خفيّ الأنين، وهو يقول:\rبنا من جوى الأحزان والحبِّ لوعةٌ ... تكاد لها نفس الشفيق تذوب!\rولكنّما أبقى حشاشة معولٍ ... على ما به عودٌ هناك صليب!\rوما عجبٌ موت المحبين في الهوى؛ ... ولكن بقاء العاشقين عجيب!\rقال: ثم حمل فمات في أيديهم، فقال ابن عباس: هذا قتيل الحبّ، لا عقلٌ ولا قود.\rقال عكرمة: فما رأيت ابن عباس سأل الله تعالى تلك الليلة - حتى أمسى - إلا العافية مما ابتلى به ذلك الفتى.\rوروى عن الأصمعيّ قال: حدثني أبو عمرو بن العلاء قال: حدثني رجل من بني تميم قال: خرجت في طلب ضالة لي. فبينا أنا أدور في أرض بني عُذرة أنشد ضالتي، إذا بيت معتزل عن البيوت، وإذا في كسر البيت شابٌ مغمى عليه، فلو نزلت إليه فوعظته! قال: فنزلت إليه فلم أدع شيئاً من الموعظة إلا وعظته به حتى أن قلت له فيما قلت: إنهنّ الغواني صاحبات يوسف، ناقضات العهد، وقد قال فيهن كثير عزَّة:\rهل وصل عزَّة إلا وصل غانية ... في وصل غانيةٍ من وصلها خلفُ؟\rقال: فرفع رأسه، محمرةً عيناه كالمغضب، قال: لست ككثير عزة! إنّ كثيراً رجل مائقٌ، وأنا رجل وامقٌ! ولكنني كأخي تميم حيث يقول:\rألا لا يضير الحبُّ ما كان ظاهراً، ... ولكنَّ ما اختاف الفؤاد يضيرُ!\rألا قاتل الله الهوى كيف قادني ... كما قيد مغلول اليدين أسيرُ!","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"فقلت له: فإنه قد جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أُصيب منكم بمصيبةٍ فليذكر مصابه بي.\rفأنشأ يقول:\rألا ما للمليحة لا تعودُ؟ ... أ بخلٌ بالمليحة أم صدودُ؟\rمرضت فعادني أهلي جميعاً ... فما لك لا نرى فيمن يعودُ!\rفقدتك بينهم فبكيت شوقاً، ... وفقد الإلف يا أملي شديدُ!\rوما استبطأت غيرك فاعلميه ... وحولي من ذوي رحمي عديدُ!\rولو كنت السقيمة، كنت أسعى ... إليك ولم ينهنهني الوعيدُ!\rقال: ثم شهق شهقةً وخفت، فمات. فبكت العجوز وقالت: فاضت والله نفسه! فدخلني أمر لم يدخلني مثله قط. فلما رأت العجوز ما حلَّ بي، قالت: يا فتى لا ترعْ! عاش بأجلٍ، ومات بقدر، وقدم على ربٍّ كريم، واستراح من تباريحه وغصصه! ثم قالت: هل لك في استكمال الصنيعة؟ قلت: قولي ما أحببت! قالت: تأتي البيوت فتنعاه إليهم ليعاونوني على رمسه، فإني وحيدة. قال: فركبت فرسي وقصدت البيوت وأقبلت أنعاه إليهم. فبينما أنا أنعاه، إذا خيمةٌ رُفع جانبٌ منها، وإذا امرأة قد خرجت كأنها القمر ليلة البدر. ناشرة شعرها، تجرُّ خمارها، وهي تقول: بفيك الكثكث! بفيك الحجر! من تنعي؟ قلت: أنعي فلاناً! قالت: أو قد مات؟ قلت: إي والله قد مات! قالت: فهل سمعت له قولاً، قلت: اللهم لا، إلا شعراً، قالت: وما هو؟ فأنشدتها قوله: ألا ما للمليحة لا تعود الأبيات فاستعبرت باكية وأنشات تقول:\rعداني أن أزورك يا مناي ... معاشر كُلُّهم واشٍ حسودُ!\rأشاعوا ما علمت من الدواهي ... وعابونا، وما فيهم رشيدُ!\rفأما إذ ثويت اليوم لحداً ... فكلُّ الناس دورهم لحودُ.\rفلا طابت لي الدُّنيا فواقاً ... ولا لهم ولا أثري عديدُ!\rثم شهقت شهقةً وخرَّت مغشياً عليها، وخرج النساء من البيوت واضطربت ساعة وماتت. فو الله ما برحت حتَّى دفنتهما جميعاً.\rوروى الساجي عن الأصمعي قال: رأيت بالبادية رجلاً قد دق عظمه، وضؤل جسمه، ورق جلده. فتعجبت ودنوت منه أسأله عن حاله. فقالوا: اذكر له شيئاً من الشعر يكلمك، فقلت:\rسبق الفضاء بأنَّني لك عاشقٌ ... حتى الممات، فأين منك مذاهبي؟\rفشهق شهقة ظننت أن روحه قد فارقته، ثم أنشأ يقول:\rأخلو بذكرك لا أريد محدّثاً، ... وكفى بذكرك سامراً وسرورا!\rقال: فقلت له: أخبرني عنك! قال: إن كنت تريد علم ذلك فاحملني وألقني على باب تلك الخيمة! ففعلت، فأنشأ يقول بصوت ضعيف يرفعه:\rألا ما للمليحة لا تعودُ ... أ بخلٌ بالمليحة أم صدودُ؟\rفلو كنت المريضة كنت أسعى ... إليك ولم ينهنهني الوعيدُ!\rفإذا جارية مثل القمر، قد خرجت فألقت نفسها عليه فاعتنقا. وطال ذلك، فسترتهما بثوبي خشية أن يراهما الناس. فلما خفت عليهما الفضيحة، فرَّقت بينهما، فإذا هما ميتان. فما برحت حتى صليت عليهما ودفنا. فسألت عنهما، فقيل لي: عامر بن غالب، وجميلة بنت أميل المزنيَّان.\rوروى ابن الجوزيّ بسند يرفعه إلى محمد بن خلف قال: ذكر بعض الرواة عن العمريّ قال: كان أبو عبد الله الجيشاني يعشق صفراء العلاقمية. وكانت سوداء، فاشتكى من حبها، وضنى حتى صار إلى حدِّ الموت. فقال بعض أهله لمولاها: لو وجهت صفراء إلى أبي عبد الله الجيشاني، فلعله أن يعقل إذا رآها! ففعل. فلما دخلت عليه قالت له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: بخير ما لم تبرحي! قالت: ما تشتهي؟ قال: قربك! قالت: ما تشتكي؟ قال: حبَّك! قالت: فتوصي بشيء؟ قال: نعم، أوصي بك إن قبلوا مني! فقالت: إني أريد الانصراف! قال: فتعجلي ثواب الصلاة عليّ! فقامت فانصرفت، فلما رآها مولية تنفس الصعداء. ومات من ساعته.","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"وروي أيضاً بسند يرفعه إلى عوانة بن الحكم أن عبد الله بن جعفر وفد إلى عبد الملك بن مروان فحدّثه، قال: اشتريت جاريةً بعشرة آلاف درهم، فوصفت ليزيد بن معاوية فأرسل إليّ يقول: إما أن تهديها إليّ، وإما أن تبيعها بحكمك، فكتبت إليه: لا تخرج والله من ملكي ببيع ولا هبة أبداً. ومكثت عندي لا أزداد لها إلا حباً. حتى أتتني عجوز من عجائزنا، فذكرت أن بعض عُزاب المدينة يهواها، وأنه يجيء في كل يوم متنكراً فيقف بالباب حتى يسمع غناءها. فراعيت مجيئه ليلة، فإذا به قد أقبل متقنع الرأس حتى قعد مستخفياً فدعوت قيِّمة الجارية، فقلت: انطلقي الساعة فأصلحي هذه الجارية بأحسن ما امكن، وعجلي بها، ففعلت. فقمت وقبضت على يدها وفتحت الباب وأتيت إلى الرجل فحركته فانتبه مذعوراً. فقلت: لا بأس عليك، خذ هذه الجارية، هي لك، فإذا هممت ببيعها فارددها إليّ، فدهش الفتى. فدنوت إلى أذنه فقلت: ويحك، قد أظفرك الله عز وجل ببغيتك، فانصرف إلى منزلك، فإذا الفتى ميت، فلم أر شيئاً قط أعجب من ذلك، وهانت عليّ الجارية، فكرهت أن أوجِّه بها إلى يزيد فيعلم حالها أو تخبره عن نفسها فيحقد ذلك عليّ. فمكثت مدّة مديدة ثم ماتت. ولا أظنها ماتت إلا كمداً وأسفاً على الفتى.\rوروى ابن الجوزي أيضاً بسنده قال: حُكي عن شبابة بن الوليد العذري أن فتىً من بني عُذرة يقال له أبو مالك بن النضر، كان عاشقاً لابنة عمّ له عشقاً شديداً. فكان على ذلك مدّةً، ثم إنه فقد بضع عشرة سنةً، لا يُحسُّ له خبر. قال شبابة: فأضللت إبلاً لي. فخرجت في طلبها. فبينما أنا أسير في الرمال إذا بهاتف يهتف بصوت ضعيف:\rيا ابن الوليد، ألا تحمون جاركم ... وتحفظون له حقَّ القراباتِ؟\rعهدي إذا جار قوم نابه حدثٌ، ... وقوه من كلِّ مكروه الملمَّاتِ؟\rهذا أبو مالك المسمى ببلقعةٍ ... من الضِّباع وآساد بغاباتِ!\rطليح سوقٍ، بنار الحبِّ محترقٌ، ... تعتاده زفراتٌ إثر لوعاتِ!\rأما النهار فيمضيه تذكُّره، ... والليل مرتقبٌ للصبح هل يأتي.\rبهذي بجاريةٍ من عذرة اختلست ... فؤاده، فهو منها في بليَّاتِ!\rفقلت: دُلني عليه، رحمك الله! قال: نعم، اقصد الصوت، فقصدته، فسمعت أنيناً من خباء فإذا قائل يقول:\rيا رسيس الهوى، أذبت فؤادي ... وحشوت الحشا عذاباً أليماً!\rفدنوت منه فقلت: أبو مالك؟ قال: نعم! قلت: ما بلغ بك إلى ما أوى؟ قال: حُبي سعاد ابنة أبي الهندام العذريّ. شكوت يوماً ما أجد من حبها إلى ابن عمّ لنا فاحتملني إلى هذا الوادي، منذ بضع عشرة سنة، يأتيني كل يوم بخبرها ويقوتني من عنده. فقلت إني أصير إلى أهلها فأخبرهم ما رأيت. قال: أنت وذاك، قال: فانصرفت فأخبرتهم، فرقُّوا له فزوّجوه بحضرتي. فرجعت إليه لأفرّج عنه، فلما أخبرته الخبر، نظر إليّ، ثم تأوّه شديداً بلغ من قلبي، ثم قال:\rألآن إذ حشرجت نفسي وخامرها ... فراق دنيا وناداها مناديها!\rثم زفر زفرة فمات. فدفنته في موضعه ثم انصرفت فأخبرتهم الخبر. فأقامت الجارية بعده ثلاثاً لا تطعم، ثم ماتت.\rوحكي عن المبرد قال: خرجت أنا وجماعة من أصحابي مع المأمون. فلما قربنا من الرَّقَّة، إذا نحن بدير كبير، فقال لي بعض أصحابي: مل بنا إلى هذا الدير لننظر من فيه ونحمد الله تعالى على ما رزقنا من السلامة، فدخلنا إلى الدير، فرأينا مجانين مغلغلين، وهم في نهاية القذارة، فإذا فيهم شابٌ عليه بقية من ثيابٍ ناعمةٍ، فلما بصر بنا قال: من أنتم يا فتيان؟ حياكم الله! فقلنا: نحن من العراق. فقال: بأبي العراق وأهلها! بالله أنشدوني أو أنشدكم! فقال المبرد: قلت: والله إن الشعر من هذا لظريف، فقلنا: أنشدنا، فأنشأ يقول:\rالله يعلم أنَّني كمد ... لا أستطيع أبُثُّ ما أجدُ!\rروحان لي: روحٌ تضمنها ... بلدٌ وأخرى حازها بلدُ!\rوأرى المقيمة ليس ينفعها ... صبر ولا يقوى لها جلدُ.\rوأظنُّ غائبتي كشاهدتي ... فكأنها تجد الذي أجدُ!\rقال المبرد: بالله زدنا، فأنشأ يقول:","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"لما أناخوا قُبيل الصُّبح عيرهم ... ورحَّلوها فثارت بالهوى الإبلُ،\rوقلَّبت من خلال السَّجف ناظرها ... ترنو إليّ ودمع العين منهمل،\rوودَّعت ببنانٍ عقدها عتمٌ، ... ناديت: لا حملت رجلاك يا جملُ!\rويلي من البين! ماذا حلَّ بي وبها ... من نازل البين؟ حان البين فارتحلوا!\rيا راحل العيس، عرج كي نودِّعها! ... يا راحل العيس، في ترحالك الأجلُ؟\rإنِّي على العهد لم أنقض مودَّتهم، ... يا ليت شعري! بعد العهد ما فعلوا؟\rقال: فقال رجل من البغضاء الذين معي: ماتوا! قال: قال إذن فأموت! فقال له: إن شئت! فتمطى واستند إلى السارية التي كان مشدوداً فيها فمات. فما برحنا حتى دفناه.\rوحكي عن أبي يحيى التيمي، قال: كنا نختلف إلى أبي مسعر بن كدام، وكان يختلف معنا من النُّساك، يقال له أبو الحسن، ومعه فتىً حسن الوجه يفتتن به الناس إذا رأوه. فأكثر الناس القول فيه وفي صحبته إياه. فمنعه أهله أن يصحبه وأن يكلمه. فذهل عقله حتى خيف عليه التلف. فلقيته فأخبرته بذلك، فتنفس الصعداء، ثم أنشأ يقول:\rيا من بدائع حسن صورته ... تثني إليه أعنَّة الحدقِ!\rلي منك ما للناس كُلِّهمِ: ... نظرٌ وتسليمٌ على الطُّرقِ.\rلكنهم سعدوا بأمنهم ... وشقيت حين أراك بالفرقِ!\rثم صرخ صرخة وشخص بصره نحو السماء وسقط إلى الأرض. فحركته فإذا هو ميت.\rوروى ابن الجوزيّ قال: أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطيّ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميديّ قال: حدّثني أبو محمد عليّ بن أحمد الفقيه الحافظ قال: حدّثني أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجيّ الأديب، قال: كنت أختلف في النحو إلى أبي عبد الله محمد بن خطاب النحوي في جماعة، أيام الحداثة. وكان معنا أسلم بن سعيد قاضي قضاة الأندلس. قال محمد بن الحسن: وكان من أجمل من رأته العيون. وكان معنا عند ابن خطاب أحمد بن كليب. وكان من أهل الأدب والشعر فاشتد كلفه بأسلم، وفارق صبره، وصرف فيه القول متستراً بذلك، إلى أن فشت أشعاره فيه وجرت على الألسنة، وأنشدت في المحافل.\rفلعهدي بعرس في بعض الشوارع والبكوري الزامر في وسط المحفل يزمر بقول أحمد بن كليب في أسلم:\rأسلمني في هوا ... ه أسلم، هذا الرَّشا!\rغزال له مقلةٌ ... يصيب بها من يشا!\rوشى بيننا حاسدٌ ... سيسأل عمَّا وشى!\rولو شاء أن يرتشي ... على الوصل روحي، ارتشى!","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"ومغنٍّ محسن يسايره. فلما بلغ هذا المبلغ، انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب ولزم بيته والجلوس على بابه. فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم نهاره كله. فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهاراً. فإذا صلى المغرب واختلط الظلام، خرج مستروحاً، وجلس على باب داره. فعيل صبر أحمد بن كليب. فتحيل في بعض الليالي ولبس جُبَّة من جباب أهل البادية، واعتم بمثل عمائمهم، وأخذ بإحدى يديه دجاجاً وبالأخرى قفصاً فيه بيض، وجاء كأنه قدم من بعض الضِّياع، فتقدّم إلى أسلم وقبل يده، وقد اختلط الظلام، وقال: يا مولاي، من يقبض هذا؟ فقال له أسلم: من أنت؟ فقال: أجيرك في الضَّيعة الفلانية - وقد كان يعرف أسماء ضياعه. فأمر أسلم غلمانه بقبض ذلك منه على عادتهم في قبول هدايا العاملين في ضياعهم. ثم جعل أسلم يسأله عن أحوال الضيعة، فلما جاوبه أنكر الكلام فتأمله فعرفه، فقال له: يا أخي! وإلى ها هنا تتبعني؟ أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب، وعن الخروج جملةً، وعن القعود على بابي نهاراً حتى قطعت عليّ جميع مالي في ه راحةٌ فصرت في سجنك؟ والله لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي، ولا جلست بعدها على بابي، لا ليلاً ولا نهاراً، ثم قام. وانصرف أحمد بن كليب حزيناً كئيباً. قال محمد: واتصل ذلك بنا فقلنا لأحمد بن كليب: وخسرت دجاجك وبيضك؟ فقال: هات كلِّ ليل قُبلةً في يده، وأخسر أضعاف ذلك! فلما يئس من رؤيته البتة، نهكته العلة وأضجعه المرض. قال محمد بن الحسن: فأخبرني شيخنا محمد بن خطاب قال: فعُدته فوجدته بأسوأ حال. فقلت له: وما دواؤك؟ قال: نظرةٌ من أسلم! فلو سعيت في أن يزورني لأعظم الله جزاءك بذلك، وآجره. قال: فرحمته وتقطعت نفسي عليه، فنهضت إلى أسلم فاستأذنت عليه، فأذن لي وتلقَّاني بما يجب، فقلت: لي حاجةٌ، فقال: وما هي؟ قلت: قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي. فقال: نعم، ولكن قد تعلم أنه برّح بي، وشهَّر اسمي وآذاني. فقلت له: كل ذلك يُغتفر في مثل هذه الحال التي هو فيها، والرجل يموت، فتفضل بعيادته. فقال لي: والله ما أقدر على ذلك، فلا تكلفني هذا! فقلت: لا بدَّ من ذلك فليس عليك فيه شيء، وإنما هي عيادة مريض.قال: ولم أزل به حتى أجاب، فقلت له: فقم الآن، قال: لست والله أفعل، ولكن غداً، فقلت له: ولا خلف، قال: نعم. فانصرفت إلى أحمد بن كليب فأخبرته بوعده فسُرَّ بذلك وارتاحت نفسه. فلما كان من الغد بكرت إلى أسلم، وقلت له: الوعد، قال: فوجم، وقال: والله لقد تحملني على خُطَّة صعبة عليّ، وما أدري كيف أطيق ذلك؟ فقلت له: لا بدّ أن تفي بوعدك لي، قال: فأخذ رداءه ونهض معي راجلاً، فلما أتينا منزل أحمد، وكان يسكن في درب طويل. فعند ما توسَّط الزقاق وقف واحمرّ وخجل، وقال: يا سيدي، الساعة والله أموت! وما أستطيع أن أعرض هذا على نفسي! فقلت: لا تفعل بعد أن بلغت المنزل، قال: لا سبيل والله إلى ذلك البتَّة! ورجع هارباً فاتَّبعته وأخذت بردائه، فتمادى وتمزق الرداء وبقيت قطعة منه في يدي لشدّة إمساكي له. ومضى ولم أدركه. فرجعت ودخلت على أحمد، وكان غلامه قد دخل عليه لما رآنا من أوّل الزقاق مبشِّراً. فلما رآني تغير وجهه وقال: أين أبو الحسن؟ فأخبرته بالقصة فاستحال من وقته واختلط وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الاسترجاع. فاستبشعت الحال وجعلت أتوجَّع وقمت، فثاب إليه ذهنه، وقال لي: يا أبا عبد الله، قلت: نعم، قال: اسمع مني، واحفظ عني، وأنشأ يقول:\rأسلم، يا راحة العليل ... رفقاً على الهائم النَّحيل!\rوصلك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليلِ!\rقال: فقلت له: اتق الله، ما هذه العظيمة؟ قال: قد كان، فخرجت عنه فو الله ما توسطت الزقاق حتى سمعت الصراخ عليه وقد فارق الدنيا.\rوهذه الحكاية مشهورة عند أهل الأندلس. وأسلم هذا من بني خالد وكانت فيهم وزارة وحجابة. وهذا الباب طويل والحكايات والأخبار والوقائع فيه كثيرة يطول الشرح بذكرها.","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"وأما من قتل نفسه بسبب العشق، فحكي عن عبد الرحمن بن إسحاق القاضي قال: انحدرت من سُرَّ من رأى مع محمد بن إبراهيم أخي إسحاق، ودجلة تزخر من كثرة مائها. فلما سرنا ساعةً، قال: ارفقوا بنا، ثم دعا بطعامه فأكلنا، ثم قال: ما ترى في النبيذ؟ قلت له: أعز الله الأمير، هذه دجلة قد جاءت بمدّ عظيم يرغب مثله، وبينك وبين منزلك مبيت ليلة، فلو شئت أخرته، قال: لا بدّ لي من الشراب، واندفعت مغنيةٌ فغنت، واندفعت أخرى فغنته:\rيا رحمتاً للعاشقينا، ... ما إن لهم معينا!\rكم يشتمون ويضربو ... ن ويهجرون، فيصبرونا!\rفقالت لها المغنية الأولى: فيصنعون ماذا؟ قالت: يصنعون هكذا، ورفعت الستارة وقذفت بنفسها في دجلة. وكان بين يدي محمد غلام ذكر أن شراءه ألف دينار، بيده مذبَّة، لم أر أحسن منه. فوضع المذبة من يده وقذف بنفسه في دجلة، وهو يقول:\rأنت التي غرَّقتني ... بعد الفضا، لو تعلمينا!\rفأراد الملاحون أن يطرحوا أنفسهم خلفهما، فصاح بهم محمد: دعوهما يغرقا إلى لعنة الله! قال: فرأيتهما وقد خرجا معتنقين ثم غرقا.\rوحكي عن جميل بن معمر العذريّ أن قال: دخلت على عبد الملك بن مراون فقال لي: يا جميل حدّثني بعض أحاديث بني عذرة، فإنه بلغني أنهم أصحاب أدب وغزل، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، انتجعوا من حيِّهم مرة فوجدوا النُّجعة بموضع نازح فقطنوه. فخرجت أريدهم. فبينما أنا أسير، غلطت الطريق وجنَّ عليّ الليل، فلاح لي باب فقصدته. فوردت على راعٍ في أصل جبل قد ألجأ غنمه إلى كهف في الجبل، فسلمت عليه، فرد عليّ السلام، وقال: أحسبك قد ضللت الطريق؟ قلت: قد كان ذلك، فأرشدني! قال: بل انزل حتى تريح ظهرك، وتبيت ليلتك،فإذا أصبحت وقفتك على القصد. فنزلت فرحب بي وأكرمني، وعمد إلى شاة فذبحها، وأجّج ناراً، وجعل يشوي ويلقي بين يديّ، ويحدّثني في خلال ذلك. ثم قام إلى كساء فقطع به جانب الخباء ومهد لي جانباً، ونزل جانباً خالياً. فلما كان في الليل سمعته يبكي ويشكو إلى شخص. فأرقت ليلتي. فلما أصبحت، طلبت الإذن فأبى، وقال: الضيافة ثلاث! فأقمت عنده، وسألته عن اسمه ونسبه وحاله، فانتسب لي. فإذا هو من بني عذرة، من أشرافهم. فقلت: يا هذا، وما الذي أحلَّك هذا الموضع؟ فأخبرني أنه كان يهوى ابنة عمّ له وتهواه، وأنه خطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه إياها لقلة ذات يده، وأنه زوجها رجلاً من بني كلاب فخرج بها عن الحيّ وأسكنها في موضعه ذلك، وأنه تنكر ورضي أن يكون راعياً لتأتيه ويراها. وجعل يشكو إليّ صبابته بها وعشقه لها. فلما أبطأت عن الوقت المعتاد وغلبه الشوق، وثب قائماً وأنشأ يقول:\rما بال ميَّة لا تأتي لعادتها! ... أهاجها طربٌ أم صدَّها شُغُلُ؟\rلكنّ قلبي لا يلهيه غيرهم ... حتى الممات، ولا لي غيرهم أملُ!\rلو تعلمين الَّذي بي من فراقكم ... لما اعتللت ولا طابت لك العللُ!\rروحي فداؤك! قد هيَّجت لي سقماً ... تكاد من حرِّه الأعضاء تنفصلُ!\rلو أن عاديَّه منِّي على جبلٍ، ... لزال وانهدّ من أركانه الجبلُ!\rثم قال: يا أخا بني عذرة، مكانك حتى أعود إليك! فما أتوهم أن أمر ابنة عمِّي صحيح! ثم مضى. فما لبث أن أقبل وعلى يده شيء محمول، وقد علا شهيقه ونحيبه، فقال: يا أخا بني عذرة، هذه ابنة عمي، أرادت أن تأتيني فاعترضها الأسد فأكلها! ثم وضعها عن يده، وقال: على رسلك حتى أعود إليك، ومضى فأبطأ حتى يئست من رجوعه. ثم أقبل ورأس الأسد على يده، فألقاها وجعل ينكت على أسنان الأسد ويقول:\rألا أيُّها الليث المخيل بنفسه! ... هلكت! لقد حرَّت يداك لنا حُرتا!\rوغادرتني فرداً وقد كنت آلفاً ... وصيَّرت بطن الأرض ثم لنا سجنا!\rأقول لدهرٍ خانني بفراقه: ... معاذ إلهي أن أكون له خدنا!\rثم قال: يا أخا بني عذرة، إنك ستراني بين يديك ميتاً! فإذا متُّ فاعمد إليّ وابنة عمِّي، فأدرجنا في كفن واحد، واحفر لنا جدثاً واحداً، وادفنا فيه، واكتب على قبري هذين البيتين:\rكنا على ظهرها، والعيش في مهلٍ! ... والشمل يجمعنا والدار والوطن","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"ففرق الدهر والتصريف ألفتنا ... فصار يجمعنا في بطنها الكفن.\rوردَّ الغنم إلى صاحبها وأعلمه بقصتنا، ثم عمد إلى خناق فطرحه في عنقه، فناشدته الله تعالى أن لا يفعل، فأبى وجعل يخنق نفسه حتى سقط ميتاً. فكفنتهما ودفنتهما في قبر واحد، وكتبت البيتين على قبرهما، ورددت الغنم إلى صاحبها، وأعلمته بقصتهما فحزن حزناً شديداً أشفقت منه على نفسه.\rالتحذير من فتنة النساء وذم الزنا، والنظر إلى المردان، والتحذير من اللِّواط، وعقوبة الَّلائط أما ما ورد من التحذير من فتنة النساء، فقد روي عن أبي أمامة بن يزيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما تركت في الناس بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النِّساء.\rوعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنَّ الدنيا حلوةٌ خضرةٌ، وإن الله عز وجل مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون، فاتَّقوا الدّنيا واتَّقوا النساء؛ فإن أوّل فتنة بني إسرائيل كانت في النِّساء.\rوعن أب هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ أخوف ما أخاف على أمتي النساء والخمرة.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لم يكن كُفر من مضى إلا من قبل النساء، وهو كائن، كفر من بقي من قبل النساء.\rوعن حسان بن عطية، قال: ما أُتيت أمَّةٌ قطُّ إلا من قبل نسائهم.\rوعن سعيد بن المسيب، قال: ما يئس الشيطان من ابن آدم قطُّ، إلا أتاه من قبل النساء.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال إبليس لربه عز وجل: يا ربِّ قد أهبط آدم، وقد علمت أن سيكون لهم كتابٌ ورسل، فما كتابهم ورسلهم؟ قال الله عز وجل: رسلهم الملائكة والنَّبيُّون منهم، وكتبهم التوراة والإنجيل والزَّبور والفرقان، قال: فما كتابي؟ قال: كتابك الوشم، وقرآنك الشِّعر، ورسلك الكهنة، وطعامك ما لم يذكر اسم الله عليه، وشرابك من كل مسكر، وصدقك الكذب، وبيتك الحمام، ومصايدك النساء، ومؤذنك المزمار، ومسجدك الأسواق.","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"ومن فتنة النساء، ما روي عن وهب بن منيِّة أن عابداً كان في بني إسرائيل، وكان من أعبد أهل زمانه. وكان في زمانه ثلاثة إخوة لهم أختٌ، وكانت بكراً. فخرج البعث عليهم فلم يدروا عند من يخلِّفون أختهم، ولا من يأمنون عليها. فأجمعوا رأيهم على أن يخلِّفوها عند العابد. فأتوه وسالوه أن يخلِّفوها عنده، فأبى ذلك. فلم يزالوا به حتى قال: أنزلوها في بيتٍ جوار صومعتي، فأنزلوها في ذلك البيت، ثم انطلقوا وتركوها. فمكثت في جوار العابد زماناً ينزل إليها الطعام من صومعته فيضعه عند باب الصومعة، ثم يغلق بابه ويصعد صومعته، ثم يأمرها فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام. قال: فتلطف له الشيطان. فلم يزل يرغِّبه في الخير ويعظم عنده خروج الجارية من بيتها نهاراً، ويخوفه أن يراها أحدٌ فيعلقها. فلم يزل به حتى مشى بطعامها ووضعه عند باب بيتها، ولا يكلِّمها، فلبث بذلك زماناً. ثم جاءه إبليس فرغَّبه في الخير والأجر، وقال له: لو كنت تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها، كان أعظم لأجرك. فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها فوضعه في بيتها. فلبث بذلك زماناً. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وحضَّه عليه، وقال له: لو كنت تكلمها وتحدّثها، فتأنس بحديثك، فإنها قد استوحشت وحشةً شديدة، فلم يزل به حتى حدّثها زماناً، يطلع إليها من فوق صومعته. ثم أتاه إبليس بعد ذلك، فقال له: لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدّثها، وتقعد على باب بيتها فتحدّثك، كان آنس لها. فلم يزل به حتى أنزله فأجلسه على باب صومعته يحدّثها، وتخرج الجارية من بيتها حتى تقعد على بابها. فلبثا زماناً يتحدثان. ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير، فقال: لو خرجت من باب صومعتك فجلست قريباً من بيتها فحدّثتها، كان آنس لها. فلم يزل به حتى فعل. فلبثا بذلك زماناً. ثم جاءه إبليس فقال: لو دنوت من باب بيتها، ثم قال: لو دخلت البيت فحدثتها ولم تتركها تبرز وجهها لأحدٍ، كان أحسن، فلم يزل به حتى دخل البيت فجعل يحدثها نهاره كله. فإذا أمسى صعد في صومعته. قال: ثم أتاه إبليس بعد ذلك، فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد بيده على فخذها وقبلَّها. ثم لم يزل يحسنها في عينه ويُسوّل له حتى وقع عليها فأحبلها، فولدت غلاماً. فجاء إبليس، فقال له: أ رأيت إن جاء اخوتها، وقد ولدت منك كيف تصنع؟ فاعمد إلى ابنها فاذبحه وادفنه، فإنها ستكتم ذلك عليك مخافة اخوتها، فقتله. ثم جاءه، فقال: أتراها تكتم ما صنعت بها؟ خذها فاذبحها وادفنها مع ابنها، فذبحها وألقاها في الحفرة. فمكث ما شاء الله حتى قفل إخوتها من الغزو. فجاءوه فسألوه عن أختهم فنعاها لهم وترحم عليها وبكاها، وقال: كانت خيرامرأة، وهذا قبرها. فأتى اخوتها القبر فبكوها وترحما عليها، وأقاموا على قبرها أياماً ثم انصرفوا إلى أهاليهم. قال: فلما جنَّهم الليل وأخذوا مضاجعهم، أتاهم الشيطان في النوم فبدأ بأكبرهم فسأله عن أختهم. فأخبره بقول العابد وبموتها. فكذبه الشيطان، وقال: لم يصدقكم أمر أختكم. إنه أحبلها وولدت منه غلاماً فذبحه وذبحها معه فرقاً منكم، وألقاها في الحفرة خلف باب البيت. وأتى الأوسط في منامه، فقال له مثل ذلك؛ ثم أتى أصغرهم، فقال له مثل ذلك. فلما استيقظ القوم، استيقظوا متعجبين لما رآه كلُّ واحدٍ منهم. فأقبل بعضهم على بعض يقول: لقد رأيت عجباً! وأخبر بعضهم بعضاً بما رأى، فقال كبيرهم: هذا حلمٌ، ليس هذا بشيء، فامضوا بنا ودعوا هذا، فقال أصغرهم: لا أمضي حتى آتي ذلك المكان فأنظر فيه، فانطلقوا فبحثوا الموضع، فوجدوا أُختهم وابنها مذبوحين. فسألوا عنها العابد، فصدّق قول إبليس فيما صنع بهما. فاستعدوا عليه ملكهم فأُنزل من صومعته وقدَّموه ليصلبوه. فلما أوثقوه على الخشبة، أتاه الشيطان، فقال له: قد علمت أني صاحبك الذي فتنتك في المرأة حتى أحبلتها وذبحتها وابنها، فإن أنت أطعتني اليوم وكفرت بالله الذي خلقك، خلصتك مما أنت فيه، فكفر العابد بالله. فلما كفر، خلَّى الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه. قال وهب: ففيه نزلت هذه الآية: \" كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إنِّي بريءٌ منك إنِّي أخاف الله ربَّ العالمين فكان عاقبتهما أنَّهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين \" .\rنسأل الله العافية من فتنتهن، ونعوذ به من الشيطان الرجيم.","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"وأما ما جاء في ذم الزنا، فكفى به ذمّاً قوله تعالى: \" ولا تقربوا الزِّنا إنَّه كان فاحشةً وساء سبيلاً \" .\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمن \" .\rوعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" يا أمة محمدٍ، ما أحدٌ أغير من الله أن يرى عبده أو أمته تزني \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" اشتدَّ غضب الله تعالى على الزُّناة \" .\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الإيمان سربال يسربله الله من يشاء. فإذا زنى العبد، نزع منه سربال الإيمان. فإذا تاب رُدّ عليه \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ما من ذنبٍ بعد الشِّرك أعظم عند الله من نُطفةٍ وضعها رجلٌ في رحمٍ لا يحلُّ له \" .\rوعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إيَّاكم والزِّنا، فإنَّ في الزِّنا ست خصال، ثلاث في الدنيا، وثلاث في الآخرة: فأما اللواتي في الدنيا فذهاب نور الوجه، وانقطاع الرزق، وسرعة الفناء، وأما اللواتي في الآخرة فغضب الرب، وسوء الحساب، والخلود في النار إلا أن يشاء الله تعالى \" .\rوعن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: \" أن تجعل لله نداً!، وهو خلقك! \" . قلت: ثم أي؟ قال: \" أن تقتل ولدك من أجل أن يطعم معك \" . قلت: ثم أي؟ قال: \" أن تزني بحليلة جارك \" .\rوالأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة.\rوأما ما جاء في النهي عن النظر إلى المردان ومجالستهم. روي عن أبي الساهب أنه قال: لأنا القارئ من الغلام الأمرد أخوف مني عليه من سبعين عذراء. وفي لفظ عنه: لأنا أخوف على عابد من غلامٍ أمرد من سبعين عذراء.\rوعن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا رأيتم الرجل يلحُّ النظر إلى غلام أمرد، فاتَّهموه.\rوكان سفيان الثوريّ رضي الله عنه لا يدع أمرد يجالسه.\rوعن يعقوب بن سوال قال: كنا عند أبي نصر بشر بن الحارث. فوقفت عليه جاريةٌ ما رأينا أحسن منها، فقالت: يا شيخ: أين مكان باب حرب؟ فقال لها: هذا الباب الذي يقال له باب حرب. ثم جاء بعدها غلام فسأله، فقال له: يا شيخ: أين مكان باب حرب؟ فأطرق بشرٌ. فرد عليه الغلام السؤال فغمض عينيه. فقلنا للغلام: أي شيءٍ تريد؟ فقال: باب حرب. فقلنا: بين يديك. فلما غاب. قلنا: يا أبا نصر. جاءتك جاريةٌ فأحببتها وكلمتها، وجاءك غلام فلم تكلمه؟ فقال: نعم، يروى عن سفيان النووي أنه قال: مع الجارية شيطان ومع الغلام شيطان، فخشيت على نفسي من شياطينه.\rوعن أبي سعيد الخراز. قال: أ رأيت إبليس في النار. وهو يمرّ عني ناحية. فقلت: تعال، فقال: أي شيءٍ أعمل بكم؟ أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس، قلت: ما هو؟ قال: الدنيا، فلما ولى. التفت إليّ فقال: غير أن لي فيكم لطيفةٌ، قلت: ما هي؟ قال: صحبة الأحداث.\rوعن مظفر القرمسينيّ، قال: من صحب الأحداث على شرط السلامة والنصيحة، أداه ذلك إلى البلاء، فكيف من صحبهم على غير وجه السلامة؟.\rوقد ذكر أبو الفرج في كتابه المترجم بذم الهوى من افتتن بالأحداث، وصرح بأسمائهم. فلم نؤثر التعرض لذلك، لما فيه من التشنيع عليهم والإذاعة لمساويهم.\rوأما ما جاء في التحذير من اللواط وما ورد في سحاق النساء، روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ملعونٌ ملعونٌ من عمل بعمل قوم لوطٍ \" . وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لعن الله من عمل عمل قوم لوط \" .\rوعن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" إنَّ أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوطٍ \" . وفي لفظ آخر عنه صلى الله عليه وسلم: \" إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي عمل قوم لوط، ألا فلتترقَّب أمتي العذاب إذا كان الرجال بالرجال والنساء بالنساء \" .\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأةً في دبرها \" .","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لم يعلُ فحلٌ فحلاً حتى كان قوم لوطٍ، فإذا علا الفحل الفحل، ارتجَّ أو اهتز عرش الرحمن عز وجل، فاطلعت الملائكة تعظيماً لفعلهما، فقالوا: يا ربِّ، ألا تأمر الأرض أن تغور بهما، وتأمر السماء أن تحصبهما، فيقول الله تعالى: إنِّي حليم لا يفوتني شيءٌ \" .\rوعن سماك بن حرب، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن الرجل ليأتي الرجل فتضج الأرض من تحتهما، والسماء من فوقهما، والبيت والسقف، كلهم يقولون: أي ربِّ، ائذن لنا بنطبق بعضنا على بعض فنجعلهم نكالاً ومعتبراً، فيقول الله عز وجل: إنهم وسعهم حلمي ولن يفوتوني.\rوكان سفيان الثوريّ رحمه الله يقول: لو أنَّ رجلاً عبث بغلام بين إصبعين من أصابع رجليه يريد الشهوة، لكان لواطاً.\rوروي عن مكحول عن واثلة بن الأسقع أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" سحاق النساء زنِّى بينهن \" .\rوأما ما ورد في عقوبة اللائط والملوط به في الدنيا والآخرة: أما عقوبة الدنيا، فقد جاء بها نصُّ القرآن في قصة قوم لوط، وشرح أفعالهم، وما عذبوا به في آي كثيرة.\rوجاء في الأحاديث النبوية، على قائلها أفضل الصلاة والسلام، في عقوبة اللائط والملوط به ما يدل على التغليظ والتشديد.\rفمن ذلك ما روي عن عكرمة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيمن عمل عمل قوم لوط: \" يُقتل الفاعل والمفعول به \" ، وفي لفظ آخر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: \" اقتلوا الفاعل والمفعول به \" ، في عمل قوم لوط.\rوعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من عمل بعمل قوم لوط فاقتلوه \" .\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فارجموا الأعلى والأسفل \" .\rوعن محمد بن المنكدر أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أنه وجد رجلاً في بعض الأضاحي ينكح رجلاً كما تنكح المرأة. فجمع أبو بكر رضي الله عنه لذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، فيهم عليّ بن أبي طالب، وقال: إن هذا ذنب لم تعمل به أمة إلا أمّة واحدة. ففعل الله بهم ما قد علمتم. أرى أن نحرِّقه بالنار، فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يُحرَّق بالنار. فأمر به أبو بكر رضي الله عنه أن يُحرَّق بالنار. وقد حرّقهم عبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الملك.\rوعن يزيد بن قيس أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه رجم لوطيّاً.\rوعن سعيد بن زيد قال: سئل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ما حدُّ اللوطيّ؟ قال: ينظر أعلى بيت في القرية فيرمى منكَّساً ثم يُتبع بالحجارة.\rوللتابعين ولأئمة العلماء في ذلك أقوال: فمنهم من رأى أن حدّه كحدّ الزنا، وفرّق بين المحصن وغير المحصن.\rومنهم من رأى أن حدّه القتل أحصنا، أم لم يُحصنا.\rروى سفيان عن جابر عن الشعبيّ أنه قال: اللُّوطيّ يرجم، أحصن أو لم يُحصن.\rوعن ابن أبي نجيح عن عطاء قال: حدُّ اللوطيّ حدُّ الزاني؛ وإن أحصن رُجم، وإلا جلد. وبه قال الهيثم.\rوعن قتادة عن الحسن أنه قال في الرجل يخالط الرجل: إن كان أحصن، جلد ورجم، وإن كان لم يُحصن، جلد ونُفي.\rوعن مالك بن أنس عن الزهري قال: يُرجم، أحصن أو لم يُحصن.\rوعن الطيالسيّ قال: حدّثنا إسحاق الكوسج، قال: قلت لأحمد بن حنبل: أيرجم اللوطي، أحصن أو لم يُحصن؟ قال: يرجم، أحصن أو لم يُحصن.\rوقد روي عن أحمد بن حنبل أن حدّ اللوطيّ كحدّ الزاني، يختلف بالثُّيوبة والبكارة. وهو قول محمد عن الشافعيّ.\rوقال الحكم: يُضرب اللوطيّ دون الحدّ. قال ابن الجوزيّ: وإلى هذا مال أبو حنيفة.\rوأما مذهب ابن حزم الظاهريّ فإنه لا يضرب في اللِّواط فوق عشرة أسواط.\rوقال النخعيّ: لو كان أحد ينبغي أن يرجم مرتين، لكان ينبغي أن يرجم اللوطيّ مرتين.","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"وحكى أبو الفرج بن الجوزيّ، قال: أخبرتنا شهدة بنت أحمد، قالت: أخبرنا جعفر بن أحمد السراج، قال: أخبرنا عبد العزيز بن عليّ، قال: أخبرنا عليّ بن جعفر الصوفي، قال: سمعت الموازيني يقول: قال لي رجل من الحاج: مررت بدار قوم لوط، وأخذت حجراً مما رجموا به، فطرحته في مخلاة، ودخلت مصر. فنزلت في بعض الدور في الطبقة الوسطى. وكان في سُفل الدار حدثٌ، فأخرجت الحجر من خرجي، ووضعته في روزنة في البيت. فدعا الحدث الذي كان في البيت صبياً إلى عنده واجتمع معه، فسقط الحجر على الحدث من الروزنة، فقتله.\rوقال أيضاً: أخبرتنا شهدة، قالت: أخبرنا جعفر بن أحمد، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عثمان بن مكيّ، قال: أخبرني جدّي أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن أحمد، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشا المقري، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: خرجت حاجاً إلى مكة. فلما كانت ليلة عرفات، رأى الإمام الذي حجَّ بنا تلك الليلة مناماً. فلما صرنا إلى مكة بعد انقضاء الحج، سمعنا منادياً ينادي فوق الحجر: أنصتوا يا معشر الحجيج، فأنصت الخلق، فقال: يا معشر الحجيج، إن إمامكم رأى أن الله عز وجل قد غفر لكل من وافى البيت العام إلا رجلاً واحداً فإنه فسق بغلام.\rوأما عقوبته في الآخرة، فقد روي عن أبي سلمة عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، قالا: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في خطبته: \" من نكح امرأةً في دبرها أو غلاماً أو رجلاً، حشر يوم القيامة أنتن من الجيفة، يتأذّى به الناس حتى يُدخله الله نار جهنم. ويُحبط الله عمله، ولا يقبل منه صرفاً ولا عدلا. ويجعل في تابوتٍ من نار، ويُسمِّر عليه بمسامير من حديد من نار، فتشتبك تلك المسامير في وجهه وفي جسده \" . قال أبو هريرة: هذا لمن لم يتب.\rوعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" سبعةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العالمين، يدخلون النار أوّل الداخلين إلا أن يتوبوا؛ فمن تاب، تاب الله تعالى عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن خمرٍ، والضارب أبويه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره \" .\rوعن إبراهيم بن علقمة عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اللُّوطيَّان لو اغتسلا بماء البحر، لم يجزهما إلا أن يتوبا \" .\rوعن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من مات من أمَّتي يعمل عمل قوم لوط، نقله الله إليهم حتى يُحشر معهم \" .\rقلت: وقد بلغني من كثير من الناس أن رجلين مشيا على جانب البركة المعروفة ببركة قوم لوط، وهي في غور الكرك على جانبها ضياعٌ، منها الصافية واللاخية وسويمة وغيرها، وتعرف هذه البركة أيضاً بالمنتنة، ويقال إنها إحدى المدائن التي خُسف بها من مدائن قوم لوط. فجعلا يتباسطان. فكان من جملة ما قالاه أو قاله أحدهما للآخر فلم ينكره: هذه بركة أصحابنا، فطلعت من البركة موجة اختطفتهما معاً، وألقتهما في البركة. فكان آخر العهد بهما.\rوهذه الحكاية يتداولها أهل تلك البلاد. لا ينكرها سامع منهم على قائل. ولا يبعد أن يُعاقب من تجاهر بمعاصي الله وانتسب لمن كفر بالله وعصاه وكذَّب رسوله أن يعاقبه الله بما عاقبهم به ويلحقه بهم. وفي بعض هذا عبرة لمن اعتبر.\rولنرجع إلى سياق ما جاء في ذلك من الأحاديث والأخبار.\rروى أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزيّ بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" من قبَّل غلاماً بشهوة، عذَّبه الله في النار ألف سنةٍ؛ ومن جامعه لم يجد رائحة الجنة، وريحها يوجد من مسيرةخمسمائة عام، إلا أن يتوب \" .\rوعن خالد عن إسماعيل بن كثير عن مجاهد، قال: لو أن الذي يعمل ذلك يعني عمل قوم لوط اغتسل بكل قطرة في السماء وكلِّ قطرة في الأرض، لم يزل نجساً.\rوعن عباد بن الوليد العنبريّ قال: سمعت إبراهيم بن شمَّاس يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: لو أنَّ لوطيّاً اغتسل بكل قطرة من السماء، لقي الله تعالى غير طاهر.","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"وعن طلحة بن زيد عن بُرد بن سنان عن أبي المنيب عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: يُحشر اللوطيون يوم القيامة في صورة القردة والخنازير.\rوعن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم قال: من خرج من الدنيا على حالٍ، خرج من قبره على تلك الحال، حتى إن اللوطيّ يخرج يعلق ذكره على دبر صاحبه مفتضحين على رؤوس الخلائق يوم القيامة.\rهذا ما أمكن إيراده في هذا الفصل على سبيل الاختصار والإيجاز، وإلا فالأخبار في العشق وتوابعه وما يتولد عنه كثيرة جداً، وقفنا منها على كثير، ولا يحتمل ان يُورد في الكتب الشاملة لفنون مختلفة أكثر مما أوردناه. فلنذكر الآن نبذة مما قيل في الغزل والنسيب.\rالغزل والنسيب هذا الباب - أكرمك الله وعافاك، ووقاك من فتنته وكفاك - بابٌ متسع، قد أكثر الشعراء القول فيه، وتنوعوا في أساليبه ومعانيه؛ لو استقصيناه لطال به هذا التصنيف، وانبسط هذا التأليف؛ وكان بمفرده كتباً مبسوطة وأسفاراً كبيرة، فلخصنا منه درراً نفيسة وأعلاقاً خطيرة؛ واقتصرنا منه على مارقَّ معناه وراق، وحسن لفظه وشاق؛ وارتاحت إليه النفوس، وتحلت به الطروس؛ ولمحته النواظر، وانجذبت إليه الخواطر. وقد تنوع الشعراء في الغزل: فتغزلوا في المحبوب باسمه، وكنوا عنه واستعاروا له، ووصفوا أعضاءه وشبهوها بأشياء، فشبهوا العيون بالنرجس، وأفعالها بالخمر والسِّهام؛ وشبهوا الحواجب بالقسيّ، والجبين بالصَّباح، والشُّعور بالليالي، والسوالف بالغوالي والصوالج والعقارب؛ وشبهوا الوجه بالشمس والقمر؛ وشبهوا الخدود بالورد والتُّفاح؛ وشبهوا الثُّغور بالأُقحوان، واللمى بالخمر، والريق بالشهد، والشفاه بالعقيق، والأسنان بالُّلؤلؤ؛ وشبهوا النُّهود بالرُّمَّان، والقوام بالغصون، والأرداف بالكثبان. وغير ذلك. وقد تقدم إيراد ذلك كله مستوفىً في موضعه، وهو في الباب الذي قبل هذا الباب.\rوتغزلوا أيضاً في أصناف الفواكه المأكولة والمشمومة؛ وتغزلوا في الرياض والأزهار.\rوسنورد إن شاء الله ذلك في موضعه، وهو في القسم الثاني والثالث والرابع من الفن الرابع من كتابنا هذا، في السفر العاشر من هذه النسخة.\rفلنورد الآن ها هنا من باب الغزل والنسيب خلاف ما قدّمنا ذكره مما ذكرناه وما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوالذي نورده في هذا الباب نبذة مما قيل في المذكر، والمؤنث، والمطلق، والمشترك، وطيف الخيال، والرد على العذول، ورجوع العذول، والوصال، والفراق، والبين، والتوديع، والصدّ، والهجران؛ وما قيل في الزيارة وتخفيفها، وموانعها، والمدامع والرضا من المحبوب باليسير، والنُّحول؛ وما قيل في المحبوب إذا اعتل؛ وما قيل على لسان الورقاء، والمراجعات، والمردوف، والجناس، والموشحات.\rمما قيل في المذكر\rقال العماد الأصفهاني الكاتب:\rوأحور يسبي بطرف يكلّ ... وتخجل منه الظُّبا والظِّباء.\rبخدَّيه من حسنه والشباب ... تجمَّع ضدَّان: نارٌ وماءْ.\rوفي مقلتيه وقد صحَّتا ... كما صحتا سقمٌ وانتشاء.\rعففت وعفت الحيا في هوا ... ه حتى استوى صدُّه واللِّقاء.\rوكلُّ حياءٍ يذود العف ... ف عن ودِّه، فعليه العفاء!\rوقال آخر:\rوكأنَّ بهجة وجهه في شعره ... قمرٌ بدا في ليلةٍ ليلاء.\rوكان عقرب صدغه في خده ... وقفت مخافة ناره والماء.\rقمرٌ رجوت من الزمان وصاله ... يوماً، فأخلف بالصُّدود رجائي!\rوقال عبد الجليل بن وهبون:\rوافت به غفلة الرَّقيب ... والنجم قد مال للغروبِ،\rنشوان قد هزَّت الحميَّا ... منه قضيباً على كثيبِ!\rيعثر في ذيله فيحكي ... عثرة عينيه في القلوبِ!\rوالله لو نالت الثُّريا ... ما نال من بهجةٍ وطيبِ،\rدنا إليها الهلال حتى ... قبَّل في كفها الخضيبِ!\rوقال ابن حجاج:\rومُذلَّل! أما القضيب فقدُّه ... شكلاً وأمَّا ردفه فكثيبُ!\rيمشي وقد فعل الصِّبا بقوامه ... فعل الصِّبا بالغصنِ، وهو رطيبُ.","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"متلوِّن يبدي ويخفي شخصه ... كالبدر يطلع تارةً ويغيبُ.\rأرمي مقاتله فتخطئ أسهمي ... غرضي، ويرمي مهجتي فيصيبُ!\rنفسي فداؤك! إنَّ نفسي لم تزل ... يحلو فداؤك عندها ويطيبُ!\rمالي ومالك لا أراك تزورني ... إلا ودونك كاشحٌ ورقيبُ!\rوقال أبو نواس:\rشبيهٌ بالقضيبِ وبالكثيبِ! ... غريب الحسن ذو دَلٍّ غريبِ!\rبعيدٌ. إن نظرت إليه يوماً، ... رجعت وأنت ذو أجلٍ قريبِ!\rترى للصمت والحركات فيه ... سواماً لا يذاد عن القلوبِ.\rويمتحن القلوب بمقلتيه، ... فينكشف البريء من المريبِ!\rوقال الوأواء الدمشقيّ:\rبدرٌ تقنَّع بالظلا ... م على قضيب في كثيب!\rتدعو محاسنه القلو ... ب إلى مشافهة الذنوب.\rفعلت به ريح الصبا ... ما ليس تفعل بالقضيب.\rعقلت ركائب حسنه ... بعقولنا عند المغيب.\rوتلطَّمت وجناتنا ... بيد الدموع من النَّحيب!\rوقال الأمير تاج الملوك ابن أيوب:\rسلب الفؤاد فلا عدمت السالبا! ... ورنا، فكان اللحظ سهما صائبا!\rقمرٌ مشارقه الجيوب، فلا ترى ... أبداً له إلا القلوب مغاربا!\rملك الفؤاد بمقلتين وحاجبٍ ... أمسى لحسن الصبر عنِّي حاجبا.\rوحكى القضيب شمائلا عبثت به ... أيدي النسيم شمائلا وجنائبا!\rوقال أيضاً:\rيا أيها البدر الذي ... مطلعه طوق القبا!\rيا جنة القلب الذي ... أضرم فيه لهبا!\rفدَّيت هذا الوجه، ما ... أحسنه وأعجبا!\rلم تر عيني قبله ... صبحاً تردَّى غيهبا!\rوقال أبو نواس:\rيا بدعةً في مثالٍ ... يجوز حدَّ الصفات!\rفالوجه بدر تمامٍ ... بعين ظبي فلاة!\rوالقدّ قدُّ غلامٍ ... والغنج غنج فتاة!\rمذكَّر حين يبدو، ... مؤنثُ الخلوات!\rزها عليَّ بصدغٍ ... مزرفن الحلقات.\rمن فوق خدٍّ أسيلٍ ... يُضيء في الظُّلمات!\rوقال كشاجم:\rمعتدلٌ من كلِّ أعطافه! ... مستحسن الإقبال والملتفت!\rلو قيست الدُّنيا ولذَّاتها ... بساعةٍ من وصله، ما وفت!\rسلِّطت الألحاظ منه على ... قلبي؛ فلو أودت به ما اشتفت!\rواستعذبت روحي هواه فما ... تسلو ولا تصحو، ولو أُتلفت!\rوقال فضل الرَّقاشيّ:\rوشاطرٍ فاتك الشَّمائل قد ... خالط منه المجون تخنيثا.\rتراه طوراً مذكَّراً؛ فإذا ... عاقر راحاً، رأيت تأنيثا.\rألثغ إن قلت يا فديتك: قل ... موسى،يقل من رطوبة: موثا.\rما زال حتى الصباح معتنقي ... مطارحي في الدُّجى الأحاديثا.\rوقال كشاجم:\rبليت بوجدين وجدي بظبيٍ ... يصدّ، وما به إلا لجاجُ.\rوعذَّبني قضيبٌ في كثيبٍ ... تساوى فيه لينٌ واندماجُ.\rأغار إذا دنت من فيه كاسٌ ... على دُرٍّ يقبِّله زجاجُ.\rوقال أيضاً:\rيا لقومي! من لمكتئبٍ ... دمعه في الخدِّ منسفحُ؟\rلامه العذَّال في رشإٍ ... عذره من مثله يضحُ.\rوادعوا نصحي! وأخون ما ... كان عُذالي إذا نصحوا!\rخوّفوني من فضيحته، ... ليته وافى وأفتضح!\rكيف يسلو القلب عن غصنٍ، ... علَّه من مائه المرح؟\rذهبيُّ الحسن تحسب من ... وجنتيه النار تقتدحُ!\rوكأنَّ الشمس نيط لها ... قمرٌ، يُمناه والقدحُ.\rصدّ أن مازحته غضباً! ... ما على الأحباب إن مزحوا؟\rوهو لا يدري لنخوته ... أننا في النَّوم نصطلحُ!","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"ثم لا أنسى مقالته: ... أطفيليٌّ ومقترحُ؟\rوقال تاج الملوك ابن أيوب:\rفديت وجه الحبيب بدراً! ... والبدر يُفدى، وليس يفدي!\rسبى فؤادي بليل شعرٍ ... وصبح وجهٍ وغصن قدِّ.\rفي فمه عنبرٌ مدافٌ ... في قهوةٍ خولطت بشهدِ.\rكأنما خدُّه شقيقٌ، ... نُقِّط من خاله بندِّ.\rظبيٌّ من التُّرك ذو دلال ... يستحسن الجور والتعدّي.\rكأنَّه غصن خيرزانٍ، ... إذا انثنى أو قضيب رندِ.\rيحُلُّ في الحبِّ عقد صبري ... إن شدَّ في الخصر عقد بندِ!\rوقال أبو نواس:\rأيا من بحُبِّي عليّ اجترى؟ ... ومن بلساني عليّ افترى؟\rومن بيدي غلَّني للهوى، ... فأصبحت للحُبِّ مستأسرا؟\rأما والذي جعل المستهام ... صديق السُّهاد عدوّ الكرى!\rلقد ذهبت مهجتي باطلاً، ... لئن متُّ منك على ما أرى!\rوقال آخر:\rومهفهفٍ طاوي الحشا ... خنث المعاطف والنظرْ!\rملأ القلوب بصورةٍ ... تليت محاسنها سورْ!\rفإذا رنا وإذا شدا ... وإذا سقى وإذا سفر:\rفضح الغزالة والحم ... امة والمدامة والقمر!\rوقال آخر:\rإذا أكثر الواشون فينا مقالهم ... وليس لهم عندي وعندك من ثارِ،\rوشنُّوا على أسماعنا كُلَّ غارةٍ ... وقلَّت حماتي عند ذاك وأنصاري،\rلقيناهم من مقلتيك وأدمى ... وأنفاسنا بالسَّيف والسيل والنارِ.\rوقال آخر، من شعراء اليتيمة:\rوأغنَّ أغيد حُبُّه ... مستأنس لي، وهو نافرْ!\rإن قلت: زرني! قال: نمْ، ... فالطَّيف ليس يزور ساهرْ!\rكيف السبيل إلى الرُّقا ... د كما رسمت، وأنت هاجرْ؟\rويقول لي فيما يقو ... ل: نعم! وما للقول آخرْ!\rحتى أشاور! قلت: ل ... كنِّي هويت ولم أشاورْ!\rوقال تاج الملوك:\rيا قمراً أقبل يسعى على ... دعصٍ من الأغصان مهزوزِ!\rوصلك، واويلي! على طيبه ... أصبح ذا منع وتعزيزِ.\rما كان إلا بيضة الدِّيك لي ... أو مطرةً في شهر تموزِ.\rوقال أبو نواس:\rعذَّبني قلبي بمن قلبه ... للصَّبِّ مثل الحجر القاسي.\rأحور فتانٍ قطوف الخطا ... أغيد مثل الغصن ميَّاسِ.\rأبيت ليلي ونهاري معاً ... معلَّقاً منه بوسواسِ.\rإنِّي وإن لم يكُ لي نائلٌ ... منه لأرجوه على ياسِ.\rوقال سيف الدين المشدّ:\rإلى قدِّك اللَّدن يُعزى الهيف! ... فما هبَّت الرِّيح إلا انعطفْ!\rقوامٌ أراد قضيب النَّقا ... يحاكيه، لما انثنى، فانقصفْ!\rفيا رامياً قد رماني هواه ... بنار الأسى في بحار الأسفْ!\rسهام جفونك قلبي غدا ... لها غرضاً، وضلوعي هدفْ.\rوأوردتني في الهوى مورداً ... تجرّعت فيه مرير التَّلفْ.\rوأعرضت عنِّي، ولا ذنب لي! ... فكم ذا الدّلال! وكم ذا الصَّلفْ!\rومخطف خصرٍ على ردفه، ... فكلُّ فؤادٍ به مختطف!\rوقال أبو القاسم العطار:\rوبي غزالٌ، إذا صادفت غرَّته ... جنيت من وجنتيه روضةً أُنُفا!\rكالبدر مكتملاً، كالظبي ملتفتاً، ... كالروض مبتسماً، كالغصن منعطفا!\rوقال تاج الملوك:\rيا قمراً في غصنٍ من بانةٍ، ... يميل عجباً في كثيبٍ من نقا!\rأصبح قلب المستهام مغرباً ... له، وأطواق القباء مشرقا!\rأغيد، لا يقصد إلا تلفي! ... ولم يزل قلبي به مُعلقا.\rذكَّرني حسن ابتسام ثغره ال ... واضح لمع البرق إذ تألَّقا.","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"وطالما ذكَّرنيرضابه ال ... بارد صرف الراح إذ تعتقا.\rأغنّ، ما فوّق سهم لحظه ... إلا أصاب القلب لما فوّقا.\rحاجبه قوسٌ ولحظ عينه ... سهمٌ، فما يُخطي إذا ما رشقا.\rوقال أبو نواس:\rجال ماء الشباب في خدَّيكا، ... وتلالا البهاء في عارضيكا.\rورمى طرفك المكحَّل بالسَّح ... ر فؤادي فصار رهناً لديكا.\rأنا مستهتر بحُبِّك صبٌّ ... لست أشكو هواك إلاَّ إليكا.\rيا بديع الجمال والحسن والدَّل ... ، حياتي وميتتي في يديكا.\rبأبي أنت! لو بليت بوجدي ... لم يهن ما لقيت منك عليكا!\rأصبحت بالهوى سهام المنايا ... قاصداتٍ إليَّ من عينيكا!\rوقال أيضاً:\rيا من جداه قليل ... ومن بلاه طويلُ!\rومن دعاني إليه ... طرفٌ أحمُّ كحيلُ،\rوواضح النبت يحكي ... مزاجه الزَّنجبيلُ،\rووجنة جائلٌ ما ... ؤها وخدٌّ أسيلُ.\rوغصن بانٍ تثنى ... قدّاً، وردفٌ ثقيلُ،\rويجمع الحسن فيه ... وجهٌ وسيمٌ جميلُ!\rفكلُّ ناحيةٍ من ... قلبي إليه تميلُ!\rوقال الوأواء الدمشقي:\rرماه ريمٌ فأصا ... ب القلب منه، إذ رمى.\rواحتجَّ في قتلته ... بأنَّه ما علما.\rيا معشر الناس! أما ... يُنصفني من ظلما؟\rعلَّم سقم طرفه ... جسمي منه سقما.\rفسقم جسمي في الهوى ... من طرفه تعلّما.\rلو قيل لي: ما تشتهي؟ ... مخيَّراً محكَّما.\rلقلت أن ألثمه: ... نحراً ووجهاً وفما!\rوقال الوزير أبو مروان عبد الملك بن جهور:\rأحوى النواظر، ألعس الش ... فتين، عذب الرِّيق، ألمى!\rلو زارني طيفٌ له ... عند الهجوع ولو ألمَّا،\rلأفاد روحاً أو لفر ... ج من هموم النفس همَّا!\rوقال آخر:\rوأهيف، مهزوز القوام إذا انثنى ... وهبت لعذري فيه ذنب اللَّوائمِ.\rبثغرٍ كما يبدو لك الصبح باسمٍ، ... وشعرٍ كما يبدو لك الليل فاحمِ.\rمليح الرضا والسُّخط، تلقاه عاتباً ... بألفاظ مظلومٍ وألحاظ ظالمِ.\rومما شجاني أنَّني يوم بينهم ... شكوت الذي ألقى إلى غير راحمِ.\rوحملت أثقال الجوى غير حاملٍ ... وأودعت أسرار الهوى غير كاتمِ.\rوأبرح ما لاقيته أنَّ متلفي ... بما حلَّ بي في حبِّه، غير عالمِ.\rولو كنت مذ بانوا سهرت لساهرٍ ... لهان، ولكنِّي سهرت لنائمِ.\rوقال أبو نواس:\rيا ريم هات الدَّواة والقلما ... أكتب شوقي إلى الَّذي ظلما!\rغضبان قد غرَّني رضاه ولو ... يُسئل ممَّا غضبت، ما علما.\rفليس ينفك منه عاشقه ... في جمع عذرٍ لغير ما اجترما.\rأظلُّ يقظان في تذكُّره ... حتى إذا نمتُ، كان لي حلما.\rلو نظرت عينه إلى حجرٍ، ... ولَّد فيه فتورها سقما!\rوقال سيف الدين المشدّ:\rوبي رشيق القوام لدنٌ ... لقدِّه يُنسب الرُّديني!\rما نظرته العيون إلا ... فدته من نظرةٍ وعينِ!\rقابل بالكأس وجنتيه، ... فحُفَّ نجمٌ بنيِّرينِ.\rوزيَّنت كفُّه الحُميَّا! ... ما أحسن التِّبر في اللُّجينِ!\rوقال كشاجم:\rبالله يا مُتفرِّداً في حسنه ... ومقلِّباً هاروت بين محاجره!\rومُحكِّماً أردافه في خصره، ... ومصافحاً خلخاله بضفائره!\rلا تغضبنَّ على فتىً يرضى بما ... أوليته، ولو انتعلت بناظره.\rويتكلم الأسرار حتى إنه ... ليصونها عن أن تمرَّ بخاطره.\rوقال أبو تمام الطائي:","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"لها، وأعارني ولهاً! ... وأبصر ذلَّتي فزها!\rله وجهٌ يعزُّ به، ... ولي حرق أذلُّ بها!\rدقيق محاسنٍ، وصلت ... محاسن وجنتيه بها.\rألاحظ حسن وجنته، ... فتجرحني وأجرحها.\rوقال أيضاً:\rنشرت فيك رسيساً كنت أطويه! ... وأظهرت لوعتي ما كنت أُخفيه!\rإن كان وجهك لي تترى محاسنه، ... فإنَّ فعلك لي تتري مساويه!\rمُرتجةٌ في تهاديه أسافله، ... مهتزَّةٌ في تثنِّيه أعاليه!\rتاهت على صور الأشياء صورته ... حتى إذا كملت، تاهت على التِّيهِ!\rوقال المخزومي:\rأيُّ مُحبٍّ فيك لم أحكه؟ ... وأيُّ ليلٍ فيك لم أبكهِ؟\rإن كان لا يرضيك إلا دمي، ... فقد أذنَّا لك في سفكهِ!\rوقال أبو نواس:\rيا قابري بملاله ... ودامري بمطاله!\rويا مُبدِّل ليلي ... قصاره بطواله!\rأعوذ منك بوجهٍ ... بدر الدُّجى في مثاله!\rلكنه منه أحلى ... لحسن موضع خاله.\rهلاَّ رحمت صريعاً ... تحت الرّدى وطلاله؟\rمن لا يرى منه فوق ال ... فراش غير خياله.\rمثل الخلال نحيلاً ... يخفى على عذاله.\rفمن بغى لك سوءاً، ... فكان في مثل حاله!\rوقال محمد بن عبد الله السلاميّ، شاعر اليتيمة:\rومختصر الخصر، من بعده ... هربت فألقيت في صدِّه!\rوقابلني وجهه مُقبلاً ... بحدِّ الحسام وإفرنده.\rفما زلت أعصر من خمره ... وأقطف من مُجتنى ورده.\rوأظمأ فأرشف من ريقه! ... فيا حرَّ صدري من برده!\rوقال أبو هلال العسكريّ:\rأقول لما لاح من خدره، ... والليل يرخي الفضل من سترهِ:\rأبدره أحسن من وجهه، ... أم وجهه أحسن من بدره؟\rقد مالت الرِّقة في شطرهِ، ... ومالت الغلظة في شطرهِ.\rفأزره غصَّت بأردافه، ... ووشحه جالت على خصرهِ.\rأصبحت لا أدري وإن لم يكنفي الأرض شيءٌ أنا لم أدرهِ\rأشعره أحسن من قدِّه؟ ... أم قدُّه أحسن من شعرهِ؟\rودُرُّه يؤخذ من لفظه، ... أم لفظه يؤخذ من دُرِّهِ؟\rوثغره ينظم من عقده، ... أم عقده ينظم من ثغره؟\rفمن عذير الصَّبِّ من صدِّه؟ ... ومن مُجير القلب من هجره؟\rيا ليته يعرف حُبِّي له! ... عساه يجزيني على قدرهِ!\rوقال تاج الملوك بن أيوب:\rيا هلالاً لاح في غصنٍ، ... تشرق الدنيا بطلعتهِ!\rوغزالاً طالما خضع ... الأسد الضاري لهيبتهِ!\rما رنا إلاَّ وجرد لي ... صارماً من لحظ مقلتهِ.\rصل عليلاً، أنت أعلم من ... كلِّ مخلوقٍ بعلتهِ.\rقد أطالت مُقلتاك بلا ... سببٍ تعذيب مهجتهِ.\rكُلَّما لجَّت عواذله ... أجَّجت نيران لوعتهِ.\rفاتَّئد من طول عذلك لي، ... يا عذولي في محبتهِ!\rمن بنى الأتراك مُعتدل، ... قد تمادى في قطيعتهِ.\rليس يشفى القلب من ظمأٍ ... غير رشفي راح ريقتهِ!\rلا، ولا يطفي لظي كبدي ... غير تقبيلي لوجنتهِ!\rليت أن الدهر مكَّنني ... بيدي من حلِّ تكَّتهِ!\rوقال آخر:\rومهفهفٍ! عنِّي يميل ولم يمل ... يوماً إليّ، فقلت من ألم الجوى:\rلم لا تميل إليّ، يا غصن النَّقا؟ ... فأجاب: كيف، وأنت من جهة الهوى؟\rوقال ابن الطرابلسيّ:\rمن ركَّب البدر في صدر الرُّدينيِّ، ... وموّه السحر في حدِّ اليمانيِّ؟\rوأنزل النَّيِّر الأعلى إلى فلكٍ ... مداره في القباء الخسروانيِّ؟","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"طرفٌ زنا أم قرابٌ سُلَّ صارمه؟ ... وأغيدٌ ماس أم أعطاف خطِّيِّ؟\rوبرق غاديةٍ أم برق مبتسمٍ، ... يفترُّ من خلل الصُّدغ الدَّجوجيِّ؟\rويلاه، من فارسيِّ النَّحر مفترسٍ ... بفاترٍ أسديِّ الفتك ريميِّ!\rيكنُّ ناظره ما في كنانته! ... فليس ينفكُّ من إقصاد مرميِّ!\rأذلَّني بعد عزٍّ؛ والهوى أبداً ... يستعبد الليث للظبي الكناسيِّ.\rما مان مانيُّ، لولا ليل عارضه ... ما شدَّ خيل المنايا بالأمانيِّ.\rتكنَّف الحسن منه وجه مشتملٍ ... نفار أحور في تأنيث حُوريِّ.\rأما وذائب مسك من ذوائبه ... على أعالي القضيب الخيزرانيِّ؟\rلو قيل للبدر: من في الأرض تحسده؟ ... إذا تجلَّى، لقال ابن الفلانيِّ!\rأربى عليّ بشتَّى من محاسنه ... تألَّفت بين مسموعٍ ومرئيِّ.\rإباء فارس مع لين الشَّآم مع الظ ... رف العراقيّ في النُّطقِ الحجازيِّ.\rوما المدامة بالألباب ألعب من ... فصاحة البدو في ألفاظ تُركيِّ!\rأشبهته ببعادي، ثم كان له ... مزية الخلق والأخلاق والزِّيِّ.\rمن أين لي لهبٌ يجري على ذهبٍ ... في صحنٍ ابيض صافي الماء فضِّيِّ؟\rوروضةٌ لم تحكها كفُّ ساريةٍ ... ولا شكا خدُّها من لثم وسميِّ؟\rيحُفُّها سوسنٌ غضٌّ يغازله ... بنرجس بنطاف السحر موليِّ.\rمن منقذي أو مجيري من هوى رشإٍ ... أفتى وأفتك من عمرو بن معديِّ؟\rلا يعشق الدهر إلا ذكر معركةٍ ... أو خوض مهلكة أو ضرب هنديِّ.\rولا يُحدِّث إلا عن ربابته ... من المهار العوالي والمهاريِّ.\rوالصَّافنات ولبس الضافيات وشر ... ب الصافيات وإطراب الأغانيِّ،\rأشهى إليه من الدَّوح الظَّليل على الر ... وح العليل وتغريد القماريِّ،\rشدّ الجياد لأيام الجلاد وإر ... شاد الصِّعاد إلى طعن الأناسيِّ؟\rوحثّ بازٍ على نأيٍ وحمل قطا ... ميٍّ تكدَّر منه عيش كُدريِّ؟\rفي غلمةٍ كغصون البان يحملها ... كثبان بردٍ على غادات برديِّ؟\rيمشون في الوشى أسراباً، فتحسبهم ... روض الرَّبيع على بيض الأداحيِّ.\rوالساحر الساخر الغرَّار بينهم ... كالشمس تكسف أنوار الدّراريِّ.\rمهفهفُ القدِّ، سهل الخد، أغرب في ال ... جمال من لُثغةٍ في لفظ نجديِّ.\rيلهيه عن كتبٍ تروى ونصرته ... لشافعيٍّ فقيهٍ أو حنيفيِّ.\rعوج القسيّ وقُبُّ الأعوجيَّة والش ... هب الهماليج تربى في الأواريِّ.\rوالشعر في الشَّعر الداجي على الغنج الس ... اجي يُليِّن منه قلب حوشيِّ.\rفلو بصرت به يصغي وأنشده، ... قلت النُّواسيُّ يشجو قلب عذريِّ.\rأو صائد الإنس قد ألقى حبائله ... ليلاً فأوقع فيها صعيد وحشيِّ.\rأغراه بي بعد ما جدّ النِّفار به ... شدو القريض وألحان السُّريجيِّ.\rفصار أطوع لي منه لمقلته، ... وصرت أُعرف فيه بالعزيزيِّ.\rومما قيل في المؤنث، قال ابن الروميّ:\rمخفَّفةٌ مثقَّلةٌ، تراها ... كأنَّ لم يعد نصفيها غذاءُ!","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"إذا الإغباب جدّد حسن شيءٍ ... من الأشياء، جدّدها اللِّقاءُ.\rلها ريقٌ تشفُّ له الثَّنايا،ويروى عنه لا منه الظِّماءُ.\rوأنفاسٌ كأنفاس الخزامى ... قبيل الصُّبح، بلَّتها السماءُ!\rتنفس نشرها سحراً، فجاءت ... به سحرية المسرى رخاءُ!\rوقال أبو نواس:\rما هوىً إلا له سبب ... يبتدي منه وينشعبُ.\rفتنت قلبي مُحجبَّةٌ، ... وجهها بالحسن منتقبُ.\rخليت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتحبُ.\rفاكتست منه طرائفه ... واستزادت بعض ما تهبُ.\rصار جدّاً ما مزحت به ... رُبَّ جدٍّ ساقه اللَّعبُ.\rوقال أيضاً:\rيا قمراً، أبصرت في مأتم ... يندب شجواً بين أتراب!\rيبكي فيذري الدُّرَّ من نرجس، ... ويلطم الورد بعنَّاب.\rأبرزه المأتم لي كارهاً، ... برغم داياتٍ وحُجَّاب!\rلا تبك ميتاً حلَّ في رمسه، ... وابك قتيلاً لك بالباب!\rوقال سيف الدين المشد:\rوبمهجتي! من لو بدت ... للشمس من تحت النِّقابْ،\rسترت محاسن وجهها ... خجلاً، ولاذت بالسَّحابْ!\rوقال القاضي أبو علي التَّنُوخي، شاعر اليتيمة:\rأقول لها والحيُّ قد فطنوا بنا ... وما لي عن أيدي المنون براحُ:\rلما ساءني أن وشَّحتني سيوفهم ... وإنِّي لكم دون الوشاح وشاحُ.\rوقال عمارة اليماني:\rطرقتها، والليل وحف الجناح، ... وما تلبَّست بثوب الجناحْ.\rفي ليلةٍ بات نجادي بها ... ذوائباً يخفقن فوق الوشاحْ.\rوالحسن قد ألَّف أشتاته ... غصنٌ تثَّنى فوق ردف رداحْ.\rنام رقيب الصُّبح عن ليلتي، ... وبات لي كلُّ مصون مباحْ!\rأجمع من خدٍّ ومن مبسمٍ ... بحمرة الورد بياض الأقاحْ.\rحصلت من ريقٍ ومن منطقٍ ... على اقتراحٍ ونميرٍ قراحْ.\rترنَّحت من نشوات الصِّبا ... فبتُّ مسروراً بنشوان صاحْ.\rوفاح من نشر الصِّبا عنبرٌ ... أحرقه الفجر بجمر الصَّباحْ!\rوقال أبو نواس:\rوذات خدٍّ مورد ... قوهية المتجرّدْ.\rتأمل العين منها ... محاسناً ليس تنفذْ.\rفالحسن في كل جزء ... منها معادٌ مرددْ.\rفبعضه في انتهاءٍ ... وبعضه يتولَّدْ.\rوكُلَّما عدت فيه ... يكون لي العود أحمدْ!\rوقال عليّ بن عبد الرحمن بن المنجم:\rشبهتها بالبدر فاستضحكت ... وقابلت قولي بالنُّكرِ.\rوسفَّهت قولي وقالت: متى ... سمجتُ حتى صرت كالبدرِ.\rالبدر لا يرنو بعينٍ كما ... أرنو، ولا يبسم عن ثغرِ.\rولا يميط المرط عن ناهدٍ، ... ولا يشدُّ العقد في نحرِ.\rمن قاس بالبدر صفاتي، فلا ... زال أسيراً في يدي هجري!\rوقال العماد الأصفهانيّ:\rلئن الأهلة بالمعاجر ... وكحلن بالسُّقم المحاجرْ.\rونظرن عن حدق حجر ... ن بها على آرام حاجرْ.\rشهرت لحاظ ظبائهن ... على القلوب ظباً بواترْ.\rآرام خدرٍ باللِّحا ... ظ تصيد آساداً خوادرْ.\rغيدٌ لسفك دم المحب ... تظافرت منها الظَّفائر.\rبيض التَّرائب حمرها ... خضر اللَّمى سود الغدائر.\rوقال كشاجم:\rجعلت إليك الهوى ... شفيعاً فلم، تُشفعي!\rوناديت مستعطفاً ... رضاك فلم تسمعي.\rأتاركتي مُدنفاً ... أخا جسدٍ موجعِ!\rومغريتي والدُّمو ... ع قد أحرقت مدمعي.\rأ حين سبيت الفؤا ... د بالنظر المطمعِ،\rجفوت وأقصيتني؟ ... فهلاَّ، وقلبي معي؟\rوقال ابن المعلم:","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"صعدة القدِّ وسيف الكحل ... حكما حكم الهوى في أجلي.\rيا لقومي! حملت ثقل دمي ... غادةٌ يثقلها حمل الحلى!\rقدُّها معتدلٌ يظلمني! ... حزني من قدِّها المعتّدل!\rخصرها ينشط، لكن ردفها ... أبداً يقهره بالكسلِ.\rنظرةٌ من مقلتي جاريةٍ ... وثنت عطف القضيب الثملِ.\rلست أدري: قمر في كلَّة ... ما أرى، أم دميةٌ في هيكل؟\rسألت جسمي عن ساكنه! ... ومن الجهل سؤال الطَّلل!\rوقال سيف الدين المشدّ:\rوغادةٍ، أعشق من أجلها ... بدر الدُّجى والظَّبي والخيزرانْ.\rلأنَّ ذا يشبهها بهجةً، ... وذاك ألحاظاً، وهذا بنانْ.\rوقال أبو نواس:\rيا منسي المأتم أشجانه ... لما أتاهم في المعزِّينا!\rحلَّت عجار الوشي عن صورةٍ ... ألبسها الله التحاسينا!\rاستفتنتهنّ بتمثالها ... فهنَّ للتَّكليف يبكينا.\rحقَّ لذاك الوجه أن يزدهي ... عن حزنه من كان محزونا.\rوقال أيضاً:\rأيا ليت شعري أمن صخرةٍ ... فؤادك هذا الذي لا يلين!\rتقول إذا ما اشتكيت الهوى، ... كما يشتكي الباس المستكين:\rأ في النوم أبصرت ذا كُلَّه؟ ... فخيراً رأيت، وخيراً يكون!\rوقال المشوق الشامي:\rأترى بثارٍ أو بدين ... علقت محاسنها بعيني؟\rفي خصرها وقوامها ... ولحاظها ما في الرُّديني.\rوبوجهها ماء الشَّبا ... ب خليط نار الوجنتين.\rوقال السريُّ الرفَّا، شاعر اليتيمة:\rقامت وخطوط البانة ال ... ميَّاس في أثوابها.\rويهزُّها سكران: سُك ... ر شرابها وشبابها!\rتسعى بصهباوين من ... ألحاظها وشرابها.\rوكأنَّ كأس مُدامها ... لمَّا ارتدت بحبابها:\rتوريد وجنتها إذا ... ما لاح تحت نقابها.\rوقال ابن الروميّ:\rمن بنات الروم، لا يكذبنا ... لونها المشرق عن منصبها.\rقامة الغصن إذا ما اعتدلت، قامة الغصن إلى منكبها.\rشهد الشاهد من أحسنها، ... فحكى الغائب من أطيبها.\rتشفع الحسن بإحسانٍ لها ... يجلب الأفراح من مجلبها.\rتشرع الألحاظ في وجنتها ... فتلاقي الرِّيَّ في مشربها.\rوجنةٌ للغنج فيها عقربٌ، ... وبلاء الصبِّ من عقربها.\rوإذا قامت إلى ملعبها ... كمهاة الرمل في ملعبها،\rسألت أردافها أعطافها: ... هل رأت أوطأ من مركبها؟\rوقال أبو الحسين بن فارس:\rمرَّت بنا هيفاء مقدودةٌ ... تركيَّةٌ تُنمي لتزكيِّ.\rترنو بطرفٍ فاترٍ فاتنٍ ... أضعف من حُجَّة نحويِّ.\rومماقيل في المطلق والمشترك، قال الطغرائي:\rفيم التعجب من قلبي وصبوته ... كأنَّكم لم تروا من قبله عجبا!\rذوقوا الهوى ثم لوموا ما بدا لكم؛ ... أولا، فخلُّوا ملامي واربحوا التَّعبا!\rوقال أيضاً:\rوكنت أُراني مُفلتاً شرك الهوى، ... وقد صادني سحر العيون النَّوافثِ.\rوأسمعني داعي الغرام نداءه، ... فقمت إليه مُسرعاً غير لابثِ.\rوأعطيت إخوان البطالة صفقتي، ... وبعت قديماً من غرامي بحادثِ.\rفما صفقتي في البيع صفقة خاسرٍ، ... ولا بيعتي للحُبِّ ببيعة ناكثِ.\rفلا تعذلوني في غرامي بعد ما ... تولَّى الصِّبا، فالعذل أوّل باعثِ!\rولا تبحثوا عن سرِّ قلبي إنَّه ... صفاً، ليس يمضي فيه معول باحثِ.\rأرى صبوات الحبِّ قد جدّ جدها، ... وقد كان بدء الحب مزحة عابث!\rوقال الأرّجانيّ:\rقفا معي في هذه المعاهد! ... لا بدّ للصبِّ من المساعدِ!\rلا تبخلا يا صاحبيَّ واسمحا ... بوقفةٍ على المُعنَّى الواجدِ.","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"في منزلٍ عهدت في عراصه، ... لو ردّ معهوداً بكاء عاهدِ،\rكواعباً من الدُّمى لواعباً ... مشبهة الثُّغور لا القلائدِ.\rيمشين من فرط النَّعيم والصِّبا ... كالقضب الموائل الموائدِ.\rفيهنَّ ظبيٌ علق القلب به ... من الظِّباء النُّفر الشواردِ.\rإذا تبدّى مرضٌ بطرفه، ... لم يخل من أفئدة عوائدِ.\rرميته، فصادني. فمن رأى ... صيداً يمرّ بفؤاد الصائدِ؟\rقطعت من قلبي رجائي في الهوى! ... والقطع طبُّ كلِّ عضو فاسدِ!\rوقال أبو القاسم عبد الله الدينوريّ، شاعر اليتيمة:\rيا لعصر الخلاعة المودود ... ولظلِّ الشَّبيبة الممدودِ!\rوارتشافي الرُّضاب من برد الثَّغ ... ر ولثمي عليه ورد الخدودِ!\rوبكوري إلى مجالس علم ... رواحي إلى كواعب غيد!\rفي قميصٍ من السُّرور مذال ... ورداء من الشباب جديد!\rوقال تاج الملوك بن أيوب:\rألا رحمتم ميتاً دنفا ... ما زال من جوركم بكم عائذْ!\rصبّاً قضى الله أن يهيم بكم ... ولا مردّ لحكمه النافذْ!\rيلوذ حُبّاً دون الأنام بكم ... وحسبه أنه بكم لائذْ!\rوقال فخر الدين الوركاني، شاعر الخريدة:\rأ أحبابنا أمَّا حياتي بعدكم ... فموتٌ، وأما مشربي فمنغَّصُ.\rوأسعد شيء فيّ قلبي لأنَّه ... لديكم، وجسمي بالبعاد مخصَّصُ!\rوقال العماد الأصفهاني:\rبذلت لهم أبغي رضاهم مودَّتيوقلبي وصبري والرُّقاد، فما رضوا.\rوهبني عن كلٍّ تعوّضت بعدهم ... فقل لي: بماذا عنهم أتعوّض؟\rوما كان ظنِّي أنَّ عيشي ينقضي ... ونجم الصِّبا ينقضُّ والعهد يُنقضُ.\rوقال الطغرائي:\rإن الألى أرضاك قولهم ... بالأمس، تحت رضاهم سخطُ!\rلمَّا صفا ذاك الجمال لهم، ... تاهوا على العشاق واشتطُّوا.\rهمُّوا ببينٍ فاستطار له ... قلبي، فكيف يكون إن شطُّوا؟\rوقال الطغرائي أيضاً:\rفي القلب من حرِّ الفراق شواظُ، ... والدمع قد شرقت به الألحاظُ.\rولقد حفظت عهودكم، وغدرتم. ... شتان غدرٌ في الهوى وحفاظُ!\rلله أيُّ مواقفٍ رقَّت لنا ... فيها الوسائلُ، والقلوب غلاظُ!\rوقال أيضاً:\rوسائلٍ عن جوى قلبي، فقلت له: ... ما أنت عندي على سرٍّ بمتَّهمِ!\rطاب الجوى في الهوى حتى أنست به، ... فهو المرارة يحلو طعمها بفمي!\rوقال أحمد بن محمد بن عبد ربه:\rأتقتلني ظلماً وتجحدني قتلي، ... وقد قام من عينيك لي شاهداً عدل!\rأ طلاَّب ذحلي، ليس لي غير شادنٍ ... بعينيه سحرٌ فاطلبوا عنده ذحلي!\rأغار على قلبي، فلما أتيته ... أطالبه فيه، أغار على عقلي!\rبنفسي التي ضنَّت بردِّ سلامها! ... ولو سألت قتلي، وهبت لها قتلي!\rإذا جئتها صدَّت حياءً بوجهها، ... فتهجرني هجراً ألذَّ من الوصلِ.\rوإن حكمت جارت عليّ بحكمها؛ ... ولكنَّ ذاك الجور أشهى من العدلِ.\rكتمت الهوى جهدي، فجوّده الأسى ... بماء البكا، هذا يخُطُّ وذا يُملي!\rوأحببت فيها العذل حُبّاً لذكرها، ... فلا شيء أحلى في فؤادي من العذلِ!\rأقول لقلبي كُلَّما ضامه الأسى: ... إذا ما أبيت العزَّ، فاصبر على الذُّلِّ!\rبرأيك لا رأيي تعرَّضت للهوى، ... وأمرك لا أمري وفعلك لا فعلي.\rوجدت الهوى نصلاً من الموت مغمداً ... فجرّدته ثم اتكأت على النصلِ!\rفإن كنت مقتولاً على غير ريبةٍ ... فأنت الذي عرَّضت نفسك للقتلِ!\rوهذه الأبيات معارضة لصريع الغواني في قوله:","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"أديراً عليّ الكأس، لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي!\rفما حزني أنِّي أموت صبابةً؛ ... ولكن على من لا يحلُّ لها قتلي!\rفديت التي صدَّت وقالت لتربها: ... دعةه، الثُّريا منه أقرب من وصلي!\rوقال ابن عبد ربه:\rصحا القلب، إلا خطرةً تبعث الأسى ... لها زفرةٌ موصولةٌ بحنبنِ.\rبلى، رُبَّما حلت عُرى عزماته ... سوالف آرام وأعين عينِ.\rلواحظ حبَّات القلوب إذا رنت ... بسحر عيونٍ وانكسار جفونِ.\rوريط من الموشيِّ أينع تحته ... ثمار صدورٍ، لا ثمار غصونِ.\rبرودٌ كأنوار الربيع لبسنها ... ثياب تصابٍ لا ثياب مجونِ.\rفرين أديم الليل عن نور أوجهٍ ... تُجنُّ بها الألباب كلَّ جنونِ.\rوجوهٌ جرى فيها النعيم فكُلِّلت ... بورد خدودٍ يُجتنى بعيونِ.\rسألبس للأيام درعاً من العزا، ... وإن لم يكن عند اللِّقا بحصينِ.\rوكيف، ولي قلبٌ إذا هبَّت الصِّبا ... أهاب بشوقٍ في الضلوع دفينِ؟\rوقال آخر:\rهزُّوا القدود وجرَّدوا الأجفانا! ... فاطلب لنفسك، إن قدرت أمانا.\rوالق السلاح إذا انثنوا وإذا رنوا؛ ... وكن الجبان وإن ملكت جنانا.\rواحذر ضراماً بالعيون، وسل به ... مثلي، وجانب بالقدود طعانا.\rفلقد رأيت الأسد وهي كواسرٌ ... تخشى بمعترك الهوى الغزلانا.\rلا تعبثنَّ بذابلٍ وبباترٍ! ... وخف المهفهف واحذر الوسنانا!\rلولا تشلبه مقلةٍ أو قامةٍ، ... ما خفت يوماً صعدةً وسنانا.\rوأنا الذي حضر الوقائع في الهوى ... وأقام في أسير الغرام زمانا.\rولكم رأيت به الشَّدائد مُرَّةً! ... ولكم رأيت به الممات عيانا!\rوثبتُّ بين معاطفٍ ولواحظٍ ... في موقفٍ يذر الشجاع جبانا!\rمستسلماً للعشق: لا مستصرخاً ... صبراً، ولا مستنجداً سلوانا.\rأرجو الشهادة إن قتلت به، وما ... وليت فيه ولا ثنيت عنانا.\rيا ويح قلبٍ ما خلا من شغله ... بصبابةٍ ومحبَّةٍ مذكانا!\rلو فتَّشوه لما لقوا لسوى الهوى ... فيه ولا غير الغرام مكانا.\rوقال التلعفريّ:\rهذا العذول عليكم، ما لي وله؟ ... أنا قد رضيت بذا الغرام وذا الوله!\rشرط المحبة أنّ كلَّ متيمٍ ... صبٍّ يطيع هواه، يعصي عذَّله.\rوأخذتموني حين سار بحبكم ... مثلي، ومثلي سره لن يبذله!\rوما أعربت والله عن وجدي بكم ... وصبابتي إلا دموعي المهملة.\rجزتم مداكم في قطيعتكم، فلا ... عطفٌ لعائدكم يرام، ولا صلة.\rأ ألومكم في هجركم وصدودكم، ... ما هذه في الحُبِّ منكم أوّله!\rقسماً بكم، قد حرتُ مما أشتكي! ... حسبي الدُّجى، فعدمته ما أطوله!\rليلي كيوم الحشر معنىً إن يكن ... لا ليل ذاك له، فذا لاصبح له.\rيا سائلي من بعدهم عن حالتي! ... ترك الجواب جواب هذي المسألة!\rحالي إذا حدَّثت لا لمعاً ولا ... جملاً لإيضاحي لها من تكملة.\rعندي جوىً يذر الفصيح مبلِّداً: ... فاترك مفصَّله! ودونك مجمله!\rالقلب ليس من الصِّحاح فيرتجى ... إصلاحه، والعين سحب مُثقلة.\rيا نازحين، وفي أكلَّة عيسهم ... رشأٌ عليه حشا المُحبِّ مقلقله!\rقمرٌ له في الطرف بل في القلب بل ... في النَّثرة الحصداء أشرف منزلة.","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"الصدغ منه عقربٌ، ولحاظه ... أسدٌ، وخلف الظهر منه سنبلة.\rما أجور الألحاظ منه إذا رنا! ... وإذا انثنى، فقوامه ما أعدله!\rلو لم يصب صدغيه عارض خدِّه، ... ما أصبحت في عارضيه مسلسلة.\rلله منه مهفهفٌ أجنيته ... عسل الهوى فجنيت منه حنظله!\rلو كنت فيه قبلت نصح عواذلي، ... ما أدبرت أيام حظِّي المقبلة!\rوقال الطغرائيّ:\rرويدكم! لا تسبقوا بقطيعتي ... صروف الليالي، وإنَّ في الدهر كافياً.\rويا قلبُ، عاود ما ألفت من الجوى! ... معاذ الهوى أن تُصبح اليوم ساليا!\rويا كبدي، ذوبي! ويا مقلتي، اسهري! ... ويا نفس لا تُبقي من الوجد باقيا!\rفلا تطمعوا في برء ما بي، فإنه ... هو الداء قد أعيا الطبيب المداويا!\rومما قيل في طيف الخيال، قال قيس بن الخطيم:\rإني شربت، وكنت غير شروب! ... وتقرِّب الأحلام غير قريبِ.\rما تمنعي يقظي، فقد تؤتينه ... في النوم غير مكدر محسوبِ.\rكان المنى تلقاءها، فلقيتها ... ولهوت من لهو امرئ مكذوبِ!\rوقال عمرو بن قميثة:\rنأتك أمامة، إلا سؤالاً ... وإلا خيالاً يوافي خيالا.\rخيالاً يخيل لي نيلها، ... ولو قدرت لم يُخيِّل نوالا!\rقال أبو هلال العسكري: ومن هاتين القطعتين أخذ المحدثون أكثر معانيهم في الخيال.\rوقال البعيث:\rأ زارتك ليلى، والرِّكاب خواضع؟ ... وقد بهر الليل النجوم الطَّوالعُ!\rوأعطتك غايات المنى غير أنَّها ... كواذب إن حصَّلتها وخوادعُ.\rوقال أبو تمام:\rاستزارته فكرتي في المنام، ... فأتاها في خفيةٍ واكتتامِ.\rيا لها ليلةً تزاورت الأر ... واح فيها سراً عن الأجسامِ!\rمجلسٌ لم يكن لنا فيه عيبٌ ... غير أنَّا في دعوة الأحلامِ!\rوقال الحمدونيّ:\rلم أنله، فنلته بالأماني ... في منامي سراً من الهجرانِ!\rواصل الحلم بيننا بعد هجرٍ، ... فاجتمعنا ونحن مفترقانِ.\rوكأنَّ الأرواح خافت رقيباً، ... فطوت سرَّها عن الأبدانِ.\rمنظرٌ كان نزهة العين إلاَّ ... أنه منظرٌ بغير عيانِ.\rوقال ابن الروميّ:\rطرقتنا، فأنالت نائلاًشكره لو كان في النبه الجحودُ.\rثم قالت، وأحسَّت عجبي ... من سُراها حيث لا تسري الأسودُ.\rلا تعجَّب من سرانا، فالسُّرى ... عادة الأقمار والناس هجودُ.\rأخذ العسكريّ المعنى، فقال:\rرقبت غفلة الرَّقيب، فزارت ... تحت ليل مطرَّز بنهارِ.\rفتعجَّبت من سراها، فقالت: ... غير مستطرفٍ سُرى الأقمارِ!\rثم مالت بكأسها فسقتني ... جلناريَّةً على جُلِّ ناري!\rوقال آخر:\rفيا ليت طيفاً، خيَّلته لي المنى، ... وإن زادني شوقاً إليك، يعودُ!\rأكلِّف نفسي عنك صبراً وسلوةً، ... وتكليف ما لا يُستطاع شديدُ!\rوقال العسكريّ:\rطرق الخيال، فزار منه خيالاً. ... فسرى يغازل في الرُّقاد غزالا.\rيا كشفةً للكرب، إلاَّ أنَّه ... ولَّى على دبر الظَّلام فزالا.\rقعد المتيم، وهو أكثر صبوةً ... وأشد بلبالاً وأكسف بالا!\rوقال العماد الأصفهانيّ:\rظبيٌ طربت لطيفه المتأوِّب ... طرب العليل لرؤية المتطبِّبِ.\rلم أدر زورته، أ كانت خطفةً ... من بارقٍ أم لمعةً من كوكبِ.\rزار الكرى متهيِّباً رقباءه، ... أهلاً به من زائر متهيِّبِ!\rلمَّا رأى وجدي، تأوّه رحمةً. ... لله من مُتأوِّه متأوِّبِ!\rوأتى ليقرب من وساد متيَّمٍ؛ ... لمَّا أحسَّ بناره، لم يقربِ.\rوقال محمد بن بختيار:\rلو أنَّ طيف الخيال يسري، ... بلَّ سُراه غليل صدري.","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"ولو أراد الحبيب أن لا ... يضيمني، ما استطاب هجري.\rيلومني في هواه من لا ... يعلم أنَّ الملام يُغري.\rكم ليلة زار في دُجاها، ... فكان تحت الظلام بدري.\rيتخفى باحمرار خدٍّ ... موردٍ وابيضاض ثغرِ.\rيجمع لي بين سُكر لحظٍ ... وسكر ريقٍ وسكر خمرِ.\rودُرِّ لفظٍ ودُرِّ ثغرٍ ... ودرِّ كأس ودُرِّ نحرِ.\rوقال آخر:\rقلت للمعرض الذي صدّ عني: ... إنَّ طيف الخيال لي عنك يُغني.\rقال: لا تحمد الخيال فما زا ... رك إلاَّ عن اختياري وإذني.\rكدت تقضي أسىً، فقلت لطيفي: ... أحي لي روحه بزور التَّمنِّي!\rليس شُحّاً بأن تموت؛ ولكن ... خفت أن تستريح بالموت منِّي!\rوقال آخر:\rفإن يحجبوها بالنهار، فما لهم ... بأن يحجبوا بالليل عنِّي خيالعا!\rوقال المجنون:\rوإني لأستغشي، وما بي نعسةٌ؛ ... لعلَّ لقاها في المنام يكونُ!\rتُخبِّرني الأحلام أنِّي أراكم، ... ألا ليت أحلام المنام يقينُ!\rوقال المؤمل:\rأتاني الكرى ليلاً بشخصٍ أحبُّه؛ ... أضاءت له الآفاق، والليل مُظلمُ.\rفكلمني في النَّوم غير مغاضبٍ، ... وعهدي به يقظان لا يتكلمُ!\rوذكر العباس بن الأحنف العلة في طروق الخيال، فقال:\rخيالك حين أرقد نصب عيني ... إلى وقت انتباهي لا يزولُ.\rوليس يزورني صلةً، ولكن ... حديث النفس عنك به الوصولً\rوتتبعه الطائيّ فقال:\rزار الخيال لها، لا بل أزاركه ... فكرٌ، إذا نام فكر الحلو لم ينمِ.\rظبيٌ تقنصته لما نصبت له ... في آخر الليل أشراكاً من الحلمِ.\rومما قيل في الردّ على العذول، قال أبو نواس:\rما حطَّك الواشون من رتبةٍ ... عندي، ولا ضرِّك مغتابُ.\rكأنما أثنوا ولم يشعروا عليك عندي بالذي عابوا.\rوقال تاج الملوك:\rمه يا عذول عن المحبِّ، فإنما ... عذل المحبِّ يزيد في بلبالهِ!\rلا تعذلنّ على الصَّبابة مغرماً ... حتى تبيت من الزمان بحالهِ!\rوقال أيضاً من قصيدة:\rولقد قلت للذي لامني في ... ك، وما زال مثل حالي:\rيا عذولي في حبِّه، كُفَّ عذلي. ... أنا ما للعذول فيه وما لي!\rكلما زدت في ملامي وعذلي، ... زدت في لوعتي وفي بلبالي!\rوقال الأرجاني:\rوجدي بلومك، ياعذول يزيدُ! ... فاستبق سهمك، فالرميُّ بعيدُ!\rبلغ الهوى من سرِّ قلبي موقعاً: ... لا العذل يبلغه ولا التفنيدُ!\rوتُنمُّ بالشَّجو المكتَّم عبرتي، ... ومن الدموع على الغرام شهودُ!\rوقال سيف الدين المشدّ:\rيا عاذلي، خلِّ عنِّي! ... أسمعت غير سميع!\rلا ترج مني سُلوّاً! ... فما فؤادي مُطيعي!\rوكيف أكتم ما بي ... من لوعة وولوعِ،\rوالذَّاريات جفوني، ... والمرسلات دموعي!\rوقال ابن الخيمي:\rوتأمرني العذَّال بالصبر عنكم، ... ومن ذا الذي يرضى عن الحلو بالصَّبرِ؟\rومن أعجب الأشياء أنَّ عواذلي ... يطيلون لومي في الهوى، والهوى عُذري!\rومما قيل في رجوع العذول، قال ابن وكيع:\rأقبل والعُذَّال يلحونني، ... فكلهم قال: من البدْرُ؟\rفقلت: ذا من طال في حُبِّه ... منكم لي التعنيف والزَّجرُ!\rقالوا: جهلنا، فاغفر جهلنا ... فليس عن ذا لامرئٍ صبرُ!\rعذرك في الحبِّ له واضحٌ، ... وما لنا في لومنا عذرُ!\rوقال أيضاً:\rأبصره عاذلي عليه، ... ولم يكن قبل ذا رآهُ.\rفقال لي: لو عشقت هذا، ... ما لامك الناس في هواهُ!\rقل لي: إلى من عدلت عنه، ... فليس أهل الهوى سواهُ؟","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"وظلَّ من حيث ليس يدري، ... يأمر بالحُبِّ من نهاهُ!\rومما قيل في الوصال، قال ابن الروميّ:\rولقد يؤلِّفنا اللِّقاء بليلةٍ ... جُعلت لنا حتى الصياح نظاما.\rنجزي العيون جزاءهنَّ عن البكا ... وعن السُّهاد ولا نُصيب أثاما.\rفنبيحهنَّ مرادهنَّ، يردنه ... فيما ادعين، ملاحةً ووساما.\rونكافئ الآذان، وهي حقيقة ... إذ لا تزال تكابدُ اللُّوّاما.\rفنثيبهنَّ من الحديث مثوبةً ... تشفي الغليل وتكشف الأسقاما.\rونكافئ الأفواه عن كتمانها، ... إذ لا يزال لها الصُّمات لجاما.\rفنبيحهنَّ ملاثماً ومراشفاً، ... ما ضرَّها أن لا تكون مُداما!\rنجزي الثلاثة أنصباء ثلاثةً ... مقسومةً آناؤها أقساما.\rومما قيل في الفراق والبين، قال بعض الكُتَّاب: في الفراق مصافحة التسليم، ورجاء الأوبة، والسلامة من الملال، وعمارة القلب بالشوق، والدلالة على فضل المواصلة واللقاء.\rقال شاعر:\rجزى الله يوم البين خيراً، فإنَّه ... أرانا على علاَّته أُمَّ ثابت!\rوقال ابن الروميّ:\rفإذا كان في الفراق اعتناقٌ، ... جعل الله كلَّ يومٍ فراقاً!\rوقال أبو حفص الشطرنجيّ:\rمن يكن يكره الفراق، فإنِّي ... أشتهيه لموضع التَّسليمِ!\rإنَّ فيه اعتناقةً لفراقٍ ... وانتظار اعتناقةٍ لقدومِ.\rوقال سيف الدولة بن حمدان:\rراقبتني العيون فيك، فأشفق ... ت؛ ولم أخل قطُّ من إشفاقِ.\rورأيت العدوّ يحسدني في ... ك مجدّاً بأنفس الأعلاقِ.\rفتمنَّيت أن تكون بعيداً، ... والذي من الودِّ باق!\rرُبَّ هجرٍ يكون من خوف هجرٍ ... وفراقٍ يكون خوف فراقِ!\rوأرى هذا كله على سبيل التعلل ليس إلا، وإنما الفراق لا شكَّ في إيلامه للقلوب.\rقال بعض الشعراء:\rفلم لا تُسبل العبرات منِّي، ... ولست على اليقين من التَّلاقي؟\rفلا وأبيك، ما أبصرت شيئاً ... أمرَّ على النفوس من الفراقِ؟\rوقال آخر:\rيا ربِّ، باعد بين جفني والكرى ... ما دام من أهواه في هجراني!\rإنِّي لأخشى أن أنام فألتقي ... بخياله، خوف الفراق الثاني!\rوقال آخر:\rفارقته وبودِّي لو تفارقني ... روح الحياة، وأنِّي لآ أفارقهُ!\rوقال أبو تمام:\rالموت عندي والفرا ... ق: كلاهما ما لا يُطاقُ!\rيتعاونان على النفو ... س: فذا الحِمام وذا السِّياقُ!\rلو لم يكن هذا كذا، ... ما قيل: موتٌ أو فراقُ!\rوقال غريب بن شاعر اليتيمة:\rألان يوم الفراق قسوته ... حتى جرى دمعه وما شعرا.\rفخلت ما سال من مدامعه ... دُرّاً على وجنتيه منتثرا.\rلم يبكِ شوقاً، لكن بكى جزعاً ... لهول يوم الفراق إذ حضرا.\rفي مشهدٍ لو أطاق شاهده ... فيه استتاراً لوجهه، سترا.\rأبى أساه وفيض أدمعه ... إلا اشتهاراً في الحبِّ، فاشتهرا.\rوقال أحمد بن محمد بن عبد ربه:\rهيَّج البين دواعي سقمي، ... وكسا جسمي ثوب الألمِ!\rأيُّها البين، أقلني مرَّةً ... فإذا عدت، فقد حلَّ دمي.\rيا خليَّ الرُّوع، نم في غبطةٍ! ... إنَّ من فارقته لم ينمِ.\rولقد هاج لقلبي سقماً ... ذكر من لو شاء، داوى سقمي.\rوقال آخر:\rبكت وبكيت لوشك الفراق؛ ... فقف، تر من مدمعينا العجبْ!\rفذا فضةٌ في عقيقٍ جرى، ... وهذا عقيقٌ جرى في ذهبْ!\rوقال آخر:\rقلت له والرَّقيب يزعجه ... مستعجلاً للفراق: أين أنا؟\rفمدّ كفّاً إلى ترائبه ... وقال: كُن آمناً، فأنت هنا!\rوقال آخر:\rقد قلت إذ سار السَّفين به، ... والشوق ينهب مهجتي تهبا:","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"لو كان لي ملكٌ أصول به، ... لأخذت كُلَّ سفينةٍ غصبا.\rوقال كشاجم:\rمزجت دموع العين م ... نِّي يوم بانوبالدِّما.\rفكأنما مزجت بخ ... دِّي مقلتي خمرا بما!\rوقال آخر:\rلم أنس يوم الفراق موقفها، ... وطرفها في دموعها غرق.\rوقولها، والرِّكاب سائرةٌ: ... تتركنا هكذا، وتنطلق؟\rومنه ما قيل في مفارقة الأصحاب:\rلمَّا رأيت مصاحبي ومعاشري ... لجديد وُدِّي بالقطيعة مزَّقا،\rفارقته وسللت من يده يدي، ... وقرأت لي وله: وإن يتفرّقا.\rوقال آخر:\rقالوا: قطعت صديقك البرَّ الذي ... منه استفدت مكارم الأخلاقِ.\rفأجبتهم: بعض المفاصل رُبَّما ... فسدت، فتقطع في صلاح الباقي!\rوقال آخر:\rولقد شكرت مفارقي ... إذ ساء في أخلاقهِ.\rلو كان أحسن عشرتي، ... لهلكت يوم فراقهِ.\rومثله قول الآخر:\rعلَّمتني بهجرها الصَّبر عنها، ... فهي مشكورةٌ على التَّقبيحِ!\rوأرادت بذا قبيح فعالٍ ... صنعته، فكان عين المليحِ!\rومما قيل في التوديع، قال البحتريّ:\rأقول له عند توديعه، ... وكُلٌّ بعبرته مُبلسُ:\rلئن قعدت عنك أجسامنا، ... لقد سافرت معك الأنفسُ!\rوقال أبو الطيب المتنبي:\rيا راحلاً، كلُّ من يودِّعه ... دموعٌ دينه ودنياهُ.\rإن كان فيما نراه من كرم ... فيك مزيدٌ، فزادك الله!\rوقال البحتريّ:\rألم ترني يوم فارقته ... أودِّعه، والهوى يستزيدْ.\rأولى إذا أنا ودَّعته، ... فيغلبني الشوق حتى أعودْ.\rوقال أبو تمام:\rنأيٌ وشيكٌ وانطلاق، ... وغليل شوقٍ واحتراقُ.\rبأبي فتىً ودَّعته ... تاهت بصحبته الرِّفاق!\rبدرٌ يُضيء لعاشقي ... ه فما يطيف به المحاقُ!\rوقال ابن زيدون:\rودَّع الصبر محبٌّ ودَّعك، ... حافظٌ من سرِّه ما استودعكْ!\rيقرع السنَّ على أن لم يكن ... زاد في تلك الخطا، إذ شيعك!\rيا أخا البدر سناءً وسناً، ... حفظ الله زماناً أطلعكْ!\rإن يطل بعدك ليلي، فلكم ... بتُّ أشكو قصر الليل معك!\rوقال أبو عبد الرحمن شاعر اليتيمة:\rإذا دهاك الوداع فاصبر ... ولا يهولنَّك البعادُ!\rوانتظر العود عن قريب، ... فإنَّ قلب الوداع عادوا.\rوقال آخر:\rودَّعته حيث لا تُودِّعه ... روحي، ولكنَّها تسير معه.\rثم تولَّى وفي القلوب له ... ضيق مجالٍ وفي الدموع سعة.\rوقال الإمام الصولي:\rلو كنت يوم الوداع حاضرنا ... وهنَّ يشكون علّة الوجدِ،\rلم تر إلا الدُّموع جاريةً ... تسقط من مقلةٍ على خدِّ.\rكأنَّ تلك الدُّموع قطر ندىً، ... يقطر من نرجسٍ على وردِ!\rوقال أبو منصور أحمد بن محمد اللخميّ:\rوقفت يوم النوى منهم على بعدٍ ... ولم أُودِّعهم وجداً وإشفاقا.\rإنِّي خشيت على الأظعان من نفسي ... ومن دموعي: إحراقاً وإغراقا.\rوقال ابن نُباتة:\rولمَّا استقلَّت للرَّواح حمولهم ... ولم يبق إلا شامتٌ وغيورُ،\rوقفنا: فمن باكٍ يكفكف دمعه، ... وملتزمٍ قلباً يكاد يطيرُ!\rوقال آخر:\rولمَّا وقفنا للوداع، وقلبها ... وقلبي يبثَّان الصَّبابة والوجدا،\rبكت لؤلؤاً رطباً ففاضت مدامعي ... عقيقاً فصار الكلُّ في نحرها عقدا.\rوقال آخر:\rودَّعتها ولهيب الشَّوق في كبدي ... والبين يبعد بين الرُّوح والجسدِ،\rوداع صبَّين لم يمكن وداعهما ... إلا بلحظة عين أو بنان يدِ.\rوحاذرت أعين الواشين فانصرفت ... تعضُّ من خوفها العُنَّاب بالبردِ.\rوكان أوّل عهد العين يوم نأت ... بالدمع آخر عهد القلب بالجلدِ.","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"وقال الهيثم الكلاعيّ، من شعراء اليتيمة:\rولم أنسها يوم الوداع، ومسحها ... بوادر دمع العين. والعين تذرفُ.\rأفانين تجري من دموعٍ ومن دمٍ ... على الخدِّ منها تستهل وترعفُ.\rوتكرارنا نجوى الهوى ذات بيننا، ... وكلٌّ إلى كلٍّ يلين ويعطفُ.\rجعلنا هناك الهجر منَّا بجانبٍ، ... وللبين داعٍ بالتَّرحُّل يهتفُ.\rولولا النوى، لم نشك ضعفاً عن الأسى! ... ومن يحمل الأشجان بالبين يضعفُ!\rفقلت: كلانا مثقلٌ من صبابةٍ؛ ... ولكنَّني عن حملها منك أضعفُ.\rوقال الظاهر البصريّ:\rنفسي الفداء لمن جاءت تودِّعني ... يوم الفارق بقلبٍ خائفٍ وجلِ!\rقد كنت فارقت روحي يوم فرقتها؛ ... لكن حييت بطيب الضَّمِّ والقبل!\rوقال يزيد بن معاوية:\rجاءت بوجهٍ كأنَّ البدر برقعه ... حسناً على مثل غصن البانة الثَّملِ.\rإحدى يديها تُعاطيني مُعتَّقة ... كخدّها عصفرته حمرة الخجلِ.\rثم استبدّت وقالت وهي عالمةٌ، ... بما تقول وشمس الكأس لم تفلِ:\rلا ترحلنَّ، فما أبقيت لي جلدا ... ما أطيق به توديع مرتحلِ!\rولا من الصبر ما ألقى الفراق به ... ولا من الدَّمع ما أبكى على طللِ!\rومن الناس من كره الوداع. وفي ذلك يقول البحتريّ:\rالله جارك في انطلاقك ... تلقاء شامك أو عراقكْ!\rلا تعذلنِّي في مسي ... ري يوم سرت ولم ألاقكْ!\rإنِّي خشيت مواقفاً ... للبين تسفح غرب ماقكْ!\rوعلمت أنَّ بكاءنا ... حسب اشتياقي واشتياقك!\rوذكرت ما يجد المود ... ع عند ضمِّك واعتناقكْ،\rفتركت ذاك تعمُّداً ... وخرجت أهرب من فراقكْ!\rوقال آخر:\rالله يعلم ما تركت وداعه، ... ولقد جزعت لبعده وفراقهِ،\rإلا مخافة أن يذيب فؤاده ... ما في فؤادي منه عند عناقهِ!\rوقال آخر:\rإنّ تركي فضيلة التشييع ... لاجتنابي مشقَّة التَّوديعِ.\rما يفي أنس ذا بوحشة هذا، ... فرأيت الصَّواب ترك الجميعِ!\rوقال آخر:\rما تركت الوداع يوم افترقنا ... عن ملالٍ ولا لوجهٍ قبيحِ.\rأنت روحي على الحقيقة ما زل ... ت، وما اخترت أن أُودِّع روحي!\rومما قيل في الصدّ والهجران، قال أبو عُبادة البحتريّ:\rهجر الحبيب، فمتُّ من شغفٍ ... لمَّا حرمت عزيمة الصَّبرِ!\rفإذا قضيت، فنادِ: يا حزني، ... هذا قتيل الصَّدِّ والهجرِ!\rوالبدر في حلٍّ وفي سعةٍ ... من سفكه دم عبده الحُرِّ!\rوقال ابن ميَّادة:\rكانوا بعيداً، فكنت آملهم ... حتى إذا ما تقاربوا، هجروا.\rفالبعد منهم على رجائهم ... أنفع من قربهم إذا هجروا!\rوقال أبو الحسن أحمد بن عمر النهروانيّ:\rعلى قلبي الأحبَّة بالت ... مادي في الهوى غلبوا.\rوبالهجران من عيني ... َّ طيب النوم قد سلبوا.\rوما طلبوا سوى قتلي، ... فهان عليَّ ما طلبوا!\rولما سمع الشيخ العالم صدر الدين محمد بن الوكيل هذه الأبيات، وعارضها، وأنشدني لنفسه في صفر الأغر الميمون سنة ثلاث عشرة وسبعمائة.\rلئن غلبوا على عقلي، ... لقد سلبوا لمن غلبوا!\rوإن أبكى تبسُّمهم، ... فخلَّب برقهم خلبوا!\rوإن ترج العيون، فقد ... إليها السُّهد قد جلبوا!\rوإن عطفوا برقَّتهم، ... فدرَّ مدامعي حلبوا.\rومما قيل في الزيارة، قال الوزير أبو عبد الله بن الحدّاد:\rإذا جاءني زائراً حسنه ... أقام عليه رقيباً عتيدا.\rإذا ما بدا، سربلته العيون ... وخرَّت وجوهٌ إليه سجودا.","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"هو البدر والغصن: خدّاً وقدّاً، ... كما أنه الظَّبيُ: لحظاً وجيدا.\rأتى زائراً وفؤادي خليّ، فمرَّ به مُستهاماً عميدا.\rوغادرني بعده في غرام ... تضرم بين ضلوعي وقودا!\rوقال نصير الخبزأرزي، شاعر اليتيمة عفا الله عنه:\rخليليَّ! هل أبصرتما أو سمعتما ... بأكرم من مولىً تمشَّى إلى عبدِ!\rأتى زائراً من غير وعدٍ وقال لي: ... أصونك عن تعليق قلبك بالوعدِ!\rوقال الوأواء الدمشقي:\rزار بليلٍ على صباحٍ ... على قضيبٍ على كثيبِ!\rحتى أتت ألسن الليالي ... معتذراتٍ من الذُّنوبِ.\rفيا لها زورةً أخذنا ... بها أماناً من الخطوبِ!\rوقال أبو عبد الله الحدّاد:\rيا زائراً، ملأ النَّواظر نوراً ... والنفس لهواً والفؤاد سرورا!\rلو أستطيع، فرشت كلَّ مسالكي ... حدقاً وبيض سوالف ونحورا.\rوقال آخر:\rأهلاً وسهلاً بطارقٍ طرقاً، ... أحببت فيه السهاد والارقا!\rزار على غفلة الرقيب ويم ... ناه تداري وشاحه القلقا.\rفبتُّ منه معانقاً صنما ... ينفح مسكاً وعنبراً عبقا.\rلو شئت، أنشأت من ذوائبه ... ليلاً، ومن نور وجهه فلقا!\rوقال أبو عبد الله الحامديّ من شعراء اليتيمة:\rمُشتاقةٌ طرقت في الليل مشتاقاً! ... أهلاً بمن لم يخن في العهد ميثاقا!\rأهلاً بمن ساق لي طيف الأحبة في ... ليل الدُّجنة، بل أهلاً بما ساقا!\rيا زائراً زار من قربٍ على بعدٍ، ... آنست مستوحشاً! لا ذقت ما ذاقا!\rالله يعلم لو أني استطعت، لقد ... فرشت ممشاك آماقاً وأحداقا!\rيا ليل، عرج على إلفين قد جعلا ... عقد السواعد للأعناق أطواقا!\rوقال مؤيد الدين الطغرانيّ:\rوزائرةٍ وافت، فأجلت خدّها ... وقبلت إكراماً لموردها الأرضا!\rفيا زورةً جاءت على غير موعدٍ، ... فقرَّت عيونٌ واشتفت أنفسٌ مرضى!\rفلم أر إلاَّ ما ألذُّ وأشتهي، ... ولم أر إلاَّ ما أودّ وما أرضى!\rعلى أنَّها ولَّت ولم أقض سنَّةً من الوطر الممطول دهراً ولا فرضا!\rوما سوّغتنا ليلة الوصل قرضها ... إلى أن بدا الإصباح يسترجع القرضا.\rوقال ابن سكرة، من شعراء اليتيمة:\rأهلاً وسهلاً بمن زارت بلا عدةٍ ... تحت الظلام ولم تحذر من الحرسِ!\rتسترت بالدُّجى عمداً، فما استترت ... وبات إشراقها ليلاً على قبسِ!\rولو طواها الدُّجى عنَّا، لأظهرها ... برق اللِّثات وعطر النَّحر والنَّفسِ!\rومما قيل في تخفيف الزيارة وموانعها، قال شاعر الحماسة:\rولمَّا رأيت الكاشحين تتَّبعوا ... هوانا وأبدوا دوننا نظراً شزرا،\rجعلت وما بي من جفاءٍ ولا قلىً أزوركم يوماً وأهجركم شهرا!\rوقال مسلم بن الوليد:\rأقلل زيارتك الصَّدي ... ق، يراك كالثوب استجدَّه!\rإنَّ الصَّديق يملُّه ... أن لا يزال يراك عنده.\rإلا الكرام ذوي النُّهى، ... إنَّ الكريم يديم عهده!\rوقال آخر:\rإذا ما كثرت على صاحبٍ ... وقد كان يدنيك من نفسهِ،\rفلا بدّ من مللٍ واقعٍ، ... يُغير ما كان من أُنسهِ!\rوقال آخر:\rلئن تأخَّرت عن مفروض خدمتكم ... تجشُّماً، فضميري غير متَّهمِ!\rسعى ودادي إليكم بالوفاء لكم، ... والسعي بالقلب فوق السعي بالقدمِ!\rوقال ابن المعلم:\rلم أطو بحر نداك مع قربي قلىًإلا مخافة موجه المتراكب.\rوعلمت أنِّي إن أتيتك زائراً، ... ثقلت، والتثقيل ليس بواجب.\rوقال المعوّج:\rثلاثةٌ منعتها من زيارتنا، ... وقد طوى الليل جفن الكاشح الحنق:\rنور الجبين، ووسواس الحليّ، وما ... يمسُّ أردانها من عنبر عبقِ.","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"هب الجبين بفضل الثوب تستره، ... والحلي تنزعه، ما الشأن في العرق؟\rوقال أبو فراس الحمدانيّ:\rلقد نافسني الدهر ... بتأخيري عن الحضرة.\rفما ألقى من العل ... ة ما ألقى من الحسرة!\rومنها التأخر عن عيادة المرضى، قال ابن زُريق الكوفيّ الكاتب:\rيا مريضاً لسقمه، ... مرض العلم والوفا!\rلم يكن تركي العيا ... دة هجراً ولا جفا.\rلم أطق أن أراك يا ... أكرم الناس مدنفا!\rطال خوفي عليك، وال ... حمد لله إذ كفى!\rوقال آخر:\rمنعتني عليك رقَّة قلبي ... من دخولي عليك في العوّادِ.\rلو بأذني سمعت منك أنيناً ... لتفرّى على الأنين فؤادي.\rوقال آخر:\rفو الله! ليس انقطاعي جفاً ... وفي كبدي منك نارٌ تشبُّ!\rولكنّني قطُّ لا أشتهي ... أرى من أُحبُّ كما لا أحبُّ!\rومما قيل في المدامع، قال العسكريّ: أبلغ ما قيل في امتلاء العين من الدمع قول بعض الأعراب:\rفظلت كأنِّي من وراء زجاجةٍ ... إلى الدَّار من فرط الصَّبابة أنظرُ.\rوقال البحتريّ:\rويحسن دلُّها والموت فيه، ... وقد يُستحسن السيف الصَّقيلُ!\rوقفنا والعيون مُثقلاتٌ ... يعالج دمعها طرفٌ كليلُ!\rنهته رقبة الواشين حتى ... تعلَّق: لا يغيض ولا يسيلُ!\rوقال السريّ:\rبنفسي من ردَّ التحية ضاحكاً، ... فجدّد بعد اليأس في الوصل مطمعي!\rإذا ما بدا، أبدى الغرام سرائري ... وأظهر للعُذَّال ما بين أضلعي.\rوحالت دموع العين بيني وبينه، ... كأنَّ دموع العين تعشقه معي.\rوقال الصوليّ:\rقد كان في طول البكا لي راحةٌ، ... وعنان سرِّي في يد الكتمان.\rحتى إذا الإعلان نبَّه واشياً، ... رقأت دموعي خشية الإعلان!\rوقال بشار:\rماء الصبابة، نار الشَّوق تحدره ... فهل سمعتم بماءٍ فاض من نار؟\rوقال أبو هلال العسكريّ:\rأشكو الهوى بدموعٍ قادها قلق ... حتى علقن بجفنٍ ردَّها الفرقُ.\rففي الفؤاد سبيلٌ للأسى جددٌ، ... وفي الجفون مقيل للكرى قلقُ.\rلهيب قلبي أفاض الدّمع من بصري، ... والعود يقطر ماءً وهو يحترقُ!\rوقال الصوليّ: أنشد أبو الحسن بن رجاء المبرّد يوماً بيت ذي الرّمة:\rلعلَّ انحدار الدمع يُعقب راحةً ... من الوجد أو يشف شجيَّ البلابلِ!\rوقال: من قال في مثله، فقد ملح.\rوقال الحسن بن وهب:\rابك! فما أكثر نفع البكا! ... والحُبُّ إشفاقٌ وتعليلُ!\rافزع إليه في ازدحام الجوى ... ففيه مسلاة وتسهيلُ.\rوهو إذا أنت تأملته ... حزنٌ على الخدّين محلول!\rوقال العباس بن أحمد بن الأحنف:\rإنِّي لأجحد حبَّكم وأسرُّهُ ... والدمع معترفٌ به لم يجحدِ.\rوالدمع يشهد أنَّني لك عاشقٌ ... والناس قد علموا وإن لم يشهدِ!\rوقال آخر:\rفلا تنكرن لون الدّموع فإنَّما ... يبيِّضها تصعيدها من دم القلب!\rوقال العسكريّ:\rآفة السِّر من دمو ... ع دوامٍ دوامعِ!\rكيف يخفي مع الدُّمو ... ع الهوامي الهوامعِ؟\rما رأينا أخا هوىً ... سرُّه غير ذائعِ!\rإنَّ نيران حبِّه ... باديات الطلائعِ!\rوقال خالد الكاتب:\rبكيت دماً حتى بقيت بلا دمٍ، ... بكاء فتىً فردٍ على شجنٍ فردِ!\rأ أبكي الذي فارقت بالدمع وحده؟ ... لقد جلَّ قدر الدمع فيه إذاً عندي!\rوقال آخر:\rغدت بأحبتي كوم المطايا، ... فبان النوم وامتنع القرارُ.\rوكان الدَّمع لي ذخراً معداً، ... فأنفقت الذخيرة يوم ساروا!\rوقال آخر:\rطال عهدي بها فلمَّا رأتني، ... نظمت لؤلؤاً على تُفَّاح!\rوقال آخر:","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"إذ لا جواب لمفحم متحيرٍ ... إلا الدموع تصان بالأطرافِ.\rوقال آخر:\rتقول غداة البين عند وداعها: ... إلى الكبد الحرّى: فسر، ولك الصبر!\rوقد سبقتها عبرةٌ: فدموعها ... على خدّها بيضٌ، وفي نحرها حمرُ!\rمعناه: أن الدموع إذا انحدرت إلى نحرها احمرت من الطِّيب.\rقالوا: وأحسن ما قيل في صفة الدموع إذا امتزجت بالدماء، قول أبي الشِّيص:\rلهون عن الإخوان إذ سفر الضُّحى ... وفي كبدي من حرِّهنّ حريقُ.\rمزجت دماً بالدّمع حنى كأنما ... يذاب بعيني لؤلؤٌ وعقيقُ.\rوقول أبي تمام:\rنثرت فريد مدامعٍ لم تُنظم، ... والدمع يحمل بعض ثقل المغرمِ!\rوصلت نجيعاً بالدُّموع، فخدها ... في مثل حاشية الرِّداء المعلم!\rومن أجود ما قيل في بياض الدمع على حمرة الخدّ قول الصوليّ:\rكأنَّ تلك الدُّموع قطر ندىً ... يقطر من نرجس على ورد!\rوهي أبيات تقدّمت في التوديع.\rونحوه قول ابن الروميّ:\rلمَّا دنا البين وزاح الدَّلُّ، ... ودّعتها ودمعها منهلُّ.\rوخدُّها من قطره مخضلُّ ... كأنه وردٌ عليه طلُّ!\rوقال آخر:\rكأنَّ الدموع على خدها ... بقيةُ طلٍّ على جلنار.\rومما قيل في الرضا من المحبوب باليسير، فمن ذلك قول حميد بن ثور:\rأقلِّب طرفي في السماء لعلَّه ... يوافق طرفي طرفها حين تنظر!\rومثله قول ابن المعلوط:\rأ ليس اللَّيل يجمع أمَّ عمرو ... وإيَّانا؟ فذاك لنا تدانى!\rبلى، وأرى السماء كما تراها، ... ويعلوها النهار كما علاني!\rوقال جميل:\rوإني لأرضى منك، يا بثن، بالَّذي ... لو استيقن الواشي لقرَّب بلابلهْ!\rبلا، وبأن لا أستطيع، وبالمنى ... وبالأمل المكذوب قد خاب آملهْ!\rوبالنَّظرة العجلى، وبالحول ينقضى، ... أواخره لا نلتقي وأوائلهْ!\rوقريب منه قول الآخر:\rيودُّ بأن يُمسي سقيماً لعلَّها ... إذا سمعت منه بشكوى تراسلهْ!\rويهتزُّ للمعروف في طلب العلا ... لتُحمد يوماً عند سلمى شمائلهْ!\rأخذ العسكري المعنى فقال:\rوقلت: عساها إن مرضت تعودني ... فأحببت لو أنِّي غدوت مريضا!\rوزدت اتِّساعاً في المكارم والعلا ... ليصبح جاهي عندهنَّ عريضا!\rوقال أبو الفضل بن عبد العزيز:\rيا من هجرت فلا تُبالي! ... هل ترجع دولة الوصالِ؟\rهل أطمع يا عذاب قلبي ... أن ينعم في هواك بالي؟\rالطرف كما عهدت باكٍ ... والجسم كما ترين بالي!\rما ضرَّك أن تعلِّلني ... في الوصل بموعد المحال!\rأهواك وأنت حظُّ غيري، ... يا قاتلتي، فما احتيالي؟\rومما قيل في النحول، فمن ذلك قول المتنبي:\rأبلى الهوى يوم النَّوى بدني، ... وفرَّق الهجر بين الجفن والوسنِ!\rروحٌ تردد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبنِ.\rكفى بجسمي نحولاً أنني رجلٌلولا مخاطبتي إيَّاك لم ترني!\rوقال آخر:\rأسرّ إذا بليتُ، وذاب جسمي ... لعلَّ الريح تحملني إليه!\rوقال ابن المعتزّ:\rماذا ترى في مدنفٍ ... يشكوك طول سُقمه؟\rأضنيته فما يطي ... ق ضعفه حمل اسمه،\rولا يراك عائداً ... إلا بعين وهمه!\rوقال كشاجم:\rوما زال يبرى أعظم الجسم حُبُّها ... وينقصها حتى لطفن عن النَّقص.\rفقد ذبت حتى صرت لو أنا زرتها، ... أمنت عليها أن يرى أهلها شخصي.\rومن أبلغ ما قيل في ذلك، قول ديك الجنّ:\rأنحل الوجد جسمه والحنين، ... وبراه الهوى فما يستبين!\rلم يعش أنَّه جليدٌ؛ ولكن ... دقَّ جداً، فما تراه المنونُ!\rوقال نصير بن أحمد:\rأنحلني الحُبُّ فلو زجَّ بي ... في مقلة النائم، لم ينتبه!","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"وكان لي فيما مضى خاتمٌ ... واليوم لو شئت، تمنطقت به!\rوقال الحسن بن وهب:\rأبليت جسمي من بعد جدَّته، ... فما تكاد العيون تُبصرهُ.\rكأنه رسم منزلٍ خلقٍ ... تعرفه العين، ثم تنكرهُ!\rومما قيل في المحبوب إذا اعتل، قال العباس بن الأحنف:\rزعموا لي أنَّها صارت تُحمّ! ... ابتلى الله بهذا من زعمْ!\rاشتكت أكمل ما كانت، كما ... يُكسف البدر إذا ما قيل تمّْ!\rوقال أحمد بن إسحاق الطالقانيّ:\rلقد حلَّت الحمَّى بساحة خدِّه ... فأبدلت التُّفَّاح بالسوسن الغضِّ!\rقال أبو هلال العسكريّ: والأصل في ذلك قول عبد بني الحسحاس. ونقل في كتابه ديوان المعاني بسند رفعه قال: كتب عبد الله بن عامر إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه: إني إشتريت لك عبداً حبشياً شاعراً. فكتب إليه عثمان: لا حاجة لي فيه، فإن قُصاري الشاعر منهم أن يهجو أعراضهم ويشبب بكريمتهم. فاشتراه بنو الحسحاس، فرئي يوماً وهو ينشد:\rماذا يُريد السِّقام من قمرٍ ... كلُّ جمالٍ لوجهه تبعُ؟\rما يبتغي خاب من محاسنهِ؟أما له في القباح متَّسعُ؟\rغيَّر من لونه وصفَّر ما ... ورد منه الجمال والبدعُ.\rلو كان يبغي الفداء، قيل له: ... ها أنا دون الحبيب يا وجعُ!\rثم يقول لنفسه: أحسنك والله! يريد أحسنت. وكان العبد كما حدس عثمان، فما زال يهجو مواليه ويشبب بنسائهم، حتى قتلوه. فضحكت منه امرأة وقد ذهبوا به ليقتلوه، فقال:\rفإن تضحكي منِّي، فيا رُبَّ ليلة ... جعلتك فيها كالقباء المفرَّجِ!\rوقال لهم:\rفلقد تحدَّر من جبين فتاتكمْ ... عرقٌ على ظهر الفراش وطيبُ!\rوهو الذي مدح نفسه بقوله:\rإن كنت عبداً، فنفسي حُرَّةٌ كرماً؛ ... أو أسود اللون، إني أبيض الخُلقِ!\rولم أورد هذه الواقعة هنا لأنه موضعها من كل وجه، وإنما الشيء بالشيء يذكر.\rوقال الشاعر:\rلو لم تكن حُمَّاه مشغوفةً ... تعشقه طوراً وتهواهُ،\rما عانقت إذا أقبلت جسمه ... وقبَّلت إذ فارقت فاه!\rوقال آخر:\rلوكان كُلُّ مريض ... يزداد مثلك حسنا،\rلكان كُلُّ صحيح ... يودُّ لو كان مُضنى!\rوقال محمد بن العباس الخوارزميّ، من شعراء اليتيمة:\rولي من أُمِّ ملدم كُلَّ يومٍ ... ضجيعٌ لا يلذُّ له منامُ!\rمقبِّلةٌ وليس لها ثنايا، ... معانقةٌ وليس لها التزامُ!\rكأنَّ لها ضرائر من غذائي، ... فيغضبها شرابي والطَّعامُ.\rإذا ما صافحت صفحات جسمي، ... غدا ألفاً وأمسى وهو لامُ.\rومما يناسب هذا الفصل ما قيل في شرب الدواء، فمن ذلك قول أبي تمام:\rأعقبك الله صحَّة البدن، ... ما هتف الهاتفات في الغصن.\rكيف وجدت الدَّواء؟ أوجدك الله شفاءً به مدى الزَّمن!\rوقال ابن حجاج:\rيا من به تتباهى ... مجالس الخلفاءِ!\rومن تُقصِّر عنه ... مدائح الشُّعراءِ!\rيا سيدي كيف أصبح ... ت بعد شُرب الدَّواءِ؟\rخرجت منه تُضاهي ... في الحسن بدر السَّماءِ!\rفي ثوب صحَّة جسمٍ ... مطرَّزٍ بالشِّفاءِ.\rومما قيل على لسان الورقاء - وكل مطوّقة عند العرب حمامة: كالدُّبسي والقمريّ والورشان وما أشبه ذلك. وجميعها حمامٌ. يقال للذكر والأنثى منه حمامة.\rوالحمامة تبكي، وتغنِّي، وتنوح، وتُغرّد، وتسجع، وتقرقر، وتترنَّم.\rوإنما لها صوت سجيع لا يفهم: فجعله الحزين بكاءً، والطَّرب غناءً.\rقال حميد بن ثور:\rمطوّقةٌ خطباء تسجع كُلَّما ... دنا الصيف وانزاح الربيع فأنجما.\rتغنَّت على غُصنٍ عشاءً فلم تدع ... لنائحةٍ في نوحها متلوَّما.\rفلم أر مثلي شاقه صوت مثلها، ... ولا عربياً شاقه صوت أعجما!\rوقال مجنون بني عامر:","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"ألا يا حمامات اللِّوى عُدن غدوةً ... فإنِّي إلى أصواتكنَّ حزينُ!\rفعُدن؛ فلمَّا عدن، كدن يمتنني ... وكدت بأسرارٍ لهنّ أُبينُ!\rفلم تر عيني مثلهنَّ حمائماً ... بكين، ولم تدمع لهنّ عيونُ!\rوقال أبو الأسود الدؤلي:\rوساجعٍ في فروع الأيكِ هيَّجني! ... لم أدر لم ناح ممَّا بي ولم سجعا؟\rأ باكياً إلفه من بعد فرقته، ... أم جازعاً للنَّوى من قبل أن يقعا؟\rيدعو حمامته، والطير هاجعةٌ: ... فما هجعت له ليلي وما هجعا!\rشكا النَّوى فبكى خوف الأسى فرمى ... بين الجوانح من أوجاعه وجعا!\rكأنَّه راهبٌ في رأس صومعةٍ ... يتلو الزَّبور، ونجم الصُّبح قد طلعا!\rوقال جحدر العكليّ:\rوقدماً هاجني فازددت شوقاً ... بكاء حمامتين تجاوبانِ.\rتجاوبتا بلحنٍ أعجميٍّ ... على عودين من غربٍ وبانِ.\rفكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغترابٌ غير داني!\rوقال عوف بن مُحلّم:\rألا يا حمام الأيكِ إلفك حاضرٌ ... وغصنك ميَّادٌ! ففيم تنوحُ؟\rوقال ابن عبد ربه من أبيات:\rوكيف، ولى قلبٌ هبَّت الصِّبا ... أهاب بشوقٍ في الضُّلوع دفينِ؟\rويهتاج منه كُلّ ما كان ساكناً ... دعاء حمامٍ لم تبت بوكونِ.\rوإنَّ ارتياحي من بكاء حمامةٍ ... كذي شجن داويته بشجونِ.\rكأنَّ حمام الأيك لمَّا تجاوبت، ... حزينٌ بكى من رحمةٍ لحزينِ!\rوقال ابن قلاقس:\rغناء حمامٍ في معاطف بان ... إلى مذهبِ الحُبِّ القديم ثناني.\rتغنَّى فأعطاف الغصون رواقصٌ ... وأحداق أزهار الرِّياض رواني.\rفذكَّرني شرخ الزمان فمدمعي ... سفوحٌ وقلبي دائم الخفقانِ.\rوقال أعرابيّ:\rوقبلي أبكى كُلَّ من كان ذا هوىً ... هتوف البواكي والدِّيار البلاقعُ.\rوهنَّ على الأغصان من كلِّ جانبٍ ... نوائح، ما تخضلُّ منها المدامعُ!\rوقال فتح الدين بن عبد الظاهر:\rنسب الناس للحمامة حُزناً، ... وأراها في الحزن ليست هنالك!\rخضبت كفَّها وطوقت الجي ... د وغنَّت، وما الحزين كذلك!\rوقال ابن الروميّ:\rأشجتك داعيةٌ مع الإشراق، ... هتفت بساقٍ من ذؤابة ساقِ؟\rأيكيَّةٌ تدعو، ولم أر باكياً ... ريب الزمان قرينها لفراق.\rتبدو أواميت الشجى في صوتها ... وترى عليها أنَّه الإطراق.\rلو تستطيع، تسلَّبت من طوقها ... لو كان مُنتحلاً من الأطواق.\rومما قيل في المراجعات، فمن ذلك قول وضَّاح اليمن:\rقالت: ألا لا تلجن دارنا، ... إنَّ أبانا رجلٌ غائرُ!\rأما رأيت الباب من دوننا؟ ... قلت: فإنِّي واثبٌ طافرُ!\rقالت: فإن القصر من دوننا! ... قلت: فإنِّي فوقه ظاهرُ!\rقالت: فإنَّ الليث عالٍ به ... قلت: فسيفي مُرهف باترُ!\rقالت: فهذا البحر ما بيننا ... قلت: فإنِّي سابحٌ ماهرُ!\rقالت: أليس الله من فوقنا؟ ... قلت: بلى! وهو لنا غافرُ.\rقالت: فإمَّا كنت أعيينا، ... فأت إذا ما هجع السَّامرُ!\rواسقط علينا كسقوط الندى، ... ليلة لا ناهٍ ولا زاجرُ!\rوقال المؤمل بن أميل:\rوطارقاتٍ طرقنني رسلاً، ... والليل كالطَّيلسانِ معتكرُ.\rفقلن: جئنا إليك عن ثقةٍ ... من عند خودٍ كأنَّها قمر!\rهل لك في غادةٍ منعَّمة ... يحار فيها من حُسنها النَّظرُ؟\rفي الجيد منها طولٌ إذا التفتت ... وفي خُطاها إذا خطت قصرُ.\rفقمت أسعى إلى مُحجَّبة ... تضيء منها البيوت والحجرُ.","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"فقلت لمَّا بدا تخفُّرها: ... جودي، ولا يمنعنَّك الخفرُ.\rقالت: توقَّر، ودع مقالك ذا ... أنت امرؤٌ بالقبيح مشتهرُ!\rوالله لا نلت ما تحاول أو ... ينبت في بطن راحتي شعرُ!\rلا أنت لي قيِّمٌ فتجبرني ... ولا أميرٌ عليَّ مؤتمرُ.\rقلت: ولكن ضيفٌ أتاك به ... تحت الظلام القضاء والقدرُ.\rفاحتسبي الأجر في إنالته، ... وياسري قد تطاول العسرُ!\rقالت: فقد جئت تبتغي عملاً ... تكاد منه السماء تنفطرُ.\rفقلت: لمَّا رأيتها حرجت ... وغشيتها الهموم والفكرُ:\rلا عاقب الله في الصِّبا أبداً ... أنثى ولكن يُعاقب الذَّكرُ!\rقالت: لقد جئنا بمبتدع، ... وقد أتتنا بغيره النُّذرُ.\rقد بين الله في الكتاب فلا ... وازرةٌ بغير وزرها تزرُ.\rقلت: دعي سورةً لهجت بها ... لا تحرمنَّا لذَّاتنا السورُ.\rوجهك وجهٌ تمَّت محاسنه، ... لا وأبى لا تمسُّه سقرُ.\rوقال آخر:\rخطرت فقلت لها مقالة مغرمِ: ... ماذا عليك من السلام فسلِّمي.\rقالت: بمن تعني فحبُّك بيِّنٌ ... في سقم جسمك؟ قلت: بالمتكلِّمِ.\rفتبسمت، فبكيت، قالت: لا ترعْ ... فلعلَّ مثل هواك بالمتبسِّمِ.\rقلت: اتفقنا في الهوى، فزيارةً ... أو موعداً قبل الزيارة قدِّمي.\rفتضاحكت عجباً، وقالت: يا فتى ... لو لم أدعك تنام، بي لم تحلمِ.\rوقال آخر:\rولمَّا نزلنا على زمزمٍ، ... ونحن نريد طواف الإفاضة،\rبكيت، فقالت: علام البُكا؟ ... فقلت: على الوُدّ أخشى انتقاضه.\rفقالت: ثكلتك من عاشقٍ ... تُشمِّر ذيلك قبل المخاضة.\rفقلت: صدقت، ولكنَّني ... أعلِّم نفسي طريق الرياضة.\rومما قيل في المردوف، قال بعض الشعراء:\rعيناك على سفك دمي أسفتا ... والجسم نحيلْ.\rأطلق برضاك في الهوى أسر فتىً ... حيران ذليلْ.\rفي ريقك خمرتان قد حُرِّمتا ... من غير دليلْ.\rوالعاشق ظمآن فيا حرُّ! متى ... تسقيه قليلْ؟\rوقال آخر:\rفي خدّك وردتان قد رُكِّبتا ... من فوق قضيبْ.\rفي قلبي جمرتان قد أُضرمتا: ... نارٌ ولهيبْ.\rحلّفتك بالإله يا خير فتى ... رفقاً بكئيبْ.\rحيران يهيم بين حتّى ومتى ... والأمر عجيبْ.\rوقال آخر:\rيا بدرُ! عصيت في الهوى عذالي ... طوعاً لهواكْ.\rوانقدت لأمرك الكبير العالي ... ما قلَّ وفاك!.\rإن كان رضاك سقم جسمي البالي ... صبراً لرضاكْ.\rعذِّب جسدي بسائر الأحوال ... إلا بجفاكْ.\rوقال آخر:\rيا مرتحلاً إلى الحمى مصرفهبالله عليكخذ معك كتاب، فيه خبري.\rلي ثمّ رشاً عساك تستعطفهإن هان عليكفي رد جواب، للمنتظرِ.\rإن عرَّض بي، فقل: نعم أعرفهيشتاق إليكقد رقّ وذاب، بين البشرِ.\rما يتركه هواك أو تتلفهوالأمر إليكما الهجر صواب، من مقتدرِ.\rومما قيل في الجناس، قال أبو الفضل الميكالي:\rمواعيده بالوصل أحلام نائم ... أشبهها بالقفر أو بسرابهِ.\rفمن لي بوجه لو تحيّر في الدجى ... أخو سفرٍ في جنح ليل سرى بهِ.\rوقال أيضاً:\rصل محبّاً، أعياه وصف هواه ... فضناه ينوب عن ترجمانهِ.\rكلما راقه سواك، تصدت ... مقلتاه بدمعه ترجمانهِ.\rوقال آخر:\rما ضرّ من قد أباح قتلي ... في حبّه لو أباح ريقهْ.\rأبى فؤادي السلوَّ عنه ... لكنه ما أبى حريقهْ.\rوقال آخر:","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"أقول والليل مرخيّ غياهبه ... والدَّير يسمعني حسّ النواقيسِ:\rيا نفس كم مسرورٍ بلذّته ... وبين مُبلىً بتشتيت النوى قيسي.\rوقال آخر:\rيا من تنكّدت الدنيا لغيبته ... أساخطٌ أنت عني اليوم أم راضي؟\rأمرضت بالهجر قلب المستهام فما ... عليك، بالوصل لو داويت أمراضي؟\rوقال آخر:\rلقد راعني بدر الدجى بصدوده ... ووكَّل أجفاني برعى كواكبهْ.\rفيا عبرتي سُحّي دماً لفراقه ... ويا كبدي صبراً على ما كواك به!\rوقال آخر:\rقلت له: ما ذا السواد الذي ... فيك تبدَّى؟ قال: ذا غاليه.\rفقلت: قبِّلني إذاً قبلة ... فقال: خذها قُبلةً غالية.\rفقلت: ما تغلو على عاشق ... في حبكم، ذي كبدٍ غاليه.\rوقال آخر:\rشافه كفّى رشأٌ ... بقبلةٍ ما شفت.\rفقلت إذ قبَّلها: ... يا ليت كفّي شفتي!\rوقال آخر:\rلم يكفكم أخذ قلبه سلباً ... حتى أخذتم عن طرفه وسنهْ.\rكم ليلةٍ بات للغرام وكم ... يومٍ وشهرٍ ما نامه وسنهْ.\rوقال آخر:\rيا من لحظاته أسودٌ وثبت ... قد صحّ هواك في فؤادي وثبت.\rجرّدت لها سيوف صبري فنبت ... يا من غرس الهوى بقلبي فنبت.\rوقال آخر:\rيا من بحشاشتي إذا غاب سكنهيجت من الغرام ما كان سكنْ.\rيا من شرع الصدود في الحبّ وسنّ ... من بعدك مهجورك ما ذاق وسنْ.\rوقال آخر:\rأهوى قمراً سفك دمي حلَّ له ... في أيّ شريعةٍ ومن حلَّله.\rما بلَّل شعره وما حلَّله ... إلا سمح البخيل وانحلّ له.\rوقال آخر:\rمن بلَّل صُدغ قاتلي من سلسلْ؟ ... من أودع ثغره رحيقاً سلسل؟\rمن علّلني في حبّه؟ من سلسل؟ ... يا عاذل إن جهلت ما بي سل سلْ.\rوقال آخر:\rيا بانةً لحبّها ... في القلب أصلٌ قد نبت.\rسيوف صبري عن سيو ... ف مقلتيك قد نبت.\rتلك لحاظ أعين ... أم أسد غيلٍ وثبت؟\r... ... ... ... ... ... ... ... .. ... ... ...\rلواحظٌ لو برزت ... في يوم حربٍ، لسبتْ.\rوعقرب الصُّدغ التي ... لكلّ قلب لسبتْ.\rأسناؤكم تاقت لها الن ... فوس يوماً وصبتْ.\rلا سيما إن حملت ... نشرك ريح وصبتْ.\rفخيلهم دون بلو ... غ السُّول فينا قد كبتْ.\rأفدي حبيباً زارني ... فكم عدوٍّ قد كبتْ.\rرعى حقوقي في الهوى ... عليه لمّا وجبتْ.\rوسكَّن الأحشاء بال ... وصال لمّا وجبتْ.\rوقال أيضاً:\rمن لفتى، جار علي ... ه طرفه فيما قضى؟\rصبٌّ إذا الدهر قضى ... عليه بالبين، قضى.\rيبكي على دهر تول ... ى بالتداني أو مضى.\rتمطر عيناه إذا ال ... برق الشآمي أو مضا.\rوقال آخر:\rرمى حرَّ قلبي بهجرانه ... رشاً ما درى قدر ما قد رمى.\rوقد كان قدّم إحسانه ... ولكنه قدَّ ما قدّما.\rفتسليم أمري به للقضا ... ذخرت به أجر ما أجرما.\rومما قيل في الموشحات، فمن ذلك ما قاله بعض الأندلسيين:\rيد الإصباح، قدحت زناد الأنوار ... في مجامر الزَّهرِ.\rدهر جذلان، واعتدال ريعان ... فما الإظعان؟ عن طلاً وغزلانْ.\rراق الزمان، وشدت على البان ... ذات الجناح، وانثنت قدود الأشجارْ.\rفي الغلائل الخضرِ\rلنا أجساد، للسرور تنجذب ... كما تنقاد، لربيعها العرب.\rحتى الجماد، لا يفوته الطربُ ... طافت بالراح، سحبٌ فسكر النَّوّارْ.\rمن سلافة القطرِ.\rإن انخلاعي، مع رشاً وصهباء ... لدى بقاع، حكت وشي صنعاء.","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"وللشعاع، لهبٌ على الماء ... وللرياح، في متون تلك الأنهارْ.\rشبكٌ من التِّبر\rوريم المي، بات بيده صدري ... كبدر تمّا، وسط غُرَّة الشهرْ.\rشدوت لمَّا، راعني سنا الفجر ... قل للصباح: إن تدن بطرد الأقمارْ.\rفمع الدجى نسري\rوغصن مائل، الهلال أعلاه ... له من نابل، في النفوس قتلاه.\rسيف الحمائل، غمده عذاراه ... طوع الجماح، إن يكن كثير النِّفارْ.\rفهي عادة العفر وقال ابن بقي:\rما بي شمول، إلا شجون ... مزاجها في الكأس، دمع هتون.\rلله ما بذّر، من الدموع ... صبّ قد استعبر، من الولوعِ.\rأودى به جؤذر، يوم البقيع ... فهو قتيل؛ لا بل طعينُ.\rبين الرجا واليأس، له منون\rخرجت للحين، كفى بكفّى ... وحيل ما بيني، وبين إلفي.\rلا شك بالبين، يكون حتفي ... حان الرحيل، ولي ديونُ.\rإن ردها العباس، فهو الأمين\rأما ترى البدرا؟ بدر السعود ... قد اكتسى خضرا، من البرود.\rإذا انثنى نضرا، من الفدود ... أضحى يقول: مت يا حزينُ.\rقد اكتسى باليأس، الياسمينُ.\rقلت وقد شرّد، النوم عنّي ... وآيس العوّد، السقم منّي:\rصدّ فلما صدّ، قرعتُ سنّي ... جسمي نحيل، لا يستبينُ.\rيطلبه الجلاّس، حيث الأنينُ.\rتجاوز الحدّا، قلبي اشتياقاً ... وكلَّف السهدا، من لا أطاقا.\rقلت وقد مدّا، ليلي رُواقا ... ليلي طويل، ولا مُعينُ:\rيا قلب بعض الناس، أما تلينُ؟ وقال سراج الدين عمر الكتّاني الحلبيّ، يمدح الملك المنصور صاحب حماة:\rجسمي ذوى، بالكمد، ... والسهر، والوصب، من جاني\rذي شنب، كالبرد، ... كالدّرر، كالحبب، جماني.\rلي غصن بانٍ نضرُ ... يسبيك منه الهيفُ.\rيرتع فيه النظر ... فزهره يُقتطفُ.\rوالخدّ منه قفرُ ... والجسم منه ترفُ.\rقد جاءنا يعتذرُ ... عذاره المنعطفُ.\rثم التوى، كالزرد، ... مُعبقري، مُعقربي، ريحاني\rفي مذهبِ، مورَّدِ، مدنَّرِ، مكتَّبِ، سوساني.\rظبيٌ له مرتشفُ ... كالسلسبيل الباردِ.\rغصن نقاً ينعطفُ ... من لين قدّ مائدِ.\rبدرٌ علاه سدف ... من ليل شعرٍ واردِ.\rمقرطقٌ مشنَّف ... يختال في القلائدِ.\rبين اللِّوى، وثهمدِ، كجؤذرِ، في ربرب، غزلاني\rذي ضرب، ذي غيد، ... ذي حور، ذي هُدبِ، وسناني.\rأما وحلى جيده! ... ورنَّة الخلاخلِ!\rوالضمِّ من بروده ... قدَّ قضيبٍ مائلِ.\rوالورد من خدوده، ... إذ نمَّ في الغلائلِ.\rلا كنت من صدوده ... متصلاً بعاذلِ!\rنار الجوى، لا تخمدي، ... واستعري، وكذِّبي، سلواني\rوأسبلي، واطردي، ... وانهمري كالسُّحب، أجفاني.\rمولاي جفني ساهر ... مؤرَّق كما ترى.\rفلا خيالٌ زائرُ ... يطرقني ولا كرى.\rإنِّي عليلٌ صابر ... فما جزا من صبرا؟\rإن سحَّ دمعي الهامرُ ... فلا تلمه إن جرى.\rجال الهوى، في جلدي، ... ومضمري، أضرَّبي، كتماني\rمؤنِّبي، اتَّئد، لا تفتر. ... وجنِّب، عن عاني.\rإن صال بالهجر وصد ... رحت بصبري مرتدي.\rعنه وإن طال الأمد ... إلى ذُرى محمدِ.\rوكيف يخشى من قصد ... ملكاً كريم المحتدِ.","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"الملك المنصور قد ... سما سماء السُّودد.\rثم استوى، بأجرد، ... مضمَّر، ومقضب، يماني\rذي شُطب، وسمهري. ... مضطرب، مُرَّاني.\rملكاً علت همَّاته ... من فوق هام المشتري.\rوبخَّلت راحاته ... سُحَّ السحاب الممطرِ.\rوعوِّذت راياته ... بمحكمات السُّورِ.\rبدرٌ بدت هالاته ... من الصباح المسفرِ.\rتحت لوى، منعقد،بالظَّفر، ... في موكب، فرساني\rكالأشهب، في الأسعد، ... كالأقمر. في أعذب، سيحاني.\rيا ملكاً دون الورى ... تخطبه الممالكُ.\rومالكاً إذا سرى ... تحجبه الملائكُ.\rبعض عطاك هل تُرى ... جادت به البرامكُ.\rفاستجلها من عُمراً ... ثغر مناها ضاحكُ.\rلا يُجتوى: كالشُّهد، ... كالسُّكَّر. كالضَّرب، معاني\rكالسُّحب، كالعسجد، ... كالجوهر، من حلبِ، كتَّاني.\rانتهى ما أوردناه من الغزل والنسيب في هذا الموضع؛ وقد آن أن نأخذ في ذكر الأنساب وبالله التوفيق.\rالباب الرابع من القسم الأوّل من الفن الثاني\rالأنساب\rقال الله تعالى: \" يا أيُّها الناس إنَّا خلقناكم مِنْ ذكرٍ وأُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا \" . ومعرفة أنساب الأمم مما افتخرت به العرب على العجم، لأنها احترزت على معرفة نسبها، وتمسكت بمتين حسبها؛ وعرفت جماهير قومها وشعوبها، وأفصح عن قبائلها لسان شاعرها وخطيبها؛ واتحدت برهطها وفصائلها وعشائرها، ومالت إلى أفخاذها وبطونها وعمائرها؛ ونفت الدعيّ فيها، ونطقت بملْ فيها.\rوسأورد منها إن شاء الله تعالى ما يكتفى به، ويتمسك بأسبابه.\rوقد وقفت على المقدّمة التي وضعها الشريف أبو البركات الجوّاني فرفعت له علماً، ونصبت له إلى المعالي سلماً: لأنه أتقن أصولها، وحرر فصولها؛ وأورد فيها من الأنساب ما ينتفع به اللبيب، ويستغني بوجوده الكاتب الأريب. فوجدته بدأ فيها بذكر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بآبائه، وشرح جملة من نسبه الطاهر وأبنائه. فرأيت أن أسرد النسب من أصله، وأبدأ بآدم عليه السلام، ثم بنسله؛ وأجعل العمدة على سرد عمود النسب المتصل بسيد البشر. وأذكر من ذلك ما اشتهر عند أهل الأنساب وانتشر؛ إلى أن أنتهي إلى اسمه الشريف فأجعله خاتمة النسب، وأتمسك من شريعته ومحبته بأوثق سبب. وأرجو ببركته بلوغ مآربي، ونجح مطالبي؛ وستر عيوبي، ومغفرة ذنوبي؛ وتزكية عملي، وسدّ خللي، والتجاوز عن سيئاتي، والمسامحة بفلتاني ولفتاتي؛ والخيرة في حركاتي وسكناتي.\rهذا والله رجائي من كرم ربي، وإن قل عملي وكثر ذنبي؛ وعلى الشريف العمدة فيما أوردته، والعهدة فيما نقلته؛ فمن تأليفه نقلت، وعلى مقالته اعتمدت.\rقال السيد الشريف نقيب النقباء أبو البركات بن أسعد بن علي بن معمر الحسيني الجوّاني، النسابة رحمه الله: إن جميع ما بنت عليه العرب في نسبها أركانها، وأسست عليه بنيانها، عشر طبقات.\rالطبقة الأولى الجذم","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"وهو الأصل إما إلى عدنان وإما إلى قحطان، والجذم القطع، يقال: جذم وجذم؛ وذلك لما كثر الاختلاف في عدد الآباء وأسمائهم فيما فوق ذلك، وشق على العرب تشعب المناهج فيه وتصعيب المسالك؛ قُطع الخوض فيما فوق قحطان ومعدّ وعدنان، واقتصر على ذكر ما دونهما، لاجتماعهم على صحته. ومنه قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتسب إلى معدّ بن عدنان: \" كذب النسابون فيما فوق ذلك \" لتطاول العهد. فمن كان من ولد قحطان، قيل يمنيّ. ومن كان من ولد معدّ بن عدنان، قيل خندفي، أو قيسي، أو نزاري، وإن كان الجميع داخلاً في نزار، أعني معدّ بن عدنان؛ وإنما كان بعد نزار جماجم استغنى بالنسبة إليها عن نزار بن معدّ بن عدنان؛ ولأن جمهور العلماء طبقوا النسب على ما قدّمناه أربع طبقات: خندقيّ، وقيسيّ، ونزاريّ، ويمنيّ. فقولهم: خندقي أي كل من يرجع إلى الياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان؛ وهو جمّاع خندف، فتوسعت العرب في ذلك إلى أن قالوا: إلياس هو خندف، لأن ولده وهم مدركة، وطابخة، وقمعة، أمهم خندف، وهي ليلى بنت حلوان بن عمران، بن إلحاف بن قُضاعة، خندفت في طلب ولدها أي أسرعت، فقال لها إلياس: مالك تخندفين؟ أي تهرولين فسميت خندف، فرجع إلى خندف أبطن عدة: كمزينة، والرِّباب، وضبَّة، وصوفة، والشُّعيرا، وتميم، وهذيل، وأسد، والقارة، وكنانة، وقريش، فقيل لولد إلياس خندف ثم قيل لإلياس نفسه خندف إذ كان أباً لمن أمه خندف لا غير ولا ولد له إلا من خندف. ولذلك نظائر وأشباه في العرب، كما قيل لمالك بن خُزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مضر: \" عائدة \" لأن أم ولده عائدة بنت الحمس بن قحافة الخثعميَّة.\rوكما قيل لعوف بن وائل بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن أُدِّ بن طابخة بن إلياس بن مضر: \" عكل \" لأن أمةً يقال لها عُكل حضنت ولده.\rوكما قيل لعمرو بن أُدِّ بن طابخة بن إلياس: \" مزينة \" لأن أم ولده مزينة بنت كلب بن وبرة القضاعية.\rوكما قيل لعمرو بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار \" جديلة قيس \" لأن أم ولده جديلة بنت مُرٍّ، أخت تميم بن مر، بن أُدِّ، بن طابخة.\rوكما قيل للحارث بن عديّ بن الحارث بن مُرَّة بن أُدد بن زيد بن يشجب بن عُريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان \" عاملة \" لأن أم ولده عاملة بنت مالك بن وديعة القضاعية.\rوكما قيل لأشرس بن السكون بن أشرس بن كندة \" تُجيب \" لأن أم ولده تجيب بنت ثوبان المذحجية، وغير ذلك مما يطول الكلام باستقصائه والله أعلم.\rوأما قولهم قيسيّ، فالمراد به من ولد قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان، ويكون عيلان هاهنا أخا إلياس بن مضر، وكان اسم إلياس عيلان.\rوقال الوزير ابن المغربي: هو الناس بتشديد السين فيكون مضر أعقب إلياس والناس. ومن العلماء من قال: إن عيلان كان حاضناً، حضن قيساً وليس بأب فيقول قيس عيلان بن مضر، مضاف إليه بغير ذكر البنوة، كما قيل في فخذ من قضاعة سعد هذيم، وهذيمٌ حاضن، وغير ذلك في العرب كثير والأوّل أصح. وهذا قيس بن عيلان بن مضر هو الذي قيل لقيس به قيس والله أعلم.\rوذهب قوم إلى أن ولد معدّ بن عدنان كلهم يقال لهم: قيس وهو خطأ، وإنما هم يجوّزون ذلك على وجه بعيد ليميزوا بالعزوة إلى ذلك بين يمن وغيرها: فيقولون: قيس ويمن، فيظن السامع أنهما أخوان، وأين قيس من قحطان جدّ يمن: لأن قحطان أبا اليمن هو أخو الجدّ العشرين لقيس: وهو فالغ بن عابر، وقحطان بن عابر. وسيرد ذلك في سرد النسب بعون الله ومشيئته.\rوبيانه ها هنا أن قيس بن عيلان، بن مضر، بن نزار، بن معدّ، بن عدنان، بن أُد، بن أُدد، بن اسماعيل الذبيح، بن إبراهيم الخليل، بن تارح: وهو آزر بن ناحور، بن ساروغ، بن أرغو، بن فالغ، بن عابر، ففالغ أخو قحطان، وقحطان هو الجد الذي ترجع إليه يمن كلها؛ وهو أحد جذمي النسب كما تقدّم.\rفقد بان أن قول من يقول قيس: ويمن قبيلة ليس بشيء، وإنما قال ذلك لولد معدّ بن عدنان إشارة لإعلام السائل إذا سأل المعديّ من أيّ نسب هو، فكأنه يقول له من البطن التي منها قيس. وهذا بعيد وشاذ.","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"ومما يؤكد بعده أنا إذا جوزنا ذلك لمن ينتسب إلى جمجمة فوق قيس كربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، وإياد بن نزار وغير ذلك وإن كان بعيداً فكيف يجوز أن يطلق ذلك على قريش. فنقول: هم قيس، وإنما قريش بنو فهر بن مالك بن النَّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، وإلياس هو عم قيس فيكون قريش دون قيس بهذه العدّة، فلا يجوز أن يقال: إن قريشاً من قيس، وقيس إنما هو ابن عم الأب السادس من قريش: وهو مدركة؛ ولو كان عمّاً له، لكان ربما يجوز على وجه التعارف عند العرب بأن العم أب كما أخبر الله تعالى عن نبيه يعقوب عليه السلام فقال تعالى: \" أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق \" ، والذي ذهب إلى أن العم أب قال: أنا أطلق على ولد معدّ بن عدنان قيساً لأن قيساً منهم، فأقول: قريش من قيس. وهذا بعيد من وجه أن قيساً ليس بعم لقريش، وإنما هو ابن عم، ولا ترجع العزوة في الانتساب إلى ذيل الأعقاب، إنما يعزى لأعلى النسب؛ لا لأسفل العقب؛ ولو صح ذلك، لعُزى الإنسان لابن ابن عمه وهذا لا يصح.\rفقد وضح أن العزوة إلى قيس لا تصح إلا لمن يرجع إليه بالولادة منه: لأن ربيعة وإياداً ابنى نزار أعلى منه، فلا يصح أن يعزوا إليه؛ وقريش وكنانة أسفل منه فلا يصح أن يعزوا إليه.\rوبالجملة فإنه ابن عم لهما، أعني قريشاً وكنانة، وأخ لهما أعني ربيعة وإياداً؛ ولا يجوز أن يعزى الأب إلى ابنه إذ كانت النسبة في ذلك لا ترجع إلى الابن إنما ترجع إلى الأب. ولو اعتمد ذلك في الأنساب لاختلطت العزوة إلى كل أب بالأب الآخر فلم يتميز، ولم يقف عند حدّ دون الآخر. وهذا يؤول إلى الجهالة بالأبطن والأفخاذ والعشائر.\rوأمّا شهرة العزوة إلى قيس، فلما فيها من الجماجم والرءوس والقبائل والأرحاء وهي عند النسابين أكبر من تميم ومن بكر ابني مُرّ بن أد بن طابخة؛ إذ كان في قيس بنو عبس، وذبيان وغطفان، وأعصر، وهوازن، وعدوان، وفهم: وهم جديلة قيس، وسليم، وثقيف، وعامر، وجشم، ونصر، وبكر، وسعد، وسلول، وربيعة، وكلاب، وقشير، وحبيب، وعُقيل، وحريش، وخفاجة، وطهفة، وغير ذلك من الأفخاذ والعشائر التي تشرح في مواضعها بمشيئة الله وعونه.\rوأما نزار بن معدّ بن عدنان، ففيها من الأبطن والأفخاذ والعشائر: كبني ربيعة الفرس، وضبيعة أضجم، وأكلب، وأسلم، ويقدم، وأجلان، وهميم، وعبد القيس، ودهن، والنَّمر، وتغلب، ووائل، وبكر، وصعب، وعلي، وحبيب، وعنزة، وعنز، ورفيدة، وإراشة، ويشكر، وعكابة، وعجل، ولجيم، وحنيفة، وزمَّان، والدول، وشبيان، وذُهل، ومازن، وسدوس، وبليّ، وعوف، وبدر، ومعن، ودُعميّ، وزهرة، وحُذاقة.\rفأما أنمار بن نزار، فانقلب في يمن كما انقلبت قضاعة في غير ذلك من الأفخاذ والعشائر مما بين في موضعه إن شاء الله تعالى والحمد لله.\rوأما يمن، فهم أولاد قحطان، بن عابر، بن شالخ، بن أرفخشذ، بن سام، بن نوح عليه السلام.\rوفيها عدّة جماجم وقبائل وأبطن وأفخاذ وعشائر: كسبأ، وطيء، والأشعر، وحمير، وقُضاعة، وغسان، وأوس، والخزرج، والأزد، ولخم، وجذام، وعاملة، وخولان، وغافق، ومذحج، وحرب، وسعد العشيرة، ومعافر، وهمدان، وكندة، وكلب، ومهرة، وصنهاج، وبارق، وبجيلة، وثعلبة، ودرما، وزريق، وعنيز، وعتَّاب، وبُحتر، وجرم، ومراد، وعبس، وجُعفيّ، وسلمان، وتجيب، وصدا، والنَّخع، والصَّدف، وحضرموت وغير ذلك.\rوكل ما ذكرناه فهو أبطن وأفخاذ وعشائر مختلطة، وما قصدنا فيها الترتيب، على طبقات النسب والتعقيب، وإنما جئنا من كل عزوة ببعض مشاهيرها التي تنسب إليها: ليتبين بعضها من بعض ويعلم غرضنا في تحرير ما قدمناه والله أعلم.\rوأما عزوة العرب إلى يمن: وهم ولد قحطان، فلكونهم نزلوا اليمن؛ وكان منهم ملوك الحيرة وأصحاب سدّ مأرب فتيامنوا، فنسبوا إلى اليمن.\rوقيل: إنما قيل لهم: يمن بأيمن بن هميسع بن حمير، وهو جدّ الملوك التبابعية؛ والأوّل أولى.\rوأكثر العزوة لمن ينقلب عن نسبه إلى اليمن، لأجل أن الملوك كانت في اليمن: مثل آل النُّعمان بن المنذر من لخم، وآل سايح من قُضاعة، وآل مُحرق، وآل العرنجج وهو حمير الأكبر بن سبأ كالتبابعة والأذواء وغيرهم.","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"والعرب يطلبون العزّ ولو كان في شامخات الشواهق وبطون الأمالق البوالق فينتسبون إلى الأعز لحماية الحمية وإباءة الدنية وسكون النفوس إلى نفيس الكثرة والعصبية بطريق دقيق في النظر لا على الظن المشتهر: كما جرى لقضاعة بن معدّ بن عدنان لما خلف على أمه الجرهمية بعد مالك بن مرة بن عمرو بن زيد بن مالك بن حمير أباه معد بن عدنان؛ فجاءت بقضاعة على فراش مالك بن مرة فنسبه العرب إلى زوج أمّه مالك بن مرة، عادة للعرب فيمن يولد على فراش زوج أمه. وقيل إن اسم الجرهمية: قضاعة، فلما جاءت بولدها سمته باسمها. وقيل بل كان اسمه عميرا فلما تقضع عن قومه أي بعد سمى قضاعة. والعادة عند العرب أن تنسب الرجل إلى زوج أمّه؛ ألا ترى أنها قالت في عبد مناة بن كنانة: بنو علي وهو علي بن مسعود الأزديّ وكان حضن بني أخيه لأمّه وهم بكر وعامر ومرة أولاد عبد مناة بن كنانة، فغلب اسمه عليهم لما تزوج أمّهم هند ابنة بكر بن وائل وخلف عليها بعد أخيه، فضم إليه بني أخيه المذكورين مع أمّهم هذه، وهم صغار فربوا في حجرة فنسبهم العرب إلى علي. وسيأتي من هذا الباب أمثال له في مواضعها إن شاء الله تعالى.\rالطبقة الثانية الجماهير والتجمهر: الاجتماع والكثرة؛ ومنه قولهم: جماهير العرب أي جماعتهم، ومنه ترجمة مجموع لغة العرب \" الجمهرة \" الكتاب الذي ألفه أبو بكر بن دريد وجمهرة \" الأنساب \" أي مجموعها والله أعلم.\rوالطبقة الثالثة الشعوب، وأحدها شِعب؛ ويقال شَعب؛ ويقال في القبيلة بالفتح وفي الجبل بالكسر: وهو الذي يجمع القبائل وتتشعب منه، ويشبه بالرأس من الجسد؛ قال الله تعالى: \" يا أيُّها النَّاس إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى \" الآية.\rوالطبقة الرابعة القبيلة، وهي التي دون الشعب تجمع العمائر؛ وإنما سميت قبيلة لتقابل بعضها ببعض واستوائها في العدد؛ وهي بمنزلة الصدر من الجسد.\rالطبقة الخامسة العمائر، وأحدها عمارة: وهي التي دون القبائل. وتجمع البطون؛ وهي بمنزلة اليدين.\rوالطبقة السادسة البطون، وأحدها بطن: وهي التي تجمع الأفخاذ.\rوالطبقة السابعة الأفخاذ، وأحدها فخذ وفخذ، مثل كبد وكبد: وهي أصغر من البطن. والفخذ تجمع العشائر.\rوالطبقة الثامنة العشائر، وأحدها عشيرة: وهم الذين يتعاقلون إلى أربعة آباء. وسميت بذلك لمعاشرة الرجل إياهم، قال الله تعالى: \" وأنذر عشيرتك الأقربين \" . فدعا النبي صلى الله عليه وسلم علياء قريش إلى أن اقتصر على بني عبد مناف؛ وهم يجتمعون معه في الجدّ الرابع. فمن ها هنا جرت السنة بالمعاقلة إلى أربعة آباء؛ وهم بمنزلة الساقين من الجسد اللتين يعتمد عليهما دون الأفخاذ.\rوالطبقة التاسعة الفصائل، وأحدها فصيلة؛ وهم أهل بيت الرجل وخاصته؛ قال الله تعالى: \" يودُّ المُجْرم لو يفتدى من عذاب يومئذٍ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه \" وهي بمنزلة القدم.\rوالطبقة العاشرة الرهط، وهم رهط الرجل وأسرته: بمنزلة أصابع القدم. والرهط دون العشرة، والأسرة أكثر من ذلك، قال الله عز وجل: \" وكان في المدينة تسعة رهطٍ \" . قال السيد أبو طالب في قصيدته المشهورة التي يمدح فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأحضرت عند البيت رهطي وأسرتي ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل.\rورهطه بنو عبد المطلب وكانوا دون العشرة. وأسرته من بني عبد مناف الذين عاضدوه في نصرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rتمثيل التفصيل - عدنان جذم، قبائل معد جمهور، نزار بن معد شعب، مضر قبيلة، خندف عمارة: وهم ولد إلياس بن مضر، كنانة بطن قريش فخذ، قصي عشيرة، عبد مناف فصيلة، بنو هاشم رهط.\rوحيث انتهى القول في ذكر الطبقات فلنأخذ الآن في بسط النسب وسرده فنقول وبالله التوفيق.\rأصل النسب أبو البشر آدم عليه السلام وإدم هو الجدّ الخمسون لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمود النسب الطاهر المحمديّ من آدم عليه السلام في ابنه شيث بن آدم عليهما السلام: وهو هبة الله، وأمّه حواء أمة الله.\rولما قتل قابيل بن آدم أخاه هابيل، ولد شيث؛ وقال آدم عليه السلام: هذا هبة من الله وخلف صالح. وهو الذي بنى الكعبة - شرفها الله تعالى - بالطين والحجارة على موضع الخيمة التي كان الله تعالى وضعها لآدم من الجنة.","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"وقال وهب: إن الله تعالى أنزل على شيث خمسين صحيفة، ورزق عدّة من البنين والبنات.\rوالعقب منه في ابنه أنوش بن شيث وأمّه لبود ابنة آدم عليه السلام. وهو الذي غرس النخلة وزرع الحبة، ونطق بالحكمة؛ وتدعى أمّه محوايلة البيضاء.\rوالعقب منه في ابنه قينان بن أنوش، وله ولد اسمه أروى أعني لأنوش، اعقب وانقرض عقبه.\rوالعقب من قينان في ابنه مهلائيل بن قينان ولم يرزق غيره.\rوالعقب منه في ولده يارد بن مهلائيل. وكان ليارد اخوة.\rوالعقب من يارد في ابنه أخنوخ بن يارد، وهو إدريس النبي عليه السلام، وأمّه تدعى بره. قيل سمي إدريس لدرسه الصحف الثلاثين التي أنزلها الله تعالى عليه؛ وهو أوّل من خطّ بالقلم، وكان له اخوة انقرضوا.\rوالعقب منه في ابنه متوشلخ بن أخنوخ، وأمّه بروخا.\rوعقبه في ابنه لمك بن متوشلخ، واسمه لامخ.\rوالعقب منه في ابنه نوح النبيّ عليه السلام، وأمّه قينوش إبنة بركائل بن محوايل، وهو عليه السلام آدم الثاني: لأنه لا عقب لآدم عليه السلام إلا من نوح وولده. واخوة نوح عليه السلام جماعة: منهم صالح بم لمك، وسقطان، ومنان، وترسيس، وصدفا؛ وكان لهم أولاد انقرضوا كلهم والعقب من نوح لا غير؛ ورزق لمك والد نوح عليه السلام نوحاً، وله من العمر مائة واثنان وثمانون سنة؛ وتوفي وقد مضى من عمر نوح خمسمائة سنة.\rواختلف في عمر نوح: فقيل عاش ألف سنة إلا خمسين عاماً: ستمائة فبل الطوفان وثلاثمائة وخمسين سنة بعده. وقيل بل لبث قبل الطوفان ألف سنة إلا خمسين عاماً. على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في قصته في التاريخ. وعمود النسب من نوح في ابنه سام بن نوح عليه السلام؛ وسام هو الجدّ الأربعون لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمّه عمردة. واخوة سام حام، ويافث، وبوناطل، وسالوم وهو الذي غرق في الطوفان.\rوأما سام بن نوح، فإن الله تعالى حعل في ذريته الكتاب والنبوة والملك والجمال والبياض، ونزلوا ما بين ساقيد إلى البحر، وما بين البحر إلى الشام: وهو وسط الأرض، والحرم وما حوله، والحرم إلى حضرموت، وإلى عمان، وإلى عالج والدهناء.\rوالعقب من يافث بن نوح طرسوس، وهمذان، والجبال، والجزر، وفرنجة، والصقالبة الذين على تخوم القسطنطينية، واشكار، والترك، وقبرس، ويأجوج، ومأجوج، وكومر، والمصيصة، وأدنه، وروادنيم، وماسج، وخراسان، وباوال، ويونان، وبرجام، وكرد بن مرد بن يافث.\rقال: وهذه رواية العلماء بالنسب، سنذكر خبر كرد بعد هذا في موضعه.\rومن ولد يونان بن يافث الروم واليونانيون؛ كان منهم الفلاسفة وأهل الحكمة كالإسكندر وغيره.\rوولد بوناطل بن نوح: وهو الذي عقد الأولوية للناس حين تفرقوا: الأرغار، والبعاس، والدكايك، والدمشق؛ وهم أمم لا يحصون خلف صين الصين.\rوالعقب من حام بن نوح، الهند والسند والنوب، والزنج، والحبشة، والقبط، والبربر، ومصرايم أو اسمه مصر بن حام.\rوذكر صاحب الشجرة: أن مصرايم أعقب من ابنه لوديم، وأن لوديم أعقب قبط مصر بالصعيد، والبيهيم، والتفوحيم، والبرنسيم، والكشلوجيم، والقابدقابين، ومودشايا، وكوشابا، وهبورشابا.\rقال: وهؤلاء بأجمعهم ولد قوط بن حام، وأندلش، وكوشان؛ فولد قوط بن حام مصر، فولد مصر بن قوط قبط: وهم قبط مصر؛ وبهم سمِّيت مصر مصر. قال: هذا قول شيوخنا. وذكر أهل التاريخ: أن مصر سُميت بمصر بن بيصر بن حام؛ كل ذلك قد قيل وهو الأكثر عن العلماء.\rوقال أبو المنذر النسابة في روايته: إن السند والهند وما بينهما من البلاد قتلهم يوشع بن نون إلا بقية منهم يسيرة لحقوا بأطراف بلاد السودان: وهم الذين ما بين مصر إلى بلاد السودان، ومنهم البربر والبجة.\rوذكر صاحب الشجرة: أن كوش أبو الحبش، وأنه كوش بن حام، وأنه أعقب من نمرود أبي ملوك بابل، ومن أحويلا وهو الواحات، ومن سُفنا وهو أبو زغاوة، ومن سبأ، ومن سفخا: وهو أبو الدمدم، ومن رعماوهو أبو البقاقو من السودان، والعقب من رعما هذا من سبأ أبي الهند ومن دادان أبي السند.\rوذكر أبو المنذر النسابة أن كنعان بن حام أعقب من حماة، وحمص، واروادودي، وطرابلس، وصيدون، وهي صيداء، وحاث، ونفوسة، وهوارة، ومزاتة، وامورا، وكركاسي، ومزانة من البربر.","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"قال الجوّانيّ: وهذا كلّه بيِّن الخلاف بين النسابين؛ ومن النسابين من يلحق لواتة وهم ولد برّ بالبربر هذا بن كنعان بن حام، ومن اللواتيّين من يقول فيهم: إنهم قيس، ويعبرون أنهم من ولد جابر بن بغيض، بن ريث، بن غطفان؛ وأنّ جابراً جدّهم عمّ فزارة. ومن لواتة ومزاتة من يزعم أنهم قوم نافلة صاروا إلى بلد البربر، وأن البربر إنما هم هوّارة، وصنهاجة، وأن أباهم تزوّج امرأة منهم يقال لها: تصوين، فنسبوا إلى أمهم، وهوّارة تزعم أنهم قوم نافلة من يمن جهلوا أنسابهم.\rوولد لواتة بن برّ: وهو لواتة أربعة أفخاذ: وهم زُنَّارة ومصَّانا ونيطا وتطوفا؛ ولكل فخذ من هذه الأفخاذ عدّة عشائر، حصل الإضراب عن ذكرها رغبة في الاختصار. فلنرجع إلى عمود النسب فنقول: إن عمود النسب الشريف من سام بن نوح في ابنه أرفخشذ بن سام؛ وأمّه من بنات الملوك.\rوكان سام من الأولاد غير أرفخشذ: إرم ولاوذ وأشوذ وغليم وماش والموصل ولد وأبو الأرمن وخوزستان أولاد سام. وفيهم خلاف عند النسابين.\rوالعقب من إرم بن سام من عوص وجائر وماشٍ وأهلوا وإيران أولاد إرم.\rفالعقب من أهلوا بن إرم بن سام: قادسان.\rوالعقب من أكراد جدّ القبيلة المعروفة بالأكراد، في قول أكثر النسّابين. ومن عشيرة القبيلة من يذكر أنهم من بني عمرو بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن العبسيّ كما نذكره في بني هوازن.\rوفي الأكراد عدّة بطون: كالحلالية والمروانية وغيرهما.\rوقد ذكر بعض النسابين أن كرد بن مُرد بن يافث بن نوح. وفي ذلك خلاف.\rوالعقب من عوص بن إرم بن سام: عاد، وبه سميت عاد إرم.\rوالعقب من ماشٍ بن إرم بن سام من نبيط: وهو نبط سواد العراق.\rوالعقب من جاثر بن إرم: ثمود وجديس. فالعقب من ثمود بن جاثر: فالج وهيلع وبنوق وأرام؛ من ولده صالح النبي عليه السلام ابن أسف بن كماشج بن أرام بن ثمود.\rوالعقب من لاوذ بن سام: عمليق وهو أبو العمالقة والفراعنة والجبابرة بمصر والشام، وطسم بن لاوذ وأميم بن لاوذ. وفرعون موسى: هو الوليد بن مصعب ابن أسمير بن الهون بن عمليق بن لاوذ بن سام.\rوولد الفرس أشور بن سام: تيرش وهم الفرس؛ وبهم سميت فارس؛ ومنهم الأكاسرة.\rوولد غليم بن سام: خوزان وهم الخوز الذين مساكنهم بلاد الأهواز مما يلي بحر الصين.\rفلنرجع إلى سرد عمود النسب فنقول: إن عمود النسب منه في شالخ بن أرفخشذ وكان له من الأولاد غير شالخ مالك وقينان ابنا أرفخشذ. قال: وزعموا أن قينان أول من نظر في علم النجوم بعد الطوفان واستنبط ذلك من تنور صفر كان فيه علمها قبل الطوفان، ودفن في الأرض فاستخرجه وعلم ما فيه.\rوالعقب من شالخ في ابنه عابر بن شالخ، وعابر: هو هود النبي عليه السلام؛ وأمه مرجانة وهو جماع النسب. وله من الأولاد: فالغ، وفيه عمود النسب، وهو أبو قريش وقحطان ويقطن. فولد يقطن بن عابر: جرهم بن يقطن، كانوا ولاة البيت الحرام فمكثوا ما شاء الله، ثم استحلوا المحارم، وكثرت فيهم المآثم، فأخرجهم الله تعالى من جوار بيته، ورماهم بالفناء فلم يبق منهم أحد. وفيهم يقول القائل: وبادوا كما بادت بقية جرهم وقحطان بن عابر هو أبو اليمن كلها، وجذم نسبها.\rوولد قحطان هم العرب المتعربة؛ إذ العرب ثلاث فرق: عاربة ومتعربة ومستعربة.\rفأما العاربة فهم تسع قبائل من ولد إرم بن سام بن نوح: وهم عاد، ثم ثمود، ثم أميم، ثم عبيل، ثم طسم، ثم جديس، ثم عمليق، ثم جرهم، ثم وبار. فعاد وعبيل ابنا عوص بن إرم بن سام بن نوح، وطسم وعمليق وأميم: بنو لاوذ بن سام؛ وثمود وجديس ابنا جاثر بن إرم بن سام؛ ووبار وجرهم ابنا فالغ بن عابر: فهذه العرب العاربة.\rوأما المتعربة فهو بنو قحطان بن عابر الذين نطقوا بلسان العرب العاربة وسكنوا ديارهم.\rوأما المستعربة فهم بنو إسماعيل بن إبراهيم: وهم بنو عدنان بن أد.\rقال الشريف الجواني: وهذا مختصر من نسب اليمن. قال: إن العقب من قحطان بن عابر من يعرب بن قحطان: وهو الذي زعمت يمن العرب إنما سميت عربا به وأنه أول من تكلم بالعربية ونزل أرض اليمن فهو أبو اليمن كلها.","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"وذكر بعض النسابين أن حضرموت بن قحطان، وإليه ينسب كل حضرمي. وقيل. حضرموت من ولد حمير، وإنه حضرموت بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير. قال: وعلى ذلك اعتماد شيوخنا في النسب.\rوقال آخرون: هو حضرموت بن يقطان بن عابر.\rفولد يعرب بن قحطان: يشجب؛ فولد يشجب بن يعرب: سبأ واسمه عبد شمس؛ وإنما سمي بسبأ لأنه أول من سبى من العرب، فولد سبأ بن يشجب: حمير وكهلان.\rوقالت طائفة من النسابين: ومراء بن سبأ. فولد مراء بن سبأ: شعبان قبيلة وصريحان قبيلة، ولهم عدد ومدد.\rوولد حمير بن سبأ بن يشجب: مالكا عامرا وعوفا وسعدا ووائلة وعمرا وهميسعا.\rفأما عمرو بن حمير فهم آل ذي رعين ملوك اليمن: وهم بنو الحارث بن عمرو بن حمير.\rومن النسابين من ينسب ذا رعين إلى أنه ولد زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن حمير: وهم عشيرة ذي أصبح وعشيرة سيف بن ذي يزن.\rقال: وشيوخنا في النسب ينسبون التبابعة الملوك إلى أيمن بن هميسع بن حمير ولا خلاف عندهم فيه وأنهم يرجعون إلى أيمن.\rوأما عامر بن حمير، فمنه قبائل يحصب كلها، وهو يحصب بن دهمان بن عامر بن حمير. قال: ومن شيوخ النسب من قال: يحصب بن ذي يزن بن ذي أصبح بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة، وهم حمير الأصغر.\rوأما هميسع بن حمير فمن ولده: صنهاجة: القبيلة المشهورة المعقبة بالمغرب وفي ذلك خلاف؛ وهي من بني زهير بن أيمن بن هميسع بن حمير، وصنهاجة اسم الجد للقبيلة كلها: وهو صنهاجة بن المثنى بن المسور بن يحصب بن ذي يزن بن ذي أصبح بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة، وهم حمير الأصغر بن سبأ الأصغر بن كعب بن كهف الظلم، بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن هميسع المذكور.\rقال: وإلى ذي أصبح هذا يرجع الإمام مالك بن أنس الأصبحي. وقيل: ذو يزن بن أسلم بن زيد، وذو أصبح بن مالك بن زيد.\rقال: ومن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس هذا الذي في عمود النسب ثلاث بطون غير سهل بن عمرو: وهم شعبان بن عمرو وحيران بن عمرو وحضرموت بن عمرو؛ وحضرموت هذا هي القبيلة التي ينسب إليها كل حضرمي وقد تقدم ذكره.\rوأما سعد بن حمير، فمنه السلف البطن المشهورة، وأسلم بطن: وهما ابنا ربيعة بن سعد بن حمير.\rوأما وائلة بن حمير، فمنهم السكاسك: وهم بنو زيد بن وائلة بن حمير، وهي غير سكاسك كندة.\rوأما مالك بن حمير فمن ولده قضاعة: وهم قضاعة بن مالك بن مرة بن عمرو بن زيد بن مالك بن حمير البطن المشهورة على ما نذكره. وقيل: إنها من ولد معد بن عدنان وفي ذلك يقول القائل:\rأبوكم معد كان يكنى ببكره ... قضاعة ما كنى به من تجمجما.\rومن قضاعة ثلاث بطون: وهم عمران بن الحاف بن قضاعة وعمرو بن الحاف وأسلم بن الحاف بن قضاعة.\rفأما البطن الأولى من قضاعة: وهم ولد عمران، فأعقب حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة من خمس قبائل: وهم تغلب الغلباء، ويقال: تغلبي قضاعي أو يمني، يراد به هذا الأب؛ وتغلبي معدي أو نزاري، فيراد به تغلب بن وائل بن قاسط الذي في أسد بن ربيعة بن نزار؛ وعشم بن حلوان، وزبان بن حلوان، وعمرو بن حلوان وهو سليح وتزيد بن حلوان بالتاء باثنتين من فوق وفتحها.\rوالعقب من تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة: وبرة بن تغلب.\rوالعقب من وبرة بن تغلب من خمس أفخاذ: كلب بن وبرة، وإليه ينسب كل كلبي، وفيهم عدة أفخاذ وعشائر: كبني عوف وبني ضمضم وبني غليم وبني زهير وبني كنانة، والجميع عشائر يرجعون إلى عذرة بن زيد الله بن رفيدة بن ثور بن كلب، وعرينة بن ثور بن كلب بن وبرة، وإليه يرجع كل عرني، وأسد بن وبرة، والبرك بن وبرة، والنمر بن وبرة، والتغلب بن وبرة، وفهد، وضبع، ودب، وسيد، وسرحان، وذئب أولاد وبرة بن تغلب الغلباء.\rفمن أسد بن وبرة: بنو القين بن جسر بن شيع الله بن أسد، وتنوخ: وهو مالك بن زهير بن عمرو بن فهم بن تيم الله بن أسد؛ وإلى تنوخ هذا ينسب كل تنوخي؛ وإليه يرجع أبو العلاء المعري الشاعر.","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"وأعقب نمر بن وبرة بن تغلب في ثلاث أفخاذ: خشين، وإليه يرجع كل خشني وهو نمير، منهم أبو ثعلبة الخشني الصحابي رضي الله عنه؛ ومشجعة بن تيم بن النمر بن وبرة، وإليه يرجع كل مشجعي، وغاضرة بن النمر وعاتية بن النمر إلا أنهما دخيلان في سليم. قالوا: عاتية وغاضرة ابنا سليم بن منصور.\rوأما زبان بن حلوان فأعقب من جرم بن زبان، وإليه يرجع كل جرمي. وفي جرم عدة بطون: منها ملكان بن جرم بفتح الميم واللام؛ بطن.\rوأما عمرو بن الحاف بن قضاعة فأعقب من ثلاث أفخاذ: بلي بن عمرو، وبهراء بن عمرو، وحيدان وعريد بن حيدان، وقيل: حدان بن عمرو؛ وإلى بلي هذا ينسب كل بلوي ككعب بن عجرة البلوي، وبنو العجلان، وبنو أنيف، وبنو عصية: وهم كلهم حلفاء الأنصار: بني عمرو بن عوف من الأوس وهي قبائل من بلي في الأنصار، منهم: المجذر بن زياد وطلحة بن البراق، وأبو بردة بن نيار الصحابي بلوي حليف الأنصار واسمه هانئ.\rوأما بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، فإليه ينسب كل بهراني كالمقداد بن الأسود الكندي ولم يكن كندياً ولكن كان بهرانياً قضاعياً: لأنه المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود بن عمرو بن سعد بن لؤي بن ثعلبة بن مالك بن الشريد بن أبي هون بن قيس بن دريم بن القين بن أهود بن بهراء. وإنما قيل المقداد بن الأسود لأن الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة تبناه لحلف كان بينهم فنسب إليه، وكان أبوه عمرو حليفا في كندة. وفي بهراء بطون.\rوأما حيدان، ويقال: حدان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، فمن بطونه خمس: عريب بن حيدان، وتزيد بن حيدان؛ وإليه تنسب الثياب التزيدية، ومهرة بن حيدان. وإلى مهرة هذا ينسب كل مهري، وفي مهرة أفخاذ، وحيادة بن حيدان.\rوأما أسلم بن الحاف بن قضاعة، فأعقب من فخذين: حوتكة وسود؛ فأما سود بن أسلم بن الحاف، فأعقب من زيد وليث ابني سود، وأعقب زيد بن سود من أربع بطون: جهينة، وإليه يرجع كل جهني، ونهد: رهط أبي عثمان النهدي؛ وإليه يرجع كل نهدي، وسعد هذيم، وعذرة؛ وإليه يرجع كل عذري أولاد زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة.\rوقال ابن الكلبي: عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن كلب بن وبرة.\rفأما جهينة بن زيد، فرهط عقبة بن عامر الجهني الصحابي. وفي جهينة الحرقة وهم بنو أحمس بن عامر بن مودعة بن جهينة.\rوفي نهد بن سود المقدم ذكره: بنو حرقة بن خزيمة بن نهد.\rوفي عذرة بن زيد بن سود بن أسلم: بنو ضنة بالنون بن عبد بن كبير بن عذرة بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة.\rومن ولد ليث بن سود بن سلم: بنو علة بكسر العين مشددة اللام بن غنم بن سعد بن زيد بن ليث بن سود، وفي سعد هذيم بن زيد بن سود: بنو علة بن غنم بن ضنة بن سعد هذيم بن زيد بن سود بن أسلم.\rقال: فهذا نهاية الاختصار في نسب حمير. وهذا ولد كهلان أخيه.\rقال: وولد كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر عليه السلام: زيدا، فولد زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن قحطان: مالكاً وعربياً وهما فخذان.\rفالعقب من عريب بن زيد بن كهلان من يشجب.\rوالعقب من يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان من زيد بن يشجب.\rوالعقب من زيد هذا: أدد بن زيد بن يشجب.\rوالعقب من أدد في طيء بن أدد، واسمه جلهمة؛ وهو البطن العليا، وإليه ينسب كل طائي، والأشعر بن أدد، وإليه يرجع كل أشعري، واسم الأشعر نبت، وإنما قيل له الأشعر: لأنه ولد أشعر الجسد، ومالك بن أدد وهو مذحج، وإليه يرجع كل مذحجي. وقيل: إن مذحج أم مالك بن أدد فنسب إليها ولدها. وقيل: بل هي أكمة حمراء ولد عليها مالك، فعرف بها ولده. وقيل: بل اجتمعوا على الأكمة باليمن، والأكمة تسمى مذحج، فقالوا: تعالوا نجعل مذحجاً أماً.\rوذكر ابن عبد البر في روايته: أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" أكثر القبائل في الجنة مذحج \" : ومذحج إحدى الجماجم التسع من جماجم العرب، سموا جماجم لأن ميلادها استوى بميلاد قبائل بإزائها من أفناء العرب، ثم تفرعت منها قبائل اجتزأت بأسمائها والانتساب إليها فبعدت واكتفت بانتسابها إليها. ومرة بن أدد: أربع أبطن لأدد.\rوالعقب من طيء بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان من فخذين: فطرة والغوث ابني طيء.","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"والعقب من فطرة بن طيء بن أدد من سعد بن فطرة. ومنه في خارجة بن سعد ومنه في جندب، ومنه في رومان بن جندب.\rوالعقب من رومان بن جندب بن خارجة بن سعد بن فطرة من بطنين: ذهل وثعلبة، وهما الثعلبتان وجماعة صغار.\rوالعقب بن الغوث بن طيء من عمرو بن الغوث.\rوالعقب من عمرو بن الغوث بن طيء من ثعل: بطن، ونبهان: بطن، وهناء بن عمرو: بطن، وثعلبة بن عمرو: بطن، ومزروعة بن عمرو: بطن، وحسان بن عمرو: بطن، وزيد بن عمرو: بطن، وخشين بن عمرو: بطن؛ وإلى نبهان هذا ينسب كل نبهاني.\rوالعقب من نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيء من ابنيه: سعد ونائل، ومن بني سعد بن نبهان: بنو اليسر بن ثعلبة بن نصر بن سعد بن نبهان: فخذ، وإلى هناء بن عمرو هذا ينسب كل هنائي.\rوالعقب من ثعل بن عمرو بن الغوث. فأما سلامان فالعقب منه من عنيز وثعلبة وسل أولاد سلامان لصلبه؛ وعنيز هذا جد القبيلة المشهورة؛ وثعلبة هذا جد ثعلبة طائفة من العربان المجاورين للداروم من الشام وهم بطنان: درما وزريق، فالعقب من عنيز بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء من فخذين: فرير بن عنيز، له عدد، وعتود بن عنيز.\rوالعقب من عتود، من معن وبحتر ابنيه، وإليهما يرجع كل معني وبحتري، والشاعر البحتري منهم.\rوالعقب من معن بن عتود من ثلاث: ثوب، وود، ومالك: بني معن بن عتود.\rوالعقب من ثوب بن معن: غنم له عدد، وأبو حارثة فأعقب من غنم بن ثوب بن معن بن سلسلة الفخذ التي يرجع إليها كل بني سلسلة المعنيون.\rوأما بحتر بن عتود بن عنيز بن سلامان فالعقب منه في تدول بن بحتر.\rوالعقب من تدول من ستة أفخاذ: وهم جدي، وسنام، وأيمن، وخيثم، وأعور، وسالم أولاد تدول.\rوأما ثعلبة بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء فأعقب من عوف بن ثعلبة، وأعقب عوف من فخذين: درما وزريق؛ ودرما هو عمرو بن عوف ودرما أمه. فأعقب درما بن عوف بن ثعلبة بن سلامان من خمس أفخاذ: سلامة والأحمر وعمرو وقصير والأوس: أولاد درما. وأعقب زريق بن عوف بن ثعلبة من فخذين: لبنى والأشعث ولدي زريق.\rوأما جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء، فأعقب من ابنيه: معاوية وربيعة؛ فأعقب معاوية بن جرول من سنبس: القبيلة المشهورة، وعدي ولوذان: أولاد معاوية.\rوالعقب من سنبس بن معاوية بن جرول من ثلاث أفخاذ: عمرو، ولبيد، وعدي؛ فأما لبيد بن سنبس، فأعقب من حرمز، فأعقب حرمز من يحصب وجرم؛ وعقدة أولاد لبيد فخذان. وإلى لبيد هذا تنسب العرب السنابسة الذين بالبحيرة من أعمال مصر؛ وهم من فخذ يقال لها: قنة بن خلاد.\rوأما عدي بن سنبس بن معاوية، فأعقب من أبان بن عدي، وهو فخذ.\rوالعقب من ربيعة بن جرول بن أبي أحزم: هزومة، وأعقب هزومة من أحزم، وأعقب أحزم من عبشمس مكسور الباء متصلاً.\rوأما مذحج: وهو مالك بن أدد بن زيد فأعقب من أفخاذ أربعة: سعد العشيرة، ومراد: هو يحابر، وعنس، ولميس، وجلد أولاد مالك وهو مذحج. وإلى مراد هذا ينسب كل مرادي، وسمي مراداً لتمرده، وإلى عنس ينسب كل عنسي، منهم عمار بن ياسر الصحابي والأسود العنسي الكذاب.\rوالعقب من سعد العشيرة بن مالك من ثلاث عشرة فخذاً: وهم زيد اللات، وعابد اللات، وعبد اللات، وجا، وجعفي، وجرد، وحكم، وأوس اللات، ونمرة، وأنس اللات، وسعد اللات، وعمرو، وصعب: أولاد سعد العشيرة لصلبه. فإلى جعفي هذا ينسب الجعفيون، وإلى نمرة ينسب النمريون؛ وفي نمرة فخذان: جدا، على وزن ندا، وسلهم ابنا نمرة.\rوأما جعفي فالعقب منه في فخذين: مران، وحريم ابني جعفي بن سعد العشيرة، يرجع بنو سلهم بن حكم فخذ بكسر السين والهاء.\rوأما صعب بن سعد العشيرة، فالعقب منه في زبيد، واسمه منبه، وإليه يرجع كل زبيدي؛ وفيهم عدة أفخاذ منهم بنو حرب وغيرهم. وقيل للفخذ زبيد وهم بنو منبه الأكبر لأنه منبهاً الأصغر بن صعب بن سعد العشيرة بن مالك بن أدد قال: من يزبدني رفده؟ فأجابه إلى ذلك أعمامه كلهم بنو منبه الأكبر، فقيل لهم جميعاً زبيد. ومن بني زبيد مازن بن منبه.\rوالعقب من مراد بن مذحج من فخذين: ناجية وزاهر ابني مراد بن مذحج.","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"والعقب من ناجية: جمل بن كنانة بن ناجية بن مراد: رهط هند بن عمرو الجملي الذي قتله ابن يثربي في يوم الجمل؛ وجمل هذه رهط سيفويه القاص. قال: وينزلون بنهر الملك؛ وعطيف بن ناجية بن مراد رهط فروة بن مسيك العطيفي الصحابي، وسلمان بن يشكر بن ناجية بن مراد رهط عبيدة السلماني؛ وهو جاهلي إسلامي من كبار التابعين.\rومن ناجية: قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد: رهط أويس القرني نفعنا الله والمسلمين ببركته.\rوفي مراد، تجوب: وهو رجل من حمير، كان أصاب دماً في قومه فلجاً إلى مراد فقال: جئت إليكم أجوب البلاد لأحالفكم؛ فقيل له: أنت تجوب، فسمي به؛ وهو في مراد رهط عبد الرحمن بن ملجم المرادي التجوبي لعنه الله، قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.\rوأما جلد بن مذحج، فأعقب منه علة بن جلد؛ والعقب من علة من ثلاث أفخاذ: عمرو وعامر وحرب. فمن بني حرب بن علة: رهاء: وهو رهاء بن منبه بن حرب بن علة: منهم مالك بن مرارة الرهاوي الصحابي، ويزيد بن شجرة الرهاوي، وصداء: وهو يزيد بن حرب بن علة، منهم زياد بن الحارث الصدائي الصحابي.\rوأما عمرو بن علة بن جلد بن مذحج، فالعقب منه ثلاث أفخاذ: النخع القبيلة المشهورة، وكعب، وعامر.\rفأما النخع بن عمرو، فأعقب منه فخذان: مالك وعوف ابنا النخع.\rوأما كعب بن عمرو، فأعقب منه فخذان: الحارث، وهم بلحارث بن كعب ورعيل بن كعب.\rوأما عامر بن عمرو بن علة، فالعقب منه في فخذ واحدة: وهي مُسلية بن عامر.\rوأما مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، فأعقب من فخذين: مرهم والحارث ابني مرّة بن أدد؛ فالعقب من الحارث من فخذين: عديّ ومالك ولديه. فالعقب من مالك بن الحارث بن مرّة خولان بن عمرو بن مالك وإليه يُنسب كل خولانيّ، ومعافر بن يعفر بن مالك بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب؛ وإليه ترجع المعافر في أنسابها، ولهم خطة بمصر، ومنهم فخذ بني قرافة وهي أمّهم: وهم الذين عُرفت بهم القرافة بمصر، ومسجدهم المسجد المعروف بمسجد الرحمة بالقرافة؛ وهم بنو عضِّ بن سيف بن وائل بن الحريّ بن المعافر بن يعفر.\rوأما عديّ بن الحارث بن مرّة فأعقب من أربع أبطن لصلبه: وهم عُفير ولخم: قبيلة؛ واسمه مالك بن عديّ، وجذام بن عديّ: قبيلة؛ واسمه عامر، والحارث بن عديّ وهو عاملة: قبيلة، وإنما سُميا لخماً وجُذاماً: لأن أحدهما لخم وجه أخيه فسمي لخماً، واللخمة: اللطمة، وجذم الآخر إصبع أخيه فقطعها فسُميّ جُذاماً: وهما القبيلتان المشهورتان؛ والحارث بن عديّ وهو عاملة وإليه يرجع كلّ عاملي، وعاملة وهي أمعم بنت مالك بن وديعة بن قُضاعة؛ وهي أمّ ولد الحارث المذكور.\rفأما عُفير بن عديّ بن الحارث فأعقب من ثور بن عُفير، وثور هو كندة الملوك فأعقب كندة من فخذين: معاوية وأشرس ابني ثور. والعقب من معاوية هذا من ابنيه مُرتِّع وزيد؛ فمن ولد مُرتِّع: بنو امرئ القيس وبنو الرائش وبنو معاوية الأكرمين وبنو وهب. وبنو بدّاً مشدد، خمسة: بنو الحارث بن معاوية بن ثور بن مُرتِّع. وإلى معاوية بن الحارث يرجع امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن معاوية المذكور الكنديّ الشاعر. والنسب إلى امرئ القيس بن الحارث بن معاوية المقدّم ذكره: مرقسيّ، مسموع عن العرب، وكلّ امرئ القيس غيره في العرب فالنسب مرئيّ بوزن مرعيّ.\rوالعقب من أشرس بن ثور وهو: كندة بن عُفير بن عديّ: السَّكون بن أشرس، والسَّكاسك: وهو حُميس السَّكسك بن أشرس، وإليهما يُنسب السَّكونيون والسَّكسكيون؛ ومن السكونيين معاوية بن حديج السكونيّ الصحابيّ، وحاشد بن أشرس، ومالك بن أشرس.\rوالعقب من السكون بن أشرس من فخذين: شبيب وعُقبة ابني السَّكون. أعقب شبيب بن السكون من أشرس وشكامة، فأعقب أشرس بن شبيب بن السَّكون بن أشرس من عديّ وسعد: وهم تُجيب البطن المشهورة؛ ولهم خطة بمصر، وعرفوا بتُجيب: وهي بنت ثوبان بن سليم بن رهاء بن منبّه بن حرب بن علة بن جلد بن مذحج.\rوالعقب من مالك بن أشرس بن شبيب المذكور: الصَّدف،واسمه عمرو بن مالك، وإليه يُنسب كلُّ صدفيّ بالفتح كما قالوا: شقريّ ونمريّ وسلميّ: في شقرة تميم ونمر بن قاسط وسلمة من الأنصار. ومن النسَّابين من قال: الصدف هو سماك بن عمرو بن دُعميّ بن حضرموت.","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"وأما لخم بن عدي، فأعقب من فخذين وهما لصلبه: نمارة وجديلة، ويقال: جُديلة؛ وذكر الوزير أبو القاسم بن المغربيّ أنه قيل فيها: جُديلة بالباء بواحدة.\rوالعقب من نمارة بن لخم بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد بن مالك بن نُمارة فخذ، وحبيب بن نمارة، وهو عممٌ وعديّ بن نمارة سُميّ بذلك لأنه أوّل من اعتمّ، وهو الذي عمّم ملوك العراق؛ ولهم اخوة صغار: كالوجفا بن نُمارة وقبيصة وعمرو وعوف ومجن أولاد نمارة أعقبوا؛ ومن يُنسب إليهم يُعزى لجدّهم لخم وأمّهم نمارة.\rومن بني مالك بن نمارة الفخذ الأولى: بنو راشدة بن مالك بطن مشهورة.\rومن بني عديّ بن نمارة؛ وهم عمم بن لخم: بنو نصر بن ربيعة من ربيعة بن نصر.\rومن ولد نصر بن ربيعة: النعمان بن المنذر بن ماء السماء: وهي أمّه، بضدّ ما في غسّان، لأن غسان عامراً ماء السماء أبٌ فهو ثمَّ أبٌ وها هنا أُمٌّ، وماء السماء ها هنا هو امرؤ القيس بن النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عديّ بن نصر بن ربيعة. قال: وفي ذلك خلاف.\rومن بني حبيب بن نمارة: بنو الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة، ينتسب كلُّ داري إلى هذه البطن، وهم رهط تميم الداريّ الصحابيّ المعروف بالمختطف، وقد انقرض تميم الداريّ ولا عقب له.\rوأما جزيلة بن لخم ويقال: جزيلة، فأعقب من أراش وحجر وحُليل ويشكر وعمرو، أولاد جزيلة بن لخم. فمن بني أراش بن جزيلة أرش بن أراش لا غير؛ ويقال: أريش مصغراً.\rوالعقب من أرش بن أراش من فخذين: غنم وحدس - بالحاء المهملة والدال المهملة المحرّكتين - والحمراء القبيلة؛ لها خطة بمصر، والأشعث فخذ، وهذه الحمراء في غيرها من الحمراء من قُضاعة، وفهم، وعدوان، والأزد، وهذيل بن مدركة وبني الأزرق وهم من الروم؛ ومنهم سُميت الحمراوات.\rفأعقب غنم بن أريش بن أراش بن جزيلة بن لخم من صعب وفهم وزرّ وعمرو: أولاد غنم.\rومن شيوخ النسب من قال: إن النعمان بن المنذر بن ماء السماء بن امرئ القيس بن المنذر بن النعمان بن امرئ القيس بن عُيينة بن أبي الحرام بن العمرَّط بن غنم بن عودة بن عبيد بن زرّ المذكور.\rوالعقب من حدس بن أُريش بن أراش بن جزيلة بن لخم من ربيعة ورميمة.\rوالعقب من ربيعة بن حدس أربع عشائر: منارة، وسعد، وكعب، والهذيم: بنو ربيعة.\rوالعقب من هذيم هذا من حُداد وعامر والحارث: بني الهذيم.\rوالعقب من رميمة بن حدس بن أُريش بن أراش بن جزيلة من عمرو وجدّه.\rوالعقب من عمرو بن رميمة هذا: الحارث وصعب وعلامة وعديّ والمنذر وثعلبة.\rفأما الحارث بن عمرو فأعقب من أُبيّ بن الحارث، فأعقب أُبيّ من كليب وعديّ.\rوالعقب من كليب بن أُبيّ بن الحارث من أربع أفخاذ: فيض والحارث وغنم وعميت: أولاد كليب.\rوالعقب من فيض بن كليب من أربع أفخاذ: أبي الشتاء، ورقاش، وقحران، وصابي: أولاد فيض بن كليب.\rوالعقب من الحارث بن كليب بن أبي من سعد وجده. وولد كعب بن غنم ثلاث أفخاذ: بني قرقر بن كعب وبني بر بن كعب وبني مرقش بن كعب. ومن بني بر بن كعب: بنو واسع بن كعب: وهم بنو رومي وزهير وزير وحسان وبر: أولاد واسع، كل منهم فخذ.\rوالعقب من عميت بن كليب بن أبي من دعجان وجده، ومن أفخاذه: مغالة بن دعجان: الفخذ المعروفة في آخرين.\rوأما حجر بن جزيلة بن لخم، فأعقب من ثلاث أفخاذ: أزدة وزغر وأذب. فأعقب أزدة من فخذين: منيع وعوف ابني أزدة بن حجر. وأعقب زغر بن حجر من مالك بن دعن، وهو الذي استخرج يوسف الصديق عليه السلام من الجب، وله عقب. فهذا مختصر في نسب لخم.\rوأما جذام واسمه عامر، فالعقب منه في بطنين: حرام وحشم ابني جذام.\rوالعقب من حرام بن جذام من فخذين: إياس ومالك ابني حرام بن جذام.\rوالعقب من إياس بن حرام من ربيل بن إياس، ومن سعد بن إياس، فأعقب سعد هذا من أفصى، فأعقب أفصى بن سعد بن إياس من فخذين: زيد ومالك ابني أفصى، وأعقب مالك هذا من سعد بطن المنسوب إليها بنو سعد جذام، وإن كان في جذام عدة سعود، لكن هذه ذات القعدد والبيت والصيت.\rومن ولد زيد بن أفصى بن سعد بن إياس بن حرام بن جذام: سعد بن مالك بن زيد المذكور: بطن؛ ووائل بن مالك ولهبة؛ وإلى وائل بن مالك بن زيد: يرجع زيد بن زنباع في نسبه.","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"والعقب من مالك بن حرام بن جذام، من وائل وسعد. أعقب وائل بن مالك من حبيش وجمع ومازن. من ولد حبيش: شعيب النبي عليه السلام: وهو شعيب بن ثويب بن حبيش المذكور ابن وائل بن مالك بن حرام بن جذام. وأعقب سعد بن مالك بن حرام بن جذام من غطفان: البطن الأكبر في جذام. وأعقب غطفان بن سعد من يامة بن عنبس بن غطفان وغنم بن غطفان. وأعقب يامة بن عنبس بن غطفان من علي بن يامة. وأعقب علي من كعب بن علي. وأعقب كعب بن علي من ثلاثة أفخاذ لصلبه: عبيد ومطرود وعوف؛ من ولد عبيد بن كعب هذا: الضبيب بن قرط بن حفيد بن تكنح بن عبيد: فخذ. وأعقب مطرود الضبيب هذا من ثعلبة بن أمية بن الضبيب: فخذ، وعمرو بن مالك بن الضبيب: فخذ. وأعقب مطرود بن كعب بن علي من خالد وعمرو ومبذول ونفاثة.\rفأعقب غنم بن غطفان بن سعد، من نضرة بن غنم في آخرين، فأعقب نضرة بن غنم بن صبرة الفخذ المشهورة ابن نصر.\rوالعقب من حشم بن جذام من بديل بن جشم. فالعقب من بديل: بكر وشنوءة ابني بديل. والعقب من بكر هذا من سود بن بكر. والعقب من سعد: أسود وعمرو ابنا سود. والعقب من أسعد بن سود بن بكر بن بديل بن جشم بن جذام من فخذين: السلم والهون ابني أسعد. وفي سود أيضاً: السلم بن مالك بن سود بإسكان اللام فخذ.\rوالعقب من عمرو بن سود من لهبة وحبيش وعداً: أولاد عمر.\rفهذا مختصر من نسب جذام.\rوأما عائدة: وهم ولد الحارث بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن يشجب وهو أخو جذام ولخم، فالعقب من الحارث بن عدي المذكور من فخذين: الزهد ومعاوية ابني الحارث: وهما ابنا عاملة كما تقدم؛ وزهد: فعل، من وهم: شيء زهيد أي قليل.\rوالعقب من الزهد بن الحارث بن عدي من ثلاث أفخاذ: عوكلان وزحفان وسلمان: بني الزهد. ومن بني عوكلان المذكور السلم بن ظبيان بن أبي عزم بن عوكلان المذكور.\rوالعقب من معاوية بن الحارث بن عدي أخو الزهد خمس أفخاذ لصلبه: ثعل، وعجل، وسلمة، وقرة، وثعلبة. قال: وهذا النهاية في اختصار نسب مرة بن أدد.\rوأما الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، فأعقب من جماهر بن الأشعر وله عدد، وعبد الثريا بن الأشعر وعبد شمس والأدغم ونعيم: أولاد الأشعر. وأعقب جماهير وهو جماهير بن الأشعر من ناجية بن جماهير له عدد. وأعقب ناجية من وائل بن ناجية وهو البيت.\rوهذا مختصر نسب الأشعريين. ومنهم من الصحابة: أبو موسى وأبو عامر وأبو برزة؛ وهم فخذ متسع وفيه عدة أفخاذ وعشائر يطول الكتاب بشرحها.\rقال: وهذا نسب بني مالك بن زيد بن كهلان بن سبإ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.\rفالعقب من مالك بن زيد من بطنين: وهما نبت والخيار ابنا مالك. والعقب من نبت من الغوث ابنه. والعقب من الغوث بن نبت من عمرو والأزد؛ وإلى هذا الأزد ينسب كل أزدي.\rفمن ولد عمرو بن الغوث: بجيلة: وهم ولد أنمار بن أراش بن عمرو بن لحيان بن عمر وأم الغوث وبجيلة بن أنمار: وهي بنت صعب بن سعد العشيرة بن مذحج، وقد قيل: بل هي أم ولد أنمار.\rوالعقب من أنمار بن أراش بن عمرو بن لحيان بن عمرو بن مالك بن زيد: خمس قبائل: الغوث وعبقر وصهيبة ووداعة وأفتل: وهو خثعم: بنو أنمار بن أراش. قال: وذكر علماؤنا في النسب أن بجيلة هو عبقر والغوث وصهيبة، وسموا بذلك لأجل أمهم بجيلة، وأن خثعم هو أفتل وأمه هند بنت الغافق الأزدي، وسمي خثعم باسم جمل كان لآل أنمار أو لآل أفتل بن أنمار، وكانوا يسمونه خثعم. ويقال: بل قيل خثعم لأنهم تخثعموا بالدم؛ والأول أقرب إلى الصحيح.\rوالعقب من الغوث بن أنمار من ثلاث أفخاذ: وهم زيد وأحمس وقيس كندة: بنو الغوث. وفي أحمس هذا: أسلم بن أحمس: فخذ؛ وفي أسلم بن أحمس بن الغوث: دهن. معاوية بن أسلم بن أحمس؛ فخذ: رهط عمار بن أبي معاوية الدهني الصحابي.\rوالعقب من عبقر: بجيلة بن أنمار بن أراش بن عمرو من ثلاث أفخاذ: قسر وعلقة وقطن: أولاد عبقر. وفي قسر: عرينة بن زيد بن قسر، يقال له: قسري في النسب، ويقال: عرني. وإلى علقة يرجع كل علقي.\rوالعقب من صهيبة بجيلة بن أنمار بن أراش بن عمرو: أتيد بن خطام بن صهيبة بن أنمار: فخذ.\rوالعقب من زرعة بن أنمار بن أراش بن عمرو بن لحيان بن عمرو من ثلاث أفخاذ: حزرق وسمط وحبيب: أولا زرعة.","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"والعقب من خثعم وهو أفتل بن أنمار بن أراش بن عمرو بن لحيان من ثلاث أفخاذ: شهران وربيعة وناهش: أولاد عقرس بن خلف بن أفتل وهو خثعم. وفي ربيعة بن أفرس: بنو أكلب بن ربيعة.\rفهذا مختصر كاف في بجيلة وخثعم.\rوأما الأزد بن الغوث واسمه دراء: مثل رداء وقيل: درء مثل درع، فالعقب من ولده أربع أبطن: وهم مازن وغسان؛ وغسان ماء بسد مأرب باليمن وقيل: بالمشلل نزلوا به فنسبوا إليه. وإلى غسان هذا ينسب كل غساني، ونصر وعبد الله والهنو بنو الأزد بن الغوث. وإلى غسان هذا يرجع الأنصار، وقد يكون من غسان من ليس أنصارياً كثيراً، ويكون من مازن من ليس غسانياً.\rوالذي نزل على غسان من الأزد بعض بني امرؤ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن وماوية وربيعة وامروئ القيس: بنو عمرو بن الأزد، وكرز وعامر ابنا ثعلبة البهلول بن مازن بن الأزد.\rوالعقب من عبد الله بن الأزد بن الغوث من ثلاث أفخاذ: الحارث وقرن وعدثان: أولادعبد الله بن الأزد.\rوالعقب من عدنان هذا من عك وسود ومالك وغالب وكعب. ومن بني سود بن عدنان: طاحية بن سود: فخذ.\rوالعقب من عك بن عدنان فخذان: الشاهد وصحار ابنا عك.\rوالعقب من الشاهد بن عك: غافق، وإليه ينسب كل غافقي، قال: ولهم خطة بمصر، وساعدة ابنا الشاهد. وقيل: بل هو غافق بن الحارث بن عك بن الحارث بن عدنان.\rوالعقب من صحار بن عك بن عدنان: بولان وعبس وغسان: أولاد صحار هذا.\rوأما نضر بن الأزد، فأعقب من مالك بن نصر من أربع قبائل: عبد الله وراسب وميدعان وأكفر من حمار: أولاد مالك بن نصر بن الأزد. وإلى راسب ينسب كل راسبي. وفي بني مالك راسبيون أخر يأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى.\rوالعقب من عبد الله بن مالك في كعب بن عبد الله. ومنه في الحارث بن كعب.\rوالعقب من الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك من ثلاث أفخاذ: كعب ومالك ونبيشة وهو فاسخة. فمن ولد فاسخة بن الحارث بن كعب: بنو غراء بن شريق بن فاسخة؛ ومن ولد مالك بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر: بنو مجاعة وبنو الأرنب: ابني مالك.\rوالعقب من كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر: زهران وأحجن وعبد الله: أولاد كعب بن الحارث. وإلى زهران ينسب كل زهراني.\rومن أفخاذه: دهمان بن نصر بن زهران، وغاضرة بن زهران، ودوس بن عدنان من زهران، منهم: أبو هريرة الدوسي الصحابي؛ واسمه عمرو بن عامر، وفي اسمه خلاف.\rوالعقب من أحجن بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر من ثلاث: أسلم ولهب وفرن، أولاد أحجن فمن أفخاذ أسلم هذا: بنو ثمالة وهو عوف بن أسلم بن أحجن: رهط محمد بن يزيد المبرد النحوي؛ وفيه يقول عبد الصمد بن المعدل:\rسألنا عن ثمالة كل حي ... فقال القائلون: ومن ثماله؟\rفقلت: محمد بن يزيد منهم ... فقالوا: زدتنا بهم جهاله.\rوأما ميدعان بن مالك بن نصر فمنه أربع أفخاذ: راسب وإليه ينسب الراسبيون أيضاً، ومنهب وحبيب ومعاوية: بنو مالك بن ميدعان.\rفهذا مختصر نسب بني نصر الأزديين.\rوأما الهنو بن الأزد، فأعقب من سبع أفخاذ: الهون وبديد ودهنة وبرقا وعوجا وأفكه وحجر: أولاد الهنو. فأعقب الهون من فخذين: الندب ونكل.\rوأما مازن بن غسان بن الأزد فأعقب من فخذين لصلبه: وهما عمرو وثعلبة العنقاء، سمي بالعنقاء: لطول عنقه.\rفالعقب من عمرو بن مازن بن الأزد في عدة أولاد، كلهم في الأزد، من جماجمهم: عدي والعاص. فأما العاص فمن ولده: بنو بقيلة بن سنين بن زيد بن سعد بن عدي بن نمير بن صوفة بن العاص بن عمرو بن مازن، وسمي بقيلة: لأنه لبس ثوبين أخضرين.\rوأما عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد، فأعقب من عدة أولاد، من جماجمهم: هند بن هند بن عمرو بن عدي وصبرة بن عمرو بن صبرة بني حارثة بن عدي ومسعود بن مازن بن ذئب بن عدي؛ إليه يرجع سطيح الكاهن وكل مسعودي في الأزد، وجميع بني عدي بن عمرو يعزون إلى الأزد.\rوأعقب ثعلبة العنقاء بن مازن بن غسان من امرئ القيس البطريق بن ثعلبة؛ فأعقب امرؤ القيس البطريق: حارثة الغطريف؛ فأعقب الغطريف من عامر ماء السماء؛ فأعقب عامر ماء السماء من عمران وعمرو وهو مزيقياء سمي بذلك: لأنه كان يمزق في كل يوم حلتين لئلا يلبسهما غيره.","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"والعقب من عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة العنقاء بن مازن بن غسان وهو السراج بن الأزد بن الغوث في ست أفخاذ: ثعلبة: بطن الأنصار، وحارثة: بطن خزاعة، وجفنة: بطن، وعمران من أزد عمان، ومحرق: بطن، سمي بذلك لأنه أول من حرق بالنار، وكعب: أولاد عمرو مزيقياء وإليهما يرجع نسب الأنصار، فأما الأوس بن ثعلبة بن عمرو فأعقب من مالك بن الأوس، وأعقب مالك من خمس قبائل: النبيت، وعوف، وجشم، وامرئ القيس، ومرة: أولاد مالك بن الأوس.\rقال: وسمي النبيت نبيتاً لكثرة ولده، فأعقب النبيت من فخذين: الحارث وكعب وهو ظفر بن الخزرج بن النبيت الأوسي. فأعقب الحارث بن الخزرج بن النبيت من ابنيه: جشم وحابية. فأعقب جشم من رعوان وانقرض، ومن عبد الأشهل: ابني جشم. وأعقب حابية بن الحارث من مجذعة وجويرة وجشم بن حارثة. ومن بني جشم بن حارثة: بنو خديج بن رافع بن عدي بن جشم، وطهر بن رافع بن عدي.\rوأما ظفر وهو كعب بن الخزرج بن النبيت بن مالك بن الأوس - وبنو ظفر البطن المشهورة في الأوس - فأعقب من أربع أفخاذ: وهم بنو مرة وهيثم وعيد رداح وسواد: بني ظفر بن الخزرج. ومن بني سواد: بنو الحطيم بن عدي بن عمرو بن سواد: فخذ؛ فهؤلاء بنو النبيت.\rأما عوف بن مالك بن الأوس، فأعقب من عمرو، وأعقب عمرو من لوذان، فجدهم بنو السميعة وثعلبة وحبيب وعوف: أولاد عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس.\rوالعقب من عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس من بنيه: مالك وجلس وكلفة. فأعقب مالك بن عوف من بنيه: عزير ومعاوية وزيد. وأعقب زيد بن مالك هذا من ضبيعة: الفخذ المشهورة، وأمية الفخذ المشهورة في الإسلام، وعبيد أولاد زيد. وبنو ضبيعة بن زيد بن مالك، يقال لولده: بنو كسر الذهب، منهم: بنو حارثة بن عامر بن مجمع بن عطاف بن ضبيعة بن زيد: بطن معروفة. ومن أفخاذ كلفة بن عمرو بن عوف: جلاح بن حريش بن جحجبي من كلفة: بطن.\rوأما جشم بن مالك بن الأوس بن حارثة، فأعقب من خطمة: بطن؛ واسم خطمة عبد الله، وإنما سمي خطمة: لأنه خطم رجلاً بسيفه على خطمه فسمي به، وأعقب خطمة بن جشم من ثلاث أفخاذ: الحارث وعامر ولوذان: بني خطمة.\rوأما امرؤ القيس بن مالك بن الأوس، فأعقب من فخذين: بني السلم وبني واقف، وإليه يرجع كل واقفي في الأوس.\rوأما مرة بن مالك بن الأوس بن حارثة، فأعقب من ثلاث أفخاذ: عامر وسعيد ومازن.\rوهذا نهاية الاختصار في ولد الأوس.\rوأما الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء، فأعقب من خمس أفخاذ: الحارث وعمرو وعوف وجشم وكعب: بني الخزرج.\rوالعقب من الحارث هذا من سبع أفخاذ: عوف وحرديش وجشم وصخر وجديم والخزرج وزيد: أولاد الحارث، ومن عوف بن الحارث بن الخزرج: خدرة وخدار ابنا عوف؛ ولخدرة يرجع أبو سعيد الخدري، وهو فخذ بني خدرة.\rوأما عمرو بن الخزرج فمن ولده: بنو النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج: البطن المشهورة؛ واسم النجار: تيم الله يدعى العتر، وإليه يرجع حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الشاعر: أعني بالشاعر حسان، وقد انقرض عقب حسان.\rوأما عوف بن الخزرج فمن أفخاذه: بنو غنم قوقل: فخذ، وهو أطم كان لبني غنم، وسالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وغنم: رهط عبادة بن الصامت الصحابي. ومن بني عوف بن الخزرج: سالم الحبلى بن غنم بن عوف، سمي بذلك لعظم بطنه.\rوأما جشم بن الخزرج، فأعقب من فخذين: وهما تزيد وغصب ابناه لصلبه؛ فمن أفخاذ تزيد بن جشم هذا: بنو سلمة وربيعة ابنا سعد بن علي بن راشد بن ساردة بن تزيد. وسلمة رهط معاذ بن جبل الصحابي بكسر اللام.\rوأما غصب بن جشم بن الخزرج، فمن أفخاذه: بنو زريق وبياضة: ابني عامر بن زريق بن عبد بن حارثة بن مالك بن غصب بن جشم بن الخزرج.\rوأما كعب بن الخزرج فمن أفخاذه: سعيد وقيس ابنا سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي جذيمة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج؛ وقد انقرض قيس بن سعد بن عبادة.\rومن كعب بن الخزرج المذكور غير طريف هذا: ثلاث أفخاذ أخر إخوة طريف بن الخزرج هذا: وهم ثعلبة وعامر وعمرو؛ كان لعامر هذا ابن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأول: بنو قسية بن عامر وقد انقرضوا عن آخرهم.","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"فهذا مختصر كاف في أنساب الأوس والخزرج.\rوأما حارثة بن عمرو مزيقياء، فأعقب من أربع أفخاذ: عمرو بن ربيعة بن حارثة وهو أبو خزاعة؛ وإنما قيل لهم خزاعة: لأنهم انخزعوا من بني عمرو مزيقياء بن عامر، والانخزاع التقاعس والتخلف، فأقاموا بمر الظهران بجنبات الحرم وولوا حجابة البيت دهراً وهم حلفاء بني هاشم؛ وقد اختلف النسابون في خزاعة بعد إجماعهم على أنهم ولد عمرو بن لحي وأن خزاعة هو كعب بن عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، وهو ابن الياس بن مضر؛ وعمرو بن لحي: هو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه لأكثم بن أبي الجون الخزاعي: يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، ما رأيت رجلاً أشبه منه برجل منك، فقال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال: لا، لأنك مسلك وهو كافر والقصب: الحشوة من الأمعاء وهو المصران؛ وكان عمرو بن لحي أول من غير دين إسماعيل عليه السلام، فنصب الأوثان وسيب السائبة وبحر البحيرة ووصل الوصيلة وحمى الحامي. قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: نزل القرءان بلغة الكعبين: كعب بن لؤي وكعب بن عمرو بن لحي، وذلك أن دارهم كانت واحدة، وأفصى بن حارثة بن عمرو مزيقياء وعدي بن حارثة وعمرو بن حارثة.\rفأما عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء، قال شيخنا شيخ الشرف: عمرو هو خزاعة نفسه أعقب من خمس أفخاذ: كعب وسعد وعدي ومليح وهو لحي: بطن كثير بن عبد الرحمن الشاعر، وعوف بن عمرو وخزاعة.\rفأما كعب بن عمرو خزاعة بن ربيعة، فأعقب من ست أفخاذ: وهم منقذ وسلول وحبشية ومطرود ومازن وسعد: أولاد كعب بن عمرو خزاعة.\rفأما سلول بن كعب، وإليه ينسب كل سلولي، فأعقب من ثلاث أفخاذ: حبشية وعدي وحرمز، فأعقب حبشية بن سلول من قمير وضاطر وكليب وحليل وغاضرة: بنيه لصلبه. وأعقب عدي بن سلول من حبير وهينة وحريز: بني عدي.\rوأما حبشية بن كعب بن عمرو خزاعة، فأعقب من ابنيه لصلبه: غاضرة وحرام.\rوأما سعد بن عمرو وهو خزاعة، فأعقب من ثلاث قبائل: بني المصطلق، وبني عامر وبني الكاهن.\rوأما أفصى بن حارثة بن عمرو مزيقياء، فإنه أعقب من أسلم: بطن في آخرين: وهم ملكان وزيد وعمرو وعدي وجهادة وحطاب وسوادة وجريش وامرؤ القيس وصهيبة وجشم. فمن بني أسلم بن أفصى: سلامان: فخذ، وهوزن: فخذ: ابنا أسلم بن أفصى، ومن ملكان، بالفتح، بن أفصى: غبشان بن ملكان: فخذ، منهم: ذو الشمالين المقتول ببدر.\rوأما عديّ بن حارثة بن عمرو مزيقياء، فأعقب من سعد بارق، ونزل بماء بالسراة أيام سدّ مأرب يسمَّى بارق، وقيل: هو جبل. وقيل: بل تبعوا البرق فسموا بذلك وعمرو وعوف: بني عديّ.\rوأما عمران بن عمرو مزيقياء، فأعقب من الأسد والحجر ابنيه لصلبه؛ فأعقب الأسد من ثلاث أفخاذ: العتيك وشُهيل والحارث: بني الأسد. فمن ولدالعتيك: أسد بن الحارث بن العتيك: فخذ، ووائل بن الحارث، وإليه ينسب المُهلِّب بن أبي صفرة.\rوأما الحجر بن عمران بن عمرو مزيقياء، فأعقب من أربع أفخاذ: زيد مناة ومرحوم وعمرو وسود: أولاده لصلبه؛ فأعقب عمرو بن الحجر من ابنه رباب.\rوأما كعب بن عمرو مزيقياء، فأعقب من خمس أفخاذ: السموءل وحنظلة وثعلبة ومالك وقاتل الجوع: أولاد كعب بن عمرو.\rوأما عمرو بن حارثة بن عمرو مزيقياء، فأعقب من ثلاث أفخاذ: حارثة والرَّبعة وملادس: بني عمرو.\rوأما جفنة بن عمرو مزيقياء، فهم ملوك الشام. والعقب من جفنة من ثلاث أفخاذ: كعب ورفاعة والحارث: بني جفنة في آخرين.\rفالعقب من كعب بن جفنة بن مزيقياء، من أُمام والحارث: ابنيه لصلبه؛ ومن ولد أُمام: جبلة بن الأيهم بن عمرو بن جبلة بن الحارث الأعرج بن جبلة بن الحارث الأوسط بن ثعلبة بن الحارث الأكبر بن عمرو بن حجر بن هند بن أمام هذا بن كعب بن جفنة بن عمرو مزيقياء. وقيل: بل هو جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث الأكبر بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، وفيه اختلاف؛ وجبلة هو الذي تنصر في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومن رفاعة بن جفنة: السموءل بن أوفى بن عادياء بن رفاعة بن جفنة: بطن؛ وأعقب الحارث بن جفنة من المنذر بن النعمان بن الحارث: بطن، ومن الحسحاس ومنارة: ابني عوف بن الحارث: بطن. وجماعة من قبيلة الأرمن نصارى يزعمون أن جدّهم هيِّزٌ يرجع إلى جفنة غسّان.","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"وأما الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان، فالعقب من ولده في همدان: وهو أوسلة بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار المذكور. وقيل: هو الجبار بالجيم والباء الموحدة.\rوالعقب من همدان: ابن مالك بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان هذا، ومن جشم: ابن بكيل وهو الحبك: فخذ، وحاشد ابنا جشم لصلبه. فأعقب الحبك من دومان وسوران وخيران. فمن ولد دومان بن الحبك وهو بكيل: أرحب ومرهنه: ابنا عامر بن مالك بن معاوية بن صعب بن دومان، إليه يُنسب كلّ أرحبيّ. ومن حاشد ابن جشم بن خيران: سبيع: فخذ، ابن سبع بن صعب بن خيران بن معاوية بن كبير بن خيران: وهو مالك بن زيد بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران: رهط أبي إسحاق السَّبيعيّ؛ وفي ذلك خلاف بين النسّابين في الأسماء.\rوذكر بعض النسابين أنّ ألهان بن مالك: أخا همدان بن مالك، إليه يرجع ويُنسب كلّ ألهانيّ: وهم قليل، ويام بن أُحيّ بن نافع بن خيران وهو مالك بن زيد: رهط زُبيد الياميّ شيخ التَّوَّزيّ.\rوذكر بعض النّسابين: أن الأوزاع، وهم من مزيدة بن زيد عددهم في همدان وهم من حمير، وإليه يرجع كلّ أوزاعيّ. ومن ولد سدد بن زُرعة وهو حمير الأصغر: الأوزاع بن سعد بن عوف بن عديّ بن مالك بن زيد بن سدد، والأوزاع بن زيد بن سدد، والأوزاع بن سدد، والأوزاع بن شقران بن المعلل بن سدد.\rقال: وهذه النهاية في اختصار أنساب اليمن. وقد احتوت على الغاية في حسن إيصال البطون وتبيينها في الترتيب؛ فلنرجع إلى عمود النسب المحمديّ فنقول: إن عمود النسب من عابر بن شالخ في ابنه: فالغ بن عابر؛ وأمّه ميشاخا؛ وكان له من الولد غير عمود النسب الجبابرة، مثل تميم وقينان وسيري ومُدبِّر وغيرهم انقرضوا كلهم لم يعقب منهم إلا أرغو بن فالغ، وهو الجدّ الذي يرجع إليه كلّ قرشيّ وكل قيسي، وهو أحد شعبي النسب.\rوالعقب من ولده في أرغو بن فالغ وكان منه جبابرة انقرضوا. وعقبه في ابنه ساروغ بن أرغو. وكان له غير عمود النسب من العقب عشائر وأولاد جبابرة. منهم يعصم، ويعظم، ونعمان، وبعلاك، وبهران، وكاشم، وطولان، وغيرهم هلكوا دارجين.\rوالعقب منه في ابنه ناحور بن ساروغ، فالعقب من ناحور في ابنه تارح: وهو آزر بن ناحور.\rومن تارح غير عمود النسب: هاران بن تارح وناحور بن تارح، فولد هاران: لوطاً النبيّ صلى الله عليه وسلم.\rوعمود النسب من آزر في ابنه: إبراهيم خليل الله وهو الجدّ الحادي والثلاثون لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم! وأمه أدبا بنت نمر بن أرغو بن فالغ بن عابر. وله من الولد غير إسماعيل عمود النسب: إسحاق عليه السلام ويشباق: وهو طالب، وسوّاح: وهو خاضع، وزمران: وهو نجدان، ومدان، ويُقشان: وهو مصعب؛ فهؤلاء ولد إبراهيم عليه السلام لصلبه، والعقب منهم غير عمود النسب وهو إسماعيل لإسحاق لا غير. فولد إسحاق صلى الله عليه وسلم: يعقوب إسرائيل الله صلى الله عليه وسلم والعيص وهو عيصو، ولدا في بطن واحد، فخرج عيصو أوّلاً وخرج يعقوب بعده، ويده عالقة بعقبه فسميّ يعقوب. وأمّهما رفقا بنت ناحور بن تارح بنت عمّ أبيهما إسحاق. فولد العيص بن إسحاق: رعوال ويعُوس وأليفاز ويعلام وقُورح وروم. فولد أليفاز بن العيص: عمالق وغيره.\rوولد رعوال بن العيص: ناجب وغيره. وولد روم بن العيص بن إسحاق: بني الأصفر لأن روم كان رجلاً أصفر في بياض فلذلك سُمِّيت الروم: بني الأصفر.\rقال: وعمّر عيصو مائة وسبعا وأربعين سنةً. وكذلك يعقوب؛ ودفنا معاً عند قبر أبيهما إبراهيم الخليل عليه السلام في مزرعة حبرون. وقيل: هي مزرعة عفرون كان إبراهيم اشتراها لقبره، وفيها دُفنت سارة.\rومن ولد العيص: أيوب النبيّ عليه السلام، قيل: هو أيوب بن أموص بن تارح بن رفو بن عيصان بن إسحاق، وأمّه من ولد لوط بن هاران عليه السلام.","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"وولد يعقوب عليه السلام: اثنى عشر سبطاً. منهم يوسف النبي عليه السلام: عزيز مصر وصاحبها، وإخوته: كاد وبنيامين ويهوذا ونفتالي وزبولون وشمعون ورأوبين، وكشاحاً، ولاوى، ودان، وياشير. جاء من ولد يهوذا: سليمان النبيّ عليه السلام، وجاء من سليمان: مريم بنت عمران أمّ المسيح عليهما السلام. وجاء من لاوى بن يعقوب: موسى كليم الله وهارون عليهما السلام ابنا عمران بن قاهث، وجاء من ولد هارون: يحيى بن زكريا والياس واليسع والعزير. وقد روى: أن الياس بن مضر نبيّ، وأنه المعنيّ بقوله تعالى وتركنا عليه في الآخرين. سلامٌ على آل ياسين في قراءة نافع وابن عامر، وأن آل ياسين آل محمد صلى الله عليه وسلم.\rوالعقب من يوسف الصدّيق عليه السلام: أفرائيم ومنشّا ابنيه لصلبه؛ فمن ولد أفرائيم: يُوشع بن نون وصيّ موسى عليه السلام: وهو الذي رُدّت عليه الشمس في حربه: وهو يوشع بن نون بن عازر بن شوتالج بن داباد بن ناحب بن العاد بن ناحب بن يارد بن شوتالج بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب. وفي ولد منشا بن يوسف: موسى بن منشا بن يوسف. وولد لمنشا ابنة اسمها رحمة: وهي امرأة أيوب عليه السلام.\rقال: وزعم أهل التوراة أن الله تعالى نبَّأه وأنه صاحب الخضر. وذكر المؤرّخون أنه لما مات يعقوب، فشا في الأسباط الكهانة فبعث الله تعالى موسى بن منشا يدعوهم إلى عبادة الله تعالى، وهو قبل موسى بن عمران بثمانمائة سنة والله تعالى أعلم.\rونرجع إلى عمود النسب؛ وهو من إبراهيم في ولده إسماعيل: الذبيح بن إبراهيم الخليل عليهما السلام. وأمه أم ولد، تدعى هاجر، من قبط مصر، من قرية يقال لها: أمّ العرب نحو الفرما.\rواختلف العلماء فيما بين عدنان إلى إسماعيل في ذكر الآباء: فمن العلماء من ينسب اليمن إلى إسماعيل عليه السلام ويقولون: إنهم من ولد يمن بن نبت بن إسماعيل، وافترق باقي ولد إسماعيل في أقطار الأرض فدخلوا في قبائل العرب ودرج بعضهم فلم ينسب النسابون لهم نسباً إلا من كان من ولد قيدار ابنه عمود النسب.\rقال: واتفق أهل العلم بالنسب كما وجدوه في التوراة وكما حملوه من علماء أهل الكتاب، وكما روي عن عبد الله بن عباس: أن النسب فيما بين آدم وإسماعيل صحيح على ما أوردناه لا خلف فيه بينهم ولا خلف إلا في الأسماء لتنقل الألسنة، وإنما الخلاف فيما بين إسماعيل وعدنان، وذلك أن قدماء العرب لم يكونوا أصحاب كتب يرجعون إليها، وإنما كانوا يرجعون إلى حفظ بعضهم من بعض، فمن أجل ذلك حدث الاختلاف فيما حفظوه، فقال قوم برواية وقال آخرون برواية. قال: وهذه الرواية التي أوردها في هذا التأليف هي أحسن الروايات، وهي عمدة أكثر النسّابين الأجلاّء، وعليها كان يعنمد شيخ الشرف محمد بن أبي جعفر الحسينيّ العُبيدليّ النسابة، وهي رواية عبد الله بن عباس، واختيار أبي بكر محمد بن عبده العبقسيّ النسّابة الطرسوسي وغيره.\rوكان لإسماعيل عليه السلام من الولد غير قيدار عمود النسب أحد عشر ولداً: وهم مسّاً ويطور ومسماع ودُوماء، وقيل: هو الذي بنى دُومة الجندل، ومبشام وإديال ونعابوا وتيما، وحُداد ونافيس وقيدما.\rوعمود النسب من إسماعيل عليه السلام في ابنه قيدار بن إسماعيل، وأمّه هالة بنت الحارث بن مُضاض الجرهميّ ويقال: اسمها سلمى، وقيل: الحنفا، وقيل: هي أم أولاد إسماعيل كلهم.\rوالعقب منه في ابنه حمل بن قيدار؛ وأمه الغاضريّة بنت مالك الجرهميّ.\rوالعقب منه في نبت بن حمل وأمّه هامة بنت زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وتدعى حُريرة.\rوالعقب من نبت في ابنه سلامان بن نبت.\rوالعقب من سلامان في ابنه الهميسع بن سلامان، أمّه حارثة بنت مراد بن زرعة ذي رُعين الحميريّ.\rوالعقب منه في ابنه اليسع بن الهميسع.\rوالعقب من اليسع في ابنه أدد بن اليسع، وأمّه حيّة من قحطان.\rوالعقب منه في ابنه أدّ بن أدد، وأمّه النعجا بنت عمرو بن تُبَّع سعد ذي فائش الحميريّ.\rوالعقب منه في ابنه عدنان بن أدّ، وأمّه المتمطِّرة بنت عدي الجرهميّة: وهو الجدّ الحادي والعشرون لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"وقد قال أكثر النسّابين: إن العقب من عدنان غير معدّ عمود النسب من عكّ: وهو الحارث والذئب والنعمان والضحّاك لا عقب له: وهو المُذهب الذي يقال في المثل: \" أحسن من المُذهب \" وعديٌّ درج؛ والغنيّ وأبيّ وعدن: وهو صاحب عدن، وعمرو ونبت وأدّ وعدا انقلبت في اليمن.\rفأما عكّ بن عدثان فكلّ من كان منهم بالمشرق فهم يُنسبون إلى الأزد، والذي في الأزد أيضاً عكّ بن عدنان بالثاء المثلثة بن عبد الله بن الأزد.\rوقال شيخ الشرف النسّابة: عكّ بن عدنان بالنون. وقال الأفطسيّ النسابة: عكّ بن الحارث بن عدنان بن عبد الله بن الأزد، وكلّ من كان منهم بالشام ومصر واليمن والمغرب فهم مقيمون على نسبهم في عدنان.\rوأما الذئب بن عدنان فيزعمون أن الأوس والخزرج من ولده. قال عباس بن مرداس:\rوعكّ بن عدنان الذين تلعبوا ... بغسان حتى طرّدوا كلَّ مُطردِ.\rنرجع. وعمود النسب من عدنان في ابنه معدّ بن عدنان، وأمّه مهدد بنت اللِّهم الجرهمية.\rقال النسابون في أولاده لصلبه فقالوا: إن ولده أحد عشر رجلاً: وقالوا: ثمانية، وزاد آخرون، وقال قوم: لم يكن له غير نزار.\rقال: فالذي أورد له أحد عشر ولداً قال: والعقب من معدّ بن عدنان: عُبيد الرَّمَّاح أعقب، وجُنيد وجُنادة وحيد وقبضة، وقيل: بل اسمه قنصٌ انقرض، وقُناصة وحيدان أعقب، وشط وعوف وسنام وقضاعة، قال العلماء: وكلهم انتقلوا في اليمن وغيرها إلا نزاراً. وقد قيل: إن حيدان هذا هو أبو مهرة: القبيلة. وقال النسابون: والقحم أعقب، وسنام أعقب، وحبيب والضحّاك أعقب، وأود أعقب: أولاد معدّ.\rفأما عبيد الرماح فانتسب في بني مالك بن كنانة، ومنهم كان إبراهيم بن عربيّ صاحب اليمامة.\rوأما سنام بن معدّ فإنه انتسب في سعد العشيرة بن مالك في اليمن.\rوأما حيدة بن معدّ فانتسب في الأشعريِّين.\rوأمّا القحم بن معدّ فانتسب في مالك بن كنانة.\rوأمّا أود بن كعب فانتسب في مذحج.\rوأمّا قنصٌ فانقرض عقبه، وقيل: كان منهم النعمان بن المنذر.\rوروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ذو القرنين عبد الله بن الضحاك بن معدّ بن عدنان.\rنرجع. وعمود النسب من معدّ بن عدنان في ابنه نزار بن معدّ وأمّه مُعانة بنت جوشم الجرهمية، ومنه غير مضر الذي هو عمود النسب ثلاث بطون: ربيعة الفرس وإياد وأنمار: بنو نزار. والصَّريحان من ولد إسماعيل عليه السلام: مُضر الحمراء وربيعة الفرس. وقولهم: ربيعة الفرس ومضر الحمراء، فزعموا أنه لما مات نزار تقسم بنوه ميراثه واستهموا عليه؛ وكان له فرس، مشهور فضله في العرب فأصابه ربيعة فقيل: ربيعة الفرس؛ وكان له ناقة حمراء، مشهورة الفضل بين العرب فأصابها مضر فقيل: مضر الحمراء؛ وكان له جفنةٌ عظيمة يطعم فيها الطعام فأصابها إياد؛ وكان له قدح كبير يسقى فيه اللبن إذا أطعم فأصابه أنمار. هذا أحد ما قيل في ذلك، وسنذكر ما قيل في قسمة ميراث نزار وما اتفق لأولاده مع الأفعى الجرهميّ في أمثال العرب في حرف الهمزة وفي قولهم: \" إن العصا من العُصيّة \" ، وهو في الباب الأوّل من القسم الثاني من هذا الفن في أول السفر الثالث من كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.\rنرجع. فأما أنمار بن نزار فإنها انقلبت في اليمن، قال: كذا روينا عن شيوخنا في النسب ومن قال: إنها انقلبت في اليمن يقول فيه: إنّ خثعم وبجيلة ابنا أنمار بن نزار، وإنما لحقا باليمن وانتسبا عن جهل منهما إلى أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن النبيت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.\rوأمّا إياد بن نزار وهي القبيلة التي يرجع إليها كلّ إياديّ، فمنها فخذان: بنو دُعميّ بن إياد، وبنو زهر بن إياد؛ ومن زهر بنو حُذاقة بن زهر: عشيرة في إياد، إليها ينسب الحذاقيون.\rوأما ربيعة الفرس بن نزار بن معدّ، فأعقب من ثلاثة أبطن: أسد، وهو البطن الأعظم من ربيعة، وضُبيعة بن ربيعة، وأكلب. وضبيعة يقال له: ضبيعة الأضجم: لأنه كان مائل الفم. ومن أكلب أفخاذ: منها لصلبه: هرير وعوف ومعن ومبشر وجليلة.\rوالعقب من ضبيعة بن ربيعة بن نزار من ثلاث قبائل: جُلَّى وعوف وبدر: بنو أحمس بن ضبيعة؛ ومن بني جلّى: بنو مُجمع الشعوب: ربيعة بن سلمة بن سعد بن بلال بن بهثة بن حرب بن وهب بن جلّى: بطن.","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"وأما أسد بن ربيعة فمن ثلاث بطون: أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد، وعنزة بن اللهازم بن أسد، واسمه عمرو، وعميرة بن أسد؛ وإلى عنزة ينسب كل عنزيّ محرك النون.\rوالعقب من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار فخذان: وهما أسلم ويقدم: ابنا يذكر بن عنزة بن أسد. فمن أسلم فخذان: بنو صباح، وهو قمر الليل والنهار، وبنو حُلان: ابني العتيك بن أسلم. ومن يقدم بن يذكر فخذان: تيم ونصر: ابنا يقدم. ومن بني تيم: بنو هميم بن عبد العُزّى بن ربيعة بن تيم بن يقدم.\rوالعقب من عميرة بن أسد بن ربيعة بن نزار فخذان: هما مبشر وعديّ: ابنا عميرة بن أسد بن ربيعة.\rوأما أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد، فمنه بطنان: هنب وعبد القيس: ابنا أفصى بن دعميّ بن جديلة؛ وإلى عبد القيس هذا ينسب كلّ عبقسيّ.\rوالعقب من عبد القيس بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد من أفصى بن عبد القيس، واللَّبود بن عبد القيس. والعقب من أفصى بن عبد القيس من لُكيز بن أفصى وشنّ بن أفصى. فمن لكيز بن أفصى ثلاث عشائر: وديعة وصباح ونكرة. فمن ولد نكرة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس: دُهن بن عذرة بن منبه بن نكرة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس؛ وليس دهن هذا فخذ عمارة الدهنيّ، إنما فخذه دهن التي في بجيلة.\rوالعقب من وديعة بن لكنز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعمي من عمرو بن وديعة ودهن بن وديعة وغنم بن وديعة.\rوالعقب من عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى - وقال لولده: العمور - أنمار وعجل ومحارب والدِّيل: أولاد عمرو بن وديعة.\rوالعقب من هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة من قاسط بن هنب وعمرو بن هنب، فمن ولد عمرو بن هنب هذا: عتيب بن عمرو، ومن عتيب في دهن: فخذ، وخفاجة: ابني عتيب.\rوالعقب من قاسط بن هنب من النمر بن قاسط؛ وإليه ينسب كل نمري، وعمرو وهو غُفيلة بن قاسط: قبيلة، ومعاوية بن قاسط في عاملة، ووائل بن قاسط: البطن الأعظم من قاسط.\rفالعقب من النمر بن قاسط من تيم الله ويقال: تيم اللات، وأوس مناة: ابني النمر؛ ومن النمر بن قاسط: بنو الضَّحيان وهو عامر بن سعد بن الخزرج بن سعد بن تيم الله بن النمر. وإليه كانت الرياسة واللواء والحكومة والمرباع. وقيل له الضحيان لأنه كان يحكم بين العرب في الضُّحى.\rوأما وائل بن قاسط بن هنب، فأعقب من أربع أبطن: تغلب بن وائل: البطن المشهورة، إليها يرجع كلّ تغلبي معدّيّ. وفي قضاعة أيضاً تغلب بن حُلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة جدّ بني كلب، وبكر بن وائل، وعنز بن وائل ساكنة النون كما يُنسب في نزار إلى عنزة بن أسد كلّ عنزي محرك النون، وعمرو بن وائل. فمن عنز بن وائل بن قاسط فخذان: وهما رفيدة بن عنز وأراشة بن عنز، وفيهما عدّة أفخاذ وعشائر.\rوالعقب من بكر بن وائل بن قاسط بن هنب من الحارث وعليّ ويشكر وجشم وبدن: بني بكر؛ وإلى عليّ هذا يُنسب كلّ علويّ في نزار؛ وإلى يشكر هذا يُنسب كلّ يشكريّ.\rوالعقب من يشكر بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب من ثلاث قبائل لصلبه: وهم حرب وكنانة وكعب؛ فأعقب حرب بن يشكر من جشم وذُهل: ولدي كنانة بن حرب؛ ومن بني جشم بن حرب: بنو عصيم بن سعد بن عمرو بن جشم؛ وبنو الحمير: حُبيب بن كعب بن جشم، وإلى جشم هذا يُنسب كلّ جشميّ في نزار.\rوأعقب كنانة بن يشكر من ذبيان بالكسر بضد ذبيان عبس الذي هو بالضم؛ وأعقب ذبيان من فخذ وائلة وعامر: ابني ذبيان بن كنانة بن يشكر. فمن بني عامر بن ذبيان: بنو جشم بن عامر: فخذ يقال لهم: الجشميّون أيضاً.\rوأما بنو عليّ الوائلي فالعقب من عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة من صعب بن عليّ وحده؛ وإليه يرجع كلّ صعبيّ في نزار. والعقب من صعب من ثلاث بطون: عُكابة ولُحيم ومالك: أولاد صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، فأعقب مالك بن صعب في بني زمّان بن مالك: فخذ: وإليه ينسب كلّ زمّانيّ.\rوأما لُحيم بن صعب، فأعقب من حنيفة بن لحيم: البطن المشهورة، ومن عجل بن لُحيم.","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"قال الزبير بن بكار: وحنيفة امرأة نُسب إليها ولدها: وهي حنيفة بنت كاهل بن أسد بن خزيمة. فأعقب حنيفة من ثلاث قبائل: الدُّؤْل بن حنيفة: القبيلة المشهورة في بني حنيفة، ويقال في النسبة إليه: دؤلي كذا بضد النسبة إلى دؤل كنانة، وعامر بن حنيفة وعدّي بن حنيفة؛ وفيهم عدّة عشائر وقبائل، والعزوة إلى حنيفة تغني عنها؛ منها بنو يربوع بن الدؤل بن حنيفة إليه يُنسب كلّ يربوعيّ: وهم قبيلة خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع المذكور أمّ أبي القاسم محمد بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه المعروف بابن الحنفية؛ وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه لعليّ \" سيولد لك ولد وقد نحلته اسميّ وكنيتي \" .\rقال: ولعبيد بن ثعلبة بن يربوع غير سلمة خمس أفخاذ لصلبه: مسلمة وشيبان وزيد ووهب وأرقم؛ ولهم عدد في بني مسلمة المذكور: عمرو بن معدي كرب بن الحارث بن مسلمة، إليه يُنسب كنز الدولة حامي أسوان.\rوأما عجل بن لحيم فأعقب من أربع أبطن: وهي سعد وكعب وهم قليل، وربيعة وضبيعة أولاد عجل؛ وإليه ينسب كلّ عجليّ. وفيهم عدّة أفخاذ وعشائر، وإلى ضبيعة يُنسب كلّ ضبعيّ.\rوأما عكابة بن صعب بن عليّ فأعقب من بطنين: ثعلبة وفيه العدد، وقيس: ابني عكابة.\rوالعقب من ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي من خمسة: قيس من اللَّهازم: بطن، ومالك وتيم الله من اللهازم: قبيلة أولاد ثعلبة بن عكابة، وشبيان وذهل وهما الذهلان: ابنا ثعلبة؛ وإلى شيبان هذا يرجع كل شيبانيّ، وإلى ذهل يرجع كلّ ذُهليّ.\rفأما قيس بن ثعلبة فأعقب من ضُبيعة وسعد: ابنيه لصلبه. والعقب من ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة من ربيعة وهو جحدر، وإليه يرجع كلّ جحدريّ، وسعد وتيم وعباد ومالك: بطن.\rوأعقب تيم الله بن ثعلبة بن عكابة من سبع أفخاذ: وهم الحارث وذهل وعديّ ومالك وعامر وزمّان وحاطبة؛ ومن بني مالك بن تيم الله: بنو عائش بن مالك: فخذ.\rفأما شيبان بن ثعلبة بن عكابة فأعقب من ثلاث بطون لصلبه: ذهل، وإليه يرجع الذهليّون، وتيم وثعلبة؛ وثعلبة هذا: هو الفخذ الذي يُنسب إليه ويرجع أبو الصقر محمد بن إسماعيل وزير المعتمد. وفيه يقول ابن الروميّ الشاعر:\rقالوا: أبو الصقر من شيبان، قلت لهم: ... كلاّ لعمري ولكن منه شيبانُ\rوكم أبٍ قد علا بابنٍ له شرفاً ... كما علا برسول الله عدنانُ\rوأعقب ذهل بن شيبان من أولاده لصلبه: وهم مُرّة؛ وإليه يرجع المرّيون الشيبانيون وأبو ربيعة ومُحلِّم وصبح والحارث وعمرو: وهو جذرة وعوف وعبد غنم، ومن ولد أبي ربيعة بن ذهل: المُزدلف: وهو عمرو بن أبي ربيعة: فخذ كبيرة.\rوفي مرة بن ذهل بن شيبان عدّة أفخاذ: وهم سعد ودُبّ وسيّار وكثيّر وجندب وبُجير وجسّاس ونضلة وهمّام: قبيلة الأحلاف أولاد مرة. قال: وهمام بن مرة بن ذهل هو بيت ذهلٍ وقعدد فخرهم. وأعقب لصلبه الأحلاف من مازن وعوف وثعلبة خمسين بيتاً، وعمرو وعائشة والأسعد وحبيب: هؤلاء هم الأحلاف ومرّة وعبد الله والحارث.\rوأما ذهل بن ثعلبة وهو أحد الذهليين فمنه بطنان لصلبه: شيبان وعامر، فأعقب شيبان بن ذهل بن ثعلبة من سبع أفخاذ لصلبه: وهم سدوس ومازن وعمرو الأعمى وعلباء ومالك وعامر وزيد مناة. وإلى سدوس هذا يُنسب كل سدوسيّ. ومن ولد مازن هذا: أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن. وإليه أيضاً يُنسب أبو عثمان المازنيّ النحويّ وكلّ مازنيّ، وفي مذحج في بني سُليم: زبيد مازن المعروفة.\rنعود إلى باقي نسب وائل.\rوأما تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب، واسم تغلب دثار وكان أكثرهم نصارى، فالعقب منه في ثلاث أفخاذ لصلبه: عمران وهم قليل، وأوس وغنم؛ وفيه العدد والبيت؛ ومن قبائل غنم الخنَّاقون: بكر ورزاح ومالك وعديّ: بنو معاوية بن عمرو بن غنم بن تغلب، والأراقم الستة: جشم ومالك وعمرو والحارث ومعاوية وثعلبة: أولاد بكر بن حُبيب بن غنم بن عمرو بن تغلب، ومن جشم هذا: بنو عُطيف مُجزئة بن حارثة بن مالك بن جشم بن بكر بن حبيب: رهط سيف الدولة بن حمدان. فهذا نهاية الاختصار في نسب بني نزار.","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"وعمود النسب منه في ابنه مضر بن نزار، وأمّه سودة بنت عكّ العدنانية. ومنه غير عمود النسب وهو الياس ابنه قيس بن عيلان بن مضر؛ واسم عيلان: الناس، وهو أخو الياس. ويقال: قيس عيلان بن مضر؛ وعيلان حاضنٌ كان لقيس فنُسب إليه كما نُسب غير واحد من العرب إلى الحضان: كسعد هذيم حضنه هذيم فنُسب إليه؛ والصحيح: أن عيلان بن مضر، واسمه الناس، وقيساً ولده. وقد قيل في الناس: الناسّ بتشديد السين.\rنسب قيس وبطونها والعقب من قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معدّ بن عيلان ثلاثة نفر: خصفة وسعد وعمرو. وقال قائلون: وبر بن قيس وإنه ولد طوائف من البربر، وفي ذلك خلاف عند النسّابين.\rفالعقب من خصفة هذا من بطنين: عكرمة ومُحارب ابني خصفة بن قيس. وقيل: إن خصفة بن عكرمة غلب اسمها عليه فنُسب إليها كما قيل في خندف. أعقب عكرمة بن خصفة من منصور بن عكرمة: البيت الأوّل من بني قيس، فيه العدد، وسعد بن عكرمة وأبي مالك وعامر: بني عكرمة. أعقب منصور بن عكرمة من هوازن بن المنصور: القبيلة المشهورة، ومن سليم بن منصور: القبيلة المشهورة، وسلامان بن منصور: قبيلة، ومازن بن منصور: قبيلة.\rفأما هوازن فأعقب من بكر بن هوازن لا غير، وأعقب بكر بن هوازن من ثلاث أفخاذ: معاوية بن بكر، وفيه العدد، وقسيّ وهو ثقيف، واسمه منبِّه بن بكر، وإليه يرجع كل ثقفيّ؛ وسعد بن بكر؛ وإليه يرجع كل سعديّ من عشيرة حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية: ظذر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن قُصية بن نصر بن سعد المذكور؛ واسم زوجها وهو والد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة: الحارث بن عبد العزّي بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن قصيّة بن نصر بن سعد؛ وكنيته أبو كبشة؛ وبه كانت العرب تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة. وقيل في أبي كبشة أقوال منها أن جدّه لأمّه السيدة آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة كان يكنى أبا كبشة فنسبوه إلى ذلك ليتمه وموت أبيه. وكان أيضاً عمرو بن زيد أبو أسد النجاريّ أبو سلمى بن عبد المطلب جدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم يكنى: أبا كبشة. وقيل: بل لحظوا لقولهم: أبا كبشة يعنون أبا كبشة جرير بن غالب بن الحارث، وهو أبو قيلة أمّ وهب بن عبد مناف والد آمنة أمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن قتيبة: إنه كان يعبد الشعرى دون العرب، فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة الله دون الأصنام، شبهوه في شذوذه عنهم بشذوذ بعض أجداده من قبل أمّه بعبادة الشعرى وانفصاله منهم.\rوأما معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، فأعقب من صعصعة بن معاوية: القبيلة العظمى، وجشم بن معاوية؛ وإليه ينسب كل جشمي في هوازن. وله ثلاث أفخاذ: عُصيمة وزِمّان وبنو جشم ونصر بن معاوية جدّ النصرييّن القيسييّن. ومنه فخذان: بنو دهمان وبنو عوف: ابني نصر، وجحش بن معاوية: فخذ، وسيار بن معاوية: فخذ، وكلاب بن معاوية، ومنجاب بن معاوية، وعمرو بن معاوية، وأدحية بن معاوية، ودُحية بن معاوية، ودحوة بن معاوية، والسَّبَّاق: وهو يعيش بن معاوية، وعوف بن معاوية، وجحاش بن معاوية: هؤلاء كلهم أفخاذ قليلو العدد، يقال لهم: الهوازنيون.\rوأما صعصعة بن معاوية فأعقب لصلبه عامر: القبيلة المشهورة، ومرّة: وهم سلول؛ وكل سلوليّ ينسب إلى مرّة هذا؛ وأمّ ولده سلول الشيبانيّة: وهي سلول ابنة شيبان بن ذهل بن ثعلبة؛ وولده عشرة أفخاذ: وهم عمرو وضبيعة ونهار وسُحيم: وهو أعيا، وغاضرة وعُدية وجابر ومعاوية وجنى ودهى. وباقي ولد صعصعة لصلبه قبائل صغار: عبد الله وعائد وعمرو وقيس وكبير وسيار ومساور وزبيبة وربيعة وغالب ووائل ومازن وعوف ومنجور والحارث: خمس عشرة قبيلة؛ وفي هذه القبائل: بنو عادية وبنو عُديّة بالضم، فأما بنو عادية فهي أم عبد الله عادية والحارث. وأما بنو عدية فهي أم قيس عدية وعوف عدية. وإلى عمرو بن صعصعة بن معاوية تُعزى الطائفة المعروفة بالأكراد. ومن النسّابين من ذكرهم إلى كرد بن مرد بن عمرو بن صعصعة المذكور. ومنهم من نسبهم إلى أكراد بن فارسان بن أهلوا بن إرم بن سام بن نوح، وعليه اعتمدوا. ومنهم من قال: كرد بن مرد بن يافث بن نوح.","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"وأما غامر بن صعصعة فأعقب من أربع بطون: وهم نمير وسواءة وهلال وربيعة.\rفأما نمير بن عامر، وإليه يُنسب كلّ نميريّ، ففيهم عدّة أفخاذ: بنو المقشّب: وهو ربيعة بن عبد الله بن الحارث بن نمير، وبنو خُويلفة بن عبد الله بن الحارث بن نمير، وبنو أسقع: وهو مالك بن عامر بن نمير.\rوأما سواءة بن عامر بن صعصعة فمنه عدّة أفخاذ: منها بنو حُبيب بن سواءة وبنو جسّاس بن سواءة وبنو حرثان بن سواءة.\rوأما هلال بن عامر بن صعصعة فالبطن المشهور، وقد نزلوا المغرب من تلمسان إلى طرابلس، فأعقب هلال من إحدى عشرة قبيلة وهم أولاده لصلبه.\rأوّلهم البيت المقدّم عبد الله ونهيك وربيعة وعائدة وعبد مناف ورويبة وصخر وشعبة وشعيبة وناشرة وحضرة.\rوفي هلال عدّة أفخاذ وعشائر: كزُغبة ورياح وفادع والأثيج وحُوثة، وقُرّة وغيرهم.\rفأعقب عبد الله: وهو البطن الأولى من بني هلال من ثلاث أفخاذ: رُويبة بن عبد الله وحوثة وحارثة: ابني عبد الله؛ فأعقب رويبة بن عبد الله من أربع عشائر: زغبة ورياح وهزوم ومعاوية: بني رويبة بن عبد الله، فمن بني الهزم بن رويبة بن عبد الله: ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بُجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله أمّ المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بني رياح: بنو نجيّة بن عليّ بن فادع: فخذ أعقب، إليه يرجع جنادة بن كامل مقدّم بني هلال.\rوأما نهيك بن هلال فأعقب من خمس قبائل لصلبه: وهم معشر وأبو ربيعة وأبو معاوية وسهل وأبو جشم.\rوأما عبد مناف بن هلال فأعقب من أربع قبائل: الحارث وعمرو وربيعة ويعمر: بني عبد مناف لصلبه. فمن بني ربيعة بن عبد مناف بن هلال: قرّة بن عمرو بن ربيعة: فخذ مشهورة كبيرة، إليه يرجع كلّ قرّيّ. ومن بني عمرو بن عبد مناف بن هلال: زينب بنت خُزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف أمّ المساكين زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم أمّ المؤمنين. فهذا مختصر قبائل هلال.\rوأما ربيعة بن عامر بن صعصعة، فأعقب من خمس قبائل: وهم الحارث وكليب وعامر وكلاب وكعب: بنوه لصلبه.\rأما الحارث بن ربيعة فأعقب من فخذين لصلبه: عوف وعُويف.\rوأما كليب بن ربيعة فأعقب من خمس أفخاذ لصلبه: أبان وجهم وجشم وخلف ومسروق.\rوأما عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة فأعقب من أربع أفخاذ لصلبه: عمرو وعوف والبكّاء ومعاوية.\rوأما كلاب بن ربيعة بن عامر فأعقب من عشر أبطن، قال الشاعر:\rوإن كلاباً هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر.\rيعني شُمر بن ذي الجوشن الضِّبابيّ، والعشر أبطن لصلب كلاب: وهم جعفر وأبو بكر واسمه عبيد، ومعاوية: وهو الضِّباب بن كلاب وعامر وربيعة والأضبط وعمرو وعبد الله ورؤاس قيل: بالفتح وواو بدل الهمز، وكعب.\rفأما جعفر بن كلاب فأعقب من أربعة أفخاذ لصلبه: مالك والأحوص وخالد وعُتبة؛ وفيهم عدّة عشائر.\rوأما أبو بكر عبيد بن كلاب فأعقب من ثلاثة أفخاذ لصلبه: عبد وكعب وعبد الله. فأما عبد بن أبي بكر فمن العشائر التي لصلبه: بنو قُرط وبنو قُريط.\rوأما كعب بن أبي بكر فمن العشائر التي لصلبه: بنو جحش بن كعب.\rوأما عبد الله بن أبي بكر فمن عشائره لصلبه: بنو المجنون: وهو ربيعة بن عبد الله.\rوأما معاوية بن كلاب وهو الضِّباب فمنه ثلاث عشرة، قبيلة: وهم ضبّ ومُضبّ وضباب؛ ولأجلهم عرف هذا البطن أعني بني معاوية بالضّباب، وحُسيل وحسل وعمرو وأنس والأعور وزفر وأنيس ومالك وربيعة وزهير: أولاد عمرو بن معاوية. ومن ولد الأعور هذا شمر بن شُرحبيل بن الأعور قاتل الحسين بن عليّ رضي الله عنه.\rوأما عامر بن كلاب فمنه أربع قبائل لصلبه: وهم بنو الأصمّ، وهم قليل، وبنو كعب وهو البيت من عامر بن كلاب وطريف بن عامر وعقيل بن عامر. فأعقب كعب بن عامر من الوحيد: وهو عامر بن كعب، من أفخاذه: خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب، منه أمّ البنين بنت حزام بن خالد المذكور زوج عليّ بن أبي طالب، وهي لأأمّ ابنه العباس السقّاء؛ عرف بذلك لأنه سقى الحسين الماء بكربلا.\rوأما ربيعة بن كلاب فمنه ثلاثة أفخاذ لصلبه: وهم بُجير وعُبيد ونفيل أبو نمير.","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"وأما الأضبط بن كلاب ففخذه: بنو وبر بن الأضبط؛ ومن بني وبر سبع عشائر: وهم وهب الأكبر ووهب الأصغر وواهب وإهاب ووهبان وخالد وأبو ربيعة: أولاد وبر بن الأضبط.\rوأما عمرو بن كلاب فمنه فخذان: نفيل وأبو عوف: ابنا عمرو بن كلاب.\rوأما عبد الله بن كلاب فأعقب من ثلاثة أفخاذ: عامر وعمرو والصَّموت: أولاده لصلبه. ومن عشائر الصموت بن عبدالله: ضُبيعة الأغر بن عبد الله بن الصموت.\rوأما رؤاس بن كلاب فأعقب من ثلاثة أفخاذ: بجاد وبُجيد وعُبيد: أولاده لصلبه؛ ومن بُجيد: عُفيف بن بُجيد: فخذ؛ وإلى رؤاس هذا ينسب كلّ رؤاسيّ.\rوأما كعب بن كلاب فأعقب من أربعة لصلبه: عامر ووهب وربيعة وأوس.\rفهذا مختصر بني كلاب وأبطنها - نعود إلى باقي ولد ربيعة بن عامر.\rوأما كعب بن ربيعة بن عامر فأعقب من ستة أبطن لصلبه: وهم جعدة بن كعب: البطن المشهورة؛ إليها يرجع كلّ جعديّ؛ وفيها عدة قبائل وعشائر، وحبيب بن كعب: البطن المشهورة؛ وإليها يرجع كلّ حبيبيّ؛ وفيها أفخاذ، وعبد الله بن كعب منه العجلان بن عبد الله: بطن، وربيعة بن عبد الله، ونهم بن عبد الله؛ وفيهم أفخاذ، وقُشير بن كعب، وإليه يرجع كلّ قُشيريّ؛ وفيها عدة أفخاذ وعشائر، والحريش بن كعب، وإليه يرجع كلّ حرشيّ: كعبد الله بن الشِّخِّير بن عوف بن كعب بن وقدان بن الحريش الحرشيّ الصحابيّ وغيره، وعُقيل بن كعب: البطن المشهورة، إليها يرجع كلّ عُقيليّ بالضم. والعقب من عقيل بن كعب: بن ربيعة بن عامر من خفاجة بن عمرو بن عقيل: البطن المشهورة، وعبد الله وربيعة ومعاوية وعامر وعُبادة؛ كل هؤلاء أبطن. والعقب من خفاجة من أحد عشر فخذاً لصلبه: وهم بنو معاوية ذي القرح: فخذ، وبنو كعب ذي النُّويرة، وبنو الأقرع: فخذ، وبنو كعب الأصغر، وبنو عامر ، وبنو مالك، وبنو الهيثم، وبنو الوازع؛ إليه ينسب كلّ وازعيّ، وبنو عمرو، وبنو حزن، وبنو خالد. والفخذ العظمى من بني عقيل بعد بني خفاجة: بنو يُزيد بضم الياء بن عبد الله بن يزيد بن قيس بن حوثة بن طهفة بن حزن بن عبادة: عشيرة الأمير أبي المنيع شرف الدولة محمد بن مرداس؛ ودرج شرف الدولة، وهو ملك العرب.\rفهذا مختصر من نسب بني عقيل، وهؤلاء هوازن وهم بكر، والله سبحانه وتعالى أعلم.\rوأما سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان: وهو البطن المشهورة، فأعقب من بهثة بن سليم، وأعقب بهثة من خمسة أفخاذ لصلبه: معاوية وعوف وامرئ القيس والحارث وثعلبة. ومن بني امرئ القيس بن بهثة: بنو عُصيّة بن خُفاف بن امرئ القيس: بطن.\rوأما محارب خصفة بن قيس بن عيلان، فأعقب فخذين لصلبه: طريف وجسر، ويقال لبني جسر: بنو عليّ لأن العقب من جسر بن محارب في عليّ بن جسر لا غير.\rانقضى ذكر بني خصفة بن قيس بن عيلان.\rوأما سعد بن عيلان فأعقب من بطنين لصلبه: وهما غطفان، ومنبه: وهو أعصر؛ والعقب من ريث بن غطفان من أربع أبطن لصلبه: بغيض ومازن وأشجع وإليه يرجع كلّ أشجعيّ، وأهون: بنو ريث.\rوالعقب من بغيص بن ريث من عبس وذُبيان وهما القبيلتان المشهورتان.\rوذكر بعض النسابين أنمار بن بغيض منهم أبو كبشة الأنماريّ. وقيل: إن أبا كبشة الأنماريّ إنما هو من مذحج.\rوالعقب من عبس بن بغيض بن ريث بن عطفان من فخذين: قطيعة وورقة ابني عبس.\rوالعقب من قطيعة بن عبس من الحارث، ومُعتمر: قبيلة قليلة، وعوف: قبيلة، وغالب: قبيلة الحطيئة، ومُريطة: قبيلة من ولد خالد بن سنان نبيّ أهل الرسِّ بن جابر بن غيث بن مريطة.\rوالعقب من الحارث بن قطيعة بن عبس من جروة وعامر ومازن: قبيلة وذكوان وشدّاد: بني الحارث بن قطيعة. ومن مازن بن الحارث أفخاذ: منهم جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن: فخذ؛ إليه يرجع الجذميون بالجيم: منهم عشيرة بني زهير بن جذيمة في آخرين.\rوأما ذبيان بن بغيض، فأعقب من فزارة: البطن المشهورة، وسعد؛ فأعقب فزارة بن ذبيان من مرّة وظالم وروميّ، درج وشمخ وعديّ ومازن: أولاد فزارة؛ وفيهم قبائل وعشائر وأفخاذ.\rوأما سعد بن ذبيان فمن بطونه المرّيون: بنو مرّة بن عوف بن سعد، وفيهم أفخاذ، وبنو عقال بن سعد: فخذ، وبنو بجالة بن ثعلبة بن سعد وبنو عجب بن ثعلبة وبنو رزام بن ثعلبة.","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"وأما عبد الله بن غطفان بن سعد فالعقب منه في بهثة بن عبد الله وقُطبة وعديّ وعُذرة وكلب وباعث وشبابة وغنم وعوف ومنبّه؛ عشرة أفخاذ.\rوأما أعصر: وهو منبّه بن سعد بن قيس فأعقب من باهلة: وهم ولد مالك بن أعصر، وهي باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة أخت بجيلة بن مذحج؛ ولد سعد بن مالك بن يعصر ومعن بن مالك بن يعصر فغلب اسمها عليهم ونُسبوا إليها؛ وكلّ باهليّ ينسب إلى باهلة وهم ولد مالك بن أعصر بن معن بن مالك، وغنيّ بن أعصر بن سعد بن قيس أعقب من غنم وجعدة، إليها ينسب كلّ غنويّ والطُّفاوة، اسمه الحارث بن أعصر إليه ينسب الطُّفاويّون، وعامر بن أعصر.\rوأما عمرو بن قيس بن عيلان، فمنه بطنان لصلبه: وهما عدوان واسمه الحارث، وفهم: ابنا عمرو بن قيس؛ وإنما قيل له عدوان: لأنه عدا على أخيه فهم فقتله. وفهم وعدوان يقال لهما: جديلة قيس، وهي أمّهم جديلة بنت مرّ بن أدّ: أخت تميم بن مرّ. ومن قبائل عدوان: بنو يشكر وبنو دوس: ابني عدوان: القبيلتان المشهورتان.\rهذا آخر مختصر نسب قيس بن عيلان بن مضر.\rفلنرجع إلى عمود النسب. وعمود النسب من مضر في ابنه: الياس بن مضر بن نزار وأمّه الرِّباب بنت إياد المعدّية؛ ومنه غير عمود النسب وهو مُدركة بطن واحد وهو طابخة بن الياس؛ قال: لأن قمعة بن الياس فيه خلاف كثير، وأكثر مشايخ النسب يذكرون أنه درج ولا عقب له؛ وذكر آخرون: أنه أبو خزاعة، وخزاعة ليست بأبٍ ولا أمٍّ وإنما هم انخزعوا من مضر إلى اليمن ببطن مرٍّ، وذلك حين أقبل بنو عمرو بن عامر يريدون الحجاز؛ ألا ترى قول عون بن أيوب الأنصاريّ:\rولما هبطنا بطن مرٍّ تخزَّعت ... خزاعة منّا في حُلولٍ كراكرِ\rحمت كلَّ وادٍ من تهامة واحتمت ... بصُمّ القنا والمرهفات البواترِ.\rوقد أوردنا نسب خزاعة في بني عمرو بن عامر ماء السماء الغسانيّ في نسب اليمن، ومن قبائل طابخة بن الياس خمسٌ: بنو مُرِّ بن أدّ بن طابخة، وبنو ضبّة بن أدّ بن طابخة، وبنو عمرو، وبنو خميس، وبنو عبد مناة: أولاد أدّ بن طابخة.\rفأما بنو مُرّ بن أدّ بن طابخة، فمنه بنو تميم بن مرّ، وبنو ثعلبة بن مرّ: ظاعنة من الشُّعيراء، وبنو صوفة: وهم ولد الغوث: وهو الرَّبيط بن مرّ وبكر بن مرّ من الشعيراء، ومحارب بن مرّ، فهم عدة أفخاذ وقبائل. وقبائل تميم: وهم ثلاث: زيد مناة والحارث وعمرو: أولاد تميم لصلبه. فمن قبائل زيد مناة بن تميم: نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وبنو سدوس بن دارم: قبيلة. وبنو عبد الله بن دارم: منهم عطارد: قبيلة حاجب بن زُرارة بن عُدس وكلُّ من عداه بفتح الدال ابن زيد بن عبد الله بن دارم مجوس، وبنو أبان بن دارم: قبيلة. وبنو ثعلبة بن يربوع بن حنظلة: قبيلة. وبنو كليب بن يربوع: قبيلة. وبنو رياح بن يربوع: قبيلة. وبنو غُذانة بن يربوع: قبيلة. وبنو جارية بن سليط بن يربوع. وبنو البراجم: وهم ظُليم وعمرو وقيس وغالب وكلفة: أولاد حنظلة بن مالك؛ فهؤلاء بنو حنظلة بن مالك؛ سموا براجم لتجمُّعهم كالأصابع. ثم قبيلة الجوع: وهم ولد ربيعة بن مالك بن زيد مناة؛ والكردوسان من بني زيد مناة: معاوية وقيس ابنا مالك بن زيد مناة بن تميم. ومن زيد مناة: بنو سعد بن زيد مناة، ومنه عدّة قبائل، منهم قبائل الأبناء: وهم عبشمس وعُوافة وعوف وجشم ومالك وعمرو: بنو سعد بن زيد مناة. ومن بني سعد بن زيد مناة: بنو الحرام: وهو من الخدعة بن كعب بن سعد، وبنو حمَّان بن عبد العُزَّى بن كعب بن سعد، وبنو الأعرج: وهو الحارث بن كعب بن سعد، وبنو قُريع بن عوف بن كعب بن سعد، وبنو بهدلة بن عوف بن كعب، وبنو برنيق بن عوف بن كعب، وبنو عطارد بن عوف بن كعب قليلون.\rومن قبائل كعب بن سعد المذكور: بنو منقر بن عبيد بن مُقاعس: وهو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم وهم المنقريُّون. ومن بني زيد مناة: بنو امرئ القيس بن زيد مناة. له عدد ومدد، منه ثلاثة أفخاذ: بنو عُصيَّة وبنو مالك وبنو الحارث: أولاد امرئ القيس المذكور. ومن بني زيد مناة: بنو عامر الصحيح بن زيد مناة؛ فهؤلاء بنو زيد مناة بن تميم.\rوأما الحارث بن تميم فمنه شقرة بن الحارث: قبيلة، اسمه معاوية، وسُمي شقرة ببيت قاله:","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"وقد أحمل الرمح الأصمَّ كُعوبه ... به من دماء القوم كالشقراتِ\rوالشقرات: شقائق النعمان، والنعمان: الدم؛ والله أعلم.\rوأما عمرو بن تميم فمنه سبعة أفخاذ، وهم بنو مالك وبنو العنبر وبنو الهجيم وبنو أُسيد وبنو الحبطة: وهو الحارث، وبنو القُليب: وهو أليهة وزن عليهة وكعب: بنو عمرو بن تميم؛ وولي كعب هذا البيت قبل قريش.\rفأما مالك بن عمرو بن تميم فمنه فخذان: مازن، منهم أوفى بن مطر المازنيّ جليّ العرب، والحرماز: وهو الحارث بن مالك. فمن بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم: أنمار بن مازن: فخذ قليلون، ورألان بن مازن: قبيلة، وحُرقوص بن مازن، ورزام بن مازن: قليل، وخزاعيّ بن مازن: قليل.\rوأما بلعنبر بن عمرو بن تميم فأعقب من ثلاثة: كعب وجندب ومالك: أولاد العنبر؛ وكلّ بلعنبريّ ينسب إلى بلعنبر هذا: وهي قبيلة مشهورة.\rوأما بلهجيم بن عمرو بن تميم وهو الهجيم فأعقب من خمسة: عامر وسعد وعمرو وربيعة وأنمار. ويقال لبلعنبر وبلهجيم: الخبطات. وكذلك أخوهما الحارث الخبط؛ وهو الذي عرفوا بذلك من أجله، يقال: إنه أكل خبطاً فسُمي به.\rوأما أُسيد بن عمرو بن تميم فأعقب من ستة لصلبه: عقيل ونمير وجروة: قبيلة، وعمرو والحارث. فمن بني جروة بن أسيد بن هند بن أبي هالة: نبَّاش بن زرارة بن وقدان بن حبيب بن سلامة بن غويّ بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم: ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وأمّه خديجة بنت خويلد.\rوأما الحارث الخبط بن عمرو بن تميم فمنه قبيلة سعد بن الحارث، وهي قبيلة الخبطات، ومشادة بن الحارث الخبط ونضلة بن الحارث الخبط: فهؤلاء بنو تميم في مُرّ بن أدّ بن طابخة.\rوأما بنو ضبة بن أدّ فثلاث قبائل: سعد وسعيد وباسل. ولسعد وسعيد المثل السائر أسعد أم سُعيد. أما سعيد بن ضبة فقليل عددهم. أما سعد بن ضبة فأعقب من اثنين: ثعلبة وبكر: ابني سعد؛ فأما ثعلبة بن سعد، فمن قبائلها: بنو مسعود بن دُلجة بن نُعيم بن قُرامة بن كعب بن ربيعة بن ثعلبة بن سعد: قبيلة يُنسب إليها كلّ مسعوديّ، وبنو مبذول بن عامر بن ربيعة بن كعب بن ربيعة بن ثعلبة بن سعد: قبيلة. ومن بني بكر بن سعد بن ضبة: صبح وبجالة: ابنا ذهل بن مالك بن بكر بن سعد: فخذان، وعائذة بن مالك بن بكر بن سعد: فخذ، ونصر بن عبد الله بن بكر بن سعد: فخذ.\rوأما باسل بن ضبة فإنه خرج مغاضباً لأبيه فوقع بأرض الدَّيلم فتزوج امرأة من الديلم، فولدت له الديلم بن باسل: جدّ القبيلة المشهورة؛ ومن رجالها في الجاهلية: زيد الفوارس بن حصين، وفي الإسلام بن شُبرمة القاضي. وأعقب من الديلم فخذان: الأبيض بن معاوية بن الديلم، وبُجير بن معاوية بن الديلم. فأعقب الأبيض ابن معاوية من الضحاك ولار وشهريار وإيران وناشر: أولاد الأبيض بن معاوية بن ديلم من بهرام بن الضحاك؛ وفيروز وزربوران وبريانوس: أربعة أفخاذ. وأعقب بريانوس بن الضحاك من قابوس بن بريانوس. وأعقب قابوس من شاه مرد. وأعقب لار بن الأبيض من كامياد بن لار. وأعقب كامياد من ابنه جور.\rوأعقب بجير بن معاوية بن ديلم من باسل بن تيداذما، فأعقب تيداذما من دادوه.\rفهذه النهاية في اختصار نسب الديلم؛ والله سبحانه وتعالى أعلم.\rوأما عمرو بن أدّ بن طابخة فهو مُزينة، ومزينة أمه: وهي بنت كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وكلّ مزنيّ ينسب إلى مزينة هذا. ومن مزينة: عثمان وأوس: ولدا عمرو؛ فمن عثمان بن عمرو بن أدّ بن طابخة بطنان: عدا ولاطم: ابنا عثمان. ومن مزينة: النعمان بن مقرَّن وزهير بن أبي سُلمى؛ وليس في العرب سُلمى بالضم سواه، ورؤبة بن العجّاج. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم! \" أسلم وغفار ومزينة وجهينة أو قال: من كان من جهينة خيرٌ من بني تميمٌ وبني عامر بن صعصعة ومن الحليفين أسد وغطفان \" .\rوأما عبد مناة بن أدّ بن طابخة فمنه ثور أطحل بن عبد مناة: بطن رهط سفيان الثوريّ رحمه الله، وأطحل جبل، وبنو الرباب: ولد تيم بن عبد مناة وعديّ بن عبد مناة وعوف بن عبد مناة: سُمُّوا الرِّباب: لأنهم غمسوا أيديهم في رُبٍّ إذ تحالفوا على بني تميم.\rقال: ومن النسابين من يجعل الرباب بني تيم وعديّ وثور وعُكل: وهم بنو عبد مناة وضبة بن أدّ.","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"فأما عديّ بن عبد مناة، فإليه ينسب كلّ عدويّ ليس من عديّ قريش؛ ومنهم: أبو قتادة العدويّ: تابعيّ؛ وإلى عوف بن عبد مناة ينسب كلّ عوفيّ؛ ومنهم: عطيّة العوفيّ. قال: وشيخ الشرف النسابة يقول: إن عكلاً هو عوف بن وائل بن قيس بن عوف بن عبد مناة، وعُكل: أمةٌ لامرأةٍ من حمير يقال لها: بنت ذي اللِّحية، تزوجها عوف بن وائل، فولدت له جشماً وسعداً وعليّاً، ثم هلكت، فحصنت عكل ولدها فغلبت عليهم ونُسبوا إليها.\rوأما تيم بن عبد مناة بن أدّ بن طابخة ففخذه: عمرو بن الحارث بن التيم بن عبد مناة وفيه العدد.\rانقضت خندف فلنرجع إلى عمود النسب من الياس في ابنه: مدركة بن الياس بن مضر واسمه عمرو، وأمّه خندف: وهي ليلى بنت حلوان القضاعية؛ وإنما سُمي مدركة: لأن أباه الياس خرج منتجعاً، ومعه أهله وماله، فدخلت بين إبله أرنب، فنفرت الإبل، فخرج أولاد الياس، فأدركها عمرو، فسمّاه أبوه الياس: مدركة؛ وخرجت ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة أمّه تهرول فقال لها الياس: مالك تخندفين؟ والخندفة: الهرولة، فسميت خندف، وخرج عامر بن الياس أخو مدركة في طلب الأرنب فاصطادها وطبخها، فقال له أبوه الياس: أنت طابخة، ورأى عمراً أخاهما قد انقمع في الظلّة فهو يخرج رأسه منه، فقال له أباه الياس: أنت قمعة.\rومن مدركة غير عمود النسب: بنو هذيل بن مدركة، ومن هذيل: بطنان لصلبه: بنو لحيان وسعد؛ ومن قبائل سعد بن هذيل: بنو خُناعة بن سعد، وبنو صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل؛ منهم: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن قار بن مخزوم بن صاهلة الصحابيّ: أحد القرّاء رضي الله عنه. ومن شعراء هذيل: أبو ذؤيب الهذليّ وأبو كبير وأبو المثلم وغيرهم.\rوعمود النسب من مدركة في ابنه خزيمة بن مدركة، وأمّه سلمى بنت أسلم القضاعية؛ ومنه غير كنانة عمود النسب قبيلتان: وهما الهون وأسد. فأما الهون ابن خزيمة، فأعقب من عضل والدِّيش ابني بليغ بن الهون، وهم القارة: سُموا قارة: لأن يعمر بن عوف بن الشدّاخ أحد بني ليث لما أراد أن يفرّقهم في بطون كنانة، قال رجل منهم: دعونا قارة لا تنفرونا فنجفل مثل إجفال الظليم فسمّوا قارة: وهم رماة العرب وفيهم قيل قد أنصف القارة من راماها وسبب هذا المثل أن رجلين التقيا، أحدهما من القارة، فقال القاريّ للآخر: إن شئت صارعتك، وإن شئت سابقتك، وإن شئت راميتك، فقال خصمه: قد اخترت المراماة، فقال القاريّ:\rقد أنصف القارة من راماها ... إنا إذا ما فئةٌ نلقاها\rنرد أولادها على أخراها ثم انتزع له سهماً فسلّ فؤاده؛ وقيل غير ذلك.\rومن أسد بن خزيمة أربع عشائر: بنو كاهل وصعب وعمرو ودودان: بني أسد. فمن دودان: بنو عمرو بن دودان: قبيلة: وهم وجوه بني أسد؛ منهم زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرّة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة؛ زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم: وهي بنت عمتّه أميمة بنت عبد المطلب. وبنو سعد بن الحارث بن ثعلبة بن دودان: قبيلة. ومن شعرائهم: بشر بن أبي خازم الوالبيّ الجاهليّ. وبنو قُعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان: قبيلة، منهم: فخذ بني نصر بن قعين، ومنهم بنو فقعس بن طريف بن عمرو بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن دودان: قبيلة. وبنو أعيا بن طريف: قبيلة، وبنو قيس بن طريف: قبيلة، وبنو كعب بن عمرو بن قعين: قبيلة، وبنو سُواءة بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان: فخذ، وبنو ناشرة بن نصر بن سواءة بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان.\rوعمود النسب من خزيمة بن مدركة في ابنه كنانة بن خزيمة، وأمه عوانة بنت سعد القيسية. وبنو كنانة أوّل عربٍ تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسبه.\rومن بني كنانة عمود النسب وهو النضر: خمس قبائل لصلبه: بنو عبد مناة وعمرو وعامر وملكان ومالك منهم: بنو حداد بن مالك بن كنانة: فخذ.\rفأما عبد مناة بن كنانة، فمنهم: بنو بكر وبنو عامر وبنو مرة: بني عبد مناة، ومن بني بكر بن عبد مناة: بنو الدُّئل بن بكر بن عبد مناة: رهط أبي الأسود الدؤليّ: وهو ظالم بن عمرو بن سفيان بن عمرو بن حلس بن نفاثة بن عديّ بن الدئل بن بكر المذكور: وهو تلميذ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في النحو، ويقال في النسبة إلى هذا الفخذ: دؤلي مهموز مفتوح.","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"ومن بني بكر: بنو الحارث بن بكر: فخذ، وبنو ليث بن بكر: فخذ؛ منهم: بنو حدج بن ليث بن بكر فخذ، وبنو ضمرة بن بكر: فخذ. منهم: بنو غفار بن مُليل بن ضمرة بن بكر: رهط أبي ذرّ الغفاريّ: وهو جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن صُعير بن حرام بن غفار، وقد انقرض أبو ذرّ الغفاريّ رضي الله عنه.\rوأما عامر بن عبد مناة بن كنانة، فمنه: قين بن عامر: قبيلة أهل الغميصاء، قتلهم خالد بن الوليد رضي الله عنه.\rوأما مرّة بن عبد مناة بن كنانة، فمنه: بنو مُدلج بن مرة: قبيلة سراقة بن مالك بن جعشم وهم المدلجيّون، قالوا: وهم قافة العرب وأعلمهم بالزجر والقيافة.\rوأما عمرو بن كنانة، فهم العمريّون. وأما عامر بن كنانة، فهم العامريون، وأما ملكان بن كنانة فهم الملكانيّون، وأما مالك بن كنانة فمنه في الحارث، ومن الحارث في ثعلبة، ومن ثعلبة في فخذين: بنو عامر وبنو غنم. أما غنم فمنه: فراس بن غنم: وهم الفراسيّون. ومن بني غنم: أمّ رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أُذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم: وهي أم عائشة بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم.\rومن عامر عشيرتان: بنو مخدج بن عامر بن ثعلبة المخدجيون، وبنو فُقيم بن عديّ بن عامر النسأة. فهؤلاء أفخاذ كنانة؛ والله أعلم.\rوعمود النسب من كنانة بن خزيمة في ابنه النَّضر بن كنانة، واسمه قيس، وأمه برة بنت مرّ الأدّية، والنضر: الذهب؛ وكان له: يخلد بن النضر، منه: بدر بن الحارث بن يخلد الذي سُميّت به بدرٌ بدراً. قال: وليس له ولد باق.\rوالعقب من النضر بن كنانة في ابنه عمود النسب وه: مالك بن النضر وأمه عكرشة بنت عدوان القيسية، ولا عقب لمالك إلا من عمود النسب وهو ابنه:\rفهر بن مالك\rوهو قريش، وأمه جندلة بنت عامر الجرهمية، وكل من لم يلده فهرٌ فليس بقرشيّ. وقد قيل في تسميته بقريش أقوال: منها أنه اسم دابة في البحر، وأنه اسم للقبيلة، وأحسن ما قيل فيه: إن التقريش: التفتيش، فكان يقرش عن خلَّة كل ذي خلّة فيسدّها بفضله: فمن كان محتاجاً أغناه، ومن كان عارياً كساه، ومن كان طريداً آواه، ومن كان خائفاً حماه، ومن كان ضالاً هداه. قال الحارث بن حلِّزة اليشكريّ عفا الله تعالى عنه:\rأيها الناطق المقرّش عنا ... عند عمرو، وهل لذاك بقاء؟\rوقيل: التقرش: التجمّع، وسُميت قريش لتجمعها، فإنها لما تجمعت بمكة وجمعت خصائل الخير سُميت قريشاً؛ وتُسمى أيضاً الحمس من الحماسة؛ وذلك أنها تحمست في دينها فقالت: لا نطوف بالبيت عراةً، ولا تسلأ نساؤنا سمناً، ولا تغزل وبراً، ولا نخرج إلى عرفات، ولا نزايل حرمنا، ولا نعظم غيره، ولا نطوف بين الصفا والمروة. وكانوا يقفون بالمزدلفة ومن سواهم من العرب يقال لهم: الحلَّة: كانوا يطوفون بالبيت عراةً ويقولون: نكرم البيت أن نطوف فيه بثيابنا التي اجترحنا فيها الآثام.\rقال: ومن بني فهر غير غالب عمود النسب: بنو الحارث بن فهر وبنو محارب بن فهر. فمن بني الحارث بن فهر: قيس بن الخلج بن الحارث. ويقال: الخلج بلاد قيس، سموا بذلك: لأنهم نزلوا الخلج بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام. منهم آل هرمة الشاعر: وهم هرمة بن الهذيل بن ربيع بن عامر بن صبح بن عديّ بن قيس.\rومن بني الحارث بن فهر: أبو عبيدة أمين هذه الأمة: وهو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن الحارث بن فهر، لا عقب له.\rومن بني محارب بن فهر: ضرار بن الخطاب بن مرداس بن كثير بن حبيب بن شيبان بن محارب بن فهر وهو القائل:\rونحن بنو الحرب العوان نشبّها ... وبالحرب سُمينا فنحن محاربُ\rوعمود النسب من فهر بن مالك في ابنه غالب بن فهر وأمه ليلى بنت الحارث الهذلية، منه فخذ واحد غير عمود النسب، وهم الأدرميون: ولد تيم بن غالب. والأدرم: الناقص الذقن، وهم قليل وقد ولدوا في العرب ولادات. وعمود النسب من غالب بن فهر في ابنه لؤي بن غالب، وأمه عاتكة بنت مخلد الكنانية النضرية، وقيل بل هي سلمى بنت عمرو الخزاعية؛ وهو تصغير اللأي وهو ثور الوحش مهموز، وقال أبو حنيفة: اللأي البعرة، وقيل لؤيّ تصغير لأيٍ وهو البطء: نقيض العجلة.\rوأنشد أبو أسامة:","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"فدونكم بني لأيٍ أخاكم ... ودونك مالكاً يا أمَّ عمرو.\rوقال ابن دريد: هو مشتق من لواء الجيش وهو مهموز، وإن كان من لوى الرمل فهو مقصور، قال امرؤ القيس: بسقط اللِّوى بين الدَّخول فحوملِ واللوى: اعوجاجٌ في ظهر الفرس. قال: ومن قبائل بني لؤي غير كعب عمود النسب: بنو عامر وبنو أسامة وبنو خزيمة: وهم عائذة قريش وسعد، وإليه ينسب بنو نُباتة بفتح النون وضمها: وهي أمّ سعد بن لؤيّ؛ بها يعرفون، وإليها ينسبون، وقيل: نُسبوا إلى حاضنةٍ لهم اسمها نباتة من بني القين بن جسر بن شيع الله؛ ويقال: سبع الله بن الأسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن الحاف بن قضاعة. والحارث بن لؤيّ، وعوف وجشم: أولاد لؤيّ.\rفأما عامر بن لؤيّ، فمنهم ابن أمّ مكتوم الأعمى الذي نزل فيه \" عبس وتولَّى \" وهو مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة؛ واسمه عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن عبد بن مُعيص بن عامر بن لؤيّ؛ ومنهم عمرو بن عبدودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، الذي قتله عليّ بن أبي طالب يوم الخندق.\rوأما بنو أسامة بن لؤيّ، فيزعم من نسب بني ناجية إلى قريش أنهم يلقون بني لؤيّ عند أسامة بن لؤيّ، وقد كان عليّ بن أبي طالب سباهم حين أقاموا على النصرانية ثم باعهم فيمن يريد، فاشتراهم مصقلة بن هُبيرة الشيبانيّ بمائة ألف درهم، فقدم منها ثلاثين ألفاً وأعتقهم، فأنفذ عليّ عتقهم، وهرب مصقلة ببقية المال إلى معاوية. وقد قيل عن عليّ إنه قال: ما أعقب عميّ سامة بن لؤيّ.\rوأما خزيمة بن لؤيّ، فإليه يُنسب القوم الذين يزعمون أنهم عائدة قريش. قال: وشيخ الشرف بن أبي جعفر النسابة يدفعهم عن النسب؛ وهم قوم تكثر بهم معاوية فأدخلهم في قريش، وعائدة هي ابنة الخمس بن قُحافة بن خثعم، بها يُعرفون: وهم بنو الحارث بن مالك بن عبيد بن خزيمة بن لؤيّ، وعائدة أم الحارث هذا؛ ويقال: الحارث بن مالك بن عوف بن حرب بن خزيمة بن لؤي، وهم بمالك خمس أفخاذٍ من عوف: بنو جذيمة، وبنو عامر، وبنو سلامة، وبنو معاوية: أولاد عوف، وعائدة مع بني محلب بن ذهل بن شيبان، باديتهم مع باديتهم، وحاضرتهم مع حاضرتهم يد واحدة.\rفلنرجع إلى عمود النسب، وهو من لؤيّ بن غالب في ابنه: كعب بن لؤيّ بن غالب وأمه مارية بنت كعب القضاعية. ومنه غير مرّة عمود النسب وهما بطنان: بنو عديّ وبنو هُصيصٍ؛ فأما بنو عديّ، فمنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ابن نُفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب. وسعيد بن زيد بن نفيل المذكور أحد العشرة. ومن بني عديّ: عبد الله بن مطيع بن الأسود بن نضلة بن عوف بن عبيد بن عويج بفتح العين وضمها، بن عديّ بن كعب، وهو وأبوه من الصحابة، وهو الذي أمره أهل المدينة حين أخرجوا بني أمية منها في وقعة الحرّة.\rوأما بنو هُصيص بن كعب فمنه فخذان: بنو جُمح وبنو سهم: ابني عمرو بن هصيص.\rفأما بنو سهم: فمنهم عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص.\rوأما بنو جمح، فمنهم عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح: هاجر الهجرتين وشهد بدراً. ومنهم صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة المذكور، كناه رسول الله صلى الله عليه وسلم! \" أبا وهب \" . ومنهم أبو محذورة: أوس بن معين بن لوذان بن سعد بن جمح، مؤذن المسجد الحرام لرسول الله صلى الله عليه وسلم.\rويرجع إلى عمود النسب وهو كعب بن لؤيّ في ابنه: مرّة بن كعب وأمّه وحشية بنت شيبان الفهرية. ومنه غير كلاب الذي هو عمود النسب: بطنان وهما: بنو تيم، منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ويكنى بعتيق، ابن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنيسه في الغار بنص القرآن بقوله تعالى: \" ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا \" فشهد له القرآن بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وناهيك بذلك شرفاً، وصهره، وخليفته صلى الله عليه وسلم ورضي عن أبي بكر وأرضاه.","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"ومن بني تيم: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم أحد العشرة، وبنو يقظة بن مرة، منهم: أم سلمة الصادقة: زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرّة، وخالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم الملقب بسيف الله، قال وقد انقرض ولد خالد بن الوليد فلم يبق منهم أحد شرقاً ولا غرباً، وإن انتمى إليهم أحد فهو مبطل في إنتمائه، وكل من ادعى إليه، فقد كذب. قال الشريف: وكان شيخنا الفقيه مجلّى بن جميع بن نجاء الشافعيّ قاضي مصر يدعى إليه، وهو على كتبه بخطه وشافهنا به ولا صحة لذلك.\rوعمود النسب من مرة بن كعب في ابنه: كلاب بن مرة بن كعب وأمه هند بن بهز بن حكيم، وقبل عروة وقيل عروة. ومنه غير قصي عمود النسب: بطن واحد: وهم زهرة بنت كلاب؛ ومنهم: السيدة آمنة بنت وهب بن عبد مناف، بن زهرة: أمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الرحمن بن عوف بن الحارث بن زهرة: أحد العشرة، وسعد بن أبي وقاص.\rويرجع عمود النسب منه في ابنه قصيّ بن كلاب بن مرة.\rوأمّه فاطمة بنت سيل الأزدية، واسمه زيد؛ ويدعى مجمعاً: لجمعه أمر قريش بالرحلتين وأول من جمع يوم الجمعة. وقيل: إنما سُمي قصيٌّ مجمِّعاً: لأنه لما أخرج خزاعة من مكة ورأى أنه من صريح ولد إسماعيل عليه السلام، وأنه أحق من خزاعة بالبيت الحرام، وبني دار الندوة، وجعل بابها إلى البيت الحرام، وتجمعت قريش بمكة، فسمى بذلك مجمعاً، لأنه جمعهم ولم يجعل معهم غيرهم وكان يجمعهم في دار الندوة.\rوأما الرحلتان، فأوّل من سنهما هاشم: فكان يرحل في الشتاء إلى اليمن وإلى الحبشة إلى النجاشي فيكرمه، ويرحل في الصيف إلى الشام إلى غزة، وبها مات، وربما وصل إلى أنقرة ويدخل على قيصر فيكرمه. وقد قال ابن الزِّبغريّ:\rعمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجافُ\rسُنت إليه الرحلتان كلاهما: ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف\rوأما أول من جمع يوم الجمعة فهو كعب بن لؤي، وكان يسمى: يوم العروبة، فكان يجمعهم ويعظهم ويحثهم على اتباع نبيّ من صلبه.\rوإنما سمي قصياً: لأن أمه فاطمة بنت سعد بن سيل لما تقصت به مع زوجها ربيعة بن جذام الفضاعيّ، فأحملها إلى بلاده من أرض عذرة من بلاد الشام سُمي بذلك. قال: ومنه غير عمود النسب وهو عبد مناف بطنان: بنو أسد بن عبد العُزَّى بن قصيّ، وبنو عبد الدار بن قصيّ.\rفأما بنو أسد، فمنهم خديجة بنت خويلد بن أسد : زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنهم: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد أحد العشرة وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأما بنو عبد الدار قصي، فمنهم الحجبة، فيهم: بنو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزي بن عثمان بن عبد الدار. وفي بني عبد الدار: هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. قال: وهي مسألة في النسب يمتحن بها من يدَّعي علم النسب: يقال له: من يعلم في بني قصيٍّ جد الرسول صلى الله عليه وسلم هاشم بن عبد مناف غير هاشم بن عبد مناف بن قصي؟ نرجع إلى عمود النسب من قصيّ بن كلاب في ابنه: عبد مناف بن قصيّ","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"وأمه حُبيّ بنت حليل الخزاعية، واسمه المغيرة والقمر. ومن غير هاشم عمود النسب ثلاث بطون: بنو المطلب: وهو العيص، وبنو عبد شمس وبنو نوفل: أولاد عبد مناف. فمن بني عبد شمس: أميه الأصغر ، يقال لولده: العبلات: لأن أم أميه هذا عبلة بنت عبيد من البراجم بن تميم، وبنو أميه الأكبر بن عبد شمس، منهم: ذو النورين: عثمان بن عفان بن العاص بن أميه بن عبد شمس أحد العشرة وزوج ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنه، ومن بني عبد شمس: أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يثني عليه في صهارته خيراً. ومن بني عبد المطلب بن عبد مناف: رهط بن عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب البدري، انقرض، وشافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب جدّ الشافعي رضي الله عنه: وهو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع. ومن بني نوفل: جبير بن مطعم بن عديّ بن نوفل، وكان ممن قان في أمر الصحيفة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكر له ذلك، وهم يدٌ مع بني أمية.\rوعمود النسب من عبد مناف في ابنه هاشم بن عبد مناف، وأمّه عاتكة بنت مرة السلمية، واسمه عمرو العلا، وسُميّ هاشماً لكرمه وهشمه الثريد في الجدب مبتدئاً بذلك، انقرض جميع ولده من الذكور إلا عمود النسب عبد المطلب، وكان له أسد بن هاشم، منه: فاطمة بنت أسد أمّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ وهي أول هاشمية تزوجت هاشمياً فولدت له؛ وانقرض أسد إلا منها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسل يقول: هي أمي بعد أمي.\rوالعقب من هاشم في ابنه: عبد المطلب بن هاشم وأمه سلمى بن زيد النجارية: وهو شيبة الحمد، أعقب من غير عبد الله عمود النسب من بني أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب والعباس بن عبد المطلب والحارث بن عبد المطلب وأبا لهب بن عبد المطلب وهو عبد العزي.ّ فأما بنو أبي طالب فهم ثلاث بطون: بنو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب: وهم العلويون، وبنو جعفر الطيار: وهم الجعفريون، وبنو عقيل بن أبي طالب: وهم العقيليون.\rفالعلويون خمسة أفخاذ: بنو الحسن بن علي، وبنو الحسين بن علي، وبنو محمد بن الحنفية: وهم المحمديون، وبنو العباس السقاء بن علي: سمي بذلك لأنه كان قد سقى أخاه الحسين بالقربة في الطَّفِّ، وبنو عمر الأطراف بن علي. وفي كل فخذ منهم عدة عشائر.\rوأما الجعفريون فثلاث أفخاذ: بنو عليّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهم الزينبيون، لأن أم عليّ هذا زينب بنت فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت علي رضي الله عنه، وبنو إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبنو إسحاق العرضي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. والعرض: موضع بالمدينة. وفي كل فخذ عدة عشائر.\rوأما العقيليون، ففخذان: بنو محمد ومسلم: ابني عبد الله الأحول بن محمد بن عقيل بن أبي طالب: فهؤلاء بطون أبي طالب.\rوأما العباسيون فبطنان: بنو عبد الله الحبر ومعبد: ابني العباس بن عبد المطلب.\rفأما عبد الله فمنه ثماني أفخاذ: بنو عبد الله وانقرض، وبنو عيسى، وبنو عبد الصمد، وبنو داوود، وبنو إسماعيل، وبنو صالح: صاحب الشام، وبنو سلمان: صاحب البصرة، وبنو محمد الكامل: جدّ الخلفاء أولاد علي السجاد بن عبد الله بن العباس.\rوأما معبد فمنه فخذان: بنو داوود ومحمد: ابني إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس: فهؤلاء بنو العباس بن عبد المطلب.\rوأما الحارث بن عبد المطلب، فمنه ثلاث أفخاذ: وهم الحارثيون: بنو ربيعة، وبنو نوفل، وبنو أبي سفيان: أولاد الحارث بن عبد المطلب: فهؤلاء بنو الحارث.","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"وأما أبو لهب عبد العزيّ، فمنه فخذان: بنو عتبة وبنو معتب: ولدي أبي لهب. وعمود النسب الشريف في عبد الله بن عبد المطلب، وأمه آمنة بنت عمرو المخزومية، ولا عقب لعبد الله بن عبد المطلب إلا من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهومحمد النبي العربي، بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر واسمه قيس بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدّ بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار بن إسماعيل الذبيح بن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم بن تارح: وهو آزر بن ناحور بن ساروع بن أرغو بن فالغ بن عابر: وهو هود النبيّ عليه السلام؛ وهو جماع قيس ويمن ونزار وخندف بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ: وهو إدريس النبي عليه السلام بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن هبة الله شيث بن أبي البشر آدم عليه الصلاة والسلام وعلى سائر أنبياء الله تعالى أجمعين.\rنسبٌ كأنّ عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عمودا\rوروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لما خلق الله تعالى آدم، أهبطني في صلبه إلى الأرض، وحملني في صلب نوح في السفينة، وقذف بي في النار في صلب إبراهيم، ثم لم يزل ينقلني من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة، حتى أخرجني من بين أبويين لم يلتقيا على سفاحٍ قط \" . وإلى هذا أشار العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه بقوله حيث يقول:\rمن قبلها طبت في الجنان، وفي ... مستودعٍ، حيث يخصف الورقُ.\rثم هبطت البلاد، لا بشرٌ ... أنت، ولا مضغةٌ ولا علقُ.\rبل نطفةٌ، تركب السفين وقد ... ألجم نسراً وأهله الغرقُ.\rتنقل من صالبٍ إلى رحمٍ ... إذا مضى عالمٌ، بدا طبقُ\rاللهم صلي على أسعد الخلق سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أفضل صلواتك وسلامك عدد خلقك، وأجر لطفك في أمورنا في الدنيا والآخرة، حسبنا الله ونعم الوكيل!\rالقسم الثاني من الفن الثاني\rالأمثال المشهورة\rعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنه، والمشهور من أمثال العرب، وأوابد العرب، وأخبار الكهنة، والزجر، والفأل، والطيرة، والفراسة، والذكاء، والكنايات، والتعريض، والأحاجي، والألغاز، وفيه خمسة أبواب.\rالباب الأول\rفي الأمثال\rضرب الله عز وجل الأمثال في كتابه العزيز في آي كثيرة. فقال تعالى: \" يا أيها الناس ضرب مثلٌ فاستمعوا له \" وتكرر ذكر الأمثال.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبي الصراط أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى رأس الصراط داعٍ يقول ادخلوا الصراط ولا تعترجوا فالصراط: الإسلام، والستور: حدود الله تعالى، والأبواب: محارم الله، والداعي: القرآن.\rقال المبرد: المثل مأخوذ من المثال وهو قول سائر، شبه به حال الثاني بالأول والأصل فيه التشبيه. قال: وقولهم مثل بين يديه، إذا انتصب، معناه أشبه الصورة المنتصبة. وفلان أمثل من فلان، أي أشبه.\rوالمثال: القصاص، لتشبيه حال المقتص منه بحال الأول.\rوقال ابن السكيت: المثل لفظ يخالف لفظ المضروب له ويوافق معناه.\rوقال إبراهيم النظام: يجتمع في المثل أربع لا تجتمع في غيره من الكلام. إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية فهو نهاية البلاغة.\rوقال ابن المقفع: إذا جعل الكلام مثلا كان أوضح للمنطق، وآنق للسمع، وأوسع لشعوب الحديث.\rوأول ما نبدأ به من ذلك ما تمثل به من أقوال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rفمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم وهو مما لم يسبق إليه: \" إياكم وخضراء الدمن \" فقيل له: وما ذاك يا رسول الله؟ فقال: \" المرأة الحسناء في منبت السوء!.\r\" كل الصيد في جوف الفرا \" قاله لأبي سفيان يتألفه على الإسلام.\r\" مات فلان حتف أنفه \" .\r\" لا ينتطح فيه عنزان \" .","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"\" إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهرا أبقى \" المنبت: المنقطع عن أصحابه في السفر، والظهر: الدابة، قاله في الغلو في العبادة.\r\" الآن حمى الوطيس \" : ضربه في الحرب.\r\" يا خيل الله اركبي \" .\r\" اشتدي أزمة تنفرجي \" .\rوقوله صلى الله عليه وسلم \" الناس كأسنان المشط وإنما يتفاضلون بالعافية \" .\r\" الناس كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا \" .\r\" الناس كإبلٍ، مائة لا تجد فيها راحلةً \" .\r\" المؤمن هين لين، كالجمل الأنف إن أنقيد ، وإن أنيخ على صخرة استناخ \" .\r\" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا \" .\r\" أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم \" .\r\" أمتى كالمطر، لا يدري أوله خير أم آخره \" .\r\" مثل أبي بكر كالقطر أين وقع نفع \" .\r\" عمالكم كأعمالكم وكما تكونوا يولي عليكم \" .\rوقال لما كتب كتاب المهادنة بينه وبين سهيل بن عمرو: \" والعقد بيننا كشرج العيبة \" يعني إذا انحل بعضه انحل جميعه.\r\" المرأة كالضلع العوجاء إن قومتها كسرتها، وإن داريتها استمتعت بها \" .\r\" المتشبع بما لا يعطه كلابس ثوب زور \" .\r\" الدال على الخير كفاعله \" .\r\" لو توكلتم على الله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا \" .\r\" وعد المؤمن كالأخذ باليد \" .\r\" مثل المؤمن كالنحلة، لا تأكل إلا طيباً ولا تطعم إلا طيبا \" .\r\" مثل المؤمن كالسنبلة تميل أحيانا، وتعتدل أحيانا \" .\r\" مثل الجليس الصالح كالعطار، إن لم تصب من عطره أصبت من ريحه، ومثل الجليس السوء كالكير إن لم يحرق ثوبك آذاك بدخانه \" .\r\" علم لا ينفع كنز لا ينفق منه \" .\rوقال: \" المؤمن مرآة أخيه \" .\r\" قد جدع الحلال أنف الغيرة \" .\r\" الأعمال بالنيات ولكل امريء ما نوى \" \" نية المرء خير من عمله \" .\r\" إن من الشعر لحكمةً وإن من البيان لسحراً \" .\r\" من كثر سواد قوم فهو منهم \" .\r\" الأعمال بخواتمها \" .\r\" ساقي القوم آخرهم شربا \" \" المرء على دين خليله فلينظر امرؤ من يخال \" .\r\" المستشير معان والمستشار مؤتمن \" .\rمن كلام أبي بكر الصديق إن الله قرن وعده بوعيده ليست مع العزاء مصيبة.\rالموت أهون مما بعده وأشد مما قبله.\rثلاث من كن فبه كن عليه: البغى، والنكث، والمكر.\rذل قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة.\rاحرص على الموت توهب لك الحياة، قاله لخالد بن الوليد حين بعثه إلى أهل الردة.\rكثير القول ينسى بعضه بعضا، وإنما لك ما وعى عنك.\rلا تكتم المستشار خبرا فتؤتي من قبل نفسك.\rخير الخصلتين لك أبغضهما إليك.\rصنائع المعروف تقي مصارع السوء.\rمن كلام عمر بن الخطاب من كتم سره كان الخيار في يده.\rأشقى الولاة من شقيت به رعيته.\rاتقوا من تبغضه قلوبكم.\rأعقل الناس أعذرهم للناس.\rاجعلوا الرأس رأسين.\rأخيفوا الهوام قبل أن تخيفكم.\rلو أن الشكر والصبر بعيران لما باليت أيهما ركبت.\rمن لم يعرف الشر كان أجدر أن يقع فيه.\rما الخمر صرفا بأذهب للعقول من الطبع.\rإلى الله أشكو ضعف الأمين وخيانة القوى.\rاقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة.\rلا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً.\rمن كلام عثمان بن عفان ما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن.\rالهدية من العامل إذا عزل، مثلها منه إذا عمل.\rأنتم إلى إمام فعال، أحوج منكم إلى إمام قوال، قاله يوم صعد المنبر فأرتج عليه.\rوقال يوم قتل: لأن أقتل قبل الدماء، أحب إلى من أن أقتل بعد الدماء.\rمن كلام علي بن أبي طالب من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه، ومن ضيعه الأقرب أتيح له الأبعد، ومن بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر فيها ظلم.\rرأى الشيخ خير من مشهد الغلام.\rإن من السكوت ما هو أبلغ من الجواب.\rمن كلام عبد الله بن عباس لكل داخل دهشة فابدءوه بالتحية، ولكل طاعم حشمة فابدءوه باليمين.\rومن أمثال العرب ما نقلته من كتاب الأمثال للميداني. والميداني: هو أبو الفضل أحمد بن محمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري والميداني: بفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة نسبة إلى ميدان زياد، وهي محلة بنيسابور، توفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، ووضعته على حروف المعجم.\rفمن ذلك ما جاء منها على حرف الهمزة: ترتيب الأمثال على حروف المعجم\rحرف الهمزة","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"تقول العرب: \" إن الموصين بنو سهوان \" قال الميداني: يضرب لمن يسهو عن طلب شيء أمر به. وبنو سهوان: بنو آدم عليه السلام حين عهد إليه فسها ونسى.\rوقولهم: \" إن الرثيئة تفثأ الغضب \" قال: الرثيئة: اللبن الحامض يخلط بالحلو، والفثء: التسكين، وزعموا أن رجلا نزل بقوم وكان ساخطا عليهم، وكان جائعا فسقوه الرثيئة فسكن غضبه، فقال هذا المثل: يضرب في الهدية تورث الوفاق.\rوقولهم: \" إن الحديد بالحديد يفلح \" أي يستعان في الأمر الشديد بما يشاكله ويقاويه.\rوقولهم: \" إن السلامة منها ترك ما فيها \" في اللقطة وذم الدنيا.\rوالنفس تكلف بالدنيا وقد علمت أن السلامة منها ترك ما فيها وقولهم: \" إن العصا من العصية \" يقال: إن أول من قال ذلك الأفعى الجرهمي، ذلك أن نزارا لما حضرته الوفاة جمع بنيه: مضر، وإيادا، وربيعة، وأنمارا، فقال: يا بني! هذه القبة الحمراء وكانت من أدم لمضر، وهذه الفرس الأدهم والخباء الأسود لربيعة، وهذه الخادم وكانت شمطاء لإياد، وهذه البدرة والمجلس لأنمار، فإن أشكل عليكم كيف تقسمون، فأتوا الأفعى الجرهمي منزلك بنجران، فتشاجروا.\rفي ميراثه، فتوجهوا إليه، فبينما هم في سيرهم إذ رأى مضر أثر كلإ قد رعى، فقال: إن البعير الذي رعى هذا أعور، وقال ربيعة: إنه لأزور، وقال إياد: إنه لأبتر، وقال أنمار: إنه لشرود، فساروا قليلاً، فإذا هم برجل يوضع حمله فسألهم عن البعير، فقال مضر: أهو أعور؟ قال: نعم، وقال ربيعة: أهو أزور؟ قال: نعم، وقال إياد: أهو أبتر؟ قال: نعم، وقال أنمار: أهو شرود؟ قال: نعم، وهذه والله صفة بعيري، فدلوني عليه، فقالوا: والله ما رأيناه، فقال: هذا والله الكذب كيف أصدقكم وأنتم تصفونه بصفته؟ فساروا حتى قدموا نجران، فلما نزلوا، نادى صاحب البعير، هؤلاء أصحاب جملي وصفوا لي صفته ثم قالوا: لم نره، فاختصموا إلى الأفعى، فقال لهم: كيف وصفتموه وأنتم لم تروه؟ فقال مضر: رأيته قد رعى جانبا وترك جانبا فعلمت أنه أعورة وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة واالثانية فاسدة، فعلمت أنه أزور لأنه أفسدها بشدة وطئة، وقال إياد: عرفت أنه أبتر باجتماع بعره ولو كان ذيالاً لمصع به، وقال أنمار: عرفت أنه شرود، لأنه يرعي في المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى مكان أرق منه، فقال الأفعى: ليسوا بأصحاب جملك فاطلبه، ثم سألهم: من أنتم؟ فأخبروه بخبرهم، وبما جاءوا له، فأكرمهم، وقال أتحتاجون إلي وأنتم كما أرى؟ ثم أنزلهم وذبح لهم شاة، وأتاهم بخمر، وجلس لهم الأفعى بحيث لا يرى: فقال ربيعة: لم أر كاليوم أطيب لحما لولا أن شاته غذيت بلبن كلبة، وقال مضر: لم أر كاليوم أطيب خمرا لولا أن حبلته نبتت على قبر، فقال إياد: لم أر كاليوم رجلاً أسرى لولا أنه ليس لأبيه الذي يدعي له، فقال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع في حاجتنا من كلامنا، وكلامهم بأذنه، فدعا قهرمانة، فقال: ما هذه الخمر، وما أمرها؟ قال: هي من حبلة غرستها على قبر أبيك، وقال للراعي: ما هذه الشاة؟ فقال: هي عناق أرضعتها بلبن كلبة وكانت أمها ماتت، ثم أتى أمه، فقال: اصدقيني، من أبي؟ فأخبرته أنها كانت تحت ملك كثير المال وكان لا يولد له، فخفت أن يموت وليس له ولد، فأمكنت من نفسي ابن عم له كان نازلا عليه فولدتك، فرجع إليهم وقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال نزار فهو لمضر، فذهب بالإبل الحمر الدنانير، فسميت: مضر الحمراء، وأما صاحب الفرس الأدهم والخباء الأسود فله كل شيء أسود، فصار لربيعة الخيل الدهم وما شاكلها، فقيل: ربيعة الفرس. وأما الخادم الشمطاء فلصاحبها الخيل البلق والماشية، فسميت: إياد الشمطاء، وقضى لأنمار بالدراهم والأرض فصدروا الخيل البلق من عنده على ذلك، فقال الأفعى: إن العصا من العصية، وإن خشيناً من أخشن، فأرسلهما مثلا.\rوقولهم: \" إن العوان لا تعلم الخمرة \" : يضرب للرجل المجرب.\rوقولهم: \" إني لآكل الرأس وأنا أعلم بما فيه \" : يضرب للأمر تأتيه وأنت تعلم ما فيه مما تكره.\rوقولهم: \" أنفٌ في السماء واست في الماء \" : يضرب للمتكبر الصغير الشأن.\rوقولهم: \" إن الذليل الذي ليست له عضد \" أي أنصار وأعوان: يضرب لمن يخذله ناصره.\rوقولهم: \" إن يدم أظلك فقد نقب خفي \" الأظل: ما تحت منسم البعير: والخف: قائمته: يضربه الشكو إليه المشاكي أي أنا منه في مثل ما تشكوه.","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"وقولهم: \" إن تسلم الجلة فالنيب هدر \" الجلة: جمع جليل يعني العظام من الإبل، والنيب: جمع ناب وهي الناقة المسنة، معناه إذا سلم ما ينتفع به هان ما لا ينتفع به.\rوقولهم: \" إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر \" يقال: إن بني ثعلبة ابن سعد في الجاهلية تراهنوا على الشمس والقمر ليلة أربع عشرة، فقالت طائفة: تطلع الشمس والقمر يرى، وقالت طائفة: بل يغيب قبل طلوعها، فتراضوا برجل جعلوه بينهم، فقال رجل منهم: إن قومي يبغون علي، فقال العدل: إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر، فذهبت مثلا: يضرب للأمر المشهور.\rوقولهم: \" إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً \" الإعصار: ريح شديدة تهب فيما بين السماء والأرض: يضرب للمدل بنفسه إذا صلى بمن هو أدهى منه وأشد.\rوقولهم: \" إنك خير من تفاريق العصا \" قالوا: قالته غنية الأعرابية لابنها، وكان عارما مع ضعفه، فواثب يوما فتى فقطع أذنه فأخذت ديتها، فزادت حسن حلٍ ثم واثب آخر فقطع شفته فأخذت الدية فذكرته في أرجوزتها فقالت:\rأحلف بالمروة حقاً والصفا ... إنك أجدى من تفاريق العصا\rفقيل لأعرابي: ما تفاريق العصا؟ فقال: العصا تقطع ساجورا والسواجير للكلاب والأسرى من الناس ثم تقطع عصا الساجور فتصير أوتادا ويقطع الوتد فيصير كل قطعة شظاظا وإن جعل لرأس الشظاظا كالفلكة صار للبختي مهارا وهو العود الذي يدخل في أنفه، وإذا فرق المهار جاءت منه توادٍ وهي الخشبة التي تشد على خلف الناقة.\rوقولهم: \" إنه ليعلم من أين تؤكل الكتف \" : يضرب للرجل الداهي، قال بعضهم: لم تؤكل الكتف من أسفلها؟ قال: لأنها تنقشر عن عظمها وتبقى المرقة مكانها ثابتة.\rوقولهم: \" إنك لا تجني من الشوك العنب \" أي لا تجد عند ذى المنبت السوء جميلاً، والمثل من قول أكثم قال: إذا ظلمت فاحذر الانتصار، فان الظلم لا يكسبك إلا مثل فعلك .\rوقولهم: \" أخو الظلماء أعشى باليل \" : يضرب لمن يخطئ حجته ولا يبصر الخرج مما وقع فيه.\rوقولهم: \" إنك لتكثر الحز وتخطئ المفصل \" : يضرب لمن يجتهد قي السعى ثم لا يظفر بالمراد.\rوقولهم: \" أول الشجرة النواة \" : يضرب للأمر الصغير يتولد منه الكبير.\rوقولهم: \" إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فلتذبح \" قاله الفرزدق في امرأة قالت الشعر.\rوقولهم: \" إذا رآنى رأى السكين في الماء \" : يضرب لمن يخافك جد اً.\rوقولهم: \" إنك ريان فلا تعجل بشربك \" : يضرب لمن أشرف على إدراك بغيته فيؤمر بالرفق.\rوقولهم: \" أبطش من دوسر \" هي إحدى كتائب النعمان أشدها بطشا ونكاية، قال بعض الشعراء:\rضربت دوسر فيهم ضربة ... أثبتت أوتاد ملكٍ فاستقر\rقولهم: \" أبرماً قروناً \" البرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر لبخله، والقرون: الذي يقرن بين الشيئين، وأصله أن رجلا كان لا يدخل في الميسر ولا يرى اللحم فجاء. إلى امرأته وبين يديها لحم تأكله فأقبل يأكل معها بضعتين يقرن بينهما فقالت له: أبرماً قروناً: يضرب لمن يجمع بين خصلتين مكروهتين.\rوقولهم: \" الثيب عجالة الراكب \" : يضرب في الحث على الرضا بيسير الحاجة عند إعواز جليلها.\rوقولهم:\rالبس لكل حالةٍ لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها\rأول من قال ذلك بيهس: وهو رجل من بني غراب بن فزارة، وكان سابع سبعة إخوة، فأغار عليهم أناس من بني أشجع، وهم في إبلهم فقتلوا منهم ستة وتركوا بيهسا لحمقة فقال: دعوني أتوصل معكم إلى أهلي فأقبل معهم، فلما كان من الغد نحروا في يوم شديد الحر، فقال بعضهم: أظلوا لحمكم لا تفسده الضح، فقال بيهس: لكن بالأثلاث لحم لا يظلل، فأرسلها مثلا، ثم فارقهم وأتى أمه فأخبرها الخبر فقالت: ما جاء بك من بين إخوتك وأنت أخبثهم فقال: ما خيرك القوم فتختاري، فأرسلها مثلا، ثم أعطته ثياب إخوته ومتاعهم، فقال: يا حبذا التراث، لولا الذلة، فأرسلها مثلا، وأخذ يوما يبرم سكينا، فقيل له: ما تصنع بها؟ فقال: أقتل بها قتلة إخوتي، فقيل له: إنك لأحمق، فقال: يا يؤمنك من أحمق في يده سكين، فأرسلها مثلا، ثم إنه مر بنسوة من قومه يصلحن امرأة يردن أن يهدينها لبعض قتلة إخوته فكشف ثوبه عن استه وغطى به رأسه، فقيل له: ما تصنع؟ فقال:\rالبس لكل حالة لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"وقولهم: \" الصيف ضيعت اللبن \" قال الأصمعي: معناه تركت الشيء في وقته، وقال غيره: تركت الشيء وهو ممكن، وقال أبو عبيدة: أول من قاله عمرو بن عدس، وكان قد تزوج دختنوس بعد ما كبر، فكان ذات يوم نائما في حجرها فجحف وسال لعابه فتأففته فانتبه وهي تتأفف منه، فقال: أتحبين أن أطلقك؟ قالت: نعم، فطلقها، وتزوجها فتى ضرير حسن الوجه، ففجأتهم ذات يوم غارة والفتى نائم فجاءت دختنوس فأنبهته وقالت له: الخيل، فجعل يقول: الخيل الخيل، من الخوف حتى مات فرقا وسبيت دختنوس فبلغ عمرو الخبير فركب ولحقهم وقاتل حتى استنقذ جميع ما أخذوا واستنقذها فوضعها قدامه على السرج وردها إلى أهلها، ثم اصابتهم سنة فبعث إليه تقول: نحتاج اللبن فبعث إليها بلقحة وقال: الصيف ضيعت اللبن.\rوقولهم: \" اضطره السيل إلى معطشه \" وهو أن رجلا عطش وكان قد أتى واديا له غور وماء شديد الجرية، فبقي في أصل شجرة لا يقدر أن ينزل فيأخذ به الماء، ولم يجد ماء فمات عطشا: يضرب لمن ألقاه الخير الذي كان فيه إلى الشر.\rوقولهم:\rإن الحماة أولعت بالكنة ... وأولعت كنتها بالظنة\rالحماة: أم الزوج، والكنة: امرأة الابن والأخ، والظنة: التهمة، وبين الحماة والكنة عداوة مستحكمة: يضرب بها المثل في الشر يقع بين قوم هم أهل لذلك.\rوقولهم: \" إن لله جنودا منها العسل \" قاله معاوية: لما بلغه أن الأشتر سقى عسلا فيه سم فمات: يضرب عند الشماتة بمصاب العدو.\rوقولهم: \" إن الهوى ليميل باست الراكب \" أي من هوى شيئا مال نحوه قبيحا أو جميلا، كما قيل.\rوما زرتكم عمداً ولكن ذا الهوى ... إلى حيث يهوى القلب تهوى به الرجل\rوقولهم: \" إن الجواد قد يعثر \" : يضرب لمن يكون الغالب عليه فعل الجميل ثم تكون منه الزلة وقولهم: \" إن الشفيق بسوء ظن مولع \" : يضرب للمعنى بشأن صاحبه لأنه لا يكاد يظن به غير وقوع الحوادث كظنون الوالدات بالأولاد.\rوقولهم: \" إن خصلتين خيرهما الكذب لخصلتا سوء \" : يضرب للرجل يعتذر من شيء فعله بالكذب.\rوقولهم: \" أحاديث طسمٍ وأحلامها \" : يضرب لمن يخبرك بما لا أصل له.\rوقولهم: \" أحشفاً وسوء كيلةٍ \" : يضرب لمن يجمع بين خصلتين مكروهتين.\rوقولهم: \" الحق أبلج، والباطل لجلج \" : معناه أن الحق واضح بين والباطل يتلجلج فيه أي يتردد فلا يجد صاحبه مخرجا.\rوقولهم: \" الحزم سوء الظن بالناس \" : هذا المثل قاله أكثم بن صيفي.\rوقولهم: \" اختلط الخاثر بالزباد \" . الخاثر: ما خثر من اللبن، والزباد: الزبد: يضرب للقوم يقعون في التخليط من أمرهم.\rوقولهم: \" أخطأت استه الحفرة \" : يضرب لمن رام شيئا فلم ينله.\rوقولهم: \" ادع إلى طعانك، من تدعوه إلى جفانك \" إي استعمل في حوائجك من تخصه بمعروفك.\rوقولهم: \" أروغاناً يا ثعال، وقد علقت بالحبال \" ثعالة: يضرب لمن يراوغ وقد وجب عليه الحق.\rوقولهم: \" إرم فقد أفقته مريشاً \" يقال: أفقت السهم إذا وضعت فوقه في الوتر: يضرب لمن تمكن من طلبته.\rوقولهم: \" أضرطاً وأنت الأعلى \" قاله سليك بن سلكة السعدي، وذلك أنه بينا هو نائم إذ جثم عليه رجل من الليل وقال: استأسر فقال له سليك: الليل طويل وأنت مقمر، فأرسلها مثلا: ثم ضمه سليك بيديه ضمة أضرطته، فقال له: أضرطاً وأنت الأعلى فأرسلها مثلا: يضرب لمن يشكو في غير موضع الشكوى.\rوقولهم: \" أضللت من عشرٍ ثمانياً \" يضرب لمن يفسد أكثر ما يليه من الأمر.\rوقولهم: \" أعط أخاك تمرة، فإن أبي فجمرة \" : يضرب لمن يختار الهوان على الكرامة.\rوقولهم: \" أكذب النفس إذا حدثتها \" معناه لا تحدث نفسك بأنك لا تظفر، فإن ذلك يثبطك. قال لبيد:\rأكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزرى بالأمل\rوقولهم: \" أكبراً وإمعاراً \" أي أتجمع بين الكبر والفقر.\rوقولهم: \" أمكراً وأنت في الحديد \" هذا المثل قاله عبد الملك بن مروان لعمرو.\rابن سعيد لما قبض عليه وكبله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن لا تفضحني بأن تخرجني للناس فتقتلني بحضرتهم فافعل، وإنما أراد عمرو بهذه المقالة أن يخالفه عبد الملك فيخرجه فيمنعه منه أصحابه، فقال: أنا أمية! أمكرا وأنت في الحديد: يضرب لمن أراد أن يمكر وهو مقهور.\rوقولهم: \" أهون هالك عجوز في هام سنةٍ \" : يضرب للشيء يستخف به وبهلاكه.\rقال الشاعر:","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"وأهون مفقود إذا الموت نابه ... على المرء من أصحابه من تقنعا\rوقولهم: \" أوسعتهم سباً وأودوا بالإبل \" أصله أن رجلا من العرب أغير على إبله فأخذت، فلما تواروا صعد أكمةً وجعل يسبهم ثم رجع إلى قومه فسألوه عن إبله، فقال هذا المثل.\rويقال: إن أول من قاله كعب بن زهير بن أبي سلمى، وذلك أن الحارث بن ورقاء الصيداوي أغار على بني عبد الله بن غطفان واستاق إبل زهير وراعيه، فقال زهير في ذلك قصيدته التي أولها\rبان الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... وزودوك اشتياقا أيةً سلكوا\rوبعث بها إلى الحارث فلم يرد الإبل، فهجاه، فقال كعب ابنه: أوسعتهم سبا وأودوا بالإبل، فذهبت مثلا: يضرب لمن لم يكن عنده إلا الكلام.\rوقولهم: \" أوردها سعدٌ وسعدٌ مشتمل \" : هو سعد بن زيد مناة أخو مالك الذي يقال فيه: إنك ابل من مالك، وذلك أن مالكاً تروج بامرأة وبني بها فأورد الإبل أخوه سعد ولم يحسن القيام عليها والرفق بها، فقال مالك\rأوردها سعدٌ وسعدٌ مشتمل ... ما هكذا تورد يا سعد الإبل\rفضرب مثلا لمن قصر في طلب الأمر.\rوقولهم: \" إن الشقي وافد البراجم \" قاله عمرو بن هند الملك. وذلك أن سويد بن ربيعة التميمي قتل أخاه سعد بن هند وهرب فنذر عمرو ليقتلن بأخيه مائة من بني تميم، فسار إليهم بجمعه فلقيهم الخبر فتفرقوا في نواحي بلادهم فلم يجد إلا عجوزا كبيرة وهي حمراء بنت ضمرة، فلما نظر إليها قال: إني لأحسبك أعجمية، قالت: لا والذي أسأله أن يخفض جناحك، ويهد عمادك، ويضع وسادك، ويسلبك بلادك ما أنا بأعجمية، قال: فمن أنت؟ قالت: أنا بنت ضمرة بن جابر، ساد معدا كابرا عن كابر، وأنا أخت ضمرة بن ضمرة، قال: فمن زوجك؟ قالت: هوذة ابن جرول، قال: وأين هو الآن؟ أما تعرفين مكانه؟ قالت: لو كنت أعلم مكانه حال بيني وبينك، فقال عمرو: أما والله لولا أني أخاف أن تلدي مثل أبيك وأخيك وزوجك لاستبقيتك، فقالت: والله ما أدركت ثارا، ولا محوت عارا، مع كلام كثير كلمته به فأمر بإحراقها، فلما نظرت إلى النار، قالت: ألا فتًى مكان عجوز! فذهبت مثلا، ثم مكثت ساعة فلم يفدها أحد، فقالت: هيهات صارت الفتيان حمماً، فذهبت مثلا ثم ألقيت في النار ولبث عمرو عامة يومه لا يقدر على أحد، حتى إذا كان آخر النهار أقبل راكب يسمى عمارا توضع به راحلته حتى أناخ إليه، فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا رجل من البراجم، قال: فما جاء بك إلينا؟ قال: سطع الدخان وكنت طويت منذ أيام وظننته طعاما، فقال عمرو: إن الشقي وافد البراجم، فذهبت مثلا وأمر به فألقى في النار، قيل: إنه أحرق مائة من بني تميم: تسعة وتسعين من بني دارم، وواحدا من البراجم.\rوقال بعضهم: ما بلغنا أنه أصاب من بني تميم غير وافد البراجم وإنما أحرق النساء والصبيان، قال جرير\rوأخزاكم عمرو كما قد خزيتم ... وأدرك عمارا شقي البراجم\rولذلك عيرت بنو تميم بحب الطعام، قال الشاعر:\rإذا ما مات ميت من تميم ... وسرك أن يعيش فجيء بزاد\rبخبز أو بلحم أو بتمر ... أو الشيء الملفف في البجاد\rتراه ينقب الآفاق حولا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد\rوهذا المثل يضرب لمن يوقع نفسه في هلكة طمعا.\rحرف الباء\rتقول العرب: \" بلغ السيل الزبى \" هي جمع زبية وهي حفرة تحفر للأسد إذا أرادوا صيده لا يعلوها الماء فإذا بلغها السيل كان مجحفا: يضرب لمن جاوز الحد.\rوقولهم: \" بين العصا ولحائها \" اللحاء: القشر: يضرب للمتخاللين المتفقين، ويروى: لا مدخل بين العصا ولحائها.\rوقولهم: \" بينهم داء الضرائر \" هي جمع ضرة يضرب للعداوة إذا رسخت بين قوم.\rوقولهم: \" بينهم عطر منشم \" قال الأصمعي: منشم كانت عطارة بمكة وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيبوا من طيبها فإذا فعلوا ذلك كثرت بينهم القتلى فكان يقال: أشأم من عطر منشم: يضرب في الشر العظيم، وفيه يقول زهير\rتداركتما عبساً وذبيان بعد ما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم\rوقولهم: \" به داء ظبيٍ \" : أي أنه لا داء به كما أن الطبي لا داء به، وقيل: ربما يكون بالظبي داء لا يعرف مكانه معناه أن به داءً لا يعرف.","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"وقولهم: \" بلغت الدماء الثنن \" الثنة، الشعرات التي في مؤخر رسغ الدابة: يضرب عند بلوغ الشر النهاية.\rوقولهم: \" برح الخفاء \" أي زال من قولهم ما برح، والمعنى زال الشر فوضح الأمر، ويقال: الخفاء المتطاطىء من الأرض، والبراح المرتفع أي صار الخفاء براحا.\rوقولهم: \" بنان كف ليس فيها ساعد \" يضرب لمن له همة ولا مقدرة له على ما في نفسه.\rوقولهم: \" بات فلان يشوي القراح \" يعني الماء الخالص لا يخالطه شيء: يضرب لمن ساءت حاله، وفقد ماله بحيث يشوي الماء شهوةً للطبيخ.\rوقولهم: \" بخٍ بخٍ ساق بخلخالٍ \" هي كلمة يقولها المتعجب من حسن الشيء وكماله. وأول من قال ذلك الورثة بنت ثعلبة، وذلك أن ذهل بن شيبان كان زوج الورثة وكانت لا تترك له امرأة، إلا ضربتها فتزوج رقاش بنت عمرو بن عثمان من بني ثعلبة، فخرجت رقاش يوما وعليها خلخالان، فقالت الورثة ذلك، فذهبت مثلا.\rحرف التاء\rوقولهم: \" ترك الظبي ظله \" أي كناسه الذي يستظل به: يضرب لمن نفر من شيء فتركه تركا لا يعود له.\rوقولهم: \" تركته على مثل ليلة الصدر \" وهي ليلة ينفر الناس من منًى فلا يبقى منهم أحد.\rوقولهم: \" تركته أنقى من الراحة \" أي على حال لا خير فيه كما لا شعر على الراحة: يضرب في اصطلام الدهر.\rوقولهم: \" تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها \" : أي لا تكون ظنرا وإن آذاها الجوع.\rأول من قاله الحارث بن سليل الأسدي وكان حليفا لعلقمة بن حصفة الطائي فزاره فنظر إلى ابنته الزباء وكانت من أجمل أهل دهرها، فقال: أتيتك خاطبا وقد ينكح الخاطب، ويدرك الطالب، ويمنح الراغب، فقال له علقمة: أنت كفء كريم يقبل منك الصفو، ويؤخذ منك العفو، فأقم ننظر في أمرك، ثم انكفأ إلى أمها، فقال: إن الحارث سيد قومه حسبا ومنصبا وبيتا، وقد خطب إلينا الزباء فلا ينصرفن إلا بحاجته، فقالت المرأة لابنتها: أي الرجال أحب إليك الكهل الجحجاح، الواصل المناح، أم الفتى الوضاح؟ قالت: بل الفتى الوضاح، فقالت: إن الفتى يغيرك، وإن الشيخ يميرك، وليس الكهل الفاضل، الكثير النائل، كالحديث السن، الكثير المن، قالت يا أماه: إن الفتاة تحب الفتى، كحب الرعاء أنيق الكلا، قالت: أي بنيه! إن الفتى شديد الحجاب، كثير العتاب، قالت: إن الشيخ يبلي شبابي، ويدنس ثيابي، ويشمت بي أترابي، فلم تزل أمها بها حتى غلبتها على رأيها، فتزوجها الحارث على مائة وخمسين من الإبل وخادم والف درهم، فابتنى بها، ثم رحل بها إلى قومه فبينا هو ذات يوم جالس بفناء قومه وهي إلى جانبه، إذ أقبل شباب من بني أسد يعتلجون فتنفست الصعداء، ثم أرخت عينيها بالبكاء، فقال: ما ببكيك؟ قالت: مالي وللشيوخ، الناهضين كالفروخ، فقال لها: ثكلتك أمك! تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، ثم قال لها: وأبيك، لرب غارة شهدتها، وسبية أردفتها، وخمرة شربتها، فالحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك، وهذا المثل يضرب في صيانة الرجل نفسه عن خسيس المكاسب.\rوقولهم: \" تحبشأ لقمان من غير شبعٍ \" : يضرب لمن يدعي ما ليس يملك.\rوقولهم: \" تخبر عن مجهوله مرآته \" : أي منظره يخبر عن مخبره.\rوقولهم: \" تشكو إلى غير مصمتٍ \" : أي إلى من لم يهتم بشأنك. قال الشاعر\rإنك لا تشكو إلى مصمت ... فاصبر على الحمل الثقيل أومت\rوقولهم: \" تجاوز الروض إلى القاع القرق \" : يضرب لمن يعدل بحاجته من الكريم إلى اللئيم، والقرق: \" المستوى.\rوقولهم: \" تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه \" ويروى: لا أن تراه: يضرب لمن خبره خير من مرآه، أول من قاله: المنذر بن ماء السماء.\rوقولهم: \" تقطع أعناق الرجال المطامع \" : يضرب في ذم الطمع.\rوقولهم: \" تقلدها طوق الحمامة \" كناية عن الخصلة القبيحة التي لا تزايله ولا تفارقه.\rحرف الثاء\rوقولهم: \" ثار حابلهم على نابلهم \" الحابل: صاحب الحبالة، والنابل: صاحب النبل أي اختلط أمرهم: يضرب في فساد ذات البين وتأريث الشر في القوم.\rوقولهم: \" ثور كلابٍ في الرهان أقعد \" : هو كلاب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة القيسي كان يحمق، وذلك أنه يحمق، وذلك أنه ارتبط عجل ثور ليسابق عليه، والأقعد من القعيد وهو المتخلف المتباطىء: يضرب لمن يروم ما لا يكون.\rحرف الجيم","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"وقولهم: \" جرى المذكيات غلاب \" المذكية من الخيل التي أتى عليها بعد قروحها سنةٌ أو سنتان والغلاب المغالبة: يضرب لمن يوصف بالتبريز على أقرانه في حلبة الفضل، وأول من قاله نذكره إن شاء الله تعالى في حرب داحس والغبراء.\rوقولهم: \" جزاء سنمار \" وهو الذي بني الخورنق وتقدم خبره في مباني العرب.\rوقولهم: \" جرحه حيث لا يضع الراقي أنفه \" قالته جندلة بنت الحارث، وكانت تحت حنظلة بن مالك وهي عذراء، وكان حنظلة شيخا كبيراً فخرجت في ليلة مطيرة فبصر بها رجل فوثب عليها وافتضها، فصاحت وقالت: لسعت. قيل أين؟ قالت: حيث لا يضع الراقي أنفه: يضرب لمن يقع في أمر لا حيلة له في الخروج منه.\rوقولهم: \" جعجعةً ولا أرى طحناً \" : يضرب لمن يعد ولا يفي؟ وقولهم: \" جرى منه مجرى اللدود \" وهو ما يصب في أحد شقي الفم من الدواء، يضرب لمن يبغض ويكره.\rوقولهم: \" جماعةٌ على أقذاء \" . معناه اجتماع بالأبدان، وافتراق بالقلوب، وهو بمعنى قوله صلى الله عليه وسلم \" هدنةٌ على دخن \" : يضرب لمن يضمر أذى ويظهر صفاء.\rوقولهم: \" جار كجار أبي دؤاد \" يعنون كعب بن مامة فإنه كان إذا جاوره رجل فإن مات وداه، وإن هلك له بعير أو شاة أخلف عليه، فضربت به العرب المثل في حسن الجوار، قال طرفة\rإني كفاني من أمر هممت به ... جارٌ كجار الحذاقي الذي اتصفا\rوالحذاقي هو أبو دؤاد.\rوقولهم: \" جدع الحلال أنف الغيرة \" قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة زفت فاطمة إلى علي رضي الله عنهما.\rوقولهم: \" جوع كلبك يتبعك \" . أول من قال ذلك ملك من ملوك حمير كان جائرا على أهل مملكته يسلبهم ما في أيديهم وإن امرأته سمعت صوت السؤال فقالت: إني لأرحم هؤلاء وإني لأخاف أن يكونوا عليك سباعا، بعدما كانوا لك أتباعا، فقال: جوع كلبك يتبعك، ثم إنه غزا بهم ولم يقسم عليهم شيئا فقالوا لأخ له: قد ترى ما نحن فيه من الجهد ونحن نكره خروج الملك عنكم إلى غيركم فساعدنا على قتل أخيك واجلس مكانه، فوافقهم على ذلك، ثم وثبوا على الملك فقتلوه، فمر به عامر بن جذيمة وهو مقتول، فقال: ربما أكل الكلب مؤدبه إذا لم ينل شبعه، فأرسلها مثلا، والمثل يضرب في اللئام وما ينبغي أن يعاملوا به.\rوقولهم: \" جاءتهم عواناً غير بكر \" أي مستحكمة غير ضعيفة يريدون حربا أو داهية عظيمة.\rوقولهم: \" جاء بصحيفة المتلمس \" إذا جاء بالداهية، وكان من خبر صحيفة المتلمس أن المتلمس وطرفة قدما على عمرو بن المنذر بن امرىء القيس فجعلهما في صحابة قابوس بن المنذر أخيه وأمرهما بلزومه، وكان قابوس شابا يعجبه اللهو، فطال بقاؤهما عنده، فهجا طرفة عمرا بأبيات فبلغته فاستدعاهما فحباهما بحباء وكتب معهما إلى أبي كرب عامله على هجر أن يقتلهما، وقال: قد كتبت لكما بحباء ومعروف، فلما صدرا من عنده، قال المتلمس لطرفة: هل لك في كتابينا، فإن كان فيهما خير مضينا له، وإن كان شرا اتقيناه، فأبي طرفة وقرأ المتلمس كتابه فإذا فيه السوءة فألقاه في الماء وقال لطرفة: ألق كتابك فأبى ومضى بكتابه، قال: ومضى المتلمس حتى لحق بملوك بني جفنة بالشام وسار طرفة بكتابه، فلما انتهى إلى العامل قتله.\rوقولهم: \" جندلتان اصطكتا \" : يضرب لقرنين يتصاولان.\rوقولهم: \" جزيته حذو النعل بالنعل \" : للمكافأة.\rوقولهم: \" جاءوا على بكرة أبيهم \" أي جاءوا جميعاً لم يتخلف منهم أحد. وقيل: بل البكرة تأنيث البكر، يصفهم بالقلة أي بحيث تحملهم بكرة أبيهم. وقيل بل البكرة التي يستقي عليها، معناه جاءوا بعضهم يتلو بعضا كدوران البكرة على نسق واحد، وقيل: المراد بالبكرة الطريقة كأنهم جاءوا على طريقة أبيهم، وقال ابن الأعرابي: البكرة: جماعة من الناس أي بأجمعهم.\rوقولهم: \" جاوز الحزام الطبيين \" : يضرب في تجاوز الحد.\rحرف الحاء\rوقولهم: \" حرك لها حوارها تحن \" الحوار: ولد الناقة، والجمع القليل أحورة والكثير حوران وحيران، معناه ذكره بعض أشجانه يهج له، قاله عمرو بن العاص لمعاوية حين أراد أن يستنصر أهل الشام، أي أرهم دم عثمان على قميصه.\rوقولهم: \" حلبتها بالساعد الأشد \" أي أخذتها بالقوة إذ لم يتأت بالرفق.\rوقولهم: \" حذو القذة بالقذة \" أي مثلا بمثل: يضرب في التسوية بين الشيئين، ومثله: حذو النعل بالنعل، وقد تقدم.","part":1,"page":256},{"id":257,"text":"وقولهم: \" حلب الدهر أشطره \" معناه أنه اختبر الدهر شطري خيره وشره فعرف ما فيه.\rوقولهم: \" حسبك من غنًى شبعٌ ورى \" ، قال امرؤ القيس\rإذا ما لم تكن إبل فمعزي ... كأن قرون جلتها العصى\rفتملا بيتنا أقطاً وسمناً ... وحسبك من غنًى شبعٌ ورى\rقال أبو عبيدة: يحتمل معنيين أحدهما أعط كل ما كان لك وراء شبعك وريك، والآخر القناعة باليسير.\rوقولهم: \" حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق \" أي اكتف بالقليل عن الكثير.\rوقولهم: \" حسبك من شرٍ سماعه \" أي اكتف بسماعه ولا تعاينه، قال: ويجوز أن يريد يكفيك سماع الشر وإن لم تقدم عليه ولم تنسب إليه، والمثل قالته فاطمة بنت الخرشب من بني أنمار بعض بن بغيض أم الربيع بن زياد، وذلك أن ابنها الربيع كان أخذ من قيس بن زهير بن جذيمة درعا، فتعرض قيس لأم الربيع وهي على راحلتها فأراد أن يذهب بها ليرتهنها بالدرع، فقالت له: أين عزب عنك عقلك يا قيس؟ أترى بني زياد مصالحيك! وقد ذهبت بأمهم يمينا وشمالا وقال الناس ما قالوا وشاءوا، وإن حسبك من شر سماعه، فذهبت كلمتها مثلا تقول: كفى بالمقالة عارا وإن كان باطلا.\rوقولهم: \" حلقت به عنقاء مغرب \" : يضرب لما يئس منه، قال الشاعر\rإذا ما ابن عبد الله خلى مكانه ... فقد حلقت بالجود عنقاء مغرب\rقال الميداني: والعنقاء طائر عظيم معروف الاسم مجهول الجسم يقال: كان بأرض الرس جبل يقال له: دمخ مصعد في السماء، وكان يأتيه طائر عظيم لها عنق طويلة، وهي من أحسن الطير، فيها من كل لون، وكانت تقع منتصبة وتنقض على الطير فتأكلها، فجاعت يوما وأعوزها الطير فانقضت على صبي فذهبت به فسميت عنقاء مغرب: لأنها تغرب بكل ما تأخذه، ثم انقضت على جارية حين ترعرعت فأخذتها فضمتها إلى جناحين لها صغيرين سوى جناحيها الكبيرين ثم طارت، فشكوا ذلك إلى نبيهم: خالد بن صفوان، فقال: اللهم خذها واقطع نسلها وسلط عليها آفة! فأصابتها صاعقة فاحترقت فضربتها العرب مثلا.\rقال عنترة بن الأخرس الطائي في مرثية خالد بن زيد\rلقد حلقت بالجود عنقاء كاسرٌ ... كفتخاء دمخ حلقت بالحزور\rفما إن لها بيضٌ فيعرف بيضها ... ولا شبه طير منجدٍ أو مغور\rوقولهم: \" حتام تكرع ولا تنقع \" كرع إذا تناول الماء بفيه من موضعه: يضرب للحريص في جمع الشيء.\rوقولهم: \" حسبك من إنضاجه أن تقتله \" : يضرب لطالب الثأر فيقول: لأقتلن فلانا وقومه أجمعين فيقال: لا تعد، حسبك أن تدرك ثأرك وطلبتك: ويضرب لمتجاوز الحد.\rحرف الخاء\rقولهم: \" خير حالبيك تنطحين \" : يضرب لمن يكافىء المحسن بالإساءة، ومثله: خير إناءيك تكفئين.\rوقولهم: \" خامري أم عامر \" معناه استترى، وأم عامر: الضبع، يشبه بها الأحمق، ومثله: خامري حضاجر، أتاك ما تحاذر: وهو اسم للذكر والأنثى من الضباع.\rوقولهم: \" خلا لك الجو فبيضي واصفري \" قاله طرفة بن العبد، وكان في سفر مع عمه فنصب فخا للقنابر ونثر حباً فلم يصد شيئا، فلما تحملوا رأى القنابر يلقطن الحب الذي نثره لهن، فقال في ذلك\rيا لك من قنبرةٍ بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري\rونقري ما شئت أن تنقري ... قد رحل الصياد عنك فابشري\rورفع الفخ فما ذا تحذري ... لا بد من صيدك يوما فاصبري\rيضرب في الحاجة يتمكن منها صاحبها.\rوقولهم: \" خلع الدرع بيد الزوج \" المثل لرقاش بنت عمرو بن تغلب بن وائل، وكان زوجها كعب بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة، فقال لها: اخلعي، فقالت: خلع الدرع بيد الزوج. فقال: اخلعيه لأنظر إليك، فقالت: التجرد لغير النكاح مثلةٌ، فذهبت كلمتاها مثلين يضربان في وضع الشيء في غير موضعه.\rوقولهم\rخل سبيل من وهى سقاؤه ... ومن هريق بالفلاة ماؤه\rيضرب لمن كره صحبتك وزهد فيك.\rوقولهم: \" خمر أبي الروقاء ليست تسكر \" : يضرب للغني الذي لا فضل له على أحد.\rحرف الدال\rقولهم: \" دمث لجنبك قبل النوم مضطجعا \" أي استعد للنوائب قبل حلولها، والتدميث: التليين.\rوقولهم: \" دع امرءاً وما اختار \" : يضرب لمن لا يقبل النصح، قال الشاعر:\rإذا المرء لم يدر ما أمكنه ... ولم يأت من أمره أزينه\rوأعجبه العجب فاقتاده ... وتاه به التيه فاستحسنه","part":1,"page":257},{"id":258,"text":"فدعه فقد ساء تدبيره ... سيضحك يوماً ويبكي سنه\rحرف الذال\rوقولهم: \" ذكرني فوك حماري أهلي \" أصله أن رجلا يطلب حمارين ضلاله، فرأى امرآةً فأعجبته فنسى الحمارين، فلما أسفرت عن وجهها رآها فوهاء فقال: ذكرني فوك حماري أهلي، وقال\rليت النقاب على النساء محرمٌ ... كي لا تغر قبيحةٌ إنسانا\rوقولهم: \" ذهبوا ايدي سبا \" ويقال: تفرقوا، أي تفرقوا تفريقا لا اجتماع معه.\rوقصة سبإ لما تفرقوا بسبب سيل العرم مشهورة، وسند كرها إن شاء الله تعالى في التاريخ.\rوقولهم: \" ذهبوا شغر بغر، وشذر مذر، وخذع مذع \" أي في كل وجه.\rوقولهم: \" ذل بعد شماسه اليعفور \" : يضرب لمن انقاد بعد جماحه، واليعفور: فرس.\rوقولهم: \" ذهبت طولا، وعدمت معقولا \" : يضرب للطويل بلا طائل.\rحرف الراء\rوقولهم: \" رمتني بدائها وانسلت \" أصل هذا المثل: أن سعد بن زيد مناة تزوج رهم ابنة الخزرج، وكانت من أجمل النساء، وكان ضرائرها إذا سابينها يقلن لها: يا عفلاء، فقالت لها أمها: إذا ساببنك فابدئيهن بذلك، ففعلت رهم ذلك مع ضرتها، فقالت: رمتني بدائها وانسلت، فذهبت مثلا: يضرب لمن يعير الآخر بما هو يعير به.\rوقولهم: \" رماه بثالثة الأثافي \" وهي قطعة من الجبل يوضع إلى جنبها حجران وينصب عليها القدر: يضرب لمن رمى بداهية عظيمة.\rوقولهم: \" رب صلفٍ تحت الراعدة \" الصلف: قلة الخير، والراعدة: السحابة ذات الرعد: يضرب للبخيل مع السعة.\rوقولهم: \" رجع بخفي حنين \" أصله أن حنينا كان إسكافا بالحيرة وساومه أعرابي بخفين فاختلفا حتى أغضبه، فلما ارتحل الأعرابي أخذ حنين الخفين فألقى أحدهما على طريق الأعرابي، ثم ألقى الآخر بموضع آخر على طريقه، فلما مر الأعرابي بالخف الأول قال: ما أشبه هذا بخف حنين ولو كانا خفين لأخذتهما، ثم مر بالآخر فندم على ترك الأول فأناخ راحلته وانصرف إلى الأول وقد كمن له حنين، فأخذ الراحلة وذهب بها وأقبل الأعرابي إلى أهله ليس معه غير خفي حنين، فذهبت مثلا: يضرب عند اليأس من الحاجة والرجوع بالخيبة.\rوقولهم: \" رب ساعٍ لقاعد، وآكلٍ غير حامد \" أول من قاله النابغة الذبياني، وكان سبب ذلك أن وفداً وفد إلى النعمان وفيهم رجل من بني عبس يقال له: شقيق، فمات عنده، فلما حبا النعمان الوفود بعث بحبائه إلى أهله، فقال النابغة في ذلك.\rأتى أهله منه حباءٌ ونعمةٌ ... ورب امرىءٍ يسعى لآخر قاعد\rوقولهم: \" رب ملوم لا ذنب له \" قاله أكثم بن صيفي، معناه قد ظهر للناس منه أمر أنكروه عليه وهم لا يعرفون عذره، وقيل: إن رجلا قال للأحنف ابن قيس: أنا أبغض التمر والزبد، فقال: رب ملوم لا ذنب له.\rوقولهم: \" رب كلمةٍ تقول لصاحبها دعني \" : يضرب في النهي عن الإكثار مخافة الإهجار، ذكروا أن ملكا من ملوك حمير خرج إلى الصيد ومعه نديم له فوقفا على صخرة ملساء، فقال النديم: لو أن إنسانا ذبح على هذه الصخرة إلى أين كان يبلغ دمه، فأمر بذبحه، وقال: رب كلمة تقول لصاحبها دعني.\rومثله قولهم: \" رب رأسٍ حصيد لسان \" : يضرب للأمر بالسكوت.\rوقولهم: \" رد الحجر من حيث جاءك \" : أي لا تقبل الضيم وارم من رماك.\rحرف الزاي\rوقولهم: \" زين في عين والدٍ ولده \" : يضرب في عجب الرجل برهطه.\rوقولهم: \" زاحم بعود أو دع \" أي لا تستعن إلا بأهل السن والتجربة.\rوقولهم: \" زوجٌ من عود، خير من قعود \" ، قالته بعض نساء العرب، قالوا: كان ذو الإصبع العدواني غيورا، وله بنات أربع، وكان لا يزوجهن غيرة عليهن، فاستمع عليهن يوما وقد خلون يتحدثن، فقالت إحداهن: لتقل كل واحدة منا ما في نفسها، ولنصدقن جميعا، فاشتهت كل واحدة من الثلاثة زوجا وصفت من جماله وكماله وسعة حاله، ثم أبت الصغرى أن تتكلم، فقالوا: لا بد أن تقولي، وألحوا عليها، فقالت: زوجٌ من عود، خيرٌ من قعود، فزوجهن.\rوقولهم: \" زرغباً تزدد حباً \" قاله معاذ بن صرم الخزاعي، وكانت أمه من عك، وكان يكثر من زيارة أخواله، فأقام فيهم زماناً، ثم خرج يتصيد مع بني أخواله، فحمل على عير، فلحقه ابن خال له يقال له: الغضبان فتخاصما، فقال له الغضبان: والله! لو كان فيك خير لما تركت قومك، فقال: زرغباً، تزدد حباً، فأرسلها مثلا، وفي ذلك يقول الشاعر:","part":1,"page":258},{"id":259,"text":"إذا شئت أن تقلي فزر متواليا ... وإن شئت أن تزداد حبا فزرغبا\rوقال آخر:\rعليك بإغباب الزيارة إنها ... إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا\rألم تر أن القطر يسأم دائما ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا\rحرف السين\rوقولهم: \" سبق السيف العذل \" قاله ضبة بن أد لما لامه الناس على قتل قاتل ابنه في الحرم، ويقال: إنه لخزيم بن نوفل الهمداني.\rوقولهم: \" سقط العشاء به على سرحان \" أصله أن رجلا خرج يلتمس العشاء، فوقع على ذئب فأكله، وقال ابن الأعرابي: أصله أن رجلا من بني غني يقال له: سرحان ابن هزلة كان بطلا فاتكا فقال رجل! والله لأرعين إبلي هذا الوادي، فورد بإبله، فوجد سرحان فقتله، وأخذ إبله وقال:\rأبلغ نصيحة أن راعي أهلها ... سقط العشاء به على سرحان\rسقط العشاء به على متقمرٍ ... طلق اليدين معاودٍ لطعان\rيضرب في طلب الحاجة يؤدي صاحبها إلى التلف.\rومثله قولهم \" :سقط العشاء به على متقمرٍ \" وهو الأسد.\rوقولهم: \" سكت ألفاً، ونطق خلفاً \" الخلف: الرديء من القول وغيره.\rوقولهم: \" ساء سمعاً فأساء جابة \" أول من قاله سهيل بن عمرو أخو بني عامر، وكان قد خرج بابنه أنس، فوقف بحزورة مكة، فأقبل الأخنس بن شريق الثقفي فقال له: من هذا؟ فقال: ابني! فقال: حياك الله يا فتى أين أمك؟ فقال: لا والله ما أمي في البيت، ولكنها انطلقت إلى أم حنظلة تطحن دقيقا، فقال أبوه: ساء سمعا فأساء جابة، فأرسلها مثلا.\rوقولهم: \" سحاب نوءٍ ماؤه حميم \" : يضرب لمن له لسان لطيف وليس وراءه خير.\rوقولهم: \" سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة \" : معناه حصول البعض مع الاحتياط خير من الكل مع التهور.\rحرف الشين\rقولهم: \" شخبٌ في الإناء وشخبٌ في الأرض \" : يضربلمن يتكلم فيصيب مرة ويخطىء أخرى.\rوقولهم: \" شرق بالريق \" أي ضره أقرب الأشياء إلى نفعه.\rوقولهم: \" شنشنةٌ أعرفها من أخزم \" قاله أبو أخزم الطائي: وكان له ابن يقال له: أخزم، فمات وترك بنين، فوثبوا على جدهم يوما فأدموه، وكان أبوهم عاقاً له فقال\rإن بني ضرجوني بالدم ... شنشنةٌ أعرفها من أخزم\rوقولهم: \" شمر ذيلا، وادرع ليلا \" : يضرب على الحث في الجد والطلب.\rوقولهم: \" شنوءة بين يتامى رضع \" الشنوءة: ما يستقذر من القول والفعل: يضرب لقوم اجتمعوا على فجور وفاحشة ليس فيهم مرشد ولا ناهٍ.\rوقولهم: \" شيخٌ بحوران له ألقاب \" وبعده الذئب والعقعق والغراب حوران بأرض الشام: يضرب لمن يظهر للناس العفاف، ومن حقه أن يحترز منه.\rوقولهم: \" شغل الحلي أهله أن يعارا \" : يضرب للمسؤل شيئا هو إليه أحوج من السائل.\rوقولهم: \" شب عمروٌ عن الطوق \" قاله جذيمة الأبرش، وعمرو هذا هو ابن أخته وهو عمرو بن عدي بن نصر.\rحرف الصاد\rقولهم: \" صبراً على مجامر الكرام \" قال ذلك يسار الكواعب، وكان عبدا أسود يرعى لأهله إبلاً ضخمة، وكان معه عبد يراعيه، فمر أهله يوما سائرين بحذاء الإبل التي يرعاها، فعمد إلى لقوح فحلبها في علبة، حتى ملأها ثم مشى بها، وكان أفجح الرجلين، حتى أتى بها ابنة مولاه يسقيها، وهي راكبة على جملها، فنظرت إلى رجليه فتبسمت، ثم شربت اللبن وجزته خيرا، فانطلق فرحا حتى أتى صاحبه، فقص عليه القصة، فقال: اسخر بنفسك ولا تسخر ببنات الأحرار، فقال: والله لقد دحكت إلى دحكةً لا أخيبها، يريد: ضحكت: وكان أعجمي اللسان، ثم باتا فقام فحلب في علبة فملأها، ثم أتى ابنة مولاه، فنبهها من نومها فاستيقظت وشربت، ثم اضطجعت وجلس يسار حيالها، فقالت: ما حاجتك؟ فقال: ما أعلمك بحاجتي! فقالت: لا والله! فما هي؟ قال: ذاك الرجل الذي حكت إلي. فقالت: حياك الله، وقامت إلى سفطٍ لها فأخرجت منه بخورا ودهنا طيبا وعمدت إلى موسى كانت تحف به الشعرة وأخذت مجمرة فيها ناراً فيها نار، فوضعت عليها البخور ووضعتها تحته، وطأطأت كأنها تصلح البخور، فعمدت إلى مذاكيره فمسحتها بالموسى، فلما أحس بحرارة الحديد، قال: صبراً على مجامر الكرام، ثم أومأت إلى أنها تدهنه وقالت:","part":1,"page":259},{"id":260,"text":"إن هذا دهن طيب، إلا أن فيه حرارةً فتصبر عليه، فإن ريحك ريح الإبل وأنا أعافك، ثم أشمته الدهن على الموسى، ورفعته فوضعته بين عينيه فاستلتت بها أنفه. وقالت: قم إلى إبلك يا بن الخبيثة، فأتى صاحبه، فلما رآه. قال: أمقبل أنت أم مدبر؟ قال: أخزاك الله، أو قد عمى بصرك؟\rإذ لا ترى أنفا ولا أذنين ... أما ترى وباصة العينين\rهذا أحد الأقوال في هذا المثل: يضرب لمن يؤمر بالصبر على ما يكره. ويقال: إن أعرابياً قدم الحضر بإبل، فباعها بمال كثير وأقام لحوائج له، ففطن قوم من جيرته لما معه من المال، فعرضوا عليه تزويج جارية وصفوها بالجمال والحسب طمعا في ماله، فرغب فيها فزوجوه إياها، ثم اتخذوا طعاما وجمعوا الحي، وجلس الأعرابي في صدر المجلس، فأكلوا الطعام وأداروا الكؤوس وشرب الأعرابي، ثم أتوه بكسوة فاخرة، فلبسها وقدموا له مجمرة فيها بخور لا عهد له به، وكان لا يلبس السراويل، فلما جلس على المجمرة، سقطت مذاكيره في النار، فظن أن ذلك سنةٌ لا بد منها، واستحيا أن يكشف ثوبه. فقال: صبرا على مجامر الكرام، فذهبت مثلا واحترقت مذاكيره، وتفرق القوم، وارتحل إلى البادية وترك المرأة والمال، فلما وصل إلى قومه وقص عليهم القصة. قالوا: استٌ لم تعود المجمر، فذهبت مثلا: يضرب لمن لا قديم له.\rوقولهم: \" صار الزج قدام السنان \" : يضرب في سبق المتأخر المتقدم من غير استحقاق لذلك.\rوقولهم: \" صرح المحض عن الزبد \" : يضرب للأمر إذا انكشف وتبين.\rوقولهم: \" صفقةٌ لم يشهدها حاطب \" هو حاطب بن أبي بلتعة كان حازما، فباع بعض أهله بيعة غبن فيها حين لم يشهدها حاطب، فسارت مثلا لكل أمر ينبرم دون صاحبه.\rحرف الضاد\rقولهم: \" ضربه ضرب غرائب الإبل \" وذلك أن الغريبة تزدحم على الحياض عند الورود، وصاحب الحوض يطردها ويضربها بسبب إبله: يضرب في دفع الظالم عن ظلمه بأشد ما يمكن.\rوقولهم: \" ضل الدريص نفقه \" الدريص: ولد الفأرة واليربوع والهرة وأشباه ذلك، ونفقه: حجره: يضرب لمن يعني بأمره ويعد حجةً لخصمه، فينسى عند الحاجة.\rوقولهم: \" ضل حلم امرأةٍ فأين عيناها؟ \" أي هب أن عقلها ذهب فأين ذهب بصرها؟: يضرب في استبعاد عقل الحليم.\rوقولهم: \" ضائف الليث قتيل المحل \" : يضرب لمن اضطر لشيء فغرر بنفسه في طلبه.\rحرف الطاء\rقولهم: \" طويته على بلاله وعلى بللته \" قال الشاعر\rوصاحبٍ مرامقٍ داجيته ... على بلال نفسه طويته\rويقال: طويت السقاء على بللته إذا طويته وهو ندٍ لأنه إن طوى يابسا تكسر، وإن طوى نديا عفن: يضرب للرجل يحمل على ما فيه من العيب، قال الشاعر\rولقد طويتكم على بللاتكم ... وعلمت ما فيكم من الأذراب\rفإذا القرابة لا تقرب قاطعا ... وإذا المودة أقرب الأنساب\rوالأذراب: جمع ذربٍ وهو الفساد.\rوقولهم: \" طويته على غره \" : غر الثوب: أثر كسره الأول: يضرب لمن يوكل إلى رأيه وما انطوى عليه.\rحرف الظاء\rقولهم: \" ظالعٌ يعود كسيرا \" : يضرب للضعيف ينصر من هو أضعف منه.\rوقولهم: \" ظئرٌ رءوم، خيرٌ من أمٍ سؤوم \" : الظئر، الحاضنة، والرءوم: العطوف، والسؤوم: الملول: يضرب في عدم الشفقة وقلة الاهتمام.\rوقولهم: \" ظاهر العتاب خيرٌ من باطن الحقد \" معناه ظاهر.\rوقولهم: \" ظلال صيفٍ ما لها قطار \" : يضرب لمن له ثروة ولا يجدي على أحد.\rحرف العين\rقولهم: \" عند الصباح يحمد القوم السرى \" أول من قاله خالد بن الوليد لما بعث إليه أبو بكر رضي الله عنه، وكان باليمامة أن يسير إلى العراق، ونالته مشقة بسبب العطش، فأسرى حتى أدرك الماء فقال: عند الصباح يحمد القوم السرى: يضرب لمن يحمل المشقة رجاء الراحة.\rوقولهم: \" عند جهينة الخبر اليقين \" : يضرب في معرفة الشيء حقيقة.\rوقولهم: \" عير عاره وتده \" أي أهلكه، وأصله أن رجلا أشفق على حماره فربطه إلى وتد، فهجم عليه السبع فلم يمكنه الفرار فأهلكه.\rوقولهم: \" عند النطاح يغلب الكبش الأجم \" وهو الذي لا قرن له: يضرب لمن غلبه صاحبه بما أعد له.\rوقولهم: \" على أهلها تجني براقش \" قالوا: كانت براقش كلبةً لقوم من العرب، فأغير عليهم فهربوا وهي معهم، فنبحت فاتبع القوم آثارهم بنباحها، فأدركوهم فقتلوهم، ففيها يقول حمزة بن بيض","part":1,"page":260},{"id":261,"text":"بل جناها أخٌ على كريمٌ ... وعلى أهلها براقش تجني\rوقيل في هذا المثل غير ذلك.\rوقولهم: \" عسى الغوير أبؤسا \" الغوير: تصغير غارٍ، والابؤس: جمع بؤس وهو الشدة، قالته الزباء عند رجوع قصير من العراق، ومعه الرجال، وكان الغوير على طريقه، ومعناه لعل الشر يأتيكم من قبل الغار: يضرب للرجل يقال له: لعل الشر جاء من قبلك.\rوقولهم: \" عشبٌ ولا بعير \" : يضرب للرجل له مال كثير ولا ينفقه على نفسه ولا على غيره.\rوقولهم: \" عاد غيثٌ على ما أفسد \" : يضرب للرجل فيه فساد، وصلاحه أكثر.\rوقولهم: \" عاد السهم إلى النزعة \" أي رجع الحق إلى أهله.\rوقولهم: \" عصا الجبان أطول \" لأنه يفعل ذلك من فشله، يرى أن طولها أشد ترهيبا لعدوة من قصرها.\rوقولهم: \" على الخبير سقطت \" المثل لمالك بن جبير العامري، وتمثل به الفرزدق حين لقي الحسين بن علي رضي الله عنهما، عند مقدمه من العراق وخروج الحسين إليه وقد قال له: ما وراءك؟ فقال: على الخبير سقطت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والنصر من السماء.\rوقولهم: \" عادة السوء شرٌ من المغرم \" معناه أن المغرم إذا أذيته فارقك، وعادة السوء لا تفارق صاحبها.\rوقولهم: \" عجعج لما عضه الظعان \" أي صاح، والظغان: نسعٌ يشد به الهودج: يضرب لمن يضج إذا لزمه الحق.\rوقولهم: \" عند الرهان تعرف السوابق \" : يضرب لمن يدعي ما ليس فيه.\rوقولهم: \" عاد الأمر إلى نصابه \" : يضرب في الأمر يتولاه أربابه.\rوقولهم: \" عينك عبري والفؤاد في دد \" الدد والددن والددا: اللعب واللهو: يضرب لمن يظهر حزنا لحزنك وفي قلبه خلاف ذلك.\rوقولهم: \" عرفطةٌ تسقى من الغوادق \" ويروى: الغوابق، العرفطة: شجرةٌ خشنة المس، والغوادق: السحاب الكثير الماء: يضرب للشرير يكرم ويبجل.\rحرف الغين\rقولهم: \" غدةٌ كغدة البعير وموتٌ في بيت سلولية \" قاله عامر بن الطفيل: وذلك أنه لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم! وقدم معه أربد بن قيس أخو لبيد ابن ربيعة العامري الشاعر لأمة، فقال رجل: يا رسول الله، هذا عامر بن الطفيل قد أقبل، قال: \" دعه فإن يرد الله به خيراً يهده \" فأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد، مالي إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم \" قال: تجعل لي الأمر بعدك، قال: \" ليس ذاك إلي، إنما ذاك إلى الله تعالى يجعله حيث يشاء \" قال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر، قال: \" لا \" قال: فما ذا تجعل لي؟ قال: \" أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها \" قال: أو ليس ذلك إلى اليوم؟ وكان قد أوصى إلى أربد بن قيس: \" إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف \" فاخترط أربد سيفه شبراً فحبسه الله تعالى فلم يقدر على سله، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع بسيفه، فقال: \" اللهم اكفنيهما بما شئت \" فأرسل الله تعالى على أربد صاعقةً في يومٍ صائفٍ صاحٍ فأحرقته، وولي عامر بن الطفيل هارباً وقال يا محمد، دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأنها عليك خيلا جرداً وفتيانا مردا، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم \" يمنعك الله من ذلك \" فسار عامر حتى نزل ببيت امرأة سلولية، فخرجت على ركبته غدةٌ عظيمة، فقال: غدة كغدة البعير وموتٌ في بيت سلولية، ثم مات على ظهر فرسه، وسلول أقل العرب وأذلهم، فسار كلامه مثلا: يضرب في خصلتين إحداهما شرٌ من الأخرى.\rوقولهم: \" غرني برداك من خدافلي \" ويروى: من غدافلي، أصل المثل أن رجلا استعار بردي امرأة فلبسهما، ورمى بخلقانٍ كانت عليه، فاسترجعت المرأة برديها فقاله: يضرب لمن ضيع ماله طمعاً في مال غيره.\rحرف الفاء\rقولهم: \" في وجه المال تعرف أمرته \" أي نماءة وخيره، ويقال: أمرت أموال بني فلان إذا نمت وكثرت: يضرب لمن يستدل بحسن ظاهره على حسن باطنه.\rوقولهم: \" في بيته يؤتى الحكم \" زعمت العرب أن الأرنب التقطت تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضب، فقالت الأرنب: يا أبا الحسل، قال: سميعاً دعوت، قالت: أتيناك لنختصم إليك، قال: عادلا حكتما، قالت: فاخرج إلينا، قال: في بيته يؤتى الحكم، قالت: إني وجدت تمرةً، قال: حلوةٌ فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب، قال: لنفسه بغى الخير، قالت: لطمته، قال: بحقك أخذت، قالت: لطمني، قال: حر انتصر، قالت: فاقض بيننا، قال: حدث حديثين امرأةً، فإن أبت فأربعةً، فذهبت أقواله كلها أمثالا.","part":1,"page":261},{"id":262,"text":"وقولهم: \" فتًى ولا كمالك \" قاله متمم بن نويرة في أخيه مالك لما قتل.\rوقولهم: \" في دون هذا ما تنكر المرأة صاحبها \" أول من قاله جارية من مزينة، قال الحكم بن صخر الثقفي: خرجت منفرداً فرأيت بإمرة وإمرة موضع، جاريتين أختين لم أر كجمالهما، فكسوتهما وأحسنت إليهما، قال: ثم حججت من قابلٍ ومعي أهلي، وقد اعتللت ونصل خضابي، فلما صرت بإمرة، إذا إحداهما قد جاءت، فسألت سؤال منكرة، قال فقلت: فلانة؟ قالت: فدًى لك أبي وأمي، وأني تعرفني وأنكرك؟ قال فقلت: أنا الحكم بن صخر، قالت: رأيتك عام أول شاباً سوقةً، وأراك العام شيخاً ملكاً، وفي دون هذا ما تنكر المرأة صاحبها، فذهبت مثلا، قال قلت: ما فعلت أختك؟ قال: فتنفست الصعداء، وقالت: تزوجها ابن عم لها وذهب بها، فذاك حيث تقول\rإذا ما قفلنا نحو نجد وأهلها ... فحسبي من الديا قفولٌ إلى نجد\rقال قلت: أما إني لو أدركتها لتزوجتها، قالت: وما يمنعك من شريكتها في حسنها وجمالها وشقيقتها؟ قال قلت: يمنعني من ذلك قول كثير حيث يقول\rإذا وصلتنا خلة كي تزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجبية أول\rفقالت: كثير بيني وبينك، أليس الذي يقول\rهل وصلت عزة إلا وصل غانية ... في وصل غانية من وصلها خلف\rقال: فتركت جوابها عيا.\rوقولهم: \" فاتكةٌ واثقةٌ بري \" زعموا أن امرأة كثر لبنها وطفقت تهريقه، فقال لها زوجها: لم تهر يقينه؟ فقالت: فاتكة واثقة بري: يضرب للمفسد الذي وراء ظهره ميسرة.\rحرف القاف\rقولهم: \" قطعت جهيزة قول كل خطيب \" أصله أن قوما اجتمعوا يخطبون في صلح بين حيين، قتل أحدهما من الآخر قتيلا ليرضوا بالدية، فبينما هم في ذلك، إذ جاءت أمة يقال لها: جهيزة، فقالت: إن القاتل قد ظفر به بعض أولياء المقتول فقتله، فقالوا: قطعت جهيزة قول كل خطيب: يضرب لمن يقطع على الناس ما هم فيه بجهله.\rوقولهم: \" قبل البكاء كان وجهك عابسا \" : يضرب للبخيل يعتل بالإعدام. ومثله: \" قبل النفاس كنت مصفرة.\rوقولهم: \" قلب الأمر ظهراً لبطن \" : يضرب في حسن التدبير.\rوقولهم: \" قد شمرت عن ساقها فشمري \" : يضرب في الحث على الجد في الأمر.\rوقولهم: \" قد يضرط العير والمكواة في النار \" قاله عرفطة بن عرفجة سيد بني هزان، وكان بينه وبين الحصين بن نبيت العكلي حروب ووقائع، فقتلت عكل رجلا من بني هزان، وأسر عرفطة بن عكل رجلين، فقال لهما: أيكم أفضل لأقتله بصاحبنا؟ فجعل الآخر يضرط، فقال عرفطة: قد يضرط العير والمكواة في النار، فأرسلها مثلا: يضرب للرجل يخوف بالأمر فيجزع قبل وقوعه. وهذا أحد الأقوال فيه، وقيل غير ذلك.\rوقولهم: \" قد بين الصبح لذي عينين \" : يضرب في ظهور الأمر كل الظهور.\rوقولهم: \" قد أنصف القارة من راماها \" القارة: قبيلةٌ قد تقدم ذكرها في الأنساب.\rوقولهم: \" قبل الرماء تملأ الكائن \" أي تؤخذ أهبة الأمر قبل وقوعه.\rومثله: \" قبل الرمي يراش السهم \" : يضرب في تهيئة الآلة قبل الحاجة إليها.\rوقولهم: \" قلب له ظهر المجن \" : يضرب لمن كان لصاحبه على مودة، ثم حال عن عهده.\rوقولهم: \" قد ألقى عصاه \" إذا استقر من سفر أو غيره، يقال: إنه لما بويع لأبي العباس السفاح، قام خطيبا فسقط القضيب من يده، فقام رجل من القوم وأنشد\rفألقت عصاه واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر\rوقولهم: \" قد ونى طرفاه \" : يضرب لمن ذل وضعف عن أن يتم له أمر، قال النجاشي:\rوإن فلانا والإمارة كالذي ... ونى طرفاه بعد ما كان أجدعا\rوقولهم: \" قدت سيورهم من أديمك \" : يضرب للشيئين يستويان في الشبة قال الشاعر\rوقدت من أديمهم سيوري\rوقولهم: \" قد بلغ الشظاظا الوركين \" الشظاظا: عويد يجعل في عروة الجوالق: يضرب فيما جاوز الحد، وهو كقولهم: جاوز الحزام الطبيين.\rحرف الكاف\rقولهم: \" كان كراعاً، فصار ذراعا \" : يضرب للذليل الضعيف صار عزيزا قوياً.\rوقولهم: \" كلامٌ كالعسل، وفعلٌ كالأسل \" : يضرب في اختلاف القول والفعل.\rوقولهم: \" كنت تبكي من الأثر العافي فقد لاقيت أخدودا \" : يضرب لمن يشكو القليل من الشر ثم يقع في الكثير.\rوقولهم: \" كل ذات بعلٍ ستئيم \" هذا من أمثال أكثم بن صيفي، قال الشاعر\rأفاطم إني هالك فتثبتي ... ولا تجزعي كل النساء تئيم\rأي ستفارق زوجها.","part":1,"page":262},{"id":263,"text":"وقولهم: \" كل أزب نقور \" قاله زهير بن جذيمة لأخيه أسيد، ونذكر الخبر في وقائع العرب.\rوقولهم: \" كل فتاة بأبيها معجبة \" : يضرب في عجب الرجل بعشيرته ورهطه.\rوقولهم: \" كل الصيد في جوف الفرا \" الفرا: الحمار الوحشي، أصل المثل أن ثلاثة نفر خرجوا متصيدين، فاصطاد أحدهم أرنبا، والآخر ظبيا، والثالث حمارا، فتطاولا عليه بصيدهما، فقال: كل الصيد في جوف الفرا: يضرب لمن يفضل على أقرانه، وقد تمثل به رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوقولهم: \" كدمت غير مكدم \" : يضرب لمن يطلب شيئا في غير مطلبه.\rوقولهم: \" كالثور يضرب لما عافت البقر \" : يضرب في عقوبة البريء بذنب المجرم، ويأتي ذكر ذلك في أوابد العرب.\rوقولهم: \" كالكبش يحمل شفرةً وزنادا \" : يضرب لمن يتعرض للهلاك.\rوقولهم: \" كالمستغيث من الرمضاء بالنار \" : يضرب في الخلتين يجتمعان على الرجل.\rوقولهم: \" كالقابس العجلان \" : يضرب لمن عجل في طلب حاجته.\rوقولهم: \" كلاهما وتمرا \" أول من قاله عمرو بن جمران الجعدي، وذلك أنه مر برجل وبين يديه زبد وسنام وتمر، فقال: أنلني مما بين يديك، فقال: إيما أحب إليك أزبد أم سنام؟ فقال: كلاهما وتمرا، فسارت مثلا.\rوقولهم: \" كالباحث عن المدية \" يقال: إن رجلا وجدا صيدا، ولم يكن معه ما يذبحه به، فبحث الصيد بأظلافه في الأرض، فسقط على شفرة فذبحه بها: يضرب في طلب الشيء يؤدي صاحبه إلى تلف النفس.\rوقولهم: \" كذى العر يكوي غيره وهو راتع \" : يضرب في أخذ البريء بذنب الجاني، ويأتي ذكره في أوابد العرب.\rوقولهم: \" كالمحتاض على عرض السراب \" : يضرب لمن يطمع في محال.\rوقولهم: \" كل لياليه لنا حنادس \" : يضرب لمن لا يصل إليك منه إلا ما تكره.\rحرف اللام\rقولهم: \" لو ذات سوار لطمتني \" : معناه لو ظلمني من كان كفؤا لي لهان علي، ولكن ظلمني من هو دوني، وهو كقول بعضهم:\rفلو أني بليت بهاشمي ... خؤولته بنو عبد المدان\rلهان علي ما ألقى ولكن ... تعالي فانظري بمن ابتلاني\rوقولهم: \" لو غير ذات سوارْ لطمتني \" روى الأصمعي: أن حاتما الطائي مر ببلاد عنزة في بعض الأشهر الحرم فناداه أسير لهم: يا أبا سفانة: أكلني الإسار والقمل، فقال: ويحك، أسأت إذ نوهت باسمي في غير بلاد قومي، فساوم القوم به ثم قال: أطلقوه واجعلوا يدي في القد مكانه، ففعلوا ذلك، ثم جاءته امرأة ببعير ليفصده فنحره فلطمته فقال: لو غير ذات سوار لطمتني، يعني أني لا أقتص من النساء، ثم عرف، ففدي نفسه فداءً عظيماً.\rوقولهم: \" لو ترك القطا ليلا لنام \" قالته امرأة عمرو بن مامة، وقد نزل عليه قوم من مرادٍ، فطرقوه ليلا، فأثاروا القطا، فرأته امرأته فنبهته فقال: إنما هذا القطا، فقالت: لو ترك القطا ليلا لنام، فسار مثلا: يضرب لمن حمل على مكروه من غير إرادته، وقيل: إن التي قالته له حذام بنت الريان.\rوقولهم: \" لبس له جلد النمر \" : يضرب في إظهار العداوة وكشفها.\rوقولهم: \" لقد ذل من بالت عليه الثعالب \" : أصله أن رجلا من العرب كان يعبد صنما، فجاء ثعلب فبال عليه، فقال في ذلك:\rأربٌّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب\rوقولهم: \" ليس هذا بعشك فادرجي \" : يضرب لمن يرفع نفسه فوق قدره.\rوقولهم: \" لم أجد لشفرتي محزا \" : يضرب عدرا في تعذر الحاجة.\rوقولهم: \" لو سئلت العارية أين تذهبين لقالت أكسب أهلي ذما \" هذا من كلام أكثم بن صيفي: يضرب في سوء الجزاء للمنعم.\rوقولهم: \" ليس من العدل، سرعة العذل \" أي لا ينبغي أن تعجل بالعذل قبل أن تعرف العذر.\rوقولهم: \" ليس القدامى كالخوافي \" : يضرب عند التفضيل.\rوقولهم: \" لو كويت على داءٍ لم أكره \" أي لو عوتبت على ذنب ما امتعضت.\rوقولهم: \" ليس على الشرق طخاءٌ يحجب \" أي ليس على الشمس سحاب: يضرب في الأمر المشهور الذي لا يخفي على أحد.\rوقولهم: \" لأكوينه كية المتلوم \" أي كيا بليغا، والمتلوم: الذي يتتبع الداء حتى يعلم مكانه: يضرب في التهديد الشديد.\rوقولهم: \" لأمرٍ ما جدع قصيرٌ أنفه \" قالته الزباء لما رأت قصيرا مجدوعا، وخبره يأتي في باب المكايد.\rحرف الميم\rقولهم: \" ما تنفع الشفعة في الوادي الرغب \" الشفعة: المطرة الهينة، والرغب: الواسع: يضرب للذي يعطيك قليلا لا يقع منك موقعا.","part":1,"page":263},{"id":264,"text":"وقولهم: \" ما وراءك يا عصام؟ \" يقال: أول من قال ذلك الحارث بن عمرو ملك كندة، وذلك انه بلغه جمال ابنة عوف بن محلم فأرسل إليها امرأة ذات عقل ولسان، يقال لها: عصام، وقال: اذهبي لتعلميني بحالها، فلما انتهت إليها ونظرتها خرجت وهي تقول: \" ترك الخداع، من كشف القناع \" فذهبت مثلا، فأرسلتها مثلا،ثم عادت إليه فقال لها: ما وراءك يا عصام؟ فقاالت: صرح المحض عن الزبد وساق الميداني على هذا المثل كلاما طويلا قالته عصام في وصف أعضاء المخطوبة.\rوقولهم: \" ما يوم حليمة بسر \" هي حليمة بنت الحارث بن أبي شمر، كان أبوها وجه جيشا إلى المنذر بن ماء السماء فأخرجت لهم طيبا في مركنٍ فطيبتهم، فلما انتهت إلى لبيد بن عمرو وذهبت لتخلقه، قبلها، فلطمته وأتت أباها، فقال لها: ويلك اسكتي عنه، فهو أرجاهم عندي ذكاء فؤادٍ، وإني مرسله، فإن قتل فقد كفى الله شره، فسار إلى المنذر بالجيش، فقتلوا المنذر وكان يوما مشهورا، فقيل فيه: ما يوم حليمة بسر.\rوقولهم: \" ما أشبه الليلة بالبارحة \" : أي ما أشبه بعض القوم ببعض.\rوقولهم: \" مرعًى ولا كالسعدان \" قالوا: السعدان أخثر العشب لبنا، ومنابته السهول: يضرب مثلا للشيء يفضل على أقرانه وأشكاله، وأول من قال المثل: خنساء بنت عمرو بن الشريد، وقيل: بل قالته امرأة من طيء تزوجها امرؤ القيس بن حجر الكندي فقال لها: أين أنا من زوجك الأول؟ فقالت: مرعًى ولا كالسعدان، أي إنك إن كنت رضاً فلست كفلانٍ.\rوقولهم: \" ماءٌ ولا كصداء \" صداء: ركية عذبة، قال ضرار السعدي\rوإني وتهيامي بزينب كالذي ... تطلب من أحواض صداء مشربا\rمعناه أنه لا يصل إليها إلا بالمزاحمة لفرط حسنها، كالذي يرد الماء فإنه يزاحم عليه لفرط عذوبته.\rوقولهم: \" محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا \" : هو سالم بن دارة الغطفاني: ودارة: امه، وكان قد هجا بعض بني فزارة فاغتاله زميل فقتله، ففيه يقول الكميت\rفلا تكثروا فيه الضجاج فإنه ... محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا\rوقولهم: \" ملكت فأسجح \" الإسجاح: حسن العفو، أي ملكت الأمر فأحسن العفو، وقد تمثل به رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته، ونذكر الخبر في ذلك في المغازي.\rوقولهم: \" من ينكح الحسناء يعط مهرها \" : أي من طلب حاجة بذل ماله فيها.\rوقولهم: \" من سره بنوه ساءته نفسه \" قاله ضرار بن عمرو الضبي: وكان له ولده ثلاثة عشر رجلا، كلهم قد غزا ورأس، فرآهم يوما وأولادهم، فعلم أنهم لم يبلغوا هذه الأسنان إلا مع كبر سنه، فقال: من سره بنوه ساءته نفسه، فأرسلها مثلا.\rوقولهم: \" من أشبه أباه فما ظلم \" : معناه ظاهر.\rوقولهم: \" من ير يوما ير به \" : قاله كلحب بن شؤبوب الأسدي، وكان يغير على طيء وحده، فدعا حارثة بن لأم رجلا من قومه يقال له: عترم، فقال له: أما تستطيع أن تكفيني مؤونة هذا الخبيث؟ فقال: بلى، فأرسل عشرة عيون عليه، فعلموا مكانه فانطلق إليه عترم فوجده نائما في ظل أراكةٍ فنزل ومعه آخر فأخذ كل واحد منهما بإحدى يديه فانتبه فنزع يده اليمنى من ممسكها وقبض على حلق الآخر فقتله وبادر الباقون فأخذوه وشدوه وثاقا وأتوا به حارثة، فقال له: يا كلحب، إن كنت أسيرا فطالما أسرت، فقال: من ير يوماً ير به، فأرسلها مثلا، وقال حوذة وهو ابن المقتول لحارثة: أعطنيه أقتله بأبي، فقال: دونكه! وجعلوا يتكلمون وهو يعالج كتافه حتى انحل، ثم وثب على رجليه فاتبعوه بالخيل فأعجزهم.\rوقولهم: \" من سلك الجدد أمن العثار \" الجدد: الأرض المستوية: يضرب في طلب العافية.\rوقولهم: \" من يشتري سيفي وهذا أثره؟ \" قاله الحارث بن ظالم، وذلك أنه لما قتل خالد بن جعفر بن كلاب بزهير بن جذيمة العبسي على ما نذكره إن شاء الله في وقائع العرب وهرب، فوجه النعمان فوارس في طلبه فأدركوه سحرا فعطف عليهم وقتل منهم جماعة وكروا عليه فجعل لا يقصد لجماعة إلا فرقها وهو يقول: من يشتري سيفي وهذا أثره، فارتدعوا عنه وانصرفوا إلى النعمان.\rوقولهم: \" من مال جعدٍ وجعدٌ غير محمود \" : قاله جعد بن الحصين أبو صخر ابن جعد الشاعر، وكان قد كبر فتفرق عنه بنوه وأهله، وبقيت له جارية سوداء تخدمه، فعلقت بفتى من الحي يقال له: عرابة، فجعلت تنقل إليه ما في بيت جعد، ففطن جعد لذلك، فقال في ذلك","part":1,"page":264},{"id":265,"text":"أبلغ لديك بني عمرو مغلغلةً ... عمرا وعوفا وما قولي بمردود\rبأن بيتي أمسى فوق داهيةٍ ... سوداء قد وعدتني شر موعود\rتعطى عرابة بالكفين مجتنحاً ... من الخلوق وتعطيني على العود\rأمسى عرابة ذا مالٍ يسر به ... من مال جعدٍ وجعدٌ غير محمود\rيضرب للرجل يصاب من ماله ويذم.\rوقولهم: \" من مأمنه يؤتى الحذر \" قاله أكثم بن صيفي.\rوقولهم: \" من يمش يرض بما ركب \" : يضرب للذي يضطر إلى ما كان يرغب عنه.\rوقولهم: \" من يلق أبطال الرجال يكلم \" قاله عقيل بن علقمة المري، وقد رماه عملس ابنه بسهم فحل فخذيه، فقال أبياتا منها\rإن بني زملوني بالدم ... شنشنةٌ أعرفها من أخزم\rمن يلق أبطال الرجال يكلم\rوقولهم: \" من لا يذد عن حوضه يهدم \" أي من لم يدفع عن نفسه يظلم، قاله زهير بن أبي سلمى.\rوقولهم: \" مكره أخوك لا بطل \" قاله أبو حنش خال بيهس: يضرب لمن يحمل على ما ليس من شأنه.\rوقولهم: \" من نام لا يشعر بشجو الأرق \" : يضرب لمن غفل عما يعانيه صاحبه من المشقة.\rحرف النون\rقولهم: \" نفس عصامٍ سودت عصاما \" : هو عصام بن شهبر حاجب النعمان ابن المنذر: يضرب في نباهة الرجل من غير قديم، وقيل في هذا\rنفس عصامٍ سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما\rوصيرته ملكا هماما\rوقولهم: \" نظرةٌ من ذي علق \" أي من ذي هوًى: يضرب لمن ينظر بود.\rوقولهم: \" نزت به البطنة \" : يضرب لمن لا يحتمل النعمة، قال الشاعر\rفلا تكونن كالنازي ببطنته ... بين القرينين حتى ظل مقرونا\rوقولهم: \" نجوت وأرهنتهم مالكا \" قال عبد الله بن همام السلولي\rفلما خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنتهم مالكا\rيضرب لمن ينجو من هلكة نشب فيها شركاؤه وأصحابه.\rوقولهم: \" نام عصام ساعة الرحيل \" : يضرب لمن طلب الأمر بعد ما ولي.\rحرف الهاء\rقولهم: \" هدنةٌ على دخن \" .\rوقولهم: \" هذا أوان شدكم فشدوا \" .\rومثله قولهم: \" هذا أوان الشد فاشتدي زيم \" قال الأصمعي: زيم: اسم فرس: يضرب للرجل يؤمر بالجد.\rوقولهم: \" هو على حبل ذراعك \" أي الأمر فيه إليك: يضرب في قرب المتناول، وحبل الذراع: عرقٌ في اليد.\rوقولهم: \" هان على الأملس ما لاقي الدبر \" : يضرب في سوء اهتمام الرجل بشأن صاحبه.\rوقولهم: \" هو بين حاذف وقاذف \" الحاذف بالعصا، والقاذف بالحصى: يضرب لمن هو بين الشرين.\rوقولهم: \" هو على طرف الثمام \" الثمام: نبت ضعيف سهل المتناول تسد به خصائص البيوت، وربما حشيت به المخاد، قالوا: إنه ينبت على قدر قامة الإنسان: يضرب في تسهيل الحاجة وقرب النجاح.\rوقولهم: \" هي الخمر تكنى الطلاء \" : يضرب للأمر ظاهره حسن وباطنه على خلاف ذلك.\rحرف الواو","part":1,"page":265},{"id":266,"text":"قولهم: \" وافق شنٌّ طبقة \" قال الشرقي بن القطامي: كان رجل من دهاة العرب وعقلائهم يقال له: شنٌّ فآلى أنه يطوف البلاد حتى يجد امرأة مثله فيتزوجها، فبينا هو في بعض مسيره إذ وافقه رجل في الطريق فسارا جميعا، فقال له شنٌ: أتحملني أم أحملك؟ فقال: أنا راكب وأنت راكب، فكيف تحملني أو أحملك؟ ثم سارا فانتهيا إلى زرع قد استحصد، فقال شنٌّ: أترى هذا الزرع أكل أم لا؟ فقال: لم أر أجهل منك، نبتا مستحصدا فتقول: أكل أم لا؟ فسكت، ثم سارا حتى دخلا القرية فلقيا جنازة، فقال شنٌّ: أترى صاحب هذا النعش حيا أم ميتا؟ فقال له الرجل: ترى جنازة تسأل عنها أميت صاحبها أم حي؟ فسكت عنه شنٌّ وأراد مفارقته فأبى أن يتركه وسار به إلى منزله، وكان للرجل بنت يقال لها: طبقة، فلما دخل عليها أبوها سألته عن ضيفه، فقال: ما رأيت أجهل منه، وحدثها بحديثه، فقالت: يا أبت ما هذا بجاهل؟ قوله: اتحملني أو أحملك؟ أراد أتحدثني أم أحدثك، وأما قوله: أترى هذا الزرع أكل أم لا؟ فأراد هل باعه أهله فأكلوا ثمه أم لا؟ وأما الجنازة فأراد هل ترك عقبا يحيا بهم ذكره أم لا؟ فخرج الرجل فقعد مع شنٌّ فحادثه، وقال له: أتحب أن أفسر لك ما سألتني؟ قال نعم، ففسره فقال شنٌّ: ما هذا من كلامك، فأخبرني من صاحبه؟ فقال: ابنة لي، فخطبها إليه فزوجه إياها وحملها إلى أهله، فلما رأوها قالوا: وافق شنٌ طبقة، فذهبت مثلا: يضرب للمتوافقين، وقال الأصمعي: هم وقم كان لهم وعاء من أدمٍ فتشنن فجعلوا له طبقا فوافقه فقيل: وافق شنٌّ طبقه، ورواه أبو عبيدة في كتابه، وقال ابن الكلبي: طبقة: قبيلةٌ من إياد كانت لا تطاق فأوقعت بها شن بن أفصى بن دعمي، فانتصفت منها وأصابت فيها فضربتا مثلا وأنشد.\rلقيت شنٌّ إيادا بالقنا ... طبقاً وافق شنٌ طبقه\rوقولهم: \" وجدت الناس اخبر تقله \" أصله اخبر الناس تقلهم: يضرب في ذم الناس وسوء معاشرتهم.\rوقولهم: \" ولود الوعد عاقر الإنجاز \" : يضرب لمن يكثر وعده ويقل نقده.\rوقولهم: \" ودع مالاً مودعه \" : لأنه إذا استودعه غيره فقد ودعه وغرر به ولعله لا يرجع إليه.\rوقولهم: \" ومورد الجهل وبي المنهل \" يضرب في النهي عن استعمال الجهل.\rما جاء في أوله لا\rقولهم: \" لا مخبأ لعطرٍ بعد عروس \" ويقال: \" لا عطر بعد عروس \" أول من قاله امرأة من عذرة، يقال لها: أسماء بنت عبد الله، وكان لها زوج من بني عمها يقال له: عروسٌ، فمات عنها، فتزوجها رجل من قومها يقال له نوفل، وكان أعسر أبخر بخيلا ذميما، فلما دخل بها قال: ضمي إليك عطرك، فقالت: لا عطر بعد عروس، ذهبت مثلا، ويقال: إن رجلا تزوج امرأة، فلما أهديت إليه وجدها تفلةً فقال لها: أين الطيب؟ فقالت: خبأته، فقال لها: لا مخبأ لعطرٍ بعد عروس: يضرب مثلا لمن لا يدخر عنه نفيسٌ.\rوقولهم: \" لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين \" : يضرب لمن أصيب ونكب مرة بعد أخرى، يقال هذا من أمثال النبي صلى الله عليه وسلم قاله لأبي عزة الشاعر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسره يوم بدرٍ فمن عليه وأطلقه ثم أتاه يوم أحدٍ فأسره، فقال: من علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين \" أي لو كنت مؤمنا لم تعد لقتالنا.\rوقولهم: \" لا أطلب أثراً بعد عين \" أول من قاله مالك بن عمرو العامري، وكان من حديثه أن بعض ملوك غسان كان يطلب في بني عامر ذحلاً فأخذ منهم مالكا وسماك ابني عمرو العامري فاحتبسهما زمانا ثم دعا بهما، فقال لهما: إني قاتل أحدكما، فأيكما أقتل؟ فجعل كل واحد منهما يقول: اقتلني مكان أخي، فقتل سماكاً وخلى سبيل مالك، فقال سماك حين ظن أنه مقتول\rفاقسم لو قتلوا مالكا ... لكنت لهم حيةً راصدة\rبرأس سبيلٍ على مرقب ... ويوما على طرقٍ وارده\rفأم سماكٍ فلا تجزعي ... فللموت ما تلد الوالده\rوانصرف مالك إلى قومه فأقام فيهم زمانا ثم إن ركبا مروا وواحد منهم يتغنى بقول سماكٍ\rفأقسموا لو قتلوا مالكا\rفسمعته أم سماك، فقالت: يا مالك، قبح الله الحياة بعد سماك، اخرج في الطلب فخرج فلقي قاتل أخيه يسير في ناسٍ من قومه فقال: من أحس لي الجمل الأحمر، فقالوا له وقد عرفوه: يا مالك اكفف ولك مائة من الإبل، فقال: لا أطلب أثرا بعد عين، فذهبت مثلا.","part":1,"page":266},{"id":267,"text":"وقولهم: \" لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا \" : أصله في الحرباء: يضرب لمن لا يدع حاجةً إلا سأل أخرى.\rوقولهم: \" لا ماءك أبقيت، ولا حرك أنقيت \" : ويروى: ولا درنك، أصله أن رجلا كان في سفر ومعه امرأته، وكانت عاركا فطهرت وكان معها ماء يسير فاغتسلت به فنفذ ولم يكفها لغسلها فعطشا فقال هذا القول فسار مثلا، وقيل: إن الذي قاله الضب بن أروى الكلاعي قاله لامرأته عمرة بنت سبيع، قال الفرزدق\rوكنت كذات الحيض لم تبق ماءها ... ولا هي من ماء العذابة طاهر\rوقولهم: \" لا ناقتي في هذا ولا جملي \" المثل للحارث بن عباد حين قتل جساس بن مرة كليبا وهاجت الحرب بين الفريقين واعتزلهما الحارث، قال الراعي\rوما هجرتك حتى قلت معلنةً ... لا ناقةٌ لي في هذا ولا جمل\rيضرب عند التبرؤ من الظلم والإساءة.\rوقولهم: \" لا ينتطح فيها عنزان \" قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوقولهم: \" لا ينبت البقلة، إلا الحقلة \" الحقلة: القراح، أي لا يلد الوالد إلا مثله: ويضرب مثلا للكلمة الخسيسة تخرج من الرجل الخسيس.\rوقولهم: \" لا تدخل بين العصا ولحائها \" : يضرب في المتخالين المتصافين.\rوقولهم: \" لا يحزنك دمٌ هراقة أهله \" قال هذا المثل جذيمة: يضرب لمن يوقع نفسه فيما لا مخلص له منه.\rحرف الياء\rقولهم: \" يداك أوكتا وفوك نفخ \" أصله أن رجلا كان في جزيرة من جزائر البحر فأراد أن يعبر على زق قد نفخ فيه فلم يحسن إحكامه، فلما توسط البحر خرجت منه الريح فغرق فاستغاث برجل، فقال له: يداك أوكتا وفوك نفخ، فذهبت مثلا: يضرب لمن يجني على نفسه الحين.\rوقولهم: \" يشج ويأسو \" : يضرب لمن يصيب في التدبير مرة ويخطىء أخرى، قال الشاعر\rإني لأكثر مما سمتني عجبا ... يد تشج وأخرى منك تأسوني\rوقولهم: \" يسر حسواً في ارتغاء \" أصله أن الرجل يؤتي باللبن فيظهر أنه يريد الرغوة خاصة فيشربها، وهو في ذلك ينال من اللبن: يضرب لمن يريك أنه يعينك وإنما يجر النفع إلى نفسه، قال الكميت:\rفإني قد رأيت لكم صدودا ... وتحساءً بعلة مرتغينا\rوقولهم: \" يمشي رويداً ويكون أولا \" يضرب للرجل يدرك حاجته في تؤدةٍ ودعةٍ، وينشد فيه:\rتسألني أم الوليد جملا ... يمشي رويدا ويكون أولا\rوقولهم: \" يصبح ظمآن وفي البحر فمه: يضرب لمن يعاشر بخيلا مثريا.\rوقولهم: \" يملأ الدلو إلى عقد الكرب \" : مأخوذ من قول عتبة بن أبي لهب\rمن يساجلني يساجل ماجداً ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب\rوهو الحبل الذي يشد في وسط العراقي: يضرب لمن يبالغ فيما يلي من الأمر.\rوقولهم: \" يكوي البعير من يسير الداء \" : يضرب في حسم الأمر الضائر قبل أن يعظم ويتفاقم.\rوقولهم: \" يعود على المرء ما يأتمر \" ويروى: يعدو، معناه يعود على الرجل ما تأمره به نفسه فيأتمر، أي يمتثله ظناً منه أنه رشد، وربما كان هلاكه فيه، ومنه قول امرىء القيس\rأحار بن عمرو كأني خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر\rمما يتمثل به من أشعار الجاهلية امرؤ القيس بن جحر: قد تقدم من شعره في الاستشهاد على أمثال العرب ما يستغنى عن إعادته في هذا المكان.\rومن شعره:\rوالبر خير حقيبة الرجل ... رضيت من الغنيمة بالإياب\rإن الشقاء على الأشقين مصبوب\rوقال أيضا:\rوقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العتاب\rوقال:\rفإنك لم يفخر عليك كفاخرٍ ... ضعيفٍ ولم يغلبك مثل مغلب\rزهير بن أبي سلمى يقول:\rومن يغترب يحسب عدوا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم\rومهما يكن عند امرىء من خليقة ... ولو خالها تخفي عن الناس تعلم\rومن لا يصانع في أمور كثيرةٍ ... يضرس بأنيابٍ ويوطأ بمنسم\rومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم\rومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم\rومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم\rومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... مطيع العوالي ركبت كل لهذم\rوقال أيضاً:","part":1,"page":267},{"id":268,"text":"وهل ينبت الخطى إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل\rوقال أيضاً:\rوالستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر\rوقال أيضاً:\rفإن الحق مقطعه ثلاثٌ ... يمينٌ أو نفارٌ أو جلاء\rيقول: إنما الحقوق تصح بواحدة من هذه الثلاث: يمينٌ أو محاكمةٌ أو حجةٌ واضحة، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعجب من معرفته بمقاطع الحقوق.\rالنابغة الذبياني: اسمه زياد بن عمرو، ويكنى أبا أمامة، غلب عليه النابغة لأنه عبر برهةً لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله، وكذلك الجعدي، وقيل: إنما لقب بالنابغة لقوله:\rفقد نبغت لهم منا شؤون\rوقيل في نسبه: زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة ابن عوف بن سعد بن ذبيان.\rفما يتمثل به من شعره قوله\rفإنك كالليل الذي هو مدركي ... فإن مطية الجهل الشباب\rوقال\rولست بمستبقٍ أخاً لا تلمه ... على شعثٍ أي الرجال المهذب\rوقال أيضاً:\rاستبق ودك للصديق ولا تكن ... قتباً يعض بغاربٍ ملحاحا\rطرفة بن العبد يقول\rحنانيك بعض الشر أهون من بعض ... ما أشبه الليلة بالبارحه\rوقال أيضاً:\rستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\rوقال أيضاً:\rوأعلم علما ليس بالشك أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل\rأوس بن حجرٍ يقول:\rفإنكما يا ابني حبابٍ وجدتما ... كمن دب يستخفي وفي الكف جلجل\rوقال أيضاً:\rوما ينهض البازي بغير جناحه ... ولا يحمل الماشين إلا الحوامل\rإذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل\rوقال أيضاً:\rولست بخابيٍّ أبدا طعاما ... حذار غدٍ لكل غدٍ طعام\rبشر بن أبي خازم يقول\rوأيدي الندى في الصالحين قروض ... كفى بالموت نأياً واغترابا\rالمتلمس وهو جرير بن عبد المسيح يقول\rقليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد\rوقال أيضاً:\rلذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما\rولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما\rوما كنت إلا مثل قاطع كفه ... بكفٍّ له أخرى فأصبح أجذما\rوقال أيضاً:\rولا يقيم على ذل يراقبه ... إلا الأذلان عير السوء والوتد\rهذا على السخف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحد\rالأفوه الأودي يقول\rإنما نعمة دنيا متعةٌ ... وحياة المرء ثوبٌ مستعار\rوصروف الدهر في أطباقه ... حلقة فيها ارتفاعٌ وانحدار\rبينما الناس على عليائها ... إذ هووا في هوة منها فغاروا\rوقال أيضاً:\rوالبيت لا يبتنى إلا له عمدٌ ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد\rفإن تجمع أوتادٌ وأعمدةٌ ... وساكنٌ بلغوا الأمر الذي كادوا\rتهدي الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... وإن تولت فبالأشرار تنقاد\rلا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا\rتميم بن أبي مقبل يقول\rخليلي لا تستعجلا وانظرا غداً ... عسى أن يكون الرفق في الأمر أرشدا\rوقال أيضاً:\rما أنعم العيش لو أن الفتى حجرٌ ... تنبو الحوادث عنه وهو ملموم\rحميد بن ثور يقول\rأرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داءً أن تصح وتسلما\rولن يلبث العصران يوما وليلةً ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما\rعدي بن زيد يقول\rكفى واعظا للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدي\rعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي\rوظلم ذوي القربى أشد مضاضةً ... على المرء من وقع الحسام المهند\rإذا ما رأيت الشر يبعث أهله ... وقام جناة الشر للشر فاقعد\rقال أيضاً:","part":1,"page":268},{"id":269,"text":"يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا\rوقال\rقد يدرك المبطىء من حظه ... والخير قد يسبق جهد الحريص\rوقال\rلو بغير الماء حلقي شرقٌ ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري\rوقال\rفهل من خالدٍ إما هلكا ... وهل بالموت يا للناس عار\rالأسود بن يعفر يقول\rماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد\rأرض تخيرها لطيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أم دؤاد\rأهل الخورنق والسدير وبارقٍ ... والقصر ذي الشرفات من سنداد\rجرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد\rولقد غنوا فيها بأنعم عيشةٍ ... في ظل ملكٍ ثابت الأوتاد\rفإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلًى ونفاد\rعلقمة بن عبدة يقول\rفإن تسألوني بالنساء فإنني ... عليهم بأدواء النساء طبيب\rإذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له في ودهن نصيب\rيردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب\rوقال أيضاً:\rوكل حصن وإن طالت إقامته ... على دعائمه لا بد مهدوم\rومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بد مشئوم\rعمرو بن كلثوم يقول\rوما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا\rوإن غداً وإن اليوم رهنٌ ... وبعد غد بما لا تعلمينا\rالحارث بن حلزة يقول\rلا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج\rواصبب لأضيافك ألبانها ... فإن شر اللبن الوالج\rحاتم الطائي يقول\rأماوى ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر\rوقد علم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر\rوقال أيضاً:\rوأنت إذا أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا\rالمرقش الأصغر يقول\rومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما\rالنمر بن تولب يقول\rيود الفتى طول السلامة جاهدا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل\rوقال أيضاً:\rومتى تصبك خصاصةٌ فارج الغنى ... وإلى الذي يهب الرغائب فارعب\rلا تغضبن على امرىء في ماله ... وعلى كرائم صلب مالك فاغضب\rوقال\rفلا وأبي الناس لا يعلمو ... ن للخير خيرٌ وللشر شر\rفيوما علينا ويوما لنا ... ويوما نساء ويوما نسر\rمهلهل بن ربيعة، واسمه عدي يقول\rأعزز على تغلبٍ بما لقيت ... أخت بني الأكرمين من جشم\rأنكحها فقدها الأراقم في ... جنبٍ وكان الخباء من أدم\rلو بأبانين جاء يخطبها ... ضرج ما أنف خاطبٍ بدم\rليسوا بأكفائنا الكرام ولا ... يغنون من ذلة ولا عدم\rطفيل الغنوي يقول\rإن النساء كأشجار نبتن معا ... منهن مرٌ وبعض المر مأكول\rإن النساء متى ينهبن عن خلقٍ ... فإنه واجب لا بد مفعول\rعروة بن الورد يقول\rوما شاب رأسي من سنين تتابعت ... علي ولكن شيبتني الوقائع\rوقال أيضاً:\rومن يك مثلي ذا عيالٍ ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح\rليبلغ عذرا أو ينال رغيبةً ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح\rالأعشى: وهو ميمون بن قيس بن بني قيس بن ثعلبة يقول\rكناطحٍ صخرةً يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهي قرنه الوعل\rوقال أيضاً:\rتعالوا فإن الحكم عند ذوي النهي ... من الناس كالبلقاء بادٍ حجولها\rوقال أيضاً:\rومن يغترب عن قومه لم يزل يرى ... مصارع مظلومٍ مجراً ومسحبا\rوتدفن منه الصالحات وإن يسىء ... يكن ما أثار النار في رأس كبكبا\rوقال أيضاً:\rعودت كندة عادةً فاصبر لها ... اغفر لجاهلها ورو سجالها\rلقيط بن معبد يقول","part":1,"page":269},{"id":270,"text":"قوموا قياما على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا قد ينال الأمر من فزعا\rهيهات ما زالت الأموال مذ أبدٍ ... لأهلها إن أصيبوا مرة تبعا\rتأبط شرا: وهو ثابت بن جابر يقول\rلتقرعن على السن من ندمٍ ... إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي\rالمثقب العبدي يقول\rفإما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثى من سميني\rوإلا فاطرحني واتخذني ... عدوا أتقيك وتتقيني\rفإني لو تعاندني شمالي ... عنادك ما وصلت بها يميني\rالممرق العبدي يقول\rفإن كنت مأكولاً فكن أنت آكلي ... وإلا فأدركني ولما أمزق\rأفنون التغلبي يقول\rلعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا\rالأضبط بن قريع السعدي يقول\rقد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه\rلا تحقرن الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه\rواقبل من الدهر ما أتاك به ... من قر عينا بعيشه نفعه\rسويد بن أبي كاهل يقول\rرب من أنضجت غيظا قلبه ... قد تمنى لي موتا لم يطع\rويراني كالشجى في حلقه ... عسراً مخرجه ما ينتزع\rويحييني إذا لاقيته ... وإذا يحلو له لحمي رتع\rانتهى ما يتمثل به من أشعار الجاهلية.\rما يتمثل به من أشعار المخضرمين المخضرمون: هم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام.\rمنهم لبيد بن ربيعة، وفاته سنة إحدى وأربعين، وعمره مائة سنة وسبع وخمسون سنة يقول\rوإذا رمت رحيلا فارتحل ... واعص ما يأمر توصيم الكسل\rواكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزرى بالأمل\rوقال أيضاً:\rوما المال والأهلون إلا وديعةٌ ... ولا بد يوما أن ترد الودائع\rوما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رماداً بعد إذ هو ساطع\rوقال أيضاً:\rكانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء\rودعوت ربي في السلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء\rوقال أيضاً:\rذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب\rوقال أيضاً:\rإلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر\rكعب بن زهير يقول\rومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل\rمقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل\rالنابغة الجعدي: وهو قيس بن عبد الله، وقيل حسان بن قيس بن عبد الله ويكنى النابغة: أبا ليلى، وهو أسن من الذبياني، وطال عمره حتى أدرك أيام بني أمية، وهو الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم \" لا يفضض الله فاك \" فما سقطت له سن، وفي رواية: فكان أحسن الناس ثغرا إذا سقطت له سن تنبت له أخرى، وعاش عشرين ومائة سنة، وقيل أكثر.\rومما يتمثل به من شعره قوله\rولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا\rولا خير في جهلٍ إذا لم يكن له ... حليمٌ إذا ما أورد الأمر أضدرا\rوقال أيضاً:\rكليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرج بالدم\rأمية بن أبي الصلت الثقفي يقول\rتلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماءٍ فعادا بعد أبوالا\rحسان بن ثابت يقول\rوإن امرا يمسي ويصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد\rوقال أيضاً:\rرب حلمٍ أضاعه عدم الما ... ل وجهلٍ غطى عليه النعيم\rما أبالي أنب بالحزن تيسٌ ... أم لحاني بظهر غيبٍ لئيم\rالحطيئة: واسمه جرول بن أوس بن مخزوم. وقيل: جرول بن أوس بن مالك ابن غطفان بن سعد ويكنى: أبا مليكة، والحطيئة لقبٌ غلب عليه، قيل لقب به لقصره وقربه من الأرض، وقيل: حبق في مجلس قومه فقال: إنما هي حطأة فسمي الحطيئة.\rفمما يتمثل به من شعره قوله\rمن يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس\rدع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي\rوقال أيضاً:","part":1,"page":270},{"id":271,"text":"أقلوا عليهم لا اباً لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا\rأولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن وعدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا\rمتمم بن نويرة يقول\rوكنا كندماني جذيمة حقبةً ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا\rفلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلةً معا\rأبو ذؤيب الهذلي يقول\rوتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع\rوإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع\rوالنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليلٍ تقنع\rالخنساء: وهي تماضر بنت عمرو بن الشريد تقول\rومن ظن ممن يلاقي الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظن عجزا\rوقالت أيضاً:\rنهين النفوس وبذل النفو ... س عند الكريهة أبقى لها\rعمرو بن معد يكرب يقول\rإذا لم تستطع أمرا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع\rوقال أيضاً:\rليس الجمال بمئزرٍ ... فاعلم وإن رذيت بردا\rإن الجمال مآثرٌ ... ومكارمٌ أو رثن مجدا\rمعن بن أوس يقول\rوفي الناس إن رثت حبالك واصلٌ ... وفي الأرض عن دار القلى متحول\rإذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجهٍ آخر الدهر تقبل\rوقال أيضاً:\rأعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني\rزياد بن زيد يقول\rولا أتمنى الشر والشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب\rوقال أيضاً:\rهل الدهر والأيام إلا كما ترى ... رؤية مالٍ أو فراق حبيب\rأيمن بن خزيم بن فاتك الأسدي يقول\rإن للفتنة ميطاً بيننا ... فرويد الميط منها تعتدل\rفإذا كان عطاءٌ فأتهم ... وإذا كان قتالٌ فاعتزل\rانتهى ما يتمثل به من أشعار المخضرمين.\rما يتمثل به من أشعار صدر الإسلام القطامي: واسمه عمير بن شيم يقول\rومعصية الشفيق عليك مما ... يزيدك مرةً منه استماعا\rوخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا\rأراهم يغمزون من استركوا ... ويجتنبون من صدق المصاعا\rكذاك وما رأيت الناس إلا ... إلى ما جر جانيهم سراعا\rوقال أيضاً:\rقد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل\rوربما فات بعض القوم أمرهم ... مع التأني وكان الرأي لو عجلوا\rوالناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهي ولأم المخطىء الهبل\rالطرماح بن حكيم بن الحكم يقول\rلقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيضٌ إلى كل امريء غير طائل\rوأني شقي باللئام ولن ترى ... شقياً بهم إلا كريم الشمائل\rالكميت بن زيد الأسدي يقول\rإذا لم يكن إلا الأسنة مركبٌ ... فلا رأى للمضطر إلا ركوبها\rوقال أيضاً:\rفيا موقدا نارا لغيرك ضوءها ... ويا حاطبا في حبل غيرك تحطب\rالمساور بن هند يقول\rشقيت بنو أسدٍ بشعر مساورٍ ... إن الشقي بكل حبلٍ يخنق\rعدي بن الرقاع يقول\rوإذا نظرت إلى أميري زادني ... ضنا به تطوى إلى الأمراء\rبل ما رأيت جبال أرضٍ تستوي ... فيما عشيت ولا نجوم سماء\rكالبرق منه وابلٌ متتابع ... جودٌ وآخر ما يبض بماء\rوالمرء يورث مجده أبناءه ... ويموت آخر وهو في الأحياء\rالفرزدق، واسمه همام بن غالب يقول:\rفواعجبا حتى كليبٌ تسبني ... كأن أباها نهشلٌ أو مجاشع\rوقال أيضاً:\rترجى ربيعٌ أن يجيء صغارها ... بخير وقد أعيا عليك كبارها\rوقال أيضاً:\rفإن تنج منها تنج من ذي عظيمةٍ ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا\rوقال أيضاً:\rيمضي أخوك فلا تلقى له خلفاً ... والمال بعد ذهاب المال مكتسب\rوقال أيضاً:\rليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا","part":1,"page":271},{"id":272,"text":"وقال أيضاً:\rقل لنضرٍ والمرء في دولة السل ... طان أعمى ما دام يدعى أميرا\rفإذا زالت الولاية عنه ... واستوى بالرجال عاد بصيرا\rوقال أيضاً:\rولا تلين لسلطان يكايدنا ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر\rوقال أيضاً:\rهل ابنك إلا ابن من الناس فاصبرن ... فلن يرجع الموتى حنين المآتم\rجرير: هو ابن الخطفى توفي سنة عشر ومائة يقول:\rإن الكريمة ينصر الكرم ابنها ... اللئيمة للئام نصور\rوقال أيضاً:\rزعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع\rوقال أيضاً:\rوابن اللبون إذا مالز في قرنٍ ... لم يستطع صولة البزل القناعيس\rوقال أيضاً:\rرأيتك مثل البرق يحسب ضوءه ... قريبا وأدنى ضوئه منك نازح\rوقال ايضاً:\rأما الرجال فجعلانٌ ونسوتهم ... مثل القنافذ لا حسنٌ ولا طيب\rالأخطل: واسمه مالك بن غياث بن غوث، وقال أبو الفرج الأصبهاني: اسمه غياث ابن غوث بن الصلت بن طارقة بن سيحان بن عمرو، ورفع نسبه إلى جشم بن بكر ويكنى: أبا مالك، قال: وقال المدائني هو غياث بن غوث بن سلمة بن طارقة.\rفمما يتمثل به من شعره قوله:\rوالناس همهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال\rوإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون لصالح الأعمال\rقال أيضاً:\rإن الصنيعة تلقاها وإن قدمت ... كالعر يكمن حينا ثم ينتشر\rوأقسم المجد حقاً لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشعر\rوقال أيضاً:\rوإذا دعوتك يا أخي فإنه ... أحنى إليك مودةً ووصالا\rوإذا دعونك عمهن فإنه ... نسبٌ يزيدك عندهن خبالا\rوقال أيضاً:\rضفادع في ظلماء ليلٍ تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر\rوقال أيضاً:\rيا مرسل الريح جنوباً وصبا ... إن غضبت قيسٌ فزدها غضبا\rالصلتان العبدي يقول:\rوإن يك بحر الحنظليين واحدا ... فما يستوي حيتانه والضفادع\rوما يستوي صدر القناة وزجها ... وما يستوي في الراحتين الأصابع\rكثير عزه: وهو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود الخزاعي، توفي سنة خمس ومائة يقول\rوإني وتهيامي بعزة بعد ما ... تخليت مما بيننا وتخلت\rلكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت\rفقلت لها يا عز كل مصيبةٍ ... إذا وطنت يوماً لها النفس ذلت\rهنيئا مريثا غير داءٍ مخامرٍ ... لعزة من أعراضنا ما استحلت\rوقال أيضاً:\rقضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزه ممطولٌ معنىًّ غريمها\rوقال أيضاً:\rومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب\rومن يتتبع جاهدا كل عثرةٍ ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب\rجميل يقول\rفإن يك حربٌ بين قومي وبينها ... فإني لها في كل نائيةٍ سلم\rوقال أيضاً:\rولرب عارضةٍ علينا وصلها ... بالجد تخلطه بقول الهازل\rفأجبتها في القول بعد تستر ... حبي بثينة عن وصالك شاغلي\rلو كان في قلبي كقدر قلامةٍ ... وصلاً وصلتك أو أتتك رسائلي\rعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة يقول\rليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أكبادنا مما نجد\rواستبدت مرةً واحدةً ... إنما العاجز من لا يستبد\rوقال أيضاً:\rلا تلمني وأنت زينتها لي ... أنت مثل الشيطان للإنسان\rما يتمثل به من أشعار المحدثين منهم إبراهيم بن هرمة يقول\rعجبت أثيلة أن رأتني مخلقا ... ثكلتك أمك أي ذاك يروع\rقد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلقٌ وجيب قميصه مرقوع\rوقال أيضاً:\rكتاركةٍ بيضها بالعراء ... وملبسةٍ بيض أخرى جناحا\rبشار بن برد يقول\rإذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه","part":1,"page":272},{"id":273,"text":"فعش واحدا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنبٍ مرة ومجانبه\rإذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه\rوقال أيضاً:\rولا تجعل الشورى عليك غصاضةً ... فإن الخوافي عدة للقوادم\rوما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير سيفٍ لم يؤيد بقائم\rوقال أيضاً:\rكبكرٍ تشهى لذيذ النكاح ... وتفرق من صولة الناكح\rوقال أيضاً:\rأنت من قلبها محل شرابٍ ... يشتهي شربه ويخشى صداعه\rوقال أيضاً:\rالحر يلحى والعصا للعبد ... وليس للمحلف مثل الرد\rوصاحب كالدمل الممد ... حملته في رقعةٍ من جلدي\rوقال أيضاً:\rوإذا جفوت قطعت عنك منافعي ... والدر يقطعه جفاء الحالب\rوقال أيضاً:\rولولا الذي خبروا لم أكن ... لا مدح ريحانةً قبل شم\rوقال أيضاً:\rتأتي المقيم وما سعى حاجاته ... عدد الحصى ويخيب سعي الناصب\rوقال أيضاً:\rأنا والله أشتهي سحر عيني ... ك وأخشى مصارع العشاق\rوقال أيضاً:\rنرجو غدا وغداً كحاملةٍ ... في الحي لا يدرون ما تلد\rوقال أيضاً:\rتسقط الطير حيث ينتثر الح ... ب وتغشى منازل الكرماء\rليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء\rوقال أيضاً:\rوالصعب يمكن بعد ما جمحا ... ولن تبلغ العليا بغير الدراهم\rوقال أيضاً:\rولا بد من شكوى إلا ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع\rأبو العتاهية يقول\rأذل الحرص أعناق الرجال ... وكل غنًّى في العيون جليل\rرواءح الجنة في الشباب ... وأي الناس ليس له عيوب\rوقال أيضاً:\rإن الشباب والفراغ والجده ... مفسدةٌ للدين أي مفسده\rوقال أيضاً:\rأنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدهر أخوه\rفإذا احتجت إليه ... ساعةً مجك فوه\rوقال أيضاً:\rما يحرز المرء من أطرافه طرفا ... إلا تخونه النقصان من طرف\rوقال أيضاً:\rيصاد فؤادي حين أرمي ورميتي ... تعود إلى نحري ويسلم من أرمى\rوقال أيضاً:\rولرب شهوة ساعةٍ ... قد أورثت حزنا طويلا\rسلم بن عمرو الخاسر: وهو مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو بصري لقب الخاسر لأنه ورث من أبي مصحفا فباعه واشترى بثمنه طنبورا، وقيل: بل خلف أبوه مالا فأنفقه في الأدب والشعر، فقال له بعض أهله: إنك لخاسر الصفقة، فلقب بذلك.\rفمما يتمثل به من شعره قوله\rمن راقب الناس مات غماً ... وفاز باللذة الجسور\rلولا منى العاشقين ماتوا ... غماً وبعض المنى غرور\rوقال أيضاً:\rولو ملكت عنان الريح تصرفه ... في كل ناحية ما فاتك الطلب\rوقال أيضاً:\rلا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهدٌ من الخبر\rصالح بن عبد القدوس يقول\rما يبلغ الأعداء من جاهلٍ ... ما يبلغ الجاهل من نفسه\rوالجاهل الآمل ما في غدٍ ... كحفظه في اليوم أو أمسه\rوالشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يواري في ثرى رمسه\rوالحمق داءٌ ماله حيلةٌ ... ترجى كبعد النجم من لمسه\rوقال أيضاً:\rوإن عناءً أن تفهم جاهلا ... فيحسب جهلاً أنه منك أفهم\rمتى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم\rوقال أيضاً:\rإذا وترت امرءاً فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا\rوقال أيضا:\rشر المواهب ما تجود به ... من غير محمدة ولا أجر\rوقال أيضا:\rلا تجد بالعطاء في غير حقٍّ ... ليس في منع غير ذي الحق بخل\rإنما الجود أن تجود على من ... هو للجود منك والبذل أهل\rوقال أيضا:\rيشقى رجالٌ ويشقى آخرون بهم ... ويسعد الله أقواما بأقوام\rوليس رزق الفتى من لطف حيلته ... لكن جدودٌ بأرزاقٍ وأقسام","part":1,"page":273},{"id":274,"text":"كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد ... يرمى فيرزقه من ليس بالرامي\rوقال أيضا:\rإن يكن به ما أصبت جليلا ... فذهاب العزاء منه أجل\rكل آتٍ لا شك آت وذو الجه ... ل معنًى والغم والحزن فضل\rابن ميادة هو الرماح بن أبي أبرد كنيته شرحبيل يقول\rواعجبا من خالدٍ كيف لا ... يخطيء فينا مرةً بالصواب\rوقال أيضا:\rوأرانا كالزرع يحصده الده ... ر فمن بين قائم وحصيد\rوكأنا للموت ركبٌ مخبو ... ن سراعٌ لمنهلٍ مورود\rأبو نواس الحسن بن هانيء يقول\rدع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... ألا رب إحسان عليك ثقيل\rوقال:\rوللرجاء حرمةٌ لا تجهل ... وأي جدٍّ بلغ المازح\rوقال أيضا:\rإذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفت ... له عن عدوٍّ في ثياب صديق\rوقال أيضا:\rلا أذود الطير عن شجرٍ ... قد بلوت المر من ثمره\rوقال أيضا:\rوليس لله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد\rوقال أيضا:\rصار جداً ما مزحت به ... رب جدٍّ ساقه اللعب\rوقال أيضا:\rكفى حزناً أن الجواد مقترٌ ... عليه ولا معروف عند بخيل\rوقال أيضا:\rوأوبة مشتاقٍ بغير دراهمٍ ... إلى أهله من أعظم الحدثان\rأبو عيينة المهلبي يقول\rوكيف جحود القلب والعين تشهد ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهد\rوشتان ما بين الولاية والعزل\rوقال أيضا:\rوإذا تطاولت الرءو ... س فغط رأسك ثم طاطه\rعبد الله بن أبي عتبة المهلبي يقول\rكل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الأعداء\rوقال أيضا:\rما كنت إلا كلحم ميتٍ ... دعا إلى أكله اضطرار\rالعباس بن الأحنف يقول\rلو كنت عاتبةً لسكن روعتي ... أملي رضاك وزرت غير مراقب\rلكن مللت فما لصدك حيلةٌ ... صد الملول خلاف صد العاتب\rوقال أيضا:\rصرت كأني ذبالةٌ نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق\rوقال أيضا:\rأرى الطريق قريباً حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيداً حين أنصرف\rوقال أيضا:\rكفى حزناً أن التباعد بيننا ... وقد جمعتنا والأحبة دار\rوقال أيضا:\rاقمنا مكرهين بها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا\rوقال أيضاً:\rولا خير في ودٍّ يكون بشافعٍ ... من عالج الشوق لم يستبعد الدارا\rمسلم بن الوليد: هو مولى الأنصار، ثم مولى آل أبي أمامة: أسعد بن زرارة الخزرجي ولقب صريع الغواني، ومما يتمثل به من شعره قوله\rدلت على عيبها الدنيا وصدقها ... ما استرجع الدهر مما كان أعطاني\rوكان يقول أخذت معنى هذا البيت من التوراة.\rوقال أيضا:\rيعد الفتى مر الليالي سليمةً ... وهن به عما قليل عواثر\rوقال أيضا:\rأما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل\rفاذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرضٌ عززت به وأنت ذليل\rمنصور النمري: هو منصور بن الزبرقان بن سلمة، وقيل منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك، مطعم الكبش الرخم، سمي بذلك لأنه أطعم ناسا نزلوا به ونحر لهم، ثم رفع رأسه فإذا هو برخم يحمن حول أضيافه، فأمر أن يذبح لهن كبشٌ ويرمى لهن ففعل ذلك ونزلت عليه فمزقنه، وهو ابن مالك بن سعد بن عامر الضحيان، سمي بذلك لأنه كان سيد قومه وحاكمهم وكان يجلس لهم إذا أضحى النهار، وهو ابن سعد ابن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة ابن أسد بن ربيعة بن نزار.\rفمما يتمثل به من شعره قوله\rلعل لها عذراً وأنت تلوم ... ورب امريءٍ قد لام وهو مليم\rوقال أيضا:\rما كنت أوفى شبابي كنه عزته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع\rوقال أيضا:\rأقلل عتاب من استربت بوده ... ليست تنال مودةٌ بعتاب","part":1,"page":274},{"id":275,"text":"العتابي: هو كلثوم بن عمرو بن أيوب بن عبيد بن حبيش بن أوس بن مسعود ابن عمرو بن كلثوم الشاعر ابن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب.\rفمما يتمثل به من شعره قوله\rوإن عظيمات الأمور مشوبةٌ ... بمستودعات في بطون الأساود\rوقال أيضا:\rولله في عرض السموات جنة ... ولكنها محفوفة بالمكاره\rوقال أيضا:\rقلت للفرقدين والليل ملقٍ ... سود أكنافه على الآفاق\rابقيا ما بقيتما سوف يرمى ... بين شخصيكما بسهم الفراق\rأشجع السلمى: هو أشجع بن عمرو أبو الوليد، وقيل: أبو عمرو من أهل الرقة.\rفمما يتمثل به من شعره قوله\rنسيبك من أمسى يناجيك طرفه ... وليس لمن تحت التراب نسيب\rوقال أيضا:\rسبق القضاء بكل ما هو كائن ... فليجهد المتقلب المحتال\rوقال أيضا:\rداءٌ قديم في بني آدمٍ ... فتنة إنسان بإنسان\rوقال أيضا:\rوعلى عدوك يا ابن عم محمدٍ ... رصدان ضوء الصبح والإظلام\rفإذا تنبه رعته وإذا غفا ... سلت عليه سيوفك الأحلام\rالجرهمي\rوأعددته ذخرا لكل ملمةٍ ... وسهم الرزايا بالذخائر مولع\rوقال أيضا:\rإذا ما مات بعضك فابك بعضاً ... فإن البعض من بعضٍ قريب\rوقال أيضا:\rأرى الحلم في بعض المواطن دلةً ... وفي بعضها عزا يسود فاعله\rوقال أيضا:\rودون الندى في كل قلبٍ ثنيةٌ ... لها مصعدٌ حزن ومنحدرٌ سهل\rوقال أيضا:\rالعيش لا عيش إلا ما قنعت به ... قد يكثر المال والإنسان مفتقر\rوقال أيضا:\rوهل حازم إلا كآخر عاجز ... إذا حل بالإنسان ما يتوقع\rمحمود الوراق: هو محمود بن الحسن البغدادي مولى بني زهرة، ويكنى أبا الحسن.\rفمما يتمثل به من شعره قوله\rوإذا غلا شيءٌ على تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا\rوقال أيضا:\rما كدت أفحص على أخي ثقةٍ ... إلا ذممت عواقب الفحص\rوقال أيضا:\rالدهر لا يبقى على حالة ... لا بد أن يقبل أو يدبرا\rفإن تلقاك بمكروهه ... فاصبر فإن الدهر لن يصبرا\rوقال أيضا:\rإذا كان وجه العذر ليس بواضح ... فإن اطراح العذر خيرٌ من العذر\rمحمود بن حازم الباهلي\rألا إنما الدنيا على المرء فتنةٌ ... على كل حال أقبلت أم تولت\rوقال أيضا:\rوقائلٍ كيف تفرقتما ... فقلت قولا فيه إنصاف\rلم يك لي شكلا ففارقته ... والناس أشكالٌ وألاف\rالسموءل بن عادياء\rإذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل\rوقال أيضا:\rإذا كنت ملحياً مسيئا ومحسننا ... فغشيان ما تهوى من الأمر أكيس\rمحمد بن أبي زرع الدمشقي\rلا يؤنسنك أن تراني ضاحكا ... كم ضحكة فيها عبوس كامن\rوقال أيضا:\rقد يمهن الهندي وهو حسام ... ويحث الجواد وهو جواد\rأبو الشيص: واسمه محمد بن رزين بن تميم بن نهشل، وأبو الشيص لقبٌ غلب عليه، وكنيته أبو جعفر وهو عم دعبل بن علي.\rفمما يتمثل به من شعره قوله\rإذا لم تكن طرق الهوى لي ذليلةً ... تنكبتها وانحزت من جانب السهل\rعلي بن جبلة بن عبد الرحمن الأنباري، وهو الملقب العكوك قال\rوأرى الليالي ما طوت من شرتي ... ردته في عظتي وفي إفهامي\rوعلمت أن المرء من سنن الردى ... حيث الرمية من سهام الرامي\rوقال أيضا:\rوخافت على التطواف قومي وإنما ... تصاب غرار الوحش وهي رتوع\rاللجلاج الحارثي\rوما كنت زوارا ولكن ذا الهوى ... إلى حيث يهوى القلب تهوى به الرجل\rوقال أيضا:\rإذا ما أهان امرؤ نفسه ... فلا أكرم الله من يكرمه\rعبد الصمد بن المعذل\rليس لي عذرٌ وعندي بلغةٌ ... إنما العذر لمن لا يستطيع\rوقال أيضا:\rوأعلم أن بنات الرجاء ... تحل العزيز محل الذليل","part":1,"page":275},{"id":276,"text":"وأن ليس مستغنيا بالكثي ... ر من ليس مستغنيا بالقليل\rوقال أيضا:\rأرى الناس أحدوثةً ... فكونوا حديثاً حسن\rكان لم يكن ما أتى ... وما قد مضى لم يكن\rإذا وطنٌ رابني ... فكل بلادٍ وطن\rإذا عز يوماً أخو ... ك في بعض أمر فهن\rالحمدوني\rإن المقدم في حذقٍ بصنعته ... أنى توجه فيها فهو محروم\rالعتبي\rقالت عهدتك مجنوناً فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر\rوقال أيضا:\rوحسبك من حادث بامرىء ... يرى حاسديه له راحمينا\rأبو سعيد المخزومي: واسمه عيسى بن خالد بن الوليد، والصحيح أنه أبو سعد لا سعيد.\rفمما يتمثل به في شعره قوله\rوكم رأينا للدهر من أسدٍ ... بالت على راسه ثعالبه\rوقال أيضا:\rإذا ضن الجواد بما لديه ... فما فضل الجواد على البخيل\rوقال أيضا:\rليس لبس الطيالس ... من لباس الفوارس\rلا ولا حومة الوغى ... كصدور المجالس\rوظهور الجياد غي ... ر ظهور الطنافس\rليس من مارس الخطو ... ب كمن لم يمارس\rدعبل بن علي الخزاعي: هو أبو جعفر واسمه محمد ودعبل لقبٌ غلب عليه، والدعبل: البعير المسن، وقيل: الناقة التي معها أولادها.\rفمما يتمثل بن من شعره قوله\rلا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى\rوقال أيضا:\rهي النفس ما حسنته فمحسن ... إليها وما قبحته فمقبح\rوقال أيضا:\rجئنا به يشفع في حاجةٍ ... فاحتاج في الإذن إلى شافع\rوقال أيضا:\rتلك المساعي إذا ما أخرت رجلا ... أحب للناس عيباً كالذي عابه\rكذاك من كان هدم المجد عادته ... فإنه لبناء المجد عيابه\rإسحاق بن إبراهيم الموصلي\rوكل مسافرٍ يزداد شوقاً ... إذا دنت الديار من الديار\rالمؤمل بن أميل\rإذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر\rلا تحسبوني غنياً عن مودتكم ... إني إليكم وإن أيسرت مفتقر\rإبراهيم بن العباس بن محمد بن صول مولى يزيد بن المهلب يكنى أبا إسحاق، وأصله من خراسان.\rفمما يتمثل به من شعره قوله\rورب أخٍ ناديته لملمة ... فألفيته منها أجل وأعظما\rوقال أيضا:\rوكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت فيك أذم الزمانا\rوكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا\rوقال أيضا:\rدنت بأناس عن تناءٍ زيارةٌ ... وشط بليلى عن دنو مزارها\rوإن مقيماتٍ بمنقطع اللوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها\rأبو علي البصير: وهو الفضل بن جعفر الكوفي يقول\rفلا تعتذر بالشغل عنا فإنما ... تناط بك الآمال ما اتصل الشغل\rوقال أيضا:\rلعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم\rولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعى الهشيم\rسعيد بن حمير يقول\rإن جهد المقل غير قليل ... وعلى المريب شواهدٌ لا تدفع\rوقال أيضا:\rوإنك كالدنيا تذم صروفها ... ونوسعها سبا ونحن عبيدها\rعلي بن الجهم يقول\rولكل حال معقبٌ ولربما ... أجلى لك المكروه عما تحمد\rوقال أيضا:\rوعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التفضل\rولا عار إن زالت عن المرء نعمةٌ ... ولكن عارا أن يزول التجمل\rوقال أيضا:\rارض للسائل الخضوع وللقا ... رف ذنباً مذلة الأعذار\rابن أبي فنن: هو أحمد بن صالح بن أبي معشر مولى المنصور يقول\rأرى الدهر يخلقني كلما ... لبست من الدهر ثوباً جديدا\rوقال أيضا:\rسر من عاش ماله فإذا حا ... سبه الله سره الإعدام\rوقال أيضا:\rرب أمرٍ سر أخره ... بعد ما ساءت أوائله\rيزيد بن محمد المهلبي يقول\rلا عار إن ضامك دهرٌ أو ملك\rوقال","part":1,"page":276},{"id":277,"text":"وإن الناس جمعهم كثيرٌ ... ولكن من تسر به قليل\rوقال أيضا:\rومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه\rعمارة بن عقي بن بلال بن جرير يقول\rفإن تلحظى حالي وحالك مرةً ... بنظرة عين عن هوى النفس تحجب\rترى كل يوم مر من بؤس عيشتي ... عليك بيومٍ من نعيمك يحسب\rأحمد بن أبي طاهر يقول\rودين الفتى بين التماسك والنهي ... ودنيا الفتى بين الهوى والتغرر\rوقال أيضا:\rحسن الفتى أن يكون ذا حسبٍ ... من نفسه ليس حسنه حسبه\rأبو تمام حبيب بن أوس الطائي يقول:\rما الحب إلا للحبيب الأول ... لسان المرء من جذم الفؤاد\rوذي النقص في الدنيا بذي الفضل مولع\rوقال\rما أب من أب لم يظفر بحاجته ... ولم يعب طالبٌ للنجح لم يجب\rوقال أيضا:\rومن لم يسلم للنوائب أصبحت ... خلائقه طراً عليه نوائبا\rوقال أيضا:\rلأمرٍ عليهم أن يتم صدوره ... وليس عليه أن تتم عواقبه\rوقال أيضا:\rلا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حربٌ للمكان العالي\rوقال أيضا:\rوإذا تأملت البلاد رأيتها ... تثري كما تثري الرجال وتعدم\rوقال أيضا:\rوإذا أمرؤ أهدى إليك صنيعةً ... من جاهه فكأنها من ماله\rوقال أيضا:\rخلقنا رجالا للتجلد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم\rوقال أيضا:\rينال الفتى من عيشه وهو جاهلٌ ... ويكدي الفتى في دهره وهو عالم\rولو كانت الأرزاق تجري على الحجى ... هلكن إذاً من جهلهن البهائم\rوقال أيضا:\rأآلفة النحيب كم افتراق ... أطل فكان داعية اجتماع\rوليست فرحة الأوبات إلا ... لموقوفٍ على ترح الوداع\rوقال أيضا:\rوإذا أراد الله نشر فضيلة ... يوما أتاح لها لسان حسود\rلولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود\rوقال أيضا:\rخشعوا لصولتك التي هي عندهم ... كالموت يأتي ليس فيه عار\rوقال أيضا:\rذاك الذي قرحت بطون جفونه ... مرهاً وتربة أرضه من إثمد\rوقال أيضا:\rوتركي ساعة الصدر اعتباطاً ... يدل على موافقة الورود\rوقال أيضا:\rولم أر كالمعروف تدعي حقوقه ... مغارم في الأقوام وهي مغانم\rوقال أيضا:\rوإن أمرءاً ضنت يداه على أمريء ... بنيل يدٍ من غيره لبخيل\rأبو عبادة البحتري، وهو الوليد بن عبيد بن يحيى بن عبيد بن شملان بن جابر ابن مسلمة بن مسهر بن الحارث بن خيثم بن أبي حارثة بن جدي بن نزول بن بحتر الطائي.\rفمما يتمثل به من شعره قوله\rوأبرح مما حل ما يتوقع\rوقال أيضا:\rوليس تقترن النعماء والحسد\rوقال أيضا:\rإن المعنى طالبٌ لا يظفر\rوقال أيضا:\rأرى الكفر للنعماء ضربا من الكفر\rوقال أيضا:\rيزين اللآلى في النظام ازدواجها\rوقال\rوكان رجائي أن أؤوب مملكا ... فصار رجائي أن أؤوب مسلما\rوقال أيضا:\rمتى أحرجت ذا كرم تخطى ... إليك ببعض أخلاق اللئيم\rوقال أيضا:\rوالشيء تمنعه يكون بفوته ... أجدي من الشيء الذي تعطاه\rوقال أيضا:\rتناس ذنوب قومك إن حفظ ال ... ذنوب إذا قدمن من الذنوب\rوقال أيضا:\rوإذا ما خفيت كنت حرياً ... أن أرى غير مصبح حيث أمسى\rوقال أيضا:\rمتى أردت الدنيا نباهة خاملٍ ... فلا تنظر إلا خمول نبيه\rوقال أيضا:\rوأرى النجابة لا يكون تمامها ... لنجيب قوم ليس بابن نجيب\rوقال أيضا:\rوإذا ما الشريف لم يتواضع ... للأخلاء فهو عين الوضيع\rوقال أيضا:\rولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... إلى المجد حتى عد ألفٌ بواحد\rوقال أيضا:\rليس الذي يعطيك تالد ماله ... مثل الذي يعطيك مال الناس\rوتفاضل الأخلاق إن حصلتها ... في الناس حيث تفاضل الأجناس\rوقال أيضا:","part":1,"page":277},{"id":278,"text":"لا ييأس المرء أن ينجيه ... ما يحسب الناس أنه عطبه\rيسرك الشيء قد يسوء وكم ... نوه يوما بخامل لقبه\rوقال أيضا:\rإذا محاسني اللاتي أدل بها ... كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر\rوقال أيضا:\rوعطاء غيرك إن بذل ... ت عنايةً فيه عطاؤك\rديك الجن، واسمه عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب بن عبد الله ابن رغبان بن زيد بن تميم بن مجد من أهل حمص يقول\rوشافي النصح يعدل بالأشافي ... وليس القدر إلا بالأثافي\rوقال\rإذا شجر المودة لم تجده ... بغيث البر أسرع في الجفاف\rوقال أيضا:\rيرقد الناس آمنين وريب ال ... دهر يرعاهم بمقلة لص\rابن الرومي يقول\rوكم داخلٍ بين الحميمين مصلح ... كما انغل بين العين والجفن مرود\rوقال أيضا:\rهو بازٍ صائد أرسلته ... فارجعوه سالماً إن لم يصد\rوقال أيضا:\rوما الحمد إلا توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض\rإذا الأرض ردت ريع ما أنت زارعٌ ... من البذر فهي الأرض ناهيك من أرض\rوقال أيضا:\rوإذا أتاك من الأمور مقدرٌ ... ففررت منه فنحوه لتوجه\rوقال أيضا:\rكيف ترضى الفقر عرسا لامريءٍ ... وهو لا يرضى لك الدنيا أمه\rوقال أيضا:\rعدوك من صديقك مستفادٌ ... فلا تستكثرن من الصحاب\rفإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب\rعبد الله بن المعتز يقول\rفإن العيون وجوه القلوب\rوقال أيضا:\rأم الكرام قليلة الأولاد\rوقال أيضا:\rأبطأ فيض الدلاء أملؤها\rوقال أيضا:\rاصبر على كيد الحسو ... د فإن صبرك قاتله\rفالنار تأكل بعضها ... إذ لم تجد ما تاكله\rوقال أيضا:\rولا هم إلا سوف يفتح قفله ... ولا حال إلا للفتى بعدها حال\rوقال أيضا:\rلا تأمنوا من بعد خيرٍ شرا ... كم غصنٍ أخضر عاد جمرا\rوقال أيضا:\rوإني على إشفاق عيني من البكا ... لتجمح مني نظرة ثم أطرق\rكما حلئت عن ماء برد طريدةٌ ... تمد إليه جيدها وهي تفرق\rوقال أيضا وإشارته إلى الديك\rصفق إما ارتياحةً لسنا ال ... فجر وإما على الدجى أسفا\rعبيد بن عبد الله بن طاهر\rألم تر أن المرء تدوي يمينه ... فيقطعها عمدا ليسلم سائره\rفكيف تراه بعد يمناه صانعا ... لمن ليس منه حين تدوي سرائره\rوقال أيضا:\rألا قبح الله الضرورة إنها ... تكلف أعلى الخلق أدنى الخلائق\rوقال أيضا:\rوكم قائل قد قال مالك راجلا ... فقلت له من أجل أنك فارس\rوقال أيضا:\rومن سره أن لا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا\rابن طباطبا العلوي: هو أبو الحسن محمد بن أحمد العلوي الأصبهاني يقول\rإن في نيل المنى وشك الردى ... وقياس القصد عند السرف\rكسراج دهنه قوتٌ له ... فإذا غرقته فيه طفى\rوقال أيضا:\rلقد قال أبو بكرٍ ... صوابا بعد ما أنصت\rخرجنا لم نصد شيئا ... وما كان لنا أفلت\rوقال أيضا:\rيا عيشنا المفقود خذ من عمرنا ... عاماً ورد من الصبا أياما\rمنصور الفقيه المقريء يقول\rيا من يخاف أن يكو ... ن ما أخاف سرمدا\rأما سمعت قولهم ... إن مع اليوم غدا\rوقال أيضا:\rالملح يصلح كل ما ... يخشى عليه من الفساد\rفإذا الفساد جرى علي ... ه فحكمه حكم الرماد\rوقال أيضا:\rكل مذكور من الناس إذا ما ... فقدوه صار في حكم الرماد\rوقال أيضا:\rكل مذكورٍ من الن ... اس إذا ما فقدوه\rصار في حكم حديث ... حفظوه ونسوه\rوقال أيضا:\rكل من أصبح في ده ... رك ممن قد تراه\rهو من خلفك مقرا ... ض وفي الوجه مراه","part":1,"page":278},{"id":279,"text":"ابن بسام: هو علي بن محمد بن نصر بن منصور بن بسام كنيته أبا الحسن يقول\rوكم أمنية جلبت منيه\rوقال\rولولا الضرورة ما جئتكم ... وعند الضرورة يؤتى الكنيف\rوقال أيضاً:\rقل لأبي القاسم المرجي ... قابلك الدهر بالعجائب\rمات لك ابنٌ وكان زينا ... وعاش ذو الشين والمعائب\rحياة هذا كموت هذا ... فلست تخلو من المصائب\rوقال أيضا:\rرب يوم بكيت منه فلما ... جزت في غيره بكيت عليه\rوقال أيضا:\rقد يحمل الشيخ الكبي ... ر جنازة الطفل الصغير\rجحظة: هو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك النديم يقول:\rوللمساكين أيضا بالندى ولعٌ\rوقال أيضا:\rوآفة التبر ضعف منتقده\rوقال أيضا:\rمتى يلتقي الميت والغاسل؟\rوقال أيضا:\rلا تعدن للزمان صديقا ... وأعد الزمان للأصدقاء\rوقال أيضا:\rوما كذب الذي قد قال قبلي ... إذا ما مر يوم مر بعضي\rوقال أيضا:\rإذا الشهر حل ولا رزق لي ... فعدي لأيامه باطل\rوقال أيضا:\rوإذا جفاني جاهلٌ ... لم أستخر ما عشت قطعه\rوجعلته مثل القبو ... ر أزوره في كل جمعه\rالصنوبري يقول\rمحن الفتى يخبرن عن فضل الفتى ... كالنار مخبرةٌ بفضل العنبر\rوقال أيضا:\rرب حال كأنها مذهب الدي ... باج صارت من رقةٍ كاللاذ\rوزمانٍ مثل ابنة الكرم حسنا ... عاد عند العيون مثل الداذي\rأو ما من فساد رأى الليالي ... أن شعري هذا وحالي هذي\rأبو الفتح كشاجم: هو محمود بن الحسين بن السندي بن شاهك، وشاهك أمه يقول\rيعاد حديثه فيزيد حسنا ... وقد يستقبح الشيء المعاد\rوقال أيضا:\rشخص الأنام إلى جمالكفاستعذ ... من شر أعينهم بعيبٍ واحد\rومما يتمثل به من أشعار المولدين: منهم أبو فراس الحمداني\rغنى النفس لمن يعق ... ل خير من غنى المال\rوفضل الناس في الأنف ... س ليس الفضل في الحال\rوقال أيضا:\rونحن أناسٌ لا توسط عندنا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر\rتهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن خطب الحسناء لم يغله المهر\rوقال أيضا:\rوندعو كريما من يجود بماله ... ومن يبذل النفس النفيسة أكرم\rوقال أيضا:\rوجميل العدو غير جميلٍ ... وقبيح الصديق غير قبيح\rأبو الطيب المتنبي يقول\rمصائب قومٍ عند قومٍ فوائد\rوقال أيضا:\rإن المعارف في أهل النهي ذمم\rوقال أيضا:\rوخير جليسٍ في الزمان كتاب\rوقال أيضا:\rوتأبى الطباع على الناقل\rوقال أيضا:\rومنفعة الغوث قبل العطب\rوقال أيضا:\rومن فرح النفس ما يقتل\rوقال أيضا:\rإذا عظم المطلوب قل المساعد\rوقال أيضا:\rأنا الغريق فما خوفي من البلل\rوقال أيضا:\rفإن الرفق بالجاني عتاب\rوقال أيضا:\rبغيضٌ إلي الجاهل المتعاقل\rوقال أيضا:\rوكل امريء يولي الجميل محببٌ ... وكل مكان ينبت العز طيب\rوقال أيضا:\rإذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا\rووضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى\rوقال أيضا:\rوالأمر لله رب مجتهدٍ ... ما خاب إلا لأنه جاهد\rوقال أيضا:\rوليس يصح في الأفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل\rوقال أيضا:\rومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد\rوقال\rوإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام\rوقال أيضا:\rوإن يكن الفعل الذي ساء واحدا ... فأفعاله اللاتي سررن ألوف\rوقال أيضا:\rوإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل\rوقال أيضا:\rوما الحسن في وجه الفتى شرفا له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق\rوقال أيضا:","part":1,"page":279},{"id":280,"text":"وما يوجع الحرمان من كف حارمٍ ... كما يوجع الحرمان من كف رازق\rوقال أيضا:\rإنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحساناٌ وإجمال\rذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما فاته وفضول العيش أشغال\rوقال أيضا:\rوقيدت نفسي في ذراك محبةً ... ومن وجد الإحسان قيداً تقيدا\rوقال أيضا:\rما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن\rالسري بن أحمد بن السري الموصلي يقول\rإذا العبء الثقيل توزعته ... أكف القوم هان على الرقاب\rوقال أيضا:\rفإنك كلما استودعت سراً ... أنم من النسيم على الرياض\rوقال أيضا:\rإلى كم أحبر فيك المديح ... ويلقي سواي لديك الحبورا\rأبو بكر محمد بن هاشم الخالدي يقول\rإن خانك الدهر فكن عائذا ... بالبيد والظلماء والعيس\rولا تكن عبد المنى فالمنى ... رءوس أموال المفاليس\rوقال أيضا:\rوأخٍ رخصت عليه حتى ملني ... والشيء مملول إذا ما يرخص\rما في زمانك ما يعز وجوده ... إن رمته إلا صديق مخلص\rأبو عثمان سعيد بن هاشم الخالدي أخوه يقول:\rيا هذه إن رحت في ... خلق فما في ذاك عار\rهذي المدام هي الحيا ... ة قميصها خرقق وقار\rوقال أيضا:\rصغيرٌ صرفت إليه الهوى ... وما خاتمٌ في سوى خنصر\rالخباز البلدي: هو أبو بكر محمد بن أحمد بن حمدان، نسبة إلى بلد وهي من بلاد الجزيرة التي منها الموصل يقول:\rإذا استثقلت أو أبغضت خلقا ... وسرك بعده حتى التناد\rفشرده بقرض دريهمات ... فإن القرض داعية الفساد\rأبو إسحاق الصابيء يقول:\rنعم الله كالوحوش وما تأ ... لف إلا الأخاير النساكا\rنفرتها آثام قوم وصارت ... لأولى البر والتقى أشراكا\rوقال أيضا:\rومن الظلم أن يكون الرضى س ... را ويبدو الإنكار وسط التادي\rوقال أيضا:\rالضب والنون قد يرجى التقاؤهما ... وليس يرجى التقاء اللب والذهب\rعبد العزيز عمر بن نباته يقول\rفلا تحقرن عدوا رماك ... وإن كان في ساعديه قصر\rفإن السيوف تحز الرقاب ... وتعجز عما تنال الإبر\rوقال أيضا:\rمثلٌ خلعت على الزمان رداءه ... عوز الدراهم آفة الأجواد\rوقال أيضا:\rيهوى الثناء مبرز ومقصر ... حب الثناء طبيعة الإنسان\rوقال أيضا:\rونبت بنا أرض العرا ... ق فما مجناها بمجنه\rغير الرحيل كفى البلا ... د برحلة العجفاء هجنه\rابن لنكك البصري: هو أبو الحسين محمد بن محمد يقول:\rوماذا أرجى من حياةٍ تكدرت ... ولو قد صفت كانت كأضغاث أحلام\rوقال أيضا:\rعدنا في زماننا ... عن حديث المكارم\rمن كفى الناس شره ... فهو في جود حاتم\rوقال أيضا:\rجار الزمان علينا في تصرفه ... وأي دهر على الأحرار لم يجر\rعندي من الدهر مالو أن أيسره ... يلقى على الفلك الدوار لم يدر\rأبو الحسن عبد الله بن محمد بن محمد السلامي يقول\rتبسطنا على الأيام لما ... رأينا العفو من ثمر الذنوب\rوقال أيضا:\rوالمرء ما شغلته فرصة لذة ... ناسي الحوادث آمن الحدثان\rوقال:\rوكان رقادي بين كأسٍ وروضة ... فصار سهادي بين طرفٍ وصارم\rوقال أيضا:\rركوب الهول أركبك المذاكي ... ولبس الدرع ألبسك الغلائل\rأبو الفرج الببغا يقول\rما الذل إلا تحمل المنن ... فكن عزيزاً إن شئت أو فهن\rوقال أيضا:\rومن طلب الأعداء بالمال والظبى ... وبالسعد لم يبعد عليه مرام\rوقال أيضا:\rولم أر مذ عرفت محل نفسي ... بلوغ مني تساوي حمل من\rوقال أيضا:\rأكل وميض بارقة كذوب ... أما في الدهر شيءٌ لا يريب\rابن سكرة الهاشمي: هو محمد بن عبد الله يقول\rوعلة الحال تنسي علة الجسد","part":1,"page":280},{"id":281,"text":"وقال أيضاً:\rوقد ينبت الشوك بين الأقاحي\rوقال أيضا:\rالموت أنصف حين عدل قسمة ... بين الخليقة والفقير البائس\rابن الحجاج: هو عبد الله الحسين بن أحمد بن الحجاج يقول:\rورب كلام تستثار به الحرب\rوقول أيضا:\rخود تزف إلى ضريرٍ مقعد\rوقول أيضا:\rواللوزة المرة يا سادتي ... يفسد في الطعم بها السكر\rوقول أيضا:\rما زلت أسمع كم من واقفٍ خجلٍ ... حتى ابتليت فكنت الواقف الخجلا\rوقول أيضا:\rوبي مرضان مختلفان حال ال ... عليلة منهما يمنى بحالي\rإذا عالجت هذا جف كبدي ... وإن عالجت ذاك ربي طحالي\rأبو الحسن الموسوي النقيب: هو محمد بن الحسين بن موسى يقول\rأمسيت أرحم من قد كنت أغبطه ... لقد تقارب بين العز والهون\rومنظرٍ كان بالسراء يضحكني ... يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني\rوقال أيضا:\rوالحر من حذر الهوا ... ن يزاول الأمر الجسيما\rوهو العظيم وغير بد ... عٍ منه إن ركب العظيما\rوقول أيضا:\rما السؤدد المطلوب إلا دون ما ... يومي إليه السؤدد المولود\rفإذا هما اتفقا تكسرت القنا ... إن غالباً وتضعضع الجلمود\rوقول أيضا:\rاشتر العز بما بيع ... فما العز بغالي\rبالقصار البيض إن شئ ... ت أو السمر الطوال\rليس بالمغبون عقلا ... مشتر عزا بمال\rإنما يدخر المال ... لحاجات الرجال\rوالفتى من جعل الأق ... وال أثمان المعالي\rأبو طالب المأموني يقول\rلي في ضمير الدهر سرٌّ كامنٌ ... لا بد أن تستله الأقدار\rوقول أيضا:\rوما شرف الإنسان إلا بنفسه ... أكان ذووه سادة أم مواليا\rوقال\rإذا الغيث وفي الروض واجب حقه ... وزاد فإن الغيث للروض ظالم\rابن العميد: هو أبو الفضل محمد بن أبي عبد الله الحسين بن محمد، عرف بابن العميد، كان أبوه أبو عبد الله وزير مرداويج توفي ابن العميد بالري في محرم سنة ستين وثلثمائة يقول\rلن يصرف الدهر من سجيته ... أرب أريب وحول ذي حيل\rأي معين صفا على كدر ال ... دهر وأي النعيم لم يزل\rوقول أيضا:\rمن يشف من ذا بآخر مثله ... أثرت جوانحه من الأدواء\rداوي جوي بجوي وليس بحازم ... من يستكف النار بالحلفاء\rالصاحب بن عباد: هو أبو القاسم إسماعيل بن عباد. توفي في صفر سنة خمس وثمانين وثلثمائة وعمره خمس وستون وسمي بالصاحب لصحبة ابن العميد يقول\rبقدر الهموم تكون الهمم ... كم صارمٍ جرب في خنزير\rوقول أيضا:\rلقد صدقوا والراقصات إلى منى ... بأن مودات العدا ليس تنفع\rولو أنني داريت دهري حية ... إذا استمكنت يوما من اللسع تلسع\rالحسن بن علي بن عبد العزيز القاضي يقول\rالقلب يدرك ما لا يدرك البصر ... يتملك الأحرار بالإيناس\rوقال أيضا:\rوما أعجبتي قط دعوى عريضةٌ ... ولو قام في تصديقها ألف شاهد\rوقول أيضا:\rيقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما\rإذا قيل هذا مورد قلت قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما\rوقول أيضا:\rوقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسع ... فقلت ولكن مطلب الرزق ضيق\rإذا لم يكن في الأرض حر يعينني ... ولم يك لي كسبٌ فمن أين أرزق\rأبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي يقول\rومن عجب الأيام ترك التعجب\rوقول أيضا:\rلكل صناعة يوما مديل\rوقول أيضا:\rوإذا مدة الشقي تناهت ... جاءه من شقائه متقاضي\rوقول أيضا:\rعليك بإظهار التجلد للعدا ... ولا تظهرن منها الدنو فتحقرا\rبديع الزمان أبو الفضل الهمذاني، أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد توفي سنة ثمان وتسعين وثلثمائة مسموما وأوفى على الأربعين سنة يقول:","part":1,"page":281},{"id":282,"text":"يا حريصا على الغنى ... قاعداً بالمراصد\rلست في سعيك الذي ... خضت فيه بقاصد\rإن دنياك هذه ... لست فيها بخالد\rبعض هذا فإنما ... أنت ساعٍ لقاعد\rإسماعيل الناشيء يقول\rوللشباب نراعي حرمة الكتم\rوقول أيضا:\rوكنت أرى أن التجارب عدة ... فخانت ثقات الناس حتى التجارب\rوقال أيضا:\rفركضا في ميادين التصابي ... أحق الخيل بالركض المعار\rوقول أيضا:\rولا تجزعن على أيكة ... أبت أن تظلك أغصانها\rأبو الفتح علي بن محمد البستي يقول\rإذا مر بي يوما ولم أتخذ يداً ... ولم أستفد علما فما ذاك من عمري\rوقول أيضا:\rأنا كالورد فيه راحة قومٍ ... ثم في لآخرين زكام\rوقول أيضا:\rلا ترج شيئاً خالصا نفعه ... فالغيث لا يخلو من العيث\rوقول أيضا:\rولم أر مثل الشكر جنة غارسٍ ... ولا مثل حسن الصبر جنة لابس\rوقول أيضا:\rولن يشرب السم الزعاف أخو الحجي ... مدلاً بدرياقٍ لديه مجرب\rوقول أيضا:\rما استقامت قناة رأيي إلا ... بعد أن عوج المشيب قناتي\rوقول أيضا:\rوطول جمام الماء في مستقرة ... يغيره لونا وريحا ومطعما\rوقول أيضا:\rإذا حيوانٌ كان طعمة ضده ... توقاه كالفأر الذي يتقي الهرا\rولا شك أن المرء طعمة دهره ... فما باله يا ويحه يأمن الدهرا\rوقول أيضا:\rلا تحقر المرء إن رأيت به ... دمامةً أو رثاثة الحلل\rفالنحل لا شك في ضؤولته ... يشتار منه الفتى خير العسل\rالباب الثاني\rأوابد العرب\rومعنى الأوابد ها هنا: الدواهي، وهي مما حمى الله تعالى هذه الملة الإسلامية منها، وحذر المؤمنين عنه. فقال تعالى \" يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه \" وقال تعالى \" ما جعل الله من بحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وصيلةٍ ولا حامٍ \" وقال تعالى \" إنما النسيء زيادةٌ في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً \" وكانت للعرب أوابد جعلوها بينهم أحكاما ونسكا وضلالة وعادة ومداواة ودليلا وتفاؤلا وطيرةً. فمنها: البحيرة: قالوا: كان أهل الوبر يعطون لآلهتهم من اللحم، وأهل المدر يعطون لها من الحرث، فكانت الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن عمدوا إلى الخامس ما لم يكن ذكرا فشقوا أذنها، فتلك: البخيرة، فربما اجتمع منها هجمةٌ من البحر فلا يجز لها وبر ولا يذكر عليها إن ركبت اسم الله، ولا إن حمل عليها شيء، فكانت ألبانها للرجال دون النساء.\rالوصيلة: كانت الشاة إذا وضعت سبعة أبطن عمدوا إلى السابع، فإن كان ذكرا ذبح، وإن كانت أنثى تركت في الشاء، فإن كان ذكرا وأنثى قيل: وصلت أخاها، فحرما جميعا، وكانت منافعها، ولبن الأنثى منها للرجال دون النساء.\rالسائبة: كان الرجل يسيب الشيء من ماله، إما بهيمةً أو إنسانا، فتكون حراما أبدا، منافعها للرجال دون النساء.\rالحامي: كان الفحل إذا أدركت أولاده فصار ولده جداً قالوا: حمى ظهره، اتركوه فلا يحمل عليه، ولا يركب، ولا يمنع ماء، ولا مرعى، فإذا ماتت هذه التي جعلوها لآلهتم، اشترك في أكلها الرجال والنساء، وذلك قوله تعالى \" وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصةً لذكورنا ومحرمٌ على أزواجنا وإن يكن ميتةً فهم فيه شركاء \" قالوا: وكان أهل المدر والحرث إذا حرثوا حرثا، أو غرسوا غرسا، خطوا في وسطه خطا، فقسموه بين اثنين فقالوا: ما دون هذا الخط: لآلهتم، وما وراءه: لله، فإن سقط مما جعلوه لآلهتهم شيء فيما جعلوه لله ردوه، وإن سقط مما جعلوه لله فيما جعلوه لآلهتهم أقروه، وإذا أرسلوا الماء في الذي لآلهتم، فانفتح في الذي سموه لله سدوه، وإن انفتح من ذاك في هذا قالوا: اتركوه فإنه فقير إليه، فأنزل الله عز وجل \" وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون. \" الأزلام:","part":1,"page":282},{"id":283,"text":"قالوا: كانوا إذا كانت مداراة أو نكاح أو أمر يريدونه، ولا يدرون ما الأمر فيه ولم يصح لهم أخذوا قداحا لهم فيها: أفعل ولا أفعل لا يفعل، ثم لا خير، شرٌ بطيءٌ سريع، فأما المداراة فإن قداحا لهم فيها بيضا ليس فيها شيء فكانوا يجيلونها فمن خرج سهمه فالحق له، وللحضر والسفر سهمان، فيأتون السادن من سدنة الأوثان فيقول السادن: اللهم أيهما كان خيرا فأخرجه لفلان، فيرضى بما يخرج له، فإذا شكوا في نسب الرجل أجالوا له القداح وفيها: صريحٌ، وملصقٌ، فإن خرج الصريح ألحقوه بهم، وإن خرج الملصق نفوه، وإن كان صريحا فهذه قداح الاستقسام.\rالميسر: قالوا في الميسر: إن القوم كانوا يجتمعون فيشترون الجزور بينهم، فيفصلونها على عشرة أجزاء، ثم يؤتي بالحرضة وهو رجل يتأله عندهم لم يأكل لحما قط بثمن، ويؤتى بالقداح وهو أحد عشر قدحا، سبعة منها لها حظ إن فازت، وعلى أهلها غرم إن خابت، بقدر مالها من الحظ إن فازت، وأربعة ينقل بها القداح، لاحظ لها إن فازت، ولا غرم عليها إن خابت.\rفأما التي لها الحظ: فأولها الفذ في صدره حز واحد، فإن خرج أخذ نصيبا، وإن خاب غرم صاحبه ثمن نصيب، ثم التوأم، له نصيبان إن فاز، وعليه ثمن نصيبي إن خاب، ثم الضريب، وله ثلاثة أنصباء، ثم الحلس وله أربعة، ثم النافس، وله خمسة، ثم المسبل، وله ستة، ثم المعلى وله سبعة. قالوا: والمسبل يسمى: المصفح، والضريب يقال له: الرقيب.\rوقد جمع الصاحب بن عباد هذه الأسماء ونظمها في أبيات فقال:\rإن القداح أمرها عجيب ... الفذ والتوأم والرقيب\rوالحلس ثم النافس المصيب ... والمصفح المشتهر النجيب\rثم المعلى حظه الترغيب ... هاك فقد جاء بها الترتيب\rوأما الأربعة التي ينقل بها القداح فهي: السفيح، والمنيح، والمضعف، والوغد.\rقال ابن قتيبة: والمنيح له موضعان: أحدهما لاحظ له، والثاني له حظ، فكأنه الذي يمنح حظه، وعلى ذلك دل قول عمرو بن قبيصة:\rبأيديهم مقرومةٌ ومغالقٌ ... يعود بأرزاق العيال منيحها\rقالوا: فيؤتى بالقداح كلها وقد عرف لك ما اختار من السبعة ولا يكون الأيسار إلا سبعة، لا يكونون أكثر من ذلك، فإن نقصوا رجلا أو رجلين، فأحب الباقون أن يأخذوا ما فضل من القداح، فيأخذ الرجل القدح والقدحين فيأخذ فوزهما إن فازا، ويغرم عنهما إن خابا ويدعي ذلك: التميم قال النابغة:\rإني أتمم أيساري وأمنحهم ... من الأيادي وأكسوا الجفنة الأدما\rفيعمدوا إلى القداح، فتشد مجموعة في قطعة جلدٍ ثم يعمد إلى الحرضة فيلف على يده اليمنى ثوبا لئلا يجد مس قدحٍ له في صاحبه هوى، فيحابيه في إخراجه، ثم يؤتي بثوب أبيض يدعى. المجول، فيبسط بين يدي الحرضة، ثم يقوم على رأسه رجل يدعي: الرقيب، ويدفع ربابة القداح إلى الحرضة وهو محول الوجه عنها، والربابة: ما يجمع فيها القداح، فيأخذها ويدخل شماله من تحت الثوب، فينكر القداح بشماله، فإذا نهد منها قدح تناوله فدفعه إلى الرقيب. فإن كان مما لاحظ له رد إلى الربابة، فإن خرج بعده المسبل، أخذ الثلاثة الباقية، وغرم الذين خابوا ثلاثة أنصباء من جزور أخرى، وعلى هذه الحال يفعل بمن فاز ومن خاب، فربما نحروا عدة جزور ولا يغرم الذين فازوا من ثمنها شيئا، وإنما الغرم على الذين خابوا ولا يحل للخائبين أن يأكلوا من ذلك اللحم شيئا، فإن فاز قدح الرجل فأرادوا أن يعيدوا قدحه ثانية على خطار فعلوا ذلك به.\rومنها: نكاح المقت: كان الرجل إذا مات قام أكبر ولده فألقى ثوبه على امرأة أبيه فورث نكاحها، فإن لم يكن له فيها حاجة تزوجها بعض إخوته بمهر جديد، فكانوا يرثون نكاح النساء كما يرثون المال، فأنزل الله تعالى \" يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن \" .","part":1,"page":283},{"id":284,"text":"ومنها: رمى البعرة: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها، دخلت حفشاً، والحفش: الخص، ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا، حتى تمر لها سنةٌ ثم تؤتي بدابةٍ: حمارٍ أو شاةٍ أو طيرٍ فتفتض به أي تمسح به، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج على رأس الحول، فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع ما شاءت من طيب أو غيره ومعنى رميها بالبعرة: أنها ترى أن هذا الفعل هين عليها مثل البعرة المرمية، فنسخ الإسلام ذلك بقوله تعالى: \" والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً \" .\rومنها: ذبح العتائر: قالوا: كان الرجل منهم يأخذ الشاة، وتسمى العتير والمعتورة فيذبحها ويصب دمها على رأس الصنم، وذلك يفعلونه في رجب، والعتر قيل: هو مثل الذبح، وقيل: هو الصنم الذي يعتر له. قال الطرماح\rفجر صريعاً مثل عاترة النسك\rأراد بالعاترة: الشاة المعتورة.\rعقد السلع والعشر: وقد تقدم ذكره عند ذكر أسماء نيران العرب.\rذبح الظبي: كان الرجل ينذر أنه إذا بلغت إبله أو غنمه مبلغا فأذبح عنها كذا، فإذا بلغت ضن بها، وعمد إلى الظباء فيصطادها ويذبحها وفاء بالنذر، قال الشاعر\rعنتاً باطلاً وزوراً كما يع ... تر عن حجرة الربيض الظباء\rومنها: \" حبس البلايا: كانوا إذا مات الرجل يشدون ناقته إلى قبره، ويعكسون رأسها إلى ذنبها، ويغطون رأسها بوليةٍ وهي البردعة، فإن أفلتت لم ترد عن ماء ولا مرعًى، ويزعمون أنهم إنما يفعلون ذلك، ليركبها صاحبها في المعاد، ليحشر عليها، فلا يحتاج أن يمشي، قال أبو زبيد:\rكالبلايا رءوسها في الولايا ... مانحات السموم حر الخدود\rومنها: خروج الهامة: زعموا أن الإنسان إذا قتل، ولم يطالب بثأره، خرج من رأسه طائرٌ يسمى: الهامة، وصاح على قبره: اسقوني! اسقوني! إلى أن يطلب بثأره، قال ذو الإصبع\rيا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتى تقول الهامة: اسقوني\rومنها: إغلاق الظهر: كان الرجل منهم إذا بلغت إبله مائة، عمد إلى البعير الذي أمات به، فأغلق ظهره لئلا يركب، ويعلم أن صاحبه حمى ظهره، وإغلاق ظهره أن ينزع سناسن فقرته ويعقر سنامه.\rومنها: التعمية والتفقئة: وكان الرجل إذا بلغت إبله ألفا فقأ عين الفحل يقول: إن ذلك يدفع عنها العين والغارة، قال الشاعر:\rوهبتها وأنت ذو امتنان ... تفقأ فيها أعين البعران\rفإن زادت عن ألف فقأ العين الأخرى، فهو التعمية.\rومنها: بكاء المقتول: كان النساء لا يبكين المقتول إلا أن يدرك بثأره، وإذا أدرك بثأره بكينه، قال الشاعر:\rمن كان مسرورا بمقتل مالكٍ ... فليأت نسوتنا بوجه نهار\rيجد النساء حواسرا يبدبنه ... يلطمن حر الوجه بالأسحار\rومنها: رمى السن في الشمس: يقولون: إن الغلام إذا ثغر، فرمى سنه في عين الشمس بسبابته وإبهامه وقال: أبدليني أحسن منها، أمن على أسنانه العوج، والفلج، والثعل، قال طرفة\rبدلته الشمس من منبته ... بردا أبيض مصقول الأشر\rومنها: خضاب النحر: كانوا إذا أرسلوا الخيل على الصيد فسبق واحدٌ منها، خضبوا صدره بدم الصيد علامة له، قال الشاعر:\rكأن دماء العاديات بنحره ... عصارة حناءٍ بشيبٍ مرجل\rومنها: التصفيق: كانوا إذا ضل الرجل منهم في الفلاة، قلب ثيابه، وحبس ناقته، وصاح في أذنها كأنه يوميء إلى إنسان، وصفق بيديه: الوحا الوحا، النجا النجا، هيكل، الساعة الساعة، إلي إلي، عجل، ثم يحرك الناقة فيهتدي، قال الشاعر:\rوأذن بالتصفيق من ساء ظنه ... فلم يدر من أي اليدين جوابها\rيعني: يسوء ظنه بنفسه إذا ضل.\rومنها: جز النواصي، كانوا إذا أسروا رجلا، ومنوا عليه فأطلقوه، جزوا ناصيته ووضعوها في الكنانة، قال الحطئية:\rقدنا سلول فسلوا من كنانتهم ... مجدا تليدا ونبلا غير أنكاس\rيعني بالنبل: الرجال، وقالت الخنساء\rجززنا نواصي فرسانهم ... وكانوا يظنون أن لا تجزا\rومنها: كي السليم عن الجرب: زعموا أن الإبل إذا أصابها العر فأخذوا الصحيح وكووه زال العر عن السقيم، قال النابغة:\rوكلفتني ذنب امريء وتركته ... كذي العر يكوي غيره وهو راتع","part":1,"page":284},{"id":285,"text":"ويقال: إنهم كانوا يفعلون ذلك، ويقولون: تؤمن معه العدوى.\rومنها: ضرب الثور: وزعموا أن الجن تركب الثيران فتصد البقر عن الشرب، قال الأعشى:\rوإني وما كلفتماني وربكم ... ليعلم من أمسى أعق وأحوبا\rلكالثور والجنى يركب ظهره ... وما ذنبه إن عافت الماء مشربا\rوما ذنبه إن عافت الماء باقر ... وما إن تعاف الماء إلا ليضربا\rوقال آخر:\rكذاك الثور يضرب الهواري ... إذا ما عافت البقر الظماء\rومنها: كعب الأرنب: كانوا يعلقونه على أنفسهم ويقولون: إن من فعل ذلك لم تصبه عين ولا سحر، وذلك أن الجن تهرب من الأرنب، لأنها ليست من مطايا الجن لأنها تحيض، قال الشاعر:\rولا ينفع التعشير إن حم واقع ... ولا زعزعٌ يغني ولا كعب أرنب\rوقيل لزيد بن كثوة: أحقٌ ما يقولون: إن من علق على نفسه كعب أرنب لم يقر به جنان الحي وعمار الدار؟ فقال: أي والله! ولا شيطان الحماطة، الحماطة: شجرة التين، وجان العشرة، وغول العقر، وكل الخوافي، إي والله يطفىء نيران السعالى.\rومنها: حيض السمرة: يزعمون أن الصبي إذا خيف عليه نظرة أو خطفة، فعلق عليه سن ثعلب، أو سن هرة، أو حيض سمرة، أمن، فإن الجنية إذا أرادته لم تقدر عليه، فإذا قال لها صواحباتها في ذلك، قالت:\rكانت عليه نفره ... ثعالبٌ وهرره\rوالحيض حيض السمره\rومنها الطارف والمطروف: يزعمون أن الرجل إذا طرف عين صاحبه، فهاجت فمسح الطارف عين المطروف سبع مراتٍ وقال في كل مرة: بإحدى جاءت من المدينة، باثنتي جاءتا من المدينة، بثلاث جئن من المدينة، إلى سبع، سكن هيجانها.\rومنها: وطء المقاليت: يزعمون أن المرأة المقلات إذا وطئت قتيلا شريفا بقي أولادها، وفي ذلك يقول بشر بن أبي خازم:\rتظل مقاليت النساء يطأنه ... يقلن ألا يلقى على المرء مئزر\rومنها: تعليق الحلي على السليم: كانوا يعلقون الحلي على الملسوع ويقولون إنه إذا علق عليه أفاق، فيلقون عليه الأسورة والرعاث، ويتركونها عليه سبعة أيام ويمنع من النوم، قال النابغة:\rيسهد في وقت العشاء سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع\rومنها: ذهاب الخدر: يزعمون أن الرجل إذا خدرت رجله فذكر أحب الناس إليه ذهب عنه، قال كثير:\rإذا خدرت رجلي دعوتك أشتفي ... بذكراك من مذل بها فيهون\rوقالت امرأة من كلاب:\rإذا خدرت رجلي ذكرت ابن مصعب ... فإن قلت: عبد الله أجلي فتورها\rوقيل ذلك لابن عمر وقد خدرت رجله فقال: يا محمداه.\rومنها: الحلأ: زعموا أنه إذا ظهرت بشفة الغلام بثور، يأخذ منخلا على رأسه ويمر بين بيوت الحي، وينادي: الحلأ الحلأ، فيلقي في منخله من ها هنا ثمرة، ومن ها هنا كسرة، ومن ثم بضعة لحم، فإذا امتلأ، نثره بين الكلاب، فيذهب عنه البثر، وذلك البثر يسمى: الحلأ.\rومنها: التعشير: يزعمون أن الرجل إذا أراد دخول قرية، فخاف وباءها، فوقف على بابها قبل أن يدخلها فعشر كما ينهق الحمار، ثم دخلها لم يصبه وباؤها، قال عروة ابن الورد:\rلعمري لئن عشرت من خشية الردى ... نهاق الحمير إنني لجزوع\rومنها: عقد الرتم: كان الرجل منهم إذا أراد سفرا، عمد إلى رتم فعقده، والرتم: نبت، فإن رجع ورآه معقودا، زعم أن امرأته لم تخنه، وإن رأه محلولا زعم أنها قد خانته، قال الشاعر:\rهل ينفعنك اليوم إن همت بهم ... كثرة ما توصي وتعقاد الرتم\rوقال آخر:\rخانته لما رأت شيبا بمفرقه ... وغره حلفها والعقد للرتم\rومنها: دائرة المهقوع: وهو الفرس الذي به الدائرة التي تسمى: الهقعة، يزعمون أنه إذا عرق تحت صاحبه، اغتلمت حليلته وطلبت الرجال، قال الشاعر\rإذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت ... حليلته وازداد حراً عجانها\rومنها: شق الرداء والبرقع: زعموا أن المرأة إذا أحبت رجلا أو أحبها ثم لم تشق عليه رداءه، ويشق عليها برقعها، فسد حبهما، فإذا فعل ذلك دام حبهما، قال الشاعر:\rإذا شق بردٌ شق بالبرد برقعٌ ... دواليك حتى كلنا غير لابس\rفكم قد شققنا من رداءٍ محبرٍ ... ومن برقع عن طفلة غير عانس","part":1,"page":285},{"id":286,"text":"ومنها: نوء السماك: كانوا يكرهونه ويقولون فيه داء الإبل، قال الشاعر:\rليت السماك ونوءه لم يخلقا ... ومشى الأفيرق في البلاد سلما\rومنها: النسيئ: وقد تقدم خبره في الفن الأول من الكتاب.\rومنها: وأد البنات: وقد نهاهم الله عز وجل عنه في قوله: \" ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍ نحن نرزقهم وإياكم \" . وكانوا يقتلوهن خشية الإملاق أو من الإملاق، وقد قيل: إنهم كانوا يقتلوهن خوف العار أو أن يسبين، فمن قتلهم خشية الإملاق ما روي عن صعصعة بن ناجية المجاشعي جد الفرزدق: أنه لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني كنت أعمل عملا في الجاهلية، أفينفعني ذلك اليوم؟ قال: وما عملك؟ قال: أضللت ناقتين عشراوين، فركبت جملا ومضيت في بغائهما فرفع لي بيت جريد، فقصدته فإذا رجل جالس بفنائه، فسألته عن الناقتين، فقال: ما نارهما؟ قلت: ميسم بني دارم، قال: هما عندي، وقد أحيا الله تعالى بهما قوما من أهلك من مضر، وإذا عجوز قد خرجت من كسر البيت، فقال لها: ما وضعت؟ فإن كان سقبا شاركنا في أموالنا، وإن كانت حائلا وأدناها، معنى قوله سقبا أي ذكرا، وحائلا أي أنثى فقالت العجوز: وضعت أنثى، فقلت: أتبيعها؟ قال: وهل تبيع العرب أولادها؟ قال قلت: احتكم، قال بالناقتين والجمل، قلت: لك ذلك، على أن تبلغني الحمل وإياها ففعل، فآمنت بك يا رسول الله، وقد صارت لي سنةٌ على أن أشتري كل موءودة بناقتين عشراوين وجمل، فعندي إلى هذه الغاية ثمانون ومائتا موءودة قد أنقذتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينفعك ذلك، لأنك لم تبتغ به وجه الله تعالى، وإن تعمل في إسلامك عملا صالحا تئب عليه، ففي ذلك يقول الفرزدق مفتخرا\rوجدي الذي منع الوائدين ... وأحيي الوئيد فلم توءد\rوممن قتلهم خشية العار: قيس بن عاصم المنقري وكان من وجوه قومه ومن ذوي الأموال فيهم وكان يئد بناته وسبب ذلك، أن النعمان بن المنذر لما منعته بنو تميم الإناوة التي كانت تؤديها له جهز إليهم أخاه الريان بن المنذر، ومعه بكر بن وائل فغزاهم، فاستاق النعم وسبى الذراري، فوفدت إليه بنو تميم فلما رآها أحب البقاء عليها، فقال النعمان:\rما كان ضر تميما لو تعمدها ... من فضلنا ما عليه قيس غيلان\rفأناب القوم وسألوه النساء، فقال النعمان: كل امرأة اختارت أباها ردت إليه وإن اختارت صاحبها تركت عليه، فكلهن اخترن أباهن إلا ابنة لقيس بن عاصم اختارت صاحبها عمرو بن المشمرج، فنذر قيس لا يولد له ابنة إلا قتلها، فاعتل بهذا من وأد وزعم أنه حمية.\rالباب الثالث\rأخبار الكهنة","part":1,"page":286},{"id":287,"text":"ويتصل به الزجر والفأل والطيرة والفراسة والذكاء، كانت الكهنة العرب لهم أتباع من الشياطين يسترقون السمع ويأتونهم بالأخبار، فيلقونها لمن يتبعهم، ويسألهم عن خفيات الأمور حتى جاء الإسلام، فمنعت الشياطين من استراق السمع، كما أخبر الله تعالى عنهم في كتابه العزيز \" وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً \" فعند ذلك انقطعت الكهانة فلم يسمع في الإسلام بكاهن، وهذا من معجزات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوال الإشكال في الوحي، فمن أخبار الكهنة، خبر سطيح الكاهن حين ورد عليه ابن أخته عبد المسيح وهو يعالج الموت، فأخبره خبر ما جاء لأجله، وذلك أنه لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى، وسقط منه أربع عشرة شرفةً، وخمدت نار فارس، ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام، وغارت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلاد فارس، فلما أصبح كسرى تصبر تشجعا ثم رأى أن لا يكتم ذلك عن وزرائه ومرزبته، فلبس تاجه، وقعد على سريره، وجمعهم وأخبرهم الخبر فبيناهم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النار فازداد غماً وسأل الموبذان وكان أعلمهم فقال: حادثٌ يكون من قبل العرب، فكتب كسرى إلى النعمان ابن المنذر: أن وجه إلي رجلاً عالما بما أريد أن أسأله عنه فوجه إليه عبد المسيح بن حسان بن نفيلة الغساني فقال له كسرى: أعندك علم بما أريد أن أسألك عنه؟ قال: ليخبرني الملك فإن كان عندي منه علم، وإلا اخبرته بمن يعلمه، فأخبره بما رآه فقال: علم ذلك عند خالٍ لي يسكن مشارق الشام يقال له: سطيح، فأرسله كسرى إليه فورد على سطيح وقد أشفى على الموت فسلم عليه وحياه فلم يحر سطيحٌ جوابا فأنشد يقول:\rأصم أم يسمع غطريف اليمن ... أم فاز فازلم به شأو العنن\rيا فاصل الخطة أعيت من ومن ... وكاشف الكربة عن وجه الغضن\rأتاك شيخ الحي من آل سنن ... وأمه من آل ذئب بن حجن\rأزرق ممهى الناب صرار الأذن ... أبيض فضفاض الرداء والبدن\rرسول قيل العجم يسري بالوسن ... لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن\rيجوب في الأرض على ذات شجن ... ترفعني وجناً وتهوي بي وجن\rحتى أتى عاري الجآجي والقطن ... تلفه في الريح بوغاء الدمن\rكأنما حثحث من حضني ثكن\rففتح سطيح عينيه ثم قال: عبد المسيح، على جملٍ مشيح، أتى إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلاد فارس، يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوه، وبعث صاحب الهراوه، وفاض وادي السماوه، وغاصت بحيرة ساوه، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، ولا بابل للفرس مقاما، يملك فيهم ملوك وملكات، بعدد الشرفات، وكل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح لوقته، فثار عبد المسيح إلى رحله وهو يقول:\rشمر فإنك ماضي العزم شمير ... لا يفزعنك تفريقٌ وتغيير\rإن كان ملك بني ساسان أفرطهم ... فإن ذا الدهر أطوارٌ دهارير\rفربما ربما أضحوا بمنزلة ... تهاب صولهم الأسد المهاصير\rمنهم أخو الصرح بهرام وإخوته ... والهرمزان وسابورٌ وشابور\rوالناس أولاد علاتٍ فمن علموا ... أن قد أقل فمحقورٌ ومهجور\rوهم بنو الأم أما إن رأوا نشبا ... فذاك بالغيب محفوظ ومنصور\rوالخير والشر مقرونان في قرنٍ ... فالخير متبع والشر محذور\rفلما قص الخبر على كسرى قال: إلى أن يملك منا أربعة عشر تكون أمورٌ، فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى زمن عثمان رضي الله عنه.\rومن أخبارهم: أن سعدى بنت كريز بن ربيعة كانت قد تطرقت وتكهنت وهي خالة عثمان بن عفان رضي الله عنه، روي عنه أنه قال: لما زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته رقية من عتبة بن أبي لهب وكانت ذات جمال رائع، دخلتني الحسرة أو كالحسرة أن لا أكون سبقت إليها ثم لم ألبث أن انصرفت إلى منزلي فألفيت خالتي فلما رأتني قالت:","part":1,"page":287},{"id":288,"text":"أبشر وحييت ثلاثا تترى ... ثم ثلاثا وثلاثا أخرى\rثم بأخرى كي تتم عشرا ... أتاك خير ووقيت شرا\rنكحت والله حصانا زهرا ... وأنت بكرٌ ولقيت بكرا\rوافيتها بنت نفيس قدرا ... بنت نبي قد أشاد ذكرا\rقال عثمان: فعجبت من قولها، وقلت: ماذا تقولين فقالت:\rعثمان يا ابن أخت يا عثمان ... لك الجمال ولك البيان\rهذا نبي معه البرهان ... أرسله بحقه الديان\rوجاءه التنزيل والفرقان ... فاتبعه لا تحتالك الأوثان\rفقلت: يا خالة! إنك لتذكرين ما قد وقع ذكره في بلدتنا فأثبتيه لي، فقالت: إن محمد بن عبد الله رسولٌ من عند الله، جاء بتنزيل الله، يدعو إلى الله، مصباحه مصباح، وقوله صلاح، ودينه فلاح، وأمره نجاح، وقرنه نطاح، ذلت له البطاح، ما ينفع الصياح، لو وقع الذباح، وسلت الصفاح، ومدت الرماح، قال: ثم قامت فانصرفت ووقع كلامها في قلبي، وجعلت أفكر فيه، وذكر بعد ذلك إسلامه وتزويجه رقية، فكان يقال: أنهما أحسن زوجين اتفاقا وجمالا.\rومنها أن هندا بنت عتبة بن ربيعة كانت عند الفاكه بن المغيرة، وكان من فتيان قريش، وكان له بيت الضيافة، خارجا من البيوت، تغشاه الناس من غير إذن، فجلا البيت ذات يوم واضطجع هو وهند فيه، ثم نهض لبعض حاجته، وأقبل رجل ممن كان يغشى البيت فولجه، فلما رآها ولى هاربا وأبصره الفاكه فأقبل إليها فضربها برجله وقال لها: من هذا الذي خرج من عندك؟ قالت: ما رأيت أحدا، ولا انتبهت حتى أنبهتني! فقال لها: ارجعي إلى أبيك، وتكلم الناس فيها، فقال لها أبوها: يا بنية! إن الناس قد أكثروا فيك، فأنبئيني نبأك، فإن يكن الرجل عليك صادقا دسست عليه من يقتله، فتنقطع عنك المقالة، وإن يك كاذبا حاكمته إلى بعض الكهان، فقالت: لا والله! ما هو علي بصادق، فقال له: يا فاكه! إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم، فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم، وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف، ومعهم هند ونسوةٌ، فلما شارفوا البلاد، وقالوا: غدا نرد على الرجل، تنكرت حال هند، فقال لها عتبة: إني أرى ما بك من تنكر الحال، وما ذاك إلا لمكروه عندك، فهلا كان هذا قبل أن يشتهر عند الناس مسيرنا؟ فقالت: لا والله! ولكني أعرف أنكم تأتون بشراً يخطيء ويصيب ولا آمنه أن يسمني ميسما يكون على سبةً فقال: إني سوف أختبره لك، فصفر لفرسه حتى أدلى ثم أدخل في إحليله حبة حنطة وأوكأ عليها بسير، فلما أصبحوا قدموا على الرجل فأكرمهم ونحر لهم، فلما تغدوا قال له عتبة: قد جئناك في أمر وقد خبأنا لك خبيئا أختبرك به، فانظر ما هو؟ فقال ثمره: في كمره. قال إني أريد أبين من هذا، قال: حبة بر، في إحليل مهر، قال: انظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يدنو من إحداهن فيضرب بيده على كتفها ويقول لها، انهضي، حتى دنا من هند فقال لها: انهضي غير رسحاء ولا زانية، ولتلدن ملكا اسمه معاوية، فنهض إليها الفاكه فأخذ بيدها فجذبت يدها من يده وقالت: إليك عني فوالله لأحرصن أن يكون من غيرك، فتزوجها أبو سفيان.","part":1,"page":288},{"id":289,"text":"ومنها أن أمية بن عبد شمس دعا هاشم بن عبد مناف إلى المنافرة، فقال هاشم: إن أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق، ننحرها بمكة أو الجلاء عن مكة عشر سنين، فرضي أمية وجعلا بينهما الخزاعي الكاهن وخرجا إليه ومعهما جماعة من قومهما فقالوا: نخبأ له خبيئاً فإن أصابه تحاكمنا إليه، وإن لم يصبه تحاكمنا إلى غيره، فوجدا أبا همهمة وكان معهم أطباق جمجمة، فأمسكها معه ثم أتوا الكاهن فأناخوا ببابه وكان منزله بعسفان: فقالوا: إنا قد خبأنا لك خبيئا فأنبئنا عنه. قال: أحلف بالضوء والظلمه، وما بتهامة من تهمه، وما بنجدٍ من أكمه، لقد خبأتم لي أطباق جمجمه، مع الفلندح أبي همهمه، فقالوا: صدقت احكم بين هاشم بن عبد مناف وبين أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أيهما أشرف بيتاً ونفساً، قال: والقمر الباهر. والكوكب الزاهر. والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلمٍ مسافر، من منجد وغائر، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، أولا منه وآخر، فأخذ هاشم لإبل ونحرها وأطعمها من حضر وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين، فيقال: إنها أول عداوة وقعت بين بني هاشم وبين بني أمية.\rومنها: أن بني كلاب وبني رباب من بني نضر خاصموا عبد المطلب في مال قريبٍ من الطائف فقال عبد المطلب: المال مالي فسلوني أعطكم، قالوا: لا، قال: فاختاروا حاكماً قالوا: ربيعة بن حذار الأسدي فتراصوا به وعقلوا مائة ناقة في الوادي وقالوا: الإبل والمال لمن حكم له، وخرجوا وخرج مع عبد المطل حرب بن أمية فلما نزلوا بربيعة بعث إليهم بجزائر فنحرها عبد المطلب، وأمر فصنع جزرا وأطعم من أناه، ونحر الكلابيون والنضريون ووشقوا فقيل لربيعة فقال: إن عبد المطلب امرؤ من ولد خزيمة فمتى يملق يصله بنو عمه وأرسل إليهم أن اخبأوا لي خبيئاً فقال عبد المطلب: قد خبأت كلبا اسمه سوار في عنقه قلادة، في خرزة مزادة، وضممتها بعين جرادة، فقال الآخرون: قد رضينا ما خبأت وأرسلوا إلى ربيعة فقال: خبأ ثم خبيئا حياً قالوا: زد، قال: ذو برثن أغبر، وبطن أحمر، وظهر أنمر، قالوا: قربت، قال: سما فسطع، ثم هبط فلطع، فترك الأرض بلقع، قالوا: قربت فطبق قال: عين جرادة، في خرزة مزادة، في عنق سوار ذي القلادة، قالوا: زه زه أصبت فاحكم لأشدنا طعانا، وأوسعنا مكانا، قال عبد المطلب: احكم لأولانا بالخيرات، وأبعدنا عن السوآت وأكرمنا أمهات، فقال ربيعة: والغسق والشفق، والخلق المتفق، ما لبني كلاب وبني رباب من حق، فانصرف يا عبد المطلب على الصواب، ولك فصل الخطاب، فوهب عبد المطلب المال لحرب بن أمية.\rوأخبار الكهنة كثيرةٌ نذكر منها إن شاء الله تعالى في السيرة النبوية جملة تقف عليها في المبشرات برسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في السفر الرابع عشر من كتاب الأصل.\rزجر الطير قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في زجر الطير: إن العلماء بهذا الفن قالوا: إذا خرجت من منزلك تطلب حاجةً، أو تخطب امرأةً، فنعب غرابٌ عن يمينك وعن يسارك أو سنح أو برح فامض فإنك مدرك حاجتك إن شاء الله تعالى فإن نعب أمامك أو فوقك فارجع ففيها تأخير.\rوإن خرجت تريد خصومةً فنعب فوق رأسك فامض فإنك مدركٌ حاجتك إن شاء الله تعالى.\rفإن خرجت تطلب دابةً فنعب عن يمينك أو يسارك على حائط مرتفع، فامض لحاجتك، فإن نعب أمامك فارجع.\rوإن خرجت تطلب مالاً ضل عنك أو سرق، فنعب غرابٌ على شجرة يابسة فلا تطلبه فقد استهلك وقد يأتيك بعضه، فإن نعب على جدار جديد أو شجرة خضراء فإنك تصيب مالك إن شاء الله تعالى.\rفإن خرجت تريد الضال فنعب من ورائك، فارجع فليس لك في ذلك خيرة، وإن نعب عن يسارك فإني خاف على نفسك إلا أن شاء الله تعالى.\rفإن خرجت تريد الصيد فنعب من فوقك فارجع فإن نعب أمامك فامض فإنك تدرك خيرا.\rوإن خرجت تطلب سلطاناً في طلب مال أو حاجة فنعب عن يمينك ثم طار ثم نعب أدركت منه طلبتك إن شاء الله تعالى.\rوإن خرجت تريد شراء شيء فنعب عن يمينك فإنه صالح، وإن نعب عن يسارك فلا خير فيه.\rوإن خرجت من منزلك فرأيت غراباً يمسح منقاره على الأرض فإنك تصيب أو تأتيك هدية من مكان بعيد.\rوإن خرجت تطلب حاجةً فنعب عن يمينك ثم قطع الطريق إلى يسارك فنعب فإنك تدرك حاجتك عجلا إن شاء الله تعالى! فإن نعب فوق رأسك فارجع فإني أخاف عليك بعض أعدائك.","part":1,"page":289},{"id":290,"text":"وإن خرجت تريد سلطانا فنعب غراب وهو مستقبل الشرق فامكث يومك ذلك فإني أخاف عليك.\rفإن خرجت فرأيت غرابا ينفض ريشه، فإنه يأتيك خي عاجل.\rوإن خرجت تريد أرضاً بعيدة فرأيت غرابا ينتفض فامض لحاجتك، فإنك تدرك أملك إن شاء الله تعالى.\rوإن خرجت تريد السلطان فوقع غرابٌ على شيء فنعب ثلاث مرات فامض لحاجتك، فهو خيرٌ عاجل وتيسرٌ للحوائج إن شاء الله تعالى.\rوإن خرجت فرأيت غراباً ناشراً جناحيه يريد الطيران فامض، فإن نعب فارجع يومك.\rوإن خرجت تريد خصومةً فنعب من فوقك فامض، وإن نعب فأجابه الآخر فهو جيد صالح.\rوإن خرجت تريد خصومةً فنعب من فوقك أو شخ فامض، فإنك تلقى في يومك ذلك ما تريد إن شاء الله تعالى.\rوإن خرج جماعةٌ وفيهم رجل شريف فشخ غرابٌ على رأس الشريف، ثم أتوا ملكاً فإنهم يصيبون خيرا إن شاء الله تعالى.\rوإن خرج يطلب حاجةً إلى سلطان فواجهه غراب فليمكث يومه ذلك ولا يمض في تلك الحاجة، وإن نعب عن يمينه فقطع الطريق ثم وقع فهو يدرك حاجته.\rوإن خرج يريد السلطان أو بعث إليه وهو لا يدري فرأى غراباً يطير قليلا، ثم يقع فيلقط من الأرض شيئا فليمض فإنه يصيب سلطاناً ويلي قوما، وإن رأى غراباً يبحث في الأرض فإن بعض أهله يموت سريعا، وإن رآه ينقر في الأرض فذلك ملك.\rوإن خرج فرأى غراباً يطير ثم وقع ثلاث مرات وهو ساكت لا ينعب، فذلك غم يصيبه إلا أن يدفع الله عز وجل عنه.\rوإن خرج فرآه ينتفض ثم ينعب ثم يطير فذلك سلطان يناله ويتزوج، والعلم عند الله.\rوإن خرج فرآى غرابا يطير ثم يقع فذاك خير وسرور يأتيه.\rوإن خرج فرأى غراباً يطير نحو عين الشمس فذاك هم يصيبه شديد.\rوإن خرج فلقي بقرا فليرجع فإن لقي من البغال شيئاً لم يركب فليرجع والمركوبة صالحة لا بأس بها.\rوإن خرج يغود مريضا فنهق حمار عن يمينه أو عن يساره فالمريض صالح، وإن نهق خلفه فقد اشتد بالمريض مرضه وأنا خائف عليه.\rوإن خرج يريد حاجةً فاستقبله غلامٌ يبكي وهو متلطخ بعذرة وهو ذاهب والغلام راجع فليمض فإن حاجته تقضي، وإن استقبله غلام يعدو ويتلهف فإن حاجته تعسر وتطول.\rوإن خرج في حاجته فرأى ورشاناً يطير، يرتفع ويهبط فليمض فإن ذلك أنجح لحاجته، وإن رآه يطير مستعليا فليرجع، وإن رأى حمامة مسرولة تطير من فوق رأسه وتدور فإن حاجته مقضية بعد بطء ومطل، وإن رأى حمامة هابطةً واقعةً تقع وتطير فإن ذلك خير صالح وسرور إن شاء الله تعالى.\rوإن خرج من منزله فاستقبلته جنازةٌ وجماعةٌ فليرجع يومه ذلك ولا يعود لحاجته فإنها غير مقضية، فإن كانت الجنازة قد جاوزته مدبرة فليذهب لحاجته، فإن ذلك صالح، وإن رأى نسوةً إلى المقابر وهن مقبلات نحوه فليقعد حتى يمضين عنه فإنه أنجح لحاجته وإن رآهن مدبرات فليمض في حاجته فإنها مقضية.\rوإن خرج من داره قرأى في أرضها نملاً كثيرا وفي حائطها فليمض لحاجته فذلك خير وسرور يناله. فإن رأى ذبابا كثيرا مجتمعا على حائط وهو يسمع لهن دبيبا فذاك مرض يصيبه في بدنه أو يصيب بعض أهله. ومن رأى ذراً كثيرا وقرداناً فذلك فرح ورزق عاجل يناله إن شاء الله تعالى. ومن رأى دجاجتين تقتتلان بنقر بعضهما فذاكيدل على أنه يقع بينه وبين امرأته كلامٌ وغضب.\rوإن خرج من منزله فرأى ورشانين يقتتلان في جو السماء رافعين وهابطين فيأتيه ما يسر به. وإن رأى كلبة والكلاب تطوف حولها ويتبع بعضها بعض فإن ذلك عليه دين قضاء الله عنه وإن كانت له حاجة مهمة قضيت في وجهه ذلك وإن أراد شيئاً يسره الله له وإن أراد سفرا تهيأ له ورجع سالما.\rوإن خرج فرأى على رجل قربة ثم انشقت فليرجع إلى منزله ويتعوذ بالله من شر ذلك اليوم فإنه مكروه جداً.\rوإن خرج فرأى رجلاً وهو يريد أن يملأ قربةً فليمض في حاجته فإنه فرح وسرور وخير يناله عاجلا إن شاء الله تعالى.\rوإن خرج فرأى حمارا أو بغلا عليه راوية مملوءة فشأنه غير صالح وهو مكروه، وإن كان صاحب الراوية يريد أن يملأها فليمض فحاجته مقضية إن شاء الله تعالى.","part":1,"page":290},{"id":291,"text":"وإن خرج من منزله فرأى جملا عليه حطب أو بعض منافع الناس فهو من علامات النجاح في الخصومة والظفر العاجل إن شاء الله تعالى، فإن رآه غير محمول عليه وعليه صاحبه فإن ذلك خير يأتيه وينعي إليه بعض أهله من مكان بعيد. قال: وأرجو أن يدفع الله، فإن رآه مناخا يرغو فإن ذلك خير يأتيه ويخبر عن شيء مما يحب من تزويج أو غنيمة وهو صالح.\rوإن خرج فرأى بعيرا قد شرد ورأى من يطلبه فإن ذلك نجاة من عدوه وفرح قريب إن شاء الله تعالى.\rوإن خرج فرأى بعيرا قد شرد فاجتمع عليه الناس فإن ذلك يدل على ظفره بعدوه وانتقامه منه فليحمد الله على ما رأى ويشكره.\rومن خرج من منزله فرأى قرداً يتقلب والناس حوله فليمض لحاجته فإنها مقضية.\rوإن خرج فرأى القرد يلعب والناس مجتمعون عليه وقد صار لعبه إلى أن يتقلب ظهرا لبطن في الأرض فليرجع من وجهه ذلك فليس بموفق وهو مكروه.\rوإن خرج من منزله فرأى غلمانا يلعبون بالأكرة ويتسابقون فليمض في وجهه ذلك فإنه يصيب رفعةً وشرفاً وتمكنا من السلطان ويصيب مالاً عظيما.\rوإن خرج فرآهم يلعبون بالصوالجة فهو رفعة ويدل على مال رديء حرام يصيبه من سلطان ويركب أمراً عظيما من عمله فليتق الله.\rوإن رأى جواري يلعبن بالطرق كأنهن يزففن عروسا فهو خير وسرور ودخول في أمرٍ شريف وإنه يربح ربحا عظيما وهو خير الزجر.\rوإن خرج فرأى عصفورين يلقطان الحب فهو صالح، وإن رآهما يتافسدان فهو خير يناله في يومه، وإن رآهما مدبرين فليمض لحاجته فإنها مقضية إن شاء الله تعالى.\rوإن خرج فتعلق بثوبه شيء فليرجع، فإني أكره له أن يذهب في حاجته تلك.\rوإن خرج فرأى حدأىً تسفد حدأةً وهي تصيح فهو نجاح فليمض لحاجته.\rوإن خرج فعثر فلا يذهبن في تلك الحاجة وليؤخرها.\rومن الزجر ما مخرجه مخرج الكهانة.\rفمن ذلك ما حكي أن أمية بن أبي الصلت الثقفي بينا هو يشرب مع إخوان له في قصر عيلان بالطائف إذ سقط غرابٌ على شرفة القصر فنعب نعبة فقال أمية: بفيك الكثكث أي التراب فقال له أصحابه: ما يقول؟ قال يقول: إنك إذا شربت الكأس التي بيدك مت، ثم نعب نعبة أخرى، فقال أمية كمقالته الأولى فقال أصحابه: ما يقول؟ قال: يزعم أنه يقع على هذه المزبلة في أسفل القصر فيستثير عظما فيبتلعه به فيموت، فوقع الغراب على المزبلة فأثار العظم وابتلعه فشجى فمات، فأنكر أمية ووضع الكأس من يده وتغير لونه فقال أصحابه: ما أكثر ما سمعنا مثل هذا وكان باطلا وألحوا عليه حتى شرب الكأس فمال فأغمى عليه ثم أفاق فقال: لا بريء فأعتذر، ولا قويٌّ فأنتصر، ثم خرجت نفسه.\rوزعموا أن رجلا من كعب خرج في جماعة ومعه سقاء من لبن فسار صدر يومه فعطش فأناخ ليشرب فإذا غراب ينعب فأثار راحلته، ثم سار فلما أظهر أناخ ليشرب، فنعب الغراب وتمرغ في التراب فضرب الرجل السقاء بسيفه فإذا فيه أسود ضخمٌ فقتله، ثم سار فإذا غراب واقع على سدرة فصاح به فوقع على سلمة فصاح به فوقع على صخرة فانتهى إليها فأثار كنزا، فلما رجع إلى أبيه قال له: إيه ما صنعت؟ قال: سرت صدر يومي، ثم أنخت لأشرب فنعب الغراب، قال أثرها وإلا فلست بابني! قال: أثرتها، ثم أنخت لأشرب فنعب الغراب وتمرغ في التراب قال: اضرب السقاء وإلا لست بابني! قال: فعلت، فإذا أسود ضخم قال: ثم مه! قال: ثم رأيت غرابا على سدرة قال: أطره وإلا فلست بابني! قال: فعلت فوقع على سلمة قال: أطره وإلا فلست بابني! قال: فعلت فوقع على صخرة قال: أحد يا بني! فأحداه.\rومن الزجر: ما يروى أن كسرى أبرويز بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث زاجرا ومصورا وقال للزاجر: انظر ما ترى في طريقك وعنده، وقال للمصور: إئتني بصورته، فلما عاد إليه أعطاه المصور صورته صلى الله عليه وسلم فوضعها كسرى على وسادته، وقال للزاجر: ما رأيت؟ فقال: لم أر ما أزجره حتى الآن وأرى أمره يعلو عليك لأنك وضعت صورته على وسادتك.","part":1,"page":291},{"id":292,"text":"وقيل: إن كثيراً تعشق امرأة من خزاعة يقال لها: أم الحويرث، فشبب بها فكرهت أن يفضحها كما فضح عزة فقالت له: إنك رجل فقير لا مال لك فابتغ مالاً، ثم تعالى فاخطبني كما يخطب الكرام قال: فاحلفي لي ووثقي أنك لا تتزوجين حتى أقدم عليك فحلفت ووثقت له فمدح عبد الرحمن بن الأزدي وخرج إليه، فلقي ظباءً سوانح، ولقي غراباً يفحص التراب بوجهه فتطير من ذلك حتى قدم على حي من لهب فقال: أيكم يزجر؟ قالوا: فمن تريد؟ قال: أعلمكم بذلك! قالوا: ذلك الشيخ المنحني الصلب، فأتاه فقص عليه القصة فكره ذلك له وقال: قد ماتت أو تزوجت رجلا من بني عمها فقال كثير\rتيممت لهبا أبتغي العلم عندهم ... وقد رد علم العائفين إلى لهب\rفيممت شيخا منهم ذا نحالة ... بصيراً بزجر الطير منحني الصلب\rفقلت له: ماذا ترى في سوانح ... وصوت غراب يفحص الأرض بالترب\rفقال: جرى الطير السنيح ببينها ... ونادى غرابٌ بالفراق وبالسلب\rفإن لا تكن ماتت فقد حال دونها ... سؤال خليل باطنٍ من بني كعب\rقال: ثم مدح الرجل الأزدي فأصاب منه خيراً، ثم قدم عليها فوجدها قد تزوجت رجلاً من بني عمها فأخذه الهلاس فكشح جنباه بالنار، فلما اندمل من علته ووضع يده على ظهره فإذا هو برقمتين فقال: ما هذا؟ قالوا: أخذك الهلاس وزعم الأطباء أنه لا علاج لك إلا بالكشح بالنار فكشحت بها فأنشأ يقول:\rعفى الله عن أم الحويرث ذنبها ... علام تعنيني وتكمي دوائيا\rولو آذنوني قبل أن يرقموا بها ... لقلت لهم أم الحويرث دائيا\rوحكى أن صاحب الروم بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم رسولا وقال له: انظر أين تراه جالسا، ومن إلى جانبه، وانظر ما بين كنفيه حتى الخاتم والشامة، فقدم ورسول الله صلى الله عليه وسلم على نشزٍ واضعا قدميه في الماء، وعن يمينه علي عليه السلام، فلما رآه صلى الله عليه وسلم قال: \" تحول فانظر ما أمرت به \" فنظر ثم رجع إلى صاحبه فأخبره الخبر فقال: ليعلون أمره وليملكن ما تحت قدمي وقال: بالنشز العلو وبالماء الحياة.\rومن الزجر: ما روي عن أبي ذؤيب الهذلي قال: إنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليل فأوجس أهل الحي خيفةً عليه فبت بليلة ثابتة النجوم طويلة الأناة لا ينجاب ديجورها ولا يطلع نورها حتى إذا قرب السحر غفوت فهتف لي هاتف يقول:\rخطب أجل أناخ بالإسلام ... بين النخيل ومعقد الآطام\rقبض النبي محمد فعيوننا ... تذري الدموع عليه بالتسجام","part":1,"page":292},{"id":293,"text":"قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومي فزعاً فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذابح فتفاءلت به ذبحا يقع في العرب، وعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات أو هو ميتٌ من علته، فركبت ناقتي وسرت حتى أصبحت فطلبت شيئا أزجره، فعن لي شيهمٌ قد أرم على صل وهو يتلوى عليه والشهيم يقضمه حتى أكله فزجرت ذلك شيئا مهما فقلت: تلوي السل: انفتال الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أولت أكل الشيهم إياه: غلبة القائم على الأمر فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالعلية زجرت الطير فأخبرني بوفاته. ونعب غراب سانحا بمثل ذلك فتعوذت من شر ما عن لي في طريقي، ثم قدمت المدينة ولأهلها ضجيج كضجيج الحجيج أهلوا جميعا بالإحرام فقلت: مه! قالوا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت المسجد فأصبته خالياً فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبت بابه مرتجا وقد خلا به أهله فقلت: أين الناس؟ فقيل: في سقيفة بني ساعدة صاروا إلى الأنصار فجئت السقيفة فوجدت أبا بكر، وعمر رضي الله عنهما، وأبا عبيدة، وسالماً، وجماعةً من قريش ورأيت الأنصار فيهم سعد بن عبادة ومعهم شعراؤهم وأمامهم حسان بن ثابت، وكعب في ملإ منهم فأويت إلى الأنصار فتكلموا فأكثروا وتكلم أبو بكر فلله من رجل لا يطيل الكلام ويعلم مواضع الفصل، والله لتكلم بكلام لم يسمعه سامعٌ إلا انقاد له ومال إليه، وتكلم بعده عمر رضي الله عنه بكلام دون كلامه، ومد يده فبايعه، ورجع أبو بكر رضي الله عنه ورجعت معه، فشهدت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهدت دفنه قال: ولقد بايع الناس من أبي بكر رجلا حل قداماها ولم يركب ذنابابها وانصرف أبو ذؤيب إلى باديته وثبت على إسلامه.\rومنه: ما روي عن مصعب بن عبد الله الزبيري أنه حدث عن رجل قال: شردت لنا إبلٌ فأتيت حليسا الأسدي فسألته عنها فقال لبنت له: خطى، فخطت ونظرت ثم انقبضت وقامت منصرفةً فنظر حليس في خطها فضحك وقال: أتدري لم قامت؟ قلت: لا، قال: رأت أنك تجد إبلك تتزوجها فاستحيت فقامت، فخرجت فأصبت إبلي ثم تزوجتها بعد.\rالفأل والطيرة حكي أنه لما ولد لسعيد بن العاص عنبسة قال سعيد لابنه يحيى: أي شيء تجله؟ قال: دجاجة بفراريجها، وإنما أراد احتقاره بذلك لأن أمه كانت أمةً فقال سعيد: إن صدق الطير ليكونن أكثر كم ولداً فكان كذلك.\rلما طلب عامر بن إسماعيل مروان بن محمد اعترضه بالفيوم قوم من العرب فسأل رجلاً: ما اسمك؟ فقال منصور بن سعد: وأنا من سعد العشيرة، فتبسم تفاؤلاً به وتيمناً واستصحبه فظفر بمروان تلك الليلة.\rومن الطيرة: ما حكى عن بعضهم قال: حضرت الموقف مع عمرو بن الخطاب رضي اله عنه فصاح به رجلٌ من خلفه: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أمير المؤمنين، فقال رجل من خلفه: دعاه باسم ميت! مات والله أمير المؤمنين، ولا يقف هذا الموقف أبدا! فالتفت إليه فإذا هو اللهبي، فقتل عمر قبل الحول.\rوحكي أن عمر رضي الله عنه خرج إلى حرة واقم فلقي رجلا من جهينة فقال له: ما اسمك؟ قال: شهاب، قال: ابن من؟ قال: ابن جمرة! قال:وممن أنت؟ قال: من الحرقة! قال: ثم ممن؟ قال: من بني ضرام! قال: وأين منزلك؟ قال: بحرة ليلى! قال: وأين تريد؟ قال: لظى وهو موضع! فقال عمر: أدرك أهلك، فما أراك تدركهم إلا وقد احترقوا، قال: فأدركهم، وقد أحاطت بهم النار.\rوقال المدايني: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان فخرج هاربا منه فنزل قريةً من الصعيد يقال لها: شكر، فقدم عليه حين نزلها رسولٌ لعبد الملك فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟ قال طالب بن مدرك؟ فقال: أوه! ما أراني راجعا إلى الفسطاط أبداً، ومات في تلك القرية.\rوقيل: بينا مروان بن محمد في إيوان له ينفذ الأمور، فانصدعت زجاجة الأموال، فوقعت الشمس منها على منكب مروان وكان هناك عياف فقال: صدع الزجاج أمر منكر على أمير المؤمنين، ثم قام فاتبعه ثوبان مولى مروان. فقال له: ويحك! ما قلت؟ قال. قلت: صدع الزجاج صدع السلطان، تذهب الشمس بملك مروان، بقوم من الترك أو خراسان، ذلك عندي واضح البرهان! قال: فما ورد لذلك شهران حتى ورد خبر أبي مسلم.","part":1,"page":293},{"id":294,"text":"وقال إبراهيم بن المهدي: أرسل إلى محمد الأمين في ليلة مقمرة من ليالي الصيف فقال: يا عمي! إن الحرب بيني وبين طاهر قد سكنت قصر إلي فإني إليك مشتاق فجئته وقد بسط له على سطح، وعنده سليمان بن جعفر، وعليه كساءٌ روذباري، وقلنسوة طويلة، وجواريه بين يديه وضعف جاريته عنده. فقال لها: غنيني فقد سررت بعمومتي فاندفعت تغنيه:\rهم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما فعلت يوما بكسرى مرازبه\rبني هاشم كيف التواصل بيننا ... وعند أخيه سيفه ونجائبه\rهكذا غنته، وإنما هو:\rوعند علي سيفه ونجائبه\rفغضب وتطير، وقال: ما قصتك؟ ويحك! غنيني ما يسرني، فغنت\rهذا مقام مطردٍ ... هدمت منازله ودوره\rفازداد تطيرا، ثم قال: ويحك! انتهى وغني غير هذا فغنت\rكليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرج بالدم\rفقال لها: قومي إلى لعنة الله، فوثبت، وكان بين يديه قدح بلور وكان لحبه إياه يسميه محمد باسمه، فأصابه طرف ذيلها فسقط على بعض الصواني فانكسر، فأقبل علي وقال: أرى والله يا عم أن هذا آخر أمرنا، فقلت: كلا! بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويسرك، قال: ودجلةٌ والله هادئة ما فيها صوت مجداف، ولا أحد يتحرك، فسمعت هاتفاً يهتف: قضى الأمر الذي فيه تستفتيان قال فقال لي: سمعت يا عم؟ فقلت: وما هو؟ وقد والله سمعته، فإذا الصوت قد عاد فقال: انصرف بيتك الله بخيرٍ فمحال أن لا تكون الآن قد سمعت ما سمعت، فانصرفت وكان آخر العهد به.\rوشبيه بهذا ما حكي عن علوية المغني قال: كنت مع المأمون لما خرج إلى الشام، فدخلنا دمشق فطفنا فيها، وجعل يطوف على قصور بني أمية، ويتتبع آثارهم، فدخلنا صحناً من صحونهم، مفروشاً بالرخام الأخضر، وفيه بركة ماء فيها سمك، وأمامها بستان، فاستحسن ذلك وعزم على الصبوح ودعا بالطعام والشراب، وأقبل علي فقال: غنني ونشطني، فكأن الله تعالى أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت من شعر عبد الله بن قيس الرقيات\rلو كان حولي بنو أمية لم ... تنطق رجالٌ أراهم نطقوا\rمن كل قرمٍ محضٍ ضرائبه ... عن منكبيه القميص ينخرق\rقال: فنظر إلي مغضباً، وقال: عليك وعلى بني أمية لعنة الله، ويلك! أقلت لك سرني أو سؤني؟ ألم يكن لك وقت تذكر فيه بني أمية إلا هذا الوقت تعرض بي؟ فتجلدت عليه وعلمت أني قد أخطأت، فقلت: أتلومني على أن أذكر بني أمية؟ هذا مولاكم زرياب عندهم يركب في مائتي غلام مملوك له، ويملك ثلثمائة ألف دينار وهبوها له سوى الخيل والضياع والرقيق: وأنا عندكم أموت جوعا، فقال: أو لم يكن لك شيء تذكرني به نفسك غير هذا؟ فقلت: هكذا حضرني حين ذكرتهم، فقال: أعرض وتنبه على إرادتي وغن فأنساني الله كل شيء أحسنه إلا هذا الصوت\rالحين ساق إلى دمشق وما ... كانت دمشق لأهلنا بلدا\rقادتك نفسك فاستقدت لها ... وأرتك أمر غوايةٍ رشدا\rفرماني بالقدح فأخطأني وانكسر القدح، وقال: قم إلى لعنة الله وحر سقر! فركب، وكانت تلك الحال آخر عهدي به حتى مرض ومات بعد ذلك بقليل.\rومثل ذلك ما حكي في قتلة المتوكل، وذلك أنه جلس يوم الأربعاء لأيام خلون من شوال سنة تسع وأربعين ومائتين وقال للفتح بن خاقان: أحب أن نصطبح، فأحضر المغنين وفيهم أحمد بن أبي العلاء فقال له: غن فغنى\rيا عاذلي من الملام دعاني ... إن البلية فوق ما تصفان\rزعمت بثينة أن فرقتنا غدا ... لا مرحبا بغدٍ فقد أبكاني\rفتطير المتوكل منه، وقال: أحمد! كيف وقع لك أن تغني بهذا الشعر، قال: فشغل قلب ابن أبي العلاء لما أنكر عليه، ثم ذهب ليغني غيره، فغناه ثانية، فقال المتوكل: نسأل الله خير هذا اليوم، وصرف المغنين وقام لصلاة الظهر، فلما فرغ قال له الفتح: يا سيدي أتمم يومك، فدعا بالشراب وقال: أين ابن أبي العلاء؟ فأحضر فقال له: غن، فأغمي عليه فأعاد البيتين فاغتم المتوكل غاية الغم وقتل في الليلة الآتية من ذلك اليوم.","part":1,"page":294},{"id":295,"text":"قال القاضي أبو علي الجويني: حضرت بين يدي سيف الدولة أبي الحسن صدقة ابن منصور بن دبيس، وابنه أبو المكارم محمد إذ ذاك مريض مرضه الذي مات فيه وقد أتى بديوان أبي نصر بن نباته فتصفحه فوقع بيده وقال: يعزى سيف الدولة أبا الحسن ويرثي ابنه أبا المكارم محمد، فأخذت المجلد وأطبقته فعاد فتصفحه فخرج ذلك، ومن القصيدة التي عناها قوله:\rفإن بميا فارقين حفيرةً ... تركنا عليها ناظر الجود داميا\rتضمنها أيدي فتى ثكلت به ... غداة ثوى أمالنا والأمانيا\rولما عدمنا الصبر بعد محمد ... أتينا أباه نستفيد التعازيا\rحكي: أن أبا الشمقمق شخص مع خالد بن يزيد بن مزيد وقد تقلد الموصل، فلما أراد الدخول إليها اندق لواؤه في أول درب منها، فتطير من ذلك وعظم عليه، فقال أبو الشمقمق:\rما كان مندق اللواء لريبةٍ ... تخشى ولا أمرٍ يكون مبذلا\rلكن هذا الرمح ضعف متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا\rفسرى عن خالد، وكتب صاحب البريد بذلك إلى المأمون، فزاده ديار ربيعة وكتب إليه: هذا التضعيف الموصل متن رمحك، فأعطى خالدٌ أبا الشمقمق عشرة آلاف درهم.\rوقيل: لما توجه المسترشد للقاء السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه السلجلقي، وقع على الشمسية التي ترفع على رأسه طائرٌ من الجوارح وألح، كلما نفر عاد، فتفاءل الناس له بذلك وسر هو به، فقال إنسان يعرف بملكدار: هذا جارح ومنقبض الكف وليس فيه بشرى بل ضدها، وأقبل السلطان في جيشه فكانت الكسرة وقبض على المسترشد وقتل من بعد.\rخرج بعض ملوك الفرس إلى الصيد، فكان أول من استقبله أعور فأمر بضربه وحبسه، ثم خرج وتصيد صيداً كبيرا، فلما عاد استدعى الأعور وأمر له بصلة، فقال الأعور: لا حاجة لي في صلتك، ولكن ائذن لي في الكلام، فقال: تكلم! قال: لقيتني فضربتني وحبستني، ولقيتك فصدت وسلمت فأينا أشأم؟ فضحك وخلاه.\rالفراسة والذكاء يقولون: عظم الجبين يدل على البله، وعرضه يدل على قلة العقل، وصغره على لطف الحركة، والحاجبان إذا اتصلا على استقامة دلا على تخنيث واسترخاء، وإذا تزججا نحو الصدغين دلا على طنزٍ واستهزاء، والعين إذا كانت صغيرة الموق دلت على سوء دخلة، وخبث شمائل، وإذا وقع الحاجب على العين دل على الحسد، والعين المتوسطة في حجمها دليل فطنة وحسن خلق ومروءة، والناتئة على اختلاط عقل، والطائرة على حدة، والتي يطول تحديقها على قحة وحمق، والتي تكسر طرفها على خفة وطيش، والشعر على الأذن يدل على جودة السمع، والأذن الكبيرة المنتصبة تدل على حمق وهذيان.\rوحكي: أن أبا موسى الأشعري وجه السائب بن الأقرع في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مهرجا بعد أن فتحا ودخل دار الهرمزان بعد أن جمع السبي والغنائم، ورأى في بعض مجالس الدار تصاوير فيها مثال ظبيٍ وهو مشير بإحدى يديه إلى الأرض، فقال السائب: لأمرٍ ما صور هذا الظبي هكذا، إن له لشأنا، فأمر بحفر الموضع الذي الإشارة إليه فأفضى إلى موضع فيه حوض من رخام، فيه سفط جوهر فأخذه السائب وخرج به إلى عمر رضي الله عنه.","part":1,"page":295},{"id":296,"text":"وقيل: كان المعتضد يوما جالسا في بيت يبني له وهو يشاهد الصناع فرأى في جملتهم عبدا أسود منكر الخلق، شديد المرح، يصعد على السلاليم مرقاتين مرقاتين ويحمل ضعف ما يحمل غيره، فأنكر أمره، وأحضره وسأله عن سبب ذلك، فلجلج فقال لوزيره: قد خمنت في هذا تخميناً ما أحسبه باطلا، إما أن يكون معه دنانير قد ظفر بها من غير وجهها، أو لصا يتستر بالعمل، ثم قال: علي بالأسود فأحضره وضربه، وحلف إن لم يصدقه ليضربن عنقه، فقال الأسود: ولي الأمان يا أمير المؤمنين، قال: نعم! إلا ما كان من حد، فظن أنه قد أمنه، فقال: كنت أعمل في أتون الآجر، منذ سنين، فأنا منذ شهور جالس إذ مر بي رجل في وسطه كيس فتبعته وهو لا يعرف مكاني فحل الهميان وأخرج منه دينارا فتأملته فإذا كله دنانير فكتفته وسددت فاه وأخذت الهميان وحملته على كتفي وطرحته في التنور وطينت عليه، فلما كان بعد أيام أخرجت عظامه وطرحتها في دجلة والدنانير معي تقوي قلبي قال: فأرسل المعتضد من أحضر الدنانير، وإذا على الكيس: لفلان بن فلان، فنادي في المدينة، فحضرت امرأته وقالت: هذا زوجي وقد ترك طفلا صغيرا خرج في وقت كذا ومعه كيس فيه ألف دينار، فغاب إلى الآن، فسلم الدنانير إليها وأمرها أن تعتد، وضرب عنق الأسود وأمر أن يوضع في الأتون.\rوقيل: جلس المنصور في إحدى قباب المدينة فرأى رجلا ملهوفا مهموما يجول في الطرقات، فأرسل من أتاه به فسأله عن حاله فأخبره أنه خرج في تجارة فأفاد مالا ورجع إلى منزله به، فدفعه إلى امرأته، فذكرت المرأة أن المال سرق ولم ير نقباً ولا تسلقا، فقال له المنصور: منذ كم تزوجتها؟ قال: منذ سنة، قال: فبكراً أو ثيباً؟ قال ثيبا، قال: فلها ولد من سواك؟ قال: لا، قال: شابة أم مسنة؟ قال: شابة، فدعا المنصور بقارورة طيب، وقال: تطيب بهذا، فهو يذهب همك، فأخذها وانقلب إلى أهله، ثم قال المنصور لأربعة من ثقاته: اقعدوا على أبواب المدينة، فمن مر بكم وعليهم شيء من هذا الطيب فأتوني به، وأشمهم من ذلك الطيب، ومضى الرجل بالطيب، فدفعه إلى امرأته وقال: وهبه لي أمير المؤمنين، فلما شمته بعثت به إلى رجل كانت تحبه وقد كانت دفعت إليه المال فتطيب به، ومر مجتازا ببعض الأبواب، فأخذ وأتى به إلى المنصور، فقال له: من أين استفدت هذا الطيب؟ فلجلجلسانه، فسلمه إلى صاحب شرطته وقال: أن احضر الدنانير وإلا فاضربه ألف سوط، فما هو إلا أن جرد وهدد، فأحضر الدنانير على حالتها فأعلم المنصور بذلك، فدعا صاحب الدنانير وقال: أرأيتك إن رددت عليك متاعك بعينه أتحكمني في امرأتك؟ قال: نعم! قال: خذ دنانيرك وقد طلقت امرأتك وخبره الخبر.\rودخل شريك بن عبد الله القاضي على المهدي فأراد أن يبخره فقال للخادم: ائت القاضي بعود، فذهب فجاء بالعود الذي يلهى به، فوضعه في حجر شريك، فقال شريك: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: عود أخذه صاحب العسس البارحة فأحببنا أن يكون كسره على يد القاضي، فقال شريك: جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين، ثم ضرب به الأرض فكسره ثم أفاضوا في حديث آخر حتى نسي الأمر ثم قال المهدي لشريك: ما تقول فيمن أمر وكيلاً له أن يأتي بشيء فجاء بغيره فتلف ذلك الشيء؟ فقال: يضمن يا أمير المؤمنين، فقال للخادم: اضمن ما تلف.\rالباب الرابع\rالكنايات والتعريض\rوالكنايات لها مواضع، فأحسنها العدول عن الكلام القبيح إلى ما يدل على معناه في لفظ أبهى منه. ومن ذلك أن يعظم الرجل فلا يدعى باسمه ويكنى بكنيته، أو يكنى باسم ابنه صيانة لاسمه، وقد ورد في ذلك كثير من آي القرآن فمنها قوله تعالى \" فقولا له قولاً ليناً \" أي كنياه. وقد كني رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بأبي تراب، وقال البحتري:\rيتشاغفن بالصغير المسمى ... موضعاتٍ وبالكبير المكنى\rوهذا يدل على أن المراد بالكنية التبجيل، وقول ابن الرومي:\rبكت شجوها الدنيا فلما تبينت ... مكانك منها استبشرت وتثنت\rوكان ضئيلا شخصها فتطاولت ... وكانت تسمى ذلةً فتكنت\rوقال أبو صخر الهذلي:\rأبي القلب إلا حبه عامريةً ... لها كنيةٌ عمروٌ وليس لها عمرو","part":1,"page":296},{"id":297,"text":"ومن عادة العرب وشأنهم، استعمال الكنايات في الأشياء التي يستحيي من ذكرها، قصدا للتعفف باللسان، كما يتعفف بسائر الجوارح، قال الله عز وجل تأديبا لعباده \" قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم \" فقرن عفة البصر بعفة الفرج، وفي القرآن كناياتٌ عدل بها عن التصريح تنزيها عن اللفظ المستهجن، كقوله تعالى: \" نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم \" وقال أبو عبيد: هو كناية، شبه النساء بالحرث، وقوله تعالى: \" وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا \" ، قيل: هو كنايةٌ عن الفروج، وفي موضع آخر: \" يوم يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون \" ، وقوله تعالى: \" أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم \" ، وقوله تعالى: \" ما المسيح ابن مريم إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقةٌ كانا يأكلان الطعام \" قال المفسرون: هذا تنبيه بأكل الطعام على عاقبة ما يصير إليه، وهو الحدث، لأن من أكل الطعام فلا بد أن يحدث. ثم قال: \" انظر كيف نبين لهم الآيات \" وهذا من ألطف الكناية، ومنه قوله تعالى: \" أو جاء أحدٌ منكم من الغائط أو لامستم النساء \" فالغائط: المطمئن من الأرض، وكانوا يأتونه لحاجتهم ويستترون به عن الأماكن المرتفعة. ومن لم ير الضوء من لمس النساء جعل الملامسة ها هنا كناية عن الفعل.\rومن الكنايات في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو وإن كان قد ورد في الأمثال أشبه بالكناية منها قوله صلى الله عليه وسلم \" إياكم وخضراء الدمن \" يريد بها المرأة الحسناء في المنبت السوء، وتفسير ذلك: أن الريح تجمع الدمن، وهو البعر في البقعة من الأرض فأذا أصابه المطر نبت غضا يهتز وتحته الدمن الخبيث، يقول: فلا تنكحوا هذه المرأة الحسناء لجمالها، ومنبتها خبيثٌ كالدمن، فإن أعراق السوء تزرع أولادها، وقال زفر بن الحارث:\rوقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا\rوقوله صلى الله عليه وسلم: \" حمى الوطيس \" قاله لما جال المسلمون يوم حنين، والوطيس: حفيرة تحتفر في الأرض شبيهةٌ بالتنور، وقال الحسن: لبث أيوب عليه السلام على المزبلة سبع سنين، وما على الأرض يومئذ خلقٌ أكرم على الله منه، فما سأل الله العافية إلا تعريضا في قوله: \" إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين \" والعرب تكنى عن الفضلة المستقذرة بألفاظ كلها كنايات منها: الرجيع والنجو والبراز والغائط والعذرة والحش، فبعض هذه الألفاظ يراد بها نفس الحدث، وبعضها يراد بها المواضع التي يأتي بها المحدث، وكذلك استعملوا في إتيان النساء: المجامعة، والمرافعة، والمباضعة، والمباشرة، والملامسة، والمماسة، والخلوة، والإفضاء، والغشيان، والتغشي، وكل هذه الألفاظ مذكورة في القرآن.","part":1,"page":297},{"id":298,"text":"وحكي: أن رجلا من بني العنبر كان أسيرا في بكر بن وائل، وعزموا على غزو قومه، فسألهم رسولا إلى قومه، فقالوا: لا ترسل إلا بحضرتنا لئلا تنذرهم، وجيء بعبد أسود، فقال له: أتعقل؟ قال: نعم إني لعاقل! قال: ما أراك عاقلا. ثم أشار بيده إلى الليل، فقال: ما هذا؟ قال: الليل! قال: أراك عاقلا. ثم ملأ كفيه من الرمل فقال: كم هذا؟ قال: لا أدري وإنه لكثير، قال: أيما أكثر؟ النجوم أم النيران؟ قال: كل كثير، فقال: أبلغ قومي التحية، وقل لهم ليكرموا فلانا، يعني أسيرا كان في أيديهم من بكر، فإن قومه لي مكرمون وقل لهم: إن العرفج قد أدبي، وشكت النساء، وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء، فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملي الأصهب بآية ما أكلت معهم حيساً، واسألوا عن خبري أخي الحارث، فلما أدى العبد الرسالة إليهم قالوا: قد جن الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء، ولا جملاً أصهب، ثم سرحوا العبد ودعوا الحارث فقصوا عليه القصة، فقال: قد أنذركم؛ أما قوله: قد أدبي العرفج، يريد: أن الرجال قد استلاموا ولبسوا السلاح، وقوله: وشكت النساء، أي اتخذن الشكاء للسفر، وقوله: الناقة الحمراء، أي ارتحلوا عن الدهناء واركبوا الصمان وهو الجمل الأصهب، وقوله: بآية ما أكلت معكم حيساً أي أخلاط من الناس وقد غزوكم، لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط، فامتثلوا ما قال، وعرفوا لحن كلامه، وحكي أبو الفرج الأصفهاني بسنده إلى مجاهد ابن سعيد عبد الملك بن عمر قال: قدم علينا عمر بن هبيرة الكوفة، فأرسل إلى عشرةٍ أنا أحدهم من وجوه أهل الكوفة، فسمرنا عنده. ثم قال: ليحدثني كل رجل منكم أحدوثة. وابدأ أنت يا أبا عمرو، فقلت: أصلح الله الأمير، أحديث الحق أم حديث الباطل؟ قال: بل حديث الحق، قلت: إن امرأ القيس آلى ألية أن لا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة واثنين، فجعل يخطل النساء فإذا سألهن عن هذا، قلن أربعة عشر، فبينا هو يسير في جوف الليل إذا هو برجل يحمل ابنة له صغيرة، كأنها البدر لتمه، فأعجبته فسألها: يا جارية! ما ثمانية وأربعة واثنان؟ فقالت: أما ثمانية فأطباء الكلبة، وأما أربعة فأخلاف الناقة، وأما اثنان فثديا المرأة، فخطبها إلى أبيها، فزوجه إياها وشرطت عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصالٍ، فجعل لها ذلك، وعلى أن يسوق إليها مائةً من الإبل، وعشرة أعبدٍ، وعشر وصائف، وثلاثة أفراس، ففعل ذلك، ثم إنه بعث عبدا له إلى المرأة، وأهدى لها نحياً من سمن، ونحياً من عسل، وحلة من قصب، فنزل العبد على بعض المياه، فنشر الحلة فلبسها فتعلقت بسمرةٍ فانشقت، وفتح النحيين فأطعم أهل الماء منهما فنقصا، ثم قدم على حي المرأة وهم خلوف فسألها عن أبيها وأمها وأخيها، ودفع إليها هديتها فقالت له: أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيدا، ويبعد قريبا، وأن أمي ذهبت تشق النفس نفسين، وأن أخي ذهب يراعي الشمس، وأن سماءكم انشقت، وأن وعاءيكم نضبا، فقدم الغلام على مولاه فأخبره، فقال: أما قولها: أن أبي ذهب يقرب بعيدا ويبعد قريبا: فإن أباها ذهب يحالف قوما على قومه، وأما قولها: ذهبت أمي تشق النفس نفسين: فإن أمها ذهبت تقبل امرأة نفساء، وأما قولها: ذهب أخي يراعي الشمس: فإن أخاها في سرحٍ له يرعاه، فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به، وقولها: أن سماءكم انشقت: فإن البرد الذي بعثت به انشق، وأما قولها: أن وعاءيكم نضبا: فإن النحيين نقصا، فاصدقني، فقال: يا مولاي! إني نزلت بماء من مياه العرب، فسألوني عن نسبي، فأخبرتهم أني ابن عمك، ونشرت الحلة فلبستها وتجملت بها، فتعلقت بسمرةٍ فانشقت، وفتحت النحيين فأطعمت منهما أهل الماء. فقال: أولى لك، ثم ساق مائةً من الإبل، وخرج ومعه الغلام ليسقي الإبل، فعجز، فأعانه امرؤ القيس فرمى به الغلام في البئر، وخرج حتى أتى المرأة بالإبل فأخبرهم أنه زوجها، فقيل لها: قد جاء زوجك! فقالت: والله ما أدري أزوجي هو أم لا؟ ولكن انحروا له جزورا وأطعموه من كرشها وذنبها، ففعلوا، فأكل ما أطعموه، قالت: اسقوه لبنا حازرا وهو الحامض فسقوه، فشرب، فقالت: افرشوا له عند الفرث والدم، ففرشوا له، فنام. فلما أصبحت أرسلت إليه: أريد أن أسألك عن ثلاث، قال: سلي عما بدا لك، فقالت: لم تختلج شفتاك؟ قال: من تقبيلي إياك! قالت: لم تختلج فخذاك؟ قال: لتورك إياك! قالت: فلم يختلج كشحاك؟ قال:","part":1,"page":298},{"id":299,"text":"لالتزامي إياك! قالت: عليكم العبد! فشدوا أيديكم به، ففعلوا، قال: ومر قوم فاستخرجوا امرأ القيس من البئر، فرجع إلى حيه واستاق مائةً من الإبل وأقبل إلى امرأته. فقيل له: قد جاء زوجك! فقالت: والله ما أدري أزوجي هو أم لا؟ ولكن انحروا له جزورا وأطعموه من كرشها وذنبها، ففعلوا فلما أتوه بذلك، قال: وأين الكبد والسنام والملحاء؟ فأبى أن يأكل، فقالت: اسقوه لبنا حازرا، فأتى به، فأبى أن يشربه وقال: أين الصريف والرثيئة؟ فقالت: افرشوا له عند الفرث والدم، ففرشوا له، فأبى أن ينام وقال: افرشوا لي فوق التلعة الحمراء واضربوا عليها خباء، ثم أرسلت إليه: هلم شريطتي عليك في المسائل الثلاث، فأرسل إليها: سليني عما شئت، فقالت: لم تختلج شفتاك؟. قال: لشرب المشعشعات، قالت: فلم يختلج كشحاك؟ قال: للبس الحبرات، قالت: فلم يختلج فخذاك؟ قال: لركض المطهمات، قالت: هذا زوجي لعمري! فعليكم به، واقتلوا العبد فقتلوه، ودخل امرؤ القيس بالجارية، قال ابن هبيرة: حسبكم! فلا خير في الحديث في سائر الليلة بعد حديثك يا أبا عمرو ولن يأتينا أحدٌ بأعجب منه، فقمنا فانصرفنا وأمر لي بجائزة.لتزامي إياك! قالت: عليكم العبد! فشدوا أيديكم به، ففعلوا، قال: ومر قوم فاستخرجوا امرأ القيس من البئر، فرجع إلى حيه واستاق مائةً من الإبل وأقبل إلى امرأته. فقيل له: قد جاء زوجك! فقالت: والله ما أدري أزوجي هو أم لا؟ ولكن انحروا له جزورا وأطعموه من كرشها وذنبها، ففعلوا فلما أتوه بذلك، قال: وأين الكبد والسنام والملحاء؟ فأبى أن يأكل، فقالت: اسقوه لبنا حازرا، فأتى به، فأبى أن يشربه وقال: أين الصريف والرثيئة؟ فقالت: افرشوا له عند الفرث والدم، ففرشوا له، فأبى أن ينام وقال: افرشوا لي فوق التلعة الحمراء واضربوا عليها خباء، ثم أرسلت إليه: هلم شريطتي عليك في المسائل الثلاث، فأرسل إليها: سليني عما شئت، فقالت: لم تختلج شفتاك؟. قال: لشرب المشعشعات، قالت: فلم يختلج كشحاك؟ قال: للبس الحبرات، قالت: فلم يختلج فخذاك؟ قال: لركض المطهمات، قالت: هذا زوجي لعمري! فعليكم به، واقتلوا العبد فقتلوه، ودخل امرؤ القيس بالجارية، قال ابن هبيرة: حسبكم! فلا خير في الحديث في سائر الليلة بعد حديثك يا أبا عمرو ولن يأتينا أحدٌ بأعجب منه، فقمنا فانصرفنا وأمر لي بجائزة.\rوقيل: بعث بشامة بن الأعور العنبري إلى أهله بثلاثين شاةً ونحيٍ صغير فيه سمن، فسرق الرسول شاة، وأخذ من رأس النحى شيئا، فقال لهم الرسول: ألكم حاجةٌ أخبره بها؟ فقالت امرأته: أخبره أن الشهر محاق، وأن جدينا الذي كان يطالعنا وجدناه مرثوما، فارتجع منه الشاة والسمن.\rوقيل: أسرت طيء غلاما، فقدم أبوه ليفديه، فاشتطوا عليه. فقال أبوه: لا والذي جعل الفرقدين يمسيان ويصبحان على جبلي طيءٍ! ما عندي غير ما بذلته، ثم انصرف وقال: لقد أعطيته كلاما إن كان فيه خيرٌ فهمه. كأنه قال: الزم الفرقدين على جبلي طيء، ففهم الابن تعريضه وطرد إبلاً لهم من ليلته ونجا.\rومن التخليص المتوسط إليه بالكناية، ما روي عن عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي، أنه قال يوما في حق الوليد بن عقبى بن أبي معيط: ألا تعجبون لهذا؟ أشعر بركاً يولي مثل هذا المصر، والله ما يحسن أن يقضي في تمرتين. فبلغ ذلك الوليد فقال على المنبر: أنشد الله رجلاً سماني أشعر بركاً إلا قام، فقام عدي بن حات فقال: أيها الأمير، إن الذي يقوم فيقول: أنا سميتك أشعر بركاً لجريءٌ، فقال له: اجلس يا أبا طريفٍ! فقد برأك الله منها، فجلس وهو يقول: ما برأني الله منها.\rوقيل: كان شريح عند زياد بن أبيه وهو مريض، فلما خرج من عنده أرسل إليه مسروق رسولا وقال: كيف تركت الأمير؟ فقال: تركته يأمر وينهي، قال مسروق: إنه صاحب مرض، فارجع إليه واسأله ما يأمر وينهي، قال: يأمر بالوصية وينهي عن النوح.\rخطب رجل إلى قوم فجاءوا إلى الشعبي يسألونه عنه، وكان به عارفا، فقال: هو والله ما علمت نافذ الطعنة، ركي الجلسة، فزوجوه، فإذا هو خياط فأتوه فقالوا: غررتنا فقال: ما فعلت وإنه لكما وصفت.\rوخطب باقلاني إلى قوم وذكر أن الشعبي يعرفه فسألوه فقال: إنه لعظيم الرماد، كثير الغاشية.\rقيل: أخذ العسس رجلين فقال لهما: من أنتما؟ فقال أحدهما:","part":1,"page":299},{"id":300,"text":"أن ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوما فسوف تعود\rترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيامٌ حولها وقعود\rوقال الآخر:\rأنا ابن من تخضع الرقاب له ... ما بين مخزومها وهاشمها\rتأتيه بالذل وهي صاغرة ... يأخذ من مالها ومن دمها\rفظنوهما من أولاد الأكابر، فلما أصبح سأل عنهما، فإذا الأول ابن طباخ والثاني ابن حجام.\rوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للأحنف: أي الطعام أحب إليك؟ قال: الزبد والكمأة. فقال: ما هما بأحب الطعام إليه، ولكنه يحب الخصب للمسلمين.\rقال لقمان لابنه: كل أطيب الطعام، ونم على أوطأ الفرش كنى عن إكبار الصيام، وإطالة القيام.\rومن جيد التورية وغريبها مع توخي الصدق في موطن الخوف: قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رديفه عام الهجرة، فقيل له: من هذا يا أبا بكر؟ فقال: رجل يهديني السبيل.\rورفع إلى عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة وصيةٌ لرجل بمال أمر أن تتخذ به حصون. فقال: اشتروا به خيلا للسبيل، أما سمعتم قول النخعي:\rولقد علمت على تجنبي الردى ... أن الحصون الخيل لا مدر القرى\rقيل كان البراء بن قبيصة صاحب شرابٍ، فدخل على الوليد بن عبد الملك، وبوجهه أثر، فقال: ما هذا؟ قال فرس لي أشقر، ركبته فكبابي، فقال: لو ركبت الأشهب لما كبابك، يريد الماء.\rقال عبد الملك بن مروان لثابت بن الزبير: ما ثابت من الأسماء! ليس باسم رجل ولا امرأة، قال: يا أمير المؤمنين لا ذنب لي لو كان اسمي إلي، لسميت نفسي زينب، يعرض به، فإنه كان يعشق زينب بنت عبد الرحمن بن هشام فخطبها، فقالت: لا أوسخ نفسي بأتى الذبان.\rقال نميري لفقعسي: إني أريد إتيانك فأجد على بابك جروا، فقال له الفقعسي: اطرح عليه ترابا وادخل، أراد النميري قول الشاعر:\rينام الفقعسي وما يصلي ... ويخرى فوق قارعة الطريق\rوأراد الفقعسي قول الآخر:\rولو وطئت نساء بني نميرٍ ... على تربٍ لخبثن التراب\rقال عبد الله بن الزبير لامرأة عبد الله بن حازم السلمي: أخرجي المال الذي وضعته تحت استك، فقالت: ما ظننت أن أحدا يلي شيئا من أمور المسلمين يتكلم بهذا، فقال بعض من حضر: أما ترون الخلع الخفي الذي أشارت إليه؟ فلما أخذ الحجاج أم عبد الرحمن بن الأشعث تجنب ما عيب على ابن الزبير، فكني عن المعنى فقال لها: عمدت إلى مال الله فوضعته تحت ذيلك.\rماتت للهذلي أم ولدٍ، فأمر المنصور الربيع بأن يعزيه ويقول له: إن أمير المؤمنين يوجه إليك بجارية نفيسة لها أدبٌ وظرفٌ تسليك عنها، وأمر لك بفرسٍ وكسوةٍ وصلةٍ، فلم يزل الهذلي يتوقعها، ونسيها المنصور، ثم حج ومعه الهذلي فقال له وهو بالمدينة: أحب أن أطوف الليلة في المدينة، وأطلب من يطوف بي فقال: أنا لها يا أمير المؤمنين، فطاف به حتى وصل إلى بيت عاتكة فقال: يا أمير المؤمنين! وهذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص:\rيا بيت عاتكة الذي أتعزل\rفأنكر المنصور ذكر بيت عاتكة من غير أن يسأله عنه، فلما رجع أمر القصيدة على خاطره فإذا فيها:\rوأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل\rفتذكر الموعد وأنجزه واعتذر إليه.\rاجتمع الشعراء بباب أمير من أمراء العرب، فمر رجل ببازٍ فقال رجل من بني تميم لآخر من بني نمير: هذا البازي! فقال النميري: إنه يصيد القطا، عرض الأول بقول جرير:\rأنا البازي المطل على نميرٍ ... أتيح من السماء لها انصبابا\rوأراد الآخر قول الطرماح:\rتميم بطرق اللؤم أهدي من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلت\rقال عمر بن هبيرة الفزاري لأيوب بن ظبيان النميري وهو يسايره: غض من بغلتك! فقال: إنها مكتوبة، أراد بن هبيرة قول جرير:\rفغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا\rوأراد النميري قول ابن دارة:\rلا تأمنن فزارياً خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار","part":1,"page":300},{"id":301,"text":"وقيل: كان العزيز بن المعز العبيدي أحد الخلفاء بمصر يلعب بالحمام فتسابق هو وخادم له فسبق طائر الخادم طائر الخليفة، فبعث إلى وزيره ابن كلس اليهودي يستعلمه عن ذلك فاستحيي أن يقول: إن طائر الخليفة سبق، فكتب إليه:\rيا بن الذي طاعته عصمةٌ ... وحبه مفترضٌ واجب\rطائرك السابق لكنه ... جاء وفي خدمته حاجب\rجاءت امرأة إلى عمر رضي الله عنه فقالت: أشكو إليك زوجي، خير أهل الأرض إلا رجلٌ سبقه لعمل، أو عمل مثل عمله، يقول الليل حتى يصبح، ويصوم النهار حتى يمسي، ثم أخذها الحياء فقالت: أقلني يا أمير المؤمنين! فقال: جزاك الله خيرا! فقد أحسنت الثناء، فلما ولت قال كعب بن شور: يا أمير المؤمنين لقد أبلغت إليك في الشكوى، فإنها كنت بذلك عن عدم المباضعة.\rالباب الخامس\rالألغاز والأحاجي\rقالوا: واشتقاق اللغز من ألغز اليربوع ولغز: إذا حفر لنفسه مستقيما، ثم أخذ يمنةً ويسرة ليواري بذلك ويعمي على طالبه. وللغز أسماءٌ فمنها: المعاياة، والعويص، والرمز، والمحاجاة، وأبيات المعاني، والملاحن، والمرموس، والتأويل، والكناية، والتعريض، والإشارة، والتوجيه، والمعمي، والممثل، ومعنى الجميع واحد، واختلافها بحسب اختلاف وجوه اعتبارات، فإنك إذا اعتبرته من حيث إن واضعه كأنه يعابيك، أي يظهر إعياءك وهو التعب، سميته: معاياة، وإذا اعتبرته من حيث صعوبة فهمه واعتياص استخراجه، سميته: عويصا، وإذا اعتبرته من حيث إنه قد عمل على وجوه وأبواب، سميته: لغزاً، وفعلك له: إلغازا، وإذا اعتبرته من حيث إن واضعه لم يفصح عنه قلت: رمز، وقريب منه الإشارة، وإذا اعتبرته من حيث إن غيرك حاجاك أي استخرج مقدار عقلك، سميته: محاجاة، وإذا اعتبرته من حيث إنه استخرج كثرة معانيه، سميته: أبيات المعاني، وإذا اعتبرته من حيث إن قائله قد يوهمك شيئا ويريد غيره، سميته: لحنا وسميت فعلك: الملاحن، وإذا اعتبرته من حيث إنه سترعنك ورمس فهو: المرموس، والرمس: القبر، وإذا اعتبرته من أن معناه يؤول إليك، سميته: مؤولا، وسميت فعلك: تأويلا، وإذا اعتبرته من حيث إن صاحبه لم يصرح بغرضه، سميته: تعريضا وكناية، وإذا اعتبرته من حيث إنه ذو وجوه، سميته: الموجه، وسميت فعلك: التوجيه، وإذا اعتبرته من حيث إنه مغطى عليك، سميته: معمى.\rقال الحكيم أمير الدولة المعروف بابن التلميذ في الميزان:\rما واحد مختلف الأسماء ... يعدل في الأرض وفي السماء\rيحكم بالقسط بلا رياء ... أعمى يرى الرشاد كل رائي\rأخرس لا من علة وداء ... يغني عن التصريح بالإيماء\rيجيب إن ناداه ذو امتراء ... بالرفع والخفض عن النداء\rيفصح إن علق في الهواء\rقوله: مختلف الأسماء يعني ميزان الشمس، والآصطرلاب، وسائر آلات الرصد، وهو معنى قوله: يحكم في السماء. وميزان الكلام: النحو، وميزان الشعر: العروض، وميزان المعاني: المنطق، وهذه الميزان والذراع والمكيال.\rوقال آخر فيه: ما تقولون؟ فيما نزل من السماء، وعلق في الهواء، له عينٌ عمياء، وكفٌ شلاء، ليس له إن عدل ثواب، ولا عليه إن جار عقاب، خلق من ثلاثة أجناس، تضعضعه الأنفاس، جسمه عارٍ من غير لباس، أخرس اللسان، في أذنه خرصان، مكرر الذكر في القرآن، ينطوي إذا نام كالصل، وفعله المستقبل معتل، وله في الآخرة أكبر محل.\rوقال أبو نصر الكاتب في الخاتم:\rومنكوحٍ إذا ملكته كفٌ ... وليس يكون في هذا مراء\rله عينٌ تخللها ضياءٌ ... فإن كحلت فللميل العماء\rيظل طليعةً للوصل هونا ... وللخاشي بزورته احتماء\rوقد أوضحته وأبنت عنه ... ففسره فقد برح الخفاء\rأراد بقوله: تخللها ضياءٌ أي أنها مفتوحة وكحلها بالإصبع، وقد يبعث المحبوب بخاتمه علامةً للزيارة أو رهنا عليها وهو أمانٌ للجاني.\rوقال ابن الرومي في فتيلة السراج:\rما حيةٌ في رأسها درة ... تسبح في بحرٍ قليل المدى\rإن غيبت كان العمى حاضرا ... وإن بدت لاح طريق الهدى\rوقال السري الرفاء في شبكة الصياد:\rوكثيرة الأحداق إلا أنها ... عمياء ما لم تنغمس في ماء","part":1,"page":301},{"id":302,"text":"وإذا هيي انغمست أفادت ربها ... ما لا ينال بأعين البصراء\rوقال آخر في النوم:\rوحاملٍ يحملني ... وما له شخصٌ يرى\rإذا حصلت فوقه ... وهو لذيذ الممتطى\rسريت لا أدري أفي ... أرض سريت أم سما\rوقال أبو العلاء المعري في ركابي السرج:\rخليلان نيطا في جوانب مجلسٍ ... جداراه قدام له ووراء\rمتى يضع الرجلين ماشٍ عليهما ... يزل عنه في شكٍ حفاً وحفاء\rقوله: خليلان لتشابههما، والمجلس: السرج، وجداراه: قربوسه ورادفته، والحفا مقصور: وجع الرجل، وممدود: من مشى الرجل حافيا بغير نعل.\rوقال ابن القاسم عبد الصمد بن نائ في القفل:\rمجامعٌ يعقد عقد الكلبه ... إن رامه غيرك جر نكبه\rينام كالأمرد لا كالقحبه ... حتى إذا شك القمد جنبه\rوعالج الجذبة بعد الجذبه ... وانحل بالحقنة لا بالشربه\rألقي جنينا نتجته العزبه ... ثم إذا عاد إليه أشبه\rبعض حروف المعجم المنكبه ... يبغض وهو صادق المحبه\rيعتقد السلم وينوي حربه ... وهو على ذاك طويل الصحبه\rشبهه بالمجامع: لدخول الفراش في بطنه، وقوله: يعقد عقد الكلبة: في عسر المفارقة، وإن فتحه غيرك جر نكبة عليك لسرقة ما فيه، ينام كالأمرد: لانكبابه، والقمد: الذكر وهو المفتاح، والجنين: الفراش، وإذا عاد إليه أشبه حرف الكاف.\rوقال في اسم سعيد:\rيبسم عن أول اسمه حبي ... ثم بثاني حروفه يسبي\rثم بحرفين لو بدا بهما ... أسدي يدا صورة اسمها تنبي\rأربعة نصفها كجملتها ... في العد لم تنتقص ولم تربي\rهذا وفيه اسم يومٍ اتفقت ... مفاخر العجم فيه والعرب\rفأعمل الفكر في تأمله ... واركب به كل مركب صعب\rشبه السين بالثغر، وثانيه العين وهي تسبي القلوب، والحرفان يد وهي أربعة في العدد وستة في الصورة، وإذا أخذت السين والعين فهي أربعة وهي جملة العدد، وفيه عيد وهو يوم التفاخر بالزينة واللبوس.\rوقال ابن أبي البغل الكاتب في القلم:\rاصم عن المنادي لا يجيب ... به تخبو وتشتعل الخطوب\rضئيل الجسم أعلم ليس تخفى ... عليه غيوب ما تخفى القلوب\rتراه راجلاً لا روح فيه ... ويحييه وينطقه الركوب\rيبين لسانه ما كن سوداً ... معارفه ويخرسه المشيب\rيقسم في الورى بؤسى ونعمى ... ويحكم والقضاء له مجيب\rعجبت لسطوة فيه وضعف ... وكل أموره عجبٌ عجيب\rأراد بقوله: أعلم: مشقوق الشفة.\rوقال أبو العلاء المعري في الملح:\rوبيضاء من سر الملاح ملكتها ... فلما قضت إربي حبوب بها صحبي\rفباتوا بها مستمتعين ولم تزل ... تحثهم بعد الطعام على الشرب\rقوله: سر أي خالصة، والملاح جمع ملح، والإرب: الحاجة.\rوقال آخر في عودي الغناء والبخور:\rوما شيئان إسمهما سواءٌ ... وأصلهما معا عند انتساب\rإذا حضراك بت قرير عين ... بلا طعم يلذ ولا شراب\rوما أن يوجدان النفع إلا ... بضرب أو بضرب من عذاب\rمعنى اسمهما سواء ظاهرٌ، وأصلهما خشب، والضرب الأول: ضرب العود، والثاني: من العذاب وهو الإحراق.\rوقال آخر في الحرب:\rما ذات شوكٍ لها جناح ... يختطف الناس عن قريب\rوهي عقيم ترى بنيها ... من بين مردٍ وبين شيب\rيأكل بعض البنين بعضا ... طلوع شمس إلى غروب\rتصحيفها الداء غير شك ... قد يحسم الداء بالطيب\rوالداء معكوسه مكان ... يصلح للطائر النجيب\rيعرفها من يكون طبا ... بالشعر والنحو والغريب\rهذا لغز معمي في الحرب، وشوكها: السلاح، وجناحاها: جانباها، وعقيم: لأنها لا تلد، وبنوها: رجالها، وأكلهم: قتلهم، وتصحيفها: الجرب، وعكسه: برج.\rوقال آخر في الثدي:\rوما أخوان مشتبهان جداً ... كما اشتبه الغرابة والغراب","part":1,"page":302},{"id":303,"text":"يضمهما على مر الليالي ... وما اجتمعا ولا افترقا إهاب\rلذاك وذا دموع هاملات ... ولكن كل دمعهما شراب\rيصونهما عن الأبصار دين ... ويضرب دون نيلهما حجاب\rهما: ثديا المرأة، ويضمهما إرهاب: وهو الجلد.\rوقال آخر في الفخ:\rوما ميت كفنته ودفنته ... فقام إلى حي صحيح فأوثقه\rوقال آخر وهو لغز:\rحلف الحبيب علي لا سميته ... فكنيته ولطفت خوف تغاضبه\rظبي إذا ما زارني حل اسمه ... قلبي وذلك من عجيب عجائبه\rويكون إن رخمته وخرمته ... وقلبته ما تشتهي من صاحبه\rويكون إن صحفت مبدأه الذي ... أصبحت تهواه لعين مراقبه\rوتراه بعد الجزم إن ميزت في الت ... صحيف مقلوبا أشد معائبه\rوحروفها فالنصف منها جذرها ... وحساب ذلك غير متعب حاسبه\rفاطلبه سادس سادس ثانيه ثا ... نيه وثالثه كذاك لطالبه\rوتمامه من بعد مثل حروفه ... في البيت صح اسم الحبيب لقالبه\rهو لغز في فرحةٍ، والترخيم: حذف الآخر، والخرم: حذف الأول، فإذا رخم وخرم وقلب بقي: حر، وإذا قلبت الفاء قافا بقي: قرحة لعين المراقب، وإذا صحفته مقلوبا، جزمت آخره صار: هجر، والنصف من حروفه اثنان، وهما جذر جميع حروفه، وقوله: فاطلبه سادس سادس: يعني البيت السادس.\rوقال آخر في سلمى:\rسل ماهراً بالقريض والأدب ... ما اسم فتاةٍ قعيدة النسب\rقد صرح الشعر باسمها فمتى ... فكرت فيها ظفرت بالعجب\rالاسم: سلمى، وهو ظاهر في أول البيت.\rوقال آخر في الكرة:\rومضروبةٍ تحيا إذا ما ضربتها ... وإن تركت من شدة الضرب ماتت\rوقال أبو عبد الله بن المغلس بن السراج:\rوداع إلى نفسه في الظلام ... وما سمعت أذنه صوته\rإذا هو بيض وجه الطري ... ق سود في وجهه بيته\rوقال آخر في الصدى:\rوساكنٍ يسكن في الفلاة ... ليس في الوحش ولا النبات\rولا من الجن ولا الحيات ... ولا الخيام الشعر والأبيات\rولا بذي جسم ولا حياة ... كلا ولا يدرك بالصفات\rبلى له صوت من الأصوات ... يسمع في الأحيان والأوقات\rوقال ابن المغلس في النخلة:\rوقائمة أبدا لا تنام ... وما قعدت قط مذ قامت\rتعيش إذا غسلوا رجلها ... وإن حلقوا رأسها ماتت\rوقال آخر: ما يقول سيدنا الشيخ: في شيء نزل من السماء، وركض في الهواء، وخيم في البيداء، نطق على نفسه فأفصح، وتكلم فبين وأوضح، أفقر وأغنى، وأمات وأحيا، له شوارق من غير غضب، ورقصات على غير طرب، يسبق الفرس السريع، ويسبقه الطفل الرضيع، مختلف الألوان، يوجد في كل زمان، ما أكثر لغاته! وأعم في البشر ذكر صفاته! وهو خفيف ثقيل، كثير قليل، كبير صغير، طويل قصير، غال رخيص، قوي ضعيف، سريع بطيء، بارد حار، نافع ضار، أبيض أسود أزرق، قريب بعيد، قديم جديد، متحرك ساكن، ظاهر باطن، يتجسر ويتكسر، ويتعوج ويتدور، سلطانه في الشمال وبه يذل، وضعفه في الجنوب وبه يعز، نحيل يخفي جثة الفيل في طيه وعطفه، ويتخلل جفن العين الرمدة برفقه ولطفه، يمشي على الحدق فلا يؤلمها، ويطأ القلوب فلا يكلمها، على أنه يقطع الطريق، ويخيف الفريق، كم أهلك من قوم وما راق ولا سفك! يحمل ألف قنطار، ويعجز عن حمل دينار، وهو ليليٌّ نهاري، عربيٌّ عجميٌ، بريٌّ بحريٌّ، سهليٌّ جبليٌّ، روميٌّ نوبيٌّ، هنديٌّ حبشيٌّ، صينيٌّ جاهليٌّ إسلاميٌّ، كان مع آدم في الجنة، وصحب نوحا في السفينة، وتوسط النار مع إبراهيم، كم له مع موسى من خبر! ولموسى فيه من آية وأثر! حمل المسيح على غير ظهر، وما سار في بر ولا بحر، أخرجه النبي صلى الله عليه وسلم من جسده، وفرقه على صحابته، إذا نطقت به كان بعض أحد خلفاء بني العباس السبعة وهو 1431 .\rوقال آخر:","part":1,"page":303},{"id":304,"text":"ما شيءٌ وجهه قمر، وقلبه حجر إن علقته ضاع، وإن أدخلته السوق أبي أن يباع، وإن فككته دعا لك، وإن ركبت نصفه هالك، وربما كثر أموالك، وإن حذفت آخره، وشددت ثانيه، أورثك الألم عند الفجر، والضجر عند العصر: هو الدملج الفضة.\rمسائل العويص فمن ذلك: امرأتان التقتا برجلين قالتا لهما: مرحبا بابنينا وزوجينا وابني زوجينا، وذلك أن كل واحد منهما تزوج بأم الآخر فهما ابناهما وزوجاهما وابنا زوجيهما.\rرجلان كل واحد منهما عم الآخر وابن أخيه، وذلك: أن كل واحد من أبويهما تزوج بأم الآخر، فرزق كل واحد منهما ولدا فكل من الولدين عم الآخر وابن أخيه.\rرجلان كل واحد منهما خال الآخر وابن أخته، وذلك: أن كل واحد من أبويهما تزوج بابنة الآخر، فرزق كل واحد منها ولدا فكل من ولديهما خال الآخر وابن أخته.\rرجل وامرأتان هو خال أحديهما، وهي خالته وعم الأخرى، وهي عمته، وذلك: أن جدته أم أبيه تزوجت بأخيه لأمه وأخته لأبيه تزوجت بأب أمه، فولدتا بنتين فبنت أخته خالته وهو خالها، وبنت جدته عمته وهو عمها، وهذا أصل الأبيات المنظومة في ذلك:\rولي خالة وأنا خالها ... ولي عمة وأنا عمها\rرجلان كل واحد منهما ابن خال الآخر وابن عمته، وذلك: أن كل واحد من أبويهما تزوج بأخت الآخر، فرزق كل واحد منهما ولدا، فكل من ولديهما ابن خال الآخر وابن عمته.\rرجلان كل واحد منهما عم والد الآخر، وذلك: أن كل واحد من أبويهما تزوج بأم أب الآخر، فكل من أولادهما عم أب الآخر.\rرجلان كل واحد منهما عم أم الآخر، وذلك: أن كل واحد من أبويهما تزوج بابنة ابن الآخر، فكل من أولادها عم أم الآخر.\rرجلان كل واحد منهما خال أم الآخر، وذلك: أن كل واحد من أبويهما تزوج بابنة بنت الآخر، فكل من أولادهما خال أم الآخر.\rرجلان أحدهما عم الآخر والآخر خاله، وذلك: أن رجلين تزوج أحدهما امرأةً يتزوج الآخر ابنة ابنها، فولد لكل منهما ولد فابن الأب عم ابن الابن، وابن الابن من أم امرأة الأب، هو أخوها وخال ابنها.\rرجلان أحدهما عم الآخر وخاله، والآخر ابن أخيه وابن أخته، وذلك: أن رجلاً له أخ لأب وأخت لأم فزوج أخاه لأبيه بأخته لأمه فأولدها ولدا فهما كذلك.\rالقسم الثالث\rالمدح، والهجو، والمجون..،\rوالفكاهات، والملح، والخمر، والمعاقرة، والندمان، والقيان، ووصف آلات الطرب وفيه خمسة أبواب\rالباب الأول وفيه ثلاثة عشر فصلا\rفي المدح\rحقيقة المدح وما قيل فيه، ما قيل في الجود والكرم وأخبار الكرام، ما قيل في الإعطاء قبل السؤال، ما قيل في الشجاعة والصبر والإقدام، ما قيل في وفور العقل، ما قيل في الصدق، ما قيل في الوفاء والمحافظة، ما قيل في التواضع، ما قيل في القناعة والنزاهة ما قيل في الشكر والثناء، ما قيل في الوعد والإنجاز، ما قيل في الشفاعة، ما قيل في الاعتذار والاستعطاف.\rفأما حقيقية المدح، فقد عبر عنها الحمدوني في غاية الاختصار والإيجاز بقوله: حقيقة المدح: وصف الموصوف بأخلاق يحمد صاحبها عليها، ويكون نعتاً حميداً. قال الله تعالى \" قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون. والذين هم للزكاة فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون \" وقال عز وجل: \" التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين \" وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم \" وقد أولوا الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إذا رأيتم المداحين فاحثوافي وجوههم التراب \" قال العتبي هو المدح الباطل والكذب.\rوأما مدح الرجل بما هو فيه فلا بأس به، ومما يعضد هذا أن العباس بن عبد المطلب وكعب بن زهير، وحسان بن ثابت، وغيرهم، مدحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد أنه حثا في وجه أحد منهم ترابا.\rوقيل في حثو التراب معنيان: أحدهما التغليظ في الرد عليه، والثاني يقال له: بفيك التراب.","part":1,"page":304},{"id":305,"text":"وللشعراء عادة في تجاوز قدر الممدوح فوق ما يستحقه حتى إن ذلك أفضى بكثير منهم إلى الكفر والخروج عن الحد أعاذنا الله من ذلك، وقال أنو شروان: من أثنى عليك بما لم توله فغير بعيد أن يذمك بما لم تحبه. وقال وهب بن منبه: من مدحك بما ليس فيك، فلا تأمن أن يذمك بما ليس فيك.\rوأنشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قول زهير بن أبي سلمى في هرم بن سنان:\rدع ذا وعد القول في هرم ... خير الكهول وسيد الحضر\rلو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة القدر\rولأنت أوصل من سمعت به ... لنوائل الأرحام والصهر\rولنعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر\rفقال عمر رضي الله عنه: ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rولما حضر أبا بكر الصديق رضي الله عنه الوفاة، قالت عائشة رضي الله عنها وهو يغمض:\rوأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل\rفنظر إليها وقال: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوقال آخر:\rولو كنت أرضاً كنت ميثاء سهلةً ... ولو كنت ليلاً كنت صاحبة البدر\rولو كنت ماءً كنت ماء غمامة ... ولو كنت يوما كنت تعريسة الفجر\rوقال محمد بن هانيء:\rأغير الذي قد خط في اللوح أبتغي ... مديحا له إني إذا لعنود\rوما يستوي وحيٌ من الله منزل ... وقافيةٌ في الغابرين شرود\rوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمتمم بن نويرة صف لي أخاك فإني أراك تمدحه، فقال: كان أخي يحبس المزاد بين الصوحين في الليلة القرة معتقلا للرمح الخطل، عليه الشملة القلوب، يقود الفرس الحرون فيصيح ضاحكاً مستبشراً: الخطل: الطويل المضطرب، والقلوب: التي لا تنضم على الرحل لقصرها.\rوسأل عبد الله بن عباس صعصعة بن صوحان العبدي عن إخوته فقال: أما زيد فكما قال أخو عبس.\rفتى لا يبالي أن يكون بوجهه ... إذ نال خلان الكرام شحوب\rثم قال: كان والله يا ابن عباس، عظيم المروءة، شريف الأبوة، جليل القدر، بعيد الشر، كميش العروة، زين الندوة، سليم جوانح الصدر، قليل وساوس الفكر، ذاكراً لله تعالى في طرفي النهار وزلفاً من الليل، الجوع والشبع عنده سيان، لا منافس في الدنيا، ولا غافل عن الآخرة، يطيل السكوت، ويديم الفكر، ويكثر الاعتبار، ويقول الحق، ويلهج الصدق، ليس في قلبه غير ربه، ولا يهمه غير نفسه، فقال ابن عباس: ما ظنك برجل سبقه عضو منه إلى الجنة؟ رحم الله زيدا! فأين كان عبد الله منه؟ فقال: كان عبد الله سيدا شجاعاً، شيخاً مطاعاً، خيره وساع، وشره دفاع. لين النحيزة، أحوذي الغريزة، لا ينهنهه منهنه عما أراد، ولا يركب إلا ما اعتاد، سمام العدى، فياض الندى، صعب المقادة، جزل الرفادة. أخو إخوان، وفتى فتيان، ثم أنشد شعر حسان بن ثابت:\rإذا قال لم يترك مقالاً لقائل ... بملتقطاتٍ لا يرى بينها فصلا\rقضى فشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي إربة في القوم جداً ولا هزلا\rودخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية بن أبي سفيان فقال له: صف لي علياً فقال له: أو تعفيني؟ فقال: لا أعفيك؟ قال: أما إذ لا بد، فإنه كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفيه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، كان والله كأحدنا يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبةً له، فإن تبسم فعن مثل لؤلؤ منظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله.\rوذكر عمرو بن معد يكرب بني سليم فقال: بارك الله على حي بني سليم ما أصدق في الهيجاء لقاءها! وأثبت في النوازل بلاءها! وأجزل في النائبات عطاءها! والله لقد قابلتهم فما أجبتهم، وهاجيتهم فما أفحمتهم، وسألتهم فما أبخلتهم.\rوقال بعض العرب: فلان حتف الأقران غداة النزال، وربيع الضيفان عشية النزول.\rوقال آخر: فلان ليثٌ إذا غدا، وبدر إذا بدا، ونجم إذا هدى. وسم إذا أردى.","part":1,"page":305},{"id":306,"text":"ودخل على النعمان بن المنذر بن امريء القيس ابن عمرو بن عدي اللخمي فحياه بتحية الملوك ثم قال: أيفاخرك ذو فائش وأنت سائس العرب، وعروة الحسب والأدب، لأمسك أيمن من يومه! ولعبدك أكرم من قومه، ولقفاك أحسن من وجهه، وليسارك أجود من يمينه، ولظنك أصدق من يقينه ولوعدك أثلج من رفده، ولخالك أشرف من جده، ولنفسك أمنع من جنده، وليومك أزهر من دهره، ولفترك أبسط من شبره، ثم قال:\rأخلاق مجدك جلت مالها خطر ... في البأس والجود بين الحلم والخفر\rمتوج بالمعالي فوق مفرقه ... وفي الوغى ضيغم في صورة القمر\rإذا دجا الخطب جلاه بصارمه ... كما يجلي زمان المحل بالمطر\rفتهلل وجه النعمان سروراً، ثم أمر أن يحشى فوه داروكسي أثواب الرضى وكانت حباب أطواقها الذهب بقصب الزمرد. ثم قال النعمان: هكذا فليمدح الملوك. وذو فائش: هو سلامة بن يزيد بن سلامة من ولد يحصب بن مالك وكان النابغة متصلا به قبل اتصاله بالنعمان، وله فيه مدائح كثيرة فاقتص الله تعالى من النعمان ابن المنذر بعد ذلك لما حكي أنه دخل حسان بن ثابت على الجفني فقال: انعم صباحا أيها الملك! السماء غطاؤك، والأرض وطاؤك، ووالدي ووالدتي فداؤك، أنى ينافسك ابن المنذر؟ فوالله لقذالك أحسن من وجهه، ولأمك خير من أبيه، ولظلك خير من شخصه، ولصمتك أبلغ من كلامه، ولشمالك خير من يمينه، ثم قال:\rقذاك أحسن من وجهه ... وأمك خيرٌ من المنذر\rويسر يديك إذا أعسرت ... كيمني يديه فلا تمتري\rأخذ المعنى الحسن بن هانيء فقال:\rبأبي أنت من غزالٍ غرير ... بذ حسن الوجوه حسن قفاكا\rونظر بعض الشعراء إلى هذا المعنى فقال يمدح زبيدة ابنة جعفر بن أبي جعفر المنصور أم الأمين:\rأزبيدة ابنة جعفر ... طوبي لزائرك المثاب\rتعطين من رجليك ما ... تعطي الأكف من الرغاب\rفلما أنشد ذلك تبادر العبيد ليوقعوا به فقالت زبيدة: كفوا عنه فلم يرد إلا خيراً، ومن أراد خيراً فأخطأ خير ممن أراد شراً فأصاب، إنه سمع الناس يقولون: قفاك أحسن من وجه غيرك، وشمالك أندى من يمين سواك، فقدر أن هذا مثل ذاك، أعطوه ما أمل، وعرفوه ما جهل، ومثله: مدح شاعرٌ أميرا فقال:\rأنت الهمام ابن الهما ... م الواسع ابن الواسعه\rفقال له: من أين عرفتها؟ قال: قد جربتها فقال: أسوأ من شعرك، ما أتيت به من عذرك! قال دخل خالد بن عبد الله العنبري على عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة فقال: يا أمير المؤمنين من تكن الخلافة قد زانته فأنت قد زينتها، ومن يكن شرفته فقد شرفتها، وأنت كما قال الشاعر:\rوإذا الدر زان حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا\rفقال عمر بن عبد العزيز: أعطي صاحبكم مقولا، ولم يعط معقولا. ولما دخل عبد الله المأمون بغداد تلقاه وجوه أهلها فقال له رجل منهم: يا أمير المؤمنين! بارك الله لنا في مقدمك، وزادك في نعمتك، وشكرك على رعيته، تقدمت من قبلك، وأتعبت من بعدك، وأيأست أن نعاين مثلك، أما فيمن مضى فلا نعرفه، وأما فيمن بقي فلا نرجوه، فنحن جميعا ندعو لك، ونثي عليك. خصب لنا جنابك، وعذب شرابك، وحسنت نصرتك، وكرمت مقدرتك. جبرت الفقير، وفككت الأسير، فأنت يا أمير المؤمنين كما قال الشاعر:\rما زلت في البذل للنوال وإط ... لاق لعان بجرمه علق\rحتى تمنى البراء أنهم ... عندكم أمسوا في القد والحلق\rوقال رجل للحسن بن سهل: لقد صرت لا أستكثر كثيرك، وإن قيلك أكثر من كثير غيرك. وقال الرشيد لبعض الشعراء: هل أحدثت فينا شيئاً؟ قال: يا أمير المؤمنين! المديح كله دون قدرك، والشعر فيك فوق قدري. ولكني أستحسن قول العتابي:\rماذا عسى مادح يثني عليك وقد ... ناداك في الوحي تقديسٌ وتطهير\rفت الممادح إلا أن ألسننا ... مستنطقات بما تخفي الضمائير!","part":1,"page":306},{"id":307,"text":"وقال رجل في خالد بن صفوان: قريع المنطق، جزل الألفاظ، عربي اللسان، قليل الحركات، حسن الإشارات، حلو الشمائل، كثير الطلاوة، صموتا قؤولا، يهنأ الجرب، ويداوي الدبر، ويك المحز، ويطبق المفصل، لم يكن بالزمر في مروءته، ولا بالهذر في منطقه، متبوعا غير تابع، كأنه علم في رأسه نار.\rوقيل لبعض الخلفاء: إن شبيب بن شيبة يستعمل الكلام ليستعد به، فلو أمرت به أن يصعد المنبر فجاءة لافتضح، قال: فأمر من أخذ بيده فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: إن لأمير المؤمنين أشباها أربعة، فمنها: الأسد الخادر، والبحر الزاخر، والقمر الباهر، والربيع الناضر، فأما الأسد الخادر، فأشبه منه صولته ومضاؤه. وأما البحر الزاخر، فأشبه منه جوده وعطاؤه. وأما القمر الباهر، فأشبه منه نوره وضياؤه. وأما الربيع الناضر، فأشبه منه حسنه وبهاؤه، ثم نزل.\rوقيل دخل رجل على المنصور فقال له تكلم بحاجتك، فقال: يبقيك الله تعالى يا أمير المؤمنين! قال: تكلم بحاجتك، فإنك لا تقدر على مثل هذا المقام في كل حين. قال: والله يا أمير المؤمنين! ما أستقصر أجلك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم مالك، وإن عطاءك لشرف، وإن سؤالك لزين، وما بامريء بذل إليك وجهه نقص ولا شين، فأحسن جائزته وأكرمه.\rوقال محمد بن مالك القرطبي من رسالة: ما رأيت وجها أسمح، ولا حلما أرجح، ولا سجية أسمع، ولا بشرا أبدى، ولا كفاً أندى، ولا غرة أجمل، ولا فضيلة أكمل، ولا خلقاً أصفى، ولا وعدا أوفى، ولا ثوباً أطهر، ولا سمتا أوفر، ولا أصلا أطيب، ولا رأيا أصوب، ولا لفظاً أعذب، ولا عرضا أنقى، ولا بناء أبقى، مما خص الله به ثالث القمرين، وسراج الخافقين، وعماد الثقلين المعتصم بالله.\rوقال بعض الكتاب: إن من النعمة على المثنى عليك أن لا يخاف الإفراط، ولا يأمن التقصير، ولا يحذر أن يلحقه نقيصه الكذب، ولا ينتهي به المدح إلى غاية، إلا وجد في فضلك عونا على تجاوزها. ومن سعادة جدك أن الداعي لك لا يعدم كثرة المشايعين له، والمؤمنين معه.\rوقال آخر: إني فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر الذي لا يخفي على كل ناظر، وأيقنت أني حيث انتهى بي القول إلى العجز مقصرٌ عن الغاية فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.\rوقال أبو عبد الله محمد بن الخياط من رقعة طويلة في المظفر في أولها: حجب الله عن الحاجب المظفر أعين النائبات، وقبض دونه أيدي الحادثات، فإنه مذ كان أنور من الشمس ضياءً، وأكمل من البدر بهاءً وأندى من الغيث كفاً، وأحمى من الليث أنفا، وأسخى من البحر بنانا، وأمضى من النصل لسانا، وأنجبه المنصور فجرى على سننه، وأدب فأخذ بسننه، وكانت الرياسة عليه موقوفة، والسياسة إليه مصروفة، قصرت الأوهام عن كنه فضله، وعجزت الأقلام عن وصف مثله، غير أن الفضائل لا بد من نشرها، والمكارم لا عذر في ترك شكرها.\rفهذه نبذة كافية مما ورد في المنثور فلنذرك ما ورد من المنظوم في ذلك.\rقال أبو هلال العسكري: سمعت أبا أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد يقول: امدح بيت قالته العرب قول النابغة الذبياني يمدح النعمان بن المنذر:\rألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملكٍ دونها يتذبذب\rبأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب\rوهو مأخوذ من قول بعض شعراء كندة مدح عمرو بن هند:\rتكاد تميد الأرض بالناس أن رأوا ... لعمرو بن هند غضبةً وهو عاتب\rهو الشمس وافت يوم سعدٍ فأفضلت ... على كل ضوء والملوك كواكب\rوقال نصيب:\rهو البدر والناس الكواكب حوله ... وهل يشبه البدر المضيء كواكب\rوقالوا: أبدع بيت قيل في المديح قول النابغة:\rفإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأي عنك واسع\rوقوله: أخلاق مجدك الأبيات وقد تقدمت وقد تداول الناس قول النابغة:\rفإنك كالليل الذي هو مدركي\rفقال الفرزدق:\rفلو حملتني الريح ثم طلبتني ... لكنت كشيءٍ أدركته مقادره\rوقول النابغة أبلغ، لأن الليل أعم من الريح، والريح يمتنع منها بأشياء، والليل لا يمتنع منه بشيء. وأخذ سلم الخاسر قول الفرزدق فقال:","part":1,"page":307},{"id":308,"text":"فأنت كالدهر مبثوثا حبائله ... والدهر لا ملجأ منه ولا هرب\rولو ملكت عنان الريح أصرفه ... في كل ناحية ما فاتك الطلب\rوقالوا: أجود شيء قيل في الحسن مع الشجاعة من شعر المتقدمين والمحدثين قول أبي العتاهية يمدح الرشيد بن المهدي وولده:\rنبو المصطفى هارون حول سريره ... فخير قيامٍ حوله وقعود\rتقلب ألحاظ المهابة بينهم ... عيون ظباءٍ في قلوب أسود\rوقالوا: أمدح بيت قالته العرب قول أبي الطمحان القيني:\rأضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ناقبه\rنجوم سماء كلما انقض كوكبٌ ... بدا كوكب يأوي إليه كواكبه\rوما زال منهم حيث كان مستودٌ ... تسير المنايا حيث سارت كتائبه\rوهذه الأبيات من قصيدة مدح بها بجير بن أوس بن حارثةٍ، ابن لأمٍ الطائي، وكان أسيرا في يده، فلما مدحه بها أطلقه بعد أن جز ناصيته، وأول القصيدة:\rإذا قيل أي الناس خيرٌ قبيلةً ... وأصبر يوما لا تواري كواكبه\rفإن بني لأم بن عمرو أرومة ... علت فوق صعبٍ لا تنال مراتبه\rأضاءت لهم أحسابهم الأبيات.\rومثله قول ابن أبي السمط:\rفتى لا يبالي المدلجون بنوره ... إلى بابه أن لا تضيء الكواكب\rله حاجبٌ من كل أمرٍ يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب\rومثله قول الحطيئة:\rنمشي على ضوء أحساب أضأن لنا ... كما أضاءت نجوم الليل للساري\rومثله قول الآخر:\rوجوهٌ لو أن المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدجى حتى يرى الليل ينجلي\rوقال عيسى بن أوس يمدح الجنيد بن عبد الرحمن:\rإلى مستنير الوجه طال بسؤددٍ ... تقاصر عنه الشاهق المتطاول\rمدحتك بالحق الذي أنت أهله ... ومن مدح الأقوام حقٌ وباطل\rيعيش الندى ما دمت حياً فإن تمت ... فليس لحي بعد موتك طائل\rوما لامريء عندي مخيلة نعمةٍ ... سواك وقد جادت على مخائل\rوقالوا: أمدح بيت قالته العرب قول الأعشى:\rفتًى لو ينادي الشمس ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المقالدا\rوهذا من الغلو وهو مذموم عند بعضهم.\rومثله في الغلو قول طريح بن إسماعيل:\rلو قلت للسيل دع طريقك وال ... موج عليه كالهضب يعتلج\rلارتد أو ساخ أو لكان له ... في جانب الأرض عنك منعرج\rومن الغلو قول أبي تمام في المعتصم بالله:\rبيمن أبي إسحاق طالت يد العلي ... وقامت قناة الدين واشتد كاهله\rهو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله\rتعود بسط الكف حتى لو أنه ... أراد انقباضا لم تطعه أنامله\rولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتقي الله سائله\rوقال العسكري:\rوكيف يبيت الجار منك على صدًى ... وكفك بحرٌ لجة الجود ساحله\rوقال أبو هلال العسكري يرفعه إلى الأصمعي قال: سمعت أعرابياً يقول: إنكم معاشر أهل الحضر، لتخطئون المعنى، إن أحدكم ليصف الرجل بالشجاعة فيقول: كأنه الأسد، ويصف المرأة بالحسن فيقول: كأنها الشمس، ولم لا تجعلون هذه الأشياء بهم أشبه؟ ثم قال: والله لأنشدنك شعراً يكون لك إماما. ثم أنشدني:\rإذا سألت الورى عن كل مكرمةٍ ... لم تلف نسبتها إلا إلى الهول\rفتى حوادا أعار النيل نائله ... فالنيل يشكر منه كثرة النيل\rوالموت يرهب أن يلقى منيته ... في شدة عند لف الخيل بالخيل\rلو عارض الشمس ألفى الشمس مظلمةً ... أو زاحم الصم ألجاها إلى الميل\rأو بارز الليل غطته قوادمه ... دون الخوافي كمثل الليل في الليل\rأمضي من النجم إن نابته نائبةٌ ... وعند أعدائه أجرى من السيل\rومثله قول الآخر:\rعلم الغيث الندى حتى إذا ... ما حكاه علم البأس الأسد\rفله الغيث مقرٌ بالندى ... وله الليث مقرٌ بالجلد","part":1,"page":308},{"id":309,"text":"وقال أمية بن أبي الصلت في عبد الله بن جدعان:\rأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء\rكريم لا يغيره صباحٌ ... عن الخلق الكريم ولا مساء\rفأرضك أرض مكرمة بنتها ... بنو تيمٍ وأنت لها سماء\rونحوه قوله:\rلكل قبيلة شرفٌ وعزٌ ... وأنت الرأس تقدم كل هاد\rوقال ابن الرومي:\rقوم يحلون من مجدٍ ومن شرفي ... ومن غناء محل البيض واليلب\rحلوا محلهما من كل جمجمة ... نفعا ودفعا وإطلالا على الرتب\rقوم هم الرأس إذ حسادهم ذنبٌ ... ومن يمثل بين الرأس والذنب\rوقال أبو هلال العسكري:\rفابشر فإنك رأس والعلي جسدٌ ... والمجد وجهٌ وأنت السمع والبصر\rلولاك لم تك للأيام منقبةٌ ... تسمو إليها ولا للدهر مفتخر\rوقال علي بن جبلة:\rلولا أبو دلفٍ لم تحى عارفةٌ ... ولم ينؤ نوء مأمولٍ بآمال\rيا بن الأكارم من عدنان قد علموا ... وتالد المجد بين العم والخال\rوناقل الناس من عدمٍ إلى جدةٍ ... وصارف الدهر من حالٍ إلى حال\rأنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتمسك الأرض عن خسفٍ وزلزال\rوما مددت مدى طرفٍ إلى أحدٍ ... إلا قضيت بآمالٍ وآجال\rتزور سخطا فتمسي البيض راضيةً ... وتستهل فتبكي أوجه المال\rوقالوا: أمدح بيت قالته العرب قول زهير:\rتراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله\rوعاب بعضهم هذا البيت وقال: جعل الممدوح يفرح بغرضٍ يناله، وليس هذا صفة كبير الهمة، والجيد قول أبي نوفل عمرو بن محمد الثقفي:\rولئن فرحت بما ينيلك إنه ... لبما ينيلك من نداه أفرح\rما زال يعطي ناطقا أو ساكتا ... حتى ظننت أبا عقيلٍ يمزح\rومثله قوله أبي تمام:\rأسائل نصرٍ لا تسله فإنه ... أحن إلى الإرفاد منك إلى الرقد\rوقالوا: أمدح بيت قالته العرب قول الحطيئة:\rمتى تأته تعشو إلى ضوء ... تجد خير نار عندها خير موقد\rوقال القاسم بن حنبل:\rمن البيض الوجوه بني سنانٍ ... لو انك تستضيء بهم أضاءوا\rلهم شمس النهار إذا استقلت ... ونورٌ لا يغيبه العماء\rهم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا\rفلو أن السماء دنت لمجدٍ ... ومكرمةٍ دنت لهم السماء\rوقالوا أيضا: أمدح بيتٍ قيل قول الأول أيضا:\rقومٌ سنانٌ أبوهم حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا\rلو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍ ... قومٌ بعزهم أو مجدهم قعدوا\rمحسدون على ما كان من نعمٍ ... لا ينزع الله عنهم ما له حسدوا\rوقالوا: أمدح بيتٍ قاله محدث، قول مروان بن أبي حفصة في معن ابن زائدة:\rبنو مطرٍ يوم اللقاء كأنهم ... أسودٌ لها في غيل خفان أشبل\rهم المانعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل\rبهاليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول\rهم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا\rوقال العسكري: وأنشد بعض أهل الأدب قول ابن أبي طاهر وقال: لو استعمل الإنصاف لكان هذا أحسن مدح قاله متقدم ومتأخر وهو:\rإذا أبو أحمدٍ جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان البحر والمطر\rوإن أضأت لنا أنوارغرته ... تضاءل النيران الشمس والقمر\rوإن مضى رأيه أو جد عزمته ... تأخر الماضيان السيف والقدر\rمن لم يكن حذراً من حد صولته ... لم يدر ما المزعجان الخوف والحذر\rحلوٌ إذا أنت لم تبعث مرارته ... فإن أمر فحلوٌ عنده الصبر","part":1,"page":309},{"id":310,"text":"سهل الخلائق إلا أنه خشنٌ ... لين المهرة إلا أنه حجر\rلا حيةٌ ذكرٌ في صولته ... إن صال يوما ولا الصمصامة الذكر\rإذا الرجال طغت آراؤهم وعموا ... بالأمر رد إليه الرأي والنظر\rالجود منع عيانٌ لا ارتياب به ... إذ جود كل جوادٍ عنده خبر\rوقال: ومن المديح القليل النظير، قول علي بن محمد الأفوه:\rأوفوا من المجد والعلياء في قللٍ ... شم قواعدهن البأس والجود\rسبط اللقاء إذا شميت مخائلهم ... بسل اللقاء إذا صيد الصناديد\rمحسدون ومن يعلق بحبلهم ... من البرية يصبح وهو محسود\rوقالوا: أمدح بيت قاله محدث قوله علي بن جبلة في أبي دلف:\rإنما الدنيا أو دلفٍ ... بين باديه ومحتضره\rفإذا ولى أبو دلفٍ ... ولت الدنيا على أثره\rوهي من القصائد المشهورة، وأولها:\rذاد ورد الغي عن صدره ... وارعوي واللهو من وطره\rجاء منها في مدحه:\rيا دواء الأرض إن فسدت ... ومجير اليسر من عسره\rكل من في الأرض من عربٍ ... بين باديه إلى حضره\rمستعيرٌ منه مكرمةً ... يكتسيها يوم مفتخره\rإنما الدنيا أبو دلف ... ...... ....\rقال العسكري: ومن المديح البارع قول بشار:\rألا أيها الطالب المبتغي ... نجوم السماء بسعي أمم\rسمعت بمكرمة ابن العلاء ... فأنشأت تطلبها لست ثم\rإذا عرض الهم في صدره ... لها بالعطاء وضرب البهم\rفقل للخليفة إن ختمه ... نصيحا ولا خير من المتهم\rإذا أيقظتك جسام الأمور ... فنبه لها عمراً ثم نم\rفتًى لا يبيت على دمنة ... ولا يشرب الماء إلا بدم\rيحب العطاء وسفك الدماء ... فيغدو على نعمٍ أو نقم\rقال ومن المديح القليل النظير: قول أمامة بنت الجلاح الكلبية:\rإذا شئت أن تلقى فتى لو وزنته ... بكل معدي وكل يماني\rوفي بهم جودا وحلما وسؤدداً ... وباساً، فهذا الأسود بن قنان\rفتى كالفتاة البكر يسفر وجهه ... كأن تلالي وجهه القمران\rأغر أبر ابني نزار ويعربٍ ... وأثقهم عقدا بقول لسان\rوأوفاهم عهداً وأطولهم يدا ... وأعلاهم فعلا بكل مكان\rوأضربهم بالسيف من دون جاره ... وأطعنهم من دونه بسنان\rكأن العطايا والمنايابكفه ... سحابان مقرونان مؤتلفان\rومن المديح البارع قول أبي تمام:\rرأيت لعياشٍ خلائق لم تكن ... لتكمل إلا في اللباب المهذب\rله كرمٌ لو كان في الماء لم يغض ... وفي البرق ما شام امرؤ برق خلب\rأخو عزماتٍ بذله بذل محسنٍ ... إلينا ولكن عذره عذر مذنب\rيهولك أن تلقاه في صدر محفلٍ ... وفي نحر أعداْ وفي قلب موكب\rوما ضيق أقطار البلاد أضافني ... إليك ولكن مذهبي فيك مذهبي\rوهذي بنات المدح فاجرر ذيولها ... عليك وهذا مركب الحمد فاركب\rوقد أحسن التنوخي في قوله:\rوفتية من حميرس حمر الظبى ... بيض العطايا حين يسود الأمل\rشموس مجدٍ في سموات علًي ... وأسد موتٍ بين غاباتٍ أسل\rوقالت الخنساء في أخيها صخر:\rطويل النجاج رفيع العما ... د ساد عشيرته أمردا\rإذا القوم مدوا بأيديهم ... إلى المجد مد إليه يدا\rفنال الذي فوق أيديهم ... من المجد ثم مضى مصعدا\rفكلفه القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا\rترى الحمد يهوي إلى بيته ... يرى أفضل الكسب أن يحمدا\rقال آخر:\rومصعدٍ هضبات المجد يطلعها ... كأنه لسكون الجأش منحدر\rما زال يسبق حتى قال حاسده ... له طريقٌ إلى العلياء مختصر\rوقال إبراهيم بن العباس:","part":1,"page":310},{"id":311,"text":"تلج السنون بيوتهم وترى لها ... عن بيت جارهم ازورار مناكب\rوتراهم بسيوفهم وشفارهم ... مستشرقين لراغبٍ أو راهب\rحامين أو قارين حيث لقيتهم ... نهب العفاة ونزهة للراغب\rوقال أيضا:\rإذا السنة الشهباء مدت سماءها ... مددت سماءً دونها فتحلت\rوعادت بك الريح العقيم لدى القرى ... لقاحا فدرت عن نداك وطلت\rوقال ابن الرومي:\rكأن مواهبه في المحو ... ل آراؤه عند ضيق الحيل\rفلو كان غيثاً لعم البلاد ... ولو كان سيفا لكان الأجل\rولو كان يعطي على قدره ... لأغنى النفوس وأفنى الأمل\rوقال أبو الحسن بن أبي البغل البغدادي يمدح أبا القاسم بن وهب وقد تقدم ذكر بعضها لابن أبي طاهر:\rإذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان البحر والمطر\rوإن أضأت لنا أنوار غرته ... تضاءل النيران الشمس والقمر\rوإن بدا رأيه أو جد عزمته ... تأخر الماضيان السيف والقدر\rينال بالظن ما كان اليقين به ... والشاهدان عليه العين والأثر\rكأنه وزمام الدهر في يده ... يدري عواقب ما يأتي وما يذر\rوقال ذو الرمة:\rيطيب تراب الأرض إن نزلوا بها ... ويختال أن تعلو عليها المنابر\rوما زلت تسمو للمعالي وتجتني ... جنى المجد مذ شدت عليك المآزر\rإلى أن بلغت الأربعين فألقيت ... إليك جماهير الأمور الأكابر\rفاحكمتها لا أنت في الحكم عاجز ... ولا أنت فيها عن هدى الحق جائر\rوقال الشريف الرضى:\rيا مخرس الدهر عن مقالته ... كل زمان عليك متهم\rشخصك في وجه كل داجية ... ضحًى وفي كل مجهل علم\rوقال أبو الحسن السلامي:\rإذا زرته لم تلق من دون بابه ... حجابا ولم تدخل عليه بشافع\rكماء الفرات الجم أعرض ورده ... لكل أناس فهو سهل الشرائع\rتراه إذا ما جئته متهللا ... تهلل أبكار الغيوث الهوامع\rوقال محمد بن الحسين الآمدي:\rمن القوم لما استغرب المجد غيرهم ... من الناس أمسوا منه فوق الغرائب\rإذا سالموا كانوا صدور مراتب ... وإن حاربوا كانوا قلوب مواكب\rجواد متى ما رامت الريح شأوه ... كبت دون مرمى خطوه المتقارب\rوبحر ندًى لو زاره البحر حدثت ... عجائبه عن فعله بالعجائب\rوقال الأصمعي: كنت بالبادية فرأيت امرأةً على قبر تبكي وتقول:\rفمن للسؤال ومن للنوال ... ومن للمقال ومن للخطب\rومن للحماة ومن للكماة ... إذا ما الكماة جثو للركب\rإذا قيل مات أبو مالك ... فتى المكرمات قريع العرب\rفقد مات عز بني آدم ... وقد ظهر النكد بعد الطرب\rقال: فملت إليها، وسألتها عنه، فقالت: فديتك! هذا أبو مالك الحجام، ختن أبي منصور الحائك، فما ظننت إلا أنه من سادات العرب.\rوقال العماد الأصفهاني:\rحييون يخفون إحسانهم ... ويعتذرون كان قد اساءوا\rإذا أظلم الدهر أعدوا عليه ... وإن أظلم الخطب يوما أضاءوا\rبمثلكم قد أقر الرجال ... فمثلكم لم تلده النساء\rوللناس من حسن أيامكم ... بدولتكم كل يوم هناء\rوقال أيضا:\rفلأطوين على أغر محجل ... عرض الفلاة إلى أغر محجب\rليث الوغى غوث الورى غيث الندى ... بدر الندى نعم وصدر الموكب\rوإذا استوى في دسته مالت له ... أعناق كل متوج ومعصب\rوتميت رأفته حقود عداته ... وتحل هيبته عقود المحتبى\rإن الممالك ما تزال برأيه ... في صائب وبجوده في صيب\rيحبوك معتذرا إليك فيا له ... من محسن تعروه خجلة مذنب","part":1,"page":311},{"id":312,"text":"يزهى بأصلٍ في العلاء مخيمٍ ... شرفا وفرعٍ بالكرام مطنب\rوقال أحمد بن محمد النامي:\rله سورة في البشر تقرأ في العلا ... وتثبت في صحف العطاء وتكتب\rإذا ما عليٌّ أمطرتك سماؤه ... رأيت العلا أنواؤها تتحلب\rوأزهر يبيض الندى منه في الرضا ... وتحمر أطراف القنا حين يغضب\rأمير الندى ما للندى عنك مذهبٌ ... ولا عنك يوما للرغائب مرغب\rوقال أبو حامد أحمد بن محمد الأنطاكي:\rسيدٌ شادت علاه له ... في العلا آباؤه النجب\rوله بيتٌ يمد له ... فوق مجرى الأنجم الطنب\rحسبه بالمصطفى شرفاً ... وعليٍّ حين ينتسب\rرتبةٌ في العز شامخةٌ ... قصرت عن مثلها الرتب\rوقال ابن نباتة السعدي:\rيرى الشمس أما والكواكب إخوةً ... وينظر من بدر السماء إلى ترب\rغنيت عن الآمال حين رأيته ... وأصبح من بين الورى كلهم حسبي\rفلم أطلب المعروف من غير كفه ... وهل تطلب الأمطار إلى من السحب\rوقال أبو حامد أحمد الأنطاكي:\rلو نيل بالمجد في العلياء منزلةٌ ... لنال بالمجد أعنان السموات\rيرمى الخطوب برأيٍ يستضاء به ... إذا دجا الرأي من أهل البصيرات\rفليس يلقاه إلا عند عارفة ... أو واقفا في صدور السمهريات\rوقال أبو طالب المأموني:\rقد وجدنا خطا الكلام فساحا ... فجعلنا النسيب فيك امتداحا\rوأفضنا ما في الصدور ففاض ال ... مدح قبل النسيب فيك انفساحا\rوعمدنا إلى علاك فصغنا ... لصدور القريض منها وشاحا\rوصدعنا في أوجه الشعر من بي ... ض مساعيك بالندى أوضاحا\rكم كسيرٍ جبرته وفقيرٍ ... مستميح رددته مستماحا\rوأمانٍ خرسٍ بسطت لها في ال ... قول حتى أعدتهن فصاحا\rوبلادٍ جوامحٍ رضتها بال ... عزم حتى أنسيتهن الجماحا\rشهرت منك آل سامان عضبا ... ينجح السعي غربه إنجاحا\rلا يذوق الإغفاء إلا رجاءً ... أن يرى طيف مستميح رواحا\rوقال أحمد بن محمد النامي:\rأمير العلا إن العوالي كواسبٌ ... علاءك في الدنيا وفي جنة الخلد\rيمر عليك الحول سيفك في الطلى ... وطرفك ما بين الشكيمة واللبد\rويمضي عليك الدهر فعلك للعلا ... وقولك للتقوى وكفك للرفد\rوقال أيضا:\rفتى قسم الأيام بين سيوفه ... وبين طريفات المكارم والتلد\rفسود يوما بالعجاج وبالردى ... وبيض يوما بالفضائل والحمد\rوقال الصاحب بن عباد:\rأيها الآملون حطوا سريعا ... برفيع العماد واري الزناد\rفهو إن جاد ذم حاتم طيءٍ ... وهو إن قال فل قس إياد\rوإذا ما ربا فأين زيادٌ ... من علاه وأين آل زياد\rوقال أبو طالب المأموني من قصيدة:\rفتًى ملئت بردتاه علاً ... ونبلا وفضلاً ومجداً وخيرا\rإذا ضمه الدست ألفيته ... سحاباً مطيراً وبدراً منيرا\rوإن أبرزته وغًى خلته ... حساما بتورا وليثا هصورا\rوطورا معيدا وطورا مبيدا ... وطورا مجيرا وطورا أميرا\rترى في ذراه لسان المنى ... طويلا وباع الليالي قصيرا\rتضم الأسرة منه ذكاءً ... وتحمل منه المذاكي ثبيرا\rوقال أبو الطيب المتنبي:\rبمشي الكرام على آثار غيرهم ... وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع\rمن كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع\rوقال أبو المعالي محمد بن مسعود الأصفهاني شاعر الخريدة:\rقد حل في مدرج العلياء مرتبةً ... مطامح الشهب عن غاياتها تقف\rأغري بوصف معاليه الورى شغفاً ... لكنه والمعالي فوق ما وصفوا","part":1,"page":312},{"id":313,"text":"إن ناصبته العدا فالدهر معتذر ... أو أنكروا فضله فالمجد معترف\rوقال السلامي شاعر اليتيمة:\rيزور نائلك العافي وصارمك ال ... عاصي فتحويهما أيدٍ وأعناق\rفي كل يوم لبيت المجد منك غنًى ... وثروةٌ ولبيت المال إملاق\rكم خضت من لجةٍ للنفع زاخرة ... ماء المنون بها حاشاك دفاق\rوقال المتنبي:\rأنت الجواد بلا من ولا كدرٍ ... ولا مطالٍ ولا وعدٍ ولا ملل\rوقال أبو الفرج الببغاء:\rلا غيث نعماه في الورى خلب ال ... برق ولا ورد جوده وشل\rجاد إلى أن لم يبق نائله ... مالاً ولم يبق للورى أمل\rوقال محمد بن الحسن الحاتمي شاعر اليتيمة:\rومن عودته المكرمات شمائلا ... فليس له عنها ولو شاء ناقل\rوإن راسل الأعداء فالجود رسله ... إليهم وأطراف العوالي الرسائل\rعظمت فهذا الدهر دونك همةً ... وجدت فهذا القطر عندك باخل\rوقال مؤيد الدين الطغرائي:\rلو دب رأيك في كعوب قناً ... ما مسها طنبٌ ولا خلل\rأو كان ضوءك للغزالة لم ... يحجب ضياء جبينها الطفل\rأو كان لطفك في الحياة لما ... طافت بها الأسقام والعلل\rأنت الذي لولا علاه عفت ... طرق الهدى واستبهم السبل\rفي كل شعبٍ من رويته ... شعبٌ ومن آرائه شعل\rيرتد عنه جفن حاسده ... فكأنه بالنار يكتحل\rوجهٌ كيوم الصحو مبتسمٌ ... ويدٌ كليل الدجن تنهمل\rمسحت على الأنواء راحته ... فانساق منها العارض الهطل\rإن ضن غيثٌ أو خبا قمرٌ ... فجبينه ويمينه البدل\rوقال ابن الرومي:\rآراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم\rفيها معالم للهدى ومصائجٌ ... تجلو الدجى والأخريات رجوم\rوقال أبو الطيب المتنبي:\rقومٌ بلوغ الغلام عندهم ... طعن نحور الكماة لا الحلم\rكأنما يولد الندى معهم ... لا صغرٌ عاذرٌ ولا هرم\rإذا تولوا عداوةً كشفوا ... وإن تولوا صنيعة كتموا\rتظن من كثرة اعتذارهم ... أنهم أنعموا وما علموا\rإن برقوا فالحتوف حاضرة ... أو نطقوا فالصواب والحكم\rأو شهدوا الحرب لاقحا أخذوا ... من مهج الدار عين ما احتكموا\rأو ركبوا الخيل غير مسرجةٍ ... فإن أفخاذهم لها حزم\rتشرق أعراضهم وأوجههم ... كأنها في نفوسهم شيم\rأعيذكم من صروف دهركم ... فإنه في الكرام متهم\rوقال أيضا:\rودانت له الدنيا فأصبح جالسا ... وأيامه فيما يريد قيام\rوكل أناس يبتغون إمامهم ... وأنت لأهل المكرمات إمام\rوقال أيضا:\rهم المحسنون الكر في حومة الوغى ... وأحسن منه كرهم في المكارم\rولولا احتقار الأسد شبهتها بهم ... ولكنها معدودةٌ في البهائم\rوقال المشوق الشامي شاعر اليتيمة:\rيروح إلى كسب الثناء ويغتدي ... إذا كان هم الناس كسب الدراهم\rوإن جلس الأقوام عن واجب الندى ... وحق العطايا كان أو قائم\rيزيد ابتهاجا كلما زار قاصد ... كأن به شوقاً إلى كل قادم\rوقال السلامي شاعرها:\rتشبهه المداح في البأس والندى ... بمن لو رآه كان أصغر خادم\rففي جيشه خمسون ألفا كعنترٍ ... وأمضى وفي خزانة ألف حاتم\rوقال أبو طالب المأموني من قصيدة:\rيعمم بالهندي حين يسله ... أسود الوغى بالضرب فوق العمائم\rفلا ملك إلا ما أقمت عروشه ... ولا غيث إلا ما أفضت لشائم\rولا تاج إلا ما توليت عقده ... على جبهة الملك المكنى بقاسم","part":1,"page":313},{"id":314,"text":"فرأيك نجمٌ في دجى الليل ثاقبٌ ... وعزمك عضبٌ في طلى كل ناجم\rوقال المشوق الشامي:\rما زال يبني كعبةً للعلى ... ويجعل الجود لها ركنا\rحتى أتى الناس فطافوا بها ... وقبلوا راحته اليمنى\rوقال المأموني من قصيدة:\rهمام يبكي المشرفية ساخطا ... ويضحك أبكار الأماني راضيا\rولو أن بحرا يستطيع ترقياً ... إليه لأم البحر جدواه راجيا\rما قيل في الافتخار قالوا: أفخر بيت قالته العرب قول جرير:\rإذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا\rقال: دخل رجل من بني سعد على عبد الملك بن مروان فقال له: ممن الرجل؟ قال: من الذين قال لهم الشاعر:\rإذا غضبت عليك بنو تميم، البيت.\rقال: فمن أيهم أنت؟ قال: من الذين يقول فيهم القائل:\rيزيد بنو سعدٍ على عدد الحصى ... وأثقل من وزن الجبال حلومها\rقال: فمن أيهم أنت؟ قال: من الذين يقول لهم الشاعر:\rبنات بني عوفٍ طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غران\rقال: فمن أيهم أنت؟ قال: من الذين يقول لهم الشاعر:\rفلا وأبيك ما ظلمت قريعٌ ... بأن يبنوا المكارم حيث شاءوا\rقال: فمن أيهم أنت؟ قال: من الذين يقول لهم الشاعر:\rقوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يستوي بأنف الناقة الذنبا\rقال: اجلس، لا جلست، والله لقد خفت أن تفخر علي! وقالوا: أفخر بيت قالته العرب قول الفرزدق:\rترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا!\rوقال عمرو بن كلثوم وهو أبلغ ما قاله جاهلي في الافتخار:\rونحن الحاكمون إذا أطعنا ... ونحن العائفون إذا عصينا\rونحن التاركون لما سخطنا ... ونحن الآخذون لما رضينا\rوقال إبراهيم بن العباس:\rإما تريني أمام القوم متبعاً ... فقد أرى من وراء الخيل أتبع\rيوما أبيح فلا أرعى على نشب ... وأستبيح فلا أبقي ولا أدع\rلا تسألي القوم عن حي صبحتهم ... ماذا صنعت وماذا أهله صنعوا\rوقالوا: من أحسن ما مدح به الرجل نفسه قول أعشى ربيعة:\rوما أنا في نفسي ولا في عشيرتي ... بمهتضمٍ حقي ولا قارعٍ سني\rولا مسلمٍ مولاي عند جنايةٍ ... ولا خائفٍ مولاي من شر ما أجنى\rوأن فؤادي بين جنبي عالمٌ ... بما أبصرت عيني وما سمعت أذني\rوفضلني في الشعر واللب أنني ... أقول على علمٍ وأعلم ما أعني\rفأصبحت إذ فضلت مروان وابنه ... على الناس قد فضلت خير أبٍ وابن\rوقال أبو هفان:\rلعمري لئن بيعت في دار غربةٍ ... بناتي إذ ضاقت علي المآكل\rفما أنا إلا السيف يأكل جفنه ... له حليةٌ من نفسه وهو عاطل\rقال أبو هلال العسكري، ولا أعرف في الافتخار أحسن مما أنشده أبو تمام وهو:\rفقل لزهير إن شتمت سراتنا ... فلسنا بشتامين للمتشتم\rولكننا نأبى الظلام ونقتضي ... بكل رقيق الشفرتين مصمم\rوتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم\rومن الافتخار قول السموءل بن عاديا من كلمته التي أولها:\rإذ المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل\rوإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل\rوقائلةٍ ما بال أسرة عاديا ... تنادي وفيها قلةٌ وحمول\rتعيرنا أنا قليلٌ عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل\rوما قل من كانت بقاياه مثلنا ... شبابٌ تسامى للعلا وكهول\rوما ضرنا أنا قليلٌ وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل\rوأنا أناس لا نرى القتل سبةً ... إذا ما رأته عامرٌ وسلول\rيقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول\rوما مات منا سيدٌ حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيل","part":1,"page":314},{"id":315,"text":"تسيل على حد الظباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل\rصفونا فلم نكدر وأخلص سرنا ... إناثٌ أطابت حملنا وفحول\rعلونا إلى خير الظهور وحطنا ... لوقت إلى خير البطون نزول\rفنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهامٌ ولا فينا يعد بخيل\rوننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول\rإذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤولٌ لما قال الكرام فعول\rوما أخمدت نارٌ لنا دون طارقٍ ... ولا ذمنا في النازلين نزيل\rوأيامنا مشهورة في عدونا ... لها غررٌ معلومة وحجول\rوأسيافنا في كل شرق ومغربٍ ... بها من قراع الدارعين فلول\rمعودةً أن لا تسل نصالها ... فنغمد حتى يستباح قبيل\rسلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... وليس سواء عالمٌ وجهول\rفإن بني الديان قطبٌ لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول\rوقال أبو هلال العسكري من قصيدة:\rوما ضاع مثلى حيث حلت ركابه ... بل حيث ضاع المجد مثلى ضائع\rومثلى مخضوعٌ له غير أنه ... إذا كان مجهول الفضائل خاضع\rومثلى متبوعٌ على كل حالة ... فإن ينقلب وجه الزمان فتابع\rوقال عبد الله بن المعتز:\rسألتكما بالله هل تعلمانني ... ولا تكتما شيأ فعندكما خبري\rأأرفع نيران القرى لعفاتها ... وأصبر يوم الروع في ثغرة الثغر\rوأسأل نيلا لا يجاد بمثله ... فيفتحه بشرى ويختمه عذري\rومن الافتخار قول بعض الشعراء، ويروي حسان بن ثابت من قصيدة أولها:\rأنسيم ريحك أم خيار العنبر ... يا هذه أم ريح مسكٍ أزفر\rقولي لطيفك أن يصد عن الحشى ... سطوات نيران الأسى ثم اهجري\rوانهي رماتك أن يصبن مقاتلي ... فينال قومك سطوةٌ من معشري\rإنا من النفر الذين جيادهم ... طلعت على كسرى بريح صرصر\rوسلبن تاجي ملك قيصر بالقنا ... واجترن باب الدرب لابن الأصفر\rكم قد ولدنا من كريمٍ ماجدٍ ... دامي الأظافر أو ربيع ممطر\rخلقت أنامله لقائم مرهفٍ ... ولبذل مكرمة وذروة منبر\rيلقي الرماح بوجهه وبصدره ... ويقيم هامته مقام المغفر\rويقول للطرف اصطبر لشبا القنا ... فهدمت ركن المجد إن لم تصبر\rوإذا تأمل شخص ضيفٍ مقبلٍ ... متسربلٍ سربال ثوبٍ أغبر\rأوما إلى الكوماء هذا طارقٌ ... نحرتني الأعداء إذ لم تنحر\rالجود والكرم وأخبار الكرام","part":1,"page":315},{"id":316,"text":"حقيقة الجود بذل المال، قال الله عز وجل: \" لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون \" وقال تعالى: \" ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون \" وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إن الله استخلص هذا الدين لنفسه ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم بهما \" وقال صلى الله عليه وسلم : \" تجاوزوا عن ذنب السخي فإن الله عز وجل آخذ بيده كلما عثر وفاتحٌ له كلما افتقر \" وقال صلى الله عليه وسلم: \" الجود من جود الله تعالى فجودوا يجود الله عليكم \" . \" ألا أن السخاء شجرة في الجنة أغصانها متدلية في الأرض فمن تعلق بغصن منها أدخله الجنة \" . \" ألا إن السخاء من الإيمان والإيمان في الجنة \" . وقال علي بن عبد الله بن عباس: سادة الناس في الدنيا الأسخياء. وقال بعض الحكماء: الجواد من جاد بماله وصان نفسه عن مال غيره. وقيل لعمرو بن عبيد: ما الكرم؟ فقال: أن تكون بمالك متبرعا، وعن مال غيرك متورعا. ويقال: مراتب السخاء ثلاثة: سخاء وجودٌ وإيثارٌ، فالسخاء إعطاء الأقل وإمساك الأكثر، والجود إعطاء الأكثر وإمساك الأقل، والإيثار إعطاء الكل من غير إمساك بشيء، وهو أشرف درجات الكرم، وبه استحقوا ثناء الله عز وجل عليهم في قوله: \" ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ \" . ومن كلامٍ ينسب إلى جعفر بن محمد: لا يتم المعروف إلا بثلاثة: تعجيله، وتصغيره، وستره. الجود زكاة السعادة، والإيثار على النفس موجب لاسم الكرم، وقال: لا يستحي من بذل القليل فإن الحرمان أقل منه. قال بعض الشعراء:\rأعط القليل ولا يمنعك قلته ... فكل ما سد فقراً فهو محمود\rوقال علي بن الحسين: الكريم يبتهج بفضله، واللئيم يفتخر بماله.\rوقال الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما: أيها الناس من جاد ساد، ومن بخل رذل، وأن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه. وقيل ليزيد بن معاوية: ما الجود؟ قال: أن تعطي المال من لا تعرف، فإنه لا يصير إليه حتى يتخطى من تعرف.\rوقال أحمد بن محمد بن عبد ربه: لو لم يكن في الكرم، إلا أنه صفة من صفات الله تعالى، تسمى بها فهو الكريم عز وجل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه \" . وقيل لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال، قال: إن الله عز وجل قد عودني بعادة أن يتفضل علي، وعودته أن أتفضل على عباده، وأخاف أن أقطع العادة فيقطع عني. وقال المأمون لمحمد بن عباد المهلبي: إنك متلاف، قال: منع الجود، سوء ظن بالمعبود. قال الله تعالى: \" وما أنفقتم من شيءٍ فهو يخلفه وهو خير الرازقين \" . وقال أكثم بن صيفي حكيم العرب: ذللوا أخلافكم للمطالب، وقودوها إلى المحامد، وعلموها المكارم، ولا تقيموها على خلق تذمونه من غيركم، وصلوا من رغب إليكم وتحلوا بالجود يكسبكم المحبة، ولا تعتقدوا البخل، لتعجلوا الفقر، أخذه الشاعر فقال:\rأمن خوف فقر تعجلته ... وأخرت إنفاق ما تجمع\rفصرت الفقير وأنت الغني ... وما كنت تعدو الذي تصنع\rوكتب رجل من البخلاء إلى رجل من الأسخياء يأمره بالإنفاق على نفسه ويخوفه الفقر، فأجابه: \" الشيطان يعد كم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعد كم مغفرةً منه وفضلاً \" وإني أكره أن أترك أمرا قد وقع لأمر لعله لا يقع.\rوكان سعيد بن العاص يقول على المنبر: من رزقه الله رزقا حسنا، فلينفق منه سرا وجهرا، حتى يكون أسعد الناس به، فإنما يترك ما يترك لأحد رجلين، إما لمصلح، فلا يقل عليه شيء، وإما لمفسد، فلا يبقى له شيء. أخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال:\rاسعد بمالك في الحياة فإنما ... يبقي خلافك مصلحٌ أو مفسد\rفإذا جمعت لمفسد لم يغنه ... وأخو الصلاح قليله يتزيد\rوقال أبو ذر رضي الله عنه: لك في مالك شريكان الحدثان، والوارث، فإن استطعت أن لا تكون أبخس الشركاء حظاً فافعل. وقال بزرجمهر الفارسي: إذا أقبلت عليك الدنيا، فانفق منها، فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عليك، فانفق منها، فإنها لا تبقى، أخذ الشاعر هذا المعنى فقال:\rلا بتخلن بدينا وهي مقبلةٌ ... فليس ينقصها التبذير والسرف\rوإن تولت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف","part":1,"page":316},{"id":317,"text":"وكان كسرى يقول: عليكم بأهل السخاء والشجاعة، فإنهم أهل حسن ظن بالله، ولو أن أهل البخل، لم يدخل عليهم من ضر بخلهم، ومذمة الناس لهم، وإطباق القلوب على بغضهم، إلا سوء ظنهم بربهم في الخلف، لكان عظيما، أخذه محمود الوراق فقال:\rمن ظن بالله خيرا جاد مبتدئا ... والبخل من سوء ظن المرء بالله\rوقيل لأبي عقيل البليغ العراقي: كيف رأيت مروان بن الحكم عند طلب الحاجة إليه؟ قال: رأيت رغبته في الشكر، وحاجته إلى قضاء الحاجة، أشد من حاجة صاحبها.\rوقال زياد: كفى بالبخيل عارا، أن اسمه لم يقع في حمد قط.\rوقال أسماء بن خارجة: ما أحب أن أرد أحدا عن حاجة طلبها، لأنه لا يخلو أن يكون كريما، فأصون له عرضه، أو لئيما، فأصون عرضي منه.\rوقال إبراهيم بن المهدي: قلت لرجل من أهل الكوفة من وجوه أهلها كان لا يجف بيده قلم، ولا يستريح قلبه، ولا تسكن حركته في طلب حوائج الرجال، وإدخال المرافق على الضعفاء: أخبرني عن الحالة التي خففت عنك النصب، وهونت عليك التعب، في القيام بحوائج الناس، ما هي؟ قال: قد والله سمعت تغريد الطير بالأسحار، في فروع الأشجار، وسمعت خفق أوتاد العيدان وترجيع أصوات القيان، فما طربت من صوت قط، طربي من ثناء حسن، بلسان حسن، على رجل قد أحسن، ومن شكر حر لمنعم حر، ومن شفاعة محتسب، لطالب شاكر، قال إبراهيم: فقلت، لله أبوك! لقد حشيت كرما. وكان طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري من أجود قريش في زمانه، فقالت له امرأته: ما رأيت قوما ألام من إخوتك، فقال لها: لمه؟ وأني قلت ذاك؟ فقالت: أراهم إذا أيسرت أتوك، وإذا أعسرت تركوك، قال: هذا والله كرمهم، يأتوننا في حال القوة عليهم، ويتركوننا في حال العجز عنهم.\rوحكي أن رجلا شيخا أتى سعيد بن سالم، وكلمه في حاجة وما شاه، فوضع الشيخ زج عصاه التي يتوكأ عليها، على رجل سعيد حتى أدماها، فما تأوه لذلك، وما نهاه، فلما فارقه، قيل له: كيف صبرت على هذا منه؟ فقال: خفت أن يعلم جنايته، فينقطع عن ذكر حاجته.\rمن انتهى إليهم الجود في الجاهلية\rوذكر شيء من أخبارهم والذي انتهى إليهم الجود في الجاهلية حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، وهرم بن سنان المري، وكعب بن مامة الإيادي، وضرب المثل بحاتم وكعب، والمشهور حاتم. وكعب هذا: هو الذي جاد نفسه، وآثر رفيقه بالماء في المفازة، ولم يشهر له خبرٌ غير هذا. وأما حاتم فأخباره مشهورة.\rمنها: أنه كان إذا اشتد البرد، أمر غلامه يسارا، فأوقد نارا في بقاع من الأرض، لينظر إليها من ضل عن الطريق، وفي ذلك يقول:\rأوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا واقد ريحٌ صر\rعسى يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حرٌّ\rقالوا: ولم يك حاتم يمسك غير سلاحه وفرسه، ثم جاد بفرسه في سنة أزمة.\rقالت النوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق السماء، وضنت المراضع عن أولادها، لا تبض بقطرة، وأيقنا بالهلاك، فوالله، إني لفي ليلة صنبرة، بعيدة ما بين الطرفين، إذ تضاغي صبيتنا جوعا، عبد الله، وعدي، وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت إلى الصبية، فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل، وأقبل يعللني، فعرفت ما يريد، فتناومت، فلما تهورت النجوم، إذا بشيء قد رفع كسر البيت، فقلت: من هذا؟ فولى، ثم عاد آخر الليل، فقال من هذا؟ فقالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عوى الذئاب، فما وجدت معولا إلا عليك أبا عدي، فقال: أعجليهم، فقد أشبعك الله وإياهم، فأقبلت المرأة تحمل اثنين، ويمشي بجانبها أربع كأنها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه، فوجأ لبته بمدية، فخر، ثم كشط عن جلده، ودفع المدية إلى المرأة، وقال: شأنك، فاجتمعنا على اللحم نشوي، ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا، فيقول: هبوا عليكم بالنار، والتفع بثوبه ناحية ينظر إلينا، لا والله إن ذاق منه مضغة وإنه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما في الأرض إلا عظم أو حافر.\rوقيل: كان مبدأ الأمر لحاتم في الجود، أنه لما ترعرع، جعل يخرج طعامه فإن وجد من يأكله معه أكله، وإن لم يجد طرحه، فلما رأى أبوه، أنه يهلك طعامه، قال له: ألحق بالإبل، فخرج إليها، فوهب له جارية، وفرسا وفلوها.","part":1,"page":317},{"id":318,"text":"وقيل: بل هلك أبو حاتم وهو صغير، وهذه القصة كانت مع جده سعد بن الحشرج، فلما أتى حاتم الإبل، طفق يبتغي الناس، فلا يجدهم، ويأتي الطريق، فلا يجد عليه أحدا، فبينا هو كذلك، إذ بصر بركب على الطريق، فأتاهم، فقالوا: يا فتى، هل من قرًى؟ فقال: تسألونني عن القرى؟ وقد ترون الإبل! وكان الذي بصر بهم، عبيد ابن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، والنابغة الذبياني، وكانوا يريدون النعمان، فنحر لهم ثلاثة من الإبل، فقال عبيد: إنما أردنا اللبن، وكانت تكفينا بكرة، إن كنت لا بد متكلفا لنا شيئا، فقال حاتم: قد عرفت، ولكن رأيت وجوها مختلفة، وألوانا متفرقة، فظننت أن البلدان غير واحد، فأردت أن يذكر كل واحد منكم ما رأى، إذا أتى قومه فقالوا فيه أشعارا امتدحوه بها، وذكروا فضله، فقال حاتم: أردت أن أحسن إليكم، فصار لكم الفضل علي، وإني أعاهد الله أن أضرب عراقيب إبلي عن آخرها، أو تقدموا إليها فتقتسموها ففعلوا! فأصاب كل واحد تسعا وثلاثين بعيرا، ومضوا على سفرهم إلى النعمان، وأن أبا حاتم أو جده، سمع بما فعل، فقال: أين الإبل؟ فقال: يا أبت طوقتك بها طوق الحمامة مجدا وكرما، لا يزال الرجل يحمل بيت شعر أثنى به علينا عوضا عن إبلك، فلما سمع أبوه ذلك، قال: أبإبلي فعلت ذلك؟ قال: نعم، قال: والله لا أساكنك أبدا، فخرج أبوه بأهله، وترك حاتما، ومعه جاريته وفرسه وفلوه. قال: فبينما حاتم يوما نائم، إذا انتبه، وحوله نحو مائتي بعير تجول وتحطم بعضها بعضا، فساقها إلى قومهن فقالوا: يا حاتم، أبق على نفسك، فقد رزقت مالا، ولا تعودن إلى ما كنت فيه من الإسراف، قال: فإنها نهب بينكم، فانتهبت، ثم أقبل ركب من بني أسد ومن قيس يريدون النعمان، فلقوا حاتما، فقالوا له: إنا تركنا قومنا يثنون عليك خيرا، وقد أرسلوا إليك برسالة، قال: وما هي؟ فأنشده الأسديون شعرا، لعبيد، وأنشده الليئيون شعرا للنابغة، ثم قالوا: إنا لنستحي أن نسألك شيئا وإن لنا لحاجة، قال: وما هي؟ قالوا: صاحب لنا راجل، فقال حاتم: خذوا فرسي هذه، فاحملوا عليها صاحبكم، فأخذوها، وربطت الجارية فلوها بثوبها، فأفلت فاتبعته الجارية لترده، فقال حاتم: ما لحقكم من شيء فهو لكم، فذهبوا بالفرس والفلو والجارية.\rوأما هرم بن سنان، فمن أخباره: أنه آلى على نفسه أنه لا يسلم عليه زهير إلا أعطاه فقل مال هرم، وكان زهير يمر بالنادي وفيه هرم فيقول: أنعموا صباحا ما خلا هرما، وخير القوم تركت، قالوا: وكان عبد الله بن جدعان، حين كبر، أخذت بنو تميم على يده، ومنعوه أن يعطي شيئا من ماله، فكان الرجل إذا أتاه يطلب منه، قال له: ادن مني، فإذا دنا منه لطمه، ثم قال: اذهب فاطلب لطمتك أو ترضى، فترضيه بنو تميم من ماله، وفيه يقول الشاعر:\rوالذي إذا أشار نحوك لطماً ... تبع اللطم نائلٌ وعطاء","part":1,"page":318},{"id":319,"text":"ومن أخبار الكرام: ما حكي عن خالد بن عبد الله القسري أمير العراق، كان يكثر الجلوس ثم يدعو بالبدر ويقول: إنما هذه الأموال ودائع العرب لا بد من تفرقتها، فقال ذلك مرة، وقد وفد عليه أخوه أسد بن عبد الله من خراسان، فقام، فقال أيها الأمير إن الودائع تجمع ولا تفرق، فقال: ويحك! إنها ودائع المكارم، وأيدينا وكلاؤها، فإذا أتانا المملق فأغنيناه، والظمآن فأرويناه، فقد أدينا فيها الأمانة، ومر يزيد بن المهلب بأعرابية في هروبه من سجن عمر بن عبد العزيز، وهو يريد البصرة، فقدمت له عنزا فقبلها، ثم قال لابنه معاوية: ما معك من النفقة؟ قال ثمانمائة دينار، قال: ادفعها إليها! فقال له ابنه: إنك تريد الرجال، ولا تكون الرجال إلا بالمال، وهذه يرضيها اليسير، وهي بعد لا تعرفك، فقال: إن كانت ترضي باليسير، فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني، فأنا أعرف نفسي، ادفعها إليها، فدفعها إليها. قال الأحنف: كثرت على الديات بالبصرة، لما قتل مسعود، فلم أجدها في حاضرة تميم، فخرجت نحو يبرين، فسألت: من المقصود هناك؟ فأرسلت إلى قبة، فإذا شيخ جالس بفنائها، مؤتزر بشملة، محتبٍ بحبل، فسلمت عليه، وانتسبت له، فقال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: توفي، قال: فما فعل عمر بن الخطاب الذي الذي كان يحفظ العرب ويحطها؟ قلت: مات، قال: فأي خبر في حاضرتكم بعدهما؟ قال: فذكرت الديات التي لزمتنا للأزد وربيعة، قال: أقم، فإذا راعٍ قد أزاح عليه بألف بعير، فقال: خدها، ثم أراح عليه آخر بمثلها، فقال: خذها، قلت: لا أحتاج إليها، فانصرفت بالألف، ووالله ما أدري من هو إلى الساعة.\rوروي عن معن بن زائدة، قال: لما هربت من المنصور، خرجت من باب حرب، بعد أن أقمت في الشمس أياما، وخففت لحيتي وعارضي، ولبست جبة صوف غليظة، وركبت جملا، وخرجت عليه لأمضي إلى البادية، قال: فتبعني أسود متقلد سيفا، حتى إذا غبت عن الحرس، قبض على خطام الجمل فأناخه، وقبض علي، فقلت: ما شأنك؟ فقال: أنت بغية أمير المؤمنين فقلت له: ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين؟ فقال معن بن زائدة فقلت: يا هذا! اتق الله وأين أنا من معن؟ فقال: دع هذا عنك، فأنا والله أعرف بك، فقلت له: فإن كانت القصة كما تقول، فهذا جوهر حملته معي، بأضعاف ما بذله المنصور، لمن جاءه بي فخذه ولا تسفك دمي، فقال: هاته، فأخرجته إليه، فنظر إليه ساعة، وقال: صدقت في قيمته، لست قابله حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك، فقلت: قل، فقال: إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرني هل وهبت قط مالك كله! قلت: لا، فنصفه! قلت: لا، قال: فثلثه! قلت، لا حتى بلغ العشر فاستحييت وقلت: إني أظن قد فعلت هذا، فقال: ما ذاك بعظيم، أنا والله راجل، ورزقي على أبي جعفر، عشرون درهما، وهذا الجوهره قيمته ألف دينار، وقد وهبته لك، ووهبتك لنفسك، ولجودك المأثور بين الناس، ولتعلم أن في الدنيا من هو أجود منك، ولا تعجبك نفسك، ولتحقر بعد هذا كل شيء تفعله ولا تتوقف عن مكرمة، ثم رمى بالعقد إلي، وخلي خطام الجمل وانصرف، فقلت: يا هذا! قدو الله فضحتني، ولسفك دمي أهون علي مما فعلت، فخذ ما دفعته إليك، فإني عنه في غنًى، فضحك، ثم قال: أردت أن تكذبني في مقامي هذا، فوالله لا آخذه، ولا آخذ لمعروف ثمنا أبدا، ومضى، فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت، وبذلت لمن جاءني به ما شاء، فما عرفت له خبرا، وكأن الأر ابتلعته، وكان سبب غضب المنصور على معن ابن زائدة: أنه خرج مع عمرو بن يزيد بن عمرو بن هبيرة وأبلى في حربه بلاء حسنا.\rويقال: إن شاعرا أتى وهب بن وهب، وكان جوادا، فمدحه فهش وبش له وثنى له الوسادة وأضافه ورفده وحمله، فلما أراد الرجل الرحلة، لم يخدمه أحد من غلمان وهب، فأنكر الرجل ذلك مع جميل فعله، فعاتب بعضهم، فقال له الغلام: إنا إنما نعين النازل على الإقامة ولا نعين الراحل على الفراق.\rوكان الحارث بن هشام المخزومي في وقعة اليرموك، وبها أصيب فاثبته الجراح، فاستسقى ماء، فأتي به، فلما تناوله، نظر إلى عكرمة بن أبي جهل صريعا في مثل حاله، فرد الإناء على الساقي، وقال: امض إلى عكرمة بن أبي جهل، فمضى إليه، فأبى أن يشرب قبله، فرجع إلى الحارث، فوجده ميتا، فرجع إلى عكرمة، فوجده قد مات، فلم يشرب واحد منهما.","part":1,"page":319},{"id":320,"text":"وقد وصف الناس أهل الجود والكرم بمدائح، سنذكر ما استجودناه منها.\rفمن ذلك ما حكي عن أبي العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب، قال: كان ببغداد فتى يجن ستة أشهر، فاستقبلته ببعض السكك ذات يوم، فقال: ثعلب؟ قلت: نعم، قال: فأنشدني فأنشدته:\rوإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الهجان وكل طرفٍ سابح\rوانضح جوانب قبره بدمائها ... فكذا يكون أخا دم وذبائح\rفضحك، ثم سكت ساعة، وقال: ألا قال؟\rاذهبا بي إن لم يكن لكما عق ... رٌ على ترب قبره فاعقراني\rوانضحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان\rثم رآني يوما بعد ذلك فتأملني، وقال: ثعلب! قلت: نعم، قال: أنشدني فأنشدته.\rأعار الجود نائله ... إذا ما ماله نفدا\rوإن ليثاً شكا جبنا ... أعار فؤاده الأسدا\rفضحك، وقال: ألا قال؟\rعلم الجود الندى حتى إذا ... ما حكاه علم البأس الأسد\rفله الجود مقرٌ بالندى ... وله الليث مقرٌ بالجلد\rوقال مسلم بن الوليد وهو مما يجوز إيراده في الشجاعة والكرم.\rيجود النفس إن ضن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود\rوأول من أتى بهاذ المعنى علقمة بن عبدة حيث قال:\rتجود بنفس لا يجاد بمثلها ... فأنت بها يوم اللقاء خصيب\rوهذا مثل قول يزيد بن أبي يزيد الشيباني: من جاد بنفسه عند اللقاء، وبماله عند العطاء، فقد جاد بنفسية كلتيهما. قالوا: وأجود ما قيل في ذلك قول أبي العتاهية يمدح العباس بن محمد:\rلو قيل العابس يا ابن محمد ... قل لا وأنت مخلد ما قالها\rإن السماحة لم تزل معقولةً ... حتى حللت براحتيك عقالها\rوإذا الملوك تسايرت في بلدة ... كانوا كواكبها وكنت هلالها\rفلم يثبه العباس، فقال:\rهززتك هزة السيف المحلى ... فلما أن ضربت بك انثنيت\rفهبها مدحةً ذهبت ضياعا ... كذبت عليك فيها وافتريت\rفلما سمع العباس الأبيات غضب، وقال: والله لأجهدن في حتفه، قال: فمر أبو العتاهية بإسحاق بن العباس، وقال له إسحاق: أنشدني شيئا من شعرك فأنشده:\rألا أيها الطالب المستغيث ... بمن لا يفيد ولا يرفد\rألا تسأل الله من فضله ... فإن عطاياه لا تنفد\rإذا جئت أفضلهم للسؤا ... ل رد وأحشاؤه ترعد\rكأنك من خشيةٍ للسؤا ... ل في عينه الحية الأسود\rففر إلى الله من لؤمهم ... فإني أرى الناس قد أصلدوا\rوإني أرى الناس قد أبرقوا ... بلؤم الفعال وقد أرعدوا\rثم مضى، فقيل لإسحاق: إن هذا الشعر له في أبيك، فقال إسحاق: أولى له، لم عرض نفسه وأحوج أبا العتاهية إلى مثل هذا مع ملكه وقدرته؟ وقد أورد أبو الفرج الأصفهاني خبر هذه الأبيات، فقال: امتدح ربيعة الرقي العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بقصيدة لم يسبق إليها حسنان وهي طويلة يقول فيها:\rلو قيل للعباس يا ابن محمدٍ ... قل لا وأنت مخلد ما قالها\rما إن أعد من المكارم خصلة ... إلا وجدتك عمها أو خالها\rوإذا الملوك تسايرت في بلدة ... كانوا كواكبها وكنت هلالها\rإن المكارم لم تزل معقولةً ... حتى حللت براحتيك عقالها\rقال: فبعث إليه بدينارين، وكان يقدر فيه ألفين، فلما نظر إلى الدينارين، كاد أن يجن غضبا، وقال الرسول: خذ الدينارين فهما لك على أن ترد إلى الرقعة، من حيث لا يدري العباس، ففعل الرسول ذلك، فأخذها ربيعة، وأمر من كتب في ظهرها.\rمدحت مدحة السيف المحلى ... لتجري في الكرام كما جريت\rهبها مدحة ذهبت ضياعا ... كذبت عليك فيها وآفتريت\rأنت المرء ليس له وفاءٌ ... كأني إذ مدحتك قد زنيت","part":1,"page":320},{"id":321,"text":"ثم دفعها إلى الرسول وقال: ضعها في الموضع الذي أخذتها منه، ففعل، فلما كان من الغد، أخذها العباس فنظر فيها، فلما قرأ الأبيات، غضب، وقام من وقته، فركب إلى الرشيد، وكان أثيرا عنده يبجله ويقدمه، وكان قد هم أن يخطب إليه ابنته، فرأى الرشيد الكراهة في وجهه، فقال ما شأنك؟ قال: هجاني ربيعة الرقى، فأحضره الرشيد: وقال له: يا ماص كذا وكذا من أمه أتهجو عمى، وآثر خلق الله عندي؟ لقد هممت أن أضرب عنقك، فقال: يا أمير المؤمنين، والله لقد امتدحته بقصيدة ما قال أحد مثلها من الشعراء في أحد من الخلفاء، ولقد بالغت في الثناء، وأكثرت الوصف، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإحضارها فعل، فلما سمع الرشيد ذلك، سكن غضبه، وأحب أن ينظر في القصيدة، فأمر العباس بإحضارها فتلكأ عليه، فقال له الرشيد: سألتك بحق أمير المؤمنين، إلا أمرت بإحضارها؟ فأحضرت، فإذا فيها القصيدة بعينها، فاستحسنها واستجادها وأعجب بها، وقال: والله ما قال أحد من الشعراء في أحد من الخلفاء مثلها، ولقد صدق ربيعة فبر، ثم قال العباس: كم أثبته عليها؟ فسكت العباس، وتغير لونه، وغص بريقه، فقال ربيعة: أثابني عنها يا أمير المؤمنين دينارين، فتوهم الرشيد أنه قال ذلك من الموجدة عليه، فقال: بحياتي يا رقي كم أثابك؟ فقال: وحياتك يا أمير المؤمنين ما أثابني إلا بدينارين، فغضب الرشيد غضبا شديدا، ونظر في وجه العباس، وقال: سوءة لك! أية حال قعدت بك عن إثابته؟ أقلة مال؟ فوالله لقد نولتك جهدي، أم انقطاع المال عنك؟ فوالله ما انقطعت بك، أم أصلك؟ فهو الأصل الذي لا يدانيه شيء، أم نفسك؟ لا ذنب لي، بل نفسك والله فعلت بك ذلك، حتى فضحت أجدادك وفضحني، وفضحت نفسك، فنكس العباس رأسه، ولم ينطق، فقال الرشيد: يا غلام، أعط ربيعة ثلاثين ألف درهم، وخلعةً، واحمله على بغلة، ثم قال له: بحياتي لا تذكره في شيء من شعرك تعريضا ولا تصريحا، وفتر الرشيد عما كان قد هم به من أن يتزوج إليه وأظهر له بعد ذلك جفاء واطراحا.\rوقال محمد بن هانيء:\rالواهب الألف إلا أنها بدرٌ ... والطاعن الألف إلا أنها نسق\rتأتي عطاياه شتى غير واحدة ... كما تدافع موج البحر يصطفق\rوقال الرضى الموسوي:\rريان والأيام ظمآنةٌ ... من الندى نشوان بالبشر\rلا يمسك العذل يديه ولا ... تأخذ منه نشوة الخمر\rوقال أيضا:\rذخائره العرف في أهله ... وخزان أمواله السائلونا\rوقال أمية بن أبي الصلت الثقفي يمدح عبد الله بن جدعان:\rأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء\rوعلمك بالأمور وأنت قرمٌ ... لك الحسب المهذب والسناء\rكريمٌ لا يغيره صباحٌ ... عن الخلق السنى ولا مساء\rإذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء\rوقال الشماخ بن ضرار:\rنزور امرأً يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد\rوأنت امرؤ من تعطه اليوم نائلا ... بكفك لا يمنعك من نائل الغد\rترى الجود لا يدني من المرء حتفه ... كما البخل والإمساك ليس بمخلد\rمفيدٌ ومتلافٌ إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند\rمتى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نارٍ عندها خير موقد\rوقال: لما سمع عمر رضي الله عنه هذا البيت، قال: كذب، تلك نار موسى عليه السلام.\rوقال السري الرفاء:\rكالغيث والليث والهلال إذا ... أقمر بأساً وبهجةً وندى\rناسٍ من الجود ما يجود به ... وذاكرٌ منه كلما وعدا\rوقال أبو الفرج الوأواء:\rمن قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين اثنين\rأنت إذا جدت ضاحكا أبدا ... وهو إذا جاد باكي العين\rوقال ابن نباتة السعدي من قصيدة:\rلم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل\rالإعطاء قبل السؤال","part":1,"page":321},{"id":322,"text":"قال سعيد بن العاصي: قبح الله المعروف، إذا لم يكن ابتداءً من غير مسألة، فما المعروف عوضٌ من مسألة الرجل، إذا بذل وجهه، فقلبه خائفٌ، وفرائصه ترعد، وجبينه يرشح، لا يدري اريجع بنجح الطلب أم بسوء المنقلب، قد بات ليلته يتململ على فراشه، يعاق بين شقيه، مرة هكذا، ومرة هكذا، من لحاجته؟ فخطرت بباله أنا أم غيري، فمثل أرجاهم في نفسه، وأقربهم من حاجته، ثم عزم علي، وترك غيري، قد انتفع لونه، ودهب دم وجهه، فلو خرجت له مما أملك أم أكافئه، وهو علي آمن مني عليه، اللهم فإن كانت الدنيا لها عندي حظٌ فلا تجعل لي حظاً في الآخرة.\rوقال أكثم بن صيفي: كل سؤال وإن قل، أكثر من كل نوال وإن جل.\rوقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأصحابه: من كانت له إلي منكم حاجة، فليرفعها في كتاب، لأصون وجوهكم عن المسألة.\rوقال عبد العزيز بن مروان: ما تأملني رجل قط، إلا سألته عن حاجته، ثم كنت من ورائها.\rوقال حبيب:\rعطاؤك لا يفني ويستغرق المنى ... وتبقى وجوه الراغبين بمائها\rوقال أيضاً:\rما ماء كفك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوض\rوقالوا: من بذلك إليك وجهه، فقد وفاك حق نعمته.\rوقال معاوية لصعصعة بن صوحان: ما الجود؟ فقال: التبرع بالمال، والعطاء قبل السؤال.\rوقال أحمد بن محمد بن عبد ربه:\rكريمٌ على العلات جزلٌ عطاؤه ... ينيل وإن لم يعتمد لنوال\rوما الجود من يعطي إذا ما سألته ... ولكن من يعطي بغير سؤال\rوقال حبيب الطائي:\rلئن حجدتك ما أوليت من كرمٍ ... إني لفي اللؤم أمضي منك في الكرم\rأنسى ابتسامك والألوان كاسفةٌ ... تبسم الصبح في داجٍ من الظلم\rرددت رونق وجهي في صفيحته ... رد الصقال صفاء الصارم الخذم\rوما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي\rالشجاعة والصبر والإقدام روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" الشجاعة غريزة يضعها الله فيمن يشاء من عباده، إن الله يحب الشجاع ولو على قتل حية \" .\rوقالوا: حد الشجاعة سعة الصدر بالإقدام على الأمور المتلفة.\rوسئل بعضهم عن الشجاعة فقال: جبلة نفس أبية، قيل له: فما النجدة؟ قال: ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت، حتى تحمد بفعلها دون خوف.\rوقيل لبعضهم: ما الشجاعة؟ فقال: صبر ساعة. وقال بعض أهل التجارب: الرجال ثلاثة: فارس، وشجاع، وبطل، فالفارس: الذي يشد إذا شدوا، والشجاع: الداعي إلى البراز والمجيب داعيه، والبطل: الحامي لظهور القوم إذا ولوا.\rقال يعقوب بن السكيت في كتابالألفاظ: العرب تجعل الشجاعة في أربع طبقات، تقول: رجلٌ شجاعٌ، فإذا كان فوق ذلك، قالوا: بطلٌ، فإذا كان فوق ذلك، قالوا: بهمةٌ، فإذا كان فوق ذلك، قالوا: اليس.\rوقال بعض الحكماء: جسم الحرب: الشجاعة، وقلبها، التدبير، ولسانها: المكيدة، وجناحها: الطاعة، وقائدها: الرفق، وسائقها: النصر.\rقالوا: لما ظفر المهلب بن أبي صفرة بالخوارج، وجه كعب بن معدان إلى الحجاج، فسأله عن بني المهلب، فقال: المغيرة فارسهم وسيدهم، وكفى بيزيد فارسا شجاعا، وجوادهم وشيخهم: قبيصةٌ، ولا يستحي الشجاع أن يفر من مدرك، وعبد الملك: سمٌ نافعٌ، وحبيبٌ: موتٌ زعافٌ، ومحمدٌ: ليث غابٍ، وكفاك بالمفضل نجدة، قال: فكيف خلفت جماعة الناس؟ قال: خلفتهم بخير، قد أدركوا ما أملوا، وأمنوا ما خافوا، قال: فكيف كان بنو المهلب فيهم؟ قال: كانوا حماة السرج نهارا، فإذا أليلوا ففرسان البيات، قال: فأيهم كان أنجد؟ قال: كانوا كالحلقة المفرغة، لا يدري أين طرفها، قال: فكيف كنتم أنتم وعدوكم؟ قال: كنا إذا أخذنا، عفونا، وإذا اجتهدوا، اجتهدنا فيهم، فقال الحجاج: إن العاقبة للمتقين.\rوقالوا: أشجع بيت قاله العرب قول العباس بن مرداس السلمي:\rأشد على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها\rوقد مدح الشعراء الشجاعة وأهلها، وأوسعوا في ذلك، فمن ذلك قول المتنبي:\rشجاعٌ كأن الحرب عاشقةٌ له ... إذا زارها فدته بالخيل والرجل\rوقال أيضا:\rوكم رجالٍ بلا أرضٍ لكثرتهم ... تركت جمعهم أرضاً بلا رجل","part":1,"page":322},{"id":323,"text":"ما زال طرفك يجري في دمائهم ... حتى مشى بك مشى الشارب الثمل\rوقال العماد الإصفهاني:\rقوم إذا لبسوا الحديد إلى الوغى ... لبس الحداد عدوهم في المهر\rالمصدرون الدهم عن ورد الوغى ... شقراً تجلل بالعجاج الأشهب\rوقال أبو الفرج الببغاء:\rواليوم من غسق العجاجة ليلةٌ ... والكر يخرق سجفها الممدودا\rوعلى الصفاح من الكفاح وصدقه ... ردعٌ أحال بياضها توريدا\rوالطعن يغصب الجياد شياتها ... والضرب يقدح في التليل وقودا\rوعلى النفوس من الحمام طلائعٌ ... والخوف ينشد صبرها المفقودا\rوأجل ما عند الفوارس حثها ... في طاعة الهرب الجياد القودا\rحتى إذا ما فارق الرأي الهوى ... وغدا اليقين على الظنون شهيدا\rلم يغن غير أبي شجاعٍ والعلا ... عنه تناجي النصر والتأييدا\rوقال أيضا وروي البحتري:\rمن كل متسع الأخلاق مبتسم ... للخطب إن ضاقت الأخلاق والحيل\rيسعى به البرق إلا أنه فرسٌ ... في صورة الموت إلا أنه رجل\rيلقى الرماح بصدرٍ منه ليس له ... ظهرٌ وهادي جوادٍ ما له كفل\rوقال البحتري:\rمعشر أمسكت حلومهم الأر ... ض وكادت لولاهم أن تميدا\rفإذا الجدب جاء كانوا غيوثا ... وإذا النقع ثار ثاروا أسودا\rوكأن الإله قال لهم في ال ... حرب كونوا حجارةً أو حديدا\rوقال مسلم:\rلو أن قوما يخلقون منيةً ... من بأسم كانوا بني جبريلا\rقوم إذا حمي الوطيس لديهم ... جعلوا الجماجم للسيوف مقيلا\rوقال آخر:\rعقبان روع والسروج وكورها ... وليوث حربٍ والقنا آجام\rوبدور تم والشوائك في الوغى ... هالاتها والسابري غمام\rجادوا بممنوع التلاد وجودوا ... ضربا تخد به الطلا والهام\rوتجاورت أسيافهم وجيادهم ... فالأرض تمطر والسماء تغام\rوقال آخر:\rقوم شراب سيوفهم ورماحهم ... في كل معتركٍ دم الأشراف\rرجعت إليهم خيلهم بمعاشرٍ ... كل لكل جسيم أمرٍ كاف\rيتجننون إلى لقاء عدوهم ... كتحنن الألاف للألاف\rويباشرون ظبا السيوف بأنفسٍ ... أمضى وأقطع من ظبا الأسياف\rوقال ابن حيوس:\rإن ترد خبر حالهم عن قريبٍ ... فأتهم يوم نائلٍ أو نزال\rتلق بيض الوجوه سود مثار ال ... نقع خضر الأكناف حمر النصال\rالصبر والإقدام قال الله عز وجل: \" يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين \" . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا وأكثروا من ذكر الله وإن جلبوا وضجوا فعليكم بالصمت \" .\rومن كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: رب حياةٍ، سببها التعرض للموت، ورب منية، سببها طلب الحياة.\rوقالوا: أجمع كلمة قيلت في الصبر قول بعضهم: الصبر مطية النصر.\rوقال آخر: الصبر مطيةٌ لا تكبو، وإن عنف عليه الزمان.\rوقال آخر: الصبر شرية، تثمر أرية.\rوقيل للمهلب بن أبي صفرة: إنك لتلقي نفسك في المهالك، فقال: إن لم آت الموت مسترسلا، أتاني مستعجلا، إني لست آتي الموت من حبه، وإنما آتيه من بغضه، وتمثل بقول الحصين بن الحمام:\rتأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياةً مثل أن أتقدما\rوهي قصيدة مشهورة منها:\rفلسنا على الأعقاب تدمي كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما\rنفلق هاماً من كرامٍ أعزةٍ ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما\rولما رأينا الصبر قد حيل دونه ... وإن كان يوما ذا كواكب مظلما\rصبرنا وكان الصبر منا سجيةً ... بأسيافنا يقطعن كفا ومعصما","part":1,"page":323},{"id":324,"text":"ولما رأيت الود ليس بنافعي ... عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما\rفلست بمبتاع الحياة بسبةٍ ... ولا مرتقٍ من خشية الموت سلما\rوقالت العرب: الشجاعة وقاية، والجبن مقتلة. وكذلك: إن من يقتل مدبرا، أكثر ممن يقتل مقبلا.\rوقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لخالد بن الوليد: احرص على الموت، توهب لك الحياة .\rوقالت الحكماء: استقبال الموت، خير من استدباره.\rوقال العلوي:\rمحرمةٌ أكفال خيلي على القنا ... وداميةٌ لباتها ونحورها\rحرامٌ على أرماحنا طعن مدبر ... وتندق منها في الصدور صدورها\rوقال أبو تمام:\rقلوا ولكنهم طابوا فأنجدهم ... جيش من الصبر لا يحصى له عدد\rأذا لا رأوا للمناياعارضاً لبسوا ... من اليقين دروعاً مالها زرد\rناوا عن المصرح الأدنى فليس لهم ... إلا السيوف على أعدائهم مدد\rوما زالت العرب يتمادحون بالموت قعصاً، ويتسابون بالموت على الفراش، ويقولون فيه: مات فلان حتف أنفه، وأول من قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rومدح أعرابي قوماً فقال:\rيقتحمون الحرب كأنما ... يلقونها بنفوس أعدائهم\rوقال عبد الله بن الزبير لما بلغه قتل أخيه مصعب: إن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وعمه، إنا والله لا نموت حتفاً ولكن قعصاً بأطراف الرماح، وموتاً تحت ظلال السيوف، وقال السموءل بن عادياء:\rوما مات منا سيد في فراشه ... ولا طل منا حث كان قتيل\rتسيل على حد الظباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل\rوقال أيضا آخر:\rوإنا لتستحلي المنايا نفوسنا ... ونترك أخرى مرةً ما نذوقها\rوقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم صفين، وقد قيل له: أتقائل أهل الشام بالغداة، وتظهر بالعشي في إزار ورداءٍ؟ فقال: أبالموت تخوفونني؟ فوالله ما أبالي، أسقطت على الموت، أم سقط الموت علي، وقال لابنه الحسن: لا تدعون أحدا إلى المبارزة، وإن دعيت إليها فأجب، فإن الداعي باغٍ، وللباغي مصرعً. وقال رضي الله عنه: \" بقية السيف أنمي عددا \" .\rيريد أن السيف إذا أسرع في أهل بيتٍ كثر عددهم ونمى.\rوقال ابن عباس رضي الله عنه: عقمت النساء أن تأتي بمثل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لعهدي به يوم صفين، وعلى رأسه عمامة بيضاء، وهو يقف على شرذمةٍ شرذمة من الناس، يحضهم على القتال، حتى انتهى إلي، وأنا في كنفٍ من الناس، وفي أغيلمة من بني عبد المطلب، فقال: يا معشر المسلمين، تجلببوا السكينة، وكملوا اللأمة، وأقلقوا السيوف في الأغماد، وكافحوا بالظبا، وصلوا السيوف بالخطا، فإنكم بعين الله، ومع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاودوا الكر، واستحيوا من الفر، فإنه عار في الأعقاب، ونار في الحساب، وطيبوا على الحياة أنفسا، وسيروا إلى الموت سيرا سجحا، ودونكم هذا الرواق الأعظم، فاصبروا، فإن الشيطان راكب صعدته، قدموا للوثبة رجلا، وأخروا للنكوص أخرى، فصمداً صمداً، حتى يبلغ الحق أجله، والله معكم، ولن تترككم أعمالكم، ثم صدر عنا، وهو يقرأ \" قاتلوهم يعذبهم الله بأيديهم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قومٍ مؤمنين \" .\rوكان معاوية بن أبي سفيان يتمثل يوم صفين بهذه الأبيات:\rأبت لي شيمتي وأبي بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح\rوإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيج\rوقولي كلما جشأت لنفسي ... مكانك تحمدي أو تستريحي\rلأدفع عن مآثر صالحاتٍ ... وأحمي بعد عن عرضٍ صحيح\rوقال قطري بن الفجاءة أمير الخوارج:\rوقولي كلما جشأت لنفسي ... من الأبطال ويحك لا تراعي\rفإنك لو سألت بقاء يومٍ ... على الأجل الذي لك لم تطاعي\rفصبرا في مجال الموت صبراً ... فما نيل الخلود بمستطاع\rسبيل الموت غاية كل حي ... وداعية لأهل الأرض داعي\rوقال عبد الله بن رواحة الأنصاري:\rيا نفس إن لم تقتلي تموتي ... إن تسلمي اليوم فلا تفوتي","part":1,"page":324},{"id":325,"text":"أو تبتلي فطالما عوفيت ... هذي حياض الموت قد صليت\rوما تمنيت فقد لقيت ... إن تفعلي فعلهما هديت\rوإن توليت فقد شقيت\rيريد بقوله:\rفإن تفعلي فعلهما هديت\rفعل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما، وكانا قتلا في ذلك اليوم بموته. وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يخرج كل يومٍ بصفين حتى يقف بين الصفين وينشد:\rمن أي يومي من الموت أفر ... يوم لا يقدر أم يوم قدر\rفيوم لا يقدر لا أرهبه ... ثم من المقدور لا ينجو الحذر\rومثله قول جرير من قصيدة أولها:\rهاج الفراق لقلبك المهتاج.\rمنها:\rقل للجبان إذا تأخر سرجه ... ما أنت من شرك المنية ناجي\rوقالت امرأة من عبد القيس:\rأبوا أن يفروا والقنا في نحورهم ... ولم يبتغوا من خشية الموت سلما\rولو أنهم فروا لكانوا أعزة ... ولكن رأوا صبراً على الموت أكرما\rوقال حبيب بن أوس الطائي:\rفأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر\rوقد كان فوت الموت سهلاً فرده ... عليه الحفاظ المر والخلق الوعر\rغدا غدوةً والحمد نسج ردائه ... فلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر\rتردي ثياب الموت حمراً فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر\rوقال:\rقومٌ إذا لبسوا الحديد حسبتهم ... لم يحسبوا أن المنية تخلق\rانظر بحيث ترى السيوف لوامعاً ... أبداً وفوق رءوسهم تتألق\rوقال الببغاء:\rيسعى إلى الموت والقنا قصدٌ ... وخيله بالرؤوس تنتعل\rكأنه واثق بأن له ... عمراً مقيما وما له أجل\rوقال كعب بن مالك:\rنصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدماً ونلحقها إذا لم تلحق\rومثله لبعض بني قيس بن ثعلبة:\rلو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من فارسٌ خالهم إياه يعنونا\rإذا الكماة تنحوا أن يصيبهم ... حد الظباة وصلناها بأيدينا\rومثله قول الآخر:\rإذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنقارب\rومثله قول وداك بن ثميل المازني:\rمقاديم وصالون في الورع خطوهم ... بكل رقيق الشفرتين يماني\rإذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأية حربٍ أم بأي مكان\rوقال أبو تمام في سعة الخطو:\rخطوٌ ترى الصارم الهندي منتصرا ... به من المازن الخطي منتصفا\rوقال آخر:\rكأن سيوفه صيغت عقودا ... تجول على الترائب والنحور\rوسمر رماحه جعلت هموما ... فما يخطرن إلا في ضمير\rوأجود ما قاله محدثٌ في الصبر قول ابن الرومي:\rأرى الصبر محمودا وعنه مذاهبٌ ... فكيف إذا ما لم يكن عنه مذهب\rهناك يحق الصبر والصبر واجبٌ ... وما كان منه كالضرورة أوجب\rفشد امرؤ بالصبر كفاً فإنه ... له عصمةٌ أسبابها لا تقضب\rهو المهرب المنجي لمن أحدقت به ... مكاره دهر ليس منهن مهرب\rلبوس جمال جنةٌ من شماتةٍ ... شفاء أسى يثني به ويثوب\rفيا عجبا للشيء هذي خلاله ... وتارك ما فيه من الحظ أعجب\rوقد يتظنى الناس أن أساهم ... وصبرهم فيهم طباعٌ مركب\rفإنهما ليسا كشيء مصرفٍ ... يصرفه ذو نكبة حين ينكب\rفإن شاء أن يأسي أطاع له الأسى ... وإن شاء صبرا جاءه الصبر يجلب\rوليسا كما ظنوهما بل كلاهما ... لكل لبيب مستطاعٌ مسبب\rيصرفه المختار منا فتارةً ... يراد فيأتي أو يزاد فيذهب\rإذا احتج محتجٌ على النفس لم تكد ... على قدرٍ يمني لها لتعتب\rوساعدها الصبر الجميل فأقبلت ... إليها له طوعا جنائب تجنب\rوإن هو مناها الأباطيل لم تزل ... تقاتل بالعتب القضاء وتغلب","part":1,"page":325},{"id":326,"text":"فيضحي جزوعا إن أصابت مصيبةٌ ... ويمسي هلوعا إن تعذر مطلب\rفلا يعذرن التارك الصبر نفسه ... بأن قيل: إن الصبر لا يتكسب\rوفور العقل قال الله تعالى: \" إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيدٌ \" قال المفسرون: عبر عن العقل بالقلب، لأنه محله وسكنه، وقال تعالى: \" وليذكر أولو الألباب \" ، وقال تعالى: \" وما يذكر إلا أولو الألباب \" . وقال تعالى: \" هل في ذلك قسمٌ لذي حجرٍ \" .\rوروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" أول ما خلق الله العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إن الله تعالى قسم العقل على ثلاثة أقسام، فمن كن فيه كمل عقله، ومن لم يكن فيه جزء منها، فلا عقل له \" . قيل: يا رسول الله، ما أجزاء العقل؟ قال: \" حسن المعرفة بالله، وحسن الطاعة لله، وحسن الصبر على أمر الله \" . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ما اكتسب رجل مثل فضل عقلٍ يهدي صاحبه إلى هدًى، ويرده عن ردًى، وما تم إيمان عبدٍ ولا استقام دينه، حتى يكمل عقله \" .\rوعن عمر رضي الله عنه أنه قال لتميم الداري: ما السؤدد فيكم؟ قال: العقل، قال: صدقت، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتك، فقال كما قلت، ثم قال: سألت جبريل ما السؤدد؟ فقال: العقل.\rوعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، بأي شيء يتفاضل الناس في الدنيا؟ قال: بالعقل، قلت: وفي الآخرة؟ قال بالعقل، قلت: أليس إنما يجزون بأعمالهم! فقال: \" يا عائشة، وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم الله تعالى من العقل، فبقدر ما أعطو من العقل كانت أعمالهم، وبقدر ما عملوا يجزون \" .\rوعن سعيد بن المسيب: أن عمر وأبي بن كعب وأبا هريرة دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، من أعلم الناس؟ قال: العاقل، قالوا: فمن أعبد الناس؟ قال: العاقل، قالوا: فمن أفضل الناس؟ قال: العاقل، قالوا: أليس العاقل من طهرت مروءته، وظهرت فصاحته، وجادت كفه، وعظمت منزلته؟ فقال عليه الصلاة والسلام: \" وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والأخر عند ربك للمتقين \" . إن العاقل هو التقى وإن كان في الدنيا خسيسا دنياً.\rوورد في الأثر: \" أن الله تعالى أنزل على آدم عليه السلام العقل والدين والحياء، فاختار العقل، فقيل للدين والحياء: ارتفعا، قالا، لا، قال: أفعصيتما أمر ربكما؟ قالا: ما عصينا أمر ربنا، ولكنا أمرنا أن نتبع العقل حيث كان \" .\rوقال لقمان لابنه: إن غاية الشرف والسؤدد في الدنيا والآخرة، حسن العقل، لأن العبد إذا حسن عقله، غطى ذلك عيوبه، وأصلح مساويه، ورضي عنه خالقه، وكفى بالمرء عقلا أن يسلم الناس من شره.\rوقيل: مكتوبٌ في حكمة آل داود عليه السلام: على العاقل أن يكون عالما بأهل زمانه، مالكا للسانه، مقبلا على شأنه.\rوقال بعض الحكماء: كل شيء يعز إذا قل، والعقل كلما كان أكثر كان أعز وأغلى، ولو بيع، لما اشتراه إلا العاقل لمعرفته بفضله، وأول شرف العقل أنه لا يشتري بالمال.\rقال أبو عطاء السندي:\rفإن العقل ليس له إذا ما ... تذكرت الفضائل من كفاء\rوقالوا: العلم قائد، والعقل سائق، والنفس بينهما حرون، فإذا كان قائدٌ بلا سائقٍ هلكت، وإن كان سائق بلا قائد أخذت يمينا وشمالا، فإذا اجتمعا أجابت طوعا أو كرها.\rحد العقل وماهيته وما وصف به وقد اختلف الحكماء، في حد العقل، فقيل: حده الوقوف عند مقادير الأشياء قولا وفعلا، وقيل: النظر في العواقب، وقال المتكلمون: هو اسم لعلوم إذا حصلت للإنسان صح تكليفه. وقيل: العاقل من له رقيب على شهواته، وقيل: هو من عقل نفسه عن المحارم، وقال عمرو بن العاص: أن يعرف خير الخيرين، وشر الشرين.","part":1,"page":326},{"id":327,"text":"قال أبو هلال: ومن العجب أن العرب تمثلت في جميع الخصال، بأقوام جعلوهم أعلاما فيها، فضربوا بها المثل إذا أرادوا المبالغة، فقالوا: أحلم من الأحنف، ومن قيس بن عاصم، وأجود من حاتم، ومن كعب بن مامة، وأشجع من بسطام، وأبي من سحبان، وأرمي من ابن تقنٍ، وأعلم من دغفل، ولم يقولوا: أعقل من فلان، فلعلهم لم يستكملوا عقل أحدٍ، على حسب ما قال الأعرابي، وقد قيل له: حد لا العقل، فقال: كيف أحده ولم أره كاملا في أحدٍ قط.\rوقيل لحكيم: ما جماع العقل؟ فقال: ما رأيته مجتمعا في أحدٍ فأصفه، وما لا يوجد كاملا فلا حد له.\rوقالوا: لكل شيء غاية وحده، والعقل لا غاية له ولا حد، ولكن الناس يتفاوتون فيه كتفاوت الأزهار في الرائحة والطيب.\rواختلفوا في ماهية العقل، كما اختلفوا في حده، فقال بعضهم: هو نور وضعه الله تعالى طبعا وغريزةً في القلب، كالنور في العين وهو البصر، فالعقل نورٌ في القلب، والبصر نورٌ في العين، وهو ينقص ويزيد، ويذهب ويعود، وكما يدرك بالبصر شواهد الأمور، كذلك يدرك بالعقل كثيرٌ من المحجوب والمستور، وعمى القلب كعمى البصر، قال تعالى: \" فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور \" .\rوعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ليس الأعمى من عمى بصره، ولكن من عميت بصيرته \" .\rوقال عبد الله بن عمر بن معاوية عن عمر بن عتبة المعروف بالعتبي: العقل عقلان، عقلٌ تفرد الله تعالى بصنعه، وهو الأصل، وعقلٌ يستفيده المرء بأدبه وهو الفرع، فاذا اجتمعا، قوي كل واحدٍ منهما صاحبه، تقوية النار في الظلمة للبصر.\rنظم بعض الشعراء هذا اللفظ فقال، ويروي لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:\rرأيت العقل عقلان ... فمطبوعٌ ومسموع\rولا ينفع مسموعٌ ... إذا لم يك مطبوع\rكما لا تنفع الشمس ... وضوء العين ممنوع\rوأكثر الناس على أن العقل في القلب، ودليله قوله عز وجل: \" أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور \" .\rوروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" العقل في القلب يفرق به بين الحق والباطل \" .\rوقال بعضهم: هو في الدماغ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه.\rوأما ما وصف به فقيل: العقل وزير رشيد، وظهير سعيد، من عصاه أرداه، ومن أعطاه أنجاه.\rوقال سعيد بن جبير: لم تر عيناي أجل من فضل عقلٍ يتردى به الرجل إن انكسر جبره، وإن تصدع أنعشه، وإن ذل أعزه، وإن اعوج أقامه، وإن عثر اقاله، وإن افتقر أغناه، وإن عرى كساه، وإن غوى أرشده وإن خاف أمنه، وإن حزن أفرحه، وإن تكلم صدقه، وإن أقام بين أظهر قومٍ اغتبطوا به، وإن غاب عنهم أسفوا عليه، وإن بسط يده قالوا: وإن قبضها قالوا: مقتصدٌ، وإن أشار قالوا: عالم، وإن صام قالوا: مجتهد، وإن أفطر قالوا: معذور.\rقال بعض الشعراء:\rيعد رفيع القوم من كان عاقلا ... وإن لم يكن في قومه بحسيب\rوإن حل أرضا عاش فيها بعقله ... وما عاقلٌ في بلدةٍ بغريب\rوقال بعض الحكماء: إذا غلب العقل الهوى، صرف المساويء إلى المحاسن، فجعل البلادة حلما، والحدة ذكاءً، والمكر فطنةً، والهذر بلاغةً، والعي صمتاً، والعقوبة أدبا، والجبن حذرا، والإسراف جودا.\rوقيل: لو صور العقل، لأضاء معه الليل، ولو صور الجهل، لأظلم معه النهار، قال المتنبي:\rلولا العقول لكان أدنى ضيغمٍ ... أدنى إلى شرفٍ من الإنسان\rوقد ندب إلى صحبة العقلاء:\rقال الزهري: إذا أنكرت عقلك، فاقدحه بعاقلٍ. قال ابن زرارة: جالس العقلاء أعداءً كانوا أم أصدقاءً، فإن العقل يقع على العقل.\rقال بعض الشعراء:\rعدوك ذو العقل أبقى عليك ... وأبقى من الوامق الأحمق\rوقال آخر:\rلله در العقل من راشدٍ ... وصاحبٍ في اليسر والعسر\rوحاكمٍ يقضي على غائبٍ ... قضية الشاهد للأمر\rوإن شيئاً بعض أحواله ... أن يفصل الخير من الشر\rله قوًى قد خصه ربه ... بخالص التقديس والطهر\rوقال آخر:\rإذا لم يكن للمرء عقلٌ فإنه ... وإن ان ذا قدر على الناس هين","part":1,"page":327},{"id":328,"text":"وإن كان ذا عقل أجل لعقله ... وأفضل عقلٍ عقل من يتبين\rوقال آخر:\rالعقل حلة فجرٍ من تسربلها ... كانت له نشبا يغني عن النشب\rوأفضل العقل ما في الناس كلهم ... بالعقل ينجو الفتى من حومة العطب\rوقال ابن دريد:\rوأفضل قسم الله للمرء عقله ... فليس من الخيرات شيءٌ يقاربه\rفزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظورا عليه مكاسبه\rويزري به في الناس قلة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه\rإذا أكمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومآربه\rوقال آخر:\rما وهب الله لامريء هبةً ... أشرف من عقله ومن أدبه\rهما جمال الفتى فإن عدما ... فإن فقد الحياة أنفع به\rوقال آخر:\rولم أر مثل الفقر أوضع للفتى ... ولم أر مثل المال أرفع للنذل\rولم أر من عدمٍ أضر على الفتى ... إذا عاش بين الناس من عدم العقل\rما قيل في الصدق قال الله عز وجل مبشرا للصادقين: \" هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جناتٌ تجري من تحتا الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" تحروا الصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهيد إلى الجنة، وإن المرء ليتحرى الصدق، حتى يكتب صديقا \" .\rوعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، ما عمل أهل الجنة؟ قال: الصدق، إذا صدق العبد بر، وإذا بر أمن، وإذا أمن دخل الجنة. قال: يا رسول الله ما عمل أهل النار؟ قال: الكذب، إذا كذب العبد فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل النار.\rوعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، بم يعرف المؤمن؟ قال: بوقاره، ولين كلامه، وصدق حديثه. ومن كلام علي رضي الله عنه: \" الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك، على الكذب حيث ينفعك \" .\rوقال بعض الحكماء: الصدق أزين حلية، والمعروف أربح تجارة، والشكر أدوم نعمة، وقال بعضهم: رأيت أرسطالطليس في المنام، فقلت: أي الكلام أحسن؟ فقال: ما صدق قائله، قلت: ثم ماذا؟ قال: ما استحسنه سامعه، قلت: ثم ماذا؟ قال: كل كلام جاوز هذا فهو ونهيق الحمار بمنزلة.\rوقال الأحنف لابنه: يا بني، يكفيك من شرف الصدق، أن الصادق يقبل قوله في عدوهن ومن دناءة الكذب، أن الكاذب لا يقبل قوله في صديقه ولا عدوه، لكل شيء حليةٌ، وحليةٌ المنطق الصدق يدل على اعتدال وزن العقل.\rقال عامر بن الظرب العدواني في وصيته: إني وجدت صدق الحديث طرفا من الغيب فاصدقوا، من لزم الصدق وعوده لسانه، فلا يكاد يتكلم بشيء يظنه إلا جاء على ظنه.\rوقالوا: ما السيف الصارم. في كف الشجاع، بأعز من الصدق.\rوقيل: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بعجوز تبيع اللبن، فقال لها: يا عجوز، لا تغشي المسلمين، ولا تشوبي لبنك بالماء، قالت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم مر بها بعد ذل، فقال يا عجوز، ألم أعهد إليك أن لا تشوبي لبنك بالماء؟ فقالت: والله ما فعلت يا أمير المؤمنين، فتكلمت بنتٌ لها من داخل الخباء، فقالت: يا أماهن أغشا وحنثاً جمعت على نفسك؟ فسمعها عمر فأعجبته، فقال لولده: أيكم يتزوجها؟ فلعل الله أن يخرج منها نسمةً طيبةً، فقال ابنه عاصم: أنا أتزوجها يا أمير المؤمنين، فزوجها منه، فأولدها أم عاصم، تزوجها عبد العزيز بن مروان فأولدها عمر ابن عبد العزيز.\rوروي أن بلالا لم يكذب منذ أسلم، فبلغ ذلك بعض من يحسده، فقال: اليوم أكذبه فسايره، فقال له: يا بلال ما سن فرسك؟ قال عظم، قال: فما جريه؟ قال: يحضر ما استطاع، قال: فأين تنزل؟ قال: حيث أضع قدمي، قال: ابن من أنت قال ابن أبي وأمي، قال: فكم أتي عليك؟ قال: ليالٍ وأيامٌ، الله أعلم بعدها، قال: هيهات، أعيت فيك حيلتي، ما اتعب بعد اليوم أبدا.\rالوفاء والمحافظة والأمانة قال الله عز وجل: \" وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً \" . وقال تعالى: \" وأوفوا بعهدي أوفٍ بعهدكم \" . وقال تعالى: \" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها \" . وقال تعالى: \" والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون.","part":1,"page":328},{"id":329,"text":"وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: \" عليك بصدق الحديث ووفاء العهد، وحفظ الأمانة، فإنها وصية الأنبياء \" .\rكان أبو العاص بن الربيع بن عبد العزي بن عبد شمس، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته زينت، تاجرا تضار به قريشٌ بأموالهم، فخرج إلى الشام سنة الهجرة، فلما قدم، عرض له المسلمون، وأسروه، وأخذوا ما معه، وقدموا به المدينة ليلا، فلما وصلوا الفجر، قامت زينت على باب المسجد، فقالت: يا رسول الله، قد أجرت أبا العاص وما معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت ودفع إليه ما أخذوه منه، وعرض عليه الإسلام، فأبى، وخرج إلى مكة، ودعا قريشا، فأطعمهم، ثم دفع إليهم أموالهم، ثم قال: هل وفيت؟ قالوا: نعم، قد أديت الأمانة ووفيت، قال: اشهدوا جميعا، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وما منعني أن أسلم إلا أن يقولوا: أخذ أموالنا، ثم هاجر، فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على النكاح، وتوفي في سنة اثنتي عشرة.\rوقيل لما قوي أمر بني العباس وظهر، قال مروان بن محمد لعبد الحميد بن يحيى كاتبه: إنا نجد في الكتب، أن هذا الأمر زائل عنا لا محالة، وسيظهر إليك هؤلاء القوم، يعني ولد العباس، فصر إليهم، فإني لأرجو أن تتمكن منهم، فتنفعني في مخلفي، وفي كثير من أموري، فقال: وكيف لي بعلم الناس جميعا أن هذا عن رأيك، وكلهم يقول: إني غدرت بك، وصرت إلى عدوك؟ وأنشد:\rأسر وفاءً ثم أظهر غدرةً ... فمن لي بعذرٍ يوسع الناس ظاهره\rثم قال:\rولؤمٌ ظاهرٌ لا شك فيه ... للائمةٍ وعذري بالمعيب\rفلما سمع مروان ذلك، علم أنه لا يفعل، ثم قال له عبد الحميد: إن الذي أمرتني به، لأنفع الأمرين لك، وأقبحهما بي، ولك على الصبر معك، إلى أن يفتح الله عليك، أو أقتل معك.\rوالعر تضرب المثل في الوفاء بالسموءل بن عادياء الأزدي، وقيل: إنه من ولد الكاهن بن هارون بن عمران، وكان من خبره، أن امرأ القيس بن حجر، أودعه أدراعا مائة، فأتاه الحارث بن ظالم، ويقال الحارث بن أبي شمر الغساني، ليأخذها منه، فتحصن منه السموءل، فأخذ ابنا له غلاما وناداه: إما أن أسلمت إلى الأدرع، وإما أن قتلت ابنك، فأبى أن يسلمها، فقتل ابنه بالسيف، ففي ذلك يقول:\rوفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما القوم قد غدروا وفيت\rوأوصي عاديا يوما بأن لا ... تهدم يا سموءل ما بنيت\rوفيه يقول الأعشى:\rكن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفلٍ كسواد الليل جرار\rالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصينٌ وجار غير غدار\rقد سامه خطتي خسف فقال له ... قل ما بدا لك إني سامعٌ حار\rفقال: ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظ لمختار\rفحار غير طويل ثم قال له ... أقتل أسيرك إني مانع جاري","part":1,"page":329},{"id":330,"text":"ومن وفاء العرب، ما فعله هانيء بن مسعود الشيباني، حتى جر ذلك يوم ذي قار، وكان من خبره: أن النعمان بن المنذر لما خاف كسرى، وعلم أنه لا منجأ منه ولا ملجأ، رأى أن يضع يده في يده، فأودع ماله وأهله عند هانيء، ثم أتى كسرى فقتله، وأرسل إلى هانيء يطالبه بوديعة النعمان، وقال له: إن النعمان كان عاملي، فابعث إلي بوديعته، وإلا بعثت إليك بجنود تقتل المقاتلة وتسبي الذرية، فبعث إليه هانيء: إن الذي بلغك باطل، وإن يكن الأمر كما قيل، فأنا أحد رجلين، إما رجل استودع أمانة، فهو حقيق أن يردها على من استودعه إياها، ولن يسلم الحر أمانته، أو رجل مكذوب عليه، وليس ينبغي للملك أن يأخذه بقول عدو، فبعث كسرى إليه الجنود، وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، وبعث معه الكتيبة الشهباء والأساورة، فلما التقوا، قام هانيء بن مسعود، وحرض قومه على القتال، وجرى بينهم حروب كثيرة ليس هذا موضع ذكرها، وسنذكرها إن شاء الله في وقائع العرب، فانتصر هانيء وانهزمت الفرس، وكانت وقعة مشهورة، قيل: وكان مرداس في سجن عبيد الله بن زياد بن أبيه، فقال له السبحان: أنا أحب أن أوليك حسنة، قال: فإن أذنت لك في الانصراف إلى دارك أفتدلج علي؟ قال: نعم، فكان يفعل ذلك به، فلما كان ذات يوم، قتل بعض الخوارج صاحب شرطة ابن زياد، فأمر أن يتقل من في السجن من الخوارج، وكان مرداس إذ ذاك خارجا، فقال له أهله: اتق الله في نفسك، فإنك مقتول إن رجعت، فقال: ما كنت لألقى الله غادرا، وهذا جبار، ولا آمن أن يقتل السجان، فرجع وقال للسجان: قد بلغني ما عزم صاحبك عليه من قتل أصحابنا، فبادرت لئلا يلحقك منه مكروه، فقال له السجان: خذ أي طريق شئت، فانج بنفسك.\rخرج سليمان بن عبد الملك ومعه يزيد بن المهلب إلى بعض جبابين الشام، وإذا بامرأة جالسة عند قبر تبكي، فجاء سليمان ينظر إليها، فقال لها يزيد، وقد عجب سليمان من حسنها: يا أمة الله، هل لك في أمير المؤمنين؟ فنظرت إليهما، ثم نظرت إلى القبر، وقالت:\rفإن تسألاني عن هواي فإنه ... بحوماء هذا القبر يا فتيان\rوإني لأستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه وهو يراني\rومن أحسن الوفاء، ما حكي عن نائلة بنت القرافصة زوج عثمان بن عفان رضي الله عنه: أن معاوية خطبها فردته، وقالت: ما يعجب الرجال مني؟ قالوا: ثناياها فكسرت ثناياها، وبعثت بها إلى معاوية، فكان ذلك مما يرغب قريشا في نكاح نساء كلب. وامرأة هدية لما قتل زوجها، قطعت أنفها وشفتيها، وكانت جميلة الوجه، لئلا يرغب فيها.","part":1,"page":330},{"id":331,"text":"وحيث ذكرنا الوفاء والمحافظة، فلنذكر بيعة خليفةٍ ويمينٍ، ذكرها بعض أهل الأدب في تصنيفه، وهي: تبايع عبد الله الإمام أمير المؤمنين، بيعة طوع وإيثار ورضا واختيار واعتقاد وإضمار وإعلان وإسرار وإخلاص من طويتك وصدق من نيتك، وانشراح من صدرك، وصحة من عزيمتك، طائعا غير مكره، ومنقادا غير مجبر، مقراً بفضلها، مذعنا بحقها، ومعترفا ببركتها، ومعتدا بحسن عائدتها، وعالما بما فيها، وفي توكيدها من صلاح الكافة، واجتماع كلمة الخاصة والعامة، ولم الشعث، وأمن العواقب، وسكون الدهماء، وعز الأولياء، وقمع الأعداء، على أن فلانا عبد الله وخليفته المفترض عليك طاعته، الواجب على الأمة إمامته وولايته، اللازم لهم القيام بحقه، والوفاء بعهده، لا تشك فيه، ولا ترتاب به، ولا تداهن من أمره، ولا تميل، ولكنك ولي أوليائه، وعدو أعدائه، من خاص وعام، وقريب وبعيد، وحاضر وغائب، متمسك في بيعته بوفاء العهد، وذمة العقد، سريرتك مثل علانيتك، وضميرك فيه وفق ظاهرك، على أن إعطاءك هذه البيعة من نفسك، وتوكيدك إياه في عنقك، لفلان أمير المؤمنين، على سلامة من قلبك، واستقامة من عزمك، واستمرار من هواك ورأيك، على أن لا تتأول عليه فيها، ولا تسعى في نقض شيء منها، ولا تعقد عن نصرة له في الرخاء والشدة، ولا تدع النصح له في كل حالة راهنة وحادثة، حتى تلقى الله موفيا بها، مؤديا للأمانة فيها، إذ كان الذين يبايعون ولاة الأمر وخلفاء الله في الأرض: \" إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه \" عليك بهذه البيعة التي طوقتها عنقك، وبسطت لها يديك، وأعطيت ما شرط عليك فيها، من وفاء، ونصح، وموالاة، ومشايعة، وطاعة، وموافقة، واجتهاد، ومبالغة، عهد الله إن عهده كان مسئولا، وما أخذ الله على أنبيائه، ورسله عليهم السلام، وعلى من أخذ من عباده من وكدات مواثيقه، ومحكمات عهوده، وعلى أن تتمسك بها، فلا تبدل، وتستقيم، فلا تميل، وإن نكثت هذه البيعة، وبدلت شرطا من شروطها، أو عفيت رسما من رسومها، أو غيرت حكما من أحكمها، معلنا أو مسراً، محتالا أو متأولا، أو زغت عن السبيل التي يسلكها من لا يحتقر الأمانة، ولا يستحل الغدر والخيانة، ولا يستجيز حل العقود والعهود فكل ما تملكه من عين أو ورق، أو آنية أو عقار أو سائمة أو زرع أو ضرع أو غير ذلك من صنوف الأملاك المعتقدة، والأموال المدخرة، صدقة على المساكين، يحرم عليك أن ترجع شيئا من ذلك إلى مالك، بحيلة من الحيل، على وجه من الوجوه، أو سبب من الأسباب، أو مخرج من مخارج الإيمان، فكل ما تفيده عمرك من مال يقل خطره أو يجل فتلك سبيله إلى أن لتوفاك منيتك، أو يأتيك أجلك، وكل مملوك لك اليوم من ذكر وأنثى أو تملكه إلى آخر أيامك أحرار سائبون لوجه الله تعالى، ونساؤك يوم يلزمك الحنث وما تتروح بعدهن مدة بقائك طوالق ثلاثا، طلاق الحرج والسنة لا مثنوية فيها ولا رجعة، وعليك المشي إلى بيت الله الحرام، ثلاثين حجةً حافيا راجلا، لا يرضى الله منك إلا بالوفاء بها، ولا يقبل الله صرفا ولا عدلا، وخذلك يوم تحتاج إليه، وبرأك من حوله وقوته، وألجأك إلى حولك وقوتك والله عز وجل بذلك شهيد \" وكفى بالله شهيداً \" والله على ما تقول وكيل.\rما قيل في التواضع قال الله تبارك وتعالى: \" أذلةً على المؤمنين \" . وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: \" واختفض جناحك للمؤمنين \" . وقال قتادة في تفسير قوله تعالى: \" وبشر المخبتين \" قال: هم المتواضعون. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل على الأرض متواضعا.\rوقال أنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض ويتبع الجنائز ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار، ولقد رأيته يوم حنين على حمار، خطامه ليف. وقال صلى الله عليه وسلم: \" إن العفو لا يزيد البعد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله، وإن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله، وإن الصدقة لا تزيد المال إلا نماء فتصدقوا يزدكم الله \" . وقال عروة ابن الزبير: التواضع أحد مصايد الشرف، وفي لفظٍ \" سلم الشرف \" . وقال جعفر بن محمد: رأس الخير التواضع، فقيل له: وما التواضع؟ فقال: أن ترضى من المجلس بدون شرفك وأن تسلم على من لقيت، وأن تترك المراء وإن كنت محقاً.","part":1,"page":331},{"id":332,"text":"وعن علي رضي الله عنه ولم يذكر المراء فيه وزاد فيه: وتكره الرياء والسمعة. وقيل: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة، وقيل: التواضع نعمة لا يفطن لها الحاسد، وقيل: التواضع كالوهدة يجتمع فيها قطرها وقطر غيرها.\rوقال عبد الله بن المعتز: متواضع العلماء أكثرهم علما، كما أن المكان المنخفض أكثر الأماكن ماءً.\rوكان يحيى بن خالد يقول: لست أرى أحدا تواضع في إمارة إلا وهو في نفسه أكبر مما نال من سلطانه.\rومن التواضع المأثور ما روي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر ويده على المعلى بن الجارود فلقيته امرأة من قريش، فقالت له: يا عمر، فوقف لها، فقالت له: كنا نعرفك مرة عميرا ثم صرت بعد عميرٍ عمر ثم صرت بعد عمر أمير المؤمنين فاتق الله يا بن الخطاب، فانظر في أمور الناس، فإنه من خاف الوعيد، قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت، خشي الفوت، فقال لها المعلى، إيهاً، إليك يا أمة الله لقد أبكيت أمير المؤمنين، فقال له عمر أتدري من هذه؟ ويحك! هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من سمائه، فعمر أحرى أن يسمع قولها ويقتدي به. وقال عدي بن أرطاة لإياس بن معاوية: إنك لسريع المشية، قال: ذلك أبعد من الكبر وأسرع من الحاجة. وقال عمر رضي الله عنه وقد قيل له مثل هذا: أنجح للحاجة وأبعد من الكبر. أما سمعت قوله عز وجل؟ واقصد في مشيك واغضض من صوتك.\rوقد مدح الشعراء أهل التواضع، فمن ذلك قول أبي تمام حبيب:\rمتبذلٌ في القوم وهو مبجلٌ ... متواضع في الحي وهو معظم\rوقال آخر:\rمتواضع والنبل يحرس قدره ... وأخو النباهة بالنباهة ينبل\rوقال البحتري:\rدنوت تواضعا وعلوت مجدا ... فشأناك انحدارٌ وارتفاع\rكذلك الشمس تبعد أن تسامي ... ويدنو الضوء منها والشعاع\rوقال أبو محمد التيمي:\rتواضع لما زاده الله رفعةً ... وكل رفيع قدره متواضع\rوقال آخر:\rدنوت تواضعا وعلوت قدرا ... ففيك تواضعٌ وعلو شان\rالقناعة والنزاهة جاء في تفسير قوله تعالى: \" من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينه حياةً طيبةً \" أن المراد بالحياة الطيبة: القناعة.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" القناعة مال لا ينفد \" . وقال عليه السلام: \" ما عال من افتصد \" . ومن كلام على رضي الله عنه: كفى بالقناعة ملكا، وبحسن الخلق نعيما.\rوقال جعفر بن محمد: ثمرة القناعة الراحة.\rوقال علي بن موسى: القناعة تجمع إلى صيانة النفس، وعز القدرة طرح مؤونة الاستكثار والتعبد لأهل الدنيا، ولا ملك طريق القناعة إلا رجلان، إما متقللٌ يريد أجر الآخرة، أو كريمٌ يتنزه عن آثام الدنيا.\rوقال الراضي: القانع يعيش آمنا مطمئنا مستريحا مريحا، والشره لا يعيش إلا تعباً نصباً في خوف وأذًى.\rوقال بعض الحكماء: عز النزاهة أحب إلي من فرح الفائدة، والصبر على العسرة أحب إلي من احتمال المنة. وقال أبو ذؤيب الهذلي:\rوالنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع\rوقال سالم بن وامضة:\rغنى النفس ما يكفيك في سد فاقة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا\rوقال أبو هلال العسكري:\rألا إن القناعة خير مالٍ ... لذي كرمٍ يروح بغير مال\rوإن يصبر فإن الصبر أولى ... بمن عثرت به نوب الليالي\rتجمل إن بليت بسوء حالٍ ... فإن من التجمل حسن حال\rالشكر والثناء قال الله تبارك وتعالى: \" وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم \" فالشكر مما يوجب الزيادة.\rوقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا يزهدك في المعروف من لا يشكرك عليه، فقد يشكرك عليه من لا يستمتع بشيء منه، وقد يدرك من شكر الشاكر، أكثر مما أضاع الكافر، \" والله يحب المحسنين \" .\rومما تعزيه الفرس إلى إسفنديار: الشكر أفضل من النعمة لأنه يبقى وتلك تفنى. وقال موسى بن جعفر: المعروف لا يفكه إلا المكأفاة أو الشكر، وقال: قلة الشكر تزهد في اصطناع المعروف.\rوقيل: إذا قصرت يدك عن المكأفاة، فليطل لسانك بالشكر. وقيل: للشكر ثلاث منازل: ضمير القلب، ونشر اللسان، ومكأفاة اليد. قال الشاعر:\rأفادتكما النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا","part":1,"page":332},{"id":333,"text":"وقال يحيى بن زياد الحارثي بن كعب:\rحلفت برب العيس تهوي بركبها ... إلى حرمٍ ما عنه للناس معدل\rلما يبلغ الإنعام في النفع غاية ... على المرء إلا مبلغ الشكر أفضل\rولا بلغت أيدي المنيلين بسطةً ... من الطول إلا بسطة الشكر أطول\rولا ثقلت في الوزن أعباء منةٍ ... على المرء إلا منة الشكر أثقل\rفمن شكر المعروف يوما فقد أتى ... أخا العرف من حسن المكأفاة من عل\rوقال رجل من غطفان:\rالشكر أفضل ما حاولت ملتمساً ... به الزيادة عند الله والناس\rوقال أبو بجيلة:\rشكرتك إن الشكر حبلٌ من التقي ... وما كل من أوليته نعمةً يقضي\rونبهت لي ذكرى وما كان خاملاً ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض\rوقال آخر:\rسأشكر عمراً ما تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت\rفتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت\rرأى خلتي من حيث يخفي مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت\rوقال أبو تمام:\rكم نعمةٍ منك تسربلتها ... كأنها طرة بردٍ قشيب\rمن اللواتي إن ونى شاكر ... قامت لمسديها مقام الخطيب\rوقال أبو عيينة بن محمد بن أبي عتبة المهلبي:\rياذا اليمينين قد أوليتني منناً ... تترى هي الغاية القصوى من المنن\rولست أسطيع من شكرٍ أجيء به ... إلا استطاعة ذي جسم وذي بدن\rلو كنت اعرف فوق الشكر منزلة ... أوفى من الشكر عند الله في الثمن\rأخلصتها لك من قلبي مهذبةً ... حذواً على مثل ما أوليت من حسن\rقالوا وأجود ما قيل في عظم النعمة وقصور الشكر من قديم الشعر قول طريح ابن إسماعيل:\rسعيت ابتغاء الشكر فيما صنعت لي ... فقصرت مغلوبا وإني لشاكر\rلأنك توليني الجميل بداهةً ... وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر\rفأرجع مغبوطا وترجع بالتي ... لها أولٌ في المكرمات وآخر\rوقال دعبل:\rهجرتك لا عن جفوةٍ وملالة ... ولا لقليً أبطأت عنك أبا بكر\rولكنني لما رأيتك راغباً ... فأفرطت في بري عجزت عن الشكر\rفملآن لا آتيك إلا تعذراً ... أزورك في الشهرين يوما وفي الشهر\rوقال البحتري:\rهاتيك أخلاق إسماعيل في تعبٍ ... من العلا والعلا منهن في تعب\rأبث شكري فأمسى منك في نصبٍ ... أقصر فمالي في جدواك من أرب\rلا أقبل الدهر نيلا لا يقول له ... شكري ولو كان يسديه إلي أبى\rلما سألتك وافاني نداك علي ... أضعاف شكري فلم أظفر ولم أخب\rوقال أيضا:\rإني هجرتك إذ هجرتك وحشةً ... لا العود يذهبهما ولا الإبداء\rأخجلتني بندي يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء\rوقطعتني بالجود حتى إنني ... متخوفٌ أن لا يكون لقاء\rصلةٌ غدت للناس وهي قطيعةٌ ... عجباً وبرٌ راح وهو جفاء\rليواصلنك ركب شعرٍ سائر ... يرويه فيك لحسنه الأعداء\rحتى يتم لك الثناء مخلداً ... أبدا كما تمت لك النعماء\rفتظل تحسدك الملوك الصيد بي ... وتظل تحسدني بك الشعراء\rوقال الحسن بن هانيء:\rقد قلت للعباس معتذراً ... من عظم شكريه ومعترفا\rأنت امرؤ جللتني نعماً ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا\rلا تسدين إلي عارفةً ... حتى أقوم بشكرها سلفاد\rوقال الحسين بن الضحاك للواثق من أبيات:\rإذا كنت من جدواك في كل نعمةٍ ... فلا كنت إن لم أفن عمري بشكركا\rوقال البحتري:\rإذا أنا لم أشكر لنعماك جاهداً ... فلا نلت نعمي بعدها توجب الشكرا\rوقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:\rإني لشاكر أمسه ووليه ... في يوه ومؤملٌ عنه غدا\rوقال آخر:","part":1,"page":333},{"id":334,"text":"وكيف أنساك لا نعماك واحدة ... عندي ولا بالذي أوليت من قدم\rوقال عبد الأعلى بن حماد: دخلن على المتوكل، فقال لي: قد هممنا أن نصلك، فتدافعت الأمور، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد بلغني عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: من لم يشكر للهمة، لم يشكر للنعمة، وأنشدته قول الباهلي:\rلأشكرنك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف\rولا ألومك إن لم يمضه قدرٌ ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف\rوقال ابن الرومي:\rكم من يدٍ بيضاء قد أسديتها ... تثني إليك عنان كل وداد\rشكر الإله صنائعاً أوليتها ... سلكت مع الأرواح في الأجساد\rوقال آخر:\rوأحسن ما قال امرؤ فيك مدحة ... تلاقت عليها منةٌ وقبول\rوشكرٌ كأن الشمس تعني بنشره ... ففي كل أرض مخبرٌ ورسول\rومن كلام الحسن بن وهب: من شكر الله على درجة رفعته إليها، أو ثروة أفدته إياها، فإن شكري لك على مهجة أحييتها، وحشاشة أبقيتها، ورمق أمسكته، وقمت بين التلف وبينه، ولكل نعمة من نعم الدنيا حد ينتهي إليه، ومدًى توقف عليه، وغاية من الشكر يسمو إليها الطرف، خلا هذه النعمة التي فاتت الوصف، وطالت الشكر، وتجاوزت كل قدر، وأتت من وراء كل غاية، وردت عنا كيد العدو، وأرغمت أنف الحسود، نلجأ منها إلى ظل ظليل، وكنفٍ كريم، فكيف يشكر الشاكر، وأين يبلغ جهد المجهود.\rوقال الشريف الرضى:\rألبستني نعما على نعمٍ ... وفعت لي علما على علم\rوعلوت بي حتى مشيت على ... بسطٍ من الأعناق والقمم\rفلأشكرن يديك ما شكرت ... خضر الرياض مصانع الديم\rفالحمد يبقى ذكر كل فتًى ... ويبين قدر مواقع الكرك\rوالشكر مهرٌ للصنيعة إن ... طلبت مهور عقائل النعم\rوقال أبو الحسن الكاتب المغربي:\rسأشكر نعماك التي انبسطت بها ... يدي ولساني فهو بالمجد ينطق\rوأثني بما أوليتني من صنيعةٍ ... ومن منةٍ تغدو على وتطرق\rوكل امريء يرجو نداك موفقٌ ... وكل امريءٍ عليك مصدق\rوقال ابن رشيق القيرواني:\rخذ ثناءً عليك غب الأيادي ... كثناء الربى على الأمطار\rسقط الشكر وهو موجب نعما ... ك سقوط الأنواء بالأثمار\rومن المنعمين من رأى أن الشكر بإظهار النعمة، أبلغ منه بالنطق باللسان، وعاقب على ذلك بالحرمان.\rفمن ذلك ما رواه أبو هلال العسكري يسنده إلى العتبي قال: أراد جعفر بن يحيى حاجة كان طريقه إليها على باب الأصمعي، فدفع إلى خادم له كيسا فيه ألف دينار وقال: إني سأنزل في رجعتي إلى الأصمعي، ثم سيحدثني ويضحكني، فإذا ضحكت، فضع الكيس بين يديه، فلما رجع، ودخل إليه، رأى حباً مكسور الرأس، وجرةً مكسورة العنق، وقصعة مشعبة، وجفنة أعشارا، ورآه على مصلًى بالٍ، وعليه برنكان أجرد، فغمز غلامه أن لا يضع الكيس بين يديه، فلم يدع الأصمعي شيئا مما يضحك الثكلان والغضبان إلا أورده فلم يتبسم، ثم خرج، فقال لرجل يسايره: من استرعى الذئب ظلم، ومن زرع السبخة حصد الفقر، إني والله لما علمت أن هذا يكتم المعروف بالفعل، ما حلفت بنشره له باللسان، وأين يقع مديح اللسان من آثار العيان؟ إن اللسان قد يكذب، والحال لا يكذب، ولله در نصيب حيث يقول:\rفعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب\rثم قال: أعلمت أن ناووس أبرويز، أمدح لأبرويز من زهير لآل سنان؟ وقالت الحكماء: لسان الحال، أصدق من لسان الشكوى.\rوقد أجاد ابن الرومي في هذا المعنى فقال:\rحالي تبوح بما أوليت من حسنٍ ... فكل ما تدعيه غير مردود\rكلي هجاء وقتلي لا يحل لكم ... فما يداويكم مني سوى الجود\rوقالوا: شهادات الأحوال، أعدل من شهادات الرجال.\rالوعد والإنجاز روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" وعد المؤمن كأخذٍ باليد \" . وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: الوعد مرض في الجود، والإنجاز دواءه.\rومن كلامه: المسئول حرٌ حتى يعد، ومسترٌ بالوعد حتى ينجز.\rوقال الزهري: حقيق على من أزهر بالوعد، أن يثمر بالفعل.","part":1,"page":334},{"id":335,"text":"وقال مسلم بن الوليد عن أبيه قال: سألت الفضل بن سهلٍ حاجة، فقال: أشرفك اليوم بالوعد، وأحبوك غدا بالإنجاز، فإني سمعت يحيى بن خالد يقول: المواعيد شبكة من شباك الكرام، يصيدون بها محامد الأحرار، ولو كان المعطي لا يعد، لارتفعت مفاخر إنجاز الوعد، ونقص فضل صدق المقال.\rوقال الأبرش الكلبي لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين، لا تصنع إلي معروفا، حتى تعدني، فإنه لم يأتني منك سيب على غير وعد، إلا هان علي قدره، وقل مني شكره، فقال له هشام: لئن قلت ذلك، لقد قال سيد أهلك أبو مسلم الخولاني: أنجع المعروف في القلوب، وأبرده على الأكباد، معروف منتظر من وعد لا يكدر بالمطل.\rوكان يحيى بن خالد لا يقضي حاجةً إلا بوعد.\rوقال أعرابية لرجل: مالك تعطي ولا تعد، فقال: مالك والوعد؟ قالت ينفسح به البصر، وينشر فيه الأمل، وتطيب بذكره النفس، ويرخي به العيش، وتربح به المدح بالوفاء.\rقيل: كلم منصور بن زياد يحيى بن خالد في حاجة لرجل فقال: عده عني قضاءها، قال: وما يدعوك أعزك الله إلى العدة مع وجود القدرة؟ فقال يحيى: هذا قول من لا يعرف موضع الصنائع من القلوب، إن الحاجة إن لم لتقدمها بوعد ينتظر به نجحها، لم تتجاذب الأنفس بسرورها، ولم تتلذذ بتأميلها، وإن الوعد تطعم، والإنجاز طعام، وليس من فاجأه طعام، كمن وجد رائحته، وتمطق له وتطعمه، ثم تطعمه، فدع الحاجة تحتم بالوعد، ليكون لها عند المصطنع إليه حسن موقع، ولطف محل.\rوقال عيسى بن ماهان: إني أحب أن أهب بلا وعد، وأحب أن أعد، لأخرج من جملة المخلفين، وأدخل في عدد الوافين، ويؤثر عني كرم المنجزين، فإن من سبق فعله وعده، وصف بكرم فرد، وسقط عنه جميع ما ذكرت.\rقال ذكر العباس المأمون فقال: إنه ألقح معروفه عندي بالوعد، ونتجه بالنجح، وأرضعه بالزيادة، وشيبه بالتعهد، وهرمه باستتمامه من جهاته، وهنأه بترك الامتنان به.\rوشكا رجل جعفر بن يحيى لأبيه: أنه وعد وعدا ومطله به، فوقع: يا بني، أنتم معاقل الأحرار ومظان المطالب ومعادن الشكوى، فكونوا سواءً في الأقوال والأفعال، فإن الحر، يدخر وعد الحر ويعتقده وينفقه قبل ملكته، فإن أخفق أمله، كان سببا لذمه واتهامه وسوء ظنه، حتى يواري قبح ذلك حسن يقينه، فأنجز الوعد، وإلا فأقصر القول، فإنه أعذر والسلام.\rقال: كلم المأمون في الحسين بن الضحاك الخليع أن يرد عليه رزقه، فقال: أليس هو القائل في الأمين:\rفلا فرح المأمون بالملك بعده ... ولا زال في الدنيا طريداً مشردا\rفما زالوا يتلطفون معه في القول، إلى أن أذن له أن ينشده، فأنشده:\rأبن لي فإني قد ظمئت إلى الوعد، متى تنجز الوعد المؤكد بالعهد\rأعيذك من صد الملوك وقد ترى ... تقطع أنفاسي عليك من الوجد\rفما لي شفيعٌ عند حسنك غيره ... ولا سببٌ إلا التمسك بالود\rأيبخل فرد الحسن فرد صفاته ... علي وقد أفردته بهوى وحدي\rرأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه والله أعلم بالعبد\rفقال له المأمون: هذه بتلك، وقد عفونا عنك فقال: يا أمير المؤمنين، فأتبع عفوك إحسانك، فأمر برد أرزاقه عليه، وكانت فيكل شهر خمسمائة دينارٍ، فقال المأمون: لولا أني نويت عفوا عنه، وجعلت ذلك وعدا له من قبل، ما فعلته، وإنما ذكر الوعد في تشبيه يذكرنيه.\rوقال بعض ملوك العجم: البخل بعد الوعد، يضعف قبحه على البخل قبله، فما قولك في أمر، البخل أحسن منه؟ وقال بعض الشعراء:\rولي منك موعودٌ طلبت نجاحه ... وأنت امرؤٌ لا تخلف الدهر موعدا\rوعودتني أن لا تزال تظلني ... يدٌ منك قد قدمت من قبلها يدا\rفلو أن مجدا أو ندىً أو فضيلة ... تخلد شيئا كنت أنت المخلدا\rوقال بشار:\rوعد الكريم يحث نائله ... كالغيث يسبق رعده مطره\rوقال ابن الرومي:\rيتخطى العداة عمدا إلى البذ ... ل كسح الحيا بلا إيماض\rالشفاعة قال الله عز وجل: \" من يشفع شفاعةً حسنةً يكن له نصيبٌ منها \" .","part":1,"page":335},{"id":336,"text":"وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الله تعالى يسأل العبد عن جاهه كما يسأله عن عمره، فيقول له: جعلت لك جاها، فهل نصرت به مظلوما، أو قمعت به ظالما، أو أعنت به مكروبا \" ؟ وقال صلى الله عليه وسلم: \" أفضل الصدقة أن تيعن بجهك من لا جاه له \" . وقال: \" الخلق عيال الله، فأحبهم إليه، أنفعهم لعياله \" . وقال: \" الشفيع جناح الطلب \" .\rوقيل: قصد ابن السماك الواعظ رجلا من حاجةٍ لرجلٍ سأله الشفاعة فيها، فقال ابن السماك: إني أتيتك في حاجةٍ، وأن الطالب والمطلوب إليه عزيزان إن قضيت الحاجة، وذليلان إن لم تقض، فاختر لنفسك عز البذل، على ذل المنع، واختر لي عز النجح، على ذل الرد، فقضي حاجته.\rقال أبو تمام:\rوإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله\rوقال رجل لبعض الملوك: إن الناس يتوسلون إليك بغيرك، يسألون معروفك، ويشكرون غيرك، وأنا أتوسل إليك بك، ليكون شكري لك لا لغيرك.\rقال بعض الشعراء:\rإذا أنت لم تعطفك إلا شفاعةٌ ... فلا خير في ود ويكون بشافع\rالاعتذار والاستعطاف رأيت جماعةً من أهل الأدب قد ألحقوا الاعتذار والاستعطاف بالمدح، كالحمدوني في تذكرته، وغيره، فلذلك أضفته إليه، وجعلته من فصوله. قال الله عز وجل: \" وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم \" .\rوروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من اعتذر إليه أخوه المسلم، فلم يقبل، لم يرد على الحوض \" .\rوقال علي رضي الله عنه: أولى الناس بالعفو، أقدرهم على العقوبة. وقال: العفو زكاة الظفر. وقال: إذا قدرت على عدوك، فاجعل عفوك عنه شكر المقدرة عليه.\rوقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: لا تعاجل الذنب بالعقوبة، واجعل بينهما للاعتذار طريقا. وقال: أوسع ما يكون الكرم بالمغفرة، إذا ضاقت بالذنب المعذرة.\rوقال جعفر بن محمد الصادق: شفيع المذنب إقراره، وتوبة المجرم الاعتذار.\rوقالوا ما أذنب من اعتذر، ولا أسى من استغفر.\rوأوصى بعض الحكماء ولده فقال: يا بني لا يعتذر إليك أحد من الناس، كائنا من كان، في أي جرم كان، صادقا كان أو كاذبا، إلا قبلت عذره، فكفاك بالاعتذار براً من صديقك، وذلاً من عدوك.\rقال بعض الشعراء:\rفإن كنت ترجو في العقوبة راحة ... فلا تزهدن عند التجاوز في الأجر\rوقال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري: الاعتذار ذلة، ولا بد منه، لأن الإصرار على الذنب، فيما بينك وبين خالقك هلكةٌ، وفيما بينك وبين صديقك فرقةٌ، وعند سائر الناس مثلبةٌ وهجنةٌ، فعليك به، إذا واقعت الذنب، وقارفت الجرم، ولا تستنكف من خضوعك وتذللك فيه، فربما استثير العز من تحت الذلة، واجتني الشرف من شجرة النذلة، ورب محبوبٍ في مكروه، والمجد شهدٌ يجتني من حنظل.\rقال: ومما خص به الاعتذار أن الحق لا يثبت لباطله، والحقيقة لا تقوم مع تخييله وتمويهه، وأن رده لا يسع مع الكذب اللائح في صفحاته. وقالوا: لا عذر في رد الاعتذار، والمعتذر من الذنب، كمن لا ذنب له، وهذه خصلة لا يشركه فيها غيره.","part":1,"page":336},{"id":337,"text":"قال بعضهم: كنت بحضرة عبيد الله بن سليمان، فوردت عليه رقعة من جعفر ابن توابة، نسختها: قد فتحت للمظلوم بابك، ورفعت عنه حجابك، فأنا أحاكم الأيام إلى عدلك، وأشكو صروفها إلى فضلك، وأستجير من لؤم غلبتها بكرم قدرتك، وحسن ملكتك، فإنها تؤخرني إذا قدمت، وتحرمني إذا قسمت، فإن أعطت أعطت يسيرا، وإن ارتجعت ارتجعت كثيرا، ولم أشكها إلى أحد قبلك، ولا أعددت الانتصاف منها إلا إلى فضلك، ولي مع ذمام المسألة لك، وحق الظلام إليك، ذمام تأميلك، وقدم صدقٍ في طاعتك، والذي يملأ من النصفة يدي، ويفرغ الحق علي، حتى تكون لي محسنا، وأكون بك إلى الأيام مقربا، أن تخلطني بخواص خدمك الذين نقلتهم من حد الفراغ إلى الشغل، ومن الخمول إلى النباهة والذكر، فإن رأيت أن تعذبني فقد استعديت إليك، وتنصرني فقد عذت بك، وتوسع لي كنفك فقد أويت إليه، وتسمني بإحسانك فقد عولت عليه، وتستعمل يدي ولساني فيما يصلحان له من خدمتك، فقد درست كتب أسلافك وهم القدوة في البيان، واستضأت بآرائهم، واقتفوت آثارهم اقتفاءً جعلني بين وحشي الكلام وأنيسه، ووقفني منه على جادةٍ متوسطةٍ، يرجع إليها العالي، ويلحق بها المقصر التالي، فعل إن شاء الله. قال: فعل إن شاء الله! قال: فجعل عبيد الله يرددها ويستحسنها، ثم قال: هذا أحق بديوان الرسائل.\rومن الاستعطاف: ما حكي أن محمد بن الحنفية، جرى بينه وبين أخيه الحسين، كلام افترقا بسببه متغاضبين، فلما وصل محمد إلى منزله، كتب إلى الحسين رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإن لك شرفا لا أبلغه، وفضلا لا أدركه، أبونا عليٌّ، لا أفضلك فيه ولا تفضلني، وأمي امرأة من بني حنيفة، وأمك فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان ملء الأرض نساءً مثل أمي ما وفين بأمك، فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك وتعال لتترضاني، وإياك أن أسبقك إلى هذا الفضل الذي أنت أولى به مني والسلام. فلبس الحسين رداءه ونعليه وجاء إلى محمد وترضاه.\rوقيل: وقع جعفر بن يحيى في رقعة معتذرا: قد تقدمت طاعتك ونصيحتك، فإن ثبت منك هفوة فلن تغلب سيئةٌ حسنتين.\rوقال شاعر:\rإرض للسائل الخضوع وللقا ... رف ذنباً مذلة الإعتذار\rقال أبو هلال العسكري: لم يرو عن أحد النابغة الذبياني في الاعتذار شعر، فمن أجود ما روي له فيه، قوله حين سعى به المنخل اليشكري إلى النعمان، وزعم أنه غشى المتجردة حظية النعمان، وذلك حين وصفها النابغة في شعره فقال:\rوإذا لمست لمست أخثم جاثما ... متحيزاً بمكانه ملء اليد\rوإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسة بالعبير مقرمد\rوإذا نزعت نزعت من مستحصف ... نزع الحزور بالرشاء المحصد\rفقال المنخل للنعمان: هذا وصف من ذاقها، فوقر ذلك في نفس النعمان، ثم وفد عليه رهط من بني سعد بن زياد مناة من بني قريع، فأبلغوه أن النابغة ما يزال يذكرها ويصف منها، فأجمع النعمان على الإيقاع بالنابغة، فعرفه بذلك عصام حاجب النعمان، وهو الذي قيل فيه:\rنفس عصامٍ ستودت عصاما\rفانطلق النابغة إلى آل غسان وكانوا قتلوا المنذر والد النعمان، فزادهم لحاق النابغة بهم حشمة، ثم اتصلت بالنعمان كثرة مدائح النابغة لهم، فحسدهم عليه وأمنه وراسله في المصير إليه، فأتاه وجعل يعتذر مما قذف به ومن مدحه لآل غسان فقال:\rحلفت فلم أترك لنفسك ريبةً ... وليس وراء الله للمرء مذهب\rلئن كنت قد بلغت عني جنايةً ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب\rولست بمستبقٍ أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب\rفأن أك مظلوما فعبدٌ ظلمته ... وإن تك ذا عتبي فمثلك يعتب\rيقول: مثلك يعفو ويحسن إن كان عاتبا، وفي كرمك ما يفعل ذلك، ولك العتبي والرجوع إلى ما تحب. ومنه قوله أيضا النعمان:\rأتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع\rمقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع\rفبت كأني ساورتني ضئيلةٌ ... من الرقش في أنيابها السم ناقع\rلكلفتني ذنب امريء وتركته ... كذع العر يكوي غيره وهو راتع\rإلى أن قال:","part":1,"page":337},{"id":338,"text":"فإن كنت لا ذو الضغن عني مكذبٌ ... ولا حلفي على البراءة نافع\rولا أنا مأمون بشيء أقوله ... وأنت بأمرٍ لا محالة واقع\rفإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المتتأي عنك واسع\rوقال أيضا:\rأنبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زارٍ من الأسد\rمهلاً فداءٌ لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مالٍ ومن ولد\rلا تقذفني بركن لا كفاء به ... وإن تأثفك الأعداء بالرفد\rما قلت من سيء مما أتيت به ... إذا فلا رفعت سوطي إلى يدي\rقال: فخلع عليه النعمان خلع الرضى، وكن حبراتٍ خضار مطرقةً بالجوهر.\rقال العسكري: ولم يسلك أحد طريقته فأحسن فيها كإحسان البحتري، فمن اعتذاراته قوله في قصيدته التي أولها:\rلوت بالسلام بنانا خضيبا\rقال منها:\rفديناك من أي خطبٍ عرى ... ونائبةٍ أوشكت أن تنوبا\rوإن كان رأيك قد حال في ... وأوليتني بعد شر قطوبا\rيريبني الشيء تأتي به ... وأكبر قدرك أن أستريبا\rوأكره أن يتمادى علي سبيل اغ ... ترارٍ فألقى شعوبا\rأكذب نفسي بأن قد سخطت ... وما كنت أعهد ظني كذوبا\rولو لم تكن ساخطا لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا\rأيصبح ودي في ساحتي ... ك طرقا ومرعاي محلاً جديبا\rوما كان سخطك إلا الفراق ... أفاض الدموع وأشجي القلوبا\rولو كنت أعرف ذنبا لما كا ... ن خالجني الشك في أن أتوبا\rسأصبر حتى ألاقي رضا ... ك إما بعيدا وإما قريبا\rأراقب رأيك حتى يصح ... وأنظر عطفك حتى يثوبا\rوقوله:\rعذيري من الأيام رنقن مشربي ... ولقينني نحسا من الطير أشأما\rوأكسبنني سخط امريء بت موهنا ... أرى سخطه ليلا مع الصبح مظلما\rتبلج عن بعض الرضى وانطوي على ... بقية عتبٍ شارفت أن تصرما\rإذا قلت يوما: قد تجاوز حدها ... تلبث في أعقابها وتلوما\rوأصيد إن نازعته الطرف رده ... قليلا وإن راجعته القول جمجما\rثناه العدا عني فأصبح معرضا ... ووهمه الواشون حتى توهما\rوقد كان سهلا واضحا فتوعرت ... رباه وطلقا ضاحكا فتجهما\rأمتخذٌ عندي الإساءة محسنٌ ... ومنتقم مني امرؤ كان منعما\rومكتسبٌ في الملامة ماجد ... يرى الحمد غنماً والملامة مغرما\rيخوفني من سوء رأيك معشرٌ ... ولا خوف إلا أن تجوز وتظلما\rأعيذك أن أخشاك من غير حادثٍ ... تبين أو جرمٍ إليك تقدما\rالست الموالي فيك نظم قصائدٍ ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما\rأعد نظرا فيما تسخطت هل ترى ... مقالا دنيئاً أو فعالا مذمما\rوكان رجائي أن أؤوب مملكا ... فصار رجائي أن أؤوب مسلما\rحياء فلم يذهب بي الغي مذهباً ... بعيدا ولم أركب من الأمر معظما\rولم أعرف الذنب الذي سؤتني له ... فأقتل نفسي حسرةً وتندما\rولو كان ما خبرته أو ظننته ... لما كان غروا أن ألوم وتكرما\rأذكرك العهد الذي ليس سؤددا ... تناسبه والود الصحيح المسلما\rوما حمل الركبان شرقا ومغربا ... وأنجد في أعلى البلاد وأتهما\rأقر بما لم أجنه متنصلا ... إليك على أني إخالك ألوما\rلي الذنب معروفا فإن كنت جاهلا ... به فلك العتبي علي وأنعما\rومثلك إن أبدي الفعال أعاده ... وإن صنع المعروف زاد وتمما\rوقال سعيد بن حميد:\rلم آت ذنبا فإن زعمت بأن ... أتيت ذنبا فغير معتمد\rقد تطرف الكف عين صاحبها ... فلا يرى قطعها من الرشد","part":1,"page":338},{"id":339,"text":"وقال آخر:\rوكنت إذا ما جئت أدنيت مجلسي ... ووجهك من ماء البشاشة يقطر\rفمن لي بالعين التي كنت مرةً ... إلي بها في سالف الدهر تنظر\rوقال آخر:\rاغتفر زلتي لتحرز فضل ال ... عفو عني ولا يفوتك أجرى\rلا تكلني إلى التوسل بالعذ ... ر لعلي أن لا أقوم بعدرى\rوقال بعض فضلاء الأندلس:\rإني جنيت ولم يزل أهل النهي ... يهبون للجانين ما يجنونه\rولقد جمعت من الذنوب فنونها ... فاجمع من الصفح الجميل فنونه\rمن كان يرجو عفو من هو فوقه ... فليعف عن ذنب الذي هو دونه.\rالباب الثاني وفيه أربعة عشر فصلا\rفي الهجاء\rما قيل في الهجاء ومن يستحقه.\rما قيل في الحسد.\rما قيل في السعاية والبغي.\rما قيل في الغيبة والنميمة.\rما قيل في البخل واللؤم وأخبار البخلاء واحتجاجهم.\rما قيل في التطفيل ويتصل به أخبار الأكلة والمؤاكلة.\rما قيل في الجبن والفرار.\rما قيل في الحمق والجهل.\rما قيل في الكذب.\rما قيل في الغدر والخيانة.\rما قيل في الكبر والعجب.\rما قيل في الحرص والطمع.\rما قيل في الوعد والمطل.\rما قيل في العي والحصر.\rالهجاء ومن يستحقه قال الله تعالى: \" والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون \" . فهذه رخصة لمن ظلم في الانتصار.\rوقال حسان بن ثابت الأنصاري يرد على أبي سفيان بن الحارث:\rألا أبلغ أبا سفيان عني ... مغلغلةً فقد برح الخفاء\rهجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء\rأتهجوه ولست له بكفءٍ ... فشركما لخيركما الفداء\rلنا في كل يومٍ من معد ... سبابٌ أو قتالٌ أو هجاء\rلساني صارمٌ لا عيب فيه ... وبحري لا تكدره الدلاء\rفإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمدٍ منكم وقاء\rويستحق الهجاء من اتصف بسوء الخصال، واتسم بأخلاق الأرذال والأنذال، وجعل اللؤم جلبانه وشعاره، والبخل وطاءه ودثاره، وسأذكر جماع ما اتصفوا به من سوء الفعال، وأسسوا بنيانهم عليه من قبح الخلال.\rقال بعض الحكماء: أربعة من علامات اللؤم: إفشاء السر، واعتقاد الغدر، وغيبة الأحرار، وإساءة الجوار.\rوسأل عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف عن خلقه، فتلكأ عليه وأبى أن يخبره فأقسم عليه فقال: حسود، كنود، حقود، فقال عبد الملك: ما في إبليس شرٌ من هذه الخلال، فبلغ ذلك خالد بن صفوان فقال: لقد انتحل الشر بحذافيره، ومرق من جميع خلال الخير، وتأنق في ذم نفسه، وتجرد في الدلالة على لؤم طبعه، وأفرط في إقامة الحجة على كفره، وخرج من الخلال الموجبة رضي ربه.\rقال أبو تمام:\rتأنست بذميم الفعل طلعته ... تأنس المقلة الرمداء بالظلم\rوعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" أربعة، من كن فيه فهو منافق، من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا أؤثمن خان \" .\rوقالوا: اللئيم كذوب الوعد، خؤون العهد، قليل الرفد. وقالوا: اللئيم إذا استغنى بطر، وإذا افتقر قنط، وإذا قال أفحش، وإذا سئل بخل، وإن سأل ألح، وإن أسدي إليه صنيعٌ أخفاه، وإناستكتم سراً أفشاه، فصديقه منه على حذر، وعدوه منه على غرر.\rوإن للشعراء والبلغاء في الذم والهجاء نظما ونثرا سنورد منه طرفا، ونشرح ما يجل ضوء النهار على المقول فيه سدفا.\rفمن ذلك ما قاله أحمد بن يوسف الكاتب في بني سعيد بن مسلم بن قتيبة: محاسنهم مساويء السفل، ومساوئهم فضائح الأمم، وألسنتهم معقودة بالعي، وأيديهم معقولة بالبخل، وأعراضهم أعراض الذم، فهم كما قيل:\rلا يكثرون وإن طالت حياتهم ... ولا تبيد مخازيهم وإن بادوا\rوذم أعرابي قوما فقال: هم أقل الناس ذنوبا إلى أعدائهم، وأكثرهم تجرؤا على أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويفطرون على الفحشاء.\rوذم أعرابي قوما فقال: قوم سلخت أقفاؤهم بالهجاء، ودبغت جلودهم باللؤم، فلباسهم في الدنيا الملامة، وفي الآخرة الندامة.","part":1,"page":339},{"id":340,"text":"وكان عيسى بن فرخان شاه يتيه على أبي العيناء حال وزارته، فلما صرف عن الوزارة لقي أبا العيناء في بعض السكك فسلم عليه سلاما خفيفا، فقال أبو العيناء لقائده: من هذا؟ قال: أبو موسى، فدنا منه حتى أخذ بعنان بغلته وقال: لقد كنت أقنع بإيمائك دون بنانك، وبلحظك دون لفظك، الحمد لله على ما آلت إليه حالك، فلئن كانت أخطأت فيك النعمة، لقد أصابت فيك النقمة، ولئن كانت الدنيا أبدت صفحاتها بالإقبال عليك، لقد أظهرت محاسنها بالإدبار عنك، ولله المنة إذا أغنانا عن الكذب عليك، ونزهنا عن قول الزور فيك، وقد والله أسأت حمل النعمة، وما شكرت حق المنعم، ثم أطلق يده من عنانه، ورجع إلى مكانه فقيل له: يا أبا عبد الله! لقد بالغت في السب، فما كان الذنب؟ قال: سألته في حاجة أقل من قيمته، فردني عنها بأقبح من خلقته.\rقال بعض الأعراب: نزلت بذاك الوادي فإذا ثياب أحرار على أجسام عبيد، إقبال حظهم، إدبار حظ الكرام، ألم بهذا المعنى شاعر فقال:\rأرى حللاً تصان على رجال ... وأعراضاً تذال ولا تصان\rيقولون الزمان به فسادٌ ... وهم فسدوا وما فسد الزمان\rوسئل بعض البلغاء عن رجل فقال: هو صغير القدر، قصير الشبر، ضيق الصدر، لئيم النجر، عظيم الكبر، كثير الفخر.\rوذم أعرابي رجلا فقال: هو عبد البدن، حر الثياب، عظيم الرواق، صغير الأخلاق، الدهر يرفعه، ونفسه تضعه.\rوقال آخر: فلان غثٌ في دينه، قذر في دنياه، رثٌ في مروءته، سمج في هيئته منقطع إلى نفسه، راضٍ عن عقله، بخيل بما أنعم الله عليه، كتوم لما آتاه الله من فضله، حلاف لجوج، إن سأل ألحف، وإن وعد أخلف، لا ينصف الأصاغر، ولا يعرف حق الأكابر.\rوترجم الفتح بن عبد الله القيسي صاحب قلائد العقيان في كتابه عن أبي بكر بن ماجة المعروف بابن الصائغ فقال: هو رمد جفن الدين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفا وجنونا، وهجر مفروضا ومسنونا، فما يشرع، ولا يأخذ في غير الأضاليل ولا يشرع، ناهيك به من رجل ما تطهر من جنابه، ولا أظهر مخيلة إنابه، ولا استنجي من حدث، ولا أسجي فؤاده موارًي في جدث، ولا أقر ببارئه ومصوره، ولا فرعن تباريه في ميدان تهوره، الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة أهدى عنده من الإنسان، نظر في تلك التعاليم، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم العليم، ونبذه وراء ظهره، ثاني عطفه، وأراد إبطال ما لا تأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، واقتصر على الهيئة، وأنكر أن يكون له عند الله تبارك وتعالى فيئة، وحكم للكواكب بالتدبير، واجترم على الله اللطيف الخبير، واجترأ عند سماع النهي والإيعاد، واستهزأ بقوله تعالى: \" إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معادٍ \" .\rفهو يعتقد أن الزمان دور، وأن الإنسان نبات له نور، حمامه تمامه، واختلافه فطامه، قد محي الإيمان من قلبه فما له فيه رسم، ونسي الرحمن لسانه فما يمر له عليه اسم، انتمت نفسه للضلال وانتسبت، ونفت يوما تجزي فيه كل نفسٍ بما كسبت، فقصر عمره على طرب ولهو، واستشعر كل كبر وزهو، وهو يعكف على سماع التلاحين، ويقف عليها كل حين، يعلن بذلك الاعتقاد، ولا يؤمن بشيء قادنا إلى الله في أسلس مقاد، مع منشإ وخيم، ولؤمٍ أصل وخيم، وصورةٍ شوهها الله وقبحها، وطلعةٍ لو رآها كلب لنبحها، وقذارة يؤذي البلاد نفسها، ووضارةٍ يحكي الحداد دنسها وفندٍ لا يعمر إلا كنفه، ولددٍ لا يقوم إلا الصفاد جنفه.\rوكتب أحمد بن يوسف: أما بعد فإني لا أعرف للمعروف طريقا أوعر من طريقه إليك، لأنه يحصل منك بين حسب دنيء، ولسان بذيء، وجهل قد ملك عليك طباعك، فالمعروف لديك ضائعٌ، والشكر عندك مهجورٌ، وإنما غايتك في المعروف أن تحوره، وفي وليه أن تكفره.\rما قيل في الهجاء من النظم فمن ذلك قول جرير وهو أهجى بيت قالته العرب:\rفغض الطرف إنك من نميرٍ ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا\rولو وضعت فقاح بني نميرٍ ... على خبث الحديد إذاً لذابا\rوقال عبد الملك بن مروان يوما لجلسائه: هل تعلمون أهل بيت قيل فيهم شعرٌ ودوا افتدوا منه بأموالهم، وشعرٌ لهم يسرهم به حمر النعم فقال أسماء بن خارجة: نحن يا أمير المؤمنين! قال: وما قيل فيكم: قول الحارث بن ظالم","part":1,"page":340},{"id":341,"text":"وما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعر الرقابا\rفوالله يا أمير المؤمنين! إني لألبس العمامة الصفيقة فيخيل إلي أن شعر قفاي قد بدا منها، وقول قيس بن الخطيم:\rهممنا بالإقامة يوما سرنا ... مسير حذيفة الخير بن بدر\rفما يسرنا أن لنا بها أوبه حمر النعم، فقال هانيء بن قبيصة النميري: أولئك نحن يا أمير المؤمنين! قال: ما قيل فيكم؟ قال قول جرير:\rفغض الطرف إنك من نميرٍ\rوالله لوددنا أننا افتدينا بأملاكنا، وقول زياد الأعجم:\rلعمرك ما رماح بني نميرٍ ... بطائشة الصدور ولا قصار\rفوالله ما يسرنا به حمر النعم.\rقال العسكري وذكر أن جريرا لما قال:\rوالتغلبي إذا تنحنح للقرى ... حك استه وتمثل الأمثالا\rقال: قلت فيهم بيتا لو طعن أحدهم في استه لم يحكها! وقالوا: مرت امرأة ببني نمير فتغامزوا إليها فقالت: يا بني نمير! لم تعملوا بقول الله ولا بقول الشاعر، يقول الله تعالى: \" قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم \" . ويقول الشاعر:\rفغض الطرف إنك من نميرٍ\rفخجلوا، وكان النميري إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من نمير، فصار يقول: من بني عامر بن صعصعة.\rقال العسكري: ولو قيل إن أهجي بيت قالته العرب قول الفرزدق لم يبعد وهو:\rولو ترمي بلؤم بني كليبٍ ... نجوم الليل ما وضحت لساري\rولو يرمي بلؤمهم نهار ... لدنس لؤمهم وضح النهار\rوما يغدو عزيز بني كليبٍ ... ليطلب حاجةً إلا بجار\rومثله قول الآخر:\rولو أن عبد القيس ترمي بلؤمها ... على الليل لم تبد النجوم لمن يسري\rوقالوا: أهجي بيت قالته العرب قول الأعشى:\rتبيتون في المشتا ملاءً بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا\rوهذا البيت من أبيات ولها سبب نذكره الآن في هذا الموضع وإن كان خارجا عن مكانه وذلك: أن عامر بن الطفيل بن مالك وعلقمة بن علاثة تنازعا الزعامة فقال عامر: أنا أفضل منك! وهي لعمي ولم يمت، وعمه عامر بن مالك بن جعفر ابن كلاب وكان قد أهتر وسقط، وقال علقمة: أنا أفضل منك! أنا عفيف، وأنت عاهر، وأنا وفيٌ وأنت غادر، وأنا ولود وأنت عاقر، وأنا أدنى إلى ربيعة، فتداعيا إلى هرم بن قطنة، ليحكم بينهما فرحلا إليه ومع كل واحد منهما ثلثمائة من الإبل، مائة يطعمها من تبعه، ومائة يعطيه للحاكم، ومائة تعقر إذا حكم، فأبي هرم بن قطنة أن يحكم بينهما مخافة الشر وأبيا أن يرتحلا، فجلا هرم بعلقمة وقال له: أترجو أن ينفرك رجل من العرب على عامرٍ فارس مضر، أندى الناس كفاً، وأشجعهم لقاءً، لسنان رمح عامر أذكر في العرب من الأحوص، وعمه ملاعب الأسنة، وأمه كبشة بنت عروة الرحال، وجدته أم البنين بنت عمرو بن عامر فارس الضحياء، وأمك من النخع، وكانت أمه مهيرة، وأم علاثة أخيذة من النخع، ثم خلا بعامر فقال له: أعلى علقمة تفخر؟ أنت تناوئه، أعلى بن عوف بن الأحوص، أعف بني عامر وأيمنهم نقيبة، وأحلمهم وأسودهم وأنت اعور عاقر مشئوم! أما كان لك رأي يزعك عن هذا! أكنت تظن أن أحدا من العرب ينفرك عليه؟ فلما اجتمعا وحضر الناس للقضاء قال: أنتما كركبتي الجمل فتراجعا راضيين.\rقال العسكري: والصحيح أنه توارى عنهما ولم يقل شيئا فيهما ولو قال: أنتما كركبتي الجمل لقال كل واحد منهما: أنا اليمني، فكان الشر حاضرا، قال وسأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد ذلك بحين: لمن كنت حاكما لو حكمت؟ فقال: أعفني يا أمير المؤمنين! فلو قلتها لعادت جذعةً. فقال عمر: صدقت! مثلك فليحكم.\rقال فارتحلوا عن هرم لما أعياهم نحو عكاظ فلقيهم الأعشى منحدرا من اليمن، وكان لما أرادها قال لعلقمة: اعقد لي حبلا، فقال: أعقد لك من بني عامر! قال: لا يغني عني قال: فمن قيس! قال: لا، قال: فما أنا بزائدك، فأتى عامر بن الطفيل فأجاره من أهل السماء والأرض فقيل له: كيف تجيره من أهل السماء؟ قال: إن مات وديته، فقال الأعشى لعامر: أظهر أنكما حكمتماني ففعل، فقام الأعشى فرفع عقيرته أي صوته في الناس فقال:\rحكمتموه فقضي بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر\rلا يأخذ الرشوة في حكمه ... ولا يبالي خسر الخاسر","part":1,"page":341},{"id":342,"text":"علقم لا لست إلى عامر ال ... ناقض الأوتار والواتر\rواللابس الخيل بخيلٍ إذا ... ثار عجاج الكبة الثائر\rإن تسدا الحوص فلم تعدهم ... وعامرٌ ساد بني عامر\rساد وألفي رهطه سادةً ... وكابراً سادوك عن كابر\rقال وشد القوم في أعراض الإبل المائة فعقروها وقالوا: نفر عامر، وذهبت بها الغوغاء، وجهد علقمة أن يردها فلم يقدر على ذلك، فجعل يتهدد الأعشى فقال:\rأتاني وعيد الحوص من آل عامر ... فيا عبد عمرو لو نهيت الأحارصا\rفما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم ... وبحرك ساجٍ لا يواري الدعامصا\rكلا أبويكم كان فرعا دعامةٍ ... ولكنهم زادوا وأصبحت ناقضا\rتبيتون في المشتا ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا\rيراقبن من جوع خلال مخافةٍ ... نجوم العشاء العاتمات الغوامصا\rرمى بك في أخراهم تركك الندى ... وفضل أقواما عليك مراهصا\rفعض حديد الأرض إن كنت ساخطا ... بفيك وأحجار الكلاب الرواهصا\rقال فبكى علقمة لما بلغه هذا الشعر وكان بكاؤه زيادة عليه في العار، والعرب تعير بالبكاء، قال مهلهل:\rيبكي علينا ولا نبكي على أحد ... ونحن أغلظ أكبادا من الإبل\rوقال جرير:\rبكى دوبلٌ لا يرقى الله دمعه ... ألا إنما يبكي من الذل دوبل\rقال عبد الملك بن مروان لأمية: مالك وللشاعرإذ يقول:\rإذا هتف العصفور طار فؤاده ... وليثٌ حديد الناب عند الشدائد\rفقال: أصابه حد من حدود الله فأقمته عليه قال: فهلا درأته عنه بالشهبات؟ قال: كان أهون علي من أن أعطل حدا من حدود الله فقال: يا بني أمية! أحسابكم أحسابكم، أنسابكم أنسابكم، لا تعرضوا للفصحاء فإن الشعر مواسم لا يزيدها الليل والنهار إلا جدة، والله ما يسرني أني هجيت ببيت الأعشى حيث يقول: تبيتون في المشتا الخ ولي الدنيا بحذافيرها ولو أن رجلا خرج من عرض الدنيا كان قد أخذ عوضا لقول ابن حرثان:\rعلى مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل\rوهذا البيت لزهير: وقالوا أهجي ببيت قالته العرب قول الحطيئة في الزبرقان بن بدر:\rدع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي\rولهذا الشعر حكاية نذكرها في أخبار الحطيئة في البخلاء، وقيل: اتفق جماعة من الشعراء على أن أهجي بيت قالته العرب، قول الفرزدق في جرير:\rأنتم قرارة كل معدن سوءة ... ولكل سائلة تسيل قرار\rأخذه أبو تمام فقال:\rوكانت زفرة ثم اطمأنت ... كذاك لكل سائلة قرارٌ\rوقالوا أهجي بيت قالته العرب قول الأخطل لجرير:\rما زال فينا الخيل معلمة ... وفي كليبٍ رباط اللؤم والعار\rقوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار\rقالت بنو تميم: ما هجينا بشيء، هو أشد علينا من هذا البيت، وهو يتضمن وجوها شتًى من الذم: جعلهم بخلاء بالقرى، وجعل أمهم خادمهم، يأمرونها بكشف فرجها، وجعلهم يبخلون بالماء أن يطفئوا به النار، وجعل نارهم من قلتها تطفى ببولة، وأغرى بينهم وبين المجوس، لتعظيم المجوس النار، وإهانتهم لها إلى غير ذلك.\rوقالوا أهجى بيت قالته العرب قول الطرماح:\rتميمٌ بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلت\rوقيل أهجى بيت قالته العرب قول الأعرابي:\rاللؤم أكرم من وبرٍ ووالده ... واللؤم أكرم من وبر وما ولدا\rقوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا\rوقال مسلم بن الوليد يهجو دعبل الخزاعي:\rأما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل\rفاذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرضٌ عززت به وأنت ذليل\rوكان سبب ذلك أنه كان بخراسان عند الفضل بن سهل، فبلغ دعبل ما هو فيه من الحظوة عنده، فصار إلى مرو، وكتب إلى الفضل بن سهل:\rلا تعبأن بابن الوليد فإنه ... يرميك بعد ثلاثمة بملال","part":1,"page":342},{"id":343,"text":"إن الملوك إذا تقادم عهده ... كانت مودته كفىء ضلال\rفدع الفضل الرقعة إلى مسلم، فلما قرأها قال: هل عرفت لقب دعبل وهو غلام أمرد يفسق به؟ فقال: لا، قال: كان يلقب بمياس، وكتب إليه:\rمياس قل ليأين أنت من الورىلا أنت معلوم ولا مجهول\rأما الهجاء الخ، ومنه أخذ إبراهيم بن العباس فقال:\rفكن كيف شئت وقل ما تشاء ... وأبرق يمينا وأرعد شمالا\rنجا بك لؤمك منجا الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا\rوأنشد الجاحظ:\rووثقت أنك لا تسب ... حماك لؤمك أن تنالا\rوقال الآخر:\rبذلة والديك كسيت عزاً ... وباللؤم اجترأت على الجواب\rوقال آخر:\rدناءة عرضك حصنٌ منيع ... يقيك إذا ساء منك الصنيع\rفقل لعدوك ما تشتهي ... فأنت المنيع الرفيع الوضيع\rوقال أبو نواس:\rما كان لو لم أهجه غالبٌ ... قام له هجوي مقام الشرف\rيقول: قد أسرف في هجونا ... وإنما ساد بذاك السرف\rغالب لا تسع لتبني العلا ... بلغت مجدا بهجائي فقف\rقد كنت مجهولا ولكنني ... نوهت بالمجهول حتى عرف\rوقال أبو هلال العسكري:\rأهنت هجائني يا بن عروة فانتحي ... على ملام الناس في البعد والقرب\rوقالوا: أتهجو مثله في سقوطه ... فقلت لهم جربت سيفي في كلب\rوقال ابن لنكك:\rوعصبةٍ لما توسطهم ... صارت على الأرض كالخاتم\rكأنهم من سوء أفهامهم ... لم يخرجوا بعد إلى العالم\rيضحك إبليس سرورا بهم ... لأنهم عارٌ على آدم\rوقالوا أهجي بيت قاله محدث قول الآخر:\rقبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المخبر\rوقال العسكري: ولست أعرف في الهجاء أبلغ من قول الأول:\rإن يفجروا أو يغدروا ... أو يبخلوا لم يحفلوا\rوغدوا عليك مرجلي ... ن كأنهم لم يفعلوا\rومن البليغ قول حسان:\rأبناء حار فلن تلقى لهم شبها ... إلا التيوس على أكتافها الشعر\rإن نافروا نفروا أو كاثروا كثروا ... أوقامر والربح عن أحسابهم قمروا\rكأن ريحهم في الناس إن خرجوا ... ريح الكلاب إذا ما مسها المطر\rوقال أيضا:\rأبوك أبو سوء وخالك مثله ... ولست بخيرٍ من أبيك وخالكا\rوإن أحق الناس أن لا تلومه ... على اللؤم من ألفى أباه كذلكا\rوقال الآخر:\rسل الله ذا المن من فضله ... ولا تسألن أبا واثله\rفما سأل الله عبدٌ له ... فخاب ولو كان من باهله\rوقال آخر:\rولو قيل للكلب: يا باهلي ... لأعول من قبح هذا النسب\rوقال زياد: ما هجيت ببيتٍ قط أشد علي من قول الشاعر:\rفكر ففي ذاك إن فكرت معتبر ... هل نلت مكرمةٍ إلا بتأمير\rعاشت سمية ما عاشت وما علمت ... أن ابنها من قريش في الجماهير\rوقال إبراهيم بن العباس:\rولما رأيتك لا فاسقا ... تهاب ولا أنت بالزاهد\rوليس عدوك بالمتقي ... وليس صديقك بالحامد\rأتيت بك السوق سوق الهوان ... فناديت هل فيك من زائد\rعلى رجلٍ غادر بالصديق ... كفورٍ لنعمائه جاحد\rفما جاءني رجلٌ واحد ... يزيد على درهم واحد\rسوى رجلٍ حان منه الشقاء ... وحلت به دعوة الوالد\rفبعتك منه بلا شاهدٍ ... مخافة ردك بالشاهد\rوأبت إلى منزلي سالما ... وحل البلاء على الناقد\rوقال العسكري:\rإن كان شكلك غير متفقٍ ... فكذا خلالك غير مؤتلفه\rصورت من نطفٍ قد اختلفت ... فأتت خلالك وهي مختلفه\rمن عصبةٍ شتى إذا اجتمعوا ... شبهت داركم بهم عرفه\rفورثت من ذا قبح منظره ... وورثت ذاك خناه أو صلفه\rوقال الحسن بن مطران شاعر اليتيمة:","part":1,"page":343},{"id":344,"text":"كم غصت في مدحك فكرا على ... در نفيس غير مثقوب\rولم يغص رأيك يوما على ... برى ولا أريٌ لمكذوب\rإن كان موعودك في الجود لي ... أكذب من موعود عرقوب\rفإن أخبارك في مدحتي ... أكذب من ذئب ابن يعقوب\rوقال أحمد بن محمد بن حامد شاعر الخريدة:\rبليت بقومٍ ما لهم في العلايدٌ ... ولا قدمٌ تسعى لبذل الصنائع\rإذا نظرت عيني إليهم تنجست ... برؤيتهم طهرتها بالمدامع\rوقال المتنبي:\rإن أوحشتك المعالي ... فإنها دار غربه\rأو آنستك المخازي ... فإنها بك أشبه\rوقال أبو عبد الله الحسن بن محمد بن الحجاج:\rولقد عهدتك تشتهي ... قربي وتستدعي حضوري\rوأرى الجفا بعد الوفا ... مثل الفسا بعد البخور\rيا خرية العدس الصح ... يح النيىء والخبز الفطير\rفي جوف منحل الطبي ... عة والقوى شيخٍ كبير\rيخرى فيخرج سرمه ... شبرين من وجع الزحير\rيا فسوةً بعد العشا ... بالبيض واللبن الكثير\rوفطائرٍ عجنت بلا ال ... ملح الجريش ولا الخمير\rيا نتن رائحة الطبي ... خ إذا تغير في القدور\rيا عش بيض القمل ف ... رخ في السوالف والشعور\rيا بول صبيان الفطا ... م ويا خراهم في الحجور\rيا بعض تدخين الحشا ... في الصوم من تخم السحور\rيا حر قولنج البطو ... ن وبرد أعصاب الظهور\rيا ذلة المظلوم أص ... بح وهو معدوم النصير\rيا سوء عاقبة التف ... قد عند تشبيه الأمور\rيا كل شيء متعبٍ ... متعقدٍ صعبٍ عسير\rيا حيرة الشيخ الأص ... م وحسرة الحدث الضرير\rيا قعدةً في دجلة ... والريح تلعب بالجسور\rيا قرحة السل التي ... هدت شراسيف الصدور\rيا أربعاء لا تدو ... ربه مخافات الشهور\rيا هدة الحيطان تن ... قض بالمعاول والمرور\rيا قرحةً في ناظرٍ ... غلظوا عليها بالذرور\rفتسلخت مع ما يلي ... ها في الجفون من البثور\rيا خيبة الأمل الذي ... أمسى يعلل بالغرور\rيا غلمة المتخدرا ... ت وراء أبواب القصور\rيا وحشة الموتى إذا ... صاروا إلى ظلم القبور\rيا ضجرة المحموم بال ... غدوات من ماء الشعير\rيا شؤم إقبال الشتا ... ء أضر بالشيخ الفقير\rيا دولة الحسن التي ... خسفت بأيام السرور\rيا ضجة الضجر المص ... دع بالتنازع والشرور\rيا عثرة القلم المرش ... ش بين أثناء السطور\rيا ليلة العريان غ ... ب عشية اليوم المطير\rيا نومةً في شمس آ ... ب على التراب بلا حصير\rيا فجأة المكروه في ال ... يوم العبوس القمطرير\rيا نهمة الكلب الرضي ... ع ونكهة الليث الهصور\rيا عيش عان موثقٍ ... في القيد مغلولٍ أسير\rيا حدة الرمد الذي ... لا يستفيق من القطور\rيا عيشة الكناس من ... شم الذرائر والعبير\rيا حيرة العطشان وق ... ت الظهر في وسط الهبير\rمن لي بأن تلقاك خي ... ل بني كلاب بلاخفير\rوأرى بعيني لحمك المطب ... وخ في حر الهجير\rفي الأرض ما بين السبا ... ع وفي السما بين النسور\rوقال المتنبي:\rيمشي بأربعة على أعقابه ... تحت العلوج ومن وراء يلجم\rوجفونه ما تستقر كأنها ... مطروفةٌ أوفت فيها حصرم\rوتراه أصغر ما تراه ناطقا ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم","part":1,"page":344},{"id":345,"text":"وإذا أشار مكلما فكأنه ... قردٌ يقهقه أو عجوزٌ تلطم\rيقلى مفارقة الأكف قذاله ... حتى يكاد على يدٍ يتعمم\rومما يذم به الرجل أن يكون ثقيلا، فأبلغ ما قيل في ذلك قول بعضهم:\rوثقيل أشد من غصص المو ... ت ومن زفرة العذاب الأليم\rلو عصت ربها الجحيم لما كا ... ن سواه عقوبةً للجحيم\rوأبلغ ما قيل في هذا المعنى قول بشار:\rولقد قلت حيت وتد في الأر ... ض ثقيلٌ ارتبي على ثهلان\rكيف لم تحمل الأمانة أرضٌ ... حملت فوقها أبا سفيان\rومما هجى به أهل الوقت على الإطلاق. فمن ذلك قول أبي هلال العسكري:\rكم حاجةٍ أنزلتها ... بكريم قومٍ أو لئيم\rفإذا الكريم من اللئي ... م أو اللئيم من الكريم\rسبحان رب قادرٍ ... قد البرية من أديم\rفشريفهم ووضيعهم ... سيان في سفهٍ ولوم\rقد قل خير غنيهم ... فغنيهم مثل العديم\rوإذا اختبرت حميدهم ... ألفيته مثل الذميم\rومما قيل في هجاء بعض العشيرة ومدح بعضهم، فمن ذلك قول أبي عيينة ليهجو خالد بن يزيد المهلبي ويمدح أباه:\rأبوك لنا غيثٌ نعيش بفضله ... وأنت جرادٌ ليس يبقى ولا يذر\rله أثرٌ في المكرمات يسرنا ... وأنت تعفي دائبا ذلك الأثر\rلقد قنعت قحطان خزياً بخالدٍ ... فهل لك فيه يخزك الله يا مضر\rوله في قبيصة بن روح، يفضل عليه ابن عمه داود بن يزيد بن حاتم\rأقبيص لست وإن جهدت ببالغ ... سعى ابن عمك ذى الندى داود\rشتان بينك يا قبيص وبينه ... إن المذمم ليس كالمحمود\rداود محمودٌ وأنت مذممٌ ... عجباً لذاك وأنتما من عود\rولرب عودٍ قد يشق لمسجدٍ ... نصفاً وسائره لحش يهودي\rوقال حسان في أبي سفيان بن الحارث:\rأبوك أبٌ حرٌ وأمك حرةٌ ... وقد يلد الحران غير نجيب\rفلا تعجبن الناس منك ومنهما ... فما خبثٌ منفضةٍ بعجيب\rالحسد ومما يذم به الرجل، أن يكون حسودا، وقد أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام، أن يتعوذ من شر الحاسد إذا حسد.\rقال ابن السماك: أنزل الله تعالى سورة جعلها عوذةً لخلقه من صنوف الشر، فلما انتهى إلى الحسد، جعله خاتما إذ لم يكن بعده في الشر نهاية، والحسد أول ذنب عصى الله تعالى به في السماء، وأول ذنب عصى به في الأرض، أما في السماء، فحسد إبليس لآدم، وأما في الأرض، فحسد قابيل لهابيل، وذهب بعض أهل التفسير في قوله عز وجل إخبارا عن أهل النار: \" ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين \" . أن المراد بالجن إبليس، وبالإنس قابيل، وذلك أن إبليس أول من سن الكفر، وقابيل أول من سن القتل، وأصل ذلك كله الحسد.\rوقال عبد الله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله، فقيل له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آثارهم الله من فضله، يقول الله تعالى في بعض الكتب: الحسود عدو نعمتي، مسخط لقضائي، غير راض بقسمتي.\rوقالت الحكماء: إذا أراد الله، أن يسلط على عبد عدواً لا يرحمه، سلط عليه حاسدا.\rوكان يقال في الدعاء على الرجل: طلبك من لا يقصر دون الظفر، وحسدك من لا ينام دون الشقاء.\rوقالوا: ما ظنك بعداوة الحاسد، وهو يرى زوال نعمتك نعمةً عليه؟ قال أبو الطيب المتنبي:\rسوى وجع الحساد داءً فإنه ... إذا حل في قلبٍ فليس يحول\rولا تطمعن من حاسدٍ في مودةٍ ... وإن كنت تبديها له وتنيل\rوقال الببغاء:\rومن البلية أن تداوي حقد من ... نعم الاله عليك من أحقاده\rوقال علي رضي الله عنه: \" لا راحة لحسود، ولا أخ لملول، ولا محب لسيء الخلق \" .\rوقال الحسن: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد، نفس دائم، وحزن لازم، وغيرة لا تنفد، ثم قال: لله در الحسد ما أعدله! يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود.","part":1,"page":345},{"id":346,"text":"وقال الجاحظ: من العدل المحض، والإنصاف الصحيح، أن تحط عن الحاسد نصف عقابه، لأن ألم جسمه، قد كفاك مئونة شطر غيظك عليه.\rوقيل: الحسد أن تتمنى زوال نعمة غيرك، والغبطة أن تتمنى مثل حال صاحبك. وفي الحديث: \" المؤمن يغبطٌ، والمنافق يحسد \" .\rوقال أرسطاطاليس: الحسد حسدان: محمود، ومذموم، فالمحمود أن ترى عالما فتشتهي أن تكون مثله، وزاهدا فتشتهي مثل فعله، والمذموم أن ترى عالما وفاضلا فتشتهي أن يموتا. وقيل: الحسود غضبان على القدر، والقدر لا يعتبه.\rقال منصور الفقيه:\rألا قل لمن كان لي حاسداً ... أتدري على من أسأت الأدب\rأسأت على الله في فضله ... إذا أنت لم ترض ما قد وهب\rوقال المتنبي:\rوأظلم أهل الأرض من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب\rومن أخبار الحسدة: ما حكي، أنه اجتمع ثلاثة نفر منهم، فقال أحدهم لصاحبه: ما بلغ من حسدك؟ قال: ما اشتهيت أن أفعل بأحد خيرا قط، فقال. الثاني: أنت رجل صالح، أنا ما اشتهيت أن يفعل أحد بأحد خيرا قط، فقال الثالث: ما في الأرض أفضل منكما، أنا ما اشتهيت أن يفعل بي أحد خيرا قط.\rومما قيل من الشعر في تفضيل المحسود ومدحه. وهجاء الحاسد وذمه.\rقال بعض الشعراء:\rإن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا\rلي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غماً بما يجد\rوقال آخر:\rإن الغراب وكان يمشي مشيةً ... فيما مضى من سالف الأحوال\rحسد القطاة ورام يمشي مشيها ... فأصابه ضرب من العقال\rوقال آخر:\rحسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداءٌ له وخصوم\rكضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً إنه لدميم\rوقال البحتري:\rلا تحسدوه فضل رتبته التي ... أعيت عليكم وافعلوا كفعاله\rوقال السري الرفاء:\rنالت يداه أقاصي المجد الذي ... بسط الحسود إليه باعا ضيقا\rأعدوه هل للسماك جريرةٌ ... في أن دنوت من الحضيض وحلقا\rأم هل لمن ملأ اليدين من العلا ... ذنبٌ إذا لم كنت منها مملقا\rوقال أبو تمام الطائي:\rوإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... يوما أتاح لها لسان حسود\rلولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود\rوقال البحتري:\rولن يستبين الدهر موضع نعمةٍ ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد\rوقال محمد بن مناذر:\rيا أيها العاتبي وما بي من ... عتبٍ ألا ترعوى وتزدجر\rهل لك عندي وترٌ فتطلبه ... أم أنت مما أتيت معتذر\rإن يك قسم الإله فضلني ... وأنت صلدٌ ما فيك معتصر\rفالحمد والشكر والثناء له ... وللحسود التراب والحجر\rماذا الذي يجتني جليسك أو ... يبدو له منك حين يختبر\rاقرأ لنا سورةً تذكرنا ... فإن خير المواعظ السور\rأوصف لنا الحكم في فرائضنا ... ما تستحق الأنثى أو الذكر\rأو ارو فقهاً تروي القلوب به ... جاء به عن نبينا الأثر\rأو من أحاديث جاهليتنا ... فإنها حكمةٌ ومفتخر\rأوارو عن فارسٍ لنا مثلاً ... فإن أمثالها لنا عبر\rأو إن صوتا تشجي النفوس به ... وذنب ما قد أتيت مغتفر\rفإن تكن قد جهلت ذاك وذا ... ففيك للناظرين معتبر\rالسعاية والبغي قال الله تعالى: \" يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم \" . وقال تعالى: \" ثم بغي عليه لينصرنه الله \" . وقال تعالى: \" همازٍ مشاءٍ بنميمٍ مناعٍ للخير معتدٍ أثيمٍ عتل بعد ذلك زنيمٍ \" . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يرفعن إلينا عورة أخيه المؤمن \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" لا يراح القتات رائحة الجنة \" . وفي لفظٍ \" لا يدخل الجنة قتاتٌ \" ، والتات: النمام.\rقال بعض الشعراء:","part":1,"page":346},{"id":347,"text":"فلا تسعى على أحد ببغيٍ ... فإن البغي مصرعه وخيم\rوقال العتابي:\rبغيت فلم تقع إلا صريعاً ... كذاك البغي مصرع كل باغي\rوسأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوة. فقال لأصحابه: إذا شئتم، فقاموا، فلما تهيأ الرجل للكلام، قال له: إياك أن تمدحني فإني أعلم بنفسي منك، أو تكذبني، فإنه لا رأى لكذوب، أو تسعى إلي بأحد، وإن شئت أقلتك، قال: أقلني.\rقال: ولما ولي عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك دمشق، ولم يكن في بني أمية ألب منه في حداثة سنه، قال أهل دمشق: هذا غلام شابٌ، ولا علم له بالأمور، وسيسمع منا، فقام إليه رجل، فقال: أصلح الله الأمير، عندي نصيحةٌ، فقال له: يا ليت شعري، ما هذه النصحية التي ابتدأتني بها من غير يدٍ سبقت مني إليك؟ فقال: جارٌ لي عاصٍ، متخلف عن ثغره، فقال له: ما اتقيت الله، ولا أكرمت أميرك، ولا حفظت جوارك، إن شئت، نظرنا فيما تقول، فإن كنت صادقا، لم ينفعك ذلك عندنا، وإن كنت كاذبا، عاقبناك، وإن شئت، أقلناك، قال: أقلني، قال: اذهب حيث شئت، لا صحبك الله، ثم قال: يا أهل دمشق، ما أعظمتم ما جاء به الفاسق، إن السعاية أحسب منه سجيةً، ولولا أنه لا ينبغي للوالي أن يعاقب، قبل أن يعاتب، كان لي فيه رأيٌ، فلا يأتني أحد منكم بسعاية على أحد، فإن الصادق فيها فاسق، والكاذب بهاتٌ. وسعى رجل برجل إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فقال: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبا، فأنت من هذه الآية: \" إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ \" . وإن كنت صادقا، فأنت من هذه الآية: \" همازٍ مشاءٍ بنميمٍ \" . وإن شئت عفونا عنك، قال: العفو يا أمير المؤمنين، قال: على أن لا تعود.\rوكتب محمد بن خالد إلى ابن الزيات: إن قوما صاروا إلي متنصحين، فذكروا أن رسوما للسلطان قد عفت ودرست، وأنه توقف عن كشفها إلى أن يعرف موقع رأيه فيها، فوقع على رقعته: قرأت هذه الرقعة المذمومة، وسوق السعاة مكسدٌ عندنا، وألسنتهم تكل في أيامنا، فاحمل الناس على قانونك، وخذهم بما في ديوانك، فلم ترد للناحية لكشف الرسوم العافية، ولا لتحيي الأعلام الداثرة، وجنبني وتجنب قول جرير:\rوكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا\rقالوا: وكان الفضل بن يحيى يكره السعاة، فإذا أتاه ساع، قال له: إن صدقتنا، أبغضناك، وإن كذبتنا، عاقبناك، وإن استقلتنا، أقلناك.\rوحكي صاحب العقد قال: قال العتبي، حدثني أبي عن سعيد القصري، قال: نظر إلي عمرو ابن عنبة ورجل يشتم بين يدي رجلا، فقال لي: ويلك، وما قال لي ويلك قبلها: نزه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزه لسانك عن الكلام به، فإن السامع شريك القائل، وإنه عمد إلى شر ما في وعائه، فأفرغه في وعائك، ولو ردت كلمة جاهل في فيه، لسعد رادها، كما شقي قائلها، وقد جعله الله تعالى شريك القائل، فقال: \" سماعون للكذب أكالون للسحت \" .\rالغيبة والنميمة، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إذا قلت في الرجل ما فيه فقد اغتبته وإذا قلت ما ليس فيه فقد بهته \" .\rاغتاب رجل رجلا عند قتيبة بن مسلم، فقال له: أمسك عليه أيها الرجل والله لقد تلمظت بمضغة طالما لفظتها الكرام.\rوذكر في مجلسه رجل، فنال منه بعض جلسائه، فقال له: يا هذا أوحشتنا من نفسك، وأيأستنا من مودتك، ودللتنا على عورتك.\rواغتاب رجل عند بعض الأشراف، فقال له: قد استدللت على كثرة عيوبك، بما تذكر من عيب الناس، لأن الطالب للعيوب، إنما يطلبها بقدر ما فيه منها، أما سمعت قول الشاعر:\rلا تهتكن من مساوى الناس ما ستروا ... فيهتك الله سترا من مساويكا\rواذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدا منهم بما فيكا\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما: أذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به، ودع منه ما تحب أن يدع منك.\rوقال بعض الملوك لولده وهو ولي عهده: يا بني ليكن أبغض رعيتك إليك، أشدهم كشفا لمعايب الناس عندك، فإن في الناس معايب وأنت أحق بسترها، وإنما تحكم فيما ظهر لك، والله يحكم فيما غاب عنك، واكره للناس ما تكرهه لنفسك، واستر العورة، يستر الله عليك، ما تحب ستره، ولا تعجل إلى تصديق ساع، فإن الساعي غاشٌ، وإن قال قول نصحٍ.","part":1,"page":347},{"id":348,"text":"ووشي واشٍ برجل إلى الإسكندر فقال له: أتحب أن نقبل منك ما قلت فيه، على أن نقبل منه ما يقول فيك؟ قال: لا، قال: فكف عن الشر، نكف عنك.\rوقال ذو الرياستين: قبول النميمة، شرٌ من النميمة، لأن النميمة دلالة، والقبول إجازة، وليس من دل على شيء، كمن قبله وأجازه.\rقال أبو الأسود الدؤلي:\rلا تقبلن نميمةً بلغتها ... وتحفظن من الذي أنباكها\rإن الذي أهدى إليك نميمةً ... سينم عنك بمثلها قد حاكها\rوقال رجل لعمرو بن عبيد: إن الأساوري لم يزل يذكرك، ويقول: الضال، فقال عمرو: يا هذا! والله ما راعيت حق مجالسته، حتى نقلت إلينا حديثه، ولا راعيت حقي، حين أبلغتني عن أخي ما أكرهه، اعلم أن الموت يعمنا، والبعث يحشرنا، والقيامة تجمعنا، والله يحكم بيننا.\rوقال معاوية للأحنف في شيء بلغه عنه، فأنكره الأحنف: بلغني عنك الثقة، فقال الأحنف: إن الثقة لا يبلغ.\rقال بعض الشعراء:\rلعمرك ما سب الأمير عدوه ... ولكنما سب الأمير المبلغ\rوقال ابن المعتز: الساعي كاذب لمن سعى إليه، خائن لمن سعى عليه.\rوقالوا: النمام، شرٌ من الساحر، فإن النمام، يفسد في الساعة الواحدة، ما لا يفسد الساحر في المدة الطويلة.\rوقالوا: النميمة، من الخلال الذميمة، تدل على نفس سقيمة، وطبيعة لئيمة، مشغوفة بهتك الأستار، وإفشاء الأسرار.\rوقال بعض الحكماء: الأشرار يتتبعون مساؤى الناس، ويتركون محاسنهم، كما يتتبع الذباب المواضع الألمة من الجسد، ويترك الصحيحة.\rوقالوا: لم يمش ماش، شرٌ من واش. والساعي بالنميمة، كشاهد الزور، يهلك نفسه، ومن سعى به، ومن سعى إليه.\rوقالوا: حسبك من شرٍّ سماعه. وقد لهج الشعراء بذم النمام، وجعلوه من أهاجيهم.\rقال بعض الشعراء:\rمن نم في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه\rكالسيل بالليل لا يدري به أحدٌ ... من أين جاء ولا من أين يأتيه\rوقال السري الرفاء:\rأنم بما استودعته من زجاجة ... ترى الشيء فيها ظاهرا وهو باطن\rوقال محمد بن شرف:\rوناصبٍ نحو أفواه الورى أذناً ... كالقعب يلقط فيها كل ما سقطا\rيظل يلتقط الأخبار مجتهداً ... حتى إذا ما وعاها زق ما لقطا\rوقال ابن وكيع:\rينم بسر مسترعيه لؤما ... كما نم الظلام بسر نار\rأنم من النصول على مشيب ... ومن صافي الزجاج على عقار\rوقال الحسن البصري: لا غيبة في ثلاثة: فاسقٍ مجاهرٍ، وإمام جائر، وصاحب بدعة.\rوكتب الكسائي إلى الرقاشي:\rتركت المسجد الجام ... ع والترك له ريبه\rوأخبارك تأتينا ... على الأعلام منصوبه\rفإن زدت من الغيب ... ة زدناك من الغيبة\rالبخل واللؤم والبخل منع الحقوق وإليه الإشارة بقوله تعالى: \" والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذابٍ أليمٍ يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوي بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون \" . وقال تعالى: \" ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شرٌ لهم سيطرقون ما بخلوا به يوم القيامة \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" خلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق \" .\rوقال بعض السلف: منع الجود، سوء ظن المعبود، وتلا \" وما أنفقتم من شيءٍ فهو يخلفه وهو خير الرازقين \" .\rوروى أبو بكر الخطيب في كتاب البخلاء، بإسناده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: \" لما خلق الله تعالى جنة عدن، قال لها: تزيني فتزينت، ثم قال لها: أظهري أنهارك، فأظهرت عين السلسبيل، وعين الكافور، وعين التسنيم، ونهر الخمر، ونهر العسل، ونهر اللبن، ثم قال لها: أظهري حورك، وحللك، وسررك وحجالك، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبي لما دخلني، فقال الله عز وجل: أنت حرام على كل بخيل \" .\rوقال سقراط: الأغنياء البخلاء، بمنزلة البغال والحمير، تحمل الذهب والفضة، وتعتلف التبن والشعير.\rوقالوا: البخل من سوء الظن، وخمول الهمة، وضعف الروية، وسوء الاختيار، والزهد في الخيرات.","part":1,"page":348},{"id":349,"text":"وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: البخل جامع للمساؤى والعيوب، وقاطع للمودات من القلوب.\rوقالوا: حد البخل، منع المسترفد مع القدرة على رفده.\rوكان أبو حنيفة لا يقبل شهادة البخيل، ويقول محتجا لذلك: إن البخيل يحمله بخله، على أن يأخذ فوق حقه، مخافة أن يغبن، ومن كان هكذا لا يكون مأمونا.\rوقال بشر بن الحارث الحافي: لا غيبة لبخيل، ولشرطيٌ سخيٌ أحب إلي من عابد بخيل.\rوقالوا: البخيل لا يستحق اسم الحرية، فإن ماله يملكه.\rويقال: لا مال للبخيل، وإنما هو لماله.\rوقال الحسن البصري: لم أر أشقى بماله من البخيل، لأنه في الدنيا يهتم بجمعه، وفي الآخرة يحاسب على منعه، غير آمن في الدنيا من همه، ولا ناج في الآخرة من إثمه، عيشه في الدنيا عيش الفقراء، وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء. ودخل رحمه الله على عبد الله بن الأهتم يعوده في مرضه، فرآه يصعد بصره ويصوبه إلى صندوق في بيته، ثم التفت إليه، فقال: يا أبا سعيد، ما تقول في مائة ألف دينار في هذا الصندوق لم أؤد منها زكاةً ولم أصل بها رحماً؟ فقال له: ثكلتك أمك! ولم كنت تجمعها؟ قال لروعة الزمان، وجفوة السلطان، وتكاثر العشيرة، ثم مات، فشهده الحسن، فلما فرغ من دفنه، ضرب بيده على القبر، ثم قال: انظروا إلى هذا، أتاه شيطانه فخوفه روعة زمانه، وجفوة سلطانه، بما استودعه الله إياه، وعمره فيه. انظروا إليه كيف خرج مذموما مدحورا! ثم التفت إلى وارثه، فقال: أيها الوارث لا تخدعن كما خدع صويحبك بالأمس، أتاك هذا المال حلالا، فلا يكونن عليك وبالا، أتاك عفوا صفوا، ممن كان له جموعا منوعا، من باطل جمعه، ومن حق منعه، قطع فيه لجج البحار، ومفاوز القفار، ولم تكدح لك فيه عينٌ ولم يعرق لك فيه جبين، إن يوم القيامة يوم ذو حسرات، وإن من أعظم الحسرات غدا، أن ترى مالك في ميزان غيرك، فيالها حسرة لا تقال، وتوبة لا تنال.\rومن أخبار البخلاء: قيل: بخلاء العرب أربعة، الحطيئة، وحميد الأرقط، وأبو الأسود الدؤلي وخالد بن صفوان، ونقلت عنهم أمور دلت على بخلهم.\rأما الحطيئة: فقد حكي عنه: أنه مر به ابن الحمامة، وهو جالس بفناء بيته، فقال له: السلام عليكم، فقال: قلت ما لا ينكر، فقال: إني خرجت من أهلي بغير زاد، قال: ما ضمنت لأهلك قراك، قال: أفتأذن لي أن آتي بظل بيتك فأتفيأ به؟ قال: دونك الجبل يفيء عليك، قال أنا ابن الحمامة، قال: انصرف وكن ابن أي طائر شئت. قال: واعترضه رجل وهو يرعى غنما، فقال له: يا راعي الغنم، وكان بيد الحطيئة عصاً فرفعها، وقال: عجراء من سلم، فقال الرجل: إنما أنا ضيف، فقال: للأضياف أعددتها. وكان الحطيئة أحد الحمقى، أوصى عند موته، أن يحمل على حمار، وقال: لعلي إن حملت عليه، لا أموت، فإني ما رأيت كريما مات عليه قط وقال: لكل جديد لذيذ إلا جديد الموت فإني رأيته غير لذيذ. وقيل له: أوص، فقال: أوصي أن مالي للذكور دون الإناث، قالوا: فإن الله ليس يقول كذلك، قال: لكني أقوله. وقالوا له: قل لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن الشماخ أشعر غطفان.\rومن أخباره: أن الزبرقان بن بدر، لقيه في سفر، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا حسبٌ موضوع، أنا أبو مليكة، فقال له الزبرقان: إني أريد وجهاً، فصر إلى منزلي، وكن هناك، حتى أرجع، فصار الحطيئة إلى امرأة الزبرقان، فأنزلته وأكرمته، فحسده بنو عمه، وهم بنو لأيٍ، فقالوا للحطيئة: إن تحولت إلينا، أعطيناك مائة ناقةٍ، ونشد إلى كل طنب من أطناب بيتك حلةً تحويه، وقالوا لامرأة الزبرقان: إن الزبرقان إنما قدم هذا الشيخ ليتزوج بنته، فقدح ذلك في نفسها، فلما أراد القوم النجعة، تخلف الحطيئة، فتغافلت عنه امرأة الزبرقان، فاحتمله القريعيون ووفوا له بما قالوا، فمدحهم، وهجا الزبرقان، فقال:\rأزمعت يأساً مبيناً من نوالكم ... ولا يرى طاردا للحر كاليأس\rدع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي\rمن يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس\rفاستعدى الزبرقان عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فحكم عمر، حسان ابن ثابت، فقال حسان: ما هجاه ولكن سلح عليه، فحبس عمر الحطيئة، فقال يستعطفه:\rماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ ... حمر الحواصل لا ماءٌ ولا شجر","part":1,"page":349},{"id":350,"text":"ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر\rما آثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الآثر\rفأخرجه عمر، وجلس على كرسي، وأخذ بيده شفرة، وأوهم أنه يريد قطع لسانه، فضج، وقال: إني والله يا أمير المؤمنين! قد هجوت أبي وأمي وآمرأتي ونفسي، فتبسم عمر، ثم قال: ما الذي قلت؟ قال: قلت لأبي وأمي:\rولقد رأيتك في النساء فسؤتني ... وأبا بنيك فساءني في المجلس\rوقلت لأبي خاصة:\rفبئس الشيخ أنت لدى تميم ... وبئس الشيخ أنت لدى المعالي\rوقلت لأمي خاصة:\rتنحي واجلسي مني بعيدا ... أراح الله منك العالمينا\rأغر بالا إذا استودعت سراً ... وكانوناً على المتحدثينا\rوقلت لامرأتي:\rأطوف ما أطوف ثم آتي ... إلى بيت قعيدته لكاع\rوقلت لنفسي:\rأبت شفتاي اليوم إلا تكلماً ... بسوء فما أدرى لمن أنا قائله\rأرى لي وجها شوه الله خلقه ... فقبح من وجهٍ وقبح حامله\rفخلى عمر سبيله، وأخذ عليه أن لا يهجو أحدا، وجعل له ثلاثة آلاف اشتري بها منه أعراض المسلمين، فقال يذكر نهيه إياه عن الهجاء ويتأسف:\rوأخذت أطراف الكلام فلم تدع ... شتماً يضر ولا مديخا ينفع\rومنعتني عرض البخيل فلم يخف ... شتمي وأصبح آمناً لا يجزع\rوأما حميد الأرقط: فكان هجاءً للضيف، فحاشاً عليه، فنزل به ضيف ذات ليلة، فقال لامرأته: نزل بك البلاء، قومي فأعدي لنا شيئا، ففعلت، فجعل الضيف يأكل ويقول: ما فعل الحجاج بالناس؟ فلما فرغ، قال حميد:\rيجر على الأطناب من جذل بيتنا ... هجفٌ لمخزون التحية باذل\rيقول وقد ألقى المراسي للقرى ... أين لي ما الحجاج بالناس فاعل\rفقلت: لعمري ما لهذا أتيننا ... فكل ودع الأخبار ما أنت آكل\rتدبر كفاه ويحدر حلقه ... إلى الصدر ما حازت عليه الأنامل\rأتانا ولم يعدله سحبان وائلٍ ... بيانا وعلماً بالذي هو قائل\rفما زال عنه اللقم حتى كأنه ... من العي لما أن تكلم باقل\rونزل به أضياف، فأطعمهم تمرا وهجاهم، وادعي عليهم أنهم يأكلونه بنواه، فقال:\rباتوا وجلتنا الصهباء حولهم ... كأن أظفارهم فيها السكاكين\rفأصبحوا والنوى ملقى معرسهم ... وليس كل النوى ألقى المساكين\rوأما خالد بن صفوان: فكان إذا أخذ جائزته، قال للدرهم: طالما سرت في البلاد، أما والله لأطيلن حبسك، ولأديمن لبثك. وقيل له: مالك لا تنفق، فإن مالك عريض؟ فقال: الدهر أعرض منه، قيل: كأنك تؤمل أن تعيش الدهر كله، قال: ولا أخاف أن أموت في أوله.\rوأما أبو الأسود الدؤلي: فعمل دكانا عاليا يجلس عليه، فكان ربما أكل عليه فلا يناله المجتاز، فمر به أعرابي على جمل، فعرض عليه أن يأكل معه، وظن أنه لا يناله، فأناخ الأعرابي بعيره، حتى وازى الدكان، وأكل معه، فما جلس بعد ذلك على الدكان، وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا، كنا أسوأ حالا منهم، وقال لبنيه: لا تطمعوا المساكين في أموالكم، فإنهم لا يقنعون منكم، حتى يروكم في مثل حالهم. ووقف عليه أعرابي وهو يتغدى، فسلم عليه، فرد عليه، ثم أقبل على الأكل، ولم يعرض عليه، فقال الأعرابي: أما إني قد مررت بأهلك، قال: كان ذلك طريقك، قال: وهم صالحون، قال: كذلك فارقتهم، قال: وامرأتك حبلى، قال: كذلك كان عهدي بها، قال: ولدت، قال: ما كان بدٌ لها أن تلد، قال: ولدت غلامين، قال: كذلك كانت أمها، قال: مات أحدهما، قال: ما كانت تقوى على رضاع اثنين، قال: ثم مات الآخر، قال: ما كان ليبقى بعد أخيه، قال: وماتت الأم، قال: جزعاً على ولديها، قال: ما أطيب طعامك! قال: ذلك جزائي على أهله، اف لك ما ألأمك! قال: من شاء سب صاحبه.","part":1,"page":350},{"id":351,"text":"ونظير هذه الحكاية: ما حكي أن أعرابياً مر بآخر، فقال: من أين أقبلت يا بن عم؟ قال: من الثنية، قال: فهل أتيتنا منها بخبر؟ قال: سل عما بدا لك، قال: كيف علمك بيحيى؟ قال: أحسن العلم، قال: هل لك علم بكلبي نفاع؟ قال: حارس الحي، قال: فبأم عثمان؟ قال بخٍ بخٍ، ومن مثل أم عثمان! لا تدخل من الباب إلا منحرفة بالثياب المعصفرات، قال: فبعثمان؟ قال: وأبيك فإنه جرو الأسد ويلعب مع الصبيان، وبيده الكسرة، قال: فبجملنا السقاء؟ قال: إن سنامه ليخرج من الغبيط، قال فبالدار؟ قال: وأبيك، إنها لخصيبة الجناب، عامرة الفناء، ثم قال عنه، وقعد ناحيةً يأكل فلا يدعوه، فمر كلب، فصاح به، وقال: يا بن عم، أين هذا الكلب من نفاع؟ قال: يا أسفا على نفاع! مات، قال: وما أماته؟ قال: أكل من لحم الجمل السقاء، فاغتص بعظمٍ منه فمات، قال: إنا لله، أو قد مات الجمل! فما أماته؟ قال: عثر بقبر أم عثمان، فانكسرت رجله. قال: ويلمك! أماتت أم عثمان؟ قال: إي والله، أماتها الأسف على عثمان. قال: ويلك! أمات عثمان؟ قال: إي وعهد الله! سقطت الدار عليه، فرمي الأعرابي بطعامه ونثره وأقبل ينتف لحيته ويقول: إلى أين أذهب؟ فيقول الآخر إلى النار، وأقبل يلتقط الطعام ويأكله ويهزأ به ويضحك، ويقول: لا أرغم الله إلا أنف اللئام.\rوكان أحيحة بن الجلاح من البخلاء، وكان إذا هبت الصبا، طلع أطمة، ينظر إلى ناحية هبوبها ثم يقول: هبي هبوبك، فقد أعددت لك ثلثمائةٍ وستين صاعا من عجوة، أدفع إلى الوليد منها، خمس نمرات، فيرد علي منها ثلاثا، أي لصلابتها بعد جهد ما يلوك منها.\rوالعرب تضرب المثل في اللؤم بمادر، تقول: هو ألأم من ماردٍ، ويزعمون أنه بني حوضا وسقى إبله، فلما أصدرها سلح في الحوض، لئلا يسقي غيره فيه.\rوكان عمر بن يزيد الأسدي مبخلا جدا، فأصابه القولنج فحقنه الطبيب بدهن كثير، فانحل ما في بطنه، فلما أبرزه، قال للغلام: ما تصنع به؟ قال أصبه، قال: لا ولكن ميز الدهن منه واستصبح به.\rوقال سلم بن أبي المعافي: كان أبي متنحياً عن المدينة، وكان إلى جنبه مزرعة فيها قثاء، وكنت صبيا فجاءني صبيان أقران لي، فكلمت أبي ليهب لي درهما أشتري لهم به قثاء، فقال لي: أتعرف حال الدرهم؟ كان في حجر في جبل، فضرب بالمعاول، حتى استخرج، ثم طحن، ثم أدخل القدر وصب عليه الماء، وجمع بالزئبق، ثم صفى من رق، ثم أدخل النار فسبك، ثم أخرج فضرب، وكتب في أحد شقيه: لا إله إلا الله، وفي الآخر: محمد رسول الله، ثم حمل إلى أمير المؤمنين، فأمر بإدخاله بيت ماله، ووكل به عوج القلانس صهب السبال، ثم وهبه لجارية حسناء جميلة، وأنت والله أقبح من قردٍ، أو ززقه رجلا شجاعا وأنت والله أجبن من صرد، فهل ينبغي لك أن تمس الدرهم إلا بثوب؟ ومثله قول سهل بن هارون، وقد قال له رجل: هبني ما لا مرزئة عليك فيه، قال: وما ذاك؟ قال: درهما واحدا، قال: يا بن أخي لقد هونت الدرهم، وهو طابع الله في أرضه، والدرهم ويحك عشر العشرة، والعشرة عشر المائة، والمائة عشر الألف، والألف عشر دية المسلم، ألا ترى يا بن أخي كيف انتهى الدرهم الذي هونته؟ وهل بيوت الأموال إلا درهم على درهم؟ وقال سليمان بن مزاحم، وقد وقع بيده درهم ، فجعل يقلبه، ويقول: في شق، لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي شق، قل هو الله أحد، ما ينبغي لهذا إلا أن يكون تعويذاً أو رقية، ويرمي به في الصندوق.\rكان بعضهم إذا صار الدرهم في يده يخاطبه ويقول: بأبي وأمي أنت، كم من أرضٍ قطعت، وكيس خرقت، وكم من خامل رفعت، ومن رفيعٍ أخملت، لك عندي أن لا تعري ولا تضحي، ثم يلقيه في كيسه، فيقول: اسكن على اسم الله، في مكان لا تزول عنه، ولا تزعج منه.","part":1,"page":351},{"id":352,"text":"ومن البخلاء مزبد وله حكايةٌ نذكرها، قيل: كان بالمدينة جارية جميلة مغنيةٌ، يقال لها: بصبص وكانت الأشراف تجتمع عند مولاها، فاجتمع يوما عنده محمد بن عيسى الجعفري وعبد الله بن مصعب الزبيري في جماعةٍ من الأشراف، فتذاكروا أمر مزبد وبخله، فقالت الجارية: أنا آخذ لكم منه درهما، فقال لها مولاها: أنت حرة إن فعلت إن لم أشتر لك مخنقة بمائة دينار وثوب وشي بمائة دينار، وأجعل لك مجلسا بالعقيق أنحر فيه بدنةً، فقالت: جيء به، وارفع الغيرة، حتى أفعل، فقال: أنت حرة إن منعتك منه، ولأعاوننه عليك إن حصلت منه الدرهم، فقال عبد الله بن مصعب: أنا آتيكم به، قال عبد الله: فصليت الغداة في المسجد، فإذا أنا به قد أقبل، فقلت: يا أبا إسحاق، إنا نحب أن نرى بصبص؟ قال: بلى والله، وامرأته طالقٌ إن لم تكن له سنة يشتهي أن يلقاها، فقلت له: إذا صليت العصر، فاتني ها هنا، فقال: امرأته طالق إن برح من ها هنا إلى العصر قال فانصرفت في حوائجي، فلما كان العصر جئت فوجدته، فأخذت بيده، وأتيتهم به، فأكل القوم وشربوا حتى صليت العتمة، ثم تساكروا وتناوموا، فأقبلت بصبص على مزبد، فقالت له: يا أبا إسحاق، كأني والله في نفسك تشتهي أن أغنيك الساعة:\rلقد حثوا الجمال ليهربوا منا فلم يئلوا\rفقال لها: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في اللوح المحفوظ، فغنته إياه، ثم قالت له: كأني بك تشتهي أن أقوم من مجلسي فأجلس إلى جنبك فتدخل يدك في جلبابي، فقال: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في الأرحام، وما تكسب الأنفس غداً قالت: فقم، فقام وجلس إلى جانبها وغنت له، ثم قالت: أعلم أنك تشتهي أن أغنيك:\rأنا أبصرت بالليل ... غلاماً حسن الدل\rكغصن البان قد أصبح مسقياً من الطل\rفقال لها: امرأته طالق أن لم تكوني نبيةً مرسلةً، فغنته وقبلها، ثم قالت: يا أبا إسحاق، هل رأيت قط أنذل من هؤلاء؟ يدعونني ويدعونك؟ ويخرجونني إليك ولا يشترون نقلا ولا ريحانا، كأني بك وفي جيبك درهم وأنت تقول: الساعة أخرجه، وأعطيها إياه، وتشتري به ما تريد، فقام من جنبها وقال: أخطأت استك الحفرة، وانقطع عنك الوحي، ووثب وجلس ناحية، فانتبه القوم وعطعطوا عليها وعلموا أن حيلتها لم تتم، وخرج من عندهم ولم يعد إليهم.\rوقال بعضهم: بت عند رجل من أهل الكوفة من الموسرين، وله صبيان نيام، فرأيته في الليل يقوم فيقلبهم من جنب إلى جنب، فلما أصبحنا سألته عن ذلك، فقال: هؤلاء الصبيان يأكلون وينامون على اليسار، فيمريهم الطعام، ويصبحون جياعا، فأنا أقلبهم من اليسار إلى اليمين لئلا ينهضم ما أكلوه سريعا.\rوكان زياد بن عبد الله الحارثي واليا على المدينة، وكان فيه بخلٌ وجفاء، فأهدى إليه كاتب له سلالاً فيها أطعمةٌ، وقد تنوق فيها فوافته وقد تغدى، فقال: ما هذه؟ قالوا: غداء بعثه فلان الكاتب، فغضب، وقال: يبعث أحدهم الشيء في غير وقته، يا خيثم بن مالك! يريد صاحب شرطته، ادع لي أهل الصفة يأكلون هذا، فبعث خيثم الحرس يدعونهم، فقال الرسول الذي جاء بالسلال: أصلح الله الأمير، لو أمرت بهذه السلال تفتح وينظر ما فيها، قال: اكشفوها فإذا طعام حسن من دجاجٍ وفراخ وجداءٍ وسمك وأخبصة وحلواء فقال: ارفعوا هذه السلال، وجاء أهل الصفة، فأخبر بهم، فأمر بإحضارهم، وقال: يا خيثم! اضربهم عشرة أسواط، فإنه بلغني أنهم يفسون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rومن الخلفاء من ينسب إلى البخل، فمنهم عبد الملك بن مروان كان يلقب برتح الحجر ولبن الطير لبخله.\rومنهم هشام ابنه وكان ينظر في بيع الهدايا التي تهدي إليه. حكي عنه أن أعرابياً أكل عنده فرفع اللقمة إلى فيه، فقال له هشام: في لقمتك شعرة يا أعرابي، فقال: وإنك تلاحظني ملاحظة من يرى الشعرة، والله لا أكلت عندك أبدا، ثم قام وانصرف.","part":1,"page":352},{"id":353,"text":"ومنهم أبو جعفر المنصور كان يلقب بأبي الدوانيق، لقب بذلك لأنه لما بني مدينة بغداد كان يباشرها بنفسه ويحاسب الصناع، فيقول لهذا: أنت نمت القائلة، ولهذا: لم تبكر، ولهذا: انصرفت قبل أن تكمل اليوم، فيسقط لهذا دانقا، ولهذا دانقين، فلا يكاد يعطي لأحد أجرةً كاملة، وكان يقول: يزعمون أني بخيل، وما أنا ببخيل، ولكن رأيت الناس عبيد المال، فمنعتهم عنه، ليكونوا عبيدا لي. ويحكي عنه أنه قال لطباخه: لكم ثلاثة وعليكم اثنتان، لكم الرءوس والأكارع والجلود، وعليكم الحبوب والتوابل. ومن حكاياته الدالة على بخله: أن صاحبه الربيع بن يونس قال له يوما: يا أمير المؤمنين، إن الشعراء ببابك وهم كثير، وقد طالت أيامهم ونفدت نقفاتهم، فقال: اخرج إليهم وسلم عليهم، وقل لهم من مدحنا منكم فلا يصف الأسد، فإنما هو كلب من الكلاب، ولا الحية، فإنما هي دويبة منتنة تأكل التراب، ولا الجبل فإنه حجر أصم، ولا البحر، فإنه عطن بض لجبٌ، فمن ليس في شعره شيء من هذا فليدخل، ومن كان في شعره شيءٌ منه فلينصرف، فأبلغهم فانصرفوا كلهم إلا إبراهيم بن هرمة فقال: أنا له يا ربيع فأدخلني عليه: فأدخله، فلما مثل بين يديه، قال له: يا ربيع قد علمت أنه لا يجيبك غيره فأنشده قصيدته التي منها:\rله لحظات في حفافي سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل\rفأم الذي أمنت آمنة الردى ... وأم الذي خوفت بالثكل ثاكل\rفرفع له الستر وأقبل عليه وأصغى إليه، فلما فرغ من إنشاده أمر له بعشرة آلاف درهم وقال له: يا إبراهيم، لا تتلفها طمعا في نيل مثلها منا، فما كل وقت تصل إلينا، فقال إبراهيم: ألقاك يا أمير المؤمنين يوم القيامة وعليها الجهبذ.\rودخل المؤمل بن أميل على المهدي وكان بالري، وهو إذ ذاك ولي عهد أبيه المنصور، فامتدحه بأبيات يقول فيها:\rهو المهدي إلا أن فيه ... مشابه صورة القمر المنير\rتشابه ذا وذا فهما إذا ما ... أنارا يشكلان على البصير\rفهذا في الضياء سراج عدلٍ ... وهذا في الظلام سراج نور\rولكن فضل الرحمن هذا ... على ذا بالمنابر والسرير\rوبعض الشهر يخفي ذا وهذا ... منير عند نقصان الشهور\rوجاء منها:\rفإن سبق الكبير فأهل سبقٍ ... له فضل الكبير على الصغير\rوإن بلغ الصغير مدى كبيرٍ ... فقد خلق الصغير من الكبير\rفأعطاه عشرين ألف درهم، فكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو ببغداد، فكتب إلى المهدي يلومه ويقول له: إنما كان ينبغي أن تعطي الشاعر إذا أقام ببابك سنة، أربعة آلاف درهم، وأمره أن يوجهه إليه، فطلب فلم يوجد، وتوجه إلى بغداد، فكتب إلى المنصور بذلك، فأمر بإرصاده فمسك، وقيل له أنت بغية أمير المؤمنين وطلبته، قال المؤمل: فكاد قلبي ينخلع خوفا وفرقا، ثم أخذ بيدي وانطلق بي إلى الربيع، فأدخلني على المنصور، وقال: يا أمير المؤمنين، هذا المؤمل ابن أميل قد ظفر به، فسلمت عليه، فرد علي السلام، فسكن جأشي واطمأن قلبي وزال روعي، ثم قال لي: أتيت غلاما غرا فخدعته فانخدع، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما أتيت ملكا جوادا كريما، فمدحته فحملته أريحيته على أن وصلني وبرني، فأعجبه ذلك، ثم قال: أنشدني ما قلت فيه، فأنشدته، فقال: والله لقد أحسنت، لكن ما يساوي عشرين ألفا، يا ربيع، خذ المال منه، وأعطه منه أربعة آلاف درهم، فلما ولي المهدي الخلافة، قدم عليه المؤمل، فأخبره بما كان بينه وبين أبيه، فضحك ورد عليه ما أخذ منه.\rوحكي ابن حمدون في كتابه المترجم بالتذكرة: أن المنصور حج في بعض السنين فحدا به سالم الحادي يوما بقول الشاعر:\rأبلج بين حاجبيه نوره ... إذا تغدى رفعت ستوره\rيزينه حياؤه وخيره ... ومسكه يشوبه كافوره","part":1,"page":353},{"id":354,"text":"فطرب المنصور حتى ضرب برجله المحمل، ثم قال: يا ربيع، أعطه نصف درهم، فقال سالم: لا غير، يا أمير المؤمنين، والله لقد حدوت بهشام بن عبد الملك فأمر لي بثلاثين ألف درهم، فقال المنصور: ما كان له أن يعطيك من بيت المال ما ذكرت، يا ربيع! وكل به من يستخرج منه هذا المال، قال الربيع: فما زلت أسفر بينهما حتى شرط عليه أن يحدو به في خروجه ورجوعه بغير مؤنةٍ، وكان سالم هذا يورد الإبل لثمان ولتسع ولعشر، فيحدو لها فيلهيها حدوه عن ورود الماء. ومن طريف ما حكى عنه: أن عبيد الله بن زياد الحارثي، كتب إليه رقعة بليغة يستميحه فيها، فوقع عليها: إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعا لرجل أبطراه، وإن أمير المؤمنين مشفق عليك، فاكتف بالبلاغة.\rوقد ذم الشعراء البخل وهجوا من اتصف به، فمن ذلك، وهو أبلغ ما قاله محدث، قول ابن الرومي\rالحابس الروث في أعفاج بغلته ... خوفا على الحب من لقط العصافير\rوقال العسكري: أبلغ ما قيل في البخل، قول ابن الرومي\rيقتر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد\rفلو يستطيع لتقتيره ... تنفس من منخرٍ واحد\rرضيت لتشتيت أمواله ... يدى وارث ليس بالحامد\rوقال أبو تمام\rصدق أليته إن قال مجتهداً ... لا والرغيف فذاك البر من قسمه\rوإن هممت به فافتك بخبزته ... فإن موقعها من لحمه ودمه\rقد كان يعجبني لو كان غيرته ... على جرادقه كانت على حرمه\rوقال دعبل\rاستبق ود أبى المقا ... تل حين تأكل من طعامه\rسيان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه\rوتراه من خوف النزي ... ل به يروع في منامه\rوقال أبو هلال العسكري\rخبز الأمير عشيقه ... يغدو عليه يلاعبه\rوإذا بدا لجليسه ... أفضى إليه يعاتبه\rوتحوطه حراسة ... وتذب عنه كتائبه\rفالزور يصفع عنده ... والضيف ينتف شاربه\rوقال آخر\rفتى لرغيفه قرط وشنف ... وإكليلان من در وشذر\rإذا كسر الرغيف بكى عليه ... بكاالخنساء إذ فجعت بصخر\rودون رغيفه قلع الثنايا ... وحرب مثل وقعة يوم بدر\rوقال آخر\rإن هذا الفتى يصون رغيفا ... ما إليه لآكلٍ من سبيل\rهو في سفرتين من أدم الطا ... ئف في سلتين من زنبيل\rختمت كل سلةٍ برصاص ... وسيور قددن من جلد فيل\rفي جراب في جوف تابوت موسى ... والمفاتيح عند ميكائيل\rوقال العسكري\rقل خير ابن قاسم ... فغناه كعدمه\rكاد من خشية القرى ... يختبى في حرامه\rجاز في اللؤم حده ... كأبيه وعمه\rكاد يعديك لؤمه ... لو تسميت باسمه\rوقال أيضاً:\rلله برمه نزهتها ... من أن تدنس بالدسم\rبيضاء يشرق نورها ... كالبدر في غسق الظلم\rلو كان عرضك مثلها ... كنت الممدوح في الأمم\rأو كان فعلك مثل قو ... لك كنت تاريخ الكرم\rوقال أيضاً:\rضفت عمرا فجاءني برغيف ... زادني أكله على الجوع جوعا\rثم ولى يقول وهو كئيب: ... لهف نفسي على رغيف أضيعا\rكان خداعه الضيوف ولكن ... ربما أصبح الخدوع خديعا\rكنت أنزلته محلاً رفيعاً ... فغدا ذلك الرفيع وضيعا\rعجباً منه إذ أبيح حماه ... كيف لم يمتنع وكان منيعا\rوقال آخر\rأرى ضيفك في الدار ... وكرب الموت يغشاه\rعلى خبرك مكتوب ... فسيكفبكم الله \"\rوقال بشار\rوضيف عمرو وعمرو يسهران معا ... عمرو لبطنته والضيف للجوع\rوقال آخر\rنوالك دونه خرط القتاد ... وخبزك كالثريا في البعاد\rولو أبصرت ضيفا في منام ... لحرمت المنام إلى التنادى\rأرى عمر الرغيف يطول جدا ... لديك كأنه من قوم عاد","part":1,"page":354},{"id":355,"text":"وما أهجوك أنك كفء شعري ... ولكني هجوتك للكساد\rوقال العسكري\rقد كان للمال ربا ... فصار بالبخل عبده\rوصحف الصيف ضيفا ... فراح يلطم خده\rوقال أبو نواس في إسماعيل بن نوبخت، بعد أن نصب إسماعيل في صحن داره طارمه، وآصطبح فيها أربعين يوما ومعه جماعة. منهم أبو نواس، فبلغت نفقته أربعين ألف درهم، ثم قال بعد ذلك\rخبز إسماعيل كالوش ... ى إذا ما شق يرفا\rعجبا من أثر الصن ... عة قيه كيف تخفى؟\rإن رفاءك هذا ... ألطف الأمة كفا\rفإذا ألصق بالنص ... ف من الجردق نصفا\rالطف الصنعة حتى ... ما ترى مطعن إشفى\rمثل ما جاء من التن ... ور ما غادر حرفا\rوله في الماء أيضا ... عمل أبدع ظرفا\rمزجه العذب بماء ال ... بئركي يزداد ضعفا\rفهو لا يسقيك منه ... مثل ما يشرب صرفا\rوقال فيه\rعلى خبز إسماعيل واقية البخل ... فقد حل في دار الأمان من الأكل\rوما خبزه إلا كعنقاء مغرب ... يصور في بسط الملوك وفي المثل\rيحدث عنها الناس من غير رؤية ... سوى صورة ما إن تمر ولا تحلى\rوما خبزه إلا كاوي يرى ابنه ... ولم ير آوى في الحزون وفي السهل\rوما خبزه إلا كليب بن وائل ... ليالي يحمي عزه منبت البقل\rوإذ هو لا يستب خصمان عنده ... ولا الصوت مرفوع بجد ولا هزل\rفإن خبز إسماعيل حل به الذي ... أصاب كليبا لم يكن ذاك عن ذل\rولكن قضاء ليس يسطاع رده ... بحيلة ذي مكرٍ ولا دهى ذي عقل\rوقال ابن الرومي\rبخيل يصوم أضيافه ... ويبخل عنهم بأجر الصيام\rيدس الغلام فيوليهم ... هوانا فيشتم مولى الغلام\rفهم مفطرون وهم صائمون ... وما يطعمون وهم في أثام\rفيحتال بخلا لأن يفطرون ... على رفث القول دون الطعام\rوقال أحمد بن كشاجم\rصديق لنا من أبرع الناس في البخل ... وأفضلهم فيه وليس بذي فضل\rدعاني كما يدعو الصديق صديقه ... فجئت كما يأتي إلى مثله مثلي\rفلما جلسنا للطعام رأيته ... يرى أنه من بعض أعضائه أكلي\rويغتاظ أحيانا ويشتم عبده ... وأعلم أن الغيظ والشتم من أجلي\rفأقبلت أستل الغداء مخافةً ... وألحاظ عينيه رقيبٌ على فعلي\rأمد يدي سرا لأسرق لقمةً ... فليحظني شزراً فأعبث بالبقل\rإلى أن جنت كفي لحتفي جنايةً ... وذلك أن الجوع أعدمني عقلي\rفجرت يدي للحين رجل دجاجةٍ ... فجرت كما جرت يدي رجلها رجلي\rوقدم من بعد الطعام حلاوةً ... فلم أستطع فيها أمرٌ ولا أحلي\rوقمت لو أني كنت بيت نيةً ... ربحت ثواب الصوم مع عدم الأكل\rوقال آخر:\rتراهم خشية الأضياف خرساً ... يقيمون الصلاة بلا أذان\rاحتجاج البخلاء وتحسينهم للبخل\rقالت الحكماء: لتكن عنايتك بحفظ ما اكتسبته، كعنايتك باكتسابه.\rوقال أبو الأسود الدؤلي لبنيه: لا تجاودوا الله، فإنه أكرم وأجود، ولو شاء أن يغني الناس كلهم لفعل، ولكنه علم أن قوما لا يصلحهم ولا يصلح لهم إلا الفقر، وقوما لا يصلحهم ولا يصلح لهم إلا الغنى.\rوقال رجل من تغلب: أتيت رجلا من كندة أسأله، فقال: يا أخا بني تغلب، إني لن أصلك حتى أحرم من هو أقرب إلى منك، وإنه لم يبق من مالي وعرضي وأهلي إلا ما منعته من الناس.\rوقيل: إن لقمان الحكيم، قال لابنه: يا بني، أوصيك باثنتين لن تزال بخير ما تمسكت بهما: درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك.\rوقال أبو الأسود: إمساكك ما تبذل، خير من طلبك ما يبذل غيرك، وأنشد:\rيلومونني في البخل جهلاً وضلةً ... وللبخل خيرٌ من سؤال بخيل\rونظيره قول المتلمس:","part":1,"page":355},{"id":356,"text":"وحبس المال أيسر من بغاه ... وضرب في البلاد بغير زاد\rوإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد\rوقال الجاحظ: قلت للحزامي: يا بخيل! قال: لا أعدمني الله هذا الاسم، لأنه لا يقال لي: بخيل إلا وأنا ذو مال فسلم لي المال، وسمني بأي اسم شئت، قلت: ولا يقال لك: سخي، إلا وأنت ذو مال، فقد جمع الله لهذا الاسم المال والحمد، وجمع لذاك المال والذم، فقال: بينهما فرق عجيب، وبون بعيد، إن في قولهم: بخيل، سببا لمكث المال في ملكي، وفي قولهم: سخي، سببا لخروجه عن ملكي، واسم البخل فيه حزم وذم واسم السخاء فيه تضييع وحمد، وما أقل غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه وعري ظهره وضاع عياله وشمت به عدوه.\rوقال محمد بن الجهم: من شأن من استغنى عنك، أن لا يقيم عليك، ومن احتاج إليك أن لا يزول من عندك، ومن حبك لصديقك وضنك بمودته أن لا تبذل له ما يغنيه عنك، وأن تتلطف له فيما يحوجه إليك.\rوقد قيل في مثل هذا: \" أجع كلبك يتبعك، وسمنه يأكلك \" ، فمن أغنى صديقه فقد أعانه على الغدر، وقطع أسباب الشكر، والمعين على الغدر شريك للغادر، كما أن المزين للفجور شريكٌ للفاجر.\rوقال أبو حنيفة: لا خير فيمن لا يصون ماله ليصون به عرضه، ويصل به رحمه ويستغني به عن لئام الناس، قال عبد الله بن المعتز:\rأعاذل ليس البخل مني سجيةً ... ولكن وجدت الفقر شر سبيل\rلموت الفتى خيرٌ من البخل للفتى ... وللبخل خيرٌ من سؤال بخيل\rوكان داود بن علي يقول: لأن يترك الرجل ماله لأعدائه، خيرٌ من الحاجة في حياته لأوليائه، قال الشاعر:\rمالٌ يخلفه الفتى ... للشامتين من العدا\rخير له من قصده ... إخوانه مسترفدا\rوقال سفيان الثوري: لأن أخلف عشرة آلاف درهم أحاسب عليها، أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس، وقال: كان المال فيما مضى يكره، وأما اليوم فهو يزين المؤمن، وجاءه رجل فقال له: يا أبا عبد الله، تمسك هذه الدنانير! فقال: اسكت، فلولاها لتمندلتنا هؤلاء الملوك، ولكن من كان في يده منها شيء فليصلحه، فإنه زمانٌ من احتاج فيه كان أول ما يبذل دينه.\rوقال المنصور لمحمد بن مروان التميمي: إنك لسيد لولا جمودٌ فيك،فقال: يا أمير المؤمنين، إني لأجمد في الحق، ولا أذوب في الباطل.\rوكان محمد بن الجهم يقول: من وهب من عمله، فهو أحمق، ومن وهب بعد العزل، فهو مجنون، ومن وهب من جوائز ملوكه أو ميراثه، فهو مخذول، ومن وهب من كسبه وما استفاده بحيلة، فهو المطبوع على قلبه، المأخوذ ببصره وسمعه.\rوسأل رجل زياد بن أبيه، فأعطاه درهما، فقال: صاحب العراقين أسأله فيعطيني درهما؟ فقال له زياد: من بيده خزائن السموات والأرض ربما رزق أخص عباده عنده وأكرمهم لديه التمرة واللقمة، وما يكبر عندي أن أصل رجلا بمائة ألف درهم، ولا يصغر أن أعطي سائلا رغيفا، إن كان رب العالمين فعل ذلك. قال الشاعر:\rيا رب جود جر فقر امريءٍ ... فقام للناس مقام الذليل\rفاشدد عرى مالك واستبقه ... فالبخل خير من سؤال البخيل\rوقال الشريف بن الهبارية:\rلأصونن درهمي ... فهو لا شكٌ صائني\rلم يعني ابن والدي ... وصحيحي أعانني\rوقال أيضا:\rلله در دراهمي ... فهي التي أعلت مكاني\rلولا الغنى عن صاحبي ... لأحلني دار الهوان\rوقال آخر:\rكن بما أوتيته مغتبطا ... تستدم عيش القنوع المكتفي\rإن في نيل المنى وشك الردى ... واجتناب القصد عين السرف\rكسراجٍ دهنه قوتٌ له ... فإذا غرقته فيه طفى","part":1,"page":356},{"id":357,"text":"ومن ذلك رسالة كتبها سهل بن هارون، وقد عيب عليه أمور من البخل، فاعتذر عنها واحتج فقال: أصلح الله أمركم، وجمع شملكم، وعلمكم الخير، وجعلكم من أهله، قال الأحنف بن قيس: يا بني تميم، لا تسرعوا إلى الفتنة، فإن أسرع الناس إلى القتال، أقلهم حياء من الفرار، وكانوا يقولون: إذا أردت أن ترى العيوب جمةً، فتأمل عياباً فإنه يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب، ومن أعيب العيب أن تعيب ما ليس بعيب، وقبيح أن تنهي مرشدا أو تغري مشفقا، وما أريد بما قلت إلا هدايتكم وتقويمكم وصلاح فسادكم، وإبقاء النعمة عليكم، ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم، فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم، ثم قد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما اخترناه لأنفسنا قبلكم، وشهرنا به في الآفاق دونكم، ثم نقول في ذلك ما قال العبد الصالح لقومه: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. فما كان أحقكم في كريم حرمتنا بكم أن ترعوا حق قصدنا بذلك إليكم، على ما رعيناه من واجب حقكم، فلا العذر المبسوط بلغتم، ولا بواجب الحرمة قمتم، ولو كان ذكر العيوب براً وفخرا، لرأينا في أنفسنا عن ذلك شغلا، عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي العجين فيكون أطيب لطعمه، وأزيد في ريعه، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أملكوا العجين فإنه أحد الريعين، وعبتموني حين ختمت على سل عظيم، وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة، ومن رطبة غريبة، على عبدٍ نهمٍ، وصبي جشع، وأمه لكعاء، وزوجة مضيعة، وليس بين أهل الأدب، ولا في ترتيب الحكم، ولا في عادات القادة، ولا في تدبير السادة، أن يستوي في نفيس المأكول، وغريب المشروب، وثمين الملبوس، وخطير المركوب التابع والمتبوع، والسيد والمسود، كما لا تستوي مواضعهم في المجالس، ومواقع أسمائهم في العنوانات، ومن شاء أطعم كلبه الدجاجة السمينة، وعلف حماره السمسم المقشر، وعبتموني بالختم، وقد ختم بعض الأئمة على مد سويق، وختم على كيس فارغ، وقال طينة خير من ظنه، فأمسكتم عمن ختم على لا شيء، وعبتم على من ختم على شيء، وعبتموني أيضا، أن قلت للغلام: إذا زدت في المرق، فزد في الإنضاج، ليجتمع مع التأدم باللحم طيب المرق، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" إذا طبخ أحدكم لحما، فليزد من الماء، فمن لم يصب لحما أصاب مرقا \" . وعبتموني بخصف النعل، وبتصدير القميص، وحين زعمت أن المخصوفة من النعل أبقى وأقوى وأشبه بالنسك، وأن الترفيع من الحزم، والتفريق من التضييع، والاجتماع مع الحفظ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويلطع أصابعه، ويقول: \" لو أهدي إلى كراع لقبلت، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" من لم يستحي من الخلال، خفت مؤنته، وقل كبره \" . وقالت الحكماء: لا جديد لمن لم يلبس الخلق، وبعث زياد رجلا يرتاد له محدثا، واشترط عليه أن يكون عاقلا، فأتاه به موافقا، فقال له: أكنت به ذا معرفة؟ قال: لا، ولكني رأيته في يوم قائظ، يلبس خلقا، ويلبس الناس جديدا، فتفرست فيه العقل والأدب، وقد علمت أن الخلق في موضعه، مثل الجديد في موضعه، وقد جعل الله لكل شيء قدراً، وسمي له موضعا، كما جعل لكل زمان حالا، ولكل مقام مقالا، وقد أحيا الله بالسم، وأمات بالغذاء، وأغص بالماء، وقتل بالدواء، وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكاسبين، كما زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين، وقد جبر الأحنف بن قيس يد عنز وأمر مالك بن أنس بفرك البعر، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة، ولبس سالم بن عبد الله جلد أضحية، وقال رجل لبعض الحكماء: أريد أن أهدي لك دجاجة، قال: إن كان لا بد، فاجعلها بيوضا، وعبتموني حين قلت: من لم يعرف مواضع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواضع الاقتصاد في الممتنع الغالي، وقد أتيت بماء للوضوء على مبلغ الكفاية، وأشف من الكفاية، فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء، وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء، وجدت في الأعضاء فضلا عن الماء، فعلمت أن لو كنت مكنت الاقتصاد في أوائله لخرج أوله على كفاية آخره، ولكان نصيب الأول كنصيب الآخر، فعبتموني بذلك وشنعتموه علي، وقد قال الحسن وذكر السرف: أما إنه ليكون في الماء والكلا، فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه بالكلا، وعبتموني إلى قلت: لا","part":1,"page":357},{"id":358,"text":"يغترن أحد بطول عمره، وتقويس ظهره، ورقة عظمه، ووهن قوته، وأن برى دخله أكثر من رزقه فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يده، وتحويله إلى ملك غيره، أو تحكيم السرف فيه، وتسليط الشهوات عليه، فلعله أن يكون معمرا وهو لا يدري وممدودا له في السن وهو لا يشعر، ولعله أن يرزق الولد على اليأس، وتحدث عليه آفات الكبر ما لا يخطر على باله، ولا يدركه عقله، فيسترده ممن لا يرده، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه، أضعف ما كان عن الطلب، وأقبح ما كان له أن يطلب، فعبتموني بذلك، وقال عمرو بن العاص: اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا، وعبتموني بأن قلت: إن التلف والتبذير إلى مال المواريث، وأموال الملوك، وإن الحفظ إلى المال المكتسب، والغنى المجتلب، وإلى ما يعرض فيه بذهاب الدين، واهتضام العرض، ونصب البدن، واهتمام القلب أسرع، ومن لم يحسب نفقته لم يحسب دخله، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع المال، ومن لم يعرف للغنى قدره فقد أذن بالفقر، وطاب نفسا بالذل، وعبتموني بأن زعمت أن كسب الحلال، مضمنٌ بالإنفاق في الحلال، وأن الخبيث ينزع إلى الخبيث، وأن الطيب يدعو إلى الطيب، وأن الإنفاق في الهوى، حجاب دون الحقوق، وأن الإنفاق في الحقوق حجاب دون الهوى، فعبتم علي هذا القول، وقد قال معاوية بن أبي سفيان: لم أر تبذيرا قط، إلا وإلى جنبه حقٌ مضيع، وقال الحسن: إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله، فانظروا في أي شيء ينفقه، فإن الخبيث إنما ينفق في السرف، وقلت لكم بالشفقة عليكم، وحسن النظر مني إليكم، أنتم في دار الآفات، والجوائح غير مأمونات، فإن أحاطت بمال أحدكم آفةٌ، لم يرجع إلى ثقة، فاحذروا النقم، باختلاف الأمكنة، فإن البلية لا تجري في الجميع، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العبد، والأمة، والشاة، والبعير: فرقوا بين المنايا، واجعلوا الرأس رأسين، وقال ابن سيرين لبعض البحريين: كيف تصنعون في أموالكم؟ قالوا: نفرقها في السفن، فإن عطب بعض، سلم بعض، ولولا أن السلامة أكثر، ما حملنا أموالنا في البحر، فقال ابن سيرين: تحسبها خرقاء وهي صناعٌ، وعبتموني بأن قلت لكم عند إشفاقي عليكم: إن للغنى سكرا، والمال نزوةً، فمن لم يحفظ الغنى من سكره، فقد أضاعه، ومن لم يرتبط المال لخوف الفقر فقد أهمله، فعبتموني بذلك، وقد قال زيد بن جبلة: ليس أحدٌ أقصر عقلا، من غنى أمن الفقر، وسكر الغنى أشد من سكر الخمر، وقد قال الشاعر في يحيى ابن خالد:رن أحد بطول عمره، وتقويس ظهره، ورقة عظمه، ووهن قوته، وأن برى دخله أكثر من رزقه فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يده، وتحويله إلى ملك غيره، أو تحكيم السرف فيه، وتسليط الشهوات عليه، فلعله أن يكون معمرا وهو لا يدري وممدودا له في السن وهو لا يشعر، ولعله أن يرزق الولد على اليأس، وتحدث عليه آفات الكبر ما لا يخطر على باله، ولا يدركه عقله، فيسترده ممن لا يرده، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه، أضعف ما كان عن الطلب، وأقبح ما كان له أن يطلب، فعبتموني بذلك، وقال عمرو بن العاص: اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا، وعبتموني بأن قلت: إن التلف والتبذير إلى مال المواريث، وأموال الملوك، وإن الحفظ إلى المال المكتسب، والغنى المجتلب، وإلى ما يعرض فيه بذهاب الدين، واهتضام العرض، ونصب البدن، واهتمام القلب أسرع، ومن لم يحسب نفقته لم يحسب دخله، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع المال، ومن لم يعرف للغنى قدره فقد أذن بالفقر، وطاب نفسا بالذل، وعبتموني بأن زعمت أن كسب الحلال، مضمنٌ بالإنفاق في الحلال، وأن الخبيث ينزع إلى الخبيث، وأن الطيب يدعو إلى الطيب، وأن الإنفاق في الهوى، حجاب دون الحقوق، وأن الإنفاق في الحقوق حجاب دون الهوى، فعبتم علي هذا القول، وقد قال معاوية بن أبي سفيان: لم أر تبذيرا قط، إلا وإلى جنبه حقٌ مضيع، وقال الحسن: إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله، فانظروا في أي شيء ينفقه، فإن الخبيث إنما ينفق في السرف، وقلت لكم بالشفقة عليكم، وحسن النظر مني إليكم، أنتم في دار الآفات، والجوائح غير مأمونات، فإن أحاطت بمال أحدكم آفةٌ، لم يرجع إلى ثقة، فاحذروا النقم، باختلاف الأمكنة، فإن البلية لا تجري في الجميع، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العبد، والأمة، والشاة، والبعير: فرقوا بين المنايا، واجعلوا الرأس رأسين، وقال ابن سيرين لبعض البحريين: كيف تصنعون في أموالكم؟ قالوا: نفرقها في السفن، فإن عطب بعض، سلم بعض، ولولا أن السلامة أكثر، ما حملنا أموالنا في البحر، فقال ابن سيرين: تحسبها خرقاء وهي صناعٌ، وعبتموني بأن قلت لكم عند إشفاقي عليكم: إن للغنى سكرا، والمال نزوةً، فمن لم يحفظ الغنى من سكره، فقد أضاعه، ومن لم يرتبط المال لخوف الفقر فقد أهمله، فعبتموني بذلك، وقد قال زيد بن جبلة: ليس أحدٌ أقصر عقلا، من غنى أمن الفقر، وسكر الغنى أشد من سكر الخمر، وقد قال الشاعر في يحيى ابن خالد:","part":1,"page":358},{"id":359,"text":"وهوبٌ تلاد المال فيما ينوبه ... منوعٌ إذا ما منعه كان أحزما\rوعبتموني حين زعمتم، أني أقدم المال على العلم، لأن المال به يفاد العلم، وبه تقوم النفس، قبل أن يعرف فضل العلم، فهو أصل، والأصل أحق بالتفضيل من الفرع، فقلتم. كيف هذا؟ وقد قيل لبعض الحكماء: الأغنياء أفضل أم العلماء؟ فقال: العلماء، قيل له: فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء، أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: ذلك لمعرفة العلماء بحق المال، وجهل الأغنياء بحق العلم، فقلت: حالهما هي القاضية بينهما، وكيف يستوي شيء حاجة العلماء إليه، وشيء يغني فيه بعضهم عن بعض، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدجاج، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إني لأبغض أهل البيت ينفقون نفقة الأيام في اليوم الواحد، وكان أبو الأسود الدؤلي يقول لولده: إذا بسط الله لك في الرزق فابسط، وإذا قبض فاقبض، وعبتموني حين قلت: إن فضل الغنى عن القوت، إنما هو كفضل الآلة تكون في البيت، إن احتيج إليها استعملت، وإن استغنى عنها كانت عدةً، وقد قال الحصين بن المنذر: وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء، قيل له: فما كنت تصنع به؟ قال: لكثرة من كان يخدمني عليه، لأن المال مخدوم، وقال بعض الحكماء: عليك بطلب الغنى، فلو لم يكن فيه إلا أنه عزٌ في قلبك، وذلٌ في قلب عدوك لكان الحظ فيه جسيما، والنفع عظيما، ولسنا ندع سيرة الأنبياء، وتأدب الخلفاء، وتعليم الحكماء، لأصحاب الهوى، فلستم علي تردون، ولا رأيي تفندون، فقدموا النظر قبل العزم، وأدركوا ما عليكم من قبل أن تدركوا مالكم، والسلام.\rومن نوادر البخلاء، قال رجل لبعض البخلاء: لم لا تدعوني إلى طعامك؟ قال: لأنك جيد المضغ سريع البلع، إذا أكلت لقمةً هيأت أخرى، قال: يا أخي أتريد إذا أكلت عندك أن أصلي ركعتين بين كل لقمتين؟ وقال آخر لبخيل: لم لا تدعوني إلى طعامك؟ قال: لأنك تعلق، وتشدق، وتحدق، أي تحمل واحدة في يدك، وأخرى في شدقك، وتنظر إلى الأخرى بعينك.\rوقال بعض البخلاء: أنا لا آكل إلا نصف الليل، قيل له: ولم؟ قال يبرد الماء، وينقمع الذباب، وآمن فجأة الداخل، وصرخة السائل.\rوطبخ بعض البخلاء قدراً، وجلس يأكل مع زوجته فقال: ما أطيب هذا الطعام! لولا كثرة الزحام، فقالت: وأي زحام وما ثم إلا أنا وأنت؟ قال: كنت أحب أن أكون أنا والقدر.\rوقال بعض البخلاء لغلامه: هات الطعام، وأغلق الباب، فقال: يا مولاي، ليس هذا بحزم، وإنما أغلق الباب، وأقدم الطعام، فقال له: أنت حرٌ لوجه الله.\rوعزم بعض إخوان أشعب عليه ليأكل عنده، فقال: إني أخاف من ثقيل يأكل معنا فينغص لذتنا، فقال: ليس عندي إلا ما تحب فمضى معه فبينما هما يأكلان، إذا بالباب قد طرق، فقال أشعب: ما أرانا إلا صرنا لما نكره، فقال صاحب المنزل: إنه صديق لي، وفيه عشر خصال، إن كرهت منها واحدة لم آذن له، فقال أشعب: هات، قال: أولها، أنه لا يأكل ولا يشرب، فقال: التسع لك ودعه يدخل، فقد أمنا منه ما نخافه.\rالتطفيل وأخبار الأكلة والمؤاكلة والتطفيل من اللؤم، وهو التعرض إلى الطعام، من غير أن يدعى إليه، وسنذكر تلو هذا الفصل آداب الأكل، والمؤاكلة، والاقتصاد في المطاعم، والعفة عنها، وما يجري هذا المجرى، وإن كان خارجا عنه، وإنما الشيء يذكر بالشيء، والعرب تقول للطفيلي: الوارش، والراشن، قيل: هو مشتق من الطفل، وهو الظلمة لأن الفقير من العرب كان يحضر الطعام الذي لم يدع إليه مستترا بالظلمة، لئلا يعرف. وقيل: سمي بذلك، لإظلام أمره على الناس، لا يدري من دعاه، وقيل: بل من الطفل لهجومه على الناس كهجوم الليل على النهار، فيكون من الظلمة، ولذلك قيل: \" أطفل من ليل على نهار \" ، وأول من سمي بهذا الاسم: طفيل العرائس، وإليه ينسب الطفيليون، وكان يقول لأصحابه: إذا دخل أحدكم عرسا، فلا يلتفت تلفت المريب، ويتخير المجالس، وإن كان العرس كثير الزحام، فليمض ولا ينظر في عيون الناس، ليظن أهل المرأة أنه من أهل الرجل، ويظن أهل الرجل أنه من أهل المرأة، وإن كان البواب غليظا فاحشا، فليبدأ به، ويأمره وينهاه من غير أن يعنف عليه، ولكن بين النصيحة والإدلال.","part":1,"page":359},{"id":360,"text":"وأشهر من نسب إليه هذا الاسم، وكثرت عنه الحكايات، بنان الطفيلي، وهو عبد الله بن عثمان، ويكنى أبا الحسن، ولقبه بنان، وأصله مروزي وأقام ببغداد، وكان نقش خاتمه، مالكم لا تأكلون. حكي أن رجلا سأله أن يدعو له، فقال: اللهم ارزقه صحة الجسم وكثرة الأكل، ودوام الشهوة، ونقاء المعدة، وأمتعه بضرس طحون، ومعدة هضوم، مع السعة والدعة، والأمن والعافية، وقال يوصي بعض أصحابه: إذا قعدت على مائدة وكان موضعك ضيقا فقل للذي يليك: لعلى ضيقت عليك فإنه يتأخر إلى خلف، ويقول: موضعي واسع، فيتسع عليك موضع رجل، وقال له طفيليٌّ: أوصني، فقال: لا تصادفن من الطعام شيئا، فترفع يدك عنه وتقول: لعلي أصادف ما هو أطيب منه، فإن هذا عجز ووهنٌ، قال: زدني، قال: إذا وجدت خبزا فيه قلة، فكل الحروف، فإن كان كثيرا فكل الأوساط، قال: زدني قال: لا تكثر شرب الماء وأنت تأكل، فإنه يصدك عن الأكل، ويمنعك من أن تستوفي، قال: زدني، قال: إذا وجدت الطعام، فكل منه أكل من لم يره قط، وتزود منه زاد من لا يراه أبدا، قال: زدني، قال: إذا وجدت الطعام، فاجعله زادك إلى الله تعالى، وقال: إذا دعاك صديق لك، فاقعد يمنة البيت فإنك ترى ما تحب، وتسودهم في كل شيء، وتسبقهم إلى كل خير، وأنت أول من يغسل يده والمنديل جاف، والماء واسع، والخوان بين يديك يوضع، والنبيذ أول القنينة، ورأسها تشربه، والنقل منتخب، يوضع بين يديك، وتكون أول من يتبخر، فإذا أردت أن تقوم لحاجة لم تحتج أن تتخطاهم، وأنت في كل سرور إلى أن تنصرف. قال البديع الهمذاني في طفيليين يشبههم ببنان:\rخلفتم بنانا فكم من أديبٍ ... من الغيظ عض عليكم بنانا\rإذا ما النهار بدا ضوءه ... غدوتم خماصا ورحتم بطانا\rومنهم: عثمان بن دراج، قيل له: كيف تصنع إذا لم يدخلك أهل العرس؟ قال: أنوح على الباب، فيتطيرون فيدخلونني. وحكي أبو الفرج الأصفهاني: أن عثمان هذا، كان يلزم سعيد بن عبد الكريم الخطابي أحد ولد زيد بن الخطاب، فقال له: ويحك! إني أبخل بأدبك وعلمك، وأضن بك عما أنت فيه من التطفيل ولي وظيفة راتبة في كل يوم، فالزمني وكن مدعوا، أصلح لك مما تفعل، فقال: يرحمك الله فأين لذة الجديد، وطيب التنقل كل يوم إلى مكان؟ وأين هويناك ووظيفتك من احتفال العرس؟ وأين ألوانك من ألوان الوليمة؟ قال: فأما إذا ثبت ذاك: فإذا ضاقت عليك المذاهب فأتني قال: أما هذا فنعم، قال: وقال له رجل: ما هذه الصفرة التي في لونك؟ قال: من الفترة التي بين القصعتين، ومن خوفي في كل يوم من نفاد الطعام قبل أن أشبع، وقيل له مرة: هل تعرف بستان فلان؟ فقال: إي والله، وإنه للجنة الحاضرة في الدنيا، قيل له: فلم لا تدخل إليه فتأكل من ثماره، وتقيل تحت أشجاره، وتسبح في أنهاره؟ قال: لأن فيه كلبا لا يتمضمض إلا بدماء عراقيب الرجال، وعثمان هذا الذي يقول:\rلذةً التطفيل دومي ... وأقيمي لا تريمي\rأنت تشفين غليلي ... وتسلين همومي","part":1,"page":360},{"id":361,"text":"ولهم أخبار وحكايات، منها: ما نقل عن نصر بن علي الجهضمي أنه قال: كان لي جار طفيلي، إذا دعيت إلى مدعاة ركب معي وجلس حيث أجلس، فيأكل وينصرف، وكان نظيفا عطرا، حسن اللباس والمركب، وكنت لا أعرف من أمره إلا الظاهر، فاتفق لجعفر بن القاسم الهاشمي حقٌّ دعا له أشراف البصرة ووجوهها، وهو يومئذ أمير البصرة، فقلت في نفسي: إن تبعني هذا الرجل إلى دار الأمير لأخزيته، فلما كان يوم الحضور، جاءني الرسول، فركبت، وإذا به قد تبعني حتى دخل بدخولي، وارتفع حيث أجلست، فلما حضرنا الطعام، قلت: حدثنا درست ابن زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من دخل إلى دار قوم بغير إذنهم، دخل سارقا، وخرج مغيرا، ومن دعي ولم يجب فقد عصى الله ورسوله \" . فظننت أني قد أشرفت على الرجل وقصرت من لسانه، فأقبل علي وقال: أعيذك بالله من هذا الكلام في دار الأمير، فإن الأشراف لا يحتملون التعريض باللؤم، وقد حظر الدين التعريض، وعزر عليه عمر رضي الله عنه، ووليمة الأمير دعاء لأهل مصره فإنه سليل أهل السقاية، والرفادة، والمطعمين الأفضلين الذين هشموا الثريد، وأبرزوا الجفان لمن غدا إليها، ثم لا توزع وأنت في بيت من العلم معروف من أن تحدت عن درست بن زياد وهو ضعيف عن أبان ابن طارق وهو متروك الحديث بحكم رفعه الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمون على خلافه، لأن حكم السارق القطع، والمغير يعزر على ما يراه الإمام، وهذان حكمان لا ينفذان على داخلٍ دارا في مجمع فيتناول لقما من فضل الله الذي آتي أهلها ثم لا يحدث حدثا حتى يخرج عنها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة \" . حدثنا بذلك أبو عاصم النبيل عن ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأين أنت عن هذا الحديث الصحيح الإسناد والمتن؟ قال نصر: فأصابتني خجلة شديدة، فلما نظر الرجل إلى ما بي أكل ونهض قبلي، فلما خرجت وجدته واقفا على دابته بالباب، فلما رآني تبعني، ولم يكلمني ولم أكلمه، إلا أنني سمعته يتمثل:\rومن ظن ممن يلاقي الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظن عجزا\rوقيل: مر طفيليٌ بسكة النخع بالبصرة على قوم، وعندهم وليمة، فاقتحم عليهم، وأخذ مجلسه مع من دعي، فأنكره صاحب المنزل، فقال له: لو تأنيت أو وقفت حتى يؤذن لك، أو يبعث إليك، فقال: إنما اتخذت البيوت ليدخل إليها، ووضعت الموائد ليؤكل ما عليها، وما وجهت بهدية فأتوقع الدعوة، والحشمة قطيعةٌ، واطراحها صلةٌ، وقد جاء في الأثر: \" صل من قطعك، وأعط من حرمك \" ، ثم أنشد:\rكل يوم أدور في عرصة الدا ... ر أشم القتار شم الذباب\rفإذا ما رأيت آثار عرس ... أو دخانا أو دعوة الأصحاب\rلم أعرج دون التقحم لا أر ... هب شتما ولكزة البواب\rمستهينا بمن دخلت عليه ... غير مستأذن ولا هياب\rفتراني ألف بالرغم منه ... كل ما قدموه لف العقاب\rووصف طفيلي نفسه فقال:\rنحن قومٌ إذا دعينا أجبنا ... ومتى ننس يدعنا التطفيل\rقولنا علنا دعينا فغبنا ... أو أتانا فلم يجدنا الرسول\rوقال آخر:\rنحن قومٌ نحب هدى رسول ال ... له هدياً به الصواب أصبنا\rفادعنا كلما بسطت فإنا ... لو دعينا إلى كراعٍ أجبنا\rوقال آخر:\rنحن قومٌ إن جفا النا ... س وصلنا من جفانا\rلا نبالي صاحب الدا ... ر نسينا أم دعانا\rوقال آخر وقد أقبل إلى طعام، من غير أن يدعي إليه فقال له صاحب الصنيع: من دعاك؟ فأنشد:\rدعوت نفسي حين لم تدعني ... فالحمد لي لا لك في الدعوة\rوكان ذا أحسن من موعدٍ ... إخلافه يدعو إلى جفوة\rوقد مدح أبو روح ظفر بن عبد الله الهروي طفيلياً ولم يسبق إليه، فقال:\rإن الطفيلي لي حرمة ... زادت على حرمة ندماني\rلأنه جاء ولم أدعه ... مبتدئاً منه بإحسان\rودخل طفيلي إلى قوم فقالوا له: ما دعوناك! فما الذي جاء بك؟ فقال: إذا لم تدعوني ولم آت، وقعت وحشة، فضحكوا منه وقربوه.","part":1,"page":361},{"id":362,"text":"وقيل: مر طفيلي على قوم يتغدون، فقال: سلام عليكم معشر اللئام، فقالوا: لا والله! بل كرام، فثنى ركبته ونزل، وقال: اللهم اجعلهم من الصادقين، واجعلني من الكاذبين.\rقال هشام أخوذي الرمة لرجل أراد سفرا: إن لكل رفقة كلبا يشركهم في فضلة الزاد، فإن استطعت أن لا تكون كلب الرفاق فافعل.\rونظر طفيلي إلى قوم من الزنادقة يسار بهم إلى القتل، فظنهم يدعون إلى صنيع، فتلطف حتى دخل في لفيفهم وصار كواحد منهم، فلما بلغوا صاحب الشرطة، أمر بضرب أعناقهم، فقدموا واحدا بعد واحد حتى انتهوا إلى الطفيلي فلما قدم للقتل التفت إلى صاحب الشرطة، فقال له: إني والله ما أنا منهم، ولا أعلم بما يدينون، وإنما أنا طفيلي ظننتهم يذهب بهم إلى صنيع، فتلطفت حتى دخلت في جملتهم، فقال ليس هذا مما ينجيك، اضربوا عنقه، فقال: أصلحك الله، إن كنت عزمت على قتلي، فأمر السياف أن يضرب بطني بالسيف، فإنه هو الذي أوقعني في هذه الورطة، فضحك، وكشف عنه، فأخبر أنه طفيلي معروف، فخلي سبيله.\rوحكي أن المأمون أمر أن يحمل إليه عشرة من الزنادقة سموا له من أهل البصرة، فجمعوا، فأبصرهم طفيلي، فقال: ما اجتمعوا إلا لصنيع، فدخل في وسطهم ومضى بهم الموكلون، حتى انتهوا إلى زورق قد أعد لهم، قال الطفيلي: هي نزهة، فدخل معهم الزورق، فلم يكن بأسرع من أن قيدوا، وقيد معهم الطفيلي، ثم سير بهم إلى بغداد، فأدخلوا على المأمون، فجعل يدعوهم بأسمائهم رجلا رجلا، ويأمر بضرب أعناقهم، حتى وصل إلى الطفيلي، وقد استوفى العدة، فقال للموكلين: ما هذا؟ قالوا: والله ما ندري، غير أنا وجدناه مع القوم، فجئنا به، فقال له المأمون: ما قصتك؟ ويلك! فقال يا أمير المؤمنين: امرأتي طالق إن كنت أعرف من أقاويلهم شيئا ولا مما يدينون به، وإنما أنا رجل طفيلي، رأيتهم مجتمعين فظننت صنيعا يدعون إليه، فضحك المأمون وقال: يؤدب، وكان إبراهيم بن المهدي قائما على رأس المأمون فقال: يا أمير المؤمنين، هب لي أدبه وأحدثك بحديث عجيب عن نفسي، قال: قل يا إبراهيم، قال: يا أمير المؤمنين، خرجت من عندك يوما، فطفت في سكك بغداد متطرفا، حتى انتهيت إلى موضع كذا، فشممت من قتار أبا زير قدور قد فاح، فتاقت نفسي إليها، وإلى طيب ريحها، فوقفت إلى خياط، فقلت له: لمن هذه الدار؟ فقال: لرجل من التجار، قلت: ما اسمه؟ قال: فلان بن فلان، فرميت بطرفي إلى الدار، فإذا شباك فيها مطلٌ، وإذا كفٌ قد خرج من الشباك ومعصم، فشغلني حسن الكف والمعصم عن رائحة القدور، فبهت ساعة، ثم أدركني ذهني، فقلت للخياط: أهو ممن يشرب النبيذ؟ قال: نعم، وأحسب أن عنده اليوم دعوة، وهو لا ينادم إلا تجارا مثله مستورين، فإني لكذلك، إذا أقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب، فقال لي الخياط: هؤلاء منادماه، فقلت: ما اسماهما وما كناهما؟ فقال: فلان وفلان، فحركت دابتي وداخلتهما، وقلت: جعلت فداكما، قد استبطأكما أبو فلان، وسايرتهما حتى بلغنا الباب فأجلاني وقدماني، فدخلت ودخلا، فلما رآني صاحب المنزل معهما، لم يشك أني منهما، فرحب بي وأجلسني في أفضل المواضع، فجيء يا أمير المؤمنين بمائدة عليها خبز نظيف وأتينا بتلك الألوان، فكان طعمها أطيب من ريحها، فقلت في نفسي: هذه الألوان قد أكلتها، بقيت الكف، كيف إلى صاحبتها؟ ثم رفع الطعام، وجيء بالوضوء، ثم صرنا إلى مجلس المنادمة، فإذا أشكل منزل، وجعل صاحب المنزل يلطف بي، ويميل علي بالحديث، حتى إذا شربنا أقداحا، خرجت علينا جارية، كأنها بدر، تتثنى يا أمير المؤمنين كالخيزران، فأقبلت وسلمت غير خجلة وثنيت لها وسادة، فجلست عليها، وأتي بالعود فوضع في حجرها، فجسته فاستبينت حذقها في جسها، ثم اندفعت تغني:\rتوهمها طرفي فأصبح خدها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر\rتصافحها كفى فتؤلم كفها ... فمن مس كفى في أناملها عقر\rفهيجت يا أمير المؤمنين بلابلي، وطربت لحسن شعرها، ثم اندفعت تغني:\rأشرت إليها هل عرفت مودتي ... فردت بطرف العين إني على العهد\rفحدت عن الإظهار عمدا لسرها ... وحادت عن الإظهار أيضا على عمد\rفصحت يا أمير المؤمنين، وجاءني من الطرب ما لم أملك نفسي معه، ثم اندفعت فغنت الصوت الثالث:","part":1,"page":362},{"id":363,"text":"أليس عجيبا أن بيتا يضمني ... وإياك لا نخلو ولا نتكلم\rسوى أعين تشكو الهوى بجفونها ... وتقطيع أكباد على النار تضرم\rإشارة أفواهٍ وغمز حواجبٍ ... وتكسير أجفان وكف تسلم\rفحسدتها والله يا أمير المؤمنين على حدقها ومعرفتها بالغناء، وإصابتها لمعنى الشعر، فقلت: بقي عليك يا جارية، فضربت بالعود على الأرض، وقالت: متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء؟ فندمت على ما كان مني، ورأيت القوم قد تغيروا لي، فقلت: أما عندكم عود غير هذا؟ قالوا: بلى، فأتيت بعود، فأصلحت من شأنه ثم غنيت:\rما للمنازل لا يجبن حزينا ... أصممن أم قدم البلى فبلينا\rراحوا العشية روحةً مذكورةً ... إن متن متنا أو حيين حيينا\rفما استتممته يا أمير المؤمنين، حتى قامت الجارية، فأكبت على رجلي تقبلهما، وقالت: معذرة يا سيدي، فوالله ما سمعت أحدا يغني هذا الصوت غناءك، وقام مولاها وأهل المجلس، ففعلوا كفعلها، وطرب القوم واستحثوا الشرب فشربوا، ثم اندفعت أغني:\rأفي الحق أن تمشي ولا تذكرنني ... وقد همعت عيناي من ذكرها الدما\rإلى الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل مني وتبذل علقما\rفردي مصاب القلب أنت قتلته ... ولا تتركيه ذاهل العقل مغرما\rفطرب القوم حتى خرجوا من عقولهم، فأمسكت عنهم ساعة حتى تراجعوا، ثم غنيت الثالث:\rهذا محبك مطوياً على كمده ... عبري مدامعه تجري على جسده\rله يدٌ تسأل الرحمن راحته ... مما به ويدٌ أخرى على كبده\rفجعلت الجارية تصيح: هذا الغناء والله يا سيدي، لا ما كنا فيه منذ اليوم، وسكر القوم، وكان صاحب المنزل حسن الشرب، صحيح العقل، فأمر غلمانه أن يخرجوهم ويحفظوهم إلى منازلهم، وخلوت معه، فلما شربنا أقداحا، قال: يا سيدي، ذهب ما مضى من أيامي ضياعا، إذ كنت لا أعرفك، فمن أنت؟ ولم يزل يلح علي، حتى أخبرته الخبر، فقام وقبل رأسي، وقال: وأنا أعجب أن يكون هذا الأدب إلا لملك؟ وإني لجالس مع الخلافة ولا أشعر، ثم سألني عن قصتي، فأخبرته حتى بلغت إلى صاحبة الكف والمعصم، فقال للجارية: قومي فقولي لفلانة تنزل، فلم تزل تنزل جواريه واحدةً واحدةً، فأنظر إلى كفها ومعصمها، وأقول: ليس هي هذه! حتى قال: والله ما بقي غير أختي وأمي، والله لأنزلهما إليك، فعجبت من كرمه وسعة صدره، فقلت: جعلت فداك، ابدأ بالأخت قبل الأم فعسى أن تكون هي، فبرزت، فلما رأيت كفها ومعصمها، قلت: هي هذه فأمر! غلمانه، فساروا إلى عشرة مشايخ من جلة جيرانه، فأقبلوا بهم، وأمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم، ثم قال للمشايخ: هذه أختي فلانة، أشهدكم أني قد زوجتها من سيدي إبراهيم بن المهدي، وأمهرتها عنه عشرين ألف درهم، فرضيت وقبلت النكاح، فدفع إليها بدرة، وفرق الأخرى على المشايخ وصرفهم، ثم قال: يا سيدي، أمهد بعض البيوت فتنام فيه مع أهلك، فأحشمني ما رأيت من كرمه، فقلت: أحضر عماريةً وأحملها إلى منزلي، ففعل، فوالله يا أمير المؤمنين، لقد أتبعها من الجهاز ما ضاقت عنه بيوتنا، فأولدتها هذا القائم على رأس أمير المؤمنين، يشير إلى ولده، فعجب المأمون من كرم الرجل وألحقه في خاصة أهله، وأطلق الطفيلي وأجازه.\rومن إنشاء المولى الفاضل تاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني وهو الذي حاز قصبات السبق في فن الأدب على أترابه، وفاز من البلاغة بقدحها المعلى في عنفوان شبابه، رسالة وضعها في هذا الفن، وصار له بها على أهله غاية المن، مع نزاهة نفسه الأبية، وارتفاعه عن المطاعم الدنية، وإنما وضعها تجربة لخاطره، وضمها إلى فوائد دفاتره، وهي:","part":1,"page":363},{"id":364,"text":"هذا عهد عهده زارد بن لاقم، لبالع بن هاجم، استفتحه بأن قال: الحمد لله مسهل أوقات اللذات وميسرها، وناظم أسباب الخيرات ومكثرها، وجاعل أسواق الأفراح قائمة على ساق، جابرة لمن ورد إليها بأنواع الإرفاد وأجناس الإرفاق، أحمده على أن أحلنا في منازل السادات، أرفع الدرجات، وأحل لنا من الأطعمة الفائقة الطيبات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تهدينا إلى المقام الرفيع، وتخصنا بالمحل الجسيم المنيع، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رب المكارم الجسام، ومعدن الجسارة والإقدام، الجامع بين فضيلتي الطعان والطعام، صلى الله عليه وعلى آله أهل السماحة والكرم والإكرام، صلاة تحل قائلها في غرفات الجنان في دار السلام، وبعد، فإن صناعة التطفيل صناعةٌ مهوبة، وحرفة هي عند الظرفاء محبوبة، لا يلبس شعارها إلا كل مقدام، ولا يرفع خافق علمها إلا من عد في حرفته من الأعلام، ولا يتلو أساطير شهامتها إلا من ارتضع أفاويق الصفاقة، ولا يهتدي لمنار علائها إلا من نزع عن منكبيه رداء الرقاعة والحماقة، وكنت والفود غدافي الإهاب، والغصن ريان من ماء الشباب، والقد يميس في حلة النشاط، والقدم تذرع الأرض ذرع الاختباط، لا يقام سوق وليمة إلا وأنا الساعي إليها، ولا ترفع أعلام نار مأدبة إلا وكنت الواقف لديها، أتخذ الدروب شباكا للاصطياد، وحبائل أبلغ بها لذيد الازدراد، قد جعلت المعطس حليف الهواء، والقلب نزيل الأهواء، فحيث عبقت روائح الأبازير من أعالي تلك القصور، وتمندلت تلك الشوارع بزعفران البرم والقدور، ألقيت عصا المسير على الباب، وخلبت بحسن أدبي قلب البواب، وأوسعت في وصولي ألف حيله، وجعلتها على ما عندي من حسن فنونها مخيله، فلا دعوة، إلا وكنت عليهم دعوة، ولا وليمة ختان، إلا وقد طلعت على أرجائها مثل الجان، ولا سماط تأنيب، إلا وكنت إليه الساعي المنيب، ولا مجمع ضيافة، إلا وكنت عليه أشد آفة، ولا ملاك عرس مشهود، إلا وانتظمت في سلك الشهود، يحسن في قول القائل:\rلو طبخت قدر بمطمورة ... موقدها الشام وأعلى الثغور\rوأنت في الصين لوافيتها ... يا عالم الغيب بما في القدور","part":1,"page":364},{"id":365,"text":"واليوم قد مال القويم إلى الاعوجاج، وعز بازي الشيب غراب الشعر الداج، وقيد الزمن أقداما، ومنعت الشيخوخة إقداما، وصرت لحما على وضم، بعد أن كنت نارا على علم، وقد أفادتني التجربة من هذه الصناعة فنونا، وتلت علي من محاسنها متونا، وقد أبقيت لكل مجمع بابا، وفذلكت لكل مشهد حسابا، وقد اقتضى حسن الرأي أن أفوض إليك أمرها، وأودع تأمور قلبك وحسك سرها، علمي بأنك الكيس الفطن، بل الألمعي الذرب المرن، لو عقدت أكلة الولائم بغابٍ ولجه، وأحسن بتأنيه الجميل مدخلة ومخرجه، وقد شاهدت من أعمالك الصالحة، ما يقال عند ذهابي: ما أشبه الليلة بالبارحة، وقد عهدت إليك، واستخرت الله في التعويل عليك، فمثلك من يخطب للمناصب، ويتسنم ذروة المراتب، ودونك ما أنطق به من الوصايا، واحفظ ما يسرده لسان القلم من جميل المزايا، إياك وموائد اللئام، وانزل بساحات الكرام، واتخذ الشروع في الشوارع حرفة، وأظهر على مشيك صلافة وعفة، وميز بعينك حسن المساطب ونقش الستور، وجمال الخدم وقعود الصدور، واقصد الأبواب العالية، والأكلة المنقوشة الجالية، فإن دللت على مأدبة نصبها بعض الأعيان، وجمع إليها أصحابه الإخوان، فالبس من ثيابك الجميلة قشيبها، وضوع بالمندل الرطب طيبها، وأتقن خبر صاحب الدار وأخباره، وقف على صدر الشارع من الحاره، فإذا رأيت الجمع وقد تهادوا بالهوادي والأقدام، وتهادوا فيما بينهم لذيذ الكلام، تقدم إليهم بقلب قلب الأمور، وعلم بحسن تطلعه وتضلعه داء الجمهور، وقل لهم: رب الدار قد استبطالكم، فما الذي أبطأكم؟ حتى إذا قاربوا صعود العتبة، ولم تبق هنالك معتبة، تقدم رافعالهم الستور، ومعرفا بمقدار أولئك الصدور، فالأضياف، يعتقدون أنك غلام المضياف، ورب الحلة، يعتقد أنك رفيق السادة الجلة، وإن ولجت مجتمع ختان، وقد نصبت فيه موائد الألوان، وذرفنت الأبواب، واكفهرت وجوه الحجاب، فاجعل تحت ضبنك المجمع، واخدع قلوبهم فمثلك من يخدع، وقل: رفيق الأستاذ ومعينه، ورجله التي يسعى بها بل يمينه، فحينئذ ترفع الستور، وتقدم لك أطايب القدور، وإن رماك القدر على باب غفل عنه صاحبه، وسها في غلقة حاجبه، وقد مدوا في أوانيه سماطا، وجعلوا لأوائل من يقدمه فراطا، وقد تقاربت الزبادي، وامتدت الأيادي، ورأيت السماط روضةً تخالفت ألوانها، وامتدت أفنانها، والموائد فيما بينها أفلاكٌ تدور بصحونها، بل بروج ثابتة تشعر بسكونها، فلج على غفلة من الرقيب، وابسط بنان الأكل وكف لسان المجيب، فإن قيل لك: أما غلق دونك باب؟ فقل: ما على الكرماء من حجاب، وإياك والإطالة على الموائد، فإنها مصايد الشوارد، وإياك والقذارة عليها، فإنها إمارة الحرمان لديها، وإن وقعت على وليمة كثيرة الطعام، قليلة الازدحام، كبر اللقمة ولا تطل علكها، ومر الفك في سرعة أن يفكها، فإنك ما تدري ما تحدث الليالي والأيام، خيفة أن يعثر عليك بعض الأقوام، فتكتسي حلة الخجل، وتظهر على وجهك صفرة الوجل، واجعل من آدابك، تطلعك إلى أثوابها، ولا ترفع لمستجل وجها وجيها، وقل لمن يحادثك: إيه ولا تقل: إيها، وجاوب بنعم، فإنها معينة على اللقم، واجعل لكل مقام ما يناسبه من الحيلة، ومل على أهل الولائم والمآدب ميلةً وأي ميلة، واسأل عمن ورث من آبائه مالا، وقد جمعه بوعثاء السفر وعنائه حراما وحلالا، أهل يعقد مقاما؟ أم يبلغ من دنياه بالقصف مراما؟ فإن قيل: فلان الفلاني رب هذه المثابة، وصاحب الدعوة المجابة، فكن ثالثة الأثافي لبابه، وانتظم في سلك عشرائه وأترابه، وتفقد الأسواق خصوصا اللحامين، ومواطن الطبخ ومساطب المطر بين، ومجمع القراء ومعاهد محال الوعاظ، وكل بقعة هي مظنة فرح يعود عليك نفعه وكن أول داخل وآخر خارج، ومل إلى الزوايا، فهي أجمل ما لهذه الحرفة من المزايا، ونقل ركابك في كل يوم، فتارة في سوق اللحم وتارة في سوق الثوم، وغير الحلية، وقصر اللحية، وابرز كل يوم في لباس، فهو أكثر للالتباس، وجدد البهت حتى تتخذه عصاك، وتجعله ذريعةً لمن عصاك، وأتقن الفنون المحتاج إليها من غنى ونجامة، وطب وشهامة، وتاريخ وأدب وكرم أصل وحسب، وحالتي التوقيت والتنزيل، فاجعلهما دأبك، فإذا عرفوك، وحضر الجمع وكشفوك، فطرز كل محفل بمحاسن أقوالك، وكلل جيد كل مأدبة بجواهر أفعالك، واعلم أنها صنعة دثرت معالمها، وقل عالمها، ولو لم أر على وجهك مخائل","part":1,"page":365},{"id":366,"text":"بشرها، وعلى أعطاف أردافك روائح نشرها، لما ألقيت إليك كتاب عهدها، ولا حملت لبابك راية مجدها، فتلق راية هذا العهد بساعدٍ مساعد، وعضد في الولوج على الأسمطة معاضد، فوضت إليك أمر من تحلى بجواهرها المنظومة، ولبس حللها القشيبة المرقومة، وبسطت لسان قلمك في رقم عهودها، وأذنت لك أن تجريهم على سنن معهودها، وإياك أن تعهد إلا لمن ملك خصالها، وجاس خلالها، واستجلى هلالها، وأتقن أحوالها، ولايةً عامة، وكلمةً مبرهةً تامة، حرس الله بك معقل الأدب واللطافة، ومحا بك معالم الثقالة والكثافة.ها، وعلى أعطاف أردافك روائح نشرها، لما ألقيت إليك كتاب عهدها، ولا حملت لبابك راية مجدها، فتلق راية هذا العهد بساعدٍ مساعد، وعضد في الولوج على الأسمطة معاضد، فوضت إليك أمر من تحلى بجواهرها المنظومة، ولبس حللها القشيبة المرقومة، وبسطت لسان قلمك في رقم عهودها، وأذنت لك أن تجريهم على سنن معهودها، وإياك أن تعهد إلا لمن ملك خصالها، وجاس خلالها، واستجلى هلالها، وأتقن أحوالها، ولايةً عامة، وكلمةً مبرهةً تامة، حرس الله بك معقل الأدب واللطافة، ومحا بك معالم الثقالة والكثافة.\rآداب الأكل والمؤاكلة قال الله تعالى: \" يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون \" . وروي أن داود عليه السلام أمر مناديه فنادى: أيها الناس، اجتمعوا لأعلمكم التقوى، فاجتمعوا فقام في محرابه، فبكى ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يأيها الناس، لا تدخلوا ها هنا إلا طيبا، ولا تخرجوا منه إلا طيبا، وأشار إلى فيه. قيل: أول آداب الأكل، معرفة الحلال من الحرام، والخبيث من الطيب.\rوأما الآداب في هيئة المؤاكلة وأفعالها، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عاب طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" لا تشموا الطعام كما تشمه البهائم، من اشتهى شيئا فليأكل، ومن كره فليدع \" . وقال أنس: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وأنا ابن عشر، ودخل دارنا، فحلبنا له شاةً، فشرب، وأبو بكر عن يساره، وأعرابي عن يمينه، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أعط أبا بكر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" الأيمن فالأيمن \" . وفي هذا المعنى يقول الشاعر:\rصددت الكأس عنا أم عمروٍ ... وكان الكأس مجراها اليمينا\rوروي عن أنس: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم شرب جرعة، ثم قطع، ثم سمى، ثم شرب جرعة، ثم قطع، ثم سمى، ثم قطع الثالثة، ثم جرع مصا، حتى فرغ ثم حمد الله، وقد ندب إلى غسل اليد قبل الأكل فإنه ينفي الفقر، وينقي اللمم، ومن السنة: البداءة باسم الله، وحمده عند الانتهاء.\rروي عن عمر بن أبي سلمة أنه قال: مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل، فقال: \" اجلس يا بني وسم الله، وكل بيمينك مما يليك \" .\rوقال بعض السلف: إذا جمع الطعام أربعا، فقد كمل كل شيء، إذا كان حلالا، وذكر اسم الله عليه، وكثرت عليه الأيدي، وحمد الله حين يفرغ منه.\rوروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من قال عند مطعمه ومشربه بسم الله خير الأسماء رب الأرض والسماء لم يضره ما أكل وما شرب \" . وفي حديث عائشة رضي الله عنها، عنه صلى الله عليه وسلم قال: \" إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله فإن نسي في أوله، فليقل بسم الله في أوله وآخره \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله \" .\rوروي: أن المسيح عليه السلام كان إذا دعا أصحابه قام عليهم، ثم قال: هكذا فاصنعوا بالفقراء.\rووصف شاعر قوما فقال:\rجلوسٌ في مجالسهم رزانٌ ... وإن ضيفٌ ألم بهم وقوف\rقال سهل بن حصين: شهدت الحسن في وليمة، فطعم ثم قال، فقال: مد الله لكم في العافية، وأوسع عليكم في الرزق، واستعملكم بالشكر.\rوروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" تخللوا فإنه نظافة والنظافة من الإيمان، والإيمان مع صاحبه في الجنة \" .\rوفي حديث عمر رضي الله عنه: عليكم بالخشبتين: يعني السواك والحلال.\rوكان بعضهم يقول لولده إذا رأى حرصه في الطعام: يا بني، عود نفسك الأثرة، ومجاهدة الشهوة، ولا تنهس نهس السباع، ولا تخضم خضم البراذين، فإن الله جعلك إنسانا، فلا تجعل نفسك بهيمةً.","part":1,"page":366},{"id":367,"text":"وحكي عن بعض الكتاب قال: تغديت مع المأمون فالتفت إلي وقال: خلال قبيحة عند الجلوس على الطعام: كثرة مسح اليد، والانكباب على الطعام، وكثرة أكل البقل، ومعنى ذمة هذه الخلال الثلاث: أنه إذا أكثر مسح اليد فإنما ذلك من غمسها في الطعام، والانكباب يدل على شدة الحرص وزيادة الشره والنهم. قال الشاعر:\rلقد سترت منك الخوان عمامةٌ ... دجوجية ظلماؤها ليس تقلع\rوأما البقل، فإن الحاجة إلى البلغة منه، وفي الإكثار منه تشبهٌ بالبهائم، لأنه مرعاها.\rوقيل: الأكل ثلاثة: مع الفقراء بالإيثار، ومع الإخوان بالانبساط، ومع أبناء الدنيا بالأدب.\rوقيل لبعض الحكماء: أي الأوقات أحمد للأكل؟ فقال: أما من قدر فإذا اشتهى، وأما من لم يقدر فإذا وجد.\rالاقتصاد في المطاعم والعفة عنها\rقال الله عز وجل: \" يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجدٍ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين \" . وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" من زاره أخوه المسلم فقرب إليه ما تيسر غفر له وجعل في طعامه البركة، ومن قرب إليه ما تيسر فاستحقر ذلك كان في مقت من الله حتى يخرج \" . وقالت عائشة رضي الله عنها: أولم النبي صلى الله عليه وسلم على بعض نسائه مدين من شعير.\rوقيل: كان عيسى بن مريم صلوات الله عليه يقول: اعملوا ولا تعملوا لبطونكم، وإياكم وفضول الدنيا، فإن فضولها رجزٌ، هذه طير السماء تغدو وتروح، ليس معها من أرزاقها شيء، لا تحرث ولا تحصد، والله يرزقها، فإن قلتم: بطوننا أعظم من بطونها، فهذه الوحش تغدو وتروح، وليس معها من أرزاقها شيء والله يرزقها.\rوروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما دخل شهر رمضان كان يفطر ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، وليلة عند عبد الله بن جعفر، لا يزيد على لقمتين أو ثلاث، فقيل له، فقال: إنما هي أيام قلائل يأتي أمر الله وأنا خميص، فقتل من ليلته.\rوفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من قل طعمه صح بدنه وصفا قلبه، ومن كثر طعمه سقم جسمه وقسا قلبه \" . وعنه صلى الله عليه وسلم قال: \" ما زين الله رجلا بزينة أفضل من عفاف بطنه \" . قال حاتم:\rأبيت خميص البطن مضطمرا الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا\rفإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا\rوقال بعضهم: رأيت مجنونا ببغداد، وهو على باب دار فيها صنيع والناس يدخلون، وكنت ممن دعي، فقلت: ألا تدخل فتأكل؟ فإن الطعام كثير، قال: وإن كثر فإني ممنوع منه، فقلت: كيف والباب مفتوح، ولا مانع من الدخول؟ فقال: أآكل طعاما لم أدع إليه؟ لقد اضطرني إلى ذلك غير الجوع، فقلت: ما هو؟ قال: دناءة النفس وسوء الغريزة، قال شاعر:\rوإني لعف عن مطاعم جمةٍ ... إذا زين الفحشاء للنفس جوعها\rوقال آخر:\rوأعرض عن مطاعم قد أراها ... فأتركها وفي البطن انطواء\rفلا وأبيك ما في العيش خيرٌ ... وفي الدنيا إذا ذهب الحياء\rقال الجنيد: مر بي الحارث بن أسد المحاسبي، فرأيت فيه أثر الجوع، فقلت: يا عم، تدخل الدار وتتناول شيئا؟ قال: نعم، فدخل، وقدمت إليه طعاما حمل إلي من عرس، فأخذ لقمة فلاكها ونهض فألقاها في الدهليز ومضى، فالتقيت به بعد أيام، فقلت له في ذلك: فقال: كنت جائعا، وأردت أن أسرك بأكلي، ولكن بيني وبين الله تعالى علامة، أن لا يسوغني طعاما فيه شبهة، فمن أين كان ذلك الطعام؟ فأخبرته، ثم قلت له: تدخل اليوم؟ قال: نعم، فقدمت إليه كسراً كانت لنا فأكل وقال: إذا قدمت لفقير شيئا، فقدم مثل هذا.\rروي أن عمرو بن العاص قال لأصحابه يوم الحكمين: أكثروا لهم الطعام، فوالله ما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطينا، فلما وجد معاوية ما قال صحيحا، قال: البطنة تذهب الفطنة.\rوروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإن القلوب تموت كالزرع إذا كثر عليه الماء \" .\rودخل عمر رضي الله عنه على ابنه عاصم وهو يأكل لحما فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا إليه، قال: ويحك! قرمت إلى شيء فأكلنه، كفى بالمرء شرهاً أن يأكل كل ما يشتهي.\rقال ابن دريد: العرب تعير بكثرة الأكل، وأنشد:","part":1,"page":367},{"id":368,"text":"لست بأكال كأكل العبد ... ولا بنوام كنوم الفهد\rوقال عمر رضي الله عنه: ما اجتمع عند النبي صلى الله عليه وسلم إدامان إلا أكل أحدهما وتصدق بالآخر.\rوقال أبو سليمان الداراني: خير ما أكون إذا لصق بطني بظهري، أجوع الجوعة فأخرج تزحمني المرأة فما ألتفت إليها، وأشبع الشبعة فأخرج فأرى عيني تطمحان.\rأخبار الأكلة\rقد نسب ذلك إلى جماعة من الأكابر وذوي الهمم، فمن ذلك ما حكاه الحمدوني في تذكرته: أن معاوية بن أبي سفيان أتى بعجل مشوي، فأكل معه دستا من الخبز السميد، وأربع فراني، وجدياً حاراً، وجدياً باردا، سوى الألوان، ووضع بين يديه مائة رطل من الباقلاء الرطب، فأتى عليه، وقيل: إنه كان يأكل كل يوم أربع أكلات آخرهن أشدهن، ثم يقول: يا غلام، ارفع، فوالله ما شبعت، ولكني مللت.\rومنهم عبيد الله بن زياد، كان يأكل في اليوم خمس أكلات آخرها جنبة بغل، ويوضع بين يديه بعد ما يفرغ من الطعام عناق أو جدي فيأتي عليه وحده.\rومنهم الحجاج بن يوسف، قال سالم بن قتيبة: كنت في دار الحجاج مع ولده، وأنا غلام، فقالوا جاء الأمير، فدخل الحجاج وأمر بتنور، فنصب، وأمر رجلا يخبز خبز الماء ودعا بسمك، فأكل حتى أتى على ثمانين جاما من السمك بثمانين رغيفا من خبز الماء.\rومنهم سليمان بن عبد الملك، روي أنه شوى له أربعة وثمانون خروفا، فمد يده إلى كل واحد منها فأكل شحم أليته ونصف بطنه، مع أربعة وثمانين رغيفا، ثم أذن للناس، وقدم الطعام، فأكل معهم أكل من لم يذق شيئا.\rوقال الشمردل وكيل عمرو بن العاص: قدم سليمان بن عبد الملك الطائف، فدخل هو وعمر بن عبد العزيز، فجاء حتى ألقى صدره إلى غصن، ثم قال: يا شمردل، ما عندك شيء تطعمني؟ قلت عندي جذعٌ تغدو عليه حافل وتروح أخرى، قال: عجل به، فأتيته به كأنه عكة سمن، فجعل يأكل وهو لا يدعو عمر، حتى بقي منه فخذ، قال: يا أبا حفص، هلم، قال: إني صائم، فأتى عليه، ثم قال: يا شمردل ويلك! ما عندك شيء؟ قلت: دجاجات ست، كأنهن رئلان النعام، فأتيته بهن فأتى عليهن، ثم قال: ويلك يا شمردل! ما عندك؟ قلت: سويق كأنه قراضة الذهب، فأتيته بعس يغيب فيه الرأس، فشربه، فلما فرغ تجشأ كأنه صارخ في جب، ثم قال: يا غلام! أفرغت من غدائنا؟ قال: نعم، قال: ما هو؟ قال: نيف وثمانون قدرا، قال: فأت بقدر قدر، وبقناع عليه رقاق، فأكل من كل قدر ثلاث لقم، ثم مسح يده واستلقى على فراشه، فوضع الخوان، وقعد يأكل مع الناس.\rومن المشهورين بالأكل، هلال بن الأسعر المازني، قال المعتمر بن سليمان: سألته عن أكله فقال: جعت مرة ومعي بعيرٌ لي فنحرته وأكلته إلا ما حملت منه على ظهري، فلما كان الليل راودت امة لي فلم أصل إليها، فقالت كيف تصل إلي وبيني وبينك جمل؟ فقلت له: كم بلغتك هذه الأكلة؟ فقال: أربع أيام. وحكي أبو سعيد منصور بن الحسن الأبي في كتابه المترجم بنثر الدر: أن هلالا هذا أكل بعيرا، وأكلت امرأته فصيلا وجامعها، فلم يتمكن منها، فقالت له: كيف تصل إلي وبيني وبينك بعيران؟ وله حكايات ذكرها الحمدوني في التذكرة، والأبي في نثر الدر تركناها اختصارا.\rومنهم محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ذكر الجاحظ: أنه أكل يوما جنبي بكر شواء بعد طعام كثير.","part":1,"page":368},{"id":369,"text":"ومن المشهورين بالنهم، أحمد بن أبي خالد الأحول وزير المأمون، وكان المأمون إذا وجهه في حاجة، أمره أن يتغدى ويمضي فرفع إلى المأمون في المظالم: إن رأى أمير المؤمنين أن يجري على ابن أبي خالد نزلا، فإن فيه كلبية، إلا أن الكلب يحرس المنزل بكسرة، وابن أبي خالد يقتل المظلوم، ويعين الظالم بأكلة، فأجرى عليه المأمون في كل يوم ألف درهم لمائدته، وكان مع ذلك يشره إلى طعام الناس. ولما انصرف دينار بن عبد الله من الجبل، قال المأمون لأحمد بن أبي خالد: امض إلى هذا الرجل وحاسبه وتقدم إليه يحمل ما يحصل لنا عليه وأنفذ معه خادما ينهي إليه ما يكون منه، وقال: إن أكل أحمد عند دينار عاد إلينا بما نكره، ولما اتصل خبر أحمد بدينار، قال للطباخ: إن أحمد أشره من نفخ فيه الروح، فإذا رأيته فقل له: ما الذي تأمر أن يتخذ لك؟ ففعل الطباخ، فقال أحمد: فراريج كسكرية بماء الرمان تقدم مع خبز الماء بالسميد، ثم هات بعدها ما شئت، فابتدأ الطباخ بما أمر، وأخذ أحمد يكلم دينارا، فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: إن لنا قبلك مالا قد حبسته علينا، فقال: الذي لكم ثمانية آلاف ألف، قال فاحملها، قال: نعم، وجاء الطباخ فاستأذن في نصب المائدة، فقال أحمد: عجل بها فإني أجوع من كلب، فقدمت وعليها ما اقترح، وقدم الدجاج وعشرين فروجا كسكرية فأكل أكل جائع نهم، ما ترك شيئا مما قدم، فلما فرغ وقدر الطباخ أنه قد شبع، لوح بطيفورية فيها خمس سمكات شبابيط كأنها سبائك الفضة، فأنكر أحمد عليه إلا قدمها؟ وقال: هاتها، وأعاد أحمد الخطاب، فقال دينار: أليس قد عرفتك إن الباقي لكم عندي سبعة آلاف ألف؟ قال أحسبك اعترفت بأكثر منها، فقال: ما اعترفت إلا بها، فقال: هات خطك بما اعترفت به، فكتب بستة آلاف ألف فقال أحمد: سبحان الله! أليس قد اعترفت بأكثر من هذا؟ قال: ما لكم قبلي إلا هذا المقدار، فأخذ خطه بها وتقدم الخادم، فأخبر المأمون بما جرى، فلما ورد أحمد ناوله الخط، فقال: قد عرفنا ما كان من الألف ألف بتناول الغداء، فما بال الألف ألف الأخرى، فكان المأمون بعد ذلك يقول: ما أعلم غداء قام على أحد بألفي ألف إلا غداء دينار، واقتصر على الخط ولم يتعقبه كرما ونبلا.\rومنهم أبو العالية، حكي أن امرأة حملت فحلفت إن ولدت غلاما لأشبعن أبا العالية خبيصا، فولدت غلاما، فأطعمته، فأكل سبع جفان، فقيل له: إنها حلفت أن تشبعك خبيصا، فقال: والله لو علمت لما شبعت إلى الليل.\rومنهم أبو الحسن بن أبي بكر العلاف الشاعر دخل يوما على الوزير المهلبي ببغداد، فأنفذ الوزير من أخذ حماره الذي كان يركبه من غلامه، وأدخل المطبخ وذبح وطبخ لحمه بماء وملح، وقدم بين يديه، فأكله كله وهو يظن أنه لحم بقر، فلما خرج طلب الحمار، قيل له: قد أكلته، وعوضه الوزير عنه ووصله، فهذا كافٍ في أخبار الأكلة.\rالجبن والفرار ومن أقبح ما هجى به الرجل أن يكون جبانا فرارا، وقد نهانا الله عز وجل عن الفرار، فقال: \" يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يؤمئذٍ دبره إلا متحرفا لقتالٍ أو متحيزاً إلى فئةٍ فقد باء بغضبٍ من الله ومأواه جهنم وبئس المصير \" . وقال تعالى: \" إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استنزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفورٌ حليم \" .\rوقالت عائشة رضي الله عنها: إن لله خلقا، قلوبهم كقلوب الطير، كلما خفقت الريح خفقت معها، فأفٍّ للجبناء، أفٍّ للجبناء.\rوقال خالد بن الوليد عند موته: لقيت كذا وكذا زحفا، وما في جسدي موضع إلا فيه طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم، وهأنذا أموت على فراشي حتف أنفي، كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء.\rوقيل كتب زياد إلى ابن عباس: أن صف لي الشجاعة والجبن والجود والبخل فكتب إليه: كتبت تسألني عن طبائع ركبت في الإنسان تركيب الجوارح، اعلم أن الشجاع يقاتل عمن لا يعرفه، والجبان يفر عن عرسه، وأن الجواد يعطي من لا يلزمه، وأن البخيل يمسك عن نفسه، وقال شاعر:\rيفر جبان القوم عن عرس نفسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه\rوقالوا: الجبن غريزة كالشجاعة يضعها الله فيمن شاء من خلقه.\rقال المتنبي:\rيرى الجبناء أن الجبن حزمٌ ... وتلك خديعة الطبع اللئيم","part":1,"page":369},{"id":370,"text":"وقالوا: حد الجبن الضن بالحياة، والحرص على النجاة.\rوقالت الحكماء في الفراسة: من كانت فزعته في رأسه، فذاك الذي يفر من أمه وأبيه، وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه.\rويقال: أسرع الناس إلى الفتنة أقلهم حياء من الفرار. وقال هانيء الشيباني لقومه يوم ذي قار يحرضهم على القتال: يا بني بكر! هالك معذور، خيرٌ من ناجٍ فرور، المنية، ولا الدنية، استقبال الموت خير منه استدباره، الثغر في ثغور النحور، خير من في الأعجاز والظهور، يا بني بكر! قاتلوا، فما من المنايا بدٌ، الجبان مبغض حتى لأمه، والشجاع محببٌ حتى لعدوه.\rويقال: الجبن خير أخلاق النساء، وشر أخلاق الرجال.\rوقال يعلى بن منبه لقومه حين فروا من علي يوم صفين: إلى أين؟ قالوا: ذهب الناس، قال: أفٍّ لكم! فرارا واعتذارا! قال: ولما قوتل أبو الطيب المتنبي ورأى الغلبة عليه فر، فقال له غلامه: أترضى أن يحدث بهذا الفرار عنك؟ وأنت القائل:\rالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والطعن والضرب والقرطاس والقلم\rفكر راجعا، وقاتل حتى قتل، واستقبح أن يعير بالفرار.\rوقال المنصور لبعض الخوارج عليه وقد ظفر به: أخبرني عن أصحابي، أيهم كان أشد إقداما في المبارزة، قال: لا أعرف وجوههم مقبلين وإنما أعرف أقفيتهم مدبرين، فقل لهم: يدبروا لأعرفك أيهم كان أشد فرارا.\rوقال ابن الرومي في سليمان بن عبد الله بن طاهر:\rقرن سليمان قد أضربه ... شوقٌ إلى وجهه سيدنفه\rلا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخٍ فيعرفه\rوقال حسان بن ثابت يعير الحارث ابن هشام بفراره يوم بدر:\rإن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام\rلأحبة لم يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرةٍ ولجام\rملأت به الفرجين فارمدت به ... وثوى أحبته بشر مقام\rوقال أبو الفرج الأصفهاني: وكان أبو حية النميري وهو الهيثم بن الربيع ابن زرارة جبانا بخيلا كذابا، قال ابن قتيبة: وكان له سيف يسميه، لعاب المنية، ليس بينه وبين الخشبة فرق، قال: وكان أجبن الناس، قال: فحدثني جار له، قال: دخل ليلة إلى بيته كلب فظنه لصا، فأشرفت عليه، وقد انتضى سيفه وهو واقف في وسط الدار يقول: أيها المغتر بنا، المجتريء علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك، خيرٌ قليل، وسيفٌ صقيل، لعاب المنية الذي سمعت به، مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته، اخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك، إني والله إن أدع قيسا إليك لا تقم لها، وما قيس؟ تملأ والله الفضاء خيلا ورجلا، سبحان الله! ما أكثرها وأطيبها! فبينا هو كذلك، إذا الكلب قد خرج، فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا، وكفانا حربا.\rومن أبلغ ما قيل في الجبن من الشعر القديم، قول الشاعر:\rولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومةً تدعو عبيدا وأرنما\rومثله قول عروة بن الورد:\rوأشجع قد أدركتهم فوجدتهم ... يخافون خطف الطير من كل جانب\rوقال آخر:\rما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا\rوقول أبي تمام:\rموكلٌ بيفاع الأرض يشرفه ... من خفة الخوف لا من خفة الطرب\rوقال ابن الرومي:\rوفارسٍ أجبن من صفردٍ ... يحول أو يغور من صفره\rلو صاح في الليل به صائحٌ ... لكانت الأرض له طفره\rيرحمه الرحمن من جبنه ... فيرزق الجند به النصره\rالفرارين الذين حسنوا الفرار على قبحه\rقال صاحب كليلة ودمنة: إن الحازم يكره القتال ما وجد بداً منه، لأن النفقة فيه من النفس، والنفقة في غيره من المال.\rوقالوا: من توقى سلم، ومن تهور ندم.\rوقال عبد الله بن المقفع: الشجاعة متلفة، وذلك أن المقتول مقبلا أكثر من المقتول مدبرا، فمن أراد السلامة فليؤثر الجبن على الشجاعة.\rوليم بعض الجبناء على جبنه، فقال: أول الحرب شكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى.\rوقال آخر: الحرب مقتلة للعباد، مذهبة للطارف والتلاد.\rوقيل لجبان: لم لا تقاتل؟ فقال: عند النطاح يغلب الكبش الأجم.\rوقالوا: الحياة أفضل من الموت، والفرار في وقته ظفر.\rوقالوا: الشجاع ملقى، والجبان موقى. قال البديع الهمداني:","part":1,"page":370},{"id":371,"text":"ما ذاق هماً كالشجاع ولا خلا ... بمسرةٍ كالعاجز المتواني\rوقالوا: الفرار في وقته، خير من الثبات في غير وقته.\rوقالوا: السلم أزكى للمال، وأبقى لأنفس الرجال.\rوقالوا: الحمام في الإقدام، والسلامة في الإحجام.\rوقال المتوكل لأبي العيناء: إني لأفرق من لسانك، فقال: يا أمير المؤمنين، الكريم ذو فرق وإحجام، واللئيم ذو وقاحة وإقدام.\rوقيل لأعرابي: ألا تعرف القتال؟ فإن الله قد أمرك به، فقال: والله إني لأبغض الموت على فراشي في عافية، فكيف أمضي إليه ركضا، قال شاعر:\rتمشي المنايا إلى قومٍ فأبغضها ... فكيف أعدو إليها عاري الكفن\rوقيل ليزيد: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" إذا رأيت شخصا بالليل، فكن للإقدام عليه أولى منه عليك \" . فقال: أخاف أن يكون قد سمع الحديث قبلي، فأقع معه فيما أكره، وإنما الهرب خير.\rوسمع سليمان بن عبد الملك قارئا يقرأ: \" قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً \" . فقال: ذلك القليل نريد.\rولما فر أمية بن عبد الله بن خالد بن أسد يوم مرداء هجر بالبحرين من أبي فديك الخارجي إلى البصرة، ودخل عليه أهلها، فلم يدروا كيف يكلمونه ولا ما يلقونه به من القول، أيهنئونه بالسلامة أم يعزونه بالفرار، حتى دخل عبد الله ابن الأهتم، فاستشرف الناس له، ثم قالوا: ما عسى أن يقول لمنهزم؟ فسلم ثم قال: مرحبا بالصابر المخذول، الحمد لله الذي نظر لنا عليك، ولم ينظر لك علينا، فقد تعرضت للشهادة جهدك، ولكن الله علم حاجة أهل الإسلام إليك فأبقاك لهم بخذلان من معك لك، فقال أمية: ما وجدت أحدا أخبرني عن نفسي غيرك. وقال الحارث بن هشام وأحسن في اعتذاره عن الفرار:\rالله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا مهري بأشقر مزبد\rوعلمت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي\rفصدفت عنهم والأحبة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم سرمد\rوقال زفر بن الحارث وقد فر يوم مرج راهطٍ عن رفيقيه:\rأيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامي وحسن بلائيا\rفلم تر مني زلةٌ قبل هذه ... فراري وتركي صاحبي ورائيا\rوهي أبيات نذكرها إن شاء الله في التاريخ، ونظير ذلك قول عمرو بن معد يكرب من أبيات يخاطب بها أخته ريحانه، وقد فر من بني عبس:\rأجاعلةٌ أم النوير خزايةً ... علي فراري إذ لقيت بني عبس\rوليس يعاب المرء من جبن يومه ... إذا عرفت منه الحماية بالأمس\rوعكس هذا البيت عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي، وكان قد فر يوم الحرة من جيش مسلم بن عقبة، فلما حاصر الحجاج عبد الله بن الزبير بمكة جعل يقاتل أهل الشام ويرتجز:\rأنا الذي فررت يوم الحره ... والشيخ لا يفر إلا مرة\rفاليوم أجزى كرةً بفره ... لا بأس بالكرة بعد الفره\rولم يزل يقاتل حتى قتل، قال الفرار السلمي:\rوفوارسٍ لبستها بفوارس ... حتى إذا التبست أملت بهايدي\rوتركتهم نقض الرماح ظهورهم ... من بين مقتولٍ وآخر مسند\rهل ينفعني أن تقول نساؤهم ... وقتلت دون رجالهم لا تبعد\rوقال آخر:\rقامت تشجعني هندٌ فقلت لها ... إن الشجاعة مقرون بها العطب\rلا والذي منع الأبصار رؤيته ... ما يشتهي الموت عندي من له أرب\rللحرب قوم أضل الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى نيرانها وثبوا\rوقيل لجبان في بعض الوقائع: تقدم، فقال:\rوقالوا: تقدم قلت لست بفاعل ... أخاف على فخارتي أن تحطما\rفلو كان لي رأسان أتلفت واحدا ... ولكنه رأس إذا زال أعقما\rوأوتم أولادا وأرمل نسوة ... فكيف على هذا ترون التقدما\rالحمق والجهل قالوا: الحمق قلة الإصابة، ووضع الكلام في غير موضعه، وقيل: هو فقدان ما يحمد من العاقل، وقيل لعمر بن هبيرة: ما حد الحمق؟ قال: لا حد له كالعقل.\rوروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" الأحمق أبغض الخلق إلى الله، لأنه حرمه أعز الأشياء عليه وهو العقل \" .","part":1,"page":371},{"id":372,"text":"وقيل: أوحى الله تعالى إلى موسى، أتدري لم رزقت الأحمق؟ قال: لا يا رب، قال: ليعلم العاقل أن طلب الرزق ليس بالاجتهاد.\rوقال الشعبي: إذا أراد الله أن يزيل عن عبد نعمةً، كان أول ما يعدمه عقله.\rوقالوا: الحمق داءٌ دواؤه الموت. وقد بين الله تعالى لحبيبه من لم يعقل بقوله: \" لينذر من كان حياً \" قيل: عاقلا، وبقوله: \" لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير \" .\rوعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: أثنى قومٌ على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى بالغوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كيف عقل الرجل؟ \" فقالوا: نخبرك عن اجتهاده في العبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وترتفع العباد غدا في الدرجات على قدر عقولهم \" .\rومن كلام لقمان لابنه: أن تكون أخرس عاقلا خيرٌ من أن تكون نطوقا جاهلا، ولكل شيء دليل، ودليل العقل النقل، ودليل النقل الصمت، وكفى بك جهلا أن تنهي الناس عن شيء وتركبه.\rوقال عيسى عليه السلام: عالجت الأكمة والأبرص فأبرأتهما، وعالجت الأحمق فأعياني، قال شاعر:\rلكل داءٍ دواءٌ يستطب به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها\rوقال آخر:\rوعلاج الأبدان أيسر خطبٍ ... حين تعتل من علاج العقول\rوقال آخر:\rالحمق داءٌ ما له حيلةٌ ... ترجى كبعد النجم من مسه\rوقيل: إذا قيل لك إن فقيرا استغنى، وغنياً افتقر، وحيا مات، أو ميتا عاش، فصدق، وإذا بلغك أن أحمق استفاد عقلا فلا تصدق.\rوقالوا: الأحمق لتمنى أمة أنها به مثكلة، وتتمنى زوجه أنها منه أرملة، ويتمنى جاره منه العزلة، ورفيقه منه الوحشة، وأخوه منه الفرقة.\rوقال سهل بن هارون: وجدت مودة الجاهل، وعداوة العاقل، أسوةً في الخطر، ووجدت الأنس بالجاهل، والوحشة من العاقل، سيين في العيب، ووجدت غش العاقل أقل ضرراً من نصيحة الجاهل، ووجدت ظن العاقل أوقع بالصواب من يقين الجاهل، ووجدت العاقل أحفظ لما لم يستكتم من الجاهل لما استكتم.\rوقال لقمان لابنه: لا تعاشر الأحمق وإن كان ذا جمال، وانظر إلى السيف ما أحسن منظره وأقبح أثره!.\rوقال علي رضي الله عنه: قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل، وقال: صديق الجاهل في تعب.\rوقال آخر: لأنا للعاقل المدبر، أرجى شيء من الأحمق المقبل، وقال شاعر:\rعدوك ذو العقل خيرٌ من ال ... صديق لك الوامق الأحمق\rوالبيت المشهور السائر:\rولأن يعادي عاقلا خيرٌ له ... من أن يكون له صديقٌ أحمق\rوقيل: الحمق يسلب السلامة، ويورث الندامة، وقد ذموا من له أدب بلا عقل.\rووصف أعرابي رجلا فقال: هو ذو أدبٍ وافر، وعقل نافر، قال شاعر:\rفهبك أخا الآداب أي فضيلةٍ ... تكون لذي علمٍ وليس له عقل\rومن صفات الأحمق وعلاماته قيل: ما أعدمك من الأحمق فلا يعدمك منه كثرة الالتفات وسرعة الجواب، ومن علاماته الثقة بكل أحد.\rويقال: إن الجاهل مولعٌ بحلاوة العاجل، غير مبالٍ بالعواقب، ولا معتبر بالمواعظ، ليس يعجبه إلا ما ضره، إن أصاب فعلى غير قصدٍ، وإن أخطأ فهو الذي لا يحسن به غيره، لا يستوحش من الإساءة، ولا يفرح بالإحسان.\rوقالوا: ست خصال تعرف في الجاهل، الغضب من غير شيء، والكلام في غير نفع، والفطنة في غير موضع، ولا يعرف صديقه من عدوه، وإفشاء السر، والثقة بكل أحد.\rوقالوا: غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله، والعاقل إذا تكلم بكلمةٍ أتبعها مثلا، والأحمق إذا تكلم بكلمة أتبعها خلفا، الأحمق إذا حدث ذهل، وإذا تكلم عجل، وإذا حمل على القبيح فعل.\rوقال أبو يوسف: إثبات الحجة على الجاهل سهلٌ، ولكن إقراره بها صعب.\rوقال وهب بن منبه: كان يقال للأحمق إذا تكلم: فضحه حمقه، وإذا سكت فضحه عيه، وإذا عمل أفسد، وإذا ترك أضاع، لا علمه يعينه، ولا علم غيره ينفعه، تود أمه أنها ثكلته، وتتمنى امرأته أنها عدمته، ويتمنى جاره منه الوحدة، وتأخذ جليسه منه الوحشة.\rويستدل على الأحمق بأشياء، قالوا: من طالت قامته، وصغرت هامته، وانسدلت لحيته، كان حقيقا على من يراه أن يقرئه عن عقله السلام.","part":1,"page":372},{"id":373,"text":"ويقال في التوراة: اللحية مخرجها من الدماغ، فمن أفرط عليه طولها قل دماغه، ومن قل دماغه قل عقله، ومن قل عقله فهو أحمق.\rوقالت أعرابية لقاض قضى عليها: صغر رأسك، فبعد فهمك، وانسدلت لحيتك، فتكوسج عقلك، وما رأيت ميتا يقضي بين حيين غيرك.\rوقال مسلمة بن عبد الملك لجلسائه: يعرف حمق الرجل في أربع، طول لحيته، وبشاعة كنيته، وإفراط شهوته، ونقش خاتمه، فدخل عليه رجلٌ طويل اللحية، فقال: أما هذا فقد أتاكم بواحدةٍ، فانظروا أين هو من الثلاث؟ فقيل له: ما كنيتك؟ فقال: أبو الياقوت، فقيل له: ما نقش خاتمك؟ فقال: \" وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد \" قيل: فأي الطعام أحب إليك؟ قال: الجلنجبين، فقال مسلمة: فيه ما بعد كنيته، مع طول لحيته، مع نقش خاتمه، شكٌ لمعتبر.\rقال الشعبي: خطب الحجاج يوم جمعةٍ فأطال، فقام إليه أعرابيٌ، فقال له: إن الوقت لا ينتظرك وإن الرب لا يعذرك، فأمر به فحبس، فأتاه أهله يشفعون فيه وقالوا: إنه مجنونٌ، فقال الحجاج: إن أقر بالجنون خليت سبيله، فأتوه وسألوه ذلك، فقال: لا والله، لا أقول إن الله ابتلاني وقد عافاني، فبلغ كلامه الحجاج، فعظم في نفسه وأطلقه.\rوقال الأصمعي: قلت لغلامٍ من أبناء العرب: أيسرك أن يكون لك مائة ألفٍ وأنت أحمق؟ قال: لا والله، قلت: ولم؟ قال: أخاف أن يجني علي حمقي جنايةً، فنذهب مني، ويبقى حمقي.\rوالعرب تضرب المثل في الحمق بعجل بن لجيم، ويزعمون أنه قيل له: إن لكل فرسٍ جوادٍ اسماً، وإن فرسك هذا سابقٌ فسمه، ففقأ عينه، وقال: سميته الأعور، وفيه يقول الشاعر:\rرمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وهل أحدٌ في الناس أحمق من عجل\rأليس أبوهم عار عين جواده ... فسارت به الأمثال في الناس بالجهل\rويضربون المثل في الحمق بهبنقة القيسي، وهو يزيد بن ثروان، ويكنى أبا نافع، حكي أنه شرد له بعيرٌ، فقال: من جاء به فله بعيران، فقيل له: أتجعل في بعير بعيرين؟ فقال: إنكم لا تعرفون فرحة الوجدان.\rوقد رضي قومٌ بالجهل فقالوا: ضعف العقل أمانٌ من الغم، وقالوا: ما سر عاقل قط، قال أبو الطيب المتنبي:\rذو العقل يشقي في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم\rوقال حكيمٌ: ثمرة الدنيا السرور، ولا سرور للعقلاء، وقال المغيرة بن شعبة: ما العيش إلا في إلقاء الحشمة. وقال بكر بن المعتمر: إذا كان العقل سبعة أجزاءٍ احتاج إلى جزء من جهلٍ ليقدم على الأمور، فإن العاقل أبدا متوانٍ مترقبٌ متوقف متخوف، قال النابغة الجعدي:\rولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا\rوقال آخر:\rمن راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج\rأخذه آخر فقال:\rمن راقب الناس مات غماً ... وفاز باللذة الجسور\rوقالوا: الجاهل ينال أغراضه، ويظفر بأرائه، ويطيع قلبه، ويجري في عنان هواه، وهو بريءٌ من اللوم، سليمٌ من العيب، مغفور الزلات.\rوقالوا: الجاهل رخي الذرع، خالي البال، عازب الهم، حسن الظن، لا يخطر خوف الموت بفكره، ولا يجري ألم الإشفاق على ذكره.\rوقالوا: الجهل مطية المراح والمسرة، ومسرح المزاح والفكاهة، وحليف الهوى والتصابي، وصاحبه في ذمامٍ من عهده اللوم والعتب، وأمانٍ من قوارص الذم والسب، قال بعض الشعراء:\rورأيت الهموم في صحة الع ... قل فداويتها بإمراض عقلي\rوقالوا: لو لم يكن من فضيلة الجهل، غير الإقدام، وورود الحمام، إذ هما من الشجاعة والبسالة، وسبب تحصيل المهابة والجلالة، لكفاه، قال أبو هلال العسكري: سألني بعض الأدباء أي الشعراء أشد حمقا، قلت الذي يقول:\rأتيه على إنس البلاد وجنها ... ولو لم أجد خلقا لتهت على نفسي\rأتيه فلا أدري من التيه من أنا ... سوى ما يقول الناس فيّ وفي جنسي\rفإن صدقوا أني من الإنس مثلهم ... فما فيّ عيبٌ غير أني من الإنس\rالكذب قال الله عز وجل: \" ويلٌ لكل أفاكٍ أثيم \" . وقال: \" إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون \" . وقال في الكاذبين: \" لهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون \" .","part":1,"page":373},{"id":374,"text":"وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" الكذب مجانب الإيمان \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" ثلاثٌ من كن فيه فهو منافقٌ، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلمٌ، من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" لا يجوز الكذب في جد ولا هزل \" . وقال: \" لا يكون المؤمن كذابا \" .\rوقالت الحكماء: ليس لكاذبٍ مروءةٌ.\rوقالوا: من عرف بالكذب لم يحسن صدقه.\rوقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: خلف الوعد ثلث النفاق.\rوقال بعض الحكماء: الصدق منجيك وإن خفته، والكذب مرديك وإن أمنته. قال عمرو بن العلاء القاريء: ساد عتبة بن ربيعة وكان مملقا، وساد أبو جهل وكان حدثاً، وساد أبو سفيان وكان بخالا، وساد عامر بن الطفيل وكان عاهرا، وساد كليب بن وائل وكان ظلوما، وساد عيينة وكان محمقاً، ولم يسد قط كذاب، فصلح السؤدد مع الفقر والحداثة والبخل والعهر والظلم والحمق، ولم يصلح مع الكذب، لأن الكذب يعم الأخلاق كلها بالفساد.\rوقال يحيى بن خالد: رأيت شريب خمر نزع ولصا أقلع، وصاحب فواحش رجع، ولم أر كذابا رجع.\rويقال: الكذب مفتاح كل كبيرة، والخمر جماع كل شر.\rوقيل: لا تأمنن من يكذب لك أن يكذب عليك.\rوقيل: الكذب والنفاق والحسد أثافي الذل.\rوقال ابن عباس: حقيقٌ على الله أن لا يرفع للكاذب درجةً، ولا يثبت له حجةً، وقال سليمان بن سعدٍ: لو صحبني رجلٌ وقال: لا تشترط على إلا شرطا واحدا لقلت: لا تكذبني.\rوقال أبو حيان التوحيدي: الكذب شعارٌ خلق، وموردٌ رنق، وأدبٌ سيء، وعادةٌ فاحشةٌ، وقل من استرسل فيه إلا ألفه، وقل من ألفه إلا أتلفه.\rوقال غيره: الكذب أوضع الرذائل خطة، وأجمعها للمذمة والمحطة، وأكبرها ذلاً في الدنيا، وأكثرها خزيا في الآخرة، وهو من أعظم علامات النفاق، وأقوى الدلائل على دناءة الأخلاق والأعراق، لا يؤتمن حامله على حال، ولا يصدق إذا قال.\rوقيل: لكل شيء آفةٌ، والكذب آفة النطق.\rوقال بعض الكرماء: لو لم أدع الكذب تأثما، لتركته تكرما.\rوقال أرسطاطاليس: فضل الناطق على الأخرس بالنطق، وزين النطق الصدق، فإذا كان الناطق كاذبا، فالأخرس خيرٌ منه.\rوقال بعض الحكماء لولده: يا بني إياك والكذب، فإنه يزري بقائله، وإن كان شريفا في أصله، ويذله وإن كان عزيزا في أهله.\rوقال الأحنف بن قيس: اثنان لا يجتمعان: الكذب والمروءة.\rوقال بزرجمهر: الكاذب والميت سواء، لأن فضيلة النطق الصدق، فإذا لم يوثق بكلامه بطلت حياته.\rوقال معاوية يوما للأحنف: أتكذب؟ فقال: والله ما كذبت مذ علمت أن الكذب شينٌ.\rوقيل: لا يجوز للرجل أن يكذب لصلاح نفسه، فما عجز الصدق عن إصلاحه كان الكذب أولى بفساده. قال بعض الشعراء:\rما أحسن الصدق والمغبوط قائله ... وأقبح الكذب عند الله والناس\rوقالوا: احذر مصاحبة الكذاب، فإن اضطررت إليها فلا تصدقه ولا تعلمه أنك كذبته، فينتقل عن مودته، ولا ينتقل عن كذبه.\rوقال هرمس: اجتنب مصاحبة الكذاب، فإنك لست منه على شيء يتحصل، وإنما أنت معه على مثل السراب يلمع ولا ينفع.\rوقيل: الكذاب شرٌ من النمام، فإن الكذاب يختلق عليك، والنمام ينقل عنك. قال شاعر:\rإن النموم أغطى دونه خبري ... وليس لي حيلةٌ في مفترى الكذب\rوقال آخر:\rلي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيله\rمن كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله\rووصف أعرابي كذابا فقال: كذبه مثل عطاسه، لا يمكنه رده.\rوقال بعض الأعراب: عجبت من الكذاب المشيد بكذبه، وإنما هو يدل الناس على عيبه، ويتعرض للعقاب من ربه، فالآثام له عادة، والأخبار عنه متضادة، إن قال حقا لم يصدق، وإن أراد خيراً لم يوفق، فهو الجاني على نفسه بفعاله، والدال على فضيحتها بمقالة، فما صح من صدقه نسب إلى غيره، وما صح من كذب غيره نسب إليه.\rويقال: الكذب جماع النفاق، وعماد مساويء الأخلاق، عارٌ لازم، وذل دائم، يخيف صاحبه نفسه وهو آمن، ويكشف ستر الحسب عن لؤمه الكامن، وقال بعض الشعراء:\rلا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السوء أو من قلة الورع","part":1,"page":374},{"id":375,"text":"وقال الأصمعي: قيل لرجل معروف بالكذب. هل صدقت؟ قال: أخاف أن أقول: لا فأصدق. وآفة الكذب النسيان. قال شاعر:\rومن آفة الكذاب نسيان كذبه ... وتلقاه ذا دهيٍ إذا كان كاذبا\rوقال علي بن اللحام شاعر اليتيمة:\rتكذب الكذبة يوما ... ثم تنساها قريبا\rكن ذكوراً يا أبا يح ... يى إذا كنت كذوبا\rوقال أبو تمام:\rيا أكثر الناس وعدا حشوه خلف ... وأكثر الناس قولاً حشوه كذب\rوقال أحمد بن محمد بن عبد ربه:\rصحيفةٌ أفنيت ليت بها فعسى ... عنوانها راحة الراجي إذا يئسا\rوعدٌ له هاجسٌ في القلب قد برمت ... أحشاء صدري به من طول ما هجسا\rيراعةٌ غرني منها وميض سناً ... حتى مددت إليها الكف مقتبسا\rفصادفت حجراً لو كنت تضربه ... من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا\rوقال آخر:\rوتقول لي قولا أظنك صادقا ... فأحيء من طمع إليك وأذهب\rفإذا اجتمعت أنا وأنت بمجلسٍ ... قالوا مسيلمةٌ وهذا أشعب\rالغدر والخيانة قال الله عز وجل: \" وما وجدنا لأكثرهم من عهدٍ وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين \" .\rوقال تعالى: \" والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار \" .\rوروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من أمن رجلا ثم قتله وجبت له النار وإن كان المقتول كافرا \" . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إذا جمع الله الأولين والآخرين رفع لكل غادرٍ لواءٌ وقيل: هذه غدرة فلان \" .\rوقالوا: من نقض عهده، ومنع رفده، فلا خير عنده.\rوقالوا: الغالب بالغدر مغلول، والناكث للعهد ممقوت مخذول.\rوقالوا: من علامات النفاق، نقض العهد والميثاق.\rوقالوا: لا عذر في الغدر، والعذر يصلح في كل المواطن، ولا عذر لغادر ولا خائن.\rوفي بعض الكتب المنزلة: إن مما تعجل عقوبته من الذنوب ولا يؤخر: الإحسان يكفر، والذمة تخفر. قال شاعر:\rأخلق بمن رضي الخيانة شيمةً ... أن لا يرى إلا صريع حوادث\rما زالت الأرزاء تلحق بؤسها ... أبدا بغادر ذمةٍ أو ناكث\rوقالوا: الغدر ضامن العثرة، قاطع ليد النصرة.\rويقال: من تعدى على جاره، دل على لؤم نجاره.\rوذكر أن عيسى صلوات الله عليه مر برجل وهو يطارد حية وهي تقول له: والله لئن لم تذهب عني، لأنفخن عليك نفخة أقطعك بها قطعا، فمضى عيسى عليه السلام في شأنه، ثم عاد فرأى الحية في جونة الرجل محبوسة، فقال لها: ويحك! أين ما كنت تقولين؟ قالت: يا روح الله، إنه حلف لي وغدر، وإن سم غدره أقتل له من سمي.\rأخبار أهل الغدر وغدراتهم المشهورة\rأعرف الناس في الغدر آل الأشعث بن قيس بن معد يكرب، وقد عدت لهم غدرات، فمنها: غدر قيس بن معد يكرب بمراد، وكان بينهم عهد أن لا يغزوهم إلى انقضاء شهر رجب، فوافاهم قبل الأمد بكندة، وجعل يحمل عليهم ويقول:\rأقسمت لا أنزل حتى يهزموا ... أنا ابن معد يكربٍ فاستسلموا\rفارس هيجا ورئيسٌ مصدم\rفقتل قيس بن معد يكرب وارتد الأشعث عن الإسلام. وغدر الأشعث ببني الحارث بن كعب، وكان قد غزاهم فأسروه، ففدى نفسه بمائتي بعير، فأعطاهم مائة وبقي عليه مائة، فلم يؤدها، وجاء الإسلام فهدم ما كان في الجاهلية.\rوغدر محمد بن الأشعث بن قيس بمسلم بن عقيل بن أبي طالب، وغدر أيضا بأهل طبرستان وكان عبيد الله بن زياد ولاه إياها، فصالح أهلها على أن لا يدخلها ورحل عنهم، ثم عاد إليهم غادرا، فأخذوا عليه الشعاب، وقتلوا ابنه أبا بكر.\rوغدر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بالحجاج لما ولاه خراسان، وخرج عليه وادعى الخلافة، وكان بينهم من الوقائع ما نذكره في التاريخ في أخبار الحجاج إن شاء الله تعالى، وكانت الدائرة على عبد الرحمن، وكلهم ورثوا الغدر عن معد يكرب، فإنه غدر مهرة، وكان بينه وبينهم عهد إلى أجل، فغزاهم ناقضا لعهدهم، فقتلوه وبقروا بطنه وملأوه بالحصا.","part":1,"page":375},{"id":376,"text":"وغدرت ابنة الضيزن بن معاوية بأبيها صاحب الحصن ودلت سابور على طريق فتحه، ففتحه وقتل أباها وتزوجها، ثم قتلها. وقد ذكرنا ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب في المباني. ومن ذلك ما فعله النعمان بسنمار، وقد ذكرناه أيضا في خبر بناء الخورنق.\rوممن اشتهر بالغدر عمرو بن جرموز: غدر الزبير بن العوام، وقتله بوادي السباع، ونذكر ذلك إن شاء الله تعالى في حرب الجمل.\rومن الغدر الشنيع ما فعله عضل والقارة، روي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة، فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما وخيرا فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرءان، ويعلموننا شرائع الإسلام، فبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة نفر من أصحابه، وهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وخالد بن البكير حليف بني عدي ابن كعب، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف، وخبيب بن عدي أخو بني جحجبي بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدثنة أخو بني بياضة بن عامر، وعبد الله بن طارق، ومعتب بن عبيد أخو عبد الله لأمه، وأمر عليهم مرثد ابن أبي مرثد، وقيل أمر عليهم عاصما، فخرجوا مع القوم، حتى إذا كانوا على الرجيع: ماء لهذيل غدروا بهم واستصرخوا عليهم هديلا، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال في أيديهم السيوف، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، فأما مرثد وخالد وعاصم ومعتب فقالوا: والله ما نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا، فقاتلوا حتى قتلوا، وأما زيد وخبيب وعبد الله فلانوا ورغبوا في الحياة، وأعطوا بأيديهم، فأسروهم وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بمر الظهران، انتزع عبد الله بن طارق يده من القران، ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، وقدموا بخبيب وزيد إلى مكة فباعوهما فابتاع خبيبا حجر بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بالحارث، وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأمية بن خلف، وروي أن خبيبا لما حصل عند بنات الحارث استعار من إحداهن موسى يستحد بها فما راع المرأة إلا صبي لها يدرج، وخبيب قد أجلس الصبي على فخذه، والموسى في يده، فصاحت المرأة، فقال خبيب: أتحسبين أني أقتله؟ إن الغدر ليس من شأننا، فقالت المرأة: ما رأيت بعد أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته وما بمكة من ثمرة، وإن في يده قطفا من عنب يأكله، إن كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا، ولما خرج لزدت، وما أبالي على أي شقي كان مصرعي، وهذه القصة نذكرها إن شاء الله تعالى بما هو أبسط من هذا في السيرة النبوية في سيرة مرثد إلى الرجيع.\rقيل: أغار خيثمة بن مالك الجعفي على حي من بني القين فاستاق منهم إبلا فلحقوه ليستنقذوها منه، فلم يطمعوا فيه، ثم ذكر يدا كانت لبعضهم عنده، فخلى عما كان في يده، وولي منصرفا، فنادوه وقالوا: إن المفازة أمامك، ولا ماء معك، وقد فعلت جميلا، فأنزل ولك الذمام والحباء، فنزل فلما اطمأن وسكن، واستمكنوا منه غدروا به فقتلوه، ففي ذلك تقول عمرة ابنته:\rغدرتم بمن لو كان ساعة غدركم ... بكفيه مفتوق الغرارين قاضب\rأذادكم عنه بضربٍ كأنه ... سهام المنايا كلهن صوائب\rوتلاحي بنو مقرون بن عمرو بن محارب، وبنو جهم بن مرة بن محارب، على ماءٍ لهم فغلبتهم بنو مقرون فظهرت عليهم، وكان في بني جهم شيخٌ له تجربة وسن، فلما رأى ظهورهم، قال: يا بني مقرون، نحن بنو أب واحد، فلم نتفاني؟ هلموا إلى الصلح، ولكم عهد الله تعالى وميثاقه آبائنا، أن لا نهيجكم أبدا ولا نزاحمكم في هذا الماء، فأجابتهم بنو مقرون إلى ذلك، فلما اطمأنوا ووضعوا السلاح عدا عليهم بنو جهم فنالوا منهم منالا عظيما، وقتلوا جماعة من أشرافهم، ففي ذلك يقول أبو ظفر الحارثي:\rهلا غدرتم بمقرونٍ وأسرته ... والبيض مصلتهٌ والحرب تستعر\rلما اطمأنوا وشاموا في سيوفهم ... ثرتم إليهم وعر الغدر مشتهر\rغدرتموهم بأيمان مؤكدةٍ ... والورد من بعده للغادر الصدر\rهذا ما قيل في الغدر.","part":1,"page":376},{"id":377,"text":"وأما الخيانة، فقد نهى الله تعالى عنها فقال: \" يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون \" .\rوروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له \" .\rوقيل: من ضيع الأمانة، ورضي الخيانة، فقد بريء من الديانة.\rوقال حكيم: لو علم مضيع الأمانة، ما في النكث والخيانة، لقصر عنهما عنانه.\rوقالوا: من خان مان، ومن مان هان، وتبرأ من الإحسان.\rقيل دخل شهر بن حوشب وهو جلة القراء وأصحاب الحديث على معاوية، وبين يديه خرائط فيها مال، قد جمعت لتوضع في بيت المال، فقعد على خريطة منها، وأخذها، ومعاوية ينظر إليه، فلما رفعت الخرائط، فقد من عددها خريطة، فأعلم الخازن بذلك معاوية، فقال: هي محسوبة لك فلا تسأل عن آخذها، ففيه يقول بعض الشعراء:\rلقد باع شهرٌ دينه بخريطةٍ ... فمن يأمن القراء بعدك يا شهر؟\rوقال المنصور لعامل بلغه عنه خيانته: يا عدو الله، وعدو أمير المؤمنين، وعدو المسلمين، أكلت مال الله، وخنت خليفة الله، فقال: يا أمير المؤمنين، نحن عيال الله، وأنت خليفة الله، والمال مال الله، فمن أين نأكل إذا، فضحك وأطلقه، وأمر أن لا يولي عملا بعدها.\rوسرق رجل في مجلس أنوشروان جاماً من ذهب وهو يراه، فتفقده الشرابي، فقال: والله لا يخرج أحد حتى يفتش، فقال له أنوشروان: لا تتعرض لأحد، فقد أخذه من لا يرده، ورآه من لا ينم عليه.\rوحكي أن بعض التجار أودع عند قاضٍ بمعرة النعمان وديعةً، وغاب مدةً، فلما رجع، طالب بها، فأنكرها القاضي، فتشفع إليه برؤساء بلده في ردها، فما زالوا به حتى أقر بها، وادعى أنها سرقت من حرزه، فاستحلفه المودع فخلف، فقال ابن الدويدة في ذلك:\rلا يصدق القاضي الخؤن إذا ادعى ... عدم الوديعة من حصين المودع\rإن قال قد ضاعت فيصدق أنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو تعي\rأو قال قد وقعت فيصدق أنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع\rوقال ابن الحجاج:\rوأدعوهم إلى القاضي عساهم ... إذا وقع اليمين يحلفوني\rوأضيع ما يكون الحق عندي ... إذ عزم الغريم على اليمين\rالكبر والعجب قال الله عز وجل: \" إنه لا يحب المستكبرين \" . وقال تعالى: \" فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين \" . وقال: \" أليس في جهنم مثوًى للمتكبرين \" . وقال: \" كذلك نطبع على كل قلبٍ متكبرٍ جبارٍ \" . وقال: \" سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق \" .\rوناهيك بهذا زجراً.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا يدخل الجنة، من في قلبه حبةٌ من خردلٍ من كبرٍ \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" من تعظم في نفسه، واختال في مشيته لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان \" . وقال صلى الله علية وسلم: \" من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه \" .\rوروي: أن عبد الله بن سلام، مر بالسوق يحمل حزمة حطب، فقيل له: أليس قد أغناك الله عن هذا؟ قال: بلى! ولكني أردت أن أقمع به الكبر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر \" .\rوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجد أحدٌ في نفسه كبراً إلا من مهانة يجدها في نفسه.\rوقالوا: من قل لبه، كثر عجبه.\rوقالوا: عجب المرء بنفسه، أحد حساد عقله.\rوقال أزدشير بن بابك: ما الكبر إلا فضل حمقٍ لم يدر صاحبه أين يضعه فصرفه إلى الكبر.\rومن كلامٍ لابن المعتز: لما عرف أهل التقصير حالهم، عند أهل الكمال استعانوا بالكبر ليعظم صغيرا، ويرفع حقيرا، وليس بفاعل.\rوقال أكثم بن صيفي: من أصاب حظا من دنياه، فأصاره ذلك إلى كبرٍ وترفعٍ، فقد علم أنه نال فوق ما يستحق، ومن أقام على حاله فقد علم أنه نال ما يستحق، ومن تواضع وغادر الكبر، فقد علم أنه نال دون ما يستحق.\rوقال علي رضي الله عنه: عجبت للمتكبر الذي كان بالأمس نطفة، وهو غداً جيفة.","part":1,"page":377},{"id":378,"text":"وقيل: مر بعض أولاد المهلب بمالك بن دينار وهو يخطر، فقال له: يا بني، لو خفضت بعض هذه الخيلاء! ألم يكن أحسن بك من هذه الشهرة التي قد شهرت بها نفسك؟ فقال له الفتى: أو ما تعرف من أنا؟ قال: بلى! والله أعرفك معرفة جيدة، أولك نطفة مذره، وآخرك جيفة قذره، وأنت بين ذلك حامل عذره، فأرخى الفتى ردينه وكف مما كان يفعله، وطأطأ رأسه، ومضى مسترسلا.\rوقال الواقدي: دخل الفضل بن يحيى ذات يوم على أبيه وهو يتبختر في مشيته، فقال له يحيى: يا أبا عبد الله، إن البخل والجهل مع التواضع، أزين بالرجل من الكبر مع السخاء والعلم، فيا لها من حسنة غطت على عيبين عظيمين، ويا لها من سيئة غطت على حسنتين كبيرتين، ثم أومأ إليه بالجلوس وقال: احفظه يا عبد الله، فإنه أدب كبير أخذناه عن العلماء.\rومن الكبر المستهجن ما روي: أن وائل بن حجر أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأقطعه أرضا، وقال لمعاوية: اعرض هذه الأرض عليه واكتبها له، فخرج مع وائل في هاجره شاوية، ومشى خلف ناقته، وقال له: أردفني على عجز راحلتك، فقال: لست من أرداف الملوك، قال: فأعطني نعليك، فقال: ما بخلٌ يمنعني يا بن أبي سفيان، ولكن أكره أن يبلغ أقيال اليمن أنك لبست نعلي، ولكن امش في ظل ناقتي، فحسبك بها شرفا، وقيل: إن وائلا أدرك زمن معاوية ودخل عليه فأقعده معه على السرير وحدثه.\rوالعرب تجعل جذيمة الأبرش الغاية في الكبر، وروي: أنه كان لا ينادم أحدا ترفعا وكبرا، ويقول: إنما ينادمني الفرقدان. ومنه قول متمم:\rوكنا كندماني جذيمة حقبةً\rقيل: إنما أراد الفرقدين، لا كما ذكره الرواة أنهما مالك وعقيل.\rوقيل: كان أبو ثوابة أقبح الناس كبرا، روي: أنه قال لغلامه اسقني ماء، فقال: نعم، قال: إنما يقول: نعم من يقدر على أن يقول: لا وأمر بضربه، ودعا أكاراً فكلمه، فلما فرغ دعا بماء، وتمضمض استقذارا لمخاطبته.\rقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:\rولا تعجبا أن تؤتيا فتكلما ... فما حشى الأقوام شراً من الكبر\rقال الجاحظ: المذكورون بالكبر من قريش، بنو مخزوم، وبنو أمية، ومن العرب، بنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس، وأما الأكاسرة فكانوا لا يعدون الناس إلا عبيدا، وأنفسهم إلا أربابا، والكبر في الأجناس الذليلة أرسخ، ولكن القلة والذلة مانعتان من ظهور كبرهم، ومن قدر من الوضعاء أدبي قدرة، ظهر من كبره ما لا خفاء به، ولم أر ذا كبر قط علا من دونه، إلا وهو يذل لمن فوقه بمقدار ذلك ووزنه.\rقال: أما بنو مخزوم، وبنو أمية، وبنو جعفر بن كلاب، واختصاصهم بالتيه، فإنهم أبطرهم ما وجدوا لأنفسهم من الفضيلة، ولو كان في قوى عقولهم فضلٌ عن قوى دواعي الحمية فيهم، لكانوا كبني هاشم في تواضعهم وإنصافهم من دونهم. وقال أبو الوليد الأعرابي:\rولست بتياهٍ إذا كنت مثريا ... ولكنه خلقي إذا كنت معدما\rوأن الذي يعطي من المال ثروةً ... إذا كان نذل الوالدين تعظما\rومن المتكبرين، عمارة بن حمزة، حكي عنه: أنه دخل على المهدي، فلما استقر به الجلوس، قام رجل كان المهدي قد أعده له ليتهكم به، فقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، قال: من ظلمك؟ قال: عمارة غصبني ضيعتي، وذكر ضيعة من أحسن ضياع عمارة وأكثرها خراجا، فقال المهدي لعمارة: قم فاجلس مع خصمك، فقال: يا أمير المؤمنين، ما هو لي بخصم، إن كانت الضيعة له، فلست أنازعه فيها، وإن كانت لي فقد وهبتها له، ولا أقوم من مجلس شرفني به أمير المؤمنين، فلما انصرف المجلس، سأل عمارة عن صفة الرجل، وما كان لباسه، وأين كان موضع جلوسه، وكان من تيهه أنه إذا أخطأ يمر على خطئه تكبرا عن الرجوع ويقول: نقض وإبرام في ساعة واحدة، الخطأ أهون منه.","part":1,"page":378},{"id":379,"text":"ومنهم من أهلكه الكبر وأذله. كان خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري أميرا على العراق، وبلغ من هشام بن عبد الملك محلا رفيعا، فأفسد أمره العجب والكبر، وأدناه إلى الهلكة، وعذب حتى مات، وذلك أنه كان إذا ذكر هشام عنده، قال: ابن الحمقاء! فسمعها رجل من أهل الشام، فقال لهشام: إن هذا البطر الأشر الكافر لنعمتك ونعمة أبيك وإخوتك، يذكرك بأسوأ الذكر، قال: لعله يقول: الأحول، قال: لا، ولكنه يقول: ما لا تلتقي به الشفتان، قال: لعله يقول: ابن الحمقاء، فأمسك الشامي، فقال هشام قد بلغني كل ذلك عنه، وكان خالد يقول: والله ما إمارة العراق مما تشرفني، فبلغ ذلك هشاما، فكتب إليه: بلغني أنك يا بن النصرانية تقول: إن إمارة العراق لا تشرفك وأنت دعي بجيلة القليلة الذليلة، والله إني لأظن أن أول من يأتيك صيفي بن قيس فيشد يدك إلى عنقك، قال خالد بن صفوان بن الأهتم: لم تزل أفعال خالد حتى عزله هشام وعذبه، وقتل ابنه يزيد بن خالد، فرأيت في رجله شريطا قد شده به الصبيان يجرونه، فدخلت إلى هشام يوما، فحدثته فأطلت، فتنفس، وقال: يا خالد! كان أحب إلي قربا وألذ عندي حديثا منك، يعني خالد القسري، قال: فانتهزتها ورجوت أن أشفع فتكون لي عند خالد يدا، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما يمنعك من استئناف الصنيعة، فقد أدبته بما فرط منه، فقال: هيهات! إن خالدا أوجف فأعجف، وأدل فأمل، وأفرط في الإساءة، فأفرطنا في المكافأة، فحلم الأديم، ونغل الجرح، وبلغ السيل الزبى، والحزام الطبيين، ولم يبق فيه مستصلح، ولا للصنيعة عنده موضع، عد إلى حديثك.\rومنهم: من أفرط به الكبر إلى الكفر، حكي: أن سعيد بن زرارة مرت به امرأة فقالت له: يا عبد الله، كيف الطريق إلى مكان كذا؟ فقال لها: أمثلي يكون من عبيد الله.\rومنهم: عبيد الله بن زياد بن ظبيان، قال له رجل من قومه وقد رأى منه ما أعجبه: كثر الله فينا مثلك، فقال: لقد كلفتم الله شططا.\rومن أشعار المتكبرين التياهين قول بعضهم:\rأتيه على جن البلاد وإنسها\rالأبيات، وقد تقدمت في الحمقى.\rوقال آخر:\rألقني في لظًى فإن أحرقتني ... فتيقن أن لست بالياقوت\rصنع النسج كل من حاك لكن ... ليس داود فيه كالعنكبوت\rقال ابن حبارة الحراني المنجنيقي يرد عليه:\rأيها المدعي الفخار دع الفخ ... ر لذي الكبرياء والجبروت\rنسج داود لم يفد ليلة الغا ... ر وكان الفخار للعنكبوت\rوبقاء السمند في لهب النا ... ر مزيلٌ فضيلة الياقوت\rوكذاك النعام يلتقم الجم ... ر وما الجمر للنعام بقوت\rومما هجى به أهل التكبر، قول جعيفران يهجو سعيد بن مسلم بن قتيبة:\rأم سعيدٍ لم ولدتيه ... ملوثا بالكبر والتيه\rليتك إذ جئت به هكذا ... حين خريتيه أكلتيه\rالحرص والطمع قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: \" ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خيرٌ وأبقى \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أربعٌ من الشقاء الخ.....عد منها الحرص والأمل \" . وقال: \" ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم فأفسداها أشد من حرص المرء على المال \" . وقال: \" يشيب ابن آدم وتشب منه اثنتان: \" الحرص على المال، والحرص على العمر \" وقال: \" إياكم الطمع فإنه الفقر الحاضر \" .\rومن كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الطمع مورد غير مصدر، وضامن غير وفي، وكلما عظم قدر الشيء المتنافس فيه، عظمت الرزية لفقده، والأماني تعمى البصائر. أزرى بنفسه من استشعر الطمع، واستولت عليه الأماني.\rوقال بعضهم: الحرص ينقص من قدر الإنسان، ولا يزيد في رزقه.\rوقال قتيبة: إن الحريص استعجل الذلة، قبل إدراك البغية.\rوقيل: لا راحة لحريص، ولا غنًى لذي طمع.\rوقيل: إن كعبا لقي عبد الله بن سلام، فقال: يا بن سلام، من أرباب العلم؟","part":1,"page":379},{"id":380,"text":"قال: الذين يعملون به، قال: فما أذهب العلم من قلوب العلماء بعد إذ علموه ووعوه؟ قال: الطمع، وشره النفس، وطلب الحوائج إلى الناس. قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: عجبت للحريص المستكبر، المستقل لكثير ما في يده، المستكثر لقليل ما في يد غيره، حتى طلب الفضل، بذهاب الأصل، فركب مفاوز البراري، ولجج البحار، معرضا نفسه للممات، وماله للآفات، ناظرا إلى من سلم، غير معتبر بمن عدم.\rقال يزيد بن الحكم الثقفي:\rرأيت السخي النفس يأتيه رزقه ... هنيئا ولا يعطي على الحرص جامع\rوكل حريص لن يجاوز رزقه ... وكم من موفى رزقه وهو وادع\rوقالوا: مصارع الألباب تحت ظلال الطمع. ويقال:\rالحر عبد ما طمع ... والعبد حرٌ ما قنع\rوقالوا: أخرج الطمع من قلبك، تحل القيد من رجلك، وقال عمرو بن مالك الحارثي:\rالحرص للنفس فقرٌ والقنوع غنًى ... والقوت إن قنعت بالقوت يجزيها\rوالنفس لو أن ما في الأرض حيز لها ... ما كان إن هي لم تقنع بكافيها\rوقال ابن هرمة:\rوفي اليأس عن بعض المطامع راحةٌ ... ويا رب خسرٍ أدركته المطامع\rوقال هرمة بن خشرم:\rوبعض رجاء المرء ما ليس نائلاً ... عناءً وبعض اليأس أعفى وأروح\rوقال مكنف بن معاوية التيمي:\rترى المرء يأمل ما لا يرى ... ومن دون ذلك ريب الأجل\rوكم آيسٍ قد أتاه الرجاء ... وذي طمع قد لواه الأمل\rوقال آخر:\rطمعت فيما وعدتك المنى ... وليس فيما وعدت مطمع\rوثقت بالباطل من قولها ... وليس حقاً كل ما تسمع\rوإنما موعدها بارقٌ ... في كل حين خلبٌ يلمع\rويضرب المثل في الطمع بأشعب. قيل له: ما بلغ من طمعك؟ فقال للقائل له: لم تقل هذا إلا وفي نفسك خيرٌ تصنعه بي، وقيل: إنه لم يمت شريف قط من أهل المدينة إلا استعدى أشعب على وصيه أو وارثه وقال له: احلف أنه لم يوص لي بشيء قبل موته، ووقف على رجل يعمل طبقا من الخيزران، فقال له: وسعه قليلا، قال الخيزراني: كأنك تريد أن تشتريه؟ قال: لا، ولكن ربما يشتريه بعض الأشراف فيهدي إلي فيه شيئا، وسأله سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن طمعه، قال: قلت لصبيان مرةً: اذهبوا، هذا سالم قد فتح بيت صدقة عمر حتى يطعمكم تمرا، فلما أحضروا ظننت أنه كما قلت لهم، فعدوت في إثرهم، وقيل له: ماذا بلغ من طمعك؟ قال: أرى دخان جاري فأثرد عليه، وقيل له أيضا: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت عروسا بالمدينة تزف إلا كنست بيتي ورششته طمعا أن تزف إلي، وقيل له: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم، كلب أم حومل، تبعني فرسخين، وأنا أمضغ كندراً، ولقد حسدته على ذلك.\rالوعد والمطل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" العدة دين \" .\rوقال بعض القرشيين: من خاف الكذب، أقل من المواعيد.\rوقيل: أمران لا يسلمان من الكذب: كثرة المواعيد وشدة الاعتذار.\rوقالوا: خلف الوعد، خلق الوغد.\rوقال المهلب لبنيه: يا بني، إذا غدا عليكم الرجل أو راح مسلماً، فكفى بذلك تقاضيا.\rقال الشاعر:\rاروح لتسليمٍ عليك وأغتدي ... فحسبك بالتسليم مني تقاضيا\rكفى بطلاب المرء ما لا يناله ... عناءً وباليأس المصرح ناهيا\rوقيل: الوعد إذا لم يشفعه إنجاز يحققه، كان كلفظٍ لا معنى له، وجسم لا روح فيه. وقالوا: الخلف ألأم من البخل، لأنه من لم يعرف المعروف، لزمه ذم اللؤم، وذم الخلف، وذم العجز. قال بعض الشعراء:\rوعدت فأكذبت المواعيد جاهدا ... وأقلعت إقلاع الجهام بلا وبل\rوأجررت لي حبلا طويلا تبعته ... ولم أدر أن اليأس في طرف الحبل\rوقال أبو تمام:\rوما نفع من قد مات بالأمس صادياً ... إذا ما سماء اليوم طال انهمارها\rوما العرف بالتسويف الأكخلة ... تسليت عنها حين شط مزارها","part":1,"page":380},{"id":381,"text":"والعرب تضرب المثل بمواعيد عرقوب، وكان رجلا من العماليق وله في ذلك حكايات، فمنها: أنه أتاه أخ له، يسأله شيئا، فقال له عرقوب: إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها، فلما أطلعت، أتاه الرجل للعدة، فقال: دعها حتى تصير بلحا، فلما أبلحت، أتاه، فقال: دعها حتى تصير زهواً، فلما أزهت، قال: دعها حتى تصير رطبا، فلما أرطبت، قال: دعها حتى تصير تمرا، فلما أتمرت، عمد إليها عرقوب، فجذها ولم يعط أخاه منها شيئا.\rوفيه يقول الأشجعي:\rوعدت وكان الخلف منك سجيةً ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب\rوقال السكيت للمهدي: يا أمير المؤمنين، لو كان الوعد يستنزل بالإهمال والسكون، لشكرتك القلوب بالضمير، ولنظرت إلى فضلك العيون بالأوهام، فقال المهدي: هذا جزاء التفريط فيما يكسب الأجر، ويدخر الشكر، وأمر بقضاء حاجته.\rوقال أعرابي: العذر الجميل، أحسن من المطل الطويل، فإن أردت الإنعام فأنجح، وإن تعذرت الحاجة فأفصح.\rوقال بعض كرماء العرب: لأن أموت عطشا، أحب إلي من أن أخلف موعدا.\rوقالوا: من وعد فأخلف، لزمته ثلاث مذمات، ذم اللؤم، وذم الخلف، وذم الكذب، وقال بعض الشعراء:\rولا خير في وعدٍ إذا كان كاذبا ... ولا خير في قول إذا لم يكن فعل\rفإن تجمع الآفات فالبخل شرها ... وشرٌ من البخل المواعيد والمطل\rقال بعض الأعراب: فلان له مواعيد المطل، وثمارها الخلف، ومحصولها اليأس.\rوقال آخر: فلان له وعد مطمع، ومطلٌ مؤيس، وأنت منه أبدا بين يأس وطمع، فلا بذلٌ مريح، ولا منعٌ صريح.\rوقال الثعالبي: أول من أخلف المواعيد ولم يف بشيء منها: إسماعيل بن صبيح كاتب الرشيد، وما كان الرؤساء يعرفون قبله المواعيد الكاذبة.\rالعي والحصر قال الله عز وجل: \" أو من ينشأ في الحيلة وهو في الخصام غير مبينٍ \" . وقال تعالى إخبارا عن فرعون عند افتخاره على موسى بالبيان: \" أم أنا خيرٌ من هذا الذي هو مهينٌ ولا يكاد يبين \" . قال أهل التفسير: إن موسى عليه السلام لما سمع هذا القول قال: \" رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي \" . الآية، فقال الله تعالى: \" قد أوتيت سؤلك يا موسى \" .\rوقيل: حد العي معنًى قصير، يحويه لفظٌ طويل. وقال أكثم بن صيفي: هو أن تتكلم فوق ما تقتضيه حاجتك. وقالوا: الفقير الناطق، أغنى من الغني الساكت.\rوقال كسرى: الصمت خيرٌ من عي الكلام.\rوقالوا: فضل الإنسان على ما عداه من الحيوان بالبيان، فإذا نطق ولم يفصح عاد بهيما.\rوقالوا: العي داءٌ دواؤه الخرس. ومن علامات العي الاستعانة، وهي أن ترى المخاطب إذا كل لسانه عند مقاطع كلامه، يقول للمخاطب: اسمع مني، أو سمعت لي، وافهم عني، وأشباه ذلك.\rومنهم من يقول: قولي كذا، أعني به كذا، ولا يريد التفسير، ولكنه يعيد كلامه بصيغة أخرى تكون غير مراده الأول ليفهم عنه.\rومن عيوب اللسان: التمتمة، والفأفأة، والعقلة، والحبسة، واللفف، والرتة، والغمغمة، والطمطمة، واللكنة، والغنة، واللثغة. فالتمتمة، قال الأصمعي: إذا تعتع في التاء فهو تمتام، وإذا ردد في الفاء فهو فأفاء، قال الراجز:\rليس بفأفاءٍ ولا تمتام ... ولا كثير الهجر في الكلام.\rوالعقلة: التواء اللسان عند الكلام، والحبسة: تعذر النطق، ولم تبلغ حد الفأفاة ولا التمتام، ويقال: إنها تعرض أول الكلام، فإذا مر فيه انقطعت. واللفف: إدخال بعض الكلام في بعض، قال الراجز:\rكان فيه لففاً إذا نطق ... من طول تحبيسٍ وهم وأرق","part":1,"page":381},{"id":382,"text":"والرتة: اتصال بعض الكلام ببعض دون إفادة، والغمغمة: أن تسمع الصوت ولا يتبين تقطيع الحروف، ولا تفهم معناه، والطمطمة: أن يكون الكلام شبيها بكلام العجم، وهي حميرية، وقالوا: هي إبدال الطاء بالتاء لأنهما من مخرج واحد، فيقول: السلتان والشيتان، وأشباه ذلك، قيل: وكانت في لسان زياد بن سلمى، وكان خطيباً شاعرا كاتبا، واللكنة: إدخال بعض حروف العرب في حروف العجم، وتشترك فيها اللغة التركية والنبطية، وهي إبدال الهاء حاءً، وانقلاب العين همزة، وكانت في لسان عبيد الله بن زياد، وصهيب الرومي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن مولًى لزياد، قال له: أيها الأمير، أحدوا لنا همار وهشٍ: يريد: أهدوا لنا حمار وحشٍ، فلم يفهم زياد عنه، وقال: ويلك! ماذا تقول؟ قال: أحدوا لنا أيراً: يريد عيراً، فقال زياد: أرجعنا إلى الأول هو خير، والغنة: أن يشرب الصوت الخيشوم، والخنة: ضرب منها، والترخيم: حذف بعض الكلمة لتعذر النطق بها، واللثغة: إبدال ستة حروف بغيرها، وهي الهمزة والراء والسين والقاف والكاف واللام، فالتي تعرض للهمزة، فهي إبدالها عينا، فإذا أراد أن يقول: أنت، قال: عنت وهي مستعملة في لسان التكرور، وأما التي تعرض في الراء فهي ستة أحرف، فمنهم من يجعلها غينا معجمة فيقول غمغ: يريد عمر، وهي غالبة على لسان أهل دمشق، وإذا اجتمعت الراء والغين في كلمة كقولهم: رغيف، قال: غريف، وفغرت بمكان فرغت: فيبدلون كل حرف بالآخر، قيل: وكانت في لسان محمد بن شبيب الخارجي، وواصل بن عطاء المعتزلي، وكان لاقتداره على الكلام، وغزارة مادته، يتجنب النطق بها، وفيه يقول الشاعر من أبيات:\rويجعل البرقمحا في تصرفه ... وجانب الراء حتى احتال للشعر\rولم يطق مطراً والقول يجعله ... فعاد بالغيث إشفاقا من المطر\rومنهم من يجعلها عينا مهملة، فيقول في أزرق: أزعق، وهي في لسان عوام أهل دمشق، ومنهم من يجعلها ياءً، فيقول في عمر: غمى، ومنهم من يبدلها بالظاء أخت الطاء، ومنهم من يبدلها همزة، فإذا أراد أن يقول: رأيت، قال: أأيت، وأما التي تعرض للسين، فإنهم يبدلونها ثاء، فيقولون: بثم الله، ويثرة الله: إذا أرادوا بسم الله، ويسرة الله، أو أشباه ذلك، وهي مستحسنة في الجواري والغلمان. قال الشاعر:\rوأهيف كالهلال شكوت وحدي ... إليه لحسنه وأطلت بثي\rوقلت له فدتك النفس صلني ... تحز في الثواب فقال بثي\rوأما التي تعرض للقاف، فإن صاحبها يجعل القاف طاءً، فإذا أراد أن يقول: قال، وقلت، نطق: بطال، وطلت، وهي نبطية، وكانت في لسان أبي مسلم صاحب الدعوة، وعبيد الله بن زياد، ومنهم من يجعلها كافا فيقول: كال وكلت، وأما التي تعرض للكاف، فمنهم من يجعلها همزة، فيقول: أأف، ومنهم من يبدلها تاء، فيقول: تان، إذا أراد: كان، وأما التي تعرض في اللام، فمنهم من يبدلها ياءً، فيقول: اعتييت، بمعنى: اعتللت، ويقول في جمل: جمى، وإذا أقسم بالله، يقول: وياه، ومنهم من يبدل الخاء المعجمة حاءً مهملة، فيقول في خوخ: حوح، وتستحسن في الغلمان والجواري، ومنهم من يبدل الجيم ضاداً، فإذا اجتمع لأحد في كلمة جيم وضاد، مثل ضجر، ونضج، قال: جضر، ونجض، والحمد لله وحده!\rالباب الثالث\rالمجون والنوادر والفكاهات والملح\rوهذا الباب مما تنجذب النفوس إليه، وتشتمل الخواطر عليه؛ فإن فيه راحة للنفوس إذا تعبت وكلت، ونشاطاً للخواطر إذا سئمت وملت؛ لأن النفوس لا تستطيع ملازمة الأعمال، بل ترتاح إلى تنقل الأحوال. فإذا عاهدتها بالنوادر في بعض الأحيان، ولاطفتها بالفكاهات في أحد الأزمان، عادت إلى العمل الجد بنشطة جديدة، وراحة في طلب العلوم مديدة.\rوقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت \" .\rوقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: \" أجموا هذه القلوب والتمسوا لها طرق الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان، والنفس مؤثرة للهوى، آخذة بالهويني، جانحة إلى اللهو، أمارة بالسوء، مستوطنة بالعجز، طالبة للراحة، نافرة عن العمل؛ فإن أكرهتها أنضيتها، وإن أهملتها أرديتها \" .\rوكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك حتى تبدو نواجذه. وكان محمد بن سيرين يضحك حتى يسيل لعابه.","part":1,"page":382},{"id":383,"text":"وقال هشام بن عبد الملك: قد أكلت الحلو والحامض حتى ما أجد لواحد منهما طعماً، وشممت الطيب حتى ما أجد له رائحة، وأتيت النساء حتى ما أبالي أمرأة أتيت أم حائطاً؛ فما وجدت شيئاً ألذ إلي من جليس تسقط بيني وبينه مئونة التحفظ.\rوقال أحمد بن عبد ربه: الملح نزهة النفس، وربيع القلب، ومرتع السمع، ومجلب الراحة، ومعدن السرور. وقال أيضاً: إن في بعض الكتب المترجمة أن يوحنا وشمعون كانا من الحواريين، فكان يوحنا لا يجلس مجلساً إلا ضحك وأضحك من حوله، وكان شمعون لا يجلس مجلساً إلا بكى وأبكى من حوله. فقال شمعون ليوحنا: ما أكثر ضحكك! كأنك قد فرغت من عملك! فقال له يوحنا: ما أكثر بكاك! كأنك قد يئست من ربك. فأوحى الله إلى عيسى بن مريم عليه السلام: أن أحب السيرتين إلي سيرة يوحنا.\rوالعرب إذا مدحوا الرجل قالوا: هو ضحوك السن، بسام العشيات، هش إلى الضيف. وإذا ذمته قال: هو عبوس الوجه، جهم المحيا، كريه المنظر، حامض الوجه كأنما وجهه بالخل منضوح. وكأنما أسعط خيشومه بالخردل.\rوقيل لسفيان: المزاح هجنة؛ فقال: بل سنة، لقوله عليه الصلاة والسلام: \" إني لأمزح ولا أقول إلا الحق \" ، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.\rمزاحات رسول الله وقد مزح رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمن ذلك: أنه قال صلى الله عليه وسلم لرجل استحمله: \" نحن حاملوك على ولد الناقة \" يريد: البعير. وقال صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار: \" الحق زوجك ففي عينه بياض \" . فسعت المرأة نحو زوجها مرعوبة؛ فقال لها: ما دهاك؟ فقالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن في عينك بياضاً؛ فقال: إن في عيني بياضاً لا لسوء. وأتته عجوز أنصارية قالت: يا رسول الله، ادع لي بالمغفرة. فقال لها: \" أما علمت أن الجنة لا يدخلها العجز \" ! فصرخت؛ فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال لها: \" أما قرأت \" إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً عرباً أتراباً \" \" .\rونظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أعرابي قد صلى صلاة خفيفة، فلما قضاها قال: اللهم زوجني بالحور العين؛ فقال عمر: يا هذا! أسأت النقد، وأعظمت الخطبة.\rمن اشتهر بالمزاح من الصحابة رضوان الله عليهم كان أشهرهم بالمزاح رضي الله عنهم نعيمان، وهو أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم البدريين، وله رضي الله عنه مزاحات مشهورة، منها ما روى: أنه خرج مع أبي بكر الصديق إلى بصرى، وكان في الحملة سويبط، هو بدري أيضاً، وكان سويبط على الزاد؛ فجاءه نعيمان فقال له: أطعمني؛ قال: لا، حتى يأتي أبو بكر. فقال نعيمان: والله لأغيظنك. وجاء إلى أناس جلبوا ظهراً، فقال ابتاعوا مني غلاما عربياً فارهاً إلا أنه دعاء، له لسان، لعله يقول: أنا حر؛ فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوه، لا تفسدوا على غلامي، قالوا: بل نبتاعه منك بعشر قلائص. فأقبل بها يسوقها، وأقبل بالقوم حتى عقلها، ثم قال: دونكم! هذا هو. فقالوا: قد اشتريناك. فقال سويبط: هو كاذب، أنا رجل حر؛ فقالوا: قد أخبرنا خبرك، ووضعوا في عنقه حبلا وذهبوا به. فجاء أبو بكر رضي الله عنه فأخبر بذلك، فذهب هو وأصحابه، فردوا القلائص على أربابها وأخذوه. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصة فضحك منها حولاً.\rومن مزاحاته: أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جرة عسل اشتراها من أعرابي، وأتى بالأعرابي إلى باب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: خذ الثمن من هاهنا. فلما قسمها النبي صلى الله عليه وسلم نادى الأعرابي: ألا أعطى ثمن عسلي؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" إحدى هنات نعيمان \" . وسأله: لم فعلت هذا؟ فقال: أردت برك يا رسول الله، ولم يكن معي شيء. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وأعطى الأعرابي حقه.","part":1,"page":383},{"id":384,"text":"ومن مزاحاته أيضاً: أنه مر يوماً بمخرمة بن نوفل الزهري، وهو ضرير، فقال له: قدني حتى أبول، فأخذ بيده حتى إذا كان في مؤخر المسجد قال له: اجلس؛ فجلس مخرمة ليبول، فصاح الناس: يا أبا المسور، أنت في المسجد. فقال: من قادني؟ فقيل له: نعيمان. قال: لله علي أن أضربه بعصاي إن وجدته. فبلغ ذلك نعيمان، فجاء يوماً فقال لمخرمة: يا أبا المسور، هل لك في نعيمان؟ قال نعم. قال: هو ذا يصلي. وأخذ بيده وجاء به إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو يصلي، فقال: هذا نعيمان؛ فعلاه مخرمة بعصاه؛ فصا به الناس: ضربت أمير المؤمنين. فقال: من قادني؟ قالوا: نعيمان؛ فقال: لا جرم لا عرضت له بسوء أبداً.\rومنهم ابن أبي عتيق، وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم. وكان ذا ورع وعفاف وشرف، وكان كثير المجون، وله نوادر مستظرفة، منها: أنه لقي عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما تقول في إنسان هجان بشعر، وهو:\rأذهبت مالك غير متروك ... في كل مؤنسة وفي الخمر\rذهب الإله بما تعيش به ... وبقيت وحدك غير ذي وفر\rفقال عبد الله بن عمر: أرى أن تأخذ بالفضل وتصفح. فقال له عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن: والله أرى غير ذلك. فقال: وما هو؟ قال: أرى أن أنيكه. فقال ابن عمر: سبحان الله! ما تترك الهزل! وافترقا. ثم لقيه بعد ذلك فقال له: أتدري ما فعلت بذلك الإنسان؟ فقال: أي إنسان؟ قال: الذي أعلمتك أنه هجاني. قال: ما فعلت به؟ قال: كل مملوك لي حر إن لم أكن نكته. فأعظم ذلك عبد الله بن عمر واضطرب له. فقال له: امرأتي والله التي قالت الشعر وهجتني به. وكانت امرأته أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله.\rوقد مدح الشعراء اللعب في موضعه، كما مدح الجد في موضعه؛ فقال أبو تمام:\rالجد شيمته وفيه فكاهة ... طوراً ولا جد لمن لم يلعب\rوقال الأبيرد رحمة الله عليه:\rإذا جد عند الجد أرضاك جده ... وذو باطل إن شئت ألهاك باطله","part":1,"page":384},{"id":385,"text":"ومن مجون عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ما حكي أن جاريته قالت له: إن فلاناً القارئ، وكان يظهر النسك، قد قطع علي الطريق وآذاني ويقول لي: أنا أحبك. فقال لها: قولي له: وأنا أحبك أيضاً، وواعديه المنزل؛ ففعلت وأدخلته المنزل؛ وكان عبد الله قد واعد جماعة من أصحابه ليضحكوا على الرجل. ودخلت الجارية إلى البيت الذي فيه الرجل، فدعاها فاعتلت عليه، فوثب إليها فاحتملها وضرب بها الأرض، فدخل عليه ابن أبي عتيق وأصحابه وقد تولكها، فحجل وقام وقال: يا فساق، ما تجمعتم ها هنا إلا لريبة، فقال له ابن أبي عتيق: استر علينا ستر الله عليك. ثم لم يرتدع عن العبث بها، فشكت ذلك إلى سيدها؛ فقال لها: هيئي من الطعام طحن ليلة إلى الغداة ففعلت، ثم قال لها: عديه الليلة، فإذا جاء فقولي له: إن وظيفتي الليلة طحن هذا كله، ثم اخرجي إلى البيت واتركيه، ففعلت. فلما دخل طحنت الجارية قليلاً، ثم قالت له: أدر الرحى حتى أفتقد سيدي، فإذا نام وأمنا أن يأتينا أحد، صرت إلى ما تحب، ففعل، ومضت الجارية إلى مولاها، وأمر ابن أبي عتيق عدة من مولياته أن يتراوحن على سهر ليلتهن ويتفقدن أمر الطحن ويحثثن عليه، ففعلن وجعلن ينادين الفتى كلما كف عن الطحن: يا فلانة إن مولاك مستيقظ والساعة يعلم أنك قد كففت عن الطحن، فيقوم إليك بالعصا كعادته مع من كانت نوبتها قبلك إذا هي نامت وكفت عن الطحن. فلم يزل كلما سمع ذلك الكلام منهن اجتهد في العمل والجارية تتفقده وتقول له: استيقظ مولاي والساعة ينام فأصير إلى ما تحب وهو يطحن، حتى أصبح وفرغ القمح. فأتته الجارية بعد فراغه فقالت له: قد أصبح فانج بنفسك. فقال: أو قد فعلتها يا عدوة الله! وخرج تعباً نصباً، وأعقبه ذلك مرضاً شديداً أشرف منه على الموت، وعاهد الله ألا يعود إلى كلام الجارية، فلم تر منه بعد ذلك شيئاً تكرهه. قال: وتعشى عبد الله ليلة ومعه رجل من الأنصار، فوقع حجر في الدار ووقع آخر وثالث؛ فقال للجارية: اخرجي فانظري: أذنوا المغرب أم لا، فخرجت وجاءت بعد ساعة، وقالت: قد أذنوا وصلوا. فقال الرجل الذي كان عنده: أليس قد صلينا قبل أن تدخل الجارية؟ قال: بلى، ولكن لو لم أرسلها تسأل عن ذلك لرجمنا إلى الغداة، أفهمت؟! قال: نعم، قد فهمت. قال وسمع بعد الله بن أبي عتيق قول عمر بن أبي ربيعة:\rمن رسولي إلى الثريا فإني ... ضقت ذرعاً بهجرها والكتاب\rفركب بغلته من المدينة، وسار يريد مكة، فلما بلغ ذا الحليفة قيل له: أحرم؛ قال: ذو الحاجة لا يحرم، وجاء حتى دخل على الثريا. فقال لها: ابن عمك يقول:\rضقت ذرعاً بهجرها والكتاب\rثم ركب بغلته وعاد.\rمجون الأعراب سئل أعرابي عن جارية له يقال لها زهرة، فقيل له: أيسرك أنك الخليفة وأن زهرة ماتت؟ فقال: لا والله! تذهب الأمة وتضيع الأمة. وجد أعرابي مرآة وكان قبيح الصورة، فنظر فيها فرأى وجهه فاستقبحه، فرمى بها وقال: لشر ما طرحك أهلك. وقيل لأعرابي: لم يقال: باعك الله في الأعراب؟ فقال: لأنا نجيع كبده، ونعرى جلده، ونطيل كده. وتزوج أعرابي على كبر سنه، فقيل له في ذلك، فقال: أبادره باليتم، قبل أن يبادرني بالعقوق. ومر أعرابي وفي يده رغيف برجل في يده سيف، فقال: بعني هذا السيف بهذا الرغيف، فقال: أمجنون أنت؟ فقال الأعرابي: ما أنكرت مني؟ انظر أيهما أحسن أثراً في البطن.","part":1,"page":385},{"id":386,"text":"وحكي أن المهدي خرج للصيد فغلبه فرسه حتى انتهى به إلى خباء لأعرابي، فقال: يا أعرابي، هل من قرى؟ قال: نعم، وأخرج له فضلة من خبز ملة فأكلها وفضلة من لبن فسقاه، ثم أتى بنبيذ في زكرة فسقاه قعباً. فلما شرب قال: أتدري من أنا؟ قال: لا والله. قال: أنا من خدم الخاصة، قال: بارك لك الله في موضعك. ثم سقاه آخر، فلما شربه قال: أتدري من أنا؟ قال: نعم، زعمت أنك من خدم الخاصة، قال: بل أنا م قواد أمير المؤمنين، فقال له الأعرابي: رحبت بلادك، وطاب مادك ومرادك. ثم سقاه قدحاً ثالثاً، فلما فرغ منه قال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: زعمت أخيراً أنك أنك من قواد أمير المؤمنين، قال: لا ولكني أمير المؤمنين. فأخذ الأعرابي الزكرة فأوكاها وقال: والله لئن شربت الرابع لتقولن: إنك لرسول الله، فضحك المهدي. ثم أحاطت بهم الخيل، فنزل أبناء الملوك والأشراف، فطار قلب الأعرابي، فقال له المهدي: لا بأس عليك! وأمر له بصلة. فقال: أشهد أنك صادق، ولو ادعيت الرابعة لخرجت منها.\rودخل أعرابي على يزيد بن المهلب وهو على فرشه والناس سماطان، فقال: كيف أصبح الأمير؟ قال يزيد: كما تحب. فقال الأعرابي: لو كنت كما أحب كنت أنت مكاني وأنا مكانك، فضحك يزيد.\rمن نوادر القضاة قيل: أتى عدي بن أرطاة شريحاً القاضي ومعه امرأة له من أهل الكوفة يخاصمها إليه، فلما جلس عدي بين يدي شريح، قال عدي: أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط. قال: إني امرؤ من أهل الشام، قال: بعيد الدار. قال: وإني قدمت العراق، قال: خير مقدم. قال: وتزوجت هذه المرأة، قال: بالرفاء والبنين. قال: وإنها ولدت غلاماً، قال: ليهنك الفارس. قال: وقد أردت أن أنقلها إلى داري، قال: المرء أحق بأهله. قال: كنت شرطت لها دارها، قال: الشرط أملك. قال: اقض بيننا، قال: قد فعلت. قال: فعلى من قضيت؟ قال: على ابن أمك.\rودخل على الشعبي في مجلس قضائه رجل وامرأته، وكانت المرأة من أجمل النساء، فاختصما إليه، فأدلت المرأة بحجتها، وقويت بينتها. فقال للزوج: هل عندك من دافع؟ فأنشأ يقول:\rفتن الشعبي لما ... رفع الطرف إليها\rفتنته بدلال ... وبخطى حاجبيها\rقال للجلواز قرب ... ها وقدم شاهديها\rفقضى جوراً على الخص ... م ولم يقض عليها\rقال الشعبي: فدخلت على عبد الملك بن مروان، فلما نظر إلي تبسم وقال:\rفتن الشعبي لما ... رفع الطرف إليها\rثم قال: ما فعلت بقائل هذه الأبيات؟ قال: أوجعته ضرباً يا أمير المؤمنين بما انتهك من حرمتي في مجلس الحكومة وما افترى به علي. قال: أحسنت!. وأحضر رجل امرأته إلى بعض قضاة البصرة، وكانت حسنة المنتقب، قبيحة المسفر، فمال القاضي لها على زوجها وقال: بعمد أحدكم إلى المرأة الكريمة فيتزوجها ثم يسيء إليها. فطن الرجل لميله إليها فقال: أصلح الله القاضي، قد شككت في أنها امرأتي، فمرها تسفر عن وجهها، فوقع ذلك بوفاق من القاضي، فقال لها: اسفري رحمك الله؟ فسفرت عن وجهه قبيح. فقال القاضي لما نظر إلى قبح وجهها: قومي عليك لعنة الله! كلام مظلوم، وجهه ظالم.\rقيل: بينا رقة بن مصقلة القاضي في حلقته، إذ مر به رجل غليظ العنق، فقال له بعض جلسائه: يا أبا عبد الله، هذا أعبد الناس. فقال رقبة: إني لأرى لهذا عنقاً ما دققتها العبادة. قال: فمضى الرجل وعاد قاصداً إليهم. فقال رجل لرقبة: يا أبا عبد الله، أخبره بما قلت حتى لا تكون غيبة، قال: نعم، أخبره أنت حتى تكون نميمة. ودخل رقبة المسجد الأعظم فألقى نفسه إلى حلقة قوم، ثم قال: قتيل فالوذج رحمكم الله! قالوا: عند من؟ قال: عند من حكم في الفرقة وقضى في الجماعة، يعني: بلال بن أبي بردة.","part":1,"page":386},{"id":387,"text":"واختصم رجلان إلى إياس بن معاوية وهو قاضي البصرة لعمر بن عبد العزيز في مطرف خزوأنبجاني، وادعى كل واحد منهما أن المطرف له وأن الأنبجاني لصاحبه. فدعا إياس بمشط وماء، فبل رأس كل واحد منهما، ثم قال لأحدهما: سرح رأسك فسرحه، فخرج في المشط عفر المطرف، وفي مشط الآخر عفر الأنبجاني، فقال: يا خبيث! الأنبجاني لك، فأقر، فدفع المطرف لصاحبه. وقال رجل لإياس: هل ترى على من بأس إن أكلت تمراً؟ قال: لا. قال: فهل ترى علي من بأس إن أكلت معه كيسوماً؟ قال: لا. قال: فإن شربت عليهما ماء؟ قال: جائز. قال: فلم تحرم السكر، وغنما هو ما ذكرت لك؟ قال له إياس لو صببت عليك ماء هل كان يضرك؟ قال: لا. قال: فلو نثرت عليك تراباً هل كان يضرك؟ قال: لا. قال: فإن أخذت ذلك فخلطته وعجنته وجعلت منه لبنة عظيمة فضربت بها رأسك هل كان يضرك؟ قال: كنت تقتلني. قال: فهذا مثل ذاك.\rدعا الرشيد أبو يوسف القاضي فسأله عن مسألة فأفتاه، فأمر له بمائة ألف درهم. فقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بتعجيلها قبل الصبح! فقال: عجلوها له. فقيل: إن الخازن في بيته والأبواب مغلقة. فقال أبو يوسف: وقد كنت في بيتي والدروب مغلقة، فلما دعيت فتحت. فقال له الرشيد: بلغني أنك لا ترى لبس السواد. فقال: يا أمير المؤمنين، ولم وليس في بدني شيء أعز منه؟ قال: وما هو؟ قال: السواد الذي في عيني.\rوسأل الرشيد الأوزاعي عن لبس السواد، فقال: لا أحرمه، ولكني أكرهه. قال: ولم؟ قال: لأنه لا تجلى فيه عروس، ولا يلبي فيه محرم، ولا يكفن فيه ميت. فالتفت الرشيد إلى أبي يوسف وقال: ما تقول أنت في السواد؟ قال: يا أمير المؤمنين، النور في السواد. فاستحسن الرشيد ذلك. ثم قال: وفضيلة أخرى يا أمير المؤمنين. قال: وما هي؟ قال: لم يكتب كتاب الله إلا به، فاهتز الرشيد لذلك.\rتقدم رجل إلى أبي حازم عبد الحميد بن عبد العزيز السكوني قاضي المعتمد، وقدم أباه يطالبه بدين له عليه، فأقر الأب بالدين، وأراد الابن حبس والده. فقال القاضي: هل لأبيك مال؟ قال: لا أعلمه. قال: فمذ كم داينته بهذا المال؟ قال: منذ كذا وكذا. قال: قد فرضت عليك نفقة أبيك من وقت المداينة، فحبس الابن وخلى الأب.\rكان عبد الملك بن عمر قاضي الكوفة، فهجاه هذيل الأشجعي بأبيات منها:\rإذا ذات دل كلمته بحاجة ... فهم بأن يقضى تنحنح أو سعل\rفكان عبد الملك يقول: قاتله الله! والله لربما جائتني النحنحة وأنا في المتوضأ فأذكر ما قال فأردها.\rوقيل: شهد سلمى الموسوس عند جعفر بن سليمان على رجل، فقال: هو أصلحك الله ناصبي، رافضي، قدري، مجبري، يشتم المحجاج بن الزبير الذي يهدم الكعبة على علي بن أبي سفيان. فقال له جعفر: ما أدرى على أي شيء أحسدك: على علمك بالمقالات، أم على معرفتك بالأنساب! فقال: أصلح الله الأمير، ما خرجت من الكتاب، حتى حذفت هذا كله ورائي.\rواستفتي بعض القضاة، وقد نسبت إلى القاضي أبي بكر بن قريعة، فقيل له: ما يقول سيدنا القاضي أيده الله في رجل باع حجراً من رجل، فحين رفع ذنبها ليقلبه خرجت منها ريح مصوتة اتصلت بحصاة ففقأت عين المشتري؟ أفتينا في الدية والرد يرحمك الله. فأجاب: لم تجر العادة بمثل هذه البدائع، بين مشتر وبائع؛ فلذلك لم يثبت في كتب الفقهاء، ولم يستعمل في فتوى العلماء، لكن هذا وما شاكله يجري مجرى الفضول المستخرج من أحكام العقول، والقول فيه وبالله العصمة من الزلل والخطل : أن دية ما جنته الحجر ملغي في الهدر، عملاً بقول النبي المختار، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، \" جرح العجماء جبار \" ، لاسيما والمشتري عند كشفه لعورتها، استثار كامن سورتها. وعلى البائع لها ارتجاعها، ورد ما قبض من ثمنها، لأنه دلس حجراً مضيقها منجنيقها. وإذا كانت السهام طائشة، فهي من العيوب الفاحشة. وكيف يمتنع ردها وأغراضها نواظر الحدق، وقلما يستظهر المقلبون الخيل بالدرق.\rمن نوادر النحاة قدم رجل من النحاة خصماً إلى القاضي، وقال: لي عليه مائتان وخمسون درهماً. فقال لخصمه: ما تقول؟ فقال: أصلح الله القاضي، الطلاق لازم له، إن كان له إلا ثلثمائة، وإنما ترك منها خمسين ليعلم القاضي أنه نحوي.\rومر أبو علقمة بأعدال قد كتب عليها: رب سلم لأبو فلان، فقال لأصحابه: لا إله إلا الله! يلحنون ويربحون.","part":1,"page":387},{"id":388,"text":"وجاء رجل إلى الحسن البصري فقال: ما تقول في رجل مات فترك أبيه وأخيه؟ فقال الحسن: ترك أباه وأخاه. فقال: ما لأباه وأخاه، فقال الحسن: ما لأبيه وأخيه. فقال الرجل: إني أراك كلما طاوعتك تخالفني!. وقيل سكر هارون بن محمد بن عبد الملك ليلة بين يدي الموفق، فقام لينصرف فغلبه السكر فنام في المضرب. فلما انصرف الناس جاء راشد الحاجب فأنبهه وقال: يا هارون انصرف. فقال: هارون لا ينصرف. فأعاد راشد القول على هارون، فقال هارون: سل مولاك فهو يعلم أن هارون لا ينصرف. فسمع الموفق فقال: هارون لا ينصرف، فتركه راشد. فلما أصبح الموفق وقف على أن هارون بات في مضربه، فأنكر على راشد، وقال: يا راشد، يبيت في مضربي رجل لا أعلم به! فقال: أنت أمرتني بهذا، قلت: هارون لا ينصرف. فضحك وقال: ما أردت إلا الإعراب وظننت أنت غيره.\rوقيل: قدم العريان بن الهيثم على عبد الملك، فقيل له: تحفظ من مسلمة فإنه يقول: لأن يلقمني رجل بحجر أحب غلي من أن يسمعني رجل لحناً، فأتاه العريان ذات يوم فسلم عليه. فقال له مسلمة: كم عطاءك؟ قال: ألفين. فنظر إلى رجل عنده وقال له: لحن العراقي، فلم يفهم الرجل عن مسلمة، فأعاد مسلمة القول على العريان وقال: كم عطاؤك؟ فقال: ألفان. فقال: ما الذي دعاك إلى اللحن أولاً والإعراب ثانياً؟ قال: لحن الأمير فكرهت أن أعرب، وأعرب فأعربت. فاستحسن قوله وزاد في عطائه.\rووقف نحوي على بقال يبيع الباذنجان فقال له: كيف تبيع؟ قال: عشرين بدانق، فقال: وما عليك أن تقول: عشرون بدانق؟ فقدر البقال أنه يستزيده، فقال ثلاثين بدانق. فقال: وما عليك أن تقول: ثلاثون؟ فما زال على ذلك إلى أن بلغ سبعين، فقال: وما عليك أن تقول: سبعون؟ فقال: أراك تدور على الثمانون وذلك لا يكون أبداً.\rمن نوادر المتنبئين قيل: ادعى رجل النبوة في أيام المهدي، فأدخل عليه، فقال له: إلى من بعثت؟ فقال: ما تركتموني أذهب إلى من بعثت إليهم، فإني بعثت بالغداة وحبستموني بالعشي. فضحك المهدي منه وأمر له بجائزة وخلى سبيله.\rوتنبأ رجل وادعى أنه موسى بن عمران. فبلغ خبره الخليفة، فأحضره وقال له: من أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران الكليم. قال: وهذه عصاك التي صارت ثعباناً! قال نعم. قال: فألقها من يدك ومرها أن تصير ثعباناً كما فعل موسى. قال: قل أنت \" أنا ربكم الأعلى \" كما قال فرعون حتى أصير عصاي ثعباناً كما فعل موسى. فضحك الخليفة منه واستظرفه. وأحضرت المائدة، فقيل له: أكلت شيئاً؟ قال: ما أحسن العقل! لو كان لي شيء آكله، ما الذي كنت أعمل عندكم؟ فأعجب الخليفة وأحسن إليه.\rوادعت امرأة النبوة على عهد المأمون، فأحضرت إليه فقال لها: من أنت؟ قال: أنا فاطمة النبية. فقال لها المأمون: أتؤمنين بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم، كل ما جاء به فهو حق. فقال المأمون: فقد قال محمد صلى الله عليه وسلم: \" لا نبي بعدي \" . قالت: صدق عليه الصلاة والسلام، فهل قال: لا نبية بعدي؟ فقال المأمون لمن حضره: أما أنا فقد انقطعت، فمن كانت عنده حجة فليأت بها، وضحك حتى غطى على وجهه.\rوادعى رجل النبوة، فقيل له: ما علامات نبوتك؟ قال: أنبئكم بما في نفوسكم. قالوا: فما في أنفسنا؟ قال: في أنفسكم أنني كذبت ولست بنبي.\rوتنبأ رجل في أيام المأمون، فأتي به إليه، فقال له: أنت نبي؟ قال نعم. قال: فما معجزتك؟ قال: ما شئت. قال: أخرج لنا من الأرض بطيخة. قال: أمهلني ثلاثة أيام. قال المأمون: بل الساعة أريدها. قال: يا أمير المؤمنين، أنصفني، أنت تعلم أن الله ينبتها في ثلاثة أشهر، فلا تقبلها من ي في ثلاثة أيام! فضحك منه، وعلم أنه محتال، فاستتابه ووصله.\rوادعى آخر النبوة في زمانه فطالبه بمعجزة، فقال: أطرح لكم حصاة في الماء فأذيبها حتى تصير مع الماء شيئاً واحدا. قالوا: قد رضينا. فأخرج حصاة كانت معه فطرحها في الماء فذابت. فقالوا: هذه حيلة، ولكن أذب حصاة غيرها نأتيك بها نحن. فقال لهم: لا تتعصبوا، فلست أضل من فرعون، ولا أنا أعظم من موسى، ولم يقل فرعون موسى: لا أرضى بما تفعله بعصاك حتى أعطيك عصاً من عندي تجعلها ثعباناً. فضحك المأمون منه وأجازه.","part":1,"page":388},{"id":389,"text":"وادعى رجل النبوة في أيام المعتصم، فأحضر بين يديه، فقال له: أنت نبي، قال: نعم. قال: إلى من بعثت؟ قال: إليك. قال: أشهد إنك لسفيه أحمق. قال: إنما يذهب إلى كل قوم مثلهم. فضحك منه وأمر له بشيء.\rوادعى آخر النبوة في أيام المأمون، فقال له: ما معجزتك؟ قال: سل ما شئت، وكان بين يديه قفل، فقال: خذ هذا القفل فافتحه. فقال: أصلحك الله، لم أهل إني حداد. فضحك منه واستتابه وأجازه.\rوادعى آخر النبوة، فطلب ودعى له بالسيف والنطع، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: نقتلك. قال: ولم تقتلونني؟ قالوا: لأنك ادعيت النبوة. قال: فلست أدعيها. قيل له: فأي شيء أنت؟ قال: أنا صديق. فدعي له بالسياط، فقال: لم تضربونني؟ قالوا: لادعائك أنك صديق، قال: لا أدعي ذلك. قالوا: فمن أنت؟ قال: من التابعين لهم بإحسان. فدعي له بالدرة. قال: ولم ذلك؟ قالوا: لادعائك ما ليس فيك، فقال: ويحكم! أدخل إليكم وأنا نبي تريدون أن تحطوني في ساعة واحدة إلى مرتبة العوام! لا أقل من أن تصبروا علي إلى غد حتى أصير لكم ما شئتم.\rوادعى آخر النبوة، وسمى نفسه نوحاً، فنهاه صديق له عن ذلك فلم ينته، فأخذه السلطان وصلبه، فمر به صديقه الذي كان ينهاه، فقال: يا نوح! ما حصل لك من السفينة غير الدقل.\rمن نوادر المغفلين والحمقى قال بعضهم: رأيت ابن خلف الهمداني في صحراء هو يطلب شيء، فقلت له: ما تبغي ها هنا؟ قال: دفنت شيئاً ولست أهتدي إليه. قالت: فهلا علمت عليه بشيء! قال: جعلت علامتي قطعة من الغيم كانت فوقه، وما أراها الساعة. ونظر مرة في الحب وهو الزير فرأى وجهه، فعدا إلى أمه فقال: يا أمي في الحب لص. فجاءت أمه وتطلعت فيه، فقالت: إي والله ومعه قحبة. ورئي في وسط داره وهو يعدو عدواً شديداً ويقرأ بصوت عال. فسئل عن ذلك فقال: أردت أن أسمع صوتي من بعيد. ودخل إلى رجل يعزيه، فقال: عظم الله مصيبتكم، وأعان أخاك على ما يرد عليه من يأجوج ومأجوج. فضحك الناس. فقال: تضحكون مما قلت! وإنما أردت هاروت وماروت.\rوقيل: كتب المنصور إلى زياد بن عبد الله الحارثي، ليقسم بين القواعد والعميان والأيتام مالاً. فدخل عليه أبو زياد التميمي، وكان مغفلاً فقال: أصلحك الله! اكتبني في القواعد، فقال له: عافاك الله، القواعد هن النساء اللاتي قعدن عن أزواجهن. فقال: فاكتبني في العميان. قال: اكتبوه منهم، فإن الله تعالى يقول: \" فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور \" . قال أبو زياد: واكتب ابني في الأيتام، قال: نعم! من كنت أباه فهو يتيم.\rوسئل بعضهم عن مولده، فقال: ولدت رأس الهلال للنصف من رمضان بعد العيد بثلاثة أيام، فاحسبوا الآن كيف شئتم.\rمن نوادر النبيذيين قال رجل لبعض أصحاب النبيذ: وجهت إليك رسولاً عشية أمس فلم يجدك، فقال: ذاك وقت لا أجد فيه نفسي.\rوقيل لبعضهم: كم الصلاة؟ فذكر الغداة والظهر. قالوا: فالعصر؟ قال: تعرف وتنكر. قالوا: فالعشاء؟ قال: يبلغها الجواد. قالوا: فالعتمة؟ قال: ما كانت لنا في حساب قط.\rشرب الأقيشر في حانوت خمار حتى نفد ما معه، ثم شرب بثيابه وبقي عرياناً، فجلس في تبن يستدفئ به. فمر رجل ينشد ضالة، فقال الأقيشر: الله اردد عليه، واحفظ علينا. فقال له الخمار: سخنت عينك، أي شيء يحفظ عليك ربك! قال: هذا التبن، لئلا يأخذه صاحبه فأهلك من البرد.\rوباع بعضهم ضيعة له، فقال له المشتري: بالعشي أشهد عليك. فقال: لو كنت ممن يفرغ بالعشي ما بعت ضيعتي.\rمن نوادر النساء والجواري قال رجل: قلت لجارية أريد شراءها: لا يريبك شيبي، فإن عندي قوة، فقالت: أيسرك أن عندك عجوزاً مغتلمة! أدخل على المنصور جاريتان فأعجبتاه. فقالت التي دخلت أولاً: يا أمير المؤمنين، إن الله فضلني على هذه بقوله: \" والسابقون الأولون \" . وقالت الأخرى: لا، بل الله فضلني عليها بقوله: \" وللآخرة خير لك من الأولى \" .\rوعرض على المعتصم جاريتان بكر وثيب، فمال إلى البكر. فقالت الثيب: ما بيننا إلا يوم واحد. فقالت البكر: \" وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون \" .\rقيل لامرأة ظريفة: أبكر أنت؟ قالت: أعوذ بالله من الكساد.\rوقال المتوكل لجارية استعرضها: أنت بكر أم أيش؟ قالت: أنا أيش يا أمير المؤمنين.","part":1,"page":389},{"id":390,"text":"واستعرض رجل جارية فاستقبح قدميها. فقالت: لا تبال، فإني أجعلها وراء ظهرك.\rوقال الرشيد لبغيض جاريته: إنك لدقيقة الساقين. قالت: أحوج ما تكون إليهما لا تراهما.\rوروى أبو الفرج الأصفهاني عن إسحاق: أن الرشيد أحضره مجلسه ذات ليلة، وقد مضى شطر الليل، قال: فأخرج جارية كأنها مهاة، فأجلسها في حجره، ثم قال غنيني، فغنته:\rجئن من الروم وقاليقلا ... يرفلن في المرط ولين الملا\rمقرطقات بصنوف الحلى ... يا حبذا البيض وتلك الحلى\rفاستحسنته وشرب عليه.\rطلبت جارية محمود الوراق للمعتصم بسبعة آلاف دينار، فامتنع من بيعها، واشتريت له بعد ذلك من ميراثه بسبعمائة دينار. فذكر المعتصم ذلك لها، فقالت: إن كان أمير المؤمنين ينتظر بشهواته المواريث فسبعون ديناراً في ثمني كثير، فكيف بسبعمائة.\rواستعرض رجل جارية فقال لها: في يديك عمل؟ قالت: لا، ولكن في رجلي.\rوحكى أن بعض المجان كان يعشق جارية أمجن منه. فضاق يوماً، فكتب إليها: قد طال عهدي بك يا سيدتي، وأقلقني الشوق إليك. فإن رأيت أن تستدركي رمقي بضمغة علك وتجعليه بين دينارين وتنفذيه إلي لأستفشفي به فعلت إن شاء الله. ففعلت ذلك وكتبت إليه: رد الظرف من الظرف، وقد سارعت إلى إنفاذ ما طلبت، فأنعم برد الطبق والمكبة، واستعمل الخبر: \" استدروا الهدايا برد الظروف \" .\rوطلب آخر من عشيقته خاتماً كان معها، فقالت: يا سيدي، هذا ذهب وأخاف أن تذهب، ولكن خذ هذا العود حتى تعود.\rوكتب رجل إلى عشيقته: مري خيالك أن يلم بي. فكتبت إليه: ابعث إلي بدينارين حتى آتيك بنفسي.\rقدم بعضهم عجوزاً دلالة إلى القاضي وقال: أصلح الله القاضي، زوجتي هذه امرأة، فلما دخلت بها وجدتها عرجاء. فقالت: أصل الله القاضي! زوجته امرأة يجامعها، ولم أعلم أنه يريد أن يحج عليها أو يسابق بها في الحلبة أو يلعب عليها بالكرة والصولجان!.\rكتب رجل إلى عشيقته رقعة، قال في أولها: عصمنا الله وإياك بالتقوى. فكتبت إليه في الجواب: يا غليظ الطبع، إن استجاب الله دعاءك لم نلتق أبداً.\rقال عقيل بن بلال: سمعتني أعرابية أنشد:\rوكم ليلة قد بتها غير آثم ... بمهضومة الكشحين ريانة القلب\rفقالت: هلا أثمت! أخزاك الله!.\rكان أبو نواس يوماً عند بعض إخوانه، فخرجت عليه جارية بيضاء عليها ثياب خضر. فلما رآها مسح عينيه وقال: خيراً رأيت إن شاء الله تعالى. فقالت: وما رأيت؟ قال: ألك معرفة بعلم التعبير؟ قالت: ولا أعرف غيره. قال: رأيت كأني راكب دابة شهباء، وعليها جل أخضر وهي تمرح تحتي. فقالت: إن صدقت رؤياك فستدخل فجلة. وقد روي أن هذه الحكاية اتفقت له مع عنان جارية الناطفي.\rوكان بعضهم جالساً مع امرأته في منظرة، فمر غلام حسن الوجه، فقالت: أعيذ هذا بالله، ما أحسنه وأحسن وجهه وقده! فقال الزوج: نعم، لو لا أنه خصي. فقالت: لعنه الله ولعن من خصاه.\rقال أبو العيناء: خطبت امرأة فاستقبحتني. فكتبت إليها:\rفإن تنفري من قبح وجهي فإني أريب أديب لا غبي ولا فدم\rفأجابتني: ليس لديوان الرسائل أريدك.\rوخطب ثمامة العوفي امرأة. فسألت عن حرفته، فكتب إليها يقول:\rوسائلة عن حرفتي قلت حرفتي ... مقارعة الأبطال في كل مازق\rوضربي طلى الأبطال بالسيف معلماً ... إذا زحف الصفان تحت الخوافق\rفلما قرأت الشعر، قالت للرسول: قل له : فديتك! أنت أسد، فاطلب لك لبؤة، فإني ظبية أحتاج إلى غزال.\rخرجت حبى المدنية في جوف الليل، فلقيها إنسان فقال لها: تخرجين في هذا الوقت! قالت: ما أبالي، إن لقيني شيطان فأنا في طاعته، وإن لقيني رجل فأنا في طلبه. وجاءت إلى شيخ يبيع اللبن، ففتحت ظرفاً فذاقته ودفعته إليه وقالت: لا تعجل بشده، ثم فتحت آخر فذاقته ودفعته إليه. فلما أشغلت يديه جميعاً، كشفت ثوبه من خلفه، وجعلت تصفق بظاهر قدميها آسته وخصييه، وتقول: يا ثارات ذات النحيين، والشيخ يستغيث، فلم يخلص منها إلا بعد جهد.\rغاب رجل عن امرأته فبلغها أنه اشترى جارية، فاشترت غلامين، فبلغه ذلك فجاء مبادراً، وقال لها: ما هذا؟ فقالت: أما علمت أن الرحى إلى بغلين أحوج من البغل إلى رحيين! ولكن بع الجارية حتى نبيع الغلامين، ففعل ذلك ففعلت.","part":1,"page":390},{"id":391,"text":"ومثل ذلك ما حكي عن الأحنف: أنه اعتم ونظر في المرآة، فقالت له امرأته: كأنك قد هممت بخطبة امرأة! قال: قد كان ذلك. قالت: فإذا فعلت فاعلم أن المرأة إلى رجلين أحوج من الرجل إلى امرأتين. فنقض عمته وترك ما كان قد هم به.\rمن نوادر العميان قال إبراهيم بن سيابة لبشار الأعمى: ما سلب الله من مؤمن كريمتيه إلا عوضه عنهما: إما الحفظ والذكاء، وإما حسن الصوت. فما الذي عوضك الله عن عينينك؟ قال: فقد النظر لبغيض ثقيل مثلك! ونظير هذه الحكاية ما حكي عن بعضهم، قال: خرجت ليلة من قرية لبعض شأني، فإذا أنا بأعمى على عاتقه جرة وبيده سراج، فلم يزل حتى انتهى إلى النهر، وملأ جرته وعاد. قال: فقلت له: يا هذا، أنت أعمى، والليل والنهار عندك سواه، فما تصنع بالسراج؟ قال: يا كثير الفضول، حملته لأعمى القلب مثلك، يستضيء به لئلا يعثر في الظلمة، فيقع علي ويكسر جرتي.\rقالوا: بلغ أبا العيناء أن المتوكل يقول: لولا عمى أبي العيناء لاستكثرت منه، فقال: قولوا لأمير المؤمنين: إن كان يريدني لرؤية الأهلة ونظم اللآلئ واليواقيت وقراءة نقوش الخواتيم، فأنا لا أصلح لذلك، وإن كان يريدني للمحاضرة والمنادمة والمذاكرة والمسامرة، فناهيك بي. فانتهى ذلك إلى المتوكل فضحك منه، وأمر بإحضاره، فحضر ونادمه.\rتزوج بعض العمين بسوداء، فقالت له: لو نظرت إلى حسني وجمالي وبياضي لازددت في حباً. فقال لها: لو كنت كما تقولين ما تركك لي البصراء.\rمن نوادر السؤال سأل أبو عون رجلاً فمنعه، فألح عليه فأعطاه، فقال: الله آجرنا وإياهم، نسألهم إلحافاً ويعطوننا كرهاً، فلا يبارك الله لنا فيها ولا يؤجرهم عليها.\rوقف أعرابي سائل على باب وسأل، فأجابه رجل وقال: ليس هاهنا أحد. فقال: إنك أحد لو جعل الله فيك بركة.\rووقف سائل على باب، وكانت صاحبة الدار تبول في البالوعة، فسمع السائل صوت بولتها فظنه نشنش المقلى، فقال: أطعمونا من هذا الذي تقلونه، فضرطت المرأة وقالت: حطبنا رطب ليس يشعل.\rووقف سائل على باب وقال: تصدقوا علي فإني جائع. قالوا: إلى الآن لم نخبز. قال: فكف سويق. قالوا: ليس عندنا سويق. قال: فشربة من ماء فإني عطشان. قالوا: ما أتانا السقاء. قال: فيسير دهن أجعله في رأسي. قالوا: من أين لنا دهن. فقال: يا أولاد الزنا، فما قعودكم هنا! قوموا واسحتوا معي! من اشتهر بالمجون كان مزبد ممن اشتر بالمجون والنوادر، وله نوادر. فمنها ما قيل: إنه أخذه بعض الولاة وقد اتهم بالشرب، فاستنكهه، فلم يد منه رائحة، فقال: قيئوه. فقال مزبد: ومن يضمن عشائي أصلحك الله؟ فضحك منه وأطلقه. وهبت ريح شديد فصاح الناس: القيامة، القيامة! فقال مزبد: هذه قيامة على الريق بلا دابة، ولا دجال، ولا القائم، ولا عيسى بن مريم، ولا يأجوج ومأجوج. وقيل له: لم لا تكون كفلان؟ يعنون رجلاً موسراً فقال: بأبي أنتم! كيف أشبه بمن يضرط فيشمت وأعطس فألطم!. وقيل له: ما بال حمارك يتبلد إذا توجه نحو المنزل وحمير الناس إلى منازلها أسرع؟ قال: لأنه يعرف سوء المنقلب. ونظرت امرأته وهي حبلى إلى قبح وجهه، فقالت: الويل لي إن كان الذي في بطني يشبهك. فقال لها: الويل لك إن لم يكن يشبهني. وسمع رجلاً يقول عن ابن عباس: من نوى حجة وعاقه عائق، كتبت له. فقال مزبد: ما خرج العام كراء أرخص من هذا.\rوممن اشتهر بالمجون أشعب.\rمن نوادر أشعب وأخباره","part":1,"page":391},{"id":392,"text":"هو أشعب بن جبير. واسمه شعيب، وكنيته أبو العلاء. وأمه أم الجلندح، وقيل أم حميد حميدة. وهي مولاة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها. وكان أبوه قد خرج مع المختار ابن أبي عبيد، فأسره مصعب بن الزبير، فقال له: ويلك! تخرج علي وأنت مولاي! وقتله صبراً. وقد قيل في ولائه: إن أباه مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وإن أمه كانت مولاة أبي سفيان بن حرب، وإن ميمونة أم المؤمنين أخذتها لما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت تدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فيستظرفنها، ثم صارت تنقل أحاديث بعضهن إلى بعض، وتغري بينهن. فدعا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فماتت. وقد حكي عن أشعب: أنه جلس يوماً في مجلس فيه جماعة، فتفاخروا وذكر كل واحد منهم مناقبه وشرفه أو شجاعته أو شعره وغير ذلك مما يتمدح به الناس ويتفاخرون، فوثب أشعب وقال: أنا ابن أم الجلندح، أنا ابن المحرشة بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. فقيل له: ويلك! أو بهذا يفتخر الناس! قال: وأي افتخار أعظم من هذا! لو لم تكن أمي عندهن ثقة لما قبلن روايتها في بعضهن بعضاً. وقد حكي: أنها زنت، فحلقت، وطيف بها على جمل، فكانت تنادي على نفسها: من رآني فلا يزنين. فقالت لها امرأة: نهانا الله عز وجل عنه فعصيناه، ونطيعك وأنت مجلودة محلوقة، راكبة على جمل!. ونشأ أشعب بالمدينة في دور آل أبي طالب، وكفلته وتولت تربيته عائشة بنت عثمان. وعمر أشعب عمراً طويلاً. وحكي عنه أنه قال: كنت مع عثمان رضي الله عنه يوم الدار لما حصر، فلما جرد مماليكه السيوف ليقاتلوا كنت فيهم، فقال عثمان: من أغمد سيفه فهو حر. فلما وقعت في أذني كنت والله أول من أغمد سيفه فعتقت. وكانت وفاته بعد سنة أربع وخمسين ومائة. وهذا القول يدل على أنه كان مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه.\rوقد روى أبو الفرج الأصفهاني بإسناد رفعه إلى إبراهيم بن المهدي عن عبيد ابن أشعب عن أبيه: أنه كان مولده في سنة تسع من الهجرة، وأن أباه كان من مماليك عثمان بن عفان. وعمر أشعب حتى هلك في أيام المهدي. قال: وكانت في أشعب خلال، منها: أنه كان أطيب أهل زمانه عشرة، وأكثرهم نادرة، وكان أقوم أهل دهره لحجج المعتزلة، وكان امرأ منهم. وقال مصعب بن عبد الله: كان أشعب من القراء حسن الصوت بالقراءة، وكان قد نسك وغزا، وقد روى الحديث عن عبد الله بن جعفر. وقال الأصمعي: قال أشعب: نشأت أنا وأبي الزناد في حجر عائشة بنت عثمان، فلم يزل يعلوا وأسفل حتى بلغنا هذه المنزلة. وقال إسحاق ابن إبراهيم: كان أشعب مع ملاحته ونوادره يغني أصواتاً فيجيدها. وفيه يقول عبد الله بن مصعب الزبيري عفا الله عنه:\rإذا تمرزت صراحية ... كمثل ريح المسك أو أطيب\rثم تغنى لي بأهزاجه ... زيد أخو الأنصار أو أشعب\rحسبت أني ملك جالس ... حفت به الأملاك والموكب\rوما أبالي وإله العلا ... أشرق العالم أم غربوا\rولأشعب نوادر مستظرفة وحكايات مستحسنة، وقد آن أن نذكرها. فمنها ما حكي أنه كان يقول: كلبي كلب سوء، يبصبص للأضياف، وينبح على أصحاب الهدايا. وقيل له: قد لقيت رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلو حفظت أحاديث تتحدث بها! فقال: أنا أعلم الناس بالحديث. قيل فحدثنا: قال: حدثني عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم قال: خلتان لا تجتمعان في مؤمن إلا دخل الجنة، ثم سكت. فقيل له: هات، ما الخلتان؟ قال: نسي عكرمة إحداهما ونسيت أنا الأخرى. وكان أشعب يحدث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فيقول: حدثني عبد الله، وكان يبغضني في الله. وكان أشعب يلازم طعام سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم. فاشتهى سالم أن يأكل مع بناته فخرج إلى البستان، فجاء أشعب إلى منزل سالم على عادته، فأخبر بالقصة، فاكترى جملاً بدرهم وجاء إلى البستان. فلما حاذى الحائط وثب فصار عليه، فغطى سالم بناته بثوبه وقال: بناتي بناتي! فقال أشعب: \" لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد \" .","part":1,"page":392},{"id":393,"text":"قال أشعب: جاءتني جارية بدينار وقالت: هذا وديعة عندك، فجعلته بين ثني الفراش. فجاءت بعد أيام وقالت: بأبي أنت! الدينار، فقلت ارفعي فراشي وخذي ولده فإنه قد ولد، وكنت قد تركت إلى جنبه درهماً، فأخذت الدرهم وتركت الدينار. وعادت بعد أيام فوجدت معه درهماً آخر فأخذته، وفي الثالثة كذلك. وجاءت في الرابعة، فلما رأيتها بكيت، فقالت: ما يبكيك؟ قلت: مات دينارك في النفاس. فقالت: وكيف يكون للدينار نفاس؟ قلت: يا فاسقة! تصدقين بالولادة ولا تصدقين النفاس!.\rومن أخباره المستظرفة ما حكاه المدائني، قال: قال أشعب: تعلقت بأستار الكعبة فقلت: اللهم أذهب عني الحرص والطلب إلى الناس، فمررت بالقرشيين وغيرهم فلم يعطني أحد شيئاً. فجئت إلى أمي، فقالت: مالك قد جئت خائباً؟ فأخبرتها بذلك، فقالت: والله لا تدخل حتى ترجع فتستقيل ربك فرجعت فجعلت أقول: يا رب أقلني، ثم رجعت، فما مررت بمجلس لقريش ولا غيرهم إلا أعطوني، ووهب لي غلام، فجئت إلى أمي بجمال موقورة من كل شيء. فقالت: ما هذا الغلام؟ فخفت أن أخبرها فتموت فرحاً إن قلت: وهبوه لي. فقالت: أي شيء هذا؟ فقلت: غين. قالت: أي شيء غين؟ قلت: لام. قالت: أي شيء لام؟ قلت: ألف. قالت: وأي شيء ألف؟ قلت: ميم. قالت: وأي ميم؟ قلت: غلام، فغشي عليها. ولو لم أقطع الحروف لماتت الفاسقة فرحاً. قال: وجلس أشعب يوماً إلى جانب مروان بن أبان بن عثمان، فانفلتت من مروان ريح لها صوت، فانصرف أشعب يوهم الناس أنه هو الذي خرجت منه الريح. فلما انصرف مروان إلى منزله جاءه أشعب فقال له: الدية، قال: دية ماذا؟ دية الضرطة التي تحملتها عنك، وإلا شهرتك، فلم يدعه حتى أخذ منه شيئاً صالحه عليه.\rقوال محمد بنأبي قبيلة: غذى أشعب جدياً بلبن أمه وغيرها حتى بلغ غاية، ثم قال لزوجته أم ابنه وردان: إني أحب أن ترضعيه بلبنك ففعلت. ثم جاء به إلى إسماعيل بن جعفر بن محمد، فقال: تالله إنه لابني، رضع بلن زوجتي، قد حبوتك به، ولم أر أحداً يستأهله سواك. فنظر إسماعيل إليه وأمر به فذبح وسمط. فأقبل عليه أشعب وقال: المكافأة، فقال: ما عندي والله اليوم شيء، ونحن من تعرف، وذلك غير فائت لك. فلما يئس أشعب منه قام من عنده فدخل على أبيه جعفر، ثم اندفع فشهق حتى التقت أضلاعه، ثم قال: أخلني. قال: ما معنا أحد يسمع، ولا عليك عين. قال: وثب ابنك إسماعيل على ابني فذبحه وأنا أنظر إليه. فارتاع جعفر وصاح: ويلك! وفيم؟ وتريد ماذا؟ قال: أما ما أريد فوالله مالي في إسماعيل حيلة ولا يسمع هذا سامع أبداً بعدك. فجزاه خيراً وأدخله منزله وأخرج إليه مائتي دينار فقال: خذ هذه، ولك عندنا ما تحب. قال: وخرج إلى إسماعيل وهو لا يبصر ما يطأ عليه، فإذا به مسترسل في مجلسه. فلما رأى وجه أبيه أنكره وقام إليه، فقال: يا إسماعيل، فعلتها بأشعب! قتلت ولده؟ قال: فاستضحك وقال: جاءني، وأخبره الخبر. فأخبره أبوه بما كان منه وما صار إليه. قال: فكان جعفر يقول لأشعب: رعتني راعك الله! فيقول: روعة ابنك بنا في الجدي أكثر من روعتك بالمائتي الدينار.\rقال المدائني: دخل أشعب على الحسين بن علي رضي الله عنهما، وعنده أعرابي قبيح المنظر، مختلف الخلقة، فسبح أشعب حين رآه وقال للحسين: بأبي أنت وأمي، أتأذن لي أن أسلح عليه؟ فقال: إن شئت. ومع الأعرابي قوس وكنانة، ففوق نحوه سهماً، وقال: والله لئن فعلت لتكونن آخر سلحة سلحتها. فقال أشعب للحسين: جعلت فداك، أخذني القولنج. وعنه قل: توضأ أشعب فغسل رجله اليسرى وترك اليمنى. فقيل له: لم تكرت غسل اليمنى؟ فقال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" أمتي غر محجلون من آثار الوضوء \" وأنا أحب أن أكون أغر محجلاً مطلق اليمين. وقال: سمع أشعب حبى المدنية تقول: اللهم لا تمتني حتى تغفر لي ذنوبي، فقال لها: يا فاسقة! أنت لم تسألي الله تعالى المغفرة، وإنما سألته عمر الأبد! يريد: أن الله لا يغفر لها أبداً.\rوقال الزبير بن بكار: كان أشعب يوماً في المسجد يدعو، وقد قبض وجهه فصيره كالصبرة المجموعة. فرآه عامر بن عبد الله بن الزبير فحصبه وناداه: يا أشعب، إنما أنت تناجي ربك فناجه بوجه طليق. قال: فأرخى لحييه حتى وقعا على زوره. قال: فأعرض عنه، وقال: ولا كل ذا.","part":1,"page":393},{"id":394,"text":"وقال مصعب: بلغ أشعب أن الغاضري قد أخذ في مثل مذهبه ونوادره، وأن جماعة استطابوه، فرقبهم حتى علم أنه في مجلس من مجالس قريش يحادثهم ويضحكهم، فصار إليهم، ثم قال: قد بلغني أنك قد نحوت نحوي، وشغلت عني من كان يألفني، فإن كنت مثلي فافعل كما أفعل. ثم غضن وجهه وعرضه وشنجه، حتى صار عرضه أكثر من طوله، وصار في هيئة لم يعرفه أحد بها، ثم أرسل وجهه حتى كاد ذقنه يجوز صدره، وصار كأنه وجه الناظر في سيف، ثم نزع ثيابه وتحادب، فصار في ظهره حدبة كسنام البعير، وصار طوله مقدار شبر، ثم نزع سراويله، وجعل يمد جلد خصييه حتى حك بهما الأرض، ثم خلاهما من يده، وجعل يميس، وهما يخطان الأرض، ثم قام فتطاول وتمدد وتمطى، حتى صار كأطول ما يكون من الرجال. فضحك القوم حتى أغمي عليهم، وقطع بالغاضري فما تكلم بنادرة ولا زاد على أن يقول: يا أبا العلاء، لا أعاود ما تكره أبداً، إنما أنا عبدك وتخريجك، ثم انصرف أشعب وتركه.\rوقال الزبير بن بكار: حدثني عمي، قال: لقي أشعب صديق لأبيه، فقال له: ويلك يا أشعب! كان أبوك الحى وأنت أقط، فإلى من خرجت تشبه؟ قال: إلى أمي.\rوقال الهيثم بن عدي: لقيت أشعب فقلت له: كيف ترى أهل زمانك هذا؟ قال: يسألونني عن أحاديث الملوك، ويعطونني عطاء العبيد.\rوقال مصعب بن عثمان: لقي أشعب سالم بن عبد الله بن عمر، فقال له: يا أشعب، هل لك في هريس أعد لنا؟ قال: نعم، بأبي أنت وأمي. فمضى أشعب إلى منزله، فقالت له امرأته: قد وجه عبد الله بن عمرو بن عثمان يدعوك، قال: ويحك! إن لسالم بن عبد الله هريسة قد دعاني إليها، وعبد الله بن عمرو في يدي متى شئت، وسالم إنما دعوته للناس فلتة، وليس لي بد من المضي إليه. قالت: إذاً يغضب عبد الله. قال آكل عنده ثم أصير إلى عبد الله. فجاء إلى منزل سالم فجعل يأكل أكل متعالل. فقال له: كل يا أشعب، وابعث ما فضل عنك إلى منزلك. قال: ذلك أردت، بأبي أنت وأمي. قال: فقال: يا غلام، احمل هذا إلى منزله، فحمله ومشى أشعب معه. فقالت امرأته: ثكلتك أمك، قد حلف عبد الله لا يكلمك شهراً، قال: دعيني وإياه، هاتي شيئاً من زعفران، فأعطته، فأخذه ودخل الحمام، فمسحه على وجهه وبدنه، وجلس في الحمام حتى صفره، وخرج متوطأ على عصا يرعد حتى أتى دار عبد الله بن عمرو بن عثمان. فلما رآه حاجبه قال: ويحك! بلغت بك العلة ما أرى. ودخل فأعلم صاحبه، فأذن له. فلما دخل عليه، إذا سلم بن عبد الله عنده، فجعل يزيد في الرعدة، ويقارب الخطو، وجلس وما كاد أن يستقل. فقال عبد الله: ظلمناك يا أشعب في غضبنا عليك. فقال له سالم: ويلك! مالك؟ ألم تكن عندي آنفاً وأكلت هريسة! قال: لقد شبه لك، لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: لعل الشيطان يتشبه بك. قال أشعب: علي وعلي إن كنت رأيتك منذ شهر. فقال له عبد الله: اعزب ويلك عن خالي! أتبهته لا أم لك! قال: ما قلت إلا حقاً. قال: بحياتي اصدقني وأنت آمن من غضبي. قال: وحياتك لقد صدق، وحدثه بالقصة، فضحك حتى استلقى على قفاه.\rوقال المدائني والهيثم بن عدي: بعث الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان إلى أشعب بعد ما طلق امرأته سعدة، فقال له: يا أشعب، لك عندي عشرة آلاف درهم على أن تبلغ رسالتي إلى سعدة. فقال له: أحضر المال حتى أنظر إليه، فأحضر الوليد بدرة، فوضعها أشعب على عنقه، وقال: هات رسالتك. قال: قل لها يقول لك:\rأسعدة هل إليك لنا سبيل ... وهل حتى القيامة من تلاق\rبلى! ولعل دهراً أن يؤاتى ... بموت من حليلك أو طلاق\rفأصبح شامتاً وتقر عيني ... ويجمع شملنا بعد افتراق\rقال: فأتى أشعب الباب فأخبرت بمكانه، فأمرت ففرش لها فرش وجلست وأذنت له، فدخل فأنشدها. فلما أنشد البيت الأول:\rأسعدة هل إليك لنا سبيل ... وهل حتى اليامة من تلاق\rقالت: لا والله، لا يكون ذلك أبداً. فلما أنشد البيت الثاني:\rبلى! ولعل دهراً أن يؤاتي ... بموت من حليلك أو طلاق\rقالت: كلا إن شاء الله، بل يفعل الله ذلك به. فلما أنشد البيت الثالث:\rفأصبح شامتاً وتقر عيني ... ويجمع شملنا بعد افتراق","part":1,"page":394},{"id":395,"text":"قالت: بل تكون الشماتة به. ثم قالت لخدمها: خذوا الفاسق. فقال: يا سيدتي، إنها عشرة آلاف درهم. قالت: والله لأقتلنك أو تبلغه كما بلغتني. قال: وما تهبين لي؟ قاتل: بساطي الذي تحتي. قال: قومي عنه، فقامت، فطواه، ثم قال: هاتي رسالتك، جعلت فداك! قالت: قل له:\rأتبكي على لبنى وأنت تركتها ... فقد ذهبت لبنى فما أنت صانع؟\rفأقبل أشعب، حتى دخل على الوليد، فأنشده البيت. فقال: أوه قتلتني والله! فما تراني صانعاً بك يا ابن الزانية! اختر إما أن أدليك منكساً في بئر، أو أرميك من فوق القصر منكساً، أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة. قال له: ما كنت فاعلاً بي شيئاً من ذلك. قال: ولم؟ قال: لأنك لم تكن لتعذب عينين قد نظرتا إلى سعدة! قال: صدقت يا ابن الزانية! وروى أبو الفرج الأصفهاني بإسناده إلى إبراهيم المهدي عن ابن أشعب عن أبيه، قال: دعي ذات يوم بالمغنين إلى الوليد بن يزيد، وكنت نازلاً معهم، فقلت للرسول: خذني فيهم، قال: لم أؤمر بك، إنما أمرت بإحضار المغنيين، وأنت بطال لا تدخل في جملتهم. فقلت له: أنا والله أحسن غناء منهم، ثم اندفعت فغنيت. فقال: لقد سمعت حسناً، ولكن أخاف. قلت: لا خوف عليك، ولك من ذلك شرط. قال: وما هو؟ قلت: كل ما أصبت فلك شطره، فأشهد علي الجماعة، ومضينا حتى دخلنا على الوليد، وهو لقس النفس، فغناه المغنون في كل فن فلم يتحرك ولم ينشط. فقام الأبجر إلى الخلاء، وكان خبيثاً داهياً، فسأل الخادم عن خبره، فقال: بينه وبين امرأته شر، لأنه عشق أختها فغضبت عليه، وهو إلى أختها أميل، وقد عزم على طلاقها، وحلف ألا يذكرها أبداً بمراسلة أو مخاطبة، فخرج على هذه الحال من عندها. فعاد الأبجر إلينا، وجلس ثم اندفع يغني:\rفبيني فإني لا أبالي وأيقني ... أصعد باق حبكم أم تصوبا\rألم تعلمي أني عزوف عن الهوى ... إذا صاحبي من غير شيء تغضباً\rفطرب الوليد وارتاح، وقال للأبجر: أصبت والله يا عبيد ما في نفسي، وأمر له بعشرة آلاف درهم وشرب حتى سكر، ولم يحظ أحد بشيء سوى الأبجر. فلما أيقنت بانقضاء المجلس وثبت فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر من يضربني مائة سوط الساعة بحضرتك! فضحك. ثم قال: قبحك الله! وما السبب في ذلك؟ فأخبرته بقصتي مع الرسول، وقلت له: إنه بدأني بالمكروه في أول يومه فاتصل علي إلى آخره، فأريد أن أضرب مائة سوط ويضرب بعدي مثلها. فقال: لقد لطفت، بل أعطوه مائة دينار، وأعطوا الرسول خمسين ديناراً من مالنا عوض الخمسين التي أراد أخذها من أشعب، فقبضتها وانصرفت.","part":1,"page":395},{"id":396,"text":"قال ابن زبنج: كان أبان بن عثمان من أهزل الناس وأعبثهم، فبينا نحن ذات يوم عنده وعنده أشعب، إذ أقبل أعرابي معه جمل، والأعرابي أشقر أزرق أزعر يتلظى كأنه أفعى، والشر بين في وجهه، ما يدنو منه أحد إلا شتمه ونهره، فقال أبان: هذا والله من البادية، ادعوه لي، فدعوه له وقيل: إن الأمير أبان بن عثمان يدعوك، فأتاه فسلم عليه، فسأله أبان بن عثمان عن نسبه، فانتسب له. فقال له أبان: حياك الله يا خال، اجلس، فجلس. فقال له: إني أطلب جملاً مثل جملك هذا منذ زمان فلم أجده كما أشتهي بهذه الصفة وهذه الهامة والصورة والورك والأخفاف، والحمد لله الذي جعل ظفري به عند من أحبه، أتبيعنيه؟ فقال: نعم أيها الأمير. قال: فإني قد بذلت لك به مائة دينار، فطمع الأعرابي وسر بذلك وانتفخ، وبان الطمع في وجهه. فأقبل أبان على أشعب ثم قال له: ويلك يا أشعب! إن خالي هذا من أهلك وأقاربك يعني: في الطمع فأوسع له مما عندك، قال: نعم، بأبي أنت وزيادة. فقال له أبان: يا خال، إنما زدتك في الثمن على بصيرة أن الجمل يساوي ستين ديناراً، ولكني بذلت لك مائة دينار لقلة النقد عندنا، وإني أعطيك عروضاً تساوي مائة دينار، فزاد طمع الأعرابي وقال: قد قبلت ذلك أيها الأمير. وأسر أبان إلى أشعب، فأخرج شيئاً مغطى، فقال له: أخرج ما جئت به، فأخرج جرد عمامة تساوي أربعة دراهم. فقال له: قومها يا أشعب. فقال: عمامة الأمير تساوي أربعة دراهم. فقال له: قومها يا أشعب. فقال: عمامة الأمير يشهد فيها الأعياد والجمع ويلقي فيها الخلفاء! خمسون ديناراً. قال: ضعها بين يديه، وقال لابن زبنج: أثبت قيمتها، فكتب ذلك، ووضعت العمامة بين يدي الأعرابي، فكاد يدخل بعضه في بعض غيظاً، ولم يقدر على الكلام. قال: هات قلنسوتي، فأخرج قلنسوة طويلة خلقاً قد علاها الوسخ والدهن وتخرقت تساوي نصف درهم. قال: قوم، فقال: قلنسوة الأمير تعلو هامته، ويصلي فيها الصلوات الخمس، ويجلس فيها للحكم! ثلاثون ديناراً. قال: أثبت، فأثبت ذلك، ووضعت القلنسوة بيد يدي الأعرابي فأربد وجهه وجحظت عيناه وهم بالوثوب، ثم تماسك وهو مقلقل. ثم قال لأشعب: هات ما عندك، فأخرج خفين خلقين قد نقبا وتقشرا وتفتتا، فقال: قوم، فقال: خفا الأمير يطأ بهما الروضة، ويعلو بهما منبر النبي صلى لله عليه وسلم! أربعون ديناراً، فقال: ضعهما بين يديه. ثم قال للأعرابي: أضمم إليك متاعك، وقال لبعض الأعوان: امض مع الأعرابي واقبض ما بقي لنا عليه من ثمن المتاع، وهو عشرون ديناراً. فوثب الأعرابي فأخذ القماش فضرب به وجوه القوم لا يألو في شدة الرمي، ثم قال له: أتدري في أي شيء أموت؟ قال: لا، قال: لم أدرك أباك عثمان فأشترك والله في دمه إذ ولد مثلك! ثم نهض كالمجنون حتى أخذ برأس بعيره، وضحك أبان حتى سقط، وضحك من كان معه. فكان الأعرابي بعد ذلك إذا لقي أشعب يقول له: هلم إلي يا ابن الخبيثة، حتى أكافئك على تقويمك المتاع يوم قومت، فيهرب منه أشعب.\rوقال المدائني: حدثني شيخ من أهل المدينة قال: كانت امرأة شديدة العين، لا تنظر إلى شيء فتستحسنه إلا عانته، فدخلت على أشعب وهو في الموت، وهو يقول لابنته: يا بنية، إذا أنا مت فلا تندبيني، والناس يسمعونك، وتقولين: وا أبتاه، أندبك للصوم والصلاة، للفقه والقرآن، فيكذب الناس ويلعنونني. ثم التفت فرأى المرأة، فغطى وجهه بكمه وقال لها: يا فلانة، بالله إن كنت استحسنت شيئاً مما أنا فيه، فصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ولا تهلكيني، فغضبت المرأة وقالت: سخنت عينك! وفي أي شيء أنت مما يستحسن؟ أنت في آخر رمق! قال: قد علمت، ولكن قلت لئلا تكوني قد استحسنت خفة الموت علي وسهلة النزع، فيشتد ما أنا فيه. فخرجت من عنده وهي تسبه، وضحك من كان حوله من كلامه ومات.\rمن نوادر أبي دلامة هو أبو دلامة زند بن الجون. وزند بالنون. وهو كوفي، أسود، مولى لبني أسد، كان أبوه عبداً لرجل منهم يقال له قصاقص، فأعتقه. وأدرك آخر زمن بني أمية ولم يكن له نباهة في أيامهم، ونبغ في أيام بني العباس، فانقطع إلى أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور والمهدي، وكانوا يقدمونه ويفضلونه ويستطيبون مجالسته ونوادره.","part":1,"page":396},{"id":397,"text":"قال أبو الفرج الأصفهاني: كان أبو دلامة رديء المذهب، مرتكباً للمحارم، مضيعاً للفروض، متجاهراً بذلك، وكان يعلم هذا منه ويعرف به، فيتجافى عنه للطف محله. وله أخبار وأشعار ليس هذا موضع ذكرها، وإنما نثبت في هذا الموضع ما له من نادرة أ حكاية مستظرفة. فمن ذلك أنه دخل على أبي جعفر المنصور، وكان المنصور قد أمر أصحابه بلبس السواد والقلانس الطوال، تدعم بعيدان من داخلها، وأن يعلقوا السيوف في المناطق، ويكتبوا على ظهورهم: \" فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم \" . فلما دخل عليه أبو دلامة في هذا الزي قال له المنصور: ما حالك؟ قال: شر حال يا أمير المؤمنين، وجهي في نصفي، وسيفي في استي، وقد صبغت بالسواد ثيابي ونبذت كتاب الله وراء ظهري، ثم أنشد:\rوكنا نرجى منحة من إمامنا ... فجاءت بطول زاده في القلانس\rتراها على هام الرجال كأنها ... دنان يهود جللت بالبرانس\rفضحك منه المنصور وأعفاه وحذره من ذلك، وقال: إياك أن يسمع هذا منك أحد.\rوحكي عنه: أنه كان واقفاً بين يدي السفاح أو المنصور، فقال له: سلني حاجتك، فقال أبو دلامة: كلب صيد، قال: أعطوه إياه. قال: ودابة أتصيد عليها. قال: أعطوه. قال: وغلام يقود الكلب ويتصيد به، قال: أعطوه غلاماً. قال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه، قال: أعطوه جارية. قال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال فلا بد لهم من دار يسكنونها، قال: أعطوه داراً تجمعهم. قال: فإن لم يكن ضيعة فمن أين يعيشون؟ قال: قد أقطعتك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة. قال: وما الغامرة؟ قال: ما لا نبات فيه. قال: قد أقطعتك يا أمير المؤمنين خمسمائة ألف جريب غامرة من فيافي بني أسد. فضحك وقال: اجعلوا المائتين كلها عامرة. قال: فأذن لي أن أقبل يدك، قال: أما هذه فدعها، فإني لا أفعل. قال: والله ما منعت عيالي شيئاً أقل عليهم ضرراً منها.\rوروي: أنه دخل على المنصور فأنشده قصيدته التي يقول فيها:\rإن الخليط أجدوا البين فانتجعوا ... وزودوك خبالاً بئس ما صنعوا\rوالله يعلم أن كادت، لبينهم ... يوم الفراق، حصاة القلب تنصدع\rعجبت من صبيتي يوماً وأمهم ... أم الدلامة لما هاجها الجزع\rلا بارك الله فيها من منبهة ... هبت تلوم عيالي بعدما هجعوا\rونحن مشتبهو الألوان، أوجهنا ... سود قباح، وفي أسمائنا شنع\rإذا تشكت إلى الجوع، قلت لها ... ما هاج جوعك إلا الري والشبع\rأذابك الجوع مذ صارت عيالتنا ... على الخليفة منه الري والشبع\rلا والذي يا أمير المؤمنين قضى ... لك الخلافة في أسبابها الرفع\rما زلت أخلصها كسبي فتأكله ... دوني ودون عيالي ثم تضطجع\rشوهاء مشنأة في بطنها ثجل ... وفي المفاصل من أوصافها ندع\rذكرتها بكتاب الله حرمتنا ... ولم تكن بكتاب الله ترتجع\rفاخرنطمت ثم قالت وهي مغضبة ... أأنت تتلو كتاب الله يا لكع!\rأخرج تبغ لنا مالاً ومزرعة ... كما لجيراننا مال ومزدرع\rواخدع خليفتنا عنا بمسألة ... إن الخليفة للسؤال ينخدع\rقال: فضحك أبو جعفر وقال: أرضوها عنه بمائتي جريب عامرة ويروى ستمائة جريب عامرة وغامرة فقال: أنا أقطعك يا أمير المؤمنين أربعة آلاف جريب غامرة فيما بين الحيرة والنجف، وإن شئت زدتك. فضحك وقال: اجعلوها كلها عامرة. قال: ولما توفي السفاح دخل أبو دلامة على المنصور والناس عنده يعزونه، فقال:\rأمسيت بالأنبار يا بن محمد ... لم تستطع عن عقرها تحويلا\rويلي عليك وويل أهلي كلهم ... ويلا وعولاً في الحياة طويلا\rفلتبكين لك السماء بعبرة ... ولتبكين لك الرجال عويلا\rمات الندى إذ مت يا بن محمد ... فجعلته لك في التراب عديلا\rإني سألت الناس بعدك كلهم ... فوجدت أسمح من سألت بخيلا\rألشقوتي أخرت بعدك للتي ... تدع العزيز من الرجال ذليلا؟","part":1,"page":397},{"id":398,"text":"فلا حلفن يمين حق برة ... تالله ما أعطيت بعدك سولا\rقال: فأبكى الناس الناس قوله. فغضب المنصور غضباً شديداً وقال: إن سمعتك تنشد هذه القصيدة لأقطعن لسانك. قال: يا أمير المؤمنين، إن أبا العباس أمير المؤمنين كان لي مكرماً، وهو الذي جاء بي من البدو، كما جاء الله بإخوة يوسف إليه، فقل كما قال يوسف: \" لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين \" . فسرى عن المنصور وقال: قد أقلناك يا أبا دلامة، فسل حاجتك. قال: يا أمير المؤمنين، قد كان أبو العباس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوباً وهو مريض ولم أقبضها. فقال المنصور: ومن يعلم ذلك؟ قال: هؤلاء وأشار إلى جماعة ممن حضر فوثب سليمان بن مجالد وأبو الجهم فقالا: صدق أبو دلامة، نحن نعلم ذلك. فقال المنصور لأبي أيوب الخازن وهو مغيظ: يا سليمان ادفعها إليه وسيره إلى ذا الطاغية يعني عبد الله بن علين، وكان قد خرج بالشام وأظهر الخلاف فوثب أبو دلامة وقل: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن أخرج معهم، ووالله ما أحب أن يجرب ذلك مني على مثل هذا العسكر، فإني لا أدري أيهما يغلب: يمنك أو شؤمي، إلا أني بنفسي أوثق وأعرف وأطول تجربة. فقال: دعني وهذا، فمالك من الخروج بد. قال: فإني أصدقك الآن، شهدت والله تسعة عشر عسكراً كلها هزمت، وكنت سببها، فإن شئت الآن على بصيرة أن يكون عسكرك تمام العشرين فافعل. فضحك المنصور وأمره أن يتخلف مع عيسى بن موسى بالكوفة.\rوعن جعفر بن حسين اللهبي قال: حدثني أبو دلامة قال: أتى بي المنصور أو المهدي وأنا سكران، فحلف ليخرجني في بعث حرب، فأخرجني مع روح بن حاتم المهلبي لقتال الشراة. فلما التقى الجمعان قلت لروح: أما والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثرت في عدوك اليوم أثراً ترتضيه! فضحك وقال: والله العظيم لأدفعن إليك ذلك ولآخذنك بالوفاء بشرطك، فنزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفع ذلك إلي، وعاد بغيره فاستبدل به. فلما حصل ذلك في يدي قلت: أيها الأمير، هذا مقام العائذ بك، وقد قلت أبياتها فاسمعها. قال: هات، فأنشدته:\rإني استجرتك أن أقدم في الوغى ... لتطاعن وتنازل وضراب\rفهب السيوف رأيتها مشهورة ... وتركتها ومضيت في الهراب\rماذا تقول لما يجيء ولا يرى ... من بادرات الموت بالنشاب\rفقال: دع هذا عنك، وبرز رجل من الخوارج يدعو إلى المبارزة فقال: اخرج إليه يا أبا دلامة. فقال: أنشدك الله أيها الأمير في دمي. فقال: والله لتخرجن! فقلت: أيها الأمير، فإنه أول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا، وأنا والله جائع ما تنبعث مني جارحة من الجوع، فمر لي بشيء آكله ثم أخرج، فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت عن الصف. فلما رآني الشاري أقبل نحوي وعليه فرو قد أصابه المطر فابتل، وأصابته الشمس فاقفعل وعيناه تقدان، فأسرع إلي، فقلت: على رسلك يا هذا! فوقف، فقلت: أتقتل من لا يقاتلك؟ قال: لا. قلت: أتستحل أن تقتل رجلاً على دينك؟ قال: لا. قلت: أفتستحل ذلك قبل أن تدعو من تقابله إلى دينك؟ قال: لا، فاذهب عني إلى لعنة الله، فقلت: لا أفعل أو تسمع مني. قال: قل. فقلت: هل كانت بيننا عداوة أو ترة أو تعرفني بحال تحفظك علي أو تعلم بيني وبين أهلك وتراً؟ قال: لا والله، قلت: ولا أنا والله لك إلا علي جميل الرأي، فإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين دينك وأريد السوء لمن أرادك. فقال: يا هذا، جزاك الله خيراً فانصرف. قلت: إن معي زاداً أريد أن آكله وأريد مؤاكلتك لتتوكد المودة بيننا ويرى أهل العسكرين هوانهم علينا، قال: فافعل. فتقدمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابنا وجمعنا أرجلنا على معارفها وجعلنا نأكل والناس قد غلبوا ضحكاً. فلما استوفينا ودعني، ثم قلت له: إن هذا الجاهل، إن أقمت على طلب المبارزة ندبني إليك فتتعب وتتعبني، فإن رأيت ألا تبرز اليوم فافعل. قال: قد فعلت، فانصرف وانصرفت. فقلت لروح: أما أنا فقد كفيتك قرني، فقل لغيري يكفك قرنه كما كفيتك. وخرج آخر يدعو إلى البراز، فقال لي: اخرج إليه، فقلت:\rإني أعوذ بروح أن يقدمني ... إلى القتال فتخزى بي بنو أسد\rإن البراز إلى الأقران أعلمه ... مما يفرق بين الروح والجسد","part":1,"page":398},{"id":399,"text":"قد حالفتك المنايا إذا رصدت لها ... وأصبحت لجميع الخلق كالرصد\rإن المهلب حب الموت أرثكم ... فما ورثت اختيار الموت عن أحد\rلو أن لي مهجة أخرى لجدت بها ... لكنها خلقت فرداً فلم أجد\rقال: فضحك روح وأعفاني.\rقال: وشرب أبو دلامة في بعض الحانات وسكر، فمضى وهو يميل، فلقيه العسس فأخذه، فقيل له: من أنت؟ وما دينك؟ فقال:\rديني على دين بني العباس ... ما ختم الطين على القرطاس\rإذا اصطحب أربعاً بالكاس ... فقد أدار شربها براسي\rفهل بما قلت لكم من باس\rفأخذوه وخرقوا ثيابه وساجه، وأتي به إلى أبي جعفر، فأمر بحبسه مع الدجاج في بيت. فلما أفاق جعل ينادي غلامه مرة وجاريته أخرى فلا يجيبه أحد، وهو مع ذلك يسمع صوت الدجاج وزقاء الديك. فلما أكثر قال له السجان: ما شأنك؟ قال: ويلك! من أنت؟ وأين أنا؟ قال: قال: أنت في الحبس، وأنا فلان السجان. قال: ومن حبسني؟ قال: أمير المؤمنين. قال: ومن خرق طيلساني؟ قال: الحرس. فطلب أن يأتيه بدواة وقرطاس، ففعل فأتاه، فكتب إلى أبي جعفر المنصور يقول:\rأمير المؤمنين فدتك نفسي ... علام حبستني وخرقت ساجي\rأمن صهباء صافية المزاج ... كأن شعاعها لهب السراج\rوقد طبخت بنار الله حتى ... لقد صارت من النطف النضاج\rتهش لها القلوب وتشتهيها ... إذا برزت ترقرق في الزجاج\rأقاد إلى السجون بغير جرم ... كأني بعض عمال الخراج!\rفلو معهم حبست لكان سهلاً ... ولكني حبست مع الدجاج\rوقد كانت تخبرني ذنوبي ... بأني من عقابك غير ناج\rعلى أني وإن لاقيت شراً ... لخيرك بعد ذاك الشر راجي\rفاستدعاه المنصور وقال: أين حبست يا أبا دلامة؟ قال: مع الدجاج. قال: فما كنت تصنع؟ قال: أقوقي معهم إلى الصباح، فضحك وخلى سبيله وأمر له بجائزة. فلما خرج قال الربيع: إنه شرب الخمر يا أمير المؤمنين، أما سمعت قوله: وقد طبخت بنار الله؟ يعني الشمس قال: لا والله، ما عنيت إلا نار الله الموقدة التي تطلع على فؤاد الربيع. فضحك المنصور وقال: خذها يا ربيع ولا تعاود التعرض له.\rوروى عن المدائني قال: دخل أبو دلامة على المهدي وعند إسماعيل بن علي وعيسى بن موسى والعباس بن محمد بن إبراهيم الإمام وجماعة من بني هاشم، فقال له المهدي: أنا أعطي الله عهداً إن لم تهج واحداً ممن في البيت، لأقطعن لسانك أو لأضربن عنقك. فنظر إليه القوم، وكلما نظر إلى أحد منهم غمزه بأن علي رضاك. قال أبو دلامة: فعلمت أني قد وقعت وأنها عزمة من عزماته لا بد منها، فلم أر أحداً أحق بالهجاء مني ولا أدعي إلى السلامة من هجاء نفسي، فقلت:\rإلا أبلغ لديك أبا دلامه ... فلست من الكرام ولا كرامه\rإذا لبس العمامة كان قرداً ... وخنزيراً إذا نزع العمامه\rجمعت دمامة وجمع لؤماً ... كذاك اللؤم تتبعه الدمامه\rفإن تك قد أصبت نعيم دنيا ... فلا تفرح فقد دنت القيامه\rفضحك القوم ولم يبق منهم أحد إلا أجازه.\rقال: وخرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد، فسنح لهما قطيع من ظباء، فأرسلت الكلاب وأجريت الخيل، ورمى المهدي سهماً فأصاب ظبياً، ورمى علي بن سليمان فأصاب بعض الكلاب فقتله، فقال أبو دلامة:\rقد رمى المهدي ظبياً ... شك بالسهم فؤاده\rوعلي بن سليما ... ن رمى كلباً فصاده\rفهنيئاً لهما ك ... ل امرئ يأكل زاده\rفضحك المهدي حتى كاد يسقط عن سرجه، وقال: صدق والله أبو دلامة، وأمر له بجائزة سنية، فلقب عبي بن سليمان بعد ذلك صائد الكلب، فغلب عليه.\rقال: وتوفيت حمادة بنت عيسى، حضر المنصور جنازتها، فلما وقف على حفرتها قال لأبي دلامة: ما أعددت لهذه الحفرة؟ قال: ابنة عمك يا أمير المؤمنين حمادة بنت عيسى يجاء بها الساعة فتدفن فيها. فضحك المنصور حتى غلب وستر وجهه.","part":1,"page":399},{"id":400,"text":"قال الهيثم بن عدي رحمة الله عليه: حجت الخيزران، فلما خرجت، صاح أبو دلامة: جعلني الله فداك، الله الله في أمري! فقالت: من هذا؟ قالوا: أبو دلامة. فقالت: سلوه ما أمره، قالوا له: ما أمرك؟ قال: أدنوني من محملها، قالت: أدنوه، فأدنى، فقال لها: أيها السيدة، إني شيخ كبير وأجرك في عظيم. قالت: فمه! قال: تهبيني جارية من جواريك تؤنسني، وترفق بي وتريحني من عجوز عندي، قد أكلت رفدي، وأطالت كدي، فقد عاف جلدي جلدها، وتشوقت فقدها. فضحكت الخيزران وقالت: سوف آمر لك بما سألت. فلما رجعت تلقاها وأذكرها وخرج معها إلى بغداد، فأقام حتى غرض. ثم دخل على أم عبيدة حاضنة موسى وهارون فدفع إليها رقعة قد كتب بها إلا الخيزران، فقها:\rأبلغي سيدتي با ... لله يا أم عبيده\rأنها أرشدها ا ... لله وإن كانت رشيده\rوعدتني قبل أن تخ ... رج للحج وليده\rفتأنيت وأرسل ... ت بعشرين قصيده\rكلما أخلقن أخلف ... ت بعشرين قصيده\rليس في بيتي لتمهي ... د فراشي من قعيده\rغير عجفاء عجوز ... ساقها مثل القديده\rوجهها أقبح من حو ... ت طري في عصيده\rما حياة مع أنثى ... مثل عرسي بسعيده\rفلما قرأت عليها، ضحكت ودعت بجارية من جواريها فائقة الجمال، فقالت لها: خذي كل مالك في قصري، ففعلت، ثم دعت بعض الخدم وقالت له: سلمها إلى أبي دلامة. فانطلق الخادم بها فلم يصادفه في منزله، فقال لامرأته: إذا رجع أبو دلامة فادفعيها إليه وقولي له: تقول لك السيدة: أحسن صحبة هذه الجارية فقد أمرت لك بها. فقالت له نعم. فلما خرج الخادم دخل ابنها دلامة فوجد أمه تبكي، فسألها عن خبرها فأخبرته وقالت: إن أردت أن تبرني يوماً من الأيام فاليوم. قال: قولي ما شئت فإني أفعله. قالت: تدخل عليها فتعلمها أنك مالكها وتطؤها فتحرمها عليه وإلا ذهبت بعقله فجفاني وجفاك، ففعل ودخل إلى الجارية فوطئها ووافقها ذلك منه، وخرج. فدخل أبو دلامة فقال لامرأته: أين الجارية؟ قالت: في ذلك البيت، فدخل إليها شيخ محطم ذاهب، فمد يده إليها ذهب ليقبلها، فقالت: مالك ويحك! تنح وإلا لطمتك لطمة دققت منها أنفك. فقال لها: أبهذا أوصتك السيدة؟ قالت: بعثت بي إلى فتى من هيئته وحاله كيت وكيت، وقد كان عندي آنفاً ونال مني حاجته. فعلم أنه قد دهي من أم دلامة وابنها. فخرج أبو دلامة إلى دلامة فلطمه ولببه وحلف ألا يفارقه إلا إلى المهدي. فمضى به ملبباً حتى وقف بباب المهدي، فعرف خبره، وأنه جاء بابنه على تلك الحال. فأمر بإدخاله فلما دخل قال: مالك؟ قال: فعل بي هذا ابن الخبيثة ما لم يفعله ولد بأبيه، ولا يرضيني إلا أن تقتله. قال: ويحك! وما فعل بك؟ فأخبره الخبر، فضحك حتى استلقى ثم جلس. فقال له أبو دلامة: أعجبك فعله فتضحك منه؟ فقال: علي بالسيف والنطع. فقال له دلامة: قد سمعت قوله يا أمير المؤمنين، فاسمع حجتي. قال: هات! قال: هذا الشيخ أصفق الناس وجهاً، هو يفعل بأمي منذ أربعين سنة ما غضبت، وفعلت أنا بجاريته مرة واحدة غضب وصنع بي ما ترى. فضحك المهدي أشد من ضحكه الأول، ثم قال: دعها له يا أبا دلامة، وأنا أعطيك خيراً منها، قال: على أن تخبأها لي بين السماء والأرض وإلا فعل بها والله كما فعل بهذه، فتقدم إلى دلامة ألا يعاود مثل فعله، وحلف أنه إن عاود قتله، ثم وهب له جارية.","part":1,"page":400},{"id":401,"text":"قال عبد الله بن صالح رحمه الله جاء ابن أبي دلامة يوماً إلى أبيه وهو في محفل من جيرانه وعشيرته فجلس بين يديه، ثم أقبل على الجماعة فقال لهم: إن شيخي كما تؤون قد كبر سنه ورق جلده ودق عظمه، وبنا إلى حياته حاجة شديدة، فلا أزال أشير عليه بالشيء يمسك رمقه ويبقى قوته فيخالفني فيه، وإني أسألكم أن تسألوه قضاء حاجة لي أذكرها بحضرتكم فيها صلاح جسمه وبقاء حياته، فأسعفوني بمسألته معي. فقالوا: نفعل حباً وكرامة، ثم أقبلوا على أبي دلامة بألسنتهم فتناولوه بالعتاب حتى رضي ابنه وهو ساكت، قال: قولوا للخبيث فليقل ما يريد، فستعلمون أنه لم يأت إلا ببلية. فقالوا له: قل، فقال: إن أبي إنما قتله كثرة الجماع، فتعاونوني حتى أخصيه، فلن يقطعه عن ذلك غير الخصاء فيكون أصح لجسمه وأطول لعمره. فعجبوا بما أتى به وضحكوا. ثم قالوا لأبي دلامة: قد سمعت فأجب. قال: قد سمعتم أنتم فعرفتكم أنه لم يأت بخير. قالوا: فما عندك في هذا؟ قال: قد جعلت أمه حكماً فيما بيني وبينه، فقوموا بنا إليها. فقاموا بأجمعهم ودخلوا إليها، وقص أبو دلامة القصة عليها وقال: قد حكمتك. فأقبلت على الجماعة فقالت: إن ابني هذا أبقاه الله قد نصح أباه ولم يأل جهداً، وما أنا إلى بقاء أبيه أحوج مني إلى بقائه، وهذا أمر لم يقع به تجربة منا ولا جرى بمثله عادة لنا، وما أشك في معرفته بذلك، فليبدأ بنفسه فليخصها، فإذا عوفي ورأينا ذلك قد أثر عليه أثراً محموداً استعمله أبوه. فضحك أبوه والقوم وانصرفوا يعجبون من خبثهم جميعاً.\rومنهم أبو صدقة.\rمن نوادر أبي صدقة","part":1,"page":401},{"id":402,"text":"هو أبو صدقة مسكين بن صدقة من أهل المدينة مولى لقريش. قال أبو الفرج: وكان مليح الغناء طيب الصوت كثير الرواية صالح الصنعة، من أكثر الناس نادرة وأخفهم روحاً وأشدهم طمعاً وألحهم مسألة، وهو من المغنين الذين أقدمهم الرشيد من الحجاز في أيامه. قيل: إنه عوتب على كثرة إلحاحه في المسألة، فقال: وما يمنعني من ذلك، واسمي مسكين وكنيتي أبو صدقة وابنتي فاقة وابن صدقة، فمن أحق بهذا مني؟ وكان الرشيد يعبث به كثيراً، فقال ذات يوم لمسرور: قل لابن جامع وإبراهيم الموصلي وزبير بن دحمان وزلزل وبرصوما وابن أبي مريم المديني: إذا رأيتموني قد طابت نفسي، فليسأل كل واحد منكم حاجة، مقدارها مقدار صلته، وذكر لكل واحد منهم مبلغ ذلك، وأمرهم أن يكتبوا أمرهم عن أبي صدقة، فقال لهم مسرور ما أمر به الرشيد. ثم أذن الرشيد لأبي صدقة قبل إذنه لهم. فلما جلس قال له: يا أبا صدقة، لقد أضجرتني بكثرة مسألتك وأنا في هذا اليوم ضجر وأحببت أن أتفرج وأفرح، ولست آمن أن تنغص علي مجلسي بمسألتك، فإما أن تعفيني أن تسألني اليوم حاجة وإلا فانصرف. فقال له: لست من يومي هذا إلى شهر أسألك حاجة. فقال له الرشيد: أما إذ شرطت لي هذا على نفسك فقد اشتريت منك حوائجك بخمسمائة دينار وها هي ذه فخذها طيبة معجلة، فإن سألتني شيئا بدها من هذا اليوم فلا لوم علي إن لم أصلك سنة بشيء. فقال: نعم وسنتين. فقال له الرشيد: زدني في الوثيقة. فقال: قد جعلت أمر أم صدقة في يدك فطلقها متى شئت، إن شئت واحدة وإن شئت ألفاً إن سألتك في يومي هذا حاجة، وأشهدت الله ومن حضر على ذلك. فدفع إليه المال، ثم أذن للجلساء والمغنين فدخلوا وشرب القوم. فلما طابت نفس الرشيد، قال له ابن جامع: يا أمير المؤمنين، قد نلت منك ما لم تبلغه أمنيتي، وكثر إحسانك إلي حتى كبت أعدائي وقتلتهم، وليس لي بمكة دار تشبه حالي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بمال أبني به دار وأفرشها بباقيه لأفقأ عيون أعدائي وأزهق نفوسهم فعل. فقال له: وكم قدرت لذلك؟ قال: أربعة آلاف دينار، فأمر له بها. وقام إبراهيم الموصلي فقال: يا أمير المؤمنين، قد ظهرت نعمتك علي وعلى الكبار من ولدي، وفي أصاغرهم من أحتاج إلي ختانه، وفيهم صغار أحتاج أن أتخذ لهم خدماً، فإن رأى أمير المؤمنين أن يحسن معونتي على ذلك فعل. فأمر له بمثل ما أمر به لابن جامع. وجعل كل واحد منهم يقول في الثناء ما يحضره ويسأل حاجته على قدر جائزته، وأبو صدقة ينظر إلى الأموال تفرق يميناً وشمالاً، فوثب قائماً ورمى بالدنانير من كمه وقال للرشيد: أقلني أقال الله عثرتك. فقال الرشيد: لا أفعل. فجعل يستحلفه ويضطرب ويلح والرشيد يضحك ويقول: مالي إلى ذلك سبيل، الشرط أملك. فلما عيل صبره أخذ الدنانير ورمى بها بين يدي الرشيد وقال: هاكها قد رددتها عليك وزدتك أم صدقة فطلقها واحدة إن شئت وإن شئت ألفاً. وإن لم تلحقني بجوائز القوم فألحقني بجائزة هذا البارد عمرو الغزال - وكانت جائزته ثلاثة آلاف دينار - فضحك حتى استلقى ثم رد عليه الخمسمائة الدينار وأمر له بألف أخرى معها، وكان ذلك أكثر ما أخذه منذ خدمه إلى أن مات، رحمة الله عليهم.\rوروى أبو الفرج عن أبي إسحاق قال: مطرنا ونحن مع الرشيد بالرقة مع الفجر فاتصل إلى غد ذلك اليوم، وعرفنا خبر الرشيد أنه مقيم عند أم ولده المسماة سحر، فتشاغلنا عنه في منازلنا. فلما كان من غد جاءنا رسول الرشيد فحضرنا جميعاً، وأقبل يسأل كل واحد منا عن يومه الماضي وما صنع فيه، فيخبره إلى أن انتهى إلى جعفر بن يحيى، فسأله عن خبره فقال له: كان عندي أبو زكار الأعمى وأبو صدقة، وكان أبو زكار كلما غنى صوتاً، لم يفرغ منه حتى يأخذه أبو صدقة، فإذا انتهى الدور إليه أعاده وحكى أبا زكار فيه وحركاته وشمائله، ويفطن أبو زكار لذلك فيجن ويموت غيظاً ويشتم أبا صدقة كل الشتم حتى يضجر، وهو لا يجيبه ولا يدع العبث به وأنا أضحك من ذلك، إلى أن توسطنا الشرب وسمنا من عبثه به، فقلت له: دع هذا عنك وغن غناءك. فغنى رملاً ذكر أنه من صنعته، فطربت له والله يا أمير المؤمنين طرباً ما أذكر أني طربت مثله منذ حين وهو:\rفتنتنى بفاحم اللون جعد ... وبثغر كأنه نظم در\rوبوجه كأنه طلعة البد ... روعين في طرفها نفث سحر","part":1,"page":402},{"id":403,"text":"فقلت له: أحسنت والله يا أبا صدقة! فلم أسكت من هذه الكلمة حتى قال: يا سيدي إني قد بنيت داراً أنفقت عليها جميع مالي وما أعددت لها فرشاً فأفرشها لي. فتغافلت عنه. وعاود الغناء فتعمدت أن قلت: أحسنت، فسألني فتغافلت، فقال: يا سيدي، هذا التغافل متى حدث لك؟ سألتك بالله وبحق أبيك عليك إلا أجبتني عن كلامي ولو بشتم. فأقبلت عليه وقلت له: أنت والله بغيض، اسكت يا بغيض، واكفف عن هذه المسألة الملحة. فوثب من بين يدي، فقلت: إنه قد خرج لحاجة، فإذا هو قد نزع ثيابه وتجرد منها خوفا ًمن أن تبتل ووقف تحت السماء لا يواريه شيء والمطر يأخذه ورفع رأسه وقال: يا رب أنت تعلم أني مله ولست نائحاً، وعبدك الذي قد رفعته وأحوجتني إلى خدمته يقول لي: أحسنت لا يقول لي: أسأت، وأنا مذ جلست أقول له: بنيت ولا أقول له: هدمت، فيحلف بك جرأة عليك أني بغيض، فاحكم بيني وبينه فأنت خير الحاكمين. فغلبني الضحك وأمرت به فتنحى، وجهدت به أن يغني فامتنع، حتى حلفت له بحياتك أني أفرش له داره يا أمير المؤمنين، وخدعته فلم أسم له بما أفرشها. فقال له الرشيد: طيب والله! الآن تم لنا به اللهو، أدعه فإنه إذا رآك سوف يتنجزك الفرش لأنك حلفت له بحياتي فهو يقتضيك ذاك بحضرتي ليكون أوفق له، فقل له: أنا أفرشها لك بالبواري وحاكمه إلي. ثم دعا به فحضر فلما استقر في المجلس قال لجعفر: الفرش الذي حلفت بحياة أمير المؤمنين أنك تفرش به داري، تقدم به. فقال له جعفر: اختر، إن شئت فرشتها لك بالبواري وإن شئت فبالبردي من الحصر، فصاح واضطرب. فقال له الرشيد: وكيف كانت القصة؟ فأخبره، فقال له: أخطأت يا أبا صدقة إذ لم تسم النوع ولا حددت القيمة، فإذا فرشها لك بالبردي أو بما دون ذلك فقد بر في يمينه، وإنما خدعك ولم تفطن أنت ولا توثقت وضيعت حقك. فسكت ثم قال: نوفر أيضاً البردي والبواري عليه أعزه الله. وغنى المغنون حتى انتهى الدور إليه، فأخذ يغني غناء الملاحين والبنائين والسقائين وما يجري مجراه من الغناء. فقال له الرشيد: أي شيء هذا الغناء؟ قال: من فرش داره بالبواري والبردي فهذا الغناء كثير منه، وكثير أيضاً لمن هذه صلته. فضحك الرشيد وطرب وصفق وأمر له بألف دينار منماله، وقال له: افرش دارك بهذه. فقال: وحياتك يا أمير المؤمنين لا آخذها أو تحكم لي على جعفر بما وعدني وإلا مت والله أسفاً لفوات ما حصل في طمعي ووعدت به، فحكم له على جعفر بخمسمائة دينار أخرى، فأمر له جعفر بها.\rمن نوادر الأقيشر هو أبو معرض المغيرة بن عبد الله بن معرض بن عمرو بن معرض بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر. والأقيشر لقب غلب عليه لأنه كان أحمر الوجه أقيشر. قال أبو الفرج الأصفهاني: وعمر الأقيشر عمراً طويلاً، ولعله ولد في الجاهلية ونشأ في الإسلام، وكان أبعد بني أسد نسباً. قال: وكان كوفياً خليعاً ماجناً مدمناً للخمر. وهو الذي يقول لنفسه:\rفإن أبا معرض إذ حسا ... من الراح كأساً على المنبر\rخطيب لبيب أبو معرض ... فإن ليم في الخمر لم يصبر\rأحل الحرام أبو معرض ... فصار خليعاً على المكبر\rيحب اللئام ويلحى الكرام ... وإن أقصروا عنه لم يقصر\rقال: وشرب الأقيشر في بيت خمار بالحيرة، فجاءه الشرط ليأخذوه، فتحرز منهم وأغلق الباب وقال: لست أشرب فما سبيلكم علي؟ قالوا: قد رأينا العس في كفك وأنت تشرب. فقال: إنما شربت من لبن القحة لصاحب هذه الدار، فما برحوا حتى أخذوا منه درهمين. فقال:\rإنما لقحتنا باطية ... فإذا ما مزجت كانت عجب\rلبن أصفر صاف لونه ... ينزع الباسور من عجب الذنب\rإنما نشرب من أموالنا ... فسلوا الشرطي ما هذا الغضب؟\rوروى أبو الفرج الأصفهاني عن أبي عمرو الشيباني وغيره قال: كان الأقيشر لا يسأل أحداً أكثر من خمسة دراهم، يجعل درهمين للشراب ودرهماً للطعام ودرهمين في كراء بغل إلى الحيرة. وكان له جار يكنى أبا المضاء، له بغل يكريه، فكان يعطيه درهمين ويأخذ بغله فيركبه إلى الحيرة حتى يأتي به بيت الخمار فينزل عنه ويربطه، ثم يجلس للشرب حتى يمسي ثم يركبه. وله في ذلك أشعار كثيرة.","part":1,"page":403},{"id":404,"text":"قال وتزوج الأقيشر ابنة عم له يقال لها الرباب، على أربعة آلاف درهم ويقال: على عشرة آلاف درهم فأتى قومه فسألهم فلم يعطوه شيئاً، فأتى ابن رأس البغل وهو دهقان الصين، وكان مجوسياً، فسأله فأعطاه الصداق كاملاً، فقال:\rكفاني المجوسي هم الرباب ... فدى للمجوسي خال وعم\rشهدت بأنك رطب اللسان ... وأنك بحر جواد خضم\rوأنك سيد أهل الجحيم ... إذا ما ترديت فيمن ظلم\rتجاور هامان في قعرها ... وفرعون والمكتنى بالحكم\rفقال له المجوسي: ويحك! سألت قومك فما أعطوك شيئاً، وجئتني فأعطيتك فجزيتني هذا القول ولم أفلت من شرك! قال: أو ما ترضى أن جعلتك مع الملوك وفرين أبي جهل؟. قال: ثم جاء إلى عكرمة بن ربعي التميمي، فسأله فلم يعطه شيئاً، فقال فيه:\rسألت ربيعة من شرها ... أبا ثم أما فقالوا لمه\rفقلت لأعلم من شركم ... وأجعل للسب فيه سمه\rفقالوا لعكرمة المخزيات ... وما ذا يرى الناس في عكرمه\rفإن يك عبداً زكا ماله ... فما غير ذا فيه من مكرمه\rقال الأصمعي: قال عبد الملك بن مروان للأقيشر: أنشدني أبياتك في الخمر، فأنشده قوله:\rتريك القذى من دونها وهي دونه ... لوجه أخيها في الإناء قطوب\rكميت إذا شجت وفي الكأس وردة ... لها في عظام الشاربين دبيب\rفقال له: أحسنت والله يا أبا معرض! لقد أجدت في وصفها، وأظنك قد شربتها. فقال: والله يا أمير المؤمنين، إنه ليربيني معرفتك بها. قال: وكان الأقيشر يأتي إخواناً له فيسألهم فيعطونه، فأتى رجلاً منهم فأمر له بخمسمائة درهم فأخذها ومضى إلى الحانة فدفعها إلى صاحبها، وقال له: أقم لي ما أحتاج إليه، ففعل. فانضم إليه رفقاء له فلم يزل معهم حتى نفدت الدراهم، فأتاهم بعد إنفاقها فاحتملوه يوماً ويوماً. فلما أتاهم في اليوم الثالث نظروا إليه من بعيد، فقالوا لصاحب الحانة: اصعد بنا إلى الغرفة، وأعلم الأقيشر أنا لم نأت اليوم، ففعل. فلما جاء الأقيشر أعلمه بما قالوا، فعلم أنه لا فرج له عند صاحب الحانة إلا برهن، فطرح إليه بعض ثيابه وقال له: أقم لي ما أحتاج إليه، ففعل. فلما أخذ منه الشراب أخذ يقول:\rيا خليلي اسقياني كأساً ... ثم كأساً حتى أخر نعاسا\rإن في الغرفة التي فوق رأسي ... لأناساً يخادعون أناسا\rيشربون المعتق الراح صرفاً ... ثم لا يرفعون للزور راسا\rقال: فلما سمع أصحابه هذا الشعر، فدوه بآبائهم وأمهاتهم، ثم قالوا له: إما أن تصعد إلينا وإما أن ننزل إليك، فصعد إليهم.\rقال: وكان يختلف إلى رجل من بني تميم وكان يجري عليه في كل شهر عشرة دراهم، فجاءه مرة فوجده قد أصيب بابنه، فردته امرأته عنه، ثم عاد بعد ذلك بيومين فردته عنه أيضاً، فكتب إليه بيتي شعر ودفع الرقعة إليها وقال: أوصليها إليه، فقرأها، فإذا فيها:\rألا أبلغ لديك أبا هشام ... فإن الريح أبردها الشمال\rعداتك في الهلال عدات صدق ... فهل سمنت كما سمن الهلال\rفلما قرأ الرقعة أمر برده وقال: لقد سمنت وما بقي إلا الهزال إن تأخرت، فأمر له بها وزادها خمسة دراهم.\rوكان الأقيشر مع شرفه وشعره يرضيه اليسير ويسخطه. وأخباره كثيرة ونوادره مشهورة، وفيما أوردناه منها كفاية. ومات الأقيشر قتيلاً. وقيل: إنه مدح عبد الله بن إسحاق بن طلحة بن عبيد الله فلم يعطه شيئاً فهجاه، فزعموا أن غلماناً لعبد الله بن إسحاق قتلوه، فاجتمع بنو أسد وادعوا عليه قتل الأقيشر، فافتدي منهم بديته. وقل ابن الكلبي: كان الأقيشر مولعاً بهجاء عبد الله بن إسحاق ومدح أخيه زكريا. فقال لغلمانه: ألا تريحونني منه! فانطلقوا فجمعوا بعراً وقصباً بظهر الكوفة وجعلوه في وسط إرة، وأقبل الأقيشر سكراناً من الحيرة على بغل أبي المضاء المكاري، فأنزلوه عن البغل وشدوه رباطاً ثم وضعوه في تلك الإرة وألهبوا النار في القصب والبعر فمات، ولم يعلم من قتله. والله أعلم.\rمن نوادر ابن سيابة","part":1,"page":404},{"id":405,"text":"هو إبراهيم بن سيابة مولى بني هاشم. كان يقال: إن جده حجام أعتقه بعض الهاشميين. قدمه إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق لأنه مدحهما فرفعا من قدره وغنيا بشعره ونوها بذكره. وكان خليعاً ماجناً حسن النادرة. وله نوادر نذكر منها نبذاً فيما رواه أبو الفرج الأصفهاني. منها ما رواه عن إسحاق الموصلي قال: أتى إبرهيم ابن سيابة وهو سكران ابنا لسؤار بن عبد الله القاضي أمرد، فعانقه وقبله، وكانت معه داية يقال لها رحاص، فقيل لها: إنه لم يقبل تقبيل التسليم، وإنما قبله شهوة، فلحقته الداية فشتمته وأسمعته ما يكره، وهجره الغلام بعد ذلك، فقال:\rلئن لثمتك سراً ... فأبصرتني رحاص\rوقال في ذاك قوم ... على انتقاصي حراص\rهجرتني وأتتني ... شتيمة وانتقاص\rفهاك فاقتص مني ... إن الجروح قصاص\rوقد قيل: إن رحاص هذه كانت مغنية كان الغلام يهواها، وإن سكر ونام، فقبله ابن سيابة. فلما انتبه قال للمغنية: ليت شعري! ما كان خبرك مع ابن سيابة؟ فقالت له: سل عن خبرك أنت معه، وحدثته بالقصة، فهجره الغلام، فقال هذا الشعر.\rوقال إسحاق بن إبراهيم: كان ابن سيابة عندنا يوماً مع جماعة نتحدث نتناشد وهو ينشد شيئاً من شعره، فتحرك فضرط فضرب بيده على استه غير مكترث وقال: إما أن تسكتي حتى أتكلم، وإما أن تتكلمي حتى أسكت.\rوقال جعفر الكاتب: قال لي إبراهيم بن سيابة الشاعر: إذا كان عند جيرانك جنازة وليس في بيتك دقيق فلا تحضر الجنازة، فإن المصيبة عندك أكبر منها عند القوم، وبيتك أولى بالمأتم من بيتهم. وقال سليمان بن يحيى بن معاذ: قدم علي إبراهيم بن سيابة بنيسابور فأنزلته علي، فجاء ليلة من الليالي فجعل يصيح: يا أبا أيوب، فخشيت أن يكون قد غشيه شيء، فقلت: ما تشاء؟ فقال:\rأعيان الشادن الربيب\rقلت بماذا؟ قال:\rأكتب أشكو فلا يجيب\rفقلت: داره ودواه، فقال:\rمن أين أبغي شفاء قلبي ... وإنما دائي الطبيب\rفقلت: لا دواء إذاً إلا أن يفرج الله عز وجل عنك. فقال:\rيا رب فرج إذاً وعجل ... فإنك السامع المجيب\rثم انصرف. وقد تقدمت هذه الحكاية والسلام.\rمطيع بن إياس الكناني وأخباره قال أبو الفرج الإصفهاني: هو شاعر من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. كان ظريفاً خليعاً ماجناً حلو العشرة مليح النادرة قال: وكان متهماً في دينه بالزندقة. وكان مولده ومنشؤه بالكوفة، وكان منقطعاً إلى الوليد بن عبد الملك، ثم اتصل بخدمة الوليد بن يزيد. وكان سبب ذلك ما حكي عن حكم الوادي المغني، قال: غنيت الوليد بن يزيد وهو غلام حديث السنم بشعر مطيع بن إياس وهو:\rإكليلها ألوان ... ووجهها فتان\rوخالها فريد ... ليس له جيران\rإذا مشت تثنت ... كأنها ثعبان\rقد جدلت فجاءت ... كأنها عنان\rفطرب حتى زحف عن مجلسه إلي، واستعادني الصوت حتى صحل صوتي، ثم قال: ويحك! من يقول هذا؟ فقلت: عبد لك يا أمير المؤمنين أرضاه لخدمتك. قال: ومن هو؟ قالت: مطيع بن إياس. قال: وأين هو؟ قلت: بالكوفة، فأمر أن يحمل إليه مع البريد، فحمل إليه، فسأله عن الشعر فقال: من يقول هذا؟ فقال: عبدك أنا يا أمير المؤمنين. فقال له: أدن مني، فدنا منه فضمه الوليد إليه وقبل فاه وبين عينيه، وقبل مطيع رجليه والأرض بين يديه، ثم أدناه حتى جلس في أقرب المجلس إليه، واصطبح معه أسبوع متوالي الأيام على هذا الصوت. وكان في خلال الدولة الأموية ينقطع إلى أوليائها وعلمائها، ثم انقطع في الدولة العباسية إلى جعفر ابن أبي جعفر المنصور فكان معه حتى مات جعفر. ومات مطيع في خلافة الهادي بعد ثلاثة أشهر مضت منها. وله نوادر وأخبار مستظرفة هذا موضع ذكرها، فلنقتصر هاهنا من أخباره عليها دون غيرها.\rقيل: سقط لمطيع حائط، فقال له بعض أصحابه: احمد الله على السلامة. قال: احمد الله أنت إذ لم ترعك هدته، ولم يصبك غباره، ولم تغرم أجرة بنائه.","part":1,"page":405},{"id":406,"text":"ومن أخباره ما رواه أبو الفرج الإصفهاني بإسناده إلى عبد الملك المرواني عن مطيع بن إياس، قال: قال لي حماد عجرد يوماً: هل لك أن أريك خشة صديقتي وهي المعروفة بظبية الوادي! قلت: نعم. قال: إنك إن قعدت عندها وخبثت عينك في النظر أفسدتها علي. فقلت: لا والله لا أتكلم بكلمة تسوءك ولأسرنك. فمضى بي وقال: والله لئن خالفت ما قلت لأخرجنك. قال: قلت: إن خالفت إلى ما تكره فاصنع بي ما أحببت. قال: امض بنا فمضينا، فأدخلني على أحسن خلق الله وأظرفهم وأحسنهم وجهاً. فلما رأيتها أخذني الزمع، وفطن لي فقال: اسكت يا بن الزانية، فسكت قليلاً، فلحظتني ولحظتها لحظة أخرى فغضب ووضع قلنسوته على رأسه، وكانت صلعته حمراء كأنها آست قرد، فلما وضعها وجدت للكلام موضعاً، فقلت:\rوإن السوءة الوءا ... ء يا حماد عن خشه\rعن الأرجة الغض ... ة والتفاحة الهشه\rفالتفت إلي وقال: فعلتها يا بن الزانية! فقالت له: أحسن، فوالله ما بلغ صفتك بعد، فما تريد منه! فقال لها: يا زانية! فسبته وتثاورا، فشقت قميصه وبصقت في وجهه وقالت له: ما يصادقك ويدع مثل هذا إلا زانية، وخرجنا وقد لقي كل بلاء، وقال لي: ألم أقل لك يا بن الزانية: إنك ستفسد علي مجلسي! فأمسكت عن جوابه، وجعل يهجوني ويسبني ويشكوني إلى أصحابنا، فقالوا لي :اهجه ودعنا وإياه، فقلت:\rألا يا ظبية الوادي ... وذات الجسد الرادي\rوزين المصر والدار ... وزين الحي والنادي\rوذات المبسم العذب ... وذات المبسم البادي\rأما بالله تستحي ... ين من خلة حماد\rفحماد فتى ليس ... بذي عز فتنقادي\rولا مال ولا طرف ... ولا حظ لمرتاد\rفتوبي واتقي الله ... وبتي حبل عجراد\rفقد ميزت بالحسن ... عن الخلق بإفراد\rوهذا البين قد حم ... فجودي لي بالزاد\rقال: فأخذ أصحابنا رقاعاً فكتبوا الأبيات فيها وألقوها في الطريق، وخرجت أنا فلم أدخل عليهم ذلك اليوم، فلما رآها وقرأها قال لهم: يا أولاد الزنا فعلها ابن الزانية وساعدتموه؟ قال: وأخذها حكم الوادي فغنى بها، فلم يبق بالكوفة سقاء ولا طحان ولا مكار إلا غنى فيها ثم غبت مدة وقدمت فأتاني فما سلم علي حتى قال لي:\rأما بالله تستحي ... ين من خلة حماد\rقتلتني قتلك الله! والله ما كلمتني حتى الساعة. قال: قلت: اللهم أدم هجرها له وسوء رأيها فيه وأسفه عليها وأغوه بها، فشتمني ساعة. قال مطيع: ثم قلت له: قم امض بنا حتى أريك أختي - وكان لمطيع صديقة يسميها أختي وتسميه أخي، وكانت مغنية - فلما خرجت إلينا، دعوت قيمة لها فأسررت إليها في أن تصلح لنا طعاماً وشراباً، وعرفتها أن الذي معي حماد فضحكت. ثم أخذت صاحبتي في الغناء وقد علمت بموضعه وعرفت، فكان أول ما غنت:\rأما بالله تستحي ... ين من خلة حماد\rفقال لها: يا زانية! وأقبل علي وقال: وأنت يا زاني يا بن الزانية! أسررت هذا إلى قيمتها! فقلت: لا والله كذبت. وشاتمته صاحبتي ساعة ثم قامت فدخلت، وجعل يتغيظ علي. فقلت: أنت ترى أني أمرتها أن تغني بما غنت؟ فقال: أرى ذلك وأظنه ظناً والله ولكني أتيقنه. فحلفت له بالطلاق على بطلاه ظنه وانصرفنا.\rوحكى قال يحيى بن زياد المحاربي لمطيع وكان صديقاً له: انطلق بنا إلى فلانة صديقتي، فإن بيني وبينها مغاضبة لتصلح بيننا وبئس المصلح والله أنت. قال: فدخلا عليها، فأقبلا يتعاتبان ومطيع ساكت، حتى إذا أكثر قال يحيى: ما يسكتك؟ أسكت الله نأمتك! قال مطيع:\rأنت معتلة عليه وما زا ... ل مهيناً لنفسه في رضاك\rفأعجب يحيى وهش له. فقال مطيع:\rفدعيه وواصلي ابن إياس ... جعلت نفسه الغداة فداك\rفقام يحيى إليه بوسادة في البيت فما زال يجلد بها رأسه ويقول: ألهذا جئت بك يا بن الزانية! ومطيع يغوث حتى مل يحيى، والجارية تضحك منهما، ثم تركه.","part":1,"page":406},{"id":407,"text":"وروي عن محمد بن الفضل السكوني قال: رفع صاحب الخبر إلى المنصور أن مطيع بن إياس زنديق وأنه يلازم ابنه جعفر وجماعة من أهل بيته، ويوشك أن يفسد أديانهم أو ينسبوا إلى مذهبه. فقال له المهدي: أنا به عارف، أما الزندقة فليس من أهلها، ولكنه خبيث الدين فاسق مستحل للمحارم، قال: فأحضره وانهه عن صحبة جعفر وسائر أهله، فأحضره المهدي وقال له: يا خبيث يا فاسق! لقد أفسدت أخي ومن تصحبه من أهلي، والله لقد بلغني أنهم يتقارعون عليك، ولا يتم لهم سرور إلا بك، وقد غررتهم وشهرتهم في الناس، ولولا أني شهدت لك عند أمير المؤمنين بالبراءة مما نسبت إليه من الزندقة، لقد كان أمر بضرب عنقك! يا ربيع اضربه مائة سوط واحبسه. قال: ولم يا سيدي؟ قال: لأنك سكير خمير قد أفسدت أهلي كلهم بصحبتك. فقال له: إن أذنت لي وسمعت احتججت. فقال له: قل، فقال: أنا امرؤ شاعر، وسوقي إنما تنفق مع الملوك وقد كسدت عندكم، وأن في أيامكم مطرح، وقد رضيت منها مع سعتها للناس جميعاً بالأكل على مائدة أخيك، لا يتبع ذلك غيره، وأصفيته على ذلك شكري وشعري، فإن كان ذلك غالياً عندك تبت منه. فأطرق المهدي ثم رفع رأسه فقال: قد رفع إلي صاحب الخبر أنك تتماجن على السؤال، وتضحك منهم. قال: لا والله ما ذاك من فعلي ولا شأني ولا جرى مني قط إلا مرة واحدة، فإن سائلاً أعمى اعترضني وقد عبرت الجسر على بغلتي، فظنني من الجند فرفع عصاه في وجهي، ثم صاح: اللهم سخر الخليفة لأن يعطي للجند أرزاقهم فيشتروا من التجار الأمتعة وتربح التجار عليهم فتدر أموالهم فتجب فيها الزكاة عليهم فيتصدقوا علي منها. فنفرت بغلتي من صياحه ورفعة عصاه في وجهي حتى كدت أسقط في الماء. فقلت: يا هذا، ما رأيت أكثر فضولاً منك، سل الله أن يرزقك ولا تجعل بينك وبينه هذه الحوالات والوسائط التي لا يحتاج إليها فإن هذه المسائل فضول. فضحك الناس منه ورفع علي في الخبر قولي له هذا. فضحك المهدي وقال: خلوه ولا يضرب ولا يحبس. فقال له: أدخل عليك لموجدة وأخرج عن رضا وتبرأ ساحتي وأنصرف بلا جائزة! قال: لا يجوز هذا، أعطوه مائتي دينار، ولا يعلم أمير المؤمنين فتجدد عنده ذنوبه، وقال له: اخرج عن بغداد ودع صحبة جعفر حتى ينساك أمير المؤمنين، ثم عد إلي. فقال له: فأين أقصد؟ قال: أكتب إلى سليمان بن علي فيوليك عملاً ويحسن إليك. قال: قد رضيت. فوفد إلى سليمان بكتاب المهدي فولاه الصدقة بالبصرة، وكان عليها داود بن أبي هند فعزله به.\rوأخباره في هذا الباب كثيرة أغضينا عن كثير منها.\rمن نوادر أبي الشبل هو عاصم بن وهب بن البراجم. مولده الكوفة. نشأ وتأدب بالبصرة. وفد إلى سامراء أيام المتوكل ومدحه. وكان طيباً كثير الغزل والنوادر والمجون. فنفق عند المتوكل وخدمه واختص به وامتدحه بقوله:\rأقبلي فالخير مقبل ... واتركي قول المعلل\rوثقي بالنجح إن ... أبصرت وجه المتوكل\rملك ينصف يا ظا ... لمتي فينا ويعدل\rفهو الغاية والمأ ... مول يرجوه المؤمل\rفأمر له بثلاثين ألف درهم. وله أخبار مستظرفة تتضمن شعراً ونوادر تدل على ظرفه سنذكر منها طرفاً. فمن ذلك ما حكي عنه: أنه مدح مالك بن طوق، وقدر أن يعطيه ألف درهم. فبعث إليه بصرة مختومة فيها مائة دينار، فظن أنها دراهم فردها إليه وكتب معها:\rفليت الذي جادت به كف مالك ... ومالك مدسوسان في است أم مالك\rوكان إلى يوم القيامة في استها ... فأيسر مفقود وأيسر هالك\rوكان مالك يومئذ أميراً على الأهواز. فلما قرأ الرقعة أمر بإحضاره وقال: ما هذا؟ ظلمتنا واعتديت علينا. فقال: قدرت عندك ألف درهم فوصلتني بمائة درهم. فقال: افتحها، ففتحها فإذا فيها مائة دينار، فقال: أقلني أيها الأمير. فقال: قد أقلتك ولك كل ما تحب أبداً ما بقيت وقصدتني.\rقال: وكان له جار طبيب أحمق، فمات فرثاه فقال:\rقد بكاه بول المريض بدمع ... واكف فوق مقلتيه ذروف\rثم شقت جيوبهن القواري ... ر عليه ونحن نوح اللهيف\rيا كساد الخيار شنبر والأق ... راص طراً ويا كساد السفوف\rكنت تمشي مع القوي فإن جا ... ء ضعيف لم تكترث بالضعيف","part":1,"page":407},{"id":408,"text":"لهف نفسي على صنوف رقاعا ... ت تولت منه وعقل سخيف\rوقال أبو الشبل: كان خالد بن يزبد بن هبيرة يشرب النبيذ، وكان يغشانا، وكانت له جارية صفراء مغنية يقال لها لهب، كانت تغشانا معه، وكنت أعبث بها كثيراً. فقام مولاها يوماً إلى الخابية يستقي نبيذاً، فإذا قميصه قد انشق، فقلت فيه:\rقالت له لهب يوماً وجاد لها ... بالشعر في باب فعلان ومفعول\rأما القميص فقد أزرى الزمان به ... فليت شعري ما حال السراويل\rقال أبو الشنبل: وكانت أم خالد هذا ضراطة تضرط على صوت العيدان وغيرها في الإيقاع. فقلت فيه:\rفي الحي من لا عدمت خلته ... فتى إذا ما قطعته وصلا\rله عجوز بالحبق أبصر من ... بصرته ضارباً ومرتجلا\rنادمته مرة وكنت فتى ... ما زلت أهوى وأشتهي الغزلا\rحتى إذا ما أمالها سكر ... يبعث في قلبها لها مثلا\rاتكأت يسرة وقد خرفت ... أشراجها ك تقوم الرملا\rفلم تزل إستها تطارحني ... اسمع من يسومني العللا\rوقال محمد بن المرزبان: كنت أرى أبا الشبل كثيراً عند أبي، وكان إذا حضر أضحك الثكلى بنوادره. فقال له أبي يوماً: حدثنا ببعض نوادرك وطرائفك. قال: نعم. من طرائف أموري أن ابني زنى بجارية سندية لبعض جيراني، فحبلت وولدت، وكانت قيمة الجارية عشرين ديناراً. فقال: يا أبت، الصبي والله ابني، فساومت فيه فقيل لي: خمسون ديناراً. فقلت له ويلك! كنت تخبرني وهي حبلى فأشتريها بعشرين ديناراً ونربح الفضل بين الثمنين! وأمسكت عن المساومة بالصبي حتى اشتريه من القوم بما أرادوا. ثم أحبلها ثانياً فولدت ابناً آخر، فجاء يسألني أن أبتاعه، فقلت: عليك لعنة الله، أي شيء حملك على أن تحبل هذه، هلا عزلت عنها! فقال: إني لا أستحل العزل. ثم أقبل على جماعة عندي فجعل يقول: شيخ كبير يأمرني بالعزل ويستحله. فقلت له: يا بن الزانية! تستحل الزنا وتتحرج من العزل! فضحكنا منه.\rمن نوادر حمزة بن بيض الحنفي كان شاعراً من شعراء الدولة الأموية، وهو كوفي خليع ماجن، وكان منقطعاً إلى المهلب بن أبي صفرة وولده، ثم إلى أبان بن الوليد وبلال بن أبي بردة، واكتسب بالشعر من هؤلاء مالاً عظيماً. يقال: إنه أخذ بالشعر من مال وشاء ورقيق وحملان وغير ذلك ألف ألف درهم. وله نوادر، منها ما حكاه أبو الفرج الأصفهاني عنه:","part":1,"page":408},{"id":409,"text":"أنه كان يسامر عبد الملك بن بشر بن مروان، وكان عبد الملك يعبث به عبثاً شديداً. فوجه إليه ليلة برسول وقال: خذه على أي حالة وجدته، وأحلفه وغلظ عليه الأيمان على ذلك. فمضى الرسول فهجم عليه فوجده يريد أن يدخل الخلاء، فقال له: أجب الأمير. فقال: ويحك! إني أكلت طعاماً كثيراً وشربت نبيذاً حلواً وأخذني بطني. فقال: والله ما تفارقني أو أمضي بك إليه ولو سلحت في ثيابك. فجهد في الخلاص فلم يقدر عليه. ومضى به، فوجده قاعداً في طارمة له وجارية جميلة جالسة ين يديه، وكان يتحظاها، تسجر الند. فجلس حمزة يحادثه وهو يعالج ما هو فيه. قال حمزة: فعرضت لي ريح فقلت: أسرحها وأستريح لعل ريحها لا يظهر مع هذا الند، فأطلقتها، فغلبت والله ريح البخور وغمرته. فقال: ما هذا يا حمزة؟ فقلت: على عهد الله وميثاقه وعلى المشي والهدى إن كنت فعلتها! وما هذا إلا عمل الجارية الفاجرة. فغضب، وخجلت الجارية فما قدرت على الكلام. ثم جاءتني أخرى فسرحتها، فسطع والله ريحها. فقال: ما هذا؟ ويلك! أنت والله الآفة. فقلت: امرأتي طالق ثلاثاً إن كنت فعلتها. فقال: وهذه اليمين لازمة إن كنت فعلتها، وما هو إلا عمل هذه الجارية، وقال لها: ما قصتك؟ ويلك! قومي إلى الخلاء إن كنت تجدين شيئاً. فزاد خجلها، وطمعت فيها فسرحت الثالثة فسطع من ريحها ما لم يكن في الحساب. فغضب عبد الملك حتى كاد يخرج من جلده، ثم قال: يا حمزة، خذ بيد الزانية فقد وهبتها لك وامض، فقد نغصت علي ليلتي. فأخذت بيدها وخرجت. فلقيني خادم له فقال: ما تريد أن تصنع؟ فقلت له: أمضي بهذه الجارية. فقال: لا تفعل، فوالله لئن فعلت ليبغضنك بغضاً لا تنتفع به بعده أبداً، وهذه مائتا دينار خذها ودع هذه الجارية فإنه يتحظاها، وسيندم على هبته إياها لك. فأبيت إلا بخمسمائة دينار، فقال: ليس غير ما ذكرت لك. فأخذتها وتركت الجارية. فلما كان بعد ثلاث دعاني عبد الملك. فلما قربت من داره لقيني الخادم وقال لي: هل لك في مائة أخرى وتقول مالا يضرك ولعله ينفعك؟ قلت: وما ذاك؟ قال: إذا دخلت فادع الفسوات الثلاث وانسبها إلى نفسك وانضح عن الجارية ما قرفتها به. فأخذتها ودخلت على عبد الملك. فلما وقفت بين يديه قلت له: الأمان حتى أخبرك بخبر يسرك ويضحكك. قال: لك الأمان. فقلت: أرأيت ليلة كذا وكذا وما جرى؟ قال: نعم. قلت: فعلي وعلي إن كان فسا تلك الفسوات غيري. فضحك حتى سقط على قفاه وقال: ويلك! فلم لم تخبرني؟ قال فقلت: أردت بذلك خصالاً، منها أني قمت فقضيت حاجتي وقد كان رسولك منعني من ذلك. ومنها أني أخذت جاريتك. ومنها أني كافأتك على أذاك لي بمثله. قال: وأين الجارية؟ قلت: ما برحت من دارك ولا خرجت حتى سلمتها إلى فلان الخادم وأخذت مائتي دينار. فسر بذلك وأمر لي بمائتي دينار أخرى، قال: هذه لجميل فعلك في وتركك أخذ الجارية. قال حمزة: ودخلت إليه يوماً وكان له غلام لم ير الناس أنتن إبطاً منه. فقال لي: يا حمزة، سابق غلامي هذا حتى يفوح صنانكما، فأيكما كان صنانه أنتن فله مائة دينار. فطمعت في المائة ويئست منها لما أعلمه من نتن إبط الغلام، فقلت: أفعل. وتعادينا ساعة فسبقني، فسلحت في يدي ثم طليت إبطي بالسلاح، وقد كان عبد الملك جعل بيننا حكماً، فلما دنا الغلام منه وشمه وثب وقال: هذا والله لا يشاكله شيء. فصحت به: لا تعجل علي بالحكم، مكانك! ثم دنوت منه فألقمت أنفه إبطي حتى علمت أنه قد خالط دماغه وأنا ممسك رأسه تحت يدي، فصاح: الموت والله! هذا بالكنف أشبه منه بالإبط. فضحك عبد الملك ثم قال: أفحكمت له؟ قال: نعم. فأخذت الدنانير. قال: ودخلت يوماً على سليمان بن عبد الملك. فلما مثلت بين يديه قلت:\rرأيتك في المنام شتنت خزاً ... علي بنفسجاً وقضيت ديني\rفصدق يا فدتك النفس رؤيا ... رأتها في المنام لديك عيني\rقال سليمان: يا غلام، أدخله خزانة الكسوة واشتن عليه كل ثوب خز بنفسجي، فخرجت كأني مشجب. ثم قال: كم دينك؟ قلت: عشرة آلاف، فأمر لي بها وما أعلم والله أني رأيت من ذلك شيئاً.\rمن نوادر أبي العيناء","part":1,"page":409},{"id":410,"text":"هو محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان، من بني حنيفة أهل اليمامة. وأسر ياسر في سباء في خلافة المنصور. فلما صار في يد المنصور أعتقه، فهم موالي بني هاشم. وكان أبو العيناء ضرير البصر، يقال: إن جده الأكبر لقي علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأساء مخاطبته فدعا عليه وعلى ولده بالعمى، فكل من عمي منهم فهو صحيح النسب. وهو ممن اشتره بالمجون، وله نوادر وحكايات مستظرفة، ومراسلات عجيبة، سأورد منها طرفاً، وأسطر طرفاً. فمن ذلك: أن بعض الرؤساء قال له: يا أبا العيناء، لو مت لرقص الناس طرباً وسروراً. فقال بديهة:\rأردت مذمتي فأجدت مدحي ... بحمد الله ذلك لا بحمدك\rفلا تك واثقاً أبداً بعمد ... فقد يأتي القضاء بغير عمدك\rثم قال: أجل! الناس قد ذهبوا، فلوا رآني الموتى لطربوا لدخول مثلي عليهم، وحلول عقلي لديهم، ووصول فضلي إليهم، فما زال الموتى يغبطونكم ويرحمونني بكم.\rوقال: واتصلت أشغال أبي الصقر الوزير، فتأخر توقيعه عن أبي العيناء برسومه. فكتب إليه: رقعتي، أطال الله بقاء الوزير، رقعة من علم شغلك فاطرح عدلك، وحقق أمرك فبسط عذرك. أما والليل إذا عسعس، فالبنان لبنات الدنان، وملامسات الحسان، وأما والصبح إذا تنفس، فالبنان للعنان، ومؤامرات السلطان، فمن أبو العيناء القرنان!. فوقع أبو الصقر تحت سطوره: لكل طعام مكان، ولكل معوز إمكان، وقد وقعنا لك بالرسوم، وجعلنا لك بالرسوم، وجعلنا لك حظاً من المقسوم، وكفينا أنفسنا عذرك الذي هو تعزير، ولسانك الذي هو تحذير. والسلام.\rثم لقيه أبو العيناء في صدر موكبه فقال: طاعة شيمك لسلطان كرمك، ألزمتك الصبر على ذنوبي إليك، وتجني خلقي عليك. فقال أبو الصقر: كبير حسناتك، يستغرق يسير سيئاتك. فدعا له وانصرف شاكراً. قال: وبسط أبو العيناء لسانه على أهله في بعض الدواوين. فقال له فتى من أبناء الكتاب كانت فيه جرأة: كل الناس لك يا أبا العيناء زوجة، وأنت زوجة أبي علي البصير. فقال له أبو العيناء: قد ملكنا عصمتك بيقين فحواك، ثم ننظر في شكوك دعواك، وقد طلقت الناس كلهم سواك، ذلك أدنى ألا نعول، وفيك ما يروى الفحول، ويتجاوز السول. قال: ففضحه بهذا الكلام، فلم يجبه. قال: وكان في بني الجراح فتى خليع ماجن فأراد العبث بأبي العيناء، فنهاه نصحاؤه فأبى، فقالوا: شأنك. فقال له: يا أبا العيناء، متى أسلمت؟ فقال: حين آمن أهلك وأبوك الذين لم يؤدبوك. فقال له الفتى: إذاً قد علمت أنك ما أسلمت. فقال أبو العيناء: شهادتك لأهلك دعوى، وشهادتي عليهم بلوى، وسترى أي السلطانين أقوى، وأي الشيطانين أغوى، وسيعلم أهلك، ما جنى عليهم جهلك. قال: فأتاه أبوه فتبرأ من ذمته، ودفعه إليه برمته. فقال له أبو العيناء: قد وهبت جوره لعدلك، وتصدقت بحمقه على عقلك.","part":1,"page":410},{"id":411,"text":"ومن أخبار أبي العيناء أيضاً: أن محمد بن عبيد الله بن خاقان حمله على برذون زعم أنه غير فاره، فكتب إلى أبيه: أعلم الوزير أعزه الله تعالى أن أبا علي محمداً أراد أن يبرني فعقني، وأن يركبني فأرجلني! أمر لي بدابة تقف للنبرة، وتعثر بالبعرة، كالقضيب اليابس عجفاً، وكالعاشق المجهود دنفاً، يساعد أعلاه لأسفله، حباقه مقرون بسعاله، فلو أمسك لترجيت، أو أفرد لتعزيت، ولكنه يجمعهما في الطريق المعمور، والمجلس المشهور، كأنه خطيب مرشد، أو شاعر منشد، تضحك من فعله النسوان، ويتناغى من فعله الصبيان، فمن صائح يصيح: داوه بالطباشير، ومن قائل يقول: نق له من الشعير. قد حفظ الأشعار، وروى الأخبار، ولحق العلماء في الأمصار، فلو أعين بنطق، لروى بحق وصدق، عن جابر الجعفي، وعامر الشعبي. وإنما أتيت من من كاتبه الأعور، الذي إذا اختار لنفسه أطاب وأكثر، وإذا اختار لغيره أخبث وأنزر. فإن رأى الوزير أن يبدلني ويريحني بمركوب يضحكني كما يضحك مني، يمحو بحسنه وفراهته، ما سطره العيب بقبحه ودمامته. ولست أرد كرامه، سرجه ولجامه، لأن الوزير أكرم من أن يسلب ما يهديه، أو ينقص ما يمضيه فوجه إليه عبيد الله برذوناً من براذينه بسرجه ولجامه. ثم اجتمع محمد بن عبيد الله عند أبيه. فقال عبيد الله لأبي العيناء: شكوت دابة محمد، وقد أخبرني إنه ليشتريه منك الآن بمائة دينار، وما هذا ثمنه فلا يشتكي. فقال: أعز الله الوزير لو لم أكذب مستزيداً، لم أنصرف مستفيداً. وإني وإياه لكما قالت امرأة العزيز: \" الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين \" . فضحك عبيد الله وقال: حجتك الداحضة، بملاحتك وظرفك أبلغ من حجة غيرك البالغة. ودخل أبو العيناء على أبي الصقر وكان قد تأخر عنه، فقال: ما أخرك عنا؟ قال: سرق حماري. قال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع اللص فأخبرك. قال: فلم لم تأت على غيره؟ قال: أبعدني عن الشراء قلة يساري، وكرهت ذلة المكاري، ومنة العواري. قال: وصار يوماً إلى باب صاعد بن مخلد، فقيل له: هو مشغول يصلي، فقال: لكل جديد لذة. وكان صاعد نصرانياً قبل الوزارة. وقال له صاعد يوماً: ما الذي أخرك عنا؟ قال: بنتي. قال: وكيف؟ قال: قالت لي: يا أبت، قد كنت تغدو من عندنا فتأتي بالخلعة السرية، والجائزة السنية، ثم أنت الآن تغدو مسدفاً، وترجع معتماً، فإلى من؟ قلت: إلى أبي العلاء ذي الدرايتين. قال: أيعطيك؟ قلت: لا. قالت: أفيشفعك؟ قلت: لا. قالت: أيرفع مجلسك؟ قلت: لا. قالت: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً!.\rوقال له رجل من بني هاشم: بلغني أنك بغاء. قال: ولم أنكرت ذلك مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" مولى القوم منهم \" ؟ قال: إنك دعي فينا. قال: بغائي صحح نسبي فيكم. وسأل أبو العيناء الجاحظ كتاباً إلى محمد بن عبد الملك في شفاعة لصاحب له، فكتب الكتاب وناوله الرجل، فعاد به إلى أبي العيناء وقال: قد أسعف. قال: فهل قرأته؟ قال: لا، لأنه مختوم. قال: ويحك! فضه لا يكون صحيفة المتلمس. ففضه فإذا فيه: موصل كتابي سألني فيه أبو العيناء، وقد عرفت سفهه وبذاء لسانه، وما أراه لمعروفك أهلاً. فإن أحسنت إليه فلا تحسبه علي يداً، وإن لم تحسن إليه لم أعده عليك ذنباً، والسلام. فركب أبو العيناء إلى الجاحظ وقال له: قد قرأت الكتاب يا أبا عثمان. فخجل الجاحظ وقال: يا أبا العيناء، هذه علامتي فيمن أعتني به. قال: فإذا بلغك أن صاحبي قد شتمك فاعلم أنها علامته فيمن شكر معروفه. وقال أبو العيناء: مررت يوماً بدرب بسامراء، فقال لي غلامي: يا مولاي، في الدرب حمل سمين والدرب خال. فأمرته أن يأخذه وغطيته بطيلساني وصرت به إلى منزلي. فلا كان من الغد جاءتني رقعة من بعض رؤساء ذلك الدرب مكتوب فيها: جعلت فداك، ضاع لنا بالأمس حمل، فأخبرني صبيان دربنا أنك أنت سرقته، فأمر برده متفضلاً. قال أبو العيناء: فكتبت إليه: أي سبحان الله! ما أعجب هذا الأمر مشايخ دربنا يزعمون أنك بغاء وأكذبهم ولا أصدقهم، وتصدق أنت صبيان دربكم أني سرقت الحمل!. قال فسكت وما عاودني. ولأبي العيناء أخبار كثيرة وحكايات مشهورة قد أوردنا منها ما يدخل في هذا الباب وتركنا ما سواه.\rما ورد في كراهة المزح","part":1,"page":411},{"id":412,"text":"روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من مزح استخف به \" . وقال حكيم: خير المزاح لا ينال، وشره لا يقال، سكرات الموت به محدقة، وعيون الآجال إليه محدقة. وقال آخر: تجنب شؤم الهزل ونكد المزاح، فإنهما بابان إذا فتحا لم يغلقا إلا بعد عسر، وفحلان إذا لقحا لم ينتجا غير ضر. وقالوا: المزاح يضع قدر الشريف، ويذهب هيبة الجليل. وقالوا: لا تقل ما يسوءك عاجله، ويضرك آجله. وقالوا: إياك وما يستقبح من الكلام، فإنه ينفر عنك الكرام، ويجسر عليك اللئام. وقال عمر بن عبد العزيز: اتقوا المزاح، فإنها حمقة تورث ضغينة. وقال حكيم لابنه: يا بني، إياك والمزاح، فإنه يذهب ببهاء الوجه ويحط من المروءة. قال شاعر:\rاكره لنفسك ما لغيرك تكره ... وافعل لنفسك فعل من يتنزه\rوارفع بصمتك عنك سبات الورى ... خوف الجواب فإنه بك أشبه\rودع الفكاهة بالمزاح فإنها ... تودي وتسقط من بها يتفكه\rوقيل:\rألا رب قول قد جرى ممن ممازح ... فساق إليه الموت في طرف الحبل\rفإن مزاح المرء في غير حينه ... دليل على فرط الحماقة والجهل\rوقيل:\rفإياك إياك المزاح فإنه ... يجري عليك الطفل والرجل النذلا\rويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورث بعد العز صاحبه ذلا\rوقال بعض البلغاء: المزاح خرف، والاقتصاد فيه ظرف، والإفراط فيه ندامة. وقالوا: من كثر مزحه لم يسلم من استخفاف به أو حقد عليه. ويقال: أكثر أسباب القطيعة المزاح. وإن كان لا غنى للنفس عنه للجمام، فليكن بمقدار الملح في الطعام. قال أبو الفتح البستي رحمه الله:\rأفد طبعك المكدود بالهم راحة ... تراح وعلله بشيء من المزح\rولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما يعطى الطعام من الملح\rوقيل:\rامزح بمقدار الطلاقة واجتنب ... مزحاً تضاف به إلى سوء الأدب\rلا تغضبن أخاً إذا مازحته ... إن المزاح على مقدمة الغضب\rوقيل:\rمازح صديقك ما أحب مزاحاً ... وتوق منه في المزاح جماحا\rفلربما مزح الصديق بمزحة ... كانت لبدء عداوة مفتاحا\rوقال سعيد بن العاص لولده: يا بني، اقتصد في مزحك، فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرئ السفهاء. ويقال: المزاح أوله فرح، وآخره ترح. قال أبو العتاهية:\rوترى الفتى يلقي أخاه وخدنه ... في بعض منطقه بما لا يغفر\rويقول كنت ملاعباً وممازحاً ... هيهات! نارك في الحشا تتسعر\rألقيتها وطفقت تضحك لاهياً ... وفؤاده مما به يتفطر\rأو ما علمت ومثل جهلك غالب ... أن المزاح هو السباب الأكبر\rفهذه نبذة مما قيل في الفكاهات والمجون، يفرح لها قلب المحزون، وتزول عنه الشجون. فلنذكر ما قيل مما يناسب هذا الباب.\rمن أشعار المزاحين وسنورد في هذا الفصل من أشعار هذا الفن، ما رفلت معانيه في حلل أنفاسها على صفحات أطراسها، وأهلت مغانيه بما أودعه لسان القلم صدر قرطاسها من بديع إيناسها. يضحك سامعه وإن كان ثكلاً. ويستوفيه وإن كان عجلاً. هذا مع ما فيه من فحش القول الذي إذا تأملته في موضعه كان أزين من عقود اللآلئ، وإن لمحته في غيره كان أقفر من ظلم الليالي. نسأل الله المسامحة لكاتبه وقائله، ومستمعه وناقله. فمن ذلك ما كتب به ابن حجاج لمن شرب دواء:\rيا أبا أحمد بنفسي أدي ... ك وأهلي من سائر الأسواء\rكيف كان انحطاط جعسك في طا ... عة شرب الدواء يوم الدواء\rكيف أمسى سبال مبعرك الند ... ل غريقاً في المرة الصفراء\rوقال الحسن بن هانئ:\rللطمة يلطمني أمرد ... تأخذ مني العين والفكا\rأطيب من تفاحة من يدي ... ذي لحية محشوة مسكا\rوقال أبو عبد الله محمد بن الحسن الحجاج:\rقومي تنحي فلست من شأني ... قومي اذهبي لا يراك شيطاني\rلا كان دهر عليك حصنني ... ولا زمان إليك ألجاني\rقعدت تفسين فوق طنفستي ... ما بين راحي وبين ريحاني","part":1,"page":412},{"id":413,"text":"فما عدمنا من الكنيف وقد ... حضرت إلا بنات وردان\rوقال أبو بكر محمد الخوارزمي:\rفسا الشيخ سهواً وفي كفه ... شراب فلمناه لوماً قبيحا\rفقال لي الدخل والخرج لي ... فأدلت راحاً وأخرجت ريحا\rوقال ابن سكرة الهاشمي:\rوبات في السطح معي صاحب ... من أكرم الناس ذوي الفضل\rأفسو فيفسو فهو لي مسعد ... وإنما أملي ويستملي\rالباب الرابع\rفي الخمر\rوتحريمها وآفاتها وجناياتها وأسمائها، وأخبار من تنزه عنها في الجاهلية، ومن حد فيها من الأشراف، ومن اشتهر بها، ولبس ثوب الخلاعة بسببها، وما قيل فيها من جيد الشعر، وما قيل في وصف آلاتها وآنيتها، وما قيل في مبادرة اللذات، وما وصفت به المجالس وما يجري هذا المجرى.\rما قيل في الخمر وتحريمها أجمع الناس على أن الخمر المحرمة في كتاب الله عز وجل هي المتخذة من عصير العنب بعد أن يغلى ويقذف بالزبد م غير أن يمسها نار. وإذا انقلبت بنفسها وتخللت طهرت من غير أن يتسبب في ذلك بشيء يلقى فيها. وطهارتها إذا غلبت عليها الحموضة وفارقتها النشوة. والخمر المتخذة أيضاً من التمر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه: \" الخمر من هاتي الشجرتين النخلة والعنبة \" . وفي حديث آخر: \" من هاتين الشجرتين الكمة والنخلة \" . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت عمر رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أما بعد، أيها الناس: إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة، من التمر والعنب والعسل والحنطة والشعير \" . والخمر ما خامر العقل. ولا خلاف بين أحد من الأئمة في أن الخمر حرام، لما ورد في ذلك من الكتاب والسنة. أما ما ورد في كتاب الله عز وجل فأربع آيات، منها ما يقتضي الإباحة، ومنها ما يقتضي الكراهة والتحريم. فأول ما نزل فيها بمكة قوله عز وجل: \" ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقا حسناً \" . فكان المسلمون يشربونها يومئذ وهي حلال لهم. ثم أنزل الله عز وجل بالمدينة: \" يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما \" نزلت هذه الآية في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وفر من الأنصار أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن ربكم تقدم في تحريم الخمر \" . فتركها قوم للإثم الكبير وقالوا: لا حاجة لنا في شربها ولا في شيء فيه إثم كبير، وشربها قوم لقوله تعالى: \" ومنافع للناس \" . وكانوا يستمتعون بمنافعهم ويتجنبون مآثمها، إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعا ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا وحضرت صلاة المغرب، فقدموا بعضهم ليصلي بهم، فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون إلى آخر السورة بحذف \" لا \" فأنزل الله عز وجل. \" يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون \" فحرم السكر في أوقات الصلاة. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الله عز وجل تقارب في النهي عن شرب الخمر وما أراه إلا سيحرمها. فلما نزلت هذه الآية تركها قوم، وقالوا: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة. وقال قوم: نشربها ونجلس في بيوتنا، فكانوا يتركونها وقت الصلاة ويشربونها في غير حين الصلاة، إلى أن شربها رجل من المسلمين، فجعل ينوح على قتلى بدر ويقول:\rتحيا بالسلامة أم بكر ... وهل لي بعد رهطك من سلام\rذريني أصطبح بكراً فإني ... رأيت الموت كفت عن هشام\rوود بنو المغيرة لو فدوه ... بألف من رجال أو سوام","part":1,"page":413},{"id":414,"text":"في أبيات أخر. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فزعاً يجر رداءه حتى انتهى إليه، ورفع شناً كان في يده ليضربه، فلما عاينه الرجل قال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، والله لا أطعمها أبداً، ثم نزلت آية التحريم وهي قوله عز وجل: \" إنما يريد الشيطان أو يوقف بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون \" . وروى أن هذه الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد المطلب، وكان نزولها وتحريم الخمر في شهر ربيع الأول سنة أربع من الهجرة.\rوكان من خبر حمزة بن عبد المطلب ما رواه مسلم بن الحجاج بن مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أصبت شارفاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغنم يوم بدر، وأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شارفاً أخرى من الخمس. قال علي: فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم واعدت رجلاً صواعاً من بني قنيقناع يرتحل معي فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به على وليمة عرسي. فبينا أنا أجمع لشارفي متاعاً من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار ورجعت حين جمعت ما جمعت، فإذا شارفاي قد اجتنبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما وأخذ من أكبادهما، فلم أملك نفسي حين رأيت ذلك المنظر منهما أن قلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار، غنته قينة وأصحابه، فقالت في غنائها:\rألا يا حمزة للشرف النواء\rلم يذكر مسلم في صحيحه من الشعر غير ما ذكرناه. والأبيات التي غنت بها:\rألا يا حمز للشرف النواء ... وهن معقلات بالفناء\rضع السكين في اللبات منها ... فضرجهن حمزة بالدماء\rوعجل من شرائحها كباباً ... ملهوجة على وهج الصلاء\rوأصلح من أطايبها طبيخاً ... لشربك من قديد أو شواء\rفأنت أبا عمارة المرجى ... لكشف الضر عنها والبلاء","part":1,"page":414},{"id":415,"text":"فقام حمزة بالسيف فاجتب أسمنتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما. فقال علي: فانطلقت حتى أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند زيد بن حارثة. قال: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي الذي لقيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" مالك \" ؟ قلت: يا رسول الله، ما رأيت كاليوم قط، عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هو ذا في بيت معه شرب. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه فارتداه ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء الباب الذي فيه حمزة، فاستأذن فأذنوا له، فإذا هم شرب، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوم حمة فيما فعل وإذا حمزة محمرة عيناه، فنظر حمزة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صعد النظر إلى ركبتيه ثم صعد النظر إلى سرته ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، فقال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي! فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل، فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقري وخرج وخرجنا معه. وفي حديث آخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: \" إن عمك قد ثمل وهما لك علي \" فغرمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي. فلما أصبح حمزة غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذر. فقال: \" مه يا عم فقد سألت الله فعفا عنك \" . قالوا: واتخذ عتبان بن مالك صنيعاً ودعا رجالاً من المسلمين، منهم سعد بن أبي وقاص، وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، وأنشد سعد قصيدة فيها هجاء الأنصار وفخر لقومه، فقام رجل من الأنصار فأخذ لحي البعير فضرب به رأس سعد فشجه شجة موضحة. فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصار. فقال عمر رضي الله عنه: اللهم بين لنا رأيك في الخمر بياناً شافياً، فأنزل الله عز وجل تحريم الخمر في سورة المائدة \" إنما يريد الشيطان \" الآية إلى \" منتهون \" . فقال عمر: انتهينا يا رب. وقيل: إنها حرمت بعد غزوة الأحزاب بأيام في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة. والله أعلم. قال أنس رضي الله عنه: حرمت ولم يكن للعرب يومئذ عيش أعجب منها، وما حرم عليهم شيء أشد من الخمر. قال: فأخرجنا الحباب إلى الطريق فصببنا ما فيها، فمنا من كسر حبه، ومنا من غسله بالماء والطين، ولقد غودرت أزقة المدينة بعد ذلك حيناً، كلما مطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت ريحها.\rوقال أنس بن مالك رضي الله عنه: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا فضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي، فقال القوم: اخرج فانظر، فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فجرت في سكك المدينة. فقال لي أبو طلحة: اخرج فاهرقها فهرقتها. فقالوا أو قال بعضهم: قتل فلان! قتل فلان! وهي في بطونهم، فأنزل الله عز وجل: \" ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات \" .","part":1,"page":415},{"id":416,"text":"وأما ما ورد في تحريمها في كتاب الله وبينته السنة، فالأحاديث متضافرة في تحريمها. فمن ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من مات وهو مدمن خمر لقي الله وهو كعابد وثن \" . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا يدخل الجنة مدمن خمر \" . وأما من زعم أنها تباح للتداوي بها فيرد عليه ذلك ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها، وقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: \" إنها ليست بدواء ولكنه داء \" . وعنه صلى الله عليه وسلم وقد سأله رجل قدم من جيشان وجيشان من اليمن فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: \" أو مسكر هو \" قال نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كل مسكر حرام إن على الله عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال \" . فقالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: \" عرق أهل النار \" . وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة \" وفي لفظ: \" حرمها في الآخرة فلم يسقها \" وفي لفظ: \" إلا أن يتوب \" . وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: من سره أن يحرم ما حرم الله ورسوله فليحترم النبيذ. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن \" أخرجه البخاري في صحيحه والله سبحانه وتعالى أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rما قيل في إباحة المطبوخ والمطبوخ يسمى الطلاء وهو الذي طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه. سمي بذلك لأنه شبيه بطلاء الإبل في ثخنه وسواده. وقد اختلف العلماء في المطبوخ، فقال بعضهم: كل عصير طبخ حتى ذهب نصفه فهو حلال إلا أنه يكره، وإن طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه فهو حلال مباح شربه وبيعه إلا أن السكر منه حرام. وحجتهم في ذلك ما روي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى بعض عماله: أن ارزق المسلمين من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه. وعن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أما بعد، فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان في عود الكرم، فإن له اثنين ولكم واحد. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن نوحاً عليه السلام لما نازعه الشيطان في عود الكرم فقال: هذا لي، وقال: هذا لي، فاصطلحا على أن لنوح ثلثها وللشيطان ثلثيها. وسئل سعيد بن المسيب: ما الشراب الذي أحله عمر رضي الله عنه؟ فقال: الذي يطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه. وحكي أن أبا موسى الأشعري وأبا الدرداء كانا يشربان من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه. وعلى الجملة فمجموع هذه الأخبار في مثلث لم يسكر البتة. ودليل ذلك ما حكي عن عبد الله بن عبد الملك ابن الطفيل الخزرجي قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: ألا تشربوا من الطلاء حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، وكل مسكر حرام. هذا الذي عليه أكثر العلماء. وقال قوم: إذا طبخ العصير أدنى الطبخ صار حلالاً، وهو قول إسماعيل بن علية وبشر المريسي وجماعة من أهل العراق. وذهب بعضهم إلى أن الطلاء الذي رخص فيه إنما هو الرب والدبس. والله عز وجل أعلم.\rآفات الخمر وجناياتها وآفات الخمر وجناياتها كثيرة، لأنها أم الكبائر. وأول آفاتها أنها تذهب العقل، وأفضل ما في الإنسان عقله، وتحسن القبيح وتقبح الحسن. قال أبو نواس الحسن ابن هانئ عفا الله عنه ورحمه وغفر له ما أسلف:\rاسقني حتى تراني ... حسناً عندي القبيح\rوقال أيضاً:\rاسقني صرفاً حمياً ... تترك الشيخ صبياً\rوتريه الغي رشداً ... وتريه الرشد غياً\rوقال أبو الطيب:\rرأيت المدامة غلابة ... تهيج للمرء أشواقه\rتسئ من المرء تأديبه ... ولكن تحسن أخلاقه\rوأنفس ما للفتى له ... وذو اللب يكره إنفاقه\rوقد مت أمس بها ميتة ... وما يشتهي الموت من ذاقه","part":1,"page":416},{"id":417,"text":"قالوا: وإنما قيل لمشارب الرجل نديم، من الندامة، لأن الرجل معاقر الكأس إذا سكر تكلم بما يندم عليه وفعل ما يندم عليه، فقيل لمن شاربه نادمه لأنه فعل مثل فعله فهو نديم له، كما يقال: جالسه فهو جليس له. والمعاقر: المدمن، كأنه لزم عقر الشيء أي فناءه. وقد شهر أصحاب الشراب بسوء العقد وقلة الحفاظ، وقالوا: صاحب الشراب صديقك ما استغنيت عنه حتى تفتقر، وما عوفيت حتى تنكب، وما غلت دنانك حتى تنزف، وما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك. قال بعض الشعراء عفا الله تعالى عنه:\rأرى كل قوم يحفظون حريمهم ... وليس لأصحاب النبيذ حريم\rإذا جئتهم حيوك ألفا ورحبوا ... وإن غبت عنهم ساعة فذميم\rإخاؤهم ما دارت الكأس بينهم ... وكلهم رث الوصال سئوم\rفهذا بياني لم أقل بجهالة ... ولكنني بالفاسقين عليم\rقيل: سقى قوم أعرابية مسكراً، فقالت: أيشرب نساؤكم هذا الشراب؟ قالوا: نعم. قالت: فما يدري أحدكم من أبوه. وقال قصي بن كلاب لبنيه: اجتنبوا الخمر فإنه يصلح الأبداء ويفسد الأذهان. وقيل لعدي بن حاتم: مالك لا تشرب النبيذ؟ قال: معاذ الله! أصبح حليم قوم وأمسي سفيههم. وقيل لأعرابي: مالك لا تشرب النبيذ؟ قال: لا أشرب ما يشرب عقلي. وقيل لعثمان بن عفان: ما منعك من شرب الخمر في الجاهلية ولا حرج عليك؟ قال: إني رأيتها تذهب العقل جملة وما رأيت شيئاً يذهب جملة ويعود جملة. وقال عبد العزيز بن مروان لنصيب بن رباح: هل لك فيما يثمر المحادثة؟ يريد المنادمة، فقال: أصلح الله الأمير! الشعر مفلفل واللون مرمد، ولم أقعد إليك بكرم عنصر ولا بحسن منظر، وإنما هو عقلي ولساني، فإن رأيت ألا تفرق بينهما فافعل. ودخل مصيب هذا على عبد الملك بن مروان فأنشده فاستحسن عبد الملك شعره فوصله، ثم دعا بالطعام فطعم معه. فقال له عبد الملك: هل لك أن تنادم عليه؟ قال: يا أمير المؤمنين، تأملني. قال: قد أراك. قال: يا أمير المؤمنين، جلدي أسود وخلقي مشوه ووجهي قبيح ولست في منصب، وإنما بلغ بي مجالستك ومؤاكلتك عقلي، وأنا أكره أن أدخل عليه ما ينقصه. فأعجبه كلامه وأعفاه.\rوقال الحسن: لو كان العقل عرضاً لتغالي الناس في ثمنه، فالعجب لمن يشتري بماله شيئاً ليشربه فيذهب عقله!.\rوقال الوليد بن عبد الملك للحجاج بن يوسف في وفدة وفدها عليه وقد أكلا: هل لك في الشراب؟ قال: يا أمير المؤمنين، ليس بحرام ما أحللت، ولكن أمنع أهل عملي، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح وهو قوله تعالى: \" وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه \" .\rوقالوا: للنبيذ حدان، حد لا هم معه، وحد لا عقل معه، فعليك بالأول واتق الثاني.\rومن آفات الخمر افتضاح شاربها بريحها عند من يحتشم منه ويتقيه ويخافه يثبت في الفم اليوم واليومين بعد تركها. فمن شربها ساعة وهو يحتشم من الناس أن يظهر ذل عليه احتجاج إلى الانقطاع في بيته بعد زوال السكر وأوبة العقل حتى تزول الرائحة. وقد تحايل الذي يشربون الخمر على قطع ريحها من الفم وعالجوا ذلك بأدوية صنعوها يستعملونها بعد شربها. فأجود ما صنعوه من هذه الأدوية أن يؤخذ من المؤ والبسباسة والسعد والجناح والقرنفل أجزاء متساوية وجزءان من الصمغ، ويدق ذلك ويجبل بماء الورد ويستعمل منه فإنه يقطع رائحة الخمر من الفم، كما زعموا. وقد نظم بعض الشعراء هذه المفردات في أربعة أبيات فقال:\rمر وبسباسة وسعد ... إلى جناح وماء ورد\rينظمها الصمغ إن تلاه ... قرنفل الهند نظم عقد\rأجزاؤها كلها سواء ... والصمغ جزآن، لا تعدي\rفيه لذي مرة شفاء ... وصون عرض وحفظ ود\rأسماء الخمر من حين تعصر إلى أن تشرب","part":1,"page":417},{"id":418,"text":"الخمر إذا عصر فاسم ما يسيل منه قبل أن تطأه الرجل: السلاف، وأصله من السلف وهو المتقدم من كل شيء، وهو في مثل ذلك الخرطوم أيضاً. ويقال للذي يعصر بالأقدام: العصير، والموضع الذي يعصر فيه: المعصرة. والنطل: ما عصر فيه السلاف، ويقال للعاصر: الناطل، ثم يترك العصير حتى يغلي فإذا غلا فهو خمر، وقيل: سميت خمراً لأنها تخامر العقول فتخلطها. وقالوا: لأنها تخمر في الإناء، أي تغطى وهي مؤنثة. ويقال لها: القهوة، لأنها تقهى عن الطعام والشراب، يقال: أقهى عن الطعام وأقهم عنه إذا لم يشتهه. ومن أسمائها: الشمول، سميت بذلك لأن لها عصفة كعصفة الشمال، وقيل: لأنها تشمل القوم بريحها. ومنها: السلاف والسلافة والخرطوم وقد تقدم معناها. ومنها: القرقف لأن شاربها يقرقف إذا شربها، أي يرعد، يقال: قرقف وقفقف. وقال أبو عمرو: القرقف اسم للخمر غير صفة وأنكر قولهم سميت بها لأنها ترعد. ومنها: الراح لأ،ها تكسب صاحبها الأريحية أي خفة العطاء. ومنها: العقار لأنها عاقرت الدن، وقيل: لأنها تعقر شاربها من قول العرب: كلأ بني فلان عقار، أي يعقر الماشية. ومن أسمائها: المدامة والمدام لأنها داومت الظرف الذي انتبذت فيه. والرحيق ومعناه الخالص من الغش. وقيل: الصافي. وقيل: العتيق. والكميت سميت بذلك للونها إذ كانت تضرب إلى السواد. والجريال وهو صبغ أحمر سميت بذلك للونها أيضاً. والسبيئة والسباء وهي المشتراة وأصلها مسبوءة، يقال: سبأت الخمر إذا اشتريتها. والمشعشعة وهي الممزوجة. والصهباء وهي التي عصرت من العنب الأبيض. والشموس شبهت بالدابة التي تجمح براكبها. والخندريس وهي القديمة. والحانية: منسوبة إلى الحانة. والماذية: اللينة يقال: عسل ماذي إذا كان ليناً. والعانية: منسوبة إلى عانة. والسخامية: اللينة من قولهم: قطن سخام أي لين وثوب سخام. قال الراجز:\rكأنه بالصحصحان الأنجل ... قطن سخامي بأيدي غزل\rوالمزة والمزاء لطعمها. الإسفنط، قال الأصمعي: هو بالرومية. والغرب ومعناه الحد، وغرب كل شيء حده. ولعلها سميت بذلك لحدتها. والحميا، وحميا كل شيء سورته وحدته. والمصطار: الخلة ويقال: المضطار بالضاد أيضاً. والخمطة: المتغيرة الطعم. والمعتقة: التي قد طال مكثها. والإثم: اسم لها لعله وقع عليها لما في شربها من الإثم. والحمق كذلك. قال الشاعر:\rشربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يفعل بالعقول\rوالمعرق: الممزوج قليلاً، يقال: عرق من ماء أي ليس بكثير. ومن أسمائها: القنديد والفيهج وأم زنبق والمقطب والطوس والسلسال والسلسل والزرجون والكلفاء والجرباء والعانسة والطابة والناجود والكأس والطلاء، قال عبيد بن الأبرص:\rهي الخمر صرفاً تكنى الطلا ... كالذئب يسمى أبا جعدة\rوالباذق والبختج: فارسيان. والجهوري. والمقدى منسوبة إلى قرية من قرى الشام. والمزاء من قولك: هذا أمزى من هذا أي أفضل. والنبيذ. والبتع: نبيذ العسل والسكركة من الذرة. والجعة من الشعير. والفضيخ من البسر. والمزر من الحبوب.\rمن تنزه عن الخمر في الجاهلية وتركها ترفعاً عنها كان ممن تركها في الجاهلية عثمان بن عفان رضي الله عنه وعبد المطلب بن هاشم وعبد الله بن جدعان التيمي وكان سيداً جواداً من سادات قريش، وسبب تركه لها أنه شرب مع أمية بن أبي الصلت الثقفي فأصبحت عين أمية مخضرة فخاف عليها الذهاب، فسأله عبد الله: ما بال عينك؟ فقال: أنت صاحبها أصبتها البارحة، قال: وبلغ مني الشراب ما أبلغ معه من جليسي هذا المبلغ، فأعطاه عشرة آلاف درهم وقال: الخمر علي حرام، لا أذوقها أبداً، وقال فيها:\rشربت الخمر حتى قال صحبي ... ألست عن السقاة بمستفيق؟\rوحتى ما أوسد في مبيت ... أنام به سوى الترب السحيق\rوممن حرمها في الجاهلية: قيس بن عاصم المنقري، والسبب في ذلك أنه سكر فغمز عكنة ابنته أو أخته فهربت منه، فلما صحا أخبروه فحرم الخمر على نفسه، وقال في ذلك:\rوجدت الخمر جامحة وفيها ... خصال تفضح الرجل الكريما\rفلا والله أشربها حياتي ... ولا أدعو لها أبداً نديما\rولا أعطي لها ثمناً حياتي ... ولا أشفي بها أبداً سقيما","part":1,"page":418},{"id":419,"text":"فإن الخمر تفضح شاربيها ... وتجشمهم بها أمراً عظيما\rإذا دارت حمياها تعلت ... طوالع تسفه الرجل الحليما\rومنهم: عامر بن الظرب العدواني، قال:\rسآلة للفتى ماليس في يده ... ذهابة بعقول القوم والمال\rأقسمت بالله أسقيها وأشربها ... حتى يفرق ترب القبر أوصالي\rومنهم: صفوان بن أمية بن محرث الكتامي وعفيف بن معد يكرب الكندي والأسلوم بن نامي من همدان ومقيس بن عدي السهمي وكان سكر فجعل يخط ببوله: أنعامة أو بعيراً، فلما أفاق وأخبر بذلك حرمها.\rومنهم: العباس بن مرداس السلمي قيل له: لم تركت الشراب وهو يزيد في جرأتك وسماحتك؟ فقال: أكره أن أصبح سيد قومي وأمسي سفيههم.\rومنهم: سعيد بن ربيعة بن عبد شمس وورقة بن نوفل والوليد بن المغيرة. وقال زيد بن ظبيان:\rبئس الشراب حين تشربه ... يوهي العظام وطوراً يوهي العصب\rإني أخاف مليكي أن يعذبني ... وفي العشيرة أن يزرى على حسبي\rوقال رجل لسعيد بن سلم: ألا تشرب النبيذ؟ فقال: تركت كثيره لله تعالى وقليله للناس.\rفاستحسن شعره وقال له: سل حاجتك، فقال: تأمر لي بكتاب إلى عامل المدينة ألا يحدني على شراب، فقال له: ويلك! لو سألتني عزل عامل المدينة وتوليتك مكانه لفعلت، قال: يا أمير المؤمنين، ولو عزلته ووليتني مكانه أما كنت تعزلني أيضاً وتولي غيري! قال: بلى، قال: فكنت أرجع إلى سيرتي الأولى فأحد، فقال المهدي لوزرائه: ما تقولون في حاجة ابن هرمة وما عندكم فيها من التلطف؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، إنه سأل مالا سبيل إليه، إسقاط حد من حدود الله عز وجل، فقال المهدي: له حيلة إذا أعيتكم الحيل فيه، اكتبوا إلى عامل المدينة: من أتاك بابن هرمة سكراناً فاضربه مائة سوط واجلد ابن هرمة ثمانين، فكان إذا شرب ومشى في أزقة المدينة يقول: من يشتري مائة بثمانين؟ وأما من شربها منهم واشتهر بها، جماعة من الأكابر والأعيان والخلفاء.\rمنهم: يزيد بن معاوية شهر بشربها، وكان يقال له: يزيد الخمور، روى هشام بن الكلبي عن أبيه قال: وجه معاوية جيشاً إلى أرض الروم فأصابهم الجدري، وعند يزيد امرأته أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر فسكر وأنشأ يقول:\rإذا ارتفقت علي الأنماط في غرف ... بدير مران عندي أم كلثوم\rفما أبالي الذي لاقت جيوشهم ... بالغذقذونة منحمى ومن موم\rفبلغ الخبر معاوية، فقال: أنت هاهنا! إلحق بهم، وسيره إلى قتال الروم.\rومنهم: عبد الملك بن مروان، وكان يسمى: حمامة المسجد، لاجتهاده في العبادة، هذا قبل أن يلي الخلافة، فلما أفضت الخلافة إليه شرب، فقال له سعيد بن المسيب: بلغني يا أمير المؤمنين، أنك شربت الطلاء، قال: إي والله والدماء.\rومنهم: يزيد بن عبد الملك بن مروان وهو صاحب حبابة وسلامة، وأخباره مشهورة.\rومنهم: ابنه الوليد بن يزيد بن عبد الملك ذهب به الشراب كل مذهب حتى خلع وقتل، وله في ذلك حكايات وأشعار. منها: أنه سمع بشراعة بن الزندبوذ الكوفي، وكان من أهل البطالة المشهورين باللعب وإدمان الشراب، فاستدعاه بالكوفة إلى دمشق فحمل إليه فلما دخل عليه قال له: يا شراعة ما أرسلت إليك لأسألك عن كتاب الله ولا سنة نبيه، قال: لو سألتني عنهما لوجدتني فيهما حماراً، قال: وإنما أرسلت إليك لأسألك عن القهوة، قال: أنا دهقانها الخبير، ولقمانها الحكيم، وطبيبها الماهر، قال: فأخبرني عن الشراب قال: سل عما بدا لك قال: ما تقول في الماء قال: لا بد منه، والحمار شريكي فيه. قال: فاللبن؟ قال: ما رأيته إلا استحييت من طول ما أرضعتني أمي به، قال: فالسويق؟ قال: شراب الحزين والمستعجل والمريض. قال: فشراب التمر؟ قال: سريع الامتلاء، سريع الانفشاش. قال: فنبيذ الزبيب؟ قال: حاموا به على الشراب، قال: فالخمر؟ قال: تلك والله صديقة روحي، قال: وأنت والله صديق روحي، قال: فأي المجالس أحسن؟ قال: ما شرب فيه على وجه السماء: ومن شعر الوليد:\rخذوا ملككم لا ثبت الله ملككم ... ثباتاً يساوي ما حييت عقالا\rدعوا لي سلمى والنبيذ وقينة ... وكأساً، ألا حسبي بذلك مالا\rأبا لملك أرجو أن أخلد فيكم ... ألا رب ملك قد أزيل فزالا","part":1,"page":419},{"id":420,"text":"ومنهم: المأمون بن الرشيد وشهر بالشراب وله فيه أخبار، منها: أنه شرب هو ويحيى بن أكثم القاضي وعبد الله بن طاهر، فتعامل المأمون وابن طاهر على سكر يحيى، فأشار إلى الساقي فأسكره، وكان بين أيديهم رزم من الورد والرياحين، فأمر المأمون فشق ليحيى لحد من الورد والرياحين وصيروه فيه، وعمل بيتي شعر ودعا قينة فجلست عند رأس يحيى وغنت بالشعر:\rدعوته وهو حي لا حياة به ... مكفناً في ثياب من رياحين\rفقلت قم قال رجلي لا تطاوعني ... فقلت خذ قال كفى لا تواتيني\rفانتبه يحيى لرنة العود وصوت الجارية فقال:\rيا سيدي وأمير الناس كلهم ... قد جار في حكمه من كان يسقيني\rإني غفلت عن الساقي فصيرني ... كما تراني سليب العقل والدين\rفانظر لنفسك قاض إنني رجل ... ألراح يقتلني والروح يحييني\rومنهم: العباس بن علي بن عبد الله بن العباس وهو عم المنصور، كان يأخذ الكأس بيده ويقول: أما العقل فتتلفين، وأما المروءة فتمحقين، وأما الدين فتفسدين، ويسكت ساعة ثم يقول: وأما النفس فتسخين، وأما القلب فتشجعين، وأما الهم فتطردين، أفتراك مني تفلتين! ثم يشربها.\rومنهم: بلال بن أبي بردة فضح بالشراب وفيه يقول يحيى بن نوفل الحميري:\rوأما بلال فذاك الذي ... يميل الشراب به حيث مالا\rيبيت يمص عتيق الشراب ... كمص الوليد يخاف الفصالا\rويصبح مضطرباً ناعساً ... تخال من السكر فيه احولالا\rويمشي ضعيفاً كمشي النزيف ... تخال به حين يمشي شكالا\rومنهم: عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي قاضي الكوفة وفضح بمنادمة سعد بن هبار وفيه يقول حارثة بن بدر:\rنهاره في قضايا غير عادلة ... وليله في هوى سعد بن هبار\rومنهم: آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو الذي يقول:\rهاك فاشرب يا خليلي ... في مدى الليل الطويل\rقهوة في ظل كرم ... سبيت من نهر نيل\rفي لسان المرء منها ... مثل لذع الزنجبيل\rإنما أذهب مالي ... طول إدمان الشمول\rوحنين العود تثني ... ه يدا ظبي كحيل\rفالطوي العنق الأهيف كالسيف الصقيل\rيا خليلي اسقياني ... واهتفا بالشمس زولي\rقل لمن لامك فيها ... من نصيح أو عذول\rيبق بين الباب والدا ... ر على نعب الطلول\rوقيل لأبيه عبد العزيز بن عمر: إن بنيك يشربون الخمر، فقال: صفوهم لي، فقالوا: أما فلان إذا شرب خرق ثيابه وثياب نديمه، فقال: سوف يدع هذا شربها، قالوا: وأما فلان فإذا شربها تقيأ في ثيابه، قال: وهذا سوف يدعها، قالوا: وأما آدم فإذا شربها فأسكن ما يكون لا ينال أحداً بسوء، قال: هذا لا يدعها أبداً.\rومنهم: حارثة بن زيد العدواني - رجل من تميم - دخل يوماً على زياد ابن أبيه وبوجهه أثر، فقال له زياد: ما هذا الأثر بوجهك؟ فقال: أصلح الله الأمير ركبت فرسي الأشقر فجمح بي حتى صدمني الحائط، فقال: أما إنك لو ركبت فرسك الأشهب لم يصبك مكروه. ولحارثة فيها أشعاراً كثيرة وأخبار مع الأحنف بن قيس، وكان الأحنف ينهاه عنها وهو لا ينتهي ويجيبه بشعر في مدحها وقيل: إن حارثة هذا أدرك النبي صلى الله عليه وسلم بالسن في حال صباه وحداثته.\rومنهم: والبة بن الحباب الأسدي وهو الذي ربى أبا نواس وأدبه وعلمه الفتوة وقول الشعر. حكي أن المنصور قال له يوماً: ادخل إلى محمد - يعني المهدي - وحدثه، فدخل عليه، فأول ما أنشده قوله:\rقولا لعمرو لا تكن ناسياً ... وسقني لا تحبسن كاسيا\rواردد على الهيثم مثل الذي ... هجت به ويحك وسواسيا\rوقل لساقينا على خلوة ... أدن كذا رأسك من راسيا\rفبلغ ذلك المنصور، فقال: لا تعيدوه إليه أردنا أن نصلحه فأراد هو أن يفسده.\rومنهم: أبو الهندي وهو عبد المؤمن بن عبد القدوس بن شبث بن ربعي اليربوعي، حج به نصر بن سيار فلما ورد الحرم قال له نصر: إنك بفناء بيت الله الحرام ومحل حرمه فدع الشراب، فلما زال عنه وضعه بين يديه وجعل يشرب ويبكي ويقول:","part":1,"page":420},{"id":421,"text":"رضيع مدام فارق الراح روعه ... فظل عليها مستهل المدامع\rأديرا على الكأس إني فقدتها ... كما فقد المفطوم در المراضع\rومر به نصر بن سيار وهو يميل سكراً، فقال له: أفسدت شرفك، فقال: لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت اليوم والي خراسان.\rومنهم: سعيد بن وهب وكان شاعراً بصرياً.\rومنهم: الحسين بن الضحاك النديم صاحب الحسن بن هانئ وكان خليعاً ماجناً مليح الشعر وهو الذي يقول:\rألا إنما الدنيا وصال حبيب ... وأخذك من مشمولة بنصيب\rوعيشك بين المسمعات ممتعاً ... بفنين من عزف وشدو مصيب\rوأنس وإنسان تلذ بقربه ... وبذلة معشوق ونوم رقيب\rوعدى ساعات النهار ورقبتي ... إلى الشمس لما آذنت بمغيب\rومنهم: يحيى بن زياد وهو الذي يقول:\rأعاذل ليت البحر خمر وليتني ... مدى الدهر حوت ساكن لجة البحر\rفأضحى وأمسي لا أفارق لجة ... أروى بها عظمي وأشفي بها صدري\rطوال الليالي، ليس عني بناضب ... ولا ناقص حتى أصير إلى الحشر\rومنهم: أبو نواس الحسن بن هانئ ممن اشتهر بالشراب واللهو والطرب ومنادمة القيان، وله في الخمر تشبيهات حسنة وحكايات ظريفة، نذكر هاهنا من أخباره طرفاً: حكي أن مسلم بن الوليد عاتبه وقال: يا أبا نواس، قد خلعت عذارك وأطلت الإكباب على المجون حتى غلب على لبك وما كذلك يفعل الأدباء! فأطرق ثم قال:\rفأول شربك طرح الرداء ... وآخر شربك طرح الإزار\rوما هنأتك الملاهي بمثل ... إماتة مجد وإحياء عار\rوما جاد دهر بلذاته ... على من يضن بخلع العذار\rفانصرف مسلم وقد أيس من فلاحه وهو يقول: جواب حاضر، من كهل فاجر. ومما يحفظ من أخباره، ويروى من أشعاره في ذلك: أنه بلغ إخوانه عنه أنه ترك الشراب واللذات وأخذ في الزهد والصلاة في أوقاتها فاجتمعوا إليه وأقبلوا يهنئونه، فوضع بين يديه باطية وجعل لا يدخل إليه أحد يهنئه إلا شرب بين يديه رطلاً وأنشد:\rقالوا نزعت ولما يعلموا وطري ... في كل أغيد ساجي الطرف مياس\rكيف النزوع وقلبي قد تقسمه ... لحظ العيون وقرع لسن بالكاس\rلا خير في العيش إلا في المجون مع ال ... أكفاء والراح والريحان والآس\rومسمع يتغنى والكئوس لها ... حث علينا بأخماس وأسداس\rيا موري الزند قد أكبت قوادحه ... اقبس إذا شئت من قلبي بمقباس\rما أقبح الناس في عيني وأسمجهم ... إذا نظرت فلم أبصرك في الناس\rوحدث الفضل بن سلمة عن الثوري، قال: خرج الحسن بن هانئ ومعه مطيط صاحبه، حتى أتيا دار خمار. فقال الحسن لمطيط: ادخل بنا نمزح بهذا الخمار. فدخلا فسلما فرد عليهما. فقال له الحسن: أعندك خمر عتيقة يا خمار؟ فقال: عندي منها أجناس، فأيها تريد؟ قال: التي يقول فيها الشاع:\rحجبت خيفة وصينت فجاءت ... كجلاء العروس بعد الصيان\rوكأن الأكف تصبغ من ضو ... ء سناها بالورس والزعفران\rفملأ له الخمار قدحاً من خمر صفراء، كأنها ذهب محلول، فشربه الحسن وقال: أحسن من هذا أريد. فقال له الخمار: أي جنس تريد؟ قال: التي يقول فيها الشاعر:\rدفعتها أيدي الهواجر حتى ... صيرت جسمها كجسم الهواء\rفهي كالنور في الإناء وكالنا ... ر إذا ما تصير في الأحشاء\rفملأ له الخمار قدحاً من خمر كأنها العقيق. فشربه وقال: أرفع من هذا أريد. فقال: أي جنس؟ قال: التي يقول فيها الشاعر:\rوإذا حسا منها الوضيع ثلاثة ... سمح الوضيع كفعل ذي القدر\rفي لون ماء الغيث إلا أنها ... بين الضلوع كواقد الجمر\rقملأ له قدحاً من خمر بيضاء، كأنها ماء المزن. فشرب الحسن وقال للخمار: أتعرفني؟ قال: إي والله يا سيدي، أنا أعرف الناس بك. قال: من أنا؟ قال: أنت الذي يسكر من غير وزن. فضحك الحسن وقال لمطيط: ادفع إليه ما بقي عندك من النفقة، فأعطاه مائة درهم وانصرف.","part":1,"page":421},{"id":422,"text":"وقال الحسين بن الضحاك: كنت مع أبي نواس بمكة عام حج، فسمع صبياً يقرأ \" يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا \" . فقال أبو نواس: في مثل هذا يجيء للخمر صفة حسنة، ففكر ساعة ثم أنشدني:\rوسيارة ضلت عن القصد بعد ما ... ترادفهم أفق من الليل مظلم\rفأصغوا إلى صوت ونحن عصابة ... وفينا فتى من سكره يترنم\rفلاحت لهم منا على النأي قهوة ... كأن سناها ضوء نار تضرم\rإذا ما حسوناها أقاموا مكانهم ... وإن مزجت حثوا الركاب ويمموا\rقال: فحدث بهذا الحديث محمد بن الحسين فقال: لا ولا كرامة، ما سرقه من القرآن ولكن من قول الشاعر:\rوليل بهيم كلما قلت غورت ... كواكبه عادت لنا لتذيل\rبه الركب إما أومض البرق يمموا ... وإن لم يلح فالقوم بالسير جهل\rوقال أبو نواس فيها:\rألا دارها بالماء حتى تلينها ... فما تكرم الصهباء حتى تهينها\rأغالي بها حتى إذا ما مللتها ... أهنت لإكرام النديم مصونها\rوقال أيضاً:\rنبهته والليل ملتبس به ... وأزحت عنه حثاثه فانزاحا\rقال ابغني المصباح، قلت له اتئد ... حسبي وحسبك ضوءها مصباحا\rفسكبت منها في الزجاجة شربة ... كانت له حتى الصباح صباحا\rمن قهوة جاءتك قبل مزاجها ... عطلاً فألبسها المزاج وشاحا\rشك البزال فؤادها فكأنها ... أبدت إليك بريحها تفاحا\rوقال أيضاً:\rرداً على الكأس، إنكما ... لا تدريان الكأس ما تجدي\rخوفتماني الله جهدكما ... وكخيفتيه رجاؤه عندي\rلا تعذلا في الراح إنكما ... في غفلة عن كنه ما تسدي\rلو نلتما ما نلت ما مزجت ... إلا بدمعكما من الوجد\rما مثل نعماها إذا اشتملت ... إلا اشتمال فم على خد\rإن كنتما لا تشربان معي ... خوف الإله شربتها وحدي\rوأخبار الحسن بن هانئ فيها كثيرة، وفيما أوردناه منها كفاية.\rومنهم: الثرواني، كان شاعراً مطبوعاً بليغاً، من أهل الخلاعة المشهورين.\rوكان آخر أمره أن أصيب في حانة خمار بين زقي خمر وهو ميت. وهو القائل فيها:\rكر الشراب على نشوان مضطجع ... قد هب يشربها والديك لم يصح\rوالليل في عسكر حمر بوارقه ... من النجوم، وضوء الصبح لم يضح\rوالعيش لا عيش إلا أن تباكرها ... نشوان تقتل هم النفس بالفرح\rحتى يظل الذي قد بات يشربها ... ولا مراح به يختال كالمرح\rومنهم: مطيع بن إياس. وكان شاعراً أديباً ظريفاً مشتهراً بالخلاعة واللعب. وكان أصحابه على ذلك، وهم يحيى بن زياد، ووالبة بن الحباب، وحماد عجرد.\rومنهم: أبو عبد الرحمن العطوي. كان شاعراً فصيحاً، لا يكاد يتقدمه أحد لجزالة ألفاظه وحلاوة معاني. وكان مولعاً بالخمر مشتهراً بها مدمناً عليها، أكثر أشعاره فيها. فمن شعره:\rأخطب لكأسك ندماناً تسر به ... أولا فنادم عليها حكمة الكتب\rأخطبه حراً كريماً ذا محافظة ... ترى مودته من أقرب النسب\rوقال أيضاً:\rوكم قالوا تمن، فقلت كأساً ... يطوف بها قضيب في كثيب\rوندماناً يساقطني حديثاً ... كصدق الوعد أو غض الرقيب\rومنهم: أبو هفان. وكان شاعراً محسناً، وخليعاً ماجناً. حكى أنه شرب مع أحمد بن أبي طاهر حتى فنى ما عندهما، وكانا بجوار العلاء بن أيوب. فقال ابن أبي طاهر لأبي هفان: تماوت حتى نحتال على أبي العلاء في أن ينيلنا شيئاً. فمضى إليه ابن أبي طاهر فقال: أصلحك الله! نزلنا جوارك فوجب حقنا عليك، وقد مات أبو هفان وليس له كفن. فقال لوكيله: امض معه وشاهد أمره وادفع إليه كفناً. فأتاه فوجده ملقى عليه ثوب فنقر أنفه فضرط. فقال: ما هذا؟ فقال: أصلحك الله عجلت له صعقة القبر فإنه مات وعليه دين، فضحك وأمر له بدنانير.\rومنهم: الأقيشر. وكان مغرماً بالشراب مدمناً عليه. وهو القائل:","part":1,"page":422},{"id":423,"text":"ومقعد قوم قد مشى من شرابنا ... وأعمى سقيناه ثلاثاً فأبصرا\rكميت كأن العنبر الورد ريحه ... ومسحوق هندي من المسك أذفرا\rومنهم: النعمان بن علي بن نضلة. وكان عاملاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه على ميسان، وكان مدمن الشراب. وهو القائل:\rألا أبلغ الحسناء أن خليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم\rفإن كنت ندماني فبالأكبر سقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم\rلعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم\rفبلغ الشعر عمر رضي الله عنه.\rفكتب إليه: \" بسم الله الرحمن الرحيم، حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير \" أما بعد، فقد بلغني قولك:\rلعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم\rوأيم الله لقد ساءني! وعزله. فلما قدم عليه سأله، فقال: والله ما كان من هذا شيء، وما كان إلا فضل شعر وجدته وما شربتها قط. فقال عمر: أظن ذلك، ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً. فنزل البصرة، ولم يزل يغزو مع المسلمين حتى مات رحمه الله.\rومنهم: عمارة بن الوليد بن المغيرة. خطب امرأة من قومه، فقالت: لا أتزوجك حتى تدع الخمر والزنا. فقال: أما الزنا فإني أدعه، وأما الخمر فوجدي بها شديد. ثم اشتد وجده بالمرأة فعاود طلبها، فقالت: حتى يحلف بطلاقي يوم يزني أو يشرب خمراً، فحلف لها وتزوجها. ومكث حيناً لا يشرب، إلى أن مر بخمار وعنده قوم يشربون وقينة تغنيهم وهو على ناقة، فطرب إليهم وارتاح ورمى بثيابه إلى الخمار، وقال: أسقهم بها، ونحر لهم ناقته، ومكث أياماً يطعمهم ويسقيهم حتى أنفد ما معه. ثم رجع إلى امرأته، فلامته، فأنشأ يقول:\rأقلي علي اللوم يا أم سالم ... وكفى فإن العيش ليس بدائم\rأسرك لما صرع القوم نشوة ... خروجي منهم سالماً غير غارم\rسليماً كأني لم أكن كنت منهم ... وليس الخداع من تصافى التنادم\rثم قال لها: الحقي بأهلك، وعاد إلى ما كان عليه.\rوأما من افتخر بشربها وسبائها، فقد كانت العرب تفتخر بسبائها، وتضيفه إلى عظيم غنائها، وتقرنه بمذكور بلائها. وشاهد ذلك قول امرئ القيس:\rكأني لم أركب جواداً للذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال\rولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كرى كرة بعد إجفال\rفقرن دوده في سباء الزق ببسالته في كر الخيل. ولما أنشد أبو الطيب المتنبي سيف الدولة بن حمدان قصيدته التي يقول فيها:\rوقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم\rتمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم\rفقال له سيف الدولة: انتقدنا عليك يا أبا الطيب هذين البيتين كما انتقد على امرئ القيس بيتاه، وذكرهما، قال: وبيتاك لا يلتئم شطراهما كما لا يلتئم شطرا هذين البيتين: كان ينبغي لامرئ القيس أن يقول:\rكأني لم أركب جواداً ولم أقل ... لخيلي كرى كرة بعد إجفال\rولم أسبأ الزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال\rوأن تقول أنت:\rوقفت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم\rتمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم\rفقال: أيد الله مولانا! إن كان صح أن الذي استدرك على امرئ القيس أعلم منه بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، والثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك لأن البزاز يعرف جملته والحائك يعرف جملته وتفاريقه، لأنه هو الذي أخرجه من الغزلية إلى الثوبية. وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة في سباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وأنا لم ذكرت الموت في أول البيت أتبعته بذكرى الردى وهو الموت ليجانسه. ولما كان الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوساً وعينه باكية قلت:\rووجهك وضاح وثغرك باسم\rلأجمع بين الأضداد في المعنى وإن لم يتسع اللفظ لجميعها. فأعجب سيف الدولة بقوله ووصله.\rوقال لقيط بن زرارة:\rشربت الخمر حتى خلت أني ... أبو قابوس أو عبد المدان","part":1,"page":423},{"id":424,"text":"وقال حسان بن ثابت الأنصاري عفا الله عنه ورحمه:\rإذا ما الأشربات ذكرن يوماً ... فهن لطيب الراح الفداء\rونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأسداً ما ينهنهها اللقاء\rحكي أن حسان بن ثابت عنف جماعة من الفتيان على شرب الخمر وسوء تنادمهم عليها وأنهم يضربون عليها ضرب الإبل ولا يرجعون عنها أبداً، فقالوا: إنا إذا هممنا بالإقلاع عنها ذكرنا قولك:\rونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأسداً ما ينهنهها اللقاء\rفعاودناها.\rوقال الأخطل يخاطب عبد الملك بن مروان:\rإذا ما نديمي علني ثم علني ... ثلاث زجاجات لهن هدير\rخرجت أجر الذيل حتى كأنني ... عليك أمير المؤمنين أمير\rوقال آخر:\rشربنا من الداذي حتى كأننا ... ملوك لهم بر العراقين والبحر\rفلما انجلت شمس النهار رأيتنا ... تولى الغني عنا وعاودنا الفقر\rومثله للمنخل اليشكري:\rفإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والسدير\rوإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير\rوقال عنترة:\rوإذا سكرت فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافر لم يكلم\rوإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي\rأخذه البحتري وزاد عليه في قوله:\rوما زالت خلا للندامى إذا انتشوا ... وراحوا بدوراً يستحثون أنجما\rتكرمت من قبل الكئوس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرما\rوالزيادة أن عنترة ذكر أنه يستهلك ماله إذا سكر، والبحتري ذكر أن ممدوحه يتكرم قبل الكئوس فيبالغ حتى لا تستطيع الكئوس أن تزيده تكرما.\rوكان الأعشى ميمون بن قيس مشهوراً بتعاطي الخمر مشغوفاً بها كثير الذكر لها في شعره. ومن اشتهاره بها قال المفضل بين قدماء الشعراء: أشعرهم امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب. وقصد الأعشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم وامتدحه بقصيدته التي أولها:\rألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا\rفاعترضه في طريقه من أراد منعه، فقالوا له: إنه يحرم عليك الزنا والخمر. فقال: أما الزنا فقد كبرت فلا حاجة لي فيه، وأما الخمر فلا أستطيع تركها. وعاد لينظر في أمره، وقيل: إنه قال: أعود فأشربها سنة وأرجع، فمات قبل الحول.\rقالوا: ونظر الحسن بن وهب إلى رجل يعبس في كأسه، فقال: ما أنصفتها، تضحك في وجهك وتعبس في وجهها. ومن ذلك قول الشريف الرضي:\rكالخمر يعبس حاسيها على مقة ... والكأس تجلو عليه ثغر مبتسم\rوهو مأخوذ من قول عبد الله بن المعتز حيث يقول:\rما أنصف الندمان كأس مدامة ... ضحكت إليه فشمها بتعبس\rمما قيل فيها من جيد الشعر قد أوسع الشعراء في هذا المغنى وأطنبوا فيه وتنوعوا. فمنهم من مدحها ومنهم من وصفها وشبهها، ومنهم من ذكر أفعالها وتغزل فيها. وسنورد في هذا الموضع نبذة مما طالعناه في ذلك، إذ لو أوردنا مجموع ما وقفنا عليه لطال، ولاتسعت فيه دائرة المقال.\rفأما ما قيل فيها على سبيل المدح لها، فمن ذلك قول ابن الرومي حيث يقول:\rتالله ما أدري بأية علة ... يدعون هذا الراح باسم الراح؟\rألريحها ولروحها تحت الحشا ... أم لارتياح نديمها المرتاح؟\rإن حرمت فبحقها من خمرة ... ما كان مثل حريمها بمباح\rأو حللت فبحقها من نشوة ... تشفي سقام قلوبنا بصحاح\rوقال أيضاً:\rخمر إذا ما نديمي ظل يكرعها ... أخشى عليه من اللألاء يحترق\rلو رام يحلف أن الشمس ما غربت ... في فيه كذبه في وجهه الشفق\rومثله قول الطليق المرواني:\rفإذا ما غربت في فمه ... أطلعت في الخد منه شفقا\rوقال الناجم:\rوقهوة كشعاع الشمس صافية ... مثل السراب ترى من رقة شبحا\rإذا تعاطيتها لم تدر من فرح ... راحاً بلا قدح أعطيت أم قدحا؟\rوقال الناشي:\rيا ربما كأس تناولتها ... تسحب ذيلاً من تلاليها","part":1,"page":424},{"id":425,"text":"كأنها النار ولكنها ... منعم والله صاليها\rومما قيل في وصفها وتشبيهها، فمن ذلك ما قاله يزيد بن معاوية:\rومدامة حمراء في قارورة ... زرقاء تحملها يد بيضاء\rفالخمر شمس والحباب كواكب ... والكف قطب والإناء سماء\rوقال السروي:\rعنيت بالمدامة الشعراء ... وصفوها وذاك عندي عناء\rكيف تحصيل علمها وهي موت ... وحياة وعلة وشفاء\rفهي في باطن الجوانح نار ... وهي في ظاهر المحاجر ماء\rحلوة مرة فما أحد يد ... ري أداء خصوصها أم دواء\rوقال البحتري:\rاشرب على زهر الرياض يشوبه ... زهر الخدود وزهرة الصهباء\rمن قهوة تنسى الهموم وتبعث ال ... شوق الذي قد ضل في الأحشاء\rيخفى الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمة بغير إناء\rولها نسيم كالرياض تنفست ... في أوجه الأرواح والأنداء\rوفواقع مثل الدموع ترددت ... في صحن خد الكاعب الحسناء\rيسقيكها رشأ يكاد يردها ... سكرى بفترة مقلة حوراء\rيسعى بها وبمثلها من طرفه ... عوداً وإبداءً على الندماء\rوقال الوأواء الدمشقي:\rفامزج بمائك نار كأسك واسقني ... فلقد مزجت مدامعي بدماء\rواشرب على زهر الرياض مدامة ... تنفي الهموم بعاجل السراء\rلطفت فصارت من لطيف محلها ... تجري كجري الروح في الأعضاء\rوكأن مخنفة عليها جوهر ... ما بين نار أذكيته وهواء\rوكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها علىالندماء\rشمس الضحى رقصت فنقط وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء\rوقال أبو نواس:\rأقول لما تحاكيا شبها ... أيهما للتشابه الذهب\rهما سواء وفرق بينهما ... أنهما جامد ومنسكب\rوله أيضاً:\rإذا عب فيها شارب القوم خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا\rترى حيثما كانت من البيت مشرقاً ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا\rيدور بها ساق أغن ترى له ... على مستدار الأذن صدغاً معقربا\rسقاهم ومناني بعينيه منية ... فكانت إلى نفسي ألذ وأطيبا\rومثل البيت الأول قول ابن المعتز:\rكأنه قائم والكأس في يده ... هلال أول شهر غاب في شفق\rوقال ابن الرومي:\rومهفهف تمت محاسنه ... حتى تجاوز منتهى النفس\rأبصرته والكأس بين فم ... منه وبين أنامل خمس\rفكأنه والكأس في فمه ... قمر يقبل عارض الشمس\rوقال الحسين بن الضحاك:\rكأنما نصب كأسه قمر ... يكرع في بعض أنجم الفلك\rوقال آخر:\rواكتست من فضة درراً ... خلتها من تحتها ذهبا\rككميت اللون قلدها ... فارس من لؤلؤ حببا\rوقال آخر:\rتغشى بياض شاربها ... فتخالها بيمين مختضب\rدارت وعين الشمس غائبة ... فحسبت عين الشمس لم تغب\rوقال آخر:\rحمراء وردية مشعشعة ... كأنها في إنائها لهب\rصهباء صرفاً لو مستها حجر ... من جامد الصخر مسه طرب\rوقال آخر:\rقلت والراح في أكف الندامى ... كنجوم تلوح في أبراج\rأمداماً خرطتم لمدام ... أم زجاجاً سبكتم لزجاج\rوقال الحسن بن وهب:\rوقهوة صافية ... كالمسك لما نفحا\rشربت من دنانها ... من كل دن قدحا\rفعدت لا تحملني ... أعواد سرجي مرحا\rمن شدة السكر الذي ... على فؤادي طفحا\rوقال ابن المعتز:\rخليلي قد طاب الشراب المبرد ... وقد عدت بعد النسك والعود أحمد\rفهات عقاراً من قميص زجاجة ... كياقوتة في درة تتوقد\rيصوغ عليها الماء شباك فضة ... له حلق بيض تحل وتعقد\rوقال التنوخي:","part":1,"page":425},{"id":426,"text":"وراح من الشمس مخلوقة ... بدت في قدح من نهار\rهواء ولكنه ساكن ... وماء ولكنه غير جاري\rإذا ما تأملته وهي فيه ... تأملت ماء محيطاً بنار\rفهذا النهاية في الابيضاض ... وهذا النهاية في الاحمرار\rوما كان في الحكم أن يوجدا ... لفرط تنافيهما والنفار\rولكن تجاور سطحاهما ال ... بسيطان فأتلفا بالحوار\rكأن المدير لها باليمين ... إذا مال بالسقي أو باليسار\rتدرع ثوباً من الياسمين ... له فرد كم من الجلنار\rوقال ابن وكيع التنيسي:\rحملت كفه إلى شفتيه ... كأسه والظلام مرخى الإزار\rفالتقى لؤلؤاً حباب وثغر ... وعقيقان من فم وعقار\rوقال آخر:\rثم فاسقني قد تبلج الغسق ... من قهوة في الزجاج تأتلق\rكأننا والكئوس نأخذها ... نشرب ناراً وليس نحترق\rوقال أبو نواس:\rغننا بالطلول كيف بلينا ... واسقنا نعطك الجزاء الثمينا\rمن سلاف كأنها كل شيء ... يتمنى مخير أن يكونا\rأكل الدهر ما تجسم منها ... وتبقى لنا بها المكنونا\rفإذا ما اجتليتها فهباء ... تمنع الكف ما تبيح العيونا\rثم شجت فاستضحكت عن لآل ... تمنع الكف ما تبيح العيونا\rفي كئوس كأنهن نجوم ... جاريات، بروجها أيدينا\rطالعات مع السقاة علينا ... فإذا ما غربن يغربن فينا\rلو ترى الشرب حولها من بعيد ... قلت قوم من قرة يصطلونا\rوقال ابن المعتز:\rوخمارة من بنات المجوس ... ترى الدن في بيتها شائلا\rوزنا لها ذهباً جامداً ... فكالت لنا ذهبا ًسائلا\rوأما ما قيل في أفعالها، فمن ذلك قول أبي تمام الطائي:\rوكأس كمعسول الأماني شربتها ... ولكنها أجلت وقد شربت عقلي\rإذا عوتبت بالماء كان اعتذارها ... لهيباً كوقع النار في الحطب الجزل\rإذا اليد نالتها بوتر توفرت ... على ضغنها ثم استقادت من الرجل\rومثله قول ديك الجن واسمه عبد السلام:\rفقام تكاد الكأس تخضب كفه ... وتحسبه من وجنتيه استعارها\rمشعشعة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها\rفظلنا بأيدينا نتعتع روحها ... وتأخذ من أقدامنا الراح ثارها\rوقريب من المعنى الأول قول أبي بكر الخالدي:\rكانت لها أرجل الأعلاج واترة ... بالدوس فانتصفت من أرؤس العرب\rأخذ هذا المعنى أبو غالب الإصباعي الكاتب فقال:\rعقرتهم معقورة لو سالمت ... شرابها ما سميت بعقار\rلانت لهم حتى انتشوا وتمكنت ... منهم فصاحت فيهم بالثار\rذكرت حقائدها القديمة إذ غدت ... صرعى تداس بأرجل العصار\rوقال آخر:\rأسروها وجه النهار من الدن ... فأمسوا وهم لها أسراء\rوقال عبد الصمد بن بابك عفا الله عنه:\rعقار عليها من دم الصب نفضة ... ومن عبرات المستهام فواقع\rمعودة غصب العقول كأنما ... لها عند ألباب الرجال ودائع\rوأما ما وصفت به غير ما قدمناه، فمن ذلك قول أبي الفضل يحيى بن سلامة الحصكفي والحصكفي نسبة إلى حصن كيفا:\rوخليع بت أعتبه ... ويرى عتبي من العبث\rقلت إن الخمر مخبثة ... قال حاشاها من الخبث\rقلت منها القيء، قال أجل ... طهرت عن مخرج الحدث\rقلت فالأرفاث تتبعه ... قال طيب العيش في الرفث\rوسأسلوها فقلت متى ... قال عند الكون في الجدث\rوقال آخر:\rثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح\rخفت فكادت أن تطير بماحوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح\rوقريب من المعنى قول الآخر:","part":1,"page":426},{"id":427,"text":"وزناً الكأس فارغة وملأى ... فكان الوزن بينهما سواء\rوقال أبو نواس:\rقهوة أعمى عنها ... ناظراً ريب المنون\rعتقت في الدن حتى ... هي في رقة ديني\rثم شجت فأدارت ... فوقها مثل العيون\rحدقاً ترنو إلينا ... لم تحجر بجفون\rذهباً يثمر دراً ... كل إبان وحين\rمن يدي ساق عليه ... حلة من ياسمين\rغاية في الظرف والشكل وفرد من المجون\rوقال:\rذد بماء الكرم والعنب ... خطرات الهم والنوب\rقهوة لو أنها نطقت ... ذكرت ساماً أبا العرب\rوهي تكسو كف شاربها ... دستبانات من الذهب\rوقال تاج الملوك بن أيوب:\rوكم ليلة فيها وصلنا غبوقنا ... وكم من صباح كان فيه صبوح\rتدار علينا من أكف سقاتنا ... عقار من الهم الطويل تريح\rتلوح لنا كالشمس في كف أغيد ... يلوح لعيني البدر حين يلوح\rمدام تحاكي خده ورضابه ... ونكهته في الطيب حين تفوح\rولكن لها أفعال عينيه في الحشا ... فكل حشا فيها عليه جريح\rوقال أيضاً:\rوالكأس أعطاها عقيقاً أحمراً ... قان، فأعطيها لجيناً يققا\rمن قهوة ما العيش إلا أن أرى ... مصطبحاً في شربها مغتبقا\rأشربها شرباً هنيئاً من يدي ... غصن رشيق وغزال أرشقا\rومما قيل فيها إذا مزجت بالماء، فمن ذلك قول أبي نواس:\rوصفراء قبل المزج بيضاء بعده ... كأن شعاع الشمس يلقاك دونها\rترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقل جفونها\rومنه أخذ ديك الجن فقال:\rوحمراء قبل المزج صفراء بعده ... بدت بين ثوبي نرجس وشقائق\rحكت وجنة المعشوق صرفاً فسلطوا ... عليها مزاجاً فاكتست لون عاشق\rوقال أبو هلال العسكري:\rراح إذا ما الليل مد رواقه ... لاحت تطرز حلة الظلماء\rحتى إذا مزجت أراك حبابها ... زهرات أرض أو نجوم سماء\rوقال أيضاً:\rوكأس تمتطي أطراف كف ... كأن بنانها من أرجوان\rأنازعها على العلات شرباً ... لهن مضاحك من أقحوان\rيلوح على مفارقها حباب ... كأنصاف الفرائد والجمان\rوطالعني الغلام بها سحيراً ... فزاد على الكواكب كوكبان\rووافقها بخد أرجوان ... وخلفها بفرع أدجوان\rقوله:\rكأنصاف الفرائد والجمان\rمأخوذ من قول ابن الرومي:\rلها صريح كأنه ذهب ... ورغوة كاللآلئ الفلق\rوقال أبو نواس:\rفإذا علاها الماء ألبسها ... حبباً شبيه جلاجل الحجل\rحتى إذا سكنت جوانحها ... كتبت بمثل أكارع النمل\rوهو مأخوذ من قول الأول، ويقال: إنه ليزيد بن معاوية:\rوكأس سباها التجر من أرض بابل ... كرقة ماء الحزن في الأعين النجل\rإذا شجها الساقي حسبت حبابها ... عيون الدبا من تحت أجنحة النمل\rوقال أبو نواس أيضاً:\rقامت تريني وأمر الليل مجتمع ... صبحا تولد بين الماء واللهب\rكأن صغرى وكبرى من فقاقعها ... حصباء در على أرض من الذهب\rوقال ابن المعتز:\rللماء فيها كتابة عجب ... كمثل نقش في فص ياقوت\rوقال العسكري:\rذاب في الكأس عقيق فجرى ... وطفا الدر عليه فسبح\rنصب الساقي على أقداحها ... شبك الفضة تصطاد الفرح\rوقال ابن الساعاتي:\rوليلة بات بدر التم ساقينا ... يدير فلك من شربها شهبا\rبكر إذا فرعت بالماء كان بنا ... جداً وإن كان في كاساتها لعبا\rحمراء من خجل حتى إذا مزجت ... لم تدر ما خجلا تحمر أم غضبا\rتزيد بالبارد السلسال جذوتها ... وما سمعت بماء محدث لهبا\rتكسو النديم إذا ما ذاقها وضحاً ... حتى كأن شعاع الشمس قد شربا","part":1,"page":427},{"id":428,"text":"وقال آخر:\rفنبهتني وساقي القوم يمزجها ... فصار في البيت للمصباح مصباح\rقلنا على علمنا والشك يغلبنا ... أراحنا نارنا أم نارنا الراح\rوقال ابن وكيع التنيسي:\rوصفراء من ماء الكروم كأنها ... فراق عدو أو لقاء صديق\rكأن الحباب المستدير بطوقها ... كواكب در في سماء عقيق\rصببت عليها الماء حتى تعوضت ... قميص بهار من قميص شقيق\rوقال آخر:\rحمراء ما اعتصموا بالماء حين طفت ... إلا وقد حسبوها أنها لهب\rوقال الخالديان:\rفهاتها كالعروس محمرة ال ... خدين في معجر من الحبب\rكادت تكون الهواء في أرج ال ... عنبر لو لم تكن من العنب\rمن كف راض عن الصدود وقد ... غضبت في حبه على الغضب\rفلو ترى الكأس حين يمزجها ... رأيت شيئاً من أعجب العجب\rنار حواها المزاج يلهجها الماء ودر يدور في لهب\rمبادرة اللذات ومجالس الشراب قال أحمد بن أبي فنن:\rجدد اللذات فاليوم جديد ... وامض فيما تشتهي كيف تريد\rواله ما أمكن يوم صالح ... إن يوم الشر لا كان عتيد\rوقال ديك الجن:\rتمتع من الدنيا فإنك فاني ... في أيدي حوادث عاني\rولا تنظرن اليوم لهواً إلى غد ... ومن لغد من حادث بأمان\rفإني رأيت الدهر يسرع بالفتى ... وينقله حالين مختلفان\rفأما الذي يمضي فأحلام نائم ... وأما الذي يبقى له فأماني\rوقال ابن المعتز من أبيات:\rوبادر بأيام السرور فإنها ... سراع وأيام الهموم بطاء\rوخل عتاب الحادثات لوجهها ... فإن عتاب الحادثات عناء\rتعالوا فسقوا أنفسا قبل موتها ... ليأتي ما يأتي وهن رواء\rوقال أحمد المارداني:\rعاقر الراح ودع نعت الطلل ... واعص من لامك فيها وعذل\rغادها واسع لها واغر بها ... وإذا قيل: تصابي، قل أجل\rإنما دنياك فاعلم ساعة ... أنت فيها وسوى ذاك أمل\rوقال ابن بسام:\rواصل خليلك إنما ال ... دنيا مواصلة الخليل\rوانعم ولا تتعجل ال ... مكروه من قبل النزول\rبادر بما تهوى فما ... تدري متى وقت الرحيل\rوارفض مقالة لائم ... إن الملام من الفضول\rومما وصفت به مجالس الشرب، فمن ذلك قول أبي نواس:\rفي مجلس ضحك السرور به ... عن ناجذيه وحلت الخمر\rوقال ديك الجن:\rكأنما البيت بريحانة ... ثوب من السندس مشقوق\rوقال السري:\rألست ترى ركب الغمام يساق ... وأدمعه بين الرياض تراق\rوقد رق جلباب النسيم على الثرى ... ولكن جلابيب الغيوم صفاق\rوعندي من الريحان نوع تجسه ... وكأس كرقراق الخلوق دهاق\rوذو أدب جلت صنائع كفه ... ولكن معاني الشعر منه دقاق\rله أبداً من نثره ونظامه ... بدائع حلي ما لهن حقاق\rوأغيد مهتز، على صحن خده ... غلائل من صبغ الحياء رقاق\rأحاطت عيون العاشقين بخصره ... فهن له دون النطاق نطاق\rوقد نظم المنثور فهو قلائد ... علينا، وعقد مذهب وخناق\rوغرفتنا بين السحائب تلتقي ... لهن علينا كلة ورواق\rتقسم زوار من الهند سقفها ... خفاف على قلب الكريم رشاق\rأعاجم تلتذ الخصام كأنها ... كواعب زنج راعهن طلاق\rأنسن بنا أنس الإماء تحببت ... وشيمتها غدر بنا وإباق\rمواصلة والورد في شجراته ... مفارقة إن حان منه فراق\rفزر فتية، برد الشراب لديهم ... حميم إذا فارقتهم وغساق\rقوله:","part":1,"page":428},{"id":429,"text":"أحاطت عيون العاشقين بخصره ... فهن له دون النطاق نطاق\rمأخوذ من قول المتنبي:\rوخصر تثبت الأحداق فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا\rوقال أبو هلال العسكري:\rوليل ابتعت به لذة ... وبعت فيه العقل والدينا\rأصاب فيه الوصل قلب الجوى ... وبات فيه الهم مسكينا\rوقد خلطنا بنسيم الصبا ... نسيم راح ورياحينا\rوأكؤس الراح نجوم إذا ... لاحت بأيدينا هوت فينا\rتضحك في الكأس اباريقنا ... وحسبما تضحك تبكينا\rومما قيل في طي مجالس الشراب، فمن ذلك قول بعض الشعراء:\rحكم العقار إذا قصدت لشربها ... في لذة من مسمع وقيان\rألا تعود لذكر ما أبصرت من ... أحدوثة من شارب سكران\rوقال آخر:\rإذا ذكر النبيذ فليس حقاً ... إعادة ما يكون على النبيذ\rإعادة ما يكون من السكارى ... يكدر صفوة العيش اللذيذ\rوقال آخر:\rتنازعوا لذة الصهباء بينهم ... وأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب\rلا يحفظون على السكران زلته ... ولا يريبك من أخلاقهم ريب\rوصف آلات الشراب وأوانيها من ذلك ما قيل في وصف معصرة الخمر: قال أبو الفرج الببغاء:\rومعصرة أنخت بها ... وقرن الشمس لم يغب\rفخلت قرارها بالرا ... ح بعض معادن الذهب\rوقد ذرفت لفقد الكر ... م فيها أعين العنب\rوجاش عباب واديها ... بمنهل ومنسكب\rوياقوت العصير بها ... يلاعب لؤلؤ الحبب\rفيا عجباً لعاصرها ... وما يفنى به عجبي\rوكيف يعيش وهو يخو ... ض في بحر من اللهب\rوقال ابن المعتز يصف الدنان:\rودنان كمثل صف رجال ... قد أقيموا ليرقصوا دستبندا\rوقال القطامي يصف جرار الخمر:\rواستودعتها رواقد مقيرة ... دكن الظواهر قد برنس بالطين\rمكافحات لحر الشمس قائمة ... كأنهن نبيط في تبابين\rوقال العلوي الأصفهاني:\rمخدرة مكنونة قد تقشفت ... كراهبة بين الحسان الأوانس\rوأترابها يلبسن بيض غلائل ... هي العري مغرور بها كل لابس\rمشعثة مرهاء ما خلت أنني ... أرى مثلها عذراء في زي عانس\rومما قيل في الراووق، قال بعض الشعراء:\rكأنما الراووق وانتصابه ... خرطوم فيل سقطت أنيابه\rوالبيت منه عطر ترابه ... كأن مسكاً فتقت عيابه\rوقال آخر:\rسماء لاذ، قطرها رحيق ... رحب الذري ينحط فيه الضيق\rماء عقيق لو جرى العقيق ... حتى إذا ألهبها التصفيق\rصحنا إلى جيراننا: الحريق\rومما وصفت به زقاق الخمر، فمن ذلك قول الأخطل:\rأناخوا فجروا شاصيات كانها ... رجال من السودان لم يتسربلوا\rوقال أبو الهندي وأجاد في شعره:\rأتلف المال وما جمعته ... طلب اللذات من ماء العنب\rواستباء الزق من حانوتها ... شائل الرجلين معضوب الذنب\rكلما كب لشرب خلته ... حبشياً قطعت منه الركب\rوقال ابن المعتز:\rوتراها وهي صرعى ... فرغاً بين الندامى\rمثل أبطال حروب ... قتلوا فيها كراماً\rوقال العلوي الأصفهاني:\rعجبت من حبشي لا حراك به ... لا يدرك الثأر إلا وهو مذبوح\rطوراً يرى وهو بين الشرب مضطجع ... رخو الصفاق وطوراً وهو مشبوح\rومما وصفت به الأباريق، فمن ذلك قول شبرمة بن الطفيل:\rكأن أباريق الشمول عشية ... إوز بأعلى الطف عوج الحناجر\rوقال آخر:\rيا رب مجلس فتية نادمتهم ... من عبد شمس في ذرى العلياء\rوكأنما إبريقهم من حسنه ... ظبي على شرف أمام ظباء\rوقال ابن المعتز:\rوكأن إبريق المدام لديهم ... ظبي على شرف أناف مدلها","part":1,"page":429},{"id":430,"text":"لما استحثته السقاة جثى لها ... فبكى على قدح النديم وقهقها\rوقال إسحاق الموصلي:\rكأن أباريق المدام لديهم ... ظباء بأعلى الرقمتين قيام\rوقد شربوا حتى كأن رقابهم ... من اللين لم يخلق لهن عظام\rوكلهم نظروا إلى قول علقمة بن عبدة:\rكأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم\rوقال محمد بن هانئ من أبيات:\rوالأباريق كالظباء العواطي ... أوجست نبأة الخيول العتاق\rمصغيات إلى الغناء مطلا ... ت عليه كثيرة الإطراق\rوهي شم الأنوف يشمخن كبراً ... ثم يرعفن بالدم المهراق\rوقال أبو نواس عفا الله عنه:\rوالكوب يضحك كالغزال مسبحاً ... عند الركوع بلثغة الفأفاء\rوكأن أقداح الرحيق إذا جرت ... وسط الظلام كواكب الجوزاء\rوقال بشار بن برد:\rكأن إبريقنا والقطر من فمه ... طير تناول ياقوتاً بمنقار\rومما وصفت به الكاسات والأقداح، فمن ذلك قول ابن المعتز:\rغدا بها صفراء كرخية ... تخالها في كأسها تتقد\rوتحسب الماء زجاجاً لها ... وتحسب الأقداح ماء جمد\rوقال ابن المعتز أيضاً عفا الله عنه:\rوكأس تحجب الأبصار عنها ... فليس لناظر فيها طريق\rكأن غمامة بيضاء بيني ... وبين الكأس تخرقها البروق\rوقال أبو الفرج الببغاء:\rمن كل جسم كأنه عرض ... يكاد لطفاً باللحظ ينتهب\rكأنما صاغه النفاق فما ... يخلص منه صدق ولا كذب\rوقال الرفاء:\rكأن الكئوس بفضلاتها ... متوجة بأكاليل نور\rجيوب من الوشي مزرورة ... يلوح عليها بياض النحور\rوقال آخر:\rوكأنما الأقداح مترعة الحشا ... بين الشروب كواكب الجوزاء\rوكأنها ياقوتة فضلاتها ... مخروطة من درة بيضاء\rوقال المعوج:\rيعاطيك كأساً غير ملأى كأنها ... إذا مزجت أحداق درع مزرد\rكأن أعاليها بياض سوالف ... يلوح على توريد خد مورد\rوقال أبو نواس:\rوكأنما الروض السماء ونهره ... فيه المجرة والكئوس الأنجم\rوقال الثعالبي:\rيا واصف الكأس بتشبيهها ... دونك وصفاً عالي القدر\rكأن عين الشمس قد أفرغت ... في قالب صيغ من البدر\rوقال آخر:\rأقول للكأس إذ تبدت ... بكف أحوى أغن أحور\rأخربت بيتي وبيت غيري ... وأصل ذا كعبك المدور\rالباب الخامس\rفي الندمان والسقاة\rقال سهل بن هارون: ينبغي للنديم أن يكون كأنما خلق من قلب الملك يتصرف بشهواته ويتقلب بإرادته، لا يمل المعاشرة، ولا يسأم المسامرة، إذا انتشى يحفظ، وإذا صحا ييقظ، ويكون كاتماً لسره، ناشراً لبره. قالوا: فاخر كاتب نديماً، فقال الكاتب: أنا معونة، وأنت مؤونة، وأنا للجد، وأنت للهزل، وأنا للشدة، وأنت للرخاء، وأنا للحرب، وأنت للسلم. فقال النديم: أنا للنعمة، وأنت للخدمة، وأنا للحظوة، وأنت للمهنة، تقوم وأنا قاعد، وتحتشم وأنا مؤانس، تدأب لراحتي، وتشقى لما فيه سعادتي، فأنا شريك وأنت معين، كما أنك تابع وأنا قرين. فلم يحر الكاتب جواباً. والله أعلم.\rوسئل إسحاق بن إبراهيم الموصلي رحمه الله عن الندماء، فقال: واحد غم، واثنان هم، وثلاثة قوام، وأربعة تمام، وخمسة مجلس، وستة زحام، وسبعة جيش، وثمانية عسكر، وتسعة اضرب طبلك، وعشرة الق بهم من شئت.\rوقال الجماز: النبيذ حرام على اثني عشر نفساً، من غنى الخطأ، واتكأ على اليمين، وأكثر من أكل البقل، وكسر الزجاج، وسرق الريحان، وبل ما بين يديه، وطلب العشاء، وقطع البم، وحبس أول قدح، وأكثر الحديث، وامتخط في منديل الشراب، وبات في موضع لا يحتمل المبيت فيه.\rقال أبو هلال العسكري:\rما أعاف النبيذ خيفة إثم ... إنما عفته لفقد النديم\rليس في اللهو والمدامة حظ ... لكريم دون النديم الكريم\rفتخير قبل النبيذ نديماً ... ذات خلال معطرات النسيم","part":1,"page":430},{"id":431,"text":"وجمال إذا نظرت بديع ... وضمير إذا اختبرت سليم\rوقال آخر:\rأرى للكأس حقاً لا أراه ... لغير الكأس إلا للنديم\rهو القطب الذي دارت عليه ... رحى اللذات في الزمن القديم\rوقال آخر:\rوندمان أخي ثقة ... كأن حديثه حبره\rيسرك حسن ظاهره ... وتحمد منه مختبره\rويستر عيب صاحبه ... ويستر أنه ستره\rوقال آخر:\rونديم حلو الحديث يجاري ... ك بما تشتهيه في ميدانك\rألمعي كأن قلبك في أض ... لاعه أو كلامه في لسانك\rوقال يحيى بن زياد:\rولست له في فضلة الكأس قائلاً ... لأصرفه عنها: تحس وقد أبى\rولكن أحييه وأكرم وجهه ... وأشرب ما أبقى وأسقيه ما أشتهي\rولست إذا ما نام عندي بموقظ ... ولا مسمع يقظان شيئاً من الأذى\rوقال آخر:\rليس من شأنه إذا دارت الكأ ... س فأزري إدمانها بالحلوم\rقول ما يسخط وإن أس ... خطه عند ذاك قول النديم\rوقال عبد الرحمن العطوي رحمه الله:\rاخطب لكأسك ندماناً تسر به ... أو لا فنادم عليها حكمة الكتب\rأخطبه حراً كريماً ذا محافظة ... ترى مودته من أقرب النسب\rوقال أبو نواس:\rوندمان يرى عيباً عليه ... بأن يمشي وليس به انتشاء\rإذا نبهته من نوم سكر ... كفاه مرة منك النداء\rفليس بقائل لك: إيه دعني ... ولا مستخبراً لك ما تشاء\rولكن سقني ويقول أيضاً ... عليك الصرف إن أعياك ماء\rإذا ما أدركته الظهر صلي ... لا عصر عليه ولا عشاء\rيصلي هذه في وقت هذي ... وكل صلاته أبداً قضاء\rوقال آخر:\rنبهت ندماني فهبوا ... بعد المنام لما استحبوا\rهذا أجاب وذا أنا ... ب وذا يسير وذاك يحبو\rأنشدتهم بيتاً يعلم ... ذا الصبابة كيف يصبو\rما العيش إلا أن تح ... ب وأن يحبك من تحب\rفتطربوا والأريحي ... ة شأنه طرب وشرب\rوقال أبو عبادة البحتري عفا الله تعالى عنه:\rونديم نبهته ودجى اللي ... ل وضوء الصباح يعتلجان\rقم نبادر بها الصيام فقد أق ... مر ذاك الهلال من شعبان\rوقال أيضاً:\rبات نديماً لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح\rكأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح\rيساقط الورد علينا وقد ... تبلج الصبح، نسيم الرياح\rإن لان عطفاه قسا قلبه ... أو ثبت الخلخال جال الوشاح\rأمج كأسي بجنى ريقه ... وإنما أمزج راحاً براح\rومنهم من كره النديم وآثر الانفراد. قال إبراهيم الموصلي عفا الله تعالى عنه ورحمه: دخلت يوماً على الفضل بن يحيى فصادفته يشرب وعنده كلب، فقلت له: تنادم كلباً! قال: نعم، يمنعني أذاه، ويكف عني أذى سواه، ويشكر قليلي، ويحفظ مبيتي ومقيلي. وأنشد:\rوأشرب وحدي من كراهتي الأذى ... مخافة شر أو سباب لئيم\rانتهى وأستغفر الله العظيم.\rومما قيل في السقاة، فمن ذلك قول الصنوبري عفا الله عنه:\rومورد الخدين يخ ... طر حين يخطر في مورد\rيسقيك من جفن اللجي ... ن إذا سقاك دموع عسجد\rحتى تظن النجم ين ... زل أو تظن الأرض تصعد\rفإذا سقاك بعينه ... وبفيه ثم سقاك باليد\rحياك بالياقوت ث ... م الدر من تحت الزبرجد\rوقال ديك الجن:\rومزر بالقضيب إذا تثنى ... ومزهاة على القمر التمام\rسقاني ثم قبلني وأوما ... بطرف سقمه يشفي سقامي\rفبت له علىالندمان أسقي ... مداماً في مدام في مدام\rوقال ابن المعتز:\rتدور علينا الراح من كف شادن ... له لحظ عين يشتكي السقم مدنف","part":1,"page":431},{"id":432,"text":"كأن سلاف الخمر من ماء خده ... وعنقودها من شعره الجعد يقطف\rوقال أيضاً:\rبين أقداحهم حديث قصير ... هو سحر وما سواه الكلام\rفكأن السقاة بين الندامى ... ألفات بين السطور قيام\rوقال أحمد بن أبي فنن:\rبكف مقرطق خنث ... تطيب بطيبه الريب\rتراها وهي في كفي ... ه من خديه تلتهب\rوقال الصنوبري:\rوساق إذا هم ندماننا ... بأن يزجى الكأس لم يزجه\rكلعبة عاج على فرشه ... وليث عرين على سرجه\rلطيف الممنطق مهتزه ... ثقيل المؤزر مرتجه\rسقاني بعينيه أضعاف ما ... سقاني بكفيه من غنجه\rوقال آخر:\rيا ساقي إن دارت إلى فلا ... تمزج فإني بدمعي مازج كاسي\rويا فتى الحي إن غنيت من طرب ... فغن: واحربا من قلبه القاسي\rوقال ابن المعتز:\rوعاقد زنار على غصن الآس ... دقيق المعاني مخطف الخصر مياس\rسقاني عقاراً صب فيها مزاجها ... فأضحك عن ثغر الحباب فم الكاس\rوقال أيضاً:\rقام كالغصن في النقا ... يمزج الشمس بالقمر\rوسقاني المدام وال ... ليل بالصبح مؤتزر\rوالثريا كنور غص ... ن على الغرب قد نثر\rوقال البحتري:\rوفي القهوة أشكال ... من الساقي وألوان\rحباب مثل ما يضح ... ك عنه وهو جذلان\rويسكر مثل ما يسك ... ر طرف منه وسنان\rوطعم الريق إن جاد ... به والصب هيمان\rلنا من كفه راح ... ومن رياه ريحان\rوقال أبو القاسم الهبيري الكاتب رحمة الله تعالى عليه:\rسقاني الراح ساق، كل راح ... سوى ألحاظ عينيه سراب\rيدير الكأس مبتسماً علينا ... فما ندري أثر أم حباب؟\rوقد سفر الدجى عن ثوب فجر ... منير مثل ما سفر النقاب\rفخلت الصبح في أثر الثريا ... بشيراً جاء في يده كتاب\rوقال أبو الشيص:\rيطوف علينا به أحور ... يداه من الكأس مخضوبتان\rغزال تميل بأعطافه ... قناة تعطف كالخيزران\rوقال أبو بكر محمد بن عمار:\rوهويته يسقي المدام كأنه ... قمر يطوف بكوكب في حندس\rمتأرج الحركات تندى ريحه ... كالغصن هزته الصبا بتنفس\rيسعى بكأس في أنام سوسن ... ويدير أخرى في محاجر نرجس\rوقال المعوج يصف ساقية:\rلا عيش إلا من كف ساقية ... ذات دلال في طرفها مرض\rكأنما الكأس حين تمزجها ... نجوم ليل تعلو وتنخفض\rوقال آخر يصف امرأة ساقية:\rوساقية كأن بمفرقيها ... أكاليلاً على طبقات ورد\rلها طيب المنى وصفاء لون ... وحمرة وجنة ومذاق شهد\rوقال ديك الجن يصف ساقياً وساقية:\rأفديكما من حاملي قدحين ... قمرين في غصنين في دعصين\rرود منعمة ومهضوم الحشا ... للناظرين منى وقرة عين\rقامت مؤنثة وقام مؤنثاً ... فتناهبا الألحاظ بالنظرين\rصبا على الراح إن هلالنا ... قد صب نعمته على الثقلين\rوإلى كأسكما على ما خيلت ... بالتبر معجونا ًبماء لجين\rالباب السادس\rفي الغناء والسماع\rوما ورد في ذلك من الحظر والإباحة، وما استدل به من رأى ذلك، ومن سمع الغناء من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ومن التابعين ومن الأئمة والعباد والزهاد، ومن غنى من الخلفاء وأبنائهم والأشراف والقواد عنهم، ومن اشتهر بالغناء وأخبار القيان.\rذكر ما ورد في الغناء من الحظر والإباحة","part":1,"page":432},{"id":433,"text":"قد تكلم الناس في الغناء في التحريم والإباحة واختلفت أقوالهم وتباعدت مذاهبهم وتباينت استدلالاتهم، فمنهم من رأى كراهته وأنكر استماعه، واستدل على تحريمه، ومنهم من رأى خلاف ذلك مطلقاً وأباحه وصمم على إباحته، ومنهم من فرق بين أن يكون الغناء مجرداً أو أضيف إليه آلة كالعود والطنبور وغيرهما من الآلات ذوات الأوتار والدفوف والمعازف والقصب، فأباحه على انفراده وكرهه إذا انضاف إلى غيره وحرم سماع الآلات مطلقاً. ولكل طائفة من أرباب هذه المقالات أدلة استدلت بها. وقد رأينا أن نثبت في هذا الموضع نبذة من أقوالهم على سبيل الاختصار وحذف النظائر المطولة فنقول وبالله التوفيق.\rأما ما قيل في تحريم الغناء وما استدل به من رأى ذلك، فإنهم استدلوا على التحريم بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة من علماء المسلمين. أما دليلهم من الكتاب العزيز فقول الله عز وجل: \" قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون \" . وقوله عز وجل: \" وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه \" . وقوله سبحانه وتعالى: \" والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كرماً \" . وقوله تبارك وتعالى: \" ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين \" . وقوله سبحانه وتعالى: \" واستفزز من استطعت منهم بصوتك \" ، وقوله: \" أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون \" . قال ابن عباس: سامدون هو الغناء بلغة حمير، وقال مجاهد: هو الغناء بقول أهل اليمن، سمد فلان إذا غنى. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية \" ومن الناس من يشتري لهو الحديث \" : إنه الغناء، ومن طريق آخر: إنه الغناء وأشباهه. وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هو - والذي لا إله إلا هو - الغناء. وعن مجاهد رضي الله عنه في قوله تعالى: \" واستفزز من استطعت منهم بصوتك \" قال: صوته الغناء والمزامير. وعنه في قوله تعالى: \" والذين لا يشهدون الزور \" قال: الغناء.\rوأما دليلهم من السنة، فما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن الله عز وجل حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها، ثم قرأت \" ومن الناس من يشتري لهو الحديث \" الآية. وروي عن أبو أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله عز وجل إليه شيطانين على منكبيه يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك \" . وروي أبو الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كان إبليس أول من ناح وأول من تغنى \" . وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند نعمة وصوت عند مصيبة \" .","part":1,"page":433},{"id":434,"text":"وأما أقوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، فقد روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال: ما تغنيت قط. فتبرأ من الغناء وتبجح بتركه. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. وروي أن ابن عمر رضي الله عنهما مر على قوم محرمين ومعهم قوم ورجل يغني فقال: ألا لا سمع والله لكم، ألا لا أسمع والله لكم. وروي عن عبد الله بن دينار قال: مر ابن عمر رضي الله عنهما بجارية صغيرة تغني، فقال: لو ترك الشيطان أحداً ترك هذه. وعن إسحاق بن عيسى قال: سألت مالك بن أنس رضي الله عنه عما ترخص فيه بعض أهل المدينة من الغناء فقال: ما يفعله عندنا إلا الفساق. وقال الشعبي: لعن المغني والمغني له وقال الحكم بن عتيبة: حب السماع ينبت النفاق في القلب. وروي أن رجلاً سأل القاسم بن محمد فقال: ما تقول في الغناء، أحرام هو؟ فأعاد عليه، فقال له في الثالثة: إذا كان يوم القيامة فأتى بالحق والباطل أين يكون الغناء؟ قال: مع الباطل. قال القاسم: أفت نفسك. وقال الفضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا. وقال بعضهم: الغناء رائد من رواد الفجور. وقال الضحاك: الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب. وقال يزيد بن الوليد مع اشتهاره بما اشتهر به: يا بني أمية، إياكم والغناء، فإنه ينقص الحياء ويزيد الشهوة ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعله السكر، فإن كنتم لا شك فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء رقية الزنا. وإني لأقول ذلك فيه على أنه أحب إلي من كل لذة، وأشهى إلى نفسي من الماء إلى ذي الغلة الصادي، ولكن الحق أحق أن يقال.\rوأما أقوال الأئمة رحمهم الله تعالى فقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في كتاب أدب القضاة: الغناء لهو مكروه يشبه الباطل. وقال: من استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته. قال القاضي حسين بن محمد: وأما سماعه من المرأة التي ليست بمحرم، فإن أصحاب الشافعي قالوا: لا يجوز بحال سواء كانت بارزة أو من وراء حجاب وسواء كانت حرة أو مملوكة. وقال الشافعي: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته. ثم غلظ القول فيه وقال: هو دياثة. قال: وإنما جعل صاحبها سفيهاً لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا إلى باطل كان سفهاً فاسقاً. وقال مالك بن أنس: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها بالعيب، قال: وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد أهل الكوفة وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وإبراهيم النخعي، والشعبي وغيرهم لا خلاف بينهم في ذلك. قال: ولا يعرف أيضاً بين أهل البصرة خلاف في كراهة ذلك والمنع منه. وقال بعض الزهاد: والغناء يورث العناد في قوم، ويورث التكذيب في قوم، ويرث القساوة في قوم.\rوقال بعضهم عن حاله عند السماع:\rأتذكر وقتنا وقد اجتمعنا ... على طيب الغناء إلى الصباح\rودارت بيننا كأس الأغاني ... فأسكرت النفوس بغير راح\rفلم ترفيهم إلا نشاوي ... سروراً والسرور هناك صاحي\rإذا لبى أخو اللذات فيه ... منادي اللهو حي على السماح\rولم يملك سوى المهجات شيئاً ... أرقناها لألحاظ ملاح\rهذا ملخص ما ذكروه في تحريم الغناء. وقد استدل من أباحه بما يناقض ما تقدم على ما نذكر ذلك إن شاء الله في إباحة الغناء.\rفي إباحة الغناء والضرب بالآلة وقد تكلم الناس في إباحة الغناء وسماع الأصوات والنغمات والآلات، وهي الدف واليراع والقصب والأوتار على اختلافها من العود والطنبور وغيره، وأباحوا ذلك واستدلوا عليه وضعفوا الأحاديث الواردة في تحريمه، وتكلموا على رجالها وجرحوهم وبسطوا في ذلك المصنفات ووسعوا القول وشرحوا الأدلة. وطالعت من ذلك عدة تصانيف في هذا الفن مجردة له ومضافة إلى غيره من العلوم. وكان ممن تكلم في ذلك وجرد له تصنيفاً الشيخ الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي رحمه الله تعالى، فقال في ذل ما نذكر مختصره ومعناه:","part":1,"page":434},{"id":435,"text":"اعلم أن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة إلى الكافة. قال الله تعالى: \" الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون \" . فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وسن وشرع، وأمر ونهى، كما أمر صلى الله عليه وسلم. فليس لأحد بعده وبعد الخلفاء الراشدين الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم والاتباع لسنتهم أن يحرم ما أحل الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم إلا بدليل ناطق من آية محكمة، أو سنة ماضية صحيحة، أو إجماع من الأمة على مقالته.\rوأما الاستدلال بالموضوعات والغرائب والأفراد من رواية المكذبين والمجرحين الذين لا تقوم بروايتهم حجة، وبأقاويل من فسر القرآن على حسب مراده ورأيه، فلا يرجع إلى قولهم ولا يسلك طريقهم، إذ لو جاز ذلك لم يكن قول أحد من الناس أولى من قول غيره، وإنما يلزم بقول من أيد بالوحي والتنزيل، وعصم من التغيير والتبديل. قال الله تعالى: \" وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى \" . فعلمنا أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر ولم ينه عن أمر إلا بوحي من الله تعالى. وكذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن أمر لم ينزل فيه وحي توقف حتى يأتيه الوحي، وليست هذه المنزلة لغيره فيلزم قبول قوله.\rما استدلوا به على إباحة الغناء\rمن الأحاديث النبوية","part":1,"page":435},{"id":436,"text":"قد استدلوا على إباحة الغناء بأحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. منها ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: دخل علي أبو بكر رضي الله عنه وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم! وذلك يوم عيد. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا \" . ومن طريق آخر عنها رضي الله عنها قالت: دخل عل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم! فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" دعهما \" . فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدرق والحراب، فإما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما قال: \" تشتهين تنظرين \" فقلت نعم. فأقامني وراءه، خدي على خده وهو يقول: \" دونكم يا بني أرفدة \" حتى إذا مللت قال. \" حسبك؟ \" قلت نعم. قال: \" فاذهبي \" . ومن طريق آخر عنها رضي لله عنها: أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه وقال: \" دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد \" . وتلك الأيام أيام منى. وقالت عائشة: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" دعهم أمناً بني أرفدة \" يعني من الأمن. قال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم رحمه الله عند ذكر هذه الأحاديث: أين يقع إنكار من أنكر من إنكار سيدي هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما! وقد أنكر عليه الصلاة والسلام إنكارهما، فرجعا عن رأيهما إلى قوله صلى الله عليه وسلم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت جارية من الأنصار في حجري فزففتها، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمع غناء، فقال: \" يا عائشة ألا تبعثين معها من يغني فإن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء \" . وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نكح بعض الأنصار بعض أهل عائشة فأهدتها إلى قباء، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أهديت عروسك \" ؟ قالت نعم. قال: \" فأرسلت معها بغناء فإن الأنصار يحبونه \" ؟ قال لا. قال: \" فأدركيها يا زينب \" امرأة كانت تغني بالمدينة رواه أبو الزبير محمد بن الزبير بن مسلم المكي عن جابر. وعنه أيضاً قال: أنكحت عائشة رضي الله عنها ذات قرابة لها رجلاً من الأنصار، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" أهديتم الفتاة \" ؟ قالوا نعم. قال: \" أرسلتم معها \" ؟ - قال أبو طلحة راوي الحديث: ذهب عني - فقالت لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الأنصار قوم فيهم غزل فلو بعثتم معها من يقول:\rأتيناكم أتيناكم ... فحيانا وحياكم \"\rوروي عن فضالة بن عبيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لله اشد أذناً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته \" . قال أبو عبد الله الحاكم في كتابه المستدرك: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه، وقد خرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه. قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي رحمه الله تعالى: ووجه الاحتجاج من هذا الحديث هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثبت أن الله تعالى يستمع إلى حسن الصوت بالقرآن كما يستمع صاحب القينة إلى قينته، فأثبت دليل السماع إذ لا يجوز أن يقيس على استماع محرم. قال: ولهذا الحديث أصل في الصحيحين أخرجاه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغني بالقرآن \" . هذا ما ورد في السماع.","part":1,"page":436},{"id":437,"text":"وأما ما ورد في الضرب بالآلة، فمن ذلك ما ورد في الدف. روي عن محمد بن حاطب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح \" . قال الحافظ أبو الفضل رحمه الله تعالى: هذا حديث صحيح ألزم أبو الحسن الدارقطني مسلماً إخراجه في الصحيح، وقال: قد روي عنه يعني محمد حاطب أبو مالك الأشجعي وسماك بن حرب وابن عون ويوسف نب سعد وغيرهم. قال: وأخرج هذا الحديث أبو عبد الرحمن النسائي وأبو عبد الله بن ماجة في سننهما. وروى الحافظ أبو الفضل بسند رفعه إلى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت دف فقال: \" ما هذا \" ؟ فقيل: فلان تزوج. فقال: \" هذا نكاح ليس بالسفاح \" . وقد ضعف إسناده لأنه شاهد الحديث الصحيح المتقدم. وروى أبو الفضل أيضاً بسنده إلى خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ قالت: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على صبيحة بني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات يضربن بدف لهن ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر إلى أن قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: \" دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين قبله \" . وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري. قال: وقد رواه حماد بن سلمة ن خالد بن ذكوان أتم من هذا، قال: كنا بالمدينة يوم عاشوراء وكان الجواري يضربن بالدف ويغنين، فدخلنا على الربيع بنت معوذ، فذكرنا لها ذلك، فقالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عرسي وعندي جاريتان تغنيان وتندبان آبائي الذين قتلوا يوم بدر، وتقولان فيما تقولان: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: \" أما هذا فلا تقولوه لا يعلم ما في غد إلا الله عز وجل \" . وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سافر سفراً، فنذرت جارية من قريش لئن رده الله تعالى أن تضرب في بيت عائشة بدف. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت الجارية فقالت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فلانة ابنة فلان نذرت لئن ردك الله تعالى أن تضرب في بيتي بدف، قال: \" فلتضرب \" . قال أبو الفضل: وهذا إسناد تصل ورجاله ثقات، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا نذر في معصية الله \" .فلو كان ضرب الدف معصية لأمر بالتكفير عن نذرها أو منعها من فعله. وروي عن الشعبي قال: مر عياض الأشعري في يوم عيد فقال: مالي لا أراهم يفلسون فإنه من السنة! والتفليس: الضرب بالدف. قال هشيم.","part":1,"page":437},{"id":438,"text":"وأما ما ورد في اليراع، فقد احتج بعضهم بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو ما خرجه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني في سننه قال: حدثنا أحمد بن عبد الله لغداني، حدثنا مسلم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع، قال: سمع ابن عمر رضي الله عنهما مزماراً، فوضع إصبعيه على أذنيه ونأى عن الطريق، وقال لي: يا نافع، هل تسمع شيئاً؟ قلت لا. قال: فرفع إصبعيه من أذنيه وقال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا. قال أبو عبد الله اللؤلئي: سمعت أبا داود يقول: هذا الحديث منكر. وقال الحافظ محمد بن طاهر: هذا حديث خرجه أبو داود في سننه هكذا وقد أنكره. وقد ورد من غير هذا الطريق أن ابن عمر رضي الله عنهما سمع راعياً وذكره. وفساد هذا الحديث من وجهين: أحدهما فساد طريق الإسناد، فإن سليمان هذا هو الأشدق الدمشقي تكلم فيه أهل النقل وتفرد بهذا الحديث عن نافع ولم يؤوه عنه غيره. وقال البخاري: سليمان بن موسى عنده مناكير. والثاني قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهم: أتسمع؟ ولو كان ذلك منهياً عنه لم يأمره بالاستماع. وقوله: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا. ولو كان حراماً لنهاه عنه وصرح بتحريمه، لأنه الشارع المأمور بالبيان. قالت عائشة رضي الله عنها: علقت على سهوة لي سراً فيه تصاوير، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلون وجهه وهتكه. وسمع النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحلف بآبائه فنهاه عن ذلك. ورأى يزيد بن طخفة مضطجعاً على بطنه فنهاه وقال: \" هذه ضجعة يبغضها الله عز وجل \" . وسمع صلى الله عليه وسلم رجلاً يلعن ناقته، فوقف فقال: \" لا يتبعنا ملعون \" ، فنزل عنها وأرسلها. قال الحافظ المقدسي: وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال، فثبت فساد هذا الحديث إسناداً ومتناً.\rوأما ما ورد في القصب والأوتار. ويقال له التغيير، ويقال له القطقطة أيضاً. ولا فرق بينه وبين الأوتار، إذ لم يوجد في إباحته وتحريمه أثر لا صحيح ولا سقيم، وإنما استباح المتقدمون استماعه لأنه مما لم يرد الشرع بتحريمه، وكان أصله الإباحة.","part":1,"page":438},{"id":439,"text":"وأما الأوتار، فالقول فيها القول في القصب، لم يرد الشرع بتحليلها ولا تحريمها. قال: وكل ما أوردوه في التحريم فغير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا خلاف بين أهل المدينة في إباحة سماعه. ومن الدليل على إباحته أن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مع جلالته وفقهه وثقته كان يفتي بحله، وقد ضرب بالعود - وسنذكر خبره في ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى - ولم تسقط عدالته بفعله عند أهل العلم، فكيف تسقط عدالة المستمع! وكان يبالغ في هذا الأمر أتم مبالغة. وقد أجمعت الأئمة على عدالته واتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثه في الصحيح، وقد علم من مذهبه إباحة سماع الأوتار. والأئمة الذين رووا عنه أهل الحل والعقد في الآفاق إنما سمعوا منه ورووا عنه بعد استماعهم غنائه وعلمهم أنه يبيحه، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل، سمع منه ببغداد بعد حلفه أنه لا يحدث حديثاً إلا بعد أن يغني على عود، وذلك أنه لا شك سمع غناءه ثم سمع حديثه. قال: وهذا أمر لم يردعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحليله ولا تحريمه نص يرجع إليه، فكان حكمه كحكم الإباحة. وإنما تركه من تركه من المتقدمين تورعاً كما تركوا لبس اللين وأكل الطيب وشرب البارد والاجتماع بالنسوان الحسان، ومعلوم أن هذا كله حلال. وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل الضب وسئل عنه أحرام هو؟ قال: \" لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدنثي أعافه \" وأكل على مائدته صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: إذا رأيت أهل المدينة اجتمعوا على شيء فاعلم أنه سنة. وقد روي عن محمد بن سيرين رحمه اله أن رجلاً قدم المدينة بجوار، فنزل على ابن عمر وفيهن جارية تضرب، فجاء رجل فساومه فلم يهو منهن شيئاً. فقل: انطلق إلى رجل هو أمثل لك بيعاً من هذا، فأتى إلى عبد الله بن جعفر فعرضهن عليه، فأمر جارية قال: خذي، فأخذت العود حتى ظن ابن عمر أنه قد نظر إلى ذلك، فقال ابن عمر: حسبك سائر اليوم من مزمور الشيطان، قال: فبايعه. ثم جاء الرجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني غبنت بسبعمائة درهم. فأتى ابن عمر إلى ابن جعفر فقال: إنه قد غبن بسبعمائة درهم، فإما أن تعطيها إياه وإما أن ترد عليه بيعه، فقال: بل نعطيها إياه. وهذه الحكاية ذكرها أبو محمد بن حزم واستدل بها على إباحته فقال: فهذا عبد الله بن جعفر وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما قد سمعا الغناء بالعود، وإن كان ابن عمر كره ما ليس من الجد فلم ينه عنه، وقد سفر في بيع مغنية كما ترى، ولو كان حراماً ما استجاز ذلك أصلاً.","part":1,"page":439},{"id":440,"text":"وأما ما ورد في المزامير والملاهي، قال الشيخ الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: وأما القول في المزامير والملاهي، فقد وردت الأحاديث الصحيحة بجواز استماعها. فمن ذلك ما رواه بسند رفعه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يفعلونه غير مرتين كل ذلك يحول الله عز وجل بيني وبين ما أريده من ذلك ثم ما هممت بعدها بشيء حتى أكرمني الله برسالته فإني قلت لغلام من قريش ليلة وكان يرعى معي في أعلى مكة لو أنك أبصرت غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب قال أفعل. فخرجت أريد ذلك حتى جئت أول دار من ديار مكة سمعت عزفاً بالدفوف والمزامير فقلت ما هذا فقالوا فلان تزوج فلانة بنت فلان فجلست أنظر إليهم فضرب الله عز وجل على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال ماذا فعلت قلت ما صنعت شيئاً ثم خبرته الخبر فقال ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك فقال أفعل فخرجت حتى دخلت مكة فسمعت حين دخلت مكة مثل ما سمعت تلك الليلة فسألت عنه فقالوا فلان نكح فلانة فجلست أنظر فضرب الله على أذني فما أيقظني إلا مس الشمس فخرجت إلى صاحبي فأخبرته الخبر ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله تعالى برسالته \" . قال الحافظ أب الفضل: وكان هذا قبل النبوة والرسالة ونزول الأحكام والفرق بين الحلال والحرام، فإن الشرع لما ورد أمره الله تعالى بالإبلاغ والإنذار فأقره على ما كان عليه في الجاهلية ولم يحرمه كما حرم غيره. قال: والدليل على أنه باق على الإباحة قول الله عز وجل: \" وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو والتجارة والله خير الرازقين \" . ثم بين الدليل على ذلك بما رواه بسنده إلى جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً، ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائماً، يخطب خطبتين. فكانت الجواري إذا أنكحوهن يمرون فيضربون بالدف والمزامير فيتسلل الناس ويدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً، فعاتبهم الله عز جل بقوله: \" وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً \" . وقال: هذا حديث صحيح أخرجه مسلم في كتابه عن عبد اله بن حميد عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال. والله عز وجل عطف اللهو على التجارة وحكم المعطوف حكم ما عطف عليه، والإجماع على تحليل التجارة، فثبت أن هذا الحكم مما أقره الشرع على ما كان عليه في الجاهلية لأنه غير محتمل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمه، ثم يمر به على باب المسجد يوم الجمعة ثم يعاتب الله عز وجل من ترك رسوله صلى الله عليه وسلم قائماً ثم خرج ينظر إليه ويستمع. لم ينزل في تحريمه آية لا سن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة، فعلمنا بذلك بقاءه على حاله.\rقال: ويزيد ذلك بياناً ووضوحاً حديث عائشة رضي الله عنها في المرأة التي زفتها وقد تقدم ذكر الحديث. وروي أيضاً بسند رفعه عن زوج درة بنت أبي لهب قال: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوجت درة فقال: \" هل من لهو \" .\rفي توهين دلائل التحريم\rقد ذكر الحافظ أبو الفضل المقدسي رحمه الله تعالى الأحاديث التي استدلوا بها على تحريمه وفسروا بها الآيات والأحاديث التي استدلوا بها على تحريمه مما قدمنا ذكر ذلك في حججهم ومما لم نذكره مما يستدل به على تحريمه وكراهته وضعف رجالها. وتكلم الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله أيضاً في ذلك ووهن احتجاجهم إذا ثبت الحديث على ما نذكر ذلك.\rقال الحافظ أبو الفضل: أما ما احتجوا به من الآيات في قوله تعالى: \" ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم \" الآية. وما أوردوه في ذلك من الأسانيد إلى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر رضي لله عنهم، فنظرت في جميعها فلم أر فيها طريقاً يثبت إلا واحداً منها رواه يوسف بن موسى القطان عن جرير بن عبد الحميد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم في قوله تعالى: \" ومن الناس من يشتري لهو الحديث \" قال: الغناء وأشباهه. وسائرها لا يخلو من رواية ضعيف لا تقوم بروايته حجة.","part":1,"page":440},{"id":441,"text":"قال: ورأيت في بعضها رواية عطية العوفي عن ابن عباس من حديث غير ثابت أصلاً \" ومن الناس من يشتري لهو الحديث \" قال: باطل الحديث وهو الغناء ونحوه، وهو أن رجلاً من قريش اشترى جارية مغنية فنزلت فيه. قال: وهذا وإن لم يصح عندي الاحتجاج بسندهم فيلزمهم قبوله لأنهم احتجوا به فيكون في حق هذا الرجل بعينه.\rوقد ورد في الآية تفسير ثالث يلزمهم قبوله على أصلهم، وذكر حديثاً رفعه إلى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله عز وجل: \" ومن الناس من يشتري لهو الحديث \" \" اللعب والباطل وتشح نفسه أن يتصدق بدرهم \" . قال: وهذا أيضاً غير ثابت عندي وإنما أوردت هذين التفسيرين مناقضة لما أوردوه فيما تمسكوا به.\rقال: ولن أركن إلى هذا أبداً ولا أقنع به ولا أحتج عليه ولا ألزمهم إياه، بل أقول صح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إجماع أهل السنة على أن السنة تقضي على الكتاب، وأن الكتاب لا يقضي على السنة، وقد جاءت السنة الصحيحة: أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع للغناء وأمر باستماعه، وقد أوردنا في ذلك من الأحاديث ما تقدم إيراده. قال: وجواب ثان يقال لهؤلاء القوم المحتجين بهذه التفاسير: هل علم هؤلاء الصحابة الذين أوردتم أقاويلهم من هذه الآية ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يعلمه؟ فإن قالوا: لم يعلمه وعلمه هؤلاء، كان جهلاً عظيماً بل كفراً. وإن قالوا: علمه، قلنا: نقل إلينا عنه في تفسير هذه الآية مثل ما نقل عن هؤلاء من الصحابة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحاجل. ومن المحال أن يكون تفسير قوله عز وجل: \" ومن الناس من يشتري لهو الحديث \" هو الغناء، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أما كان معكن لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو \" .\rوقال أحمد بن حنبل رحمه الله: ثلاثة ليس لها أصل: المغازي، والملاحم، والتفسير.\rوقال أبو حاتم محمد بن حسان في كتاب الضعفاء: الله عز وجل يؤتي رسوله صلى الله عليه وسلم تفسير كلامه وتأويل ما أنزل عليه حيث قال: \" وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم \" .\rومن المخل المحال أن يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين لخلقه مراده حيث جعله موضع الإبانة عن كلامه ومفسراً لهم حتى يفهموا مراد الله عز وجل فلا يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أبان مراد الله عز وجل من الآي وفسر لأمته، ما تهم الحاجة إليه، وبين سنته صلى الله عليه وسلم. فمن تتبع السنن وحفظها وأحكمها فقد عرف تفسير كتاب الله عز وجل وأغناه لله تعالى عن الكلبي وذويه، وما لم يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته في معاني الآي التي أنزلت عليه مع أمر الله عز وجل له بلك جاز ذلك كان لمن بعده من أمته أجوز، وترك التفسير لما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرى.\rقال: ومن أعظم الدلائل على أن الله تعالى لم يرد بقوله: \" لتبين للناس ما نزل إليهم \" القرآن كله أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه من الكتاب متشابه من الآي. فالآيات التي ليس فيها أحكام لم يبين كيفيتها لأمته. فلما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم دل ذلك على أن المراد من قوله تعالى: \" لتبين للناس ما نزل إليهم \" كان بعض القرآن لا الكل.\rوقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في هذه الآية: وأما شراء لهو الحديث بالدين استبدالاً به ليضل به عن سبيل الله فهو حرام مذموم، وليس النزاع فيه. وليس كل غناء بدلاً عن الدين مشترى به ومضلاً عن سبيل الله وهو المراد ف الآية، ولو قرأ القرآن: ليضل به عن سبيل الله لكان حراماً.\rحكي عن بعض المنافقين: أنه كان يؤتم الناس ولا يقرأ إلا سورة \" عبس \" لما فيها من العتاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم عمر بقتله ورأى فعله حراماً لما فيه من الإضلال فالإضلال بالشعر والغناء أولى بالتحريم.\rوقال الثعلبي في أحد أقواله عن تفسير هذه الآية عن الكلبي ومقاتل: نزلت في النضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار بن قصي، كان يتجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ويحدث بها قريشاً ويقول: إن محمداً يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن.","part":1,"page":441},{"id":442,"text":"واحتجوا بقوله تعالى: \" أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون \" قال ابن عباس: هو الغناء بلغة حمير، يعني - السمود - قال الغزالي رحمه الله: فنقول ينبغي أن يحرم الضحك وعدم البكاء أيضاً، لأن الآية تشتمل عليه، فإن قيل: إن ذلك مخصوص بالضحك على المسلمين لإسلامهم فهذا أيضاً مخصوص بأشعارهم وغنائهم في معرض الاستهزاء بالمسلمين كما قال تعالى: \" والشعراء يتبعهم الغاوون \" وأراد به شعراء الكفار ولم يدل ذلك على تحريم نظم الشعر في نفسه.\rواحتجوا بقوله تعالى: \" والذين هم عن اللغو معرضون \" . قال الثعلبي: قال الحسن، عن المعاصي. وقال ابن عباس: الحلف الكاذب. وقال مقاتل: الشتم والأذى. وقال غيرهم: ما لا يحل من القول والفعل. قال: وقيل اللغو الذي لا فائدة فيه.\rواحتجوا بقوله تعالى: \" وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه \" . قال الثعلبي: أي القبيح من القول. وبقوله تعالى: \" وإذا مروا باللغو مروا كراماً \" . قال مقاتل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا، وبقوله: \" واستفزز من استطعت منهم بصوتك \" . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: بدعائك إلى معصية الله تعالى. وكل داع إلى معصية الله تعالى من جنود إبليس.\rوأما ما احتجوا به من الحديث فإنهم احتجوا بحديث روي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ولا تحل التجارة فيهن وأثمانهن حرام والاستماع إليهن حرام \" . قال الحافظ أبو الفض المقدسي رحمه الله: هذا حديث رواه عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة، قال: والصحابة كلهم عدول. وأما عبيد الله بن زحر وعلي والقسم فهم في الرواية سواء لا يحتج بحديث واحد منهم إذا انفرد بالرواية عن ثقة فكيف إذا روي عن مثله. أما عبيد الله بن زحر فيقال: إنه من أهل مصر. قال أبو مسهر الغساني: عبيد الله بن زحر صاحب كل معضلة ليس على حديثه اعتماد. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قلت ليحيى بن معين: عبيد الله ابن زحر كيف حديثه؟ قال: كل حديثه ضعيف، قلت: عن علي بن يزيد وغيره؟ قال نعم. وقال عباس الدوري عن يحيى: عبيد الله بن زحر ليس بشيء. وقال أبو حاتم في كتاب الضعفاء والمتروكين: عبيد الله بن زحر منكر الحديث جداً، روى الموضوعات عن الثقات وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالظلمات، وإذا اجتمع في إسناد عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقسم بن عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الحديث إلا مما عملت أيديهم فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة.\rقال المقدسي: وهذا الحديث قد اجتمعوا في إسناده، قال: وأما علي بن يزيد فهو من أهل دمشق يكنى بأبي عبد الملك روى عن القاسم قال النسائي في كتاب الضعفاء: علي بن يزيد متروك الحديث. وقل أبو عبد الرحمن بن حيان: علي بن يزيد مطروح منكر الحديث جداً. وأما القاسم بن عبد الرحمن ويكنى بأبي عبد الرحمن فقال يحيى بن معين: القاسم بن عبد الرحمن لا يسوي شيئاً. وقال أحمد بن حنبل، وذكر القاسم مولى يزيد بن معاوية فقال: منكر الحديث. وقال أبو حاتم بن حسان: القاسم يروي عنه أهل الشام، كان يروي عن الصحابة المعضلات ويأتي عن الثقات بالأسانيد المقلوبات، حتى كان يسبق إلى القلب أنه المعتمد لها.\rقال المقدسي: فهذا شرح أحوال رواة الحديث الذي احتجوا به في التحريم، هل تجوز روايته كما ذكره الأئمة حتى يستدل به في التحليل والتحريم.\rواحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" أمرني ربي عز وجل بنفي الطنبور والمزمار \" وهو حديث رواه إبراهيم بن اليسع بن الأشعث المكي وإسماعيل بن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها. وإبراهيم هذا - قال البخاري - : منكر الحديث. وقال النسائي: المكي ضعيف.\rواحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب الدف ولعب الصنج وصوت الزمارة، وهو حديث رواه عبد الله بن ميمون عن مطر بن سالم عن علي قال: وعبد الله هو القداح ذاهب الحديث، ومطر هذا شبه مجهول.","part":1,"page":442},{"id":443,"text":"واحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المغنيات والنواحات وعن شرائهن وبيعهن والتجارة فيهن وقال: \" كسبهن حرام \" . قال: وهذا حديث رواه علي بن يزيد الصدائي عن الحارث بن نبهان عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال: والحارث بن نبهان ليس بشيء ولا يكتب حديثه قاله يحيى بن معين. وقال البخاري: الحارث منكر الحديث. وقال أحمد بن حنبل: الحارث رجل صالح ولم يكن يعرف الحديث ولا يحفظ، منكر الحديث. وقال النسائي: الحارث بن نبهان متروك الحديث. لم يروه عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي وغيره ولا رواه عنه غير علي بن يزيد الصدائي. وعلى هذا قال أحمد بن عدي: أحاديثه لا تشبه أحاديث الثقات. والحارث الذي روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الحارث بن عبد الله أبو زهير الخارفي الأعور، أجمع أهل النقل على كذبه، والحمل في هذا الحديث على الحارث بن نبهان وإن كان في الإسناد من الضعفاء غيره.\rواحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة صوت مزمار عند نعمة وصوت ندبة عند مصيبة \" وهذا حديث رواه محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومحمد بن زياد هذا هو الطحان اليشكري. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه فقال: أعور كذاب خبيث يضع الحديث. وقال يحيى بن معين: أجمع الناس على طرح هؤلاء النفر لا يعتد بهم، منهم محمد بن زياد. وكان أبو يوسف الصيدلاني يقول: قدم محمد بن زياد الرقة بعد موت ميمون بن مهران.\rواحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر خسفاً ومسخاً وقذفاً يكون في هذه الأمة، قالوا: يا رسول الله إنهم يقولون: لا إله إلا الله، قال: \" نعم إذا أظهروا النرد والمعازف وشرب الخمور ولبس الحرير \" قال: وهذا حديث رواه عثمان بن مطر عن عبد الغفور عن عبد العزيز بن سعيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وعثمان هو الشيباني من أهل البصرة وكان ضريراً. قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال البخاري: متروك الحديث.\rواحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" بعثني ربي عز وجل بمحق المزامير والمعازف والأوثان التي كانت تعبد في الجاهلية والخمر وأقسم ربي عز وجل بعزته ألا يشربها عبد في الدنيا \" الحديث. قال: وهذا حديث رواه محمد بن الفرات عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور عن علي بن أي طالب رضي الله عنه، ومحمد بن الفرات هذا من أهل الكوفة. قال أبو بكر بن أبي شيبة: هذا شيخ كذاب. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: متروك. وقد تقدم ذكر السبيعي والحارث الأعور، ومضى الكلام عليه.\rواحتجوا بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه مسنداً: \" إن الغناء ينبت النفاق في القلب \" وهو حديث عبد الرحمن بن عبد الله العمري ابن أخي عبيد الله بن عمر عن أبيه عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعبد الرحمن هذا قال أحمد بن حنبل: ليس يسوى حديثه شيئاً، سمعت منه ثم تركناه وكان ولي قضاء المدينة، أحاديثه مناكير وكان كذاباً. قال النسائي: وهو متروك الحديث.\rواحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من استمع إلى قيان صب في أذنيه الآنك \" وهو حديث رواه أبو نعمي الحلبي عن عبد الله بن المنذر عن مالك عن محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك. وأبو نعيم اسمه عبيد بن هشام من أهل حلب ضعيف ولم يبلغ عن ابن المبارك. مرسل.\rواحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لعن الله النائحة والمستمعة والمغني والمغنى له \" وهو حديث رواه عمرو بن يزيد المدائني عن الحسن البصري عن أبي هريرة، وعمرو هذا قال أبو أحمد بن عدي: منكر الحديث، والحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئاً. وقال ابن عدي: هذا الحديث غير محفوظ.","part":1,"page":443},{"id":444,"text":"واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" النظر إلى المغنية حرام وغناؤها حرام وثمنها حرام \" وهو حديث يزيد بن عبد الملك بن المغيرة بن نوفل النوفلي المدني عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويزيد الأول قال النسائي: متروك الحديث. وقال أحمد بن حنبل: عنده مناكير. وقال يحيى بن معين: يزيد بن عبد الملك ليس بذاك.\rواحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" واتخذ القيان والمعازف \" ، وهو حديث رواه فرج بن فضالة الشيباني من أهل حمص عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن علي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال عبد الرحمن بن مهدي: أحاديث الفرج عن يحيى بن سعيد منكرة. وقال يحيى بن معين: فرج ضعيف. وقال أبو حاتم بن حسان: فرج بن فضالة كان يقلب الأحاديث الصحيحة ويلصق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة، لا يحل الاحتجاج به.\rواحتجوا بحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عبد الرحمن فذكر حديثاً قال فيه: \" نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة وصوت عند نعمة لعب ولهو ومزامير الشيطان \" وهذا حديث رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطاء عن جابر، وأنكر عليه هذا الحديث وضعف لأجله. قال أبو حاتم بن حسان: كان رديء الحفظ كثير الوهم فاحش الخطأ يروي الشيء على وجه الوهم ويستحق الترك. وتركه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.\rواحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم سمع صوتاً فقال: \" انظروا من هذا \" فنظرت فإذا معاوية وعمرو يتغنيان. الحديث، وفيه: \" اللهم اركسهما في الفتنة ركساً \" وهو حديث رواه يزيد بن أبي زياد عن سليمان عن عمرو بن الأحوص عن أبي برزة الأسلمي. ويزيد هذا من أهل الكوفة، وكان الكذبة يلقنونه على وفق اعتقادهم فيتلقاها ويحدث بها ضعفة أهل النقل، وقد روي هذا الحديث من طريق آخر ليس فيه معاوية هذا، وأنه ابن التابوت.\rقال المقدسي: ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أحداً من أصحابه إلا بخير.\rواحتجوا بما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه رفع الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقف في متخذي القيان وشاربي الخمور ولابسي الحرير \" وهو حديث رواه زياد بن أبي زياد الجصاص عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وزياد هذا متروك الحديث.\rواحتجوا بحديث روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من مات وله قينة فلا تصلوا عليه \" وهو حديث روي بإسناد مجهول عن خارجة بن مصعب عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علي. وخارجة متروك الحديث من أهل سرخس.\rواحتجوا بما روي عن عبد الرحمن بن الجندي قال: قال عبد الله بن بسر صاحب النبي صلى الله عليه وسلم: يا بن الجندي، فقلت: لبيك يا أبا صفوان، قال: والله ليمسخن قوم وإنهم لفي شرب الخمور وضرب المعازف حتى يكونوا قردة أو خنازير. والحديث موقوف وابن الجندي مجهول. والنبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه ألا يعذب أمته بما عذب به الأمم قبلها فأعطاه ذلك.\rواحتجوا بما روي عن أبي أمامة رضي الله عنه وقد تقدم بعضه، وفيه زيادة أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ولا الجلوس إليهن \" ثم قال: \" والذي نفسي بيده ما رفع رجل عقيرته بغناء إلا ارتدف على ذلك شيطان على عاتقه هذا وشيطان على عاتقه هذا حتى يسكت \" وهذا حديث قد تقدم أوله من حديث عبيد الله بن زحر، وهذه الزيادة من رواية مسلمة بن علي الدمشقي عن يحيى بن الحارث عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة. ومسلمة هذا، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث. وقد تقدم القول في القاسم بن عبد الرحمن.","part":1,"page":444},{"id":445,"text":"واحتجوا بحديث روي عن عبد الله بن مسعود من رواية سلام بن مسكين قال: حدثني شيخ سمع أبا وائل يقول: سمعت ابن مسعود يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" الغناء ينبت النفاق في القلب \" هكذا رواه سلام عن شيخ مجهول لا يعرف. ورواه جرير بن عبد الحميد عن ليث بن أبي سليم عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود وقوله، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه الثقات عن شعبة بن الحجاج عن مغيرة عن إبراهيم، قوله، ولم يذكر أحداً تقدمه فيه وهذا أصح الأقاويل فيه من قول إبراهيم. قال الغزالي رحمه الله تعالى: قول ابن مسعود: ينبت النفاق أراد به في حق المغني فإنه في حقه ينبت النفاق إذا غرضه كله أن يعرض نفسه على غيره ويروج صوته عليه، ولا يزال ينافق ويتودد إلى الناس ليرغبوا في غنائه، وذلك أيضاً لا يوجب تحريماً، فإن لبس الثياب الجميلة وركوب الخيل المهملجة وسائر أنواع الزينة والتفاخر بالحرث والأنعام والزرع ينبت الرياء والنفاق في القلب المعاصي فقط. بل المباحات التي هي مواقع نظر الخلق أكثر تأثيراً. ولذلك نزل ابن عمر رضي الله عنهما عن فرس هملج تحته وقطع ذنبه لأنه استشعر في نفسه الخيلاء لحسن مشيته، فهذا النفاق من المباحات.\rواحتجوا بحديث روي عن صفوان بن أمية قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه عمرو بن قرة فقال: يا نبي الله إن الله عز وجل كتب علي الشقوة ولا أراني أرزق إلا من دفي بكفي أفتأذن لي في الغناء من غير فاحشة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا إذن ولا كرامة ولا نعمة \" وذكر حديثاً طويلاً، وهو حديث رواه عبد الرزاق بن همام الصنعاني عن يحيى بن العلاء عن بشر بن نمير عن مكحول قال: حدثني يزيد بن عبد الملك عن صفوان بن أمية.\rويحيى بن العلاء هذا مدني الأصل رازي. قال يحيى بن معين: يكنى أبا عمرو ليس بثقة. وقال عمرو بن علي الصيرفي: يحيى بن العلاء متروك الحديث والله أعلم.\rواحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ثمن الكلب وكسب الزمارة، وهو حديث نقله سليمان بن أبي سليمان الداودي البصري عن محمد بن بشر عن أبي هريرة. وسليمان هذا متروك الحديث غير ثقة.\rواحتجوا بقول عثمان بن عفان رضي الله عنه: ما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكرى بيميني منذ بايعت النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا حديث رواه صقر بن عبد الرحمن عن أبيه عن مالك بن مغول عن عبد الله بن إدريس عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك في حديث القف والصيد.\rقال المقدسي: هذا حديث لم أر فيه تحاملاً، ورأيته ذكر من هذا أشياء لم يأت بها غيره توجب ترك حديثه والله أعلم. وقال الغزالي رحمه الله تعالى وذكر هذا الحديث: قلنا فليكن التمني ومس الذكر باليمين حراماً إن كان هذا دليل تحريم الغناء، فمن أين ثبت أن عثمان كان لا يترك إلا الحرام.\rقال الحافظ أبو الفضل المقدسي رحمه الله تعالى: فهذه الأحاديث وأمثالها احتج بها من أنكر السماع جهلاً منهم بصناعة علم الحديث وعرفته، فترى الواحد منهم إذا رأى حديثاً مكتوباً في كتاب جعله لنفسه مذهباً واحتج به على مخالفه، وهذا عظيم بل جهل جسيم. هذا ملخص ما أورده رحمه الله تعالى وفيه من الزيادات ما هو منسوب إلى الثعلبي والغزالي على ما بيناه في مواضعه.\rوقد تكلم الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطويس رحمه الله تعالى على السماع في كتابه المترجم ب \" إحياء علوم الدين \" وبين دليل الإباحة وذكر بعد ذلك آداب السماع وآثاره في القلب والجوارح فقال: اعلم أن السماع هو أول الأمر، ويثمر السماع حالة في القلب تسمى الوجد ويثمر الوجد تحريك الأطراف، إما بحركة غير موزونة تسمى الاضطراب، وإما موزونة فتسمى التصفيق والرقص. ثم بدأ بحكم السماع وبين الدليل على إباحته ثم ذكر ما تمسك به القائلون بتحريمه وأجاب عن ذلك بما نذكره أو مختصره إن شاء الله تعالى.","part":1,"page":445},{"id":446,"text":"قال رحمه الله تعالى: نقل أبو طالب المكي إباحة السماع عن جماعة وقال: سمع من الصحابة عبد الله بن جعفر، وابن الزبير، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية وغيرهم. وقد فعل ذلك كثير من السلف صحابي وتابعي. قال: ولم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عز وجل عباده فيها بذكره كأيام التشريق. ولم يزل أهل المدينة ومكة مواظبين على السماع إلى زماننا هذا فأدركنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن الناس التلحين قد أعدهن للصوفية. قال: وكان لعطاء جاريتان تلحنان وكان إخوانه يستمعون إليهما. قال: وقيل لأبي الحسن بن سالم: كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يسمعون! فقال: كيف أنكر السماع وأجازه وسمعه من هو خير مني. وقد كان عبد الله بن جعفر الطيار يسمع. وإنما أنكر اللهو واللعب في السماع.\rوروي عن يحيى بن معاذ أنه قال: فقدنا ثلاثة أشياء فلا نراها ولا أراها تزداد إلا قلة: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الديانة، وحسن الإخاء مع الوفاء.\rقال الغزالي: ورأيت في بعض الكتب هذا بعينه محكياً عن المحاسبي وفيه ما يدل على تجويزه السماع مع زهده وتصاونه وجده في الدين وتشميره.\rوحكي عن ممشاد الدينوري أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت: يا رسول الله، هل تنكر من هذا السماع شيئاً؟ فقال: \" ما أنكر منه شيئاً ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن ويختتمون بعده بالقرآن \" . قال الغزالي: وعن ابن جريح أنه كان يرخص في السماع فقيل له: تقدمه يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات لأنه شبيه باللغو، قال الله تعالى: \" لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم \" ، ثم بين الغزالي رحمه الله الدليل على إباحة السماع فقال: اعلم أن قول القائل: السماع حرام، معناه أن الله تعالى يعاقب عليه وهذا أمر لا يعرف بمجرد العقل بل بالسمع، ومعرفة الشرعيات محصورة في النص أو القياس على المنصوص. قال: وأعني بالنص ما أظهره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله أو فعله، وبالقياس المعنى المفهوم من ألفاظه وأفعاله، فإن لم يكن فيه نص ولم يستقم فيه قياس على منصوص بطل القول بتحريمه ويبقى فعلاً لا حرج فيه كسائر المباحات، ولا يدل على تحريم السماع نص ولا قياس. قال: وقد دل القياس والنص جميعاً على إباحة السماع.\rأما القياس فهو أن الغناء اجتمع فيه معان ينبغي أن يبحث عن أفرادها ثم عن مجموعها فإن فيه سماع صوت طيب موزون مفهوم المعنى محرك للقلب. فالوصف الأعم أنه صوت طيب، ثم الطيب ينقسم إلى الموزون وغيره. والموزون ينقسم إلى المفهوم كالأشعار، وإلى غير المفهوم كأصوات الجمادات وأصوات سائر الحيوانات.\rأما سماع الصوت الطيب من حيث إنه طيب فلا ينبغي أن يحرم بل هو حلال بالنص والقياس.\rأما القياس فإنه يرجع إلى تلذذ حاسة السمع بإدراك ما هو مخصوص به. وللإنسان عقل وخمس حواس ولكل حاسة إدراك. وفي مدركات تلك الحاسة ما يستلذ. فلذة البصر في المبصرات الجميلة كالخضرة والماء الجاري والوجه الحسن وسائر الألوان الجميلة وهي في مقابلة ما يكره من الألوان الكدرة القبيحة. وللشم الروائح الطيبة وهي في مقابلة الأنتان المستكرهة. وللذوق الطعوم اللذيذة كالدسومة والحلاوة والحموضة وهي في مقابلة المرارة والمزازة المستبشعة. وللمس لذة اللين والنعومة والملاسة وهي في مقابلة الخشونة والضراسة. وللعقل لذة العلم والمعرفة وهي في مقابلة الجهل والبلادة. فكذلك الأصوات المدركة بالسمع تنقسم إلى مستلذة كصوت العنادل والمزامير، ومستكرهة كنهيق الحمر وغيرها، فما أظهر قياس هذه الحاسة ولذتها على سائر الحواس ولذاتها.","part":1,"page":446},{"id":447,"text":"وأما النص فيدل على إباحة سماع الصوت الحسن امتنان الله على عباده به إذ قال تعالى: \" يزيد في الخلق ما يشاء \" فقيل: هو حسن الصوت. وفي الحديث: \" ما بعث الله نبياً إلا حسن الصوت \" . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لله أشد أذناً للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته \" وفي الحديث في معرض المدح لداود عبيه السلام: \" أنه كان حسن الصوت في النياحة على نفسه وفي تلاوة الزبور حتى كان يجتمع الإنس والجن والوحش والطير لسماع صوته، وكان يحمل من مجلسه أربعمائة جنازة وما يقرب من ذلك في الأوقات \" . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدح أبي موسى الأشعري: \" لقد أعطي مزماراً من مزامير آل داود \" وقوله تعالى: \" إن أنكر الأصوات لصوت الحمير \" يدل بمفهومه على مدح الصوت الحسن. ولو جاز أن يقال: إنما أبيح ذلك بشرط أن يكون في القرآن للزمه أن يحرم سماع صوت العندليب لأنه ليس بقرآن. وإذا جاز سماع صوت غفل لا معنى له، فلم لا يجوز سماع صوت يفهم منه الحكمة والمعاني الصحيحة! وإن من الشعر لحكمة. قال: فهذا نظر في الصوت من حيث إنه طيب حسن.\rالدرجة الثانية: النظر في الصوت الطيب الموزون فإن الوزن وراء الحسن، فكم من صوت حسن خارج عن الوزن، وكم من صوت موزون غير مستطاب. والأصوات الموزونة باعتبار مخارجها ثلاثة، فإنها إما أن تكون من جماد كصوت المزامير والأوتار وضرب القضيب والطبل وغيره. وإما أن تخرج من حنجرة حيوان وذلك الحيوان إما إنسان وإما غيره. فصوت العنادل والقماري وذوات السجع من الطيور مع طيها موزونة متناسبة المطالع والمقاطع فلذلك يستلذ سماعها. والأصل في الأصوات حناجر الحيوانات. وإنما وضعت المزامير على صورة الحناجر وهي تشبيه الصنعة بالخلقة. وما من شيء توصل أهل الصناعات بصناعتهم إلى تصويره إلا وله مثال في الخلقة التي استأثر الله تعالى باختراعها، منه تعلم الصناع وبه قصدوا الاقتداء. فسماع هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيبة أو موزونة فلا ذاهب إلى تحريم صوت العندليب وسائر الطيور. ولا فرق بين حنجرة وحنجرة ولا بين جماد وحيوان. فينبغي أن يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام باختيار الآدمي كالذي يخرج من حلقه أو من القضيب والطبل والدف وغيرها. ولا يستثنى من هذا إلا الملاهي والأوتار والمزامير، إذ ورد الشرع بالمنع منها لا للذتها إذ لو كان للذة لقيس عليها كل ما يلتذ به الإنسان ولكن حرمت الخمور واقتضت ضراوة الناس بها المبالغة في الفطام عنها حتى انتهى الأمر في الابتداء إلى كسر الدنان، فحرم معها ما هو شعار أهل الشرب وهي الأوتار والمزامير فقط. وكان تحريمه من قبيل الاتباع كما حرمت الخلوة لأنها مقدمة للجماع. وحرم النظر إلى الفخذ لاتصاله بالسوأتين. وحرم قليل الخمر وإن كان لا يسكر لأنه يدعو إلى المسكر. وما من حرام إلا وله حرم يطيف به. وحكم الحرمة ينسحب على حريمه ليكون حمى للحرام ووقاية له وحظاراً مانعاً حوله كما قال صلى الله عليه وسلم: \" إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه \" فهي محرمة تبعاً لتحريم الخمر.\rالدرجة الثالثة: الموزون المفهوم وهو الشعر، وذلك لا يخرج إلا من حنجرة الإنسان فيقطع بإباحة ذلك لأنه ما زاد إلا كونه مفهوماً. والكلام المفهوم غير حرام. والصوت الطيب الموزو غير حرام. فإذا لم يحرم الآحاد فمن أين يحرم المجموع، نعم ينظر فيما يفهم منه، إن كان فيه أمر محظور حرم نثره ونظمه وحرم التصويت به سواء كان بألحان أو لم يكن.","part":1,"page":447},{"id":448,"text":"والحق فيه ما قاله الشافعي رحمه الله إذ قال: الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح. ومهما جاز إنشاد الشعر بغير صوت وألحان جاز مع الألحان. فإن أفراد المباحات إذا اجتمعت كان مباحاً، ومهما انضم مباح إلى مباح لم يحرم إلا إذا تضمن المجموع محظوراً لا تتضمنه الآحاد، ولا محظور هاهنا. وكيف ينكر إنشاد الشعر وقد أنشد ين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: \" إن من الشعر لحكمة \" وساق رحمه الله في هذا الموضع الأحاديث الصحيحة التي تضمنت إنشاد الشعر والحداء به وهي أشهر من أن يحتاج إلى سردها. ثم قال بعد سياق الأحاديث: ولم يزل الحداء وراء الجمال من عادة العرب في زمان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان الصحابة، وما هو إلا أشعار تؤدى بأصوات طيبة وألحان موزونة. ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكاره. بل ربما كانوا يلتمسون ذلك تارة لتحريك الجمال وتارة للاستلذاذ، فلا يجوز أن يحرم من حيث إنه كلام مفهوم مؤدى بأصوات طيبة وألحان موزونة.\rالدرجة الرابعة: النظر فيه من حيث إنه محرك للقلب ومهيج لما هو الغالب عليه، قال أبو حامد: فأقول: لله سبحانه تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح حتى أنها لتؤثر فيها تأثيراً عجيباً. فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن ومنها ما ينوم ومنها ما يضحك ويطرب ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس. ولا ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر بل هذا جار في الأوتار حتى قيل: من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاد ليس له علاج. وكيف يكون ذلك بفهم المعنى، وتأثيره مشاهد في الصبي في مهده فإنه يسكته الصوت الطيب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه. والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثيراً يستخف معه الأحمال الثقيلة ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه، فتراها إذا طالت عليها البوادي واعتراها الإعياء والكلال تحت المحامل والأحمال إذا سمعت منادي الحداء تمد أعناقها وتصغي إلى الحادي ناصبة آذانها وتسرع في سيرها حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها، وربما تتلف أنفسها في شدة السير وثقل الحمل وهي لا تشعر بها لنشاطها.\rفقد حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالرقي، قال: كنت في البادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب فأضافني رجل منهم وأدخلني خباء فرأيت في الخباء عبداً أسود مقيداً بقيد، ورأيت جمالاً قد ماتت بين يدي البيت وقد بقي منها جمل وهو ناحل ذابل كأنه ينزع روحه. فقال لي الغلام: أنت ضيف ولك حق فتشفع في حقي إلى مولاي فإنه مكرم لضيفه فلا يرد شفاعتك فعساه يحل القيد عني. فلما أحضروا الطعام امتنعت وقلت: لا آكل ما لم أشفع في هذا العبد، فقال: إن هذا العبد قد أفقرني وأهلك جميع مالي، فقلت: ماذا فعل؟ فقال: إن له صوتاً طيباً، وإني كنت أعيش من ظهور هذه الجمال فحملها أحمالاً ثقالاً وكان يحدو بها حتى قطعت مسيرة ثلاث ليال في ليلة من طيب نغمته فلما حطت أحمالها موتت كلها إلا هذا الجمل الواحد، ولكن أنت ضيفي فلكرامتك قد وهبته لك قال: فأحببت أن أسمع صوته، فلما أصبحنا أمره أن يحدو على جميل يستقي الماء من بئر هناك، فلما رفع صوته هام ذلك الجمل وقطع حباله ووقعت أنا على وجهي، فما أظن أني قط سمعت صوتاً أطيب منه.\rقال: فإذا تأثير السماع في القلب محسوس. ومن لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور بل على سائر البهائم فإن جميعها تتأثر بالنغمات الموزونة. ومهما كالناظر في السماع باعتبار تأثيره في القلوب لم يجز أن يحكم فيه مطلقاً بإباحة ولا تحريم، بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص واختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما في القلب.\rقال أبو سليمان: السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه، ولكن يحرك ما هو فيه.\rأقسام السماع وبواعثه","part":1,"page":448},{"id":449,"text":"وأقسام السماع تختلف باختلاف الأحوال: فإن منه ما هو مستحب وما هو مباح وما هو مكروه وما هو حرام. أما المستحب فهو لمن غلب عليه حب الله تعالى ولم يحرك السماع منه إلا الصفات المحمودة. وأما المباح فهو لمن لاحظ له من السماع إلا التلذذ بالصوت الحسن، وأما المكروه فهو لمن لا ينزله على صورة المخلوقين ولكن يتخذه عادة في أكثر الأوقات على سبيل اللهو. وأما الحرام فهو لأكثر الناس من الشباب ومن غلبت عليه شهوة الدنيا فلا حرك السماع منهم إلا ما هو الغالب على قلوبهم من الصفات المذمومة. وقد تكلم على هذه الأقسام الإمام أبو حامد الغزالي فقال رحمه الله ما مختصره ومعناه: الكلمات المسجعة الموزونة تعتاد في مواضع لأغراض مخصوصة ترتبط بها آثار في القلب وهي سبعة مواضع: الأول: غناء الحجيج فإنهم يدورون أولاً في البلاد بالطبل والغناء وذلك مباح لما فيه من التشويق إلى الحج وأداء الفريضة وشهود المشاعر.\rالثاني: ما يعتاده الغزاة لتحريض الناس على الغزو وهو مباح أيضاً لما فيه من استثارة النفس وتحريكها على الغزو وإثارة الغضب على الكفار وتحسين الشجاعة وتقبيح الفرار.\rالثالث: ما يرتجزه الشجعان عند اللقاء في الحرب وهو مباح ومندوب لما فيه من تشجيع النفس وتحريك النشاط للقتال والتمدح بالشجاعة والنجدة وقد فعله غير واحد من الصحابة رضوان الله عليهم، منهم علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد وغيرهما.\rالرابع: أصوات النياحة ونغماتها وتأثيرها في تهييج البكاء وملازمة الحزن والكآبة وهذا قسمان: محمود ومذموم.\rفأما المذموم فالحزن على ما فات. قال الله تبارك وتعالى: \" لكيلا تأسوا على ما فاتكم \" . والحزن على الأموات من هذا القبيل فإنه يغضب الله جل جلاله وتأسف على ما لا تدارك فيه.\rوأما المحمود فهو حزن الإنسان على تقصيره في أمر دينه وبكاؤه على خطاياه. والبكاء والتباكي والحزن والتحازن على ذلك محمود لأنه يبعث على التشمير للتدارك. ولذلك كانت نياحة داود عليه السلام محمودة، فقد كان يحزن ويحزن ويبكي ويبكي حتى كانت الجنائز ترفع من مجالس نياحته وكان يفعل ذلك بألفاظه وألحانه، وذلك محمود لأن المفضي إلى المحمود محمود. وعلى هذا لا يحرم على الواعظ الطيب الصوت أن ينشد على المنبر بألحانه الأشعار المحزنة المرققة للقلب ولا أن يبكي ويتباكى ليتوصل به إلى بكاء غيره وإثارة حزنه.\rالخامس: السماع في أقوات السرور تأكيداً للسرور وتهييجاً له إن كان ذلك السرور مباحاً كالغناء في أيام العيد وفي العرس وفي وقت قدوم الغائب ووقت الوليمة والعقيقة وعند الولادة والختان وعند حفظ القرآن، وكان ذلك معتاد لأجل إظهار السرور. قال: ووجه جوازه أن من الألحان ما يثير الفرح والسرور والطرب وكل ما جاز السرور به جاز إثارة السرور فيه، ويدل على هذا إنشادهم بالدف والألحان عند مقدم النبي صلى الله عليه وسلم يقولون:\rطلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع\rوجب الشكر علينا ... ما دعا لله داعي\rفإظهار السرور بالنغمات والشعر والرقص والحركات محمود. فقد نقل عن جماعة من الصحابة أنهم حجلوا في سرور أصابهم كما سيأتي في أحكام في أحكام الرقص وهو جائز في قدوم كل غائب وكل ما يجوز الفرح به شرعاً. ويجوز الفرح بزيارة الإخوان ولقائهم واجتماعهم في موضع واحد على طعام أو كلام.\rالسادس: سماع العشاق تحريكاً للشوق وتهييجاً للعشق وتسلية للنفس، فإن كان في حال مشاهدة المعشوق فالغرض تأكيد اللذة، وإن كان مع المفارقة فالغرض تهييج الشوق. وإن كان مؤلماً ففيه نوع لذة إذا انضاف إليه رجاء الوصال، فإن الرجاء لذيذ واليأس مؤلم، وقوة لذة الرجاء بحسب قوة الشوق والحب للشيء المرجو، ففي هذا السماع تهييج للعشق وتحريك للشوق وتحصيل للذة الرجاء المقدر في الوصال مع الإطناب في وصف حسن المحبوب. قال:","part":1,"page":449},{"id":450,"text":"وهذا حلال إن الكان المشتاق إليه ممن يباح وصاله كمن يعشق زوجته أو سريته فيصغي فيصغي إلى غنائها لتتضاعف لذته في لقائها، فيحظى بالمشاهدة البصر وبالسماع الأذن ويفهم لطائف معاني الوصال والفراق القلب، فتترادف أسباب اللذة. فهذا نوع تمتع من جملة مباحات الدنيا ومتاعها، وما متاع الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وهذا منه. وكذلك إن غصبت منه جارية أو حيل بينه وبينها بسبب من الأسباب فله أن يحرك بالسماع شوقه وأن يستثير به لذة رجاء الوصال. فإن باعها أو طلقها حرم عليه ذلك بعده إذ لا يجوز تحريك الشوق حيث لا يجوز تحقيقه بالوصال واللقاء. وأما من يتمثل في نفسه صورة صبي أو امرأة لا يجوز له النظر إليها وكان ينزل ما يسمع على ما يتمثل في نفسه فهو حرام لأنه محرك للفكر في الأفعال المحظورة ومهيج للداعية إلى مالا يباح الوصول إليه لا لأمر يرجع إلى نفس السماع. وقد سئل بعض الحكماء عن العشق فقال: دخان يصعد إلى دماغ الإنسان يزيله الجماع ويهيجه السماع.\rالسابع: سماع من أحب الله سبحانه وتعالى واشتاق إلى لقائه فلا ينظر إلى شيء إلا رآه فيه، ولا يقرع سمعه قارع إلا سمعه منه أو فيه، فالسماع في حقه مهيج لشوقه، ومؤكد لعشقه وحبه، ومور زناد قلبه، ومستخرج منه أحوالاً من المكاشفات والملاطفات لا يحيط الوصف بها يعرفها من ذاقها وينكرها من كل حسه عن ذواقها، وتسمى تلك الأحوال بلسان الصوفية وجداً - مأخوذ من الوجود - وللصوفية على هذا كلام يطول شرحه ليس هذا موضع إيراده. والله أعلم.\rالعوارض التي يحرم معها السماع\rقال أبو حامد رحمه الله تعالى: والسماع يحرم بخمسة عوارض: عارض في المسمع وعارض في آلة السماع، وعارض في نظم الصوت، وعارض في نفس المستمع أو في مواطنه، لأن أركان السماع هي المسمع والمستمع وآلة السماع.\rالعارض الأول: أن يكون المسمع امرأة لا يحل النظر إليها وتخشى الفتنة من سماعها، وفي معناها الصبي الذي تخشى فتنته، وهذا حرام لما فيه من خوف الفتنة، وليس ذلك لأجل الغناء بل لو كانت المرأة بحيث تفتن بصوتها في المحاورة في غير ألحان فلا يجوز محاورتها ومحادثتها ولا سماع صوتها في القرآن أيضاً، وكذلك الصبي الذي تخاف فتنته. فإن قلت: فهل تقول: إن ذلك حرام بكل حال حسماً للباب، أو لا يحرم إلا حيث تخاف الفتنة. فأقول: هذه مسألة محتملة من حيث الفقه يتجاذبها أصلان: أحدهما: أن الخلوة بالأجنبية والنظر إلى وجهها حرام سواء خيفت منها الفتنة أو لم تخف لأنها مظنة الفتنة على الجملة. فقضى الشرع بحسم الباب من غير التفات إلى الصورة.\rوالثاني: أن النظر إلى الصبيان مباح إلا عند خوف الفتنة فلا يلحق الصبيان بالنساء في عموم الحسم بل ينبغي أن يفصل في الحال. وصوت المرأة دائر بين هذين الأصلين، فإن قسناه على النظر إليها وجب حسم الباب وهو قياس قريب، ولكن بينهما فرق إذ الشهوة تدعو إلى النظر في أول هيجانها ولا تدعو إلى سماع الصوت. وليس تحريك النظر لشهوة المماسة كتحريك السماع بل هو أشد. وصوت المرأة في غير الغناء ليس بعورة ولكن للغناء مزيد أثر في تحريك الشهوة، فقياس هذا على النظر إلى الصبيان أولى لأنهم لم يؤمروا بالاحتجاب كما لم تؤمر النساء بستر الأصوات، فينبغي أن يتبع مثار الفتن ويقصر التحريم عليه، هذا هو الأقيس عندي. قال: ويتأيد بحديث الجاريتين المغنيتين في بيت عائشة رضي الله عنها إذ يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع صوتهما ولم يحترز عه ولكن لم تكن الفتنة مخوفة عليه فلذلك لم يحترز. فإذاً يختلف هذا بأحوال المرأة وأحوال الرجل في كونه شاباً وشيخاً ولا يبعد أن يختلف الأمر في مثل هذا بالأحوال. فإنا نقول: للشيخ أن يقبل زوجته وهو صائم وليس للشاب ذلك. والقبلة تدعو إلى الوقاع في الصوم وهو المحظور. والسماع يدعو إلى النظر والمقاربة وهو حرام، فيختلف ذلك أيضاً بالأشخاص.\rالعارض الثاني: في الآلة بأن تكون من شعائر أهل الشرب أو المخنثين وهي المزامير والأوتار وطبل الكوبة، فهذه ثلاثة أنواع وما عدا ذلك يبقى على أصل الإباحة كالدف وإن كان فيه الجلاجل وكالطبل والشاهين والضرب بالقضيب وسائر الآلات.","part":1,"page":450},{"id":451,"text":"العارض الثالث: في نظم الصوت وهو الشعر فإن كان فيه شيء من الخنا والفحش والهجاء أو هو كذب على الله عز وجل أو على رسوله أو على الصحابة كما رتبه الروافض في هجاء الصحابة وغيرهم، فسماع ذلك حرام بألحان وغير ألحان، والمستمع شريك القائل وكذلك ما فيه وصف امرأة بعينها فإنه لا يجوز وصف المرأة بين يدي الرجال. وأما هجاء الكفار وأهل البدع فذلك جائز.\rفقد كان حسان بن ثابت ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهاجي الكفار، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.\rفأما النسيب وهو التشبيب بوصف الخدود والأصداغ وحسن القد والقامة وسائر أوصاف النساء فهذا فيه نظر. والصحيح أنه لا يحرم نظمه وإنشاده بلحن وغير لحن، وعلى المستمع ألا ينزله على امرأة معينة إلا على من تحل له من زوجة أو جارية، فإن نزله على أجنبية فهو العاصي بالتنزيل وإجالة الفكر فيه. ومن هذا وصفه فينبغي أن يجتنب السماع رأساً فإن من غلب عليه عشق نزل كل ما يسمعه عليه سواء كان اللفظ مناسباً أو لم يكن، إذ ما من لفظ إلا ويمكن تنزيله على معان بطريق الاستعارة فالذي غلب عليه عشق خلوق ينبغي أن يحترز من السماع بأي لفظ كان، والذي غلب عليه حب الله تعالى فلا تضره الألفاظ ولا تمنعه عن فهم المعاني اللطيفة المتعلقة بمجاري همته الشريفة.\rالعارض الرابع: في المستمع وهو أن تكون الشهوة غالبة عليه وكان في غرة الشباب وكانت هذه الصفة أغلب من غيرها عليه، فالسماع حرام عليه سواء غلب على قلبه حب شخص معين أو لم يغلب. فإنه كيفما كان فلا يسمع وصف الصدغ والخد والوصال والفراق إلا ويحرك ذلك شهوته وينله على صورة معينة ينفخ الشيطان بها في قلبه فتشتعل فيه نار الشهوة وتحتد بواعث الشر. وذلك هو النصرة لحزب الشيطان والتخذيل للعقل المانع منه الذي هو حزب الله تعالى. والقتال في القلب دائم بين جنود الشيطان وهي الشهوات، وبين حزب الله وهو نور العقل إلا في قلب قد فتحه أحد الجندين واستولى عليه بالكلية. وغالب القلوب قد فتحها جند الشيطان وغلب عليها فتحتاج حينئذ إلى أن تستأنف أسباب القتال لإزعاجه فكيف يجوز تكثير أسلحته وتشحيذ سيوفه وأسنته، والسماع مشحذ لأسلحة جند الشيطان في حق مثل هذا الشخص. فليخرج مثل عن جميع السماع فإنه يستضريه والله أعلم.\rالعارض الخامس: أن يكون الشخص من عوام الخلق ولم يغلب عليه حب الله فيكون السماع له محبوباً ولا غلبت عليه الشهوة فيكون في حقه محظوراً، ولكنه أبيح في حقه كسائر أنواع اللذات المباحة إلا أنه اتخذه ديدنه وهجيراه وقصر عليه أكثر أوقاته، فهذا هو السفيه الذي ترد شهادته فإن المواظبة على اللهو جناية. وكما أن الصغيرة بالإصرار والمداومة تصير كبيرة، فبعض المباحات بالمداومة يصير صغيرة وهو كالمواظبة على متابعة الزنوج والحبشة والنظر إلى لعبهم على الدوام فإنه ممنوع وإن لم يكن أصله ممنوعاً إذا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن هذا القبيل اللعب بالشطرنج فإنه مباح، ولكن المواظبة عليه مكروهة كراهة شديدة، ومهما كان الغرض معالجة له في بعض الأوقات لتنبعث دواعيه. هذا ملخص ما أورده في أقسام السماع وبواعثه ومقتضياته، ثم ذكر بعد ذلك آثار السماع وآدابه.\rآثار السماع وآدابه\rقال أبو حامد رحمه الله: اعلم أن أول درجة السماع فهم المسموع وتنزيله على معنى يقع للمستمع ثم يثمر الفهم الوجد. وثمر الوجد الحركة بالجوارح. فلينظر إلى هذه المقامات الثلاثة: المقام الأول: في الفهم، وهو مختلف باختلاف أحوال المستمع. وللمستمع أربعة أحوال: إحداها: أن يكون سماعه بمجرد الطبع أي لاحظ له في السماع إلا استلذاذ الألحان والنغمات فهذا مباح وهو أخس رتب السماع، إذ الإبل شريكة له فيه وكذا سائر البهائم. ولكل حيوان نوع تلذذ بالأصوات الطيبة.\rالحالة الثانية: أن يسمع بفهم ولكن ينزله على صورة إما معينة أو غير معينة وهو سماع الشباب وأرباب الشهوة ويكون تنزيلهم المسموع على حسب شهواتهم ومقتضى أحوالهم. وهذه الحالة أخس من أن تكلم فيها إلا ببيان خستها والنهى عنها.","part":1,"page":451},{"id":452,"text":"الحالة الثالثة: أن ينزل ما يسمعه على أحوال نفسه في معاملة الله تعالى وتقلب أحواله في التمكن منه مرة وبعده منه أخرى، وهذا سماع المريدين لا سيما المبتدئين. فإن للمريد لا محالة مراداً هو مقصده، ومقصده معرفة الله تعالى ولقاؤه والوصول إليه بطريق المشاهدة بالسر وكشف الغطاء، وله في مقصده طريق هو سالكه، ومعاملات هو مثابر عليها، وحالات تستقبله في معاملاته. فإذا سمع ذكر عتاب أو خطاب أو قبول أو رد أو وصل أو هجر أو قرب أو بعد أو تلهف على فائت أو تعطش إلى منتظر أو شوق إلى وارد أو طمع أو يأس أو وحشة أو استئناس أو وفاء بالوعد أو نقض للعهد أو خوف فراق أو فرح بوصال أو ذكر ملاحظة الحبيب ومدافعة الرقيب أو همول العبرات أو ترادف الحسرات أو طول الفراق أو عدة الوصال أو غير ذلك مما يشتمل على وصفه الأشعار، فلا بد أن يوافق بعضها حال المريد في طلبه، فيجري ذلك مجرى القداح الذي يوري زناد قلبه، فتشتعل به نيرانه، ويقوى به انبعاث الشوق وهيجانه، وتهجم عليه بسببه أحوال مخالفة لعاداته، ويكون له مجال رحب في تنزيل الألفاظ على أحواله. وليس على المستمع مراعاة مراد الشاعر من كلامه، بل لكل كلام وجوه ولكل ذي فهم في اقتباس المعنى منه حظ. وضرب الإمام الغزالي لذلك أمثلة يطول شرحها.\rالحالة الرابعة: سماع من جاوز الأحوال والمقامات فعزت عن فهم ما سوى الله تعالى حتى عزل عن فسه وأحوالها ومعاملاتها وكان كالمدهوش الغائص ف عين الشهود الذي يضاهي حاله حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال يوسف حتى بهتن وسقط إحساسهن. وعن مثل هذه الحالة تعبر الصوفية بأنه فني عن نفسه. ومهما فني عن نفسه فهو عن غيره أفنى، فكأنه فني عن كل شيء إلا عن الواحد المشهود، وفني أيضاً عن الشهود فإن القلب إن التفت إلى الشهود وإلى نفسه بأنه مشاهد فقد غفل عن المشهود. فالمستهتر بالمرئي لا التفات له في حال استغراقه إلى رؤيته ولا إلى عينه التي بها رؤيته ولا إلى قلبه الذي به لذته. فالسكران لا خبر له في سكره، والملتذ لا خبر له في التذاذه، إنما خبره من الملتذ به فقط، ولكن هذا في الغالب يكون كالبرق الخاطف الذي لا يثبت ولا يدوم وإن دام لم تطقه القوة البشرية فربما يضطرب تحت أعبائه اضطراباً تهلك فيه نفسه كما روي عن أبي الحسن النوري أنه سمع هذا البيت:\rما لت أنزل من ودادك منزلاً ... تتحير الألباب دون نزوله\rفقام وتواجد وهام على وجهه ووقع في أجمة قصب قد قطعت وبقيت أصولها مثل السيوف فصار يعدو فيها ويعيد البيت إلى الغداة والدم يجري من رجليه حتى ورمت قدماه وساقاه ومات بعد أيام رحمه الله.\rقال أبو حامد: وهذه درجة الصديقين في الفهم والوجد وهي أعلى الدرجات، لأن السماع على الأحوال وهي ممتزجة بصفات البشرية نوع قصور، وإنما الكمال أن يفنى بالكلية عن نفسه وأحواله. أعني أنه ينساها فلا يبقى له التفات إليها كما لم يكن للنسوة التفات إلى اليد والسكين. فيسمع بالله، وفي الله، ومن الله، وهذه رتبة من خاض لجة الحقائق وعبر ساحل الأحوال والأعمال واتحد بصفاء التوحيد وتحقق بمحض الإخلاص فلم يبق فيه منه شيء أصلاً، بل خمدت بالكلية بشريته وفني التفاته إلى صفات البشرية رأساً. قال: ولست أعني بفنائه فناء جسده بل فناء قلبه، ولست أعني بالقلب اللحم والدم بل سر لطيف له إلى القلب الظاهر نسبة خفية وراءها سر الروح الذي هو من أمر الله عرفها من عرفها وجهلها من جهلها ولذلك السر وجود إلا للحاضر. ومثاله المرآة المجلوة، إذ ليس لها لون في نفسها بل لونها لون الحاضر فيها. وكذلك الزجاجة فإنها تحكي لون قرارها ولونها لون الحاضر فياه وليس لها في نفسها صورة بل صورتها قبول صورتها قبول الصور ولونها هو هيئة الاستعداد لقبول الألوان. قال: وهذه مغاصة من مغاصات علوم المكاشفة منها نشأ خيال من ادعى الحلول والاتحاد. هذا ملخص ما أورده في مقام الفهم والله سبحانه وتعالى أعلم.\rالمقام الثاني: بعد الفهم والتنزيل الوجد.\rقال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: وللناس كلام طويل في حقيقة الوجد أعني الصوفية والحكماء الناظرين في وجه مناسبة السماع للأرواح فلننقل من أقوالهم ألفاظاً ثم لنكشف عن الحقيقة فيه.","part":1,"page":452},{"id":453,"text":"أما الصوفية، فقد قال ذو النون المصري رحمه الله في السماع: إنه وارد حق جاء يزعج القلوب إلى الحق، فمن أصغى إليه بحق تحقق، ومن أصغى إليه بنفس تزندق. فكأنه عبر عن الوجد بانزعاج القلوب إلى الحق وهو الذي يجده عند ورود وارد السماع، إذ سمي السماع وارد حق. وقال أبو الحسين الدراج مخبراً عما وجده في السماع: والوجد عبارة عما يوجد عند السماع، وقال: جال بي السماع في ميادين البهاء، فأوجدني الحق عند العطاء، فسقاني بكأس الصفاء، فأدركت به منازل الرضاء، وأخرجني إلى رياض النزهة والفضاء.\rوقال الشبلي: السماع ظاهره فتنة وباطنه عبرة، فمن عرف الإشارة حل له استماع العبرة وإلا فقد استدعى الفتنة وتعرض للبلية. وأقوال الصوفية في هذا النوع كثيرة.\rوأما الحكماء، فقال بعضهم: في القلب فضيلة شريفة لم تقدر قوة النطق على إخراجها باللفظ فأخرجتها النفس بالألحان، فلما ظهرت سرت وطربت إليها، فاستمعوا من النفس وناجوها ودعوا مناجاة الظواهر. وقال بعضهم: نتائج السماع استنهاض العاجز من الرأي واستجلاب العازب من الفكر وحدة الكال من الأفهام والآراء حتى يثوب ما عزب وينهض ما عجز ويصفو ما كدر ويمرح في كل رأي ونية فيصيب ولا يخطئ ويأتي ولا يبطئ. ثم ذكر المعنى الذي الوجد عبارة عنه فقال: هو عبارة عن حالة يثمرها السماع وهو وارد حق جديد عقيب السماع يجده المستمع من نفسه. وتلك الحالة لا تخلو من قسمين: فإنها إما أن ترجع إلى مكاشفات ومشاهدات هي من قبيل العلوم والتنبيهات، وإما أن ترجع إلى تغيرات وأحوال ليست من العلوم والتنبيهات بل هي كالشوق والخوف والحزن والقلق والسرور والأسف والندم والبسط والقبض. وهذه الأحوال يهيجها السماع ويقويها فإن ضعفت بحيث لم تؤثر في تحريك الظاهر أو تسكينه أو تغيير حاله حتى يتحرك على خلاف عادته أو يطرق أو يسكن عن النظر والنطق والحركة على خلاف عادته لم يسم وجداً. وإن ظهر على الظاهر سمي وجداً إما ضعيفاً وإما قوياً بحسب ظهوره وتغييره الظاهر وتحريكه بحسب قوة وروده وحفظ الظاهر عن التغيير بحسب قوة الواجد وقدرت على حفظ جوارحه، فقد يقوي الوجد في الباطن ولا يتغير الظاهر لقوة صاحبه وقد لا يظهر لضعف الوارد وقصوره عن التحريك وحل عقد التماسك. وإلى المعنى الأول أشار أبو سعيد بن الأعرابي حيث قال في الوجد: إنه مشاهدة ما لم يكن مكشوفاً قبله، فإن الكشف يحصل بأسباب: منها التنبيه، والسماع منبه. ومنها تغير الأحوال ومشاهدتها وإدراكها، فإن إدراكها، فإن إدراكها نوع علم يفيد إيضاح أمور لم تكن معلومة قبل الورود.\rومنها صفاء القلب، والسماع مؤثر في تصفية القلوب، والصفاء سبب المكاشفة.\rومنها انبعاث نشاط القلب بقوة السماع فيقوى على مشاهدة ما كان تقصر عنه قبل ذلك قوته كما يقوى البعير على حمل ما كان لا يقوى عليه قبله، وهذا الاستكشاف من ملاحظة أسرار الملكوت. وكما أن حمل الجمل يكون بواسطة، فبواسطة هذه الأسباب يكون سبب الكشف، بل القلب إذا سفا تمثل له الحق في صورة مشاهدة أو في لفظ منظوم يقرع سمعه يعبر عنه بصوت الهاتف إذا كان في اليقظة وبالرؤيا إذا كان في المنام وذلك جزء من النبوة، وعلم تحقيق ذلك خارج عن علم المعاملة. وذلك كما روي عن محمد بن مسروق البغدادي أنه قال: خرجت يوماً في أيام جهلي وأنا نشوان وكنت أغنى هذا البيت:\rبطيزناباذ كرم ما مررت به ... إلا تعجبت ممن يشرب الماء\rفسمعت قائلاً يقول:\rوفي جهنم ماء ما تجرعه ... خلق فأبقى له في الجوف أمعاء\rفقال: وكان ذلك سبب توبتي واشتغالي بالعلم.","part":1,"page":453},{"id":454,"text":"قال أبو حامد: فانظر كيف أثر الغناء في تصفية قلبه حتى تمثل له حقيقة الحق في صفة جهنم وفي لفظ منظوم موزون وقرع ذلك سمعه الظاهر. وكما يسمع صوت الهاتف عند صفاء القلب. ويشاهد أيضاً بالبصر صورة الخضر عليه السلام فإنه يخيل لأرباب القلوب بصور مختلفة، وفي مثل هذه الأحوال من الصفاء يقع الاطلاع على ضمائر القلوب، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى \" . قال: فحاصل الوجد يرجع إلى مكاشفات وإلى حالات ينقسم كل واحد منهما إلى ما لا يمكن التعبير عنه عند الإقامة منه وإلى ما لا تمكن العبارة عنه أصلاً. وضرب لذلك أمثلة، منها أن الفقيه قد تعرض عليه مسألتان متشابهتان في الصورة ويدرك بذوقه أن بينهما فرقاً في الحكم، فإذا كلف ذكر وجه الفرق لم يساعده اللسان على التعبير عنه وإن كان من أفصح الناس، فيدرك بذوقه الفروق ولا يمكنه التعبير عنه، وإدراكه الفرق علم يصادفه في قلبه بالذوق. ولا شك أن لوقوعه في قلبه سبباً، وله عند الله تعالى حقيقة، ولا يمكنه الإخبار عنه لقصور في لسانه بل لدقة المعنى أن تناله العبارة.\rوأما الحال فكم من إنسان يدرك في قلب في الوقت الذي يصبح فيه قبضاً أو بسطاً ولا يعلم سببه، وقد يتفكر في شيء فيؤثر في نفسه أثراً فينسى ذلك السبب ويبقى الأثر في نفسه وهو يحسبه. وقد تكون الحالة التي يحسها سروراً يثبت في نفسه بتفكره في سبب موجب للسرور، أو حزناً فينسى المتفكر فيه ويحس بالأثر عقيبه. وقد تكون تلك الحال حالة غريبة لا يعرب عنها لفظ السرور والحزن ولا يصادف لها عبارة مطابقة مفصحة عن المقصود، بل ذوق الشعر الموزون والفرق بينه وبين غير الموزون يختص به بعض الناس دون بعض، وهي حالة يدركها صاحب الذوق بحيث لا يشك فيها أعني التفرقة بين الموزون والمنزحف ولا يمكنه التعبير عنها بما يتضح به مقصوده لمن لا ذوق له. وفي النفس أحوال غريبة هذا وصفها بل المعاني المشهورة من الخوف والحزن والسرور إنما تحصل في السماع عن غناء مفهوم. فأما الأوتار وسائر النغمات التي ليس مفهومة فإنها تؤثر في النفس تأثيراً عجيباً، ولا يمكن التعبير عن عجائب تلك الأوتار، وقد يعبر عنها بالشوق، ولكن شوق لا يعرف صاحبه المشتاق إليه، فهذا عجيب. والذي اضطربت نفسه بسماع الأوتار والشاهين وما أشبهه ليس يدري إلى ماذا يشتاق، ويجد في نفسه حالة كأنها تتقاضى أمراً ليس يدري إلى ماذا يشتاق، ويجد في نفسه حالة كأنها تتقاضى أمراً ليس يدري ما هو، حتى يقع ذلك للعوام ومن لا يغلب على قلبه لا حب آدمي ولا حب الله تعالى. وهذا له سر، وهو أن كل شوق فله ركنان: أحدهما صفة المشتاق وهو نوع مناسبة مع المشتاق إليه. والثاني: معرفة المشتاق إليه ومعرفة صورة الوصول إليه. فإن وجدت الصفة التي بها الشوق ووجد العلم بالمشتاق ووجدت الصفة المشوقة وحركت قلبك الصفة واشتعلت نارها، أورث ذلك دهشة وحيرة لا محالة. ولو نشأ آدمي وحده حيث لم ير صورة النساء ولا عرف صورة الوقاع ثم راهق الحلم وغلبت عليه الشهوة لكان يحس من نفسه بنار الشهوة ولا يدري أنه يشتاق إلى الوقاع لأنه ليس يدري صورة الوقاع ولا يعرف صورة النساء، فكذلك في نفس الآدمي مناسبة مع العالم الأعلى واللذات التي وعد بها في سدرة المنتهى والفراديس العلا، إلا أنه لم يتخيل من هذه الأمور إلا الصفات والأسماء كالذي يسمع لفظ الوقاع واسم النساء ولم يشاهد صورة امرأة قط ولا صورة رجل ولا صورة نفسه في المرآة ليعرف بالمقايسة. فالسماع يحرك منه الشوق، والجهل المفرط والاشتغال بالدنيا قد أنساه نفسه وأنساه ربه وأنساه مستقره الذي إليه حنينه واشتياقه بالطبع، فيتقاضاه قلبه أمراً ليس يدري ما هو فيدهش ويضطرب ويتحير ويكون كالمختنق الذي لا يعرف طريق الخلاص. فهذا وأمثاله من الأحوال التي لا يدرك تمام حقائقها، ولا يمكن المتصف بها أن يعبر عنها. فقد ظهر انقسام الوجد إلى ما يمكن إظهاره وإلى ما لا يمكن إظهاره. قال:","part":1,"page":454},{"id":455,"text":"واعلم أيضاً أن الوجد ينقسم إلى هاجم وإلى متكلف يسمى التواجد. وهذا التواجد المتكلف، فمنه مذموم وهو الذي يقصد به الرياء وإظهار الأحوال الشريفة مع الإفلاس منها، ومنه ما هو محمود وهو التوصل إلى الاستدعاء للأحوال الشريفة واكتسابها واجتلابها بالحيلة، فإن للكسب مدخلاً في جلب الأحوال الشريفة، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يحضره البكاء في قراءة القرآن أن يتباكى ويتحازن، فإن هذه الأحوال قد تتكلف مباديها ثم تتحقق أواخرها. وكيف لا يكون التكلف سبباً في أن يصير المتكلف بالآخرة طبعاً، وكل من يتعلم القرآن أو لا يحفظه تكلفاً ويقرؤه تكلفاً مع تمام التأمل وإحضار الذهن ثم يصير ذلك ديدناً للسان مطرداً حتى يجري به لسانه في الصلاة وغيرها وهو غافل فيقرأ تمام السورة وتثوب نفسه إليه بعد انتهائه إلى آخرها ويعلم أنه قرأها في حال غفلته. وذكر أبو حامد أمثلة نحو ذلك ثم قال: وكذلك الأحوال الشريفة لا ينبغي أن يقع اليأس منها عند فقدها، بل ينبغي أن يتكلف اجتلابها بالسماع وغيره، فلقد شوهد في العادات من اشتهى أن يعشق شخصاً ولم يكن يعشقه فلم يزل يردد ذكره على نفسه ويديم النظر إليه ويقرر على نفسه الأوصاف المحبوبة إليه والأخلاق المحمودة فيه حتى عشقه ورسخ ذلك في قلبه رسوخاً خرج عن حد اختياره، واشتهى بعد ذلك الخلاص منه فلم يتخلص، فكذلك حب الله تعالى والشوق إلى لقائه والخوف من سخطه وغير ذلك من الأحوال الشريفة إذا فقدها الإنسان فينبغي أن يتكلف اجتلابها بمجالسة الموصوفين بها، ومشاهدة أحوالهم، وتحسين صفاتهم في النفس، وبالجلوس معهم في السماع، وبالدعاء والتضرع إلى الله تعالى في أن يرزقه تلك الحالة بأن ييسر له أسبابها السماع ومجالسة الصالحين والخائفين والمحبين والمشتاقين والخاشعين، فمن جالس شخصاً سرت إليه صفاته من حيث لا يدري. ويدل على إمكان تحصيل الحب وغيره من الأحوال بالأسباب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه: \" اللهم ارزقني حبك وحب من أحبك وحب من يقربني إلى حبك \" . فقد فزع إلى الدعاء في طلب الحب. قال: فهذا بيان انقسام الوجد إلى مكاشفات وإلى أحوال، وانقسامه إلى ما يمكن الإيضاح عنه وإلى ما لا يمكن، وانقسامه إلى المتكلف وإلى المطبوع.\rالمقام الثالث: في آداب السماع ظاهراً وباطناً، وما يحمد من آثار الوجد ويذم.\rقال الإمام أبو حامد رحمه الله تعالى: فأما الآداب فهي خمس جمل: الأول: مراعاة الزمان والمكان والإخوان. قال الجنيد: السماع يحتاج إلى ثلاثة أشياء وإلا فلا تسمع: الزمان والمكان والإخوان. قال الغزالي: ومعناه أن الاشتغال به في وقت حضور طعام و خصام أو صلاة أو صارف من الصوارف مع اضطراب القلب لا فائدة فيه، فهذا معنى مراعاة الزمان، فيراعى فراغ القلب. والمكان قد يكون شارعاً مطروقاً أو موضعاً كريه الصورة أو فيه سبب يشغل القلب فيتجنب ذلك. وأما الإخوان فسببه أنه إذا حضر غير الجنس من منكر السماع متزهد الظاهر مفلس من لطائف القلوب كان مستثقلاً في المجلس واشتغل القلب به، وكذا إذا حضر متكبر من أهل الدنيا فيحتاج إلى مراقبته ومراعاته، أو متكلف متواجد من أهل التصوف يرائي بالوجد والرقص وتمزيق الثوب، فكل ذلك مشوشات، فترك السماع عند فقد هذه الشروط أولى.\rالثاني: وهو نظر للحاضرين، أن الشيخ إذا كان حوله مريدون يضرهم السماع فلا ينبغي أن يسمع في حضورهم، فإن سمع فليشغلهم بشغل آخر. والمريد الذي لا يستفيد بالسماع أحد ثلاثة: أقلهم درجة هو الذي لم يدرك من الطريق إلا الأعمال الظاهرة ولم يكن له ذوق السماع، فاشتغاله بالسماع اشتغال بما لا يعنيه، فإنه ليس من أهل اللهو فيلهو، ولا من أهل الذوق فيتنعم بذوق السماع، فليشتغل بذكر أو خدمة وإلا فهو مضيع لزمانه. الثاني: هو الذي له ذوق ولكن فيه بقية من الحظوظ والالتفات إلى الشهوات والصفات البشرية ولم ينكسر بعد انكساراً تؤمن غوائله، فربما يهيج السماع منه داعية اللهو والشهوة فينقطع طريقه ويصده عن الاستكمال.","part":1,"page":455},{"id":456,"text":"الثالث: أن يكون قد انكسرت شهوته وأمنت غائلته وانفتحت بصيرته واستولى على قلبه حب الله تعالى، ولكنه لم يحكم ظاهر العلم ولم يعرف أسماء الله وصفاته وما يجوز عليه وما يستحيل، وإذا فتح له باب السماع نزل المسموع في حق الله تعالى على ما يجوز وما لا يجوز، فيكون ضرره من تلك الخواطر التي هي كفر أعظم عليه من نفع السماع. قال سهل: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل. فلا يصلح السماع لمثل هذا ولا لمن قلبه بعد ملوث بحب الدنيا وشهوة المحمدة والثناء، ولا من يسمع لأجل التلذذ والاستطابة بالطبع، فيصير ذلك عادة له ويشغله عن عبادته ومراعاة قلبه وتنقطع عليه طريقة الأدب، فالسماع مزلة قدم يجب حفظ الضعفاء عنه.\rالأدب الثالث: أن يكون مصغياً إلى ما يقوله القائل، حاضر القلب، قليل الالتفات إلى الجوانب، متحرزاً عن النظر إلى وجوه المستمعين وما يظهر عليهم من أحوال الوجد، مشتغلاً بنفسه ومراعاة قلبه ومراقبة ما يفتح الله له من رحمته في سره، متحفظاً عن حركة تشوش على أصحابه قلوبهم، بل يكون ساكن الظاهر، هادئ الأطراف متحرزاً عن التنحنج والتثاؤب، يجلس مطرقاً رأسه كجلوسه في فكر مستغرق لقلبه، متماسكاً عن التصفيق والرقص وسائر الحركات على وجه التصنع والتكلف والمراءاة، ساكتاً عن النطق في أثناء القول بكل ما عنه بد. فإن غلبه الوجد وحركه بغير اختيار فهو فيه معذور وغير ملوم، ومهما رجع إليه اختياره فليعد إلى هدوه وسكونه. ولا ينبغي أن يستديمه حياء من أن يقال: انقطع وجده على القرب، ولا أن يتواجد خوفاً من أن يقال: هو اقسي القلب عديم الصفاء والرقة. قال: وقوة الوجد تحرك، وقوة العقل التماسك تضبط الظواهر. وقد يغلب أحدهما الآخر إما لشدة قوته، وإما لضعف ما يقابله، ويكون النقصان والكمال بحسب ذلك. فلا تظنن أن الذي يضطرب بنفسه على الأرض أتم وجداً من الساكن باضطرابه، بل رب ساكن أتم وجداً من المضطرب، فقد كان الجنيد يتحرك في السماع في بدايته ثم صار لا يتحرك فقيل له في ذلك فقال: \" وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء \" إشارة إلى أن القلب مضطرب جائل في الملكوت، والجوارح متأدبة في الظاهر ساكنة.\rالأدب الرابع: ألا يقوم ولا يرفع صوته بالبكاء وهو يقدر على ضبط نفسه، ولكن إن رقص أو تباكى فهو مباح إذا لم يقصد به المراءاة، لأن التباكي استجلاب للحزن، والرقص سبب في تحريك السرور والنشاط، وكل سرور مباح فيجوز تحريكه، ولو كان ذلك حراماً لما نظرت عائشة رضي الله عنها إلى الحبشة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يزفنون. وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم حجلوا لما ورد عليهم سرور أوجب ذلك وذلك في قصة ابنة حمزة بن عبد المطلب لما اختصم فيا علي بن أبي طالب وأخوه جعفر وزيد بن حارثة رضي الله عنهم، فتشاحوا في تربيتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: \" أنت مني وأنا منك \" فحجل علي. وقال لجعفر: \" أشبهت خلقي وخلقي \" فحجل. وقال لزيد: \" أنت أخونا ومولانا \" فحجل. الحديث. قال: والحجل: الرقص، ويكون لفرح أو شوق، فحكمه حكم مهيجه إن كان فرحه محموداً، والرقص يزيده ويؤكده فهو محمود، فإن كان مباحاً فهو مباح، وإن كان مذموماً فهو مذموم. نعم لا يليق ذلك بمناصب الأكابر وأهل القدوة لأنه في الأكثر يكون عن لهو ولعب، وما له صورة اللعب في أعين الناس فينبغي أن يجتنبه المقتدي به لئلا يصغر في أعين الخلق فيترك الاقتداء به. وأما تخريق الثياب فلا رخصة فيه إلا عند خروج الأمر عن الاختيار. ولا يبعد أن يغلب الوجد بحيث يمزق ثوبه وهو لا يدري لغلبة سكر الوجد عليه أو يدري ولكن يكون كالمضطر الذي لا يقدر على ضبط نفسه، وتكون صورته صورة المكره، إذ يكون له في الحركة أو التمزيق متنفس فيضطر إليه اضطرار المريض إلى الأنين، ولو كلف الصبر عنه لم يقدر عليه مع أنه فعل اختياري، فليس كل فعل حصوله بالإرادة يقدر الإنسان على تركه، فالتنفس فعل يحصل بالإرادة، ولو كلف الإنسان نفسه أن يمسك التنفس ساعة اضطر من باطنه إلى أن يختار التنفس، فكذلك الزعقة وتخريق الثياب قد يكون كذلك فهذا لا يوصف بالتحريم.","part":1,"page":456},{"id":457,"text":"الأدب الخامس: موافقة القوم في القيام إذا قام واحد منهم في وجد صادق من غير رياء وتكلف، أو قام باختيار من غير إظهار وجد وقام له الجماعة فلا بد من الموافقة، فذلك من آداب الصحبة. وكذلك إن جرت عادة طائفة بتنحية العمامة على موافقة صاحب الوجد إذا سقطت عمامته أو خلع الثياب إذا سقط عنه ثوبه بالتخريق. فالموافقة في هذه الأمور من حسن الصحبة والعشرة، غذ المخالفة موحشة. ولكل قوم رسم، ولا بد من مخالفة الناس بأخلاقهم كما ورد في الخبر لا سيما إذا كانت أخلاقاً فيها حسن المعاشرة والمجاملة وتطييب القلب بالمساعدة. وقول القائل: إن ذلك بدعة لم تكن في الصحابة، فليس كل ما يحكم بإباحته منقولاً عن الصحابة ولم ينقل النهي عن شيء من هذا. والقيام عند الدخول للداخل لم تكن من عادة العرب، بل كان الصحابة لا يقومون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال كما رواه أنس رضي الله عنه، وإن كان لم يثبت فيه نهي عام، فلا نرى به بأساً في البلاد التي جرت العادة فيها بإكرام الداخل بالقيام، فإن القصد منه الاحترام والإكرام وتطييب القلب به، كذلك سائر أنواع المساعدة إذا قصد بها طيبة القلب واصطلح عليها جماعة فلا بأس بمساعدتهم عليها، بل الأحسن المساعدة إلا فيما ورد فيه نهي لا يقبل التأويل. ومن الأدب ألا يقوم للرقص مع القوم إن كان يستثقل رقصه ويشوش عليهم أحوالهم، إذ الرقص من غير إظهار التواجد مباح، والمتواجد هو الذي يلوح للجميع منه أثر التكلف، ومن يقوم عن صدق لا تستثقله الطباع، فقلوب الحاضرين إذا كانوا من أرباب القلوب محك للصدق والتكلف. سئل بعضهم عن الوجد الصحيح فقال: صحته قبول قلوب الحاضرين له إذا كانوا أشكالاً غير أضداد. هذا ملخص ما أورده الغزالي رحمه الله تعالى في معنى السماع وقسمه إلى هذه الأقسام التي ذكرناها.\rوأما أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم فقد ذكر مسألة السماع بين إباحته، فبدأ بذكر الأحاديث التي احتجوا بها وضعف رواتها نحو ما تقدم وذكر الآية: \" ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم \" وأنه قيل: إنه الغناء، فليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ثبت عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم، فإنما هو قول بعض المفسرين ممن لا يقوم بقوله حجة، وما كان هكذا فلا يجوز القول به. ثم لو صح لما كان فيه متعلق، لأن الله تبارك وتعالى يقول: \" ليضل عن سبيل الله \" وكل شيء اقتنى ليضل به عن سبيل الله فهو إثم وحرام ولو أنه شراء مصحف أو تعليم قرآن. فإذاً لم يصح في هذا شيء فقد قال الله عز وجل: \" وقد فصل لكم ما حرم عليكم \" . وقال تعالى: \" خلق لكم ما في الأرض جميعاً \" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أعظم الناس جرماً في الإسلام من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته \" ، فصح أن كل شيء حرمه الله عز وجل علينا فقد فصله لنا، وكل ما لم يفصل تحريمه لنا فهو حلال. واستدل رحمه الله على إباحته بالأحاديث التي ذكرناها، حديث عائشة عن خبر أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في غناء الجاريتين، واستدل أيضاً بحديث نافع أن ابن عمر سمع مزماراً فوضع إصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق وقال: يا نافع، هل تسمع شيئاً؟ قلت لا، فرفع إصبعيه عن أذنيه وقال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع مثل هذا وصنع مثل هذا. قال: فلو كان حراماً ما أباح عليه الصلاة والسلام لابن عمر سماعه ولا أباح ابن عمر لنافع سماعه، ولكنه عليه الصلاة والسلام كره لنفسه كل شيء ليس من التقرب إلى الله عز وجل، كما كره الأكل متكئاً، والتنشف بعد الغسل في ثوب يعد لذلك، والستر الموشى على سهوة عائشة وعلى باب فاطمة رضي الله عنهما، وكما كره صلى الله عليه وسلم أشد الكراهة أن يبيت عنده دينار أو درهم. وإنما بعث عليه الصلاة والسلام منكراً للمنكر، آمراً بالمعروف. فلو كان ذلك حراماً لما اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسد اذنيه عنه دون أن يأمر بتركه وينهى عنه، ولم يفعل عليه الصلاة والسلام شيئاً من ذلك بل أقره وتنزه عنه، فصح أنه مباح وأن الترك له أفضل كسائر فضول الدنيا المباحة.","part":1,"page":457},{"id":458,"text":"قال: فإن قال قائل: قال الله تبارك وتعالى: \" فماذا بعد الحق إلا الضلال \" ففي أي ذلك يقع الغناء؟ قيل له: حيث يقع التروح في البساتين وصباغ ألوان الثياب، ولكل امرئ ما نوى فإذا نوى المرء ترويح نفسه وإجمامها لتقوى على طاعة الله فما أتى ضلالاً. قال: ولا يحل تحريم شيء ولا إباحته إلا بنص من الله عز وجل أو من رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنه إخبار عن الله عز وجل، ولا يجوز عنه تعالى إلا بالنص الذي لا شك فيه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار \" . وقد تكلم على إباحة السماع جماعة من العلماء. وفيما أوردناه من هذا الفصل كفاية. فلنذكر من سمع الغناء من الصحابة رضي الله عنهم.\rمن سمع الغناء من الصحابة والتابعين\rقد روي أن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم سمعوا الغناء.\rمنهم النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، روى أبو الفرج الأصفهاني في كتابه المترجم: بالأغاني بسند رفعه إلى أبي السائب المخزومي وغيره، قال: دخل النعمان بن بشير المدينة في أيام يزيد بن معاوية وابن الزبير فقال: والله لقد أخفقت أذناي من الغناء فأسمعوني. فقيل له: لو وجهت إلى عزة الميلاء. فإنها من قد عرفت، فقال: إي ورب هذه البنية! إنها لممن يزيد النفس طيباً والعقل شحذاً، ابعثوا إليها عن رسالتي، فإن أبت صرت إليها. فقال له بعض القوم: إن النقلة تشتد عليها لثقل بدنها، وما بالمدينة دابة تحملها. فقال النعمان: وأين النجائب عليها الهوادج؟ فوجه إليها بنجيبة فذكرت علة، فلما عاد الرسول إلى النعمان قال لجليسه: أنت كنت أخبر بها، قوموا بنا. فقام هو مع خواص أصحابه حتى طرقوها، فأذنت وأكرمت اعتذرت، فقبل النعمان عذرها وقال لها: غني، فغنت:\rأجد بعمرة غنيانها ... فتهجر أم شأنها شانها؟\rوعمرة من سروات النسا ... ء بالمسك أردانها\rقال: وهذا الشعر هو لقيس بن الخطيم في أم النعمان بن بشير، وهي عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة، قال: فأشير إلى عزة أنها أمه فأمسكت، فقال: غنني فوالله ما ذكر إلا كرماً وطيباً ولا تغنى سائر اليوم غيره، فلم تزل تغنيه هذا اللحن حتى انصرف.\rومنهم حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، روى أبو الفرج الأصفهاني بسنده إلى محرز بن جعفر قال: ختن زيد بن ثابت بنيه وأولم واجتمع إليه المهاجرون والأنصار وعامة أهل المدينة ، وحضر حسان بن ثابت وقد كف بصره يومئذ وثقل سمعه فوضع بين يديه خوان ليس عليه غيره إلا عبد الرحمن ابنه، وكان يسأله كلما وضعت صحفة أطعام يد أم يدين؟ فلم يزل يأكل حتى جيء بالشواء، فقل: أطعام يد أم يدين؟ فقال: بل طعام يدين، فأمسك يده، حتى إذا فرغ من الطعام ثنيت وسادة وأقبلت عزة الميلاء وهي إذاً شابة، فوضع في حجرها مزهر فضربت به وتغنت، فكان أول ما ابتدأت به شعر حسان:\rفلا زال قصر بين بصرى وجلق ... عليه من الوسمي جود ووابل\rفطرب حسان وجعلت عيناه تنضحان على خديه وهو مصغ لها.\rوروى أيضاً بسنده إلى خارجة بن زيد أنه قال: دعينا إلى مأدبة في آل نبيط، فحضرنا وحضر حسان بن ثابت، فجلسنا جميعاً على مائدة واحدة وهو يومئذ قد ذهب بصره ومعه ابنه عبد الرحمن، وكان إذا أتي بطعام سأل ابنه عبد الرحمن أطعام يد أم طعام يدين؟ يعني بطعام اليد الثريد، وطعام اليدين الشواء لأنه ينهش نهشاً فإذا قال: طعام يد أكل، وإذا قال: طعام يدين أمسك يده. فلما فرغوا من الطعام أتوا بجاريتين مغنيتين إحداهما رائقة والأخرى عزة فجلستا وأخذتا مزهريهما وضربتا ضرباً عجيباً وغنتا بقول حسان بن ثابت:\rأنظر خليلي بباب جلق هل ... تؤنس دون البلقاء من أحد\rقال: فأسمع حسان يقول: قد أراني هناك سميعاً بصيراً، وعيناه تدمعان، فإذا سكتتا سكن عنه البكاء وإذا غنتا يبكي. قال: وكنت أرى عبد الرحمن ابنه إذا سكتتا يشير إليهما أن غنيا، فيبكي أبوه، فيقال: ما حاجته إلى بكاء أبيه!.\rوروى أيضاً بسنده إلى عباد بن عبد الله بن الزبير عن شيخ من قريش قال: إني وفتية من قريش عند قينة ومعنا عبد الرحمن بن حسان بن ثابت إذ استأذن حسان، فكرهنا دخوله وشق علينا، فقال لنا عبد الرحمن ابنه: أيسركم ألا يجلس؟ قال نعم. قال: فمروا هذه إذا نظرت إليه أن تغني:","part":1,"page":458},{"id":459,"text":"أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل\rيغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل\rقال: فغنته، فوالله لقد بكى حتى ظننا أنه سيلفظ نفسه. ثم قال: أفيكم الفاسق؟ لعمري لقد كرهتم مجلسي اليوم. وقام فانصرف. وهذا الشعر لحسان بن ثابت وهو مما امتدح به جبلة بن الأيهم، وهو من قصيدة طويلة منها قوله في مدح آل جفنة:\rبيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول\rوروى أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي رحمه الله تعالى بسند رفعه إلى الحارث بن عبد الله بن العباس: أنه بينما هو يسير مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بطريق مكة في خلافته ومعه من معه من المهاجرين والأنصار، ترنم عمر ببيت فقال له رجل من أهل العراق - ليس معه عراقي غيره - : غيرك فليقلها يا أمير المؤمنين! قال: فاستحيا عمر وضرب راحلته حتى انقطعت من الركب. قال المقدسي: ويزد ذلك وضوحاً - وساق حديثاً بسند رفعه إلى يحيى بن عبد الرحمن - قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحج الأكبر، حتى إذا كان عمر بالروحاء كلم الناس رباح بن المعترف، وكان حسن الصوت بغناء الأعراب، فقالوا: أسمعنا وقصر عنا الطريق، فقال: إني أفرق من عمر. قال: فكلم القوم عمر. إنا كلمنا رباحاً أن يسمعنا ويقصر لنا طريق المسير فأبى إلا أن تأذن له. فقال له: يا رباح، أسمعهم وقصر عنهم المسير، فإذا أسحرت فارفع واحدهم بشعر ضرار بن الخطاب، فرفع عقيرته يتغنى وهم محرمون.\rوروى أيضاً بسنده إلى يزيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر رضي الله عنه مر برجل يتغنى فقال: إن الغناء زاد المسافر.\rوروى سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي عن عامر بن سعد البجلي: أن أبا مسعود البدري، وقرظة بن كعب، وثابت بن يزيد، وهم في عرس وعندهم غناء، فقلت: هذا وأنتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم! فقالوا: إنه رخص لنا في الغناء في العرس والبكاء على الميت في غير النواح. إلا أن شعبة قال: ثابت بن وديعة مكان ثابت بن يزيد، ولم يذكر أبا مسعود.\rوقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله عن أبي طالب المكي: سمع من الصحابة عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية وغيرهم، وقال: قد فعل ذلك كثير من السلف صحابي وتابعي بإحسان.\rوروى الحافظ أبو الفضل المقدسي بسند رفعه إلى عمر بن أبي زائدة قال: حدثتني امرأة عمر بن الأصم قالت: مررنا ونحن جوار بمجلس سعيد بن جبير ومعنا جارية تغني ومعها دف وهي تقول:\rلئن فتنتني فهي بالأمس أفتنت ... سعيداً فأمسى قد قلى كل مسلم\rوألقى مفاتيح القراءة واشترى ... وصال الغواني بالكتاب المنمنم\rفقال سعيد: تكذبين تكذبين.\rمن سمع الغناء من الأئمة والعباد والزهاد\rقالوا: وقد سمع الغناء من الأئمة الإمام الشافعي، وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى، وغيرهما من أصحابهما. روى الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي رحمه الله تعالى بسند رفعه إلى المريسي، قال: مررنا مع الشافعي وإبراهيم ابن إسماعيل على دار قوم وجارية تغنيهم:\rخليلي ما بال المطايا كأنها ... نراها على الأعقاب بالقوم تنكص\rفقال الشافعي: ميلوا بنا نسمع. فلما فرغت قال الشافعي لإبراهيم: أيطربك هذا؟ قال لا. قال: فما لك حس!","part":1,"page":459},{"id":460,"text":"وروى أيضاً بسند رفعه إلى صالح بن أحمد بن حنبل قال: كنت أحب السماع وكان أبي يكره ذلك، فواعدت ليلة ابن الخبازة، فمكث عندي إلى أن علمت أن أبي قد نام، فأخذ يغني، فسمعت خشفة فوق السطح، فصعدت، فرأيت أبي فوق السطح يسمع ما يغني وذيله تحت إبطه وهو يتبختر كأنه يرقص. قال: وقد رويت هذه الحكاية أيضاً عن عبد الله بن أحمد بن حنبل - وساق سنداً إليه - قال: كنت أدعو ابن الخبازة وكان أبي ينهانا عن الغناء، وكنت إذا كان عندي كتمته من أبي لئلا يسمع. فكان ذات ليلة عندي وهو يقول، فعرضت لأبي عندنا حاجة - وكانوا في زقاق - فجاء وسمعه يقول، فوقع في سمعه شيء من قوله، فخرجت لأنظر فإذا بأبي يترجح ذاهبا ًوجائياً، فرددت الباب ودخلت. فلما كان من الغد قال أبي: يا بني، إذا كان مثل هذا فنعم الكلام، أو معناه. قال أبو الفضل: وابن الخبازة هذا هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن زكريا الشاعر، وكان عاصر أحمد ورثاه حين مات.\rوروى أبو الفضل أيضاً بسند رفعه إلى أبي مصعب الزهري أنه قال: حضرت مجلس مالك بن أنس فسأله أبو مصعب عن السماع، فقال مالك: ما أدري، أهل العلم ببلدنا لا ينكرون ذلك ولا يقعدون عنه ولا ينكره غلا غبي جاهل أو ناسك عراقي غليظ الطبع. وقال أيضاً: أخبرنا أبو محمد التميمي ببغداد قال: سألت الشريف أبا علي محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي عن السماع فقال: ما أدري ما أقول فيه، غير أني حضرت دار شيخنا أبي الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمي سنة سبعين وثلاثمائة في دعوة عملها لأصحابه، حضرها أبو بكر الأبهري شيخ المالكية، وأبو القاسم الداركي شيخ الشافعية، وأبو الحسن طاهر بن الحسن شيخ أصحاب الحديث، وأبو الحسن ابن سمعون شيخ الوعاظ والزهاد، وأبو عبد الله محمد بن مجاهد شيخ المتكلمين، وصاحبه أبو بكر الباقلاني في دار شيخنا أبي الحسن التميمي شيخ الحنابلة، فقال أبو علي: لو سقط السقف عليهم لم يبق بالعراق من يفتي في حادثة يشبه واحداً منهم، ومعهم أبو عبد الله غلام تام، وكان هذا يقرأ القرآن بصوت حسن، وربما قال شيئاً. فقيل له: قل لنا شيئاً، فقال لهم وهم يسمعون:\rخطت أناملها في بطن قرطاس ... رسالة بعبير لا بأنقاس\rأن زر فديتك لي من غير محتشم ... فإن حبك لي قد شاع في الناس\rفكان قولي لمن أدى رسالتها ... قف لي لأمشي عل العينين والراس\rقال أبو علي: فبعد أن رأيت هذا لا يمكنني أن أفتي في هذه المسألة بحظر ولا إباحة.\rوممن أحب السماع والغناء وسمعه من الزهاد والعباد والعلماء أبو السائب المخزومي. روى أبو الفرج الأصفهاني بسنده إلى صفية بنت الزبير بن هشام قالت: كان أبو السائب المخزومي رجلاً صالحاً زاهداً متقللاً يصوم الدهر، وكان أرق خلق الله قلباً وأشدهم غزلاً. فوجه غلامه يوماً يأتيه بما يفطر عليه، فأبطأ الغلام إلى العتمة. فلما جاء قال له: يا عدو نفسه، ما أخرك إلى هذا الوقت؟ قال: اجتزت بباب فلان فسمعت منه غناء فوقفت حتى أخذته. فقال: هاته يا بني، فوالله لئن كنت أحسنت لأحبونك، وإن كنت أسأت لأضربنك. فاندفع يغني بشعر كثير:\rولما علوا شغباً تبينت أنه ... تقطع من أهل الحجاز علائقي\rفلا زلن حسرى ظلعاً لما حملنها ... إلى بلد ناء قليل الأصادق\rفلم يزل يغنيه ويستعيده إلى نصف الليل. فقلت له زوجته: يا هذا، قد انتصف الليل وما أفطرت. فقال لها: أنت الطلاق إن أفطرنا على غيره. فلم يزل يغنيه ويستعيده حتى أسحر. فقالت له: هذا السحر وما أفطرنا. فقال لها: أنت الطلاق إن كان سحورنا غيره. ثم قال لابنه: يا بني، خذ جبتي هذه وأعطني خلقك ليكون الحباء فضل ما بينهما. فقال له: يا أبت، أنت شيخ وأنا شاب وأنا أقوى على البرد منك، فقال له: يا بني، ما ترك هذا الصوت للبرد علي سبيلاً ما حييت.\rويؤيد هذه الحكاية ما حكاه أبو طالب المكي في كتابه، قال: كان بعض السامعين يقتات بالسماع ليقوى به على زيادة طيه، كان يطوي اليوم واليومين والثلاثة، فإذا تاقت نفسه إلى القوت عدل بها إلى السماع، فأثار تواجده، فاستغنى بذلك عن الطعام.","part":1,"page":460},{"id":461,"text":"وروى أبو الفرج بسنده إلى عبد الله بن أبي مليكة عن أبيه عن جده قال: كان بالمدينة رجل ناسك من أهل العلم والعفة، وكان يغشى عبد الله بن جعفر، فسمع جارية مغنية لبعض النخاسين تغني:\rبانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا ... واحتلت الغور فالجدين فالفرعا\rوأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا\rفهام الناسك وترك ما كان عليه، حتى مشى إليه عطاء وطاوس ولاماه، فكان جوابه لهما أن تمثل:\rيلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي أطار اللوم أم وقعا\rفبلغ عبد الله بن جعفر خبره، فبعث إلى النخاس، فاعترض الجارية وسمع غناءها بهذا الصوت وقال: ممن أخذتيه؟ قالت: من عزة الميلاء، فابتاعها بأربعين ألف درهم. ثم بعث إلى الرجل فسأله عن خبرها فأعلمه إياه، فقال: أتحب أن تسمع هذا الصوت ممن أخذته عنه تلك الجارية؟ قال نعم. فدعا عزة الميلاء فقال: غنيه إياه. فغنته، فصعق الرجل وخر مغشياً عليه. فقال ابن جعفر: أثمنا فيه، الماء الماء! فنضح على وجهه. فلما أفاق قال له: أكل هذا بلغ بك عشقها؟ قال: وما خفي عليك أكثر. قال: أفتحب أن تسمعه منها؟ قال: قد رأيت ما نالني حين سمعته من غيرها وأنا لا أحبها، فكيف يكون حالي إن سمعته منها وأنا لا أقدر على ملكها! فأخرجها إليه وقال: خذها فهي لك، ووالله ما نظرت إليها إلا عن عرض. فقبل الرجل يديه ورجليه وقال: أنمت عيني، وأحييت نفسي، وتركتني أعيش بين قومي، ورددت إلى عقلي، ودعا له دعاء كثيراً. فقال عبد الله: ما أرضى أن أعطيكها هكذا، يا غلام، احمل معه مثل ثمنها، ففعل.\rقال الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين: كان ابن مجاهد لا يجيب دعوة إلا أن يكون فيها سماع. قال: وكان أبو الخير العسقلاني الأسود من الأولياء يسمع ويوله عند السماع، وصنف فيه كتاباً ورد فيه على منكريه. وحكي عن بعض الشيوخ أنه قل: رأيت أبا العباس الخضر عليه السلام، فقلت: ما تقول في هذا السماع الذي اختلف فيه أصحابنا؟ قال: هو الصفا الزلال الذي لا تثبت عليه إلا أقدام العلماء.\rوروى الأصفهاني بسند رفعه إلى ابن كناسة قال: اصطحب شيخ مع شاب في سفينة في الفرات ومعهم مغنية. فلما صاروا في بعض الطريق قالوا للشيخ: معنا جارية وهي تغني، فأحببنا أن نسمع غناءها فهبناك، فإن أذنت فعلنا. فقال: أنا أصعد على أطلال السفينة، فاصنعوا أنتم ما شئتم، فصعد وأخذت المغنية عودها وغنت:\rحتى إذا الصبح بدا ضوءه ... وغابت الجوزاء والمرزم\rأقبلت والوطء خفي كما ... ينساب من مكمنه الأرقم\rفطرب الشيخ وصاح، ثم رمى بنفسه وبثيابه في الفرات وجعل يغوص ويطفو ويقول: أنا الأرقم أنا الأرقم! فألقوا أنفسهم خلفه، فبعد لأي ما استخرجوه، وقالوا: يا شيخ، ما حملك على ما فعلت؟ فقال: إليكم عني، فإني أعرف من معاني الشعر ما لا تعرفون. فقالوا له: ما أصابك؟ قال: دب من قدمي شيء إلى رأسي كدبيب النمل ونزل من رأسي مثله، فلما اجتمعا على قلبي عملت ما عملت.\rوقال أحمد بن أبي داود: كنت أعيب الغناء وأطعن على أهله، فخرج المعتصم يوماً إلى الشماسية في حراقة، ووجه في طلبي فصرت إليه. فلما قربت منه سمعت غناء حيرني وشلني عن كل شيء، فسقط سوطي عن يدي، فالتفت إلى غلامي أطلب منه سوطاً، فقال لي: قد والله سقط مني سوطي. فقلت له: أي شيء كان سبب سقوطه؟ قال: صوت سمعته فحيرني، فما علمت كيف سقط، فإذا قصته قصتي. قال: وكنت أنكر أمر الطرب على الغناء وما يستفز الناس منه فيغلب على عقولهم، وأناظر المعتصم عليه. فلما دخلت عليه يومئذ أعلمته بالخبر، فضحك وقال: هذا عمي كان يغنيني:\rإن هذا الطويل من آل حفص ... أنشر المجد بعد ما كان ماتا\rفإن تبت مما كنت تناظر عليه من ذم الغناء سألته أن يعيده، ففعلت وفعل، فبلغ بي الطرب أكثر مما يبلغه من غيري، ورجعت عن رأي منذ ذلك اليوم. وعمه الذي أشار إليه هو إبراهيم بن المهدي.\rمن غنى من الخلفاء وأبنائهم\rونسبت له أصواتٌ من الغناء نقلت عنه","part":1,"page":461},{"id":462,"text":"كان من غنى من الحلفاء على ما أورده أبو الفرج الأصفهاني في كتابه المترجم بالأغاني ونسبت له أصواتٌ جماعةً، منهم عمر بن عبد العزيز قد نسبت له أصواتٌ، ومنهم من أنكر ذلك. ولعل ما نقل عنه كان منه قبل الخلافة. وكان رحمه الله من أحسن الناس صوتا. فكان مما نسب إليه من الغناء:\rعلق القلب سعادا ... عادت القلب فعادا\rكلّما عوتب فيها ... أو نهى عنها تمادى\rوهو مشغوفٌ بسعدى ... وعصى فيها وزادا\rومما نسب إليه من الغناء ما قيل إنه غناه من شعر جرير:\rقفا يا صاحبيّ نزر سعادا ... لو شك فراقها ودعا البعادا\rلعمرك إنّ نفعل سعاد عنّي ... لمصروف ونفعي عن سعادا\rإلى الفاروق ينتسب ابن ليلى ... ومروان الذي رفع العمادا\rومن ذلك ما قيل إنه غناه من شعر الأشهب بن رميلة:\rألا يا دين قلبك من سليمى ... كما قد دين قلبك من سعادا\rهما سبتا الفؤاد وهاضتاه ... ولم يدرك بذلك ما أرادا\rقفا نعرف منازل من سليمى ... دوارس بين حومل أو عرادا\rذكرت لها الشباب وآل ليلى ... فلم يزد الشباب بها مزادا\rفإن نشب الذوائب أمّ عمرو ... فقد لاقيت أياما شدادا\rوممن غنى من خلفاء الدولة العباسية، ممن دونت له صنعة، الواثق بالله أبو جعفر هارون بن المعتصم بالله بن الرشيد. حكى أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: دخلت يوما دار الواثق بالله بغير إذن إلى موضع أمر أن أدخله إذا كان جالسا، فسمعت صوت عود من بيت وترنما لم أسمع أحسن منه. فأطلع خادم رأسه ثم رده وصاح بي، فدخلت وإذا أنا بالواثق بالله. فقال: أي شيء سمعت ؟ فقلت: الطلاق كامل لازمٌ له وكل مملوك له حر، لقد سمعت ما لم أسمع مثله قط حسنا ! فضحك وقال: وما هو ؟ إنما هذه فضلة أدب وعلم مدحه الأوائل واشتهاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون بعدهم وكثر في حرم الله عز وجل ومهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتحب أن تسمعه ؟ قلت: إي والله الذي شرفني بخطابك وجميل رأيك. فقال: يا غلام، هات العود وأعط إسحاق رطلا؛ فدفع الرطل إلي وضرب وغني في شعر لأبي العتاهية بلحن صنعه فيه:\rأضحت قبورهم من بعد عزّتهم ... تسفى عليها الصّبا والحرجف الشّمل\rلا يدفعون هواماً عن وجوههم ... كأنهم خشبٌ بالقاع منجدل\rفشربت الرطل ثم قمت. فدعوت له، فأحتبسني وقال: أتشتهي أن تسمعه بالله ؟ فقلت: إي والله، فغنانيه ثانية وثالثة، وصاح ببعض خدمه وقال: احمل إلى إسحاق الساعة ثلاثمائة ألف درهم. قال: يا إسحاق، قد سمعت ثلاثة أصوات وشربت ثلاثة أرطال وأخذت ثلاثمائة ألف درهم، فأنصرف إلى أهلك مسروراً ليسروا معك، فأنصرفت بالمال. وقال أبو الفرج بسنده إلى عريب المأمونية قالت: صنع الواثق بالله مائة صوت ما فيها صوت ساقط. ولقد صنع في هذا الشعر:\rهل تعلمين وراء الحبّ منزلةً ... تدني إليك فإن الحبّ أقصاني\rهذا كتاب فتىً طالت بليّته ... يقول يا مشتكي بثّي وأحزاني\rقال: وكان الواثق بالله إذا أراد أن يعرض صنعته على إسحاق نسبها إلى غيره فقال: وقع إلينا صوتٌ قديمٌ من بعض العجائز فأسمعه، وأمر من يغنيه إياه. وكان إسحاق يأخذ نفسه بقول الحق في ذلك أشد أخذ، فإن كان جيداً رضيه وأستحسنه وإن كان فاسداً أو مطرحاً أو متوسطاً ذكر ما فيه. فإن كان للواثق فيه هوىً سأله تقويمه وإصلاح فاسده وإلا اطرحه. وقال إسحاق بن إبراهيم: كان الواثق أعلم الناس بالغناء، وبلغت صنعته مائة صوت، وكان أحذق من غنى بضرب العود، ثم ذكر أغانيه. وذكر أبو الفرج الأصفهاني منها أصواتا؛ منها:\rولم أر ليلى غير موقف ليلةٍ ... بخيف منىً ترمى جمار المحصّب\rويبدي الحصى منها إذا خذفت به ... من البرد أطراف البنان المخضّب\rألا إنما غادرت يا أمّ مالكٍ ... صدىً أينما تذهب به الريح يذهب\rوأصبحت من ليلى الغداة كناظرٍ ... مع الصبح في أعجاز نجم مغرّب\rوذكر أصواتا كثيرة غير هذا تركنا ذكرها أختصارا.","part":1,"page":462},{"id":463,"text":"قال: ولما خرج المعتصم إلى عمرية أستخلف الواثق. فوجه الواثق إلى الجلساء والمغنين أن يبكروا إليه يوما حده لهم، ووجه إلى إسحاق، فحضر الجميع. فقال لهم الواثق: إني عزمت على الصبوح، ولست أجلس على سريرٍ حتى أختلط بكم ونكون كالشيء الواحد، فأجلسوا معي حلقة، وليكن إلى جانب كل جليسٍ مغن، فجلسوا كذلك. فقال الواثق: أنا أبدأ، فأخذ العود فغنى وشربوا وغنى من بعده، حتى انتهى إلى إسحاق وأعطى العود فلم يأخذه؛ فقال: دعوه. ثم غنوا دورا آخر؛ فلما بلغ الغناء إلى إسحاق لم يغن وفعل ذلك ثلاث مرات. فوثب الواثق فجلس على سريره وأمر بالناس فأدخلوا؛ فما قال لأحد منهم: اجلس. ثم قال: علي بإسحاق. فلما رآه قال: يا خوزي يا كلب، أتبذل لك وأغني فتترفع علي ! أتراني لو قتلتك كان المعتصم يقيدني بك ! ابطحوه، فبطح وضرب ثلاثين مقرعة ضرباً خفيفا وحلف لا يغني سائر يومه سواه؛ فأعتذر وتكلمت الجماعة فيه؛ فأخذ العود، وما زال يغني حتى أنقضى مجلسه. وللواثق بالله في الغناء أخبار وحكايات يطول بذكرها الشرح.\rومنهم المنتصر بالله أبو جعفر محمد بن المتوكل على الله أبو الفضل جعفر. قال يزيد المهلبي: كان المنتصر حسن العلم بالغناء، وكان إذا قال الشعر صنع فيه وأمر المغنين بإظهاره. فلما ولي الخلافة قطع ذلك وأمر بستر ما تقدم منه؛ فلذلك لم تظهر أغانيه.\rومنهم المعتز بالله أبو عبد الله محمد بن جعفر المتوكل. ذكر أيضا أنه كان يغني أصواتا. فمما غنى به في شعر عدي بن الرقاع:\rلعمري لقد أصحرت خيلنا ... بأكناف دجلة للمصعب\rفمن يك منّا يبت آمنا ... ومن يك من غيرنا يهرب\rوهذه الأبيات من قصيدة لعدي بن الرقاع قالها في الوقعة التي كانت بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير وقتل فيها مصعب بن الزبير، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار عبد الله بن الزبير.\rومنهم المعتمد على الله أبو العباس أحمد بن المتوكل على الله. هو ممن له يدٌ في الغناء وصنعةٌ حسنة. ومما نقل من أغانيه أنه غنى في شعر الفرزدق:\rليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزراً ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا\rوقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: إن المعتضد جمع النغم العشر في صوت صنعه في شعر دريد بن الصمة وهو:\rيا ليتني فيها جذع ... أخبّ فيها وأضع\rقال: وأستعلمني هل هو صحيح القسمة والأجزاء أم لا، فعرفته صحته ودللته على ذلك حتى تيقنه فسر به. قال عبيد الله: وهو لعمري من جيد الصنعة ونادرها. قال: وقد صنع ألحاناً في عدة أشعار قد صنع فيها الفحول من القدماء والمحدثين وعارضهم بصنعته فأحسن وشاكل وضاهى فلم يعجز ولا قصر، ولا أتى بشيءٍ يعتذر منه. قال: فمن ذلك أنه صنع في قول الشاعر:\rأما القطاة فإني سوف أنعتها ... نعتاً يوافق نعتي بعض ما فيها\rفجاء في نهاية الجودة وهو أحسن ما صنع في هذا الشعر على كثرة الصنعة فيه وأشتراك القدماء والمحدثين في صنعته مثل معبد ونشيط ومالك وأبن محرز وسنان وعمر الوادي وأبن جامع وإبراهيم وأبنه إسحاق وعلويه.\rقال: وصنع في:\rتشكّى الكميت الجرى لمّا جهدته ... وبيّن لو يسطيع أن يتكلّما\rفما قصر في صنعته ولا عجز عن بلوغ الغاية فيها مع اصوات له صنعها تناهز مائة صوت ما فيها ساقط ولا مرذول. فهؤلاء الذين لهم صنعة في الغناء من الخلفاء.\rوأما أبناء الخلفاء الذين لهم صنعة بدٌ في هذا الفن.\rفمنهم إبراهيم بن المهدي وأخته علية بنت المهدي رحمهما الله تعالى، وإبراهيم يكنى أبا إسحاق أمه شكلة أمةٌ مولدة كان أبوها من أصحاب المازيار يقال له: شاه أفرند قتل مع المازيار وسبيت شكلة فحملت إلى المنصور فوهبها لمحياة أم ولده فربتها وبعثت بها إلى الطائف فنشأت هناك، فلما كبرت ردت إليها. فرآها المهدي فأعجبته فطلبها من محياة فأعطته إياها فولدت له إبراهيم.\rقال أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه إلى إسحاق بن إبراهيم قال:","part":1,"page":463},{"id":464,"text":"كان إبراهيم بن المهدي أشد خلق الله إعظاما للغناء وأحرصهم عليه وأشدهم منافسةً فيه. قال: وكانت صنعته لينة فكان إذا صنع شيئا نسبه إلى غيره لئلا يقع عليه طعن أو تقريع فقلت صنعته في أيدي الناس مع كثرتها. وكان إذا قيل له فيها شيء يقول: إنما أصنع تطربا لا تكسبا وأغني لنفسي لا للناس فأعمل ما أشتهي. قال: وكان حسن صوته يستر عوار ذلك. وكان الناس يقولون: لم ير في جاهليةٍ ولا إسلامٍ أخٌ وأخت أحسن غناءً من إبراهيم بن المهدي وأخته علية. وكان إبراهيم يجادل إسحاق ويأخذ عليه في مواطن كثيرة إلا أنه كان لا يقوم له ويظهر إسحاق خطأه. ووقع بينهما في ذلك بين يدي الرشيد وفي مجلسه كلامٌ كثير أفضى إلى أمور نذكرها إن شاء الله تعالى في أخبار إسحاق بن إبراهيم.\rوكان إبراهيم بن المهدي في أول أمره يتستر في الغناء بعض التستر إلا أنه يذكره في مجلس الرشيد أخيه. فلما كان من أمره في الوثوب على الخلافة ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة العباسية عند ذكرنا لخلافة المأمون بن الرشيد، ثم لما أمنه المأمون بعد هربه منه تهتك بالغناء ومشى مع المغنين ليلا إذا خرجوا من عند المأمون، وإنما أراد المأمون بذلك ليظهر للناس أنه قد خلع ربقة الخلافة من عنقه وأنه تهنك فلا يصلح للخلافة. وكان من أعلم الناس بالنغم والوتر والإيقاعات وأطبعهم في الغناء وأحسنهم صوتا. وكان مع علمه وطبعه ومعرفته يقصر عن الغناء القديم وعن أن ينحوه في صنعته. فكان يحذف نغم الأغاني الكثيرة العمل حذفا شديدا ويحققها على قدر ما يصلح له ويفي بأدائه فإذا عيب ذلك عليه قال: أنا ملك وأبن ملكٍ وإنما أغني على ما أشتهي وكما ألتذ. فهو أول من أفسد الغناء القديم.\rوروى عن حمدون بن إسماعيل قال: قال إبراهيم بن المهدي: لولا أني أرفع نفسي عن هذه الصناعة لأظهرت منها ما يعلم الناس معه أنهم لم يروا قبلي مثلي.\rوروى أبو الفرج الأصفهاني عن جعفر بن سليمان الهاشمي قال: حدثنا إبراهيم أبن المهدي قال: دخلت يوما على الرشيد وبي فضلة خمارٍ وبين يديه أبن جامع وإبراهيم الموصلي فقال: بحياتي يا إبراهيم غن، فأخذت العود ولم ألتفت إليهما لما في رأسي من الفضلة فغنيت:\rأسرى بخالدة الخيال ولا أرى ... شيئا ألذّ من الخيال الطارق\rإن البليّة من تملّ حديثه ... فأنقع فؤادك من حديث الوامق\rأهواك فوق هوى النفوس ولم يزل ... مذ بنت قلبي كالجناح الخافق\rشوقاً إليك ولم تجاز مودّتي ... ليس المكذّب كالحبيب الصادق\rفسمعت إبراهيم يقول لأبن جامع: لو طلب هذا بهذا الغناء ما نطلب لما أكلنا خبزاً أبدا فقال أبن جامع: صدقت، فلما فرغت من غنائي وضعت العود ثم قلت: خذا في حقكما ودعا باطلنا.\rوروى عن إبراهيم قال: كان الرشيد يحب أن يسمعني فخلا بي مرات إلى أن سمعني، ثم حضرته مرةً وعنده سليمان بن أبي جعفر فقال لي: عمك وسيد ولد المنصور بعد أبيك وقد أحب أن يسمعك، فلم يتركني حتى غنيت بين يديه:\rسقياً لربعك من ربعٍ بذي سلمٍ ... وللزمان به إذ ذاك من زمن\rإذ أنت فينا لمن ينهاك عاصيةٌ ... وإذ أجرّ إليكم سادراً رسني\rفأمر لي بألف ألف درهم، ثم قال لي ليلةً ولم يبق في المجلس عنده إلا جعفر أبن يحيى: أنا أحب أن تشرف جعفراً بأن تغنيه صوتا فغنيته لحنا صنعته في شعر الدارمي:\rكأنّ صورتها في الوصف إذ وصفت ... دينار عينٍ من المضروبة العتق\rفأمر لي الرشيد بألف ألف درهم.\rوحكى عن إسحاق بن ابراهيم قال: لما صنعت صوتي الذي هو:\rقل لمن صدّ عاتبا ... ونأى عنك جانبا\rقد بلغت الذي أرد ... ت وإن كنت لاعبا\rوأعترفنا بما أدّعي ... ت وإن كنت كاذبا\rفأفعل الآن ما أرد ... ت فقد جئت تائبا\rاتصل خبره بإبراهيم بن المهدي فكتب إليّ يسألني عنه، فكتبت إليه الشعر وإيقاعه وبسيطه ومجراه وإصبعه وتجزئته وأقسامه ومخارج نغمه ومواضع مقاطعه ومقادير أدواره وأوزانه فغناه ثم لقيني فغنانيه، ففضلني فيه بحسن صوته.\rوقال أبن أبي طيبة: كنت أسمع إبراهيم بن المهدي يتنحنح فأطرب.\rوعن محمد بن خير عن عبد الله بن العباس الربيعي قال:","part":1,"page":464},{"id":465,"text":"كنا عند إبراهيم بن المهدي ذات يوم وقد دعا كل محسن من المغنين يومئذ وهو جالس يلاعب أحدهم بالشطرنج فترنم إبراهيم بصوت فريدة في شعر أبي العتاهية:\rقال لي أحمدٌ ولم يدر ما بي ... أتحبّ الغداة عتبة حقا\rفتنفّست ثم قلت نعم حبّاً ... جرى في العروق عرقاً فعرقاً\rوهو متكئ، فلما فرغ ترنم به مخارق فأحسن فيه وأطربنا وزاد على إبراهيم، فغناه إبراهيم وزاد في صوته على غناء مخارق. فلما فرغ رده مخارقٌ وغناه بصوته كله وتحفظ فيه وكدنا نطير سروراً. فاستوى إبراهيم جالساً وكان متكئا وغناه بصوته كله ووفاه نغمه وشذوره ونظرت إلى كتفيه تهتزان وبدنه أجمع يتحرك إلى أن فرغ منه ومخارقٌ شاخص نحوه يرعد وقد أنتقع لونه وأصابعه تختلج فخيل إلي أن الإيوان يسير بنا، فلما فرغ منه تقدم إليه مخارق فقبل يده وقال: جعلني الله فداك أين أنا منك ! ثم لم ينتفع مخارق بنفسه بقية يومه في شيءٍ من غنائه، والله لكأنما كان يتحدث.\rوروى عن منصور بن المهدي قال: كنت عند أخي إبراهيم في يوم كانت عليه فيه نوبة لمحمد الأمين، فتشاغل بالشرب في بيته ولم يمض، وأرسل إليه الأمين عدة رسل فتأخر. قال منصور: فلما كان من غدٍ قال لي: ينبغي أن نعمل على الرواح إلى أمير المؤمنين فنترضاه، فما أشك في غضبه علينا، فمضينا فسألنا عن خبره فأعلمنا أنه مشرف على حير الوحش وهو مخمور، وكان من عادته ألا يشرب إذا لحقه الخمار. فدخلنا، وكان طريقنا على حجرة تصنع فيها الملاهي، فقال لي: اذهب فاختر منها عودا ترضاه وأصلحه غاية الإصلاح حتى لا يحتاج إلى إصلاحه وتغييره عند الضرب به؛ ففعلت وجعلته في كمي. ودخلنا على الأمين وظهره إلينا. فلما بصرنا به من بعدٍ قال: أخرج عودك فأخرجته، فاندفع يغني:\rوكأسٍ شربت على لذّةٍ ... وأخرى تداويت منها بها\rلكي يعلم الناس أني أمرؤٌ ... أتيت الفتوة من بابها\rوشاهدنا الورد والياسمي ... ن والمسمعات بقصّابها\rوبربطنا دائمٌ معملٌ ... فأيّ الثلاثة أزرى بها\rفأستوى الأمين جالسا وطرب طرباً شديدا وقال: أحسنت والله يا عم وأحييت لي طربا. ودعا برطل فشربه على الريق وابتدأ شربه. قال منصور: وغنى إبراهيم يومئذ على أشد طبقة يتناهى إليها في العود، وما سمعت مثل غنائه يومئذ قط. ولقد رأيت منه شيئاً عجيبا لو حدثت به ما صدقت: كان إذا ابتدأ يغني صغت الوحوش إليه ومدت أعناقها، ولم تزل تدنو حتى تكاد تضع رءوسها على الدكان الذي كنا عليه، فإذا سكت نفرت وبعدت عنا حتى تنتهي إلى أبعد غاية يمكنها التباعد عنا فيها، وجعل الأمين يعجب من ذلك. وأنصرفنا من الجوائز بما لم ينصرف بمثله قط.\rوعن الحسن بن إبراهيم بن رباح قال: كنت أسأل مخارقاً: أي الناس أحسن غناء ؟ فكان يجيبني جوابا مجملا، حتى حققت عليه يوما فقال: كان إبراهيم الموصلي أحسن غناءً من أبن جامع بعشر طبقات، وإبراهيم بن المهدي أحسن غناءً مني بعشر طبقات. ثم قال لي: أحسن الناس غناءً أحسنهم صوتا. وإبراهيم بن المهدي أحسن الإنس والجن والوحش والطير صوتاً، وحسبك هذا !.\rوعن إسحاق بن إبراهيم قال: غنى إبراهيم بن المهدي ليلةً محمدا الأمين صوتا لم أرضه في شعر لأبي نواس، وهو:\rيا كثير النّوح في الدّمن ... لا عليها بل على السّكن\rسنّة العشّاق واحدةٌ ... فإذا أحببت فأستنن\rظنّ بي من قد كلفت به ... فهو يجفوني على الظّنن\rرشأ لولا ملاحته ... خلت الدّنيا من الفتن","part":1,"page":465},{"id":466,"text":"فأمر له بثلاثمائة ألف دينار. فقال له إبراهيم: يا أمير المؤمنين. أجزتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم ! فقال: وهل هي إلا خراج بعض الكور. هكذا رواه إسحاق، وقد حكيت هذه الحكاية عن محمد بن الحارث، وفيها أن إبراهيم لما أراد الأنصراف قال: أوقروا زورق عمي دنانير فأوقروه، فأنصرف بمال جليل. قال: وكان محمد بن موسى المنجم يقول: حكمت أن إبراهيم بن المهدي أحسن الناس كلهم غناء ببرهان، وذلك أني كنت أراه في مجالس الخلفاء مثل المأمون والمعتصم يغني المغنون ويغني، فإذا أبتدأ بالصوت لم يبق من الغلمان أحد إلا ترك ما في يديه وقرب من أقرب موضع يمكنه أن يسمعه فلا يزال مصغيا إليه لاهيا عما كان فيه ما دام يغني، حتى إذا أمسك وتغنى غيره رجعوا إلى التشاغل بما كانوا فيه ولم ينبعثوا إلى شيءٍ. فلا برهان أقوى من هذا في مثل هذا من شهادة الفطن به وأتفاق الطبائع مع أختلافها وتشعب طرقها على الميل إليه والانقياد نحوه.\rولإبراهيم بن المهدي أصوات معروفة. منها ما غناه بشعر مروان بن أبي حفصة:\rهل تطمسون من السماء نجومها ... بأكفّكم أو تسترون هلالها\rأو تدفعون مقالةً من ربكم ... جبريل بلّغها النبيّ فقالها\rطرقتك زائرةٌ فحيّ خيالها ... زهراء تخلط بالدّلال جمالها\rوأما علية بنت المهدي، فقد قيل: ما أجتمع في جاهليةٍ ولا إسلامٍ أخٌ وأخت أحسن غناء من إبراهيم بن المهدي وأخته علية. وروى عن أبي أحمد ابن الرشيد قال: كنت يوما بحضرة المأمون وهو يشرب، ثم قام وقال لي: قم؛ فدخل دار الحرم ودخلت معه، فسمعت غناءً أذهل عقلي ولم أقدر أن أتقدم ولا أتأخر؛ وفطن المأمون لما بي فضحك وقال: هذه عمتك علية تطارح عمك إبراهيم.\rقال أبو الفرج: وأم علية أم ولدٍ مغنية يقال لها مكنونة، كانت من جواري المروانية المغنية. والمروانية هذه ليست من آل مروان بن الحكم، وإنما هي زوجة الحسن بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس. وكانت مكنونة من أحسن جواري المدينة وجهاً، وكانت رسحاء، وكانت حسنة البطن والصدر. فاشتريت للمهدي في حياة أبيه بمائة ألف درهم؛ فغلبت عليه حتى كانت الخيزران تقول: ما ملك أمةً أغلظ علي منها. ولما أشتريت للمهدي ستر أمرها عن أبيه المنصور حتى مات، وولدت للمهدي علية هذه.\rوكانت علية بنت المهدي من أجمل الناس وأظرفهم، تقول الشعر الجيد وتصوغ فيه الألحان الحسنة. وكان في جبينها فضل سعة، فاتخذت العصائب المكللة بالجوهر لتستر بها جبينها؛ فهي أول من أحدث ذلك.\rقال: وكانت علية حسنة الدين، وكانت لا تغنى ولا تشرب النبيذ إلا إذا كانت معتزلة الصلاة؛ فإذا طهرت أقبلت على الصلاة وقراءة القرآن وقراءة الكتب. ولم تله بشيءٍ غير قول الشعر في الأحيان، إلا أن يدعوها الخليفة إلى شيءٍ فلا تقدر على خلافه. وكانت رحمها الله تقول: ما حرم الله شيئا إلا وقد جعل فيما حلل منه عوضا، فبأي شيءٍ يحتج عاصيه والمنتهك لحرماته!. وكانت تقول: لا غفر الله لي فاحشةً أرتكبتها قط، وما أقول في شعري إلا عبثا.\rوعن سعيد بن هريم قال: كانت علية بنت المهدي تحب أن تراسل بالأشعار من تختصه، فأختصت خادماً يقال له طلٌ من خدم الرشيد، تراسله بالشعر. فلم تره أياما؛ فمشت على ميزاب وحدثته ثم قالت في ذلك:\rقد كان ما كلّفته زمنا ... ياطلّ من وجدٍ بكم يكفي\rحتى أتيتك زائرا عجلا ... أمشي على حتف إلى حتفي\rفحلف عليها الرشيد ألا تكلم طلا ولا تسميه بأسمه، فضمنت له ذلك. وأستمع عليها يوماً وهي تقرأ آخر سورة البقرة حتى بلغت إلى قوله عز وجل: \" فإن لم يصبها وابلٌ \" فأرادت أن تقول: فطلٌ فقالت: فالذي نهى عنه أمير المؤمنين. فدخل الرشيد فقبل رأسها وقال: قد وهبت لك طلاٌ ولا أمنعك بعدها من شيءٍ تريدينه. ولها في طل هذا عدة أشعار صنعت فيها ألحانا، وكانت في بعضها نصحف أسمه وتكنى عنه بغيره. وكانت أيضا تقول الشعر في خادم لها يقال له: رشأ وتكنى عنه بزينب. فمن شعرها فيه:\rوجد الفؤاد بزينبا ... وجداً شديداً متعبا\rأصبحت من كلفٍ بها ... أدعى شقيّاً منصبا\rولقد كنيت عن أسمها ... عمداً لكي لا تغضبا\rوجعلت زينب سترةً ... وكتمت أمراً معجبا","part":1,"page":466},{"id":467,"text":"قالت وقد عزّ الوصا ... ل ولم أجد لي مذهبا\rوالله لا نلت المودّة ... أو تنال الكوكبا\rفصحفت أسمه في قولها: زينبا؛ وهذا من الجناس الخطي. قال: وكانت لأم جعفر جارية يقال لها طغيان، فوشت بعلية إلى رشأ وحكت عنها ما لم تقل. فقالت علية:\rلطغيان خفٌّ مذ ثلاثين حجّةً ... جديدٌ فلا يبلي ولا يتخرّق\rوكيف بلى خفٍّ هو الدهر كلّه ... على قدميها في السماء معلّق\rفما خرقت خفّاً ولم تبل جورباً ... وأمّا سراويلاتها فتمزّق\rوروى عن أبي هفان قال: أهديت للرشيد جاريةٌ في غاية الجمال؛ فخلا معها يوما وأخرج كل قينة في داره وأصطبح. وكان من حضر من جواريه الغناء والخدمة في الشراب زهاء ألفي جارية في أحسن زيٍ من كل نوعٍ من أنواع الثياب والجوهر. وأتصل الخبر بأم جعفر فعظم عليها ذلك؛ فأرسلت إلى علية تشكو إليها. فأرسلت إليها علية: لا يهولنك هذا، والله لأردنه إليك. قد عزمت أن أضع شعراً وأصوغ فيه لحناً وأطرحه على جواري، فلا تبقي عندك جاريةً إلا بعثت بها إلي وألبسيهن أنواع الثياب ليأخذن الصوت مع جواري؛ ففعلت أم جعفر ما أمرتها به. فلما جاء وقت صلاة العصر لم يشعر الرشيد إلا وعلية وأم جعفر قد خرجتا إليه من حجرتيهما معهما زهاء ألفي جارية من جواريهما وسائر جواري القصر عليهن غرائب اللباس وكلهن في لحن واحد هزجٍ صنعته علية وهو:\rمنفصلٌ عنّي وما ... قلبي عنه منفصل\rيا هاجري اليوم لمن ... نويت بعدي أن تصل\rفطرب الرشيد وقام على رجليه حتى أستقبل أم جعفر وعلية وهو على غاية السرور، وقال: لم أر كاليوم قط. يا مسرور، لا تبقين في بيت المال درهماً إلا نثرته. فكان ما نثر يومئذ ستة آلاف ألف درهم، وما سمع بمثل ذلك اليوم.\rوروى عن عريب أنها قالت: أحسن يوم رأيته في الدنيا وأطيبه يوم أجتمعت فيه مع إبراهيم بن المهدي عند أخته علية وعندها أخوهما يعقوب بن المهدي، وكان أحذق الناس بالزمر. فبدأت علية فغنت من صنعتها وأخوها يعقوب يزمر عليها:\rتحبّب فإنّ داعية الحبّ ... وكم من بعيد الدار مستوجب القرب\rتبصّر فإن حدّثت أنّ أخا هوىً ... نجا سالماً فارج النجاة من الحبّ\rإذا لم يكن في الحبّ سخطٌ ولا رضاً ... فأين حلاوات الرسائل والكتب\rوغنى إبراهيم في صنعته وزمر عليه يعقوب:\rلم ينسنيك سرورٌ لا ولا حزن ... وكيف لا، كيف ينسي وجهك الحسن\rولا خلا منك قلبي لا ولا جسدي ... كلّي بكلّك مشغولٌ ومرتهن\rيا فردة الحسن مالي منك مذ كلفت ... نفسي بحبّك إلاّ الهمّ والحزن\rنورٌ تولّد من شمسٍ ومن قمرٍ ... حتى تكامل فيك الروح والبدن\rقالت عريب: فما سمعت مثل ما سمعت منها قط وأعلم أني لا أسمع مثله أبدا.\rوروى عن خشف الواضحية قالت: تماريت أنا وعريب في غناء علية بحضرة المتوكل أو غيره من الخلفاء. فقلت أنا: هي ثلاثة وسبعون صوتا، وقالت عريب: هي أثنان وسبعون صوتا. فقال المتوكل: غنيا غناءها؛ فلم أزل أغني غناءها حتى مضى أثنان وسبعون صوتا، ولم أدر الثالث والسبعين. قالت: فقطع بي وأستعلت عريب وأنكسرت. قالت خشف: فلما كان الليل رأيت علية فيما يرى النائم، فقالت: يا خشف خالفتك عريب في غنائي. قلت: نعم يا سيدتي. قالت: الصواب معك، أفتدرين ما الصوت الذي أنسيتيه ؟ قلت: لا والله، ولوددت أني فديت ما جرى بجميع ما أملك. قالت: هو:\rبني الحبّ على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج\rليس يستحسن في وصف الهوى ... عاشقٌ يعرف تأليف الحجج\rوقليل الحبّ صرفاً خالصاً ... لك خيرٌ من كثيرٍ قد مزج","part":1,"page":467},{"id":468,"text":"وكأنها قد أندفعت تغنى به، فما سمعت أحسن مما غنته، وقد زادتني فيه أشياء في نومي لم أكن أعرفها، فأنتبهت وأنا لا أعقل فرحاً به. فباكرت الخليفة وذكرت له القصة. فقالت عريب: هذا شيء صنعته أنت لما جرى أمس، وأما الصوت فصحيح. فحلفت للخليفة بما رضي به أن القصة كما حكيت. فقال: رؤياك والله أعجب، رحم الله علية ؟ فما تركت ظرفها حية ولا ميتة. وأجازني جائزة سنية.\rوروى أبو الفرج أيضا بسنده إلى محمد بن جعفر بن يحيى بن خالد قال: شهدت أبي جعفراً وأنا صغير وهو يحدث جدي يحيى بن خالد في بعض ما كان يخبره به من خلوته مع هارون الرشيد، قال: يا ابت، أخذ بيدي أمير المؤمنين وأقبل في حجره يخترقها حتى أنتهى إلى حجرةٍ مغلقة، ففتحها بيده ودخلها ودخلت وأغلق بابها من داخلٍ بيده، ثم صرنا إلى رواق ففتحه، وفي صدره مجلس مغلق فقعد على باب المجلس، ونقر الباب بيده نقرات فسمعنا حساً، ثم أعاد النقر ثانيةً فسمعنا صوت عود، ثم أعاد النقر ثالثةً فغنت جارية ما ظننت والله أن الله جل وعز خلق مثلها في حسن الغناء وجودة الضرب. فقال لها أمير المؤمنين بعد أن غنت أصواتا: غنى صوتي؛ فغنت صوته، وهو:\rومخنّثٍ شهد الزّفاف وقبله ... غنّى الجواري حاسراً ومنقّبا\rلبس الدلال وقام ينقر دفّه ... نقراً أقرّ به العيون وأطربا\rإنّ النساء رأينه فعشقنه ... فشكون شدّة ما بهنّ فأكذبا\rقال: فطربت والله طرباً هممت معه أن أنطح برأسي الحائط. ثم قال: غنى:\rطال تكذيبي وتصديقي\rفغنت:\rطال تكذيبي وتصديقي ... لم أجد عهداً لمخلوق\rإنّ ناساً في الهوى غدروا ... حسّنوا نقض المواثيق\rلا تراني بعدهم أبداً ... أشتكي عشقاً لمعشوق\rقال: فرقص الرشيد ورقصت معه؛ ثم قال: أمض بنا، فإني أخشى أن يبدو منا ما هو أكثر من هذا، فمضينا. فلما صرنا إلى الدهليز قال وهو قابضٌ على يدي: هل عرفت هذه المرأة ؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين. قال: فإني أعلم أنك ستسأل عنها ولا تكتم ذلك وأنا أخبرك بها، هذه علية بنت المهدي. ووالله لئن لفظت به بين يدي أحد وبلغني لأقتلنك. قال: فسمعت جدي يقول لأبي: فقد والله لفظت به؛ ووالله ليقتلنك، فأصنع ما أنت صانع.\rوأخبار علية وأغانيها كثيرة، وقد ذكرنا منها ما يكتفي به.\rقال أبو الفرج: وكان مولد علية سنة ستين ومائة، وتوفيت سنة عشرة ومائتين، وقيل: سنة تسع ومائتين، ولها خمسون سنة. وكانت عند موسى بن عيسى ابن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وكان سبب وفاتها أن المأمون ضمها إليه وجعل يقبل رأسها ووجهها مغطى، فشرقت من ذلك وسعلت ثم حمت بعقب هذا أياماً يسيرةً وماتت. رحمها الله.\rومنهم أبو عيسى بن الرشيد. هو أبو عيسى أحمد، وقيل: بل أسمه صالح بن هارون الرشيد. وأمه أم ولد بربرية. كان من أحسن الناس وجها ومجالسة وعشرةً وأمجنهم وأحدهم نادرةً وأشدهم عبثاً. وكان أبو عيسى جميل الوجه جدا؛ فكان إذا عزم على الركوب جلس الناس له حتى يروه أكثر مما كانوا يجلسون للخلفاء. وكانت عريب المأمونية تقول: ما سمعت غناءً أحسن من غناء أبي عيسى بن الرشيد، ولا رأيت وجهاً أحسن من وجهه.\rوروى أن الرشيد قال يوما لأبي عيسى وهو صبيٌ: ليت جمالك لعبد الله ؟! يعني المأمون فقال له: يا أمير المؤمنين، على أن حظه منك لي. فعجب الرشيد من جوابه على صباه وضمه إليه وقبله.\rقال أبو الفرج: وكان أبو عيسى جيد الصنعة، وله أغانٍ منسوبةٌ إليه ومعروفةٌ به. منها:\rرقدت عنك سلوتي ... والهوى ليس يرقد\rوأطار السهاد نو ... مي فنومي مشّرد\rأنت بالحسن منك يا ... حسن الوجه يشهد\rوفؤادي بحسن وجهك ... يشقى ويكمد\rوله غير هذا من الأصوات. قال: وكان كثير البسط والمجون والعبث. وكان المأمون أشد الناس حبا له، وكان يعده للأمر بعده ويذكر ذلك كثيرا. حتى لقد حكي عنه أنه قال يوما: إنه ليسهل علي أمر الموت وفقد الملك، ولا يسهل شيء منهما على أحد؛ وذلك لمحبتي أن يلي أبو عيسى الأمر بعدي لشدة حبي إياه. وكانت وفاة أبي عيسى في سنة سبع ومائتين.","part":1,"page":468},{"id":469,"text":"روى عن عبد الله بن طاهر قال: حدثني من شهد المأمون ليلةً وهم يتراءون هلال شهر رمضان وأبو عيسى أخوه معه وهو مستلقٍ على قفاه، فرأوه وجعلوا يدعون. فقال أبو عيسى قولا أنكر عليه؛ كأنه يسخط لورود الشهر، فما صام بعده. ونقل عنه أنه قال:\rدهاني شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهراً بعده آخر الدهر\rفلو كان يعديني الإمام بقدرةٍ ... على الشهر لأستعديت جهدي على الشهر\rفناله بعقب هذا القول صرعٌ، فكان يصرع في اليوم مرات حتى مات. ولما مات وجد المأمون عليه وجدا شديدا.\rروى عن محمد بن عباد المهلبي قال: لما مات أبو عيسى بن الرشيد دخلت على المأمون فخلعت عمامتي ونبذتها ورائي والخلفاء لا تعزى في العمائم فقال لي: يا محمد، حال القدر، دون الوطر. فقلت: يا أمير المؤمنين، كل مصيبة أخطأتك شوى، فجعل الله الحزن لك لا عليك !. قال: فركب المأمون إلى دار أبي عيسى فحضر جهازه وصلى عليه ونزل في قبره. وأمتنع من الطعام أياما حتى خيف أن يضر ذلك به. قال: وما رأيت مصابا حزينا قط أجمل أثراً في مصيبته ولا أحرق وجداً منه، صامتٌ ودموعه تهمى على خديه من غير كلح ولا أستنثار.\rوروى عن أحمد بن أبي داود قال: دخلت على المأمون وقد توفى أخوه أبو عيسى وهو يبكي ويمسح عينيه بمنديل، فقعدت إلى جنب عمرو بن مسعدة وتمثلت قول الشاعر:\rنقصٌ من الدّنيا وأسبابها ... فحسبك منّي ما تجنّ الجوانح\rكأن لم يمت حيٌّ سواك ولم تقم ... على أحدٍ إلا عليك النوائح\rثم ألتفت إلي وقال: هيه يا أحمد ! فتمثلت بقول عبدة بن الطبيب:\rعليك سلام الله قيس بن عاصمٍ ... ورحمته ما شاء أن يترحّما\rتحيّة من أوليته منك نعمةً ... إذا زار عن شحطٍ بلادك سلّما\rفما كان قيسٌ هلكه هلكٌ واحدٍ ... ولكنّه بنيان قومٍ تهدّما\rفبكى ساعة، ثم ألتفت إلى عمرو بن مسعدة فقال: هيه يا عمرو ! فقال: نعم يا أمير المؤمنين.\rبكّوا حذيفة لم تبكّوا مثله ... حتى تعود قبائلٌ لم تخلق\rقال: فإذا عريب وجوارٍ معها يسمعن ما يدور بيننا؛ فقالت: اجعلوا لنا معكم في القول نصيبا. فقال المأمون: قولي، فرب صوابٍ منك كثير. فقالت:\rكذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذر\rكأنّ بني العبّاس يوم وفاته ... نجوم سماءٍ خرّ من بينها البدر\rفبكى وبكينا. ثم قال لها المأمون: نوحي، فناحت ورد عليها الجواري. فبكى المأمون حتى قلت: قد فاضت نفسه وبكينا معه أحر بكاء، ثم أمسكت. فقال المأمون: أصنعي فيه لحناً على مذهب النّوح وغنى به؛ ففعلت وغنته إياه على العود. فوالذي لا يحلف بأعظم منه لقد بكينا عليه غناءً أكثر مما بكينا عليه نوحا.\rومنهم عبد الله بن موسى الهادي. قال أبو الفرج: كان له في الغناء صنعة حسنة، وله أصوات مذكورة، منها قوله:\rتقاضاك دهرك ما أسلفا ... وكدّر عيشك بعد الصّفا\rفلا تجزعنّ فإن الزمان ... رهينٌ بتشتيت ما ألفّا\rولما رآك قليل الهموم ... كثير الهوى ناعماً مترفا\rألحّ عليك بروعاته ... وأقبل يرميك مستهدفا\rقال: وكان عبد الله هذا من أضرب الناس بالعود وأحسنهم غناء. وكان له غلام أسود يقال له قلم، فعلمه الضرب فحذق فيه؛ فأشترته منه أم جعفر بثلاثمائة ألف درهم.\rوروى عن سليمان بن داود كاتب أم جعفر قال: كنت جالسا مع عبد الله بن موسى الهادي، فمر به خادم لصالح بن الرشيد؛ فقال له: ما أسمك؟ قال: أسمي لا تسل. فأعجبه حسنه وحسن منطقه، فقال لي: قم بنا حتى نشرب اليوم ونذكر هذا البدر، فقمت معه. فأنشدني في ذلك اليوم:\rوشادنٍ مرّ بنا ... يجرح باللّحظ المقل\rمظلوم خصرٍ ظالمٌ ... منه إذا يمشي الكفل\rاعتدلت قامته ... والطرف منه ما عدل\rبدرٌ تراه أبداً ... طالع سعد ما أفل\rسألته عن أسمه ... فقال: إسمي لا تسل\rوطلعت في وجنتي ... ه وردتان من خجل\rفقلت ما أخطأ الذي ... سمّاك بل قال المثل","part":1,"page":469},{"id":470,"text":"لا تسألن عن شادنٍ ... فاق جمالاً وكمل\rوقال فيه:\rعزّ الذي تهوى وذلّ ... صبّ الفؤاد مختبل\rجدّ به الهجر وذا أل ... هجر إذا جدّ قتل\rمن شادن ممنطق ... فاق جمالاً وكمل\rتناصف الحسن به ... فلا تسل عن لا تسل\rوعن أحمد بن المكي قال: دعاني عبد الله بن موسى يوما فقال لي: أتقوم غلاماً ضاربا مغنيا قيمة عدل لا حيف فيها على البائع ولا على المشتري ؟ فقلت نعم. فأخرج إلي ابنه القاسم، وكنت قد عرفت خبره وهو أحسن من القمر ليلة البدر، فأخذ عودا يضرب به؛ فأكببت على يديه أقبلهما فقال لي عبد الله: أتقبل يد غلام مملوك ! فقلت: بأبي وأمي هو من مملوكٍ ! وقبلت رجله أيضا. فقال: أما إذ عرفته فأحب أن تضاربه، ففعلت. فلما رأى الغلام زيادتي في الضرب عليه أغتم وأقبل على أبيه فقال له كالمعتذر إليه: يا أبت، أنا متلذذ وهذا متكسب. فضحكت وقلت: هو كذلك يا سيدي. وعجبت من حدة جوابه معتذراً على صغر سنه.\rقال عبد الله بن حبيب: كان عبد الله بن موسى الهادي معربدا، وكان قد أعضل المأمون مما يعربد عليه إذا شرب معه؛ فأمر به أن يحبس في منزله فلا يخرج منه، وأقعد على بابه حرسا؛ ثم تذمم من ذلك فأظهر له الرضا وصرف الحرس عن بابه. ثم نادمه فعربد عليه أيضا وكلمه بكلام أحفظه. وكان عبد الله مغرما بالصيد؛ فأمر المأمون خادما من خواص خدمه يقال له حسن فسمه في دراجٍ؛ فلما أكله أحس بالسم، فركب في الليل وقال لأصحابه: هو آخر ما تروني، ومات بعد أيام. وأكل معه خادمان، فمات أحدهما لوقته، وضنى الآخر ثم مات بعد مدة.\rومنهم عبد الله بن محمد الأمين. قال أبو الفرج الأصفهاني: كان عبد الله بن محمد الأمين ظريفا غزلا يقول شعراً لينا ويصنعه صنعةً صالحة. وكان بينه وبين أبي نهشل بن حميد مودة؛ فاعترض عبد الله جاريةً مغنية لبعض نساء بني هاشم وأعطى بها مالا عظيما. وعرفت مولاتها منه رغبةً فيها فزادت عليه في السوم فتركها؛ فأشتراها أخ لأبي نهشل، فتبعتها نفس عبد الله، فسأل أبا نهشل أن يسأل أخاه النزول عنها؛ فسأله ذلك فوعده ودافعه. فكتب عبد الله إلى أبي نهشل:\rيأبن حميدٍ يا أبا نهشل ... مفتاح باب الحدث المقفل\rيا أكرم الناس وداداً وأر ... عاهم لحقٍّ ضائع مهمل\rأحسنت في ودّي وأجملت بل ... جزت فعال المحسن المجمل\rبيتك في ذي يمنٍ شامخٌ ... تقصر عنه قنتّا يذبل\rخلفت فينا حاتماً ذا النّدى ... وجدت جود العارض المسبل\rأيّ أخ أنت لذي وحدةٍ ... تركته بالعزّ في جحفل\rنجوم حّى منك مسعودةٌ ... فيما أرجّى ليس بالأقّل\rفصدّق الظنّ بما قلته ... وسهّل الأمر به يسهل\rلا تحرمنّي ولديك المنى ... بالله صيد الرّشأ الأكحل\rرميت منه بسهام الهوى ... وما درى ما الرّمي في مقتلي\rأدنيتني بالوعد في صيده ... إدناء عطشانٍ من المنهل\rثم تناسيت وأسلمتني ... إلى مطالٍ موحش المنزل\rتركتني في جلّة عائما ... لا أعرف المدبر من مقبل\rصرّح بأمرٍ واضح بينٍ ... لا خير في ذي لبسٍ مشكل\rقال: فلم يزل أبو نهشل بأخيه حتى نزل له عنها. ولعبد الله هذا صنعةٌ منها قوله:\rألا يا دير حنظلة المفدّى ... لقد أورثتني سقماً وكدّا\rأزفّ من الفرات إليك زقّاً ... وأجعل حوله الورد المندّى\rومنهم أبو عيسى بن المتوكل. قال عبد الله بن المعتز: جمع لأبي عيسى بن المتوكل صنعةٌ مقدارها أكثر من ثلثمائة صوت، منها الجيد الصنعة ومنها المتوسط. وقال النميري: سمعت أبا عيسى بن المتوكل يقول: إذا أتممت صنعة ثلثمائة وستين صوتا عدد أيام السنة تركت الصنعة. فلما أتمها ترك الصنعة. فمنها قوله في شعر علي بن الجهم:\rهي النفس ما حمّلتها تتحمّل ... وللدهر أيّامٌ تجور وتعدل\rوعاقبة الصبر الجميل جميلةٌ ... وأفضل أخلاق الرجال التجمّل","part":1,"page":470},{"id":471,"text":"قال أبو الفرج الأصفهاني: وهو لعمري من جيد الغناء وفاخر الصنعة، ولو لم يصنع غيره لكفي.\rومنهم عبد الله بن المعتز. هو أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله العباسي. قد وصفه أبو الفرج الأصفهاني فقال: وأمره مع قرب عهده بعصرنا مشهورٌ في فضائله وأدبه شهرةً يشترك في أكثرها الخاص والعام، وشعره وإن كان فيه رقة الملوكية وغزل الظرفاء وهلهلة المحدثين، فإن فيه أشياء كثيرة تجري في أسلوب المجيدين، ولا تقصر عن مدى السابقين وأشياء ظريفة من أشعار الملوك في جنس ما هم بسبيله، ليس عليه أن يتشبه فيها بفحول الجاهلية. وأطنب في وصفه وتقريظه، وهو فوق ما قال. ثم قال: وكان عبد الله حسن العلم بصناعة الموسيقي والكلام على النغم وعللها؛ وله في ذلك وفي غيره من الآداب كتب مشهورة ومراسلات جرت بينه وبين عبيد الله أبن عبد الله بن طاهر وبين بني حمدون وغيرهم تدل على فضله وغزارة أدبه. وذكر منها شيئا ليس هذا موضع إيراده. ثم قال: ومن صنعة عبد الله بن المعتز في شعره:\rهل ترجعنّ ليالٍ قد مضين لنا ... والدار جامعةٌ أزمان أزمانا\rقال أبو الفرج: ومن صنعته الظريفة الشكل مع جودتها:\rوابلائي من محضرٍ ومغيب ... وحبيبٍ منى بعيدٍ قريب\rلم ترد ماء وجهه العين إلا ... شرقت قبل يّها برقيب\rقال: ومن صنعته التي تظارف فيها وملح:\rزاحم كمّي كمّه فألتويا ... وافق قلبي قلبه فأستويا\rوطالما ذاقا الهوى فأكتويا ... يا قرّة العين ويا همّي ويا\rوحكى عن جعفر بن قدامة قال: كان لعبد الله بن المعتز غلام يحبه، فغضب الغلام عليه، فجهد أن يترضاه، فلم يكن له فيه حيلة. ودخلت عليه فأنشدني فيه:\rبأبي أنت قد تما ... ديت في الهجر والغضب\rوأصطباري على صدو ... دك يوماً من العجب\rليس لي إن فقدت وج ... هك ي العيش من أرب\rرحم الله من أعا ... ن على الصّلح وأحتسب\rقال: فمضيت إلى الغلام، فلم أزل أداريه وأرفق به حتى ترضيته له وجئته به؛ فمر لنا يومئذ أطيب يوم وأحسنه.\rمن غنى من الأشراف والعلماء\rكان ممن غنى من الأشراف والعلماء على ما نقل إلينا من أخبارهم: عبد العزيز بن المطلب. روى الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي رحمه الله بسند رفعه إلى محمد بن مسلمة قال حدثني أبي قال: أتيت عبد العزيز بن المطلب أسأله عن بيعة الجن للنبي صلى الله عليه وسلم بمسجد الأحزاب ما كان بدؤها، فوجدته مستلقياً وهو يغني:\rفما روضةٌ بالحزن طيّبة الثّرى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها\rبأطيب من أردان عزّة موهناً ... وقد أوقدت بالمندل الرّطب نارها\rمن الخفرات البيض لم تلق شقوةً ... وبالحسب المكنون صافٍ نجارها\rفإن برزت كانت لعينيك قرّةً ... وإن غبت عنها لم يغمّك عارها\rفقلت له: تغنى أصلحك الله وأنت في جلالتك وشرفك ! أما والله لأحدون بها ركبان نجد. قال: فوالله ما أكترث وعاد يتغنى:\rفما ظبيةٌ أدماء خفّاقة الحشى ... تجوب بظلفيها بطون الخمائل\rبأحسن منها إذ تقول تدلّلاً ... وأدمعها يذرين حشو المكاحل\rتمتّع بذا اليوم القصير فإنه ... رهينٌ بأيّام الشهور الأطاول\rقال: فندمت على قولي له، فقلت: أصلحك الله، أتحدثني في هذا بشيء ! فقال: نعم، حدثني أبي قال: دخلت على سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم وأشعب يغنيه:\rمعقربةٌ كالبدر سنّة وجهها ... مطهّرة الأثواب والعرض وافر\rلها نسبٌ زاكٍ وعرضٌ مهذّبٌ ... وعن كل مكروهٍ من الأمر زاجر\rمن الخفرات البيض لم تلق ريبةً ... ولم يستملها عن تقي الله شاعر\rفقال له سالم رضي الله عنه: زدني. فقال:\rألمّت بنا والليل داجٍ كأنه ... جناح غرابٍ عنه قد نفض القطرا\rفقلت أعطّارٌ ثوى في رحالنا ... وما أحتملت ليلى سوى ريحها عطرا\rفقال سالم: أما والله لولا أن تداوله الرواة لأجزلت جائزتك، فلك من هذا الأمر مكانٌ.","part":1,"page":471},{"id":472,"text":"ومنهم ابراهيم بن سعد. هو أبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. كان من العلماء الثقات المحدثين. سمع أباه وأبن شهاب الزهري وهشام بن عروة وصالح بن كيسان ومحمد بن إسحاق بن يسار. روى عنه يزيد بن عبد الله بن الهاد وشعبة بن الحجاج والليث بن سعد، وأبناه يعقوب وسعد أبنا إبراهيم وعبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون ويونس المؤدب وأبو داود الطيالسي وسليمان بن داود الهاشمي وعبد العزيز الآدمي وعلي بن الجعد ومحمد بن جعفر الوركاني وأحمد بن حنبل وغيرهم. كان يبيح السماع ويضرب بالعود ويغني عليه. وله في ذلك قصة رواها أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي بسند رفعه إلى سعيد بن كثير بن عفير قال: قدم إبراهيم بن سعد الزهري العراق سنة أربع وثمانين ومائة، فأكرمه الرشيد وأظهر بره. وسئل عن الغناء فأفتى بتحليله؛ فأتاه بعض أهل الحديث ليسمع منه أحاديث الزهري، فسمعه يتغنى، فقال: لقد كنت حريصاً على أن أسمع منك، فأما الآن فلا سمعت منك حديثا ابدا. قال: إذاً لا أفقد إلا شخصك. علي وعلي ألا أحدث ببغداد ما أقمت حديثاً واحداً حتى أغني قبله. وشاعت هذه الحكاية ببغداد، فبلغت الرشيد، فدعا به فسأله عن حديث المخزومية التي قطعها النبي صلى الله عليه وسلم في سرقة الحلي؛ فدعا بعود. فقال الشيد: أعود المجمر ؟ قال: لا ولكن عود الطرب، فتبسم. ففهمها إبراهيم بن سعد فقال: لعلك بلغك يا أمير المؤمنين حديث السفيه الذي آذاني بالأمس وألجأني إلى أن حلفت. قال نعم. فدعا له الرشيد بعود فأخذه وغنى:\rيا أمّ طلحة إنّ البين قد أفدا ... ملّ الثّواء لأن كان الرحيل غدا\rفقال له الرشيد: من كان من فقهائكم ينكر السماع ؟ قال: من ربط الله على قلبه. قال: فهل بلغك عن مالك في هذا شيء ؟ فقال: لا والله، إلا أن أبي أخبرني أنهم أجتمعوا في مدعاة كانت في بني يربوع وهم يومئذ جلة، ومالكٌ أقلهم في فقه وقدر، ومعهم دفوف ومعازف وعيدان يغنون ويلعبون. ومع مالك دف مربع وهو يغنيهم:\rسليمى أزمعت بينا ... وأين لقاؤها أينا\rوقد قالت لأترابٍ ... لها زهرٍ تلاقينا\rتعالين فقد طاب ... لنا العيش تعالينا\rفضحك الرشيد ووصله بمال عظيم. ومات إبراهيم في هذه السنة وهو أبن خمس وسبعين سنة. قال: وكان ابراهيم بن سعد يبالغ فيه إلى هذا الحد. وقد أجمعت الأئمة على ثقته وعدالته والرواية عنه. وأتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثه في الصحيح. ولم تسقط عدالته بفعله عند أهل العلم، بل قلد قضاء بغداد على جلالتها، وقلد أبوه القضاء بالمدينة على شرفها.\rوروى أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: شهدت إبراهيم بن سعد يحلف للرشيد وقد سأله عمن بالمدينة ينكر الغناء، فقال: من قنعه الله خزيه: مالك بن أنس؛ ثم حلف أنه سمع مالكا يغني:\rسليمى أزمعت بينا ... فأين لقاؤها أينا\rفي عرس لرجل من أهل المدينة يكنى أبا حنظلة.\rوروى أيضا بسنده إلى الحسين بن دحمان الأشقر قال: كنت بالمدينة، فخلا لي الطريق في نصف النهار، فجعلت أتغنى:\rما بال أهلك يا رباب ... خزراً كأنهم غضاب\rقال: فإذا خوخةٌ قد فتحت وإذا وجهٌ قد بدا تتبعه لحيةٌ حمراء، فقال: يا فاسق ! أسأت التأدية، ومنعت القائلة، وأذعت الفاحشة؛ ثم أندفع يغنيه؛ فظننت أن طويسا قد نشر يغنيه، فقلت: أصلحك الله ! من أين لك هذا الغناء ؟ قال: نشأت وأنا غلام أتبع المغنين وآخذ عنهم؛ فقالت لي أمي: يا بني، إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه، فدع الغناء وأطلب الفقه فإنه لا يضر معه قبح الوجه. فتركت المغنين وأتبعت الفقهاء، فبلغ الله بي ما ترى. فقلت: فأعد جعلت فداءك. فقال: لا ولا كرامة ! أتريد أن تقول أخذته عن مالك بن أنس ! وإذا هو مالك ولم أعلم.\rومنهم محمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. كان عالما بالفقه والغناء جميعا. وكان يحيى بن أكثم وصفه للمأمون بالفقه، ووصفه أحمد بن يوسف بالغناء. فقال المأمون: ما أعجب ما أجتمع فيه العلم بالعلم والغناء !.\rمن غنى من الأعيان والأكابر والقواد\rممن نسبت له صنعةٌ في الغناء","part":1,"page":472},{"id":473,"text":"منهم أبو دلف العجلي. هو أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس أحد بني عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. كان محله من الشجاعة وبعد الهمة وعلو المحل عند الخلفاء وعظم الغناء في المشاهد وحسن الأدب وجودة الشعر محلا كبيرا ليس لكثير من أمثاله.\rقال أبو الفرج الأصبهاني: وله صنعة حسنة. فمن جيد صنعته قوله والشعر له أيضا :\rبنفسي يا جنان وأنت منّي ... مكان الرّوح من جسد الجبان\rولو أني أقول مكان نفسي ... خشيت عليك بادرة الزمان\rلإقدامي إذا ما الخيل حامت ... وهاب كماتها حرّ الطّعان\rقال: وكان أحمد بن أبي داود ينكر أمر الغناء إنكاراً شديداً؛ فأعلمه المعتصم أن أبا دلف صديقه يغني. فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك ! فستر المعتصم أحمد بن أبي داود في موضع أبا دلف وأمره أن يغني ففعل ذلك وأطال، ثم أخرج أحمد بن أبي داود عليه؛ فخرج والكراهة ظاهرة في وجهه. فلما رآه أحمد قال: سوءةً لهذا من فعل ! أبعد هذه السن وهذا المحل تصنع بنفسك ما أرى فخجل أبو دلف وتشور وقال: إنهم ليكرهوني على ذلك. فقال: هبهم أكرهوك على الغناء أهم أكرهوك على الإحسان فيه والإصابة !.\rقال: وكان أبو دلف ينادم الواثق. فوصف للمعتصم فأحب أن يسمعه، وسأل الواثق عنه فقال له: يا أمير المؤمنين، أنا على نية الفصد غداً وهو عندي. وفصد الواثق فأتاه أبو دلف وأتته رسل الخليفة بالهدايا، فأعلمهم الواثق حصول أبي دلف عنده. فلم يلبث أن أقبل الخدم يقولون: قد جاء الخليفة. فقام الواثق وكل من كان عنده حتى تلقوه؛ وجاء حتى جلس، وأمر بندماء الواثق فردوا إلى مجالسهم. وأقبل الواثق على أبي دلف فقال: يا قاسم، إن أمير المؤمنين. فقال: صوتاً بعينه أو ما أخترت ؟ قال: بل من صنعتك في شعر جرير. فغنى:\rبان الخليط برامتين فودّعوا ... أو كلّما أعتزموا لبينٍ تجزع\rكيف العزاء ولم أجد مذ غبتم ... قلباً يقرّ ولا شراباً ينقع\rفقال المعتصم: أحسن أحسن ثلاثا وشرب رطلاً. ولم يزل يستعيده حتى شرب تسعة أرطال. ثم دعا بحمال فركبه، وأمر أبا دلف أن ينصرف معه؛ فخرج معه فثبت في ندمائه، وأمر له بعشرين ألف دينار.\rقال: وكان أبو دلف جواداً ممدحا. وفيه يقول علي بن جبلة من قصيدة يقول فيها:\rذاد ورد الغيّ عن صدره ... وأرعوى واللّهو من وطره\rندمى أنّ الشباب مضى ... لم أبلّغه مدى أشره\rحسرت عنّي بشاشته ... وذوي المحمود من ثمره\rودمٍ أهدرت من رشأ ... لم يرد عقلاً على هدره\rجاء منها:\rدع جدا قحطان أو مضرٍ ... في يمانيه وفي مضره\rوأمتدح من وائلٍ رجلاً ... عصر الآفاق من عصره\rومنها:\rالمنايا في مقانبه ... والعطايا في ذرا حجره\rملكٌ تندى أنامله ... كأنبلاج النّوء عن مطره\rمستهلٌّ عن مواهبه ... كأبتسام الرّوض عن زهره\rومنها:\rإنما الدنيا أبو دلفٍ ... بين باديه ومحتضره\rفإذا ولّى أبو دلفٍ ... ولّت الدنيا على أثره\rكلّ من في الأرض من عرب ... بين باديه إلى حضره\rمستعيرٌ منه مكرمةً ... يكتسيها يوم مفتخره\rوهذان البيتان اللذان أحفظا المأمون على علي بن جبلة حتى سل لسانه من قفاه.\rوقوله فيه:\rأنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر من حالٍ إلى حال\rوما مددت مدى طرفٍ إلى أحدٍ ... إلاّ قضيت بأرزاقٍ وآجال\rتزورّ سخطاً فتضحى البيض ضاحكةً ... وتستهلّ فتبكي أعين المال\rوكان سبب مدح علي بن جبلة أبا دلف بقوله:\rإنما الدنيا أبو دلفٍ\rما رواه أبو الفرج الأصفهاني بسنده عن علي بن جبلة قال: زرت أبا دلف بالجبل، فكان يظهر من بري وإكرامي والتحفي بي أمراً عظيما مفرطا حتى تأخرت عنه حياء. فبعث إلي معقلا وقال: يقول لك الأمير: قد أنقطعت عني، وأظنك قد أستقللت بري، فلا يغضبنك ذلك فإني سأزيد فيه حتى ترضي. فقلت: والله ما قطعني إلا الإفراط في البر، وكتبت إليه:","part":1,"page":473},{"id":474,"text":"هجرتك لم أهجرك من كفر نعمةٍ ... وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر\rولكنني لمّا أتيتك زائراً ... فأفرطت في برّي عجزت عن الشكر\rفم الآن لا آتيك إلاّ مسلّماً ... أزورك في الشهرين يوماً وفي الشهر\rفإن زدتني برّاً تزايدت جفوةً ... ولم تلقني طول الحياة إلى الحشر\rفلما قرأها معقل أستحسنها وقال: أحسنت والله ! أما إن الأمير يعجبه هذا من المعاني. فلما أوصلها إلى أبي دلف قال: قاتله الله ! ما أشعره وأرق معانيه ! وأجابني لوقته وكان حسن البديهة حاضر الجواب :\rألا ربّ طيفٍ طارقٍ قد بسطته ... وآنسته قبل الضّيافة بالبشر\rأتاني يرجّيني فما حال دونه ... ودون القرى والعرف من نائلي سترى\rوجدت له فضلاً عليّ بقصده ... إليّ وبرّاً زاد فيه علي برّي\rفزوّدته مالا يدوم بقاؤه ... وزوّدني مدحاً يدوم على الدهر\rقال: وبعث بالأبيات وصيفا وبعث إلي معه بألف دينار. فقلت حينئذ:\rإنما الدنيا أبو دلف\rالأبيات.\rوروى أبو الفرج عن أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: كنا عند أبي العباس المبرد يوما وعنده فتى من ولد أبي البختري وهب بن وهب، أمرد حسن الوجه، وفتىً من ولد أبي دلف البجلي شبيه به في الجمال. فقال المبرد لأبن أبي البختري: أعرف لجدك قصة ظريفة من الكرم حسنة لم يسق إليها. قال: وما هي ؟ قال: دعى رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع فسقوه نبيذا غير الذي يشربون منه؛ فقال فيهم:\rنبيذان في مجلسٍ واحدٍ ... لإيثار مثرٍ على مقتر\rفلو كان فعلك ذا في الطعام ... لزمت قياسك في المسكر\rولو كنت تفعل فعل الكرام ... صنعت صنيع أبي البختري\rتتّبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقلّ عن المكثر\rفبلغت الأبيات أبا البختري فبعث إليه ثلثمائة دينار. قال أبن عمار: فقلت وقد فعل جد هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسن من هذا. قال: وما فعل ؟ قلت: بلغه أن رجلاً أفتقر من ثروة، فقالت له امرأته، أفترض في الجند، فقال:\rإليك عنّي فقد كلّفتني شططاً ... حمل السلاح وقول الدّارعين قف\rتمشى المنايا إلى قومٍ فأكرهها ... فكيف أمشي إليها عاري الكتف\rحسبت أنّ نفاد المال غيّرني ... أو أنّ روحي في جنبي أبي دلف\rفأحضره أبو دلف وقال: كم أملت أمرأتك أن يكون رزقك ؟ قال: مائة دينار، قال: كم أملت أن تعيش ؟ قال: عشرين سنة. قال: فذلك لك على ما أملت وأملت أمرأتك في مالنا دون مال السلطان، وأمر بإعطائه إياه. قال: فرأيت وجه أبن أبي دلف يتهلل وأنكسر أبن أب البختري. وهذه الأبيات رويت لأبن أبي فننٍ.\rومنهم أخوه معقل بن عيسى. كان فارسا شاعرا جوادا مغنيا فهماً بالنغم والوتر، ذكره الجاحظ مع ذكر أخيه أبي دلف. وهو القائل لمخارق وقد كان زار أبا دلف بالجبل ثم رجع إلى العراق، وله في ذلك غناء :\rلعمري لئن قرّت بقربك أعينٌ ... لقد سخنت بالبعد عنك عيون\rفسر أو أقم، وقفٌ عليك مودّتي ... مكانك من قلبي عليك مصون\rفما أوحش الدنيا إذا كنت نازحاً ... وما أحسن الدنيا بحيث تكون\rومنهم عبد الله بن طاهر بن الحسين وأبنه عبيد الله. فأما عبد الله فكان محله من علو المنزلة وعظم القدر والتمكن عند الخلفاء ما هو مشهور مذكور في أخبارهم. وتقلد الولايات الكبيرة مثل مصر والجزيرة وما يلي ذلك، ثم نقل إلى خراسان. وله عطايا وهبات وصلات لا ينكرها أحد. ومحله من الشجاعة والإقدام معروف. وكان يعتني بالغناء ويصنعه، إلا أنه كان يترفع عن ذكره والأعتراف به ونسبته إليه.\rقال أبو الفرج: والأصوات التي غنى فيها عبد الله بن طاهر كثيرة. وكان أبنه عبيد الله إذا ذكر شيئا منها من صنعته قال: الغناء للدار الكبيرة، وإذا ذكر شيئا من صنعة نفسه قال: الغناء للدار الصغيرة. فمن الأصوات التي صنع فيها عبد الله بن طاهر قوله:\rهلاّ سقيتم بني حزم أسيركم ... نفسي فداؤك من ذي غلّةٍ صادى","part":1,"page":474},{"id":475,"text":"الطاعن الطّعنة النجلاء يتبعها ... مضرّجٌ بعد ما جادت بإزباد\rقال: فقد جاء به عبد الله صحيح العمل مزدوج النغم بين لين وشدة على رسم الحذاق القدماء. قال عبيد الله وذكر صوتا من أصواته : لما صنع أبي هذا الصوت لم يحب أن يسمع عنه شيء من الغناء ولا ينسب إليه؛ لأنه كان يترفع عن ذلك، وما جس بيده وتراً قط ولا تعاطاه، ولكنه كان يعلم من هذا الشأن بطول الدربة وحسن الثقافة ما لا يعرفه كثير. قال: وبلغ من علم ذلك إلى أن صنع في أبيات أصواتا كثيرة، فألقاها على جواريه، فأخذتها عنه وغنين بها وسمعها الناس منهن وممن أخذ عنهن. فلما أن صنع هذا الصوت.\rهلاّ سقيتم بني سهمٍ أسيركم ... نفسي فداؤك من ذي غلّةٍ صادى\rنسبه إلى مالك بن أبي السمح. وكانت لآل الفضل بن الربيع جارية يقال لها راحة، وكانت ترغب إلى عبد الله لما ندبه المأمون إلى مصر، وكانت تغنيه؛ وأخذت هذا الصوت عن جواريه، وأخذه المغنون عنها، وروى لمالك بن أبي السمح مدة. ثم قدم عبد الله العراق، فحضر مجلس المأمون وغنى الصوت بحضرته ونسب إلى مالك؛ فضحك عبد الله ضحكا كثيرا؛ فسئل عن القصة فصدق فيها وأعترف بصنعة الصوت. وكشف المأمون عن القصة؛ فلم يزل كل من سئل عنه يخبر عمن أخذه، فينتهي بالقصة إلى راحة ويقف فلا يعدوها. فأحضرت راحة وسئلت فأخبرت بقصته؛ فعلم أنه من صنعته حينئذ بعد أن جاز على إسحاق وطبقته أنه لمالك. ويقال: إنه لم يعجب من شيء عجبه من حذق عبد الله بمذاهب الأوائل وحكاياتهم.\rوأما عبيد الله، ويكنى أبا أحمد. قال أبو الفرج الأصبهاني: له محلٌ من الأدب والتصرف في فنونه ورواية الشعر وقوله والعلم باللغة وأيام الناس وعلوم الأوائل من الفلاسفة في الموسيقى والهندسة وغير ذلك مما يجل عن الوصف ويكثر ذكره. وله صنعةٌ في الغناء حسنة متقنة عجيبة تدل على ما ذكرناه ها هن من توصله إلى ما عجز عنه الأوائل من جمع النغم كلها في صوت واحد تتبعه هو وأتى به على ما فصله فيها وطلبه منها.\rوكان المعتضد بالله ربما أراد أن يصنع في بعض الأشعار غناء ويحضره أكابر المغنين فيعدل عنهم إليه فيصنع فيه أحسن صنعة، ويترفع عن إظهار نفسه بذلك فيومئ إلى أنه من صنعة جاريته ساجى. وسنذكر ساجى إن شاء الله تعالى في أخبار القيان، وكانت تخريج عبيد الله وتأديبه.\rقال: ولما أختلت حال عبيد الله كان المعتضد بالله يتفقده بالصلات. ومن أصوات عبيد الله التي جمع فيها النغم العشر قوله في شعر إبراهيم بن علي بن هرمة:\rوإنك إذ أطمعتني منك بالرّضا ... وأيأستني من بعد ذلك بالغضب\rكممكنةٍ من درّها كفّ حالب ... ودافقةٍ من بعد ذلك ما حلب\rوأخبار عبيد الله كثيرة سنذكر منها في هذا الباب في أخبار ساجى طرفا، ونورد منها إن شاء الله تعالى في فن التاريخ ما يناسب. وأستغفر الله العظيم.\rأخبار المغنين الذين نقلوا الغناء من الفارسية إلى العربية ومن أخذ عنهم ومن أشتهر بالغناء والغناء قديم في الفرس والروم، ولم يكن للعرب قبل ذلك إلا الحداء والنشيد، وكانوا يسمونه الركبانية. وأول من نقل الغناء العجمي إلى العربي من أهل مكة سعيد بن مسجح ومن أهل المدينة سائب خاثر. وأول من صنع الهزج طويس. ولنبدأ بذكر أخبار هؤلاء ثم نذكر من أخذ عنهم إن شاء الله تعالى.\rأخبار سعيد بن مسجح","part":1,"page":475},{"id":476,"text":"هو أبو عثمان سعيد بن مسجح، مولى بني جمح، وقيل: مولى بني مخزوم، وقيل: مولى بني نوفل بن الحارث بن عبد المطلب. مكي أسود وقيل: أصفر حسن اللون. وقيل: كان مولدا، يكنى أبا عيسى. وقيل: كان هو وأبن سريج لرجل واحد. مغن متقدم من فحول المغنين وأكابرهم. وهو أول من وضع الغناء منهم، وأول من غنى الغناء العربي بمكة؛ وذلك أنه مر بالفرس وهم يبنون المسجد الحرام في أيام عبد الله بن الزبير، فسمع غناءهم بالفارسية فقلبه في شعر عربي، ثم رحل إلى الشام فأخذ ألحان الروم والبربطية والأسطوخوسية، وأنقلب إلى فارس فأخذ غناءً كثيرا وتعلم الضرب، ثم قدم إلى الحجاز وقد أخذ محاسن تلك النغم وألقى منها ما أستقبحه من النبرات والنغم؛ وكان أول من فعل ذلك، وتبعه الناس بعد؛ وعلم أبن سريج، وعلم أبن سريج الغريض. قالوا: وكان في صباه فطنا ذكياً، وكان مولاه معجبا به، فكان يقول: ليكونن لهذا الغلام شأن، وما يمنعني من عتقه إلا حسن فراستي فيه، ولئن عشت لأتعرفن ذلك، وإن مت قبله فهو حر. فسمعه مولاه يوماً يتغنى بشعر أبن الرقاع يقول:\rألمم على طللٍ عفا متقادم ... بين الذّؤيب وبين غيب النّاعم\rلولا الحياء وأنّ رأسي قد عسا ... فيه المشيب لزرت أمّ القاسم\rفدعاه مولاه فقال: أعد يا بني؛ فأعاده فإذا هو أحسن مما أبتدأ به، وقال: إن هذا لبعض ما كنت أقول. ثم قال له: أنى لك هذا ؟ قال: سمعت هذه الأعاجم تتغنى بالفارسية فقلبتها في هذا الشعر. قال: فأنت حرٌ لوجه الله. فلزم مولاه وكثر أدبه وأتسع في غنائه وشهر بمكة وأعجبوا به. فدفع إليه مولاه عبيد بن سريج وقال: يا بني علمه وأجتهد فيه. وكان أبن سريج أحسن الناس صوتا، فتعلم منه ثم برز عليه. وقد قيل: إنه إنما سمع الغناء من الفرس لما أمر معاوية ببناء دوره بمكة التي يقال لها الرقط، وكان قد حمل إليها بنائين من الفرس الذين كانوا بالعراق فكانوا يبنونها، وكان سعيد بن مسجح يأتيهم فيسمع غناءهم على بنائهم؛ فما أستحسن من ألحانهم أخذه ونقله إلى الشعر العربي، ثم صاغر على نحو ذلك. وكان من قديم غنائه الذي صنعه على تلك الألحان شعر الأحوص، وهو:\rأسلام إنك قد ملكت فأسجحي ... قد يملك الحرّ الكريم فيسجح\rمنّى علي عانٍ أطلت عناءه ... في الغلّ عندك والعناة تسرّح\rإني لأنصحكم وأعلم أنّه ... سيّان عندك من يغشّ وينصح\rوإذا شكوت إلى سلامة حبّها ... قالت أجدٌّ منك ذا أم تمزح\rوهذا من أقدم الغناء العربي المنقول عن الفارسي. قال: وعاش سعيد بن مسجح حتى لقيه معبد وأخذ عنه في ايام الوليد بن عبد الملك.\rومن أخبار سعيد ما رواه أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه قال: كتب عامل لعبد الملك بن مروان بمكة إليه أن رجلا أسود يقال له سعيد بن مسجح قد أفسد فتيان قريش وأنفقوا عليه أموالهم. فكتب إليه: أن أقبض ماله وسيره إلي. فتوجه أبن مسجح إلى الشام؛ فصحبه رجل له جوارٍ مغنيات في الطريق. فقال له: أين تريد ؟ فأخبره الخبر وقال: أريد الشام؛ فصحبه حتى بلغا دمشق، فدخلا مسجدها فسألا: من أخص الناس بأمير المؤمنين ؟ فقالوا: هؤلاء النفر من قريش وبنو عمه. فوقف أبن مسجح عليهم فسلم، ثم قال: يا فتيان، هل فيكم من يضيف رجلا غريبا من أهل الحجاز ؟ فنظر بعضهم إلى بعض وكان عليهم موعد أن يذهبوا إلى قينة يقال لها برق الأفق، فتثاقلوا به إلا فتىً منهم تذمم فقال له: أنا أضيفك، وقال لأصحابه: أنطلقوا أنتم وأنا أذهب مع ضيفي. فقالوا: لا، بل تجيء معنا أنت وضيفك. فذهبوا جميعا إلى بيت القينة. فلما أتوا بالغداء قال لهم سعيد: إني رجل أسود، ولعل فيكم من يقذرني، فأنا أجلس وآكل ناحيةً وقام؛ فأستحيوا منه وبعثوا له بما أكل. فلما صاروا إلى الشراب قال لهم مثل ذلك ففعلوا. ثم أخرجوا جاريتين، فجلستا على سرير قد وضع لهما فغنتا إلى العشاء ثم دخلتا؛ وخرجت جارية حسنة الوجه والهيئة وهما معها فجلستا أسفل السرير عن يمينه وشماله ولجست هي على السرير. قال أبن مسجح: فتمثلت هذا البيت:\rفقلت أشمسٌ أم مصابيح بيعةٍ ... بدت لك خلف السّجف أم أنت حالم","part":1,"page":476},{"id":477,"text":"فغضبت الجارية وقالت: أيضرب مثل هذا الأسود بي الأمثال ! فنظروا إلي نظراً منكرا، ولم يزالوا يسكنونها. ثم غنت صوتا. قال ابن مسجح: فقلت: أحسنت والله ! فغضب مولاها وقال: أمثل هذا الأسود يقدم على جاريتي ! فقال لي الرجل الذي أنزلني عنده: قم فأنصرف إلى منزلي، فقد ثقلت على القوم. فذهبت أقوم. فتذمم القوم وقالوا: بل أقم وأحسن أدبك: فأقمت. فغنت، فقلت: أخطأت والله وأسأت ! ثم أندفعت فغنيت الصوت؛ فوثبت الجارية فقالت لمولاها: هذا أبو عثمان سعيد بن مسجح. فقلت: إي والله، أنا هو، والله لا أقيم عندكم ووثبت؛ فثوب القرشيون: فقال هذا: تكون عندي، وقال هذا: تكون عندي، وقال هذا: بل عندي، فقلت: والله لا أقيم إلا عند سيدكم ! يعني الرجل الذي أنزله منهم وسألوه عما أقدمه. فأخبرهم. فقال له صاحبه: إني أسمر الليلة عند أمير المؤمنين، فهل تحسن أن تحدو ؟ فقال: لا والله، ولكني أصنع حداءً. فقال له: إن منزلي بحذاء منزل أمير المؤمنين، فإذا وافقت منه طيب نفس أرسلت إليك. ومضى إلى عبد الملك. فلما رآه طيب النفس أرسل إلى أبن مسجح؛ فأخرج رأسه من وراء شرف القصر ثم حدا:\rإنك يا معاد يأبن الفضّل ... إن زلزل الأقدام لم تزلزل\rعن دين موسى والكتاب المنزل ... تقيم أصداغ القرون الميلّ\rللحق حتى ينتحوا للأعدل\rفقال عبد الملك للقرشي: من هذا ؟ فقال: رجل حجازي قدم علي. قال: أحضره، فأحضره. ثم قال له: هل تغني غناء الركبان ؟ فغنى. فقال له: هل تغني الغناء المتقن ؟ قال نعم. قال: هيه، فغنى؛ فأهتز عبد الملك طرباً، ثم قال: أقسم بالله إن لك في القوم أسما كبيرا، من أنت ؟ ويلك! قال: أنا المظفوم المقبوض ماله المسير عن وطنه سعيد بن مسجح، قبض مالي عامل الحجاز ونفاني. فتبسم عبد الملك ثم قال: قد وضح عذر فتيان قريش في أن ينفقوا عليك أموالهم؛ وأمنه ووصله وكتب إلى عامله بالحجاز أن أردد إليه ماله، ولا تتعرض إليه بسوء. والله أعلم.\rأخبار سائب خاثر\rهو أبو جعفل سائب بن يسار، مولى لبني ليث. وأصله من فيء كسرى، وأشتراه عبد الله بن جعفر فأعتقه. وقيل: بل كان على ولائه لبني ليث، ولكنه أنقطع إلى عبد الله بن جعفر ولزمه وعرف به. وهو أول من عمل العود بالمدينة وغنى به. قال: وكان عبد الله بن عامر بن كريز سبي إماءً صناجات فأتى بهن المدينة. فكن يلعبن في يوم الجمعة ويسمع الناس منهن، فأخذ عنهن. وقدم رجل فارسي يعرف بنشيط، فغنى، فعجب عبد الله بن جعفر منه. فقال له سائب خاثر: أنا أصنع لك مثل غناء هذا الفارسي بالعربية. ثم غدا علي عبد الله بن جعفر وقد عمل في:\rلمن الديار رسومها قفر ... لعبت بها الأرواح والقطر\rوخلالها من بعد ساكنها ... حججٌ مضين ثمانٍ أو عشر\rوالزعفران على ترائبها ... شرقٌ به اللّبات والنحر\rقال أبن الكلبي: وهو أول صوت غنى به ف الإسلام من الغناء العربي المتقن الصنعة. قال: ثم أشترى عبد الله بن جعفر نشيطا بعد ذلك؛ فأخذ عنه سائب خاثر الغناء العربي، وأخذ عنه أبن سريج وجميلة ومعبد وعزة الميلاء وغيرهم. وقيل: إنه لم يكن يضرب بالعود وإنما كان يقرع بالقضيب ويغني مرتجلا. قال أبن الكلبي: وكان سائب تاجرا موسرا يبيع الطعام بالمدينة، وكان تحته أربع نسوة. وكان أنقطاعه إلى عبد الله بن جعفر، وهو مع ذلك يخالط سروات الناس وأشرافهم لظرفه وحلاوته وحسن صوته. وكان قد آلى على نفسه ألا يغني أ؛دا سوى عبد الله بن جعفر إلا أن يكون خليفةً أو ولي عهد أو أبن خليفة؛ فكان على ذلك إلى أن قتل، على ما نذكره. وأخذ عنه معبد غناء كثيرا. قال: وسمع معاوية غناء سائب خاثر مرارا، فالمرة الأولى لما وفد عبد الله بن جعفر إلى معاوية وهو معه، فسأل عنه معاوية، فأخبره عبد الله خبره وأستأذنه في دخوله عليه، فأذن له. فلما دخل قام على الباب ثم رفع صوته فغنى: لمن الديار رسومها قفر الأبيات","part":1,"page":477},{"id":478,"text":"فالتفت معاوية إلى عبد الله وقال: أشهد لقد حسنه. وقضى معاوية حوائجه وأحسن إليه ووصله. وقيل: أشرف معاوية ليلةً على منزل يزيد، فسمع صوتا أعجبه، وأستخفه السماع فأستمع حتى مل؛ ثم دعا بكرسي فجلس عليه وأشتهى الأستزادة، فاستمع بقية ليلته. فلما أصبح غدا عليه يزيد؛ فقال: يا بني، من كان جليسك البارحة ؟ قال: أي جليس يا أمير المؤمنين ؟ وأستعجم عليه. فقال: عرفني به فإنه لم يخف علي شيء من أمرك. قال: هو سائب خاثر. قال معاوية: فأكثر له يا بني من برك وصلتك، فما رأيت بمجالسته بأسا.\rقال أبن الكلبي: وقدم معاوية المدينة في بعض ما كان يقدم، فأمر حاجبه بالإذن للناس؛ فخرج ثم رجع فقال: ما بالباب أحد. فقال معاوية: وأين الناس ؟ قال: عند عبد الله بن جعفر. فركب معاوية بغلته ثم توجه إليهم. فلما جلس قال بعض القرشيين لسائب خاثر: مطرفي هذا لك إن أندفعت تغنى وكان المطرف من خز؛ فقام بين السماطين وغنى فقال:\rلنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدةٍ دما\rفسمع منه معاوية طرب وأصغى إليه حتى سكت وهو مستحسن لذلك، ثم أنصرف، وأخذ سائب خاثر المطرف.\rوكان مقتل سائب خاثر بالمدينة يوم الحرة. قال: وكان يخشى على نفسه من أهل الشام. فخرج إليهم وجعل يقول: أنا مغنٍ، ومن حالي ومن قصتي كيت وكيت، وقد خدمت أمير المؤمنين يزيد وأباه قبله. فقالوا له: إن لنا، ففعل. فقام أحدهم فقال: أحسنت والله، ثم ضربه بالسيف فقتله. وبلغ يزيد خبره ومر به أسمه في أسماء من قتل فلم يعرفه وقال: من سائب خاثر ؟ فعرف به، فقال: ويله ما له وما لنا ! ألم نحسن إليه ونصله ونخلطه بأنفسنا ! فما الذي حمله على عداوتنا ! لا جرم أن بغيه علينا صرعه. وقيل: إنه لما بلغه قتله قال: إنا لله ! أو بلغ القتل إلى سائب خاثر وطبقته ! ما أرى أنه بقي بالمدينة أحد، وقال. فبحكم الله يأهل الشام ! تجدهم وجدوه في حائط أو حديقة مستترا فقتلوه. وقد قيل: إنه تقدم يوم الحرة وقاتل حتى قتل. والله أعلم.\rأخبار طويس\rهو عيسى بن عبد الله. وكنيته أبو عبد المنعم، وغيرها المخنثون فقالوا: أبو عبد النعيم. وطويس لقبٌ غلب عليه، وقيل: أسمه طاوس، مولى بني مخزوم. وكان أيضا يلقب بالذائب؛ لأنه غنى:\rقد براني الحبّ حتى ... كدت من وجدت أذوب\rوهذا أول غناء غناه وهزجٍ هزجه. وقد ضرب المثل به في الشؤم فقالوا: أشأم من طويس لأنه ولد يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفطم يوم مات أبو بكر رضي الله عنه، وختن يوم مات عمر رضي الله عنه، وتزوج يوم قتل عثمان، وولد له يوم مات علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان مخنثا أحول طويلا؛ وقيل: إنه ولد ذاهب العين اليمني. قالوا: وكانت أمه تمشي بين نساء الأنصار بالنمائم. وطويس أول من صنع الهزم والرمل في الإسلام، وكان الناس يضربون به المثل فيقولون: أهزج من طويس. وكان لا يضرب بالعود وإنما ينقر بالدف. وكان ظريفا عالما بأمر المدينة وأنساب أهلها.\rحكى أبو الفرج الأصفهاني بسنده إلى المدائني قال: قدم أبن سريح المدينة، فجلس يوما في جماعة وهم يقولون له: أنت والله أحسن الناس غناء، إذ مر بهم طويس فسمعهم وما يقولون، فأستل دفه من حضنه ونقره وغنى؛ فلما سمعه أبن سريج قال: هذا والله أحسن الناس غناءً لا أنا. وقال المدائني، قال مسلمة أبن محارب: حدثني رجل من أصحابنا قال: خرجنا في سفر ومعنا رجلٌ من أصحابنا فانتهينا إلى واد، فدعونا بالغداء، فمد الرجل يده إلى الطعام فلم يقدر عيه، وكان قبل ذلك يأكل معنا؛ فخرجنا نسأل عن حاله فنلقي رجلا طويلا أحول مضطرب الخلق في زي الأعراب؛ فقال لنا: مالكم ؟ فأنكرنا سؤاله لنا؛ فأخبرناه خبر الرجل فقال: ما أسم صاحبكم ؟ فقلنا: أسيد؛ فقال: هذا واد قد أخذت سباعه فارتحلوا، فلو قد جاوزتم الوادي أستمر صاحبكم وأسد وأكل. قلنا في أنفسنا: هو من الجن، ودخلتنا فزعة. ففهم ذلك وقال: ليفرخ روعكم فأنا طويس. فقال له رجل منا: مرحباً بك أبا عبد النعيم، ما هذا الزي ؟! فقال: دعاني بعض أودائي من الأعراب فخرجت إليهم وأحببت أن أتخطى الأحياء فلا ينكروني. فسأله رجل منا أن يغنينا؛ فأندفع ونقر بدفٍ كان معه مربع، فلقد خيل لي أن الوادي ينطق معه حسناً. وتعجبنا من علمه وما أخبرنا به من أمر صاحبنا.","part":1,"page":478},{"id":479,"text":"قال المدائني: وكان طويس ولعاً بالشعر الذي قالته الأوس والخزرج في حروبهم، وكان يريد بذلك الإغراء؛ فقل مجلسٌ أجتمع فيه هذان الحيان فغنى فيه طويس إلا وقع فيه شيء. فنهى عن ذلك، فقال: والله لا تركت الغناء بشعر الأنصار حتى يوسدوني التراب؛ وذلك لكثرة تولع القوم به، وكان يبدي السرائر ويخرج الضغائن؛ وغناؤه يستحسن ولا يصبر عن حديثه.\rوحكى الأصبهاني عفا الله عنه قال: كان بالمدينة مخنث يقال له النغاشي. فقيل لمروان بن الحكم: إنه لا يقرأ من كتاب الله تعالى شيئا. فبعث إليه فاستقرأه أم الكتاب؛ فقال: والله ما معي بناتها، أو ما أقرأ البنات فكيف أقرأ أمهن ! فقال: أتهزأ لا أم لك ! فأمر به فقتل ببطحان، وقال: من جاءني بمخنث فله عشرة دنانير. فأتي طويس وهو في بني الحارث بن الخزرج فأخبر بمقالة مروان؛ فقال: أما فضلني الأمير عليهم بفضلٍ حتى جعل في وفيهم شيئا واحدا !. ثم خرج حتى نزل السويداء على ليلتين من المدينة في طريق الشام فنزلها، فلم يزل بها بقية عمره. وعمر حتى مات في ولاية الوليد بن عبد الملك. ثم ساق الأصفهاني هذه القصة في موضع آخر بسند آخر قال: خرج يحيى بن الحكم وهو أمير على المدينة، فبصر بشخص في السبخة مما يلي مسجد الأحزاب؛ فلما نظر إلى يحيى جلس؛ فاستراب به، فوجه إليه أعوانه، فأتي به كأنه أمرأة في ثياب مصبغة مصقولة وهو ممتشط مختضب. فقال له أعوانه: هذا أبن نغاشٍ المخنث. فقال: ما أحسبك تقرأ من كتاب الله تعالى شيئا ! اقرأ أم القرآن؛ فقال: لو عرفت أمهن عرفت البنات. فأمر به فضربت عنقه. وساق نحو ما تقدم، إلا أنه قال: جعل في كل مخنث ثلثمائة درهم.\rوحكى أيضا بسند رفعه إلى صالح بن كيسان وغيره: أن أبان بن عثمان لما أمره عبد الملك على الحجاز أقبل، حتى إذا دنا من المدينة تلقاه أهلها وخرج إليه أشرافها، فخرج معهم طويس. فلما رآه سلم عليه، ثم قال له: أيها الأمير، إني كنت قد أعطيت الله تعالى عهداً إن رأيتك أميراً لأخضبن يدي إلى المرفقين ثم أزدو بالدف بين يديك. ثم أبدي عن دفه وتغني بشعر ذي جدنٍ الحميري:\rما بال أهلك يا رباب ... خزراً كأنهم غضاب\rفطرب أبان حتى كاد يطير، ثم جعل يقول: حسبك يا طاوس ! ولم يقل له طويس لنبله في عينه ثم قال له: أجلس، فجلس. فقال له أبان: قد زعموا أنك كافر. فقال له: جعلت فداءك ! والله إني لأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصلي الخمس وأصوم رمضان وأحج البيت. قال: أفأنت أكبر أم عمرو بن عثمان ؟ وكان عمرو أخا أبان لأبيه وأمه فقال طويس: جعلت فداءك ! أنا والله مع جلائل نساء قومي أمسك بذيولهن يوم زفت أمك المباركة إلى أبيك الطيب. فاستحيا أبان ورمى بطرفه إلى الأرض.\rأخبار عبد الله بن سريج\rهو أبو يحيى عبد الله بن سريج، مولى بني نوفل بن عبد مناف. وقال أبن الكلبي: إنه مولى لبني الحارث بن عبد المطلب. وقيل: إنه مولى لبني ليث، ومنزله بمكة. وقال الحسن بن عتبة اللهبي: إنه مولى لبني عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. وحكى أبو الفرج الأصبهاني أنه كان آدم أحمر ظاهر الدم سناطا، في عينيه قبلٌ، وبلغ خمسا وثمانين سنة، وكان منقطعا إلى عبد الله بن جعفر.\rونقل أيضا عن أبن الكلبي أنه كان مخنثا أحول أعمش، يلقب وجه البا. وكان لا يغني إلا متنقبا، مسبل القناع على وجهه. قال: وكان أحسن الناس غناء، وكان يغني مرتجلا ويوقع بقضيب، وقيل: كان يضرب بالعود. وغنى في زمن عثمان بن عفان، ومات في خلافة هشام بن عبد الملك. وقيل: كان أسمه عبيد بن سريج من أهل مكة. وقال أبن جريج: كان عبيد بن سريج مولى آل خالد بن أسيد، وقيل: كان أبوه تركيا. وقيل: كان عوده على صنعة عيدان الفرس، وهو أول من ضرب به على الغناء العربي بمكة؛ وذلك أنه رآه مع العجم الذين قدم بهم أبن الزبير لبناء الكعبة، فأعجب أهل مكة غناؤهم. فقال أبن سريج: أنا أضرب به على غنائي، فضرب به فكان أحذق الناس. وأخذ الغناء عن سعيد بن مسجح، وقد تقدم ذكر ذلك. وأول ما أشتهر بالغناء في ختان أبن مولاه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين. قال أبن سريج لأم الغلام: خفضي عليك بعض المغرم والكلفة، فوالله لألهين نساءك حتى لا يدرين ما جئت به. وكان معبد إذا أعجبه غناء نفسه قال: أنا اليوم سريجي.","part":1,"page":479},{"id":480,"text":"ومن أخباره أيضا أن عطاء بن أبي رباح لقيه بذي طوىً وعليه ثياب مصبغة وفي يده جرادة مشدودة الرجل بخيط يطيرها ويجنبها كلما تخلفت؛ فقال له عطاء: يا فتان، ألا تكف عما أنت فيه ! كفى الله الناس مئونتك. فقال له أبن سريج: وما على الناس من تلويني ثيابي ولعبي بجرادتي ! فقال: تغنيهم أغانيك الخبيثة. فقال له أبن سريج: بحق من تبعته من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحق رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك إلا سمعت مني بيتا من الشعر، فإن سمعت منكراً أمرتني بالإمساك عما أنا عليه، وأنا أقسم بالله وبحق هذه البنية إن أمرتني بعد أستماعك مني بالإمساك عما أنا عليه لأفعلن. فأطمع ذلك عطاءً في أبن سريج وقال له: قل. فأندفع يغني بشعر جرير:\rإنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلاً بعينك لا يزال معينا\rغيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا\rقال: فلما سمعه عطاء أضطرب أضطرابا شديدا وداخلته أريحيةٌ، فحلف ألا يكلم أحداً بقية يومه إلا بهذا الشعر، وصار إلى مكانه من المسجد الحرام، فكان كل من يأتيه يسأل عن حلال أو حرام أو خبر لا يجيبه إلا بأن يضرب إحدى يديه على الأخرى وينشد هذا الشعر حتى صلى المغرب، ولم يعاود أبن سريج بعدها ولا تعرض له.\rوحكى عنه أيضا أن عمر بن أبي ربيعة حج في عام من الأعوام ومعه أبن سريج، فلما رموا الجمرات تقدما الحاج إلى كثيب على خمسة أميال من مكة مشرفٍ على طريق المدينة وطريق الشام والعراق، وهو كثيب شامخ مفرد عن الكثبان، فصارا إليه فأكلا وشربا. فلما أنتشيا أخذ أبن سريج الدف فنقره وجعل يتغنى وهم ينظرون إلى الحاج. فلما أمسيا رفع أبن سريج صوته وتغنى بشعر لعمر بن أبي ربيعة، فسمعه الركبان، فجعلوا يصيحون به: يا صاحب الصوت، أما تتقي الله ! قد حبست الناس عن مناكسهم، فيسكت قليلا حتى إذا مضوا رفع صوته فيقف آخرون؛ إلى أن وقف عليه في الليل رجل حسن الهيئة على فرس عتيق حتى وقف بأصل الكثيب، ثم نادى: يا صاحب الصوت، أيسهل عليك أن تردد شيئا مما سمعته منك ؟ قال: نعم ونعمة عينٍ، فأيها تريد ؟ فأقترح صوتا فغناه. ثم قال له أبن سريج: ازدد إن شئت؛ فأقترح صوتاً آخر فغناه، فقال له: والثالث ولا أستزيدك، فغناه الثالث. وقال له أبن سريج: أبقيت لك حاجة ؟ قال نعم، تنزل لأخاطبك؛ فنزل إليه فإذا هو يزيد ابن عبد الملك، فأعطاه حلته وخاتمه وقال: خذهما ولا تخدع فيهما فإن شراءهما ألف وخمسمائة دينار؛ فعاد أبن سريج بهما فأعطاهما لعمر بن أبي ربيعة وقال: هما بك أشبه منهما بي، فأخذهما وعوضه عنهما ثلثمائة دينار؛ وغدا فيهما إلى المسجد، فعرفهما الناس وجعلوا يتعجبون ويسألون عمر عنهما، فيخبرهم أن يزيد بن عبد الملك كساه ذلك. وقيل: إن عمر بن عبد العزيز مر به فسمع أبن سريج وهو يغني، فقال: لله در هذا الصوت لو كان بالقرآن !.\rقال إبراهيم بن المهدي: كان أبن سريج رجلا عاقلا أديبا، وكان يعاشر الناس بما يشتهون فلا يغنيهم بما مدح به أعداؤهم ولا بما فيه عارٌ عليهم أو غضاضة منهم.\rومن أخباره ما حكاه أبو الفرج الأصبهاني بإسناده، قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عامل مكة أن أشخص إلي أبن سريج فأشخصه إليه. فلما قدم مكث أياما لا يدعوه ولا يلتفت إليه، ثم ذكره فأستحضره، فدخل عليه وسلم فأذن له بالجلوس وأستدناه حتى كان قريبا منه؛ فقال: ويحك يا عبيد ! لقد بلغني عنك ما حملني على الوفادة بك من كثرة أدبك وجودة أختيارك مع ظرف لسانك وحلاوة مجلسك. قال: جعلت فداءك يا أمير المؤمنين ! تسمع بالمعيدي لا أن تراه، قال الوليد: إني لأرجو ألا تكون أنت ذاك، ثم قال: هات ما عندك؛ فأندفع يغني بشعر الأحوص:\rوإنّي إذا حلّت ببيشٍ مقيمة ... وحلّ بوجٍّ جالساً أو تتهّما\rيمانيةٌ شطّت وأصبح نفعها ... رجاءً وظنّاً بالمغيب مرجّما\rأحبّ دنوّ الدّار منها وقد أبى ... بها صدع شعب الدار إلاّ تثلّما\rبكاها وما يدري سوى الظنّ ما بكى ... أحيّاً يبكّي أم تراباً وأعظما\rفدعها وأخلف للخليفة مدحةً ... تزل عنك بؤسي أو تفيدك مغنما","part":1,"page":480},{"id":481,"text":"فإن بكفّيه مفاتيح رحمةٍ ... وغيث حياً يحيا به الناس مرهما\rإمامٌ أتاه الملك عفواً ولم يثب ... على ملكه مالا حراماً ولا دما\rتخيّره ربّ العباد لخلقه ... وليّاً وكان الله بالناس أعلما\rينال الغنى والعزّ من نال ودّه ... ويرهب موتاً عاجلا من تشأما\rفقال الوليد: أحسنت والله وأحسن الأحوص. ثم قال: يا عبيد هيه ! فغناه بشعر عدي بن الرقاع العاملي يمدح الوليد:\rطار الكرى وألمّ الهمّ فأكتنعا ... وحيل بيني وبين النوم فأمتنعا\rكان الشباب قناعاً أستكنّ به ... وأستظّل زماناً ثمّت أنقشعا\rوأستبدل الرأس شيباً بعد داجيةٍ ... فينانةٍ ما ترى في صدغها نزعا\rفإن تكن ميعةٌ من باطل ذهبت ... وأعقب الله بعد الصّبوة الورعا\rفقد أبيت أراعي الخود رابيةً ... على الوسائد مسروراً بها ولعا\rبرّاقة الثغر يشفي القلب لذّتها ... إذا مقبلّها في ريقها كرعا\rكالأقحوان بضاحي الروض صبّحه ... غيثٌ أرشّ بتنضاحٍ وما نقعا\rصلى الذي الصلوات الطيّبات له ... والمؤمنون إذا ما جمّعوا الجمعا\rعلى الذي سبق الأقوام ضاحيةً ... بالأجر والحمد حتى صاحباه معا\rهو الذي جمع الرحمن أمّته ... على يديه وكانوا قبله شيعا\rعدنا بذي العرش أن نحيا ونفقده ... وأن نكون لراعٍ بعده تبعا\rإن الوليد أمير المؤمنين له ... ملك أعان عليك الله فارتفعا\rلا يمنع الله ما أعطى الذي هم ... له عباد ولا يعطون ما منعا\rفقال الوليد: صدقت يا عبيد، أنى لك هذا ؟ قال: هو من عند الله. قال الوليد: لو غير هذا قلت لأحسنت أدبك. قال أبن سريج: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء قال الوليد: يزيد في الخلق ما يشاء. قال أبن سريج: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر. قال الوليد: لعلمك والله أكثر وأعجب إلي من غنائك ! غنني؛ فغناه بشعر عدي بن الرقاع يمدح الوليد فقال:\rعرف الدّيار توهما فأعتادها ... من بعد ما شمل البلي أبلادها\rإلا رواسي كلهنّ قد أصطلى ... جمراً وأشعل أهلها إيقادها\rكانت رواحل للقدور فعرّيت ... منهنّ وأستلب الزمان رمادها\rوتنكرت كلّ التنكّر بعدنا ... والأرض تعرف بعلها وجمادها\rولربّ واضحة العوارض حرّة ... كالرّيم قد ضربت به أوتادها\rتصطاد بهجتها المعلّل بالصبا ... عرضاً فتقصده ولن يصطادها\rكالظّبية البكر الفريدة ترتعي ... من أرضها قفّاتها وعهادها\rخضبت لها عقد البراق جبينها ... من عركها علجانها وعرادها\rكالزّين في وجه العروس تبذّلت ... بعد الحياء فلاعبت أرآدها\rتزجى أغنّ كأن إبرة روقه ... قلمٌ أصاب من الدّواة مدادها\rركبت به من عالج متحيّرا ... قفراً تريّث وحشه أولادها\rفترى محانيه التي تسق الثرى ... والهبر يونق نبتها روّادها\rبانت سعاد وأخلفت ميعادها ... وتباعدت عنا لتمنع زادها\rإني إذا ما لم تصلني خلّتي ... وتباعدت عنّي أغتفرت بعادها\rإمّا ترى شيبي تقشّع لمّتي ... حتى علا وضحٌ يلوح سوادها\rفلقد ثنيت يد الفتاة وسادةً ... لي جاعلا يسرى يديّ وسادها\rوأصاحب الجيش العرمرم فارساً ... في الخيل أشهد كرّها وطرادها\rوقصيدةٍ قد بتّ أجمع بينها ... حتى أقوّم ميلها وسنادها\rنظر المثقّف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها\rفسترت عيب معيشتي بتكرّمٍ ... وأتيت في سعة النعيم سدادها\rوعلمت حتى ما أسائل واحداً ... عن عليم واحدةٍ لكي أزدادها","part":1,"page":481},{"id":482,"text":"صلّى الإله على أمرئ ودّعته ... وأتمّ نعمته عليه وزادها\rوإذا الربيع تتابعت أنواؤه ... فسقى خناصرة الأحصّ فجادها\rنزل الوليد بها فكان لأهلها ... غيثاً أغاث أنيسها وبلادها\rأولا ترى أن البريّة كلّها ... ألقت خزائمها إليه فقادها\rولقد أراد الله إذ ولاّكها ... من أمّةٍ إصلاحها ورشادها\rأعمرت أرض المسلمين فأقبلت ... وكففت عنها من يروم فسادها\rوأصبت في أرض العدة مصيبةً ... عمّت أقاصي غورها ونجادها\rظفراً ونصراً ما تناول مثله ... أحدٌ من الخلفاء كان أرادها\rفإذا نشرت له الثناء وجدته ... جمع المكارم طرفها وتلادها\rغلب المساميح الوليد سماحةً ... وكفى قريش المعضلات وسادها\rتأتيه أسلاب الاعزّة عنوةً ... قسراً ويجمع للحروب عتادها\rوإذا رأى نار العدوّ تضرّمت ... سامي جماعة أهلها فأقتادها\rبعرمرمٍ تبدو الرّوابي ذي وعىً ... كالحرّة أحتمل الضحى أطوادها\rأطفأت ناراً للحروب وأوقدت ... نارٌ قدحت براحتيك زنادها\rفبدت بصيرتها لمن يبغي الهدى ... وأصاب حرّ شديدها حسّادها\rوإذا غدا يوماً بنفحة نائل ... عرضت له الغد مثلها فأعادها\rوإذا عدت خيلٌ تبادر غايةً ... فالسابق الجالي يقود جيادها\rفأشار الوليد إلى بعض الخدم فغطوه بالخلع، ووضعوا بين يديه كيس الدنانير وبدر الدراهم، ثم قال الوليد: يا مولى بني نوفل بن الحارث لقد أوتيت أمراً جليلا فقال أبن سريج: وأنت يا أمير المؤمنين لقد آتاك الله ملكا عظيما وشرفاً عاليا وعزا بسط يدك فيه فلم يقبضه عنك ولا يفعل إن شاء الله، فأدام الله لك ما ولاك وحفظك فيما أسترعاك، فإنك أهل لما أعطاك، ولا ينزعه منك إذ رآك له موضعا. قال: يا نوفلي، وخطيبٌ أيضا ! قال أبن سريج: عنك نطقت، وبلسانك تكلمت، وبعزك بينت، وكان قد أمر بإحضار الأحوص بن محمد الأنصاري وعدي بن الرقاع العاملي، فلما قدما عليه أمر بإنزالهما حيث أبن سريج فأنزلا منزلا بجوار منزله. فقالا: والله لقرب أمير المؤمنين كان أحب إلينا من قربك يا مولى بني نوفل، وإن في قربك لما يلذنا ويشغلنا عن كثير مما نريد. فقال لهما أبن سريج: أو قلة شكر ! فقال له عدي: كأنك يا بن اللخناء تمن علينا، علي وعلي إن جمعنا وإياك سقف بيت أو صحن دار عند أمير المؤمنين، فقال الأحوص: أولا تحتمل لأبي يحيى الزلة والهفوة، وكفارة يمينٍ خيرٌ من لجاج في غير منفعة. فتحول عدي وبقي الأحوص. وبلغ الوليد ما جرى بينهم، فدعا أبن سريج فأدخله بيتاً وأرخى دونه ستراً ثم أمره إذا فرغ الأحوص وعديٌ من كلمتيهما أن يغني، فلما دخلا وأنشداه مدائح لهما فيه، رفع أبن سريج صوته من حيث لا يرونه وضرب بعود. فقال عدي: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي أن أتكلم ؟ قال: قل يا عاملي، قال: مثل هذا عند أمير المؤمنين ويبعث إلى أبن سريج يتخطى رقاب قريشٍ والعرب من تهامة إلى الشام ترفعه أرضٌ وتخفضه أخرى ليسمع غناءه ّ قال: ويحك يا عدي ! أولا تعرف هذا الصوت ؟ قال: لا والله ما سمعته قط ولا سمعت مثله، ولولا أنه في مجلس أمير المؤمنين لقلت طائفةٌ من الجن يتغنون، فقال: أخرج عليهم، فخرج فإذا أبن سريج. فقال عدي: حق لهذا أن يحمل ! حق لهذا أن يحمل ! ثلاثا، ثم أمر لهما بمثل ما أمر به لأبن سريج وأرتحل القوم.\rوروى أبو الفرج أيضا عن سهل بن بركة وكان يحمل عود أبن سريج قال:","part":1,"page":482},{"id":483,"text":"كان على مكة نافع بن علقمة الكناني فشدد في الغناء والمغنين والنبيذ ونادى في المخنثين. فخرج فتيةٌ من قريش إلى بطن محسر وبعثوا برسول لهم، فجاءهم براويةٍ من شراب الطائف، فلما شربوا وطربوا قالوا: لو كان معنا أبن سريج تم سرورنا، فقلت: هو علي لكم، فقال لي بعضهم: دونك هذه البغلة فاركبها وأمض إليه، فأتيته فأخبرته بمكان القوم وطلبهم إياه؛ فقال لي: ويحك ! وكيف لي بذلك مع شدة السلطان في الغناء وندائه فيه. فقلت له: أتردهم ؟ قال: لا والله ! فكيف لي بالعود؛ فقلت: أنا أخبؤه لك فشأنك. فركب وسترت العود فأردفني. فلما كنا ببعض الطريق إذا بنافع بن علقمة قد أقبل؛ فقال لي: يا أبن بركة، هذا الأمير. فقلت له: لا بأس عليك ! أرسل عنان البغلة وأمض ولا تخف، ففعل. فلما حاذيناه عرفني ولم يعرف أبن سريج، فقال لي. يا أبن بركة، من هذا أمامك ؟ قلت: من ينبغي أن يكون ! هذا أبن سريج؛ فتبسم ثم تمثل:\rفإن تنج منها يا أبان مسلّماً ... فقد أفلت الحّجاج خيل شبيب\rثم مضى ومضينا. فلما كنا قريبا من القوم نزل إلى شجرة يستريح. فقلت له: غنني مرتجلا؛ فرفع صوته فخيل إلي أن الشجرة تنطق معه، فغنى وقال:\rكيف الثّواء ببطن مكة بعدما ... همّ الذين تحبّ بالإنجاد\rأم كيف قلبك إذ ثويت مخمّراً ... سقماً خلافهم وكربك بادي\rهل أنت إن ظعن الأحبّة غادى ... أم قبل ذلك مدلجٌ بسواد\rقال: فقلت: أحسنت والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ! ولو أن كنانة كلها سمعتك لأستحسنتك، فكيف بنافع بن علقمة ! المغرور من غره نافع. ثم قلت: زدني وإن كان القوم متعلقة قلوبهم بك؛ فغنى وتناول عودا من الشجرة فوقع به على الشجرة؛ فكان صوت الشجرة أحسن من خفق بطون الضأن على العيدان إذا أخذتها عيدان الدملى، وغنى:\rلا تجمعي هجراً عليّ وغربةً ... فالهجر في تلف المحبّ سريع\rمن ذا فديتك يستطيع لحبه ... دفعاً إذا أشتملت عليه ضلوع\rفقلت: بنفسي أنت والله، من لا يكلّ ولا يملّ ! والله ما جهل من فهمك، اركب بنا فدتك نفسي. قال: أمهلني كما أمهلتك أقض بعض شأني. فقلت: وهل عما تريد مدفعٌ !. فقام فصلى ركعتين ثم ضرب بيده إلى الشجرة وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. ثم مضينا والقوم مستشرفون. فلما دنونا منهم إذا الغريض يغنيهم:\rمن خيل حيٍّ لا تزال مغيرةً ... سمعت على شرف صحيل حصان\rفبكى أبن سريج حتى ظننت أن نفسه قد خرجت. فقلت: ما يبكيك يا أبا يحيى ؟ جعلت فداك لا يسوءك الله ولا يريك سوءاً ! قال: أبكاني هذا المهنث بحسن غنائه وشجا صوته، والله ما ينبغي لأحد أن يغني وهذا الصبي حيٌ؛ ثم نزل وأستراح وركب. فلما سرنا هنيهةً أندفع الغريض يغني لهم بلحنه:\rيا خليليّ قد مللت ثوائي ... بالمصلّى وقد سئمت البقيعا\rبلّغاني ديار هندٍ وسعدى ... وأرجعاني فقد هويت الرجوعا\rقال: ولصوته دويٌ في تلك الجبال. فقال أبن سريج: يا أبن بركة، أسمعت مثل هذا الغناء قط؟! قال: ونظروا إلينا فأقبلوا نشاوى يسحبون أعطافهم وجعلوا يقبلون وجه أبن سريج. فنزل فأقام عندهم ثلاثاً، والغريض لا ينطق بحرف، وأخذوا في شرابهم وقالوا: يا حبيب النفس وشقيقها، أعطها بعض شأنها. فضرب بيده إلى جيبه فأخرج منه مضراباً ثم أخذه بيده ووضع العود في حجره فما رأيت يداً أحسن من يده ولا خشبةً تخيلت لي أنها جوهرةٌ إلا هي ثم ضرب فلقد ضج القوم جميعا؛ ثم غنى فكلٌ قال: لبيك لبيك ! فكان مما غنى به واللحن له هزجٌ:\rلبّيك يا سيّدتي ... لبّيك ألفاً عددا\rلبّيك من ظالمةٍ ... أحببتها مجتهدا\rقومي إلى ملعبنا ... نحك الجواري الخرّدا\rوضع يدٍ فوق يدٍ ... نرفعها يداً يدا\rفكلٌ قال: نفعل ذاك؛ فلقد رأيتنا نستبق أينا تقع يده على يده. ثم غنى:\rما هاج شوقك بالصّرائم ... ربعٌ أحال لآل عاصم\rربعٌ تقادم عهده ... هاج المحبّ على التقادم\rفيه النواعم والشبا ... ب النّاعمون مع النواعم\rمن كل واضحة الجبي ... ن عميمةٍ ريّا المعاصم","part":1,"page":483},{"id":484,"text":"ثم غنى بقوله:\rشجاني مغاني الحيّ وأنشقّت العصا ... وصاح غربا البين أنت مريض\rففاضت دموعي عند ذاك صبابةً ... وفيهنّ خودٌ كالمهاة غضيض\rوولّيت محزون الفؤاد مروّعاً ... كئيباً ودمعي في الرداء يفيض\rقال: فلقد رأيت جماعةً من الطير وقعن بقربنا وما نحس من قبل ذلك منها شيئا. فقالت الجماعة: يا تمام السرور وكمال المجالس، لقد سعد من أخذ بحظه منك وخاب من حرمك، يا حياة القلوب ونسيم النفوس جعلنا الله فداءك، غننا. فغنى:\rيا هند إنك لو علم ... ت بعاذلين تتابعا\rقال: فبدرت من بينهم فقبلت عينيه، فتهافت القوم عليه يقبلونه، ولقد رأيتني وأنا أرفعهم عنه شفقةً عليه.\rوكانت وفاة أبن سريج بالعلة التي أصابته من الجذام بمكة في خلافة سليمان ابن عبد الملك أو في خلافة الوليد، ودفن في موضع يقال له دسم. رحمة الله عليه وعفا عنه وغفر له. والحمد لله رب العالمين.\rحكى أنه لما أحتضر نظر إلى أبنته تبكي فبكى وقال: إنه من أكبر همي أنت وأخشى أن تضيعي بعدي. فقالت: لا تخف فما غنيت شيئا إلا وأنا أغنيه. فقال: هاتي، فأندفعت فغنت وهو مصغ إليها. فقال: قد أصبت ما في نفسي وهونت علي أمرك. ثم دعا سعيد بن مسعود الهذلي فزوجه إياها؛ فأخذ أكثر غناء أبيها وأنتحله.\rأخبار معبد\rهو معبد بن وهب، وقيل: أبن قطني مولى أبن قطن؛ وقيل: إن قطنا مولى العاص بن واقصة المخزومي، وقيل: مولى معاوية بن أبي سفيان. غنى معبد في أيام بني أمية في أوائلها، ومات في أيام الوليد بن يزيد بدمشق.\rقال أبو الفرج الأصفهاني: إنه لما مات خرجت سلامة جارية الوليد بن يزيد بن عبد الملك وأخذت بعمود السرير والناس ينظرون إليها وهي تندبه وتقول شعر الأحوص:\rقد لعمري بتّ ليلي ... كأخي الداء الوجيع\rونجىّ الهمّ منّي ... بات أدنى من نجيعي\rكلما أبصرت ربعاً ... خالياً فاضت دموعي\rقد خلا من سيّدٍ كا ... ن لنا غير مضيع\rلا تلمنا إن خشعنا ... أو هممنا بخشوع\rوكان معبد قد علمها هذا الصوت فندبته به. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: كان معبد من أحسن الناس غناءً، وأجودهم صنعة، وأحسنهم حلقاً؛ وهو إمام أهل المدينة في الغناء، وأخذ عن سائب خاثرٍ ونشيط الفارسي مولى عبد الله بن جعفر، وعن جميلة مولاة بهز بطن من بني سليم. وفي معبدٍ يقول الشاعر:\rأجاد طويسٌ والسّريجيّ بعده ... وما قصبات السّبق إلا لمعبد\rوحكى أبو الفرج أيضا: أن الوليد بن يزيد أشتاق إلى معبد، فوجه إليه البريد إلى المدينة فأحضره. فلما بلغ الوليد قدومه أمر ببركة ملئت ماء ورد وخلط بمسك وزعفران، ثم جلس الوليد على حافة البركة وفرش لمعبدٍ مقابله وضرب بينهما سترٌ ليس معهما ثالث. وجيء بمعبد فقيل له: سلم على أمير المؤمنين وأجلس في هذا الموضع؛ فسلم فرد عليه من خلف السجف، ثم قال له: أتدري لم وجهت إليك ؟ قال: الله أعلم وأمير المؤمنين. قال: ذكرتك فأحببت أن أسمع منك. فقال له معبد: أأغني ما حضر أو ما يقترحه أمير المؤمنين ؟ قال: بل غن:\rما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عدّاء\rفغناه. فرفع الجواري السجف، ثم خرج الوليد فألقى نفسه في البركة فغاص فيها، ثم خرج منها، فأستقبله الجواري بثياب غير الثياب التي كانت عليه، ثم شرب وسقى معبداً ثم قال له: غنني يا معبد:\rيا ربع مالك لا تجيب متيّماً ... قد عاج نحوك زائراً ومسلّما\rجادتك كلّ سحابةٍ هطّالةٍ ... حتى ترى عن زهرةٍ متبسّما\rلو كنت تدري من دعاك أجبته ... وبكيت من حرقٍ عليه إذاً دما\rقال: فغناه. وأقبل الجواري فرفعن الستر، وخرج الوليد فألقى نفسه في البركة فغاص فيها ثم خرج، فلبس ثياباً غير تلك الثياب، ثم شرب وسقى معبداً وقال له: غنني يا معبد:\rعجبت لمّا رأتني ... أندب الربع المحيلا\rواقفاً في الدار أبكي ... لا أرى إلاّ الطلولا\rكيف تبكي لأناسٍ ... لا ميلّون الذّميلا","part":1,"page":484},{"id":485,"text":"كلما قلت أطمأنت ... دارهم جدّوا الرحيلا\rقال: فلما غناه ألقى نفسه في البركة ثم خرج فردوا عليه ثيابه، ثم شرب وسقى معبدا وقال له: يا معبد، من أراد أن يزداد حظوةً عند الملوك فليكتم أسرارهم. فقال: ذلك مما لا يحتاج أمير المؤمنين إلى إيصائي به. فقال الوليد: يا غلام أحمل إلى معبد عشرة آلاف دينار تحصل له في بلده وألفي دينار لنفقة طريقه؛ فحملت إليه كلها، وحمل على البريد من وقته إلى المدينة. وقد قيل: إنه أعطاه في ذلك المجلس خمسة عشر ألف دينار.\rوقال أبو الفرج بسند رفعه: إن معبدا كان قد علم جاريةً من جواري الحجاز الغناء تدعى طيبة وعنى بتخريجها؛ فأشتراها رجل من أهل العراق وأخرجها إلى البصرة وباعها هناك، فأشتراها رجل من أهل الأهواز فأعجب بها وذهبت به كل مذهبٍ وغلبت عليه، ثم ماتت بعد أن أقامت عنده برهةً من الزمان؛ فأخذ جواريه أكثر غنائها عنها. فكان لمحبته إياها وأسفه عليها لا يزال يسأل عن أخبار معبد وأين مستقره، ويظهر التعصب له والميل إليه والتقديم لغنائه على سائر الأغاني من أهل عصره، إلى أن عرف ذلك منه وبلغ معبداً خبره. فخرج من مكة حتى أتى البصرة؛ فلما وردها صادف الرجل قد خرج عنها في ذلك الوقت واليوم إلى الأهواز. فجاء معبدٌ في طلب سفينة تحمله إلى الأهواز، فلم يجد غير سفينة الرجل، فركب فيها وكلاهما لا يعرف الآخر؛ وأنحدرت السفينة. فلما صاروا بفم نهر الأبلة، أمر الرجل جواريه بالغناء فغنين، إلى أن غنت إحداهن صوتا من غناء معبد فلم تجد أداءه؛ فصاح بها معبد: يا جارية، إن غناءك هذا ليس بمستقيم. فقال مولاها وقد غضب: وأنت ما يدريك الغناء ما هو ! ألا تمسك وتلزم شأنك ! فأمسك. ثم غنت أصواتا من غناء غيره وهو ساكتٌ لا يتكلم حتى غنت من غنائه فأخلت ببعضه؛ فقال لها معبد: يا جارية، قد أخللت بهذا الصوت إخلالا كثيرا. فغضب الرجل وقال له: ويلك ! ما أنت والغناء ! ألا تكف عن هذا الفضول ! فأمسك معبدٌ. وغنى الجواري ملياً؛ ثم غنت إحداهن صوتاً من غنائه فلم تصنع فيه شيئاً. فقال لها معبد: يا هذه، أما تقومين على أداء صوتٍ واحد ! فغضب الرجل وقال له: ما أراك تدع هذا الفضول بوجهٍ ولا حيلةٍ ! فأقسم بالله إن عاودت لأخرجنك من السفينة. فأمسك معبدٌ، حتى سكتت الجواري سكتةً، فاندفع يغني الصوت الأول حتى فرغ منه. فصاح الجواري: أحسنت والله يا رجل، فأعده. قال: لا والله ولا كرامة. ثم أندفع يغني الثاني؛ فقلن لسيدهن: ويحك ! هذا والله أحسن الناس غناءً، فسله أن يعيده علينا ولو مرة واحدة لعلنا نأخذه منه، فإنه إن فاتنا لم نجد مثله أبدا. قال: قد سمعتن سوء رده عليكن وأنا خائف مثله منه، وقد أستقبلناه بالإساءة، فأصبر، حتى نداريه. قال: ثم غنى الثالث فزلزل عليهم الأرض. فوثب الرجل فقبل رأسه، وقال: يا سيدي أخطانا عليك ولم نعرف موضعك. فقال له: وهبك لم تعرف موضعي، قد كان ينبغي لك أن تتثبت ولا تسرع إلى سوء العشرة وجفاء القول. فلم يزل يرفق به حتى نزل إليه، وكان معبدٌ قد أجلس في مؤخر السفينة. فقال له الرجل: ممن أخذت هذا الغناء ؟ قال: من بعض أهل الحجاز، فمن أين أخذه جواريك ؟ قال: أخذنه من جارية كانت لي، كانت قد أخذت الغناء عن أبي عباد معبد وكانت تحل مني مكان الروح من الجسد، ثم أستأثر الله بها وبقي هؤلاء الجواري وهن من تعليمها، فأنا إلى الآن أتعصب لمعبد وأفضله على المغنين جميعا، وأفضل صنعته على كل صنعة. فقال له معبد: وإنك لأنت هو ! أفتعرفني ؟ قال لا. قال: فصك معبد بيده صلعته ثم قال: فأنا والله معبدٌ وإليك قدمت من الحجاز ووافيت البصرة ساعة نزلت السفينة لأقصدك بالأهواز، ووالله لا قصرت في جواريك هؤلاء ولأجعلن لك في كل واحدة خلفاً من الماضية. فأكب الرجل والجواري على يده ورجليه يقبلونها ويقولون: كتمتنا نفسك حتى جفوناك في المخاطبة وأسأنا عشرتك وأنت سيدنا ومن نتمنى أن نلقاه. ثم غير الرجل أثواب معبد وخلع عليه عدة خلع وأعطاه في ذلك الوقت ثلثمائة دينار وطيباً وهدايا مثلها، وأنحدر معه إلى الأهواز فأقام عنده حتى رضي حذق جواريه، ثم ودعه وأنصرف إلى الحجاز.\rأخبار الغريض\rوما يتصل بها من أخبار عائشة بنت طلحة","part":1,"page":485},{"id":486,"text":"هو عبد الملك، وكنيته أبو زيد، وقيل: أبو مروان، والغريض لقبٌ لقب به؛ لأنه كان طري الوجه نضراً غض الشباب حسن المنظر، فلقب بذلك. والغريض: الطري من كل شيء. وقال أبن الكلبي: شبه بالإغريض وهو الجمار ثم ثقل ذلك على الألسنة فحذفت الألف فقيل: الغريض. وهو من مولدي البربر. وولاؤه للثريا صاحبة عمر بن أبي ربيعة وأخواتها الرضيا وقريبة وأم عثمان بنات علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر. قالوا: وكان يضرب بالعود وينقر بالدف ويوقع بالقضيب. وكان قبل الغناء خياطا. وأخذ الغناء في أول أمره عن عبيد بن سريج، لأنه كان قد خدمه؛ فلما رأى أبن سريج طبعه وظرفه وحلاوة منطقه، خشى أن يأخذ غناءه فيغلبه عليه ويفوقه بحسن وجهه، وحسده، فأعتل عليه وشكاه إلى مولياته، وكن دفعنه إليه ليعلمه الغناء، وجعل يتجنى عليه ثم طرده. فعرف مولياته غرض أبن سريج فيه وأنه حسده؛ فقلن له: هل لك أن تسمع نوحنا على قتلانا فتأخذه وتغني عليه ؟ قال نعم. فأسمعنه المراثي فأحتذاها وخرج غناءه عليها. وكان ينوح مع ذلك فيدخل المأتم وتضرب دونه الحجب ثم ينوح فيفتن كل من سمعه. فلما كثر غناؤه عدل الناس إليه لما كان فيه من الشجا؛ فكان أبن سريج لا يغني صوتا إلا عارضه فيه فيغني فيه لحنا آخر. فلما رأى أبن سريج موقع الغريض اشتد عليه وحسده، فغنى الأرمال والأهزاج، فأشتهاها الناس. فقال له الغريض: يا أبا يحيى قصرت الغناء وحذفته. قال: نعم يا مخنث حين جعلت تنوح على أبيك وأمك. قال: ولم يفضل أبن سريج عليه إلا بالسبق، وأما غير ذلك فلا.\rوقال بعضهم: كان الغريض أشجى غناءً، وأبن سريج أحكم صنعةً. وحكى أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه إلى أيوب بن عباية عن مولى لآل الغريض قال: حدثني بعض مولياتي وقد ذكرن الغريض فترحمن عليه وقلن: جاءنا يوما فحدثنا بحديث أنكرناه عليه ثم عرفناه بعد ذلك حقيقةً. قالت: وكان أبن سريج بجوارنا فدفعناه إليه ولقن الغناء، وكان من أحسن الناس صوتاً، ففتن أهل مكة بحسن وجهه مع حسن صوته. فلما رأى ذلك أبن سريج نحاه عنه. فكان بعض مولياته تعلمه النياحة فبرز فيها. فجاءني يوما فقال: نهتني الجن أن أنوح وأسمعتني صوتا عجيبا، فقد أبتنيت عليه لحناً فأسمعيه مني، فأندفع فغنى بصوتٍ عجيبٍ في شعرٍ لمرار الأسدي:\rحلفت لها بالله ما بين ذي الغضا ... وهضب القنان من عوانٍ ومن بكر\rأحبّ إلينا منك دلاّ وما نرى ... به عند ليلى من ثواب ولا أجر\rقالت: فكذبناه وقلنا: شيءٌ فكر فيه وأخرجه على هذا الجنس. فكان في كل يوم يأتينا فيقول: سمعت البارحة صوتاً من الجن بترجيع وتقطيع، فقد بنيت عليه صوت كذا وكذا بشعر فلان، فلم يزل على ذلك ونحن ننكر عليه. فإنا لكذلك ليلةً وقد أجتمع جماعةٌ من نساء أهل مكة في جمع لنا سمرنا فيه ليلتنا والغريض يغنينا بشعر عمر بن أبي ربيعة حيث يقول:\rأمن آل زينب جدّ البكور ... نعم فلأيّ هواها تصير\rإذ سمعنا في بعض الليل عزيفاً عجيبا وأصواتا ذعرتنا وأفزعتنا. فقال لنا الغريض: إن في هذه الأصوات صوتاً إذا نمت سمعته وأصبح أبني عليه غنائي؛ فأصغينا إليه فإذا نغمته نغمة الغريض بعينها، فصدقناه تلك الليلة.\rوكانت وفاة الغريض باليمن في خلافة سليمان بن عبد الملك أو عمر بن عبد العزيز، وكان قد هرب من نافع بن علقمة لما ولي مكة من مكة إلى اليمن وأستوطنها ومات بها.\rوللغريض أخبارٌ مستظرفة وحكايات مستحسنة قد رأينا أن نثبت في هذا الموضع ما سنقف عليه إن شاء الله تعالى.\rفمن ذلك ما حكاه أبو الفرج الأصبهاني في كتابه المترجم بالأغاني في أخبار الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي، بعد أن ساق قطعة من أخباره مع عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، وأنه كان يهواها ويشبب بها في شعره، ثم قال في أثناء ذلك: لما قدمت عائشة بنت طلحة مكة أرسل إليها الحارث وهو أمير مكة يومئذ، وكان وليها من قبل عبد الملك بن مروان، فأرسل إليها: إني أريد السلام عليك؛ فإذا خف ذلك عليك أذنت، وكان الرسول الغريض. فأرسلت إليه: إنا حرمٌ، فإذا أحللنا أذناك. فلما أحلت خرجت سراً على بغلتها، ولحقها الغريض بعسفان أو قريب منه ومعه كتاب الحارث إليها، وفيه:\rما ضرّكم لو قلتم سدداً ... إنّ المطايا عاجلٌ غدها","part":1,"page":486},{"id":487,"text":"ولها علينا نعمةٌ سلفت ... لسنا على الأيام نجحدها\rلو أتممت أسباب نعمتها ... تمّت بذلك عندنا يدها\rفلما قرأت الكتاب قالت: ما يدع الحارث باطله !. ثم قالت للغريض: هل أحدثت شيئا ؟ قال: نعم فأسمعي، ثم أندفع يغني في هذا الشعر. فقالت عائشة: والله ما قلنا إلا سدداً ولا أردنا إلا أن نشتري لسانه؛ وأتسحسنت الشعر، وأمرت للغريض بخمسة آلاف درهم وأثوابٍ، وقالت: زدني. فغنى في قول الحارث أيضا حيث يقول:\rزعموا بأنّ البين بعد غدٍ ... فالقلب ممّا أحدثوا يجف\rوالعين منذ أجدّ بينهم ... مثل الجمان دموعها تكف\rنشكو وتشكو ما أشتّ بنا ... كلٌّ بوشك البين معترف\rومقالها ودموعها سجمٌ ... أقلل حنينك حين تنصرف\rفقالت عائشة: يا غريض، بحقي عليك أهو أمرك أن تغنيني في هذا الشعر ؟ قال: لا وحياتك يا سيدتي؛ فأمرت له بخمسة آلاف درهم، ثم قالت: غنني في غير شعره؛ فغناها بشعر عمر بن أبي ربيعة وكان عمر قد سأله ذلك فقال:\rأجمعت خلّتي مع الهجر بينا ... جلّل الله ذلك الوجه زينا\rأجمعت بينها ولم نك منها ... لذّة العيش والشباب قضينا\rفتولّت حمولها وأستقلّت ... لم تنل طائلاً ولم تقض دينا\rولقد قلت يوم مكّة لمّا ... أرسلت تقرأ السلام علينا\rأنعم الله بالرسول الذي أر ... سل والمرسل الرسالة عينا\rقال: فضحكت ثم قالت: وأنت يا غريض فأنعم الله بك عيناً وأنعم بأبن أبي ربيعة عينا، لقد تلطفت حتى أديت إينا رسالته، وإن وفاءك له لمما يزيدنا رغبةً فيك وثقةً بك. وكان عمر سأل الغريض أن يغنيها بشعره هذا لأنه كان قد ترك ذكرها لما غضبت بنو تيم من ذلك، فلم يحب التصريح بها وكره إغفار ذكرها. فقال له عمر بن أبي ربيعة: إن أبلغتها هذه الأبيات في غناءٍ فلك خمسة آلاف درهم، فوفي له، وأمرت له عائشة بخمسة آلاف درهم. ثم أنصرف الغريض من عندها، فلقي عاتكة بنت يزيد بن معاوية أمرأة عبد الملك بن مروان وقد كانت حجت في تلك السنة؛ فقال لها جواريها: هذا الغريض. فقالت لهن: علي به؛ فجئن به إليها. قال الغريض: فلما دخلت سلمت فردت علي وسألتني عن الخبر، فقصصته عليها. فقالت: غنني بما غنيتها به، ففعلت؛ فلم أرها تهش لذلك؛ فغنيتها معرضا ومذكرا بنفسي في شعر مرة بن محكان السعدي يخاطب أمرأته وقد نزل به أضياف:\rأقول والضيف مخشيٌّ ذمامته ... على الكريم وحقّ الضيف قد وجبا\rيا ربّة البيت قومي غير صاغرةٍ ... ضمّي إليك رحال القوم والقربا\rفي ليلةٍ من جمادى ذات أنديةٍ ... لا يبصر الكلب في ظلمائها الطّنبا\rلا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يلفّ على خيشومه الذّنبا\rفقالت وهي مبتسمة: نعم وقد وجب حقك يا غريض، فغنني؛ فغنيتها:\rيا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت في العظم\rوسلبتنا ما لست مخلفه ... يا دهر ما أنصفت في الحكم\rلو كان لي قرنٌ أناضله ... ما طاش عند حفيظةٍ سهمي\rلو كان يعطى النّصف قلت له ... أحرزت قسمك فاله عن قسمي\rفقالت: نعطيك النصف فلا يضيع سهمك عندنا ونجزل لك قسمك، وأمرت له بخمسة آلاف درهم وثياب عدنيةٍ وغير ذلك من الألطاف. قال الغريض: فأتيت الحارث بن خالد فأخبرته الخبر وقصصت عليه القصة؛ فأمر لي بمثل ما أمرتا لي جميعا؛ وأتيت أبن أبي ربيعة فأعلمته بما جرى، فأمر لي بمثل ذلك. فما أنصرف أحدٌ من ذلك الموسم بمثل ما أنصرفت به: نظرة من عائشة، ونظرة من عاتكة وهما أجمل نساء عالمهما وبما أمرتا لي به، والمنزلة عند الحارث وهو أمير مكة وأبن أبي ربيعة وما أجازاني به جميعا من المال.\rولنصل هذا الفصل بشيء من أخبار عائشة بنت طلحة؛ لأن الشيء بالشيء يذكر.","part":1,"page":487},{"id":488,"text":"هي عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم. وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وكانت عائشة لا تستر وجهها من أحد. فعاتبها مصعب في ذلك فقالت: إن الله تبارك وتعالى وسمني بميسم جمال أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضلي عليهم فما كنت لأسترهن ووالله ما في وصمةٌ يقدر أن يذكرني بها أحد.\rقال أبو الفرج الأصبهاني: وكانت شرسة الخلق، وكذلك نساء بني تيم، هن أشرس خلق الله خلقا وأحظاهن عند أزواجهن. قال: وآلت عائشة من زوجها مصعب بن الزبير، فقالت: أنت علي كظهر أمي، وقعدت في غرفةٍ وهيأت ما يصلحها. فجهد مصعبٌ أن تكلمه فأبت. فعبث إليها أبن قيس الرقيات فسألها كلامه. فقالت: كيف بيميني ؟ فقال: ها هنا الشعبي فقيه أهل العراق فأستفتيه. فدخل الشعبي عليها فأخبرته؛ فقال: ليس هذا بشيء؛ فأمرت له بأربعة آلاف درهم.\rوحكى أبو الفرج أن مصعب بن الزبير لما عزم على زواج عائشة بنت طلحة، جاء هو وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وسعيد بن العاص إلى عزة الميلاء وكانت عزة هذه يألفها الأشراف وغيرهم من أهل المروءات، وكانت من أظرف الناس وأعلمهم بأمور النساء فقالوا لها: إنا خطبنا فأنظري لنا. فقالت لمصعب: يا أبن أبي عبد الله، ومن خطبت ؟ قال: عائشة بنت طلحة. قالت: فأنت يا أبن أبي أحيحة ؟ قال: عائشة بنت عثمان بن عفان. قالت: فأنت يا أبن الصديق ؟ قال: أم الهيثم بنت زكريا بن طلحة. فقالت: يا جارية، هاتي منقلي تعني خفيا، فلبستهما وخرجت ومعها خادمٌ لها، فبدأت بعائشة بنت طلحة، فقالت: فديتك، كنا في مأدبة أو مأتم لقريش، فتذاكروا جمال النساء وخلقهن فذكروك فلم أدر كيف أصفك، فديتك، فألقي ثيابك؛ ففعلت فأقبلت وأدبرت فأريج كل شيء منها. فقالت لها عزة: خذي ثوبك. فقالت عائشة: قد قضيت حاجتك وبقيت حاجتي. فقالت عزة: وما هي ؟ فديتك ! قالت: تغنيني صوتا. فأندفعت تغني لحنها في شعرٍ لجميل بن عبد الله بن معمر العذري:\rخليليّ عوجا بالمحلّة من جمل ... وأترابها بين الأصيفر فالحبل\rنقفٌ بمغانٍ قد عفا رسمها البلي ... تعاقبها الأيام بالرّيح والوبل\rفلو درج النّمل الصغار بجلدها ... لأندب أعلى جلدها مدرج النّمل\rوأحسن خلق الله جيداً ومقلةً ... تشبّه في النسوان بالشادن الطّفل\rفقبلت عائشة ما بين عينيها ودعت لها بعشرة أثواب وطرائف من أنواع الفضة، فدفعته إلى مولاتها. وأتت النسوة على مثل ذلك تقول ذلك لهن. ثم اتت القوم في السقيفة. فقالوا: ما صنعت؟ فقالت: يا أبن أبي عبد الله، أما عائشة فلا والله ما رأيت مثلها مقبلةً ولا مدبرة، محطوطة المتنين، عظيمة العجيزة، ممتلئة الترائب، نقية الثغر وصفحة الوجه، فرعاء الشعر، ممتلئة الصدر، خميصة البطن ذات عكنٍ، ضخمة السرة، مسرولة الساق، يريج ما بين أعلاها إلى قدميها؛ وفيها عيبان، أما أحدهما فيواريه الخمار، وأما الآخر فيواريه الخف: عظم الأذن والقدم. وكانت عائشة بنت طلحة كذلك. ثم قالت عزة: وأما أنت يا أبن أبي أحيحة فإني والله ما رأيت مثل خلق عائشة بنت عثمان لأمرأةٍ قط ! ليس فيها عيب والله لكأنما أفرغت إفراغاً ولكن في الوجه ردةٌ، وإن أستشرتني أشرت عليك. قال: هات. قالت: عليك بوجه تستأنس به. وأما أنت يا أبن الصديق: فوالله ما رأيت مثل أم الهيثم، كأنها خوط بانة تنثني، أو كأنها جانٌ يتثنى على رمل، لو شئت أن تعقد طرفيها لفعلت، ولكنها شختة الصدر وأنت عريض الصدر، فإذا كان كذلك كان قبيحاً، لا والله حتى يملأ كل شيء مثله. قال: فوصلها الرجال والنساء وتزوجوهن.\rوحكى أبو الفرج أيضا: أن مصعب بن الزبير إنما تزوجها بعد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر. وقال: وكانت عائشة بنت طلحة تشبه بخالتها عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فزوجتها عائشة من أبن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وهو أول من تزوجها. ولم تلد عائشة بنت طلحة من أحد من أزواجها غيره، ولدت له عمران وبه كانت تكنى، وعبد الرحمن وأبا بكر وطلحة ونفيسة، ولكل من هؤلاء عقبٌ. وأنا من عقب طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر من ولده ليث ابن طلحة. وليس هذا موضع سرد نسبي فأسرده.","part":1,"page":488},{"id":489,"text":"قال أبو الفرج: وصارمت عائشة بنت طلحة زوجها عبد الله بن عبد الرحمن وخرجت من داره مغضبة تريد عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. فرآها أبو هريرة فسبح الله تعالى وقال: كأنها من الحور العين. فمكثت عند عائشة قريبا من أربعة أشهر. وكان عبد الله قد آلى منها؛ فأرسلت عائشة إليه: إني أخاف عليك الإيلاء؛ فضمها إليه وكان مولياً منها. فقيل له: طلقها؛ فقال:\rيقولون طلّقها لأصبح ثاوياً ... مقيماً عليّ الهمّ، أحلام نائم\rوإنّ فراقي أهل بيت أحبّهم ... لهم زلفةٌ عندي لإحدى العظائم\rوتوفي عبد الله بعد ذلك وهي عنده، فما فتحت فاها عليه؛ وكانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تعد هذا عليها في ذنوبها التي تعددها. ثم تزوجها بعده مصعب بن الزبير، فمهرها خمسمائة ألف درهم وأهدى لها مثل ذلك.\rوكانت عائشة تمتنع على مصعب في غالب الأوقات. فحكى أنه دخل عليها يوما وهي نائمة ومعه ثماني لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار، فأنبهها ونثر اللؤلؤ في حجرها. فقالت: نومتي كانت أحب إلي من هذا اللؤلؤ. ولم تزل حالها معه على مثل ذلك حتى شكا ذلك إلى كاتبه أبن أبي فروة. فقال له: أنا أكفيك هذا إن أذنت لي. قال: نعم ! افعل ما شئت. فأتاها ليلاً ومعه أسودان فأستأذن عليها. فقالت: أفي مثل هذه الساعة ؟ قال نعم؛ فأذنت له فدخل. فقال للأسودين: أحفرا ها هنا بئرا. فقالت له جاريتها: وما تصنع بالبئر ؟ قال: شؤم مولاتك، أمرني هذا الظالم أن أدفنها حية، وهو أسفك خلق الله لدمٍ حرام. قالت عائشة: فأنظرني أذهب إليه؛ قال: هيهات لا سبيل إلى ذلك، وقال للأسودين: أحفرا. فلما رأت الجد منه بكت وقالت: يا أبن أبي فروة، إنك لقاتلي ما منه بد ؟ قال: نعم، وإني لأعلم أن الله عز وجل سيخزيه بعدك، ولكنه قد غضب وهو كافر الغضب. قالت: وفي أي شيء غضبه ؟ قال: من أمتناعك عليه وقد ظن أنك تبغضينه وتتطلعين إلى غيره، فقد جن. فقالت: أنشدك الله إلا عاودته. قال: أخاف أن يقتلني؛ فبكت وبكى جواريها. فقال لها: قد رققت لك وحلف لها إنه يغرر بنفسه، وقال لها: فما أقول ؟ قالت: تضمن له عني أني لا أعود أبداً. قال: فمالي عندك ؟ قالت: قيامٌ بحقك ما عشت. قال: فأعطيني المواثيق فأعطته. فقال للأسودين: مكانكما. أتى مصعباً فأخبره. فقال: أستوثق منها بالأيمان؛ فأستوثق منها ففعلت، وصلحت بعد ذلك لمصعب.\rقال: وكان مصعب من أشد الناس إعجاباً بها. ولم يكن لها شبيه في زمانها حسنا وديانةً وجمالا وهيئةً وشارةً وعفة، وإنها دعت يوماً نسوةً من قريش، فلما جئنها أجلستهن في مجلس قد نضد فيه الريحان والفواكه والطيب والمجامر، وخلعت على كل أمرأة منهن خلعة من الوشي والحز ونحو ذلك، ودعت عزة الميلاء ففعلت بها مثل ذلك وأضعفته؛ ثم قالت لعزة: هات يا عزة فغنينا. فغنتهن في شعر أمرئ القيس فقالت:\rوثغر أغرّ شنيب اللّثات ... لذيذ المقبّل والمبتسم\rوما ذقته غير ظنٍّ به ... وبالظنّ يقضي عليك الحكم\rوكان مصعب قريباً منهن ومعه إخوانٌ له، فقام فأنتقل حتى دنا منهن والستور مسبلةٌ، فصاح بها: يا هذه، إنا قد ذقناه فوجدناه على ما وصفت، فبارك الله فيك يا عزة. ثم أرسل إلى عائشة: أما أنت فلا سبيل لنا إليك مع من عندك، وأما عزة فتأذنين لها أن تغنينا هذا الصوت ثم تعود إليك، ففعلت وخرجت عزة إليهم فغنتهم هذا الصوت مراراً، وكاد مصعب أن يذهب عقله فرحا. ثم قال لها: يا عزة، إنك لتحسنين القول والوصف، وأمرها بالعود إلى مجلسها.","part":1,"page":489},{"id":490,"text":"قال: ولم تزل عند مصعب حتى قتل عنها. فخطبها بشر بن مروان، وقدم عمر أبن عبيد الله بن معمر التيمي من الشام فنزل الكوفة، فبلغه أن بشراً خطبها، فأرسل إليها جارية لها وقال: قولي لأبنة عمي: ابن عمك يقرئك السلام ويقول لك: أنا خير لك من هذا المبسور المطحول، وأنا أبن عمك أحق بك، وإن تزوجت بك ملأت بيتك خيراً. فتزوجته فبني عليها بالحيرة، فمهدت له سبعة أفرشة عرضها أربع أذرع؛ فأصبح ليلة بني بها عن تسعة. فلقيته مولاة لها فقالت: أبا حفص، فديتك ؟! قد كملت في كل شيء حتى في هذا. وقيل إنه لما تزوجها حمل إليها ألف ألف درهم، خمسمائة ألف مهر، وخمسمائة ألف هدية، وقال لمولاتها: لك علي ألف دينار إن دخلت بها الليلة، وأمر بالمال فحمل فألقي في الدار وغطى بالثياب؛ وخرجت عائشة فقالت لمولاتها: ما هذا ؟ أفرشٌ أم ثيابٌ ؟ قالت: انظري إليه؛ فنظرت فإذا هو مال، فتبسمت. فقالت الجارية: أجزاء من حمل هذا المال أن يبيت عزبا ! قالت: لا والله، ولكن لا يجوز دخوله إلا بعد أن أتزين له وأستعد. قالت: وماذا ؟ فوالله لوجهك أحسن من كل زينة وما تمدين يديك إلى طيب أو ثوب أو مال أو فراش إلا وهو عندك، وقد عزمت عليك أن تأذني له. فقالت: أفعلي. فذهبت إليه فقالت له: بت بنا الليلة. فجاءهم عند العشاء الآخرة فأدني إليه طعام فأكل الطعام كله حتى أعرى الخوان وغسل يده وسأل عن المتوضأ فأخبر به، فقام فتوضأ وقام يصلي حتى ضاق صدري ونمت، ثم قال: أعليكم آذن ؟ قلت: نعم فأدخل، فأدخلته وأسبلت الستر عليهما. فلما أصبحنا وقفت على رأسه فقال: أتقولين شيئا ؟ قلت: نعم والله ما رأيت مثلك ! فضحك وضرب بيده على منكب عائشة وقال لها: كيف رأيت أبن عمك ؟ فضحكت وغطت وجهها وقالت:\rقد رأيناك فلم تحل لنا ... وبلوناك فلم نرض الخبر\rومكثت عائشة عند عمر بن عبيد الله ثماني سنين حتى مات سنة أثنتين وثمانين. ولما مات ندبته قائمةً، ولم تندب أحداً قبله من أزواجها إلا جالسة. فقيل لها في ذلك فقالت: إنه كان أكرمهم علي وأمسهم بي رحماً، فأردت ألا أتزوج بعده. وكانت المرأة إذا ندبت زوجها قائمةً لا تتزوج بعده أبدا. ولم تتزوج عائشة بنت طلحة بعد زوجها عمر بن عبيد الله.\rومن أخبار عائشة بنت طلحة أيضا ما رواه أبو الفرج الأصفهاني بسنده إلى يزيد أبن عياض، قال: استأذنت عاتكة بنت يزيد بن معاوية عبد الملك في الحج، فأذن لها وقال: أرفعي حوائجك وأستظهري، فإن عائشة بنت طلحة تحج، ففعلت وتجهزت بهيئة جهدت فيها. فلما كانت بين مكة والمدينة إذا موكبٌ قد جاء فضغطها وفرق جماعتها؛ فقالت: أرى هذه عائشة بنت طلحة، فسألت عنها، فقالوا: هذه جاريتها. ثم جاء موكب آخر أعظم من ذلك، فقالوا: عائشة عائشة، فضغطهم فسألت عنها، فقالوا: هذه ما شطتها. ثم جاءت مواكب على هذا لحاشيتها، ثم اقبلت في ثلثمائة راحلة عليها القباب والهوادج؛ فقالت عاتكة: ما عند الله خير وأبقى. قال: ووفدت عائشة بنت طلحة على هشام بن عبد الملك، فقال لها: ما أوفدك ؟ قالت: حبست السماء مطرها ومنع السلطان الحق. قال: فأنا أصل رحمك وأعرف حقك. ثم بعث إلى مشايخ بني أمية فقال: إن عائشة عندي فأسمروا عندي الليلة فحضروا؛ فما تذاكروا شيئا من أخبار العرب وأشعارها وآثارها إلا أفاضت معهم فيه، وما طلع نجمٌ ولا غار إلا أسمته. فقال لها هشام: أما الأول فلا أنكره، وأما النجوم فمن أين لك ؟ قالت: أخذته عن خالتي عائشة رضي الله عنها؛ فأمر لها بمائة ألف درهم وردها إلى المدينة.\rقال: ولما تأيمت عائشة كانت تقيم بمكة سنة وبالمدينة سنة، وتخرج إلى مال لها بالطائف عظيم وقصرٍ لها هناك فتتنزه وتجلس فيه بالعشيات، فتتناضل بين يديها الرماة. فمر بها النميري الشاعر، فسألت عنه فأنتسب لها؛ فقالت: أئتوني به، فجيء به. فقالت له: أنشدني مما قلت في زينب؛ فأمتنع وقال: بنت عمي وقد صارت عظاما بالية. قالت: أقسمت عليك لما فعلت؛ فأنشدها قوله:\rنزلن بفخٍّ ثم رحن عشيّةً ... يلبيّن للرحمن معتمرات\rيخمّرن أطراف الأكفّ من التّقى ... ويخرجن جنح اللّيل معتجرات\rولما رأت ركب النّميريّ راعها ... وكنّ من أن يلقينه حذرات\rتضوع مسكا بطن نعمان أن مشت ... به زينبٌ في نسوةٍ خفرات","part":1,"page":490},{"id":491,"text":"وزينب هذه هي زينب بنت يوسف الثقفي أخت الحجاج، وكان النميري يهواها ويشبب بها، وله معها أخبارٌ يطول شرحها ليس هذا موضع إيرادها قال: فقالت له عائشة لما أنشدها هذا الشعر: والله ما قلت إلا جميلا، ولا وصفت إلا كرما وطيباً ودينا وتقىً، أعطوه ألف درهم. فلما كانت الجمعة الأخرى تعرض لها، فقالت: علي به؛ فجاء فقالت له: أنشدني من شعرك في زينب؛ قال: فأنشدك من قول الحارث فيك. فوثب مواليها إليه، فقالت: دعوه فإنه أراد أن يستقيد لأبنة عمه، هات؛ فأنشدها:\rظعن الأمير بأحسن الخلق ... وغدا بلبّك مطلع الشرق\rوتنوء تثقلها عجيزتها ... نهض الضعيف ينوء بالوسق\rما صبّحت زوجاً بطلعتها ... إلا غدا بكواكب الطّلق\rبيضاء من تيم كلفت بها ... هذا الجنون وليس بالعشق\rفقالت: والله ما ذكر إلا جميلا، ذكر أني إذا صبحت زوجا بوجهي غدا بكواكب الطلق، وأني غدوت مع أمير تزوجني إلى الشرق، أعطوه ألف درهم وأكسوه حلتين ولا تعد لإنياننا يا نميري؛ والله أعلم ولنرجع إلى أخبار المغنين.\rأخبار محمد بن عائشة\rيكنى أبا جعفر ولم يكن له أبٌ يعرف فنسب إلى أمه؛ وكان يزعم أن أسم أبيه جعفر. وعائشة أمه مولاةٌ لكثير بن الصلت الكندي حليف قريش، وقيل: هي مولاة لآل المطلب بن أبي وداعة السهمي. وقال أبن عائشة وقد سأله الوليد بن يزيد فقال: يا محمد ألبغيةٍ أنت ؟ : كانت أمي يا أمير المؤمنين ماشطةً وكنت غلاما، وكانت إذا دخلت إلى موضع قالت: أرفعوا هذا لأبن عائشة، فغلبت على نسبي. قالوا: وكان أبن عائشة يفتن كل من سمعه، وكان فتيان من المدينة قد فسدوا في زمانه بمحادثته ومجالسته. وأخذ عن معبد ومالك بن أبي السمح، ولم يموتا حتى ساواهما على تقديمه لهما وأعترافه بفضلهما. وكان تياهاً سيئ الخلق، إن قال له إنسان: تغن قال: ألمثلي يقال هذا ! فإن غنى وقال له إنسان: أحسنت، سكت؛ فكان قليلا ما ينتفع به.\rوكان أبن عائشة منقطعاً إلى الحسن بن الحسن، وكان الحسن مكرما له. فسأله الحسن أن يخرج معه إلى البغيبغة، فأمتنع أبن عائشة، فأقسم عليه وأظهر الجد. فلما عاين ما ظهر عليه قال: أخرج طائعا لا كارها؛ فأمر له ببغلة فركبها ومضيا إلى البغيبغة، فنزلا الشعب ثم أكلوا. وقال له: غنني، فأندفع فغناه صوتا فأستحسنه. فقال ابن عائشة: والله لا غنيتك في يومي هذا شيئا. فأقسم الحسن ألا يفارق البغيبغة ثلاثة أيام. فأغتم أبن عائشة ليمينه وندم. فلما كان في اليوم الثاني قال له: إن فقد برت يمينك؛ فنظر إلى ناقةٍ تقدم جماعة إبلٍ فأندفع يغني:\rتمرّ كجندلة المنجني ... ق يرمي بها السّور يوم القتال\rوهي أبيات لأمية بن أبي عائذ الهذلي يصف حمارا وحشياً؛ والبيت يمر بالياء. وقيل: سال العقيق مرةً فدخل عرصة سعيد بن العاص الماء حتى ملأها، فخرج الناس إليها، وخرج أبن عائشة فجلس على قرن البئر. فبينما هم كذلك إذ طلع الحسن على بغلة ومعه غلامان أسودان، فقال لهما: امضيا رويدا حتى تقفا بأصل القرن الذي عليه أبن عائشة، ففعلا ذلك. ثم ناداه الحسن: كيف أصبحت يا بن عائشة قال: بخير. قال: أنظر من تحتك، فنظر فإذا العبدان. قال: أتعرفهما ؟ قال نعم. قال: فهما حران لئن لم تغنني مائة صوت لآمرنهما بطرحك في البئر، وهما حران لئن لم يفعلا لأقطعن أيديهما. فأندفع أبن عائشة وغنى بشعر الهذلي:\rألا لله درّك من ... فتى قومٍ إذا رهبوا\rوقالوا من فتىً للحر ... ب يرقبنا ويرتقب\rفكنت فتاهم فيها ... إذا تدعى لها تثب\rذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب\rكما يعتاد ذات البوّ ... بعد سلوّها الطّرب\rعلى عبد بن زهرة بتّ ... طول الليل أنتحب\rوروى أبو الفرج الأصفهاني ببسند رفيه إلى حماد الراوية: أن الوليد بن يزيد أستقدمه من العراق إلى الشام على دواب البريد. وكان مما حكاه عنه قال: قدمت عليه فأذن لي، فدخلت فإذا هو على سريرٍ ممهد وعليه ثوبان أصفران وعنده معبدٌ ومالك بن أبي السمح وأبو كامل مولاه، فأستنشدني:\rأمن المنون وريبها تتوجّع\rفأنشدته حتى أتيت على آخرها. ثم قال: يا مالك، غنني:","part":1,"page":491},{"id":492,"text":"ألا هل هاجك الأظعا ... ن إذ جاوزن مطّلحا\rفغناه. ثم قال: غنني:\rجلا أميّة عنّي كلّ مظلمةٍ ... سهل الحجاب وأوفى بالذي وعدا\rفغناه. ثم قال: غنني:\rأتنسى إذ تودّعنا سليمى ... بفرع بشامةٍ، سقي البشام !\rفغناه؛ ثم أتاه الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين، الرجل الذي طلبت بالباب، فأذن له فدخل شابٌ لم أر أحسن وجهاً منه. فقال له: غنني:\rوهي إذ ذاك عليها مئزرٌ ... ولها بيت جوارٍ من لعب\rفغناه، فنبذ إليه الثوبين، ثم قال: غنني:\rطاف الخيال فمرحبا ... ألفاً برؤية زينبا\rفغضب معبدٌ وقال: يا أمير المؤمنين، إنا مقبلون عليك بأقدارنا وأسناننا وإنك تركتنا بمزجر الكلب وأقبلت على هذا الصبي. فقال: يا أبا عباد، ما جهلت قدرك ولا سنك، ولكن هذا الغلام طرحني في مثل الطناجير من حرارة غنائه. قال حماد: فسألت عن الغلام فقيل لي: هو أبن عائشة.\rوحكى عن شيخ من تنوخ قال: كنت صاحب ستر الوليد بن يزيد، فرأيت أبن عائشة عنده وقد غناه:\rإني رأيت صبيحة النّفر ... حوراً نفين عزيمة الصبر\rمثل الكواكب في مطالعها ... بعد العشاء أطفن بالبدر\rوخرجت أبغي الأجر محتسبا ... فرجعت موفوراً من الوزر\rفطرب الوليد حتى كفر وألحد، وقال: يا غلام، أسقنا بالسماء السابعة، ثم قال: أحسنت والله يا أميري، أعد بحق عبد الشمس فأعاد، ثم قال: أحسنت يا أميري والله، أعد بحق أمية فأعاد، ثم قال: أعد بحق فلان حتى بلغ من الملوك نفسه، فقال: أعد بحياتي فأعاده؛ فقام فأكب عليه، فلم يبق عضوٌ من أعضائه إلا قبله؛ ثم نزع ثيابه فألقاها عليه وبقي مجردا إلى أن أتوه بمثلها، ووهب له ألف دينار وحمله على بغلة وقال: أركبها بأبي أنت وأنصرف، فقد تركتني على مثل المقلى من حرارة غنائك. فركبها على بساطه وأنصرف.\rوحكى أيضا أن أبن عائشة أنصرف من عند الوليد وقد غناه:\rأبعدك معقلاً أرجو وحصناً ... قد أعيتني المعاقل والحصون\rفأمر له بثلاثين ألف درهم وبمثل كارة القصار كسوةً. فبينا أبن عائشة يسير إذ نظر إليه رجلٌ من أهل وادي القرى، وكان يشتهي الغناء ويشرب النبيذ، فقال لغلامه: من هذا الراكب ؟ قال: أبن عائشة المغني، فدنا منه فقال: جعلت فداءك ! أنت أبن عائشة أم المؤمنين ؟ قال: لا أنا مولىً لقريش وعائشة أمي، وحسبك هذا. قال: وما هذا الذي أراه بين يديك من المال والكسوة ؟ قال: غنيت أمير المؤمنين صوتا فأطربه فكفر وترك الصلاة وأمر لي بهذا المال وهذه الكسوة. قال: جعلت فداءك ! فهل تمن علي أن تسمعني ما أسمعته إياه ؟ فقال: ويلك ! أمثلي يكلم بهذا في الطريق ! قال: فما أصنع ؟ قال: ألحقني بالباب. وحرك أبن عائشة بغلته لينقطع عنه، فعدا معه حتى وافيا الباب كفرسي رهانٍ. ودخل أبن عائشة فمكث طويلا طمعاً ان يضجر فينصرف، فلم يفعل حتى أعياه. فقال لغلامه: أدخله، فلما دخل، قال له: ويلك ! من أين صبك الله علي ! قال: أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهي هذا الغناء. فقال له: هل لك فيما هو أنفع لك منه ؟ قال: وما ذاك ؟ قال: مائتا دينار وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك. فقال له: جعلت فداءك ! والله إن لي بنيةً ما في أذنها علم الله حلقةٌ من الورق فضلا عن الذهب، وإن لي زوجةً ما عليها شهد الله قميصٌ، ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الحالة والفقر اللذين عرفتكهما وأضعفت لي هذا لكان الصوت أعجب إلي. فتعجب أبن عائشة وغناه الصوت، فجعل يحرك رأسه ويطرب له طرباً شديدا حتى ظن أن عنقه ستنقصف؛ ثم خرج من عنده ولم يرزأه شيئا. وبلغ الخبر الوليد بن يزيد، فسأل أبن عائشة عنه، فجعل يغيب عن الحديث؛ فلم يزل به حتى صدقه الحديث، طلب الرجل، فطلب حتى أحضر إليه ووصله صلةً سنيةً وجعله من ندمائه ووكله بالسقي؛ فلم يزل معه حتى قتل رحمه الله.\rوعن علي بن الجهم الشاعر قال: حدثني رجل أن أبن عائشة كان واقفا بالموسم مهجرا. فمر به بعض أصحابه فقال: ما يقيمك ها هنا ؟ قال: إني أعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس ها هنا فلم يذهب أحدٌ ولم يجئ. فقال له الرجل: ومن ذاك ؟ قال: أنا؛ ثم أندفع يغني:","part":1,"page":492},{"id":493,"text":"جرت سنحاً فقلت لها أجيزي ... نوىً مشمولةً فمتى اللّقاء\rبنفسي من تذكّره سقامٌ ... أعانيه ومطلبه عناء\rقال: فحبس الناس وأضطربت المحامل ومدت الإبل أعناقها، فكادت الفتنة أن تقع. فأتي به هشام بن عبد الملك، فقال له: يا عدو الله ؟ أردت أن تفتن الناس ؟ قال: فأمسك عنه وكان تياهاً؛ فقال له هشام: ارفق بتيهك. فقال: يحق لمن كانت هذه مقدرته على القلوب أن يكون تياها ؟! فضحك هشامٌ وخلى سبيله.\rوأختلف في وفاة أبن عائشة وسببها. فقيل: كانت وفاته في أيام هشام بن عبد الملك، وقيل: في أيام الوليد بن يزيد وهو أشبه، لأنه قد تقدم أنه نادم الوليد وغناه. والذي يقول: إنه توفي في أيام هشام يزعم أنه نادم الوليد في أيام ولايته العهد. وكانت وفاته بذي خشبٍ، وهو على أميال من المدينة. قيل: كان سبب وفاته أن الغمر بن يزيد خرج إلى الشام؛ فلما نزل قصر ذي خشبٍ جلس على سطحه، فغنى أبن عائشة صوتاً طرب له الغمر، فقال: أعده فأبى، وكان لا يردد صوتا لسوء خلقه. فأمر به فطرح من أعلى السطح فمات. وقيل: بل قام من الليل يبول وهو سكران فسقط من السطح فمات. وقيل: بل كان قد رجع من عند الوليد بن يزيد، فلما قرب من المدينة نزل بذي خشب، وكان والي المدينة إبراهيم بن هشام المخزومي وكان في قصره هناك، فدعاه فأقام عنده ذلك اليوم. فلما أخذوا في الشرب أخرج المخزومي جواريه، فنظر إلى أبن عائشة وهو يغمز جاريةً منهن؛ فقال لخادمه: إذا خرج أبن عائشة يريد حاجته فأرم به من القصر، وكانوا يشربون في سطح القصر. فلما قام رماه الخادم فمات. وقيل: بل أقبل من الشام فنزل بقصر ذي خشب فشرب فيه ثم صعد إلى أعلى القصر فنظر إلى نسوة يمشين في ناحية الوادي، فقال لأصحابه: هل لكم فيهن ؟ فقالوا: وكيف لنا بهن ! فلبس ملاءةً مدلوكةً ثم قام على شرفة من شرفات القصر وتغنى بشعر أبن أذينة:\rوقد قالت لأترابٍ ... لها زهرٍ تلاقينا\rتعالين فقد طاب ... لنا العيش تعالينا\rفأقبلن عليه، فطرب وأستدار فسقط فمات، عفا الله تعالى عنه ورحمه. وقيل: بل مات بالمدينة. وأول هذه الأبيات:\rسليمى أزمعت بينا ... وأين لقاؤها أينا\rوقد قالت لأترابٍ ... لها زهرٍ تلاقينا\rتعالين فقد طاب ... لنا العيش تعالينا\rفأقبلن إليها مس ... رعات يتهادينا\rإلى مثل مهارة الرم ... ل تكسو المجلس الزّينا\rإلى خودٍ منّعمة ... حففن بها وفدّينا\rتمنّين مناهنّ ... فكنّا ما تمنّينا\rأخبار أبن محرز\rهو مسلم، وقيل: عبد الله بن محرز. ويكنى أبا الخطاب. مولى عبد الدار بن قصي. وكان أبوه من سدنة الكعبة، وأصله من الفرس. وكان يسكن المدينة مرةً ومكة مرةً. فكان إذا أتى المدينة أقام بها ثلاثة أشهر يتعلم الضرب من عزة الميلاء ثم يرجع إلى مكة فيقيم بها ثلاثة أشهر. ثم شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم. وأسقط من ذلك ما لا يستحسن من غناء الفريقين ونغمهم وأخذ محاسنها، فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتي بما لم يسمع مثله. وكان يقال له صناج العرب.\rوقيل: إنه أول من أخذ الغناء عن أبن مسجح. وهو أول من غنى بالرمل وما غنى قبله. وكان أبن محرز قليل الملابسة للناس، فأخمل ذلك ذكره. وأخذ أكثر غنائه جاريةٌ كانت لصديق له من أهل مكة كانت تألفه فأخذه الناس عنها. ومات بعلة الجذام، وكان ذلك سبب أمتناعه من معاشرة الخلفاء ومخالطة الناس.\rوحكى أنه رحل إلى العراق، فلما بلغ القادسية لقيه حنينٌ فقال له: كم منتك نفسك من العراق ؟ قال: ألف دينار؛ قال: هذه خمسمائة دينار فخذها وأنصرف وأحلف ألا تعود، ففعل. فلما شاع ما فعل حنينٌ لامه أصحابه: فقال: والله لو دخل العراق ما كان لي معه خبزٌ آكله ولأطرحت ثم سقطت إلى آخر الدهر. ولم أقف من أخبار أبن محرز على أكثر من هذا فأورده. والسلام.\rأخبار مالك بن أبي السمح","part":1,"page":493},{"id":494,"text":"هو أبو الوليد مالك بن أبي السمح. وأسم أبي السمح جابر بن ثعلبة الطائي، وأمه قرشيةٌ من بني مخزوم؛ وقيل: بل أم أبيه منهم؛ وقيل فيه: مالك بن أبي السمح بن سليمان. وكان أبوه منقطعاً إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ويتيماً في حجره أوصى به أبوه إليه. وكان مالكٌ أحول طويلا. وأخذ الغناء عن جميلة ومعبد وعمر، وأدرك الدولة العباسية. وكان منقطعاً إلى بني سليمان بن علي، ومات في خلافة أبي جعفر المنصور.\rوروى الأصفهاني بسنده إلى الورداني، قال: كان مالك بن أبي السمح المغني من طيء، فأصابتهم حطمة في بلادهم بالجبلين، فقدمت به أمه وبإخوة له وأخواتٍ أيتامٍ لا شيء لهم. وكان يسأل الناس على باب حمزة بن الزبير. وكان معبدٌ منقطعا إلى حمزة يكون عنده في كل يوم. فسمع مالكٌ غناءه فأعجبه وأشتهاه. وكان لا يفارق باب حمزة يسمع غناء معبد إلى الليل ولا يطوف بالمدينة ولا يطلب من أحد شيئا ولا يريم موضعه، فينصرف إلى أمه ولم يكسب شيئا فتضربه، وهو مع ذلك يترنم بألحان معبد فيؤديها نغماً بغير لفظ. وجعل حمزة كلما غدا أو راح رآه ملازما لبابه؛ فقال لغلامه يوما: أدخل هذا الغلام إلي فأدخله الغلام إليه؛ فقال له حمزة: من أنت ؟ قال: غلام من طيء أصابتنا حطمة بالجبلين فهبطنا إليكم ومعي أمٌ لي وإخوةٌ، وإني لزمت بابك فسمعت من دارك صوتاً أعجبني ولزمت بابك من أجله. قال: فهل تعرف منه شيئا ؟ قال: أعرف لحنه كله ولا أعرف الشعر. فقال: إن كنت صادقاً إنك لفهمٌ. ودعا بمعبد فأمره أن يغني صوتا فغناه، ثم قال لمالك: هل تستطيع أن تقوله ؟ قال نعم. قال: هاته؛ فأندفع فغناه فأدى نغمه بغير شعر، يؤدي مداته ولياته وعطفاته ونبراته ومتعلقاته لا يخرم منه حرفا. فقال لمعبد: خذ هذا الغلام إليك وخرجه فليكونن له شأنٌ. قال معبد: ولم أفعل ذلك ؟ قال: لتكون محاسنه منسوبة إليك وإلا عداك إلى غيرك فكانت محاسنه منسوبةً إليه. فقال معبد: صدق الأمير، وأنا أفعل ما أمرتني به. قال حمزة لمالك: كيف وجدت ملازمتك لبابنا ؟ قال: أرأيت إن قلت فيك غير الذي أنت له مستحق من الباطل أكنت ترضى بذلك ؟ قال لا. قال: وكذلك لا يسرك أن تحمد بما لم تفعل؛ قال نعم. قال: فوالله ما شبعت على بابك شبعةً قط، ولا أنقلبت إلى أهلي منه بخير. فأمر له ولأمه ولإخوته بمنزل وأجرى عليهم رزقاً وكسوةً وأمر لهم بخادم يخدمهم وعبدٍ يسقيهم الماء، وأجلس مالكا معه في مجالسه، وأمر معبداً أن يطارحه فلم ينشب أن مهر. فخرج مالك يوما فسمع أمرأة تنوح على زيادة الذي قتله هدبة بن خشرم والشعر لأخي زيادة :\rأبعد الذي بالنّعف نعف كويكب ... رهينة رمسٍ ذي ترابٍ وجندل\rأذكّر بالبقيا على من أصابني ... وذلك أنّي جاهدٌ غير مؤتلي\rفلا يدعني قومي لزيد بن مالكٍ ... لئن لم أعجّل ضربةً أو أعجّل\rوإلاّ أنل ثأري من اليوم أو غدٍ ... بني عمّنا فالدّهر ذو متطوّل\rأنختم علينا كلكل الحرب مرةً ... بني عمّ؟نا منيخوها عليكم بكلكل","part":1,"page":494},{"id":495,"text":"فغنى في هذا الشعر لحنين، أحدهما نحا فيه نحو المرأة في نوحها ورققه وأصلحه، والآخر نحا فيه نحو معبد في غنائه. ثم دخل على حمزة فقال له: أيها الأمير، إني قد صنعت غناءً في شعر سمعت أهل المدينة ينشدونه وقد أعجبني، فإن أذن الأمير غنيته. قال: هات؛ فغنى اللحن الذي نحا فيه نحو معبدٍ؛ فطرب حمزة وقال: أحسنت يا غلام، هذا الغناء غناء معبدٍ بطريقته. قال: لا تعجل أيها الأمير وأسمع مني شيئاً ليس من غناء معبد ولا طريقته؛ فغناء اللحن الذي تشبه فيه بنوح المرأة. فطرب حمزة حتى ألقي عليه حلةً كانت عليه قيمتها مائتا دينار. ودخل معبدٌ فرأى حلة حمزة على مالكٍ فأنكرها. وعلم حمزة بذلك فأخبر معبداً بالسبب، وأمر مالكا فغناه الصوتين. فغضب معبد لما سمع الصوت الأول وقال: قد كرهت أن آخذ هذا الغلام فيتعلم غنائي فيدعيه لنفسه. فقال حمزة: لا تعجل وأسمع غناءً صنعه ليس من شأنك ولا غنائك، وأمره أن يغني الصوت الآخر فغناه، فأطرق معبدٌ. فقال له حمزة: والله لو أنفرد بهذا لضاهاك ثم تزايد على الأيام، وكلما كبر وزاد شخت أنت وأنتقصت، فلأن يكون منسوباً إليك أجمل. فقال له معبدٌ وهو منكسر: صدق الأمير. فأمر حمزة لمعبدٍ بخلعة من ثيابه وجائزة حتى سكن وطابت نفسه. فقام مالكٌ على رجليه وقبل رأس معبد وقال له: يا أبا عباد، أساءك لما سمعت مني ؟ والله لا أغني لنفسي شيئا أبداً ما دمت حياً ؟ وإن غلبتني نفسي فغنيت في شعر أستحسنته لا نسبته إلا إليك، فطب نفسا وأرض عني. فقال له معبد: أتفعل هذا وتفي به ؟ قال: إي والله وأزيد. فكان مالك إذا غنى صوتاً وسئل عنه قال: هذا لمعبد، ما غنيت لنفسي شيئاً قط، وإنما آخذ غناء معبد فأنقله إلى الأشعار وأحسنه وأزيد فيه وأنقص منه. وحضر مالكٌ بن أبي السمح عند يزيد بن عبد الملك مع معبد وأبن عائشة فغنوه، فأمر لكل واحد منهم بألف دينار.\rوحكى عن أبن الكلبي قال: قال الوليد بن يزيد لمعبد: قد آذتني ولولتك هذه، وقال لأبن عائشة: قد آذاني استهلالك هذا، فاطلبا لي رجلا يكون مذهبه متوسطا بين مذهبيكما. فقالا له: مالك بن أبي السمح؛ فكتب في إشخاصه إليه وسائر من بالحجاز من المغنين. فلما قدم مالك على الوليد بن يزيد فيمن معه نزل على الغمر بن يزيد، فأدخله على الوليد فغناه فلم يعجبه. فلما أنصرف قال له الغمر: إن أمير المؤمنين لم يعجبه شيءٌ من غنائك، فقال له: جعلني الله فداك ؟! اطلب لي الإذن عليه مرة أخرى، فإن أعجبه شيءٌ مما أغنيه وإلا انصرفت إلى بلادي. فلما جلس الوليد في مجلس اللهو ذكره الغمر له؛ فأذن له فشرب مالكٌ ثلاث صراحيات صرفا، ودخل على الوليد وهو يخطر في مشيئته، فلما بلغ باب المجلس وقف ولم يسلم وأخذ بحلقة الباب ثم رفع صوته فغنى:\rلا عيش إلا بمالك بن أبي السّمح ... فلا تلحني ولا تلم\rأبيض كالبدر أو كما يلمع ال ... بارق في حالك من الظّلم\rفليس يعصيك إن رشدت ولا ... يهتك حقّ الإسلام والحرم\rيصيب من لذّة الكرام ولا ... يجهل آي الترخيص في اللّمم\rيا ربّ ليلٍ لنا كحاشية ال ... برد ويومٍ كذاك لم يدم\rنعمت فيه ومالك بن أبي السّمح ... الكريم الأخلاق والشّيم\rفطرب الوليد ورفع يديه حتى بان إبطاه وقام فأعتنقه، ثم أخذ في صوته ذلك فم يزالوا فيه أياما، وأجزل له العطية حين أراد الأنصراف. قال: ولما أتى مالكٌ على قوله: أبيض كالبدر قال الوليد:\rأحول كالقرد أو كما يرقب السّارق ... في حالكٍ من الظّلم\rقالوا: وكان مالك بن أبي السمح مع الوليد بن يزيد يوم قتل هو وابن عائشة. قال ابن عائشة: وكان مالكٌ من أحمق الخلق، فلما قتل الوليد قال: اهرب بنا؛ قلت: وما يريدون منا؟ قال: وما يؤمنك أن يأخذوا رأسينا فيجعلوا رأسه بينهما ليحسنوا أمرهم بذلك.\rأخبار يونس الكات","part":1,"page":495},{"id":496,"text":"هو يونس بن سليمان بن كرد بن شهريار من ولد هرمز، مولىً لعمرو بن الزبير، ومنشؤه ومنزله بالمدينة، وكان أبوه فقيهاً فأسلمه في الديوان وكان من كتابه. وأخذ الغناء عن معبد وابن سريج وأبن محرز والغريض، وكان أكثر روايته عن معبد. ولم يكن في أصحاب معبد أحذق منه ولا اقوم بما أخذ عنه منه. وله غناءٌ حسن، وصنعة كثيرة، شعر جيدٌ. وهو أول من دون الغناء. وله كتاب في الأغاني نسبها إلى من غنى فيها. وخرج إلى الشام في تجارة، فبلغ الوليد بن يزيد مكانه فأحضره والوليد إذ ذاك ولى العهد. قال: فلما وصلت إليه سلمت عليه، فأمرني بالجلوس، ثم دعا بالشراب والجواري. قال يونس: فمكثنا يومنا وليلتنا في أمر عجيب، وغنيته فأعجب بغنائي إلى أن غنيته:\rإن يعش مصعبٌ فنحن بخير ... قد أتانا من عيشنا ما نرجّى\rثم تنبهت فقطعت الصوت وأخذت أعتذر من غنائي بشعرٍ في مصعب، فضحك ثم قال: إن مصعباً قد مضى وأنقطع أثره ولا عداوة بيني وبينه وإنما أريد الغناء، فأمض الصوت؛ فعدت فيه فغنيته ولم يزل يستعيده حتى أصبح فشرب مصطبحاً وهو يستعيدني هذا الصوت ولا يتجاوزه. فلما مضت ثلاثة ايام قلت: جعلني الله فداك إني رجل تاجر خرجت مع تجارٍ وأخاف أن يرتحلوا فيضيع مالي، فقال: أنت تغدو غداً، وشرب باقي ليلته وأمر لي بثلاثة آلاف دينار. فحملت إلي وغدوت إلى أصحابي. فلما أستخلف بعث إلي فأتيته فلم أزل معه حتى قتل.\rأخبار حنين\rهو حنين بن بلوع الحيري. وأختلف في نسبه، فقيل: هو من العباديين من تميم، وقيل: إنه من بني الحارث بن كعب، وقيل: إنه من قوم بقوا من طسمٍ وجديسٍ، فنزلوا في بني الحارث بن كعب فعدوا فيهم. ويكنى أبا كعب. وكان شاعراً مغنياً من فحول المغنين، وكان يسكن الحيرة ويكرى الجمال إلى الشام، وكان نصرانياً. وعن المدائني قال: كان حنينٌ غلاما يحمل الفاكهة بالحيرة، وكان إذا حمل الرياحين إلى بيوت الفتيان ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمتطربين ورأوا رشاقته وحسن قده وحلاوته وخفة روحه أستحلوه وأقام عندهم، فكان يسمع الغناء ويصغي له، حتى شدا منه أصواتاً فأستمعه الناس، وكان مطبوعاً حسن الصوت. وأشتهر غناؤه وشهر بالغناء ومهر فيه وبلغ فيه مبلغا كبيرا. ثم رحل إلى عمر بن داود الوادي وإلى حكم الوادي وأخذ منهما وغنى لنفسه وأستولى على الغناء في عصره، وهو الذي بذل لأبن محرزٍ خمسمائة دينار حتى رجع عن العراق، كما قدمناه في أخبار أبن محرز. وبلغ من الناس بالغناء مبلغاً عظيما، حتى قيل له فيما حكى: إنك تغني منذ خمسين سنة فما تركت لكريم مالا ولا دارا ولا عقارا إلا أتيت عليه. فقال: بأبي أنتم ! إنما هي أنفاسي أقسمها بين الناس، أفتلومونني أن أغلي بها الثمن.\rوحكى المدائني قال: حج هشام بن عبد الملك وعديله الأبرش الكلبي؛ فوقف له حنينٌ بظهر الكوفة ومعه عودٌ وزامر له. فلما مر به هشام عرض له فقال: من هذا ؟ قيل: حنين؛ فأمر به هشام فحمل في محملٍ على جمل وعديله زامره وسيره أمامه، فغناه:\rأمن سلمى بظهر الكو ... فة الآيات والطّلل\rتلوح كما تلوح علي ... جفون الصّيقل الخلل\rفأمر له هشام بمائتي دينار وللزامر بمائة دينار.\rوحكى أن خالد بن عبد الله القسري حرم الغناء بالعراق في أيامه ثم أذن للناس يوما في الدخول عليه عامةً؛ فدخل عليه حنين في جملة الناس ومعه عودٌ تحت ثيابه فقال: أصلح الله الأمير ! كانت لي صناعةٌ أعود بها على عيالي فحرمها الأمير فأضر ذلك بي وبهم. فقال: وما كانت صناعتك ؟ فكشف عن عوده وقال: هذا. فقال له خالد: غن؛ فعرك أوتاره وغنى:\rأيّها الشّامت المعيّر بالده ... ر أأنت المبرّأ الموفور\rأم لديك العهد الوثيق من الأي ... ام بل أنت جاهلٌ مغرور\rمن رأيت المنون خلّدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير\rقال: فبكى خالد وقال: قد أذنت لك وحدك خاصةً، ولا تجالس سفيهاً ولا معربداً. فكان إذا دعى قال: أفيكم سفيه أو معربدٌ ؟ فإذا قالوا لا، دخل.\rوقال بشر بن الحسين بن سليمان بن سمرة بن جندب: عاش حنين بن بلوع مائة سنة وسبع سنين.\rأخبار سياط","part":1,"page":496},{"id":497,"text":"هو عبد الله بن وهب ويكنى أبا وهب، وسياطٌ لقب غلب عليه. وهو مكيٌ مولى خزاعة. كان مقدماً في الغناء روايةً وصنعةً، مقدماً في الطرب. وهو أستاذ أبن جامع وإبراهيم الموصلي وعنه أخذا، وأخذ هو عن يونس الكاتب. وكان سياط زوج أم أبن جامع. قيل: وإنما لقب سياطٌ بهذا اللقب لأنه كان كثيرا ما يغنى:\rكأنّ مزاحف الحيّات فيها ... قبيل الصبح آثار السّياط\rحكى أن إبراهيم الموصلي غنى صوتا لسياط، فقال أبنه إسحاق: لمن هذا الغناء يا أبت ؟ قال: لمن لو عاش ما وجد أبوك خبزا يأكله، سياط.\rوحكى أن سياطا مر بأبي ريحانةً في يوم بارد وهو جالسٌ في الشمس وعليه سمل ثوبٍ رقيق رث؛ فوثب إليه أبو ريحانة المدني وقال: بأبي أنت يا أبا وهب ! غنني صوتك في شعر أبن جندب:\rفؤادي رهينٌ في هواك ومهجتي ... تذوب وأجفاني عليك همول\rفغناه إياه، فشق قميصه ورجع إلى موضعه من الشمس وقد أزداد بردا وجهدا. فقال له رجل: ما أغنى عنك هذا من شق قميصك ؟! فقال: يا أبن أخي، إن الشعر الحسن من المغنى المحسن ذي الصوت المطرب أدفأ للمقرور من حمام محمىً. فقال له رجل: أنت عندي من الذين قال الله تعالى فيهم: \" فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ \" فقال: بل أنا ممن قال الله تعالى فيهم: \" الذَّيِنَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ \" . وقد حكيت هذه الحكاية أيضا من طريق آخر: أنه لما غناه هذا الصوت شق قميصه حتى خرج منه وبقي عارياً وغشى عليه وأجتمع الناس حوله، وسياطٌ واقف يتعجب مما فعل، ثم أفاق فقام إليه. فقال له سياطٌ: مالك يا مشئوم ! أي شيء تريد ؟ قال: غنني بالله عليك يا سيدي:\rودّع أمامة حان منك رحيل ... إنّ الوداع لمن تحبّ قليل\rمثل القضيب تمايلت أعطافه ... فالرّيح تجذب متنه فيميل\rإن كان شأنكم الدّلال فإنه ... حسنٌ دلالك يا أميم جميل\rفغناه، فلطم وجهه حتى خرج الدم من أنفه ووقع صريعاً. ومضى سياطٌ وحمل الناس أبا ريحانة إلى الشمس. فلما أفاق قيل له في ذلك فقال نحو ما تقدم. قال: ووجه إليه سياطٌ بقميص وسراويل وجبةٍ وعمامة.\rوكانت وفاة سياط في أيام موسى الهادي. ودخل عليه أبن جامع وقد نزل به الموت فقال له: ألك حاجة ؟ قال: نعم لا تزد في غنائي شيئا ولا تنقص منه، فإنما هو ثمانية عشر صوتاً دعه رأسا برأس. قيل: بل كانت وفاته فجأةً، وذلك أنه دعاه بعض إخوانه فأتاهم وأقام عندهم وبات؛ فأصبحوا فوجدوه ميتاً في منزلهم؛ فجاءوا إلى أمه وقالوا: يا هذه إنا دعونا أبنك لنكرمه ونسر به ونأنس بقربه فمات فجأة، وها نحن بين يديك، فأحكمي ما شئت، وناشدناك الله أن لا تعرضينا لسلطان أو تدعي علينا ما لم نفعله. قالت: ما كنت لأفعل، وقد صدقتم، وهكذا مات أبوه فجأةً، وتوجهت معهم فحملته إلى منزله ودفنته.\rأخبار الأبجر\rهو عبيد الله بن القاسم بن منبه، ويكنى أبا طالب. وقيل: أسمه محمد بن القاسم، والأبجر لقب غلب عليه. وهو مولى لكنانة ثم لبني ليث بن بكر. وكان يلقب بالحسحاس. وكان مدنياً منشؤه مكة أو مكياً منشؤه المدينة. قال عورك اللهبي: لم يكن بمكة أحدٌ أظرف ولا أسرى ولا أحسن هيئة من الأبجر؛ كانت حلته بمائة دينار وفرسه بمائة دينار ومركبه بمائة دينار؛ وكان يقف بين المأزمين ويرفع عقيرته، فيقف الناس له فيركب بعضهم بعضاً. وروى الأصفهاني بسنده إلى اسحاق ابن إبراهيم الموصلي قال: جلس الأبجر في ليلة اليوم السابع من أيام الحج على قريب من التنعيم فإذا عسكر جرار قد أقبل في آخر الليل وفيه دواب تجنب ومنها فرس أدهم عليه سرجٌ حليته ذهب، فأندفع يغني:\rعرفت ديار الحيّ خاليةً قفرا ... كأن بها لمّا توهّمتها سطرا\rفلما سمعه من في القباب والمحامل أمسكوا وصاح صائحٌ: ويحك أعد الصوت ! فقال: لا والله إلا بالفرس الأدهم بسرجه ولجامه وأربعمائة دينار؛ وإذا الوليد بن يزيد صاحب العسكر. فنودي: أين منزلك ؟ ومن أنت ؟ فقال: أنا الأبجر، ومنزلي على زقاق باب الخرازين. فغدا عليه رسول الوليد بذلك الفرس وأربعمائة دينار وتخت ثياب وشيٍ وغير ذلك، ثم أتى به الوليد، فأقام وراح مع أصحابه عشية التروية وهو أحسنهم هيئة، وخرج معه أو بعده إلى الشام.","part":1,"page":497},{"id":498,"text":"وحكى عن عمرو بن حفص بن أم كلابٍ، قال: كان الأبجر مولانا وكان مكياً، وكان إذا قدم من مكة نزل علينا. فقال لنا يوما: أسمعونا غناء أبن عائشتكم هذا؛ فأرسلنا إليه فجمعنا بينهما في بيت أبن هبار. فغنى أبن عائشة؛ فقال الأبجر: كل مملوكٍ له حر إن غنيت معك إلا بنصف صوتي، ثم أدخل إصبعه في شدقه وغنى فسمع صوته من في السوق، فحشر الناس علينا، فلم يفترقا حتى تشاتما.\rأخبار أبي زيد الدلال\rهو أبو زيد ناقدٌ مدنيٌ، مولى عائشة بنت سعيد بن العاص، وكان مخنثاً.\rقال إسحاق: لم يكن في المخنثين أحسن وجهاً ولا أنظف ثوباً ولا أظرف من الدلال. قالوا: ولم يكن بعد طويس أظرف منه ولا أكثر ملحاً. وكان كثير النوادر نزر الحديث، فإذا تكلم أضحك الثكالى، وكان ضاحك السن، ولم يكن يغني إلا غناءً مضعفاً يعني كثير العمل.\rوقال أيوب بن عباية: شهدت أهل المدينة إذا ذكروا الدلال وأحاديثه طولوا رقابهم وفخروا به، فعلمت أن ذلك لفضيلةٍ كانت عنده. قالوا: وكان مبتلىً بالنساء والكون معهن، فكان يطلب فلا يقدر عليه. وكان صحيح الغنخاء حسن الجرم. قالوا: وإنما لقب بالدلال لشكله وحسن ظرفه ودله وحلاوة منطفه وحسن وجهه. وكان مشغوفاً بمخالطة النساء يكثر وصفهن للرجال. وكان يشاغل كل من يجالسه عن الغناء بأحاديث النساء كراهةً منه للغناء. وكان إذا غنى أجاد، كما حكاه أبن الماجشون عن أبيه قال: غناني الدلال يوما بشعر مجنون بني عامر، فلقد خفت الفتنة على نفسي. وأستحضره سليمان بن عبد الملك من المدينة سراً وغناه وأقام عنده شهرا ثم صرفه إلى الحجاز مكرما.\rقال الأصمعي: حج هشام بن عبد الملك؛ فلما قدم المدينة نزل رجلٌ من أشراف أهل الشام وقوادهم بجنب دار الدلال، فكان الشامي يسمع غناء الدلال ويصغي إليه ويصعد فوق السطح ليقرب من الصوت، ثم بعث إلى الدلال: إما أن تزورنا وإما أن نزورك. فبعث إليه الدلال بل تزورنا. فبعث الشامي ما يصلح ومضى إليه بغلامين من غلمانه كأنهما درتان مكنونتان. فغناه الدلال، فأستحسن الشامي غناءه فقال: زدني؛ قال: أو ما يكفيك ما سمعت ! قال: لا والله ما يكفيني. قال: فإن لي حاجة. قال: وما هي ؟ قال: تبيعني أحد هذين الغلامين أو كليهما، فقال: أختر أيهما شئت، فأختار أحدهما، فقال له الشامي: هو لك؛ فقبله منه الدلال، ثم غناه وغنى:\rدعتني دواعٍ من أريّا فهيّجت ... هوىً كان قدماً من فؤاد طروب\rلعل زماناً قد مضى أن يعود لي ... فتغفر أروى عند ذاك ذنوبي\rسبتني أريّا يوم نعف محسّرٍ ... بوجهٍ جميلٍ للقلوب سلوب","part":1,"page":498},{"id":499,"text":"فقال له الشامي: أحسنت. ثم قال له أيها الرجل الجميل، إن لي إليك حاجةً، قال الدلال: وما هي؟ قال: أريد وصيفةً ولدت في حجر صالح ونشأت في خير، جميلة الوجه مجدولةً وضيئةً جعدةً في بياض مشربةً حمرةً حسنة الهامة سبطةً أسيلة الخد عذبة اللسان لها شكلٌ ودلٌ تملأ العين والنفس. فقال له الدلال: قد أصبتها لك، فما لي عندك إن دللتك عليها ؟ قال: غلامي هذا. قال: إذا رأيتها وقبلتها فالغلام لي ؟ قال نعم. قال: فأتي أمرأةً كنى عن أسمها، فقال لها: جعلت فداءك ! نزل بقربي رجلٌ من قواد هشام، له ظرف وسخاءٌ، وجاءني زائرا فأكرمته، ورأيت معه غلامين كأنهما الشمس الطالعة المنيرة والكواكب الزاهرة ما وقعت عيني على مثلهما ولا يطول لساني بوصفهما، فوهب لي أحدهما والآخر عنده، وإن لم يصر إلي فنفسي ذاهبةٌ. قالت: وتريد ماذا ؟ قال: طلب مني وصيفةً على صفةٍ لا أعلمها إلا في أبنتك، فهل لك أن تريد إياها؟ قالت: وكيف لك بأن يدفع الغلام إليك إذا رآها ؟ قال: إني قد شرطت عليه ذلك عند النظر لا عند البيع. قالت: شأنك، لا يعلم هذا أحد. فمضى الدلال وأتى بالشامي. فلما صار إلى المرأة وضع له كرسيٌ وجلس. فقالت له المرأة: أمن العرب أنت ؟ قال نعم. قالت: من أيهم ؟ قال: من خزاعة. قالت: مرحبا بك وأهلا ! أي شيء طلبت ؟ فوصف لها الصفة. قالت: قد اصبتها؛ وأسرت إلى جارية لها فدخلت فمكثت هنيهة ثم خرجت فنظرت فقالت: أخرجي، فخرجت وصيفةٌ ما رأى الراءون مثلها. فقالت لها: أقبلي فأقبلت، ثم قالت: أدبري فأدبرت تملأ العين والنفس، فما بقي منها شيء إلا وضع يده عليه. فقالت له: أتحب أن نؤزرها لك ؟ قال نعم. قالت: أئتزري؛ فضمها الإزار وظهرت محاسنها الخفية؛ فضرب بيده إلى عجيزتها وصدرها. ثم قالت: أتحب أن نجردها لك ؟ قال نعم. قالت: أي حبيبتي وضحي؛ فألقت الإزار فإذا أحسن خلق الله كأنها سبيكةٌ. فقالت: يا أخا العرب، كيف رأيت ؟ قال: منية المتمني. قال: بكم تقولين ؟ قالت: ليس يوم النظر يوم البيع، ولكن تعود غداً حتى نبايعك فلا تنصرف إلا عن رضاً، فأنصرف من عندها. فقال له الدلال: أرضيت ؟ قال: نعم، ما كنت أحسب أن مثل هذه في الدنيا، وإن الصفة لتقصر دونها، ثم دفع إليه الغلام الثاني. فلما كان من الغد قال له الشامي: أمض بنا. فمضيا حتى قرعا الباب، فأذن لهما فدخلا فسلما، فرحبت المرأة بهما ثم قالت للشامي: أعطنا ما تبذل؛ فقال: ما لها عندي ثمنٌ إلا وهي أكثر منه، فقولي أنت يا أمة الله. قالت: بل قل أنت، فإنا لم نوطئك أعقابنا ونحن نريد خلافك وأنت لها رضاً. قال: ثلاثة آلاف دينار. قالت: والله لقبلةٌ منها خيرٌ من ثلاثة آلاف دينار. قال: أربعة آلاف دينار. قالت: غفر الله لك أعطنا أيها الرجل. قال: والله ما معي غيرها ولو كان لزدتك إلا رقيقٌ ودواب. قالت: ما أراك إلا صادقاً، أتدري من هذه ؟ قال: تخبريني. قالت: هذه ابنتي فلانة بنت فلانة وأنا فلانة بنت فلان، قم راشداً. فقال للدلال: خدعتني. قال: أو ما ترضى أن ترى ما رأيت من مثلها وتهب مائة غلام مثل غلامك ؟ قال: أما هذا فنعم. وخرجا من عندها.\rوالدلال أحد من خسى من المخنثين بالمدينة لما أمر سليمان بن عبد الملك عامله على المدينة أبا بكر بن عمرو بن حزمٍ بخصيهم.\rأخبار عطرد\rهو أبو هارون عطرد، مولى الأنصار ثم مولى بني عمرو بن عوف، وقيل: إنه مولى مزينة. مدنيٌ كان ينزل قباء. وكان جميل الوجه حسن الغناء طيب الصوت جيد الصنعة حسن الزي والمروءة فقيهاً قارئا للقرآن. وقيل: إنه كان معدل الشهادة بالمدينة. وأدرك دولة بني أمية وبقي إلى أول أيام الرشيد. وكان يغني مرتجلا.\rوحكى أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه قال: لما أستخلف الوليد بن يزيد كتب إلى عامله بالمدينة فأمره بإشخاص عطردٍ المعنى إليه، ففعل. قال عطرد: فدخلت على الوليد وهو جالسٌ في قصره على شفير بركة مرصصةٍ مملوءةٍ خمرا ليست بالكبيرة ولكنها يدور الرجل فيها سباحةً. قال: فوالله ما تركني أسلم حتى قال: أعطرد ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ما زلت إليك مشتاقاً يا أبا هارون، غنني:\rحيّ الحمول بجانب العزل ... إذ لا يشاكل شكلها شكلي\rالله أنجح ما طلبت به ... والبرّ خير حقيبة الرّحل","part":1,"page":499},{"id":500,"text":"إني بحبلك واصلٌ حبلي ... وبريش نبلك رائشٌ نبلي\rوشمائلي ما قد علمت وما ... نبحت كلابك طارقاً مثلي\rقال: فغنيته إياه، فوالله ما أتممته حتى شق حلة وشي كانت عليه لا أدري كم قيمتها، فتجرد منها كما ولدته أمه، وألقي نفسه في البركة فنهل منها حتى تبينت أنها قد نقصت نقصاناً بينا، وأخرج منها وهو كالميت سكرا، فأضجع وغطى؛ فأخذت الحلة وقمت وأنصرفت إلى منزلي متعجباً من فعله. فلما كان في غد، جاءني رسوله في مثل الوقت فأحضرني. فلما دخلت عليه قال: يا عطرد ؟! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين ! قال: غنني:\rأيذهب عمري هكذا لم أنل به ... مجالس تشفى قرح قلبي من الوجد\rوقالوا تداو إنّ في الطبّ راحةً ... فعلّلت نفسي بالدواء فلم يجد\rفغنيته إياه، فشق حلة وشي كانت تلمع عليه بالذهب احتقرت والله الأولى عندها، ثم ألقي نفسه في البركة فنهل منها حتى تبينت نقصانها وأخرج كالميت سكرا، فألقي وغطى ونام؛ وأخذت الحلة وأنصرفت. فلما كان اليوم الثالث، جاءني رسوله فدخلت إليه وهو في بهوٍ قد ألقيت ستوره، فكلمني من وراء الستور وقال: يا عطرد ! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين ! قال: كأني بك الآن قد أتيت إلى المدينة فقمت في مجالسها وقعدت وقلت: دعاني أمير المؤمنين فدخلت عليه فأقترح علي فغنيته فأطربته فشق ثيابه وأخذت سلبه وفعل وفعل ! ووالله يا أبن الزانية إن تحركت شفتاك بشيءٍ مما جرى لأضربن عنقك يا غلام أعطه ألف دينار؛ خذها وانصرف إلى المدينة. فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في تقبيل يده ويزودني نظرة منه وأغنيه صوتاً ! فقال: لا حاجة بي ولا بك إلى ذلك، فأنصرف. قال عطرد: فخرجت من عنده وما علم الله أني ذكرت شيئا مما جرى حتى مضت من دولة بني هاشم مدةٌ. ودخل عطرد على المهدي وغناه. قيل: ودخل على الرشيد وغناه. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.\rأخبار عمر الوادي\rهو عمر بن داود بن زاذان. وجده زاذان مولي عمرو بن عثمان بن عفان. وأخذ الغناء عن حكم، وقيل: بل أخذ حكمٌ عنه. وهو من أهل وادي القرى. قدم الحرم وأخذ من غناء أهله فحذق وصنع فأجاد. وكان طيب الصوت شجياً مطربا. وهو أول من غنى من أهل وادي القرى، وأتصل بالوليد بن يزيد في أيام إمارته فتقدم عنده جدا، وكان يسميه جامع لذاتي ومحبي طربي. وقتل الوليد وهو يغنيه، وكان آخر الناس به عهداً. قال: وكان يجتمع مع معبد ومالك بن أبي السمح وغيرهما من المغنين عند الوليد بن يزيد، فلا يمنعه حضورهم من تقديمه والإصغاء إليه والأختصاص به. وفي عمر هذا يقول الوليد بن يزيد:\rإنما فكّرت في عمرٍ ... حين قال القول واختلجا\rإنه للمستنير به ... قمرٌ قد طمّس السّرجا\rويغنّي الشعر ينظمه ... سيّد القوم الذي فلجا\rأكمل الواديّ صنعته ... في كتاب فاندمجا\rأراد الوليد بن يزيد بقوله: سيد القوم نفسه.\rأخبار حكم الوادي","part":1,"page":500},{"id":501,"text":"هو أبو يحيى الحكم بن ميمون، وقيل: الحكم بن يحيى بن ميمون. مولى الوليد بن عبد الملك، كان أبوه حلاقا يحلق رأس الوليد، فأشتراه فأعتقه. وكان حكمٌ طويلا أحول، يكري الجمال ينقل عليها الزيت من الشام إلى المدينة. وقيل: كان أصله من الفرس. وكان واحد عصره في الحذق، وكان يغني بالدف ويغني مرتجلا. وعمر عمرا طويلا، غنى الوليد بن عبد الملك، وغنى الرشيد، ومات في الشطر من خلافته. وأخذ الغناء عن عمر الوادي، وقد قيل: إن عمر أخذ عنه. قال حماد بن إسحاق قال لي أبي: أربعةٌ بلغت في أربعة أجناس من الغناء مبلغاً قصر عنه غيرهم: معبدٌ في الثقيل، وابن سريج في الرمل، وحكم في الهزج، وإبراهيم في الماخوري. قال أبو الفرج الأصفهاني: وزار حكمٌ الوادي الرشيد، فبره ووصله بثلثمائة ألف درهم، وخيره فيمن يكتب له بها عليه؛ فقال: أكتب لي بها على إبراهيم بن المهدي وكان إبراهيم إذ ذاك عاملا له بالشام فقدم عليه حكمٌ بكتاب الرشيد؛ فأعطاه ما كتب له به، ووصله بمثل ذلك، إلا أنه نقصه ألف درهم من الثلثمائة ألف، وقال له: لا أصلك بمثل ما وصلك أمير المؤمنين. قال إبراهيم بن المهدي: وأقام عندي ثلاثين يوماً أخذت عنه فيها ثلثمائة صوت، كل صوت أحب إلي من الثلثمائة ألف التي وهبتها له. وقيل: إنه لم يشتهر بالغناء حتى صار إلى بني العباس، فأنقطع إلى محمد بن أبي العباس، وذلك في خلافة المنصور، فأعجب به وأختاره على المغنين وأعجبته أهزاجه. وكان يقال: إنه أهزج الناس. ويقال: إنه غنى الأهزاج في آخر عمره؛ فلامه ابنه على ذلك وقال: أبعد الكبر تغني غناء المخنثين ! فقال له: اسكت فإنك جاهل، غنيت الثقيل ستين سنة فلم أنل إلا القوت، وغنيت الأهزاج منذ سنتين فكسبتك ما لم تر مثله قط. والله أعلم.\rأخبار ابن جامع\rهو أبو القاسم إسماعيل بن جامع بن عبد الله بن المطلب بن أبي وداعة أبن صبيرة بن سهم بن هصيص بن كعب بن لؤي. قالوا: وكان أبن جامع من أحفظ خلق الله لكتاب الله تعالى، كان يخرج من منزله مع الفجر يوم الجمعة فيصلي الصبح ثم يصف قدميه حتى تطلع الشمس، فلا يصلي الناس الجمعة حتى يختم القرآن ثم ينصرف إلى منزله. وكان حسن السمت، كثير الصلاة. وكان يعتم بعمامة سوداء على قلنسوة ويلبس لباس الفقهاء ويركب حماراً مريسياً في زي أهل الحجاز. وروي عنه أنه قال: لولا أن القمار وحب الكلاب قد شغلاني لتركت المغنين لا يأكلون الخبز. قال أبن جامع: أخذت من الرشيد بيتين غنيته إياهما عشرة آلاف دينار. قالوا: وكان إبراهيم بن المهدي يفضل أبن جامع فلا يقدم عليه أحدا. قال: وكان أبن جامع منقطعاً إلى موسى الهادي في أيام أبيه، فضربه المهدي وطرده. فلما مات المهدي بعث الفضل بن الربيع إلى مكة فأحضر أبن جامع في قبة ولم يعلم به أحدا. فذكره موسى الهادي ذات ليلةٍ فقال لجلسائه: أما فيكم أحدٌ يرسل إلى أبن جامع وقد عرفتم موقعه مني ؟ فقال الفضل بن الربيع: هو والله عندي يا أمير المؤمنين وأحضره إليه. فوصل الفضل في تلك الليلة بعشرة آلاف دينار وولاه حجابته.\rوحكى أنه دخل على الهادي فغناه فلم يعجبه؛ فقال له الفضل: تركت الخفيف وغنيت الثقيل. قال: فأدخلني عليه أخرى فأدخله؛ فغناه الخفيف، فأعطاه ثلاثين ألف دينار. قال أحمد بن يحيى المكي: كان أبن جامع أحسن ما يكون غناءً إذا حزن. وأحب الرشيد أن يسمع ذلك، فقال للفضل بن الربيع: ابعث بخريطة فيها نعى أم أبن جامع وكان براً بأمه ففعل. فقال الرشيد: يا أبن جامع، في هذه الخريطة نعى أمك؛ فأندفع أبن جامع يغني بتلك الحرقة والحزن الذي في قلبه:\rكم بالدروب وأرض السّند من قدم ... ومن جماجم صرعى ما بها قبروا\rبقدنرهار ومن تكتب منيّته ... بقندهار يرجّم دونه الخبر\rقال: فوالله ما ملكنا أنفسنا، ورأيت الغلمان يضربون برءوسهم الحيطان والأساطين، وأمر له الرشيد بعشرة آلاف دينار.","part":2,"page":1},{"id":502,"text":"وروى أبو الفرج بسنده إلى عبد الله بن علي بن عيسى بن ماهان قال: سمعت يزيد يحدث عن أم جعفر أنه بلغها أن الرشيد جالسٌ وحده وليس معه أحد من الندماء ولا المسامرين، فأرسلت إليه: يا أمير المؤمنين، إني لم أرك منذ ثلاث وهذا اليوم الرابع. فأرسل إليها: عندي أبن جامع. فأرسلت إليه: أنت تعلم أني لا أتهنأ بشرب ولا سماعٍ ولا غيرهما إلا أن تشركني فيه، ما كان عليك أن أشركك في هذا الذي أنت فيه ! فأرسل إليها: إني صائرٌ إليك الساعة. ثم قام وأخذ بيد أبن جامع وقال للخادم: امض إليها وأعلمها أني قد جئت. وأقبل الرشيد؛ فلما نظر إلى الخدم والوصائف قد أستقبلوه علم أنها قد قامت تستقبله؛ فوجه إليها: إن معي أبن جامع، فعدلت إلى بعض المقاصير. وجاء الرشيد وصير أبن جامع في بعض المواضع التي يسمع منه فيها، ثم أمر أبن جامع فأندفع يغني:\rما رعدت رعدةً ولا برقت ... لكنها أنشئت لنا خلقه\rالماء يجري ولا نظام له ... لو يجد الماء مخرقاً خرقه\rبتنا وباتت على نمارقها ... حتى بدا الصبح عينها أرقه\rأن قيل إن الرحيل بعد غدٍ ... والدّار بعد الجميع مفترقه\rفقالت أم جعفر للرشيد: ما أحسن ما أشتهيت والله يا أمير المؤمنين ! ثم قالت لمسلم خادمها: ادفع إلى أبن جامع بكل بيت مائة ألف درهم. فقال الرشيد: غلبتينا يا أبنة أبي الفضل وسبقتينا إلى بر ضيفنا وجليسنا. فلما خرج حمل الرشيد إليها مكان كل درهم دينارا.\rأخبار عمرو بن أبي الكنات\rقال أبو الفرج الأصفهاني: هو أبو عثمان، وقيل: أبو معاذ عمرو بن أبي الكنات، مولى بني جمح. وهو مكيٌ مغن حسن الصوت، من طبقة أبن جامع وأصحابه. وفيه يقول الشاعر:\rأحسن الناس فأعلموه غناءً ... رجلٌ من بني أبي الكنات\rقال محمد بن عبد الله بن فروة: قلت لإسماعيل بن جامع يوماً: هل غلبك أحدٌ من المغنين قط ؟ قال: نعم، كنت ليلة ببغداد إذ جاءني رسول أمير المؤمنين هارون الرشيد فأمرني بالركوب، فركبت حتى صرت إلى الدار، فإذا أنا بالفضل بن الربيع ومعه زلزل العواد وبرصوما؛ فسلمت وجلست يسيرا. فطلع خادمٌ فقال للفضل: هل جاء ؟ قال لا. قال: فابعث إليه. ولم يزل المغنون يدخلون واحداً واحداً حتى كنا ستةً أو سبعةً. ثم طلع الخادم فقال: هل جاء ؟ فقال لا؛ فقال: قم فابعث في طلبه؛ فقام فغاب غير طويلٍ فإذا هو قد جاء بعمرو بن أبي الكنات. فسلم وجلس إلى جنبي، فقال لي: من هؤلاء ؟ قلت: مغنون، هذا زلزلٌ وهذا برصوما. فقال: لأغنينك غناءً يخرق هذا السقف وتجيبه الحيطان. ثم طلع الخصى فدعا بكراسي، وخرج الجواري. فلما جلسن قال الخادم: شدوا فشدوا عيدانهم؛ ثم قال: يغني أبن جامع، فغنيت سبعة أو ثمانية أصوات؛ قال: أسكت، وليغن إبراهيم الموصلي؛ فغنى مثل ذلك أو دونه ثم سكت، وغنى القوم كلهم واحدا بعد واحد حتى فرغوا. ثم قال لأبن أبي الكنات: غن؛ فقال لزلزل: شد طبقتك فشدح ثم قال له: شد فشد، ثم أخذ العود من يده فجسه حتى وقف على الموضع الذي يريده، ثم قال: على هذا. وأبتدأ الصوت الذي أوله ألالا؛ فوالله لقد خيل إلأي أن الحيطان تجاوبه؛ ثم رجع النغمة فيه؛ فطلع الخصى فقال: أسكت لا تتم الصوت فسكت. ثم قال: يجلس عمرو بن أبي الكنات وينصرف سائر المغنين؛ فقمنا بأسوأ حال وأكسف بال، ولا والله ما زال كل واحد منا يسأل صاحبه عن كل ما يرويه من الغناء الذي أوله ألالا طمعاً في أن يعرفه وأن يوافق غناءه فما عرفه منا أحدٌ. وبات عمرو عند الرشيد ليلته وأنصرف من عنده بجوائز وصلاتٍ وطرفٍ سنية.\rوقال موسى بن أبي المهاجر: خرج أبن جامع وأبن أبي الكنات حين دفع الإمام من عرفة، حتى إذا كانوا بين المأزمين جلس عمرو على طرف الجبل ثم أندفع يغني، فركب الناس بعضهم بعضاً حتى صاحوا به وأستغاثوا: يا هذا، الله الله ! أسكت عنا يجز الناس؛ فضبط أبن جامع بيده على فيه حتى مضى الناس إلى مزدلفة.","part":2,"page":2},{"id":503,"text":"قال علي بن الجهم: حدثني من أثق به قال: واقفت أبن أبي الكنات على جسر بغداد أيام الرشيد فحدثته بحديث أتصل بي عن أبن عائشة أنه وقف في الموسم في أيام هشام، فمر به بعض أصحابه فقال: ما تصنع ؟ فقال: إني لأعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس فلم يذهب منهم أحدٌ ولم يجيء. فقلت له: من هذا الرجل ؟ قال: أنا، ثم أندفع فغنى فحبس الناس، فأضطربت المحامل ومدت الإبل أعناقها. فقال أبن أبي الكنات وكان معجبا بنفسه: أنا أفعل كما فعل وقدرتي على القلوب أكثر من قدرته. ثم أندفع فغنى الصوت الذي غنى فيه أبن عائشة، وهو:\rجرت سنحاً فقلت لها أجيزي ... نوىً مشمولةً فمتى اللّقاء\rبنفسي من تذكرّه سقامٌ ... أعالجه ومطلبه عناء\rقال: فغناه، وكنا إذ ذاك على جسر بغداد، وكان على دجلة ثلاثة جسور، فأنقطعت الطرق وأمتلأت الجسور بالناس فأزدحموا عليها وأضطربت حتى خيف عليها أن تنقطع لثقل من عليها من الناس. فأخذ فأتي به الرشيد؛ فقال له: يا عدو الله، أردت أن تفتن الناس ! قال: لا والله يا أمير المؤمنين ولكنه بلغني أن أبن عائشة فعل مثل هذا في أيام هشام، فأحببت أن يكون في أيامك مثله. فأعجبه ذلك، وأمر له بمال وأمره أن يغني فغنى؛ فسمع شيئا لم يسمع مثله، فأحتبسه عنده شهرا يستزيده، وكل يوم يستأذن له في الأنصراف فلا يأذن له حتى تمم شهرا، وأنصرف بأموال جسيمة.\rوقال عثمان بن موسى: كنا على شراب يوما ومعنا عمرو بن أبي الكنات إذ قال لنا قبل طلوع الشمس: من تحبون أن يجيئكم ؟ قلنا: منصور الحجبي. فقال: أمهلوا حتى يكون الوقت الذي ينحدر فيه إلى سوق البقر، فمكثنا ساعةً ثم أندفع يغني:\rأحسن الناس فأعلموه غناءً ... رجلٌ من بني أبي الكنّات\rعفت الدّار فالهضاب اللّواتي ... بين ثور فملتقى عرفات\rفلم نلبث أن رأينا منصوراً من بعد قد أقبل يركض دابته نحونا. فلما جلس إلينا قلت له: من أين علمت بنا ؟ قال: سمعت صوت عمرو وأنا في سوق البقر، فخرجت أركض دابتي حتى صرت إليكم. قال: وبيننا وبين ذلك الموضع ثلاثة أميال.\rوقال يحيى بن يعلى بن سعيد: بينا أنا ليلةً في منزلي في الرمضة بأسفل مكة، إذ سمعت صوت عمرو بن أبي الكنات كأنه معي، فأمرت الغلام فأسرج لي دابتي وخرجت أريده، فلم أزل أتبع الصوت حتى وجدته جالساً على الكثيب العارض ببطن عرفة يغني:\rخذي العفو منّي تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب\rولا تنقريني نقرة الدّفّ مرّةً ... فإنّك لا تدرين كيف المغيّب\rفإني رأيت الحبّ في الصدر والأذى ... إذا أجتمعا لم يلبث الحب يذهب\rأخبار أبي المهنأ مخارق\rهو أبو المهنأ مخارق بن يحيى بن ناووس الجزار مولى الرشيد. وقيل: بل ناووس لقب أبيه يحيى؛ وإنما لقب بناووس لأنه بايع رجلا أنه يمضي إلى ناووس الكوفة فيطبخ فيه قدرا بالليل حتى تنضج، فطرح رهنه بذلك؛ فدس الرجل الذي راهنه رجلا فألقى نفسه في الناووس بين الموتى. فلما فرغ ناووس من الطبخ مد الرجل يده من بين الموتى وقال له: أطعمني؛ فغرف بالمغرفة من المرق وصبها في يد الرجل فأحرقها وضربها بالمغرفة وقال له: اصبر حتى نطعم الأحياء أولا ثم نتفرغ للموتى؛ فلقب ناووساً لذلك.","part":2,"page":3},{"id":504,"text":"قال: وكان مخارقٌ لعاتكة بنت شهدة، وهي من المغنيات المحسنات المتقدمات في الضرب. نشأ مخارقٌ بالمدينة؛ وقيل: كان منشؤه بالكوفة. وكان أبوه جزاراً مملوكا، وكان مخارقٌ وهو صبي ينادي على ما يبيعه أبوه من اللحم. فلما بان طيب صوته علمته مولاته طرفاً من الغناء، ثم أرادت بيعه، فأشتراه إبراهيم الموصلي منها وأهداه للفضل بن يحيى، فأخذه الرشيد منه ثم أعتقه. وقيل: أشتراه إبراهيم من مولاته بثلاثين ألف درهم وزادها ثلاثة آلاف درهم. قال: ولما أشتراه قال له الفضل بن يحيى: ما خبر غلام بلغني أنك أشتريته ؟ فقال: هو ما بلغك. قال: فأرنيه، فأحضره، فغنى بين يديه؛ فقال له: ما أرى فيه الذي رأيت. قال: تريد أن يكون في الغناء مثلي في ساعةٍ واحدةٍ ! فقال: بكم تبيعه ؟ قال: أشتريته بثلاثين ألف درهم، وهو حر لوجه الله تعالى إن بعته إلا بثلاثة وثلاثين ألف دينار. فغضب الفضل وقال: إنما أردت ألا تبيعه أو تجعله سببا لأن تأخذ مني ثلاثة وثلاثين ألف دينار. فقال إبراهيم: أنا أصنع بك خصلة واحدة، أبيعك نصفه بنصف هذا المال وأكون شريكك في نصفه وأعلمه، فإن أعجبك إذا علمته أتممت لي باقي المال وإلا بعته بعد، وكان الربح بيني وبينك. فقال الفضل: إنما أردت أن تأخذ مني المال الذي قدمت ذكره، فلما لم تقدر على ذلك أردت أن تأخذ نصفه، وغضب. فقال إبراهيم له: فأنا أهبه لك على أنه يساوي ثلاثة وثلاثين ألف دينار؛ قال: قد قبلته؛ قال: وقد وهبته لك. وغدا إبراهيم على الرشيد؛ فقال له: يا إبراهيم، ما غلامٌ بلغني أنك وهبته للفضل ؟ قال: غلام يا أمير المؤمنين لم تملك العرب ولا العجم مثله، ولا يكون مثله أبدا. قال: فوجه إلى الفضل يأمره بإحضاره. فوجه به إليه، فغنى بين يديه؛ فقال له: كم يساوي ؟ قال إبراهيم: يساوي خراج مصر وضياعها. قال: ويحك ! أتدري ما تقول ! مبلغ هذا المال كذا وكذا ! قال: وما مقدار هذا المال في غلام لم يملك أحدٌ مثله قط ! قال: فالتفت الرشيد إلى مسرور الكبير وقال: قد عرفت يميني أني لا أسأل أحداً من البرامكة شيئا فقال مسرور: فأنا أمضي إلى الفضل فأستوهبه منه، فإذا كان عندي فهو عندك. فقال له: شأنك. فمضى مسرور إلى الفضل وأستوهبه منه، فوهبه له. وقيل: بل إبراهيم هو الذي أهداه للرشيد؛ فأمره الرشيد بتعليمه فعلمه حتى بلغ ما بلغه. قال: وكان مخارقٌ يقف بين يدي الرشيد مع الغلمان لا يجلس ويغني وهو واقف. فغنى ابن جامع ذات يوم بين يدي الرشيد:\rكأنّ نيراننا في جنب قلعتهم ... مصبّغات على أرسان قصّار\rهوت هرقلة لمّا أن رأت عجباً ... جواثما ترتمي بالنّفط والنّار\rفطرب الرشيد وأستعاده مراراً؛ وهو شعر مدح به الرشيد في فتح هرقلة. فأقبل الرشيد على أبن جامع دون غيره. فغمز مخارقٌ إبراهيم بعينه وتقدمه إلى الخلاء، فلما جاء قال له: مالي أراك منكسراً ؟ فقال له: أما ترى إقبال أمير المؤمنين على أبن جامع بسبب هذا الصوت ! فقال مخارقٌ: قد والله أخذته. فقال: ويحك ! إنه الرشيد، وأبن جامعٍ من تعلم، ولا يمكن معارضته إلا بما يزيد على غنائه وإلا فهو الموت ! فقال: دعني وخلاك ذمٌ، وعرفه أني أغني به، فإن أحسنت فإليك ينسب، وإن أسأت فإلي يعود. فقال إبراهيم للرشيد: يا أمير المؤمنين، أراك متعجباً من هذا الصوت بغير ما يستحقه وأكثر مما يستوجبه ! فقال: لقد أحسن فيه أبن جامع ما شاء. قال: أو لأبن جامع هو ؟ قال: نعم، كذا ذكر. قال: فإن عبدك مخارقاً يغنيه. فنظر إلى مخارق؛ فقال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: هاته؛ فغناه وتحفظ فيه فأتى بالعجائب، وطرب الرشيد حتى كاد يطير؛ ثم أقبل على أبن جامع فقال: ويلك ! ما هذا ؟ فابتدأ يحلف بالطلاق وكل محرجة أنه لم يسمع ذلك الصوت قط من غيره وأنه صنعه وأنها حيلةٌ جرت عليه. فأقبل على إبراهيم وقال: أصدقني بحياتي؛ فصدقه عن قصة مخارق. فقال لمخارق: اجلس إذاً مع أصحابك، فقد تجاوزت مرتبة من يقوم. وأعتقه ووصله بثلاثة آلاف دينار وأقطعه ضيعةً ومنزلا.\rوقد روى أبو الفرج الأصفهاني عن هارون بن مخارق، قال: كان أبي إذا غنى هذا الصوت:\rيا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا ... زدت الفؤاد على علاّته وصبا\rربعٌ تبدّل ممن كان يسكنه ... عفر الظباء وظلماناً به عصبا","part":2,"page":4},{"id":505,"text":"يبكي ويقول: أنا مولى هذا الصوت. فقلت له: كيف يا أبت ؟ فقال: غيته مولاي الرشيد، فبكى وشرب عليه رطلا ثم قال: أحسنت يا مخارق ! فسلني حاجتك؛ فقلت: تعتقني يا أمير المؤمنين أعتقك الله من النار؛ فقال: أنت حرٌ لوجه الله تعالى، فأعد الصوت فأعدته؛ فبكى وشرب رطلا، ثم قال: أحسنت يا مخارق ! فسلني حاجتك؛ فقلت: ضيعةٌ تقيمني غلتها؛ فقال: قد أمرت لك بها، أعد الصوت فأعدته؛ فبكى وقال: سل حاجتك؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، تأمر لي بمنزل وفرسٍ وخادمٍ؛ فقال: ذلك لك، أعد الصوت فأعدته؛ فبكى وقال: سل حاجتك؛ فقبلت الأرض بين يديه وقلت: حاجتي أن يطيل الله بقاءك ويديم عزك ويجعلني من كل سوءٍ فداءك؛ فأنا مولى هذا الصوت بعد مولاي.\rويروى أيضاً عن الحسين بن الضحاك عن مخارق أن الرشيد قال يوما للمغنين وهو مصطبح: من منكم يغني:\rيا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا\rفقمت وقلت: أنا يا أمير المؤمنين. فقال: هاته؛ فغنيته فطرب وشرب ثم قال: علي بهرثمة؛ فقلت في نفسي: ماذا يريد منه ! فجاء هرثمة فقال له: مخارق الشاري الذي قتلناه بنواحي الموصل ما كانت كنيته ؟ فقال: أبو المهنأ؛ فقال: أنصرف فانصرف؛ ثم أقبل الرشيد علي فقال: قد كنيتك أبا المهنأ لإحسانك؛ وأمر لي بمائة ألف درهم؛ فأنصرفت بها وبالكنية.\rقال أبو عبد الله بن حمدون: كنا عند الواثق وأمه عليلةٌ. فلما صلى المغرب دخل إليها وأمر ألا نبرح، فجلسنا في صحن الدار، وكانت ليلةً مقمرةً وأبطأ الواثق علينا؛ فاندفع مخارق يغني، فأجتمع علينا الغلمان، وخرج الواثق فصاح: يا غلام، فلم يجبه أحد، ومشى في المجلس إلى أن توسط الدار؛ فلما رأيته بادرت إليه؛ فقال لي: ويلك ! هل حدث في داري شيءٌ ؟ فقلت: لا يا سيدي. قال: فما بالي أصيح فلا أجاب ؟ فقلت: مخارق يغنى والغلمان قد أجتمعوا إليه فليس فيهم فضلٌ لسماع غير ما يسمعونه. فقال: عذرٌ والله لهم يا أبن حمدون وأي عذر ! ثم جلس وجلسنا بين يديه إلى السحر. وقد روى نحو هذه الحكاية في أمر الغلمان مع مخارق عند المعتصم. وقال محمد بن عبد الملك الزيات: قال لي الواثق: ما غناني مخارق قط إلا قدرت أنه من قلبي خلق. وكان يقول: أتريدون أن تنظروا فضل مخارق على جميع أصحابه ؟ انظروا إلى هؤلاء الغلمان الذين يقفون في السماط، فكانوا يتفقدونهم وهم وقوفٌ فكلهم يسمع الغناء من المغنين جميعا وهو واقفٌ مكانه ضابطٌ لنفسه، فإذا تغنى مخارق خرجوا عن صورهم فتحركت أرجلهم ومناكبهم وبانت أسباب الطرب فيهم، وأزدحموا على الحبل الذي يقفون من ورائه.\rوحكى أنه خرج مرة إلى باب الكناسة بمدينة السلام والناس يرحلون إلى مكة؛ فنظر إلى كثرتهم وأزدحامهم، فقال لأصحابه الذين معه: قد جاء في الخبر أن أبن سريج كان يغني في أيام الحج والناس يمشون فيستوقفون بغنائه، وسأستوقف لكم هؤلاء الناس وأستلهيهم جميعاً لتعلموا أنه لم يكن ليفضلني إلا بصنعته دون صوته؛ ثم اندفع يؤذن، فأستوقف أولئك الخلق واستلهاهم، حتى جعلت المحامل يغشي بعضها بعضاً.\rقالوا: وجاء أبو العتاهية إلى باب مخارق وطرقه فخرج إليه؛ فقال له: يا حسان هذا الإقليم، يا حكيم أرض بابل، أصبب في أذني شيئا يفرح به قلبي وتتنعم به نفسي وكان في جماعة منهم محمد بن سعيد اليزيدي فقال: انزلوا، فنزلوا، فغناهم. فقال محمد بن سعيد: فكدت أسعى على وجهي طرباً. قال: وجعل أبو العتاهية يبكي، ثم قال: يا دواء المجانين، لقد رققت حتى كدت أن أحسوك، فلو كان الغناء طعاماً لكان غناؤك أدما، ولو كان شراباً لكان ماء الحياة.","part":2,"page":5},{"id":506,"text":"وقال أبو الفرج عن عمر بن شبة قال: حدثني بعض آل نوبخت قال: كان أبي وعبد الله بن أبي سهل وجماعةٌ من آل نوبخت وغيرهم وقوفا بكناسة الدواب في الجانب الغربي ببغداد يتحدثون، وإنهم لكذلك إذ أقبل مخارقٌ على حمار أسود وعليه قميصٌ رقيقٌ ورداءٌ مسهم؛ فقال: فيم كنتم؟ فأخبروه. فقال: دعونا من وسواسكم هذا، أي شيء لي عليكم إن رميت بنفسي بين قبرين من هذه القبور وغطيت وجهي وغنيت صوتا فلم يبق أحد بهذه الكناسة ولا في الطريق من مشتر ولا بائع ولا صادرٍ ولا وارد إلا ترك عمله وقرب مني واتبع صوتي ؟ فقال عبد الله: إني لأحب أن أرى هذا، فقل ما شئت. فقال مخارق: فرسك الأشقر الذي طلبته منك فمنعتنيه. قال: هو لك إن فعلت ما قلت. قال: فرمى بنفسه بين قبرين وتغطى بردائه، ثم أندفع يغني بشعر أبي العتاهية:\rنادت بوشك رحيلك الأيّام ... أفلست تسمع أم بك أستصمام\rومضى أمامك من رأيت وأنت لل ... باقين حتى يلحقوك أمام\rمالي أراك كأنّ عينك لا ترى ... عبراً تمرّ كأنهنّ سهام\rتمضي الخطوب وأنت منتبهٌ لها ... فإذا مضت فكأنها أحلام\rقال: فرأيت الناس يأتون إلى المقبرة أرسالا بين راكبٍ وراجل وصاحب شغل ومار في الطريق حتى لم يبق أحد. ثم قال لنا من تحت ردائه: هل بقي أحدٌ ؟ قلنا: لا، وقد وجب الرهن. فقام فركب حماره، وعاد الناس إلى صنائعهم؛ وقال لعبد الله: أحضر الفرس؛ قال: على أن تقيم عندي؛ قال نعم ؟! فسلم الفرس إليه وبره وأحسن رفده.\rوروى عن يحيى المكي قال: خرج مخارقٌ مع بعض إخوانه إلى بعض المتنزهات، فنظر إلى قوس مذهبة مع بعض من خرج معه، فسأله إياها، وكان المسئول ضن بها، وسنحت ظباءٌ بالقرب منه؛ فقال لصاحب القوس: أرأيت إن تغنيت صوتا فعطفت علي به خدود هذه الظباء أتدفع إلي القوس ؟ قال نعم ! فاندفع يغني:\rماذا تقول الظباء ... أفرقةً أم لقاء\rأم عهدها بسليمى ... وفي البيان شفاء\rمرّت بناسانحاتٍ ... وقد دنا الإمساء\rفما أحارت جوابا ... وطال فيها العناء\rقال: فعطفت الظباء راجعةً إليه حتى وقفت بالقرب منه تنظر إليه مصغيةً إلى صوته. فعجب من حضر من رجوعها ووقوفها؛ وناوله الرجل القوس، فأخذها وقطع الغناء فعاودت الظباء نفارها ومضت راجعةً على سننها.\rوروى عن إسحاق بن إبراهيم قال: دخلت على أبي وهو جالسٌ بين بابين له ومخارقٌ بين يديه وهو يغنيه:\rيا ربع بشرة إن أضرّبك البلى ... فلقد رأيتك آهلاً معمورا\rقال: فرأيت أبي ودموعه تجري على خديه من أربعة أماكن وهو ينشج أحر نشيج. فلما رآني قال: يا إسحاق، هذا والله صاحب اللواء غداً إن مات أبوك.\rوروى عن مخارق قال: رأيت وأنا حدثٌ كأن شيخا جالسا على سرير في روضة حسنة، فدعاني فقال لي: غنني يا مخارق؛ فقلت: أصوتاً تقترحه أو ما حضر ؟ فقال: ما حضر. فغنيته:\rدعى القلب لا يزدد خبالاً مع الذي ... به منك أو داوى جواه المكتّما\rوليس بتزويق اللسان وصوغه ... ولكنّه قد خالط اللّحم والدّما\rفقال لي: أحسنت يا مخارق ! ثم أخذ وترا من أوتار العود فلفه على المضراب ودفعه إلي، فجعل المضراب يطول ويغلظ والوتر ينتشر ويعرض حتى صار المضراب كالرمح والوتر كالعذبة عيه وصار في يدي علماً، ثم أنتبهت فحدثت برؤياي إبراهيم الموصلي؛ فقال لي: الشيخ بلا شك إبليس، وقد عقد لواء صنعتك فانت ما حييت رئيس أهلها.","part":2,"page":6},{"id":507,"text":"وقال أحمد بن حمدون: غضب المعتصم على مخارق فأمر أن يجعل في المؤذنين ويلزمهم ففعل ذلك؛ وأمهل حتى علم أن المعتصم يشرب، فأذنت العصر، فدخل إلى الستر حيث يقف المؤذن للسلام، ثم رفع صوته جهده وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله. فبكى حتى جرت دموعه وبكى كل من حضر، ثم قال: أدخلوه علي وأقبل علينا؛ ثم قال: سمعتم هكذا قط !؟ هذا الشيطان لا يترك أحداً يغضب عليه ؟!. فدخل إليه فقبل الأرض بين يديه؛ فدعاه المعتصم إليه فأعطاه يده فقبلها وأمره بإحضار عوده فأحضره، وأعاده إلى مرتبته. وأخباره كثيرة، وفيما أوردناه منها كفاية. وكانت وفاته في أول خلافة المتوكل؛ وقيل: بل في آخر خلافة الواثق. وغنى خمسةً من الخلفاء: الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق. رحمهم الله تعالى.\rأخبار يحيى بن مرزوق المكي\rهو أبو عثمان يحيى بن مرزوق المكي، مولى بني أمية، وكان يكتم ذلك لخدمته للخلفاء من بني العباس؛ وكان إذا سئل عن ولائه أنتمى إلى قريش، ولم يذكر البطن الذي ولاؤه له، ويستعفى من يسأله عن ذلك.\rقال الأصفهاني: وعمر يحيى المكي مائة وعشرين سنة، وأصاب بالغناء ما لم يصبه أحدٌ من نظرائه ومات وهو صحيح العقل والسمع والبصر. وكان قدم مع الحجازيين الذين قدموا على المهدي في أول خلافته فبقي بالعراق. وكان أبن جامع وإبراهيم الموصلي وفليح يفزعون إليه في الغناء القديم فيأخذونه عنه، ويعابي بعضهم بعضا بما يأخذونه منه. فإذا خرجت لهم الجوائز أخذوه منها ووفروا نصيبه. وله صنعة عجيبةٌ نادرة متقدمة. قال: وله كتاب في الأغاني ونسبها وأجناسها كبير جليل مشهور، إلا أنه كالمطروح عند الرواة لكثرة تخليطه في رواياته؛ والعمل على كتاب أبنه أحمد، فإنه صحح كثيرا مما أفسده وأزال ما عرفه من تخاليط أبيه، وحقق ما نسبه من الأغاني إلى صانعه. قال: وهو يشتمل على نحو ثلاثة آلاف صوت.\rقال أحمد بن سعيد: كانت صنعة يحيى ثلاثة آلاف صوت، منها زهاء ألف صوت لم يقاربه فيها أحدٌ. وسئل أبنه أحمد عن صنعة أبيه فقال: الذي صح عندي منها ألف صوت وثلثمائة صوت، منها مائة وسبعون صوتا، غلب فيها على الناس جميعا من تقدم منهم ومن تأخر، فلم يقم له أحد فيها.\rقال أحمد بن يحيى قال لي إسحاق: يا أبا جعفر لأبيك مائة وسبعون صوتاً من أخذها عنه بمائة وسبعين ألف درهم فهو الرابح. والله أعلم.\rأحمد بن يحيى المكي الملقب بطنين هو أبو جعفر أحمد بن يحيى المكي، وكان يلقب طنينا. وهو أحد المحسنين المبرزين الرواة للغناء المحكمي الصنعة. كان إسحاق يقدمه ويؤثره ويشدو بذكره ويجهر بتفضيله.\rقال أبو الفرج: وكتابه المجرد في الأغاني ونسبها أصلٌ من الأصول المعول عليها. قال: وكان مع جودة غنائه وحسن صنعته أحد الضراب الموصوفين المتقدمين.\rقال علي بن يحيى: قلت لإسحاق بن إبراهيم الموصلي وقد جرى ذكر أحمد ابن يحيى المكي : يا أبا محمد لو كان أبو جعفر أحمد بن يحيى مملوكاً كم كان يساوي ؟ قال: أخبرك عن ذلك، انصرفت ليلةً من دار الواثق فأجتزت بدار الحسن بن وهب فدخلت إليه فإذا أحمد عنده. فلما قاموا لصلاة العشاء الآخرة قال لي الحسن بن وهب: كم يساوي أحمد لو كان مملوكاً ؟ قلت: يساوي عشرين ألف دينار. قال: ثم رجع فغنى صوتاً؛ فقال لي الحسن: كم يساوي أحمد لو كان مملوكاً ؟ قلت: يساوي ثلاثين ألف دينار. ثم تغنى صوتا آخر؛ فقلت للحسن: يا أبا علي أضعفها. ثم أردت الأنصراف فقلت لأحمد: غنني\rلولا الحياء وأنّ السّتر من خلقي ... إذاً قعدت إليك الدهر لم أقم\rأليس عندك سكرٌ للتي جعلت ... ما أبيضّ من قادمات الأس كالحمم\rفغناه فأحسن فيه كل الإحسان. فلما قمت للأنصراف قلت: يا أبا علي، أضعف الجميع. فقال له أحمد: ما هذا الذي أسمعكما تقولانه ولست أدري ما معناه ؟ فقال: نحن نبيعك ونشتريك منذ الليلة وأنت لا تدري. وقال محمد بن عبد الله بن مالك: سألني إسحاق بن إبراهيم الموصلي يوما: من بقي من المغنين ؟ قلت: وجه القرعة محمد بن عيسى. فقال: صالح كيسٌ؛ ومن أيضا؟ قلت: أحمد بن يحيى المكي. قال: نجٍ نجٍ ! ذاك المحسن المجمل الضارب المغني، القائم بمجلسه لا يحوج أهل المجلس إلى غيره. وكانت وفاته في أول خلافة المستعين.","part":2,"page":7},{"id":508,"text":"هاشم بن سليمان مولى بني أمية يكنى أبا العباس. وكان موسى الهادي يسميه أبا الغريض. قال أبو الفرج: وهو حسن الصنعة غزيرها؛ وفيه يقو الشاعر:\rيا وحشتي بعدك يا هاشم ... غبت فشجوى بك لي لازم\rاللّهو واللّذّة يا هاشم ... ما لم تكن حاضره ما تم\rوقال الأصبهاني بسند رفعه إلى هاشم: أصبح موسى أمير المؤمنين يوما وعنده جماعةٌ فقال: يا هاشم غنني:\rأبهار قد هيّجت لي أوجاعا\rفإن أصبت مرادي فيه فلك حاجةٌ مقضية. قال: فغنيته، وهو:\rأبهار قد هيّجت لي أوجاعا ... وتركتني عبداً لكم مطواعا\rبحديثك الحسن الذي لو كلّمت ... وحش الفلاة به لجئن سراعا\rوإذا مررت على البهار منضّداً ... في السوق هيّج لي إليك نزاعا\rوالله لو علم البهار بأنها ... أضحت سميّته لصار ذراعا\rفقال: اصبت وأحسنت، سل حاجتك؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، تأمر بأن يملأ هذا الكانون دراهم وكان بين يديه كانون عظيم فأمر به فملئ فوسع ثلاثين ألف درهم. فلما حصلتها قال لي: يا ناقص الهمة، والله لو سألت أن أملأه لك دنانير لفعلت. فقلت: أقلني يا أمير المؤمنين. قال: لا سبيل إلى ذلك ولم يسعدك الجد به. وقد رويت هذه الحكاية في موضع آخر، وذكر أن الذي غناه غير هذا الشعر، وأن الكانون وسع ست بدر، فدفعها إليه.\rأخبار يزيد حوراء\rهو رجل من أهل المدينة من موالي بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة؛ ويكنى أبا خالد. مغن محسنٌ كثير الصنعة، من طبقة أبن جامع وإبراهيم الموصلي. وكان ممن قدم على المهدي في خلافته فغناه. وكان حسن الصوت حلو الشمائل. فحسده إبراهيم الموصلي على شمائله وإشاراته في الغناء، فاشترى عدة جوار وشاركه فيهن، وقال له: علمهن، فما رزق الله تعالى من ربح فيهن فهو بيننا. وأمرهن أن يجعلن وكدهن أخذ إشارته ففعلن ذلك. فكان إبراهيم يأخذها عنهن هو وأبنه ويأمرهن بتعليم كل من يعرفنه ذلك حتى شهرها في الناس، فأبطل عليه ما كان منفرداً به من ذلك.\rقال عبد الله بن العباس الربيعي: كان يزيد حوراء نظيفاً ظريفاً حسن الوجه شكلاً، لم يقدم علينا من الحجاز أنظف منه ولا أشكل، وما كنت تشاء أن ترى خصلةً جميلة لا تراها في أحد منهم إلا رأيتها فيه. وكان يتعصب لإبراهيم الموصلي على أبن جامع، فكان إبراهيم يرفع منه ويشيع ذكره بالجميل وينبه على مواضع تقدمه وإحسانه، ويبعث بأبنه إسحاق إليه يأخذ عنه.\rوحكى أبو الفرج بسندٍ رفعه إلى يزيد حوراء قال: كلمني أبو العتاهية في أن أكلم المهدي في عتبة؛ فقلت: إن الكلام لا يمكنني، ولكن قل شعراً أغنيه به؛ فقال:\rنفسي بشيء من الدنيا معلّقةٌ ... الله والقائم المهديّ يكفيها\rإني لأيأس منها ثم يطمعني ... فيها أحتقارك للدّنيا وما فيها\rقال: فعملت فيه لحناً وغنيته. فقال: ما هذا ؟ فأخبرته خبر أبي العتاهية؛ فقال: ننظر فيما سأل؛ فأخبرت بذلك أبا العتاهية. ثم مضى شهر فجاءني فقال: هل حدث خبرٌ ؟ قلت لا. قال: فأذكرني للمهدي. فقلت: إن أحببت ذلك فقل شعرا تحركه به وتذكره وعده حتى أغنيه به؛ فقال:\rليت شعري ما عندكم ليت شعري ... فلقد أخّر الجواب لأمر\rما جوابٌ أولى بكل جميلٍ ... من جوابٍ يردّ من بعد شهر\rقال يزيد: فغنيت المهدي، فقال: علي بعتبة فأحضرت؛ فقال: إن أبا العتاهية كلمني فيك، فما تقولين ولك عندي وله ما تحبان مما لا تبلغه أمانيكما ؟ فقالت: قد علم أمير المؤمنين ما أوجب الله علي من حق مولاتي، وأريد أن أذكر هذا لها. قال: فأفعلي. قال: فأعلمت أبا العتاهية. ومضت أيام فسألني معاودة المهدي؛ فقلت: قد عرفت الطريق، فقل ما شئت حتى أغنيه به؛ فقال:\rأشربت قلبي من رجائك ما له ... عنقٌ يخبّ إليك بي ورسيم\rوأملت نحو سماء جودك ناظري ... أرعى مخايل برقها وأشيم\rولقد تنسّمت الرّياح لحاجتي ... فإذا لها من راحتيك نسيم\rولربما أستيأست ثم أقول لا ... إن الذي وعد النّجاح كريم","part":2,"page":8},{"id":509,"text":"قال يزيد: فغنيته الشعر، فقال: علي بعتبة فجاءت؛ فقال: ما صنعت ؟ فقالت: ذكرت ذلك لمولاتي فكرهته وأبت أن تفعل، فليفعل أمير المؤمنين ما يريد. قال: ما كنت لأفعل شيئا تكرهه. فأعلمت أبا العتاهية بذلك، فقال:\rقطّعت منك حبائل الآمال ... وأرحت من حلّ ومن ترحال\rما كان أشأم إذ رجاؤك قاتلي ... وبنات وعدك يعتلجن ببالي\rولئن طمعت لربّ برقة خلّبٍ ... مالت بذي طمع ولمعة آل\rوقد حكى أبو الفرج أيضا هذه الحكاية وأختصرها، ولم يذكر الأبيات منها\rأشربت قلبي من رجائك ما له\rإلا أنه غير قوله: أشربت قلبي بقوله: أعلمت نفسي من رجائك. وقال: فصنع فيه يزيد لحناً وغناه المهدي. فدعا بأبي العتاهية وقال له: أما عتبة فلا سبيل إليها، لأن مولاتها قد منعت منها، ولكن هذه خمسون ألف درهم فأشتر ببعضها خيراً من عتبة فحملت إليه، فأخذها وأنصرف.\rوحكى عن حماد بن إسحاق قال: قال يزيد حوراء: كنت أجلس بالمدينة على أبواب قريش، وكانت تمر بي جاريةٌ تختلف إلى الزرقاء تتعلم منها الغناء. فقلت لها يوما: افهمي قولي وردي جوابي وكوني عند ظني؛ فقالت: هات ما عندك. فقلت: بالله ما أسمك ؟ فقالت: ممنعة. فأطرقت طيرةً من أسمها مع طمعي فيها، ثم قلت: بل باذلةٌ ومبذولةٌ إن شاء الله فأسمعي مني. فقالت وهي تتبسم: إن كان عندك شيء فقل. فقلت:\rليهنك منّي أنّني لست مفشياً ... هواك إلى غيري ولو متّ من كربي\rولا مانحاً خلقاً سواك محبّةً ... ولا قائلاً ما عشت من حبكم حسبي\rفنظرت إلي طويلا ثم قالت: أنشدك الله، أعن فرط محبة أم أهتياج غلمةٍ تكلمت ؟ فقلت: لا والله إلا عن فرط محبة. فقالت:\rفوالله ربّ الناس لا خنتك الهوى ... ولا زلت مخصوص المحبّة من قلبي\rفثق بي فإني قد وثقت ولا تكن ... على غير ما أظهرت لي يا أخا الحبّ\rقال: فوالله لكأنما أضرمت في قلبي ناراً. فكانت تلقاني في الطريق الذي كانت تسلكه فتحدثني فأتفرج بها؛ ثم أشتراها بعض أولاد الخلفاء، وكانت تكاتبني وتلاطفني دهرا طويلا.\rأخبار فليح بن أبي العوراء\rهو رجل من أهل مكة مولى لبني مخزوم، وهو أحد مغني الدولة العباسية؛ له محلٌ كبير من صناعته، وهو أحد الثلاثة الذي أختاروا المائة الصوت للرشيد التي بنى أبو الفرج الأصفهاني كتابه المترجم بالأغاني عليها. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: ما سمعت أحسن من غناء فليح وأبن جامع. وكان المهدي لا يغنيه مغن إلا من وراء الستارة إلا فليح فإن الستارة كانت ترفع بينه وبين المهدي. وهو أول مغن نظر وجه المهدي.\rوروى أبو الفرج الأصفهاني عن يوسف بن إبراهيم عن إبراهيم بن المهدي قال: كتب إلي جعفر بن يحيى وأنا عامل الرشيد على جند دمشق: قد قدم علينا فليح بن أبي العوراء، فأفسد علينا بأهزاجه وخفيفه كل غناءٍ سمعناه قبله. وأنا محتال لك في تخليصه إليك لتسمع منه كما أسمعنا. فلم ألبث أن ورد على فليحٌ بكتاب الرشيد يأمر له بثلاثة آلاف دينار؛ فورد علي منه رجلٌ أذكرني لقاؤه الناس وأخبرني أنه قد ناهز المائة. فأقام عندي ثلاث سنين، وأخذ جواري عنه كل ما كان معه من الغناء، وأنتشر بعض غنائه بدمشق.\rوروى أيضا بسنده إلى أحمد بن يحيى المكي عن فليح بن أبي العوراء قال: كان بالمدينة فتىً يعشق أبنة عم له، فوعدته أنها تزوره؛ وشكا إلي أنها تأتيه ولا شيء عنده؛ فأعطيته دينارا للنفقة. فلما زارته قالت له: من يلهينا ؟ قال: صديقٌ لي، ووصفني لها؛ ودعاني فأتيته؛ وكان أول ما غنيته:\rمن الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا\rفقامت إلى ثوبها فلبسته لتنصرف. فتعلق بها وجهد كل الجهد في أن تقيم فم تفعل وأنصرفت. فأقبل يلومني في أن غنيتها ذلك الصوت. فقلت: والله ما هو شيءٌ أعتمدت به مساءتك ولكنه شيء أتفق. قال: فلم نبرح حتى عاد رسولها ومعه صرة فيها ألف دينار، فدفعها إلى الفتى وقال: تقول لك أبنة عمك: هذا مهري، فادفعه إلى أبي وأخطبني، ففعل وتزوجها.\rأخبار إبراهيم الموصلي","part":2,"page":9},{"id":510,"text":"هو إبراهيم بن ماهان بن ميمون، وأصله من فارس، ومولده في سنة خمس وعشرين ومائة بالكوفة، ووفاته ببغداد في سنة ثمان وثمانين ومائة. قالوا: ومات ماهان وترك إبراهيم صغيراً، فكفله آل خزيمة بن خازم، فكان ولاؤه لبني تميم. وكان السبب في نسبه إلى الموصل أنه لما كبر وأشتد وأدرك صحب الفتيان وأشتهى الغناء وطلبه؛ فاشتد أخواله بنو عبد الله بن دارم عليه في ذلك وبلغوا منه، فهرب منهم إلى الموصل فأقام بها سنة؛ فلما رجع إلى الكوفة قال له إخوانه من الفتيان: مرحباً بالفتى الموصلي، فغلب عليه ثم أرتحل إلى الري في طلب الغناء، فطال مقامه هناك، وأخذ الغناء الفارسي والعربي.\rقال إسحاق: حدثني أبي قال: أول شيء أعطيته بالغناء أني كنت بالري أنادم أهلها بالسوية لا أرزؤهم شيئا ولا أنفق إلا من بقية مال كان معي. فمر بنا خادم أبو جعفر المنصور إلى بعض عماله برسالة، فسمعني عند رجل من أهل الري فشغف بي وخلع علي دواج سمورٍ له قيمة، ومضى بالرسالة فرجع وقد وصله العامل بسبعة آلاف درهم وكسوةٍ كثيرةٍ، فجاءني إلى منزلي الذي كنت أسكنه، فأقام عندي ثلاثة أيام ووهب لي نصف الكسوة التي معه وألفي درهم. وكان ذلك أول مالٍ كسبته من الغناء. فقلت: والله لا أنفق هذه الدراهم إلا على الصناعة التي أفادتنيها. ووصف لي رجلٌ بالأبلة اسمه: جوانويه وكان حاذقا، فخرجت إليه، وصحبت فتيانها وأخذت عنهم وغنيتهم فشغفوا بي.\rقال إبراهيم: ولما أتيت جوانويه لم أصادفه في منزله فأقمت حتى جاء. فلما رآني أحتشمني وكان مجوسيا؛ فأخبرته بصناعتي والحال التي قصدته فيها؛ فرحب بي وأفرد لي جناحاً في داره ووكل بي جاريةً، فقدمت لي ما أحتاج إليه. فلما كان العشاء عاد إلى منزله ومعه جماعة من الفرس ممن يغني؛ فنزلت إليه فجلسنا وأخذوا في شأنهم وضربوا وغنوا؛ فلم أجد في غناء أحد منهم فائدة؛ وبلغت النوبة إلي فضربت وغنيت؛ فقاموا جميعا إلي فقبلوا رأسي وقالوا: سخرت بنا، نحن إلى تعليمك إيانا أحوج منك إلينا. فأقمت على تلك الحال أياما حتى بلغ محمد بن سليمان بن علي خبري، فوجه إلي فأحضرني وأمرني بملازمته. فقلت: أيها الأمير، لست أتكسب بهذه الصناعة وإنما ألتذ بالغناء فلذلك تعلمته، وأريد العود إلى الكوفة؛ فلم أنتفع بذلك عنده وأخذل بملازمته وسألني: من أين أنا ؟ فأنتسبت إلى الموصل، فلزمتني وعرفت بها. ولم أزل عنده مكرماً، حتى قدم عليه خادم المهدي. فلما رآني عنده قال له: أمير المؤمنين أحوج إلى هذا منك، فدافعه عني. فلما قدم الخادم على المهدي سأله عما رأى في طريقه ومقصده، فأخبره بما رأى، حتى أنتهى إلى ذكرى فوصفني له. فأمره المهدي بالرجوع وإشخاصي إليه، فجاء وأشخصني إلى المهدي، وحظيت عنده وقدمني.\rقال: وما سمع المهدي قبلي أحداً من المغنين سوى فليح بن أبي العوراء وسياط؛ فإن الفضل بن الربيع وصفهما له.","part":2,"page":10},{"id":511,"text":"قال: وكان المهدي لا يشرب، فأرادني على ملازمته وترك الشرب، فأبيت عليه. وكنت أغيب عنه الأيام، فإذا جئته جئته منتشيا؛ فغاظه ذلك مني وضربني وحبسني؛ فحذقت القراءة والكتابة في الحبس. ثم دعاني يوما فعاتبني على شربي في منازل الناس والتبذل معهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما تعلمت هذه الصناعة للذتي وعشرة إخواني ولو أمكنني تركها تركتها وجميع ما أنا فيه لله تعالى. فغضب غضباً شديدا وقال: لا تدخل على موسى وهارون، فوالله لئن دخلت عليهما لأفعلن وأصنعن. فقلت نعم. ثم بلغه أني دخلت عليهما وشربت معهما وكانا مشتهرين بالنبيذ، فضربني ثلاثمائة سوط وستين سوطا. فقلت له وأنا أضرب: إن جرمي ليس من الأجرام التي يحل بها سفك دمي، ووالله لو كان سر أبنيك تحت قدمي ما رفعتهما عنه ولو قطعتا، ولو فعلت ذلك كنت في حالة أبان العبد الساعي. فلما قلت ذلك ضربني بالسيف في جفنه فشجني، فسقطت مغشياً علي. وقال لعبد الله أبن مالك: خذه إليك وأجعله في مثل القبر. فدعا عبد الله بكبش فذبحه وسلخه وألبسني جلده ليسكن الضرب عني، ودفعني إلى خادم له يقال له أبو عثمان سعيد التركي، فجعلني في قبر ووكل بي جارية. فتأذيت بنز كان في القبر وببقٍ. فقلت للجارية: أصلحي لي مجمرةً وكندرا ليذهب عني هذا البق ففعلت. فلما دخنت أظلم القبر وكادت نفسي تذهب، ثم خف ذلك وزال البق، وإذا حيتان مقبلتان نحوي من شق في القبر تدوران حولي، فهممت أن آخذ واحدةً بيدي اليمنى والأخرى بيدي اليسرى، فإما علي وإما لي، ثم كفيتهما، فدخلتا في الثقب الذي خرجتا منه. فمكثت في ذلك القبر ما شاء الله، ثم أخرجت منه. وأحلفني المهدي بالطلاق والعتاق وكل يمينٍ لا فسحة لي فيها ألا أدخل على أبنيه موسى وهارون أبدا ولا أغنيهما، وخلى سبيلي. قال إبراهيم: وقلت وأنا في الحبس:\rألا طال ليلي أراعي النجوم ... أعالج في السّاق كبلاً ثقيلا\rبدار الهوان وشرّ الديار ... اسام بها الخسف صبراً جميلا\rكثير الأخلاّء عند الرخاء ... فلما حبست أراهم قليلا\rلطول بلائي ملّ الصديق ... فلا يأمننّ خليلٌ خليلا\rقال: فلما ولي موسى الهادي الخلافة أستتر إبراهيم منه ولم يظهر له بسبب الأيمان التي حلف بها للمهدي. فلم يزل يطلبه حتى أتي به فلما عاينه قال: يا سيدي، فارقت أم ولدي أعز الخلق علي؛ ثم غناه:\rيا أبن خير الملوك لا تتركنّ ... غرضاً للعدو يرمى حيالي\rفلقد في هواك فارقت أهلي ... ثم عرّضت مهجتي للزوال\rولقد عفت في هواك حياتي ... وتغرّبت بين أهلي ومالي\rقال إسحاق بن إبراهيم: فموله الهادي وخوله؛ وبحسبك أنه أخذ منه مائة ألف وخمسين ألف دينار في يوم واحد، ولو عاش لنا لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضة.\rقال حماد بن إسحاق قال لي أبي: والله ما رأيت أكمل مروءةً من جدك، وكان له طعام يعد أبداً في كل وقت. فقلت لأبي: كيف كان يمكنه ذلك ؟ قال: كان له في كل يوم ثلاث شياهٍ، واحدةٌ مقطعة في القدور، وأخرى مسلوخةٌ معلقة، وأخرى قائمة في المطبخ؛ فإذا أتاه قوم طعموا مما في القدور، فإذا فرغت القدور قطعت الشاة المعلقة ووضعت في القدور وذبحت القائمة وأتى بأخرى فأقيمت في المطبخ. وكانت وظيفته لطعامه وطيبه وما يتخذ له في كل شهر ثلاثين ألف درهم سوى ما كان يجري وسوى كسوته. ولقد كان مرةً عندنا من الجواري الودائع لإخوانه ثمانون جارية، ما فيهن واحدة إلا ويجري عليها من الطعام والكسوة والطيب مثل ما يجري لأخص جواريه، فإذا ردت الواحدة إلى مولاها وصلها وكساها. ومات وما في ملكه إلا ثلاثة آلاف دينار وعليه من الدين سبعمائة دينار قضيت منها.\rوروى عن إسحاق بن إبراهيم قال:","part":2,"page":11},{"id":512,"text":"اشترى الرشيد من أبي جاريةً بستة وثلاثين ألف دينار، فأقامت عنده ليلة ثم أرسل إلى الفضل بن الربيع وقال له: إنا أشترينا هذه الجارية من إبراهيم ونحن نحسب أنها على صفةٍ وليست كما ظننا وما قربتها، وقد ثقل علي الثمن وبينك وبينه ما بينكما؛ فأذهب إليه فسله أن يحطنا من ثمنها ستة آلاف دينار. قال: فأتاه الفضل، فخرج إليه وتلقاه؛ فقال له: دعني من هذه الكرامة التي لامؤنة فيها، قد جئتك في أمر، ثم أخبره الخبر. فقال له إبراهيم: إنما أراد أن يبلو قدرك عندي. قال: هو ذاك ؟ قال: فمالي في المساكين صدقةٌ إن لم أضعفه لك، قد حططتك أثني عشر ألف دينار. فرجع الفضل إليه بالخبر؛ فقال: ويحك ! احمل إليه المال بجملته، فما رأيت سوقةً أنبل منه نفسا. قال إسحاق: وكنت قد أتيت أبي فقلت: ما كان لحطيطة هذا المال معنىً ولا هو قليل يتغافل عنه، قال لي: يا أحمق، أنا أعرف الناس به، والله لو أخذت المال منه كملاً ما أخذته إلا وهو كاره ولحقد ذلك، وكنت أكون عنده صغير القدر، وقد مننت عليه وعلى الفضل وأنبسطت نفسه وعظم قدري عنده، وإنما أشتريت الجارية بأربعين ألف درهم وقد أخذت بها أربعة وعشرين ألف دينار. فلما حمل إليه المال بكماله دعاني وقال: كيف رأيت يا إسحاق، من البصير أنا أم أنت ؟ فقلت: أنت، جعلني الله فداك. قال: وإبراهيم أول من علم الجواري المثمنات الغناء فإنه بلغ بالقيان كل مبلغ ورفع من أقدارهن.\rومن أخباره مع الرشيد ما روى عن إسحاق قال حدثني أبي قال: إن الرشيد غضب علي فقيدني وحبسني بالرقة وجلس للشرب يوما في مجلس قد زينه وحسنه. فقال لعيسى بن جعفر: هل لمجلسنا عيبٌ ؟ قال: نعم، غيبة إبراهيم الموصلي عنه. فأمره باحضاري؛ فأحضرت في قيودي، ففكت عني بين يديه، وأمرهم فناولوني عودا؛ ثم قال: إن يا إبراهيم؛ فغنيته:\rتضوّع مسكاً بطن نعمان أن مشت ... به زينبٌ في نسوةٍ عطرات\rفاستعاده وشرب وطرب وقال: هنأتني وسأهنئك بالصلة، وقد وهبت لك الهنئ والمرئ، فانصرفت؛ فلما أصبحت عوضت منهما مائتي ألف درهم.\rقال إبراهيم: دخلت على موسى الهادي فقال لي: يا إبراهيم، إن من الغناء ما ألذ وأطرق عليه ولك حكمك. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن لم يقابلني زحل ببرده رجوت ذلك؛ فغنيته:\rوإني لتعروني لذكراك هزة ... كما أنتفض العصفور بلّله القطر\rفضرب بيده إلى جيب دراعته فحطه ذراعا؛ ثم قال: أحسنت والله ؟ زدني؛ فغنيت:\rفيها حبّها زدني جوىً كلّ ليلةٍ ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر\rفضرب بيده إلى دراعته فحطها ذراعا آخر وقال: زدني ويلك ؟! أحسنت والله ووجب حكمك؛ فغنيت:\rهجرتك حتى قيل ما يعرف الهوى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر\rفرفع صوته وقال: أحسنت والله ! لله أبوك ! هات ما تريد. فقلت: يا سيدي عين مروان بالمدينة. فدارت عيناه في رأسه حتى صارتا كأنهما جمرتان وقال: يا أبن اللخناء ! أردت أن تشهرني بهذا المجلس فيقول الناس: أطربه فحكم عليه فتجعلني سمراً وحديثا ! يا إبراهيم الحراني، خذ بيد هذا الجاهل فأدخله بيت مال الخاصة، فإن أخذ كل ما فيه فحله وإياه. فدخلت فأخذت خمسين ألف دينار. وهذا الشعر لأبي صخر الهذلي، وأوله:\rعجبت لسعي الدّهر بيني وبينها ... فلما أنقضى ما بيننا سكن الدّهر\rفيا حبّها زدني جوىً كلّ ليلةٍ ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر\rويا هجر ليلى قد بلغت بي المدى ... وزدت على ما ليس يبلغه الهجر\rوإني لتعروني لذكراك هزّةٌ ... كما أنتفض العصفور بلّله القطر\rهجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر\rأما والذي ابكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر\rلقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذّعر\rنبذة من أخباره مع البرامكة\rكان لإبراهيم الموصلي مع البرامكة أخبار مستحسنة، سنورد منها طرفا. منها ما حكى عن مخارق قال:","part":2,"page":12},{"id":513,"text":"أذن لنا أمير المؤمنين الرشيد أن نقيم في منازلنا ثلاثة أيام وأعلمنا أنه يشتغل فيها مع الحرم. فمضى الجلساء أجمعون إلى منازلهم وقد أصحبت السماء متغيمةً تطش طشيشا خفيفا. فقلت: والله لأذهبن إلى أستاذي إبراهيم فأعرف خبره ثم أعود، وأمرت من عندي أن يسووا لنا مجلسا إلى وقت رجوعي. فجئت إلى إبراهيم، فدخلت إليه، فإذا هو جالس في رواق له والستارة منصوبةٌ والجواري خلفها؛ فدخلت أترنم ببعض الأصوات وقلت له: ما بال الستارة لست أسمع من ورائها صوتا ؟ فقال: اقعد ويحك ! غني أصبحت فجاءني خبر ضيعةٍ تجاورني قد والله طلبتها زماناً وتمنيتها ولم أملكها، وقد أعطي بها مائة الف درهم. فقلت له: ما يمنعك منها ؟ فوالله لقد أعطاك الله أضعاف هذا المال وأكثر. قال: صدقت، ولكن لست أطيب نفسا بأن أخرج هذا المال. فقلت: فمن يعطيك الساعة مائة ألف درهم ؟ قال: والله ما أطمع في ذلك من الرشيد، فكيف بمن دونه ! ثم قال: اجلس، خذ هذا الصوت. ثم نقر بقضيب على الدواة وألقي علي هذا الصوت:\rنام الخليّون من همٍّ ومن سقمٍ ... وبتّ من كثرة الأحزان لم أنم\rيا طالب الجود والمعروف مجتهداً ... اعمد ليحيى حليف الجود والكرم\rقال: فأخذت الصوت وأحكمته. ثم قال لي: أنصرف إلى الوزير يحيى بن خالد فإنك تجد الناس على بابه قبل أن يفتح الباب، ثم تجد الباب قد فتح ولم يجلس بعد، فاستأذن عليه قبل أن يصل إليه أحدٌ، فإنه ينكر مجيئك ويقول: من أين أقبلت في هذا الوقت ؟ فحدثه بقصدك إياي وما ألقيت إليك من خبر الضيعة وأعلمه أني قد صنعت هذا الصوت وأعجبني ولم أر أحداً يستحقه إلا جاريته فلانة، وأني ألقيته عليك حتى أحكمته لتطرحه عليها؛ فسيدعوها ويأمر بالستارة فتنصب ويوضع لها كرسي ويقول لك: اطرحه عليها بحضرتي؛ فأفعل وأتني بما يكون بعد ذلك من الخبر. قال مخارق: فجئت إلى باب يحيى بن خالد فوجدته كما وصف. وسألني فأعلمته بما أمرني به؛ ففعل كل شيء قاله لي إبراهيم وأحضر الجارية فألقيته عليها. ثم قال لي: تقيم عندنا يا أبا المهنأ أو تنصرف ؟ فقلت: بل أنصرف، أطال الله بقاءك، فقد علمت ما أذن لنا فيه. فقال يا غلام، احمل مع أبي المهنأ عشرة آلاف درهم واحمل إلى أبي إسحاق مائة ألف درهم ثمن هذه الضيعة. فحملت عشرة الآلاف معي، وأتيت منزلي وقلت: أسر يومي هذا وأسر من عندي. ومضى الرسول بالمال إلى إبراهيم؛ فدخلت منزلي ونثرت على من عندي دراهم من تلك البدرة وتوسدتها وأكلت وشربت وطربت وسررت يومي كله. فلما أصبحت قلت: والله لآتين أستاذي ولأعرفن خبره؛ فأتيته فوجدته كهيئته بالأمس ملى مثل ما كان عليه، فترنمت وطربت فلم يتلق ذلك بما يجب؛ فقلت: ما الخبر ؟ ألم يأتك المال بالأمس ؟! فقال: بلى، فما كان خبرك أمس ؟ فأخبرته بما كان وقلت: ما تنتظر ؟ فقال: ارفع السجف، فرفعته فإذا عشر بدر؛ فقلت: فأي شيء بقي عليك في أمر الضيعة ؟ فقال: ويحك ! ما هو والله إلا أن دخلت منزلي حتى شححت عليها وصارت مثل ما حويت قديما. فقلت: سبحان الله ! فتصنع ماذا ؟ قال: قم حتى ألقي عليك صوتا صنعته يفوق ذاك. فقمت فجلست بين يديه؛ فألقي علي:\rويفرح بالمولود من آل برمكٍ ... بغاة النّدى، والسيف والرمح والنصل\rوتنبسط الآمال فيه لفضله ... ولا سيما إن كان والده الفضل","part":2,"page":13},{"id":514,"text":"قال مخارق: فلما ألقى علي الصوت سمعت ما لم أسمع مثله قط وصغر في عيني الأول، فأحكمته. ثم قال: امض الساعة إلى الفضل بن يحيى، فغنك تجده لم يأذن لأحد بعد وهو يريد الخلوة مع جواريه اليوم؛ فأستأذن عليه وحدثه بحديثنا وما كان من أبيه إلينا، وأعلمه أني صنعت هذا الصوت وكان عندي أرفع منزلةً من الصوت الأول الذي صنعته بالأمس، وأني ألقيته عليك حتى أحكمته ووجهت بك قاصداً لتلقيه على فلانة جاريته. فصرت إلى باب الفضل فوجدت الأمر على ما ذكر، فاستأذنت فوصلت إليه؛ وسألني عن الخبر، فأعلمته بخبري وما وصل إلي وإليه من المال؛ فقال: أخزى الله إبراهيم ! ما أبخله على نفسه ! ثم دعا خادما فقال له: اضرب الستارة، فضربها؛ فقال لي: ألقه. فلما ألقيته وغنته الجارية لم أتمه حتى أقبل يجر مطرفه، ثم قعد على وسادة دون الستارة وقال: أحسن والله أستاذك وأحسنت أنت يا مخارق. ولم أبرح حتى أحكمته الجارية؛ فسر بذلك سرورا عظيما وقال: أقم عندي اليوم. فقلت: يا سيدي إنما بقي لنا يوم واحد، ولولا أنني أحب سرورك لم أخرج من منزلي. فقال: يا غلام، احمل مع أبي المهنأ عشرين ألف درهم وإلى أبي إسحاق مائتي ألف درهم. فانصرفت إلى منزلي بالمال، وفتحت بدرةً ونثرت منها على الجواري وشربت وسررت أنا ومن عندي يومنا. فلما أصبحت بكرت إلى إبراهيم أتعرف خبره وأعرفه خبري، فوجدته على الحال التي كان عليها أولا وآخرا؛ فدخلت أترنم وأصفق. فقال لي: أدن؛ فقلت: ما بقي عليك ؟ فقال: اجلس وأرفع سجف هذا الباب؛ فرفعته فإذا عشرون بدرةً مع تلك العشر. فقلت: ما تنتظر الآن ؟ فقال: ويحك ! ما هو إلا أن حصلت حتى جرت مجرى ما تقدم. فقلت: والله ما أظن أحداً نال من هذه الدولة ما نلت ! فلم تبخل على نفسك بشيء تمنيته دهراً وقد ملكك الله أضعافه ! ثم قال: اجلس فخذ هذا الصوت. فألقي علي صوتا أنساني صوتي الأولين وهو:\rأفي كلّ يومٍ أنت صبٌّ وليلةٍ ... إلى أمّ بكرٍ لا تفيق فتقصر\rأحبّ على الهجران أكناف بيتها ... فيالك من بيت يحبّ ويهجر\rإلى جعر سارت بنا كلّ جسرةٍ ... طواها سراها نحوه والتهجّر\rإلى واسع للمجتدين فناؤه ... تروح عطاياه عليهم وتبكر\rوهو شعر مروان بن أبي حفصة يمدح جعفر بن يحيى قال مخارق: ثم قال لي إبراهيم: هل سمعت مثل هذا قط ؟ فقلت: ما سمعت قط مثله ! فلم يزل يردده علي حتى أخذته، ثم قال لي: امض إلى جعفر فافعل به كما فعلت بأبيه وأخيه. قال: فمضيت ففعلت مثل ذلك وأخبرته بما كان وعرضت عليه الصوت؛ فسر به ودعا خادماً فأمره أن يضرب الستارة، وأحضر الجارية وقعد على كرسي؛ ثم قال: هات يا مخارق؛ فألقيت الصوت عليها حتى أخذته؛ فقال: أحسنت يا مخارق وأحسن أستاذك، فهل لك في المقام عندنا اليوم ؟ فقلت: يا سيدي، هذا آخر أيامنا، وإنما جئت لموقع الصوت مني حتى ألقيته على الجارية. فقال: يا غلام، احمل معه ثلاثين ألف درهم وإلى الموصلي ثلثمائة ألف درهم. فصرت إلى منزلي بالمال وأقمت ومن عندي مسرورين نشرب طول يومنا ونطرب. ثم بكرت إلى إبراهيم فتلقاني قائما، ثم قال لي: أحسنت يا مخارق ! فقلت: ما الخبر ؟ قال: اجلس فجلست؛ فقال لمن خلف الستارة: خذوا فيما أنتم عليه ثم رفع السجف فإذا المال. فقلت ما خبر الضيعة ؟ أدخل يده تحت مسورة وهو متكئ عليها فقال: هذا صك الضيعة اشتراها يحيى بن خالد وكتب إلي: قد علمت أنك لا تسخو نفسك بشراء هذه الضيعة من مال يحصل لك ولو حويت الدنيا كلها، وقد أبتعتها من مالي. ووجه إلي بصكها، وهذا المال كما ترى، ثم بكى وقال: يا مخارق، إذا عاشرت فعاشر مثل هؤلاء، وإذا خنكرت فخنكر لمثل هؤلاء، ستمائة الف، وضيعة بمائة ألف، وستون ألف درهم لك، حصلنا ذلك أجمع وأنا جالس في مجلسي لم أبرح منه، متى يدرك مثل هؤلاء !.","part":2,"page":14},{"id":515,"text":"وروى عنه قال: أتيت الفضل بن يحيى يوما فقلت له: يا أبا العباس، جعلت فداك ! هب لي دراهم فإن الخليفة قد حبس بره. فقال: ويحك يا أبا إسحاق ما عندي ما أرضاه لك. ثم قال: هاه ! إلا أن ها هنا خصلةً، أتانا رسول صاحب اليمن فقضينا حوائجه، ووجه إلينا بخمسين ألف دينار يشتري لنا بها محبتنا. فما فعلت ضياء جاريتك ؟ قلت: عندي جعلت فداك. قال: فهو ذا، أقول لهم يشترونها منك فلا تنقصها من خمسين ألف دينار؛ فقبلت رأسه ثم أنصرفت. فبكر علي رسول صاحب اليمن ومعه صديقٌ له ولي، فقال: جاريتك فلانة عندك ؟ قلت: عندي. قال: أعرضها علي فعرضتها عليه؛ فقال: بكم ؟ فقلت: بخمسين ألف دينار ولا أنقص منها دينارا واحدا، وقد أعطاني الفضل بن يحيى أمس هذه العطية، فقال: هل لك في ثلاثين ألف دينار مسلمة ؟ وكان مشتري الجارية أربعمائة دينار، فلما وقع في أذني ذكر ثلاثين ألف دينار أريج علي ولحقني زمعٌ، وأشار علي صديقي الذي معه بالبيع، وخفت والله أن يحدث بالجارية حدثٌ أو بي أو بالفضل بن يحيى، فسلمتها وأخذت المال. ثم بكرت على الفضل، فإذا هو جالسٌ وحده. فلما نظر إلي ضحك وقال لي: يا ضيق العطن والحوصلة، حرمت نفسك عشرين ألف دينار. فقلت له: جعلت فداك، دع ذا عنك، فوالله لقد دخلني شيء أعجز عن وصفه وخفت أن تحدث بي حادثةٌ أو بالجارية أو بالمشتري أو بك أعاذك الله من كل سوء، فبادرت بقبول الثلاثين ألف دينار. فقال: لا ضير، يا غلام جيء بجاريته، فجيء بها، فقال: خذ بيدها وأنصرف بارك الله لك فيها، ما أردنا إلا منفعتك ولم نرد الجارية. فلما نهضت قال لي: مكانك، إن رسول صاحب أرمينية قد جاءنا فقضينا حوائجه ونفذنا كتبه، وقد ذكر أنه قد جاء بثلاثين ألف دينار يشتري لنا بها ما نحب، فاعرض عليه جاريتك هذه ولا تنقصها من ثلاثين ألف دينار؛ فأنصرفت بالجارية. وبكر علي رسول صاحب أرمينية ومعه صديقٌ لي آخر، فقاولني بالجارية؛ فقلت: لن أنقصها من ثلاثين ألف دينار. فقال لي: معي عشرون ألف دينار مسلمة خذها بارك الله لك فيها. فدخلني والله مثل الذي دخلني في المرة الأولى وخفت مثل خوفي الأول، فسلمته وأخذت المال. وبكرت على الفضل، فإذا هو وحده. فلما رآني ضحك وضرب برجله ثم قال: ويحك، حرمت نفسك عشرة آلاف دينار. فقلت: أصلحك الله، خفت والله مثل ما خفت في المرة الأولى. فقال: لا ضير، أخرج يا غلام جاريته فجيء بها؛ فقال: خذها، ما أردناها وما أردنا إلا منفعتك. فلما ولت الجارية صحت بها: ارجعي فرجعت؛ فقلت: أشهدك جعلت فداك هي حرة لوجه الله تعالى، وإني قد تزوجتها على عشرة آلاف درهم، كسبت لي في يومين خمسين ألف دينار فما جزاؤها إلا هذا. فقال: وفقت إن شاء الله تعالى.\rوأخباره مع البرامكة كثيرةٌ وصلاتهم له وافرةٌ. وقد ذكرنا منها ما فيه غنيةٌ عن زيادة. فلنذكر وفاة إبراهيم. كانت وفاته ببغداد في سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في يوم وفاته العباس بن الأحنف الشاعر، وهشيمة الخمارة؛ فرفع ذلك إلى الرشيد فأمر المأمون أن يصلي عليهم، فخرج وصلى عليهم.\rقال إسحاق: لما مرض إبراهيم مرض موته ركب الرشيد حمارا ودخل على إبراهيم يعوده وهو جالس في الأبزن، فقال له: كيف انت يا إبراهيم ؟ فقال: أنا والله يا سيدي كما قال الشاعر:\rسقيمٌ ملّ منه أقربوه ... وأسلمه المدواي والحميم\rفقال الرشيد: إنا لله ! فما بعد حتى سمع الواعية عليه.\rصورة ما ورد بآخر الجزء الرابع في أحد الأصلين الفتوغرافيين: هذا آخر الجزء الرابع من نهاية الأرب في فنون الأدب. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rصورة ما ورد بآخر الجزء الرابع في الأصل الآخر الفتوغرافي: كمل الجزء الرابع من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب على يد مؤلفه فقير رحمة ربه أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم البكري التيمي القرشي المعروف بالنويري عفا الله عنهم.\r/////أخبار إسحاق بن إبراهيم","part":2,"page":15},{"id":516,"text":"هو أبو محمد إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وقد تقدم نسبه في أخبار أبيه. وكان الرشيد يولع به فيكنيه أبا صفوان. قال أبو الفرج الأصفهاني في ترجمة إسحاق: وموضعه من العلم، ومكانه من الأدب، ومحله من الرواية، وتقدمه في الشعر، ومنزلته في سائر المحاسن أشهر من أن يدل عليها بوصفٍ. قال: فأما الغناء فكان أصغر علومه وأدنى ما يوسم به وإن كان الغالب عليه وعلى ما كان يحسنه، فإنه كان له في سائر أدواته نظراءً وأكفاءً ولم يكن له في هذا نظير. لحق بمن مضى فيه وسبق من قد بقى، وسهل طريق الغناء وأنارها، فهو إمام أهل صناعته جميعاً وقدوتهم ورأسهم ومعلمهم، يعرف ذلك منه الخاص والعام، ويشهد له به الموافق والمفارق. على أنه كان أكره الناس للغناء وأشدهم بغضاً له لئلا يدعى إليه ويسمى به. وكان المأمون يقول: لولا ما سبق على ألسنة الناس وشهر به عندهم من الغناء لوليته القضاء بحضرتي، فإنه أولى به وأعف وأصدق وأكثر ديناً وأمانةً من هؤلاء القضاة. وقد روى الحديث ولقي أهله مثل مالك بن أنس وسفيان بن عينينة وهشيم بن بشير وإبراهيم بن سعد وأبي معاوية الضرير وروح ابن عبادة وغيرهم من شيوخ العراق والحجاز. وكان مع كراهته للغناء أضن خلق الله به وأشدهم بخلاً على كل أحدٍ حتى على جواريه وغلمانه ومن يأخذ عنه منتسباً إليه ومتعصباً له فضلاً عن غيرهم. قال: وهو صحح أجناس الغناء وطرائقه وميزها تمييزاً لم يقدر عليه أحدٌ قبله.\rوقال محمد بن عمران الجرجاني: كان والله إسحاق غرةً في زمانه، وواحداً في عصره علماً وفهماً وأدباً ووقاراً وجودة رأي وصحة مودة. وكان الله يخرس الناطق إذا نطق، ويحير السامع إذا تحدث، لا يمل جليسه مجلسه، ولا تمج الآذان حديثه، ولا تنبو النفس عن مطاولته. إن حدثك ألهاك، وإن ناظرك أفادك، وإن غناك أطربك. وما كانت خصلةٌ من الأدب، ولا جنسٌ من العلم يتكلم فيه إسحاقٌ فيقدم أحدٌ على مساجلته أو مناوأته فيه.\rحكى أبو الفرج عن إسحاق قال: دعاني المأمون وعنده إبراهيم بن المهدي وفي مجلسه عشرون جاريةً قد أجلس عشراً عنة يمينه وعشراً عن شماله. فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأً فأنكرته. فقال المأمون أسمعت خطأً؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. فقال لإبراهيم بن المهدي: هل تسمع خطأ؟ قال: لا. قال: فأعاد علي السؤال، فقلت بلى والله يا أمير المؤمنين، وإنه لفي الجانب الأيسر. فأعاد إبراهيم سمعه إلى الناحية اليسرى ثم قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما في هذه الناحية خطأ. فقلت يا أمير المؤمنين، مر الجواري اللاتي على اليمين يمسكن، فأمرهن فأمسكن، ثم قلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فتسمع ثم قال: ما هاهنا خطأ. فقلت يا أمير المؤمنين، يمسكن وتضرب الثانية، فأمسكن وضربت الثانية، فعرف إبراهيم الخطأ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، هاهنا خطأ. فقال المأمون عند ذلك لإبراهيم بن المهدي: لا تمار إسحاق بعدها، فإن رجلاً عرف الخطأ بين ثمانين وتراً وعشرين حلقاً لجديرٌ ألا تماريه، قال: صدقت.\rوقال ابن حمدون: سمعت الواثق يقول: ما غناني إسحاق قط إلا ظننت أنه قد زيد في ملكي، ولا سمعته قط يغني غناء ابن سريج إلا ظننته أن ابن سريج قد نشر، وإني ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضراً، فيتقدمه عندي بطيب الصوت، حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو ورأيت من ظننت أنه يتقدمه ينقص. وإن إسحاق لنعمةٌ من نعم الملوك لم يحظ أحدٌ بمثلها. ولو أن العمر والشباب والنشاط مما يشترى لاشتريتهن له بشطر ملكي.\rوحكى عن أحمد بن المكي عن أبيه قال: كان المغنون يجتمعون مع إسحاق وكلهم أحسن صوتاً منه ولم يكن فيه عيبٌ إلا صوته فيطمعون فيه، ولا يزال بلطفه وحذقه ومعرفته حتى يغلبهم جميعاً ويفضلهم ويتقدم عليهم. قال: وهو أول من أحدث المجتث ليوافق صوته ويشاكله فجاء معه عجباً من العجب، وكلن في حلقه نبؤ عن الوتر.","part":2,"page":16},{"id":517,"text":"وحكى قال: سأل إسحاق الموصلي المأمون أن يكون دخوله مع أهل العلم والأدب والرواة لا مع المغنين، فإذا أراد الغناء غناه، فأجابه إلى ذلك. ثم سأله بعد مدةٍ طويلةٍ أن يأخذ له في الدخول مع الفقهاء فأذن له، قال: فكان يدخل ويده في يد قاضي القضاة يحيى بن أكثم. ثم سأل إسحاق المأمون في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة، قال: فضحك المأمون وقال: ولا كل هذا يا إسحاق! وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف دينارٍ وأمر له بها.\rوكان لإسحاق مع إبراهيم بن المهدي مخاطباتٌ ومنازعاتٌ ومحاوراتٌ بسبب الغناء، وكان الرشيد ينصر إسحاق على إبراهيم أخيه. من ذلك ما حكاه إسحاق قال: كنت عند الرشيد يوماً، وعنده ندماؤه وخاصته وفيهم إبراهيم بن المهدي، فقال لي الرشيد: غن:\rشربت مدامةً وسقيت أخرى ... وراح المنتشون وما انتشيت","part":2,"page":17},{"id":518,"text":"فغنيته. فأقبل على إبراهيم بن المهدي فقال لي: ما أصبت يا إسحاق ولا أحسنت. فقلت له: ليس هذا مما تعرفه ولا تحسنه، وإن شئت فغنه فإن لم أجدك أنك تخطئ فيه منذ ابتدائك إلى انتهائك فدمي حلال. ثم أقبلت على الرشيد فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه صناعتي وصناعة أبي، وهي التي قربتنا منك واستخدمتنا لك فأوطأتنا بساطك، فإذا نازعنا أحدٌ بغير علمٍ لم نجد بداً من الإفصاح والذب، فقال: لا غرور ولا لوم عليك. وقام الرشيد ليبول، فأقبل إبراهيم بن المهدي علي وقال: ويحك يا إسحاق! أتجترئ على وتقول لي ما قلت يا ابن الفاعلة! لا يكنى. فداخلني ما لم أملك نفسي معه، فقلت له: أنت تشتمني ولا أقدر على إجابتك وأنت ابن الخليفة وأخو الخليفة، ولولا ذلك لقلت لك: يا ابن الزانية كما قلت لي يا ابن الزانية. أو تراني كنت لا أحسن أن أقول: يا ابن الزانية! ولكن قولي في ذمك ينصرف كله إلى خالك الأعلم، ولولاك لذكرت صناعته ومذهبه - قال إسحاق: وكان بيطاراً - قال: ثم سكت، وعلمت أن إبراهيم سوف يشكوني إلى الرشيد، وسوف يسأل من حضر عما جرى فيخبرونه، فتلافيت ذلك بأن قلت: إنك تظن أن الخلافة تصير إليك، فلا تزال تتهددني بذلك وتعاديني كما تعادي سائر أولياء أخيك حسداً له ولولده على الأمر! وأنت تضعف عنه وعنهم، وتستخف بأوليائهم تشفياً، وأرجو ألا يخرجها الله من الرشيد وولده، وأن يقتلك دونها. فإن صارت إليك - والعياذ بالله تعالى من ذلك - فحرامٌ علي حينئذٍ العيش! والموت أطيب من الحياة معك، فاصنع حينئذٍ ما بدا لك! قال: فلما خرج الرشيد وثب إبراهيم بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين، شتمني إسحاق وذكر أمي واستخف بي. فغضب وقال لي: ويلك! ما تقول؟ قلت: لا أعلم، فسل من حضر. فأقبل على مسرورٍ وحسين فسألهما عن القصة فجعلا يخبرانه ووجهه يربد إلى أن انتهيا إلى ذكر الخلافة فسرى عنه ورجع لونه، وقال لإبراهيم: لا ذنب له، شتمته فعرفك أنه لا يقدر على جوابك، ارجع إلى موضعك وأمسك عن هذا. فلما انفض المجلس وانصرف الناس أمر الرشيد بألا أبرح. وخرج كل من حضر حتى لم يبق غيري، فساء ظني وهمتني نفسي. فأقبل علي وقال: يا إسحاق، أتراني لم أفهم قولك ومرادك! قد والله زنيته ثلاث مرات! أتراني لا أعرف وقائعك وأقدامك وأين ذهبت! ويلك لا تعد! حدثني عنك لو ضربك إبراهيم أكنت أقتص لك منه فأضربه وهو أخي يا جاهل! أتراه لو أمر غلمانه فقتلوك أكنت أقتله بك! فقلت: والله يا أمير المؤمنين، قد قتلني هذا الكلام، وإن بلغه ليقتلني، وما أشك أنه قد بلغه الآن. فصاح بمسرورٍ وقال له: علي بإبراهيم فأحضر، وقال لي: قم فانصرف. فقلت لجماعة من الخدم - وكلهم كان لي محباً وإلي مائلاً ولي مطيعاً - : أخبروني بما يجري، فأخبروني من غد أنه لما دخل عليه وبخه وجهله وقال له: أتستحف بخادمي وصنيعتي وابن خادمي وصنيعتي وصنيعة أبي في مجلسي! وتقدم علي وتستخف بمجلسي وحضرتي! هاه هاه هاه! وتقدم على هذا وأمثاله! وأنت مالك وللغناء! وما يدريك ما هو! ومن أخذك به وطارحك إياه حتى تتوهم أنك تبلغ منه مبلغ إسحاق الذي غذي به وعلمه وهو من صناعته! ثم تظن أنك تخطئه فيما لا تدريه، ويدعوك إلى إقامة الحجة عليه فلا تثبت لذلك وتعتصم بشتمه!هذا مما يدل على السقوط وضعف العقل وسوء الأدب من دخولك فيما لا يشبهك، وغلبة لذتك على مروءتك وشرفك، ثم إظهارك إياه ولم تحكمه، وادعائك ما لا تعلمه حتى ينسبك إلى إفراط الجهل. ألا تعلم، ويحك، أن هذا سوء أدبٍ وقلة معرفةٍ وقلة مبالاةٍ بالخطأ والتكذيب والرد القبيح! ثم قال: والله العظيم وحق رسوله وإلا فأنا بريءٌ من المهدي إن أصابه أحدٌ بسوءٍ أو أسقط عليه حجرٌ من السماء أو سقط من دابته أو أسقط عليه سقفه أو مات فجأةً لأقتلنك به. والله! والله! والله! فلا تعرض له وأنت أعلم! قم الآن فاخرج، فخرج وقد كاد يموت. فلما كان بعد ذلك دخلت على الرشيد وإبراهيم عنده فأعرضت عن إبراهيم فجعل ينظر إلي مرةً وإليه مرةً ويضحك، ثم قال: إني لأعلم محبتك لإسحاق وميلك إليه وإلى الأخذ عنه، وإن هذا لا يجيئك من جهته كما تريد إلا بعد أن يرضى، والرضا لا يكون بمكروهٍ، ولكن أحسن إليه وأكرمه واعرف حقه وبره وصله، فإذا فعلت ذلك ثم خالف ما تهواه عاقبته بيدٍ مستطيلةٍ منبسطةٍ ولسانٍ منطلق. ثم قال لي: قم إلى مولاك وابن مولاك","part":2,"page":18},{"id":519,"text":"فقبل رأسه، فقمت إليه وقام إلي وأصلح الرشيد بيننا. رأسه، فقمت إليه وقام إلي وأصلح الرشيد بيننا.\rقال أبو الفرج: وكان إسحاق جيد الشعر، كان يقول الشعر وينسبه للعرب. فمن ذلك قوله:\rلفظ الخدور إليك حوراً عيناً ... أنسين ما جمع الكناس قطينا\rفإذا بسمن فعن كمثل غمامةٍ ... أو أقحوان الرمل بات معيناٍ\rوأصح ما رأت العيون محاجراً ... ولهن أمراض ما رأيت بات عيونا\rفكأنما تلك الوجوه أهلةٌ ... أقمرن بين العشر والعشرينا\rوكأنهن إذا نهضن لحاجةٍ ... ينهضن بالعقدات من يبرينا\rوأشعاره في هذا النوع كثيرة.\rروي عن الأصمعي قال: دخلت أنا وإسحاق بن إبراهيم الموصلي يوماً على الرشيد فرأيناه لقس النفس، فأنشده إسحاق:\rوآمرةٍ بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك شيءٌ ما إليه سبيل\rأرى الناس خلان الكرام ولا أرى ... بخيلاً له حتى الممات خليل\rوإني رأيت البخل يزرى بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل\rومن خير حالات التي لو علمته ... إذا نال خيراً أن يكون ينيل\rفعالي فعال المكثرين تجملاً ... ومالي كما تعلمين قليل\rوكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل!\rقال: فقال الرشيد: لا تخف إن شاء الله، ثم قال: لله در أبياتٍ تأتين بها ما أشد أصولها، وأحسن فصولها، وأقل فضولها! وأمر له بخمسين ألف درهم. فقال له إسحاق: وصفك والله يا أمير المؤمنين لشعري أحسن منه، فعلام آخذ الجائزة! فضحك الرشيد وقال: اجعلوها مائة ألف درهم. قال الأصمعي: فعلمت يومئذٍ أن إسحاق أحذق بصيد الدراهم مني.\rقال أبو العبد بن حمدون: سأل المتوكل عن إسحاق، فعرف أنه كف وأنه بمنزله ببغداد، فكتب في إحضاره. فلما دخل عليه رفعه حتى أجلسه قدام السرير وأعطاه مخدة وقال: بلغني أن المعتصم دفع إليك في أول يومٍ جلست بين يديه مخدةً، وقال: إنه لا يستجلب ما عند حرٍ مثل إكرامه. ثم سأله: هل أكل؟ فقال نعم، فأمر أن يسقى. فلما شرب أقداحاً قال: هاتوا لأبي محمد عوداً، فجيء به فاندفع يغني بشعره:\rما علة الشيخ عيناه بأربعةٍ ... تغرورقان بدمعٍ ثم ينسكب\rقال ابن حمدون: فما بقي غلامٌ من الغلامان الوقوف على الحير إلا وجدته يرقص طرباً وهو لا يعلم بما يفعل، فأمر له بمائة ألف دينار. ثم انحدر المتوكل إلى الرقة وكان يستطيبها لكثرة تغريد الطير فيها، فغناه إسحاق:\rأأن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فننٍ غض النبات من الرند\rبكيت كما يبكي والوليد ولم تزل ... جليداً وأبديت الذي لم تكن تبدي\rفضحك المتوكل ثم قال: يا إسحاق، هذه أخت فعلتك بالواثق لما غنيته بالصالحية:\rطربت إلى أصيبيةٍ صغار ... وذكرني الهوى قرب المزار\rفكم أعطاك لما أذن لك في الانصراف؟ قال: مائة ألف دينار، فأمر له بمائة ألف دينار وأذن له بالانصراف. وكان آخر عهده بإسحاق. توفي بعد ذلك بشهرين. وكانت وفاته في شهر رمضان سنة خمسٍ وثلاثين ومائتين. وكان يسأل الله تعالى ألا يبتليه بالقولنج لما رأى من صعوبته على أبيه، فرأى في منامه كأن قائلاً يقول له: قد أجيبت دعوتك ولست تموت بالقولنج ولكنك تموت بضده، فأصابه ذرب في شهر رمضان، فكان يتصدق في كل يومٍ يمكنه صومه بمائة درهم، ثم ضعف عن الصوم فلم يطقه ومات في الشهر. ولما نعي إلى المتوكل غمه وحزن عليه وقال: ذهب صدرٌ عظيمٌ من جمال الملك وبهائه وزينته. رحمه الله تعالى.\rأخبار علويه","part":2,"page":19},{"id":520,"text":"هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن سيف. وجده سيف من الصغد الذين سابهم الوليد بن عثمان بن عفان واسترق منهم جماعةً اختصهم لخدمته وأعتق بعضهم ولم يعتق الباقين فقتلوه. قال أبو الفرج الأصفهاني: وكان عليٌ هذا مغنياً حاذقاً، ومؤدباً محسناً، وصانعاً متقناً، وضارباً متقدماً، مع خفة روحٍ وطيب مجالسةٍ وملاحة نوادر. وكان إبراهيم الموصلي علمه وخرجه وعني بتحذيقه جداً، فبرع وغنى لمحمد الأمين وعاش إلى أيام المتوكل ومات بعد إسحاق الموصلي بيسير. وكان سبب وفاته أنه خرج عليه جربٌ، فشكاه إلى يحيى بن ماسويه، فبعث إليه بدواءٍ مسهلٍ وطلاء، فشرب الطلاء وأطلى بالدواء، فقتله ذلك. قال: وكان علويه أعسر، فكان عوده مقلوب الأوتار: ألبم أسفل الأوتار كلها ثم المثلث فوقه ثم المثنى ثم الزير، فكان عوده إذا كان في يد غيره يكون مقلوباً، وإذا أخذه كان في يده اليمنى وضرب باليسرى فيكون مستوياً. وكان إسحاق يتعصب له في أكثر أوقاته على مخارق. وقال حماد ابن إسحاق: قلت لأبي: أيما أفضل عندك مخارق أم علويه؟ فقال: يا بني، علويه أعرقهما فهماً بما يخرج من رأسه، وأعلمها بما يغنيه ويؤديه، ولو خيرت بينهما من يطارح جواري، أو شاورني من يستنصحني لما أشرت إلا بعلويه، لأنه يؤدي الغناء، وإذا صنع شيئاً صنه صنعةً محكمةً، ومخارق لتمكنه من حلقه وكثرة نغمه لا يقنع بالأخذ منه، لأنه لا يؤدي صوتاً واحداً كما أخذه ولا يغنيه مرتين غناءً واحداً لكثرة زوائده فيه، ولكنهما إذا اجتمعا عند خليفةٍ أو سوقةٍ غلب مخارق على المجلس والجائزة بطيب صوته وكثرة نغمه.\rوقال أبو عبد الله بن حمدون: حدثني أبي قال: اجتمعت مع إسحاق يوماً في بعض دور بني هاشم، وحضر علويه فغنى أصواتاً ثم غنى من صنعته:\rونبئت ليلى أرسلت بشفاعةٍ ... إلي فهلا نفس ليلى شفيعها!\rفقال له إسحاق: أحسنت أحسنت والله يا أبا الحسن!أحسنت ما شئت! فقام علويه من مجلسه فقبل رأس إسحاق وعينيه وجلس بين يديه وسر بقوله سروراً كثيراً، ثم قال أنت سيدي وابن سيدي وأستاذي وابن أستاذي، ولي إليك حاجةٌ. قال: قل، فوالله إني أبلغ فيها ما تحب. قال: أيما أفضل أنا عندك أم مخارق؟ فإني أحب أن أسمع منك في هذا المعنى قولاً يؤثر ويحكيه عنك من حضر، فشرفني به. فقال إسحاق: ما منكما إلا محسنٌ مجمل، فلا ترد أن يجري في هذا شيء. قال: سألتك بحقي عليك وبتربة أبيك وبكل حق تعظمه إلا حكمت! فقال: ويحك والله لو كنت أستجير أن أقول غير الحق لقلته فيما تحب، فأما إذا أبيت إلا ذكر ما عندي، فلو خيرت أنا من يطارح جواري ويغنيني لما اخترت غيرك، ولكنكما إذا غنيتما بين يدي خليفةٍ أو أميرٍ غلبك على إطرابه واستبد عليك بجائزته. فغضب علويه وقام وقال: أف من رضاك وغضبك! وكان الواثق بالله يقول: علويه أصح الناس صنعةً بعد إسحاق، وأطيب الناس صوتاً بعد مخارق، وأضرب الناس بعد زلزل وملاحظ، فهو مصلي كل سابق نادر وثاني كل أول، وأصل كل متقدم. وكان يقول: غناء علويه مثل نقر الطست يبقى ساعةً في السمع بعد سكوته.\rوقال عبد الله بن طاهر: لو اقتصرت على رجلٍ واحدٍ يغني لما اخترت سوى علويه، لأنه إن حدثني ألهاني، وإن غناني أشجاني، وإن رجعت إلى رأيه كفاني.\rوقال محمد بن عبد الله بن مالك: كان علويه يغني بين يدي الأمين، فغنى في بعض غنائه:\rليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد\rوكان الفضل بن ربيع يضطغن عليه شيئاً، فقال للأمين: إنما يعرض بك ويستبطئ المأمون في محاربته إياك، فأمر به فضرب خمسين سوطاً وجر برجله حتى أخرج، وجفاه مدة، حتى سأل كوثراً أن يترضاه له فترضاه له ورده إلى الخدمة وأمر له بخمسة آلاف درهم. فلما قدم المأمون تقرب إليه بذلك فلم يقع له بحيث يحب، وقال: إن الملك بمنزلة الأسد أو النار فلا تتعرض لما يغضبه، فإنه ربما جرى منه ما يتلفك ثم لا يقدر بعد ذلك على تلافي ما فرط منه، ثم قرب من المأمون بعد ذلك.","part":2,"page":20},{"id":521,"text":"قال علويه: أمرنا المأمون أن نباكره لنصطبح، فلقيني عبد الله بن إسماعيل المراكبي مولى عريب فقال: أيها الظالم المعتدي، أما ترحم ولا ترق! عريبٌ هائمةٌ من الشوق إليك تدعو الله وتستحكمه عليك وتحلم بك في نومها في كل ليلةٍ ثلاث مرات. قال علويه: فقلت أم الخلافة زانية ومضيت معه. فحين دخلت قلت: أستوثق من الباب فإني أعرف الناس بفضول الحجاب، وإذا عريبٌ جالسةٌ على كرسيٍ تطبخ ثلاث قدورٍ من دجاج. فلما رأتني قامت فعانقتني وقبلتني وقالت: أي شيءٍ تشتهي؟ فقلت: قدراً من هذه القدور، فأفرغت قدراً بيني وبينها فأكلنا، ودعت بالنبيذ فصبت رطلاً فشربت نصفه وسقتني نصفه، فما زلت أشرب حتى كدت أن أسكر. ثم قالت: يا أبا الحسن، غنيت البارحة في شعرٍ لأبي العتاهية أعجبني، أفتسمعه وتصلحه؟ فغنت:\rعذيرى من الإنسان لا إن جفوته ... صفا لي ولا إن صرت طوع يديه\rوإني لمشتاقٌ إلى ظل صاحبٍ ... يروق ويصفو إن كدرت عليه\rفصيرناه مجلسنا. وقالت: قد بقي فيه شيء، فلم أزل أنا وهي حتى أصلحناه. ثم قالت: أحب أن تغني أنت أيضاً فيه لحناً ففعلت، وجعلنا نشرب على اللحنين ثلاثاً. ثم جاء الحجاب فكسروا الباب واستخرجوني، فدخلت على المأمون فأقبلت أرقص من أقصى الإيوان وأصفق وأغني بالصوت، فسمع المغنون والمأمون ما لم يعرفوه فاستطرفوه، وقال المأمون: ادن يا علويه وردده، فرددته عليه سبع مرات، فقال لي في آخرها عند قولي: يروق ويصفو إن كدرت عليه: يا علويه خذ الخلافة وأعطني هذا الصاحب.\rوقال علويه: قال إبراهيم الموصلي يوماً: إني قد صنعت صوتاً وما سمعه مني أحدٌ بعد، وقد أحببت أن أنفعك به وأرفع منك بأن ألقيه عليك وأهبه لك، ووالله ما فعلت هذا بإسحاق قط، وقد خصصتك به، فانتحله وادعه، فلست أنسبه إلى نفسي، وستكسب به مالاً. فألقى علي:\rإذا كان لي شيئان يا أم مالكٍ ... فإن لجاري منهما ما تخيرا\rفأخذته عنه وادعيته، وسترته طول أيام الرشيد خوفاً من أن أتهم فيه وطول أيام الأمين، حتى حدث عليه ما حدث وقدم المأمون من خراسان، وكان يخرج إلى الشماسية فيتنزه، فركبت يوماً في زلالي وجئت أتبعه، فرأيت حراقة على بن هشام، فقلت للملاح: اطرح زلالي على الحراقة ففعل، واستؤذن لي فدخلت وهو يشرب مع الجواري، وما كانوا يحجبون جواريهم، فغنيته الصوت فاستحسنه جداً وطرب عليه، وقال: لمن هذا؟ فقلت: هذا صوتٌ صنعته وأهديته لك ولم يسمعه أحدٌ قبلك، فازداد به عجباً وطرباً، وقال للجارية: خذيه عنه ، فألقيته عليها حتى أخذته، فسر بذلك وطرب، وقال لي: ما أجد لك مكافأةً على هذه الهدية إلا أن أتحول عن هذه الحراقة بما فيها وأسلمه إليك، فتحول إلى أخرى وسلمت لي بخزانتها وجميع آلاتها وكل شيء فيها، فبعت ذلك بمائة ألفٍ وخمسين ألف درهم، واشتريت ضيعتي الصالحية.\rوقال علويه: خرج المأمون يوماً ومعه أبياتٌ قد قالها وكتبها في رقعةٍ بخط يده وهي:\rخرجت إلى الصيد الظباء فصادني ... هناك غزالٌ أدعج العين أحور\rغزالٌ كأن البدر حل جبينه ... وفي خده الشعرى المنيرة تزهر\rفصاد فؤادي إذ رماني بسهمه ... وسهم غزال الإنس طرف ومحجر\rفيا من رأى ظبياً يصيد، ومن رأى ... أخاً قنصٍ يصطاد قهراً ويقسر\rقال: فغنيته فأمر لي بعشرين ألف درهم.\rأخبار أخبار معبد اليقطيني","part":2,"page":21},{"id":522,"text":"قال أبو الفرج: كان معبد هذا غلاماً مولداً من مولدي المدينة، أخذ الغناء عن جماعة من أهلها، واشتراه بعض ولد على بن يقطين. واخذ الغناء بالعراق عن إسحاق وابن جامع وطبقتهما، وخدم الرشيد ولم يخدم غيره من الخلفاء، ومات في أيامه. وكان أكثر انقطاعه إلى البرامكة. وروى أبو الفرج الأصفهاني حكايةً عنه أحببت أن أذكرها في هذا الموضع، وهي ما رواه بسنده إلى محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي، قال حدثني معبد الصغير المغني مولى علي بن يقطين قال: كنت منقطعاً إلى البرامكة أحدثهم وألازمهم. فبينما أنا ذات يومٍ في منزلي إذ أتاني آتٍ فدق بابي، فخرج غلامي ثم رجع إلي فقال لي: على الباب فتىً ظاهر المروءة يستأذن عليك، فأذنت له، فدخل شابٌ ما رأيت أحسن وجهاً منه ولا أنظف ثوباً ولا أجمل زياً منه من رجلٍ دنفٍ عليه آثار السقم ظاهرة.فقال لي: إني أحاول لقائك منذ مدة ولا أجد إلى ذلك سبيلاً، وإن لي حاجةً. فقلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدي فقال: أسألك أن تقبلها وتصنع في بيتين قلتهما لحناً تغنيني به. فقلت: هاتهما فأنشدني:\rوالله يا طرفي الجاني على بدني ... لتطفئن بدمعي لوعة الحزن\rأو لأبوحن حتى يحجبوا سكني ... فلا أراه وقد أدرجت في كفني\rقال: فصنعت فيه لحناً ثم غنيته إياه، وأغمي عليه حتى ظننته قد مات، ثم أفاق فقال أعد، فديتك! فناشدته الله في نفسه وقلت: أخشى أن تموت، فقال: هيهات! أنا أشقى من ذلك. وما زال يخضع لي ويتضرع حتى أعدته، فصعق صعقةً أشد من الأولى حتى ظننت أن نفسه قد فاضت. فلما أفاق رددت عليه الدنانير فوضعتها بين يديه، وقلت: يا هذا، خذ دنانيرك وانصرف عني، قد قضيت حاجتك وبلغت وطراً مما أردته، ولست أحب أن أشرك في دمك. فقال: يا هذا، لا حاجة لي في الدنانير، وهذه مثلها لك، ثم أخرج ثلاثمائة دينارٍ فوضعها بين يدي وقال: أعد الصوت علي مرةً أخرى وحلٌ لك دمي! فشرهت نفسي في الدنانير، وقلت: لا والله ولا بعشرة أضعافها إلا على ثلاث شرائط. قال: وما هي؟ قلت:أولاهن أن تقيم عندي وتتحرم بطعامي. والثانية أن تشرب أقداحاً من النبيذ تطبب قلبك وتسكن ما بك. والثالثة أن تحدثني بقصتك. قال: أفعل ما تريد. فأخذت الدنانير ودعوت بطعامٍ فأصاب منه إصابة معذرٍ، ثم دعوت بالنبيذ فشرب أقداحاً، وغنيته بشعر غيره في معناه وهو يشرب ويبكي،ثم قال: الشرط أعزك الله! فغنيته صوته فجعل يبكي أحر بكاءٍ وينشج أشد نشيجٍ وينتحب. فلما رأيت ما به قد خف عما كان يلحقه ورأيت النبيذ قد شد قلبه، كررت عليه صوته مراراً. ثم قلت: حدثني حديثك، فقال: أنا رجلٌ من أهل المدينة خرجت متنزهاً في ظاهرها وقد سال العقيق في فتيةٍ من أقراني وأخداني، فبصرنا بفتياتٍ قد خرجن لمثل ما خرجنا له، فجلسن حجرةً منا، وبصرت منهن بفتاةٍ كأنها قضيبٌ قد طله الندى، تنظر بعينين ما ارتد طرفهما إلا بنفس من يلاحظهما. فأطلنا وأطلن حتى تفرق الناس، وانصرفن وانصرفنا وقد أبقت بقلبي جرحاً بطيئاً اندماله، فعدت إلى منزلي وأنا وقيذ، وخرجت من الغد إلى العقيق وليس به أحدٌ فلم أر لها ولا لصواحبها أثراً، ثم جعلت أتتبعها في طرق المدينة وأسواقها، وكأن الأرض أضمرتها فلم أحس لها بعينٍ ولا أثر، وسقمت حتى أيس مني أهلي. وخلت بي ظئري فاستعلمتني حالي وضمنت لي كتمانها والسعي فيما أحبه منها، فأخبرتها بقصتي، فالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع وهذه سنة خصبٍ وأنواءٍ وليس يبعد عنك المطر، ثم هذا العقيق فتخرج حينئذٍ وأخرج معك فإن النسوة سيجئن، فإذا فعلن ورأيتها اتبعها حتى أعرف موضعها ثم أصل بينك وبينها وأسعى لك في تزويجها. فكأن نفسي اطمأنت إلى ذلك ووثقت به وسكنت إليه، فقويت وطعمت وتراجعت إلى نفسي. وجاء مطرٌ بعقب ذلك وسال العقيق وخرج الناس وخرجت مع إخواني إليه، فجلسنا مجلسنا الأول بعينه، فما كنا والنسوة إلا كفرسي رهان، فأومأت إلى ظئري فجلست، وأقبلت على إخواني فقلت: لقد أحسن القائل:\rرمتني بسهمٍ أقصد القلب وانثنت ... وقد غادرت جرحاً به وندوبا\rفأقبلت على صواحباتها وقالت: أحسن والله القائل، وأحسن من أجابه حيث يقول:\rبنا مثل ما تشكو فصبراً لعلنا ... نرى فرجاً يشفي السقام قريباً","part":2,"page":22},{"id":523,"text":"فسكت عن الجواب خوفاً من أن يظهر مني ما يفضحني وإياها، وعرفت ما أرادت. ثم تفرق الناس وانصرفنا، وتبعتها ظئري حتى عرفت منزلها، وصارت إلي فأخذت بيدي ومضينا إليها،فلم نتلطف حتى وصلت إليها، فتلاقينا وتزاورنا على حالٍ مخالسةٍ ومراقبةٍ، حتى شاع حديثي وحديثها وظهر ما بيني وبينها، فحجبها أهلها وسدوا أبوابها، فما زلت أجهد في لقائها فلا أقدر عليه، وشكوت ذلك إلى أبي لشدة ما نالني وسألته خطبتها لي. فمضى أبي ومشيخة أهلي إلى أبيها فخطبوها، فقال: لو كان بدأ بهذا قبل أن يفضحها ويشهرها لأسعفته بما التمس، ولكنه قد فضحها فلم أكن لأحقق قول الناس فيها بتزويجه إياها، فانصرفت على يأسٍ منها ومن نفسي. قال معبد: فسألته أن ينزل بجواري، وصارت بيننا عشرة. ثم جلس جعفر بن يحيى ليشرب فأتيته، فكان أول صوتٍ غنيته صوتي في شعر الفتى، فشرب وطرب عليه طرباً شديداً، وقال: ويحك! إن لهذا الصوت حديثاً فما هو؟ فحدثته، فأمر بإحضار الفتى فأحضر من وقته، واستعاده الحديث فأعاده، فقال: هي في ذمتي حتى أزوجك إياها، فطابت نفسه وأقام معنا ليلتنا حتى أصبح، وغدا جعفر إلى الرشيد فحدثه الحديث، فعجب منه وأمر بإحضارنا جميعاً فأحضرنا، وأمر بأن أغنيه الصوت فغنيته إياه وشرب عليه وسمع حديث الفتى، فأمر من وقته بكتابٍ إلى عامل الحجاز بإشخاص الرجل وابنته وجميع أهله إلى حضرته، فلم تمض إلا مسافة الطريق حتى أحضروا. فأمر الرشيد بإحضار أبي الجارية إليه فأحضر، وخطب إليه الجارية للفتى وأقسم عليه ألا يخالف أمره، فأجابه وزوجها إياه، وحمل إليه الرشيد ألف دينارٍ لجهازها وألف دينارٍ لنفقة طريقه، وأمر للفتى بألف دينارٍ ولي بألف دينار، وأمر جعفرٌ لي وللفتى بألف دينار. وكان المديني بعد ذلك من ندماء جعفر بن يحيى.\rأخبار محمد الرف\rهو محمد بن عمرو مولى بني تميم، كوفي المولد والمنشأ. والرف لقبٌ غلب عليه. وكان مغنياً ضارباً صالح الصنعة مليح النادرة. وكان أسرع خلق الله أخذاً للغناء وأصحهم أداءً له وأذكاهم. وكان إذا سمع الصوت مرتين أو ثلاثاً أداه لا يكون بينه وبين من أخذه عنه فرقٌ فيه. وكان متعصباً على ابن جامع مائلاً إلى إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق، وكانا يرفعان منه ويقدمانه ويأخذان له الصلات من الخلفاء. وكانت فيه عربدةٌ إذا سكر. فعربد بحضرة الرشيد مرةً، فأمر بإخراجه ومنعه من الدخول إليه وجفاه وتناساه. قال أبو الفرج: وأحسبه مات في خلافته أو خلافة الأمين. ومن أخباره في جودة الأخذ وسرعة الحفظ ما رواه حماد بن إسحاق عن أبيه قال: غنى ابن جامع يوماً بحضرة الرشيد:\rجسورٌ على هجري جبانٌ عن الوصل ... كذوب عداتٍ يتبع الوعد بالمطل\rمقدم رجلٍ في الوصال مؤخرٌ ... لأخرى يشوب الجد في ذاك بالهزل\rيهم بنا حتى إذا قلت قددنا ... وجاذبني عطفاه مال إلى البخل\rيزيد امتناعاً كلما زدت صبوةً ... وأزداد حرصاً كلما ضن بالبذل\rفأحسن فيه ما شاء وأجمل، فغمزت عليه محمد الرف وفطن لما أردت، واستحسنه الرشيد وشرب عليه واستعاده مرتين أو ثلاثاً. ثم قمت إلى الصلاة وغمزت الرف فجاءني، وأومأت إلى مخارق وعلويه وعقيد فجاءوني، فأمرته بإعادة الصوت فأعاده وأداه كأنه لم يزل يرويه، ولم يزل يكرره على الجماعة حتى غنوه. ثم عدت إلى المجلس، فلما انتهى الدور إلي ابتدأت فغنيته قبل كلٍ شيءٍ غنيته. فنظر إلى ابن الجامع محدداً طرفه، وأقبل علي الرشيد وقال: أكنت تروي هذا الصوت؟ قلت: نعم يا سيدي. فقال ابن الجامع: كذب والله ما أخذه إلا مني الساعة. فقلت: هذا صوتٌ أرويه قديماً، وما فيمن حضر أحدٌ إلا وقد أخذه مني. وأقبلت عليهم فقلت لهم: غنوه، فغناه علويه ثم عقيد ثم مخارق. فوثب ابن جامع فجلس بين يديه فحلف بحياته وبطلاق امرأته أن اللحن صنعه منذ ثلاث ليالٍ وما سمع به قبل ذلك الوقت. فأقبل الرشيد علي وقال: بحياتي اصدقني عن القصة، فصدقته، فجعل يضحك ويصفق ويقول: لكل شيء آفةٌ، وآفة ابن جامع الرف.","part":2,"page":23},{"id":524,"text":"قال إسحاق بن إبراهيم: كان محمد الرف أروى خلق الله تعالى للغناء وأسرعهم أخذاً لما سمعه، ليست عليه في ذلك كلفة، إنما يسمع الصوت مرةً واحدةً وقد أخذه. وكنا معه في بلاء إذا حضر، فكان كل من غنى منا صوتاً فسأله عدوٌ له أو صديق بأن يلقيه عليه فبخل ومنعه إياه وسأل محمد الرف أن يأخذه فما هو إلا أن يسمعه مرةً واحدةً حتى أخذه وألقاه على من سأله. قال: وكان أبي يبره ويصله ويجديه من كل جائزةٍ وفائدةٍ تصل إليه. وكان محمد الرف مغرًى بابن جامع خاصةً من بين المغنين لبخله، وكان لا يفتح ابن جامع فاه بصوت إلا وضع عينيه عليه أصغى بسمعه عليه حتى يحكيه. وكان في ابن جامع بخلٌ شديدٌ لا يقدر معه على أن يسعفه ببرٍ ورفد. وساق نحو ما تقدم إلا أنه قال: إن الرف أخذ الصوت لأول مرةٍ وألقاه على إسحاق فأخذه عنه في ثلاث مرار؟ قال حماد: وللرف صنعة يسيرة، وذكر منها أصواتاً.\rأخبار محمد بن الأشعث\rقال أبو الفرج: كان محمد بن الأشعث القرشي ثم الزهري كاتباً، وكان من فتيان أهل الكوفة وظرفائهم، وكان يقول الشعر ويغني فيه. فمن ذلك قوله في سلامة زرقاء بن رامين:\rأمسى لسلامة الزرقاء في كبدي ... صدعٌ يقيم طوال الدهر والأبد\rلا يستطيع صناع القوم يشعبه ... وكيف يشعب صدع الحب في الكبد\rإلا بوصل التي من حبها انصدعت ... تلك الصدوع من الأسقام والكمد\rوكان ملازماً لابن رامين ولجاريته سلامة الزرقاء، فشهر بذلك، فلامه قومه في فعله فلم يحفل بمقالتهم، وطال ذلك منه ومنهم، حتى رأى بعض ما يكره في منزل ابن رامين، فمال إلى سحيقة جارية زريق ابن منيح مولى عيسى بن موسى، وكان زريق شيخاً كريماً نبيلاً، يجتمع إليه أشراف أهل الكوفة من كل حيٍ، وكان الغالب على منزله رجلاً من ولد القاسم بن عبد الغفار العجلي كغلبة محمد بن الأشعث على منزل ابن رامين، فتلازما على ملازمة زريق. وفي ذلك يقول محمد بن الأشعث:\rيا بن رامين بحت بالتصريح ... في هواي سحيقة ابن منيح\rقينةٌ عفةٌ ومولًى كريمُ ... ونديمٌ من اللباب الصريح\rربعيٌ مهذبٌ أريحيٌ ... يشتري الحمد بالفعال الربيح\rنحن منه في كل ما تشتهي الأن ... فس من لذةٍ وعيشٍ نجيج\rعند قومٍ من هاشمٍ في ذراها ... وغناءٍ من الغزال المليح\rفي سرورٍ وفي نعيمٍ مقيم ... قد أمنا من كل أمرٍ قبيح\rفاسل عنا كما سلوناك إني ... غير سالٍ عن ذات نفسي وروحي\rحافظٌ منك كل ما كنت قد ضي ... عت مما عصيت فيه نصيحي\rفالقى ما حييت منى لك الده ... ر بودٍ لمنيتي ممنوح\rيا ابن رامين فالزمن مسجد الح ... ي بطول الصلاة والتسبيح\rقال عمر بن نوفل وهو راوي هذه الأبيات: فلم يدع ابن رامين شريفاً بالكوفة إلا تحمل به على ابن الأشعث وهو يأبى أن يرضى عنه وأن يعاود زيارته، حتى تحمل عليه بالجحواني، وهو محمد بن بشر بن جحوان الأسدي وكان يومئذٍ على الكوفة، فكلمه فرضي عنه وعاد إلى زيارته، ولم يقطع منزل زريق. وقال في سحيقة:\rسحيقة أنت واحدة القيان ... فما لك مشبهٌ فيهن ثاني\rفضلت على القيان بفضل حذقٍ ... فحزت على المدى قصب الرهان\rسجدن لك القيان مكفراتٍ ... كما سجد المجوس لمزربان\rولا سيما إذا غنت بصوتٍ ... وحركت المثالث والمثاني\rشربت الخمر حتى خلت أني ... أبو قابوس وقاس أو عبد المدان\rفإعمال اليسار على الملاوي ... ومن يمناك ترجمة البيان\rولمحمد بن الأشعث أصوات لها فيها غناء. منها:\rرحبت بلادك يا أمامه ... وسلمت ما سجعت حمامه\rوسقى ديارك كلما ... حنت إلى السقيا غمامه\rإني وإن أقصيتني ... شفقٌ أحب لك الكرامة\rوأرى أمورك طاعةً ... مفروضةً حتى القيامة\rوله غير ذلك من الأصوات.\rأخبار عمرو بن بانة","part":2,"page":24},{"id":525,"text":"قال أبو الفرج الأصفهاني: هو عمر بن محمد بن سليمان بن راشد مولى ثقيف. وكان أبوه صاحب ديوان ووجهاً من وجوه الكتاب، ونسب إلى أمه. وكان مغنياً محسناً، وشاعراً صالح الشعر، وصنعته صنعة متوسطة، وكان مرتجلاً. قال: وكتابه في الأغاني أصل من الأصول. وكان يذهب مذهب إبراهيم بن المهدي في الغناء، ويخالف إسحاق ويتعصب عليه تعصباً شديداً ويواجهه بنفسه. وهو معدودٌ في ندماء الخلفاء ومغنيهم، على ما كان به من الوضح. وفيه يقول الشاعر:\rأقول لعمرٍو وقد مر بي ... فسلم تسليمةً جافية\rلئن فضولك بفضل الغنا ... ء فقد فضل الله بالعافية\rوقال أحمد بن حمدون: كان عمرو حسن الحكاية لمن أخذ عنه الغناء، حتى كان من يسمعه لو توارى عن عينه عمرو لم يشك في أنه هو الذي أخذ عنه، لحسن حكايته. وكان محظوظاً ممن يعلمه، ما علم أحداً قط إلا خرج نادراً مبرزاً. وله أخبارٌ مع الخلفاء وإنعامٌ منهم عليه، منهم المتوكل على الله. رحمه الله.\rأخبار عبد الله بن العباس الربيعي\rهو أبو العباس عبد الله بن العباس بن الفضل بن ربيع. والربيع، على ما يدعيه أهله، ابن يونس بن أبي فروة. وآل أبي فروة يدفعون ذلك ويزعمون أنه لقيطٌ وجد منبوذاً كفله يونس، فلما خدم المنصور ادعى عليه. قال أبو الفرج الأصفهاني: وكان شاعراً مطبوعاً ومغنياً محسناً جيد الصنعة نادرها. قال: وهو أول من غنى بالكنكلة في الإسلام.\rوكان سبب دخوله في الغناء على ما رواه أبو الفرج بسنده إليه قال: كان سبب دخولي في الغناء وتعلمي إياه أني كنت أهوى جاريةً لعمتي رقيةٍ بنت الفضل بن الربيع، وكنت لا أقدر على ملازمتها والجلوس معها خوفاً من أن يظهر ما لها عندي، فيكون ذلك سبب منعي منها، فأظهرت لعمتي أني أشتهي أن أتعلم الغناء ويكون ذلك في سترٍ عن جدي - وكان جدي وعمتي على حالٍ من الرقة علي والمحبة لي لا نهاية وراءها، لأن أبي توفي في حياة جدي الفضل - فقالت: يا بني، وما دعاك إلى ذلك؟ فقلت: شهوةٌ غلبت على قلبي، إن منعت منها مت غماً - قال: وكان لي في الغناء طبعٌ قويٌ - فقالت لي: أنت اعلم وما تختاره، والله ما أحب منعك من شيء، وإني كارهةٌ أن تحذق في ذلك وتشتهر فتسقط ويفتضح أبوك وجدك. فقلت: لا تخافي من ذلك، فإنما آخذ منه مقدار ما ألهو به. ولازمت الجارية لمحبتي إياها بعلة الغناء، فكنت آخذ عنها وعن صواحباتها حتى تقدمت الجماعة حذقاً وأقرت لي بذلك، وبلغت ما كنت أريد من الجارية، وصرت ألازم مجلس جدي. ثم لم يكن يمر لإسحاق ولا لابن جامع ولا للزبير بن دحمان ولا لغيرهم صوتٌ إلا أخذته، وكنت سريع الأخذ، إنما كنت أسمعه مرتين أو ثلاثاً وقد صح لي. وأحسست في نفسي قوةً في الصناعة، فصنعت أول صوتٍ صنعته في شعر العرجي:\rأماطت كساء الخز عن حر وجهها ... وأدنت على الخدين برداً مهلهلا\rثم صنعت:\rأقفر من بعد خلةٍ شرف ... فالمنحنى فالعقيق فالجرف","part":2,"page":25},{"id":526,"text":"وعرضتهما على الجارية التي كنت أهواها وسألتها عما عندها فيهما، فقال: لا يجوز أن يكون في الصنعة فوق هذا. وكان جواري الحارث بن بسخنر وجواري أبيه يدخلن إلى دارنا فيطرحن على جواري عمتي وجواري جدي ويأخذن أيضاً ما ليس عندهن، فأخذنهما مني، وسألن الجارية عنهما فأخبرتهن أنهما من صنعتي. ثم اشتهرا حتى غني الرشيد بهما يوماً فاستظرفهما، وسأل إسحاق هل تعرفهما؟ فقال: لا، وإنهما لمن أحسن الصنعة وجيدها ومتقنها. ثم سأل الجارية عنهما فوقفت خوفاً من عمتي وحذراً أن يبلغ جدي أنها ذكرتني، فانتهرها الرشيد فأخبرته القصة، فوجه من وقته فدعا بجدي فقال له: يا فضل، أيكون لك ابنٌ يغني ثم يبلغ في الغناء المبلغ الذي يمكنه أن يصنع صوتين يستحسنهما إسحاق وسائر المغنين ويتداولهما الجواري القيان فلا تعلمني بذلك، كأنك رفعت قدره عن خدمتي في هذا الشأن! فقال له جدي: وحق ولائك يا أمير المؤمنين ونعمتك وإلا فأنا بريءٌ من بيعتك وعلى العهد والميثاق والعتق والطلاق إن كنت علمت بشيءٍ من هذا قط إلا منك الساعة. فمن هذا من ولدي؟ قال: عبد الله بن العباس هو، فأحضرنيه الساعة. فجاء جدي وهو يكاد أن ينشق غيظاً، فدعاني، فلما خرجت إليه شتمني وقال: يا كلب بلغ من أمرك أنك تجسر على أن تتعلم الغناء بغير إذني! ثم زاد ذلك حتى صنعت، ولم تقنع بهذا حتى ألقيت صنعتك على الجواري في داري، ثم تجاوزهن إلى جواري الحارث بن بسخنر، فاشتهرت، وبلغ أمير المؤمنين فتنكر لي ولامني، وفضحت آباءك في قبورهم وسقطت للأبد إلا من المغنين! فبكيت مما جرى علي وعلمت أنه صدقني، فرحمني وضمني إليه وقال: قد صارت الآن مصيبتي في أبيك مصيبتين، إحداهما به وقد مضى وفات، والأخرى بك وهي موصولةٌ بحياتي، ومصيبةٌ باقية العار علي وعلى أهلي بعدي، وبكى وقال: عز علي يا بني أني أراك أبداً ما بقيت على غير ما أحب، وليست لي في هذا الأمر حيلةٌ لأنه أمرٌ قد خرج عن يدي. وقال: جئني بعودٍ حتى أسمعك وأنظر كيف أنت، فإن كنت تصلح للخدمة في هذه الفضيحة وإلا جئت بك منفرداً وعرفته خبرك واستعفيته لك. فأتيت بعودٍ وغنيت غناءً قديماً، فقال: لا، بل صوتيك الذين صنعتهما، فغنيته إياهما، فاستحسنهما وبكى، ثم قال: بطلت والله يا بني وخاب أملي فيك. فواحزناً عليك وعلى أبيك! فقلت: ليتني مت قبل ما أنكرته أو خرست! ومالي حيلة!لكني وحياتك يا سيدي - وإلا فعلى عهد الله وميثاقه والعتق والطلاق وكل يمينٍ يحلف بها حالف لازمة لي - لا غنيت أبداً إلا لخليفةٍ أو ولي عهدٍ. فقال: قد أحسنت فيما نبهت عليه من هذا. فركب أمر بي فأحضرت، ووقفت بين يدي الرشيد وأنا أرعد، فاستدعاني واستدناني حنى صرت أقرب الجماعة إليه، ومازحني وأقبل علي وسكن مني، وأمر جدي بالانصراف، وأومأ إلى الجماعة فحدثوني وسقيت أقداحاً وغنى المغنون جميعاً، وأومأ إلى إسحاق بعينيه أن أبدأ فغن إذا بلغت النوبة إليك قبل أن تؤمر بذلك ليكون أملح وأجمل بك. فلما جاءت النوبة إلي أخذت عوداً ممن كان إلى جنبي وقمت قائماً واستأذنت في الغناء، فضحك الرشيد وقال: غن جالساً، فغنيت لحني الأول، فطرب واستعاده ثلاث مراتٍ وشرب عليه ثلاثة أنصاف. ثم غنيت الثاني فكانت هذه حاله، فسكر ودعا بمسرورٍ وقال: احمل الساعة مع عبد الله عشرة آلاف دينارٍ وثلاثين ثوباً من فاخر ثيابي وعيبةً مملوءةً طيباً، فحمل ذلك كله معي. قال عبد الله : ولم أزل كلما أراد ولي عهد أن يعلم من الخليفة بعد الخليفة هو أم غيره دعاني وأمرني أن أغني، فأعرفه يميني فيستأذن الخليفة في ذلك، فإن أذن لي في الغناء علم أنه ولي عهدٍ وإلا عرف أنه غيره، حتى كان آخرهم الواثق فدعاني في أيام المعتصم وسأله أن يأذن لي في الغناء، فأذن لي ثم دعاني من الغد فقال: ما كان غناؤك إلا سبباً لظهور سري وأسرار الخلفاء قبلي! والله لقد هممت أن آمر بضرب رقبتك! لا يبلغني أنك امتنعت من الغناء عند أحد، فوالله لئن امتنعت لأضربن عتقك! فأعتق من كنت تملكه يوم حلفت، وطلق من كان عندك يومئذٍ، وأرحنا من يمينك هذه المشئومة. فقمت وأنا لا أعقل جزعاً منه، فأعتقت جميع ما كان بقي عندي من مماليكي الذين حلفت يومئذٍ وهم في ملكي ثم تصدقت بجملة، واستفتيت في يميني أبا يوسف القاضي حتى خرجت منها، وغنيت بعد ذلك إخواني جميعاً حتى اشتهر أمري، وبلغ المعتصم","part":2,"page":26},{"id":527,"text":"خبري فتخلصت منه.ي فتخلصت منه.\rوروى أبو الفرج أيضاً عن الصولي عن الحسين بن يحيى قال: قلت لعبد الله ابن العباس: إنه بلغني لك خبرٌ مع الرشيد أول ما شهرت بالغناء فحدثني به، فقال: نعم! أول صوتٍ صنعته:\rأتاني يؤامرني في الصبو ... ح ليلاً فقلت له غادها\rفلما دار لي وضربت عليه بالكنكلة، عرضته على جاريةٍ لنا يقال لها راحة، فاستحسنته، وأخذته عني. وكانت تختلف إلى إبراهيم الموصلي، فسمعها يوماً تغنيه وتناغي به جاريةً من جواريه، فاستعادها إياه فأعادته، فقال: لمن هذا الصوت؟ قالت: صوتٌ قديمٌ. قال: كذبت لو كان قديماً لعرفته. وما زال يداريها ويتغاضب عليها حتى اعترفت له أنه من صنعتي، فعجب من ذلك. ثم غناه يوماً بحضرة الرشيد ليغرب به على المغنين، فاستحسنه الرشيد، فقال له: لمن هذا يا إبراهيم؟ فأمسك عن الجواب وخشي أن يكذبه فينمى إليه الخبر من غيره، وخاف من جدي إن يصدقه، فقال له: مالك لا تجيبني؟ قال: ما يمكنني يا أمير المؤمنين. فاستراب بالقصة، فأقسم الرشيد أنه إن لم يعرفه عاقبه عقوبةً توجعه، وتوهم انه لعلية بنت المهدي أو لبعض حرمه فأستطير غضباً. فلما رأى إبراهيم الجد منه صدقه فيما بينه وبينه سراً. فدعا لوقته بالفضل بن الربيع وقال له: أيصنع ولدك غناءً يرويه الناس ولا تعرفني! فجزع وحلف بحياته وبيعته انه ما عرف ذلك قط ولا سمع به إلا في وقته ذلك. وساق باقي الخبر نحو ما تقدم.\rقال عبد الله بن العباس: دخل محمد بن عبد الملك الزيات على الواثق وأنا بين يديه أغنيه وقد استعادني صوتاً فأعدته، فاستحسنه محمد بن عبد الملك وقال: هذا والله يا أمير المؤمنين أولى الناس بإقبالك عليه وإصغائك إليه، فقال: أجل! هذا والله مولاي وابن مولاي لا يعرفون غير ذلك. فقال: ليس كل مولى يا أمير المؤمنين مولى لمواليه، ولا كل مولى يتجمل بولائه يجمع ما جمعه عبد الله من ظرفٍ وأدبٍ وصحة عقلٍ وفضل علمٍ وجودة شعر. فقال له: صدقت يا محمد. فلما كان من الغد جئت محمد بن عبد الملك شاكراً لحسن محضره، فقلت في أضعاف كلامي: وأفرط الوزير، أعزه الله تعالى، في وصفي وتقريظي في كل شيءٍ حتى وصفني بجودة الشعر، وليس ذلك عندي، وإنما أعبث بالبيتين والثلاثة. ولو كان عندي أيضاً شيءٌ من ذلك لصغر عن أن يصفه الوزير ويحكيه في هذا المجلس الرفيع المشهور. فقال: والله يا أخي لو عرفت مقدار قولك:\rيا شادناً رام إذ م ... ري في الشعانين قتلى\rيقول لي: كيف أصبح ... ت؟ كيف يصبح مثلي\rلما قلت هذا القول. والله لو لم يكن لك شعرٌ في عمرك إلا قولك: كيف يصبح مثلي لكنت شاعراً مجيداً. وهذا الشعر قاله عبد الله بن العباس في نصرانيةٍ كان يهواها ولا يصل إليها إلا إذا خرجت إلى البيعة؟ وله معها أخبارٌ وأشعارٌ له فيها أصواتٌ. منها قوله:\rإن في القلب من الظبي كلوم ... فدع اللوم فإن اللوم لوم\rحبذا يوم الشعانين وما ... نلت فيه من نعيمٍ لو يدوم\rإن أكن أعظمت أن همت به ... فالذي تركب من عذلي عظيم\rلم اكن أول من سن الهوى ... فدع العذل فذا داءٍ قديم","part":2,"page":27},{"id":528,"text":"وروى أبو الفرج بسنده إلى محمد بن جبيرٍ قال: كنا عند أبي عيسى بن الرشيد في زمن ربيع وعندنا مخارق وعلويه وعبد الله بن العباس الربيعي و عبد الله بن الحارث بن بسخنر ونحن مصطحبون في طارمةٍ مضروبةٍ على بستانه وقد تفتح فيه ورد وياسمين وشقائق والسماء متغيمة غيماً مطبقاً وقد بدأت ترش رشاً ساكباً، فنحن في أكمل نشاطٍ وأحسن يومٍ، إذ خرجت قيمة دار أبي عيسى فقالت: يا سيدي، قد جاءت عساليج، قال: تخرج إلينا فليس بحضرتنا من تحتشمه. قال: فخرجت إلينا جاريةٌ شكلةٌ حلوةٌ حسنة العقل والهيئة والأدب في يدها عودٌ فسلمت، وأمرها أبو عيسى بالجلوس فجلست. وغنى القوم حتى انتهى الدور إليها، وظننا أنها لا تصنع شيئاً وخفنا أن تهابنا فتحصر، فغنت غناءً حسناً مطرباً متقنا، لم تدع أحداً ممن حضر إلا غنت صوتاً من صنعته فأدته على غاية الإحكام، فطربنا واستحسنا غناءها و خاطبناها بالاستحسان، وألح عبد الله بن العباس من بيننا بالاقتراح عليها والمزاح معها والنظر إليها. فقال أبو عيسى: عشقتها وحياتي يا عبد الله! فقال: لا والله يا سيدي وحياتك ما عشقتها، ولكن استملحت كل ما شاهدته منها من منظرٍ وشكلٍ وعقلٍ وعشرةٍ وغناء. فقال له: ويحك! فهذا والله هو العشق وسببه. ورب جدٍ جره اللعب. قال: وشربنا، فلما غلب النبيذ على عبد الله غنى أهزاجاً قديمةً وحديثة، وغنى فيما بينها هزجاً في شعرٍ قاله فيها لوقته، فما فطن له إلا أبو عيسى، وهو:\rنطق المكتوم مني فبدا ... كم ترى المكتوم مني لا يضح\rسحر عينيك إذا ما رنتا ... لم يدع ذا صبوةٍ أو يفتضح\rملكت قلباً فأمسى غلقاً ... عندها صباً بها لم يسترح\rبجمالٍ وغناءٍ حسنٍ ... جل عن أن ينتقيه المقترح\rأورث القلب هموماً ولقد ... كنت مسروراً بمرآه فرح\rولكم مغتبق هماً وقد ... باكر اللهو بكور المصطبح\rفقال له أبو عيسى: فعلتها والله يا عبد الله، صح والله قولي لك في عساليج وأنت تكابر حتى فضحك السكر. فجحد وقال: هذا غناءٌ كنت أرويه. فحلف أبو عيسى أنه ما قاله وما غناه إلا في يومه، وقال له: احلف بحياتي أن الأمر ليس هو كذلك! فلم يفعل. فقال أبو عيسى: والله لو كانت لي لوهبتها لك، ولكنها لآل يحيى ابن معاذ، ووالله إن باعوها لأملكنك إياها ولو بكل ما املك! ووحياتي لتنصرفن قبلك إلى منزلك. ثم دعا بحافظتها وخادماً من خدمه فوجه بها معهما إلى منزله. والتوى عبد الله قليلاً وتجلد ثم انصرف. واتصل الأمر بينهما بعد ذلك فاشترتها عمته رقية بنت الفضل بن الربيع من آل يحيى بن معاذ، وكانت عندهم حتى ماتت. قال: وقالت بذل الكبيرة لعبد الله بن العباس: قد بلغني أنك عشقت جاريةً اسمها عساليج، فاعرضها علي، فإما أن عذرتك أو عذلتك، فوجه إليها فحضرت، وقال لبذل: هذه هي يا سيدتي، فاسمعي وانظري ثم مريني بما شئت أطعك. فأقبلت عليه عساليج وقالت: يا عبد الله، أتشاور في! فوالله ما شاورت فيك لما حبتك. فقالت بذل: أحسنت والله يا صبية! ولو لم تحسني شيئاً ولا كانت فيك خصلةٌ تحمد لوجب أن تعشقي لهذه الكلمة. ثم قالت لعبد الله: ما ضيعت، احتفظ بصاحبتك هذه.\rوقال حمدون بن إسماعيل: دخلت يوماً على عبد الله بن العباس الربيعي وخادمٌ له يسقيه، وبيده عودٌ وهو يغني:\rإذا اصطحبت ثلاثاً ... وكان عودي نديمي\rوالكأس تضحك ضحكاً ... من كف ظبيٍ رخيم\rفما على طريقٌ ... لطارقات الهموم\rفما رأيت احسن مما حكى حاله في غنائه ولا سمعت أحسن مما غنى.ومن صنعته وشعره قوله\rصدع البين والفؤادا ... إذ به الصائح نادى\rبينما الأحباب مجمو ... عون إذ صاروا فرادى\rفأتى بعضٌ بلادأً ... وأتى بعضٌ بلادا\rكلما قلت تناهى ... حدثان الدهر زادا\rأخبار وجه القرعة","part":2,"page":28},{"id":529,"text":"هو أبو جعفر محمد بن حمزة بن نصير الوصيف مولى المنصور، ويلقب وجه القرعة، أحد المغنين الحذاق الضراب الرواة. أخذ الغناء عن إبراهيم الموصلي وطبقته. وكان حسن الأداء طيب الصوت لا علة فيه، إلا انه كان إذا غنى الهزج خاصةً خرج لا لسبب يعرف، إلا أنه إن تعرض للحنين في جنس من الأجناس فلا يصح له البتة.\rوروى أبو الفرج بسنده عن محمدٍ الهاشمي انه شهد إسحاق بن إبراهيم الموصلي عند عمه هارون بن عيسى وعنده محمد بن الحسن بن مصعب، قال: فأتانا محمد بن حمزة وجه القرعة، وكان شرس الأخلاق أبي النفس، وكان إذا سئل الغناء أباه، فإذا أمسك عنه كان هو المبتدئ به، فأمسكنا عنه حتى طلب العود فأتي به فغنى:\rمر بي سرب ظباء ... رائحاتٍ من قباء\rزمراً نحو المصلى ... يتمشين حذائي\rفتجاسرت وألقي ... ت سرابيل الحياء\rوقديماً كان لهوي ... وفنوني بالنساء\rقال: وكان يحسنه ويجيده، فجعل إسحاق يشرب ويستعيده حتى شرب ثلاثة أرطال، ثم قال: أحسنت يا غلام! هذا الغناء لي وأنت تتقدمني فيه! ولا يخلق الغناء مادام مثلك ينشأ فيه.\rوقال أيضاً: كنا في البستان المعروف ببستان خالصٍ النصراني ببغداد، ومعنا محمدٌ ابن حمزة وجه القرعة وهو يغنينا:\rيا دار أفقر رسمها ... بين المحصب والحجون\rيا بشر إني فاعلمي ... والله مجتهداً يميني\rما إن صرمت حبالكم ... فصلي حبالي أو ذريني\rفإذا برجلٍ راكبٍ على حمارٍ يؤمنا وهو يصيح: أحسنت والله! فقلنا اصعد إلينا كائناً من كنت، فصعد وقال: لو منعتموني من الصعود لما امتنعت، ثم سفر اللثام عن وجهه فإذا هو مخارق. فقال: يا أبا جعفر، اعد على صوتك فأعاده، وشرب رطلاً من شرابنا وقال: لولا أني مدعو الخليفة لأقمت عندكم واستمعت هذا الغناء الذي هو أحسن من النزهة غب المطر.\rوله مع إسحاق بن إبراهيم ومخارق أخبارٌ شهدا له فيها بحسن الصنعة، وكفاه ذلك فضلاً في صناعته.\rأخبار محمد بن الحارث بن بسخنر\rقال أبو الفرج الأصفهاني: هو من أهل الري، مولى المنصور، من ولد بهرام شوبين مرزبان الري. قال: وهو مرتجلٌ قليل الصنعة حسن الغناء والنغم بقوةٍ وشجاً واقتدار شديد على الغناء، وكان في زمانه أحد المعدودين في حسن الأدب وتمام المروءة وحسن الزي والآلة، وكان عظيم التيه رفيع الهمة، وكانت له منزلةٌ عند المأمون. قال محمد بن الحارث: كنت مع المأمون وهو يريد بلاد الروم ومعه عدةٌ من المغنين، فجلس يوماً والمعتصم والعباس معه من حيث لا نراهم وهم يسمعون غناءنا، فغنى المغنون جميعاً وغنيت هزجاً لإسماعيل بن جامع، فبعث إلي المأمون بأصل شاهشفرم وقد لف أصله بمنديل حرير، فجاءني به الغلام وقال: أعد الصوت، فأخذته وشممته وثبت فأعدته قائماً، ووضعت الأصل بين يدي وشربت رطلاً وقلت للمغنين: حكم لي أمير المؤمنين بالحذق والغناء. فقالوا: وكيف؟ قلت: دفع إلي لواء الغناء من بينكم. فقالوا: ليست كما ذكرت، ولكن حياك إذ أطربته، والرسول قائمٌ فانصرف بالخبر، فما لبث أن رجع إلي فقال: هو كما ذكرت.\rقال أبو العنبس بن حمدون: كان محمد بن الحارث أحسن خلق الله شمائل وإشارةً إذا غنى. وقال أحمد بن حمدون: صنع محمد بن الحارث هزجاً في هذا الشعر:\rأمسيت عبداً مسترقاً ... أبكي الألى سكنوا دمشقا\rأعطيتهم قلبي فمن ... يبقى بلا قلبٍ فأبقى!\rوطرحه على المسدود الطنبوري فوقع له موقعاً حسناً، واستحسنه محمد منه فقال: أتحب أن أهبه لك؟ قال: نعم، قال: قد فعلت. فكان المسدود يغنيه ويدعيه، وإنما هو لمحمد بن الحارث.\rقال محمد: لما قدم المأمون من خراسان لم يشتق مغنياً بمدينة السلام غيري. فبعث إلي فكنت أنادمه سراً، ولم يظهر للندماء حتى ظفر بإبراهيم بن المهدي، فلما عفا عنه ظهر للندماء.\rولمحمد بن الحارث شعر، منه قوله:\rومن ظن أن التيه من فضل قدره ... فإني رأيت التيه من صغر القدر\rولو كان ذا عزٍ ونفسٍ أبيةٍ ... لغض الغنى منه وعز عن الفقر\rرأى نفسه لا تستقل بحقها ... فتاه لنقص النفس أو قلة الشكر\rأخبار أحمد بن صدقة","part":2,"page":29},{"id":530,"text":"قال أبو الفرج الأصفهاني: هو أحمد بن صدقة بن أبي صدقة. كان أبوه حجازياً مغنياً، قدم على الرشيد وغنى له. وقد ذكرنا أخباره في النوادر من كتابنا هذا، فلا حاجة بنا إلى إعادتها. وكان أبو أحمد طنبورياً محسناً مقدماً حاذقاً حسن الغناء محكم الصنعة. قال: وله غناءٌ كثيرٌ في الأرمال والأهزاج وما يجري مجراها من غناء الطنبوريين. وكان ينزل الشام. ووصف للمتوكل فأمر بإحضاره، فقدم عليه فغناه، فاستحسن غناءه وأجزل صلته. واشتهاه الناس وكثر من يدعوه، فكسب بذلك أكثر مما كسبه مع المتوكل أضعافاً.\rوروى أبو الفرج عن أحمد بن صدقة قال: اجتزت بخالد بن يزيد الكاتب، فقلت له: أنشدني بيتين من شعرك حتى أغني فيهما. فقال: وأي حظٍ لي في ذلك! تأخذ أنت الجائزة وأحصل أنا على الإثم! فحلفت أني إن أخذت بشعره فائدةً جعلت له فيها حظاً، وأذكرت به الخليفة وسألته فيه. فقال: أما الحظ من جهتك فأنت أنذل من ذلك، ولكن عسى أن تفلح في مسئلة الخليفة، وأنشدني:\rتقول سلا، فمن المدنف ... ومن عينه أبداً تذرف!\rومن قلبه قلقٌ خافقٌ ... عليك وأحشاؤه ترجف!\rفلما جلس المأمون للشرب دعاني، وكان قد غضب على حظيةٍ له، فحضرت مع المغنين. فلما طابت نفسه وجهت إليه بتفاحةٍ من عنبرٍ عليها مكتوبٌ بالذهب: يا سيدي سلوت، وما علم الله أني عرفت شيئاً من خبرهما. وانتهى الدور إلي فغنيت البيتين، فاحمر وجه المأمون وانقلبت عيناه وقال: يا بن الفاعلة، لك علي وعلى حرمي صاحب خبرٍ! فوثبت وقلت: يا سيدي، ما السبب؟ قال: من أين عرفت قصتي مع جاريتي حتى غنيت في معنى ما بيننا؟ فحلفت أني لم أعرف شيئاً من ذلك، وحدثته بحديثي مع خالد، فلما انتهيت إلى قوله: أنت أنذل من ذلك ضحك وقال: صدق، وعجب من هذا الاتفاق، وأمر لي بخمسة آلاف درهم ولخالدٍ بمثلها.\rوروى عنه أيضاً قال: دخلت على المأمون في يوم الشعانين وبين يديه عشرون وصيفةً جلبٌ ورومياتٌ مزنراتٌ قد تزين بالديباج الرومي، وعلقن في أعناقهن صلباناً من الذهب، وفي أيديهن الخوص والزيتون. فقال لي المأمون: ويلك يا أحمد! قد قلت في هؤلاء أبياتاً فغن بها، ثم أنشدني:\rظباءٌ كالدنانير ... ملاحٌ في المقاصير\rجلاهن الشعانين ... علينا في الزنانير\rوقد زرفن أصداغاً ... كأذناب الزرازير\rوأقبلن بأوساطٍ ... كأوساط الزنابير\rفحفظته وغنيته، فلم يزل يشرب والوصائف يرقصن بين يديه بأنواع الرقص من الدستبندا إلى الإلي حتى سكر، وأمر لي بألف دينارٍ، وأمر بأن ينثر على الجواري ثلاثة آلاف دينارٍ، فقبضت الألف ونثرت ثلاثة آلاف الدينار فانتهبتها معهن.\rقال: ولم يزل أحمد بالعراق حتى بلغه موت بنيةً له بالشام، فشخص نحو منزله، وخرج عليه الأعراب فأخذوا ما معه وقتلوه.\rأخبار أبي حشيشة\rقال أبو الفرج: أبو حشيشة لقبٌ غلب عليه، وهو محمد بن بني أمية، ويكنى أبا جعفر. وكان أهله جميعاً متصلين بإبراهيم بن المهدي، وكان هو من بينهم يغني بالطنبور أحسن الناس غناءً. وخدم جماعةً من الخلفاء، أولهم المأمون ومن بعده إلى المعتمد. قال: وكان أكثر انقطاعه إلى أبي أحمد بن الرشيد أيام حياته. وكان أبوه وجده وأخواله كتاباً.\rقال أحمد بن جعفر جحظة في ترجمة أبي حشيشة: وكان له صنعةٌ تقدم فيها كل طنبوريٍ لا أحاشي أحداً في ذلك. قال: فمنها:\rكأن هموم الناس في الأرض كلها ... علي وقلبي بينهم قلب واحد\rولي شاهدا عدلً سهادٌ وعبرةٌ ... وكم مدعٍ للحب من غير شاهد\rقال جحظة: ورأيته بين يدي المعتمد على الله وقد غناه من شعر عليٍ بن محمد ابن نصر:\rحرمت بذل نوالك ... واسوءتا من فعالك!\rلما ملكت وصالي ... آيستني من وصالك\rفوهب لي مائتي دينار. قال: وغنى يوماً عند ابن المدبر بحضرة عريب، فقالت له: أحسنت يا أبا جعفر! ولو عاش الشيخان ما قلت لهما هذا تعني علويه ومخارقاً.","part":2,"page":30},{"id":531,"text":"وقال أبو الفرج: إن أبا حشيشة ألف كتاباً جمع فيه أخباره مع من عاشر وخدم من الخلفاء، وهو كتابٌ مشهور. قال: أول من سمعني من الخلفاء المأمون، وصفني له مخارق، فأمر بإشخاصي إليه، وأمر لي بألف درهمٍ أتجهز بها. فلما وصلت إليه أدناني وأعجب بي، وقال للمعتصم: هذا أثر خدمك وخدم آبائك وأجدادك يا أبا إسحاق. وذكر ما كان يشتهيه عليه كل خليفة، فقال: كان المأمون يشتهي من غنائي:\rكان ينهى فنهى حتى سلا ... وانجلت عنه غيابات الصبا\rخلع اللهو وأضحى مسبلاً ... للنهى فضل قميصٍ وردا\rقال: وكان المعتصم يشتهي علي:\rأسرفت في سوء الصنيع ... وفتكت بي فتك الخليع\rوولعت بي متمرداً ... والعذر في طرق الولوع\rصيرت حبك شافعاً ... فأتيت من قبل الشفيع\rقال: وكان الواثق يختار من غنائي:\rيا تاركي متلذذ ال ... عذال جذلان العداة\rانظر إلي بعين را ... ض نظرةً قبل الممات\rخليتني بين الوعي ... د وبين ألسنة الوشاة!\rماذا يرجى بالحيا ... ة منغصٌ روح الحياة!\rقال: وكان المتوكل يحبني ويستخفني، وكانت أغانيه التي يشتهيها علي كثيرةٌ. منها:\rأطلعت الهوى وخلعت العذارا ... وباكرت بعد المراح العقارا\rونازعك الكأس من هاشمٍ ... كريمٌ يحب عليها الوقارا\rفتًى فرق الحمد أمواله ... يجر القميص ويرخي الإزارا\rرأى الله جعفر خير الأنام ... فملكه ووقاه الحذارا\rقال: وكان المستعين يشتهي علي:\rوما أنس لا أنس منها الخشوع ... وفيض الدموع وغمز اليد\rوخدي مضافٌ إلى خدها ... قياماً إلى الصبح لم نرقد\rقال: واشتهى علي المعتمد:\rقلبي يحبك يا منى ... قلبي ويبغض من يحبك\rلأكون فرداً في هوا ... ك، فليت شعري كيف قلبك؟\rقال جحظة: وكانت وفاة أبي حشيشة بسر من رأى. وسببها أنه اصطبح عند قلم غلام الفضل بن كاوش في يومٍ بارد، فقال له: أنا لا آكل إلا طعاماً حاراً، فأتاه بفجليةٍ باردةٍ وقال: تساعدني وتأكل معي، فأكل منها فخمد قلبه فمات.\rذكر أخبار القيان وأول من غنى من النساء ومن اشهر بالغناء منهن في الإسلام قالوا: أول من غنى الغناء العربي جرادتا ابن جدعان. قال أبو الفرج الأصفهاني: قال ابن الكلبي: كان لابن جدعان أمتان يسميان الجرادتين يغنيان في الجاهلية، وسماهما جرادتي عباد، ووهبهما عبد الله بن جدعان لأمية بنت أبي الصلت الثقفي وكان قد امتدحه. وابن جدعان هو عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب. كان سيداً جوادا، فرأى أمية ينظر إلى الجرادتين وهو عنده فأعطاه إياهما. وقد قيل في سبب إعطائه إياهما: إن أمية بن أبي الصلت قدم عليه، فقال له عبد الله: أمرٌ ما أتى بك! فقال أمية: كلاب غرماءٍ قد نبحتني ونهشتني. فقال له عبد الله: قدمت علي وأنا عليلٌ وحقوقٌ لحقتني ولزمتني، فانظرني قليلاً وقد ضمنت قضاء دينك فلا أسألك عن مبلغه، قال: فأقام أمية أياماً ثم أتاه فقال:\rأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء\rوعلمك بالأمور وأنت قرمٌ ... لك الحسب المهذب والسناء\rكريمٌ لا يغيره صباحٌ ... عن الخلق الكريم ولا مساء\rتباري الريح مكرمةً ومجداً ... إذا ما الكلب أجحره الشتاء\rإذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء\rإذا خلفت عبد الله فاعلم ... بأن القوم ليس لهم جزاء\rفأرضك كل مكرمةٍ بنتها ... بنو تيمٍ وأنت لهم سماء\rوهل تخفى السماء على بصيرٍ! ... وهل بالشمس طالعةً خفاء!","part":2,"page":31},{"id":532,"text":"فلما أنشده أمية هذا الشعر كانت عنده قينتان، فقال لأمية: خذ أيتهما شئت، فأخذ إحداهما وانصرف، فمر بمجلسٍ من مجالس قريشٍ فلاموه على أخذها، وقالوا له: لقد ألفيته عليلاً، فلو رددتها عليه، فإن الشيخ محتاجٌ إلى خدمتها، كان ذلك أقرب لك عنده وأكثر من كل حقٍ ضمنه. فوقع الكلام من أمية موقعاً وندم، فرجع إليه ليردها عليه. فلما أتاه بها، قال ابن جدعان: لعلك إنما رددتها لأن قريشاً لاموك على أخذها، وذكر لأمية ما قال القوم. فقال أمية: والله ما أخطأت يا أبا زهير. قال: فما الذي قلت في ذلك؟ فقال:\rعطاؤك زينٌ لامرئٍ إن حبوته ... ببذلٍ وما كل العطاء يزين\rوليس بشينٍ لامرئٍ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين\rفقال عبد الله لأمية: خذ الأخرى، فأخذهما جميعاً وخرج. فلما أن صار إلى القوم بهما أنشأ يقول:\rومالي لا أحييه وعندي ... مواهب قد طلعن من النجاد\rلأبيض من بني عمروٍ بن تيمٍ ... وهم كالمشرفيات الحداد\rلكل قبيلةٍ هادٍ ورأسٌ ... وأنت الرأس تقدم كل هاد\rعماد الخيف قد علمت معدٌ ... وإن البيت يرفع بالعماد\rله داعٍ بمكة مشمعلٌ ... وآخر فوق دارته ينادي\rإلى ردحٍ من الشيزى ملاءٍ ... لباب البر يلبسك بالشهاد\rوكان سبب قول أمية بن أبي الصلت هذا الشعر أن عبد الله بن جدعان وفد على كسرى فأكل عنده الفالوذ، فسأل عنه فقيل له: هذا الفالوذ. قال: وبم يصنع؟ قيل: لباب البر يلبك مع عسل النحل. قال: أبغوني غلاماً يصنعه، فأتوه بغلامٍ يصنعه فابتاعه، ثم قدم به مكة، فأمره أن يصنع الفالوذ ففعل، ثم وضع الموائد من الأبطح إلى باب المسجد، ثم نادى مناديه: ألا من أراد الفالوذ فليحضر، فحضره الناس. وكان فيمن حضر أمية بن أبي الصلت فقال الأبيات. وقال فيه أيضاً:\rذكر ابن جدعانٍ بخي ... ر كلما ذكر الكرام\rمن لا يخون ولا يع ... ق ولا يبخله الأنام\rيهب النجيبة والنجي ... ب له الرحالة والزمام\rوابن جدعان ممن ترك شرب الخمر في الجاهلية، وقد تقدم ذكره. وهجاه دريد ابن الصمة بشعر، فلقيه بعد ذلك عبد الله بسوق عكاظ، فحياه وقال: هل تعرفني يا دريد؟ قال: لا. قال: فلم هجوتني؟ قال: ومن أنت.؟ قال: عبد الله بن جدعان. قال: هجوتك لأنك كنت أثراً كريماً فأحببت أن أضع شعري موضعه. فقال له عبد الله: لئن كنت هجوت لقد مدحت، وكساه وحمله على ناقةٍ برحالها، فقال دريد:\rإليك ابن جدعان أعملتها ... مخففةً للسرى والنصب\rفلا خفض حتى تلاقى امرأ ... جواد الرضا وحليم الغضب\rوجلداً إذا الحرب مرت به ... يعين عليها بجزل الحطب\rوجلت البلاد فما إن أرى ... شبيه ابن جدعان وسط العرب\rسوى ملكٍ شامخٍ ملكه ... له البحر يجري وعين الذهب\rوأخبار ابن جدعان كثيرةٌ وسيادته في الجاهلية مشهورة، ليس هذا موضع إيرادها، وإنما أوردنا ما أوردنا منها في هذا الموضع على سبيل الاستطراد، فالشيء بالشيء يذكر. فلنرجع إلى أخبار القيان.\rأخبار جميلة\rهي جميلة مولاة بني سليم، ثم مولاة بطن منهم يقال لهم بنو بهز، وكان لها زوجٌ من موالي بني الحارث بن الخزرج، وكان ينزل فيهم، فغلب عليها ولاء زوجها فقيل لها: مولاة الأنصار. وقد قيل: إنها كانت لرجلٌ من الأنصار ينزل بالسنح. وقيل: كانت مولاة الحجاج بن علاط السلمي. قال أبو الفرج الأصفهاني: وهي أصلٌ من أصول الغناء، أخذ عنها معبد وابن عائشة وحبابة وسلامة وعقيلة والعتيقة وغيرهم. وفيها يقول عبد الرحمن بن أرطاة:\rإن الدلال وحسن الغنا ... ء وسط بيوت بني الخزرج\rوتلكم جميلة زين النساء ... إذا هي تزدان للمخرج\rإذا جئتها بذلت ودها ... بوجهٍ منيرٍ لها أبلج","part":2,"page":32},{"id":533,"text":"قال: وكانت جميلة أعلم خلق الله بالغناء. وكان معبد يقول: أصل الغناء جميلة وفرعه نحن، ولولا جميلة لم نكن نحن مغنين. قال: وسئلت جميلة: أنى لك هذا الغناء؟ قالت: والله ما هو إلهامٌ ولا تعليم، ولكن أبا جعفر سائب خاثر كان جارنا، وكنت أسمعه يغني ويضرب بالعود فلا أفهمه، فأخذت تلك النغمات وبنيت عليها غنائي، فجاءت أجود من تأليف ذلك الغناء، فعلمت وألقيت، فسمعني مولياتي يوماً وأنا أغني سراً، ففهمني ودخلن علي وقلن: قد علمنا ما تكتمين وأقسمن علي، فرفعت صوتي وغنيتهن بشعر زهير بن أبي سلمى:\rوما ذكرتك إلا هجت لي طرباً ... إن المحب ببعض الأمر معذور\rليس المحب كمن إن شط غيره ... هجر الحبيب، وفي الهجران تغيير\rفحينئذٍ شاع أمري وظهر ذكري وقصدني الناس وجلست للتعليم، فكان الجواري يكثرن عندي، وربما انصرف أكثرهن ولم يأخذن شيئاً سوى ما سمعنني أطارح غيرهن، وقد كسبت لموالي ما لم يخطر لهم ببال، وأهل ذلك كانوا وكنت. وقد أقر لجميلة كل مكيٍ ومدنيٍ من المغنين. قال: ولما قدم ابن سريج والغريض وابن مسجح وسلم بن محرز المدينة واجتمعوا هم ومعبد وابن عائشة حكموها بينهم، واجتمعوا عندها، وصنع كلٌ منهم صوتاً وغناه بحضرتها - وقد ذكر الأصفهاني الأصوات - فلما سمعت الأصوات قالت: كلكم محسنٌ ومجيدٌ في غنائه ومذهبه. قال ابن عائشة: ليس هذا بمقنع. قالت: أما أنت يا أبا يحيى فتضحك الثكلى بحسن صوتك ومشاكلته النفوس. وأما أنت يا أبا عباد فنسيج وحده بتأليفك وحسن نظمك وعذوبة غنائك. وأما أنت يا أبا عثمان فلك أولية هذا الأمر وفضله. وأما أنت يا أبا جعفر فمع الخلفاء تصلح. وأما أنت يا أبا الخطاب فلو قدمت أحداً على نفسي لقدمتك. وأما أنت يا مولى العبلات فلو ابتدأت قدمتك عليهم. ثم سألوها جميعاً أن تغنيهم لحناً كما غنوا، فغنتهم، فكلهم أقروا لها وفضلوها.\rوكانت جميلة قد آلت أنها لا تغني أحداً إلا في منزلها. فكان عبد الله بن جعفر يأتيها في مجلسها فيجلس عندها وتغنيه. فأرادت أن تكفر عن يمينها وتأتيه فتغنيه في بيته، فقال: لا أكلفك ذلك.\rوروى الأصفهاني أن ابن أبي عتيق وابن أبي ربيعة والأحوص بن محمدٍ الأنصاري أتوا منزل جميلة واستأذنوا عليها فأذنت لهم. فلما جلسوا سألت عن عمر، فقال لها: إني قصدتك من مكة للسلام عليك، فقالت: أهل الفضل أنت. قال: وقد أحببت أن تفرغي لنا نفسك اليوم وتخلي مجلسك، قالت: أفعل. فقال لها الأحوص: أحب ألا تغني إلا بما نسألك، فقالت: ليس المجلس لك، القوم شركاؤك، فقال: أجل. قال عمر: فإني أرى أن نجعل الخيار إليها. قال ابن أبي عتيق: وفق الله. فدعت بعود فغنت:\rتمشي الهوينى إذا مشت فضلاً ... مشي النزيف المخمور في الصعد\rتظل من بعد بيت جارتها ... واضعةً كفها على الكبد\rيا من لقلبٍ متيمٍ سدمٍ ... عانٍ رهينٍ مكلم كمد\rأزجره وهو غير منزجرٍ ... عنها بطرفٍ مكحل السهد\rقال راوي هذه الحكاية: فلقد سمعت للبيت زلزلةً وللدار همهمةً. فقال عمر: لله درك يا جميلة! ماذا أعطيت! أنت أول الغناء وآخره! ثم سكتت ساعةً وأخذت العود فغنت، فطرب القوم وصفقوا بأيديهم وفحصوا بأرجلهم وحركوا رءوسهم، وقالوا: نحن فداؤك من المكروه، ما أحسن ما غنيت وأجمل ما قلت!، وأحضر الغداء فتغدى القوم بأنواع من الأطعمة ومن الفواكه، ثم دعت بأنواع الأشربة، فقال عمر: لا اشرب، وقال ابن أبي عتق مثل ذلك، فقال الأحوص: لكني أشرب، وما جزاء جميلة أن يمتنع من شرابها! فقال عمر: ليس ذلك كما ظننت. فقالت جميلة: من شاء أن يحملني بنفسه ويخلط روحه بروحي فعل، ومن أبي ذلك عذرناه، ولم يمنعه ذلك عندنا ما يريد من قضاء حوائجه والأنس بمحادثته. قال ابن أبي عتيق: ما يحسن بنا إلا مساعدتك. فقال عمر: إني لا أكون أخسكم، افعلوا ما شئتم تجدوني سامعاً مطيعاً. فشرب القوم أجمع، فغنت بشعر ابن أبي ربيعة:\rولقد قالت لجاراتٍ لها ... كالمها يلعبن في حجرتها\rخذن عني الظل لا يتبعني ... ومضت تسعى إلى قبتها\rلم تعلق رجلاً فيما مضى ... طفلةٌ غيداء في حلتها","part":2,"page":33},{"id":534,"text":"لم يطش قط لها سهمٌ ومن ... ترمه لا ينج من رميتها\rفصاح عمر ثم شق جيب قميصه إلى أسفله، ثم ثاب إليه عقله فندم واعتذر وقال: لم أملك من نفسي شيئاً. وقال القوم: قد أصبنا الذي أصابك وأغمي علينا غير أننا قد فارقناك في تخريق الثياب. فدعت جميلةٌ بثيابٍ فجعلتها على عمرٍ فقبلها ولبسها، وانصرف القوم إلى منازلهم. وكان عمر نازلاً على ابن أبي العتيق، فوجه إلى جميلة بعشرة آلاف درهم وعشرة أثوابٍ كانت معه فقبلتها جميلة، وانصرف عمر إلى مكة جذلان مسروراً.\rوروى أبو الفرج بأسانيد رفعها إلى يونس الكاتب والزبير بن بكار عن عمه مصعب قالا: حجت جميلة فخرج معها من الرجال المغنين والنساء والأشراف وغيرهم جماعةٌ ذكرهم أبو الفرج، منهم من المغنين هنب وطويس والدلال ومعبد ومالك بن أبي السمح وابن عائشة ونافع الخير ونافع بن طنبورة وغير هؤلاء ممن ذكرهم: ومن النساء المغنيات جماعة ذكرهن منهن الفرهة وعزة الميلاء وحبابة وسلامة وخليدة وعقيلة والشماسية وفرعة ونبيلة ولذة العيش وسعيده والزرقاء، ومن غير المغنين من الأشراف أبي عتيق والأحوص وكثير عزة ونصيب، وجماعة من الأشراف الرجال والنساء. وحج معها من القيان مشيعات لها ومعظمات لقدرها خمسون قينة وجه بهن مواليهن وأعطوهن النفقات وحملوهن على الإبل في الهوادج والقباب وغير ذلك، فأبت جميلة أن تنفق واحدةٌ منهن درهما فما فوقه حتى يرجعن. قال: وتخاير من خرج معها في اتخاذ أنواع اللباس العجيب والهوادج والقباب. قال: ولما قاربوا مكة تلقاهم سعيد بن مسجح وابن سريج والغريض وابن محرز والهذليون وجماعة من المغنين من أهل مكة وفتيانٌ كثير، ومن غير المغنين عمر بن أبي ربيعة والحارث ابن خالد المخزومي والعرجي وجماعةٌ من الأشراف. فدخلت جميلةٌ مكة وما بالحجاز مغنٍ حاذقٍ ولا مغنيةٍ إلا وهو معها وجماعةٌ من الأشراف ممن سمينا وغيرهم من الرجال والنساء، وخرج أبناء أهل مكة من الرجال و النساء ينظرون إلى جمعها وحسن هيئتهم. فلما قضت حجها سألها المكيون أن تجعل لهم مجلساً، فقالت: للغناء أم للحديث؟ فقالوا: لهما جميعاً. قالت: ما كنت لأخلط جداً بهزل، وأبت أن تجلس للغناء. فقال عمرو بن أبي ربيعة: أقسمت على من كان في قلبه حبٌ لسماع غنائها إلا خرج معها إلى المدينة، فإني خارجٌ معها. فخرجت في جمعٍ كثيرٍ من الأشراف وغيرهم أكثر من جمعها بالمدينة. فلما قدمت المدينة تلقاها الناس والأشراف من الرجال والنساء، فدخلت بأحسن مما خرجت منها، وخرج الرجال والنساء فوقفوا على أبواب دورهم ينظرون إلى جمعها وإلى القادمين معها. فلما دخلت إلى منزلها وتفرق الناس إلى منازلهم ونزل أهل مكة على أقاربهم وإخوانهم، أتاها الناس مسلمين، وما استنكف من ذلك صغيرٌ ولا كبير. فلما مضى لمقدمها عشرة أيامٍ جلست للغناء، وقالت لعمر بن أبي ربيعة: إني جالسةٌ لك ولأصحابك، فإذا شئت فعد الناس. فغصت الدار بالأشراف من الرجال والنساء، وابتدأت جميلة فغنت بشعرٍ لعمر بن أبي ربيعة:\rهيهات من أمة الرحمن منزلنا ... إذا حللنا بسيف البحر من عدن\rواحتل أهلك أجياداً فليس لنا ... إلا التذكر أو حظ من الحزن\rلو أنها أبصرت بالجزع عبرته ... وقد تغرد قمرى على ففن\rإذا رأت غير ما ظنت بصاحبها ... وأيقنت أن لحجاً ليس من وطني\rما أنس لا أنس يوم الخيف موقفها ... وموقفي وكلانا ثم ذو شجن\rوقولها للثريا وهي باكيةٌ ... والدمع منها على الخدين ذو سنن\rبالله قولي من غير معتبةٍ ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن\rإن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها ... فما أصبت بترك الحج من ثمن\rفكلهم استحسن الغناء، وضج القوم لحسن ما سمعوا، وبكى عمر حتى جرت دموعه على ثيابه ولحيته. ثم أقبلت على ابن سريجٍ فقالت: هات، فغنى صوته بشعرٍ لعمر:\rأليست بالتي قالت ... لمولاةٍ لها ظهرا\rأشيري بالسلام له ... إذا ما نحونا نظرا\rوقولي في ملاطفةٍ ... لزينب نولي عمرا\rوهذا سحرك النسوا ... ن قد خبرنني الخبرا","part":2,"page":34},{"id":535,"text":"ثم قالت لسعيد بن مسجح: هات يا أبا عثمان، فاندفع فغنى. ثم قالت: يا معبد هات، فاندفع فغنى فاستحسنته. ثم قالت: هات يا بن محرز، فإني لم أؤخرك لخساسةٍ بك ولا جهلاً بالذي يجب بالصناعة، ولكني رأيتك تحب من الأمور كلها أوسطها وأعدلها. فجعلتك حيث تحب واسطةً بين المكيين والمدنيين، فغنى. ثم قالت للغريض: هات يا مولى العبلات، فغنى بشعر عمرو بن شأس الأبيات، وفي آخرها:\rأرادت عراراً بالهوان ومن يرد ... عراراً لعمري بالهوان فقد ظلم\rفقالت: أحسن عمرو بن شأس ولم تحسن، إذ أفسدت غناءك بالتعريض، ووالله ما وضعناك إلا موضعك ولا نقصانك من حظك، فبماذا أهناك! ثم أقبلت على الجماعة فقالت: يا هؤلاء اصدقوه وعرفوه نفسه ليقنع بمكانه. فأقبل القوم عليه وقالوا يا أبا زيد، قد أخطأت إن كنت عرضت. فقال: قد كان ذلك، ولست بعائد، وقام إلى جميلة فقبل طرف ثوبها واعتذر، فقبلت عذره وقالت: لا تعد، وأقبلت على ابن عائشة فقالت: يا أبا جعفر، هات، فغنى، فقالت: حسنٌ ما قلت. ثم أقبلت على نافع وبديح فقالت: أحب أن تغنيا جميعاً بصوتٍ ولحنٍ واحد، فغنيا.ثم أقبلت على الهذليين الثلاثة فقالت: غنوا صوتاً واحدا، فاندفعوا فغنوا. ثم أقبلت على نافع ابن طنبورة فقالت:هات يا نقش الغضارة ويا حسن اللسان، فاندفع فغنى، فقالت: حسنٌ والله. ثم قالت: يا مالك هات، فإني لم أؤخرك لأنك في طبقة آخرهم، ولكن أردت أن أختم بك، يومنا تبركاً بك، وكي يكون أول مجلسنا كآخره ووسطه كطرفه، فإنك عندي ومعبداً في طريقةٍ واحدةٍ ومذهبٍ واحد، لا يدفع ذلك إلا ظالمٌ ولا ينكره إلا عاضلٌ للحق، والحق أقول، فمن شاء أن ينكر، فسكت القوم كلهم إقراراً بما قالت. فاندفع فغنى:\rعدوٌ لمن عادت وسلمٌ لسلمها ... ومن قربت سلمى أحب وقربا\rهبيني امرأً إما بريئاً ظلمته ... وإما مسيئاً تاب بعد وأعتبا\rأقول التماس العذر لما ظلمتني ... وحملتني ذنباً وما كنت مذنبا\rليهنك إشمات العدو بهجرنا ... وقطعك حبل الود حتى تقضبا\rفقالت جميلة: يا مالك، ليت صوتك قد دام لنا ودمنا له! وقطعت المجلس، وانصرف عامة الناس وبقي خواصهم. قال: ولما كان في اليوم الثاني حضر القوم جميعاً. فقالت لطويس: هات يا أبا عبد النعيم، فغنى:\rقد طال ليلي وعادني طربي ... من حب خودٍ كريمة الحسب\rغراء مثل الهلال آنسةٍ ... أو مثل تمثال صورة الذهب\rصادت فؤادي بجيد مغزلةٍ ... ترعى رياضاً ملتفة العشب\rفقالت جميلة: حسنٌ والله يا أبا عبد النعيم. ثم قالت للدلال: هات يا أبا يزيد، فغنى، فاستحسنت غناءه. ثم قالت لهنب: إنا نجلك اليوم لكبر سنك ورقة عظمك، فقال: أجل. ثم قالت لبرد الفؤاد ونومة الضحى: هاتيا جميعاً لحناً واحداً، فغنيا، فقالت: أحسنتما. ثم قالت لفند وزجة وهبة الله: هاتوا جميعاً صوتاً واحداً، إنكم متفقون في الأصوات، فاندفعوا فغنوا. ثم غنت جميلة بشعر الأعشى:\rبانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا ... واحتلت الغور فالجدين فالفرعا\rواستنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا\rتقول بنتي وقد قربت مرتحلاً ... يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا\rوكان شيءٌ إلى شيءٍ فغيره ... دهرٌ ملحٌ على تفريق ما جمعا\rقال: فلم يسمع شيءٌ أحسن من ابتدائها بالأمس وختمها في اليوم، وقطعت المجلس وانصرف قومٌ وأقام آخرون. فلما كان في اليوم الثالث اجتمع الناس فضربت ستارةً وأجلست الجواري، فضربن كلهن، وضربت هي فضربت على خمسين وتراً فزلزلت الدار. ثم غنت على عودها وهن يضربن على ضربها:\rفإن خفيت كانت لعينك قرةً ... وإن تبد يوماً لم يعممك عارها\rمن الخفرات البيض لم تر غلظةً ... وفي الحسب الضخم الرفيع نجارها\rفما روضةٌ بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها\rبأطيب من فيها إذا جئت موهناً ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها","part":2,"page":35},{"id":536,"text":"فدمعت أعين كثيرٍ حتى بلوا ثيابهم وتنفسوا الصعداء، وقالوا: بأنفسنا أنت جميلة! ثم قالت للجواري: اكففن فكففن، وقالت: يا عز غني، فغنت بشعرٍ لعمر:\rتذكرت هنداً وأعصارها ... ولم تفض نفسك أوطارها\rتذكرت النفس ما قد مضى ... وهاجت على العين عوارها\rلتمنح رامة منا الهوى ... وترعى لرامة أسرارها\rإذا لم تزرها حذار العدا ... حسدنا على الزور زوارها\rفقالت جميلة: يا عز، إنك لباقيةٌ على الدهر، فهنيئاً لك حسن هذا الصوت مع جودة هذا الغناء. ثم قالت لحبابة وسلامة: هاتيا لحناً واحداً، فغنتا فاستحسن غناؤهما. ثم أقبلت على خليدة فقالت: بنفسي أنت! غني فغنت، فاستحسن منها ما غنت. ثم قالت لعقيلة والشماسية: هاتيا، فغنتا. ثم قالت لفرعة ونبيلة ونديمة ولذة العيش هاتين، فغنين، فقالت: أحسنتن. وقالت لسعيدة والزرقاء: غنيا، فغنتا. ثم قالت للجماعة فغنوا، وانقضى المجلس وعاد كل إنسانٍ إلى وطنه. فما رئي مجلسٌ ولا جمعٌ أحسن من هذه الأيام الثلاثة. وقد ذكر أبو الفرج ما غنى به كل واحدٍ منهم فأوردنا بعضه وتركنا بعضه اختصارا. وأخبارٌ جميلة كثيرة، قد ذكر منها أبو الفرج الأصفهاني جملةً تدل على أنها كانت مبجلةً عند الأشراف معظمةً عند المغنين، يأخذون عنها ويأتمرون بأمرها، ويسعون إليها، وينطقون إذا استنطقتهم، ويكفون إذا استكفتهم، وفيما قدمناه دلالةً على ذلك والله أعلم.\rأخبار عزة الميلاء\rقال أبو الفرج الأصفهاني: كانت عزة مولاةً للأنصار، ومسكنها المدينة، وهي أقدم من غنى الغناء الموقع من نساء الحجاز، وماتت قبل جميلة. قال: وقد أخذ عنها معبدٌ ومالك بن أبي السمح وابن محرز وغيرهم من المكيين والمدنيين. وكانت من أجمل النساء وجهاً وأحسنهن جسما. وسميت الميلاء لتمايلها في مشيتها.\rوقال معبد: كانت من أحسن النساء ضرباً بعود، مطبوعة على الغناء، لا يعيبها أداؤه ولا صنعته ولا تأليفه، وكانت تغني أغاني القيان القدماء مثل شيرين وزرياب وخولة والرباب وسلمى ورائقة، وكانت رائقة أستاذتها. فلما قدم نشيطٌ وسائب، خاثر المدينة غنيا أغاني بالفارسية، فأخذت عزة عنهما نغماً وألفت عليها ألحاناً عجيبة، فهي أول من فتن أهل المدينة بالغناء وحرض رجالهم ونسائهم عليه.\rوقال الزبيري: وجدت مشايخ أهل المدينة إذا ذكروا عزة قالوا: لله درها! ما كان أحسن غناءها، وأطل صوتها، وأندى حلقها، وأحسن ضربها بالمزاهر والمعازف وسائر الملاهي، وأجمل وجهها، وأظرف لسانها، وأقرب مجلسها، وأكرم خلقها، وأسخى نفسها، وأحسن مساعدتها!. وكانت جميلة تقول مثل ذلك فيها.\rوكان ابن سريج في حداثة سنه يأتي المدينة فيأخذ عنها ويتعلم منها، وكان بها معجباً، وكان إذا سئل: من أحسن الناس غناءً؟ قال: مولاة الأنصار المتفضلة على كل من غنى وضرب بالمعازف والعيدان من الرجال والنساء.\rوكان ابن محرز يقيم بمكة ثلاثة أشهرٍ ثم يأتي المدينة فيقيم بها ثلاثة أشهر من أجل عزة، وكان يأخذ عنها. وقد تقدم ذلك في أخباره.\rوكان طويس أكثر ما يأوي إلى منزل عزة، وكان في جوارها، وكان إذا ذكرها يقول: هي سيدة من غنى من النساء، مع جمالٍ بارع، وخلقٍ فاضل، وإسلامٍ لا يشوبه دنس، تأمر بالخير وهي من أهله، وتنهى عن الشر وهي تجانبه، فناهيك بها! ما كان أنبلها وأنبل مجلسها!. ثم قال: كانت إذا جلست جلوساً عاماً فكأن الطير على رءوس أهل مجلسها، فمن تكلم أو تحرك نقر رأسه.\rوقال صالح بن حسان الأنصاري: كانت عزة مولاةً لنا، وكانت عفيفةً جميلة. وكان عبد الله بن جعفر وابن أبي عتيق وعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة يغشونها في منزلها فتغنيهم. وغنت عمر بن أبي ربيعة لحناً لها في شيءٍ من شعره، فشق ثيابه وصاح صيحةً عظيمةً صعق معها. فلما أفاق قال له القوم: لغيرك الجهل يا أبا الخطاب، قال: إني سمعت والله ما لم املك معه نفسي ولا عقلي.\rوكان حسان بن ثابت معجباً بها، وكان يقدمها على سائر قيان المدينة. وقد ذكرنا خبرها مع النعمان بن بشير وحسان بن ثابت، وأن كل واحدٍ منهما سمع غناءها، فبكي حسان بن ثابت واستعاد النعمان بن بشير صوتها مرارا، وتقدم من أخبارها في خبر عائشة بنت طلحة وأخبار جميلة ما يستغنى عن إعادته في هذا الموضع. فلنذكر من سواها.","part":2,"page":36},{"id":537,"text":"أخبار سلامة القس\rكانت سلامة القس هذه مولدةً من مولدات المدينة، وبها نشأت، وأخذت الغناء عن معبد وابن عائشة وجميلة ومالك بن أبي السمح ومن دونهم، فمهرت فيه. وإنما سميت سلامة القس لأن رجلاً يعرف بعبد الرحمن بن أبي عمار بن جشم بن معاوية - وكان منزله بمكة، وهو من قراء أهل المدينة، كان يلقب بالقس لعبادته - شغف بها وشهر بحبها. وكان سبب ذلك أنه سمع غناءها على غير تعمدٍ منه فبلغ منه كل مبلغ. فرآه مولاها فقال: هل لك أن تدخل فتسمع؟ فأبى. فقال له مولاها: أنا أقعدها حيث تسمع غناءها ولا تراها. فلم يزل بها حتى دخل، فأسمعه غناءها فأعجبه. فقال: هل لك أن أخرجها إليك؟ قال : لا. فلم يزل به حتى أخرجها فأقعدها بين يديه، فغنت فشغف بها وشغفت به وعرف ذلك أهل مكة. فقالت له يوماً: أنا والله أحبك. فقال: وأنا والله الذي لا إله إلا هو أحبك. فقالت: والله أشتهي أن أعانقك وأقبلك. فقال: والله وأنا أشتهي مثل ذلك. قالت: وأشتهي والله أن أضاجعك واضع بطني على بطنك وصدري على صدرك قال: وأنا والله كذلك. قالت: فما يمنعك من ذلك؟ والله إن المكان لخال. قال: يمنعني منه قوله عز وجل: \" الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعضٍ عدوٌ إلا المتقين \" ، فأنا أكره أن تحول مودتي إياك عداوةً يوم القيامة. ثم قام وانصرف وعاد إلى ما كان عليه من النسك، ولم يعد إليها بعد ذلك. وكان يشبه بعطاء بن أبي رباج. وكان له فيها أشعارٌ كثيرة، منها قوله:\rإن التي طرقتك بين ركائبٍ ... تمشي بمزهرها وأنت حرام\rلتصيد قلبك أو أجزاء مودةٍ ... إن الرفيق له عليك ذمام\rباتت تعللنا وتحسب أننا ... في ذاك أيقاظٌ ونحن نيام\rحتى إذا سطع الضياء لناظرٍ ... فإذا وذلك بيننا أحلام\rقد كنت أعذل في السفاهة أهلها ... فأعجب لما تأتي به الأيام\rفاليوم أعذرهم وأعلم أنما ... سبل الضلالة والهدى أقسام\rوقوله أيضاً فيها:\rألم ترها لا يبعد الله دارها ... إذا رجعت في صوتها كيف تصنع!\rتمد نظام القول ثم ترده ... إلى صلصلٍ من صوتها يترجع\rوقوله فيها:\rألا قل لهذا القلب هل أنت مبصر ... وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر\rألا ليت أني حيث صارت بي النوى ... جليسٌ لسلمى كلما عج مزهر\rوله من قصيدةٍ طويلةٍ أولها:\rسلامٌ هل لي منكم ناصر ... أم هل لقلبي عنكم زاجر\rقد سمع الناس بوجدي بكم ... فمنهم اللائم والعاذر\rفي أشعارٍ كثيرةٍ يطول الشرح بذكرها. ومدحها الأحوص أيضاً بشعرٍ كثير. وقال فيها أيضاً ابن قيس الرقيات.\rوروى أبو الفرج الأصفهاني قال: كانت سلامة وريا أختين، وكانتا من أجمل النساء وأحسنهن غناءً، فاجتمع الأحوص وابن قيس الرقيات عندهما. فقال لهما ابن قيس الرقيات: إني أريد أن أمدحكما بأبياتٍ فأصدق فيها ولا أكذب. فإن أنتما غنيتماني بذلك وإلا هجوتكما ولم أقربكما أبداً. قالتا: فما قلت؟ قال: قلت:\rلقد فتنت ريا وسلامة القسا ... فلم يتركا للقس عقلاً ولا نفسا\rفتاتان أما منهما فشبيهة ال ... هلال وأخرى منهما تشبه الشمسا\rتكنان أبشاراً رقاقاً وأوجهاً ... عتاقاً وأطرافاً مخضبةً ملسا\rفغنته سلامة فاستحسنه. وقال ابن قيس الرقيات للأحوص: يا أخا الأنصار، ما قلت؟ قال قلت:\rسلامٌ هل لمتيمٍ تنويل ... أم قد صرمت وغال ودك غول\rلا تصرمني عني ولاءك إنه ... حسنٌ لدي وإن بخلت جميل\rأزعمت أن مودتي وصبابتي ... كذبٌ وان زيارتي تقليل","part":2,"page":37},{"id":538,"text":"فغنت الأبيات. فقال ابن قيس الرقيات: أحسنت والله! ما أظنك إلا عاشقةً لهذا الجلف. فقال له الأحوص: وما الذي أخرجك إلى هذا؟ قال: حسن غنائها بشعرك، فلولا أن لك في قلبها محبةً مفرطةً ما جاء هكذا حسناً على هذه البديهة فقال الأحوص: على قدر حسن شعري على شعرك هكذا حسن الغناء به. وما هذا منك إلا حسدٌ، وليس ذلك إلا ما حسدت عليه. فقالت سلامة: لولا أن الدخول بينكما يوجب بغضةً لحكمت بينكما حكومةً لا يردها أحد. قال الأحوص: فأنت من ذلك آمنة. قال قس بن الرقيات: كلا! قد أمنت أن تكون الحكومة عليك، فلذلك سبقت بالأمان لها. فتفرقا على ذلك. ثم مشى ابن قيس الرقيات إلى الأحوص فاعتذر إليه فقبل عذره. ومن شعر الأحوص فيها:\rسلامٌ إنك قد ملكت فأسجحي ... قد يملك الحر الكريم فيسجح\rمني على عانٍ أطلت عناءه ... في الغل عندك والعناة تسرح\rإني لأنصحكم وأعلم أنه ... سيان عندك من يغش وينصح\rوإذا شكوت إلى سلامة حبها ... قالت أجدٌ منك ذا أم تمزح\rوحكى أبو الفرج قال: لما قدم عثمان بن حيان المري المدينة والياً عليها، قال له قومٌ من وجوه الناس: إنك قد وليت المدينة على كثرةٍ من الفساد، فإن كنت تريد أن تصلح فطهرها من الغناء والرثاء. فصاح في ذلك واجل أهله ثلاثاً يخرجون فيها من المدينة، وكان أبي عتيق غائباً، وكان من أهل الفضل والعفاف والصلاح. فلما كان آخر ليلة من الأجل قدم فقال: لا أدخل منزلي حتى أدخل على سلامة القس. فدخل عليها فقال: ما دخلت منزلي حتى جئتكم لأسلم عليكم. فقالوا: ما أغفلك عن أمرنا ! وأخبروه الخبر. فقال: اصبروا علي الليلة. فقالوا: نخاف ألا يمكنك شيء. قال: إن خفتم شيئاً فأخرجوا في السحر. ثم خرج فاستأذن على عثمان بن حيان فأذن له، فسلم عليه وذكر غيبته وأنه جاء ليقضي حقه، ثم جزاه خيراً على ما فعل من إخراج أهل الغناء والرثاء، وقال: أرجو ألا تكون حملت عملاً هو خيرٌ لك من ذلك. قال عثمان: قد فعلت ذلك وأشار علي به أصحابك. فقال: قد أصبت، ولكن ما تقول في امرأةٍ كانت هذه صناعتها وكانت تكره على ذلك، ثم تركته وأقبلت على الصلاة والصيام والخير، وأنا رسولها إليك تقول: أتوجه إليك وأعوذ بك أن تخرجني من جوار رسول اله صلى الله عليه وسلم ومسجده، قال قال: فإني أدعها لك ولكلامك. فقال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، ولكن تأتيك وتسمع من كلامها وتنظر إليها، فإن رأيت أن مثلها ينبغي أن يترك تركتها، قال نعم فجاءه بها. وقال: احملي معك سبحةً وتخشعي ففعلت. فلما دخلت على عثمان سلمت عليه وجلست وحدثته، فإذا هي من أعلم الناس بأمور الناس، فأعجب بها، وحدثته عن آبائه وأمورهم ففكه لذلك فقال ابن أبي عتيق: اقرئي للأمير. فقرأت، فقال لها: احدى ففعلت. وكثر عجبه منها. فقال: كيف لو سمعتها في صناعتها! فلم يزل ينزله شيئاً فشيئاً حتى أمرها بالغناء فغنته. فقام عثمان من مجلسه وقعد بين يديها، ثم قال: لا والله ما مثل هذه تخرج. فقال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس تقر سلامة وتخرج غيرها. قال: فدعوهم جميعاً. فتركهم جميعاً وأصبح الناس يتحدثون بذلك.\rثم اشترى يزيد بن عبد الملك سلامة، وكانت لمصعب بن سهيل الزهري، وقيل: لسهيل بن عبد الرحمن بن عوف. وكانت حبابة جارية آل لاحق، فاشتراهما جميعاً، فاشترى سلامة بعشرين ألف درهم، وتسلمها رسل يزيد فخرجوا بها وشيعها الناس. فلما نزلت سقاية سليمان بن عبد الملك قالت للرسل: إن لي قوماً كانوا يغشوني ويسلمون علي، ولا بد لي من وداعهم والسلام عليهم، فأذن للناس عليها، فأتوا حتى ملؤا رحبة القصر والفناء، ووقفت هي بينهم بارزةً ومعها العود فغنت:\rفارقوني وقد علمت يقيناً ... ما لمن ذاق ميتةً من إياب\rإن أهل الحصاب قد تركوني ... موزعاً مولعاً بأهل الحصاب\rأهل بيتٍ تتابعوا للمنايا ... ما على الدهر بعدهم من عتاب\rكم بذاك الحجون من حي صدقٍ ... من كهولٍ أعفةٍ وشباب\rسكنوا الجزع جزع بيت أبي مو ... سى إلى النخل من صفي السباب\rفلي الويل بعدهم وعليهم ... صرت فرداً وملني أصحابي","part":2,"page":38},{"id":539,"text":"قال: فلم تزل تردد هذا الصوت حتى راحت، وانتحب الناس بالبكاء عند ركوبها، فما شئت أن ترى باكياً نبيلاً إلا رأيته.\rقالوا: وكانت حبابة عند يزيد متقدمةً على سلامة، وكانت حبابة تنظر إلى سلامة بتلك العين الجميلة المتقدمة وتعرف فضلها عليها، فلما رأت أثرةً يزيد لها ومحبته إياها استخفت بها. فقالت لها سلامة: أي أخية، نسيت فضلي عليك! ويلك! أين تأديب الغناء! أين حق التعليم! أنسيت قول جميلة لك وهي تطارحنا: خذي إحكام ما أطارحك من أختك سلامة، فلا تزالين بخيرٍ ما بقيت لك وكان أمركما مؤتلفاً!. فقالت: صدقت: والله لا عدت لشيءٍ تكرهينه أبداً. وماتت حبابة وعاشت سلامة بعدها دهراً. ولما مات يزيد أحضرها ابنه الوليد وأمرها بالغناء، فتنغصت من ذلك وبكت، ثم غنته. فقال: رحم الله أبي وأطال عمري وأمتعني بحسن غنائك!. يا سلامة، بم كان أبي يقدم حبابة عليك؟ قالت: لا أدري والله. قال: لكنني أدري ذلك، بما قسم الله عز وجل لها، قالت: يا سيدي أجل، وهي إحدى من اتهم بهن الوليد من جواري أبيه.\rأخبار حبابة\rكانت حبابة جاريةً مولدةً من مولدات المدينة لرجلٍ من أهلها يعرف بابن دبابة، وقيل: بل كانت لآل لاحق المكيين، وقيل: كانت لرجلٍ يعرف بابن مينا. وكانت تسمى العالية، فسماها يزيد بن عبد الملك لما اشتراها حبابة. وكانت حلوةً جميلة الوجه ظريفةً حسنة الغناء طيبة الصوت ضاربةً بالعود. أخذت الغناء عن ابن سريج وابن محرز ومالك بن أبي السمح ومعبد وعن جميلة وعزة الميلاء.\rوكان يزيد بن عبد الملك يقول: ما تقر عيني ما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة جارية مصعب بن سليم وحبابة جارية ابن لاحق المكية. فأرسل فاشتريتا له. فلما اجتمعنا عنده قال: أنا الآن كما قال الأول:\rفألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر\rوكان يزيد بن عبد الملك في خلافة أخيه سليمان قد قدم المدينة فتزوج سعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان على عشرين ألف دينار، وربيحة بنت محمد بن علي ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على مثل ذلك، واشترى العالية بأربعة آلاف دينار. فبلغ ذلك سليمان فقال: لأحجرن عليه. فبلغ يزيد ذلك فاستقال مولى حبابة، ثم اشتراها بعد ذلك رجلٌ من أهل إفريقية. فلما ولي يزيد اشترتها سعدة امرأته وعلمت انه لابد طالبها ومشتريها. فلما حصلت عندها قالت له: هل بقي عليك شيءٌ من الدنيا لن تنله؟ قال: نعم، العالية. قالت: أو رأيتها؟ قال: نعم، قالت: أفتعرفها؟ قال: نعم، فرفعت الستر فرآها، فقالت: هذه هي؟ قال: نعم. قالت: هي لك، وخرجت عنهما. فسماها حبابة وعظم قدر سعدة عنده. ويقال: إنها أخذت عليها قبل أن تهبها له أن توطئ لابنها عنده في ولاية العهد.\rقال: وارتفع قدر حبابة عند يزيد وتمكن حبها في قلبه تمكناً عظيماً. وكان أول ذلك أنه أقبل يوماً إلى البيت الذي هي فيه فقام من وراء الستر فسمعها تترنم وتغني:\rكان لي يا يزيد حبك حينا ... كاد يقضي علي لما التقينا\rفرفع الستر فوجدها مضطجعةً مقبلةً على الجدار، فعلم أنها لم تعلم به ولم يكن ذلك لمكانه، فألقى نفسه عليها وحركت منه.\rقال: وأراد يزيد بن عبد الملك أن يشتبه بعمر بن عبد العزيز، وقال: بماذا صار عمر أرجى لربه مني!. وقيل: بل لامه مسلمة بن عبد الملك على الإلحاح على الغناء والشرب، وقال له: إنك وليت بعقب عمر بن عبد العزيز وعدله، وقد تشاغلت بهذه الإماء عن النظر في الأمور، والوفود ببابك وأصحاب الظلامات يصيحون وأنت غافل! قال: صدقت والله، وهم أن يترك الشرب، ولم يدخل على حبابة أياماً، فشق ذلك عليها فأرسلت إلى الأحوص أن يقول أبياتاً في ذلك، فقال:\rألا لا تلمه اليوم أن يتبلدا ... فقد غلب المحزون أن يتجلدا\rبكيت الصبا جهدي فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا\rوإني وإن فندت في طلب الصبا ... لأعلم أني لست في الحب أوحدا\rإذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا\rفما العيش إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفندا","part":2,"page":39},{"id":540,"text":"قال: فلما كان في يوم الجمعة تعرضت له حبابة عند خروجه إلى الصلاة، فلقيته والعود في يدها، فغنت البيت الأول، فغطى وجهه وقال: مه لا تفعلي. ثم غنت وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي فعدل إليها وقال: صدقت، قبح الله من لامني فيك! يا غلام، مر مسلمة فليصل بالناس. وأقام معها يشرب وهي تغنيه وعاد إلى حاله، وقال لها: من يقول هذا الشعر؟ قالت: الأحوص. فاستدعاه واستنشده الشعر فأنشده الأبيات. ثم أنشده قصيدته التي أولى:\rيا موقدة النار بالعلياء من إضم ... أوقد فقد هجت شوقاً غير منصرم\rوهي قصيدةٌ طويلة، فقال له يزيد: ارفع حوائجك، فكتب إليه في نحو أربعين ألف درهم من دينٍ وغيره فأمر له بها. وقد قيل في أمر هذه الأبيات: إن حبابة لما بعثت للأحوص في عمل الشعر قالت له: إن رددت أمير المؤمنين عن رأيه فلك ألف دينار، فدخل عليه الأحوص واستأذنه في الإنشاد، فقال: ليس هذا وقتك. فلم يزل به حتى أذن له فأنشده الأبيات. فلما سمعها وثب حتى دخل على حبابة وهو يتمثل:\rوما العيش إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفندا\rقالت: ما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أبياتٌ أنشدنيها الأحوص، فسلي ما شئت. قالت: ألف دينارٍ تعطيها الأحوص، فأعطاه ألف دينار.\rقال: وقال يزيد يوماً لسلامة وحبابة: أيكما غنتني ما في نفسي فلها حكمها. فغنت سلامة فلم تصب ما في نفسه، وغنت حبابة بشعر ابن قيس الرقيات:\rحلقٌ من بني كنانة حولي ... بفلسطين يسرعون الركوبا\rجزعت أن رأت مشيبي عرسيٍ ... لا تلومي ذوائبي أن تشيبا\rفأصابت ما في نفسه، فقال: احتكمي. قالت: تهب لي سلامة ومالها. قال: اطلبي غيرها، فأبت غيرها، فقال: أنت أولها بها ومالها، فلقيت سلامة من ذلك أمراً عظيماً. فقال حبابة: لا ترين إلا خيراً. فجاءها يزيد فسألها أن تبيعه إياها بحكمها. فقالت: أشهدك الآن أنها حرة، فاخطبها الآن أزوجك مولاتي.\rقال: وغنت حبابة يوماً يزيد:\rما أحسن الجيد من مليكة وال ... لبات إذ زانها ترائبها\rيا ليتني ليلةً إذا هجع الناس ونام الكلاب صاحبها\rفي ليلةٍ لا يرى بها أحدٌ ... يسعى علينا إلا كواكبها\rفطرب يزيد، وقال: هل رأيت قط أطرب مني؟ قال: نعم، ابن الطيار معاوية ابن عبد الرحمن بن جعفر. فكتب يزيد إلى عبد الرحمن بن الضحاك فحمله إليه. فلما قدم أرسلت إليه حبابة: إنما بعث إليك لكذا وكذا وأخبرته بالقصة، فإذا أدخلت عليه وتغنيت فلا تظهرن طرباً حتى أغني الصوت الذي غنيته، فقال: سوءةً على كبر السن! فدعاه يزيد وهو على طنفسة خزٍ، ووضع لمعاوية مثلها، وجاءوا بجامين فيهما مسكٌ، فوضع أحدهما بين يدي يزيد والآخر بين يدي معاوية. قال معاوية: فلم أدر كيف أصنع، فقلت: أنظر كيف يصنع فأصنع مثله، فكان يقلبه فتفوح ريحه وأفعل مثل ذلك. فلما جيء بحبابة وغنت، فلما غنت ذلك الصوت أخذ معاوية الوسادة فوضعها على رأسه وقام يدور ويقول: الدخن بالنوى يعني اللوبيا! وأمر له يزيد بصلاتٍ في دفعاتٍ مبلغها ثمانية آلاف دينار.\rوحكى أيضاً أنها غنت يوماً يزيد فطرب، ثم قال: هل رأيت أطرب مني؟ قالت: نعم، مولاي الذي باعني. فغاظه ذلك، فكتب في حمله مقيداً. فلما وصل أمر يزيد بإدخاله عليه فأدخل يرسف في قيوده، وأمر يزيد حبابة أن تغني فغنت:\rتشط بنا دار جيراننا ... وللدار بعد غدٍ أبعد\rفوثب حتى ألقى نفسه على الشمعة فاحترقت لحيته، وجعل يصيح: الحريق يا أولاد الزنا! فضحك يزيد وقال: لعمري إن هذا لأطرب الناس! وأمر بحل قيوده ووصله بألف دينارٍ ووصلته حبابة، ورده إلى المدينة.","part":2,"page":40},{"id":541,"text":"وروى أبو الفرج الأصفهاني بسنده إلى غانم الأزدي قال: نزل يزيد بن عبد الملك ببيت رأس بالشام ومعه حبابة، فقال: زعموا أنه لا يصفوا لأحدٍ يوماً عيشه إلى الليل لا يكدره شيءٌ عليه، وسأجرب ذلك، ثم قال لمن معه: إذا كان غدٌ لا تخبروني بشيءٍ ولا تأتوني بكتابٍ. وخلا هو وحبابة، فأتيا بما يأكلان، فأكلت رمانة فشرقت بحبة منها فماتت، فأقام لا يدفنها ثلاثاً حتى تغيرت وأنتنت وهو يشمها ويرشفها. فعاتبه على ذلك ذووه وأقرباؤه وصديقه وعابوا عليه ما يصنع، وقالوا: قد صارت جيفةً بين يديك، فأذن لهم في غسلها ودفنها، فأخرجت في نطع، وخرج معها لا يتكلم حتى جلس على قبرها. فلما دفنت قال: أصبحت والله كما قال كثير:\rفإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد\rوكل خليلٍ راءني فهو قائلٌ ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد\rفما بقي إلا خمس عشرة ليلةً ومات، فدفن إلى جنبها.\rوروي أيضاً عن مسلمة بن عبد الملك قال: لما ماتت حبابة جزع عليها يزيد، فجعلت أسكنه وأعزيه وهو ضاربٌ بذقنه على صدره ما يكلمني حتى دفنها. فلما بلغ إلى بابه التفت وقال: فإن تسل عنك النفس... البيت، ثم دخل بيته فمكث أربعين يوماً ثم هلك.\rقال: وروي المدائني انه اشتاق إليها بعد ثلاثة أيامٍ من دفنه إياها، فقال: لا بد أن تنبش حتى أنظر إليها، فنبشت وكشف له عن وجهها وقد تغيرت تغيراً قبيحاً، فقيل له: يا أمير المؤمنين، اتق الله تعالى! ألا تراها كيف صارت! فقال: ما رأيت قط أحسن منها اليوم، أخرجوها. فجاء مسلمة ووجوه أهله، فلم يزالوا به حتى أزالوه عن ذلك ودفنوها، وانصرف، وكمد كمداً شديداً حتى مات، فدفن إلى جانبها.\rوروي عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: خرجت مع أبي إلى الشام زمن يزيد بن عبد الملك. فلما ماتت حبابة وأخرجت، لم يستطع يزيد الركوب من الجزع ولا المشي، فحمل على منبر على رقاب الرجال. فلما دفنت قال: لم أصل عليها، انبشوا عنها. فقال له مسلمة: ننشدك الله يا أمير المؤمنين، إنما هي أمةٌ من الإماء وقد واراها الثرى. فلم يأذن للناس بعد حبابة إلا مرةً واحدةً، قال: فو الله ما استتم دخول الناس حتى قال الحاجب: اخرجوا رحمكم الله. ولم ينشب يزيد أن مات كمداً.\rأخبار خليدة المكية\rقال أبو الفرج: هي مولاةٌ لابن شماس، كانت هي وعقيلة وربيحة يعرفن بالشماسيات. وقد أخذت الغناء عن ابن سريجٍ ومالكٍ ومعبد.\rوروى أبو الفرج بسنده إلى الفضل بن الربيع أنه قال: ما رأيت ابن جامع يطرب لغناءٍ كما يطرب لغناء خليدة المكية. وكانت سوداء، وفيها يقول الشاعر:\rفتنت كاتب الأمير رباحٍ ... يا لقومي خليدة المكية\rوغنت هشام بن عروة يوماً، فلما سمعها قال: اكتبي على صدرك \" قل هو الله أحدٌ \" وبين يديك المعوذتين لا تصيبك العين.\rوقال عمر بن شبة: بلغني أن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان أرسل إلى خليدة المكية أبا عونٍ مولاه يخطبها عليه. فاستأذن فأذنت له وعليها ثيابٌ رقاقٌ لا تسترها، ثم وثبت فقالت: إنما ظننتك بعض سفهائنا ، ولكنني ألبس لك ثياب مثلك ففعلت. وقال: قد أرسلني إليك مولاي، وهو من تعلمين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن عثمان بن عفان ومن عليٍ وهو ابن عم أمير المؤمنين، يخطبك. قالت: قد نسبت فأبلغت، فاسمع نسبي أنا بأبي أنت! إن أبي بيع على غير عقد الإسلام ولا عهده، فعاش عبداً ومات في رجله قيدٌ وفي عنقه سلسلةٌ على الإباق والسرقة، وولدتني أمي على غير رشدةٍ وماتت وهي آبقة، فأنا من تعلم. فإن أراد صاحبك نكاحاً مباحاً أو زناً صراحاً فهلم إلينا فنحن له. فقال: إنه لا يدخل في الحرام. فقالت: لا ينبغي أن يستحي من الحلال، فأما نكاح السر فلا والله لا فعلته ولا كنت عاراً على القيان. قال: فأتيت محمداً فأخبرته، فقال: ويحك! أتزوجها مغنيةً وعندي بنت طلحة بن عبيد الله! لا! ولكن ارجع إليها فقل لها: تختلف إلي أردد بصري فيها لعلي أسلو، فرجعت إليها فأبلغتها الرسالة فضحكت وقالت: أما هذا فنعم، لسنا نمنعه.\rأخبار متيم الهشامية","part":2,"page":41},{"id":542,"text":"قال أبو الفرج: كانت متيم مولدةً صفراء من مولدات البصرة، وبها نشأت وتدربت وغنت. وأخذت عن إسحاق وأبيه قبله وعن طبقتهما من المغنين. وكانت من تخريج بذلٍ وتعليمها. واشتراها علي ابن هشام بعد ذلك فازدادت أخذاً ممن كان يغشاه من أكابر المغنين. وكانت من أحسن الناس وجهاً وغناءً وأدباً. وكانت تقول: الشعر ليس مما يستجاد ولكنه يستحسن من مثلها. وحظيت عند علي بن هشام حظوةً شديدةً، وتقدمت جواريه جمع عنده، وهي أم ولده كلهم.\rحكى أبو الفرج قال: كان عند علي بن هشام برذونٌ أشهب قرطاسيٌ في نهايته الحسن والفراهة وكان به معجباً، وكان إسحاق بن إبراهيم يشتهيه شهوةً شديدةً ويعرض لعليٍ مراراً في طلبه فلم يسمح به. فسار إسحاق إلى عليٍ يوماً وقد صنعت متيم:\rفلا زلن حسرة ظلعاً، لم حملنها ... إلى بلدٍ ناءٍ قليل الأصادق\rفاحتبسه عليٌ بعث إلى متيمٍ يأمرها أن تجعل صوتها في صدر غنائها ففعلت، فأطربت إسحاق إطراباً شديداً، وجعل يستعيده ويستوفيه ليزيد في طربه وهو يصغي إليه ويتفهمه حتى صح له. ثم قال لعليٍ: ما فعل البرذون الأشهب؟ قال: على ما عهدت من حسنه وفراهته. قال: اختر الآن مني خلةً من اثنتين: إما أن طبت لي نفساً به وحملتني عليه، وإما أن أبيت فأدعي والله هذا الصوت لي وقد أخذته، أفتراك تقول: إنه لمتيم وأقول: إنه لي، فيؤخذ قولك ويترك قولي ؟ فقال: لا والله ما أظن هذا ولا أراه، يا غلام، قد البرذون إلى منزل إسحاق، لا بارك الله لك فيه!.\rوحكى أن علي بن هشام مولاها كلمها بشيءٍ فأجابته جواباً لم يرضه، فدفع يده في صدرها، فغضبت ونهضت وتثاقلت عن الخروج إليه. فكتب إليها:\rفليت يدي بانت غداة مددتها ... إليك ولم ترجع بكفٍ وساعد\rفإن يرجع الرحمن ما كان بيننا ... فلست إلى يوم التنادي بعائد\rقال: وعتبت عليه مرةً فتمادى عتبها، فترضاها فلم ترض، فكتب إليها: الإدلال يدعو إلى الملال، ورب هجرٍ دعا إلى صبرٍ، وإنما سمي القلب قلباً لتقلبه، وقد صدق عندي العباس بن الأحنف حيث يقول:\rما أراني إلا سأهجر من لي ... س يراني أقوى على الهجران\rملني واثقاً بحسن وفائي ... ما أضر الوفاء بالإنسان\rقال: فخرجت إليه من وقتها ورضيت.\rوروى عن يحيى المكي قال: قال لي علي بن هشام: لما قدمت جدتي شاهك من خراسان، قالت: اعرض جواريك علي، فعرضتهن عليها. ثم جلسنا على الشراب وغنتنا متيم، فأطالت جدتي الجلوس، فلم أنبسط إلى جواري كما كنت أفعل، فقلت هذين البيتين:\rأنبقى على هذا وأنت قريبةٌ ... وقد منع الزوار بعض التكلم\rسلامٌ عليكم لا سلام مودعٍ ... ولكن سلامٌ من حبيبٍ متيم\rوكتبت بهما في رقعةٍ ورميتها إلى متيم، فأخذتها ونهضت لصلاة الظهر، ثم عادت وقد صنعت فيه لحناً فغنته. فقالت شاهك: ما أرانا إلا قد ثقلنا عليكم اليوم، وأمرت الجواري فحملوا محفتها، وأمرت للجواري بجوائز ساوت بينهن، وأمرت لمتيم بمائة ألف درهم.\rقال: ومرت متيم في نسوةٍ وهي متخفيةٌ بقصر علي بن هشام بعد أن قتله المأمون. فلما رأت بابه مغلقاً لا أنيس به وقد علاه التراب والغبرة وطرحت في أفنيته المزابل وقفت عليه وتمثلت:\rيا منزلاً لم تبل أطلاله ... حاشى لأطلالك أن تبلى\rلم أبك أطلالك لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى\rقد كان لي فيك هوىً مرةً ... غيبه الترب وما ملا\rفصرت أبكي بعده جاهداً ... عند ادكاري حيث قد حلا\rوالعيش أولى ما بكاه الفتى ... لا بد للمحزون أن يسلى\rقال: ثم بكت حتى سقطت من قامتها، وجعل النسوة يناشدنها ويقلن: الله الله في نفسك! فإنك الآن تؤخذين. فبعد لأي ما احتملت تتهادى بين امرأتين حتى تجاوزت الموضع.\rوحكي عنها قالت: بعث إلي المعتصم بعد قدومه بغداد، فلما دخلت أمر بالعود فوضع في حجري، وأمرني بالغناء فغنيت:\rهل مسعدٌ لبكائي ... بعبرةٍ أو دماء\rوذاك شيءٌ قليلٌ ... لسادتي النجباء\r- وهذا الشعر لمراد جارية علي بن هشام ترثيه - فقال: اعدلي عن هذا الصوت، فغنيت:\rذهبت عن الدنيا وقد ذهبت عني","part":2,"page":42},{"id":543,"text":"فدمعت عيناه وقال: غني غير هذا، فغنيت:\rأولئك قومي بعد عزٍ وثروةٍ ... تفانوا فإلا تذرف العين أكمد\rفبكى بكاءً شديداً، ثم قال: ويحك! لا تغني في هذا المعنى شيئاً. فغنيته:\rلا تأمن الموت في حلٍ وفي حرم ... إن المنايا يجني كل إنسان\rواسلك طريقك هوناً غير مكترثٍ ... فسوف يأتيك ما يمني لك الماني\rفقال: والله إني لا أعلم أنك أردت بما غنيت ما في قلبك لصاحبك وأنك لم تريديني، ولو أعلم أنك تريدينني لقتلك، ولكن خذوها! فأخذوا بيدي فأخرجت.وهذه متيم هي التي كان يهواها عبد الصمد بن المعذل، وأظن ذلك قبل اتصالها بعلي بن هشام، وهي إذ ذاك عند رجلٍ من وجوه البصرة.\rقال: وكانت لا تخرج إلا متنقبة. فحكى المبرد وغيره: أنها قدمت يوماً إلى ابن عبيد الله بن الحسين العنبري القاضي، فاحتاج إلى أن يشهد عليها، فأمر بها أن تسفر ففعلت. فقيل لعبد الصمد: أو رأيت متيم وقد أسفرها القاضي لرأيت شيئاً عجيباً! فقال:\rولما سرت عنها القناع متيمٌ ... تروح منها العنبري متيما\rرأى ابن عبيد الله وهو محكمٌ ... عليها لها طرفاً عليه محكما\rوكان قديماً كالح الوجه عابساً ... فلما رأى منها السفور تبسما\rفإن يصب قلب العنبري فقبله ... صبا باليتامى قلب يحيى بن أكثما\rفبلغ قوله يحيى بن أكثم، فكتب إليه: عليك لعنة الله! أي شيءٍ أردت مني حتى أتاني شرك من البصرة! فقال لرسوله: قل له: متيم أقعدتك على طريق القافية.\rأخبار ساجي\rجارية عبيد الله بن عبد الله بن طاهر\rقال أبو الفرج: كانت ساجي إحدى المحسنات المقدمات المبرزات المتقدمات، وهي تخريج مولاها عبيد الله، وكان مهما صنع من الغناء نسبه إليها، وكان قد بلغ من ذلك الغاية، ولكنه كان يترفع عن ذكره ويكره أن ينسب إليه.\rحكى أبو الفرج عن أحمد بن جعفر جحظة قال: كتب المعتضد إلى عبيد اله ابن عبد الله بقم أن يأمر جاريته ساجي بزيارته ففعل. قال جحظة: فحدثني من حضر ذلك المجلس من المغنيات قالت: دخلت علينا وما فينا إلا من ترفل في الحلي والحلل وهي في أثوابٍ ليست كأثوابنا فاحتقرناها، فلما غنت احتقرنا أنفسنا، ولم تزل تلك حالنا حتى صارت في أعيننا كالجبل وصرنا كلا شيء. ولما انصرفت أمر لها المعتضد بمالٍ وكسوةٍ. ودخلت إلى مولاها فجعل يسألها عن خبرها وما رأت مما استظرفت وسمعت واستغربت، فقالت: ما استحسنت هناك شيئاً ولا استغربته من غناءٍ ولا غيره إلا عوداً من عود محفوراً فإني استظرفته. قال جحظة: فما قولك فيمن تدخل إلى دار الخليفة ولا تمد عينها إلى شيءٍ تستظرفه وتستحسنه إلا عوداً! قالوا: وكان المعتضد إذا استحسن شيئاً بعث به إلى ساجي فتغني فيه. وكانت صنعتها في عصره تسمى غناء الدار. وماتت ساجي في حياة مولاها وكان عليلاً، فرثاها ببيتين فقال:\rيميناً يقيناً لو بليت بفقدها ... وبي نبض عرقٍ للحياة وللكنس\rلأوشكت قتل النفس قبل فراقها ... ولكنها ماتت وقد ذهبت نفسي\rأخبار دقاق\rقال أبو الفرج: كانت دقاق مغنيةً محسنةً متقنة الأداء والصنعة جميلة الوجه. أخذت الغناء عن أكابر مغني الدولة العباسية. وكانت ليحيى بن الربيع، فولدت له ابنه أحمد. ومات يحيى فتزوجت بعده بعدةٍ من القواد والكتاب فماتوا وورثتهم، ثم انقطعت إلى حمدونة بنت الرشيد ثم إلى غضيض. وكانت مشهورةً بالظرف والمجون.\rقال هبة الله بن إبراهيم بن المهدي: وكانت تواصل جماعةً كانوا يميلون إليها وترى كل واحدٍ منهم أنها تهواه. وكانت أحسن أهل عصرها وجهاً وأشأمهم على من تزوجها أو رابطها. فقال فيها إبراهيم بن المهدي:\rعدمتك يا صديقة كل خلقٍ ... أكل الناس ويحك تعشقينا\rوكيف إذا خلطت الغث منهم ... بلحم سمينهم لا تبشيما\rقال أبو هفان: خرج يحيى بن الربيع إلى بعض النواحي وترك جاريته دقاق في داره، فعملت بعده الأوابد. فقال موسى الأعمى فيه:\rقل ليحيى نعم صبرت على المو ... ت ولم تخش ريب سهم المنون\rكيف قل لي أطلقت ويحك يا يح ... يى على الضعف منك حمل القرون","part":2,"page":43},{"id":544,"text":"يشير بقوله: سهم ريب المنون إلى شؤمها.\rأخبار قلم الصالحية\rقال أبو الفرج الأصفهاني: كانت قلم الصالحية مولدةً صفراء حلوةً حسنة الغناء والضرب حاذقةً، قد أخذت عن إبراهيم وابنه إسحاق ويحيى المكي وزبير بن دحمان. وكانت لصالح بن عبد الوهاب أخي أحمد بن عبد الوهاب كاتب صالح بن الرشيد، وقيل: بل كانت لابنه. قال: وكانت لها صنعةٌ يسيرةٌ نحو عشرين صوتاً، فاشتراها الواثق بعشرة آلاف دينار.\rقال أحمد بن الحسين بن هشام: كانت قلم إحدى المغنيات المحسنات المتقدمات، فغنى بين يدي الواثق لحنٌ لها في شعر محمد بن كناسة، وهو:\rفي انقباضٌ وحشمةٌ فإذا ... صادفت أهل الوفاء والكرم\rأرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غير محتشم\rفسأل: لمن الصنعة؟ فقيل: لقلم الصالحية جارية صالح بن عبد الوهاب. فبعث إلى محمد بن عبد الملك الزيات فأحضره وسأله: من صالح بن عبد الوهاب؟ فأخبره. قال: وأين هو؟ قال: ببغداد. قال: ابعث وأشخصه وليحضر معه جاريته قلم. فكتب في إشخاصهما، فقدما على الواثق، فدخلت عليه، فأمرها بالجلوس والغناء، فغنت فاستحسن غناءها وأمر بابتياعها. فقال صالح: أبيعها بمائة ألف دينارٍ وولاية مصر. فغضب الواثق من ذلك وردها إليه. ثم غنى بعد ذلك زرزر الكبير في مجلس الواثق بشعرٍ الغناء فيه لها، فقال الواثق: لمن هذا الغناء؟ فقال: لقلم الصالحية، فبعث لابن الزيات بإشخاصها ففعل، فدخلت على الواثق فأمرها بالغناء، فغنته من صنعتها فأعجبه غناؤها، وبعث إلى صالح فأحضره وقال له: إني قد رغبت في هذه الجارية فاستم في ثمنها سوماً يجوز أن تعطاه. فقال: أما إذا وقعت الرغبة فيها من أمير المؤمنين فما يجوز أن املك شيئاً له فيه رغبة، وقد أهديتها إلى أمير المؤمنين، فإن من حقها علي إذا تناهيت في قضائه أن أصيرها ملكه، فبارك الله له فيها. فقال الواثق: قد قبلتها، وأمر ابن الزيات أن يدفع إليه خمسة آلاف دينار، وسماها اعتباطا. فلم يعطه ابن الزيات المال ومطله به، فوجه إلى قلمٍ من أعلمها بذلك، فغنت الواثق صوتاً وقد اصطبح، فقال لها: بارك الله فيك وفيمن رباك. فقالت: يا سيدي وما نفع من رباني مني إلا التعب والغرم والخروج مني صفرا! فقال: أو لم نأمر له بخمسة آلاف دينار؟ قالت: بلى! ولكن ابن الزيات لم يعطه شيئاً. فدعا بخادمٍ من خاصة الخدم ووقع إلى ابن الزيات بحمل خمسة آلاف الدينار إليه وبخمسة آلافٍ أخرى معها. قال صالح: فصرت مع الخادم إليه فقربني وقال: أما خمسة الآلاف الأولى فقد حضرت، وخمسة الآلاف الأخرى أنا أدفعها إليك بعد جمعة. قال: فقمت، ثم تناساني كأنه لم يعرفني. فكبت إليه أقتضيه، فبعث إلي: اكتب لي قبضاً بها وخذها بعد جمعة. فكرهت أن أكتب إليه قبضاً فلا يحصل لي شيء. قال: فاستترت في منزل صديقٍ لي. فلما بلغه استتاري خاف أن أشكوه إلى الواثق، فبعث إلي بالمال وأخذ كتابي بالقبض. قال: فابتعت بالمال ضيعةً وتعلقت بها وجعلتها معاشي، وقعدت عن عمل السلطان، فما تعرضت لشيءٍ بعدها.\rأخبار بصبص جارية ابن النفيس\rقال أبو الفرج: كانت جاريةً من مولدات المدينة حلوة الوجه حسنة الغناء، قد أخذت عن الطبقة الأولى من المغنين. وكان يحيى بن نفيسٍ مولاها صاحب قيان، يغشاه الأشراف ويسمعون غناء جواريه. ثم اشتريت للمهدي، وهو ولي عهد، بسبعة عشر ألف دينار. وقيل: إنها ولدت له علية بنت المهدي وقيل: أم علية غيرها. قال: وكان عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يأتيها فيسمع منها، وكان يأتيها فتيان قريشٍ فيسمعون منها. فقال عبد الله بن مصعب حين قدم المنصور منصرفاً إلى الحج ومر بالمدينة يذكر بصبص:\rأراحلٌ أنت أبا جعفرٍ ... من قبل أن تسمع من بصبصا\rهيهات أن تسمع منها إذا ... جاوزت العيس بك الأعوصا\rفخذ عليها مجلسي لذةٍ ... ومجلساً من قبل أن تشخصا\rأحلف بالله يميناً ومن ... يحلف بالله فقد أخلصا\rلو أنها تدعو إلى بيعةٍ ... بايعتها ثم شققت العصا","part":2,"page":44},{"id":545,"text":"فبلغ الشعر أبا جعفرٍ المنصور، فغضب ودعاه، فقال: أما إنكم يا آل الزبير قديماً ما قادتكم النساء وشققتم معهن العصا، حتى صرت أنت آخر الحمقى تبايع المغنيات! فدونكم يا آل الزبير هذا المرتع الوخيم.\rوقال هارون بن محمد بن عبد الملك وهو ابن ذي الزوائد فيها:\rبصبص أنت الشمس مزدانةً ... فإن تبدلت فأنت الهلال\rسبحانك اللهم ما هكذا ... فيما مضى كان يكون الجمال\rإذا دعت بالعود في مشهدٍ ... وعاونت يمنى يدها الشمال\rغنت غناءً يستفز الفتى ... حذقاً وزان الحذق منها الدلال\rقال: وهوى محمد بن عيس الجعفري بصبص فهام بها وطال ذلك عليه، فقال لصديقٍ له: قد شغلتني هذه عن صنعتي وكل أمري، وقد وجدت مس السلو عنها، فاذهب بنا إليها حتى أكاشفها ذلك وأستريح. فأتياها، فلما غنتهما قال لها محمد بن عيسى: أتغنين:\rوكنت أحبكم فسلوت عنكم ... عليكم في دياركم السلام\rفقالت: لا، ولكني أغني:\rتحمل أهلها عنها فبانوا ... على آثار من ذهب العفاء\rقال: فاستحيا وازداد بها كلفاً ولها عشقاً، فأطرق ساعةً ثم قال لها: أتغنين:\rوأخضع بالعتبى إذا كنت مذنباً ... وإن أذنبت كنت الذي أتنصل\rقال: نعم، وأغني أحسن منه:\rفإن تقبلوا بالود نقبل بمثله ... وننزلكم منا بأقرب منزل\rفتقاطعا في بيتين وتواصلا في بيتين، وما شعر بهما أحد.\rقال: وحضر أبو السائب المخزومي مجلساً فيه بصبص، فغنت:\rقلبي حبيسٌ عليك موقوف ... والعين عبرى والدمع مذروف\rوالنفس في حسرةٍ بغصتها ... قد شف أرجائها التساويف\rإن كنت بالحسن قد وصفت لنا ... فإنني بالهوى لموصوف\rيا حسرتا حسرةً أموت بها ... إن لم يكن لي إليك معروف\rقال: فطرب أبو السائل ونعر وقال: لا عرف الله من لا يعرف لك معروفك، ثم أخذ قناعها ووضعه على رأسه وجعل يبكي ويلطم ويقول لها: بأبي أنت! والله إني لأرجو أن تكوني عند الله أفضل من الشهداء لما توليناه من السرور، وجعل يصيح: واغوثاه! يا لله ما يلقى العاشقون!.\rوقال عثمان بن محمد الليثي: كنت يوماً في منزل ابن النفيس، فخرجت إلينا جاريته بصبص، وكان في القوم فتًى يحبها، فسألته حاجةً فقام ليأتيها بها، فنسي أن يلبس نعله ومضى حافياً. فقالت له: يا فلان، نسيت نعلك، فرجع فلبسها وقال: أنا والله كما قال الأول:\rوحبك ينسيني عن الشيء في يدي ... ويشغلني عن كل شيءٍ أحاوله\rفأجابته فقالت:\rوبي مثل ما تشكوه مني وإنني ... لأشفق من حبٍ لذاك تزايله\rأخبار جواري ابن رامين\rوهن سلامة الزرقاء، وربيحة، وسعدة قال أبو الفرج: وابن رامين هو عبد الملك بن رامين مولى عبد الملك بن بشر ابن مروان. وكان له جوارٍ مغنياتٌ مجيدات، وهن سلامة الزرقاء، وربيحة، وسعدة. وفيهن يقول إسماعيل بن عمار قصيدته التي أولها:\rهل من شفاءٍ لقلبٍ لج محزون ... صبا وصب إلى رئم ابن رامين\rإلى ربيحةٍ إن الله فضلها ... بحسنها وسماعٍ ذي أفانين\rنعم شفاؤك منها أن تقول لها ... قتلتني يوم دير اللج فأحييني\rأنت الطبيب لداءٍ قد تلبس بي ... من الجوى فانفثني في في وارقيني\rنفسي تأبى لكم إلا طواعيةً ... وأنت تحمين أنفاً أن تطيعيني\rلم أنس سعدة والزرقاء يومهما ... باللج شرقيه فوق الدكاكين\rيغنيان ابن رامينٍ ضحاءهما ... بالمسجحي وتشبيب المحبين\rفما دعوت به في عيش مملكةٍ ... ولم نعش يومنا عيش المساكين\rوهي أبياتٌ طويلة، وله فيهن غيرها.","part":2,"page":45},{"id":546,"text":"قال: واشترى جعفر بن سليمان بن علي سلامة الزرقاء بثمانين ألف درهم، وقيل: إنه اشترى ربيحة بمائة ألف درهم، والأول الأصح. وقيل: إن الذي اشترى ربيحة محمد بن سليمان، واشترى صالح بن علي سعدة بتسعين ألف درهم. وقيل: اشترى معهن بن زائدة إحداهن. قال: وكانت سلامة الزرقاء عاقلةً شكلة. قال: ولما اشتراها جعفر ومضت لها مدةٌ عنده، سألها يوماً: هل ظفر أحدٌ منك قط ممن كان يهواك بخلوةٍ أو قبلة؟ فخشيت أن يبلغه شيءٌ كانت قد فعلته بحضرة جماعةٍ أو يكون قد بلغه شيء، فقالت: لا والله إلا يزيد بن عون العبادي الصيرفي، فإنه قبلني قبلةً وقذف في في لؤلؤةً بعتها بثلاثين ألف درهم. فلم يزل جعفر بن سليمان يحتال له حتى وقع به فضربه بالسياط حتى مات.\rوقد روى أبو الفرج الأصفهاني في خبر يزيد بن عون هذا بسندٍ رفعه إلى عبد الحمن بن مقرون أنه اجتمع هو وروح بن حاتم عند ابن رامين، وان الزرقاء خرجت عليهم في إزارٍ ورداءٍ قهويين موردين، كأن الشمس طالعةٌ بين رأسها وكعبها. قال: فغنتنا ساعة، ثم جاء الخادم الذي كان يأذن لها - وكان الإذن عليها دون مولاها - فقام على الباب وهي تغني، حتى إذا قطعت الغناء نظرت إليه فقالت: مه! قال: يزيد بن عون العبادي الصيرفي الملقب بالماجن على الباب. قالت: ائذن له. فلما استقبلها طفر ثم أقعى بين يديها، فوجدت والله له، ورأيت أثر ذلك، وتنوقت تنوقاً خلاف ما كان تفعل بنا. فأدخل يده في ثوبه فأخرج لؤلؤتين فقال: انظري يا زرقاء، جعلت فداك! ثم حلف أنه نقد فيهما بالأمس أربعين ألف درهم. قال: فما أصنع بك؟ قال: أردت أن تعلمي. فغنت صوتاً ثم قالت: يا ماجن هبهما لي! قال: إن شئت والله فعلت. قال: قد شئت. قال: فاليمين التي حلفت بها لازمةٌ لي إن أخذتهما إلا بشفتيك من شفتي. فقال ابن رامين للغلام: ضع لي ماءً ثم خرج عنا، فقالت: هاتهما. فمشى على ركبتيه وكفيه وهما بين شفتيه وقال: هاك، فلما ذهبت تتناولهما جعل يصد عنها يميناً وشمالاً ليستكثر منها، فغمزت جاريةً على رأسها، فخرجت كأنها تريد حاجةً ثم عطفت عليه، فلما دنا وذهب ليروغ دفعت منكبيه وأمسكتهما حتى أخذت الزرقاء اللؤلؤتين بشفتيها من فمه ورشح جبينها عرقاً حياءً منا. ثم تجلدت علينا فأقبلت عليه وقالت: المغبون في استه عود. فقال: فأما أنا فلا أبالي، والله لا يزال طيب هذه الرائحة في أنفي وفمي ما حييت.\rقال: واجتمع عند ابن رامين معن بن زائدة وروح بن حاتم وابن المقفع. فلما تغنت الزرقاء وسعدة بعث معن فجيء ببدرةٍ فصبها بين يديها، وبعث ورح فجيء ببدرةٍ فصبها بين يديها، ولم تكن عند ابن المقفع دراهم، فبعث فجاء بصك ضيعةٍ، وقال: هذه عهدةٌ ضيعتي خذيها ، فأما الدراهم فما عندي منها شيء. وشربت زرقاء دواءً فأهدى لها ابن المقفع ألف دراجة.\rوعن إسحاق بن إبراهيم قال: كان روح بن حاتم بن المهلب كثير الغشيان لمنزل ابن رامين، وكان يختلف إلى الزرقاء، وكان محمد بن جميل يهواها وتهواه، فقال لها: إن روح بن حاتم قد ثقل علينا. قال: فما أصنع وقد غمر مولاي ببره! قال: احتالي له. فبات عندهم روح ليلةً، فأخذت سراويله وهو نائمٌ فغسلته. فلما أصبح سأل عنه، فقالت: غسلناه. فظن أنه أحدث فيه فاحتيج إلى غسله فاستحيا من ذلك فانقطع عنهم، وخلا وجهها لابن جميل.\rأخبار عنان جارية الناطفي\rقال أبو الفرج الأصفهاني: كانت عنان مولدةً من مولدات اليمامة، وبها نشأت وتأدبت، واشتراها الناطفي ورباها. وكان صفراء جميلة الوجه شكلةً مليحة الأدب والشعر سريعة البديهة، وكان فحول الشعراء يساجلونها ويعارضونها فتنتصف منهم. ولها مع أبي نواسٍ الحسن بن هانئ وغيره من الفضلاء والشعراء ماباةٌ ومراجعات، نذكر منها طرفا.\rقال أبو الحبش: قال لي الناطفي: لو جئت إلى عنان فطارحتها! فعزمت على الغدو إليها، وبت ليلتي أحوك بيتين، ثم غدوت عليها فأنشدتها:\rأحب الملاح البيض قلبي وربما ... أحب الملاح الصفر من ولدا الحبش\rبكيت على صفراء منهن مرةً ... بكاءً أصاب العين مني بالعمش\rفقالت عنان:\rبكيت عليها إن قلبي يحبها ... وإن فؤادي كالجناحين ذو رعش\rتعنيتنا بالشعر لما أتيتنا ... فدونك خذه محكماً يا أبا حبش","part":2,"page":46},{"id":547,"text":"وقال مروان بن أبي حفصة: لقيني الناطفي فدعاني إلى عنان، فانطلقت معه. فدخل إليها قلبي فقال: جئتك بأشعر الناس مروان بن أبي حفصة، فوجدها عليلةً فقالت: إني عن مروان لفي شغل. فأهوى إليها بسوطٍ فضربها، وقال لي: ادخل، فدخلت وهي تبكي، فرأيت الدموع تتحدر من عينيها، فقلت:\rبكت عنان فجرى دمعها ... كالدر إذ يسبق من خيطه\rفقالت مسرعةً:\rفليت من يضربها ظالماً ... تيبس يمناه على سوطه\rقال مروان: فقلت: أعتق ما أملكك إن كان في الجن والإنس أشعر منها.\rوقال أحمد بن معاوية قال لي رجلٌ: تصفحت كتباً فوجدت فيها بيتاً جهدت جهدي أن أجد من يجيزه فلم أجد. فقال لي صديقٌ لي: عليك بعنان جارية الناطفي، فأتيتها فأنشدتها البيت وهو:\rوما زال يشكو الحب حتى رأيته ... تنفس من أحشائه وتكلما\rفلم تلبث أن قالت:\rويبكي فأبكي رحمةً لبكائه، ... إذا ما بكى دمعاً بكيت له دما\rوقال موسى بن عبد الله التميمي: دخل أبو النواس على الناطفي وعنان جالسةٌ تبكي، وقد كان الناطفي ضربها، فأومأ إلى أبي نواس أن حركها بشيء، فقال أبو نواس:\rعنان لو وجدت لي فإني من ... عمري في آمن الرسول بما\rفقالت:\rفإن تمادى ولا تماديت في ... قطعك حبلي أكن كمن ختما\rفقال أبو نواس:\rعلقت من لو أتى على أنفس ال ... ماضين والغابرين ما ندما\rفقالت:\rلو نظرت عينها إلى حجرٍ ... ولد فيه فتورها سقما\rوقال أبو جعفر النخعي: كان العباس بن الأحنف يهوى عنان جارية الناطفي. فجاءني يوماً فقال لي: امض بنا إلى عنان. فصرنا إليها، فرأيتها كالمهاجرة له، فجلسنا قليلاً، ثم ابتدأ العباس فقال:\rقال عباسٌ وقد أج ... هد من وجدٍ شديد\rليس لي صبرٌ على الهج ... ر ولا لذع الصدود\rلا ولا يصبر للهج ... ر فؤادٌ من حديد\rفقالت عنان:\rمن تراه كان أغنى ... منك عن هذا الصدود\rبعد وصلٍ لك مني ... فيه إرغام الحسود!\rفاتخذ للهجر إن شئ ... ت فؤاداً من حديد\rما رأيناك على ما ... كنت تجني بجليد\rفقال عباس:\rلو تجودين لصبٍ ... راح ذا وجدٍ شديد\rوأخي جهلٍ بما قد ... كان يجني بالصدود\rليس من أحدث هجراً ... لصديقٍ بسديد\rليس منه الموت إن لم ... تصليه ببعيد\rقال: فقلت للعباس: ويحك! ما هذا الأمر؟ قال: أنا جنيت على نفسي بتتايهي عليها. فلم أبرح حتى ترضيتها له.\rوقال الأصمعي: بعثت إلي أم جعفر أن أمير المؤمنين قد لهج بذكر هذه الجارية عنان، فإن صرفته عنها فلك حكمك. قال: فكنت أربع لأن أجد للقول فيها موضعاً فلا أجده ولا أقدم عليه هيبةً له، إذ دخلت يوماً فرأيت في وجهه أثر الغضب فانخزلت. فقال: مالك يا أصمعي؟ قلت: رأيت في وجه أمير المؤمنين أثر الغضب، فلعن الله من أغضبه! فقال: هذا الناطفي، والله لو لا أني لم أجر في حكمٍ قط متعمداً لجعلت على كل جبلٍ منه قطعة! ومالي في جاريته من رأب غير الشعر. قال الأصمعي: فذكرت رسالة أم جعفر فقلت: أجل، والله ما فيها غير الشعر، أفيسر أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق! فضحك حتى استلقى. واتصل قولي بأم جعفر فأزجلت لي الجائزة.","part":2,"page":47},{"id":548,"text":"وقال يعقوب بن إبراهيم: طلب الرشيد من الناطفي جاريته، فأبى أن يبيعها بأقل من مائة ألف دينار. فقال الرشيد: أعطيك مائة ألف دينارٍ على أن تأخذ الدينار بسبعة دراهم، فامتنع عليه، فأمر أن تحمل إليه. فذكروا أنها دخلت مجلسه في هيئتها، فقال الرشيد ويلك! إن هذا قد اعتاص علي في أمرك. فقالت: ما منعك أن توفيه وترضيه؟ فقال: ليس يقنع بما أعطيه، وأمرها بالانصراف. فتصدق الناطفي حين رجعت إليه بثلاثين ألف درهم. فلم تزل في قلب الرشيد حتى مات مولاها. فلما مات بعث الرشيد مسروراً الخادم، فأخرجها إلى باب الكرخ وأقامها على سريرٍ وعليها رداءٌ سندي قد جللها، فنودي عليها فيمن يزيد بعد أن شاور الفقهاء فيها، فقالوا: هذه كبدٌ رطبة وعلى الرجل دين، فأشاروا بيعها. وكانت تقول وهي على المصطبة: أهان الله من أهانني وأرذل من أرذلني! فوكزها مسرورٌ بيده. وبلغ بها مسرورٌ مائتي ألف درهم، فجاء رجلٌ فقال: علي زيادة خمسةٍ وعشرين ألف درهم، فوكزه مسرور وقال: أتزيد على أمير المؤمنين! فبلغ بها مائتين وخمسين ألف درهم وأخذ مالها. قال: ولم يكن فيها عيبٌ يعاب، فطلبوا لها عيباً لا تصيبها العين، فأوقعوا بخنصر رجلها في ظفره شيئاً. قال: وأولدها الرجل الذي اشتراها ولدين، ثم خرج بها إلى خراسان فمات هناك وماتت بعده.\rأخبار شارية جارية إبراهيم بن المهدي\rقال أبو الفرج: كانت شارية مولدةً من مولدات البصرة. يقال: إن أباها كان من بني سامة بن لؤي المعروفين ببني ناجية، وإنه جحدها. وكانت أمها أمة، فدخلت في الرق. وقيل: وإن أمها كانت تدعي أنها بنت محمد بن زيد من بني سامة ابن لؤي، وقيل: إنها أنها كانت تدعي أنها من بني زهرة، وقيل: بل سرقت فبيعت، فاشترتها امرأةٌ من بني هشامٍ فأدبتها وعلمتها الغناء، ثم اشتراها إبراهيم بن المهدي، فأخذت عنه غنائه كله أو أكثره. وبذلك يحتج من يقدمها على عريبٍ ويقول: إن إبراهيم خرجها، وكان يأخذها بصحة الأداء لنفسه وبمعرفة ما يأخذها به، ولم تلق عريب ذلك، لأن المراكبي لم يكن يقارب إبراهيم في العلم ولا يقاس به في بعضه فضلاً عن سائره.\rقال: ولما عرضتها مولاتها الهاشمية للبيع ببغداد عرضت على إسحاق بن إبراهيم الموصلي فأعطى فيها ثلاثمائة دينار، ثم استغلاها بذلك ولم يردها. فجئ بها إلى إبراهيم بن المهدي فساوم بها، فقالت له مولاتها: إن إسحاق بن إبراهيم أعطى بها ثلاثمائة دينارٍ وأنت أحق بها. فقال: زنوا لها ما قالت فوزن لها. ثم دعا بقيمته فقال: خذي هذه الجارية ولا تزينيها سنةً، وقولي للجواري يطرحن عليها. فلما كان بعد سنةٍ أخرجت إليه، فنظر إليها وسمع منها، فأرسل إلى إسحاق بن إبراهيم، فلما أتاه أراه إياها وأسمعه غناءها، وقال: هذه جاريةٌ تباع، فبكم تأخذها لنفسك؟ قال إسحاق: آخذها بثلاثة آلف دينارٍ وهي رخيصةٌ بها. فقال له إبراهيم: أتعرفها؟ قال: لا. قال: هذه الجارية التي عرضتها الهاشمية بثلاثمائة دينارٍ فلم تقبلها. فعجب إسحاق من حالها وما صارت إليه.\rوقد حكي عن هبة الله بن إبراهيم بن المهدي أنها عرضت ببغداد على إبراهيم فأعجب بها إعجاباً كبيراً، فلم يزل يعطى بها حتى بلغت ثمانية آلاف درهم. قال: ولم يكن عند أبي درهم ولا دانق، فقال لي : ويحك! قد والله أعجبتني هذه الجارية إعجاباً شديداً، وليس عندي شيءٌ. فقلت له: بع ما تملكه حتى الخزف وتجمع ثمنها. فقال لي: قد تذكرت في شيءٍ، اذهب إلى علي ابن هشام فأقرئه مني السلام، وقل له: قد عرضت علي جاريةٌ وقد أخذت بمجامع قلبي، وليس عندي شيء، فأحب أن تقرضني عشرة آلاف درهم. فقلت: إن ثمنها ثمانية آلاف درهم، فلم نكثر على الرجل بعشرة آلاف درهم! فقال: إذا اشتريتها بثمانية آلاف درهم فليس لنا بدٌ من أن نكسوها ونقيم لها ما تحتاج إليه. قال: فصرت إلى علي بن هشام وأبلغته الرسالة، فدعا بوكيلٍ له وقال: ادفع إلى خادمه عشرين ألف درهم، وقل له: أنا لا أصلك، ولكن هي لك حلالٌ في الدنيا والآخرة. قال: فصرت إلى أبي بالدراهم، فلو طلعت عليه بالخلافة لم تكن تعدل عنده تلك الدراهم. قال: وكانت أمها خبيثة، وكانت كلما لم يعط إبراهيم ابنتها ما تشتهي ذهبت إلى عبد الوهاب بن علي، ودفعت إليه رقعةً يوصلها إلى المعتصم تسأله أن تأخذ ابنتها من إبراهيم.","part":2,"page":48},{"id":549,"text":"وحكي عن يوسف بن إبراهيم المصري صاحب إبراهيم بن المهدي أن إبراهيم وجه به إلى عبد الوهاب بن علي في حاجةٍ كانت له. قال: فلقيته وانصرفت من عنده، فلم أخرج من دهليز عبد الوهاب حتى استقبلتني امرأةٌ، فلما نظرت في وجهي سترت وجهها، فأخبرني شاكريٌ أن المرأة أم شارية جارية إبراهيم. فبادرت إلى إبراهيم وقلت له: إني رأيت أم شارية في دار عبد الوهاب، وهي من تعلم، وما يفجؤك إلا حيلةٌ قد أوقعتها. فقال لي: اشهد أن جاريتي شارية صدقةٌ على ميمونة بنت إبراهيم بن المهدي، ثم أشهد ابنه هبة الله على مثل ما أشهدني، وأمرني بالركوب إلى ابن أبي دواد وإحضار من قدر عليه من الشهود المعدلين عنده، فأحضر أكثر من عشرين شاهداً. وأمر بإخراج شارية فأخرجت. فقال لها : استري وجهك، فجزعت عن ذلك، فأعلمها أنما أمرها بذلك لخيرٍ يريده لها ففعلت. فقال لها: تسمي، فقالت: أنا أمتك. فقال لهم: تأملوا وجهها ففعلوا. ثم قال: فإني أشهدكم أنها حرةٌ لوجه الله تعالى، وأني قد تزوجتها وأصدقتها عشرة آلاف درهم، يا شارية أرضيت؟ قالت: نعم يا سيدي، قد رضيت، والحمد لله تعالى على ما أنعم به علي. فأمرها بالدخول، وأطعم الشهود وطيبهم وانصرفوا. قال: فما أحسبهم تجاوزوا دار ابن أبي دواد حتى دخل علينا عبد الوهاب بن علي ، فأقرأ عمه سلام المعتصم، ثم قال له: يقول لك أمير المؤمنين: من المفترض علي طاعتك وصيانتك من كل ما يسوءك، إذ كنت عمي وصنو أبي. وقد رفعت امرأةٌ إلى قصةً ذكرت فيها أن شارية ابنتها، وأنها امرأةٌ من قريش من بني زهرة، واحتجت بأنه لا تكون بنت امرأة من قريش أمة. فإن كانت هذه المرأة صادقةً في أن شارية بنتها، وأنها من بني زهرة، فمن المحال أن تكون شارية أمة. والأشبه بك والأصلح إخراج شارية من دارك وتصيرها عند من تثق به من أهلك، حتى يكشف عما قالته هذه المرأة. فإن ثبت ذلك أمرت من جعلتها عنده بإطلاقها، وكان في ذلك الحظ لك في دينك ومروءتك. وإن لم يصح ذلك أعيدت الجارية إليك وقد زال عنك القول الذي لا يليق بك ولا يحسن. فقال إبراهيم: فديتك، هب شارية بنت زهرة بنت كلاب، أينكر علي ابن العباس بن عبد المطلب أن يكون بعلاً لها؟! فقال عبد الوهاب: لا. فقال: أبلغ أمير المؤمنين - أبقاه الله - السلام، وأخبره أن شارية حرة، وأني قد تزوجتها بشهادة جماعةٍ من العدول. وقد كان الشهود واعلموا ابن أبي دواد بالقصة، فركب إلى المعتصم وحدثه بالحديث معجباً له منه، فقال: ضل سعي عبد الوهاب. ثم دخل عبد الوهاب على المعتصم. فلما رآه يمشي في صحن الدار سد المعتصم أنفه وقال: يا عبد الوهاب، أنا أشم رائحة صوفٍ محرق، وأحسب عمي لم يقنعه ردك على أذنك صوفةٌ حتى أحرقها، فشممت رائحتها منك. فقال: الأمر على ما ظن أمير المؤمنين وأسمج. قال: ثم ابتاع إبراهيم من بنته ميمونة شارية بعشرة آلاف درهم وستر ذلك عنها، فكان عتقه إياها وهي في ملك غيره، ثم ابتاعها من ميمونة فحلت له، فكان يطؤها بملك اليمين وهي تتوهم أنها زوجته. فلما توفي طلبت شارية مشاركة أم محمد بنت خالد زوجة إبراهيم في الثمن، فأظهرت خبرها، فأمر المعتصم بابتياعها من ميمونة بخمسة آلافٍ وخمسمائة دينارٍ فحولت إلى داره، وكانت في ملكه حتى توفي. وقال ابن المعتر: وقد قيل: إن المعتصم ابتاعها بثلاثمائة دينار، وملكها إبراهيم ولها سبع سنين ورباها تربية الولد.\rقال: وحدثت شارية أنها كانت مع إبراهيم في حراقةٍ قد توسط بها دجلة في ليلةٍ مقمرة، فاندفعت فغنت:\rلقد حثوا الجمال ليه ... ربوا منا فلم يئلوا\rفوثب إليها فأمسك فاها فقال: أنت والله أحسن من الغريض وجهاً وغناءً، فما يؤمنني عليك! أمسكي.\rويقال: إنها لم تضرب بالعود إلا في أيام المتوكل لما اتصل الشر بينها وبين عريب، فصارت تقعد بها عند الضرب، فضربت بعد ذلك.","part":2,"page":49},{"id":550,"text":"قال ابن المعتر: وحدث محمد بن سهل بن عبد الكريم المعروف بسهلٍ الأحول، وكان قاضي الكتاب في زمانه، كان يكتب لإبراهيم وكان ثقةً، قال: أعطى المعتصم إبراهيم بشارية سبعين ألف دينار، فامتنع من بيعها. قال: فعاتبته على ذلك، فلم يجبني بشيء. ثم دعاني بعد أيامٍ وبين يديه مائدةٌ لطيفة، فأحضر الغلام سفوداً فيه ثلاث فراريج، فرمى إلي بواحدةٍ فأكلتها وأكل اثنتين، ثم شرب رطلاً وسقاني، ثم أتى بسفودٍ آخر ففعل كما فعل وشرب كما شرب وسقاني، ثم ضرب سترٌ إلى جانبه فسمعت حركة العيدان، ثم قال: يا شارية تغني، فسمعت شيئاً ذهب بعقلي. فقال: يا سهل، هي التي عاتبتني في أن أبيعها بسبعين ألف دينار، لا والله ولا هذه الساعة الواحدة بسبعين ألف دينار! وحكي عن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: أمرني المعتز بالله ذات يومٍ بالمقام عنده فأقمت، ومدت الستارة وخرج من كان يغني وراءها وفيهن شارية، ولم أكن سمعتها قبل ذلك فاستحسنت ما سمعت منها، وقال لي المعتز: يا عبيد الله، كيف ما تسمع منها عندك؟ فقلت: حظ العجب من هذا الغناء أكثر من حظ الطرب، فاستحسن ذلك، وأخبرها به فاستحسنته. قالوا: وكانت شارية أحسن الناس غناءً منذ توفي المعتصم إلى آخر خلافة الواثق. وقيل: إن إبراهيم بن المهدي لم يطأ شارية، وإن الذي افتضها المعتصم. وكان إبراهيم يسمي شارية بنتي.\rوقال يعقوب بن بيان: كانت شارية لصالح بن وصيف. فلما بلغه رحيل موسى بن بغا من الجبل يريده بسبب قتل المعتز، أودع شارية جوهره، فظهر لها جوهر كثير بعد ذلك. فلم أوقع موسى بصالح استترت شارية عند هارون بن شعيب العكبري، وكان أنظف خلق الله طعاماً وأسراهم مائدةً، وأوسخهم كل شيءٍ بعد ذلك، وكان له بسر من رأى منزله وفيه بستانٌ كبيرٌ، وكانت شارية تسميه أبي، وتزوره في منزله فتحمل معها كل شيءٍ تحتاج إليه حتى الحصير تقعد عليه. وكانت من أكرم الناس. عاشرها أبو الحسن علي بن الحسين عند هارون هذا، ثم أضاق في وقتٍ فاقترض منها على غير رهنٍ عشرة آلف دينارٍ فأقرضته، ومكثت أكثر من سنةٍ ما أذكرته بها ولا طالبته بردها.\rقال يعقوب بن بيان: وكان الناس بسر من رأى محتازبين، فقومٌ مع شارية، وقومٌ مع عريب، لا يدخل أصحاب هذه في هؤلاء، ولا أصحاب هذه في هؤلاء. وكان أبو الصقر إسماعيل بن بلبل عريبياً، فدعا على بن الحسين يوم الجمعة أبا الصقر وعنده عريب وجواريها. فاتصل الخبر بشارية فبعثت بجواريها إلى علي ابن الحسين بعد يومٍ أو يومين، وأمرت إحداهن - قال: وما أدري من هي: مهرجان أو مطرب أو قمرية، إلا أنها إحدى الثلاث - أن تغنيه:\rلا تعودن بعدها ... فترى كيف أصنع\rفلما سمع الغناء ضحك وقال: لست أعود.\rقال: وكان المعتمد قد وثق بشارية فلم يكن يأكل إلا طعامها، فمكثت دهراً تعد له كل يومٍ جونتين، فكان طعامه منهما في أيام المتوكل.\rوقال أبو الفرج: حدثني جحظة قال: كنت عند المعتمد يوماً فغنت شارية بشعر مولاها إبراهيم بن المهدي ولحنه:\rيا طول علة قلبي المعتاد ... إلف الكرام وصحبة الأمجاد\rما زلت آلف كل قرمٍ ماجدٍ ... متقدم الآباء والأجداد\rفقال لها: أحسنت والله! فقالت: هذا غنائي وأنا عارية، فكيف لو كنت كاسيةً! فأمر لها بألف ثوبٍ من جميع أصناف الثياب الخاصة، فحمل ذلك إليها. فقال لي علي بن الحسين بن يحيى المنجم: اجعل انصرافك معي، ففعلت. فقال لي: هل بلغك أن خليفةً أمر لمغنيةٍ بمثل ما أمر به أمير المؤمنين اليوم لشارية؟ قلت: لا. فأمر بإخراج سير الخلفاء، فأقبل بها الغلمان في دفاترٍ عظام، فتصفحناها كلها فما وجدنا أحداً قبله فعل مثل ذلك. انقضت أخبار شارية.\rأخبار بذل\rقال أبو الفرج: كانت بذل صفراء مولدةً من مولدات المدينة وربيت بالبصرة، وهي إحدى المحسنات المتقدمات الموصوفات بكثرة الرواية. يقال: إنها كانت تغني ثلاثين ألف صوت. قال: ولها كتابٌ في الغاني منسوب الأصوات غير مجنس يشتمل على اثني عشر ألف صوت، يقال: إنها عملته لعلي بن هشام. قال: وكانت حلوة الوجه ظريفةً ضاربةً متقدمة. وابتاعها جعفر بن موسى الهادي، فأخذها منه محمد الأمين وأعطاه مالاً جزيلاً. وأخذت بذل عن أبي سعيد مولى فائد ودحمان وفليح وابن جامع وإبراهيم وطبقتهم.","part":2,"page":50},{"id":551,"text":"وقال جحظة عن أبي حشيشة: وكانت احسن الناس غناءً في دهرها، وكانت أستاذة كل محسنٍ ومحسنةٍ، وكانت أروى خلق الله للغناء. وكانت لجعفر بن موسى الهادي، فوصفت لمحمد الأمين، فبعث إلى جعفر فسأله أن يزيره إياها فأبى، فأتاه الأمين إلى منزله فسمع ما لم يسمع مثله قط، فقال لجعفر: يا أخي، بعني هذه الجارية. فقال له: يا سيدي، مثلي لا يبيع جارية. قال: هبها لي. قال: هي مدبرة. فاحتال الأمين عليه حتى أسكره وأمر بحمل بذلٍ إلى الحراقة وانصرف بها. فلما أفاق جعفر سأل عنها، فأخبر بالخبر، فسكت. فبعث إليه محمد من الغد، فجاء وبذل جالسةٌ فلم يقل شيئاً. فلما أراد جعفر أن ينصرف قال الأمين: أوقروا حراقة ابن عمي دراهم فأوقرت، فكان مبلغ ذلك عشرين ألف ألف درهم. وبقيت بذل عند الأمين إلى أن قتل، ثم خرجت فكان ولد جعفر وولد الأمين يدعون ولاءها، فلما مات ورثها ولد الأمين.\rوقال محمد بن حسن الكاتب: إن الأمين وهبها من الجوهر ما لم يملك أحدٌ مثله، فسلم لها بعد مقتل الأمين، فكانت تبيع منه الشيء بعد الشيء بالمال العظيم، فكانت على ذلك مع ما يصل إليها من الخلفاء إلى أن ماتت وعندها منه بقيةٌ عظيمة. قال: ورغب إليها وجوه القواد والكتاب والهاشميين في التزويج فأبته، وأقامت على حالها حتى ماتت.\rوحكى أبو حشيشة قال: كنت يوماً عند بذل وأنا غلام، وذلك في أيام المأمون وهو ببغداد، وهي في طارمة لها تتمشط، فخرجت إلى الباب فرأيت الموكب فظننت أن الخليفة يمر على ذلك الموضع، فرجعت إليها فقلت: يا سيدتي، الخليفة يمر على بابك. فقالت: انظروا أي شيءٍ هذا، إذ دخل بوابها فقال: علي بن هشام بالباب. فقالت: وما أصنع به! فقامت إليها جاريتها وشيك، وكانت ترسلها إلى الخليفة وغيره في حوائجها، فأكبت على رجلها وقالت: الله! الله! أتحتجبين على علي بن هشام! فدعت بمنديلٍ فطرحته على رأسها ولم تقم إليه. فقال: إني جئتك بأمر سيدي أمير المؤمنين، وذلك أنه سألني عنك فقلت له: لم أرها منذ أيام، فقال: هي عليك غضبى، فبحياتي لا تدخل منزلك حتى تدخل إليها فتسترضيها!. فقالت: إن كنت جئتنا بأمر الخليفة فأنا أقوم، فقامت فقبلت رأسه ويديه، وقعد ساعةً وانصرف. فقالت: يا وشيك، هاتي الدواة وقرطاساً ففعلت، فجعلت تكتب فيه يومها وليلتها حتى كتبت اثني عشر ألف صوت - وقيل: سبعة آلاف صوت - ثم كتبت إليه: يا علي بن هشام، تقول: استغنيت عن بذلٍ بأربعة آلاف صوت أخذناها منها! وقد كتبت هذا وأنا ضجرة، فكيف لو فرغت لك قلبي كله!. وختمت الكتاب وقالت لها: امضي به إليه. فما كان أسرع من أن جاء رسوله خادمٌ أسودٌ يقال له مخارق بالجواب يقول فيه: يا سيدتي، لا والله ما قلت الذي بلغك، ولقد كذب علي عندك، إنما قلت: لا ينبغي أن يكون في الدنيا أكثر من أربعة آلاف صوت، وقد بعثت إلي بديوانٍ لا أؤدي شكرك عليه أبداً، وبعث إليها بعشرة آلاف درهم وتخوتٍ فيها بز ووشي وملح وتختاً مطبقاً فيه أنواع الطيب.\rوقيل: إن إبراهيم بن المهدي كان يعظمها، ثم يرى أنه يستغني عنها بنفسه. فصارت إليه، فدعت بعودٍ فغنت في طريقةٍ واحدةٍ وانقطاعٍ واحدٍ وإصبعٍ واحدةٍ مائة صوتٍ لم يعرف إبراهيم منها صوتاً واحداً، ثم وضعت العود وانصرفت، ولم تدخل داره حتى طال طلبه لها وتضرعه إليها في الرجوع إليه.\rوقال أحمد بن سعيد المالكي: إن إسحاق بن إبراهيم الموصلي خالف بذلاً في نسبة صوتٍ غنته بحضرة المأمون، فأمسكت عنه ساعةً ثم غنت ثلاثة أصواتٍ في الثقيل الثاني واحداً بعد واحد، وسألت إسحاق عن صانعها فلم يعرفه. فقالت للمأمون: هي والله لأبيه أخذتها من فيه، فإذا كان لا يعرف غناء أبيه فكيف يعرف غناء غيره! فاشتد ذلك على إسحاق حتى رئي ذلك فيه.\rوقال حماد بن إسحاق: غنت بذل بين يدي أبي:\rإن تريني ناحل البدن ... فلطول الهم والحزن\rكان ما أخشى بواحدتي ... ليته والله لم يكن\rقال: فطرب أبي طرباً شديداً وشرب رطلاً وقال لها: أحسنت يا ابنتي، والله لا تغنين صوتاً إلا شربت عليه رطلاً.\rانتهت أخبار بذل.\rأخبار ذات الخال","part":2,"page":51},{"id":552,"text":"قال أبو الفرج الأصفهاني: واسم ذات الخال خشف، وكانت لأبي الخطاب النحاس المعروف بقرين مولى العباسة بنت المهدي. وكانت ذات الخال من أجمل النساء وأكملهن، وكان لها خالٌ فوق شفتها العليا، وقيل على خدها. وكان إبراهيم الموصلي يتعشقها، وله فيها أشعارٌ كثيرةٌ كان يقولها ويغني فيها حتى شهرها بشعره وغنائه. واتصل خبرها بالرشيد، فاشتراها بسبعين ألف درهم. فقال لها ذات يومٍ: أسألك عن شيءٍ ، فإن صدقتني وإلا صدقني غيرك وكذبتك. قالت: أصدقك. قال: هل كان بينك وبين إبراهيم الموصلي شيءٌ قط؟ وأنا أحلفه أن يصدقني. قال: فسكتت ساعةً ثم قالت: نعم! مرةً واحدةً، فأبغضها. وقال يوماً في مجلسه: أيكم لا يبالي أن يكون كشخاناً حتى أهبه ذات الخال؟ فبدر حمويه الوصيف فقال: أنا، فوهبها له. ثم اشتاقها الرشيد يوماً فقال: ويلك يا حمويه! وهبنا لك الجارية على أن تسمع غناءها وحدك! فقال: يا أمير المؤمنين ، مر فيها بأمرك. قال: نحن عندك غداً. فمضى فاستعد لذلك واستعار لها من بعض الجوهريين بدنةً وعقوداً ثمنها اثنا عشر ألف دينار، فأخرجها إلى الرشيد وهي عليها. فلما رآه أنكره وقال: ويلك يا حمويه! من أين لك هذا؟! ما وليتك عملاً تكسب فيه مثله ولا وصل إليك مني هذا القدر! فصدقه عن أمره، فبعث الرشيد إلى أصحاب الجوهر، فأحضرهم واشترى الجوهر منهم ووهبه لها، وحلف ألا تسأله في يومه ذلك حاجةً إلا قضاها، فسألته أن يولي حمويه الحرب والخراج بفارس سبع سنين، ففعل ذلك وكتب له عهده بذلك، وشرط على ولي العهد أن يتممها له إن لم تتم في حياته.\rقال الأصفهاني: ولإبراهيم الموصلي في ذات الخال شعرٌ كثيرٌ غنى فيه.\rفمنه قوله:\rأذات الخال قد طال ... بمن أسقمته الوجع\rوليس إلى سواكم في ال ... ذي يلقى له فزع\rأما يمنعك الإسلا ... م من قتلي ولا الورع\rوما ينفك لي فيك ... هوًى تغتره خدع\rومنها:\rجزى الله خيراً من كفلت بحبه ... وليس به إلا التموه من حبي\rوقالوا قلوب الغانيات رقيقةٌ ... فما بال ذات الخال قاسية القلب\rوقالوا لها هذا حبيبك معرضاً ... فقالت لهم إعراضه أيسر الخطب\rفما هي إلا نظرةٌ بتبسمٍ ... فتنشب رجلاه ويسقط للجنب\rوله فيها أشعارٌ كثيرةٌ غير ما أوردناه.\rأخبار دنانير البرمكية\rقال أبو الفرج: كانت دنانير مولاة يحيى بن خالد البرمكي، وكانت صفراء مولدة، من أحسن الناس وجهاً، وأظرفهم وأكملهم أدباً، وأكثرهم روايةً للغناء والشعر، ولها كتابٌ مجردٌ في الأغاني مشهور. وكان اعتمادها في غنائها على ما أخذته من بذل، وهي خرجتها، وقد أخذت أيضاً عن الأكابر الذين أخذت بذل عنهم مثل فليح وإبراهيم وابن الجامع وإسحاق ونظائرهم. وكانت تغني غناء إبراهيم فتحكيه فيه حتى لا يكون بينهما فرق، فكان يقول ليحيى: متى فقدتني ودنانير باقيةٌ فما فقدتني.\rوقال أحمد بن المكي: كانت دنانير لرجلٍ من أهل المدينة، كان قد خرجها وأدبها، وكانت أروى الناس للغناء القديم، وكانت صفراء صادقة الملاحة. فلما رآها يحيى وقعت من قلبه موقعاً فاشتراها. وشغف بها الرشيد حتى كان يصير إلى منزل مولاها فيسمعها، فألفها واشتد إعجابه بها، ووهب لها هباتٍ سنية. منها أنه وهب لها في ليلةٍ عقداً قيمته ثلاثون ألف دينار، فردته عليه في مصادرة البرامكة بعد ذلك. وعرفت أم جعفر الخبر فشكته إلى عمومته وأهله، فصاروا جميعاً إليه فعاتبوه، فقال: مالي في هذه الجارية أربٌ في نفسها، وإنما أربي في غنائها، فاسمعوها، فإن استحقت أن تؤلف لغنائها وإلا فقولوا ما شئتم. فلما سمعوها عذروه، وعادوا إلى أم جعفرٍ وأشاروا عليها ألا تلح في أمرها، فقبلت ذلك، وأهدت إلى الرشيد عشر جوارٍ منهن أم المأمون وأم المعتصم وأم صالح.\rوقال عمر بن شبة: إن دنانير أصابتها العلة الكلبية فكانت لا تصبر على الطعام ساعةً واحدة، وكان يحيى يتصدق عنها في كل يومٍ من شهر رمضان بألف دينارٍ لأنها كانت لا تصومه. وبقيت عند البرامكة مدةً طويلة.","part":2,"page":52},{"id":553,"text":"وقال إسحاق وأحمد بن الطيب: إن الرشيد دعا بدنانير بعد البرامكة، فأمرها أن تغني. فقالت: يا أمير المؤمنين، إني آليت ألا أغني بعد سيدي أبداً. فغضب وأمر بصفعها فصفعت، وأقيمت على رجليها وأعطيت العود، فأخذته وهي تبكي أحر بكاء، واندفعت فغنت:\rيا دار سلمى بنازح السند ... من الثنايا ومسقط اللبد\rلما رأيت الديار قد درست ... أيقنت أن النعيم لم يعد\rقال: فرق لها الرشيد، وأمر بإطلاقها، فانصرفت.\rوقال أبو عبد الله بن حمدون: إن عقيداً مولى صالح بن الرشيد خطب دنانير وشغف بها فردته، فاستشفع إليها بمولاه صالح بن الرشيد وببذل والحسن بن محرز فلم تجب، وأقامت على الوفاء لمولاها. فكتب إليها عقيد:\rيا دنانير قد تنكر عقلي ... وتحيرت بين وعدٍ ومطل\rشغفي شافعي إليك وإلا ... فاقتليني إن كنت تهوين قتلي\rأنا بالله والأمير وما آ ... مل من موعد الحسين وبذل\rما أحب الحياة يا حب إن لم ... يجمع الله عاجلاً بك شملي\rفلم يعطفها ذلك عليه، ولم تزل على حالها حتى ماتت. ولعقيدٍ هذا فيها أشعارٌ فيها غناء. وكان عقيد حسن الغناء، وله فيها أصوات، منها قوله:\rهذي دنانير تنساني وأذكرها ... وكيف تنسى محباً ليس ينساها\rأعوذ بالله من هجران جاريةٍ ... أصبحت من حبها أهذي بذكراها\rقد أكمل الحسن في تركيب صورتها ... فارتج أسفلها واهتز أعلاها\rقامت لتمشي فليت الله صورني ... ذاك التراب الذي مسته رجلاها\rوالله والله لو كانت، إذا برزت، ... نفس المتيم في كفيه ألقاها\rأخبار عريب المأمونية\rقال أبو الفرج الأصفهاني: كانت عريب مغنيةً محسنة، وشاعرةً صالحة الشعر، وكانت مليحة الخط والمذهب في الكلام، ونهايةً في الحسن والجمال والظرف وحسن الصوت وجودة الضرب وإتقان الصنعة والمعرفة بالنغم والأوتار والرواية للشعر، لم يتعلق بها أحدٌ من نظرائها، ولا رئي في النساء - بعد القيان الحجازيات مثل جميلة وعزة الميلاء وسلامة الزرقاء ومن جرى مجراهن على قلة عددهن - نظيرٌ لها. قال: وكان فيها من الفضائل التي وصفناها ما ليس لهن مما يكون في مثلها من جواري الخلفاء ومن نشأ في قصور الخلفاء وغذي برقيق العيش الذي لا يدانيه عيش الحجاز والمنشأ بين العرب العامة والعرب الجفاة. قال: وقد شهد لها من لا تحتاج مع شهادته إلى غيره، فروي عن حماد بن إسحاق قال قال أبي: ما رأيت امرأةً أضرب من عريب، ولا أحسن صنعةً ووجهاً، ولا أخف روحاً، ولا أحسن خطاباً بارعاً، ولا أسرع جواباً، ولا ألعب بالشطرنج والنرد، ولا أجمع لخصلةٍ حسنةٍ لم أرها في امرأةٍ غيرها قط.\rقال حماد: فذكرت ذلك ليحيى بن أكثم، فقال: صدق أبو محمد، هي كذلك. قلت أفسمعتها؟ قال: نعم، هناك يعني في دار المأمون. قلت: أفكانت كما ذكر أبو محمد في الحذق؟ قال يحيى: هذه مسئلةٌ الجواب فيها على أبيك، هو أعلم مني بها. فأخبرت أبي بذلك، فضحك ثم قال: أما استحييت من قاضي القضاة أن تسأله عن مثل هذا! وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: استدعاني المأمون يوماً فدخلت عليه، فسألني عن صوتٍ وقال لي: أتدري لمن هو؟ فقلت: أسمعه ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء الله بذلك. فأمر جاريةً من وراء الستارة أن تغنيه، فضربت فإذا هي قد شبهته بالقديم، فقلت: زدني معها عوداً آخر. فإنه اثبت لي ، فزادني عوداً آخر. فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا صوتٌ محدثٌ لامرأةٍ ضاربة. قال: من أين قلت ذلك؟ فقلت: إني لما سمعت لينه عرفت أنه محدثٌ من غناء النساء، ولما رأيت جودة مقاطعه علمت أن صاحبته ضاربةٌ حفظت مقاطعه وأجزاءه، ثم طلبت عوداً آخر فلم أشك. قال: صدقت، الغناء لعريب.\rوقال ابن المعتز: قال علي بن يحيى: أمرني المعتمد على الله أن أجمع غناء عريب الذي صنعته، فأخذت منها دفاترها وصحفها التي كانت قد جمعت فيها غنائها، فكتبته فكان ألف صوت، وقد قيل أكثر من ذلك. وقد وصفها أبو الفرج الأصفهاني وأطنب في وصفها وتفضيلها، واستدل على ذلك وبسط القول فيه.","part":2,"page":53},{"id":554,"text":"وأما ما قيل في نسبها وسنها وكيف تنقلت بها الحال إلى أن اتصلت بالمأمون، فقد روي عن إسماعيل بن الحسين خال المعتصم أنها ابنة جعفر بن يحيى، وأن البرامكة لما نهبوا سرقت وهي صغيرةٌ فبيعت. قال أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي: إن أم عريب كانت تسمى فاطمة، وكانت يتيمة، فتزوجها جعفر بن يحيى بن خالد، فأنكر عليه أبوه، وقال له: تتزوج بمن لا يعرف لها أمٌ ولا أب! اشتر مكانها ألف جارية. فأخرجها جعفر وأسكنها في دارٍ في ناحية باب الأنبار سراً من أبيه، ووكل بها من يحفظها، وكان يتردد إليها، فولدت عريب في سنة إحدى وثمانين ومائة. وكانت سنوها إلى أن ماتت ستاً وتسعين سنة. قال: وماتت أم عريب في حياة جعفر، فدفعها إلى امرأةٍ نصرانيةٍ وجعلها دايةً لها. فلما حدثت بالبرامكة تلك الحادثة باعتها من سنبس النخاس، فباعها من المراكبي.\rقال ابن المعتز: وأخبرني يوسف بن يعقوب قال: كنت إذا نظرت قدمي عريبٍ شبهتها بقدمي جعفر بن يحيى. قال: وسمعت من يحكي أن بلاغتها في كتبها ذكرت لبعض الكتاب، فقال: وما يمنعها من ذلك وهي بنت جعفرٍ بن يحيى! هذا ملخص ما حكاه أبو الفرج في نسبها.\rوأما أخبارها مع من ملكها وكيف تنقلت بها الحال، فقد حكى ابن المعتز عن الهاشمي أن مولاها خرج بها إلى البصرة فأدبها وخرجها وعلمها الخط والنحو والشعر والغناء، فبرعت في ذلك أجمع، وتزايدت حتى قالت الشعر. وكان لمولاها صديقٌ يقال له حاتم بن عدي من قواد خراسان، وقد قيل: إنه كان يكتب لعجيفٍ على ديوان العرض، فكان مولاها يدعوه كثيراً ويخالطه. فركبه دينٌ فاستتر عنده، فمد عينه إلى عريبٍ وكاتبها فأجابته، ودامت المواصلة بينهما وعشقته، ثم انتقل من منزل مولاها. فلم تزل تحتال حتى أخذت سلماً من سب، وقيل: من خيوطٍ غلاظ، وكان قد اتخذ لها موضعاً، ثم لفت ثيابها وجعلتها في فراشها بالليل ودثرتها بدثرها، ثم تسورت الحائط وهربت، وأتته فمكثت عنده، ومولاها لا يتهمه بشيءٍ من أمرها. فقال عيسى بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي يهجو أباه ويعيره بها - وكان كثيراً ما يهجوه - :\rقاتل الله عريباً ... فعلت فعلاً عجيباً\rركبت والليل داجٍ ... مركباً صعباً مهيباً\rفارتقت متصلاً بالن ... جم أو منه قريباً\rصبرت حتى إذا ما ... أقصد النوم الرقيبا\rمثلت بين حشايا ... ها، لكي لا تستريبا\rخلفاً منها إذا نو ... دي لم يلف مجيباً\rومضت يحملها الخو ... ف قضيباً وكثيبا\rمحةٌ لو حركت خف ... ت عليها أن تذوبا\rفتدلت لمحبٍ ... فتلقاها حبيبا\rجذلاً قد نال في الدن ... يا من الدنيا نصيبا\rأيها الظبي الذي تس ... حر عيناه القلوبا\rوالذي يأكل بعضاً ... بعضه حسناً وطيبا\rكنت نهباً لذئابٍ ... فلقد أطعمت ذيبا\rوكذا الشاة إذا لم ... يك راعيها لبيبا\rلا يبالي وبأ المر ... ععى إذا كان خصيبا\rولقد أصبح عبد الل ... ه كشخاناً جريبا\rقد لعمري لطم الخد ... وقد شق الجيوبا\rوجرت منه دموعٌ ... بلت الذقن الخضيبا","part":2,"page":54},{"id":555,"text":"وقال ابن المعتز : وحدثني محمد بن موسى بن يونس: أنها ملته بعد ذلك فهربت منه، فكانت تغني عند أقوامٍ عرفتهم ببغداد وهي مستترةٌ متخفية. فلما كان يومٌ من الأيام اجتاز ابن أخي المراكبي ببستانٍ كانت فيه مع قومٍ تغني، فسمع غناءها فعرفه، فبعث إلى عمه وأقام هو مكانه، فلم يبرح حتى جاء عمه وكبسها، فأخذها وضربها مائة مقرعةٍ وهي تصيح: يا هذا، لم تقتلني! لست أصبر عليك، أنا امرأةٌ حرة، فإن كنت مملوكةً فبعني، لست أصبر على الضيق. فلما كان من الغد ندم على فعله وصار إليها فقبل رأسها ويدها ورجلها ووهب لها عشرة آلاف درهم. ثم بلغ محمداً الأمين خبرها فأخذها. قال: وكان الأمين في حياة أبيه طلبها منه فلم يجبه إلى ذلك. فلما أفضت إليه الخلافة جاء المراكبي و محمدٌ راكبٌ ليقبل يده، فأمر بمنعه ودفعه، ففعل ذلك الشاكري، فضربه المراكبي وقال: أتمنعني من تقبيل يد مولاي! فجاء الشاكري لما نزل محمد الأمين فشكاه، فأمر بإحضار المراكبي فأمر بضرب عنقه، فسئل في أمره فعفا عنه وحبسه، وطالبه بخمسمائة ألف درهم مما اقتطعه من نفقات الكراع، وبعث فأخذ عريب من منزله مع خدمٍ كانوا له. فلما قتل محمد الأمين هربت عريب إلى المراكبي فكانت عنده.\rقال ابن المعتز: وأما رواية إسماعيلٍ بن الحسن خال المعتصم فإنها تخالف هذا، وذكر أنها إنما هربت من دار مولاها المراكبي إلى محمد بن الحامد الخاقاني المعروف بالخشن أحد قواد خراسان، وكان أشقر أصهب أزرق العينين. وفيه تقول عريب ولها فيه غناء:\rبأبي كل أصهبٍ ... أزرق العين أشقر\rجن قلبي به ولي ... س جنوني بمنكر\rوقال إسحاق بن إبراهيم: لما نمي إلى الأمين خبر عريبٍ بعث في إحضارها وإحضار مولاها فأحضرا، فغنت بحضرة إبراهيم بن المهدي، فطرب الأمين واستعادها، وقال لإبراهيم: كيف سمعت؟ قال: سمعت يا سيدي حسناً، وإن تطاولت بها الأيام وسكن روعها ازداد غناؤها حسناً وطيباً. فقال للفضل بن الربيع: خذها إليك وساوم بها ففعل، فاشتط مولاها بالسوم ثم أوجبها له بمائة ألف درهم. وانتقض أمر الأمين وشغل عنها فلم يأمر لمولاها بشيءٍ حتى قتل بعد أن افتضها، فرجعت إلى مولاها، ثم هربت منه إلى ابن حامد، فأمر المأمون بإحضاره وسئل عنها فأنكرها. فقال له المأمون : كذبت، وقد سقط إلي خبرك، وأمر صاحب الشرط أن يجرده في مجلس الشرط ويضع عليه السياط حتى يردها فأخذه. فبلغها الخبر، فركبت حمار مكارٍ وجاءت وقد جرد ليضرب، وهي مكشوفة الوجه وهي تصيح: إن كنت مملوكةً فبعني، وإن كنت حرةً فلا سبيل علي. فرفع خبرها إلى المأمون، فأمر بتعديلها عند قتيبةٍ بن زيادٍ القاضي فعدلت عنده. وتقدم إليه المراكبي مطالباً بها، فسأله البينة عن ملكه إياها فعاد متظلماً إلى المأمون وقال: قد طولبت بما لم يطالب به أحدٌ في رقيق.وتظلمت زبيدة بنت جعفر إليه وقالت: من أغلظ ما جرى علي، بعد قتل ابني، هجوم المراكبي على داري وأخذ عريبٍ منها. فقال المراكبي: إنما أخذت ملكي، لأنه لم ينقذني الثمن. فأمر المأمون بدفعها إلى محمدٍ بن عمر الواقدي، وكان قد ولاه القضاء بالجانب الشرقي، فأخذها من قتيبة بن زياد وأمر ببيعها ساذجةً، فاشترها المأمون بخمسين ألف درهم، وقيل اشتراها بخمسة آلاف درهم. ودعا عبد الله بن إسماعيلٍ وقال له: لو لا أني حلفت ألا أشتري مملوكاً بأكثر من هذا لزدتك، ولكني سأوليك عملاً تكسب فيه أضعاف هذا الثمن، ورمي إليه بخاتمين من ياقوتٍ أحمر قيمتهما ألف دينار، وخلع عليه خلعاً سنية. فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ينتفع بهذا الأحياء، وأما أنا فإني لا محالة ميت، لأن هذه الجارية كانت حياتي. وخرج فاختلط وتغير عقله ومات بعد أربعين يوماً. وذهبت بالمأمون كل مذهبٍ ميلاً إليها ومحبةً لها، حتى قيل: إن المأمون قبل رجلها في بعض الأيام وإنها قالت أثر ذلك: والله يا أمير المؤمنين، لولا ما شرفها الله به من وضع فمك الكريم لقطعتها! ولكن لله علي ألا اغسلها لغير وضوءٍ أو طهرٍ إلا بماء الورد ما عشت. فكانت تفعل ذلك إلى أن ماتت.","part":2,"page":55},{"id":556,"text":"وحكى علي بن يحيى المنجم أن المأمون لما مات بيعت في ميراثه - ولم يبع له عبدٌ ولا أمةٌ غيرها - فاشتراها المعتصم بمائة ألفٍ وأعتقها فهي مولاته. وقيل: إنه لما مات محمد الأمين تدلت عريب من قصر الخلد بحبلٍ إلى الطريق وهربت إلى حاتم بن عدي.\rوحكى إبراهيم بن رباحٍ قال: كنت أتولى نفقات المأمون، فوصف له إسحاق ابن إبراهيم الموصلي عريب، فأمره أن يشتريها له، فاشتراها بمائة ألف درهم، فأمرني المأمون بحملها، وأن احمل إلى إسحاق مائة ألف درهم، ففعلت ذلك، فلم أدر كيف أثبتها، فكتبت في الديوان أن مائة الألف خرجت في ثمن جوهرة، ومائة الألف الأخرى خرجت لصائغها ودلالها. فجاء الفضل بن مروان للمأمون وقد رأى ذلك وأنكره، وسألني عنه فقلت: نعم، هو ما رأيت. فسأل المأمون عن ذلك فقال: وهبت لدلالٍ وصائغٍ ألف درهم! وغلظ القصة، فأنكرها المأمون، ودعاني فدنوت وأخبرته أن المال الذي خرج في ثمن عريب وصلة إسحاق، وقلت أيما أصوب يا أمير المؤمنين: ما فعلت، أم أثبت بالديوان أنها خرجت ثمن مغنيةٍ وصلة مغن. فضحك المأمون وقال: الذي فعلت أصوب. ثم قال للفضل ابن مروان: يا نبطي، لا تعترض على كاتبي هذا في شيء.\rولعريب أخبارٌ قد بسط أبو الفرج الأصفهاني القول بها في كتابه الذي ترجمه \" تحف الوسائد في إخبار الولائد \" ، وذكر أيضاً نتفاً من أخبارها في كتابه المترجم \" بالأغاني \" . منها خبرها مع محمد بن حامد المعروف بالخشن، وأخبارٌ لها مع المأمون، وأخبارٌ مع صالح المنذري الخادم، وإبراهيم بن المدبر، وغير ذلك من أخبارها . وقد رأينا أن نثبت لمعاً من ذلك.\rأما أخبارها مع محمد بن حامد - وهو أحد من كانت تعشقه وتهواه وتخاطر بنفسها في الاجتماع به - فمنها ما روي عن عبد الملك الضرير أنها لما صارت في دار المأمون احتالت عليه حتى وصلت إليه، وكانت تلقاه في الوقت بعد الوقت حتى حملت منه وولدت بنتاً، فبلغ ذلك المأمون فزوجه إياها. وقال محمد بن موسى: اصطبح المأمون يوماً ومعه ندماؤه وفيهم محمد بن حامد وجماعةٌ من المغنين وعريب معه على مصلاة، فأومأ إليها محمد بن حامد بقبلةٍ، فاندفعت فغنت ابتداء:\rرمى ضرع نابٍ فاستمر بطعنةٍ ... كحاشية البرد اليماني المسهم\rتريد بغنائها جواب محمد بن حامد بان تقول له: طعنة. فقال المأمون للندماء: أيكم أومأ إلى عريب بقبلة؟ والله لئن لم يصدقني لأضربن عنقه! فقال محمد بن حامد: أنا يا أمير المؤمنين أومأت إليها، والعفو أقرب للتقوى. فقال: قد عفوت عنك. فقال: كيف استدل أمير المؤمنين على ذلك؟ فقال: ابتدأت صوتاً، وهي لا تغني ابتداء إلا معنًى، فعلمت أنها لم تبتدئ هذا الصوت إلى لشيءٍ أومئ إليها به، ولم يكن من شرط هذا الموضع إلا إيماءٌ بقبلةٍ، فعلمت أنها أجابته بطعنة. وقد حكي أن المأمون قال في هذه الواقعة عن محمد بن حامد: نكشخنه قبل أن يكشخننا، فزوجه إياها، واشترط عليه أن يحضرها إلى مجلسه في أوقاتٍ عينها له المأمون.\rوقال حمدون: كنت ليلةً في مجلس المأمون في بلاد الروم بعد العشاء الآخرة في ليلةٍ ظلماءٍ ذات رعودٍ وبروق، فقال لي المأمون: اركب الساعة فرس النوبة وسر إلى عسكر أبي إسحاق، يعني المعتصم، فأد إليه رسالتي وهي كيت وكيت. فركبت فلم تثبت معي شمعة، وسمعت وقع حافر دابةٍ فرهبت ذلك فجعلت أتوقاه حتى صك ركابي تلك الدابة، وبرقت بارقةٌ فأبصرت وجه الراكب فإذا عريب، فقلت: عريب؟ قال: نعم، حمدون؟ قلت نعم. ثم قلت لها: من أين أقبلت في هذا الوقت؟ قالت: من عند محمد بن حامد. قلت: وما صنعت عنده؟ قالت: يا نكس، عريب تجيء في هذا الوقت من عند محمد بن حامد خارجةً من مضرب الخليفة راجعةً إليه تقول لها: أي شيءٍ عملت معه! صليت معه التراويح، أو قرأت عليه أجزاء من القرآن، أو دارسته شيئاً من الفقه! يا أحمق، تحادثنا وتعاتبنا واصطلحنا ولعبنا وشربنا وغنينا وانصرفنا. قال: فأخجلتني وغاظتني وافترقنا. ومضيت فأديت الرسالة، ثم عدت إلى المأمون وأخذنا في الحديث وتناشدنا الأشعار، فهممت أن أحدثه بحديثها ثم هبته، فقلت: أقدم قبل ذلك تعريضاً بشيءٍ من الشعر فأنشدته:\rألا حي أطلالاً لقاطعه الحبل ... ألوفٍ تساوي صالح القوم بالرذل\rفلو أن من أمسى بجانب تلعةٍ ... إلى جبلي طيٍ فساقطة النعل","part":2,"page":56},{"id":557,"text":"جلوسٌ إلى أن يقصر الظل عندها ... لراحوا وكل القوم منها على وصل\rفقال لي المأمون: اخفض صوتك لا تسمع عريب فتغضب وتظن أنا في حديثها، فأمسكت عما أردت أن أخبره به، وخار الله لي في ذلك.\rوقال محمد بن عيسى الواثقي: قال لي محمد بن حامد ليلةً: أحب أن تفرغ لي مضربك، فإني أريد أن أجيئك فأقيم عندك، ففعلت وأتاني. فلما جلس جاءت عريب فدخلت وجلسنا، فجعل محمد يعاتبها ويقول: فعلت كذا وفعلت كذا! فقالت لي: يا محمد، هذا عندك رأي! ثم أقبلت عليه فقالت: يا عاجز، خذ بنا فيما نحن فيه، واجعل سراويلي مخنقتي وألصق خلخالي بقرطي، فإذا كان غدٌ فاكتب بعتابك في طومارٍ حتى أكتب إليك في مثله، ودع عنك هذا الفضول، فقد قال الشاعر:\rدعي عد الذنوب إذا التقينا ... تعالي لا نعد ولا تعدي\rفأقسم لو هممت بمد شعري ... إلى باب الجحيم لقلت مدي\rوقال أحمد بن حمدون: وقع بين عريب وبين محمد بن حامد شرٌ حتى كادا يخرجان إلى القطيعة، وكان في قلبها منه أكثر مما في قلبه منها. فلقيته يوماً فقالت: كيف قلبك يا محمد؟ قال: أشقى ما كان وأقرحه. فقالت: استبدل تسل. فقال لها: لو كانت البلوى باختيار لفعلت! فقالت: لقد طال إذاً تعبك. فقال: وما يكون! أصبر مكرها! أما سمعت قول العباس بن الأحنف:\rتعبٌ يطول مع الرجاء لذي الهوى ... خيرٌ له من راحةٍ في الياس\rلولا كرامتكم لما عاتبتكم ... ولكنتم عندي كبعض الناس\rقال: فذرفت عيناها، واعتذرت إليه واعتنقته، واصطلحا وعادا إلى ما كانا عليه.\rوحكى أحمد بن جعفر بن حامدً قال: لما توفي عمي محمد بن حامد، صار جدي إلي منزله، فنظر إلى تركته وجعل يقلب ما خلف، ويخرج إليه منها الشيء بعد الشيء، إلى أن أخرج إليه سفطٌ مختوم، ففض الخاتم وفتحه، فإذا فيه رقاع عريبٍ إليه، فجعل يتصفحها ويبتسم، فوقعت في يده رقعةٌ فقرأها ووضعها بين يديه، وقام لحاجته، فقرأتها فإذا هي:\rويلب عليك ومكنا! ... أوقعت في الحق شكا\rزعمت أني خؤونٌ ... جواراً علي وإفكاً\rإن كان ما قلت حقاً ... أو كنت أزمعت تركاً\rفأبدل الله ما بي ... من ذلة الحب نسكا\rقال:وهذا الشعر لعريب.\rوأما أخبارها مع المأمون وإخوته وغير ذلك من أخبارها. قال صالح بن علي بن الرشيد المعروف بزعفرانة: تمارى خالي أبو عليٍ والمأمون في صوت، فقال المأمون: أين عريب؟ فجاءت وهي محمومة، فسألها عن الصوت، فقالت فيه بعلمها. فقال لها: غنيه. فولت لتجئ بالعود، فقال: غنيه بلا عود. فاعتمدت من الحمى على الحائط وغنت، وأقبلت عقربٌ فرأيتها وقد لسبت يدها مرتين أو ثلاثاً، فما نحت يدها ولا سكتت حتى فرغت من الصوت، ثم سقطت وقد غشي عليها.\rقال عثمان بن العلاء عن أبيه: عتب المأمون على عريبٍ فهجرها أياماً، ثم اعتلت فعاد فقال: كيف وجدت طعم الهجر؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، لو لا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل، ومن ذم بدء الغضب حمد عاقبة الرضا. فخرج المأمون إلى جلسائه فحدثهم بالقصة، ثم قال: أترى لو كان هذا من كلام النظام لم يكن كثيراً! وقال أحمد بن أبي دواد: جرى بين المأمون وبين عريب كلام، فكلمها المأمون بشيءٍ فغضبت منه فهجرته أياماً. فدخلت على المأمون، فقال: يا أحمد، اقض بيننا. فقالت عريب: لا حاجة لي في قضائه ودخوله بيننا، وأنشأت تقول:\rونخلط الهجر بالوصال ولا ... يدخل في الصلح بيننا أحد\rوكانت قد تمكنت من المأمون وأخذت بمجامع قلبه، وذهب به حبها كل مذهب، وقد قدمنا أنه قبل رجلها.","part":2,"page":57},{"id":558,"text":"وكانت عريب تهوى أبا عيسى بن الرشيد أخا المأمون، وكان المثل يضرب بحسنه وحسن غنائه، وكانت تزعم أنها ما عشقت أحداً من بني هاشم وأصفته من الخلفاء وأولادهم سواه. ولم تزل عريب مبجلةً عند الخلفاء محبوبةً إليهم مكرمةً لديهم إلى أن غضب عليها المعتصم والواثق وانحرفا عنها. وكان سبب ذلك أن المعتصم وجد لها كتاباً إلى العباس بن المأمون ببلد الروم تقول فيه: اقتل أنت العلج حتى أقتل أنا الأعور الليلي هاهنا - تعني الواثق، وكان المعتصم استخلفه ببغداد - ولعمري إن هذا من الأمور العظيمة التي لا تحتمل من الأولاد والأخوة فكيف من أمةٍ مغنية! ولو لم تكن لها عندهم المكانة العظمى والمحل الكبير لما أبقوها بعد الاطلاع من باطن حالها على هذه الطوية. وكانت عريبٌ تكايد الواثق فيما يصوغه من الألحان، وتصوغ في ذلك الشعر تغنيه لحناً فيكون أجود من لحنه.\rقال: وكانت عريب تتعشق صالحاً المنذري الخادم، فتزوجته سراً. فحكي عنها أن بعض الجواري دخلت عليها يوماً، فقالت لها عريب: ويحك! تعالي إلي! فجاءت، فقالت: قبلي هذا الموضع مني، فإنك تجدين ريح الجنة، وأومأت إلى سالفتها، ففعلت ثم قالت لها: ما السبب في هذا؟ قالت: قبلني الساعة صالح المنذري في هذا الموضع. قال: ووجهه المتوكل إلى مكانٍ بعيدٍ في حاجةٍ، فقالت عريب فيه:\rأما الحبيب فقد مضى ... بالرغم مني لا الرضى\rأخطأت في تركي لمن ... لم ألق منه عوضا\rوكانت عريب تهوى إبراهيم بن المدبر ويهواها، ولها معه أخبارٌ وحكايات، وبينهما أشعارٌ وفكاهات. فمن مكاتباتها إليه ما روي عن ابن المعتز فقال: كتبت إليه تدعو له في شهر رمضان: أفديك بسمعي وبصري، وأهل الله عليك هذا الشهر باليمن والمغفرة، وأعانك على المفترض منه والمتنفل، وبلغك مثله أعواماً، وفرج عنك وعني فيه. وكتبت في شيءٍ بلغها عنه: وهب الله لنا بقاءك ممتعاً بالنعم. ما زلت أمس في ذكرك، فمرةً بمدحك، ومرةً بأكلك وبذكرك بما فيك لوناً لونا. اجحد ذنبك الآن، وهات حجج الكتاب ونفاقهم. فأما خبرنا أمس فإنا شربنا من فضل نبيذك على تذكارك رطلاً، وقد رفعنا حسابنا إليك، فارفع حسابك إلينا، وخبرنا من زارك أمس وألهاك، وأي شيءٍ كانت القصة على جهتها. ولا تخطرف فتحوجنا إلى كشفك والبحث عليك وعن حالك، وقل الحق، فمن صدق نجا. وما أحوجك إلى تأديبٍ، فإنك لا تحسن أن تود. والحق أقول إنه يعتريك كزازٌ شديدٌ يجوز حد البرد. وكفاك بهذا من قولي عقوبةً. وإن عدت سمعت أكثر منه. والسلام.\rولما نكب عبد الله بن يحيى بن خاقان ابن المدبر وحبسه، كتبت إليه كتاباً تتشوقه وتخبره استيحاشها له واهتمامها بأمره، وأنها قد سألت الخليفة في أمره فوعدها ما تحب. فأجابها عن كتابها، وكتب في آخر الجواب:\rلعمرك ما صوتٌ بديعٌ لمعبدٍ ... بأحسن عندي من كتاب عريب\rتأملت في أثنائه خط كاتبٍ ... ورقة مشتاقٍ ولفظ خطيب\rوراجعني من وصلها ما استفزني ... وزهدني في وصل كل حبيب\rفصرت لها عبداً مقراً بملكها ... ومستمسكاً بودها بنصيب\rوقال أبو عبد الله بن حمدون: اجتمعت أنا وإبراهيم المدبر وابن ميادة. القاسم بن زرزر في بستانٍ بالمطيرة في يوم غيمٍ ورذاذٍ يقطر أحسن قطرٍ ونحن في أطيب عيشٍ وأحسن يوم، فلم نشعر إلا بعريبٍ قد أقبلت من بعيد، فوثب إبراهيم من بيننا فخرج حافياً حتى تلقاها، وأخذ بركابها حتى نزلت، وقبل الأرض بين يديها. وكانت قد هجرته مدةً لشيءٍ أنكرته عليه. فجاءت وجلست وأقبلت عليه مبتسمة، ثم قالت: إنما جئت إلى من هاهنا لا إليك. فاعتذر وشفعنا له فرضيت. وأقامت عندنا يومئذٍ وباتت، واصطبحنا من غدٍ وأقامت عندنا. فقال إبراهيم:\rبأبي من حقق الظن به ... وأتانا زائراً مبتدياً\rكان كالغيث تراخى مدةً ... وأتى بعد قنوطٍ مرويا\rطاب لنا يومان في قربه ... بعد شهرين لهجرٍ مضيا\rفأقر الله عيني وشفى ... سقماً كان لجسمي مبلياً\rوقال فيها أيضاً:\rألا يا عريب وقيت الردى ... وجنبك الله صرف الزمن\rفإنك أصبحت زين النساء ... وواحدة الناس في كل فن","part":2,"page":58},{"id":559,"text":"فقربك يدنيني لذيذ الحياة ... وبعدك ينفي لذيذ الوسن\rفنعم الأنيس ونعم الجليس ... ونعم السمير ونعم السكن\rوقال أيضاً فيها وفي جاريتها بدعة وتحفة:\rإن عريباً خلقت وحدها ... في كل ما يحسن من أمرها\rونعمةٍ لله في خلقه ... يقصر العالم في شكرها\rأشهدني جاريتها على ... أنهما محسنتا دهرها\rفبدعةٌ تبدع في شجوها ... وتحفةٌ تتحف في زمرها\rيا رب أمتعها بما خولت ... وامدد لها يا رب في عمرها\rوقال علي بن العباس بن طلحة الكاتب: كنت عند إبراهيم المدبر، فزارته بدعة وتحفة، وأخرجتا رقعةً من عريب، فقرأها فإذا فيها: بنفسي أنت وسمعي وبصري، وقل ذلك لك. أصبح يومنا هذا طيباً - طيب الله عيشك - قد احتجبت سماؤه، ورق هواؤه، وتكامل صفاؤه، وكأنه أنت في رقة شمائلك وطيب محضرك ومخبرك، لا فقدت ذلك أبداً منك! ولم يصادف حسنه وطيبه منا نشاطاً ولا طرباً لأمورٍ صدتني عن ذلك، أكره تنغيص ما أشتهيه لك من السرور بشرحها. وقد بعثت إليك ببدعةٍ وتحفةٍ ليؤنساك وتسر بهما، سرك الله وسرني بك!. فكتب إليها:\rكيف السرور وأنت نازحةٌ ... عني! وكيف يسوغ لي الطرب!\rإن غبت غاب العيش وانقطعت ... أسبابه وألحت الكرب\rوأنفذ الجواب إليها. فلم تلبث أن جاءت على حمارٍ مصري، فبادر إليها وتلقاها حافياً حتى جاء بها إلى صدر المجلس، يطأ الحمار بساطه وما عليه، حتى أخذ بركابها فأجلسها في مجلسه وجلس بين يديها. ثم قال:\rألا رب يومٍ قصر الله طوله ... بقرب عريبٍ، حبذا هو من قرب\rبها تحسن الدنيا وينعم عيشها ... وتجتمع للسراء للعين والقلب\rوقال إبراهيم بن اليزيدي: كنت مع المأمون في بلد الروم. فبينما أنا أسير في ليلةٍ مظلمةٍ شاتيةٍ ذات غيمٍ وريحٍ وغلى جانبي قبة، إذ برقت برقةٌ فإذا بالقبة عريب. فقالت: يا إبراهيم بن اليزيدي. فقلت: لبيك! قالت: قل في هذا البرق أبياتاً ملاحاً لأغني فيها. فقلت:\rماذا بقلبي أليم الخفق ... إذا رأيت لمعان البرق\rمن قبل الأردن أو دمشق ... لأن من أهوى بذاك الأفق\rفارقته وهو أعز الخلق ... علي والزور خلاف الحق\rذاك الذي يملك مني رقي ... ولست أبغي ما حييت عتقي\rفتنفست نفساً ظننته قد قطع حياز يمها، فقلت: ويحك! على من هذا التنفس؟فضحكت ثم قالت:على الوطن. فقلت هيهات! ليس هذا كله على الوطن. فقالت: ويلك! أظننت أنك تستفزني! والله لقد نظرت نظرةً مريبةً في مجلسٍ فادعاها أكثر من ثلاثين رئيساً، والله ما علم أحدٌ منهم لمن كانت إلى هذا الوقت.\rوقال أبو العبيس بن حمدون: غضبت عريبٌ على بعض جواريها، فجئت إليها وسألتها أن تعفو عنها، فقالت - في بعض ما تقوله مما تعتد به عليها من ذنوبها - : يا أبا العباس، إن كنت تشتهي أن ترى زناي وصفاقة وجهي وجرأتي على كل عظيمةٍ أيام شبابي، فانظر إليها واعرف أخبارها. فقال: وكانت في شبابها يقدم إليها البرذون فتطفر عليه بلا ركاب.\rوقال أبو العباس بن الفرات: حدثتني بدعة جارية عريب: أن عريب كانت تجد في رأسها برداً وكانت تغلف رأسها بستين مثقالاً مسكاً وعنبراً، وتغسله من جمعةٍ إلى جمعة، فإذا غسلته جددت غيره، وتقتسم الجواري غسالة رأسها.\rوقال علي بن المنجم: دخلت يوماً على عريب مسلماً عليها، فلما جلست هطلت السماء بمطرٍ عظيم. فقالت: أقم عندي اليوم حتى أغنيك أنا وجواري، وابعث إلى من أحببت من إخوانك، فأمرت بدوابي فردت، وجلسنا نتحدث. فسألتني عن خبرنا بالأمس في مجلس الخليفة ومن كان يغنينا، وأي شيءٍ استحسناه من الغناء. فأخبرتها أن صوت الخليفة كان لحناً صنعه بنان من الماخوري. فقالت: وما هو؟ فقلت:\rتجافي ثم تنطبق ... جفونٌ حشوها الأرق\rوذي كلفٍ بكى جزعاً ... وسفر القوم منطلق\rبه قلقٌ يململه ... وكان ما به قلق\rجوانحه على خطرٍ ... بنار الشوق تحترق","part":2,"page":59},{"id":560,"text":"فوجهت رسولاً إلى بنان، فحضر وقد بلته السماء، فأمرت بخلعٍ فاخرةٍ فخلعت عليه، وقدم له طعامٌ فأكل، وجلس يشرب معنا. فسألته عن الصوت فغناه إياه. فأخذت دواةً ورقعةً وكتبت:\rأجاب الوابل الغدق ... وصاح النرجس الغرق\rوقد غنى بنان لنا: ... جفونٌ حشوها الأرق\rفهاك الكأس مترعةً ... كأن ختامها حدق\rقال: فما شربنا بقية يومنا إلا على هذه الأبيات.\rوأخبار عريب كثيرةٌ، قد وضع عبد الله بن المعتز فيها ديواناً. وفيما أوردناه من أخبارها كفايةٌ لا تحتمل المختصرات أكثر منها. والله تعالى أعلم.\rأخبار محبوبة\rقال أبو الفرج: كانت مولدةً من مولدات البصرة، شاعرةً، سريعة الخاطر، مطبوعةً، لا تكاد فضل الشاعرة اليمانية تتقدمها، وكانت أجمل من فضلٍ وأعف، وكانت تغني غناءً غير فاخر.\rوقال علي بن الجهم: كانت محبوبة لعبد الله بن طاهر أهداها إلى المتوكل في جملة أربعمائة جارية. وكانت بارعة الحسن والظرف والأدب، مغنيةً محسنةً، فحظيت عند المتوكل حتى كان يجلسها خاف الستارة وراء ظهره إذا جلس للشرب، فيدخل رأيه إليها فيراها ويحدثها في كل ساعة.\rوقال علي بن يحيى المنجم: كان علي بن الجهم يقرب من أنس المتوكل جداً، فلا يكتمه شيئاً من سره مع حرمه وأحاديث خلواته. فقال له يوماً: إني دخلت على قبيحة فوجدتها قد كتبت اسمي على خدها بغالية، فلا والله ما رأيت شيئاً أحسن من سواد تلك الغالية على بياض ذلك الخد، فقل في هذا شيئاً - قال: وكانت محبوبةً حاضرة الكلام من وراء الستارة - فدعا علي بن الجهم بدواة، فإلى أن أتي بها وابتدأ يفكر قالت محبوبة على البديهة من غير فكرة ولا روية:\rوكاتبةٍ في الخد بالمسك جعفرا ... بنفسي مخط المسك من حيث أثرا\rلئن كتبت في الخد سطراً بكفها ... لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا\rفيا من لملوكٍ لملك يمينه ... مطيعٌ له فيما أسر وأظهرا!\rويا من هواها في السريرة جعفرٌ ... سقى الله من سقيا ثناياك جعفرا\rقال: فبقى علي الجهم واجماً لا ينطق بحرف، وأمر المتوكل بالأبيات فبعث إلى عريبٍ وأمرها أن تغني فيها. قال علي بن الجهم: فتحيرت والله وتقلبت خواطري، فو الله ما قدرت على حرفٍ واحدٍ أقوله.\rوقال أيضاً: غاضب المتوكل يوماً محبوبة وهجرها ومنع جواريها جميعاً من كلامها، ثم نازعته نفسه إليها وأراد ذلك، ثم نازعته العزة منها وامتنع من ابتدائها، وامتنعت من ابتدائه دلالاً عليه لمحلها منه. قال علي: فبكرت إليه يوماً، فقال لي: يا علي، إني رأيت البارحة في نومي كأني صالحت محبوبة. فقلت: أقر الله عينك يا أمير المؤمنين وأنامك على خيرٍ وأيقظك على سرورٍ! أرجو أن يكون هذا الصلح في اليقظة. فبينا هو يحدثني وأحدثه إذا بوصيفةٍ قد جاءت فأسرت إليه شيئاً، فقال: أتدري ما أسرت إلي هذه؟ قلت: لا. قال: حدثتني أنها اجتازت بمحبوبة الساعة وهي في حجرتها تغني، أفلا تعجب من هذا؟ أنا مغاضبها وهي متهاونةٌ بذلك، لا تبدؤني بصلحٍ ثم لا ترضى حتى تغني في حجرتها، فقم بنا نسمع ما تغنني. ثم قام وتبعته حتى انتهى إلى حجرتها، وإذا هي تغني:\rأدور في القصر لا أرى أحداً ... أشكو إليه ولا يكلمني\rحتى كأني أتيت معصيةً ... ليست لها توبةٌ تخلصني\rفهل لنا شافعٌ إلى ملكٍ ... قد زراني في الكرى وصالحني\rحتى إذا ما الصباح لاح لنا ... عاد إلى هجره فصارمني\rفعجب المتوكل، وأحست بمكانه فأمرت بخدمها فخرجوا وتنحينا، وخرجت إليه فحدثته أنها رأته في منامها فانتبهت وقالت هذه الأبيات وغنت فيها، فحدثها هو أيضاً رؤياه واصطلحا. فلما قتل المتوكل سلاه جميع جواريه غيرها، فإنها لم تزل حزينةً هاجرةً لكل لذةٍ حتى ماتت. ولها فيه ميراث.\rحكى أبو الفرج: أن وصيفاً بعد قتل المتوكل أحضرها يوماً وأحضر الجواري، فجئن وعليهن الثياب الملونة المذهبة والحلي وقد تزين وتعطرن، وجاءت محبوبة وعليها ثيابٌ بيضٌ غير فاخرةٍ حزناً على المتوكل. فغنى الجواري جميعاً وشربن، وطرب وصيف وشرب. ثم قال: يا محبوبة، غني، فأخذت العود وغنت وهي تبكي:","part":2,"page":60},{"id":561,"text":"أي عيشٍ يطيب لي ... لا أرى فيها جعفرا\rملكاً قد رأته عي ... ني قتيلاً معفرا\rكل من كان ذا هيا ... م وحزنٍ فقد برا\rغير محبوبة التي ... لو ترى الموت يشترى\rلاشترته بملكها ... كل هذا لتقبرا\rإن موت الكثيب أص ... لح من أن يعمرا\rفاشتد ذلك على وصيفٍ وأمر بقتلها، فاستوهبها بغا منه فوهبها له. فأعتقها وأمر بإخراجها وأن تكون حيث تختار من البلاد. فخرجت إلى بغداد من سر من رأى، وأخملت ذكرها طول عمرها، وما طمع فيها أحد. رحمها الله تعالى.\rأخبار عبيدة الطنوبرية\rقال أبو الفرج الأصفهاني: كانت عبيدة الطنوبرية من المحسنات المتقدمات في الصنعة والأدب، شهد لها بذلك إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: وحسبها بشهادته. قال: وكان أبو حشيشة يعظمها ويعترف لها بالرياسة والأستاذية. وكانت من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم صوتاً، وكانت لا تخلو من عشق. قال: ولم يعرف في الدنيا امرأةٌ أعظم صنعةً منها من الطنبور. وكانت لها صنعةٌ عجيبة. فمنها في الرمل:\rكن لي شفيعاً إليكا ... إن خفف ذاك عليكا\rوأعفني من سؤالي ... سواك ما في يديكا\rيا من أعز وأهوى ... مالي أهون لديكا\rقال:وحضرت يوماً عند علي بن الهيثم اليزيدي وعنده عمرو بن مسعدة وهارون بن أحمد بن هشام، فجاءه إسحاق بن إبراهيم الموصلي فأخبره خبرهم. فقال له إسحاق: إني كنت أشتهي أن أسمع عبيدة، ولكنها إن عرفتني وسألتموني أن أغني بحضرتها انقطعت ولم تصنع شيئاً، فدعوها على جبلتها، فوافقوه على ذلك، ودخل وكتموه أمره، وكانت لا تعرف إسحاق.وقدم النبيذ، فغنت لحناً لها:\rقريبٌ غير مقترب ... ومؤتلفٌ كمجتنب\rله ودي ولي منه ... دواعي الهمم والكرب\rأواصله على سببٍ ... ويهجرني بلا سبب\rويظلمني على ثقةٍ ... بأن إليه منقلبي\rقال: فطرب إسحاق وشرب نصفاً، ثم تغنت وشرب، حتى والى بين عشرة أنصاف، قال علي بن الهيثم: وشربنا معه. وقام إسحاق ليصلي، فقال لها هارون: ويحك يا عبيدة! ما تبالين والله متى مت! قالت: ولم؟ قال: أتدرين من المستحسن غناءك والشارب عليه ما شرب؟ قالت: ولم؟ قال: أتدرين من المستحسن غناءك والشارب عليه ما شرب؟ قالت: لا والله. قال: إسحاق بن إبراهيم، فلا تعرفينه أنك قد عرفتيه. فلما جاء إسحاق ابتدأت تغني فلحقتها هيبةٌ له واختلاط، فنقصت نقصاناً بيناً. قال: أعرفتموها من أنا؟ فقلت: نعم، عرفها هارون. فقال إسحاق: نقوم إذاً فننصرف، فإنه لا خير في عشرتكم الليلة ولا فائدة لي ولا لكم، وقام فانصرف.\rوقال ملاحظ غلام أبي العباس: اجتمع الطنبوريون عند أبي العباس بن الرشيد يوماً وفيهم المسدود وعبيدة. فقالوا للمسدود: غن، فقال: لا والله، لا تقدمت على عبيدة وهي الأستاذ، فما غنى حتى غنت. وقال محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي: سمعت إسحاق يقول: الطنبور إذا تجاوز عبيدة هذيان.\rهذا ما أمكن إيراده في هذا الباب من أخبار من اشتهر بالغناء، وأخبار القيان، وهو مختصرٌ مما أورده أبو الفرج الأصفهاني - رحمه الله تعالى - في كتابه المترجم بالأغاني من أخبارهم. ولم نلتزم استيعابهم بل ذكرنا أكثرهم وأشهرهم بالغناء، وذكرنا من أخبارهم ما فيه كفاية. فلنذكر خلاف ذلك.\rالباب السابع:\rحاجات المغني ووصف القيان والآلات\rويضطر إلى معرفته، وما قيل في الغناء، وما وصفت به القيان، ووصف آلات الطرب حاجات المغني وما قيل في الغناء ما يحتاجه إليه المغني وما قيل في الغناء والقيان من جيد الشعر","part":2,"page":61},{"id":562,"text":"قال مالك بن أبي السمح: سألت ابن أبي إسرائيل عن المحسن المصيب من المغنين، فقال: هو الذي يشبع الألحان، ويملأ الأنفاس، ويعدل الأوزان، ويفخم الألفاظ، ويعرف الصواب، ويقيم الإعراب، ويستوفي النغم الطوال، ويحسن مقاطع النغم القصار، ويصيب أجناس الإيقاع، ويختلس مواضع النبرات، ويستوفي ما يشاكلها من النقرات. فعرضت على ما قال معبد، فاستحسنه وقال: ما يقال فيه أكثر من هذا. وقد رويت هذه المقالة عن ابن سريج. وقال إبراهيم الموصلي: الغناء على ثلاثة أضرب: فضربٌ ملهٍ مطربٌ يحرك ويستخف، وضربٌ ثانٍ له شجىً ورقةً، وضربٌ ثالثٌ حكمةٌ وإتقان صنعة. قال: كان هذا كله مجموعاً في غناء ابن سريج. وقال أبو عثمان الناجم: بحبوحة الحلق الطيب تشبه مرض الأجفان الفاترة.\rوأما ما قيل في الغناء وما وصفت به القيان.\rحكي أن بعض المحدثين سمع غناءً بخراسان بالفارسية، فلم يدر ما هو غير أنه شرقه لشجاه وحسنه، فقال في ذلك، وقيل إنه لأبي تمام:\rحمدتك ليلةً شرفت وطابت ... أقام سهادها ومضى كراها\rسمعت بها غناءً كان أولى ... بأن يقتاد نفسي من عناها\rومسمعةٍ يحار السمع فيها ... ولم تصممه، لا يصمم صداها\rمرت أوتارها فشفت وشاقت ... فلو يسطيع حاسدها فداها\rولم أفهم معانيها ولكن ... ورت كبدي فلم أجهل شجاها\rفكنت كأنني أعمى معنًى ... بحب الغانيات وما رآها\rوقال كشاجم في بحة حلق المغني:\rأشتهي في الغناء بحة حلقٍ ... ناعم الصوت متعبٍ مكدود\rكأنين المحب أضعفه الشو ... ق فضاهى به أنين العود\rلا أحب الأوتار تعلو كما لا ... أشتهي الضرب لازماً للعمود\rوأحب المحنبات كحبي ... للمبادي موصولةً بالنشيد\rكهبوب الصبا توسط حالاً ... بين حالين شدةٍ وركود\rوقال الناجم:\rشدوٌ ألذ من ابتدا ... ء العين في إغفائها\rأحلى وأشهى من منى ... نفسٍ وصدق رجائها\rوقال بن بشير:\rوصوتٍ لبنى الأحرا ... ر أهل السيرة الحسنى\rشجٍ يستغرق الأوتا ... ر حتى كلها تفنى\rفما أدري اليد اليسرى ... به أشقى أم اليمنى؟\rوقلنا لمغنيه ... وقد غنى على المثنى\rألا يا ليت هذا الصو ... ت حتى الصبح لا يفنى\rفقد أيقظت اللذا ... ت عيناً ولم تزل وسنى\rوما أفهم ما يعني ... مغنيه إذا غنى\rولكني من حبي ... له أستحسن المعنى\rوقال الثعالبي:\rغناؤك يهزم جيش الكروب ... وعيناك للناس عذر الذنوب\rفويل القلوب إذا ما رنوت ... وإما شدوت فويل الجيوب\rوقال أيضاً:\rوسائلةٍ تسائل عنك قلنا ... لها في وصفك العجيب العجيبا\rرنا ظبياً وغنى عندليباً ... ولاح شقائقاً ومشى قضيبا\rوقال عكاشة يصف قينة:\rمن كف جاريةٍ كأن بنانها ... من فضةٍ قد طرفت عنابا\rوكأن يمناها إذا نطقت به ... تلقى على يدها الشمال حسابا\rوقال ابن الرومي:\rوقيانٍ كأنها أمهاتٌ ... عاطفاتٌ على بنيها حواني\rمطفلاتٍ وما حملن جنيناً ... مرضعاتٍ ولسن ذات لبان\rكل طفلٍ يدعى بأسماء شتى ... بين عودٍ ومزهرٍ وكران\rأمه دهرها تترجم عنه ... وهو بادي الغنى عن الترجمان\rوقال أيضاً:\rكأنما رقة مسموعها ... رقة شكوى سبقت دمعه\rغنت فلم تحتج إلى زامرٍ ... هل تحوج الشمس إلى شمعة\rكأنما غنت لشمس الضحى ... فألبستها حسنها خلعة\rوقال الناجم:\rما صدحت عاتبٌ ومزهرها ... إلا وثقنا باللهو والفرح\rلها غناءٌ كالبرء في جسدٍ ... أضناه طول السقام والترح\rتعبدها الراح فهي ما صدحت ... إبريقنا ساجدٌ على القدح\rوقال أيضاً:","part":2,"page":62},{"id":563,"text":"ما تغنت إلا تكشف همٌ ... عن فؤادٍ وأقشعت أحزان\rتفضل المسمعين طيباً وحسناً ... مثل ما يفضل السماع العيان\rوقال أبو عبادة البحتري:\rوأشارت على الغناء بألحا ... ظٍ مراضٍ من التصابي، صحاح\rفطربن لهن قبل المثاني ... وسكرنا لهن قبل الراح\rوقال كشاجم وهو أبو الفتح محمود:\rأفدي التي أهدت لنا ... شمس الضحى والليل حالك\rمملوكةٌ جلت فلي ... س تفي بقيمتها الممالك\rعرضت فأعطت عودها ... ضرباً يعرض للمهالك\rوتبعتها فتصرفت ... بالضرب في كل المسالك\rويئست من إدراكها ... فجعلت صورتي عند ذلك\rقصرت يدي عن الغدا ... ة، فكيف لي بيدٍ تنالك\rوقال أيضاً:\rبدت في نسوةٍ مثل ال ... مها أدمجن إدماجا\rيجاذبن من الأردا ... ف كثباناً وأمواجا\rويسترن من الأبشا ... ر في الديباج ديباجا\rوقضباناً من الفض ... ة قد أثمرت العاجا\rوقد لاثت من الكور ... على مفرقها تاجا\rفلما طفن بالمجل ... س أفراداً وأزواجا\rتجاوبن فغنين ... ك أرمالاً وأهزاجا\rوحركن من الأوتا ... ر إمساكاً وإدماجا\rفلا لوم على قلب ... ك إن هيج فاهتاجا\rوقال علي بن عبد الرحمن بن يونس المنجم في عوادة:\rغنت فأخفت صوتها في عودها ... فكأنما الصوتان صوت العود\rغيداء تأمر عودها فيطيعها ... أبداً ويتبعها اتباع ودود\rأندى من النوار صبحاً صوتها ... وأرق من نشر الثنا المعهود\rفكأنما الصوتان حينما تمازجا ... ماء الغمامة وابنة العنقود\rوقال أبو عون الكاتب:\rتشد فيرقص بالرءو ... س لها ويرمز بالكئوس\rوقال الناجم:\rطفقت تغنينا فخلنا أنها ... لسرورنا بغنائها تعنينا\rوقال أبو هلال العسكري:\rوهيجت لي من شجوٍ ومن فرحٍ ... أيدٍ نثرن على الأوتار عنابا\rلا عيب في العيش إلا خوف غيبتكم ... إن السرور إذا ما غبتمو غابا\rوقال هارون بن علي المنجم:\rغصنٌ على دعص نقاً منهال ... سعى بكأسٍ مثل لمع الآل\rوفاتنات الطرف والدلال ... هيف الخصور رجح الأكفال\rيأخذن من طرائف الأرمال ... ومحكم الخفاف والثقال\rتجري مع الناس بلا إنفصال ... مثل اختلاط الخمر بالزلال\rتدعو إلى الصبوة كل سال ... تصرع كل فاتكٍ بطال\rبين حرام اللهو والحلال ... أكرم من مصارع الأبطال\rوقال شاعرٌ يذم مغنيا:\rومغنٍ بارد النغ ... مة مختل اليدين\rما رآه أحدٌ في ... دار قومٍ مرتين\rصوته أقطع للذ ... ات من سطوة بين\rوقال ابن الرومي:\rفظلت أشرب بالأرطال لا طرباً ... عليه بل طلباً للسكر والنوم\rوصف آلات الطرب فمن ذلك ما وصف به العود. نظم أبو الفتح محمود المعروف بكشاجم قول الحكماء: إن العود مركبٌ على الطبائع الأربع، فقال:\rشدت فجلت أسماعنا بمخففٍ ... يحدثها عن سرها وتحدثه\rمشاكلةٌ أوتاره في طباعها ... عناصر منها أحدث الخلق محدثه\rفللنار منه الزير والبم أرضه ... وللريح مثناه وللماء مثلثه\rوكل امرئ يرتاح منه لنغمةٍ ... على حسب الطبع الذي منه يبعثه\rشكا ضرب يمناها فظلت يسراها ... تطوقه طوراً وطوراً ترعثه\rفما برحت حتى أرتنا مخارقاً ... يجاوبه في أحسن النقر عثعثه\rوحتى حسبت البابليين ألقيا ... على لفظها السحر الذي فيه تنفثه\rوقال آخر:\rجاءت بعودٍ تناغيه فيسعدها ... انظر بدائع ما تأتي به الشجر","part":2,"page":63},{"id":564,"text":"غنت على عوده الأطيار من طربً ... رطباً، فلما ذوى غنت به البشر\rفلا يزال عليه أو به طربٌ ... يهيجه الأعجمان: والطير والوتر\rوقال آخر:\rسقى الله أرضاً أنبتت عودك الذي ... ذكت منه أنفاسٌ وطابت مغارس\rتغنت عليه الورق والعود أخضر ... وغنت عليه الغيد والعود يابس\rوقال آخر:\rلا تحسب العود إن غنتك شادنةٌ ... جاءتك بالطيف فيه نغمة الوتر\rوإنما الطير ألقت عنده خبراً ... فعذبوه فنم العود بالخبر\rوقال آخر:\rفكأنه في حجرها ولدٌ لها ... ضمته بين ترائبٍ ولبان\rطوراً تدغدغ بطنه فإذا هفا ... عركت له أذناً من الآذان\rوقال الناجم:\rإذا احتضنت عودها عابث ... وناغته أحسن أن يعربا\rتدغدغ في مهلٍ بطنه ... فيسمعنا مضحكاً معجبا\rوقال الحمدوني:\rوناطقٍ بلسانٍ لا ضمير له ... كأنه فخذٌ نيطت إلى قدم\rيبدي ضمير سواه في الحديث كما ... يبدي ضمير سواه الخط بالقلم\rوقال كشاجم:\rجاءت بعودٍ كأن نغمته ... صوت فتاةٍ تشكو فراق فتى\rمخففٌ خفت النفوس به ... كأنما الزهر حوله نبتا\rدارت ملاويه واختفت ... مثل اختلاف الكفين شبكتا\rلو حركته وراء منهزمٍ ... على بريدٍ لعاج والتفتا\rيا حسن صوتيهما كأنهما ... أختان في صنعةٍ تراسلتا\rوهو على ذا ينوب إن سكتت ... عنها، وعنه تنوب إن سكتا\rوقال أيضاً:\rوجاريةٍ مثل شمس النهار ... أو البدر بين النجوم الدراري\rأتتك تميس بقد القضيب ... وترنو بعين مهاة القفار\rوترفل في مصمتٍ أبيضٍ ... تلون من خدها الجلناري\rوتحمل عوداً فصبح الجواب ... يشارك أرواحنا في المجاري\rله عنقٌ كذراع الفتاة ... ودسانةٌ بمكان السوار\rفجادت عليه وجادت له ... بسعف اليمين ولطف اليسار\rفما أمهلته وما نهنهته ... من الظهر حتى تقضي النهار\rولما تغنت غناء الوداع ... بكيت وقلت لبعض الجواري:\rلئن عشت عند هزار اللقاء ... لقد مت عند هزار الإزار\rوقال أيضاً:\rوكثيرة النغمات تحسبها ... في كل عضوٍ أوتيت حلقا\rغنت فظلت إخالني طرباً ... أسمو إلى الأملاك أو أرقى\rوتكلمت أوتارها فأنا ... فيها أخبر بالذي ألقى\rتحكي أنيني وهي شاكيةٌ ... مما أجن وتشتكي عشقا\rوترى لها عوداً تعانقه ... وكلامه وكلامها وفقا\rلو لم تحركه أناملها ... كان الهواء يفيده نطقا\rجسته عالمةً بحالته ... جس الطبيب لمدنفٍ عرقا\rفحسبت يمناها تحركه ... رعداً، وخلت يسارها برقا\rوقال أيضا:\rتميس من الوشي في حلةٍ ... تجرجر من فضل أذيالها\rوتحمل عوداً فصيح الجواب ... يضاهي اللحون بأشكالها\rله عنقٌ مثل ساق الفتاة ... ودستانةٌ مثل خلخالها\rفظلت تطارح أوتاره ... بأهزاجها وبأرمالها\rوتعمل جساً لجس العروق ... وتلوي الملاوي بأمثالها\rوقال آخر يصف الطنبور:\rمخطف الخصر أجوف ... جيده نصف سائره\rأنطقته يدا فتًى ... فاتر اللحظ ساحره\rفجلا عن ضميره ... ما حوى في خواطره\rوقال سيف الدين المشد في دف:\rوطاريةٍ قرعت طارها ... وغنت عليه بصوتٍ عجيب\rفعاينت شمس الضحى أقبلت ... وبدرٌ تقدمها عن قريب\rوقال أيضاً يصف شبابة:\rوعاريةٍ من كل عيبٍ، حبيبةٍ ... إلى كل قلبٍ بات بالبين مجروحا","part":2,"page":64},{"id":565,"text":"لها جسدٌ ميتٌ يعيش بنفخةٍ ... متى داخلته الريح صارت به روحا\rتعيد الذي يلقى عليها بلذةٍ ... تزيد فؤاد الصب وجداً وتبريحا\rوتنطق بالسحر الحلال عن الهوى ... وتوحي إلى الأسماع أطيب ما يوحى\rالقسم الرابع من الفن الثاني وفيه أربعة أبواب\rفي التهاني والمراثي والزهد والتوكل\rالباب الأول\rفي التهاني والبشائر\rوالتهاني تنقسم إلى قسمين وتنحاز في جهتين: خصوص وعموم. فالخصوص هو ما يتعلق بالرجل من منصبٍ يليه، ونعمةٍ تواليه، وولدٍ رزقه، وشفاءٍ من مرضٍ أقلقه وأرقه، وقدومٍ من سفر، وزواجٍ قضى به الأرب والوطر. والعموم هو ما يتعلق بالجمهور، ويتساوى فيه الملك والمملوك والآمر والمأمور: من انصباب غيثٍ عم الربا والوهاد، وجريان نيلٍ شمل بريه البلاد وآمن العباد، وهزيمة عدوٍ زاد في عدوانه وتمادى في طغيانه، وفتوح حصنٍ أمن أهله بتشييد أركانه وإتقان بنيانه.\rمما هنئ به ولاة المناصب كتب بعض الفضلاء تهنئةً بخلافةٍ فقال: أما بعد، فإن أولى النعم بالدوام، وأرجاها للبقاء والتمام، وأجدرها بالخلود، وأقربها إلى المزيد، وأحراها بالسلامة على نوب الأيام وتصاريف الأحداث، نعمةٌ نشأت بفنائه، وسكنت ذراه فحمدت مثواه، وساسها أولياؤها بحسن المجاورة وكرم المصاحبة سياسة الحاني الشفيق، وكفلوها كفالة الحدب الرفيق، فنمت وتمت، وخصت وعمت، ثم اعترضها من ريب الزمان ما هاج سواكنها، وأزعج كوامنها، وأصارها إلى الوحشة بعد الأنس، والنفرة بعد الإلف، تتقلقل تقلقل العوادي، وتشرد شرود الضوال، لافظةً لها الأقطار ونابيةً بها المحال، إلى أن أعداها الله تعالى بلطفه إلى مغناها المعروف، وربعها المألوف، واستقرت بعد الاضطراب، وفاءت بعد الاغتراب. وتلك نعمة الله عند سيدنا أمير المؤمنين، لما جدد له من كرامته، واصطفاه له من خلافته، وطوقه إياها من إمامته، ورده إليه من تدبير الملك، واعتمد عليه في سياسة الأنام، فأحيا به السنن القاصرة، وأزال به الرسوم الجائرة، ونهج به سبيل العدل، وأقام به منار الفضل.\rوقال طريح بن إسماعيل الثقفي في المنصور لما أفضت الخلافة إليه:\rلما أتى الناس ملكهم ... إليك قد صار أمره سجدوا\rواستبشروا بالرضى تباشرهم ... بالخلد لو قيل إنهم خلدوا\rكنت أرى ما وجدت من الفر ... حة لم يلق مثلها أحد\rحتى رأيت العباد كلهم ... قد وجدوا فيك مثل ما أجد\rقد طلب الناس ما بلغت فما ... نالوا ولا قاربوا ولا جهدوا\rيرفعك الله بالتكرم والتق ... وى فتعلو وأنت تقتصد\rقال زيد السندي يهنئ الوزير يعقوب بن كلسٍ بوزارة العزيز بمصر:\rإن الوزارة لم تزل بك صبةً ... تهواك لم يخطر سواك ببالها\rخطبت فلم تعط القياد لطالبٍ ... وأبت على طلابها بوصالها\rوقال ابن بشر الصقلي الكاتب يهنئ الحسن بن إبراهيم التستري بوزارة مصر، وقد وزر للمستنصر في سنة أربعٍ وخمسين وأربعمائة:\rبيومك طارت في البلاد البشائر ... وطابت بموجوع الحديث المحاضر\rوأصبحت الأمصار أمناً وغبطةً ... أسرتها مهتزةٌ والمنابر\rوقام خطيب الحمد في كل موقفٍ ... يعدد ما تملي عليه المآثر\rومنها:\rلقد عاشرت الوزارة منك ماجداً ... له كنفٌ لا يجتويه المعاشر\rفسيح امتداد الظل بين رحابه ... وبين المعالي آهل الربع عامر\rفألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر\rوما زلت ملحوظاً لها ومؤهلاً ... لذا الأمر مذ شدت عليك المآزر\rوقال آخر:\rكلما رمت أن أهنيك وقتاً ... بمحلٍ من العلا ترتقيه\rشمت مقدارك الذي أعجز الوا ... صف أعلى من الذي أنت فيه","part":2,"page":65},{"id":566,"text":"وكتب الحمدوني أخو صاحب التذكرة يهنئ بالسلامة من حريقٍ وقع في دار الخلافة: الدنيا - أعز الله أنصار الخدمة الشريفة - دار الامتحان والاختبار، ومجاز الابتلاء والاعتبار، ولله فيما نزله فيها إلى عباده من نعمه، وتخولهم من مواهبه وقسمه، عاداتٌ يقتضيها بالغ حكمته، وماضي إرادته ومشيئته، ليستيقظ الذاهل، ويعترف الجاهل، ويزداد العالم اللبيب اعتباراً، ويستفيد العاقل الأريب تفكراً واستبصاراً، فلا يغفل عن واجب الشكر إذا سيقت النعمة إليه، ولا يلهو عن استدعاء المزيد منها بالاعتراف إذا أسبغت عليه، وهو أن الباري سبحانه إذا تابع آلاءه إلى عبدٍ ووالاها، وجردها له من الشوائب وأخلاها، وأماط عن مشاربها أكدار الدنيا المطبوعة على الكدر، وغمر مساربها بالأمن من طوارق الغير، خيف عليها الانتقاض والزوال، وتوقع لها الانتهاء والانتقال. ومن ذلك الخبر المروي: أنه لما أنزل الله تعالى \" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا \" ابتهج الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه بكى. فقالوا: ما يبكيك وقد أكمل الله لنا ديننا برحمته، وأتمم لنا سابغ نعمته؟ فقال: يبكيني أنه ما تم أمرٌ إلا بدا نقصه. فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قريبٍ. وإذا كانت مشوبةٌ برائعٍ يتخلل صفوها، وطارقٍ يجهم في بعض الأوقات عفوها، كان ذلك صارفاً عنها عين الكمال، مؤذناً بطول الآجال، حاكماً لها بتراخي عمر البقاء، دالاً على الصعود بها إلى درج المكث الطويل والارتقاء، وحكمه حكم المرضى الذي تصح به الأجساد، وتمحص ذنوب من يسلط عليه من العباد:\rفلا يبهج الأعداء سوء ظنونهم ... فلله صنعٌ في الذي ساء ظاهره\rفكم طالبٍ به الشر كامنٌ ... وكم كارهٍ أمراً به الخير وافر\rفلله الحمد الذي جعل ما جرت به الأقدار من الألم الواقع ظاهره، الوجل لوقعه ناظره، لعنايته جلت عظمته عنواناً، وعلى دوام نعمته دليلاً واضحاً وبرهاناً. وإليه الرغبة في أن يجعل الديار وساكنيها، والناس في أقاصي الدنيا وأدانيها، لشريف الحوزة التي بها صلاح العالم فداء، وعنها للمكروه وقاء، فكل حادثٍ مع دوام هذه الأيام الزاهرة جللٌ، وكل غمرٍ من نوائب الدهر ما دفع لطف الله عنها وشل.\rوقال أبو عبادة البحتري يهنئ الفتح بن خاقان بسلامته من الغرق:\rبعدوك الحدث الجليل الواقع ... ولمن يكايدك الحمام الفاجع\rقلنا: لعاً لما عثرت ولا تزل ... نوب الليالي وهي عنك رواجع\rولربما عثر الجواد وشأوه ... متقدمٌ ونبا الحسام القاطع\rلم تظفر الأعداء منك بزلةٍ ... والله دونك حاجزٌ ومدافع\rإحدى الحوادث شارفتك فردها ... صنع الإله ولطفه المتتابع\rحتى برزت لنا وجأشك ساكنٌ ... من نجدةٍ وضياء وجهك ساطع\rما حال لونٌ عند ذاك ولا هفا ... عزمٌ ولا راع الجوانح رائع\rوقال المتنبي يهنئ بعافية:\rالمجد عوفي إذا عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم\rوما أخصك في برءٍ بتهنئةٍ ... إذا سلمت فكل الناس قد سلموا\rمن اتصل بزوجة ذات جمالٍ محمد وحسبٍ، وأصالةٍ وأدب.وقلما تقع التهنئة بذلك إلا بين صديقين صح بينهما الالتئام، وسقطت بينهم مؤنة الاحتشام، وتساويا في الرتبة، وانحدا في الصحبة.\rفمن ذلك ما كتب به الوزير أبو الحسن العامري إلى بعض إخوانه وقد ابتنى بأهل:\rبأيمن طائرٍ وأتم سعدٍ ... يكون من الكريمين اجتماع","part":2,"page":66},{"id":567,"text":"أما إنه المجد اليفاع، والحسن المطاع، تعارفت الطباع، فالتأمت الأنفس الشعاع، كما التقى الثريان، واقترن النيران، كما حاصر الرئيم الضغيم، وهاصر النسيم الغصن المنعم، كما راق فوق المعطف الصارم العضب، كما التقت الصهباء والبارد العذب، بل كما فازت القداح، ونظم الوشاح، واعتنق شنٌ طبقه، واعتلق الروض عبقه. فحبذا النسب شابكه الصهر، والحسب عاقده التقى والبر، على حين جرت الأيامن، واكتنف الحرم الآمن. وبالبين والرفاء، والنعيم والصفاء، والثروة والنماء، والزمن الرغد والعزة القعساء الشماء، على الوفاق، والوئام والاتساق، والحظوظ والجدود، والفسطاط الممدود، وهصر العيش الأملود، والالتئام وتتابع البشرى بالفارس المولود. ومالي تأودت أعطافها، وتأنقت أوصافاً! وتهللت جذلاً، وبسطت في الدعاء مذلاً! أهنأي الأرب، أم صفا المشرب! وقد غبت عن اليوم المشهود، وعطت سدة الأذن للوفود، ولم أقم في السماط، سافراً عن وجه الاغتباط، أتلقى الوالج بمرور التحية، وأفدي الخارج بحكم السرور والأريحية، وأتخدم رفع الوحي والإيماء، وأتقدم من المصافاة والموالاة في الغفير الجماء، كلا! ولا شهدت ليلة الزفاف، وما حلت من محاسنها الأفواف، حيث دارت المنى سلافاً، وصارت العلا دوحةً ألفافاً، وأبدى رونق السيف جلاء، وأبرز عقيلة الحي هداء، هنالك حلت النعماء، ونهلت الأظماء، فياله منظراً، ووعداً منتظراً، لو ناجيته من كثب، وكرعت منه في المنهل الأعذب! بلى! إنه وقع، فشفى ونفع، والركب سنح، فنعم ما منح، أهداها حملاً، فكأنما أسداها أملاً، أثلج الفؤاد، وأروى الزناد، وفي النفس أو كاد، وقلت عن قراه، نفسٍ جذلت بسراه، وأرجت لذكراه. والله ما أحظاه مقدماً وأعلاه في الإحسان قدماً، لو وهبت لمقتضاه من الكرامة دماً. وقد كان في الحق أن أهاجر، وأعصي الناهي والزاجر، فابسط لي عذراً، وأعدني لك ذخراً، وطب مدى الدهر خبراً وخُبرا.\rمن رزقه الله ولداً فمن ذلك ما كتب به الأستاذ ابن العميد في فصلٍ يهنئ عضد الدولة بن بويه وقد ولد له ابنان توءمان: وصل كتاب الأمير بالبشرى التي أبت النعمة بها أن تقع مفردةً، وامتنعت العارفة فيها أن تسنح موحدةً، حتى تيسرت منحتان في وطنٍ، وانتظمت موهبتان في قرنٍ، وطلع من النجيبين أبي قاسم وأبي كاليجار - أدام الله عزهما - طالعا ملك، ونجما سعدٍ، وشهابا عزٍ، وكوكبا مجدٍ، فتأهلت بهما رباع المحاسن، ووطئت لهما أكناف المكارم، واستشرفت إليهما صدور الأسرة والمنابر. وفهمته وشكرت الله تعالى شكر من نادى الآمال فأجابته مكتبةً، ودعا الأماني فجاءته مصحبةً، وحمدته حمداً مكافئاً جسيم ما أتاح وعظيم ما أفاد، واكتنفني من السرور ما فسح مناهج الغبطة، وسهل موارد البهجة، وأشعت ما ورد إشاعةً شرحت صدور الأولياء بمسارها، وأزعجت قلوب الأعداء عن مقارها، وسألت الله إتمام ما آذن به الأميران السيدان من سعادةٍ لا يهتدي إليها الاختيار علواً، ولا ترتقي إليها الأفكار سمواً، وسلطانٍ تضيق البحار عن اتساعه، وتنخفض الأفلاك عن ارتفاعه، ويبلغهما أفضل ما تقسمه السعود، وتعلو به الجدود، حتى يستغرقا مع السابقين إخوتهما مساعي الفضل، ويشيدا قواعد الفخر، ويرجما صروف الدهر، ويضبطا أطراف الأرض، وهو تعالى قريبٌ مجيب.\rومن كلام الوزير الفقيه أبي القاسم محمد بن الجد الأندلسي:","part":2,"page":67},{"id":568,"text":"إن أحق ما انبسط فيه للتهنئة لسانٌ، وتصرف في ميادين معانيه بيانٌ وبنان، أملٌ رجي فتأبا زماناً، واستدعي فلوى عناناٍ، وطاردته الأماني فأتعبته حيناً، وغازلته الهمم فأشعرها حنيناً، ثم طلع غير مرتقبٍ، وورد من صحبة المناجح في عسكرٍ لجب، وكان كالمشير إلى ما بعده من مواكب الآمال، والدليل على ما وراءه من كواكب الإقبال، أو كالصبح افترت عن أنوار الشمس مباسمه، والبرق تتابعت إثر وميضه غمائمه. وفي هذه الجملة ما دل على المولود، المؤذن بترادف الحظوظ وتضاعف السعود. فياله نجم سعادةٍ، طلع في أفق سيادةٍ، وغصن سناءٍ، تفرع عن دوحة علاءٍ، لقد تهللت وجوه المحاسن باستهلاله، وأقبلت وفود الميامن لاستقباله، ونظمت له قلائد التمائم، من جواهر المكارم، وخص بالثدي الحوافل، بلبان الفضائل. وما كان منبت الشرف بإفراد تلك الأرومة الكريمة إلا مقشعر الربا، مغبر الثرى، متهافت أغصان الرضا، فأما وقد اهتز في أيكة السيادة قضيبٌ، ونشأ من نبتته النجابة نجيب، فأخلق بذلك المنبت أن تعاوده نضرته، وترف عليه حبرته، ويراجعه رونقه وبهاؤه، وتضاحكه أرضه وسماؤه. فاحمد لله على ما أتاحه من انثناء الأمل من جماحه، واختيال الجذل في حلبة غرره وأوضاحه. وهو المسئول أن يهبك منه صنعاً يحسن في مثله الحسد، ويتمنى لفضله النسل والولد، بعزته.\rوقال أبو هلال العسكري:\rقد زاد في عدد الكرام كريم ... محضٌ صريحٌ في الكرام صميم\rعالي المحلة لا يزال كأنه ... للفرقدين وللسماك نديم\rفلأمره التتميم كيف تصرفت ... حالاته، ولشأنه التفخيم\rفابشر فقد وافاك يوم رزقته ... حظٌ بتخليد السرور زعيم\rفرعٌ تكفل دهره بتمامه ... حتى يكر الدهر وهو أروم\rإن الهلال يصير بدراً كاملاً ... ويهد سد الليل وهو بهيم\rوهو الوجيه إذا تبدى وجهه ... وغداً إذا نزل العظيم عظيم\rفلأهله به شرفٌ متوطدٌ ... ولهم به شرفٌ أشم عميم\rفاقرر به عيناً فإن خلاله ... تصفو وتسلس أو يقال نسيم\rولجده التصميم حيث تلاحقت ... أقرانه ولشأوه التقديم\rومن كلام الصاحب بن عباد تهنئةٌ ببنت: أهلاً وسهلاً بعقيلة النساء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، وأولاد الأطهار، والمبشرة بإخوةٍ يتنافسون، ونجباء يتلاحقون.\rفلو كان النساء كمثل هذي ... لفضلت النساء على الرجال\rوما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ ... ولا التذكير فخرٌ للهلال\rفادرع يا سيدي اغتباطاً، واستأنف نشاطاً، فالدنيا مؤنثةٌ والرجال يخدمونها، والذكور يعبدونها، والأرض مؤنثةٌ ومنها خلقت البرية، وفيها كثرت الذرية، والسماء مؤنثةٌ وقد تزينت بالكواكب، وحليت بالنجم الثاقب، والنفس مؤنثةٌ وهي قوام الأبدان، وملاك الحيوان، والجنة مؤنثةٌ وبها وعد المتقون، وفيها ينعم المرسلون. فهنيئاً هنيئاً ما أوليت، وأوزعك الله شكر ما أعطيت، وأطال بقاءك ما عرف النسل والولد، وما بقي الأبد، وكما عمر لبد.\rومن كلام أبي المكارم بن عبد السلام من شعراء الخريدة: هذا شعيبٌ النبي بابنته صفوراء استأجر موسى كليم الله. وهذا سيد المرسلين، أبقى الله بفاطمة ابنته نسله إلى يوم الدين. وهذه أم الكتاب سميت الفاتحة، وهي لأبواب مناجاة الرحمن فاتحة. وهذه محكمات القرآن، بها ثبتت شرائع الإيمان. وهذه سورة النساء وسميت بهن وهي من الطوال، ولا سورة من القصار سميت بالرجال. على أن الدنيا بأسرها مؤنثةٌ والملوك من خدامها، والشمس مؤنثةٌ والضياء والبهاء من تمامها، والنفس تؤنث وبها فضل الناس، والحياة تؤنث وهي أساس الحواس، و العين تؤنث وبها يتوسل إلى علم الدقائق، واليد تؤنث وهي المتصدية لتحبير الأشياء، والعضد تؤنث وبها استعانة سائر الأعضاء، والسماء تؤنث وهي تجزي الأمطار، والأرض تؤنث وهي مجمع أطياب الثمار، والجنة تؤنث وبها وعد الأبرار الأخيار، والعين - أعني الذهب - تؤنث وبها يدفع الهلك، والقوس تؤنث وبها عز الملك.\rمما هنئ به في المواسم والقدوم قال ابن الرومي تهنئةً بعيد الفطر:","part":2,"page":68},{"id":569,"text":"قد مضى الصوم صاحباً محموداً ... وأتى الفطر صاحباً مودوداً\rذهب الصوم وهو يحيك نسكاً ... وأتى الفطر وهو يحيك جودا\rوقال آخر:\rرأى العيد وجهك عيداً له ... وإن كنت زدت عله جمالا\rوكبر حين رآك الهلال ... كفعلك حين رأيت الهلالا\rرأى منك ما منه أبصرته ... هلالاً أضاء ووجهاً تلالا\rوقال ابن الرومي يهنئ بعيد أضحى وهو يوم نوروز:\rعيدان: أضحى ونوروز كأنهما ... يوما فعالك من بؤسٍ وإنعام\rكذاك يوماك: يومٌ سبيه ديمٌ ... على العفاة، ويومُ سيفه دامي\rوقال أبو إسحاق الصابي:\rيا سيداً أضحى الزما ... ن بأنسه منه ربيعا\rأيام دهرك لم تزل ... للناس أعياداً جميعاً\rحتى لأوشك بينها ... عيد الحقيقة أن يضيعا\rوقال الشريف الرضي تهنئةً بقدوم:\rقدم السرور بقدمةٍ لك بشرت ... غرر العلا وعوالي التيجان\rقلقت ظبا الأسياف منك بفرحةٍ ... فتكاد تنهضها من الأجفان\rقد كان هذا الدهر يلحظ جانبي ... عن طرف ليثٍ ساغبٍ ظمآن\rفالآن حين قدمت عدن صروفه ... يرمقني بنواظر الغزلان\rمن شواذ التهاني وهي الجمع بين التهنئة والتعزية، والبشارة والتسلية فمن ذلك ما قاله عبد الملك بن صالح للرشيد، وكان من يحسده قد قال للرشيد عنه: إنه يعد كلامه. فأنكر الرشيد وقال: بل هو طبع. وجلس في بعض الأيام ودخل عبد الملك، فقال الرشيد للفضل: قل له: ولد لأمير المؤمنين في هذه الليلة ابنٌ ومات له ابن. فقال الفضل له ذلك. فدنا عبد الملك وقال: يا أمير المؤمنين، سرك الله فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرك، وجعلها واحدةً بواحدةٍ، ثواب الشاكر وأجر الصابر. فقال الرشيد: أهذا الذي زعموا أنه يتصنع الكلام! ما رأى الناس أطبع من عبد الملك في الفصاحة.\rومن ذلك ما حكاه ثمامة بن أشرس قال: لما دخل المأمون بغداد بعد قتل الأمين دخلت عليه زبيدة بنة جعفر أم الأمين، فجلست بين يديه وقالت: الحمد لله! إن أهنئك بالخلافة فقد هنأت بها نفسي قبل أن أراك، وإن كنت فقدت ابناً خليفةً لقد اعتضدت ابناً خليفةً. وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أمٌ ملأت عينها منك. وأنا أسأل الله أجراً على ما أخذ، وإمتاعاً بما وهب . فقال المأمون: ما تلد النساء مثل هذه، ما تراها أبقت في الكلام لبلغاء الرجال! وقال عبد الله بن الحسن الجعفري السمرقندي يهنئ العزيز بخلافة مصر ويرثي أباه المعز:\rقد أصبح الجوهر العلوي منتقلاً ... في خير من كان خير الورى بدلا\rيا منحةً كملت في منحةٍ عظمت ... لولاك في الدهر ما نال امرؤٌ أملا\rصنعٌ من الله في خطبٍ أتيح لنا ... عم البلاد وعم السهل والجبلا\rكان الزمان بمن أبقى ومن أخذت ... صروفه مذنباً طوراً ومنتصلا\rقام العزيز بما أفضى المعز به ... إليه مضطلعاً بالعبء محتملا\rفقام أحفظ مسترعًى رعى فكفى ... من بعد خير إمامٍ قوم الميلا\rكالسيف منتصلاً والبحر مندفقاً ... والبدر مؤتلقاً والغيث محتفلا\rومنها:\rفي طلعة البدر من شمس الضحى عوضٌ ... وظلمة الليل يجلو جنحها ابن جلا\rوما الأئمة إلا أنجمٌ زهرٌ ... يبدو لنا كوكبٌ إن كوكبٌ أفلا\rإن المعز الذي لا خلق يشبهه ... إلا العزيز ابنه إن قال أو فعلا\rملكٌ وجدنا التقى والعدل عدته ... إذا الملوك استعدوا الكيد والحيلا\rسمت إلى العالم النوري همته ... ففارق القتم الأرضي وانتقلا\rوراجعت نفسه في القدس عنصرها ... ولم يزل بحبال الله متصلا\rلم يرض خلقاً من الدنيا يجاوره ... إلا الملائك في الفردوس والرسلا\rلولا نزارٌ وعين الله تحرسه ... كنا بفقد معدٍ أمةً هملا\rفإن مضى كافل الدنيا وما ضمنت ... فذا ابنه كافلٌ عنه بما كفلا","part":2,"page":69},{"id":570,"text":"وإن هوى الجبل الراسي فذا جبلٌ ... راسٍلنا بعده، أعظم به جبلا!\rعمت خلافته الدنيا برونقها ... كأنه الشمس فيها حلت الحملا\rملكٌ أغر وأيامٌ محجلةٌ ... ودولةٌ كل وقتٍ فيها تقهر الدولا\rأضحت ملوك بني الدنيا له خولاً ... وما حوت كل دارٍ منهم نفلا\rيا أيها الملك والمأمول نائله ... ومن هو الغاية القصوى لنا أملا\rكان السرير سرير الملك منخفضاً ... حتى ارتقيت ذراه فارتقى وعلا\rومن ذلك ما كتب عاملٌ إلى المصروف به: قد قلدت العمل بناحيتك، فهنأك الله بتجدد ولايتك، فأنفذت خليفتي لخلافتك، فلا تخله من هدايتك، إلى أن يمن الله بزيارتك.\rفأجابه: ما انتقلت عني نعمةٌ صارت إليك، ولا خلوت من كرامةٍ اشتملت عليك. وإني لأجد صرفي بك ولايةً ثانيةً وصلةً وافية، لما أرجو لمكانك من حسن الخاتمة ومحمود العاقبة. والسلام.\rوكتب إبراهيم بن عيسى الكاتب يهنئ إبراهيم بن المدبر بالعزل عن عملٍ:\rليهنئ أبا إسحاقٍ أسباب نعمةٍ ... مجددةٍ بالعزل، والعزل أنبل\rشهدت لقد منوا عليك وأحسنوا ... لأنك بعد العزل أعلى وأفضل\rآخر:\rإن الأمير هو الذي ... يضحي أميراً عند عزله\rإن زال سلطان الولا ... ية فهو في سلطان فضله\rوكتب أبو إسحاق الصابي إلى رجل زوج أمه: قد جعلك الله - وله الحمد - من أهل التحصيل، والرأي الأصيل، وصحة الدين، وخلقٍ ذي اليقين. فكما أنك لا تتبع الشهوة في محظورٍ تحله، فكذلك لا تطيع الأنفة في مباحٍ تحظره. وتأدى إلي من اتصال الوالدة - يسر الله لها في مدتك، وأحسن بالبقية منها إمتاعك - بأبي فلان، أعزه الله، ما علمت فيه أنك بين طاعةٍ للديانة توخيتها، ومشقةٍ تجشمتها، وأنك جدعت أنف الغيرة بها، وأضرعت خد الحمية فيها، وأسخطت نفسك بإرضائها، وعصيت هواك لرأيها. فنحن نهيك بعزيمة صبرك، ونعزيك عن فائت مرادك، ونسأل الله الخيرة لك فيه، وان يجعلها أبداً معك فيما شئت وأبيت، وتجنبت وأتيت.\rوقال كاتبٌ متقدمٌ في مثل ذلك: الرضا بما يبيحه حكم الله أولى من الامتعاض فيما تحظره أنفة الحمية. ولا قبح فيما أحل الله، كما لا جمال فيما حرم الله. فعرفك الله الخيرة فيما اختارته من طهارة العفاف ونبل الحصانة، وعطفك من برها على ما تؤدي به حقها، وما لزمك المعروف في مصاحبتها.\rوكتب الصاحب بن عباد تهنئةً بزواج أمٍ وتعزيةً بموت أب، فقال: الأيام - أطال الله بقائك - تجري على أنحاءٍ مختلفةٍ، وشعبٍ متفرقة، وأحكامها تتفاوت بيننا بما يسوء ويسر، وينفع ويضر. وبلغني من نفوذ قضاء الله في شيخك - رحمه الله - ما أزعجني، وأبهم طرق السلوة دوني، وإن كان من خلفك غير خارجٍ عن مزية الأحياء، ولا حاصلٍ في زمرة الأموات. والله يأسو كلمك، ويسد ثلمك. وقد فعل ذلك بأن أتاح الله لك بعد أبيك أباً لا يقصر عنه شفقةً عليك وحنواً، وإيثاراً لك وبراً. وقد لعمري وفقت حين وصلت بحبلك حبله، وأسكنت الكبيرة - حرسها الله تعالى - ظله، لئلا تفقد من الماضي - عفا الله عنه - إلا شخصه. فالحمد لله الذي أرشدك لما يعيد الشمل مجتمعاً بعد فراقه، والعدد موفوراً بعد انتقاصه، حمداً يقضي لك بالمسرة، ويحسم دونك مراد الوحشة، ويلقيك ثواب ما قضيته من الحق، وتحملته فيه من الأوق، إنه فعالٌ لما يريد.\rفهذه نبذةٌ كافيةٌ في التهاني الخالصة، فلنذكر العامة.\rالتهاني العامة والبشائر التامة ولنبدأ من ذلك بما قيل في البشارة بوفاء النيل، لما فيه من عموم المنافع الشاملة، وشمول النعم الكاملة، والخصب الذي يتساوى في الانتفاع به الغني والفقير، والمأمور والأمير.\rفمن ذلك ما كتب به المولى الفاضل، الصدر الكبير الكامل، ذو المناقب والمآثر، والفضائل والمفاخر، شهاب الدين محمود الحلبي:","part":2,"page":70},{"id":571,"text":"وسره بنبأ النيل الذي عم نيلا، وجرى على وجه الأرض ملاءة ملأته، فشمر المحل للرحلة ذيلا، وجرد على الجرد سيف خصبه فسال محمر دمه على وجه الصعيد سيلا، وجرى وسرى في ضياء إشراقه وظلمة تراكمه إلى الأرض التي بارك بها حولها، فجعل من أجراه نهاراً وسبحان من أسرى به ليلاً. صدرت هذه المكاتبة إليه - أعزه الله تعالى - ونعم الله قد عمت، وآلاؤه مع تحقق المزيد قد تمت، ومواد فضله قد أمت الأقطار فقامت صلاة الصلات إذ أمت، وكلمة الخصب قد نمت في الآفاق، فوشت بمكنون حديثها للأرض ونمت، والخصب قد أقبل على الجدب فلم يكن له بمقاومته قبل، وطوفان الرحمة قد طبق الوهاد، فلم يغن المحل أن قال: سآوى منه إلى جبل. والسيل قد بلغ في تتبع بقايا القحط الزبى، والنيل قد عم بنيله الأرض حتى كلل مفارق الآكام وعمم رءوس الربا، وحمى الأرض من تطرق المحول إليها فأصبحت منه في حرم، وظهرت به عجائب القدرة، ومنها أن ابن الستة عشر بلغ إلى الهرم، وبث جوده في الوجود فلو صور نفسه لم يزدها على ما فيه من كرم، وتلقت منه النفوس أبهج محبوبٍ طرد ممقوتاً، ووثقت من حمرته بالغنى والمنى إذ لم تدر أيا قوتاً تشاهد منه أم قوتاً. وجرى في الوفاء على أكمل ما ألف من عادته، وظهر بإشراقه وعموم نفعه ظهور الشمس فألقى على الأرض أشعة سعادته، وأقبلت به على الخلق بوادر الإقبال، وركب الناس منه في سفن النجاح والنجاة فهي تجري بهم في موجٍ كالجبال. وبلغ الله به المنافع فزعزع الشم ولم يتجاسر على الجسور، وأمن الناس به طروق المحل الطرود به عنهم فضرب بينهم بسور، وأقطع الخصب الأرض كلها فله في كل بقعةٍ مثالٌ مرئيٌ ومنشور منشور، وبعث إلى كل عملٍ من سرايا جوده عارضاً مغضباً على المحل ما يخطر إلا وسيفه مشهور، وأودع بطن الثري مواد ثرائه، واستقبل الورى بوجه ما تأمله امرؤٌ صادى الجوانح إلا ارتوى من مائه، وأظهر الله به مثال ما سلف من كرامة أصفيائه، إذ جعل تحت كل نخلةٍ من سراه سرايا، وجلا به عن الأمة ظلم الغمة إذ أطلع منه في أول مطالعه المرتقبة محياً بدرياً. وذلك أنه لما كان في اليوم الفلاني وفي النيل المبارك ستة عشر ذراعاً، ومد بحسن صنع الله إلى مصالح البلاد يداً صناعاً، وركبنا إلى المقياس الذي تعلم به مواقع الرحمة في كل يومٍ ، وتهدى منه واردات السرور إلى كل قومٍ، ووقفنا به لابسين من رحمة الله تعالى أحسن لباس، آنسين من أنوار الرحمة في التي أزالت اليأس وأذهبت الباس، ناظرين إلى أثر رحمة الله التي أحيت الأرض بعد موتها، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس. وجرى الأمر في التخليق على أجمل عادات البدور، وعلقت ستارة المقياس لا للإخفاء على عادة الأستار، بل للإشاعة والظهور، واستقر حكم المسرة على السنن المعهود، وعاد للناس عيد سرورهم إذ ذاك يومٌ مجموعٌ له الناس وذلك يومٌ مشهود. وركب مولانا السلطان إلى سد الخليج والماء قد استطال عليه،وسرت سرايا أمواجه إليه، وصدمه بقوةٍ فاندفع منكسراً بين يديه، فانجبرت القلوب بكسره، وساق الله به الماء إلى الأرض الجزر فأحياها وحياها، ورق لوجهها المغبر فستر بردائه المحمر صفحة محياها. كل ذلك وهو - بحمد الله تعالى - آخذٌ في الازدياد، جارٍ على وفق المراد إلى حده المعتاد، سالكٌ ببلاغه سبيل أهل البلاغة إذ يهيمون في كل واد. وهاهو الآن يرتفع إلى كل ربوةٍ على جناح النجاح، ويخيف السبل وما عليه حرجٌ ويقطع الطرق وليس عليه جناح. فليأخذ مولانا حظه من هذه البشرى التي عم بشرها، ووجب على كل مؤمنٍ شكرها، ويتحقق أن هذه بوادر خيرٍ تسري إليه على ركائب السحائب، وطلائع خصبٍ هي لديه أقرب غائبٍ وأسرع آئب. و الله تعالى يعز أنصاره، ويوالي مباره، بمحمدٍ وآله.\rوكتب أيضاً في مثل ذلك:","part":2,"page":71},{"id":572,"text":"ضاعف الله نعمة المجلس العالي، وبشره بما أجرى الأمة عليه من عوائد كرمه، وسره بما يسره من خصوص بره وعموم نعمه، وهناه بما سناه من هرب جيش المحل بعد قدم وثبات قدمه، وأورد على سمعه من أنباء نصرة الخصب ما يتحقق به أن لم يبق في الأرض علمٌ إلا تحت علمه، وأنه ذبح الجدب بسيفٍ مده الذي أنبأ بحمرة عندمه عن دمه، وبث سراياه في الأقطار، على متون القطار، مرهفاً على بقايا المحل سيوف بروقه ونبال ديمه، وضرب قباب موجه على المسالك، فلو هبت بينهما عاصفة جدبٍ تعثرت بأطناب خيمه، ولعب على ما شمخ من الربا، فعجبٌ له من كاملٍ يلعب وقد بلغ إلى هرمه! صدرت هذه المكاتبة تقص عليه من نعم الله أحسن القصص، وتهدي إليه من مواد فضله ما يخص الشام وأهله منه بأوفى الأقسام وأوفر الحصص، وتحثه على شكر الله تعالى الذي به ينتهز من مزيد بره أعظم الحظوظ وأفضل الفرص، وتعلم أن الله نصر جيش الرخاء بمدد لطفه على اليأس الذي تولى الشيطان أمره فلما تراءت الفئتان نكص، وأنعم على خلقه بما أرخصته عزائم كرمه بهم، فوجب أن تقابل نعمه بعزائم الشكر دون الرخص، وذلك أن الله تعالى أجاب دعوة المضطر، وأفاض بره العميم على الغني والفقير والقانع والمعتر، وأحيا الأرض بعد موتها، وتدارك برحمته دنيا الدهماء بعد أن أشرفت على فوتها، وأجرى الخلق على عوائد كرمه، وأجرى لهم بقدرته من حجب الغيب مواد نعمه، وأعلى لديهم موارد نيلهم حتى كاد ما يشرب بفروق ساقه يتناول الماء بفمه، وأمر البحر فأقبل بالفرج القريب من الأمد البعيد، وأذن له في الترفع من محله فسجد على الترب شكراً وتيمم الصعيد وإن لم يبق به الآن على وجه الأرض صعيد، وأسرى منه ركائب السرور إلى الأقطار ففي كل نادٍ من هديره حادٍ وفي كل برٍ من بروره بريد، وذكر بإحياء الأرض بعد موتها إحياء أمواتها، \" إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد \" ، ونشر ألويته على الثرى لأهل الأرض بشراً بين يدي رحمته، \" وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد \" ، وأقبل بعد نقص عامه الماضي بوجهٍ عليه حمرة الخجل، وعزمٍ سبق سيفه إلى المحل العذل بل الأجل، وحزمٍ أدرك الجدب بوجهٍ قبل أن يقول: سآوى إلى جبلٍ، واستظهارٍ على كل ما علا من الأرض حتى إن الهرمين باتا منه على وجل، ومهد الأرض التي كانت ترقبه فهو لها المنتظر على الحقيقة، ووطئ بطن القرى فنتج الخصب بينهما وذبح المحل في العقيقة، وقطع الطرق فآمن بذلك كل حاضرٍ وبادٍ ورائحٍ وغاد، واتبعه الري لا الروي حتى أضحى كالشعراء يهيم في كل واد، وعمت بركاته على الأرض فتركن كل قرارةٍ كالدرهم من الخصب مرتعاً، وأربى على ريه فيما سلف من السنين، فأضحى كهوى ابن أبي ربيعة \" يقيس ذراعاً كلما قسن إصبعا \" ، وتجعد على الآكام فخيل للعيون أنها تسيل، وشيب مفارق الربا ببياض زبده، وعادة بياض الشيب أن يخضب بورق النيل. وكأن ما بقي من المحل قد جعل بينه وبينه سداً، وتستر منه ورآه وهو يملي ويعد له عداً، فصدمه بقلبه وجعله دكاً إذ جاء أمر ربه وأدركه وملكه، وسفك دمه فجرى مستطيلاً إذ سفكه، ووفى بما وعد من ظفره، وأتى لنصرة الخصب من مكانٍ بعيدٍ فأسفر عن النجح وجه سفره، وأسبل على مقياسه ستر السرور لإخفاره ذمة الجدب لا لخفره، وبشر مصره بنصرة سرايا السحائب في أقطار الممالك لأنها من أشياعه ونفره. ولما كان اليوم الفلاني علق الستر وخلق المقياس، وكسر الخليج فكان في كسره جبرٌ للخليقة ومنافع للناس، وذلك بعد أن وفى النيل المبارك ستة عشر ذراعاً، وصرف في مصالح البلاد يداً تضن بالبذل خرقاً وتكفي بحسن التدبير ضياعاً، وبث في أرجاء الأعمال بحاراً تحسب بتلاطم الأمواج ركاماً وبمضاعفة الفجاج سراعاً. وهو بحمد الله آخذٌ في ازدياده إلى حده، جارٍ على اعتياده في المشي على وجه الثرى وخده، يتتبع أدواء المحل تتبع طبيبٍ خبير، ويعكس بيت أبي الطيب فتمسي وبسطها تراب، ويصبحها وبسطها حرير. وقد وثقت الأنفس بفضل الله العميم، وأصبح الناس بعد قطوب اليأس تعرف في وجوههم نضرة النعيم، تيمناً ببركة أيامنا التي أعادت إليهم الهجوع، وأعاذتهم مما ابتلي به غيرهم من الخوف والجوع. فليأخذ المجلس العلي حظه من هذه البشرى التي خصت وعمت، ووثقت النفوس بمزيد النعمة إذ قيل: تمت، ويذيعها في الأقطار، ويعرفهم","part":2,"page":72},{"id":573,"text":"قدر ما منح الله جيوش الإسلام من فضله الذي يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، ويستقبل نعم الله التي سيسم الأرض وسميها ويولى النعم وليها ويأتي بالبركات أتيها حتى تغص بالنعم تلك الرحاب، ويظن لعموم ري البلاد الشامية أن نيل مصر وصل إليها على السحاب، ويقيم منار العدل الذي هو خيرٌ بالأرض من أن تمطر، ويعفى آثار الظلم حتى لا تكاد تظهر. ما منح الله جيوش الإسلام من فضله الذي يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، ويستقبل نعم الله التي سيسم الأرض وسميها ويولى النعم وليها ويأتي بالبركات أتيها حتى تغص بالنعم تلك الرحاب، ويظن لعموم ري البلاد الشامية أن نيل مصر وصل إليها على السحاب، ويقيم منار العدل الذي هو خيرٌ بالأرض من أن تمطر، ويعفى آثار الظلم حتى لا تكاد تظهر.\rالتهاني بالفتوحات وهزيمة الأعداء فمن ذلك ما كتب به المهلب بن أبي صفرة إلى الحجاج بن يوسف الثقفي في حرب الأزارقة: أما بعد فالحمد لله الذي لا تنقطع مواد نعمته من خلقه حتى تنقطع مواد الشكر. وإنا وعدونا كنا على حالتين: يسرنا منهم أكثر ما يسوءنا ، ويسوءهم منا أكثر مما يسرهم ، فلم يزل الله عز وجل يزيدنا وينقصهم، ويعزنا ويذلهم، ويؤيدنا ويخذلهم، ويمحصنا ويمحقهم، حتى بلغ الكتاب أجله، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.\rوكتب الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة حين ولي العراق من قبل عبد الله ابن الزبير إليه يخبره بهزيمة الخوارج: أما بعد، فإنا مذ خرجنا نؤم هذا العدو في نعمٍ من الله متصلةٍ علينا، ونقمةٍ من الله متتابعةٍ عليهم، نقدم ويحجمون، ونجد ويرحلون، إلى أن حللنا بسوق الأهواز. والحمد لله رب العالمين.\rثم كتب إليه بعد هذا الكتاب: أما بعد، فإنا لقينا الأزارقة بجدٍ وحد، وكانت في الناس جولةٌ ثم ثاب أهل الحفاظ والصبر بنياتٍ صادقةٍ وأبدانٍ شداد وسيوفٍ حداد، فأعقب الله خير عاقبة، وجاوز بالنعمة مقدار الأمل، فصاروا دريئة رماحنا وضريبة سيوفنا، وقتل الله أميرهم ابن الماحوز، وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأولها. والسلام.\rوكتب طاهر بن الحسين إلى المأمون لما فتح بغداد وقتل محمداً الأمين: أما بعد، فإن المخلوع ولو كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، لقد فرق الله بينهما في الولاية والحرمة، لمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين. قال الله عز وجل: \" يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عملٌ غير صالحٍ \" . ولا صلة لأحدٍ في معصية الله، ولا قطيعة في ذات الله. وكتبت إلى أمير المؤمنين وقد قتل المخلوع ورداه الله رداء نكبة، وأحمد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما كان ينتظر من صادق وعده. والحمد لله المتولي لأمير المؤمنين بنعمته، والراجع إليه بمعلوم حقه، والكائد له ممن ختر عهده ونكث عقده، حتى رد له الألفة بعد تفريقها، وأحيا الأعلام بعد دروس أثرها، ومكن له في الأرض بعد شتات أهلها.\rولما فتح المعتصم عمورية أكثر الشعراء من ذكر هذا الفتح، فمن ذلك قول أبي تمامٍ حبيب بن أوسٍ الطائي من قصيدته التي يقول في أولها:\rالسيف أصدق أنباءً من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب\rبيض الصفائح لاسود الصفائح في ... متونهن جلاء الشك والريب\rوالعلم في شهب الأرماح لامعةً ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب\rجاء منها:\rفتح الفتوح تعالى أن يحط به ... نظمٌ من الشعر أو نثرٌ من الخطب\rفتحٌ تفتح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب\rومنها:\rوبرزة الوجه قد أعيت رياضتها ... كسرى وصدت صدوداً عن أبي كرب\rبكرٌ فما افترعتها كف حادثةٍ ... ولا ترقت إليها همة النوب\rمن عهد إسكندرٍ أو قبل ذاك فقد ... شابت نواصي الليالي وهي لم تشب\rحتى إذا مخض الله السنين لها ... مخض الحليبة كانت زبدة الحقب\rأتتهم الكربة السوداء سادرةً ... منها وكان اسمها فراجة الكرب\rلما رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب\rأشار في هذا البيت إلى فتح أنقرة.\rومنها:\rلبيت صوتاً زبطرياً هرقت له ... كأس الكرى ورضاب الخرد العرب","part":2,"page":73},{"id":574,"text":"قيل: كانت الروم لما فتحت زبطرة صاحت امرأةٌ من المسلمين: وا محمداه! وا معتصماه! فلما بلغه الخبر ركب لوقته يؤم الشام، وصاح: لبيك! لبيك! ولم يرجع إلى أن فتح أنقرة وعمورية. ومنها:\rخليفة الله جازى الله سعيك عن ... جرثومة الدين والإسلام والحسب\rإن كان بين صروف الدهر من رحمٍ ... موصولةٍ أو ذمامٍ غير منقضب\rفبين أيامك اللاتي نصرت بها ... وبين أيام بدرٍ أقرب النسب\rوكتب أبو عبيد عبد الله البكري إلى المعتمد على الله المؤيد بنصر الله يهنئه بالفتح الذي كان في سنة سبعٍ وسبعين وأربعمائة: أطال الله بقاء سيدي ومولاي الجليل القدر، الجميل الذكر، ذي الأيادي الغر، والنعم الزهر، وهنأه ما منحه من فتحٍ ونصر، واعتلاءٍ وقهر. بطالع السعد يا مولاي أبت، وبسانح اليمن عدت، وبكنف الحرز عذت، وفي سبيل الظفر سرت، وبقدم البر سعيت، وبجنة العصمة أتيت، وبسهم السداد رميت فأصميت. صدرٌ عن أكرم المقاصد وأشرف المشاهد، وعودٌ بأجل ما ناله عائدٌ وآب به وارد، فتوحٌ أضحكت مبسم الدهر، وسفرت عن صفحة البشر، وردت ماضي العمر، وأكبت واري الكفر، وهزت أعطاف الأيام طرباً، وسقت أقداح السرور نخباً، وثنت آمال الشرك كذبا، وطوت أحشاء الطاغية رهباً، فذكرها زاد الراكب، وراحة اللاغب، ومتعة الحاضر، ونقلة المسافر.\rبها تنقض الأحلاس في كل منزلٍ ... وتعقد أطراف الحبال وتطلق\rشملت النعمة وجبرت الأمة، وجلت الغمة، وشفت الملة، وبردت الغلة، وكشفت العلة.\rكان داء الإشراك سيفك واشت ... دت شكاة الهدى وكان طبيبا\rفغدا الدين جديداً، والإسلام سعيداً، والزمان حميداً، وعمود الدين قائماً، وكتب الله حاكماً، ودعوة الإيمان منصورة، وعين الله قريرة. فهنأ الله مولانا وهنأنا هذه المنح البهية مطالعها، الشهية مواقعها، وعضد حسامه فبالقسط يسل ويغمد، وأيد مذاهبه فبالتحزم تسدى وتلحم، وأمر كتائبه ففي الله تسرج وتلجم. فكم فادحٍ خطب كفاه، وظلامٍ كربٍ جلاه، وميت حقٍ أحياه، وحي باطلٍ أرداه! وكم جاحم ضلالةٍ أطفأ ناره، وناجم فتنةٍ قلم أظافره، ومفلول سنةٍ أرهف شفاره، ومستباح حرمةٍ حمى ذماره. فلله هذه المساعي الكريمة والمنازع القويمة، المتبلجة عن ميمون النقيبة ومحمود العزيمة، فقد تمثل بها العهد الأول والقرن الأفضل الذي أخرج للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والذي سطع هذا السراج، وانتهج هذا المنهاج، فلا زالت الفتوح تتوالى عليه، وصنائع الله تتصل لديه، إدالةً من مشاقيه وإذالةً لمحاربيه، وإبادةً لمناوئيه. وإن أجل هذه النعم في الصدور، وأحقها بالشكر الموفور، ما من الله به من سلامة مولاي التي هي جامعةٌ لعز الدين وصلاح كافة المسلمين، بعد أن صلى من الحرب نيرانها، فكان أثبت أركانها وأصبر أقرانها:\rوقفت وما في الموت شكٌ لواقفٍ ... كأنك في جفن الردى وهو نائم\rتمر بك الأبطال كلمى هزيمةً ... ووجهك وضاحٌ وثغرك باسم\rهنيئاً لضرب الهام والمجد والعلا ... ووجهك والإسلام أنك سالم\rفلله الحمد والإبداع والإلهام، وله المنة وعلينا متابعة الشكر والدوام. وقد فازت الكف الكليم، بأعلى قداح المكلوم لدى المقام الكريم، وإنها لهي التالية للإصبع الدامية في المنزلة العالية.\rبصرت بالراحة العليا فلم ترها ... تنال إلا على جسرٍ من التعب","part":2,"page":74},{"id":575,"text":"ومن كلام القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني جواب كتابٍ ورد إليه يخبر فيه بانتصار المسلمين. ابتدأه بقوله عز وجل: \" يستبشرون بنعمةٍ من الله وفضلٍ وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين \" . وصلت بشرى المجلس السامي - أعلاه الله وشيده، وأسعده وأصعده، وشكر مشهده وأنجح مقصده، وملأ بالحسنات أمسه ويومه وغده، وأهلك وعادى أعداءه وحسده، واجتب بسيفه زرع الكفار وذراه وحصده - بما من الله سبحانه من نصرة المسلمين عند لقاء عدوهم، وما وليهم الله من القوة والإظهار، وما قذف في قلوب الكفر من الخوف والحذار، وشرح القضية شرحاً شرح الصدور، واستوى فيها الغياب مع الحضور، فكانت البشارة منه وكانت المباشرة له، وما كل من بشر باشر، ولا كل من غار غاور، ولا كل من خبر عن السيوف لقيها بوجهه، ولا كل من حدث عن الرماح عانقها بصدره. فنفعه الله بالإسلام كما نفع الإسلام به، وأتم النعمة عليه كما أتمها فيه، وتقبل جهاده الذي جلا فيه الكربات، وابتغى فيه القربات. ويتوقع إن هان العدو في العيون، وظهر منه غير ما كان في الظنون، أن يكسر الله بكم مصافه، ويفتح عليكم بلاده، ويطهر بسيوفكم الشام، ويسر بنصركم الإسلام، ويشرف بيوم نصركم الأيام. والخير يغتنم إذا عنت فرصه، ويصاد إذا أمكن الصائد قنصه، والجهاد فرضٌ على المطيق تقتضيه عزائمه ولا تقتضيه رخصه. وقد حضر المولى وحضر كل خير، وحضر من رأيه ما يكفي أمر العدو ولو لم يكن إلا رأيه لا غير، فكيف وفي يده من العضب، مثل ما في صدره من القلب، كلاهما حديدٌ لا تكل مضاربه، ولا تخونه ضرائبه، ولا تفنى إذا عددت عجائبه، فكم له من يومٍ أغر محجل الأطراف، وليلةٍ في سبيل الله دهماء الأهوال بيضاء الأوصاف، والنفوس واثقةٌ بأن الظفر على يده يجري، والمبشر من جهته يسر ويسري. والله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين.\rوكتب أيضاً في مثل ذلك: ورد كتاب المجلس - نصر الله عزمته، وشكر همته، وأتم عليه نعمته، وصرف به وعنه صرف كل دهرٍ وملمته ومؤلمته، وأعان أولياءه على أن يؤدوا خدمته، ويستوهبوا له فضل الله ورحمته، وأجزل قسمه من الخير الذي يحسن بين محبيه قسمته - سافراً عن مثل الصباح السافر، متحدثاً عن روض أفعاله بلسان النسيم السحري الساحر، حاملاً حديث بيضه وسمره حديث السامر. وهنأ بالفتح وهو المهنأ به، وكيف لا يهنأ بالفتح من هو فاتحه! وكيف لا يشرح خبره من هو فاتح كل صدرٍ وشارحه! ولقد دعا له لسان كل مسلمٍ وساعدت لسانه جوارحه، وعلم أنه باشر الحرب وتولى كبرها، وأخمد جمرها، ولقى أقرانها، وافترس فرسانها، وجبن شجعانها، وشجع جبانها، وأنفق الكريمين على النفس: النفس والمال، وحفظ على الإسلام الطرفين: الفاتحة والمآل. وإذا تأمل المجلس الدنيا علم أن الذي يبقى بها أحاديث، وإذا نظر إلى المال علم أن الذي في الأيدي منه مواريث، فالحازم من ورث ماله ولم يورثه لغيره، والسعيد من لم يرض لنفسه من الحديث إلا بخيره. وما يخفى عن أحدٍ ما فعله، ولا ما بذله، ولا ما هان عليه، ولا ما أهان الله كرائم المال بيديه، ولقد حلت نعمة الله في محلها لديه، وكان كفأها الكريم الذي أصدقها ما في كفيه.\rهذا ثنائي وهاتيكم مناقبكم ... يا أعين الناس ما أبعدت إسهادي\r\" ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمنٌ فلا يخاف ظلماً ولا هضماً \" ، بل هو سبحانه يوفي عباده مثاقيل الذر، وللصابرين عنده الأجر بغير حسابٍ لجلالة قدر الصبر. والمجلس صبر نفسه على المشقات فليبشر بثوابها، وكثر أعمال البر فهو يدخل الجنة بفضل الله من جميع أبوابها. وكما يهنأ المجلس بالافتتاح فهو يهنأ بالجراح، ولا يغسل ثوب العمل إلا الدم المسفوح، وكل جرحٍ إنما هو بابٌ إلى الجنة مفتوح. والحمد لله على أن أمتع الأمة بنفسه التي بذلها، وقد باعها له وأبقاها لنا وقبلها. \" وإن ربك لذو فضلٍ على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون \" .\rوكتب المرحوم علاء الدين علي بن القاضي محي الدين بن الزكي إلى أخيه بهاء الدين مبشراً بفتح صفد، وكان هذا الفتح في يوم الجمعة ثامن عشر شوال سنة أربعٍ وستين وستمائة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار دولة الترك في أيام الملك الظاهر بيبرس:","part":2,"page":75},{"id":576,"text":"يقبل اليد الكريمة، ويبث ما يعالجه من لواعج الأشواق التي تركته بين الأصحاب مدلها، وسلبت لبه فلا أعلم عليه من دلها، وينهى أن المملوك فارق كريم جنابه وتوجه إلى صفد المحروسة فوصل إليها في تاريخ كذا، ووافاها والحصن قد تزعزعت أركانه، والكفر قد انهدم بنيانه، وشمر عن ساق الهزيمة شيطانه، وحماة الحرب قد وقفت في مراكزها، وكماة الهيجاء قد استعدت لأخذ فرص النصر ومناهزها، والرماح قد اهتزت شوقاً إلى لقائهم، والسيوف قد آلت أنها لا توافق على مقامهم، والمجانيق تزور حماهم وتلك الزيارة لشقائهم، وتدمر بحجارتها عليهم تدميراً، وتريهم من بأسها يوماً عبوساً قمطريراً، وتصير بهم إلى الهلاك وتعدهم جهنم وساءت مصيراً، والقسى ترسل إليهم المنايا في أجنحة السهام، وقد أحدقت بهم كماة الترك كأنها ظباءٌ بأعلى الرقمتين قيام، فمن نازعٍ بقوسه وهو لمهج الكافرين منازع، ومن متدرعٍ بنحره نحو المنايا يسارع، ومن وادٍ منهل المنية وآخر في إثره كارع، ومن متدرعٍ وحاسرٍ علماً أن ليس لقضاء الله دافع، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً، وما سلك بهم إلا صراطاً مستقيماً، وما اشترى أنفسهم وأموالهم إلا بالجنة وأعد لهم أجراً كريماً. والسلطان - عز نصره - قد شحذت شبوات عزمه، وفوق سديد سهمه ليفوز بجزيل سهمه، وهو يرتب عساكره، ويهيئ ميامنه ومياسره، وينفذ أوائله ويقدم أواخره، ويحث صناديه، ويثبت رعاديده، ويسعر همة مساعره، ويذكي نار الحرب في مجامره، ويقابل الأبراج ببروجٍ يهدمونها، ويكل بالنقوب نقباء يحفرونها، ويعد للمؤمنين مغانم كثيرةً يأخذونها، ويعد لكل مقامٍ رجلاً، ويرتب لكل مقاتلٍ من المسلمين قتلاً، ويبسط لهم بقتل الكافرين آمالا، حتى قامت الحرب على ساقٍ، وضاق بأهل الشقاق الخناق، وبلغت الأرواح منهم التراقي، ودارت عليهم كؤوس المنايا فانتشى المسقي والساقي، وأحدقت بهم الجياد تصهل، وسحب القسى تهطل، وكواذب الآمال تعدهم وتمطل، وخرصوا لأنفسهم الفرج فكذبتهم أسنة الخرصان، ونظروا إلى الحياة بعين الطمع فكحلتهم بنات الحنية المرنان، فما أشرب العجز نفوسهم، واستوى في الشورى مرءوسهم ورئيسهم، ومنوا بالمنايا من كل جانبٍ، وسمح كلٌ منهم بالمال والذهب مذ علم أنه ذاهب، وتحققوا أن لا ملجأ من السيف إلا إليه، ولا معول بعد المعول إلا عليه، وتيقنوا أن لا مقام لهم ولا مقر، وقال الكافر يومئذٍ أين المفر. والمسلمون مثابرون على العمل الصالح يرفعونه، ومبادرون أجل عدوهم يمزقون منه كل ما يرقعونه، وإذا بصيحةٍ كالصيحة التي تأخذهم وهم ينظرونها، أو الصعقة التي ينتظرونها، إذ أمرت السيوف على رقابهم وهم يبصرونها، فارتجت أرجاء الحصن بالاصطخاب، ووقع الاختلاف بينهم والاضطراب، وقيل: إن الكافر قد طلب الأمان، وإنه ركب ظهر المذلة مذ ناوله الجزع العنان، وإن الكفر قد ذل للإيمان، وإن شيطانه قد نكص على عقبه لما تراءت الفئتان، فأمسكت المجانيق عن ضربها، وكفت الحنايا عن إرسال شهبها، وأقصرت ليوث الحرب الضارية عن وثبها. فما كان إلا هنيهةً وقد خرج رسولٌ منهم حيث لا تنفع الرسائل، واخترق وشيج القنا وشوك النصال وظبا المناصل، ورأى كثرةً هالته فكادت تنقد تحت الذعر منه المفاصل، ومشى إلى السلطان خاضعاً وأعيا على السماطين يقوم كلما عوجته الأفاكل.\rوأقبل كماً قبل التراب قبله ... وكل كميٍ واقفٌ متضائل\rوأدى الرسالة وإذا هي كما قال أبو الطيب دروع، ورجع إلى أهله وفي قلبه من جيش الإسلام - كثره الله - صدوع.\rفأقبل من أصحابه وهو مرسلٌ ... وعاد إلى أصحابه وهو عاذل\rفأبوا لنصيحته قبولاً، وقالوا: قاتلك الله رسولا، لقد خرجت عن سنة إخوانك، وألقيت إلى المسلمين فاضل عنانك، ولم ترقب رضا أقستك ورهبانك. والرعب قد خرج به عن قومه وآله، وهو يناشدكم الله في أموالهم وأنفسهم وينشدهم بلسان حاله:\rأمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد","part":2,"page":76},{"id":577,"text":"فلما استحكمت مرة عصيانهم، وأبو مغالاةً إلا في طغيانهم، ولم يسمحوا بتسليم ذلك الحصن الحصين، وقالوا: إنه على حفظ أرواحنا لقويٌ أمين، أرسلت عليهم من المجانيق حجارةٌ كالمطر، إلا أنها ترمي بشررٍ كالقصر فتهدم قصوراً كالشرر، فزعزعت منها بروجاً وبدنا، وقالت: هذا جزاؤكم وإن عدتم عدنا، ولنتبعن بعدها آثاركم ونقلع منكم قلاعاً ومدنا. فلما أكذبهم الحصن في آمالهم، وأراهم الله قرب آجالهم، وكان ذلك في اليوم الأغر يوم الجمعة والفتح، سلكوا في التسليم عادةً لم يسلكوها، ورأوا من الجزع خطةً ملكتهم ولم يملكوها، فأجمعوا أمرهم وشركائهم إ لا أنه كان عيهم غمة، وطلبوا الذمام ومن قبلها كانوا لا يرقبون في مؤمنٍ إلا ولا ذمة، فألقوا إلى الإسلام يومئذٍ السلم، ورأوا نور الله الظاهر أشهر من نارٍ على علم، فخرجوا من الحصن زارفاتٍ وأوزاعاً، مهطعين إلى الداعي كيوم يخرجون من الأجداث سراعاً. فلو تراهم نحو المنايا يركضون، \" كأنهم إلى نصبٍ يوفضون خاشعةً أبصارهم ترهقهم ذلةٌ ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون \" .\rجرت الرياح على مقر ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد\rوصدق الله المؤمنين وعده، وكان بصدق وعده حقيقاً، \" وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً \" . فلما كان يوم السبت نادى فيهم السيف بالرحيل، ولم يتزودوا من متاع الدنيا إلا بقليل، وقام النصر على منابر الهامات خطيباً، وكثر القتل فصار المهند الصقيل خضيباً، وأجرى أوديةً من دمائهم، ولم يغادر بقيةً من ذمائهم، واستوى العبيد منهم والأرباب، وصار فرسانهم فرائس الذئاب، واستمرءوا المرعى الوخيم فرعاهم الذباب، ووجدوا غب البغي علينا، وقلنا: \" هذه بضاعتنا ردت إلينا \" ، وآب المسلمون بخيرٍ عميم، وفتحٍ عظيمٍ وأجرٍ كريم، وجعل الله الجنة جزاءً للسالمين منهم والذاهبين، \" وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين \" . فليأخذ حظه من هذه البشرى فإن لها من النصر العزيز ما بعدها، ومن المغانم الكثيرة ما ينجز للأمة المحمدية وعدها، ويثق بأن له إن شاء الله من ثواب هذه الغزوة أوفر نصيبٍ، وان سهم عزمه في نحور الأعداء إن شاء الله مصيب، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إن بالمدينة قوماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم \" . والله لا يخليه من أجرها، ولا يحرمه وافر برها، ويتحفه من مقربات التهاني بما تكون له هذه بمنزلة العنوان في الكتاب، والآحاد في الحساب، وركعة النافلة بالنسبة إلى الخمس، والفجر الأول قبل طلوع طلعة الشمس، وأن يديم على الإسلام والمسلمين حياة مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدين، ويؤيده بالملائكة المقربين، ما دامت السماوات والأرضون، إن شاء الله تعالى.\rومن إنشاء المولى المرحوم محي الدين عبد الله بن عبد الظاهر كتابٌ كتبه عن السلطان الملك الأشرف خليلٍ إلى الملك المظفر يوسف بن عمر صاحب اليمن قرين كتاب السلطان الملك المنصور المسير إليه بالهناء بفتح طرابلس الشام:","part":2,"page":77},{"id":578,"text":"أعز الله نصرة المقام وأوفد عليه كل بشرى أحسن من أختها، وكل تهنئةٍ لا يجليها إلا هو لوقتها، وكل مبهجةٍ يعجز البيان والبنان عن ثبتها ونعتها، وتتبلج فتود الدرر والدراري لو زفت هذه إلى تراقيها وسمت هذه إلى سمتها، وصبحه منها بكل هاتفةٍ أسجع من هواتف الحمائم، وبكل عارفةٍ أسرع من عوارف الزهر عند عزائم النسائم، وبكل عاطفةٍ أعنة الإتحاف بالإيجاف الذي شكرت الصفاح منه أعظم قادرٍ والصحائف أكرم قادم، والغزو الذي لا تخص تهامة ببشراه بل جميع النجود والتهائم، وذوو الصوارم والصرائم، وألو القوى والقوائم، وكل ثغرٍ عن ابتهاج أهل الإسلام باسم، وكل برٍ برٍ بتوصيل ما ترتب عليه من ملاحم، وكل بحرٍ عذبٍ يمون كل غازٍ لا يحبس عن الجهاد الكفار في عقر الدار الشكائم، وكل بحرٍ ملحٍ كم تغيظ من مجاورة أخيه لأهل الشرك ومشاركتهم فيه فراح وموجه المتلاطم. المملوك يجدد خدمةً يقتفي فيها أثر والده، ويجري في تبليغها على أجمل عوائده، ويستفتح فيها استفتاحاً تحف به من هنا ومن هنا محامده، ويصف ولاءً قد جعله أجمل عقوده وأكمل عقائده، ويشفعهما بإخلاصٍ قد جعل ميله أحسن وسائله وقلبه أزين وسائده، ويطلع العلم الكريم أن من سجايا المتعرضين إلى الإعلان بشكر الله في كل ما يعرض للمسلمين من نصر، ويفرض لهم من أجر غزوٍ كم قعد عنه ملكٌ فيما مضى من عصر، أن يقدروا تلك النعمة حق قدرها من التحدث بنعمتها، والتنبيه لسماع نغمتها، وإرسال أعنة الأقلام في ميادين الطروس، وإدارة حرباء وصف خير حربٍ إلى مواجهة خير الشموس. ولما كانت غزوات مولانا السلطان ملك البسيطة الوالد - خلد الله سلطانه - قد أصبحت ذكرى للبشر، ومواقفه للنصر فكم جاءت هي والقدر على قدر، وقد صارت سيرها وسيرها هذه شدو الأسمار، وهذه جادةُ يستطيب منها حسن الحدو السفار، فكم قاتلت من يليها من الكفار، وكم جعلت من يواليها وهو منصورها منصوراً بالمهاجرين والأنصار. ولما أذل الله ببأسها طوائف التتار في أقاصي بلاد العجم ، وجعل حظ قلوبهم الوجع من الخوف ونصيب وجوههم الوجم، وأخلى الله من نسورهم الأوكار ومن أسودهم الأجم، وقصرت بهم هممهم حتى صاروا يخافون الصبح إذا هجم والظن إذا رجم، وصارت رؤية الدماء تفزعهم فلو احتاج أحدهم لتنقيص دمٍ لمرضٍ لأحجم من خوفه وما احتجم. وأباد الله الأرمن فحل بالنيل منهم الويل، وما شمر أحدٌ من الجنود الإسلامية عن ساعدٍ إلا وشمر هو من الذل الذيل، ولا أثارت الجياد من الخيل عثيراً منعقداً إلا وظنوه مساءً قد أقبل أو ليل. وانتهت نوبة القتل بهم والإسرار إلى التكفور ليفون ملك الأرمن الذي كان يحمي سرحهم ويمرد صرحهم، ويستنطق هتف التتار ويسترجع صدحهم، وتعتز طرابلس الشام بأنه خال إبرنسها الكافر، ولسان مشورته السفير ووجه تدبيره السافر، وطالما غر وأغرى، وجر وأجرى، وضر وأضرى، فلما توكل مولانا السلطان وعزم وعزم فتوكل، وتحقق أن البلاء به قد نزل، وما تشكك أن ذلك في ذهن القدر قد تصور وتشكل، وأن يومه في الفتك سيكون أعظم من أمسه وأعظم منهما معاداة غده، وأن نصر الله لن يخلفه صادق موعده، أكل يده ندامةً على ما فرط في جنب الله، وساق الحتف لنفسه بيده فعمر الله بروحه الخبيثة الدرك الأسفل من النار، وسقاه الحتف كأساً بعد كأسٍ لم يكن لها غير الهلك من خمار. وكانت طرابلس هي ضالة الإسلام الشريدة، وإحدى آبقاته من الأعوام العديدة، وكلما مرت شمخت بأنفها، وتأنقت في تحسين منازهها وتزيين ريحانها وعصفها، ومرت وهي لا تغازل ملكاً بطرفها وكلما تقادم عهدها تكثرت بالأفواج والأمواج من بين يديها ومن خلفها، إذ البحر لها جلبابٌ والسحاب لها خمار، وليس بها من البر إلا بمقدار ساحة الباب من الدار، كأنها في سيف ذلك البحر جبلٌ قد انحط، أو ميل استواءٍ قد خرج عن الخط، وما قصد أحدٌ شطها بنكايةٍ إلا شط واشتط، قدر الله أن صرف مولانا السلطان إليها العنان، وسبق جيشه إليها كل خبرٍ وليس الخبر كالعيان،وجاءها بنفسه النفيسة والسعادة قد أحرسته عيونها وتلك المخاوف كلهن أمان، وقد اتخذ من إقدامه عليها خير حبائل ومن مفاجأته لها أمد عنان، وفي خدمته جنودٌ لا تستبعد مفازة، وكم راحت وغدت وفي نفوسها للأعداء حزازة، فامتطوا بخيولهم من جبال لبنان تيجاناً لها صاغتها الثلوج، ومعارج لا ترافق بها غير الرياح","part":2,"page":78},{"id":579,"text":"الهوج، وانحطت تلك الجيوش من تلك الجنادل، انحطاط الأجدال، واندفعوا في تلك الأوعار اندفاع الأوعال، ولم يحفل أحدٌ منهم بسربٍ لاصقٍ ولا بجبلٍ شاهقٍ فقال: هذا منخفضٌ أو عال، وشرعوا في التحصيل لما يوهي ذلك التحصين، وابتناء كل سورٍ أمام أسوارها من التدبير الحسن والرأي الرصين، فما لبثوا إلا مقدار ما قيل لهم: دونكم والاحتطاب، ونقل المجانيق على الخيل وعلى الرقاب، حتى جروها بأسرع من جر النفس، وأجروها على الأرض سفائن وكم قالوا: السفينة لا تجري على يبس.وفي الحال نقلت إليها فرأوا من متوقلها من يمشي بها على رجلين ومنهم من يمشي على أربع، ووجهت سهامها وجوهها إلى منافذها فما شوهدت منها عينٌ إلا وكان قدامها منها إصبع، وألقيت العداوة بين الحجارة من المجانيق وبين الحجارة من الأسوار، فكم نقبت ونقبت من فلذة كبدها عن أسرار، وأوقدت نيران المكايد ثم فكم حولها من صافنٍ ومن صافر، وكم رمتهم بشررٍ كالقصر فوقع الحافر كما يقال على الحافر. وما برحت سوق أهل الإيمان في نفاقٍ على أهل النفاق، وأكابرهم تساق أرواحهم الخبيثة إلى السياق. وكان أهل عكاء قد أنجدوهم من البحر بكل بر، ورموا الإسلام بكل شررٍ وكل شر، فكان السهم الذي يخرج منها لا يخرج إلا مقترناً بسهام. وشرفات ذلك الثغر كالثنايا ولكنها لكثرة من بها لا تفتر عن ابتسام، وما زالت جنود الإسلام كذاك، ومولانا السلطان لا ترى جماعةٌ مقدمةٌ ولا متقدمةٌ إلا وهو يرى بين أولئك. وأستمر ذلك من مستهل شهر ربيعٍ الأول غلى يوم الثلاثاء رابع شهر ربيعٍ الآخر، فزحف عليها في بكرة ذلك النهار زحفاً يقتحم كل لهضبةٍ ووهدة، وكل صلبةٍ وصلده، حتى أنجز الله وعده، وفتحها المسلمون مجازاً وفي الحقيقة فتحها وحده، وطلعت سناجق الإسلام الصفر على أسوارها، ودخلت عليهم من أقطارها، وجاست الكسابة خلال ديارها، فاحتازها مولانا السلطان لنفسه ملكاً، وما كان يكون له في فتحها شريكٌ وقد نفا عنها شركاً، وكما قيل: هذه طرابلس فتحت قال النصر بمن قتل فيها من النجد الواصلة وأكثر عكا وأهل عكا، وأعاد الله قوة الكفر بها أنكاثاً، وكان أخذها من مائة سنةٍ وثمانين سنةٍ في يوم الثلاثاء واستردت في يوم الثلاثاء. ولما عمت هذه البشائر ووكل بها مولانا السلطان إلى كل من يستجلي حسان هذه العرائس، ويستحلي نفيس هذه النفائس، سير مولانا السلطان إلى مولانا بشرى فقعقع بها البريد، لتتلى بأمر مولانا على كل من ألقى السمع وهو شهيد، وكما عم السرور بذلك كل قريبٍ قصد أن يعم الهناء كل بعيد. وأصدر المملوك هذه الخدمة يتحجب بين يدي نجواها، ويتوئب بعد هذه المفاتحة لكل سانحةٍ يحسن لدى المولى مستقرها ومثواها. لا برح المقام يستبشر لكماة الإسلام بكل فضلٍ ونعمى، ويفرح لسرح الكفر إذا انتهك ولسفح الملك إذا يحمى، ولسمع الشرك إذا يصم ولقلبه إذا يصمى.، وانحطت تلك الجيوش من تلك الجنادل، انحطاط الأجدال، واندفعوا في تلك الأوعار اندفاع الأوعال، ولم يحفل أحدٌ منهم بسربٍ لاصقٍ ولا بجبلٍ شاهقٍ فقال: هذا منخفضٌ أو عال، وشرعوا في التحصيل لما يوهي ذلك التحصين، وابتناء كل سورٍ أمام أسوارها من التدبير الحسن والرأي الرصين، فما لبثوا إلا مقدار ما قيل لهم: دونكم والاحتطاب، ونقل المجانيق على الخيل وعلى الرقاب، حتى جروها بأسرع من جر النفس، وأجروها على الأرض سفائن وكم قالوا: السفينة لا تجري على يبس.وفي الحال نقلت إليها فرأوا من متوقلها من يمشي بها على رجلين ومنهم من يمشي على أربع، ووجهت سهامها وجوهها إلى منافذها فما شوهدت منها عينٌ إلا وكان قدامها منها إصبع، وألقيت العداوة بين الحجارة من المجانيق وبين الحجارة من الأسوار، فكم نقبت ونقبت من فلذة كبدها عن أسرار، وأوقدت نيران المكايد ثم فكم حولها من صافنٍ ومن صافر، وكم رمتهم بشررٍ كالقصر فوقع الحافر كما يقال على الحافر. وما برحت سوق أهل الإيمان في نفاقٍ على أهل النفاق، وأكابرهم تساق أرواحهم الخبيثة إلى السياق. وكان أهل عكاء قد أنجدوهم من البحر بكل بر، ورموا الإسلام بكل شررٍ وكل شر، فكان السهم الذي يخرج منها لا يخرج إلا مقترناً بسهام. وشرفات ذلك الثغر كالثنايا ولكنها لكثرة من بها لا تفتر عن ابتسام، وما زالت جنود الإسلام كذاك، ومولانا السلطان لا ترى جماعةٌ مقدمةٌ ولا متقدمةٌ إلا وهو يرى بين أولئك. وأستمر ذلك من مستهل شهر ربيعٍ الأول غلى يوم الثلاثاء رابع شهر ربيعٍ الآخر، فزحف عليها في بكرة ذلك النهار زحفاً يقتحم كل لهضبةٍ ووهدة، وكل صلبةٍ وصلده، حتى أنجز الله وعده، وفتحها المسلمون مجازاً وفي الحقيقة فتحها وحده، وطلعت سناجق الإسلام الصفر على أسوارها، ودخلت عليهم من أقطارها، وجاست الكسابة خلال ديارها، فاحتازها مولانا السلطان لنفسه ملكاً، وما كان يكون له في فتحها شريكٌ وقد نفا عنها شركاً، وكما قيل: هذه طرابلس فتحت قال النصر بمن قتل فيها من النجد الواصلة وأكثر عكا وأهل عكا، وأعاد الله قوة الكفر بها أنكاثاً، وكان أخذها من مائة سنةٍ وثمانين سنةٍ في يوم الثلاثاء واستردت في يوم الثلاثاء. ولما عمت هذه البشائر ووكل بها مولانا السلطان إلى كل من يستجلي حسان هذه العرائس، ويستحلي نفيس هذه النفائس، سير مولانا السلطان إلى مولانا بشرى فقعقع بها البريد، لتتلى بأمر مولانا على كل من ألقى السمع وهو شهيد، وكما عم السرور بذلك كل قريبٍ قصد أن يعم الهناء كل بعيد. وأصدر المملوك هذه الخدمة يتحجب بين يدي نجواها، ويتوئب بعد هذه المفاتحة لكل سانحةٍ يحسن لدى المولى مستقرها ومثواها. لا برح المقام يستبشر لكماة الإسلام بكل فضلٍ ونعمى، ويفرح لسرح الكفر إذا انتهك ولسفح الملك إذا يحمى، ولسمع الشرك إذا يصم ولقلبه إذا يصمى.","part":2,"page":79},{"id":580,"text":"وكتب المولى محي الدين أيضاً عن نفسه مطالعةً إلى السلطان الملك المنصور يهنئه بهذا الفتح:\rهنئت يا ملك البسيطة ... فتحاً به النعمى محيطه\rوبقيت يا خير الملو ... ك بسيفك الدنيا محوطه\rيقبل الأرض ويبتهل إلى دعاءٍ صالحٍ يقدمه بين يدي بشره وبشراه، وكل مقامٍ محمودٍ من الإجابة يحوله في سره ونجواه، ويهنئ بهذا الفتح الذي كم مضى ملكٌ وفي قلبه منه حسرة، وما ادخر الله إلا لمولانا السلطان أجره وفخره. فالحمد لله على هذا النصر العزيز وهذا الفتح المبين، والظفر الذي أعطاه الله إياه في شهرٍ وقد أقامت جموع الكفر حتى حازت بعضه في مدة سبع سنين. وله الشكر على أن جعل الكفر من بعد قوةٍ أنكاثاً، وجعل أخذ مدينة طرابلس من الكفار في يوم الثلاثاء وكان أخذها من المسلمين في يوم الثلاثاء، وله المنة في رد هذه الأخيذة، وجعلها بين مولانا السلطان منبوذة. ثم المنة على الله على أن سطر في سيرة مولانا السلطان هذه السنة، وجعلها ما بين نومة عينٍ وانتباهها في أقرب من سنة، ورد إباقها على المسلمين بعد أن أقامت هاربةً عند الكفار مائة سنةٍ وستاً وثمانين سنة، والله يلحق بها في الفتح أخواتها من المدن، ولا يلبث إن شاء الله هادياً بها بعدها مثل عكاء وصور وصيدا حتى يراهن إلى قبضته قد عدن، إن شاء الله تعالى.\rوكتب الأمير حسام الدين طرنطاي عن الأمير بدر الدين بيدرا في ذلك: المملوك يهنئ بهذا الفتح الذي كادت به هذه الغزوة تزهو على غيرها من الغزوات وتتيه، وأشرقت الأرض بنور ربها ابتهاجاً بما أمضاه الله منه وما سيمضيه ، وبما سيعطيه حتى يرضيه، وذلك أن فتح طرابلس التي طالما شمخت بأنفها على الملوك، وكم أبت على مستفتحٍ فما قال لغيره إباؤها: لله أبوك، وأخر الله مدتها إلى خير الأزمان، وفتحها على يد سلطاننا الذي حقق الله به آمالاً تنفذ إلا منه بسلطان. فالحمد لله الذي عضد هذا الملك من مولانا بخيرٍ من دبره، وحماه منه بأقطع حسامٍ جرده الله لنقض ما أمره، وما من فتوحٍ ولا أمرٍ ممنوحٍ إلا ومولانا منضد عقوده، ومجهز بريده، ومطلع سعوده، ورافع علمه، وممضي سيفه ومرضي قلمه. فأمتع الله الأمة من مولانا السلطان بسلطانٍ يسترد لهم الحقوق ويتقاضى لهم الديون، وأمتع الله سلطانها من مولانا بمن آراؤه أقفال الممالك وسيوفه مفاتيح الحصون.\rومن إنشاء المولى شهاب الدين محمود الحلبي ما كتب به عن الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة الشريفة إلى النائب بقلعة الجبل عند كسرة التتار بمرج الصفر في شهر رمضان سنة اثنتين وسبعمائة:","part":2,"page":80},{"id":581,"text":"وبشره بالفتح الذي أعاد الله به الأمة خلقاً جديداً، والنصر الذي أنزل الله فيه من الملائكة أنصاراٍ وجنوداً، والظفر الذي أطفأ الله به من نار الكفر ما لم يكن يرهب خموداً، والغزوة التي زلزل الله بها جبال أهل الشرك وقد تدفقت على الأرض أمثال البحار عدداً وعديدا. المملوك يقبل اليد العالية التي لها من هذه النصرة وإن لم تبلغها أجر الرامي المسدد سهمه، المعجل من التهاني غنمه، الموفر من المحامد الجزيلة قسمه، ويهنئ المولى بهذا الفتح الذي مد الله به على الأمة جناح رحمته وفضله، ومن على أيامنا الزاهرة فيه بالشام وأهله، وبرز فيه الإسلام كله للشرك كله. ولله الحمد الذي أعز دينه ونصره، وحصد بسيوف الإسلام عدو دينه بعد أن حصره، وأباد جيوش الشرك وهم مائة ألفٍ أو يزيدون، وأفنى أحزاب أهل الكفر وكانوا أمثال الرمال لا يعدون، وينهي أن علمه الكريم قد أحاط بما كان من أمر هذا العدو المخذول ودخوله إلى البلاد المحروسة بجيوشه وكتائبه وجموعه وجنوده من أشياع أهل الكفر وأحزاب الشرك. ولما تواصلت الأخبار بقربه، واستعداده بحزبه ، ومهاجمته البلاد، وإيقاع الرعب في قلوب أهلها بالتنوع في الفساد، ساق الركاب الشريف في طلبه يطوي المراحل، ويقطع في كل يومٍ منزلتين بل منازل. ولما حل الركاب الشريف بمرج الصفر على مرحلةٍ من دمشق المحروسة في يوم السبت مستهل شهر رمضان المعظم زينت العساكر المنصورة للقاء حال وصولها، واستعدت للحرب دون تشاغلٍ بأسباب نزولها، فوافى العدو المخذول في مائة ألفٍ من جيوشٍ تسيل كالرمال، وتعلو الجبال بأشد من الجبال، وحين وصلوا حملوا على الميمنة بجملتهم، وقصدوا إزاحتها عن موقفها بحملتهم، فتلقتهم الجيوش المنصورة بنفوسٍ قد بايعت الله على لقاء عدو الله وعدوها، ووثقت بما اعد الله لها من الجزاء في رواحها في سبيله وغدوها، وصدمتهم صدمةٍ كسرت حدهم، وأوهنت شدتهم وشدهم، وأزالت طمعهم، وأبانت ظلعهم، وسالت عليهم الجيوش المنصورة من كل جانبٍ، وحميت الحرب بين الكتائب الإسلامية وبين تلك الكتائب، ودخل الليل ونار الحرب تشتعل، والجياد من المحاجر تحفى وبالجماجم تنتعل، فأووا إلى جبالٍ واعتصموا بهضابها، واحتموا بتوعر مسالكها وضيق عقابها، وأحاطت بهم الجيوش المنصورة لحوسهم لا لحفظهم، وتضم أطرافهم لا لحبهم بل لبغضهم، فكانوا - بعد كثرة من قتل منهم في المعركة الأولى أو فر من أول الليل - جمعاً يناهز الأربعين ألف فارسٍ، فاصبحوا يعاودون القتال، وينزلون إلى أطراف الجبال للنزال، والجيوش المنصورة تلزمهم من كل جانب، وتحكم في أبطالهم القنا والقواضب. وجرت في أثناء ذلك حملات ظهر في كلٍ منها خسارهم، وشهد عندهم بما يكابدون قتلهم وإسارهم، وبعد ذلك نزلوا من جانبٍ واحدٍ يطلبون الفرار، ويتوقعون القتل إن تعذر الإسار، فساقت خلفهم الجيوش المنصورة تتخطفهم رماحها، وتتلقفهم صفاحها، وتقاذفت بمن نجا من الفلوات، وغرقتهم أمواج السراب قبل أمواج الفرات، فأخذوا قنصاً باليد من بطون الأودية ورءوس الشعاب، ولم يحصل أحدٌ منهم على الغنيمة بالإياب، وقتل أكثر مقدمي التمانات وفر كبيرهم وأنى له الفرار، وبين يديه مفاوز إن سلك منها تناولته بأرماحٍ من العطش القفار. فيأخذ المولى حظه من هذه البشرى التي تنبئ عن الفتح العظيم والفضل العميم، والنصرة التي حفظ الله بها على الإسلام البلاد والثغور والأموال والحريم، ويكتب إلى البلاد بمضمونها، ويسر قلوب أهل الثغور بمكنونها، ويستنهض المولى الأمة لشكر الله عليها، ومن ذا الذي يقوم بشكر ذلك! ويعرفهم مواقع هذه النصرة التي أنجد الله فيها الإسلام بالملائك، ويتقدم أمره بضرب البشائر بكل مكان، ويشهر في جميع الثغور أن عدو الله وعدو الإسلام دخل في خبر كان، وأن الله تعالى كسر جيوش التتار كسراً لا يجبر صدعه، ولا يتأتى إن شاء الله جمعه. و الله تعالى يسمعه من التهاني كل ما يسر الإسلام وأهله، ويشكر قوله في مصالح الإسلام وفعله، إن شاء الله تعالى.\rالباب الثاني\rفي المراثي والنوادب","part":2,"page":81},{"id":582,"text":"والمراثي إنما جعلت تسليةً لمن عضته النوائب بأنيابها، وفرقت الحوادث بين نفسه وأحبابها، وتأسيةً لمن سبق إلى هذا المصرع، ونهل من هذا المشرع، ووثوقاً باللحاق بالماضي، وعلماً أن حادثة الموت من الديون التي لابد لها من التقاضي، وأنه لا سبيل إلى الخلود والبقاء، ولا بد لكل نفسٍ من الذهاب ولكل جسدٍ من الفناء. قال الله تعالى في محكم تنزيله مخاطبةً لرسوله: \" وما جعلنا لبشرٍ من قبلك الخلد أفائن مت فهم الخالدون كل نفسٍ ذائقةٌ الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنةً وإلينا ترجعون \" . فليرض من فجع بخليله وشقيقه، وصاحبه وصديقه، وأهله وولده، وجمعه وعدده، وماله ومدده، نفسه الجامحة في ميادين أسفها وبكائها، الجانحة إلى طلب دوائها من مظان أدوائها، بزمام الصبر الجميل، لينال الأجر الكريم والثواب الجزيل، فقد أثنى الله تعالى على قومٍ بقوله: \" والصابرين على ما أصابهم \" ، وقال تعالى إخباراً عن لقمان في وصيته لابنه: \" واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور \" . وليسترجع من أصابته مصيبةٌ أو نزلت به بلية، وطرقته حادثةٌ أو لمت به رزية، لما جعل الله تعالى للمسترجع بفضله ومنته، من صلاته عليه ورحمته، قال الله عز وجل: \" الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون \" . وليتأس الفاقد برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جعل الله فيه أسوةً حسنةً لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر، وليقتد بأصحابه رضي الله عنهم ليفوز بثواب الصابر ويحوز أجر الشاكر.\rوباب الرثاء فهو بابٌ فسيح الرحاب والنوادي، فصيح اللسان في إجابة المنادي ذي القلب الصادي، متباين الأسلوب، مختلف الأطراف متباعد الشعوب، منه ما يصمى القلوب بنباله، ومنه ما يسليها بلطيف مقاله، ومنه ما يبعثها على الأسف، ومنه ما يصرفها عن موارد التلف. وقد أكثر الشعراء القول في هذا الباب، وارتقوا الذروة العلياء من هذه الهضاب، ووجدوا مكان القول ذا سعةٍ فقالوا، وأصابهم هجير اللوعة فمالوا إلى ظله وقالوا. قال الأصمعي: قلت لأعرابيٍ: ما بال المراثي أشرف أشعاركم؟ قال: لأنا نقولها وقلوبنا محترقةٌ. معلى الجملة فالموت هو المصيبة التي لا تدفع، والزرية التي لا ترد بكثرة الجموع ولا تمنع، والحادثة التي لا تنصرف بالفداء وإن جل مقداره، والنازلة التي لا تتأخر عن وقتها بالدعاء وإن عظمت في غيرها آثاره، وهو أبعد الأربعة التي فرغ منها، وصرفت وجوه المطامع عنها. وقد قالت الحكماء: أعظم المصائب كلها انقطاع الرجاء. وقالوا: كل شيءٍ يبدو صغيراً ثم يعظم إلا المصيبة فإنها تبدو عظيمةً ثم تصغر. وقالوا: لا يكون البكاء إلا من فضل، فإذا اشتد الحزن ذهب البكاء. قال الشاعر:\rفلئن بكيناه لحق لنا ... ولئن تركنا ذاك للصبر\rفلمثله جرت العيون دماً ... ولمثله جمدت فلم تجر\rوقيل: مر الأحنف بامرأةٍ تبكي ميتاً ورجلٌ ينهاها، فقال: دعها فإنها تندب عهداً وسفراً بعيداً. وقيل لأعرابيةٍ مات ابنها: ما أحسن عزاءك؟ قالت:إن فقدي إياه آمنني كل فقدٍ سواه، وإن مصيبتي به هونت علي المصائب بعده، ثم أنشأت تقول:\rكنت السواد لمقلتي ... فعمى عليك الناظر\rمن شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر\rليت المنازل والديا ... ر حفائرٌ ومقابر\rإني وغيري لا محا ... لة حيث صرت لصائر\rوقد نقل أبو الفرج الأصفهاني: أن بعض هذا الشعر لإبراهيم بن العباس بن محمدٍ بن صولٍ يرثي ابناً له فقال:\rأنت السواد لمقلةٍ ... تبكي عليك وناظر\rمن شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر\rولم يزد على هذين البيتين شيئاً. أخذ الحسن بن هانئ معنى البيت الأول فقال في الأمين:\rطوى الموت ما بيني وبين محمدٍ ... وليس لما تطوي المنية ناشر\rوكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيءٌ عله أحاذر\rلئن عمرت دوراً بمن لا نحبه ... لقد عمرت ممن نحب المقابر","part":2,"page":82},{"id":583,"text":"وقيل: من أحسن ما قيل في التعازي أن أعرابياً مات له ثلاثة بنينٍ في يومٍ واحدٍ فدفنهم وعاد إلى مجلسه، فجعل يتحدث كان لم يفقد أحداً، فليم على ذلك، فقال: ليسوا في الموت ببديع، ولا أنا في المصيبة بأوحد، ولا جدوى للجزع، فعلام تلومونني، وهذه ثلاثة الأقسام لا رابع لها!. وعزى أعرابيٌ رجلٌ فقال: لما دفن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاطمة رضي الله عنها تمثل على قبرها بهذين البيتين:\rلكل اجتماعٍ من خليلين فرقةٌ ... وكل الذي دون الممات قليل\rوغن افتقادي واحداً بعد واحدٍ ... دليلٌ على ألا يدوم خليل\rوعزى علي بن أبي طالب رضي الله عنه الأشعث بن قيس عن ابنه فقال: إن تحزن فقد استحقت ذلك منك الرحم، وغن تصبر ففي الله خلفٌ من كل هالك، مع انك إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت موزور، سرك الله وهو بلاءٌ وفتنةٌ، وحزنك وهو ثوابٌ ورحمةٌ.\rوعزى أكثم بن صيفي حكيم العرب عمرو بن هند الملك عن أخيه فقال: أيها الملك، إن أهل هذه الدار سفرٌ لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها، وقد أتاك ما ليس بمردودٍ عنك، وارتحل عنك ما ليس براجعٍ إليك، وأقام معك من سيظعن ويدعك، فما أحسن الشكر للمنعم والتسليم للقادر! وقد مضت لنا أصولٌ نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد أصله! واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها، وخيرٌ من الخير معطيه، وشرق من الشر فاعله.\rوقال ابن السماك: المصيبة واحدةٌ، فإن كان فيها جزعٌ فهي اثنتان. وقال أبو عليٍ الرازي: صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين سنةً ما رأيته ضاحكاً ولا مبتسماً إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله أحب أمراً فأحببت ما أحب الله. وقال صالح المري: إن تكن مصيبتك في أخيك أحدثت لك خشيةً فنعم المصيبة مصيبتك، وإن تكن مصيبتك بأخيك أحدثت لك جزعاً فبئست المصيبة مصيبتك، وقال علي بن موسى للفضل بن سهلٍ يعزيه: التهنئة بآجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة. وعزى الرشيد رجلٌ فقال: كان لك الأجر يا أمير المؤمنين لا بك، وكان العزاء لك لا عنك. أخذه الآخر فقال:\rكن المعزى لا المعزى به ... إن كان لابد من الواحد\rوقال عمر بن عبد العزيز لابنه عبد الملك وقد اشتد به الألم: كيف تجدك يا بني؟ قال: أجدني في الموت، فاحتسبني، فإن ثواب الله خيرٌ لك مني. قال: والله يا بني لأن تكون في ميزاني أحب إلي من أكون في ميزانك. قال: وأنا والله لأن يكون ما تحب أحب إلى من يكون ما أحب.\rوعزى شبيب بن شبة أبا جعفر المنصور بأخيه أبي العباس السفاح فقال: جعل الله ثواب ما رزئت لك أجراً، وأعقبك عليه صبراً، وختم لك بعافيةٍ تامةٍ، ونعمةٍ عامةٍ، فثواب الله خيرٌ لك منه، وأحق ما صبر عليه ما ليس إلى تغييره سبيل.\rودخل البلاذري عل علي بن موسى الرضا يعزيه بابنه فقال: أنت تجل عن وصنا، ونحن نقصر عن عظتك، وفي علمك ما كفاك، وفي ثواب الله ما عزاك.\rفهذه نبذةٌ في التعازي كافيةٌ، وجنةٌ لمن تحصن بها من ذوي الفجائع واقية. فلنذكر المراثي.\rمن المراثي والنوادب ولنبدأ من ذلك بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبشيءٍ مما قيل عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن ذلك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم وفاة ولده إبراهيم عليه السلام: \" يا إبراهيم لو لا أنه أمرٌ حقٌ ووعدٌ صدقٌ وأن آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزناً هو أشد من هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب \" . ذكره الجواني النسابة في شجرة الأنساب، وذكره غيره مختصراً.\rومنه ما روي أن فاطمة رضي الله عنها وقفت على قبره صلى الله عليه وسلم وقالت:\rإنا فقدناك فقد الأرض وابلها ... وغاب مذ غبت عنا الوحي والكتب\rفليت قبلك كان الموت صادفنا ... لما نعيت وحالت دونك الكثب\rووقف على رضى الله عنه على قبره صلى الله عليه وسلم ساعة دفن وقال: الصبر لجميلٌ إلا عنك، وإن الجزع لقبيحٌ إلا عليك، وإن المصاب بك لجليل، وإنه قبلك وبعدك لجلل. وقد ألم الشعراء بهذا المعنى، فقال إبراهيم بن إسماعيل في علي ابن موسى الرضا:\rإن الرزية يا ابن موسى لم تدع ... في العين بعدك للمصائب مدمعا","part":2,"page":83},{"id":584,"text":"والصبر يحمد في المواطن كلها ... والصبر أن نبكي علبك ونجزعا\rووفق أعرابيٌ على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قلت فقبلنا، وأمرت فحفظنا، وقلت عن ربك فسمعنا: \" ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفرهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً \" ، وقد ظلمنا أنفسنا وجئناك فاستغفر لنا، فما بقيت عينٌ إلا سالت.\rودخل عمر بن الخطاب على أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنهما في مرض موته، فقال: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد كلفت القوم بعدك تعباً، ووليتهم نصباً، فهيهات من شق غبارك! وكيف باللحاق بك!.\rوقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأبوها يغمض:\rوأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل\rفنظر إليها وقال: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أغمي عليه، فقالت:\rلعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر\rفنظر إليها كالغضبان وقال: قولي: \" وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد \" . ثم قال: انظروا ملاءتي فاغسلوهما وكفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت. ووقفت رضي الله عنها على قبره رضي الله عنه فقالت: نضر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك، فقد كنت للدنيا مذلاً عنها بإدبارك عنها، وكنت للآخرة معزاً بإقبالك عليها، ولئن كان أجل الحوادث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رزءك، وأعظم المصائب بعده فقدك، إن كتاب الله ليعد بحسن الصبر فيك وحسن العوض منك، فإنا لنتنجز موعود الله بحسن العزاء عليك، واستعيضه منك بالاستغفار لك. أما لئن كانوا أقاموا بأمور الدنيا لقد قمت بأمر الدين حين وهى شعبه، وتفاقم صدعه، ورجفت جوانبه. فعليك السلام ورحمة الله توديع غير قاليةٍ لك، ولا زاريةٍ على القضاء فيك. ثم انصرفت.\rولما قبض رضي الله عنه سجي عليه بالثوب، فارتجت المدينة بالبكاء ودهش القوم كيوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه باكياً مسرعاً مسترجعاً حتى وقف بالباب وهو يقول: رحمك الله يا أبا بكر، كنت والله أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدهم يقيناً، وأعظمهم غناءً، وأحفظهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحدبهم على الإسلام، وأحناهم على أهله، وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم خلقاً وفضلاً وهدياً وسمتاً، فجزاك الله عن الإسلام وعن الرسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً، صدقت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كذبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وأسماك الله في كتابه صديقاً فقال: \" والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون \" ، يريد محمداً ويريدك. كنت والله للإسلام حصناً وعلى الكافرين عذاباً، ولم تفلل حجتك، ولم تضعف بصيرتك، ولم تجبن نفسك. كنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف. كنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله، متواضعاً في نفسك، عظيماً عند الله جليلاً في الأرض، كبيراً عند المؤمنين. لم يكن لأحدٍ عندك مطمعٌ ولا لأجد عندك هوادة، فالقوي عندك ضعيفٌ حتى تأخذ الحق منه، والضعيف عنك قويٌ حتى تأخذ الحق له. فلا حرمنا الله أجرك، ولا أضلنا بعدك.\rفانظر إلى هذا الأسلوب العجيب، وتأمل هذا النمط الغريب، الذي جمع بين سلاسة الألفاظ وإيجازها، وإصابة المعنى وإعجازها. ولا يستكثر على من أنزل القرآن بلغتهم، أن يكون هذا القول من بديهتهم.\rولنذكر لمعةً من رسائل البلغاء والفضلاء، ولمحةً من أشعار الأدباء والشعراء. فمن ذلك رسالةٌ كتبها الوزير الفقيه الكاتب أبو القاسم محمد بن عبد الله بن الجد، إلى الوزير الفقيه أبي القاسم الهوريني يعزيه عن أخيه، ابتدأها بأن قال:\rلابد من فقدٍ ومن فاقدٍ ... هيهات ما في الناس من خالد\rكن المعزى لا المعزى به ... إن كان لا بد من الواحد","part":2,"page":84},{"id":585,"text":"إذا لم يكن بدٌ من ترجع الحمام، وتشتت النظام، وانصداع شمل الكرام، فمن الاتفاق السعيد والقدر الحميد أن يرث أعمار البنية الكريمة مشيد علاها، وتسلم من القلادة وسطاها، فمدار الكنانة على معلاها، وفخار الحلبة بمحرز مداها. وفي هذه النبذة إشارةٌ إلى ما فرط من الإخوة النبلاء، ودرج من السادة النجباء، فإنهم وإن كانوا في رتبة الفضل صدوراً، وغدوا في سماء النبل بدوراً، فإن شمس علائك أبهر أضواءً وأزهر أنواراً، وظل جنابك على بنيهم ومخلفيهم أندى آصالاً وأبرد أسحاراً. نعي إلي - أوشك الله سلوانك، ولا أخلى من شخصك الكريم مكانك! - الوزير أبو فلان، برد الله ثراه، وكرم مثواه، فكأنما طعن ناعيه في كبدي، وظعن باكيه بذخيرة جلدي. لا جرم أني دفعت إلى غمرةٍ من التلدد ولو صدم بها النجم لحار، أو دهم بها الحزم لخار، ثم ثابت إلى نفسي وقد وقذها الجزع، وعضها الوجع، فأطلت الاسترجاع، وجمعت الجلد الشعاع، وها أنا عند الله أحتسبه جماع فضائل، وجمال محافل، وحديقة مكارمٍ صوحت، وصحيفة محاسنٍ درست وانمحت. وما اقتصرت من رسم التعزية المألوف، على القليل المحذوف، فبك يقتدي اللبيب، وعلى مثالك يحتذي الأديب، وإلى غرضك من كل موطنٍ يوفى المصيب، وفي تجافي الأقدار عن حوبائك، وسقوطها دون فنائك، ما يدعوا إلى التعزية. لا صدع الله جمعك، ولا قرع بنبأة المكروه سمعك.\rومن إنشاء القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني: ورد الخبر بمصرع فلان الذي عز على المعالي، وعزيت به الليالي، وسقط به نجم الشرف وهوى، وجف به روض الكرم وذوى، ونقصت الأرض من أطرافها، ورجفت الجبال من أعرافها، وبكيت عليه السماء فإن يده كانت من سحبها، وتناثرت له النجوم فإن عزمه كان من شهبها، وأظلمت في عيني الدنيا الظالمة، وتجرعت منها كأساً لا تسيغها النفس كاظمة، وتقسمت الأيام فريقين في مودتي وعداوتي، فآهاً على السفالة ولا مرحباً بالقادمة، وأصبحت أخوض الماء وأحشائي تتقطع غليلاً، وارى الناس كثيراً بعيني وبقلبي قليلاً.\rوما الناس في عيني إلا حجارةً ... لبينك والأعراس إلا مآتم\rفقد استوحشت الدنيا لفقده، وارتابت بنفسها من بعده، وعلمت حلاوة قربه بمرارة بعده، وانصرف ذوو الألباب عن بابه، واجتنبت الآمال مغنى جنابه، وبكت الرياض على آثار سحابه.\rفإن يمس وحشاً بابه فلربما ... تناطح أفواجاً عليه المواكب\rومن إنشائه رحمه الله تعالى: ما شككت - أطال الله بقائك - حين ورد النعي بالمصائب التي قصمت الظهور بمكروهها، وحسرت فيها الحسرات عن وجوهها، أن السماء على الأرض قد انطبقت، وأن الأيام ما أبقت والسعادة قد أبقت، والحياة لم يبق في طولها طائل، والصبر بهجير اللوعة ظلٌ منسوخٌ زائل، وشمس الفضائل قد غربت وكيف بطلوعها، ونفس المكارم قد نزعت من بين ضلوعها، وغاب الإسلام قد غاب منه أي ليث، ورياض الآمال قد أقلع عن سقياها أي غيثٍ. فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضاً بحكمه، وتجلداً علة ما رمى به الحادث من سهمه، وطباً للقلوب على مضض البلاء وكلمه، وفراراً من الجمع بين مصيبة الفاقد وإثمه. وسقى الله ذلك الضريح ما شاء أن يسقيه من سحابٍ كصوب يديه، ورحمه رحمً تحف بجانبيه. وآهاً للماء العذب كيف ارتشفته النوازل وأبقت الملح، ثم آهاً للصباح الطلق كيف اغتالته الأصائل وأطلقت الجنح، ووا أسفا لتلك الذخيرة التي فذلكت بها الأيام ذخائري، والسريرة التي طالما صنتها أن تمر بسرائري، شفقاً عليها من سهام دهرٍ بالذخائر مولعةً، وستراً لها من عين الزمان على السرائر موقعة. ولئن صحب قلبي بعد أضلعي، وتحملت بعد فقده على ظلعي، فإنا غداً على أثره، وإن كنا اليوم على خبره. وقصر الحياة إلى قصور، كما أن محصول غرورها غرور. والتأدب بأدب الله أولى ما خفف به المسلوب عن مناكبه، وطريق السلوان لابد أن يراجعه عزم منكبه. فأنشدها الله إلا جعلت مصيبتها مصيبةً على الشامت بما تلبسه من صبرٍ يلبس عليه المصيبة فيشبهها بنعمة، وبما تستشعره من تجلدٍ في النازلة ينزل عليها صلواتٍ من ربها ورحمة. ولن ترى أعجب من مصابٍ لا ترى به إلا مصاباً، وساكن تربٍ لم يبق بعده إلا من سقى بدمعه تراباً، اشترك فيه الأمتان العرب والعجم، وعزي به العزيزان المجد والكرم، واستباح الدهر به الصيد في الحرم.","part":2,"page":85},{"id":586,"text":"وتشابه به الباكون فلم يبن ... دمع المحق لنا من المتعمل\rوكتب أيضاً في مثل ذلك: أخرت مكاتبة الحضرة - مد الله في عمرها في صبرها وفي أجرها، وألهمها التسليم لحكم من هو غلبٌ على أمرها - إلى أن تنقضي نبوة الخطب، وتضع الأنفاس أوزارها للحرب، ويخرج ماء الجفن نار القلب، وتراجع الخواطر إلى عاداتها، وتنظر في الدنيا التي ما صبحت إلا على عادياتها ومعاداتها، فتكون الحضرة عرفت من غير تعريف، ووقفت على الحزم من غير توقيف، وتوفر عليها الثواب من غير مشاركٍ ورجعت إلى فهمٍ مدركٍ وصوابٍ مدارك. وتأخير التعزية عن البادرة خلاف ما شرع فيه، ولكن إنما يحتاج أن يثبت من صبره هاف، ويرم من تجلده عاف. وقد علم الله اهتمامي واغتنامي بفقد شيخها رحمه الله وعدمها منه من لا عوض منه إلا ثواب الله الذي يهون الوقائع، ويوطن على الروائع. وأسباب التعزية غير واحدة، منها أنه إنما درج في السن التي هي معترك المنايا، ومنها أنه ما خرج عن الدنيا إلى أن رأى منها خلفاً يهون الرزايا، ومنها أنه لقي الله بعملٍ صالحٍ هو بمشيئة الله نجاته، ومنها أنه فارقها على الرضا عنها ويكفيها مرضاته، وعلى الدعاء المقبول لها ونعمت الجنن دعواته.\rولكن للألاف لابد حسرةً ... إذا جعلت أقرانها تنقطع\rومنها أن الحزن لو أطيع والحزم لو أضيع لما أفضى إلي مراد، ولا أعاد ميتاً قبل المعاد. وأحق متروك ما يأثم طالبه، ويؤجر مجانبه.\rعن الدهر فاصفح إنه غير متعب ... وفي غير من قد وارت الترب فاطمع\rوالحضرة تعلمني من لاحقة رجوعها إلى الله بعد الاسترجاع، ومن تسليم خاطر الحزن إلى حكم الله ما يسر خاطر الاستطلاع، وحسبه - أبقاه الله تعالى - من كل هالك، ولا يجزه المحاسب من فذلك، ومثله من أخذ بعزائم الله فيما هو آخذٌ وتارك. جبر الله مصابه، وعظم ثوابه، وسقى الماضي وروى ترابه، ولا تذهب النفس حسرةً لما شهدت العين ذهابه.\rوتخطفته يد الردى في غيبتي ... هبني حضرت فكنت ماذا أصنع\rومن إنشاء الشيخ ضياء الدين أحمد بن محمد القرطبي ما كتب به إلى الصاحب شرف الدين الفائزي يعزيه في مملوكٍ توفي له، وكان الصاحب قد جزع لفقده. ابتدأ كتابه بأن قال:\rفدىً لك من يقصر عن مداكا ... فلا أحدٌ إذا إلا فداكا\rإنا لله وإنا إليه راجعون. لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة، وسنةٌ في الأسى مستحسنة، وإنما الأنفس ودائع مستودعة، وعوارٍ مسترجعة، ومواهب بيد الفناء مستنزعة.\rفالعمر نومٌ والمنية يقظةٌ ... والمرء بينهما خيالٌ ساري\rوما برح ذوو العزمات يتلقون واردات المصائب بصبرهم، وما كان لمؤمنٍ ولا لمؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. وإن يد الله لمليةٌ بفيض المواهب، وفي الله عوضٌ من كل بائنٍ وخلفٌ من كل ذاهب. وإذا سلم مولانا في نفسه وولده، فلا بأس إذا تطرقت يد الردى إلى ملك يده.\rفأنت جوهر الأعناق، ما ملكت ... كفاك من طارفٍ أو تالد عرض\rوالحمد لله الذي جعل المصيبة عندك لا بك، والرزية لك لا فيك.\rإذا سلمت فكل الناس قد سلموا\rوإذا تخطتكما المنية فلها في سواكما الخيار، ولنا القدح المعلى إذا أروي زند هذا الاختيار. ولا بد في مشرع المنية من مفقودٍ وفاقد.\rكن المعزى لا المعزى به ... إن كان لا بد من الواحد\rوهذا فقد وهب الله لمولانا من حيث إنه أخذه منه، وأبقاه من حيث رآه ذاهباً عنه، فهو بالأمس عاريةٌ مردودة، واليوم ذخيرةٌ موجودة، وكان عطيةً مسلوبةً وهو الآن نعمةٌ موهوبة، كنت له وهو الآن لك، وفزت به والسعيد من فاز بما ملك. وهذه دارٌ دواؤها داؤها، وبقاؤها فناؤها، طالبها مطلوب، وسالبها مسلوب، وإن لنا فيمن سلف لعزاء، ولنا برسول الله صلى الله عليه وسلم اقتداء، ولا بد من ورود هذا المشرع، وملاقاة هذا المصرع.\rومن إنشاء المولى شهاب الدين محمود الحلبي ما كتب به عن بعض النواب إلى الأمير عز الدين الحموي النائب - كان بدمشق - تعزيةً بولده:","part":2,"page":86},{"id":587,"text":"أعز الله أنصار المقر الكريم العالي، ولا هدمت له الخطوب ركناً، ولا فجأت له الحوادث حمًى ولا طلبت عليه إذناً، ولا هصرت أيدي الأقدار من عروشه الناضرة غصناً، ولا أذاقته الأيام بعد ما مر أسفاً على من يحب ولا حزناً، ولا سلبه الجزع رداء الصبر الذي لا يخصه بجزيل الأجر وإن شركه في الأسى والأسف كلٌ منا.\rالمملوك يقبل اليد الكريمة، ويهنئ أنه اتصل به النبأ الذي صدع قلبه، وشغل بالبكاء طرفه وبالأسف لسانه وبالحزن لبه، وهو ما قدره الله تعالى من وفاة المولى الأمير ركن الدين عمر - تغمده الله برضوانه - الذي اختار الله له ما لديه، وارتضى له البقاء الدائم على الفاني فنقله إليه، على أن الدين فقد منه ركناً شديداً، ورأياً سديداً، وعزماً وحزماً معيناً مفيداً، وأميراً أردنا أن يعيش سعيداً، فأبى الله إلا أن يموت شهيداً، فإنا لله وإنا إليه راجعون. لقد كان للرجاء في اعتضاد الدولة القاهرة به أي مجال، وللآمال في الانتظار ببأسه ظنونٌ تحقق أن الغلبة للدين دائماً مع أن الحروب سجال، وللمواكب بطلوع طلعته أي إشراق، وللعيون عن مشاهدة كماله وأبهة جلاله أي إغضاءٍ ورأي إطراق. ولله أي بدرٍ هوى من أفق بروجه عن فلك، وأي شمسٍ ما رأته الجواري الكنس إلا قلن: حاش لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك، وأي حصنٍ كانت منه ثمار الشجاعة تجتنى، وأي أسدٍ براثنه الصوارم وأجماته القنا. لقد فت في عضد الدين مصابه، وأذهب صحة الأنس به وحلاوة وجوده أوصاب فقده وصابه، وكادت الصوارم أن تشق عليه غمودها، والرايات أن تقطع عليه ذوائبها وتغير بنودها ، والرماح أن تعرض على النار لتقصف لا لتثقف قدودها، والجياد أن تتعثر للحزن بذيولها، وتعتاض بالنوح عن صهيلها. ولو أنصف لأكنته القلوب في ضمائرها، ولو قبل الفداء لسمحت فيه النفوس بالنفائس ولو كانت الحياة من ذخائرها، أو لو كان الحتف مما يدافع بالجنود تحطمت دونه القنا في دروع عساكرها، ولكنه السبيل الذي لا محيد عن طريقه، والمعرس الذي لابد لكل حيٍ من النزول على فريقه، وهو الغاية التي تستن إليها النفوس استنان الجياد، والحلبة التي كنا نحن وهذا الدارج نركض إليها ولكن السابق كان الجواد، على أن المتأخر لابد له من اللحاق، وماذا عسى يسر البدر بكماله وهو يعلم أن وراءه المحاق! وفي رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يعلم أن كل رزءٍ بعده جلل، وإذا انتقل العبد إلى الله تعالى غير مفتونٍ في دينه ولا مثقل الظهر من الأوزار حمد في غدٍ ما فعل، وغبط بقدومه على أكرم الأكرمين مسروراً، ولقي الله وقد جعل في قلبه نوراً وفي سمعه نوراً وفي بصره نوراً. والمولى أعزه الله تعالى أولى من تلقى أمر الله بالتسليم والرضا، وقابل أقداره بأن الخيرة فيما قدر وقضى، وحمد الله على ما وهب من بقاء إخوته الذين فيهم أعظم خلف، وأجمل عوضٌ يقال به للدهر الذي اعتذر بدوام المسرة فيهم: عفا الله عما سلف، وعلم أن الخطب الذي هد ركن الدين باحترابه واجتراحه، قد صرفه إلى الأمد عن الإلمام بساحة شهابه والتعرض إلى حمى فخره والنظر إلى حي صلاحه، ففي بقائهم ما يرغم العدا، ويعز حزب الهدى، ويقيم كلاً منهم في خدمة الدولة القاهرة بين يدي المولى مقام الشبل المنتمي للأسد، وينهضهم من مصالح الإسلام مع ما يعلمه منهم من حسن الثبات من الوالد وسرعة الوثبات من الولد. والله تعالى يجزل له من الأجر أوفاه، ويحفظ عليه - وقد فعل - أخراه، ويجعله للإسلام ذخراً، ولا يسمعه مع طول البقاء بعدها تعزيةً أخرى.\rومن أحسن الرثاء وأشجاه ما نطقت به الخنساء في رثائها لأخيها صخر، فمن ذلك قولها:\rألا يا صخر إن أبكيت عيني ... لقد أضحكتني دهراً طويلاً\rدفعت بك الجليل وأنت حيٌ ... فمن ذا يدفع الخطب الجليلا\rإذا قبح البكاء على قتيلٍ ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا\rوقالت أيضاً فيه:\rألا هبلت أم الذين غدوا به ... إلى القبر، ما ذا يحملون إلى القبر!\rوماذا يواري القبر تحت ترابه ... من الجود! يابؤس الحوادث والدهر!\rفشأن المنايا إذ أصابك ريبها ... لتغد على الفتيان بعدك أو تسري\rوقالت:\rيذكرني طلوع الشمس صخراً ... وأبكيه لكل غروب شمس","part":2,"page":87},{"id":588,"text":"ولو لا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي\rوما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسي\rوقالوا: أرثى بيتٍ قالته العرب قول متمم بن نورية في أخيه مالك، وكان قد قتله خالد بن الوليد في الردة. وكان متمم قدم العراق، فاقبل لا يرى قبراً إلا بكى، فقيل له: يموت أخوك بالملا وتبكي على قبرٍ بالعراق! فقال:\rلقد لامني عند القبور على البكا ... رفيقي لتذارف الدموع السوافك\rأمن أجل قبرٍ بالملا أنت نائحٌ ... على كل قبرٍ أو على كل هالك\rوقال: أتبكي كل قبرٍ رأيته ... لقبرٍ ثوى بين اللوى فالدكادك\rفقلت له: إن الشجا يبعث الشجا ... فدعني فهذا كله قبر مالك\rمعناه قد ملأ الأرض مصابه عظماً، فكأنه مدفونٌ بكل مكان. وهو أبلغ ما قيل في تعظيم ميت. وقيل أرثى بيتٍ قالته العرب قول المحدث:\rعلى قبره بين القبور مهابةٌ ... كما قبلها كانت على صاحب القبر\rوقيل: بل قول الآخر:\rأرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر\rوقالوا: بل بيتٌ غيره:\rفما كان قيسٌ هلكله هلك واحدٍ ... ولكنه بنيان قومٍ تهدما\rوقال الأصمعي: أرثي بيت قالته العرب قول الشاعر:\rومن عجبٍ أن بت مستشعر الثرى ... وبت بما زودتني متمتعا\rولو أنني أنصفتك الود لم أبت ... خلافك حتى ننطوي في الثرى معا\rومن أحسن الرثاء قول الحسين بن مطير الأسدي:\rألما بمعنٍ ثم قولا لقبره: ... سقتك الغوادي مربعاً ثم مربعا\rفتًى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا\rأيا قبر معنٍ كنت أول حفرةً ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا\rويا قبر معنٍ كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا!\rبلى قد وسعت الجود والجود ميتٌ ... ولو كان حياً ضقت حتى تصدعا\rولما مضى معنٌ مضى الجود والندى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا\rقال أبو هلال العسكري: هذه الأبيات أرثى ما قيل في الجاهلية والإسلام.\rوقال بكر بن النطاح يرثي معقل بن عيسى:\rوحدثني عن بعض ما قال أنه ... رأت عينه فيما ترى عين نائم\rكأن الندى يبكي على قبر معقلٍ ... ولم تره يبكي على قبر حاتم\rولا قبر كعبٍ إذ يجود بنفسه ... ولا قبر حلف الجود قيس بن عاصم\rفأيقنت أن الله فضل معقلاً ... على كل مذكورٍ بفضل المكارم\rوقال آخر:\rلعمرك ما وارى التراب فعاله ... ولكنما وارى ثياباً وأعظما\rومثله المنصور النمري:\rفإن تك أفنته الليالي وأوشكت ... فإن له ذكراً سيبقى اللياليا\rوقال التميمي في منصورٍ بن زياد:\rأما القبور فإنهن أوانسٌ ... بفناء قبرك والديار قبور\rعمت صنائعه فعم مصابه ... فالناس فيه كلهم مأجور\rيثني عليك لسان من لم توله ... خيراً لأنك بالثناء جدير\rردت صنائعه إليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور\rفالناس مأتمهم عليه واحدٌ ... في كل دارٍ رنةٌ وزفير\rوقال ابن القزاز المغربي:\rسأبكيك لا أن البكا عدل لوعتي ... ولا أن وجدي فيك كفء تندمي\rوقل لعيني أن تفيض دموعها ... عليك ولو أن الذي فاض من دمي\rوقال الخريمي:\rوأعددته ذخرً لكل ملمةٍ ... وسهم الرزايا بالذخائر مولع\rوإني وإن أظهرت مني جلادةً ... وصانعت أعدائي عليه لموجع\rولو شئت أن أبكي دماً لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع\rوقال أبو هلالٍ العسكري:\rعلى الرغم من أنف المكارم والعلا ... غدت داره قفراً ومغناه بلقعا\rألم تر أن البأس أصبح بعده ... أشل وأن الجود أصبح أجدعا\rفمرا على قبر المسود وانظرا ... إلى المجد العلياء كيف تخشعا","part":2,"page":88},{"id":589,"text":"فإن يك واراه التراب فكبراً ... على الجود والمعروف والفضل أربعا\rولا تسأما نوحاً عليه مكرراً ... ونوحاً لفقد العارفات مرجعا\rفما كان قيسٌ هلكه هلك واحدٍ ... ولكنه بنيان قومٍ تضعضعا\rولا تحسبا أني أواريه وحده ... ولكنني واريته والندى معا\rوقال أيضاً:\rألست ترى موت العلا والفضائل ... وكيف غروب النجم بين الجنادل!\rفما للمنايا أغفلت كل ناقصً ... ونقبن في الآفاق عن كل فاضل!\rعلى الرغم من أنف العلا سيق للردى ... بكل كريم الفعل حر الشمائل\rعلى أن من أبقته ليس بخالدٍ ... وليس امرؤٌ يرجو الخلود بعاقل\rرأيت المنايا بين غادٍ ورائحٍ ... فما للبرايا بين ساهٍ وغافل!\rولم أر كالدنيا حبيباً مضرةً ... ولم أر مثل الموت حقاً كباطل\rوقال الرقاشي في البرامكة:\rألان استرحنا واستراحت ركابنا ... وقل الذي يحدى ومن كان يحتدي\rفقل للمطايا: قد أمنت من السرى ... وطي الفيافي فدفداً بعد فدفد\rوقل للمنايا: قد ظفرت بجعفرٍ ... ولن تظفري بعده بمسود\rوقل للعطايا بعد فضل: تعطلي ... وقل للرزايا كل يومٍ: تجددي\rودونك سيفاً برمكياً مهنداً ... أصيب بسيفٍ هاشميٍ مهند\rوقال آخر:\rسأبكيك للدنيا وللدين، إنني ... رأيت يد المعروف بعدك شلت\rربيعٌ إذا ظن الغمام بمائه ... وليثٌ إذا ما المشرفية سلت\rوقال عبد الله بن المعتز:\rألست ترى موت العلا والمحامد ... وكيف دفنا الخلق في قبرٍ واحد\rوللدهر أيامٌ يسئن عوامداً ... ويحسن إن أحسن غير عوامد\rوقال أبو الطيب المتنبي:\rإني لأعلم واللبيب خبير أن الحياة وإن حرصت غرور\rما كنت أعلم قبل دفنك في الثرى ... أن الكواكب في التراب تغور\rخرجوا به ولكل باكٍ حوله ... صعقات موسى يوم دك الطور\rحتى أتوا جدثاً كأن ضرحه ... في قلب كل موحدٍ محفور\rنبكي عليه وما استقر قراره ... في اللحد حتى صافحته الحور\rومنها:\rصبراً على المكروه فيه تكرماً ... إن العظيم على العظيم صبور\rولكل مفجوعٍ سواكم مشبهٌ ... ولكل مفقودٍ سواه نظير\rوقال آخر:\rكفى حزناً أني تخلقت بعده ... أدور مع الباكين في عرصاته\rوصارت يميني ما حلفت بقبره ... وكانت يميني قبلها بحياته\rوقال آخر:\rوكنت أخاف الدهر ما كان باقياً ... فلما تولى مات خوفي على الدهر\rوقال آخر:\rولما دعوت الصبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعاً ولم يجب الصبر\rوإن ينقطع منك الرجاء فإنه ... سيبقى عليك الحزن ما بقي الدهر\rوقال آخر:\rفو الله لو أسطيع قاسمته الردى ... فمتنا جميعاً أو يقاسمني عمري\rولكنما أرواحنا ملك غيرنا ... فمالي في نفسي ولا فيه من أمر\rأحمله ثقل التراب وإنني ... لأخشى عليه الثقل من موطئ الذر\rوما أنا بالوافي وقد عشت بعده ... روب اعترافٍ كان أبلغ من عذر\rوقال آخر:\rيا راحلاً لم يبق لي ... من بعده في العيش نفعا\rضاقت على الأرض في ... ك وضقت بالإخوان ذرعا\rورعيت فيك النجم يا ... من كان يحفظني ويرعى\rأبكيت بالشعر الذي ... قد رق حتى صار دمعا\rوقال تاج الملوك بنو أيوبٍ يرثي أخاه:\rلو كان يشفي الدعم غلة واجدٍ ... لشفي غليلي فيض دمعي الهامر\rهيهات لا برد الغليل وقد ثوى ... من كان من عددي وخير ذخائري\rيا للرجال لنكبةٍ قد أذهبت ... جلد الجليد وحسن صبر الصابر","part":2,"page":89},{"id":590,"text":"طرقت فتى الملك المعظم فانثنى ... من بعد بهجته كربع طائر\rومنها:\rجبلٌ هوى فارتجت الدنيا له ... فكأنما ركبت جناحي طائر\rومنها:\rمن للنوائب يوم تفترس الورى ... قسراً بأنيابٍ لها وأظافر\rأضحى وحيداً في التراب كأنه ... ما سار بين مواكب وعساكر\rقد كان لا تعصي البرية أمره ... فانقاد متمثلاً لأمر الآمر\rمولاي دعوة والهٍ غادرته ... وقفاً على نوب الزمان الغادر\rهل من سبيلٍ للزيارة عندها ... هيهات حال الموت دون الزائر\rلو كان خصمك غير حادثة الردى ... لرددته بذوابلٍ وبواتر\rأو كان يدرك ثأر من أودى به ... ريب المنون لكنت أول ثائر\rلكنه الموت الذي قهر الورى ... من حيث لا تثنيه قدرة قادر\rوقال كمال الدين بن النبيه يرثي علي ابن الخليفة الناصر لدين الله:\rالناس للموت كخيل الطراد ... فالسابق السابق منها الجواد\rوالله لا يدعو إلى داره ... إلا من استصلح من ذي العباد\rوالموت نقاد، على كفه ... جواهرٌ يختار منها الجياد\rوالمرء كالظل ولا بد أن ... يزول ذلك الظل بعد امتداد\rلا تصلح الأرواح إلا إذا ... سرى إلى الأجسام هذا الفساد\rأرغمت يا موت أنوف القنا ... ودست أعناق السيوف الحداد\rكيف تخيرت أميراً وما ... أنجده كل طويل النجاد\rمصيبةٌ أذكت قلوب الورى ... كأنما في كل قلبٍ زناد\rنازلةٌ عمت فمن أجلها ... سن بنو العباس لبس السواد\rمأتمةٌ في الأرض لكن لها ... عرسٌ على السبع الطباق الشداد\rطرقت يا موت كريماً فلم ... يقنع بغير النفس للضيف زاد\rقصمته من سدرة المنتهى ... غصناً فشلت يد أهل العناد\rيا ثالث السبطين خلفتني ... أهيم من همي في كل واد\rيا نائماً في غمرات الردى ... كحلت أجفاني بميل السهاد\rويا ضحيع الترب أسقمتني ... كأنما فراشي شوك القتاد\rدفنت في الترب ولو أنصفوا ... ما كنت إلا في صميم الفؤاد\rخليفة الله اصطبر واحتسب ... فما وهى البيت وأنت العماد\rفي العلم والحكم بكم يقتدى ... إذا دجا الخطب وضل الرشاد\rوأنت لج البحر ما ضره ... أن سأل من بعض نواحيه واد\rولما مات الإخشيد محمد بن طغج رثاه جماعةٌ من الشعراء منهم محمد بن الحسن ابن زكريا فقال:\rفي الرزايا روائع الأوجال ... والبرايا دريئة الآجال\rوكذا الليل والنهار اعتبارٌ ... للورى في تفكر الأحوال\rكل شيءٍ وإن تمادى مداه ... قصره للفناء أو للزوال\rوأرى كل عيشةٍ لأناسٍ ... كونها مؤذنٌ بوشك انتقال\rكل ذي جدةٍ إذا ما الجديدان ألحا عليه مودٍ بال\rما لخلقٍ من المنون مفرٌ ... لا ولا دون بطشها من مآل\rكان غيث الأيام إن أخلف الغي ... ث أطلت سحابه بانهمال\rفجعتنا بواهبٍ لا نراه ... يخلق الوجه عنده بابتذال\rفجعتنا ببهجة الأرض في الأر ... ض وشمس الضحى وبدر الليالي\rفجعتنا بمن حمى حرمة الإس ... لام من حادثٍ ومن ختال\rفجعتنا بالباسل البطل السا ... مي غداة الوغى إلى الأبطال\rفجعتنا بالواهب المجزل المر ... تاح حين السؤال للسؤال\rعجبٌ إذ دنت عليه المنايا ... وحمى عزه المنيع العالي\rأين من يشتري المدائح والشك ... ر بأسنى وفرٍ وأوفى نوال\rقطع الموت وصلنا منه كرهاً ... والردى قاطعٌ لكل اتصال","part":2,"page":90},{"id":591,"text":"رحمة الله والسلام عليه ... في الضحى والعشاء والآصال\rوسقى الله حفرةً ضمنته ... شكر واهٍ من الحيا هطال\rثم خرج من الرثاء إلى مدح ابنه فقال:\rإن خبا بدره فقد لاح للأم ... ة لما خبا طلوع الهلال\rنوره مشرقٌ مضيءٌ مدى الده ... ر منيرٌ وليس ذا اضمحلال\rوقال أبو الطيب المتنبي يرثيه:\rهو الزمان مشتٌ بالذي جمعا ... في كل يومٍ نرى من صرفه بدعا\rلو كان ممتنعٌ تغنيه منعته ... لم يصنع الدهر بالإخشيد ما صنعا\rذاق الحمام فلم تدفع كتائبه ... عنه القضاء ولا أغناه ما جمعا\rلقد نعى كل من نعاه مفتخرٍ ... وكل جودٍ لأهل الأرض حين نعى\rلله ما حل بالإسلام حين ثوى! ... لقد وهى شعب هذا الدين فانصدعا\rفمن تراه يقود الخيل ساهمةً ... سد الفضاء وملء الأرض ما وسعا\rترى الحتوف غلوقاً في أسنته ... لدى الوغى وشهاب الموت قد لمعا\rلو كان يسطيع قبرٌ ضمه لسعى ... إليه شوقاً ليلقاه وإن شسعا\rفليعجب الناس من لحدٍ تضمن من ... تضمن الرزق بعد الله فاضطلعا\rلو يعلم اللحد ما قد ضم من كرمٍ ... ومن فخارٍ ومن نعماء لاتسعا\rيا لحده إن تضق عنه فلا عجبٌ ... فيه الحجا والنهى والبأس قد جمعا\rيا لحد طل فإن البحر فيك محتبساً ... والليث منهصراً والجود مجتمعا\rيا يومه لم تخص الفجع أسرته ... كل الورى بردى الإخشيد قد فجعا\rيا يومه لم تدع صبراً لمصطبرٍ ... ولم تدع مدمعاً إلا وقد دمعا\rأردى الرفاق ردى الإخشيد فانقرضوا ... فما ترى منهم في الأرض منتجعا\rيأيها الملك المخلي مجالسه ... أحميت أعيننا الإغماض فامتنعا\rومنها:\rلئن مضيت حميد الأمر متفقداً ... لقد تركت حميد الأمر متبعا\rثم خرج من الرثاء إلى مدح ولد الإخشيد:\rثبت الجنان فلا نكسٌ ولا ورعٌ ... تلقاه مؤتزراً بالحزم مدرعا\rأعطت أبي القاسم الأملاك بيعتها ... ولو أبت أخذت أسيافه البيعا\rوانقاد أعداؤه ذلاً لهيبته ... وظل متبعوهم من خوفه تبعا\rأضحت بهم همم الغلمان عاليةً ... كأن مولاهم الإخشيد قد رجعا\rوقال مهلهل بن يموت يرثيه أيضاً:\rأي عزٍ مضى من الإسلام! ... أي ركنٍ أضحى حديث انهدام!\rذاق موتاً محمد بن طغج ... هو ليث الشرى وغيث الغمام\rفقد الناس مولى الإنعام ... فهم سائمون كالأنعام\rمات رب العلا وراعي الرعايا ... والسرايا وكافل الأيتام\rأين ما كنت فيه من عزك البا ... ذخ والمرتقى عزيز المرام!\rأين ذاك الحجاب والملك والهي ... بة أين الزحام وقت الزحام!\rمن أميرٍ وقائدٍ وخطيرٍ ... ورئيسٍ وماجدٍ وهمام\rكلهم مطرقٌ لديك من الهي ... بة خوف الإجلال والإعظام\rأين تلك الخيام حولك إن عر ... ست والأسد حول تلك الخيام\rمن عديد وعدةٍ لك ما بي ... ن قعودٍ فيها وبين قيام\rلم يطق جمعهم دفاع الردى عن ... ك ولم يمنعوك منع اعتصام\rأسلمتك الخيول قسراً وقد كن ... ت عليها سوراً على الإسلام\rخانك السيف وهو يصدر عن أم ... رك مستعدياً بغير احتجام\rخذل الرمح وهو عونك لو حا ... ن لقاءٌ وثار نقع قتام\rلم ترد القسى عنك سهام ال ... حتف والحتف عندها في السهام\rما وقتك الحراب حرب المنايا ... حين وافاك جيشها من أمام","part":2,"page":91},{"id":592,"text":"لم يحصنك ما اقتنيت من الآ ... لات من جوشن ولا من لام\rحكم الموت فيك من بعد ما كن ... ت ترى حاكماً على الحكام\rفقدتك الفسطاط وجداً مدى الده ... ر ومن بعدها بلاد الشام\rفجعت يثربٌ ومكة والبي ... ت إلى زمزمٍ أجل والمقام\rعم فيك المصاب فاشترك العا ... لم في الرزء منه والآلام\rحسبنا الله من عزٍ من حكمٍ يج ... ري على الحاكمين بالأحكام\rكل شيءٍ إلى زوالٍ، ومن ذا ... نال ملك الدنيا بغير اخترام\rأين أين الملوك في سالف الد ... هر دهتم حوادث الأيام\rأين من قد كانوا يخافون في البأ ... س ويرجون للعطايا الجسام\rليس يبقى إلا الإله تعالى ... من له الملك ثابتاً بالدوام\rأيهذا الأمير بل يا أبا القا ... سم يا بن السميدع القمقام\rارض حكم الإله في الحكم الما ... ضي وسلم لنافذ الأحكام\rوهناك الذي بلغت من الأم ... ر وما حزته بحسن انتظام\rما كمثل الذي رزئت ولا مث ... ل الذي قد ملكت في ذا العام\rأنت مثل الإخشيد فانهض بما مل ... كت بالجد منك والاعتزام\rوقال بعض الشعراء يرثي الوزير يعقوب بن كلس وزير العزيز بن المعز خليفة مصر:\rإن التصبر في الأمور جميل ... إلا عليك فما إليه سبيل\rيا حاملاً ثقل العلا وكأنه ... لعلو همته بها محمول\rيا واهباً فوق المنى وكأنه ... لسخائه مما يجود بخيل\rجاء منها:\rيا ترب لا تأكل لساناً طالما ... والى به الحميد والتهليل\rيل ترب لا تعنف بكف طالما ... قد كان يؤلم ظهرها التقبيل\rومنها:\rيا دهر تعلم ما جنيت على الورى؟! ... خطبٌ لعمرك إن علمت جليل\rما كان ضرك لو مهلت بمثله ... يا دهر إنك بعدها لعجول\rومن المراثي المشهورة التي عني بها، واتصلت أسباب الشارحين بسببها، المرثية العبدونية التي نظمها الوزير الكاتب أبو محمد عبد المجيد بن عبدون يرثي بها بني مسلمة المعروفين ببني الأفطس، وهي من أمهات القصائد ووسائط القلائد، فإنه ذكر فيها عدةً من مشاهير الملوك والخلفاء والأكابر ممن أبادهم الدهر بحوادثه ونكباته، ووثب عليهم الزمن فما وجدوا جنةً تقيهم من وثباته، ودبت عليهم الأيام بصروفها، وسقتهم المنية بكأس حتوفها. وهانحن نذكرها ونزيدها تبياناً بشرح من استبهمت أخباره، وخفيت على المطالع آثاره.\rوأول القصيدة:\rالدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور\rأنهاك أنهاك لا آلوك معذرةً ... عن وقفةٍ بين ناب الليث والظفر\rفالدهر حربٌ وإن أبدى مسالمةً ... فالبيض والسمر مثل البيض والسمر\rولا هوادة بين الرأس تأخذه ... يد الضارب وبين الصارم الذكر\rفلا تغرنك من دنياك نومتها ... فما صناعة عينيها سوى السهر\rما لليالي أقل الله عثرتنامن الليالي وخانتها يد الغير\rفي كل حينٍ لها في كل جارحةٍ ... منا جراحٌ وإن زاغت عن البصر\rتسر بالشيء لكن كي تغر به ... كالأيم ثار إلى الجاني من الثمر\rكم دولةٍ وليت بالنصر خدمتها ... لم تبق منها! وسل ذكراك من خبر\rهوت بدارا وفلت غرب قاتله ... وكان عضباً على الأملاك ذا أثر\rدارا الذي ذكره هو دارا بن دارا آخر ملوك الفرس، وقاتله الإسكندر.\rوسنذكر إن شاه الله أخبارهما في فن التاريخ.\rواسترجعت من بني ساسان ما وهبت ... ولم تدع لبني يونان من أثر\rبنو ساسان هم الفرس الأخر ولهم دولةٌ مشهورةٌ انقرضت في الإسلام. وبنو يونان أيضاً من الملوك أرباب الدول المشهورة، ومن مشاهير ملوكهم الإسكندر بن فيلبس. وسترد إن شاء الله أخبارهم.","part":2,"page":92},{"id":593,"text":"وأتبعت أختها طسماً، وعاد على ... عادٍ وجرهم منها ناقض المرر\rأخت طسم جديس، وهما أبناء عمٍ كثر نسلهما وهم العرب العاربة. وسنذكر أخبارهما إن شاء الله في وقائع العرب. وعاد هم قوم هود. وجرهم هو ابن عوف بن زهير بن أنس بن الهميسع بن حمير بن سبأ الأكبر بن يشجب ابن يعرب بن قحطان، وقيل: إن العمالقة من ولد جرهم. أراد بذكرهم أنهم كلهم أبادهم الموت.\rوما أقالت ذوي الهيئات من يمنٍ ... ولا أجارت ذوي الغايات من مضر\rاليمن كلهم باتفاق العلماء بالأنساب من ولد قحطان، ومنهم ملوكٌ نذكرهم إن شاء الله في التاريخ. ومضر بن نزار بن معبد بن عدنان. وقد تقدم ذكرهم في الأنساب.\rومزقت سبأٌ في كل قاصيةٍ ... فما التقى رائحٌ منهم بمبتكر\rسبأ الذي أشار إليه هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، واسمه عبد شمس، وإنما قيل فيه سبأ لأنه أول من أدخل بلاد اليمن السبي. وكان له عشرة أولادٍ سكن الشام منهم أربعةٌ وهم: لخم وغسان وجذام وعاملة، وسكن اليمن منهم ستةٌ: كندة ومذحج والأزد وأنمار والأشعر وعمرو، وقد ذكر الله عز وجل تمزيقهم بقوله: \" ومزقناهم كل ممزقٍ \" . وسنذكر أخبار سيل العرم وسد مأرب.\rوأنفذت في كليبٍ حكمها ورمت ... مهلهلاً بين سمع الأرض والبصر\rكليب الذي ذكر هو كليب بن ربيعة بن الحارث الذي ضرب به المثل فقيل: \" أعز من كليب وائل \" . وأشار ابن عبدون إلى هذا البيت إلى ما كان من قتل جساس بن المرة كليباً وما وقع بين بكرٍ وتغلبٍ من الحروب التي نشرحها إن شاء الله في وقائع العرب. وقوله: ورمت مهلهلاً بين سمع الأرض والبصر، كأنه أراد ما حكى أنه قتل في موضعٍ لم يطلع عليه أحد، وهو مثلٌ، يقال: \" فعل كذا وكذا بين سمع الأرض وبصرها إذا فعله خالياً \" .\rولم ترد على الضليل صحته ... ولا ثنت أسداً عن ربها حجر\rالضليل الذي أشار إليه هو امرؤ القيس بن حجر بن عمرو، والحارث هو آكل المرار، وسمي لمرؤ القيس بالضليل لأنه ترك ملكه وتوجه إلى قيصر يطلب منه جيشاً يأخذ به ثأر أبيه من بني أسد. وإشارته إلى الصحة لقول امرئ القيس في قصيدته السينية:\rوبدلت قرحاً دامياً بعد صحةٍ ... لعل منايانا تحولن أبؤساً\rلقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه محمد ما تلبسا\rوالطماح رجلٌ من بني أسدٍ أرسله قيصر إلى امرئ القيس بحلةٍ مسمومةٍ، فلم البسها تقطع ومات بأنقرة. وإشارته إلى أسد لأن بني أسد كانوا قتلوا حجر ابن الحارث يوم ماقط.\rودوخت آل ذبيان وإخوتهم ... عبساً وعضت بني بدرٍ على النهر\rأشار إلى ما كان بين عبسٍ وذبيان من الحروب بسبب داحسٍ والغبراء. وسيرد ذلك في وقائع العرب إن شاء الله تعالى.\rوألحقي بعديٍ بالعراق على ... يد ابنه أحمر العينين والشعر\rأراد عدي بن أيوب بن زيد مناة بن تميم الشاعر. وأحمر العينين والشعر هو النعمان بن المنذر. وكان عدي هذا ترجماناً لأبرويز وكاتبه بالعربية، فلما مات قابوس بن المنذر تلطف عدي وتحيل على أبرويز حتى ولى النعمان إمرة العرب وقدمه على إخوته وكان أدمهم، ثم اتهمه النعمان أنه وشى به فاحتال عليه حتى ظفر به وحبسه ثم قتله بالعراق، فتلطف ابنه زيد بن عدي وتوصل حتى خدم أبويز على عادة أبيه، وأوقع بين أبرويز والنعمان حتى قتله أبرويز، على ما يرد إن شاء الله تعالى في التاريخ. والله أعلم.\rوأشرفت بخبيبٍ فوق فارعةٍ ... وألصقت طلحة الفياض بالعفر\rأشار إلى خبيب بن عدي الأنصاري وهو بدري وأسر في السرية التي خرج فيها مرثد بن أبي مرثد فانطلق به المشركون إلى مكة واشتراه حجر بن إهابٍ التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن نوفل ليقتله بأبيه، وكان خيب قتل الحارث أبا عقبة يوم بدر، فصلبه عقبة على خشبةٍ بالتنعيم وقتله. وطلحة الفياض هو طلحة ابن عبد الله التميمي أحد العشرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتل يوم الجمل، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.\rومزقت جعفراً بالبيض، واختلست ... من غيله حمزة الظلام للجزر","part":2,"page":93},{"id":594,"text":"جعفر الذي 1ذكره هو جفعر بن أبي طالب أخو عليٍ رضي الله عنهما قلت في غزوة مؤتة. حمزة هو ابن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل يوم أحدٍ قتله وحشي غلام جبير بن مطعم، وجعله ظلاماً للجزر وصفه بالكرم.\rوبلغت يزدجرد الصين واختزلت ... عنه سوى الفرس جمع الترك والخزر\rلم ترد مواضي رستمٍ وقنا ... ذي حاجبٍ عنه سعداً في ابنة الغير\rيزدجرد الذي ذكر هو ابن شهريار آخر ملوك الساسانية. ورسمت هو الأرمني وهو الذي قاتل سعد بن أبي وقاص وقتل يوم القادسية، وعلى ما يأتي شرح ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.\rوخضبت شيب عثمانٍ دماً، وخطت ... إلى الزبير، ولم تستحي من عمر\rأشار في هذا البيت إلى مقتل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والزبير بن العوام رضي الله عنهم. وسترد إن شاء الله أخبارهم.\rوما رعت لأبي اليقظان صحبته ... ولم تزوده إلا الضيح في الغمر\rأبو يقظان هو عمر بن ياسر العنسي قتل بصفين وكان مع علي، وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" تقتل عماراً الفئة الباغية \" . ولما قتل كانت الراية يومئذٍ بيده فعطش فدعا بشربةٍ من الماء فأتي بضحيةٍ فشربها ثم قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اللبن آخر شربةٍ أشربها في الدنيا، فقتل يومئذٍ رضي الله عنه.\rوأجزرت سيف أشقاها أبا حسنٍ ... وامكنت من حسينٍ راحتى شمر\rأشقاها هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: \" يا علي، أشقاها الذي يخضب هذه من هذه \" وأشار إلى لحية علي ورأسه. والحسين الذي ذكره هو الحسين بن علي. وشمر هو شمر لبن ذي الجوشن وهو الذي أرسله عبيد الله بن زيادٍ إلى عمر بن سعد يحرضه على قتل الحسين، وقيل: إن شمراً لم يباشر قتل الحسين، والذي قتله سنان بن أنس النخعي، وشمرٌ فهو المجهز والمحرض على قتله، فلذلك ذكره.\rوليتها إذ فدت عمراً بخارجةٍ ... فدت علياً بمن شاءت من البشر\rعمرو الذي أشار إليه هو عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم ابن عمرو بن هصيص بن كعب، أمير مصر لمعاوية ابن أبي سفيان. وخارجة رجلٌ من سهم عمرو. وكان من خبره أن الخوارج كانت قد اجتمعت على قتل علي ومعاوية وعمرو، فكان الذي انتدب لقتل عمرٍو زادويه مولى بني العنبر، ورصده إلى ليلة المعاد التي اتفقوا على الفتك بهم فيها، فاشتكى عمرو تلك الليلة من بطنه ولم يخرج للصلاة واستخلف خارجة ليصلي بالناس، فلما قام في المحراب وثب عليه زادويه وهو يظن أنه عمرو بن العاص فقتله، وأخذ زادويه وأدخل على عمرو، فسمع الناس يخاطبونه بالإمرة، فقال: أو ما قتلت عمراً؟ قيل له: لا إنما قتلت خارجة، فقال: أردت عمراً وأراد الله خارجة. فلذلك قال:\rوليتها إذ فدت عمرا بخارجة\rوفي ابن هندٍ وفي ابن المصطفى حسنٍ ... أتت بمعضلة الألباب و الفكر\rفبعضنا قائلٌ ما اغتاله أحدٌ ... وبعضنا ساكتٌ لم يؤت من حصر\rابن هند الذي أشار إليه هو معاوية بن أب سفيان، أراد ما كان بينه وبين الحسن بن علي في أمر الخلافة. وأراد بالبيت الثاني ما وقع الاختلاف فيه من أن الحسن مات مسموماً وأن معاوية وعد زوجة الحسن جعدة بنت قيسٍ الكندي بمائة ألف درهمٍ ويزوجها لابنه يزيد إن قتلت الحسن، ففعلت وسمته. ولما مات الحسن وفى لها بالمال وقال: حب حياة يزيد منعني تزويجه منك، وقيل مات الحسن حتف أنفه. والله أعلم.\rوعممت بالردى فودى أبي أنسٍ ... ولم ترد الردى عنه قنا زفر\rأبو أنس هو الضحاك بن قيس الفهري. يشير إلى ما وقع بينه وبين مروان ابن الحكم بمرج راهط، وكان الضحاك يدعو لابن الزبير فقتل الضحاك، على ما نذكره إن شاء الله في أخبار مروان. وكان زفر بن الحارث الكلابي مع الضحاك ففر عنه.\rوأردت ابن زياد بالحسين فلم ... يبؤ بشسعٍ له قد طاح أو ظفر\rأشار إلى عبيد الله بن زياد ابن أبيه عامل يزيد بن معاوية على العراق، وهو الذي جهز عمر بن سعد لحرب الحسين بن علي رضي الله عنهما. وقوله يبؤ بشسعٍ له أخذه من قول مهلهل حين قتل بجير بن الحارث وقال: بؤ بشسع نعل كليب.","part":2,"page":94},{"id":595,"text":"وأنزلت مصعباً من رأس شاهقةٍ ... كانت به مهجة المختار في وزر\rأشار إلى مصعب بن الزبير بن العوام وقلته. والشاهقة هي الكوفة. جعلها شاهقةً لمنعتها وكثرة رجالها. وأراد ما كان بين مصعبٍ وعبد الملك بن مروان من الحرب التي قتل فيها مصعب. والمختار الذي ذكره هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود ابن عمرو الثقفي. أشار إلى ما كان بينه وبين مصعب من الحرب وقتل المختار. وسنورد كل هذه الوقائع إن شاء الله في التاريخ.\rولم تراقب مكان ابن الزبير ولا ... راعت عياذته بالبيت والحجر\rأراد عبد الله بن الزبير، وكان يسمى العائذ لأنه كان يقول: أنا العائذ بالبيت، وقتله الحجاج بن يوسف الثقفي لما وجهه عبد الملك لحربه.\rولم تدع لأبي الذبان قاضيه ... ليس اللطيم لها عمرٌو بمنتصر\rأبو الذبان هو عبد الملك بن مروان بن الحكم، سمي بذلك لبخره. وقوله قاضيه لأنه كان مظفراً على أعدائه فإنه غلب على من كان يناوئه في سلطانه مثل عبد الله ومصعب ابني الزبير، وعمرو بن سعيد، وعبد الحمن بن الأشعث، ما منهم إلا من قتل وحكم فيه قاضيه وهو سيفه، ولم يغن ذلك عنه لما أتته منيته. وأما اللطيم فهو عمر بن سعيد الأشدق، سمي بذلك لميلٍ كان في فمه فقيل له من أجله لطيم الشيطان، وقتله الملك بن عبد المروان.\rوأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم ... تبق الخلافة بين الكأس والوتر\rالوليد هذا هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو الذي يقال له الجبار العنيد. أشار إلى ظفر يزيد بن الوليد بن عبد الملك به وقتله. وقوله:\rولم تبق الخلافة بين الكأس والوتر\rأراد بذلك ما كان عليه الوليد من الاشتهار باللهو واللعب.\rولم تعد قضب السفاح نابيةً ... عن رأس مروان أو أشياعه الفجر\rالسفاح هو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو أول خلفاء الدولة العباسية. يشير إلى ظفره بمروان بن محمد وقتله، وانقراض دولة بني أمية وقتلهم على يديه.\rوأسبلت عبراتٍ للعيون على ... دمٍ بفخٍ لآل المصطفى هدر\rأشار في هذا البيت إلى ذكر من قتل بفخٍ وهم الحسين بن علي بن حسن بن حسن بن علي، والحسن بن محمد بن الحسن بن الحسن بن علي، و عبد الله بن إسحاق ابن إبراهيم بن الحسن بن الحسن، على ما نذكره في التاريخ إن شاء الله تعالى.\rوأشرقت جعفراً والفضل ينظره ... والشيخ يحيى بريق الصارم الذكر\rأشار في هذا البيت إلى قتل جعفر بن يحيى بن خالدٍ بن برمك ونكبة البرامكة في أيام الرشيد.\rوأخفرت في الأمين العهد، وانتدبت ... لجعفرٍ بابنه والأعبد الغدر\rالأمين هو محمد بن هارون الرشيد. يشير إلى ما كان بينه وبين أخيه المأمون وإلى العهد الذي كان الرشيد كتبه بينهما. وجعفر الذي أشار إليه هاهنا هو المتوكل ابن المعتصم. أراد ما كان من قتل باغرٍ التركي له بمواطأةٍ من ابنه المنتصر، على ما نورده في أخباره.\rوروعت كل مأمونٍ ومؤتمنٍ ... وأسلمت كل منصورٍ ومنتصر","part":2,"page":95},{"id":596,"text":"المأمون هو عبد الله بن الرشيد وهو أول من لقب بالمأمون، ولقب به بعد ذلك ولدٌ من أولاد المعتمد بن عباد ويحيى بن ذي النون صاحب طليطلة. والمؤتمن فأول من لقب به مروان بن الحكم على قول من يقول إنه كان لبني أمية ألقاب، ثم لقب به القاسم بن الرشيد. وكان الرشيد لما كتب العهد بين الأمين والمأمون جعل ابنه المؤتمن بعد المأمون، وجعل أمر المؤتمن إلى أخيه المأمون إذا أفضت الخلافة إليه إن شاء أمضاه وإن شاء خلعه، فلما أفضت الخلافة إلى المأمون أزال المؤتمن فارتاع لذلك. وتلقب بالمؤتمن محمد بن ياقوت مولى المعتضد صاحب فارس. وتلقب به سلامة الطولوني، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبي عامر ثم تسمى بالمنصور. وأما المنصور فأول من لقب به هشام بن عبد الملك بن مروان على تلك الرواية، ثم المنصور أبو جعفر عبد الله بن علي العباسي، ثم أبو طاهرٍ إسماعيل ابن القائم بن المهدي صاحب إفريقية، ثم محمد بن أبي عامر بالأندلس، وتلقب به ابن زيرى الصنهاجى، وتلقب به سابور صاحب بطليوس، وعبد الله بن محمد ابن مسلمة التجيبي، وحفيده يحيى بن محمد بن عبد الله، وعبد العزيز بن أبي عامر، ثم تلقب به جماعةٌ من الملوك بعد نظم هذه المرثية. وأما المنتصر فهو محمد ابن المتوكل، وممن تلقب بالمنتصر مدرار بن اليسع صاحب سجلماسة. وكل هؤلاء أبادهم الموت.\rوأعثرت آل عباسٍ ولعاً لهم بذيل زباء من بيضٍ ومن سمر\rأشار في هذا البيت إلى مكان من تغلب الأتراك والديلم على خلفاء الدولة العباسية حتى لم يبق لهم إلا اسم الخلافة، على ما سيرد في أخبارهم. وقوله:\rبذيل زباء من بيضٍ ومن سمر\rتنبيهاً على كثرة عدد المتغلبين على الأمر وقدرتهم على السلاح.\rولا وفت بعهود المستعين ولا ... بما تأكد المعتز من مرر\rالمستعين هو أحمد بن المعتصم العباسي. أشار إلى ما كان من قيام المعتز على المستعين وهرب المستعين من سامرا إلى بغداد. والمعتز هو أبو عبد الله محمد بن المتوكل، وسترد أخبارهم إن شاء الله تعالى:\rوأوثقت في عراها كل معتمدٍوأرقت بقذاها كل مقتدرالمعتمد هو أبو العباس بن المتوكل، وهو أول من لقب بهذا اللقب، وتلقب به محمد بن عباد بإشبيلية. والمقتدر هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد، وهو أول من لقب بالمقتدر، ثم لقب به أحمد بن سليمان بن هود الجذامي بسرقسطة. ثم أخذ ابن عبدونٍ في رثاء بني الأفطس، فقال:\rبني المظفر والأيام ما برحت ... مراحلاً والورى منها على سفر\rسحقاً ليومكم يوماً ولا حملت ... بمثله ليلةٌ في مقبل العمر\rمن للأسرة أو من للأعنة أو ... من للأسنة يهديها إلى الثغر\rمن للبراعة أو من لليراعة أو ... من للسماة أو للنف والضرر\rأو رفع كارثةٍ أو دفع آزفةٍ ... أو قمع حادثةٍ تعيا على القدر\rمن للظبى وعوالي الخط قد عقدت ... أطراف ألسنها بالعي والحصر\rوطوقت بالثنايا السود بيضهم ... أعجب بذاك وما منها سوى ذكر\rويح السماح وويح الجود لو سلما ... وحسرة الدين والدنيا على عمر\rسقت ثرى الفضل والعباس هاميةٌ ... تعزى إليهم سماحاً لا إلى مطر\rثلاثةٌ ما ارتقى النسران حيث رقوا ... وكل ما طار من نسرٍ ولم يطر\rثلاثةٌ ما رأى العصران مثلهم ... فضلاً ولو عززا بالشمس والقمر\rومر من كل شيءٍ فيه أطيبه ... حتى التمتع بالآصال والبكر\rمن للجلال الذي عمت مهابته ... قلوبنا وعيون الأنجم الزهر\rأين الإباء الذي أرسوا قواعده ... على دائمٍ من عزٍ ومن ظفر\rأين الوفاء الذي أصفوا مشاربه ... فلم يرد أحدٌ منها على كدر\rكانوا رواسي أرض الله مذ نأوا ... عنها استطارت بمن فيها ولم تقر\rكانوا مصابحيها فمذ خبوا غبرت ... هذي الخليقة يا لله في سدر\rكانوا شجا الدهر فاستهوتهم خدعٌ ... منه بأحلام عادٍ في خطا الخضر","part":2,"page":96},{"id":597,"text":"من لي ولا من بهم إن أطبقت محنٌ ... ولم يكن وردها بفضي إلى صدر\rمن لي ومن لا بهم إن أظلمت نوبٌ ... ولم يكن ليلها يفضي إلى سحر\rمن لي ولا بمن بهم إن عطلت سننٌ ... وأخفتت ألسن الأيام والسير\rعلى الفضائل إلا الصبر يعدهم ... سلام مرتقبٍ للأجر منتظر\rيرجو عسى، وله في أختها طمعٌ ... والدهر ذو عقبٍ شتى وذو غير\rقرطت آذان من فيها بفاضحةٍ ... على الحسان حصى الياقوت والدرر\rومن أجود الرثاء وأصنعه وأتقنه وأبدعه مراثي أبي تمامٍ حبيب بن أوسٍ الطائي، فمن ذلك ما قاله يرثي به غالب بن السعدي:\rهو الدهر لا يشوي وهن المصائب ... وأكثر آمال الرجال كواذب\rفيا غاباً لا غالبٌ لرزيةٍ ... بل الموت لا شك الذي هو غالب\rوقالت: أخي، قالوا: أخٌ من قرابةٍ؟ ... فقلت لهم إن الشكول أقارب\rنسيبي في رأيٍ وعزمٍ ومنصبٍ ... وإن باعدتنا في الأصول المناسب\rكأن لم يقل يوماً: كأن، فتنثني ... إلى قوله الأسماع وهي رواغب\rولم يصدع النادي بلفظة فيصلٍ ... سنانيةٍ في صفيحتها التجارب\rومنها:\rمضى صاحبي واستخلف البث والأسى ... علي، فلى من ذا وهذاك صاحب\rعجبت لصبري بعده وهو ميتٌ ... وكنت امرأً أبكي دماٍ وهو غائب\rعلى أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب\rوقال يرثي محمد بن الفضل الحميري:\rريب دهرٍ أصم دون العتاب ... مرصدٌ بالأوجال والأوصاب\rجف در الدنيا فقد أصبحت تك ... تال أرواحنا بغير حساب\rلو بدت سافراً أهينت ولكن ... شغف الخلق أنها في النقاب\rإن ريب الزمان يحسن أن يه ... دي الرزايا إلى ذوي الحاسب\rفلهذا يجف بعد اخضرارٍ ... قبل روض الوهاد روض الروابي\rجاء منها:\rذهبت يا محمد الغر من أي ... امك الواضحات أي ذهاب\rعبس اللحد منك والثرى منك وجهاً ... غير ما عابسٍ ولا قاطب\rأطفأ اللحد والثرى لبك المس ... روج يسمى مقطع الأسباب\rمنزلاً موحشاً وإن كان معمو ... راً بجل الصديق والأحباب\rيا شهاباً خبا لآل عبيد الله ... أعزز بفقد هذا الشهاب\rومنها:\rأنزلته الأيام عن ظهرها من ... بعد إثبات رجله في الركاب\rحين تم الشباب واغتدت الدن ... يا إليه مفتوحة الأبواب\rوحكى الصارم المحلى سوى أ ... ن حلاه جواهر الآداب\rقصدت نحوه المنية حتى ... وهبت حسن وجهه للتراب\rوقال يرثي بن أبي ربعي:\rأي ندًى بين الثرى والجيوب ... وسؤددٍ لدنٍ ورأيٍ صليب\rيا ابن أبي ربعيٍ استقبلت ... من يومك الدنيا بيومٍ عصيب\rشق جيوباً من أناسٍ لو اس ... طاعوا لشقوا ما وراء الجيوب\rكنت على البعد قريباً فقد ... صرت على قربك غير القريب\rراحت وفود الأرض عن قبره ... فارغة الأيدي ملاء القلوب\rقد علمت ما رزئت، إنما ... يعرف فقد الشمس بعد المغيب\rإذا البعيد الوطن انتابه ... حل إلى نهيٍ ووادٍ خصيب\rأدنته أيدي العيس من ساحةٍ ... كأنها مسقط رأس الغريب\rأظلمت الآمال من بعده ... وعريت من كل حسنٍ وطيب\rكانت خدوداً صقلت برهةً ... واليوم صارت مألفاً للشحوب\rكم حاجةٍ صارت ركوباً به ... ولم تكن من قبله بالركوب\rحل عقاليها كما أطلقت ... من عقد المزنة ريح الجنوب\rإذا تيممناه في مطلبٍ ... كان قلبياً ورشاء القليب","part":2,"page":97},{"id":598,"text":"ونعمةٍ منه تسربلتها ... كأنها طرة بردٍ قشيب\rمن اللواتي ونى شاكرٌ ... قامت لمسديها مقام الخطيب\rمتى تنخ ترحل بتفضيله ... أو غاب يوماً حضرت بالمغيب\rفما لنا اليوم ولا للعلا ... من بعده غير الأسى والنحيب\rوقال يرثي أحمد بن هارون القرشي:\rدأب عيني البكاء، والحزن دابيفاتركيني وقيت ما بي لما بي\rسأجزي بقاء أيام عمري ... بين بثي وعبرتي واكتئابي\rفيك يا أحمد بن هارون خصت ... ثم عمت رزيتي ومصابي\rفجعتني الأيام في الصادق النط ... ق فتى المكرمات والآداب\rبخليلٍ دون الأخلاء لا بل ... صاحبي المصطفى على أصحابي\rأفلما تسربل المجد واجتا ... ب من الحمد أيما مجتاب\rوتراءته أعين الناظريه ... قمراً باهراً ورئبال غاب\rوعلا عارضيه ماء الندى الجا ... ري وماء الحجا وماء الشباب\rأرسلت نحوه النية عيناً ... قطعت منه أوثق الأسباب\rوقال يرثي أبا الصقر:\rلو صح الدمع لي أو ناصح الكمد ... لقلما صحباني الروح والجسد\rخان الصفاء أخٌ خان الزمان له ... أخاً فلم يتخون جسمه الكمد\rتساقط الدمع أدنى ما بليت به ... للوجد إذ لم تساقط مهجةٌ ويد\rفوالذي رتكت تطوي الفجاج له ... سفائن البر في خد الثرى تخد\rلأنفدن أسًى إن لم أمت أسفاً ... وينفد العمر بي أو ينفد الأمد\rعني إليك فإني عنك في شغلٍ ... لي منه يومٌ سيبلي مهجتي وغد\rوإن بجرية نابت جأرت لها ... إلى ذرى جلدي فاستؤهل الجلد\rهي النوائب فاشجي أوفعي عظةً ... فإنها شجرٌ أثمارها رشد\rهبي ترى قلقاً من تحته أرقٌ ... يحدوهما كمدٌ يعنو له الجسد\rصماء سم العدا في جنبها ضربٌ ... وشرب كأس الردى في ظلها شهد\rهناك أم النهى لم تود من حزن ... ولم تجد لبني الدنيا بما تجد\rلو يعلم الناس علمي بالزمان وما ... عانت يداه لما ربوا ولا ولدوا\rلا يبعد الله ملحوداً أقام به ... شخص الحجا وسقاه الواحد الصمد\rيا صاحب القبر، دعوى غير متئبٍ ... إن قال أودي الندى والبدر والأسد\rبات الثرى بأخي جذلان مبتهجاً ... وبت يحكم في أجفاني السهد\rلهفي عليك وما لهفي بمجديةٍ ... ما لم يزرك بنفسي حر ما أجد\rأمسى أبو الصقر يعفو الترب أحسنه ... دوني ودلو الردى في مائه يرد\rويلٌ لأمك أقصر إنه حدثٌ ... لم يعتقد مثله قلبٌ ولا خلد\rغال الزمان شقيق الجود لم يقه ... أهلٌ ولم يفده مالٌ ولا ولد\rحين ارتوى الماء وافترت شبيبته ... عن مضحكٍ للمعالي ثغره برد\rوقيل: أحمدها، بل قيل: أمجدها ... بل قيل: أنجدها إن فرت النجد\rرؤد الشباب كنصل السيف لا جعدٌ ... في راحتيه ولا في عوده أود\rسقى الحبيس ومحبوساً ببرزخه ... من السمي كغيث الودق يطرد\rبحيث حل أبو صقرٍ فودعه ... صفو الحياة ومن لذاتها الرغد\rبحيث حل فقيد المجد مغترباً ... ومورثٍ حسراتٍ ليس تفتقد\rوقال يرثي عمير بن الوليد:\rأعيدي النوح معولةً أعيدي ... وزيدي في بكائك ثم زيدي\rوقومي حاسراً في حسراتٍ ... خوامش للنحور وللخدود\rهو الخطب الذي ابتدأ الرزايا ... وقال لأعين الثقلين جودي\rألا رزئت خسران فتاها ... غداة ثوى عمير بن الوليد\rألا رزئت بمسئول منيلٍ ... ألا رزئت بمتلافٍ مفيد","part":2,"page":98},{"id":599,"text":"ألا إن الندى والجود حلا ... بحيث حللت من حفر الصعيد\rبنفسي أنت من ملكٍ رمته ... منيته بسهم ردًى سديد\rتجلت غمرة الهيجاء عنه ... خضيب الوجه من دمه الجسيد\rفيا بحر المنون ذهبت منه ... ببحر الجود في السنة الصلود\rويا أسد المنون فرست منه ... غداة فرسته أسد الأسود\rأبالبطل النجيد فتكت منه ... نعم وبقاتل البطل النجيد\rتراءى للطعان وقد تراءت ... وجوه الموت من حمرٍ وسود\rفيالك وقعةً جللاً أعادت ... أسًى وصبابةً جلد الجليد\rويالك ساعةً أهدت غليلاً ... إلى أكبادنا أبد الأبيد\rألا أبلغ مقالتي الإمام ال ... خليفة والأمين بن الرشيد\rبأن أميرنا لم يأل عدلاً ... ونصحاً في الرعايا والجنود\rأفاض نوال راحته عليهم ... وسامح بالطريف وبالتليد\rوأضحى دونهم للموت حتى ... سقاه الموت من مقرٍ هبيد\rوما ظفروا به حتى قراهم ... قشاعم أنسرٍ وضباع بيد\rبطعنٍ في نحورهم رشيقٍ ... وضربٍ في رءوسهم عتيد\rفيا يوم الثلاثاء اصطبحنا ... غداةً منك هائلة الورود\rويا يوم الثلاثاء اعتمدنا ... بفقدٍ فيك للسند العميد\rوكم أسخنت فينا من عيونٍ ... وكم أعثرت فينا من جدود\rفما زجرت طيورك عن سنيحٍ ... ولا طلعت نجومك بالسعود\rألا أيها الملك المردى ... رداء الموت في جدثٍ جديد\rحضرت فناء بابك واعتراني ... شجًى بين المخنق والوريد\rرأيت به مطايا مهملاتٍ ... وأفراساً صوافن بالوصيد\rفكنت عتاد إما فك عانٍ ... وإما قتل طاغيةٍ عنود\rرأيت مؤمليك عدت عليهم ... عوادٍ صعدتهم في كؤود\rوأضحت عند غيرك في هبوطٍ ... حظوظٌ كن عند في صعود\rوأصبحت الوفود وقفاً ... على أن لا مفاد لمستفيد\rفكلهم أعد اليأس وقفاً ... عليك ونص راحلة العقود\rلقد سخنت عيون الجود لما ... ثويت وأقصدت غرر القصيد\rوقال يرثي محمد بن حميد الطوسي:\rكذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذر\rتوفيت الآمال بعد محمدٍ ... وأصبح في شغلٍ عن السفر السفر\rوما كان إلا مال من قل ماله ... وذخراً لمن أمسى وليس له ذخر\rوما كان يدري المجتدى جود كفه ... إذا ما استهلت أنه خلق العسر\rألا في سيبل الله من عطلت له ... فجاج سبيل الله واثغر الثغر\rفتًى كلما فاضت عيون قبيلةٍ ... دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر\rفتًى دهره شطران فيما ينوبه ... ففي بأسه شطرٌ وفي جوده شطر\rفتًى مات بين الضرب والطعن ميتةً ... تقوم مقام النصر إذا فاته النصر\rوما مات حتى مات مضرب سيفه ... من الشل واعتلت عليه القنا السمر\rوقد كان فوت الموت سهلاً فرده ... عليه الحفاظ المر والخلق الوعر\rونفسٌ تعاف العار حتى كأنه ... هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر\rفأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر\rغدا غدوةً والحمد نسج رداثه ... فلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر\rتردى ثياب الموت حمراً فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندسٍ خضر\rكأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماءٍ خر من بينها البدر","part":2,"page":99},{"id":600,"text":"يعزون عن ثاوٍ تعزى به العلا ... ويبكي عليه الجود والبأس والشعر\rوأنى لهم صبرٌ قد مشى ... إلى الموت حتى استشهدا هو والصبر!\rفتًى كان عذب الروح لاعن غضاضةٍ ... ولكن كبراً أن يكون له كبر\rفتًى سلبته الحيل وهو حمًى لها ... وبزته نار الحرب وهو لها جمر\rوقد كانت البيض المآثير في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بتر\rأمن بعد طي الحادثات محمداً ... يكون لأثواب العلا أبداً نشر!\rإذا شجرات العرف جذت أصولها ... ففي أي فرعٍ يوجد الورق النضر!\rلئن أبغض الدهر الخؤن لفقده ... لعهدي به ممن يحب له الدهر\rلئن غدرت في الروع أيامه به ... لما زالت الأيام شيمتها الغدر\rلئن ألبست في المصيبة طيءٌ ... لما عريت منها تميمٌ ولا بكر\rكذلك ما ننفك نفقد هالكاً ... يشاركنا في فقده البدو والحضر\rسقى الغيث غيثاً وارت الأرض شخصه ... وإن لم يكن فيها سحابٌ ولا قطر\rوكيف احتمالي للسحاب صنيعةً ... بإسقائها فبراً وفي لحده البحر\rثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى ... ويغمر صرف الدهر نائله الغمر\rمضى طاهر الأثواب لم تبق روضةٌ ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر\rعليك سلام الله وقفاً فإنني ... رأيت الكريم الحر ليس له عمر\rوقال يرثي إدريس بن بدرٍ السامي:\rدموعٌ أجابت داعي الحزن همع ... توصل منا عن قلوب تقطع\rعفاءٌ على الدنيا طويلٌ فإنها ... تفرق من حيث ابتدت تتجمع\rتبدلت الأشياء حتى خلتها ... ستثني غروب الشمس من حيث تطلع\rلها صيحةٌ في كل روحٍ ومهجةٍ ... وليست لشيءٍ ما خلا القلب تسمع\rأإدريس ضاع المجد بعدك كله ... ورأى الذي يرجوه بعدك أضيع\rوغودر وجه العرف الأسود بعد ما ... يرى وهو كالبكر الكعاب تصنع\rوأصبحت الأحزان لا لمبرةٍ ... تسلم شزراً والمعالي تودع\rوضل بك المرتاد من حيث يهتدي ... وضرت بك الأيام من حيث تنفع\rوأضحت قريحات القلوب من الجوى ... تقيظ ولكن المدامع تربع\rعيونٌ حفظن الليل فيك محرماً ... وأعطينك الدمع الذي كان يمنع\rوقد كان يدعى لابس الصبر حازماً ... فأصبح يدعى حازماً حين يجزع\rوقالوا عزاءً: ليس للموت مدفعٌ ... فقلت: ولا للحزن للمرء مدفع\rلإدريس يومٌ ما تزال لذكره ... دموعي وإن سكنتها تتفرع\rولما نضا ثوب الحياة وأوقعت ... به نائبات الدهر ما يتوقع\rغدا ليس يدري كيف يصنع معدمٌ ... درى دمعه من وجده كيف يصنع\rوماتت نفوس الغالبيين كلهم ... وإلا فصبر الغالبيين أجمع\rغدوا في زوايا نعشه وكأنما ... قريشٌ قريشٌ حين مات مجمع\rولم أنس سعي الجود خلف سريره ... بأكسف بالٍ يستقيم ويظلع\rوتكبيره خمساً عليه معالناً ... وإن اكن تكبير المصلين أربع\rوما كنت أدري يعلم الله قبلها ... بأن الندى في أهله يتشيع\rوقمنا فقلنا بعد أن أفرد الثرى ... به ما يقال في السحابة تقلع\r- هذا مأخوذٌ من قول مسلمٍ:\rفاذهب كما ذهبت غوادي مزنةٍأثنى عليها السهل والأوعار\rألم تك ترعانا من الدهر إن سطا ... وتحفظ من أموالنا ما نضيع\rوتبسط كفاً في الحقوق كأنما ... أناملها في البأس والجود أذرع\rوتلبس أخلاقاً كراماً كأنها ... على العرض من فرط الحصانة أدرع","part":2,"page":100},{"id":601,"text":"وتربط جأشاً والكماة قلوبهم ... تزعزع خوفاً من قناً تتزعزع\rوأمنية المرتاد يحضرك الندى ... فيشفع في مثل الفلا فيشفع\rفأنطق فيه حامدٌ وهو فيه مفحمٌ ... وأفحم فيه حاسدٌ وهو فيه مصقع\rألا إن في ظفر المنية مهجةً ... تظل لها عين العلا وهي تدمع\rهي النفس إن تبك المكارم فقدها ... فمن بين أحشاء المكارم تنزع\rألا إن أنفاً لم يعد وهو أجدع ... لفقدك عند المكرمات لأجدع\rوإن امرأً لم يمس فيك مفجعاً ... بملحوده، في عقله لمفجع\rوقال يرثي القاسم بن طوق بن مالك:\rجوىً ساور الأحشاء والقلب واغله ... ودمعٌ يضيم العين والجفن هامله\rوفاجع موت لا عدوٌ يخافه ... فيبقي، ولا يبقي صديقاً يجامله\rوأي أخي عز وذي جبرية ... ينابذه أو أي رامٍ يناضله\rإذا ما جرى مجرى دم المرء حكمه ... وبثت على طرق النفوس حبائله!\rفلو شاء هذا الدهر أقصر شره ... كما أقصرت عنا لهاه ونائله\rسنشكوه إعلاناً وسراً ونيةً ... شكية من لا يستطيع يقاتله\rفمن مبلغٌ عني ربيعة أنه ... تقشع طل الجود عنها ووابله\rوأن الحجا منها استطارت صدوعه ... ولو لم يزايلنا لكنا نزايله\rولم يعلموا أن الزمان يريده ... بفجعٍ ولا أن المنايا تراسله\rومنها:\rطواه الردى طي الرداء وغيبت ... فضائله عن قومه وفواضله\rطوى شيماً كانت تروح وتغتدي ... وسائل من أعيت عليه وسائله\rفيا عارضاً للعرف أقلع مزنه ... ويا وادياً للجود جفت مسايله\rوقال يرثي محمد بن حميد وأخاه قحطبة:\rبأبي وغير أبي وذاك قليل ثاوٍ عليه ثرى النباج مهيل\rخذلته أسرته كأن سراتهم ... جهلو بأن الخاذل المخذول\rأكال أشلاء الفوارس بالقنا ... أضحى بهن وشلوه مأكول\rكفى، فقتل محمدٍ لي شاهدٌ ... أن العزيز مع القضاء ذليل\rومنها:\rهيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل\rما أنت بالمقتول صبراً إنما ... أملي غداة نعيك المقتول\rومنها:\rمن ذا يحدث البقاء ضميره! ... هيهات! أنت على الفناء دليل\rيا ليت شعري بالمكارم كلها ... ماذا، وقد فقدت نداك، تقول؟\rومنها:\rيا يوم قحطبةٍ لقد أبقيت لي ... حرقاً أرى أيامها ستطول\rليثٌ لو أن الليث قام مقامه ... لانصاع وهو يراعةٌ إجفيل\rلما رأى جمعاً قليلاً في الوغى ... وأولو أميرا الحفاظ من القليل قليل\rلاقى الكريهة وهو مغمد روعه ... فيها ولكن بأسه مسلول\rومشى إلى الموت الزؤام كأنما ... هو من محبته إليه خليل\rومنها:\rأضحت عراص محمدٍ و محمدٍ ... وأخيهما وكأنهن طلول\rأبني حميدٍ ليس أول ما عفا ... بعد الأسود من الأسود الغيل\rمازال ذاك الصبر وهو عليكم ... بالموت في ظل السيوف كفيل\rمستبسلون كأن مهجاتهم ... ليست لهم إلا غداة تسيل\rألفوا المنايا فالقتل لديهم ... من لم يخل العيش وهو قتيل\rإن كان ريب الدهر أثكلنيكم ... فالموت أيضاً ميتٌ مثكول\rوقال يعزي مالك بن طوقان:\rأمالك إن الحزن أحلام حالم ... ومهما تدم فالحزن ليس بدائم\rأمالك إفراط الصبابة تاركٌ ... حناً واعوجاجاً في قناة المكارم\rتأمل رويداً هل عدن سالماً ... إلى آدمٍ أم هل تعد ابن سالم!\rمتى ترع هذا الموت عيناً بصيرةً ... نجد عادلاً منه شبيهاً بظالم\rفإن تك مفجوعاً بأبيض لم تكن ... تشد على جدواه عقد التمائم","part":2,"page":101},{"id":602,"text":"بفارسٍ دغميٍ وهضبة وائلٍ ... وكوكب عتابٍ وحمزة هاشم\rشجا الريح فازدادت لفقده ... وأحدث شجواً في بكاء الحمائم\rفمن قبله ما قد أصيب نبينا ... أبو القاسم النور المبين بقاسم\rوخبر قيسٌ بالجليلة في ابنه ... فلم يتغير وجه قيس بن عاصم\rوقال عليٌ في التعازي لأشعثٍ ... وخاف عليه بعض تلك المآثم:\rأتصبو للبلوى عزاءً وحسبةً ... فتؤجر، أم تسلو سلو البهائم؟\rخلقنا رجالاً للتجلد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم\rوأي فتًى في الناس أحرض من فتًى ... غدا في خفارات الدموع السواجم\rوهل من حكيمٍ ضيع الصبر بعدما ... رأى الحكماء الصبر ضربة لازم\rفلا برحت تسطو ربيعة منكم ... بأرقم عطافٍ وراء الأراقم\rفأنت وصنواك الشقيقان إخوةٌ ... خلقتم سعوطاً للأنوف الرواغم\rثلاثة أركانٍ، وما انهد سؤددٌ ... إذا ثبتت فيه ثلاث دعائم\rوقال يرثي عمير بن الوليد:\rكف الندى أمست بغير بنان ... وقناته أضحت بغير سنان\rجبل الجبال غدت عليه ملمةٌ ... تركته وهو مهدم الأركان\rأنعى عمير بن الوليد لغارةٍ ... بكرٍ من الغارات أو لعوان\rأنعى فتى الفتيان غير مكذبٍ ... قولي، وأنعى فارس الفرسان\rعثر الزمان ونائبات صروفه ... بمقيلنا عثرات كل زمان\rلم يترك الحدثان يوم سطا به ... أحداً نصول به على الحدثان\rقد كنت حشو الدرع ثم أراك قد ... أصبحت حشو اللحد والأكفان\rشغلت قلوب الناس ثم عيونهم ... مذ مت بالخفقان والهملان\rواستعذبوا الأحزان حتى إنهم ... يتحاسدون مضاضة الأحزان\rما يرعوي أحدٌ إلى أحدٍ ولا ... يشتاق إنسانٌ إلى إنسان\rأأصاب منك الموت فرصة ساعةٍ ... فعدا عليك وأنتما أخوان!\rفمن الذي أبقى ليوم تكرمٍ ... ومن الذي أبقى ليوم طعان!\rوقال يرثي ابناً له:\rكان الذي حفت أن يكونا ... إنا إلى الله راجعونا\rأمسى المرجى أبو عليٍ ... موسداً في الثرى يمينا\rحين استوى وانتهى شباباً ... وحقق الرأي والظنونا\rأصبت فيه وكان عندي ... على المصيبات لي معينا\rكنت كثيراً به عزيزاً ... وكنت صباً به ضنينا\rدافعت إلا النون عنه ... والمرء لا يدفع المنونا\rآخر عهدي به صريعاً ... للموت بالداء مستكينا\rإذا شكا غصةً وكرباً ... يمنعه الموت أن يبينا\rيشخص طوراً بناظريه ... وتارةً يطبق الجفونا\rثم قضى نحبه وأمسى ... في جدثٍ للثرى دفينا\rباشر برد الثرى بوجهٍ ... قد كان من قبله مصونا\rبعيد دارٍ قريب جارٍ ... قد فارق الإلف والقرينا\rبني يا واحد البنينا ... غادرتني مفرداً حزينا\rهون رزئي بك الرزايا ... علي في الناس أجمعينا\rآليت أنساك ما تجلى ... صبح نهارٍ لمصبحينا\rوما دعا طائرٌ هديلاً ... ورجعت والهٌ حنينا\rتصرف الدهر بي صروفاً ... وعاد لي شأنه شؤونا\rوحز في اللحم بل براه ... واجتث من طلحتي فنونا\rأصاب مني صميم قلبي ... وخفت أن يقطع الوتينا\rوالمرء رهنٌ بحالتيه ... فشدةً مرةً ولينا\rشواذ المراثي","part":2,"page":102},{"id":603,"text":"من ذلك ما قالته جليلة بنت مرة أخت جساس زوج كليبٍ لما قتل أخوها جساس زوجها كليباً، وكان نساء الحي لما اجتمعن للمأتم قلن لأخت كليب: رحلي جليلة عنك فإن قيامها فيه شماتةٌ وعارٌ علينا عند العرب، فقالت لها: أخرجي عن مأتمنا، فأنت أخت واترنا وشقيقة قاتلنا، فخرجت وهي تجر أعطافها، فلقيها أبوها مرة فقال لها: ما وراءك يا جليلة؟ فقالت: ثكل العدد، وحزن الأبد، وفقد خليلٍ، وقتل أخٍ عن قليل، وبين ذلك غرس الأحقاد، وتفتت الأكباد. فقال لها: أو يكف ذلك كرم الصفح وإغلاء الديات؟ فقالت جليلة: أمنية مخدوعٍ ورب الكعبة، أبالبدن تدع لك وائل دم ربها! قال: ولما رحلت جليلة قالت أخت كليب: رحلة المعتدي وفراق الشامت! ويلٌ غداً لآل مرة، من الكرة بعد الكرة! وبلغ قولها جليلة فقالت: وكيف تشمت الحرة بهتك سترها وترقب وترها! أسعد الله أختي، ألا قالت: نفرة الحياء وخوف الأعداء ثم أنشأت تقول:\rيا بنة الأقوام إن لمت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي\rفإذا أنت تبينت الذي ... يوجب اللوم فلومي واعذلي\rإن تكن أخت امرئٍ ليمت على ... جزعٍ منها عليه فافعلي\rجل عندي فعل جساس فيا ... حسرتا عما انجلت أو تنجلي\rفعل جساس على ضني به ... قاطعٌ ظهري ومدنٍ أجلي\rلو بعين فقئت عينٌ سوى ... أختها وانفقأت لم أحفل\rتحمل العين قذى العين كما ... تحمل الأم أذى ما تفتلي\rإنني قاتلةٌ مقتولةٌ ... فلعل الله أن يرتاح لي\rيا قتيلاً قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعاً من عل\rورماني فقده من كثبٍ ... رمي المصمى به المستأصل\rهدم البيت الذي استحدثته ... وبدا في هدم بيتي الأول\rيا نسائي دونكم اليوم قد ... خصني الدهر برزءٍ معضل\rمسني فقد كليبٍ بلظًى ... من ورائي ولظًى مستقبلي\rليس من يبكي ليومين كمن ... إنما يبكي ليوم ينجلي\rدرك الثائر شافيه وفي ... دركي ثاري ثكل المثكل\rليته كان دمي فاحتلبوا ... درراً منه دماً من أكحلي\rولما مات معاوية بن أبي سفيان اجتمع الناس بباب يزيدٍ فلم يقدروا على الجمع بين التهنئة والتعزية، حتى أتى عبد الله بن همام فقال: يا أمير المؤمنين، أجزل الله أجرك على الرزية. وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية، فقد رزئت عظيماً، وأعطيت جسيماً، فاشكر الله على ما أعطيت، واصبر على ما رزيت، فقد فقدت خليفة الله، ففارقت جليلاً، وأعطيت جزيلاً، إذ قضى معاوية نحبه، ووليت الرياسة، فأورده الله موارد السرور، ووفقك في جميع الأمور:\rفاشكر يزيد فقد فارقت ذا مقةٍ ... واشكر حباء الذي بالملك حاباكا\rأصبحت تملك هذا الخلق كلهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا\rلارزء في الأقوام قد علموا ... مما رزئت، ولا عقبى كعقباكا\rوفي معاوية الباقي لنا خلفٌ ... إذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا\rففتح للناس باب الرثاء وجروا على منواله.\rوقال أبو نواسٍ الحسن بن هانئ يعزي الفضل بن ربيعٍ عن الرشيد ويهنئه بالأمين:\rتعز أبا العباس عن خير هالكٍ ... بأكرم حيٍ كان أو هو كائن\rحوادث أيامٍ تدور صروفها ... لهن مساوٍ مرةً ومحاسن\rوفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا أنت مغبونٌ ولا الموت غابن\rوقال أبو تمامٍ يرثي المعتصم ويهنئ الواثق:\rما للدموع تروم كل مرام ... والجفن ثاكل هجعةٍ ومنام\rيا حفرة المعصوم تربك مودعٌ ... ماء الحياة وقاتل الإعدام\rإن الصفائح منك قد نضدت على ... ملقى عظامٍ لو علمت عظام\rفتق المدامع أن لحدك حله ... سكن الزمان وممسك الأيام\rومصرف الملك الجموح كأنه ... قد زم معصبه له بزمام\rهدمت صروف الدهر أرفع حائطٍ ... ضربت دعائمه على الإسلام","part":2,"page":103},{"id":604,"text":"دخلت على ملك الملوك رواقه ... وتسربت لمقوم القوام\rمفتاح كل مدينةٍ قد أبهمت ... غلقاً ومخلي كل دار مقام\rومعرف الخلفاء أن حظوظها ... في حيز الإسراج والإلجام\rأخذ الخلافة عن أسنته التي ... منعت حمى الآباء والأعمام\rفلسورة الأنفال في ميراثه ... آثارها ولسورة الأنعام\rمادام هارون الخليفة فالهدى ... في غبطةٍ موصولةٍ بدوام\rإنا رحلنا واثقين بواثق ... بالله شمس ضحًى وبدر تمام\rلله أي حياةٍ انبعثت لنا ... يوم الخميس وبهد أي حمام\rأودى بخير إمامٍ اضطربت به ... شعب الرجال وقام خير إمام\rتلك الرزية لا رزية مثلها ... والقسم ليس كسائر الأقسام\rجاء منها:\rنقضٌ كرجع الطرف قد أبرمته ... يا بن الخلائف أي إبرام\rما إن رأى الأقوام شمساً قبلها ... أفلت فلم تعقبهم بظلام\rأكرم بيومهم الذي ملكتهم ... في صدره وبعامهم من عام\rثم أخذ في مدح الواثق.\rوفي هذه الواقعة يقول ابن الزيات:\rقد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيدٍ بالترب والطين\rاذهب فنعم المعين كنت على الد ... نيا ونعم الظهير للدين\rلن يجبر الله أمةً فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون\rومن أشد الرثاء صعوبةً على الشاعر وأضيقه مجالاً أن يرثي امرأةً أو طفلاً.\rوقد أخذ على المتنبي في قوله يرثي أم سيف الدولة بن حمدان:\rسلام الله خالقنا حنوطٌ ... على الوجه المكفن بالجمال\rوقالوا : ماله ومال هذه العجوز يصف جمالها! ووبخه الصاحب بن عباد في قوله فيها:\rرواق العز فوقك مسبطرٌ ... وملك عليٍ ابنك في كمال\rقال أبو الحسن علي بن رشيق الأزدي في كتابه المترجم بالعمدة وبالأغاني أيضاً: أشد ما هجن هذه اللفظة وجعلها مقام قصيدةٍ من الهجاء أنه قرنها بفوقك فجاء عملاً تاماً لم يبق فيه إلا الإفضاء. وإن يكن المتنبي أخطأ في هذا فلقد أجاد في غيره، والفاضل من عدت سقطاته، وحفظت هفواته وفلتاته، وانظر إلى قوله في أخت سيف الدولة:\rيا أخت خير أخٍ يا أخت خير أبٍ ... كنايةً بهما عن أشرف النسب\rأجل قدرك أن تدعي مؤنثةً ... ومن يصفك فقد سماك للعرب\rوقاله أيضاً:\rولو كان النساء كمن فقدنا ... لفضلت النساء على الرجال\rمشى الأمراء حوليها حفاةً ... كأن المرو من زف الرئال\rومن جيد ما رثي النساء به وأشده تأثيراً في القلب وإثارةً للحزن قول عبد الملك ابن الزيات في أم ولده:\rألا من رأى الطفل المفارق أمه ... بعيد الكرى عيناه تبتدران\rرأى كل أمٍ وابنها غير أمه ... يبيتان تحت الليل ينتجيان\rوبات وحيداً في الفراش تحثه ... بلابل قلبٍ دائم الخفقان\rومنها بعد أبيات.\rألا إن سجلاً واحداً قد أرقته ... من الدمع أو سجلين قد شفياني\rفلا تلحياني إن بكيت فإنما ... أداوي بهذا الدمع ما تريان\rوإن مكاناً قي الثرى خط لحده ... لمن كان من قلبي بكل مكان\rأحق مكانٍ بالزيارة والهوى، ... فهل أنتما إن عجت منتظران؟\rفهبني عزمت الصبر عنها لأنني ... جليدٌ فمن بالصبر لابن ثمان\rضعيف القوى لا يعرف الأجر حسبةً ... ولا يأتسي بالناس الحدثان\rألا من أمنيه المنى وأعده ... لعثرة أيامٍ وصرف زمان\rألا من إذا جئت أكرم مجلسي ... وإن غبت عنه حاطني ورعاني\rفلم أر كالأقدار كيف تصيبني ... ولا مثل هذا الدهر كيف رماني\rوقال أبو تمامٍ يرثي جاريةً له:\rألم ترني خليت عيني وشانها ... ولم أحفل الدنيا ولا حدثانها\rلقد خوفتني النائبات صروفها ... ولو أمنتني ما قبلت أمانها","part":2,"page":104},{"id":605,"text":"وكيف على نار الليالي معرسي ... إذا كان شيب العارضين دخانها\rأصبت بخود سوف أغبر بعدها ... حليف أسًى أبكي زماني زمانها\rعنانٌ من اللذات قد كان في يدي ... فلما مضى الإلف استردت عنانها\rمنحت الدمى هجري فلا محسناتها ... أود ولا يهوى فؤادي حسانها\rيقولون: هل يبكي الفتى لخريدةٍ ... متى أراد اعتاض عشراً مكانها!\rوهل يستعيض المرء من خمس كفه ... ولو صاغ من حر اللجين بنانها!\rوقال أبو الفتح كشاجم يعزي بابنة:\rتأس يا أبا بكر ... لموت الحرة البكر\rفقد زوجتها القبر ... وما كالقبر من صهر\rوعوضت بها الأجر ... وما كالأجر من مهر\rزفافٌ أهديت فيه ... من الخدر إلى القبر\rفتاةٌ أسبغ الله ... عليها أفضل الستر\rورزءٌ أشبه النعم ... ة في الموقع والقدر\rوقد يختار في المكرو ... ه للمرء وما يدري\rفقابل نعمة الله ... وما أولاك من شكر\rوعز النفس عما فا ... ت بالتسليم والصبر\rوقال أبو مروان بن أبي الخصال الأندلسي في مثل ذلك:\rألا يا موت كنت بنا رءوفاً ... فجددت الحياة لنا بزوره\rحمدت لفعلك المأثور لما ... كفيت مؤونةً وسترت عوره\rفأنكحنا الضريح بغير مهرٍ ... وجهزنا الفتاة بغير شوره\rوقال أبو تام حبيب بن أوس الطائي في ابنين لعبد الله بن طاهرٍ ماتا صغيرين في يومٍ واحدٍ من قصيدة:\rنجمان شاء الله ألا يطلعا ... إلا ارتداد الطرف حتى يأفلا\rإن الفجيعة بالرياض نواضراً ... لأجل منها بالرياض ذوابلا\rلو ينسآن لكان هذا غارباً ... للمكرمات وكان هذا كاهلا\rلهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا\rلغدا سكونهما حجاً وصباهما ... حلماً وتلك الأريحية نائلا\rإن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدراً كاملا\rوقال أبو الحسن الأنباري في محمد بن بقية وزير عز الدولة بختيار بن معز الدولة ابن بويه لما صلبه عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه عند خلع بختيار، وهي من نوادر المراثي:\rعلوٌ في الحياة وفي الممات ... لحقٌ أنت إحدى المعجزات\rكأن الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيام الصلات\rكأنك قائمٌ فيهم خطيباً ... وكلهم قيامٌ للصلاة\rمددت يدك نحوهم جميعاً ... كمدهما إليهم بالهبات\rولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضم علاك من بعد الممات\rأصاروا الجو قبرك واستنابوا ... عن الأكفان ثوب السافيات\rلعظمك في النفوس بقيت ترعى ... بحراسٍ وحفاظ ثقات\rوتشعل عندك النيران ليلاً ... كذلك كنت أيام الحياة\rولم أر قبل جذعك قط جذعاً ... تمكن من عناق المكرمات\rركبت مطيةً من قبل زيدٌ ... علاها في السنين الذاهبات\rأشار في هذا البيت إلى زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب لما قتل وصلب في أيام هشام بن عبد الملك.\rومما يدخل في هذا الباب ويلتحق به ما يطرأ من الحوادث التي تعم بها البلية، وتشمل بسببها الرزية، كاستيلاء أهل الكفر على بلدٍ من بلاد الإسلام، وهزيمتهم لجيشه اللهام، فمن ذلك ما كتب به القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني إلى أمير عز الدين سامة لما استعاد الفرنج - خذلهم الله تعالى - مدينة بيروت: ابتدأ كتابه بأن قال بعد البسملة: قال الله سبحانه في كتابه العزيز مسلياً لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: \" وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل \" ، فإذا كان من الناس من خان الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف لا يخون الناس الناس!وأين الموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأس والضراء وحين الباس:\rوقد كانوا إذا عدوا قليلاً ... فقد صاروا أقل من القليل","part":2,"page":105},{"id":606,"text":"والمولى - أعزه الله بنصره، وعوضه أحسن العوض من أجره، وكتب له ثواب تسليمه إليه وصبره - ليس بأول من وثق بمن وخان، وقضية بيروت بأول مقدورٍ قال الله له: كن فكان، والقدر السابق لا يدفعه الهم اللاحق، ومن الخجلات المستعارة خجلة الواثق، والموثوق به لائقٌ به الخجل الصادق، ومعاذ الله أن ينكس المجلس رأسه حياء، أو أن يسخط لله قضاء، أو أن يأسف على مالٍ نقله من مودعه الذي لا يؤمن من الآفات عليه، إلى مودع الله الذي يحفظه إلى أن يأتيه به أحوج من كان إليه، والحمد لله الذي جعل مصائبنا في الدنيا فوائدنا في الأخرى، ثم الحمد لله الذي جعل البادرة للعدوان والعاقبة للتقوى. وقد علم الله أني مقاسمه ومساهمه، ومضمرٌ من الهم بما اتفق من هذا المقدور ما مقدره عالمه، غير أنه لا حيلة لمن لا حيلة له إلا الصبر، وإن صبر جرى عليه القدر وجرى له الأجر، وإن لم يصبر جرى عليه القدر وكتب عليه الوزر، وكل ما ذهب من صاحبه قبل أن يذهب صاحبه فقد أنعم الله عليه، حيث أخرج ما في يديه وأبقى يديه، والمال غادٍ ورائح، والمال بالحقيقة هو العمل الصالح، وإن اجتمع موصلها بحضرته فهو ينهى ما عندي، ويؤدي حقيقة ودي، ورأيه الموفق.\rوقال أبو المظفر الأبيوردي لما استولى الإفرنج على البيت المقدس في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائةٍ قصيدةً منها:\rمزجنا دماءً بالدموع السواجم ... فلم يبق منا عرضةً للمراجم\rوشر سلاح المرء دمعٌ يفيضه ... إذا الحرب شبت نارها بالصوارم\rفإيهاً بني الإسلام! إن وراءكم ... وقائع يلحقن الذرى بالمناسم\rأتهويمةً في ظل أمنٍ وغبطةً ... وعيشٍ كنوار الخميلة ناعم!\rوكيف تنام العين ملئ جفونها ... على هبواتٍ أيقظت كل نائم\rوإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم ... ظهور المذاكي أو بطون القشاعم\rيسومهم الروم الهوان وأنتم ... تجرون ذيل الخفض فعل المسالم\rوكم من دماءٍ قد أبيحت، ومن دمًى ... تواري حيائها حسنها بالمعاصم\rبحيث السيوف البيض محمرة الظبى ... وسمر العوالي داميات اللهاذم\rوبين اختلاس الطعن والضرب وقفةٌ ... تظل لها الولدان شيب القوادم\rوتلك حروبٌ من يغب عن غمارها ... ليسلم يقرع بعدها سن نادم\rسللن بأيدي المسلمين قواضياً ... ستغمد منهم في الطلى والجماجم\rيكاد بهن المستجن بطيبة ... ينادي بأعلى الصوت: يا آل هاشم\rأرى أمتي لا يشرعون إلى العدا ... رماجهم والدين واهي الدعائم\rويجتنبون النار خوفاً من العدا ... ولا يحسبون العار ضربة لازم\rأترضى صناديد الأعاريب بالأذى ... وتغضي على ذلٍ كماة الأعاجم!\rفليتهم إن لم يذودوا حميةً ... عن الدين ضنوا غيرةً بالمحارم\rوإن زهدوا في الأجر إذا حمي الوغى ... فهلا أتوه رغبةً في المغانم!\rلئن أذعنت تلك الخياشيم للثرى ... فلا عطسوا إلا بأجدع راغم\rدعوناكم والحرب ترنو ملحةً ... غلينا بألحاظ النسور القشاعم\rتراقب فينا غارةً عربيةً ... تطيل عليها الروم عضد الأباهم\rفإن أنتم لم تغضبوا عند هذه ... رمتنا إلى أعدائنا بالجرائم\rوقال علاء الدين علي الأوتاري الدمشقي في مثل ذلك لما استولى التتار على دمشق في سنة تسعٍ وتسعين وستمائة:\rلك علمٌ بما جرى يا سهادي ... من جفوني على افتقاد رقادي\rلم أجد عند شدتي مؤنساً لي ... غير سهدي ملازماً لسوادي\rوحبيب العين الرقاد جفاها ... مذ رآها خليفة الأنكاد\rأحسن الله يا دمشق عزاك ... في مغانيك يا عماد البلاد\rوبرستاق نير بيك مع الم ... زة مع رونقٍ بذاك الوادي\rوبأنس بقاسيون وناسٍ ... أصبحوا مغنماً لأهل الفساد","part":2,"page":106},{"id":607,"text":"طرقتهم حوادث الدهر بالق ... تل ونهب الأموال والأولاد\rوبناتٍ محجباتٍ عن الشم ... إسحاق تناءت بهن أيدي الأعادي\rوقصورٌ مشيداتٌ تقضت ... في ذراها الأيام كالأعياد\rوبيوتٌ فيها التلاوة والذك ... ر وعالي الحديث بالإسناد\rحرقوها وخربوها وبادت ... بقضاء الإله رب العباد\rوكذا شارع العقيبة والقص ... ر وشاغورها وذاك النادي\rأصبحوا اليوم مثل أمس تقضى ... وبكتهم سماؤهم والغوادي\rولكم سورها حوى من معنى ... مقرح القلب والحشى والفؤاد\rإن بكى لا يفيده أو تشكى ... وجد المشتكي حليف سهاد\rيشتكي فوق ما اشتكاه بأضعا ... فٍ فيغدو وهمه في ازدياد\rفالغلا والجلا مع الجوع والعر ... ي ونهب الأقوات والأزواد\rوالحصار الشديد والحبس والخو ... ف مع السادة العراة المكادي\rوبوزن الأموال من غير وجدٍ ... باعتساف الغتم الغلاظ الشداد\rكاترآقجا كبرخوار أنت ياغيه ... لمحمود غازان قاآن البلاد\rيا ترى هل لكربنا من مجيرٍ ... أم لتشديد أسرنا من مفادي\rلهف نفسي على جيوشٍ تولت ... ثم ولت جريحة الأكباد\rكل ندبٍ عضب حمًى كميٍ ... أمجدٍ أصيدٍ شجاعٍ جواد\rإن سطا في هابته كان بحراً ... أو سطا خلته من الآساد\rأو بدا حاملاً تخل عنترياً ... أو غدا سابق الجواد فغادي\rإن أتاني مبشر بلقاهم ... حاز روحي ومهجتي وقيادي\rولثمت التراب شكراً وعفر ... ت خدودي على بلوغ مرادي\rلست أرجو غير البشير شفيعاً ... عند ربي في المن بالإنجاد\rغير أن الفساد يكسب ذلاً ... ويعمى الفساد طرق السداد\rوارتكاب الفساد يورث فقراً ... وخراب البيوت عقبى الفساد\rيا حبيب الإله لا تتخلى ... عن عصاةٍ غمرتهم بالأيادي\rيا حبيب الإله قد مسنا الض ... ر فجد بالإسعاف والإسعاد\rيا حبيب الإله تبنا إلى الله ... وأنت العماد حتى المعاد\rمن لأسرى كسرى حيارى دهتهم ... دهمتهم جياد أهل العناد\rواضع اللقط في الحساب عناه لو يعش حصر كثرة الأعداد\rمنهم الطفل والصبية والشا ... ب ينادي، فمن يجيب المنادي!\rوينادى عليهم برغيفٍ ... وبنزرٍ بخسٍ بسوق الكساد\rعوضوا عن سرورهم بغرور ... وقصور البلاد سكنى البوادي\rوبأهل الوداد شر أناسٍ ... وبلين المهاد شوك القتاد\rأي عينٍ عليهم ليست تبكي ... أي قلبٍ عليهم غير صادي!\rفلأنت الرحيم قلباً ولباً ... ولأنت الهادي لسبل الرشاد\rولأنت البديع خلقاً وخلقاً ... ولأنت السميع للإنشاد\rولأنت الطراز في كل معنًى ... ولسيف المقال شبه النجاد\rولأنت الحاوي فنون صفاتٍ ... دون حصرٍ لها فناء المداد\rولأنت الممدوح من فوق عرشٍ ... بعد ماذا يقول قس الإيادي\rجل قصد الفصيح بالنظم معنًى ... نشر فضل الممدوح بين العباد\rفإذا كان منشئ المدح ربي ... عاد مدح الفصيح جمع سواد\rفعليك الصلاة يرجوا بها الأم ... ن عليٌ من سائر الأنكاد\rوحيث انتهينا من المراثي والنوادب إلى هذه الغاية، فلنذكر نبذةً من الزهد والتوكل.\rالباب الثالث\rفي الزهد والتوكل","part":2,"page":107},{"id":608,"text":"وهذا الباب - وفقنا الله وإيانا لقصدنا، وألهمنا سلوك سبيل رشدنا، واستعملنا في مراضيه، وجنبنا عن الالتفات بالقول والفعل إلى معاصيه - من هذا الفن هو واسطة عقده، وعضد زنده، وقائم مرهفه وحد فرنده، وشبا سنانه، ومثنى عنانه، وإنسان حدقته، وحدقة إنسانه، وكيف لا وهو للنفس درة تاجها، وطيب علاجها، وواضح منهاجها، ودليلها المرشد إذا ضل الدليل، ومنجيها من الهول الأعظم إذا فر المرء من الأخ والأم والأب والابن والصاحبة والخليل. فتأمله أيها المطالع بعين قلبك قبل ناظرك، واتخذه من أحصن جنتك وأعدد عددك وأنفس ذخائرك، ورض به نفسك إذا جمحت، وسكن به آمالك إذا مالت إلى المطامع وجنحت. واعلم أن الدنيا ظلٌ زائل، وعدوٌ قد نصب لك الشباك ومد الحبائل، ولابد أنك مسئولٌ عما اكتسبته منها، فليت شعري ما أعددت لجواب المسائل؟ فهي العدو الذي أشبه بالصديق، والغادر الماكر الذي ما أخوفني أن مكره بي وبك سيحيق. فاقتصر على القليل منها، واعلم أنك سترحل في غدٍ عنها، وان الموت نازلٌ بك فلا ينفعك ما جمعته من مالٍ وخول، ولا يصحبك من الدنيا إلا ما قدمته لآخرتك من صالح اعمل، وان مالك سيقتسمه من لعله لا يشكرك عليه، وما ذا ينفعك شكره لو أن فعل! وغاية ما ينالك من دنياك، وغن بلغت منها مناك، وطال بها مداك، أن تتمتع بزهرتها، وتنال من لذتها، وقد علمت بالمشاهدة من حالك وحال غيرك ما يؤول أمر ملاذها إليه في العاجل، وما يتوقع لمن اقتصر من دنياه عليها في الآجل، فالمأكل والمشرب صائران إلى ما عملته وإنما تحصل اللذة بهما قبل الازدراد، والمنكح والمركب فأنت وهما في الموت والفناء على ميعاد، والملابس فستخلقها الأيام بعد الجدة، والمساكن فستعفى الليالي آثارها ولو بعد مدة. فإذا علمت أن مآل الدنيا إلى الزوال، وقصارها إلى الانتقال، وملاذها إلى هذه الغاية، والعمر فيها وإن طال سريع الناهية، فتقلل منها حسب طاقتك، واقتصر على ما تسد به بعض خلتك وفاقتك، واعمل لآخرتك التي لا ينقضي أمدها، ولا يفنى من النعيم الدائم مددها. وقد أمرتك الخير وليتني به لو ائتمرت، وأوضحت لك سبيل الرشاد وليتني به لو مررت.\rأمرتك الخير لكن ما ائتمرت به ... وما استقمت فما قولي لك: استقم!\rوسأورد إن شاء الله على سمعك من هذا الباب ما إن تمسكت به كان سبباً لإرشادك، وذخيرةً تجدها في يوم معادك.\rبيان حقيقة الزهد قال الإمام الأوحد العالم زين الدين حجة المتكلمين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي رحمه الله تعالى في كتابه المترجم بإحياء علوم الدين: اعلم أن الزهد في الدنيا مقامٌ شريفٌ من مقامات السالكين. وينتظم هذا المقام من علمٍ وحالٍ وعملٍ كسائر المقامات، لأن أبواب الإيمان كلها كما قال السلف ترجع إلى عقدٍ وقولٍ وعمل. وكأن القول لظهوره أقيم مقام الحال، إذا به يظهر الحال الباطن، وإلا فليس القول مراداً بعينه، وإذا لم يكن صادراً عن حالٍ سمي إسلاماً ولم يسم إيماناً. والعلم هو السبب في الحال يجري مجرى المثمر، والعمل يجري مجرى الثمرة.","part":2,"page":108},{"id":609,"text":"فأما الحال فنعني بها ما يسمى زهداً، وهو عبارةٌ عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خيرٌ منه، فكل من عدل عن شيءٍ إلى غيره بمعاوضةٍ وبيعٍ وغيره فإنما عدل عنه لرغبته عنه، وإنما عدل لغيره لرغبته فيه. فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمى زهداً، وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمى رغبةً وحباً. فإذاً يستدعي حال الزهد مرغوباً عنه ومرغوباً فيه هو خيرٌ من المرغوب عنه. وشرط المرغوب عنه أن يكون هو أيضاً مرغوباً فيه بوجهٍ من الوجوه، فمن رغب عما ليس مطلوباً في نفسه لا يسمى زاهداً، فتارك التراب والحجارة والحشرات لا يسمى زاهداً، لأن ذلك ليس في مظنة الرغبة، وإنما يسمى زاهداً تارك الدراهم والدنانير. وشرط المرغوب فيه أن يكون عنده خيراً من المرغوب عنه حتى تغلب هذه الرغبة، فالبائع لا يقدم على البيع إلا والمشترى عنده خيرٌ من المبيع، فيكون حاله بالإضافة إلى المبيع زهداً فيه، وبالإضافة إلى العوض رغبةً وحباً، ولذلك قال الله تعالى: \" وشروه بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودةٍ وكانوا فيه من الزاهدين \" وشروه بمعنى باعوه، ووصف إخوة يوسف بالزهد فيه إذ طمعوا أن يخلو لهم وجه أبيهم، وكان ذلك عندهم أحب إليهم من يوسف فباعوه طمعاً في العوض. فإذاً كل من باع الدنيا بالآخرة فهو زاهدٌ في الدنيا، وكل من باع الآخرة بالدنيا فهو أيضاً زاهدٌ في الدنيا، وكل من باع الآخرة بالدنيا فهو أيضاً زاهدٌ ولكن في الآخرة، ولكن العادة جاريةٌ بتخصيص اسم الزهد بمن وهد في الدنيا، كما خصص اسم الإلحاد بمن يميل إلى الباطل خاصة، وإن كان هو الميل في وضع اللسان. قال: ولما كان الزهد رغبةً عن محبوبٍ بالجملة لم يتصور إلا بالعدول إلى شيءٍ هو أحب منه، وإلا فترك المحبوب بغير الأحب محال. والذي يرغب عن كل ما سوى الله تعالى فهو الزاهد المطلق. والذي يرغب عن كل حظٍ ينال في الدنيا ولم يزهد في مثل تلك الحظوظ في الآخرة بل طمع في الحور العين والقصور والفواكه والأنهار فهو أيضاً زاهدٌ ولكنه دون الأول. والذي يترك من حظوظ الدنيا البعض دون البعض، كالذي يترك المال دون الجاه، أو يترك التوسع في الأكل ولا يترك التجمل في الزينة، فلا يستحق اسم الزهد مطلقاً، ودرجته في الزهاد درجة من يتوب عن بعض المعاصي في التائبين، وهو زهدٌ صحيحٌ كما أن التوبة عن بعض المعاصي صحيحة، فإن التوبة عبارةٌ عن ترك المحظورات، والزهد عبارةٌ عن ترك المباحات التي هي حظ النفس. والمقتصر على ترك المحظورات لا يسمى زاهداً، وإن كان زهد في المحظور وانصرف عنه، ولكن العادة تخصص هذا الاسم بتارك المباحات. فإذاً الزهد عبارةٌ عن رغبةٍ عن الدنيا عدولاً إلى الآخرة أو عن غير الله عدولاً إلى الله، وهي الدرجة العليا. وكما يشترط في المرغوب فيه أن يكون خيراً عنده، فيشترط في المرغوب عنه أن يكون مقدوراً عليه، فإن ترك مالا يقدر عليه محال، وبالترك يتبين زوال الرغبة، ولذلك قيل لابن المبارك: يا زاهد، فقال: الزاهد عمرٌ بن عبد العزيز، إذا جاءته الدنيا راغمةً فتركها، وأما أنا ففيم زهدت!","part":2,"page":109},{"id":610,"text":"وأما العلم الذي هو المثمر لهذه الحال فهو العلم بكون المتروك حقيراً بالإضافة إلى المأخوذ، كعلم التاجر بأن العوض خيرٌ من المبيع فيرغب فيه، وما لم يتحقق هذا العلم لا يتصور أن تزول الرغبة عن المبيع، فكذلك من عرف أن ما عند الله باقٍ وأن الآخرة خيرٌ وأبقى، أي لذتها خيرٌ في نفسها وأبقى. فبقدر قوة اليقين والمعرفة بالتفاوت بين الدنيا والآخرة تقوى الرغبة في البيع والمعاملة، حتى إن من قوي يقينه يبيع نفسه وماله، كما قال الله عز وجل: \" إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن الجنة لهم \" الآية، ثم بين أن صفقتهم رابحةٌ فقال الله تعالى: \" فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به \" . فليس يحتاج من العلم في الزهد إلا إلى هذا القدر وهو أن الآخرة خيرٌ وأبقى، وقد يعلم ذلك من لا يقدر على ترك الدنيا إما لضعف علمه ويقينه، وإما لاستيلاء الدنيا والشهوة في الحال عليه ولكونه مقهوراً في يد الشيطان، وإما لاغتراره بمواعيد الشيطان في التسويف يوماً فيوماً إلى أن يختطفه الموت، ولا يبقى معه إلا الحسرة بعد الفوت. قال: وإلى التعريف خساسة الدنيا الإشارة بقوله تعالى: \" قل متاع الدنيا قليلٌ والآخرة خيرٌ لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً \" ، وإلى تعريف نفاسة الآخرة والإشارة بقوله عز وجل: \" وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خيرٌ لمن آمن \" ، فنبه على أن العلم بنفاسته هو المرغب عن عوضه. قال: ولما لم يتصور الزهد إلا بمعاوضةٍ ورغبةٍ عن محبوبٍ في أحب منه قال رجلٌ: اللهم أرني الدنيا كما تراها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا تقل هذا ولكن قل اللهم أرني الدنيا كما أريتها الصالحين من عبادك \" . وهذا لأن الله يراها حقيرةً كما هي، وكل مخلوقٍ بالإضافة إلى جلاله حقير، والعبد يراها حقيرةً في حق نفسه بالإضافة إلى ما هو خيرٌ له، ولا يتصور أن يرى بائع الفرس وإن رغب عن فرسه كما يرى حشرات الأرض مثلاً، لأنه مستغنٍ عن الحشرات أصلاً وليس مستغنياً عن الفرس، و الله تعالى غنيٌ بذاته عن كل ما سواه، فيرى الكل في درجةٍ واحدةٍ بالإضافة إلى جلاله، ويراها متفاوتةً بالإضافة إلى غيره، والزاهد هو الذي يرى تفاوتها بالإضافة إلى نفسه لا إلى غيره.","part":2,"page":110},{"id":611,"text":"وأما العمل الصادر عن حال الزاهد فهو تركٌ وأخذ، لأنه بيعٌ ومعاملةٌ واستبدال الذي هو خيرٌ بالذي هو أدنى. فكما أن العمل الصادر من عقد البيع هو ترك المبيع وإخراجه عن اليد وأخذ العوض، فكذلك الزهد يوجب ترك المزهود فيه بالكلية وهي الدنيا بأسرها مع أسبابها ومقدماتها وعلائقها، فيخرج من القلب حبها ويدخل حب الطاعات، وإلا كان كمن سلم المبيع ولم يأخذ الثمن. فإذا وفى شرط الحالتين في الأخذ والترك فليستبشر ببيعه الذي بايع به، فإن الذي بايعه بهذا البيع وفيٌ بالعهد، فمن سلم حاضراً في غائبٍ وسلم الحاضر وأخذ يسعى في طلب الغائب سلم إليه الغائب حين فراغه من سعيه إن كان العاقد ممن يوثق بصدقه وقدرته ووفائه بالعهد. ومادام ممسكاً للدنيا فلا يصح زهده أصلاً، ولذلك لم يصف الله تعالى إخوة يوسف بالزهد في بنيامين وإن كانوا قد قالوا: \" ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا \" ، وعزموا على إبعاده كما عزموا على إبعاد يوسف حتى شفع فيه أحدهم فترك، ولا وصفهم أيضاً بالزهد في يوسف عند العزم على إخراجه إلا عند التسليم والبيع. فعلامة الرغبة الإمساك، وعلامة الزهد الإخراج. فإن أخرجت عن اليد بعض الدنيا دون البعض فأنت زاهدٌ فيما أخرجت فقط، ولست زاهداً مطلقاً، وإن لم يكن لك مالٌ ولم تساعدك الدنيا لم يتصور منك الزهد، لأن ما لا تقدر عليه لا تقدر على تركه. وربما يستهويك الشيطان بغروره ويخيل إليك أن الدنيا وإن لم تأتك فأنت زاهدٌ فيها، فلا ينبغي أن تتدلى بحبل غروره دون أن تستوثق وتستظهر بموثقٍ غليظٍ من الله تعالى، فإنك إذا لم تجرب حال القدرة فلا تثق بالقدرة على الترك عندها، فكم من ظانٍ بنفسه كراهة المعاصي عند تعذرها فلما تيسرت لها أسبابها منة غير مكدرو لا مخوف من الخلق وقع فيها. وإذا كان هذا غرور النفس في المحظورات فإياك أن تثق بوعدها في المباحات. والموثق الغليظ الذي تأخذه عليها أن تجربها مرةً بعد مرة في حال القدرة، فإذا وفت بما وعدت على الدوام مع انتفاء الصوارف والأعذار ظاهراً وباطناً فلا بأس أن تثق بها وثوقاً ما، ولكن تكون من تغيرها على حذر، فإنها سريعة النقض للعهد، قريبة الرجوع إلى مقتضى الطبع. وبالحملة فلا أمان منها إلا عند الترك بالإضافة إلى ما تركت فقط وذلك عند القدرة. قال: وليس من الزهد بذل المال على سبيل السخاء والفتوة وعلى سبيل استمالة القلوب ولا على سبيل الطمع، فذلك كله من محاسن العادات ولا مدخل له في العبادات، إنما الزهد أن تترك الدنيا لعلمك بحقارتها بالإضافة إلى نفاسة الآخرة. فأما كل نوعٍ من الترك فإنه يتصور ممن لا يؤمن بالآخرة فذلك قد يكون مروءةً وفتوةً وسخاءً وحسن خلق، وحسن الذكر وميل القلوب من حظوظ العاجلة، وهي ألذ وأهنأ من المال، بل الزاهد من أتته الدنيا راغمةً عفواً وصفواً وهو قادرٌ على التنعم بها من غير نقصان جاهٍ وقبح اسمٍ وفوات حظٍ للنفس، فتركها خوفاً من أن يأنس بها فيكون آنسا بغير الله ومحباً لما سوى الله، ويكون مشركاً في حب الله غير الله، أو تركها طمعاً في ثوابٍ آخر فترك التمتع بأشربة الدنيا طمعاً في أشربة الجنة، وترك التمتع بالسراري والنسوان طمعاً في الحور العين، وترك التفرج في البساتين طمعاً في بساتين الجنة وأشجارها، وترك التزين والتجمل بزينة الدنيا طمعاً في زينة الجنة، وترك المطاعم اللذيذة طمعاً في فواكه الجنة وخوفاً من أن يقال له: \" أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا \" فآثر في جميع ذلك ما وعد به في الجنة على ما تيسر له في الدنيا عفواً وصفواً، لعلمه بأن ما في الآخرة خيرٌ وأبقى، وما سوى هذه فعلاماتٌ دنيويةٌ لا جدوى لها في الآخرة أصلاً. وحيث قدمنا هذه المقدمة من أحوال الزهد في الحال والعلم فلنذكر بيان فضيلة الزهد وذم الدنيا.\rفضيلة الزهد وبغض الدنيا","part":2,"page":111},{"id":612,"text":"قال الله تعالى: \" فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظٍ عظيم، وقال الذين أتوا العلم ويلكم ثواب الله خيرٌ لمن آمن وعمل صالحاً \" ، فنسب الزهد للعلماء ووصف أهله بالعلم، وذلك غاية الثناء، وقال تعالى: \" أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا \" جاء في التفسير: على الزهد في الدنيا. وقال تعالى: \" إنا جعلنا ما على الأرض زينةً لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً \" . قيل: معناه أيهم أزهد في الدنيا، فوصف الزهد بأنه من أحسن الأعمال. وقال تعالى: \" من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه \" . وقال تعالى: \" ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم \" إلى قوله: \" ورزق ربك خيرٌ وأبقى \" . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره وفرق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له أمره وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمةٌ \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" إذا رأيتم العبد قد أوتي منطقاً وزهداً في الدنيا فاقتربوا منه فإنه يلقن الحكمة \" . وقال تعالى: \" ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً \" ، ولذلك قيل: من زهد في الدنيا أربعين يوماً أجرى الله ينابيع الحكمة في قلبه وأطلق بها لسانه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن أردت أن يحبك الله فازهد في الدنيا \" فجعل الزهد سبباً للمحبة، فمن أحبه الله فهو في أعلى الدرجات، فينبغي أن يكون الزهد في أفضل المقامات. ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: \" فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام \" وقيل له: ما هذا الشرح؟ قال: \" إن النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفسح \" . قيل: يا رسول الله، هل لذلك من علامة؟ قال: \" نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله \" . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" استحيوا من الله حق الحياء \" قالوا: إنا نستحي من الله، فقال: \" ليس كذلك تبنون مالا تسكنون وتجمعون مالا تأكلون \" . فبين أن ذلك يناقض الحياء من الله. وقدم وفدٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا مؤمنون. قال: \" وما علامة إيمانكم؟ \" فذكروا الصبر على البلاء، والشكر على الرخاء، والرضا بمواقع القضاء، وترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء. قال: \" إن كنتم كذلك فلا تجمعوا مالا تأكلون ولا تبنوا مالا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون \" ، فجعل الزهد تكملة إيمانهم. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في أصحابه بإبل عشار حفل وهي الحوامل، وكانت من أحب أموالهم إليهم وأنفسها عندهم، لأنها تجمع بين اللحم واللبن والوبر والظهر، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وغض بصره. فقيل له: يا رسول الله، هذه أنفس أموالنا، لم لا تنظر إليها؟ فقال: \" قد نهاني الله عن ذلك \" ، ثم تلا قوله تعالى: \" ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خيرٌ وأبقى \" . وروى مسروق عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تستطعم الله فيطعمك؟ قالت: وبكيت لما رأيت به من الجوع. فقال: \" يا عائشة والذي نفسي بيده لو سألت ربي أن يجري معي جبال الدنيا ذهباً لأجراها حيث شئت من الأرض ولكن اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على غناها وحزن الدنيا على فرحها يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ يا عائشة إن الله لم يرض لأولي العزم من الرسل إلى الصبر على مكروه الدنيا والصبر عن محبوبها ثم لم يرض إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال: \" فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل \" والله مالي بدٌ من طاعته وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدي ولا حول ولقوة إلا بالله \" .","part":2,"page":112},{"id":613,"text":"وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه حين فتح عليه الفتوحات قالت له ابنته حفصة: البس لين الثياب إذا وفدت عليك الوفود من الآفاق، ومر بصنعة طعامٍ تطعمه وتطعم من حضر. فقال: يا حفصة، ألست تعلمين بأن أعلم الناس بحال الرجل أهل بيته؟ قالت: بلى. قال: ناشدتك الله، هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في النبوة كذا وكذا سنةً لم يشبع هو ولا أهل بيته غدوةً إلا جاعوا عشية، ولا شيعوا عشيةً إلا جاعوا غدوة؟ وناشدتك الله، هل تعلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم لبث في النبوة كذا وكذا سنةً لم يشبع من التمر هو وأهله حتى فتح الله عليه خيبر؟ وناشدتك الله، هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قربتم إليه يوماً طعاماً على مائدةٍ فيها ارتفاعٌ فشق ذلك عليه حتى تغير لونه ثم أمر بالمائدة فرفعت ووضع الطعام على دون ذلك أو وضع على الأرض؟ ناشدتك الله، هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينام على عباءةٍ مثنيةٍ فثنيت له ليلةً أربع طاقاتٍ فنام عليها، فلما استيقظ قال: \" منعتموني قيام هذه الليلة بهذه العباءة اثنوها باثنتين كما كنتم تثنونها \" ؟ وناشدتك الله، هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضع ثيابه لتغسل فيأتيه بلالٌ فيؤذنه بالصلاة فما يجد ثوباً يخرج به إلى الصلاة حتى تجف ثيابه فيخرج بها إلى الصلاة؟ وناشدتك الله، هل تعلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنعت له امرأةٌ من بني ظفر كساءين إزاراً ورداءً وبعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر، فخرج إلى الصلاة وهو مشتملٌ به ليس عليه غيره قد عقد طرفيه إلى عنقه فصلى كذلك؟ فما زال يقول حتى أبكاها، وبكى عمر رضي الله عنه وانتحب حتى ظننا أن نفسه ستخرج. وفي بعض الروايات زيادةٌ من قول عمر وهو أنه قال: كان لي صاحبان سلكا طريقاً، فإن سلكا غير طريقهما سلك بي طريقٌ غير طريقهما، وإني والله سأصبر على عيشهما الشديد لعلي أدرك معهما عيشهما الرغيد. وعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر فلا يلبس إلا العباءة وإن كان أحدهم ليبتلى بالقمل حتى يقتله القمل وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم \" . عن ابن عباسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لما ورد موسى عليه السلام ماء مدين كانت خضرة البقل ترى في بطنه من الهزال \" . وفي حديث عمر رضي الله عنه أنه لما نزل قوله تعالى: \" والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله \" الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" تباً للدنيا! تباً للدينار والدرهم! \" فقلنا: نهانا الله عن كنز الذهب والفضة فأي شيءٍ ندخر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: \" ليتخذ أحدكم لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً وزوجةً صالحةً تعينه على أمر آخرته. وفي حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: \" من آثر الدنيا على الآخرة ابتلاه الله تعالى بثلاثٍ: هماً لا يفارق قلبه أبداً وفقراً لا يستغني أبداً وحرصاً لا يشبع أبداً \" . وقال صلى الله عليه وسلم: لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون ألا يعرف أحب إليه من أن يعرف وحتى تكون قلة الشيء أحب إليه من كثرته \" . وقال المسيح عليه السلام: \" الدنيا قنطرةٌ فاعبروها ولا تعمروها \" . وقيل له يا نبي الله، لو أمرتنا أن نبتني بيتاً نعبد الله فيه! قال: \" اذهبوا فابنوا بيوتاً على الماء \" . فقالوا كيف يستقيم بنيانٌ على الماء! قال: \" وكيف تستقيم عبادةٌ مع حب الدنيا!. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن ربي عرض علي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهباً فقلت لا يا رب ولكن أجوع يوماً وأشبع يوماً فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك \" . وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ يمشي وجبريل معه فصعد على الصفا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \" والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمدٍ كف سويقٍ ولا سفه دقيق. فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدةً من السماء أفظعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أمر الله القيامة أن تقوم \" ؟ قال: لا، ولكن هذا إسرافيل قد نزل إليك حين سمع كلامك. فأتاه إسرافيل فقال: إن الله عز وجل سمع ما ذكر، فبعثني بمفاتيح الأرض وأمرني أن أعرض","part":2,"page":113},{"id":614,"text":"عليك إن أحببت أن أسير معك جبال تهامة زمرداً وياقوتاً وذهباً وفضةً فعلت، وإن شئت نبياً ملكاً وإن شئت نبياً عبداً. فأومأ إليه جبريل أن تواضع لله. فقال: \" نبياً عبداً \" ثلاثاً. وقال صلى الله عليه وسلم: \" إذا أراد الله بعبدٍ خيراً زهده في الدنيا ورغبه في الآخرة وبصره بعيوب نفسه \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" من أراد أن يؤتيه الله علماً بغير تعلمٍ وهدىً بغير هدايةٍ فليزهد في الدنيا \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن خاف من النار لهى عن الشهوات ومن ترقب الموت ترك اللذات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب \" . والأحاديث في ذلك كثيرةٌ وفيما ذكرناه منها كفايةٌ. فلنذكر ما جاء من ذلك في الأثر.ليك إن أحببت أن أسير معك جبال تهامة زمرداً وياقوتاً وذهباً وفضةً فعلت، وإن شئت نبياً ملكاً وإن شئت نبياً عبداً. فأومأ إليه جبريل أن تواضع لله. فقال: \" نبياً عبداً \" ثلاثاً. وقال صلى الله عليه وسلم: \" إذا أراد الله بعبدٍ خيراً زهده في الدنيا ورغبه في الآخرة وبصره بعيوب نفسه \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" من أراد أن يؤتيه الله علماً بغير تعلمٍ وهدىً بغير هدايةٍ فليزهد في الدنيا \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن خاف من النار لهى عن الشهوات ومن ترقب الموت ترك اللذات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب \" . والأحاديث في ذلك كثيرةٌ وفيما ذكرناه منها كفايةٌ. فلنذكر ما جاء من ذلك في الأثر.\rقيل: جاء في الأثر: لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن العباد سخط الله ما لم يسألوا ما نقص من دنياهم. وفي لفظٍ آخر: ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا فعلوا ذلك وقالوا: لا إله إلا الله قال الله تعالى: \" كذبتم لستم بها صادقين \" . وعن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه قال: تابعنا الأعمال كلها فلم نر في أمر الآخرة أبلغ من زهد الدنيا. وقال بعض الصحابة لصدر التابعين: أنتم أكثر أعملاً واجتهاداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا خيراً منكم. قيل: ولم ذاك؟ قال: كانوا أزهد في الدنيا منكم. وقال عمر رضي الله عنه: الزهادة في الدنيا راحة القلب والجسد. والآثار في ذلك كثيرةٌ فلا نطول بسردها.\rذم الدنيا وشيءٌ من المواعظ والرقائق الداخلة في هذا الباب فقد ورد في كتاب الله عز وجل كثيرٌ في ذم الدنيا وصرف الخلق عنها ودعوتهم إلى الآخرة، وهو أيضاً مقصود الأنبياء ولذلك بعثوا، فلا حاجة إلى الاستشهاد بالآيات لظهورها. فلنذكر نبذةً من الأخبار والآثار الواردة في ذلك، وذلك من جملة ما اختاره الغزالي رحمه الله في كتابه المترجم بإحياء علوم الدين. فمن ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر على شاةٍ ميتةٍ فقال: \" أترون أن الشاة هينةٌ على أهلها \" ؟ قالوا: من هوانها عليهم ألقوها. قال: \" والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شربة ماء \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ما كان الله منها \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" حب الدنيا أسس كل خطيئة \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" يا عجباً كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور \" .\rوروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على مزبلةٍ فقال: \" هلموا إلى الدنيا وأخذ خرقاً قد بليت على تلك المزبلة وعظاماً قد نخرت فقال هذه هي الدنيا \" وهذه إشارةٌ إلى أن زينتها ستخلق مثل تلك الخرق، وأن الأجسام التي ترى بها ستصير عظاماً بالية. وقال عيسى بن مريم عليه السلام: \" لا تتخذوا الدنيا رباً فتتخذكم عبيداً، اكنزوا كنزكم عند من لا يضيعه، فإن صاحب كنز الدنيا يخاف عليه الآفة وصاحب كنز الله لا يخاف عليه الآفة \" . وقال أيضاً: \" يا معشر الحواريين، إني قد كببت لكم الدنيا على وجهها فلا تنعشوها بعدي، فإن من خبث الدنيا أن الله عصي فيها، وإن من خبث الدنيا أن الآخرة لا تدرك إلا بتركها. ألا فاعبروا الدنيا ولا تعمروها، واعلموا أن أصل كل خطيئةٍ حب الدنيا. ورب شهوةٍ أورثت حزناً طويلاً. وعن","part":2,"page":114},{"id":615,"text":"الرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إن الله جل ثناؤه لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا وإنه منذ خلقها لم ينظر إليها \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" ألهاكم التكاثر يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت! \" .وقال صلى الله عليه وسلم: \" الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له وعليها يعادى من لا علم له وعليها يحسد من لا فقه له ولها يسعى من لا يقين له \" . وقال صلى الله عليه وسلم: من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله في شيءٍ وألزم الله قلبه أربع خصالٍ هماً لا ينقطع عنه أبداً وشغلاً لا يتفرغ منه أبداً وفقراً لا يبلغ غناه أبداً وأملاً لا يبلغ منتهاه أبداً \" . وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا أبا هريرة ألا أريك الدنيا جميعاً بما فيها \" ؟ قلت: بلى يا رسول الله. فأخذ بيدي وأتى بي وادياً من أودية المدينة، فإذا مزبلةٌ فيها رءوس ناسٍ وعذراتٌ وخرقٌ وعظام، ثم قال: \" يا أبا هريرة هذه الرءوس كانت تحرص كحرصكم وتأمل آمالكم هي اليوم عظامٌ بلا جلدٍ ثم هي صائرةٌ رماداً وهذه العذرات هي ألوانٌ أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها ثم قذفوها في بطونهم فأصبحت والناس يتحامونها وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم فأصبحت الرياح تصفقها وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد فمن كان باكياً على الدنيا فليبك \" . قال: \" فما برحنا حتى اشتد بكاؤنا. وقال الله صلى الله عليه وسلم: \" الدنيا موقوفةٌ بين السماء والأرض منذ خلقها الله تعالى لا ينظر إليها وتقول يوم القيامة: يا رب اجعلني لأدنى أوليائك نصيباً اليوم فيقول اسكتي يا لا شيء إني لم أرضك لهم في الدنيا أأرضاك لهم اليوم \" ! وقال صلى الله عليه وسلم: \" ليجيئن أقوامٌ يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة فيؤمر بهم إلى النار \" . قالوا: يا رسول الله، مصلين؟ قال: \" نعم كانوا يصلون ويصومون ويأخذون هنةً من الليل فإذا عرض لهم من الدنيا شيءٌ وثبوا عليه \" . وقال صلى الله عليه وسلم في بعض خطبه: \" المؤمن بين مخافتين بين أجلٍ قد مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه وبين أجلٍ قد بقى لا يدري ما الله قاضٍ فيه فليتزود العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن حياته لموته ومن شبابه لهرمه فإن الدنيا خلقت لكم وأنتم خلقتم للآخرة والذي نفسي بيده ما بعد الموت مستعتب ولا بعد الدنيا من دارٍ إلا الجنة أو النار \" .\rقال صلى الله عليه وسلم: \" احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت \" . وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: \" هل منكم من يريد أن يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيراً ألا إنه من رغب في الدنيا وطال أمله فيها أعمى الله قلبه على قدر ذلك ومن زهد في الدنيا وقصر أمله فيها أعطاه الله علماً بغير تعلمٍ وهدًى بغير هدايةٍ ألا إنه سيكون بعدكم قومٌ لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والتجبر ولا الغنى إلا بالفخر والبخل ولا المحبة إلا باتباع الهوى ألا فمن أدرك ذلك الزمان منكم فصبر للفقر وهو يقدر على الغنى وصبر على البغضاء وهو يقدر على المحبة وصبر للذل وهو يقدر على العز لا يريد بذلك إلا وجه الله تعالى أعطاه الله ثواب خمسين صديقاً \" .\rوقال عيسى بن مريم عليه السلام: \" ويلٌ لصاحب الدنيا! كيف يموت ويتركها ، ويأمنها وتغره، ويثق بها وتخذله!، وويلٌ للمغترين! كيف أرتهم ما يكرهون وفارقهم ما يحبون، وجاءهم ما يوعدون! وويلٌ لمن الدنيا همه، والخطايا عمله كيف يفتضح غداً بذنبه!. وقيل له: علمنا علماً واحداً يحبنا الله عليه، قال: \" أبغضوا الدنيا يحبكم الله \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولهانت عليكم الدنيا ولآثرتم الآخرة \" .","part":2,"page":115},{"id":616,"text":"ومن الآثار في ذلك ما حكاه داود بن هلال قال: مكتوبٌ في صحف إبراهيم عليه السلام: يا دنيا، ما أهونك على الأبرار الذين تصنعت وتزينت لهم! إني قذفت في قلوبهم بغضك والصدود عنك، وما خلقت خلقاً أهون علي منك، كل شأنك صغير، وإلى الفناء تصيرين، قضيت عليك يوم خلقتك ألا تدومي لأحدٍ ولا يدوم أحدٌ لك وإن بخل بك صاحبك وشح عليك. طوبى للأبرار الذين أطلعوني من قلوبهم على الرضا، ومن ضميرهم على الصدق والاستقامة! طوبى لهم! مالهم عندي من الخير إذا وفدوا إلى من قبورهم إلا النور يسعى أمامهم والملائكة حافون بهم حتى أبلغهم ما يرجون من رحمتي.\rوقال عمار بن سعيد: مر عيسى بن مريم عليه السلام بقريةٍ فإذا أهلها موتى في الأفنية والطرق، فقال: \" يا معشر الحواريين، إن هؤلاء ماتوا عن سخطةٍ، ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا. فقالوا: يا روح الله، وددنا أنا علمنا خبرهم، فسأل الله تعالى فأوحى إليه: إذا كان الليل فنادهم يجيبوك. فلما كان الليل أشرف على نشز، ثم نادى يا أهل القرية، فأجابه مجيبٌ: لبيك يا روح الله. فقال: ما حالكم وما قصتكم. قال: بتنا في عافيةٍ وأصبحنا في الهاوية. قال: وكيف ذلك؟ قال: لحبنا الدنيا وطاعتنا أهل المعاصي. قال: وكيف كان حبكم للدنيا؟ قال: حب الصبي لأمه، إذا أقبلت فرح بها، وإذا أدبرت حزن وبكى عليها. قال: فما بال أصحابك لا يجيبونني؟ قال: لأنهم ملجمون بلجمٍ من نارٍ بأيدي ملائكةٍ غلاظٍ شداد. قال: فكيف أجبتني من بينهم؟ قال: لأني كنت فيهم ولم أكن منهم، فلما نزل بهم العذاب أصابني معهم، فأنا معلقٌ على شفير جهنم لا أدري أنجو منها أم أكب فيها. فقال المسيح للحواريين: \" لأكل الخبز الشعير بالملح الجريش ولبس المسوح والنوم على المزابل كثيرٌ مع عافية الدنيا والآخرة.\rقيل: وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن يا موسى لا تركنن إلى حب الدنيا فلن تأتني بكبيرةٍ هي أشد منها.\rوقال لقمان لابنه: يا بني، إن الدنيا بحرٌ عميقٌ وقد غرق فبه ناسٌ كثير، فلتكن فيها سفينتك تقوى الله عز وجل، وحشوها الإيمان بالله تعالى، وشراعها التوكل على الله عز وجل، لعلك تنجو وما أراك ناجياً.\rوقال بعض الحكماء: إنك لن تصبح في شيءٍ من الدنيا إلا وقد كان له أهلٌ قبلك ويكون له أهلٌ بعدك، وليس لك من الدنيا إلا عشاء ليلةٍ وغداء يوم، فلا تهلك في أكلة، وصم عن الدنيا وأفطر على الآخرة، وإن رأس مال الدنيا الهوى وربحها النار.\rوقيل لبعضهم: كيف ترى الدهر؟ قال: يخلق الأبدان، ويجدد الآمال، ويقرب المنية، ويبعد الأمنية. قيل: فما حال أهله؟ قال: من ظفر به تعب، ومن فاته نصب. وفي ذلك قيل:\rومن يحمد الدنيا لعيشٍ يسره ... فسوف لعمري عن قريبٍ يلومها\rإذا أدبرت كانت على المرء حسرةً ... وإن أقبلت كانت كثيراً همومها\rوقال بعض الحكماء: كانت الدنيا ولم أكن فيها، وتذهب الدنيا ولا أكون فيها، فلا أسكن إليها، فإن عيشها نكد، وصفوها كدر، وأهلها منها على وجل، إما بنعمةٍ زائلةٍ، أو بليةٍ نازلة، أو منيةٍ قاضية.\rوقال أبو حازم: إياكم والدنيا، فإنه بلغني أنه يوقف العبد يوم القيامة إذا كان معظماً للدنيا فيقال: هذا عظم ما حقره الله.\rوقال ابن مسعود: ما أصبح أحدٌ من الناس إلا وهو ضيفٌ وماله عارية، فالضيف يرتحل والعارية مردودة. وفي ذلك قيل:\rوما المال والأهلون إلا وديعةٌ ... ولا بد يوماً أن ترد الودائع\rوزار رابعة العدوية أصحابها فذكروا الدنيا فأقبلوا على ذمها، فقالت: أمسكوا عن ذكرها، فلو لا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها، ألا من أحب شيئاً أكثر من ذكره.\rوقال رجلٌ لعليٍ رضي الله عنه يا أمير المؤمنين، صف لنا الدنيا، فقال: وما أصف لكم من دار من صح فيها ما أمن، ومن سقم فيها ندم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن، في حلالها الحساب، وفي حرامها العذاب.","part":2,"page":116},{"id":617,"text":"وقال الحسن بعد أن تلا قوله تعالى \" فلا تغرنكم الحياة الدنيا \" : من قال ذا؟ من خلقها من هو أعلم بها. إياكم وما شغل من الدنيا فإن الدنيا كثيرة الأشغال، لا يفتح رجلٌ على نفسه باب شغلٍ إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب. وقال أيضاً: مسكينٌ ابن آدم رضي بدارٍ حلالها حساب، وحرامها عذاب، إن أخذه من حله حوسب به، وإن أخذه من حرامٍ عذب به. ابن آدم يستقل ماله ولا يستقل عمله، يفرح في مصيبته في دينه ويجزع من مصيبته في دنياه.\rوقال داود الطائي: يا بن آدم، فرحت ببلوغ أملك، وإنما بلغته بانقضاء أجلك، ثم سوفت بعملك، كأن منفعته لغيرك.\rوقال بشر: من سأل الله الدنيا فإنما يسأله طول الوقوف بين يديه.\rوقال أبو حازم: ما في الدنيا شيءٌ يسرك إلا وقد ألصق الله إليه شيئاً يسوءك.\rوقال الحسن: أهينوا الدنيا، فوالله ما هي لأحدٍ بأهنأ منها لمن أهانها. وقال أيضاً: إذا أراد الله بعبدٍ خيراً أعطاه عطيةً من الدنيا ثم يمسك، فإذا نفذ أعاد عليه، وإذا هان عليه عبدٌ بسط له الدنيا بسطاً.\rقال الجنيد: كان الشافعي رحمه اله من المريدين الناطقين بلسان الحق في الدين، وعظ أخاً له في الله تعالى وخوفه بالله فقال: يا أخي، إن الدنيا دحض مزلة، ودار مذلة، عمرانها إلى الخرائب صائر، وساكنها إلى القبور زائر، شملها على الفرقة موقوف، وغناها إلى الفقر مصروف، الإكثار فيها إعسار، والإعسار فيها يسار، فافزع إلى الله وارض برزق الله. لا تستسلف من دار بقائك في دار فنائك، فإن عيشك فيءٌ زائل، وجدارٌ مائل، أكثر من عملك، وقصر من أملك. وهذا من أبلغ المواعظ والترغيب.\rومن المواعظ ما قاله أبو الدرداء رضي الله عنه: والله لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون على أنفسكم، ولتركتم أموالكم لا حارس لها ولا راجع إليها إلا ما لابد منه، ولكن يغيب عن قلوبكم ذكر الآخرة وحضرها الأمل، فصارت الدنيا أملك بأعمالكم وصرتم كالذين لا يعملون، فبعضكم شرٌ من البهائم التي لا تدع هواها مخافةً مما في عاقبته. مالكم لا تحابون فبعضكم شرٌ من البهائم التي لا تدع هواها مخافةً مما في عاقبته. ما لكم لا تحابون ولا تناصحون وأنمت إخوانٌ على دين الله، ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم، ولو اجتمعتم على البر لتحاببتم. ما لكم تناصحون في أمر الدنيا ولا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبه ويعنيه على أمر آخرته! ما هذا إلا من قلة الإيمان في قلوبكم. لو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الآخرة لأنها أملك بأموركم. فإن قلتم: حب العاجلة غالب، فإنا نراكم تدعون العاجل من الدنيا للآجل مما تكدون أنفسكم بالمشقة والاحتراف في طلب أمرٍ لعلكم لا تدركونه. فبئس القوم أنتم! ما حققتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم. فإن كنتم في شكٍ مما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم فأتوا لنبين لكم ونريكم من النور ما تطمئن إليه قلوبكم. والله ما أنتم بالمنقوصة عقولكم فنعذركم، إنكم لتبينون صواب الرأي في دنياكم وتأخذون بالحزم في أموركم. مالكم تفرحون باليسير من الدنيا تصيبونه وتحزنون على اليسير منها يفوتكم، يتبن ذلك في وجوهكم ويظهر على ألسنتكم، وتسمونها المصائب وتقيمون فيها المآتم، وعامتكم قد تركوا كثيراً من دينهم ثم لا يتبين ذلك في وجوهكم ولا يتغير حالٌ بكم!. إني لأرى الله قد تبرأ منكم. يلقى بعضكم بعضاً بالسرور، وكلكم يكره أن يستقبل صاحبه بما يكره مخافة أن يستقبله صاحبه بمثله، فاصطحبتم على الغل، ونبتت مراعيكم على الدمن، وتصافيتم على رفض الأجل. ولوددت أن الله أراحني منكم وألحقني بمن أحب رؤيته، ولو كان حياً لم يصابركم. فإن كان فيكم خيرٌ فقد أسمعتكم، وإن تطلبوا ما عند الله تجدوه يسيراً. والله أستعين على نفسي وعليكم.\rوكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز رحمهما الله تعالى:","part":2,"page":117},{"id":618,"text":"أما بعد، فإن الدنيا دار ظغن ليست بدار إقامة، وإنما أنزل آدم عليه السلام من الجنة إليها عقوبةً، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها، والغنى منها فقرها، لها في كل حينٍ قتيل، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها، هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه. فكن فيها كالمداوي جراحته، يحتمي قليلاً مخافة ما يكره طويلاً، ويصبر على شدة الدواء مخافة طول الداء. فاحذر هذه الدار الغدارة الختالة الخداعة التي قد تزينت بخدعها وفتنت بغرورها، وحلت بآمالها، وسوفت بخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قالية، فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بالأول مزدجر، والعارف بالله عز وجل حين أخبره عنها مدكر، فعاشقٌ لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسي المعاد، فشغل به لبه حتى زلت به قدمه، فعظمت ندامته، وكثرت حسرته، واجتمعت عليه سكرات الموت وتألمه، وحسرات الفوت بغصته، وراغبٌ فيها لم يدرك فيها ما طلب، ولم يروح نفسه من التعب، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد. فاحذرها يا أمير المؤمنين، وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن إلى سرورٍ أشخصته إلى مكروهٍ، السار فيها أهلها غار، والنافع فيها غدارٌ ضار، وقد وصل الرخاء فيها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، فسرورها مشوبٌ بالأحزان. لا يرجع منها ما ولى وأدبر، ولا يدرى ما هو آتٍ فينتظر، أمانيها كاذبةٌ، وآمالها باطلةٌ، وصفوها كدر، وعيشها نكد، وابن آدم فيها على خطر، ومن البلاء على الحذر. فلو كان الخالق لم يخبر عنها خبراً، ولم يضرب لها مثلاً، لكانت الدنيا أيقظت النائم ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله عز وجل عنها زاجرٌ وفيها واعظ! فما لها عند الله عز وجل ثناؤه قدر، وما نظر إليها منذ خلقها. ولقد عرضت على نبيك صلى الله عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك عند الله جناح بعوضةٍ فأبى أن يقبلها إذ كره أن يخالف على الله أمره، أو يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه. فزواها عن الصالحين اختباراً. وبسطها لأعدائه اغتراراً، فيظن المغرور المقتدر عليها أنه أكرم بها، ونسي ما صنع الله عز وجل بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم حين شد الحجر على بطنه. ولقد جاءت الرواية عنه عن ربه عز وجل أنه قال لموسى عليه السلام: \" إذا رأيت الغنى مقبلاً فقل: ذنبٌ عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقل: مرحباً بشعار الصالحين \" . فإن شئت اقتديت بصاحب الروح والكلمة عيسى بن مريم عليه السلام فإنه كان يقول: \" إدامى الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، وصلائي في الشتاء مشارق الشمس، وسراجي القمر، ودابتي رجلاي، وطعامي وفاكهتي ما تنبت الأرض، أبيت ليس لي شيءٌ وأصبح لي شيءٌ على الأرض أغنى مني.\rوقال بعضهم لبعض الملوك: إن أحق الناس بذم الدنيا وقلاها من بسط له فيها وأعطي حاجته منها، لأنه يتوقع آفةً تعدو على ماله فتجتاحه، أو على جمعه فتفرقه، أو تأتي سلطانه فتهدمه من القواعد، أو تدب إلى جسمه فتسقمه، أو تفجعه بشيءٍ هو ضنينٌ به من أحبابه. فالدنيا أحق بالذم، هي الآخذة لما تعطي، الراجعة فيما تهب. بينا هي تضحك صاحبها إذا أضحكت منه غيره، وبينا هي تبكي له إذا أبكت عليه، وبينا هي تبسط كفه بالإعطاء إذ بسطتها بالاسترداد. تعقد التاج على رأس صاحبها اليوم وتعفره في التراب غداً، سواءٌ عليها ذهاب ما ذهب وبقاء ما بقي، تجد في الباقي من الذاهب خلفاً، وترضي بكلٍ من كلٍ بدلاً.\rوعن وهب ابن منبه أنه قال:","part":2,"page":118},{"id":619,"text":"لما بعث الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون قال: لا يروعنكما لباسه الذي لبس من الدنيا، فإن ناصيته بيدي ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني، ولا يعجبنكما ما متع به منها فإنما هي زهرة الدنيا وزينة المترفين. فلو شئت أن أزينكما بزينةٍ من الدنيا يعرف فرعون حين يراها أن قدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت، ولكن أرغب بكما عن ذلك فأزوي ذلك عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، إن لأذودهم عن نعيمها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة، وما ذاك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالماً موفراً. إنما يتزين لي أوليائي بالذل والخضوع والخوف والتقوى تنبت في قلوبهم فتظهر على أجسادهم، فهي ثيابهم التي يلبسون، ودثارهم الذي يظهرون، وضميرهم الذي يستشعرون، ونجاتهم التي بها يفوزون، ورجاؤهم الذي إياه يأملون، ومجدهم الذي به يفخرون، وسيماهم التي بها يعرفون. فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك. واعلم أن من أخاف لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، ثم أنا الثائر له يوم القيامة.\rوخطب علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه يوماً خطبةً فقال فيها: اعلموا أنكم ميتون، ومبعوثون من بعد الموت وموقوفون على أعمالكم ومجزيون بها، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، فإنها بالبلاء محفوفة، وبالفناء معروفة، وبالغدر موصوفة، وكل ما فيها إلى زوال، وهي بين أهلها دولٌ وسجال، لا تدوم أحوالها، ولا يسلم من شر نزالها، بينا أهلها في رخاءٍ وسرور، إذا هم منها في بلاءٍ وغرور، أحوالٌ مختلفة، وتارات متصرفة، العيش فيها مذموم، والرخاء فيها لا يدوم. وإنما أهلها فيها أغراضٌ مستهدفةٌ ترميهم بسهامها، وتقصيهم بحمامها، وكلٌ حتفه فيها مقدور، وحظه فيها موفور. واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كانوا أطول منكم أعماراً، وأشد منكم بطشاً وأعمر دياراً، وأبعد آثاراً، فأصبحت أصواتهم هامدةً وخامدةً من بعد طول تقلبها، وأجسادهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية، استبدلوا بالقصور المشيدة، والسرر والنمارق الممهدة، الصخور والأحجار المسندة، في القبور اللاطئة الملحدة، فمحلها مقترب، وساكنها مغترب، بين أهل عمارةٍ موحشين، وأهل محلةٍ متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان، على ما بينهم من قرب المكان والجوار، ودنو الدار. وكيف يكون بينهم تواصلٌ وقد طحنهم بكلكله البلى، وأكلتهم الجنادل والثرى، وأصبحوا بعد الحياة أمواتاً، وبعد غضارة العيش رفاتاً، فجع بهم الأحباب، وسكنوا التراب، وظعنوا فليس لهم إياب. هيهات هيهات! كلا إنها كلمةٌ هو قائلها ومن ورائهم برزخٌ إلى يوم يبعثون، فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى والوحدة في دار المثوى، وارتهنتم في ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو قد عاينتم الأمور، وبعثرت القبور، وحصل ما في الصدور، ووقفتم للتحصيل، بين يدي الملك الجليل، فطارت القلوب، لإشفاقها من سالف الذنوب، وهتكت عنكم الحجب والأستار، وظهرت منكم العيوب والأسرار، هنالك تجزى كل نفسٍ ما كسبت. إن الله عز وجل يقول: \" ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين احسنوا بالحسنى \" ، وقال تعالى: \" ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما هذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً \" . جعلنا الله وإياكم عاملين بكتابه، متبعين لأوليائه، حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله، إنه حميد مجيد.\rملحق لهذا الفصل\rخطبة قطري بن الفجاءة وسترد في كلام البلغاء في باب الكتابة.","part":2,"page":119},{"id":620,"text":"وقال بعضهم: يا أيها الناس، اعملوا على مهل، وكونوا من الله على وجل، ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل، ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارةٌ خداعة، قد تزخرفت لكم بغرورها، وفتنتكم بأمانيها، وتزينت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة، العيون إليها ناظرة، والقلوب عليها عاكفة، والنفوس لها عاشقة. فكم من عاشقٍ لها قتلت، ومطمئنٍ إليها خذلت. فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنها دارٌ كثرت بوائقها، وذمها خالقها، جديدها يبلى، وملكها يفنى، وعزيزها يذل، وكثيرها يقل، وحيها يموت، وخيرها يفوت. فاستيقظوا من غفلتكم، وانتبهوا من رقدتكم قبل أن يقال: فلانٌ عليل، أو مدنفٌ ثقيل، فهل على الدواء من دليل، أو على الطبيب من سبيل، فيدعى لك الأطباء، ولا يرجى لك الشفاء، ثم يقال: فلانٌ أوصى، ولماله أحصى، ثم يقال: قد ثقل لسانه فما يكلم إخوانه، ولا يعرف جيرانه، وعرق عند ذلك جبينك، وتتابع أنينك، وثبت يقينك، وطمحت جفونك، وصدقت ظنونك، وتلجلج لسانك، وبكى إخوانك، وقيل لك: هذا ابنك فلان، وهذا أخوك فلان، ومنعت الكلام فلا تنطق، ثم حل بك القضاء، وانتزعت نفسك من الأعضاء، ثم عرج بها إلى السماء، فاجتمع عند ذلك إخوانك، وأحضرت أكفانك، فغسلوك وكفنوك، فانقطع عوادك، واستراح حسادك، وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهناً بأعمالك.\rوقال بعض الحكماء: الأيام سهام، والناس أغراض، والدهر يرميك كل يومٍ بسهامه، ويتخرمك بلياليه وأيامه، حتى يستغرق جميع أجزائك، فكم بقاء سلامتك مع وقوع الأيام بك، وسرعة الليالي في بدنك! لو كشفت لك عما أحدثت الأيام فيك من النقص لاستوحشت من كل يومٍ يأتي عليك، واستثقلت ممر الساعات بك، ولكن تدبير الله فوق تدبير الاعتبار، وبالسلو عن غوائل الدنيا وجد طعم لذاتها، وإنها لأمر من العلقم إذا عجمها الحكيم، وقد أعيت الواصف لعيوبها بظاهر أفعالها، وما تأتي به من العجائب أكثر مما يحيط به الواعظ. أللهم أرشدنا للصواب.\rوخطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقال: أيها الناس، إنكم خلقتم لأمرٍ إن كنتم تصدقون به فإنكم حمقى، وإن كنتم تكذبون به إنكم لهلكى، إنما خلقتم للأبد، ولكنكم من دارٍ إلى دارٍ تنقلون. عباد الله، إنكم في دارٍ لكم فيها من طعامكم غصص، ومن شرابكم شرق، لا تصفو نعمةٌ تسرون بها إلا بفراق أخرى تكرهون فراقها، فاعملوا لما أنتم صائرون إليه خالدون فيه. ثم غلبه البكاء ونزل.\rبيان الزهد وأقسامه وأحكامه فأما درجاته فقد قال الغزالي رحمه الله : إنها تتفاوت بحسب تفاوت قوته على ثلاث درجاتٍ: الأولى وهي السفلى منها: أن يزهد في الدنيا وهو لها مشتهٍ، وقلبه إليها مائل، ونفسه إليها ملتفتةٌ ولكنه يجاهدها ويكفها، وهذا يسمى التزهد، وهو مبدأ الزهد في حق من يصل إلى درجة الزهد بالكسب والاجتهاد. والمتزهد يذيب أولاً نفسه ثم كسبه، والزاهد يذيب أولاً كسبه ثم يذيب نفسه في الطاعة لا في الصبر على ما فارقه. والمتزهد على خطر، فإنه ربما تغلبه نفسه وتجذبه شهوته فيعود إلى الدنيا وإلى الاستراحة بها في قليلٍ أو كثير.\rالثانية: الذي يترك الدنيا طوعاً لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه كالذي يترك درهماً لأجل درهمين فإنه لا يشق عليه ذلك وإن كان يحتاج إلى انتظارٍ قليل. ولكن هذا الزاهد يرى لا محالة زهده ويلتفت إليه، كما يرى البائع المبيع ويلتفت إليه، فيكاد يكون معجباً بنفسه وزهده، ويظن بنفسه أنه ترك شيئاً له قدر لما هو أعظم قدراً منه، وهذا أيضاً نقصان.\rالثالثة وهي العليا: أن يزهد طوعاً ويزهد في زهده فلا يرى زهده، إذا لا يرى أنه ترك شيئاً إذ عرف أن الدنيا لاشيء، فيكون كمن ترك خزفةً وأخذ جوهرةً فلا يرى ذلك معاوضةً ولا يرى نفسه تاركاً شيئاً. والدنيا بالإضافة إلى الله ونعيم الآخرة أخس من خزفةٍ بالإضافة إلى جوهرة، فهذا هو الكمال في الزهد، وسهبه كمال المعرفة. وأما أقسامه فمنها ما هو مضافٌ إلى المرغوب فيه والمرغوب عنه، فأما المرغوب فيه فهو على ثلاث درجات:","part":2,"page":120},{"id":621,"text":"الأولى هي السفلى: أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار ومن سائر الآلام كعذاب القبر ومناقشة الحساب وخطر الصراط وسائر ما بين العبد من الأهوال كما وردت به الأخبار. وفي الخبر: \" إن الرجل ليوقف في الحساب حتى لو وردت مائة بعيرٍ عطاشاً على عرقه لصدرت رواءً \" ، فهذا زهد الخائفين وكأنهم رضوا بالعدم لو أعدموا فإن الخلاص من الألم يحصل بمجرد العدم.\rالدرجة الثانية: أن يزهد رغبةً في ثواب الله ونعمه واللذات الموعودة في جنته من الحور والقصور وغيره، وهذا زهد الراجين، فإن هؤلاء ما تركوا الدنيا قناعةً بالعدم والخلاص من الألم بل طمعوا في وجودٍ دائمٍ ونعيمٍ سرمدٍ لا آخر له.\rالدرجة الثالثة وهي العليا: ألا يكون له رغبةٌ إلا في الله وفي لقائه، فلا يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها، ولا إلى اللذات ليقصد نيلها والظفر بها، بل هو مستغرق الهم بالله تعالى، وهو الموحد الحقيقي الذي لا يطلب غير الله تعالى، لأن من طلب غير الله فقد عبده، وكل مطلوبٍ معبود، وكل طالبٍ عبد بالإضافة إلى مطلبه، وطلب غير الله فمن الشرك الخفي، وهذا زهد المحبين وهم العارفون، لأنه لا يحب الله تعالى خاصة إلا من عرفه، وكما أن من عرف الدينار والدرهم وعلم أنه لا يقدر على الجمع بينهما لم يحب إلا الدينار، فلذلك من عرف الله تعالى وعرف للذة النظر إلى وجهه الكريم، وعرف أن الجمع بين تلك اللذة وبين لذة التنعم بالحور العين والنظر إلى نقش القصور وخضرة الأشجار غير ممكن، فلا يحب إلا لذة النظر ولا يؤثر غيره. قال: ولا تظنن أن أهل الجنة عند النظر إلى وجه الله تعالى يبقى للذة الحور القصور متسعٌ في قلوبهم، بل تلك اللذة بالإضافة إلى لذة نعيم الجنة كلذة ملك الدنيا والاستيلاء على أطراف الأرض ورقاب الخلق بالإضافة إلى الاستيلاء على عصفورٍ واللعب به، والطالبون لنعيم الجنة عند أهل المعرفة وأرباب القلوب كالصبي الطالب للعب بالعصفور في نفسه أعلى وألذ من الاستيلاء بطريق الملك على كافة الخلق.\rوأما المرغوب عنه، فقد كثرت فيه الأقاويل.\rقال الغزالي رحمه الله: لعلها تزيد على مائة قولٍ، وأشار إلى كلام محيط بالتفاصيل فقال: المرغوب عنه بالزهد له إجمالٌ وتفصيل، ولتفصيله مراتب بعضها أشرح لآحاد الأقسام وبعضها أجمع للجمل.\rأما الإجمال في الدرجة الأولى: فهو كل ما سوى الله ينبغي أن يزهد فيه حتى يزهد في نفسه أيضاً.\rوالإجمال في الدرجة الثانية: أن يزهد في كل صفةٍ للنفس فيها متعة، وهذا يتناول جميع مقتضيات الطبع من الشهوة والغضب والكبر والرياسة والمال والجاه وغير ذلك.\rفي الدرجة الثالثة: أن يزهد في المال والجاه وأسبابهما، إذ إليهما ترجع جميع حظوظ النفس.\rوفي الدرجة الرابعة: أن يزهد في العلم والقدرة والدينار والدرهم والجاه، إذا الأموال وإن كثرت أصنافها فيجمعها الدينار والدرهم، والجاه وإن كثرت أسبابه فيرجع إلى العلم والقدرة. قال: وأعني به كل علمٍ وقدرة مقصودهما ملك القلوب، إذ معنى الجاه هو ملك القلوب والقدرة عليها، كما أن معنى المال ملك الأعيان والقدرة عليها. قال: فإن جاوزت هذا التفصيل إلى شرحٍ وتفصيلٍ أبلغ من هذا فتكاد تخرج ما فيه الزهد عن الحصر. وقد ذكر الله تعالى في آيةٍ واحدةٍ سبعةً منها فقال: \" زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا \" . ثم رده في آيةٍ أخرى إلى خمسةٍ فقال: \" اعلموا أنما الحياة الدنيا لعبٌ ولهوٌ وزينةٌ وتفاخرٌ بينكم وتكاثرٌ في الأموال والأولاد \" . ثم رده في موضعٍ آخر إلى اثنين فقال: \" وما الحياة الدنيا إلا لهوٌ ولعبٌ \" . ثم رد الكل في موضعٍ آخر إلى واحدٍ فقال: \" ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى \" ، فالهوى لفظٌ يجمع جميع حظوظ النفس في الدنيا، فينبغي أن يكون الزهد فيه.\rقال: فالحاصل أن الزهد عبارةٌ عن الرغبة عن حظوظ النفس كلها.\rوقال أبو سليمان الداراني: سمعنا في الزهد كلاماً كثيراً، والزهد عندنا ترك كل شيءٍ يشغلك عن الله عز وجل، وقرأ قوله تعالى: \" إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ \" ، قال: هو القلب الذي ليس فيه غير الله. فهذا بيان أقسامه بالإضافة إلى المرغوب فيه وعنه.","part":2,"page":121},{"id":622,"text":"وأما أحكامه فتنقسم إلى فرضٍ ونفلٍ وسلامة. فالفرض هو الزهد في الحرام، والنفل هو الزهد في الحلال، والسلامة هو الزهد في الشبهات. فهذه درجاته وأقسامه وأحكامه على سبيل الاختصار.\rبيان تفصيل الزهد فيما هو من ضروريات الحياة قال الغزالي رحمه الله: اعلم أن ما الناس منهمكون فيه ينقسم إلى فضولٍ وإلى مهم، فالفضول كالخيل المسومة - إذ غالب الناس إنما يقتنيها للترفه بركوبها وهو قادرٌ على المشي - وغير ذلك مما لا ينحصر. ثم حصر المهم الضروي فتميز ما عداه انه فضولٌ. قال: والمهم أيضاً يتطرق إليه فضولٌ في مقداره وجنسه وأوقاته على ما يشرحه من قوله. قال: والمهمات ستة أمورٍ، وهي: المطعم، والملبس، والمسكن، وأثاثه، والمنكح، والمال، والجاه يطلب لأغراض.\rفالمهم الأول المطعم. ولا بد للإنسان من قوتٍ حلالٍ يقيم صلبه، ولكن له طولٌ وعرضٌ ووقت. فأما طوله فبالإضافة إلى جملة العمر فإن من يملك طعام يومه قد لا يقنع به، وهو لا يقصر إلا بقصر الأمل، وأقل درجات الزهد فيه الاقتصار على قدر دفع الجوع عند شدته وخوف المرض. ومن هذا حاله فإذا استقل بما تناوله لم يدخر من غدائه لعشائه، وهذه الدرجة العليا.\rوالثانية: أن يدخر لشهرٍ أو أربعين يوماً.\rوالثالثة: أن يدخر لسنةٍ فقط، وهذه رتبة ضعفاء الزهاد. ومن ادخر لكثر من ذلك فتسميته زاهداً محال، لأن من أمل بقاءً أكثر من سنةٍ فهو طويل الأمل جداً فلا يتم منه الزهد إلا إذا لم يكن له كسبٌ ولم يرض لنفسه الأخذ من أيدي الناس، كداود الطائي فإنه ورث عشرين ديناراً فأمسكها وأنفقها عشرين سنةً، فهذا لا يضاد الزهد إلا عند من جعل التوكل شرط الزهد.\rوأما عرضه فبالإضافة إلى المقدار، وأقل درجاته في اليوم والليلة نصف رطلٍ، وأوسطه رطل، وأعلاه مد - وهو ما قدره الله تعالى في إطعام المساكين في الكفارة - وما وراء ذلك فهو اتساعٌ واشتغالٌ بالبطن. وممن لم يقدر على الاقتصار على مدٍ لم يكن له من الزهد في البطن نصيب.\rوأما بالإضافة إلى الجنس فأقله ما يقوت وهو الخبز من النخالة، وأوسطه خبز الشعير والذرة، وأعلاه خبز البر غير منخول، فإذا ميزت النخالة منه وصار حوارى فقد دخل في التنعم وخرج عن آخر أبواب الزهد فضلاً عن أوائله.\rوأما الأدم، فأقله الملح أو البقل والخل، وأوسطه الزيت أو يسيرٌ من الأدهان، وأعلاه اللحم وذلك في الأسبوع مرةً أو مرتين، فإن صار دائماً أو أكثر من مرتين في الأسبوع خرج من آخر أبواب الزهد فلم يكن صاحبه زاهداً في البطن أصلاً.\rوأما بالإضافة إلى الوقت فأقله في اليوم والليلة مرةً وهو أن يكون صائماً ثم يفطر في وقت الإفطار، وأوسطه أن يصوم ويشرب ليلةً ولا يأكل، ويأكل ليلةً ولا يشرب، وأعلاه أن ينتهي إلى أن يطوي ثلاثة أيامٍ وأسبوعاً وما زاد عليه. وانظر إلى أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في كيفية زهدهم في المطاعم وتركهم الأدم واقتصارهم على ما يمسك الرمق. قال عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: كانت تأتي علينا أربعون ليلةً وما يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مصباحٌ ولا نار. قيل لها: فبم كنتم تعيشون؟ قالت: بالأسودين التمر والماء. وجاء أهل قباء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشربةٍ من لبنٍ مشوبةٍ بعسل، فوضع القدح من يده وقال: \" أما إني لست أحرمه ولكني أتركه تواضعاً لله تعالى \" . وأتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشربةٍ من ماءٍ باردٍ وعسلٍ في يومٍ صائفٍ فقال: اعزلوا عني حسابها. وقال يحيى بن معاذ الرازي. الزاهد الصادق قوته ما وجد، ولباسه ما ستر، ومسكنه حيث أدرك، الدنيا سجنه، والقبر مضجعه، والخلوة مجلسه، والاعتبار فكرته، والقرآن حديثه، والرب أنيسه، والذكر رفيقه، والزهد قرينه، والحزن شأنه، والحياء شعاره، والجوع إدامه، والحكمة كلامه، والتراب فراشه، والتقوى زاده، والصمت غنيمته، الصبر معتمده، والتوكل حسبه، والعقل دليله، والعبادة حرفته، والجنة مبلغه إن شاء الله تعالى.","part":2,"page":122},{"id":623,"text":"المهم الثاني الملبس. وأقل درجاته ما يدفع الحر والبرد ويستر العورة، وهو كساءٌ يتغطى به، وأوسطه قميصٌ وقلنسوة ونعلان، وأعلاه أن يكون معه منديلٌ وسراويل. وما جاوز هذا من حيث المقدار فهو مجاوزٌ حد الزهد. وشرط الزهد ألا يكون له ثوبٌ يلبسه إذا غسل بل يلزمه القعود في البيت، فإذا صار صاحب قميصين وسراويلين ومنديلين فقد خرج من جميع أبواب الزهد. هذا من حيث المقدار. وأما الجنس، فأقله المسموح الخشنة، وأوسطه الصوف الخشن، وأعلاه القطن الغليظ.\rوأما من حيث الوقت، فأقصاه ما يستر سنةً، وأقله ما يبقى يوماً، وقد رقع بعضهم ثوبه بورق الشجر وإن كان يتسارع الجفاف إليه، وأوسطه ما يتماسك عليه شهراً وما يقاربه. فطلب ما يبقى أكثر من سنةٍ خروجٌ إلى طول الأمل، وهو مضادٌ للزهد إلا إذا كان المطلوب خشونته وقد يتبع ذلك قوته ودوامه. فمن وجد زيادةً من ذلك فينبغي أن يتصدق به، فإن أمسكه لم يكن زاهداً بل كان محباً للدنيا. ولينظر إلى أحوال الأنبياء صلى الله عليهم والصحابة رضي الله عنهم كيف تركوا الملابس.قال أبو بردة: أخرجت لنا عائشةٌ رضي الله عنها كساءً ملبداً وإزاراً غليظاً فقالت: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين. وقال صلى الله عليه وسلم: \" إن الله تعالى يحب المتبذل الذي لا يبالي ما لبس \" . وفي الخبر: \" ما من عبدٍ لبس ثوب شهرةٍ إلا أعرض الله عنه حتى ينزعه وإن كان عنده حبيباً \" . واشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوباً بأربعة دراهم وكان إزاره أربعة أذرعٍ ونصفاً، واشترى سراويل بثلاثة دراهم، وكان يلبس شملتين بيضاوين من صوفٍ وكانت تسمى حلةً لأنهما ثوبان من جنسٍ واحد. وربما كان يلبس بردين يمانيين أو سحوليين. ولبس صلى الله عليه وسلم يوماً واحداً ثوباً سيراء من سندسٍ قيمته مائتا درهم، فكان أصحابه يلمسونه ويقولون: يا رسول الله، أنزل هذا عليك من الجنة! تعجباً، وكان قد أهداه إليه المقوقس ملك الإسكندرية، فأراد أن يكرمه بلبسه ثم نزعه وأرسل به إلى رجلٍ من المشركين وصله به، ثم حرم لبس الحرير والديباج. وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خميصةٍ لها علمٌ فلما سلم قال: \" شغلني النظر إلى هذه اذهبوا بها إلى أبي جهمٍ وأتوني بأنبجاتيته \" يعني كساءه فاختار لبس الكساء على الثوب الناعم. وكان شراك نعله قد أخلق فأبدل بسيرٍ جديدٍ فصلى فيه، فلما سلم قال: \" أعيدوا الشراك الخلق وانزعوا هذا الجديد فإني نظرت إليه في الصلاة \" . وعن جابرٍ رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة رضي الله عنها وهي تطحن بالرحا وعليها كساءٌ من وبر الإبل، فلما نظر إليها بكى وقال: \" يا فاطمة تجرعي مرارة الدنيا لنعيم الأبد \" . فأنزل الله عليه \" ولسوف يعطيك ربك فترضى \" . وقد أوصى أمته عامةً باتباعه إذ قال: \" من أحبني فليستن بسنتي \" . وقال: \" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ \" . وقال الله تعالى: \" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله \" . وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها خاصةً وقال: \" إن أردت اللحوق بي فإياك ومجالسة الأغنياء ولا تنزعي ثوباً حتى ترقعيه \" . وعد على قميص عمر رضي الله عنه اثنتان وعشرون رقعةٍ بعضها من أدم. وفي الخبر: \" من ترك ثوب جمالٍ وهو يقدر عليه تواضعاً لله تعالى وابتغاءً لوجهه كان حقاً على الله أن يدخر له من عبقري الجنة في أتخات الياقوت \" . وقال عمر رضي الله عنه: اخلولقوا واخشوشنوا، وإياكم وزي العجم كسرى وقيصر. وقال الثوري وغيره: البس من الثياب مالا يشهرك عند العلماء ولا يحقرك عند الجهال. وقال بعضهم: قومت ثوبي سفيان ونعليه بدرهمٍ وأربعة دوانيق. والأخبار في التقلل من اللباس كثيرةٌ فلا نطول بسردها.","part":2,"page":123},{"id":624,"text":"المهم الثالث المسكن. وللزهد فيه أيضاً ثلاث درجاتٍ، أعلاها ألا يطلب موضعاً خاصاً لنفسه فيقنع بزوايا المساجد كأصحاب الصفة، وأوسطها أن يطلب موضعاً خاصاً لنفسه مثل كوخٍ مبنيٍ من سعفٍ أو خصٍ أو ما يشبهه، وأدناها أن يطلب حجرةً مبنيةً إما بشراءٍ أو إجارة. فإن كان قدر سعة المسكن على قدر حاجته من غير زيادةٍ ولم تكن فيه زينةٌ لم يخرجه هذا القدر عن آخر درجات الزهد. فإن طلب التشييد و التجصيص والسعة وارتفاع السقف أكثر من ستة أذرعٍ فقد جاوز بالكلية حد الزهد في المسكن. قال: والغرض من المسكن دفع المطر والبرد ودفع الأعين والأذى. وأقل الدرجات فيه معلوم، وما زاد عليه فهو من الفضول، والفضول كله من الدنيا، وطالب الفضول الساعي له بعيدٌ من الزهد. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إذا أراد الله بعبدٍ شراً أهلك ماله في الماء والطين \" . وقال الحسن: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يضع لبنةً على لبنة ولا قصبةً على قصبة. وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خصاً فقال: \" ما هذا \" قلنا: خصٌ لنا قد وهى، قال: \" أرى الأمر أعجل من ذلك \" . واتخذ نوحٌ عليه السلام بيتاً من قصب، فقيل له: لو بنيت! فقال: هذا كثيرٌ لمن يموت. وقال الحسن: دخلنا على صفوان بن محرز وهو في بيتٍ من قصبٍ قد مال عليه، فقيل له: لو أصلحته! فقال: كم من رجلٍ قد مات وهذا قائمٌ على حاله. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من بنى ما يكفيه كلف أن يحمله يوم القيامة \" . وفي الخبر: \" كل نفقةٍ للعبد يؤجر عليها إلا ما أنفقه في الماء والطين \" . وجاء في تفسير قوله تعالى: \" تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً \" أنه الرياسة والتطاول في البنيان. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كل بناءٍ وبالٌ على صاحبه يوم القيامة إلا ما أكن من حرٍ وبرد \" . ونظر عمر رضي الله عنه في طريق الشام إلى صرحٍ قد بني بجصٍ وآجرٍ، فكبر وقال: ما كنت أظن أن يكون في أمتي من يبني بنيان هامان لفرعون. وكان ارتفاع بناء السلف قامةً وبسطة. قال الحسن: كنت إذا دخلت بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربت يدي إلى السقف. وقال عمرو بن دينار: إذا على العبد البناء فوق ستة أذرعٍ ناداه ملك: إلى أين يا أفسق الفاسقين. وقال الفضيلي: إني لا أعجب ممن بنى وترك ولكني أعجب ممن نظر إليه ولم يعتبر. وقال ابن مسعود: يأتي قومٌ يرفعون الطين، ويضعون الدين، ويستعملون البراذين، يصلون إلى قبلتكم، ويموتون على غير دينكم.","part":2,"page":124},{"id":625,"text":"المهم الرابع أثاث البيت. وللزهد فيه أيضاً درجات، أعلاها حال عيسى عليه السلام إذا كان لا يصحبه إلا مشطٌ وكوز، فرأى إنساناً يمشط لحيته بأصابعه، فرمى بالمشط. ورأى آخر يشرب من النهر بكفيه فرمى بالكوز. وهذا حكم كل أثاثٍ فإنه إنما يراد لمقصودٍ فإذا استغني عنه فهو وبالٌ في الدنيا والآخرة. وما لا يستغنى عنه فيقتصر فيه على أقل الدرجات وهو الخزف في كل ما يكفي فيه الخزف، ولا يبالي أن يكون مكسور الطرف إذا كان المقصود يحصل به. وأوسطها أن يكون له أثاثٌ بقدر الحاجة صحيحٌ في نفسه، ولكن يستعمل الآلة الواحدة في مقاصدٍ كالذي معه قصعةٌ يأكل فيها ويشرب فيها ويحفظ المتاع فيها. وكان السلف يستحبون استعمال آلةٍ واحدةٍ في أشياء للتخفيف. وأعلاها أن يكون له بعدد كل حاجةٍ آلةٌ من الجنس النازل الخسيس، فإن زاد في العدد أو في نفاسة الجنس خرج من جميع أبواب الزهد وركن إلى طلب الفضول. ولينظر إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه رضي الله عنهم. قالت عائشة رضي الله عنها: كان ضجاع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ينام عليه وسادةً من أدم حشوها ليف. وقال الفضيل: ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عباءةً مثنيةً ووسادةً حشوها ليف. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائمٌ على سريرٍ مرمولٍ بشريط، فجلس فرأى أثر السرير في جنبه عليه السلام فدمعت عينا عمر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" ما الذي أبكاك يا بن الخطاب \" ؟ قال: ذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه من الملك وذكرتك وأنت حبيب الله وصفيه ورسوله نائمٌ على سريرٍ مرمولٍ بالشريط! فقال صلى الله عليه وسلم: \" أما ترضى يا عمر أن تكون لهما الدنيا ولنا الآخرة \" ! قال: بلى يا رسول الله. قال: \" فذلك كذلك \" . ودخل رجلٌ على أبي ذرٍ فجعل يقلب بصره في بيته فقال: يا أبا ذر، ما أرى في بيتك متاعاً ولا غير ذلك من الأثاث! فقال: إن لنا بيتاً نوجه إليه صالح متاعنا. فقال: إنه لا بد لك من متاعٍ ما دمت هاهنا. فقال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه. ولما قدم عمير بن سعدٍ أمير حمص على عمرٍ قال له: ما معك من الدنيا؟ فقال: معي عصاي أتوكأ عليها وأقتل بها حيةً إن لقيتها، ومعي جرابي أحمل فيه طعامي، ومعي قصعتي آكل فيها وأغسل فيها رأسي وثوبي، ومعي مطهرتي أحمل فيها شرابي ووضوئي للصلاة، فما كان بعد هذا من الدنيا فهو تبعٌ لما معي. فقال عمر: صدقت، رحمك الله. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر، فدخل على فاطمة رضي الله عنها فرأى على باب منزلها ستراً وفي يدها قلبين من فضةٍ فرجع. فدخل عليها أبو رافعٍ وهي تبكي، فأخبرته برجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسأله أبو رافعٍ فقال: \" من أجل الستر والسوارين \" : فأرسلت بهما بلالاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: قد تصدقت بهما فضعهما حيث ترى.فقال: \" اذهب فبعه وادفعه إلى أهل الصفة \" . فباع القلبين بدرهمين ونصفٍ وتصدق بهما عليهم. فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" بأبي أنت قد أحسنت \" . وقال الحسن: أدركت سبعين من الأخيار ما لأحدهم إلا ثوبه، وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوباً قط، كان إذا أراد النوم باشر الأرض بجسمه وجعل ثوبه فوقه.","part":2,"page":125},{"id":626,"text":"المهم الخامس المنكح. قال الغزالي: وقد قال قائلون: لا معنى للزهد في أصل النكاح ولا في كثرته، وإليه ذهب سهل بن عبد الله وقال: قد حبب إلى سيد الزاهدين النساء فكيف نزهد فيهن! ووافقه ابن عينية، وقال: كان أزهد الصحابة علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه وكان له أربع نسوةٍ وبضع عشرة سرية. قال الغزالي: والصحيح ما قاله أبو سليمان الداراني إذ قال: كل ما شغلك عن الله من أهلٍ ومالٍ وولدٍ فهو عليك مشئوم. والمرأة قد تكون شاغلاً عن الله. قال: وكشف الحق فيه أن قد تكون العزوبة أفضل في بعض الأحوال فيكون ترك النكاح من الزهد. وحيث يكون النكاح أفضل لدفع الشهوة الغالبة فهو واجبٌ فكيف يكون تركه من الزهد! وإن لم يكن عليه آفةٌ في تركه ولا فعله ولكن ترك النكاح احترازاً عن ميل القلب إليهن والأنس بهن بحيث يشتغل عن ذكر الله فترك ذلك من الزهد. وإن علم أن المرأة لا تشغله عن ذكر الله ولكن ترك ذلك احترازاً من لذة النظر والمضاجعة والمواقعة فليس هذا من الزهد أصلاً، فإن الولد مقصودٌ لبقاء نسله، وتكثير أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم من القربات. واللذة التي تلحق الإنسان فيما هو من ضرورة الوجود لا تضره إذا لم تكن هي المقصد والمطلب، وهكذا كمن ترك أكل الخبز وشرب الماء احترازاً من لذة الأكل والشرب، وليس ذلك من الزهد في شيء، لأن من ترك ذلك فوات بدنه، فكذلك في ترك النكاح انقطاع نسله، فلا يجوز أن يترك النكاح زهداً في لذته من غير آفةٍ أخرى. قال: وأكثر الناس تشغلهم كثرة النسوان، فينبغي أن يترك الأصل إن كان يشغله، وإن لم يشغله وكان يخاف من أن تشغله الكثرة منهن أو جمال المرأة فلينكح واحدةً غير جميلةٍ وليراع قلبه في ذلك. قال أبو سليمان: الزهد في النساء أن تختار المرأة الدون أو اليتيمة على المرأة الجميلة والشريفة. وقال الجنيد: أحب للمريد المبتدي ألا يشغل قلبه بثلاثٍ وإلا تغير حاله: التكسب، وطلب الحديث، والتزوج. فقد ظهر أن لذة النكاح كلذة الأكل والشرب، فما شغل عن الله تعالى فهو محذورٌ فيهما جميعاً.\rالمهم السادس: ما يكون وسيلةً إلى هذه الخمسة وهو المال والجاه. أما الجاه فمعناه ملك القلوب بطلب محلٍ فيها ليتوصل به إلى الاستعانة في الأغراض والأعمال. وكل من لا يقدر على القيام بنفسه في جميع حاجاته وافتقر إلى من يخدمه افتقر إلى جاهٍ لا محالة في قلب خادمه، لأنه لم يكن عنده محلٌ وقدر لم يقم بخدمته. وقيام القدر والمحل في القلوب هو الجاه. قال: وإنما يحتاج إلى المحل في القلوب إما لجلب نفعٍ أو لدفع ضررٍ أو لخلاصٍ من ظلم. فأما النفع فيغني عنه المال، فإن من يخدم بأجرة خدمٍ وإن لم يكن عنده للمستأجر قدر، وإنما يحتاج إلى الجاه في قلب من يخدم بغير أجرة. وأما دفع الضرر فيحتاج لأجله إلى الجاه في بلدٍ لا يكمل فيه العدل أو يكون بين جيرانٍ يظلمونه فلا يقدر على دفع شرهم إلا بمحلٍ له في قلوبهم أو محلٍ له عند السلطان. وقدر الجاه فيه لا ينضبط. والخائض في طلب الجاه سالكٌ طريق الهلاك. بل حق الزاهد ألا يسعى لطلب المحل في القلوب أصلاً، فإن اشتغاله بالدين والعبادة يمهد له من المحل في القلوب ما يدفع عنه الأذى ولو كان بين الكفار فكيف بين المسلمين.\rوأما التوهمات والتقديرات التي تحوج إلى زيادةٍ في الجاه على الحاصل بغير كسبٍ فهي أوهامٌ كاذبة، إذ من طلب الجاه لم يخل عن أذى في بعض الأحوال، فعلاج ذلك بالاحتمال والصبر أولى من علاجه بطلب الجاه. فإذا طلب المحل في القلوب لا رخصة فيه أصلاً، واليسير منه داعٍ إلى الكثير، وضراوته أشد من ضراوة الخمر، فليحترز من قليله وكثيره.\rوأما المال، فهو ضروريٌ في المعيشة أعني القليل منه. فإن كان كسوباً، فإذا اكتسب حاجة يومه فينبغي أن يترك الكسب، هذا شرط الزهد، فإن جاوز ذلك إلى ما يكفيه أكثر من سنةٍ فقد خرج عن حد ضعفاء الزهاد وأقويائهم جميعاً. وإن كانت له ضيعةٌ ولم تكن له قوة يقينٍ في التوكل فأمسك منها مقدار ما يكفي ريعه لسنةٍ واحدةٍ فلا يخرج بهذا القدر عن الزهد بشرط أن يتصدق بكل ما يفضل عن كفاية سنة، ولكن يكون من ضعفاء الزهاد.","part":2,"page":126},{"id":627,"text":"قال: وأمر المنفرد في جميع ذلك أخف من أمر المعيل. وقد قال أبو سليمان: لا ينبغي أن يرهق الرجل أهله إلى الزهد بل يدعوهم إليه، فإن أجابوا وإلا تركهم وفعل بنفسه ما شاء. قال: والذي يضطر إليه الإنسان من الجاه والمال ليس بمحدود، فالزائد منه على الحاجة سمٌ قاتل، والاقتصار على قدر الضرورة دواءٌ نافع، وما بينهما درجاتٌ متشابه، فما يقرب من الزيادة وإن لم يكن سماً قاتلاً فهو مضرٌ، وما يقرب من الضرورة فهو وإن لم يكن دواءً نافعاً لكنه قليل الضرر. والسم محظورٌ شربه، والدواء فرضٌ تناوله، وما بينهما مشتبهٌ أمره. فمن احتاط فإنما يحتاط لنفسه، ومن تساهل فإنما يتساهل على نفسه، ومن استبرأ لدينه وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ورد نفسه إلى مضيق الضرورة فهو الآخذ بالحزم وهو من الفرقة الناجية لا محالة. والمقتصر على قدر الضرورة والمهم لا يجوز أن ينسب إلى الدنيا، بل ذلك القدر من الدنيا هو عين الدين لأنه شرط الدين، والشرط من جملة المشروط.\rوقد روي أن إبراهيم الخليل عليه السلام أصابته حاجةٌ فذهب إلى صديقٍ له يستقرضه شيئاً فلم يقرضه فرجع مهموماً، فأوحى الله تعالى إليه: لو سألت خليلك لأعطاك. فقال: يا رب، عرفت مقتك للدنيا فخفت أن أسألك منها شيئاً. فأوحي الله إليه: ليس الحاجة من الدنيا. فعلى هذا يكون قدر الحاجة من الدين وما وراء ذلك وبالٌ في الآخرة، وهو أيضاً في الدنيا كذلك، يعرفه من يخبر أحوال الأغنياء وما عليهم من المحنة في كسب المال وجمعه وحفظه واحتمال الذل فيه، وغاية سعادته به أن يسلم لورثته فيأكلوه، وربما يكونون أعداءً له، وقد يستعينون به على المعاصي فيكون هو معيناً لهم عليها. ولذلك شبه جامع الدنيا ومتبع الشهوات بدود القز إذا لا يزال ينسج على نفسه حياً ثم يروم الخروج فلا يجد مخلصاً فيموت ويهلك بسبب عمله الذي عمله بنفسه، فكذلك كل من اتبع شهوات الدنيا. قال الشاعر:\rكدودٌ كدود القز ينسج دائماً ... ويهلك غماً وسط ما هو ناسجه\rقال: ولما انكشف لأولياء الله تعالى أن العبد مهلكٌ نفسه بأعماله واتباعه هوى نفسه إهلاك دود القز نفسه رفضوا الدنيا بالكلية، حتى قال الحسن: رأيت سبعين بدرياً كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم الله عليكم. وفي لفظٍ آخر: كانوا بالبلاء أشد فرحاً منكم بالخصب والرخاء، لو رأيتموهم قلتم: مجانين ولو رأوا خياركم قالوا: ما لهؤلاء من خلاق، ولو رأوا شراركم قالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب. وكان أحدهم يعرض له المال الحلال فلا يأخذه ويقول: أخاف أن يفسد علي قلبي. فمن كان له قلبٌ فهو لا محالة يخاف من فساده، والذين أمات حب الدنيا قلوبهم فقد أخبره الله عنهم فقال: \" ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون \" ، وقال تعالى: \" ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً \" ، وقال تعالى: \" فاعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم \" ، فأحال ذلك كله على الغفلة وعدم الفكر. وقال بعضهم: ما من يوم ذر شارقه إلا وأربعة أملاكٍ ينادون في الآفاق بأربعة أصواتٍ: ملكان بالمشرق وملكان بالغرب يقول أحدهم بالمشرق: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر. ويقول الآخر: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً. ويقول اللذان بالمغرب أحدهما: لدوا للموت وابنوا للخراب، ويقول الآخر: كلوا وتمتعوا لطول الحساب.\rعلامات الزهد","part":2,"page":127},{"id":628,"text":"قال الغزالي رحمه الله تعالى: اعلم أنه قد يظن أن تارك المال زاهدٌ، وليس كذلك، فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهلٌ على من أحب المدح بالزهد. فكم من الرهابين من ردوا أنفسهم كل يومٍ إلى نزرٍ يسيرٍ من الطعام ولازموا ديراً لا باب له، وإنما مسرة أحدهم معرفة الناس حاله ونظرهم إليه ومدحهم له، فلذلك لا يدل على الزهد دلالةً قاطعةً، بل لابد من الزهد في المال والجاه جميعاً حتى يكمل الزهد في جميع حظوظ النفس من الدنيا، بل قد يدعي جماعةٌ الزهد مع لبس الأصواف الفاخرة والثياب الرفيعة كما قال الخواص في وصف المدعين إذ قال: وقومٌ ادعوا الزهد ولبسوا الفاخر من الثياب يموهون بذلك على الناس ليهدى إليهم مثل لباسهم لئلا ينظر إليهم بالعين التي ينظر بها إلى الفقراء فيحقروا فيعطوا كما يعطى المساكين ويحتجون لأنفسهم باتباع العلم وأنهم على السنة وأن الأشياء داخلةٌ إليهم وهم خارجون منها، وإنما يأخذون ما يأخذون بعلة غيرهم، هذا إذا طولبوا بالحقائق وألجئوا إلى المضايق. وكل هؤلاء أكلة الدنيا بالدين لم يعنوا بتصفية أسرارهم ولا بتهذيب أخلاق نفوسهم، فظهرت عليهم صفاتهم فغلبتهم فادعوها حالاً لهم، فهم مائلون إلى الدنيا متبعون للهوى. هذا كلام الخواص.\rقال الغزالي رحمه الله: فإذاً معرفة الزهد أمرٌ مشكل، بل حال الزهد على الزاهد مشكل، فينبغي أن يعول في باطنه على ثلاث علاماتٍ: العلامة الأولى: ألا يفرح بموجود، ولا يحزن على مفقود، كما قال الله تعالى: \" لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم \" ، بل ينبغي أن يكون بالضد من ذلك وهو أن يحزن لوجود المال ويفرح لفقده.\rالعلامة الثانية: أن يستوي عنده ذامه ومادحه، فالأولى علامة الزهد في المال، والثانية علامة الزهد في الجاه.\rالعلامة الثالثة: أن يكون أنسه بالله عز وجل، والغالب على قلبه حلاوة الطاعة، إذ لا يخلو القلب من حلاوة المحبة، إما محبة الدنيا وإما محبة الله، وهما في القلب كالماء والهواء في القدح، فالماء إذا دخل خرج الهواء ولا يجتمعان، وكل من أنس بالله اشتغل به ولم يشتغل بغيره. وقد قال أهل المعرفة: إذا تعلق الإيمان بظاهر القلب أحب الدنيا والآخرة جميعاً وعمل لهما، وإذا بطن الإيمان في سويداء القلب وباشره أبغض الدنيا ولم ينظر إليها ولم يعمل لها. وقد ورد في دعاء آدم عليه السلام: اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي. وقال أبو سليمان: من شغل بنفسه شغل عن الناس، وهذا مقام العاملين. ومن شغل بربه شغل عن نفسه، وهذا مقام العارفين. والزاهد لا بد أن يكون في أحد هذين المقامين.\rوبالجملة فعلامة الزهد استواء الفقر والغنى والعز والذل والمدح والذم، وذلك لغلبة الأنس بالله. ويتفرع عن هذه العلامات علاماتٌ أخر مثل أن يترك الدنيا ولا يبالي من أخذها. وقيل: علامته أن يترك الدنيا كما هي فلا يقول: أبني رباطاً أو أعمر مسجداً، وهذا من كلام الأستاذ أبي عليٍ الدقاق. وقال ابن خفيف: علامته وجود الراحة في الخروج من الملك. وقال الجنيد: علامته خلو القلب عما خلت منه اليد. وقال أحمد بن حنبل وسفيان: علامة الزهد قصر الأمل. وقال رجلٌ ليحيى بن معاذ: متى أدخل حانوت التوكل وألبس برد الزهد وأقعد مع الزاهدين؟ فقال: إذا صرت من رياضتك لنفسك في السر إلى حدٍ لو قطع الله عنك الرزق ثلاثة أيامٍ لم تضعف في نفسك، فأما ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهلٌ ثم لا آمن عليك أن تفتضح. قالوا: ولا يتم الزهد إلا بالتوكل، فلنذكر التوكل.\rالتوكل فضيلته وحقيقته أما فضيلته فقد قال تعالى: \" وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين \" ، وقال الله تعالى: \" وعلى الله فليتوكل المتوكلون \" . وقال تعالى: \" ومن يتوكل على الله فهو حسبه \" . وقال تعالى: \" إن الله يحب المتوكلين \" ، وناهيك بذلك مقاماً. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أريت الأمم في الموسم فرأيت أمتي قد ملئوا السهل والجبل فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم فقيل لي أرضيت قلت نعم قال ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حسابٍ قيل من هم يا رسول الله قال هم الذين لا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" من انقطع إلى الله عز وجل كفاه الله تعالى مئونة رزقه من حيث لا يحتسب ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها \" .","part":2,"page":128},{"id":629,"text":"وأما حقيقة التوكل فقد قال الغزالي رحمه الله: التوكل مشتقٌ من الوكالة يقال: وكل أمره إلى فلانٍ أي فوضه إليه واعتمد عليه فيه. ويسمى الموكول إليه وكيلاً، ويسمى المفوض إليه متكلاً عليه ومتوكلاً عليه مهما اطمأنت إليه نفسه ووثق به ولم يتهمه فيه بتقصيره ولم يعتقد فيه عجزاً ولا قصوراً. ثم قال بعد أن ضرب لذلك أمثلةً يطول شرحها: واعلم أن حالة التوكل في القوة والضعف ثلاث درجاتٍ: الأولى: أن يكون حاله في حق الله تعالى والثقة بكفالته وعنايته كحاله في الثقة بالوكيل.\rالثانية وهي أقوى: أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل في حق أمه فإنه لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى سواها ولا يعتمد إلا إياها، فإن رآها تعلق في كل حالٍ بها، وإن نابه أمرٌ في غيبتها كان أول سابقٍ إلى لسانه: يا أماه، وأول خاطرٍ يخطر على قلبه أمه لوثوقه بكفالتها وكفايتها وشفقتها.\rالثالثة وهي أعلاها: أن يكون بين يدي الله تعالى في حركاته وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد لا يكون له حركةٌ ولا تدبير. قال: وهذا المقام في التوكل يثمر ترك الدعاء والسؤال منه ثقةً بكرمه وعنايته، وأنه يعطي ابتداء أفضل مما يسأل. وقد تكلم المشايخ في التوكل وبيان حده واختلفت عباراتهم وتكلم كل واحدٍ عن مقام نفسه وأخبر عن حده.\rقال أبو موسى الديلي: قلت لأبي زيدٍ: ما التوكل؟ فقال: ما تقول أنت؟ قلت: إن أصحابنا يقولون: لو أن السباع والأفاعي عن يمينك ويسارك ما تحرك لذلك سرك. فقال أبو زيدٍ: نعم هذا قريب، ولكن لو أن أهل الجنة في الجنة يتنعمون، وأهل النار في النار يعذبون، ثم وقع بك تمييزٌ عليهما خرجت من جملة التوكل. وسئل أبو عبد الله القرشي عن التوكل فقال: التعلق بالله تعالى في كل حالٍ. فقال السائل: زدني، فقال: ترك كل سببٍ يوصل إلى سببٍ حتى يكون الحق هو المتولي لذلك. وهذا مثل توكل إبراهيم الخليل عليه السلام إذ قال له جبريلٌ: ألك حاجةٌ؟ فقال: أما إليك فلا، إذا كان سؤاله يفضي إلى سببٍ فترك ذلك ثقةً بأن الله يتولى ذلك.\rقال أبو سعيدٍ الخراز: التوكل اضطرابٌ بلا سكون، وسكونٌ بلا اضطراب. أشار بالأول إلى فزعه إلى الله تعالى وابتهاله وتضرعه بين يديه كاضطراب الطفل بيديه إلى أمه، وبالثاني إلى سكون القلب إلى الوكيل وثقته به. وقال أبو علي الدقاق: التوكل على ثلاث درجاتٍ: التوكل ثم التسليم ثم التفويض، فالمتوكل يسكن إلى وعده، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه، وصاحب التفويض يرضى بحكمه. وقال: التوكل بداية، والتسليم وسائط، والتفويض نهاية. وقال: التوكل صفة المؤمنين، والتسليم صفة الأولياء، والتفويض صفة الموحدين.\rوسئل ابن عطاءٍ عن حقيقة التوكل فقال: ألا يظهر فيك انزعاجٌ إلى الأسباب مع شدة فاقتك إليها، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها. وقال أبو نصرٍ السراج: شرط التوكل ما قاله أبو ترابٍ النخشبي وهو طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة إلى الكفاية، فإن أعطي شكر، وإن منع صبر. وكما قال ذو النون: التوكل ترك تدبير النفس والانخلاع من الحول والقوة. وقال أبو بكرٍ الدقاق: التوكل رد العيش إلى يومٍ واحدٍ وإسقاط هم غد.\rوسئل ذو النون: ما التوكل؟ فقال: خلع الأرباب، وقطع الأسباب. فقال السائل: زدني، فقال: إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية. وقال مسروق: التوكل الاستسلام لجريان القضاء والأحكام. وقال أبو عثمانٍ: التوكل الاكتفاء بالله مع الاعتماد عليه. وقيل: التوكل الثقة بما في يد الله واليأس مما في يد الناس. وقيل: التوكل فراغ السر عن التفكر في التقاضي في طلب الرزق.\rأعمال المتوكلين","part":2,"page":129},{"id":630,"text":"قال الغزالي رحمه الله: قد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة وكاللحم على الوضم، وهذا ظن الجهال، فإن ذلك حرامٌ في الشرع، والشرع قد أثنى على المتوكلين فكيف ينال مقامٌ من مقامات الدين بمحظورات الدين! بل إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعمله إلى مقاصده. وسعي العبد باختياره إما أن يكون لأجل جلبٍ نافعٍ هو مفقودٌ عنده كالكسب، أو لحفظ نافعٍ هو موجودٌ عنده كالادخار، أو لدفع ضارٍ لم ينزل به كدفع الصائل والسارق والسباع، أو لإزالة ضارٍ قد نزل به كالتداوي من المرض. فمقصود حركات العبد لا يعدو هذه الحالات الأربع التي هي جلب النافع أو حفظه أو دفع الضار أو قطعه. ثم ذكر شرط التوكل ودرجاته في كل واحدٍ منها، وقرن ذلك بشواهد الشرع، فقال ما مختصره ومعناه: أما جلب النافع، فالأسباب التي بها يجلب النافع على ثلاث درجاتٍ: مقطوعٌ به، ومظنونٌ ظناً يوثق به، وموهومٌ وهماً لا تثق النفس به ثقةً تامةً ولا تطمئن إليه.\rفالدرجة الأولى: المقطوع به كالطعام إذا وضع بين يدي الرجل وهو جائعٌ محتاجٌ إلى تناوله فامتنع من مد يده وقال: أنا متوكلٌ، وشرط التوكل ترك السعي، ومد اليد إليه سعيٌ وحركة، وكذلك مضغه بالأسنان وابتلاعه بإطباق أعالي الحنك على أسفله، فهذا جنونٌ وليس من التوكل في شيء، فإنه إن انتظر أن الله تعالى يخلق فيه شبعاً دون الخبز أو يسخر ملكاً يمضغه ويوصله إلى معدته فهذا رجلٌ جهل سنة الله تعالى، وكذلك لو لم يزرع الأرض وطمع أن الله تعالى يخلق نباتاً من غير بذرٍ أو تلد زوجه من غير مباضعةٍ كريم، فكل ذلك جنون، بل يجب عليه أن يعلم أن الله تعالى خالق الطعام واليد والأسنان وقوة الحركة، وأنه الذي يطعمه ويسقيه، وأن يكون قلبه واعتماده على فضل الله تعالى لا على اليد والطعام، فليمد يده وليأكل فإنه متوكل.\rوالدرجة الثانية: الأسباب التي ليست متعينة، ولكن الغالب أن المسببات لا تحصل دونها واحتمال حصولها دونها بعيدٌ كالذي يفارق الأمصار والقوافل ويسافر في البوادي التي لا يطرقها الناس إلا نادراً ويكون سفره من غير استصحاب زاد، فهذا ليس شرطاً في التوكل، بل استصحاب الزاد في البوادي سنة الأولين مع الاعتماد على فضل الله عز وجل لا على الزاد، ولكن فعل ذلك جائز، وهو من أعلى مقامات التوكل وهو فعل الخواص. قال الغزالي: فإن قلت: فهذا سعيٌ في الهلاك وإلقاء النفس إلى التهلكة، فاعلم أن ذلك يخرج عن كونه حراماً بشرطين: أحدهما أن يكون الرجل قد راض نفسه وجاهدها حتى صبرت عن الطعام أسبوعاً أو ما يقاربه بحيث إنه لا يناله ضيق قلبٍ ولا تشويش خاطر. والثاني أن يكون بحيث يقوى على التقوت بالحشيش وما يتفق من الأشياء الخسيسة، فإنه لا يخلو غالب الأمر في البوادي كل أسبوعٍ أن يلقاه آدميٌ أو ينتهي إلى محلةٍ أو قريةٍ او إلى حشيشٍ يتقوت به، وعلى هذا كان يعول الخواص ونظراؤه من المتوكلين. وقد كان الخواص مع توكله لا تفارقه الإبرة والمقراض والحبل والركوة، ويقول: هذا لا يقدح في التوكل.\rوأما لو انحاز إلى شعبٍ من شعاب الجبال حيث لا ماء ولا حشيش ولا يطرقه طارقٌ فيه وجلس متوكلاٍ فهو آثمٌ به ساعٍ في إهلاك نفسه.\rوأما القاعد في البلد بغير كسبٍ فليس ذلك حراماً، لأنه لايبعد أن يأتيه الرزق من حيث لا يحتسب ولكن قد يتأخر عنه. فإن أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحدٍ إليه ففعله ذلك حرام. فإن فتح باب البيت وهو بطالٌ غير مشغولٍ بعبادةٍ فالكسب والخروج له أولى، ولكن ليس فعله حراماً إلا أن يشرف على الموت، فعند ذلك يلزمه الخروج والسؤال والكسب. وإن كان مشغول القلب بالله غير متطلعٍ إلى الناس ولا إلى من يدخل من الباب فيأتيه برزق، بل تطلعه إلى فضل الله تعالى واشتغاله بالله فهو أفضل وهو من مقامات التوكل، فإن الرزق يأتيه لا محالة. فلو هرب العبد من رزقه لطلبه كما لو هرب من الموت لأدركه.","part":2,"page":130},{"id":631,"text":"قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: اختلف الناس في كل شيءٍ إلا في الرزق والأجل فإنهم أجمعوا أن لا رازق ولا مميت إلا الله تعالى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لو توكلتم على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ولزالت بدعائكم الجبال \" . وقال عيسى عليه السلام: انظروا إلى الطير لا تزرع ولا تحصد ولا تدخر و الله تعالى يرزقها يوماً بيوم، فإن قلتم نحن أكبر بطوناً، فانظروا إلى الأنعام كيف قيض الله تعالى لها هذا الخلق للرزق. وقال أبو يعقوب السوسي: المتوكلون تجري أرزاقهم على أيدي العباد بلا تعبٍ منهم وغيرهم مشغولون مكدودون. وقال بعضهم: العبيد كلهم في رزق الله تعالى، لكن بعضهم يأكل بذلٍ كالسؤال، وبعضهم يأكل بتعبٍ كالتجار، وبعضهم بامتهانٍ كالصناع، وبعضهم بعزٍ كالصوفية، يشهدون العزيز فيأخذون رزقهم من يده ولا يرون الواسطة.\rوالدرجة الثالثة: ملابسة الأسباب التي يتوهم إفضاؤها إلى المسببات من غير ثقةٍ ظاهرة، كالذي يستقصي في التدبيرات الدقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه، وذلك يخرج بالكلية عن درجات التوكل كلها، وهو الذي الناس كلهم فيه من التكسب بالحيل الدقيقة اكتساباً مباحاً لمالٍ مباح. هذا ملخص ما أورده رحمه الله تعالى في جلب النافع، ذكر لذلك أمثلةً ونظائر تركناها اختصاراً.\rوأما حظ النافع فهو التعرض لأسباب الادخار، فمن حصل له مالٌ بإرثٍ أو كسبٍ أو سؤالٍ أو سببٍ من الأسباب فله في الادخار ثلاث أحوالٍ: الأولى: أن يأخذ قدر حاجته في الوقت فيأكل إن كان جائعاً، ويلبس إن كان عارياً، ويشتري مسكناً مختصراً إن كان محتاجاً، ويفرق الباقي في الحال ولا يدخر منه إلا ما أرصده لمحتاجٍ، فهذا هو الموفي بموجب التوكل تحقيقاً، وهي الدرجة العليا.\rالحالة الثانية المقابلة لهذه المخرجة له عن حدود التوكل: أن يدخر لسنةٍ فما فوقها، فهذا ليس من المتوكلين أصلاً.\rالحالة الثالثة: أن يدخر لأربعين يوماً فما دونها، فهذا يوجب حرمانه من المقام المحمود الموعود في الآخرة للمتوكلين. وقال الخواص: لا يخرج بأربعين يوماً ويخرج بما زاد عليها.\rوأما دفع الضار عن النفس والمال فقد قال الغزالي رحمه الله: ليس من شرط التوكل ترك الأسباب الدافعة للضرر. أما في النفس فكالنوم في الأرض المسبعة أو في مجاري السيل من الوادي أو تحت الجدار المائل أو السقف المتكسر، فإن ذلك منهيٌ عنه وصاحبه قد عرض نفسه إلى الهلاك بغير فائدةٍ. وأما في المال فلا ينقص التوكل إغلاق باب البيت عند الخروج منه ولا أن يعقل البعير. فهذه أسبابٌ عرفت بسنة الله تعالى، فقد روي عن أنسٍ بن مالك رضي الله عنه أنه قال: جاء رجلٌ على ناقةٍ فقال: يا رسول الله، أدعها وأتوكل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اعقلها وتوكل \" .\rوأما إزالة الضرر فقد قال الغزالي رحمه الله تعالى: إن الأسباب المزيلة للضرر تنقسم إلى مقطوعٍ به كالماء المزيل لضرر العطش والخبز المزيل لضرر الجوع، وإلى مظنونٍ كالفصد والحجامة وشرب الدواء وسائر أبواب الطب، وإلى موهومٍ كالكي والرقية.\rأما المقطوع به فليس من التوكل تركه بل تركه حرامٌ عند خوف الموت.\rوأما الموهوم، فشرط التوكل تركه، إذ بتركه وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المتوكلين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لم يتوكل من استرقى واكتوى \" . وقال سعيد بن جبيرٍ: لدغتني عقربٌ فأقسمت على أمي لتسترقين، فناولت الراقي يدي التي لم تلدغ.\rوأما الدرجة الوسطى وهي المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطباء ففعل ذلك لا يناقض التوكل بخلاف الموهوم، وتركه ليس بمحظورٍ بخلاف المقطوع به. وقد تداوى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالتداوي وقال: \" ما من داءٍ إلا وله دواءٌ عرفه من عرفه وجهله من جهله إلا السام \" يعني الموت، وتضافرت الأحاديث بالأمر بالدواء.\rومنهم من رأى أن ترك التداوي قد يحمد في بعض الأحيان إذا اقترن به أحد أسبابٍ ستةٍ:","part":2,"page":131},{"id":632,"text":"الأول: أن يكون المريض من المكاشفين وقد كوشف بأنه انتهى اجله وأن الدواء لا ينفعه، وتحقق ذلك إما برؤيا صادقةٍ أو بحدسٍ وظنٍ أو بكشفٍ محققٍ كحال أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه لما قيل له في مرض موته: لو دعونا لك طبيباً؟ فقال: الطبيب نظر إلي وقال إني فعالٌ لما أريد. وكان رضي الله عنه من المكاشفين، والدليل على ذلك أنه قال لعائشة رضي الله عنها في أمر الميراث: إنما هن أختاك، وما كان لها إلا أختٌ واحدةٌ وكانت امرأته حاملاً فولدت أنثى، فلا يبعد أن يكون كوشف بانتهاء أجله، ومحالٌ أن ينكر التداوي وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله.\rالثاني: أن يكون المريض مشغولاً بحاله وبخوف عاقبته وإطلاع الله تعالى عليه، فينسيه ذلك ألم المرض فلا يتفرغ قلبه للتداوي شغلاً بحاله، كحال أبي ذرٍ لما رمدت عيناه، فقيل له: لو داويتهما! فقال: إني عنهما مشغولٌ. فقيل له لو سألت الله أن يعافيك! فقال: أسأل فيما هو أهم علي منهما. وكحال أبي الدرداء فإنه قيل له في مرضه: ما تشتكي ؟ قال: ذنوبي. قيل: فما تشتهي؟ قال: مغفرة ربي. قالوا: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب أمرضني. ويكون حال هذا كالمصاب بموت عزيزٍ أو كالخائفٍ من ملكٍ فيشغله ذلك عن ألم الجوع.\rالثالث: أن تكون العلة مزمنةً والدواء الذي يؤمر به بالإضافة إلى علته موهومٌ كالكي والرقية، فتركه للتوكل كالربيع بن خيثم فإنه أصابه فالج، فقيل له: لو تداويت! فقال: لقد هممت ثم ذكرت عاداً وثمود وقروناً بين ذلك كثيراً وكان فيهم الأطباء فهلك المداوي والمداوى ولم تغن الرقى شيئاً. أي أن الدواء غير موثوقٍ به.\rالرابع: أن يقصد العبد ترك التداوي استيفاءً للمرض لينال ثواب المرض بحسن الصبر على بلاء الله تعالى وليجرب نفسه في القدرة على الصبر.\rالخامس:أن يكون العبد قد سبق له ذنوبٌ وهو خائفٌ منها عاجزٌ عن تكفيرها فيرى المرض إذا طال تكفيرا، وترك التداوي خوفاً من أن يسرع زوال المرض ورغب في مضاعفة الأجر. فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: \" حمى يومٍ كفارة سنة \" .\rالسادس: أن يستشعر العبد في نفسه مبادئ البطر والطغيان بطول مدة الصحة، فيترك التداوي خوفاً من أن يعاجله زوال المرض فتعاوده الغفلة والبطر والطغيان أو طول الأمل والتسويف في تدارك الفائت وتأخير الخيرات، فإن الصحة تحرك الهوى وتبعث على الشهوات وتدعو إلى المعاصي، وأقلها أن تدعوا إلى التنعم في المباحات وهو تضييع الأوقات وإهمال الربح العظيم في مخالفة النفس وملازمة الطاعات. وإذا أراد الله بعبدٍ خيراً لم يخله عن التنبيه بالأمراض والمصائب، ولذلك قيل: لا يخلوا المؤمنون من علةٍ أو قلةٍ أو ذلةٍ. قال: فلما أن كثرت فوائد المرض رأى جماعةٌ ترك الحيلة في زوالها، إذ رأوا لأنفسهم مزيداً فيها لا من حيث رأوا التداوي نقصاناً، وكيف يكون ذلك نقصاناً وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم!.\rفهذه نبذةٌ كافيةٌ في مقامي الزهد والتوكل. فلنذكر الأدعية.\rالباب الرابع\rفي الأدعية\rوهذا الباب - يقبل الله منا ومنك وفينا وفيك صالح الدعوات، وجعلنا وإياك ممن اعتمد على كرمه ومنته في الحركات والسكنات، ووفقنا للتضرع والسكون إلى فضله، وعاملنا بما هو من أهله لا ما نحن من أهله - هو مشرع الظمآن إلى موارد الكرم العذبة، ومفزع الحيران إذا ألمت به الضائقة وحصرته الكربة، فبه يتوسل إلى الله تعالى في مطالب الدنيا والآخرة، ويتوصل إلى النعم الوافية والخيرات الوافرة، كيف لا وقد أمرنا الرب العظيم بالدعاء والإنابة، ووعدنا وهو الوفي الكريم بالقبول والإجابة، وترادفت بفضله الأخبار الصحيحة، وجاءت بشرفه الآثار الصريحة، على ما ستقف على ذلك إن شاء الله تعالى واضحاً، وتعول عليه مقيماً وظاعناً وغادياً ورائحاً. فلازمه في سائر أحوالك، وتعاهده على بكرك وآصالك ، فستجني إن شاء الله منه ثمار غرسك، وتجد حلاوة ذلك في قلبك وأنسه في نفسك.","part":2,"page":132},{"id":633,"text":"واعلم أن للدعاء، كما قال ابن عطاء، أركاناً وأجنحةً وأسباباً وأوقاتاً. قال: فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماوات، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه أنجح. فأركانه حضور القلب والرقة والاستكانة والخشوع وتعلق القلب بالله وقطعه من الأسباب. وأجنحته الصدق. ومواقيته الأسحار. وأسبابه الصلاة على محمدٍ صلى الله عليه وسلم. قال عز وجل: \" وإذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دعان \" . روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" يقول الله تعالى للعبد يوم القيامة أكنت ترى لبعض دعائك الإجابة ولا ترى لبعضه فيقول نعم فيقول له أما إنك ما دعوتني بدعوةٍ إلا وقد استجبت لك فيها أليس دعوتني يوم كذا وكذا فرأيت الإجابة فيقول نعم و يقول ودعوتني يوم كذا وكذا فلم تر الإجابة فيقول نعم فإني ادخرتها لك في الجنة فلا يبقى له دعوةً إلا بينها له حتى يتمنى المؤمن أن دعواته كلها كانت ذخائره في الآخرة \" . وعن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الدعاء هو العبادة \" قال: وقرأ \" وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ليس شيءٌ أكرم على الله من الدعاء \" . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء \" . وعن أنسٍ رصي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الله عز وجل حيٌ كريمٌ يستحي إذا بسط الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً ليس فيهما شيء \" . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" دعوة المسلم لا ترد إلا بإحدى ثلاثٍ ما لم يدع بإثمٍ أو قطيعة رحمٍ إما أن يستجيب الله له فيما دعا أو يدخر له في الآخرة أو يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا \" . وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله : إنا ندعوا بدعاءٍ كثيرٍ منه ما نرى إجابته ومنه ما لا نرى إجابته فقال: \" والذي نفسي بيده ما من أحدٍ يدعو بدعوةٍ إلا استجيب له أو صرف عنه مثلها شراً \" . قالوا : يا رسول الله إذاً نكثر؟ قال: \" الله أكثر وأكثر \" ثلاث مرات. وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: \" دعوةٌ في السر تعدل سبعين دعوةً في العلانية \" . وعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن لله عز وجل في الليل والنهار عتقاء من النار ولكل مسلمٍ ومسلمةٍ في كل يومٍ وليلةٍ دعوةٌ مستجابة \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" إن الله تعالى يقول من ذا الذي دعاني فلم أجبه وسألني فلم أعطه واستغفرني فلم أغفر له وأنا أرحم الراحمين \" . وعن أنسٍ رضي اله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" إذا فتح الله على عبدٍ باب الدعاء فليكثر فإن الله يستجيب له \" . وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من فتح له بابٌ في الدعاء فتحت له أبواب الإجابة \" . وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من لم يسأل الله يغضب عليه \" . وعن جابرٍ بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ قوله تعالى: \" وإذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دعان \" الآية فقال صلى الله عليه وسلم: \" اللهم إنك أمرت بالدعاء وتوكلت بالإجابة لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك أشهد أنك فردٌ أحدٌ صمدٌ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد وأشهد أن وعدك حقٌ ولقاءك حقٌ والجنة حقٌ والنار حقٌ وأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها وأنك تبعث من القبور \" . هذا مما ورد في الحث على الدعاء.\rوأما ما رد في نفع الدعاء ودفعه للبلاء، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إن أنواع البر كلها نصف العبادة والنصف الآخر الدعاء \" . وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا ينفع حذرٌ من قدرٍ والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال","part":2,"page":133},{"id":634,"text":"رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الدعاء ينفع مما نزل ومما لم لا ينزل وإن الدعاء ليرد القضاء المبرم وإن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض فلا يزال أحدهما يدفع صاحبه إلى يوم القيامة \" . وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر \" . وعن عليٍ بن أبي طالبٍ رضي اله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السموات والأرض \" .\rوأما ما ورد في الإلحاح في الدعاء وهيئة الذلة والإنابة، قال الله تعالى: \" ادعوا ربكم تضرعاً وخفيةً إنه لا يحب المعتدين \" . وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الله يحب الملحين في الدعاء \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله عز وجل لا يستجيب دعاءً من قلبٍ ساهٍ لاهٍ \" . وعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا جل باطن كفيه إلى وجهه. وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم \" وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن ربكم عز وجل حيٌ كريمٌ يستحي أن يرفع العبد يديه فيردهما صفراً لا خير فيهما فإذا رفع أحدكم يده فليقل يا حي لا إله إلا أنت يا أرحم الراحمين ثلاث مراتٍ ثم إذا رد يده فليفرغ ذلك الخير على وجهه \" . وعن عمر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مد يده في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه. وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" الإخلاص هكذا ورفع إصبعاً واحداً من اليد اليمنى والدعاء هكذا وجعل بطونهما مما يلي السماء والابتهال هكذا ومد يديه شيئاً وجعل ظهر الكف مما يلي السماء \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" أقرب ما يكون العبد كمن ربه وهو ساجدٌ فأكثروا الدعاء \" .\rوأما ما ورد من كراهية استعجال الإجابة ورفع البصر والسجع في الدعاء، قال الله تعالى: \" بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول قد دعوت فلم يستجب لي \" . وعنه صلى الله عليه وسلم: \" لا يزال العبد بخيرٍ ما لم يستعجل \" . قالوا: وكيف يستعجل؟ قال: \" يقول قد دعوت الله مراراً فلا أراه يستجيب لي \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" لينتهين أقوامٌ عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم \" . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: \" إياك والسجع في الدعاء فإني شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون ذلك.","part":2,"page":134},{"id":635,"text":"وأما ما ورد فيمن تجاب دعواتهم. قال الله عز وجل: \" أمن يجيب دعوة المضطر إذا دعاه \" . وقال الله تعالى: \" وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه \" . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" خمس دعواتٍ لا ترد دعوة الحاج حتى يصدر ودعوة الغازي حتى يرجع ودعوة المظلوم حتى ينتصر ودعوة المريض حتى يبرأ ودعوة الأخ لأخيه بالغيب وأسرع هؤلاء الدعوات إجابةً دعوة الأخ لأخيه بالغيب \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" ثلاث دعواتٍ مستجاباتٌ لا شك فيهن دعوة الوالد ودعوة المسافر ودعوة المظلوم \" . وفي حديثٍ آخر: \" دعوة الصائم بدل دعوة الوالد \" . وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \" إنك تأتي قوماً أهل كتابٍ فاتق دعوة المظلوم \" . وعنه صلى الله وسلم: \" الإمام العادل لا ترد دعوته \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" ثلاثةٌ لا ترد دعوتهم إمامٌ مقسط ودعوة الصائم ودعوة المظلوم تفتح لها أبواب السماء ويقول الله عز وجل لأنصرنك ولو بعد حين \" . وعنه صلى الله عليه وسلم: \" دعاء الوالد لولده مثل دعاء النبي لأمته \" . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أسرع الدعاء إجابةً دعوة غائبٍ لغائب \" . وعن أبي الدرداء، رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" دعوة الرجل لأخيه بظهر القلب تعدل سبعين دعوةً مستجابةً ويوكل الله عز وجل ملكاً يقول آمين ولك مثل ما دعوت \" . وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما من مؤمنٍ يدعو لأخيه المؤمن بظهر القلب إلا قال له ملكٌ عن يمينه وملكٌ عن شماله ولك مثله \" . وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" حامل القرآن له دعوةٌ مستجابةٌ \" . وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إذا دخلت على المريض فسله يدعو لك فإن دعاءه كدعاء الملائكة \" . وعن أنسٍ رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من ألهم الدعاء لم يحرم الإجابة لأن الله تعالى يقول: \" ادعوني أستجب لكم \" ومن ألهم التوبة لم يحرم القبول لأن الله تعالى يقول: \" وهو الذي يقبل التوبة عن عباده \" ومن ألهم الشكر لم يحرم الزيادة لأن الله تعالى يقول: \" ولئن شكرتم لأزيدنكم \" ومن ألهم الاستغفار لم يحرم المغفرة لأن الله تعالى يقول: \" استغفروا ربكم إنه كان غفاراً \" ومن ألهم النفقة لم يحرم الخلف لقوله تعالى: \" وما أنفقتم من شيءٍ فهو يخلفه \" .\rالأوقات التي ترجى فيها إجابة الدعاء","part":2,"page":135},{"id":636,"text":"قال الله عز وجل: \" ومن الليل فتهجد به نافلةً لك \" . وقال تعالى: \" إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ينزل الله حين يبقى ثلث الليل إلى السماء الدنيا فيقول من يسألني فأعطيه ومن يدعوني فأستجب له ومن يستغفرني فأغفر له \" . وعنه صلى الله عليه وسلم: \" تفتح أبواب السماء ويستجاب دعاء المسلم عند إقامة الصلاة وعند نزول الغيث وعند زحف الصفوف في سبيل الله وعند رؤية الكعبة \" . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إذا فاءت الأوفياء وهبت الرياح فارفعوا إلى الله حوائجكم فإنها ساعة الأوابين إنه كان للأوابين غفوراً \" . وعن أبي أمامة قال قلت: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: \" جوف الليل وأدبار المكتوبات \" . وعن ابن عمر قال: أفضل الساعات مواقيت الصلاة فادعوا فيها. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: \" خير يومٍ طلعت في الشمس يوم الجمعة إن فيه لساعةً لا يوافقها عبدٌ يصلي يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه \" . وقد اختلف في ابتداء وقت هذه الساعة فقيل: أول ساعةٍ من طلوع الشمس، وقيل: آخر ساعةٍ من غروبها، وقيل: عند جلوس الإمام على المنبر، وقيل: من الزوال إلى ابتداء الصلاة، وقيل: من بعد العصر إلى الغروب، وقيل: إنها تنتقل في ساعات اليوم كما تنتقل ليلة القدر في شهر رمضان. روي عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قال: قال لي عبد الله بن عمر رضي الله عنهم: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة؟ قال: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن ساعة الجمعة يقول: \" هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة \" . وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها عن أبيها صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إن في الجمعة لساعةً لا يوافقها مسلمٌ يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه \" . فقلت: يا أبت، أي ساعةٍ هي؟ قال: \" إذا تدلى نصف الشمس للغروب \" . فكانت فاطمة رضي الله عنها إذا كان يوم الجمعة تأمر غلاماً لها يقال له زيد يرصد لها الشمس، فإذا تدلى نصف الشمس للغروب أعلمها، فتقوم فتدخل المسجد فتدعو حتى تغرب الشمس وتصلي.\rوحيث ذكرنا هذه المراتب فلنذكر الأدعية المنصوص عليها.\rدعوات ساعات الأيام السبعة ولياليها كما أورد الشيخ أبو العباس أحمد بن علي بن يوسف القرشي البوني رحمه الله تعالى دعوات الساعات في اللمعة النورانية فبدأ بيوم الأحد وذكر دعاء كل ساعةٍ منه، ثم ذكر يوم الاثنين فقال: ساعة كذا يدعى فيها بدعاء ساعة كذا من يوم الأحد، ثم ذكر يوم الثلاثاء فقال: ساعة كذا يدعى فيها بدعاء كذا من يوم الاثنين وكذلك في بقية ساعات الأيام والليالي، يذكر كل ساعةٍ ويحيل في دعائها على ساعةٍ من اليوم أو الليلة التي قبلها. فرأيت أن الراغب في الدعاء يحتاج في معرفته إلى كشفٍ طويلٍ وتحقيقٍ إلى أن يصل إلى تلك الساعة من يوم الأحد، وربما تعذر ذلك على كثيرٍ من الناس، فرتبت الأدعية على ما ستقف إن شاء الله تعالى عليه ليسهل على المتناول طريقها ويدنو من المحاول تحقيقها، فقلت وبالله التوفيق: دعاءٌ يدعى به في الساعة الأولى من يوم الأحد، وفي الثامنة من ليلة الاثنين، وفي العاشرة من يوم الاثنين، وفي الخامسة من ليلة الثلاثاء، وفي السابعة من يوم الثلاثاء، وفي الثانية من ليلة الأربعاء وفي الرابعة من يوم الأربعاء، والحادية عشرة من ليلة الخميس، والحادية عشرة من ليلة الجمعة والعاشرة من يوم الجمعة، وفي الثامنة من ليلة السبت وفي السابعة من يوم السبت، وفي الخامسة من ليلة الأحد، وهو: \" رب اغمسني في بحرٍ من نور هيبتك حتى أخرج منه وفي وجهي شعاعات هيبةٍ تخطف أبصار الحاسدين من الجن والإنس فتعميهم عن رمي سهام الحسد في قرطاس نعمتي، واحجبني عنهم بحجاب النور الذي باطنه النور وظاهره النار. أسألك باسمك النور وبوجهك النور يا نور النور أن تحجبني في نور اسمك حجاباً يمنعني من كل نقصٍ يمازج مني جوهراً أو عرضاً إنك نور الكل ومنور الكل بنورك \" .","part":2,"page":136},{"id":637,"text":"قال البوني: تدعو بهذا الدعاء ثمانياً وأربعين مرةً في هذه الساعة على وضوءٍ بعد صلاة ركعتين فيما يتعلق بسؤال الهيبة وإقامة الكلمة وقهر العدو. ويناسب هذه الدعاء من القرآن قوله تعالى: \" الله نور السماوات والأرض \" الآية، قال: من قرأ هذه الآية هذا العدد المتقدم في بيتٍ مظلمٍ وعيناه مغلقتان شاهد أنواراً عجيبةً تملأ قلبه، وإن استدام ذلك تشكلت له في عالم الحس. وهو ذكرٌ يصلح لأرباب الهمم وأهل الخلوات، وكاتبه وحامله تظهر له زياداتٌ في قوى نفسه وقهر عدوه وخصمه لم يكن يعدها من قبل، ومن أمكنه أن يداوي به العلل الكائنة في الرأس خصوصاً من البرودة وجد تأثير ذلك لوقته.\rدعاءٌ يدعى به في الساعة الثانية من يوم الأحد والتاسعة من ليلة الاثنين وفي الحادية عشر من يوم الاثنين، وفي السادسة من ليلة الثلاثاء وفي الثامنة من يوم الثلاثاء، وفي الثالثة من ليلة الأربعاء وفي الخامسة من يوم الأربعاء، وفي الثانية عشر من ليلة الخميس وفي الثانية من يوم الخميس، وفي الحادية عشر من يوم الجمعة، وفي التاسعة من ليلة السبت وفي الثامنة من يوم السبت، وفي السادسة من ليلة الأحد وهو: \" رب فرحني بما ترضى به عني فرحاً يبهجني بجميل المسار، حتى لا ينبسط شيءٌ من وجودي إلا بما بسطه جودك العلي. رب فرحني بنيل المراد منك بفناء إرادتي مني حتى لا يكون في كوني إرادةٌ إلا إرادتك محفوظةً من عوارض التكوين، وأبهج بذلك في سر سماء الأفراح في الوجودين برزق الباطن والظاهر، إنك باسط الرزق والرحمة يا ذا الجود الباسط يا ذا البسط والجود \" .\rهذا الذكر من ذكره في ساعةٍ من هذه الساعات تسعاً وأربعين مرةً أذهب الله تعالى عن قلبه الحزن وعن صدره الحرج والضيق، ونفى عنه كل همٍ وغم، وبه يدعوا المسجونون والمأسورون والمحزونون فيفرج الله تعالى عنهم، وذلك بعد صلاة تسليمتين، والآيات المناسبة لهذا القسم \" فرحين بما آتاهم الله من فضله \" الآية، \" قل بفضل الله وبرحمته \" الآية. قال البوني: ويقدم على ذكر هذه الآيات: اللهم اجعلني من الفرحين بما آتاهم الله من فضله، يقول ذلك بعد الذكر الأول مثل العدد المذكور، فيرى المهموم من فضل الله تعالى به عجباً، ويزداد به ذلك السرور سروراً لا يعرف سببه. ويصلح هذا الذكر لأرباب الفيض من أهل الخلوات فإنهم يستروحون منه أنساً في خلواتهم ومخاطباتٍ بألفاظٍ مختلفةٍ بقدر الفيض والمقام والسبب، يعرف ذلك من كانت له إحاطةٌ بكشف أسرار الدعوات والأسماء.\rدعاءٌ يدعى به في الساعة الثالثة من يوم الأحد، والعاشرة من ليلة الاثنين وفي الثانية عشرة من ليلة الاثنين وفي الثانية عشرة من يوم الاثنين، وفي السابعة من ليلة الثلاثاء وفي التاسعة من يوم الثلاثاء، وفي الرابعة من ليلة الأربعاء وفي السادسة من يوم الأربعاء، وفي الأولى من ليلة الخميس وفي الثالثة من يوم الخميس، وفي الأولى من ليلة الجمعة وفي الثانية عشرة من يوم الجمعة، وفي العاشرة من ليلة السبت وفي التاسعة من يوم السبت، وفي السابعة من ليلة الأحد. وهو: \" رب قلبني في أطوار معارف أسمائك تقليباً تشهدني به في ذرات وجودي ما أودعته ذرات وجودي الملك والملكوت حتى أعاين سريان قدرك في معالم المعلومات، فلا يبقى معلومٌ إلا وبيدي سر دقيقةٍ منه مجذوبةٍ بيد الكمال ونور الطلوع، وأذهب ظلمة الإكراه حتى أتصرف في المهج بمبهجات المحبة إنك أنت المحب المحبوب يا مقلب القلوب \" .\rقال: من دعا بهذا الاسم والذكر ست عشرة مرةً بعد صلاة ثلاث تسليماتٍ قلب الله قلبه عن كل خاطر فيه نقصٌ إلى كل خاطرٍ فيه كمالٌ في حقه، ويصلح لأرباب الاستخارات، وفيه لسرعة قضاء الحاجات معنًى بديع. والآيات المناسبة له \" قوله الحق، وله املك \" ، وقوله تعالى: \" يكور الليل على النهار \" إلى آخر الآية، وقوله تعالى: \" فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً \" الآية، وما يناسب ذلك من القرآن.\rوهو ذكرٌ يصلح لأرباب القلوب من تكرار الخواطر والوساوس، وله في تقلب الأحوال أمورٌ عجيبةٌ عظيمةٌ لمن فهم ذلك، وكذلك من كتب الذكر كله وعلقه عليه عصمه الله في تقلباته من الآفات حتى في أمور دنياه وآخرته.","part":2,"page":137},{"id":638,"text":"دعاءٌ يدعى به في الساعة الرابعة من يوم الأحد، وفي الحادية عشرة من ليلة الاثنين وفي الأولى من يوم الاثنين، وفي الثامنة من ليلة الثلاثاء وفي العاشرة من يوم الثلاثاء، وفي الخامسة من ليلة الأربعاء وفي السابعة من يوم الأربعاء، وفي الثانية من ليلة الخميس وفي الرابعة من يوم الخميس، وفي الثانية من ليلة الجمعة والأولى من يوم الجمعة، وفي الحادية عشر من ليلة السبت وفي العاشرة من يوم السبت، وفي الثامنة من ليلة الأحد. وهو: \" رب قابلني بنور اسمك مقابلةً تملئ وجودي ظاهراً وباطناً حتى تمحو مني حظوظ الأشكال كلها فيبدوا لي في وجودي ومن وجودي سر ما كتبه قلم تقديرك من كل مستودعٍ في مستقرٍ ومستقرٍ في مستودعٍ فلا يخفى علي ما غاب عني فأنظرني بك وأنظر من سواي بنور اسمك فأرى الكمال المطلق في الملك المطلق، يا مودع الأنوار قلوب عباده الأبرار يا سريع يا قريب \" .\rقال: من دعا في ساعةٍ من هذه الأبيات ست عشرة مرةً ثم قصد أي حاجةٍ أراد، أسرع الله تعالى قضاءها ونمى له ما يملكه من مالٍ أو جاهٍ أو حالٍ أو مقام. ومن خاصة هذا الذكر وضع البركة في أي شيءٍ وضع عليه. ويصلح هذا الذكر لمطالبي المكاشفات من أرباب الخلوات فإنهم إذا داوموا هذا الذكر ألقي إليهم الخاطر الصحيح. قال: وإن أضيف له يا سريع يا قريب يا مبين ظهر ما يريد من كشف العواقب في الأفعال المرتطبة بعالم الغيب والشهادة.\rدعاءٌ يدعى به في الساعة الخامسة من يوم الأحد، وفي الثانية عشرة من ليلة الاثنين وفي الثانية من يوم الاثنين، وفي التاسعة من ليلة الثلاثاء وفي الحادية عشرة من يوم الثلاثاء، وفي السادسة من ليلة الأربعاء في الثامنة من يوم الأربعاء، وفي الثالثة من ليلة الخميس وفي الخامسة من يوم الخميس، وفي الثالثة من يوم الجمعة، وفي الثانية عشرة من ليلة السبت وفي الحادية عشرة من يوم السبت، وفي التاسعة من ليلة الأحد. وهو: \" رب أسألك مدداً روحانياً تقوي به قواي الكلية والجزئية حتى أقهر بمبادئ نفسي كل نفسٍ قاهرةٍ قتنقبض لي رقابها انقباضاً تسقط بها قواها، فلا يبقى في الكون ذي روحٍ إلا ونار القهر أخمدت ظهوره، يا شديد يا ذا البطش يا قهار يا جبار أسألك بما أودعته عزرائيل من قوى أسمائك القهرية فانفعلت له النفوس بالقهر أن تكسوني ذلك السر في هذه الساعة حتى ألين به كل صعب، وأذل به كل منيعٍ بقوتك يا ذا القوة المتين \" .\rقال: من دعا بهذا الدعاء في ساعةٍ من هذه الساعات تسعاً وثمانين مرة، ثم دعا على ظالمٍ أخذ لوقته، وذلك بعد صلاة خمس تسليماتٍ بالفاتحة لا غير. ويناسب هذا الدعاء من آي القرآن العظيم \" وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمةٌ إن أخذه أليمٌ شديد \" . قال: في هذا الذكر قمع الجبابرة، وقطع دابر الظالمين، وخراب ديار الماردين، وما شابه ذلك. وهو ذكرٌ يليق بالسالكين في مبادئ الرياضيات والمنتهين في مقامات التجلي إلى الخلوة، وهو من الأسرار العجيبة، ولا يذكره من غلبته الشيخوخة إلا وجد في قلبه خفقاناً بالخاصية، ولا يذكره محمومٌ إلا برئ من حماه لوقته، وإن كتبه وعلقه عليه دامت صحته.\rدعاءٌ يدعى به في الساعة السادسة من يوم الأحد، وفي الأولى من ليلة الاثنين وفي الثالثة من يوم الاثنين، وفي العاشرة من ليلة الثلاثاء وفي الثانية عشرة من يوم الثلاثاء،وفي السابعة من ليلة الأربعاء، وفي التاسعة من يوم الأربعاء، وفي الرابعة من ليلة الخميس وفي السادسة من يوم الخميس، وفي الرابعة من ليلة الجمعة وفي الثالثة من يوم الجمعة، وفي الأولى من ليلة السبت وفي الثانية عشرة من يوم السبت، وفي العاشرة من ليلة الأحد. وهو:","part":2,"page":138},{"id":639,"text":"\" رب صفني من كدرات الأغيار صفاء من صفته يد عنايتك من نقص التكوين حتى ينجلي في مرآة قلبي ومستوى نفسي كل اسمٍ انطبع في قوة جبرائيل فقوي به على كشف ما في اللوح من أسرار أسمائك ومجامع رسائلك، فكل نفسٍ منفوسة امتدت لها من دقائقه دقيقةٌ طرفها منه والثاني لمن هو به، ومجامع هذه الدقائق في دقيقة الاسم الجبرائيلي العالم العليم العلام، يا ذا الكرم الذي علم بالقلم، فمواد الوحي والإلهام والتحديث والفهم تسري بنفحةٍ منه في هذه الساعة إلى مثلها. إلهي منطقني بالدقيقة العظمى منه حتى أتلقى عنك بما به تلقى عنك جبرائيل مما أملأ به وجودي بلا ميلٍ لغلبةٍ حتى أتلذذ بمصافاتك تلذذ جبريل برسائلك، إنك علام الغيوب \" .\rقال: من دعا به خمساً وعشرين مرةً في ساعةٍ من هذه الساعات ألهم رشده في عواقب أموره. والاسم اللائق بهذا الدعاء يا علام الغيوب يا عالم الخفيات وما شاكل هذا النمط من الأسماء، ومن القرآن العظيم \" وعنده مفاتح الغيب \" الآية. قال: وهو من الكبريت الأحمر وبعضه من الدرياق الأكبر. وهذا الذكر للذي فتح عليه بابٌ من المعارف فإنه مهما استدامه ألهم قلبه إلى علومٍ جليلةٍ، ويخاطب في نفسه بإلقاءاتٍ من وحي الإلهام، ويخاطبه الحيوان بمعنى يفهمه فيستفيد علوماً عظيمةً، يعرف ذلك أرباب المنازلات لفهم الحديث.\rدعاءٌ يدعى بع في الساعة السابعة من يوم الأحد، وفي الثانية من ليلة الاثنين وفي الرابعة من يوم الاثنين، وفي الحادية عشر من ليلة الثلاثاء وفي الأولى من يوم الثلاثاء، وفي الثامنة من ليلة الأربعاء وفي العاشرة من يوم الأربعاء، وفي الخامسة من ليلة الخميس وفي السابعة من يوم الخميس، وفي الخامسة من ليلة الجمعة وفي الرابعة من يوم الجمعة، وفي الثانية من ليلة السبت وفي الأولى من يوم السبت، وفي الحادية عشرة من ليلة الأحد. وهو: \" رب أوقفني موقف العز حتى لا أجد في ذرةً ولا رقيقةً ولا دقيقةً إلا وقد غشاها من عز عزتك ما منعها من الذل لغيرك، حتى لا أشهد ذل من سواي لعزتي بك مؤيداً برقيقةٍ من الرعب يخضع لها كل شيطانٍ مريد، وجبارٍ عنيد، وأبق على ذل العبودية في العزة بقاءً يبسط لسان الاعتراف، ويقبض لسان الدعوى، إنك العزيز الجبار المتكبر القهار \" .\rقال: من دعا بهذا الدعاء في هذه الساعة أو في ساعةٍ من هذه الساعات ست عشرة مرةً بعد صلاةٍ وحضور قلبٍ نصر على أي عدوٍ قصده ظاهراً وباطناً.\rدعاءٌ يدعى به في الساعة الثامنة من يوم الأحد، وفي الثالثة من يوم الاثنين وفي الخامسة من يوم الاثنين، وفي الثانية عشرة من ليلة الثلاثاء، وفي الثانية من يوم الثلاثاء، وفي التاسعة من ليلة الأربعاء وفي الحادية عشر من يوم الأربعاء، وفي السادسة من ليلة الخميس وفي الثامنة من يوم الخميس، وفي السادسة من ليلة الجمعة وفي الخامسة من يوم الجمعة، وفي الثالثة من ليلة السبت وفي الثانية من يوم السبت، وفي الثانية عشرة من ليلة الأحد. وهو: \" إلهي أطلع على وجودي شمس شهودي منك في الأكوان والألوان حتى أمشي بما أشهدتني في آفاق الملكوت منه معنى كلمة التكوين فينفعل لي كل مكونٍ انفعاله للكلمة بإذنك الذي سخرت به ما في الوجودين بلا ظلمة وضعٍ ولا ظلمة طبع، إنك منور الكل بكلك ومنور الأنوار بنورك الذي صدوره عن اسمك النور والظاهر والحي والقيوم، كل شيءٍ هالكٌ إلا وجهك \" الآية.\rقال البوني: لا يذكر أحدٌ هذا الذكر في ساعةٍ من هذه الساعات تسعاً وأربعين مرةً إلا كساه الله نوراً يجد ذلك في نفسه، وييسر عليه المقسوم من الرزق، وتسري كلمته في الأسباب سرياناً عجيباً. وهو ذكرٌ يصلح لأرباب المكاشفات يثبت لهم ما يكاشفون.\rدعاءٌ يدعى به في الساعة التاسعة من يوم الأحد، وفي الرابعة من ليلة الاثنين وفي السادسة من يوم الاثنين، وفي الأولى من ليلة الثلاثاء وفي الثالثة من يوم الثلاثاء، وفي العاشرة من ليلة الأربعاء وفي الثانية عشرة من يوم الأربعاء، وفي السابعة من ليلة الخميس وفي التاسعة من يوم الخميس، وفي السابعة من ليلة الجمعة وفي السادسة من يوم الجمعة، وفي الرابعة من ليلة السبت وفي الثالثة من يوم السبت، وفي الأولى من ليلة الأحد. وهو:","part":2,"page":139},{"id":640,"text":"\" سيدي أدخلني في بواطن رياض اسمك من الباب الخاص الذي لا يحجب بنورٍ ولا بظلمةٍ ولا بشيءٍ منه ولا بشيءٍ خارجٍ عنه وأطلق يد قواي في نيل النعمة، وألهمني تحقيق ذوق كل مذوق منه حتى أكون بك فيه وأكون فيه بك مبتهجاً منك وبك، رب إنك لطيفٌ عطوفٌ رحيمٌ رحمن \" .\rقال: هذا الذكر بخاصيةٍ فيه يجلب الفرح ويذهب الحزن ويطيب الوقت ويجلو الكرب، ومن دعا به أربعين مرةً في ساعةٍ من هذه الساعات على طهارةٍ واستقبالٍ فرج به كربه وانجلى غمه.\rدعاءٌ يدعى به في الساعة العاشرة من يوم الأحد، وفي الخامسة من ليلة الاثنين وفي السابعة من يوم الاثنين، وفي الثانية من ليلة الثلاثاء وفي الرابعة من يوم الثلاثاء، وفي الحادية عشرة من ليلة الأربعاء وفي الأولى من يوم الأربعاء، وفي الثامنة من ليلة الخميس وفي العاشرة من يوم الخميس، وفي الخامسة من ليلة السبت وفي الرابعة من يوم السبت، وفي الثانية من ليلة الأحد. وهو: \" يا من نسبة العلوم إلى علمه نسبة لا شيء لشيءٍ لا يتناهى، أظهرت الحروف بالقلم فكان لها صريفٌ في ألواح الملكوت قام لها مقام مخارج الحروف من الحلق والصدر واللها واللسان، كل جنسٍ صدر عنه اسمٌ لا يعلم تركيبه سوى ملك قلمك، وكل نوعٍ صدر عنه مركباً، فلوح إسرافيل أظهره بقوة ما في آحاد كلياته من جزئيات تراكيبه، أسألك بهذا السر الخفي الذي وقف العقل دونه وتقدم إليك السر بسرٍ أودعته فيه يوم إمكان وجوده، أسألك كشف حجاب الغيب حتى أعاين الغيب بما به حي الروح الباقي، يا حي، ياه يا هو، يا أنت يا مهيمن يا خالق يا بارئ أنت هو \" .\rقال البوني: هذا الذكر من ذكره في ساعةٍ من هذه الساعات مائة مرةٍ يسر له قضاء أي حاجةٍ قصدها بغير مشقةٍ.\rدعاءٌ يدعى به في الساعة الحادية عشرة من يوم الأحد، وفي السادسة من ليلة الاثنين وفي الثامنة من يوم الاثنين، وفي الثالثة من ليلة الثلاثاء وفي الخامسة من يوم الثلاثاء، وفي الثانية عشرة من ليلة الأربعاء وفي الثانية من يوم الأربعاء، وفي التاسعة من ليلة الخميس وفي الحادية عشرة من يوم الخميس، وفي التاسعة من ليلة الجمعة وفي الثامنة من يوم الجمعة وفي السادسة من ليلة السبت وفي الخامسة من يوم السبت، وفي الثالثة من ليلة الأحد. وهو: \" يا من لوجوده العلي باعتبار حكمته إلى كل موجودٍ حصل من وجوده اسمٌ يليق به هو مفتاحه الخاص، ومعناه المغيب، وحقيقته الوجودية وسره القابل، فما في الأكوان جوهر فردٍ من جواهر آحاد العالم العلوي والسفلي إلا ومقاليد أحكامه متعلقةٌ باسمٍ من أسمائه، واجتماعها برقائقها بيد اسمك الذي استأثرت به عن جميع خلقك فلم يظهر لهم إلا ما ناسب الأفعال، فأسماؤك إلهي لا تحصى، ومعلوماتك لا نهاية لها، أسألك غمسةً في بحر هذا النور حتى أعود إلى الكمال الأول فأتصرف في الكون باسم الكمال تصرفاً ينفي النقص بالوقوف على عبودية النقص، إنك المعز المذل اللطيف الخبير العدل المجيب \" .\rقال: من ذكر هذا الذكر ست عشرة مرةً في ساعةٍ من هذه الساعات ثم سأل الله تعالى فيها رزقاً، وتيسير أسبابٍ، وسكون بحرٍ هائجٍ، وسلطانٍ غاصبٍ، ونفسٍ متمردةٍ من شيطاني الإنس والجن وما ناسب ذلك إلا أجيب له لوقته، وذلك على طهارةٍ وصلاةٍ وجمع همةٍ في موضعٍ خالٍ من الأصوات.\rدعاءٌ يدعى به في الساعة الثانية عشرة من يوم الأحد، والسابعة من ليلة الاثنين والتاسعة من يوم الاثنين، وفي الرابعة من ليلة الثلاثاء وفي السادسة من يوم الثلاثاء، وفي الأولى من ليلة الأربعاء وفي الثالثة من يوم الأربعاء، وفي العاشرة من ليلة الخميس وفي الثانية عشرة من يوم الخميس، وفي العاشرة من ليلة الجمعة وفي التاسعة من يوم الجمعة، وفي السابعة من ليلة السبت وفي السادسة من يوم السبت، وفي الرابعة من ليلة الأحد. وهو:","part":2,"page":140},{"id":641,"text":"\" تعاليت يا من تقاصر كل فكرٍ عن حصر معنًى من معاني أسمائه، فكل علوٍ ورفعةٍ فمن ذلك العلو والرفعة صدوره ظاهراً وباطناً، وتقدس مجدك يا من أستار عرشه أظهر فيها كبرياءه ومجده، أسألك بالصفات التي لا تعلق لها بموجود، يا ذا العظمة والكبرياء والجلال والجمال والبهاء، أسألك الأنس بمقابلات سر القدر أنساً يمحو آثار وحشة الفكر حتى يطيب وقتي بك فأطيب بوقتي لك، فلا يتحرك ذو طبعٍ لمخالفتي إلا صغر لعظمتك وقصم بكبريائك، إنك جبار الأرض والسماء، وقاهر الكل بقهرك يا مجيب \" .\rقال البوني: من ذكر هذا الذكر سبعاً وعشرين مرةً في ساعةٍ من هذه الساعات ودعا بما يريد كفي لوقته شر ما يحاذره. فهذه دعوات ساعات الأيام والليالي.\rذكر ما يدعى به في المساء والصباح\rوالغدو والرواح والصلاة والصوم، والجماع والنوم، والورد والصدر،\rوالسفر والحضر، وغير ذلك.\rفأما ما يقال عند المساء والصباح، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه وقد سأله فقال: يا رسول الله مرني بشيءٍ أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت. فقال: \" قل اللهم عالم الغيب والشهادة فاطر السماوات والأرض رب كل شيءٍ ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه قلهن إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك \" . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح يقول: \" أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وملة أبينا إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين \" . وكان صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال: \" أصبحنا وأصبح الملك والكبرياء والعظمة والخلق والأمر والليل والنهار وما سكن فيهما من شيءٍ لله وحده لا شريك له اللهم اجعل أول هذا النهار لنا صلاحاً وأوسطه فلاحاً وآخره نجاحاً أسألك خير الدنيا وخير الآخرة يا أرحم الراحمين \" . وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا أصبح: \" اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور \" . وإذا أمسى قال: \" اللهم بك أمسينا وبك نحيا وبك نموت \" . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من قال حين يصبح أو يمسي اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليك وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فمات من يومه أو من ليلته دخل الجنة \" . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير بعد ما يصلي الغداة عشر مراتٍ كتب الله له عشر حسناتٍ ومحا عنه عشر سيئاتٍ ورفع له عشر درجاتٍ وكن له عدل رقبتين من ولد إسماعيل وكن له حجاباً من الشيطان حتى يمسي فإن قالها حين يمسي كان له مثل ذلك وكن له حجاباً من الشيطان حتى يصبح \" ، وفي روايةٍ: \" من قالها في يومٍ مائة مرةٍ كانت له عدل عشر رقابٍ وكتبت له مائة حسنةٍ ومحيت عنه مائة سيئةٍ وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا رجلٌ عمل أكثر منه ومن قال سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرةٍ حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر \" . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من قال حين يمسي أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق لم تضره لدغة عقربٍ حتى يصبح \" . وعنه صلى الله عليه وسلم: \" من قال حين يصبح في أول يومه أو في أول ليلته باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاثاً لم يضره شيءٌ في ذلك اليوم أو تلك الليلة \" . وعنه صلى الله عليه وسلم: \" من قال إذا أصبح باسم الله العلي الأعلى الذي لا ولد له ولا صاحبة ولا شريك أشهد أن نوحاً رسول الله وأن إبراهيم خليل الله وأن موسى نجي الله وأن داود خليفة الله وأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وأن محمداً رسول الله وخاتم النبيين لا نبي بعده لم تلسعه حيةٌ ولا عقرب ولم يخف من سلطانٍ ولا كاهنٍ ولا ساحرٍ حتى يمسي وإذا قالها إذا أمسى لم يخف شيئاً من ذلك حتى يصبح \" .","part":2,"page":141},{"id":642,"text":"وأما ما يقال عند النوم، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" وإذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رهبةً ورغبةً إليك لا ملجأ ولا منجي منك إلا إليك اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت فإن مت من ليلتك مت على فطرة الإسلام واجعلهن آخر ما تتكلم به \" . قال البراء بن عازب: فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت: ورسولك قال: \" ونبيك الذي أرسلت \" . وعن عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يقول: \" اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ولك الحمد أنت قيام السماوات والأرض ومن فيهن أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق ولقاؤك حقٌ والجنة حقٌ والنار حقٌ والساعة حقٌ اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت \" .\rوأما ما يقال عند دخول المنزل والمسجد والخروج منهما، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إذا ولج الرجل بيته فليقل باسم الله اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج باسم الله ولجنا وباسم الله خرجنا وعلى الله توكلنا ثم ليسلم على أهله. وعنه صلى الله عليه وسلم: \" إذا دخل الرجل بيته فقال باسم الله قعد الشيطان على الباب وقال ما من مقيلٍ فهل من غداءٍ فإذا أتي بغدائه فقال باسم الله قال ما من غداء ولا مقيل \" . وعنه صلى الله عليه وسلم: \" إذا خرج الرجل من بيته فقال سبحان الله قال الملك هديت وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قال الملك وقيت فإذا قال توكلت على الله يقول الملك كفيت يقول الشيطان عند ذلك كيف أعمل بمن كفي وهدي ووقي \" . وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته صباحاً قط إلا قال: \" اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أضل أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي \" . وعنه صلى الله عليه وسلم: \" ما من مسلمٍ خرج من بيته يريد سفراً أو غيره فقال حين يخرج باسم الله آمنت بالله اعتصمت بالله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله إلا رزق خير ذلك المخرج وصرف عنه شر ذلك المخرج \" . وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال فضيل بن مرزوقٍ - أحسبه رفعه - قال: \" من قال حين يخرج إلى الصلاة اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعةً خرجت خوف سخطك وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار وان تغفر ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وكل الله به سبعين ألف مللكً يستغفرون له وأقبل الله عليه بوجهه حتى يفرغ من صلاته \" . وعن فاطمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: \" باسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال باسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك \" .\rوأما ما يقال عند النداء، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إذا كان عند الآذان فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء وإذا كان عند الإقامة لم ترد دعوة \" . وعنه صلى الله عليه وسلم: \" من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله رباً وبمحمدٍ رسولاً وبالإسلام ديناً غفر له ذنبه \" . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من سمع المؤذن فقال اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة \" . وعنه صلى الله عليه وسلم: \" إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرةً صلى الله عليه بها عشراً \" .","part":2,"page":142},{"id":643,"text":"وأما ما يقال عند دخول الخلاء، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: \" اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث \" وإذا خرج قال: \" غفرانك \" . وفي لفظٍ إذا خرج قال: \" الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني \" . وعن انسٍ رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: \" اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم \" ، وإذا خرج قال: \" الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني \" .\rوأما ما يقال عند الوضوء وغسل الأعضاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه \" . وعن عليٍ ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا علي إذا توضأت فقل باسم الله والصلاة على رسول الله \" . وعن محمد بن الحنفية قال: دخلت على والدي علي بن أبي طالبٍ - رضي الله عنهما - وإذا عن يمينه إناءٌ به من ماءٍ، فسمى ثم سكب على يمينه ثم تمضمض فقال: اللهم حصن فرجي واستر عورتي ولا تشمت بي الأعداء، ثم تمضمض واستنشق وقال: اللهم لقني حجتي ولا تحرمني رائحة الجنة. ثم غسل وجهه وقال: اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه ولا تسود وجهي يوم تبيض الوجوه. ثم سكب على يمينه فقال: اللهم أعطني كتابي بيميني والخلد بشمالي. ثم سكب على شماله اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا تجعلها مغلولة إلى عنقي ثم مسح برأسه وقال: اللهم غشنا برحمتك فإنا نخشى عذابك، اللهم لا تجمع بين نواصينا وأقدامنا. ثم مسح عنقه فقال: اللهم نجنا من مقطعات النيران وأغلالها. ثم غسل قدميه فقال: اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم يوم تزل فيه الأقدام. ثم استوى قائماً فقال: اللهم كما طهرتنا بالماء فطهرنا من الذنوب، ثم قال بيده هكذا، يقطر الماء من أنامله، ثم قال: يا بني، افعل كفعلي هذا فإنه ما من قطرةٍ تقطر من أناملك إلا خلق الله منها ملكاً يستغفر لك إلى يوم القيامة. يا بني، من فعل كفعلي هذا تساقطت عنه الذنوب كما يتساقط الورق عن الشجر يوم الريح العاصف. وعن عليٍ رضي الله عنه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" يا عليٌ إذا توضأت فقل اللهم إني أسألك تمام الوضوء وتمام مغفرتك ورضوانك \" . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صادقاً من قلبه فتح الله له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها يشاء \" . وعن عليٍ رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا علي إذا فرغت من وضوئك فقل أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك وتفتح لك ثمانية أبواب الجنة فيقال ادخل من أيها شئت \" .\rوأما أدعية الصلاة، فهي إما أن تقع قبلها أو فيها أو بعدها. فأما ما يقال قبلها فقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بأي شيءٍ كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة إذا قام من الليل؟ قال: إذا قام يفتتح صلاته يقول: \" اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلفت فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم \" .","part":2,"page":143},{"id":644,"text":"وأما ما يدعى به في نفس الصلاة، فقد روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ثم يقول: \" سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيهةً قبل أن يقرأ. فقلت: \" يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ قال: \" أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس واغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد \" . وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قال: فكبر فقال: \" الله أكبر كبيراً ثلاث مراتٍ والحمد لله كثيراً ثلاث مراتٍ وسبحان الله بكرةً وأصيلاً ثلاث مراتٍ اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه \" . قال راويه عمرو بن مرة: نفخه: الكبر، ونفثه: السحر، وهمزه: الموتة، وهي الجنون. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم قال: \" وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك وأنا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك \" . فإذا ركع قال: \" اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي \" . فإذا رفع رأسه قال: \" سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ملء السماوات والأرض وما بينهما وملء ما شئت من شيءٍ بعد \" . فإذا سجد قال: \" اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صوره وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين \" . فإذا فرغ من الصلاة وسلم قال: \" اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت به أعلم مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت \" . وقد ورد في لفظٍ آخر أنه يقول: اللهم اغفر لي إلى آخر الدعاء بين التشهد والتسليم. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول في ركوعه: \" سبحان ربي الأعلى \" . وفي لفظٍ أنه كان يقول ذلك ثلاث مراتٍ. وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده وركوعه: \" سبوح قدوس رب الملائكة والروح \" . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: \" ربنا لك الحمد ملئ السماوات والأرض وملئ ما شئت ممن شيءٍ بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبدٌ اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما مانعت لا ينفع منك ذلك الجد منك الجد \" . وعن النبي صلى الله عليه وسلم: \" من قال وهو ساجدٌ ثلاث مراتٍ رب اغفر لي لم يرفع رأسه حتى غفر له \" . وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، وكان يقول: \" التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلامٌ عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلامٌ علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله \" . وروي: \" السلام \" في الموضعين. وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام على الله السلام على فلان. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ: \" إن الله هو السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإذا قالها أصابت كل عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم يتخير في المسألة ما شاء \" . وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الصلاة عليه. وقد سأله كعب بن عجرة عنها فقال: \" قولوا اللهم صلي على محمدٍ وعلى آل","part":2,"page":144},{"id":645,"text":"محمدٍ كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ بالله من أربعٍ: من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وشر المسيح الدجال \" . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: علمني دعاءً أدعو به في الصلاة وفي بيتي قال: \" قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك إنك أنت الغفور الرحيم \" . وروى بعد قوله من عندك: \" وارحمني إنك أنت التواب الرحيم \" .حمدٍ كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ بالله من أربعٍ: من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وشر المسيح الدجال \" . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: علمني دعاءً أدعو به في الصلاة وفي بيتي قال: \" قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك إنك أنت الغفور الرحيم \" . وروى بعد قوله من عندك: \" وارحمني إنك أنت التواب الرحيم \" .","part":2,"page":145},{"id":646,"text":"وأما ما يدعى به بعد التسليم، فقد روي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول دبر كل صلاةٍ: \" لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي يميت وهو على كل شيءٍ قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد \" . وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى: \" لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير لا حول ولا قوة إلا بالله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون \" . وفي طريقٍ آخر: \" له الدين وهو على كل شيءٍ قدير \" . وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الصبح قال: \" اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً طيباً وعملاً متقبلاً \" . وعن أنسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: \" من قال حين ينصرف من صلاته سبحان الله العظيم وبحمده لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثلاث مراتٍ فإنه مغفورٌ له \" . وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاةٍ لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت \" . وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" ما من عبدٍ بسط كفيه في دبر صلاته ثم يقول إلهي إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب إله جبريل وميكائيل وإسرافيل أسألك أن تستجيب دعوتي وتعصمني في ديني فإني مبتلًى وتنالني برحمتك فإني مذنبٌ وتنفي عني الفقر فإني مستمسك إلا كان حقاً على الله ألا يرد يديه خائبتين \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" من قال دبر كل صلاةٍ الحمد لله ثلاثاً وثلاثين مرةً وسبحان الله ثلاثاً وثلاثين مرةً والله أكبر ثلاثاً وثلاثين مرةً وتمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير غفرت ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر \" . وعن عليٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: \" اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك \" . وعن الحسن بن عليٍ رضي الله عنهما قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلماتٍ أقولهن في الوتر، وفي لفظ: في قنوت الوتر: \" اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمنن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازةٍ فقال: \" اللهم اغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده \" . وعن عليٍ رضي الله عنه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" يا علي إذا صليت على جنازة رجلٍ فقل اللهم هذا عبدك ابن عبدك ابن أمتك ماضٍ فيه حكمك خلقته ولم يكن شيئاً مذكوراً نزل بك وأنت خير منزولٍ به اللهم لقنه حجته وألحقه بنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم وثبته القول الثابت فإنه افتقر إليك واستغنيت عنه كان يشهد أن لا إله إلا الله فاغفر له وارحمه ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده اللهم إن كان زاكياً فزكه وإن كان خاطئاً فاغفر له. وإذا صليت على جنازة امرأةٍ فقل اللهم أنت خلقتها وأنت أحييتها وأنت أمتها تعلم سرها وعلانيتها جئناك شفعاء لها فاغفر لها وارحمها ولا تحرمنا أجرها ولا تفتنا بعدها. وإذا صليت على جنازة طفلٍ فقل اللهم اجعله لوالديه سلفاً واجعله لهما ذخراً واجعله لهما رشداً واجعله لهما نوراً واجعله لهما فرطاً وأعقب لوالديه الجنة ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده \" . وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وصلى على جنازةٍ يقول: \" اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بماءٍ وثلجٍ وبردٍ ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه","part":2,"page":146},{"id":647,"text":"وقه فتنة القبر وعذاب القبر وعذاب النار \" . قال عوف رضي الله عنه: فتمنيت لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.قه فتنة القبر وعذاب القبر وعذاب النار \" . قال عوف رضي الله عنه: فتمنيت لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأما ما يقال عند رؤية الجنازة والتلقين والدفن، وما في ذلك من الأجر، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من رأى جنازةً فقال الله أكبر صدق الله ورسوله هذا ما وعدنا الله ورسوله اللهم زدنا إيماناً وتسليماً كتب له عشرون حسنةً في كل يومٍ من يوم يقولها إلى يوم القيامة \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" لقنوا موتاكم لا إله إلا الله \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا باسم الله وعلى ملة رسول الله \" . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا سوى على الميت التراب قال: \" اللهم أسلمه إليك الأهل والمال والعشيرة وذنبه عظيمٌ فاغفر له \" . وعن سعيد بن عبد الله الأودي قال: شهدت أبا أمامة وهو في النزع فقال: إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصنع بموتانا، أمرنا فقال: \" إذا مات أحدٌ من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره فليقل يا فلان بن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيبه ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يستوي قاعداً ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول أرشدنا رحمك الله ولكن لا تشعرون فليقل اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ نبياً وبالقرآن إماماً فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحدٍ منهما بيدٍ صاحبه ويقول انطلق بنا ما نقعد عند من لقن حجته فيكون الله حجيجه دونهما \" . فقال رجلٌ: يا رسول الله فإن لم يعرف أمه؟ قال: \" فينسبه إلى حواء يا فلان ابن حواء \" .\rوأما ما يقال عند زيارة القبور، عن عائشة رضي الله عنها أنها تبعت النبي صلى الله عليه وسلم إلى زيارة البقيع فقال لها: \" قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون \" . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتى المقابر قال: \" السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أنتم لنا فرطٌ ونحن لكم تبعٌ أسأل الله العافية لنا ولكم \" .\rوأما ما يقال عند الإفطار من الصوم، والأكل والشرب، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أفطر قال: \" اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم \" . وعنه صلى الله عليه وسلم: \" من قال اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت وعليك توكلت كتب له من الأجر بعدد من صام ذلك اليوم \" . وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" إن أحدكم لتوضع مائدةٌ بين يديه فما تكاد أن ترفع حتى يغفر له \" . قيل يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: \" لأنه يسمي الله إذا وضعت المائدة وأكل ويحمد الله وإذا رفعت \" . وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" إذا نسي أحدكم أن يذكر اسم الله في أول طعامه فليقل باسم الله أوله وآخره \" . وعنه صلى الله عليه وسلم: \" من أكل طعاماً ثم قال الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه بغير حولٍ مني ولا قوةٍ غفر له ما تقدم من ذنبه \" . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل قال: \" الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجاً \" . ومن رواية أنسٍ: \" الحمد لله الذي أطعمني وسقاني وهداني وكل بلاءٍ حسنٍ أبلاني الحمد لله الرازق ذي القوة اللهم لا تنزع منا صالحاً أعطيتناه ولا صالحاً رزقتناه واجعلنا لك من الشاكرين \" . وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل قال: \" الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وأشبعنا وآوانا وكفانا \" . وعن عليٍ رضي الله عنه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" يا علي إذا شربت ماءً فقل الحمد لله الذي سقانا ماءً عذباً فراتاً برحمته ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا تكتب شاكراً \" . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر عند أهل بيتٍ قال لهم: \" أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار ونزلت عليكم الملائكة \" ، وروي: \" وصلت عليكم الملائكة وذكركم الله فيمن عنده \" .","part":2,"page":147},{"id":648,"text":"وأما ما يقال عند لباس الثوب وإلباسه، وعند النظر في المرآة والتسريح وفي المجلس، روى أبو سعيدٍ الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استجد ثوباً - سماه باسمه قميصاً أو إزاراً أو عمامةً - يقول: \" اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه اللهم إني أسألك من خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له \" . وعن عليٍ رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا علي إذا لبست ثوباً فقل باسم الله الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأستغني به عن الناس لم يبلغ الثوب رقبتك حتى يغفر لك يا علي من لبس ثوباً جديداً وكسا أسماله عرياناً أو مسكيناً كان في جوار الله وأمنه وحفظه ما دام عليه منه سلك \" . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من لبس ثوباً فقال الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حولٍ مني ولا قوةٍ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر \" . وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نظر في المرآة يقول: \" الحمد لله رب العالمين الذي خلقني وسوى خلقي وجعلني بشراً سوياً ولا حول ولا قوة إلا بالله \" . قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: فما تركتها منذ سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لا يمس وجهه من قالها سوءٌ أبدا. وعن عليٍ رضي الله عنه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" يا علي إذا نظرت في المرآة فقل اللهم كما حسنت خلقي فأحسن خلقي وارزقني \" . وعن الرضى علي بن موسى عن أبيه عن آبائه أباً فأباً رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" من أمر المشط على رأسه ولحيته في كل يومٍ سبع مراتٍ وقال في كل مرةٍ سبحان الله العظيم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لم يقارنه ذنب \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" من جلس في مجلسٍ كثر لغطه فيه فقال قبل أن يقوم سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك \" .","part":2,"page":148},{"id":649,"text":"وأما ما يقال في المرض والرقى والوساوس والحريق، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض: \" باسم الله تربة أرضنا وريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا \" . وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنه قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبي وجعٌ قد كاد يبطلني فقال لي صلى الله عليه وسلم: \" اجعل يدك اليمنى عليه ثم قل باسم الله أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد سبع مراتٍ، ففعلت ذلك فشفاني الله تعالى. وعنه صلى عليه وسلم: \" من عاد مريضاً لم يحضر أجله فقال عنده سبع مراتٍ أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض \" . وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريضٍ وضع يده اليمنى على خده وقال: \" أذهب الباس، رب الناس واشف أنت الشافي شفاءً لا يغادر سقماً \" . وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ في أذن مبتلًى فأفاق، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \" ما قرأت في أذنه \" ، قال: قرأت \" أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً \" إلى آخر السورة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" لو أن رجلاً موقناً قرأ بها على جبلٍ لزال \" . وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" من رأى صاحب بلاءٍ فقال الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك وفضلني عليك وعلى كثيرٍ ممن خلق الله عافاه الله من ذلك البلاء كائناً ما كان أبداً ما عاش \" . وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أرقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين فأضع يدي على صدره وأقول: أذهب الباس، رب الناس، بيدك الشفاء ولا كاشف إلا أنت. وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما رفع الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" هذه الكلمات دواءٌ من كل داءٍ أعوذ بكلمات الله التامة وأسمائه كلها عامةً من السامة والهامة وشر العين اللامة ومن شر حاسدٍ إذا حسد ومن شر أبي قترة وما ولد له ثلاثون من الملائكة أتوا ربهم عز وجل فقالوا وصبٌ بأرضنا فقال خذوا تربةً من أرضكم وامسحوا بوصبكم رقية محمدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذ عليها صفداً أو كتمها أحداً فلا أفلح أبداً \" . وعن عليٍ رضي الله عنه قال: من اشتكى ضرسه فليأخذ التراب من موضع سجوده ثم يمسح يده على الموضع الذي يشتكي، ثم يقول: باسم الله، والشافي الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه أتاه رجلٌ فذكر له أن أباه احتبس بوله وأصابته حصاةٌ منعته البول فعلمه رقيةً سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم وهي: \" ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض واغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين فأنزل شفاءً من شفائك ورحمةً من رحمتك على الوجع فيبرأ \" ، فأمره برقيةٍ فرقاه بها فبرئ. وعن عليٍ رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فوافقه مغماً، فقال: يا محمد، ما هذا الغم الذي أراه على وجهك؟ قال: \" الحسن والحسين أصابتهما عين \" . فقال: يا محمد صدق العين فإن العين حق ثم قال: أفلا عوذتهما بهؤلاء الكلمات، فقال: \" وما هن يا جبريل \" ، فقال: \" قل اللهم ذا السلطان العظيم، ذا المن القديم، ذا الوجه الكريم، والكلمات التامات، والدعوات المستجابات عاف الحسن والحسين من أنفس الجن وأعين الإنس \" . فقالها النبي صلى الله عليه وسلم فقاما يلعبان بين يديه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: \" عوذوا أنفسكم بهذا التعوذ فإنه لم يتعوذ المتعوذون بمثله \" . وعن عليٍ رضي الله عنه قال: دعاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: \" أمان لك من الحرق أن تقول سبحانك ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم \" وعنه أيضاً رضي الله عنه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" يا علي أمانٌ لك من الوسواس أن تقرأ \" وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً \" . \" وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً \" .","part":2,"page":149},{"id":650,"text":"وأما ما يقال عند دخول السوق وشراء الجارية والدابة، روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل السوق قال: \" اللهم إني أسألك من خير هذه السوق وأعوذ بك من الكفر والفسوق \" . وعن عليٍ رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا علي إذا دخلت السوق فقل حين تدخل باسم الله وبالله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبد ورسوله يقول الله عز وجل عبدي هذا ذكرني والناس غافلون اشهدوا أني قد غفرت له \" . وعن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حيٌ لا يموت بيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير كتب الله له ألف ألف حسنةٍ ورفع له ألف ألف درجةٍ \" أو قال: \" وبنى له بيتاً في الجنة \" . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا أفاد أحدكم الجارية أو المرأة أو الدابة فليأخذ بناصيتها وليدع بالبركة وليقل اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلت عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه فإن كان بعيراً فليأخذه بذروة سنامه \" .\rوأما ما يقال عند هبوب الريح وفي الرعد والمطر، عن أبي بن كعبٍ رضي الله عنه أن الريح هاجت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبها رجلٌ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \" لا تسبها فإنها مأمورةٌ ولكن قل اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أمرت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أمرت به \" . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد أو البرق قال: \" اللهم لا تقتلنا غضباً ولا تقتلنا بغتةً وعافنا قبل ذلك \" . وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق قال: \" اللهم لا تهلكنا بغضبك ولا تقتلنا بعذابك وعافنا قبل ذلك \" . وعن أنسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيءٍ من الدعاء إلا في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه. وعن كعب بن مرة السلمي رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله، استسق الله لمضر،فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وقال: \" اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريعاً مريئاً عاجلاً غير رائثٍ نافعاً غير ضار \" . قال: فما جمعوا حتى أحيوا. فأتوه فشكوا إليه المطر فقالوا: يا رسول الله قد تهدمت البيوت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه: \" اللهم حوالينا لا علينا \" ، فجعل السحاب يتقطع يميناً وشمالاً. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ناشئاً في أفق السماء ترك العمل وإن كان في صلاة، ثم يقول: \" اللهم إني أعوذ بك من شرها \" ، فإن رأى مطراً قال: \" اللهم صيباً هنيئاً \" . وعنها رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى المطر قال: \" اللهم صيباً نافعاً \" .\rوأما ما يقال في الخوف والشدائد، عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إذا تخوف الرجل من السلطان فليقل اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم كن لي جاراً من فلان بن فلان يسمي الذي يريد وشر الجن والإنس وأحزابهم وأتباعهم أن يفرط علي أحدٌ منهم أو يطغى عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك \" . وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: \" من خاف من السلطان أو غيره فليفزع إلى هذه الدعوة الله أكبر وأعز من خلقه جميعاً الله أكبر وأعز مما أخاف وأحذر وأعوذ بالله الذي لا إله إلا هو ممسك السماوات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه من شر فلان ابن فلان يا رب كن لي جاراً من شره عز جارك وجل ثناؤك ولا إله إلا أنت العلي العظيم يقولهن ثلاث مراتٍ إلا أعاذه الله من شر ذلك \" . وعن عليٍ رضي الله عنه قال: دعاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: \" يا علي إذا اشتد بك أمرٌ فكبر ثلاثاً وقل الله أكبر وأعز من كل شيءٍ والله أكبر أعز من خلقه وأقدر وأعز مما أخاف وأحذر اللهم أدرأ بك في نحره وأعوذ بك من شره فإنك تكفي بإذن الله عز وجل \" .","part":2,"page":150},{"id":651,"text":"وأما ما يقال في الغضب والفزع، عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إني لأعرف كلمةً لو قالها لذهب عنه الذي يجد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم \" . وعن النبي صلى الله عليه وسلم: \" إذا فزع أحدكم فليقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعذابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون فإنها لم تضره \" . قال فكان عبد الله يعلمها من بلغ من ولده، ومن لم يبلغ منهم كتبها في صكٍ وعلقها عليه. وفي لفظٍ: \" إذا فزع أحدكم في النوم فليقل \" يعني الكلمات، وفي طريقٍ: كان خالد بن الوليد رجلاً يفزع في نومه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: \" إذا اضطجعت للنوم فقل \" يعني الكلمات، فقالها فذهب ذلك عنه.","part":2,"page":151},{"id":652,"text":"وأما ما يقال في السفر وركوب الدابة والسفينة ودخول القرية، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً توضأ فأسبغ وضوئه وصلى ركعتين، ويقول وهو في مجلسه مستقبل القبلة: \" الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئاً رب أعني على أهوال الدنيا والآخرة ومن مصيبات الليالي والأيام في سفري فاحفظني وفي أهلي فاخلفني \" . وعن النبي صلى الله عليه وسلم: \" ما استخلف العبد في أهله إذا هو شد عليه ثياب سفره خيراً من أربع ركعاتٍ يصليهن في بيته يقرأ في كل واحدةٍ بفاتحة الكاتب وقل هو الله أحد ثم يقول اللهم إني أتقرب بهن إليك فاجعلهن خليفتي في أهلي ومالي قال فهو خليفته في أهله وماله وولده ودورٍ حول داره حتى يرجع إلى داره \" . وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم سفراً قط إلا قال حين ينهض من جلوسه: \" بك انتشرت إليك وجهت وبك اعتصمت أنت ثقتي ورجائي اللهم اكفني ما يهمني وما لا أهتم به وما أنت أعلم به مني اللهم زودني التقوى واغفر لي ذنبي ووجهني إلى الخير أينما توجهت \" . وعن النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إذا ركبتم الإبل فتعوذوا بالله واذكروا اسم الله عليه فإن على سنام كل بعيرٍ شيطاناً \" .وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استوى على بعيره يريد السفر كبر ثلاثاً ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى اللهم هون لنا سفرنا هذا واطو عنا بعده اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد \" ، وإذا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالهن وزاد فيهن: \" آئبون تائبون لربنا حامدون \" . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من حجٍ أو عمرةٍ فأشرف على شرفٍ كبر ثلاثاً ثم قال: \" لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير آئبون تائبون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده وكل شيءٍ هالكٌ إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال \" . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أمانٌ لأمتي من الغرق إذا ركبوا السفن أن يقولوا باسم الله الرحمن الرحيم وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطوياتٌ بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون باسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفورٌ رحيم \" . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأقبل الليل قال: \" يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما يدب عليك أعوذ بالله من أسدٍ وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن والدٍ وما ولد \" . وعن عليٍ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا علي إذا نزلت منزلاً فقل باسم الله اللهم أنزلنا منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين ترزق خيره ويدفع عنك شره \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" من نزل منزلاً وقال أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق لم يضره شيءٌ حتى يرتحل من منزله ذلك \" . وعن عليٍ رضي الله عنه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" إذا أردت الدخول إلى مدينةٍ أو قريةٍ فقل حين تعاينها اللهم إني أسألك خير هذه القرية وخير ما كتبت فيها وأعوذ بك من شرها وشر ما كتبت فيها اللهم ارزقني خيرها وأعوذ بك من شرها وحببنا إلى أهلها وحبب أهلها إلينا \" . وعن صهيبٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير قريةً يريد دخولها إلا قال: \" اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الرياح وما ذرين ورب الشياطين وما أضللن أسألك خير هذه القرية وخير ما فيها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فأراد أن ينزل قريةً عدل إليها وقال: \" الله أكبر ثلاثاً اللهم ارزقنا خيرها واصرف عنا وباءها وحببنا إلى صالح أهلها وحببهم إلينا \" .","part":2,"page":152},{"id":653,"text":"وأما ما يقال في الزواج والجماع، عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا تزوج أحدكم ثم دخل على أهله فليقل اللهم بارك لي في أهلي وبارك لأهلي في وارزقني منها وارزقها مني واجمع بيننا ما جمعت في خيرٍ وإذا فرقت بيننا ففرق في خيرٍ \" . وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني فإن قضي بينهما ولدٌ لم يضره الشيطان \" ، أو قال: \" لم يسلط عليه \" .\rوأما ما يقال في قضاء الدين ونجاح الحوائج، عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ المسجد فإذا هو برجلٍ من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: \" يا أبا أمامة مالي أراك جالساً في المسجد في غير وقت صلاةٍ \" ؟ قال: همومٌ لزمتني وديونٌ يا رسول الله. قال: \" أفلا أعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله همك عنك وقضى عنك دينك \" ! قال: بلى يا رسول الله. قال: \" قل إذا أصبحت وأمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال \" ، قال: ففعلت ذلك فأذهب الله همي وقضى عني ديني. وعن معاذ ابن جبل رضي الله عنه أنه تخلف عن صلاةٍ من الصلوات ففقده النبي صلى الله عليه وسلم. فلما جاءه قال: \" ما خلفك عن الصلاة يا معاذ \" ؟ قال: ليوحنا اليهودي علي دينٌ فخشيت إن خرجت أن يلزمني فلا أنا وصلت إليك ولا أنا كنت في أهلي. فقال صلى الله عليه وسلم: \" ألا أعلمك كلماتٍ إذا قلتها قضى الله عنك دينك ولو كان مثل الأرض أو مثل صبرٍ ذهباً أو ورقاً قضاه الله عنك \" ! قلت بلى يا رسول الله قال: \" قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيءٍ قديرٌ. تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حسابٍ. رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء أسألك بعزتك ورحمتك أن تقضي عني ديني \" . وعن عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من كانت له حاجةٌ إلى الله أو إلى أحدٍ من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء وليصل ركعتين ثم ليثن على الله عز وجل ويصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليقل لا إله إلا الله الحكيم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل برٍ والسلامة من كل ذنبٍ لا تدع لي ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا حاجةً هي لك رضاً إلا قضيتها \" . وعن عليٍ رضي الله عنه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" يا علي إذا خرجت من منزلك تريد حاجةً فاقرأ آية الكرسي فإن حاجتك تقضى إن شاء الله تعالى \" . وعنه رضي الله عنه قال: \" إذا أراد أحدكم الحاجة فليبكر في طلبها يوم الخميس وليقرأ إذا خرج من بيته آخر سورة آل عمران وآية الكرسي وإنا أنزلناه في ليلة القدر وأم الكتاب فإن فيها قضاء حوائج الدنيا والآخرة \" .\rوأما ما يقال في رد الضالة، من مكحولٍ رضي الله عنه أنه كان يدعو في الضالة: اللهم هادي وراد الضوال اردد علي ضالتي ولا تعنني بطلبها ولا تفجعني بمصيبتها فإنها من رزقك وعطائك. وكان يقول في الآبق: اللهم ضيق عليه البلاد واجعله في أضيق من ضرورة الحمل حتى ترده.","part":2,"page":153},{"id":654,"text":"دعاء الاستخارة عن أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أراد الأمر: \" اللهم خر لي واختر لي \" . وعن جابرٍ بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كمل يعلمنا السورة من القرآن، يقول: \" إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به ويسمي حاجته \" .\rأسماء الله الحسنى والاسم الأعظم قال الله تعالى: \" ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن لله عز وجل تسعةً وتسعين اسماً مائةً غير واحدٍ إنه وترٌ يحب الوتر من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعال، البر، التواب، المنتقم، العغو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور.\rوقد نبه البوني رحمه الله في اللمعة النوارانية على كيفية العلم والعمل بأسماء الله الحسنى وخاصية كل اسمٍ منها، ورتب ذلك وجعله عشرة أنماطٍ فقال:\rالنمط الأول من نظم الأسماء اسمه الله،\rوالإله، والرب، والخالق، والبارئ، والمصور، والمبدئ، والمعيد، والمحيي، والمميت. قال البوني: هذا النمط عشرة أسماءٍ لا تكون إلا أذكاراً للذاكرين على اختلاف أحوالهم. فالله والإله ذكر الأكابر والمولهين في الغالب. والرب، والخالق، والبارئ ذكر الأكابر من السالكين المريدين. والمصور، والمبدئ، والمعيد، والمحيي، والمميت ذكر عباد الله المتعبدين والمتبصرين.\rالنمط الثاني\rالأحد، الواحد، الصمد، الفعال، البصير، السميع، القادر، المقتدر، القوي، القائم. قال: هذه الأسماء العشرة سلكٌ واحدٌ في تقارب الأذكار، وهذا القسم فيه أذكار السالكين المتعلقين بأسرار التوحيد ذكرهم الأحد والواحد. وأما الصمد فذكرٌ يصلح للمرتاضين بالجوع، فذاكره لا يحس بألم الجوع البتة ما لم يدخل عليه ذكراً غيره. والفعال اسمٌ للمغلوبين بالخواطر والوساوس وكثرة الأفكار واغتمام القلب بهذا السبب، فمهما ذكره من هذه صفته تقلبت أفكاره إلى ما يقع له به سرورٌ وفرح. وأما السميع البصير فتنزيهٌ جليل، وهو ذكرٌ يصلح للملحين في الدعاء فإنه ربما أسرعت لهم الإجابة. وأما القادر، والمقتدر، والقوي، والقائم فذكرٌ يصلح لأصحاب الإعياء والحرفة الثقيلة، ولو علم سره من يعاني الأثقال واستدامه لم يحس بثقلٍ فيما يتعاطاه البتة، ومن نقشها في فص خاتمٍ وتختم به أدرك ذلك لوقته، ومن ضعف عن شيءٍ ما وعلقه عليه وذكره قوي لوقته.\rالنمط الثالث\rالحي، القيوم، الرحمن، الرحيم","part":2,"page":154},{"id":655,"text":"الملك القدير، العلي، العظيم، الكبير، المتعال. قال: هذا القسم من الأسماء يحتوي على أذكار المراقبين، وفيه أعمالٌ جليلة البرهان. فالحي القيوم اسمان جليلان، ذكرٌ لأهل الحضرة، وهو من أذكار إسرافيل وملائكة الصور أجمعين، يصلح أن يذكر من مبادئ الفجر إلى طلوع الشمس، يجد ذاكره من الزيادة والخشية والتطلع إلى طلب الفضائل ما لم يعهده قبل، ومن نقش الاسمين عند طلوع الشمس من يوم الجمعة مستقبل القبلة على ذكرٍ وأمسكه عنه أحيا الله ذكره إن كان خاملاً، وأحيا رزقه إن كان قليلاً. وأما الرحمن الرحيم فأذكارٌ شريفةٌ للمضطرين وأمان للخائفين لا ينقشه أحدٌ في خاتمٍ في يوم جمعةٍ آخر النهار فيرى ما يكرهه ما دام عليه. ومن أكثر من ذكره كان ملطوفاً به في كل أموره. وأما الملك والقدير فذكرٌ يذكر عند كل ذي ملكٍ وقدرةٍ فإنه ما من ملكٍ يستديم هذا الذكر في عموم أوقاته إلا ثبت ملكه وانبسطت قدرته، ويصلح للسالك الذي تغلبه شهوات نفسه، فإنه ما يستديم ذكره من هذا مقامه إلا بعث الله إليه قوةً ملكيةً تؤيده وتنصره على من يخالفه من عوالمه. وأما العلي العظيم فللتنزيه. والكبير المتعال مناسبٌ للتنزيه أيضاً، وهما اسمان لائقان بأهل التعظيم من أرباب الأحوال ليس للعامة في الذكر بهما قسم.\rالنمط الرابع\rالمهيمن، المقيت، العزيز، الجبار، المتكبر، المحيط، الحفيظ، الفاطر، المجيد، ذو الجلال. قال البوني: أما المهيمن، والمقيت فللعلم والاستيلاء والمراقبة في الجزئيات والكليات. والعزيز، والجبار، والمتكبر فمن أسماء صفات الذات اللازمة للخوف والرهبة والعظمة، لا يذكرها ذليلٌ إلا عز، ولا حقيرٌ إلا ارتفع، ولا بين يدي جبارٍ إلا ذل وخضع، ولا يذكرها ملكٌ من ملوك الأرض إلا وجد في نفسه ذلةً وانكساراً. وأما الحفيظ فإنه اسمٌ سريع الإجابة للخائفين في الأسفار. وأما المحيط، والمجيد، والفاطر، وذو الجلال، فأسماه التنزيه وزياداتٌ في التوحيد.\rالنمط الخامس\rالعليم، الحكيم، البديع،النور، القابض، الباسط، الأول الآخر، الظاهر، الباطن. قال: هذا القسم من الأسماء جليل القدر عظيم الشأن. فأما العليم، والحكيم فللتوحيد الخاص، لا يصلحان إلا لمن أبهم عليه أمرٌ من كشف سرٍ من أسرار الله تعالى يعسر على الفكر إدراكه، فإنه إذا استدام ذكر العليم الحكيم يسر الله عليه علم ما سأل وعرفه الحكمة فيه، ومنه اسمه البديع أيضاً مثل ذلك. وأما النور، والباسط، والظاهر، فذكر أرباب المكاشفات. ومن أراد أن ينظر شيئاً في منامه فليذكر هذه الأسماء على طهارةٍ وهو في فراشه إلى أن ينام على هذا الذكر، ويعمل همته فيما يريد فإنه يمثل له في نومه كشف ذلك. وأما القابض، والأول، والآخر، والباطن، فكلها أسماءٌ للتعظيم والتوحيد.\rالنمط السادس\rالحليم، الرءوف، المنان، الكريم، ذو الطول، الوهاب، الغفور، الغافر، العفو، المجيب. قال: هذا النمط من الأسماء عليه مدار إبقاء الوجود ودفع الأضداد وجمع المتفرق. أما الحليم، والرءوف، والمنان، فذكرٌ للخائفين، ما داومه من يخاف شيئاً إلا أوجد الله تعالى برد الطمأنينة وسكن روعه. قال البوني: وذكر لي من له إطلاع أنه من استدام هذا الذكر إلى أن يغلب عليه حالٌ منه على خلو معدةٍ ثم أمسك النار لم تعد عليه، ولو تنفس حينئذٍ على قدرٍ تغلي سكن غليانها بإذن الله تعالى، ولا يكتبها أحدٌ ويقابل بها من يخاف منه إلا أطفأ الله شره عند رؤيته، ولا يستديم هذا الذكر من غلبته شهوته إلا نزع الله منه النزوع إليها في أثناء ذكره. وأما الكريم، الوهاب، وذو الطول، فلا يستديم على هذا الذكر من قدر عليه رزقه ومسته حاجةٌ إلا يسر الله عليه من حيث لا يشعر، ومن نقش هذه الأسماء وعلقها عليه لم يدر كيف ييسر الله عليه المطالب من غير عسر. وأما الغفور، والغافر، والعفو، فنظمٌ متقاربٌ لسؤال دفع المؤلم خصوصاً من آلام الدين والدنيا. وأما المجيب، فيذكر في آخر الدعوات.\rالنمط السابع\rالكافي، الغني، الفتاح","part":2,"page":155},{"id":656,"text":"الرزاق، الودود، اللطيف، الواسع، الشهيد، نعم المولى ونعم النصير. قال: هذا النمط من الأسماء جليل القدر، به ينزل الله الرغائب من كل مفضولٍ به على أحدٍ من عباده. فاسمه الكافي، والغني، والفتاح، والرزاق لا يذكر أحدٌ هذه الأسماء الأربعة وهو يتمنى شيئاً لم تبلغه أمنيته إلا بلغه بإذن الله تعالى من جهةٍ لا يعتمد عليها لم تخطر بباله. لا يذكر أحدٌ هذا الذكر على القليل إلا كثره الله ولا على طعامٍ إلا ظهرت فيه زيادة، ولا يذكره من هو في رتبةٍ وهمته طالبةٌ أعلى منها إلا يسر الله له الوصول إليها. وأما الودود، واللطيف، والواسع، والشهيد، فنمطٌ جليل النظم لأرباب الهجوع والخلوة، واللطيف خصوصاً لتفريج الكرب في أوقات الشدائد لا يضاف إليه غيره، لا يذكره من يؤلمه شيءٌ في نفسه وبدنه إلا أزاله الله عنه أثناء الذكر.\rالنمط الثامن\rالشديد ذو القوة، المتين، السريع، الرقيب، المقتدر، القاهر، الوارث، الباعث، القوي. هذا النمط من الأسماء عظيم الشأن فأما الشديد، وذو القوة، والقاهر، والمقتدر، فهي أسماء القهر لا يذكرها ضعيف الهمة إلا قويت نفسه، ولا يدعو بها أحدٌ على ظالمٍ في احتراق الشهر في السابعة من الليل في بيتٍ مظلمٍ حاسر الرأس على الأرض لا حائل بينه وبينها مائة مرةٍ يقول في آخرها: يا شديد خذ لي بحقي من فلانٍ، ولا يشخص شيئاً فالله أعلم بما يعمل. قال: وقد جرب مئين من المرات. ولا ينقشها أحدٌ في خاتمٍ ويتختم به إلا ألبسه الله تعالى مهابةً يدركها من نفسه ويدركها غيره منه، ويرتاع منه كل جبارٍ عنيدٍ عند رؤيته، حتى كأن الجبال على كاهله ما دام ينظر إلى من هو معه. وأما السريع، والرقيب، والمتين، فذكرٌ لأرباب المراقبة في الأفعال تنفتح لهم بذلك مكاشفاتٌ وأسرارٌ. وأما الوارث، والباعث، فلحكمة الاعتبار والتصديق بآثار القدرة.\rالنمط التاسع\rالتواب، الشاكر، الولي، الحسيب، الوكيل، القريب، الصادق، البر، الباقي، الخلاق. قال: هذا القسم مرتبٌ على مقامات السالكين، فالتواب للتائبين، والشاكر للشاكرين، والولي للأولياء، والحسيب لأهل الكفاية، والوكيل للمتوكلين، والقريب من أهل القرب، والصادق مع الصادقين، والبر مع أهل البر، والباقي مع أهل الشهداء، والخلاق لذوي الاعتبار. وللمشايخ في هذا الميدان مجالٌ رحبٌ بحسب اختلاف أحوالهم.\rالنمط العاشر\rالهادي، الخبير، المبين، علام الغيوب، ذو الجلال والإكرام، القدوس، السلام، المؤمن، وينتظم في ذلك المعز، والمذل، وما في آخر سورة الإخلاص. قال: فالهادي، والخبير، والمبين، لمن أراد كشف عواقب الأمور بجوعٍ وسهر، ويذكر هذه الأسماء وعلى رأس مائةٍ من أعداد الذكر يقول: اهدني يا هادي، وخبرني يا خبير، وبين لي يا مبين، ويسمي ما يريده وذلك في جوف الليل، فإذا أدركه النوم مثل له كشف ما أراد من أي نوعٍ شاء. هذا مختصر ما قاله البوني في ترتيب أسماء الله الحسنى.","part":2,"page":156},{"id":657,"text":"وأما ما ورد في الاسم الأعظم، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فقال: \" لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سأل به أعطى وإذا دعي به أجاب \" . وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فإذا رجلٌ من الأنصار يقال له أبو عياشٍ الزرقي يصلي، فدنوت منه، فدعا في صلاته: اللهم إني أسألك - بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام - أن تغفر لي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى \" . وعن أسماء بنت يزيدٍ رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم \" وفاتحة سورة آل عمران \" الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم \" . وعن أبي أمامة واسمه صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن اسم الله الأعظم لفي ثلاث سورٍ من القرآن في البقرة وآل عمران وطه \" . قال فالتمستهما فوجدت في البقرة آية الكرسي \" الله لا إله إلا هو الحي القيوم \" ، وفاتحة آل عمران \" الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم \" ، وفي طه \" عنت الوجوه للحي القيوم \" .\rوالأدعية المختارة كثيرةٌ وقد أتينا منها بما فيه كفايةً لمن توجه إلى الله تعالى وسأله.\rولنختم هذا الباب بما ختم البخاري كتابه: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.\rالقسم الخامس\rفي الملك وما يشترط فيه\rوما يحتاج إليه وما يجب له على الرعية وما يجب للرعية عليه، ويتصل به ذكر الوزراء وقادة الجيوش وأوصاف السلاح وولاة المناصب الدينية والكتّاب والبلغاء.\rوفيه أربعة عشر باباً:\rالباب الأول\rشروط الإمامة الشرعية والعرفية\rالشروط الشرعية فقد ذكر منها الشيخ الإمام أبو عبد الله الحسين ابن الحسن بن محمد بن الحليم الحليمي الجرجاني الشافعي - رحمه الله - في كتابه المترجم \" بالمنهاج \" لمعة واضحة البيان، حسنة التبيان؛ اكتفينا بإيرادها عما سواها، واقتصرنا عليها دون ما عداها؛ لجمعها أكثر الشروط مع إيجاز اللفظ وإصابة الغرض، على ما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.\rقال الحليمي: إذا أراد أهل الاجتهاد نصب إمام حين لا إمام لهم، فأول شرائطه أن يكون من قريش. والثانية أن يكون عالماً بأحكام الدين من الصلاة وأخذ الصدقات ومصارفها والقضايا والجهاد بالمسلمين وقسم الغنائم والنظر في حدود الله تعالى إذا رفعت إليه فيقيمها أو يدرأها وغير ذلك. والثالثة أن يكون عدلاً في دينه وتعاطيه ومعاملاته.\rفأما اشتراط النسب؛ فلما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" الأئمة من قريش... \" وأنه صلى الله عليه وسلم قال: \" قدموا قريشاً ولا تقدموها ولولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها عند الله تعالى \" .\rوأما اشتراط العلم بأحكام الصلاة والزكاة والجهاد والقضاء والحدود والأموال التي يتولاها الأئمة، فإنه لا يمكنه أن يقوم بحقها والواجب فيها إلا بعد العلم، لتكون معالم الدنيا قائمة، وأحكام الله تعالى بين عباده جارية. فإذا لم يكن عنده من العلم ما يتوصل به إلى ما يحتاج الإمام إليه فوجوده وعدمه بمنزلة واحدة. وينبغي أن يكون شجاعاً شهماً، لأن رأس أمور الناس الجهاد؛ فإذا كان من يتولى أمورهم جباناً فشلاً منعه ذلك من مجاهدة المشركين وحمله على أن يترك كثيراً من حقوق المسلمين فكان ضررهم به أكثر من نفعهم.","part":2,"page":157},{"id":658,"text":"وأما اشتراط العدالة، فلأن الإمام إذا كان يتولى حقوق الله تعالى وحقوق المسلمين فمنصبه منصب الأمانة ائتمانٌ له على الحقوق؛ ولا يجوز أن يؤتمن على حقوق الله تعالى من ظهرت خيانته لله ولعباده، ولأن الفاسق ناقص الإيمان فلا يجوز أن يشرف بالتولية على المسلمين الذين فيهم من هو كامل الإيمان وأقرب إلى كماله منه، كما لا يجوز أن يولّى شيئاً من أمور المسلمين كافر، ولأن الفاسق لا يرضى للشهادة فكان بألاّ يرضى للحكم وهو أرفع منزلةً من الشهادة أولى، وإذا لم يرض للحكم كان بألاّ يرضى للإمامة التي هي أجمع من الحكم أولى، والله أعلم، ولأنه إذا لم يكن يصلح نفسه فهو في حق غيره أكثر تضييعاً ولإصلاحه أشد عجزاً، ومن كان بهذه المنزلة فهو أبعد الناس من موقف الأئمة.\rوإذا اجتمعت هذه الشرائط التي ذكرناها في رجل، فإن كان الإمام الذي تقدمه ولاّه في حياته ما يتولاّه إما استخلافاً عند عجزه عن القيام ما عليه فيه، وإما انخلاعاً إليه فلا اعتراض في ذلك عليه، وإن كان أوصى له بالولاية بعد موته فالأظهر جواز ذلك. قال: فإن لم يكن لمن جمع شرائط الإمامة عهدٌ من إمام قبله واحتيج إلى نصب إمام للمسلمين فاجتمع أربعون عدلاً من المسلمين أحدهم عالم يصلح للقضاء بين الناس، فعقدوا لرجل جمع الشرائط التي تقدم ذكرها بعد إمعان النظر والمبالغة بالاجتهاد، ثبتت له الإمامة ووجبت طاعته. وينبغي أن يبدأ العالم الذي بينهم بالعقد ثم الذين ليسوا في العلم والرأي مثله.\rقال: وإذا لم يجدوا من قريش من توجد فيه شرائط الإمام - وهذا بعيد جداً وإنما هي مسائل توضع لاحتمال الوقوع - فعند ذلك يكون الإمام من أقرب القبائل إلى قريش، فيكون من كنانة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: \" إن الله اصطفى كنانة من العرب واصطفى قريشاً من كنانة \" ؛ فإن لم يوجد فيهم كان من أقرب العرب من كنانة، حتى إذا استوفي بنو إسماعيل لم يعدل إلى بني إسحاق، وإن كانوا أقرب لأنهما ابنا إبراهيم، ولكن إلى جدهم من العرب، ثم الأقرب فالأقرب.\rوإذا وجد قرشي عالم غير عدل وقرشيٌ عدلٌ غير عالم وكنانيٌ عالم عدل، قال الحليمي: الأشبه عندي أن يقدم القرشي العدل، فإن أشكل عليه شيء عمل فيه برأي أهل العلم.\rوإذا خلع الإمام نفسه ولم يولّ أحداً مكانه، فإن كان الإمام صالحاً للإمامة بالإطلاق فذلك منه غير نافذ، لأنه نصب ناظراً للمسلمين، وخلعه نفسه في هذه الحالة ضررٌ عليهم، لأنه يدعهم بلا إمام ويعرّضهم للاجتهاد في نصب غيره، وقد يصيبون في ذلك أو يخطئون.\rوإذا أمّر الإمام أمراء واستقضى قضاةً ثم مات، كان أمراؤه وقضاته على أعمالهم كما كانوا في حياته ولا ينعزلون، وليسوا كالوكيل ينعزل بموت الموكل، لأن الوكالة نيابة، والولاية شركة. هذا ما قاله الحليمي، والله تعالى أعلم. فهذه الشرعية التي لابد منها في حق الإمام.\rالشروط العرفية والاصطلاحية وهي ما ينبغي أن يأتيه الملك من جميل الفعال، ويذره من قبيح الخصال.\rقال معاوية بن أبي سفيان: مهما كان في الملك فلا ينبغي أن تكون فيه خمس خصال: لا ينبغي أن يكون كذاباً، فإنه إذا كان كذاباً فوعد بخير لم يرج، وإن وعد بشرٍ لم يخف؛ ولا ينبغي أن يكون بخيلاً، فإنه إذا كان بخيلاً لم يناصحه أحد، ولا تصلح الولاية إلاّ بالمناصحة؛ ولا ينبغي أن يكون حديداً، فإنه إذا كان حديداً مع القدرة هلكت الرعية؛ ولا ينبغي أن يكون حسوداً، فإنه إذا كان حسوداً لم يشرف أحدً، ولا يصلح الناس إلاّ على أشرافهم؛ ولا ينبغي أن يكون جباناً، فإنه إذا كان جباناً اجترأ عليه عدوه.\rوقال ابن المقفع: ليس للملك أن يغضب، لأن القدرة من وراء حاجته؛ وليس له أن يكذب، لأنه لا يقدر على استكراهه على غير ما يريد؛ وليس له أن يبخل، لأنه أقل الناس عذراً في خوف الفقر؛ وليس له أن يكون حقوداً، لأن خطره أعظم من المجازاة.\rوقالت الحكماء: يجب على الملك أن يتلبس بثلاث خصال: تأخيره العقوبة في سلطان الغضب، وتعجيل مكافأة المحسن، والعمل بالأناة فيما يحدث؛ فأن له في تأخير العقوبة إمكاناً، وفي تعجيل المكافأة بالإحسان المسارعة في الطاعة من الرعية، وفي الأناة انفساح الرأي وإيضاح الصواب.\rوقالوا: ينبغي للملك أن يأنف أن يكون في رعيته من هو أفضل منه ديناً، كما يأنف من أن يكون منهم من هو أنفذ منه أمراً.","part":2,"page":158},{"id":659,"text":"وقيل: لا ينبغي للملك أن يسرع إلى حبس من يكتفى له بالجفاء والوعيد.\rوقالوا: ينبغي للملك أن تعرفه رعيته بالأمانة، ولا يعجل بالعقاب ولا بالثواب، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي.\rوقال بعض حكماء الفرس: أحزم الملوك من غلب جده هزله، وقهر رأيه هواه، وعبر عن ضميره فعله، ولم يخدعه رضاه عن حظه، ولا غضبه عن كيده.\rالباب الثاني\rفي صفات الملك وأخلاقه\rوما يفضل به على غيره، وذكر ما نقل من أقوال الخلفاء والملوك الدالة على علو هممهم وكرم شيمهم.\rقال أحمد بن محمد بن عبد ربه: السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام الحدود، والقطب الذي عليه مدار الدين والدنيا؛ وهو حمى الله في بلاده، وظله الممدود على عباده، به يمنع حريمهم، وينصر مظلومهم، ويقمع ظالمهم، ويؤمن خائفهم.\rوقال بعض البلغاء: الملك من تبيض آثار آياديه، وتسود أيام أعاديه؛ وتخضر مواقع سيبه، وتحمر مواضع سيفه؛ وتصفر وجوه حساده، وتروق أعين أنداده.\rوقال سهل بن هارون: الملك صبي الرضا، كهل الغضب؛ يأمر بالقتل وهو يضحك، ويستأصل شأفة القوم وهو يمزح، يخلط الجد بالهزل، ويتجاوز في العقوبة قدر الذنب، وربما أحفظه الذنب اليسير، وربما أعرض صفحاً عن الخطب الكبير؛ أسباب الموت والحياة متعلقة بطرف لسانه، لا يعرف ألم العقوبة فيبقي، ولا يؤنب على بادرة فينتهي، يخطئ فيصوب ويصيب فيفترض، مفتون الهوى فظ الخليقة أخرق العقوبة، لا يمنعه من ذي الخاصة به ما يعلم من عنايته وطول صحبته أن يقتله بخطرة من خطرات موجدته، ثم لا ينفك أن يخطب إليه موضعه، فلا الثاني بالأول يعتبر، ولا الملك عن مثل ما فرط منه يزدجر.\rقال عمرو بن هند: الملوك يشتمون بالأفعال لا بالأقوال، ويسفهون بالأيدي لا بالألسن.\rقال معبد بن علقمة:\rوتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم\rوأما ما يفضل به الملك على غيره، فقد قيل: تميّز الملك على غيره إنما يكون بفضيلة الذات لا بفضيلة الآلات. وفضل ذات الملك بخمس خصال: رحمة تشمل رعيته، ويقظة تحوطهم، وصولة تذبّ عنهم، ولين يكيد به الأعداء، وحزم ينتهز به الفرص، فهذه فضيلة الذات.\rوأما فضيلة الآلات، فاتخاذ المباني الوثيقة العلية، والملابس الأنيقة السنية، والذخائر النفيسة، والمطاعم الشهية، والمراكب البهية.\rوقالت أم مالك طخارستان لنصر بن سيار: ينبغي للملك أن يكون على ستة أشياء خاصة به: وزير يثق به ويفضي إليه بسره، وحصن إذا فزع يأوي إليه، وسيف إذا نزل به أمرٌ لم يخف أن يخونه، وذخيرة خفيفة إذا نابته نائبة استعان بها، وامرأة جميلة إذا دخل عليها أذهبت همّه، وطبّاخ إذا لم يشته الطعام عمل له ما يشتهيه.\rأقوال الخلفاء والملوك الدالة على عظم هممهم، وكرم أخلاقهم وشيمهم، وشدة كيدهم، وقوة أيدهم.\rقيل للإسكندر وهو يحارب دارا: إن دارا في ثمانين ألفاً، فقال: إن القصّاب لا يهوله كثرة الغنم.\rواصطنع أنوشروان رجلاً، فقيل له: إنه لا قديم له، فقال: اصطناعنا إيّاه بيته وشرفه، ولما رهن حاجب ابن زرارة قوسه عند كسرى قال: لولا أنهم عندي أقل من القوس لم أقبلها.\rقال النعمان بن المنذر:\rيعفو الملوك عن الكثير ... من الذنوب لفضلها\rولقد تعاقب في اليسير ... وليس ذلك لجهلها\rلكن ليرجى عفوها ... ويخاف شدّة نكلها\rومن كلام معاوية: تحن الزمان، من رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتضع. وكان يقول: إني لآنف أن يكون في الأرض جهلٌ لا يسعه حلمي، وذنبٌ لا يسعه عفوي، وحاجةٌ لا يسعها جودي. وقال معاوية أيضاً: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أوسع من حلمي، وما غضبي على من أملك، أو ما غضبي على من لا أملك! يريد إني إذا كنت مالكاً للمذنب، فإني قادر على الانتقام منه، فلم ألزم نفسي الغضب! وإن لم أكن أملكه فليس يضره غضبي، فلم أغضب عليه فأضرّ نفسي ولا أضره! ومن كلام السفاح: ما أقبح بنا أن تكون الدنيا لنا وأولياؤنا خالون من حسن آثارنا!.\rومن كلام المأمون: إنما تطلب الدنيا لتملك، فإذا ملكت فلتوهب. وكان يقول: إنما يستكثر من الذهب والفضة من يقلاّن عنده.","part":2,"page":159},{"id":660,"text":"ومن كلام العباس بن محمد الرشيد: إنما هو درهمك وسيفك، فازرع بهذا من شكرك، واحصد بهذا من كفرك؛ فقال: يا عم، والله ما للملك غير هذا. كما قيل:\rلم أر شيئاً صادقاً نفعه ... للمرء كالدرهم والسيف\rيقضي له الدرهم حاجاته ... والسيف يحميه من الحيف\rقيل: لما أشير على الإسكندر بتبيت الفرس، قال: لا أجعل غلبتي سرقة.\rوقيل له: لو تزوجت ببنت دارا! فقال: لا تغلبني امرأة غلبت أباها.\rومن كلام أنوشروان: إن الملك إذا كثرت أمواله مما يأخذ من رعيته كان كمن يعمر سطح بيته مما يقتلع من قواعد بنيانه. وكان يقول وجدنا للّذة العفو ما لم نجد للّذة العقوبة.\rومن كلام المنصور: يحتمل الملوك كل شيء إلا ثلاثة: القدح في الملك، وإفشاء السر، والتعرض للحرم.\rالباب الثالث\rفيما للملك على الرعايا\rمن الطاعة والنصيحة والتعظيم والتوقير.\rوأما الطاعة فواجبة على سائر الرعية، لأن الله تعالى قرن طاعة أولي الأمر بطاعته وطاعة رسوله، ونص على ذلك في محكم تنزيله فقال تعالى: \" يا أيّها الذّين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم \" ، فبأمره تبارك وتعالى وجبت، وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تأكدت وترتبت. روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني \" وهذا الحديث ثابت في صحيح مسلم. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" اسمعوا وأطيعوا ولو أمرّ عليكم عبدٌ حبشي كأن رأسه زبيبة \" . فقد تبين بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وجوب طاعة الإمام على كل مسلم.\rوأما النصيحة، فلما روي عن تميم الداري رضي اله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة \" ؛ قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: \" لله ولكتابه ورسوله وأئمة المؤمنين \" أو قال: \" أئمة المسلمين وعامتهم \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الله عز وجل رضي لكم ثلاثاً وسخط لكم ثلاثاً رضي لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاّه الله عز وجل أمركم \" .\rوقال أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الخيري رحمه الله تعالى: فانصح للسلطان وأكثر له من الدعاء بالصلاح والرشاد في القول والعمل، فإنهم إذا صلحوا صلح العباد والبلاد بصلاحهم، وإياك أن تدعوا عليهم فيزدادوا شراً ويزداد البلاء بالمسلمين، وإياك أن تأتيهم أو تتصنع لإتيانهم أو تحب أن يأتوك، واهرب منهم ما استطعت.\rوفي كتاب للهند أن رجلاً دخل على بعض ملوكهم فقال: أيها الملك، إن نصيحتك واجبة في الصغير الحقير والكبير الخطير، ولولا الثقة بفضيلة رأيك واحتمال ما يسوء موقعه منك في جنب صلاح العامة وتلافي الخاصة لكان خرقاً مني أن أقول، ولكّنا إذا رجعنا إلى أن بقائنا مشمولٌ ببقائك، وأنفسنا معلقةٌ بنفسك لم نجد بدّاً من أداء الحق إليك وإن أنت لم تسلني ذلك؛ فإنه يقال: من كتم السلطان نصيحته والأطباء مرضه والإخوان بثّه فقد أخلّ بنفسه. وأنا أعلم أن كل ما كان من كلام يكرهه سامعه، لم يتشجع عليه قائله إلا أن يثق بعقل المقول إليه، فإنه إذا كان عاقلاً احتمل ذلك، لأنه ما كان فيه من نفعٍ فهو للسامع دون القائل. وإنك أيها الملك ذو فضيلة في الرأي وتصرف في العلم، وإنما يشجعني ذلك على أن أخبرك بما تكره واثقاً بمعرفتك بنصحي لك وإيثاري إياك على نفسي.\rوقال عمرو بن عتبة للوليد بن يزيد حين تغيّر الناس له: يا أمير المؤمنين، إنه ينطقني الأمن منك، وتسكتني الهيبة لك، وأراك تأمن أشياء أخافها عليك، أ فأسكت مطيعاً أم أقول مشفقاً؟ قال: قل، مقبولٌ منك، ولله فينا علم غيبٍ نحن صائرون إليه، فقتل بعد ذلك بأيام.\rوقالوا: ينبغي لمن صحب السلطان ألاّ يكتم عنه نصيحته وإن استقلّها، وليكن كلامه له كلام رفق لا كلام خرق، حتى يخبره بعيبه من غير أن يواجهه بذلك، ولكن يضرب له الأمثال ويعرّفه بعيب غيره، ليعرف به عيب نفسه.","part":2,"page":160},{"id":661,"text":"دخل الزّهريّ على الوليد بن عبد الملك فقال له: ما حديثٌ يحدّثنا به أهل الشام؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: يحدثوننا أن الله إذا استرعى عبداً رعيته كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات؛ قال: باطلٌ يا أمير المؤمنين، أنبيٌّ خليفةٌ أكرم على الله أم خليفةٌ غير نبيّ؟ قال: نبيٌّ خليفةٌ؛ قال: فإن الله تعالى يقول لنبيه داود عليه السلام: \" يا داود إنّا جعلناك خليفةً بالأرض فاحكم بين النّاس بالحقّ ولا تتّبع الهوى فيضلّك عن سبيل الله إنّ الّذين يضلّون عن سبيل الله لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا يوم الحساب \" ؛ فهذا يا أمير المؤمنين وعيده لنبيٍّ خليفة، فما ظنك بخليفةٍ غير نبيّ! قال: إنّ الناس ليعروننا من ديننا.\rخطب المنصور فقال في خطبته ما كأنه تفسير ما أدمجه فيثاغورث وإيضاحه، وهو: معشر الناس، لا تضمروا غش الأئمة فإنه من أضمر ذلك أظهره الله على سقطات لسانه، وقلبات أحواله وسحنة وجهه.\rقال: خرج الزّهريّ يوماً من مجلس هشام بن عبد الملك فقال: ما رأيت كاليوم ولا سمعت كأربع كلمات تكلم بهنّ رجلٌ عند هشام بن عبد الملك، دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، احفظ عني أربع كلماتٍ فيهنّ صلاح ملكك، واستقامة رعيتك، قال: هاتهن؛ فقال: لا تعدنّ عدةً لا تثق من نفسك بإنجازها، ولا يغرنّك المرتقى وإن كان سهلاً إذا كان المنحدر وعراً، واعلم أن الأعمال جزاءٌ فاتق العواقب، وأن الأمور بغتاتٌ فكن على حذر، قال عيسى بن دأب: فحدّثت الهادي بها وفي يده لقمة قد رفعها إلى فيه فأمسكها، وقال: ويحك! أعد عليّ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين؛ أسغ لقمتك؛ فقال: حديثك أعجب إليّ.\rوقال ابن المقفع: اعلم أن السلطان يقبل من الوزراء التبخيل ويعدّه منهم شفقةً ويحمدهم عليه وإن كان جواداً، فإن كنت مبخّلاً غششت صاحبك بفساد مروءته، وإن كنت مسخيّاً لم تأمن من إضرار ذلك بمنزلتك؛ فالرأي تصحيح النصيحة على وجهها، والتماس المخرج من العيب واللائمة فيما تترك من تبخيل صاحبك، فلا يعرف منك فيما تدعوه إلي ميلاً إلى شيء من هواك، ولا طلباً لغير ما ترجو أن يزينه وينفعه.\rوأما تعظيمه وتوقيره والأدب في خدمته والتمسك بجماعته، فلما روي عن أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" السلطان ظل الله في أرضه فمن أكرمه أكرمه الله ومن أهانه أهانه الله \" .\rوعن أبي عبيدة الجراح رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" لا تسبوا السلطان فإنه فيء الله في أرضه \" .\rوعن أبي ذر رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" إنه كائنٌ بعدي سلطانٌ فلا تذّلوه فمن أراد أن يذلّه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وليس بمقبولٍ توبته حتى يسد الثلّمة التي ثلم ثم يعود فيكون فيمن يعزّه \" .\rوقد روي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" إذا مررت ببلدٍ ليس فيه سلطانٌ فلا تدخله فإنما السلطان ظلّ الله ورمحه في الأرض \" .\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات مات ميتةً جاهليةً \" .\rوعن أبي رجاء العطاردي قال: سمعت ابن عباس يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر فإنه ليس أحدٌ يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتةً جاهلية \" . رواه بخاري.\rفقد تبين لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوب تعظيم السلطان وتوقيره.\rوقال بزرجمهر: من جالس الملوك بغير أدب فقد خاطر بنفسه.\rوقال ابن المقفع: من خدم السلطان فعليه بالملازمة من غير معاتبة.","part":2,"page":161},{"id":662,"text":"وقال: إن سأل السلطان غيرك فلا تكن المجيب عنه، فإن استلابك الكلام خفةٌ منك واستخفافٌ بالسائل والمسئول؛ وما أنت قائل إن قال لك: ما إياك سألت! أو قال لك المسئول عند المسألة يعاد له بها: يا هذا، دونك فأجب؟ وإذا لم يقصد الملك بمسئلته رجلاً بعينه وعمّ بها جميع من عنده فلا تبادرنّ بالجواب، ولا تسابق الجلساء ولا تواثب بالكلام مواثبة، فإنك إن سبقت القوم إلى الجواب صاروا لكلامك خصوماً فتعقبوه بالعيب له والطعن فيه، وإذا أنت لم تعجل بالجواب وخليّته للقوم عرضت قولهم على عينك، ثم تدبرته وفكرت فيه وفيما عندك، ثم هيأت من تفكيرك ومما سمعت جواباً مرضياً، ثم استدبرت به أقاويلهم حتى تصغي إليك الأسماع، ويهدأ عنك الخصوم. فإن لم يبلغك الكلام واكتفى بغيرك وانقطع الحديث فلا يكوننّ من الغبن عند نفسك فوت ما فاتك من الجواب، فإن صيانة القول خيرٌ من سوء موضعه. وقال: إذا كلّمك السلطان فاستمع لكلامه واصغ إليه، ولا تشغل طرفك بنظر، ولا أطرافك بعمل، ولا قلبك بحديث نفس، واحذر هذا من نفسك وتعهّدها به. وقال: لا تشكونّ إلى وزراء السلطان ودخلائه ما اطلعت عليه منه من رأى أنت تكرهه، فإنك تكون قد فطنتهم لهواه والميل عليك معه. وقال: لا تكونن صحبتك للملوك إلا بعد رياضة منك لنفسك على طاعتهم في المكروه عندك، وموافقتهم فيما خالفك، وتقدير الأمور على أهوائهم دون هواك، وعلى ألاّ تكتمهم سرّك ولا تستطلعهم على ما كتموك، وتخفي ما أطلعوك عليه عن الناس كلهم حتى تحمي نفسك الحديث به، وعلى الاجتهاد في طلب رضاهم، والتلطّف لحاجاتهم، والتثبيت لحجتهم، والتصديق لمقالتهم، والتزين لرأيهم، وقلة الامتعاض لما فعلوا إذا أساءوا، وترك الانتحال لما فعلوا إذا أحسنوا، وكثرة النشر لمحاسنهم، وحسن الستر لمساوئهم، والمقاربة لمن قاربوا وإن كان بعيداً، والمباعدة لمن باعدوا وإن كان قريباً، والاهتمام بأمورهم وإن لم يهتموا، والحفظ لأمورهم وإن ضيّعوا، والذكر لأمورهم وإن نسوا، والتخفيف بمؤنتك عنهم، والاحتمال لكل مؤنة لهم، والرضا منهم بالعفو، وقلة الرضا من نفسك بالمجهود.\rفإن كنت حافظاً إذا ولّوك، حذرً إذا قربوك، أميناً إذا ائتمنوك، ذليلاً إذا صرموك، راضياً إذا أسخطوك، تعلمهم وكأنك تتعلم منهم، وتؤدبهم وكأنك تتأدب منهم، وتشكرهم ولا تحمّلهم الشكر، وإلاّ فالبعد منهم كل البعد.\rومن الآداب العرفية في صحبة الملوك وخدمتهم، ألاّ يسلّم على قادمٍ بين أيديهم، وإنما استسنّ ذلك زياد بن أبيه، وذلك أن عبد الله بن عباس قدم على معاوية بن أبي سفيان وعنده زياد، فرحب به معاوية وألطفه وقربه ولم يكلمه زياد بكلمة، فابتدأه ابن عباس وقال: ما حالك يا أبا المغيرة! كأنك أردت أن تحدث بيننا وبينك هجرة؛ قال: لا، ولكنه لا يسلّم على قادم بين يدي أمير المؤمنين؛ فقال له ابن عباس: ما ترك الناس التحية بينهم عند أمرائهم؛ فقال له معاوية: كف عنه يا بن عباس، فإنك لا تشاء أن تغلب إلا غلبت.\rوقالوا: كن على التماس الخطأ بالسكوت بين يدي السلطان أحرص منك على التماسه بالكلام.\rوقالوا: مساءلة الملوك عن أحوالهم من تحية النّوكى.\rوقالوا: لا تسلم على الملك، فإنه إن أجابك شقّ عليه، وإن لم يجبك شقّ عليك.\rوقال الفضل بن الربيع: سنتان مهملتان عند الملوك: السلام والتشميت، لأنهم يصانون عن كل ما يقتضي جواباً.\rوقيل: لا يقدر على صحبة السلطان إلا من يستقل بما حمّلوه، ولا يلحف إذا سألهم، ولا يغترّ بهم إذا رضوا عنه، ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه، ولا يطغى إذا سلطوه، ولا يبطر إذا أكرموه.\rوقال فيلسوف: إذا قربك السلطان فكن منه على حدّ السّنان، وإن استرسل إليك فلا تأمن انقلابه عليك، وارفق به رفقك بالصبيّ، وكلمه بما يشتهي.\rقال الصاحب بن عباد:\rإذا ولاّك سلطانٌ فزده ... من التعظيم واحذره وراقب\rفما السلطان إلا البحر عظماً ... وقرب البحر محذور العواقب\rوقال أبو الفتح البستيّ: أجهل الناس من كان مدلاًّ على السلطان مذلاًّ للإخوان.","part":2,"page":162},{"id":663,"text":"قال الشعبي: قال لي ابن عباس: قال لي أبي: إني أرى هذا الرجل - يعني عمر بن الخطاب - يستفهمك ويقدّمك على الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني موصيك بخلالٍ أربع: لا تفشينّ له سرّاً، ولا يجرّبنّ عليك كذباً، ولا تطو عنه نصيحة، ولا تغتابنّ عنده أحداً؛ قال الشعبي: فقلت لابن عباس: كل واحدةٍ خير من ألف، قال: إي والله ومن عشرة آلاف!.\rالباب الرابع:\rفي وصايا الملوك\rكتب أرسطاطاليس إلى الإسكندر: أن املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها، فإنّ طلبك الناس بإحسانك هو أدوم بقاءً منه باعتسافك؛ واعلم أنك إنما تملك الأبدان فاجمع لها القلوب؛ واعلم أنّ الرعية إذا قدرت أن تقول قدرت أن تفعل.\rوهذا مخالف لما حكي عن معاوية أنّ رجلاً أغلظ عليه فحلم عنه؛ قيل له: أتحلم عن مثل هذا؟ فقال: إنا لا نحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا.\rوكتب إلى الإسكندر: اعلم أنك غير مستصلح رعيتك وأنت مفسد، ولا مرشدهم وأنت غاوٍ، ولا هاديهم وأنت ضالّ؛ وكيف يقدر الأعمى على الهدى، والفقير على الغنى، والذليل على العزّ!.\rوقال أنوشروان: ثمانية أشياء هي أساس الملك، يأتي بأربعة، ويحذر أربعة؛ فالذي يأتي به: النصح في الدين، وكفاء الأمين، وتقديم الحزم، وإمضاء العزم.\rوالذي يحذره: غشّ الوزير، وسوء التدبير، وخبث النية، وظلم الرعية.\rوقال أردشير لأصحابه: إني إنما أملك الأجساد لا النيات، وأحكم بالعدل لا بالرضا، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر.\rوقال أبرويز لابنه شيرويه: لا توسعنّ على جندك سعةً يستغنون بها عنك فيطغوا، ولا تضيق عليهم ضيقاً يضجون به منك، ولكن أعطهم عطاءً قصداً وامنعهم منعاً جميلاً، وابسط لهم في الرجاء، ولا تبسط لهم في العطاء.\rوكتب إليه أيضاً من الحبس: اعلم أن كلمةً منك تسفك دماً وأخرى تحقن دماً، وأن سخط سيفك مسلول على من سخطت عليه، وأن رضاك بركةٌ مستفادةٌ على من رضيت عنه، وأنّ نفاذ أمرك مع ظهور كلامك، فاحترس في غضبك من قولك أن يخطئ، ومن لونك أن يتغيّر، ومن جسدك أن يخفّ، فإن الملوك تعاقب حزماً وتعفو حلماً. واعلم أنك تجلّ عن الغضب، وأن ملكك يصغر عن رضاك، فقدر لسخطك من العقاب ما تقدر لرضاك من الثواب.\rوكتب إليه أيضاً من الحبس: اختر لولايتك امرأً كان وضيعاً فرفعته، وذا شرفٍ كان مهملاً فاصطنعته، ولا تجعله امرأً أصبته بعقوبة فاتضع لها، ولا امرأً أطاعك بعدما أذللته، ولا أحداً ممن يقع في خلدك أنّ إزالة سلطانك أحبّ إليه من ثبوته؛ وإياك أن تستعمله ضرعاً غمراً، كثيراً إعجابه بنفسه، قليلاً تجربته في غيره، ولا كبيراً مدبراً قد أخذ الدهر من عقله كما أخذت السّنّ من جسمه.\rقال لقيط الإيادي:\rفقلّدوا أمركم لله درّكم ... رحب الذّراع بأمر الحرب مضطلعا\rلا مترفاً إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عضّ مكروهٌ به خشعا\rمازال يحلب درّ الدهر أشطره ... يكون متّبعاً طوراً ومتّبعا\rحتّى استمرّت على شزرٍ مريرته ... مستحصد الرأي لا قحماً ولا ضرعا\rوكتب سابور بن أردشير في عهده إلى ولده:ليكن وزيرك مقبول القول عندك، قويّ المنزلة لديك، يمنعه مكانه منك وما يثق به من لطافة منزلته، من الخشوع لأحدٍ أو الضراعة أو المداهنة لأحد في شيء مما تحت يده، لتبعثه الثقة بك على محض النصيحة لك، والمنابذة لمن أراد غشك وانتقاصك حقّك. وإن أورد عليك رأياً يخالفك ولا يوافق الصواب عندك، فلا تجبهه جبه الظّنين، ولا ترده عليه بالتجهّم فيفتّ ذلك في عضده، ويقبضه عن إبثاثك كل رأيٍ يلوح صوابه، بل اقبل ما ارتضيت من قوله، وعرّفه ما تخوفت من ضرر الرأي الذي انصرفت عنه، لينتفع بأدبك فيما يستقبل الرأي فيه. واحذر كل الحذر أن تنزل هذه المنزلة سواه ممن يطيف بك من خدمك وخاصتك، وأن تسهل لأحد منهم سبيل الانبساط بالنطق عندك والإفاضة في أمور ولايتك ورعيتك، فإنه لا يوثق بصحة رأيهم، ولا يؤمن الانتشار فيما أفضي من السر إليهم.","part":2,"page":163},{"id":664,"text":"وقال ابن المقفع: عوّد نفسك الصبر على من خالفك من ذوي النصيحة، والتجرع لمرارة قولهم وعذلهم، ولا تسهلنّ سبيل ذلك إلا لأهل الفضل والعقل والسن والمروءة في ستر، لئلا ينتشر من ذلك ما يجترىء به سفيه أو يستخف به شانئ. واعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء ففرغه لمهم ما يعنيك، وأن مالك لا يتسع للناس فاخصص به أهل الحق، وأن كرامتك لا تطيق العامة فتوخّ بها أهل الفضل، وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجاتك وإن دأبت فيهما، فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك. واعلم أن ما شغلت من رأيك بغير المهم أزرى بك، وما صرفت من مالك في الباطل فقدته حين تريده للحق، وما عدلت به من كرامتك إلى أهل النقص أضرّ بك في العجز عن أهل الفضل.\rوكتب عبد الله بن عباس إلى الحسن بن عليّ لما ولاّه الناس أمرهم بعد عليّ رضي الله عنهما: أن شمّر للحرب، وجاهد عدوّك، واشتر من الضنين دينه بما لا يثلم دينك، ووال أهل البيوتات تستصلح به عشائرهم.\rوقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: يجب على الوالي أن يتعهد أموره ويتفقد أعوانه حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسيء، ثم لا يترك أحدهما بغير جزاء، فإنه إذا ترك ذلك تهاون المحسن واجترأ المسيء، وفسد الأمر وضاع العمل.\rوقال بعض الحكماء: الملك المنعم إذا أفاض المكارم واغتفر الجرائم ارتبط بذلك خلوص نية من قرب منه وهم الأقل، وانفساح الأمل ممن بعد عنه وهم الأكثر، فيستخلص حينئذ ضمائر الكل من حيث لم يصل معروفه إلا إلى البعض.\rولم أر فيما طالعته من هذا المعنى أجمع للوصايا ولا أشمل من عهدٍ كتبه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إلى مالك بن الحارث الأشتر حين ولاّه مصر، فأحببت أن أورده على طوله وآتي على جملته وتفصيله، لأن مثل هذا العهد لا يهمل، وسبيل فضله لا يجهل، وهو: هذا ما أمر به عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاّه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها، أمره بتقوى الله وإيثار طاعته واتباع ما أمره به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا بالعدول عنها؛ وأن ينصر الله تعالى بيده وقلبه ولسانه، فإنه جلّ اسمه قد تكفل بنصر من نصره وإعزاز من أعزه؛ وأمره أن يكسر نفسه عند الشهوات ويزعها عند الجمحات، فإن النفس لأمارةٌ بالسوء.\rثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول من قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمر الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم.\rوإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده. فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح. فاملك هواك وشحّ بنفسك عما لا يحل لك؛ فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت.\rوأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم؛ والطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم؛ فإنهم صنفان: إما أخٌ في الدين، وإما نظيرٌ لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ؛ فأعطهم من صفحك وعفوك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك؛ والله فوق من ولاّك؛ وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم، فلا تنصبن نفسك لحرب الله، فإنه لا قوة لك بنقمته، ولا غنى بك من عفوه ورحمته.\rولا تندمنّ على عفو، ولا تبجحنّ بعقوبة، ولا تسرعنّ إلى بادرة وجدت منها مندوحة، ولا تقولنّ: مؤمّر آمر فأطاع، فإن ذلك إدغالٌ في القلب ومنهكةٌ للدين وتقرب من الغير.\rفإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهةً أو مخيلةً، فانظر إلى عظم ملك الله تعالى فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يطامن إليك من طماحك، ويكفّ عنك من غربك ويفيء إليك بما عزب عنك من عقلك.\rوإياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته، فإن الله يذّل كل جبّار ويهين كل مختال.\rأنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك وممن لك فيه هوىً من رعيتك، فإنك إلاّ تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان لله حرباً حتى ينزع ويتوب.\rوليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامةٍ على ظلم فإن الله سميعٌ دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد.","part":2,"page":164},{"id":665,"text":"وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمّها في العدل وأجمعها لرضا الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر برضا العامة.\rوليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤنةً في الرخاء، وأقل معونةً في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقلّ شكراً عند العطاء، وأبطأ عذراً عند المنع، وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة، وإن عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة؛ فليكن صغوك لهم وميلك معهم.\rوليكن أبعد رعيتك منك وأشنؤهم عندك أطلبهم لعيوب الناس، فإن في الناس عيوباً الوالي أحقّ بسترها، فلا تكشفنّ عما غاب عنك منها، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله حكمٌ على ما غاب عنك منها.\rفاستر العورة ما استطعت يستر الله ما تحب ستره من عيبك.\rأطلق عن الناس عقدة كل حقد، واقطع عنهم سبب كل وتر، وتغاب عن كل ما لا يصلح لك.\rولا تعجلنّ إلى تصديق ساعٍ، فإن الساعي غاشّ وإن تشبه بالناصحين.\rولا تدخلنّ في مشورتك بخيلاً فيعدل عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جباناً فيضعفك عن الأمور، ولا حريصاً فيزين لك الشره بالجور؛ فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظن بالله.\rواعلم أن شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً ومن شركهم في الآثام، فلا يكوننّ لك بطانةً، فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظّلمة. وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم، ممن لم يعاون ظالماً على ظلمه ولا آثماً على إثمه، أولئك أخف عليك مؤنةً وأحسن لك معونة، وأحنى عليك عطفاً وأقلّ لغيرك إلفاً، فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك. ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم للحق، وأقلّهم مساعدةً فيما يكون منك مما كره الله تعالى لأوليائه واقعاً من هواك حيث وقع. ثم رضهم على ألاّ يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني إلى العزة. ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلةٍ واحدةٍ، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة، وألزم كلاًّ منهم ما ألزم نفسه.\rواعلم أنه ليس شيء أدعى إلى حسن ظنّ والٍ برعيته من إحسانه إليهم وتخفيف المؤنات عليهم وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم.\rوليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً.\rوإن أحق من حسن ظنك به من حسن بلاؤك عنده، وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده.\rولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية، ولا تحدثن سنة تضر بشيء من ماضي تلك السنن، فيكون الأجر لمن سنها، والوزر عليك بما نقضت منها.\rوأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك.\rواعلم أن الرعية طبقاتٌ لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض، فمنها جنود الله، ومنها كتّاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الإنصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكلٌ قد سمّى الله سهمه، ووضع على حدّه فريضته في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم عهداً منه محفوظاً.\rفالجنود بإذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلا بهم، ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجتهم.\rثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من المعاقد، ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها.\rولا قوام لهم جميعاً إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم، ويقومون به في أسواقهم، ويكفونهم من الرفق بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم.\rثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم؛ وفي الله لكلٍ سعة؛ ولكلٍ على الوالي حقٌ بقدر ما يصلحه.\rوليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل.","part":2,"page":165},{"id":666,"text":"فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله تعالى ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم، جيباً، وأفضلهم حلماً، ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ورفق بالضعفاء وينبو عن الأقوياء، وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف.\rثم ألحق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع الكرم وشعب العرف؛ ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما.\rولا يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به؛ ولا تحقرنّ لطفاً تعاهدهم به وإن قلّ، فإنه داعيةٌ لهم إلى بذل النصيحة لك، وحسن الظن بك.\rولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالاً على جسيمها، فإن لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به، وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه.\rوليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم حتى يكون همّهم همّاً واحداً في جهاد العدو، فإن عطفك عليهم يعطف عليك قلوبهم؛ وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودة الرعية؛ وإنه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدرهم، ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة أمورهم وقلة استثقال دولهم وترك استبطاء انقطاع مدتهم، فافسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم، فإن كثرة الذكر لحسن فعالهم تهز الشجاع وتحرض الجبان إن شاء الله.\rثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى.\rولا تضّمّن بلاء امرئ إلى غيره، ولا تقصرنّ به دون غاية بلائه.\rولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيراً، ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً.\rواردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور؛ فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم: \" يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيءٍ فردّوه إلى الله والرسول \" ؛ فالراد إلى الله هو الآخذ بمحكم كتابه، والراد إلى الرسول الآخذ بسنته الجامعة غير المتفرقة.\rثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تممكه الخصوم، ولا يتمادى في الذلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، أوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عند إيضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء؛ وأولئك قليل.\rثم أكثر تعاهد قضائه؛ وافسح له في البذل ما يريح علته وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك.\rفانظر في ذلك نظراً بليغاً؛ فإن هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار يعمل فيه بالهوى وتطلب به الدنيا.\rثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولهم محاباة وأثرة، فإنهما جماعٌ من شعب الجور والخيانة.\rوتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقاً وأصح أعراضاً، وأقل في المطامع إسرافاً، وأبلغ في عواقب الأمور نظراً.\rثم أسبغ عليهم الأرزاق،فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنىً لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجةٌ عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك.\rثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم ، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوةً لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية.\rوتحفظ من الأعوان، فإن أحدٌ منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهداً، فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام الذلة، ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة.\rوتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن صلاحهم وصلاحه صلاح لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأن الناس كلهم عيالٌ على الخراج وأهله.\rوليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة؛ ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلاً.","part":2,"page":166},{"id":667,"text":"فإن شكوا ثقلاً أو علةً أو انقطاع شرب أو بالةٍ أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم؛ ولا يثقلنّ عليك شيء خففت به المؤنة عنهم، فإنه ذخرٌ يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك باستفاضة العدل فيهم، معتمداً فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجماحك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم ورفقك بهم.\rفربما حدث من الأمور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد، احتملوه طيبةً أنفسهم به، فإن العمران يحتمل ما حملته، وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر.\rواستعمل من يحب أن يدخر حسن الثناء من الرعية والمثوبة من الله عز وجل والرضا من الإمام.\rثم انظر في حال الكتاب فولّ أمورك خيرهم.\rواخصص رسائلك التي تدخل فيها مكايدك وأسرارك بأجمعهم لوجود صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلافٍ لك بحضرة ملأ، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك وإصدار جوابها على الصواب منها عنك، وفيما يأخذ لك ويعطى منك، ولا يضعف عقداً اعتقده لك، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل.\rثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك، فإن الرجال يتعرفون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم؛ وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شيء؛ ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك، فاعمد لأحسنهم كان في العامة أثراً، وأعرفهم بالأمانة وجهاً، فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره.\rواجعل لرأس كل أمر من أمورك رأساً منه لا يقهره كبيرها ولا يتشتت عليه كثيرها.\rومهما كان في كتابك من عيبٍ فتغابيت عنه ألزمته.\rثم استوص بالتجار وذوي الصناعات، وأوص بهم خيراً المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه، فإنهم موادّ المنافع وأسباب المرافق وجلاّبها من المباعد والمطارح في برّك وبحرك وسهلك وجبلك وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترئون عليها، فإنهم سلمٌ لا تخاف بائقته، وصلحٌ لا تخشى غائلته.\rوتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك.\rواعلم أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع في المبايعات، وذلك باب مضرة للعامة، وعيبٍ على الولاة، فامنع من الاحتكار، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم منع منه.\rوليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين البائع والمبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكّل به وعاقبه من غير إسراف.\rثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين المحتاجين وأهل البؤسى والزمنى، فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً، فاحفظ الله ما استحفظك فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلاّت صوافى الإسلام في كل بلد، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى.\rوكلٌ قد استرعيت حقه فلا يشغلنّك عنهم بطر فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لأحكامك الكثير المهم، فلا تشخص همّك عنهم ولا تصعر خدّك لهم؛ وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم؛ ثم اعمل فيهم بالاعذار إلى الله سبحانه وتعالى في تأدية حقه إليه.\rوتعهد أهل اليتم وذوي الرّقة في السنّ ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه.\rوذلك على الولاة ثقيل؛ والحق كله ثقيل وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم.\rواجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم في شخصك وتجلس لهم فيه مجلساً عاماً فتتواضع فيه لله الذي خلقك وتبعد عنهم جندك وأعوانك من حراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متعتع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في غير موطن: \" لن تقدّس أمةٌ لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع.\rثم احتمل الخرق منهم والعيّ، ونحّ عنك الضيق والأنف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته ويوجب لك ثواب طاعته، وأعط ما أعطيت هنيئاً، وامنع في إجمال وإعذار.","part":2,"page":167},{"id":668,"text":"ثم أمورٌ من أمورك لابدّ لك من مباشرتها: منها إجابة عمالك بما لا يغني عنه كتابك، ومنها إصدار حاجات الناس عند ورودها عليك مما تحرج به صدور أعوانك.\rوأمض لكل يوم عمله فإن لكل يوم ما فيه.\rواجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت وأجزل تلك الأقسام، وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية.\rوليكن في خاصة ما تخلص لله به دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصة، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك، ووفّ ما تقربت به إلى الله تعالى من ذلك كاملاً غير مثلوم ولا منقوص بالغاً من بدنك ما بلغ.\rوإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكوننّ منفراً ولا مضيعاً، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة؛ وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وجهني إلى اليمن كيف أصلي بهم؟ فقال: \" كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيماً \" .\rوأما بعد هذا فلا يطولنّ احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالأمور.\rوالاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل.\rوإنما الوالي بشر لا يعرف ما يوارى عنه الناس من الأمور؛ وليست على الحق سماتٌ تعرف بها ضروب الصدق من الكذب.\rوإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق، ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه أو فعل كريم تسديه؟ وإما امرؤ مبتلىً بالمنع، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا يئسوا من ذلك! مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤنة فيه عليك من شكاة مظلمةٍ أو طلب إنصافٍ في معاملة.\rثم إن للوالي خاصةً وبطانة فيهم استئثارٌ وتطاول وقلة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة ذلك بقطع أسباب تلك الأحوال. ولا تقطعنّ لأحد من حاشيتك وخاصتك قطيعة، ولا يطمعنّ منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤنته على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة.\rوألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابراً محتسباً واقعاً ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع؛ وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه، فإن مغبة ذلك محمودة.\rوإن ظنت الرعية بك حيفاً فأصحر لهم بعذرك واعدل عنك ظنونهم بإصحارك، فإن في ذلك إعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق.\rولا تدفعنّ صلحاً دعاك إليه عدوك ولله فيه رضاً، فإن في الصلح دعةً لجنودك وراحةً من همومك وأمناً لبلادك.\rولكن احذر كل الحذر من عدوّك بعد صلحه، فإن العدو ربما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن.\rفإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة وألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة واجعل نفسك جنّة دون ما أعطيت، فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس أشدّ عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود؛ وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر.\rفلا تغدرنّ بذمتك ولا تخيسنّ بعهدك ولا تختلنّ عدوك، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهلٍ شقي.\rوقد جعل الله عهده وذمته أمناً قضاه بين العباد برحمته، وحرماً يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره، فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه.\rولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل.\rولا تعولنّ على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة.\rولا يدعونّك ضيق أمرٍ لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق، فإن صبرك على ضيقٍ ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته وأن تحيط بك من الله طلبة فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك.\rإياك والدماء وسفكها بغير حلّها، فإنه ليس شيءٍ أدعى لنقمةٍ ولا أعظم تبعةٍ ولا أحرى بزوال نعمةٍ وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقّها، والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة؛ فلا تقوينّ سلطانك بسفك دمٍ حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله.\rفلا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد، لأن فيه قود البدن.\rفإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة؛ فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة، فلا تطمحنّ بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم.","part":2,"page":168},{"id":669,"text":"وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الإطراء، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين.\rوإياك والمنّ على رعيتك بإحسانك، والتزيد فيما كان من فعلك، وأن تعدهم فتتبع موعدك بخلف، فإن المنّ يبطل الإحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والناس.\rقال الله تعالى: \" كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون \" .\rوإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التسقط فيها عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت؛ فضع كل أمر موضعه وأوقع كل عمل موقعه.\rوإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عما يعنى به مما قد وضح لعيون الناظرين، فإنه مأخوذ منك لغيرك، وعما قليلٍ تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك المظلوم.\rاملك حميّة أنفك وسورة حدّك وسطوة يدك وغرب لسانك، واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار، ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك.\rوالواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة، أو سنة فاضلة، أو أثرٍ عن نبينا صلى الله عليه وسلم، أو فريضة في كتاب الله، فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا، واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها.\rوأنا أسأل الله بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كل ذي رغبة: أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه، مع حسن الثناء في العباد وجميل الأثر في البلاد وتمام النعمة وتضعيف الكرامة، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة.\rإنّا لله وإنّا إليه راجعون.\rتم العهد بعون الله تعالى.\rوقيل ينبغي للملك أن يوق العنف باللطف، والتوفير بالتوقير، ولا يتخذ أعواناً إلا أعياناً، ولا إخلاء إلا أجلاء، ولا ندماء إلا كرماء، ولا جلساء إلا ظرفاء.\rالباب الخامس\rفيما يجب على الملك للرعايا\rويجب على الملك أن يبسط لرعيته بساطاً، ويبني لهم من الأمن فسطاطاً، وينشر عليهم ألوية حلمٍ خفقت ذوائبها،ويسلسل لهم أنهار برٍّ امتدت دوائبها؛ ويكف عنهم أكف المظالم، ويوكف عليهم سحائب المكارم.\rوأهم ما قدم من ذلك العدل.\rالعدل وثمرته وصفة الإمام العادل والعدل واجب على كل من استرعى رعيةً من إمام وغيره؛ قال الله تعالى: \" إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان \" ، وقال تعالى: \" وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين \" ، وقال تعالى: \" وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى \" ، وقال تعالى: \" يا داود إنّا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحقّ ولا تتبع الهوى \" ، وقال تعالى: \" الّذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" عدل ساعة في حكمة خيرٌ من عبادة ستين سنة \" .\rوقال صلى الله عليه وسلم: \" ألا كلكم راع ٍ وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عنهم والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته \" .\rقال بعض الشعراء:\rفكلكم راعٍ ونحن رعية ... وكلٌ سيلقى ربه فيحاسبه\rوقالت الحكماء: إمام عادل خير من مطر وابل، وإمام غشوم خير من فتنة تدوم.\rيقال: إن جمشيد أحد ملوك الفرس الأول، لما ملك الأقاليم عمل أربعة خواتيم: خاتماً للحرب والشرطة وكتب عليه الأناة، وخاتماً للخراج وكتب عليه العمارة، وخاتماً للبريد وكتب عليه الوحا، وخاتماً للمظالم وكتب عليه العدل، فبقيت هذه الرسوم في ملوك الفرس إلى أن جاء الإسلام.\rوقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائراً فله الوزر وعليك الصبر.\rوقال أردشير لابنه: يا بني إن الملك والعدل أخوان لا غنى لأحدهما عن صاحبه،فالملك أسٌّ والعدل حارس،فما لم يكن له أس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع، يا بني اجعل حديثك مع أهل المراتب، وعطيتك لأهل الجهاد، وبشرك لأهل الدين، وبرّك لمن عناه ما عناك من ذوي العقول.","part":2,"page":169},{"id":670,"text":"وقال بعض الحكماء: يجب على السلطان أن يلتزم العدل في ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه، وفي باطن ضميره لإقامة أمر دينه، فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان؛ ومدار السياسة كلها على العدل والإنصاف، فلا يقوم السلطان لأهل الكفر والإيمان إلا بهما، ولا يدور إلا عليهما.\rوقال عبد الملك بن مروان لبنيه: كلكم يترشح لهذا الأمر، ولا يصلح له منكم إلا من له سيفٌ مسلول، ومالٌ مبذول؛ وعدلٌ تطمئن إليه القلوب.\rوخطب سعيد بن سويد بحمص، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن للإسلام حائطاً منيعاً وباباً وثيقاً؛ فحائط الإسلام الحق وبابه العدل؛ ولا يزال الإسلام منيعاً ما اشتد السلطان؛ وليس شدة السلطان قتلاً بالسيف ولا ضرباً بالسوط، ولكن قضاءٌ بالحق وأخذٌ بالعدل.\rوكتب إلى عمر بن عبد العزيز بعض عماله يستأذنه في تحصين مدينة، فكتب إليه: حصّنها بالعدل ونقّ طريقها من الظلم.\rوقال معاوية: إني لأستحي أن أظلم من لا يجد علي ناصراً إلا الله.\rوقال المهدي للربيع بن جهم وهو والٍ على أرض فارس: يا ربيع، انشر الحق والزم القصد وابسط العدل وارفق بالرعية، واعلم أن أعدل الناس من أنصف من نفسه، وأجورهم من ظلم الناس لغيره.\rوقال جعفر بن يحيى: الخراج عمود الملك، وما استغزر بمثل العدل، ولا استنزر بمثل الظلم.\rوقال عمرو بن العاص: لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل.\rوقيل: سأل الإسكندر حكماء بابل، فقال: أيما أبلغ عندكم، الشجاعة أم العدل؟ فقالوا إذا استعملنا العدل استغنينا عن الشجاعة.\rولما جيء بالهرمزان ملك خوزستان أسيراً إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم يزل الموكّل به يقتفي أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى وجده بالمسجد نائماً متوسداً درته، فلما رآه الهرمزان قال: هذا هو الملك؟ قيل نعم، فقال له: عدلت فأمنت فنمت، والله إني قد خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة أصحاب التيجان فما هبت أحداً منهم هيبتي لصاحب هذه الدرة.\rوقالوا: إذا عدل الإمام خصب الزمان.\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الأرض لتزين في أعين الناس إذا كان عليها إمامٌ عادل، وتقبح إذا كان عليها إمام جائر.\rوحكي أن كسرى أبرويز نزل متنكراً بامرأة، فحلبت له بقرة فرآها حلبت لبناً كثيراً، فقال لها: كم يلزمك في السنة على هذه البقرة للسلطان؟ فقالت: درهم واحد؛ فقال: أين ترتع وبكم منها ينتفع؟ فقالت: ترتع في أراضي السلطان، ولي منها قوتي وقوت عيالي؛ فقال في نفسه: إن الواجب أن أجعل إتاوة على البقور فلأصحابها نفعٌ عظيم؛ فما لبث أن قالت المرأة: أوّه، إن سلطاننا همّ يجور، فقال أبرويز: لمه؟ فقالت: لأن درّ البقرة انقطع، وإن جور السلطان مقتضٍ لجدب الزمان؛ فأقلع عما كان همّ به. وكان يقول بعد ذلك: إذا همّ الإمام بجور ارتفعت البركة.\rوقال سقراط: ينبوع فرح العالم الملك العادل، وينبوع حزنهم الملك الجائر.\rوقال الفضل: لو كان عندي دعوةٌ مستجابة لم أجعلها إلا في الإمام. فإنه إذا صلح أخصبت البلاد وأمنت العباد؛ فقبّل ابن المبارك رأسه وقال: لا يحسبنّ هذا غيرك.\rوقال قدامة: حسبكم دلالةً على فضيلة العدل أن الجور الذي هو ضدّه لا يقوم إلا به؛ وذلك أن اللصوص إذا أخذوا الأموال واقتسموها بينهم احتاجوا إلى استعمال العدل في اقتسامهم وإلا أضر ذلك بهم.\rصفة الإمام العادل.\rكتب عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة إلى الحسن ابن أبي الحسن البصري أن يكتب له صفة الإمام العادل؛ فكتب إليه الحسن: اعلم يا أمير المؤمنين، أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف.\rوالإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله والحازم الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحر والقر.\rوالإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغاراً، ويعلمهم كباراً، يكسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد وفاته.\rوالإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرّة الرفيقة بولدها، حملته كرها، ووضعته كرها، وربته طفلا، تسهر لسهره وتسكن لسكونه، وترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتم بشكايته.","part":2,"page":170},{"id":671,"text":"والإمام العادل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى، وخازن المساكين، يربي صغيرهم ويمون كبيرهم.\rوالإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده.\rوالإمام العادل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وعباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد لله ويقودهم.\rفلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله، فبددّ المال وشرّد العيال فأفقر أهله وأهلك ماله.\rواعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها! وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم! واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلّة أشياعك عنده وأنصارك عليه، فتزود له وما بعده من الفزع الأكبر.\rواعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلاً غير منزلك الذي أنت به، يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحباؤك، ويسلمونك في قعره فريداً وحيداً؛ فتزود له ما يصحبك يوم يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه.\rواذكر يا أمير المؤمنين إذا بعثر ما في القبور، وحصّل ما في الصدور؛ فالأسرار ظاهرة، والكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها؛ فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل، قبل حلول الأجل، وانقطاع الأمل؛ لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين، ولا تسلّط المستكبرين على المستضعفين، فإنهم لا يرقبون في مؤمنٍ غلاًّ ولا ذمةً، فتبوء بأوزارك وأوزارٍ مع أوزارك، وتحمل أثقالك وأثقالاً مع أثقالك.\rولا يغرنّك الذين ينعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات من دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك.\rولا تنظرنّ إلى قدرك اليوم، ولكن انظر إلى قدرك غداً وأنت مأسور في حبائل الموت، وموقوف بين يدي الله تعالى في مجمع الملائكة والمرسلين، وقد عنت الوجوه للحيّ القيوم.\rإني يا أمير المؤمنين إن لم أبلغ في عظتي ما بلغه أولو النهي قبلي، فلم آلك شفقةً ونصحا؛ فأنزل كتابي هذا إليك كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريمة لما يرجو له بذلك من العافية والصحة.\rوالسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.\rوحيثما ذكرنا العدل وصفة الإمام العادل فلنذكر الظلم وسوء عاقبته.\rالظلم وسوء عاقبته\rقال الله تعالى: \" ألا لعنة الله على الظالمين \" ، وقال تعالى: \" وأمّا القاسطون فكانوا لجهنّم حطباً \" ، وقال تعالى: \" ولا تحسبنّ الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليومٍ تشخص فيه الأبصار مهطعين \" ؛ قيل: هذا تعزية للمظلوم ووعيد للظالم.\rقال تعالى: \" إنّا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً \" . وقال تعالى: \" وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون \" . وقال تعالى: \" وما للظالمين من أنصارٍ \" . وقال تعالى: \" فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ربّ العالمين \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة إمامٌ جائر \" وفي لفظ آخر: \" أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذاباً إمامٌ جائر \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" اتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب \" وفي لفظ: \" فإنها مستجابة \" .\rويقال: ما أنعم الله على عبد نعمةٍ فظلم بها إلا كان حقيقاً على الله أن يزيلها.\rوقال الأحنف: إذا دعتك نفسك إلى ظلم الناس فاذكر قدرة الله على عقوبتك، وانتقام الله لهم، وذهاب ما آتيت إليهم عنهم.\rوقال يوسف بن أسباط: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله.\rوروي في الحديث: \" إن الله تعالى يقول وعزتي لأجيبن دعوة المظلوم وإن كان كافراً \" .\rوقال: \" ما من عبد ظلم فشخص بصره إلى السماء ثم قال: يا ربّ؛ عبدك، ظلمت فلم أنتصر إلا بك إلا قال الله لبيك عبدي لأنصرنّك ولو بعد حين \" .\rوقيل: الظلم أدعى شيء إلى تغيير نعمةٍ وتعجيل نقمة.\rوقال ابن عباس: ليس للظالم عهد، فإن عاهدته فانقضه، فإن الله تعالى يقول: \" لا ينال عهدي الظالمين \" .\rوأجمعوا على أن المظلوم موقوف على النصرة لقوله تعالى: \" ثمّ بغي عليه لينصرنّه الله \" .\rوالظالم مدرجة العقوبة وإن تنفّست مدّته.","part":2,"page":171},{"id":672,"text":"وقيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان الرجل يظلم في الجاهلية فيدعو على من ظلمه فيجاب عاجلاً ولا يرى ذلك في الإسلام؛ فقال: هذا حاجز بينهم وبين الظلم، وإن موعدكم الآن الساعة، والساعة أدهى وأمر.\rوقيل: تندمل من المظلوم جراحه، إذا انكسر من الظالم جناحه.\rوقالوا: الجور آفة الزمان، ومحدث الحدثان؛ وجالب الإحن، ومسبّب المحن؛ ومحيل الأحوال، وممحق الأموال؛ ومخلى الديار، ومحيي البوار. وهو مأخوذ من قولهم : جار عن الطريق إذا نكب عنها، فكأنه عدل عن طريق العدل وحاد عن سبيله.\rوفي الإسرائليات أن الله عز وجل أوحى إلى موسى عليه السلام: \" يا موسى، قل لبني إسرائيل: تجنبوا الظلم؛ وعزتي وجلالي إن له عندي مغبّة؛ قال: يا رب وما مغبته؟ قال: يتم الولد، وتقليل العدد، وانقطاع الأمد، والثّواء في النار.\rوقد أوردنا في ذلك ما يكتفي به من أن يعلم الله تعالى مسائله ومحاسبه، ومناقشه غداً ومطالبه؛ وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، وموقف المظلوم لطلب حقه ممن ظلمه بملء فيه؛ وربما يعجّل له العقوبة في دنياه، ويضاعف عليه العذاب في أخراه، ويريه عاقبة بغيه في يوم ينظر المرء ما قدمت يداه.\rنسأل الله تعالى أن يحمينا أن نظلم أو نظلم، وأن يجعلنا ممن فوّض أمره إليه وسلّم، ولا يمتحننا بمكروهٍ، فهو بضعفنا عن حمله أدرى، وبعجزنا أعلم، بمنّه وكرمه.\rحسن السيرة والرفق بالرعية. قال الله تعالى: \" ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك \" .\rوروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من أعطي حظه من الرفق فقد أعطى حظّه من الخير كلّه، ومن حرم من الرّفق فقد حرم حظّه من الخير كله \" .\rولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة أرسل إلى سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب فقال لهما: أشيرا عليّ؛ فقال له سالم: اجعل الناس أباً وأخاً وابناً، فبرّ أباك، واحفظ أخاك، وارحم ابنك.\rوقال محمد بن كعب: أحبب للناس ما تحبّ لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، واعلم أنك أوّل خليفة يموت.\rوكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: أما بعد، فإذا أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق عليك، واعلم أن ما لك عند الله مثل ما للرعية عندك.\rوقال المنصور لابنه المهدي: يا بني لا تبرم أمراً حتى تفكر فيه، فإن فكرة العاقل مرآته تريه حسناته وسيئاته؛ واعلم أن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل؛ وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه.\rوقال خالد بن عبد الله القسريّ لبلال بن أبي بردة: لا يحملنّك فضل المقرة على شدة السّطوة، ولا تطلب من رعيتك إلا ما تبذله لها، ف \" إنّ الله مع الذّين اتقوا والذّين هم محسنون \" .\rوقيل: لما انصرف مروان بن الحكم من مصر إلى الشام، استعمل ابنه عبد العزيز على مصر، وقال له حين ودعه: أرسل حكيماً ولا توصه؛ انظر أي بنيّ إلى أهل عملك، فإن كان لهم عندك حقٌّ غدوةً فلا تؤخره إلى عشية، وإن كان لهم عشيةً فلا تؤخره إلى غدوة، وأعطهم حقوقهم عند محلّها تستوجب بذلك الطاعة منهم.\rوإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب، فإنهم إن ظهر لهم منك كذب لم يصدقوك في الحق.\rواستشر جلساءك وأهل العلم، فإن لم يستبن لك فاكتب إليّ يأتيك رأيي فيه إن شاء الله.\rوإن كان بك غضب على أحد من رعيتك فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب، واحبس عقوبتك حتى يسكن غضبك ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب مطفأ الجمرة، فإنّ أول من جعل السجن كان حليماً ذا أناة؛ ثم انظر إلى أهل الحسب والدين والمروءة، فليكونوا أصحابك وجلساءك، ثم ا رفع منازلهم منك على غيرهم على غير استرسال ولا انقباض، أقول هذا وأستخلف الله عليك.\rالباب السادس\rفي حسن السياسة، وإقامة المملكة،\rوما يتصل به الحزم والعزم، وانتهاز الفرص، والحلم، والعفو، والعقوبة، والانتقام.\rفأما ما قيل في حسن السياسة وإقامة المملكة؛ قالوا: \" من طلب الرياسة فليصبر على مضض السياسة \" .\rويقال: \" إذا صحت السياسة تمت الرياسة \" .","part":2,"page":172},{"id":673,"text":"كتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف يأمره أن يكتب إليه بسيرته فكتب إليه: إني أيقظت رأيي وأنمت هواي، وأدنيت السيد المطاع في قومه، ووليت الحرب الحازم في أمره، وقلدت الخراج الموفر لأمانته، وقسمت لكل خصيم من نفسي قسماً، أعطيته حظّاً من لطيف عنايتي ونظري، وصرفت السيف إلى النّطف المسيء، والثواب إلى المحسن البريء؛ فخاف المريب صولة العقاب، وتمسك المحسن بحظّه من الثواب.\rوقال الوليد بن عبد الملك لأبيه: يا أبت، ما السياسة؟ فقال: هيبة الخاصة مع صدق مودتها، واقتياد قلوب العامة مع الإنصاف لها، واحتمال هفوات الصنائع.\rوقيل: بلغ بعض الملوك سياسة ملكٍ آخر فكتب إليه: قد بلغت من حسن السياسة مبلغاً لم يبلغه ملك في زمانك، فأفدني الذي بلغت به ذلك؛ فكتب إليه: لم أهزل في أمرٍ ولا نهيٍ ولا وعدٍ، واستكفيت أهل الكفاية وأثبت على العناء لا على الهوى، وأودعت القلوب هيبةً لم يشبها مقت، وودّاً لم يشبه كذب، وعممت القوت، ومنعت الفضول.\rوقيل إن أنوشروان كان يوّقع في عهود الولاة: سس خيار الناس بالمحبة، وامزج للعامة الرغبة بالرهبة.ولما قدم سعد العشيرة في مائة من أولاده على ملك حمير سأله عن صلاح الملك؛ فقال: معدلةٌ شائعة، وهيبةٌ وازعة، ورعيةٌ طائعة؛ ففي المعدلة حياة الإمام، وفي الهيبة نفيٌ للظلام وفي طاعة الرعية حسن التئام.\rوقال أبو معاذ للمتوكل: إذا كنتم للناس أهل سياسة فسوسوا كرام الناس بالرفق والبذل، وسوسوا لئام الناس بالذل يصلحوا على الذل، إن الذل يصلح الناس.\rوقال أنوشروان: الناس ثلاثة طبقات، تسوسهم ثلاث سياسات، طبقة هم خاصة الأشراف، تسوسهم باللين والعطف، وطبقة هم خاصة الأشرار، تسوسهم بالغلظة والعنف، وطبقة هم العامة، تسوسهم بالشدة واللين.\rوقال معاوية بن أبي سفيان: إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين العوام شعرةً ما انقطعت؛ قيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا جذبوها أرخيتها وإذا أرخوها جذبتها.\rوقال المأمون: أسوس الملوك من ساس نفسه لرعيته، فأسقط مواقع حجتها عنه وقطع مواقع حجته عنها.\rوأما ما قيل في الحزم والعزم وانتهاز الفرصة؛ قالت الحكماء: أحزم الملوك من هزم جده هزله، وغلب رأيه هواه، وأعرب عن ضميره فعله، ولم يختدعه رضاه عن سخطه، ولا غضبه عن كيده.\rوقيل لبعضهم: ما الحزم؟ فقال: التفكر في العواقب.\rوقال عبد الملك بن مروان لابنه الوليد: يا بني، اعلم أنه ليس بين السلطان وبين أن يملك الرعية أو تملكه الرعية إلا حزمٌ أو توان.\rوقالوا: ينبغي للعاقل ألا يستصغر شيئاً من الخطأ والزلل، فإن من استصغر الصغير يوشك أن يقع في الكبير، فقد رأينا الملك يؤتى من العدو المحتقر، ورأينا الصحة تؤتى من الدواء اليسير، ورأينا الأنهار تنبثق من الجداول الصغار.\rوقال مسلمة بن عبد الملك: ما أخذت أمراً قط بحزمٍ فلمت نفسي فيه وإن كانت العاقبة عليّ، ولا أخذ أمراً قط وضيعت الحزم فيه فحمدت نفسي وإن كانت العاقبة لي.\rوقال عبد الملك لعمر بن عبد العزيز: ما العزيمة في الأمر؟ فقال: إصداره إذا أورد بالحزم؛ قال: وهل بينهما فرق؟ قال: نعم، أم سمعت قول الشاعر:\rليست تكون عزيمةٌ ما لم يكن ... معها من الحزم المشيّد رافد\rوقيل لملك سلب ملكه: ما الذي سلب ملكك؟ فقال: دفع شغل اليوم إلى الغد والتماس عدّة بتضييع عدد، واستكفاء كل مخدوعٍ عن عقله.\rوالمخدوع عن عقله: من بلغ قدراً لا يستحقه أو أثيب ثواباً لا يستوجبه.\rوفي كتب للهند: الحازم يحذر عدوّه على كل حال، يحذر المواثبة إن قرب، والمغارة إن بعد، والكمين إن انكشف، والاستطراد إن ولّى.وقال صاحب كتاب كليلة ودمنة: إذا عرف الملك أن رجلاً يساوى به في المنزلة والهمّة والمال واتّبع فليصرعه، فإن لم يفعل فهو المصروع.\rوقيل: من لم يقدّمه حزمه أخّره عجزه.\rوقيل: من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ.\rقال البحتري:\rفتىً لم يضيّع وجه حزمٍ ولم يبت ... يلاحظ أعجاز الأمور تعقّبا\rومثله قول آخر:\rوخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتّبعه اتّباعا\rوقيل: من لم ينظر في العواقب فقد تعرض لحادثات النوائب.\rقال الشاعر:","part":2,"page":173},{"id":674,"text":"ومن ترك العواقب مهملاتٍ ... فأيسر سعيه أبداً تبار\rوقال صاحب كتاب كليلة ودمنة: رأس الحزم للملك معرفته بأصحابه وإنزالهم منازلهم واتهام بعضهم على بعض، فإنه إن وجد بعضهم إلى هلاك بعضٍ سبيلاً أو إلى تهجين بلاء المبلين وإحسان المحسنين والتغطية على إساءة المسيئين، سارعوا إلى ذلك، واستحالوا محاسن أمور المملكة، وهجّنوا محاسن رأيه؛ ولم يبرح منهم حاسد قد أفسد ناصحا، وكاذب قد اتهم أمينا، ومحتالٌ قد أغضب بريئا.\rوليس ينبغي للملك أن يفسد أهل الثقة في نفسه بغير أمرٍ يعرفه، بل ينبغي في فضل حلمه وبسطة علمه الحيطة على رأيه فيهم، والمحاماة على حرمتهم وذمامهم، وألا يرتاح إلى إفسادهم، فلم يزل جهّال الناس يحسدون علماءهم، وجبناؤهم شجعانهم، ولئامهم كرماءهم، وفجّارهم أبرارهم، وشرارهم خيارهم.\rوقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: انتهزوا هذه الفرص فإنها تمرّ مرّ السحاب، ولا تطلبوا أثرا بعد عين.\rوكتب يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد، وقد بلغه عنه تلكؤ في بيعته: أما بعد فإني أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي فاعتمد أيهما شئت والسلام.\rوكتب بد الله بن طاهر الخراسانيّ إلى الحسن بن عمر التغلبي: أما بعد، فإنه بلغني من قطع الفسقة الطريق ما بلغني، فلا الطريق تحمي، ولا اللصوص تكفي، ولا الرعية ترضي، وتطمع بعد هذا في الزيادة! إنك لمنفسح الأمل! وايم الله لتكفينّ من قبلك أو لأوجهنّ إليك رجالاً لا تعرف مرّة من جشم، ولا عدياً من رهم. ولا حول ولا قوة إلا بالله.\rوكتب الحجاج بن يوسف إلى قتيبة بن مسلمٍ والي خراسان: أما بعد، فإن وكيع بن حسانٍ كان بالبصرة منه ما كان، ثم صار لصاً بسجستان، ثم صار إلى خراسان، فإذا أتاك كتابي هذا فاهدم بناءه واحلل لواءه.\rوكان على شرطة قتيبة فعزله وولى الضبيّ.\rالحلم. الحلم دفع السيئة بالحسنة.\rوقيل: تجرع الغيظ، وقيل: الحلم دعامة العقل، قال الله تعالى: \" ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌّ حميمٌ وما يلقّاها إلا الذين صبروا وما يلقّاها إلا ذو حظٍ عظيمٍ \" .\rوقال علي رضي الله عنه: حلمك عن السفيه يكثر أنصارك عليه.\rوقيل: ليس الحليم من إذا ظلم حلم حتى إذا قدر استنصر، ولكن الحليم من ظلم فإذا قدر غفر.\rوقيل: الحليم من لم يكن حلمه لفقد النصرة أو لعدم القدرة. وهو جوهر في الإنسان يصدر عن صدر سالم من الغوائل والأذى، صافٍ من شوائب الكدر والقذى؛ لا يستطاع تعلماً، ولا يدرك تفهماً وتبصراً؛ كما قال أبو الطيب:\rوإذا الحلم لم يكن في طباع ... لم يحلّم تقادم الميلاد\rويدل على ذلك أنه غريزة في الإنسان.\rوقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأشجع عبد القيس: \" يا أبا المنذر إن فيك خصلتين يرضاهما الله ورسوله الحلم والأناة \" فقال: يا رسول الله، أ شيء جبلني الله عليه أم شيء اخترعته من قبل نفسي؟ قال: \" بل شيء جبلك الله عليه \" ، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلق يرضاه الله ورسوله.\rومن الناس من يقول: إن الحلم ليس غريزة ولا طبيعة بل مكتسب مستفاد، تتمرن النفس الأبية عليه، وتنقاد حباً في المحمدة إليه.\rوقالوا: الحلم بالتحلم كما أن العلم بالتعلم؛ ويدل على ذلك ما حكي عن جعفر الصادق أنه كان عنده عبد سيء الخلق، فقيل له: أما تأنف من مثل هذا عندك وأنت قادر على الاستبدال به؟ فقال: إنما أتركه لأتعلم عليه الحلم.\rويحكى عنه أنه كان إذا أذنب إليه عبد أعتقه؛ فقيل له في ذلك؛ فقال: أريد بفعلي هذا تعلم الحلم.\rقال الشاعر:\rوليس يتم الحلم للمرء راضياً ... إذا هو عند السخط لم يتحلم\rكما لا يتم الجود للمرء موسراً ... إذا هو عند القتر لم يتحشم\rوروي عن سري السقطي أنه قال: الحلم على خمسة أوجه: حلم غريزي، وهو هبة من الله للعبد، يعفو عمن ظلمه، ويصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويحسن لمن أساء إليه؛ وحلم تحالم، يكظم غيظه رجاء الثواب وفي القلب كراهية؛ وحلم كبر، لا يرى المسيء أهلاً أن يجاريه، وحلم مذموم، رياء وسمعة وهو حاقد ساكت يرائي به جلساءه، وحلم مهانة وذلة وعجز وضعف نفس وصغر همة.","part":2,"page":174},{"id":675,"text":"وقال أبو الهلال العسكري: أجمع كلمةٍ سمعناها في الحلم ما سمعت عم أبي يقول: الحلم ذليل عزيز؛ وذلك أن صورة الحليم صورة الذليل الذي لا انتصار له، واحتمال السفيه والتغافل عنه في ظاهر الحال ذل وإن لم يكن به.\rوقيل: \" الحليم مطية الجهول \" ؛ لاحتماله جهله وتركه الانتصاف منه. وقال الأول البيتين وقد تقدما.\rولهذا قال شيخ من الأعراب وقد قيل له: ما الحلم؟ فقال: الذي تصبر عليه.\rوقال: الحلم عقال الشر، وذلك أن من سمع مكروهة فسكت عنها انقطعت عنه أسبابها، وإن أجاب اتصلت بأمثالها.\rوقالوا: الحلم والأناة توءمان ينتجهما علو الهمة.\rومن كلام النبوة: \" كاد الحليم أن يكون نبياً \" .\rورأى حكيمٌ رقة من ملك فقال: أيها الملك! ليس التاج الذي يفتخر به عظماء الملوك فضةً ولا ذهباً، ولكنه الوقار المكلل بجواهر الحلم، وأحق الملوك بالبسطة، من حلم عند ظهور السقطة.\rوقال معاوية لابنه يزيد: عليك بالحلم والاحتمال حتى تمكنك الفرصة، فإذا أمكنتك فعليك بالصفح، فإنه يدفع عنك معضلات الأمور، ويقيك مصارع المحذور.\rوقال أيضاً: أفضل ما أعطي الرجل الحلم.\rوقال: ما وجدت لذة هي عندي ألذ من غيظ أتجرعه وسفهٍ بحلم أقمعه.\rوقالوا: الحلم مطية وطيئة تبلغ راكبها قاصية المجد، وتملكه ناصية الحمد.\rوقال أبو هلال: ومن أشرف نعوت الإنسان أن يدعى حليماً، لأنه لا يدعاه حتى يكون عاقلاً وعالماً ومصطبراً محتسباً وعفواً وصافحاً ومحتملاً وكاظماً. وهذه شرائف الأخلاق وكرائم السجايا والخصال.\rمن اشتهر بالحلم واتصف به\rكان ممن اشتهر بالحلم الأحنف بن قيس. قيل له: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري، رأيته قاعداً بفناء داره محتبياً بحمائل سيفه يحدث قومه، حتى أتي بمكتوف ورجلٍ مقتول، فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك؛ قال: فوالله ما حلّ حبوته ولا قطع كلامه، ثم التفت إلى ابن أخيه فقال: يا بن أخي أثمت بربك، ورميت نفسك بسهمك، وقتلت ابن عمك؛ ثم قال لابن له آخر: قم يا بني فواري أخاك وحل كتاف ابن عمك وسق إلى أمك مائة ناقة ديّة ابنها فإنها غريبة.\rوقد ساق أبو هلال هذه القصة بسند وزاد فيها زيادة حسنة نذكرها، فقال: إن قيس بن عاصم لما فرغ من حديثه التفت إلى بعض بنيه، فقال: قم إلى ابن عمك فأطلقه، وإلى أخيك فادفنه.\rفبدأ بإطلاق القاتل قبل دفن المقتول.\rوقال في خبره: ثم اتكأ على شقه الأيسر وقال:\rإني امرؤ لا يعتري خلقي ... دنس يفنده ولا أفن\rمن منقرٍ في بيت مكرمةٍ ... والفرع ينبت فوقه الغصن\rخطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه مصاقعٌ لسن\rلا يفطنون لعيب جارهم ... وهمو لحفظ جواره فطن\rوقيل: قتل للأحنف بن قيس ولد وكان الذي قتله أخ للأحنف، فجيء به مكتوفاً ليقيده؛ فلما رآه الأحنف بكى، وأنشد:\rأقول للنفس تأساءً وتعزيةً ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد\rكلاهما خلفٌ من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي\rوممن اشتهر بالحلم معاوية بن أبي سفيان.\rحكي أن رجلاً خاطر رجلاً أن يقوم إلى معاوية إذا سجد فيضع يده على كفله ويقول: سبحان الله يا أمير المؤمنين! ما أشبه عجيزتك بعجيزة أمك هند! ففعل ذلك؛ فلما انفتل معاوية عن صلاته قال له: يا أخي، إن أبا سفيان كان محتاجاً إلى ذلك منها؛ فخذ ما جعلوه لك. فأخذه؛ ثم خاطره آخر بعد ذلك أن يقوم إلى زياد وهو في الخطبة فيقول: أيها الأمير، من أمك، ففعل؛ فقال زياد: هذا يخبرك، وأشار إلى صاحب الشرطة، فقدمه وضرب عنقه؛ فلما بلغ ذلك معاوية قال: ما قتله غيري، ولو أدبته على الأولى ما عاد إلى الثانية.\rقيل: ودخل خريم الناعم على معاوية بن أبي سفيان فنظر معاوية إلى ساقيه، فقال: أي ساقين! لو أنهما على جارية! فقال له خريم: في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين؛ فقال: واحدةٌ بواحدة والبادئ أظلم.\rوقيل: خاطر رجل على أن يقوم إلى عمرو بن العاص وهو في الخطبة فيقول له: أيها الأمير، من أمك؛ ففعل؛ فقال عمرو: النابغة بنت عبد الله أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ؛ فاشتراها عبد الله بن جدعان فوهبها للعاصي بن وائل فولدت له فأنجبت، فإن كانوا جعلوا لك شيئاً فخذه.","part":2,"page":175},{"id":676,"text":"وقيل: أسمع رجل عمر بن عبد العزيز بعض ما يكره؛ فقال: لا عليك، إنما أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً، انصرف إذا شئت.\rحكى صاحب العقد عن ابن عائشة أن رجلاً من أهل الشام دخل المدينة، قال: فرأيت رجلاً راكباً على بغلة لم أر أحسن وجهاً ولا سمتاً ولا ثوباً ولا دابةً منه، قال: فمال قلبي إليه، فسألت عنه، فقيل: هذا الحسن بن علي بن أبي طالب، فامتلأ قلبي بغضاً له وحسدت علياً أن يكون له ولدٌ مثله، فصرت إليه فقلت: أنت ابن أبي طالب؟ قال: أنا ابن ابنه، قلت: قلت فيك وفي أبيك أشتمهما، فلما انقضى كلامي، قال: أحسبك غريباً؛ فقلت: أجل؛ قال: فإن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مالٍ آسيناك أو إلى حاجةٍ عاوناك؛ فانصرفت وما على الأرض أحب إلي منه.\rحدّث زياد عن مالك بن أنس قال: بعث إليّ أبو جعفر المنصور وإلى ابن طاوس؛ فأتينا فدخلنا عليه، فإذا هو جالس على فرش قد نضدت، وبين يديه أنطاعٌ قد بسطت، وجلاوزة بأيديهم السيوف يضربون بها الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا، ثم أطرق عنا طويلاً، ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاوس فقال: حدثني عن أبيك؛ قال: نعم، سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أن أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة رجلٌ أشركه الله في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله \" ؛ فأمسك ساعة؛ قال مالك: فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني من دمه؛ ثم التفت إليه أبو جعفر فقال: عظني يا بن طاوس؛ قال: نعم يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: \" ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصبّ عليهم ربك سوط عذابٍ إنّ ربك لبالمرصاد \" ؛ قال مالك: فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني دمه؛ فأمسك ساعة حتى اسوّد ما بيننا وبينه، ثم قال: يا بن طاوس ناولني هذه الدواة؛ فأمسك؛ فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصيةٍ لله فأكون شريكك فيها؛ فلما سمع ذلك قال: قوما عني؛ فقال ابن طاوس: ذلك ما كنا نبغي منذ اليوم.\rقال مالك: فمازلت أعرف لابن طاوس فضله.\rوقيل: دخل الحارث بن مسكين على المأمون فسأله عن مسألة؛ فقال: أقول فيها كما قال مالك بن أنس لأبيك الرشيد؛ وذكر قوله فلم يعجب المأمون، فقال: لقد تتيست فيها وتتيس مالك؛ فقال الحارث بن مسكين: فالسامع يا أمير المؤمنين من التيسين أتيس؛ فتغير وجه المأمون، وقام الحارث وندم على ما كان منه؛ فلم يستقر في منزله حتى أتاه رسول المأمون، فأيقن بالشر ولبس ثياب أكفانه، ثم أقبل حتى دخل عليه، فقربه المأمون من نفسه، ثم أقبل عليه بوجهه وقال له: يا هذا، إن الله تبارك وتعالى قد أمر من هو خيرٌ منك بالإنة القول لمن هو شرٌ مني، قال لنبيه موسى صلى الله عليه وسلم إذ أرسله إلى فرعون: \" فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى \" ؛ فقال الحارث بن مسكين: يا أمير المؤمنين، أبوء بالذنب وأستغفر الرب؛ فقال: عفا الله عنك، انصرف إذا شئت.\rوقد مدح الشعراء ذوي الحلم، فمن ذلك قول بعضهم:\rلن يدرك المجد أقوامٌ وإن كرمواحتى يذلوا وإن عزّوا لأقوام\rويشتموا فترى الألوان مسفرةً ... لا ذل عجزٍ ولكن ذل أحلام\rوقال آخر:\rلقد أسمع القول الذي هو كلّما ... تذكرنيه النفس قلبي يصدع\rفأبدي لمن أبداه مني بشاشةً ... كأني مسرورٌ بما منه أسمع\rوما ذاك من عجزٍ به غير أنني ... أرى أن ترك الشر للشر أدفع\rوقال مهيار:\rوإذا الإباء المر قال لك: انتقم ... قالت خلائقك الكرام: بل احلم\rشرعٌ من العفو انفردت بدينه ... وفضيلةٌ لسواك لم تتقدّم\rحتى لقد ودّ البريء لو أنه ... أدلى إليك بفضل جاه المجرم\rوقال آخر:\rفدهره يصفح عن قدرةٍ ... ويغفر الذنب على علمه\rكأنه يأنف من أن يرى ... ذنب امرئ أعظم من حلمه\rوقال محمود الوراق:\rإني وهبت لظالمي ظلمي ... وغفرت زلته على علمي\rورأيته أسدى إلي يداً ... لما أبان بجهله حلمي","part":2,"page":176},{"id":677,"text":"فكأنما الإحسان كان له ... وأنا المسيء إليه في الحكم\rمازال يظلمني وأرحمه ... حتى بكيت له من الظلم\rوقال آخر:\rوذي رحمٍ قلمت أظفار ضغنه ... بحلمي عنه حين ليس له حلم\rإذا سمته وصل القرابة سامني ... قطيعتها، تلك السفاهة والإثم\rفداويته بالحلم، والمرء قادرٌ ... على سهمه ما كان في كفه السهم\rلأستلّ منه الضغن حتى سللته ... وإن كان ذا ضغنٍ يضيق به الحزم\rوقد كره بعضهم الحلم في كل الأمور، فمن ذلك ما أنشد المبرد:\rأبا حسنٍ ما أقبح الجهل بالفتى ... وللحلم أحياناً من الجهل أقبح\rإذا كان حلم المرء عون عدوه ... عليه فإن الجهل أعفى وأروح\rوقال آخر:\rترفعت عن شتم العشيرة إنني ... رأيت أبي قد عف عن شتمهم قبلي\rحليمٌ إذا ما الحلم كان جلالة ... وأجهل أحياناً إذا التمسوا جهلي\rوقال آخر: \" إذا الحلم لم ينفعك فالجهل أحزم \" وقال الأحنف: آفة الحلم الذل.\rوقال: لا حلم لمن لا سفيه له.\rوقال: ما قلّ سفهاء قومٍ إلا ذلوا.\rوقال النابغة الجعدي:\rولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا\rولا خير في جهلٍ إذا لم يكن له ... حليمٌ إذا ما أورد الأمر أصدرا\rولما أنشد هذين البيتين النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" أجدت لا يفضض الله فاك \" ؛ قال: فعاش مائةً وثلاثين سنة لم تنفض له ثنية.\rوقال كعب بن زهير:\rإذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليماً أو أصابك جاهل\rالعفو. قال الله تعالى: \" وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفورٌ رحيمٌ \" .\rوقال تعالى: \" فمن عفا وأصلح فأجره على الله \" .\rوقال تعالى: \" والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين \" .\rوقال تعالى: \" وأن تعفو أقرب للتقوى \" .\rوقال تعالى: \" فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره \" .\rوقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: \" خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين \" .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلق في صعيدٍ واحد حيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر ينادي منادٍ من تحت العرش ألا من كان له على الله حقٌّ فليقم فلا يقوم إلا من عفا عن مجرم \" .\rوفي لفظ: \" ينادي منادٍ يوم القيامة ألا من كان له أجراً على الله فليقم، فيقوم العافون عن الناس \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ما من إمامٍ عفا بعد قدرة إلا قيل له يوم القيامة ادخل الجنة بغير حساب \" .\rوقال معاذ بن جبل: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال لي: \" يا معاذ مازال جبريل يوصيني بالعفو فلولا علمي بالله لظننت أنه يوصيني بترك الحدود \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من عفا عن مظلمةٍ صغيرةٍ أو كبيرةٍ فأجره على الله ومن كان أجره على الله فهو من المقربين يوم القيامة \" .\rوعن عليّ بن الحسين أنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: ليقم أهل الفضل فيقوم ناس، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة وهم سائرون فيقولون لهم: أين تريدون؟ فيقولون: الجنة؛ فيقولون لهم: قبل الحساب؟ فيقولون: نعم؛ فيقولون: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الفضل؛ فيقولون: وما فضلكم؟ فيقولون: كنا إذا جهل علينا حلمنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسيء إلينا عفونا؛ فيقولون: يحق لكم أن تكونوا من أهل الجنة فنعم أجر العاملين.\rوقيل لأبي الدرداء: من أعز الناس؟ فقال: الذين يعفون إذا قدروا؛ فاعفوا يعزكم الله تعالى.\rقيل: حد العفو ترك المكافأة عند القدرة قولاً وفعلاً.\rوقيل: هو السكون عند الأحوال المهيجة للانتقام.\rقال الأحنف: إياك وحميّة الأوغاد؛ قيل: وما هي؟ قال: يرون العفو مغرماً والتحمل مغنماً.\rوقيل لبعضهم: هل لك في الإنصاف، أو ما هو خير من الإنصاف؟ فقال: وما هو خير من الإنصاف؟ فقال: العفو.\rوقيل: العفو زكاة النفس.","part":2,"page":177},{"id":678,"text":"وقيل: لذة العفو أطيب من لذة التشفي؛ لأن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفي يلحقها ذم الندم.\rوقيل للإسكندر: أي شيء أنت أسرّ به مما ملكت؟ فقال: مكافأة من أحسن إليّ بأكثر من إحسانه، وعفوي عمّن أساء بعد قدرتي عليه.\rقال أشجع:\rيعفو عن الذنب العظيم ... وليس يعجزه انتصاره\rصفحاً عن الجاني عليه وليس حاط به اقتداره\rوقال المتنبي:\rفتىً لا تسلب القتلى يداه ... ويسلب عفوه الأسرى الوثاقا\rوقال قابوس وشمكير: العفو عن المذنب من واجبات الكرم.\rوقالوا: العفو يزين حالات من قدر، كما يزين الحلي قبيحات الصور.\rوقال المنصور لولده المهدي: لذة العفو أطيب من لذة التشفي، وقد تقدم ذكر الدليل. وقال الشاعر:\rلذة العفو إن نظرت بعين العدل ... أشفى من لذة الانتقام\rهذه تكسب المحامد والأجر ... وهذي تجيء بالآثام\rقال عمر بن حبيب العدويّ: كنت في وفد أهل البصرة لما قدموا على المنصور يسألونه أن يوليّ عليهم قاضياً، فبينا نحن عنده إذ جيء برجل مصفد بالحديد، يده مغلولة في عنقه، فوقف بين يديه فساءله طويلاً، ثم بسط له نطع وأمر بضرب عنقه، والرجل يحلف وهو يكذّبه، ولم يتكلم أحدٌ من الجمع، فقمت وكنت أحدثهم سنّاً فقلت: يا أمير المؤمنين؛ أتاذن لي في الكلام؟ فقال: قل؛ قلت: يروى عن ابن عمك رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من اعتذر إليه أخوه المسلم فلم يقبل لم يرد على الحوض \" وقد اعتذر إليك فاقبل منه عذره؛ فقال: يا غلام اضرب عنقه؛ قلت: إن أباك حدثني عن جدك عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من تحت العرش ليقم كل من كان له عند الله يدٌ فلا يقوم إلا من عفا عن أخيه المسلم \" ، فقال: آالله أبي حدثك؟ فقلت: آالله إن أباك حدثني عن جدك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال أبو جعفر: صدق، حدثني أبي عن جدي عن ابن عباس بهذا؛ فقال: يا غلام خلّ له السبيل، وأمر له بجائزة وولاني قضاء البصرة.\rوقيل أتي المأمون برجل يريد أن يقتله وعلي بن موسى الرضا جالس، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أقول: إن الله تعالى لا يزيدك بحسن العفو إلا عزاً؛ فعفا عنه. وكان المأمون مؤثراً للعفو كأنه غريزة له؛ وهو الذي يقول: لقد حبب إلي العفو حتى إني أظن أني لا أثاب عليه.\rوأحضر إلى المأمون رجل قد أذنب، فقال له المأمون: أنت الذي فعلت كذا وكذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا الذي أسرف على نفسه واتكل على عفوك؛ فعفا عنه.\rقال: ولما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي أمر بإدخاله عليه، فلما مثل بين يديه قال: وليّ الثأر محكم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مد له الاعتذار في الأمل هجمت به الأناة على التلف، وقد جعل الله كل ذنب دون عفوك، فإن صفحت فبكرمك، وإن أخذت فبحقك؛ قال المأمون: إني شاورت أبا إسحاق والعباس في قتلك فأشارا علي به؛ قال: أما أن يكونا قد نصحاك في عظم قدر الملك ولما جرت عليه السياسة فقد فعلا، ولكن أبيت أن تستجلب النصر إلا من حيث عودك الله، ثم استعبر باكياً؛ فقال له المأمون: ما يبكيك؟ قال: جذلاً إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته، ثم قال: إنه وإن كان جرمي بلغ سفك دمي فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلغاني عفوه، ولي بعد هذا شفعة الإقرار بالذنب وحرمة الأب بعد الأب؛ قال المأمون: لو لم يكن في حق نسبك ما يبلغ الصفح عن جرمك لبلغك إليه حسن تنصلك.\rفكان تصويب إبراهيم لرأي أبي إسحاق والعباس ألطف في طلب الرضا ودفع المكروه عن نفسه من تخطئتهما.","part":2,"page":178},{"id":679,"text":"ثم قال المأمون لإسحاق بن العباس: لا تحسبني أغفلت إجلابك مع ابن المهدي وتأييدك لرأيه وإيقادك لناره؛ فقال: والله لإجرام قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من جرمي إليك، ولرحمي أمس من أرحامهم، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال يوسف لإخوته \" لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين \" ، وأنت يا أمير المؤمنين أحق وارث لهذه المنة ومتمثلٍ بها؛ قال: هيهات! تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، وجرمك جرمٌ في إسلامك في دار خلافتك؛ قال يا أمير المؤمنين: فوالله للمسلم أحق بإقالة العثرة وغفران الذنب من الكافر، هذا كتاب الله بيني وبينك، يقول الله تعالى: \" وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم \" الآية إلى \" والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين \" ، فهي للناس يا أمير المؤمنين سنة دخل فيها المسلم والكافر والشريف والمشروف؛ قال: صدقت، اجلس وريت بك زنادي، وعفا عنه.\rوقال أحمد بن أبي داود: ما رأيت رجلاً نزل به الموت فما شغله ذلك ولا أذهله عما كان يجب أن يفعله إلا تميم ابن جميل، فإنه كان تغلب على شاطىء الفرات فظفر به، ووافى به الرسول باب المعتصم في يوم الموكب في حين جلوسه للعامة فأدخل عليه، فلما مثل بين يديه دعا بالنطع والسيف فأحضرا، وجعل تميم بن جميل يصعد النظر إلى ذلك ولا يقول شيئاً، وجعل المعتصم يصعد النظر فيه ويصوبه، وكان جسيماً وسيماً، فرأى أن يستنطقه لينظر أين جنانه ولسانه من منظره، فقال: يا تميم، إن كان لك عذر فأت به أو حجةٌ فأدل بها، فقال: أما إذ قد أذنت لي يا أمير المؤمنين بالكلام فإني أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، \" ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين \" ، يا أمير المؤمنين جبر الله بك صدع الدين ولأم بك شعث الأمة وأخمد بك شهاب الباطل وأوضح بك سراج الحق يا أمير المؤمنين، إن الذنوب تخرس الألسنة، وتصدع الأفئدة، ولقد عظمت الجريرة وكبر الذنب وساء الظن، ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما منك وأسرعهما إليك أولاهما بإمامتك وأشبههما بخلافتك، ثم أنشد:\rأرى الموت بين السيف والنطع كامناً ... يلاحظني من حيثما أتلفت\rوأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئٍ مما قضى الله يفلت!\rومن ذا الذي يدلي بعذرٍ وحجةٍ ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت\rيعز على أبناء تغلب موقفٌ ... يسلّ على السيف فيه وأسكت\rوما جزعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت\rولكن خلفي صبيةً قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرةٍ تتفت\rكأني أراهم حين أنعي إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا\rفإن عشت عاشوا خافضين بغبطةٍ ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا\rوكم قائلٍ: لا يبعد الله داره ... وآخر جذلانٍ يسر ويشمت\rقال: فتبسم المعتصم وقال: كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل! اذهب فقد غفرت لك الهفوة وتركتك للصبية.\rوحكي: أن عبد الملك بن مروان غضب على رجل فهرب منه، فلما ظفر به أمر بقتله؛ فقال له الرجل: إن الله قد فعل ما أحببت من الظفر فافعل ما يحبه من العفو، فإن الانتقام عدل والتجاوز فضل، والله يحب المحسنين؛ فعفا عنه.","part":2,"page":179},{"id":680,"text":"وحكي عن محمد بن حميد الطوسي أنه كان يوماً على غدائه مع جلسائه إذا بصيحة عظيمة على باب داره، فرفع رأسه وقال لبعض غلمانه: ما هذه الضجة؟ من كان على الباب فليدخل؛ فخرج الغلام ثم عاد إليه وقال: إن فلاناً أخذ وقد أوثق بالحديد والغلمان ينتظرون أمرك فيه؛ فرفع يده من الطعام؛ فقال رجل من جلسائه: الحمد لله الذي أمكنك من عدوك، فسبيله أن تسقي الأرض من دمه؛ وأشار كلٌ من جلسائه عليه بقتله على صفة اختارها، وهو ساكت؛ ثم قال: يا غلام، فك عنه وثاقه ويدخل إلينا مكرماً، فأدخل عليه رجل لا دمّ فيه؛ فلما رآه هش إليه ورفع مجلسه وأمر بتجديد الطعام، وبسطه بالكلام ولقمه حتى انتهى الطعام، ثم أمر له بكسوة حسنة وصلة، وأمر برده إلى أهله مكرماً ولم يعاتبه على جرم ولا جنايةٍ، ثم التفت إلى جلسائه وقال لهم: إن أفضل الأصحاب من حض الصاحب على المكارم، ونهاه عن ارتكاب المآثم؛ وحسّن لصاحبه أن يجازي الإحسان بضعفه، والإساءة بصفحه؛ إنا إذا جازينا من أساء إلينا بمثل ما أساء فأين موقع الشكر على النعمة فيما أتيح من الظفر! إنه ينبغي لمن حضر مجالس الملوك أن يمسك إلا عن قولٍ سديد وأمرٍ رشيد، فإن ذاك أدوم للنعمة وأجمع للألفة؛ إن الله تعالى يقول: \" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم \" .\rوقيل: بعث بعض الملوك في رجلٍ وجد عليه فظفر به، فلما مثل بين يديه قال: أيها الأمير، إن الغضب شيطانٌ فاستعذ بالله منه، وإنما خلق العفو للمذنب والتجاوز للمسيء، فلا يضيق على ما يسع الرعية من حلمك وعفوك؛ فعفا عنه وأطلق سبيله.\rوقال خالد بن عبد الله لسليمان بن عبد الملك حين وجد عليه: يا أمير المؤمنين، إن القدرة تذهب الحفيظة، وأنت تجلّ عن العقوبة، ونحن مقرون بالذنب، فإن تعف عني فأهل ذلك أنت، وإن تعاقبني فأهل ذلك أنا؛ فعفا عنه.\rوقيل: أتي الحجاج بأسرى من الخوارج، فأمر بضرب أعناقهم فقتلوا، حتى قدم شاب منهم فقال: والله يا حجاج إن كنا أسأنا في الذنب فما أحسمت في العفو؛ فقال الحجاج: أفاً لهذه الجيف! أما كان فيهم من يقول مثل هذا! وأمسك عن القتل.\rوأتي الحجاج بأسرى فأمر بقتلهم، فقال له رجل منهم: لا جزاك الله يا حجاج عن السنة خيراً، فإن الله تعالى يقول: \" فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداءً \" ، فهذا قول الله تعالى في كتابه، وقال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق:\rوما نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل القلائد\rفقال الحجاج: ويحكم! أعجزتم أن تخبروني ما أخبرني به هذا المنافق! وأمسك عمن بقي.\rالعقوبة والانتقام. ومن الناس من يرجح عقوبة المذنب على ذنبه، ومقابلة المسيء بما يستحقه من نكاله وضربه؛ ورأى أن العفو عن المجرم موجب لتكراره، والإحسان إلى المسيء مقتضٍ لإصراره، وقال: إن طباع اللؤم التي حملته على ذلك لا ترتدع بالإحسان، ومرارة الذنب التي استحلاها لا تغيرها حلاوة الغفران.\rوأخذ في ذلك بالكتاب والحديث، وقابل على الذنب القديم بالعذاب الحديث؛ قال الله تعالى: \" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم \" .\rوقال تعالى: \" وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به \" .\rوقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل أبي عزة، لما كان يتعرض له من أذى رسول الله صلى عليه وسلم، وصلب عقبة بن أبي معيطٍ يوم بدر إلى شجرة؛ فقال: يا رسول الله، أنا من بين قريش! قال: \" نعم \" ؛ قال: فمن للصبية؟ قال: \" النار \" .\rوقيل: إنه أول مصلوبٍ صلب في الإسلام.\rوكان النضر بن الحارث بن كلدة شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ أسيراً يوم بدر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، فقتل صبراً بيد علي بن أبي طالب.\rوقال علي رضي الله عنه: الخير بالخير والبادئ أفضل، والشر بالشر والبادئ أظلم.\rوقال: \" رد الحجر من حيث جاءك \" فالشر لا يدفع إلا بالشر؛ وأنشد:\rلئن كنت محتاجاً إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج\rولي فرسٌ للخير بالخير ملجمٌ ... ولي فرسٌ للشر بالشر مسرج\rفمن رام تقويمي فإني مقوّمٌ ... ومن رام تعويجي فإني معوّج","part":2,"page":180},{"id":681,"text":"وقال الجاحظ: من قابل الإساءة بالإحسان فقد خالف الله في تدبيره، وظن أن رحمة الله دون رحمته، فإن الله تعالى يقول: \" من يعمل سوءاً يجز به \" ، وقال: \" وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها \" ، وقال تعالى: \" فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره \" .\rوقال أكثم بن ضيفي: من تعمد الذنب فلا ترحمه دون العقوبة، فإن الأدب رفق، والرفق يمن.\rقال أبو الطيب المتنبي:\rمن الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم\rوقالوا: تواضع للمحسن إليك وإن كان عبداً حبشياً، وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حراً قرشياً.\rوقال الشعبي: يعجبني الرجل إذا سيم هواناً دعته الأنفة إلى المكافأة وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها.\rورفع كلامه إلى الحجاج بن يوسف الثقفي فقال: لله دره! أي رجلٍ بين جنبيه! وتمثل بقول الشاعر:\rولا خير في عرض امرئ لا يصونه ... ولا خير في حلم امرئ ذل جانبه\rوقال رجل لابن سيرين: إني وقعت فيك فاجعلني في حل؛ قال: ما أحب أن أحل لك ما حرم الله عليك.\rوقالوا: من ترك العقوبة أغرى بالذنب، ولولا السيف كثر الحيف.\rقال الشاعر:\rإذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هواناً وإن كانت قريباً أواصره\rوإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فدعه إلى اليوم الذي أنت قادره\rوقارب إذا ما لم تكن لك حيلةٌ ... وصمم إذا أيقنت أنك عاقره\rوقيل: استؤمر عبد الله بن طاهر بن الحسين في رجلين كانا في السجن، أحدهما ضعيف والآخر عليل، فوقع: الضعيف يقوى والعليل يبرأ، فإن يكن في الحبس ممن يؤمن شره غيرهما فليفرج عنه ودعهما في موضعهما، فإنه من أطلق مثلهما على الناس فهو شرٌ منهما وشريكهما في فعلهما.\rوكتب رجل إلى المأمون - وكان قد طال حبسه - : أغفلت يا أمير المؤمنين أمري، وتناسيت ذكري، ولم تتأمل حجتي وعذري، وقد مل من صبري الصبر، ومسني في حبسك الضر؛ فأجابه المأمون: ركوبك مطية الجهل، صيرك أهلاً للقتل، وبغيك عليّ وعلى نفسك نقلك من سعة الدنيا إلى قبرٍ من قبور الأحياء، ومن جهل الشكر على المنن قل صبره على المحن، فاصبر على عواقب هفواتك وموبقات زلاتك، على قدر صبرك على كثير جناياتك؛ فإن حصل في نفسك كفٌ عن معصيتي، وعزمٌ على طاعتي، وندمٌ على مخالفتي، فلن تعدم مع ذلك جميلاً من بيتي والسلام.\rوقيل لأعرابي: أ يسرك أن تدخل الجنة ولا تسيء إلى من أساء إليك؟ قال: بل يسرني أن أدرك الثار وأدخل النار.\rقال البحتري:\rتذم الفتاة الرؤد شيمة بعلها ... إذا بات دون الثأر وهو ضجيعها\rويقال: إنما هو مالك وسيفك، فازرع بمالك من شكرك، واحصد بسيفك من كفرك.\rقال الشاعر:\rقط العدا قط اليراع وانتهز ... بظبا السيوف سوائم الأضغان\rإن البيادق إن توسع خطوها ... أخذت إليك مآخذ الفرزان\rوقالوا: العفو يفسد من اللئيم، بقدر ما يصلح من الكريم.\rوقال معاوية ابن يزيد بن معاوية لأبيه: هل ذممت عاقبة حلم قط؟ قال: ما حلمت عن لئيم وإن كان ولياً إلا أعقبني ندماً على ما فعلت.\rقال بعض الشعراء:\rمتى تضع الكرامة من لئيم ... فإنك قد أسأت إلى الكرامة\rوقالوا: جنّب كرامتك اللئام، فإنك إن أحسنت إليهم لم يشكروا، وإن أساءوا لم يشعروا.\rومن رسالة لأبي إسحاق الصابي في حق من نزع يده من الطاعة: وكان الذي أثمره الجهاد، ودلّ عليه الارتياد؛ اليأس من صلاح هذه الطوائف الناشئة على اعتياد المعاصي والاستئناس بالدواهي، والثقة بأن أودها لا يتقوم، وزيغها لا يتسدد، وخلائفها لا تنصرف عما ضربت العادة عليه بسياجها، واستمرت به على اعوجاجها، إذا كانت العادة طبيعةً ثانية، وسجية لازمة؛ كذلك زعمت الحكماء، وبرهنت عليه العلماء.\rقال بعض الشعراء:\rما كل يومٍ ينال المرء ما طلبا ... ولا يسوغه المقدار ما وهبا\rوأنصف الناس في كل المواطن من ... سقى الأعادي بالكأس التي شربا\rوليس يظلمهم من بات يضربهم ... بحدّ سيفٍ به من قبلهم ضربا\rفالعفو إلا عن الأعداء مكرمةٌ ... من قال غير الذي قد قلته كذبا","part":2,"page":181},{"id":682,"text":"قتلت عمراً وتستبقي يزيد لقد ... رأيت رأياً يجرّ الويل والحربا\rلا تقطعنّ ذنب الأفعى وتتركها ... إن كنت شهماً أتبع رأسها الذنبا\rهم جردوا السيف فاجعلهم به جزراً ... هم أوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا\rومنها:\rلا عفو عن مثلهم في مثل ما طلبوا ... لكن ذلك كان الهلك والعطبا\rعلام تقبل منهم فديةً وهم ... لا فضةً قبلوا منا ولا ذهبا\rالباب السابع\rالمشورة وإعمال الرأي\rوالاستبداد ومن يعتمد رأيه وذكر من كره أن يستشير.\rما قيل في المشورة وإعمال الرأي قد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة من هو دونه من أصحابه فقال تعالى: \" وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله \" ؛ ذهب المفسرون إلى أن الله تعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه لحاجةٍ منه إلى رأيهم ولكن ليعلم ما في المشاورة من البركة.\rوقيل: أمره بذلك تألفاً لهم وتطييباً لنفوسهم.\rوقيل: ليستنّ بذلك المسلمون.\rوروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ما ندم من استشار ولا خاب من استخار.\rوقيل: الخطأ مع الاستشارة أحمد من الإصابة مع الاستبداد.\rوقيل: من استشار فيما نزل به صديقه واستخار ربه واجتهد رأيه، فقد قضى ما عليه، وأمن من رجوع الملامة إليه؛ ويفعل الله في أمره ما يشاء.\rوقيل: ما هلك امرؤ عن مشورة.\rوقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد .\rوقيل: الأحمق من قطعه العجب عن الاستشارة، والاستبداد عن الاستخارة.\rوقيل: لما همّت ثقيف بالارتداد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، استشاروا عثمان بن أبي العاصي وكان مطاعاً فيهم؛ فقال: لا تكونوا آخر العرب إسلاماً وأولهم ارتداداً؛ فنفعهم الله تعالى برأيه.\rوقال العتبي لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم! فقال: نحن ألف رجل وفينا حازمٌ واحد، فنحن نشاوره فكأنا ألف حازم.\rوسئل بعض الحكماء: أي الأمور أشد تأييداً للعقل، وأيها أشد إضراراً به؟ فقال: أشدها تأييداً له ثلاثة أشياء: مشاورة العلماء، وتجربة الأمور، وحسن التثبت؛ وأشدها إضراراً به ثلاثة أشياء: الاستبداد، والتهاون، والعجلة.\rوقال بعض الحكماء: إذا استبد الرجل برأيه عميت عليه المراشد.\rوقال الفضل بن سهل: الرأي يسدّ ثلم السيف، والسيف لا يسد ثلم الرأي.\rوقالوا: من استغنى برأيه فقد خاطر بنفسه.\rوقال بعض البلغاء: إذا أشكلت عليك الأمور، وتغير لك الجمهور، فارجع إلى رأي العقلاء، وافزع إلى استشارة العلماء؛ ولا تأنف من الاسترشاد، ولا تستنكف من الاستمداد؛ فلأن تسأل وتسلم خيرٌ من أن تستبد وتندم.\rوقال حكيم لابنه: يا بنيّ، إن رأيك إذا احتجت إليه وجدته نائماً ووجدت هواك يقظان، فإياك أن تستبد برأيك، فإنه حينئذ هواك.\rويقال: تعوذ من سكرات الاستبداد بصحوات الاستشارة، ومن عثرات البغي باستقالة الاستخارة.\rوقال ابن المقفع: لا يقذفنّ في روعك أنك إذا استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك فتنقطع بذلك عن المشورة، فإنك لا تريد الفخر ولكن الانتفاع.\rقال بشار:\rإذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيحٍ أو نصيحة حازم\rولا تحسب الشورى عليك غضاضةً ... فإن الخوافي رافدات القوادم\rقال الأصمعي: قلت لبشار: إن الناس يعجبون من أبياتك في المشورة؛ فقال: يا أبا سعيد، إن المشاور بين صوابٍ يفوز بثمرته، وخطأٍ يشارك في مكروهه؛ فقلت: أنت والله في قولك أشعر منك في شعرك.\rوهذان البيتان من قصيدة كان بشار بن برد قد كتب بها إلى إبراهيم بن عبد الله بن الحسن يمدحه بها ويحرضه على أبي جعفر المنصور، فمات إبراهيم قبل وصول القصيدة إليه، فخاف بشار من اشتهارها فقبلها وجعل التحريض على أبي مسلم الخراساني فقال:\rأبا مسلمٍ ما طيب عيشٍ بدائم ... ولا سالمٌ عما قليلٍ بسالم\rوإنما كان قال: \" أبا جعفرٍ ما طيب عيشٍ بدائم \" .\rقال فيها بعد هذين البيتين المقدمين:\rوخلّ الهوينى للضعيف ولا تكن ... نؤوماً فإن الحزم ليس بنائم","part":2,"page":182},{"id":683,"text":"وما خير كفٍ أمسك الغل أختها ... وما خير سيف لم يؤيد بقائم\rوحارب إذا لم تعط إلا ظلامةً ... شبا الحرب خيرٌ من قبول المظالم\rوأدن على القربى المقرب نفسه ... ولا تشهد الشورى امرأً غير كاتم\rفإنك لا تستطرد الهم بالمنى ... ولا تبلغ العليا بغير المكارم\rإذا كنت فرداً هرك القوم مقبلاً ... وإن كنت أدنى لم تفز بالعزائم\rوما قرع الأقوام مثل مشيعٍ ... أريبٍ ولا جلى العمى مثل عالم\rوقال الهيثم: ما رأيت ابن شبرمة قط إلا وهو متهيئ كأنه يريد الركوب فذكر ذلك له وأنا حاضر؛ فقال: إن الرجل لا يستجمع له رأيه حتى يجمع عليه ثيابه، ثم قال: أتى رجلٌ من الحي فقال لدهقان: يا هذا ، إنه ربما انتشر علي أمري في الرأي فهل عندك مشورة؟ فقال: تهيأ والبس ثيابك ثم اهمم بما تريد، فهو أجمع لرأيك، فليس من أحدٍ يفعل ذلك إلا اجتمع له رأيه.\rوقال أفلاطون: إذا استشارك عدوك فجرد له النصيحة، لأنه بالاستشارة قد خرج من عداوتك إلى موالاتك.\rوقيل: إذا أردت أن تعرف الرجل فشاوره، فإنك تقف من مشورته على جوره وعدله، وحبه وبغضه، وخيره وشره.\rوقيل: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريش في غزاة بدر نزل صلى الله عليه وسلم أدنى ماء من مياه بدر، فقال له الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أ رأيت هذا المنزل أ منزلٌ أنزلكه الله عز وجل ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: \" بل هو الرأي والحرب والمكيدة \" ؛ فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس لك بمنزل فارحل بالناس حتى نأتي أدنى ماء من مياه القوم فننزله، ثم نعور ما سواه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملأه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لقد أشرت بالرأي \" ، وفعل ما أشار به الحباب.\rوقال بزرجمهر: أفره ما يكون من الدواب لا غنى به عن السوط، وأعقل ما يكون من النساء لا غنى بها الزوج، وأدهى ما يكون من الرجال لا غنى به عن المشورة.\rوقيل: كانت اليونان والفرس لا يجمعون وزراءهم على الأمر يستشيرون فيه، وإنما يستشيرون الواحد منهم من غير أن يعلم الآخر به، لمعانٍ شتى: منها لئلا يقع بين المشاورين منافسة تذهب أصالة الرأي وصحة النظر، لأن من طباع المشتركين في الأمر التنافس والتغالب والطعن من بعضهم على بعض، وربما أشار أحدهم بالرأي الصواب وسبق إليه فحسده الآخرون فتعقبوه بالإعراض والتأويل والتهجين وكدروه وأفسدوه.\rومنها أن في اجتماعهم على المشورة تعريض السر للإضاعة والشناعة والإذاعة؛ ولذلك قالت الفرس: إنما يراد الاجتماع والكثرة والتناصر في الأمور التي يحتاج فيها إلى القوة، فأما الآراء والأمور الغامضة فإن الاجتماع يفسدها ويولد فيها التضاغن والتنافس.\rمن يعتمد على مشورته وبديهته، ويعتضد بفكرته ورويته.\rقال بعض الحكماء: عليك بمشورة من حلب أشطر دهره، ومرت عليه ضروب خيره وشره؛ وبلغ من العمر أشده، وأورت التجربة زنده.\rوقيل: استشار زياد رجلاً؛ فقال الرجل: حق المستشار أن يكون ذا عقل وافر، واختبارٍ متظاهر، ولا أراني كذلك.\rقال إبراهيم بن العباس:\rيمضي الأمور على بديهته ... وتريه فكرته عواقبها\rفيظل يصدرها ويوردها ... فيعم حاضرها وغائبها\rوإذا الحروب علت بعثت لها ... رأياً تفل به كتائبها\rرأياً إذا نبت السيوف مضى ... قدماً بها فسقى مضاربها\rوقال آخر:\rألمعيٌ يرى بأول رأيٍ ... آخر الأمر من وراء المغيب\rلا يروي ولا يقلب كفاً ... وأكف الرجال في تقليب\rوقال آخر:\rالألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمع\rوكانت العرب تحمد آراء الشيوخ لتقدمها في السن، ولأنها لا تتبع حسناتها بالأذى والمن، ولما مر عليها من التجارب التي عرفت بها عواقب الأمور، حتى كأنها تنظرها عياناً، وطرأ عليها من الحوادث التي أوضحت لها طريق الصواب وبينته تبياناً، ولما منحته من أصالة رأيها، واستفادته بجميل سعيها.\rولذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: رأي الشيخ خيرٌ من مشهد الغلام.","part":2,"page":183},{"id":684,"text":"ومن أمثالهم: \" زاحم بعودٍ أو دع \" .\rوقال بعض الشعراء:\rلئن فقدوا الشباب فرب عقلٍ ... أفادوه على مر الليالي\rخبت نار الذكاء فأججوها ... بآراءٍ أحد من النصال\rوقد عدل قوم عن ذلك، وسلكوا في خلافه أوضح الطرق وأنهج المسالك؛ وقالوا: بل رأي الشباب هو الرأي الصائب، وفهمهم الفهم الثاقب؛ ونجم سعدهم الطالع، وسحاب جدهم الهامع؛ وإن لهم من الفطنة أوفر نصيب، وإن سهم رأيهم الرائش المصيب؛ وإن عقولهم سليمةٌ من العوارض، وأذهانهم آخذةٌ بحظ وافر من الغوامض.\rولذلك قالت الحكماء: عليكم بآراء الأحداث ومشورة الشبان، فإن لهم أذهاناً تفل القواصل، وتحطم الذوابل.\rوقالوا: آراء الشباب خضرة نضرة لم يهتصر غصنها هرم، ولا أذوى زهرتها قدم، ولا خبا من ذكائها بطول المدة ضرم.\rقال شاعر:\rعليكم بآراء الشباب فإنها ... نتائج ما لم يبله قدم العهد\rفروع ذكاءٍ تستمد من النهى ... بأنور في اللأواء من قمر السعد\rوقال آخر:\rرأيت العقل لم يكن انتهاباً ... ولم يقسم على عدد السنينا\rولو أن السنين تقسمته ... حوى الأباء أنصبة البنينا\rوقال آخر:\rأدركت ما فات الكهول من الحجا ... في عنفوان شبابك المستقبل\rفإذا أمرت فلا يقال لك: اتئد ... وإذا قضيت فلا يقال لك: اعدل\rمن نهي عن مشاورته ومعاضدته وأمر بالامتناع من مشايعته ومتابعته.\rوقد كرهت العرب والحكماء مشاورة من اعترته الشواغل، وألمت به النوازل؛ مع وفور عقله وحزمه، والتمسك بنصحه وفهمه.\rقال قس بن ساعدة الأيادي لابنه: لا تشاور مشغولاً وإن كان حازماً، ولا جائعاً وإن كان فهماً، ولا مذعوراً وإن كان ناصحاً، ولا مهموماً وإن كان عاقلاً، فالهم يعقل العقل فلا يتولد منه رأيٌ ولا تصدق به روية.\rوقال الأحنف بن قيس: لا تشاور الجائع حتى يشبع، ولا العطشان حتى يروى، ولا الأسير حتى يطلق، ولا المقل حتى يجد، ولا الراغب حتى ينجح.\rوقالوا: لا تشاور المعزول، فإن رأيه مفلول.\rوقيل: لا تدخل في مشورتك بخيلاً فيقصر بفعلك، ولا جباناً فيخوفك، ولا حريصاً فيعدك ما لا يرجى؛ فإن البخل والجبن والحرص طبيعةٌ واحدةٌٌ يجمعها سوء الظن بالله.\rقال الشاعر:\rوأنفع من شاورت من كان ناصحاً ... شفيقاً فأبصر بعدها من تشاور\rوليس بشافيك الشفيق ورأيه ... عزيبٌ ولا ذو الرأي والصدر واغر\rالأناة والروية. كانت العرب تحمد الأناة في الرأي وإجالة الفكرة فيه وعدم التسرع.\rوكان عبد الله بن وهب الراسبي يقول: إياي والرأي الفطير! وكان يستعيذ بالله من الرأي الدبري؛ وهو الذي يسنح عند الفوت.\rوأوصى إبراهيم بن هبيرة ولده فقال: لا تكن أول مشير؛ وإياك والرأي الفطير؛ ولا تشيرن على مستبدٍ، فإن التماس موافقته لؤم والاستماع منه خيانةٌ.\rوكان عامر بن الظرب حكيم العرب يقول: دعوا الرأي يغب حتى يختمر، وإياكم والرأي الفطير! يريد الأناة في الرأي والتثبت فيه.\rقال شاعر:\rتأن وشاور فإن الأمو ... رمنها مضيءٌ ومستغمض\rفرأيان أفضل من واحدٍ ... ورأي الثلاثة لا ينقض\rوقال آخر:\rالرأي كالليل مسودٌ جوانبه ... والليل لا ينجلي إلا بإصباح\rفاضمم مصابيح آراء الرجال إلى ... مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح\rوقال المتنبي:\rالرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أولٌ وهي المحل الثاني\rفإذا هما اجتمعا لنفسٍ حرةٍ ... بلغت من العلياء كل مكان\rوقال طاهر بن الحسين:\rاعمل صواباً تنل بالحزم مأثرةً ... فلن يذم لأهل الحزم تدبير\rفإن هلكت برأيٍ أو ظفرت به ... فأنت عند ذوي الألباب معذور\rوإن ظفرت على جهلٍ وفزت به ... قالوا: جهول أعانته المقادير","part":2,"page":184},{"id":685,"text":"ومن أحسن ما قيل فيمن أشير عليه فلم يقبل، قول السبيع لأهل اليمامة بعد إيقاع خالد بن الوليد بهم: يا بني حنيفة بعداً كما بعدت عادٌ وثمود، والله لقد أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه، كأني أسمع جرسه وأبصر غبّه، ولكنكم أبيتم النصيحة فاجتنيتم الندامة، وإني لما رأيتكم تتهمون النصيح، وتسفهون الحليم، استشعرت منكم اليأس وخفت عليكم البلاء.\rوالله ما منعكم الله التوبة ولا أخذكم على غرة، ولقد أمهلكم حتى مل الواعظ وهرأ الموعوظ، وكنتم كأنما يعنى بما أنتم فيه غيركم، فأصبحتم وفي أيديكم من تكذيبي التصديق ومن نصحي الندامة، وأصبح في يدي من هلاككم البكاء ومن ذلكم الجزع، وأصبح ما كان غير مردود، وما بقي غير مأمون.\rالاستبداد وترك الاستشارة ومن الناس من آثر الاستبداد برأيه وكره أن يستشير.\rقال عبد الملك بن صالح: ما استشرت أحداً قط إلا تكبر علي وتصاغرت له، ودخلته العزة ودخلتني الذلة.\rفعليك بالاستبداد، فإن صاحبه جليلٌ في العيون مهيبٌ في الصدور.\rواعلم أنك متى استشرت تضعض شأنك، ورجفت بك أركانك.\rوما عز سلطان لم يغنه عقله عن عقول وزرائه، وآراء نصحائه. فإياك والمشورة وإن ضاقت عليك المذاهب، واستبهمت لديك المسالك، وأنشد:\rفما كل ذي نصح بمؤتيك نصحه ... ولا كل مؤتٍ نصحه بلبيب\rوقال المهلب بن أبي صفرة: لو لم يكن بالاستبداد في الرأي إلا صون السر وتوفير العقل لوجب التمسك به.\rوقال بزرجمهر: أردت نصيحاً أثق به فما وجدت غير فكري، واستضأت بنور الشمس والقمر فلم أستضئ بشيء أضوأ من نور قلبي.\rوقال علي بن الحسين: الفكرة مرآة تري المؤمن سيئاته فيقلع عنها، وحسناته فيكثر منها، فلا تقع مقرعة التقريع عليه، ولا تنظر عيون العواقب شزراً إليه.\rومازال المنصور يستشير أهل بيته حتى مدحه ابن هرمة بقوله:\rيزرن امرأً لا يصلح القوم أمره ... ولا ينتجي الأدنين فيما يحاول\rفاستوى جالساً وقال: أصبت والله! واستعاده، وما استشار بعدها.\rقالوا: وعلى المستبد أن يتروى في رأيه، فكل رأيٍ لم تتمخض به الفكرة ليلةً فهو مولود لغير تمامٍ.\rقال شاعر:\rإذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا أناءةٍ ... فإن فساد الرأي أن تتعجلا\rوما العجز إلا أن تشاور عاجزاً ... وما الحزم إلا أن تهم فتفعلا\rقال بعض جلساء هارون الرشيد: أنا قتلت جعفر بن يحيى، وذلك أني رأيت الرشيد يوماً وقد تنفس تنفساً منكراً فأنشدت إثر تنفسه:\rواستبدت مرةً واحدةً ... إنما العاجز من لا يستبد\rومما مدح به ذو الرأي قول بعض الشعراء:\rبصيرٌ بأعقاب الأمور كأنما ... يخاطبه من كل أمرٍ عواقبه\rوأين مفر الحزم منه وإنما ... مرائي الأمور المشكلات تجاربه\rوقال البحتري في سليمان بن عبد الله:\rكأن آراءه والحزم يتبعها ... تريه كل خفيٍ وهو إعلان\rما غاب عن عينه فإن القلب يكلؤه ... وإن تنم عينه فالقلب يقظان\rوقال أيضاً:\rكأنه وزمام الدهر في يده ... يرى عواقب ما يأتي وما يذر\rوقال آخر:\rيرى العواقب في أثناء فكرته ... كأن أفكاره بالغيب كهان\rوقال آخر:\rبديهته وفكرته سواءٌ ... إذا ما نابه الخطب الخطير\rوأحزم ما يكون الدهر يوماً ... إذا عجز المشاور والمشير\rومن الناس من كره أن يشير، فمنهم عبد الله بن المقفع؛ وذلك أن عبد الله ابن علي استشاره فيما كان بينه وبين المنصور؛ فقال: لست أقود جيشاً، ولا أتقلد حرباً، ولا أشير بسفك دمٍ، وعثرة الحرب لا تستقال، وغيري أولى بالمشورة في هذا المكان.\rواجتمع رؤساء بني سعد إلى أكثم بن صيفي يستشيرونه فيما دهمهم يوم الكلاب؛ فقال: إن وهن الكبر قد فشا في بدني، وليس معي من حدة الذهن ما أبتدىء به الرأي، ولكن اجتمعوا وقولوا، فإني إذا مر بي الصواب عرفته.\rوسيأتي خبر كلامه في وقائع العرب؛ وإنما أوردناه في هذا الموضع لدخوله فيه والتئامه به، ومناسبته له، لا على سبيل السهو والتكرار لغير فائدة.\rالباب الثامن\rحفظ الأسرار والإذن والحجاب\rما قيل في حفظ الأسرار","part":2,"page":185},{"id":686,"text":"قال الله تعالى إخباراً عن نبيه يعقوب بن إسحاق حين أوصى يوسف ابنه عليهم السلام: \" يا بنيّ لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً \" .\rوروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان \" .\rوقالت الحكماء: صدرك أوسع لسرك.\rوقالوا: سرك من دمك. يعنون أنه ربما كان في إفشاء السر سفك الدم.\rوقالوا: أصبر الناس من صبر على كتمان سره، فلم يبده لصديق فيوشك أن يصير عدواً فيذيعه.\rوقالوا: ما كنت كاتمه عن عدوك فلا تظهر عليه صديقك.\rوقال عمرو بن العاص: ما استودعت رجلاً سراً فأفشاه فلمته، لأني كنت أضيق صدراً حين استودعته منه حين أفشاه.\rقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الفقيه:\rإذا كان لي سرٌ فحدثته العدا ... وضاق بي صدري فللناس أعذر\rهو السر ما استودعته وكتمته ... وليس بسرٍ حين يفشو ويظهر\rوقال آخر:\rفلا تودعن الدهر سرك أحمقاً ... فإنك إن أودعته منه أحمق\rإذا ضاق صدر المرء عن كتم سره ... فصدر الذي يستودع السر أضيق\rوكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج:\rلا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيحٍ نصيحاً\rفإني رأيت غواة الرجا ... ل لا يتركون أديماً صحيحاً\rوقال الوليد بن عتبة لأبيه: إن أمير المؤمنين أسر إلي حديثاً ولا أراه يطوي عنك ما يبسطه لغيرك أفلا أخبرك به؟ فقال: لا!، يا بني إنه من كتم سراً كان الخيار له، ومن أظهره كان الخيار عليه، فلا تكن مملوكاً بعد أن كنت مالكاً.\rوفي كتاب التاج: أن بعض ملوك العجم استشار وزيريه، فقال أحدهما: إنه لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحداً إلا خالياً به، فإنه أموت للسر وأحزم للرأي وأجدر بالسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض؛ فإن إفشاء السر إلى رجل واحد أوثق من إفشائه إلى اثنين، وإفشاؤه إلى ثلاثة كإفشائه إلى جماعة؛ لأن الواحد رهنٌ بما أفشي إليه، والثاني مطلقٌ عنه ذلك الرهن، والثالث علاوةٌ فيه، فإذا كان السر عند واحد كان أحرى ألا يظهره رهبةً ورغبة.\rوإن كان عند اثنين كان الملك على شبهة، واتسعت على الرجلين المعاريض.\rفإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحدٍ، وإن اتهمهما اتهم بريئاً بجناية مجرم.\rوإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له، وعن الآخر ولا حجة عليه.\rوقال علي رضي الله عنه: الظفر بالحزم، والحزم بأصالة الرأي، والرأي بتحصين السر.\rوقيل: من حصن سره فله من تحصينه إياه خلتان: إما الظفر بما يريد، وإما السلامة من العيب والضرر إن أخطأه الظفر.\rوقيل: كلما كثر خزان السر ازداد ضياعاً.\rويقال: إذا انتهى السر من الجنان إلى عذبة اللسان، فالإذاعة مستوليةٌ عليه.\rوقال عمرو بن العاص: القلوب أوعيةٌ للأسرار، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل امرىءٍ مفتاح سره.\rقال شاعر:\rصن السر عن كل مستخبرٍ ... وحاذر فما الحزم إلا الحذر\rأسيرك سرك إن صنته ... وأنت أسيرٌ له إن ظهر\rوكان يقال: الكاتم سره بين إحدى فضيلتين: الظفر بحاجته، والسلامة من شر إذاعته.\rويقال: أصبر الناس من صبر على كتمان سره.\rوقال آخر: كتمانك سرك يعقبك السلامة، وإفشاؤه يعقبك الندامة، والصبر على كتمان السر أيسر من الندامة على إفشائه.\rقال شاعر:\rإذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فسرك عند الناس أفشى وأضيع\rوقال آخر:\rتبوح بسرك ضيقاً به ... وتحسب كل أخٍ يكتم\rوكتمانك السر ممن تخاف ... ومن لا تخافنّه أحزم\rإذا ذاع سرك من مخبرٍ ... فأنت متى لمته ألوم\rوكان يقال: لا تظهر كوامن صدرك بإذاعة سرك، فيمكر بك حاسدك، ويظهر عليك معاندك.\rقال عمر بن أبي ربيعة:\rفقالت وأرخت جانب الستر إنما ... معي فتحدث غير ذي رقبةٍ أهلي\rفقلت لها ما بي لهم من ترقبٍ ... ولكن سري ليس يحمله مثلي\rومما قيل في استراحة الرجل بمكنون سره إلى صديقه،قال الله تعالى: \" لكل نبأٍ مستقرٌ \" .\rوقالت الحكماء: لكل سرٍ مستودعٌ.\rقال بعض الشعراء:\rوأبثثت عمراً بعض ما في جوانحي ... وجرعته من مر ما أتجرع","part":2,"page":186},{"id":687,"text":"فلا بد من شكوى إلى ذي حفيظةٍ ... إذا جعلت أسرار نفسي تطلع\rوقال حبيب:\rشكوت وما الشكوى لمثلي عادة ... ولكن تفيض الكأس عند امتلائها\rوقال أبو الحسن بن محمد البصري:\rتعب الهوى بمعالمي ورسومي ... ودفنت حياً تحت ردم همومي\rوشكوت همي حين ضقت، ومن شكا ... هماً يضيق به فغير ملوم\rمما وصف به كتمان السر قيل: أسر رجلٌ إلى صديق له حديثاً، فلما استقصاه قال: أفهمت؟ قال: بل نسيت.\rوقيل لآخر: كيف كتمانك للسر؟ فقال: أجحد المخبر، وأحلف للمستخبر.\rومن جيد ما قيل في كتمان السر قول الأول:\rتلاقت حيازيمي على قلب حازمٍ ... كتومٍ لما ضمت عليه أضالعه\rأؤاخي رجالاً لست أطلع بعضهم ... على سر بعضٍ، إن قلبي واسعه\rقال قيس بن الخطيم:\rإذا جاوز الاثنين سرٌ فإنه ... بنثٍّ وتكثير الحديث قمين\rوإن ضيع الإخوان سراً فإنني ... كتومٌ لأسرار العشير أمين\rيكون له عندي إذا ما ضممته ... مكانٌ بسوداء الفؤاد مكين\rوقال أبو إسحاق الصابي:\rلسر صديقي مكمنٌ في جوانحي ... تمنع أن تدنو إليه المباحث\rتغلغل مني حيث لا تستطيعه ... كؤوس الندامة والأنيس المحادث\rإذا الفحص آلى جاهداً أن يناله ... تراجع عنه وهو خزيان حانث\rفقل لصديقي إذا لم السر آمناً ... إذا لم يكن ما بيننا فيه ثالث\rوهذا البيت مأخوذ من قول جميل:\rولا يسمعن سري وسرك ثالثٌ ... ألا كل سرٍ جاوز اثنين ضائع\rوقال الصابي أيضاً:\rوللسر فيما بين جنبي مكمنٌ ... خفي قصيٌ عن مدارج أنفاسي\rأضن به ضني بموضع حفظه ... فأحميه عن إحساس غيري وإحساسي\rفقد صار كالمعدوم لا يستطيعه ... يقينٌ ولا ظنٌ لخلقٍ من الناس\rكأني من فرط احتياطي أضعته ... فبعضي له واعٍ وبعضي له ناسي\rوقال كثير:\rكريمٌ يميت السر حتى كأنه ... إذا استنطقوه عن حديثك جاهله\rرعى سركم مستودع القلب والحشا ... شفيقٌ عليكم لا تخاف غوائله\rوأكتم نفسي بعض سري تكرماً ... إذا ما أضاع السر في الناس حامله\rالإذن والاستئذان قال الله تعالى: \" يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خيرٌ لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أذكى لكم \" وقال تعالى: \" يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مراتٍ \" الآية.\rوقال تعالى: \" يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم \" الآية.\rوقيل: استأذن رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت فقال: \" أ ألج؟فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: \" أخرج إلى هذا وعلمه الاستئذان وقل له يقول السلام عليكم أ أدخل \" .\rوقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" الاستئذان ثلاثٌ فإن أذن لك وإلا فارجع \" .\rوقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الأولى إذنٌ والثانية مؤامرةٌ والثالثة عزمة، إما أن يأذنوا وإما أن يرجع.\rوقال زياد بن أبيه لعجلان حاجبه: كيف تأذن للناس؟ قال: على البيوتات ثم على الأسنان ثم على الأدب؛ قال: فمن تؤخر؟ قال: الذين لا يعبأ الله بهم؛ قال: ومن هم؟ قال: الذين يلبسون كسوة الشتاء في الصيف وكسوة الصيف في الشتاء.\rوكان سعيد بن عتبة بن حصين إذا حضر باب أحدٍ من السلاطين جلس جانباً؛ فقيل له: إنك لتتباعد من الآذن جهدك؛ فقال: لأن أدعى من بعيد خيرٌ من أن أقصى من قريب.\rقال بعض الشعراء:\rرأيت أناساً يسرعون تبادراً ... إذا فتح البواب بابك إصبعا\rونحن جلوسٌ ساكنون رزانةً ... وحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا\rوقيل لمعاوية:إنّ آذنك ليقدم معارفه في الإذن على وجوه الناس؛ قال: وما عليه! إنّ المعرفة لتنف في الكلب العقور والجمل الصؤول، فكيف رجلٌ حسيبٌ ذو كرمٍ ودين!","part":2,"page":187},{"id":688,"text":"ونظر رجل إلى روح بن حاتم وهو واقف في الشمس عند باب المنصور، فقال له: لقد طال وقوفك في الشمس؛ فقال: ذلك ليطول جلوسي في الظل.\rما قيل في الحجاب.\rقال خالد بن عبد الله القسري أمير العراق لحاجبه: إذا أخذت مجلسي فلا تحجبن عني أحدا، فإن الوالي يحتجب عن الرعية لإحدى ثلاث: إما لعي يكره أن يطلع عليه، أو لبخلٍ يكره أن يسأل شيئا، وإما لريبةٍ لا يحب أن تظهر منه.\rوقال زياد لحاجبه: وليتك حجابتي وعزلتك عن أربع: المنادي إلى الصلاة والفلاح، لا تفرجنّه عني فلا سلطان لك عليه، وطارق الليل لا تحجبه فشرٌّ ما جاء به، ولو كان خيراً ما جاء به تلك الساعة، ورسول الثغر فإنه إن أبطأ ساعةً فسد عمل سنة فأدخله عليّ وإن كنت في لحافي، وصاحب الطعام فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد.\rوقف أبو سفيان باب عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد اشتغل بمصلحةٍ للمسلمين فحجبه؛ فقال له رجل وأراد إغراءه: يا أبا سفيان، ما كنت أرى أن تقف بباب مضري فيحجبك! فقال أبو سفيان: لا عدمت من قومي من أقف بابه فيحجبني.\rواستأذن أبو الدرداء على معاوية بن أبي سفيان فحجبه؛ فقال: من يغش أبواب الملوك يقم ويقعد، ومن يجد باباً مغلقاً يجد إلى جانبه باباً مفتوحاً إن دعا أجيب وإن سأل أعطي.\rقال محمود الوراق:\rشاد الملوك قصورهم فتحصنوا ... من كل طالب حاجةٍ أو راغب\rغالوا بأبواب الحديد لعزها ... وتنوقوا في قبح وجه الحاجب\rفإذا تلطف في الدخول إليهم ... راجٍ تلقوه بوعدٍ كاذب\rفاطلب إلى ملك الملوك ولا تكن ... يا ذا الضراعة طالباً من طالب\rقال أبو مسهر: أتيت إلى باب أبي جعفر محمد بن عبد الله بن عبد كان، فحجبني فكتبت إليه:\rإني أتيتك للتسليم أمس فلم ... تأذن عليك لي الأستار والحجب\rوقد علمت بأني لم أرد ولا ... والله ما رد إلا العلم والأدب\rفأجابه ابن عبد كان:\rلو كنت كافأت بالحسنى لقلت كما ... قال ابن أوسٍ وفيما قاله أدب\rليس الحجاب بمقصٍ عنك لي أملاً ... إن السماء ترجى حين تحتجب\rوقف إلى باب محمد بن منصور رجلٌ من خاصته فحجب عنه، فكتب إليه:\rعلى أي بابٍ أطلب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه\rوقف أبو العتاهية إلى باب بعض الهاشميين، فطلب الإذن؛ فقيل له: تكون لك عودة؛ فقال:\rلئن عدت بعد اليوم إني لظالمٌ ... سأصرف وجهي حين تبغي المكارم\rمتى يظفر الغادي إليك بحاجةٍ ... ونصفك محجوب ونصفك نائم\rونظيره قول العماني:\rقد أتيناك للسلام مراراً ... غير منٍّ بنا بتلك المرار\rفإذا أنت في استتارك باللي ... ل على مثل حالنا بالنهار\rوقال أبو تمام:\rسأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يلين قليلا\rفما خاب من لم يأته متعمداً ... ولا فاز من قد نال منه وصولا\rولا جعلت أرزاقنا بيد امرئٍ ... حمى بابه من أن ينال دخولا\rإذا لم أجد للإذن عندك موضعاً ... وجدت إلى ترك المجيء سبيلا\rوقال آخر:\rأتيتك للتسليم لا أنني امرؤٌ ... أردت بإتيانك أسباب نائلك\rفألفيت بواباً ببابك مغرماً ... بهدم الذي وطدته من فضائلك\rوقال العماني:\rإذا ما أتيناه في حاجةٍ ... رفعنا الرّقاع له بالقصب\rله حاجبٌ دونه حاجبٌ ... وحاجب حاجبه محتجب\rوقال آخر:\rيا أبا موسى وأنت فتىً ... ماجدٌ حلوٌ ضرائبه\rكن على منهاج معرفةٍ ... إن وجه المرء حاجبه\rفيه تبدو محاسنه ... وبه تبدو معايبه\rوقف عبد الله بن العباس بن الحسين العلوي على باب المأمون يوماً، فنظر إليه الحاجب ثم أطرق؛ فقال عبد الله لقوم معه: إنه لو أذن لنا لدخلنا، ولو صرفنا لانصرفنا، لو اعتذر إلينا لقبلنا، فأما الفترة بعد النظرة، والتوقف بعد التعرف، فلا أفهمه، ثم تمثل:\rوما عن رضاً كان الحمار مطيتي ... ولكن من يمشي سيرضى بما ركب","part":2,"page":188},{"id":689,"text":"وانصرف؛ فبلغ المأمون كلامه، فصرف الحاجب وأمر لعبد الله بصلة جزيلة وعشر دواب.\rوحجب بعض الهاشميين فرجع مغضباً فردّ فلم يرجع، وقال: ليس بعد الحجاب إلا العذاب، لأن الله تعالى يقول: \" كلاّ إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم \" .\rالنهي عن شدة الحجاب.\rقيل: لا شيء أضيع للملكة وأهلك للرعية من شدة الحجاب، لأن الرعية إذا وثقت بسهولة الحجاب أحجمت عن الظلم، وإذا وثقت بصعوبته هجمت على الظلم.\rوهذا مخالف لوصية زياد لابنه: عليك بالحجاب، فإنما تجرأت الرعاة على السباع لكثرة نظرها إليها.\rقال سعيد بن المسيب: نعم الرجل عبد العزيز لولا حجابه! وعن علي رضي الله عنه: إنما أمهل فرعون مع دعواه ما ادعاه لسهوله إذنه وبذل طعامه.\rوقال ميمون بن مهران: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فقال لابنه: من بالباب؟ فقال: رجل أناخ الآن يزعم أنه ابن بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ولي شيئاً من أمور المسلمين ثم حجب عنه حجبه الله يوم القيامة، فقال لحاجبه: الزم بيتك.\rفما رئي على بابه بعده حاجب.\rوقال عمرو بن العاص لابنه وقد ولي ولاية: انظر حاجبك فإنه لحمك ودمك، ولقد رأيتنا بصفين وقد أشرع قومٌ في وجوهنا يريدون نفوسنا مالنا ذنبٌ إليهم إلا الحجاب.\rوقيل: ولى المنصور حجابته الخصيب فقال: إنك بولايتي عظيم القدر، وحجابتي عظيم الجاه، فبقّها على نفسك، أبسط وجهك للمستأذنين، وصن عرضك عن تناول المحجوبين، فما شيءٌ أوقع بقلوبهم من سهولة الإذن وطلاقة الوجه.\rقال سليمان بن زيد النابلسي:\rسأهجركم حتى يلين حجابكم ... على أنه لا بد أن سيلين\rخذوا حذركم من نبوة الدهر إنها ... وإن لم تكن حانت فسوف تحين\rوقال آخر:\rكم من فتىً تحمد أخلاقه ... وتسكن الأحرار في ذمته\rقد كثر الحاجب أعداءه ... وسلّط الذم على نعمته\rوقال أعرابي:\rلعمري إن حجبتني العبيد ... ببابك ما تحجب القافيه\rسأرمي بها من وراء الحجاب ... فتعدو عليك بها داهيه\rتصم السميع وتعمي البصير ... وتسأل من مثلها العافيه\rوقال جعفر المصري:\rوتفضل علي بالإذن إن جئ ... ت فإني مخففٌ في اللقاء\rليس لي حاجةٌ سوى الحمد والشك ... ر فدعني أقريك حسن الثناء\rالباب التاسع\rالوزراء وأصحاب الملك\rما قيل في الوزارة وشروطها واشتقاقها وما يحتاج الوزير إليه.\rقال الله عز وجل إخباراً عن موسى عليه السلام: \" واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري \" .\rوروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ما من أحد أعظم أجراً من وزير صالح يكون مع إمامٍ فيأمر بذات الله تعالى \" .\rقالت الحكماء: أعرف الملوك يحتاج إلى الوزير، وأشجع الرجال يحتاج إلى السلاح، وأجود الخيل يحتاج إلى السوط، وأحد الشفار يحتاج إلى المسن.\rوقالوا: صلاح الدنيا بصلاح الملوك، وصلاح الملوك بصلاح الوزراء، ولا يصلح الملك إلا لأهله، ولا تصلح الوزارة إلا لمستحقها.\rوقالوا: أفضل عدد الملوك صلاح الوزراء الكفاة، لأن في صلاحهم صلاح قلوب عوامهم لهم.\rوقالوا: خير الوزراء أصلحهم للرعية، وأصدقهم نية في النصيحة، وأشدهم ذباً عن المملكة، وأسدهم بصيرةً في الطاعة، وآخذهم لحقوق الرعية من نفسه وسلطانه.\rوقالوا: الوزير الخير لا يرى أن صلاحه في نفسه وسلطانه كائن صلاحاً حتى يتصل بصلاح الملك ورعيته، وتكون عنايته فيما عطّف الملك على عامّته، وفيما استعطف قلوب العامة على الطاعة لملكه، وفيما قوّم أمر الملك والمملكة من تدبير، حتى يجمع إلى أخذ الحق وتقديمه عموم الأمن والسلامة، ويجمع إلى صلاح الملك صلاح أتباعه.\rوإذا تطرقت الحوادث ودهمت العظائم كان للملك عدةً وعتاداً، وللرعية كافياً محتاطا، ومن ورائها ذاباً ناصرا، يعنيه من صلاحها ما لا يعنيه من صلاح نفسه دونها.\rاشتقاق الوزارة\rوصفة الوزير وما يحتاج إليه","part":2,"page":189},{"id":690,"text":"أما اشتقاقها فقد اختلف في معناه على ثلاثة أوجه: أحدها أنه مشتقٌ من الوزر وهو الثقل، لأنه يحمل عن الملك أثقاله. والثاني أنه مشتقٌ من الأزر وهو الظهر، لأن الملك يقوى بوزيره كقوة البدن بظهره. والثالث أنه مشتق من الوزر - وهو الملجأ - ومنه قوله تعالى: \" كلا لا وزر \" ؛ أي لا ملجأ؛ لأن الملك يلجأ إلى وزيره ومعونته.\rوأم صفة الوزير وما يحتاج إليه، فقد قال أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب الماوردي في كتابه المترجم \" بقوانين الوزارة \" ما معناه: إن الوزير في منصب مختلف الأطراف، يدبر غيره من الرعايا ويتدبر بغيره من الملوك، فهو سائس ومسوس يقوم بسياسة رعيته وينقاد لطاعة سلطانه، فيجمع بين سطوة مطاعٍ وانقياد مطيع، فشطر فكره جاذبٌ لمن يسوسه، وشطره مجذوبٌ بمن يطيعه؛ لأن الناس بين سائس، ومسوس، وجامعٍ بينهما، وله هذه المرتبة الجامعة؛ فهو يجمع ما اختلف من أحكامها، ويستكمل ما تباين من أقسامها؛ وبيده تدبير مملكةٍ صلاحها مستحقٌ عليه، وفسادها منسوبٌ إليه؛ يؤاخذ بالإساءة ولا يعتد له بالإحسان، تلان له المبادئ بالإرغاب وتشدد عليه الغايات بالإعتاب، مستظهراً ليكفي اعتداد الإحسان إليه، ويسلم من غبّ المؤاخذة له، ويلزمه ضدها في حق سلطانه ألا يعتدّ عليه بصلاح ملكه، لأنه للصلاح مندوب، ولا يعتذر إليه من اختلاله، لأن الاختلال إليه منسوب. والوزير مباشر لتدبير ملكٍ له أسٌ هو الدين المشروع، ونظامٌ هو الحق المتبوع.\rفإن جعل الدين قائده، والحق رائده؛ تذلل له كل صعب، وسهل عليه كل خطب؛ لأن للدين أنصاراً وأعواناً، إن قعدت عنه أجسادهم لم تقعد عنه قلوبهم.\rوحسبه أن تكون القلوب معه، فإن للدين سلطاناً قد انقادت إليه إمامته، واستقرت عليه زعامته.\rفإن جعله ظهيراً له في أموره، وعوناً على تدبيره، يجد من القلوب خشوعا،، ومن النفوس خضوعا؛ فما اعتزت مملكة إليه إلا صالت، ولا التحفت بشعاره إلا طالت.\rولن يستغزر الوزير مواده إلا بالعدل والإحسان، ولن يستنزرها بمثل الجور والإساءة؛ لأن العدل استثمارٌ دائم، والجور استئصالٌ منقطع.\rوليس يختص بالأموال دون الأقوال والأفعال، فعدله في الأموال أن تؤخذ بحقها وتدفع إلى مستحقها؛ لأنه في الحقوق سفير مؤتمن، وكفيلٌ مرتهن؛ عليه غرمها، ولغيره غنمها.\rوعدله في الأقوال ألا يخاطب الفاضل بخطاب المفضول، ولا العالم بخطاب الجهول؛ ويقف في الحمد والذم على حسب الإحسان والإساءة، ليكون إرغابه وإرهابه وفق أسبابهما من غير سرف ولا تقصير؛ فلسانه ميزانه، فليحفظه من رجحان أو نقصان.\rوعدله في الأفعال ألا يعاقب إلا على ذنب، ولا يعفو إلا عن إنابة، ولا يبعثه السخط على اطراح المحاسن، ولا يحمله الرضا على العفو عن المساوئ.\rوليكن وفاؤه بالوعد حتما، وبالوعيد حزما، لأن العد حقٌ عليه لغيره يسقط فيه اختياره، والوعيد حقٌ له على غيره فهو فيه خياره.\rفمن أجل ذلك لم يجز إخلاف الوعد وإن جاز إخلاف الوعيد.\rقال بعض الشعراء:\rوإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\rلكن ينبغي أن يقرن بخلف الوعيد عذراً حتى لا يهون وعيده؛ ليكون نظام الهيبة محفوظا، وقانون السياسة فيه مضبوطا؛ وليظهره إن خفي ليكون بإخلاف وعيد معذورا، وبعفوه عنه مشكورا.\rولتكن أفعاله أكثر من أقواله، فإن زيادة القول على الفعل دناءةٌ وشينٌ، وزيادة الفعل على القول مكرمةٌ وزينٌ.\rولا يجعل لغضبه سلطانا على نفسه يخرجه عن الاعتدال إلى الاختلال؛ فلن يسلم بالغضب رأيٌ من زلل، ولا كلامٌ من خطل؛ لأن ثورته طيشٌ معرّ، ونفرته بطشٌ مضرٌّ؛ لأنه يخرج عن التأدب إلى الانتقام، وعن التقويم إلى الاصطلام.\rقال ابن عباس: لم يمل إلى الغضب إلا من أعياه سلطان الحجة.\rوقال بعض السلف: إياك وعزة الغضب، فإنها تفضي بك إلى ذل الاعتذار.\rوقال بعض الحكماء: من كثر شططه، كثر غلطه.\rقال بعض الشعراء:\rولم أر في الأعداء حين اختبرتهم ... عدواً لعقل المرء أعدى من الغضب\rوليكن غضبه تغاضباً يملك به عزمه، ويقوم به خصمه، فيسلم من جور غضبه ويقف على اعتدال تغاضبه.\rفقد قيل في بعض صحف بني إسرائيل: إذا كان الرجل ذا غضبٍ تواترت عليه الوضائع، فكلما اشتد غضبه ازداد بلاءً.","part":2,"page":190},{"id":691,"text":"وقد يقترن بالغضب لجاجٌ يساويه في معرته، ويشاركه في مضرته؛ لأن في اللجاج التزام الخطأ واطّراح الصواب.\rفليدع عنه لجاج الخصم الألد، وليتجنب عواقب المدل الفدم.\rوليتابع الرأي فيما اقتضاه؛ فلأن ينتف بالرأي خيرٌ من أن يستضر باللجاج.\rفقد قال بعض الحكماء: من استعان بالرأي ملك، ومن كابر الأمور هلك.\rوقال ابن المقفع: دع اللجاج فإنه يكسر عزائم العقول.\rوقيل الظفر لمن احتج، لا لمن لج.\rوليأخذ الوزير أموره بالجد دون الهزل.\rفالجد والهزل ضدان متنافران؛ لأن الجد من قواعد الحق الباعث على الصلاح، والهزل من مرح الباطل الداعي إلى الفساد؛ فصار فرق ما بين الجد والهزل هو فرق ما بين الحق والباطل.\rوتنافر الأضداد يمنع من الجمع بينهما؛ فمتى انفرد بأحدهما كان للآخر تاركا.\rوقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: العقل حسامٌ قاطعٌ، والحلم غطاء ساتر، فقابل هواك بعقلك، واستر خلل خلقك بحلمك، واستعمل الجد ينقد إليك الحق ويفارقك الباطل.\rولا تعدل إلى الهزل فيتبعك الباطل وينافرك الحق.\rوقلما انثلمت هيبة الجد أو تكاملت هيبة الهزل؛ والهيبة أسّ السلطنة.\rحكي عن عمر بن مرّة أن رجلاً من قريش قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: لن لنا فقد ملأت قلوبنا مهابة؛ فقال عمر: أ في ذلك ظلمٌ؟ قال: لا؛ قال: فزادني الله في صدوركم مهابةً.\rوقال حكيم الهند: ليكن فيك مع طلاقتك تشددٌ، لئّلا يجترأ عليك بالطلاقة وينفر منك بالتشدد.\rوالهزل إنما يكون مع سخفٍ أو بطر يجلّ عنهما من ساس الرعايا ودبر الممالك.\rوسأل ملك الهند الإسكندر وقد دخل بلاده: ما علامة دوام الملك؟ قال: الجد في كل الأمور؛ قال: فما علامة زواله؟ فال: الهزل فيها.\rوليس الكبر والعنف جداً، ولا التواضع واللطف هزلاً.\rقالوا: وإن استكد الجد خاطره فلا بأس أن يستروح ببعض الهزل ليستعين به على مصابرة الجد، لكن يكون في زمان راحته وأوقات خلوته بمقدار دوائه من دائه، فإن الكلال ملال.\rولينك ذلك كما قال بعض الشعراء:\rأفد طبعك المكدور بالجد راحةً ... يجمّ وعلله بشيءٍ من المزح\rولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما تعطي الطعام من الملح\rوكذلك فليتحر الصدق ويتجنب الكذب، فإنهما ضدان متنافران تختلف عللهما وتفترق نتائجهما؛ فالصدق من لوازم العقل وهو أسّ الدين وقوام الحق؛ والكذب من غرائز الجهل وهو زورٌ يقترن بغرور، إن التبست أوائله انتهكت أواخره، وإن جرّ التباسه نفعا عاد انتهاكه ضررا، فلن يسلم من معرة زوره، ومضرة غروره.\rوقد قدمنا من مدح الصدق في باب المدح، وذم الكذب في باب الهجاء، ما فيه غنيةٌ عن تكراره.\rوحيث ذكرنا هذه المقدمة في اشتقاق الوزارة وما يحتاج الوزير إليه فلنذكر صفة الوزارة وشروطها.\rصفة الوزارة وشروطها قال أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي: والوزارة ضربان: وزارة تفويضٍ تجمع بين كفايتي السيف والقلم، ووزارة تنفيذ تختص بالرأي والحزم؛ ولكل واحدةٍ منهما حقوقٌ وشروط.\rوزارة التفويض\rفهي: الاستيلاء على التدبير بالعقد، والحلّ، والتقليد والعزل.\rفأما العقد فيشتمل على شرطين: دفاع وحذر. وكل شرط من هذه الشروط الأربعة يشتمل على فصول.\rالشرط الأول وهو التنفيذ\rفهو رأس الوزارة وقاعدة النيابة، وهو الأخص بكفاية القلم في مصالح الملك واستقامة الأعمال.\rويشتمل على أربعة أقسام: الأول: تنفيذ ما صدرت به أوامر الملك.\rوعلى الوزير فيها حقان: أحدهما أن يتصفحها من زللٍ في ابتدائها، ويحرسها من خللٍ في أثنائها؛ ليرده عن زللها باللطف، ويقوي عزمه على صوابها بالإحماد.\rوقد قال أفلاطون: أول رياضة الوزير أن يتأمل أخلاق الملك ومعاملته، فإن كانت شديدةً فظةً عامل الناس بدونها، وإن كانت لينةً مطلقة عاملهم بأقوى منها، ليقرب من العدل في سعيه.\rوالثاني: تعجيل إمضائها للوقت المقدر لها حتى لا يقف فيوحش، لأن وقوف أوامره يوحش، وهو مندوب للتنفيذ دون الوقوف.\rوقد قال الحكيم الهند: العجلة في الأمر خرقٌ، وأخرق منها التفريط في الأمر بعد القدرة عليه.\rودرك هذا التنفيذ عائد على الملك دون الوزير.\rالقسم الثاني: تنفيذ ما اقتضاه رأي الوزير من تدبير المملكة.","part":2,"page":191},{"id":692,"text":"فعليه في إمضائه حقان:أحدهما أن يراعي أولى الأمور في اجتهاده، وأصوبها في رأيه، لأنه مندوبٌ لأصلحها ومأخوذٌ بأصوبها.\rوالثاني أن يطالع الملك به إن جلّ، ويجوز أن يطويه إن قلّ، ليخرج عن الاستبداد المنفرّ، ويسلم من الحقد المؤثر.\rوقال حكيم الهند: الأحقاد مؤثرة حيث كانت، وأخوفها ما كان في أنفس الملوك، لأنهم يدينون بالانتقام ويرون التطلب بالوتر مكرمةً وفخراً.\rفإن عارضه الملك في رأيه بعد المطالعة به لم يستوحش من معارضته، لأنه مالك مستنيب، وظانٌّ مستريب، وقابل بين رأيه ومعارضته، واستوضح من الملك أسباب المعارضة بلطفٍ إن خفيت، فإن وضح صوابها توقف عن رأيه وشكره على استدراك زلله وتلافي خلله وقد منّ عليه ولم يؤنب.\rوإن كان الصواب مع الوزير تلطف في إيضاح صوابه، وكشف علله وأسبابه.\rفإن ساعده على إمضائه أمضاه؛ وكان درك تنفيذه عائداً على الوزير دون الملك.\rوالقسم الثالث: تنفيذ ما صدر عن خلفائه على الأعمال التي فوضها إلى آرائهم ووكلها إلى اجتهادهم.\rفإن تفردوا بتنفيذها أمضاها لهم ولم يتعقبها عليهم ما لم يتحقق زللهم فيها؛ وكان درك تنفيذها عائداً على العمال دون الوزير.\rوإن وقفوها على تنفيذ الوزير فعليه في تنفيذها حقان: أحدهما أن يستكشف عن أسبابها، ليعلم خطأها من صوابها والثاني تقوية أيديهم ونفي الارتياب عنهم، فإن ظهور الارتياب مجشة للقلوب.\rفإن نفذها لهم حين لم يتحقق زللهم فيها كان درك تنفيذها عائداً على الوزير دون العمال.\rوالقسم الرابع: تنفيذ أمور الرعايا على ما ألفوه من عادات ومعاملات اختلفوا فيها حين ائتلفوا بها، لأن الناس مجبولون على الحاجة إلى أنواع لا يقدر الواحد أن يقوم بجميعها، فخولف بين هممهم لينفرد كل قومٍ بنوع منها فيأتلفوا بها، فيقوم الزراع بمزارعهم، ويتشاغل الصناع بصنائعهم، ويتوفر التجار على متاجرهم.\rوعليه في تنفيذها لهم حقان: أحدهما ألا يعارض صنفاً منهم في مطلبه، والثاني ألا يشاركه في مكسبه.\rوربما كان للسلطان رأيٌ في الاستكثار من أحد الأصناف فينقل إليه من لم يألفه فيختل النظام بهم فيما نقلوا عنه وفيما نقلوا إليه.\rوربما ضنّ السلطان عليهم بمكاسبهم فتعرض لها أو شاركهم فيها فاتّجر مع التجار وزرع مع الزراع.\rوهذا وهنٌ في حقوق السياسة وقدحٌ في شروط الرياسة من وجهين: أحدهما أنه إذا تعرض لأمر، قصرت فيه يد من عداه؛ فإن تورك عليه لم ينهض به، وإن شورك فيه ضاق على أهله.\rوقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ما عدل والٍ اتّجر في رعيته \" .\rوالثاني لأن الملوك أشرف الناس منصباً فخصوا بمواد السلطنة، لأنها أشرف المواد مكسباً.\rفإن زاحموا العامة في رذل مكاسبهم أوهنوا الرعايا ودنسوا الممالك؛ وعاد وهنهم عليها فاختل نظامها، واعتل مرامها.\rوقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إذا اتّجر الراعي هلكت الرعية \" .\rوكتب حكيم الروم إلى الإسكندر: أي ملك تطنف نفسه إلى المحقرات فالموت أكرم له.\rفهذا ما اشتمل عليه الشرط الأول.\rالشرط الثاني فهو الدفاع.\rوهو أسّ السلطنة وقانون السياسة والأخص بكفاية السيف في تدبير الملك وضروب المصالح.\rويشتمل على أربعة أقسام: أحدها الدفاع عن الملك من الأولياء، والثاني الدفاع عن المملكة من الأعداء، والثالث دفاع الوزير عن نفسه من الأكفاء، والرابع دفاعه عن الرعية من خوف واختلال.\rفالقسم الأول في دفاعه عن الملك من أوليائه:\rويكون بثلاثة أسباب: أحدها أن يقودهم إلى طاعته بالرغبة، ويكفهم عن معصيته بالرهبة؛ فإن الرغبة والرهبة إذا تواليا على النفس ذلت لهما وانقادت خوفاً وطمعاً، وبهما تعبد الله الخلق في وعده ووعيده.\rوالثاني أن يقوم بكفايتهم حتى لا ينفروا بالقوة أو يتفرقوا بالضعف؛ وكلاهما قدحٌ في الملك.\rوالثالث أن يحفظهم من الإغواء، ويحرسهم من الإغراء؛ وذلك بأمرين: أحدهما البحث عن أخبارهم حتى يعلم سليمهم من سقيمهم.\rوالثاني بإبعاد المفسدين عنهم حتى لا يتعدى إليهم فسادهم؛ فإن الكف بحسب الكشف.\rوالقسم الثاني في دفاعه عن المملكةأحدها أن يق\rمن أعدائها: وأعداء الممالك من انفرد بملك أو امتنع بقوة.\rوهم ثلاثة أصناف: أكفاء مماثلون، وعظماء متقدمون، وناجمة منافسون.","part":2,"page":192},{"id":693,"text":"فأما الأكفاء المماثلون فيدفعون بالمقاربة والمسالمة.\rوأما العظماء المتقدمون فيدفعون بالملاطفة والملاينة.\rوأما الناجمة المنفسون فيدفعون بالسوط والمخاشنة.\rوالقسم الثالث في دفاع الوزير عن نفسه من أكفائه: ويكون بعد استصلاح الطرفين: الأعلى وهو الملك، والأدنى وهم الأعوان.\rوأكفاؤه ثلاثة: واترٌ، وموتورٌ، ومنافس.\rفأما الواتر: فقد بدأ بشره وجاهر بعداوته؛ وكلاهما بغيٌ مؤنس بالنصر عليه.\rوللوزير في ترته حقان: حقٌ في مقابلته على ما قدم من ترته، وقح في استدفاع ما جاهر به من عداوته.\rفأما حقه في المقابلة، فإن عفا الوزير عنها كان بالفضل جديرا، وإن قابل كان في المقابلة معذورا.\rوقد قيل: لذة العفو أطيب من لذة التشفي لأن لذة العفو يتبعها الحمد ولذة التشفي يعقبها الندم.\rقال الشاعر:\rفإنك تلقى فاعل الشر نادماً ... عليه ولم على الخير فاعله\rوأما حقه في استدفاع شره، فقد أيقظته مجاهرته، وأوهن كيده مظاهرته.\rوقد قيل في منثور الحكم: أوهن الأعداء كيداً أظهرهم بعداوته.\rفاحذر بادرته وادفع عداوته.\rودفعها مختلفٌ باختلاف طباعه في انثنائه بالرغبة وتقويمه بالرهبة.\rوأما الموتور: فقد بودئ بالإساءة فصبر عليها، وجوهر بالعداوة فأخفاها؛ فله ترة مظلوم ووثبة مختلس، فتتوقى ترة ظلامته بالاستعطاف، ووثبة مخالسته بالاحتراز.\rوأما المنافس: فهو طالب رتبة إن نال منها سداداً من عوز ياسر، وإن ضويق فيها نافر.\rفليرخ الوزير له عنان الأمل، وليخفض له جناح منافسته بالاستبانة والعمل؛ ليندفع بالمياسرة عن المنافرة.\rوليغالط به الأيام، فإن الساعات تهدم الأعمار، ولا يجعل له فراغاً يتشاغل فيه بمساءته، ويجعله عذراً في السعي على منزلته.\rفإن ساق القضاء إليه حظاً كان له مصطنعا، يرعى له حقوق الاصطناع.\rفقد قيل: من علامة الإقبال، اصطناع الرجال.\rفإن صدّه القضاء عن إرادته وعجزه القدر عن طلبته كفي الوزير منه ما خافه وقد أحسن، ووصل إلى ما أراده وقد أجمّ، وأوجب بإحسانه شكرا، وأقام بإجمامه عذراً، اجتذب بهما قياد منافسه إلى طاعته، وصرفه بهما عن التعرض لمنافسته.\rفهنالك يجعله قبلة رجائه؛ إذا لم يحظ بخير إلاّ منه، ولم يقض من زمان وطراً إلاّ به.\rوقد قيل في منثور الحكم: من استصلح الأضداد، بلغ المراد.\rوربما تعرض لعداوة الوزير من قصّر عن رتبة منافسته.\rفليعطه من رجائه طرفاً، وليقبض من زمامه طرفاً، وليختبره فيهما، فسيقف على صلاحه أو فساده.\rفإن صلح سوعد، وإن فسد بوعد.\rفقد قال أردشير بن بابك: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع.\rوقد قيل في منثور الحكم: علة المعاداة، قلة المبالاة.\rوالقسم الرابع في الدفاع عن الرعية من خوف واختلال: فالخوف من نتائج الخرق، والاختلال من نتائج الإهمال؛ وكلاهما من سوء السيرة وفساد السياسة، لترددهما بين تفريط وإفراط، وخروجهما عن العدل إلى تقصير أو إسراف.\rوهم قوام الملك المستمدّ، وذخيرة المستعدّ.\rوليس يستقيم ولن يستقيم ملك فسدت فيه أحوال الرعايا، لأنهم منهم بمنزلة الرأس من الجسد لا ينهض إلا بقوته ولا يستقل إلا بمعونته.\rوعلى الوزير لهم ثلاثة حقوق: أحدها أن يعينهم على صلاح معايشهم ووفور مكاسبهم، لتتوفر بهم مواده، وتعمر بهم بلاده.\rوالثاني أن يقتصر منهم على حقوقه، ويحملهم فيها على إنصافه، ليكونوا على الاستكثار أحرص، وفي الطاعة أخلص، ولا يكلهم في مقادير الحقوق إلى غيره، ليكونوا له أرجى وعليه أحنى.\rوالثالث أن يحوطهم بكف الأذى عنهم، ومنع الأيدي الغالبة منهم؛ ليكون لهم كالأب الرؤوف ويكونوا له كالأولاد البررة؛ فإنه كافلٌ مسترعىً ومسئولٌ مؤاخذٌ.\rولله عليه فيهم حقٌ، وللسلطان عليه فيهم تبعة.\rفليغتنم الوزير بهم شكر إحسانه، ويجمل بعدله فيهم آثار سلطانه.\rالشرط الثالث وهو الإقدام\rفهو في السياسة أوفى شطريها، وفي الوزارة أكفى نظريها؛ لظفر الإقدام، وخيبة الإحجام.\rوقد قيل في منثور الحكم: بالإقدام تثبت الأقدام.\rوإنما يجب الإقدام إذا ظهرت أسبابه، وقصدت أبوابه.\rقال الشاعر:\rإذا ما أتيت الأمر من غير بابه ... ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتدي\rثم يجمع بعدهما بين حزمه وعزمه.","part":2,"page":193},{"id":694,"text":"فالحزم تدبير الأمور بموجب الرأي، والعزم تنفيذها للوقت المقدر لها.\rفإذا تكاملت شروط الإقدام من هذه الوجوه الأربعة - وهي: ظهور أسبابه، وقصد أبوابه، والحزم، والعزم - لم يمنع من الظفر، إلا عوائق القدر.\rوالإقدام ينقسم إلى قسمين: أحدهما الإقدام على اجتلاب المنافع، والثاني على دفع المضار.\rفأما الإقدام على اجتلاب المنافع فضربان: أحدهما استضافة ملك، والثاني استزادة مواد.\rفأما استضافة الملك فتكون بالحزم والعزم إذا اقترنا برغبة أو رهبة.\rولأن تكون بالاغتيال والاحتيال، أولى من أن تكون بالقتال.\rوأما استزادة المواد فتكون بالعدل والإحسان إذا اقترنا برفق ومياسرة لتكثر بهما العمارة وتتوفر بهما الزراعة، فإن الأرض كنوز الملك يستخرجها أعوانٌ متطوعون يقنعهم الكف عنهم ويقطعهم العسف بهم.\rالإقدام على دفع المضار\rفضربان: أحدهما.دفع ما اختل من الملك.\rوله سببان: إهمالٌ أو عجزٌ.\rوالثاني دفع ما نقص من المواد. وله سببان: نفورٌ أو جورٌ.\rفيحتاج الوزير أن يدفع ضرر كل واحدٍ منهما بالضد من سببه، فإن علاج كل داء بضده من الدواء.\rفإن كان اختلال الملك من الإهمال أيقظ له عزمه، وإن كان من العجز استعمل فيه حزمه.\rوإن كان نقص المواد من النفور استنجد فيه رهبته، وإن كان من الجور أظهر فيه معدلته.\rفإن كان حدوث ذلك في الملك صدر عن الوزير كان مؤاخذاً بتفريطه في الابتداء، ومستدركاً لتقصيره في الانتهاء؛ فيجبر إساءته بإحسانه، ويمحو قبيحه بجميله.\rوإن كان حدوثه من غيره كانت جريرة الإساءة على من أحدثه، وكان حمد الإحسان للوزير.\rالشرط الرابع وهو الحذر\rفيتعين على الوزير أن يكون حذرا، لأن الدهر ثائرٌ بطوارقه، ومنافر بنوائبه، يغدر إن وفى، ويفتك إن هفا.\rقال عبد الحميد: أصاب الدنيا من حذرها، وأصابت الدنيا من أمنها.\rوقال عبد الملك بن مروان: احذروا الجديدين، فللأقدار أوقاتٌ تغضي عنها الأبصار.\rفإذا صادفت طوارق الدهر غراٌ مسترسلاً صار هدفاً لسهامه الصوائب، وغرضاً لمنافرة الحوادث والنوائب.\rوقد قال بعض الحكماء: من أعرض عن الحذر والاحتراس، وبنى أمره على غير أساس، زال عنه العز واستولى عليه العجز؛ وإن قدم لطوارقه حذر المتيقظ، وتلقاها بعدة المتحفظ، رد بادرتها بعزم ذي حزم قد حلب أشطر دهره، وقام بواضح عذره.\rقال بعض الشعراء:\rإن للدهر صولةً فاحذرنها ... لا تبيتنّ قد أمنت الدهورا\rثم هو بعد حذره مستسلمٌ لقضاءٍ لا يرد، وقدرٍ لا يصد.\rوقد روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت \" .\rوقبل لبعض الحكماء: من السعيد؟ قال: من اعتبر بأمسه، واستظهر لنفسه.\rوقال بعض الشعراء:\rوحذرت من أمرٍ فمرّ بجانبي ... لم يبكني ولقيت ما لم أحذر\rوللحذر حدٌ يقف عنده إن زاد عليه صار خوراً، كما أن للإقدام حداً إن زاد عليه صار تهوراً.\rوالزيادة على الحدود، نقصٌ في المحدود.\rولهما زمان إن خرجا عنه صار الحذر فشلاً، والإقدام خرقاً.\rوعيارهما معتبرٌ بحزم العاقل ويقظة الفطن.\rقال بعض الحكماء: ليعرفك السلطان عند افتتاح التدبير بالحذر، وعند وقوع الأمر بالجد.\rوالحذر يلزم من أربعة أوجه: أحدها الحذر من الله تعالى فيما فرض.\rوالثاني الحذر من السلطان فيما فوض.\rوالثالث الحذر من الزمان فيما اعترض.\rوالرابع من غلبة الأعداء ومكر الدهاة.\rالحذر من الله تعالى:\rفهو عماد الدين الباعث على الطاعة.والحذر منه هو الوقوف عند أوامره، والانتهاء عن زواجره؛ فيعمل بطاعته فيما أمر، وينتهي عن معصيته فيما حظر.\rفلن يرى قليل الحذر إلا متجوزاً في دينه طائحاً في غلوائه، لا يرى رشداً في العاجل، وهو على وعيدٍ في الآجل؛ مع نفور النفوس منه وسراية الذم فيه.\rوقد قيل في بعض الصحف الأولى: العزة والقوة يعظمان القلب، وأفضل منهما خوف الله تعالى؛ لأن من لزم خشية الله لم يخف الوضيعة ولم يحتج إلى ناصر.\rوقال علي رضي الله عنه: من حاول أمراً بمعصية الله كان أبعد لما رجا، وأقرب لمجيء ما اتقى.\rالحذر من السلطان","part":2,"page":194},{"id":695,"text":"فهو وثابٌ بقدرته، متحكمٌ بسطوته، يميل به الهوى فيقطع بالظن ويؤاخذ بالارتياب؛ فالثقة به عجزٌ، والاسترسال معه خطر.\rوالحذر منه في حالتي السخط والرضا أسلم؛ لأنه يستذنب إذا مل حتى يصير المحسن عنده كالمسيء.\rفليستخلص رأيه بالنصح، ويستدفع تنكره بالحذر.\rوقال بعض الحكماء: اصحب السلطان بثلاث: الحذر، ورفض الدولة، والاجتهاد في النصح.\rوالحذر منه يكون بثلاثة أمور: أحدها ألا يعول على الثقة به في الإدلال والاسترسال، فما جرت الثقة إلا ندماً.\rوقد قيل: الخرق الدالة على السلطان، والوثبة قبل الإمكان.\rفاقبض نفسك إذا قدمك، وتواضع له إذا عظمك، واحتشمه إذا آنسك، ولن له إذا خاشنك، واصبر على تجنيه إذا غالظك؛ فهو على التجني أقدر، فكن على احتماله أصبر؛ فربما كانت مجاملته لك مكراً وتجنيه عليك غدراً.\rفقد قيل في بعض الصحف الأولى: حب الملك وهواه يشبه الطل على العشب.\rفلا تجعل له في إظهار تنكره عذراً؛ فربما اعترف بالحق فوفى، ورق بالصبر فكف.\rوقد قيل في أمثال \" كليلة ودمنة \" : صاحب السلطان كراكب الأسد يخافه الناس وهو لمركوبه أشد خوفاً.\rوالثاني من حذره منه أن يساعده على مطالبه، ويوافقه على محابه ومآربه، ولا يصده عن غرض إذا لم يقدح في دين ولا عرض، ولا يتوقف عن إجابته وإن شغله ما هو أهم؛ فإن الملك لا يقيم لوزيره عذراً إذا وجده في أغراضه مقصراً، وإن كان على مصالح ملكه متوفراً؛ فإنه اتخذه لنفسه ثم لملكه؛ وقد يقدم حظ نفسه على مصلحة ملكه، لغلبة الهوى ونازع الشهوة.\rفليكن متوفراً على مراده ليسلم اعتقاده له.\rفإن قدحت أغراضه في دين أو عرض سلّ الوزير نفسه من وزرها وتحفظ من شينها بالتلطف في كفه عنها بما يعتاضه بدلاً منها، ليسهل عليه إقلاعه عنها.\rفإن ساعده الملك عليها سلم دينهما، وزال شينهما.\rفقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إن لله خزائن للخير والشر مفاتيحها الرجال فطوبى لمن جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر وويلٌ لمن جعله الله مفتاحاً للشر مغلاقاً للخير \" .\rوقال الشاعر:\rستلقى الذي قدمت للشر محضراً ... وأنت بما تأتي من الخير أسعد\rوإن أصر الملك عليها فليلن الوزير في متاركته، ويحجم عن مساعدته؛ وهو خداعٌ يتدلس بالمغالطة ويخفى بالحزم؛ فليستنجد فيه عقله، ويستعمل فيه حزمه؛ ليسلم من تنكره، ويخلص من وزره.\rفقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إن من شرار الناس عند الله يوم القيامة عبداً أذهب آخرته بدنيا غيره \" .\rوالثالث من حذره منه أن يذب عن نفسه وملكه بما استطاع من مال ونفس؛ فإنه عن نفسه يذب، ولها يرب؛ فإنه لا يصلح حاله مع فساد حال ملكه وهو فرع من أصله.\rوهو يسترسل لثقته به، ويستسلم لتعويله عليه؛ فليقابل ثقته بأمانته، واستسلامه بكفايته، ولا يلجئه أن يباشر دفع الخوف والحذر، فيلجئه إلى ما هو أخوف وأحذر؛ لأن الوزير يخاف الملك ويخاف ما يخافه، فيتوالى عليه خوفان، ويتمالأ عليه خطران.\rقال شاعر:\rإن البلاء يطاق غير مضاعفٍ ... فإذا تضاعف صار غير مطاق\rوأما حذره من زمانه\rفلأنه يتقلب بألوانه، ويخشن بعد ليانه، فيسلب ما أعطى ويفرق ما جمع.\rوقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" أنظروا دور من تسكنون وأرض من تزرعون وفي طرق من تمشون \" .\rوقال بعض الحكماء: الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها.\rوقال بعض البلغاء: إن الدنيا تقبل إقبال الطالب، وتدبر إدبار الهارب؛ لا تبقى على حالة، ولا تخلو من استحالة؛ تصلح جانباً بإفساد جانب، وتسر صاحباً بمساءة صاحب؛ فالكون فيها على خطر، والثقة بها على غرر.\rوقال قيس بن الخطيم:\rومن عادة الأيام أن خطوبها ... إذا سرّ منها جانبٌ ساء جانب\rوالحذر من الزمان يكون من أربعة أوجه: أحدها: ألاّ يثق بمساعدته، ولا يركن إلى مياسرته، فيغفل عن الحذر والاستعداد، فربما انعكس فافترس، وغافص فاختلس.\rوقد قيل: للدهر صروف، لست عنها بمصروف.\rقال أبو العتاهية:\rإن الزمان وإن ألا ... ن لأهله لمخاشن\rفخطوبه المتحركا ... ت كأنهنّ سواكن","part":2,"page":195},{"id":696,"text":"والثاني: أن ينتهز فرصة مكنته بفعل الجميل، وغرس الصنائع، وإسداء العوارف؛ ليكون ذلك ذخيرةً له في النوائب، وخلفاً في العواقب؛ ولا يلهيه استكفاؤه عن الاستظهار، ولا يمنعه استغناؤه عن الاستكثار.\rفقد قيل: المر غلك وحياتك قبل موتك \" .\rقال سعيد بن سلم:\rإنما الدنيا هباتٌ ... وعوارٍ مسترده\rشدةٌ بعد رخاءٍ ... ورخاءٌ بعد شده\rوالثالث: أن يكف نفسه عن القبيح ويقبض يده عن الإساءة، ليكفى رصد الترات، وغوائل الهفوات، فيأمن من وجله، ويسلم من زلله، ولا يتطاول بالقدرة فيغفل وهو مطلوب، ويأمن وهو مسلوب.\rوالرابع: أن يستعدّ لآخرته، ويستظهر لمعاده، ولا يغتر بالأمل فيخونه الفوت، ولا تلهيه الدنيا فتصده عن الآخرة.\rفقلّ من لابسها فسلم من تبعاتها؛ لهفوات غرورها، وعواقب شرورها.\rروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" يا عجباً كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور \" .\rوقيل في منثور الحكم: طلاق الدنيا مهر الجنة.\rحذره من أهل الزمان\rفلأن الإنسان محسود بالنعمة، مغبوط بالسلامة.\rوالناس على أربعة أطوار متباينة: أحدها خيرٌ عاقل يسالم بخيره، ويساعد بعقله؛ فالظفر به سعادةٌ، والاستعانة به توفيقٌ.\rفليجتهد ألاّ يفوته وإن كان قليل الوجود، ليحظى بخيره ويسعد بعقله.\rوقلّ أن يكون الخير العاقل إلاّ متحلياً بالعلم متزيناً بالأدب.\rفإذا أظفره الزمان بمن تكاملت فضائله، وتهذبت خصائله، فليتخذه ذخيرة نوائبه، وعدة شدائده، يجده كفيل صلاحها، وزعيم نجاحها.\rوالطور الثاني: شريرٌ جاهل يضر بشره، ويضل بجهله.\rفليحذر مخالطته، فهي أضر من السم، وأنفذ من السهم.\rوشره بجهله منتشرٌ يضعف إن تورك، ويقوى إن شورك؛ فليكفف شره بالإبعاد، ولا يعزه بالتقريب، فيلحقه ضرري شره وجهله.\rوضرر الجهل أعم من ضرر الشر؛ لأن قانون الشر معلوم، وقانون الجهل غير معلوم.\rوالطور الثالث: خيرٌ جاهلٌ يسالم بخيره، ويضل بجهله؛ فليقاربه، إن شاء، لخيره، ولا يستعمله لجهله؛ ليكون بخيره موسوماً، ومن جهله سليماً.\rوالطور الرابع: شريرٌ عاقل وهو الداهية المكر، يستعمل للخطوب إذا حزبت.\rفليكن على حذرٍ من مكره، ويتاركه في الدعة على استدفاعٍ لشره.\rوقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : \" إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر \" .\rومثل هذا يستكف بمعونةٍ تمده، ومراعاةٍ ترضيه؛ فإنه كالسبع الضاري إن أجعته هاج، وإن أشبعته سكن؛ ليكون مذخوراً للحاجة؛ فإن للزمان خطوباً لا تدفع إلا بشرار أهله؛ كما قال حذيفة بن اليمان لرجل: أ يسرك أن تغلب شر الناس؟ قال: نعم؛ قال: إنك لن تغلبه حتى تكون شراً منه.\rفيعدّ لخطوب الشر إن طرقت؛ فإنه بها أخبر، وعلى دفعها أقدر، ولأهلها أقهر؛ ف \" إن الحديد بالحديد يفلح \" .\rفيستكف إلى حينها بما يدفع عادية شره، ويقطع غائلة مكره، وإن كانت ضراوة الشر أجذب، وطباع النفوس أغلب.\rفإن وجد الوزير من هذا الداهية فتوراً في همته، وقصوراً في منته كانت سراية مكره أنزر، وتأثيره في الخطوب أيسر.\rوإن كان عالي الهمة قوي المنة يتطاول إلى معالي الأمور، كانت سراية مكره أوفر، وتأثيره في الخطوب أكثر.\rفليعطه في كل حال من أمريه من الحذر والسكون بحسب ما تقتضيه همته، وتبعث عليه منته؛ ليكون قانونه معه مستقيماً، ومن دهاء مكره سليماً؛ لا يناله خورٌ من سرف، ولا استرسالٌ من تقصير؛ فقد جعل الله تعالى لكل شيءٍ قدراً.\rفهذا تفصيل ما اشتمل عليه العقد والحل.\rالتقليد والعزل\rوهو الشطر الثاني من شروط وزارة التفويض.\rفالتقليد على ضربين: تقليد تقرير، وتقليد تدبير.\rفأما تقليد التقرير،\rفهو فيما يستأنف إنشاء قواعده، ويبتدأ تقرير رسومه.\rوهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون في حاضر يقدر الوزير على مباشرته، فالوزير أخص بتقريره، وأحق بتنفيذه؛ لأنها أصول مؤبدة وهي من خواص نظره.\rفإن قلد عليها واستناب فيها، كان تقصيراً منه إن جل، ومعذوراً فيه إن قل.\rولم يكن لمن قلده تنفيذ تقريره إلا عن إذنه، وإلا كان عزلاً خفياً؛ لأنه يصير ملزماً وقد كان ملزماً، ومحكماً وقد كان حاكماً.","part":2,"page":196},{"id":697,"text":"والثاني: أن يكون التقليد فيما بعد عنه ويمكن استئماره فيه، فيجوز أن يستنيب في تقريره، ويكون موقوفاً على إمضاء الوزير وتنفيذه.\rولا يجمع المستناب بين الأمرين، ليكون التقليد مقصوراً على التقرير، والوزير مختصاً بالتنفيذ.\rفإن جمع المستناب بين التقرير والتنفيذ كان فيه متجوزاً، إلا أن يؤمر به فيصير الآمر متجوزاً، إلا أن يكون اضطراراً يزول معه حكم الاختيار.\rوالثالث: أن يكون التقليد فيما بعد عنه ويتعذر استئماره فيه، فيجوز أن يستنيب فيه من يجمع بين تقريره وتنفيذه إذا تكاملت في المستناب ثلاثة شروط: أحدها الكفاية التي ينهض بها في التقرير.\rوالثاني الهيبة التي يطاع بها في التنفيذ.\rوالثالث الأمانة التي يكف بها عن الاسترشاء والخيانة، بعد تكامل الشروط المعتبرة في جميع الولايات، وهي ثلاثة: العقل، والديانة، والمروءة.\rفلا فسحة في تقليد من أخل ببعضها، لقصوره عن حقها، وخروجه من أهلها؛ وإنما يختلف ما سواها باختلاف الولايات، وإن كانت هذه مستحقةً في جميعها.\rوقد قال كسرى أبرويز: من اعتمد على كفاة السوء لم يخل من رأيٍ فاسدٍ وظنٍ كاذبٍ وعدوٍ غالب.\rوقد قال بعض الحكماء: لا تستكفينّ مخدوعاً عن عقله؛ والمخدوع من بلغ به قدراً لا يستحقه، أو أثيب ثواباً لا يستوجبه.\rوأما تقليد التدبير،\rفهو النظر فيما استقرت رسومه، وتمهدت قواعده.\rوهو مشتركٌ بين الوزير وبين الناظر فيه؛ لكن يختص الوزير بمراعاته، والناظر بمباشرته؛ ليستظهر الوزير بالمراعاة، ولا يتبذل بالمباشرة.\rوهو ضربان: أحدهما تدبير الأجناد.\rوالثاني تدبير الأموال.\rفأما تدبير الأجناد، فلا يستغني الوزير عن تقليد سفيرٍ فيه وإن كانوا يلاقونه؛ ليحفظ بالسفير حشمة وزارته ولا يقف أغراض أجناده، وقد انصان عن لغط كلامهم، وجفوة طباعهم.\rوالأغلب على تدبيرهم الرأي والسياسة.\rفيعتبر في الثاني: أن يكون من ذوي الرأي والسياسة، ليقودهم برأيه إلى الصواب ويقفهم بسياسته على الاستقامة.\rوالثالث: أن يكون متوصلاً إلى استعطاف القلوب، واجتماع الكلمة، ليسلموا من اختلاف أو منافرة.\rوالرابع: أن يكون بينه وبين الأجناد مناسبةٌ في الطباع ومشاكلةٌ في الأخلاق يمتزجون بها في الموافقة ولا يختلفون فيها في المباينة.\rوالخامس: أن يكون سليم الباطن صحيح المعتقد؛ لأنه يصير أخص بهم، ويصيرون أطوع له.\rوالسادس: ما اختلف باختلاف الحال، فإن كان في زمان السلم اعتبر فيه الأناة والسكون؛ وإن كان في زمان الحرب اعتبر فيه الإقدام والسطوة، ليكون مطبوعاً على ما يضاهي حال زمانه.\rفإذا ظفر بمن استكملها - وبعيدٌ أن يظفر به إلا أن يعان بالتوفيق - وجب تقليده، ولزمت مناصفته في الحقوق التي له وعليه، ليدوم ويستقيم.\rفقد قيل في منثور الحكم: من قضيت واجبه، أمنت جانبه.\rوأما تدبير الأموال،\rفالوزير مصون عن مباشرتها، وإنما يحفظ دخلها بالهيبة والاستظهار، ويضبط خرجها بالحاجة والاضطرار.\rوللتقليد على كل حال منهما شروط.\rفشروط التقليد على مباشرة دخلها خمسة: أحدها: أن يكون مطبوعاً على العدل، لينصف وينتصف.\rوالثاني: أن يكون متديناً بالأمانة، ليستوفي ويوفّى.\rوالثالث: أن يكون كافياً، ليضبط بكفايته، ولا يضيع بعجزه.\rوالرابع: أن يكون خبيرأً بعمله يعرف وجوه مواده، وأسباب زيادته.\rوالخامس: أن يكون رفيقاً بمعامليه غير عسوف ولا أخرق.\rحكي أن الإسكندر كتب إلى معلمه أرسطاطاليس ليستشيره في عماله؛ فكتب إليه: إن من كان له عبيدٌ فأحسن في سياستهم فوله الجند، ومن كان له ضيعةٌ فأحسن تدبيرها فوله الخراج.\rشروط التقليد على مباشرة خرجها،\rبعد الأمانة التي هي مشروطة في كل ولاية، فمعتبرةٌ بأحوال الخرج.\rوينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان راتباً عن رسوم مستقرة كأرزاق الجيوش والحواشي، فللتقليد عليه شرطان: معرفة مقاديرها، ومعرفة مستحقيها.\rوالثاني: ما كان عارضاً عن أوامر تقدمتها والناظر مأمورٌ بها كالصلات وحوادث النفقات، فللتقليد عليه شرطان: وقوفها على الأوامر، ومعرفة أغراض الآمر.\rوالثالث: ما كان عارضاً فوض إلى رأي الناظر ووكل إلى تقريره كالمصالح والنفقات، فالتقليد عليه أوفى شروطاً لوقوفها على اجتهاده وتقديره، فيحتاج مع الأمانة إلى ثلاثة شروط:","part":2,"page":197},{"id":698,"text":"أحدها: معرفة وجوه الخرج، حتى لا يتصرف في غير حق.\rوالثاني: الاقتصاد فيه، حتى لا يفضي إلى سرف ولا تقصير.\rوالثالث: استصلاح الأثمان والأجور من غير تحيفٍ ولا غبن.\rالعزل فضربان:\rأحدهما: ما كان عن غير سبب فهو خارجٌ عن السياسة؛ لأن للأفعال والأقوال أسباباً إذا تجردت عنها صار الفعل عبثاً والكلام لغواً لا يقتضيه رأي حصيف، ولا توجبه سياسة لبيب.\rوقد قيل: العزل أحد الطلاقين.\rفكما أنه لا يحسن الطلاق بغير سبب، كذلك لا يحسن العزل بغير سبب.\rوإذا لم يثق الناظر باستدامة نظره مع الاستقامة، عدل عنها إلى النظر لنفسه، فعاد الوهن على عمله.\rوما يكون هذا العزل إلا عن فشلٍ أو ملل.\rوالضرب الثاني: أن يكون العزل لسبب دعا إليه.\rوأسبابه تكون من ثمانية أوجه: أحدها: أن يكون سببه خيانةً ظهرت منه، فالعزل لها من حقوق السياسة مع استرجاع الخيانة والمقابلة عليها بالزواجر المقومة.\rولا يؤاخذ فيها بالظنون والتهم.\rفقد قيل: من يخن يهن.\rوالوجه الثاني: أن يكون سببه عجزه وقصور كفايته، فالعمل بالعجز مضاع، وهو نقص في العاجز وإن لم يكن ذنباً له؛ فلا يجوز في السياسة إقراره على العمل الذي عجز عنه.\rثم روعي عجزه بعد عزله، فإن كان لثقل ما تقلده من العمل جاز أن يقلد ما هو أسهل، وإن كان لقصور منته وضعف حزمه لم يكن أهلاً لتقليدٍ ولا عمل.\rوالوجه الثالث: أن يكون سببه اختلال العمل من عسفه أو خرقه.\rفهذا السبب زائدٌ على الكفاية، وخارجٌ عن السياسة. والوزير المقلد فيه بين خيارين: إما أن يعزله بغيره، وإما أن يكفه عن عسفه وخرقه.\rويجوز أن يكون مرصداً لتقليد ما تدعو السياسة فيه إلى العسف لمن شاق ونافر.\rفقد قيل: لكل بناء أساس، ولكل تربة غراس.\rوالوجه الرابع: أن يكون سببه انتشار العمل به من لينه وقلة هيبته.\rفهذا السبب موهنٌ للسياسة.\rوالوزير فيه بين خيارين: إما أن يعزله بمن هو أقوى وأهيب، وإما أن يضم إليه من تتكامل به القوة والهيبة.\rوخياره فيه معتبرٌ بالأصلح.\rويجوز أن يقلد بعد صرفه ما لا يستضر فيه بضعفه.\rوالوجه الخامس: أن يكون سببه فضل كفايته وظهور الحاجة إليه فيما هو أكبر من عمله.\rفهذا أحمد وجوه العزل وليس بعزل في الحقيقة، وإنما هو نقلٌ من عمل إلى ما هو أجلّ منه، فصار بهذا العزل زائد الرتبة.\rوقد قال بعض البلغاء: الناس في العمل رجلان: رجلٌ يجلٌ به العمل لفضله ورياسته؛ ورجل يجلٌ بالعمل لتقصيره ودناءته، فمن جلّ به العمل ازداد تواضعاً وبشراً، ومن جلّ بالعمل ازداد ترفعاً وكبراً.\rوالوجه السادس: أن يكون سببه وجود من هو أكفأ منه.\rفيراعى حال الأكفأ، فإن كان فضل كفايته مؤثراً في زيادة العمل به كان عزل الناظر به من لوازم السياسة ولم يسغ فيها إقراره على عمله؛ وإن لم يؤثر في زيادة العمل كان عزل الناظر من طريق الأولى في تقديم الأكفاء وتخير الأعوان، وإن جاز في السياسة إقرار الناظر على عمله لنهوضه به.\rوالوجه السابع: أن يكون سببه أن يخطب عمله من الكفاة من يبذل زيادةً فيه.\rفلا يجوز عزله ببذل الزيادة حتى يكشف عن سببها، فربما تخرص بها الباذل لرغبة في العمل، أو لعداوة في العامل.\rفإن لم يظهر لها بعد الكشف موجبٌ لم يجز في السياسة عزله بهذا البذل الكاذب؛ وكان الباذل جديراً بالإبعاد لابتدائه بالإدغال.\rفإن ظهر موجب الزيادة لم يخل من ثلاثة يكون موجبها فضل كفاية الباذل؛ فيجب عزله بالباذل دون غيره.\rوالثالث أن يكون سببها عسف الباذل وخرقه، فلا يجوز في السياسة عزل الناظر ولا تقريب الباذل، فربما مال إلى الزيادة من تغاضى عن العدل، فعزل وقلد فصار هو العاسف المجازف.\rوالوجه الثامن: أن يكون سببه أن الناظر مؤتمنٌ، فيخطب عمله ضامنٌ.\rفتضمين الأعمال خارجٌ عن قوانين السياسة العادلة، لأن المؤتمن عليها إذا كان كافياً استوفى ما وجب، وكف عما لم يجب؛ وهذا هو العزل.\rوالضامن إن ضمنها بمثل ارتفاعها لم يؤثر، وإن ضمنها بأكثر منه تحكم في عمله، وكان بين عسفٍ أو هرب، لأنه ضمن ليغنم لا ليغرم.\rوحكي أن المأمون عزم على تضمين السواد، وعنده عبيد الله ابن الحسن العنبري القاضي؛ فقال له: يا أمير المؤمنين إن الله قد دفعها إليك أمانة، فلا تخرجها من يدك قبالة.\rفعدل عن الضمان.","part":2,"page":198},{"id":699,"text":"فهذا تفصيل ما تعلق بوزارة التفويض من عقدٍ وحلٍ وتقليدٍ وعزلٍ.\rفلنذكر حقوق الملك على وزيره وحقوق الوزير على ملكه.\rحقوق الملك وحقوق الوزير\rحقوق السلطان على وزيره\rفهي ثلاثة: أحدها: قيامه بمصالح ملكه، وهي أربع: عمارة بلاده، وتقويم أجناده، وتثمير أمواله، وحياطة رعيته.\rوالثاني: قيامه بمصالح نفسه، وهي أربع: إدرار كفايته، وتحمل عوارضه، وتهذيب حاشيته، وإعداد ما يستدفع به النوائب.\rوالثالث: قيامه بمقاومة أعدائه،وذلك بأربعة أشياء: تحصين الثغور، واستكمال العدة، وترتيب العساكر، وتقدير الحدود.\rفيجب على الوزير أن يؤدي حقوق سلطانه، ويوفي شروط ائتمانه؛ ويحذر بادرة مؤاخذته إن قصر، وسطوة انتقامه إن فرط؛ لأن بادرة الانتقام، أسرع من ظهور الإنعام؛ لأن الانتقام يصدر عن طيش الغضب، والإنعام يصدر عن أناة الكرم.\rوقد قيل في حكم الفرس: ما أضعف طمع صاحب السلطان في السلامة.\rوذلك أنه إن عفّ جنى عليه العفاف عداوة الخاصة، وإن بسط يده جنى عليه البسط ألسنة المتنصحين.\rفلزم لذلك أن يكون حذره أغلب من رجائه، وخوفه أكثر من أمنه.\rولئن تكدر بهما العيش فهما إلى السلامة أدعى.\rحقوق الوزير على السلطان\rفثلاثةٌ: أحدها: معونته على نظره.\rوذلك بأربعة أشياء: تقوية يده، وتنفيذ أمره، وإطلاق كفايته،وألا يجعل لغيره عليه أمراً.\rوقد قال سابور بن أردشير في عهده إلى ابنه هرمز: ينبغي للوزير أن يكون قوي الأمر، مقبول القول، يمنعه مكانه منك، من الضراعة لغيرك، وتبعثه الثقة بك، على بذل النصيحة لك، ويشجعه ما يعرف من رأيك، على مقاومة أعدائك؛ وأحذرك أن تنزل بهذه المنزلة من سواه من خدمك.\rوالثاني: أن يثق منه بأربعة أشياء: ألا يؤاخذه بغير ذنب، وألا يطمع في ماله من غير خيانة، وألا يقدم عليه من هو دونه، وألا يمكن منه عدواً.\rوقد عهد ملكٌ إلى ابنه فقال: يا بني، إنك لن تصل إلى إحكام ما تريده من تدبير ملكك إلا بمعونة وزرائك وأعوانك، فأعنهم على طاعتك بمياسرتك، وعلى معونتك بمساعدتك.\rوالثالث: أن يحفظ منزلته من أربعة أشياء: الأول ألا يرتاب بباطنه وظاهره سليمٌ، فيؤاخذ بالظن، ويعجز عن دفعه باليقين؛ فليس يؤاخذ بضمائر القلوب، إلا علاّم الغيوب.\rقيل لكسرى قباذ: إن قوماً من خواصك قد فسدت سرائرهم؛ فوقع: أن أملك الأجساد دون النيات، وأحكم بالعدل لا بالرضا، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر.\rوالثاني: ألا يستبدل به ونظره مستقيم، فيقل نفعه، ويضعف نشاطه، ولا يجهد نفسه في النهوض بما كفله؛ فإن داعي الطبع أبلغ من مصنوع التكلف.\rوقد اتخذه لاستقامةٍ وجدها به.\rفإذا أضاع حقه بالاستبدال ظلم نفسه، وكان من غيره على خطر.\rوقد قال كسرى: الوزارة أبعد الأمور من أن تحتمل غير أهلها.\rلأن الوزير من الملك بمنزلة سمعه وبصره ولسانه وقلبه، لأنه مغلق الأبواب، مستور عن الأبصار؛ ليحفظه في أمواله، ويستر خلله في أفعاله؛ وحقيقٌ بمن كان بهذه المنزلة أن يكون محفوظا.\rوالثالث: ألا يؤاخذه بدرك ما جره القضاء وساقه القدر، فيجعله غرضاً في معارضة خالقه.\rوهل الوزير فيه إلا كالملك! فأفعال الله عز وجل لا تكون ذنوباً لعباده.\rوقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إذا أراد الله إنفاد قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم حتى ينفد فيهم قضاؤه وقدره \" .\rوالرابع: ألا يحمله ما ليس في قدرته، ولا يكلفه ما ليس في طاقته، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.\rوما ذاك إلا من دواعي التجني، ومبادئ التنكر.\rفهذه حقوق الوزير على سلطانه.\rوهي مقابلة لحقوق السلطان على وزيره.\rلكن حقوق الوزير موضوعةٌ على المسامحة في أكثرها، وحقوق السلطان موضوعةٌ على المؤاخذة بأقلها؛ لاستطالته عليه بالقدرة وقصوره عنه بالنيابة.\rوحيث ذكرنا هذه الحقوق الداخلة في وزارة التفويض فلنذكر وزارة التنفيذ.\rوزارة التنفيذ\rقال الماوردي ما معناه: إن لوزارة التنفيذ أربعة قوانين: فالأول من قوانينها: السفارة بين الملك وأهل مملكته، لأن الملك معظمٌ بالحجاب، مصون عن المباشرة بالخطاب؛ فاقتضى ذلك اختصاصه بسفيرٍ محتشمٍ ووزيرٍ معظم مطاعٍ فيما يورده عنه من الأوامر والنواهي، ويهاب فيما يتحمله إليه من المطالب والمباغي.","part":2,"page":199},{"id":700,"text":"ليكون للملك لساناً ناطقاً، وأذناً واعية.\rوهذه السفارة مختصة بخمسة أصناف:\rالسفارة بين الملك وأجناده،\rفيحملهم على أوامره ونواهيه، ويتنجز لهم من الملك ما استوجبوه أو سألوه.\rويحتاج في سفارته معهم أن يجمع بين اللين والعنف، والخشونة واللطف؛ ليقتادهم إلى طاعته بالرغبة والرهبة.\rوالثاني: السفارة بين الملك وعماله، فيستوفي مناظرة العمال ويتصفح أحوال الأعمال؛ ليستدرك خللاً إن كان، ويستديم صلاحاً إن وجد.\rويحتاج في هذه السفارة إلى استعمال الرهبة خاصةً؛ ليكفهم عن الخيانة، ويبعثهم على الأمانة.\rوالثالث: اللين واللطف، ليصلوا إلى استيفاء الظلامة، ويستدفعوا ذل الاستضامة.\rوالرابع: السفارة في استيفاء حقوق السلطنة التي للملك وعليه، من غير مباشرة قبض ولا إقباض.\rويحتاج في هذه السفارة إلى الرهبة فيما يستوفيه للملك، وإلى اللطف فيما ينجزه منه.\rوالخامس: السفارة في اختيار العمال، ومشارفة الأعمال؛ لينهي حال من يرى تقليده وعزله من غير أن يباشر تقليداً ولا عزلاً؛ لأن التقليد والعزل داخل في وزارة التفويض خارج عن وزارة التنفيذ.\rوشروط هذه السفارة: أن يكون جيد الحدس، صحيح الاختيار، قليل الاغترار، عارفاً بكفاة العمال ومقادير الأعمال، ليحمد اختياره، ويقلّ عثاره.\rأن يمد الملك برأيه ومشورته؛\rفإن الملك مع جزالة رأيه وصحة رويته محجوب الشخص عن مباشرة الأمور، فصار محجوب الرأي عن الخبرة بها.\rفاحتاج إلى بارز الشخص بالمباشرة، ليكون بارز الرأي بالخبرة؛ فليس شاهد كالغائب، ولا المخبر كالمعاين.\rوالوزير أحق بهذه المرتبة.\rوله في المشورة حالتان: إحداهما: أن يبتدئه الملك بالاستشارة، فيلزمه إن يشير فيها برأيه سواء اختصت بملكه أو تعدت إلى غيره.\rوعلى الوزير فيها حقان: أحدهما: اجتهاد رأيه في إيضاح الصواب.\rوالثاني: إبانة صحته بتعليل الجواب ليكون مجيباً ومحتجاً، فيكفى توهم الزلل ويسلم من ظنة الارتياب.\rوالحلة الثانية: أن يبتدئ بالمشورة على الملك: فله فيها حالتان: إحداهما: ألا يقع بمشورته اجتلاب نفعٍ أو استدفاع ضرر.\rفهذا تجوّز من الوزير، وتبسطٌ على الملك؛ إن أنكره فبحقه، وإن احتمله فبفضله.\rوالثانية: أن يتعلق بمشورته اجتلاب نفع، أو استدفاع ضرر.\rفإن اختص بالمملكة كان من حقوق الوزارة، وإن تجاوزها كان من نصح الوزير.\rوعليه أن يذكر سبب ابتدائه، ويوّضح صواب رأيه.\rويلزمه فيما يؤدى به من الاستشارة ويبدأ به من المشورة، أن يكتمه عن كل خاص وعام؛ لأمرين: أحدهما: أن الرأي لا يجب أن يظهر إلا بالأفعال دون الأقوال؛ لأن ظهوره بالفعل ظفر، وظهوره بالقول خطر.\rوقد قيل: من وهن الأمر إعلانه قبل إحكامه.\rوالثاني: أنه من أسرار الملك التي يجب أن تكتم في الصدور، وتصان عن الظهور؛ ليجمع بين تأدية الأمانة وطلب السلامة؛ فإن في إفشاء سر الملك خطراً به وبمن أفشاه.\rوقلما تعفو الملوك عن مفشي أسرارها؛ لتردده بين خيانة وجناية.\rأن يكون عيناً للملك ناظرة،\rوأذناً سامعة، ينهي ما شاهد على حقه، ويخبر بما سمع به على صدقه؛ لأنه قد سوهم بالملك وميز بالاختصاص، وندب للمصالح؛ فهو القائم مقام الملك في مشاهدة ما غاب، وسماع ما بعد.\rوعليه في ذلك ثلاثة حقوق: أحدها: أن يديم الفحص عن أحوال المملكة حتى يعلم ما غاب كعلمه بما حضر، وما خفي كعلمه بما ظهر؛ فلا يتدلس عليه حق أمرٍ من باطله، ولا يشتبه عليه صدق قولٍ من كذبه.\rفإن قصّر فيها حتى خفيت، أو استرسل فيها حتى تدلست كان مؤاخذاً بجرم التقصير، وجريرة الضرر.\rوالثاني: أن يعجل مطالعة الملك بها ولا يؤخرها، وإن جاز تأخير العمل بها؛ لأن عليه الإنهاء، وليس عليه العمل.\rوإذ كان من الملك بمنزلة عينه وأذنه اللتين يتعجل العلم بهما، وجب أن يجري معه على حكمهما، ليستدرك الملك ما يجب تعجيله، ويقدم الروية فيما يجوز تأخيره.\rفإن أخر الوزير إعلام الملك بها وقد حسم ضررها، كان للنصيحة مؤدياً، ومن الملك على وجل.\rوالثالث: أن يوضح له حقائق الأمور، ويساوي فيها بين الصغير والكبير، فلا يمايل قريباً، ولا يتحيف بعيداً، ولا يعظم من الأمور صغيراً، ولا يصغر منها عظيماً.","part":2,"page":200},{"id":701,"text":"فإن خاف من صغار الأمور أن تصير كباراً، أو كبارها أن تعود صغاراً، أخبر بحقائقها في المبادئ، وذكر ما تؤول إليه في العواقب؛ ليكون بالمبادئ مخبراً، وفي الغايات مشيراً.\rفإن أخبر بالغايات وأعرض عن ذكر المبادئ، كان تدليساً، وكان بالإنكار حقيقاً وبالذم جديراً.\rأن يفتدي راحة الملك بتعبه،\rويقي دعته بنصبه؛ ولا يغيب إذا أريد، ولا يسأم إذا أعيد؛ لأنه لسان الملك إذا نطق، وعينه إذا رمق، ويده إذا بطش؛ فلا يبعد عن دعائه، ولا يضجر من ندائه؛ لأن عوارض الملك من هواجس أفكاره وتقلب خاطره.\rوقد يتجدد مع الأوقات ما لا تعرف أسبابه ولا تتعين أوقاته؛ فليكن هذا الوزير على رصدٍ منها.\rوربما ملّ الوزير الملازمة فأعقبته أسفاً إذا فارقها، لأن في ملازمته للملك نصباً يقترن بعزٍ، وفي متاركته راحة تؤول إلى ذل.\rفليختر لنفسه ما وافقها من عز يجتذبه بالكد، أو ذلٍ يؤول إليه بالدعة.\rفإنه إن صبر على ما أراده الملك ظفر بإرادته من الملك، وهو على الضد إن خالفها.\rوقد قال أنوشروان: ما استنجحت الأمور بمثل الصبر، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر.\rوقيل: من خدم السلطان خدمه الإخوان.\rفيطرد على هذا التعليل أن من تنكر له السلطان، تنكر له الإخوان.\rهذه قوانين وزارة التنفيذ.\rما تتميز به وزارة التفويض\rعلى وزارة التنفيذ وما تختلف فيه.\rوتتميز وزارة التفويض على وزارة التنفيذ وتختلف من ستة أوجه: أحدها: أن الملك يقلد وزير التفويض في حقوقه وحقوق رعيته، ويقلد وزير التنفيذ في حقوقه خاصة دون حقوق رعيته؛ لأن وزير التفويض تنفذ الأمور برأيه، ووزير التنفيذ يمضيها بأمر الملك وعن رأيه.\rوالثاني: أن وزارة التفويض تفتقر إلى عقد يصح به نفوذ أفعاله، ووزارة التنفيذ لا تفتقر إلى عقد، لأنه فيها مأمورٌ بتنفيذ ما صدر عن أمر الملك.\rوالثالث: أن وزير التفويض مأخوذٌ بدرك ما أمضاه، ووزير التنفيذ غير مؤاخذٍ بدركه.\rوالرابع: أن وزير التفويض لا ينعزل إلا بالقول أو ما في معناه دون المتاركة، لأنه قد تملك بها مباشرة الأمور، ووزير التنفيذ ينعزل بالمتاركة لأنه مأمورٌ.\rوالخامس: أن وزير التفويض لا ينعزل إن كف وترك، حتى يستعفي ويعفيه الملك منها، لأنه مستودع الأعمال فلزمه ردها إلى مستحقها، ووزير التنفيذ يجوز أن ينعزل بعزل نفسه بالكف والمتاركة، لأنه لا شيء بيده فيؤخذ برده.\rوالسادس: أن وزير التفويض يفتقر إلى كفاية بالسيف والقلم، لنهوضه بما أوجبهما، ووزارة التنفيذ غير مفتقرة إليهما لقصورها عنهما.\rويعتبر في وزير التنفيذ ستة أوصاف: وهي الأبهة والمنة والهمة والعفة والمروءة وجزالة الرأي.\rوهذه الأوصاف معتبرة في كل مدبر ذي رياسة.\rحقوق الوزارة وعهودها ووصايا الوزراء أما حقوق الوزارة: فهي أن تقلد لمن اجتمعت فيه ثمانية أوصاف، وهي التي ذكرها الماوردي في قوانين الوزارة، وبينها بالنص والتعيين لا بالتعريض والإشارة: فأحدها: أن يكون بأعباء الوزارة ناهضاً، وفي مصالح المملكة راكضاً؛ يقدم حظ الملك على حظ نفسه ويعلم أن صلاحه مقترن بصلاحه؛ فلن تستقيم أحوال الوزير مع اختلال أحوال الملك، لأن الفروع إنما تستمد من أصولها.\rوالثاني: أن يكون على الكد والتعب قادراً، وفي السخط والرضا صابراً؛ لا ينفر إن أوحش، فإن نفوره عطب.\rوليتوصل إلى راحته بالتعب، وإلى دعته بالنصب.\rوقد قيل: علة الراحة قلة الاستراحة.\rوقال عبد الحميد: أتعب قدمك، فكم تعبٍ قدمك!.\rفإن تشاغل الوزير براحته، ومال إلى لذته، سلبهما بالتنكر، وعدمهما بالتغير.\rوالثالث: أن يكون لإحسان الملك شاكراً؛ ولإساءته عاذراً، يشكر على يسير الإحسان، ويعذر على كثير الإساءة، ليستمد بالشكر إحسانه، ويستدفع بالعذر إساءته.\rفإن عدل عنهما، كان منه على ضدهما.\rفقد قيل: أحق الناس بالمنع الكفور، وبالصنيعة الشكور.\rوالرابع: أن يظهر محاسنه إن خفيت، ويستر مساويه إن ظهرت، لأنه بمحاسنه موسومٌ وبمساويه مقروف، يشاركه في حمد محاسنه، ويؤاخذ بذم مساويه.\rوربما استرسل الملك لثقته بالاحتجاب، فارتكب بالهوى ما يصان عن إذاعته، فكان الوزير أحق بستره عليه، لأنه الباب المسلوك منه إليه.","part":2,"page":201},{"id":702,"text":"والخامس: أن تخلص نيته في طاعته، ويكون سره كعلانيته، فإن القلوب جاذبة تملك أعنة الأجساد؛ فإن اتفقا، وإلا فالقلب أغلب، وإلى مراده أجذب.\rوالقلوب تنم على الضمائر فتهتك أستارها وتذيع أسرارها.\rوقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" في ابن آدم مضغةٌ إذا صلحت صلح الجسد وإذا فسدت فسد الجسد ألا وهي القلب \" .\rوالسادس: ألا يعارض الملك فيمن قرب واستبطن، ولا يماريه فيمن حط ورفع؛ فإنه يتحكم بقدرته ويأنف من معارضته.\rفربما انقلب بسطوته إذا عورض، ومال بانتقامه إذا خولف.\rفبوادر الملك تسبق نذيرها، وتدحض أسيرها؛ فإن سلم من الخطر لم يسلم من الضجر.\rوالسابع: أن يتقاصر عن مشاكلة الملك في رتبته، ويقبض نفسه عن مثل هيئته، فلا يلبس مثل ملابسه، ولا يركب مثل مراكبه، ولا يستخدم مثل خدمه؛ فإن الملك يأنف إن موثل، وينتقم إن شوكل، ويرى أن ذلك من أمواله المجتاحة، وحشمته المستباحة.\rوليقتصر على نظافة لباسه وجسده من غير تصنع، فإن النظافة من المروءة، والتصنع للنساء؛ ليكون بالسلامة محفوظاً، وبالحشمة ملحوظاً.\rوالثامن: أن يستوفي للملك ولا يستوفي عليه، ويتأول له ولا يتأول عليه؛ فإن الملك إذا أراد الإنصاف كان عليه أقدر، وإن لم يرده فيد الوزير معه أقصر؛ وإنما أراد الوزير عوناً لنفسه ولم يرده عوناً عليها.\rفإن وجد إلى مساعدته سبيلاً سارع إليها، وإن خاف ضررها وانتشار الفساد بها تلطف في كفه عنها إن قدر.\rفإن تعذر عليه تلطف في الخلاص منها؛ ولا يجهر بالمخالفة.\rسئل بعض حكماء الروم عن أصلح ما عوشر به الملوك، فقال: قلة الخلاف وتخفيف المؤنة.\rوالملوك لا يصحبون إلا على اختيارهم ولا يتمسكون إلا بمن وافقهم على آرائهم.\rوإذا روعيت أحوال الناس وجدوا لا يأتلفون إلا بالموافقة، فكيف الملوك!.\rقال شاعر:\rالناس إن وافقتهم عذبوا ... أو لا فإن جناهم مر\rكم من رياضٍ لا أنيس بها ... تركت لأن طريقها وعر\rعهودها ووصاياها.\rفلم أر فيما طالعته في هذا المعنى أشمل ولا أكمل ولا أنفع ولا أجمع من كلامٍ لأبي الحسن الماوردي؛ فلذلك أوردته بفصه، وأتيت على أكثر نصه.\rقال الماوردي: فأما العهود الموقظة فسأقول، وأرجو أن يقترن بالقبول: اجعل أيها الوزير لله تعالى على سرك رقيباً يلاحظك من زيغٍ في حقه، واجعل لسلطانك على خلوتك رقيباً يكفك عن تقصير في أمره؛ ليسلم دينك في حقوق الله تعالى، وتسلم دنياك في حقوق سلطانك، فتسعد في عاجلتك وآجلتك.\rفإن تنافى اجتماعهما لك فقدم حق الله تعالى على حق الملك.\rف \" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق \" .\rوقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى \" ، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس \" .\rقال: حق عليك أيها الوزير أن تكون بأمور الناس خبيراً، وإلى أحوالهم متطلعاً، وبهم على نفسك وعليهم مستظهراً، لأنهم من بين من تسوسه أو تستعين به، لتعلم ما فيهم من فضل ونقص وعلم وجهل وخير وشر، وتتحرز مع غرور المتشبه وتدليس المتصنع؛ فتعطي كل واحد حقه، ولا تقصر بذي فضل، ولا تعتمد على ذي جهل.\rفقد قيل: من الجهل صحبة ذوي الجهل، ومن المحال مجادلة ذوي المحال، وافرق بين الأخيار والأشرار، فإن ذا الخيريبني، وذا الشر يهدم.\rواحذر الكذوب فلن ينصحك من غش نفسه؛ ولن ينفعك من ضرها.\rولا تستكفينّ عاجزاً فيضيع العمل، ولا شرهاً فيضرك باحتجانه، ولا تعبأ بمن لا يحافظ على المروءة، فقلما تجد فيه خيراً؛ لزهده في صيانة النفس وميله إلى خمول القدر.\rوبعيدٌ ممن أسقط حق نفسه أن يقوم بحق غيره، وصعبٌ على من ألف إسقاط التكلف أن يحول عنه.\rوقد قيل في حكم الهند: ذو المروءة يرتفع بها، وتاركها يهبط؛ والارتقاء صعب والانحطاط هين، كالحجر الثقيل الذي رفعه عسير وحطه يسير.\rوقال بعض البلغاء: أحسن رعاية ذوي الحرمات، وأقبل على أهل المروءات؛ فإن رعاية ذوي الحرمة تدل على كرم الشيمة، والإقبال على ذوي المروءة يعرب عن شرف الهمة.","part":2,"page":202},{"id":703,"text":"اختبر أحوال من استكفيته لتعلم عجزه من كفايته، وإحسانه من إساءته؛ فتعمل بما علمت من إقرار الكافي وصرف العجز، وحمد المحسن وذم المسيء.\rفقد قيل: من استكفى الكفاة، كفي العداة.\rفإن التبست عليك أمورهم أوهنت الكافي وسلطت العاجز، وأضعت المحسن وأغريت المسيء.\rولأن يكون العمل خالياً فتصرف إليه فكرك أولى من أن يباشره عاجز أو خائن فيقبح بهما أثرك.\rفاحذر العاجز فإنه مضيع، وتوقّ الخائن فإنه يكدح لنفسه.\rقال شاعر:\rإذا أنت حمّلت الخؤون أمانةً ... فإنك قد أسندتها شر مسند\rاقتصر في أعوانك بحسب حاجتك إليهم. ولا تستكثر منهم لتكثر بهم. فلن يخلو الاستكثار من تنافرٍ يقع به الخلل، أو اتفاقٍ يستأكل به العمل.\rوليكن أعونك وفق أعمالك، فإنه أنظم للشمل وأجمع للعمل وأبلغ في الاجتهاد وأبعث على النصح.\rقال ابن الرومي:\rعدوك من صديقك مستفادٌ ... فلا تستكثرنّ من الصحاب\rفإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب\rفدع عنك الكثير فكم كثيرٍ ... يعاف وكم قليلٍ مستطاب\rفما اللجج الملاح بمروياتٍ ... وتلقى الريّ في النطف العذاب\rهذب نفسك من الدنس تتهذب جميع أتباعك.\rونزه نفسك عن الطمع تتنزه جميع خلفائك وتوقّ الشره فلن يزيدك إلا حرصاً إن أجديت، ونقصاً إن أكديت، وهما معرة ذي الفضل ومضرة أولي الحزم.\rروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" اقتربت الساعة ولا يزداد الناس في الدنيا إلا حرصاً ولا تزداد منهم إلا بعداً \" .\rرض نفسك عن الطمع يتنزه جميع عمالك، وتنتظم بك جميع أعمالك.\rولا تكل إلى غيرك ما تختص بمباشرته طلباً للدعة، فتعزل عنه نفسك وتؤثر به غيرك؛ فتكون من وفائه على غدر، ومن نفسك على تقصير.\rقال بزرجمهر: إن يكن الشغل مجهدة، فإن الفراغ مفسدة.\rوقال عبد الحميد: ما زانك ما أضاع زمانك، ولا شانك ما أصلح شانك.\rاجعل زمان فراغك مصروفاً إلى حالتين: إحداهما راحة جسدك وإجمام خاطرك، ليكونا عوناً لك على نظرك.\rوالثانية أن تفكر بعد راحة جسدك وإجمام خاطرك فيما قدمته من أفعالك، وتصرفت فيه من أعمالك: هل وافقت الصواب فيه فتقويه وتجعله مثالاً تحتذيه، أو نالك فيها زللٌ فتستدرك منه ما أمكن، وتنتهي عن مثله في المستقبل.\rفقد قيل: من فكر أبصر.\rوقال بعض البلغاء: من لم يكن له من نفسه واعظ، لم تنفعه المواعظ.\rاخفض جناحك لمن علا، ووطئ كنفك لمن دنا، وتجاف عن الكبر تملك من القلوب مودتها، ومن النفوس مساعدتها.\rفقد قيل لحكيم الروم: من أضيق الناس طريقاً، وأقلهم صديقاً؟ قال: من عاشر الناس بعبوس وجهه، واستطال عليهم بنفسه.\rولذلك قيل: التواضع في الشرف، أشرف من الشرف.\rكن شكوراً في النعمة، صبوراً في الشدة، لا تبطرك السراء، ولا تدهشك الضراء؛ لتكافأ أحوالك، وتعتدل خصالك؛ فتسلم من طيش البطر وحيرة الدهش.\rفقد قال بعض الحكماء: اشتغل بشكر النعمة عن البطر بها.\rوقيل في أمثال الهند: العاقل لا يبطر بمنزلةٍ أصابها ولا شرفٍ وإن عظم، كالجبل الذي لا يتزلزل وإن اشتدت الرياح، والسخيف تبطره أدنى منزلةٍ كالحشيش الذي تحركه أدنى الرياح.\rاستدم مودة وليك بالإحسان إليه، واستسل سخيمة عدوك بعد الاحتراز منه، وداهن من يجاهرك بعداوتك.\rفقد قيل لبعض الحكماء: ما الحزم؟ قال: مداجاة الأعداء، ومؤاخاة الأكفاء.\rولا تعول على التهم والظنون واطرح الشك باليقين.\rفقد قيل: لا يفسدك الظن على صديق قد أصلحك اليقين له.\rقال شاعر:\rإذا أنت لم تبرح تظن وتقتضي ... على الظن أردتك الظنون الكواذب\rواختبر من اشتبهت حاله عليك ، لتعلم معتقده فيك، فتدري أين تضعه منك؛ فإن الألسن لا تصدق عن القلوب؛ لما يتصنعه المداجي ويتكلفه المداهن.\rوشهادات القلوب أصدق، ودلائل النفوس أوثق.\rفإن وقفت بك الحال على الارتياب، اعتقدت المودة في ظاهره، وأخذت بالحزم في باطنه.\rوإذا أقنعك الإغصاء عن الاختبار فلا تتخطه، فأكثر الأمور تمشي على التغافل والإغضاء.\rفقد قال أكثم بن صيفي: من تشدد نفّر، ومن تراخى تألّف، والسرّ وفي التغافل.\rولقلما جوهر المغضي وقوطع المتغافل، مع انعطاف القلوب عليه، وميل النفوس إليه.","part":2,"page":203},{"id":704,"text":"وهذا من أسباب السعادة وحسن التوفيق.\rشاور في أمورك من تثق منه بثلاث خصال: صواب الرأي، وخلوص النية، وكتمان السر.\rفلا عار عليك أن تستشير من هو دونك إذا كان بالشورى خبيراً؛ فإن لكل ذي عقل ذخيرةً من الرأي وحظاً من الصواب، فتزداد برأي غيرك وإن كان رأيك جزلاً، كما يزداد البحر بمواده من الأنهار وإن كان غزيراً.\rوقد يفضل المستشير على المشير؛ ويظفر المشير بالرأي لأنها ضالة يظفر بها من وجدها من فاضل ومفضول.\rوعول على استشارة من جرب الأمور وخبرها، وتقلب فيها وباشرها، حتى عرف مواردها ومصادرها، فلن يخفى عليه خيرها وشرها، ما لم يوهنه ضعف الهرم.\rواعدل عن استشارة من قصد موافقتك متابعةً لهواك، أو اعتمد مخالفتك انحرافاً عنك، وعوّل على من توّخى الحق لك وعليك.\rفقد قيل في قديم الحكم: من التمس الرخص من الإخوان في الرأي، ومن الأطباء في المرض، ومن الفقهاء في الشبه، أخطأ الرأي، وزاد في المرض، واحتمل الوزر.\rولا تؤاخذ من استشرت بدرك الرأي أن زلّ، فما عليه إلا الاجتهاد وإن حجزته الأقدار عن الظفر.\rوقد قيل في منثور الحكم: من كثر صوابه لم يطرح لقليل الخطأ.\rاختر لأسرارك من تثق بدينه وكتمانه، وتسلم من إذاعته وإدلاله، ولو قدرت ألا تودع سرك غيرك، وكان أولى بك وأسلم لك؛ لأنك فيها بين خطر أو حذر.\rوقد قيل في منثور الحكم: انفرد بسرك ولا تودعه حازماً فيزل، ولا جاهلاً فيخون.\rتثبت فيما لا تقدر على استدراكه؛ فقلما تعقب العجلة إلا ندماً.\rروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من تأنى أصاب أو كاد ومن عجل أخطأ أو كاد \" .\rوقيل في حكمة آل داود: من كان ذا تؤدة وصف بالحكمة.\rوقدم ما قدرت عليه من المعروف، فقلما يعقب الريث إلا فواتاً؛ فإن للقدرة غايةً، ولنفوذ الأمر نهاية، فاغتنمها في مكنتك تسعد بما قدمته، ويسعد بك من أعنته.\rقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: انتهزوا الفرصة فإنها تمر مر السحاب.\rوقال بعض الحكماء: من أخر الفرصة عن وقتها، فليكن على ثقة من فوقها.\rواحذر قبول المدح من المتملقين، فإن النفاق مركوز في طباعهم، ويدا جونك بهين عليهم؛ فإن نفقوا عليك غششت نفسك، وداهنت حسك؛ وأنت أعرف بنفسك من غيرك فيما تستحق به حمداً أو ذماً.\rفناصح نفسك بما فيها، فإنك أعلم بمحاسنها ومساويها.\rفقد قيل فيما أنزل الله تعالى من الكتب السالفة : \" عجبٌ لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح! وعجب لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب! \" .\rوقال بعض البلغاء: من أظهر شكرك فيما لم تأت إليه فاحذره أن يكفر نعمك فيما أسديت إليه.\rففوض مدحك إلى أفعالك، فإنها تمدحك بصدقٍ إن أحسنت، وتذمك بحق إن أسأت.\rولا تغتر بمخادعة اللسان الكذوب.\rفقد قيل: أبصر الناس من أحاط بذنوبه، ووقف على عيوبه.\rوكتب حكيم الروم إلى الإسكندر: لا ترغب في الكرامة التي تنالها من الناس كرهاً، ولكن في التي تستحقها بحسن الأثر وصواب التدبير.\rاعتمد بنظرك إحماد سلطانك وشكر رعيتك، تكن أيامك سعيدة، وأفعالك محمودة، والناس بك مسرورين، ولك أعواناً مساعدين؛ ويبقى بعدك في الدنيا جميل أثرك، وفي الآخرة جزيل أجرك.\rواستعذ بالله من صدها فتعدل بك إلى ضدها، فإن الولايات كالمحك تظهر جواهر أربابها، فمنهم نازلٌ مرذول ومنهم صاعد مقبول.\rفقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" أحسنوا جوار نعم الله فقلما زالت عن قوم فعادت إليهم \" .\rوتعرض رجل ليحيى بن خالد وهو على الجسر بكتاب وسأله أن يختمه؛ فقال: يا غلام اختم كتابة ما دام الطين رطباً، ثم أنشد:\rإذا هبت رياحك فاغتنمها ... وجد فلكل خافقةٍ سكون\rولا تغفل عن الإحسان فيها ... فما تدري السكون متى يكون\rإذا نلت من سلطانك حظاً، وأوجبت عليه بخدمتك حقاً، فلا تستوفه، ودع لنفسك بقيةً يدخرها لك ويراها حقاً من حقوقك، ويكون كفيل أدائها إليك.\rفإن استوفيتها برئ وصرت إلى غايةٍ ليس بعدها إلا النقصان.\rقال الشاعر:\rإذا تم أمرٌ بدا نقصه ... توقع زوالاً إذا قيل تم","part":2,"page":204},{"id":705,"text":"واعلم أنك مرصد لحوائج الناس، لأن بيدك أزمة الأمور وإليك غاية الطلب، فكن عليها صبوراً، تكن بقضائها مشكوراً؛ ولا تضجر على طالبها وقد أملك ولا تنفر عليه إذا راجعك؛ فما يجد الناس من سؤلك بداً.\rولخير دهرك أن ترى مرجواً.\rقال أبو بكر بن دريد:\rلا تدخلنك ضجرةٌ من سائلٍ ... فلخير دهرك أن ترى مسئولا\rلا تجهن بالرد وجه مؤملٍ ... فبقاء عزك أن ترى مأمولا\rواعلم بأنك عن قليلٍ صائرٌ ... خبراً فكن خبرا يروق جميلا\rوقد قيل في الصحف الأولى: القلب الضيق لا تحسن به الرياسة، والرجل اللئيم لا يحسن به الغنى.\rولئن كانت الحوائج كالمغارم لمن استثقلها فهي مغانم لمن وفق لها.\rروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ما عظمت نعمة الله على عبدٍ ألا عظمت مؤنة الناس عليه فمن لم يحتمل مؤنة الناس عرّض تلك النعمة للزوال \" .\rوإذا جعلت الوزارة غايات الأمور إليك، وحوائج الناس واقفةً عليك، والقدرة لك مساعدةٌ، لانبساط يدك ونفوذ أمرك صرت بالتوقف والإعراض مخلاً بحقوق نظرك، وآسفاً على فوات مكنتك.\rفقد قال بهرام جور في عهده إلى ملوك فارس: إنكم بمكانٍ لا مصرف للناس عن حوائجهم إليكم، فلتتسع صدوركم كاتساع سلطانكم.\rقال علي بن الجهم:\rإذا جدد الله لي نعمةً ... شكرت ولم يرني جاحدا\rولم يزل الله بالعائدات ... على من يعود بها عائدا\rأ يا جامع المال وفرته ... لغيرك إذ لم تكن خالدا!\rفإن قلت أجمعه للبنين ... فقد يسبق الولد الوالدا\rوإن قلت أخشى صروف الزمان ... فكن في تصاريفه واحدا\rفاجعل يومك أسعد من أمسك، وصلاح الناس عندك كصلاح نفسك.\rومل إلى اجتذاب القلوب بالاستعطاف، وإلى استمالة النفوس بالإنصاف، تجدهم كنزاً في شدائدك، وحرزاً في نوائبك.\rاحذر دعوة المظلوم وتوقها، ورق لها إن واجهك بها، ولا تبعثك العزة على البطش فتزداد ببطشك ظلماً، وبعزتك بغياً.\rوحسبك بمنصور عليك الله ناصره منك.\rكن عن الشهوات عزوفاً تنفك من أسرها، فإن من قهرته الشهوة كان لها عبداً، ومن استعبدته ذل بها.\rوقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن أشفق من النار لها عن الشهوات \" .\rوقيل لبعض حكماء الروم: ما الملك الأعظم؟ قال: أن يغلب الإنسان شهوته.\rوكن بالزمان خبيراً تسلم من عثرته؛ فإن الاغترار به مردٍ.\rوقدم لمعادك ليبقى عليك ما ذخرته، فلن تجد إلا ما قدمته؛ وإنك لتجازى بما صنعت.\rواستقل الدنيا تجد في نفسك عزاً، فترضى إذا سخطت، وتسر إذا حزنت، فلن يذل إلا طالبها، ولن يحزن إلا صاحبها.\rفقد قال بعض الحكماء: ليكن طلبك الدنيا اضطراراً، وفكرك فيها اعتباراً، وسعيك لمعادك ابتداراً.\rوقال عبد الحميد: طالب الدنيا عليل، ليس يروى له غليل.\rاجعل صالح عملك ذخراً لك عند ربك، وجميل سيرتك أثراً مشكوراً في الناس بعدك، ليقتدي بك الأخيار، ويزدجر بك الأشرار، تكن بالثواب حقيقاً، وبالحمد جديراً.\rفقد قيل: الاغترار بالأعمار من شيم الأغمار.\rفلن يبقى بعدك إلا ذكرك في الدنيا، وثوابك في الآخرة، فاظفر بهما تكن سعيداً فيهما؛ فإن الدنيا كأحلام النائم يستحليها في غفوته، ويلفظها بعد يقظته.\rوقد قيل في بعض الصحف الأولى: احرص على العمل الصالح لأنه لا يصحبك غيره.\rانتهى كلام الماوردي.\rوقد بالغ - رحمه الله - في عهده، وجاد بعظيم بره وجزيل رفده؛ وأوضح ما إن استمسك به الوزير كفاه، وإن حذا على مثاله كان ذخيرةً لدينه ومعونة لدنياه.\rفليتمسك به من رفل من الوزارة في حللها، وارتقى من الرياسة إلى شواهقها المنيعة وقللها؛ وأفاضت عليه السياسة برودها، وطوقته السعادة عقودها.\rوليأخذ نفسه به ويرضها عليه؛ ويجعله نصب عينه فيما فوض من أمور العالم إليه؛ ليفوز بسعادة الدنيا وثواب الآخرة، ويلتحق غداً بذوي الوجوه الناضرة، التي هي إلى ربها ناظرة.\rوإن عدل عنه وعمل بضده فوا خيبة مسعاه، وسوء منقلبه ومثواه، \" يوم ينظر المرء ما قدمت يداه \" .\rوصايا أصحاب السلطان وصفاتهم\rصفاتهم","part":2,"page":205},{"id":706,"text":"فقد ذكر \" الحمدوني \" في \" تذكرته \" ما لا بد منه لصاحب السلطان وجليسه، وحادثه وأنيسه؛ ولا يستغني عنه وزراؤه وندماؤه، وخواصه وأوليائه؛ فقال: من صحب الملوك وقرب منهم فينبغي أن يكون جامعاً للخلال المحمودة.\rفأولها العقل، فإنه رأس الفضائل.\rوالعلم، فإنه من ثمار العقل ولا تليق صحبة الملوك بأهل الجهل.\rوالودّ، فإنه خلق من أخلاق الناس يولده العقل في الإنسان لذوي وده.\rوالنصيحة، وهي تابعة للود وهو الذي يبعث عليها. والوفاء، فلا تتم الصحبة إلا به.\rوحفظ السر، وهو من صدق الوفاء.\rوالعفة عن الشهوات والأموال.\rوالصرامة، وهي شدة القلب فإن الملوك لا يجوز أن يصحبهم أولو النكول، ولا ينال الجسيم من الأمور إلا الشجاع الندب النجد.\rوالصدق، فإنه من لا يصدق يكذب، ومضرة الكذب لا تتلافى.\rوحسن الزي والهيئة، فإن ذلك يزيد في بهاء الملك.\rوالبشر في اللقاء، فإنه يتألف به قلب من يلاقيه، وفي الكلوح تنفيرٌ عن غير ريبة.\rوالأمانة فيما يستحفظ.\rورعاية الحق فيما يستودع.\rوالعدل والإنصاف، فإن العدل يصلح السرائر ويجمل الظواهر، وبه يخاصم الإنسان نفسه إذا دعته إلى أمرٍ لا يحسن ركوبه.\rوينبغي له أن يجانب أضداد هذه الخلال؛ وألا يكون حسوداً فإن الحسد يفسد ما بينه وبين الناس؛ وليفرق بين الحسد والمنافسة فإنهما يشتبهان على من لا يعقل؛ وأن يخلو من اللجاج والمحال فإن ذلك يضر بالأفعال إذا وقع فيها اشتراك؛ وألا يكون بذاخاً ولا متكبراً، فإن البذخ من دلائل سقوط النفس، والكبر من دواعي المقت؛ وألا يكون حريصاً، فإن الحرص من ضيق النفس وشدة البطش والبعد عن الصبر.\rوينبغي ألا يكون فدماً وخماً ولا ثقيل الروح، فإنها صفة لا تليق بمن يلاقي الملوك، وأبداً تكون صفةً للمقت من غير جرم.\rوينبغي لمن صحب السلطان أن يأخذ لعمله من جميع شغله، فيأخذ من طعامه وشرابه ونومه وحديثه ولهوه، لا كما يفعل الأغمار الجهال بخدمة الملوك، فإن أحدهم كلما ازداد عملاً نقص من ساعات نصبه وعمله فزادها في ساعات شهوته وعبثه.\rفهذه الصفات، فلنذكر الوصايا.\rوصايا أصحاب السلطان\rفهي متقاربة من وصايا الوزراء غير متفاوتة.\rوفيها ما يضطر الوزير إليه، على ما تقف إن شاء الله تعالى عليه.\rقالت الحكماء: إذا نزلت من الملك بمنزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق، ولا تكثر من الدعاء له في كل كلمة، فإن ذلك يشبه حال الوحشة والغربة، إلا أن تكلمه على رؤوس الناس فلا تأل عما وقره وعظمه.\rوإذا أردت أن يقبل قولك فصحح رأيك ولا تشوبنه بشيء من الهوى، فإن الرأي يقبله منك العدو، والهوى يرده عليك الصديق.\rوتبصر ما في الملك من الأخلاق التي يحب ويكره، ثم لا تكابره بالتحويل له عما يحب ويكره إلى ما تحب وتكره، فإنها رياضة صعبةٌ قد تحمل على التنائي والقلى.\rفقلما تقدر على رد رجلٍ عن المكابرة والمناقضة وإن لم يكن جمح به عز السلطان، فكيف إذا جمح به! ولكن تعينه على أحسن رأيه وتزينه له وتقويه عليه؛ فإذا قويت المحاسن كانت هي التي تكفيك المساوي.\rوإذا استحكمت منه ناحية من الصواب كان ذلك الصواب هو الذي يبصره مواقع الخطأ بألطف من تبصيرك وأعدل من حكمك في نفسه؛ فإن الصواب يؤيد بعضه بعضاً ويدعو بعضه إلى بعض.\rوإذا كنت له مكابراً لحقك الخطر ولم تبلغ ما تريد.\rولا يكوننّ طلبك ما عند السلطان بالمسألة! ولا تستبطئه وإن أبطأ، ولكن اطلب ما عنده بالاستحقاق له والاستيناء به وإن طالت الأناة، فإنك إذا استحققته أتاك من غير طلب، وإذا لم تستبطئه كان أعجل له.\rولا تخبرنّ الملك أن لك عليه حقاً، وأنك تعتد عليه بلاء.\rوإن استطعت ألا ينسى حقك وبلاءك فافعل.\rوليكن ما تذكره به تجديدك له النصيحة والاجتهاد، وألا يزال ينظر منك إلى آخر يذكره الأول؛ فإن السلطان إذا انقطع عنه الآخر نسي الأول؛ فإن أرحامهم منقطعة وحبالهم منصرمة إلا عمن رضوا عنه في يومهم وساعتهم.","part":2,"page":206},{"id":707,"text":"واعلم أن أكثر الناس عدو لصاحب السلطان ووزيره وذوي المكانة عنده، لأنه منفوس عليه مكانه كما ينفس على الملك ملكه، وحسود كما يحسد عليه؛ غير أنه يجترأ عليه ولا يجترأ على الملك، لأن حساده أحباء الملك الذين يشاركونه في المنزلة والدخول، وهم حضور، وليسوا كعدو الملك النائي عنه الكاتم لعداوته؛ فهم لا يغفلون عن نصب الحبائل له.\rفالبس لهؤلاء الأعداء كلهم سلاح الصحة والاستقامة ولزوم المحجة فيما تسر وتعلن.\rثم روح عن قلبك حتى كأنك لا عدو لك ولا حاسد.\rجانب المسخوط عليه والمظنون به عند السلطان ولا يجمعنك وإياه مجلس ولا منزل، ولا تظهرن له عذراً ولا تثنين عليه خيراً. فإذا رأيته قد بلغ في الإعتاب مما سخط عليه فيه ما ترجو أن يلين له الملك، واستيقنت أن الملك قد تحقق مباعدتك إياه وشدتك عليه، فضع عند ذلك عذره عند الملك، واعمل في إرضائه بالرفق واللطف.\rوإذا أصبت الجاه عند الملك وكانت لك خاصة منزلةٍ، فلا يحدثن لك ذلك تغيراً على أهله وأعوانه واستغناءً عنهم، فإنك لا تدري متى ترى أدنى جفوةٍ فتذل لهم.\rوإن استطعت أن يعرف صاحبك أنك تنحله صواب رأيك فضلاً عن صوابه فتسند ذلك إليه وتزينه به، فإن الذي أنت بذلك آخذٌ أفضل من الذي أنت به معطٍ.\rواعلم أن السلطان يقبل من الوزراء التبخيل ويعده منهم شفقة ونظراً ويحمدهم عليه وإن كان جواداً.\rفإن كنت مبخلاً فقد غششت صاحبك بفساد مروءته، وإن كنت مسخياً لم تأمن إضرار ذلك بمنزلتك.\rفالرأي لك تصحيح النصيحة والتماس المخرج، بألا يعرف منك ميلاً إلى شيء من هواك.\rفهذه نبذة من وصايا أصحاب السلطان يكتفي بها اللبيب، ويتمسك بها الأريب.\rوقد قدمنا في شروط الوزارة ما يحتاج صاحب السلطان إلى استعماله في خدمته.\rفلنذكر ما يحتاج إليه نديم الملك ومؤاكله.\rما يحتاج إليه نديم الملك، وما يأخذ به نفسه، وما يلزمه.\rقالوا: مما يزيد النديم في المحل تقدماً، وعند ملكه تمكناً، أن يكون عالماً بكل ما يتنافس الملوك ويتغالون فيه، من الرقيق المثمن، وقيمة الجوهر النفيس، والآلات المحكمة، وأنواع الطيب والفرش، إلى غير ذلك من معرفة الخيل والسلاح.\rولذلك قال الواصف نفسه للفضل بن يحيى بن خالدٍ يرغبه في اختصاصه بمنادمته في شعر طويل:\rلست بالناسك المشمر ثوبي ... ه ولا الفاتك الخليع الوقاح\rأبصر الناس بالجواهر والخي ... ل وبالخرد الحسان الملاح\rقالوا: ومن أبرد من النديم مجلساً وأكسف منه بالاً إذا عرض على الملوك شيء من هذه الأعلاق فلم يحر جواباً ولا وجد عنده منه علماً!.\rويستظرف من نديم السلطان أن يصف اللون الغريب من الطعام، والصوت البديع من الشعر، واللحن الشجي من الغناء.\rوقالوا: من لم يدر عشرة أصواتٍ من الغناء ويحسن من غرائب الطبيخ عشرة ألوان، لم يكن عندهم ظريفاً كاملاً، ولا نديماً جامعاً.\rوأما ما يأخذ به نفسه\rفقد قالوا: ينبغي أن يكون نديم السلطان معتدل الأخلاق، سليم الجوارح، طيب المفاكهة والمحادثة، عالماً بأيام الناس ومكارم أخلاقهم، راوية للنادر من الشعر والمثل السائر، متصرفاً في كل فن، قد أخذ من الخير والشر بنصيب؛ فإن مالت شهوة الملك إلى ضربٍ ما وجد عنده منه علماً.\rويلزمه أيضاً أن يحضر في الزي الظاهر الذي يعرف به، ويشهد فيه المجالس الحافلة من غير أن يتشهر.\rفإن شاء الملك أن يغير حاله وزيه ويكرمه بشيء من ثيابه، حسن أن يلبس ذلك من وقته حتى ينقضي المجلس ولم يحسن أن يجلس فيه ظاهراً في مجلسٍ ثانٍ؛ لأنه شيء اختاره الملك في ساعة بعينها لا في كل أوقاته.\rوأما العمامة والخف فلا يخلو منهما. والغرض من ذلك إجلال السلطان عن مشاركته فيما اتسع له من التبدل والتخير في الزي الذي لا ثقل عليه منه، والانفراد به عمن هو دونه.\rوهذه كانت عادة ملوك الأعاجم؛ لأنهم رسموا لكل طبقةٍ من طبقات أهل مملكتهم برسم من الزي ليتميزوا به، ولا يتشبه سوقة بملك، ولا مشروف بذي الشرف، ولا تابع برئيس.\rومما يجب أن يأخذ به نفسه الإسراع في الخطو إذا كان بحيث يراه الملك، ليكون مشيه إرقالاً ولا يكون اختيالاً.\rومما يلزمه أن يتحفظ منه ويروض به نفسه ألا يصبحه ولا يمسيه ولا يشمته ولا يستخبره.\rوإنما ترك ذلك كله لما فيه من تكلف الجواب.","part":2,"page":207},{"id":708,"text":"وأول من سن ذلك وحمل الناس عليه الفضل بن الربيع.\rالآداب في محادثة السلطان\rفقد قالوا: من حق الملك إذا حضر سماره ومحدثوه ألا يبتدئه أحد حديثاً.\rفإن بدأ هو بالحديث صرف من حضره ذهنه وفكره نحوه.\rفإن كان يعرف الحديث الذي حدث به الملك استمعه استماع من لم يدره ولم يعرفه، وأظهر السرور بفائدة الملك والاستبشار بحديثه؛ فإن في ذلك أمرين: أحدهما ما يظهر من حسن أدبه.\rوالآخر أن يعطي الملك حقه بحسن الاستماع.\rوإن كان لم يعرفه فالنفس إلى فوائد الملوك والحديث عنهم أتوق منها إلى فوائد السوقة ومن أشبهها.\rوقد كان روح بن زنباع يقول: إذا أردت أن يمكنك الملك من أذنه فأمكن أذنك من الإصغاء إليه إذا حدث.\rوكان أسماء بن خارجة يقول: ما غلبني أحد قط غلبة رجلٍ يصغي إلى حديثي.\rومن حق الملك إذا قرب إنساناً أو أنس به حتى يهازله ويضاحكه، ثم دخل عليه، أن يدخل دخول من لم يجر بينهما أنس قط، وأن يظهر من الإجلال والتعظيم أكثر مما كان عليه؛ فإن أخلاق الملوك ليست على نظام.\rومجالستهم ومحادثتهم تحتاج إلى سياسةٍ وتحفظٍ من وضع الحديث والمثل والشعر في موضعه.\rوإذا حدث الملك بحديثٍ وفرغ منه فنظر إلى بعض جلسائه، فقد أذن له أن يحدثه بنظير ذلك الجنس من الحديث، وليس له أن يأخذ في غير جنس حديثه.\rفإذا فرغ من ذلك الحديث فليس له أن يصله بحديث آخر وإن كان شبيهاً للحديث الأول.\rفإن رأى الملك قد أقبل عليه بوجهه وأصغى إلى حديثه فليمض فيه حتى يكمله ويأتي على آخره.\rوليس له - إن قطع الملك استماع حديثه بشغل يعرض له - أن يمر على كلامه، ولكن ينصت مطرقاً.\rفإن اتصل شغل الملك، ترك الحديث.\rفإن فرغ ونظر إليه، فقد أذن له في إتمامه وإعادته، وإلا فلا.\rومن حق الملك ألا يضحك بحضرته، لأن الضحك جرأة عليه؛ وألا يعاد عليه الحديث مرتين وإن طال بينهما الدهر، إلا أن يذكره الملك، فإن ذكره فقد أذن له في إعادته.\rوكان روح بن زنباع يقول: أقمت مع عبد الملك بن مروان سبع عشرة سنة من أيامه ما أعدت عليه حديثاً.\rوكان الشعبي يقول: ما حدثت بحديث مرتين لرجل بعينه قط.\rوكان أبو العباس السفاح يقول: ما رأيت رجلاً أغزر علماً من أبي بكر الهذلي لم يعد عليّ حديثاً قط.\rوكان أبو بكر الهذلي يقول: حدثت المنصور بأكثر من عشرة آلاف حديث، فقال لي ليلة - وقد حدثته عن يوم ذي قارٍ وقد اضطررت إلى التكرار - : أتعيد الحديث؟ فقلت: ما هذا مما مر يا أمير المؤمنين؛ فقال: أما تذكر ليلة الرعد والأمطار وأنت تحدث بحديث يوم ذي قار فقلت لك: ما يوم ذي قارٍ بأصعب من هذه الليلة؟ ومن حق المحادثة وواجب المؤانسة ترك المراء؛ هذا مع الأكفاء فكيف مع الملوك والرؤساء! وقالوا: المماراة تفسد الصداقة القديمة، وتحل العقدة الوثيقة وتكسب الإحنة والبغضاء.\rوقال الصاحب بن عباد: للمحدث على السامع ثلاث: كتمان السر، وإصغاء الذهن، وترك التحفظ.\rهذا ما يلزم نديم الملك.\rمؤاكل الملك\rفقد اصطلح الناس على إجلال رؤسائهم وملوكهم عن غسل أيديهم بحضورهم، واستجازوا ذلك مع نظرائهم ومن يسقط التحفظ بينهم وبينهم.\rوربما تجمل الرئيس فقال لمؤاكله: اغسل يدك مكانك ولا تبرح.\rفالغبي يغتنم ذلك ويفعل، والفطن يأباه ويسلك سبيل الأدب، فيخف على القلب.\rهذا بعد الطعام.\rوأما قبله فجائز أن يغسل اليد بحضرة الرئيس.\rوأما الخلال فلا يستعمل بحضرته البتة.\rآداب الأكل بين يدي الرئيس\rألا يخلط طعاماً بطعام، ولا يغمس اللقمة بالخل ثم يضعها في الطعام، ونحو ذلك.\rهذا ما يلزم نديم الملك ومؤاكله.\rوقد ذكرنا مما يجب للملك على رعيته من المناصحة والأدب والتوقير والتعظيم فيما تقدم ما يدخل في هذا الباب، فلا فائدة في تكراره.\rفلنذكر ما ورد في النهي عن صحبة الملوك.\rذكر ما ورد في النهي عن صحبة الملوك والقرب منهم. قد نهت الحكماء عن صحبة الملوك وقالوا: إن الملوك إذا خدمتهم ملوك، وإن لم تخدمهم أذلوك.\rوإنهم يستعظمون في الثواب رد الجواب، ويستقلون في العقاب ضرب الرقاب.\rوإنهم ليعثرون على العثرة اليسيرة من خدمهم فيبنون لها مناراً، ثم يوقدون لها ناراً، ويعتقدونها ثاراً.","part":2,"page":208},{"id":709,"text":"وقال ابن المقفع: إن وجدت عن السلطان وصحبته غنىً فصن عنه نفسك، واعتزله جهدك؛ فإنه من يأخذه السلطان بحقه يحل بينه وبين لذة الدنيا وعمل الآخرة.\rوقال العتابي وقد قيل له: لم لا تقصد الأمير فتخدمه؟ فقال: لأني أراه يعطي الواحد لغير حسنةٍ ولا يدٍ، ويقتل الآخر بلا سيئةٍ ولا ذنبٍ، ولست أدري أي الرجلين أكون، ولست أرجو منه مقدار ما أخاطر به.\rوقال لامرأته:\rأ سرك أني نلت ما نال جعفرٌ ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد\rفقالت: بلى والله! فقال:\rوأن أمير المؤمنين أغصني ... مغصهما بالمرهفات البوارد\rفقالت: لا والله! فقال:\rذريني تجئني ميتتي مطمئنة ... ولم أتجشم هول تلك الموارد\rفإن جسيمات الأمور منوطةٌ ... بمستودعاتٍ في بطون الأساود\rالباب العاشر\rقادة الجيوش، والجهاد..،\rومكايد الحرب، ووصف الوقائع، والرباط، وما قيل في أوصاف السلاح.\rما قيل في قادة الجيوش وشروطهم وأوصافهم ووصاياهم وما يلزمهم.\rقال الشيخ الإمام أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الحليمي الجرجاني الشافعي في كتابه المترجم ب \" المنهاج \" ما مختصره ومعناه: إذا أنفذ الإمام جيشاً أو سريةً فينبغي أن يؤمر عليهم رجلاً صالحاً أميناً محتسباً، لأن القوم إليه ينظرون.\rفإذا لم يكن خيراُ في نفسه كانت أعماله بحسب سريرته وكانت أعمال القوم بحسبها مضاهيةً لها، فإن رأوا منه كسلاً كسلوا، وإن رأوا منه فشلاً فشلوا، وإن ثبت ثبتوا، وإن رجع رجعوا، وإن جنح إلى السلم جنحوا، وإن جد جدوا؛ فهم في تبعه كالمأموم مع الإمام.\rوالعدو إنما يفرق من رئيس القوم، فإذا سمع بذي ذكر كان ذلك أهيب له من أن يسمع بخامل لا صيت له.\rوإذا سمع بشجاع غير فرار كان آيس من مقاومته، منه إذا سمع بفشلٍ جبان.\rوإذا سمع بلينٍ يطمع في خداع مثله كان أجرأ على استقباله، منه إذا سمع بصلب في الدين شديدٍ في البأس.\rفيكون ما يكون من العدو من الإقدام والإحجام بحسب ما يبلغه من حال رأس المسلمين.\rفلهذين السببين وجب أن يكون الرأس مستصلحاً جامعاً لأسباب الغناء والكفاية.\rوالله تعالى أعلم.\rما يلزم قائد الجيش. قال أبو الحسن الماوردي في كتابه المترجم ب \" الأحكام السلطانية \" ما معناه: إن أمير الجيش يلزمه ستة أحكام: الأول منها: مسيره بالجيش.\rوعليه في السير بهم سبعة حقوق: أحدها الرفق بهم في السير الذي يقدر عليه أضعفهم وتحفظ به قوة أقواهم.\rولا يجد السير فيهلك الضعيف ويستفرغ جلد القوي.\rفقد قال النبي صلى الله علي وسلم: \" إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى \" .\rوالثاني أن يتفقد خيلهم التي يجاهدون عليها وظهورهم التي يمتطونها، فلا يدخل في خيل الجهاد قحماً كبيراً، ولا ضرعاً صغيراً، ولا حطماً كسيراً، ولا أعجف رازحاً هزيلاً؛ لأنها لا تغني، وربما كان ضعفها وهناً.\rويتفقد ظهور المطايا والركوب، فيخرج منها ما لا يقدر على المسير ويمنع من أن تحمل زيادةً على طاقتها.\rوالثالث أن يراعي من معه من المقاتلة.\rوهم صنفان: مسترزقة، وهم أصحاب الديوان من أهل الفيء بحسب الغناء والحاجة؛ ومتطوعة، وهم الخارجون عن الديوان من البوادي والأعراب وسكان القرى والأمصار الذين خرجوا في النفير الذي ندب الله إليه بقوله: \" انفروا خفافاً وثقالاً \" ، قيل معناه: شباباً وشيوخاً، وقيل: أغنياء وفقراء، وقيل: ركباناً ومشاةً، وقيل: ذا عيال وغير ذي عيال.\rوهؤلاء يعطون من الصدقات دون الفيء.\rوالرابع أن يعرف على الفريقين العرفاء وينقب عليهم النقباء، ليعرف من عرفائهم ونقبائهم أحوالهم ويقربوا عليه إذا دعاهم.\rوقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في مغازيه.\rوالخامس أن يجعل لكل طائفة شعاراً يتداعون به ليصيروا به مميزين.\rفقد جعل رسول الله صلى الله علي وسلم شعار المهاجرين: \" يا بني عبد الرحمن \" وشعار الخزرج: \" يا بني عبد الله \" وشعار الأوس: \" يا بني عبيد الله \" وسمى خيله: \" خيل الله \" .\rوالسادس أن يتصفح الجيش ومن فيه، فيخرج منهم من كان فيه تخذيلٌ للمجاهدين وإرجافٌ بالمسلمين أو عيناً عليهم للمشركين.","part":2,"page":209},{"id":710,"text":"فقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بن سلول في بعض غزواته لتخذيله المسلمين.\rقال الله تعالى: \" وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدين كله لله \" ، أي لا يفتن بعضكم بعضاً.\rوالسابع ألا يمايل من ناسبه أو وافق رأيه ومذهبه على من باينه في النسب أو خالفه في رأي ومذهبٍ، فيظهر من المباينة ما تفرق به الكلمة الجامعة تشاغلاً بالتقاطع والاختلاف.\rفقد أغضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين وهم أضدادٌ في الدين، وأجرى عليهم حكم الظاهر حتى قويت بهم الشوكة وكثر بهم العدد وتكاملت بهم العدة، ووكلهم فيما أضمروه من النفاق إلى الله تعالى.\rقال الله تعالى: \" ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم \" ، قيل فيه: الدولة، وقيل: القوة.\rوالثاني: تدبير الحرب.\rقال الماوردي: والمشركون في دار الحرب صنفان، صنفٌ منهم بلغتهم دعوة الإسلام فامتنعوا منها وتأبوا عليها.\rفأمير الجيش مخير في قتالهم بين أن يبيتهم ليلاً ونهاراً بالقتل والتحريق، وبين أن ينذرهم الحرب ويصافهم في القتال.\rوالصنف الثاني لم تبلغهم دعوة الإسلام وهم قليلٌ جداً، إلا أن يكونوا وراء من يلي هذه البلاد الإسلامية من الترك والروم في مبادئ بلاد المشرق وأقاصي المغرب، فيحرم عليه الإقدام على قتالهم غرةً وبياتاً، وأن يبدأهم بالقتال قبل إظهار دعوة الإسلام لهم وإعلامهم من معجزات النبوة وظهور الحجة ما يقودهم إلى الإجابة.\rفإن أقاموا على الكفر بعد ظهورها لهم، حاربهم وصاروا فيه كمن بلغتهم الدعوة.\rقال الله تعالى: \" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن \" ، معناه إلى دين ربك بالنبوة والقرآن. فإن بدأ بقتالهم قبل دعائهم إلى الإسلام وإنذارهم بحججه وقتلهم غرةً وبياتاً، ضمن ديات نفوسهم.\rوهي على الأصح من مذهب الشافعي كديات المسلمين.\rوقيل: بل تكون كديات الكفار على اختلافها.\rوإذا تقابلت الصفوف في الحرب جاز لمن قاتل من المسلمين أن يعلم بما يشتهر به في الصفوف ويتميز به من بين الجيش، وأن يركب الأبلق إن كانت خيول الناس دهماً أو شقراً. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم بدر: \" سوموا فإن الملائكة قد سومت \" .\rويجوز أن يجيب إلى البراز إذا دعي إليه؛ فقد دعا أبي بن خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البراز يوم أحد فبرز إليه فقتله النبي صلى الله عليه وسلم.\rويجوز أيضاً للمقاتل من المسلمين أن يدعو إلى البراز لما فيه من إظهار القوة في دين الله تعالى بعد أن يعلم من نفسه أن لن يعجز عن مقاومة خصمه ويقدر على دفع عدوه.\rولا يجوز ذلك لزعيم الجيش، فإنه إذا طلب البراز وفقد، أثر ذلك في المسلمين؛ وربما يفضي بهم عدمه إلى الهزيمة.\rورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما برز لثقته بنصر الله وإنجاز وعده، وليس ذلك لغيره.\rويجوز لأمير الجيش إذا حض على الجهاد أن يعرض للشهادة من الراغبين فيها من يعلم أن قتله في المعركة مما يحرض المسلمين على القتال حميةً له.\rحكى موسى بن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من العريش يوم بدر فحرض الناس على الجهاد ونفل كل امرئ منهم ما أصاب، وقال: \" والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجلٌ فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة \" ؛ فقال عمير بن الحمام من بني سلمة وفي يده تمراتٌ يأكلهن: بخٍ بخٍ! ما بقي بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء القوم، ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه وتقدم وقاتل القوم حتى قتل - رحمه الله - وهو يقول:\rركضاً إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد\rوالصبر في الله على الجهاد ... وكل زاد عرضة النفاد\rغير التقى والبر والرشاد\rويجوز للمسلم أن يقتل من ظفر به من مقاتلة المشركين محارباً وغير محارب.\rواختلف في قتل شيوخهم ورهبانهم من سكان الصوامع والديارات.\rفمن منع من قتلهم قال: إنهم موادعون.\rومن قال بقتلهم وإن لم يقاتلوا قال: لأنهم ربما أشاروا برأي يكون فيه إنكاءٌ للمسلمين.\rوقد قتل دريد بن الصمة في حرب هوازن - وهو يوم حنين - وقد جاوز مائة سنة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يراه فلم ينكر قتله؛ وكان يقول حين قتل:","part":2,"page":210},{"id":711,"text":"أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد\rفلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم لا أنني غير مهتدي\rولا يجوز قتل النساء والولدان في حرب ولا غيرها ما لم يقاتلوا؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم.\rوقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل العسفاء والوصفاء - والعسفاء: المستخدمون، والوصفاء: المماليك - .\rفإن قاتل النساء والولدان قوتلوا مقبلين ولم يقتلوا مدبرين.\rوإذا تترسوا في الحرب بنسائهم وأطفالهم عمد قتلهم وتوقي قتل النساء والأطفال، فإن لم يوصل إلى قتلهم إلا بقتل النساء والأطفال جاز، ولو تترسوا بأسرى المسلمين ولم يوصل إلى قتلهم إلا بقتل الأسارى لم يجز قتلهم، فإن أفضى الكف عنهم إلى الإحاطة بالمسلمين، توصلوا إلى الخلاص منهم كيف أمكنهم وتحرزوا أن يعمدوا قتل مسلم؛ ويجوز عقر خيلهم من تحتهم إذا قاتلوا عليها؛ ومنع بعض الفقهاء من عقرها.\rوليس لأحد من المسلمين أن يعقر فرس نفسه، لأن الخيل من القوة التي أمر الله تعالى بإعدادها في جهاد عدوه.\rقال الله تعالى: \" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعوكم \" .\rولا احتجاج بعقر جعفر بن أبي طالب فرسه يوم مؤتة، فإنه اقتحم بفرس له شقراء حتى التحم القتال ثم نزل عنها وعقرها وقاتل حتى قتل رضي الله عنه، وهو أول رجل من المسلمين عقر فرسه في الإسلام، وهو إنما عقر فرسه بعد أن أحيط به، فعقره لها خشية أن يتقوى بها المشركون على المسلمين، فصار عقرها كعقر خيولهم.\rوالثالث: ما يلزم أمير الجيش في سياستهم.\rوالذي يلزمه فيها عشرة أشياء: أحدها: حراستهم من غرة يظفر بها العدو منهم، وذلك بأن يتتبع المكامن فيحفظها عليهم ويحوط سوادهم بحرس يأمنون به على نفوسهم ورحالهم، ليسكنوا في وقت الدعة ويأمنوا ما وراءهم في وقت المحاربة.\rوالثاني: أن يتخير لهم موضع نزولهم لمحاربة العدو، وذلك أن يكون أوطأ الأرض مكاناً وأكثرها مرعى وماء وأحرسها أكنافاً وأطرافاً، ليكون أعون لهم على المنازلة وأقوى لهم على المرابطة.\rوالثالث: إعداد ما يحتاج الجيش إليه من زاد وعلوفة تفرق عليهم في وقت الحاجة، لتسكن نفوسهم إلى مادة يستغنون بها عن السعي في تحصيلها، وتتوفر دواعيهم على منازلة العدو.\rوالرابع: أن يعرف أخبار عدوه حتى يقف عليها، ويتصفح أحوالهم حتى يخبرها ليسلم من مكرهم ويلتمس الغرة في الهجوم عليهم.\rوالخامس: ترتيب الجيش في مصاف الحرب، والتعويل في كل جهة على من يراه كفئاً لها، ويتفقد الصفوف من الخلل فيها، ويراعي كل جهة يميل العدو عليها بمدد يكون عوناً لها.\rوالسادس: أن يقوي نفوسهم بما يشعرهم من الظفر ويخيل إليهم من أسباب النصر، ليقل العدو في أعينهم فيكونوا عليه أجرأ.\rقال الله عز وجل: \" إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر \" .\rوالسابع: أن يعد أهل الصبر والبلاء منهم بثواب الله إن كانوا من أهل الآخرة، وبالجزاء والنفل من الغنيمة إن كانوا من أهل الدنيا.\rوالثامن: أن يشاور ذوي الرأي فيما أعضل، ويرجع إلى أهل الحزم فيما أشكل؛ ليأمن الخطأ ويسلم من الزلل.\rوقد تقدم ذكر ما في المشورة من البركة والخير.\rوالتاسع: أن يأخذ جيشه بما أوجب الله تعالى من حقوقه وأمر به من حدوده، حتى لا يكون منهم تجوز في دين الله ولا تحيف في حق، فإن من جاهد عن الدين كان أحق الناس بالتزام أحكامه.\rوقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" انهوا جيوشكم عن الفساد فإنه ما فسد جيشٌ قط إلا قذف الله في قلوبهم الرعب وانهوا جيوشكم عن الزنا فإنه ما زنى جيش قط إلا سلط الله عليهم الموتان وانهوا جيوشكم عن الغلول فإنه ما غل جيشٌ قط إلا قذف الله الرعب في قلوبهم \" .\rوقال أبو الدرداء: يا أيها الناس، عملٌ صالحٌ قبل الغزو فإنما تقاتلون بأعمالكم.\rوالعاشر: ألا يمكن أحداً من جيشه أن يتشاغل بتجارة أو زراعة ليصرفه الاهتمام بها عن مصابرة العدو وصدق الجهاد.\rروي عن نبي من أنبياء الله تعالى أنه قال: \" لا يغزون معي من بنى بناءً لم يكمله ولا رجلٌ تزوج امرأةً لم يدخل بها ولا رجلٌ زرع زرعاً لم يحصده \" .\rوالرابع: ما يلزم المجاهدين معه من حقوق الجهاد.","part":2,"page":211},{"id":712,"text":"وهو ضربان: أحدهما ما يلزمه في حق الله تعالى؛ والثاني ما يلزمهم في حق الأمير عليهم.\rفأما اللازم لهم في حق الله تعالى فأربعة أشياء.\rأحدها: مصابرة العدو عند التقاء الجمعين بألا ينهزم عنه من مثليه فما دون ذلك.\rوقد كان الله عز وجل فرض في أول الإسلام على كل مسلم أن يقاتل عشرةً من المشركين، فقال تعالى: \" يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائةٌ يغلبوا ألفاً من الذين كفروا \" .\rثم خفف الله عنهم عند قوة الإسلام وكثرة أهله فأوجب على كل مسلم لاقى العدو أن يقاتل رجلين منهم، فقال تعالى: \" الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين \" ، فحرم على كل مسلم أن ينهزم من مثليه إلا لإحدى حالتين: إما أن يتحرف لقتال فيولي لاستراحة أو لمكيدة ويعود إلى قتالهم؛ وإما أن يتحيز إلى فئة أخرى يجتمع معها على قتالهم.\rقال الله تعالى: \" ومن يولهم يومئذٍ دبره إلا متحرفاً لقتالٍ أو متحيزاً إلى فئةٍ فقد باء بغضبٍ من الله \" ، قال: وسواء قربت الفئة التي يتحيز إليها أو بعدت.\rفقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لفل القادسية حين انهزموا إليه: أنا فئة كل مسلم.\rويجوز إذا زادوا على مثليه ولم يجد إلى المصابرة سبيلاً أن يولي عنهم غير متحرف لقتال ولا متحيزٍ إلى فئة.\rهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله.\rواختلف أصحابه فيمن عجز عن مقاومة مثليه وأشرف على القتل هل يجوز انهزامه، فقالت طائفة: لا يجوز انهزامه عنهم وإن قتل، للنص.\rوقالت طائفة أخرى: يجوز أن يولي ناوياً أن يتحرف لقتال أو يتحيز إلى فئة ليسلم من القتل ومن إثم الخلاف؛ فإنه إن عجز عن المصابرة فلا يعجز عن هذه النية.\rوقال أبو حنيفة: لا اعتبار بهذا التفصيل، والنص فيه منسوخ، وعليه أن يقاتل ما أمكنه وينهزم إذا عجز وخاف القتل.\rوالثاني من حقوق الله تعالى: أن يقصد بقتاله نصرة دين الله تعالى وإبطال ما خالفه من الأديان، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.\rفيكون بهذا الاعتقاد حائزاً لثواب الله تعالى ومطيعاً له في أوامره ونصرة دينه ومستنصراً على عدوه ليستسهل ما لاقى فيكون أكثر ثباتاً وأبلغ نكاية.\rولا يقصد بجهاده استفادة المغنم فيصير من المتكسبين لا من المجاهدين.\rوالثالث من حقوق الله تعالى: أن يؤدي الأمانة فيما حازه من الغنائم ولا يغل منها شيئاً حتى تقسم بين جميع الغانمين ممن شهد الوقعة وكانوا على العدو يداً، لأن لكل واحدٍ منهم فيها حقاً.\rقال الله تعالى: \" ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة \" .\rوالرابع من حقوق الله تعالى: ألا يمايل من المشركين ذا قربى ولا يحابي في نصرة الله تعالى ذا مودة، فإن حق الله أوجب ونصرة دينه ألزم.\rقال الله تعالى: \" يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق \" .\rنزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة وقد كتب كتاباً إلى أهل مكة حين هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزوهم يعلمهم فيه بالخبر وأنفذه مع سارة - مولاةٍ لبني المطلب - فأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فأنفذ علياً والزبير في أثرها فأدركاها وأخذا الكتاب من قرون رأسها، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً فقال: \" ما حملك على ما صنعت \" ؛ فقال: والله يا رسول الله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما كفرت ولا بدلت ولكني امرؤ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم أهلٌ وولد فصانعتهم عليهم؛ فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه.\rعلى ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى مبيناً في أثناء السيرة النبوية عند ذكرنا لغزوة الفتح، فتأمله هناك تجده.\rوأما ما يلزمهم في حق الأمير عليهم فأربعة أشياء.\rأحدها: التزام طاعته والدخول في ولايته؛ لأن ولايته عليهم انعقدت، وطاعته بالولاية وجبت.\rوالثاني: أن يفوضوا الأمر إلى رأيه ويكلوه إلى تدبيره، حتى لا تختلف آراؤهم فتختلف كلمتهم ويفترق جمعهم.\rقال الله تعالى: \" ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم \" .\rفجعل تفويض الأمر إلى وليه سبباً إلى حصول العلم وسداد الأمر.","part":2,"page":212},{"id":713,"text":"فإن ظهر لهم صوابٌ خفي عليه بينوه له وأشاروا به عليه.\rوالثالث: أن يسارعوا إلى امتثال أمره، والوقوف عند نهيه وزجره ،لأنهما من لوازم طاعته.\rفإن توقفوا عما أمرهم به أو أقدموا على ما نهاهم عنه ورأى تأديبهم على المخالفة بحسب أفعالهم، فعل.\rولا يغلظ فينفر.\rقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: \" فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك \" .\rوالرابع: ألا ينازعوه في الغنائم إذا قسمها فيهم، ويتراضوا به بعد القسمة.\rوالخامس من أحكامها: مصابرة الأمير على قتال العدو ما صبر وإن تطاولت به المدة.\rولا يولي عنهم وفيه قوة.\rقال الله تعالى: \" يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون \" .\rقيل:في تأويل هذه الآية: اصبروا على الجهاد، وصابروا العدو، ورابطوا بملازمة الثغر.\rفإذا كانت مصابرة القتال من حقوق الجهاد فهي لازمة حتى يظفر بخصلة من أربع خصال: إحداهن: أن يسلموا فيصير لهم بالإسلام ما لنا وعليهم ما علينا، ويقروا على ما ملكوا من بلاد وأموال.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها \" .\rوتصير بلادهم إذا أسلموا دار إسلام يجري عليها حكم الإسلام.\rولو أسلم منهم في معركة الحرب طائفةٌ، قلت أو كثرت، أحرزوا بالإسلام ما ملكوا في دار الحرب من أرض ومال.\rفإذا ظهر على دار الحرب لم تغنم أموال من أسلم.\rوقال أبو حنيفة: يغنم ما لا ينقل من أرض ودار، ولا يغنم ما ينتقل من مال ومتاع.\rوالخصلة الثانية: أن يظفره الله تعالى بهم مع مقامهم على شركهم، فيسبي دراريهم ويغنم أموالهم ويقتل من لم يحصل في الأسر منهم.\rويكون مخيراً في الأسرى في استعمال الأصلح من أربعة أمور.\rأحدها: أن يقتلهم صبراً بضرب العنق.\rوالثاني: أن يسترقهم ويجري عليهم أحكام الرق من بيع أو عتق.\rوالثالث: أن يفادي بهم على مال أو أسرى.\rوالرابع: أن يمن عليهم ويعفو عنهم.\rقال الله تعالى: \" فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق \" ، معناه الأثر، ثم قال: \" فإما منا بعد وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها \" .\rوالخصلة الثالثة: أن يبذلوا مالاً على المسالمة والموادعة، فيجوز أن يقبله منهم ويوادعهم فيه.\rوهو على ضربين: أحدهما: أن يبذلوه لوقتهم ولا يجعلوه خراجاً مستمراً، فهذا المال غنيمة لأنه مأخوذ بإيحاف خيلٍ وركاب، فيقسم بين الغانمين، ويكون ذلك أماناً لهم في الانكفاف عن قتالهم في هذا الجهاد، ولا يمنع من جهادهم فيما بعد.\rوالضرب الثاني: أن يبذلوه في كل عام، فيكون خراجاً مستمراً، ويكون الأمان به مستقراً.\rوالمأخوذ منهم في الأول غنيمة تقسم بين الغانمين، وما يؤخذ في الأعوام المستقبلة يقسم بين أهل الفيء.\rولا يجوز أن يعاود جهادهم ما كانوا مقيمين على بذل المال، لاستقرار الموادعة عليه.\rوإذا دخل أحدهم إلى دار الإسلام، كان له بعقد الموادعة وارتفع الأمان ولزم الجهاد كغيرهم من أهل الحرب.\rوقال أبو حنيفة: لا يكون منعهم من مال الجزية والصلح نقضاً لأمانهم، لأنه حق عليهم فلا ينتقض العهد بمنعهم منه.\rوالخصلة الرابعة: أن يسألوا الأمان والمهادنة؛ فيجوز إذا تعذر الظفر بهم وأخذ المال منهم أن يهادتهم على المسألة في مدة مقدرة تعقد الهدنة عليها إذا كان الإمام قد أذن له في الهدنة أو فوض إليه الأمر.\rفقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً عام الحديبية عشر سنين.\rويقتصر في مدة الهدنة على أقل ما يمكن، ولا يجاوز بأكثرها عشر سنين.\rفإذا هادنهم أكثر منها بطلت الهدنة فيما زاد عليها، ولهم الأمان فيها إلى انقضاء مدتها لا يجاهدون فيها من غير إنذار.\rفإن نقضوه صاروا حرباً يجاهدون من غير إنذار فقد نقضت قريش صلح الحديبية.\rفسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح محارباً.\rوإذا نقضوا عهدهم فلا يجوز قتل من في أيدينا من رهائنهم.\rوقد نقض الروم عهدهم في زمان معاوية وفي يده رهائن فامتنع المسلمون جميعاً من قتلهم وخلوا سبيلهم وقالوا: وفاءٌ بغدرٍ خيرٌ من غدر بغدر.\rوإذا لم يجز قتل الرهائن لم يجب إطلاقهم ما لم يحاربوا.","part":2,"page":213},{"id":714,"text":"فإن حاربونا وجب إطلاق رهائنهم وإبلاغ الرجل منهم مأمنهم وإيصال النساء والأطفال والذراري إلى أهليهم.\rويجوز أن يشترط لهم في عقد الهدنة رد من أسلم من رجالهم إليهم.\rفإذا أسلم أحدهم رد إليهم إن كانوا مأمونين على دمه، ولم يرد إليهم إن لم يؤمنوا على دمه.\rولا يشترط رد من أسلم من نسائهم، لأنهم ذوات فروج محرمة.\rفإن شرط ردهن لم يجز أن يرددن؛ ودفع إلى أزواجهن مهورهن إذا طلبن.\rولا تجوز المهادنة لغير ضرورة تدعو إلى عقدها، وتجوز الموادعة أربعة أشهر فما دونها ولا يزيد عليها.\rوأما الأمان الخاص فيصح أن يبذله كل مسلم من رجل وامرأة وحر وعبد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: \" المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يدٌ على من سواهم يسغى بذمتهم أدناهم \" ، يعني عبيدهم.\rوقال أبو حنيفة: لا يصح أمان العبد إلا أن يكون مأذوناً له في القتال.\rوالسادس من أحكامها: السيرة في نزال العدو وقتاله.\rيجوز لأمير الجيش في حصار العدو أن ينصب عليهم العرادات والمجانيق.\rفقد نصب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الطائف منجنيقاً.\rويجوز أن يهدم عليهم منازلهم، ويضع عليهم البيات والتحريق.\rوإذا رأى في قطع نخلهم وشجرهم صلاحاً ليظفر بهم عنوةً أو يدخلوا في السلم صلحاً لما ينالهم من الضعف، فعل.\rولا يفعل إن لم ير فيه صلاحاً، فقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم كروم أهل الطائف فكان سبباً لإسلامهم، وأمر في حرب بني النضير بقطع نوع من النخل يقال له الأصفر يرى نواه من وراء اللحاء، وكانت النخلة منها أحب إليهم من الوصيف، فحزنوا لقطعها، وجاء المسلمون إلى رسول الله صلى الله علي وسلم فقالوا: يا رسول الله، هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله تعالى: \" ما قطعتم من لينةٍ أو تركتموها قائمةً على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين \" .\rويجوز أن يعور عليهم المياه ويقطعها عنهم وإن كان فيهم النساء والأطفال؛ لأنه من أقوى أسباب ضعفهم والظفر بهم.\rوإذا استسقى منهم عطشان فالأمير مخير في سقيه أو منعه.\rومن قتل منهم واراه عن الأبصار ولم يلزم تكفينه.\rولا يجوز أن يحرق بالنار منهم حياً ولا ميتاً.\rروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لا تعذبوا عباد الله بعذاب الله \" ، وقد أحرق أبو بكر الصديق رضي الله عنه قوماً من أهل الردة.\rقال الماوردي: ولعل ذلك كان منه والخبر لم يبلغه.\rومن قتل من شهداء المسلمين زمّل في ثيابه ودفن ولم يغسل ولم يصل عليه.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد: \" زملوهم بكلومهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماً اللون لون دم والريح ريح المسك \" ، قال الله تعالى: \" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون \" .\rولا يمنع الجيش في دار الحرب من أكل طعامهم وعلوفة دوابهم غير محتسبٍ به عليهم.\rولا يتعدوا القوت والعلوفة إلى ما سواهما من ملبوس ومركوب.\rفإن دعتهم الضرورة إلى ذلك، كان ما لبسوه أو ركبوه أو استعملوه، مسترجعاً منهم في المغنم إن كان باقياً، ومحتسباً عليهم من سهمهم إن كان مستهلكاً.\rولا يجوز لأحد منهم أن يطأ جاريةً من السبي إلا بعد أن يعطاها بسهمه فيطأها بعد الاستبراء.\rفإن وطئها قبل القسمة عزر ولا يحد، لأن له فيها سهماً؛ ووجب عليه مهر مثلها يضاف إلى الغنيمة.\rفإن أحبلها لحق به ولدها وصارت أم ولدٍ له إن ملكها.\rوإن وطئ من لم تدخل في السبي حد، لأن وطأها زناً؛ ولم يلحق به ولدها إن علقت.\rوإذا عقدت هذه الإمارة على غزاة واحدة، لم يكن لأميرها أن يغزو غيرها سواء غنم فيها أو لم يغنم.\rوإذا عقدت عموماً عاماً بعد عامٍ لزمه معاودة الغزو في كل وقت يقدر على الغزو فيه، ولا يفتر عنه مع ارتفاع الموانع إلا قدر الاستراحة.\rوأقل ما يجزيه أن لا يعطل عاماً من جهاد.\rولهذا الأمير، إذا فوضت إليه الإمارة على المجاهدين، أن ينظر في أحكامهم ويقيم الحدود عليهم وسواء من ارتزق منهم أو تطوع.\rولا ينظر في أحكام غيرهم ما كان سائراً إلى ثغره.\rفإذا استقر في الثغر الذي تقلده، جاز أن ينظر في أحكام جميع أهله من مقاتلة ورعية.\rوإن كانت إمارته خاصة أجري عليها حكم الخصوص.\rوصايا أمير الجيش.","part":2,"page":214},{"id":715,"text":"قال الحليمي: ويوصي الإمام أمير السرية والجند بتقوى الله وطاعته والاحتياط والتيقظ، ويحذرهم الشتات والفرقة والإهمال والغفلة، ويأخذ على الجند أن يسمعوا ويطيعوا أميرهم ولا يختلفوا عليه وينصحوا له، ولا يخذل بعضهم بعضاً، وإن أظفرهم الله على العدو لا يغلوا ولا يخونوا، ولا يعقروا من دواب المشركين التي لا تكون تحتهم، ولا يقتلوا امرأةً لا تقاتلهم ولا وليداً، وأنهم إن وصلوا إلى قرية لا يدرون حالها، أمسكوا عنها وعن أهلها ولا يبيتونهم ولا يشنون الغارة عليهم حتى يعلموا حالهم؛ إلى غير ذلك من الآداب التي يحتاجون إلى معرفتها مما يلزم ويحل أو يحرم من أمر القتل والأسر والمغنم والقسم وعزل الخمس ومن يسهم له أولا يسهم ومن يرضخ له، والفرق بين الفارس والراجل ونحو ذلك.\rوكتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح أنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيشاً أو سريةً قال: \" باسم الله وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا امرأةً ولا وليداً \" .\rفإذا بعثت جيشاً أو سرية فمرهم بذلك.\rوقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين وجهه لقتال أهل الردة: سر على بركة الله، فإذا دخلت أرض العدو فكن بعيداً من الحملة فإني لا آمن عليك الجولة، واستظهر بالزاد، وسر بالأدلاء، ولا تقاتل بمجروح فإن بعضه ليس منه، واحترس من البيات فإن في العرب غرة، وأقلل من الكلام فإنما لك ما وعي عنك، واقبل من الناس علانيتهم وكلهم إلى الله في سريرتهم؛ واستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.\rوكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول عند عقد الألوية: باسم الله وبالله وعلى عون الله، أمضوا بتأييد الله والنصر ولزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين.\rولا تجبنوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرماً ولا امرأةً ولا وليداً، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند شن الغارات.\rوكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص ومن معه من الأجناد: أم بعد فإني آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب.\rوآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم؛ فإن ذنوب الجيش أ؛وف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا قوةٌ بهم؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم.\rفإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة.\rوإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا.\rواعلموا أن عليكم في مسيركم حفظةً من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم.\rولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله.\rولا تقولوا إن عدونا شرٌ منا فلن يسلط علينا وإن أسأنا؛ فرب قوم قد سلط عليهم شرٌ منهم كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفرة المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً.\rواسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم.\rاسأل الله ذلك لنا ولكم.\rوترفق بالمسلمين في مسيرهم، ولا تجشمهم مسيراً يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يبلغوا عدوهم والسفر لم ينقص قوتهم؛ فإنهم سائرون إلى عدو مقيم حامي الأنفس والكراع.\rوأقم بمن معك في كل جمعة يوماً وليلة حتى تكون لهم راحة يجمعون فيها أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم.\rونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه ولا يرزأ أحداً من أهلها شيئاً، فإن لهم حرمةً وذمةً ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها؛ فما صبروا لكم ففوا لهم.\rولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح.\rوإذا وطئت أدنى أرض العدو فأذك العيون بينك وبينهم، ولا يخف عليك أمرهم.\rوليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه، فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدق في بعضه، والغاش عينٌ عليك وليس عيناً لك.\rوليكن منك عند دنوك من أرض العدو أن تكثر الطلائع وتبث السرايا بينك وبينهم فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم، وتتبع الطلائع عوراتهم.\rوانتق للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك، وتخير لهم سوابق الخيل، فغن لقوا العدو كان أول ما تلقاهم القوة من رأيك.","part":2,"page":215},{"id":716,"text":"واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد والصبر على الجلاد، ولا تخص بها أحداً بهوى، فيضيع من رأيك وأمرك أكثر مما حابيت به أهل خاصتك.\rولا تبعث طليعةً ولا سريةً في وجهٍ تتخوف عليها فيه ضيعةً ونكاية.\rفإذا عاينت العدو فاضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك، واجمع إليك مكيدتك وقوتك، ثم لا تعاجلهم المناجزة، ما لم يستكرهك قتال، حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله، وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها، فتصنع بعدوك كصنيعه بك.\rثم أذك أحراسك على عسكرك، وتحفظ من البيات جهدك.\rولا تؤتي بأسير ليس له عهدٌ إلا ضربت عنقه، لترهب بذلك عدوك وعدو الله.\rوالله ولي أمرك ومن معك، وولي النصر لكم على عدوكم؛ والله المستعان.\rوأوصى عبد الملك بن مروان أميراً سيره إلى أرض الروم فقال: أنت تاجر الله لعباده، فكن كالمضارب الكيس الذي إن وجد ربحاً تجر، وإلا تحفظ برأس المال؛ ولا تطلب الغنيمة حتى تحوز السلامة؛ وكن من احتيالك على عدوك أشد حذراً من احتيال عدوك عليك.\rوكان زياد بن أبيه يقول لقواده: تجنبوا اثنين لا تقاتلوا فيهما العدو: الشتاء، وبطون الأودية.\rوكان قتيبة بن مسلم يقول لأصحابه: إذا غزوتم فأطيلوا الأظفار، وقصروا الشعور، والحظوا الناس شزراً، وكلموهم رمزاً، واطعنوهم وخزاً.\rوكان أبو مسلم الخراساني صاحب الدعوة يقول لقواده: أشعروا قلوبكم الجرأة فإنها من أسباب الظفر، وأكثروا ذكر الضغائن فإنها تبعث على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب.\rوقالت الحكماء: لا تستصغرن أمر عدوك إذا حاربته، لأنك إن ظفرت به لم تحمد وإن ظفر بك لم تعذر؛ والضعيف المحترس من العدو القوي أقرب إلى السلامة من القوي المغتر بالضعيف.\rما يقوله قائد الجيش وجنده من حين يشاهد العدو إلى انفصال الحرب والظفر بعدوهم.\rقال الشيخ أبو عبد الله الحسين الحليمي في منهاجه: إذا مضى الجيش باسم الله فلقوا العدو فليتعوذوا بالله تعالى، وليقولوا: اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم،ونعوذ بك من شرورهم.\rفإذا قاتلوا فليقولوا: اللهم بك نصول ونجول، وليقولوا: \" إياك نعبد وإياك نستعين \" .\rوليقولوا: اللهم منزل الكتاب وسريع الحساب هازم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم.\rوإن حصبوهم فليقولوا: \" شاهت الوجوه \" .\rوإن رموهم فليقولوا: \" وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلى المؤمنين منه بلاءً حسناً \" .\rوإن بيتهم العدو فليكن شعارهم \" حم \" لا ينصرون \" حم عسق \" يفرق أعداء الله، وبلغت حجة الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\rوليقولوا إذا دخل العدو ديارهم: \" ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً \" .\rوليقولوا إذا صافوهم: \" قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قومٍ مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم \" .\rوليقولوا: \" فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين \" .\rوليقولوا: \" جندٌ ما هنالك مهزومٌ من الأحزاب \" .\rوليقولوا: \" سيهزم الجمع ويولون الدبر \" ز وليقولوا: \" فكفروا به فسوف يعلمون \" ؛ \" إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون \" .\rوإن صبحوا دارهم فليقولوا: الله أكبر، هزم العسكر، إذا نزلنا ساحة قوم، \" فساء صباح المنذرين \" .\rوإن بيتوهم فليقولوا: \" أ فأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون \" .\rوإن جاءوهم نهاراً فليقولوا: \" أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحىً وهم يلعبون أ فأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون \" .\rوليقولوا في عامة أحوالهم وأوقاتهم: \" حسبنا الله ونعم الوكيل \" .\rوليقولوا: \" جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً \" .\r\" إن كيد الشيطان كان ضعيفاً \" .\rوإن كان العدو يهوداً فليقل المسلمون في وجوههم: \" وقالت اليهود يد الله مغلولةٌ غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا \" .\rوليقولوا: \" فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردةً خاسئين \" .\rوليقرءوا المعوذتين غدوةً وعشياً.\rوإن وقعت هزيمةٌ فتبعهم العدو فليتحصنوا منهم بقراءة قوله تعالى: \" وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً وجعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه وفى آذانهم وقراً وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً .\r\" وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون \" .","part":2,"page":216},{"id":717,"text":"وإن هزموا العدو فليقولوا على آثارهم: \" فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين \" ، وليقولوا: \" ما لكم من ملجإٍ يومئذٍ وما لكم من نكيرٍ \" .\rوإن لج العدو وثبتوا فليقولوا: \" ومثل كلمةٍ خبيثةٍ كشجرةٍ خبيثةٍ اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرارٍ \" .\rوليقولوا: \" ألم ترى إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار \" .\rوليقولوا: \" مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرمادٍ اشتدت به الريح في يومٍ عاصفٍ لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد \" .\rوليقولوا: \" والذين كفروا أعمالهم كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً \" ، وليقولوا: \" وقدمنا إلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباءً منثوراً \" .\rوليقولوا: \" وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلماً \" .\rوليقولوا: \" ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون \" .\rوليقولوا: \" ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنّا دمرناهم وقومهم أجمعين \" .\rوليقولوا إذا حملوا على العدو: \" بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهقٌ ولكم الويل مما تصفون \" .\r\" بل هو ما استعجلتم به ريحٌ فيها عذابٌ أليمٌ تدمر كل شئٍ بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزى القوم المجرمين \" .\rوليقولوا: \" ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً \" .\rوليقولوا: \" أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذابٌ غير مردودٍ \" .\rوليقولوا: \" وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفورٌ رحيمٌ \" .\rوليقولوا: \" فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزقٍ \" .\rوإن حمل العدو عليهم فليقولوا لأنفسهم: \" يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة \" .\rوليقولوا: \" فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعةُ من نهارٍ بلاغٌ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون \" .\rوليقولوا: \" فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً \" .\rوليقولوا: \" وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شكٍ مريبٍ \" .\rوليقولوا: \" الله الذي جعل لكم الأرض قراراً \" .\rوإن لحق العدو مددٌ فليقل المسلمون: \" لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جندٌ محضرون \" .\rوليقولوا: \" وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله \" .\rوإن لحق المسلمين مددٌ فليقولوا: \" وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم \" .\rوإذا تحصنوا من العدو بموضع فليقولوا إن قصدوهم: \" فأوا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً \" .\rوليقولوا: \" فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً \" .\rوإن تحصن العدو منهم بموضع فليقولوا إن قصدوه: \" فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً \" .\rوليقولوا: \" اهبطوا بعضكم لبعضٍ عدوٌ \" .\rوليقولوا إذا خافوهم: \" إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين \" .\rوليقولوا: \" وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً \" .\rوليقولوا: \" سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا الله ما لم ينزل به سلطاناً ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين \" .\rوليقولوا: \" فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار \" .\rوليقولوا: \" ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين \" .\rوليقولوا: \" وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم \" .\rوإن حاصروا العدو وأحدقوا بهم فليقولوا: \" إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماءٍ كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً \" .\rوليقولوا: \" يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطانٍ \" ، \" يرسل عليكم شواظٌ من نارٍ ونحاسٌ فلا تنتصران \" .\rوإن حاصرهم العدو وأحاط بهم فليقولوا: \" قل الله ينجيكم منها ومن كل كربٍ \" .","part":2,"page":217},{"id":718,"text":"وليقولوا: \" ولقد مننا على موسى وهرون ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ونصرناهم فكانوا هم الغالبين \" .\rوليقولوا: \" وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين \" .\rوإن رماهم العدو بالنار فليقولوا: \" يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين \" .\r\" فأنجاه الله من النار \" .\rوليقولوا: الله أكبر، الله ربنا، وحمد نبينا، وأنت يا نار لغيرنا.\rوليقولوا: \" كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله \" .\rوإن رموا العدو بالنار فليقولوا معها: \" ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً \" .\rوليقولوا: \" ذوقوا مس سقر \" .\rوليقولوا: \" فسحقاً لأصحاب السعير \" .\r\" وذوقوا عذاب الحريق \" .\rوليقولوا: \" إنها لظى نزاعةً للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى \" .\rوليقولوا: \" ويقذفون من كل جانبٍ دحوراً ولهم عذابٌ واصبٌ إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهابٌ ثاقبٌ \" .\rوإن رموا العدو بالمنجنيق فليقولوا: \" جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارةً من سجيلٍ منضودٍ مسومةً عند ربك وما هي من الظالمين ببعيدٍ \" .\rوإن رماهم العدو بالمنجنيق فليقولوا: \" إن الله يدافع عن الذين آمنوا \" .\rوليقولوا: \" وما أنزلنا على قومه من بعده من جندٍ من السماء وما كنا منزلين \" .\rوليقولوا: \" قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً \" .\rوإذا دخلوا أرض العدو فليقولوا: باسم الله \" لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً \" .\r\" وعدكم الله مغانم كثيرةً تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آيةً للمؤمنين ويهديكم صراطاً مستقيماً \" .\rويقولوا إذا كانت الريح تصفق في وجه العدو: \" إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحسٍ مستمرٍ تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعرٍ \" .\rوإن كانت الريح تهب على وجوه المسلمين فليقولوا: \" وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته \" .\r\" ومن آياته أن يرسل الرياح مبشراتٍ وليذيقكم من رحمته \" ، ويقولوا: \" اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً \" ، ويقولوا: اللهم نسألك من خير ما تأتي به الرياح، ونعوذ بك من شر المساء والصباح.\rوإن بارز مسلم مشركاً فليقرأ عليه: \" فساهم فكان من المدحضين \" .\rوليقل: \" فوكزه موسى فقضى عليه \" .\rوليقل: \" فالله يحكم بينكم يوم القيامة \" .\r\" ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً \" .\rوإذا التقى الصفان فليدع أمير السرية ويسأل الله النصر والفتح ويؤمن الناس على دعائه؛ فإنها من ساعات الإجابة.\rالمكيدة والخداع في الحروب وغيرها روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" الحرب خدعة \" .\rوكان صلى الله عليه وسلم إذا غزا أخذ طريقاً وهو يريد أخرى، ويقول: \" الحرب خدعة \" .\rوكان مالك بن عبد الله الخثعمي وهو على الصافة يقوم في الناس، إذا أراد أن يرحل، فيحمد الله ويثني عليه، ثم يقول: إني داربٌ بالغداة درب كذا؛ فتتفرق الجواسيس عنه قبذلك، فإذا أصبح سلك طريقاً غيرها.\rفكانت الروم تسميه الثعلب.\rوقال المهلب لبنيه: عليكم في الحرب بالمكيدة، فإنها أبلغ من النجدة.\rوسئل بعض أهل التمرس بالحروب: أي المكايد فيها أحزم؟ فقال: إذكاء العيون، وإفشاء الغلبة، واستصلاح الأخبار، وإظهار السرور، وإماتة الفرق، والاحتراس من البطانة، من غير إقصاءٍ لمستنصح ولا استنصاح لمستغشٍ، وإشغال الناس عما هم فيه من الحرب بغيره.\rقال حكيم: اللطف في الحيلة، أجدى للوسيلة.\rوقيل: من لم يتأمل الأمر بعين عقله لم يقع سيف حيلته إلا على مقالته، والتثبت يسهل الطريق الرأي إلى الإصابة، والعجلة تضمن العثرة.\rويقال: إن سعيد بن العاص صالح أهل حصن من حصون فارس على ألا يقتل منهم رجلاً واحداً، فقتلهم كلهم إلا رجلاً واحداً.","part":2,"page":218},{"id":719,"text":"وقيل: لما أتي بالهرمزان أسيراً إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قيل له: يا أمير المؤمنين، هذا زعيم العجم وصاحب رستم، فقال له عمر رضي الله عنه: أعرض عليك الإسلام نصحاً لك في عاجلك وآجلك؛ فقال: إنما أعتقد ما أنا عليه ولا أرغب في الإسلام رهبة؛ فدعا عمر بالسيف، فلما هم بقتله، قال: يا أمير المؤمنين، شربةٌ من ماءٍ هي أفضل من قتلي على الظمأ؛ فأمر له بشربة من ماء؛ فلما أخذها الهرمزان قال: يا أمير المؤمنين، أنا آمنٌ حتى أشربها؟ قال: نعم؛ فرمى بها وقال: الوفاء يا أمير المؤمنين نورٌ أبلج؛ قال: صدقت، لك التوقف عنك والنظر فيك، ارفعا عنه السيف؛ فقال: يا أمير المؤمنين، آلآن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وما جاء به حق من عنده؛ فقال عمر: أسلمت خير إسلام، فما أخرك؟ قال: كرهت أن يظن بي أني أسلمت خوفاً من السيف؛ فقال عمر: ألا لأهل فارس عقولاً استحقوا بها ما كانوا فيه من الملك، ثم أمر ببره وإكرامه.\rونظير هذه القصة ما فعل الأسير الذي أتي به إلى معن بن زائدة في جملة الأسرى فأمر بقتلهم؛ فقال: أتقتل الأسرى عطاشاً يا معن؟ فأمر بهم فسقوا، فلما شربوا قال: أتقتل أضيافك يا معن؟ فخلى عنهم.\rومن المكايد المشهورة حكاية قصيرٍ مع الزباء، وسنذكرها إن شاء الله تعالى في التاريخ في أخبار ملوك العرب، وواقعة ملك الهياطلة مع فيروز بن يزدجرد، ونذكرها أيضاً في أخبار ملوك الفرس.\rومن المكايد خبر عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة مع معاوية بن أبي سفيان، وكان معاوية قد كتب إليهما واستقدم عمراً من مصر والمغيرة من الكوفة؛ فقال عمرو للمغيرة: ما جمعنا إلا ليعزلنا، فإذا دخلت عليه فاشك الضعف واستأذنه أن تأتي الطائف أو المدينة، وأنا إذا دخلت عليه سأسأله ذلك فإنه يظن أنا نريد أن نفسد عليه.\rفدخل المغيرة على معاوية فسأله أن يعفيه فأذن له؛ ودخل عليه عمرو وسأله ذلك؛ فقال معاوية: قد تواطأتما على أمر وإنكما لتريدان شراً، ارجعا إلى عمليكما.\rوكتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية حين كبر وخاف العزل: أما بعد،فإنه قد كبرت سني، ودق عظمي، وقرب أجلي، وسفهني رجال قريش، فرأي أمير المؤمنين في عمله موفق.\rفكتب إليه معاوية: أما ما ذكرت من كبر سنك، فإن سنك أكلت عمرك.\rوأما اقتراب أجلك، فإني لو كنت أستطيع أن أدفع المنية عن أحد لدفعتها عن آل أبي سفيان.\rوأما ما ذكرت من العمل فضح قليلاً فلا يدرك الهيجا حمل وأما ما ذكرت من سفهاء قريش، فإن حلماء قريش أنزلوك هذا المنزل.\rفاستأذن معاوية في القدوم فأذن له؛ فلما وصل إليه قال له معاوية: كبرت سنك، واقترب أجلك، ولم يبق منك شيء، ولا أظنني إلا مستبدلاً بك.\rقال: فانصرف والكآبة تعرف في وجهه؛ فقيل له: ما تريد أن تفعل؟ فقال: ستعلمون ذلك.\rثم أتى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، إن الأنفس يغدى عليها ويراح، ولست في زمن أبي بكر ولا عمرن وقد اجترح الناس، ولو نصبت لنا عملاً من بعدك نصير إليه! مع أني كنت قد دعوت أهل العراق إلى يزيد فركنوا إليه حتى جاءني كتابك؛ قال: يا أبا محمد، انصرف إلى عملك فأحكم هذا الأمر لابن أخيك، وأعاده على البريد يركض.\rوقيل: جاء بازيار لعبد الله بن طاهر فأعلمه أن بازياً له انحط على عقاب له فقتلها؛ فقال: اذهب فاقطف رأسه، فإني لا أحب الشيء أن يجترئ على ما فوقه.\rوأراد أن يبلغ ذلك المأمون فيسكن إلى جانبه.\rقال الشعبي: وجهني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم، فلما قدمت عليه ودفعت إليه كتاب عبد الملك، جعل يسألني عن أشياء فأخبره بها، فأقمت عنده أياماً، ثم كتب جواب كتابي، فلما انصرفت دفعته إلى عبد الملك، فجعل يقرؤه ويتغير لونه، ثم قال: يا شعبي، علمت ما كتب به إلي الطاغية؟ قلت: يا أمير المؤمنين، كانت الكتب مختومة ما قرأتها وهي إليك؛ فقال: إنه كتب إلي: إن العجب من قوم يكون فيهم مثل من أرسلت به إلي فيملكون غيره؛ فقال: قلت يا أمير المؤمنين لأنه لم يرك؛ قال: فسري عنه، ثم قال: إنه حسدني عليك فأراد أن أقتلك.","part":2,"page":219},{"id":720,"text":"قال: ولما ظفر الجنيد بن عبد الرحمن، وهو يلي خراسان في أيام هشام، بصبيح الخارجي وبعده من أصحابه فقتلهم جميعاً إلا رجلاً أعمى قال هذا الرجل أنا أدلك على أصحاب صبيح وأجازيك على ما صنعت، وكتب له قوماً؛ فأمر الجنيد بقتلهم حتى قتل مائة؛ فقال الأعمى عند ذلك: لعنك الله يا جنيد! أتزعم أنه يحل لك دمي وأني ضالٌ ثم تقبل قولي في مائة قتلتهم! لا! والله ما كتبت لك من أصحاب صبيح رجلاً، وما هم إلا منكم.\rفقدمه الجنيد وقتله.\rوكان معاوية بن أبي سفيان من الدهاة؛ وله أخبار في الدهاء تدل على بعد غوره وحدة ذهنه.\rفمنها أن يزيد ابنه سمع بجمال زينب بنت إسحاق زوج عبد الله بن سلام القرشي، وكانت من أجمل النساء في وقتها وأحسنهن أدباً وأكثرهن مالاً، ففتن بها يزيد؛ فلما عيل صبره ذكر ذلك لبعض خصيان أبيه، وكان ذلك الخصي خاصاً بمعاوية واسمه رفيق، فذكر رفيق ذلك لمعاوية وقال له: إن يزيد قد ضاق ذرعه بها.\rفبعث معاوية إلى يزيد فاستفسره عن أمره؛ فبث له شأنه؛ فقال: مهلاً يا يزيد؛ فقال له: علام تأمرني بالمهل وقد انقطع منها الأمل؟ فقال له معاوية: فأين مروءتك وحجاك وتقاك؟ فقال: قد عيل الصبر، ولو كان أحدٌ ينتفع فيما يبتلى به من الهوى بتقاه، أو يدفع ما أقصده بحجاه لكان أولى الناس به داود حين ابتلي به؛ فقال: اكتم يا بني أمرك، فإن البوح به غير نافعك، والله بالغ أمره فيك، ولابد مما هو كائن.\rوأخذ معاوية في الاحتيال في تبليغ يزيد مناه، فكتب إلى زوجها عبد الله بن سلام، وكان قد استعمله على العراق: أن أقبل حين تنظر كتابي لأمر فيه حظك إن شاء الله تعالى فلا تتأخر عنه.\rفأغذ السير وقدم، فأنزله معاوية منزلاً كان قد هيئ له وأعد فيه نزله؛ وكان عند معاوية يومئذ بالشام أبو هريرة وأبو درداء، فقال لهما معاوية: إن الله قد قسم بين عباده قسماً ووهبهم نعماً أوجب عليهم فيها شكره وحتم عليهم حفظها، فحباني منها عز وجل بأتم الشرف وأفضل الذكر، وأوسع علي الرزق، وجعلني راعي خلقه، وأمينه في بلاده، والحاكم في أمر عباده، ليبلوني أ أشكر أم أكفر.\rوأول ما ينبغي للمرء أن يتفقد وينظر من استرعاه الله أمرهم، ومن لا غنى به عنه.\rوقد بلغت لي ابنة أريد إنكاحها والنظر في اختيار من يباعلها، لعل من يكون بعدي يقتدى فيه بهديي ويتبع فيه أثري فإنه قد يلي هذا الملك بعدي من يغلب عليه الشيطان ويرقيه إلى تعضيل بناتهم فلا يرون لهم كفؤاً ولا نظيراً، وقد رضيت لها ابن سلام القرشي، لدينه وشرفه وفضله ومروءته وأدبه؛ فقالا له: إن أولى الناس برعاية نعم الله وشكرها وطلب مرضاته فيما اختصه منها لأنت؛ فقال لهما معاوية: فاذكرا له ذلك عني، وقد كنت جعلت لها في نفسها شورى، غير أني أرجو ألا تخرج من رأيي إن شاء الله.\rفخرجا من عنده وأتيا عبد الله بن سلام وذكرا له القصة.\rثم دخل معاوية على ابنته وقال لها: إذا دخل عليك أبو الدرداء وأبو هريرة فعرضا عليك أمر عبد الله بن سلام وحضاك على المسارعة إلى اتباع رأيي فيه، فقولي لهما: إنه كفء كريم وقريب حميم، غير أن تحته زينب بنت إسحاق، وأخاف أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء فأتناول منه ما يسخط الله تعالى فيه فيعذبني عليه، ولست بفاعلةٍ حتى يفارقها.\rفلما اجتمع أبو هريرة وأبو الدرداء بعبد الله وأعلماه بقول معاوية، ردهما إليه يخطبان له منه، فأتياه؛ فقال: قد علمتما رضائي به وحرصي عليه، وكنت قد أعلمتكما الذي جعلت لها في نفسها من الشورى، فادخلا عليها واعرضا عليها الذي رأيت لها.\rفدخلا عليها وأعلماها؛ فقالت لهما ما قاله معاوية لها.\rفرجعا إلى ابن سلام وأعلماه بما قالته.\rفلما ظن أنه لا يمنعها منه إلا فراق زينب أشهدهما بطلاقها وأعداهما إلى ابنة معاوية.\rفأتيا معاوية وأعلماه بما كان من فراق عبد الله زوجته رغبةً في الاتصال بابنته؛ فأظهر معاوية كراهة فعله وفراقه لزينب وقال: ما استحسنت له طلاق امرأته ولا أحببته، فانصرفا في عافية ثم عودا إليها وخذا رضاها، فقاما ثم عادا إليه، فأمرهما بالدخول على ابنته وسؤالها عن رضاها تبرياً من الأمر، وقال: لم يكن لي أن أكرهها وقد جعلت لها الشورى في نفسها.","part":2,"page":220},{"id":721,"text":"فدخلا عليها وأعلماها بطلاق عبد الله بن سلام امرأته ليسرها، وذكراً من فضله وكمال مروءته وكرم محتده؛ فقالت لهما: إنه في قريش لرفيع القدر، وقد تعرفان أن الأناة في الأمور أرفق لما يخاف من المحذور، وإني سائلةٌ عنه حتى أعرف دخلة أمره وأعلمكما بالذي يزينه الله لي، ولا قوة إلا بالله؛ فقالا: وفقك الله وخار لك.\rوانصرفا عنها، وأعلما عبد الله بقولها؛ فأنشد:\rفإن يك صدر هذا اليوم ولى ... فإن غداً لناظره قريب\rوتحدث الناس بما كان من طلاق عبد الله زينب وخطبته ابنة معاوية، ولاموه على مبادرته بالطلاق قبل إحكام أمره وإبرامه.\rثم استحث عبد الله أبا هريرة وأبا الدرداء؛ فأتياها وقالا لها: اصنعي ما أنت صانعة واستخيري الله، فإنه يهدي من استهداه؛ فقالت: أرجو، والحمد لله، أن يكون الله قد خار لي، وقد استبرأت أمره وسألت عنه فوجدته غير ملائم ولا موافق لما أريد لنفسي، ولقد اختلف من استشرته فيه، فمنهم الناهي عنه ومنهم الآمر به، واختلافهم أول ما كرهت.\rفلما بلغاه كلامها علم أنه مخدوع، وقال: ليس لأمر الله راد، ولا لما لابد منه صاد؛ فإن المرء وإن كمل له حلمه واجتمع له عقله واستد رأيه ليس بدافع عن نفسه قدراً برأي ولا كيد ولعل ما سروا به واستجذلوا له لا يدوم لهم سروره، ولا يصرف عنهم محذوره.\rوذاع أمره وفشا في الناس، وقالوا: خدعه معاوية حتى طلق امرأته، وإنما أرادها لابنه، وقبحوا فعله.\rفتمت مكيدته هذه؛ لكن المقادير أتت بخلاف تدبيره وبضد تقريره.\rوذلك أنه لما انقضت أقراء زينب، وجه معاوية أبا الدرداء إلى العراق خاطباً لها على ابنه يزيد؛ فخرج حتى قدم الكوفة، وبها يومئذ الحسين بن علي رضي الله عنهما، فبدأ أبو الدرداء بزيارته، فسلم عليه الحسين وسأله عن سبب مقدمه؛ فقال: وجهني معاوية خاطباً على ابنه يزيد زينب بنت إسحاق؛ فقال له الحسين: لقد كنت أردت نكاحها وقصدت الإرسال إليها إذا انقضت أقراؤها، فلم يمنعني من ذلك إلا تخير مثلك، فقد أتى الله بك، فاخطب - رحمك الله - علي وعليه، لتتخير من اختاره الله لها، وهي أمانةٌ في عنقك حتى تؤديها إليها، وأعطها من المهر مثل ما بذل معاوية عن ابنه؛ فقال: أفعل إن شاء الله.\rفلما دخل عليها أبو الدرداء قال: أيتها المرأة، إن الله خلق الأمور بقدرته، وكونها بعزته، فجعل لكل أمر قدراً، ولكل قدر سبباً فليس لأحد عن قدر الله مستحاصٌ، ولا للخروج عن أمره مستناص؛ فكان مما سبق لك وقدر عليك الذي كان من فراق عبد الله بن سلام إياك، ولعل ذلك لا يضرك ويجعل الله فيه خيراً كثيراً؛ وقد خطبك أمير هذه الأمة وابن ملكها وولي عهده والخليفة من بعده يزيد بن معاوية، والحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد شباب أهل الجنة، وقد بلغك شأنهما وسناؤهما وفضلهما، وقد جئتك خاطباً عليهما، فاختاري أيهما شئت؛ فسكتت طويلاً ثم قالت: يا أبا الدرداء، لو أن هذا الأمر جاءني وأنت غائب لأشخصت فيه الرسل إليك واتبعت فيه رأيك ولم أقتطعه دونك، فأما إذ كنت أنت المرسل فقد فوضت أمري بعد الله إليك وجعلته في يديك، فاختر لي أرضاهما لديك، والله شاهدٌ عليك، فاقض في أمري بالتحري ولا يصدنك عن ذلك اتباع هوى، فليس أمرهما عليك خفياً، ولا أنت عما طوقتك غبياً؛ فقال: أيتها المرأة، إنما علي إعلامك وعليك الاختيار لنفسك؛ قالت: عفا الله عنك! إنما أنا ابنة أخيك، ولا غنى لي عنك، فلا تمنعك رهبة أحدٍ عن قول الحق فيما طوقتك، فقد وجب عليك أداء الأمانة فيما حملتك؛ والله خير من روعي وخيف، إنه بنا خبير لطيف.\rفلما لم يجد بداً من القول والإشارة قال: أي بنية، إن ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي وأرضى عندي، والله أعلم بخيرهما لك، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وضع شفتيه على شفتي الحسين، فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم شفتيه؛ قالت: اخترته وأردته ورضيته.\rفتزوجها الحسين وساق لها مهراً عظيماً.\rفبلغ ذلك معاوية فتعاظمه ولام أبا الدرداء شديداً، وقال: من يرسل ذا بلهٍ وعمىً يركب خلاف ما يهوى.\rوأما عبد الله ابن سلام فإن معاوية اطرحه وقطع عنه جميع روافده، لسوء قوله فيه وتهمته أنه خدعه، ولم بزل يجفوه حتى عيل صبره وقلّ ما في يديه.","part":2,"page":221},{"id":722,"text":"فرجع إلى العراق، وكان قد استودع زينب قبل طلاقه لها مالاً عظيماً ودراً كثيراً، فظن أنها تجحده لسوء فعله بها وطلاقها من غير شيء كان منها، فلقي حسيناً فسلم عليه، ثم قال: قد علمت ما كان من خبري وخبر زينب، وكنت قد استودعتها مالاً ولم أقبضه، وأثنى عليها وقال له: ذاكرها أمري واحضضها على رد مالي.\rفلما انصرف الحسين إليها قال لها: قد قدم عبد الله بن سلام وهو يحسن الثناء عليك ويحمل النشر عنك في حسن صحبتك وما آنسه قديماً من أمانتك، فسرني ذلك وأعجبني، وذكر أنه كان قد استودعك مالاً فأدي إليه أمانته وردي عليه ماله، فإنه لم يقل إلا صدقاً ولم يطلب إلا حقاً؛ فقالت: صدق، استودعني مالاً لا أدري ما هو، فادفعه إليه بطابعه؛ فأثنى عليها حسينٌ خيراً وقال: ألا أدخله عليك حتى تتبرئي إليه منه كما دفعه إليك؟ ثم لقي عبد الله وقال: ما أنكرت مالك، وإنها زعمت أنه بطابعك؛ فادخل عليها وتسلم مالك منها؛ فقال: أو ما تأمر من يدفعه إلي؟ قال: لا! بل تقبضه منها كما دفعته إليها.\rودخل عليها حين وقال: هذا عبد الله قد جاء يطلب وديعته؛ فأخرجت إليه البدر فوضعتها بين يديه وقالت: هذا مالك؛ فشكر وأثنى.\rوخرج حسين عنهما، وفض عبد الله ابن سلام خواتم بدرة وحثي لها من ذلك وقال: خذي فهو قليلٌ مني؛ فاستعبرا جميعاً حتى علت أصواتهما بالبكاء أسفاً على ما ابتليا به؛ فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما فقال: أشهد الله أنها طالقٌ ثلاثاً، اللهم قد تعلم أني لم أستنكحها رغبةً في مالها ولا جمالها، ولكني أردت إحلالها لبعلها.\rفسألها عبد الله أن تصرف إلى حسين ما كان قد ساق إليها من مهر؛ فأجابته إلى ذلك؛ فلم يقبله الحسين وقال: الذي أرجو إليه من الثواب خيرٌ لي.\rفلما انقضت أقراؤها تزوجها عبد الله، وحرمها الله تعالى يزيد بن معاوية.\rومن مكايد معاوية أن رجلاً من قريش أسر فحمل إلى صاحب القسطنطينية، فكلمه ملك الروم فجاوبه القرشي بجواب لم يوافقه؛ فقام إليه رجل من بطارقة صاحب القسطنطينية فوكزه، فقال القرشي: وامعاوياه! لقد أغفلت أمورنا وأضعتنا.\rفوصل الخبر إلى معاوية فطوى عليه واحتال في فداء الرجل.\rفلما وصل إليه سأله عن أمره مع صاحب القسطنطينية وعن اسم البطريق الذي وكزه؛ فلما عرفه أرسل إلى رجل من قواد صور الذين كانوا قواد البحر ممن عرف بالنجدة وغزو الروم، وقال له: أنشئ مركباً يكون له مجاديف في جوفه، واستعمل السفر إلى بلاد الروم، وأظهر أنك إنما تسافر لبلادهم على وجه السر والاستتار منا، وتوصل إلى صاحب القسطنطينية ومكنه من المال واحمل إليه الهدايا وإلى جميع أصحابه، ولا تعرض لفلان يعني الذي لطم الرجل القرشي واعمل كأنك لا تعرفه، فإذا كلمك وقال لك: لأي معنى تهادي أصحابي وتتركني، فاعتذر إليه وقل له: أنا رجل أدخل هذه المواضع مستتراً ولا أعرف إلا من عرفت به، فلو عرفت أنك من وزراء الملك لهاديتك كما هاديت أصحابك، ولكني إذا انصرفت إليكم مرةً أخرى سأعرف حقك.\rففعل القائد ذلك.\rولما انصرف إليهم ثانية هاداه وألطفه وأربى في هديته على أصحابه، ولم يزل حتى اطمأن إليه العلج.\rفلما كان في إحدى سفراته قال له البطريق: كنت أحب أن تجلب لي من بلاد المسلمين وطاء ديباج يكون على ألوان الزهر؛ قال: نعم.\rفلما انصرف أخبر معاوية بما طلبه البطريق؛ فأمر له ببساط على ما وصف، وقال: إذا دخلت وادي القسطنطينية فأخرجه وابسطه على ظهر المركب وتربص في الوادي حتى يصل الخبر إلى ذلك العلج، وابعث له في السر وتحين خروجه إلى ضيعته التي له على ضفة وادي القسطنطينية، فإذا وصلت إلى حد ضيعته فابتدئ بها، لعل يحمله الشره على الدخول إليك؛ فإذا حصل عندك في المركب فمر الرجال بإشارة تكون بينك وبينهم أن يستعملوا المجاديف التي في جوف المركب، وكر به راجعاً إلى الشام.\rففعل ما أمره به معاوية.\rوصادف وصول ذلك القائد وجود البطريق في ضيعته، فبسط ذلك البساط على ظهر المركب ووصل إلى عرض ضيعة العلج؛ فلما عاين البساط حمله الشره والحرص على أن دخل المركب، فلما صار في المركب أشار القائد إلى رجاله فرجعوا بالمركب بعد أن أوثق البطريق ومن معه، وسار بهم حتى قدم على معاوية.","part":2,"page":222},{"id":723,"text":"فأحضر معاوية البطريق ووقفه بين يديه، وأحضر القرشي وقال: هذا صاحبك؟ قال: نعم؛ قال: قم فاصنع به ما صنع بك ولا تزد؛ فقام القرشي فوكزه كما كنا فعل به العلج.\rثم قال معاوية للبطريق: ارجع إلى ملكك وقل له: تركت ملك الإسلام يقتص من أصحاب بساطك، وقال للذي ساقه: انصرف به إلى أول أرض الروم وأخرجه، واترك له البساط وكل ما سألك أن تجمل له من هدية.\rفانصرف به إلى فم وادي القسطنطينية، فوجد ملك الروم قد صنع سلسلةً على فم الوادي ووكل بها الرجال، فلا يدخل أحد إلى الوادي إلا بإذنه؛ فأخرج العلج ومن معه وما معه.\rفلما وصل إلى ملكه ووصف له ما صنع به معاوية قال: هذا ملك كبير الحيلة.\rفعظم معاوية في أعينهم وفي نفوسهم فوق ما كان.\rوهذه الواقعة محاسنها تستر مساوي ما تقدمها.\rوهذا الباب متسع، ستقف إن شاء الله في التاريخ الذي أوردناه في كتابنا هذا على ما تكتفي به وتطلع منه على المكايد.\rوحيث انتهينا إلى هذه الغاية في أوصاف قادة الجيوش، فلنذكر الآن فضيلة الجهاد ووصف الجيوش والوقائع.\rالجهاد وترتيب الجيوش وأسمائها في القلة والكثرة، وأسماء مواضع القتال، وما قيل في الحروب والوقائع، وما وصفت به.\rالجهاد وفضله.\rقال الله عز وجل: \" إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيانٌ مرصوصٌ \" .\rوقال تعالى: \" أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله \" .\rوقال تعالى: \" إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم \" .\rوأثنى الله تعالى على المجاهدين ووعدهم الجنة في آيٍ كثير.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل جاءه فقال له يا رسول الله: دلني على عمل يعدل الجهاد قال: \" لا أجده \" .\rوقال أبو هريرة رضي الله عنه: إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسناتٍ.\rوعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن في الجنة مائة درجةٍ أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لغدوةٌ في سبيل الله أو روحةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ما من عبدٍ يموت له عند الله خيرٌ يسره أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرةً أخرى \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سريةٍ تغزو في سبيل الله والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ما اغبرتا قدما عبدٍ في سبيل الله فتمسه النار \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" الجنة تحت ظلال السيوف \" .\rوالأحاديث الصحيحة متاضفرة بفضيلة الجهاد وما أعد الله للمجاهدين والشهداء.\rوقد ترجم ذلك البخاري وغيره.\rأسماء العساكر\rفي القلة والكثرة وأسماء مواضع القتال.\rقالوا: الكتيبة: ما جمع فلم ينتشر.\rوالحضيرة: العشرة فما دونهم.\rوالمقنب والمنسر من الثلاثين إلى الأربعين.\rوالهيضلة: جماعة غير كثيرة.\rوالرمازة: التي تموج في نواحيها.\rوالحجفل: الجيش الكثير.\rوالمجر: أكثر ما يكون.\rوقال الثعالبي في فقه اللغة عن أبي بكر الخوارزمي عن ابن خالوية: أقل العساكر الجريدة؛ ثم السرية وهي من الأربعين إلى الخمسين؛ ثم الكتيبة وهي من مائة إلى ألف؛ ثم الجيش وهو من ألف إلى أربعة آلاف، وكذلك الفيلق والحجفل؛ ثم الخميس وهو من أ ربعة آلاف إلى اثني عشر ألفاً؛ والعسكر يجمعها.\rولأسماء العساكر نعوت في الكثرة وشدة الشوكة.\rنعوت العسكر في الكثرة\rفإنه يقال: كتيبة رجراجة؛ جيشٌ لجب؛ عسكر جرار، جحفل لهام، خميسٌ عرمرم.\rوأما نعوتها في شدة الشوكة مع الكثرة:","part":2,"page":223},{"id":724,"text":"فإنه يقال: كتيبةٌ شهباء إذا كانت بيضاء من الحديد؛ وخضراء إذا كانت سوداء من صدأ الحديد؛ وململمة إذا كانت مجتمعة؛ ورمازة إذا كانت تموج من نواحيها؛ ورجراجة إذا كانت تتمخض ولا تكاد تسير؛ وجرارة إذا كانت لا تقدر على السير إلا رويداً من كثرتها.\rوأما أسماء مواضع القتال\rفمنها: الحومة؛ والمعركة؛ والمعترك؛ والمأقط؛ والمأزم؛ والمأزق.\rوأما أسماء غبار الحرب:\rالنقع والعكوب: هو الغبار الذي يثور من حوافل الخيل وأخفاف الإبل.\rالرهج والقسطل: غبار الحرب.\rالخيضعة: غبار المعركة.\rما قيل في الحروب والوقائع، وشيء مما وصفت به: قالوا: أبلغ ما قيل في صفة الحرب قول الأول:\rكأن الأفق محفوفٌ بنارٍ ... وتحت النار آسادٌ تزير\rوقول الآخر:\rويومٍ كأن المصطلين بحره ... وإن لم يكن جمرٌ وقوفٌ على جمر\rصبرنا له حتى تجلى، وإنما ... تفرج أيام الكريهة بالصبر\rوقال البحتري يصف جيشاً اتبع مقدمه:\rحمر السيوف كأنما ضربت لهم ... أيدي القيون صفائحاً من عسجد\rفي فتيةٍ طلبوا غبارك إنه ... رهجٌ ترفع عن طريق السودد\rكالرمح فيه بضع عشرة فقرةً ... منقادةً خلف السنان الأصيد\rوقول النابغة الجعدي:\rتبدو كواكبه والشمس طالعةٌ ... لا النور نورٌ ولا الإظلام إظلام\rوقال أبو الفرج الببغاء:\rوموشيةٍ بالبيض والزعف والقنا ... محبرة الأعطاف بالضمر القب\rبعيدة ما بين الجناحين في السرى ... قريبة ما بين الكمينين في الضرب\rمن السالبات الشمس ثوب ضيائها ... بثوبٍ تولى نسجه عثير الترب\rيعاتب نشوان القنا صاحي الظبا ... إذا التقيا فيها على قلة الشرب\rأعادت علينا الليل بالنقع في الضحى ... وردت علينا الصبح في الليل بالشهب\rتبلج عن شمس نزارٍ ويعرب ... وتفتر عن طودى علا تغلب الغلب\rموقرة يقتاد ثنى زمامها ... بصيرٌ بأدواء الكريهة في الحرب\rأصح اعتراماً من خؤون على قلىً ... وأنفذ حكماً من غرامٍ على صب\rوقال محمد بن أحمد عبد ربه:\rومعتركٍ تهز به المنايا ... ذكور الهند في أيدي ذكور\rلوامع يبصر الأعمى سناها ... ويعمى دونها طرف البصير\rوخافقة الذوائب قد أناقت ... على حمراء ذات شبا طرير\rتحوم حولها عقبان موتٍ ... تخطف القلوب من الصدور\rبيومٍ راح في سربال ليلٍ ... فما عرف الأصيل من البكور\rوعين الشمس ترنو في قتامٍ ... رنو البكر من خلف الستور\rفكم قصرت من عمرٍ طويلٍ ... وكم أطالت من عمر قصير\rوقال أيضاً:\rومعتركٍ ضنكٍ تعاطت كماته ... كؤوس دماءٍ من كلىً ومفاصل\rيديرونها راحاً من الروح بينهم ... ببيضٍ رقاقٍ أو بسمرٍ ذوابل\rوتسمعهم أم المنية وسطها ... عناء صليل البيض تحت المناصل\rوقال التنوخي شاعر اليتيمة:\rفي موقفٍ وقف الحمام ولم يزغ ... عن ساحتيه وزاغت الأبصار\rفقناً تسيل من الدماء على قناً ... بطوالهن تقصر الأعمار\rورءوس أبطالٍ تطاير بالظبا ... فكأنها تحت الغبار غبار\rوقال ابن الخياط الأندلسي:\rسيوفٌ إذا اعتلت جهات بغورةٍ ... فمنهن في أعناقهن تمائم\rوكل خميسٍ طبق الجو نقعه ... وضيق مسراه الجياد الصلادم\rكأن نهار النقع إثمد عينه ... وأشفار عينيه الشفار الصوارم\rتعد عليه الوحش والطير قوتها ... إذا سار والتفت عليه القشاعم\rوالبيت الأول مأخوذ من قول المتنبي:\rوكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم\rوقال الحماني:\rوإنا لتصبح أسيافنا ... إذا ما انتضين ليوم سفوك","part":2,"page":224},{"id":725,"text":"منا برهن بطون الأكف ... وأغمادهن رءوس الملوك\rوقال حسان:\rإذا ما غضبنا بأسيافنا ... جعلنا الجماجم أغمادها\rقال رجل من بني تميم لرجل عبادي: لم يكن لآل نصر بن ربيعة صولةٌ في الحرب.\rفقال: لقد قلت بطلاًن ونطقت خطلاً؛ كانوا والله إذا أطلقوا عقل الحرب رأيت فرساناً تمور كرجل الجرادن وتدافع كتدافع الأمداد؛ في فيلق حافتاه الأسل، يضطرب عليها الأجل؛ إذا هاجت لم تتناه دون إرادتها، ومنتهى غايات طلباتها؛ لا يدفعها دافعن ولا يقوم لها جمعٌ جامع؛ وقد وثقت بالظفر لعز أنفسها، وأيقنت بالغلبة لضراوة عادتها؛ خصصت بذلك على العرب أجمعين.\rقال جرير:\rلقومي أحمى للحقيقة منكم ... وأضرب للجبار والنقع ساطع\rوأوثق عند المردفات عشيةً ... لحاقاً إذا ما جرد السيف لامع\rومن رسالة للفقيه الوزير أبي حفص عمر بن الحسن الهوزني قال فيها: وكتابي على حالة يشيب لشهودها مفرق الوليد، كما تغير لورودها وجه الصعيد؛ بدؤها ينسف الطريف والتالد، ويستأصل الولد والوالد؛ تذر النساء أيامى، والأطفال يتامى، فلا أيمة إذا لم تبق أنثى، ولا يتيم والأطفال في قيد الأسرى؛ بل تعم الجميع جماً جماً فلا تخص، وتزدلف إليهم قدماً قدماً فلا تنكص؛ طمت حتى خشي على عمود الإسلام الانقضاض، وسمت حتى توقع لجناح الدين الانهياض.\rوفي فصل منها: وكأن الجمع في رقدة أهل الكهف، أو على وعدٍ صادقٍ من الصرف والكشف.\rومنها: وإن هذا الأمر له ما بعده، إلا أن يسني الله على يديه دفعه وصده.\rوكم مثلها شوهاء نهنهت فانثنت ... وناظرها من شدة النقع أرمد\rفمرت تنادي: الويل للقادح الصفا ... لبعض القلوب الصخر أو هي أجلد!\rوأبقت ثناءً كاللطائم نشرت، ... تبيد الليالي وهو غضٌ يجدد\rوفي فصل منها في الحرب: والحرب في اجتلائها حسناء عروس تطبي الأغمار بزتها، وفي بنائها شمطاء عبوسٌ تختلي الأعمار غرتها، فالأقل للهبا وارد، والأكثر عن شهبها حائد؛ فأخلق بمجيدٍ عن مكانها، وعزلةٍ في ميدانها؛ فوقودها شكة السلاح، وقتارها متصاعد الأرواح؛ فإن عسعس ليلها مرةً لانصرام، أو انبجس وبلها ساعةً لانسجام، فيومها غسق يرد الطرف كليلاً، ونبلها صيبٌ يزيد الخوف غليلاً.\rوقال فيها:\rأ عباد ضاق الذرع واتسع الخرق ... ولا غرب للدنيا إذا لم يكن شرق\rودونك قولاً طال وهو مقصرٌ ... وللعين معنىً لا يعبره النطق\rإليك انتهت آمالنا فارم ما دهى ... بعزمك يدمغ هامة البطل الحق\rوما أخطأ السبيل من أتى البيوت من أبوابها، ولا أرجأ الدليل من ناط الأمور بأربابها؛ ولرب أملٍ بين أثناء المحاذير مدمج، ومحبوبٍ في طي المكاره مدرج؛ فانتهز فرصتها فقد بان من غير العجز، وطبق مضاربها فكأن قد أمكنك الحز؛ ولا غرو أن يستمطر الغمام في الجدب، ويستصحب الحسام في الحرب!.","part":2,"page":225},{"id":726,"text":"ومن إنشاء القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني من جواب كتبه وصف فيه وقعة، كتب: ورد على المملوك كتاب المولى يذكر الرجفة التي سرى منها إلى أسماع الأولياء قبله ما سرى إلى عيون الأولياء بحضرته؛ وتعاظمهم الفادح الذي هم راسبون في غماره ساهون في غمرته؛ ووصف عظم أثرها وروائع منظرها ومطعن هدتها، ومزعج واقعتها وفظيع روعتها؛ واضطراب الجبال وخشوعها، وانشقاق الأبنية وصدوعها؛ وسجود الحصون الشمن وخضوع الصخور الصم؛ وجأر العباد إلى ربهم لما مسهم من الضر، ولياذهم بقصده لما دهاهم من الأمر؛ فوصف عظيماً بعظيم، ومثل مقاماً ما عليه صبرٌ مقيم؛ وأنذر بانتقام قائم إلا أنه كريم، وجبارٍ إلا أنه حليم؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون نقولها واضعين الخدود تذللاًن وإنا في سبيل الله وإنا إليه نائبون تخلصاً ونضمها بالقلوب إخلاصاً وتبتلاً؛ وعرف المملوك ما وسع الخلق من معروفه وإرفاقه، وجبر الحصون من عمارته منازل التوحيد وأوكاره، بأمواله التي وقفها في سبيل الله وهانت عليه إذ كان على يد البر إخراجها، وكرمت لديه إذ طالبت بها خطرات الشهوات واعتلاجها؛ واستقرضها من الأرض خراجاً ثم وفاها ما اقترض بعمرانها، واستخرجها من بطنانها ثم أعاد إلى ظهرانها؛ وأرساها للإسلام بقواعد حصونها، وأسناها في يد المسلمين بوثائق رهونها؛ ولم يزل الله يختصه بكل حسنة متوضحة، ويوفقه لكل صالحة مصلحة؛ وينعم عليه بالنية الصادقة، وينعم منه بالموهبة السابغة السابقة؛ فإن نزلت نازلةٌ من وقائع الأقدار، وإن عرضت عارضة من عوارض الأيام، تلقاها حامداً، وأسا جرحها جاهداً، وعول على ربه قاصداً، وأنفق فيما أصبح منه عادماً ما أمسى له واجداً.\rالغزو في البحر.\rعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: حدثتني أم حرام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوماً في بيتها، فاستيقظ وهو يضحك؛ قالت يا رسول الله، ما يضحكك؟ قال: \" عجبت من قومٍ من أمتي أ متى يركبون البحر كالملوك على الأسرة \" ؛ فقلت: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم؛ قال: \" أنت منهم \" ، ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقال مثل ذلك مرتين أو ثلاثاً؛ قالت: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم، فيقول: \" أنت من الأولين \" ، فتزوج بها عبادة بن الصامت فخرج بها إلى الغزو، فلما رجعت قربت دابةٌ لتركبها فوقعت فاندقت عنقها.\rوفي حديث آخر: \" يركبون البحر الأخضر في سبيل الله مثلهم كمثل الملوك على الأسرة \" ، قالت: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم، فقال: \" اللهم اجعلها منهم \" وأنه قال مثل ذلك ثانيةً؛ فقالت: أدع الله أن يجعلني منهم؛ قال: \" أنت من الأولين ولست من الآخرين \" .\rوساق نحوه.\rالقتال في البحر\rقال العسكري في ديوان المعاني: لم يصف أحد من المتقدمين والمتأخرين القتال في المراكب إلا البحتري، وعدوا قصيدته هذه من عيون قصائده وفضلوها على كثير من الشعر، وهي:\rغدوت على الميمون صبحاً وإنما ... غدا المركب الميمون تحت المظفر\rأطل بعطفيه ومر كأنما ... تشرف من هادي حصان مشهر\rإذا زمجر النوتي فوق علاته ... رأيت خطيباً في ذؤابة منبر\rإذا عصفت فيه الجنوب اعتلى له ... جناحا عقاب في السماء مهجر\rإذا ما انكفا في هبوة الماء خلته ... تلفع في أثناء برد محبر\rوحولك ركابون للهول عاقروا ... كؤوس الردى من دارعين وحسر\rتميل المنايا حيث مالت أكفهم ... إذا أصلتوا حد الحديد المذكر\rإذا رشقوا بالنار لم يك رشقهم ... ليقلع إلا عن شواء مقتر\rصدمت بهم صهب العثانين دونهم ... ضرابٌ كإيقاد اللظى المتسعر\rيسوقون أسطولاً كأن سفينه ... سحائب صيفٍ من جهامٍ وممطر\rكأن ضجيج البحر بين رماحهم ... إذا اختلفت ترجيع عودٍ مجرجر\rتقارب من زحفيهم فكأنما ... تؤلف من أعناق وحشٍ منقر\rفما رمت حتى أجلت الحرب عن طلىً ... مقطعةٍ فيهم وهامٍ مطير\rعلى حين لا نقعٌ يطرحه الصبا ... ولا أرض تلقى للصريع المقطر","part":2,"page":226},{"id":727,"text":"وكنت ابن كسرى قبل ذاك وبعده ... مليئاً بأن توهي صفاة ابن قيصر\rجدحت له الموت الذعاف فعافه ... وطار على ألواح شطبٍ مسمر\rمضى وهو مولى الريح يشكر فضلها ... عليه ومن يول الصنيعة يشكر\rوحيث ذكرنا الجهاد وفضله والوقائع والحروب، فلنذكر ما قيل في المرابطة في سبيل الله.\rالمرابطة قال الله تعالى: \" يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون \" .\rوالمرابطة في سبيل الله تعالى تنزل من الجهاد والقتال منزلة الاعتكاف في المساجد من الصلاة، لأن المرابط يقيم في وجه العدو متأهباً مستعداً، حتى إذا أحس من العدو بحركة أو غفلة نهض فلا يفوته ولا يتعذر عليه، كما أن المعتكف يكون في موضع الصلاة مستعداً، فإذا دخل الوقت وحضر الإمام قام إلى الصلاة.\rقال الحليمي: ولا شك أن المرابطة أشق من الاعتكاف.\rعلى أن صرف الهمة إلى انتظار الصلاة قد سمي رباطاً لما جاء في الحديث فيما يكفر الخطايا \" وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط \" .\rوقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث تحث على الرباط، فمنها أنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: :من مات مرابطاً في سبيل الله أومن من عذاب القبر ونما له أجره إلى يوم القيامة \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم: \" رباط يومٍ وليلةٍ في سبيل الله خيرٌ من صيام شهرٍ وقيامه فإن مات جرى عليه أجر المرابطة ويؤمن الفتان ويقطع له برزق الجنة \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من مات مرابطاً في سبيل الله مات شهيداً ووقاه الله فتاني القبر وأجري عليه أحسن عمله وغدي عليه وريح برزقٍ من الجنة \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم: \" إذا استشاط العدو فخير جهادكم الرباط \" .\rوسنة المرابطة في سبيل الله أن يعد من الخيل والسلاح ما يحتاج إليه، إذا كان انتظار الواقعة من غير استعدادٍ لها يعرض للهلاك.\rقال الله تعالى: \" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم \" .\rوجاء في الحديث: \" إن القوة الحصن ومن رباط الخيل الحجورة \" الإناث.\rوروي عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" ألا هو الرمى \" ؛ وقد يكون اللفظ جامعاً للحصن والرمى لأن كليهما قوة.\rوالله تعالى أعلم.\rالسلاح وأوصافه والسلاح ما قوتل به.\rوالجنة اسم لما اتقي به.\rكالدرع والترس ونحوهما.\rوقال العتبي: بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو بن معد يكرب أن يبعث إليه بسيفه المعروف \" بالصمصامة \" فبعث إليه به؛ فلما ضرب به وجده دون ما بلغه عنه، فكتب إليه في ذلك؛ فأجابه يقول: إنما بعثت إلى أمير المؤمنين بالسيف ولم أبعث له بالساعد الذي يضرب به.\rوسأله عمر عن السلاح يوماً فقال: ما تقول في الرمح؟ قال: أخوك وربما خانك فانقصف؛ قال: فما تقول في الترس؟ قال: هو المجن وعليه تدور الدوائر؛ قال: فالنبل؟ قال: منايا تخطئ وتصيب؛ قال: فما تقول في الدرع؟ قال: مثقلةٌ للراجل مشغلة للراكب وإنها لحصنٌ حصين؛ قال: فما تقول في السيف؟ قال: هنالك قارعتك أمك عن الثكل؛ قال: بل أمك! قال: بل أمك يا أمير المؤمنين! فعلاه أمير المؤمنين بالدرة.\rوقيل: بل قال له لما قال عمر بل أمك قال: أمي يا أمير المؤمنين والحمى أضرعتني لك أراد أن الإسلام قيدني ولو كنت في الجاهلية لم تكلمني بهذا الكلام.\rوهو مثل تضرب به العرب إذا اضطرت للخضوع.\rومثل ذلك قول الأغر النهشلى لما بعثه لحضور ما وقع بين قومه فقال: يا بني، كن يداً لأصحابك على من قاتلهم، وإياك والسيف فإنه ظل الموت، واتق الرمح فإنه رشاء المنية، ولا تقرب السهام فإنها رسل تعصي وتطيع.\rقال: فبم أقاتل؟ قال: بما قاله الشاعر:\rجلاميد أملاء الأكف كأنها ... رءوس رجالٍ حلقت في المواسم\rفعليك بها وألصقها بالأعقاب والسوق.\rأسماء السيف وصفاته\rوقد أوردتها على حروف المعجم على ما أورده صاحب كتاب خزائن السلاح.\rفمن ذلك :إبريق \" وهو شديد البريق \" أبيض \" .\r\" أذوذ \" وهو القاطع. \" إصليط \" وهو الصقيل. \" أغلف \" إذا كان في غلافه. \" أنيث \" وهو الذي يتخذ من حديد غير ذكر. \" باتر \" أي قاطع. \" بتار \" وهو اسم لسيف كان للنبي صلى الله عليه وسلم. \" بصروي \" منسوب لبصرى.\rقال الشاعر:","part":2,"page":227},{"id":728,"text":"صفائح بصرى أخلصتها قيونها ... ومطروداً من نسج داود محكما\r\" بوادر \" أي قواتل. \" بارقة \" وهي السيوف التي تبرق. \" جنثي \" .\rقال الشاعر:\rولكنها سوقٌ يكون بياعها ... بجنثيةٍ قد أخلصتها الصيافل\r\" جراز \" أي قاطع. \" جماد \" بمعناه؛ وفيه يقول الأزهري:\rلسمعتم من حر وقع سيوفنا ... ضرباً بكل مهندٍ جماد\r\" حسام \" أي قاطع. \" حداد \" من الحديد. \" حداد \" من الحداد كأنه أشار إلى لونه. \" خشيب \" أي ثقيل، وهو من أسماء الأضداد. \" خشيف \" أي ماض. \" خذيم \" أي قاطع. \" خضعةٌ \" وهي السيوف القواطع. \" ددان \" أي لا يقطع. \" ذالق \" أي سلس الخروج من غمده. \" ذلوق \" مثله. \" ذكر \" أي ذو ماء. \" ذو الكريهة \" وهو الماضي في الضريبة. \" ذو الفقار \" سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. \" ذو هبة \" \" أي ذو هزة ومضاء. \" ذرب \" أي محدد. \" ذو النون \" سيف مالك بن زهير. \" ذو ذكرة \" وهو الصارم. \" رسوب \" وهو الذي يغيب في الضريبة. \" رداء \" . \" سيف \" وجمعه أسياف وسيوف وأسيف.\rقال الشاعر:\rكأنهم أسيفٌ بيضٌ يمانيةٌ ... عضبٌ مضاربها باقٍ بها الأثر\r\" سراط \" و \" سراطى \" أي قاطع. \" سقاط \" وهو الذي يسقط من وراء الضريبة. \" سريجى \" منسوب إلى قين يقال له سريج. \" شلحاء \" . \" صقيل \" . \" صارم \" أي قاطع. \" صفيحة \" وهو العريض. \" صمصام \" وهو الذي لا ينثني. \" صمصامة \" مثله، وهو سيف عمر بن معد يكرب؛ وفيه يقول:\rخليلٌ لم أخنه ولم يخني ... على الصمصامة السيف السلام\rوقال أيضاً:\rخليلٌ لم أهبه على قلاه ... ولكن المواهب للكرام\rحبوت به كريماً من قريش ... فسر به وصين عن اللئام\r\" صنيع \" مجرب مجلوّ؛ قال الشاعر:\rبأبيض من أمية مضر حيٍّ ... كأن جبينه سيفٌ صنيع\r\" طبعٌ \" وهو الصدئ قال جرير:\rوإذا هززت قطعت كل ضريبةٍ ... وخرجت لا طبعاً ولا مبهورا\r\" عضب \" أي قاطع. \" عقيقة \" أي صقيل؛ قال الشاعر:\rحسامٌ كالعقيقة فهو كمعى ... سلاحى لا أفل ولا فطارا\r\" عجوز \" ز \" عراض \" أي لدن المهزة \" عطاف \" ؛ قال الشاعر:\rولا مال لي إلا عطافٌ ومدرعٌ ... لكم طرفٌ منه حديدٌ ولي طرف\rوجمعه عطف. \" فطار \" أي مشقق. \" فلوع \" أي قاطع. \" فسفاس \" أي كهام. \" قصال \" أي قطاع. \" قاطع \" . \" قرن \" . \" قضيب \" أي قاطع وجمعه قضب. \" قاضب \" مثله. \" قرضاب \" أي يقطع العظام. \" قرضوب \" مثله. \" قشيب \" قريب عهد بالجلاء. \" قلعي \" منسوب إلى البادية. \" قساسي \" منسوب إلى معدن بأرمينية يقال له قساس.\rقال الشاعر:\rإن القساسي الذي يعصى به ... يختصم الدارع في أثوابه\r\" قضمٌ \" وهو الذي طال عليه الدهر فتكسر حده. \" كهام \" أي كليل. \" كليل \" أي كل حده. \" لهذم \" هو السيف الحاد، ويسمى به السنان أيضاً. \" لخيفٌ \" وكان من أسياف رسول الله صلى الله عليه وسلم \" لجّ \" . \" مرهف \" أي محدود رقيق. \" مصمم \" وهو الذي يمر في العظام. \" مقطع \" . \" مخذم \" أي قاطع. \" مجذر \" . \" مأثور \" وهو الذي له أثرٌ. \" مذكر \" مثل ذكر. \" محتفد \" سريع القطع. \" مخصل \" . \" مخضل \" أي مصلت من غمده. \" مقصل \" أي قاطع. \" مخفق \" أي عريض. \" مدجّلٌ \" المطلي بالذهب. \" مهذم \" قاطع. \" معلوب \" وهو سيف الحارث بن ظالم؛ وفيه يقول الكميت:\rوسيف الحارث المعلوب أردى ... حصيناً في الجبابرة الردينا\r\" مشمل \" أي صغير. \" مغول \" سيف رقيق يكون غمده كالسوط وهو الذي يتخذ كالعكاز. \" مهوٌ \" . وهو الرقيق أيضاً؛ قال صخر الغي:\rوصارمٌ أخلصت خشيبته ... أبيض مهوٌ في متنه ربد\r\" مفقر \" أي الذي فيه حزوز مطمئنة عن متنه. \" مهند \" وهو الذي طبع من حديد الهند. \" مشرفي \" منسوب إلى المشارف، وهي قرىً من أرض العرب تدنو من الريف. \" مطبق \" الذي يقطع المفاصل؛ قال الشاعر:\rيصمم أحياناً وحيناً يطبق\r\" منصل \" . \" مشطب \" أي الذي في متنه طرائق. \" مصلت \" المسلول من غمده. \" مفلع \" أي قاطع. \" معضد \" هو الممتهن في قطع الشجر وغيره. \" معضاد \" وهو الممتهن أيضاً. \" مذاهب \" سيوف تموه بالذهب. \" نصل \" . \" نهيك \" أي قاطع. \" نون \" هو اسم سيف بعض العرب؛ قال الشاعر:\rسأجعله مكان النون منى ... وما أعطيته عرق الخلال","part":2,"page":228},{"id":729,"text":"معناه: سأجعل هذا السيف الذي استفدته مكان ذلك السيف، وما أعطيته عن مودة بل أخذته عنوة. \" نواحل \" السيوف التي رقت ظباتها قدماً من كثرة المضاربة. \" هذام \" السيف القاطع. \" هزهاز \" هو الكثير الاهتزاز. \" هندواني \" هو المطبوع من حديد الهند. \" هندي \" منسوب إلى الهند. \" وقيع \" الذي شحذ بالحجر. \" يماني \" منسوب إلى اليمن.\rومن أسماء أجزاء السيف\r\" أثر \" أثره: إفرنده وما يرى عليه مما يشبه الغبار أو مدب النمل؛ قال عيسى بن عمر:\rجلاها الصيقلون فأخلصوها ... خفافاً كلها يتقي بأثر\r\" إفرند \" وشيه وأثره. \" جربان \" هو حده. \" حرف \" مثله. \" ذباب \" حد طرفه وقيل: حده مطلقاً. \" رئاس \" قائمه؛ قال الشاعر:\rومرفقٍ كرئاس السيف إذ شسفا\r\" ربد \" ما تراه عليه شبه غبار أو مدب نمل؛ قال الشاعر:\rأبيض مهوٌ في متنه ربد\r\" زرٌّ \" قال مجرس بن كليب في بعض كلامه: أما وسيفي وزريه، ورمحي ونصليه. والزر: الحد. \" سطام \" حده. \" سيلان \" هو ما يدخل منه في النصاب. \" سفن \" جلدة قائمه. \" شطبٌ \" طرائق في إحدى متنيه. \" شفرة \" : حده، وشفرتاه: حداه. \" صفح \" : عرضه. \" ظبة \" : حده. \" وظبتاه: حداه. \" عجوز \" نصل السيف؛ قال أبو المقدام:\rوعجوز رأيت في فم كلب ... جعل الكلب للأمير جمالا\rوالكلب من أجزاء السيف وهو البرجق. \" عير \" هو الناشر في وسط السيف. \" غرار \" ما بين ظبتيه وبين العير من وجهي السيف جميعاً، وجمعه: أغرة. وقيل: الغراران: شفرتا السيف. \" غربٌ \" غربه: حده. \" فرند \" مثل إفرند. \" فلول \" الفلول في حده. ، والواحد منها فل. \" قيبعة \" هي التي على طرف قائمه من حديد أو فضة. \" مضرب \" : الذي يضرب به منه، وهو نحو شبر من طرفه. \" مقبض \" المقبض: حيث تقبض عليه الأكف. \" نون \" والنون: شفرة السيف.\rقال شاعر:\rبذي النونين قصالٍ مقط\r\" وشى \" وهو فرنده وأثره، وقد تقدم بيانه.\rومما يضاف إلى السيف:\rفأما إذا احتاج إلى الشحذ يقال: \" استوقع \" وإذا ضرب به فلم يعمل يقال: \" أحاك \" . وإذا سل من قرابه يقال: \" استل \" . \" اصلت \" . \" امتشن \" . \" امتعط \" . \" امتحط \" . \" انتضي \" . \" اخترط. \" جلط \" . \" جرد \" . \" سلّ \" . \" شهر \" . \" معط \" . \" نضي \" . \" شمت \" : إذا سللت وأغمدت. وإذا خرج السيف من غير سلٍّ يقال: \" اندلق \" . وإذا أغمض السيف من غير سلٍّ يقال: \" أغمدت \" السيف. \" أقربت \" . \" شمت \" . \" قربت \" . وأما إذا تقلد به الرجل يقال: اعتطف؛ وفيه يقول الشاعر:\rمن يعتطفه على مئزرٍ ... فنعم الرداء على المئزر\rومن أسماء قرابه وآلته:\rيقال: \" جفن \" . \" جربان \" . \" جلبان \" . \" خللٌ \" وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السيوف. \" غمد \" .\rحمائله:\rيقال فيها: \" حمائل \" واحدتها \" حميلة \" . \" قراب \" . \" محمل \" . \" نجاد \" .\rحليته:\rيقال: \" رصائع \" وهي حلق مستديرات تحلى بها السيوف. \" قبيعة \" وقد تقدم ذكرها. \" نعل \" وهو ما يكون أسفل القراب من فضة أو حديد. والنعل مؤنثة؛ قال الشاعر:\rترى سيفه لا تنصف الساق نعله ... أجل لا وإن كانت طوالاً محامله\rوأما ما وصفته به الشعراء:\rفمن ذلك ما قاله أبو عبادة البحتري:\rيتناول الروح البعيد مناله ... عفواً، ويفنح في القضاء المقفل\rماضٍ وإن لم تمضه يد فارسٍ ... بطلٍ، ومصقولٌ وإن لم يصقل\rيغشى الوغى فالترس ليس بجنةٍ ... من حده والدرع ليس بمعقل\rمصغ إلى حكم الردى، فإذا مضى ... لم يلتفت، وإذا قضى لم يعدل\rمتوقدٌ يبري بأول ضربةٍ ... ما أدركت ولو أنها في يذبل\rوإذا أصاب فكل شيء مقتلٌ ... وإذا أصيب فما له من مقتل\rوقال أبو الهول:\rحسامٌ غداة الروع ماضٍ كأنه ... من الله في قبض النفوس رسول\rكأن جنود الذر كسرن فوقه ... عيون جرادٍ بينهن ذحول\rكأن على إفرنده موج لجّةٍ ... تقاصر في صحصاحه وتطول\rإذا ما تمطى الموت في يقظاته ... فلابد من نفسٍ هناك تسيل\rوإن لاحظ الأبطال أو صافح الطلى ... تشحط يوماً بينهن قتيل\rوقال عبد الله بن المعتز:\rولي صارمٌ فيه المنايا كوامنٌ ... فما ينتضى إلا لسفك الدماء","part":2,"page":229},{"id":730,"text":"ترى فوق متنيه الفرند كأنه ... بقية غيم رق دون سماء\rوقال أيضاً:\rوسط الخميس بكفه ذكرٌ ... عضبٌ كأن بمتنه نمشا\rضافي الحديد كأن صيقله ... كتب الفرند عليه أو نقشا\rوقال ابن الرومي:\rخير ما استعصمت به الكف عضبٌ ... ذكرٌ هزه أنيث المهز\rما تأملته بعينك إلا ... أرعدت صفحتاه من غير هز\rمثله أفزع الشجاع إلى الدر ... ع فغالى بها على كل بز\rما يبالي أصممت شفرتاه ... في محزٍ أم حادتا عن محز\rوقال ابن المعتز:\rولقد هززت مهنداً ... عضب المضارب مرهفا\rوإذا تولج هامة ال ... جبار سار فأوجفا\rعضب المضارب كالغدي ... ر نفى القذى حتى صفا\rوقال أيضاً:\rفي كفه عضبٌ إذا هزه ... حسبته من خوفه يرتعد\rوقال آخر:\rجردوها فألبسوها المنايا ... عوضاً عوضت من الأغماد\rوكأن الآجال ممن أرادوا ... وظباها كانت على ميعاد\rوقال أحمد بن محمد بن عبد ربه:\rوذي شطب تقضي المنايا بحكمه ... وليس لما تقضي المنية بدافع\rفرندٌ إذا ما اعتن للعين راكدٌ ... وبرقٌ إذا ما اهتز بالكف لامع\rيسلل أرواح الكماة انسلاله ... ويرتاع منه الموت والموت رائع\rإذا ما التفت أمثاله في وقيعةٍ ... هنالك ظن النفس بالنفس واقع\rوقال أيضاً:\rبكلّ مأثورٍ على متنه ... مثل مدب النمل في القاع\rيرتد طرف العين عن حده ... عن كوكبٍ للموت لماع\rوقال أبو مروان بن أبي الخصال:\rوصقيلٍ مدارج النمل فيه ... وهو مذ كان ما درجن عليه\rأخلص القين صقله فهو ماءٌ ... يتلظى السعير في صفحتيه\rوقال أحمد بن الأعمى الأندلسي:\rموتى فإن خلعت أكفانها علمت ... أن الدروع على الأبطال أكفان\rنفسي فداؤك لا كفئاً ولا ثمناً ... ولو غدا المشتري منها وكيوان\rوالتبر قد وزنوه بالحديد فما ... ساوى، ولكن مقاديرٌ وأوزان\rوقال عبد العزيز بن يوسف شاعر اليتيمة:\rبيضٌ تصافح بالأيدي مقابضها ... وحدها صافح الأعناق والقما\rضحكن من خلل الأغماد مصلتةً ... حتى إذا اختلفت ضرباً بكين دما\rوقال الشريف الموسوي شاعرها:\rونصل السيف تسلم شفرتاه ... ويخلق كل أيام قرابا\rوقال مؤيد الدين الطغرائي:\rوأبيض طاغي الحدّ يرعد متنه ... مخافة عزم منك أمضى من النصل\rعليمٌ بأسرار المنون كأنما ... على مضربيه أنزلت آية القتل\rتفيض نفوس الصيد دون غراره ... وتطفح عن متنيه في مدرج النمل\rخلعت عليه نور وجهك فارتدى ... بنورٍ كفاه أن يحادث بالصقل\rوقد أكثر الشعراء تشبيه الفرند بالنمل، وأصل ذلك من قول امرئ القيس:\rمتوسداً عضباً مضاربه ... في متنه كمدبة النمل\rوقال الطغرائي:\rوأبيض لولا الماء في جنباته ... تلسن من حديه نار الحباحب\rأضر به حب الجماجم والطلى ... فغادره نضواً نحيل المضارب\rوقال إسحاق بن خلف:\rألقى بجانب خصره ... أمضى من الأجل المتاح\rوكأنما ذر الهبا ... ء عليه أنفاس الرياح\rوقال ابن المعتز:\rوجرد من أغماده كل مرهفٍ ... إذا ما انتضته الكف كاد يسيل\rترى فوق متنيه الفرند كأنما ... تنفس فيه القين وهو صقيل\rوقال منصور النمري يصف سيفاً:\rذكرٌ برونقه الفرند كأنما ... يعلو الرجال بأرجوانٍ ناقع\rوترى مضارب شفرتيه كأنها ... ملحٌ تناثر من وراء الدارع\rولما صار الصمصامة سيف عمرو بن معد يكرب إلى موسى الهادي أذن للشعراء أن يصفوه، فبدأهم ابن يامين فقال:\rحاز صمصامة الزبيدي من دو ... ن جميع الأنام موسى الأمين","part":2,"page":230},{"id":731,"text":"سيف عمرو وكان فيما سمعنا ... خير ما أغمدت عليه الجفون\rأخضر المتن بين حديه نورٌ ... من فرندٍ تمتد فيه العيون\rأوقدت فوقه الصواعق ناراً ... ثم شابت به الذعاف القيون\rفإذا ما سللته بهر الشم ... س ضياءً فلم تكاد تستبين\rوكأن الفرند والرونق الجا ... ري في صفحتيه ماءٌ معين\rوكأن المنون ناطت إليه ... فهو من كل جانبيه منون\rما يبالي من انتصاه لضربٍ ... أ شمالٌ سطت به أم يمين\rفأمر له ببدرة، وأخرج الشعراء.\rومن الإفراط في وصف السيف قول النابغة:\rيقد السلوقي المضاعف نسجه ... ويوقد بالصفاح نار الحباحب\rفذكر أنه يقد الدرع المضاعف والفارس والفرس ويصل إلى الأرض فيقدح النار.\rوقال النمر بن تولب:\rتظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والقيدين والهادي\rومن رسالة لأبي محمد بن مالك القرطبي جاء منها في وصف السيوف، قال: وكأنما باضت على رءوسهم نعائم الدر، وبرقت في أكفهم بوارق الجو، ولكنها إذا ما هزت فبوارق، وإذا صبت فصواعق؛ من كل ذي شطبٍ كأنما قرى نمل، علون منه قرى نصل؛ فإذا أصاب فكل شيء مقتل، وإذا حز فكل عضو مفصل؛ أمضى في الأشباح، من الأجل المتاح؛ عصب المتن ثقيل، يكاد إذا انتضي يسيل؛ ويكاد مبصره يغنى عن الورد، إذا أختر من الغمد؛ ما لم يخله ريعان سراب، في تصحصحان يباب، لاشتباه فرند بأحباب في شراب، أو أحباب في سراب؛ فلما رأيت جفنه قد انطوى على جمر الغضى، وماء الأضى؛ وانتظم على خصره الجنح، ورونق الصبح؛ قلت سبحان مكور الليل على النهار، والجامع بين الماء والنار.\rالرمح\rمن الحديث، والأسماء، والنعوت، والأوصاف.\rعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري \" ز هذا ما ورد فيه من الحديث.\rوأما الأسماء، والنعوت، والأوصاف:\rفمن ذلك: \" أسمر \" وهو الدقيق. \" ألة \" وهو أصغر من الحربة، وفي سنانها عرض. وجمعها الإلال. \" أم اللواء \" . \" أزنى \" منسوب إلى ذي يزن. \" أقصاد \" وهو المكسر. \" ثلب \" وهو المثلم. \" حادر \" أي غليظ. \" حربة \" . \" خرصانة \" . \" خرص \" . \" خطار \" أي ذو اهتزاز. \" خالٌ \" أي لواء الجيش. \" خطى \" هو ما ينسب من الرماح إلى الخط، وهو موضع باليمامة. \" خطل \" وهو المضطرب. \" خوار \" وهو الخفيف. \" رمح \" . \" رعاش \" وهو الشديد الاضطراب. \" رديني \" منسوب إلى امرأة اسمها ردينة. \" راشٌ \" أي خوار. \" زاعبي \" وهو الذي إذا هز تدافع كله. \" رواعف \" . \" زاعبية \" منسوب إلى زاعب: رجلٍ، وقيل بلد. \" سمهرية \" هي القنا الصلبة منسوبة إلى سمهر، كان رجلاً يقوم الرماح. \" شراعي \" هو الرمح الطويل. \" شطاط \" القناة المعتدلة. \" صدق \" هو الصلب من الرمح. \" صعدة \" وهي القناة المستوية من أصل نبتها التي لا تحتاج إلى تثقيف، والجمع صاد. \" صمع \" هي الصلبة اللطيفة العقد. \" ضلع \" هو الرمح المعوج. \" ضليع \" هو الرمح المائل. \" ضب \" اعوجاج في الرمح. \" عنزة \" وهي أطول من العصا وأقصر من الرمح وفيها زج كزح الرمح. \" عكازة \" نحوها. \" عاسل \" هو الرمح الشديد الاضطراب. \" عسال \" . \" عسول \" . \" عرات \" : مثل عاسل. \" عشوزنة \" القناة الصلبة. \" عراص \" هو الرمح المضطرب. \" عتلٌ \" هو الرمح الغليظ. \" قناة \" وجمعها قنىً وقنوات وقني وقناء. \" قصد \" أي مكسر. \" لدن \" إذا هو تدافع كله. \" متثنى \" كان من رماح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. \" مدعس \" . \" مطرد \" أي صغير. \" منجل \" أي واسع الطعن. \" مزج \" هو صغير كالمزارق. \" مزارق \" هو أخف من العنزة. \" متل \" رمح قوي يصرع به؛ قال لبيد:\rأعطف الجوع بمربوعٍ متل\r\" مسمح \" هو الذي ثقف. \" مخموس \" هو الذي طوله خمسة أذرع؛ قال عبيد يذكر ناقته:\rهاتيك تحملني وأبيض صارماً ... ومذرباً في مازنٍ مخموسٍ","part":2,"page":231},{"id":732,"text":"\" مربوع \" هو الذي طوله أربعة، وقيل الذي ليس بطويل ولا قصير. \" معرن \" هو الرمح المسمر السنان بالعراق وهو المسمار. \" مرانة \" . \" مثقفة \" وهي الرماح التي ثقفت أي سويت. \" مدرية \" وهي التي كانت تركب فيها الفرون المحددة مكان الأسنة، وقيل: إنها نسبت إلى قرية باليمن يقال لها مدر. \" نيزك \" وهو رمح قصير، يقال: إنه فارسي وعرب. \" هزع \" أي مضطرب. \" وشيج \" وهي شجرة الرماح. \" وشج \" نوع منه ينبت في الأرض معترضاً. \" يزني \" مثل \" أزنى \" .\rومن أسماء السنان\r\" أعجاف \" وهو الرقيق. \" أشهب \" إذا جلق \" أذلق \" وهو الحاد. \" حرب \" قال حربت السنان إذا حددته. \" خرص \" وهو اسم السنان وللرمح أيضاً. \" خزق \" و \" خازق \" يقال في أمثال العرب: \" أمضى من خازق \" \" ذرب \" يقال: ذربته أي حددته. \" ذلق \" مثله. \" رعب \" . \" زرقٌ \" . \" سيحف \" هي نصال قصار عراض؛ قال الشنفري:\rلها وفضةٌ فيها ثلاثون سيحفاً ... إذا آنست أولى العدى اقشعرت\r\" سنان \" وجمعه أسنة. \" صلبيٌ \" سنان مسنون. \" عاملٌ \" . \" عذارٌ \" وعذار السنان شفرتاه. \" عيرٌ \" الناتئ في وسطه. \" قاريةٌ \" حد السنان. \" لهذم \" هو السنان الحاد القاطع. \" مصلبٌ \" أي مسنون. و \" مطحرٌ \" و \" محدد \" و \" مطرور \" مثله. \" مذرب \" أي محدد؛ قال كعيب:\rبمذرباتٍ بالأكف نواهلٍ ... وبكل أبيض كالغدير مهند\rومن أسماء ما يعقد عليها\r\" أم \" الأم: العلم الذي يتبعه الجيش. \" بندٌ \" هو العلم الكبير، وهو فارسي معرب. \" حقيقة \" هي الراية؛ قال عامر بن الطفيل:\rأنا الفارس الحامي حقيقة جعفرٍ\r\" خفق \" خفقت الراية إذا اضطربت. \" علمٌ \" الراية، وقيل: الذي يعقد على الرمح. \" عقابٌ \" العقاب: العلم الضخم. \" غايةٌ \" وهي الراية. \" لواء \" وهو دون الأعلام والبنود. \" عذبةٌ \" خرقة تعقد على رأس الرمح\rوأما إذا حمله الرجل وطعن به:\rيقال: \" اعتقل الرمح \" إذا جعله بين ركابه وسافه. \" أقرن \" إذا رفع رأس رمحه. \" اقتلع \" إذا أخذ الرمح ليحمل به. \" امتعط \" و \" انتزع \" مثل اقتلع. \" أشرع \" إذا قابل به خصمه \" بوأ \" يقال: بوأت الرمح إذا سددته \" تيمم \" تيمه إذا قصده دون غيره؛ قال الخليل بن أحمد:\rيممته الرمح شزراً ثم قلت له ... خذها حذيف فأنت السيد الصمد\rومثل \" تيمم \" \" جعب \" . \" حجل \" \" حجدل \" . \" جعفل \" ؛ قال الشاعر:\rجعفلتها لما أبت أن تخضعا\r\" جور \" مثله \" جدل \" يقال: طعنه فجدله أي رماه إلى الأرض. \" جرجم \" يقال: جرجمه إذا صرعه. \" حفز \" أي طعن. \" خطارٌ \" هو الطعان بالرمح؛ قال الشاعر:\rمصاليت خطارون بالرمح في الوغى\r\" خار \" يقال طعنه فخار، أي أصاب خورانه وهو مجرى الروث. \" دعس \" إذا طعن. \" دسر \" أي طعن طعنة قوية. \" رامحٌ \" أي ذو رمح، لا فعل له. \" رصع \" إذا طعن. \" رمح \" مثله. \" ركز \" إذا غرز رمحه في الأرض. \" زج \" إذا طعن بالزج \" سلق \" إذا طعنه فوقع على ظهره. \" سر \" إذا طعنه في سرته؛ قال الشاعر:\rنسرهم إن همو أقبلوا ... وإن أدبروا فهمو من نسب\rأي نطعنهم في سباتهم. \" شجر \" إذا طعن. \" شك \" إذا طعنه فخرقه. \" طعن \" . \" قرطب \" إذا طعن فصرع. \" قعف \" إذا طعنه فقعفه. \" قعر \" مثله. \" قطر \" أي طعنه فألقاه على قطريه وهما جانباه؛ قال الهذلي:\rمجدلاً يتسقى جلده دمه ... كما يقطر جذع الدومة القطل\rوالقطل المقطوع. \" قدع \" يقال: تقادعوا إذا تطاعنوا. \" لهز \" إذا طعنه في صدره. \" لزه \" إذا طعنه. \" مداعسة \" وهي المطاعنة. \" رماح نوادس \" ؛ قال الكميت\rونحن صبحنا آل نجران غارةً ... تميم بن مرٍ والرماح النوادسا\r\" مدعسٌ \" أي طعان. \" مداعس \" مثله. \" مزجوج \" الذي طعن بالزج. \" مكور \" هو الذي طعن بالرمح؛ قال الفرزدق:\rحملت عليه حملةً فطعنته ... فغادرته فوق الفراش مكورا\r\" جائفة \" قال طعنه طعنة جائفة إذا وصلت إلى جوفه. \" نجلاء \" هي الطعنة الواسعة. \" نكت \" يقال: طعنته فنكته إذا وقع على رأسه. \" هرع \" يقال: هرع القوم الرماح إذا شرعوها ومضوا بها. \" وخض \" يقال: وخضه إذا طعنه طعناً لا ينفذ؛ قال الشاعر:\rوخضاً إلى النصف وطعناً أرصعا\rوأما ما وصفه به الشعراء:\rفمن ذلك ما قاله أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:\rأنهبت أرواحه الأرماح إذ شرعت ... فما ترد لريب الدهر عنه يد\rكأنها وهي في الأوداج والغةٌ ... وفي الكلى تجد الغيظ الذي تجد","part":2,"page":232},{"id":733,"text":"من كل أزرق نظارٍ بلا نظرٍ ... إلى المقاتل ما في متنه أود\rكأنه كان خدن الحب مذ زمنٍ ... فليس يعجزه قلبٌ ولا كبد\rوقال مؤيد الدين الطغرائي:\rوخفاقةٍ طوع الرياح كأنها ... كواسر دجن ألثقتها الأهاضيب\rتميد بها نشوى القدود كأنها ... قدود العذارى يزدهيهن تطريب\rيرنحها سقيا الدماء كأنها ... مدامٌ وآثار الطعان أكاويب\rبها هزةٌ بين ارتإح ورهبةٍ ... وللنصر مرتاحٌ وللهول مرهوب\rلها العذبات الحمر تهفو كأنها ... ضرامٌ بمستن العواصف مشبوب\rإذا نشرت في الروع لاحت صحائفٌ ... عليهن عنوانٌ من النصر مكتوب\rطوالع، طرف الجو منهن خاسئٌ ... حسيرٌ وقلب الأرض منهن مرعوب\rوقال آخر:\rومطردٍ لدن الكعوب كأنما ... تغشاه منباعٌ من الزيت سائل\rأصم إذا ما هز مارت سراته ... كما مار ثعبان الرمال الموائل\rله رائدٌ ماضي الغرار كأنه ... هلالٌ بدا في ظلمة الليل ناحل\rوقال حوبة بن حوية يصف السنان:\rفأعد أزرق في القناة كأنه ... في طخية الظلماء ضوء شهاب\rوقال دعبل:\rوأسمر في رأسه أزرق ... مثل لسان الحية الصادى\rوقال آخر:\rجمعت ردينياً كأن سنانه ... سنا لهبٍ لم يستعر بدخان\rوقال أحمد بن محمد بن عبد ربه:\rبكل رديني كأن سنانه ... شهابٌ بدا في ظلمة الليل ساطع\rتقاصرت الآجال في طول متنه ... وعادت به الآمال وهي فجائع\rوساءت ظنون الحرب في حسن ظنه ... فهن لحبات القلوب قوارع\rوقال أبو محمد بن مالك قرطبي من رسالة جاء منها في وصف الرمح: ومن كل مثقف الكعوب، أصم الأنبوب؛ كأنما سلب من الروم زرقتها، واجتلب من العرب سمرتها؛ وأخذ من الذئب عسلانه، ومن القلب الجبان خفقانه، ومن رقراق السراب لمعانه؛ واستعار من العاشق نحوله، ومن العليل.\rقال أبو تمام:\rمثقفات سلبن الروم زرقتها ... والعرب أدمتها والعاشق القضفا\rالقوس العربية\rروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو متقلد قوساً عربية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" هكذا جاءني جبريل اللهم من استطعمك بها فأطعمه ومن استنصرك بها فانصره ومن استرزقك بها فارزقه \" .\rوقال: \" ما مد الناس إلى شيء من السلاح إلا وللقوس عليه أفضل \" .\rوالقوس مؤنثة. وتصغيرها قويس. وجمعها أقواس وقياس وقسي. ولها أجزاء وأسماء.\rفأما أجزاؤها\rفكبدها: ما بين طرفي العلاقة. ويليه الكلية. ويلي الكلية الأبهر. ثم الطائف، وهما طائفان: الأعلى والأسفل. والسية: ما عطف من طرفيها. ويدها: أعلاها. ورجلها: أسفلها. والعجس والمعجس: مقبضها. وإنسيها: ما أقبل على الرامي. ووحشيها ما كان إلى الصيد. والفرض والفرضة: الحزة التي يقع فيها طرف الوتر المعقود وهو السية. وما فوق الفرضة: الظفر والكظر.\rأسماء القوس ونعوتها\rفمنها: \" بانية \" أي بانية على وترها إذا التصقت به. \" جشوٌ \" هي القوس الغليظة وقيل الخفيفة؛ قال أبو ذؤيب:\rونميمةً من قانصٍ متلببٍ ... في كفه جشوٌ أجش وأقطع\r\" جلهق \" وجمعها جلاهق، وهي قسي البندق. \" حنانةٌ \" التي تحن عند الإنباض؛ قال الشاعر:\rوفي منكبي حنانةٌ عود نبعةٍ ... تخيرها لي سوق بكة بائع","part":2,"page":233},{"id":734,"text":"\" حاشكة \" وهي القوس البعيدة الرمي. \" حنيرة \" وهي القوس بغير وتر، وفي الحديث: \" لو صليتم حتى تكونوا كالحنائر ما نفعكم حتى تحبوا آل رسول الله صلى الله عليه وسلم \" . \" حدلاء \" هي القوس التي تطامنت سيتها. \" حصوبٌ \" وهي التي إذا رمي عنها انقلب وترها. \" رهيش \" التي إذا رمي عنها اهتزت وضرب وترها أبهرها. \" زفيان \" هي السريعة الإرسال للسهم. \" زوراء \" سميت بذلك لميلها. \" شسيب \" وهو من أسمائها. \" شريحة \" . \" شدفاء \" سميت بذلك لاعوجاجها. \" صفراء \" . \" صريعٌ \" . \" ضروحٌ \" وهي الشديدة الخفر والدفع للسهم. \" طحورٌ \" البعيدة الرمي. \" طروحٌ \" مثل ضروح. \" طلاع الكف \" إذا كان مقبضها يملأ الكف. \" عاتكٌ \" هي القوس التي احمرت من الفدم، ومثله العاتكة. \" عاتتيٌ \" هي التي تغير لونها. \" عطوى \" هي المؤاتية السهلة؛ قال الشاعر:\rله نبعةٌ عطوى كأن رنينها ... بألوى تعاطته الأكف المواسح\r\" عراضةٌ \" وهي العريضة. \" عبهرٌ \" هي القوي الممتلئة العجس. \" عطافةٌ \" . \" عطيفةٌ \" . \" عطفى \" القوس المعطوفة؛ قال أسامة الهذلي:\rفمد ذراعيه وأجنأ ... وفرجها عطفى مريرٌ ملاكد\r\" عطوفٌ \" هي المعطوفة السيتين إحداهما على الأخرى. \" عتلةٌ \" والعتلة: القوس الفارسية، وجمعها عتلٌ. \" عوجاء \" وهو من أسمائها. \" عثوثٌ \" وهي القوس المرنة.\rقال كثير:\rهتوفاً إذا ذاقها النازعون ... سمعت لها بعد حبض عثاثا\r\" عطلٌ \" هي التي لا وتر عليها. \" غلفاء \" التي في غلافها. \" فرعٌ \" و \" فرعة \" وهما من جياد القسي. \" فجاء \" توصف بذلك إذا بان وترها عن كبدها. \" فجواء \" مثلها. \" فلقٌ \" إذا كانت مشقوقةً ولم تكن قضيباً. \" فرجٌ \" إذا تنفجت سياتها. \" قوس قعساء \" والقعس هو نتوء باطن القوس من وسطها ودخول ظاهرها. \" قؤود \" وهي السلسة المنقادة. \" كبداء \" وهي التي يملأ كبدها الكف. \" كزة \" وهي القصيرة. \" مسحنةٌ \" وهي الحسنة المنظر. \" مطحرٌ \" التي ترمي بسهمها صعداً. \" محدلةٌ \" التي تطامنت سيتها مثل الحدلاء. \" مروحٌ \" وهي القوس الحسنة التي يمرح من رآها عجباً بها. ويقال: ممراحٌ وممرحٌ أي نشيط. \" مهوكٌ \" القوس اللينة. \" مسيحة \" وهو من أسمائها. \" معطفة \" هي القوس المعطوفة السيتين. \" مطعمةٌ \" ؛ قال الشاعر:\rوفي الشمال من الشريان مطعمةٌ ... كبداء في عجسها عطفٌ وتقويم\rوقيل: سميت بذلك لأنها تطعم. \" معطوفة \" . \" ماسخيات \" هي أقواس تنسب إلى ماسخة رجلٍ من الأزد كان قواساً؛ قال الشماخ بن ضرار:\rفقربت مبراةً تخال ضلوعها ... من الماسخيات القسي الموترا\r\" ناترة \" وهي التي تقطع الوتر لصلابتها، وجمعها نواتر. \" نفوح \" هي الشديدة الدفع للسهم. \" همزى \" مثلها.\rالوتر\rفمن أسمائه: \" حبجرٌ \" وهو الوتر الغليظ، وكل غليظ كذلك؛ قال الشاعر:\rأرمى عليها وهي شيءٌ بجر ... والقوس فيها وترٌ بحجر\rوهي ثلاث أذرعٍ وشبر\r\" سرعان \" وهو الوتر القوي؛ قال الشاعر:\rوعطلت قوس اللهو من سرعانها ... وعادت سهامي بين أحنى وناصل\r\" شرعةٌ \" الشرعة: الوتر الرقيق، وقيل مادام مشدوداً. \" فرو \" . \" هجار \" . \" وترٌ \" .\rوأما أصوات القوس:\rيقال: \" أرنت \" إذا رمي عنها فصوتت. \" أنبض \" . \" أنضب \" . \" حضبٌ \" وجمعه أحضاب. \" رجعت \" . \" زجومٌ \" . الزجوم التي ليست شديدة الإرنان. \" سجعت \" إذا مدت حنينها على جهة واحدة. \" عجاجة \" . \" عزفت \" . \" عدادٌ \" هو صوت الوتر. \" عولت \" مثل أرنت. \" كتوم \" وهي التي لا ترن. \" مرنان \" وهي التي إذا رمي عنها صوتت؛ قال الشنفري:\rإذا زل عنها السهم رنت كأنها ... مرزأةٌ ثكلى تحن وتعول\r\" نأمت \" أي صوتت. \" هتفى \" . \" هتافى \" . \" هزجٌ \" و \" هزجت \" إذا صوتت عند إنباض الرمي عنها؛ قال الكميت:\rلم يعب ربها ولا الناس منها ... غير إنذارها عليها الحميرا\rبأهازيج من أغانيها الجش وإتباعها النحيب الزفيرا\rوقال الشماخ:\rإذا أنبض الرامون عنها ترنمت ... ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز\rوقال آخر:\rوهي إذا أنبضت عنها تسجع ... ترنم الثكلى أبت لا تهجع\rوقال آخر:\rتسمع عند النزع والتوتير ... في سيتيها رنة الطنبور\rوإذا وتر القوس أو أخذ عنها وترها","part":2,"page":234},{"id":735,"text":"يقال: \" حظرب قوسه \" إذا شد توتيرها. \" طحمر \" إذا وترها. \" متن \" مثله. \" وتر \" . \" عطل \" يقال: عطل القوس إذا أخذ عنها الوتر.\rوأما إذا حمل القوس أو اتكأ عليها:\rيقال: \" تنكب القوس \" إذا ألقاها على منكبه. \" تأتب \" يقال: تأتب قوسه إذا جعلها على ظهره. \" متقوس \" إذا كان معه قوس. \" انكب \" والأنكب الذي لا قوس معه. \" ارتكز \" إذا وضعها بالأرض واعتمد عليها.\rهذا ما قيل في القوس من الأسماء والصفات اللغوية؛ فلنذكر تركيب القوس ومبدأ عملها.\rذكر ما قيل في تركيب القوس،\rومبدأ عملها ومن رمى عنها، ومعنى الرمي.\rأما تركيب القوس:\rفقد أجمع الرماة أنها مبنية على طبائع الإنسان الأربع وهي: العظم، ونظيره في القوس الخشب. واللحم، ونظيره في القوس القرون. والعروق والعصب، ونظيرها في القوس العقب. والدم، ونظيره في القوس الغراء.\rوأما مبدأ عملها:\rاختلف الناس في القوس ومبدأ عملها ومن رمى عنها، فقال بعض أهل العلم: إن القوس جاء بها جبريل إلى آدم عليه السلام وعلمه الرمي عنها، وتوارثه ولده إلى زمن نوح عليه السلام، وذكرت الفرس في كتاب الطبقات الأربع: أن أول من رمى بها جمشيد الملك الفارسي، وقيل إنه كان في زمن نوح عليه السلام، وتوارثه بعده ولده طبقة بعد طبقة.\rوقال آخرون: إن أول من رمى عنها النمرود، وخبره مشهور في رميه نحو السماء وعود سهمه إليه وقد غمس من الدم.\rوسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى مبيناً في قصة إبراهيم عليه السلام.\rورمى عنها بعد النمرود سامن اليماني ثم كند بن سامن ثم رستم من المجوس ثم اسفنديار وغيرهم.\rوقيل: إن أول من وضعها بهرام جور بن سابور ذي الأكتاف، وهو من الملوك الساسانية، وإنه عملها من الحديد والنحاس والذهب، ولم يكن رآها قبل ذلك، فلم تطاوعه في المد فعملها من القرون والخشب والعقب.\rوهذا القول مردود على قائله، لأن الفرس الأول لم تزل تفتخر بالرمي في الحروب والصيد، ولم ينقل أن الرمي انقطع في دولة ملك منهم.\rوالله تعالى أعلم.\rوأما معنى الرمي:\rومعنى الرمي عند العرب هو القصد، وذلك أنهم يقولون: رميت ببصري الشيء، أي قصدت إليه به؛ قال ابن الرومي:\rنظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها ... ثم انثنت عنه فكاد يهيم\rويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت! ... وقع السهام ونزعهن أليم\rوقال العباس بن الأحنف:\rقالت ظلوم سمية الظلم ... ما لي رأيتك ناحل الجسم\rيا من رمى قلبي فأقصده ... أنت العليم بموضع السهم\rوأما معناه عند العجم، فقد حكي عن بهرام أنه قال:معنى رميت الشيء أي رمته فوصلت إليه.\rوهو مقارب لمعناه عند العرب، لأنه إنما أراد بما رامه القصد له.\rهذا ما قيل في القوس.\rفلنذكر ما قيل في السهم، ثم نذكر بعد ذلك ما قيل فيهما من النظم والنثر.\rما قيل في السهم\rروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إن الله عز وجل ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفرٍ الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به والممد به \" .\rوقال صلى الله عليه وسلم: \" ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم وقد مر على نفر من أسلم ينتضلون فقال: \" ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً وأنا مع بني فلان \" ، فأمسك أحد الفريقين بأيديهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما لكم لا ترمون \" ؛ فقالوا: كيف نرمي وأنت معهم! قال: \" ارموا وأنا معكم كلكم.\rوعن حمزة بن أبي أسيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدرٍ حين صففنا لقريش وصفوا لنا: \" إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل \" .\rوعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من تعلم الرمي ثم تركه فهو نعمةٌ تركها \" .\rومما يدل على تعظيم قدر الرامي ما ورد عن عبد الله بن شداد قال: سمعت علياً يقول: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفدّي رجلاً بعد سعد، سمعته يقول: \" ارم فداك أبي وأمي \" .\rوسعد هذا هو سعد بن مالك.\rوكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم له كان في يوم أحد.\rوللسهم أسماء وصفات ونعوت نطقت بها العرب:\rمنها: \" أقذّ \" والأقذ: الذي لا ريش عليه. \" أهزع \" وهو السهم الذي يبقى في الكنانة وحده لأنه أردأ ما فيها، ويقال: هو أجودها وأفضلها؛ ويقال: ما في جفيره أهزع، قال العجاج:","part":2,"page":235},{"id":736,"text":"لا تك كالرامي بغير أهزعا\rوقال آخر:\rفأرسل سهماً له أهزعا ... فشك نواهقه والفما\r\" أفوق \" هو المكسور الفوق. \" أمرط \" هو الذي سقط قذذه. \" أغضف \" وهو الغليظ الريش. \" أصمع \" وهو الرقيق. \" ثجرٌ \" وهي سهام غلاظ. \" ثلثٌ \" وهو سهم من ثلاثة، ومثله ثليثٌ وسبيع وسديس وخميس. \" جباعٌ \" وهو الذي بغير نصل. \" جماع \" سهم مدور الرأس يتعلم به الصبي الرمي. \" حشرٌ \" يقال: سهم حشرٌ، وسهام حشرٌ أي دقاق. \" حابٍ \" وهو الذي يزحف في الأرض ثم يصيب الهدف. \" حابضٌ \" وهو الذي يقع بين يدي راميه. \" حظاءٌ \" هي سهام صغار، والواحدة: حظوةٌ، وتجمع على حظوات، وتصغيرها: حظيات. \" حسبانٌ \" سهام صغار يرمى بها عن القسي الفارسية، والواحدة حسبانة. \" خارقٌ \" وهو السهم الذي يصيب القرطاس. \" خشيبٌ \" وهو حين يبرى البري الأول. \" خلطٌ \" وهو السهم الذي ينبت عوده على عوجٍ فلا يزال يتعوج وإن قوم. \" دالفٌ \" وهو الذي يصيب ما دون الغرض ثم ينبو عن موضعه، والجمع دلف. \" دابرٌ \" وهو الذي يخرج من الهدف. \" رقميات \" سهام تنسب إلى موضع بالمدينة. \" زالجٌ \" وهو الذي يتزلج من القوس أي يسرع، وكل سريع زالج. \" زاحفٌ \" وهو الذي يقع دون الغرض ثم يزحف إليه. \" زمخرٌ \" وهو النشاب واحدته زمخرة، ويقال: هو الطويل منه. \" سهم سندريٌ \" نوع من السهام منسوب إلى السندرة وهي شجرة. \" سروة \" سهم صغير، والجمع سراء. \" شارفٌ \" سهم طويل دقيق، وقيل الذي طال عهده. \" شاخصٌ \" أي جاز الغرض من أعلاه. \" شارمٌ \" وهو الذي يشرم جانب الغرض. \" صادرٌ \" هو النافذ. \" صنيعٌ \" . \" عبرٌ \" هو الموفور الريش. \" عموجٌ \" هو الذي يتلوى في ذهابه وهو الاعوجاج في السير. \" عصلٌ \" السهام المعوجة. \" عفر \" . \" عائر \" وهو السهم الذي لا يدرى من أين أقبل. \" غربٌ \" يقال: سهمٌ غربٌ، وهو الذي يأتي ولا يعلم المصاب به من أين يأتي. \" فالجٌ \" هو السهم الفائز. \" قطع \" هو السهم العريض. \" قدحٌ \" قبل أن يراش ويركب نصله. \" قطبةٌ \" سهم صغير يرمى به. \" قطيعٌ \" قبل أن يبرى حين يكون قضيباً، والجمع قطع. \" قترةٌ \" سهم صغير لا حديد فيه. \" كتابٌ \" سهم صغير مدور الرأس مثل \" جماح \" . \" كثاب \" سهم صغير؛ قال الشاعر:\rرمت عن كثبٍ قلبي ... ولم ترم بكثاب\r\" لأمٌ \" وهو السهم. \" معبرٌ \" وهو السهم الموفور الريش. \" منزعٌ \" هو السهم مطلقاً، ويقال: المنزع: الذي يرمى أبعد ما يكون؛ قال الأعشى:\rفهو كالمنزع المريش من الشو ... حط غالت به يمين المغالي\r\" مريشٌ \" ذو الريش. \" مخلقٌ \" هو المصلح. \" مصرادٌ \" هو النافذ. \" مقتعلٌ \" هو الذي لم يبر برياً جيداً؛ قال لبيد:\rفرميت القوم رشقاً صائباً ... ليس بالعصل ولا بالمقتعل\r\" مطحرٌ \" هو البعيد الذهاب؛ قال أبو ذؤيب:\rفرمى فألحق صاعدياً مطحراً ... بالكشح فاشتملت عليه الأضلع\r\" مرماةٌ \" سهم صغير. \" منجابٌ \" هو الذي لا ريش عليه ولا نصل. \" مغلقٌ \" اسم لكل سهم. \" مريخٌ \" سهم طويل له أربع قدذٍ. \" منجوفٌ \" هو السهم العريض. \" مراطٌ \" التي تمرط ريشها. \" مقزعٌ \" الذي ريش بريش صغار. \" مرتدعٌ \" الذي إذا أصاب الهدف انفضح عوده. \" معراضٌ \" ذو ريش يمضي عرضاً، وقيل: سهم طويل له أربع قذذٍ دقاق فإذا رمي به اعترض. \" متصمعٌ \" هو المنضم الريش من الدم، وقيل: الملطخ بالدم. \" مشقصٌ \" سهم له نصل عريض. \" معقصٌ \" الذي ينكسر نصله ويبقى سنخه في السهم. \" نكسٌ \" هو الذي انكسر فوقه فجعل أسفله أعلاه. \" نواقر \" هي السهام التي تصيب. \" نشاب \" . \" نجيفٌ \" هو العريض النصل، والجمع نجف؛ قال الهذلي:\rنجفٌ بذلت لها خوافي ناهض ... حشر القوادم كاللفاع الأطحل\r\" هزاع \" هو الذي يبقى في الكنانة وحده مثل الأهزع.\rأسماء النصل\rفمنها: \" رهبٌ \" وهو النصل الرقيق، والجمع رهاب. \" رهيشٌ \" مثله. \" قطعٌ \" هو النصل العريض، وجمعه أقطاع، وقيل: نصلٌ صغير، وقيل: السهم الصغير. \" قطبة \" نصل الهدف. \" مرماة \" هو النصل المدور. \" معبلةٌ \" نصلٌ طويل عريض، وقيل: حديدة مصفحة لا عير لها. \" نضيٌّ \" هو نصل السهم. \" وقيعٌ \" هو النصل المحدد؛ قال عنترة:\rوآخر منهم أجررت رمحي ... وفي البجلي معبلةٌ وقيع\rفهذه أسماء السهم والنصل.\rوإذا أصاب السهم يقال:\r\" ارتز السهم \" إذا ثبت في القرطاس. \" أصاب \" . \" أقصد \" إذا قتل مكانه؛ قال أخطل:","part":2,"page":236},{"id":737,"text":"فإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني ... بسهميك فالرامي يصيب ولا يدري\r\" بصر \" إذا طلى رأسه بالبصيرة وهي الدم. \" تاز \" يقال: تاز السهم إذا أصاب الرمية فاهتز بها. \" خزق \" إذا أصاب. \" خسق \" مثله. \" خصل \" إذا وقع بلزق القرطاس، وقيل: الخصل الإصابة؛ ويقال: تخاصل القوم إذا تراهنوا في الرمي، وأحرز فلان خصل فلان إذا غلب. \" دبر \" إذا خرج عن الهدف. \" شظف \" إذا دخل بين الجلد واللحم. \" صرد \" يقال: صرد السهم من الرمية إذا نفذ منها. \" صاف \" مثل \" ضاف \" و \" طاش \" إذا لم يصب. \" عصل \" إذا التوى في الرمي. \" عظعظ \" إذا لم يقصد الرمية. \" قحز \" إذا وقع بين يدي الرامي. \" مرق \" إذا نفذ من الرمية. \" نصل \" إذا ثبت نصله في الشيء فلم يخرج. \" نضا \" بمعنى ذهب. \" نفذ \" أي من الرمية.\rوأما ما يضاف إلى الرامي:\rيقال: \" أذلق \" عبارة عن سرعة الرمي. \" أشخص \" إذا مر سهمه برأس الغرض. \" انتضل \" يقال: انتضل القوم وتناضلوا إذا تراموا للسبق. \" تيمم \" إذا قصد نحو جهةٍ بالسهم. \" تنعير \" إذا أدار السهم على ظفره ليعرف قوامه من عوجه. \" تنفيز \" مثله. \" رمى \" معروف. \" رشقٌ \" إذا رمى القوم بأجمعهم في جهةٍ واحدة. \" زلخ \" الزلخ رفع اليد في السهم إلى أقصى ما يقدر عليه. \" سعر \" إذا رمى. \" عقى \" بالسهم إذا رمى به في الهواء وارتفع في طيرانه. \" غلا \" إذا رمى أقصى الغاية. \" لعط \" إذا رمى فأصاب. \" لتأ \" يقال: لتأ بالسهم إذا رمى به. \" ناشبٌ \" والناشب هو الرامي. \" ندب \" إذا رمى في جهة واحدة. \" نجف \" إذا برى السهم.\rوأما أوعية السهام:\r\" جعبةٌ \" وجمعها جعاب. \" جفيرٌ \" وهو أوسع من \" الكنانة \" . \" ظفرة \" إذا كانت ممتلئة. \" عيبةٌ \" مثل جعبة. \" قرنٌ \" . \" نثل \" يقال: نثلت كنانتي إذا استخرجت ما فيها.\rوأما ما وصف به القوس والسهم من النظم والنثر.\rقال عتاب بن ورقاء:\rوحط عن منكبه شريانةً ... مما اصطفى باري القسي وانتقى\rأم بناتٍ عدها صانعها ... ستين في كتابه مما برى\rذات رءوسٍ كالمصابيح لها ... أسافلٌ مثل عراقيب القطا\rإن حركت حنت إلى أولادها ... كحنة الواله من فقد الطلا\rحتى إذا ما قرنت ببعضها ... لانت ومال طرفاها وانثنى\rوقالوا: أجود ما شبه به فوق السهم قول الشاعر:\rأفواقها حشو الجفير كأنها ... أفواه أفرخةٍ من النغران\rومن إنشاء المولى القاضي شهاب الدين محمود الحلبي الكاتب: خطبةٌ عملها الرامي نشاب، وهي: الحمد لله الذي جعل سهم الجهاد إلى مقاتل أعداء دينه مسددا، وحكم الجلاد بإصابة الغرض في سبيله مؤيدا، وسيف الاجتهاد في نكاية من كفر به وبرسوله على الأمد مجردا، وركن الإيمان بإعداد القوة وهي الرمي فيما ورد عن نبيه على كر الجديدين مجددا؛ الذي أعاد رداء الجهاد في مواطن الصبر بالنصر معلماً، وأباد أهل الإلحاد بأن جعل لحماة دينه في أرواحهم أقساما وفي مقاتلهم أسهما، وأزال بأيدي القسي من معاقل أهل الكفر حكم كماتهم الذين ارتقوا منها خشية الموت سلما، وأفاء على الإسلام من النصر ما فاء به كل دينٍ له خاضعاً وآل إليه مستسلما، وأبان حكم الأدب في تجرد العبد من القوة إلا به بقوله عز من قائل: \" وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى \" .","part":2,"page":237},{"id":738,"text":"نحمده على نعمه التي لم يزل بها قدح الدين فائزاً وسهمه مصيبا، ومننه التي ما برح بها جد الكفر مدبراً فلا يجد له في إصابة نصلٍ أو نصرٍ نصيبا، وآلائه التي لا تنفك بها سوام السهام ترد من وريد الشرك منهلاً عذباً وترود من حب القلوب مرعىً خصيبا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تدني النصر وإن بعد مداه، وتدمي النصل الذي على راميه إرساله إلى المقاتل وعلى الله هداه، وتسمي القدر لمن ناضل عليها فيفوز في الدنيا والآخرة بما قدمت يداه؛ ونشهد أن محمداً عبده الذي نصر بالرعب على من كفر، ورسوله الذي رمى جيش الشرك بقبضةٍ من تراب فكان فيها الظفر، ونبيه الذي نفر إلى أهل بدرٍ بنفرٍ من أصحابه فجمع الله النصر والفخر لأولئك النفر؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين آمنوا بما أنزل عليه وجاهدوا بين يديهن واختصوا بالذب عنه بمزايا القرب حتى سعد سعدٌ بما جمع له، حين أمره بالرمي، في التفدية بين أبويه، وخص بعموم الرضوان عمه العباس الذي أقر الله بإسلامه ناظريهن وبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم باستخلاف بنيه في الأرض فيما أسر به إليه.\rوبعد، فإن الرمي أفضل ما أعد للعدا، وأكمل ما أفيض به على أهل الكفر رداء الردى؛ وأبلغ ما يبعث إلى المقاتل من رسل المنون، وأنفع ما يقتضى به في الوغى من أعداء الدين الديون، وأسرع ما تبلغ به المقاصد فيما يرى قريباً وهو أبعد ما يكون؛ وأنكى ما تقذف به عن الأهلة شهب الحتوف، وأسبق ما تدرك به الأغراض قبل أن تعرف بها الرماح أو تشعر بمكانها السيوف، ما طلع في سماء النقع قوسه إلا سح وبل النبل، ولا استبقت الآجال وسهمه إلا كان في بلوغها السبق من بعد والسبق من قبل.\rومن شرف قدره الذي دل عليه كلام النبوة، أن النبي صلى الله عليه وسلم نبه على أنه المراد بقوله تعالى: \" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ \" .\rومن أسباب فضله الذي أصبح به قدره ساميا، وفخره ناميا، وقطره في أفق النصر هاميا، ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم لفتيةٍ ممن أسلم من أسلم: \" ارموا يا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا \" .\rومما عظمت به على الأمة المنة، وغدت فيه نفوس أرباب الجهاد بالفوز في الدنيا والآخرة مطمئنة، قوله صلى الله عليه وسلم: \" تعلموا الرمي فإنه ما بين الغرضين روضةٌ من رياض الجنة \" ز ومن فضل الرمي الذي لا يعرف التأويل، ما نقل من قوله صلى الله عليه وسلم: \" من رمى بسهم في سبيل الله أخطأ أو أصاب فكأنما أعتق رقبةً من ولد إسماعيل \" ز ومما يرفع قدر السهم ما روي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: \" إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفرٍ الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير وراميه ومنبله \" .\rومما حضهم به على الرمي ليجتهدوا فيه ويدأبوا: قوله صلى الله عليه وسلم: \" ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا \" .\rومن خصائص السهم أنه ذو خطوة في الهواء وحكمٍ نافذٍ في الماء، وتصرفٍ حتى في الوحش السانح في الأرض والطير المحلق في السماء؛ يكلم بلسانٍ من حديد، ويبطش عن باعٍ مديد؛ إن رام غرضاً طار إليه بأجنحة النسور، وإن حمى معلما أصاب الحدق وصان الثغور؛ يوجد بصره حيث فقد، وإذا انفصل عن أمه لم يسر من كبدٍ إلا إلى كبد؛ أنجز فعله على ما فيه من إخلاف الطباع، وشرفت أجناسه بكونها أولى أجنحةٍ مثنى وثلاث ورباع.\rومن خصائص القوس أنها عقيمٌ ذات بنين، صامتةٌ وهي ظاهرة الأنين؛ لها كبدٌ وهي غير مجوفة، ويدٌ لا تملك شيئا وهي في الأرواح متصرفة؛ ورجلٌ ما نقلت قدما، وقبضةٌ ما عرفت إثراءً ولا عدما؛ فهي نونٌ ما ألف الماء، وهلالٌ ما سكن السماء، وقاتلةٌ ما باشرت الدماء.\rولما كان أهل هذه الفضيلة يتفاوتون في مواهبها، ويتباينون في مذاهبها؛ ويبلغ أحدهم بصنعته ما يبلغه الآخر بقواه، ويصل بإتقانه إلى ما لا يدركه من وجود التساوي سواه؛ وكان فلان ممن له هذا الشأن الباع المديد والساعد الشديد، والإتقان الذي يتصرف به في الرمي كيف يشاء ويضع به السهم حيث يريد؛ كأنما سهمه بذرع الفضاء موكل، أو للجمع بين طرفي الأرض مؤهل، أو لسبق البروق معدٌ إذا لمعت في حواشي السحاب المفوفة وخطرت في هداب الدمقس المفتل.","part":2,"page":238},{"id":739,"text":"وله المواقف التي تشق سهامه فيها الشعر، وتبلغ بها من الأغراض المتباعدة ما يشق إدراكه على النظر؛ فمنها أنه لما كان في اليوم الفلاني فعل كذا وكذا.\rووصف ما فعله.\rهذا شيء مما قيل في السلاح فلنذكر الجنن.\rذكر ما قيل في الجنة.\rوالجنة: ما اتقي بها كالترس، والبيضة، والدرع.\rفأما الترس: فمن أسمائه: \" بصيرةٌ \" . \" ترسٌ \" . \" جوبٌ \" . \" جنة \" . \" حجفةٌ \" وهي الترس الصغير، وجمعها حجفٌ. \" درقةٌ \" وجمعها درقٌ. \" عنبرٌ \" وهو الترس. \" فرضٌ \" وهو الخفيف؛ قال الهذلي:\rأرقت له مثل لمع البشير ... يقلب بالكف فرضاً خفيفا\r\" قفعٌ \" والقفع جننٌ كالمكاب تتخذ من الخشب يدخل الرجال تحتها إذا زحفوا على الحصون، ويسمونها في زماننا الحنويات. \" قراعٌ \" وهو الترس الصلب. \" كنيفٌ \" وهو الساتر لأنه مشتق من الاكتناف. \" لاي \" . \" مجنٌّ \" . \" مجنأٌ \" . \" مجولٌ \" . \" مطرقٌ \" . \" مجنبٌ \" . \" يلبٌ \" . قال الشاعر:\rعليهم كل سابغةٍ دلاصٍ ... وفي أيديهم اليلب المدار\rويسمى مقبض الترس صنارةً.\rوأما ما وصف به حامل الترس:\rيقال: \" تارسٌ \" و \" تراس \" إذا كان معه الترس. \" ومحاجفٌ \" وهو صاحب الحجفة في القتال.\rوأما البيضة:\rفمن أسمائها: \" بيضة \" وهي واحدة البيض من الحديد.\r\" جماء غفير \" وهو البيضة من الحديد والجماعة من الناس. \" خيضعةٌ \" . قال لبيد:\rوالضاربون الهام تحت الخيضعه\r\" دومصٌ \" . \" ربيعةٌ \" . \" عمامةٌ \" وجمعها عمائم وعمامٌ. \" مغفرٌ \" وهو زردٌ على قدر الرأس.\rومن أسماء أجزائها:\r\" سابغٌ \" وهو الذي يستر العنق. \" قونسٌ \" وهو أعلى البيضة من حديد.\rقال الحسين بن الضحاك:\rبمطردٍ لدنٍ صحاحٍ كعوبه ... وذي رونقٍ عضبٍ يقد القوانسا\rوأما ما يوصف به لابسها:\rيقال: \" مقنعٌ \" والمقنع هو الذي يلبس بيضةً ومغفراً.\rهذا ما قاله صاحب كتاب خزائن السلاح.\rوقال غيره: من أسمائها \" التركة \" وهي المستديرة، وجمعها الترك والترائك.\rالدرع\rوهو يؤنث ويذكر. وله أسماء: منها \" بصيرةٌ \" ، \" جارنٌ \" وجمعه جوارن. \" جوشنٌ \" . \" حلقةٌ \" وهي الدروع. \" خدباء \" وهي الدرع اللينة؛ قال الأصمعي:\rخدباء يحفزها نجاد مهند\r\" درعٌ \" ، \" دلاصٌ \" . \" دلامصٌ \" . وهو الدرع البراق. \" دخاسٌ \" أي متقاربة الحلق. \" درمةٌ \" . \" ذائلةٌ \" وهي الطويل الذليل، \" زعفةٌ \" . \" سلوقيةٌ \" . \" سابريةٌ \" وجمعها سابريات، وهي الرقيق النسج. \" سابغةٌ \" وهي الواسعة. \" سكٌّ \" ضيقة الحلق. \" سردٌ \" اسمٌ جامع للدروع. \" سنورٌّ \" ؛ قال لبيد يرثي قتلى هوازن:\rوجاءوا به في هودجٍ ووراءه ... كتائب خضرٌ في نسيج السنور\r\" صموتٌ \" التي إذا صبت لم يسمع لها صوت. \" فضفاضة \" أي واسعة. \" قضاء \" أي خشنة المس؛ قال النابغة:\rونسج سليمٍ كل قضاء ذائل\r\" لأمةٌ \" وجمعها لؤمٌ. \" لبوسٌ \" . \" ماذية \" . \" مضاعفةٌ \" وهي التي نسجت حلقتين حلقتين. \" موضونة \" أي منسوجة. \" مسرودةٌ \" أي مثقوبة. \" نثرة \" وهي الواسعة. \" نثلةٌ \" . \" يلبٌ \" وهي الدرع اليمانية تتخذ من الجلود؛ قال عمرو بن كلثوم:\rعلينا البيض واليلب اليماني\rومن أسماء أجزاء الدرع:\r\" الحرباء \" وهي مسامير الدروع؛ قال لبيد:\rأحكم الجنثي من عوراتها ... كل حرباءٍ إذا أكره صلّ\r\" ريعٌ \" ريع الدرع: فضول كميها على أطراف الأنامل؛ قال قيس بن الخطيم الأنصاري:\rمضاعفة يغشى الأنامل ريعها ... كأن قتيرها عيون الجنادب\r\" قتير \" رءوس المسامير في الدروع.\rوأما ما يوصف به لابس الدرع:\rيقال: \" خشخاشٌ \" : جماعة عليهم سلاح ودروع؛ قال الكميت:\rفي حومة الفيلق الجأواء إذ ركبت ... قيسٌ وهيضلها الخشخاش إذ نزلوا\r\" خرساء \" يقال: كتيبةٌ خرساء، التي لا يسمع لها صوت من وقارهم في الحرب، وقيل التي صمتت من كثرة الدروع. \" دارعٌ \" هو لابس الدرع، \" كافرٌ \" ، يقال: قد كفر فوق درعه أي ستره إذا لبس فوقه ثوباً. \" مسبغٌ \" يقال: رجل مسبغ: عليه درع سابغة.\rوأما إذا لم يكن عليه درعٌ ولا مغفر:\r\" نثر \" أي نثر درعه عنه إذا ألقاها، ولا يقال: \" نثلها \" . ويقال: \" أحمرٌ \" أي لا سلاح معه. \" أعزل \" . \" حرضٌ \" . \" عطلٌ \" وجمعه أعطال.\rوقد وصف الشعراء الدروع في أشعارهم، فمن ذلك ما قاله امرؤ القيس:","part":2,"page":239},{"id":740,"text":"ومسرودة النسج موضونةٍ ... تضاءل في الطي كالمبرد\rتفيض على المرء أردانها ... كفيض الأتي على الجدجد\rقال ثعلب \"\rفنهنهته حتى لبست مفاضةً ... دلاصاً كلون النهي ريح وأمطرا\rوقال البحتري:\rيمشون في زردٍ كأن متونها ... في كل معركةٍ متون نهاء\rبيض تسيل على الكماة فضولها ... سيل السراب بقفرةٍ بيداء\rوإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكبٍ في ماء\rقال محمد بن عبد الله السلامي:\rيا رب سابغةٍ حبتني نعمةً ... كافأتها بالسوء غير مفند\rأضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وظللت أبذلها لكل مهند\rوقال عبد الله بن المعتز:\rكم بطلٍ بارزني في الوغى ... عليه درعٌ خلتها تطرد\rكأنها ماءٌ عليه جرى ... حتى إذا ما غاب فيه جمد\rوقال آخر:\rوأرعن ملموم الكتائب خيله ... مضرجةٌ أعرافها ونحورها\rعليها مذالات القيون كأنها ... عيون الأفاعي سردها وقتيرها\rوقال آخر:\rوزنت كتائبها الجبال وسربلت ... حلق الحديد فأظهرته عتادها\rفتخال موج البحر في جنباتها ... والبرق لمع قتيرها وسرادها\rوقال سلمٌ الخاسر:\rكأن حباب الغدر مار عليهم ... وما هو إلا السابغات الموائر\rوقال ابن المعتز:\rبحيث لا غوث إلا صارمٌ ذكرٌ ... وجنةٌ كحباب الماء تغشاني\rوقال محمد بن عبد الملك:\rنهنهت أولادها بضربٍ صادقٍ ... هتنٍ كما شق الرداء المعلم\rوعلي سابغة الذيول كأنها ... سلخٌ كسانيه الشجاع الأرقم\rوقال المتنبي:\rتخط فيها العوالي ليس تنقذها ... كأن كل سنانٍ فوقها قلم\rوقال كلثوم:\rكأن سنا الماذي فوق متونهم ... مواقد نارٍ لم تشب بدخان\rالرسائل الشاملة لأوصاف السلاح فمن ذلك ما أجابني به المولى الفاضل تاج الدين بن عبد المجيد اليماني، وقد كتبت إليه ألتمس رسالة من كلامه في أوصاف السلاح، وذلك في شهور سنة سبع وسبعمائة.\rكتب: أمرتني أعزك الله، وأعلى في مراتب السعود جدودك أن أبعث إليك بشيء من كلامي يتضمن وصف سلاحٍ متنوع الأجناس، مرهوبٍ بالسطو والباس؛ فامتثلت مرسومك وبادرت إلى ذلك، لما يتجه علي من حقوقك الواجبة، ومن مفترضات خدمك اللازبة؛ وأنشأت لك هذه النبذة مرتجلاً فيها، ورتبتها على التهيؤ لمراتب القتال، وقدمت الدرع وتلوته بالقوس وأعقبته بالرمح، وختمته بالسيف.\rفمن ذلك في وصف درع: خليقٌ بمثله أن يفاض عليه مثل هذه الفضفاضه، وأن يبلغ بها من نيل الأعداء أمانيه وأغراضه؛ وأن يتخذها جنة تقيه سوء المزاريق في حومة القتال، وأن يتدرعها فتختال عليه غديراً صافحت صفحته يد الشمال؛ إن نشرت على الجسد غطت الكعبين، وإن طويت فكالمبرد في يد القين؛ حميدة الملبس ميمونة المساعي، مسرورة النسج في عيون الأفاعي؛ داووية النسب تبعية المعزى، قد تقاربت في الحلق وتناسبت في الأجزاء.\rوأعددت للحرب فضفاضةً ... تضاءل في الطي كالمبرد\rدلاصٌ ولكن كظهر النون لا يستطيعان سنان، وموضونةٌ ولكن يحير البصر فيها عند العيان: أ موج بحرٍ يتلاطم في جوانبها أم حبات غدران.\rمشفوعةٌ بقوس طلعت هلالاً في سماء المعارك، ومجرةً تنقض منها نجوم المهالك؛ ووكراً تسرح منه نسور المعاطب، وأماً تفرق أولادها لإحراز الغرض من كل جانب؛ تصرع بسهامها كل رامح ونابل، وتبكي ومن العجب أن يبكي القتيل القاتل؛ تطيعك في أول النزع وتعصيك في آخره، وترسل سهماً فلا يقنع من العدو إلا بسواد ناظره؛\rإذا أنبض الرامون عنها ترنمت ... ترنم ثكلى قد أصيب وحيدها\rتهابها الأقران، وتتحاماها الشجعان، ويؤمن بمرسلها كل شيطان من الإنس والجان.","part":2,"page":240},{"id":741,"text":"ووصف الرمح فقال: وإن أولى ما اعتقل مولانا من الخطي ما سلب الروم زرقتها، والعرب سمرتها؛ وأشبه العاشق ذبولاً واصفراراً، وخالط الضرغام في غيله فهو يلقى من بأسه عند المطاعنة أخبارا؛ وهزه الفارس فالتقى طرفاه، وخيل لرائيه أن ثعلبه قد فغرفاه؛ وإن محمله الدارع قلت غصناً على غدير، وإن هزه الفارس وألقاه قلت حية على وجه الأرض تسير؛ فهو كالرشاء لكن لا يرضى قليباً غير قلب، أو كالعدو الذي لا يهوى إلا إزالة ما في شغف القلوب من حب.\rله رائدٌ ماضي الغرار كأنه ... هلالٌ بدا في ظلمة الليل ناحل\rطالما رجع سوسنه عند المطاعنة شقيقاً، ومزق نجمه جلابيب ظلمة القسطل والعثير تمزيقاً؛ له النسب العالي في المعالي والمران، لأن سنانه سنا لهبٍ لم يتصل بدخان؛ مقروناً بسيف ما تأمله الرائي إلا وأرعدت صفحتاه من غير هز، أو صممت شفرتاه في محزٍ فلا ينبو حتى يفري ذلك المحز؛ يرى فوق متنيه بقية غيمٍ يستشف منها لون السماء، وفي صفحة فرنده نارٌ تتأجج في خلال لجةٍ من الماء؛ كأن صقيله كتب على فرنده أو نقش، أو كأن القين تنفس فيه وهو صقيلٌ فألبسه حلةً من نمش؛ حلت بساحته المنايا فهي فيه كوامن، وتبوأت مقاعده الأماني فلإدراكها من فعله قرائن؛ إذا توغل في هامة الجبار سار وأوجف، ومتى استوطن جثة الجرم أوهى مبانيها وأشرف.\rماضٍ وإن لم تمضه يد فارسٍ ... بطلٍ ومصقولٌ وإن لم يصقل\rيغشى الوغى فالترس ليس بجنةٍ ... من حده والدرع ليس بمعقل\rمتوقدٌ يفرى بأول ضربةٍ ... ما أدركت ولو أنها في يذبل\rوإذا أصاب فكل شيءٍ مقتلٌ ... وإذا أصيب فماله من مقتل\rالباب الحادي العشر:\rفي القضاة والحكام\rوحيث ذكرنا الإمام وما يجب عليه وقواعد المملكة، فلنذكر القضاة والحكام.\rقال الله عز وجل: \" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً \" ، وقال تعالى: \" إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً \" .\rوقال تعالى: \" فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق \" .\rوقال: \" وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط \" ، إلى غير ذلك من الآي.\rولا يجوز أن يقلد القضاء إلا من اجتمع فيه ثمانية شروط، وهي: الذكورية، والبلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والعدالة، وسلامة السمع والبصر، والعلم بأحكام الشريعة.\rولكل شرط من هذه الشروط فوائد نشرح ما تلخص منها إن شاء الله.\rأما الذكورية: فلقوله عز وجل: \" الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعضٍ \" قيل: المراد بالتفضيل هنا العقل والرأي، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" النساء ناقصات عقلٍ ودينٍ \" ، ولنقص النساء عن رتب الولايات.\rوقال أبو حنيفة: يجوز أن تقضي المرأة فيما تصح فيه شهادتها دون ما لا تصح فيه.\rوجوز الطبري قضاءها في جميع الأحكام.\rوالإجماع يرد ذلك.\rوأما البلوغ: فلأن غير البالغ لا يجري عليه قلم، ولا يتعلق بقوله على نفسه حكم، فكان أولى ألا يتعلق به على غيره.\rوأما العقل: فهو مجمعٌ على اعتباره، ولا يكتفى فيه بالعقل الذي يصح معه التكليف من العلم بالمدركات الضرورية، حتى يكون صحيح التمييز جيد الفطنة بعيداً من السهو والغفلة، ليتوصل بذكائه إلى وضوح ما أشكل، وحل ما أهم وأعضل.\rوأما الحرية: فنقص العبد عن ولاية نفسه يمنع من انعقاد ولايته على غيره، ولأن الرق لما منع من قبول الشهادة كان أولى أن يمنع من نفوذ الحكم وانعقاد الولاية.\rوكذلك الحكم فيمن لم تكمل حريته كالمدبر والمكاتب ومن رق بعضه.\rولا يمنع الرق من الفتيا والرواية.\rوأما الإسلام: فلقوله عز وجل: \" ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً \" .\rوهو شرط في قبول الشهادة.\rولا يجوز أن يقلد الكافر القضاء على المسلمين ولا على الكفار.\rورأى أبو حنيفة جواز تقليده القضاء بين أهل دينه.\rوقد جرى العرف في تقليد الكافر؛ وهو تقليد زعامة ورياسة لا تدخل تحته الأحكام والإلزام بقضائه، ولا يقبل الإمام قوله فيما حكم به بينهم.\rوإذا امتنعوا من تحاكمهم إليه لم يجبروا عليه، وكان حكم الإسلام عليهم أنفذ.","part":2,"page":241},{"id":742,"text":"وأما العدالة: فهي معتبرة في كل ولاية.\rومعناها أن يكون الرجل صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفاً عن المحارم، متوقياً للمآثم، بعيداً من الريب، مأموناً في حالتي الرضا والغضب، مستعملاً لمروءة مثله في دينه ودنياه.\rفإذا تكاملت هذه الأوصاف فيه، فهي العدالة التي تجوز بها شهادته وولا يته.\rوإذا لم يكن كذلك فلا تسمع شهادته ولا تنفذ أحكامه.\rوأما سلامة السمع والبصر: فليصح بها إثبات الحقوق، ويفرق بها بين الطالب والمطلوب، ويميز المقر من المنكر، ليظهر له الحق من الباطل، والمحق من المبطل.\rوأما العلم بأحكام الشريعة: فالعلم بها يشتمل على معرفة أصولها وفروعها.\rوأصول الأحكام في الشريعة أربعة: أحدها: علمه بكتاب الله عز وجل على الوجه الذي يصح به معرفة ما تضمنه من الأحكام ناسخاً ومنسوخاً، ومحكماً ومتشابهاً، وعموماً وخصوصاً، ومجملاً ومفسراً.\rوالثاني: علمه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة من أقواله وأفعاله، وطرق مجيئها في التواتر والآحاد، والصحة والفساد، وما كان على سبب أو إطلاق.\rوالثالث: علمه بأقاويل السلف فيما أجمعوا عليه واختلفوا فيه، ليتبع الإجماع ويجتهد رأيه مع الاختلاف.\rوالرابع: علمه بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها، حتى يجد طريقاً إلى العلم بأحكام النوازل ويميز الحق من الباطل.\rفإذا أحاط علمه بهذه الأصول الأربعة في أحكام الشريعة، صار بها من أهل الاجتهاد في الدين، وجاز له أن يفتي ويقضي.\rوإن أخل بها أو بشيءٍ منها، خرج من أن يكون من أهل الاجتهاد، ولم يحز أن يفتي ولا أن يقضي.\rفإن قلد القضاء فحكم بصواب أو خطأ كان تقليده باطلاً، وحكمه وإن وافق الصواب مردودا، وتوجه الحرج عليه وعلى من قلده.\rوجوز أبو حنيفة تقليد القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، ويستفتي في أحكامه وقضاياه.\rهذا معنى ما قاله أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي.\rوقال الحسين الحليمي في كتابه المترجم ب \" المنهاج \" : وينبغي للإمام ألا يولي الحكم بين الناس إلا من جمع إلى العلم السكينة والتثبت، وإلى الفهم الصبر والحلم، وكان عدلاً أميناً نزهاً عن المطاعم الدنية، ورعاً عن المطامع الردية؛ شديداً قوياً في ذات الله، متيقظاً متخوفاً من سخط الله؛ ليس بالنكس الخوار فلا يهاب، ولا المتعظم الجبار فلا ينتاب؛ لكن وسطاً خيارا.\rولا يدع الإمام مع ذلك أن يديم الفحص عن سيرته، والتعرف بحالته وطريقته؛ ويقابل منه ما يجب تغييره بعاجل التغيير، وما يجب تقريره بأحسن التقرير؛ ويرزقه من بيت المال - إن لم يجد من يعمل بغير رزق - ما يعلم أنه يكفيه؛ ولا يقصر به عن كفايته، فيتطلع إلى أموال الناس ويشتغل عن أمورهم بطرف من الاكتساب يجبر به ما نقصه الإمام من كفايته، فتختل بذلك القواعد.\rوإذا رزق الإمام القاضي فلا يصيب وراء ذلك من رعيته شيئاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: \" من استعملناه على عمل من أعمالنا ورزقناه شيئاً فما أصاب بعد ذلك - أو مما سوى ذلك - فهو سحت \" .\rوإن أهدي إليه شيءٌ، لم يكن له قبوله.\rفإن كان للمهدى قبله خصومةٌ فأهدى ليحكم له أو لئلا يحكم عليه، فهذا هو الرشوة، وهو سحت.\rوقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش، وهو الذي يمشي بينهما.\rوإن أهدى إليه المحكوم له بعد الحكم تشكراً، لا يقبله؛ لأن ما فعل كان واجباً عليه.\rقال: ويقوي الإمام يده ويشد أزره، ويكف العمال وغيرهم عن معارضته ومزاحمته، ويأمرهم جميعاً بطاعته، ولا يرخص لأحد منهم في الامتناع عليه إذا دعاه، والخروج عن أحكامه إن أمره أو نهاه، فيما يتصل بالانقياد للحكم.\rويتوقى أن يقال في مجلسه: هذا حكم الله، وهذا حكم الديوان؛ فإن هذا من قائله إشراك بالله؛ إذ لا حكم إلا لله.\rقال الله عز وجل: \" فالحكم لله العلي الكبير \" .\rوقال تعالى: \" ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين \" .\rوقال تعالى: \" ولا يشرك في حكمه أحداً \" .\rوقال: \" لا معقب لحكمه \" .\rقال: وإن سمع بذلك واليه فأقره عليه كان مثله؛ قال الله عز وجل: \" وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره إنكم إذاً مثلهم \" .\rفإذا كان هذا في القعود معهم فكيف بإقرارهم والاستحسان لهم.","part":2,"page":242},{"id":743,"text":"ألفاظ انعقاد ولاية القضاء قال الماوردي: وولاية القضاء تنعقد بما تنعقد به الولايات: من انعقادها مع الحضور باللفظ مشافهةً، ومع الغيبة بمراسلةٍ أو مكاتبة.\rلكن لابد مع المكاتبة أن يقترن بها من شواهد الحال ما يدل عليها عند المولى وأهل عمله.\rوالألفاظ التي تنعقد بها الولاية ضربان: صريح وكناية.\rفالصريح أربعة ألفاظ وهي: قد وليتك، وقلدتك، واستخلفتك، واستنبتك.\rفإذا أتى المولى بأحد هذه الألفاظ انعقدت الولاية بالقضاء وغيره من الولايات، ولا يحتاج مع هذا الصريح إلى قرينة أخرى، إلا أن يكون تأكيداً لا شرطاً.\rوأما الكناية فهي سبعة ألفاظ.\rوهي: قد اعتمدت عليك، وعولت عليك، ورددت إليك، وجعلت إليك، وفوضت إليك، ووكلت إليك، وأسندت إليك.\rفهذه الألفاظ لما تضمنته من الاحتمال تضعف عن حكم الصريح حتى يقترن بها في عقد الولاية ما ينفي عنها الاحتمال وتصير في حكم الصريح، مثل قوله: فانظر فيما وكلته إليك، واحكم فيما اعتمدت فيه عليك.\rفتصير الولاية بهذه القرينة مع ما تقدم من الكناية منعقدة.\rثم تمامها موقوف على قبول المولى، فإن كان التقليد مشافهةً فقبوله على الفور لفظاً، وإن كان بمراسلة أو مكاتبة، جاز أن يكون على التراخي.\rواختلف في صحة القبول بالشروع في النظر، فجوزه بعضهم وجعله كالنطق، ومنعه آخرون حتى يكون نطقاً؛ لأن الشروع في النظر فرع لعقد الولاية، فلم ينعقد قبولها به.\rفهذه الألفاظ التي تنعقد بها الولاية.\rوأما شروطها فأربعة: أحدها: معرفة المولى للمولى أنه على الصفة التي يجوز أن يولى معها، فإن لم يعلم أنه على الصفة التي تجوز معها تلك الولاية لم يصح تقليده؛ فلو عرفها بعد التقليد استأنفها، ولا يعول على ما تقدمها.\rوالثاني: معرفة المولى بما عليه المولى من استحقاق تلك الولاية بصفاته التي يصير بها مستحقاً لها، وأنه قد تقلدها وصار مستحقاً للاستنابة فيها.\rإلا أن هذا الشرط معتبر في قبول المولى وجواز نظره، وليس بشرط في عقد تقليده وولايته، بخلاف الشرط المتقدم.\rوليس يراعى في هذه المعرفة المشاهدة بالنظر، وإنما يراعى انتشارها بالخبر الشائع.\rوالثالث: ذكر ما تضمنه التقليد من ولاية القضاء بصريح التسمية.\rوالرابع: ذكر تقليد البلد الذي عقدت الولاية عليه ليعرف به العمل الذي يستحق النظر فيه، ولا تصح الولاية مع الجهل به.\rفإذا انعقد التقليد تمت الولاية بهذه الشروط والألفاظ.\rواحتاج المولى إلى شرط زائد على شروط العقد، وهو إشاعة تقليده في أهل عمله ليذعنوا بطاعته وينقادوا إلى حكمه.\rوهو شرط في لزوم الطاعة وليس بشرط في نفوذ الحكم.\rفإذا صحت عقداً ولزوماً بما وصفناه، صح فيها نظر المولى والمولى كالوكالة، لأنهما معا استنابة.\rولم يلزم المقام عليها من جهة المولى ولا من جهة المولى.\rوكان للمولى عزله عنها متى شاء، وللمولى عزل نفسه متى شاء؛ غير أن الأولى بالمولى ألا يعزله إلا بعذر، وألا يعتزل المولى إلا من عذر؛ لما في الولاية من حقوق المسلمين.\rوإذا عزل أو اعتزل وجب إظهار العزل كما وجب إظهار التقليد، حتى لا يقدم على إنفاذ حكم ولا يغتر بالترافع إليه خصم.\rفإن حكم بعد العلم بعزله لم ينفذ حكمه، وإن حكم غير عالم بعزله كان في نفوذ حكمه وجهان، كاختلافهما في عقود التوكيل.\rوحيث ذكرنا ما تصح به الولاية وتنعقد به من الألفاظ والشروط، فلنذكر ما يشتمل عليه النظر في الأحكام.\rنظر الحاكم المطلق التصرف قال الماوردي: إذا كانت ولاية القاضي عامة وهو مطلق التصرف في جميع ما تضمنته، فنظره يشتمل على عشرة أحكام: أحدها: فصل المنازعات وقطع التشاجر والخصومات، إما صلحاً عن تراضٍ يراعى فيه الجواز، أو إجباراً بحكم باتٍّ يعتبر فيه الوجوب.\rوالثاني: استيفاء الحقوق ممن امتنع من القيام بها وإيصالها إلى مستحقها من أحد وجهين: إقرارٍ أو بينة.\rواختلف في جواز حكمه فيها بعلمه، فجوزه مالك والشافعي في أصح قوليه؛ وقال أبو حنيفة: يجوز أن يحكم بعلمه فيما علمه من ولايته، ولا يحكم بما علمه قبلها.\rوالثالث: ثبوت الولاية على من كان ممنوع التصرف بجنون أو صغر، والحجر على من يرى الحجر عليه لسفهٍ أو فلس، حفظاً للأموال على مستحقيها، وتصحيحاً لأحكام العقود فيها.","part":2,"page":243},{"id":744,"text":"والرابع: النظر في الوقوف بحفظ أصولها وتثمير فروعها وقبض غلتها وصرفها في سبلها.\rفإن كان عليها مستحقٌ للنظر فيها راعاه، وإن لم يكن تولاه.\rوالخامس: تنفيذ الوصايا على شروط الموصي فيما أباحه الشرع ولم يحظره.\rفإن كانت لمعينين كان تنفيذها بالإقباض، وإن كانت في موصوفين كان تنفيذها أن يتعين مستحقوها بالاجتهاد ويملكوا بالإقباض.\rفإن كان فيها وصي راعاه، وإن لم يكن تولاه.\rوالسادس: تزويج الأيامى بالأكفاء إذا عدم الأولياء ودعين إلى النكاح.\rولم يجعله أبو حنيفة - رحمه الله - من حقوق ولاية القاضي، لتجويزه تفرد الأيم بعقد النكاح.\rوالسابع: إقامة الحدود على مستحقيها، فإن كان من حدود الله تعالى تفرد باستيفائه من غير طالبٍ إذا ثبت بإقرار أو بنية؛ وإن كان من حقوق الآدميين كان موقوفاً على طلب مستحقه.\rوقال أبو حنيفة: لا يستوفيهما معاً إلا بخصمٍ مطالب.\rوالثامن: النظر في مصالح عمله من الكف عن التعدي في الطرقات والأفنية، وإخراج ما لا يستحق من الأجنحة والأبنية؛ وله أن يتفرد بالنظر فيها وإن لم يحضره خصم.\rوقال أبو حنيفة: لا يجوز له النظر فيها إلا بحضور خصم مستعدٍ.\rوهي من حقوق الله تعالى التي يستوي فيها المستعدي والمستعدى إليه، فكان تفرد الولاة بها أخص.\rالتاسع: تصفح شهوده وأمنائه، واختيار النائبين عنه من خلفائه في إقرارهم والتعويل عليهم مع ظهور السلامة والاستقامة، وصرفهم والاستبدال بهم مع ظهور الجرح والخيانة.\rومن ضعف منهم عما يعانيه، كان موليه بين خيارين يأتي أصلحهما: إما أن يستبدل به من هو أقوى منه وأكفى، وإما أن يضم إليه من يكون اجتماعهما عليه أنفذ وأمضى.\rوالعاشر: التسوية في الحكم بين القوي و الضعيف، والعدل في القضاء بين المشروف والشريف؛ ولا يتبع هواه في تقصيرٍ بحق أو ممايلةٍ لمبطلٍ.\rقال الله تعالى: \" يا داود إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا يوم الحساب \" .\rوقد استوفى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عهده إلى أبي موسى الأشعري شروط القضاء وبين أحكام التقليد حين ولاه القضاء، قال: أما بعد، فإن القضاء فريضةٌ محكمة وسنة متبعة.\rفافهم إذا أدلي إليك.\rوأنفذ إذا تبين لك فإنه لا ينفع تكلم بحقٍ لا نفاذ له.\rوآس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك.\rالبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر.\rوالصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً.\rولا يمنعك قضاءٌ قضيته أمس فراجعت فيه عقلك وهديت فيه رشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل.\rالفهم الفهم فيما تلجلج فيه صدرك مما ليس في كتابٍ ولا سنة.\rثم اعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور بنظائرها.\rواجعل لمن ادعى حقاً غائباً أو بينةً أمداً ينتهي إليه؛ فإن أحضر بينةً أخذت له بحقه، وإلا استحللت القضية عليه؛ فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى.\rالمسلمون عدولٌ بعضهم على بعض، إلا مجلوداً في حد، أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنيناً في ولاء أو نسب فإن الله تعالى تولى منكم السرائر ودرأ بالبينات والأيمان؛ وإياك والغلق والضجر والتأفف بالخصوم، فإن استقرار الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر.\rوالسلام.\rما يأتيه القاضي ويذره في حق نفسه\rإذا دعي إلى الولاية أو خطبها\rوما يلزم الناس من امتثال أمره وطاعته، وما يعتمده في أمر كاتبه وبطانته وأعوانه وجلوسه لفصل المحاكمات والأقضية.\rقال الحليمي: وإذا دعا الإمام رجلاً إلى القضاء، فينبغي له أن ينظر في حال نفسه وحال الناس الذين يدعى إلى النظر في مظالمهم.\rفإن وثق من نفسه بالاستقلال والكفاية والاقتدار على أداء الأمانة، وعلم أنه إن لم يقبل صار الأمر إلى من يكون للمسلمين مثله، فأولى به أن يجيب إلى ما يدعى إليه ويقبله ويحسن النية في قبوله؛ ليكون عمله لوجه الله تعالى.\rوإن وجد من يقوم مقامه ويسد مسده فهو بالخيار؛ والتمسك أفضل.\rفأما إن لم يعلم من نفسه الاستقلال، أو لم يأمن أن يكون منه سوء التمسك وقلة التمالك، فلا ينبغي له أن يجيب.","part":2,"page":244},{"id":745,"text":"وهكذا إن كان هناك من هو خير منه علماً وعقلاً وخلقاً.\rوإن عرض الأمر عليه فلا ينبغي له أن يتسارع إلى ما يدعى إليه، لينظر ما الذي يكون من الآخر.\rقال: وإذا دعا الإمام رجلاً إلى عمل من أعماله، قضاءٍ أو غيره، والرجل ممن يصلح له، فأبى، فإن وجد الإمام من يقوم مقامه في ذلك أعفاه، وإن لم يجد من يقوم مقامه أجبره عليه اقتداءً بعمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فإنه دعا سعيد بن عامر الجمحي فقال: إني مستعملك على أرض كذا وكذا؛ فقال: لا تفتني، فقال عمر: والله لا أدعك، قلد تموها عنقي وتتركوني! قال: وإذا كان عند الرجل أنه يصلح للقضاء فأراد أن يطلبه، أو دعاه الإمام إليه فأراد أن يجيبه، فلا ينبغي له أن يبادر بما في نفسه من طلبٍ أو إجابة حتى يسأل أهل العلم والفضل والأمانة ممن خبره وعلم حاله، ويقول: إني أريد القضاء، فما ترون في؟ وهل تعرفون صلاحي لذلك أولاً؟ فإن ذلك من المشورة التي أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بها، فقال تعالى: \" وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله \" .\rوقد قدمنا في باب المشورة من فضيلتها ما فيه غنيةٌ عن تكراره.\rقال: وإذا سأل عن نفسه فينبغي للمسئول أن ينصح له ويصدقه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ألا إن الدين نصيحة \" قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: \" لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم \" ولأن المستشار مؤتمنٌ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: \" من غشنا فليس منا \" .\rوإذا أراد تقلد القضاء فليستخر الله تعالى ويسأله التوفيق والسداد.\rفإذا تقلد فينبغي أن يوكل المتميزين الثقات الأمناء من إخوانه وأهل العناية بنفسه، ويسألهم أن يتفقدوا أحواله وأموره، فإن رأوا منه عثرةً نبهوه عليها ليتداركها.\rقال: وأيما حاكمٍ نصب بين ظهراني قومٍ فينبغي لهم أن يسمعوا له ويطيعوا، ويترافعوا إليه إذا اختلفوا وتنازعوا، ليفصل بينهم؛ فإذا فصل انقادوا لفصله واستسلموا لحكمه.\rقال الله تعالى: \" فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً \" .\rوقال تعالى: \" إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون \" .\rوذم الله تعالى قوماً امتنعوا من الحكم فقال: \" وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريقٌ منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرضٌ أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون \" .\rقال: وإذا ارتفع أحد الخصمين إلى حاكمٍ وسأله إحضار خصمه فدعاه الحاكم فعليه أن يجيبه؛ فإذا حضرا فلا يخرجا عن أمر الحاكم؛ فأيهما خرج فهو عاصٍ؛ فإنما يقضي الحاكم بحكم الله.\rوللحاكم أن يؤدبه بما يؤديه اجتهاده.\rوأيما حاكمٍ أو والٍ دعا رجلاً من رعيته ولم يعلم لم يدعوه، فعليه إجابته؛ وإن علم أنه لدعوى رفعت إليه من مدع، فإن كان ذلك المدعي حضر مع رسول الحاكم فأرضاه، سقط عنه الذهاب إلى الحاكم، وإن كان لم يحضر هو ولا وكيلٌ له، فليذهب ليجيب؛ ولا يسعه التخلف مع ترك الدفع إلا في حالة واحدة، وهي أن يكون المدعي كاذباً وقد أعد شهوداً زوراً لا يقدر على دفع شهادتهم، فخشي إن حضر أقيمت الشهادة عليه فحبس وأخذ منه المال قهراً، أو يفرق بينه وبين امرأته، فله أن يهرب أو يتوارى؛ فهذا موضع عذرٍ وضرورةٍ قلا يقاس عليه غيره.\rوالله تعالى أعلم.\rكاتب القاضي وبطانته قال الحليمي: وإذا افتتح القاضي عمله واحتاج إلى أعوانٍ يعملون له من كاتبٍ وأصحاب مسائل وقاسمٍ، فلا يتخذن إلا كاتباً مسلماً عدلاً أميناً فطناً متيقظاً؛ لأنه بطانته ولا يغيب عنه أمره وأمر المترافعين إليه شيء، وأمينه وأمين المتخاصمين على ما يثبته ويخطه.\rولا يجوز أن يكون من غير أهل الدين، لقوله تعالى: \" يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر \" .\rوكذلك القاسم ينبغي أن يكون أميناً بصيراً بالفرائض والحساب، لأن القاسم شعبةٌ من شعب الحكم، فينبغي أن يكون من يتولاه في العدالة والأمانة والعلم الذي يحتاج إليه كمن يتولى جميع شعبه.","part":2,"page":245},{"id":746,"text":"وكذلك أصحاب المسائل هم أمناء القاضي على الشهادات التي تتعلق بها حقوق المسلمين؛ فلا ينبغي أن يأمن عليها إلا المستحق لأن يؤتمن، ولا يثق فيها إلا بمن يستوجب بحسن أحواله الثقة به.\rوينبغي للقاضي أن ينزه نفسه ومن حوله ويشدد عليهم ولا يرخص لهم في أمر ينقمه منهم أو يخشى أن يتطرقوا به إلى غيره ويرتقوا إلى ما فوقه.\rوقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء، جمع أهله فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم النيء، وأقسم بالله لا أجد أحداً منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة.\rقال: ولا ينبغي للإمام ولا القاضي أن يقدم أقاربه على عامة المسلمين، ولا يسوغهم ما لا يسوغ غيرهم، ولا ينظر لهم بما لا ينظر به لغيرهم، ولا يستعملهم ويوليهم.\rما يعتمده في جلوسه\rفقد قال الحليمي أيضاً: وإذا أراد الحاكم الجلوس للحكم فليجلس وهو فارغ القلب لا يهمه إلا النظر في أمور المتظلمين.\rوإن تغيرت حاله بغضب أو غمٍ أو سرورٍ مفرط أو وجع أو ملالة أو اعتراء نومٍ أو جوعٍ فليقم إلى أن يزول ما به ويتمكن من رأيه وعقله ثم يجلس.\rفقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان \" ؛ وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان \" .\rهكذا نقل الحليمي في \" منهاجه \" ، وهذه سنة السلف.\rقال: والقاضي في جلوسه بالخيار: إن شاء أن يخرج بالغداة إذا طلعت الشمس فيقضي حوائج الناس أولاً فأولاً حتى لا يزدحموا على بابه، فعل؛ وإن شاء أقام في بيته يتأهب ويستعد بمطالعة بعض الكتب أو بالاجتهاد والتأمل إلى أن يجتمع الخصوم ثم يخرج، فعل.\rوينبغي أن يكون عند الحاكم من يحفظ نوب الناس فيقدم الأولى فالأولى، ويجلسهم مجالسهم.\rوإن رأى القاضي أن يحضر مجلسه درةً تطرح على أعين الناس لينتهوا بها فإن استوجب أحدٌ من الخصوم تعزيراً أقيم عليه بها، فعل.\rروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن درته كانت تكون معه، وكذلك جماعة من قضاة السلف رحمهم الله.\rوأما في عصرنا هذا فقد كان شيخنا الإمام العلامة القدوة مفتي الفرق بقية المجتهدين تقي الدين أبو الفتح محمد ابن الشيخ الإمام مجد الدين أبي الحسين علي بن وهب ابن مطيع القشيري المعروف بابن دقيق العيد - رحمه الله - منع نوابه من أن يضربوا بالدرة في أثناء ولايته قاضي القضاة بالديار المصرية، وقال: إنه عارٌ يلحق ولد الولد.\rوكان سبب منعه - رحمه الله ورضي عنه - لذلك أن بعض نوابه بالأعمال عزر بعض أعيان البلد التي هو ينوب بها بالدرة في المسجد الجامع وقال له عقيب ضربه وإسقاطه: قد ألحقتك بأبيك وجدك، وكانت هذه الحادثة في سنة سبع وتسعين وسبعمائة أو ما يقاربها، ففارق ذلك الرجل بلاده ووطنه؛ فلما اتصل الخبر بقاضي القضاة شق عليه ومنع نوابه من الضرب بها.\rنعود إلى حال القاضي.\rقال: وينبغي للقاضي أن يعدل بين الخصمين من حين يقدمان عليه إلى أن تنقضي خصومتهما في مدخلهما عليه وجلوسهما عنده وقيامهما بين يديه، سواء كانا فاضلين في أنفسهما أو ناقصين، أو أحدهما فاضلاً والآخر ناقصاً؛ لقوله عز وجل: \" كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما \" ، ولما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه ولفظه وإشارته ومقعده ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر \" .\rوفي رواية: \" من ولي قضاء المسلمين فليعدل بينهم في مجلسه وكلامه ولحظه \" .\rوفي رواية: \" إذا ابتلي أحدكم بالقضاء بين المسلمين فليسوّ بينهم في المجلس والإشارة والنظر ولا يرفع صوته على أحد الخصمين أكثر من الآخر \" .\rقال: \" وإذا اختصم اثنان إلى القاضي فينبغي أن يأمر بالاصطلاح.\rوشروط القضاء كثيرة يعرفها العلماء، فلا حاجة إلى الزيادة والإسهاب في ذلك؛ وإنما أوردنا ما قدمناه في هذا الباب منها حتى لا يخلى كتابنا منه.\rولنختم هذا الباب بما ورد من التزهيد في القضاء.\rالتزهيد في تقلد القضاء والترغيب عنه","part":2,"page":246},{"id":747,"text":"قد ورد في تقلد القضاء أحاديث وآثار تزهد فيه، بل تكاد توجب الفرار منه: من ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله علي وسلم أنه قال: \" من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين \" ؛ وعنه صلى الله عليه وسلم: \" ما من أحدٍ حكم بين الناس إلا جيء به يوم القيامة وملكٌ آخذٌ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنم فإن أمر به هوى به في النار سبعين خريفاً \" .\rوعن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أيامٍ: \" اعقل أبا ذرٍّ ما أقول لك \" فلما كان اليوم السابع قال: \" أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته وإذا أسأت فأحسن ولا تسأل أحداً شيئاً وإن سقط سوطك ولا تؤمن أمانةً ولا تولين يتامى ولا تقضين بين اثنين \" .\rوقال عثمان بن عفان رضي الله عنه لابن عمر: اذهب فكن قاضياً؛ قال: أو يعفيني أمير المؤمنين؟ قال: فإني أعزم عليك؛ قال: لا تعجل علي؛ قال: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" من عاذ بالله فقد عاذ معاذاً \" .\rقال: نعم، قال: فما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" من كان قاضياً يقضي بجورٍ كان من أهل النار ومن كان قاضياً يقضي بجهلٍ كان من أهل النار ومن كان قاضياً عالماً يقضي بالعدل فبالحري أن ينقلب كفافاً؛ فما أصنع بهذا! وقال بعضهم: ذكرنا أمر القضاء عند عائشة رضي الله عنها، فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" يجاء بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرةٍ قط \" .\rوقال صعصعة بن صوحان: خطبنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذي قارٍ وعليه عمامةٌ سوداء فقال: يا أيها الناس، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" ليس من والٍ ولا قاضٍ إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله تعالى على الصراط ثم ينشر الملك سيرته فيقرؤها على رءوس الأشهاد - الخلائق - فإن كان عدلاً نجاه الله بعدله وإن كان غير ذلك انتفض به الصراط انتفاضةً صار بين كل عضوٍ من أعضائه مسيرة مائة سنة ثم يتخرق به الصراط فما يلتقي قعر جهنم إلا بوجهه وحر جبينه \" ز وجاء في الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم مثل ذلك.\rوفيما ذكرنا مقنعٌ وغنية عن بسط الكلام فيه.\rفلنذكر ولاية المظالم.\rالباب الثاني عشر\rولاية المظالم\rوهي نيابة دار العدل وللناظر فيها شروط ذكرها الماوردي فقال: من شروط الناظر في المظالم أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل الطمع، كثير الورع، لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة، وتثبت القضاة، فاحتاج إلى الجمع بين صفتي الفريقين، وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر في الجهتين.\rفإن كان ممن يملك الأمور العامة، كالخلفاء أو ممن فوض إليه الخلفاء النظر في الأمور العامة كالوزراء والأمراء، لم يحتج للنظر فيها إلى تقليد وتولية وكان له بعموم ولايته النظر فيها.\rوإن كان ممن لم يفوض إليه عموم النظر، احتاج إلى تقليد وتولية إذا اجتمعت فيه الشروط المتقدمة.\rوهذا إنما يصح فيمن يجوز أن يختار لولاية العهد، أو لوزارة التفويض إذا كان نظره في المصالح عاماً.\rفإن اقتصر على تنفيذ ما عجز القضاة عن تنفيذه، وإمضاء ما قصرت يدهم عن إمضائه، جاز أن يكون دون هذه الرتبة في القدر والخطر، بعد ألا يأخذه في الحق لومة لائم، ولا يستشفه الطمع إلى الرشوة.\rمن نظر في المظالم\rفي الجاهلية والإسلام.\rوالنظر في المظالم قديم، كان الفرس يرون ذلك من قواعد الملك وقوانين العدل الذي لا يعم الصلاح إلا بمراعاته، ولا يتم التناصف إلا بمباشرته؛ وكانوا ينتصبون لذلك بأنفسهم في أيامٍ معلومة لا يمنع عنهم من يقصدهم فيها من ذوي الحاجات وأرباب الضرورات.\rوسبب تمسكهم بذلك أن أصل قيام دولتهم رد المظالم.\rوذلك أن كيومرث أول ملوكهم وقيل: إنه أول ملكٍ ملك من بني آدم كان سبب ملكه أنه لما كثر البغي في الناس وأكل القوي الضعيف وفشا الظلم بينهم، اجتمع أكابرهم ورأوا أنه لا يقيم أمرهم إلا ملكٌ يرجعون إليه، وملكوه؛ على ما نورده إن - شاء الله - في فن التاريخ في أخبار ملوك الفرس.","part":2,"page":247},{"id":748,"text":"وكانت قريش في الجاهلية، حين كثر فيها الزعماء وانتشرت الرياسات وشاهدوا من التغالب والتجاذب ما لم يكفهم عنه سلطان قاهر، عقدوا بينهم حلفاً على رد المظالم، وإنصاف المظلوم من الظالم.\rوكان سبب ذلك أن رجلاً من اليمن من بني زبيدٍ قدم مكة معتمراً ومعه بضاعةٌ، فاشتراها منه رجلٌ من بني سهم، قيل: إنه العاص بن وائل، فلواه بحقه؛ فسأله ماله أو متاعه، فامتنع عليه؛ فقام على الحجر وأنشد بأعلى صوته:\rيال قصيٍّ لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر\rوأشعثٍ محرمٍ لم تقض حرمته ... بين المقام وبين الحجر والحجر\rأقائمٌ من بني سهمٍ بذمتهم ... أو ذاهبٌ في ضلالٍ مال معتمر\rوأن قيس بن شيبة السلمى باع متاعاً من أبي خلف فلواه وذهب بحقه، فاستجار برجل من بني جمح فلم يجره؛ فقال قيس:\rيال قصيٍّ كيف هذا في الحرم ... وحرمة البيت وأخلاق الكرم\rأظلم لا يمنع منى من ظلم\rفأجابه العباس بن مرداس\rإن كان جارك لم تنفعك ذمته ... وقد شربت بكأس الذل أنفاسا\rفأت البيوت وكن من أهلها صدداً ... لا تلق ناديهم فحشاً ولا باسا\rوثم كن بفناء البيت معتصماً ... تلق ابن حربٍ وتلق المرء عباسا\rقرمى قريشٍ وحلا في ذوائبها ... بالمجد والحزم ما عاشا وما ساسا\rساقي الحجيج، وهذا ياسرٌ فلجٌ ... والمجد يورث أخماسا وأسداسا\rفقام العباس وأبو سفيان حتى ردا عليه ماله.\rواجتمعت بطون قريش فتحالفوا في بيت عبد الله بن جدعان على رد المظالم بمكة، وألا يظلم أحدٌ إلا منعوه وأخذوا للمظلوم بحقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم قبل النبوة وهو ابن خمسٍ وعشرين سنة، فعقدوا حلف الفضول؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاكراً للحال: \" لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول أما لو دعيت إليه في الإسلام لأحببت وما أحب أن لي به حمر النعم وأني نقضته وما يزيده الإسلام إلا شدة \" .\rوقال بعض قريش في هذا الحلف:\rتيم بن مرة إن سألت وهاشم ... وزهرة الخير في دار ابن جدعان\rمتحالفين على الندى ما غردت ... ورقاء في فننٍ من الأفنان\rفهذا كان أصل ذلك وسببه في الجاهلية.\rوأما في الإسلام: فقد نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم في الشرب الذي تنازعه الزبير بن العوام ورجلٌ من الأنصار في شراج الحرة فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وقال: \" اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك \" ، فقال له الأنصاري: أن كان ابن عمتك! فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: \" اسق ثم احتبس حتى يرجع الماء إلى الجدر، فقال الزبير: والله إن هذه الآية أنزلت في ذلك \" فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم \" .\rوقد قيل في هذا الحديث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الزبير أولاً إلى الاقتصار على بعض حقه على طريق التوسط والصلح، فلما لم يرض الأنصاري بذلك وقال ما قال، استوفى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه.\rويصحح هذا القول ما جاء في آخر الحديث: \" فاستوفى له حقه \" يعني الزبير.\rثم لم ينتدب للمظالم من الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم أحد، وإنما كانت المنازعات تجري بين الناس فيفصلها حكم القضاء.\rفإن تجوز من جفاة الأعراب متجوز، ثناه الوعظ إن تدبره، وقاده العنف إن أبى وامتنع، فاقتصروا على حكم القضاء، لانقياد الناس إليه والتزامهم بأحكامه.\rثم انتشر الأمر بعد ذلك وتجاهر الناس بالظلم والتغالب، ولم يكفهم زواجر المواعظ، فاحتاجوا في ردع المتغلبين وإنصاف المظلومين، من الظالمين إلى النظر في المظالم؛ فكان أول من انفرد للمظالم وجعل لها يوماً مخصصاً يجلس فيه للناس وينظر في قصصهم ويتأملها عبد الملك ابن مروان، فكان إذا وقف فيها على مشكل رده إلى قاضيه أبي إدريس الأودي فنفذ فيها أحكامه، فكان عبد الملك هو الآمر وأبو إدريس هو المباشر.","part":2,"page":248},{"id":749,"text":"ثم زاد جور الولاة وظلم العتاة واغتصاب الأموال في دولة بني أمية، إلى أن أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - فانتصب بنفسه للنظر في المظالم، وراعى السنن العادلة، ورد مظالم بني أمية على أهلها؛ فقيل له وقد شدد عليهم فيها وأغلظ: إنا نخاف عليك، من ردها، العواقب؛ فقال: كل ما أتقيه وأخافه دون يوم القيامة لا وقيته.\rثم جلس لها جماعةٌ من خلفاء الدولة العباسية، فكان أول من جلس منهم المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم المأمون؛ وآخر من جلس لها منهم المهتدي.\rثم انتصب لذلك جماعةٌ من ملوك الإسلام أرباب الدول المشهورة بأنفسهم وأقاموا لها نوابا، ومنهم من بنى لها مكاناً مخصصاً بها سماه \" دار العدل \" على ما نورد ذلك - إن شاء الله - في فن التاريخ.\rما يحتاج إليه ولاة المظالم ومن يجتمع عندهم ويحضر مجلسهم، وما يختص بنظرهم وتشمله ولايتهم قال الماوردي: فإذا نظر في المظالم من انتدب لها جعل لنظره يوماً معروفاً يقصده فيه المتظلمون، ويراجعه فيه المتنازعون؛ ليكون ما سواه من الأيام لما هو موكولٌ إليه من السياسة والتدبير؛ إلا أن يكون من عمال المظالم المتفردين بها، فيكون مندوباً للنظر في جميع الأيام.\rوليكن سهل الحجاب، نزه الأصحاب.\rويستكمل مجلس نظره بحضور خمسة أصناف لا يستغني عنهم، ولا ينتظم أمره إلا بهم؛ وهم الحماة والأعوان، لجذب القوي وتقويم الجريء.\rوالصنف الثاني: القضاة والحكام، لاستعلام ما يثبت عندهم من الحقوق، ومعرفة ما يجري في مجالسهم بين الخصوم.\rوالصنف الثالث: الفقهاء، ليرجع إليهم فيما أشكل، ويسألهم عما اشتبه وأعضل.\rوالصنف الرابع: الكتاب، ليثبتوا ما جرى بين الخصوم وما توجه لهم أو عليهم من الحقوق.\rوالصنف الخامس: الشهود، ليشهدهم على ما أوجبه من حق وأمضاه من حكم.\rفإذا استكمل مجلس المظالم بهذه الأصناف الخمسة، شرع حينئذ في نظره.\rما يختص بنظر متولي المظالم\rوتشتمل عليه ولايته فعشرة أقسام: الأول: النظر في تعدي الولاة على الرعية وأخذهم بالعسف في السيرة، فهذا من لوازم النظر في المظالم، فيكون لسير الولاة متصفحا، وعن أحوالهم مستكشفا، ليقويهم إن أنصفوا، ويكفهم إن عسفوا.\rوالثاني: جور العمال فيما يجبونه من الأموال؛ فيرجع فيه إلى القوانين العادلة في الدواوين، فيحمل الناس عليها ويأخذ العمال بها.\rوينظر فيما استزادوه، فإن رفعوه إلى بيت المال أمر برده، وإن أخذوه لأنفسهم استرجعه منهم لأربابه.\rوالثالث: كتاب الدواوين، لأنهم أمناء المسلمين على بيوت أموالهم فيما يستوفونه ويوفونه منها؛ فيتصفح أحوال ما وكل إليهم، فإن عدلوا عن حق في دخلٍ أو خرجٍ إلى زيادة أو نقصان، أعاده إلى قوانينه، وقابل على تجاوزه.\rوهذه الأقسام الثلاثة لا يحتاج والي المظالم في تصفحها إلى متظلم.\rوالرابع: تظلم المسترزقة من نقص أرزاقهم أو تأخيرها عنهم وإجحاف النظار بهم؛ فيرجع إلى ديوانه في فرض العطاء العادل فيجريهم عليه.\rوينظر فيما نقصوه أو منعوه، فإن أخذه ولاة أمورهم استرجعه لهم، وإن لم يأخذوه قضاه من بيت المال.\rكتب بعض ولاة الأجناد إلى المأمون أن الجند شغبوا ونهبوا.\rفكتب إليه: لو عدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا.\rوعزله عنهم وأدر عليهم أرزاقهم.\rوالخامس: رد الغصوبات.\rوهي على ضربين: أحدها غصوبٌ سلطانية قد تغلب عليها ولاة الجور، كالأملاك المقبوضة عن أربابها، إما لرغبةٍ فيها أو غير ذلك.\rويجوز أن يرجع في ذلك عند تظلمهم إلى ديوان السلطنة، فإذا وجد فيه ذكر قبضها عن مالكها عمل بمقتضاه وأمر بردها إليه، ولم يحتج فيه إلى بينة تشهد به، وكان ما وجده في الديوان كافيا، كالذي حكي عن عمر بن عبد العزيز أنه خرج ذات يومٍ إلى الصلاة فصادفه رجلٌ ورد من اليمن متظلما، فقال:\rتدعون حيران مظلوماً ببابكم ... فقد أتاكم بعيد الدار مظلوم\rفقال له: وما ظلامتك؟ قال: غصبني الوليد بن عبد الملك ضيعتي؛ فقال: يا مزاحم ائتني بدفتر الصوافي؛ فوجد فيه: أصفى عبد الله الوليد بن عبد الملك ضيعة فلان؛ فقال: أخرجها من الدفتر، وليكتب برد ضيعته إليه ويطلق له ضعف نفقته.","part":2,"page":249},{"id":750,"text":"والضرب الثاني، ما تغلب عليه ذوو الأيدي القوية وتصرفوا فيه تصرف الملاك بالقهر والغلبة، فهذا موقوف على تظلم أربابه.\rولا ينتزع من غاصبه إلا بأحد أربعة أمور: إما اعتراف الغاصب وإقراره؛ وإما بعلم والي المظالم، فيجوز أن يحكم عليه بعلمه؛ وإما ببينة تشهد على الغاصب بغصبه أو تشهد للمغصوب منه بملكه؛ وإما بتظاهر الأخبار التي ينتفي عنها التواطؤ ولا تختلج فيها الشكوك؛ لأنه لما جاز للشهود أن يشهدوا في الأملاك بتظاهر الأخبار، كان حكم ولاة المظالم بذلك أحق.\rوالسادس: مشارفة الوقوف.\rوهي ضربان: عامة وخاصة.\rفأما العامة فيبدأ بتصفحها وإن لم يكن لها متظلم، ليجريها على سبلها ويمضيها على شروط واقفها إذا عرفها من أحد ثلاثة أوجه: إما من دواوين الحكام المندوبين لحراستها، وإما من دواوين السلطنة على ما جرى فيها من معاملة أو ثبت لها من ذكر وتسمية، وإما من كتبٍ قديمة تقع في النفس صحتها وإن لم يشهد الشهود بها، لأنه ليس يتعين الخصم فيها، فكان الحكم فيها أوسع منه في الوقوف الخاصة.\rوأما الوقوف الخاصة، فإن نظره فيها موقوف على تظلم أهلها عند التنازع فيها، لوقوفها على خصوم متعينين.\rفيعمل عند التشاجر فيها على ما تثبت به الحقوق عند الحاكم، ولا يجوز أن يرجع فيها إلى ديوان السلطنة ولا إلى ما يثبت من ذكرها في الكتب القديمة إذا لم يشهد بها شهودٌ معدلون.\rوالسابع: تنفيذ ما وقف من أحكام القضاة، لضعفهم عن إنفاذه وعجزهم عن المحكوم عليه، لتعززه وقوة يده أو علو قدره وعظم خطره، لكون ناظر المظالم أقوى يداً وأنفذ أمرا، فينفذ الحكم على ما يوجبه عليه الحاكم بانتزاع ما في يده، أو بإلزامه الخروج مما في ذمته.\rوالثامن: النظر فيما عجز عنه الناظرون في الحسبة من المصالح العامة كالمجاهرة بمنكرٍ ضعف عن دفعه، والتعدي في طريق عجز من منعه، والتحيف في حق لم يقدر على رده، فيأخذهم بحق الله تعالى في ذلك، ويأمر بحملهم على موجبه.\rوالتاسع: مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والأعياد والحج والجهاد من تقصير فيها أو إخلال بشروطها؛ فإن حقوق الله تعالى أولى أن تستوفى، وفروضه أحق أن تؤدى.\rوالعاشر: النظر بين المتشاجرين، والحكم بين المتنازعين.\rولا يخرج في النظر بينهم عن موجب الحق ومقتضاه، ولا يسوغ أن يحكم بينهم بما لا يحكم به الحكام والقضاة.\rالفرق بين نظر المظالم والقضاة قال الماوردي: والفرق بين نظر المظالم ونظر القضاة من عشر أوجه: أحدها: أن لناظر المظالم من فضل الهيبة وقوة اليد ما ليس للقضاة بكف الخصوم عن التجاحد ومنع الظلمة من التغالب والتجاذب.\rوالثاني:أن نظر المظالم يخرج من ضيق الوجوب إلى سعة الجواز، فيكون الناظر فيه أفسح مجالاً وأوسع مقالا.\rوالثالث: أنه يستعمل من فضل الإرهاب وكشف الأسباب، بالآثار الدالة أو شواهد الحال اللائحة ما يضيق على الحكام، فيصل به إلى ظهور الحق، ومعرفة المبطل من المحق.\rوالرابع: أنه يقابل من ظهر ظلمه بالتأديب، ويأخذ من بان عدوانه بالتقويم والتهذيب.\rوالخامس: أن له من التأني في ترداد الخصوم عند اشتباه أمورهم واستبهام حقوقهم، ليمعن في الكشف عن أسبابهم وأحوالهم، ما ليس للحكام، إذا سألهم أحد الخصمين فصل الحكم، فلا يسوغ أن يؤخره الحاكم، ويسوغ أن يؤخره متولي المظالم.\rوالسادس: أن له رد الخصوم إذا أعضلوا إلى وساطة الأمناء، ليفصلوا التنازع بينهم صلحاً عن تراضٍ، وليس للقاضي ذلك إلا عن رضا الخصمين بالرد.\rوالسابع: أنه يفسح في ملازمة الخصمين إذا وضحت أمارات التجاحد، ويأذن في إلزام الكفالة فيما يسوغ فيه التكفيل، لتنقاد الخصوم إلى التناصف ويعدلوا عن التجاحد والتكاذب.\rوالثامن: أنه يسمع من شهادات المستورين ما يخرج عن عرف القضاة في شهادة المعدلين.\rوالتاسع: أنه يجوز له إحلاف الشهود عند ارتيابه بهم إذا بذلوا أيمانهم طوعاً، ويستكثر من عددهم، لتزول عنه الشبهة وينتفي الارتياب، وليس ذلك للحاكم.\rوالعاشر: أنه يجوز له أن يبتدئ باستدعاء الشهود ويسألهم عما عندهم في تنازع الخصوم، وعادة القضاة تكليف المدعي إحضار بينةٍ ولا يسمعونها إلا بعد مسألته.\rفهذه عشرة أوجه يقع فيها الفرق بين نظر المظالم ونظر القضاء في التشاجر والتنازع؛ وهما فيما عداهما متساويان.","part":2,"page":250},{"id":751,"text":"ما ينبغي أن يعتمده ولاة المظالم\rوما يسلكونه من الأحكام فيها، وما ورد في مثل ذلك من أخبارهم وأحكامهم فيما سلف من الزمان.\rقال الماوردي: لم تخل حال الدعوى عند الترافع فيها إلى والي المظالم من ثلاثة أحوال: إما أن يقترن بها ما يقويها، أو يقترن بها ما يضعفها، أو تخلو من الأمرين.\rفإن اقترن بها ما يقويها، فلما يقترن بها من القوة ستة أحوال تختلف بها قوة الدعوى على التدريج.\rفأول أحوالها: أن يظهر معها كتابٌ فيه شهودٌ معدلون حضورٌ.\rوالذي يختص به نظر المظالم في مثل هذه الدعوى شيئان.\rأحدهما: أن يبتدئ الناظر فيها باستدعاء الشهود للشهادة.\rوالثاني:الإنكار على الجاحد بحسب حاله وشواهد أحواله.\rفإذا حضر الشهود، فإن كان الناظر في المظالم ممن يجل القدرة، كالخليفة أو وزير التفويض أو أمير الإقليم، راعى من أحوال المتنازعين ما تقتضيه السياسة: من مباشرة النظر بينهما إن جل قدرهما، أو رد ذلك إلى قاضيه بمشهدٍ منه إن كانا متوسطين، أو على بعدٍ منه إن كانا خاملين.\rحكي أن المأمون كان يجلس للمظالم في يوم الأحد، فنهض ذات يومٍ من مجلسه فتلقته امرأةٌ في ثيابٍ رثة، فقالت:\rيا خير منتصفٍ يهدي له الرشد ... ويا إماماً به قد أشرق البلد\rتشكو إليك عميد الملك أرملةٌ ... عدا عليها فما تقوى به أسد\rفابتز منها ضياعاً بعد منعتها ... لما تفرق عنها الأهل والولد\rفأطرق المأمون يسيراً ثم رفع رأسه وقال:\rمن دون ما قلت عيل الصبر والجلد ... وأقرح القلب هذا الحزن والكمد\rهذا أوان صلاة الظهر فانصرفي ... وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد\rالمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا ... أنصفك منه وإلا المجلس الأحد\rفانصرفت، وحضرت في يوم الأحد أول الناس؛ فقال لها المأمون: من خصمك؟ فقالت: القائم على رأسك العباس بن أمير المؤمنين؛ فقال المأمون لقاضيه يحيى بن أكثم، وقيل بل قال لوزيره أحمد بن أبي خالد: أجلسها معه وانظر بينهما؛ فأجلسها معه ونظر بينهما بحضرة المأمون، فجعل كلامها يعلو، فزجرها بعض حجابه؛ فقال المأمون: دعها فإن الحق أنطقها والباطل أخرسه.\rوأمر برد ضياعها إليها.\rوالحال الثانية في قوة الدعوى: أن يقترن بها كتاب فيه من الشهود المعدلين من هو غائب فالذي يختص بنظر المظالم في مثل هذه الدعوى أربعة أشياء.\rأحدها: إرهاب المدعى عليه فربما يعجل من إقراره بقوة الهيبة ما يغني عن سماع البينة.\rوالثاني: التقدم بإحضار الشهود إذا عرف مكانهم ولم يدخل الضرر الشاق عليهم.\rوالثالث: التقدم بملازمة المدعى عليه ثلاثاً، ويجتهد رأيه في الزيادة عليها بحسب الحال من قوة الأمارة ودلائل الصحة.\rوالرابع: أن ينظر في الدعوى، فإن كانت مالاً في الذمة كلفه إقامة كفيل، وإن كانت عيناً قائمةً، حجر عليه فيها حجراً لا يرفع به حكم يده، ورد استغلالها إلى أمين يحفظه على مستحقه منهما.\rفإن تطاولت المدة ووقع اليأس من حضور الشهود، جاز لمتولي المظالم أن يسأل المدعي عليه عن دخول يده مع تجديد إرهابه، فإن أجاب بما يقطع التنازع أمضاه، وإلا فصل بينهما بموجب الشرع ومقتضاه.\rوالحال الثالثة في قوة الدعوى: أن يكون في الكتاب المقترن بها شهودٌ حضورٌ لكنهم غير معدلين عند الحاكم، فيتقدم ناظر المظالم بإحضارهم وسبر أحوالهم؛ فإن كانوا من ذوي الهيئات وأهل الصيانات، فالثقة بشهادتهم أقوى؛ وإن كانوا أرذالاً فلا يعول عليهم لكن يقوى إرهاب الخصم بهم؛ وإن كانوا أوساطاً فيجوز له أن يستظهر بإحلافهم، إن رأى ذلك، قبل الشهادة أو بعدها.\rثم هو في سماع شهادة هذين الصفين بين ثلاثة أمور: إما أن يسمعها بنفسه فيحكم بها، وإما أن يرد إلى القاضي سماعها ويؤديها القاضي إليه، وإما أن يرد سماعها إلى الشهود المعدلين وهم يخبرونه بما وضح عندهم.\rوالحالة الرابعة من قوة الدعوى: أن يكون في الكتاب المقترن بها شهودٌ موتى معدلون، فالذي يختص بنظر المظالم فيها ثلاثة أشياء.\rأحدها: إرهاب المدعى عليه بما يضطره إلى الصدق والاعتراف بالحق.\rوالثاني: سؤاله عن دخول يده، لجواز أن يكون من جوابه ما يتضح به الحق.","part":2,"page":251},{"id":752,"text":"والثالث: أن يكشف عن الحال من جيران الملك وجيران المتنازعين فيه، ليتوصل بهم إلى وضوح الحق ومعرفة المحق.\rفإن لم يصل إليه بواحد من هذه الثلاثة، ردها إلى وساطة محتشم مطاع، له بهما معرفةٌ وبما يتنازعانه خبرة.\rفإن حصل تصادقهما أو صلحهما بوساطته، وإلا فصل الحكم بينهما على ما يوجبه حكم القضاء.\rوالحال الخامسة في قوة الدعوى: أن يكون مع المدعي خط المدعى عليه بما تضمنته الدعوى، فنظر المظالم فيه يقتضي سؤال المدعى عليه عن الخط وأن يقال له: هذا خطك؟ فإن اعترف به، سئل بعد اعترافه به عن صحة ما تضمنه، فإن اعترف بصحته، صار مقراً وألزم حكم إقراره.\rوإن لم يعترف بصحته فمن ولاة المظالم من حكم عليه بخطه إذا اعترف به وإن لم يعترف بصحته، وجعل ذلك من شواهد الحقوق اعتباراً بالعرف.\rوالذي عليه محققوهم وما يراه الفقهاء أنه لا يجوز للناظر منهم أن يحكم بمجرد الخط حتى يعترف بصحة ما فيه؛ فإن قال: كتبته ليقرضني وما أقرضني، أو ليدفع إلي ثمن ما بعته وما دفع، فهذا مما قد يفعله الناس أحياناً.\rفنظر المظالم في مثله أن يستعمل الإرهاب بحسب الحال ثم يرد إلى الوساطة؛ فإن أفضت إلى الصلح، وإلا بت الحاكم بينهما بالتحالف.\rوإن أنكر الخط، فمن ولاة المظالم من يختبر الخط بخطوطه التي يكتبها ويكلفه من كثرة الكتابة ما يمنع من التصنع فيها، ثم يجمع بين الخطين، فإذا تشابها حكم به عليه.\rوالذي عليه المحققون منهم أنهم لا يفعلون ذلك للحكم به ولكن للإرهاب.\rوتكون الشبهة مع إنكاره للخط أضعف منها مع اعترافه به، وترتفع الشبهة إن كان الخط منافياً لخطه ويعود الإرهاب على المدعي، ثم يردان إلى الوساطة فإن أفضت إلى الصلح وإلا بت القاضي الحكم بينهما بالأيمان.\rوالحال السادسة من قوة الدعوى: إظهار الحساب بما تضمنته الدعوى، وهذا يكون في المعاملات.\rولا يخلو حال الحساب من أحد أمرين: إما أن يكون حساب المدعي أو المدعى عليه.\rفإن كان حساب المدعي فالشبهة فيه أضعف.\rونظر المظالم في مثله أن يراعى نظم الحساب، فإن كان مختلاً يحتمل فيه الإدغال كان مطرحاً، وهو بضعف الدعوى أشبه منه بقوتها.\rوإن كان نظمه متسقاً ونقله صحيحا، فالثقة به أقوى، فيقتضي من الإرهاب بحسب شواهده، ثم يردان إلى الوساطة، ثم إلى الحكم البات.\rوإن كان الحساب للمدعى عليه، كانت الدعوى به أقوى، فلا يخلو أن يكون منسوباً إلى خطه أو خط كاتبه، فإن كان منسوباً إلى خطه فلناظر المظالم أن يسأله عنه: أهو خطه؟ فإن اعترف به، قيل: أتعلم ما هو؟ فإن أقر بمعرفته، قيل: أتعلم صحته؟ فإن أقر بصحته، صار بهذه الثلاثة مقراً بمضمون الحساب، فيؤخذ بما فيه.\rوإن اعترف أنه خطه وأنه يعلم ما فيه ولم يعترف بصحته، فمن حكم بالخط من ولاة المظالم، حكم عليه بموجب حسابه وإن لم يعترف بصحته، وجعل الثقة بهذا أقوى من الثقة بالخط المرسل، لأن الحساب لا يثبت فيه قبضٌ ما لم يقبض، وقد تكتب الخطوط المرسلة بقبض.\rوالذي عليه المحققون منهم - وهو قول الفقهاء - أنه لا يحكم عليه بالحساب الذي لم يعترف بصحته، لكن يقتضي من فضل الإرهاب به أكثر مما اقتضاه الخط المرسل، ثم يردان إلى الوساطة ثم إلى الحكم البات.\rوإن كان الخط منسوباً إلى كاتبه، سئل المدعى عليه قبل سؤال كاتبه، فإن اعترف بما فيه أخذ به، وإن لم يعترف، سئل عن كاتبه وأرهب، فإن أنكره ضعفت الشبهة، وإن اعترف بصحته صار شهادةً على المدعى عليه، فيحكم عليه بشهادته إن كان عدلاً، ويقضى بالشاهد واليمين.\rفهذه حال الدعوى إذا اقترن بها ما يقويها.\rوأما إن اقترن بالدعوى ما يضعفها: فلما اقترن بها من الضعف ستة أحوال تنافي أحوال القوة، فينقل الإرهاب بها من جنبة المدعى عليه إلى جنبة المدعي.\rفالحال الأولى: أن يقابل الدعوى بكتابٍ شهوده حضورٌ معدلون يشهدون بما يوجب بطلان الدعوى، وذلك من أربعة أوجه.\rأحدها: أن يشهدوا على المدعي ببيع ما ادعاه.\rوالثاني: أن يشهدوا على إقرار الذي انتقل الملك عنه للمدعي قبل إقراره له.\rوالثالث: أن يشهدوا على المدعي أنه لاحق له فيما ادعاه.\rوالرابع: أن يشهدوا للمدعي عليه بأنه مالكٌ لما ادعاه عليه.\rفتبطل دعواه بهذه الشهادة، ويؤدبه متولي المظالم بحسب حاله.","part":2,"page":252},{"id":753,"text":"فإن ذكر أن الشهادة عليه بابتياع كانت على سبيل الرهن؛ فهذا قد يفعله الناس أحياناً ويسمونه بينهم بيع الأمانة؛ ويقتضي ذلك الإرهاب في الجهتين.\rويرجع إلى الكشف من الجيرة؛ فإن ظهر له ما يوجب العدول عن ظاهر الكتاب عمل بمقتضاه، وإن لم يتبين وأبهم الأمر أمضى الحكم بما شهد به شهود الابتياع.\rفإن سأل إحلاف المدعى عليه أن ابتياعه كان حقاً ولم يكن على سبيل الرهن، فقد اختلف الفقهاء في جواز إحلافه: فمنهم من أجازه ومنهم من منعه.\rولوالي المظالم أن يعمل من القولين بما تقتضيه شواهد الحال.\rوكذلك لو كانت الدعوى بدينٍ في الذمة فأظهر المدعى عليه كتاب براءة منه، فذكر المدعي أنه أشهد على نفسه قبل القبض ولم يقبض، كان إحلاف المدعى عليه على ما تقدم ذكره.\rوالحال الثانية: أن يكون شهود الكتاب عدولاً غيباً، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يتضمن إنكاره اعترافاً بالسبب كقوله: لا حق له في هذا الملك، لأني ابتعته منه ودفعت إليه الثمن، وهذا كتاب عهدتي بالإشهاد عليه.\rفيصير المدعى عليه مدعياً.\rوله زيادة يدٍ وتصرف، فتكون الأمارة أقوى وشاهد الحال أظهر، فإن لم يثبت بها الملك فيرهبهما والي المظالم بحسب ما تقتضيه شواهد أحوالهما.\rويأمر بإحضار الشهود إن أمكن، ويضرب لحضورهم أجلاً يردهما فيه إلى الوساطة، فإن أفضت إلى صلحٍ عن تراضٍ، استقر به الحكم وعدل عن سماع الشهادة إن حضرت.\rوإن لم ينبرم بينهما الصلح، أمعن في الكشف من جيرانهما وجيران الملك.\rوكان لمتولي نظر المظالم رأيه، في زمن الكشف، في خصلة من ثلاث، على ما يؤدي إليه اجتهاده بحسب الأمارات وشواهد الأحوال: إما أن يرى انتزاع الضيعة من يد المدعى عليه ويسلمها إلى المدعي إلى أن تقوم البينة عليه بالبيع؛ وإما أن يسلمها إلى أمين تكون في يده ويحفظ استغلالها على مستحقه؛وإما أن يقرها في يد المدعى عليه ويحجر عليه فيها وينصب أميناً لحفظ استغلالها.\rفإن وقع الإياس من حضور الشهود وظهور الحق بالكشف، فصل الحكم بينهما على ما تقتضيه أحكام القضاء.\rفلو سأل المدعى عليه إحلاف المدعي، أحلفه له، وكان ذلك بتاً للحكم بينهما.\rوالضرب الثاني: أن لا يتضمن إنكاره اعترافاً بالسبب ويقول: هذا الملك أو الضيعة لا حق له فيها.\rوتكون شهادة الكتاب على المدعي على أحد وجهين: إما على إقراره أنه لا حق له فيها، وإما على إقراره أنها ملك للمدعى عليه؛ فالضيعة مقرةٌ في يد المدعى عليه لا يجوز انتزاعها منه.\rفأما الحجر عليه فيها وحفظ استغلالها مدة الكشف والوساطة فمعتبرٌ بشواهد الحال واجتهاد والي المظالم فيما يراه بينهما، إلى أن يثبت الحق لأحدهما.\rوالحال الثالثة: أن شهود الكتاب المقابل لهذه الدعوى حضورٌ غير معدلين، فيراعي والي المظالم فيهم ما قدمناه في جنبة المدعي من أحوالهم الثلاث، ويراعى حال إنكاره هل تضمن اعترافاً بالسبب أم لا؛ فيعمل والي المظالم في ذلك بما قدمناه، تعويلاً على اجتهاد رأيه في شواهد الأحوال.\rوالحال الرابعة: أن يكون شهود الكتاب موتى معدلين، فليس يتعلق به حكم إلا في الإرهاب المجرد، ثم يعمل في بت الحكم على ما تضمنه الإنكار من الاعتراف بالسبب أم لا.\rوالحال الخامسة: أن يقابل المدعى عليه بخط المدعي بما يوجب إكذابه في الدعوى، فيعمل فيه بما قدمناه في ذلك.\rوكذلك أيضاً في الحال السادسة من إظهار الحساب، فالعمل فيه على ما قدمناه.\rوأما إن تجردت الدعوى من أسباب القوة والضعف، فلم يقترن بها ما يقويها ولا ما يضعفها، فنظر والي المظالم في ذلك أن يراعي أحوال المتنازعين في غلبة الظن.\rولا يخلو حالهما فيه من ثلاثة أحوال.\rأحدها: أن تكون غلبته في جنبة المدعي.\rوالثاني: أن تكون في جنبة المدعى عليه.\rوالثالث: أن يعتدلا فيه.\rفإن كانت غلبة الظن في جنبة المدعي وكانت الريبة متوجهةً إلى المدعى عليه، فقد تكون من ثلاثة أوجه.\rأحدها: أن يكون المدعي مع خلوه من حجة مضعوف اليد مستلان الجانب والمدعى عليه ذا بأسٍ وقدرة.\rفإذا ادعى عليه غصب ملك أو ضيعة، غلب في الظن أن مثله مع لينه واستضعافه لا يتجوز في دعواه على من كان ذا بأسٍ وسطوة.\rوالثاني: أن يكون ممن اشتهر بالصدق والأمانة والمدعى عليه ممن اشتهر بالكذب والخيانة، فيغلب في الظن صدق المدعي في دعواه.","part":2,"page":253},{"id":754,"text":"والثالث: أن تتساوى أحوالهما، غير أنه عرف للمدعي يد متقدمة وليس يعرف لدخول يد المدعى عليه سببٌ، فالذي يقتضيه نظر المظالم في هذه الأحوال شيئان.\rأحدهما: إرهاب المدعى عليه لتوجه الريبة.\rوالثاني: سؤاله عن سبب دخول يده وحدوث ملكه.\rوأما إن كانت غلبة الظن في جنبة المدعى عليه بانعكاس ما قدمناه وانتقاله من جانب المدعي إلى المدعى عليه، فمذهب مالك - رحمه الله - أنه إن كانت دعواه في مثل هذه الحال لعين ٍ قائمةٍ، لم يسمعها إلا بعد ذكر السبب الموجب لها، وإن كانت في مالٍ في الذمة، لم يسمعها إلا أن تقوم البينة للمدعي أنه كان بينه وبين المدعى عليه معاملة.\rوالشافعي وأبو حنيفة - رحمهما الله - لا يريان ذلك.\rونظر المظالم موضوعٌ على فعل الجائز دون الواجب، فيسوغ فيه مثل هذا عند ظهور الريبة.\rفإن وقف الأمر على التحالف فهو غاية الحكم البات الذي لا يجوز دفع طالبٍ عنه في نظر القضاء ولا نظر المظالم.\rفإن فرق المدعي دعاويه وأراد أن يحلف المدعى عليه في كل مجلس على بعضها قصداً لإعناته وبذلته، فالذي يوجبه حكم القضاء ألا يمنع من تبعيض الدعاوي وتفريق الأيمان، والذي ينتجه نظر المظالم أن يؤمر المدعي بجمع دعاويه عند ظهور الإعنات منه و إحلاف الخصم على جميعها يميناً واحدة.\rفأما إذا اعتدلت حالة المتنازعين وتقابلت شبهة المتشاجرين ولم يترجح أحدهما بأمارة ولا ظنة، فينبغي أن يساوي بينهما في العظة؛ وهذا مما يتفق عليه القضاة وولاة المظالم.\rثم يختص ولاة المظالم، بعد العظة، بالإرهاب لهما معاً لتساويهما، ثم بالكشف عن أصل الدعوى وانتقال الملك.\rفإن ظهر بالكشف ما يعرف به المحق منهما من المبطل عمل بمقتضاه، وإن لم يظهر بالكشف ما ينفصل به تنازعهما ردهما إلى وساطةٍ من وجوه الجيران وأكابر العشائر؛ فإن تحرر ما بينهما، وإلا كان فصل القضاء بينهما هو خاتمة أمرهما.\rوربما ترافع إلى ولاة المظالم في غوامض الأحكام ومشكلات الخصام ما يرشده إليه الجلساء ويفتحه عليه العلماء، فلا ينكر عليهم الابتداء به؛ ولا بأس برد الحكم فيه إلى من يعلمه منهم.\rفقد حكي أن امرأةً أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه وهو يعمل بطاعة الله؛ فقال لها عمر: نعم الزوج زوجك! فجعلت تكرر عليه القول، وهو يكرر عليها الجواب؛ فقال له كعب بن سور الأزدي: يا أمير المؤمنين، هذه امرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه؛ فقال له عمر رضي الله عنه: كما فهمت كلامها فاقض بينهما؛ فقال كعبٌ: علي بزوجها، فأتي به؛ فقال له: امرأتك هذه تشكوك؛ فقال الزوج: أفي طعام أو شراب؟ قال كعب: لا في واحد منهما؛ فقالت المرأة:\rيا أيها القاضي الحكيم أرشده ... ألهى حليلي عن فراشي مسجده\rزهده في مضجعي تعبده ... نهاره وليله ما يرقده\rفلست من أمر النساء أحمده ... فاقض القضا يا كعب لا تردده\rفقال الزوج:\rزهدني في قربها وفي الحجل ... أني امرؤٌ أذهلني ما قد نزل\rفي سورة النحل وفي السبع الطول ... وفي كتاب الله تخويفٍ جلل\rفقال كعب:\rإن لها حقاً عليك يا رجل ... نصيبها في أربع لمن عقل\rفأعطها ذاك ودع عنك العلل\rثم قال: إن الله سبحانه وتعالى قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك، ولها يومٌ وليلة.\rفقال عمر رضي الله عنه لكعب: ما أدري من أي أمريك أعجب! أمن فهمك أمرهما، أم من حكمك بينهما! اذهب فقد وليتك القضاء بالبصرة.\rوهذا القضاء من كعب والإمضاء من عمر إنما كان حكماً بالجائز دون الواجب؛ لأن الزوج لا يلزمه أن يقسم للزوجة الواحدة ولا يجيبها إلى الفراش إذا أصابها دفعةً واحدة.\rفدل هذا على أن لوالي المظالم أن يحكم بالجائز دون الواجب.\rتوقيعات متولي المظالم\rوما يترتب عليها من الأحكام.\rقال الماوردي: إذا وقع ناظر المظالم في قصص المتظلمين إليه بالنظر بينهم، لم يخل حال الموقع إليه من أحد أمرين: إما أن يكون والياً على ما وقع به إليه أو غير والٍ عليه.","part":2,"page":254},{"id":755,"text":"فإن كان والياً عليه، كتوقيعه إلى القاضي بالنظر بينهما، فلا يخلو حال ما تضمنه التوقيع من أحد أمرين: إما أن يكون إذناً بالحكم، أو إذناً بالكشف والوساطة.\rفإن كان إذناً بالحكم، جاز له الحكم بينهما بأصل الولاية ويكون التوقيع تأكيداً لا يؤثر فيه قصور معانيه.\rوإن كان إذناً بالكشف للصورة أو التوسط بين الخصمين فإن كان في التوقيع بذلك نهيه عن الحكم فيه لم يكن له أن يحكم بينهما وكان هذا النهي عزلاً عن الحكم بينهما، وكان على عموم ولايته فيمن عداهما.\rوإن لم ينهه في التوقيع عن الحكم بينهما غير أنه أمره بالكشف، فقد قيل: يكون نظره على عمومه في جواز حكمه بينهما؛ لأن أمره ببعض ما إليه لا يكون منعاً من غيره وقيل بل يكون ممنوعاً من الحكم بينهما مقصوراً على ما تضمنه التوقيع من الكشف والوساطة؛ لأن فحوى التوقيع دليلٌ عليه.\rثم ينظر، فإن كان التوقيع بالوساطة، لم يلزمه إنهاء الحال إليه بعد الوساطة، وإن كان بكشف الصورة، لزمه إنهاء حالها إليه؛ لأنه استخبار منه فيلزمه إجابته عنه.\rفهذا حكم توقيعه إلى من إليه الولاية.\rوأما إن وقع إلى من لا ولاية له، كتوقيعه إلى فقيهٍ أو شاهد، فلا يخلو حال توقيعه من ثلاثة أحوال: أحدها أن يكون بكشف الصورة، والثاني أن يكون بالوساطة، والثالث أن يكون بالحكم.\rفإن كان التوقيع بكشف الصورة، فعليه أن يكشفها وينهي منها ما يصح أن يشهد به، ليجوز لناظر المظالم الحكم به.\rفإن أنهى ما يجوز أن يشهد به، كان خبراً لا يجوز أن يحكم به، ولكن يجعله ناظر المظالم من الأمارات التي يغلب بها حال أحد الخصمين في الإرهاب وفضل الكشف.\rفإن كان التوقيع بالوساطة، توسط بينهما.\rفإن أفضت الوساطة إلى صلح الخصمين لم يلزمه إنهاؤها، وكان شاهداً فيها، متى استدعي للشهادة أداها.\rوإن لم تفض الوساطة إلى صلحهما، كان شاهداً عليهما فيما اعترفا به عنده، يؤديه إلى الناظر في المظالم إذا طلب للشهادة.\rوإن كان التوقيع بالحكم بينهما، فهذه ولايةٌ يراعى فيها معاني التوقيع، ليكون نظره محمولاً على موجبه.\rوإذا كان كذلك فللتوقيع حالتان: إحداهما: أن يحال فيه إلى إجابة الخصم إلى ملتمسه؛ فيعتبر حينئذٍ فيه ما سأل الخصم في قصته ويصير النظر مقصوراً عليه، فإن سأل الوساطة أو كشف الصورة كان التوقيع موجباً له، وكان النظر مقصوراً عليه.\rوسواء خرج التوقيع مخرج الأمر كقوله: أجبه إلى ملتمسه، أو خرج مخرج الحكاية كقوله: رأيك في إجابته إلى ملتمسه موفقاً؛ لأنه لا يقتضي ولاية يلزم حكمها، فكان أمرها أخف.\rوإن سأل المتظلم في قصته الحكم بينهما، فلابد أن يكون الخصم في القصة مسمىً والخصومة مذكورة، لتصح الولاية عليها.\rفإن لم يسم الخصم ولم تذكر الخصومة، لم تصح الولاية، لأنها ليست ولاية عامة فيحمل على عمومها، ولا خاصة للجهل بها.\rوإن سمى رافع القصة خصمه وذكر خصومته، نظر في التوقيع بإجابته إلى ملتمسه: فإن خرج مخرج الأمر فوقع أجبه إلى ملتمسه واعمل بما التمسه صحت ولايته في الحكم بينهما، وإن خرج مخرج الحكاية للحال فوقع رأيك في إجابته إلى ملتمسه موفقاً، فهذا التوقيع خارجٌ في الأعمال السلطانية مخرج الأمر، والعرف باستعماله فيها معتاد.\rوأما في الأحكام الدينية، فقد جوزته طائفة من الفقهاء اعتباراً بالعرف، ومنعت طائفة أخرى من جوازه وانعقاد الولاية به حتى يقترن به أمرٌ تنعقد ولايته به، اعتباراً بمعاني الألفاظ.\rفلو كان رافع القصة سأل التوقيع بالحكم بينهما فوقع بإجابته إلى ملتمسه، فمن يعتبر العرف المعتاد، صحت الولاية عنده بهذا التوقيع، ومن اعتبر معاني الألفاظ لم تصح عنده به.\rوالحالة الثانية من التوقيعات: ألا يقتصر فيه على إجابة الخصم إلى ما سأل، ويستأنف فيه الأمر بما تضمنه، فيصير ما تضمنه التوقيع هو المعتبر في الولاية.\rوإذا كان كذلك، فله ثلاثة أحوال: حال كمالٍ، وحال جوازٍ، وحال يخرج عن الأمرين.\rفأما الحال التي يكون التوقيع فيها كاملاً في صحة الولاية، فهو أن يتضمن شيئين: أحدهما الأمر بالنظر، والثاني الأمر بالحكم، فيذكر فيه: انظر بين رافع هذه القصة وبين خصمه، واحكم بينهما بالحق وموجب الشرع.\rفإذا كانت كذلك جاز، لأن الحكم لا يكون إلا بالحق الذي يوجبه حكم الشرع.","part":2,"page":255},{"id":756,"text":"وإنما يذكر ذلك في التوقيعات وصفاً لا شرطاً.\rفإن كان التوقيع جامعاً لهذين الأمرين من النظر والحكم، فهو النظر الكامل، ويصح به التقليد والولاية.\rوأما الحال التي يكون بها التوقيع جائزاً مع قصوره عن حال الكمال، فهو أن يتضمن الأمر بالحكم دون النظر، فيذكر في توقيعه: احكم بين رافع هذه القصة وبين خصمه، أو يقول: اقض بينهما، فتصح الولاية بذلك؛ لأن الحكم بينهما لا يكون إلا بعد تقدم النظر، فصار الأمر به متضمناً للنظر، لأنه لا يخلو منه.\rوأما الحال التي يكون التوقيع بها خالياً من كمالٍ وجواز، فهو أن يذكر فيه: انظر بينهما؛ فلا تنعقد بهذا التوقيع ولاية، لأن النظر بينهما قد يحتمل الوساطة الجائزة ويحتمل الحكم اللازم؛ وهما في الاحتمال سواء، فلم تنعقد به مع الاحتمال ولاية.\rفإن ذكر فيه: انظر بينهما بالحق فقد قيل: إن الولاية به منعقدة، لأن الحق ما لزم؛ وقيل لا تنعقد به، لأن الصلح والوساطة حقٌ وإن لم يلزم.\rفهذه نبذةٌ كافيةٌ فيما يتعلق بنظر المظالم.\rوقد يقع لهم من الوقائع والمخاصمات والقرائن ما لم نذكره، فيجرى الحال فيها بحسب الوقائع والقرائن؛ وإنما هذه أصول سياسية وقواعد فقهية فيحمل الأمر من أشباهها على منوالها، ويحذى في أمثالها على مثالها.\rوالله الموفق.\rالباب الثالث عشر\rالحسبة وأحكامها\rقال أبو الحسن الماوردي - رحمه الله - : والحسبة هي أمرٌ بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله.\rقال الله عز وجل: \" ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر \" .\rومن شروط ناظر الحسبة أن يكون حراً، عدلاً، ذا رأيٍ وصرامةٍ وخشونة في الدين، وعلمٍ بالمنكرات الظاهرة.\rواختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي: هل يجوز له أن يحمل، الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها، على رأيه واجتهاده، أم لا، على وجهين: أحدهما: - وهو قول أبي سعيدٍ الإصطخري - أن له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده؛ فعلى هذا يجب أن يكون المحتسب عالماً من أهل الاجتهاد في أحكام الدين، ليجتهد رأيه فيما اختلف فيه.\rوالثاني: أنه ليس له أن يحمل الناس على رأيه ولا يقودهم إلى مذهبه، لتسويغ اجتهاد الكافة فيما اختلف فيه.\rفعلى هذا يجوز أن يكون المحتسب من غير أهل الاجتهاد إذا كان عارفاً بالمنكرات المتفق عليها.\rالفرق بين المحتسب والمتطوع قال: والفرق بين المحتسب والمتطوع من تسعة أوجه: أحدها: أن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية، وفرضه على غيره داخلٌ في فرض الكفاية.\rوالثاني: أن قيام المحتسب به من حقوق تصرفه الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه بغيره؛ وقيام المتطوع به من نوافل عمله الذي يجوز أن يتشاغل عنه بغيره.\rوالثالث: أنه منسوبٌ إلى الاستعداد إليه فيما يجب إنكاره؛ وليس المتطوع منسوباً إلى الاستعداد.\rوالرابع: أن على المحتسب إجابة من استعداه؛ وليس على المتطوع إجابته.\rوالخامس: أن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها، ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته؛ وليس على المتطوع بحثٌ ولا فحصٌ.\rوالسادس: أن له أن يتخذ على الإنكار أعوانا، لأنه عملٌ هو له منصوب، وإليه مندوب، ليكون له أقهر، وعليه أقدر؛ وليس للمتطوع أن يندب لذلك عونا.\rوالسابع: أن له أن يعزر في المنكرات الظاهرة ولا يتجاوز بها الحدود؛ وليس للمتطوع أن يعزر بها.\rوالثامن: أن له أن يرزق على حسبته من بيت المال؛ ولا يجوز للمتطوع أن يرزق على إنكار منكر.\rوالتاسع:أن له اجتهاد رأيه فيما تعلق بالعرف دون الشرع، كالمقاعد في الأسواق وإخراج الأجنحة، فيقر وينكر من ذلك ما أداه إليه اجتهاده؛ وليس هذا للمتطوع.\rفهذا هو الفرق بين متولي الحسبة وبين المتطوعة، وإن اتفقا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\rأوضاع الحسبة وقصورها عنه وزيادتها عليه، وموافقتها لنظر المظالم وقصورها عنه.\rقال: واعلم أن الحسبة واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم.\rفأما ما بينها وبين القضاء، فهي موافقةٌ للقضاء من وجهين، ومقصرة عنه من وجهين، وزائدةٌ عليه من وجهين.\rموافقتها أحكام القضاء\rفأحدهما جواز الاستعداء إليه.","part":2,"page":256},{"id":757,"text":"وسماعه دعوى المستعدي على المستعدى عليه من حقوق الآدميين، وليس في عموم الدعاوى.\rوإنما يختص بثلاثة أنواع من الدعوى: أحدها: أن يكون فيما تعلق ببخسٍ وتطفيف في كيلٍ أو وزن.\rوالثاني: فيما تعلق بغشٍ أو تدليس في مبيع أو ثمنٍ.\rوالثالث: فيما تعلق بمطل وتأخيرٍ لدينٍ مستحق مع المكنة.\rوإنما جاز نظره في هذه الأنواع الثلاثة من الدعاوى دون ما عداها، لتعلقها بمنكرٍ ظاهر هو منصوبٌ لإزالته، واختصاصها بمعروفٍ بيّنٍ هو مندوبٌ إلى إقامته.\rوليس له أن يتجاوز ذلك إلى الحكم الناجز والفصل البات.\rفهذا أحد وجهي الموافقة.\rوالوجه الثاني: أن له إلزام المدعى عليه الخروج من الحق الذي عليه.\rوليس هذا على العموم في كل الحقوق، وإنما هو خاصٌ في الحقوق التي جاز له سماع الدعوى فيها إذا وجبت باعترافٍ وإقرارٍ مع الإمكان واليسار، فيلزم المقر الموسر الخروج منها ودفعها إلى مستحقها، لأن في تأخيره لها منكراً هو منصوبٌ لإزالته.\rقصورها عن أحكامه.\rفأحدهما: قصورها عن سماع الدعاوى الخارجة عن ظواهر المنكرات من الدعاوى في العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات، فلا يجوز أن ينتدب لسماع الدعوى ولا أن يتعرض للحكم فيها لا في كثير الحقوق ولا قليلها من درهمٍ فما دونه، إلا أن يرد إليه ذلك بنصٍ صريح يزيد على إطلاق الحسبة فيجوز له.\rويصير بهذه الزيادة جامعاً بين القضاء والحسبة، فيراعى فيه أن يكون من أهل الاجتهاد.\rوإن اقتصر به على مطلق الحسبة، فالقضاة والحكام أحق بالنظر في قليل ذلك وكثيره.\rوالوجه الثاني: أنها مقصورةٌ على الحقوق المعترف بها.\rفأما ما تداخله جحدٌ وإنكارٌ، فلا يجوز له النظر فيها، لأن الحكم فيها يقف على سماع بينةٍ وإحلاف يمين، ولا يجوز للمحتسب أن يسمع بينةً على إثبات حقٍ، ولا أن يحلف يميناً على نفيه؛ والقضاة والحكام لسماع البينات وإحلاف الخصوم أحق.\rوأما الوجهان في زيادتها على أحكام القضاء\rفأحدهما: أنه يجوز للناظر فيها أن يتعرض لتصفح ما يأمر به من المعروف وينهى عنه من المنكر، وإن لم يحضره خصمٌ مستعدٍ؛ وليس للقاضي أن يتعرض لذلك إلا بعد حضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه.\rفإن تعرض القاضي لذلك فقد خرج عن منصب ولايته وصار متجوزاً في قاعدة النظر.\rوالثاني: أن للناظر في الحسبة من سلاطة السلطنة واستطالة الحماة فيما تعلق بالمنكرات ما ليس للقضاة؛ لأن الحسبة موضوعةٌ على الرهبة، فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجوزاً فيها ولا خرقاً.\rوالقضاء موضوعٌ للمناصفة فهو بالأناة والوقار أخص، وخروجه عنهما إلى السلاطة تجوزٌ وخرق، لأن موضوع كل واحدٍ من المنصبين مختلفٌ، فالتجاوز فيه خروج عن حده.\rما بين الحسبة والمظالم فبينهما شبهٌ مؤتلف، وفرقٌ مختلف.\rفأما الشبه الجامع بينهما فمن وجهين: أحدهما: أن موضوعهما على الرهبة المختصة بسلاطة السلطنة وقوة الصرامة.\rوالثاني: جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح والتطلع إلى إنكار العدوان الظاهر.\rالفرق بينهما\rفمن وجهين: أحدهما: أن النظر في المظالم موضوعٌ لما عجز عنه القضاة، والنظر في الحسبة موضعٌ لما رفه عنه القضاة؛ ولذلك كانت رتبة المظالم أعلى، ورتبة الحسبة أخفض، وجاز لوالي المظالم أن يوقع إلى القضاة والمحتسبة، ولم يجز للقاضي أن يوقع إلى والي المظالم وجاز له أن يوقع إلى المحتسب، ولم يجز للمحتسب أن يوقع إلى واحدٍ منهما.\rفهذا فرق.\rوالثاني: أنه يجوز لوالي المظالم أن يحكم، ولا يجوز ذلك للمحتسب.\rوحيث قدمنا هذه المقدمة في أوضاع الحسبة، فلنذكر ما تشتمل عليه ولايتها.\rما تشتمل عليه ولاية الحسبة وما يختص بها من الأحكام.\rونظر الحسبة يشتمل على فصلين: أحدهما أمرٌ بمعروف، والثاني نهيٌ عن منكر.\rفأما الأمر بالمعروف فينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها ما تعلق بحقوق الله عز وجل.\rوالثاني ما تعلق بحقوق الآدميين.\rوالثالث ما كان مشتركاً بينهما، على ما سنوضح ذلك.\rالمتعلق بحقوق الله تعالى\rفضربان:","part":2,"page":257},{"id":758,"text":"أحدهما: ما يلزم الأمر به في الجماعة دون الانفراد، كترك الجمعة في وطنٍ مسكون؛ فإن كانوا عدداً قد اتفق على انعقاد الجمعة بهم كالأربعين فما زاد، فواجبٌ أن يأخذهم بإقامتها ويأمرهم بفعلها ويؤدب على الإخلال بها.\rوإن كانوا عدداً قد اختلف في انعقاد الجمعة بهم، فله ولهم أربعة أحوال: إحداها: أن يتفق رأيه ورأي القوم على انعقاد الجمعة بذلك العدد، فواجبٌ عليه أن يأمرهم بإقامتها، وعليهم أن يسارعوا إلى أمره بها، ويكون في تأديبهم على تركها ألين منه في تأديبهم على ترك ما انعقد الإجماع عليه.\rوالحال الثانية: أن يتفق رأيه ورأي القوم على أن الجمعة لا تنعقد بهم، فلا يجوز أن يأمرهم بإقامتها ولا بالنهي عنها لو أقيمت.\rوالحال الثالثة: أن يرى القوم انعقاد الجمعة بهم ولا يراه المحتسب، فلا يجوز له أن يعارضهم فيها: فلا يأمر بإقامتها لأنه لا يراه، ولا ينهى عنها ويمنعهم مما يرونه فرضاً عليهم.\rوالحال الرابعة: أن يرى المحتسب انعقاد الجمعة بهم ولا يراه القوم، فهذا مما في استمرار تركه تعطيل الجمعة مع تطاول الزمان وبعده وكثرة العدد وزيادته، فهل للمحتسب أن يأمرهم بإقامتها اعتباراً بهذا المعنى، أم لا؟ فقد اختلف الفقهاء في ذلك على وجهين: أحدهما: - وهو قول أبي سعيد الإصطخري - أنه يجوز له أن يأمرهم بإقامتها اعتباراً بالمصلحة، لئلا ينشأ الصغير على تركها فيظن أنها تسقط مع زيادة العدد كما تسقط بنقصانه؛ فقد راعى زياد بن أبيه مثل هذا في صلاة الناس في جامعي البصرة والكوفة، فإنهم كانوا إذا صلوا في صحبه فرفعوا من السجود مسحوا جباههم من التراب، فأمر بإلقاء الحصى في صحن المسجد، وقال: لست آمن أن يطول الزمان فيظن الصغير إذا نشأ أن مسح الجبهة من أثر السجود سنةٌ في الصلاة.\rوالوجه الثاني: أنه لا يتعرض لأمرهم بها، لأنه ليس له حمل الناس على اعتقاده، ولا أن يأخذهم في الدين برأيه، مع تسويغ الاجتهاد فيه، وأنهم يعتقدون أن نقصان العدد يمنع من إجزاء الجمعة.\rفأما أمرهم بصلاة العيد فله أن يأمرهم بها.\rوهل يكون الأمر بها من الحقوق اللازمة أو من الحقوق الجائزة؟ على وجهين من اختلاف أصحاب الشافعي فيها: هل هي مسنونةٌ أو من فروض الكفاية.\rفإن قيل: إنها مسنونةٌ، كان الأمر بها ندبا؛ وإن قيل: إنها من فروض الكفاية، كان الأمر بها حتما.\rفأما صلاة الجماعة في المساجد وإقامة الأذان فيها للصلوات، فمن شعائر الإسلام وعلامات متعبداته التي فرق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين دار الإسلام ودار الشرك.\rفإذا أجمع أهل محلة أو بلد على تعطيل الجماعات في مساجدهم وترك الأذان في أوقات صلواتهم، كان المحتسب مندوباً إلى أمرهم بالأذان والجماعة في الصلوات.\rوهل ذلك واجبٌ عليه يأثم بتركه، أو مستحبٌ له يثاب على فعله.\rفأما من ترك صلاة الجماعة من آحاد الناس أو ترك الأذان والإقامة لصلاة، فلا اعتراض للمحتسب عليه إذا لم يجعله عادةً وإلفاً، لأنها من الندب الذي يسقط بالأعذار، إلا أن يقترن به استرابة أو يجعله إلفاً وعادةً، ويخاف تعدي ذلك إلى غيره في الاقتداء به، فيراعى حكم المصلحة في زجره عما استهان به من سنن عبادته.\rويكون وعيده على ترك الجماعة معتبراً بشواهد حاله، كالذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لقد هممت أن آمر أصحابي أن يجمعوا حطباً وآمر بالصلاة فيؤذن لها وتقام ثم أخالف إلى منازل قومٍ لا يحضرون الصلاة فأحرقها عليهم \" .\rوأما ما يأمر به أحاد الناس و أفرادهم، فكتأخير الصلاة حتى يخرج وقتها، فيذكر بها ويؤمر بفعلها.\rويراعي جواب المأمور عنها، فإن قال: تركتها لنسيان، حثه على فعلها بعد ذكره ولم يؤدبه.\rوإن تركها لتوانٍ أدبه زجراً وأخذه بفعلها جبرا.\rولا اعتراض على من أخرها والوقت باق، لاختلاف الفقهاء في فضل التأخير.\rولكن لو اتفق أهل بلدٍ على تأخير صلاة الجماعات إلى آخر وقتها والمحتسب يرى فضل تعجيلها، فهل له أن يأمرهم بالتعجيل أو لا.\rفمن رأى أنه يأمرهم بذلك، راعى أن اعتياد تأخيرها وإطباق جميع الناس عليه مفضٍ إلى أن الصغير ينشأ وهو يعتقد أن هذا هو الوقت دون ما قبله؛ ولو عجلها بعضهم ترك من آخرها منهم وما يراه من التأخير.","part":2,"page":258},{"id":759,"text":"فأما الأذان والقنوت في الصلوات إذا خالف فيه رأي المحتسب فلا اعتراض له فيه بأمرٍ ولا نهي وإن كان يرى خلافه، إذا كان ما يفعل مسوغاً في الاجتهاد.\rوكذلك الطهارة إذا فعلها على وجه سائغ يخالف فيه رأي المحتسب: من إزالة النجاسة بالمائعات، والوضوء بماءٍ تغير بالمذرورات الطاهرات، أو الاقتصار على مسح أقل الرأس، والعفو عن قدر الدرهم من النجاسة، فلا اعتراض له في شيء من ذلك بأمر ولا نهي.\rوفي اعتراضه عليهم في الوضوء بالنبيذ عند عدم الماء وجهان، لما فيه من الإفضاء إلى استباحته على كل الأحوال، وأنه ربما آل إلى السكر من شربه.\rثم على نظائر هذا المثال تكون أوامره بالعرف في حقوق الله تعالى.\rفي حقوق الآدميين\rفضربان: عام وخاص.\rفأما العام: فكالبلد إذا تعطل شربه، أو استهدم سوره، أو كان يطرقه بنو السبيل من ذوي الحاجات فكفوا عن معونتهم، فإن كان في بيت المال مالٌ، لم يتوجه عليهم فيه أمرٌ بإصلاح شربهم وبناء سورهم ولا بمعونة بني السبيل في الاجتياز بهم؛ لأنها حقوق تلزم بيت المال دونهم؛ وكذلك لو استهدمت مساجدهم وجوامعهم.\rفأما إذا أعوز بيت المال، كان الأمر ببناء سورهم، وإصلاح شربهم، وعمارة مساجدهم وجوامعهم، ومراعاة بني السبيل فيهم متوجهاً إلى كافة ذوي المكنة منهم ولا يتعين أحدهم في الأمر به.\rفإن شرع ذوو المكنة في عمله ومراعاة بني السبيل، وباشروا القيام به، سقط عن المحتسب حق الأمر به.\rولا يلزمهم الاستئذان في مراعاة بني السبيل، ولا في بناء ما كان مهدوما.\rولكن لو أرادوا هدم ما يريدون بناءه من المسترم والمستهدم، لم يكن لهم الإقدام على هدمه إلا باستئذان ولي الأمر دون المحتسب، ليأذن لهم في هدمه بعد تضمينهم القيام بعمارته.\rهذا في السور والجوامع.\rوأما المساجد المختصرة فلا يستأذنون فيها.\rوعلى المحتسب أن يأخذهم ببناء ما هدموه، وليس له أن يأخذهم بإتمام ما استأنفوه.\rفأما إذا كف ذوو المكنة عن بناء ما استهدم، فإن كان المقام في البلد ممكنا وكان الشرب وإن فسد مقنعا، تاركهم إياه.\rوإن تعذر المقام فيه، لتعطل شربه واندحاض سوره، نظر: فإن كان البلد ثغراً يضر بدار الإسلام تعطيله، لم يجز لولي الأمر أن يفسح في الانتقال عنه، وكان حكمه حكم النوازل إذا حدثت: في قيام كافة ذوي المكنة به، وكان تأثير المحتسب في مثل هذا إعلام السلطان به وترغيب أهل المكنة في عمله.\rوإن لم يكن البلد ثغراً مضراً بدار الإسلام، كان أمره أيسر وحكمه أخف.\rولم يكن للمحتسب أن يأخذ أهله جبراً بعمارته، لأن السلطان أحق أن يقوم بعمارته.\rوإن أعوزه المال، فيقول لهم المحتسب: ما دام عجز السلطان عنه أنتم مخيرون بين الانتقال عنه أو التزام ما ينصرف في مصالحه التي يمكن معها دوام استيطانه.\rفإن أجابوا إلى التزام ذلك، كلف جماعتهم ما تسمح به نفوسهم من غير إجبار، ويقول: ليخرج كل واحد منكم ما يسهل عليه وتطيب به نفسه، ومن أعوزه المال أعان بالعمل.\rحتى إذا اجتمعت كفاية المصلحة أو تعين اجتماعها بضمان كل واحد من أهل المكنة قدراً طاب به نفساً، شرع حينئذ في عمل المصلحة وأخذ كل واحد من الجماعة بما التزم به.\rوإن عمت هذه المصلحة، لم يكن للمحتسب أن يتقدم بالقيام بها حتى يستأذن السلطان فيها، لئلا يصير بالتفرد مفتاتا عليه، إذ ليست هذه المصلحة من معهود حسبته.\rفإن قلت وشق استئذان السلطان فيها أو خيف زيادة الضرر لبعد استئذانه، جاز شروعه فيها من غير استئذان.\rهذا أمر العام.\rفأما أمر الخاص: فكالحقوق إذا مطلت والديون إذا أخرت، فللمحتسب أن يأمر بالخروج منها مع المكنة إذا استعداه أصحاب الحقوق.\rوليس له أن يحبس عليها، لأن الحبس حكم.\rوله أن يلازم عليها، لأن لصاحب الحق أن يلازم.\rوليس له الأخذ بنفقات الأقارب، لافتقار ذلك إلى اجتهاد شرعي فيمن يجب له وعليه، إلا أن يكون الحاكم قد فرضها فيجوز أن يأخذ بأدائها؛ وكذلك كفالة من تجب كفالته من الصغار ولا اعتراض له فيها حتى يحكم بها الحاكم؛ ويجوز حينئذ للمحتسب أن يأمر بالقيام بها على الشروط المستحقة فيها.\rفأما قبول الوصايا والودائع، فليس له أن يأمر بها أعيان الناس وآحادهم، ويجوز أن يأمر بها على العموم، حثاً على التعاون بالبر والتقوى.","part":2,"page":259},{"id":760,"text":"ثم على هذا المثال تكون أوامره بالمعروف في حقوق الآدميين.\rوأما الأمر بالمعروف: فيما كان مشتركاً بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين كأخذ الأولياء بإنكاح الأيامى من أكفائهن إذا طلبن، وإلزام النساء أحكام العدد إذا فورقن.\rوله تأديب من خالف في العدة من النساء، وليس له تأديب من امتنع من الأولياء.\rومن نفى ولداً قد ثبت فراش أمه ولحوق نسبه، أخذه بأحكام الآباء جبرا وعزره على النفي أدبا.\rويأخذ السادة بحقوق العبيد والإماء، وألا يكلفوا من الأعمال ما لا يطيقون.\rوكذلك أرباب البهائم يأخذهم بعلوفتها إذا قصروا فيها، وألا يستعملوها فيما لا تطيق.\rومن أخذ لقيطاً فقصر في كفالته، أمره أن يقوم بحقوق التقاطه: من التزام كفالته أو تسليمه إلى من يلتزمها ويقوم بها.\rوكذلك واجد الضوال إذا قصر فيها أخذه بمثل ذلك من القيام بها أو تسليمها إلى من يقوم بها، ويكون ضامناً للضالة بالتقصير ولا يكون به ضامناً للقيط.\rوإذا سلم الضالة إلى غيره ضمنها، ولا يضمن اللقيط بالتسليم.\rثم على نظائر هذا المثال يكون أمره بالمعروف في الحقوق المشتركة.\rوأما النهي عن المنكرات: فينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها ما كان من حقوق الله تعالى.\rوالثاني ما كان من حقوق الآدميين.\rوالثالث ما كان مشتركاً بين الحقين.\rفأما النهي عنها في حقوق الله تعالى: فعلى ثلاثة أقسام: أحدها ما تعلق بالعبادات.\rوالثاني ما تعلق بالمحظورات.\rوالثالث ما تعلق بالمعاملات.\rفأما المتعلق بالعبادات: فكالقاصد مخالفة هيئتها المشروعة، والمتعمد تغيير أوصافها المسنونة، مثل من يقصد الجهر في صلاة الإسرار والإسرار في صلاة الجهر، أو يزيد في الصلاة أو في الأذان أذكاراً غير مسنونة، فللمحتسب إنكارها وتأديب المعاند فيها إذا لم يقل بما ارتكبه إمامٌ متبوع.\rوكذلك إذا أخل بتطهير جسده أو ثوبه أو موضع صلاته، أنكره عليه إذا تحقق ذلك منه، ولا يؤاخذه بالتهم والظنون.\rوكذلك لو ظن برجل أنه يترك الغسل من الجنابة أو يترك الصلاة والصيام، لم يؤاخذه بالتهم ولم يقابله بالإنكار.\rلكن يجوز له بالتهمة أن يعظ ويحذر من عذاب الله تعالى على إسقاط حقوقه والإخلال بمفروضاته.\rفإن رآه يأكل في شهر رمضان لم يقدم على تأديبه إلا بعد سؤاله عن سبب أكله إذا التبست أحواله؛ فربما كان مريضا أو مسافراً.\rويلزمه السؤال إذا ظهرت منه أمارات الريب.\rفإن ذكر من الأعذار ما تحتمله حاله، كف عن زجره وأمره بإخفاء أكله، لئلا يعرض نفسه للتهمة.\rولا يلزمه إحلافه عند الاسترابة بقوله، لأنه موكول إلى أمانته.\rوإن لم يذكر عذراً، جاهر بالإنكار عليه وأدبه أدب زجر.\rوإذا علم عذره في الأكل، أنكر عليه المجاهرة به، لتعريض نفسه للتهمة ولئلا يقتدي به من ذوي الجهالة من لا يميز حال عذره من غيره.\rوأما الممتنع من إخراج زكاته، فإن كان من الأموال الظاهرة، فعامل الصدقة يأخذها منه جبراً أخص من المحتسب.\rوإن كان من الأموال الباطنة، فيحتمل أن يكون المحتسب أخص بالإنكار عليه من عامل الصدقة، لأنه لا اعتراض للعامل في الأموال الباطنة؛ ويحتمل أن يكون العامل بالإنكار عليه أخص، لأنه لو دفعها إليه أجزأه.\rويكون تأديبه معتبراً بشواهد حاله في الامتناع من إخراج زكاته.\rوإن ذكر أنه يخرجها، سراً وكل إلى أمانته فيها.\rوإن رأى رجلاً يتعرض لمسألة الناس وطلب الصدقة وعلم أنه غني إما بمال أو عملٍ، أنكره عليه وأدبه.\rولو رأى عليه آثار الغنى وهو يسأل الناس، أعلمه تحريمها على المستغني عنها، ولم ينكر عليه، لجواز أن يكون في الباطن فقيرا.\rوإذا تعرض للمسألة ذو جلدٍ وقوة على العمل، زجره وأمره أن يتعرض للاحتراف بعمله؛ فإن أقام على المسألة عزره حتى يقلع عنها.\rوإذا دعت الحال، عند إلحاح من حرمت عليه المسألة بمالٍ أو عمل، أن ينفق على ذي المال جزءاً من ماله، ويؤاجر ذا العمل وينفق عليه من أجرته، لم يكن للمحتسب أن يفعل ذلك بنفسه؛ لأن هذا حكم، والحكام به أحق، فيرفع أمره إلى الحاكم ليتولى ذلك أو يأذن فيه.\rوإذا وجد فيمن يتصدى للعلوم الشرعية من ليس من أهلها من فقيهٍ أو واعظٍ ولم يأمن اغترار الناس به في سوء تأويلٍ أو تحريف، أنكر عليه التصدي لما ليس هو من أهله، وأظهر أمره لئلا يغتر به.","part":2,"page":260},{"id":761,"text":"وإن أشكل عليه أمره لم يقدم عليه بالإنكار إلا بعد الاختبار.\rوكذلك لو ابتدع بعض المنتسبين إلى العلم قولاً خرق به الإجماع وخالف النص ورد قوله علماء عصره، أنكر عليه وزجره فإن أقلع وتاب، وإلا فالسلطان بتهذيب الدين أحق.\rوإذا تفرد بعض المفسرين لكتاب الله عز وجل بتأويلٍ عدل فيه عن ظاهر التنزيل إلى باطن بدعة بتكلفٍ له أغمض معانيه، أو انفرد بعض الرواة بأحاديث مناكير تنفر منها النفوس أو يفسد بها التأويل، كان على المحتسب إنكار ذلك والمنع منه.\rوهذا إنما يصح منه إنكاره إذا تميز عنده الصحيح من الفاسد والحق من الباطل.\rوذلك بأحد وجهين: إما أن يكون بقوته في العلم واجتهاده فيه، فلا يخفى ذلك عليه؛ وإما باتفاق علماء الوقت على إنكاره وابتداعه، فيستعدونه فيه،فيعول في الإنكار على أقاويلهم، وفي المنع منه على اتفاقهم.\rوأما ما تعلق بالمحظورات: فهو أن يمنع الناس من مواقف الريب ومظان لتهم.\rفقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك \" .\rفيقدم الإنكار، ولا يعجل بالتأديب قبل الإنذار.\rوإذا رأى وقفة رجل مع امرأة في طريقٍ سابلٍ لم تظهر منه أمارات الريب، لم يعترض عليهما بزجرٍ ولا إنكار، فما يجد الناس بداً من هذا.\rوإن كانت الوقفة في طريقٍ خالٍ، فخلو المكان ريبةٌ، فينكرها؛ ولا يعجل في التأديب عليهما حذراً من أن تكون ذات محرمٍ.\rوليقل: إن كانت ذات محرم فصنها عن مواقف الريب، وإن كانت أجنبية فخف الله تعالى من خلوةٍ تؤديك إلى معصية الله.\rوليكن زجره بحسب الأمارات.\rوليستخبر.\rفقد حكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بينا هو يطوف بالبيت إذ رأى رجلاً يطوف وعلى عنقه امرأةٌ مثل المهاة حسناء جميلة، وهو يقول:\rعدت لهذي جملاً ذلولا ... موطأً أتبع السهولا\rأعدلها بالكف أن تميلا ... أحذر أن تسقط أو تزولا\rأرجو بذلك نائلاً جزيلا\rفقال له عمر: يا عبد الله، من هذه التي وهبت لها حجك؟ فقال: امرأتي يا أمير المؤمنين! وإنها حمقاء مرغامه، أكولٌ قامّه، لا يبقى لها خامّه؛ فقال له: مالك لا تطلقها؟ فقال: أنها حسناء لا تفرك، وأم صبيان فلا تترك، قال: فشأنك بها.\rفلم يقدم عمر رضي الله عنه بالإنكار حتى استخبره، فلما انتفت عنه الريبة أقره على فعله.\rوإذا جاهر رجل بإظهار الخمر، فإن كان من المسلمين، أراقها وأدبه؛ وإن كان ذمياً أدب على إظهارها، واختلف في إراقتها عليه، فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تراق عليه، لأنها عنده من أموالهم المضمونة في حقوقهم.\rوذهب الشافعي إلى إراقتها عليهم لأنها لا تضمن عنده في حق المسلم ولا الكافر.\rوأما المجاهرة بإظهار النبيذ، فعند أبي حنيفة أنه من الأموال التي يقر المسلمون عليها، فمنع من إراقته ومن التأديب على إظهاره.\rوعند الشافعي أنه ليس بمال كالخمر وليس في إراقته غرم.\rفيعتبر ناظر الحسبة شواهد الحال فيه فينهى فيه عن المجاهرة، ويزجر عليه إن كان لمعاقرة، ولا يريقه عليه، إلا أن يأمر بإراقته حاكمٌ من أهل الاجتهاد، لئلا يتوجه عليه غرمٌ إن حوكم فيه.\rوأما السكران إذا تظاهر بسكره وسخف بهجره، أدبه على السكر والهجر، تعزيراً لا حداً، لقلة مراقبته وظهور سخفه.\rوأما المجاهرة بإظهار الملاهي المحرمة، فعلى المحتسب أن يفصلها حتى تصير خشباً لتخرج عن حكم الملاهي، ويؤدب على المجاهرة بها، ولا يكسرها إن كان خشبها يصلح لغير الملاهي.\rوأما اللعب فليس يقصد بها المعاصي، وإنما يقصد بها إلف البنات لتربية الأولاد، ففيها وجهٌ من وجوه التدبير تقارنه معصية، بتصوير ذوات الأزواج ومشابهة الأصنام، فللتمكين منها وجهٌ، وللمنع منها وجهٌ؛ وبحسب ما تقتضيه شواهد الأحوال يكون إنكاره وإقراره.\rوقد كانت عائشة رضي الله عنه في صغرها تلعب بالبنات بمشهدٍ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكره عليها.\rوأما ما لم يظهر من المحظورات، فليس للمحتسب أن يبحث عنها ولا أن يهتك الأستار فيها؛ فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من أتى من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله عليه \" .","part":2,"page":261},{"id":762,"text":"فإن استتر أقوام لارتكاب محظورٍ يخشى فواته مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلاً خلا برجل ليقتله أو امرأةٍ ليزني بها، فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث، حذراً من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات.\rوهكذا لو عرف ذلك قومٌ من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار.\rوأما ما هو دون هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه.\rوإن سمع أصوات ملاهٍ منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتهم، أنكرها خارج الدار ولم يهجم عليها بالدخول.\rوأما ما تعلق بالمعاملات المنكرة، كالربا والبيوع الفاسدة وما منع الشرع منه مع تراضي المتعاقدين به إذا كان متفقاً على حظره، فعلى والي الحسبة إنكاره والمنع منه الزجر عليه.\rوأمره بالتأديب مختلفٌ بحسب الأحوال وشدة الحظر.\rفأما ما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته، فلا مدخل له في إنكاره، إلا أن يكون مما يضعف الخلاف فيه وكان ذريعةً إلى محظور متفقٍ عليه - كربا النقدين: الخلاف فيه ضعيف، وهو ذريعةٌ إلى ربا النساء المتفق على تحريمه - فهل يدخل في إنكاره، أم لا.\rوكذلك في عقود الأنكحة ينكر منها ما اتفق الفقهاء على حظرها، ولا يتعرض لما اختلف فيه، إلا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه وكان ذريعةً إلى محظور متفق عليه، كالمتعة فربما صارت ذريعةً إلى استباحة الزنا، ففي إنكاره لها وجهان.\rومما يتعلق بالمعاملات غش المبيعات وتدليس الأثمان، فينكره ويمنع منه ويؤدب عليه بحسب الحال فيه؛ فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ليس منا من غش \" وفي لفظ: \" من غشنا فليس منا \" .\rفإن كان هذا الغش تدليساً على المشتري وهو مما يخفى عليه، فهو أغلظ الغشوش تحريماً وأعظمها مأثما، والإنكار عليه أغلظ والتأديب أشد.\rوإن كان مما لا يخفى على المشتري، كان أخف مأثما وألين إنكارا.\rوينظر في المشتري: فإذا كان اشتراه ليبيعه من غيره، توجه الإنكار على البائع لغشه، وعلى المشتري لابتياعه؛ لأنه قد يبيعه من لم يعلم بغشه؛ وإن كان المشتري اشتراه ليستعمله، خرج من جملة الإنكار، واختص الإنكار بالبائع وحده.\rوكذلك في تدليس الأثمان.\rويمنع من تصرية المواشي وتحفيل ضروعها عند البيع، للنهي عنه وأنه نوع من التدليس.\rومما هو عمدة نظره المنع من التطفيف والبخس في المكاييل والموازين والصنجات، لوعيد الله تعالى عليه بقوله: \" ويلٌ للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون \" .\rوليكن الأدب عليه أظهر، والمعاقبة فيه أكثر.\rويجوز له إذا استراب بموازين السوقة ومكاييلهم أن يختبرها ويعايرها.\rولو كان على ما عايره منها طابعٌ معروفٌ بين العامة لا يتعاملون إلا به، كان أحوط وأسلم.\rفإن فعل ذلك وتعامل قومٌ بغير ما طبع عليه طابعه، توجه الإنكار عليهم إن كان مبخوساً، من وجهين: أحدهما مخالفته في العدول عن مطبوعه؛ وإنكاره لذلك من الحقوق السلطانية.\rوالثاني للبخس والتطفيف؛ وإنكاره من الحقوق الشرعية.\rوإن كان ما تعاملوا به من غير المطبوع سليماً من بخس ونقص، فإنكاره لمجرد حق السلطنة للمخالفة.\rوإن زور قومٌ على طابعه، كالبهرج على طابع الدنانير والدراهم، فإن قرن التزوير بغش، كان التأديب مستحقاً من الوجهين، وهو أغلظ وأشد؛ وإن سلم من الغش كان الإنكار لحق السلطنة خاصة.\rوإذا اتسع البلد حتى احتاج أهله إلى عدة من الكيالين والوزانين والنقاد، تخيرهم ناظر الحسبة، ومنع أن ينتدب لذلك إلا من ارتضاه من الأمناء الثقات.\rوكانت أجورهم من بيت المال إن اتسع لها، فإن ضاق عنها قدرها لهم، حتى لا تجري بينهم فيها استزادةٌ أو نقصان، فيكون ذلك ذريعةً إلى الممايلة أو التحيف في مكيل أو موزون.\rفإن ظهر من أحدٍ ممن اختاره للكيل والوزن تحيفٌ في تطفيف أو ممايلةٌ في زيادة، أدب وأخرج منهم ومنع من يتعرض للوساطة بين الناس.\rوكذلك القول في اختيار الدلالين، يقر منهم الأمناء ويمنع الخونة.\rوإذا وقع في تطفيف تخاصمٌ، جاز أن ينظر المحتسب فيه إن لم يقترن به تجاحدٌ وتناكر، فإن أفضى إلى تجاحدٍ وتناكر، كان القضاة أحق بالنظر فيه من ولاة الحسبة، لأنهم أحق بالأحكام، وكان التأديب فيه إلى المحتسب.\rفإن ولاه الحاكم جاز، لاتصاله بحكمه.","part":2,"page":262},{"id":763,"text":"ومما ينكره المحتسب في العموم ولا ينكره في الخصوص والآحاد، التبايع بما لم يألفه أهل البلد من المكاييل والأوزان التي لا تعرف فيه وإن كانت معروفة في غيره.\rفإن تراضى بذلك اثنان، لم يعترض عليهما بالإنكار والمنع، ويمنع من عموم التعامل بها، لأنه قد يعاملهم فيها من لا يعرفها فيصير مغروراً.\rهذا ما يتعلق بالنهي في حقوق الله تعالى.\rوأما النهي في حقوق الآدميين المحضة: مثل أن يتعدى رجل في حد لجاره، أو حريم لداره، أو وضع أجذاعٍ على جداره، فلا اعتراض للمحتسب فيه ما لم يستعده الجار، لأنه حقٌ يخصه يصح منه العفو عنه والمطالبة به؛ فإن خاصمه فيه إلى المحتسب، نظر فيه، ما لم يكن بينهما تنازعٌ وتناكر، وأخذ المتعدي بإزالة تعديه؛ وكان تأديبه عليه بحسب شواهد الحال.\rفإن تنازعا كان الحاكم بالنظر فيه أحق.\rولو أقر الجار جاره على تعديه وعفا عن مطالبته بهدم ما تعدى فيه ثم عاد وطالب بذلك، كان ذلك له، وأخذ المتعدي بعد العفو عنه بهدم ما بناه.\rوإن كان قد ابتدأ البناء ووضع الأجذاع بإذن الجار ثم رجع الجار في إذنه، لم يؤخذ الباني بهدمه.\rوإن انتشرت أغصان شجرة إلى دار جاره، كلن للجار أن يستعدي المحتسب حتى يعديه على صاحب الشجرة، ليأخذه بإزالة ما انتشر من أغصانها في داره؛ ولا تأديب عليه لأن انتشارها ليس من فعله.\rولو انتشرت عروق الشجرة تحت الأرض حتى دخلت في قرار أرض الجار، لم يؤخذ بقلعها ولم يمنع الجار من التصرف في قرار أرضه وإن قطعها.\rوإذا نصب المالك تنوراً في داره فتأذى الجار بدخانه، لم يعترض عليه ولم يمنع منه.\rوكذلك لو نصب في داره رحىً أو وضع فيها حدادين أو قصارين، لم يمنع منه.\rوإذا تعدى مستأجر على أجير في نقصان أجره أو زيادة عمل، كفه عن تعديه؛ وكان الإنكار عليه معتبراً بشواهد حاله.\rولو قصر الأجير في حق المستأجر فنقصه من العمل أو استزاده في الأجرة، منع منه وأنكره عليه إذا تخاصما إليه؛ فإن اختلفا وتناكرا، كان الحاكم بالنظر بينهما أحق.\rومما يؤخذ ولاة الحسبة بمراعاته من أهل الصنائع في الأسواق ثلاثة أصناف: منهم من يراعى عمله في الوفور والتقصير، ومنهم من يراعى حاله في الأمانة والخيانة، ومنهم من يراعى عمله في الجودة والرداءة.\rفأما من يراعى عمله في الوفور والتقصير فكالطب والتعليم، لأن الطب إقدام على النفوس يفضي التقصير فيه إلى تلف أو سقم.\rوللمعلمين من الطرائق التي ينشأ الصغار عليها ما يكون نقلهم عنه بعد الكبر عسيراً، فيقر منهم من توفر علمه وحسنت طريقته، ويمنع من قصر وأساء من التصدي لما تفسد به النفوس وتخبث به الآداب.\rوأما من يراعى حاله في الأمانة والخيانة، فمثل الصاغة والحاكة والقصارين والصباغين، لأنهم ربما هربوا بأموال الناس، فيراعى أهل الثقة والأمانة منهم فيقرهم ويبعد من ظهرت خيانته، ويشهر أمره، لئلا يغتر به من لا يعرفه.\rوقد قيل: إن الحماة وولاة المعاون أخص بالنظر في أحوال هؤلاء من ولاة الحسبة؛ وهو الأشبه، لأن الخيانة تابعة للسرقة.\rوأما من يراعى عمله في الجودة والرداءة فهو مما ينفرد بالنظر فيه ولاة الحسبة.\rولهم أن ينكروا عليهم في العموم فساد العمل ورداءته وإن لم يكن فيه مستعدٍ؛ وأما في عمل مخصوص اعتمد الصانع فيه الفساد والتدليس، فإذا استعداه الخصم، قابل عليه بالإنكار والزجر، وإن تعلق بذلك غرم روعي حال الغرم، فإن افتقر إلى تقدير أو تقويم، لم يكن للمحتسب أن ينظر فيه، لافتقاره إلى اجتهاد حكمي؛ وكان القاضي بالنظر فيه أحق.\rوإن لم يفتقر إلى تقدير ولا تقويم واستحق فيه المثل الذي لا اجتهاد فيه ولا تنازع، فللمحتسب أن ينظر فيه بإلزام الغرم والتأديب.\rولا يجوز أن يسعر على الناس الأقوات ولا غيرها في رخصٍ ولا غلاء؛ وأجازه مالك - رحمه الله - في الأقوات مع الغلاء.\rوأما النهي في الحقوق المشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، فكالمنع من الإشراف على منازل الناس.\rولا يلزم من على بناءه أن يستر سطحه، وإنما يلزمه ألا يشرف على غيره.\rويمنع أهل الذمة من تعلية أبنيتهم على أبنية المسلمين.\rفإن ملكوا أبنية عالية أقروا عليها ومنعوا من الإشراف منها على المسلمين وأهل الذمة.","part":2,"page":263},{"id":764,"text":"ويأخذ أهل الذمة بما شرط في ذمتهم من لبس الغيار والمخالفة في الهيئة وترك المجاهرة بقولهم في عزير والمسيح.\rويمنع عنهم من تعرض لهم من المسلمين بسبٍ أو أذى، ويؤدب عليه من خالف فيه.\rوإذا كان في أئمة المساجد السابلة والجوامع الحافلة من يطيل الصلاة حتى يعجز الضعفاء وينقطع بها ذوو الحاجات، أنكر ذلك؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذٍ حين أطال الصلاة بقومه: \" أ فتانٌ أنت يا معاذ \" .\rفإن أقام على الإطالة ولم يمتنع منها، لم يجز أن يؤدبه عليها، ولكن يستبدل به من يخففها.\rوإذا كان في القضاة من يحجب الخصوم إذا قصدوه، ويمتنع من النظر بينهم إذا تحاكموا إليه، حتى تقف الأحكام ويتضرر الخصوم، فللمحتسب أن يأخذه، مع ارتفاع الأعذار، بما ندب له من النظر بين المتحاكمين وفصل القضاء بين المتنازعين، ولا يمنع علو رتبته من إنكار ما قصر فيه.\rوإذا كان في سادة العبيد من يستعملهم فيما لا يطيقون الدوام عليه، كان منعهم والإنكار عليهم موقوفاً على استعداء العبيد، فإذا استعدوه منع حينئذ وزجر.\rوإن كان في أرباب المواشي من يستعملها فيما لا تطيق الدوام عليه، أنكره المحتسب عليهم ومنعهم منه وإن لم يكن فيه مستعدٍ إليه.\rفإن ادعى المالك احتمال البهيمة لما يستعملها فيه، جاز للمحتسب أن ينظر فيه، لأنه إن افتقر إلى اجتهاد فهو عرفه يرجع فيه إلى عرف الناس، وليس باجتهاد شرعي.\rوللمحتسب الاجتهاد في العرف.\rوإذا استعداه العبد من امتناع سيده من كسوته ونفقته، جاز له أن يأمره بهما ويأخذه بالتزامهما.\rولو استعداه من تقصير سيده فيهما، لم يكن له في ذلك نظر ولا إلزام؛ لأنه يحتاج في التقدير إلى اجتهاد شرعي، ولا يحتاج في التزام الأصل إلى اجتهاد شرعي، لأن التقدير غير منصوص عليه ولزومه منصوص عليه.\rوللمحتسب أن يمنع أرباب السفن من حمل ما لا تسعه ويخاف منه غرقها.\rوكذلك يمنعهم من المسير عند اشتداد الريح.\rوإذا حمل فيها الرجال والنساء، حجز بينهم بحائل.\rوإذا اتسعت السفن، نصب للنساء مخارج للبراز لئلا يتبرجن عند الحاجة.\rوإذا كان في أهل الأسواق من يختص بمعاملة النساء، راعى المحتسب سيرته وأمانته، فإذا تحققها منه، أقره على معاملتهن.\rوإن ظهرت منه الريبة وبان عليه الفجور، منعه من معاملتهن، وأدبه على التعرض لهن.\rوقد قيل: إن الحماة وولاة المعاون أخص بإنكار هذا والمنع منه من ولاة الحسبة، لأنه من توابع الزنا.\rوينظر والي الحسبة في مقاعد الأسواق، فيقر منها ما لا ضرر على المارة فيه، ويمنع ما استضروا به.\rولا يقف منعه على الاستعداء إليه.\rوإذا بنى قوم في طريقٍ سابلٍ، منع منه وإن اتسع له الطريق، ويأخذهم بهدم ما بنوه ولو كان المبنى مسجداً؛ لأن مرافق الطرق للسلوك لا للأبنية.\rوإذا وضع الناس الأمتعة وآلات الأبنية في مسالك الشوارع والأسواق ارتفاقاً لينقلوه حالاً بعد حال، مكنوا منه إن لم يستضر به المارة، ومنعوا منه إن استضروا به.\rوكذلك القول في إخراج الأجنحة والسوابيط ومجاري المياه وآبار الحشوش، يقر ما لم يضر، ويمنع ما ضر.\rويجتهد المحتسب رأيه فيما ضر وما لم يضر، لأنه من الاجتهاد العرفي دون الشرعي.\rوالفرق بين الاجتهادين أن الاجتهاد الشرعي ما روعي فيه أصلٌ ثبت حكمه بالشرع، والاجتهاد العرفي ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالعرف.\rويوضح الفرق بينهما بتمييز ما يسوغ فيه اجتهاد المحتسب مما هو ممنوع من الاجتهاد فيه.\rولناظر الحسبة أن يمنع من ينقل الموتى من قبورهم إذا دفنوا في ملك أو مباح، إلا من أرض مغصوبة، فيكون لمالكها أن يأخذ من دفنهم فيها بنقلهم منها.\rواختلف في جواز نقلهم من أرض قد لحقها سيلٌ أو ندىً، فجوزه الزبيري وأباه غيره.\rويمنع من خصاء الآدميين وغيرهم.\rويؤدب عليه؛ وإن استحق فيه قودٌ أو ديةٌ استوفاه لمستحقه ما لم يكن فيه تناكر وتنازع.\rويمنع من خضاب الشيب بالسواد إلا لمجاهد في سبيل الله تعالى.\rويؤدب من يصبغ به للنساء.\rولا يمنع من الخضاب إلا بالحناء والكتم.\rويمنع من التكسب بالكهانة، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي.\rوهذا فصل يطول شرحه، لأن المنكرات لا ينحصر عددها فتستوفى.\rوفيما تقدم منها كفاية؛ والأحوال تؤخذ بنظائرها وأشباهها، فلا نطول بسردها.","part":2,"page":264},{"id":765,"text":"وفقنا الله وإياك لصالح العمل، وجنبنا موارد الخطأ ومصادر الزلل؛ وأعان كل والٍ على ما ولاه، وكل راعٍ على ما استرعاه، بمنه وكرمه ولطفه.\rالباب الرابع\rالكتابة وأصناف الكتاب\rولنبدأ باشتقاق الكتابة، ولم سميت الكتابة كتابة، ثم نذكر شرفها وفوائدها، ثم نذكر ما عدا ذلك من أخبار المحترفين بها، وما يحتاج كل منهم إليه، فنقول وبالله التوفيق والإعانة.\rأصل الكتابة مشتق من الكتب وهو الجمع، ومنه سمي الكتاب كتابة، لأنه يجمع الحروف وسميت الكتيبة كتيبة، لأنها تجمع الجيش، وقد ورد في المعارف: أن حروف المعجم أنزلت على آدم عليه السلام في إحدى وعشرين صحيفة، وسنذكر من ذلك طرفا عند ذكرنا لأخبار آدم عليه السلام في فن التاريخ فهذا اشتقاقها.\rوأما شرفها - فقد نص الكتاب العزيز عليه، فقال - تعالى - وهو أول ما أنزل على رسول الله عليه وسلم من القرآن بغار حراء في شهر رمضان المعظم - \" اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم \" قال تعالى: \" الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان \" وقال تعالى في وصف الملائكة: \" كراماً كاتبين \" إلى غير ذلك من الآي.\rومن شرف الكتابة نزول الكتب المتقدمة مسطورة في الصحف كما ورد في الصحف المنزلة على شيث وإدريس ونوح وإبراهيم وموسى وداود وغيرهم صلى الله عليهم كما أخبر به القرآن، قال الله تعالى \" إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى \" وقال تعالى \" وألقى الألواح \" وما ورد في الأخبار الصحيحة والأحاديث الصريحة أنه مكتوب على العرش وعلى أبواب الجنة ما صورته: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وكفى بذلك شرفا.\rوأما فوائدها: فمنها رسم المصحف الكريم الموجود بين الدفتين في أيدي الناس ولولا ذلك لاختلف فيه ودخل الغلط وتداخل الوهم قلوب الناس.\rومنها رقم الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم التي عليها بنيت الأحكام وتميز الحلال من الحرام، وضبط كتب العلوم المنقولة عن أعلام الإسلام وتواريخ من انقرض من الأنام فيما سلف من الأيام.\rومنها حفظ الحقوق، ومنع تمرد ذوي العقوق؛ بما يقع عليهم من الشهادات ويسطر عليهم من السجلات التي أمر الله تعالى بضبطها بقوله تعالى: \" يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجلٍ مسمى فاكتبوه \" ومنها المكاتبة بين الناس بحوائجهم من المسافات البعيدة، إذ لا ينضبط مثل ذلك برسول، ولا تنال الحاجة به بمشافهة قاصد، ولو كان على ما عساه علي يكون من البلاغة والحفظ لوجود المشقة، وبعد الشقة.\rومنها ضبط أحوال الناس، كمنشير الجند، وتواقيع العمال وإدارات أرباب الصلات في سائر الأعمال، إلى ما يجري هذا المجرى، فكان وجودها في سائر الناس فضيلة وعدمها نقيصة إلا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها إحدى معجزاته لأنه صلى الله عليه وسلم أمي \" أتى \" بما أعجز البلغاء، وأخرس الفصحاء، وفل حد المؤرخين من غير مدارسة ولا ممارسة تعليم، ولا مراجعة لمن عرف بذلك واشتهر به.\rوالكتابة العربية أشرف الكتابات لأن الكتاب العزيز لم يرقم بغيرها خلافاً لسائر الكتب المنزلة، وهذه الكتابة العربية أول من اخترعها على الوضع الكوفي سكان مدينة الأنبار، ثم نقل هذا القلم إلى مكة فعرف بها، وتعلمه من تعلمه، وكثر في الناس وتداولوه، ولم تزل الكتابة به على تلك الصورة الكوفية إلى أيام الوزير أبي علي بن مقلة، فعربها تعريباً غير كاف، ونقلها نقلاً غير شاف، فكانت كذلك إلى أن ظهر علي بن هلال الكاتب المعروف بابن البواب، فكمل تعريبها وأحسن تبويبها، وأبدع نظامها، وأكمل التئامها، وحلاها بهجة وجمالاً، وأولاها بل أولى بها منة وإفضالاً، وألبسها من رقم أنامله حللا، وجلاها للعيون فكان أول من أحسن في ترصيعها وترصيفها عملاً، ولا زال يتنوع في محاسنها، ويتنوع في ترصيع عقود ميامنها؛ حتى تقررت على أجمل قاعدة وتحررت على أكمل فائدة، وسنزيد ما قدمناه من هذه الفصول وضوحاً وتبياناً، ونقيم على تفصيل مجملها وبسط مدمجها أدلة وبرهاناً.","part":2,"page":265},{"id":766,"text":"\" ثم الكتابة بحسب من \" يحترفون بها على أقسام: وهي كتابة الإنشاء، وكتابة الديوان والتصرف، وكتابة الحكم والشروط، وكتابة النسخ، وكتابة التعليم، ومنهم من عد في الكتابة كتابة الشرط، ولم نرد ذكرها تنزيهاً لكتابنا عنها، ولا حكمة في إيرادها.\rولنبدأ بذكر كتابة الإنشاء وما يتعلق بها.\rذكر كتابة الإنشاء وما اشتملت عليه من البلاغة والإيجاز والجمع في المعنى الواحد بين الحقيقة والمجاز، والتلعب بالألفاظ والمعاني والتوصل إلى بلوغ الأغراض والأماني.\rولنبدأ من ذلك بوصف البلاغة وحدها والفصاحة: فأما البلاغة - فهي أن يبلغ الرجل بعبارته كنه ما في نفسه، ولا يسمى البليغ بليغاً إلا إذا جمع المعنى الكثير في الفظ القليل، وهو المسمى إيجازاً.\rوينقسم الإيجاز إلى قسمين: إيجاز حذف، وهو أن يحذف شئ من الكلام وتدل عليه القرينة، كقوله تعالى: \" وأسأل القرية التي كنا فيها \" والمراد أهل القرية وكقوله تعالى: \" ولكن البر من اتقى \" والمراد ولكن البر من اتقى، وكقوله تعالى: \" واختار موسى قومه سبعين رجلاً \" والمراد من قومه وقوله تعالى: \" وعلى الذين يطيقونه \" والمراد لا يطيقونه \" ونظائرهم هذا وأشباهه كثير.\rوإيجاز قصر هو تكثير المعنى وتقليل الألفاظ، كقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم مما جمع فيه شرائط الرسالة: \" فاصدع بما تؤمر \" وسمع أعرابي رجلاً يتلوها فسجد وقال: سجدت لفصاحته، ذكره أبو عبيد، وقوله تعالى مما جمع فيه مكارم الأخلاق: \" خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين \" وقوله تعالى: \" إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلو علي وآتوني مسلمين \" فجمع في ثلاث كلمات بين العنوان والكتاب والحاجة وقوله تعالى: \" قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجوده وهم لا يشعرون \" فجمع في هذا على لسان النملة بين النداء والتنبيه والأمر والنهي والتحذير والتخصيص والعموم والإشارة والإعذار؛ ونظير ذلك ما حكي عن الأصمعي أنه سمع جارية تتكلم فقال لها: قاتلك الله، ما أفصحك، فقالت: أو يعد هذا فصاحة بعد قول الله تعالى: \" وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين \" فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.\rولما سمع الوليد بن المغيرة من النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: \" إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون \" قال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، ما يقول هذا بشر.\rوسمع آخر رجلاً يقرأ: \" فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا \" فقال: أشهد مخلوقاً لا يقدر على مثل هذا الكلام.\rوقال أبو عثمان عمرو بن الجاحظ: البيان اسم جامع لكل ما كشف لك من قناع المعنى، وهتك الحجاب عن الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقة اللفظ ويهجم على محصوله كائناً ما كان.\rوقيل لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ فقال: أن يكون اللفظ محيطاً بمعناك كاشفاً عن مغزاك، وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بطول الفكرة ويكون سليماً من التكلف، بعيداً من سوء الصنعة، بريئاً من التعقيد، غنياً عن التأمل.\rوقال آخر: خير البيان ما كان مصرحاً عن المعنى ليسرع إلى الفهم تلقيه وموجزاً ليخف على اللسان تعاهده.\rوقال أعرابي: البلاغة التقرب من معنى البغية، والتبعد من وحشي الكلام وقرب المأخذ، وإيجاز في صواب، وقصد إلى الحجة، وحسن الاستعارة، قال علي رضي الله عنه: البلاغة لإفصاح عن حكمه مستغفلة وإبانة علم مشكل.\rوقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: البلاغة إيضاح الملتبسات وكشف عورات الجهالات، بأحسن ما يمكن من العبارات.\rوأما الفصاحة - فهي مأخوذة من قولهم: أفصح اللبن إذا أخذت عنه الرغوة. وقالوا: لا يسمى الفصيح فصيحاً حتى تخلص لغته عن اللكنة الأعجمية ولا توجد الفصاحة إلا في العرب. وعلماء العرب يزعمون أن الفصاحة في الألفاظ والبلاغة في المعاني ويستدلون بقولهم: لفظ فصيح ومعنى بليغ.\rومن الناس من استعمل الفصاحة والبلاغة بمعنى واحد في الألفاظ والمعاني والأكثرون عليه.\rذكر صفة البلاغة","part":2,"page":266},{"id":767,"text":"قيل لعمر بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلغك الجنة، وعدل بك عن النار؛ قال السائل: ليس هذا أريد؛ قال: فما بصرك مواقع رشدك وعواقب غيك؛ قال: ليس هذا أريد؛ قال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يسمع ومن لم يحسن أن يسمع لم يحسن أن يسأل، ومن لم يحسن أن يسأل لم يحسن أن يقول؛ قال: ليس هذا أريد؛ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" أنا معشر النبين بكاء \" - أي قليلوا الكلام، وهو جمع بكئ - وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله قال السائل: ليس هذا ما أريد؛ قال: فكأنك تريد تخير اللفظ في حسن إفهام؛ قال: نعم، قال: إنك أن أردت تقرير حجة الله في عقول المتكلمين، تخفيف المؤونة على المستمعين، وتزيين المعاني في قلوب المستفهمين بالألفاظ الحسنة رغبة في سرعة استجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم بالمواعظ الناطقة عن الكتاب والسنة كنت قد أوتيت فصل الخطاب.\rوقيل لبعضهم: ما البلاغة؟ قال: معرفة الوصل من الفصل، وقيل لآخر: ما البلاغة؟ قال: ألا يؤتى القائل من سوء فهم السامع، ولا يؤتى السامع من سوء بيان القائل.\rوقيل للخليل بن أحمد: ما البلاغة؟ فقال: ما قرب طرفاه، وبعد منتهاه.\rوقيل لبعض البلغاء: من البليغ؟ قال: الذي إذا قال أسرع، وإذا أسرع أبدع وإذا أبدع حرك كل نفس بما أودع.\rوقالوا: لا يستحق الكلام اسم البلاغة حتى يكون معناه إلى قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك.\rوسأل معاوية صحاراً العبدي: ما هذه البلاغة؟ قال: أن تجيب فلا تبطئ وتصيب فلا تخطئ.\rوقال الفضل: قلت لأعرابي: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز في غير عجز والإطناب في غير خطل.\rوقال قدامة: البلاغة ثلاثة مذاهب: المساواة وهو مطابقة اللفظ المعنى لا زائد ولا ناقصاً؛ والإشارة وهو أن يكون الفظ كاللمحة الدالة؛ والدليل وهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، ليظهر لمن يفهمه، ويتأكد عند فهمه.\rقال بعض الشعراء:\rيكفى قليل كلامه وكثيره ... بيت إذا طال النضال مصيب\rوقال أحمد بن محمد بن عبد ربه صاحب العقد: البلاغة تكون على أربعة أوجه: تكون باللفظ والخط والإشارة والدلالة، وكل وجه منها حظ من البلاغة والبيان وموضع لا يجوز فيه غيره، ورب إشارة أبلغ من لفظ.\rوقال رجل للعتابي: ما البلاغة؟ قال: كل ما أبلغك حاجتك وأفهمك معناه بلا إعادة ولا حبسة ولا إستعانة فهو بليغ، قالوا: قد فهمنا الإعادة والحبسة فما معنى الاستعانة؟ قال: أن يقول عند مقاطع الكلام: اسمع مني، وافهم عني، أو يمسح عثنونه، أو يفتل أصابعه، أو يكثر التفاته، أو يسعل من غير سعلة، أو ينبهر في كلامه قال بعض الشعراء:\rملئ ببهر والتفات وسعلةٍ ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع\rومن كلام أحمد بن إسماعيل الكاتب المعروف بنطاحة، قال: البليغ من عرف السقيم من المعتل، والمقيد من المطلق، والمشترك من المفرد، والمنصوص من المتأول، والإيماء من الإيحاء والفصل من الوصل، والتلويح من التصريح.\rومن أمثالهم في البلاغة قولهم: يقل الحز ويطبق المفصل. وذلك أنهم شبهوا البليغ الموجز الذي يقل الكلام ويصيب نصوص المعاني بالجزار الرفيق الذي يقل حز اللحم ويصيب مفاصله، وقولهم: يضع الهناء مواضع النقب، أي لا يتكلم إلا فيما يجب الكلام فيه، والهناء: القطران. والنقب: الحرب. وقولهم: قرطس فلان فأصاب الغرة، وأصاب عين القرطاس. كل هذه أمثال للمصيب في كلامه الموجز في لفظه.\rفصول من البلاغة قيل: لما قدم قتيبة بن مسلم خراسان والياً علها، قال: من كان في يده شئ من مال عبد الله ب حازم فلينبذه، ومن كان في فيه فليلفظه ومن كان في صدره فلينفثه. فعجب الناس من حسن ما فصل.\rوكتب المعتصم إلى ملك الروم جواباً عن كتاب تهدده فيه: الجواب ما ترى لا تسمع \" وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار \" وقيل لأبي السمال الأسدي أيام معاوية: كيف تركت الناس؟ قال: تركتهم بين مظلوم لا ينتصف وظالم لا ينتهي. وقيل لشبيب بن شبة عد باب الرشيد: كيف رأيت الناس؟ قال: رأيت الدخل راجياً والخارج راضياً.\rوقال حسان بن ثابت في عبد الله بن عباس رضي الله عنهم:\rإذا قال لم يترك مقالاً لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فضلا\rكفى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي إربة في القول جداً ولا هزلا","part":2,"page":267},{"id":768,"text":"قال سهل بن هارون: البيان ترجمان العقول وروض القلوب؛ البلاغة ما فهمته العامة، ورضيته الخاصة؛ أبلغ الكلام ما سابق لفظه، خير الكلام ما قل وجل ودل ولم يمل؛ خير الكلام ما كان لفظه فحلا ومعناه بكرا.\rوقال ابن المعتر: البلاغة أن تبلغ المعنى ولم تطل سفر الكلام؛ خير الكلام ما أسفر عن الحاجة؛ أبلغ الكلام ما يؤنس مسمعه، ويؤنس مضيعه؛ أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقل مجازه، وكثر إعجازه، البلاغة ما أشار إليه البحتري حيث قال:\rوركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المراد البعيد\rجمل من بلاغات العجم وحكمها قال أبرويز لكاتبه: إذا فكرت فلا تعجل، وإذا كتبت فلا تستعن بالفضول فإنها علاوة على الكفاية، ولا تقصرن عن التحقيق فإنها هجنة في المقالة، ولا تلبسن كلام بكلام، ولا تباعدن معنى عن معنى، وأجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول ووافق كلامه قول ابن المعتر: ما رأيت بليغاً إلا رأيت له في المعاني إطالة وفي الألفاظ تقصيرا. وهذا حث على الإيجاز. وقال أبرويز أيضاً لكاتبه: اعلم أن دعائم المقالات أربع إن التمس إليها خامسة لم توجد، وإن نقص منها واحدة لم تتم وهي: سؤالك الشيء، وسؤالك عن الشيء، وأمرك بالشيء، وخبرك عن الشيء؛ فإذا طلبت فأنجح، وإذا سألت فأوضح، وإذا أمرت فاحكم، وإذا أخبرت فحقق.\rوقال بهرام جور: الحكم ميزان الله في الأرض. ووافق ذلك قول الله تعالى: \" والسماء رفعها ووضع الميزان \" وقال أبو شروان لابنه هرمز: لا يكون عندك لعمل البر غاية في الكثرة ولا لعمل الإثم غاية في القلة، ووافق من كلام العرب قول الأفوه:\rوالخير تزداد منه ما لقيت به ... والشر يكفيك منه قلما زاد\rوقال أزدشير بن بابك: من لم يرض بما قسم الله له طالت معتبته، وفحش حرصه، ومن فحش حرصه ذلت نفسه، وغلب عليه الحسد، ومن غلب عليه الحسد لم يزل مغموماً فيما لا ينفعه حزيناً على ما لا يناله. وقال: من شغل نفسه بالمنى لم يخل قلبه من الأسى.\rوقال بعضهم: الحقوق أربعة: حق لله وقضاؤه الرضا بقضائه، والعمل بطاعته، وإكرام أوليائه؛ وحق لنفسك، وقضاؤه تعهدها بما يصلحها ويصحها ويحسم مواد الأذى عنها، وحق للناس، وقضاؤه عمومهم بالمودة، ثم تخصيص مل امرئ منهم بالتوقير والتفضيل والصلة، وحق للسلطان وقضاؤه تعريفه بما خفي عليه من منفعة رعية وجهاد عدو، وعمارة بلد، وسد ثغر. وقال بزر جمهر: إلزام الجمهور الحجة يسير، وإقراره بها عسير.\r\" صفة الكاتب \" وما ينبغي أن يأخذ به نفسه قال إبراهيم بن محمد الشيباني: من صفة الكاتب اعتدال القامة وصغر الهامة وخفة اللهازم وكنافة اللحية، وصدق الحس ولطف المذهب وحلاوة الشمائل وخطف الإشارة، وملاحة الزي، وقال: من كمال آلة الكاتب أن يكون بهي الملبس، نظيف المجلس، ظاهر المروءة، عطر الرائحة، دقيق الذهن، صادق الحس حسن البيان، رقيق حواشي اللسان، حلو الإشارة، مليح الاستعارة، لطيف المسلك مستفره بالمركب، ولا يكون مع ذلك فضفاض الجثة، متفاوت الأجزاء، طويل اللحية عظيم الهامة؛ فإنهم زعموا أن هذه الصورة لا يليق بصاحبها الذكاء والفطنة.\rقال بعض الشعراء:\rوشمول كأنما اعتصروها ... من معاني شمائل الكتاب\rهذا ما قيل في صفة الكاتب وأما ما ينبغي للكاتب أن يأخذ به نفسه، فقد قل إبراهيم الشيباني: أول ذلك حسن الخط الذي هو لسان اليد، وبهجة الضمير، وسفير العقول، ووحي الفكر، وسلاح المعرفة، وأنس الإخوان عند الفرقة ومحادثتهم على بعد المسافة ومستودع السر، وديوان الأمور.\rوقد قيل في قوله تعالى: \" يزيد في الخلق ما يشاء \" : إنه الخط الحسن.\rوقد اختلف الكتاب في نقط الخط وشكله، فمنهم من كرهه قال سعيد بن حميد الكاتب: لأن يشكل الحرف على القارئ أحب إلي من أن يعاب الكاتب بالشكل.\rوعرض خط على عبد الله بن طاهر فقال: ما أحسنه لولا أنه أكثر ونظر محمد بن عباد إلى أبي عبيد وهو يقيد البسملة فقال: لو عرفته ما شكلته..\rومنهم من حمده فقال: حلو عن عواطل الكتب بالتقييد، وحصنوها من شبه التصحيف والتحريف.\rوقيل: إعجام الكتب يمنع من استعجامها، وشكلها يصونها عن إشكالها.\rقال الشاعر:\rوكان أحرف خطه شجر ... والشكل في أغصانه ثمره","part":2,"page":268},{"id":769,"text":"وأما ما قيل في حسن الخط وجودة الكتابة ومدح الكتاب والكتاب.\rقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الخط الحسن يزيد الحق وضوحاً.\rوقال: حسن الخط إحدى البلاغتين.\rوقال عبيد بن العباس: الخط لسان اليد. وقال جعفر بن يحيى: الخط سمط الحكمة. به تفصل شذورها، وينتظم منثورها؛ وقال أبو هلال العسكري:\rالكتب عقل شوادر الكلم ... والخط خيط في يد الحكم\rوالخط نظم كل منتثر ... منها وفصل كل منتظم\rوالسيف وهو بحيث تعرفه ... فرض عليه عبادة القلم\rوقد اختلف الناس في الخط واللفظ، فقال بعضهم: الخط أفضل من اللفظ لأن اللفظ يفهم الحاضر، والخط يفهم الحاضر والغائب.\rقالوا: ومن أعاجيب الخط كثرة اختلافه والأصل فيه واحد كاختلاف صور الناس مع اجتماعهم في الصبغة. قال الصولي: سئل بعض الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصف بالجودة؟ قال: إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه، واستقامت سطوره وضاهى حدوره، وتفتحت عيونه ولم تشتبه راؤه ونونه، وأشرق قرطاسه، وأظلمت أنفاسه، ولم تختلف أجناسه، وأسرع إلى العيون تصوره، وإلى القلوب ثمره، وقدرت فصوله، \" واندمجت وصوله وتناسبت دقيقه وجليله \" وتساوت أطنابه واستدارت أهدابه، وخرج عن نمط الوراقين، وبعد عن تصنيع المحررين؛ \" وقام لكاتبه مقام النسبة والحلية \" وكان حينئذ كما قلت في صفة الخط:\rإذا ما تخل قرطاسه ... وساوره القلم الأرقش\rتضمن من خطه حلة ... كمثل الدنانير أو أنقش\rحروف تكون لعين الكليل ... نشاطاً ويقرؤها الأخفش\rوقال ابن المعتر:\rإذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... تفتح نوراً أو تنظم جوهرا\rوقيل لبعضهم: كيف رأيت إبراهيم الصولي؟ فقال:\rيؤلف اللؤلؤ المنثور منطقه ... وينظم الدر بالأقلام في الكتب\rوقال آخر:\rأضحكت قرطاسك عن جنةٍ ... أشجارها من حكم مثمره\rمسودة سطحا ومبيضة ... أرضاً كمثل الليلة المقمرة\rوقال آخر:\rكتبت فلولا أن هذا محلل ... وذاك حرام قست خطك بالسحر\rفوا لله ما أدري أزهر خميلة ... بطرسك أم در يلوح على نحر\rفإن كان زهراً فهو صنع سحابة ... وإن كان دراً فهو من لجج البحر\rوقال آخر:\rوكاتبٍ يرقم في طرسه ... روضاً به ترتع ألحاظه\rفالدر ما تنظم أقلامه ... والسحر ما تنثر ألفاظه\rوقال آخر:\rوشادنٍ من بني الكتاب مقتدر ... على البلاغة أحلى الناس إنشاء\rفلا يجاريه في ميدانه أحد ... يريك سحبان في الإنشاء إن شاء\rوقال آخر:\rإن هز أقلامه يوماً ليعلمها ... أنساك كل كمي هز عامله\rوإن أمر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له\rوقال أبو الفتح كشاجم:\rوإذا نمنمت بنانك خطا ... معرباً عن بلاغة وسداد\rعجب الناس من بياض معانٍ ... تجتني من سواد ذاك المداد\rوقال الممشوق الشامي شاعر اليتيمة:\rلا يخطر الفكر في كتابته ... كأن أقلامه لها خاطر\rالقول والفعل يجريان معاً ... لا أول فيهما ولا آخر","part":2,"page":269},{"id":770,"text":"قال أبو عثمان عمرو بن الجاحظ: الكتاب نعم الذخر والعقدة، ونعم الجليس والعمدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المستغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، والوزير والنزيل؛ والكتاب وعاء ملئ علماً، وظرف حشي ظرفا، وإناء شحن مزاجاً وجدا، إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت ضحكت من نوادره وعجبت من غرائب فوائده، وإن شئت ألهتك نوادره، وإن شئت شجتك مواعظه ومن لك مله، وبزاجر مغر وبناسك فاتك، وناطق أخرس، وببادر حار ومن لك بطبيب أعرابي وبرومي هندي، وفارسي يوناني، وبقديم مولد، وبميت ممتع ومن لك بشيء يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والشاهد والغائب والرفيع والوضيع والغث والسمين، والشكل وخلافه، والجنس وضده؛ وبعد فمتى رأيت بستاناً يحمل في ردن؟ وروضة تقلب في حجر؟ ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحيا، ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك، ولا ينطق إلا بما تهوى، \" آمن من الأرض \" وأكتم للسر من صاحب السر، واضبط لحفظ الوديعة من أرباب الوديعة وأحضر لما استحفظ من الأميين ومن الأعراب المعربين بل من الصبيان قبل اعتراض الأشغال، ومن العميان قبل التمتع بتمييز الأشخاص، حين العناية تامة لم تنتقص والأذهان فارغة لم تستقم، والإرادات وافرة لم تستعتب، والطينة لينة فهي أقبل ما تكرن للطابع والقضيب رطب فهو أقرب ما يكون للعلوق، حين هذه الخصال لم يلبس جديدها، ولم تتفرق قواها، وكانت كقول الشاعر:\rأتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبي فارغاً فتمكنا\rوقال ذو الرمة لعيسى بن عمر: أكتب شعري فالكتاب أعجب إلى من الحفظ لأن الأعرابي ينسى الكلمة قد تعب في طلبها يوماً أو ليلةً، فيضع موضعها كلمة في وزنها لم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلام بكلام، قال: ولا أعلم جارا أبرأ، ولاخليطا أنصف، ولا رفيقاً أطوع، ولا معلماً أخضع، ولا صاحباً أظهر كفاية، ولا أقل خيانة ولا أقل إبراماً وإمالاً ولا أقل خلافاً وإجراماً ولا أقل غيبة، ولا أكثر أعجوبة وتصرفاً، ولا أقل صلفاً وتكلفاً، ولا أبعد من مراء، ولا أترك لشغب، ولا أزهد في جدال، ولا أكف عن قتال من كتاب؛ ولا أعلم شجرة أطول عمراً، ولا أجمع أمراً، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتني ولا أسرع إدراكاً، ولا أوجد في كل إبان من كتاب؛ ولا أعلم نتاجاً في حداثة سنه وقرب ميلاده، وحضور ذهنه، وإمكان موجوده، يجمع من التدابير العجيبة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذقان اللطيفة، ومن الأخبار عن القرون الماضية والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب؛ وقد قال الله تبارك اسمه لنبيه صلى الله عليه وسلم: \" اقرأ باسم ربك الأكرم الذي علم بالقلم \" فوصف نفسه تعالى جده بأن علم بالقلم، كما وصف به نفسه بالكرم، واعتد بذلك من نعمه العظام، وفي أياديه الجسام.\rذكر شئ مما قيل في آلات الكتابة قال إبراهيم بن محمد الشيباني فيما يحتاج إليه الكاتب: من ذلك أن يصلح الكاتب آلته التي لا بد منها، وأداته التي لا تتم صناعته إلا بها، وهي دواته، فلينعم ربها وإصلاحها، ثم يتخير من أنابيب القصب أقله عقداً وأكثفه لحماً، وأصلبه قشرا، وأعدله استواءاً، ويجعل لقرطاسه سكيناً حاداً لتكون عوناً له على بري أقلامه، ويبريها من جهة نبات القصبة، فإن محل القلم من الكاتب كمحل الرمح من الفارس. وقد خص الفضلاء القلم بأوصاف كثيرة، ومزايا خطيرة فلنذكر منها طرفا.\rذكر شئ مما قيل في القلم قال الله تعالى: \" ن والقلم وما يسطرون \" وقال: \" اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم \" وقال الحكماء: القلم أحد اللسانين، وهو المخاطب للعيون بسر القلوب.\rوقالوا: عقول الرجال تحت أسنة أقلامها. بنوء الأقلام يصوب غيث الحكمة.\rالقلم صائغ الكلام يفرغ ما يجمعه القلب، ويصوغ ما يسكبه اللب.\rوقال جعفر بن يحيى: لم أر باكياً أحسن تبسما من القلم.\rوقال المأمون: لله در القلم يحوك وشئ المملكة.\rوقال ثمامة بن أشرس: ما أثرته الأقلام، لم تطمع في درسه الأيام. بالأقلام تدبر الأقاليم، كتاب المرء عنوان عقله، ولسان فضله، عقل الكاتب في قلمه.","part":2,"page":270},{"id":771,"text":"وقال ابن المعتز: القلم مجهز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة كأنه يقبل بساط سلطان أو يفتح نوار بستان.\rوقال الحسن بن وهب: يحتاج الكاتب إلى خلال: منها جودة بري القلم وإطالة جلفته، وتحريف قطته، وحسن التأني لامتطاء الأنامل، وإرسال المدة بعد إشباع الحروف، والتحرز عند فراغها من الكسوف، وترك الشكل على الخطأ والإعجام على التصحيف.\rوقال العتابي: سألني الأصمعي في دار الرشيد: أي الأنابيب للكتابة أصلح وعليها أصبر؟ فقلت له: ما نشف بالهجير ماؤه، وستره من تلويحه غشاؤه؛ من التبرية القشور، الدرية الظهور، الفضية الكسور؛ قال: فأي نوع من البري أصوب وأكتب؟ فقلت: البرية المستوية القطة التي عن يمين سنها برية تؤمن معها المجة عند المدة والمطة، للهواء في شقها فتيق، وللريح في جوفها خريق، والمداد في خرطومها رقيق. قال العتابي: فبقي الأصمعي شاخصاً إلي ضاحكاً لا يحير مسألة ولا جواباً.\rوكتب علي بن الأزهر إلى صديق له يستدعي منه أقلاماً: أما بعد: فإنا على طول الممارسة لهده الكتابة التي غلبت على الاسم، ولزمت لزوم الوسم، فحلت محل الأنساب وجرت مجرى الألقاب، وجدنا الأقلام الصحرية أجرى في القواعد وأمر في الجلود، كما أن التجربة منها أسلس في القراطيس، وألين في المعاطف وأشد لتعريف الخط فيها، ونحن في بلد قليل القصب رديئه، وقد أحببت في أن تتقدم في اختيار أقلام صحرية، وتتنوق في اقتنائها قبلك، وتطلبها من مظانها ومنابتها من شطوط الأنهار، وأرجاء الكروم، وأن تتيمن باختيارك منها الشديدة الصلبة النقية الجلود، القليلة الشحوم، الكثيرة اللحوم، الضيقة الأجواف، الرزينة المحمل فإنها أبقى على الكتابة، وأبعد من الحفا، وأن تقصد بانتقائك للرقاق القضبان المقومات المتون، الملس المعاقد الصافية القشور، الطويلة الأنابيب، البعيدة ما بين الكعوب الكريمة الجواهر، المعتدلة القوام، المستحكمة يبساً وهي قائمة على أصولها، لم تعجل عن إبان ينعها، ولم تؤخر إلى الأوقات المخوفة عليها من خصر الشتاء وعفن الأنداء؛ فإذا استجمعت عندك أمرت بقطعها ذراعاً قطعاً رقيقاً، ثم عبأت منها حزماً فيما يصونها من الأوعية، \" ووجهتها مع من يؤدي الأمانة في حراستها وحفظها وإيصالها \" وتكتب معها بعدتها وأصنافها بغير تأخير ولا توان، إن شاء الله تعالى.\rوأهدى ابن الحرون إلى بعض إخوانه أقلاماً وكتب إليه: إنه لما كانت الكتابة - أبقاك الله - أعظم الأمور، وقوام الخلافة، وعمود المملكة اتحفتك من آلتها بما يخف جمله، وتثقل قيمته، ويعظم نفعه، ويحل خطره، وهي أقلام من القصب النابت في الصحراء الذي نشف بحر الهجير \" في قشره \" ماؤه، وستره من تلويحه غشاؤه، فهي كاللآلئ المكنونة في الصدف، والأنوار المحجوبة في السدف؛ تبرية القشور، درية الظهور، فضية الكسور؛ قد كستها الطبيعة جوهراً كالوشي المحبر، ورونقاً كالديباج المنير.\rومن كتاب لأبي الخطاب الصابي - يصف فيه أقلاما أهداها في جملة أصناف - جاء منه:","part":2,"page":271},{"id":772,"text":"وأضفت إليها سليمة من المعايب، مبرأة من المثالب؛ جمة المحاسن بعيدة عن المطاعن؛ لم يربها طول ولا قصر، ولم ينقصها ضعف ولا خور؛ ولم يشنها لي ولا رخاوة، ولم يعبها - كزازة ولا قساوة؛ فهذه آخذة بالفضائل من جميع جهاتها مستوفية للممادح بسائر صفاتها صلبة المعاجم لينة المقاطع موفية القدور والألوان، محمودة المخبر والعيان؛ قد استوى في الملامسة خارجها وداخلها، وتناسب في السلاسة عاليها سافلها، نبتت بين الشمس والظل واختلفت عليها الحرّ والقر؛ فلفحها وقدان الهواجر، وسفعتها \" سمائم \" شهر ناجر، ووقذها الشفان بصرده، وقذفها الغمام ببرده، وصابتها الأنواء بصيبها، واستهلت عليها السحائب بشآبيبها؛ فاستمرت مرائرها على إحكام واستحصد سحلها بالإبرام؛ جاءت شتى الشيات متغايرة الهيئات، متباينة المحال والبلدان؛ تختلف بتباعد ديارها وتأتلف بكرم نجارها؛ فمن أنابيب باتت رماح الخط في أجناسها، وشاكلت الذهب في ألوانها، وضاهت الحرير في لمعانها، بطيئة الحفا، نمرة القوى، لا يشظيها القط، ولا يشعث بها الخط؛ ومن مصرية بيض، كأنها \" قباطي مصر نقاء وغرقئ البيض صفاء، غذها الصعيد من ثراه بليه \" وسقاها النيل من نميرة وعذبه؛ فجاءت ملتئمة الأجزاء، سليمة من الالتواء تستقيم شقوقها في أطوالها، ولا تنكب عن يمينها ولا شمالها، تقترن بها صفراء كأنها معها عقيان قرن بلجين، أو ورق خلط بعين، تختال في صفر ملاحفها، وتميس في مذهب مطارفها، بلون غياب الشمس، وصبغ ثياب الورس، ومن منقوشة تروق العين، وتونق النفس ويهدي حسنها الأريحية إلى القلوب، ويحل الطرب لها حبوة الحكيم اللبيب، كأنها اختلاف الزهر اللامع، وأصناف الثمر اليانع \" ومن بحرية موشية الليط \" رائقة التخليط؛ كأن داخلها قطرة دم، أو حاشية رداء معلم وكأن خارجها أرقم، أو متن واد مفعم، نثرت ألواناً تزري بورد الخدود وأبدت قامات تفصح بأود القدود.\rوقد أكثر الشعراء القول في وصف القلم، فمن ذلك قول أبي تمام الطائي:\rلك القلم الأعلى الذي بشباته ... تصاب من الأمر الكلي والمفاصل\rلعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل\rله ريقة طل ولكن وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل\rفصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل\rإذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل\rأطاعته أطراف القنا وتفوضت ... لنجواه قويض الخيام الحجافل\rإذا استغزر الذهن الجلي وأقلبت ... أغاليه في القرطاس وهي أسافل\rوقد رفدته الخنصران وسددت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل\rرأيت جليلاً شأنه وهو مرهف ... ضنى وسميناً خطبه وهو ناحل\rوقال آخر:\rقوم إذا أخذوا الأقلام من غضب ... ثم استمدوا بها ماء المنيات\rنالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ... ما لم ينالوا بحد المشرفيات\rوقال ابن المعتر:\rقلم ما أراه أم فلك يجر ... ي بما شاء قاسم ويسير\rخاشع في يديه يلثم قرطا ... سا كما قبل البساط شكور\rولطيف المعنى جليل نحيف ... وكبير الأفعال وهو صغير\rكم منايا وكم حت ... ف وعيش تضم تلك السطور\rتقشت بالدجى نهاراً فما أدر ... ى أخط فيهن أم تصوير\rوقال محمد بن علي:\rفي كفه صارم لانت مضاربه ... يسوسنا رغباً إن شاء أو رهبا\rالسيف والرمح خدام له أبدا ... لا يبلغان له جدا ولا لعبا\rتجري دماء الأغادي بين أسطره ... ولا يحس له صوت إذا ضربا\rفما رأيت مداد قبل ذاك دما ... ولا رأيت حساما قبل ذا قصبا\rوقال ابن الرومي:\rلعمرك ما السيف سيف الكمي ... بأخوف من قلم الكاتب\rله شاهد إن تأتلته ... ظهرت على سره الغائب\rأداة المنية في جانبيه ... فمن مثله رهبة الراهب","part":2,"page":272},{"id":773,"text":"ألم تر في صدره كالسنان ... وفي الردف كالمرهف القاضب؟\rوقال الرفاء:\rأخرس ينبيك بإطراقه ... عن كل ما شئت من الأمر\rيذري على قرطاسه دمعه ... يبدي لا السر وما يدري\rكعاشق أخفى هواه وقد ... نمت عليه عبرة تجري\rتبصره في كل أحواله ... عريان يكسو الناس أو يعري\rيرى أسيراً في دواة وقد ... أطلق أقواماً من الأسر\rوقال آخر:\rوذي عفاف راكع ساجد ... أخو صلاح دمعه جاري\rملازم الخمس لأوقاتها ... مجتهد في خدمة الباري\rوقال ابن الرومي:\rإن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم\rفالموت والموت لا شئ يغالبه ... ما زال يتبع ما يجري به القلم\rكذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم\rوقال أبو الطيب الأزدي:\rقد قلم أظفار العدى ... وهو كالأصبع مقصوص الظفر\rأشبه الحية حتى أنه ... كلما عمر في الأيدي قصر\rوقال أبو الحسن بن عبد الملك بن صالح الهاشمي\rوأسمر طاوي الكشح أخرس ناطق ... له زملان في بطون المهارق\r\" ذكر ما يحتاج الكاتب إلى معرفته من الأمور الكلية \" قال شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان الحلبي في كتابه \" حسن التوسل \" فأول ما يبدأ به من حفظ كتاب الله تعالى، ومداومة قراءته، وملازمة درسه وتدبر معانيه حتى لا يزال مصوراً في فكره، دائراً على لسانه، ممثلاً في قلبه، ذاكراً له في كل ما يرد عليه من الوقائع التي يحتاج إلى الاستشهاد به فيها، ويفتقر إلى إقامة الأدلة القاطعة به عليها، وكفى بذلك معيناً له في قصده، ومغنياً له عن غيره، قال الله تعالى: \" ما فرطنا في الكتاب من شئ \" وقد أخرج من الكتاب العزيز شواهد لكل ما يدور بين الناس في محاوراتهم ومخاطباتهم مع قصور كل لفظ ومعنى عنه، وعجز الإنس والجن عن الإتيان بسورة من مثله.\rومن ذلك أن سائلاً قال لبعض العلماء: أين تجد في كتاب الله تعالى قولهم: الجار قبل الدار؟ قال: في قوله تعالى: \" وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة \" فطلبت الجار قبل الدار، ونظائر ذلك كثيرة. وأين قول العرب: \" القتل أنفى للقتل \" لمن أراد الاستشهاد في هذا المعنى من قوله عز وجل: \" ولكم في القصاص حياة \" وأكثر الناس على جواز الاستشهاد بذلك ما لم يخول عن لفظه، ولم يغير معناه.\rفمن ذلك ما روي في عهد أبي بكر رضي الله عنه: هذا ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل فذلك ظني به، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت بكم، ولكل امرئ ما اكتسب من الإثم \" وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون \" وروي أن علياً رضي الله عنه قال للمغيرة بن شعبة لما أشار عليه بتولية معاوية \" وما كنت متخذ المضلين عضداً \" وكتب في آخر كتاب إلى معاوية: وقد علمت مواقع سيوفنا في جدك وخالك وأخيك \" وما هي من الظالمين ببعيد \" وقول الحسن بن علي عليه السلام لمعاوية: \" وأن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين \" وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما. - وكتب الحسن إلى معاوية: أما بعد، فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ورسولاً إلى الناس أجمعين \" لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين \" وكتب محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي إلى المنصور في صدر كتاب لما حاربه: \" طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون \" إلى قوله: \" منهم ما كانوا يحذرون \" ونقض عليه المنصور في جوابه عن قوله: \" إنه ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم \" بقوله تعالى: \" وما كان محمداً أبا أحدٍ من رجالكم \"","part":2,"page":273},{"id":774,"text":"ونقل عن الحسن البصري رحمه الله ما يدل على كراهية ذلك فقال حين بلغه أن الحجاج أنكر على رجل استشهد بآية: أنسى نفسه حين كتب إلى عبد الملك ابن مروان: بلغني أن أمير المؤمنين عطس فشمته من حضر فرد عليهم \" يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً \" وإذا صحت هذه الرواية عن الحسن فيمكن أن يكون إنكاره على الحجاج لأنه أنكر على غيره ما فعله هو، وذهب بعضهم إلى أن كل ما أراد الله به نفسه لا يجوز أن يستشهد به إلا فيما يضاف إلى الله سبحانه وتعالى مثل قوله تعالى: \" ونحن أقرب إليه من حبل الوريد \" وقوله تعالى: \" بلى ورسلنا لديهم يكتبون \" ونحو ذلك مما يقتضيه الأدب مع الله سبحانه وتعالى.\rومن شرف الاستشهاد بالكتاب العزيز: إقامة الحجة وقطع النزاع، وارغام الخصم كما روي أن الحجاج قال لبعض العلماء: أنت تزعم أن الحسين رضي الله عنه من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى على ذلك بشاهد من كتاب الله عز وجل وإلا قتلتك، فقرأ: \" وتلك حجتنا أتيناها إبراهيم \" إلى قوله: \" ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى \" وعيسى هو ابن ابنته، فأسكت الحجاج وقد تقوم الآية الواحدة المستشهد بها في بلوغ الغرض وتوفية المقاصد ما لا نقوم به الكتب المطولة، والأدلة القاطعة، وأقرب ما تفق من ذلك أن صلاح الدين رحمه الله كتب إلى بغداد كتاباً يعدد فيه مواقفه في إقامة دعوة بني العباس بمصر، فكتب جوابه بهذه الآية: \" يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين \" وكتب أمير المسلمين يعقوب بن عبد المؤمن إلى الأذفونش ملك الفرنج جواباً عن كتابه إليه - وكان قد أبرق وأرعد فكتب في أعلاه - : \" ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون \" ومما جوزوا الاستشهاد به ما لا يقصد به إلا التلويح إلى الآية دون اطراد الكلام نحو قول القاضي مما كتب به إلى الخليفة عن الملك الناصر صلاح الدين في الاستصراخ \" وتهويل أمر الفرنج \" : \" ورب إني لا أملك إلا نفسي \" وها هي في سبيلك مبذوله، وأخي وقد هاجر إليك هجرة يرجوها مقبوله، وأما تغيير شئ من اللفظ أو إحالة معنى عما أريد به فلا يجوز وينبغي العدل عنه ما أمكن.\rويتلو ذلك الاستكثار من حفظ الأحاديث النبوية - صلوات الله وسلامه على قائلها - وخصوصاً في السير والمغازي والأحكام والنظر في معانيها وغريبها وفصاحتها وفقه ما بد من معرفته من أحاكمها، ليحتج بها في مكان الحجة، ويستدل بموضع الدليل، فإن الدليل على المقصد إذا استند إلى النص سلم له، والفصاحة إذا طلبت غايتها فإنها بعد كتاب الله في كلام من أوتي جوامع الكلم، وينبغي أن يراعى في الحل لفظ الحديث ما أمكن وإلا فمعناه.\rويتلو ذلك قراءة ما يتفق من كتب النحو التي يحصل بها المقصود من معرفته العربية، فإنه لو أتى الكاتب من البلاغة بأتم ما يكون ولحن ذهبت محاسن ما أتى به وانهدمت طبقة كلامه، وألغي جميع \" ما حسنه \" ووقف به عند ما جهله.\rويتعلق بذلك \" قراءة \" ما يتهيأ من مختصرات اللغة، كالفصيح وكفاية المتحفظ وغير ذلك من كتب الألفاظ ليتسع عليه مجال العبارة، وينفتح له باب الأوصاف فيما يحتاج إلى وصفه، ويضطر إلى نعته.\rويتصل بذلك حفظ خطب البلغاء من الصحابة وغيرهم ومخاطباتهم ومحاوراتهم ومراجعاتهم ومكاتباتهم، وما ادعاه كل منهم لنفسه أو لقوله وما نقصه عليه خصمه، لما في ذلك من معرفة الوقائع بنظائرها، وتلفي الحوادث بما شاكلها والإقتداء بطريقة من فلج على خصمه، واقتفاء آثار من اضطر إلى عذر، أو إبطال دعوى أو إثباتها، والأجوبة الدامغة فتأمله في موضعه فإنك ستقف منه على ما استغنى به عن ذلك.","part":2,"page":274},{"id":775,"text":"ثم النظر في أيام العرب ووقائعهم وحروبهم وتسمية الأيام التي كانت بينهم، ومعرفة يوم كل قبيلة على الأخرى، وما جرى بينهم في ذلك من الأشعار والمنافسات، لما في ذلك من العلم بما يستشهد به من واقعة قديمة، أو يرد عليه في مكاتبة من ذكر يوم مشهور، أو فارساً معيناً، وستذكر من ذلك إن شاء الله تعالى في فن التاريخ على ما ستقف عليه، فإن صاحب هذه الصناعة إذا لم يكن عارفاً بأيام العرب عالماً بما جرى فيها لم يدر كيف يجيب عملا يرد عليه من مثلها ولا يقول إذا سئل عنها، وحسبه ذلك نقصاً في صناعته وقصوراً.\rثم النظر في التواريخ ومعرفة أخبار الدول، لما في ذلك من الإطلاع على سير الملوك وسياساتهم، وذكر وقائعهم ومكايدهم في حروبهم، وما اتفق لهم من التجارب، فإن الكاتب قد يضطر إلى السؤال عن أحوال من سلف، أو يرد عليه في كتاب ذكر واقعة بعينها، أو يحتج عليه بصورة قديمة فلا يعرف حقيقتها من مجازها، وقد أوردنا في فن التاريخ ما لا يحتاج الكاتب معه إلى غيره من هذا الفن.\rثم حفظ أشعار العرب ومطالعة شروحها، واستكشاف غوامضها والتوفر على ما اختاره العلماء بها منها، كالحماسة، والمفضليات، والأصمعيات وديوان الهذليين، وما أشبه ذلك، لما في ذلك من غزارة المواد، وصحة الاستشهاد، الإطلاع على أصول اللغة، ونوادر العربية، وقد كان الصدر الأول يعتنون بذلك غاية الاعتناء، وقد حكي أن الإمام الشافعي رحمه الله كان يحفظ ديوان هذيل؛ فإن أكثر المترشح للكتابة من حفظ ذلك وتدبر معانيه سها عليه حلة، وظهرت له مواضع الاستشهاد به، وساقه الكلام إلى إبراز ما في ذخيرة حفظه منه، ووضعه في مكانه ونقله في الاستشهاد والتضمين إلى ما كأنه وضع له، كما اتفق للقاضي أبي بكر الأرجاني في تضمين أنصاف أبيات العرب في بعض قصائده فقال:\rأهد إلى الوزير المدح يجعل ... \" لك المرباع منها والصفايا \"\rورافق رفقه حلوا إليه ... \" فأبو بالنهاب وبالسبايا \"\rوقل للراحلين إلى ذراه ... \" ألستم خير من ركب المطايا \"\rولا تسلك سوى طرقي فإني ... \" أنا ابن جلا وطلاع الثنايا \"\rوقال بديع الزمان الهمذاني: أنا لقرب دار مولاي كما طرب النشوان مالت به الخمر ومن الارتياح إلى لقائه كما انتقص العصفور بلله القطر ومن الامتزاج بولائه كما التقت الصهباء والبارد العذب ومن الابتهاج بمزاره كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب \" وكما قال ابن القرطبي وغيره في رسائلهم على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوكذلك حفظ جانب جيد من شعر المحدثين، كأبي تمام ومسلم ابن الوليد والبحتري وابن الرومي والمتنبي، للطف مأخذهم، ودوران الصناعة في كلامهم، ودقة توليد المعاني في أشعارهم وقرب أسلوبهم من أسلوب الخطابة والكتابة.\rوكذلك النظر في رسائل المتقدمين دون حفظها لما في النظر فيها من تنقيح القريحة، وإرشاد الخاطر، وتسهيل الطرق، والنسخ على منوال المجيد، والافتداء بطريقه المحسن واستدراك ما فات القاصر والاحتراز مما أظهره النقد، ورد ما بهرجه السبك، فأما النهي عن حفظ ذلك فلئلا يتكل الخاطر على ما في حاصله، ويستند الفكر إلى ما في مودعه، ويكتفي بما ليس له، ويتلبس بما لم يعط كلابس ثوبي زور؛ وأما من قصد المحاضرة بذلك دون الإنشاء فالأحسن به حفظ ذلك وأمثاله.\rوكذلك النظر في كتب الأمثال الواردة عن العرب نظماً ونثرا كأمثال الميداني والمفضل بن سلمة الضبي وحمزة الأصبهاني وغيرهم، وأمثال المحدثين الواردة في إشعارهم كأبي العتاهية وأبي تمام والمتنبي وأمثلب المولدين، وقد أوردنا من ذلك في باب الأمثال جملا.\rوكذلك النظر في الأحكام السلطانية، فإنه قد يأمر بأمر فيعرف منها كيف يخلص قلمه على حكم الشريعة المطهرة من تولية القضاء والحبسة وغير ذلك، وقد قدمنا في هذا الكتاب من ذلك طرفاً جيداً قال: فهذه أمور كلية لا بد للمترشح لهذه الصناعة من التصدي للإطلاع عليها، والأكباب على مطالعتها، والاستكثار منها لينفق من تلك المواد، وليسلك في الوصول إلى صناعته تلك الجواد وإلا فليعلم أنه في واد والكتابة في وادٍ.","part":2,"page":275},{"id":776,"text":"قال: وأما الأمور الخاصة التي تزيد معرفتها قدره، ويزين العلم بها نظمه ونثره، فإنها من المكملات لهذا الفن وإن لم يضطر إليها ذو الذهن الثاقب، والطبع السليم، والقريحة المطاوعة، والفكرة المنقحة، والبديهة المجيبة، والروية المتصرفة، لكن العالم بها متمكن من أزمة المعاني، يقول عن علم ويتصرف عن معرفة، وينتقد بحجة، ويتخير بدليل، ويستحسن ببرهان، ويصوغ الكلام بترتيب، فمن ذلك المعاني والبيان والبديع والكتب المؤلفة في إعجاز الكتاب العزيز، ككتب الجرجاني والرماني والإمام فخر الدين السكاكي والخفاجي وابن الأثير وغيرهم، وذكر في كتابه جملاً بهذه المعاني \" وأورد أيضاً أمور أخرى تتصل بذلك من خصائص \" الكتابة وهي الاقتباس والاستشهاد والحل، وأتى على ذلك بشواهد وأمثلة، وسأذكر في هذا الكتاب ملخص ما أورده في ذلك باختصار وزيادة عليه.\rفأما علوم المعاني والبيان والبديع، فمنها: ذكر الفصاحة، والبلاغة والحقيقة والمجاز، والتشبيه والاستعارة، والكتابة، والخبر وأحكامه، والتقديم والتأخير والفصل والوصل، والحذف والإضمار، ومباحث إن وإنما والنظم والتجنيس، والطباق، والمقابلة، والسجع، ورد العجز على الصدر، والإعتاب والمذهب الكلامي، وحسن التعليل، والالتفات والتمام، والاستطراد وتأكيد المدح بما يشبه الذم، وتأكيد الذم بما يشبه المدح، وتجاهل العارف، والهزل الذي يراد به الجد، والكنايات والمبالغة، وإعتاب المرء نفسه، وحسن التضمين والتلميح وإرسال المثل، وإرسال مثلين، والكلام الجامع، واللف والنشر والتفسير، والتعديد - ويسمى سياقة الإعداد - وتنسيق الصفات والإيهام - ويقال له: التورية - والتخيل، وحسن الابتداءات، وبراعة التلخيص، وبراعة الطلب وبراعة المقطع والسؤال والجواب، وصحة الأقسام، والتوشيح، والإيغال، والإشارة والتذبيل، والترديد، والتفويف، والتسهيم، والاستخدام والعكس، والتبديل والرجوع والتغاير، والطاعة والعصيان، والتسميط، والتشطير، والتطريز، والتوشيع والإغراق، والغلو، والقسم والاستدراك، والمؤتلفة والمختلفة، والتفريق المفرد والجمع مع التفريق، والتقسم المفرد، والجمع مع التقسيم، والتزاوج، والسلب والإيجاب والاطراد، والتجريد، والتكميل، والمناسبة، والتفريع، ونفي الشيء بإيجابه والإيداع والإدماج، وسلامة الاختراع، وحسن الاتباع، والذم في معرض المدح والعنوان، والإيضاح والتشكيل، والقول بالموجب، والقلب، والتنديد، والإسجال بعد المغالطة، والافتنان، والإبهام وحصر الجزئي وإلحافه بالكلي، والمقارنة والإبداع، والانفصال، والتصرف، والاشتراك، والتهكم، والتدبيج، والموجه وتشابه الأطراف، هذا مجموع ما أورده منها، واستشهد عليه بأدلة، وأورد أمثلة سنشرح منها ما يكتفي به اللبيب، ويستغني به اللبيب.\rأما الفصاحة والبلاغة، فقد تقدم الكلام فيها في أول الباب، فلا فائدة في إعادته.\rوأما الحقيقة والمجاز - فالحقيقة في اللغة فعيلة بمعنى مفعولة، من حق الأمر يحقه بمعنى أثبته، أو من حققته إذا كنت منه على يقين، والمجاز من جاز الشيء يجوزه إذا تعداه، فإذا عدل باللفظ عما يوجبه أصل اللغة وصف بأنه مجاز على أنهم قد جازوا به موضعه الأصلي، أو جاز هو مكانه الذي وضع فيه أولاً، لأنه ليس بموضع أصلي لهذا اللفظ ولكنه مجازه ومتعداه يقع فيه كالواقف بمكان غيره ثم يتعداه \" إلى \" مكانه الأصلي. ولهما حدود في المفرد والجملة، فحدها في المفرد، أن كل كلمة أريد بها ما وضعت له فهي حقيقة، كالأسد للحيوان المفترس، واليد للجارحة ونحو ذلك، وأن أريد بها غيره لمناسبة بينهما فهي مجاز، كالأسد للرجل الشجاع واليد للنعمة أو للقوة، فإن النعمة تعطى باليد، والقوة تظهر بكمالها في اليد وحدهما في الجملة، أن كل جملة كان الحكم الذي دلت عليه كما هو في العقل فهي حقيقة كقولنا: خلق الله الخلق؛ وكل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضعه في العقل بضرب من التأويل فهي مجاز، كما إذا أضيف الفعل إلى شئ يضاهي الفاعل، كالمفعول به في قوله عز وجل: \" في عيشة راضية \" و \" من ماء دافق \" أو المصدر، كقولهم: شعر شاعر؛ أو الزمان، كقول النعمان بن بشير لمعاوية:\rوليلك عما ناب قومك نائم","part":2,"page":276},{"id":777,"text":"أو المكان كقولك: طريق سائر، أو المسيب، كقولهم: بني الأمير المدينة؛ أو السبب، كقوله تعالى: \" وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً \" فمجاز المفرد لغوي ويسمى مجاز في المثبت ومجاز في الإثبات.\rقال: فالمجاز قد يكون في الإثبات وحده، وهو أن يضيف الفعل إلى غير الفاعل الحقيقي كما ذكرناه وقد يكون في المثبت وحده، كقوله تعالى: \" فأحيينا به الأرض بعد موتها \" جعل خضرة الأرض ونضرتها حياة، وقد يكون فيهما جميعاً، كقولك: أحيتني رؤيتك، تريد سرتني، فقد جعلت المسرة حياة وهو مجاز في المثبت وأسندتها إلى الرؤية وهو مجاز في الإثبات.\rقال: واعلم أنهم تعرضوا في اعتبار كون اللفظ مجازاً إلى اعتبار شيئين: الأول أن يكون منقولا عن معنى وضع اللفظ بإزائه، وبهذا يتميز عن اللفظ المشترك.\rالثاني أن يكون هذا النقل لمناسبة بينهما، فلا توصف الأعلام المنقولة بأنها مجاز إذ ليس نقلها لتعلق نسبة \" بين \" المنقول عنه ومن له العلم وإذا تحقق الشرطان سمي مجاز، وذلك مثل تسمية النعمة والقوة باليد، لما بين اليد وبينهما من التعلق وكما قالوا: رعينا الغيث يريدون النبت الذي الغيث سببه، وصابتنا السماء، يريدون المطر، وأشباه ذلك ونظائره.\rوأما التشبيه - فهو الدلالة على اشتراك شيئين في وصف هو من أوصاف الشيء في نفسه، كالشجاعة في الأسد، والنور في الشمس. وهو ركن من أركان البلاغة لإخراجه الخفي وإدنائه البعيد من القريب. وحكم إضافي لا يوجد إلا في الشيئين بخلاف الاستعارة. ثم التشبيه على أربعة أقسام: تشبيه محسوس \" بمجسوس \" وتشبيه معقول \" بمعقول \" وتشبيه معقول بمحسوس، وتشبيه محسوس بمعقول.\rفأما تشبيه محسوس بمحسوس فلاشتراكهما إما في المحسوسات الأولى: وهي مدركات السمع والبصر والذوق والشم واللمس، كتشبيه الخد بالورد والوجه بالنهار، \" وأطيط الرحل بأصوات الفراريح \" والفواكه الحلوة بالسكر والعسل ورائحة بعض الرياحين بالمسك والكافور، واللين الناعم بالحرير، والخشن بالمسح، أو في المحسوسات الثانية: وهي الأشكال المستقيمة والمستديرة، والمقادير والحركات كتشبيه المستوى المنتصب بالرمح، والقد اللطيف بالغصن والشيء المستدير بالكرة والحلقة، والعظيم الجثة بالجبل، والذاهب على الاستقامة بنفوذ السهم، أو في الكيفيات الجمسانية، كالصلابة والرخاوة، أو في الكيفيات النفسانية، كالغرائز والأخلاق.\rأو في حالة إضافية، كقولك: هذه حجة كالشمس، وألفاظ كالماء في السلالة وكالنسيم في الرقة، وكالعسل في الحلاوة. وربما كان التشبيه بوجه عقلي، كقول فاطمة بنت الخرشب الأنمارية حين وصفت بينها الكملة فقالت: هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين أطرفاها.\rوأما تشبيه المعقول بالمعقول فهو كتشبيه الوجود العاري عن الفوائد بالعدم، وتشبيه الفوائد التي تبقى بعد عدم الشيء بالوجود كقول الشاعر:\rرب حي كميت ليس فيه ... أمل يرتجى لنفع وضر\rوعظام تحت التراب وفوق الأرض منها آثار حمد وشكر\rوأما تشبيه المعقول بالمحسوس فهو كقوله تعالى: \" مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصفٍ \" وأما تشبيه المحسوس بالمعقول فهو غير جائز، لأن العلوم العقلية مستفادة من الحواس ومنتهية إليها، ولذلك قيل: من فقد حساً فقد علما، فإذا كان المحسوس أصلاً للمعقول فتشبيه به يكون جعلا للفرع أصلا والأصل فرعاً ولذلك لو حاول محاول المبالغة في وصف الشمس بالظهور والمسك بالثناء فقال: الشمس كالحجة في الظهور، والمسك كالثناء في الطيب، كان ذلك سخفاً من القول.\rفأما ما جاء في الشعر من تشبيه المحسوس بالمعقول فوجهه أن يقدر المعقول محسوساً، ويجعل كالأصل المحسوس على طريق المبالغة، فيصح التشبيه حينئذ كما قال الشاعر:\rوكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع\rفإنه لما شاع وصف السنة بالبياض والإشراق، واشتهرت البدعة وكل ما ليس بحق بالظلمة تخيل الشاعر أن السنن كأنها من الأجناس التي لها إشراق ونور، وأن البدع نوع من الأنواع التي لها اختصاص بالسواد والظلمة، فصار ذلك كتشبيه محسوس بمحسوس، فجاز له التشبيه، وهو لا يتم إلا بتخيل ما ليس بمتلون \" متلوناً \" ثم يتخيله أصلاً فيشبه به، وهذا هو الذي تؤول في قول أبي طالب الرقي:","part":2,"page":277},{"id":778,"text":"ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق\rفإنه لما كانت الأوقات التي تحدث فيها المكاره توصف بالسواد كما يقال: اسودت الدنيا في عينه، جعل يوم النوى كأنه أشهر بالسواد من الظلام، فعرفه به وشبهه، ثم عطف عليه فؤاد من لم يعشق لأن من لم يعشق عندهم قاسي القلب والقلب القاسي يوصف بشدة السواد، فأقامه أصلاً، فقس على هذا المثال. قال: واعلم أن ما به المشابهة قد يكون مقيداً بالانتساب إلى شئ، وذلك إما إلى المفعول به كقولهم: \" أحذ القوس باريها \" وإلى ما يجري مجرى المفعول به وهو الجار والمجرور كقولهم لمن يفعل ما لا يفيد: كالراقم على الماء وإما إلى الحال، كقولهم: \" كالحادي وليس له بعير \" وإما إلى المفعول والجار والمجرور معاً، كقولهم: هو كمن يجمع السيفين في غمد وكمبتغي الصيد في عرينة الأسد \" ومن ذلك قوله تعالى: \" مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً \" فإن التشبيه لم يحصل من مجرد الحمل بل لأمرين آخرين، لأن الغرض توجيه الذم إلى من أتعب نفسه في حمل ما يتضمن المنافع العظيمة ثم لا ينتفع به لجهله، وكقول لبيد:\rوما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغدوا بلاقع\rفإنه لم يشبهه الناس بالديار، وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم بحلول أهل الديار فيها، ووشك رحيلهم منها، قال: وكلما كانت التقييدات أكثر كان التشبيه أوغل في كونه عقلياً كقوله تعالى: \" إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس \" فإن التشبيه متنزع من مجموع هذه الجمل من غير أن يمكن فصل بعضها عن بعض، فإنك لو حذفت منها جملة واحدة من أي موضع كان أخل ذلك بالمغزى من التشبيه قال: ثم ما به المشابهة إن كان مركباً فإنه على قسمين: الأول ما لا يمكن إفراد أحد أجزائه بالذكر، كقول القاضي التنوخي:\rكأنما المريخ والمشتري ... قدامه في شامخ الرفعه\rمنصرف بالليل من دعوة ... قد أسرجت قدامه شمعه\rفإنك لو اقتصرت على قوله: كأن المريخ منصرف من دعوة أو كأن المشتري شمعة لم يحصل ما قصده الشاعر، فإنه إنما قصد الهيئة التي يلبسها المريخ من كون المشتري أمامه.\rالثاني ما يمكن إفراده بالذكر ويكون إذا أزيل منه التركيب صحيح التشبيه في طرفيه إلا أن المعنى يتغير، كقول أبي طالب الرقي:\rوكأن أجرام النجوم لوامعاً ... درر نثرن على بساط أزرق\rفلو قلت: كأن النجوم درر، وكأن السماء بساط أزرق وجدت التشبيه مقبولاً ولكن المقصود من الهيئة المشبه بها قد زال. قال: وربما كان التشبيه في أمور كثيرة لا يتقيد بعضها ببعض، وإنما يكون مضموماً بعضها إلى بعض وكل واحد منها منفرد بنفسه، كقولك: زيد كالأسد بأسا، والبحر جودا، والسيف مضاء والبدر بهاء، وله خاصيتان: إحداهما أنه لا يحب فيه الترتيب، والثانية أنه إذا سقط البعض لم يتغير حكم الباقي.\rومن المتأخرين من ذكر في التشبيه سبعة أنواع: الأول التشبيه المطلق، وهو أن يشبه شيئاً بشيء من غير عكس ولا تبديل كقوله تعالى: \" والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم \" وقوله تعالى: \" وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام \" وقوله تعالى: \" كأنهم أعجاز نخل خاوية \" وقول النبي صلى الله عليه وسلم: \" الناس كأسنان المشط \" الثاني التشبيه المشروط، وهو أنه يشبه شيئاً بشيء لو كان بصفة كذا، ولولا أنه بصفة كذا، كقوله: أشبه وجه مولانا بالعيد المقبل لو كان العيد تبقى ميامنه وتدوم محاسنه، وكقوله: وجه هو كالشمس لولا كسوفها، والقمر لولا خسوفه.\rوكقول البديع:\rقد كان يحيك صوت الغيث منسكباً ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا\rوالدهر لو لم يخن والشمس لو نظقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا\rوكقول الآخر:\rعزماته مثل النجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثاقبات أفول\rالثالث تشبيه الكناية، وهو أن يشبه شيئاً بشيء من غير أداة التشبيه، كقول المتنبي.","part":2,"page":278},{"id":779,"text":"بدت قمراً وماست خوط بانٍ ... وفاحت عنبرا وزنت غزالا\rوقول الواو الدمشقي:\rفأمطرت لؤلؤاً من نرجس فسقت ... ورداً وعضت على العناب بالبرد\rالرابع تشبيه التسوية، وهو أن يأخذ صفة من صفات نفسه، وصفة من الصفات المقصودة ويشبهها بشيء واحد، كقوله:\rصدغ الحبيب وحالي ... كلاهما كالليالي\rوثغره في صفاء ... وأدمعي كاللآلئ\rالخامس التشبيه المعكوس، وهو أن تشبه شيئين كل واحد منهما بالآخر كقول الشاعر:\rالخمر تفاح جرى ذائبا ... كذلك التفاح خمر جمد\rفاشرب على جامد ذوبه ... ولا تبع لذة يوم بغد\rوكقول الصاحب بن عباد:\rرق الزجاج وراقت الخمر ... فتشابها فتشاكل كل الأمر\rفكأنه خمر ولا قدح ... وكأنه قدحٌ ولا خمر\rوكقول بعضهم في النثر: كم من دم أهرقناه في البر، وشخص أغرقناه في البحر فأصبح البر بحراً من دمائهم، والبحر براً بأشلائهم.\rالسادس تشبيه الإضمار، وهو أن يكون مقصوده التشبيه بشيء فدل ظاهر لفظه أن مقصوده غيره، كقول المتنبي:\rومن كنت جاراً له عل ... ى لم يقبل الدر إلا كبارا\rفيدل ظاهره على أن مقصوده الدر، وإنما غرضه تشبيه الممدوح بالبحر.\rالسابع تشبيه التفضيل: وهو أن يشبه شيئاً بشيء ثن يرجع فيرجح المشبه على المشبه به كقوله:\rحسبت جماله بدراً مضيئاً ... وأين البدر من ذاك الجمال\rوكقول ابن هندو:\rمن قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شيئين\rأنت إذا جدت ضاحك أبداً ... وذاك إن جاد دامع العين.\rقال: وقد تقدم تشبيه شئ بشيء.\rفأما تشبيه شئ بشيئين فكقول امرئ القيس:\rوتعطو برخص غير شتنٍ كأنه ... أساريع رمل أو مساويك إسحل\rوأما تشبيه شئ بثلاثة أشياء فكقول البحتري:\rكأنما يبسم عن لؤلؤ ... منضدٍ أو برد أو أقاح\rوأما تشبيه شئ بأربعة أشياء فكما قال المولى شهاب الذين أو الثناء محمود الحلبي الكاتب:\rيفتر طرسك عن سطوره جادها الس ... فكر بصوب مسكٍ أذفر\rفكأنما هو روضة أو جدول ... أو سمط در أو قلادة عنبر\rوأما تشبيه شئ بخمسة أشياء فكقول الحريري:\rيفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبيب\rوأما تشبيه شيئين بشيئين فكقول امرئ القيس:\rكأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرهاً العناب والحشف البالي\rوأما تشبيه ثلاثة بثلاثة فكقول الآخر:\rليل وبدر وغصن ... شعر ووجه وقد\rخمر ودر وورد ... ريق وثغر وخد\rوأما تشبيه أربعة بأربعة فكقول امرئ القيس:\rله أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ ... وإخاء سرحان وتقريب تتفل\rوكقول أبي نواس:\rتبكي فتذرى الدر من نرجس ... وتلطم الورد بعناب\rوأما تشبيه خمسة بخمسة فكقول أبي الفرج الواوا الدمشقي\rقالت متى البين يا هذا فقلت لها ... إما غدراً زعمرا أو لا فبعد غد\rفأمطرت لؤلؤاً من نرجس فسقت ... ورداً وعضت على العناب بالبرد\rوشبه قاضي القضاة نجم الدين بن البارزي سبعة أشياء بسبعة أشياء وهي:\rيقطع بالسكين بطيخةً ضحى ... على طبق في مجلس لان صاحبه\rكشمس ببرق قد بدرا أهلةً ... لدي هالة في الأفق شتى كواكبه\rقال: والغرض من التشبيه قد يكون بيان إمكان وجود الشيء عند ادعاء ما لا يكون إمكانه بينا، كقول ابن الرومي:\rوكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علت برسول الله عدنان\rوكقول المتنبي:\rفإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال","part":2,"page":279},{"id":780,"text":"أو بيان مقداره، كما إذا حاولت لفي الفائدة عن فعل إنسان قلت: هذا كالقابض على الماء، لأن الخلو لفعل عن الفائدة مراتب مختلفة في الإفراط والتفريط والوسط، فإذا مثل بالمحسوس عرفت مرتبته، ولذلك لو أرادت الإشارة إلى تنافي الشيئين فأشرت إلى ماء ونار فقلت: هذا وذاك هل يجتمعان؟ كان تأثيره زائداً على قولك: هل يجتمع الماء والنار؟ وكذلك إذا قلت في وصف طول يوم: كاطول ما يتوهم أو لا آخر له أو أنشدت قوله:\rفي ليل صولٍ تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالليل موصول\rلم تجد فيه من الإنس ما تجده في قوله:\rويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر\rوما ذاك إلا للتشبيه بالمحسوس وإلا فالأول أبلغ لأن طول الرمح متناه وفي الأول حكمت أن ليله موصول بالليل، وكذلك لو قلت في قصر اليوم كأنه ساعة، أو كلمح البصر، لوجدته دون قوله:\rظللنا عند دار أبي أنيسرٍ ... بيوم مثل سالفه الذباب\rوقوله:\rويومٍ كإبهام القطاة مرين ... إلى صباه غالب لي باطله\rقال: وقد يكون رض التشبيه عائداً على المشبه به، وذلك أن تقصد على عاده التخييل أن توهم في الشيء القاصر عن نظيره أنه زائد فتشبه الزائد به، كقوله:\rوبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح\rوهذا أبلغ وأحسن وأمدح من تشبيه الوجه بالصباح، لأن تشبيه الوجه بالصباح أصل متفق عليه لا ينكر ولا يستكثر، وإنما الذي يستكثره تشبيه الصباح بالوجه.\rقال: ثم الغرض بالتشبيه إن كان إلحاق الناقص بالزائد امتنع عكسه مع بقاء هذا الغرض، وإن كان الجمع بين شيئين في مطلق الصورة والشكل واللون صح العكس كتشبيه الصبح بغرة الفرس الأدهم لا للمبالغة في الضياء، بل لوقوع منير في مظلم وحصول بياضٍ قليل في \" سواد \" كثير.\rقال: والتشبيه قد يجئ غريباً يحتاج في إدراكه إلى دقة نظر، كقول ابن المعتز:\rوالشمس كالمرآة في كف الأشل\rوالجامع الاستدارة والإشراق مع تواصل الحركة التي تراها للشمس إذا أنعمت التأمل في اضطراب نور الشمس، ويقرب منه قول الآخر:\rكأن شعاع الشمس في كل غدوة ... على ورق الأشجار أول طالع\rدنانير في كف الأشل يضمها ... لقبض وتهوى \" من \" فروج الأصابع\rوكقول المتنبي:\rالشمس من مشرقها قد بدت ... مشرقةً ليس لها حاجب\rكأنها بودقة أحيت ... يجول فيها ذهب ذائب\rومن لطيف ما جاء في هذا المعنى من التشبيه قول الأخطل في مصلوب:\rأو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتمطية من الكسل\rشبهه بالمتطي لأن المتمطى يمد يديه وظهره ثم يعود إلى حالته الأولى فزاد فيه أنه مواصل لذلك، وعلله بالقيام من النعاس لما في ذلك من اللوثة والكسل.\rقال: والتشبيه ليس من المجاز، لأنه معنى من المعاني، وله ألفاظ تدل عليه وضعا فليس فيه نقل اللفظ عن موضوعه، وإنما هو نوطئة لمن يسلك سبيل الاستعارة والتمثيل، لأنه كالأصل لهما وهما كالفرع له، والذي يقع منه في حيز المجاز عند أهل هذا الفن هو الذي يجئ على حد الاستعارة كقولك لمن يتردد في الأمر \" بين \" أن يفعله أو يتركه: \" أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى \" والأصل فيه أراك في ترددك كم يقدم رجً ويؤخر أخرى.\rوأما الاستعارة فهي ادعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه مع طرح ذكر المشبه من البين لفظاً وتقديراً. وتقديراً. وإن شئت قلت: هو جعل الشيء الشيء \" أو جعل الشيء للشيء \" لأجل المبالغة في التشبيه.\rفالأول كقولك: لقيت أسداً وأنت تعني الرجل الشجاع.\rوالثاني كقول لبيد:\rإذ أصبحت بيد الشمال زمامها\rأثبت اليد للشمال مبالغة في تشبيهها بالقادر في التصرف فيه على ما يأتي بيان ذلك.\rوحد الرماني الاستعارة فقال: هي تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على سبيل النقل للإبانة.\rوقال ابن المعتز: هي استعارة الكلمة من شئ قد عرف بها إلى شئ لم يعرف بها. وذكر الخفاجي كلام الرماني وقال: تفسير هذه الجملة أن قوله عز وجل:","part":2,"page":280},{"id":781,"text":"\" واشتعل الرأس شيباً \" استعارة لأن استعارة للنار، ولم يوضع في أصل اللغة للشيب فلما نقل إليه بأن المعنى لما اكتسبه من التشبيه، لأن الشيب لما كان يأخذ في الرأس شيئاً فشيئاً حتى يحيله إلى غير لونه الأول كان بمنزلة النار التي تسري في الخشب حتى تحيله إلى غير \" حالته \" المتقدمة؛ فهذا هو نقل العبارة عن الحقيقة في الوضع للبيان. ولا بد من أن تكون أوضح من الحقيقة لأجل التشبيه العارض فيها لأن الحقيقة لو قامت مقامها لكانت أولى بها، لأنها الأصل، وليس يخفى على المتأمل أن قوله عز وجل: \" واشتعل الرأس شيباً \" أبلغ من كثر شيب الرأس، وهو حقيقة هذا المعنى.\rولا بد للاستعارة من حقيقة هي أصلها، وهي مستعار منه، ومستعار، ومستعار له، فالنار مستعار منها، والاشتعال مستعار، والشيب مستعار له. قال: وأما قولنا مع طرح ذكر المشبه، فاعلم أننا إذا طرحناه كقولنا: رأيت أسداً، وأردنا الرجل الشجاع فهو استعارة بالإنفاق، وإن ذكرنا معه الصيغة الدالة على المشابهة كقولنا: زيد كالأسد أو مثله أو شبهه فليس باستعارة؛ وإن لم نذكر الصيغة وقلنا: زيد أسد فالمختار أنه ليس باستعارة إذ في اللفظ ما يدل على أنه ليس بأسد فلم تحصل المبالغة، فإذا قلت: زيد الأسد فهو أبعد عن الاستعارة، فإن الأول خرج بالتنكير عن أن يحسن فيه كاف التشبيه، فإن قولك: زيد كأسد كلام نازل بخلاف الثاني.\rقال ضياء الدين بن الأثير: وهذا التشبيه المضمر الأداة قد خلطه قوم بالاستعارة ولم يفرقوا بينهما، وذلك خطأ محض.\rقال: وسأوضح وجه الخطأ فيه وأحقق القول في الفرق بينهما فأقول: أما التشبيه المظهر الأداة فلا حاجة بنا إلى ذكره لأنه لا خلاف فيه، ولكن نذكر التشبيه المضمر الأداة فنقول: إذا ذكر المنقول والمنقول إليه على أنه تشبيه مضمر الأداة قيل فيه: زيد أسد أي كالأسد، فأداة التشبيه فيه مضمرة مقدرة، وإذا أظهرت حسن ظهورها، ولم تقدح في الكلام الذي أظهرت فيه، ولم تزل عنه فصاحته، وهذا بخلاف ما إذا ذكر المنقول إليه دون المنقول فإنه لا يحسن فيه ظهور أداة التشبيه، وإذا ظهرت زال عن ذلك الكلام ما كان متصفاً به من الحسن والفصاحة.\rقال: ولنضرب لذلك مثالاً يوضحه فنقول: قد ورد هذا البيت لبعض الشعراء وهو:\rفرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدعص\rوهذا لا يحسن تقدير أداة التشبيه فيه، فلا يقال: عجل \" قد \" كالقضيب وأبطأ \" ردف \" كالدعص، فالفرق إذن بين التشبيه المضمر أداة التشبيه فيه وبين الاستعارة أن التشبيه المضمر الأداة يحسن إظهار أداة التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن ذلك فيها، والاستعارة أخص من المجاز إذ قصد المبالغة شرط في الاستعارة دون المجاز، وأيضاً فكل استعارة من البديع وليس كل مجاز منها. والحق أن المعنى يعار أولاً ثم بواسطته يعار اللفظ؛ ولا تحسن الاستعارة إلا حيث كان التشبيه مقرراً بينهما ظاهراً، وإلا فلا بد من التصريح بالتشبيه، فلو قلت: رأيت نخلة أو خامة وأنمت تريد مؤمناً إشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: \" مثل المؤمن كمثل النخلة \" أو \" كمثل الخامة \" لكنت كالملغز التارك لما يفهم وكلما زاد التشبيه خفاء زادت الاستعارة حسناً بحيث تكون ألطف من التصريح بالتشبيه، فإنك لو رمت أن تظهر التشبيه في قول ابن المعتز:\rأثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عنابا\rاحتجت أن تقول: أثمرت أصابع راحته التي هي كالأغصان لطالب الحسن شبه العناب من أطرافها المخضوبة وهذا مما لا خفاء بغثاثته.\rوربما جمع بين عدة استعارت إلحاقاً للشكل بالشكل لإتمام التشبيه فتزيد الاستعارة به حسناً، كقول امرئ القيس في صفة الليل:\rفقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل\rفصل فيما تدخله الاستعارة وما لا تدخله","part":2,"page":281},{"id":782,"text":"قال: الأعلام لا تدخلها الاستعارة لما تقدم في المجاز، وأما الفعل فالاستعارة تقع أولاً في المصدر، ثم تقع بواسطة ذلك في الفعل، فإذا قلت: نطقت الحال بكذا فهذا إنمّا يصحّ لأنّك وجدت الحال مشابهة للنطق في الدلالة على الشيء، فلا جرم \" أنك \" اسبتعرت النطق لتلك الحالة ثن نقلته إلى الفعل. والأسماء المشتقة في ذلك كالفعل؛ فظهر أن الاستعارة إنما تقع وقوعاً أولياً في أسماء الأجناس، ثم الفعل إذا كان مستعاراً فاستعارته إما من جهة فاعله، كقوله: نطقت الحال بكذا ولعبت بي الهموم، وقول جرير:\rيحي الروامس ربعها فتجده ... بعد البلى وتميته الأمطار\rوقول أبي حية:\rوليلة مرضت من كل ناحية ... فما تضئ لها شمس ولا قمر\rأو من جهة مفعوله، كقول ابن المعتز:\rجمع الحق لنا في إمامٍ ... قتل الجوع وأحي السماحا\rأو من جهة مفعوليه، كقوله الحريري:\rوأقرئ المسامع إما نطقت ... بياناً يقود الحرون الشموسا\rأو من جهة أحد مفعوليه، كقول الشاعر:\rنقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد\rأو من جهة الفاعل والمفعول، كقوله تعالى: \" يكاد البرق يخطف أبصارهم \" قال: ويتصل بهذا ترشيح الاستعارة وتجريدها، إما ترشيحها فهو أن ينظر فيها إلى المستعار، ويراعى جانبه، ويوليه ما يستدعيه ويضم إليه ما يقتضيه، كقول كثير.\rرمتني بسهم ريشه الهدب لم يصب ... بظاهر جسمي وهو في القلب جارح\rوكقول النابغة:\rوصدرٍ أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب\rفالمستعار في كل واحد منهما وهو الرمي والإراحة منطور إليهما في لفظ السهم والعازب، وكما أنشد صاحب الكشاف:\rينازعني ردائي عند عمرو ... رويدك يا أخا عمرو بن بكر\rلي الشطر الذي ملكت يميني ... ودونك فاعتجر منه بشطر\rأراد بردائه سيفه، ثم نظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار، وأما تجريدها فهو أن يكون المستعار له منظوراً إليه، كقوله تعالى: \" فأذاقها الله لباس الجوع والخوف \" فإن الإذاقة لما وقعت عبارة عما يدرك من أثر الضرر والألم تشبيهاً له بما يدرك من الطعم المر البشع، والباس عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قال: فأذاقها الله ما غشيها من ألم الجوع والخوف، وكقول زهير:\rلدي أسدٍ شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم\rفلو نظر إلى المستعار لقال: أسد دامي المخالب أو دامي البراثن، ونظر زهير في آخر البيت إلى المستعار أيضاً، ومنه قول كثير:\rغمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً ... غلقت لضحكته رقاب المال\rاستعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء.\rقال: ويقرب من ذلك الاستعارة بالكناية وهي أن لا يصرخ بذكر المستعار بل بذكر بعض لوازمه تنبيهاً به عليه، كقولهم: شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس.\rوكقول أبي ذؤيب:\rوإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع\rتنبيهاً على أن الشجاع أسد، والمنية سبع، والعالم بحر، وهذا وإن كان يشبه الاستعارة المجردة إلا أنه أغرب وأعجب، ويقرب منه قول زهير:\rومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهذم\rأراد أن يقول: من لم يرض بأحكام الصلح رضى بأحكام الحرب، وذلك أنهم كانوا إذا طلبوا الصلح قلبوا زجاج الرماح وجعلوها قدامها مكان الأسنة، وإذا أرادوا الحرب أشرعوا الأسنة وقد يسمى هذا النوع المماثلة أيضاً.\rقال: وقد يزلون الاستعارة منزلة الحقيقة وذلك أنهم يستعيرون الوصف المحسوس للشيء المعقول ويجعلون كأن تلك الصفة ثابتة لذلك الشيء في الحقيقة وأن الاستعارة لم توجد أصلاً مثاله استعارتهم العلو لزيادة الرجل على غيره في الفضل والقدر والسلطان ثم وضعهم الكلام وضع من يذكر علو مكانياً كقول أبي تمام:\rويصعد حتى يظن الحسود ... بأن له حاجةً في السماء\rوكقوله أيضاً:\rمكارم لجت في علو كأنما ... تحاول ثأرا عند بعض الكواكب","part":2,"page":282},{"id":783,"text":"ولذلك يستعيرون اسم شئ لشيء من نحو شمس أو بدر أو أسد ويبلغون إلى حيث يعتقد أه ليس هناك استعارة كقول ابن العميد:\rقامت تظللني من الشمس ... نفس أعز عليّ من نفسي\rقامت تظللني ومن عجبٍ ... شمس تظللني من الشمس\rوكقول آخر:\rأيا شمعاً يضئ بلا إنطفاءٍ ... ويا بدراً يلوح بلا محاق\rفأنت البدر ما معنى انتقاصي ... وأنت الشمع ما معنى احتراقي؟\r\" فلولا أنه أنسى نفسه أن ها هنا استعارة لما كان لهذا العجب معنى، ومدار هذا النوع على التعجب \" وقد يجئ على عكسه، كقول الشاعر:\rلا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر\rفصل في أقسام الاستعارة قال: وهي على نوعين: الأول أن تعتمد نفس التشبيه، وهو أن يشترك شيئان في وصف وأحدهما أنقص من الآخر، فتعطى الناقص اسم الزائد مبالغةً في تحقق ذلك الوصف له كقولك: رأيت أسداً وأنت تعني رجلاً شجاعاً، وعنت لنا ظبية وأنت تريد امرأة.\rوالثاني أن تعتمد لوازمه عند ما تكون جهة الاشتراك وصفاً، وإنما ثبت كماله في المستعار منه بواسطة شئ آخر فثبت ذلك الشيء للمستعار له مبالغة في إثبات المشترك كقول لبيد:\rوغداة ريح قد كشفت وقرةٍ ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها\rوليس هناك مشار إليه يمكن أن يجري اسم اليد عليه كما جرى الأسد على الرجل لكنه خيل إلى نفسه أن الشمال في تصريف الغداة على حكم طبيعة الإنسان المتصرف فيما زمامه ومقادته بيده، لأن تصرف الإنسان إنما يكون باليد في أكثر الأمور فاليد كالآلة التي تكمل بها ع القوة على التصرف، ولما كان الغرض ثبات التصرف - وذلك مما لا يكمل إلا عند ثبوت اليد - أثبت اليد للشمال تحقيقاً للغرض وحكم الزمام في استعارته للغداة حكم اليد في استعارتها للشمال، وكذلك قول تأبط شراً:\rإذا هزه في عظم قرن تهلك ... نواجذ أفواه المنايا بالضواحك\rلما شبه المنايا عند هزة السيف بالمسرور - وكمال الفرح والسرور إنما يظهر بالضحك الذي تتهلل فيه النواجذ - أثبته تحقيقاً للوصف المقصود، وإلا فليس للمنايا ما ينقل إليه اسم النواجذ، وهكذا الكلام في قول الحماسي:\rسقاه الردى سيف إذا سل أو مضت ... إليه ثنايا الموت من كل مرقب\rومن هذا الباب قولهم: فلان مرخى العنان، وملقى الزمام.\rقال: ويسمى هذا النوع استعارة تخييلية، وهو كإثبات الجناح للذل في قوله تعالى: \" واخفض لهما جناح الذل من الرحمة \" قال: ذا عرف هذا فالنوع الأول على أربعة أقسام: الأول - استعارة المحسوس للمحسوس، وذلك إما بأن يشتركا في الذات ويختلفا في الصفات، كاستعارة الطيران لغير ذي جناح في السرعة، فإن الطيران والعدو يشتركان في \" الحقيقة وهي \" الحركة الكائنة إلا أن الطيران أسرع، أو بأن يختلفا في الذات ويشتركا في صفة إما محسوسة كقولهم: رأيت شمساً ويريدون إنساناً يتهلل وجهه، وكقوله تعالى: \" واشتعل الرأس شيباً \" فالمستعار منه النار والمستعار له الشيب، والجامع الانبساط، ولكنه في النار أقوى، وإما غير محسوسة كقوله تعالى: \" إذا أرسلنا عليهم الريح العقيم \" المستعار له الريح، والمستعار منه المرء والجامع المنع من ظهور النتيجة.\rالثاني - أن يستعار شئ معقول لشيء معقول لاشتراكهما في وصف عدمي أو ثبتوي وأحدهما أكمل من ذلك الوصف، فيتنزل الناقص منزلة الكامل كاستعارة اسم العدو للوجود إذا اشتركا في عدم الفائدة، أو استعارة اسم الوجود للعدم إذا بقيت آثاره المطلوبة مه كتشبيه الجهل بالموت لاشتراك الموصوف بهما في عدم الإدراك والعقل، وكقولهم: فلان لقي الموت إذا لقي الشدائد، لاشتراكهما في المكروهية، وقوله تعالى: \" ولما سكت عن موسى الغضب \" والسكوت والزوال أمران معقولان.\rالثالث - أن يستعار المحسوس للمعقول كاستعارة النور الذي هو محسوس للحجة، واستعارة القسطاس للعدل، وكقوله تعالى: \" بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه \" فالقذف والدمغ مستعاران، وقوله تعالى: \" فاصدع بما تؤمر \" استعارة لبيانه عما أوحى إليه كظهور ما في الزجاجة عند انصداعها، وكل خوض في القرآن العزيز فهو مستعار من الخوض في الماء، وقوله تعالى: \" قالتا أتينا طائعين \" جعل لهما طاعة وقولا.","part":2,"page":283},{"id":784,"text":"الرابع - أن يستعار اسم المعقول للمحسوس على ما تقدم ذكره في التشبيه كقوله تعالى: \" إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور تكاد تميز من الغيظ \" فالشهيق والغيظ مستعاران، وقوله تعالى: \" حتى تضع الحرب أوزارها \" والأقوال في الاستعارة كثيرة، وقد أوردنا فيها ما يستدل به عليها.\rوأما الكناية - قال: اللفظة إذا أطلقت وكان الغرض الأصلي غير معناها فلا يخلو: إما أن يكون معناها مقصوداً أيضاً ليكون دالاً على ذلك الغرض الأصلي وإما أن لا يكون كذلك.\rفالأول هو الكناية، ويقال له: الإرداف أيضاً.\rوالثاني المجاز.\rفالكناية عند علماء البيان أن يزيد المتكلم إثبات معنى من المعاني لا يذكره باللفظ الموضوع له في اللفة، ولكن يجئ إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيومي به إليه، ويجعله دليلاً عليه، مثال ذلك قولهم: طويل النجاد وكثير رماد القدر، يعنون به أنه طويل القامة، كثير القرى، ومن ذلك قوله تعالى: \" إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم \" كنى بنفي التوبة عن الموت على الكفر.\rوقول الشاعر:\rبعيدة مهوى الفرط إما لنوفلٍ ... أبوها إما عبد شمس وهاشم\rأراد يذكر طول جيدها \" فأتى تتابعه وهو بعد مهوى القرط \" وكقول ليلى الأخيلية:\rومخرقٍ عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقما\rكنت عن وجوه تخرق القميص من جذب العفاة عند ازدحامهم لأخذ العطاء، وأمثال ذلك. قال: والكناية تكون في المثبت كما ذكرنا، وقد تكون في الإثبات وهي ما إذا حاولوا إثبات معنى من المعاني لشيء فيتركون التصريح بإثباته له، ويثبتونه لما له به تعلق، كقولهم: المجد بين ثوبيه، والكرم بين برديه، وقول الشاعر:\rإن المروءة والسماحة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج\rقال: واعلم أن الكناية ليست من المجاز لأنك تعتبر في ألفاظ الكناية معانيها الأصلية، وتفيد بمعناها معنى ثانياً هو المقصود، فتريد بقولك، كثير الرماد حقيقته وتجعل ذلك دليلاً على كونه جواداً فالكناية ذكر الرديف وإرادة المردوف.\rوأما التعريض - فهو تضمين الكلام دلالة ليس لها ذكر، كقولك: ما أقبح البخل، لمن تعرض ببخله، وكقول محمد بن عبد الله ابن الحسن: لم يعرق في أمهات الأولاد، يعرض بالمنصور بأنه ابن أمة وأمثال ذلك.\rوأما التمثيل - فإنما يكون من باب المجاز إذا جاء على حد الاستعارة، مثاله قولك للمتحبر: فلان يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، فلو قلت: إنه في تحيره كمن يقدم رجلاً ويؤخر أخرى لم يكن من باب المجاز، وكذلك قولك لمن أخذ في عمل لا يتحصل منه المقصود: أراك تنفخ في غير ضرم، وتخط على الماء.\rقال: وأجمعوا على أن للكناية مزية على التصريح لأنك إذا أثبت كثرة القرى بإثبات شاهدها ودليلها فهو كالدعوى التي \" معها \" شاهد ودليل، وذلك أبلغ من إثباتها بنفسها.\rوأما الخبر وأحكامه - فقد قال: الخبر هو القول المقتضى تصريحه نسبة معلوم إلى معلوم بالفي أو الإثبات. وتسمية أحد جزيئه بالخبر مجازية، ثم المقصود من الخبر إن كان هو الإثبات المطلاق فيكون بالاسم، كقوله تعالى: \" وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد \" وإن لم يتم ذلك إلا بإشعار زمانه فيكون بالفعلٍ، كقوله تعالى: \" هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض \" فإن المقصود لا تتم بكونه معطياً للرزق \" بل بكونه معطياً للرزق \" في كل حين وأوان والأخبار بالفعل أخص من الأخبار بالاسم، وإذا أنعمت النظر وجدت الاسم موضوعاً على أن تثبت به المعنى الشيء من غير إشعار يتجدده شيئاً فشيئاً، بل جعل الانطلاق أو البسيط متلاصقة ثابتة ثبوت الطول أو القصر في قولك: زيد طويل أو قصير، بخلاف ما إذا أخبرت بالفعل فإنه يشعر بالتجدد وأنه يقع جزءاً فجزءاً، وإذا أردت شاهداً على ذلك فتأمل هذا البيت:\rلا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... إلا يمر عليها وهو منطلق","part":2,"page":284},{"id":785,"text":"فجاء بالاسم، ولو أتى بالفعل لم يحسن هذا الحسن، والفعل المعتدى إلى جميع مفعولاته خبر واحد، حتى إذا قلت: ضرب زيداً عمراً يوم الجمعة خلف المسجد ضرباً شديداً تأديباً له كان الخبر شيئاً واحداً وهو إسناد الضرب المقيد بهذه القيود إلى زيد، فظهر من ذلك \" أن \" قولك: جاءني رجل مغاير لما دل عليه قولك: جاءني رجل ظريف، وإنك لست في ذلك \" إلا \" كمن يضم إلى معنى، وحكم المبتدأ والخبر أيضاً كذلك: فقول بشار:\rكأن مثار النقع فوف رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه\rخبر واحد. وإذا قلت: الرجل خير من المرأة فاللام فيه قد تكون للعموم أو للخصوص بأن ترجع إلى معهود أو لتعريف الحقيقة مع قطع النظر عن عمومها وخصوصها. وإذا قلت: زيد المنطلق أو زيد هو المنطلق أفاد انحصار المخبر به في المخبر عنه، فإن أمكن الحصر ترك على حقيقته وإلا فعلى المبالغة. وإذا قلت: المنطلق زيد فهو إخبار عما عرف بما لم يعرف، فكأن المخاطب عرف أن إنساناً انطلق ولم يعرف صاحب، فقلت: الذي تعتقد أنه منطلق زيد.\rوأما الذي - فهو للإشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة كقولك: ذهب الرجل الذي أبوه منطلق وهو تحقيق قولهم: إنه يستعمل لوصف المعارف بالجمل، والتصديق والتكذيب يتوجهان إلى خبر المبتدأ لا إلى صفته فإذا كذبت القائل في قوله: زيد بن عمرو كريم، فالتكذيب لم يتوجه إلى كونه ابن عمرو بل إلى كونه كريماً.\rوأما التقديم والتأخير - قال: إذا قدم الشيء على غيره فإما أن يكون في نية التأخير كما إذا قدم الخبر على المبتدأ؛ وإما أن يكون في نية التأخير ولكن انتقل الشيء من حكم إلى آخر، كما إذا جئت إلى اسمين جاز أن يكون كل واحد منهما مبتدأ فجعلت أحدهما مبتدأ كقولك: زيد المنطلق، والمنطلق زيد، قال الجرجاني: قال صاحب الكتاب: كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم بشأنه أعني، وإن كانا جميعاً يهمانهم ويعنياهم، مثاله: أن الناس إذا تعلق غرضهم بقتل خارجي مفسد ولا يبالون من صدر القتل منه، وأراد مريد الإخبار بذلك فإنه يقدم ذكر الخارجي \" فيقول \" : قتل الخارجي زيد، ولا يقول: قتل زيد الخارجي لأنه يعلم أن قتل الخارجي هو الذي يعنيهم، وإن كان قد وقع قتل من رجل يبعد في اعتقاد الناس وقوع القتل من مثله قدم المخبر ذكر الفاعل فيقول: قتل زيد رجلاً لاعتقاد الناس في المذكور خلاف ذلك، انتهى كلام الجرجاني.\rقال: ولنذكر ثلاثة مواضع يعرف بها ما لم يذكر: الأول الاستفهام - فإذا أدخلته على الفعل وقلت: أضربت زيداً؟ كان الشك في وجود الفعل، وإذا أدخلته على الاسم وقلت: أأنت ضربت زيداً؟ كان الفعل محققاً والشك في تعيين الفاعل، وهكذا حكم النكرة، فإذا قلت: أجاءك رجل؟ كان المقصود: هل وجد المجيء من رجل؟ فإذا قلت: أرجل جاءك؟ كان ذلك سؤالاً عن جنس من جاء بعد الحكم بوجود المجيء من إنسان وقس عليه الخبر في قوله: ضربت زيداً وزيداً ضربت، وجاءني رجل، ورجل جاءني، ثم الاستفهام قد يجئ للإنكار، فإن كان \" في \" فعل ماض وأدخلت الاستفهام عليه كان لإنكاره، كقوله تعالى: \" اصطفى البنات على البنين \" وإن أدخلته على الاسم فإن لم يكن الفعل متردداً بينه وبين غيره كان لإنكار أنه الفاعل، ويلزم منه نفي ذلك الفعل، كقوله تعالى: \" الله أذن لكم \" أي لو كان إذن لكان من الله، فلما لم يوجد منه دل على أن لا إذن كما تقول: متى كان هذا، في ليل أم نهارٍ؟ أي لو كان في ليل أو نهار، فلما لم يوجد في واحد منهما لم يوجد أصلاً، وعليه قوله تعالى: \" الذكرين حرم أم الاثنين \" وإن كان مردداً بينه وبين غيره كان إما للتقرير والتوبيخ، وعليه قوله تعالى حكاية عن قول نمرود: \" أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم \" وإما لإنكار أنه الفاعل مع تحقيق الفعل، كقولك لمن انتحل شعراً: أأنت قلت هذا؟ وإن كان الفعل مضارعاً، فإن أدخلت حروف الاستفهام عليه كان إما لإنكار وجوده، كقوله تعالى: \" أنلزمكموها وأنتم لها كارهون \" . أو لإنكار أنه يقدر على الفعل، كقول امرئ القيس:\rأيقتلني والمشرقي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال\rأو لإزالة طمع من طمع في أمر لا يكون، فيجهله في طمعه، كقولك: أيرضى عنك فلان وأنت على ما يكره؟ أو لتعنيف من يضيع الحق، كقول الشاعر:","part":2,"page":285},{"id":786,"text":"أتترك إن قلت دراهم خالد ... زيارته إني إذن للئيم\rأو لتنديم الفاعل، كما تقول لمن يركب الخطر: أتخرج في هذا الوقت؟ وإن أدخلته على الاسم فهو لإنكار صدور الفعل من ذلك الفاعل إما للإستحقار كقولك: أأنت تمنعني؟ أو للتعظيم كقولك: أهو يسأل الناس؟ أو للمبالغة إما في كرمه، كقولك: أهو يمنع سائله؟ وإما في خساسته، كقولك: أهو يسمح بمثل هذا؟ وقد يكون لبيان استحالة فعل ظن ممكناً كقوله تعالى: \" أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمى \" وكذلك إذا أدخلته على المفعول، كقوله تعالى: \" أغير الله أتخذ ولياً \" و \" أغير الله تدعون \" و \" أبشراً منا واحداً نتبعه \" الثاني في التقديم والتأخير في النفي - إذا أدخلت النفي على الفعل فقلت: ما ضربت زيداً فقد نفيت عن نفسك ضرباً واقعاً بزيد، وهذا لا يقتضي كون زيد مضروباً.\rوإذا أدخلته على الاسم فقلت: ما أنا ضربت زيداً اقتضى من باب دليل الخطاب كون زيد مضروباً وعليه قول المتنبي:\rوما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ... ولكن لشعري فيك من نفسه شعر\rولهذا يصح أن تقول: ما ضربت إلا زيداً وما ضربت زيداً ولا ضربه أحد من الناس ولا يصح أن تقول: ما أنا ضربت إلا زيداً، وأما أنا ضربت زيداً ولا ضربه أحد من الناس.\rأما الأول فلأن نقض النفي بإلا يقتضي أن تكون ضربته، \" وتقديمك \" ضميرك وإيلاءه حرف النفي يقتضي ألا تكون ضربته \" فيتدافعان.\rوأما الثاني فلأن أول الكلام يقتضي أن يكون زيداً مضروباً، وآخره يقتضي ألا يكون مضروباً فيتناقضان، إذا عرف هذا في جانب الفاعل فإن مثله في جانب المفعول، فإذا قلت: ما ضربت زيداً لم يقتض أن تكون ضارباً لغيره، وإذا قلت: ما زيد ضربت اقتضى ذلك، ولهذا صح ما ضربت زيداً ولا أحد من الناس ولا يصح \" ما \" زيداً ضربت ولا أحد من الناس.\rوحكم الجار والمجرور حكم المفعول، فإذا قلت: ما أمرتك بهذا لم يقتض أن تكون قد أمرته بشيء غير هذا، وإذا قلت: ما بهذا أمرتك اقتضاه.\rوإذا قدمت صيغة العموم على السلب وقلت: كل ذا لم أفعله، برفع كل من كان نفياً عاماً، ويناقضه الإثبات الخاص، فلو فعلت بعضه كنت كاذباً.\rوإن قدمت السلب وقلت: لم أفعل كل ذا كان نفياً للعموم ولا ينافى الإثبات الخاص، فلو فعلت بعضه لم تكن كاذباً، ومن هذا ظهر الفرق بين رفع كل ونصبه في قول أبي النجم:\rقد أصبحت أم الخيار تدعى ... علي ذنباً كله لم أصنع\rفإن رفعته كان النفي عاماً، واستقام غرض الشاعر في تبرئة نفسه من جملة الذنوب، وإن نصبته كان النفي نفياً للعموم، وهو لا ينافى إتيان بعض الذنب فلا يتم غرضه.\rالثالث في التقديم والتأخير في الخبر المثبت - ما تقدم في الاستفهام والنفي قائم هنا، فإذا قدمت الاسم وقلت: زيد فعل وأنا فعلت فالقصد إلى الفاعل إما لتخصيص ذلك الفعل به، كقولك: أنا شفعت في شأنه مدعياً الانفراد بذلك أو لتأكيد إثبات الفعل له لا للحصر، كقولك: هو يعطي الجزيل لتمكن في نفس السامع أن ذلك دأبه دون نفيه عن غيره، ومنه قوله تعالى: \" واتخذوا من دونه آلهةً لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون \" فإنه ليس المراد تخصيص المخلوقية بهم، وقوله تعالى: \" وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به \" وكقول درني بنت عبعبة:\rهما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما\rوقول الآخر:\rهموا يفرشون اللبد كل طمرةٍ ... وأجرد سباخ يبذ المغالبا\rقال: والسبب في هذا التأكيد أنك إذا قلت مثلاً: زيد فقد أشعرت بأنك تريد الحديث عنه فيحصل للسامع تشوق إلى معرفته، فإذا ذكرته قبلته النفس \" قبول العاشق معشوقه \" فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفي الشك والشبهة، ولهذا تقول لمن تعده: أنا أعطيك أنا أكفيك، أنا أقوم بهذا الأمر، وذلك إذا كان من شأن من يسبق له وعد أن يعترضه الشك في وفائه، ولذلك يقال في المدح:","part":2,"page":286},{"id":787,"text":"أنت تعطي الجزيل، أنت تجود حين لا يجود أحد، ومن ها هنا تعرف الفخامة في الجمل التي فيها ضمير الشأن والقصة كقوله تعالى: \" فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور \" وقوله تعالى: \" إنه لا يفلح الكافرون \" وأن فيها ما ليس في قولك: فإن الأبصار لا تعمى وإن الكافرين لا يفلحون، وهكذا في الخبر المنفي، فإذا قلت: أنت لا تحسن هذا، كان أبلغ من قولك لا تحسن هذا، فالأول لمن هو أشد إعجاباً بنفسه وأكثر دعوى بأنه يحسن.\rقال: واعلم أنه قد يكون تقديم الاسم كاللازم نحو قوله:\rيا عاذلي دعني من عذلكا ... مثلي لا يقبل من مثلكا\rوقول المتنبي:\rمثلك يثني الحزن عن صوبه ... ويسترد الدمع عن غربه\rوقول الناس: مثلك يرعى الحق والحرمة، وما أشبه مما لا يقصد فيه إلى إنسان سوى الذي أضيف إليه وجئ به للمبالغة، وقد عبر المتنبي عن هذا المعنى فقال:\rولم أقل مثلك أعني به ... سواك يا فرداً بلا مشبه\rوكذلك حكم \" غير \" إذا سلك فيه هذا المسلك كقول المتنبي:\rغيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا\rأي لست ممن ينخدع ويغتر ولو لم يقدم مثلاً وغيراً في هذه الصور لم يؤد هذا المعنى.\rقال: ويقرب من هذا المعنى تقديم بعض المفعولات على بعض في نحو قوله تعالى: \" وجعلوا لله شركاء الجن \" فإن تقديم شركاء على الجن أفاد أنه ما ينبغي لله شركاء لا من الجن ولا غيرهم لأن شركاء مفعول ثان لجعلوا، ولله متعلق به والجن مفعوله الأول فقد جعل الإنكار على جعل الشريك لله على الإطلاق من غير اختصاص بشيء دون بشيء لأن الصفة إذا ذكرت مجردة عن مجراها على شئ كان الذي تعلق بها من المنفي عاماً في كل ما يجوز أن تكون له تلك الصفة، فإذا قلت ما في الدار كريم، كنت نفيت الكينونة في الدار عن كل شئ يكون الكرم صفةً له، وحكم الإنكار أبداً حكم النفي، فأما إذا أخرت شركاء فقلت: \" وجعلوا الجن شركاء لله فيكون جعل الشركاء مخصوصاً غير مطلق فيحتمل أن يكون المقصود بالإنكار جعل الجن شركاء \" لا جعل غيرهم: تعالى الله عن ذلك علوا كبير فقدم شركاء نفياً لهذا الاحتمال.\rفصل في مواضع التقديم والتأخير قال: أما التقديم فيحسن في مواضع: الأول: أن تكون الحاجة إلى ذكره أشد، كقولك: قطع اللص الأمير.\rالثاني: أن يكون ذلك أليق بما قبله من الكلام أو بما بعده، كقوله تعالى: \" وتغشى وجوههم النار \" فإنه أشكل بما بعده وهو قوله: \" إن الله سريع الحساب \" وبما قبله وهو: \" مقرنين في الأصفاد \" الثالث: أن يكون من الحروف التي لها صدر الكلام، كحروف الاستفهام والنفي، فإن الاستفهام طلب فهم الشيء، وهو حالة إضافية فلا تستقل بالمفهومية فيشتد اتصاله بما بعده.\rالرابع: تقديم الكلي على جزيئاته، فإن الشيء كلما كان أكثر عموماً كان أعرف فإن الوجود لما كان أعم الأمور كأن أعرفها عند العقل.\rالخامس: تقديم الدليل على المدلول وأما التأخير فيحسن في مواضع: الأول: تمام الاسم كالصلة والمضاف إليه.\rالثاني: توابع الأسماء.\rالثالث: الفاعل.\rالرابع: المضمر، وهو أن يكون متأخراً لفظاً وتقديراً، كقولك: ضرب زيد غلامه أو مؤخراً في اللفظ مقدماً في المعنى كقوله تعالى: \" وإذ ابتلى إبراهيم ربه أو بالعكس كقولك: ضرب غلامه زيد، وإن تقدم لفظاً ومعنى لم يجز كقولك: ضرب غلامه زيداً.\rالخامس: ما يفضى إلى اللبس، كقولك: ضرب موسى عيسى، أو أكرم هذا فيجب فيه تقديم الفاعل.\rالسادس: العامل الذي هو ضعيف عمله، كالصفة المشبهة والتمييز وما عمل فيه حرف أو معنى كقولك: هو حسن وجهاً، وكريم أبا، وتصيب عرقاً، وخمسة وعشرون درهماً وإن زيد قائم، وفي الدار سعد جالساً. ولا يجوز الفصل بين العامل والمعمول بما ليس منه، فلا تقول: كانت زيداً الحمي تأخذ إذا رفعت الحمى بكانت للفصل بين العامل وما عمل فيه، فإن أضمرت الحمى في كانت صحت المسألة.\rوأما الفصل والوصل - فهو العلم بمواضع العطف والاستئناف والتهدي إلى كيفية إيقاع حروف العطف في مواقعها وهو من أعظم أركان البلاغة حتى إن بعضهم حد البلاغة بأنها معرفة الفصل والوصل، وقال عبد القاهر: إنه لا يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد إلا كمل لسائر معاني البلاغة.","part":2,"page":287},{"id":788,"text":"قال: اعلم أن فائدة \" العطف \" التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه، ثم من الحروف العاطفة ما لا يفيد إلا هذا القدر وهو الواو ومنها ما يفيد فائدة كالفاء وثم وأو، وغرضنا ها هنا متعلق بما لا يفيد إلا الاشتراك فنقول: العطف إما أن يكون في المفردات وهو يقتضي التشريك في الإعراب، وإما أن يكون في الجمل وتلك الجمل إن كانت في قوة المفرد كقولك: مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح فقد أشركت بينهما في الإعراب \" والمعنى \" لاشتراكهما في كون كل واحد منهما يفيد للموصوف، ولا يتصور أن يكون اشتراك بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع ذلك الاشتراك فيه، وحتى يكونا كالنظيرين والشريكين، وبحيث إذا عرف السامع حاله الأول عساه يعرف حاله الثاني، يدلك على ذلك أنك ذا عطفت على الأول شيئاً ليس منه بسبب ولا هو مما يذكر بذكره لم يستقم، فلو قلت: خرجت اليوم من داري، وأحسن الذي \" يقول \" بيت كذا قلت ما يضحك منه، ومن ها هنا عابوا على أبي تمام قوله:\rلا والذي هو عالم أن النوى ... صبروا وأن الحسين كريم\rوإن لم تكن في قوة المفرد فهي على قسمين: الأول أن يكون معنى إحدى الجملتين لذاته متعلقاً بمعنى الأخرى كما إذا كانت كالتوكيد لها أو كالصفة، فلا يجوز إدخال العاطف عليه، لأن التوكيد والصفة متعلقان بالمؤكد والموصوف لذاتهما، والتعلق الذاتي يغني عن لفظ يدل على التعلق فمثال التوكيد قوله تعالى: \" آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه \" فلا ريب فيه توكيد لقوله تعالى: \" ذلك الكتاب \" كأنه قال: هو ذلك الكتاب، وكذلك قوله تعالى: \" إن الذين كفروا سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون \" وقوله تعالى: \" ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم \" تأكيد ثان أبلغ من الأول، وكذلك قوله تعالى: \" ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله \" ولم يقل: ويخادعون لأن المخادعة ليست شيئاً غير قولهم: آمنا مع أنهم غير مؤمنين، وكذلك قوله تعالى: \" وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً: ولم يقل تعالى: وكأن، وأمثال \" ذلك \" في القرآن العزيز كثيرة.\rالقسم الثاني ألا يكون بين الجملتين تعلق ذاتي، فإن لم يكن بينهما مناسبة فيجب ترك العاطف أيضاً لأن العطف للتشريك ولا تشريك، ومن ها هنا أيضاً عابوا على أبي تمام البيت المتقدم لا والذي هو عالم.... إذ لا مناسبة بين مرارة النوى وبين كرم أبي الحسين، ولذلك لم يحسن جواز العاطف.\rوإن كان بينهما مناسبة فيجب ذكر العاطف.\rثم إن كان المحدث عنه في الجملتين شيئين فالمناسبة بينهما إما أن تكون بالذي أخبر بهما، أو بالذي أخبر عنها، أو بهما كليهما، وهذا الأخير هو المعتبر في العطف.\rقال: ونعني بالمناسبة أن يكونا متشابهين كقولك: زيد كاتب وعمرو \" شاعر \" \" أو متضادين تضادا على الخصوص، كقولك زيد طويل وعمرو \" قصير وكقولك العلم حسن والجهل قبيح، فلو قلت: زيد طويل والخليفة قصير لا اختل معنى عند ما لا لزيد تعلق بحديث الخليفة ولو قلت: زيد طويل وعمرو شاعر لا اختل لفظاً إذ مناسبة بين الطويل القامة والشاعر.\rوإن كان المحدث عنه في الجملتين شيئاً واحداً، كقولك: فلان يقول ويفعل ويضر وينفع، ويأمر وينهى، ويسيء ويحسن، فيجب إدخال العاطف رجوع عن الأول وإذا أفاد العاطف الاجتماع ازداد الاشتراك كقولك: العجب من أنك أحسنت وأسأت، والعجب من أنك تنهى عن شيء وتأتي مثله وكقوله:\rلا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا\rفإن المعنى جعل المفعلين في حكم واحد، أي تطيعوا أن تروا إكرامنا إياكم يوجد مع إهانتكم إيانا.","part":2,"page":288},{"id":789,"text":"قال: وقد يجب إسقاط العاطف في بعض المواضع لاختلال المعنى عند إثباته كقوله تعالى: \" وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا أنهم هم المفسدون \" فقوله تعالى: \" ألا أنهم هم المفسدون كلام مستأنف وهو إخبار من الله تعالى، فلو أتى بالواو لكان إخباراً عن اليهود بأنهم وصفوا أنفسهم بأنهم يفسدون فيختل المعنى، وكذلك قوله تعالى: \" وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا أنهم هم السفهاء \" وأمثال ذلك كثيرة، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى العاطف بخلاف قوله تعالى: \" يخادعون الله وهو خادعهم \" \" ومكروا ومكر الله \" فإن كل واحدة من الجملتين خبر من الله تعالى.\rقال: ومما يجب ذكره هاهنا الجملة إذا وقعت حالاً فإنها تجئ مع الواو تارة وبدونها أخرى فنقول: الجملة إذا وقعت حالاً فلا بد أن تكون خبرية تحتمل الصدق والكذب، وهو على قسمين.\rالأول وله أحوال: الأولى: أن يجمع لها بين الواو وضمير صاحب الحال، كقولك: جاء زيد ويده على غلامه ولقيت زيداً وفرسه سابقه، وهذه الواو تسمى واو الحال.\rالثانية: أن تجئ بالضمير من غير واو، كقولك: كلمته فوه إلى في، وهو في معنى مشافها، والرابط الضمير، فلو قلت: كلمته إلى في فوه، ولقيته عليه جبة وشئ لم يكن من باب وقوع الجملة حالاً، لأنه يمكننا أن نرفع فوه وجبة بالجار والمجرور فيرجع الكلام إلى وقوع المفرد حالاً، والتقدير كلمته كائناً إلى في فوه، ولقيته مستقرة عليه جبة وشئ وعليه قول بشار:\rإذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... غدوت مع البازي على سواد\rالثالثة: أن تجئ الواو من غير ضمير وهو كثير، كقولك: لقيتك والجيش قادم وزرتنا والشتاء خارج. ويجوز أن تجمع بين حالين مفرد وجملة إذا أجزنا وقوع حالين كقولك: لقيتك راكباً والجيش قادم فالجملة حال من التاء أو من الكاف والعامل فيها لقيت، أو من ضمير راكباً \" وراكباً \" هو العامل فيها.\rالقسم الثاني الجملة الفعلية، ولا بد أن تكون ماضياً أو مضارعاً \" أما الماضي فلا بد معه من الإتيان بالواو وقد أو بأحدهما، كقولك: تكلمت وقد عجلت، وجاء زيد قد ضرب عمراً، وجئت وأسرعت في المجيء قال الله تعالى: \" قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون \" ولم يجر البصريون خلوة عنهما، وقالوا في قوله تعالى: \" أو جاءوكم حصرت صدروهم \" وفي قول أبي صخر الهذلي:\rوإني لتعروني لذاكراك هزة ... كما انتقض العصفور بلله القطر\rإن قد مقدرة فيهما، فإن الشيء إذا عرف موضعه جاز حذفه.\rوأما المضارع فإن كان موجباً فلا يؤتى معه بالواو، فتقول: جاءني زيد يضحك، ويجئ عمرو يسرع، واجلس تحدثنا بالرفع أي محدثاً لنا، لأنه بتجرده عما يغير معناه أشبه اسم الفاعل إذا وقع حالاً.\rوإن كان منفياً جاز حذف الواو مراعاة لأصل الفعل الذي هو الإيجاب وجاز إثباتها لأن الفعل ليس هو الحال، فإن معنى قولك: جلس زيد ولم يتكلم جلس زيد غير متكلم فجرى مجرى الجملة الأسمية، فالحذف كقولك: جاء زيد ما يفوه ببنت شفة، قال الله تعالى: \" الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب \" لا يمسنا في موضع نصب على الحال من ضمير المرفوع في أحلنا، والإثبات كقولك: جلس زيد ولم يتكلم قال الله تعالى: \" أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً \" قال: وشبهوا به الفعل الماضي فقالوا: جاء زيد ما ضرب عمراً، وجاء زيد وما ضرب عمراً.\rوأما الحذف والإضمار - فقد قال: الأفتال المتعدية التي ترك ذكر مفعولاتها على قسمين: الأول: ألا يكون له مفعول مبين: فقد يترك مفعوله لفظاً وتقديراً ويجعل حاله كحال غير المعتدي، كقولهم: فلان يحل ويعقد، ويأمر وينهى ويضر وينفع.","part":2,"page":289},{"id":790,"text":"والمقصود إثبات المعنى في نفسه للشيء من غير التعريض لحديث المفعول فكأنك قلت: بحيث يكون منه حل وعقد وأمر ونهي ونفع وضر، وعليه قوله تعالى: \" قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون \" أي هل يستوي من له علم ومن لا علم له من غير أن ينص على معلوم، وكذلك قوله تعالى: \" وأنه هو أضحك وأبكى \" إلى قوله: \" وأنه هو أغنى وأقنى \" وبالجملة فمتى كان الغرض بيان حال الفاعل فلا تعد الفعل، فإن تعديته تنقض الغرض، ألا ترى أنك إذا قلت: فلان يعطي الدنانير كان المقصود بيان جنس ما يتناوله الإعطاء لا بيان حال كونه معطياً؟ الثاني: أن يكون له مفعول معلوم إلا أنه يحذف في اللفظ لأغراض: الأول: أن يكون المراد بيان حال الفاعل وأن ذلك الحال دأبه لا بيان المفعول كقول طفيل:\rجزى الله عنا جعفراً حين أزلفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت\rأبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقى الذي لاقوه منا لملت\rهم خلطونا بالنفوس وألجئوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت\rوالأصل أن تقول: لملتنا وألجؤونا وأدفأتنا وأظلتنا فحذف المفعول المعين من هذه المواضع الأربعة وكأنه قد أبهم ولم يقصد قصد شئ يقع عليه، كما تقول: قد مل فلان، تريد قد دخل عليه الملال من غير أن تخص شيئاً بل لا تزيد على أن تجعل الملال من صفته، فلذلك الشاعر جعل هذه الأوصاف من دأبهم، ولو أضاف إلى مفعول معين لبطل هذا الغرض، وعليه قوله تعالى: \" ولما ورد ماء مدين \" إلى قوله تعالى: \" فسقى لهما \" فقد حذف المفعول في أربعة مواضع، فإن ذكره ربما يخل بالمقصود فلو قال تعالى مثلاً: تذودان غنمهما لتوهم أن الإنكار إنما جاء من ذودهما الغنم لا من مطلق الذود، كقولك: مالك تمنع أخاك؟ فإن الإنكار من منع الأخ لا من مطلق المنع.\rالثاني: أن يكون المقصود ذكره إلا أنك لا تذكره إيهاماً بأنك لا تقصد ذكره كقول البحتري:\rشجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع\rالمعنى أن يرى مبصر محاسنه أو يسمع واعٍ أخباره، ولكنه تغافل عن ذلك إيذاناً بأن فضائله يكفي فيها أن يقع عليها بصر أو يعيها سمع حتى يعلم أنه المتفرد بالفضائل، فليس لحساده وعداه أشجى من علم بأن هنا مبصراً وسامعاً.\rالثالث: أن يحذف لكونه بيناً، كقولهم: أصيغت إليك أي أذني، وأغضيت عليك، أي جفنى.\rفصل في حذف المبتدأ والخبر قال: قد يحسن حذف المبتدأ حيث يكون الغرض أنه قد بلغ في استحقاق الوصف بما جعل وصفاً له إلى حيث يعلم بالضرورة أن ذلك الوصف ليس إلا له سواء كان في نفسه كذلك، أم بحسب دعوى الشاعر على طريق المبالغة، فذكره يبطل هذا الغرض، ولهذا قال الإمام عبد القاهر: ما من اسم يحذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره، فمن حذف المبتدأ قوله تعالى: \" سورة أنزلناها وفرضناها \" أي هذه السورة وقول الشاعر:\rلا يبعد الله التلبب والس ... غارات إذ قال الخميس نعم\rأي هذه نعم قال عبد القاهر: ومن المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ بالقطع والاستئناف أنهم يبدءون بذكر الرجل ويقدمون بعض أمره، ثم يدعون الكلام الأول ويستأنفون كلاماً \" آخر \" وإذا فعلوا ذلك أنوا في أكثر الأمر بخبر من غير المبتدأ مثال ذلك قوله:\rوعلمت أنى يوم ذا ... ك منازل كعباً ونهدا\rقوم إذا لبسوا الحدي ... د تنمروا خلقاً وقدا\rوقال الحطيئة:\rهم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا\rبناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاء\rوأمثلة ذلك كثيرة.\rومن حذف الخبر قوله تعالى: \" لولا أنتم لكنا مؤمنين \" أي لولا أنتم مضلونا وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لولا علي لهلك عمر، أي لولا علي حاضر أو مفتٍ.\rفصل الإضمار على شريطة التفسير كقولهم: أكرمني وأكرمت عبد الله أي أكرمني عبد الله وأكرمت عبد الله، ومما يشبه ذلك مفعول المشيئة إذا جاءت بعد لو، فإن كان مفعولها أمراً عظيماً أو غريباً فالأولى ذكره، كقوله:\rولو شئت أن أبكي دماً لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع","part":2,"page":290},{"id":791,"text":"فإن بكاء الإنسان دماء عجيب، وإن لم يكن كذلك فالأولى حذفه، كقوله تعالى: \" ولو شاء الله لجمعهم على الهدى \" والتقدير لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم، وكذلك قوله تعالى: \" ولو شاء لهداكم أجمعين \" وقوله تعالى: \" فإن يشأ الله يختم على قلبك \" و \" من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم \" .\rقال: واعلم أنه قد تترك الكناية إلى التصريح لما فيه من زيادة الفخامة كقول البحتري:\rقد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلاً\rالمعنى قد طلبنا لك مثلاً ثم حذف لأن هذا المدح إنما ينفي المثل، فلو قال: قد طلبنا لك مثلاً في السؤدد والمجد فلم نجده لكان قد أوقع نفي الوجود على ضمير المثل فلم يكن فيه من المبالغة ما إذا أوقعه على صريح المثل، فإن الكناية لا تبلغ مبلغ الصريح، ولهذا لو قلت: وبالحق أنزلناه زوبه نزل، وقل هو الله أحد وهو الصمد لا تجد من الفخامة ما تجده في قوله تعالى: \" وبالحق أنزلناه وبالحق نزل \" و \" قل هو الله أحد الله الصمد \" وعلى ذلك قول الشاعر:\rلا أرى الموت يسبق الموت شيء ... تغص الموت ذا الغنى والفقيرا\rوأما مباحث إن وإنما - فإنه قال: أما إن فلها فوائد: الأولى أن تربط الجملة الثانية بالأولى وبسببها يحصل التأليف بينهما حتى كأن الكلامين أفرغا واحداً، ولو أسقطتها كان الثاني نائياً عن الأول، كقوله تعالى: \" يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم \" وقوله تعالى: \" أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور \" وقوله تعالى: \" خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم \" وقد تنكروا في كلام واحد، كقوله تعالى: \" وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم \" ثم متى أسقطت \" إن \" من الجملة التي أدخلتها عليها، فإن كانت الجملة الثانية إنما تذكر لإظهار فائدة ما قبلها كما في الآيات المذكورة احتجت إلى الفاء وإلا فلا، كما في قوله تعالى: \" إن هذا ما كنتم به تمترون إن المتقين في مقام أمين \" فلو قلت: فالمتقون لم يكن كلاماً، وكذلك قوله تعالى: \" إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة \" فقوله تعالى: \" إن الله يفصل بينهم \" في موضع خبر إن، فدخول الفاء يوجب الثانية: أنك ترى لضمير الشأن والقصة في الجملة الشرطية مع \" إن \" من الحسن واللطف ما لا تراه إذا هي لم تدخل عليها، كقوله تعالى \" \" إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين \" وقوله تعالى: \" أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم \" وقوله تعالى: \" أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم \" الثالثة: أنها تهيء النكرة وتصلحها لأن يحدث عنها، كقوله:\rإن شواءً ونشوةً ... وخبب البازل الأمون\rفولا هي لم يكن كلاماً؛ وإن كانت النكرة موصوفة جاز حذفها ولكن دخولها أصلح، كقول حسان:\rإن دهراً يلف شملي بجملٍ ... لزمان يهم بالإحسان\rالرابعة: أنها قد تغني عن الخبر، كما إذا قيل لك: الناس إلبٌ عليكم فهل لكم أحد؟ فقلت: إن زيداً وإن عمراً أي لنا، قال الأعشى:\rإن محلاً وإن مرتجلاً ... وإن السفر إذ مضوا مهلا\rالخامسة: قال المبرد: إذا قلت عبد الله قائم، فهو إخبار عن قيامه فإذا قلت: إن عبد الله قائم، فهو جواب عن إنكار منكر لقيامه، سواء كان المنكر هو السائل أو الحاضرين، والدليل على أن إن إنما تذكر الجواب السائل أنهم ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر، والله إن زيداً لمنطلق، فالحاجة إنما تدعوا إلى \" إن \" إذا كان للسامع ظن يخالف ذلك، ولذلك تراها تزداد حسناً إذا كان الخبر بأمر يبعد، كقول أبي نواس:\rعليك باليأس من الناس ... إن غنى نفسك في الياس\rومن لطيف مواقعها أن يدعى على المخاطب ظن لم يظنه ولكن \" صدر \" منه فعل يقتضي ذلك الظن، فيقال له: حالك تقتضي أن تكون قد ظننت ذلك، كقول الشاعر:\rجاء شقيق عارضاً رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح\rأي مجيئك هذا مدلاً بنفسك مجيء من يعتقد أنه ليس مع أحد رمح غيره.","part":2,"page":291},{"id":792,"text":"وقد تجئ إذا وجد أمر كان المتكلم يظن أنه لا يوجد، كقولك للشيء الذي يراه المخاطب ويسمعه: إنه كان من الأمر ما ترى، إنه كان مني إليه إحسان فقابلني بالسوء كأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وعليه قوله عز وجل حكاية عن أم مريم: \" قالت رب إني وضعتها أنثى \" وحكاية عن نوح: \" قال رب إن قومي كذبون \" وأما إنما - فتارة تجئ للحصر بمعنى أن هذا الحكم لا يوجد في غير المذكور وهي بمنزلة ليس إلا، كقوله تعالى: \" أنما يستجيب الذين يسمعون \" وقوله: \" إنما تنذر من اتبع الذكر \" وقوله تعالى: \" إنما أنت منذر من يخشاها \" تارة تجئ لبيان أن هذا الأمر ظاهر عند كل حد، سواء كان كذلك أم في زعم المتكلم، ومنه قول الشاعر:\rإنما مصعب شهاب من الل ... ه تجلت عن وجهه الظلماء\rمدعياً أن ذلمك مما لا ينكره أحد من الناس قال: واعلم أنه يستعمل للتخصيص ثلاث عبارات: الأولى: إنما جاء زيد.\rالثانية: جاءني زيد لا عمرو، والرفق أن في الأولى يفهم إيجاب الفعل من زيد ونفيه عن غيره دفعة واحدة، ومن الثانية دفعتين، ثم إنهما كلتيهما يستعملان لإثبات التخصيص لا لنفي التشريك وفيه نظر.\rالثالثة: ما جاءني إلا زيد، وهي بالأصل الوضع تفيد نفي التشريك، ولهذا لا يصح ما زيد إلا قائم لا قاعد، لأنك بقولك: إلا قائم نفيت عنه كل صفة تنافى القيام، فيندرج فيه نفي القعود، فإذا قلت بعده،: لا قاعد كان تكراراً لأن لفظة \" لا \" موضوعة لأن ينفى بها ما أوجب الأول لا لأن يعاد بها نفي ما نفي أولا ويصح إنما زيد قاعد لا قائم لأن صيغة وضعها تدل على المخصوص الحكم بالمذكور، وأما نفي الشركة فهو لازم من لوازمها، فليس له من القوة لما يدل عليه بوضعه ولهذا يصح: هو الجاني لا عمرو، فثبت أن دلالة الأوليين على التخصيص أقوى، ودلالة الثالثة على نفي التشريك \" أقوى \" لكن الثالثة قد تقام مقام الأوليين في إفادة التخصيص، كما إذا ادعى واحد أنك قلت قولاً ثم قلت بخلافه، فقلت له: ما قلت الآن إلا ما قلته قبل، وعليه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: \" ما قلت لهم إلا ما أمرتني به \" ليس المعنى أنى لم أزد على أمرتني به شيئاً، ولكن المعنى أني لم أدع مما أمرتني به \" أن \" أقوله شيئاً.\rقال: وحكم \" غير \" حكم \" إلا \" فإذا قلت: ما جاءني غير زيد احتمل أن يكون المراد نفي أن يكون جاء معه إنسان آخر، وأن يكون المراد تخصيص الحكم بالمذكور لا نفيه عما عداه.\rفصل إذا دخل ما وإلا على الجملة المشتملة على المنصوب كان المقصود بالذكر ما اتصل بإلا متأخراً عنها، فإذا قلت: ما ضرب عمراً إلا زيداً فالمقصود المرفوع، وإذا قلت: ما ضرب زيداً إلا عمراً، فالمقصود المنصوب، وإذا قلت ما ضرب \" إلا \" زيد عمراً، فالاختصاص للضارب، وإذا قلت إلا زيداً عمرو، فالاختصاص للمضروب، فإذا قلت: لم أكس إلا زيداً جبةً، فالمعنى تخصيص زيد من بين الناس بكسوة الجبة، وإن قلت: لم أكس إلا جبة زيداً، فالمعنى تختص كسوة لجبة من بين الناس بزيد وكذلك الحكم حيث يكون بدل أحد المفعولين جار ومجرور، كقول السيد الحميري:\rلو خير المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم فارسا\rوكذلك حكم المبتدأ والخبر والفعل والفاعل، كقولك: ما زيد إلا قائم، وما قام إلا زيد.\rوأما إنما فالاختصاص فيها يقع مع المتأخر فإذا قلت، إنما ضرب زيداً عمرو فالاختصاص في الضارب، وقوله تعالى: \" إنما يخشى الله من عباده العلماء \" فالغرض بيان المرفوع وهو أن الخاشين هم العلماء، ولو قدم المرفوع لصار المقصود بيان المخشي منه، والأول أتم، ومنه قول الفرزدق.\rأنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابكم أنا أو مثلي","part":2,"page":292},{"id":793,"text":"فإن غرضه أن يحصر المدافع بأنه هو لا المدافع عنه، ولو قال: إنما أنا أدافع عن أحسابكم توجه التخصيص إلى المدافع عنه، \" وحكم المبتدأ والخبر \" إذا أدخلت عليهما إنما، فإن قدمت الخبر فالاختصاص للمبتدأ، وإن لم تقدمه فللخبر، فإذا قلت: إنما هذا لك فالاختصاص في \" لك \" بدليل أنك بعده تقول: لا لغيرك، فإذا قلت إنما لك هذا فالاختصاص في \" هذا \" بدليل أنك بعده تقول: لا ذاك وعليه قوله تعالى: \" فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب \" وقوله تعالى: \" إنما السبيل على الذين يستأذنوك \" فالاختصاص في الآية الأولى للبلاغ والحساب، وفي الثانية في الخبر الذي هو على الذين دون المبتدأ الذي هو السبيل.\rوإذا وقع بعدها الفعل فالمعنى أن ذلك الفعل لا يصح إلا من المذكور، كقوله تعالى: \" إنما يتذكر أولوا الألباب \" ثم قد يجتمع معه حرف النفي إما متأخراً عنه كقولك: إنما يجئ زيد لا عمر: قال تعالى: \" إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر \" وقال لبيد:\rفإذا جوزيت قرضاً فاجزه ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل\rوإما مقدماً عليه، كقولك: ما جاءني زيد وإنما جاءني عمرو، فها هنا لو لم تقل: وقلت: ما جاءني زيد وجاءني عمرو لكان الكلام مع من ظن أنهما جاءاك جميعاً، وإذا أدخلتها فإن الكلام مع من غلط في الجائي أنه زيد لا عمرو.\rقال: واعلم أن أقوى ما تكون \" إنما \" إذا كان لا يراد بالكلام الذي بعدها نفس معناه، ولكن التعريض بأمر هو مقتضاه، فإنا نعلم أنه ليس الغرض من قوله تعالى: \" إنما يتذكر أولوا الألباب \" أن يعلم السامعون ظاهر معناه ولكن أن يذم الكفار ويقال لهم: إنهم من فرط العتاد في حكم من ليس بذي عقل، وقوله تعالى: \" إنما أنت منذر من يخشاها \" و \" إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب \" والتقدير إن من لم تكن له من هذه الخشية، فهو كمن لم تكن له أذن تسمع وقلب يعقل، فالإنذار معه كلا إنذار، وهذا الغرض لا يحصل دون \" إنما \" لأن من شأنها تضمين الكلام معنى النفي بعد الإثبات فإذا أسقطت لم يبق إلا إثبات الحكم للمذكورين، فلا يدل على نفيه \" عن \" غيرهم إلا أن يذكر في معرض مدح الإنسان بالتيقظ والكرم وأمثالهما كما يقال: كذلك يفعل العاقل ، هكذا يفعل الكريم.\rتنبيه - قال: كاد تقرب الفعل من الوقوع، فنفيها ينفي القرب، فإن لم يكن في الكلام دليل على الوقوع فيقيد نفي الوقوع ونفي القرب منه، كقوله تعالى: \" لم يكد يراها \" \" أي لم يرها \" ولم يقارب رؤيتها، وكقول ذي الرمة: المعنى أن براح حبها لم يقارب الكون فضلاً عن أن يكون وأما النظم - فهو عبارة عن توخي معاني النحو في ما بين الكم وذلك أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو بأن تنظر في كل باب إلى قوانينه والفروق التي بين معاني اختلاف صيغته وتضع الحروف مواضعها وتراعي شرائط التقديم والتأخير، ومواضع حروف العطف على اختلاف معانيها، وتعتبر الإصابة في طريق التشبيه والتمثيل.\rوقد أطبق العلماء على تعظيم شأن النظم، وأن لا فضل مع عدمه ولو بلغ الكلام في غرابة معناه إلى ما بلغ، وأن سبب فساده \" ترك العمل بقوانين النحو واستعمال الشيء في غير موضعه.\rثم قال: الجمل الكثيرة إذا نظمت نظماً واحداً فهي على قسمين: الأول: أن لا يتعلق البعض بالبعض ولا يحتاج واضعه إلى فكر وروية في استخراجه، بل هو كمن عمد إلى اللآلئ ينظمها في سلك ومثاله قول الجاحظ في مصنفاته: جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعروف نسباً، وبين الصدق سبباً، وحبب إليك التثبت وزين في عينيك الإنصاف وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قبلك عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين وطرد عنك ذل الطمع وعرفك ما في الباطل من الذلة، وما في الجهال من القلة وكقول النابغة للنعمان وتفضيله إياه على ذي فائش يزيد بن أبي جفنة، وكقول حسان ابن ثابت للحارث الجفني يفضله على النعمان بن المنذر، وكقول ضرار بن ضمرة لمعاوية بن علية،؛ وقد تقد شرح أقوالهم في الباب الأول من القسم الثالث من هذا الفن في المدح، وهو في السفر الثالث فلا حاجة بنا إلى إعادته وهذا النظم لا يستحق الفضل إلا بسلامة معناه وسلامة ألفاظه، إذ ليس فيه معنى دقيق لا يدرك إلا بثاقب الفكر.\rقال: ربما ظن بالكلام أنه من هذا الجنس ولا يكون منهم كقول الشاعر","part":2,"page":293},{"id":794,"text":"سالت عليك شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه الدنانير\rفإن الحسن فيه ليس مجرد الاستعارة بل لما في الكلام من التقديم والتأخير، ولهذا لو أزلت ذلك وقلت: سال شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره فإنه يذهب بالحسن والحلاوة.\rالثاني: أن تكون الجمل المذكورة يتلق بعضها ببعض وهناك تظهر قوة الطبع، وجودة القريحة واستقامة الذهن.\rثم \" ليس \" لهذا الباب قانون يحفظ، فإنه يجئ على وجوه شتى.\rمنها الإيجاز، وهو العبارة عن العرض بأقل ما يمكن من الحروف، وهو على ضربين: إيجاز قصر، وإيجاز حذف، وقد تقدم الكلام على ذلك وذكر أمثلته عند ذكر الفصاحة.\rومنها التأكيد - وهو تقوية المعنى وتقريره، إما بإظهار البرهان، كقول قابوس:\rيا ذا الذي بصروف الدهر عيرنا ... هل عاند الدهر إلا من له خطر\rأما ترى البحر تعلو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر\rوفي السماء نجوم ما لها عدد ... وليس يخسف إلا الشمس والقمر\rوإما بالعزيمة كقوله تعالى: \" فورب السماء والأرض إنه لحق \" وقوله تعالى: \" فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعملون عظيم إنه لقرآن كريم: وكقول الأشتر النخعي:\rبقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس\rإن لم أشن على ابن حرب غارةً ... لم تخل يوماً من نهاب نفوس\rيريد معاوية بن أبي سفيان، وكقول أبي نواس.\rلا فرج الله عني إن مددت يدي ... إليه أسأله من حبك الفرجا\rوكقول أبي تمام:\rحرمت مناي منك إن كان ذا الذي ... تقوله الواشون حقاً كما قالوا\rأو بالتكرار، كقولهم: الله الله، والأسد والأسد، وكقول الحادرة:\rأظاعنة وما تودعنا هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد\rوهذا في التنزيل كثير، والعلم فيه سورة الرحمن.\rوأما التجنيس - فهو يتشعب منه شعب كثيرة: فمنه المستوفي التام - وهو أن يجئ المتكلم بكلمتين متفقتين لفظاً مختلفتين معنى متفاوت في تركيبهما، ولا اختلاف في حركتهما، كقول الغزي:\rلم يبق غيرك إنسان يلاذبه ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا\rوقول عبد الله بن طاهر:\rوإني للثغر المخوف لكالئ ... وللثغر يجري ظلمه لرشوف\rوكقول البستي:\rسما وحمى بني سامٍ وحامٍ ... فليس كمثله سام وحامي\rوذكر التبريزي أن التجنيس المستوفي كقول أبي تمام:\rما مات من كرم الزمان فإنه ... يحيا لدي يحيى بن عبد الله\rوقال: وإنما عبد من هذا الباب لاختلاف المعينين، لأن أحدهما فعل والآخر اسم.\rومنه المحتلف - ويسمى التجنيس الناقص - وهو مثل الأول في اتفاق حروف الكلمتين إلا أنه يخالفه: إما في هيئة الحركة، كقوله صلى الله عليه وسلم \" اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي \" وكقول معاذ رضي الله عنه: الدين يهدم الدين وكقولهم: جبة البرد جنة البرد، وكقولهم: الصديق الصدوق أول العقد وواسطة العقد، وكقول المعري:\rلغيري زكاة من جمال فإن تكن ... زكاة جمال فاذكري ابن سبيل\rأو بالحركة والسكون، كقولهم: البدعة شرك الشرك، أو بالتخفيف والتشديد كقولهم: الجاهل إما مفرط وإما مفرط.\rومنه المذيل - ويقال له: التجنيس الزائد والناقص أيضاً - وهو أن تجئ بكلمتين متجانستين اللفظ متفقتي الحركات، غير أنهما يختلفان بحرف، إما في آخرهما كقولك: فلان حامٍ حامل لأعباء الأمور، كاف كافل لمصالح الجمهور، وقولهم: أنا من زماني في زمانه ومن إخواني في خيانه، وقولهم: فلان سال عن إخوانه سالم من زمانه، ومن النظم قول أبي تمام:\rيمدون من أيدٍ عواص عواصمٍ ... تصول بأسياف قواض قواضب\rوقول البحتري:\rلئن صدفت عنا فربت أنفس ... صواد إلى تلك النفوس الصوادف\rإما من أولهما، كقولك تعالى: \" والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق \" ومن النظم ما أنشده عبد القاهر:\rوكم سبقت منه إلى عوارف ... ثنائي من تلك العوارف وارف\rوكم غررٍ من بره ولطائفٍ ... لشكري على تلك اللطائف طائف\rومنه المركل وهو على ضربين:","part":2,"page":294},{"id":795,"text":"الأول: ما هو متشابه لفظاً وخطاً، كقولهم: همتك الهمة الفاترة وفي صميم قلبك ألفاترة ومن النظم قول البستي:\rإذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه\rوقول الآخر:\rعضنا الدهر بنابه ... ليت ما حل بنا به\rوقول طاهر البصري:\rناظراه فيما جنى ناظراه ... أودعاني رهناً بنا أودعاني\rالثاني: ما هو متشابه لفظاً لا خطاً ويسمى التجنيس \" المفروق \" كقوله: كنت أطمع في تجريبك، ومطايا الجهل تجري بك.\rومن النظم قول الشاعر:\rلا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغت في تهذيبها\rفإذا عرضت القول غير مهذب ... عدوه منك وساوساً تهذي بها\rوأمثال ذلك كثيرة: ومن أنواع المركب المرفق وهو أن تجمع بين كلمتين إحداهما أقصر من الأخرى فتضم إلى القصيرة حرفاً من حروف المعاني أو من حروف الكلمات المجاورة لها حتى يعتدل ركنا التجنيس كقولهم: يا مغرور أمسك، وقس يومك بأمسك ويقرب منه قول الهمذاني: إن لم يكن لنا حظ في درك درك، فخلصنا من شرك شرك.\rوقول الحريري: إن أخليت منا مبارك مبارك فخلصنا من معارك معارك.\rومن النظم قول البستي:\rفهمت كتابك يا سيدي ... فهمت ولا عجب أن أهيما\rومنه قول الآخر:\rذو راحة وكفت ندى وكفت ردى ... وقضت بهلك عداته وعداته\rكالغيث في إروائه وروائه ... والليث في وثباته وتباته\rومنه المزدوج - ويقال له التجنيس المردد والمكرر أيضاً - وهو أن يأتي في آواخر الأسجاع وقوافي الأبيات بلفظتين متجانستين إحداهما ضميمة والأخرى وبعضها كقولهم: الشراب بغير النغم غم، وبغير الدسم سم، وقول البستي:\rأبا العباس لا تحسب لشيني ... بأنى من حلى الأشعار عاري\rفلي طبع كسلسال معين ... زلال من ذرى الأحجار جاري\rإذا ما أكبت الأدوار زنداً ... فلي زند على الأدوار واري.\rومن أجناس التجنيس المصحف - ويقال له تجنيس الخط أيضاً - وهو أن تأتي بكلمتين متشابهتين خطاً لا لفظاً، كقوله تعالى: \" وهم يحسبون أنهم يحسنون \" وقوله تعالى: \" والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين \" وقوله صلى الله عليه وسلم: \" عليكم بالأبكار فإنهن أشد حباً وأقل خبا \" وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: قصر من ثيابك فإنه أبقى وأنقى وأتقى.\rوكقول أبي فراس:\rمن بحر شعرك أغترف ... وبفضل علمك أعترف.\rومنه المضارع - ويسمى المطمع - وهو أن يحاء بالكلمة ويبدأ بأختها على مثل أكثر حروفها، فتطمع في أنها مثلها، فتخالفها بحرف، ويسمى المطرف وهو أن تجمع بين كلمتين متجانستين لا تفاوت بينهما إلا بحرف واحد من الحروف المتقاربة سواء وقع آخر أو حشو، كقوله صلى الله عليه وسلم: \" الخيل معقود بتواصيها الخير \" ومنه قول الحطيئة:\rمطاعين في الهيجا مطاعيم في الدجى ... بني لهم آباؤهم وبني الجد\rوقول البحتري:\rظللت أرجم فيك الظنون ... أحاجمه أنت أم حاجبه؟\rوإن كان التفاوت بغير المتقاربة سمى التجنيس اللاحق، كقوله تعالى: \" وإذا جاءهم أمر من الأمن \" وقوله تعالى: \" وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد \" وقول البحتري:\rهل لما فات من تلاقٍ تلافي ... أم لشاك من الصبابة شافي\rومنه المشوش - وهو كل تجنيس يتجاذبه طرفان من الصنعة فلا يمكن إطلاق اسم أحدهما عليه، كقولهم: فلان مليح البلاغة، صحيح البراعة.\rومنه تجنيس الاشتقاق - ويسمى الاقتضاب أيضاً، ومنهم من عده أصلاً برأسه، ومنهم من عده أصلاً في التجنيس - وهو أن يجئ بألفاظ يجمعها أصل واحد في اللغة، كقوله تعالى: \" فأقم وجهك للدين القيم \" وقوله تعالى: \" يمحق الله الربو ويربي الصدقات \" وقوله تعالى: \" فروحٌ وريحانٌ \" وقول النبي صلى الله عليه وسلم: \" ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً \" وقوله: \" الظلم ظلمات يوم القيامة \" ومن النظم قول أبي تمام:\rغممت الخلق بالنعماء حتى ... غدا الثقلان منها متقلين\rوقول المطرزي:\rوإني لأستحي من المجد أن أرى ... حليف غوانٍ أو أليف أغاني\rوقول الصاحب بن عياد:","part":2,"page":295},{"id":796,"text":"وقائلةٍ لم عرتك الهموم ... وأمرك ممتثل في الأمم\rفقلت ذريني على غصتي ... فإن الهموم بقدر الهمم\rوقول آخر:\rإن ترى الدنيا أغارت ... ونجوم السعد غارت\rفصروف الدهر شتى ... كلما جارت أجارت\rومما يشبه المشتق - ويسميه بعضهم المشابه وبعضهم المغاير - قوله تعالى: \" وجنى الجنتين دان \" وقوله تعالى: \" ليريه كيف يواري سوءة أخيه \" وقوله تعالى: \" وإن يردك الله بخيرٍ فلا راد لفضله \" وقوله تعالى: \" وأسلمت مع سليمان \" ومن النظم قول البحتري:\rوإذا ما رياح جودك هبت ... صار قول العذال فيها هباء\rومن أجناس التجنيس تجنيس التصريف - وهو ما كان كالمصحف \" إلا \" في اتحاد الكتابة ثم لا يخلو من أن تتقارب فيه الحروف باعتبار المخارج أو لا تتقارب فإن تقاربت سمي مضارعاً، وإن لم تتقارب سمي لاحقاً.\rمثال الأول قوله تعالى: \" وهم ينهون عنه وينئون عنه \" وقوله تعالى \" بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون \" وقول قس بن ساعدة الإيادي: \" من مات فات \" وقول الشاعر:\rفيا لك من حزم وعزم طواهما ... جديد البلى تحت الصفا والصفائح\rوهذا البيت يشتمل على المضارع والمتمم، ومثال الثاني قول علي رضي الله عنه: الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، وقول عبد الله بن صالح وقد وصف اليمن: ليس فيه إلا ناسج برد، أو أساس قرد.\rومنها التجنيس المخالف - وهو أن تشتمل كل واحدة من الكلمتين على حروف الأخرى دون ترتيبها كقول أبي تمام:\rبيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب\rوقول البحتري:\rشواجر أرماح تقطع بينهم ... شواجر أرحام ملومٍ قطوعها\rوقول المتنبي:\rممنعةٌ منعمة رداحٌ ... يكلف لفظها الطير الوقوعا\rفإن اشتملت كل كلمة على حروف الأخرى، وكان بعض هذه قلب حروف هذه خص باسم جناس العكس، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: \" يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وارق \" وقول عبد الله بن رواحة يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:\rتحمله الناقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلى نوره الظلما.\rومنها تجنيس المعنى - وهو أن تكون إحدى الكلمتين دالة على الجناس بمعناها دون لفظها، وسبب استعمال هذا النوع أن يقصد الشاعر المجانسة لفظاً ولا يوافقه الوزن على الإتيان باللفظ المجانس فيعدل إلى مرادفه، كقول الشاعر يمدح المهلب ويذكر فعله بقطري بن الفجاءة وكان قطري يكنى أبا نعامة:\rحدا بأبي أم الرئال فأجفلت ... نعامته من عارض متلبب\rأراد أن يقول: حدا بأبي نعامة فأجفلت نعامته أي روحه، فلم يستقم له فقال: بأبي أم الرئال، وأم الرئال هي النعامة، وكقول الشماخ:\rوما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقفه حرون\rأروى: اسم امرأة، والموقفة الحرون من الوحش: أروى وبها سميت المرأة فلم يمكنه أن يأتي باسمها فأنى بصفتها، وقد صرح بذلك المعري في قوله:\rأروى النياق كأروى النيق يعصمها ... ضرب يظل له السرحان مبهوتا\rوبعضهم لا يدخل هذا في باب التجنيس، قال: وإنما يحسن التجنيس إذا قل، وأتى في الكلام عفواً من غير كد ولا استكراه، ولا بعد ولا ميل إلى جانب الركة ولا يكون كقول الأعشى:\rوقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشلٌ شلولُ شلشلُ شول\rولا كقول مسلم بن الوليد:\rسلت وسلت ثم سل سليلها ... فأتى سيل سليلها مسلولا\rولا كقول المتنبي:\rفقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلهن قلاقل\rوأما الطباق - فإن المطابقة أن تجمع بين ضدين مختلفين، كالإيراد والإصرار والليل والنهار، والسواد والبياض، قال الأخفش وقد سئل عنه: أجد قوماً يختلف ونفيه، فطائفة - وهم الأكثر - يزعمون أنه الشيء وضده وطائفة تزعم أنه اشتراك المعنيين في لفظ واحد، كقول زياد الأعجم:\rونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام","part":2,"page":296},{"id":797,"text":"ثم قال: وهذا هو التجنيس بعينه، ومن ادعى أنه طباق فقد خالف الأصمعي والخليل، فقيل له: أو كانا يعرفان ذلك؟ فقال: سبحان الله! وهل أعلم منهما بالشعر وتمييز خبيثه من طيبه؟ ويسمونه المطابقة والطباق والتضاد والتكافؤ وهو أن تجمع بين المتضادين مع مراعاة التقابل، فلا تجئ باسم مع فعل ولا بفعل مع اسم مثاله قوله تعالى: \" فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً \" وقوله تعالى: \" وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود \" وقوله تعالى: \" سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار \" وقوله تعالى: \" قل اللهم مالك الملك \" إلى قوله: \" بغير حساب \" وقوله صلى الله عليه وسلم للأنصار: \" إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع \" ومن النظم قول جرير:\rوباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شر عنكم بشماليا\rوقول البحتري:\rوأمة كان قبح الجور يسخطها ... حيناً فأصبح حسن العدل يرضيها\rوقوله أيضاً:\rتبسم وقطوب في ندى ووغىً ... كالبرق والرعد وسط العارض البرد\rوقول دعبل:\rلا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى\rوقول ابن المعتز:\rمنها الوحش إلا أن هاتا أو أنس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل\rفإن هاتا للحاضر، وتلك للغائب، فكانتا متقابلتين، وقد تجئ المطابقة بالنفي \" والإثبات \" كقول البحتري:\rتقيض لي من حيث لا أعلم النوى ... ويسري إلى الشوق من حيث أعلم.\rوقال الزكي بن أبي الإصبع المصري في الطباق وهو على ضربين: ضرب يأتي بألفاظ الحقيقة، وضرب يأتي بألفاظ المجاز، فما كان بلفظ الحقيقة سمي طباقاً وما كان بلفظ المجاز سمي تكافؤاً، فمثال قول أبي الأشعث العبسي من إنشادات قدامة:\rحلو الشمائل وهو مر باسل ... يحمى الدمار صبيحة الإرهاق\rلأن قوله: حلو ومر خارج مخرج الاستعارة، إذ ليس الإنسان ولا شمائله مما يذاق بحاسة الذوق.\rومن أمثلة التكافؤ قول ابن رشيق:\rوقد أطفأوا شمس النهار وأوقدوا ... نجوم العوالي في سماء عجاج\rوقد جمع دعبل في بيته المتقدم بين الطباق والتكافؤ، وهو:\rلا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى\rلأن ضحك المشيب مجاز، وبكاء الشاعر حقيقة.\rقال: هكذا قال ابن أبي الإصبغ وفيه نظر لأنه إذا كان الطباق عنده هو التضاد من حقيقتين والتكافؤ التضاد من مجازين فليس في البيت ما شرطه.\rقال: ومما جمع بين طباقي السلب والإيجاب قول الفرزدق من إنشادات ابن المعتز:\rلعن الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار\rيستيقظون إلى هيق حميرهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار\rوذكر في آخر الباب طباق الترديد، وهو أن يرد آخر الكلام المطابق إلى أوله فإن لم يكن الكلام مطابقاً فهو رد الأعجاز على الصدور، ومثاله قول الأعشى:\rلا يرفع الناس ما أوهوا وإن جهدوا ... طول الحياة ولا يوهون ما رقعوا.\rوأما المقابلة - وهي أعم من الطباق، وذكر بعضهم أنها أخص وذلك أن تضع معاني تريج الموافقة بينها وبين غيرها أو المخالفة فتأتي في الموافق بما وافق وفي المخالف بما خالف أو تشرط شروطاً وتعد أحوالاً في أحد المعنيين فيجب أن تأتي في الثاني بمثل ما شرطت وعددت في الأول كقوله عز وجل: \" فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى \" وقوله تعالى: \" فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء \" ومثاله من النظم قول الشاعر:\rفيا عجب كيف اتفقنا فناصح ... وفي مطوى على الغل غادر!\rوقول آخر:\rتقاصرن واحلولين لي ثم إنه ... أتت بعد أيام طوال أمرت\rوقول زهير بن أبي سلمى:\rحلماء في النادي إذا ما جئتهم ... جهلاء يوم عجاجة ولقاء\rومن فساد ذلك أن يقابل الشيء بما لا يوافقه ولا يخالفه، كقول أبي عدي القرشي:\rيا ابن خير الأخيار من عبد شمس ... أنت زين الدنيا وغيث لجود\rفليس قوله: غيث لجود موافقاً لقوله: زيد الدنيا ولا مخالفاً له.\rوكقول الكميت:","part":2,"page":297},{"id":798,"text":"وقد رأينا بها حواراً منعمةً ... بيضاً تكامل فيها الدل والشنب\rفالشنب لا يشاكل الدل.\rوقول آخر:\rرحماء بذي الصلاح وضرا ... بون قدماً لهامة الصنديد.\rقال: وقد ذكر بعض أئمة هذا الفن تفصيلاً في المقابلة فقال: فمن مقابلة اثنين باثنين قوله تعالى: \" فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً \" وقول النابغة:\rفتى تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا\rومن مقابلة ثلاثة بثلاثة قول الشاعر:\rما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل\rوقول أبي نواس:\rأنا استدعيت عفوك من قريب ... كما استعفيت سخطك من بعيد\rومن مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى: \" فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذبل بالحسنى فسنيسره للعسرى \" المقابل بقوله تعالى: \" استغنى \" قوله تعالى: \" واتقى \" لأن معناه: زهد فيما عند الله واستغنى بشهوات الدنيا عن نعم الآخرة، وذلك يتضمن عدم التقوى، ومنه قول النابغة:\rإذا وطئا سهلاً أثارا عجاجة ... وإن وطئا حزناً تشظى الجنادل.\rومن مقابلة خمسة بخمسة قول المتنبي:\rأزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي\rقابل أزور بأنثني، وسواد البياض والليل بالصبح، ويشفع بيغري ولي بقوله: بي.\rوأما السجع - فهو أن كلمات الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الأعجاز موقوفاً عليها، لأن الغرض أن يجانس بين قرائن، ويزاوج بينها، ولا يتم ذلك إلا بالوقف، ألا ترى إلى قولهم: \" ما بعد ما فات، وما أقرب ما هو آت \" فلو ذهبت تصل لم يكن بد من إعطاء أواخر القرائن ما يقتضيه حكم الإعراب، فتختلف أواخر القرائن، ويفوت الساجع غرضه، وإذا رأيناهم يخرجون الكلمة عن أوضاعها للازدواج فيقولون: أتيتك بالغدايا والعشايا وهنأني الطعام ومرأني، وأخذه ما قدم وما حدث، \" وانصرفن مأزورات غير مأجورات \" يريد الغدوات وأمرأني وحدث وموزورات مع أن فيه ارتكاباً لمخالفة اللغة فما الظن بأواخر الكلم المشبهة بالقوافي.\rقال: والسجع أربعة أنواع وهي: الترصيع والمتوازي والمطرف والمتوازن.\rأما الترصيع - فهو أن تكون الألفاظ مستوية الأوزان متفقة الأعجاز كقوله تعالى: \" إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم \" وقوله تعالى: \" إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم \" وقول النبي صلى الله عليه وسلم: \" اللهم اقبل توبتي واغسل حوبتي \" وقولهم: فلان يفتخر بالهمم العالية، لا بالرمم البالية وقولهم: عاد تعريضك تصريحاً، وتمريضك تصحيحاً، ومن النظم قول الخنساء:\rحامى الحقيقة محمود الخليفة مه ... دي الطريقة نفاع وضرار\rجواب قاصية جزاز ناصية ... عقاد ألوية للخيل جرار\rوقد يجئ مع التجنيس كقولهم: إذا قلت الأنصار، كانت الأبصار، وما وراء الخلق الدميم، إلا الخلق الذميم، ومن النظم قول المطرزي:\rوزند ندى فواضله ورى ... وزند ربا فضائله نضير\rودر جلاله أبداً ثمين ... ودر نواله أبدا غزير.\rوأما المتوازي - فهو أن يراعى في الكلمتين الأخيرتين من القرينتين الوزن مع اتفاق الحرف الأخير منهما، كقوله عز وجل: \" فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة \" .\rوقول الحريري: ألجأني حكم دهر قاسط إلى أن انتجع أرض واسط.\rوقوله: وأودى الناطق والصامت ورثى لنا الحاسد والشامت.\rوأما المطرف - فهو أن يراعي الحرف الأخير في كلمتي قرينتيه من غير مراعاة الوزن، كقوله تعالى: \" ما لكم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقكم أطواراً \" وقولهم: جنابه محط الرحال، ومخيم الآمال.\rوأما المتوازن - فهو أن يراعي في الكلمتين الأخيرتين من القرينتين الوزن مع اختلاف الحرف الأخير منهما، كقوله تعالى: \" ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة \" وقولهم: اصبر على حر القتال ومضض النزال، وشدة المصاع، ومداومة المراس، فإن راعى الوزن في جميع كلمات القرائن أو أكثرها، وقابل الكلمة منها بما يعادلها وزنا كان أحسن، كقوله تعالى: \" وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم \" وقول الحريري: اسود يرمي الأبيض، وابيض فودي الأسود ويسمى هذا في الشعر الموازنة، كقول البحتري:","part":2,"page":298},{"id":799,"text":"فقف مسعداً فيهن إن كنت عاذرا ... وسر مبعداً عنهن إن كنت عاذلا\rقال: ومما هو شرط الحسن في هذا المحافظة على التشابه، وهو اسم جامع للملاءمة والتناسب.\rفالملاءمة: تأليف الألفاظ بعضها لبعض على ضروب من الاعتدال كقول لبيد:\rوما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يعود رماداً بعد إذ هو ساطع\rوما المال والأهلون إلا وديعةٌ ... ولا بد يوماً أن ترد الودائع\rوبعضهم يعد التلفيق من باب الملاءمة، وهو أن تضم إلى ذكر الشيء ما يليق به ويجري مجراه أي تجمع الأمور المناسبة، ويقال له: مراعاة النظير أيضاً، كقول ابن سمعون للمهلبي.\rأنت أيها الوزير إبراهيمي الجود، إسماعيلي الوعد، شعيبي التوفيق يوسفي العفو، محمدي الخلق.\rوكقول أبي الفوارس الحمداني:\rأأخا الفوارس لو رأيت مواقفي ... والخيل من تحت الفوارس تنحط\rلقرأت منها ما تخط يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنة تنقط\rوكقول آخر:\rوكم من سائل بالغيب عنك أجبته ... هناك الأيادي الشفع والسود الوتر\rعطاء ولا من وحكم ولا هوى ... وحلم ولا عجز وعز ولا كبر\rوقول ابن حيوس:\rيقينك والتقوى وجودك والغنى ... ولفظك والمعنى وسيفك والنصر\rوالتناسب: هو ترتيب المعاني المتآخية التي تتلاءم ولا تتنافر كقول النابغة:\rوالرفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رزق تنال نجاحا\rواليأس عما فات يعقب راحةً ... ولرب مطمعة تعود ذباحا\rويسمى التشابه أيضاً وقيل: التشابه أن تكون الألفاظ غير متباينة بل متقاربة في الجزالة والرقة والسلالة، وتكون المعاني مناسبة لألفاظها من غير أن يكسو اللفظ الشريف المعنى السخيف، أو على الضد، بل يصاغان معاً صياغة تناسب وتلائم.\rفصل في الفقر المسجوعة ومقاديرها قال: قصر الفقرات يدل على قوة التمكن وإحكام الصناعة، وأقل ما تكون كلمتان كقوله تعالى: \" يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر \" وأمثال ذلك في الكتاب العزيز كثيرة لكن الزائد على ذلك هو الأكثر، وكان بديع الزمان يكثر من ذلك في رسائله، كقوله: كميت نهد، كأن راكبه في مهد يلطم الأرض بزبر وينزل من السماء بخبر، قالوا: لكن التذاذ السامع بما زاد على ذلك أكثر، لتشوقه إلى ما يرد متزايداً على سمعه.\rفأما الفقر المختلفة فالأحسن أن تكون الثانية أزيد من الأولى ولكن بقدر كثير لئلا يبعد على السامع وجود القافية فيقل الالتذاذ بسماعها، فإن زادت القرائن على اثنين فلا يضر تساوي القرينتين الأوليين وزيادة الثالثة عليهما وإن زادت الثانية عن الأولى يسيرا، والثالثة على الثانية فلا بأس، لكن لا يكون أكثر من المثل، ولا بد من الزيادة في آخر القرائن، مثاله في القرينتين: \" وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إداً تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولداً \" ومثاله في الثالثة قوله تعالى: \" وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً \" وأقصر الطوال ما كان من إحدى عشرة لفظة وأكثرها غير مضبوطة مثاله من إحدى عشرة لفظة: \" ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور \" والتي بعدها من ثلاث عشرة كلمة، ومثاله من عشرين لفظة قوله تعالى: \" إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور \" وأما رد العجز على الصدر - فهو كل كلام منثور أو منظوم يلاقى آخره أوله بوجه من الوجوه، كقوله تعالى: \" وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه \" وقوله تعالى: \" لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى \" وقولهم: \" القتل انفى للقتل \" و \" الحيلة ترك الحيلة \" وقولهم: طلب ملكهم فسلب ما طلب ونهب ما لهم فوهب ما نهب.\rوهو في النظم على أربعة أنواع: الأول: أن يقعا طرفين، إما متفقين صورة ومعنى كقوله:\rسريع إلى ابن العم يشتم عرضه ... وليس إلى داعي الندى بسريع\rوقوله:\rسكران سكر هوىً وسكر مدامة ... أنى يفيق به سكران","part":2,"page":299},{"id":800,"text":"أو متفقين صورةً لا معنى، وهو أحسن من الأول، كقول السري:\rيسار من سجيتها المنايا ... ويمنى من عطيتها اليسار\rوقول الآخر:\rذوائب سود كالعناقيد أرسلت ... فمن أجلها منا النفوس ذوائب\rأو معنى لا صورة كقول عمر بن أبي ربيعة:\rواستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد\rوقول السري:\rضرائب أبدعتها في السماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا\rوقول الآخر:\rثلبك أهل الفضل قد دلني ... أنك منقوص ومثلوب\rأولا صورة ولا معنى ولكن بينهما مشابهة اشتقاق، كقول الحريري:\rولاح يلحي على جرى العنان إلى ... ملهاً فسحقاً له من لائح لاحى\rالثاني: أن يقعا في حشو المصراع الأول وعجز الثاني، إما متفقين صورةً ومعنى كقول أبي تمام:\rولم يحفظ مضاع المجد شيء ... من الأشياء كالمال المضاع\rوقول الآخر:\rأما القبور فإنهن أوانس ... بجوار قبرك والديار قبور\rأو صورة لا معنى كقول الثعالبي:\rوإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل\rفالأول جمع بلبل، والثاني جمع بلبلة وهي الهمم والثالث جمع بلبلة الإبريق وقول الزمخشري:\rوأخرني دهري وقدم معشراً ... لأنهم لا يعلمون وأعلم\rفمذ أفلح الجهال أعلم أنني ... أنا الميم والأيام أفلح أعلم\rأو معنى لا صورةً كقول امرئ القيس:\rإذا المرء لم يحزن عليه لسانه ... فليس على شئ سواه بخزان\rوقول أبي تمام:\rدمن ألم بها فقال سلام ... كم حل عقده صبره والإلمام\rوقول أبي فراس:\rوما إن شبت من كبر ولكن ... لقيت من الأحبة ما أشابا\rأو في الاشتقاق فقط، كقول أبي فراس:\rمنحناها الحرائب غير أنا ... إذا جرنا منحناها الحرابا\rالثالث: أن يقعا في آخر المصراع الأول وعجز الثاني إما متفقين صورة ومعنى كقول أبي تمام:\rومن كان بالبيض الكواعب مغرماً ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما\rأو صورة لا معنى كقول الحريري:\rفمشغوف بآيات المثاني ... ومفتون بزنات المثاني\rأو معنى لا صورة كقول البحتري:\rففعلك إن سئلت لنا مطيع ... وقولك إن سألت لنا مطاع\rالرابع: أن يقعا في أول المصراع الثاني والعجز، إما متفقين صورة ومعنى كقول الحماسي:\rفإلا يكن إلا معلل ساعةً ... قليلاً فإني نافع لي قليلها\rأو صورةً لا معنى كقول أبي دؤاد\rعهدت لها منزلاً داثراًوآلأ على الماء يحملن آلا\rفالأول الأتباع والثاني أعمدة الخيام، كقول آخر:\rرماك زمان السوء من حيث لا ترى ... فرامي ولم يظفر بما هو راما\rأو معنى لا صورة، كقول أبي تمام:\rثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى ... ويغمر صرف الدهر نائلة الغمر\rوقد كانت البيض البواتر في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بتر\rقال: ومن نوادر هذا الباب بيتا الحريري اللذان سماهما المطرفين وهما:\rسم سمة تحسن آثارها ... وأشكر لمن أعطى ولو سمسمه\rوالمكر مهما اسطعت لا تأته ... لتبتغي السودد والمكرمة\rقال: فإن لم يقع في العجز فليس من هذا البابل كقوله:\rونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام\rوكقول الأفوه الأودي:\rوأقطع الهوجل مستأنساً ... بهوجل عيرانة عنتريس\rفالهوجل الأول: الفلاة، والثاني: الناقة السريعة.\rوأما الإعنات - ويقال له التضييق والتشديد ما لا يلزم - فهو أن يعنت نفسه في التزام ردف أو دخيل أو حرف مخصوص قبل حرف الروي، أو حركة مخصوصة، كقوله تعالى: \" فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر \" وقول النبي صلى الله عليه وسلم: \" اللهم بك أحاول، وبك أصاول \" وقوله عليه الصلاة والسلام \" شر ما في المرء هالع، أو جبن خالع \" وقوله عليه الصلاة والسلام \" \" زد غبا تودد حباً \" وقول عمر رضي الله عنه: لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفاً وقول المعتري:\rضحك وكان الضحك منا سفاهةً ... وحق لسكان البسيطة أن يبكوا","part":2,"page":300},{"id":801,"text":"يحطمنا صرف الزمان كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد له السبك\rوقول آخر:\rيقولون في البستان للعين لذة ... وفي الخمر والماء الذي غير آسن\rإذا شئت أن تلقى المحاسن كلها ... ففي وجه من تهوى جميع المحاسن\rوقد التزم ابن الرومي الفتح قبل حرف الروي - وكان أولع الناس بذلك فقال:\rلما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد\rوإلا فما يبكيه فيها وإنها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد\rإذا بصر الدنيا استهل كأنه ... بما سيلاقي من أذاها يهدد\rوأمثال ذلك في الشعر كثيرة: وأما المذهب الكلامي - فهو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام نحو قوله عز وجل: \" لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا \" ومنه قول النابغة يعتذر إلى النعمان:\rحلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب\rلئن كنت قد بلغت عني جناية ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب\rولكنني كنت امرءاً لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب\rملوك وإخوان إذا ما مدحتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب\rكفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في مدحهم لك أذنبوا\rيقول: أنت أحسنت إلى قوم فمدحوك، وأنا أحسن إلى قوم فمدحتهم فكما أن مدح من أحسنت إليه لا يعد ذنباً فكذا مدحي لمن أحسن إلي لا يعد ذنباً.\rقال ابن أبي الإصبع، ومن شواهد هذا الباب قول الفرزدق:\rلكل امرئ نفسان كريمة ... ونفس يعاصيها الفتى ويطيعها\rونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قل من أحرارهن شفيعها\rيقول: لكل إنسان نفسان: نفس مطمئنة تأمره بالخير، ونفس أمارة بالسوء تأمره بالشر، والإنسان يعاصي الأمارة مرة ويطيعها أخرى، وأنت إذا أمرتك الأمارة بترك الندى شفعت المطمئنة إليها في الندى في الحالة التي يقل فيها الشفيع في الندى من النفوس فأنت أكرم الناس.\rوأما أحسن التعليل - فهو أن يدعي لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف وهو أربعة أضرب: لأن الصفة إما ثابتة قصد بيان علتها، أو غير ثابتة أريد إثباتها فالأولى إما لا تظهر لها في العادة علة، كقوله:\rلم يحك نائلك السحاب وإنما ... حمت به فصبيبها الرخصاء\rأو يظهر لها علة كقوله:\rما به قتل أعاديه ولكن ... يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب\rفإن قتل الأعداء في العادة لدفع مضرتهم لا لما ذكره.\rوالثانية: إما ممكنة كقوله:\rيا واشياً حسنت فينا إساءته ... نجى حذارك إنساني من الغرق\rفإن استحسان إساءة الواشي ممكن، لكن لما خالف الناس فيه عقبه بما ذكر. أو غير ممكنة، كقوله:\rلو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما أتت وعليها عقد منتطق\rقال: وألحق به ما بنى على الشك، كقول أبي تمام:\rرباً شفعت ريح الصبا لرياضها ... إلى المزن حتى جادها وهو هامع\rكأن السحاب الغر غيبن تحتها ... حبيباً فما ترقا لهن مدامع\rوقد أحسن ابن رشيق في قوله:\rسألت الأرض لم كانت مصلى ... ولم كانت لنا طهراً وطيبا\rفقالت غير ناطقةٍ لأني ... حويت لكل إنسان حبيبا\rوأما الالتفاف - فقد فسره قدامة بأن قال: هو أن يكون المتكلم آخذاً في معنى فيعترضه إما شك فيه وإما ظن أن راداً يرده عليه، أو سائلاً له عن سببه فليتفت إليه بعد فراغه منه، فإما أن يجلي الشك، أو يؤكده أو يذكر سببه، كقول الرماح بن ميادة:\rفلا صرمه يبدو ففي اليأس راحة ... ولا وصله يصفو لنا فنكارمه\rكأنه توهم أن فلاناً يقول: ما تصنع بصرمه؟ فقال: لأن في اليأس راحة.\rوأما ابن المعتر فقال: الالتفات انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة ومثاله في القرآن العزيز الإخبار بأن الحمد لله رب العالمين ثم قال: \" إياك نعبد وإياك نستعين \" ومثاله في الشعر قول جرير:\rمتى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام\rأو الانصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار كقوله تعالى \" حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة \" ومثال ذلك في الشعر قول عنترة:","part":2,"page":301},{"id":802,"text":"ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم\rثم قال مخبراً عنها:\rكيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلها بالغيلم\rأو أنصراف المتكلم من الإخبار إلى المتكلم كقوله تعالى: \" والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه \" أو انصراف المتكلم من التكلم إلى الإخبار كقوله تعالى: \" إن نشأ نذهبكم ونأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز \" وقد جمع امرؤ القيس الالتفاتات الثلاثة في ثلاث أبيات متواليات، وهي قوله:\rتطاول ليلك بالإثمد ... ونام الخلى ولم ترقد\rوبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد\rوذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود\rيخاطب في البيت الأول، وانصرف إلى الأخبار في البيت الثاني وانصرف عن الأخبار إلى التكلم في البيت الثالث على الترتيب.\rوأما التمام وهو الذي سماه الحاتمي التميم وسماه ابن المعتز اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه ثم يعود المتكلم فيتممه وشرح حده بأنه الكلمة التي إذا طرحت من الكلام نقص حسن معناه ومبالغته مع أن لفظه يوهم بأنه تام وهو على ضربين:ضرب في المعاني ضرب في الألفاظ فالذي في المعاني هو تميم المعنى والذي في الألفاظ هو تميم الأوزان، والأول هو الذي قدم حده ومثاله قوله تعالى: \" ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة \" فقوله تعالى: \" ومن ذكر أو أنثى \" \" تميم وقوله \" وهو مؤمن \" تميم ثان في غاية البلاغة، ومن هذا القسم قول النبي صلى الله عليه وسلم: \" ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة من غير الفريضة ابتنى الله له بيتاً في الجنة \" فوقع التمييم في هذا الحديث في ثلاثة مواضع قوله عليه السلام:مسلم، ولله ومن غير الفريضة ومن أناشيد قدامة على هذا القسم قول الشاعر:\rأناس إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عادوا بالسيوف القةاضب\rوأما الذي في الألفاظ فهو الذي يؤتى به لإقامة الوزن بحيث لو طرحت الكلمة استقل معنى البيت بدونها، وهو على ضربين: أحدهما مجيء الكلمة لا تفيد غير إقامة الوزن فقط، والثاني مجيئها تفيد مع إقامة الوزن نوعاً من الحسن، فالأول من العيوب والثاني من المحاسن، قال: والكلام هنا في الثاني، ومثاله قول المتنبي:\rوخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لظننت فيه جهنما\rفإنه جاء بقوله يا جنتي لإقامة الوزن، وقصد بها دون غيرها مما يسد مسدها أن يكون بينها وبين قافية البيت مطابقة لا تحصل بغيرها.\rوأما الاستطراد - وهذه التسمية ذكر الحاتمي في حلية المحاضرة أنه نقلها عن البحتري، وقيل: أن البحتري نقلها عن أبي تمام، وسماه ابن المعتر الخروج من معنى إلى معنى، وفسره بأن قال: هو أن يكون المتكلم في معنى فيخرج منه بطريق التشبيه أو الشرط أو الإخبار أو غير ذلك إلى معنى آخر يتضمن مدحاً أو قدحاً أو وصفاً وغالب وقوعه في الهجاء، ولا بد من ذكر المستطرد به باسمه بشرط أن لا يكون تقدم له ذكر.\rفمن أول ما ورد في ذلك من النظم قول السموءل بن عادياء:\rوإنا لقوم ما نرى القتل سبةً ... إذا ما رأته عامر وسلول\rومنه قول حسان:\rإن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجاً الحارث بن هاشم\rترك الأحبة لم يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام\rوقول أبي تمام في وصف حافر الفرس بالصلابة:\rأيقنت إن لم تثبت أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان\rومن أحسن ما قيل في ذلك قول ابن الزمكدم أربعة استطرادات متوالية:\rوليل كوجه البرقعيدي ظلمةً ... وبرد أغانيه وطول قرونه\rسريت ونومي فيه نوم مشرد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه\rعلى أولق فيه التفات كأنه ... أبو صالح في خبطه وجنونه\rإلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه\rوقول البحتري في الفرس أيضاً:\rما إن يعاف قذىً ولو أوردته ... يوماً خلائق حمدويه الأحول\rومما جمع المدح والهجاء قول بكر بن النطاح:\rفتى شقيت أمواله بنواله ... كما شقيت بكر بأرماح تغلب\rومما جاء به على وجه المجون قول بعضهم:","part":2,"page":302},{"id":803,"text":"اكشفي وجهك الذي أوحلتني ... فيه من قبل كشفه عيناك\rغلطي في هواك يشبه عندي ... غلطي في أبي علي بن زاكي\rومما جاء في النسيب على وجه التشبيه قول امرئ القيس:\rعوجاً على الطلل المحيا لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حمام\rوأما تأكيد المدح بما يشبه الذم - فهو ضربان: أفضلهما أن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشئ صفة مدح بتقدير دخولها فيها، نحو قوله تعالى: \" لايسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلاً سلاماً سلاماً \" فالتأكيد فيه من جهة أنه كدعوى الشيء ببينة، وأن الأصل في الاستثناء الاتصال، فذكر ذاته قبل ذكر ما بعدها يوم إخراج الشيء مما قبلها، فإذا وليها صفة مدح جاء التأكيد.\rوالثاني: أن يثبت لشيء صفة مدح ويعقب بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى لها، كقوله صلى الله عليه وسلم: \" أنا أفصح العرب بيد أني من قريش \" وأصل الاستثناء في هذا الضرب أيضاً أن يكون منقطعاً لكنه باق على حاله لم يقدر. متصلاً فلا يفيد التأكيد إلا من الوجه الثاني من الوجهين المذكورين ولهذا كان الأول أفضل.\rومن أمثلة الأول قول النابغة الذبياني:\rولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\rومن أحسن ما قيل في ذلك قول حاتم الطائي:\rولا تشتكيني جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها\rومن الثاني قول النابغة الجعدي:\rفتى كلمت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا\rومن أحسن ما ورد في هذا الباب قول بعضهم:\rولا عيب فينا غير أن سماحنا ... اضربنا والبأس من كل جانب\rفأفنى الردى أعمارنا غير ظالم ... وأفنى الندى أموالنا غير عاتب\rوأما تأكيد الذم بما يشبه المدح - فهو ضربان: أحدهما أن يستثنى من صفة مدح منفية عن الشيء صفة ذم بتقدير دخولها فيها كقولك: فلان لا خير فيه إلا أنه يسئ إلى من أحسن إليه.\rوالثاني: أن تثبت للشيء صفة ذم وتعقب بأداة استثناء تليه صفة ذم أخرى كقولك: فلان فاسق إلا أنه جاهل وتحقيق القول فيها على قياس ما تقدم.\rوأما تجاهل العارف - فهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلاً منه ليخرج كلامه مخرج المدح أو الذم، أو ليدل على شدة التدله في الحب، أو لقصد التعجب أو التوبيخ أو التقرير، وقال السكاكي: هو سوق المعلوم مساق غيره لنكتة كالتوبيخ كما في قول الخارجية وهي ليلى بنت طريف:\rأيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف\rوالمبالغة في المدح، كقول البحتري:\rألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي\rأو الذم كما قال زهير:\rوما أدري ولست إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء\rأو التدله في الحب، كقوله:\rبالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر\rوقول البحتري:\rبدا فراع فؤادي حسن صورته ... فقلت هل ملك ذا الشخص أم ملك\rوأما الهزل الذي يراد به الجد - فهو أن يقصد المتكلم ذم إنسان أو مدحه فيخرج ذلك مخرج المجون، كقول الشاعر:\rإذا ما تميمي أتاك مفاخراً ... فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب\rوأما الكنايات - فهي أن يعبر المتكلم عن المعنى القبيح باللفظ الحسن وعن الفاحش بالطاهر وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الكناية والتعرض وهو الباب الرابع من القسم الثاني من هذا الفن، وهو في السفر الثالث من كتابنا هذا وأما المبالغة - وتسمى التبليغ والإفراط في الصفة - فقد حدها قدامة بأن قال: هي أن يذكر المتكلم حالاً من الأحوال لو وقف عندها لأجزأت فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره ما يكون أبلغ في معنى قصده، كقول عمير بن كريم التغلبي:\rونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا\rومن أمثلة المبالغة المقبولة قول امرئ القيس يصف فرساً:\rفعادى عداءً بين ثور ونعجة ... دراكاً ولم ينضح بماء فيغسل\rيقول: إنه أدرك ثوراً وبقرة في مضمار واحد ولم يعرق.\rوقول المتنبي:\rوأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب\rولا يعاب في المبالغة إلا ما خرج عن حد الإمكان كقوله:","part":2,"page":303},{"id":804,"text":"وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق\rوأما إذا كان كقول قيس بن الخطيم:\rطعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها\rملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائماً من دونها ما وراءها\rفإن ذلك من جيد المبالغة إذا لم يكن قد خرج مخرج الاستحالة مع كونه قد بلغ النهاية في وصف الطعنة، ومن أحسن ذلك وأبلغه قول أحد شعراء الحماسة:\rرهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما بعد شكري للشكور مزيد\rولو كان مما يستطاع استطعته ... ولكن ما لا يستطاع شديد.\rوأما عتاب المرء نفسه - فهو من أفراد ابن المعتز ولم ينشد عليه سوى بيتين ذكر أن الآمدي أنشدهما عن الجاحظ وهما:\rعصاني قومي في الرشاد الذي به ... أمرت ومن يعص المجرب يندم\rفصبراً بني بكر على الموت إنني ... أرى عارضاً ينهل بالموت والدم\rقال: ولا يصلح أن يكون شاهداً لهذا الباب إلا قول أحد شعراء الحماسة:\rأقول لنفسي في الخلاء ألومها ... لك الويل ما هذا التجلد والصبر\rوقول الآخر:\rفقدتك من نفس شعاع فإنني ... نهيتك عن هذا وأنت جميع\rوما ناسب ذلك من الأمثلة: وأما حسن التضمين - فهو أن يضمن المتكلم كلامه كلمة من آية أو حديث أو مثل سائر أو بيت شعر: ومن إنشادات ابن المعتز عليه:\rعوذ لما بت ضيفاً له ... أقراصه مني بياسين\rفبت والأرض فراشي وقد ... غنت قفا نبك مصاريني\rفضمن بيته الأول كلمة من السورة بتوطئة حسنة، وبيته الثاني مطلع قصيدة امرئ القيس: ومما ضمن معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم قول الآخر:\rوأخٍ مسه نزولي بقرح ... مثلما مسني من الجوع قرح\rبت ضيفاً له كما حكم الده ... ر وفي حكمه على الحر قبح\rقال لي مذ نزلت وهو من السك ... رة بالهم طافح ليس يصحو\rلم تغربت؟ قلت: قال رسول الل ... ه والقول منه نصح ونجح:\r\" سافروا تغنموا \" فقال: وقد قا ... ل تمام الحديث: \" صوموا تصحوا \"\rومن تضمين الشعر قول بعضهم:\rوقفنا بأنصار حكتنا لواغب ... \" على مثلها من أربع وملاعب \"\rوهو مطلع قصيدة لأبي تمام: ومنه قول الغزي \"\rطول حياة ما لها طائل ... نغص عندي كل ما يشتهي\rأصبحت مثل الطفل في ضعفه ... تشابه المبدأ والمنتهى\rفلا تلم سمعي إذا خانني ... \" إن الثمانين وبلغتها \"\rالمراد من التضمين ها هنا تمام البيت: \" قد أحوجت سمعي إلى ترجمان \" وإنما تركه لأن أول البيت يدل عليه لاشتهاره وهذا قد أكثر المتأخرون من استعماله في أشعارهم وضمنوا البيت الكامل بعد التوطئة له: وأما التلميح - وهو من التضمين، وإنما بعضهم أفرده - فهو أن يشير في فحوى الكلام إلى مثل سائر أو بيت مشهور، أو قضية معروفة من غير أن يذكره كقول الشاعر:\rالمستغيث بعمرو عند كربته ... كالمستغيث من الرمضاء بالنار\rأشار إلى قضية كليب حين استغاث بعمرو بن الحارث، ومنهم من يسمي ذلك اقتباساً وإيراد المثل كما هو تضميناً.\rوأما إرسال المثل - فهو كقول أبي فراس:\rتهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن يخطب العلياء لم يغله المهر\rوكقول المتنبي:\rتبكي عليهن البطاريق في الدجى ... وهن لدينا ملقيات كواسد\rبذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد\rوأما إرسال مثلين - فهو الجمع بين مثلين كقول لبيد:\rألا كل شئ ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل\rوأبيات زهير بن أبي سلمة التي فيها ومن ومن، وقد تقدم ذكر ذلك مستوفي في باب الأمثال، وهو الباب الأول من القسم الثاني من هذا الفن، وهو في السفر الثالث: وأما الكلام الجامع - فهو أن يكون البيت كله جارياً مجرى مثل واحد كقول زهير:\rومن يك ذا فضل ويبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم","part":2,"page":304},{"id":805,"text":"ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم\rومهما تكن عند امرئ من خليفة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم\rوكقول أبي فراس:\rإذا كان غير الله في عدة الفتى ... ائته الرزايا من وجوه الفوائد\rوكقول المتنبي:\rوكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم\rوقوله:\rومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدواً له من صداقته بد\rوقوله:\rومن البلية عذل من لا يرعوى ... عن جهله وخطاب من لا يفهم\rوقوله:\rإنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال.\rوأما اللف والنشر - فهو أن يذكر اثنين فصاعداً ثم يأتي بتفسير ذلك جملة مع رعاية الترتيب ثقة بأن السامع يرد إلى كل واحد منها ما له، كقوله تعالى: \" ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله \" ومن النظم قول الشاعر:\rألست أنت الذي من ورد نعمته ... وورد راحته أجنى وأغترف\rوقد لا يراعى فيه الترتيب ثقة بأن السامع يرد كل شئ إلى موضعه سواء تقدم أو تأخر، كقول الشاعر:\rكيف أسلو وأنت حقف وغصن ... وغزال الحظا وقدا وردفا\rوأما التفسير - وهو قريب منه - فهو أن يذكر لفظاً ويتوهم أنه يحتاج إلى بيانه فيعيده مع التفسير، كقول أبي مسهر:\rغيثٌ وليثٌ \" فغيث \" حين تسأله ... عرفا وليث لدى الهيجاء ضرغام\rومنه قول الشاعر:\rيحيى ويردى بجداوه وصارمه ... يحيى العفاة ويردى كل من حسدا\rومن ذلك أن يذكر معاني ويأتي بأحوالها من غير أن يزيد أو ينقص كقول الفرزدق:\rلقد جئت قوماً لو لجأت إليهمو ... طريد دم أو حاملاً ثقل مغرم\rلألفيت فيهم معطياً ومطاعناً ... وراءك شزراً بالوشيج المقوم\rلكنه لم يراع شرط اللف والنشر: قول آخر:\rفوا حسرتا حتى متى القلب موجع ... بفقد حبيب أو تعذر إفضال\rفراق حبيب مثله يورث الأسى ... وخلة حر لا يقوم بها مالي\rومنه قول ابن شرف:\rسل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل\rومن أحسن ما في هذا الباب قول ابن الرومي:\rآراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم\rمنها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم\rوفساد ذلك أن يأتي بإزاء الشيء بما لا يكون مقابلاً له كقول الشاعر:\rفيأيها الحيران في ظلم الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغى من العدا\rتعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحراً من الندى\rفأتى بالندى بإزاء بغى العدا وكان يجب أن يأتي بإزائه بالنصر أو العصمة أو الوزر وما جانسه أو يذكر في موضع البغى الفقر والعدم وما جانس ذلك.\rوأما التعديد - ويسمى الأعداد - فهو إيقاع أسماء مفردة على سياق واحد، فإن روعي في ذلك ازدواج أو جناس أو تطبيق أو نحو ذلك كان غاية في الحسن، كقولهم: وضع في يده زمام الحل والعقد، والقبول والرد، والأمر والنهي، والبسط والقبض، والإبرام والنقض، والإعطاء والمنع، ومن النظم قول المتنبي:\rالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والضرب والطعن والقرطاس والقلم.\rوأما تنسيق الصفات - فهو أنم يذكر الشيء بصفات متوالية، كقوله عز وجل: \" هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر \" وقوله تعالى: \" إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً \" وقول النبي صلى الله عليه وسلم: \" ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقاً، المواطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون \" ؛ ومن النطم قول أبي طالب في النبي صلى الله عليه وسلم:\rوأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل\rوقول المتنبي:\rدان بعيدٌ محبٌ مبغضٌ بهجٌ ... أغرٌ حلوٌ ممرٌ لينٌ شرس","part":2,"page":305},{"id":806,"text":"وأما الإيهام - ويقال له التورية والتخييل - فهو أن يذكر ألفاظاً لها معا قريبة وبعيدة، فإذا سمعها الإنسان سبق إلى فهمه القريب، ومراد المتكلم البعيد مثاله قول عمر بن أبي ربيعة:\rأيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان\rهي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني\rفذكر الثريا وسهيلاً ليوهم السامع أنه يريد النجمين، ويقول: كيف يجتمعان والثريا من منازل القمر الشامية، وسهيل من النجوم اليمانية؟ ومراده الثريا التي كان يتغزل بها لما زوجت بسهيل، ومن ذلك قول المعري:\rإذا صدق الجد افترى العم للفتى ... مكارم لا تخفى وإن كذب الخال\rفإن وهم السامع يذهب إلى الأقارب، ومراده بالجد: الخط، وبالعم: الجماعة من الناس وبالخال: المخيلة، ومن ذلك قول الحريري في وصف الإبرة والميل في المقامة الثامنة: وقوله أيضاً:\rيا قوم كم من عاتق عانس ... ممدوحة الأوصاف في الأندية\rقتلتها لا أتقي وارثاً ... يطلب مني قوداً أو ديه\rيريد بالعاتق العانس: الخمر، وبقتلها: مزجها، كما قال حسان:\rإن التي عاطيتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل\rوأمثال ذلك كثيرة: وعند علماء البيان: التخييل تصوير حقيقة الشيء للتعظيم، كقوله تعالى: \" والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه \" والغرض منه تصوير عظمته والتوقيف على كنه حلاله من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: \" إنما نحن حفنة من حفنات ربنا \" قال الزمخشري \" ولا يرى باب في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب.\rوأما حسن الابتداءات - قال: هذه تسمية ابن المعتز، وأراد بها ابتداءات القصائد، وفرع المتأخرون من هذه التسمية براعة الاستهلال، وهو أن يأتي الناظم أو الناثر في ابتداء كلامه ببيت أو قرينة تدل على مراده في القصيدة أو الرسالة أو معظم مراده، والكاتب أشد ضرورة إلى ذلك من غيره ليبتني كلامه على نسق واحد دل عليه من أول علم بها مقصده، إما في خطبة تقليد، أو دعاء كتاب، كما قيل لكاتب: اكتب إلى الأمير بأن بقرة ولدت حيواناً على شكل الإنسان فكتب: أما بعد حمد الله خالق الإنسان في بطون الأنعام.\rوكقول أبي الطيب في الصلح الذي وقع بين كافور وبين ابن مولاه:\rحسم الصلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحساد\rوأمثال ذلك كثيرة: قال: وينبغي أن لا يبتدئ بشيء يتطير منه، كقول ذي الرمة: \" ما بال عينك منها الماء ينسكب وقول البحتري: \" لك الويل من ليل تقاصره آخره وكقول المتنبي:\rكفى بك داءً أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا\rوكقوله:\rملث القطر أعطشها ربوعا ... وإلا فاسقها السم النقيعا\rقال: وينبغي أن يراعى في الابتداءات ما يقرب من المعنى إذا لم تتأت له براعة الاستهلال وتسهيل اللفظ وعذوبته وسلاسة ألفاظه، وقيل: إن أحسن ابتداء ابتدأت به العرب قول النابغة:\rكليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطئ الكواكب\rومن أحسن ما ابتدأ به مولد قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي\rهل إلى أن تنام عيني سبيل ... إن عهدي بالنوم عهد طويل\rويحسن أن يبتدئ في المديح بمثل قول أبزون الغماني:\rعلى منبر العلياء جدك يخطب ... وللبلدة العذراء سيفك يخطب\rوقول المتنبي:\rعدوك مذموم بكل لسان ... وإن كان من أعدائك القمران\rوقول التيفاشي:\rما هز عطفيه بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي\rوفي التشبيب كقول أبي تمام:\rعلى مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب\rوفي النسيب كقول المتنبي:\rأتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي\rوفي المراثي كقول أبي تمام\rكذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... وليس لعين لم يفض ماؤها عذر\rوأما براعة التخليص - فهو أن يكون التشبيب أو النسيب ممزوجاً بما بعده من مدح وغيره غير منفصل عنه، كقول مسلم بن الوليد:","part":2,"page":306},{"id":807,"text":"أجدك هل تدرين أن رب ليلةً ... كأن دجاها من قرونك تنشر\rنصبت لها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر\rوكقول المتنبي:\rنودعهم والبين فينا كأنه ... قا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق\rوأما براعة الطلب - قال: وهو أن تكون ألفاظ الطلب مقترنة بتعظيم الممدوح كقول أمية بن أبي الصلت:\rأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء\rإذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء\rوكقول المتنبي:\rوفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب\rوأما براعة المقطع - فهو أن يكون آخر الكلام الذي يقف عليه المترسل أو الخطيب أو الشاعر مستعذنا حسنا، لتبقى لذته في الأسماع، كقول أبي تمام:\rأبقت بني الأصفر المصفر كاسمهم ... صفر الوجوه وجلت أوجه العرب\rوكقول المتنبي:\rوأعطيت الذي لم يعط خلق ... عليك صلاة ربك والسلام\rوكقول الغزي:\rبقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبرية شامل.\rوأما السؤال والجواب - فهو كقول أبي فراس:\rلك جسمي تعله ... فدمي لم تطله؟\rقال إن كنت مالكاً ... فلي الأمر كله\rوأمثال ذلك. وقد أوردنا منه في باب الغزل ما فيه كفاية.\rوأما صحة الأقسام - فهو عبارة عن استيفاء أقسام المعنى الذي هو آخذ فيه بحيث لا يغادر منه شيئاً.\rومثال ذلك قوله تعالى: \" هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً \" وليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق، والطمع في المطر، وقوله تعالى: \" الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم \" فلم يبق قسماً من أقسام الهيئات حتى أتى به.\rوقوله تعالى: \" يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء ذكور أو يزوجهم ذكراناَ وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً \" ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ولا رابع لهذه الأقسام.\rووقف أعرابي على حلقة الحسن البصري فقال: رحم الله من تصدق من فضل، أو واسى من كفاف، أو آثر من قوت، فقال الحسن: ما ترك الأعرابي منكم أحداً حتى عمه بالمسألة.\rومن أمثلة هذا الباب في الشعر قول بشار:\rفراح فريق في الإسار ومثله ... قتيل ومثل لاذ بالبحر هاربه\rوأصله قول عمرو بن الأهتم:\rإشربا ما شربتما فهذيل ... من قتيل وهارب وأسير\rومن جيد صحة الأقسام قول الحماسي:\rوهبها كشيء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيبته المقابر\rفاستوفى جميع أقسام المعدوم: وقول أبي تمام في الأفشين لما احترق بالنار:\rصلى لها حياً وكان وقودها ... ميتاً ويدخلها مع الفجار\rومن قديم ما في ذلك من الشعر قول زهير:\rوأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عمى\rومن النادر في صحة الأقسام قول عمر بن أبي ربيعة:\rتهيم إلى نعم فلا الشمل جامع ... ولا الحبل موصول ولا أنت مقصر\rولا قرب نعم إن دنت لك نافع ... ولا بعدها يسلي ولا أنت تصبر\rوأما التوشيح - فهو أن يكون معنى الكلام يدل على لفظ آخره فيتنزل المعنى منزلة الوشاح، ويتنزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح.\rوقال قدامة: هو أن يكون في أول البيت معنى إذا علم علمت منه قافية البيت بشرط أن يكون المعنى المقدم بلفظه من جنس معنى القافية كقول الراعي النميري:\rفإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصى ضريبتهم رزينا\rفإن السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصى، وعرف القافية والروي، علم آخر البيت، ومن أمثلته ما حكى عن عمر بن أبي ربيعة أنه أنشد عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما: \" تشط غدا دار أحبابنا فقال له عبد الله: \" وللدار بعد غد أبعد \" فقال له عمر: هكذا والله قلت، فقال له عبد الله: وهكذا يكون.\rوأما الإيغال - فمعناه أن المتكلم أو الشاعر إذا انتهى إلى آخر القرينة أو البيت استخرج سجعة أو قافية تفيد معنى زائداً على معنى الكلام، وأصله من أوغل في السير إذا بلغ غاية قصده بسرعة.","part":2,"page":307},{"id":808,"text":"وفسره قدامة بأن قال: هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامة قبل أن يأتي بقافيته، فإذا أراد الإتيان بها أفاد معنى زائداً على معنى البيت، كقول ذي الرمة:\rقف العيس في آثار مية واسأل ... رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل\rفتمم كلامه قبل القافية، فلما احتاج إليها أفاد بها معنى زائداً، وكذلك صنع في البيت الثاني فقال:\rأظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبذير الجمان المفصل\rفإنه تمم كلامه بقوله: كتبذير الجمان، واحتاج إلى القافية فأتى بها تفيد معنى زائداً لو لم يؤت بها لم يحصل.\rوحكى عن الأصمعي أنه سئل عن أشعر الناس فقال: الذي يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كثيراً وينقضي كلامه قبل القافية فإن احتاج إليها أفاد بها معنى، فقيل له: نحو من؟ فقال: نحو الفاتح لأبواب المعاني امرئ القيس حيث قال:\rكأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب\rونحو زهير حيث يقول:\rكأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم\rومن أبلغ ما وقع في هذا الباب قول الخنساء:\rوإن صخراً لتأتم العفاة به ... كأنه علم في رأسه نار\rومنه قول ابن المعتز لابن طباطبا العلوي:\rفأنتم بنوا بنته دوننا ... ونحن بنوا عمه المسلم\rومن أمثلة ذلك من شعر المتأخرين قول الباخرزي:\rأنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني فقلت لها وأين فؤادي\rوقول آخر:\rتعجبت من ضني جسمي فقلت لها ... على هواك فقالت عندي الخبر.\rوأما الإشارة - فهي أن يشتمل اللفظ القليل على معان كثيرة بإيماء إليها وذكر لمحة تدل عليها، كقوله تعالى: \" فأوحى إلى عبده ما أوحى \" \" فغشيهم من اليم ما غشيهم \" .\rوكقول امرئ القيس:\rفإن تهلك شنوءة أو تبدل ... فسيرى إن في غسان خالا\rبعزهمو عززت وإن يذلوا ... فذلهمو أنا لك ما أنا لا\rوكقوله أيضاً:\rفظل لنا يوم لذيذ بنعمة ... فقل في نعيم نحسه متغب\rوأما التذليل - وهو ضد الإشارة - فهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد حتى يظهر لمن لم يفهمه، ويتوكد عند من فهمه، كقوله:\rإذا ما عقدنا له ذمة ... شددنا العناج وعقد الكرب\rوقول آخر:\rودعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل\rويقرب منه التكرار، كقول عبيد:\rهل لا سألت جموع كن ... دة يوم ولوا أين أينا؟\rوكقول آخر:\rوكانت فزارة تصلى بنا ... فأولى فزارة أولى فزارا\rوأما الترديد - فهو أن تعلق لفظة في البيت بمعنى، ثم تردها فيه بعينها وتعلقها بمعنى آخر.\rكما قال زهير:\rمن يلق يوماً على علاته هرماً ... يلقى السماحة منه والندى خلقاً\rوكقول آخر:\rوأحفظ مالي في الحقوق وإنه ... لجم وإن الدهر جم عجائبه\rوكقول أبي نواس:\rصفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء\rوأما التفريف - فهو مشتق من الثوب المفوف، وهو الذي فيه خطوط، وهو في الصناعة عبارة عن إتيان المتكلم بمعان شتى من المدح أو الغزل أو غير ذلك من الأغراض، كل فن في سجعة منفصلة عن أختها مع تساوي الجمل في الوزينة، وتكوت في الجمل الويلة والمتوسطة والقصيرة؛ فمثال ما جاء منه في الجمل الطويلة قول النابغة الذبياني:\rفلله عيناً من رأى أهل قبة ... أضر لمن عادى وأكثر نافعا\rوأعظم أحلاماً وأكبر سيداً ... وأفضل مشفوعاً إليه وشافعا\rومثال ما جاء منه بالجمل المتوسطة قول أبي الوليد بن زيدون:\rته أحتمل واستطل أصبر، وعز أهن ... وول أقبل وقل أسمع، ومر أطع\rومثال ما جاء منه بالجمل القصيرة قول المتنبي:\rأقل أنل أقطع احمل عل سل أعد ... زد هش بش تفضل أدن سر صل.\rوأما التسهيم - فهو مأخوذ من البرد المسهم، وهو المخطط الذي لا يتفاوت ولا يختلف، ومنهم من يجعل التسهيم والتوشيح شيئاً واحداً، ويشرك بينهما بالتسوية والفرق بينهما أن التوشيح لا يدلك أوله إلا على القافية فحسب، والتسهيم تارة يدل على عجز البيت، وتارة على ما دون العجز.","part":2,"page":308},{"id":809,"text":"وتعريفه أن يتقدم من الكلام ما يدل على ما يتأخر، تارة بالمعنى، وتارة باللفظ، كأبيات جنوب أخت عمرو ذي الكلب، فإن الحذاق بمعنى الشعر وتأليفه يعلمون أن معنى قولها: \" فأقسم يا عمرو لو نبهاك \" يقتضي أن يكون تمامه: \" إذن نبها منك داءً عضالا \" دون غيرك من القوافي، كما لو قالت مكان \" داء عضالا \" ليثا غضوباً، أو أفعى قتولا أو أسماء وحياً، أو ما يناسب ذلك، لأن ذلك الداء العضال أبلغ من جميع هذه الأشياء وأشد، إذ كل منها يمكن مغالبته أو التوقي منه، والداء العضال لا دواء له، فهذا مما يعرف بالمعنى.\rوأما يدل فيه الأول على الثاني دلالة لفظية فهو قولها بعده:\rإذن نبها ليث عريشة ... مفتياً مفيداً نفوساً ومالا\rفإن الحاذق بصناعة الكلام إذا سمع قولها: \" مفتياً مفيداً \" تحقق أن هذا اللفظ يقتضي أن يكون تمامه \" نفوسنا ومالا \" وكذلك قولها: \" فكنت النهار به شمسه \" يقتضي أن يكون \" بعده \" \" وكنت دجى الليل فيه الهلالا \" ومن ذلك قول البحتري: \" وإذا حاربوا أذلوا عزيزاً \" يحكم السامع بأن تمامه: \" وإذا سالموا أعزوا ذليلاً \" وكذلك قوله:\rأحلت دمي من غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي\r\" فليس الذي حللته بمحلل \" يعرف السامع أن تمامه: \" وليس الذي حرمته بحرام \" وأما الاستخدام - فهو أن يأتي المتكلم بلفظة لها معنيان، ثم يأتي بلفظتين يستخدم كل لفظة منهما في معنى من معني تلك اللفظة المتقدمة، وربما ألتبس الاستخدام بالتورية من كون كل واحد البابين مفتقراً إلى لفظة لها معنيان والفرق بينهما أن التورية استعمال أحد المعنيين من اللفظة، وإهمال الآخر، والاستخدام استعمالهما معاً، ومن أمثلته قول البحتري:\rفسقى الغضي والساكنيه وإن همو ... شبوه بين جوانح وقلوب\rفإن لفظة الغضي محتملة للموضع والشجر، والسقيا صالحة لهما، فلما قال: \" والساكينه \" استعمل أحد معنيي اللفظ، وهو دلالته بالقرينة على الموضع ولما قال: \" شبوه \" استعمل المعنى الآخر، وهو دلالته بالقرينة على الشجرة ومن ذلك قول الشاعر:\rإذا زل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا\rأراد بالسماء الغيث وبضميره النبت وأما العكس والتبديل - فهو أن يقدم في الكلام أحد جزئيه ثم يؤخر ويقع على وجوه: منها أن يقع بين طرفي الجملة، كقول بعضهم: عادات السادات، سادات العادات، ومنها أن يقع بين متعلقي فعلين في جملتين، كقوله تعالى: \" يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي \" ومنه بيت الحماسة:\rفرد شعورهن السود بيضاً ... ورد وجوههن البيض سودا.\rومنها أن يقع بين كلمتين في طرفي جملتين، كقوله تعالى: \" هن لباس لكم وأنتم لباس لهن \" وقوله تعالى: \" لا هن حل لكم ولا هم يحلون لهن \" وقول أبي الطيب:\rولا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده.\rوأما الرجوع - فهو أن يعود المتكلم على كلامه السابق بالنقض لنكتة كقول زهير:\rقف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم\rكأنه لما وقف على الديار عرته روعة ذمل بها عن رؤية ما حصل لها من التغير فقال: \" لم يعفها القدم \" ثم ثاب إليه عقله وتحقق ما هي عليه من الدروس، فقال: بلى عفت وغيرها الأرواح والديم.\rومنه بيت الحماسة:\rأليس قليلاً نظرة إن نظرتها ... إليك وكلاً ليس منك قليل.\rوأما التغاير - فهو أن يغاير المتكلم الناس فيما عادتهم أن يمدحوه فيذمه أو يذموه فيمدحه.\rفمن ذلك قول أبي تمام يغاير جميع الناس في تفصيل التكرم على الكرم:\rقد بلونا أبا سعيد حديثاً ... وبلونا أبا سعيد قديما\rفوردناه سائحاً وقليباً ... ورعيناه بأرضاً وجميما\rفعلمنا أن ليس إلا بشق النفس صار الكريم \" يدعى \" كريما وهو مغاير لقوله على العادة المألوفة:\rلا يتعب النائل المبذول همته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر\rومنه قول ابن الرومي في تفصيل القلم على السيف.\rإن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم\rفالموت والموت لا شئ يعادله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم","part":2,"page":309},{"id":810,"text":"كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهقت خدم\rوغايره المتنبي على الطريق المألوف فقال:\rحتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم\rاكتب بها أبدأ قبل الكتاب بنا ... فإنما نحن للأسياف كالخدم\rوأما الطاعة والعصيان - فإنه قال: هذا النوع استنبطه أبو العلاء المعري عند نظره في شعر أبي الطيب، وسماه بهذه التسمية، وقال: هو أن يريد المتكلم معنى من المعاي التي لبديع فيستعصي عليه لتعذر دخوله في الوزن الذي هو آخذ فيه فيأتي موضعه بكلام غيره يتضمن معنى كلامه، ويقوم به وزنه، ويحصل به معنى من البديع غير الذي قصده، كقول المتنبي:\rيرد يدا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد\rفإنه أراد أن يقول: يرد عن ثوبها وهو مستيقظ، حتى إذا قال: ويعصى الهوى في طيفها وهو راقد يكون في البيت مطابقة، فلم يطعه الوزن، فأتى بقادر في موضع مستيقظ لتضمنه معناه، فإن القادر لا يكون إلا مستيقظاً وزيادة، فقد عصاه في البيت الطباق وأطاعه الجناس بين قادر وراقد، وهو جناس العكس.\rوأنكر ابن أبي الإصبع أن يكون هذا الشاهد من باب الطاعة والعصيان، لأنه كان يمكنه أن يقول عوض قادر: ساهر، وإنما المتنبي قصد أن يكون في بيته طباق معنوي، لأن لقادر ساهر وزيادة، إذ ليس كل ساهر قادراً، وأن يكون فيه جناس العكس.\rوقال: إن شاهد الطاعة والعصيان عنده أن تعصيه إقامة الوزن مع إظهار مراده، فتطيعه لفظة من البديع يتمم بها المعنى وتزيده حسناً، كقول عوف بن محلم:\rإن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان\rفإنه أراد أن يقول: إن الثمانين قد أحوجت سمعي إلى ترجمان فعصاه الوزن وأطاعه لفظة من البديع وهي التتميم، فزادته حسناً وكملت مراده وكل التتميم من هذا النوع.\rوأما التسميط - فهو أن يجعل المتكلم مقاطيع أجزاء البيت أو القرينة على سجع يخالف قافية البيت أو آخر القرينة، كقول مروان بن أبي حفصة:\rهم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا\rفإن أجزاء البيت مسجعة على خلاف قافيته فتكون القافية بمنزلة السمط، والأجزاء المسجعة بمنزلة حب العقد.\rوأما التشطير - فهو أن يقسم الشاعر بيته شطرين، ثم يصرع كل شطر من الشطرين ولكنه يأتي بكل شطر من بيته مخالفاً لقافية الآخر، كقول مسلم ابن الوليد:\rموف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل\rوكقول أبي تمام:\rتدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتقب في الله مرتغب\rوأما التطريز - فهو أن يبتدئ الشاعر بذكر جمل من الذوات غير مفصلة ثم يخبر عنها بصفة واحدة من الصفات مكررة بحسب تعداد جمل تلك الذوات تعداد تكرار واتحاد، لا تعداد تغاير، كقول ابن الرومي:\rأموركمو بني خاقان عندي ... عجاب في عجاب في عجاب\rقرون في رءوس في وجوه ... صلاب في صلاب في صلاب\rوكقوله:\rوتسقيني وتشرب من رحيق ... خليق أن يشبه بالخلوق\rكأن الكأس في يدها وفيها ... عقيق في عقيق في عقيق\rوأما التوشيع - فهو مشتق من الوشيعة، وهي الطريقة في البرد، وكأن الشاعر أهمل البيت كله إلا آخره، فأتى فيه بطريقة تعد من المحاسن، وهو عند أهل هذه الصناعة أن يأتي المتكلم أو الشاعر باسم مثنى في حشو العجز، ثم يأتي بعده باسمين مفردين هما عين ذلك المثنى، يكون الآخر منهما قافية بيته، أو سجعة كلامه كأنهما تفسير لما ثناه، كقول النبي صلى الله عليه وسلم \" يشيب ابن آدم وتشب فيه خصلتان: الحرص وطول الأمل \" ومن أمثلة ذلك في النظم قول الشاعر:\rأمسى وأصبح من تذكاركم وصبا ... يرثى لي المشفقان الأهل والولد\rقد خدد الدمع خدي من تذكركم ... واعتادني المضنيان الوجد والكمد\rوغاب عن مقلتي نومي لغيبتكم ... وخانني المسعدان الصبر والجلد\rلم يبق غير خفي الروح في جسدي ... فدىً لك الباقيان الروح والجسد.\rقال ابن أبي الإصبغ: وما بما قلته في هذا الباب من بأس، وهو:","part":2,"page":310},{"id":811,"text":"بي محنتان ملام في هوى بهما ... رثى لي الفاسقان الحب والحجر\rلولا الشفيقان من أمنية وأساً ... أودى بي المرديان الشوق والفكر\rقال: ويحسن أن يسمى ما في بيته مطرف التوشيع، إذ وقع المثنى في أول كل بيت وآخره.\rوأما الإغراق - وهو فوق المبالغة ودون الغلو ومن أمثلته قول ابن المعتز:\rصببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل\rفموضع الإغراق من البيت قوله: ظالمين، يعني أنها استقرعت جهدها في العدو فما ضربناها إلا ظلماً فمن أجل ذلك خرجت من الوحشية إلى الطيرية، ولو لم يقل: ظالمين لما حسن قوله: فطارت ولكنه بذكر الظلم صارت الاستعارة كأنها حقيقة وقد عد من الإغراق لا المبالغة قول امرئ القيس:\rتنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي\rوأما الغلو - فمنهم من يجعله هو والإراق شيئاً واحداً ومن شواهده قول مهلهل:\rفولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور\rومثله قول المتنبي في وصف الأسد:\rوردٌ إذا ورد البحيرة شارباً ... بلغ الفرات زئيره والنيلا\rقالوا: ومن أمثلة الغلو قول النمر بن تولب في صفة السيف:\rتظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي\rوأما القسم - فهو أن يريد الشاعر الحلف على شئ فيأتي في الحلف بما يكون مدحاً له وما يكسبه فخراً، أو يكون هجاءً لغيره، أو وعيداً، أو جارياً مجرى التغزل والترقق.\rفمثال الأول قول مالك بن الأشتر النخعي: \" بقيت وفري وانحرفت عن العلا \" وقد تقدم الاستشهاد بهما في النظم فنها تضمنت فخراً له، ووعيداً لغيره، وكقول أبي علي البصير يعرض بعلي بن الجهم.\rأكذبت أحسن ما يظن مؤملي ... وعدمت ما شادته لي أسلافي\rوعدمت عاداتي التي عودتها ... قدماً من الإخلاف والإتلاف\rوغضضت من ناري ليخفى ضوءها ... وقريت عذراً كاذباً أضيافي\rإن لم أشن على علي غارةً ... تضحى قذى في أعين الأشراف\rوقد يقسم الشاعر بما يزيد الممدوح مدحاً كقول القائل:\rإن كان لي أمل سواك أعده ... فكفرت نعمتك التي لا تكفر\rومما جاء من القسم في النسيب قول الشاعر:\rفإن لم تكن عندي كعيني ومسمعي ... فلا نظرت عيني ولا أسمعت أذني\rومما جاء في الغزل قول الآخر:\rلا والذي سل من جفنيه سيف الردى ... قدت له من عذاريه حمائله\rما صارمت مقلتي دمعاً ولا وصلت ... غمضاً ولا سالمت قلبي بلابله\rوأما الاستدراك - فهو على قسمين: قسم يتقدم الاستدراك فيه تقرير لما أخبر به المتكلم وتوكيد، وقسم لا يتقدمه ذلك، فمن أمثلة الأول قول القائل:\rوإخوان تخدتهمو دروعاً ... فكانوها ولكن للأعادي\rوخلتهمو سهاماً صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي\rوقالوا قد صفت منا قلوبٌ ... لقد صدقوا ولكن من ودادي\rوقول الأرجاني:\rغالطتني إذ كست جسمي ضنىً ... كسوة أعرت من الجلد العظاما\rثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما\rوأما القسم الثاني الذي لا يتقدم الاستدراك فيه تقرير ولا توكيد فكقول زهير:\rأخو ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله\rوأما المؤتلفة والمختلفة - فهو أن يريد الشاعر التسوية بين ممدوحين فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحها، ويروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة لا ينقص بها الآخر، فيأتي لأجل الترجيح بمعان تخالف التسوية، كقول الخنساء في أخيعا وأبيها - وراعت حق الوالد بما لم ينقص الولد.\rجارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاقبان ملاءة الحضر\rوهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطا لي وكر\rحتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر\rوعلا هتاف الناس: أيهما ... قال المجيب هناك: لا أدري\rبرقت صحيفة وجه والده ... ومضى غلوائه يجري\rأولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر","part":2,"page":311},{"id":812,"text":"وأول من سبق إلى هذا المعنى زهير حيث قال:\rهو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا\rأو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا\rوتداوله الناس، فقال أبو نواس:\rثم جرى الفضل فانثنى قدما ... دون مداه بغير ترهيق\rفقيل راشاً سهماً تراد به الغ ... اية والنضل سابق الفوق\rوأما التفريق المفرد - فهو كقول الشاعر:\rما نوال الغمام يوم ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء\rفنوال الأمير بدرة عين ... ونوال المام قطرة ماء\rوأما الجمع مع التفريق - فهو أن يشبه شيئين بشيء ثم يفرق بين وجهي الاشتباه كقول الشاعر:\rفوجهك كالنار في ضوئها ... وقلبي كالنار في حرها\rوأما التقسيم المفرد - فهو أن يذكر قسمة ذات جزأين أو أكثر، ثم يضم إلى كل واحد من الأقسام ما يليق به، كقول ربيعة الرقي:\rيزيد سليم سالم المال والفتى ... فتى الأزد للأموال غير مسالم\rلشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر بن حاتم\rفهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع دراهم\rفلا يحسب التمتام أنى هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم\rوكقول ابن حيوس:\rثمانية لم تفترق إذ جمعتها ... فلا افترقت ماذب عن ناظر شفر\rيقنيك والتقوى وجودك والغنى ... ولفظك والمعنى وسيفك والنصر\rوقول آخر:\rلملتمسي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن\rفللخامل العليا، وللمعدم الغنى ... وللمذيب الرحمى وللخائف الأمن\rويجوز أن يعد هذا من الجمع مع التقسيم: وأما الجمع مع التقسيم - فهو أن يجمع أموراً كثيرة تحت حكم ثم يقسم بعد ذلك، أو يقسم ثم يجمع، مثال الأول قول المتنبي:\rحتى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الروم والصلبان والبيع\rللسبي ما نكحوا، والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا، والنار ما زرعوا\rفجمع في البيت الأول أرض العدو وما فيها من معنى الشقاوة، وذكر التقسيم في البيت الثاني: ومثال الثاني قول حسان:\rقوم ذا حاربوا ضروا عدوهمو ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا\rسجية تلك منهم غير محدثة ... إن الحوادث فاعلم شرها البدع\rوأما التزاوج - فهو أن يزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء كقول البحتري:\rذا ما نهى الناهي ولج أبي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر\rوأما السلب والإيجاب - فهو أن يوقع الكلام على نفي شئ وثباته في بيت واحد كقوله:\rوننكر ن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول\rوكقول الشماخ:\rهضيم الحشى لا يملأ الكف خصرها ... ويملأ منها كل حجل ودملج\rوأما الاطراد - فهو أن يطرد الشاعر أسماء متتالية يزيد الممدوح بها تعريفاً لأنها لا تكون إلا أسماء آبائه تأتي منسوقة غير منقطعة من غير ظهور كلفة على النظم كأطراد الماء وانسجامه، وذلك كقول الأعشى:\rأقيس بن مسعود بن خالد ... وأنت الذي ترجو حباءك وائل\rوكقول دريد:\rقتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب\rوهذا أحسن من الأول لأطراد الأسماء في عجز البيت.\rوقال ابن الإصبغ: وقد أربى على هؤلاء بعض القائلين حيث قال:\rمن يكن رام حاجة بعدت عن ... ه وأعيت عليه كل العياء\rفلها أحمد المرجى ابن يحيى ب ... ن معاذ بن مسلم بن رجاء\rلو لم يقع فيه الفصل بين الأسماء بلفظة المرجى ومنه ما كتب الشيخ مجد الدين بن الظهير الحنفي على إجازة\rأجاز ما قد سألوا ... بشرط أهل السند\rمحمد بن أحمد ب ... ن عمر بن أحمد\rفلم يفصل بين الأسماء في البيت بلفظة أجنبية.","part":2,"page":312},{"id":813,"text":"وأما التجريد - فهو أن ينتزع الشاعر أو المتكلم من أمر ذي صفة أمراً آخراً مثله في تلك الصفة مبالغة في كمالها فيه؛ وهو أقسام: منها نحو قولهم: لي \" من \" فلان صديق حميم أي بلغ من الصداقة حداً صح معه أن يستخلص منه صديق آخر؛ ومنها نحو قولهم: لئن سألت لتسألن به البحر، ومنه قول الشاعر:\rوشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المرحل\rأي تعدو بي ومعي من استعدادي للحرب لابس لأمة؛ ومنها نحو قوله تعالى: \" لهم فيها دار الخلد \" لأن جهنم - أعاذنا الله منها هي دار الخلد، لكن اتنزع منها مثلها وجعل فيها معداً للفار تهويلاً لأمرها ومنها قول الحماسي:\rفلئن بقيت لأرحلن بغزوة ... نحو الغنائم أو يموت كريم\rوعليه قراءة من قرأ: \" فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان \" بالرفع، بمعنى فحصلت سماء وردة، وقيل تقدير الأول أو يموت منى الكريم، والثاني: فكانت منها وردة كالدهان، وفيه نظر؛ ومنها نحو قوله:\rيا خير من يركب المطى ولا ... يشرب كأساً بكف من بخلا\rونحو قول الآخر:\rإن تلقني ترى غيري يناظره ... تنس السلاح وتعرف جبهة الأسد\rومنها مخاطبة الإنسان غيره وهو يريد نفسه، كقوا الأعشى:\rودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل\rوقول المتنبي:\rلا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال\rومنه قول الحيص بيص:\rإلام يراك المجد في زي شاعر ... وقد نحلت شوقاً فروع المنابر\rكتمت بصيت الشعر علماً وحكمة ... ببعضهما ينقاد صعب المفاخر\rاما وأبيك الخير إنك فارس ال ... الكلام ومحيي الدراسات الغوابر\rوأما التكميل - فهو أن يأتي المتكلم أو الشاعر بمعنىً من مدح أو غيره من فنون الكلم وأغراضه، ثم يرى مدحه بالاقتصار على ذلك المعنى فقط غير كامل، كمن أراج مدح إنسان بالشجاعة، ثم رأى الاقتصار عليها دون مدحه بالكرم مثلاً غير كامل أو بالبأس دون الحلم، ومثال ذلك قول كعب بن سعد الغنوي:\rحليمٌ إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب\rقوله: \" إذا ما الحلم زين أهله \" احتراس لولاه لكان المدح مدخولاً، إذ بعض التغاضي قد يكون عن عجزٍ وإنما يزين الحلم أهله إذا كان قدرة، ثم رأى أن يكون مدحه بالحلم وحده غير كامل، لأنه إذا لم يعرف منه إلا الحلم طمع فيه عدوه فقال: \" في عين العدو مهيب \" ، ومنه قول السموءل بن عادياء:\rوما مات منا سيد في فراشه ... ولا طل منا حيث كان قتيل\rلأن صدر البيت وإن تضمن وصفهم بالإقدام والصبر وربما أوهم العجز لأن قتل الجميع يدل على الوهن والقلة فكمله بأخذهم للثأر، وكمل حسنه بقوله: \" حيث كان \" فإنه أبلغ في الشجاعة؛ ومن ذلك في النسيب قول كثير:\rلو أن عزة حاكمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها\rلأن قوله: \" عند موفق \" تكميل للمعنى، إذ ليس كل من يحاكم إليه موفقاً؛ ومنه قول المتنبي:\rأشد من الرياح الهوج بطشاً ... وأسرع في الندى منها هبوبا\rوأما المناسبة - فهي على ضربين: مناسبةٍ في المعنى، ومناسبةٍ في الألفاظ فالمعنوية أن يبتدئ المتكلم بمعنىً، ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنىً دون لفظ، كقوله تعالى: \" أو لم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون \" فقال تعالى في صدر الآية التي الموعظة فيها سمعيةٌ: \" أو لم يهد لهم، وقال بعد ذكر الموعظة: أفلا يسمعون \" وقال في صدر الآية التي موعظتها مرئيةٌ: \" أو لم يروا \" وقال بعد الموعظة: \" أفلا يبصرون \" .\rومن أمثلة المناسبة المعنوية قول المتنبي:\rعلى سابح موج المنايا بنحره ... غداة كأن النبل في صدره وبل\rفإن بين لفظة السباحة ولفظتي الموج والوبل تناسباً صار البيت به متلاحماً؛ وقول ابن رشيق:\rأصحّ وأقوى ما رويناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم\rأحاديث ترويها السيول عن الحيي ... عن البحر عن جود الأمير تميم","part":2,"page":313},{"id":814,"text":"فإنه وفي المناسبة حقها في صحة العنعنة برواية السيول عن الحيي عن البحر، وجعل الغاية فيها جود الممدوح.\rوالمناسبة اللفظية: توخي الإتيان بكلمات متزنات، وهي على ضربين: تامة وغير تامة.\rفالتامة: أن تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة، فمن شواهد التامة قوله تعالى: \" ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجراً غير ممنون \" ومن الحديث النبوي - صلاة الله وسلامه على قائله - قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن والحسين - رضي الله عنهما - : \" أعذيكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامه \" ولم يقل: \" ملمة \" وهي القياس لمكان المناسبة اللفظية التامة؛ ومن شواهد الناقصة قوله صلى الله عليه وسلم: \" ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقاً، الموطؤن أكنافاً \" ومما جمع بين المناسبتين قوله صلى الله عليه وسلم: \" اللهم إني أسألك رحمة تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثي، وتصلح بها غايتي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء، اللهم إني أسألك العون في القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر على الأعداء \" فناسب صلى الله عليه وسلم بي قلبي وأمري، وغايتي وشاهدي مناسبة غير تامة، لأنها في الزنة دون التفقية، وناسب بين القضاء والشهداء والسعداء والأعداء مناسبة تامة في الزنة والتفقية؛ ومن أمثلة المناسبتين قول أبي تمام:\rمها الوحش إلا أن هاتا أوانسٌ ... قنا الحط إلا أن تلك ذوابل\rفناسب بين مها وقا مناسبة تامة، وناسب بين الوحش والخط، وأوانس وذوابل مناسبة غير تامة.\rوأما التفريع - فهو أن يصدر المتكلم أو الشاعر كلامه باسم منفىً بينما \" خاصة، ثم يصف الاسم المنفي بمعظم أوصافه اللائقة به في الحسن أو القبح، ثم يجعله أصلاً يفرع منه جملةً من جار ومجرور متعلقة به تعلق مدحٍ أو هجاء أو فخرٍ أو نسيب أو غير ذلك، يفهم من ذلك مساواة المذكور بالاسم المنفي الموصوف كقول الأعشى:\rما روضةٌ من رياض الحزن معشبةٌ ... خضراء جاد عليها مسبلٌ هطل\rيضاحك الشمس منها كوكب شرقٌ ... مؤزر بعميم النبت مكتهل\rيوماً بأطيب منها طيب رائحةً ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل\rوقول عاتكة المرية:\rوما طعم ماء أي ماء تقوله ... تحدر من غرٍ طوال الذوائب\rبمنعرج من بطن وادٍ تقابلت ... عليه رياح الصيف من كل جانب\rنفت جرية الماء القذى عن متونه ... فليس به عيب تراه لعائب\rبأطيب ممن يقصر الطرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب\rوقد وقع الأصل والفرع لأبي تمام في بيت واحد، وهو:\rما ربع مية معموراً يطيف به ... غيلان أبهى رباً من ربعها الخرب\rولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدها الترب\rومما ورد في النثر رسالة ابن القمي التي كتبها إلى سبأ بن أحمد صاحب صنعاء: وأما حال عبده بعد فراقه في الجلد، فما أم تسعة من الولد؛ ذكور، كأنهم عقبان وكور؛ اخترم منهم ثمانية، فهي على التاسع حانية، فنادى النذير في البادية، بالعادية يا للعاديه؛ فلما سمعت الداعي، ورأت الخيل سواعي؛ أقبلت تنادي ولدها: ألأناة الأناة، وهو يناديها: القناة القناة.\rبطلٌ كأن ثيابه في سرحةٍ ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم\rفلما رمقته يختال في غضون الزرد الموضون أنشأت تقول:\rأسد أضبط يمشي ... بين طرفاء وغيل\rلبسه من نسج داو ... د كضحضاح المسيل\rعرض له في البادية أسدٌ هصور، كأن ذراعه مسدٌ معصور\rفتطاعنا وتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مقنع\rفلما سمعت الرعيل، برزت من الصرم بصبر قد عيل؛ فسألت عن الواحد فقيل: لحده اللاحد.\rفكرت تبتغيه فصادفته ... على دمه ومصرعه السباعا\rعبثن به فلم يتركن إلا ... أديما قد تمزق أو كراعا\rبأشد من عبده تأسفاً، ولا أعظم كمداً وتلهفاً.\rقال: وذكر ابن أبي الإصبع في التفريع قسما ذكره في صدر الباب، وقال:","part":2,"page":314},{"id":815,"text":"إنه هو الذي استخرجه، وهو أن يبتدئ الشاعر بلفظة هي إما اسم أو صفة، ثم يكررها في البيت مضافة إلى أسماء وصفات تتفرع عليها جملةٌ من المعاني في المدح وغيره، كقول المتنبي:\rأنا ابن اللقاء أنا ابن السخاء ... أنا ابن الضراب أنا ابن الطعان\rأنا ابن الفيافي أنا ابن القوافي ... أنا ابن السروج أنا ابن الرعان\rطويل النجاد طويل العماد ... طويل القناة طويل السنان\rحديد اللحاظ حديد الحفاظ ... حديد الحسام حديد الجنان\rوأما نفي الشيء بإيجابه - فهو أن يثبت المتكلم شيئاً في ظاهر كلامه وينفى ما هو من سببه مجازاً، والمنفي في باطن الكلام حقيقة هو الذي أثبته كقول امرئ القيس:\rعلى لاحب لا يهتدي بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا\rفظاهر هذا الكلام يقتضي إثبات منار لهذه الطريق، ونفي الهداية به مجازاً وباطنه في الحقيقة يقتضي نفي المنار جملة، والمعنى أن هذه الطريق لو كان لها منار ما اهتدى به، فكيف ولا منار لها، كما تقول لمن تريد أن تسلبه الخير: ما أقل خيرك! فظاهر كلامك يدل على إثبات خير قليل، وباطنه نفى الخير كثيره وقليله. وقول الزبير بن عبد المطلب يمدح عميلة بن عبد الدار - وكان نديماً له - :\rصحبت بهم طلقاً يراح إلى الندى ... إذا ما انتشى لم تحتضره مفاقره\rضعيف بحث الكأس قبض بنانه ... كليل على وجه النديم أظافره\rفظاهر هذا أن للمدوح مفاقر لم تحتضره إذا انتشى، وأن له أظافر يخمش بها وجه نديمه خمشاً ضعيفاً، وباطن الكلام في الحقيقة نفى المفاقر جملة، والأظافر بتة.\rوأما الايداع - قال: وأكثر الناس يجعلونه من باب التضمين، وهو منه إلا أنه مخصوص بالنثر، وبأن يكون المودع نصف بيت، إما صدراً أو عجزاً .\rفمنه قول علي رضي الله عنه في جواب كتاب لمعاوية: ثم زعمت أني لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم بغيت، فإن يكن ذلك كلك فلم تكن الجناية عليك، حتى تكون المعذرة إليك \" وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارها \" وأما الإدماج - فهو أن يدمج المتكلم غرضاً له في جملة معنىً من المعاني قد نحاه ليوهم السامع أنه لم يقصده، وإنما عرض في كلامه لتتمة معناه الذي قصده، كقول عبيد الله بن الله عبد الله لعبيد الله بن سليمان بن وهب حين وزر للمعتضد - وكان ابن عبيد الله قد اختلت حاله - فكتب إلى ابن سليمان:\rأبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحب ونكرم\rفقلت له نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم المقدم\rفأدمج شكوى الزمان في ضمن التهنئة، وتلطف في المسألة مع صيانة نفسه عن التصريح بالسؤال.\rوأما سلامة الاختراع - فهو أن يخترع الشاعر معنىً لم يسبق إليه ولم يتبعه أحد فيه، كقول عنترة في الذباب:\rهزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم\rوكقول عدي بن الرقاع في تشبيه ولد الظبية:\rتزجي أغن كأن إبرة روقه ... قلمٌ أصاب من الدواة مدادها.\rوكقول النابغة في وصف النسور:\rتراهن خلف القوم زوراً عيونها ... جلوس الشيوخ في مسوك الأرانب\rوكقول أبي تمام:\rلا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حربٌ للمكان العالي\rوقوله:\rليس الحجاب بمقصٍ عنك لي أملاً ... إن السماء ترجى حين تحتجب\rوقول ابن حجاج:\rوإني والمولى الذي أنا عبده ... طريفان في أمر له طرفان\rبعيداً تراني منه أقرب ما ترى ... كأني يوم العيد في رمضان\rوأما حسن الاتباع - فهو أن يأتي المتكلم إلى معنىً قد اخترعه غيره فيتبعه فيه اتباعاً يوجب له استحقاقه، إما باختصار لفظه، أو قصر وزنه أو عذوبة نظمه، أو سهولة سبكه، أو إيضاح معناه، أو تتميم نقصه، أو تحليته بما توجبه الصناعة، أو بغير ذلك من وجوه الاستحقاقات؛ كقول شاعر جاهلي في صفة جمل:\rوعودٍ قليل الذنب عاودت ضربه ... إذا هاج شوقي من معاهدها ذكر\rوقلت له ذلفاء ويحك سببت ... لك الضرب فاصبر إن عادتك الصبر\rفأحسن ابن المعتز اتباعه حيث قال يصف خيله:","part":2,"page":315},{"id":816,"text":"وخيلٍ طواها القود حتى كأنها ... أنا بيب سمرٌ من قنا الخط ذبل\rصببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيدٍ سراعٌ وأرجل\rوابتع أبو نواس جريراً في قوله:\rإذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهمو غضابا\rفقال أبو نواس - ونقل المعنى من الفخر إلى المدح - :\rوليس على الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد\rوقول النميري في أخت الحجاج:\rفهن اللواتي إن برزن قتلنني ... وإن غبن قطعن الحشى حسرات\rفاتبعه ابن الرومي فقال:\rويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم\rوأما الذم في معرض المدح - فهو أن يقصد المتكلم ذم إنسان فيأتي بألفاظ موجهة، ظاهرها المدح، وباطنها القدح، فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه كقول بعضهم في الشريف بن الشجري:\rيا سيدي والذي يعيذك من ... نظم يضن يصدا به الفكر\rما فيك من جدك النبي سوى ... أنك لا ينبغي لك الشعر\rوأما العنوان - فهو أن يأخذ المتكلم في غرض له من وصف أو فخر أو مدح أو هجاء أو غير ذلك، ثم يأتي لقصد تكميله بألفاظ تكون عنواناً لأخبار متقدمة، وقصص سالفة؛ كقول أبي نواس:\rيا هاشم بن حديج ليس فخركمو ... بقتل صهر رسول الله بالسدد\rأدرجتمو في إهاب العير جثته ... لبئس ما قدمت أيديكمو لغد\rإن تقتلوا ابن أبي كر فقد قتلت ... حجراً بدارة ملحوب بنو أسد\rويوم قلتم لعمرو وهو يقتلكم ... قتل الكلاب لقد أبرحت من ولد\rورب كندية قالت لجارتها ... والدمع ينهل من مثنى ومن وحد\rألهى امرأ القيس تشبيبٌ بغانية ... عن ثأره وصفات النؤى والوتد\rفقد أتى أبو نواس في هذه الأبيات بعدة عنوانات: منها قصة قتل محمد بن أبي بكر، وقتل حجر أبي امرئ القيس، وقتل عمرو بن هندٍ كندة في ضمن هجو من أراد هجوه، وعير المهجو بما أشر إليه من الأخبار الدالة على هجاء قبيلته؛ ومثل ذلك قول أبي تمام في استعطاف مالك بن طوق على قدمه:\rرفدوك في يوم الكلاب وشققوا ... فيه المزاد بجحفل غلاب\rوهمو بعين أباغ راشوا للعدا ... سهميك عند الحارث الحرّاب\rوليالي الثرثار والحشاك قد ... جلبوا الجياد لواحق الأقراب\rفمضت كهولهمو ودبر أمرهم ... أحداثهم تدبير غير صواب\rوقال بعد ذلك:\rلك في رسول الله أعظم أسوة ... وأجلها في سنة وكتاب\rأعطى المؤلفة القلوب رضاهمو ... كملاً ورد أخائذ الأحزاب\rوالجعفريون استقلت ظعنهم ... عن قومهم وهمو نجوم كلاب\rحتى إذا أخذ الفراق بقسطه ... منهم وشط بهم عن الأحباب\rورأوا بلاد الله قد لفظتهمو ... أكنافها رجعوا إلى جواب\rفأتوا كريم الخيم مثلك صافحاً ... عن ذكر أحقاد وذكر ضباب\rفانظر إلى ما أتى به أبو تمام في هذه الأبيات من العنوانات من السيرة النبوية وأيام العرب، وأخبار بني جعفر بن كلاب، ورجوعهم إلى ابن عمهم جواب؛ وكقوله أيضاً لأحمد بن أبي داؤد:\rتثبت إن قولاً كان زوراً ... أتى النعمان قبلك عن زياد\rوأرث بين حي بني جلاح ... لظى حرب بني مصاد\rوغادر في صدور الدهر قتلى ... بني بدر على ذات الإصاد\rفأتى بعنوان يشير به إلى قصة النابغة حين وشى به إلى النعمان، فجر ذلك من الحروب ما تضمنت أبياته.\rوأما الإيضاح - وهو أن يذكر المتكلم كلاماً في ظاهره لبسٌ، ثم يوضحه في بقية كلامه، كقول الشاعر:\rيذكرنيك الخير والشر كله ... وقيل الخنا والعلم والحلم والجهل\rفإن الشاعر لو اقتصر على هذا البيت لأشكل مراده على السامع بجمعه بين ألفاظ المدح والهجاء، فلما قال بعد:\rفألقاك عن مكروهها متنزهاً ... وألقاك في محبوبها ولك الفضل\rأوضح المعنى المراد، وأزال اللبس، ورفع الإشكال والشك.","part":2,"page":316},{"id":817,"text":"وأما التشكيك - فهو أن يأتي المتكلم في كلامه بلفظةٍ تشكك المخاطب هل هي فضلةٌ أو أصلية لا غنى للكلام عنها؟ مثل قوله تعالى: \" يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ \" فإن لفظة تشكك السامع هل هي فضلةٌ أو أصلية؟ فالضعيف النظر يظنها فضلةً لأن لفظة تداينتم تغني عنها، والناظر في علم البيان يعلم أنها أصلية لأن لفظة الدين لها محامل، تقول: داينت فلاناً المودة، يعني جازيته، ومنه: \" كما تدين تدان \" ومنه قول رؤبة:\rداينت أروى والديون تقضى ... فمطلت بعضاً وأدت بعضاً\rوكل هذا هو الدين المجازي الذي لا يكتب ولا يشهد عليه، ولما كان المراد من الآية تمييز الدين المالي الذي يكتب ويشهد عليه، وتيسير أحكامه، أوجبت البلاغة أن يقول: \" بدين \" ليعلم حكمه.\rوأما القول بالموجب - فهو ضربان: أحدهما أن تقع صفةٌ في كلام مدعٍ شيئاً يعني به نفسه، فثبتت تلك الصفة لغيره من غير تصريح بثبوتها له، ولا نفيها عنه، كقوله تعالى: \" يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين \" فإنهم كنوا بالأعز عن فريقهم، وبالأذل عن فريق المؤمنين، فأثبت الله عز وجل صفة العزة لله ولرسوله وللمؤمنين من غير تعرضٍ لثبوت حكم الإخراج بصفة العزة ولا لنفيه.\rوالثاني حمل كلام المتكلم مع تقريره على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه كقول الشاعر:\rقلت: ثقلت إذ أتيت مراراً ... قال: ثقلت كاهلي بالأيادي\rقلت: طولت قال: لي بل تطول ... ت وأبرمت قال: حبل الوداد\rومنه قول الأرجاني: \" غالطتني أذ كست جسمي ضنىً \" البيتين، وقد تقدم الاستشهاد بهما في الاستدراك.\rوللمولى شهاب الدين محمود الحلبي الكاتب في ذلك:\rرأتني وقد نال مني النحول ... وفاضت دموعي على الخد فيضا\rفقالت: بعيني هذا السقام ... فقلت: صدقت، وبالخصر أيضا\rوقول محاسن الشواء:\rولما أتاني العاذلون عدمتهم ... وما فيهمو إلا للحمى قارض\rوقد بهتوا لما رأوني شاحباً ... وقالوا: به عينٌ فقلت: وعارض\rوأما القلب - فهو أن يكون الكلام أو البيت كيفما انقلبت حروفه كان بحاله لا يتغير، ومنه في التنزيل قوله تعالى: \" كل في فلكٍ \" \" وربك فكبر \" وقولهم: ساكب كاس.\rومنه قول العماد الأصفهاني للقاضي الفاضل: سر فلا كبا بك الفرس، وجواب القاضي الفاضل له: دام علا العماد، وهي أول قصيدة للأرجاني، مطلعها: \" دام علا العماد \" ومن ذلك قول الأرجاني:\rمودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم\rوأما التندير - فهو أن يأتي المتكلم بادرة حلوة، أو نكتة مستظرفة يعرض فيها بمن يريد ذمه بأمر، وغالب ما يقع في الهزل، فمنه قول أبي تمام فيمن سرق له شعرا:\rمن بنو بجدلٍ، من ابن الحباب ... من بنو تغلب غداة الكلاب\rمن طفيلٌ، من عامرٌ، أم من الحا ... رث، من عتيبة بن شهاب\rإنما الضيغن الهصور أبو الأش ... بال هتاك كل خيس وغاب\rمن عدت خيله على سرح شعري ... وهو للحين راتعٌ في كتاب\rيا عذراى الكلام صرتن من بع ... دي سبايا تبعن في الأعراب\rلو ترى منطقي أسيراً لأصب ... حت أسيراً ذا عبرة واكتئاب\rطال رغبي إليك مما أقاسي ... ه ورهبي يا رب فاحفظ ثيابي\rومن ذلك ما قاله شهاب الدين بن الخيمي يعرض بنجم الدين بن إسرائيل لما تنازعا في القصيدة المعروفة لابن الخيمي التي أولها:\rيا مطلباً ليس لي من غيره أرب\rفقال من قطعة منها:\rهم العريب بنجد مذ عرفتمو ... لم يبق لي معهم مالٌ ولا نشب\rفما ألموا بحيٍّ أو ألمّ بهم ... إلا أغاروا على الأبيات وانتهبوا\rلم يبق منطقه قولاً يروق لنا ... لقد شكت ظلمه الأشعار والخطب\rوأما الإسجال بعد المغالطة - فهو أن يقصد الشاعر غرضاً من ممدوح فيشترط لحصوله شرطاً، ثم يقدر وقوع ذلك الشرط مغالطة ليسجل به استحقاق مقصوده، كقول بعضهم:\rجاء الشتاء وما عندي لقرّته ... إلا ارتعادي وتصفيقي بأسناني","part":2,"page":317},{"id":818,"text":"فإن هلكت فمولانا يكفّنني ... هبني هلكت فهبني بعض أكفاني\rوأما الافتنان - فهو أن يأتي الشاعر بفّنين متضادّين من فنون الشعر في بيت واحد مثل التشبيب والحماسة، \" والمديح \" والهجاء، والهناء والعزاء فأما ما جمع فيه بين التشبيب والحماسة فكقول عنترة:\rإن تغدفي دوني القناع فإنني ... طبّ بأخذ الفارس المستلئم\rوكقول أبي دلف - ويروى لعبد اللّه بن طاهر - :\rأحبّك يا جنان وأنت مني ... محّل الرّوح من جسد الجبان\rولو أني أقول محلّ روحي ... لخفت عليك بادرة الطعّان.\rوأما ما جمع فيه بين تهنئةٍ وتعزيةٍ فقد تقدّم ذكر ذلك في بابي التهاني والتعازي ومنه فيما لم نورده هناك ما كتب به الموالي شهاب الدين محمود الكاتب تهنئة وتعزية لمن رزق ولداً ذكراً في يوم ماتت له فيه بنت: ولا عتب على الدهر فيما اقترف، فقد أحسن الخلف، واعتذر بما وهب عما سلب، فعفا اللّه عمّا سلف.\rوأما الإبهام - بباء موّحدة فهو أن يقول المتكلّم كلاماً مبهماً يحتمل معنيين متضاديّن، كقول بعضهم في الحسن بن سهل لما تزوّج المأمون ببنيه بوران:\rبارك اللّه للحسن ... ولبوران في الختن\rيا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من\rفلم يعرف مراده \" ببنت من \" هل أراد به الرفعة أو الضعة؟ ومنه قول بشار في خياط أعور اسمه عمرو:\rخاط عمرو لي قباء ... ليت عيينه سواء\rفأبهم المعنى في الدعاء له بالدعاء عليه.\rوأما حصر الجزئي وإلحاقه بالكليّ ... فهو كقول السّلاميّ:\rإليك طوى عرض البسيطة جاعلٌ ... قصاري المطايا أن يلوح لها القصر\rفكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشباه كما اجتمع النّسر\rوبشّرت آمالي بملك هو الورى ... ودارٍ هي الدنيا، ويومٍ هو الدهر.\rفأما حصر أقسام الجزئي فإن العالم عبارةٌ عن أجسامٍ وظروف زمانٍ وظروف مكانٍ، وقد حصر ذلك؛ وأما جعله الجزئي كلّيّاً فإن الممدوح جزء من الورى، والدار جزء من الدنيا، واليوم جزء من الدهر.\rوأما المقارنة - فهي أن يقرن الشاعر الاستعارة بالتشبيه أو المبالغة أو غير ذلك بوصل يخفى أثره إلا على مدمن النظر في هذه الصناعة، وأكثر ما يقع ذلك بالجمل الشرطية، كقول بعض شعراء المغرب:\rوكنت إذا استنزلت من جانب الرضى ... نزلت نزول الغيث في البلد المحل\rوإن هيّج الأعداء منك حفيظةً ... وقعت وقوع النار في الحطب الجزل\rفإن لاءم بين الاستعارة والتشبيه المنزوع الأداة في صدري بيتية وعجزيهما.\rوأما ما قرنت به الاستعارة من المبالغة فمثاله قول النابغة الذبياني:\rوأنت ربيع ينعش الناس سيبه ... وسيف أعيرته المنية قاطع\rفإن في كل من صدر البيت وعجزه استعارة ومبالغة، وإنما التي في العجز أبلغ.\rومما اقترن فيه الإرداف بالاستعارة قول تميم بن مقبل:\rلدن غدوه حتى نزعنا عشية ... وقد مات شطر الشمس والشطر مدنف\rفإنه عبر بموت شطر الشمس عن الغروب، واستعار الدنف للشطر الثاني.\rوأما الإبداع - فهو أن يأتي في البيت الواحد من الشعر، أو القرينة الواحدة من النثر بعدة ضروب من البديع بحسب عدد كلماته أو جمله، وربما كان في الكلمة الواحدة المفردة ضربان من البديع، ومتى لم تكن كل كلمة بهذه المثابة فليس بإبداع.","part":2,"page":318},{"id":819,"text":"قال ابن أبي الإصبغ: وما رأيت فيما استقريت من الكلام كآية استخرجت منها أحداً وعشرين ضرباً من المحاسن، وهي قوله تعالى : \" وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين \" : وهي المناسبة التامة في \" ابلعي \" و \" أقلعي \" ؛ والمطابقة بذكر الأرض والسماء؛ والمجاز في قوله : \" يا سماء \" ، فإن المراد - والله أعلم - يا مطر السماء؛ والاستعارة في قوله تعالى: \" أقلعي \" ؛ والإشارة في قوله تعالى: \" وغيض الماء \" فإنه عبر بهاتين اللفظتين عن معان كثيرة؛ والتمثيل في قوله تعالى: \" وقضى الأمر \" فإنه عبر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بغير لفظ المعنى الموضوع له؛ والإدارف في قوله: \" واستوت على الجودي \" فإنه عبر عن استقرارها بهذا المكان استقراراً متمكناً بلفظ قريب من لفظ المعنى؛ والتعليل، لأن غيض الماء علة الاستواء؛ وصحة التقسيم إذا استوعب الله تعالى أقسام أحوال الماء حالة نقصه، إذ ليس إلا احتباس ماء السماء، واحتقان الماء الذي ينبع من الأرض، وغيض الماء الحاصل على ظهرها؛ والاحتراس في قوله تعالى: \" وقيل بعداً للقوم الظالمين \" إذ الدعاء عليهم يشعر أنهم مستحقو الهلاك احتراساً من ضعيف العقل يتوهم أن العذاب شمل من يستحق ومن لا يستحق، فتأكد بالدعاء كونهم مستحقين؛ والإيضاح في قوله: \" للقوم \" ليبين أن القوم الذين سبق ذكرهم في الآية المتقدمة حيث قال: \" وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه \" هم الذين وصفهم بالظلم ليعلم أن لفظة القوم ليست فضلة وأنه يحصل بسقوطها لبسٌ في الكلام؛ والمساواة لأن لفظ الآية لا يزيد على معناها؛ وحسن النسق، لأنه تعالى عطف القضايا بعضها على بعض بحسن ترتيب، وائتلاف اللفظ مع المعنى، لأن كل لفظة لا يصلح موضعها غيرها؛ والإيجاز، لأنه سبحانه وتعالى اقتص القصة بلفظها مستوعبة بحيث لم يخل منها بشيء في أقصر عبارة، والتسهيم، لأن أول الآية إلى قوله: \" أقلعي \" يقتضى آخرها؛ والتهديب، لأن مفردات الألفاظ موصوفةٌ بصفات الحسن، عليها رونق الفصاحة، سليمةٌ من التعقيد والتقديم والتأخير؛ والتمكن، لأن الفاصلة مستقرةٌ في قرارها، مطمئةٌ في مكانها؛ والانسجام، وهو تحدر الكلام بسهولة كما ينسجم الماء؛ وما في مجموع الآية من الإبداع، وهو الذي سمي به هذا الباب، فهذه سبع عشرة لفظةً تضمنت أحداً وعشرين ضرباً من البديع غير ما تكرر من أنواعه فيها.\rوأما الانفصال - فهو أن يقول المتكلم كلاماً يتوجه عليه فيه دخلٌ لو اقتصر عليه، فيأتي بما يفصله عن ذلك الدخل، كقول أبي فراس:\rولقد نبيّت إبلي ... س إذا راك يصد\rليس من تقوى ولكن ... ثقل فيك وبرد\rوالفرق بين هذا وبين الاحتراس خلو الاحتراس من الدخل عليه من كل وجه.\rوأما التصرف - فهو أن يتصرف المتكلم في المعنى الذي يقصده، فيبرزه في عدة صور: تارة بلفظ الاستعارة، وطوراً بلفظ التشبيه، وآونة بلفظ الإرداف وحيناً بلفظ الحقيقة، كقول امرئ القيس يصف الليل:\rوليلٍ كموج البحر مرخ سدوله ... عليّ بأنواه الهموم ليبتلي\rفقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل\rفإنه أبرز المعنى بلفظ الاستعارة، ثم تصرف فيه فأتى بلفظ التشبيه فقال:\rفيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل\rثم تصرف فيه فأخرجه بلفظ الإرداف فقال:\rألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل\rوأما الاشتراك - فمنه ما ليس بحسن ولا قبيح، وهو الاشتراك في الألفاظ مثل اشتراك الأبيرد وأبي نواس في لفظة الاستعفاء، فإن الأبيرد قال في مرثية أخيه:\rوقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن عظم الأجر\rوقال أبو نواس:\rترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقل جفونها\rومنه الحسن، وهو الاشتراك في المعنى، كقول امرئ القسي:\rكبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل\rوقول ذي الرمة:\rكحلاء في برجٍ صفراء في دعجٍ ... كأنها فضة قد مسها ذهب","part":2,"page":319},{"id":820,"text":"فوقع الاشتراك بينهما في وصف المرأة بالصفرة، غير أن الأول شبه الصفرة ببيضة النعامة، والآخر وصفها بالفضة المموهة؛ ومن الاشتراك المعنوي ما ليس بحسن ولا معيب، كقول كثير:\rوأنت التي حببت كل قصيرة ... إلي وما تدري بذاك القصائر\rعنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطا، شر النساء البحاتر\rفإن لفظة قصيرة مشتركة، فلو اقتصر على البيت الأول لكان الاشتراك معيباً لكنه لما أتى بالبيت الثاني زال العيب، ولم يبلغ رتبة الحسن لما فيه من التضمين.\rوأما التهكم - فالفرق بينه وبين الهزل الذي يراد به الجد أن التهكم ظاهره جد وباطنه هزل، والهزل الذي يراد به الجد على العكس منه، فمن التهكم قول الوجيه الذروري في ابن أبي حصينة من أبيات:\rلا تظنن حدبة الظهر عيباً ... فهي في الحسن من صفات الهلال\rوكذاك القسي محدوباتٌ ... وهي أنكى من الظبا والعوالي\rوإذا ما علا السنام ففيه ... لقروم الجمال أي جمال\rوأرى الانحناء في مخلب البا ... زي ولم يعد مخلب الرئبال\rكوّن الله حدبة فيك إن شئ ... ت من الفضل أو من الإفضال\rفأنت ربوةً على طود علم ... وأتت موجةً ببحر نوال\rما رأتها النساء إلا تمنت ... أنها حليةٌ لكل الرجال\rثم ختمها بقوله:\rوإذا لم يكن من الهجر بدٌ ... فعسى أن تزورنا في الخيال\rوكقول ابن الرومي:\rفياله من عمل صالح ... يرفعه الله إلى أسفل\rوأما التدبيج - وهو أن يذكر الشاعر أو الناثر ألواناً يقصد بها الكناية أو التورية بذكرها عن أشياء من وصف أو مدح أو هجاء أو نسيب أو غير ذلك من الفنون، فمن ذلك قول الحريري في بعض مقاماته: فمذ ازور المحبوب الأصفر واغبر العيش الأخضر، اسود يومي الأبيض، وابيض فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر.\rوهذا التدبيج بطريق التورية. وقال بعض المتأخرين يصف موقف السلطان الملك الناصر بمصاف شقحب الكائن بينه وبين التتار في شهر رمضان سنة اثنتين وسبعمائة: وما زال بوجهه الأبيض، تحت علمه الأصفر، يكابد الموت الأحمر، تجاه العدو الأزرق، إلى أن حال بينهما الليل الأسود، وبكّر في غرة نهار الأحد الأشعل وامتطى السبيل الأحوى إلى أن حل بالأبلق. يريد بالأبلق: القصر الظاهري الذي بالميدان الأخضر مدينة دمشق؛ ومن أمثلة هذا الباب قول ابن حيوس الدمشقي:\rإن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقهم يوم نائل أو قتال\rتلق بيض الوجوه سود مثار الن ... قع خضر الأكناف حمر النضال\rوأما الموجه - فهو الذي يمدح بشيء يقتضي المدح بشيء آخر، كقول المتنبي:\rنهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد\rوكقوله أيضاً:\rعمر العدو إذا لاقاه في رهج ... أقل من عمر ما يحوى إذا وهبا\rفأول البيتين وصفٌ بفرط الشجاعة، وآخر الأول بعلو الدرجة، وآخر الثاني بفرط الجود.\rوأما تشابه الأطراف - فهو أن يجعل الشاعر قافية بيته الأول أول البيت الثاني، وقافية الثاني أول الثالث، وهكذا إلى انتهاء كلامه، ومن أحسن ما قيل فيه قول ليلى الأخيليلة تمدح الحجاج:\rإذا نزل الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها\rشفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها\rسقاها فرواها بشرب سجالها ... دماء رجال يحلبون صراها","part":2,"page":320},{"id":821,"text":"هذا ما أورده في حسن التوسل من علوم المعاني والبيان والبديع، وقد أتينا على أكثره بنصه لما رأيناه من حسن تأليفه، وبديع ترصيفه، وأن اختصاره لا يمكن إلا عند الإخلال بفائدة لا يستغنى عنها فلم نحذف منه إلا ما تكرر من الأمثلة والشواهد، لاستغنائنا بما أوردناه عما حذفناه، فالنسبة فيه إلى فضائله وفضله والعمدة على شواهده ونقله؛ فلقد أحسن التأليف، وأجاء التعريف، واحتمل التوقيف؛ وحر الشواهد، وأوضح السبيل حتى صار الغائب عن هذه الصناعة إذا طالع كتابه كالشاهد؛ وأبدع في صناعة البديع، وبين علم البيان بحسن الترصيف والترصيع؛ واعتنى بألفاظ المعاني فصرف أعنتها ببنانه، وأبان مشكلها فأحسن في بيانه؛ وحلّ من التعقيد عقالها الذي عجز غيره عن حله، وسهّل للأفهام مقالها فأبرزته الألسنة من محرم اللفظ إلى حله، فله المنة فيما ألف، والفضل بما صنف.\rوأما ما يتصل بذلك من خصائص الكتابة - فالاقتباس والاستشهاد والحل: فالاقتباس هو أن يضمن الكلام شيئاً من القرآن أو الحديث، ولا ينبه عليه للعلم به، كما في خطب ابن نباتة، كقوله: فيا أيها الغفلة المطرقون، أما أنتم بهذا الحديث مصدقون؟ مالك لا تشفقون؟ \" فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون \" وكقوله أيضاً: يوم يبعث الله العالمين خلقاً جديداً، ويجعل الظالمين لجهنم وقودا، يوم تكونون \" شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً \" \" يوم تجد كل نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضراً وما عملت من سوءٍ تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً \" ومن ذلك ما أورد المولى شهاب الدين محمود في تقليد عن الإمام الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بالسلطنة، جاء منه: وجمع بك شمل الأمة بعد أن \" كاد يزيغ قلوب فريق منهم \" وعضدك لإقامة إمامته بأولياء دولتك الذين رضى الله عنهم؛ وخصك بأنصار دينه الذين نهضوا بما أمروا به من طاعتك وهم فارهون، وأظهرك على الذين \" ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون \" وأمثال ذلك.\rوأما الاستشهاد بالآيات - فهو أن ينبه عليها، كقول الحريري: فقلت وأنت أصدق القائلين: \" وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين \" ونحو ذلك.\rوفي الأحاديث بالتنبيه عليها أيضاً، كقول المولى شهاب الدين محمود في خطبة تقليد حاكمي: ونصلي على سيدنا محمد الذي استخرجه الله من عنصر أهله وذويه، وشرف قدر جده بقوله فيه: \" إن عم الرجل صنو أبيه \" وسره بما أسر إليه من أن هذا الأمر فتح به ويختم ببنيه. وأمثال ذلك لا تحصر.\rوأما الحل - وهو باب متسع المجال، وملاك أمر المتصدي له أن يكون كثير الحفظ للأحاديث النبوية والآثار والأمثال والأشعار لينفق منها وقت الاحتياج إليها.\rقال: وكيفية الحل أن يتوخى هدم البيت المنظوم، وحلّ فرائده من سلكه، ثم يرتب تلك الفرائد وما شابهها ترتيب متمكن لم يحصره الوزن، ويبرزها في أحسن سلك، وأجمل قالب، وأصح سبك، ويكملها بما يناسبها من أنواع البديع إن أمكن ذلك من غير كلفةٍ، ويتخير لها القرائن، وإذا تم معه المعنى المحلول في قرينة واحدة يغرم له من حاصل فكره، أو من ذخيرة حفظه ما يناسبه، وله أن ينقل المعنى إذا لم يفسده إلى ما شاء، فإن كان نسيباً وتأتى له أن يجعله مديحاً فليفعل، وكذلك غيره من الأنواع؛ وإذا أراد الحل بالمعنى فلتكن ألفاظه مناسبةً لألفاظ البيت المحلول غير قاصرة عنها، فمتى قصرت عنها ولو بلفظة واحدة فسد ذلك الحل وعدّ معيباً، وإذا حلّ باللفظ فلا يتصرف بتقديم ولا تأخير ولا تبديل إلا مع مراعاة نظام الفصاحة في ذلك، واجتناب ما ينقص المعنى ويحط رتبته؛ وهذا الباب لا تنحصر المقاصد فيه، ولا حجر على المتصرف فيه.\rقال: ومما وقع التصرف فيه بزيادة على المعنى قول ضياء الدين بن الأثير الجزري في ذكر العصا التي يتوكأ عليها الشيخ الكبير: وهذه لمبتدأ ضعفي خير، ولقوس ظهري وتر، وإذا كان إلقاؤها دليلاً على الإقامة فإن حملها دليل على السفر.\rوالمحلول في ذلك قول بعضهم: كأنني قوس رامٍ وهي لي وتر وقول الآخر:\rفألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر\rوأما ما يحتاج فيه إلى مؤاخاة القرينة المحلولة بمثلها أو ما يناسبها فكما قال المولى شهاب الدين محمود في تقليد:","part":2,"page":321},{"id":822,"text":"فكم مل ضوء الصبح مما يغيره، وظلام النقع مما يثيره، وحديد الهند مما يلاطمه والأجل مما يسابقه إلى قبض الأرواح ويزاحمه.\rوالقرينتان الأوليان نصفا بيتين للمتنبي، فأضاف إلى كل قرينة ما يناسبها، وهذا من أكثر ما يستعمل في الكتابة، ولا ينبغي للكاتب أن يعتمد في جميع كاتبه على الحل، فيتكل خاطره على ذلك، ويذهب رونق الطبع السليم، وتقل مادة الانسجام، بل يكون استعمال ذلك كاستعمال البديع إذا أتى عفواً من غير تكلف ليكون كالشاهد على صحة الكلام، والدال على الاطلاع، وكالرقم في الثوب، والشذرة في القلادة والواسطة في العقد، إذ لا ينبغي للكاتب أن يخلى كلامه من نوع من أنواع المحاسن.\rويقرب من هذا النوع التلميح، وقد تقدم ذكره في بعض أبواب البديع، والذي يقع في بعض استعماله في مثل ذلك مثل قول الحريري: وإني والله لطالما لقيت الشتاء بكافاته، وأعددت الأهبة له قبل موافاته. يشير إلى بيتي ابن سكرة: جاء الشتاء وعندي من حوائجه وهي مشهورة.\rفإذا عرف الكاتب هذه العلوم، وأتى الصناعة من هذه الأبواب تعين عليه أمور أخر نذكرها الآن.\rما يتعين على الكاتب استعماله والمحافظة عليه والتمسك به وما يجوز في الكتابة وما لا يجوز قال إبراهيم بن محمد الشيباني: فإن احتجت إلى مخاطبة الملوك والوزراء والعلماء والكتاب والأدباء والخطباء والشعراء وأوساط الناس وسوقتهم، فخاطب كلا على قدر أبهته وجلالته، وعلوه وارتفاعه، وفطنته وانتباهه، ولكل طبقة من هذه الطباق معان ومذاهب يجب عليك أن ترعاها في مراسلتك إياهم في كتبك، وتزن كلامك في مخاطبتهم بميزانه، وتعطيه قسمته، وتوفيه نصيبه، فإنك متى أهملت ذلك وأضعته لم آمن عليك أن تعدل بهم عن طريقهم، وتسلك بهم غير مسلكهم، وتجرى شعاع بلاغتك في غير مجراه، وتنظم جوهر كلامك في غير سلكه، فلا تعتد بالمعنى الجزل ما لم تلبسه لفظاً لائقاً بمن كاتبته، وملامساً لمن راسلته، فإن إلباسك المعنى - وإن صح وشرف - لفظاً مختلفاً عن قدر المكتوب إليه لم تجربه عادته تهجينٌ للمعنى وإخلالٌ بقدره، وظلم يلحق المكتوب إليه، ونقص ما يجب له، كما أن في اتباع تعارفهم، وما انتشرت به عادتهم، وجرت به سنتهم، قطعاً لعذرهم، وخروجاً من حقوقهم، وبلوغاً إلى غاية مرادهم، وإسقاطاً لحجة أدبهم.\rوقال أحمد بن محمد بن عبد ربه: فامتثل هذه المذاهب، واجر على هذا القوام، وتحفظ في صدور كتبك وفصولها وافتتاحها وخواتهما، وضع كل معنى في موضع يليق به، وتخير لكل لفظة معنى يشاكلها، وليكن ما تختم به فصولك في موضع ذكر البلوى بمثل: \" نسأل الله دفع المحذور، وصرف المكروه \" وأشباه ذلك؛ وفي موضع ذكر المصيبة: \" إنا لله وإنا إليه راجعون \" ؛ وفي موضع ذكر النعمة: \" الحمد لله خالصاً، والشكر لله واجباً \" وما يشاكل ذلك، فإن هذه المواضع مما يتعين على الكاتب أن يتفقده ويتحفظ منه، فإن الكاتب إنما يصير كاتباً بأن يضع كل معنى في موضعه، ويعلق كل لفظة على طبقتها في المعنى.\rقال: واعلم أنه لا يجوز في الرسائل استعمال ما أتت به آي القرآن من الاختصار والحذف، ومخاطبة الخاص بالعام والعام بالخاص، لأن الله تعالى إنما خاطب بالقرآن قوماً فصحاء فهموا عنه - جل ثناؤه - أمره ونهيه ومراده، والرسائل إنما يخاطب بها قوم دخلاء على اللغة لا علم بلسان العرب؛ وكذلك ينبغي للكاتب أن يتجنب اللفظ المشترك، والمعنى الملتبس، فإنه إن ذهب ليكاتب على معنى قول الله تعالى: \" واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها \" وكقوله تعالى \" بل مكر الليل والنهار \" احتاج أن يبين أن معناه: اسأل أهل القرية، وأهل العير، وبل مكركم بالليل والنهار؛ قال: وكذلك لا يجوز أيضاً في الرسائل والبلاغات المنثورة ما يجوز في الأشعار الموزونة، لأن الشاعر مضطر، والشعر مقصور مقيد بالوزن والقوافي، فلذلك أجازوا لهم صرف ما لا ينصرف من الأسماء، وحذف ما لا يحذف منها، واغتفروا فيه سوء النظم، وأجازوا فيه التقديم والتأخير، والإضمار في موضع الإظهار، وذلك كله غير سائغ في الرسائل، ولا جائز في البلاغات؛ فمما أجيز في الشعر من الحذف قول الشاعر: قواطناً مكة من ورق الحما يريد الحمام، وكقول الآخر: صفر الوشاحين صموت الخلخل يريد الخلخال، وكقول الحطيئة:","part":2,"page":322},{"id":823,"text":"فيها الرماح وفيها كل سابغة ... جدلاء مسرودةٍ من فعل سلام\rيريد سليمان وكقول الآخر:\rوسائلةٍ بثعلبة بن سبر ... وقد علقت بثعلبة العلوق\rيريد ثعلبة بن سيار، وكقول الآخر:\rفلست بآيته ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل\rأراد ولكن قال: وكذلك لا ينبغي في الرسائل أن يصغر الاسم في موضع التعظيم وإن كان ذلك جائزاً، مثل قولهم: دويهيةٌ تصغير داهية، وجذيلٌ وعذيقٌ، تصغير جذلٍ وعذقٍ. قال لبيد:\rوكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهيةٌ تصفر منها الأنامل\rقال: فتخير في الألفاظ أرجحها وزناً، وأجزلها معنى، وأشرفها جوهراً وأكرمها حسباً، وأليقها في مكانها، وأدر الكلام في أماكنه، وقلبه على جميع وجوهه، ولا تجعل اللفظة قلقة في موضعها، نافرةً عن مكانها، متى فعلت ذلك هجنت الموضع الذي حاولت تحسيه، وأفسدت المكان الذي أردت إصلاحه فإن وضع الألفاظ في غير أماكنها، والقصد بها إلى غير مظانها، إنما هو كترقيع الثوب الذي إن لم تتشابه رقاعه، ولم تتقارب أجزاؤه، خرج عن حد الجدة، وتغير حسنه، كما قال الشاعر:\rإن الجديد إذا ما زيد في خلق ... يبين للناس أن الثوب مرقوع\rانتهى ما أورده ابن عبد ربه.\rوقال المولى الفاضل شهاب الدين محمود الحلبي: ومما يتعين على الكاتب استعماله، والمحافظة عليه، والتمسك به، إعطاء كل مقام حقه، فإذا كتب في أوقات الحروب إلى نواب الملك عنه، وإلى مقدمي الجيوش والسرايا، فليتوخ الإيجاز والألفاظ البليغة الدالة على القصد من غير تطويل ولا بسط يضيع المقصد، ويفصل الكلام بعضه من بعض، ولا تهويل لأمر العدو يضعف به القلوب، ولا تهوينٍ لأمر يحصل به الاغترار. وذكر لذلك أمثلة من إنشائه.\rقال: فمن ذلك صورة كتاب أنشأته إلى مقدم سرية كشفٍ - ولم أكتب به - وهو: لازال أخف في مقاصده من وطأة ضيف، وأخفى في مطالبة من زورة طيف، وأسرع في تنقله من سحابة صيف، وأروع للعدا في تطلعه من سلة سيف، حتى يعجب عدو الدين في الاطلاع على عوراته من أين دهي وكيف؟ ويعلم أن من أول قسمته اللقاء حصل عليه في مقاصده الحيف؛ أصدرناها إليه نحثه على الركوب بطائفة أعجل من السيل، وأهول من الليل، وأيمن من نواصي الخيل؛ وأقدم من النمر، وأوقع على المقاصد من الغيث المنهمر، وأروغ في مخاتلة العدا من الذئب الحذر؛ على خيل تجري ما وجدت فلاه، وتطيع راكبها مهما أراد منها سرعةً أو أناة، تتنسم الحبال الصم كالوعل، وإذا جارتها البروق غدت وراءها \" تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوجل \" وليكن كالنجم في سراه، وبعد ذراه؛ إن جرى فكسهم، وإن خطر فكوهم؛ وإن طلب فكالليل الذي هو مدرك، وإن طلب فكالجنة التي لا يجد ريحها مشرك؛ حتى يأتي على عدو من كل شرف، ويرى جمعه من كل طرف، ولا يسرف في الإقامة عليه إلا إذا علم أن الخير في السّرف؛ وليحرز جمعهم، ويسبق إلى التحرّز منهم بصرهم وسمعهم؛ وينظرهم بعين منعها الحزم أن ترى العدد الكثير قليلاً، وصدّها العزم أن ترى العدوّ الحقير جليلاً؛ بل ترى الأمر على فصه، وتروي الخبر على نصه؛ وإن وجد مغرراً فليأخذ خبره، إن قدر على الإتيان بعينه وإلا فليذهب أثره؛ ولا يهيج فيما لديه نار حرب إلا بعد الثقة بإطفائها، ولا يوقظ عليه عين عدو مهما ظهر له أن المصلحة في إغفائها؛ وليكشف من أمورهم ما يبدي عند الملتقى عورتهم، ويخمد في حالة الزحف فورتهم؛ وليجعل قلبه في ذلك ربيئة طرفه، وطليعة طرفه، وسرية كشفه والله تعالى يمده بلطفه، ويحفظه بمعقبات من بين يديه ومن خلفه.","part":2,"page":323},{"id":824,"text":"وإذا كتب عن الملك في أوقات حركات العدو إلى أهل الثغور يعلمهم بالحركة للقاء العدو، فليبسط القول في وصف العزائم، وقوة الهمم، وشدة الحمية للدين، وكثرة العساكر والجيوش، وسرعة وطي المراحل، ومعالجة العدو، وتخييل أسباب النصر، والوثوق بعوائد الله في الظفر، وتقوية القلوب منهم، وبسط آمالهم، وحثهم على التيقظ، وحضهم على حفظ ما بأيديهم، وما أشبه ذلك، ويبرزه في أمتن كلام وأجله وأمكنه، وأقربه من القوة والبسالة، وأبعده من اللين والرقة، ويبالغ في وصف الإنابة إلى الله تعالى، واستنزال نصره وتأييده، والرجوع إليه في تثبيت الأقدام، والاعتصام به في الصبر، والاستعانة به على العدو، والرغبة إليه في خذلانهم، وزلزلة أقدامهم، وجعل الدائرة عليهم، دون التصريح بسؤال بطلان حركتهم، ورجاء تأخرهم، وانتظار العرضيات في خلفهم، لما في ذلك من إبهام الضعف عن لقائهم واستشعار الوهن والخوف منهم، وليسلك في مثل ذلك كما سلك المولى شهاب الدين محمود في نحو ما كنب في صدر كتاب سلطاني إلى بعض نواب الثغور عند حركة العدو، فإنه قال: أصدرناها ومنادي النفير قد أعلن: يا خيل الله اركبي، ويا ملائكة الرحمن اصحبي ويا وفود الظفر والتأييد اقربي؛ والعزائم قد ركضت على سوابق الرعب إلى العدا والهمم قد نهضت إلى عدو الإسلام فلو كان في مطلع الشمس لاستقربت ما بينها وبينه من المدى؛ والسيوف قد أنفت من الغمود فكادت تنفر من قربها، والأسنة قد ظمئت إلى موارد القلوب فتشوقت إلى الارتواء من قلبها؛ والكماة قد زأرت كالليوث إذا دنت من فرائسها، والجياد قد مرحت لما عودتها من الانتعال بجماجم الأبطال فوارسها؛ والجيوش قد كاثرت النجوم أعدادها، وسايرتها للهجوم على أعداء الله من ملائكة الكرام أمدادها؛ والنفوس قد أضرمت الحمية نار غضبها، وعداها حر الإشفاق على ثغور المسلمين عن برد الثغور وطيب شنبها، والنصر قد أشرقت في الوجود دلائله، والتأييد قد ظهرت على الوجوه مخايله، وحسن اليقين بالله في إعزاز دينه قد أنبأت بحسن المآل أوائله؛ والألسن باستنزال نصر الله لهجه والأرجاء بأرواح القبول أرجه، والقلوب بعوائد لطف الله بهذه الأمة مبتهجه والحماة وما منهم إلا من استظهر بإمكان قوته وقوة إمكانه، والأبطال وليس فيهم من يسأل عن عدو بل عن مكانه؛ والنيات على طلب عدو الله حيث كان مجتمعه والخواطر مطمئنةٌ بكونها مع الله بصدقها، ومن كان مع الله كان الله معه؛ وما بقي إلا طي المراحل، والنزول على أطراف الثغور نزول الغيث على البلد الماحل؛ والإحاطة بعدو الله من كل جانب، وإنزال نفوسهم على حكم الأمرين الأمرّين: من عذاب واصب، وهمّ ناصب؛ وإحالة وجودهم إلى العدم، وإجالة السيوف التي إن أنكرتها أعناقهم فما بالعهد من قدم؛ واصطلامهم على أيدي العصابة المؤيدة بنصر الله في حربها، وابتلائهم من حملاتها بريح عادٍ التي تدمر كل شيء بأمر ربها؛ فليكن مرتقباً لطلوع طلائعها عليه، متيقناً من كرم الله استئصال عدوه الذي إن فر أدركته من ورائه، وإن ثبت أخذته من بين يديه؛ وليجتهد فبه حفظ ما قبله من الأطراف وضمها، وجمع سوام الرعايا من الأماكن المتخوفة ولمها، وإصلاح ما يحتاج إلى إصلاحه من مسالك الأرباض المتطرفة ورمها، فإن الاحتياط على كل حال من آكد المصالح الإسلامية وأهمها؛ فكأنه بالعدو وقد زال طمعه، وزاد ظلعه؛ وذم عقبى مسيره، وتحقق سوء منقلبه ومصيره، وتبرأ منه الشيطان الذي دلاه بغروره، وأصبح لحمه موزعاً بين ذئاب الفلا وضباعها، وبين عقبان الجو ونسوره؛ ثقةً من وعد الله الذي تمسكنا منه باليقين، وتحققنا أن الله ينصر من ينصره وأن العاقبة للمتقين.\rقال: وزيادة البسط في ذلك ونقصها بحسب المكتوب إليه.","part":2,"page":324},{"id":825,"text":"وإذا كتب في التهاني بالفتوح، فليس إلا بسط الكلام، والإطناب في شكر نعم الله، والتبرؤ من الحول والقوة إلا به، ووصف ما أعطى من النصر، وذكر ما منح من الثبات، وتعظيم ما يسر من الفتح؛ ثم ما وصف بعد ذلك من عزمٍ وإقدامٍ وصبرٍ وجلد عن الملك وعن جيشه حسن وصفه، ولاق ذكره، وراق التوسيع فيه، وعذب بسط الكلام فيه؛ ثم كلما اتسع مجال الكلام في ذكر الواقعة ووصفها كان أحسن وأدل على البلاغة، وأدعى لسرور المكتوب إليه، وأحسن لموقع المنة عنده، وأشهى إلى سمعه، وأشفى لغليل تشوقه إلى معرفة الحال على جليته، ولا بأس بتهويل أمر العدو، ووصف جمعه وإقدامه، فإن تصغير أمره تحقيرٌ للظفر به؛ وقد ذكرنا في باب التهاني من ذلك ما تقدم شرحه، فلنذكر في هذا الموضع من كلامه فيه ما لم نورده في باب التهاني؛ قال: وإن كان المكتوب إليه ملكاً صاحب مملكة منفردة تعين أن يكون البسط أكثر، والإطناب أمد، والتهويل أبلغ، والشرح أتم؛ فمن ذلك فصلٌ كتبته في جواب ابن الأحمر صاحب غرناطة من جزيرة الأندلس، قال:","part":2,"page":325},{"id":826,"text":"أما بعد حمد الله الذي أيدنا بجنوده، وأنجز لنا من نصر الأمة صادق وعوده وخصنا من استدامة الفتوح بمزايا مزيده، وأيدنا بنصره، ونصرنا بتأييده والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف رسله، وخاتم أنبيائه، وأكرم عبيده، وأعز من دعا الأمم وقد أنكرت خالقها إلى الإقرار بتوحيده، وعلى آله وصحبه الذين أشرق أفق الدين منهم بكواكب سعوده؛ فإنا أصدرناها ونعم الله تعالى بنا مطيفه، ومواقع نصره عندنا لطيفه، وجنود تأييده لممالك الأعداء إلى ممالكنا الشريفة مضيفه، وثغور الإسلام بذبنا عن دين الله منيره، وبإعلائنا منار الهدى منيفه؛ ونحن نحمد الله على ذلك حمداً نستدر به أخلاف الظفر، ونستديم به مواد التأييد على من كفر؛ ونستمد به عوائد النصر التي كم أقدمها علينا إقدام، وأسفر لنا عنها وجه سفر؛ ونهدي إليه ثناءً تعبق بنشر الرياض خمائله، وتنطق بمحض الوداد مخايله، وتشرق على أفق مفاخره غدواته وأصائله؛ يشافه مجده بمصونه، ويصارح فخره بمكنونه، ويجلو على حضرته العلية عقائل الشرف من أبكار الهناء وعونه؛ ونبدي لعلمه الكريم ورود كتابه الجليل مسفراً عن لوامع صفائه، منبئاً بجوامع وده ووفائه؛ مشرقاً بلآلىء فرائده، محدقاً بروض كرمه الذي سعد رأي رائده، محتوياً على سروره بما بلغه من أنباء النصرة التي سارت بها إليه سرعان الركبان، وذلت بعز ما تلي منها عليه عباد الصلبان؛ وطبّق ذكرها المشارق والمغارب، ومزقت مواكب أعداء الله التتار وهم في رأي العين أعداد الكواكب، وخلطت التراب بدمائهم حتى لم يبح بها التيمم، ومزجت بها الفرات حتى ما تحل لشارب؛ وهي النصرة التي لا يدرك الوصف كنهها، ولا تعرف لها البلاغة مشبهاً فتذكر شبهها؛ ولا يتسع نطاق النطق لذكرها، ولا تنهض الألسنة على طول الأبد بشكرها؛ فإن التتار المخذولين أقبلوا كالرمال، واصطفوا كالجبال؛ وتدفقوا كالبحار الزواخر، وتوالوا كالأمواج التي لا يعرف لها الأول من الآخر؛ فصدمتهم جيوشنا المنصورة صدمةً بددت شملهم، وعلمت الطير أكلهم؛ وحصرتهم في الفضاء، وطالبت أرواحهم الكافرة بدين دينها وأسرفت في الاقتضاء؛ وحصدت منهم سيوفنا المنصورة ما يخرج عن وصف الواصف، ومزقت بقيتهم في الفلوات فكانوا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف؛ وأحاطت بهم كتائبنا المنصورة فلم ينج إلا من لا يؤبه له من فريقهم، وقسمتهم جيوشنا المؤيدة من الفلوات إلى الفرات بين القتل والأسر، فلم يخرج عن تلك القسمة غير غريقهم؛ وأعقبتهم تلك الكسرة أن هلك طاغيتهم أسفاً وحسره، وحزناً على من قتل من تلك المقاتلة، وأسر من تلك الأسره، وأماته الرعب من جيوشنا المنصورة فجاءه، واستولى عليه الوجل فجاءه من أمر الله ما جاءه؛ وقعد أخوه بعده مكانه، والخوف من عساكرنا يضعضع أركانه، والفرق من جيوشنا يفرق أعوانه، ويمزق إخوانه، ويوهي سلطانه ويبرئ منه شيطانه؛ فلاذ بالالتجاء إلى سلمنا، وعاذ بإسناد الرجاء إلى كفنا عنه وحلمنا؛ فكرر رسله ورسائله مستعطفاً، ووالى كتبه ووسائله مستعفياً من حربنا ومستسعفاً؛ وها هو الآن وجنوده يتوسلون بالخضوع إلى مراحمنا، ويتوصلون ببذل الطاعة إلى مكارمنا؛ ويسألون صفح الصفاح الإسلامية عن رقابهم، ويبدون ما أظهره الله عليهم من الذل الذي جعلته تلك النصرة خالداً في أعقابهم؛ وسيوفنا تأبى قبول وسائلهم، وتصر على نهر سائلهم، وتمنع من الكف عن مقاتلهم، وتأنف أن تغمد إلا في قمم محاربهم ومقاتلهم؛ ونحن على ما نحن من الأهبة لغزوهم في عقر دارهم، وانتزاع مواطن الخلافة وغيرها من ممالك الإسلام من بين نيوبهم وأظفارهم، مستنصرين بالله على من بقي في خط المشرق منهم، قائمين فيهم بفرض الجهاد الذي لولا دفاع الله به لم يمتنع خط المغرب عنهم؛ \" ولينصرن الله من ينصره \" ولو عددنا نعم الله علينا حاولنا عدّ ما لا نحصيه ولا نحصره.\rوإن اضطر أن يكتب بمثل ذلك إلى ملك غير مسلم لكنه غير محارب، فالحكم في ذلك أن يذكر من أسباب المودة ما يقتضي المشاركة في المسار، وأن أمر هذا العدد مع كثرته أخذ بأطراف الأنامل، وآل أمره إلى ما آل، ويعظم ذكر ما جرى عليه من القتل والأسر، وتلك عوائد نصر الله، وانتقامه ممن عادانا؛ فمن ذلك ما أشنأه المشار إليه لبعض ملوك البحر - ولم يكتب به - وهو:","part":2,"page":326},{"id":827,"text":"صدرت هذه المكاتبة مبشرةً بما منحنا الله من نصرة أجزل الصفاء منها سهمه، وأكمل الوفاء من التهنئة بها قسمه؛ وخصه الوداد بأجل أجزائها، وأجلسه الاتحاد على أسرة مسرتها إذا أجلس العناد غيره على بساط عزائها؛ علماً بأنه الصديق الذي تبهجه مسار صديقه، والصاحب الذي يرى مساهمة صاحبه في بشرى الظفر بأعدائه أدنى حقوقه؛ وذلك أنه قد علم ما كان من أمر هؤلاء التتار في حركاتهم الذميمة، وعزماتهم التي ما اختلفوا لها إلا وكان أحد سلاحهم فيها الهزيمة، وغاراتهم التي ما حشدوا لها إلا وقنعوا فيها بالإياب من الغنيمة؛ وأنهم ما أقدموا علينا إلا وعدموا، ولا سلكوا إلينا إلا وهلكوا؛ حتى إن الأرض إلى الآن لم تجف من دمائهم، وإن الفرات يكاد يشف للمتأمل عن أشلائهم؛ وأن الشيطان يعد ذلك جدد طمعهم، وسكن هلعهم، وأنساهم مصارع إخوانهم، وأسلاهم بما زين لهم من بلوغ أوطارهم عن أوطانهم؛ وقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وتلك الوقائع التي أصبتم فيها قد لا يجري الأمر فيها على القياس؛ وحسن لهم المحال وغرهم وجرأهم على قصد البلاد المحروسة، وفي الحقيقة استجرهم؛ فحشدوا جموعهم وجمعوا حشودهم، واستفرغوا في الاستنفار والاشتظهار طاقتهم ومجهودهم؛ ومالأهم على ذلك من المجاورين من أبطن شقاقه، وكتم نفاقه، وأنساه الشيطان ما سلف من تنفيسنا عنه وقد لازم الحتف خناقه؛ ونحن في ذلك نوسعهم إمهالاً، ونبسط لهم في التوغل آمالاً، ونأخذ أمرهم بالأناة استدراجاً لهم لا إهمالاً؛ إلى أن بعدوا عن مواطن الهرب، وحصل من استدراجهم الأرب، فوثبنا عليهم وثوب الليث إذا ظفر بصيده، ونهضنا نحوهم نهوض الحازم إذا وقع عدوه في أحبولة كيده؛ وصدمتهم جيوشنا المنصورة صدمةً فللت غربهم، وأبطلت طعنهم وضربهم، وصبغت بدمائهم تربهم؛ وحكّمت السيوف في مقاتلهم، ومكنت الحتوف من صاحب رأيهم ومقاتلهم؛ وسلطت العدم على وجودهم، وحطتهم عن سروجهم إلى مصارعهم أو قيودهم؛ \" فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين \" وعادوا على عادتهم خاسئين، ورجعوا على أعقابهم خاسرين؛ وما أغنى عنهم جمعهم، وما أفادهم بصرهم فيما شاهدوه من قبل ولا سمعهم؛ فركن من بقي منهم إلى الفرا، وعاذ ببرد الهرب من لهب تلك السيوف الحرار وظن من انهزم منهم أنه فات الرماح، فتناولته بأرماح من العطش القفار؛ فولوا والرعب يزلزل أقدامهم، والذعر يقلل إقدامهم؛ والصفاح تتخطفهم من ورائهم والجراح تطمع الطير في أكلهم حتى تقع على أحيائهم؛ حتى أصبحوا هشيماً تلعب بهم الصبا والدبور، أو أحياءً يئس منهم أهلهم \" كما يئس الكفار من أصحاب القبور \" وصفحنا عمن نافقنا ووافقهم ولولا ذلك لما نجا، ورجا عواطفنا في الإبقاء على نفسه، فأجابه حلمنا - وعلمنا أنه في القبضة - إلى ما رجا، فليأخذ الملك حظه من هذه البشرى التي تسر قلب الولي المحب بوادرها، وتشرح صدر الحفي المحق مواردها ومصادرها؛ والله تعالى يبهجه عنا بسماع أمثالها، ويديم سروره بما جلوناه عليه من مثالها.\rقال: فإن كان المكتوب إليه متهماً بممالأة العدو كتب إليه بما يدل على التفريع والتهكم، وإبراز التهديد في معرض الإخبار، كما كتب المشار إليه عن السلطان إلى ممتلك سيس - وكان قد شهد الوقعة مع العدو - قال منه:","part":2,"page":327},{"id":828,"text":"بصره الله برشده، وأراه مواقع غيه في الإصرار على مخالفته ونقض عهده وأسلاه بسلامة نفسه عمن روعته السيوف الإسلامية بفقده، صدرت تعرفه أنه قد تحقق ما كان من أمر العدو الذي دلاه بغروره، وحمله التمسك بخداعه على مجانبة الصواب في أموره؛ وأنهم استنجدوا بكل طائفة، وأقدموا على البلاد الإسلامية بنفوس طامعة وقلوب خائفة؛ وذلك بعد أن أقاموا مدة يشترون المخادعة بالموادعة، ويشرون المصارمة في المسالمة؛ ويظهرون في الظاهر أموراً، ويدبرون في الباطن أموراً، ويعدون كل طائفة من أعداء الدين مثله ويمنونهم \" وما يعدهم الشيطان إلا غروراً \" ؛ وكنا بمكرهم عالمين، وعلى معالجتهم عاملين، وحين تبين مرادهم وتكمل احتشادهم؛ استدرجناهم إلى مصارعهم، واستجريناهم ليقربوا في القتل من مضاجعهم، ويبعدوا في الهرب عن مواضعهم؛ وصدمناهم بقوة الله صدمة لم يكن بها قبل، وحملنا عليهم حملةً ألجأهم طوفانها إلى ذلك الجبل، وهل تعصم من أمر الله حيل؟ فحصرناهم في ذلك الفضاء المتسع، وضايقناهم كما قد رأى ومزقناهم كما قد سمع، وأنزلناهم على حكم السيف الذي نهل من دمائهم حتى روي وأكل من لحومهم حتى شبع، وتبعتهم جيوشنا المنصورة تتخطفهم رماحها، وتتلقفهم صفاحها، ويبددهمفي الفلوات رعبها، ويفرقهم في القفار طعنها المتدارك وضربها؛ ويقتل من فات السيوف منهم العطش والجوع، ويخيل للحي منهم أن وطنه كالدنيا التي ليس للميت إليها رجوع؛ ولعله قد رأى ذلك فوق ما وصف عياناً، وتحقق من كل ما لا يحتاج أن نزيده به علماً ولا نقيم له عليه برهاناً؛ وقد علم أن أمر هذا العدو المخذول مازال معنا على هذه الوتيرة، وأنهم ما أقدموا إلا ونصر الله عليهم في مواطن كثيرة؛ وما ساقتهم الأطماع في وقتٍ إلا إلى حتوفهم، ولا عاد منهم قط في وقعة إلا آحادٌ عن مصارع ألوفهم؛ ولقد أضاع الحزم من حيث لم يستدم نعم الله عليه بطاعتنا التي كان في مهاد أمنها، ووهاد يمنها؛ وحماية عفوها، وبرد رأفتها التي كدرها بالمخالفة بعد صفوها؛ يصون رعاياه بالطاعة عن القتل والإسار، ويحمي أهل ملته بالجذر م الحركات التي ما نهضوا إليها إلا وجروا ذيول الخسار؛ ولقد عرّض نفسه وأصحابه لسيوفنا التي كان من سطواتها في أمان، ووثق بما ضمن له التتار من نصره وقد رأى ما آل إليه أمر ذلك الضمان؛ وجر لنفسه بموالاة التتار عناءً كان عنه في غنى، وأوقع روحه بمظافرة المغول في حومة السيوف التي تخطفت أولياءه من هنا ومن هنا؛ واقتحم بنفسه موارد هلاك سلبت رداء الأمن عن منكبيه واغتر هو وقومه بما زين لهم الشيطان من غروره \" فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه \" وما هو والوقوف في هذه المواطن التي تتزلزل فيها أقدام الملوك الأكاسرة وأنى لضعاف النقاد قدرةٌ على الثبات لوثبات الأسود الضارية والليوث الكاسره؛ لقد اعترض بين السهم والهدف بنحره، وتعرض للوقوف بين ناب الأسد وظفره؛ وهو يعلم أننا مع ذلك نرعى له حقوق أسلافه التي ماتوا عليها، ونحفظ له خدمة آبائه التي بذلوا نفوسهم ونفائسهم في الوصول إليها؛ ونجريه وأهل بلاده مجرى أهل ذمتنا الذين لا نؤيسهم من عفونا مهما استقاموا، ونسلك بهم حكم من في أطراف البلاد من راعايانا الذين هم في قبضتنا نزحوا أو أقاموا؛ ونحن نتحقق أنه ما بقي ينسى ملازمة ربقة الحتف خناقه، ولا يرجع يهور نفسه في موارد الهلاك، وهل يرجع إلى الموت من ذاقه؟ فيستدرك باب الإنابة قبل أن يغلق دونه، ويصون نفسه وأهله قبل أن تبذل السيوف الإسلامية مصونه، ويبادر إلى الطاعة قبل أن يبذلها فلا تقبل، ويتمسك بأذيال العفو قبل أن ترفع دونه فلا تسبل؛ ويعجل بحمل أموال القطيعة وإلا كان أهله وأولاده في جملة ما يحمل منها إلينا، ويسلم مفاتح ما عدا عليه من فتوحنا، وإلا فهو يعلم أنها وجميع ما تأخر في بلاده بين يدينا؛ ويكون هو السبب في تمزق شمله، وتفرق أهله، وقلع بيته من أصله؛ وهدم كنائسه، وابتذال نفسه ونفائسه؛ واسترقاق حرمه، واستخدام أولاده قبل خدمه؛ واقتلاع قلاعه، وإحراق ربوعه ورباعه، وتعجيل رؤية ما أوعد به قبل سماعه، ومن لقازان بأن يجاب إلى مثل ذلك، أو يسمح له مع الأمن من سيوفنا ببعض ما في يده من الممالك؛ ليقنع بما أبقت جيوشنا المؤيدة في يده من الخيل والخول، ويعيش في الأمن ببعض ما نسمح له به، ومن للعور بالحول؛ والسيوف الآن مصغيةٌ إلى","part":2,"page":328},{"id":829,"text":"جوابه لتكف إن أبصر سبل الرشاد، أو تتعوض برءوس حماته وكماته عن الأغماد إن أصر على العناد، والخير يكون.به لتكف إن أبصر سبل الرشاد، أو تتعوض برءوس حماته وكماته عن الأغماد إن أصر على العناد، والخير يكون.\rأما التقاليد والمناشير والتواقيع وما يتعلق بذلك - فالأحسن فيها بسط الكلام، وتعتبر كثرته وقلته بحسب الرتب، ويجب أن يراعى فيها أمور: منها براعة الاستهلال بذكر الرتبة أو الحال، أو قدر النعمة، أو لقب صاحب التقليد أو اسمه بحيث لا يكون المطلع أجنبياً من هذه الأحوال، ولا بعيداً منها، ولا مبايناً لها، ثم يستصحب ما سناسب الغرض ويوافق المقصد من أول الخطبة إلى آخرها؛ قال: ويحسن أن يكون الكلام في التقليد منقسماً إلى أربعة أقسام متقاربة المقادير، فالربع الأول الخطبة، والثاني ذكر موقع الإنعام في حق المقلد، وذكر الرتبة وتفخيم أمرها، والثالث في أوصاف المقلد وذكر ما يناسب تلك الرتبة ويناسب حاله من عدل وسياسة ومهابةٍ وبعد صيت، وسمعةٍ وشجاعةٍ إن كان نائباً، ووصف العدل والرأي وحسن التدبير، والمعرفة بوجوه الأموال، وعمارة البلاد، وصلاح الأحوال، وما يناسب ذلك إن كان وزيراً؛ وكذلك في كل رتبة بحسبها، والرابع في الوصايا؛ ومنها أن يراعي المناسبة وما تقتضيه الحال، فلا يعطي أحداً فوق حقه، ولا يصفه بأكثر مما يراد من مثله، ويراعى أيضاً مقدار النعمة والرتبة، فيكون وصف المنة على مقدار ذلك.\rومنها أن لا يصف المتولي بما يكون فيه تعريضٌ بالمعزول وتنقص له، فإن ذلك مما يوغر الصدور، ويؤرث الضغائن في القلوب، ويدل على ضعف الآراء في اختيار الأول، وله أن يصف الثاني بما يحصل به المقصود من غير تعريض بالأول؛ ومنها أن يتخير الكلام والمعاني، فإنه مما يشيع ويذيع، ولا يعذر المقصر في ذلك بعجلة ولا ضيق وقت، فإن مجال الكلام عليه متسع، والبلاغة تظهر في القليل والكثير، والأمر الجاري في ذلك على العادة معروف، لكن تقع أشياء خارجةٌ عن العادة، نادرة الوقوع، فيحتاج الكاتب فيها إلى حسن التصرف على ما تقتضيه الحال؛ فمن ذلك تقليدٌ من إنشاء المولى الفاضل شهاب الدين محمود الحلبي كتبه لمملك سيس بإقراره على ما قاطع النهر من بلاده، وهو:","part":2,"page":329},{"id":830,"text":"الحمد لله الذي خص أيامنا الزاهرة باصطناع ملوك الملل، وفضّل دولتنا القاهرة بإجابة من سأل بعض ما أحرزته لها البيض والأسل، وجعل من خصائص ملكنا بإطلاق الممالك وإعطاء الدول، والمن بالنفوس التي جعلها النصر لنا من جملة الخول، وأغرى عواطفنا بتحقيق رجاء من مد إلى عوارفنا كف الأمل، وأفاض بمواهب نعمائنا على من أناب إلى الطاعة حلل الأمن بعد الوجل، وانتزع بآلائنا لمن تمسك بولائنا أرواح رعاياه من قبضة الأجل، وجعل برد العفو عنه وعنهم بالطاعة نتيجة ما أذاقهم العصيان من حرارة الغضب، إذ ربما صحت الأجسام بالعلل؛ نحمده على نعمه التي جعلت عفونا ممن رجاه قريباً، وكرمنا لمن دعاه بإخلاص الطاعة مجيباً، وبرنا لمن أقبل إليه منيباً بوجه الأمل مثيباً، وبأسنا مصيباً لمن لم يجعل الله له في التمسك بمراحمنا نصيباً؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تعصم دم من تمسك بذمامها، وتحسم مواد من عاندها بانتقام حسامها، وتفصم عرا الأعناق ممن أكمعه الغرور في انفصال أحكامها وانفصامها، وتقصم من قصد إطفاء ما أظهره الله من نورها، وانقطاع ما قضاه من دوامها، وتجعل كلمة حملتها هي العيا، فلا تزال أعناق جاحديها في قبضة أوليائها وتحت أقدامها؛ ونشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بالهدى ودين الحق إلى كل أمه، المنعوت في الكتب المنزلة بالرأفة والرحمة، المخصوص مع عموم بخمس منهن الرعب الذي كان يتقدمه إلى من قصده، ويسبقه مسيرة شهر إلى أمه، المنصوص في الصحف المحكمة على جهاد أمته، الذي لا حياة لمن لم يتمسك من طاعته بذمته؛ صلى الله عليه وآله وصحبه الذين فتحوا بدعوته الممالك، وأوضحوا بشرعته إلى الله المسالك، وجلوا بنور سنته عن وجه الزمن كل حال حالك، وأوردوا من كفر بربهم ورسله موارد المهالك، ووثقوا بما وعد الله نبيه حين زوى له مشارق الأرض ومغاربها م أن ملكهم سيبلغ ما زوى الله له من ذلك؛ صلاةً لا تزال الأرض لها مسجداً، ولا يبرح ذكرها مغيراً في الآفاق ومنجداً، ما استفتحت ألسنة الأسنة النصر بإقامتها، وأبادت أعداءها باستدامتها، وسلم تسليماً كثيراً؛","part":2,"page":330},{"id":831,"text":"وبعد، فإنه لما آتانا الله ملك البسيطه، وجعل دعوتنا بأعنة ممالك الأقطار محيطه؛ ومكن لنا في الآفاق، وأنهضنا من الجهاد في سبيله بالسنة والفرض، وجعل كل يوم تعرض فيه جيوشنا من أمثلة يوم العرض؛ وأظلتنا بوادر الفتوح، وأظلت على الأعداء سيوفنا التي هي على من كفر بالله وكفر النعمة دعوة نوح وأيدنا بالملائكة والروح، على من جعل الواحد سبحانه ثلاثةً فانتصر بالأب والابن والروح؛ وألقت إلينا ملوك الأقطار السلم، وبذلت كرائم بلادها رغبة في الالتحاء من عفونا إلى ظل أعلى من علم؛ وتوسل من كان منهم يظهر الغلظة بالذلة والخضوع وتوصل من كان منهم يبدي القوة بالإخلاص الذي رأوه لهم أقوى الجنن وأوقى الدروع؛ عاهدنا الله تعالى ألا نرد منهم آملاً، ولا نصد عن مشارع كرمنا ناهلاً؛ ولا نخيب من إحساننا راجياً، ولا نجلي عن ظل برنا لاجياً؛ علماً أن ذلك شكرٌ للقدر التي جعلها الله لنا على ذلك الآمل، ووثوقاً بأنه حيث كان في قبضتنا كما نشاء نجمع عليه الأنامل؛ إلا أن يكون ذلك اللاجئ للغل مسراً، وعلى عدواة الإسلام مصراً؛ فيكون هو الجاني على نفسه، والجاثي على موضع رمسه؛ ولما كان من تقدم بالمملكة الفلانية قد زين له الشيطان أعماله، وعقد بحبال الغرور آماله؛ وحسن له التمسك بالتتار الذين هم بمهابتنا محصورون في ديارهم، مأسورون في حبائل إدبارهم؛ عاجزون عن حفظ ما لديهم، قاصرون عن ضبط ما استلبته سرايانا المنصورة من يديهم؛ ليس منهم إلا من له عند سيوفنا ثار، ومن يعلم أنه لابد له عندنا من خطتي خسف: إما القتل أو الإسار؛ وحين تمادى المذكور في غيه، وحمله الغرور على ركوب جواد بغيه؛ أمرنا جيوشنا المنصورة فجاست خلال تلك الممالك وداست حوافر خيلها ما هنالك، وساوت في عموم القتل والأسر بين العبد والحر والمملوك والمالك؛ وألحقت رواسي جبالهم بالصعيد، وجعلت حماتهم كزروع فلاتهم منها قائمٌ وحصيد؛ فأسلمهم الشيطان ومر، وتركهم وفر، وما كرهم وما كر وأعلمهم أن الساعة موعدهم \" والساعة أدهى وأمر \" وأخلفهم ما ضمن لهم من العون وقال لهم: \" إني بريءٌ منكم إني أرى ما لا ترون \" وكان الملك فلان ممن يريد طرق النجاة فلم ير إليها بسوى الطاعة سبيلاً، ويأمل أسباب النجاح فلم يجد عليها غير صدق الانتماء دليلاً؛ فأبصر بالخدمة موضع رشده، وأدرك بسعيه نافر سعده؛ وأراه الإقبال كيف تثبت قدمه في الملك الذي زلت عنه قدم من سلف، وأظهر له الإشفاق على رعاياه مصارع من أورده سوء تدبير أخيه موارد التلف، وعرفه التمسك بإحساننا كيف احتوت يده على ما لم يبق غضبنا في يد أخيه منه إلا الأسى والأسف؛ وحسنت له الثقة بكرمنا كيف يجمل الطلب، وعلمته الطاعة كيف تستنزل عوارفنا عن بعض ما غلبت عليه سيوفنا وإنما الدنيا لمن غلب؛ وانتمى إلينا فصار من خدم أيامنا، وصنائع إنعامنا، وقطع علائقه من غيرنا؛ فلجأ منا إلى","part":2,"page":331},{"id":832,"text":"ركن شديد، وظل مديد، ونصر عتيد؛ وحرمٍ يأوي آمله إليه، وكرمٍ تقر نضارته ناظريه، وإحسان يمتعه بما أقره عطاؤنا في يديه، وامتنان يضع عنه إصره والأغلال التي كانت عليه؛ اقتضى إحساننا أن نغضي له عن بعض ما حلت جيوشنا ذراه وحلت سطوات عساكرنا عراه؛ وأضعفت عزمات سرايانا قواه، ونشرت طلائع جنودنا ما كان ستره صفحنا عنهم من عورات بلادهم وطواه؛ وأن نخوله بعض ما روت خيولنا مناهله، ووطئت جيادنا غاربه وكاله؛ وسلكت كماتنا فملكت دارسه وآهله؛ وأن نبقي مملكة البيت الذي مضى سلفه في الطاعة عليه، ويستمر ملك الأرمن الذي أهمل السعي في مصالحه بيديه، ليتيمن رعاياه به، ويعلموا أنهم أمنوا على أرواحهم وأولادهم بسببه؛ ويتحققوا أن أثقالهم بحسن توصله إلى طاعتنا قد خفت، وأن بوادر الأمن بلطف توسله إلى مراضينا قد أطافت بهم وحفت وأن سيوفنا التي كانت مجردة على مقاتلهم بجميل استعطافه قد كفتهم بأسنا وكفت وأن سطواتنا الحاكمة على أرواحهم قد عفت عنهم بملاطفته وعفت؛ فرسم أن يقلد كيت وكيت من المملكة الفلانية، ويستقر بيده استقراراً لا ينازع في استحقاقه ولا يعارض فيما سبق من إعطائه وإطلاقه؛ ولا يطالب عنه بقطيعه، ولا يطلب منه بسببه غير طوية مخلصةٍ ونفسٍ مطيعة؛ ولا يخشى عليه يداً جائرة، ولا سريةً في طلب الغرة سائره؛ ولا يطرق كناسه أسد جيوش مفترسة، ولا سباع نهابٍ مختلسة؛ بل تستمر بلاده المذكورة في ذمام رعايتنا، وحصانه عنايتنا؛ وكنف إحساننا، ووديعة برنا وامتناننا؛ لا تطمح إليها عين معاند، ولا يمتد إليها إلا ساعد مساعد، وعضد معاضد؛ فليقابل هذه النعمة بشكر الله الذي هداه إلى الطاعة وصان بإخلاص ولائه نفسه بلاده من الإضاعة؛ وليقرن ذلك بإصفاء موارد المودة، وإضفاء ملابس الطاعة التي لا تزداد بحسن الوفاء إلا جده؛ واستمرار المناصحة في السر والعلن، واجتناب لمخادعة ما ظهر منها وما بطن، وأداء الأمانة فيما استقر معه لحلف عليه، ومباينة ما يخشى أن يتوجه بسببه وجه عتب إليه؛ واستدامة هذه النعمة بحفظ أسبابها، واستقامة أحوال هذه المنة برفض موجبات الكدر واجتنابها، وإخلاص النية التي لا تعتبر ظواهر الأحوال الصالحة إلا بها.\rومن تقليدٍ كتبه المشار إليه أيضاً لسلامش بمملكة الروم حين ورد كتابه يسأل ذلك قبل حضوره، أوله.\rالحمد لله الذي أيدنا بنصره، وأمدنا من جنود الظفر بما لم يؤت ملك في عصره، وجعل مهابتنا قائمة في جهاد عدو الدين، إن قرب مقام كسره، وإن بعد مقام حصره، ونشر دعوة ملكنا في الأقطار كلها إذا اقتصرت دعوة غيرنا من ملوك الأمصار على مصره، وأنجد من نادانا بلسان الإخلاص من جنود الله وجنودنا بالجيش الذي لم تزل أرواح العدا بأسرها في أسره، وعضد من تمسك بطاعة الله وطاعتنا من إجابة عساكرنا بما هو أقرب إلى مقاتل عدوه من بيضه المرهفة وسمره، وأعاد بنا من حقوق الدين كل ضالة ملكٍ ظن العدو أن أمره غالبٌ عليها والله غالبٌ على أمره؛ فجنودنا إلى نصرة من دعاها بالإيمان أقرب من رجع نفسه إليه، وأسرع من رد الصدى جوابه عليه؛ وأسبق إلى عدو الدين من مواقع عيانه، وأقدر على التصرف في أرواح أهل الشرك من تصرف الكمي في عناه؛ وأذب عن حمى الدين من الجفون عن نواظرها، وأضرى على نفوس المعتدين من أسود عنت الفرائس لكواسرها؛ قد عودها النصر الإلهي ألا تسل ظباها فتغمد حتى تستباح ممالك، وضمن لها الوعد المحمدي أنها الطائفة الذين لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك؛ نحمده على نعمه التي لم نزل نصون بها حمى الدين ونصول، وتقلد بيمنها من لجأ إلينا سيف نصر يصدع به ليل العدا ولو أن النجوم نصول، ونورد باسمها من انتصر بنا مورد عز يحرمه لمع الأسنة فوقه، فليس لظمآن من العدا إليه وصول؛ وبعد، فإن أولى من أصغت عزائمنا الشريفة إلى نداء إخلاصه، وأجابت مكارمنا العممة دعاء تميزه بالولاء واختصاصه، وقابلت مراسمنا انتصاره في الدين بالنفير لإعانته على ما ظفر باقتلاعه من يد الكفر واقتناصه، وتكفلت له مهابتنا بالأمن على ملك مذ وسمه باسمنا الشريف يئس العدو من استخلاصه؛ وأجيبت كتبه في الاستنجاد بسرعان الكتائب، ولمعان القواضب، وتتابع أمداد جيوشنا التي تنوء بحملها كواهل المشارق والمغارب، وتدفق أمواج عساكرنا التي تنشد طلائعها ملوك العدا:","part":2,"page":332},{"id":833,"text":"\" أين الفرار ولا مفر لهارب \" وتألق بروق النصر من خفق ألويتنا الشاهدة بأن قبيلنا \" إذا ما التقى الجمعان أول غالب \" ومنه: وفوضت إليه مراسمنا الحكم في الرعايا بالعدل والإحسان، وقلدته أوامرنا من عقود النظر في تلك الممالك ما تود جباه الملوك لو حلت بدرها معاقد التيجان، وعلقت به من الأوامر ما بنا تنفذ مواقعه، وكذا الأمور المعتبرة لا تنفذ إلا بسلطان؛ من ألقى الله الإيمان في قلبه، وهداه إلى دين الإسلام فأصبح فيه على بينة من ربه، وأراد به خيراً فنقله من حزب الشيطان إلى حزبه، وأنفذه بطاعته من موارد الهلاك بعد أن كان قد أذن بحرب من الله ورسوله، ولقد خسر الدين والدنيا والآخرة من أذن من الله بحربه؛ وأيقظه من طاعتنا التي أوجبها على الأمم لما أبصر به رشده، ورأى قصده وعلم به أن الذي كان فيه كسرابٍ بقيعة لم يجده شيئاً، وأن الذي انتقل إليه وجد الله عنده؛ وأنهضه من موالاتنا بما حتم به النهوض على كل من كان مسلماً، وأخرجه بنور الهدى من عداد أعدائه الذين تركهم خوفنا \" كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً \" وأراه الرشد ما علم به أن الله تعالى أورثنا ملك الإسلام فبطاعتنا يتم الانتماء إليه، وأعطانا مقاليد البسيطة فمن اغتصب منها شيئاً انتزعه الله لنا بجنوده المسومة من يديه؛ فلجأ من أبوابنا العالية إلى الظل الذي يلجأ إليه كل ذي منبر وسرير، ورجا من كرمنا الاعتصام بجيوشنا التي ما رمينا بها عدواً إلا ظن أن الرمال تسيل والجبال تسير؛ وتحيز منا إلى فئة الإسلام، وانتصر بسوفنا التي هو يعلم كيف يسلها على العدا الأحلام؛ ومت إلينا بذمة الإسلام وهي عندنا أبر الذمم، وطلب تقليده الحكم منا من عرف بإعاذته النظرات الصادقة أنه كان يحسب الشحم فيمن شحمه ورم؛ وعقد بنا بناء رجائه، وهل لمسلم عن ملك الإسلام من معدل؟ وأنزل بنا ركائب آماله، وهل بعد رامة لمرامٍ من منزل؟ فتلقت نعمنا كرائم قصده بالترحيب، وأحلت وفادة انتمائه بالحرم الذي شأوه بعيد ونصره قريب؛ وتسارعت إلى نصرته جنودنا التي أيامها مشهورةٌ في عدوها، وآثارها مشكورة في رواحها وغدوها، وأعلامها منصورةٌ في انتزاحها ودنوها؛ وتتابعت يتلو بعضها بعضاً تتابع الغمام المتراكم، والموج المتلاطم؛ تقدم عليه بالنصر القريب من الأمد البعيد، وتعلم بوادرها أن طلائعها عنده وساقتها بالصعيد؛ ولما كان فلان هو الذي أراد الله به من الخير ما أراد، ووطد له بعنايته أركان الرشاد؛ وجعل له بعد الجهل به علماً، وتداركه برحمته، فما أمسى للإسلام عدواً حتى أصبح هو ومن معه له سلماً؛ \" قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا \" وبكرمه العميم فليفسحوا صدورهم ويشرحوا، وبإرشاده الجلي وهدايته فليدعوا قومهم إلى ذلك وينصحوا؛ وحين وضحت له هذه الطرق أرشدته من خدمتنا الشريفة إلى الطاعة، ودلته على موالاة ملك الإسلام التي من لم يتمسك بها فقد فارق الجماعة؛ فإن الله تعالى قرن طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بطاعة أولي الأمر، وحث على ملازمة الجماعة في وقت يكون المتمسك فيه بدينه كالقابض على الجمر؛ وهذا فعل من أراد الله به خيراً، وسعى من يحسن في دين الله سيرةً وسيراً؛ ولذلك اقتضت آراؤنا الشريفة إمضاء عزمه على الجهاد بالإيجاد، وإنفاذ سهمه في أهل العناد بالإسعاف والإسعاد؛ أرسلنا الجيوش الإسلامية كما تقدم شرحه يطئون الصحاصح، ويستقربون المدى النازح، ويأخذون كل كمي فلو استطاع السماك لم يتسم بالرامح، ويحتسبون الشقة في طلب عدو الإسلام علماً أنهم لا ينفقون نفقةً صغيرةً ولا كبيرةً ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم به عملٌ صالح؛ فرسم بالأمر الشريف - لازال يهب الدوال، ويقلد أجياد العظماء ما تود لو تحلت ببعض فرائده تيجان الملوك الأول - أن تفوض إليه نيابة الممالك الفلانية تفويضاً يصون به قلاعها، ويصول بمهابته على من حاول انتزاعها من يده واقتلاعها؛ ويجريها على ما ألفت ممالكنا من أمنٍ لا يروع سربه، ولا يكدر شربه؛ ولا يوجد فيه باغ تخاف السبيل بسببه، ولا من يجرد سيف بغيٍ وإن جرده قتل به؛ وليحفظ من الأطراف ما استودعه الله وهذا التقليد الشريف حفظه، وليعمل في قتال محاربته من العدا بقوله تعالى: \" يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظةً \"","part":2,"page":333},{"id":834,"text":"ومنه: وليعلم أن جيوشنا في المسير إليه متى قصدت عدواً سابقت خيولها خيالها، وجارت جيادها ظلالها، وأنفت سنابكها أن تجعل غير جماجم الأعداء نعالها؛ وها هي قد تقدمت ونهضت لإنجاده، فلو سامها أن تخوض البحار في سبيل الله لخاضت، أو تصدم الجبال لصدمت.\rومنه: والشرع الشريف مهمه المقدم، وأمره السابق على كل ما تقدم؛ فليعل مناره، ويستشف من أموره أنواره؛ وينفذ أحكامه، ويعاضد حكامه؛ ومن عدل عن حكمه معانداً، أو ترك شيئاً من أحكامه جاحداً؛ فقد برئت الذمة من دمه حتى يفيء إلى أمر الله، ويرجع عن عناده وينيب إلى الله؛ فإن الله يهدي إليه من أناب \" وهو الذي يقبل التوبة عن عباده \" وأما الرسائل التي تتضمن أوصاف السلاح وآلات الحرب وأوصاف الخيل والجوارح وأنواع الرياضات وما أشبه ذلك، فالكاتب فيه مطلق العنان، مخلي بينه وبين فصاحته، وموكولٌ إلى اطلاعه وبلاغته؛ وقد تقدم من أوصاف السلاح ما فيه كفايةٌ لمن يريد ذلك.\rوأما الخيل والجوارح وما يلتحق بذلك من الفهود والضواري فلا غنية للكاتب عن معرفته جيادها، والأمارات الذالة على فراهتها، وكل طير من الجارح وأفعاله واستطالته، وكيفية فعله، وتمكنه من الطير والوحش؛ وسنورد إن شاء الله تعالى في فن الحيوان الصامت - وهو الفن الثالث من هذا الكتاب - ما يقتدي الكاتب بمثاله، وينسج على منواله.\rوأما الرسائل التي تعمل رياضةً للخواطر وتجربةً للقرائح، كالمفاخرات بين الفواكه والأزهار، ووصف الرياحين والأنهار والغدران والسواقي والجداول والبحار والمراكب وأمثال ذلك، فقد تقدم منها في الفن الأول من هذا الكتاب ما وقفت أو تقف عليه، وسنورد منها إن شاء الله تعالى في الفن الرابع في النبات ما تجده هناك.\rوأما الرسائل الإخوانية وما يتجدد من الأمور ويطرأ من الحوادث وغير ذلك، فسنورد إن شاء الله تعالى منها في هذا الباب ما نتخبناه من رسائل الكتاب والبلغاء المشارقة والمغاربة على ما تقف عليه؛ ولنبدأ من ذلك بذكر شيء من كلام الصحابة والصدر الأول.\rالرسائل المنسوبة إلى الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وشيء من كلام الصدر الأول وبلاغتهم قدمنا أن الكاتب يحتاج في صناعته إلى حفظ مخاطبات الصحابة رضي الله عنهم، ومحاوراتهم ومراجعاتهم، فأحببنا أن نورد من ذلك في هذا الموضع ما ستقف إن شاء الله عليه؛ فمن ذلك الرسالة المنسوبة إلى أبي بكر الصديق إلى علي، وما يتصل بها من كلام عمر بن الخطاب وجواب علي رضي الله عنهم، وهذه السرالة قد اعتنى الناس بها وأوردوها في المجاميع، ومنهم من أفردها في جزء، وقطع بأنها من كلامهم رضي الله عنهم، ومنهم من أنكرها ونفاها عنهم، وقال: إنها موضوعةٌ، واختلف القائلون بوضعها، فمنهم من زعم أن فضلاء الشيعة وضعوها، وأرادوا بذلك الاستناد إلى أن علياً بن أبي طالب رضي الله عنه إنما بايع أبا بكر الصديق بسبب ما تضمته؛ وهذا الاستناد ضعيفٌ، وحجةٌ واهيةٌ، والصحيح أن علياً بن أبي طالب رضي الله عنه بايع بيعةً باطنه فيها كظاهره، والدليل على ذلك أنه وطئ من السبي الذي سُبي في خلافة أبي بكر، واستولد منه محمد بن الحنفية، ولا جواب لهم عن هذا؛ ومنهم من زعم أن فضلاء السنة وضعوها، والله أعلم؛ وعلى الجملة فهذه الرسالة لم نوردها في هذا الكتاب إثباتاً لها أنها من كلامها رضي الله عنهم ولا نفياً، وإنما أوردناها لما فيها من البلاغة، واتساق الكلام، وجودة الألفاظ، وها نحن نوردها على نص ما وقفنا عليه.\rقال أبو حيان علي بن محمد التوحيدي البغدادي:","part":2,"page":334},{"id":835,"text":"سمرنا ليلة عند القاضي أبي حامد بن بشر المروروذي ببغداد، فتصرف في الحديث كل متصرف - وكان غزير الرواية، لطيف الدرايه - فجرى حديث السقيفة، فركب كل مركباً، وقال قولاً، وعرّض بشيء، ونزع إلى فن؛ فقال: هل فيكم من يحفظ رسالة لأبي بكر الصديق إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وجواب علي عنها، ومبايعته إياه عقب تلك المناظرة؟ فقال الجماعة: لا والله، فقال: هي والله من بنات الحقائق، ومخبآت الصنادق، ومنذ حفظتها ما رويتها إلا لأبي محمد المهلبي في وزارته، فكتبها عني بيده، وقال: لا أعرف رسالة أعقل منها ولا أبين، وإنها لتدل على علم وحلم وفصاحة ونباهة، وبعد غور، وشدة غوص؛ فقال له العباداني: أيها القاضي، لو أتممت المنة علينا بروايتها سمعناها، فنحن أوعى لها عنك من المهلبي، وأوجب ذماماً عليك؛ فاندفع وقال: حدثنا الخزاعي بمكة، عن أبي ميسرة قال: حدثنا محمد بن فليح عن عيسى بن دأب نبأ صالح بن كيسان ويزيد بن رومان، قالا: حدثنا هشام بن عروة، نبأ أبو النفاح قال: سمعت مولاي أبا عبيدة يقول: لما استقامت الخلافة لأبي بكر رضي الله عنه بين المهاجرين والأنصار بعد فتنة كاد الشيطان بها، فدفع الله شرها، ويسر خيرها؛ بلغ أبا بكر عن علي تلكؤ وشماس، وتهمم ونفاس، فكره أن يتمادى الحال فتبدو العورة، وتشتعل الجمرة، وتفرق ذات البين، فدعاني، فحضرته في خلوة، وكان عنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحده، فقال: يا أبا عبيدة، ما أيمن ناصيتك، وأبين الخير بين عينيك، وطالما أعز الله بك الإسلام، وأصلح شأنه على يديك، ولقد كنت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكان المحوط، والمحل المغبوط، ولقد قال فيك في يوم مشهود: \" لكل أمة أمين، وأمي هذه الأمة أبو عبيدة \" ولم تزل للدين ملتجا، وللمؤمنين مرتجى، ولأهلك ركناً، ولإخوانك رداءاً؛ قد أردتك لأمر له خطر مخوف، وإصلاحه من أعظم المعروف؛ ولئن لم يندمل جرحه بيسارك ورفقك، ولم تجب حيته برفيتك، فقد وقع اليأس، وأعضل البأس؛ واحتيج بعد ذلك إلى ما هو أمر منه وأعلق، وأعسر منه وأغلق؛ والله أسأل تمامه بك، ونظامه على يديك، فتأت له يا أبا عبيدة، وتلطف فيه، وانصح لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذه العصابة غير آلٍ جهداً، ولا فالٍ حمداً، والله كالئك وناصرك، وهاديك ومبصرك، إن شاء الله؛ امض إلى علي واخفض له جناحك، واغضض عنده صوتك، واعلم أنه سلالة أبي طالب، ومكانه ممن فقدناه بالأمس صلى الله عليه وسلم مكانه، وقل له: البحر مغرقه، والبر مفرقه؛ والجو أكلف، والليل أغدف؛ والسماء جلواء، والأرض صلعاء؛ والصعود متعذر، والهبوط متعسر؛ والحق عطوفٌ رءوف، والباطل عنوف عسوف، والعجب قداحة الشر، والضغن رائد البوار، والتعريض يجال الفتنة، والقحة ثقوب العدواة، وهذا الشيطان متكئ على شماله، متحبل بيمينه، نافخٌ حضينه لأهله، ينتظر الشتات والفرقة، ويدب بين الأمة بالشحناء والعداوة، وعناداً لله عز وجل أولاً، ودم ثانياً، ولنبيه صلى الله عليه وسلم ودينه ثالثاً، يوسوس بالفجور، ويدلي بالغرور، ويمني أهل الشرور، يوحي إلى أوليائه زخرف القول غروراً بالباطل، دأباً له منذ كان على عهد أبينا آدم صلى الله عليه وسلم، وعادةً له منذ أهانه الله تعالى في سالف الدهر، لا منجي منه إلا بعض الناجذ على الحق، وغض الطرف عن الباطل، ووطء هامة عدو الله بالأشد فالأشد، والآكد فالآكد، وإسلام النفس لله عز وجل في ابتغاء رضاه؛ ولابد الآن من قول ينفع إذا ضر السكوت وخيف غبه، ولقد أرشدك من أفاء ضالتك، وصافاك من أحيا مودته بعتابك، وأراد لك الخير من آثر البقاء معك، ما هذا الذي تسول لك نفسك، ويدوي به قلبك، ويلتوي عليه رأيك، ويتخاوض دونه طرفك، ويسري فيه ظعنك، ويترادف معه نفسك، وتكثر عنده صعداؤك، ولا يفيض به لسانك؟ أعجمةٌ بعد إفصاح؟ أتلبيسٌ بعد إيضاح؟ أدينٌ غير دين الله؟ أخُلقٌ غير خُلق القرآن؟ أهدي غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم؟ أمثلي تمشي إليه الضراء وتدب له الخمر؟ أو مثلك ينقبض عليه الفضاء ويكسف في عينه القمر؟ ما هذه القعقعة بالشنان؟ وما هذه الوعوعة باللسان؟ إنك والله جد عارف باستجابتنا إلى الله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وبخروجنا عن أوطاننا وأموالنا وأولادنا وأحبتنا لله عز وجل ولرسوله ونصرةً لدينه، في زمان أنت فيه في كن","part":2,"page":335},{"id":836,"text":"الصبا، وخدر الغرارة، وعنفوان الشبيبة غافلاً عما يشيب ويريب، ولا تعي ما يراد ويشاد، ولا تحصل ما يساق ويقاد، سوى ما أنت جار عليه إلى غايتك التي إليها عدل بك، وعندها حط رحلك، غير مجهول القدر، ولا مجحود الفضل، ونحن في أثناء ذلك نعاني أحوالاً تزيل الرواسي، ونقاسي أهوالاً تشيب النواصي؛ خائضين غمراها، راكبين تيارها؛ نتجرع صابها، ونشرج عيابها؛ ونحكم آساسها، ونبرم أمراسها؛ والعيون تحدج بالحسد، والأنوف تعطس بالكبر، والصدور تستعر بالغيظ، والأعناق تتطاول بالفخر، والشفار تشحذ بالمكر، والأرض تميد بالخوف، لا ننتظر عند المساء صباحاً، ولا عند الصباح مساءً، ولا ندفع في حر أمر إلا بعد أن نحسو الموت دونه، ولا نبلغ مراداً إلى شيء إلا بعد جرع العذاب معه، ولا نقيم مناراً إلا بعد الإياس من الحياة عنده، فادين في جميع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأب والأم، والخال والعم، والمال والنشب، والسبد واللبد، والهلة والبلة، بطيب أنفس، وقرة أعين، وحب أعطان، وثبات عزائم، وصحة عقول، وطلاقة أوده، وذلاقة ألسن، هذا مع خفيات أسرار، ومكنونات أخبار كنت عنها غافلاً، ولولا سنك لم تكن عن شيء منها ناكلاً؛ كيف وفؤادك مشهوم، وعودك معجوم! والآن قد بلغ الله بك، وأنهض الخير لك، وجعل مرادك بين يديك، وعن علم أقول ما تسمع؛ فارتقب زمانك، وفلّص أردانك؛ ودع التقعس والتجسس لمن لا يظلع لك إذا خطا، ولا يتزحزح عنك إذا عطا؛ فالأمر غض، والنفوس فيها مض؛ وإنك أديم هذه الأمة فلا تحلم لجاجاً، وسيفها العضب فلا تنب اعواجاجاً، وماؤها العذب فلا تحل أجاجاً؛ والله لقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر فقال لي: \" يا أبا بكر، هو لمن يرغب لا لمن يجاحش عليه، ولمن يتضاءل عنه لا لمن ينتفج إليه، هو لمن يقال: هو لك، لا لمن يقول: هو لي \" ولقد شاورني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصهر، فذكر فتياناً من قريش، فقلت: أين أنت من علي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إن لأكره لفاطمة ميعة شبابه، وحداثة سنه، فقلت له: متى كنفته يدك، ورعته عينك، حفت بهما البركة، وأسبغت عليهما النعمة، مع كلام كثير خاطبته به رغبة فيك، وما كنت عرفت منك في ذلك حوجاء ولا لوجاء، فقلت ما قلت وأنا أرى مكان غيرك، وأجد رائحة سواك، وكنت إذ ذاك خيراً لك منك الآن لي؛ ولئن كان عرض بك رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر فلم يكن معرضاً عن غيرك، وإن كان قال فيك فما سكت عن سواك، وإن تلجلج في نفسك شيءٌ فهلم فالحكم مرضي، والصواب مسموع، والحق مطاع؛ ولقد نقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما عند الله عز وجل وهو عن هذه العصابة راض، وعليها حدب، يسره ما يسرها، ويسوءه ما يسوءها، ويكيده ما كادها، ويرضيه ما أرضاها، ويسخطه ما أسخطها، أما تعلم أنه لم يدع أحداً من أصحابه وأقاربه وسجرائه إلا أبانه بفضيلة، وخصه بمزية، وأفرده بحالة؟ أتظنه صلى الله عليه وسلم ترك الأمة سدىً بددا، عباهل مباهل، طلاحي، مفتونةً بالباطل، معنونةً عن الحق، لا ذائد ولا رائد، ولا ضابط ولا حائط ولا رابط، ولا ساقي ولا واقي، ولا هادي ولا حادي؛ كلا، والله ما اشتاق إلى ربه تعالى، ولا سأله المصير إلى رضوانه وقربه إلا بعد أن ضرب المدى، وأوضح الهدى، وأبان الصوى؛ وأمن المسالك والمطارح، وسهل المبارك والمهايع، وإلا بعد أن شدخ يافوخ الشرك بإذن الله تعالى، وشرم وجه النفاق لوجه الله سبحانه، وجدع أنف الفتنة في ذات الله، وتفل في عين الشيطان بعون الله، وصدع بملء فيه ويده بأمر الله عز وجل؛ وبعد، فهؤلاء المهاجرون والأنصار عندك ومعك في بقعة واحدة، ودارٍ جامعة، إن استقالوني لك، وأشاروا عندي بك، فأنا واضعٌ يدي في يدك، وصائرٌ إلى رأيهم فيك، وإن تكن الأخرى فادخل في صالح ما دخل فيه المسلمون، وكن العون على مصالحهم، والفاتح لمغالقهم، والمرشد لضالتهم، والرادع لغوايتهم، فقد أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى، والتناصر على الحق، ودعنا نقض هذه الحياة بصدور بريئةٍ من الغل، سليمةٍ من الضغائن والحقد، ونلق الله تعالى بقلوب سليمةٍ من الضغن؛ وبعد، فالناس ثمامة فارفق بهم، واحن عليهم، ولن لهم، ولا تشق نفسك بنا خاصةً منهم، واترك ناجم الحقد حصيداً، وطائر الشرك واقعاً، وباب الفتنة مغلقاً، فلا قال ولا قيل، ولا لوم ولا","part":2,"page":336},{"id":837,"text":"تعنيف، والله على تقول شهيد، وربما نحن عليه بصير.، والله على تقول شهيد، وربما نحن عليه بصير.\rقال أبو عبيدة: فلما تأهبت للنهوض قال عمر رضي الله عنه: كن لدى الباب هنيهةً فلي معك دور من القول، فوقفت وما أدري ما كان بعدي إلا أنه لحقني بوجه يبدي تهللاً، وقال لي: قل لعلي: الرقاد محلمه، والهوى مقحمه؛ \" وما منا إلا له مقامٌ معلوم \" وحقٌ مشاعٌ أو مقسوم، ونبأٌ ظاهرٌ أو مكتوم؛ وإن أكيس الكيسي من منح الشارد تألفا، وقارب البعيد تلطفاً؛ ووزن كل شيء بميزانه، ولم يخلط خبره بعيانه؛ ولم يجعل فترة مكان شبره ديناً كان أو ديناً، ضلالاً كان أو هدى، ولا خير في علم مستعمل في جهل، ولا خير في معرفة مشوبة بنكر، ولسنا كجلدة رفع البعير بين العجان والذنب، وكل صال فبناره، وكل سيل فإلى قراره، وما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعي وشتى، ولا كلامها اليوم لفرق أو رفق، وقد جدع الله بمحمد صلى الله عليه وسلم أنف كل ذي كبر، وقصم ظهر كل جبار، وقطع لسان كل مكذوب فماذا بعد الحق إلا الضلال ما هذه الخنزوانة \" التي \" في فراش رأسك؟ ما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك، ما هذه القذاة التي اغشت ناظرك؟ وما هذه الوحرة التي أكلت شراسيفك؟ وما هذا الذي لبست بسببه جلد النمر، واشتملت بالشحناء والنكر، ولسنا في كسروية كسرى، ولا في قيصرية قيصر، تأمل لإخوان فارس وأبناء الأصفر، قد جعلهم الله جزراً لسيوفنا، ودريئة لرماحنا ومرعى لطعاتنا، وتبعاً لسطاننا، بل نحن نور نبوة، وضياء رسالة، وثمرة حكمة، وأثرة رحمه، وعنوان نعمه، وظل عصمه، بين أمة مهدية بالحق والصدق، مأمونة على الرتق والفتق، لها من الله إباء أبي، وساعد قوي، ويد ناصره، وعين ناظره، أتظن ظناً يا علي أن أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتاناً على الأمة، خادعاً لها، أو متسطاً \" عليها \" أتراه حل عقودها \" وأحال عقولها \" أتراه جعل نهارها ليلاً، ووزنها كيلاً، ويقظتها رقاداً، وصلاحها فساداً لا والله، سلا عنها فولهت له، وتطامن لها فلصقت به، ومال عنها فمالت إليه، واشمئز دونها فاشتملت عليه، حبوةً حباه الله بها، وعاقبةً بلغه الله إليها، ونعمة سربله جمالها، ويداً أوجب عليه شكرها وأمةً نظر الله به لها، والله تعالى أعلم بخلقه، وأرأف بعباده يختار ما كان لهم الخيرة، وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوة ومعدن الرسالة، ولا يجحد حقك فيما أتاك الله، ولكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم وقرب أمس من قرابتك، وسن أعلى من سنك، وشيبة أروع من شيبتك، وسيادة لها أصل في الجاهلية وفرع في الإسلام، ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقة، ولا تذكر فيها في مقدمة ولا ساقه، ولا تضرب فيها بذراع، ولا إصبع، ولا تخرج منها ببازل ولا هبع، ولم يزل أبو بكر حبة قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلاقة نفسه وعيبة سره، ومفزع رأيه، وراحة كفه، ومرمق طرفه، وذلك كله بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين والأنصار شهرة مغنية عن الدليل عليه ولعمري، إنك أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة، ولكنه أقرب منك قربة، والقرابة لحم ودم، والقربة نفس وروح، وهذا فرق عرفه المؤمنون ولذلك صاروا إليه أجمعون ومهما شككت في ذلك فلا تشك أن يد الله مع الجماعة ورضوانه لأهل الطاعة، فادخل فيما هو خير لك اليوم وأنفع غداً، وألفظ من فيك ما يعلق بلهاتك وانفث سخيمة صدرك عن تقاتك، فإن يك في الأمل طول، وفي الأجل فسحة، فستأكله مريئاً أو غير مري، وستشربه هنيئاً أو غير هنئ، حين لا راد لقولك إلا من كان منك، ولا تابع لك إلا من كان طامعاً فيك، يمص إهابك، ويعرك أديمك، ويزري على هديك، هنالك تقرع السن من ندم، وتجرع الماء ممزوجاً بدم، وحينئذ تأسى على ما مضى من عمرك ودارج قوتك فتود، أن لو سقيت بالكأس التي أبيتها، ورددت إلى حالتك التي استغويتها، ولله تعالى فينا وفيك أمرٌ هو بالغه، وغيبٌ هو شاهده، وعاقبةٌ هو المرجو لسرائها وضرائها، وهو الولي الحميد، الغفور الودود.\rقال أبو عبيدة: فمشيت متزملاً أنوء كأنما أخطو على رأسي فرقاً من الفرقة، وشفقاً على الأمة، حتى وصلت إلى علي رضي الله عنه في خلاء، فأثبته بثي كله، وبرئت إليه منه، ورفقت به؛ فلما سمعها ووعاها، وسرت في مفاصله حمياها؛ قال: حلت معلوطة، وولت مخروطة، وأنشأ يقول:","part":2,"page":337},{"id":838,"text":"إحدى لياليك فهيسي هيسي ... لا تنعمي الليلة بالتعريس\rنعم يا أبا عبيدة، أكل هذا في أنفس القوم يحسون به، ويضطبعون عليه؟ قال أبو عبيدة: فقلت: لا جواب لك عندي، إنما أنا قاض حق الدين، وراتقٌ فتق المسلمين، وساد ثلمة الأمة، يعلم الله ذلك من جلجلان قلبي، وقرارة نفسي؛ فقال علي رضي الله عنه: والله ما كان قعودي في كسر هذا البيت قصداً للخلاف، ولا إنكار للمعروف، ولا زرايةً على مسلم، بل لما وقذني به رسول الله صلى الله عليه وسلم من فراقه، وأودعني من الحزن لفقده، وذلك أنني لم أشهد بعده مشهداً إلا جدد علي حزناً، وذكرني شجنا، وإن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره، وقد عكفت على عهد الله أنظر فيه، وأجمع ما تفرق منه رجاء ثواب معد لمن أخلص لله عمله، وسلم لعلمه ومشيئته، وأمره ونهيه، على أني ما علمت أن التظاهر علي واقع ولي عن الحق الذي سبق سبق لي دافع وإذ قد أفعم الوادي بي، وحشد النادي من أجلي، فلا مرحباً بما ساء أحداً من المسلمين وسرني، وفي النفس كلامٌ لولا سابق عقد، وسالف عهد، لشفيت نفسي بخنصري وبنصري وخضت لجنه بأخمصي ومفرقي، ولكني ملجمٌ إلى أن ألقى ربي، وعنده أحتسب ما نزل بي، وإني غاد إلى جماعتكم مبايعٌ لصاحبكم، صابرٌ على ما ساءني وسركم، \" ليقضي الله أمراً كان مفعولاً \" قال أبو عبيدة: فعدت إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقصصت القول غره، ولم أختزل شيئاً من حلوه ومره، وبكرت غدوةً إلى المسجد فلما كان صباح يومئذ إذاً عليّ يخترق الجماعة إلى أبي بكر رضي الله عنهما، فبايعه، وقال خيراً ووصف جميلاً، وجلس زميتاً، واستأذن للقيام فمضى، وتبعه عمر مكرماً له، مستثيراً لما عنده، فقال علي رضي الله عنه: ما قعدت عن صاحبكم كارهاً له، ولا أتيته فرقاً، ولا أقول تعلة، وإني لأعرف منتهى طرفي، ومحط قدمي، ومنزع قوسي، وموقع سهمي، ولكن قد أزمت على فأسي ثقةً بربي في الدنيا والآخرة.","part":2,"page":338},{"id":839,"text":"فقال له عمر رضي الله عنهما: كفكف غربك، واستوقف سربك ودع العصا بلجائها، والدلاء على رشائها، فإنا من خلفها وورائها؛ إن قدحنا أورينا، وإن متحنا أروينا، وإن قرحنا أدمينا، ولقد سمعت أماثيلك التي لغزت فيها عن صدر أكل بالجوي، ولو شئت لقلت على مقالتك ما إن سمعته ندمت على ما قلت؛ وزعمت أنك قعدت في كسر بيتك لما وقذك به رسول الله صلى الله عليه وسلم من فقده، فهو وقذك ولم يقذ غيرك؟ بل مصابه أعم وأعظم من ذلك، وإن من حق مصابه ألا تصدع شمل الجماعة بفرقة لا عصام لها، ولا يؤمن كيد الشيطان في بقائها، هذه العرب حولنا، والله لو تداعت علينا في صبح نهار لم نلتق في مسائه؛ وزعمت أن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره، فمن علامة الشوق إليه نصرة دينه، ومؤازرة أوليائه ومعاونتهم؛ وزعمت أنك عكفت على عهد الله تجمع ما تفرق منه، فمن العكوف على عهد الله النصيحة لعباد الله، والرأفة على خلق الله، وبذل ما يصلحون به ويرشدون عليه؛ وزعمت أنك تعلم أن التظاهر وقع عليك، وأي حق لط دونك؟ قد سمعت وعلمت ما قالت الأنصار بالأمس سراً وجهراً، وتقلبت عليه بطناً وظهراً، فهل ذكرتك أو أشارت بك، أو وجدت رضاهم عنك؟ هل قال أحد منهم بلسانه: إنك تصلح لهذا الأمر، أو أومأ بعينه، أو همهم في نفسه؟ أتظن أن الناس ضلوا من أجلك، وعادوا كفاراً زهداً فيك وباعوا الله تعالى تحاملا عليك؟ لا والله، لقد جاءني عقيل بن زيادٍ الخزرجي \" في نفر من أصحابه ومعهم شرجبيل بن يعقوب الخزرجي \" وقالوا: إن علياً ينتظر الإمامة، ويزعم أنه أولى بها من غيره، وينكر على من يعقد الخلافة، فأنكرت عليهم، ورددت القول في نحورهم حين قالوا: إنه ينتظر الوحي، ويتوكف مناجاة الملك، فقلت: ذلك أمرٌ طواه الله تعالى بعد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أكان الأمر معقوداً بأنشوطة، أو مشدوداً بأطراف ليطة؟ كلا والله، لا عجماء بحمد الله إلا وقد أفصحت، ولا شوكاء إلا وقد تفتحت؛ ومن أعجب شأنك قولك: لولا سالف عهد، وسابق عقد، لشفيت غيظي، وهل ترك الدين لأهله أن يشفوا غيظهم بيد أو لسان؟ تلك جاهليةٌ قد استأصل الله شأفتها، واقتلع جرثومتها؛ وهور ليلها، وغور سيلها؛ وأبدل منها الروح والريحان، والهدى والبرهان؛ وزعمت أنك ملجم، ولعمري إن من اتقى الله، وآثر رضاه، وطلب ما عنده، أمسك لسانه، وأطبق فاه، وجعل سعيه لما وراه.\rفقال علي رضي الله عنه: مهلا مهلا يا أبا حفص، والله ما بذلت ما بذلت وأنا أريد نكثه، ولا أقررت ما أقررت وأنا أبتغي حولاً عنه؛ وإن أخسر الناس صفقةً عند الله من آثر النفاق، واحتضن الشقاق؛ وفي الله سلوةٌ عن كل حادث، وعليه التوكل في كل الحوادث؛ ارجع يا أبا حفص إلى مجلسك ناقع القلب، مبرود الغليل، فسيح اللبان، فصيح اللسان، فليس وراء ما سمعت وقلت إلا ما يشد الأزر، ويحط الوزر، ويضع الإصر، ويجمع الألفة بمشيئة الله وتوفيقه.\rقال أبو عبيدة رضي الله عنه: فانصرف علي وعمر رضي الله عنهما، وهذا أصعب ما مر علي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.","part":2,"page":339},{"id":840,"text":"ومن كلام عائشة أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وهو مما اتصل إلينا بالرواية الصحيحة، والأسانيد الصريحة، عن محمد بن أحمد ابن أبي المثنى عن جعفر بن عون، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أنه بلغها أن أقواماً يتناولون أبا بكر رضي الله عنه، فأرسلت أزفلة من الناس، فلما حضروا أسدلت أستارها، وعلت وسادها، ثم قالت: أبي وما أبيه، أبي والله لا تعطوه الأيدي، ذاك طود منيف وظل مديد، هيهات، كذبت الظنون، أنجح إذ أكديتم، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد فتى قريش ناشئا، وكهفها كهلا، يفك عانيها، ويريش مملقها، ويرأب شعبها ويلم شعثها، حتى حليته قلوبها، ثم استشرى في دين الله، فما برحت شكيمته في ذات الله عز وجل حتى اتخذ بفنائه مسجداً يحيى فيه، ما أمات المبطلون، وكان رحمه الله غزير الدمعة، وقيد الجوانح، شجى النشيج، فانعطفت إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه، ويستهزئون به، \" الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون \" فأكبرت ذلك رجالات قريش، فحنت قسيها، وفوقت سهامها، وامتثلوه غرضلاً فما فلوا صفاة، ولا قصفوا له قناة، ومر على سيسائه، حتى إذا ضرب الدين بجرانه وألقى بركه، ورست أوتاده، ودخل الناس فيه أفواجاً، ومن كل فرقة أرسالا وأشتاتا اختار الله لنبيه ما عنده، فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم نصب الشيطان رواقه، ومد طنبه، ونصب حبائله، وأجلب بخيله ورجله واضطرب حبل الإسلام، ومرج عهده، وماج أهله، وبغى الغوائل، وظنت رجال أن قد أكثب نهزها، ولات حين الذي يرجون، وأنى والصديق بين أظهرهم؟ فقام حاسراً مشمراً، فجمع حاشيته ورفع قطريه، فرد رسن الإسلام على غربه، ولم شعثه بطبه، وأقام أوده بثقافه، فابذعرّ النفاق بوطئه، وانتاش الدين فنعشه، فلما أراح الحق على أهله، وقرر الرءوس على كواهلها، وحقن الدماء في أهبها، ائته منيته، فسد ثلمته بنظيره في الرحمة، وشقيقه في السيرة والمعدلة، ذاك ابن الخطاب لله در أم حفلت له، ودرت عليه، لقد أوحدت به ففنخ الكفرة وديخها، وشرد الشرك شذر مذر، وبعج الأرض ونجعها، فقاءت أكلها، ولفظت جننيها، ترأمه ويصدف عنها تصدي له ويا باها، ثم وزع فيها فيئها وودعها كما صحبها، فأروني ما ترتابون؟ وأي يومي أبي تنقمون؟ أيوم إقامته إذا عدل فيكم، أم يوم ظعنه وقد نظر لكم؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.\rثم أقبلت على الناس بوجهها فقالت: أنشدكم الله، هل أنكرتم مما قلت شيئاً؟ قالوا: اللهم لا.\rذكر شرح غريب رسالتها رضي الله عنها الأزفلة: الجماعة. وتعطوه: تناوله. والطود: الجبل. والمنيف: المشرف.\rوأكديتم: خبتم ويئس من خيركم. وونيتم: فترتم وضعفتم. والأمد: الغاية.\rويريش: يعطي ويفضل. والمملق: الفقير. ويرأب: يجمع. والشعب: المفترق.\rويلم: يضم. واستشرى: جد وانكمش. والشكيمة: الأنفة والحمية. والوقيذ: العليل. والجوانح: الضلوع القصار التي تقرب من الفؤاد. والشجي: الحزين. والنّشيج: صوت البكاء. وانعطفت: انثنت. وامتثلوه: مثلوه. والغرض: الذي يقصد للرمي. وفلّوا: كسروا. والصّفاة: الصخرة الملساء. وقصفوا: كسروا. وسيساؤه: شدّته. والسّيساء: عظم الظهر، والعرب تضربه مثلاً لشدّة الأمر، قال الشاعر:\rلقد حملت قيس بن عيلان حربن ... على يابس السّيساء محدودب الظهر\rوالجران: الصدر. ورست: ثبت. ومرج: اختلط. وماج أهله: اضطربوا وتنازعوا. وبغي الغوائل، معناه وطلب البلايا. وأكثب: قرب. والنّهز: اختلاس الشيء والظفر به مبادرةً. ولات حين الذي يطلبون، معناه: وليست الساعة حين ظفرهم. وقولها: فجمع حاشيتيه ورفع قطريه، معناه تحزم للأمر وتأهب له. والقطر: الناحية. والطب: الدواء. والأود: العوج. والثّقاف: تقويم الرماح وغيرها. وابذعرّ: تفرق. وانتاش الدّين، أي أزل عنه ما يخاف عليه. ونعشه: رفعه. وأراح الحق على أهله أي أعاد الزكاة التي منعتها العرب فقاتل عليها حتى رّدت إلى حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. وقرر الرءوس على كواهلها، معناه وقى المسلمين القتل. والكاهل: أعلى الظهر وما يتصل به. وحقن الدماء في أهبها، معناه أنه حقن دماء المسلمين في أجسادهم. والأهب: جمع إهاب وأصل الإهاب الجلد. فكنت به عن الجس","part":2,"page":340},{"id":841,"text":"د. وقولها: لله درذأمَ حفلت له، أي جمعت له اللبن. وقولها: أوحدت به، معناه جاءت به منفرداً لا نظير له. وقولها: ففنّخ الكفرة، معناه أذلّها. وديخّها: صغّر بها. وبعج الأرض وبخعها، معناه شقّها واستقصى غلّتها. وشذر مذر معناه تفريقاً، يقال: شذر مذر، وشغر بغر، بمعنى واحد. قولها: حتى قاءت أكلها، معناه أخرجت خبزها. وترأمه: تعطف عليها. وتصدّى له: تعرّض له.\rومن كلام علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ما كتب به إلى معاوية بن أبي سفيان جواباً إن كتابه - وهو من محاسن الكتب - كتب رضي الله عنه: أما بعد، فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم لدينه، وتأييده إياه بمن أيده به من أصحابه، فلقد خبأ لنا الدهر منك عجباً، أفطفقت تخبرنا بآلاء الله عندنا؟ فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر، أو داعي مدرهٍ إلى النضال؛ وزعمت أن أفضل الناس في الإسلام فلانٌ وفلان، فذكرت أمراً إن تم اعتزلك كله، وإن نقص لم يلحقك قله؛ وما أنت والفاضل والمفضول، والسائل والمسئول؟ وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الأولين، وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم؟ هيهات لقد \" حن قدحٌ ليس منها \" وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها، ألا تربع على ظلعك، وتعرف قصور ذرعك، وتتأخر حيث أخرك القدر، فما عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر، وإنك لذهابٌ في التيه، رواغٌ عن الفضل، ألا ترى - غير مخبر لك، ولكن بنعمة الله أحدث - أن قوماً استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين - ولكل فضل - حتى إذا استشهد شهيدنا \" هو حمزة \" قيل: سيد الشهداء، وخصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعين تكبيرةً عند صلاته عليه؛ ألا ترى أن قوماً قطعت أيديهم في سبيل الله - ولكل فضل - حتى إذا فعل بأحدنا ما فعل بأحدهم قيل: الطيار في الجنة، وذو الجناحين \" هو جعفر \" ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه لذكر ذاكرٌ فضائل جمة تعرفها قلوب المؤمنين، ولا تمجها آذان السامعين، فدع عنك من مالت به الدنية فإنا صنائع ربنا، والناس بعد صنائع لنا، لم يمنعنا قديم عزنا، وعادي طولنا على قومك أن خلطناهم بأنفسنا، فنكحنا فعل الأكفاء ولستم هناك، وأنى يكون ذلك كذلك؟ ومنا النبي ومنكم المكذب، ومنا أسد الله، ومنكم أسد الأحلاف، ومنا سيداً شباب أهل الجنة، ومنكم صبية النار، ومنا خير نساء العالمين، ومنكم حمالة الحطب؛ فإسلامنا قد سمع، وجاهليتنا لا تدفع، كتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا و هو قوله سبحانه: \" وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب الله \" وقوله تعالى: \" إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين \" فنحن مرةً أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطاعة؛ ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه وسلم فلجوا عليهم، فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم؛ وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليست الجناية عليك، فتكون المعذرة إليك. \" وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارها \" .\rوقلت: إني كنت أقادكما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فحمدت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضةٍ في أن يكون مظلوماً ما لم يكن شاكاً في دينه، ولا مرتاباً في يقينه، وهذه حجتي إلى غيرك قصدها، ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها.\rثم ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان، فلك أن تجاب عن هذه لرحمه منك، فأينا كان أعدى له، وأهدى إلى مقاتله؟ أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفه، أمن استنصره فتراخى عنه، وبث المنون إليه، حتى أتى قدره عليه؟ كلا والله \" قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلاً \" وما كنت أعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثاً، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له \" فرب ملوم لا ذنب له \" وقد يستفيد الظنة المتنصح","part":2,"page":341},{"id":842,"text":"وما أردت إلا الإصلاح ما استطعت \" وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت \" ؛ وذكرت أنه ليس لي ولأصحابي إلا السيف، فلقد أضحكت بعد استعبار، متى ألفيت بني عبد المطلب عن الأعداء ناكلين، وبالسيوف مخوفين؟ لبث قليلاً يلحق الهيجا حمل \" فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وأنا مرقلٌ نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان شديدٍ زحامهم، ساطع قتامهم، متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذريةٌ بدرية، وسيوفٌ هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك \" وما هي من الظالمين ببعيد \" .\rومن كلام الأحنف بن قيس حين وبخه معاوية بن أبي سفيان بتخذيله عائشة رضي الله عنها، وأنه شهد صفين، وقال له: فعلت وفعلت؛ فقال: يا أمير المؤمنين، لم ترد الأمور على أعقابها؟ أما والله إن القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن مددت بشبرٍ من غدرٍ، لنمدن باعاً من ختر، ولئن شئت لتستصفين كدر قلوبنا بصفو حلمك؛ قال معاوية: أفعل.\rوجلس معاوية يوماً وعنده وجوه الناس، وفيهم الأحنف، فدخل رجلٌ من أهل الشام، فقال خطيباً، فكان آخر كلامه أن لعن علياً رضي الله عنه، فأطرق الناس، وتكلم الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا القائل آنفاً ما قال لو علم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم، فاتق الله، ودع علياً فقد لقي الله، وأفرد في حفرته، وخلا بعمله، وكان والله - ما علمنا - المبرز بشقه، الطاهر في خلقه، الميمون النقيبه، العظيم المصيبه. قال معاوية: يا أحنف، لقد أغضيت العين على القذى، وقلت بغير ما ترى، وايم الله لتصعدن المنبر فلتلعننه طائعاً أو كارهاً؛ فقال الأحنف: إن تعفني فهو خير، وإن تجبرني على ذلك فوا لله لا تجري به شفتاي؛ فقال معاوية: قم فاصعد؛ قال: أما والله لأنصفنك في القول والفعل؛ قال معاوية: وما أنت قائلُ إن أنصفتني؟ قال: أصعد فأحمد اللّه وأثني عليه وأصليّ على نبيه، ثم أقول: أيها الناس، إن معاوية أمرني أني ألعن علياً، ألا وإن عليّاً ومعاوية اختلفا واقتتلا، وادعي كل واحد منهما أنه مبغي عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمنوا رحمكم اللّه؛ ثم أقول: اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك ورسلك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه والفئة على المبغي عليها، آمين يا رب العالمين؛ فقال معاوية: إذن نعفيك يا أبا بحر.\rوأتى الأحنف مصعب بن الزبير يكلمه في قوم حبسهم فقال: أصلح اللّه الأمير، إن كانوا حبسوا في باطل فالحق يخرجهم، وإن كانوا حبسوا في حق فالعفو يسعهم؛ فخّلاهم.\rولما قدم وفد العراق علة معاوية وفيهم الأحنف، خرج الآذن فقال: إنّ أمير المؤمنين يعزم عليكم ألا يتكلم أحد إلا لنفسه، فلما وصلوا إليه قال الأحنف: لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أن داّفةً \" أي الجماعة \" دفت، ونازلةً نزلت، ونائبةً نابت، وكلهم بهم الحاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبره؛ فقال: حسبك يا أبا بحر، فقد كفيت الغائب والشاهد.\rولما خطب زياد بن أبيه بالبصرة قام الأحنف فقال: للّه الأمير؟؟؟؟؟؟؟ قد فلت فأسمعت، ووعظت فأبلغت؛ أيها الأمير، إنما السيف بحده، والقوس بشده، والرجل بمجده؛ وإنما الثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء؛ ولن نثني حتى نبتلي، ولا نحمد حتى نعطي.\rولما حكم أبو موسى الأشعري أتاه الأحنف فقال له: يا أبا موسى، إن هذا مسير له ما بعده من عزّ الدنيا أو ذلّها آخر الدهر، ادع القوم إلى طاعة عليّ، فإن أبوا فادعهم أن يختار أهل الشام من قريش العراق من أحبوا، ويختار أهل العراق من قريش الشام من أحبوا، وإياك إذا لقيت ابن العاص أن تصافحه بنية، وأن يقعدك على صدر المجلس، فإنها خديعةٌ، وأن يضمك وإياه بيتٌ فيمكن لك فيه الرجال، ودعه فليتكلم لتكون عليه بالخيار، فالبادئ مستغلقٌ، والمجيب ناطقٌ؛ فما عمل أبو موسى إلا بخلاف ما قال الأحنف وأشار به، فكان من الأمر ما كان؛ فلقيه الأحنف بعد ذلك فقال له: أدخل واللّه قدميك في خفّ واحدةٍ.\rوقال بخراسان: \" يا بني تميم، تحابوا \" تجتمع كلمتكم \" وتباذلوا تعتدل أموركم، وابدءوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح دينكم، ولا تغلوا يسلم لكم جهادكم.","part":2,"page":342},{"id":843,"text":"ولمّا قدمت الوفود على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، قام هلال بن بشر فقال: يا أمير المؤمنين: إنا غرّة من خلفنا من قومنا، وسادة من وراءنا من أهل مصرنا؛ وإنك إن تصرفنا بالزيادة في أعطيتنا، والفرائض لعيالتنا، يزدد بذلك الشريف تأميلاً، وتكن لهم أبا وصولاً؛ وإن تكن مع ما نمت \" به \" من وسائلك، وندلي \" به \" من أسبابك كالجدل لا يحل ولا يرتحل، نرجع بأنوف مصلومة، وجدودٍ عاثرةٍ، فمحنا وأهلينا بسجلٍ مترعٍ \" أي الدلو الملآنة \" من سجلاك المترعة.\rوقام زيد بن جبلة فقال: يا أمير المؤمنين، سودّ الشريف، وأكرم الحسيب، وازرع عندنا من أياديك ما تسدّ به الخصاصة، وتطرد به الفاقة؛ فإنا بقفر من الأرض يابس الأكناف، مقشعرّ الذروة، لا متّجر ولا زرع، وإنا من العرب اليوم إذ أتيناك بمرأي ومسمع.\rفقام الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين، إن مفاتيح الخير بيد اللّه، والحرص قائد الحرمان، فاتق اللّه فيما لا يغني عنك يوم القيامة قيلاً ولأ قالا، واجعل بينك وبين رعيتك من العدل والإنصاف شيئاً يكفيك وفادة الوفود، واستماحة الممتاح، فإن كلّ امرئ إنما يجمع في وعائه إلا الأقل ممن عسى أن تقتحمه الأعين فلا يوفد إليك.\rومن كلام أم الخير بن الحريش البارقية، - وكانت من الفصحاء - حكي أنها لما وفدت على معاوية قال لها كيف كان كلامك يوم قتل عمار بن ياسر؟ قالت: لم أكن والله زورته قبل ولا رويته بعد، إنما كانت كلماتُ نفثهن لساني حين الصدمة، فإن شئت أن أحدث لك مقالاً غير ذلك فعلت، قال: لا أشاء ذلك، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أيكم حفظ كلام أم الخير؟ فقال رجل من القوم: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة الحمد، قال: هاته، قال: نعم، كأني يا أمير المؤمنين عليها بردٌ زبيدي، كثيف الحاشية، وهي على جمل أرمك، وقد أحيط حولها وبيدها سوطٌ منتشر الصفر، وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول: \" يا أيها الناس اتقوا ربكم إن لزلزلة الساعة شيءٌ عظيم \" إن الله قد أوضح الحق، وأبان الدليل، ونور السبيل، ورفع العلم، فلم يدعكم في عمياء مبهمة، ولا سوداء مدلهمة؛ فأنى تريدون رحمكم الله؟ أفراراً عن أمير المؤمنين، أم فراراً من الزحف، أم رغبةً عن الإسلام، أم ارتداداً عن الحق؟ أما سمعتم الله عز وجل يقول: \" ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم \" ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهم قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرغبة، وبيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع الكلمة على التقوى، وألف القلوب على الهدى، ورد الحق إلى أهله؛ هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والوصي الوفي، والصديق الأمير؛ إنها إحنٌ بدرية، وأحقادٌ جاهلية، وضغائن أحدية، وثب معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بني عبد شمس؛ ثم قالت: قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون؛ صبراً معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربكم، وثباتٍ من دينكم، وكأني بكم غداً قد لقيتم أهل الشام كحمةٍ مستنفرة، فرت من قسورة، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى، و \" عما قليل ليصبحن نادمين \" حين تحل بهم الندامة، فيطلبون الإقالة، إنه والله من ضل عن الحق وقع في الباطل، ومن يسكن الجنة نزل النار، أيها الناس، إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، واستبطئوا مدة الآخرة فسعوا لها؛ والله أيها الناس، لولا أن تبطل الحقوق، وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان، لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه، فإلى أين تريدون - رحمكم الله - ؟ عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته، وأبي ابنيه، خلق من طينته، وتفرع عن نبعته، وخصه بسره، وجعله باب مدينته، وأعلم بحبه المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين؛ فلم يزل كذلك يؤيده الله بمعونته، ويمضي على سنن استقامته، لا يعرج لواحة اللذات؛ وهو مفلق الهام، ومكسر الأصنام؛ إذ صلى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون؛ فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وفرّق جمع هوازن، فيالها وقائع زرعت في قلوب قومٍ نفاقاً، وردةً وشقاقاً؟؟؟؟ وقد اجتهدت في القول، وبالغت في النصيحة، وبالله التوفيق؛ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.","part":2,"page":343},{"id":844,"text":"فقال معاوية: والله يا أم الخير ما أردت بهذا إلا قتلي، والله لو قتلت ما حرجت في ذلك؛ قالت: والله ما يسوءني يا ابن هند أن يجري الله ذلك على يدي من يسعدني الله بشقائه؛ قال: هيهات يا كثيرة الفضول، ما تقولين في عثمان بن عفان؟ قالت: وما عسيت أن أقول فيه؟ استخلفه الناس وهم كارهون، وقتلوه وهم راضون؛ فقال: إيهاً يا أم الخير، هذا والله أصلك الذي تبنين عليه؛ لكن الله يشهد \" وكفى بالله شهيداً \" ما أردت بعثمان نقصاً، ولقد كان سباقاً إلى الخيرات، وإنه لرفيع الدرجات؛ قال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟ قالت: وما عسى أن أقول في طلحة؟ اغتيل من مأمنه، وأتي من حيث لم يحذر، وقد وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة؛ قال: فما تقولين في الزبير؟ قالت: يا هذا لا تدعني كرجيع الضبع يعرك في المركن؛ قال: حقاً لتقولن ذلك، وقد عزمت عليك؛ قالت: وما عسيت أن أقول في الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ولقد كان سباقاً إلى كل مكرمةٍ في الإسلام؛ وإني أسألك بحق الله يا معاوية - فإن قريشاً تحدث أنك من أحلمها - أن تسعى بفضل حلمك، وأن تعفيني من هذه المسائل، وامض إلى ما شئت من غيرها؛ قال: نعم وكرامة، قد أعفيتك، وردها مكرمةً إلى بلدها.\rوممن اشتهر بالفصاحة والبلاغة زياد بن أبيه، والحجاج بن يوسف الثقفي، وسنذكر من كلامهما في التاريخ عند ذكرنا لأخبارهما لما ولي كل منهما العراق، وما خطب الناس به، ولنذكر في هذا الموضع من كلام الحجاج ما لم نورده هناك.\rقيل: لما قدم الحجاج البصرة خطب فقال: أيها الناس، من أعياه داؤه فعندي دواؤه؛ ومن استطال أجله، فعلي أن أعجله ومن ثقل عليه رأسه وضعت عنه ثقله؛ ومن استطال ماضي عمره قصرت عليه باقيه؛ إن للشيطان طيفاً، وللسلطان سيفاً؛ فمن سقمت سريرته، صحت عقوبته؛ ومن وضعه ذنبه، رفعه صلبه، ومن لم تسعه العافية، لم تضق عنه الهلكة؛ ومن سبقته بادرة فمه، سبق بدنه بسفك دمه؛ إني أنذر ثم لا أنظر، وأحذر ثم لا أعذر، وأتوعد ثم لا أعفو، إنما أفسدكم ترنيق ولاتكم، ومن استرخى لببه ساء أدبه، إن الحزم والعزم سلباني سوطي، وأبدلاني به سيفي، فقائمه في يدي، ونجاده في عنقي، وذبابه قلادةٌ لمن عصاني، والله لا آمر أحدكم أن يخرج من باب من أبواب المسجد فيخرج من الباب الذي يليه إلا ضربت عنقه.\rقال مالك بن دينار: ربما سمعت الحجاج يذكر ما صنع فيه أهل العراق وما صنع بهم، فيقع في نفسي أنهم يظلمونه لبيانه وحسن تخليصه لحجج.","part":2,"page":344},{"id":845,"text":"وخطب الحجاج بعد وقعة دير الجماجم فقال: يا أهل العراق، إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم والعصب والمسامع والأطراف والأعضاء والشغاف، ثم أفضى إلى المخاخ والأصماخ، ثم ارتفع فعشعش، ثم باض ففرخ، فحشاكم نفاقاً وشقاقاً، وأشعركم خلافاً، واتخذتموه دليلاً تتبعونه، وقائداً تطيعونه، ومؤامراً تستشيرونه؛ فيكف تنفعكم تجربة، أو تعظم وقعة؛ أو يحجزكم إسلام، أو ينفعكم بيان؟ ألستم أصحابي بالأهواز؟ حيث رمتم المكر، وسعيتم بالغدر، واستجمعتم للكفر، وظننتم أن الله خذل دينه وخلافته، وأنا أرميكم بطرفي، تتسللون لواذاً، وتنهزمون سراعاً، ثم يوم الزاوية وما يوم الزاوية؟ كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم، ونكوص وليكم عنكم إذ وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها النوازع إلى أعطانها؛ لا يسأل المرء عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بينه؛ حتى عظكم السلاح، وقصمتكم الرماح، ثم دير الجماجم، وما دير الجماجم! بها كانت المعارك والملاحم؛ بضربٍ يزيل الهام عن مقيله، ويصرف الخليل عن خليله؛ يا أهل العراق، والكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات، والثورة بعد الثورات؛ إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم وجبنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم؛ لا تذكرون حسنةً، ولا تشكرون نعمة؛ يا أهل العراق هل استخفكم ناكثٌ، أو استغواكم غاوٍ، أو استفزكم عاصٍ، أو استنصركم ظالمٌ، أو استعضدكم خالعٌ، إلا اتبعتموه وآويتموه ونصرتموه وزكيتموه؟ يا أهل العراق، قلما شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر كاذب إلا كنتم أتباعه وأنصاره؛ يا أهل العراق، ألم تنهكم المواعظ، ولم تزجركم الوقائع. ثم التفت إلى أهل الشام فقال: يا أهل الشام، أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه، ينفي عنها المدر، ويباعد عنها الحجر، ويكنها من المطر؛ ويحميها من الضباب، ويحرسها من الذئاب؛ يا أهل الشام، أنتم الجنة والرداء، وأنتم العدة والحذاء.\rومن مكاتباته إلى المهلب بن أبي صفرة وأجوبة المهلب له كتب الحجاج إليه وهو في وجه الخوارج: أما بعد، فإنه بلغني أنك قد أقبلت على جيابة الخراج، وتركت قتال العدو، وإني وليتك وأنا أرى مكان عبد الله ابن حكيم المجاشعي، وعباد بن حصين الحبطي، واخترتك وأنت رجل من الأزد، وأنا أقسم إن لم تلقهم في يوم كذا أشرعت إليك صدر الرمح. فأجابه المهلب: ورد علي كتابك تزعم أني أقبلت على جباية الخراج، وتركت قتال العدو لعجز؛ وزعمت أنك وليتني وأنت ترى مكان عبد الله بن حكيم وعباد بن حصين، ولو وليتهما لكانا مستحقين لذلك في فضلهما وغنائهما؛ وأنك اخترتني وأنا رجل من الأزد، لعمري إن شرا من الأزد لقبيلةٌ تنازعها ثلاث قبائل لم تستقر في واحدة منهن؛ وزعمت أني إن لم ألقهم في يوم كذا أشرعت إلي صدر الرمح، فلو فعلت لقلبت إليك ظهر المجن.\rووجه إليه الحجاج يستبطئه في مناجزة القوم، وكتب إليه: أما بعد، فإنك جبيت الخراج بالعلل، وتحصنت بالخنادق، وطاولت القوم وأنت أعز ناصراً وأكثر عدداً، وما أظن بك مع هذا معصيةً ولا جبناً، ولكنك اتخذتهم أكلاً، ولإبقائهم أيسر عليك من قتالهم، فناجزهم وإلا أنكرتني، والسلام.\rفقال المهلب للجراح: يا أبا عقبة، والله ما تركت حيلةً إلا احتلتها، ولا مكيدةً إلا عملتها، وليس العجب من إبطاء النصر، وتراخى الظفر، ولكن العجب أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره؛ ثم ناهضتم ثلاثة أيام يغاديهم، ولا يزالون كذلك إلى العصر حتى قال الجراح: قد اعتذرت؛ وكتب إلى الحجاج: أتاني كتابك يستبطئ لقاء القوم، على أنك لا تظن بي معصيةً ولا جبناً، وقد عاتبتني معاتبة الجبان، وأوعدتني وعيد العاصي، فسل الجراح والسلام. فكتب إليه الحجاج: أما بعد، فإنك تتراخى عن الحرب حتى تأتيك رسلي ويرجعون بعذرك، وذاك أنك تمسك حتى تبرأ الجراح وتنسى القتلى، ويجم الناس، ثم تلقاهم فتحمل منهم مثل ما يحملون منك من وحشة القتل وألم الجراح، ولو كنت تلقاهم بذلك الجد لكان الداء قد حسم، والقرن قد قصم، ولعمري ما أنت والقوم سواءٌ، لأن من ورائك رجالاً، وأمامك أموالاً، وليس للقوم إلا ما معهم، ولا يدرك الوجيف بالدبيب، ولا الظفر بالتعذير.","part":2,"page":345},{"id":846,"text":"فكتب إليه المهلب: أما بعد، فإني لم أعط رسلك على قول الحق أجراً، ولم أحتج منهم مع المشاهدة إلى تلقين؛ وذكرت أني أجم القوم، ولابد من راحة يستريح فيها الغالب ويحتال المغلوب؛ وذكرت أن في الإجمام ما ينسي القتلى، ويبرئ الجراح، وهيهات أن ينسى ما بيننا وبينهم، يأبى ذلك قتل من لم يجن، وقروح لم تتقرف؛ ونحن والقوم على حالة، وهم يرقبون حالات، إن طمعوا حاربوا، وإن ملوا وقفوا، ونطلب إذا هربوا، فإن تركتني فالداء بإذن الله محسوم، وإن أعجلتني لم أطعك ولم أعص، وجعلت وجهي إلى بابك، وأنا أعوذ بالله من سخط الله مقت الناس.\rوقال المهلب لبنيه: يا بني تباذلوا تحابوا، فإن بني الأم يختلفون، فكيف بني العلات؛ إن البر ينسأ في الأجل، ويزيد في العدد، وإن القطيعة تورث القلة، وتعقب النار بعد الذلة؛ واتقوا زلة اللسان، فإن الرجل تزل رجله فينتعش، ويزل لسانه فيهلك؛ وعليكم في الحرب بالمكيدة، فإنها أبلغ من النجدة.\rولما استخلف ابنه المغيرة على حرب الخوارج، وعاد هو إلى عند مصعب بن الزبير، جمع الناس فقال لهم: إني قد استخلفت عليكم المغيرة، وهو أبو صغيركم رقةً ورحمة، وابن كبيركم طاعةً وتبجيلاً وبراً، وأخو مثله مواساةً ومناصحةً، فلتحسن له طاعتكم، وليلن له جانبكم، فوا لله ما أردت صواباً قط إلا سبقني إليه.\rوخطب عبد الملك بن مروان، فلما بلغ الغلظة قام إليه رجل من آل صوحان فقال: مهلا مهلاً يا بني مروان، تأمرون ولا تأتمرون، وتَنهون ولا تُنهون، وتَعظون ولا تتعظون؛ أفنقتدي بسيرتكم في أنفسكم، أم نطيع أمركم بألسنتكم؟ فإن قلتم: اقتدوا بسيرتنا، فأنى وكيف، وما الحجة، وما المصير من الله؟ أنقتدي بسيرة الظلمة الفسقة الجورة الخونة، الذين اتخذوا مال الله دولاً، وعبيده خولاً؟ وإن قلتم: اسمعوا نصيحتنا، وأطيعوا أمرنا، فكيف ينصح لغيره من يغش نفسه؟ أم كيف تجب الطاعة لم لم تثبت عند الله عدالته؟ وإن قلتم: خذوا الحكمة من حيث وجدتموها، وأقبلوا العظة ممن سمعتموها، فعلام وليناكم أمرنا، وحكمناكم في دمائنا وأموالنا؟ أما علمتم أن فينا من هو أنطق منكم باللغات، وأفصح بالعظات؟ فتخلوا عنها، وأطلقوا عقالها، وخلوا سبيلها، ينتدب إليها آل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين شردتموهم في البلاد، ومزقتموهم في كل واد، بل تثبت في أيديكم لانقضاء المدة، وبلوغ المهلة، وعظم المحنة؛ إن لكل قائمٍ قدراً لا يعدوه، ويوماً لا يخطوه، وكتاباً بعده يتلوه، \" لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها \" \" وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون \" . ثم التمس الرجل فلم يوجد.\rومن كلام قطري بن الفجاءة - وكان من البلغاء الأبطال، فمن ذلك هطبته المشهورة التي قال فيها:","part":2,"page":346},{"id":847,"text":"أما بعد، فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوةٌ خضرة، حفت بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وحليت بالآمال، وتزينت بالغرور؛ لا تقوم نضرتها، ولا تؤمن فجيعتها؛ غرارةٌ ضرارة، وحائلةٌ زائلة، ونافدةٌ بائدة، أكالةٌ غوالة؛ لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا عنها أن تكون كما قال الله تعالى: \" كماءٍ أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً \" مع أن امرأ لم يكن معها في حبرة \" أي السرور \" ، إلا أعقبته بعدها حسرة، ولم يلق من سرائها بطناً إلا منحته من ضرائها ظهراً، ولم تصله غيثة رخاء، إلا هطلت عليه مزنة بلاء؛ وحريةٌ إذا أصبحت له منتصرة، أن تمسى له خاذلة متكره؛ وإن جانبٌ منها اعذوذب واحلولي، أمر عليه منها جانب وأوبا، فأن أتت امرأ من غصونها ورقاً أرهقته من نوائبها تعباً، ولم يمس منها امرؤ في جناح أمنٍ إلا أصبح منها في قوادم خوف، غرارةٌ غرورٌ ما فيها، فانيةٌ فانٍ من عليها؛ لا خير في شيء من زادها إلا التقوى، من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر مها استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه، ويبكي عينه؛ كم واثقٍ بها قد فجعته، وذي حلم تنبه إليه قد صرعته، وذي احتيالٍ فيها قد خدعته؛ وكم ذي أبهة فيها قد صيرته حقيراً، وذي نخوة ردته ذليلاً، ومن ذي تاج قد كبته لليدين والفم؛ سلطانها دول، وعيشها رنق \" أي الماء الكدر \" وعذبها أجاج، وحلوها صبر، وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام، وقطافها سلع؛ حيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، وميعها بعرض اهتضام؛ وملكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وسليمها منكوب وجارها محروب؛ مع أن وراء ذلك سكرات الموت، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل \" ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى \" ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول منكم أعماراً، وأوضح منكم آثاراً؛ وأعد عديداً وأكثف جنوداً، وأشد عقوداً، تعبدوا للدنيا أي تعبد، وآثروها أي إيثار، وظعنوا بالكره والصغار، فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم نفساً بفدية، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب؟ بل قد أرهقتم بالفوادح، وضعضعتم بالنوائب، وعقرتهم بالفجائع؛ وقد رأيتم تنكرها لم رادها وآثرها وأخلد إليها، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد، إلى آخر المسند؛ هل زودتهم إلا السغب، وأحلتهم إلا الضنك، أو نورت لهم إلا الظلمة، أو أعقبتهم إلا الندامة؟ أفهذه تؤثرون، أم على هذه تحرصون، أم إليها تطمئنون؟ يقول الله تعالى: \" من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون \" فبئست الدار لمن أقام فيها، فاعلموا إذ أنتم تعلمون أنكم تاركوها لابد، فإنما هي كما وصفها الله باللعب واللهو، وقد قال الله تعالى: \" أتبنون بكل ريعٍ آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم جبارين \" .\rوذكر الذين قالوا: \" من أشد منا قوة ثم قال: حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركباناً، وأنزلوا فلا يرعون ضيفاناً، وجعل الله لهم من الضريح أكناناً، ومن الوحشة ألواناً، ومن الرفات جيراناً؛ وهم في جيرة لا يجيبون داعياً، ولا يمنعون ضيماً، إن أخصبوا لم يفرحوا، وإن قحطوا لم يقنطوا؛ جمعٌ وهم آحاد، جيرةٌ وهم أبعاد؛ متناءون، لا يزورون ولا يزارون؛ حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادهم؛ لا يرجى نفعهم، ولا يخشى دفعهم؛ وكما قال الله تعالى: \" فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين \" فاستبدوا بظهر الأرض بطناً، وبالسعة ضيقاً وبالأهل غربة، وبالنور ظلمة، ففارقوها كما دخلوها، حفاةً عراةً فرادى، غير أن ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة، وإلى خلود الأبد، يقول الله تعالى: \" كما بدأنا أول خلقٍ نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين \" فاحذروا ما حذركم الله، وانتفعوا بمواعظه، واعتصموا بحبله، عصمنا الله وإياكم بطاعته، ورزقنا وإياكم أداء حقه.\rومن كلام أبي مسلم الخراساني صاحب الدولة، قيل له: ما كان سبب خروج الدولة عن أبي أمية؟ فقال: لأنهم أبعدوا أولياءهم ثقةً بهم، وأدنوا أعداءهم تألفاً لهم، فلم يصر العدو بالدنو صديقاً، وصار الصديق بالبعاد عدواً.","part":2,"page":347},{"id":848,"text":"وقيل له في حداثته: إنا نراك تأرق كثيراً ولا تنام، كأنك موكل برعي الكواكب، أو متوقعٌ الوحي في السماء، فقال: والله ما هو ذاك، ولكن لي رأيٌ جوال، وغريزةٌ تامة، وذهنٌ صافٍ، وهمةٌ بعيدةٌ، ونفسٌ تتوق إلى معالي الأمور، مع عيش كعيش الهمج والرعاع، وحالٍ متناهيةٍ من الاتضاع، وإني لأرى بعض هذا مصيبةً لا تجبر بسهر، ولا تتلافى بأرق؛ قيل له: فما الذي يبرد غليلك، ويشفي إجاج صدرك؟ قال: الظفر بالملك؛ قيل له: فاطلب؛ قال: إن الملك لا يدرك إلا بركوب الأهوال؛ قيل: فاركب الأهوال؛ قال: هيهات، العقل مانعٌ من ركوب الأهوال؛ قيل: فما تصنع وأنت تبلى حسرةً، وتذوب كمداً؟ قال: سأجعل من عقلي بعضه جهلاً، وأحاول به خطراً، لأنال بالجهل ما لا تنال إلا به، وأدبر بالعقل ما لا يحفظ إلا بقوته، وأعيش عيشاً يبين مكان حياتي فيه من مكان موتي عليه، فإن الخمول أخو العدم، والشهرة أبو الكون.\rوكتب إليه عبد الحميد بن يحيى كتاباً عن مروان بن محمد، وقال لمروان: قد كتبت كتاباً إن نجع فذاك، وإلا فالهلاك، وكان لكبر حجمه يحمل على جمل، نفث فيه حواشي صدره، وضمنه غرائب عجره وبجره، فلما ورد على أبي مسلم دعا بنار فطرحه فيها إلا قدر ذراع فإنه كتب عليه:\rمحا السيف أسطار البلاغة وانتحى ... ليوث الوغى يقد من كل جانب\rفإن يقدموا تعمل سيوفاً شحيذةً ... يهون عليها العب من كل عاتب\rورده، فأيس الناس من معالجته.\rوقيل: إنه شجر بينه وبي صاحب مروٍ كلامٌ أربى فيه صاحب مروٍ عليه، فاحتمله أبو مسلم وقال: مَهْ، لسانٌ سبق، ووهمٌ أخطأ، والغضب شيطان، وأنا جرأتك علي باحتمالك، فإن كنت للذنب متعمداً فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوباً فالعفو يسعك، فقال له صاحب مرو: عظم ذنبي يمنع قلبي من الهدوء؛ فقال أبو مسلم: يا عجباً، أقابلك بإحسان وأنت تسيء، ثم أقابلك بإساءة وأنت تحسن! فقال صاحب مرو: الآن وثقت بعفوك.\rجماعة من أمراء الدولتين خطب يوسف بن عمر فقال: اتقوا الله عباد الله، فكم من مؤمل أملاً لا يبلغه، وجامعٍ مالاً لا يأكله، ومانعٍ ما سوف يتركه؛ ولعله م باطلٍ جمعه، ومن حق منعه؛ أصابه حراماً، وورثه عدواً؛ واحتمل إصره، وباء بوزره، وورد على ربه آسفاً لاهفاً \" خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين \" .\rوقام خالد بن عبد الله القسري على المنبر خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أيها الناس، نافسوا في المكارم، وسارعوا إلى المغانم، واشتروا الحمد بالجود، ولا تكسبوا بالمطل ذماً، ولا تعتدوا بالمعروف ما لم تعجلوه، ومهما يكن لأحدكم عند أحد نعمةٌ فلم يبلغ شكرها فالله أحسن لها جزاءً، وأجزل عليها عطاء؛ واعلموا أن حوائج الناس إليكم نعمةٌ من الله عليكم؛ فلا تملوا النعم فتحول نقماً؛ واعلموا أن أفضل المال ما أكسب أجراً، وأورث ذكراً؛ ولو رأيتم المعروف رجلاً رأيتموه حسناً جميلاً يسر الناظرين، ولو رأيتم البخل رجلاً رأيتموه مشوهاً قبيحاً، تنفر عنه القلوب، وتغض عنه الأبصار؛ أيها الناس، إن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعظم الناس عفواً من عفا عن قدرة، وأوصل الناس من وصل من قطعه، ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته؛ والأصول عن مغارسها تنمو، وبأصولها تسمو؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.","part":2,"page":348},{"id":849,"text":"قيل لما ولي أبو بكر بن عبد الله المدينة وطال مكثه عليها كان يبلغه عن قوم من أهلها أنهم لا ينالون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسعافٌ من آخرين لهم على ذلك، فأمر أهل البيوتات ووجوه الناس في يوم جمعة أن يقربوا من المنبر، فلما فرغ من خطبة الجمعة قال: أيها الناس، إني قائل قولاً، فمن وعاه وأداه فعلى الله جزاؤه، ومن لم يعه فلا يعدو من ذمامها، إن قصرتم عن تفصيله، فلن تعجزوا عن تحصيله، فأرعوه أبصاركم، وأوعوه أسماعكم، وأشعروه قلوبكم؛ فالموعظة حياة، والمؤمنون إخوة \" وعلى الله قصد السبيل \" \" ولو شاء لهداكم أجمعين \" فأتوا الهدى تهتدوا، واجتنبوا الغي ترشدوا، \" وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون \" والله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، أمركم بالجماعة ورضيها لكم، ونهاكم عن الفرقة وسخطها منكم، \" فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءاً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرةٍ من النار فأنقذكم منها \" جعلنا الله وإياكم ممن تبع رضوانه، وتجنب سخطه، فإنما نحن به وله؛ وإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالدين، واختاره على العالمين، واختار له أصحاباً على الحق، ووزراء دون الخلق، اختصهم به، وانتخبهم له، فصدقوه ونصروه، وعزروه ووقروه، فلم يقدموا إلا بأمره، ولم يحجموا إلا عن رأيه، وكانوا أعوانه بعهده، وخلفاءه من بعده، فوصفهم فأحسن صفتهم، وذكرهم فأثنى عليهم، فقال - وقوله الحق - : \" محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار \" إلى قوله: \" مغفرةً وأجراً عظيماً \" فمن غاظوه كفر وخاب، وفجر وخسر، وقال الله عز وجل: \" للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً \" إلى قوله: \" ربنا إنك رءوفٌ رحيم \" فمن خالف شريطة الله عليه لهم، وأمره إياه فيهم، فلا حق له في الفيء، ولا سهم له في الإسلام في آيٍ كثيرة من القرآن؛ فمرقت مارقةٌ من الدين، وفارقوا المسلمين، وجعلوهم عضين؛ وتشعبوا أحزاباً، أشاباتٍ وأوشاباً؛ فخالفوا كتاب الله فيهم، وثناءه عليهم، وآذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، فحابوا وخسروا الدنيا والآخرة \" ذلك هو الخسران المبين \" \" أفمن كان على بينةٍ من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم \" ؛ مالي أرى عيوناً خزراً، ورقاباً صعراً، وبطوناً بجراً؟ شجىً لا يسيغه الماء، وداءً لا يشرب فيه الدواء؛ \" أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين \" كلا والله، بل هو الهناء والطلاء حتى يظهر العذر، ويبوح السر، ويضح الغيب، ويسوّس الجنب؛ فإنكم لم تخلفوا عبثاً، ولم تتركوا سدى؛ ويحكم إني لست أتاوياً أعلم، ولا بدوياً أفهم؛ قد حلبتكم أشطراً، وقلبتكم أبطناً وأظهراً؛ فعرفت أنحاءكم وأهواءكم، وعلمت أن قوماً أظهروا الإسلام بألسنتهم، وأسروا الكفر في قلوبهم، فضربوا بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض، وولدوا الروايات فيهم، وضربوا الأثمال، ووجدوا على ذلك من أهل الجهل من أبنائهم أعواناً يأذنون لهم، ويصغون إليهم؛ مهلاً مهلاً قبل وقوع القوارع، وطول الروائع، هذا لهذا ومع هذا، فلست أعتنش آثباً ولا تائباً، \" عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيزٌ ذو انتقام \" فأسروا خيراً وأظهروه، واجهروا به وأخلصوا، فطالما مشيتم القهقرى ناكصين، وليعلم من أدبر وأصر أنها موعظة بين يدي نقمة؛ ولست أدعوكم إلى أهواء تتبع، ولا إلى رأيٍ يبتدع؛ إنما أدعوكم إلى الطريقة المثلى، التي فيها خير الآخرة والأولى؛ فمن أجاب فإلى رشده، ومن عمى فعن قصده؛ فهلم إلى الشرائع الجدائع، ولا تولوا عن سبيل المؤمنين، ولا تستبدلوا الذي هو أدى بالذي هو خير، \" بئس للظالمين بدلاً \" إياكم وبنيات الطريق، فعندها الترنيق والرهق، وعليكم بالجادة، فهي أسد وأورد، ودعوا الأماني فقد أردت من كان قبلكم، وليس للإنسان إلا ما سعى، ولله الآخرة والأولى، و \" لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذابٍ وقد خاب من افترى \" \" ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا وهب لنا لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب \" .\rهذا ما اتفق إيراده من رسائل وخطب بلغاء الصحابة - رضي الله عنهم - وكلام التابعين وغيرهم مما يحتاج الكاتب إلى حفظه.","part":2,"page":349},{"id":850,"text":"وأما رسائل المتقدمين والمعاصرين التي يحتاج إلى النظر إليها دون حفظها - فهي كثيرة جداً، سنورد من جيدها ما تقف عليه إن شاء الله.\rمن رسائل وفصول الكتاب والبلغاء المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين من المشارقة والمغاربة وهذه الرسائل والفصول كثيرة جداً، وقد قدمنا منها فيما مر من كتابنا هذا ما حلا ذكره، وفاح نشره، وأنس به سامعه، وأيس من الإتيان بمثله صانعه، وأوردنا في كل باب وفصلٍ منه ما يناسبه، وسنورد إن شاء الله في فني الحيوان والنبات عند ذكر كل حيوان أو نبات يستحق الوصف ما سمعناه وطالعناه من وصفه نظماً ونثراً، مع ما يندرج في فن التاريخ من الرسائل والفصول والأجوبة والمحاورات عند ذكر الوقائع، وإنما نورده ثم وإن كان هذا موضعه ليكون الكلام فيه شاقةً، وترد الوقائع يتلو بعضها بعضاً، فلا ينقطع الكلام على ما تقف إن شاء الله تعالى عليه في مواضعه، فلنورد في هذا الموضع ما هو خارج عن ذلك النمط من كلامهم، ولنبدأ بذكر شيء من المكاتبات البليغة الموجزة؛ من ذلك ما كتب به عبد الحميد بن يحيى بالوصاة على إنسانٍ فقال: حق موصل هذا الكتاب عليك كحقه علي إذ رآك موضعاً لأمله، ورآني أهلاً لحاجته، وقد أنجزت حاجته، فحقق أمله.\rومنه ما حكي أن المأمون قال لعمر بن مسعدة: اكتب إلى فلنٍ كتاب عنايةٍ بفلان في سطر واحد، فكتب: هذا كتاب واثقٍ بمن كتب إليه، معتنٍ بمن كتب له، ولن يضيع الثقة والعناية حامله.\rوكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون يستعطفه على الجند: كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من أجناده وقواده في الطاعة على أفضل ما تكون عليه طاعة جندٍ تأخرت أرزاقهم، واختلت أحوالهم. فأمر بإعطائهم رزق ثمانية أشهر.\rوكتب أحمد بن يوسف إلى المأمون يذكره بمن على بابه من الوفود فقال: إن داعي نداك، ومنادي جدواك، جمعاً ببابك الوفود، يرجون نائلك العتيد؛ فمنهم من يمت بحرمة، ومنهم من يدلي بخدمة؛ وقد أحجف بهم المقام، وطالت عليهم الأيام؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشهم بسيبه، ويحتوش ظنونهم بطوله فعل. فوقّع المأمون في كتابه: الخير متبع، وأبواب الملوك مواطن لذوي الحاجات، فاحص أسماءهم، واجل موائنهم، ليصير إلى كل امرئ منهم قدر استحقاقه، ولا تكدر معروفاً بالمطل والحجاب، فإن الأول يقول:\rفإنك لن ترى طرداً لحرٍ ... كإلصاق به طرف الهوان\rولم يجلب مودة ذي وفاء ... كمثل البذل أو بسط اللسان\rوكتب محمدٌ إلى يحيى بن هرمة - وكان عامله على أصفهان، وقد تظلم منه أهلها - : يا يحيى، قد كثر شاكوك، وقل شاكروك؛ فإما عدلت، وإما اعتزلت.\rوكتب أبو بكر الخوارزمي جواباً عن هدية: وصلت التحفة، ولم يكن لها عيب إلا أن باذلها مسرفٌ في البر، وقابلها مقتصدٌ في الشكر؛ والسرف مذمومٌ إلا في المجد، والاقتصاد محمودٌ إلا في الشكر والحمد.\rوكتب مالك الروم إلى المعتصم يتوعده ويتهدده، فأمر الكتاب أن يكتبوا جوابه، فكتبوا فلم يعجبه مما كتبوا شيءٌ، فقال لبعضهم: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، \" سيعلم الكافر لمن عقبى الدار \" .\rومن كلام بديع الزمان أبي الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني - قيل: ذكر الهمذاني في مجلس أبي الحسن بن فارس فقال ما معناه: إن البديع قد نسي حق تعليمنا إياه، وعقنا وشمخ بأنفه عنا، فالحمد لله على فساد الزمان، وتغير نوع الإسنان؛ فبلغ ذلك البديع، فكتب إلى أبي الحسين: نعم أطال الله بقاء الشيخ الإمام، إنه الحمأ المسنون، وإن ظنت الظنون؛ والناس لآدم، وإن كان العهد قد تقادم؛ وارتبكت الأضداد، واختلط الميلاد؛ والسيخ يقول: فسد الزمان، أفلا يقول: متى كان صالحاً؟ أفي الدولة العباسية وقد رأينا آخرها وسمعنا أولها؛ أم المدة المروانية وفي أخبارها \" لا تكسع الشول بأغبارها \" ؛ أم السنين الحربية.\rوالسيف يعمل في الطلى ... والرمح يركز في الكلى\rومبيت حجرٍ في الفلا ... والحرتان وكربلا","part":2,"page":350},{"id":851,"text":"أم البيعة الهاشمية وعلي يقول: ليت العشرة منكم براس، من بني فراسٍ؛ أم الأيام الأموية والنفير إلى الحجاز، والعيون إلى الأعجاز؛ أم الإمارة العدوية وصاحبها يقول: هلموا إلى النزول؛ أم الخلافة التيمية وهو يقول: طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام؛ أم على عهد الرسالة ويوم الفتح قيل: اسكني يا فلانة، فقد ذهبت الأمانة؛ أم في الجاهلية ولبيدٌ يقول: وبقيت في خلفٍ كجلد الأجرب أم يقل ذلك وأخو عادٍ يقول:\rبلادٌ بها كنا وكنا نحبها ... إذ الناس ناسٌ والزمان زمان\rأم قبل ذلك ويروى لآدم عليه السلام:\rتغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبرٌ قبيح\rأم قبل ذلك والملائكة تقول لبارئها: \" أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء \" ما فسد الناس، ولكن اطرد القياس؛ ولا أظلمت الأيام، إنما امتد الإظلام؛ وهل يفسد الشيء إلا عن صلاح، ويمسي المرء إلا عن صباح؟ ولعمري إن كان كرم العهد كتاباً يرد، وجواباً يصدر، إنه لقريب المنال، وإني على توبيخه لي لفقيرٌ إلى لقائه، شفيقٌ على بقائه، منتسبٌ إلى ولائه، شاكرٌ لالائه.\rوكتب بديع الزمان يستعطفه: إني خدمت مولاي، والخدمة رق بغير إشهاد، وناصحه، والمناصحة للود أوثق عماد؛ ونادمته، والمنادمة رضاع ثان؛ وطاعمته، والمطاعمة نسب دان، وسافرت معه، وللسفر والأخوة رضيعاً لبان، وقمت بين يديه، والقيام والصلاة شريكاً عنان؛ وأثنيت عليه، والثناء عند الله بمكان؛ وأخلصت له، والإخلاص مشكورٌ بكل لسان.\rومن كلام أبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد - وكان وزيراً كاتباً - كتب عن ركن الدولة بن بويه كتاباً لمن عصى عليه: كتابي وأنا مترجحٌ بين طمع فيك، وإياسٍ منك، وإقبالٍ عليك، وإعراضٍ عنك؛ فإنك تدلي بسابق خدمة، وتمت بسالف حرمة؛ أيسرها يوجب رعاية، ويقتضي محافظةً وعناية؛ ثم تشفعهما بحادث غلولٍ وخيانة، وتتبعهما بآنف خلافٍ ومعصية؛ وأدنى ذلك يحبط أعمالك، ويمحق كل ما يرعى لك؛ لا جرم أني وقفت بين ميلٍ إليك، وميلٍ عليك؛ أقدم رجلاً لصمدك، وأؤخر أخرى عن قصدك؛ وأبسط يداً لاصطلامك واحتياجك، وأثني ثانيةً نحو استبقائك واستصلاحك؛ وأتوقف عن امتثال بعض المأمور فيك ضناً بالنعمة عندك، ومنافسةً في الصنيعة لديك؛ وتأميلاً لفيئتك وانصرافك، ورجاءً لمراجعتك وانعطافك؛ فقد يعزب العقل ثم يؤوب، ويغرب اللب ثم يثوب، ويذهب العزم ثم يعود، ويفسد الحزم ثم يصلح، ويضاع الرأي ثم يستدرك، ويسكر المرء ثم يصحو، ويكدر الماء ثم يصفو؛ وكل ضيقةٍ فإلى رخاء، وكل غمرةٍ فإلى انجلاء؛ وكما أنك أتيت من إساءتك ما لم تحتسبه أولياؤك، فلا تدع أن تأتي من إحسانك ما لم ترتقبه أعداؤك؛ وكما استمرت بك الغفلة حتى ركبت ما ركبت، واخترت ما اخترت، فلا عجب أن تنتبه انتباهةً تبصر فيها قبيح ما صنعت، وسوء ما آثرت؛ وسأقيم على رسمي في الإبقاء والمماطلة ما صلح، وعلى الاستيناء والمطاولة ما أمكن، طمعاً في إنابتك، وتحكيماً لحسن الظن بك؛ فلست أعدم فيما أظاهره من إعذارك، وأرادفه من إنذارك، احتجاجاً عليك، واستدراجاً لك؛ وإن يشأ الله يرشدك، ويأخذ بك إلى حظك ويسددك؛ فإنه على كل شيء قدير.","part":2,"page":351},{"id":852,"text":"وفي فصل منه: وزعمت أنك في طرفٍ من الطاعة بعد أن كنت متوسطها، وإن كنت كذلك فقد عرفت حالتها، وحلبت شطريها، فناشدتك الله لما صدقت عما أسألك: كيف وجدت ما زلت عنه، وتجد ما صرت إليه؟ ألم تكن من الأول في ظل ظليل، ونسيمٍ عليل، وريحٍ بليل؛ وهواءٍ ندي، وماءٍ روي، ومهادٍ وطي؛ وكن كنين، ومكانٍ مكين، وحصنٍ حصين؛ يقيك المتالف، ويؤمنك المخاوف؛ ويكنفك من نوائب الزمان، ويحفظك من طوارق الحدثان؛ عززت به بعد الذلة، وكثرت بعد القلة؛ وارتفعت بعد الضعة، وأيسرت بعد العسر، وأثريت بعد المتربة، واتسعت بعد الضيق، وأطافت بك الولايات، وخففت فوقك الرايات؛ ووطئ عقبك الرجال، وتعلقت بك الآمال؛ وصرت تكاثر ويكاثر بك، وتشير ويشار إليك؛ ويذكر على المنابر اسمك، وفي المحاضر ذكرك؛ ففيم أنت الآن في الأمر؟ وما العوض مما ذكرت وعددت، والخلف عمّا وصفت؟ وما استفدت حين أخرجت من الطاعة نفسك، ونفضت منها كفك، وغمست في خلافها يدك؟ وما الذي أظلك بعد انحسار ظلها عنك؟ أظل ذو ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغني من اللهب؟ قل: نعم، فذاك واللّه أكنف ظلالك في العاجلة، وأروحها في الآجلة؛ إن أقمت على المحادة والعنود، ووقفت على المشاقة والجحود.\rومنه: تأمل حالك وقد بلغت هذا الفصل من كلامي فستنكرها، والمس جسدك فانظر هل يحس، واحسس عرقك هل ينبض، وفتش ما حني عليه أضلاعك هل تجد في عرضها قلبك؟ وهل حلا بصدرك أن تظفر بفوتٍ مزيج أو موت مريح؟ ثم قس غائب أمرك بشاهده، وآخر شأنك بأوله.\rوكتب الصاحب أبو القاسم كافي الكفاة في وصف كتاب: ومن هو الذي لا يحبه وهو علم الفضل، وواسطة الدهر؛ وقرارة الأدب والعلم، ومجمع الدراية والفهم؛ أمن يرغب عن مكاثرة بمن ينسب الربيع إلى خلفه ويكتسب محاسنه من طبعه، ويتوشح بأنواره، ويتوضح بآثار لسانه ويده؟ وصل كتابه، فارتحت لعنوانه قبل عيانه، حتى إذا فضضت ختامه أقبلت الفقر تتكاثر، والدرر تتناثر؛ والغرر تتراكم، والنكت تتزاحم؛ فإذا حكمت للفظة بالسبق أتت أختها تتنافس، وأقبلت عليها تتفاخر؛ حتى استعفيت من الحكومة، ونفضت يدي من غبار الخصومة؛ وأخذت أقول: كلكن صوادر عن أصل واحد فتسالمن، وأرفاد عن معدن رافد فتصالحن، وقد وليت النظر بينهما من كمل لنسج برودهما، ووفى بنظم عقودهما؛ على أنني يا مولاي أنشأت هذه الحروف وحولي أعمال وأشغال لا يسلم معهما فر، ولا يسلم بينهما طبع؛ وتناولت قلما، كالابن العاق، بل العدو المشاق؛ إذا أردته استقال، وإذا قومته مال؛ وإذا حثثته وقف، وإذا وقفته انحرف؛ أحدل الشق؛ متفاوت البري، معدوم الجري؛ محرف القط، مثبج الخط؛ ثم رأيت العدول عنه ضرباً من الانقياد لأمره، والانخراط في سلكه فجهدته على رغمه، وكددته على صعره؛ لا جرم أن جناية اللجاج بادية على صفحات الحروف لا تخفي، وعادية المحك لائحة على وجوه السطور تتجلى.\rوكتب: واللّه يعلم أني أخبرت بورود كتابه واستفزني الفرج قبل رؤيته، وهز عطفي المرح أمام مشاهدته؛ فما أدري، أسمعت بورود كتاب، أم ظفرت برجوع شباب؟ ثم وصل بعد انتظار له شديد، وتطلع إلى وصوله طويل عريض؛ فتأملته فلم أدر ما تأملت، أخطأ مسطوراً، أم روضاً ممطوراً، أم كلاماً منثوراً، أم وشيا منشورا؟ ولم أدر ما أبصرت في أثنائه، أأبيات شعر، أم عقود درّ؟ ولم أدر ما جملته، أغيث حل بوادي ظمآن أم غوث سبق إلى لهفان؟ وكتب: وصل كتاب القاضي فأعظمت قدر النعمة في مطلعه، وأجللت محل الموهبة بموقعه؛ وفضضته عن السحر حلالاً، والماء زلالاً؛ وسرحت الطرف منه في رياض رقت حواشيها، وحللٍ تأنق واشيها؛ فلم أتجاوز فصلاً إلا إلى أخطر منه فضلاً، ولم أتخط سطراً إلا إلى أحسن منه نظماً ونثراً.\rوكتب أيضاً: وصل كتابك فجعلت وصوله عيداً أؤرخ به أيام بهجتي، وأفتتح به مواقيت غبطتي؛ وعرفت من خبر سلامتك ما سألت الله الكريم أن يصله بالدوام، ويرفعه على أيدي الأيام.\rوكتب أيضاً: وصل كتابه - أيده الله - يضحك عن أخلافه الأرجة، ويتهلل عن عشرته العطرة؛ ويخبر عن عافية الله لمن رأيت شمل الحرية به منتظماً، وشعب المروءة له ملتئماً؛ ويحمل من أنواع بره ما أقصر عن ذكره، ولا أطمع في شكره؛ ويؤدي من لطيف اعتذاره في أثناء عتبه، ما تزداد المودة تمهيداً به؛ وفهمته، ورغبت إلى الله بأخلص طوية، وأمحض نية.","part":2,"page":352},{"id":853,"text":"وقال أبو الفرج الببغاء من رسالة إلى عدة الدولة أبي تغلب جاء منها: أصح دلائل الإقبال، وأصدق براهين السعادة - أطال الله بقاء سيدنا - ما شهدت العقول بصحته، ونطقت البصائر بحقيقته، ونعمة الله على الدنيا والدين بما أولاهما من اختيار سيدنا لحراستهما بناظر فضله، وسترهما بظل عدله؛ مفصحةٌ بتكامل الإقبال، مبشرةٌ بتصديق الآمال.\rمحروسةٌ ضمن الشكر الوفي لها ... على الزيادة نيل السؤل والدرك\rتحقق العصر أن الملك منذ نشأ ... له أبو تغلب اسمٌ غير مشترك\rواستخلف الفلك الدوار همته ... فلووني أغنت الدنيا عن الفلك\rمأمون الهفوات، متناصر الصفات؛ ربعي النفاسة، حمداني السياسة، ناصري الرياسة؛ عطاردي الذكاء، موفق الآراء؛ شمسي التأثير، قمري التصوير فلكي التدبير؛ للصدق كلامه، وللعدل أحكامه، وللوفاء ذمامه؛ وللحسام غناؤه، وللقدر مضاؤه، وللسحاب عطاؤه.\rدعوته فأجابتني مكارمه ... ولو دعوت سوى نعماه لم تجب\rوجدته الغيث مشغوفاً بعادته ... والروض يحيا بما في عادة السحب\rلو فاته النسب الوضاح كان له ... من فضله نسبٌ يغني عن النسب\rإذا دعته ملوك الأرض سيدها ... طرادعته المعالي سيد العرب\rوكتب أبو الحسن علي بن القاسم القاشاني: ما أرتضي نفسي لمخاطبة مولاي إذا كنت منفي الشواغل، فارغ الخواطر، مخلي الجوارح، مطلق الإسار، سليم الأفكار، فكيف مع كلال الحدة، وانغلاق الفهم، واستبهام القريحة، واستعجام الطبيعة؛ والمعول على النية، وهي لمولاي بظهر الغيب مكشوفة، والمرجع إلى العقيدة، وهي بالولاء المحض معروفة؛ ولا مجال للعتب عن هذه الأحوال، للعذر وراء هذه الخلال.\rوقال محمد بن العباس الخوارزمي: الحمد لله الذي جعل الشيخ يضرب في المحاسن بالقدح المعلي، ويسمو منها إلى الشرف الأعلى، ولم يجعل فيه موضعاً للولا، ولا مجالاً لإلا؛ فإن الاستثناء إذا اعترض في المدح انصب ماؤه، وكدر صفاؤه، وانطلق فيه حساده وأعداؤه؛ ولذلك قالوا: ما أحسن الظبي لولا خنس أنفه! وما أحسن البدر لولا كلف وجهه! وما أطيب الخمر لولا الخمار! وما أشرف الجود لولا الإقتار! وما أحمد مغبة الصبر لولا فناء العمر! وما أطيب الدنيا لو دامت.\rما أعلم الناس أن الجود مكسبةٌ ... للحمد لكنه يأتي على النشب\rمن رسائل فضلاء المغاربة ووزرائهم وكتابهم ممن ذكرهم ابن بسام في كتابه المترجم بالذخيرة في محاسن أهل الجزيرة منهم ذو الوزارتين أبو الوليد بن زيدون، فمن كلامه رسالةٌ كتبها على لسان محبوبته ولادة بنت محمد بن عبد الرحمن الناصري إلى إنسان استمالها إلى نفسه عنه، وهي: أما بعد، أيها المصاب بعقله، المورط بجهله؛ البين سقطه، الفاحش غلطه؛ العاثر في ذل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره؛ الساقط سقوط الذباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش في الشهاب؛ فإن العجب أكذب، ومعرفة المرء نفسه أصوب؛ وإنك راسلتني مستهدياً من صلتي ما صفرت منه أيدي أمثالك، متصدياً من خلتي لما قرعت فيه أنوف أشكالك؛ مرسلاً خليلتك مرتادة، مستعملاً عشيقتك قوادة؛ كاذباً نفسك أنك ستنزل عنها إلي، وتخلف بعدها علي\rولست بأول ذي همةٍ ... دعته لما ليس بالنائل","part":2,"page":353},{"id":854,"text":"ولاشك في أنها قلتك إذ لم تضن بك، وملتك إذ لم تغر عليك، فإنها أعذرت في السفارة لك، وما قصرت في النيابة عنك؛ زاعمةً أن المروءة لفظٌ أنت معناه، والإنسانية اسمٌ أنت جسمه وهيولاه؛ قاطعةً أنك انفردت بالجمال، واستأثرت بالكمال، واستعليت في مراتب الجلال، واستوليت على محاسن الخلال؛ حتى خيلت أن يوسف عليه السلام حاسنك فغضضت منه، وأن امرأة العزيز رأتك فسلت عنه؛ وأن قارون أصاب بعض ما كنزت، والنطف عثر على فضل ما ركزت؛ وكسرى حمل غاشيتك، وقيصر رعى ماشيتك؛ والإسكندر قتل دارا في طاعتك، وأردشير جاهد ملوك الطوائف لخروجهم عن جماعتك؛ والضحاك استدعى مسالمتك، وجذيمة الأبرش تمنى منادمتك؛ وشيرين نافست بوران فيك؛ وبلقيس غايرت الزباء عليك، وأن مالك بن نويرة إنما ردف لك؛ وعروة بن جعفر إنما رحل إليك؛ وكليب بن ربيعة إنما حمى المرعى بعزتك؛ وجساساً إنما قتله بأنفتك؛ ومهلهلاً إنما طلب ثأره بهمتك؛ والسموءل إنما وفى عن عهدك، والأحنف إنما احتبى في بردك؛ وحاتماً إنما جاد بوفرك، ولقي الأصناف ببشرك؛ وزيد بن مهلل إنما ركب بفخذيك، والسليك بن السلكة إنما عدا على رجليك، وعامر بن مالك إنما لاعب الأسنة بيديك؛ وقيس بن زهير إنما استعان بدهائك، وإياس بن معاوية إنما استضاء بمصباح ذكائك؛ وسحبان إنما تكلم بلسانك، وعمر بن الأهتم إنما سحر ببيانك؛ وأن الصلح بين بكر وتغلب تم برسالتك، والحمالات في دماء عبس وذبيان أسندت إلى كفالتك؛ وأن احتيال هرمٍ لعامرٍ وعلقمة حتى رضياً كان عن رأيك؛ وجوابه لعمر وقد سأله عن أيهما كان ينفر وقع بعد مشورتك؛ وأن الحجاج تقلد ولاية العراق بجدك، وقتيبة فتح ما وراء النهر بسعدك؛ والمهلب أوهى شوكة الأزارقة بأيدك، وأفسد ذات بينهم بكيدك؛ وأن هرمس أعطى بلينوس ما أخذ منك، وأفلاطون أورد على أرسطو طاليس ما حدّث عنك؛ وبطليموس سوّى الأسطرلاب بتدبيرك، وصوّر الكرة على تقديرك؛ وأبقراط علم العلل والأمراض بلطف حسك، وجالينوس عرف طبائع الحشائش بدقة نظرك؛ وكلاهما قلدك في العلاج، وسألك عن المزاج؛ واستوصفك تركيب الأعضاء، واستشارك في الداء والدواء؛ وأنك نهجت لأبي معشرٍ طريق القضاء، وأظهرت جابر بن حيان على سر الكيمياء؛ وأعطيت النظام أصلاً أدرك به الحقائق، وجعلت للكندي رسماً استخرج به الدقائق؛ وأن صناعة الألحان اختراعك، وتأليف الأوتار توليدك وابتداعك؛ وأن عبد الحميد بن يحيى باري أقلامك، وسهل بن هارون مدون كلامك؛ وعمر بن بحرٍ مستمليك، ومالك بن أنسٍ مستفتيك؛ وأنك الذي أقام البراهين، ووضع القوانين؛ وحد الماهية وبين الكيفية والكمية، وناظر في الجوهر والعرض، وبيّن الصحة من المرض؛ وفكّ المعمي، وفصل بين الاسم والمسمى؛ وضرب وقسّم، وعدل وقوّم؛ وصنّف الأسماء والأفعال، وبوّب الظرف والحال؛ وبنى وأعرب، ونفى وتعجب؛ ووصل وقطع، وثنى وجمع؛ وأظهر وأضمر، وابتدأ وأخبر؛ واستفهم وأهمل وقيّد، وأرسل وأسند، وبحث ونظر، وتصفح الأديان، ورجح بين مذهبي ماني وغيلان؛ وأشار بذبح الجعد، وقتل بشار بن برد؛ وأنك لو شئت خرقت العادات، وخالفت المعهودات؛ فأحلت البحار عذبة، وأعدت السلام رطبة؛ ونقلت إذا فصار أمسا، وزدت في العناصر فكانت خمساً؛ وأنك المقول فيه: \" كل الصيد في جوف الفرا \"\rليس على الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد\rوالمعنى بقول أبي تمام:\rفلو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع\rوالمراد بقول أبي الطيب:\rذكر الأنام لنا فكان قصيدةً ... كنت البديع الفرد من أبياتها\rفكدمت غير مكدم ونفخت في غير فحم؛ ولم تجد لرمح مهزا، ولا لشفرة محزا؛ بل رضيت من الغنيمة بالإياب، وتمنيت الرجوع بخفي حنين، لأني قلت لها: \" لقد هان من بالت عليه الثعالب \" وأنشدت:\rعلى أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب\rونخرت وكفرت، وعبست وبسرت؛ وأبدأت وأعدت، \" وأبرقت وأرعدت \"","part":2,"page":354},{"id":855,"text":"و \" هممت ولم أفعل وكدت \" وليتني \" ولولا \" أن \" للجوار ذمة وللضيافة حرمة؛ لكان الجواب في قذال الدمستق، ولكن النعمل حاضرةٌ إن عادت العقرب، والعقوبة ممكنةٌ إن أصر المذنب؛ وهباً لم تلاحظك بعينٍ كليلة عن عيوبك، ملؤها حبيبها، وحسنٌ فيها من تودّ، وكانت إنما حلتك بحلاك، ووسمتك بسيماك؛ ولم تعرك شهاده، ولا تكلفت لك زيادة؛ بل صدقتك سن بكرها فيما ذكرته عنك، ووضعت الهناء مواضع النقب فيما نسبته إليك؛ ولم تكن \" كاذبة فيما أثنت به عليك \" ، فالمعيدي تسمع به لا أن تراه، هجين القذال، أرعن السبال؛ طويل العنق والعلاوة، مفرط الحمق والغباوة؛ جافي الطبع، سيء الجابة والسمع؛ بغيض الهيئة، سخيف الذهاب والجيئة؛ ظاهر الوسواس، منتن الأنفاس؛ كثير المعايب، مشهور المثالب؛ كلامك تمتمة، وحديثك غمغمة؛ وبيانك فهفهة، وضحكك قهقهة؛ ومشيك هرولة، وغناك مسألة؛ ودينك زندقة، وعلمك مخرقة.\rمساوٍ لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطلاق\rحتى إن باقلاً موصوفٌ بالبلاغة إذا قرن بك، وهبنقة مستحقٌ لاسم العقل إذا نسب منك، وأبا غبشان محمودٌ منه سداد الفعل إذا أضيف إليك، وطويساً مأثورٌ عنه يمن الطائر إذا قيس عليك؛ فوجودك عدم، والاغتباط بك ندم؛ والخيبة منك ظفر، والجنة معك سقر؛ كيف رأيت لؤمك لكرمي كفاء، وضعتك لشرفي وفاء؟ وأني جهلت أن الأشياء إنما تنجذب إلى أشكالها، والطير إنما تقع على ألافها؟ وهلا علمت أن الشرق والغرب لا يجتمعان، وشعرت أن ناديي المؤمن والكافر لا يتراءيان، وقلت: الخبيث والطيب لا يستويان، وتمثلت:\rأيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان\rوذكرت أني علق لا يباع ممن زاد، وطائرٌ لا يصيده من أراد، وغرضٌ لا يصيبه إلا من أجاد؛ ما أحبسك إلا كنت قد تهيأت للتهنئة، وترشحت للترفئة؛ أولى لك، لولا أن جرح العجماء جبار، للقيت ما لقي من الكواعب يسار؛ فما همّ إلا بدون ما هممت به، ولا تعرض إلا الأيسر ما تعرضت له؛ أين أدعاؤك رواية الأشعار، وتعاطيك حفظ السير والأخبار؟\rبنو دارمٍ أكفاؤهم آل مسمع ... وتنكح في أكفائها الحبطات\rوهلا عشيت ولم تغتر، وما أمنك أن تكون وافد البراجم، أو ترجع بصحيفة المتلمس، وأفعل بك ما فعله عقيل بن علقة بالجهني إذ جاءه خاطباً فدهن استه بزيت وأدناه من قرية النمل؟ ومتى كثر تلاقينا، واتصل ترائينا؛ فيدعوني إليك ما دعا ابنة الخس إلى عبدها من طول السواد، وقرب الوساد؟ وهل فقدت الأراقم فأنكح في جنب، أو عضلني همام بن مرة فأقول: زوجٌ من عود، خيرٌ من قعود \" ؟ ولعمري بلغت هذا المبلغ لارتفعت عن هذه الحطة، وما رضيت بهذه الخطة؛ \" فالنار ولا العار \" و \" المنية ولا الدنية \" والحرة تجوع ولا تأكل بثدييها:\rفكيف وفي أبناء قومي منكحٌ ... وفتيان هزان الطوال الغرانقة\rما كنت لأتخطى المسك إلى الرماد، ولا لأمتطي الثور دون الجواد؛ فإنما يتيم من لا يجد ماء، ويرعى الهشيم من عدم الجميم، ويركب الصعب من لا ذلول له؛ ولعلك إنما غرك من علمت صبوتي إليه، وشهدت مساعفتي له، من أقمار العصر، ورياحين المصر؛ الذين هم الكواكب علوّ همم، والرياض طيب شيم .\rمن تلق منهم لا تقل: لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري","part":2,"page":355},{"id":856,"text":"فيحنّ قدحٌ ليس منها؛ ما أنت وهم؟ وأين تقع منهم؟ وهل أنت إلا واو عمرٍو فيهم، وكالوشيطة في العظم بينهم؟ وإن كنت إنما بلغت قعر تابوتك، وتجافيت لقميصك عن بعض قوتك؛ وعطرت أردانك، وجررت هميانك؛ واختلت في مشيتك، وحذفت فضول لحيتك؛ وأصلحت شاربك، ومططت حاجبك؛ ودققت خط عذارك، واستأنفت عقد إزارك؛ رجاء الاكتتاب فيهم، وطمعاً في الاعتداد منهم؛ فظننت عجزاً، وأخطأت استك الحفرة؛ والله لو كساك محرّقٌ البردين، وحلتك مارية بالقرطين؛ وقلدك عمرو بالصمصامة، وحملك الحارث على النعامة؛ ما شككت فيك، ولا تكلمت بملء فيك؛ ولا سترت أباك، ولا كنت إلا ذاك؛ وهبك ساميتهم في ذروة المجد والحسب، وجاريتهم في غاية الظرف والأدب؛ ألست تأوي إلى بيتٍ قعيدته لكاع؟ إذ كلهم عزبٌ خالي الذراع؛ وأين من أنفرد به، ممن لا أغلب إلا على الأقل الأخس منه؟ وكم بين من يعتمدني بالقوة الظاهرة، والشهوة الوافرة؛ والنفس المصروفة إلي، واللذة الموقوفة عليّ؛ وبين آخر قد نزحت بيره، ونضب غديره؛ وذهب نشاطه، ولم يبق إلا ضراطه؛ وهل كان يجمع لي فيك إلا الحشف وسوء الكيلة. ويقترن علي بك إلا الغدة والموت في بيت سلولية؟\rتعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذل الحرص أعناق الرجال\r\" وهذا الشعر لأبي العتاهية يخاطب به سلم بن عمرو، ويلومه على حرصه، ويتلوه \" :\rهب الدنيا تصير إليك عفواً ... أليس مصير ذاك إلى زوال\rما كان أحقك بأت تقدر بذراعك، وتربع على ظلعك؛ ولا تكون براقش الدالة على أهلها، وعنز السوء المستثيرة لحتفها؛ فما أراك إلا قد سقط العشاء بك على السرحان، وبك لا بظبي أعفر، قد أعذرت إن أغنيت شيّاً، وأسمعت لو ناديت حياً؛ وقرعت عصا العتاب، وحذرت سوء العقاب. \" إن العصا قرعت لذي الحلم \" \" والشيء تحقره وقد ينمي \" . فإن بادرت بالندامة، ورجعت على نفسك بالملامة؛ كنت قد اشتريت العافية لك بالعافية منك؛ وإن قلت \" جعجعة ولا طحنا \" و \" ربّ صلفٍ تحت الراعدة \" وأنشدت:\rلا يؤيسك من مخبأةٍ ... قولٌ تغلظه وإن جرحا\rفعدت لما نهيت عنه، وراجعت ما استعفيت منه؛ بعثت من يزعجك إلى الخضراء دفعاً، ويستحثك نحوها وكزاً وصفعاً؛ فإذا صرت بها عبث أكاورها بك، وتسلط نواطيرها عليك؛ فمن قرعةٍ معوجةٍ تقوم في قفاك، وفجلةٍ منتنةٍ يرمي بها تحت خصاك؛ لكي تذوق وبال أمرك، وترى ميزان قدرك.\rفمن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى\rوقال أيضاً في رقعةٍ خاطب بها ابن جهور - وهي من رسائله المشهورة - أولها: يا مولاي وسيدي الذي ودادي له، واعتدادي به، واعتمادي عليه - أبقاك الله ماضي حدّ العزم، واري زند الأمل، ثابت عهد النعمة - إن سلبتني أعزك الله لباس إنعامك، وعطلتني من حلي إيناسك، وغضضت عني طرف حمايتك؛ بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك، وسمع الأصم ثنائي عليك، وأحس الجماد بإسنادي إليك؛ فلا غرو قد يغص بالماء شاربه، ويقتل الدواء المستشفى به، ويؤتي الحذر من مأمنه، وتكون منية المتنمي في أمنيته \" والحين قد يسبق جهد الحريص \" وإني لأتجلد، وأري الشامتين إني لا أتضعضع، وأقول: هل أنا إلا يدٌ أدماها سوارها، وجبينٌ عضه إكليله، ومشرفي ألصقه بالأرض صاقله، وسمهري عرضه على النار مثقفه، وعبدٌ ذهب سيده مذهب الذي يقول:\rفقسا ليزدجروا ومن يك حازماً ... فليقس أحياناً على من يرحم\rوالعتب محمودٌ عواقبه، والنبوة غمرةٌ ثم تنجلي، والنكبة \" سحابة صيف عن قريب تقشع \" وسيدي إن أبطأ معذور.\rفإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللاتي سررن ألوف","part":2,"page":356},{"id":857,"text":"فليت شعري ما الذنب الذي أذنبت ولم يسعه العفو؟ ولا أخلو من أن أكون بريئاً فأين العدل؟ أو مسيئاً فأين الفضل؟ وما أراني إلا لو أمرت بالسجود لآدم فأبيت واستكبرت، وقال لي نوحٌ: \" اركب معنا \" فقلت: \" سآوي إلى جبلٍ يعصمني من الماء \" وتعاطيت فعقرت، وأمرت ببناء صرحٍ لعليّ أطلع إلى إله موسى، وعكفت على العجل، واعتديت في السبت، وشربت من النهر الذي ابتلي به جنود طالوت، وقدت الفيل لأبرهة، وعاهدت قريشاً على ما الصحيفة، وتأولت في بيعة العقبة، ونفرت إلى العير ببدر، وانخذلت بثلث الناس يوم أحد، وتخلفت عن صلاة العصر في بني قريظة، وجئت بالإفك على عائشة، وأبيت من إمارة أسامة، وزعمت أن خلافة أبي بكر كانت فلتة ورويت رمحي من كتيبة خالد ومزقت الأديم الذي باركت يد الله فيه، وضحيت بالأشمط الذي عنوان السجودية، وكتبت إلى عمر بن سعد أن جعجع بالحسين، وبذلت لقطام.\rثلاثة آلافٍ وعبداً وقينةً ... وضرب عليّ بالحسام المخذم\rوتمثلت عند ما بلغني من وقعة الحرة:\rليت أشياخي ببدرٍ شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل\rقد قتلنا القرن من أشياخهم ... وعدلناه ببدرٍ فاعتدل\rورجمت الكعبة، وصلبت العائذ بها على الثنية؛ لكان فيما جرى عليّ ما يحتمل أن يسمى نكالاً، ويدعى ولو على المجاز عقابا.\rوحسبك من حادثٍ بامرىء ... يرى حاسديه له راحمينا\rفكيف ولا ذنب إلا نميمةٌ أهداها كاشح، ونبأٌ جاء به فاسق؛ والله ما غششتك بعد النصيحة، ولا انحرفت عنك بعد الصاغية، ولا نصبت لك بعد التشيع فيك، ففيم عبث الجفاء بأذمتي، وعاث في مودتي؟ وأني غلبني المغلب، وفخر عليّ الضعيف، ولطمتني غير ذات سوار؟ ومالك لم تمنع مني قبل أن أفترس، وتدركني ولما أمزق، أم كيف لا تتصرم جوانح الأكفاء حسداً لي على الخصوص بك، وتتقطع أنفاس النظراء منافسةً في الكرامة عليك وقد زانني اسم خدمتك، وزهاني وسم نعمتك وأبليت البلاء الجميل في سماطك، وقمت المقام المحمود على بساطك.\rألست الموالي فيك نظم قصائدٍ ... هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما\rوهل لبس الصباح إلا برداً طرزته بمحامدك، وتقلدت الجوزاء إلا عقداً فصلته بمآثرك، وبث المسك إلا حديثاً أذعته بمفاخرك؛ \" ما يوم حليمة بسر \" وحاش لله أن أعدّ من العاملة الناصبة، وأكون كالذبالة المنصوبة تضيء للناس وهي تحترق.\rوفي فصل منه: ولعمري ما جهلت أن الرأي في أن أتحول إذا بلغتني الشمس، ونبا بي المنزل، وأضرب عن المطامع التي تقطع أعناق الرجال، ولا أستوطئ العجز فيضرب بي المثل: \" خامري أم عامر \" وإني مع المعرفة بأن الجلاء سباءٌ، والنقلة مثلةٌ، لعارفٌ أن الأدب الوطن الذي لا يخشى فراقه، والخليط الذي لا يتوقع زواله؛ والنسب الذي لا يجفي؛ والجمال الذي لا يخفى؛ ثم ما قران السعد للكواكب أبهى أثراً، ولا أسنى خطراً، من اقتران غني النفس به، وانتظامها نسقا معه؛ فإن الحائز لهما، الضارب بسهمٍ فيهما - وقليلٌ ما هم - أينما توجه ورد منهمل بر، وحطّ في جناب قبول، وضوحك قبل إنزال رحله، وأعطي حكم الصبي على أهله وقيل له:\rأهلاً وسهلاً ومرحباً ... فهذا مبيتٌ صالحٌ وصديق\rغير أن الموطن محبوب، والمنشأ مألوف؛ واللبيب يحن إلى وطنه، حنين النجيب إلى عطنه؛ والكريم لا يجفو أرضاً فيها قوابله، ولا ينسى بلداً فيه مراضعه؛ وأنشد قول الأول:\rأحب بلاد الله ما بين منعجٍ ... إليّ وسلمى أن يصوب سحابها\rبلادٌ بها عق الشباب تمائمي ... وأول أرضٍ مس جلدي ترابها\rهذا إلى مغالاتي في تعلق جوارك، ومنافستي في الحظ من قربك، واعتقادي أن الطمع في غيرك طبع، والغني من سواك عناء، والبدل منك أعور، والعوض لفاء.\rوإذا نظرت إلى أميري زادني ... ضنا به نظري إلى الأمراء\r\" كل الصيد في جوف الفرا \" و \" وفي كل شجرٍ نار، واستمجد المرخ والعفار \" ؛ فما هذه البراءة ممن تولاك، والميل عمن يميل إليك؟ وهلا كان هواك فيمن هواه فيك، ورضاك لمن رضاه لك؟\rيا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيءٍ بعدكم عدم","part":2,"page":357},{"id":858,"text":"أعيذك ونفسي من أن أشيم خلباً، وأستمطر جهاماً، وأكدم غير مكدم، وأشكو شكوى الجريح إلى العقبان والرخم؛ وإنما أبسست لك لتدر، وحركت لك الحوار لتحن؛ وسريت لك ليحمد المسري إليك؛ بعد اليقين من أنك إن شئت عقد أمري تيسر، ومتى أعذرت في فك أسري لم يتعذر؛ وعلمك يحيط بأن المعروف ثمرة النعمة، والشفاعة زكاة المروءة، وفضل الجاه تعود به صدقةٌ.\rوإذا امرؤ أسدى إليك صنيعةً ... من جاهه فكأنها من ماله\rلعلي ألقي العصا بذراك، وتستقر بي النوى في ظلك، فتستلذ جنى شكري من غرس عارفتك، وتستطيب عرف ثنائي من روض صنيعتك؛ وأستأنف التأدب بأدبك، والاحتمال على مذهبك؛ فلا أوجد للحاسد مجال لحظة، ولا أدع للقادح مساغ لفظة؛ والله ميسرك من إطلابي هذه الطلبة، وإشكائي من هذه الشكوى لصنيعةٍ تصيب بها طريق المصنع، ويدٍ تستودعها أحفظ مستودع؛ حسبما أنت خليقٌ له، وأنا منك حري به؛ فذلك بيده، وهينٌ عليه. وشفعها بأبيات فقال:\rالهوى في طلوع تلك النجوم ... والمنى في هبوب ذاك النسيم\rسرنا عيشنا الرقيق الحواشي ... لو يدوم السرور للمستديم\rوطرٌ ما انقضى إلى أن تقضى ... زمنٌ ما ذمامه بالذميم\rزاد مستخفياً وهيهات أن يخ ... تفي البدر في الظلام البهيم\rفوشى الحلى إذ مشى وهفا الطي ... ب إلى حيث كاشحٌ بالنميم\rأيها المؤذني بظلم الليالي ... ليس يومي بواحدٍ من ظلوم\rما ترى البدر إن تأملت والشم ... س هما يكسفان دون النجوم\rوهو الدهر ليس ينفك ينحو ... بالمصاب العظيم نحو العظيم\rبوأ الله جهوراً أشرف السؤد ... د في السر واللباب الصميم\rواحدٌ سلم الجميع له الفض ... ل وكان الخصوص وفق العموم\rقلد الغمر ذا التجارب فيه ... واكتفى جاهلٌ بعلم عليم\rومنها في ذكر اعتقاله:\rسقمٌ لا أعاد منه وفي الع ... ائد أنسٌ يفي ببرء السقيم\rنار بغيٍ سرت إلى جنة الأر ... ض بياتاً فأصبحت كالصريم\rبأبي أنت إن تشأتك برداً ... وسلاماً كنار إبراهيم\rللشفع الثناء، والحمد في صو ... ب الحيا للرياح لا للغيوم\rثم قال: هاكها أعزك الله يبسطها الأمل، ويقبضها الخجل؛ لها ذنب التقصير، وحرمة الإخلاص، فهب ذنباً لحرمة، واشفع نعمةً بنعمة؛ لتأتي الإحسان من جهاته، وتسلك الفضل من طرقاته؛ إن شاء الله تعالى.\rومن كلام أبي عبد الله بن أبي الخصال من جواب لابن بسام - وكان قد كتب إليه يسأله إنفاذ بعض رسائله ليضمنها كتابه الذي ترجمه بالذخيرة، فكتب: وصل من السيد المسترق، والمالك المستحق - وصل الله أنعمه لديه، كما قصر الفضل عليه - كتابه البليغ، واستدراجه المريغ؛ فلولا أن يصلد زند اقتداحه، ويرد طرف افتتاحه؛ وتقبض يد انبساطه، وتغبن صفقة اغتباطه؛ للزمت معه قدري، وضن بسره صدري؛ ولكنه بنفثة سحره يستنزل العصم فتجنب، ويقتاد الصعب فيصحب، ويستدر الصخور فتحلب؛ ولما جاءني كتاب ابتداه، وقرع سمعي نداه؛ فرغت إلى الفكر، وخفق القلب بين الأمن والحذر؛ فطاردت من الفقر أوابد فقر، وشوارد عفر، تغبر في وجه سائقها، ولا يتوجه اللحاق إلى وجيهها ولا حقها؛ فعلمت أنها الإهابة والمهابة، والإجابة والاسترابة؛ حتى أيأستني الخواطر، وأخلفتني المواطر، إلا زبرجاً يعقب جواداً، وبهرجاً لا يحتمل انتقاداً؛ وأني لمثلي والقريحة مرجاة والبضاعة مزجاة؛ ببراعة الخطاب، ويراعة الكتاب، ولولا دروس معالم البيان، واستيلاء العفاء على هذا اللسان؛ ما فاز لمثلي فيه قدح، ولا تحصل لي في سوقه ربح؛ ولكنه جوّ خال، ومضمار جهّال؛ وأنا أعزك الله أربأ بقدر الذخيرة، عن هذه النتف الأخيرة؛ وأرى أنها قد بلت مداها، واستوفت حلاها؛ وإنما أخشى القدح في اختيارك، والإخلال بمختارك؛ وعذراً إليك - أيدك الله - فإني خططت والنوم مغازل، والقر نازل؛ والريح تلعب بالسراج، وتصول عليه صولة الحجاج.\rثم أخذ في وصف السراج كما ذكرناه في الباب الرابع من القسم الثاني من الفن الأول في السفر الأول من هذا الكتاب.","part":2,"page":358},{"id":859,"text":"ومن كلام الوزير الفقيه أبي القاسم محمد بن عبد الله بن الجد، من رسالة خاطب بها ذا الوزارتين أبا بكر المعروف بابن القصيرة - وقد قربت بينهما المسافة ولم يتفق اجتماعهما - : لم أزل - أعزك الله - استنزل قربك براحة الوهم، عن ساحة النجم؛ وأنصب لك شرك المنى، في خلس الكرى، وأعلل فيه نفس الأمل، بضرب سابق المثل:\rما أقدر الله أن يدني على شحيطٍ ... من داره الحزن ممن داره صول\rفما ظنك به وقد نزل على مسافة يوم وطالما نفر عن حبالة نوم، ودنا حتى هم بالسلام، وقد كان من خدع الأحلام، وناهيك من ظمئتي وقد حمت حول المورد الخصر، وذممت الرشاء بالقصر، ووقف بي ناهض القدر، وقفة العير بين الورد والصدر؛ فهلا وصل ذلك الأمل بباع، وسمح الزمن باجتماع؛ وطويت بيننا رقعة الأميال، كما زويت مراحل أيامٍ وليال؛ وما كان على الأيام لو غفلت قليلاً، حتى أشفى بلقائك غليلاً، وأتنسم من روح مشاهدتك نفساً بليلاً؛ ولئن أقعدتني بعوائقها عن لقاء حر، وقضاء بر؛ وسفرٍ قريب، وظفر ريب؛ فما تحيفت ودادي، ولا ارتشفت مدادي؛ ولا غاضت كلامي، ولا أحفت أقلامي؛ وحسبي بلسان النبل رسولاً، وكفى بوصوله أملاً ورسولاً؛ ففي الكتاب بلغة الوطر، ويستدل على العين بالأثر؛ على أني نما وحيت وحي المشير باليسير، وأحلت فهمك على المسطور في الضمير؛ وإن فرغت للمراجعة ولو بحرف، أو لمحة طرف؛ وصلت صديقاً، وبللت ريقاً؛ وأسديت يداً، وشفيت صدى؛ لازالت أياديك بيضاً، وجاهك عريضاً؛ ولياليك أسحاراً، ومساعيك أنواراً.\r؟أبو عبد الله محمد بن الخياط\rمن رقعةٍ طويلةٍ إلى الحاجب المظفر أولها: حجب الله عن الحاجب المظفر أعين النائبات، وقبض دونه أيدي الحادثات.\rوجاء منها: ورد كتابٌ كريمٌ جعلته عوض يده البيضاء فقبلته، ولمحته بدل غرته الغراء فأجللته؛ كتاب ألقى عليه الحبر حبره، وأهدى إليه السحر فقره؛ أنذر ببلوغ المنى، وبشر بحصول الغنى؛ تخير له البيان فطبق مفصله، ورماه البنان فصادف مقتله؛ ووصل معه المملوك والمملوكة اللذان سماهما هدّية، وتنزه كرماً أن يقول عطية؛ همة ترجم السماكين، ونعمةٌ تملأ الأذن والعين؛ وما حرك - أيده الله - بكتابه ساكناً بحمده، ولا نبه نائماً عن قصده؛ كيف وقد طلعت الشمس التي صار بها المغرب شرقاً، وهبت الريح التي صار بها الحرمان رزقاً؛ صاحب لواء الحمد، وفارس ميدان المجد.\rوهي رقعةٌ طويلة قد ذكرنا منها في المديح فصلاً لا فائدة في إعادته.\r؟أبو حفص عمر بن الأصغر الأندلسي\rفمن ذلك أمانٌ كتبه لمن عصى وعاود الطاعة: أما بعد: فإن الغلبة لنا والظهور عليك جلباك إلينا على قدمك، دون عهد ولا عقدٍ يمنعان من إراقة دمك؛ ولكنا بما وهب الله لنا من الإشراف على سرائر الرياسة، والحفظ لشرائع السياسة؛ تأملنا من ساس جهتك قبلنا فوجدنا يد سياسته خرقاء، وعين حراسته عوراء، وقدم مداراته شلاء، لأنه غاب عن ترغيبك فلم ترجه، وعن ترهيبك فلم تخشه؛ فأدتك حاجتك إلى طلاب المطامع الدنية، وقلة مهابتك إلى التهالك على المعاصي الوبية؛ وقد رأينا أن تظهر فضل سيرتنا فيك، وتعتبر بالنظر في أمرك، فمهدنا لك الترغيب لتأنس إليه، وظللنا لك الترهيب لتفرق منه، فإن سوّت الحالتان طبعك، وداوي الثقاف والنار عودك، فذلك بفضل الله عليك، وبإظهاره حسن السياسة فيك؛ وأمان الله تعالى مبسوطٌ منا، ومواثيقه بالوفاء معقودةٌ علينا؛ وأنت إلى جهتك مصروف، وبعفونا والعافية منا مكنوف، إلا أن تطيش الصنيعة عندك فتخلع الربقة، وتمرق من الطاعة، فلسنا بأول من بغى عليه، ولست بأول من تراءت لنا مقاتله من أشكالك إن بغيت، وانفتحت لنا أبواب استئصاله من أمثالك إن طلبت.\rيعاتب بعض إخوانه:","part":2,"page":359},{"id":860,"text":"أظلم لي جو صفائك، وتوعرت علي طرق إخائك؛ وأراك جلد الضمير على العتاب، غير نافع الغلة من الجفاء؛ فليت شعري ما الذي أقصى بهجة ذلك الود، وأذبل زهرة ذلك العهد؛ عهدي بك وصلتنا تفرق من اسم القطيعة، وموديتنا تسأل عن صفة العتاب ونسبة الجفاء، واليوم هي آنس بذلك من الرضع بالثدي، والخليع بالكأس؛ وهذه ثغرةٌ إن لم تحرسها المراجعة، وتذك فيها عيون الاستبصار توجهت منها الحيل على هدم ما بيننا، ونقض ما اقتنينا؛ وتلك نائحة الصفاء، والصارخة بموت الإخاء؛ لا أستند أعزك الله من الكتاب إليك - وإن رغم أنف القلم، وانزوت أحشاء القرطاس، وأجر فم الفكر، فلم يبق في أحدها إسعادٌ لي على مكاتبتك، ولا بشاشةٌ عند محاولة مخاطبتك - لقوارص عتابك، وقوارع ملامك التي أكلت أقلامك، وأغصت كتبك، وأضجرت رسلك، وضميري طاوٍ لم يطعم تجنياً عليك، ونفسي وادعةٌ لم تحرك ذنباً إليك، وعقدي مستحكمٌ لم يمسسه وهنٌ فيك؛ وأنا الآن على طرف الإخاء معك، فإما أن تبهرني بحجة فأتنصل عندك، وإما أن تفي بحقيقةٍ فأستديم خلتك، وإما أن تأزم على يأسك فأقطع حبلي منك؛ كثيراً ما يكون عتاب المتصافين حيلةً تسبر المودة بها، وتستثار دفائن الأخوة عنها، كما يعرض الذهب على اللهب، ويصفى المدام بالفدام، وقد يخلص الود على العتب خلوص الذهب على السبك، فأما إذا أعيد وأبدي وردد وتوالي فإنه يفسد غرس الإخاء، كما يفسد الزرع توالي الماء.\r؟أبو الوليد بن طريف\rمن جواب عن المعتمد إلى ذي الوزارتين ابن يحفور صاحب شاطبة بسبب أبي بكر بن عمار: وقفت على الإشارة الموضوعة من قبلك على إخلاص دلّ على وجوه السلامة، المستنام فيها إلى شرف محتدك وصفاء معتقدك أكرم استنامة؛ بالشفاعة فيمن أساء لنفسه حظ الاختيار، وسبب لها سبب النكبة والعثار؛ بغمطه لعظيم النعمة؛ وقطعه لعلائق العصمة؛ وتخبطه في سنن غيه واستهدافه، وتجاوزه في ارتكاب الجرائم وإسرافه؛ حتى لم يدع للصلح موضعاً، وخرق ستر الإبقاء بينه وبين مولى النعمة عنده فلم يترك فيه مرقعاً؛ وقد كان قبل استشراء رأيه، وكشفه لصفحة المعاندة، وإبدائه غدره في جميع جناياته مقبولاً، وجانب الصفح له معرضاً مبذولاً؛ لكن عدته جوانب الغواية، عن طرق الهداية؛ فاستمر على ضلاله، وزاغ عن سنن اعتداله؛ وأظهر المناقضة، وتعرض بزعمه إلى المساورة والمعارضة؛ فلم يزل يريغ الغوائل، وينصب الحبائل؛ ويركب في العناد أصعب المراكب، ويذهب منه في أوعر المذاهب؛ حتى علقته تلك الأشراك التي نصبها، وتشبثت به مساوي المقدمات التي جرها وسببها؛ فذاق وبال فعله \" ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله \" ولم يحصل في الأنشوطة التي تورطها، والمحنة التي اشتملت عليه وتوسطها؛ إلا ووجه العفو له قد أظلم، وباب الشفاعة فيه قد أبهم؛ ومن تأمل أفعاله الذميمة، ومذاهبه اللئيمة؛ رأى أن الصفح عنه بعيد، والإبقاء عليه داءٌ حاضرٌ عتيد.\rوفي فصل منه: ففوق لمناضلة الدولة نباله، وأعمل في مكايدها جهده واحتياله؛ ثم بم يقتصر على ذلك بل تجاوزه إلى إطلاق بسانه بالذم الذي صدر عن لؤم نجاره، والطعن الشاهد بخبث طويته وإضماره؛ ومن فسد هذا الفساد كيف يرجى استصلاحه، ومن استبطن مثل غله كيف يؤمل فلاحه؛ ومن لك بسلامة الأديم النغل، وصفاء القلب الدغل؛ وعلى ذلك فلا أعتقد عليك فيما عرضت به من وجه الشفاعة غير الجميل، ولا أتعدى فيه حسن التأويل؛ ولو وفدت شفاعتك في غير هذا الأمر الذي سبق فيه السيف العذل، وأبطل عاقل الأقدار فيه الإلطاف والحيل؛ لتلقيت بالإجلال، وقوبلت ببالغ المبرة والاهتبال.\r؟ذو الوزارتين\rأبي المغيرة بن حزم من رسالة.","part":2,"page":360},{"id":861,"text":"لم أزل أزجر للقاء سيدي السانح، وأستمطر الغادي والرائح؛ وأروم اقتناصه ولو بشرك المنام، وأحاول اختلاسه ولو بأيدي الأوهام؛ وأعاتب الأيام فيه فلا تعتب، وأقودها إليه فلا تصحب؛ حتى إذا لب اليأس، وشمت الناس؛ وضربت بي الأمثال، فقيل: أكثر الآمال ضلال؛ تنبه الدهر من رقدته، وحلّ من عقدته؛ وقبل مني، وأظهر الرضى عني؛ وقال: دونك ما طمح فقد سمح، إليك فقد دنا ما قد جمح؛ فطرت بجناح الارتياح، وركبت إلى الغمام كواهل الرياح؛ وقلت: فرصةٌ تغتنم، وركنٌ يستلم؛ وطرقت روضة العلم عميمة الأزهار، فصيحة الأطيار؛ ريا الجداول، باردة الضحى والأصائل؛ وطفت بكعبة الفضل مصونة الحبر، ملثومة الحجر؛ عزيزة المقام، معمورة المشعر الحرام؛ فما شئنا من محاضرة، تجمع بين الدنيا والآخرة؛ بين يدي نثرٍ يدني الإعجاز، ونظمٍ ما أشبه الصدور بالأعجاز؛ وحديثٍ تثقف العقول بآرائه، وتروى بصافي مائه؛ فحين شمخ بالظفر أنفي، واهتز لنيل الأمل عطفي - والدهر يضحك سراً، ويتأبط شراً؛ وقد أذهلني الجذل عن سوء ظني به، وأوهمني نزوعه عن ذميم مذهبه - أتت ألوانه، وفسا ظربائه؛ ونادى: ليقم من قعد، وينتبه من رقد؛ إنما فترت تلك الفترة، ليكون ما رأيت عليك حسرة؛ وسمحت لك مرة، لتذوق من الأسف عليها كأسامرة، فرأيت وقد غطى على بصري، وعقلت وكنت في عمياء من خبري؛ وقلت: هو الذي أعهده من لؤمه، وأعرفه من شؤمه؛ فما وهب، إلا وسلب؛ ولا أعطى، إلا ساعاتٍ كإبهام القطا؛ فياله من قادرٍ ما ألأم قدرته، وذابحٍ ما أحد شفرته! ولو تسلط علينا، من يظهر شخصه إلينا، لأدركته رماحنا، وعصفت به رياحنا؛ لكنه أميرٌ من وراء سجف، يسعر بلا رجلٍ ويصول بلا كف.\r؟ومن كلام الوزير الكاتب\rأبي محمد بن عبد الغفور إلى بعض إخوانه - وكان قد وصف له امرأة ومدحها وحضه على زواجها، وكان لذلك الصديق امرأةٌ سوداء - فأجابه ابن عبد الغفور: بينما كنت ناظراً من المرآة في شعرٍ أحتم، ورأسٍ أجم، لا أخاف معه الذم؛ إذ تقدم رسولك إلي، يخطب بنت فلانٍ علي؛ ويرغب منها في سعة مال، وبراعة جمال؛ ويقسم إنها لبرةٌ بالزوج بريكة، لا تحوجه عند النوم إلى أريكة؛ ولو يسرت - وعياذاً بالله - لهذا النكاح، لرزقت قبل الولد منها آلة النطاح؛ ولا حاجة لي بعد الدعة والسكون، إلى حربٍ زبون، وقراعٍ بالقرون، ولو حملت إلي تاج كسرى وكنوز قارون؛ فاطلب لهذه السلعة المباركة مشترياً غيري، ولا تسقها ولو في النوم إلى ...؛ وابتعها ولو بأرفع الأثمان إلى نفسك، وأضف عاجها النفيس إلى أبنوس عرسك؛ ولا عذر لها في النشوز والإعراض، فإنما يحسن السواد لحالك بالبياض؛ والله يمدك بقرنين قبل الحين، ويضع لك صنعين وبيلين، فيسقطك بهذا النكاح الثاني الفم كما أسقطت بالأول لليدين.\r/////ذكر نبذة من كلام القاضي الفاضل\rالأسعد محيي الدين أبي علي\rعبد الرحيم ابن القاضي الأشرف أبي المجد علي بن الحسن بن الحسين ابن أحمد اللخمي الكاتب المعروف بالبيساني - رحمه الله تعالى - إليه انتهت صناعة الإنشاء ووقفت، وبفضله أقرت أبناء البيان واعترفت، ومن بحر علمه رويت ذوو الفضائل واغترفت؛ وأمام فضله ألقت البلاغة عصاها، وبين يديه استقرت بها نواها؛ فهو كاتب الشرق والغرب في زمانه وعصره، وناشر ألوية الفضل في مصره وغير مصره؛ ورافع علم البيان لا محاله، والفاصل بغير إطالة؛ وقد أنصف بعض الكتاب فيه، ونطق من تفضيله بملء فيه؛ حيث قال: كل فاضلٍ بعد الفاضل فضله، وكل؟ قد عرف له فضله؛ وستقف إن شاء الله من كلامه على السحر الحلال، فتروى صداك من ألفاظه بالعذب الزلال؛ فمن ذلك قوله: وافينا قلعة نجمٍ وهي نجمٌ في سحاب، وعقابٌ في عقاب؛ وهامةٌ لها الغمامة عمامه، وأنملةٌ إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامه.","part":2,"page":361},{"id":862,"text":"ومن رسائله ما كتب به إلى النظام أمير حلب: ورد كتاب المجلس السامي - حرس الله به نظام المجد وأطلق فيه لسان الحمد، ودامت مساعيه مصافحةً ليد السعد، وأحسن له التدبير في اليومين: من قبل ومن بعد - فمرحبا بمقدمه، وأهلا بمنجمه؛ والشوق تختلف وفود صروفه، وتتنوع صنوف ضيوفه؛ فلا بد أن تتبعض إذا تبعضت المسافات، وتبرد وتخمد إذا عبدت ودنت الطرقات؛ ولو بمقدار ما يدنو اللقاء على الرسول السائر، بالكتاب الصادر، والخيال الزائر، بالحبيب العاذر، والنسيم الخاطر، من رسائل الخواطر؛ وقد وجدت عندي أنسا لا أعهده؛ وعددت نقص البعد أحد اللقاءين، كما كنت أعد زيادة البعد أحد النأيين؛ فزاده الله من القلوب حظوه، ولا أخلاه من بسط يدٍ وقدمٍ في حظ؟ وحظوه؛ ووقفت على هذا الكتاب المشار إليه وما وقفت عنه لسانا شاكرا، ولا صرفت عنه طرفا ناظرا، وبلغت من ذلك جهدي وإن كان قاصرا، واستفرغت له خاطري وما أعده اليوم خاطرا؛ ومما أسر به أن يكون في الخدمة السلطانية - أعلاها الله ورفعها، ووصلها ولا قطعها، وألف عليها القلوب وجمعها، واستجاب فيها الأدعية وسمعها - من يكثر قليلى، ويشفى في تقبيل الأرض غليلي، فإن تقبيل سيدنا كتقبيلي؛ فلو شرب صديقٌ وأنا عطشان لأرواني، ولو استضاء بلمعة في الشرق وأنا في الغرب لأراني؛ كما أن الصديق إذا مسته نعمةٌ وجب عنها شكري، وإذا وصلت إليه يد منعم وصلتني وتغلغلت إلى ولو كنت في قبرى.","part":2,"page":362},{"id":863,"text":"ومنها: وأعود إلى جواب الكتاب، الأخبار لا تزال غامضةً إلى أن يشرحها، ومقفلةً إلى أن يفتحها؛ بخلاف حالي مع الناس، فإن القلوب لا تزال سالمةً إلا أن يجرحها، والهموم خفيفة إلا أن يرجحها؛ والحق من جهته ما تحقق، وما استنطق بشكر من أنطق؛ وفي الخواطر في هذا الوقت موجودٌ يجعلها في العدم، ويخرجها من الألم إلى اللمم، ويعادى بين الألسنة والأسماع وبين العيون والقلم؛ وكلما قلت الحيلة المشكوك في نجحها، فتح الله باب الحيلة المطموع في فتحها؛ وهي من فضل الله سبحانه والاستجارة بالاستخارة، فتلك تجارةٌ رابحةٌ وكل تجارةٍ لا تخلو من خساره؛ والله تعالى يجمع كلمة المسلمين على يد سلطاننا، ولا يخلينا منه ومن بنيه حلى زماننا، وشنوف إيماننا، ويسعدنا من أكابرهم بتيجان رؤوسنا، ومن أصاغرهم بخواتم أيماننا؛ ولو تفرغت العزمة الفلانية لهذا الكلب العدو فترجم كلبه، وتكف غربه؛ وتذيقه وبال أمره، وتطفئ شرار شره، وتتعجل له عاقبة خسره؛ فقد غاظ المسلمين وعضهم، وفل جموعهم وفضتهم؛ وما وجد من يكفى فيه ويكفه، ويشفى الغليل منه بما يشفه؛ ولو جعل السلطان - عز نصره - غزو هذا الطاغية مغزاه، وبلاده مستقر عسكره ومثواه، لأخذ الله الكافر بطغواه؛ ولأبقى ذكرا، وأجرى في الصحيفة أجرا؛ ولأطفأ الحقد الواقد، بالحديد البارد، وغنم المغنم البارد، وسدد الله ذلك العزم الصادر والسهم الصادر؛ فلا بد أن يجري سيدنا هذا الذكر، ولو لما أحتسبه أنا من الأجر؛ وما أورده المجلس عن فلانٍ من صفو شربه، وأمن سربه؛ واستقراره تحت الظل الظليل السلطاني - جعله الله ساكنا، وأحله منه حرما آمنا - ومن معافاته في نفسه وولده وجماعته، وأهل ولائه وولايته، فقد شكت له هذه البشرى، وفرحت بما يسر الله ذلك المولى له من اليسرى؛ غير أني أريد أن أسمع أخباره منه لا عنه وبمباشرته لا باستنابته، فلا عرفت مودته من المودات الكسالى، ولا أقلامه إلا بلبس السواد - على أنها مسرورةٌ سارةٌ لا ثكالى؛ وإذا قنع صديقه منه بفريضة حجية، لا تؤدى إلا في ساعة حوليه، فإن يبخل بها ذلك الكريم فقد انتحل الاسم الآخر - أعاذه الله منه، وصرف عنه لفظه كما صرف معناه عنه؛ وللمودة عينٌ لا يكحلها إذا رمدت إلا إثمد مداد الصديق، وما في الصبر وسعٌ لصحبة أيام العقوق بعد صحبة أيام العقيق، وقد بلغني أن ولد المذكور نزع وترعرع، ونفع وأينع؛ وخدم في المجلس السلطاني، فسررت بأن تجمع في خدمته الأعقاب والذراري؛ والله تعالى يحفظ علينا تلك الخدمة جميعا، ولا يعدمنا من يدها سحابا ولا من جنابها ربيعا؛ وقد فتح سيدنا بابا من الأنس ونهجه، وأوثر ألا يرتجه؛ بمكاتباته التي يده فيها بيضاء، ويد الأيام عندي خضراء؛ بحيث لا يستوفى على الحساب، في كل جواب؛ وأنا في هذه الأحوال أوثر العزلة وأبدأ فيها بلساني وقلمي، وأتوخى أن أشبه حالة وجودي بعدمي؛ فإني أرى من تحتها أروح ممن فوقها، ومن خرج منها أحظى ممن أقام بها؛ وللمودات مقر؟ ما هو إلا الألسنة، والقلوب قضاةٌ لا تحتاج إلى بينه.","part":2,"page":363},{"id":864,"text":"وكتب جواباً أيضاً إلى آخر وهو: وقفت على كتاب الحضرة - يسر الله مطالبها وجمل عواقبها، وصفى من الأكدار مشاربها، وحاط من غير الأيام جوانبها، ووسع في الخيرات سبلها ومذاهبها؛ ووقاها ووقى ولدها، وأسعدها واسعد يومها وغدها؛ وجمع الشمل بها قريبا، وأحدث لها في كل حادثةٍ صنعا غريبا - من يد الحضرة الفلانية - لا عدمت يدها ومدها، وأدام الله سعدها - وشكرت الله على ما دل عليه هذا الكتاب من سلامة حوزتها، ودوام نعمتها؛ وسبوغ كفايتها؛ وسألته سبحانه أن يصح جسمها، ويميط همي وهمها؛ فهما همان لا يتعلقان إلا بخدمة المخدوم - أجازنا الله فيه من كل هم، وأجرى بتخصيصه السعد الأعتم، واللطف الأتم - وعرفت ما أنعمت بذكره من المتجددات بحضرته، ومن الأمور الدالة على سعادته وقوته؛ وللأمور أوائل وأواخر، وموارد ومصادر؛ فنسأل الله سبحانه أن يجعل العواقب لكم، والمصادر إليكم، والنعمة عندكم، والنصرة خاصةً بسلطانكم، والكفاية مكتنفةً بجماعتكم؛ وقد قاربت الأمور بمشيئة الله أن تسفر وجوهها، والخواطر أن يستروح مشدوهها، \" إن الله لذو فضل على الناس \" وفي كل أقدار الله الخيرة، وفي حكمته أنه جعل الخيرة محجوبةً تحت أستار الأقدار؛ وقد علم الله تقسم فكري لما هي عليه من المشقات المحمولة بالقلب والجسد، والأمور الحاضرة في اليوم والمستقبلة في غد؛ وهي في جانب الخير، والخير يعم الوكيل لصاحبه، ومن أصلح جانبه مع الله كان الله جديراً بإصلاح جانبه.\rومنه: وعليه السلام الطيب الذي لو مر بالبهم لأشرق، أو بالهشيم لأورق؛ وكتبها الكريمة إن تأخرت فمأموله، وإن وصلت فمقبوله؛ وإن أنبأت بسار؟ فمشهوره وإن أبأت بشر؟ فمستوره؛ وخادمها فلانٌ يخدم مجلسها خدمة الخادم لمخدومه، ويكرر التسليم على وجهه الكريم المحفوف من كل قلب بحبه، ومن كل سلام بتسليمه.\rوكتب أيضاً: وصل كتاب الحضرة - وصل الله أيامها بحميد العواقب، وبلوغ المآرب، وصحبت الدهر على خير ما صحبه صاحب، وأنهضنا بواجب طاعته، فإنه بالحقيقة الواجب - وكل واجبٍ غيره غير واجب - من يد فلانٍ، فرجوت أن يكون طليعةً للاقتراب، ومبشراً بالإياب، ومخبرا بعودها الذي هو كعود الشباب لو يعود الشباب؛ وأعلمني من سلامة جسمها، وقلبها من همها؛ ما شكرت الله عليه، واستدمت العادة الجميلة منه، وسألته أن يوزعها شكر النعمة فيه، وعرفت الأحوال جملةً من كتابها، وكلها تشهد بتوفيق سلطاننا، وبأيامه التي تعود بمشيئة الله بإصلاح شانه وشاننا؛ والذي مده ظلا، يمده فضلا؛ فالفضل الذي في يديه، في خلق الله الذي أحالهم في الرزق عليه؛ فكيفما دعونا له دعونا لأنفسنا، وكيفما كانت أسنة رماحه فهي نجوم حرسنا، فلا عدمت أيامه التي هي أيام أعيادنا، ولا لياليه التي هي ليالي أعراسنا.","part":2,"page":364},{"id":865,"text":"ومن أجوبته: ورد على الخادم - أدام الله أيام المجلس وصفاها من الأكدار، وأبقى بها من تأثيراته أحسن الآثار، وأسمع منه وعنه أطيب الأخبار وجعل التوفيق مقيماً حيث أقام، وسائراً أينما سار - كتابه الكريم، الصادر عن القلب السليم، والطبع الكريم، والباطن الذي هو كالظاهر كلاهما المستقيم؛ ولا تزال الأخبار عنا محجمه، والأحاديث مستعجمه؛ والظنون مترجحة، والأقوال مسقمةٌ ومصححه؛ إلى أن يرد كتابه فيحق الحق ويبطل الباطل، ويتضح الحالي ويفتضح العاطل؛ ويعرف الفرق ما بين تحرير قائل، وتحوير ناقل؛ فتدعو له الألسنة والقلوب وتستغفر بحسناته الأيام من الذنوب؛ والشجاعة شجاعتان: شجاعةٌ في القلب وشجاعةً في اللسان؛ وكلتهما لديه مجموع، ومنه وعنه مروى؟ ومسموع؛ وذخائر الملوك هم الرجال، وآراء الحزماء هي النصال، ومودات القلوب هي الأموال، ومجالس آرائهم هي المعركة الأولى التي هي ربما أغنت عن معارك القتال؛ والله تعالى يمد المسلمين به حال تجمعهم على جهاد الكفار، ويلهمهم أن يبذلوا في سبيله النفس والسيف والدرهم والدينار؛ ويزيل ما في طريق المصالح من الموانع، ويفطم السيوف عن الدماء الإسلامية ويحرم عليها المراضع؛ ويجعل للمجلس في ذلك اليد العليا، والطريقة المثلى، ويجمع له بين خيري الآخرة والأولى؛ والأحوال هاهنا بمصر مع بعد سلطانها وتمادي غيبته عن مباشرة شانها؛ على ما لم يشهد مثله في أوقات السكون فكيف في أوقات القلق، على من يحفظ الله به في البلاد من الجموع ومن في الطرقات من الرفق؛ والأمير الولد صحيحٌ في جسمه وعزمه، متصرفٌ في مصالحه على عادته ورسمه؛ جعله الله نعم الخلف المسعود، وأمتعه بظل المجلس الممدود، في العمر المدود؛ وعرف الخادم أن المجلس ناب عنه مرةً بعد مرةٍ بمجلس فلان يشكر على ما سلف من ذلك المناب، ويستزيد ما يستأنفه من الخطاب؛ والبيت الكريم أنا في ولائه وخدمته كما قيل: إن قلبي لكم لكالكبد الحرى وقلبي لغيركم كالقلوب يسرني أن يمد الله ظلهم، وأن يجمع الله شملهم؛ كما يسوءني أن تختلف آرائهم ولا تنتظم أهواؤهم؛ وهذا المولى يبلغني أنه سد وساد، وجد وجاد، وخلف من سلف من كرام هذا البيت من الآباء والأجداد؛ واشتهرت حسن رعايته لمن جعله الله من الرعايا وديعه، وحسن عنايته بمن جعله الله له من الأجناد شيعه؛ وإذ بلغني ذلك سررت له ولابنه ولجده، وعلمت أنه لم يمت من خلفه لإحياء مجده؛ ومن استعمله بحسنٍ فقد أراد الله به حسنا، ومن أحسن إلى خلق الله كان الله له محسنا؛ إن الله أكرم الأكرمين، وأعدل العادلين؛ وكتب المجلس السامي ينعم بها متى خف أمرها، وتيسر حملها، وتفرغ وقته لها؛ والثقة حاصلةٌ بالحاصل من قلبه، وعاذرة وشاكرةٌ في المبطئ والمسرع من كتبه؛ ورأيه الموفق إن شاء الله تعالى.\rوكتب: ورد كتاب الحضرة السامية - أحسن الله لها المعونه، ويسر لها العواقب المأمونه، وأنجدها على حرب الفئة الكافرة الملعونه - بخبر خروج الخارج من قلعة كذا، وما صرح به من الخوف الذي ملأ الصدور، والاستحثاث في مسير العسكر المنصور؛ وكل ضيقةٍ وردت على القلوب ففزعت فيها إلى ربها فرجت فرجه وأذكى لها اليقين سرجه؛ ولم تشرك معه غيره مستعانا، ولم تدع معه من خلقه إنسانا؛ فما الضيقة وإن كانت منذورةً إلا مبشره، والخطة وإن كانت وعرةً إلا ميسره؛ لا جرم أن هذا الكتاب أعقبه وصول خبر نهضة فلان - نصر الله نهضاته، وأدى عنه مفترضاته - فاستنهض العساكر، وقوتل العدو الكافر؛ فنفس ذلك الخناق، وتماسكت الأرماق؛ وما أحسب أن الأمر يتمادى مع القوم، بل أقول: لا كرب على الإسلام بعد اليوم؛ تتوافى بمشيئة الله ولاة الأطراف، ويزول من نفس العدو وسمعه ما استشعره بين المسلمين من الخلاف؛ ويجتمعون إن شاء الله على عدوهم، ويذهب الله بأهل دينه ما كان من فساد أعدائه في أرضه وعلوهم؛ وقد شمعنا رائحة الهدنة بطلب الرسول، وبخبر هلاك ملك الألمان الذي هو بسيف الله مقتول، والموت سيف الله على الرقاب مسلول.","part":2,"page":365},{"id":866,"text":"ومنها: فأما ما أشار إليه من القلاع التي شحنها، والحصون التي حصنها؛ والأسلحة التي نقلها إليها، والأقوات التي ملأ بها عيون مقاتليها وأيديها؛ فإن الله يمن عليه بأن يسره لهذه الطاعه، ورزقه لها الاستطاعه؛ فكم رزق الله عبداً رزقاً حرمه منه وفتح عليه باباً من الخير وصرفه عنه؛ لا جرم أنه وفى قوماً أجرهم بغير حساب، ووقف قوماً بموقف مناقشة الحساب، الذي المصرف عنه إلى ما بعده من العذاب؛ الآن والله ملك الملك العادل ماله الذي أنفقه، وأودعه لخير مستودعٍ من الذي رزقه؛ وشتان بين الهمم: همة ملكٍ ذخر ماله في رؤوس القلاع لتحصين الأموال، وهمة ملك أودع ماله في أيدي المقاتلة لتحصين القلاع\rيبني الرجال وغيره يبني القرى ... شتان بين مزارعٍ ورجال\rوالحمد لله الذي جعل ماله له مسره، يوم يرى الذين يكتنزون الذهب والفضة المال عليهم حسره؛ ما أحسب أحداً من هذه الأمة إن كان عند الله من أهل الشهادات بين يديه، وإن كان كريم الوفادة لديه؛ إلا تلقاه شاكراً لهذا السلطان شاهداً بما يولى هذه الأمة من الإحسان، \" وفي ذلك فليتنافس المتنافسون \" سيحصد الزارعون ما زرعوا، والله يزيده توفيقاً إلى توفيقه، ويلهم كل مسلم القيام بمفترض بره ويعيذه من محذور عقوقه؛ وأنا أعلم أن الحضرة تفرد لي شطرا من زمانها المهم، لكتاب تلقيه إلي، وخبر سار؟ تورده علي؛ وأنا أفرد شطراً من زماني لشكرها، وأسر والله لها بتوفيق الله في جميع أمرها، فإن الذاكر لها بالخير كثير، فزاد الله طيب ذكراها؛ ورأيه الموفق في أن يجريني على كنف العادة، ولا يقطع عني هذه المادة؛ إن شاء الله تعالى.\rوكتب: ورد كتاب المجلس السامي - نصر الله عزائمه، وأمضى في رؤوس الأعداء صوارمه، وشد به بنيان الإسلام ودعائمه، واسترد به حقوق الإسلام من الكفر ومظالمه، وأخلف نفقاته في سبيل الله ومغارمه، وجعلها مغانمه - وكان العهد به قد تطاول، والقلب في المطالبة ما تساهل، ولمحت أشغاله بالطاعة التي هو فيها وما كل من تشاغل تشاغل؛ فهنأه الله بما رزقه، وتقبل في سبيل الله ما أنفقته وعافى الجسم الذي أنضاه في جهاد عدوه وأخلقه، وقد وفق من أتعب نفساً في طاعة من خلقها، وجسماً في طاعة من خلقه؛ فهذه الأوقات التي أنتم فيها أعراس الأعمار، وهذه النفقات التي تجري على أيديكم مهور الحور في دار القرار؛ قال الله سبحانه في كتابه الكريم: \" وما أنفقتم من شيءٍ فهو يخلفه وهو خير الرازقين \" وأما فلان وما يسره الله له، وهونه عليه، من بذل نفسه وماله، وصبره على المشقات واحتماله، وإقدامه في موقف الحقائق قبل رجاله؛ فتلك نعمة الله عليه، وتوفيقه الذي ما كل من طلبه وصل إليه؛ وسواد العجاج في تلك المواقف، بياض ما سودته الذنوب من الصحائف \" يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً \" فما أسعد تلك الوقفات، وما أعود بالطمأنينة تلك المرجفات؛ وقد علم الله سبحانه وتعالى مني ما علم من غيري من المسلمين من الدعاء الصالح في الليل إذا يغشى، ومن الذكر الجميل لكم في النهار إذا تجلى؛ والله تعالى يؤيد بكم إيمانكم، وينصركم وينصر سلطانكم، ويصلحكم ويصلح بكم زمانكم، ويشكر هجرتكم التي لم تؤثروا عليها أهليكم ولا أموالكم ولا أوطانكم؛ ويعيدكم إليها سالمين سالبين، غانمين غالبين؛ إنه على كل شيء قدير.","part":2,"page":366},{"id":867,"text":"وكتب: وصل كتاب الحضرة السامية - أيد الله عزمها، وسدد سهمها وجعل في الله همها، ووفر في الخيرات قسمها - مبشراً بالحركة الميمونة السلطانية إلى العدو خذله الله، ومسير المسلمين - نصرهم الله - تحت أعلامه أعلاها الله؛ ومباشرة العدو واستبشار المسلمين بما أسعدهم الله من الجرأة عليه، ومن إضمار العود إليه؛ وهذه مقدمةٌ لها ما بعدها، وهي وإن كانت نصرةً من الله فما نقنع بها وحدها فالهمة العالية للحرب التي تسلب الأجسام رؤوسها، والسيوف حدها؛ فإن الجنة غالية الثمن، والخطاب بالجهاد متوجهٌ إلى الملك العادل دون ملوك الأرض وإلا فمن؟ فهذه تشترى بالمشقات، كما أن الأخرى - أعاذنا الله منها - رخيصة الثمن وتشترى بالشهوات؛ والحضرة السامية نعم القرين ونعم المعين، وفرض ذي اللهجة المبين، أن يستجيش ذا القوة المتين، وكلمةٌ واحدةٌ في سبيل الله أنمى من ألوف المقاتلة والمئين؛ والله تعالى يوسع إلى الخيرات طرقها، ويطلق بها منطلقها، ويمتع الإخوان بخلقها الكريم فما منهم إلا من يشكر خلقها؛ ورأيها الموفق في إجرائي على العادة المشكورة من كتبها، وإمطاري من خواطرها، لا عدمت صوب سحبها.\rومن كتاب كتبه إلى القاضي محيي الدين بن الزكي: بعد أن أصدرت هذه الخدمة إلى المجلس - لا عدمت عواطفه وعوارفه، ولطائفه ومعارفه؛ وأمتع الله الأمة عموماً بفضائله وفواضله، ونفعهم بحاضره كما نفعهم بسلفه الصالح وأوائله، وعادى الله عدوه ودل سهامه على مقاتله - ورد كتابٌ منه في كذا وما بقيت أذكر الإغباب، فإن سيدنا يقابله بمثله، ولا العتاب فإن سيدنا يساجله بأفيض من سجله؛ ولا ألقى عليه من قولي قولاً ثقيلا، ولا أقابل به من قوله قولاً جلياً جليلا؛ فقد شب عمرو عن الطوق، وشرف البراق عن السوق؛ وذلك العمرو ما برح محتنكاً والطوق للصبي، وذلك البراق حمى لا يقدم إلا للنبي، ومع هذا فلا تقلص عني هذه الوظيفة، واعتقدها من قرب الصحيفه؛ فإنك تسكن بها قلباً أنت ساكنه وتسر بها وجهاً أنت على النوى معاينه.\rوكتب إلى العماد: كانت كتب المجلس - لا غير الله ما به من نعمه ولا قطع عنه مواد فضله وكرمه، ولا عدمت الدنيا خط قلمه وخطو قدمه؛ وأعاذنا الله بنعمة وجوده من شقوة عدمه - تأخرت وشق على تأخرها، وتغيرت على عوائدها والله يعيذها مما يغيرها؛ ثم جاءت ببيت ابن حجاج:\rغاب ما غاب ووافا ... ني على ما كنت أعهد\rوأجبته ببيت الرضي:\rومتى تدن النوى بهم ... يجدوا قلبي كما عهدوا\rكتابةٌ لا ينبغي ملكها إلا لخاطرة السليماني، وفيضٌ لا يسند إلا عن نوح قلمه الطوفاني، أوجبت على كل بليغ أن يتلو، \" ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني \" وبالجملة فالواجب على كل عاقل أن لا يتعاطى ما لم يعطه، وأن يدخل باب مجلس سيدنا ويقول حطه؛ فأما ما أفاض فيه من سكون الأحوال بتلك البلاغة فقد كدت أسكر لما استخرجته من تلك المحاسن التي لو أن الزمان الأصم يسمع لأسمعته، ولو أن الحظ الأشم يخضع لأخضعته؛ وبالجملة فإنه لا يشنأ زمنٌ أبقى من سيدنا نعمة البقية التي مهما وجدت فالخير كله موجود، والمجد بحفيظته مشهود؛ وكما تيسرت راحة جسمه، فينبغي أن يقتدى به قلبه في راحة من همه؛ وأعراض الدنيا متاع المتاعب، وقد رفع الله قدره، وإلا فهذه الدنيا وهدةٌ إليها مصاب المصائب؛ والحال التي هو الآن عليها عاكفٌ إلا من علمٍ يدرسه، وأدبٍ يقتبسه، وحريم عقائل يذب عنه ويحرسه؛ هي خير الأحوال، فالواجب الشكر لواهبها، والمسرة بالإفضاء إلى عواقبها؛ وما ينقص شيءٌ من المقسوم، وإن زاد عند المجلس فليس من حظه، ولكن من حظ السائل والمحروم؛ فلا يسمح المجلس بكتابٍ من كتبه على يدٍ من الأيدي التي لا تؤدى، ولا يؤمن أن تكون أناملها حروف التعدي، وهي إحدى ما تعلقت به الشهوات من اللذات، وهو ينعم بها على عادته في كف ضراوة القلب ودفع عاديته؛ موفقاً إن شاء الله تعالى.","part":2,"page":367},{"id":868,"text":"وكتب إلى القاضي محيي الدين بن الزكي أيضاً: كان كتابي تقدم إلى المجلس السامي - أدام الله نفاذ أمره، وعلو قدره، وراحة سره ونعمة يسره؛ وأجراه على أفضل ما عوده، وأسعد جده وأصعده، وأحضر أمثال العالم المقبل وأشهده؛ ولا زال يلبس الأيام ويخلعها، ويستقبل الأهلة ويودعها وهو محروس في دنياه ودينه، مستلئمٌ من نوب الدهر بدرع يقينه، كاشفٌ لليل الخطب بنور جبينه، وليوم الجدب بفيض يمينه؛ وأعماله مقبوله، ودعواته على ظهر الغمام محموله؛ والدنيا ترعاه وهي تأتي برغمها، والآخرة تدخر له وهو يسعى لها سعيها - من أيدي عدةٍ من المسافرين، ولثقتي بهم ما قدرت أسماءهم، ولضيق صدري بتأخير كتب المجلس ما حفظتها.\rوجاء منها: وما كأنا إلا أن دعونا الله سبحانه دعوة الأولين أن يباعد بين أسفارنا، وأردنا أن يقطع بيننا وبين أخبارنا؛ فأجيبت الدعوه، ولا أقول لسابق الشقوه، ولكن للاحق الحظوه؛ فإن مكابدة الأشواق إلى الأبرار، تسوق إلى الجنة ولا تسوق إلى النار، وأقسم أنني بالاجتماع به في تلك الدار، أبهج مني بالاجتماع به لو أتيح في هذه الدار؛ فعليه وعي من العمل ما يجمع هنالك سلك الشمل ويصل جديد الحبل؛ فثم لا يلقى العصا إلا من ألقى هنا العصيان، وهنالك لا تقر العين إلا ممن سهرت منه هاهنا العينان؛ فلا وجه لجمع اسمي مع اسمه في هذه الوصية مع علمي بسوء تقصيري، وخوفي من سوء مصيري، ولكن ليزيد سيدنا من وظائفه وعوارفه، - فكل فعله تفضل من فضله - ما يخلصني بإخلاصه فإنني أستحق شفاعته لشفعة جوار قلبي لقلبه، وهذا معنى ما بعث على شغل الكتاب به، مع علمي باستقرار نفسه النفيسة، إلا أنه - أبقاه الله - قد ابعد عهدي من كتبه بما يقع التفاوض فيه، والمراجعة عنه؛ والخواطر في هذا الوقت منقبضه، والشواغل لها معترضه، وأيام العمر في غير ما يفرض من الدنيا للآخرة منقرضه؛ ومتجدد نوبة بيروت قد غمت كل قلب، وهاجت المسلمين أشواقاً إلى الملك الناصر، وذكرى بما ينفعه الله به من كل ذاكر، وأخذ الناس في الترحم على أول هذا البيت والدعاء للحاضر والآخر - وليس إن شاء الله بآخر؛ فما ادخر المولى لهذه الحرب مجهودا، ولا فللت عسكرا مجرورا ولا مالاً ممدودا\rفإن كان ذلبى أن أحسن مطلبي ... إساةٌ ففي سوء القضاء لي العذر\rومنه: وسيدنا يستوصي بالدار بدمشق فقد خلت، وإنما الناس نفوس الديار؛ وأنا أعلم أن سيدنا في هذا الوقت مشدوه الخاطر عن الوصايا، ومشغول اللسان بتنفيذ ما ينفذه مما هو منتصب له من القضايا؛ فما في وقته فضلةٌ ولكن فضل، وسيدنا يحسن في كل قضية من بعد كما أحسن من قبل؛ فهو الذي جعل بيني وبين الشام نسبا وأنشأني فيه إلى أن ادخرت عقارا ونشبا فعليه أن يرعى ما أقناه، وينفي الشوك عن طريق اليد إلى جناه؛ والجار إلى هذا التاريخ ما اندفع جوره، ولا أدرك غوره؛ يعد لسانه ما تخلف يده، ويدعى يومه ما يكذبه فيه غده؛ وأنا على انتظار عواقب الجائرين، وقد عرف الغيظ مني ألفاظاً مجهولةً ما كنت أسمح بأن أعرفها، وكشف مستورا من أسباب الحرج ما يسرني أن أكشفها \" لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم: وأسوأ خلقاً من السيئ الخلق من أحوجه إلى سوء الخلق؛ وما ذكرت هذا ليذكر، ولا طويت الكتاب عليه لينشر، والسر عند سيدنا ميتٌ وهو يقضي حقه بأن يقبر.","part":2,"page":368},{"id":869,"text":"وكتب: أدام الله أيام المجلس وخصه من لطفه بأوفر نصيب، ومنحه من السعادة كل عجيب وغريب، وأراه ما يكون عنه بعيداً مما يؤمله أقرب من كل قريب - الخادم يخدم وينهى وصول كتابٍ كريمٍ تفجرت فيه ينابيع البلاغه، وتبرعت له بالحكم أيدي البراعه؛ وجاد منه بسماءٍ مزينةٍ بزينةٍ الكواكب، وهطل منها لأوليائه كل صوبٍ ولأعدائه كل شهابٍ واصب، وتجلى فما الغيد الكواعب؛ وما العقود في الترائب، وتفرق منه جيش الهم فانظر ما تفعل الكتب من الكتائب؛ وما ورد إلا والقلب إلى مورده شديد الظما، وما كحل به إلا ناظره الذي عشى عن الهدى وقرب من العمى؛ وما نار إبراهيم بأعظم من نوره، ولا سروره - صلى الله عليه وسلم - حين نجا أعظم يوم وصوله من سروره؛ فحيا الله هذه اليد الكريمة التي تنهل بالأنوار وتجزل سوابغ النعماء؛ وتعطي أفضل عطاءٍ يسرها في القيامه، وتحوز به أفضل أنواع الكرامه؛ فأما شوقه لعبده فالمولى - أبقاه الله - قد أوتي فصاحة لسان، وسحب ذيل العي على سحبان؛ ولو أن للخادم لساناً موات، وقلباً يقال له هي هات؛ لقال ما عنده، وأذكر عهده ووده؛ وباح بأشواقه، وذم الزمان على اعتياقه؛ وأما تفضله بكذا فالخادم ما يقوم بشكره، ولا يقدره حق قدره؛ وقد أحال مكافأة المجلس على ملىءٍ قادر، ومسرة خاطرة عليه يوم تبلى السرائر؛ والله تعالى يصله برزقٍ سني؟ يملأ إناه، ويوضح هداه؛ ولا يخلي المجلس من جميل عوائده، ويمنحه أفضل وأجزل فوائده إن شاء الله تعالى.\rومن مكاتباته يتشوق إلى إخوانه وأدوائه، ومحبيه وأوليائه - كتب إلى بعضهم:\rأأحبابنا هل تسمعون على النوى ... تحية عان أو شكية عاتب\rولو حملت ريح الشمال إليكم ... كلاما طلبنا مثله في الجنائب\rأصدر العبد هذه الخدمة وعنده شوقٌ يغور به وينجد، ويستغيث من ناره بماء الدمع فيجيب وينجد؛ ويتعلل بالنسيم فيغري ناره بالإحراق، ويرفع النواظر إلى السلوان فيعيدها الوجد في قبضة الإطراق؛ أسفاً على زمنٍ تصرم، ولم يبق إلا وجداً تضرم، وقلباً في يد البين المشت يتظلم\rليالى نحن في غفلات عيش ... كأن الدهر عنا في وثاق\rفلا تنفس خادمه نفساً إلا وصله بذكره، ولا أجرى كلاماً إلا قيده بشكره، ولا سار في قفرٍ إلا شبهه برحيب صدره، ولا أطل على جبل إلا احتقره بعلي قدره، ولا مر بروضةٍ إلا خالها تفتحت أزهارها عن كريم خلقه ونسيم عطره، ولا أوقد المصطلحون ناراً إلا ظنهم اقتبسوها من جمره، ولا نزل على نهر إلا كاثر دمعه ببحره\rسقى الله تلك الدار عودة أهلها ... فذلك أجدى من سحاب وقطره\rلئن جمع الشمل المشتت شمله ... فما بعدها ذنبٌ يعد لدهره\rفكيف ترى أشواقه بعد عامه ... إذا كان هذا شوقه بعد شهره\rبعيدٌ قريبٌ منكم بضميره ... يراكم إذا ما لم تروه بفكره\rترحل عنكم جسمه دون قلبه ... وفارقكم في جهره دون سره\rإذا ما خلت منكم مجالس وده ... فقد عمرت منكم مجالس شكره\rفيل ليل لا تجلب عليهم بظلمة ... وطلعة بدر الدين طلعة بدره\rونسأل الله تعالى أن يمن بقربه ورحاب الآمال فسائح، وركاب الهموم طلائح والزمن المناظر بالقرب مسامح؛ هنالك تطلق أعنة الآمال الحوابس، ويهتز مخضراً من السعود عودٌ يابس\rوما أنا من أن يجمع الله شملنا ... بأحسن ما كنا عليه بآيس\rوقد كان الواجب تقديم عتبه، على تأخير كتبه؛ ولكنه خاف أن يجنى ذنباً عظيماً ويؤلم قلباً كريماً\rولست براضٍ من خليل بنائلٍ ... قليلٍ ولا راضٍ له بقليل\rوحاشى جلاله من الإخلال بعهود الوفاء، ومن انحلال عقود الصفاء، وما عهدت عزمه القوى في حلبة الشوق إلا من الضعفاء، وحاشية خلقه إلا أرق من مدامع غرماء الجفاء\rمن لم يبيت والبين يصدع قلبه ... لم يدر كيف تقلقل الأحشاء\rوكتب أيضاً في مثل ذلك: كتب مملوك المولى الأجل عن شوقٍ قدح الدمع من الجفون شرارا، وأجرى من سيل الماء نارا، واستطال واستطار فما توارى أوارا، ووجدٍ على تذكر الأيام التي عذبت قصارا، والليالي التي طابت فكأنما خلقت جميعها أسحارا","part":2,"page":369},{"id":870,"text":"وبي غمرةٌ للشوق من بعد غمرةٍ ... أخوض بها ماء الجفون غمارا\rوما هي إلا سكرةٌ بعد سكرةٍ ... إذا هي زالت لا تزال خمارا\rرحلتم وصبري والشباب وموطني ... لقد رحلت أحبابنا تتبارى\rومن لم تصافح عينه نور شمسه ... فليس يرى حتى يراه نهارا\rسقى الله أرض الغوطتين مدامعي ... وحسبك سحبا قد بعثت غزارا\rوما خدعتني مصر عن طيب دارها ... ولا عوضتني بعد جاري جارا\rأدار الصبا لا مثل ربعك مربعٌ ... أرى غيرك الربع الأنيس قفارا\rفما اعتضت أهلا بعد أهلك جيرةً ... ولا خلت دار الملك بعدك دارا\rوما ضر اليد الكريمة التي أياديها بيض في ظلمات الأيام، وأفعالها لا يقوم بمدحها إلا ألسنة الأسنة والأقلام؛ لو قامت للمودة بشرطها، ومحت خط الأسى بخطها؛ وكتبت ولو شطر سطرٍ ففرغت قلباً من الهم مشحونا، وأطلقت صبراً في يد الكمد مسجونا؛ ونزهت ناظر المملوك في رياضٍ منثورة الحلى، وحلت عهوده بمكارم مأثورة العلا\rوما كنت أرضى من علاك بذا الجفا ... ولكنه من غاب غاب نصيبه\rولو غيركم يرمي الفؤاد بسهمه ... لما كان ممن قد أصاب يصيبه\rوما لي فيمن فرق الدهر أسوةٌ ... كأن محبا ما نآه حبيبه\rوالمملوك مذ حطت مصر أثقاله، وجهز الشام رحاله؛ وألقت النوى عصاها وحلت الأوبة عراها؛ يكتب فلا يجاب، ويستكشف الهم بالجواب فلا ينجاب\rيا غائبا بلقائه وكتابه ... هل يرتجى من غيبتيك إياب\rومتى يصفى الله ورد الحياة من التكدير، ويتحقق بلقائه أحسن التقدير \" وهو على جمعهم إذا يشاء قديرٌ \" .\rوزمان مضى فما عرف الأ ... ول إلا بما جناه الأخير\rأين أيامنا بظلك والشم ... ل جميعٌ والعيش غض؟ نضير\rوحوشى المولى أن يكون عوناً على قلبه، وأن يرحل إثره الري على سربه، وان ينسيه بإغباب الكتب ساعات قربه، وأن يحوجه إلى إطلاق لسانه بما يصون السمع الكريم عنه من عتبه؛ الأخ فلان مخصوصٌ بسلام كما تفتحت عن الورد كمائمه، وكما توضحت عن القطر غمائمه\rإذا سار في ترب تعرف تربها ... برياه والتفت عليها لطائمه\rوقد تبع الخلق الكريم في الإغباب والجفوه، وأعدت عزائمه قلبه فاستويا في الغلظة والقسوه\rإن كنت أنت مفارقي ... من أين لي في الناس أسوه\rوهب أن المولى اشتغل - لا زال شغله بمساره، وزمنه مقصوراً على أوطاره - فما الذي شغله عن خليله، وأغفله عن تدارك غليله؟ هذا وعلائقه قد تقطعت وعوائقه قد ارتفعت؛ وروضة هواه قد صارت بعد الغضارة هشيما، وعهوده قد عادت بعد الغضاضة رميما\rإن عهدا لو تعلمان ذميما ... أن تناما عن مقلتي أو تنيما\rوما أولى المولى أن يواصل بكتبه عبده، ويجعل ذكره عقده، ولا ينساه ويألف بعده، ويستبدل غيره بعده.\rوكتب أيضاً:\rأكذا كل غائبٍ ... غاب عمن يحبه\rغاب عنه بشخصه ... وسلا عنه قلبه\rولو أن لي يداً تكتب، أو لساناً يسهب، أو خاطراً يستهل، أو فؤاداً يستدل؛ لوصفت إليه شوقاً إن استمسك بالجفون نثر عقدها، أو نزل بالجوانح أسعر وقدها؛ أو تنفس مشتاقٌ أعان على نفسه، وظنه استعاره من قبسه؛ أو ذكر محب؟ حبيباً خاله خطر في خلده، وتفادى من أن يخطر به ذكر جلده\rحتى كأن حبيبا قبل فرقته ... لا عن أحبته ينأى ولا بلده\rبالله لا ترحموا قلبي وإن بلغت ... به الهموم فهذا ما جنى بيده\rولولا رجاؤه أن أوقات الفراق سحابة صيف تقشعها الرياح، وزيارة طيفٍ يخلعها الصباح؛ لاستطار فؤاده كمدا، ولم يجد ليوم مسرته أمدا؛ ولكنه يتعلل بميعاد لقياه، ويدافع سما أعله بلعله أو عساه\rغنىً في يد الأحلام لا أستفيده ... ودينٌ على الأيام لا أتقاضاه\rومن غرائب هذه الفرقه، وعوارض هذه الشقه؛ أن مولاي قد بخل بكتابه وهو الذي يداوي به أخوه غليل اكتئابه، ويستعديه على طارق الهم إذا لج في انتيابه\rكمثل يعقوب ضل يوسفه ... فاعتاض عنه بشم أثوابه","part":2,"page":370},{"id":871,"text":"وهب أن فلاناً عاقه عن الكتب عائق، واختدع ناظره كمن هو في ناضر عيشٍ رائق؛ فما الذي عض لمولانا حتى صار جوهر وده عرضا، وجعل قلبي لسهام إعراضه غرضا؟\rبي منه ما لو بدا للشمس ما طلعت ... من المكاره أو للبرق ما ومضا\rوما عهدته - أدام الله سعادته - إلا وقد استراحت عواذله، وعرى به أفراس الصبا ورواحله؛ إلا أن يكون قد عاد إلى تلك اللجج، ومرض قلبه فما على المريض حرج؛ وأياً ما كان ففي فؤادي إليه سريرة شوقٍ لا أذيعها ولا أضيعها، ونفسي أسيرة غلةٍ لا أطيقها بل أطيعها\rوإني لمشتاق إليك وعاتبٌ ... عليك ولكن عتبة لا أذيعها\rوالأخ النظام - أدام الله انتظام السعد ببقائه، وأعداني على الوجد بلقائه - مخصوصٌ بالتحية إثر التحيه، ووالهفى على تلك السجية السخيه؛ وردت منها البابلى معتقا، وظلت من أسر الهموم بلقائها معتقا\rخلائق إما ماء مزنٍ بشهدة ... أغادي بها أو ماء كرمٍ مصفقا\rوقد اجتمعت آراء الجماعة على هجراني، ونسوا كل عهدٍ غير عهد نسياني\rوما كنتم تعرفون الجفا ... فبالله ممن تعلمتم.\rوكتب أيضاً: إن أخذ العبد - أطال الله بقاء المجلس وثبت رفعته وبسط بسطته، ومكن قدرته، وكبت حسدته - في وصف أشواقه إلى الأيام التي كانت قصارا وأعادت الأيام بعدها طوالا، والليالي التي جمعت من أنوار وجهه شموساً ومن رغد العيش في داره ظلالا\rوجدت اصطباري بعدهن سفاهةً ... وأبصرت رشدي بعدهن ضلالا\rوإن أخذ في ذكر ما ينطق به لسانه من ولاءٍ صريح، ويعتقده جنانه من ثناءٍ فصيح\rتعاطى منالا لا ينال بعزمه ... وكل اعتزامٍ عن مداه طليح\rولكنه يعدل عن هذين إلى الدعاء بأن يبقيه الله للإسلام صدرا، وفي سماء الملة بدرا، وفي ظلمات الحوادث فجرا؛ وأن يجمع الشمل بمجلسه وعراص الآمال مطلوله وسهام القرب على نحور البعد مدلوله، وعقود النوى بيد اللقاء محلوله؛ \" وما ذلك على الله بعزيز \" .\rفقد يجمع الله الشتيتين بعد ما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا\rوما رمت به النوى مراميها، ولا سلكت به الغربة مواميها؛ إلا استنجد شوقه من الجفون هاميا، واستدعى من الزفرة ما يعيد مسلكه من الجوانح داميا، وصدر عن منهل الماء العذب النمير ظاميا، وتعلل بالأماني في الاجتماع \" وآخر ما يبقى الإياس الأمانيا \" والسلوة أن الطريق بحمد الله أسفرت عن فضل اجتهاده، وفضيلة جهاده؛ ونصرة الإسلام، وإعلاء الأعلام؛ وخدمة المجلس الفلاني - أعز الله نصره، وأسعد بها جده، وبلغ بها قصده، وأمضى في الكفر حده؛ وأورى بها للإسلام قدحا، وشرفت حديثا وشرحا، وأجهدت الأعداء إثخانا وجرحا\rوأبقى بها في جبهة الدهر أسطر ... إذا ما انمحى خط الكواكب لا تمحى\rإذا جاء نصر الله فالفتح بعده ... وقد جاء نصر الله فليرقب الفتحا\rفأما الخادم فيود ألا يزال لشرف محصلا، ولتلك اليد الكريمة مقبلا، وللغرة المتهللة كالصباح مستقبلا\rمحيا إذا حياك منه بنظرةٍ ... فتحت به بابا من اللطف مقفلا\rويرى أن خير أوقاته ما كان فيه بالحاشية الفلانية مكاثرا، وتحت ظلال ألويتها سائرا\rفثم ترى معنى السعادة ظاهرا ... وثم ترى حزب الهداية ظاهرا\rوالخادم يؤثر من المجلس المواصلة بالمراسم التي يعد أيامها من المواسم، ويقابل بها أوجه المسار طلقة المباسم؛ ويرتقبها ارتقاب الصوام للأهله، والرواد لمواقع السحائب المنهله.\rوكتب عن الملك الناصر صلاح الدين إلى تقي الدين بن عبد الملك:\rسقى الله أرض الغوطتين وأهلها ... فلي بجنوب الغوطتين جنون\rوما ذكرتها النفس إلا استفزني ... إلى طيب ماء النيربين حنين\rوقد كان شكى في الفراق مروعىفكيف أكون اليوم وهو يقين كم جهد ما تتسلى القلوب، وتسرى الكروب؛ لا سيما إذا كان الذي فارقته أعلق بالأكباد من خلبها، وأقرب إلى القلوب من حجبها؛ وهل يستروح إلا أن يفض ختام الدمع، ويخترق حجاب السمع، ويستغيث بسماء العيون ذات الرجع، لتجود أرض الخواطر ذات الصدع؛ وهنالك أوفى ما يكون الشوق جندا، وأورى ما يورى الوجد زندا","part":2,"page":371},{"id":872,"text":"إلى زفرةٍ أو عبرةٍ مستباحةٍ ... لهذي مراحٌ عنده ولذى مغدى\rوقد علم الله أني مذ فارقته ما دعاني الذكر إلا لبيته بجوابٍ من ماء الغليل غير قليل ولا ذكرت خلقه الجميل إلا ورأيت الصبر الجميل غير جميل\rوغير كثيرٍ وجد كثيرٍ ... ولوعة قيس والتياح جميل\rأهيم برسمٍ فيك للمجد واضحٍ ... وهاموا برسمٍ للغرام محيل\rوقد كتبت إليه حتى كاد يشيب له المداد، لو لم يخلع عليه الناظر حلة السواد وحبة الفؤاد، فما رد، وجار عن خلقه الكريم فإنه قط ما ود وصد؛ وأوثر منه ألا يحكم الفراق علي فيشتط، ولا يمكن اللوعة من مهجتي فتخبط\rفجد لي بدر؟ من بحارك إنني ... من الدمع في بحرٍ وليس له شط\rبكف؟ بها للحرب والسلم آيةٌ ... فيحي لديها الخط أو يقتل الخط\rونسأل الله الرغبة في اجتماع لا يكدر ورده، ولا ينثر عقده، ولا يعزب عن آفاق الوفاق سعده\rوما كان حكمى أن أفارق أرضكم ... ولكن حكم الله لسنا نرده\rوكتب عنه أيضاً إلى عز الدين فروخ شاه:\rأحبابنا لو رزقت الصبر بعدكم ... لما رضيت به عن قربكم عوضا\rإني لأعجب أني بعد فرقتكم ... ما صح جسمي إلا زادني مرضا\rأنبيكم عن يقينٍ أن قلبي لو ... أضحى مكان جناحي طائرٍ نهضا\rهذا ولو أنه بالعهد فيك وفى ... لكان حين قضى الله الفراق قضى\rكتبت - أطال الله بقاء المولى الولد - عن قريحةٍ قريحه، وإنسان مقلةٍ جريحٍ في جريحه، ولوعةٍ صريحه، وذكرةٍ إذا ذكر الصبر كانت طريحه\rوليلٍ بطئ طلوع الصبا ... ح شوقا إلى القسمات الصبيحه\rأبحت فؤادي وأنت المباح ... وما كان من حقه أن تبيحه\rوما أصبحت في قتال العذول ... أعنة قلبٍ عليهم جموحه\rمعنىً بريح شمال الشآم ... لقد عذب الله بالريح روحه\rفلا روح الله من قربكم ... فؤادي بخطرة يأسٍ مريحه\rولولا التعلل بأبنية المنى الخادعه، والنزول بأفنية الاسا الواسعه؛ لتصدعت أكبادٌ وتفطرت، وتجدلت أفراس دموعٍ وتقطرت\rيا صاحبى إن الدموع تنفست ... فدع الدموع تبيح ما قد أضمرت\rقد كنت أكتم عن وشاتي سرها ... ولقد جرى طرف الحديث كما جرت\rلله ليلاتٌ قرن بخومها ... بل بدرها بوجوه عيشٍ أقمرت\rأغلت على السلوان شوقكم فما ... باعت كما أمر الغرام من اشترت\rومذ فارقت تلك الغرة البدريه، والطلعة العزيزة العزيه؛ ما ظفرت بشخصه نوما ولا بكتابه يوما\rفواعجبا حتى ولا الطيف طارقا\rوأعجب له في الحرب نثر كتائبٍ ... بكف؟ أبت في السلم نظم كتاب\rيحاسبني في لفظةٍ بعد لفظةٍ ... ومعروفه يأتي بغير حساب\rولو رضيت - وكلا - بأن أحمل من هذا الجفاء كلا؛ لما رضي به لخلقه الرضي، ولأخذ بقول الرضي:\rهبوني أرضي في الإياس بهجركم ... أترضى لمن يرجوك ما دون وصله\rوالرغبة مصروفة العنان إلى الله أن يبيح من اللقاء منيعا، وينتج من اللطف صنيعا\rلو تأخذون بساعةٍ ... من وصلكم عمرى جميعا\rلرغبت في أن تشترى ... إن كنت ترضى أن تبيعا\rومفارقين مع الصبا ... عزماً فهل أرجو الطلوعا\rأقسمت لو رجعوا لأع ... قبني الصبا معهم رجوعا\rهبكم منعتم قربكم ... ولبستم بعدا منوعا\rأفتمنعون بكم ضلو ... عا قد شفين بكم ولوعا\rما غايتي إلا الدمو ... ع وأستقل لك الدموعا\rوكتب أيضاً رحمه الله تعالى يتشوق:\rفيا رب إن البين أنحت صروفه ... علي وما لي من معينٍ فكن معي\rعلى قرب عدالى وبعد أحبتي ... وأمواه أجفاني ونيران أضلعي\rهذه تحية القلب المعذب، وسريرة الصبر المذبذب، وظلامه عزم السلو المكذب؛ أصدرتها إلى المجلس وقد وفدت في الحشى نارها، الزفير أوارها، والدموع شرارها، والشوق أثارها وفي الفؤاد ثارها:","part":2,"page":372},{"id":873,"text":"لو زارني منكم خيالٌ هاجرٌ ... لهدته في ظلماته أنوارها\rأسفاً على أيام الاجتماع التي كانت مواسم لسرور الأسرار، ومباسم لثغور الأوطار؛ وتذكراً لأوقاتٍ عذب مذاقها، وعذب فراقها؛ وروحت بكرها، وروعت ذكرها\rوالله ما نسيت نفسي حلاوتها ... فكيف أذكر أني اليوم أذكرها\rومذ فارقت الجناب النوري - لا زال جنى جنابه نضيرا، وسنا سنائه مستطيرا؛ وملكه في الخافقين خافق الأعلام، وعزه على الجديدين جديد الأيام؛ لم أقف منه على كتاب يخلف سواد سطوره ما غسل الدمع من سواد ناظري، ويقدم ببياض منظومه ومنثوره ما وزعه البين من سواد خاطري\rولم يبق في الأحشاء إلا صبابةٌ ... من الصبر تجري في الدموع البوادر\rوأسأله المناب بشريف الجناب، وأداء فرض، تقبيل الأرض؛ حيث تلتقي وفود الدنيا والآخره، وتغمر البيوت العامرة المنن الغامره؛ يظل الظل غير منسوخٍ بهجيره، وينشر المجد بشخص لا تسمح الدنيا بنظيره\rتظاهر في الدنيا بأشرف ظاهرٍ ... فلم ير أنقى منه غير ضميره\rكفاني عزاً أن أسمى بعبده ... وحسبي هديا أن أسير بنوره\rفأي أميرٍ ليس يشرف قدره ... إذا ما دعاه صادقا بأميره\rوإنني في السؤال بكتبه أن يوصلها ليوصل بها لدى تهانئ تملأ يدي، ويودع به عندي مسرةً تقتدح في الشكر زندي\rعهدتك ذا عهدٍ هو الورد نضرةً ... وما هو مثل الورد في قصر العهد\rوأنا أرتقب كتابه ارتقاب الهلال لتفطر عين عن الكرى صائمه، وترد نفسٌ على موارد الماء حائمه.\rوكتب أيضاً يتشوق:\rلا عتب أخشاه لقطع كتابكم ... واسمع فعذري بعده لا يعتب\rمهما وجدتك في الضمير ممثلا ... أبدا تناجيني إلى من أكتب\rكتب عبد حضرة مولاه - حرس الله سموه، وأدام مزيد علائه ونموه، وقرن بالمسار رواحه وغدوه، وكبت حاسده وأهلك عدوه - عن سلمة ما استثنى فيها الدهر إلا ألم فراقه، وعافيةٍ موصولةٍ بمرض قلبٍ لا أرجو موعد إفراقه\rلو لم يكن إنسان عيني سابحا ... لخشيت حين بكيت من إغراقه\rوعندي إليه وجدٌ يكلم الضلوع، ويتكلم بألسنة الدموع؛ والنفس قريبة استعبار، لذكر أوقات السرور القصار، وأنوارها التي يكاد سنا برقها يخطف الأبصار.\rشهورٌ ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار\rإذا العيش غض؟ وريق، والمهج لم يتقسمها التفريق، ولا سار منها إلى بلدٍ فريقٌ وبقي في بلدٍ فريق، ولا سقاها كؤوس وجدٍ للجفون المترعة تريق\rثملت منها وما لي ... سوى الغرام رحيق\rوإلى الله الشكوى من شوقٍ في الصميم، وصبرٍ راحلٍ وغرامٍ لا يريم، كأنه غريم\rزعموا أن من تباعد يسلو ... لا ومحي العظام وهي رميم\rولقد استغرب وصول الرفاق وقد صفرت من كتابه الكريم عيابهم، ولو زاره لعده تحفة الخصيص بالتخصيص، وأدرك به بغية الحريص، ورأى للدهر المذنب مزية التمحيص، وصال به على نوائب الأيام المنتابة صولةً لا يجد عنها من محيص\rوحسبتني لوصوله ... يعقوب بشر بالقميص\rهنالك يرتع في تلك الرياض التي غصونها أسطارها، وشكلها أطيارها، وألفاظها نوارها، ومعانيها ثمارها، وبلاغتها أنهارها، وجزالتها تيارها\rإذا أظلمت للنفس فيها ليلةٌ ... قمر المعاني عندنا سمسارها\rويتلقاه قبل يده بقلبه، ويكاد يسبق ضميره إلى أكله وشربه\rويظنه والطرف معقودٌ به ... شخص الرقيب بدا لعين محبه\rوإذا ضن مولاه بمأثوره، جاد عليه بميسوره؛ ...\rفكأنني أهديت للشمس السنا ... وطرحت ما بين المصاحف دفترا\rوعلى كل حالٍ فيسأله أن يواصله من مراسمه بما ينتظره ناظره ليجد نورا، وقلبه ليستشعر به سرورا، وخاطره ليجعله بينه وبين الهم سورا؛ وألا يخلى رفقةً من كتابٍ ولو بالقلائد القلائل من درر أقلامه، ودراري كلامه.","part":2,"page":373},{"id":874,"text":"وكتب: لو استعار الخادم - أدام الله نعمة المجلس - أنفاس البشر كلاما، وأغصان الشجر أقلاما؛ وبياض النهار أطراسا، وسواد الليل أنقاسا؛ ما عبر عن الوجد الذي عبرت عنه عبراته، ولا عن الشوق الذي لا يستثيره مثله معبداً إذا هزجت في الثقيل الأول نبراته؛ أسفا على ما عدمه في هذه الطريق، من ذلك المحيا الطليق، والخلق الذي هو بكل مكرمةٍ خليق، والصفات التي يحسن بها كل حسنٍ ويليق، ويعذر كل جفنٍ يسفح ذخيرته شوقا إليها ويريق\rقفا أو خذا في العذل أي طريق ... فما أنا من سكر الهوى بمفيق\rأما والهوى إن الهوى لأليةٌ ... يعظمها في الحب كل مشوق\rلو أن الهوى مما تصح هباته ... لقاسمت منه قلب كل صديق\rوما زار ناظر خادمه الكرى إلا تمثل له مولاه طيفا يهم أن يتعلق بأذياله، وقبل تمويه ناظره على قلبه في وصاله\rوود أن سواد الليل مد له ... وزاد فيه سواد القلب والبصر\rولقد وجد طعم الحياة لبعده مرا، وقال بعده للذتي العين والقلب مرا\rوها هو يرجو في غذٍ وعد يومه ... لعل غدا يأبى لمنتظرٍ عذرا\rوإلى الله سبحانه وتعالى يرغب أن يجعله بالسلامة مكنوفا، وصرف الحدثان عن ساحته مكفوفا، وعنان الصروف عن فنائه مصروفا، ووفود الرجاء على أرجائه عكوفا؛ وأن يمتع الوجه بوصفه الذي هو أشرف من كل وجهٍ موصوفا\rمن كان يشرك في علاك فإنني ... وجهت وجهي نحوهن حنيفا\rوقد كان ينتظر كتاباً يشرفه و يشنفه، ويستخدمه على الأوامر ويصرفه؛ ويجتني ثمر السرور غض المكاسر ويقتطفه؛ فتأخر ولم يحدث له التأخير ظنا، ولا صرفه عن أن يعتقد أن مولاه لا تحدث له الأيام بخلا بفضله ولا ضنا\rلو تصرف السحب الغزاز عن الثرى ... لما انصرفت عن طبعك الشيم الحسنى\rوهو ينتظر من الأمر والنهي ما يكون عمله بحسبه، ويثبت له عهد الخدام بنسبه\rومن عجبٍ أني أحن إليهم ... وأسأل عنهم من أرى وهم معي\rوتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي.\rوكتب أيضاً: كتبت والعبرات تمحو السطور، ويوقد ماؤها نار الصدور ويهتك وجدا كان تحت الستور، ويرسل من بين أضلعي نفس الموتور\rقد ذكرنا عهودكم بعد ما طا ... لت ليالٍ من بعدها وشهور\rعجباً للقلوب كيف أطاقت ... بعدكم ما القلوب إلا صخور\rوما وردت الماء إلا وجدت له على كبدي وقداً لا بردا، ولا تعرضت لنفحات النسيم إلا أهدى إلي جهدا، ولا زارني طيف الخيال إلا وجدني قد قطعت طريقه سهدا، ولا خطف لي البارق الشامي إلا باراه قلبي خفوقا ووقدا\rوأيسر ما نال مني الغلي ... ل ألا أحس من الماء بردا\rفسقى الله داره ما شربت من الغمام، وأيامنا بها وبدور ليالي تلك الأيام تمام\rذم الليالي بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام\rوكان قد وصل منه كتابٌ كالطيف أو أقصر زورا، وكالحب أو أظهر جورا، والربيع أو أبهر نورا، والنجم أو أعلى طورا، والماء الزلال أو أبعد غورا؛ فنثرت عليه قبلى، وجعلت سطوره قبلي بل قبلى، ووردت منه موردا\rأهلاً به وعلى الإظماء أنشده ... لو بل من غللى أبللت من عللى\rإلا أنه - أبقاه الله - ما عززه بثان، ولا آنس غريبه، وإني وإياه غريبان\rوكم ظل أو كم بات عندي كتابه ... سمير ضميرٍ أو جنان جنان\rوأرغب إليه - لا زالت الرغبات إليه - ، وأسأله - لا خيم السؤال إلا لديه - ؛ أن يلاطف بكتابه قلبي، ويمثل لي بمثاله أيام قربي\rوالله لولا أنني ... أرجو اللقا لقضيت نحبي\rهذا وما فارقتكم ... لكنني فارقت قلبي.\rوكتب جواب كتاب ورد عليه:\rشكرت لدهري جمعه الدار مرةً ... وتلك يدٌ عندي له لا أضيعها\rوطلعة مولانا يطالع عبده ... وكل ربوعٍ كان فيها ربوعها\rفؤادٌ سقاه لا يعود غليله ... وعينٌ رأته لا تفيض دموعها","part":2,"page":374},{"id":875,"text":"ورد على الخادم كتاب المجلس - أعلى الله سلطانه وأثبته، وأرغم أنف عدوه وكبته، وأصماه بسهام أسقامه وأصمته؛ ولا أخلى الدنيا من وجوده، كما لم يخل أهلها من جوده، ولا عطل سماء المجد من صعوده، كما لم يعطل أرضها من سعوده - وهو كتابٌ ثانٍ يثني إليه عنان الثناء، ويصف لي حسن العهد على التناء، ويستنهض الأدعية الصالحة في الأطراف والآناء، ويبشر الخادم بأنه وإن كان بعيد الدار فإنه بمثابة المقيم في ذلك الفناء، وأن هذه الخدمة التي أنعم الله عليه بها وثيقة الأساس على الدهر شامخة البناء؛ فقام له قائما على قدمه، وسجد في الطرس ممثلا سجود قلمه، واسترعى الله العهد على أنه تعالى قد رعى ما أودعه في ذمة كرمه؛ وصارت له نجران علاقة خيرٍ صرف إليها وجهه فكأنها قبله، ودعا بنى الآمال إلى اعتقاد فضل مالكها فكأنما يدعوهم إلى مله؛ والله يوزعه شكر هذا الافتقاد على البعاد، ولا يخله من هذا الرأي الجميل الذي هو ملجأ الاستناد؛ وعقد الاعتقاد؛ والخادم لا ينفك متطلعا لأخبار المولى فترده مفضلةً ومجمله، ومفصلةً ومجمله؛ ويعرف منها ما يعرف به موقع اللطف بالمولى في أحواله، ومكان النجح في آماله؛ وأنه بحمد الله في نعمةٍ منه - لا غير الله ما به منها، ولا صرفها عنه ولا صرفها عنها - فيجدد لله الشكر والحمد، ويبلغه ما يبلغه منها المراد والقصد؛ ونسأل الله ألا يخلى الدولة الناصرية منه ناصرا لسلطانها، وعينا لأعيانها؛ وسيفا في يد الإسلام يناضل عن حقه، وفرعا شريفا يشهد مرآه بشرف عرقه؛ والرأي أعلى في إجرائه على ما عود من هذا الإنعام، وزيادته شرفا بالاستنهاض - إن صلح له - والاستخدام.\rومن جواب آخر: ورد كتاب المجلس - أدام الله واردات الإقبال على آماله، ولا سلبت الأيام نعمتي جميله وإجماله، ولا انحط قدر بدره عن درجتي تمامه وكماله، وأحسن جزاءه عن ميثاق الفضل الذي نهض باحتماله - ووقفت منه على ما لا يجد الشكر عنه محيدا، وآنست به القلب الذي كان وحيدا، وعددت يوم وصوله السعيد عيدا، ووردت منه بئرا معطلةً وحللت قصرا مشيدا؛ ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وتلك الغاية ليست في وسعي، ولا تعلم نفسٌ إلا ما طرق سمعها، وتلك المحاسن ما طرق مثلها سمعى، ولا تتناول يدٌ إلا ما وسعه ذرعها، وهذه الأوابد الأباعد ما طالها ذراعي ولا استقل بها ذرعي.\rومن آخر: خلد الله أيام المجلس، عضد الملة الحنيفية منه بحاميها، والأركان الإسلامية من سيفه بشائدها وبانيها، وأمتع الدولة المحمدية بعزمته التي حسنت الكفاية بها، فلا غرو أن تحسن الكفاية فيها؛ ولا عدمت الدنيا نضرةً بأيامه النضيره، والدين نصرةً بأعلامه النصيره؛ المملوك يقبل التراب الذي يوماً يستقر بحوافر سيله، ويوما يستقر بحوافر خيله - فلا زال في يوم السلم جوده سحابا صائبا، ويوم الحرب شهابا ثاقبا - وينهى أنه وردت عليه المكاتبة التي استيقظت بها آماله من وسنها، وأفادته معنىً من الجنة فإنها أذهبت ما بالنفوس من حزنها، وتلقى المملوك قبلها بالسجود والتقبيل، وتحلى بعقود سطورها فهيهات بعد هذا شكوى التعطيل؛ واكتحل من داء السهد بإثمدها، وأدار على الأيام كأس مرقدها، وأسمعته نغم النعم التي هي أعجب إلى النفس من نغمات معبدها، وأطالت الوقوف عليها ركاب طرفه فما وقوف ركابه طرفة ببرقة ثهمدها؛ وضرع إلى من يشفع وسائل المتضرعين، ويملأ مواقع آمال المتوقعين؛ أن يغل عنه كل يدٍ للخطوب بسيطه، ويفك به كل ربقةٍ للأيام بأعناق بنيها محيطه.\rومن آخر: رفع الله عماد الإسلام ببقاء المجلس، وبسط ظله على الخلق، وملك يده الكريمة قصب السبق، وجمع بتدبيره بين ناصيتي الغرب والشرق؛ وألف لقدرته طاعتي الجهر والسر، وصرف بعزمته زمامي النهي والأمر، وأحرز لجده مسرتي الأجر والنصر، وقط بفتكته شوكتي النفاق والكفر - وردت على المملوك مكاتبةٌ كريمةٌ رفعها حيث ترفع العمائم، ومد اليد إليها كما تمد إلى الغمائم؛ وفضها، بعد أن قضى باللثم فرضها، واستمطرت نفسه سماءها فأرضت أرضها؛ وكاد المملوك يتأملها لولا أن دمع الناظر إلى العين سبقه، على أنه دمعٌ قد تلون بتلون الأيام في فراقه، فلو فاض لعصفر الكتاب وخلقه؛ فلا أعدمه الله المولى حاضرا وغائبا، ومشارفها ومكاتبا، وأحله في جانب السعادة ويعز على المملوك أن يحل من مولاه جانبا.","part":2,"page":375},{"id":876,"text":"ومن آخر: ورد كتابه ووقفت على ما أودعه من فضل خط؟ وفصل خطاب، وعقائل عقولٍ ما كنا لها من الأكفاء وإن كنا من الخطاب، وآثار أقلامٍ تناضل عن الملة نضال النصال، وكأنها فضل سبقٍ لما تحوزه من حق السبق وخصل الخصال؛ فأعيذ الإسلام من عدمه، ولا عدم بسطة قلمه، وثبوت قدمه؛ فإنه الآن عين الآثار، وأثر الأعيان، وخاطر الحفظ إلا أن الخطوب تصحب فيه خواطر النسيان؛ ولينٌ اهتصر الدهر سطوا، واختصر خطوا؛ وإنه سيفٌ يمانٍ إن قدم عهدا، فقد حسن فرندا، وخشن حدا؛ وأجرى نهرا، وأورى شررا؛ واخضر خميله، وقطع الأيام جميله؛ وضارب الأيام فأجفلت عن مضاربه ضرائبها، وشردت عن عزمه غرائبها؛ ولبسها حتى أنهجت بواليا، ثم اختار منها أياما وأبى أن يلبسها لياليا؛ لا جرم أن صحيفته البيضاء شعار شعره، وروضة علمه الغناء قد لت أنوار نوره، وزواهر زهره؛ فالزمان لا يعدو عليه بزمانةٍ تعدو، ولا يتجاوز أوقاته إلا موسوعةً بمحاسنه ولا يعدو؛ حتى يمت إليه عدو؟ يلتفت أمس، ويروى اليوم أن قرابته من فضله أمس؛ والله يعلم أنني لأرى له ولا أرى فيه، وأسد عنه كل خرقٍ تعجز عنه يد رافيه؛ ضنا بالصدور أن تخلو من صدرٍ كقلبها، ومحاماةً عن حقوق تقدمته التي أوجبها أن تعارض بسلبها.\rومن آخر: وصل كتاب الحضرة فجعل مستقره النعمة في الصدور، وأخرجتني ظلمات خطه إلى نور السرور؛ ووقفت وكأني واقف على طللٍ من الأحبة قد بكى عليه السحاب بطله، وابتسم له الروض عن أخبار أهله وآثار منهله؛ فلم أزل أرشف مسك سطوره ولماها، وأنزه العين والقلب بين حسنها وجناها؛ وأطلق عنان شوقٍ جعلت الأقلام له لجما، وحسبت النقس ليلا، والكتاب طيفا، والوقوف عليه حلما؛ إلى أن قضت النفوس وطرا، وحملت الخواطر خطرا، وقرنت بما ظنه سحابا ما ظنه مطرا؛ هذا على أنه قريب العهد بيد النعماء، فإن هرب فمن ماءٍ إلى ماء.\rومن آخر: فلما وقف على الكتاب جدد العهد بلثمه ما لم يصل إلى اليد التي بعثته، وشفى القلب بضمه عوضاً عن الجوانح التي نفثته\rوأين المطامع من وصله ... ولكن أعلل قلبا عليلا.\rومن آخر: وصل كتابه، وكان من لقائه طيقا إلا أنه أنس بالضحى، وأنار حرب الشوق وكان قطب الرحى\rتخطى إلى الهول والقفر دونه ... وأخطاره لا أصغر الله ممشاه.\rومن كلامه رحمه الله يصف بلاغة كتابٍ، قال: كتابٌ إلى نحرى ضممته، وذكرت به الزمن الذي ما ذممته، وأكبرت قدره فحين تسلمته استلمته والتقطت زهره فحين لمحته استلمحته، وامتزج بأجزاء نفسي فحين لحظته حفظته؛ وجمعت بينه وبين مستقره من صدري، واستطلت به مع قصره على حادثات دهري، وجعلت سحره بين سحري ونحري، واستضأت به ورشفته فهو نهاري وهو نهري؛ فإن أردت العطر بلا أثرٍ أمسكت مسكه بيدي، وإن أردت السكر بلا إثمٍ أدرت كأسه في خلدي؛ فلله أنامل رقمته، ما أشرف آثارها وخواطر أملته، ما أشرف أنوارها ولم أزل متنقلا منه بين روضةٍ فيها غدير، وليلةٍ فيها سمير؛ وإمارةٍ لها سرير، ومسرةٍ أنا لها طليقٌ أسير، ونعمةٍ أنا لها عبدٌ بل بها أمير؛ حتى أدبرت عني جيوش الأسى مفلوله، وقصرت عني يد الهم مغلوله؛ وملئت مني مسامع المكارم حمدا، وخواطر الصنائع ودا؛ وحط الأمل بربعي رحله، وأنبت الربيع بفنائي بقله؛ ولبست من الإقبال أشرف خلعه، ووردت من القبول أغزر شرعه، وانتجعت من رياض الرجاء أرجى نجعه.\rوقال أيضاً من آخر: هذا من عفو الخواطر، فكيف إذا استدعى المجلس خطية خطه فجاءت تعسل، وحشد حشود بلاغته فأتت من كل حدبٍ تنسل.\rومن آخر: ورتع في رياض بلاغته التي لم يقتطفهن من قبله غارس ولا جان، واجتلى الحور المقصورات في الطروس التي لم يطمثهن إنسٌ قبله ولا جان؛ وغني بتلك المحاسن غنىً خيرا من المال، واعتقد فيها كنوزا إذا شاء أنفق منها الجمل، وإذا شاء أمسك منها الجمال.","part":2,"page":376},{"id":877,"text":"وقال أيضاً: كتابٌ اشتمل على بديع المعاني وباهرها، وزخرت بحار الفضل إلا أنني ما تعبت في استخراج جواهرها؛ بل سبحت حتى تناولتها، وجنحت إلي فما حاولتها؛ واقتيست من محاسن أوصافه، وبدائع أصنافه؛ نكتا استقلت أجسادها بالأرواح، وزهيت جيادها بما فيها من الغرر والأوضاح؛ فيا لله من بدائع وروائع، ولطائف وطرائف فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وما يقرط الأسماع ويقرط الألسن؛ فكأنه طرف طرفٍ صوبه مدرار، وعلم علم منصوبٌ في رأسه نار؛ صحح السحر وإن كان ظنا، وفضح الدر إذ كان أبرع معنى، وأسنى حسنا، وأدنى مجنى، وأغنى مغنى؛ فما ضره تأخير زمانه، مع تقدم بيانه؛ ولا من سبقه في عصره، مع أنه قد سبق في شعره.\rومن آخر: ولله هو من كتابٍ لما وقفت عليه الغلة شفاها، ورأت وردها كل ماءٍ غيره سفاها، ووطأ مضاجع أنسها بعد أن كان الشوق يقلب الجنوب على سفاها؛ فلا عدم ودها الذي به عن كل مودةٍ سلوة، ولا برحت كفاية الله تحلها في الذرا وتعلى قدرها في الذروه، ولا فقد مما ينعم به أي نعمه، ولا مما ينشيه أي نشوه.\rومن آخر: كتابٌ كريمٌ تبسم إلي ضاحكا، وظن مداده أنه قد جلا سطره علي حالكا؛ فما هو إلا سواد الحدقة منه انبعثت الأنوار، وما هو إلا سويداء ليلة الوصل اشتملت على دجىً تحته نهار، فلله هو من كتابٍ استغفر الدهر ذنب المشيب بسواده، واستدرك الزمان غلطه بسداده.\rومن آخر: كتابٌ تقارعت الجوارح عليه فكادت تتساهم، فقالت اليد: أنا أولى به، شددت على مولاه ومولاي عقد خنصري، ورفعت اسمه فوق منبري؛ وقبضت عليه قبضتي، وبسطت في بسط راحته وقت الدعاء راحتي؛ وقالت العين: أنا أولى به، أنا وعاء شخصه، وإلي يرجع القلب تمثيله ونصه؛ وأنا سهرت بعد رحيله وحشة، وأنا إذا ذكر هجير القلب عللته رشةً بعد رشة؛ فقال القلب: طمعتما في حقي لأني غائب، وهل أنت لي يا يد إلا خادم؟ وهل أنت لي يا عين إلا صاحب؟ أنا مستقره ومستودعه، ومرتعه ومشرعه، وأنا أذكره وبه أذكركما، وأحضره ولخدمته أحضركما؛ فاليد أستخدمها مرةً في الكتابة إليه، ومرة في شد الخنصر عليه؛ ومرةً في الإشارة إلى فضله، ومرةً في الدعاء بكل صالحٍ هو من أهله؛ والعين استخدمتها في ملاحظة وجهه آئبا، وفي توقع لقائه غائبا؛ وفي السهد شوقا إلى قربه، والمطالعة لما يخرج أمري بكتبه من كتبه، فهنالك سلمتا واستجرتا، وألقتا واستأخرتا؛ وكدت أرشف نفسه لأنقله إلى سويداه، لولا أن سواد العين قال: أنا أحوج إلى الاستمداد من هداه.\rومن كلامه رحمه الله تعالى ما ركب نصف قرائنه على نصف بيت نحو قوله:\rوصل كتاب مولاي بعد ما ... أصات المنادى للصلاة فأعتما\rفلما استقر لدي، \" تجلى الذي من جانب البدر أظلما \" فقرأته، \" بعينٍ إذا استمطرتها أمطرت دما \" وسألته، \" فساءلت مصروفا عن النطق أعجما \" ولم يرد جوابا، \" وماذا عليه لو أجاب المتيما \" ورددته قراءة، \" فعوجلت دون الحلم أن أتحلما \" وحفظته، \" كما يحفظ الحر الحديث المكتما \" وكررته، \" فمن حيثما واجهته قد تبسما \" وقبلته، \" فقبلت درا في العقود منظما \" وقمت له، \" فكنت بمفروض المحبة قيما \" وأخلصت لكاتبه، \" وليس على حكم الحوادث محكما \" ولم أصدفه، \" ولكنه قد خالط اللحم والدما \" وأزخت وصوله، \" فكان لأيام المواسم موسما \" وداويت عليل \" حشا ضر ما فيه من النار ضرما \" وشفيت غليل \" فؤادٍ أمنيه وقد بلغ الظما \" فأما تلك الأيام التي \" حماها من اللوم المقام على الحمى \" والليالي العذاب التي \" ملأن نحور الليل بيضا وأنجما \" فإني لأذكرها، \" بصبرٍ كما قد صرمت قد تصرما \" وأرسل الزفره \" فلو صافحت رضوى لرض وهدما \" وأرسل العبره، \" كما أنشأ الأفق السحاب مديما \" وأخطب السلوه، \" فأسأل معدوما وأقفل معدما \" فأما الشكر فإنما \" أفض به مسكا عليك مختما \" وأقوم منه بفرض \" أراني به دون البرية أقوما \" وأوفى واجب قرض، \" وكيف توفى الأرض قرضا من السما \" .","part":2,"page":377},{"id":878,"text":"وقال أيضاً: وصل كتاب الحضرة بعد أن عددت الليالي لطلوع صديعه \" وقد عشت دهرا لا أعد اللياليا \" ، وبعد أن انتظرت القيظ والشتاء لفصل ربيعه \" فما للنوى ترمى بليلى المراميا \" واستروحت إلى نسيم سحره، \" إذا الصيف ألقى في الديار المراسيا \" ومددت يدي لاقتطاف ثمره، \" فلله ما أحلى وأحمى المجانيا \" ووقفت على شكواه من زمانه، \" فبت لشكواه من الدهر شاكيا \" وعجبت لعمى الحظ عن مكانه \" وقد جمع الرحمن فيه المعانيا \" وتوقعت له دولةً يعلو بها الفضل \" إذا هز من تلك اليراع عواليا \" ورتبةً يرتقى صهوتها بحكم العدل \" فرب مراق يعتدون مهاويا \" وإلى الله أرغب في إطلاع سعوده، \" زواهر في أفق المعالي زواهيا \" وفي إنهاض عثرات جدوده، \" فقد أعثرت بعد النهوض المعاليا \" .\rوقال أيضاً: وصل من الحضرة\rكتابٌ به ماء الحياة ونقعة ال ... حيا فكأني إذ ظفرت به الخضر\rوقفت عبدها منه على\rعقودٍ هي الدر الذي أنت بحره ... وذلك ما لا يدعى مثله البحر\rورتعت منه في\rرياض يدٍ تجنى وعينٍ وخاطرٍ ... تسابق فيها النور والزهر والثمر\rوكرعت منه في حياضٍ\rتسر مجانيها إذا ما جنى الظما ... وتروي مجاريها إذا بخل القطر\rوما زلت منه أنشد\rكأني سارٍ قي سريرة ليلةٍ ... فلما بدا كبرت إذ طلع الفجر\rووافى على ما كنت أعهد\rفخلت بأن العين من سحب كفه ... فمن ذى ومن ذى فيه ينتثر الدر\rوأسترجع فائت الدنيا من مورده\rوما كان عندي بعد ذنب فراقه ... بأني أرى يوما به يعد الدهر\rونفس عن النفس بأبيض ثماده، وعن العين بأسود إثمده\rبه لهما سبحٌ طويلٌ فهذه ... على خاطرٍ بردٌ وفي خطرٍ بدر\rوجدد إليه أشواقا جديدها\rيمر به ثوب الجديدين دائما ... فيبلى ولا تبلى وإن بلى الدهر\rوذكر أياما لا يزال يستعيدها\rوهيهات أن يأتي من الدهر فائتٌ ... فدع عنك هذا الأمر قد قضي الأمر.\rوكلام القاضي الفاضل - رحمه الله - كثيرٌ، بأيدي الناس منه عدة مجلدات، أخبرني من أثق بقوله من القضاة الحكام الأعيان أنه يزيد على خمسين مجلدا قد جمعت، أما ما لم يجمعه الناس فكثير جدا؛ وقد نقل بعض من أرخ، أنه وجد للقاضي الفاضل مسودات كتب صدرت عنه وأجوبةٍ تزيد إذا جمعت على مائة مجلد، ولا يحتمل الحال أن نورد له أكثر مما أوردناه، ورسائله المختارة كثيرةٌ قد يكون فيها أجود مما اخترناه ونحوه، وإنما أوردنا له ما حضر في هذا الوقت، إذ لم يمكن البحث عن كلامه والاستقصاء، وإن كان كل رسائله مختارةً رحمه الله.\rذكر شيء من رسائل الشيخ الإمام الفاضل ضياء الدين أبي العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العابد القدوة أبي عبد الله محمد بن عمر بن يوسف بن عمر بن عبد المنعم الأنصاري القرطبي رحمه الله، - وكانت وفاته بقنا من أعمال قوص في سنة اثنتين وسبعين وستمائة - كتب إلى شيخنا الإمام العلامة تقي الدين محمد ابن الشيخ الإمام الحبر مجد الدين أبي الحسن علي بن وهب بن مطيع القشيري المعروف بابن دقيق العيد رحمهم الله تعالى: تخدم المجلس العالي صفاتٌ يقف الفضل عندها، ويقفو الشرف مجدها، وتلتزم المعالي حمدها؛ وسماتٌ يبتسم ثغر الرياسة منها، وتروى أحاديث السيادة عنها؛ الصدري الرئيسي المفيدي؛ معانٍ استحقها بالتمييز، واستوجبها بالتبريز، وسبكته الإمامة لها فألفته خالص الإبريز؛ ومعالٍ أقرته في سويدائها، وأطلعته في سمائها، وألبسته أفضل صفاتها وأشرف أسمائها؛ العلامى الفاضل التقوى؛ نسبٌ اختص به اختصاص التشريف، لا تعريفا له فالشمس تستغنى عن التعريف؛ لا زالت إمامته كافلةً بصون الشرائع، آخذةً بآفاق سماء الشرف فلها قمراها والنجوم الطوالع، قاطعةً أطماع الآمال عن إدراك فضله وما زالت تقطع أعناق الرجال المطامع، صارفةً عن جلاله مكاره الأيام صرفا لا تعتوره القواطع، ولا تعترضه الموانع؛ وينهى ورود عذرائه التي \" لها الشمس خدنٌ والنجوم ولائد \" وحسنائه التي \" لها الدر لفظٌ والدراري قلائد \" ومشرفته التي \" لها من براهين البيان شواهد \" وكريمته التي \" لها الفضل وردٌ والمعالي موائد \" ووديعته التي \" لها بين أحشائي وقلبي معاهد \"","part":2,"page":378},{"id":879,"text":"وآيته الكبرى التي دل فضلها ... على أن من لم يشهد الفضل جاحد\rوأنك سيفٌ سله الله للهدى ... وليس لسيفٍ سله الله غامد\rفلمثلها يحسن صوغ السوار، ولفضلها يقال: \" أناةً أيها الفلك المدار \" وإنها في العلم أصل فرعٍ نابت، والأصل علة النشأة والقرار، وفرع أصلٍ ثابت، والفرع فيه الورق والثمار؛ هذه التي وقفت قرائح الفضلاء على استحسانها، وأوقفتني على قدم التعبد لإحسانها، وأيقنت أن مفترق الفضائل مجتمعٌ في إنسانها، وكنت أعلم علمها بالحكام الشرعية فإذا هي في النثر ابن مقفعها، وفي القصائد أخو حسانها؛ هذه وأبيك أم الرسائل المبتكره، وبنت الأفكار التي هذبتها الآداب فهي في سهل الإيجاز البرزة وفي صون الإعجاز المخدره، والمليئة ببدائع البدائه، فمتى تقاضاها متقاضٍ لم تقل: \" فنظرةٌ إلى ميسرةٍ \" ؛ والبديعة التي لم توجه إليها الآمال فكرها لاستحالة غير مسبوقٍ بالشعور، ولم تسم إليها مقل الخواطر لعدم الإحاطة بغيب الصدور قبل الصدور، والبديهة التي فصل البيان كلماتها تفصيل الدرر بالشذور؛ إن كلمها ليميس في صدورها وأعجازها، ويختال في سطورها وإعجازها، وتنثال عليها أغراض المعاني بين إسهابها وإيجازها؛ فهي فرائد ائتلفت من أفكار الوائلى والإيادي، وقلائد انتظمت انتظام الدراري، ولطائم فضت عن العنبر الشحري والمسك الداري؛ لا جرم أن غواصي الفضائل ظلوا في غمراتها خائضين، وفرسان الكلام أضحوا في حلباتها راكضين، وأبناء البيان تليت عليهم آياتها \" فظلت أعناقهم لها خاضعين \" .\rما إن لها في الفضل مثلٌ كائنٌ ... وبيانها أحلى البيان وأمثل\rفالعجز عنها معجزٌ متيقنٌ ... ونبيها بالفضل فينا مرسل\rما ذاك إلا أن ما يأتي به ... وحى الكلام على اليراعة ينزل\rبزغت شمساً لا ترضى غير صدره فلكا، وانقادت معانيها طاعةً لا تختار سواه ملكا، وانتبذت بالعراء فلا تخشى إدراك الإنكار ولا تخاف دركا، وندت شواردها فلا تقتنصها الخواطر ولو نصبت هدب الجفون شركا\rفللأصائل في عليائها سمرٌ ... إن الحديث عن العلياء أسمار\rوللبصائر هادٍ من فضائلها ... يهدى أولي الفضل إن ضلوا وإن جاروا\rبادي الإبانة لا يخفى على أحد ... كأنه علمٌ في رأسه نار\rأعجب بها من كلمٍ جاءت كغمام الظلال على سماء الأنهار وسرت كعليل النسيم عن أندية الأسحار، وجليت محاسنها كلؤلؤ الطل على خدود الأزهار، وتجلت كوجنة الحسناء في فلك الأزرار، وأهدت نفحة الروض متأود الغصن بليل الإزار، فأحيتنا بذلك النفس المعطار، وحيتنا بأحسن من كأسي لمىً وعقار، وآسى ريحانٍ وعذار؛ ولؤلؤي حبيبٍ وثغر، وعقيقى شفةٍ وخمر، وربيعي زهرٍ ونهر، وبديعي نظمٍ ونثر؛ ولم أدر ما هي أثغور ولائد؟ أم شذوذ قلائد؛ أم توريد خدود، أم هيف قدود؛ أم نهور صدور، أم عقود نحور؛ أم بدورٌ ائتلفت في أضوائها، أم شموسٌ أشرقت في سمائها؟\rجمعن شتيت الحسن من كل وجهة ... فحيرن أفكاري وشيبن مفرقي\rوغازلها قلبي بود؟ محققٍ ... وواصلها ذكرى بحمدٍ مصدق\rوما كنت عشاقا لذات محاسنٍ ... ولكن من يبصر جفونك يعشق\rولم أدر والألفاظ منها شريفةٌ ... إلى البدر تسمو أم إلى الشمس ترتقي\rإنما هي جملة إحسان يلقي الله الروح من أمره على قلبها، أو روضة بيان \" تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها \" ؛ أو ذات فضلٍ اشتملت على ذوات الفضائل، وجنت ثمر العلوم فأجنتها بالضحى والأصائل؛ أو نفسٌ زكت في صنيعها، ونفث روح القدس في روعها؛ فسلكت سبل البيان ذللا، وعدمت مماثلا فأضحت في أبناء المعالي مثلا؛ وسرت إلى حوز الأماني والأنام نيام، فوهب لها واهب النعم أشرف الأقسام؛ فجادت في الإنفاق، ولم تمسك خشية إملاق، وقيدت نفسها في طلق الطاعة فجاءها توقيع التفضيل على الإطلاق\rأبن لي معزاها أخا الفهم إنها ... إلى الفضل تعزى أم إلى المجد تنسب\rهي الشمس إلا أن فكرك مشرقٌ ... لإبدائها عندي وصدري مغرب","part":2,"page":379},{"id":880,"text":"وقد أبدعت في فضلها وبديعها ... فجاءت إلينا وهي عنقاء مغرب\rفأعرب عن كل المعاني فصيحها ... بما عجزت عنه نزارٌ ويعرب\rومذ أشرقت قبل التناهي بأوجها ... عفا في سناها بدر تم ؟كوكب\rتناهت علاءً والشباب رداؤها ... فما ظنكم بالفضل والرأس أشيب\rلئن كان ثغري بالفصاحة باسما ... فثغرك بسام الفصاحة أشنب\rوإن ناسبتني بالمجاز بلاغةٌ ... فأنت إليها بالحقيقة أنسب\rومذ وردت سمعي وقلبي فإنها ... لتؤكل حسنا بالضمير وتشرب\rوإني لأشدو في الورى بثنائها ... كما ناح في الغصن الحمام المطرب\rوتشهد أبناء البيان إذا انتدوا ... بأني من قس الإيادي أخطب\rوإني لتدنيني إلى المجد عصبةٌ ... كرامٌ حوتهم أول الدهر يثرب\rوإني إذا خان الزمان وفاءه ... وفي؟ على الضراء حر؟ مجرب\rإباء أبت نفسي سواه وشيمة ... قضى لي بها في المجد أصلٌ مهذب\rونفسٌ أبت إلا اهتزازا إلى العلا ... كما اهتز يوم الروع رمح ومقضب\rولي نسبٌ في الأكرمين تعرفت ... إليه المعالي فهو ريان مخصب\rنمته أصول في العلاء أصيلةٌ ... لها المجد خدنٌ والسيادة مركب\rتلاقى عليه المطعمون تكرما ... إذا احمر أفقٌ بالمجرة مجدب\rمن اليمنيين الذين سما بهم ... إلى العز بيت في المعالي مطنب\rقروا تبعا بيض المواضى ضحاءه ... وكوم عشارٍ بالعشيات تضهب\rفرحله الجود العميم ومنصلٌ ... له الغمد شرقٌ والذوائب مغرب\rوهم نصروا والدين عز نصيره ... وآووا وقد كادت يد الدين تقضب\rوخاضوا غمار الموت في حومة الوغى ... فعاد نهارا بالهدى وهو غيهب\rأولئك قومي حسبي الله مثيا ... عليهم وآي الله تتلي وتكتب","part":2,"page":380},{"id":881,"text":"هذه اليتيمة أيدك الله ملحتها الإحماض، وتحليتها الألفاظ في أبعاض الاعتراض لتسرح مقل الخواطر في مختلفات الأنواع، ويتنوع الوارد على القلوب والأسماع، وإلا فلا تماثل في الأدوات، وإن وقع التماثل في الذوات، كالجمع بين النورية في السراج والشمس، واشتمال الإنسانية على القلامة والنفس، والتوارد الإدراكي بين كلى ؟ بالعقل، وجزئي ؟ بالحس؛ وكالعناصر في افتقار الذوات إليها، وإن تميزت الحرارة عليها؛ وكالمشاركة الحيوانية في البضعة اللسانية، واختصاص الناطقية بالذات الإنسانية؛ فسيدنا ثمر الروض ونسيمه، وسواه ثراه وهشيمه، وزهره وأنداؤه، وغيره شوكه وغثاؤه؛ والبدر وإشراقه، وسواه هلاليته ومحاقه؛ اشتراكٌ في الأشخاص، وامتياز في الخواص؛ ومشابهة في الأنواع والأجناس، ومغايرة في العقول والحواس؛ كالورد والشقيق، والقهرمان والعقيق؛ تماثلا في الجواهر والأعراض، وتغايرا في تمييز الأغراض؛ فسيدنا من كل جنسٍ رئيسه، ومن كل جوهرٍ نفيسه؛ وأما حسناء المملوك على مذهبهم في تسمية القبيح بالحسن، والحسن بالقبيح، والضرير بالبصير والأخرس بالفصيح؛ فما صدت ولا صدت يمنى كاسها. ولا شذت في مذهب ولائه عن اطراد قياسها، ولا زوت عن وجه جلالته وجه إيناسها، ولا جهلت أنه في العلوم الشرعية ابن أنسها، وفي المعاني الأدبية أبو نواسها؛ ولا خفي عنها أن سيدنا مجرى اليمين، وفي وجه السيادة إنسان المقلة وغرة الجبين، والدرة في تاج الجلالة والشذرة في العقد الثمين؛ وأنه الصدر الذي يأرز العلم إلى صدره، وتقترح عقائل المعاني من فكره، وتأتم الهداة ببدره، وتنتمي الهداية إلى سره، وإنها في الإيمان بمحمديته أم عمارة لا أم عمره؛ وإنه غاية فخارها؛ ونهاية إيثارها، وآية نهارها ومستوطن إفادتها بين شموس فضائله وأقمارها؛ فكيف تصد وفيه كلية أعراضها، ومنه علية جملتها وأبعاضها، وفي محله قامت حقائق جواهرها وأعراضها؛ لكنها توارت بالحجاب، ولاذت بالاحتجاب؛ وقربٍ بالمجلس الكمالي ليكمل ما بها من نقص كمالٍ وكمال عيب، وتجمع بين حقيقتي إيمان الشهادة والغيب، وتعرض على الرأي التقوى سليمة الصدر نقية الجيب، وأشهد أنها جاءت تمشي على استحياءٍ وليست كبنت شعيب؛ هذا ولم تشاهد وجه حسنائه، ولا عاينت سكينة حسينه وهند أسمائه، ولا قابلت نير فضله وبدر سمائه؛ أقسم لقد كان يصرفها الوجل، ويقيدها الخجل؛ عالمةً أن البحر لا يساجل، والشمس لا تماثل؛ والسيف لا يخاشن، والبدر لا يحاسن؛ والأسد لا يكعم، والطود لا يزحم؛ والسحاب لا يبارى، والسيل لا يجارى؛ وأني تبلغ الفلك هامة المتطاول، وأين الثريا من يد المتناول؛ تلك عوارف استولت على المعالي استيلاءها على المعالم، وشهدت لها الفضائل بالسيادة شهادة النبوة بسيادة قيس بن عاصم؛ ولا خفاء بواضح هذا الصواب، عند مقابلة البداية بالجواب؛\rفالشمس أوضح من ضياء الأنجم ... ما البين الأعلى كداجٍ مظلم\rيا مثريا من كل علمٍ نافعٍ ... أيقاس مثرٍ في العلوم بمعدم\rأو كفت فضلك في زذاذ غمائمي ... ما للرذاذ يدٌ بنوء المرزم\rوانصب بحرك في ربيع خواطري ... ما الربيع وفيض بحرٍ أعظم\rوسللت سيف العلم أبيض مخذما ... كالبرق يلمع في غمامٍ مثجم\rفللت حدى معضدٍ في راحتي ... ما للكهام وحد أبيض مخذم\rيا سابقا جهدي مصلى عفوه ... ما للسكيت يدٌ بعفو مطهم\rبذ السوابق في العلوم وحازها ... بالكسب منه والتراث الأعظم\rالعلم علم محمد وكفى به ... وعلي؟ الباب المبلغ فاعلم\rما كنت أول محجمٍ عن موردٍ ... عذبت موارده لقرنٍ محجم\rسابقت سباقا شأوت بيانهم ... ببديع نثرٍ أو بليغ منظم\rوسقيت بالكأس الكبيرة منهما ... لما سقوا بالأصغر المتثلم\rحتى إذا سابقته وهو ابن بح ... ر أو أبو بحرٍ إليه ينتمي\rطارت فضائله إلى عليائها ... بجناح فتخاء ونسرٍ قشعم\rوسما به العلم الأجل محله ... حتى توقل في المحل الأعظم\rومشى حضارا فانثنيت مقصرا ... أتجول خيلى في مقر الهيثم","part":2,"page":381},{"id":882,"text":"لا عار إن عضلت بدائه فكرتي ... بابن المقفع أو بنجل الأهتم\rيا أعلم الفضلاء لست مقاولا ... فصحى بناتك باللسان الأعجم\rلو حاولت فكري مساواةً لها ... يوما لجاءت بالغراب الأعصم\rأقتصر فللبيان سفي بحر فضائله سبحٌ طويل، وللسعي في غاياته معرسٌ ومقيل، وللمحامد ببثينة محاسنه صبابة جميل، وإني وإن كنت كثير عزة وده، إلا أني في حلبة الفضل لست من فرسان ذلك الرعيل؛ لا سيما وقد وردت مشرع ألفاظه التي راقت معانيها، ورقت حواشيها، وأدنت ثمرات الفضل من يمين جانيها؛ فجاءت كالنسيم العليل، والشذا من نفحة الأصيل، والشراب البارد والظل الظليل\rطبعٌ تدفق رقةً وسلاسةً ... كالماء عن متن الصفاة يسيل\rكالمقلة الحسناء زان جفونها ... كحلٌ وأخرى زانها التكحيل\rوالروضة الغناء يحسن عرفها ... وتزاد حسنا والنسيم عليل\rوالخاطر التقوى كمل ذاته ... علما وليس لكامل تكميل\rوالله تعالى يبقيه جامعا للعلوم جمع الراحة بنانها، رافعا له رفع القناة سنانها، حافظا له حفظ العقائد أديانها، والقلوب إيمانها\rليضحى نديما للمعالي كأنه ... نديما صفاءٍ مالكٌ وعقيل\rويصبح ظل الفضل من فيء ظله ... على كنف الإسلام وهو ظليل\rوينشأ أبناء العلوم وكلهم ... بحسنائه في العاشقين جميل\rدلالته في الفضل من ذات نفسه ... وليس على شمس النهار دليل\rوكتب - رحمه الله تعالى - رسالةً إلى الصاحب شرف الدين الفائزي عندما ورد عليه كتابٌ يذكر أن رسول الخليفة وصل يلتمس إجابة لملك المعز أو لملوك الترك إلى صلح الملك الناصر صلاح الدين يوسف - وقد كان الناس يذكرون أن الملك الناصر يريد أن يهجم بعساكره على الديار المصرية، وأنه لا يجيب إلى الصلح، فلما جاء الرسول بذلك ظهر للناس خلاف ما ظنوه - :\rلأمرك أمر الله بالنجح عاضد ... فصل آمرا فالدهر سيفٌ ساعد\rوقل ما اقتضت علياك فالعز قائمٌ ... بأمرك والمجد المؤثل قاعد\rونم وادعا فالجد يقظان حارس ... لمجدك والعادي لبأسك راقد\rفما تبرم الأيام ما الله ناقض ... ولا تنقض الأيام ما الله عاقد\rوقد برزت بكر المكارم والعلا ... وفي جيدها من راحتيك قلائد\rفحفت بها الأملاك وهي مواهب ... وسارت بها الركبان وهي محامد\rوزفت لها النعماء وهي مصادر ... رفعنا لها الأمداح وهي موارد\rفنثرها الإحسان وهي لآلىء ... ونظمها الإفضال وهي فرائد\rفلا زلت محروس العلا يا ابن صاعدٍ ... وجدك في أفق السيادة صاعد\rتسر بك الدنيا ويبتهج الورى ... وتستوكف النعمى وتحوى المقاصد","part":2,"page":382},{"id":883,"text":"ورد كتابٌ كريم، ونبأٌ عظيم؛ لم تجر ينبوعه جياد الأقلام، ولم تجد بنوئه عهاد الأيام، ولم تظفر بمثله أعياد الإسلام؛ فتلي على عذبات المنابر، وجلي على آماق الأبصار وأحداق البصائر؛ وكانت بشراه البكر العوان، لما ابتدأت به من البشارة ولما تلده من البشائر، وطليعة المسار التي واجهت الآمال ووجه السعد سافر، ومقدمة الأمن التي لا يسر بها إلا مؤمن ولا يساء بها إلا كافر؛ وتحية الله التي أحيت قلوب العباد، ومنة الله التي سكنت لها السيوف في الأغماد، ونعمة الله التي عمت كل حاضر وباد؛ ورحمة الله التي رحم بها هذه الأمة وما زال بالمؤمنين رحيما، وفضل الله على هذه الملة وكان فضل الله عليها عظيما؛ وسعادةً سارت بها الأيام إلى المقام المعزى بين الخبب والتقريب، ومركب عز ؟ قدمته عناية الله تقدمة الجنيب، وكتاباً عنايته هذا عطاء الله، وعنوانه \" نصرٌ من الله وفتحٌ قريبٌ \" ، وسلمٌ جلل وجه الإسلام برد لباسه القشيب، وسلامةٌ جنت يمين الإيمان ثمر غصنها الرطيب، وعز؟ ألبس الملك خلع شبابه بعد ما خلع غبار الوقائع عليه رداء المشيب، وشمس سعادةٍ منذ طلعت في أفقها لم تجنح للمغيب، ولطفٌ خفى قعد له كل حمدٍ وقام به كل خطيب، ومملكة تسمعها الأيام: قفا نضحك بمسار الإنعام لا قفا نبك من ذكرى حبيب، وغنيمة باردة حازتها يد الملك ولسان السنان غير ناطق وكف السيف غير خضيب\rبتسديد رأىٍ لو رأته أميةٌ ... لما احتفلت يوما بقتل شبيب\rإلى غير ذلك من فكرةٍ صاحبيةٍ شرفيةٍ سكن الملك تحت ظلالها ونام، وقعد بأمرها وقام؛ وتحركت لها العزائم، وسكنت لها الصوارم، واستنزلت العصم وذعرت العواصم، وهممٍ إذا سمت سامت السماء وإذا همت أهمت الغمائم، وعز؟ تحت ظل ظلاله الشرف مقيم وفي خدمته المجد قائم، وعزمٍ استيقظ له جفن النصر والسيف في جفنه نائم، وسيف حزم على عاتق الملك منه نجادٌ وفي يد جبار السموات منه قائم؛ وآراءٍ استفتح عقائلها فأنجبت، ورمى غرض إصابتها فأكثبت، أي أصابت وأعمل رائدها فاستيقظت له الهمم والأنام نيام، وجلس في صدور رياستها والعالمون قيام، وتدبير أحكم بإبرام النقض ونقض الإبرام، وذعر به رابض الأسد وآنس به نافر الآرام؛ وأجال به خيله في مساري الأرقم، ومقر الهيثم، وأمضاه في مضايق خطبه فأغناه عن سن السنان وشفة اللهذم؛ هذا ولما صدقت عزائم المملكة التي نظم الله قلادة ملكها فليس لها انتثار، ولمعت كواكب اسلها في ليل الرهج وسماء الغبار، وبنت حوافر خيلها سورا من متراكم النقع المثار، وحصنتها يد الله بما أظهرته من كامن الغيب وأخفته من طلائع الأقدار، وحضنتها رعاية الله وله من القدر أعوانٌ ومن الملائكة أنصار\rفعمت عموم الليل والليل مظلمٌ ... وجاءت مجيء الصبح والصبح مشرق\rومدت غماما من سنابك خيلها ... بسل المواضي المشرفيات يبرق\rفي كتائب إذا سارت سوابقها ملأت عرض الغبراء، وإذا نشرت خوافقها سترت وجه الخضراء؛ وكادت تذعر الآساد بمواضي حتوفها، وتسكن المنايا تحت ظلال سيوفها؛ لا سيما إذا أنجمت أنجم عواليها، ولمعت بروق مواضيها؛ وجاءت خيلها كالصخر الأصم والطود الأشم أعجازها وهواديها؛ من كل كميتٍ حلوٍ في الإزار، بين الشقرة والاحمرار، كأنه وردية العقار\rيحس وقع الرزايا وهي نازلةٌ ... فينهب الجري نفس الحادث المكر\rوكل أشقر كأنما قد أديمه من لهب النار، معارٍ رداء الحسن، وأحق الخيل بالركض المعار، لا تعلق به المذاكي يوم رهان ولا تشق له الحوادث وجه غبار كأنما لبس ثوبا من خالص النضار\rعتاق لو جرت والريح شأوا ... لفاتته وأوثقه إسار\rغدت ولها حجول من لجينٍ ... وراحت وهي من علقٍ نضار\rوكل أدهم كريم النجار، غذي اللبان الغزار، كأنما فصلت ثيابه من سواد الليل وصيغت حجوله من بياض النهار\rبأغر يبتسم الصباح بوجهه ... حسنا ويسفر عن محياً مسفر\rخلع الظلام عليه فضل ردائه ... وثنى من التحجيل ثوب مقصر\rوكل أشهب أفرغ في قالب الكمال، وجيهي الأب أعوجى الخال، إن مشى ضاق بزهوه فسيح المجال، وإن سعى رأيت البرق ملجما بالثريا مسرجا بالهلال، كأنما انتعل خد الجنوب واشتمل بثوب الشمال","part":2,"page":383},{"id":884,"text":"من الجياد التي لم تبد في رهج ... إلا أرتك بياض الصبح في غسق\rولا جرين مع النكباء في طلقٍ ... إلا احتقرت التماع البرق في الأفق\rوكل مطهم إن ركض قلق السماط لركضه، وخلت بعضه منفصلا عن بعضه وإن مشى رأيت الطود في سمائه والرياح في أرضه؛ وإن خطا ظننته يرتع في روض المجرة ويكرع في حوض الغمام، وخلته الأشم من ابنى شمام، همه جهة الأمام وصوته حركة اللجام، كأنه قطعةٌ من سماءٍ أو ظلةٌ من غمام\rجرى والريح في طلقى رهانٍ ... فقامت دونه ومضى أماما\rومد من السنابك ثوب غيم ... ولم أر قبلها ثوبا غماما\rعليها كل كمى ؟لابس الحرب ولابسته، ومارسها ومارسته؛ وكتبت عليه المواضي في صدره كتابا أعجمته أطراف الأسل، وجنى ثمر الحديد أحلى عنده من العسل وسار إلى مهج الأبطال كسيف القضاء وحث الأجل؛ له حنكة الأشيب ونجدة الغلام، وصنعة الضرب الفذ والطعن التؤام، والفتكات التي تطلع صبح الصوارم في ليل القتام، والفعلات التي لها فتكات الأورقفي النقد وصولات الأسد في السوام\rيمشي إلى الموت عالي الكعب معتقلا ... أظمى الكعوب كمشي الكاعب الفضل\rيحسن في بحار الدروع سبح الفوارس، بين بدور اليلب ونجوم القوانس؛ من كل سابغة لا تصل إليها ألسنة الحداد، كأنها أثواب الأراقم خيطت بأعين الجراد؛ كفيلة بحماية الأنفس وصيانة المهج، تنير مسالك لابسها في دياجي الرهج، إنما هي البحر ولا حرج\rإذا ما مشوا في السابغات حسبتهم ... سيولا وقد سالت بهن الأباطح\rوكل أبيض هندي ؟ألفت من الملح أبعاضه، البرد جسمه والبرق إباضه؛ المفارق مغاربه والأجفان مطالعه، والأنفس موارده والمنايا منابعه؛ لو أثمر لأنبت رؤوسا ولو تفجر لسال نفوسا، ولو تكشف صافى حديده لرأيت فيه عبوسا\rسليل النار دق ورق حتى ... كأن أباه أورثه السلالا\rودبت فوقه حمر المنايا ... ولكن بعد ما مسخت نمالا\rوكل أسمر إذا انتحى فهو صاحٍ وإذا انثنى فهو نشوان، وإذا ورد دم القلب فهو ظمآن القناة ريان السنان؛ إذا خطب النواصي وخط، وإذا كتبت المواضي نقط؛ وإذا قصرت يد القرن طال، وإذا صليت نار الحرب العوالي صال\rتوهم كل سابغةٍ غديرا ... فرنق يشرب الحلق الدخالا\rوكل صفراء رقشاء الأديم، كأنها أرقم الصريم؛ لها فلكٌ بالرزية دائر، وسهمٌ بالمنية طائر، إن ركب فهو مقيم وإن نزل فهو سائر؛ مع عزائم بنت على الدولة سورا، وجعلت بينها وبين الذين لا يؤمنون بالدولة المعزية حجابا مستورا؛ على أنها غنيمةٌ لم تحتج إلى الإيحاف والإيضاع، وطلبةٌ ألفاها على طرف الثمام وحبل الذراع؛ وعنايةٌ جاءت على اختيار المراد ومراد الاختيار، ونعمةٌ كرت هي والتوفيق في قرنٍ وجرت والسعادة في مضمار، ومنحةٌ ركضت بها إلى المقام المعزى سوابق الأقدار ومعنىً خفي؟ من نعم الله لم تلجه عقائل الأفكار؛ وإذا سبقت عناية الله فليس لأمر حتمه الله رافع، وإذا لحظت السعادة امرأ وقفت دونه آمال المطالب وتقطعت خلفه أعناق المطامع، واستولت يمينه على آفاق سماء الشرف فلها قمرها والنجوم الطوالع، وهذه مواهب لا تدركها دقائق الأسطرلاب ولا درج الشمس ولا رصد الطوالع\rلعمرك ما تدري الضوارب بالحصا ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع.","part":2,"page":384},{"id":885,"text":"وينهي أن حاملها من عقدت عليه الملوك خناصرها، واختص منها بالصحبة ناصرها؛ وله فضلٌ لا يذاد عن منهل العلم سوامه، ولا تجهل في مسالك الشرف أعلامه؛ وله نفسٌ سمت حتى أخذت سماء السيادة بيمينها، وهمةٌ إذا رأيت ذاتها الكريمة توسمت الرياسة في جبينها، وأبوةٌ لا تتجر من المعالي إلا في ثمنها؛ وقد أكلته السنة بل السنوات، وترادفت عليه الملمات بل المؤلمات؛ وقد صير الجناب الزيني لما يحاوله ذريعه، وورد المنهل الرحب وإنه لعذب الشريعه، وقد أصاب به مولانا طريق المصنع فألبسه ثياب الصنيعه؛ ومولانا أولى من أولاه شرف جلاله ونظر إليه بعينٍ كريمةٍ يقابل بها ما يقابله من كرم خلاله؛ فالإبريز قد يشتبه إلا على نقاده، والغيث قد يخلف إلا على رواده، والماء قد يأجن إلا على وراده؛ وسيدنا مصعبي الهمم وهذا ابن قيس رقياته، ومهلبي الشيم وهذا حبيب أبنائه، وواثقي الإحسان وهذا في الجلالة ابن أبي دواده وفي الأدب ابن زياته؛ فليضعه حيث وضعته السيادة صدرا، وليطلعه كما أطلعته الفضائل بدرا؛ وليصرف إليه عنايةً تعلق بها الحمد علاقة غيلان بميه، والحكم بأميه؛ وهو يعلم - أدام الله أيامه - أن المناصب عرائس، والصنائع قلائدها، والولايات مآدب، والمكارم موائدها، والليالي - كما علمت - حبالى، والسيئات والحسنات ولائدها؛ وخير من لبس ثوب نعمة كاهل هذا الإمام، وإن الحسنة إليه لأشرف مواهب الأيام، فاغتنمها فإنها غاية الاغتنام؛ وأعيذ مولانا بالله أن يجعل نظره إليه لمحا، أو يضرب عنه الذكر صفحا، أو يكون مولانا روضةً ثم لا يجد هذا الصدر منها نفحا، ومطلع آفاق الشرف ثم لا يستوضح هذا الملتمس من أفقها صبحا.\rومثل صدر هذه الرسالة لبعض الكتاب المتقدمين: الحمد لله مقلب القلوب، وعالم الغيوب؛ الجاعل بعد عسرٍ يسرا، وبعد عداوةٍ ودا، وبعد تحاربٍ اجتماعا، وبعد تباينٍ اقترابا؛ رأفةً منه بعباده ولطفا، وتحننا عليهم وعطفا؛ لئلا يستتمهم التتابع، في التدابر والتقاطع؛ وليكونوا بررةً إخوانا، وعلى الحق أعوانا؛ لا يتنكبون منهجا، ولا يركبون من الشبهة ثبجا، بغير دليلٍ يهديهم قصد المسالك، ولا مرشدٍ يذودهم عن درك المهالك؛ أحمده على نعمه التي لا يحصى الواصفون إحصاءها، ومننه التي لا تحمل الخلق أعباءها؛ حمدا يتجدد على ممر الأزمان والدهور، ويزيد على فناء الأحقاب والعصور؛ وإن أحق ما استعمله العاملون ولحق به التالون، وآثره المؤمنون، وتعاطى بينهم المسلمون؛ فيما ساء وسر، ونفع وضر؛ ما أصبح به الشمل ملتئما، والأمر منتظما؛ والفتق مرتتقا؛ والسيف مغمودا ورواق الأمن ممدودا؛ فحقنت به الدماء، وسكنت معه الدهماء، وانقمع به الأعداء؛واتصل به السرور، وأمنت معه الشرور؛ وليس بذلك أولى، وإلى إحراز الثواب به أدنى من الصلح الذي أمر الله تبارك وتعالى به، وخص وعم ورغب.\rولنعد إلى كلام الشيخ ضياء الدين بن القرطبي","part":2,"page":385},{"id":886,"text":"فم ذلك ما كتب به أيضاً إلى الصاحب شرف الدين الفائزي جواباً عن كتاب شفاعة يوصى على أخيه نجم الدين، فأجابه الشيخ: يخدم الجناب الشرفي - رفع الله قدره بين أوليائه، وأطاب ذكره في مقام عليائه؛ وأطال عمره مقترنا بعزه، وأره في كنف سلامته وكهف حرزه - وردت الأوامر المطاعة، المقابلة بالسمع والطاعه؛ في حق أخي المملوك مولانا نجم الدين، فتلقى راية طاعتها بيمينه، وأقرها من تعظيمه في أسرة جبينه، وأحلها من شرف الامتثال في مستودع دينه؛ وقابل حاملها بأوفر ترحيبه، وأقرب تقريبه؛ وواجهه بإجلال الأخوة، وخلال البنوه؛ وأحله كنف قلبه، وأودعه بين شغاف القلب وخلبه، وأعاده إلى معهود ولائه وحسبه؛ وقرر له في كل شهر عشرة دنانير وهي نهاية قدرته، وأعلمه أنها أعود نفعا من ولايته وأقرب عوناً من إمرته؛ وعاهد الله ألا يتعرض لجنديةٍ أبدا، ولا يمد لطلب ولايةٍ يدا؛ ولا يقف بين يدي الأمراء بعدها، ولا يتجاوز بجلالة أبويه حدها، ولا يهمل شرف نسبته التي لم تصاعر لها الأيام خدها؛ وأخذ عليه عهود الله والمملوك في الوفاء مهما عهدها؛ وقد توجه إلى المشارع الصاحبية التي استعذب وردها والمكارم الشرفية التي ألف حمدها، والصنائع الإحسانية التي وجد في مرارة الفقر حلوها وفي حرارة الغربة بردها؛ وعاود عش الفضل الذي منه درج، وبيت الكرم الذي إليه دخل ومنه خرج، وسماء الإحسان التي أطلعت نجم إمامته فعرج عليها وإليها عرج، وبحر المعروف الذي إذا أطنب لسان ثنائه قالت شواهد بيانه: حدث عن البحر ولا حرج؛ ومولانا يضعه تحت كنفه، ويرفعه الله ولسلفه، ويقابله الجناب الشرفي بما عرفه من شرفه؛ ويعينه على جاريه الذي هو مادة رفقه، وأول ما أجراه الله على يد مولانا من رزقه؛ بكتاب يجزل له العزمات وينميها، ويسكن روح الحياة في جسد فاقته ويبقيها؛ فهو ذو ضراء لا تسدها إلا القناعه، وذو فاقةٍ لا ترفعها إلا السعة التي تمد باعه؛ والله يجعل مولانا وقايةً لمن لجأ إليه، وإعانةً لمن اعتمد عليه؛ إن شاء الله تعالى.\rوكتب إليه أيضاً شفاعةً في بعض الأعيان فقال: وينهي أن الله تعالى متولى سرائر عباده، ومجازيهم على مخالفة أمره وإن كان على وفق مراده؛ أعد داري ثوابه وعقابه، وحذر أولى العقوبة من أليم عذابه؛ ثم عمت رحمته فشفع في العصاه، وعفا عن الجناه؛ فقال: \" وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات \" ثم بذلت عوارف الإحسان، وعواطف الحنان؛ حتى شفع إلى خلقه، في العفو عن حقهم وحقه؛ صفة كرمٍ رحمانيه، وصلة عفوٍ إحسانيه، وصنائع ألطافٍ ربانيه، فشفع إلى الصديق في مسطح، فقال: \" ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا \" فقدم موجبات العطف بما قدم من القرابة والمسكنة والمهاجرة، ثم تلقاها من أجر الآخرة بكرم المجازاة وريح المعاملة، وحسن جزاء المنعم، تعريفا بمواقع الإحسان، وتكريما لنوع الإنسان؛ ومملوك مولانا فلان الذي أنزل حاجته بعبدك، وقصده قبل قصدك؛ وأسكن حريمه مجاورا لحريمه وتشفع به إلى صدر الزمن وكريمه، واستوهبه الذنب وإن كان معترفا بعظيمه؛ والصنع الجميل ثمرة الأيام، والفضل أثبتته ألسن الأقلام؛ ولله لحظاتٌ تلحظ عباده ويرحم الراحمين، ويجزى المتصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين؛ وإن مولانا عقال الشرف وذو الفضل الأنف، والعارف في صنائع الإحسان كيف تؤكل الكتف؛ وقد أحلته على ملاءة أياديك، وألبسته ملاءة معاليك، وأحللته بضمان الله كنف ناديك؛ وأنت الكريم أخلاقا ونسبا، والطيب أعراقا وأبا، والصدر الذي إذا سامته الأيام خطة ضيم أبى، وإذا أوطأته مهانةً وخسفا نبا؛ وأحق من قبل هذه الشفاعة كرمك وأولى من رعاها شيمك، والمعالي جنود الشرف وأحق علمٍ رفع عليها علمك؛ والله تعالى يبقيه للأنام ملاذا، وللأمل معاذا، ويهب عزمه مضاء وقلمه نفاذا؛ إن شاء الله تعالى.\rوكتب إلى قاضي القضاة تاج الدين بن خلف:","part":2,"page":386},{"id":887,"text":"يخدم الجناب التاجي - أدام الله شرف الملة ببقائه، وأعلى كلمة الأمة بعلائه وأجرى ألسنة الأقلام بثنائه، ورفع ألوية أوليائه بولائه - وينهي ورود مشرفته التي تجلت في سماء السيادة حسنا، وسهلت لفظا وجزلت معنى، وغدا لسان الإحسان عليها يثنى، وعنان الفضائل إليها يثنى؛ وقد أخذت برقاب المعاني، وأطربت إطراب المثاني، وبعثت روح الحياة إلى روح الأماني، وثنت إلى فضلها الأول عنان الثاني\rفحى هلا بالمكرمات وبالعلا ... وحى هلا بالفضل والسؤدد المحض\rلا جرم أن المملوك سجد لله ثم لجلالة ذلك الاستغفار، وقبول كلمات الاعتذار؛ وعلم أن مولانا لبس حلة التواضع لتمام شرف الاصطناع، وليجوز أقسام السيادة بالصدر الرحب والخلق الوساع\rسجية نفسٍ شرف الله مجدها ... بما شاء من فضل لديها ومن حلم\rوسؤدد آباء وكسب سيادة ... تضم إلى عز العلا شرف العلم\rهذا مع إساءتنا التي تسود وجوه الأمل، ويقضي كفرها - لولا إيمان مولانا بإحباط العمل، على أنها ملازمة المعلولات للعلل\rوما كنت جاني فتنةٍ غير أنها ... إذا وقعت أردت مسيئاً ومحسنا\rولو رشقتني مصميات سهامها ... لألفت لها حكما من الله بينا\rوإن جلال الله يشهد أنني ... بذلت من الوسع الذي كان ممكنا\rوحذرت حتى لم أجد متحرزا ... وأسمعت لكن لم أجد ثم أذنا\rوكانت صعابٌ تقتضيها مشيئةٌ ... وهل لقضاء الله رد؟ إذا دنا\rوأما إشارة مولانا إلى الحاجب الذي هو لمولانا أشرف من حاجب بن زراره بما أودعه أثناء تلك الكلم من لطيف الإشارة وشريف العباره؛ فجزاء مولانا على الله في جبره لقلب المملوك المنصدع، وصلة أمله المنقطع.\rوكتب إلى الصاحب قاضي القضاة بدر الدين السنجاري - وهو يوم ذلك متولى الحكم والوزارة بالديار المصرية: لا زال الإسلام يستضيء ببدره، والإيمان يأرز إلى صدره، والشرف يتضاءل عند قدر جلالته وجلالة قدره، والآمال والآجال مصرفةً بين بسطة نعمته وسطوة قهره، هذه على ذكره وهذه على شكره، والمكارم والمحامد تتعلق وتتألق هذه بنشره وهذه ببشره، والعزم والرأي إذا فل أو فال استغاث واستضاء هذا بنصره وهذا بفكره\rولا غرو أن تثني الوزارة جيدها ... إلى ناظمٍ في جيدها عقد فخره\rإلى أحوذي الرأي إن ناب معضلٌ ... أراك جلى الأمر إيحاء سره\rإذا استغزر الذهن الذكي تضاءلت ... له فكرتا قيس الذكاء وعمره\rفيطلع رأيا واضحا من سداده ... كما انشق برد الليل عن ضوء فجره\rإلى سؤدد أجرت معاليه خيله ... سوابق غراً في بهيمات دهره\rوكم سابقٍ أجرى إلى غاية العلا ... ولكن طوى سبقا ملاءة حضره\rبحلم تجلى في أسرة وجهه ... وجودٍ تجلى من طلاقة بشره\rيمينا لقد أضحت جلالة قدرها ... على شرف المقدار من دون قدره\rسطرها المملوك بعد ما لبست الوزارة حلة فخرها، وسحبت ذيل افتخارها، وبدا معصم شرفها في حلية سوارها، وتجلت معانيها بين شموس فضلها وأقمارها، وجنينا الغض من زهرها، والطيب من ثمرها، وحمدنا جميل تأثيرها وحميد آثارها\rوحيت على بعد المدى نفثاتها ... بأطيب من رند الربا وعرارها\rواجتلى المملوك حسناء إحسانها فما ضارعتها البدور مذ فارقت سرارها، ولا الأنجم ولو نظم الفلك أنوارها، ولا الروضة وقد عقدت الغمائم إزراها، ولا أطلال مية وقد دبجت يد الأنواء أزهارها، ولا أردان عزة وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها؛ صلة جاءت كبرد الشباب، وبرد الشراب؛ اقتضابا قبل السؤال، وابتداء الآمال؛ والمملوك يحضر عقيبها ليجتلى وجه المنعم قريبا، ويجتنى غصن النعم رطيبا\rومتى لم أقم بشكرك للنا ... س خطيبا فلا وقيت الخطوبا\rوكتب إلى الصاحب تاج الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين علي بن محمد المعروف بابن حناء:","part":2,"page":387},{"id":888,"text":"رفع الله قدر الجناب الصاحبي التاجي في شرف الأقدار، وأجرى بإرادته وسعادته سوابق الأقدار، وألبسه حلية الشرف التي هي على رأس رياسته تاجٌ وفي معصم سيادته سوار، وأمضى عزائم آرائه التي إذا سطت يوم البأس نفذت نفوذ السهم ومضت مضاء الغرار، وإذا سرت في ليل الخطب هدت هداية النجم ووضحت وضوح النهار، وأرضى همته التي إذا همت أغنت عن الأبيض المرهف والأسمر الخطار، وإذا أمت شأت ناصية الحنفاء وبذت قاصية الخطار؛ وأرهف أقلامه التي إذا أجراها أثبتت خال النقس، في وجنة الطرس، وطرزت بالظلماء أردية الشمس؛ وإذا هزها أنست هز العوامل، وأصابت من الأمر الكلى والمفاصل، وإذا أمضاها لنعمة أو لنقمة فللجاني لعاب الأفاعي القواتل، وللعافي أرى الجنى اشتارته أيدٍ عواسل؛ ولا زال ربعه مربعا للجلال ومصيفا، ومرتعا لسوام الآمال وخريفا، ومشرعا وارد الظلال وريفا؛ وحرما آمنا تجبى إليه ثمرات الحمد وتجنى منه ثمرات الرفد، وتقف المعالي عليه وقوف مطايا الشوق بالعلم الفرد؛ فإنه الربع الذي وقفت به الآمال وقوف غيلان بدارميه، وعكفت عليه المحامد عكوف توبة على حب الأخيلية؛ والجناب الذي فاءت ظلاله وفاضت مواهبه وجاءت مذانبه، وجادت سحائبه، وجلت شيمه وتجلت غياهبه؛ في روض المعالي الذي فاحت نسائمه، وناحت حمائمه، ومنشإ المجد حيث شاب فأرخيت ذوائبه وشب فقطعت تمائمه، وبيت الرياسة الذي إذا دنوت حباك بإكرامه وإذا نأيت حيتك مكارمه، وصدر السيادة الذي خضعت له الأعناق هيبة لأبلج لا تيجان إلا عمائمه\rولا زال بدرا في سماء سيادة ... يشار إليه في الورى بالأنامل\rبسيط مساعي المجد يركب نجده ... من الشرف الأعلى وبذل الفواضل\rإذا سيل أغنى السامعين جوابه ... وإن قال لم يترك مقالا لقائل\rمحدد أيام الحياة فكلها ... لطالب علم أو لقاصد نائل\rوينهى ولاء مخبوءا بسويداء قلبه، موضوعا بين شغافه وخلبه؛ وثناءً مسموعا في محافل الأنام، معلنا في صحائف الحمد بألسنة الأقلام، جديدا على ذهاب الليالي واختلاف الأيام؛ ودعاءً سابق أراعيل الرياح، ووضحت أنوار إجابته وضوح الصباح، وطار إلى ملإ القبول بقادمة كقادمة الجناح؛ وتحية إذا واجهت وجه الجهام أمطر، وإذا هزت أعطاف الكهام أثر؛ أرق من النسيم السحري، وأعطر من العنبر الشحري؛ وأصفى من ماء المناقع، وأحلى من جنى النحل ممزوجا بماء الوقائع يرى ذلك في شرع المروءة واضحا واجبا ...؛ تحية من أولى النعمة فشكرها وعرف العارفة وما أنكرها، وآمن بيده البيضاء من غير سوء ومذ آمن بها ما كفرها؛ كيف لا وقد امتزج بحبها لحمه ودمه، وسبح بحمدها قلمه وفمه، وجرت شيم حمده على أعرق جيادها والخير من سبقت به إلى شكر المنعم شيمه؛ لا سيما وقد جنى الطيب من ثمارها، وورد العذب من أنهارها؛ فلا أعدم الله مولانا صنائع الإحسان الذي انعقدت عليه كلمة الإجماع، وأنشده لسان المحامد عن شرف الاصطناع\rفلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع\rولا زال اللطف صدى صوته إذا دعا، والنجح قرين مساعيه أنى سعى، وحاكم الفضل يصدق دعواه حوز كل فضيلة كيف ادعى؛ حضر المملوك مهنئا نفسه بهنائه، وساعيا في خدمته سعى الأجدل في هوائه، والنجم في سمائه؛ من ملازمة وجهه الذي ألقى الله عليه محبةً منه فاستنار، واكتسى حلة الحياء فألبسته حلة الوقار؛ واجتلته المقل فرأت رونق الخفر عليه باديا، وائتمت به الهداة فألفته نجما في سماء السيادة هاديا؛ وقالت الأماني في ظله فأنشأ جوده قائلا:\rنزلت على آل المهلب شاتيا","part":2,"page":388},{"id":889,"text":"ورأيته والناس مومئون من ليث عليه مهابة فكانوا الكروان أبصرن بازيا؛ أبهة الجلاله، وجلالة الأصاله؛ وأصالة الشرف، وشرف الفضل الأنف، ورياسةٌ ورثها خير سلفٍ لخير خلف، وشيمٌ علمته في المعالي كيف تؤكل الكتف؛ فصادف ركابه العالي قد استقل، وحل من دارة العز حيث حل؛ فأقام رجاء أن يعاين أسرة جبينه، ويقبله كتقبيل الندى في يمينه؛ وحين جنحت الشمس إلى مستقر الأنوار وطوى الفلك بيد القدرة رداء النهار؛ وأشرف اليوم من خشية طيه على شفا جرف هار؛ وثوب داعى العصر وحيعل، وعاين نير الفلك في وجه السماء كعين الأقبل؛ ثنى عنانه إلى مثوى قراره، وانثنى يسابق أدهم ليله بأشهب نهاره؛ على الرغم أخفق مسعاه، ولم يقل قلبه الشوق الذي دعاه؛ لكن سار وأقام خالص ولائه وعاد بعد ما أودع الحفظة مرفوع دعائه؛ لكن سار وأقام خالص ولائه وعاد بعد ما أودع الحفظة مرفوع دعائه؛ فعرف الله مولانا بركات هذا الشهر الذي سارت به إلى إحسانه مطايا أيامه، وجعله مثبتا لحسناته ممحيا لآثامه، وحلاه بالمقبول من صيامه والمشهور من قيامه؛ وأراه صدر بره أثلج، ووجه بدره أبلج، وثغر ابتسامه عن رضوان القبول أفلج؛ ورقاه درج تضاعف حسناته، ولقاه من كرم الله مذخور إحسانه وموعود هباته؛ وأراه الأمل في بنيه؛ وأرانا فيهم ما رأينا فيه؛ فهو غاب العلم وهم أغصانه وشجره، ومطهم السابقين وهم حجوله وغرره؛ وإني لألمح من مخايل شرفهم وشرف مخايلهم، وشمائل شيمهم وشيم شمائلهم؛ نجابةً تضعهم من الرياسة في أنفها، ومن السيادة بمكان شنفها؛ فهم جذوة فضلٍ مبرقه، ودوحة علمٍ مورقه ونبعة سيادةٍ معرقه، وشموس معالٍ في أفق كل شرف مشرقه؛ سمت بهم أصالة النسب، وفضيلة الأدب المكتسب، وجمعوا بين شرف العمومة والخؤولة في كرم المنتسب؛ فللعلا ألسنٌ تثنى محامدها على الحميد من فعلهم وشيمهم، وللندى مواهب عزيت مذاهبها إلى العليين من كرمهم وهممهم؛ لا زالت محاسنهم قلائد الأجياد وأيامهم مواسم الأعياد، وحرمهم المخصب بالمكارم سواء العاكف فيه والباد؛ إن شاء الله تعالى.\rوكتب إلى القاضي شمس الدين الأصبهاني الحاكم - وكان بالأعمال القوصية - رحمهما الله تعالى - : أوضح الله صنائع المجلس في بهيم الآمال غررا، ونظم أياديه في أجياد الأيام دررا، وصفى مشارع أمانيه إن كان مشرع الأماني كدرا، ولا زال الإسلام يشدو بحمده مفتخرا، والأيام تتلو مجده سورا، والشرع المحمدي يكون بمضائه في ذات الله منتصرا\rفقد نشرت يمناك أردية العلا ... تحلى بلاد الله بالدين والعلم\rوأمضيت أمر الله في شرع أحمد ... وقيدت شكر الله في مطلق الحكم\rوترضى كلا الخصمين في السخط والرضا ... كأنك تعطي الخصم ما كان للخصم\rإلى غير ذلك من محاسن وضحت وضوح النجم في الليل البهيم، وسرت إلى الحمد سرى المجد إلى الشرف الصميم، وحدثت عن مساعيه فجاءت بالنثر البديع والدر النظيم، وأثنت عليه ثناء وارف الروض على واكف الوبل بألسنة النسيم\rوهزت جناحي فضله وجلاله ... إلى درك العلياء من غاية المجد\rوقالت معاليه لي المجد كله ... فما ابنة ذي البردين والفرس والورد\rفلا عدمه الإسلام إماما فاضلا، وحكما فاصلا، وساعيا إلى غايات الفضائل واصلا، وفاعل حسناتٍ صير الحاصل من ثنائه باقيا والباقي من عمله الصالح حاصلا؛ المجلس - أدام الله أيامه - يعلم أن الأيام مستنى بحد شباتها، ورمتني عن قوس أذاتها، وجنتني الحنظل من شجراتها، والمر من ثمراتها، وأضرمت من نار ألمى ما لم تطفئه مقلتي بفيض عبراتها\rكأني لم اطلع بأفق سمائها ... ولم أتقلب في ثياب سماتها\rولم أك منها في سويداء قلبها ... مخايل من هذى العلا وهداتها\r- أستغفر الله - فإنها استرجعت ما لم يكن مستحقا، وأبقت إن شاء الله لمجلسه السامي ما كان حقا، وأسكنته - أدام الله نعمته - وفلك السعادة شرقا ومطلع الشمس أفقا، وأحلته من كنف السيادة قلبا ومن رأس الرياسة فرقا\rوتطلعه الآمال خير غمامة ... فتلمعه برقا وتوكفه ودقا\rوتبقيه للدين الحنيفي عصمةً ... وللهدي والإضلال إن أبهما فرقا","part":2,"page":389},{"id":890,"text":"وتبرزه في صدر كل فضيلة ... كما بذ شأو الفاضلين بها سبقا\rحضر مملوك مولانا الولد وقد رفع من المحامد الشمسية لواء، والتزم العبودية والإخلاص ولاء، وعمر الأفنية ودادا والأندية ثناء؛ وقال: أحسن مولانا حين أساءت الأيام، وأولى نعمةً حاتميةً وإنها أشرف الإنعام\rوما لي لا أثني عليه بصالح ... وأشكره والشكر بعض حقوقه\rوأملأ من حسن الثنا كل مسمع ... وإني لأخشى بعد إثم عقوقه\rثم سار وقلبي يتبعه، ودمعه يشيعه، ولساني يستحفظه الله ويستودعه؛ وعليه من الديون ما أحاط به إحاطة الجفون بمقلها، والأغماد بمنصلها؛ لتوالي هذه المغارم التي طم جداها، والمظالم التي عم رداها، والمحنة التي ملكتني يداها؛ من خراج طمى بحر ظلمه، وزاد على حد الجور رسمه وخصصت من بين هذا العالم بوسمه؛ للزومٍ قام بوصفي فتبعه لازمه ومعنىً وجب لذاتي فاستحال عدمه؛ وقد كان المملوك وولده فيما سلف يجودان بما يجدان لقانع ومعتر، وغني؟ ومضطر؛ صيانةً للأعراض من أعراض اللوم، ورغبةً في صلة حمد الأمس بفائد اليوم؛ وسجية نفس تأنف من علاقة الذم؛ وإن كان هذا فيما لا يجب فالقياس فيما يجب انبعاث النفس إليه من حتم المروءة أمضى، والدين بأداء الواجب أقضى؛ لأنه مؤيد بإبرام الشرع، وقد صح هذا القياس بجامعية الأصل والفرع؛ لكن ضاقت يد القدرة عن نفاذها، واعتاضت من وابل الثروة برذاذها؛ وإذا توافرت القرائن أفادت فوق ما تفيد غلبات الظنون من مدار الشرعيات عليها، وانتهاء غالب الأحكام إليها؛ وقد كان المملوك حرك عزائم سيدنا قاضي القضاة - شرف الله قدره، وأدام على الإسلام أمره - إلى تحريها العلوم الكريمة بما هي عالمه، وحكمها بما هي حاكمه؛ ليكون له مستند يدفع أقوال المتعرضين، ويصرف اعتراض المعترضين؛ ولئلا يقف له واقف فيجري قلمه الشريف بأمرٍ جازمٍ يجب الوقوف على مثاله، والمسارعة إلى امتثاله؛ فيعز استدراك الأمر بعد إحكامه، ويكون السعي في معارضته كالنقض لأحكامه؛ فكتب بما يقف عنده، ولا يتجاوز حده؛ غير ذاكرٍ عن مولانا منعا ينفر عنه الرواه، ولا مشنع بكتاب سيدنا قاضي القضاه؛ بل يكون كالشافع، إذا صمم الخصم اعتذر بما هو لهذه المصالح كالجامع؛ ليكون المملك في إرضائه بحسب الإمكان ويرى الخصم ما أخذه بعد اليأس نوعا من الإحسان؛ فالنفوس إذا منعت كل المنع طلبت كل المطلب، وتعلقت في درك أغراضها بكل سبب؛ وإذا أخذت بالكلام البين، وعوملت بالسهل اللين؛ بعد درء سورتها بالمنع، ودفع شهوتها بالدفع؛ اتسق حكم الأشياء وانتظم، وانشعب صدع هذا الجرح والتأم؛ وجرى الأمر على سداد بحفظ النظام وحفظ الحرمة والحفظ للشارع، ولذلك قال: \" أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم \" لا سيما مع شهادات ضروراتهم؛ بسط الله يمين سيدنا في المعالي كما بسط لسانه في المعالم، وقيد عليه لسان المحامد كما أطلق يده بالمكارم؛ وعليه تحية الله التي توالي عليه نفحاتها، وتهدي إلى آماله العالي من مقترحاتها.\rوكتب إلى شهاب الدين محمود متولى سمهود من علم قوص - وكان بينهما مودة، فاستدعاه للسلام عليه - فكتب:\rإلينا فإنا قد حللنا بأرضكم ... على فرط شوقٍ لابن عثمان دائم\rوزرناك محمودا كما زار أحنفٌ ... لنيل الأماني ربع قيس بن عاصم\rولسنا بغاةً للندى والتماسه ... وإن كنت معروف الندى والمكارم\rولكن وفاءً بالإخاء لمن وفى ... وقد خان حتى حد سيفي وقائمي\rوجدتك ذخري والزمان محاربي ... كما كنت عوني والزمان مسالمي\rفلا غرو أن أثني إليك أعنتي ... كما قد ثنت يمناي خنصر خاتمي","part":2,"page":390},{"id":891,"text":"يهدى إلى المجلس السامي الشرفي تحية الله التي تحملها أنفاس النسيم معطرةً بعرف الرياض، مكللةً بأندية الكرم الفياض؛ تغاديه في السحر والمقيل، وتراوحه في الطفل والأصيل، وتشاهد محاسنه المقل أحسن من محاسن بثينة في وجه جميل؛ وأثنيته التي تنتظم في الأجياد انتظام القلائد، وترد على الأسماع ورود الهيم على عذاب الموارد؛ ويوليه من حبه مزية الاختصاص، ومن موالاته السوانح التي لا تمتد إليها يد الاقتناص؛ فهو نسيم الأنس، ومسرة النفس، وذخر اليوم والأمس؛ مصعبي الهمم، مهلبي الشيم، حاتمي الكرم؛ فاق أخلاقا، وراق أعراقا؛ وسما نفسا، وطلع في سماء الشرف شمسا\rوألفيته في نفسه وولائه ... وحسن معانيه كما انتظم الدر\rوضاع شذا أنفاسه فانتشقته ... على النأى منه مثلما ابتسم الزهر\rولاحت معاليه بآفاق مجده ... كما لاح في ليل التمام لنا بدر\rلا رحم إتياني إليه، وإيثار تسليمي عليه؛ مع أني كنت أعهد له خلوةً حلوةً مع اله ووقفةً على بابه، والتجاءه في جنح الليل إلى جنابه، ودمعةً يرسلها إذا استرسل في محرابه؛ وضراعةً يتابعها خشوعه، وزفرةً يشتمل عليها قلبه وتفرق عنها ضلوعه\rفيا ليت شعري هل أقامت بثينة ... على عهدها أم قد ثنتها الشواغل\rوهل ذلك الود الذي كان بيننا ... بوادي الخزامى مثل ما كان أول\rوكتب إليه - رحمه الله - يستدعى منه ثلاثة أسهم ومليات - وقد أوردنا بعض هذه الرسالة في الفن الأول في السواقي، ونوردها في هذا الموضع بجملتها لتكون متتابعة يتلو بعضها بعضا - :\rوالسيف يندب في الوغى فيهزه ... ندب الكمى إلى مضاء غراره\rوالحر أولى بانتداب خلاله ... لمؤمل فيه قضا أوطاره","part":2,"page":391},{"id":892,"text":"فلذلك حركت العزائم العالية المولوية الشرفية - أدام الله علاها، ورفع لواها وأودع أسماع الأنام ثناها؛ ولا زالت مرفهة السرائر، منورة الضمائر، سائرةً في قطب المعالي سير الفلك الدائر، آخذةً بحظها من شرف المفاخر، جامعةً بين درك إحسان الله في اليوم الأول واليوم الآخر - تحريك الطسمية عزائم الأسود بن عفار وبعثتها إلى إنالة الأمل انبعاث الهمم العربية يوم ذي قار، واستجشت عزائمها استجاشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عزائم الأنصار، واستنجدتها العثمانية بالهاشمية يوم الدار، واستحثثتها سرعة الإجابة استحثاث أدهم الليل أشهب النهار؛ فإنها للتي ثنيت عليها خنصر الاعتماد، وصرفت إليها عقيدة الاعتداد، وجعلتها من القلب في سويدائه ومن المقلة في السواد، واعتمدت عليها اعتماد بكرٍ على الحارث بن عباد؛ لا جرم أنها والحمد لله تعالى ساعيةٌ لآمالي متى استسعيتها، وصدى صوتي متى دعوتها وفاتحة كتاب المحامد متى تلوتها؛ وأعيذها بالله أن تنكب عن قضائها، أو تقف دون غاية انقضائها؛ وإنها لأورق فرعا من أفنان السلمه، وأعرق أصلا في الوفاء من أصل السلمه، وأرشق سهما في كنانة سلمه، وأوثق في حفاظ المودة من ابن شبرمه؛ يقينً أحطت بأنبائه، إحاطة رسول ابن داود يوم إنبائه؛ فلا شك في شرف نفسها وسمو نجمها ووضوح شمسها، وزيادة يومها في الوفاء على أمسها، كما لا تشك الإيادية في فصاحة قسها، ولا العامرية في علاقة قيسها؛ وقد توجه إليه حاملها لحمل السهام التي أسهمت له من الموالاة أوفر أقسامها، ونشرت رداء ذكره على أفئدة قلوبها وألسنة أقلامها؛ عند اشتداد الحاجة إليها، وجر ثقل السواقي عليها؛ وحركة الحر التي حلت شمسه برج حملها، وتوالت جيوش جنوده بين صدور ظباها وأطراف أسلها؛ تجفف أنداء الثرى، وتعيد عنبر الأرض عثيرا، وتشيب مفارق نباتها، وتذيق الممات أكباد حباتها؛ فاستنصر العزائم العالية المولوية الشرفية في إطفاء لهبه، واقتضينا إعانته قبل انتضاء قضبه، وبعثنا لمحل الهمة الشرفية قبل سطوته على قضبه وقصبه؛ لتجري على صفحة الثرى مستفيضه، وتجنى ثمرات رياضها من أنداء همته أريضه؛ وتغازل مقل النفوس لحظات أزهارها، وتفتن أفنان فنونها بنوح بلبلها هزارها، ويبوح شذا الروض عن سرها وآثارها؛ هذا مع أنها خطبت حسن إحسانه، وتقلدت جميل بره وجزيل امتنانه؛ والربيع منمنم العذار، موشى الإزار؛ قد لبس رداء شبابه، وماس في خضر ترابه وخضل ربابه؛ يهز أعطاف سنائه، ويخطر في برد هوائه وبرد مائه، فكلل وجنات نوره ببرد أندائه؛ والثرى عنبري الأديم، سحري النسيم، رندي الشميم؛ موشحٌ بقلائد غدرانه، مغازلٌ بعيون نرجسه بسام بثغر أقحونه؛ لا يغرد ذبابه ولا يطرب، ولا يصر بسحراته الجندب؛ تطلع شمسه محتجبةً في ضبابها، مقنعةً من سحابها؛ جاريةً في أثناء حبكها، جائلةً في أدنى فلكها؛ تسعى فتسرع، وتكاد أن تغرب حين تطلع؛ والجو معقود الأزرار، فاختي الإزار؛ غيمه منسكب، ونوره منسحب؛ وليله يضم أطراف نهاره، ويلف وجهه في حاشية إزاره؛ ينفي القذاة عن مائه، ويجمع الحواس على جلوائه، ويعشى المقل من ضوء سنائه\rفلو أن ليلى زارني طيف أنسها ... وماء شبابي قاطرٌ في ذوائبي\rضممت عليها البرد ضمة آلفٍ ... وألصقت أحشائي بها وترائبي\rولكن أتتني بعد ما شاب مفرقي ... وودعت أحبابي له وحبائبي\rوالحاجة داعيةٌ إلى ثلاثة أسهم، كأنها هقعة الأنجم؛ ممتدة امتداد الرمح، مقومة تقويم القدح؛ غير مشعثة الأطراف، ولا معقدة الأعطاف، ولا مسوسة الأجواف؛ تحاسن الغصون بقوامها، والقدود بتمامها؛ وتخالف هيفها بامتلاء خصورها، وتساوى بين هواديها وصدورها؛ معتدلة القدود، ناعمة الخدود؛ مع مليات أخذت النار فيها مأخذها فاسودت، وتطاولت عليها مدة الجفاف فاشتدت؛ وترامت بها مدة القدم، كأنها في حيز العدم؛ صلاب المكاسر، غلاظ المآزر؛ تشبه أخلاقه في هيجاء السلم، وتحكي صلابة آرائه في نفاذ الرأي ومضاء العزم؛ تكظم على الماء بقبضها، فتجود على الأرض بفيضها؛ تمد يد أيدها في اقتضاء إرادتها، وتطلع طلوع الأنجم في فلك إرادتها؛ وتعانق أخواتها معانقة التشييع؛ فآخر التسليم أول التوديع؛ على أنها تؤذن بحقائق الاعتبار، وتجري جري الفلك المدار في فناء الأعمار","part":2,"page":392},{"id":893,"text":"تمر كأنفاس الفتى في حياته ... وتسعى كسعي المرء أثناء عمره\rيفارق خل؟ خله وهو سائرٌ ... على مثل حال الخل في إثر سيره\rويعلمه التداور لو يعقل الفتى ... بأن مرور العمر فيه كمره\rفمن أدركت أفكاره سر أمرها ... فقد أدركت أفكاره سر أمره\rومن فاته الإدراك أدركه الردى ... إذا جرعت أنفاسه كأس مره\rهذه آخر خطوات القلم، ومنتهى خطرات الكلم؛ فقم في سرعة وصولها وتعجيل رسولها\rبعزمٍ غدا ينسى لمروان عزمه ... براهط إذ جاشت عليه القبائل\rغير معتمد عليه، ولا مفوضٍ أمراً إليه؛ فلم أعتمد عليه اعتماد الصوفه، وإنما هو العماد عند أهل الكوفة؛ وإنما هو حمار سير، وذنب طير؛ يحمل ورقة مطويةً عن علمه، مزويةً عن فهمه؛ كما يحمل الزند الشرار إلى العظم والله تعالى يحله من السعادة أشرف آفاقها، ويحرسه في طفل الشمس وإشراقها\rويجريه من ألطافه نحو غاية ... تبلغه الألطاف حلو مذاقها\rويلبسه فخر السيادة والعلا ... كما لبست أسماء فخر نطاقها\rإن شاء الله تعالى.\rعبد الله بن عبد الظاهر\rالمولى القاضي الفاضل البارع الأصيل الأجل رحمه الله تعالى كان رحمه الله من أجل كتاب العصر، وفضلاء المصر؛ وأكابر أعيان الدول والذي افتخر بوجوده أبناء عصره على الأول؛ له من النظم الفائق ما راق صناعةً وحسنا، ومن النثر الرائق ما فاق بلاغةً ومعنى؛ فقصائده مدونةٌ مشهوره، ورسائله بأيدي الفضلاء ودفاترهم مسطوره؛ وكلامه كاد يكون لأهل هذه الصناعة وعليهم حجه، وطريقه في البلاغة أسهل طريق وفي الفصاحة أوضح محجه؛ وهو رحمه الله ممن عاصرته ولسوء الحظ لم أشاهد محياه الوسيم، ولم أفز بالنظر إلى طلاقة وجهه الكريم؛ والذي أورده من كلامه هو مما نقلته من خطه، وتلقيته ممن سمعه من لفظه؛ فمن كلامه - رحمة الله عليه - ما كتبه عن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي - رحمه الله - إلى ملك الغرب، كتب:","part":2,"page":393},{"id":894,"text":"تحيات الله التي تتابع وفودها وتتوالى، وتشرف نجومها وتتلالا، وتنفق إسرافا ولا تخاف من ذي العرش إقلالا؛ تخص الحضرة السنية السريه، العالمية العادلية المستنصريه؛ ذخيرة أمير المؤمنين، وعصمة الدنيا والدين، وعدة الموحدين؛ لا زالت سماؤها بالعدل مغدقة الأنواء مشرقة الأنوار، ورياضها بالفضل مورقة الأغصان مونقة الثمار؛ ولا برحت ضوال الأماني في أبوابها تنشد، وقصائد القصود في اتصافها تنشد؛ وسرى الآمال عند صباح أمرها يحمد، وأحاديث الكرم عن جودها ترسل وإلى وجودها تسند؛ وسلامه الذي يكاثر نسيم الروض الأنيق، ويفاخر جديده عتيق المسك وأين الجديد من العتيق؛ يغاديان تلك الأنداء المباركة مغاداة الغوادي من وابل المطر، ويراوحانها مراوحة الرقة للأصل والبكر؛ حيث العزة القعساء يمتد رواقها، والنعمة الغراء تخصف أوراقها، والديمة الوطفاء يتوالى إغداقها، ويتتالى إغراقها؛ وحيث العدل منشور الجناح، والحق مشهور السلاح، والإنصاف مبرور الأقسام لطالبه باقٍ لا يزاح؛ سجية تتوارث توارث الفخار، ومزية تستأثر بالهداية استئثار النجوم بالأنوار، وشيم تستصحب استصحاب الأهلة للإبدار؛ فلذلك يتلفت الأمل إليها تلفت الساري إلى تبلج الصباح، ويرتاح إلى تلقي إحسانها ارتياح الظامئ إلى ارتشاف الماء القراح؛ ويحتمى بها في المطالب احتماء الليث بالغابه، ويستمد إسعافها استمداد الحديقة من السحابه؛ ويهز عدلها كما هز الكمى المرهف، وينبه فضلها تنبيه النسيم جفن الزهر الأوطف؛ فيناجي بالجؤور، ويلتمس لها حسن الصنع الذي لا يزال مبتسم الثغور؛ فمما قص عليه من مناجاته، وطوى عليه طوية مفاوضاته؛ أن القاضي زين الدين بن حباسة من بيتٍ أسلف سلفه جميلا، وغدا هو على مكارمه دليلا؛ وكان له غلام قد سير معه جملةً... والاحتفال الحفي مسئولٌ في تقدمٍ يجيب النجاح داعيه، ويغدو الفلاح مراوحه ومغاديه؛ واعتناءٍ يستخلص حقه ممن عليه اعتدى، ويرى من قبسه نورا يجد به هدى؛ فببارقةٍ يضيء لديه الحالك، وبلمحةٍ يهتدي بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك؛ وما هو إلا رسمٌ يرسم به وقد قرب البعيد، وآب الشريد؛ وخاف الخائف، وكف الجانف؛ وجمعت الضوال، وضاق على المختزل واسع المجال؛ سمهابة قد سكنت القلوب، وسياسة قوي الطالب بها وضعف المطلوب، وعزة لا يزال الرجاء ينيب إليها فيما ينوب؛ وأي مطلب تناجى فيه الآلاء المباركة فلا يصحب قياده، ويستسقى له مزنٌ ولا تعاهد عهاده؛ وأي ذاهبٍ لا يسترجع به ولو أنه عشيات الحمى، وأي فائتٍ لا يرد ولو نه زمن الشبيبة المعسول اللمى؛ وحسب العاني أن يحط برحابها رحاله، أو أن يوفد إلى أبوابها آماله؛ وقد تبادرت إليه المناحج متسابقه، وانتظمت لديه المصالح متناسقه؛ فحينئذ يفعم إناء تأميله، ويستوعب الإحسان لجملة قصده وتفصيله؛ ويناديه السعد من تلك البقعة المباركه، فيوافيه التوفيق بصحائف القبول تحملها الملائكه؛ أمتع الله ببركاتها التي امتد رواقها، وأنار الحالك إشراقها؛ ولا زالت يراوحها تسليمٌ عطر النفحه، وتصافحها تحياتٌ جميلة الصفحه؛ بمنه وكرمه.\rوكتب رسالة صيدية عن السلطان الملك الظاهر إلى الأمير عز الدين الحلى نائب السلطنة بالقلعة:","part":2,"page":394},{"id":895,"text":"هذه المكاتبة إلى المجلس لا توارت شموس أنسه، ولا أذبلت ثمار غرسه ولا برح غده في السعد مربيا على يومه ويومه على أمسه؛ تتضمن إعلامه بأنا خرجنا إلى الصيد المبارك بجنود تملا السهل والجبل، وتستحي الشمس منها فتستتر في سحابها من كثرة الخجل؛ تسير على الأرض منها جبال، وتأوي الرمال منها إلى أورف ظلال؛ وتوجهنا إلى جهة الطرانة وإذا بحشود الوحوش قد توافدت، وعلى مناهل المناهج قد تواردت؛ والأجل يسوقهم، والبيد تعقهم، والمنايا تعوقهم؛ ولم تزل أيدي الخيل تجمعهم في صعيد، وتطوى بهم سطورا في طروس البيد؛ حتى أحاطت بهم إحاطة الفلك بالنجوم الزواهر، والأجفان بالعيون النواظر؛ وجردت السيوف فظنتها غدرا، ورميت النبال فحسبتها شررا؛ وعزلت الرماح بالسهام وحيتها السلام بالسلام، وسكنت نهارا من العجاج في ظلام؛ وضاقت عليها الأرض بما رحبت، وأدركت المنية منها ما طلبت؛ وراسلتها المنايا، وأهدت إليها رياحين تحايا، فمن صريعٍ وصديعٍ وطريحٍ وطريد، وجريحٍ ومقبلٍ وشريد، وقائمٍ وحصيد؛ ولم تسلم في هذا اليوم غير غزالة السماء فإنها استترت بالغيوم، وخافت أن يكون الهلال قد نصب فخا لصيدها وصيد غيرها من النجوم؛ والموت أسر كل مهاةٍ مهابه، ونال الحتف من كل طلاً طلابه؛ وفتكت الظبا بالظبى، وقالت السهام لأجيادها: مرحبا؛ وثنينا الأعنة والشفار قد أنهلت، والظهور قد أثقلت؛ والكنس خاوية على عروشها، والبيد قد أوحشت من وحوشها؛ وما نشتمل عليه من محبة المجلس وإيثاره، ونجده من الوحشة له مع دنو داره؛ وسروره بما عساه لنا يتجدد، وحبوره بما يرد من جهتنا وهذا لا نشك فيه ولا نتردد؛ أوجب أن نخصه به ونتحفه، ونصفه له على جليته إذ كنا بالتخصيص به لن ننصفه؛ وقد بعثنا إليه منه قسما، ولم ننس عند ذكرنا أنفسنا له اسما.\rوكتب عن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون إلى صاحب اليمن جواب كتابٍ عزى فيه السلطان عن ولده الملك الصالح علاء الدين علي - وكان الكتاب الذي ورد في ورق أزرق، وسيره في كيس أطلس أزرق، والعادة أن يكون في كيس أطلس أصفر - :","part":2,"page":395},{"id":896,"text":"أعز الله نصرته وأحسن بتسليته الصبر على كل فادح، والأجر على كل مصاب قرح القرائح، وجرح الجوارح، وأوفد من تعازيه كل مسكنٍ طاحت به من تلقاء صنعاء اليمن الطوائح، وكتب له جزاء المصير عن جارٍ من دمعٍ طافح، على جارٍ لسويداء القلب صالح؛ المملوك يخدم خدمة لا يذود المواصلة بها حادث، ولا يؤخرها عن وقتها أمرٌ كارث، ولا تنقصها عن تحسينها وترتيبها بواعث الاختلاف ولا اختلاف البواعث؛ ويطلع العلم الكريم على ورود مثالٍ كريم لولا زرقة طرسه؛ وزرقة لبسه، لقال: \" وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيمٌ \" ؛ يتضمن ما كان حدث من رزءٍ تلافاه الله بناسيه، وتوافى هو والصبر فتولى التسليم تبيين عاسيه وتمرين قاسيه؛ فشكرنا الله على ما أعطى وحمدناه على ما أخذ، وما قلنا: هذا جزعٌ قد انتبه إلا وقلنا: هذا تثبتٌ قد انتبذ، ولا توهمنا أن فلذة كبدٍ قد اختطفت إلا وشاهدنا حولنا من ذريتنا - والحمد لله - فلذ؛ وأحسنا الاحتساب، ودخلت الملائكة علينا من كل باب، ووفانا الله أجر الصابرين بغير حساب؛ ولنا - والشكر لله - صبرٌ جميلٌ لا ناسف معه على فائت ولا نأسى على مفقود، وإذا علم الله حسن الاستنامة إلى قضائه والاستكانة إلى عطائه عوض كل يوم ما يقول المبشر به: هذا مولىً مولود؛ وليست الإبل بأغلظ أكبادا ممن له قلبٌ لا يبالي بالصدمات كثرت أو قلت، ولا بالتباريح حقرت أو جلت، ولا بالأزمات إن هي توالت أو تولت، ولا بالجفون إن ألقت ما فيها من الدموع والهجوع وتخلت؛ ويخاف من الدهر من لم يحلب أشطره، ويأسف على الفائت من لا تنتابه الخطوب الخطره؛ على أن الفادح بموت الولد الملك الصالح - رضي الله عنه - وإن كان منكيا والنائح بشجوه وإن كان مبكيا، والنائج بذلك الأسف وإن كان لنار الأسى مذكيا؛ فإن وراء ذلك من تثبيت الله ما ينسفه نسفا، ومن إلهامه الصبر ما يجدد لتمزيق القلوب أحسن ما به يرفا؛ وبكتاب الله وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم عندنا حسن اقتداء نضرب به عن كل رئاءٍ صفحا، وما كنا مع الله - والمنة لله - نعطي لمن يؤنب ويؤبن أذنا ولا نعيرها لمن يلحى؛ إذ الولد الذاهب مر في رضوان الله تعالى سالكا طريقا لا عوج فيها ولا أمتا، وانتقل سارا بارا صالحا وما هكذا كل الموتى نعيا ولا نعتا؛ وإن كان نفعنا في الدنيا فها نحن بالصدقات والترحم عليه ننفعه، وإن كان الولد عمل أبيه - وقد رفع الله روح ولدنا في أعلى عليين تحقق أنه العمل الصالح \" والعمل الصالح يرفعه \" ؛ وفيما نحن بصدده من اشتغال بالحروب، ما يهون ما يهول من الكروب؛ وفيما نحن عاكفون عليه من مكافحات الأعداء ما بين المرء وبين قلبه يحول، وملهٍ عن تخيل أسف في الخاطر يجول\rإذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما يمر به الوحول\rولنا بحمد الله ذريةٌ دريه، وعقودٌ والشكر لله كلها دريه\rإذا سيدٌ منهم خلا قام سيدٌ ... قؤولٌ لما قال الكرام فعول","part":2,"page":396},{"id":897,"text":"ما منهم إلا من نظر سعده ومن سعده ينتظر، ومن يحسن أن يكون المبتدا وأن تسد حاله بكفالته وكفايته مسد الخبر والشمس طالعةٌ إن غيب القمر لا سيما من الدين به إذ هو صلاحه أعرف، ومن إذا قيل لبناء ملكٍ هذا عليه قد وهى قيل: هذا خيرٌ منه من أعلى بناء سعدٍ أشرف؛ وعلى كل حال لا عدم إحسان المولى الذي يتنوع في بره، ويعاجل قضاء الحقوق فتساعف مرسومه في توصيله طاعة بحره وبره؛ وله الشكر على مساهمة المولى في الفرح والترح، ومشاركته في الهناء إذا سنح، وفي الدمع إذا سفح؛ وما مثل مكارم المولى من يعزب مثل ذلك عن علمها، ولا يعزى إلى غير حكمها وحلمها؛ وهو - أعزه الله - ذو التجارب التي مخضت له من هذه وهذه الزبده، وعرضت عليه منهما الهضبة والوهده؛ والرغبة إلى الله تعالى في أن يجعل تلك المصيبة للرزايا خاتمه وكما لم يجعلها للظهور قاصمة فلا يجعلها لعرا الشكر فاصمه، وإن يجعلها بعد حمل هذا الهم وفصاله على عليه فاطمه؛ وأن يحبب إلينا كل ما يلهي عن الأموال والأولاد من غزوٍ وجهاد، وأن يجعلنا ليس يحد لدينا على مفقود تأدبا مع الله غير السيوف فإنها تعرف بالحداد، وألا تقصف رماحنا إلا في فودٍ أو في فؤاد، ولا تحول سروج خيلنا من ظهر جوادٍ في السرايا إلا إلى ظهر جواد، وألا تشق لدينا إلا أكباد أكناد، ولا تجز غير شعور ملوك التتار تتوج بها رؤوس الرماح ويصعد بها على قمم الصعاد؛ والله يشكر للمولى سعي مراثيه التي لولا لطف الله بما صبرنا به لأقامت الجنائز، واستخفت النحائز، ولهوت بالنفوس في استعمال الجائز من الأسف وغير الجائز، ولا شغل الله لب المولى بفادحه، ولا خاطره بسانحة من الحزن ولا بارحه ولا أسمعه بغير المسرات من هواتف الإبهاج صادحه؛ بمنه وكرمه.\rومن إنشائه رحمه الله تقليد السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل بولاية عهد السلطنة من أبيه السلطان الملك المنصور - سقى الله عهدهما صوب الرحمة - وهو: الحمد لله الذي لم يزل له السمع والطاعة فيما أمر، والرضا والشكر فيما هدم من الأعمار وما عمر، والتفويض إن غابت الشمس وبقى القمر نحمده على أن جعل سلطاننا ثابت الأركان، نابت الأغصان، كل رياضة من رياضه ذات أفنان؛ لا تزعزعه ريحٌ عقيم، ولا يخرجه رزءٌ عظيم عن الرضا والتسليم، ولا يعتبط من جملته كريم إلا ويغتبط من أسرته بكريم؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تزيد قائلها لله تفويضا، وتجزل له تعويضا وتحسن له على الصبر الجميل في كل خطبٍ جليلٍ تحريضا؛ ونشهد أن محمدا عبده الذي أنزل في التسلية به: \" وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل \" والنبي الذي أوضح الله به المناهج وبين السبل؛ صلى الله عليه وعلى آله ما تجاوبت المحابر والمنابر في البكر والأصل؛ وما بددت عقود ونظمت، ونسخت آياتٌ وأحكمت ونقضت أمور وأبرمت، وما عزمت آراءٌ فتوكلت وتوكلت فعزمت؛ ورضي الله عن أصحابه الذين منهم من كان للخليقة نعم الخليفة، ومنهم من لم يدرك أحدٌ في تسويد النفس الحصيفة ولا في تبييض الصحيفة سمده ولا نصيفه، ومنهم من يسره الله لتجهيز جيش العسرة فعرف الله ورسوله معروفه، ومنهم من عمل صالحا أرضى ربه فأصلح في ذريته الشريفه؛ وبعد، فإن من ألطاف الله بعباده، واكتناف عواطفه ببلاده؛ أن جعلنا كلما وهي للملك ركنٌ شديدٌ شيدنا ركنا عوضه، وكلما اعترضت للمقادير جملةٌ بدلنا آيةً مكان آيةٍ وتناسيا تجلدا تلك الجملة المعترضه؛ فلم نحوج اليوم لأمسه وإن كان حميدا، ولا الغارس لغرسه وإن كان ثمره يانعا وظله مديدا؛ فأطلعنا في أفق السلطنة كوكب سعدٍ كان لحسن الاستخلاف معدا، ومن لقبيل المسلمين خيرٌ ثواب وخيرٌ مردا، ومن يبشر الله به الأولياء المتقين وينذر به من الأعداء قوما لدا، ومن لم يبق إلا به أنسنا بعد ذهاب الذين نحبهم وبقي كالسيف فردا، والذي ما أمضى حده في ضريبة إلا قد البيض والأبدان قدا، ولا جهز راية كتيبةٍ إلا\rأغنى غناء الذاهبين وعد للأعداء عدا","part":2,"page":397},{"id":898,"text":"ولا بعثه جزعٌ فقال: كم من أخٍ لي صالحٍ إلا لقيه ورعٌ فقال: وخلقت يوم خلقت جلدا؛ وهو الذي بقواعد السلطنة الأدري وقوانينها الأعرف، وعلى الأولياء الأعطف وبالرعايا الأرأف، والذي ما قيل لبناء ملكٍ: هذا عليه قد وهى إلا وقيل: هذا بناءٌ مثله منه أسمى ملكاً وأشرف، والذي ما برح النصر يتنسم من مهاب تأميله والفلاح، ويتبسم ثغره فتتوسم الثغور من تبسمه النجاح، وينقسم نوره على البسيطة فلا مصر من الأمصار إلا وهو يشرئب إلى ملاحظة جبين عهده الوضاح ويتفق اشتقاق النعوت فيقول التسلي للتملي سواءٌ الصالح والصلاح؛ والذي ما برح لشعار السلطنة إلى توقله وتنقله أتم حنين، وكأنما كوشفت الإمامة العباسية بشرف مسماه فيما تقدم من زمن من سلف من حين، فسمت ووسمت باسمه أكابر الملوك وأخاير السلاطين فخوطب كل؟ منهم مجازا لا كهذه الحقيقة بخليل أمير المؤمنين؛ والذي كم جلا بهاء جبينه من بهيم، وكم غدا الملك بحسن رأيه ويمن آرائه يهيم وكم أبرأ مورده العذب هيم عطاشٍ ولا ينكر الخليل إذا قيل عنه: إنه إبراهيم؛ ومن تشخص الأبصار لكماله يوم ركوبه حسيره، وتلقي البنان سلاحها ذهلا وهي لا تدري لكثرة الإيماء إلى جلاله إذا يبدو مسيره؛ والذي ألهم الله الأمة بجوده ووجوده صبرا جميلا، وآتاهم من نفاسة كرمه وحراسة سيفه وقلمه تأمينا وتأميلا، وعظم في القلوب والعيون، بما من بره سيكون، فسمته الأبوة الشريفة ولدا وسماه الله: خليلا؛ ولما تحتم من تفويض أمر الملك إليه ما كان إلى وقته المعلوم قد تأخر، وتحين حينه فكمل بزيادة كزيادة الهلال حين بادر تمامه فأبدر؛ اقتضى حسن المناسبة لنصائح الجمهور، والمراقبة لمصالح الأمور، والمصاقبة لمناجح البلاد والثغور، والمقاربة سمن فواتح كل أمرٍ ميسور؛ أن نفوض إليه ولاية العهد الشريف بالسلطنة الشريفة المعظمه، المكرمة المفخمة المنظمه؛ وأن تبسط يده المنيفة لمصافحتها بالعهود، وتحكيمها في العساكر والجنود، وفي البحور والثغور وفي التهائم والنجود؛ وأن يعقد بسيفها وقلمها كل قطع ووصل، وكل فرعٍ وأصل وكل نصر ونصل؛ وكل ما يحمى سرحا، ويهمى منحا، وفي المثيرات في الإعداء على الأعداء نقعا وفي المغيرات صبحا؛ وفي المنع والإطلاق، وفي الإرفاد والإرفاق وفي الخميس إذا ساق، وفي الخمس إذا انساق، وفي السيوف \" إذا بلغت التراقي وقيل: من راق \" ، وفي الرماح إذا التفت الساق منها بالساق؛ وفي المعاهدات والهدن وفي الفداء بما عرض من عرضٍ وبالبدن للبدن، وفيما ظهر من أمور الملك وما بطن، وفي جميع ما تستدعيه بواعثه في السر والعلن، وتسترعيه نوافثه من كبتٍ وكتبٍ متفرقين أو في قرن؛ عهدا مباركةً عوذه وتمائمه، وفواتحه وخواتمه، ومناسمه ومواسمه، وشروطه ولوازمه\rعلى عاتق الملك الأغر نجاده ... وفي يد جبار السموات قائمه\rلا راد لحكمه، ولا ناقض لبرمه، ولا داحض لما أثبتته الأقلام من مكنون علمه.\rويزيده مر الليالي جدةً ... وتقادم الأيام حسن شباب","part":2,"page":398},{"id":899,"text":"وتلزم السنون والأحقاب، استيداعه حتى الذراري والأعقاب؛ فلا سلطان ذا قدرٍ وقدره، وذا أمرٍ وإمره؛ ولا نائب في مملكة قربت أو بعدت، ولا مقدم جيوشٍ أتهمت أو أنجدت؛ ولا راعي ولا رعيه، ولا ذا حكمٍ في الأمور الشرعيه؛ ولا قلم إنشاءٍ ولا قلم حساب، ولا ذوي أنسابٍ ولا ذوي أسباب؛ إلا وكل؟ داخلٌ في قبول عقد هذا العهد الميمون، ومتمسك بمحكم آيات كتابه المكنون والتسليم لنصه الذي شهدته من الملائكة الكرام الكاتبون؛ وأمست بيعته بالرضوان محفوفه، والأعداء يدعونها تضرعا وخيفه، فليشكروا الصنع الذي بعد أن كانت الخلفاء تسلطن الملوك قد صار سلطانهم يقيم لهم من ولاة العهد خليفةً بعد خليفه؛ وأما الوصايا فأنت يا ولدنا الملك الأشرف - أعزك الله - بها الدرب ولسماع شدوها وحدوها الطرب، الذي للغو لا يضطرب؛ فعليك بتقوى الله فإنها ملاك سدادك، وهلاك أضدادك؛ وبها يراش جناح نجاحك، ويحسن اقتداء اقتداحك؛ فاجعلها دفين جوانح تأملك ووعيك، ونصب عيني أمرك ونهيك، والشرع الشريف فهو قانون الحق المتبع، وناموس الأمر المستمع؛ وعليه مدار إيعاء كل إيعاز، وبه يتمسك من أشار وامتاز، وهو جنة والباطل نار \" فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز \" ؛ فلا تخرج في كل حال عن لوازمه وشروطه ولا تنكب عن معلقه ومنوطه؛ والعدل، فهو مثمر غروس الأموال، ومعمر بيوت الرجاء والرجال، وبه تزكو الأعمار والأعمال؛ فاجعله جامع أطراف مراسمك، وأفضل أيام مواسمك؛ وسم به فعلك، وسم به فرضك ونفلك؛ ولا تفرد به فلانا دون فلان ولا مكانا دون مكان، واقرنه بالفضل، \" إن الله يأمر بالعدل والإحسان \" ؛ وأحسن التخويل، وأجمل التنويل، وكثر لمن حولك التموين والتمويل؛ وضاعف الخير في كل مضافٍ لمقامك، ومستضيفٍ بإنعامك، حتى لا يعدم في كل مكان وكل زمان من النعماء ضيافة الخليل؛ والثغور، فهي للممالك مباسمها فاجعل نواجذها تفتر عن أحسن ثنايا الصون، ومراشفها شنبة الشفاه بحسن العون؛ ومنها بما يحى السرح منها، وأعنها بما يدفع المكاره عنها؛ فإنها للنصر مقاعد، وبها حفظ البلاد من كل مار؟من الأعداء مارد؛ وأمراء الجيوش، فهم السور الواقي بين يدي كل سور، وما منهم إلا بطلٌ بالنصر مشهورٌ كما سيفه مشهور؛ وهم ذخائر الملوك وجواهر السلوك، وأخاير الأكابر الذين خلصوا من الشكوك؛ وما منهم إلا من له حرمات سلفت، وحقوقٌ عرفت، ومواتٌ على استلزام الرعاية للعهود وقفت؛ فكن لجنودهم متحببا، ولمرابعهم مخصبا، ولمصالحهم مرتبا، ولآرائهم مستصوبا وللاعتضاد بهم مستصبحا، وفي حمدهم مطنبا، وفي شكرهم مسهبا؛ والأولياء المنصوريين الذين هم كالأولاد، ولهم سوابق أمت من سوابق الإيجاد؛ وهم من علمت استكانةً من قربنا، ومكانةً من قلبنا، وهم المساهمون فيما ناب، وما برحوا للدولة الظفر والناب؛ فأسهم لكل؟ منهم من احترامك نصيبا، وأدم لهم ارتياحك، وألن جماحك وقو بهم سلاحك، تجد منهم ضروبا، وتر لكلا؟ منهم في أعدائك ضروبا؛ وكما أنا نوصيك بجيوش الإسلام، كذلك نوصيك بالجيش الذي له المنشآت في البحر كالأعلام؛ فهو جيش الأمواه والأمواج، المضاف إلى الأفواج من جيش الفجاج؛ وهو الجيش السليماني في إسراع السير، وما سميت شوانيه غربانا إلا ليجمع بها لنا ما اجتمع لسليمان صلى الله عليه وسلم من تسخير الريح والطير؛ وهي من الديار المصرية على ثبج البحر الأسوار، فإن قذفت قذفت الرعب في قلوب الأعداء وإن أقلعت قلعت منهم الآثار؛ فلا تخله من تجهيز جيشه، وسكن طيش البحر بطيشه؛ فيصبح لك جيشان كل؟ منهما ذو كر؟ وفر، هذا في بر؟ بحرٌ وهذا ببحرٍ بر؛ وبيوت العبادات فهي التي إلى مصلى سميك خليل الله تنتهي محاريبها، وبها لنا ولك وللمسلمين سرى الدعوات وتأويبها؛ فوفها نصيبها المفروض غير منقوص، ومر برفعها وذكر اسم الله فيها حسب الأمر المنصوص؛ وأخواتها من بيوت الأموال الواجدات الواجبات من حيث أنها كلها بيوتٌ لله هذه للصلاة وهذه للصلات، وهذه كهذه في رفع المنار، وجمع المبار، وإذا كانت تلك مما أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، فهذه ترفع ويذكر فيها اسمه حتى على الدرهم والدينار؛ فاصرف إليها اجتهادك فيما يعود عليها بالتثمير، كما يعود على تلك بالتنوير؛ وعلى هذه بإشحانها بأنواع الصروف، كإشحان تلك باستواء الصفوف؛ فإنها إذا أصبحت مصونه، احتملت بحمد الله المعونه","part":2,"page":399},{"id":900,"text":"وكفلت بالمؤونة وبالزيادة على المؤونه، فتكمل هذه لكل ولي؟ دنياه كما كملت تلك لكل ولي؟ دينه؛ وحدود الله، فلا يتعداها أحد، ولا يرأف فيها ولدٌ بوالد ولا والدٌ بولد؛ فأقمها وقم في أمرها حتى تنضبط أتم الضبط، ولا تجعل يد القتل مغلولةً إلى عنقها ولا تبسطها كل البسط، فلكل؟ من الجنايات والقصاص شرطٌ شرطه الله وحد؟ حده فلا يتجاوز أحدٌ ذلك الحد ولا يخرج عن ذلك الشرط؛ والجهاد فهو الديدن المألوف من حين نشأتنا ونشأتك في بطون الأرض وعلى ظهور الخيل فمل على الأعداء كل الميل، وصبحهم من فتكاتك بالويل بعد الويل، وارمهم بكل شمري؟ قد شمر من يده عن الساعد ومن رمحه عن الساق ومن جواده الذيل؛ واذهب بهم في ذلك كل مذهب، وأبن بنجوم الخرصان كل غي؟ وغيهب وتكثر في غزوهم من الليل بكل أدهم ومن الشفق بكل أحمر وأشقر ومن الأصيل بكل أصفر ومن الصبح بكل أشهب، وانتهب أعمارهم واجعلها آخر ما يسلب وأول ما ينهب؛ ونرجوا أن يكون الله قد خبأ لك من الفتوحات ما يستنجزها لك صادق وعده، وأن ينصر بك جيوش الإسلام في كل إنجاد وإتهام وما النصر إلا من عنده؛ وبيت الله المحجوج من كل فج، المقصود من كل نهج؛ يسر سبيله، ووسع الخير وأحسن تسبيله، وأوصل من برك لكل؟ من الحرمين ما هو له، لتصبح ربوعه بذلك مأهوله؛ واحمه ممن يرد فيه بإلحادٍ بظلم، وطهره من كل مكسٍ وغرم؛ ليعود نفعك على البادي والعاكف، ويصبح واديه وناديه مستغنين بذلك عن السحاب الواكف؛ والرعايا، فهم للعدل زروع، وللاستثمار فروع، ولاسلتزام العمارة شروع؛ فمتى جادهم غيثٌ أعجب الزراع نباتهم، ونمت بالصلاح أقواتهم، وصلحت بالنماء أوقاتهم، وكثرت للجنود مستغلاتهم، وتوافرت زكواتهم، وتنورت مشكاتهم \" والله يضاعف لمن يشاء \" ؛ هذا عهدنا للسيد الأجل الولد الملك الأشرف صلاح الدنيا والدين، فخر الملوك والسلاطين، خليل أمير المؤمنين - أعزنا الله ببقائه - فليكن بعروته متمسكا، وبنفحته متمسكا؛ وليتقلد سيف هذا التقليد، ويفتح مغلق كل فتحٍ منه بخير إقليد، وها نحن قد كثرنا لديه جواهره فدونه ما يشاء تحليته: من تتويج مفرقٍ وتخنيم أنامل وتسوير زندٍ وتطويق جيد، ففي كل ذلك تبجيلٌ وتمجيد؛ والله تعالى يجعل استخلافه للمتقين إمام، وللدين قواما، وللمجاهدين اعتصاما، وللمعتدين انفصاما، ويطفئ بمياه سيوفه نار كل خطب حتى تصبح كما أصبحت نار سميه صلى الله عليه وسلم بردا وسلاما؛ إن شاء الله تعالى.لت بالمؤونة وبالزيادة على المؤونه، فتكمل هذه لكل ولي؟ دنياه كما كملت تلك لكل ولي؟ دينه؛ وحدود الله، فلا يتعداها أحد، ولا يرأف فيها ولدٌ بوالد ولا والدٌ بولد؛ فأقمها وقم في أمرها حتى تنضبط أتم الضبط، ولا تجعل يد القتل مغلولةً إلى عنقها ولا تبسطها كل البسط، فلكل؟ من الجنايات والقصاص شرطٌ شرطه الله وحد؟ حده فلا يتجاوز أحدٌ ذلك الحد ولا يخرج عن ذلك الشرط؛ والجهاد فهو الديدن المألوف من حين نشأتنا ونشأتك في بطون الأرض وعلى ظهور الخيل فمل على الأعداء كل الميل، وصبحهم من فتكاتك بالويل بعد الويل، وارمهم بكل شمري؟ قد شمر من يده عن الساعد ومن رمحه عن الساق ومن جواده الذيل؛ واذهب بهم في ذلك كل مذهب، وأبن بنجوم الخرصان كل غي؟ وغيهب وتكثر في غزوهم من الليل بكل أدهم ومن الشفق بكل أحمر وأشقر ومن الأصيل بكل أصفر ومن الصبح بكل أشهب، وانتهب أعمارهم واجعلها آخر ما يسلب وأول ما ينهب؛ ونرجوا أن يكون الله قد خبأ لك من الفتوحات ما يستنجزها لك صادق وعده، وأن ينصر بك جيوش الإسلام في كل إنجاد وإتهام وما النصر إلا من عنده؛ وبيت الله المحجوج من كل فج، المقصود من كل نهج؛ يسر سبيله، ووسع الخير وأحسن تسبيله، وأوصل من برك لكل؟ من الحرمين ما هو له، لتصبح ربوعه بذلك مأهوله؛ واحمه ممن يرد فيه بإلحادٍ بظلم، وطهره من كل مكسٍ وغرم؛ ليعود نفعك على البادي والعاكف، ويصبح واديه وناديه مستغنين بذلك عن السحاب الواكف؛ والرعايا، فهم للعدل زروع، وللاستثمار فروع، ولاسلتزام العمارة شروع؛ فمتى جادهم غيثٌ أعجب الزراع نباتهم، ونمت بالصلاح أقواتهم، وصلحت بالنماء أوقاتهم، وكثرت للجنود مستغلاتهم، وتوافرت زكواتهم، وتنورت مشكاتهم \" والله يضاعف لمن يشاء \" ؛ هذا عهدنا للسيد الأجل الولد الملك الأشرف صلاح الدنيا والدين، فخر الملوك والسلاطين، خليل أمير المؤمنين - أعزنا الله ببقائه - فليكن بعروته متمسكا، وبنفحته متمسكا؛ وليتقلد سيف هذا التقليد، ويفتح مغلق كل فتحٍ منه بخير إقليد، وها نحن قد كثرنا لديه جواهره فدونه ما يشاء تحليته: من تتويج مفرقٍ وتخنيم أنامل وتسوير زندٍ وتطويق جيد، ففي كل ذلك تبجيلٌ وتمجيد؛ والله تعالى يجعل استخلافه للمتقين إمام، وللدين قواما، وللمجاهدين اعتصاما، وللمعتدين انفصاما، ويطفئ بمياه سيوفه نار كل خطب حتى تصبح كما أصبحت نار سميه صلى الله عليه وسلم بردا وسلاما؛ إن شاء الله تعالى.","part":2,"page":400},{"id":901,"text":"وكلامه رحمه الله كثير ورسائله مشهورة، وبيد الناس من إنشائه ما لو استقصيناه لطال وانبسط، وقد قدمنا في كتابنا هذا من كلامه في باب التهاني بالفتوح ما تجده في موضعه ونختم كلامه بشيء من أدعية الملوك، وهي: ومكن الله له في الأرض، وجعل طاعته واجبةً وجوب الفرض، وأيد آراءه بالملائكة في الحل والعقد والإبرام والنقض.\rآخر: وأنجز له من النصر صادق وعده، وجعل الملوك من عبيده والملائكة من جنده، ومتعه بما وهبه من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده.\rآخر: وحفظه بمعقبات من أمره، وحمى حمى الدين بقصار بيضه وطوال سمره، وجعل قدر مملكته في الدهر كليالي قدره، وألبس أولياءه من طاعته ما يجرون أذيال فخره.\rآخر: ولا زالت الدنيا بعدله مخضرة الوهاد والربا، والامال بفضله قائلا لها النجح: مرحبا، والأقدار لنصره مسددة السهام مرهفة الظبا، والأيام لا تعدم من جميل أثره وجليل تأثيره فعلا مطربا، ووصفا مطيبا. وجعلت ملكه موصولا بحبل لا يحل عقده، وحرمه محروسا بسيف التوفيق لا يفل حده. ولا زالت راياته ألسنةً تنذر أعداءه بالفرار، وتبشر أولياءه بالقرار، وآراؤه أعلاما عالية المنار واضحة الأنوار. وأنجز له عداته في عداته، وجعل النصر والتوفيق مصاحبين لآرائه وراياته. وأناله النصر الذي يغنيه عن الحيلة والحول، وعقد السعد بعرا ما يمضيه من الفعل والقول، وبوأ النصر أولياءه جنةً من النصر ما فيها غائلة وجنةً من العز ما فيها غول. وقصم بمهابته كل جبار عنيد، وعصم كل من يأوي من رجائه إلى ركن شديد. وآتاه من التأييد سلطانا نصيرا، وجعل جيشه أكثر قوىً وأقوى نفيرا. ولا زالت الآمال بسحابه مخضرة الربا والوهاد، والتأييد بتمكينه مناديا في كل ناد، والدنيا بملكه مسرورة الأسرار حالية الأجياد، والأقدار لأمره متكلفةً بالنفاد. وطرز بأيامه ملابس السير، وأحل أمره أعلى هضبات النصر والظفر، وحلى أجياد الممالك من عدله وبذله بأشرف الدرر، ولا برح القدر يوافق قصوده فيقول للقدر: \" لقد جئت على قدر \" . وأتم نعمته عليه كما أتمها، وعمر بعدله الآفاق وعمها، وأوضح مناهج كرمه لمن قصدها وأمها، وأنجز عداته في عداته فأصماها وأصمها. وأتم نعمته عليه كما أتمها على أبويه من قبله، وحمى حمى الدين بنصره وفضله، وكسا الدنيا بملكه حلة فخار معلمةً بإحسانه وعدله، وجعل أقاليم الأرض معمورةً بسلطانه مغمورةً بعطائه وبذله.\rذكر شيء من إنشاء المولى الماجد السالك من طريقي الفضل والفضائل أوضح الطرق وأنهج المسالك، المفصح بلسان براعته والموضح بأنوار بلاغته ما أبهم واستبهم من ليل العي الحالك، المتصرف بقلمه وكلمه لوثوق ملوك الإسلام بديانته وأمانته وأصالته ونزاهته في الأقاليم والثغور والحصون والممالك، العامر بفضله وفضائله والغامر بجوده ونائله باطن وظاهر من أمله وأم له من زائرٍ وقاطنٍ ومار؟ وسالك؛ فينفصل هذا بابه وهو بجوده مغمور، وهذا عن مجلسه وقلبه بولائه لما أولاه من إحسانه معمور؛ وهذا وهو ينفق الجمل من ماله، وذاك وهو يجود على المعدم من فضل نواله؛ والآخر وقد امتلأ صدره سرورا، وأشرق وجهه بهجةً ونورا؛ وانطلق لسانه من عقاله بعد تقييده، وانبسط أمله لطلب الفضائل لما ظفر بمعدنها بعد تعقيده؛ فتجده وقد اعتلق منه جملا واعتنق جمالا، وأنفق الدرر بعد ضنه بالأصداف فهو لا يخشى عدما ولا يخاف إقلالا؛ والمولى المعنى بهذه المعالي التي ابتسمت ثغورها، وتحلت نحورها؛ والمكارم التي جادت سحائبها وامتدت مذانبها، وترادفت مواهبها، واتسعت مذاهبها؛ والفضائل التي لجنابه الكريم تعزى ولفضله العميم تنتسب، والسيادة التي شادها لنفسه لاستغنائه عما مهدته له آباؤه النجب، والمراد بهذه الأوصاف التي\rخليت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتخب","part":2,"page":401},{"id":902,"text":"هو لسان الدولة ويمينها، وسفير المملكة وأمينها؛ وجامع أشتات الفضائل، وناظم أخبار الأواخر وسير الأوائل؛ وسيد الرؤساء وجليس الملوك، ومؤلف كتاب نظم السلوك؛ المولى المالك علاء الدين علي ابن المولى المرحوم فتح الدين محمد ابن المولى المرحوم محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر، ذو الفضائل والمآثر، والنسب العريق والأصل الطاهر، والسبب الوثيق والفضل الباهر؛ فهذه نبذة من أوصافه أثبتناها، ولمعة من محاسنه أوردناها، أسامٍ لم تزده معرفةً وإنما لذةً ذكرناها؛ وله - أعزه الله وأوفر نعمه لديه، وأتم نعمته عليه كما أتمها على أبويه؛ وأرانا في نجله الكريم ما رأيناه في سلفه وفيه، وأنطق الواصف لمحاسنهم بملء فيه - من الرسائل البليغه، والتقاليد البديعه؛ والعهود التي عاهدتها البلاغة ألا تتعداها فوفت بعهدها، وأقسمت معانيها أنها لم تقصد سواه من قبل لعلمها أن غيره لا يوفيها حق قصدها؛ وسنورد إن شاء الله من كلامه ما هو بالنسبة إلى مجموعة نبذةٌ يسيره، ونرصع في كتابنا هذا من فضائله لمعةً خطيره؛ ونرفع بما نضعه فيه من كلامه قدر هذا التصنيف، ونطرز به أردان هذا التأليف، ولا نحتاج إلى التعريف بماكنه وتمكنه من هذه الصناعة فالشمس تستغني عن التعريف؛ ونح الآن نعتذر من التقصير في الانتهاء إلى وصف محاسنه، ونعترف بالعجز عن إدراك كنه مناقبه الشريفة وميامنه؛ ونأخذ في ذكر كلامه لنمحو ذنب التقصير بحسن الإخبار، ونسأل الصفح عن اختصارنا واجب حقه ونرجوا قبول كلمات الاعتذار فم إنشائه ما كتبه عن الخليفة المستكفي بالله أبي الربيع سليمان - جمل الله به الدين، وأيد ببقائه الإسلام والمسلمين - للسلطان الملك المظفر ركن الدين بيبرس المنصوري في شوال سنة ثمان وسبعمائة، ابتدأه بأن قال:","part":2,"page":402},{"id":903,"text":"هذا عقودٌ شريف انتظمت به عقود مصالح الممالك، وابتسمت ثغور الثغور ببيعته التي شهدت بصحتها الكرام الملائك؛ وتمسكت النفوس بمحكم عقده النضيد ومبرم عهده النظيم، ووثقت الآمال ببركة ميثاقه فتقرأه الألسنة مستفتحةً فيه بقول الله الكريم: \" إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم \" الحمد لله الذي جعل الملة الإسلامية تأوي من سلطانها إلى ركنٍ شديد، وتحوي من مبايعة مظفرها كل ما كانت ترومه من تأبيد التأييد، وتروي أحاديث النصر عن ملكٍ لا يمل من نصرة الدين الحنيفي وإن مل الحديد من الحديد؛ مؤتى ملكه من يشاء من عباده وملقي مقاليده للمولى الملي بقمع أهل عناده؛ ومانحه من لم يزل بعزائمه ومكارمه مرهوبا مرغوبا، وموليه من غدا محبوا من الأنام بواجب الطاعة محبوبا وباسط أيدي الرغبات لمن حكم له كمال وصفه ووصف كماله بأن يكون مسئولا مخطوبا ومفوض أمره ونهيه إلى من طالما صرف خطيه عن حمى الدين أخطارا وخطوبا؛ والحمد لله مجري الأقدار برفع الأقدار، ومظهر سر الملك فيمن أضحى عند الإمامة العباسية بحسن الاختيار من المصطفين الأخيار، جامع أشتات الفخار، ورافع لواء الاستظهار، ودافع لاواء الأضرار، بجميل الالتجاء إلى ركنٍ أمسى بقوة الله تعالى عالي المنار وافي المبار، بادي الآثار الجميلة في الإيثار؛ والحمد لله على أن قلد أمور السلطنة الشريفة لكافلها وكافيها، وأسند عقدها وحلها لمن يدرك بكريم فطنته وسليم فطرته عواقب الأمور من مباديها، وأيد الكتائب الإيمانية بمن لم تزل عواليه تبلغها من ذرا الأماني معاليها؛ يحمده أمير المؤمنين على إعلاء كلمة الإيمان بأعيان أعوانها، وإعزاز نصرها بأركان تشييدها وتشييد أركانها؛ ويشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا تبرح الألسن ترويها، والقلوب تنويها، والمواهب تجزل لقائلها تنويلا وتنويها؛ يشهد أن محمدا عبده ورسوله أكمل نبي؟ وأفضل مبعوث، وأشرف مورثٍ لأجل موروث؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة تنمو بركاتها وتنم، وتخص حسناتها وتعم؛ ورضي الله عن عمه العباس بن عبد المطلب جد أمير المؤمنين، وعن أبنائه الأئمة المهديين؛ الذين ورثوا الخلافة كابرا عن كابر، وسمت ووسمت بأسمائهم ونعوتهم ذرا المنابر؛ أما بعد، فإن الله تعالى لما عدق لمولانا أمير المؤمنين مصالح الجمهور وعقد له البيعة في أعناق أهل الإيمان فزادتهم نورا على نور؛ وأورثه عن أسلافه الطاهرين إمامة خير أمه، وكشف بمصابرته من بأس العدا غمام كل غمه؛ وأنزل عليه السكينة في مواطن النصر والفتح المبين، وثبته عند تزلزل الأقدام وثبت به قلوب المؤمنين؛ وأفاض عليه من مهابة الخلافة ومواهبها ما هو من أهله، وأتم نعمته عليه كما أتمها على أبويه من قبله؛ بايع الله تعالى على أن يختار للتمليك على البرايا، والتحكيم في الممالك والرعايا؛ من أسس بنيانه على التقوى، وتمسك من خشية الله سبحانه بالسبب الأقوى؛ ووقف عند أوامر الشرع الشريف في قضائه وحكمه، ونهض لأداء فرض الجهاد بمعالي عزمه وحزمه؛ وكان المقام الأشرف العالي المولوي السلطاني الملكي المظفري الركني، سلطان الإسلام والمسلمين، سيد الملوك والسلاطين؛ ناصر الملة المحمدية، محيي الدولة العباسية أبو الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين - أعز الله تعالى ببقائه حمى الخلافة وقد فعل، وبلغ دوام دولته الأمل - هو الملك الذي انعقد الإجماع على تفضيله، وشهدت مناقبه الطاهرة باستحقاقه لتحويل الملك إليه وتخويله؛ وحكم التوفيق والاتفاق بترقيه إلى كرسي السلطنة وصعوده، وقضت الأقدار بأن يلقي إليه أمير المؤمنين أزمة عهوده؛ والذي كم خفقت قلوب الأعادي عند رؤية رايات نصره، ونطقت ألسنة الأقدار بأن سيكون مليك عصره وعزيز مصره؛ واهتزت أعطاف المنابر شوقا للافتخار باسمه، واعتزت الممالك بمن زاده الله بسطةً في علمه وجسمه؛ وهو الذي ما برح مذ نشأ يجاهد في الله حق جهاده، ويساعد في كل معركة بمرهفات سيوفه ومتلفات صعاده، ويبدي في الهيجاء صفحته للصفاح فيقيه الله ويبقيه ليجعله ظله في الأرض على عباده وبلاده، فيردى الأعداء في مواقف تأييده فكم عفر من خد؟ لملوك الكفر تحت سنابك جياده؛ ويشفي بصدور سيوفه صدور قوم مؤمنين، ويسقي ظماء أسنته فيرويها من مورد ورود المشركين؛ ويطلع في سماء الملك في غرر رأيه نيراتٍ لا تأفل ولا تغور","part":2,"page":403},{"id":904,"text":"ويظهر من مواهبه ومهابته ما تحسن به الممالك وتحصن به الثغور؛ فما من حصنٍ أغلقه الكفر إلا وسيفه مفتاحه، ولا ليل خطبٍ دجا إلا وغرته الميمونة صباحه، ولا عز أملٌ لأهل الإسلام إلا وكان في رأيه المسدد نجاحه، ولا حصل خللٌ في قطرٍ من الممالك إلا وكان بمشيئة الله وبسداد تدبيره صلاحه؛ ولا اتفق مشهد غزوٍ إلا والملائكة بمضافرته فيه أعدل شهود، ولا تجدد فتوحٌ للإسلام إلا جاد فيه بنفسه وأجاده، والجود بالنفس أقصى غاية الجود كم أسلف في غزو الأعداء من يومٍ أغر محجل، وأنفق ماله ابتغاء مرضات الله فحاز النصر المعجل والأجر المؤجل؛ وأحيا من معالم العلوم ودوارس المدارس كل داثر، وحثه إيمانه على عمارة بيوت الله تعالى الجامعة لكل تالٍ وذاكر، \" إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر \" ؛ وهو الذي ما زالت الأولياء تتخيل مخايل السلطنة في أعطافه معنىً وصوره، والأعداء يرومون إطفاء ما أفاضه الله عليه من أشعة أنواره \" ويأبى الله إلا أن يتم نوره \" ؛ طالما تطاولت إليه أعناق الممالك فأعرض عنها جانبا، وتطفلت عليه فغدا لها رعايةً لذمة الوفاء مجانيا؛ حتى أذن الله سبحانه لكلمة سلطانه أن ترفع وحكم له بالصعود في درج الملك إلى المحل الأعلى والمكان الأرفع، وأدى له من المواهب ما هو على اسمه في ذخائر الغيوب مستودع؛ فعند ذلك استخار الله تعالى سيدنا ومولانا أمير المؤمنين المستكفي بالله - جعل الله الخلافة كلمة باقيةً في عقبه، وأمتع الإسلام والمسلمين بشريفي حسبه ونسبه - وعهد إلى المقام العالي السلطاني بكل ما وراء سرير خلافته، وقلده جميع ما هو متقلده من أحكام إمامته؛ وبسط يده في السلطنة المعظمه، وجعل أوامره هي النافذة وأحكامه هي المحكمه؛ وذلك بالديار المصرية والممالك الشامية، والفراتية والحلبية والساحليه، والقلاع والثغور المحروسة والبلاد الحجازية واليمانيه؛ وكل ما هو من الممالك الإسلامية إلى خلافة أمير المؤمنين منسوب، وفي أقطار إمامته محسوب؛ وألقى إلى أوامره أزمة البسط والقبض والإبرام والنقض، والرفع والخفض، وما جعله الله في يده من حكم الأرض، ومن إقامة سنةٍ وفرض؛ وفي كل هبةٍ وتمليك، وتصرفٍ في ولاية أمير المؤمنين من غير شريك؛ وفي تولية القضاة والحكام، وفصل القضايا والأحكام؛ وفي القضايا والأحكام؛ وفي سائر التحكم في الوجود، وعقد الألوية والبنود، وتجنيد الكتائب والجنود، وتجهيز الجيوش الإسلامية في التأييد لكل مقامٍ محمود؛ وفي قهر الأعداء الذين نرجوا بقوة الله تعالى أن يمكنه من نواصيهم، ويحكم قواضبه في استنزالهم من صياصيهم، واستئصال شأفة عاصيهم؛ حتى يمحو الله بمصابيح سيوفه سواد خطوب الشرك المدلهمه، وتغدو سراياه في اقتلاع قلاع الكفر مستهمه؛ وترهبهم خيل بعوثه وخيالها في اليقظة والمنام، ويدخل في أيامه أهل الإسلام مدينة السلام بسلام؛ تفويضا تاما عاما منضدا منظما، محكما محكما؛ أقامه مولانا أمير المؤمنين في ذلك مقام نفسه الشريفه، واستشهد الكرام الكاتبين في ثبوت هذه البيعة المنيفه؛ فليتقلد المقام الأشرف السلطاني - أعز الله نصره - عقد هذا العهد الذي لا تطمح لثله الآمال، وليستمسك منه بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ولا انفصام؛ فقد عول أمير المؤمنين على يمن أرائك التي ما برحت الأمة بها في المعضلات تستشفي، واستكفى بكفايتك وكفالتك في حياطة الملك فأضحى وهو بذلك المستكفي؛ وهو يقص عليك من أنباء الوصايا أحسن القصص، وينص لديك ما أنت آخذٌ منه بالعزائم إذا أخذ غيرك فيه بالرخص؛ فإن نبهت على التقوى فطالما تمسكت منها بأوثق عروه، وإن هديت إلى سبيل الرشاد فما زلت ترقى منه أشرف ذروه؛ وإن استرهفنا عزمك الماضي الغرار، واستدعينا حزمك الذي أضاء به دهرك وأنار واستنار؛ في إقامة منار الشرع الشريف، والوقوف عند أمره ونهيه في كل حكمٍ وتصريف؛ فما زلت - خلد الله سلطانك - قائما بسننه وفرضه، دائبا في رضى الله تعالى بإصلاح عقائد عباده في أرضه؛ وما برح سيفك المظفر للأحكام الشرعية خادما، ولمواد الباطل حاسما،ولأنوف ذوى الزيغ والبدع مرغما؛ وكل ما نوصيك به من الخير فقد جبلت عليه طباعك، ولم يزل مشتدا فيه ساعدك ممتدا إليه باعك؛ غير أننا نورد لمعةً اقتضاها أمر الله تعالى في الافتداء بالتذكرة في كتابه المبين، وأوجبها نص قوله تعالى: \" وذكر","part":2,"page":404},{"id":905,"text":"فإن الذكرى تنفع المؤمنين \" ، ويندرج تحت أصولها فروعٌ يستغني بدقيق ذهنه الشريف عن نصها، وبفكره الثاقب عن قصها؛ فأعظمها للملة نفعا، وأكثرها للباطل دفعا؛ الشرع الشريف، فليكن - أعز الله نصره - عاملا على تشييد قواعد أحكامه، وتنفيذ أوامر حكامه؛ فالسعيد من قرن أمره بأمره، ورضى فيه بحلو الحق ومره؛ والعدل، فلينشر لواءه حتى يأوي إليه الخائف وينكف بردعه حيف كل حائف؛ ويتساوى في ظله الغني والفقير، والمأمور والأمير؛ ويمسي الظلم في أيامك وقد خمدت ناره، وعفت آثاره؛ وأهم ما احتفلت به العزائم، واشتملت عليه همم الملوك العظائم، وأشرعت له الأسنة وأرهفت من أجله الصوارم؛ أمر الجهاد الذي جعله الله سبحانه حصنا للإسلام وجنه، واشترى فيه من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة؛ فجند له الجنود وجمع له الكتائب واقض في مواقفه على الأعداء من باسك بالقواضي القواضب؛ واغزهم في عقر الدار، وأرهف سيفك البتار، لتأخذ منهم للمسلمين بالثار؛ والثغور والحصون، فهي سر الملك المصون، وهي معاقل النفوس إذا دارت رحى الحرب الزبون؛ فلتقلد أمرها لكفاتها، وتحصن حماها بحماتها، وتضاعف لمن بها أسباب قوتها ومادة أقواتها؛ وأمراء الإسلام، وجنود الإيمان، فهم أولياء نصرك، وحفظة شامك ومصرك؛ وحزبك الغالب، وفريقك الذي تفرق منه قلوب العدو في المشارق والمغارب؛ فليكن المقام العالي السلطاني - نصره الله تعالى - لأحوالهم متفقدا ويبسط وجهه لهمم متوددا؛ حتى تتأكد لمقامه العالي طاعتهم، وتتجدد لسلطانه العزيز ضراعتهم؛ وأما غير ذلك من المصالح فما برح تدبيره الجميل لها ينفذ ورأيه الأصيل بها يشير، ولا يحتاج مع علمه بغوامضها إلى إيضاحها \" ولا ينبئك مثل خبير \" والله تعالى يخص دولته من العدل والإحسان بأوفر نصيب، ويمنح سلطانه ما يرجوه من النصر المعجل والفتح القريب؛ بمنه وكرمه. الذكرى تنفع المؤمنين \" ، ويندرج تحت أصولها فروعٌ يستغني بدقيق ذهنه الشريف عن نصها، وبفكره الثاقب عن قصها؛ فأعظمها للملة نفعا، وأكثرها للباطل دفعا؛ الشرع الشريف، فليكن - أعز الله نصره - عاملا على تشييد قواعد أحكامه، وتنفيذ أوامر حكامه؛ فالسعيد من قرن أمره بأمره، ورضى فيه بحلو الحق ومره؛ والعدل، فلينشر لواءه حتى يأوي إليه الخائف وينكف بردعه حيف كل حائف؛ ويتساوى في ظله الغني والفقير، والمأمور والأمير؛ ويمسي الظلم في أيامك وقد خمدت ناره، وعفت آثاره؛ وأهم ما احتفلت به العزائم، واشتملت عليه همم الملوك العظائم، وأشرعت له الأسنة وأرهفت من أجله الصوارم؛ أمر الجهاد الذي جعله الله سبحانه حصنا للإسلام وجنه، واشترى فيه من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة؛ فجند له الجنود وجمع له الكتائب واقض في مواقفه على الأعداء من باسك بالقواضي القواضب؛ واغزهم في عقر الدار، وأرهف سيفك البتار، لتأخذ منهم للمسلمين بالثار؛ والثغور والحصون، فهي سر الملك المصون، وهي معاقل النفوس إذا دارت رحى الحرب الزبون؛ فلتقلد أمرها لكفاتها، وتحصن حماها بحماتها، وتضاعف لمن بها أسباب قوتها ومادة أقواتها؛ وأمراء الإسلام، وجنود الإيمان، فهم أولياء نصرك، وحفظة شامك ومصرك؛ وحزبك الغالب، وفريقك الذي تفرق منه قلوب العدو في المشارق والمغارب؛ فليكن المقام العالي السلطاني - نصره الله تعالى - لأحوالهم متفقدا ويبسط وجهه لهمم متوددا؛ حتى تتأكد لمقامه العالي طاعتهم، وتتجدد لسلطانه العزيز ضراعتهم؛ وأما غير ذلك من المصالح فما برح تدبيره الجميل لها ينفذ ورأيه الأصيل بها يشير، ولا يحتاج مع علمه بغوامضها إلى إيضاحها \" ولا ينبئك مثل خبير \" والله تعالى يخص دولته من العدل والإحسان بأوفر نصيب، ويمنح سلطانه ما يرجوه من النصر المعجل والفتح القريب؛ بمنه وكرمه.\rوكتب تقليدا مظفريا للأمير سيف الدين سلار المنصوري بنبابة السلطنة الشريفة في سنة ثمان وسبعمائة، وهو:","part":2,"page":405},{"id":906,"text":"الحمد لله الذي شيد ركن الإسلام بسيفه المنتضى، وجدد للملك مزيد التأييد بكافله الذي ما برح وفاؤه للملوك الأواخر والأوائل مرتضى، وأنجز من وعوده الاتفاق والتوفيق ما كان من ذمة الدهر مقتضى، جامع شمل الأوامر والنواهي بتفويضها إلى من تبيت العدا من مهابته على جمر الغضى، ومنيل المنى بمواهبه التي تحوز مواد الاختيار وتجوز أمد الرضا، وملقي مقاليد التدبير إلى من أضحى جميل التأثير إذا تصرف في الرفع والخفض حكم القضا، ومصرف أزمة الأمور في يد من غدا ثابت العزمات في الأزمات، فما أظلم خطبٌ إلا انجلى بمصابيح آرائه وأضا؛ نحمده على أن عضد دولتنا بالكافل الكافي الذي اختاره الله لنا على علم، ومنح أيامنا مولاة الولي الذي جمعت فيه خلتان يحبهما الله ورسوله: وهما الأناة والحلم، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مشرقة الأنوار، مغدقةً سحبها بأنواء المنن الغزار؛ ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بعثه الله لإقامة شعائر الإيمان، وخص ملته في الدنيا والآخرة باليمن والأمان؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من أضحى بفضل السبق للإيمان به صديقه وصديقه، وأمسى لفرط الألفة أنيسه في الغار ورفيقه؛ ومنهم من ضافره في إظهار النبوة ووازره، وظاهره على إقامة منارها بإطفاء كل ثائرة وإخماد كل نائره؛ ومنهم من ساعد وساعف في تجهيز جيش العسره، وأحسن وحسن مع إخوانه المؤمنين الصحبة والعشره؛ ومنهم من كان سيفه الماضي الحد، ومهنده الذي كم فل بين يديه الجموع فما اعترض إلا قط ولا اعتلى إلا قد؛ وسلم تسليما كثيرا؛ أما بعد، فإن الله تعالى لما هنأ لنا مواهب الظفر، وهيأ لنا من الملك مواد إدراك المنى وبلوغ الوطر، وأيدنا من أنصارنا بكل ذي فعلٍ أبر ووجهٍ أغر؛ وشد أزرنا بمضافرة سيف يزهى الملك بتقليده، وأمدنا بمؤازرٍ تتصرف المنى والمنون بين وعده ووعيده؛ وجب علينا أن نحوط دولتنا بمن لم تزل حقوق مودته بحسن الثناء حقيقه، وعهود محبته في ذمام الوفاء متمكنةً وثيقه، وطريقته المثلى في المحاسن والإحسان مشهورةً ولا نرى مثلا لتلك الطريقه؛ ونقلد كفالة ممالكنا للولي الذي ما برح يتلقى أمورنا بفسيح صدره، ويتوقى حدوث كل ما نكرهه فينهض في دفعه بصائب رأيه وثاقب فكره؛ وكان الجناب الكريم العالي الأميري الكبيري العالمي العادلي الكافلي المؤيدي الزعيمي الغياثي المسندي الممهدي المثاغري المظفري المنصوري السيفي، معز الإسلام والمسلمين، سيد أمراء العالمين؛ سند الممالك، مدبر الدول، مقدم العساكر، أمير الجيوش، كهف الله، حصن الأمة، نصرة الملوك والسلاطين، سلار المنصوري نائب السلطنة المعظمة، وكافل الممالك الإسلامية، - أعز الله نصره - هو واسطة عقد الأولياء، وسيف الدولة الفاتك بالأعداء، والذي أسلف في نصرة الإسلام حقوقا غدت مرقومةً في صحف الفخار، واستأنف في مصالح الأمة المحمدية تدبيراتٍ أظهر بها أسباب التأييد على الأعداء والاستظهار؛ كم أصلح بيمن سياسته ذات البين، وكم أبهج ببركة تأتيه وتأنيه كل قلب وأقر كل عين؛ وكم ساس من ملك فأضحى ثابت الأساس، وجعل شعاره دفعا للباس ونفعا للناس؛ ما عوهد إلا وأوفى، ولا عوند إلا وعف وعفا، ولا استشفى في طب معضلة إلا وشفى، ولا استدرك تدبيره فارط أمرٍ كان على شفا؛ فما يومه في الفضل بواحد، ولا أحد لمثل محاسنه الجميلة بواجد؛ لعزماته في مواقف الجهاد السوابق الغر المحجله، ولتدبيراته في مصالح العباد والبلاد المنافع المعجلة والمؤجله؛ وهو الذي خافت مهابته الكتائب، وأملت مواهبه الرغائب، ولعبت سطواته للعدا خيالا في المراقد وخيلا في المراقب، وامتطى من الشهامة كاهلها فأحجم عنه لما أقدم كل محارب، وصدق من نعته بالسيف، فلو لم ينعت به لقيل: هذا سيف يفتك بالضريبة ولا تفل له مضارب؛ وكم لقي بصدره الألوف من التتار - خذلهم الله - والمنايا قد بلغت من النفوس المنى، وأمضى سيفه سفي الحروب وما شكا الضنى؛ وحمل حملة فرق بها كل شملٍ للكفار اجتمع، وقطع أعناق العدافى رضى الله تعالى ولا ينكر السيف إذا قطع؛ ووصل من العلياء إلى غايةٍ تزاحم الكواكب بالمناكب، وتفرد بأمر الجيوش فأضحى بدر الكتائب وصدر المواكب؛ إذا جاش الجيش ثبت عند مشتجر الرماح، وإذا أظلم ليل النقع وضحت أسارير جبينه وضوح الصباح، وإذا قدم في كتيبة رأيت البر بحرا من","part":2,"page":406},{"id":907,"text":"سلاح وإذا رفعت راياته يوم الوغى كبرت بالظفر على ألسنة الرماح، وإذا كان في جحفلٍ كانت عزائمه للقلب قلبا وصوارمه جناحا للجناح، وغذا قدر في السلم عفا لكنه في الحرب قليل الصفح بين الصفاح؛ وهو الذي ما برحت أيدي انتقامه تهدم من أهل الشرك العمائر والأعمار، وبروق سيوفه تذهب بالنفوس لا بالأبصار، ويمن يمينه وصبح جبينه هذا يستهل بالأنواء وذا بالأنوار؛ اقتضى حسن الرأي الشريف أن نوفي حقوق مودته التي أسلفها لنا في كل نعمى وبوسى، وأن نضاعف علو مكانه من أخوتنا ليكون منا كهارون من موسى؛ فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي المظفري الركني - لا برح يوفي بعهود الأولياء ويفي، ويمنح من أخلص النية في ولائه البر الخفي والفضل الحفي - أن تكون كلمة الجناب الكريم العالي الأميري السيفي المشار إليه - أعز الله نصره - نافذةً في كفالة الممالك الإسلامية، متحكمةً في نيابة السلطنة المعظمة، وأوامره المطاعة في إمرة الجيوش وحياطة الثغور التي غدت بدوام كفالته متبسمة؛ على أجمل عوائده، وأكمل قواعده؛ نيابةً ثابتة الأساس، نامية الغراس؛ لا يضاهى فيها ولا يشارك، ولا يخرج شيءٌ من أحوالها عن رأيه المبارك؛ فليبسط نهيه وأمره في التدبير والإحكام، وليضبط الممالك حتى لا تسامى ولا تسام؛ وليطلع من آرائه في سماء الملك نجوما بها في المصالح يهتدى، وليرفع من قواعده ما يخفض به قدر العدا؛ وليضاعف ما ألفته الأمة من عدله، وليجر على أكرم عاداته من نشر إنصافه وشمول فضله، وليعضد جانب الشرع المطهر في عقده وحله، وتحريمه وحله؛ ولينفذ كلمته على ما هو من ديانته مألوف، وليستكثر من الاقتداء بأحكامه في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف؛ وأمراء الإسلام وجنوده، فهم ودائع سره، وصنائع شكره، وطلائع نصره، وما منهم إلا من غذي بلبان دره، وغدا من ثناء عصره متقلدا لعقود دره؛ فليستدم حنوه عليهم وإشفاقه، وليوال إليهم بره وإرفاده وإرفاقه؛ والوصايا كثيرةٌ لكنها منه تستملى، والتنبيهات على المصالح منه تستفاد نقلا وعقلا، وما زلنا نستضيء في المهمات بيمن آرائه التي جمعت للمصالح شملا؛ فمثله لا يدل على صواب وهو المتفرد بالسداد، والخبير بتفريج كرب الخطوب والسيوف غامضة الجفون في الأغماد؛ والله تعالى يمتعنا من بركة كفالته بالخل الموافي والأخ المواسي، ويشد أزر سلطاننا من مضافرته بمن أمسى جبل الحلوم الرواسي؛ إن شاء الله تعالى.لاح وإذا رفعت راياته يوم الوغى كبرت بالظفر على ألسنة الرماح، وإذا كان في جحفلٍ كانت عزائمه للقلب قلبا وصوارمه جناحا للجناح، وغذا قدر في السلم عفا لكنه في الحرب قليل الصفح بين الصفاح؛ وهو الذي ما برحت أيدي انتقامه تهدم من أهل الشرك العمائر والأعمار، وبروق سيوفه تذهب بالنفوس لا بالأبصار، ويمن يمينه وصبح جبينه هذا يستهل بالأنواء وذا بالأنوار؛ اقتضى حسن الرأي الشريف أن نوفي حقوق مودته التي أسلفها لنا في كل نعمى وبوسى، وأن نضاعف علو مكانه من أخوتنا ليكون منا كهارون من موسى؛ فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي المظفري الركني - لا برح يوفي بعهود الأولياء ويفي، ويمنح من أخلص النية في ولائه البر الخفي والفضل الحفي - أن تكون كلمة الجناب الكريم العالي الأميري السيفي المشار إليه - أعز الله نصره - نافذةً في كفالة الممالك الإسلامية، متحكمةً في نيابة السلطنة المعظمة، وأوامره المطاعة في إمرة الجيوش وحياطة الثغور التي غدت بدوام كفالته متبسمة؛ على أجمل عوائده، وأكمل قواعده؛ نيابةً ثابتة الأساس، نامية الغراس؛ لا يضاهى فيها ولا يشارك، ولا يخرج شيءٌ من أحوالها عن رأيه المبارك؛ فليبسط نهيه وأمره في التدبير والإحكام، وليضبط الممالك حتى لا تسامى ولا تسام؛ وليطلع من آرائه في سماء الملك نجوما بها في المصالح يهتدى، وليرفع من قواعده ما يخفض به قدر العدا؛ وليضاعف ما ألفته الأمة من عدله، وليجر على أكرم عاداته من نشر إنصافه وشمول فضله، وليعضد جانب الشرع المطهر في عقده وحله، وتحريمه وحله؛ ولينفذ كلمته على ما هو من ديانته مألوف، وليستكثر من الاقتداء بأحكامه في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف؛ وأمراء الإسلام وجنوده، فهم ودائع سره، وصنائع شكره، وطلائع نصره، وما منهم إلا من غذي بلبان دره، وغدا من ثناء عصره متقلدا لعقود دره؛ فليستدم حنوه عليهم وإشفاقه، وليوال إليهم بره وإرفاده وإرفاقه؛ والوصايا كثيرةٌ لكنها منه تستملى، والتنبيهات على المصالح منه تستفاد نقلا وعقلا، وما زلنا نستضيء في المهمات بيمن آرائه التي جمعت للمصالح شملا؛ فمثله لا يدل على صواب وهو المتفرد بالسداد، والخبير بتفريج كرب الخطوب والسيوف غامضة الجفون في الأغماد؛ والله تعالى يمتعنا من بركة كفالته بالخل الموافي والأخ المواسي، ويشد أزر سلطاننا من مضافرته بمن أمسى جبل الحلوم الرواسي؛ إن شاء الله تعالى.","part":2,"page":407},{"id":908,"text":"ومن إنشائه أيضاً اعزه الله تعالى مقامة عملها في سنة اثنتين وسبعمائة، على لسان من التمسها منه، فقال: حكى أليف الغرام، وحليف السقام؛ وقتيل العيون، وصريع الجفون؛ وفريسة الأسود، والمصاب بنبال الحدق السود؛ عن قصته في هواه، وقضيته التي كان في أولها غناه، وفي آخرها عناه؛ قال: لم أزل في مدة العمر أترقب حبيبا أتلذذ بحبه، وأتنعم بقربه؛ وأحيا بانعطافه، وأسكر من ريقه بسلافه؛ وأستعذب العذاب فيه، وارشف خمر الرضاب من فيه، وأقتطف ورد السرور من وجنتيه وأجتنبه؛ وأكتسي به لطفا، وأكتسب بمصاحبته ظرفا؛ حتى ظفرت يداي بمن رق وراق، ولطفت حدائق معانيه حتى كادت تخفى عن الأحداق\rلطفت معانيه فهب مع الصبا ... ورقيبه بهبوبه لا يعرف\rقد جمع أوصاف المحاسن والمعاني، وفاق كل مليح فليس له في الحسن ثاني؛ أما قوامه، فقد ملك الفؤاد فأضحى ملكا عادلا، واستباح النفوس من اعتداله فلا غرو إن أضحى لها قاتلا\rعجبا لقدك ما ترنح مائلا ... إلا وقد سلب الغصون شمائلا\rوأما لحاظه فقد غنيت عن الكحل بالكحل، وأذابت حبات القلوب في حب تلك المقل\rوإذا رأيت الطرف يعمل في الحشا ... عمل الأسنة فالقوام مثقف\rإلى غير ذلك من وجه كالبدر في تمامه، يعلوه من شعره ما يصبر به كالبدر تحت غمامه\rقمر تبلج وجهه في حندسٍ ... من شعره فأضاء منه الحندس\rومقبلٍ أشهى من الراح، وأعطر من زهر الربا تفتحت أكمامه عند الصباح\rومقبل عذب كأ ... ن رضابه بردٌ وراح\rوخد؟ أمسى شقيق الشقيق، ومبسمٍ يرشف من شفاهه العقيق الرحيق\rشفة كمحمر العقي ... ومبسم مثل الأقاح\rوصدغٍ سال على خده القاني، وامتد كدمع محبه الأسير العاني\rصب له دمعٌ كصدغك سائلٌ ... فعساك يا مثري الجمال تواسي\rوخصرٍ لطف ودق، وعلاه كثيب ردفٍ فأثقله حتى ضني ورق\rيا ردفه رفقا على خصره ... بينكما حرمة جيران\rإلى غير ذلك من أنواع حسنٍ قصر عن وصفها قلمي، وعجز عن حصرها كلمي؛ وأشفقت من شرحها خوفا أن أنم عليه، أو أذكر ما تفرد به من الحسن فأكون قد أشرت إليه؛ وأنا قد تدرعت ثوب الكتمان، وتسترت حتى غاض منى الدمع وأغضى الطرف وسكت اللسان\rيقولون من هذا الذي مت في الهوى ... به كلفا يا رب لا علموا الذي\rغير أني قد متعت بذكر ملاحته فؤادي، ولا بد أن أوردها مجملةً لأكمد بلفظها المعادي\rحكاه من الغصن الرطيب وريقه ... وما الخمر إلا وجنتاه وريقه\rهلالٌ ولكن أفق قلبي محله ... غزالٌ ولكن سفح عيني عقيقه\rبديع التثني راح قلبي أسيره ... على أن دمعي في الغرام طليقه\rأقر له من كل حسنٍ جليله ... ووافقه من كل معنىً دقيقه\rمن الترك لا يصيبه وجدٌ إلى الحمى ... ولا ذكر بانات الغوير يشوقه\rولا حل في حي؟ تلوح قبابه ... ولا ساق في ركبٍ يساق وسيقه\rولا بات صبا للفريق وأهله ... ولكن إلى خاقان يعزى فريقه\rيهدد منه الطرف من ليس خصمه ... ويسكر منه الريق من لا يذوقه\rعلى خده جمر من الحسن مضرمٌ ... يشب ولكن في فؤادي حريقه\rله مبسمٌ ينسى المدام بريقه ... ويخجل نوار الأقاحي بريقه\rقال الراوي: فأعلمته ما خامر قلبي من هواه، وبذلت نفسي ابتغاءً لرضاه\rبثثت له سرى ونحن بروضةً ... فمالت لتصغي للحديث غصون\rفتلقى ضراعتي بالرحب والإقبال، وسفر عن وجه الرضا فبشرت نفسي ببلوغ الآمال؛ وقلت:\rتذللت في الشكوى إليه فرق لي ... حنوا لدمعي في الهوى وتذللي\rغزالٌ لبست السقم خلعة جفنه ... على أنني فيه خلعت تجملي\rتعلل بالأعذار حتى خدعته ... بسحر الرقى أفديه من متعلل\rفراقب إغفاء الرقيب وهجعة الس ... مير وراعى حين غفلة عذلى\rووافى أخا الأشواق حلف صبابةٍ ... أسير هوىً من وجده في تململ\rفلم أر روضا كان أحسن بهجةً لعمر الهوى من وجهه المتهلل","part":2,"page":408},{"id":909,"text":"فأعظمت مسراه وقبلت خاضعا ... ثرى خطوه شكرا لفضل التطول\rوانعطف على انعطاف الغصن الرطيب، وتمازجت قلوبنا حتى أشكل علي أينا الحبيب؛ وفزت منه ببديع جمال تلذ به النفوس، ورشفت من رضابه أحلى ما ترشفه الأفواه من شفاه الكؤوس\rتعلقته صائدا للقلوب ... بألحاظه سالبا للنهى\rبديع الجمال إذا ما بدا ... ترى فيه للعين مستنزها\rفكم فيه للعين من روضةٍ ... وكم فيه للنفس من مشتهى\rيا حسنه لما أتى بوعده وعلى غير وعد، ويا لذاذة قربه ويا حرارة ما ذقناه بعدها من هجرٍ وصد؛ فلم نزل على ذلك مدةً أغفى الدهر عنا فيها، أقضى حياةً طابت تلذذا وترفيها\rرعى الله محبوبا نعمت بوصله ... وقد بعدت عنا الغداة عيون\rحتى شعر بنا الدهر الخؤون، ورماني بسهم فرقةٍ أبعدت المنى وجلبت المنون؛ وعلم بما كتمناه الرقيب، وعجز عن داء قلبي الطبيب\rلو كان للعشاق حظ؟ في الهوى ... ما كان يخلق في الزمان فراق\rفتجرعت بعد الشهد علقما، ولم استطع أفتح من الحزن فما؛ وهمت في ساحة الشوق والالتياح، وفضحتني الأدمع التي طال بها على المحبين الافتضاح\rلا جزى الله دمع عيني خيرا ... وجزى الله كل خيرٍ لساني\rنم دمعي فليس يكتم شيئا ... ووجدت السان ذا كتمان\rكنت مثل الكتاب أخفاه طي؟ ... فاستدلوا عليه بالعنوان\rفإذا هو مر المذاق، وأمنع الدمع فيقول: وهل خبأتني لأعظم من يوم الفراق\rأبى الوجد أن يخفيه قلبٌ متيمٌ ... يكابده والدمع يبديه والضنى\rوكم ذاب القلب حسره، وتفتت الكبد في تلك الفتره؛ على خلوة أبث فيها حزني، وأفسح فيها المجال الذي ضاق به عطنى؛ فلم أظفر بخلوة في لمحة بصر، ولا فزت بذكر كلمة أفرج بها ما عرض من حصر\rتعرضت من شوق إليه فأعرضا ... ولولا الهوى لم أمنح الحب مبغضا\rوبحت إليه أن عندي رياضةً ... عليه وما تلك الرياضة عن رضا\rقضى حبه أني إذا عز في الهوى ... أذل وإني قد رضيت بما قضى\rلقلبي من عينيه سقمٌ وصحةٌ ... فكم مرة في الحب داوى وأمرضا\rمضى لي به عيشٌ بكيت لفقده ... وهيهات أن يرتد عيشٌ إذا مضى\rوبليت برقيب قد سلب الله من قلبه الإيمان، وسلطه علي بغلظ الطباع وفظاظة اللسان؛ كأنه شيطان لا بل هو بعينه، لكنه أربى عليه بهتانه ومينه؛ يحاق على الكلمة الواحده، ولا يسمح بأن طرفي يمتد إلى تلك المحاسن التي غدت القلوب بها واجده؛ يود لو غطى على بصري، ويبدلني مغيبي من محضري؛ لا يفتر عن اللوم والعذل، ولا يرى أن يقضي ساعاته إلا في بذل الحيل؛ يرغب في شتات شملي، وانقطاع وصلي؛ وليس لي في دفعه حيله، ولا في الانتقام منه وسيله؛ وما زال حتى أحال الحبيب عن وداده، وكدر ما صفا من حسن ظنه واعتقاده؛ وأنا أروض نفسا كادت تذوب، وأتسلى بأيام وصاله وأقول: لعلها ترجع وتؤوب\rلئن ذقت مر الصبر أو ملح أدمعي ... لقد أعذبت تلك المذاقات منهلي\rفلم يقنع الدهر لي بذلك، ولا رضي بالصد والعذل والهجر الذي هو أعظم المهالك؛ حتى قضى بالفرقة والبعاد، ورمتني النوى بسهم لم يخطئ الفؤاد؛ وكنت أتعلل بالنظر، وأقول: مشاهدة هذا الوجه القمري عندي أكبر وطر؛ حتى منعت الوصال والمشاهده، وندبت قلبي القريح بأدمع عيني الجامده\rأحباب قلبي لقد قاسيت بعدكم ... نوائبا صيرتني في الهوى مثلا\rوقد تعجبت أني بعد فرقتكم ... أحيا وأيسر ما لاقيت ما قتلا\rوانقطعت عني الرسائل، وذهبت لذاذة ما اعتدته من تلك الوسائل\rهل مخبرٌ عنكم يعيش بقربه ... ميت الرجا والصبر بعد إياس\rأحبابنا قسما بساعة وصلنا ... لم أكتحل من بعدكم بنعاس\rغبتم فعندي بالفراق مآتمٌ ... فمتى تعود بعودكم أعراسى\rوذوى غصن السرور بعد أن كان رطيبا، و فقدت لنداء مجيبا؛ وأغلقت باب الدعه، و أسبلت هواطل أدمعي قائلا للأجفان: لا تخشى فأنت منفقة من سعه؛ ولولا التعلل بالذكرى، والتأمل في حسنه الذي تشكل في مرآة القلب فسر سرا؛ لقلت:","part":2,"page":409},{"id":910,"text":"كأنك قد ختمت على ضميري ... فغيرك لا يمر على لساني\rولي عينٌ تراك وأنت تنآى ... كما ترنو إليك وأنت داني\rوأقرب ما يكون هواك مني ... إذا ما غاب شخصك عن عياني\rشغلت عن الورى بصري وسمعي ... كأنهما بحبك مفردان\rفهأنا لا أعاين ما بدا لي ... سواك ولا أصيخ لمن دعاني\rثم إني فارقت الحياه، وبذلتها راغبا في هواه؛ ولم أزل كذلك إلى أن ظهرت آثار قربه، وسرى النسيم عطرا فعلمت قرب ركبه\rوأذكرني ذاك الصبا زمن الصبا ... وما الشوق إلا ما تجدد بالذكر\rفكاد قلبي يطير للقائه، ولولا تستره بحجب الفؤاد لخرج من قوة برحائه؛ وتذكرت كيف يكون اللقاء والاجتماع، والرقباء قد أزمعوا على المنع والدفاع، وقلت: فارقني على غير رضا، وجفاني من غير ذنب، ونآى عني من غير وداع؛ وهأنا في غيابه وحضوره، وسخطه وسروره؛ لا أحول عن وده، ولا أرى إلا الوفاء بعهده\rهيهات ما وجدي عليك بزائل ... فإلام يطنب في الملامة عاذلي\rناشدتك العهد القديم ويومنا ... بلوى الصريم وبانه المتمايل\rهل تعلمن سوى هواك وسيلةً ... تدنى رضاك وقد جهلت وسائلي\rأدنيتني حتى إذا تيمتني ... بمحاسنٍ ومعاطفٍ وشمائل\rوبحسن وجهٍ لو تجلى في الدجى ... سجد الصباح لضوئه المتكامل\rونواظرٍ سحارةٍ لجفونها ... فضل الصناعة لا لساكن بابل\rووقعت من قلبي بود؟ قد جرى ... مجرى دمي بجوانحي ومفاصلي\rقاطعتني وسمعت قول حواسدي ... وصرمت من بعد الوصال حبائلي\rولرب ليل بت فيه مسهدا ... فردا أسامر لوعتي وبلابلي\rأطوى على حر الغرام أضالعا ... يطوين فيه على قداح النابل\rوهأنا أترقب وصله، وأتوقع عدله.\rأتراه من جور الصبابة ينصف ... ويرق للعاني عليه ويعطف\rصب؟ يرى السلوان عنه محرما ... فله إليه تولهٌ وتلهف\rيا أهل كاظمةٍ وحق هواكم ... قسما بكم وبغيركم لا يحلف\rمشتاقكم ألف الصبابة فيكم ... فكأنه لسواكم لا يعرف\rفعدوه منكم بالوصال تعلةً ... ولكم بأن تعدوا الوصال ولا تفوا\rوحياتكم يرعاكم في بعدكم ... ولقربكم في بعدكم يتشوف\rوليس لي ما أمت به إلا صدق الغرام، والإقدام في حبه على ارتكاب الحمام\rجدد عهود تواصلٍ وتلاق ... واستبق لي رمقا فليس بباق\rواشفع إلى مارق من ترف الصبا ... من وجنتيك برقة الأخلاق\rما حق ذي قلبٍ صفا لك وده ... تقطيعه بقطيعةٍ وفراق\rمع ذا وذا كيف استهنت فكن أنا ال ... موثوق بي مولاي في الميثاق\rقال الراوي: فسمع شكواي وما أشكى، وقابل رقتي بجفوة بها القلب أنكى والطرف أبكى؛ ولفق أعذارا، وأقسمت عليه أن يزور فلم ير لقسمي إبرارا هذا ما اتفق إيراده من كلامه - أدام الله علوه - في هذا الموضع، وسنورد إن شاء الله من كلامه أيضاً ما تقف عليه في آخر فن الحيوان في السفر الذي يليه إن شاء الله تعالى.\rتاج الدين عبد الباقي\rذكر شيء من إنشاء المولى الفاضل الصدر الكبير الكامل؛ البارع الأصيل، الأوحد النبيل؛ تاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني","part":2,"page":410},{"id":911,"text":"هو الذي أتقن صناعة الأدب في غرة شبابه، وبرز على من اكتهل في طلبها وشاب في الترقي إلى رتبها، فما ظنك بأترابه؛ وجارى ذوي الفضل في الأقطار اليمنية فطلع مجلى الحلبة، وبارى نجباء الأفاضل بالمملكة التعزية وكان المؤمل منهم بالنسبة إليه أرفعهم رتبه؛ وسما إلى سماء البلاغة فكان نجمها الزاهر، وارتقى إلى أفلاك البراعة فكان نيرها الباهر، ورام من سواه الارتقاء إلى محله والمناوأة لفضله فغدا وهو في ذيول حيرته عاثر؛ فعند ذلك علموا عجزهم عن إدراك غاياته، واعترفوا بالتقصير عن مجاراته ومباراته؛ وحين لم يجد لفضله مجاريا، ولا عاين لفضائله مباريا؛ صار بها كالغريب وإن كان في أهله ووطنه، والفريد مع كثرة أبنائه وإخوان زمنه؛ فسمت به نفسه إلى ظلب العلوم من مظانها، والاحتواء عليها في إبانها؛ واللحاق بأعيان أهلها، والاختلاط بمن ارتدى بأردية فضلها؛ ورؤية من توشح بقلائدها، وترشح لبذل فوائدها ونظم فرائدها؛ ففارق الأقطار اليمنية وهي تسأله التأني، وتبذل لرضاه الرغبة والتمني؛ وهو لا يجيب مناديها ولا يعرج على ناديها، ولا يميل إلى حاضرها ولا ينظر إلى باديها؛ وصرف وجهه عنها، ونفض يده منها؛ والتحق بالديار المصريه، وانبت في طلب العلوم بأجمل سريرةٍ وأحسن سيرةٍ وأخلص نيه؛ فبلغ فيها مناه، وأدرك بها ما تمناه؛ وغدا وثغر فصاحته بالعلوم أشنب، وبرد بلاغته بالآداب مذهب\rتناهى علاءً والشباب رداؤه ... فما ظنكم بالفضل والرأس أشيب\rولما عاينه أعيان أهل هذا الوادي، وشاهدوه يبكر في طلب العلوم ويغادى؛ تلقوه بالإكرام والترحيب، وقابلوه بالتبجيل والتقريب، وأنزلوه بالمحل الأرفع والفناء الخصيب؛ وعاملوه بمحض الوداد، وساواه شبابهم بالإخوة ومشايخهم بالأولاد؛ وخلطوه بالنفس والمال، وظهر له في ابتداء أمره بقرائن الأحوال حسن المآل؛ فأصبح من عدول المصر، وأمسى وهو من أعيان العصر؛ فشكر عاقبة مسيره وحمد صباح سراه، وأجابه لسان الفضائل بالتلبية لما دعاه؛ ثم ارتحل إلى الشأم فجعل دمشق مقر وطنه، وموطن سكنه؛ ومحل استفادته وإفادته، ونهاية رحلته وغاية إرادته؛ فعامله أهلها بفوق ما في نفسه، فحمد يومه بها على أمسه؛ وغدا لأهل المصرين شاكرا، ولمناقبهم تاليا ولمحاسنهم ذاكرا؛ وله من النظم ما رقت حواشيه، وراقت معانيه؛ ومن النثر ما عذب وصفا، وكمل بلاغةً ولطفا؛ وحسن إعجازا، وتناسب صدورا وأعجازا؛ وقد قدمنا من كلامه في هذا الكتاب ما باسمه ترجمناه، ولفضائله نسبناه؛ مما تقف عليه في مواضعه، وتغتذى بلبان مراضعه؛ فلنورد له في هذا الباب غير ما تقدم إيراده وما تأخر، ونأخذ لتصنيفنا من بلاغته بالنصيب الأوفى والحظ الأوفر.\rفمن إنشائه كتاب عن الخليفة المستكفي بالله أمير المؤمنين أبي الربيع سليمان لملك اليمن - عمله تجربةً لخاطره عند ما رسم بمكاتبته، ابتدأه بأن قال:","part":2,"page":411},{"id":912,"text":"إما بعد حمد ه مانح القلوب السليمة هداها، ومرشد العقول إلى أمر معادها ومبتداها؛ وموفق من اختاره إلى محجة صوابٍ لا يضل سالكها، ولا تظلم عند اختلاف الأمور العظام مسالكها؛ وملهم من اصطفاه اقتفاء آثار السنن النبويه، والعمل بموجب القواعد الشرعيه؛ والانتظام في سلك من طوقته الخلافة عقودها، وأفاضت على سدته الجليلة برودها؛ وملكته أقاصي البلاد، وناطت بأحكامه السديدة أمور العباد؛ وسارت تحت خوافق أعلامه أعلام الملوك الأكاسره، وسرت بأحكامه النيرة مناحج الدنيا ومصالح الآخرة؛ وتبختر كل منبر من ذكره في ثوبٍ من السيادة معلم، وتهللت من ألقابه الشريفة أسارير كل دينار ودرهم؛ يحمده أمير المؤمنين على أن جعل أمور الخلافة ببني العباس منوطه، وجعلها كلمةً باقيةً في عقبه إلى يوم القيامة محوطه؛ ويصلى على ابن عمه محمدٍ الذي أخمد الله بمبعثه ما ثار من الفتن، وأطفأ برسالته ما اضطرم من نار الإحن؛ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين حموا حمى الخلافة فذادوا عن مواردها، وتجهزوا لتشييد المعالم الدينية فأقاموها على قواعدها؛ صلاةً دائمة الغدو والرواح، متصلا أولها بطرة الليل وآخرها بجبين الصباح؛ هذا وإن الدين الذي فرض الله على الكافة الانضمام إلى شعبه، وأطلع فيه شموس هداية تشرق من مشرقه ولا تغرب في غربه؛ جعل الله حكمه بأمرنا منوطا، وفي سلك أحكامنا مخروطا؛ وقلدنا من أمر الخلافة سيفا طال نجاده، وكثر أعوانه وأنجاده؛ وفوض إلينا أمر الممالك الإسلامية فإلى حرمنا تجبى ثمراتها، ويرفع إلى ديواننا العزيز نفيها وإثباتها؛ يخلف الأسد إن مضى في غابه شبله، ويلفى في الخبر والخبر مثله؛ ولما أفاض الله علينا حلة الخلافة، وجعل حرمنا الشريف محل الرحمة والرأفه؛ وأقعدنا على سدة خلافة طالما أشرقت بالخلائف من آبائنا، وابتهجت بالسادة الغطاريف من أسلافنا؛ وألبسنا خلعةً هي من سواد السؤدد مصبوغه، ومن سواد العيون وسويداوات القلوب مصوغه؛ وأمضينا على سدتنا أمور الخاص والعام، وقلدنا أرباب الكفاية كل إقليم من عملنا ممن تصلح سياسته على الدوام؛ واستكفينا بالكفاة من عمالنا على أعمالنا، واتخذ مصر دار مقامنا، وبها سدة مقامنا لما كانت في هذا العصر قبة الإسلام، وفيئة الإمام، وثانية دار السلام؛ تعين علينا أن نتصفح جرائد عمالنا، ونتأمل نظام أعمالنا؛ مكانا فمكانا، وزمانا فزمانا؛ فتصفحناها فوجدنا قطر اليمن؛ عرفنا هذا الأمر من اتخذناه للملوك الإسلامية عينا وقلبا، وصدرا ولبا؛ وفوضنا إليه أمر الممالك الإسلامية فقام فيها قياما أقعد الأضداد، وأحسن في ترتيب ممالكنا نهاية الإصدار وغاية الإيراد؛ وهو السلطان الأجل السيد الملك الناصر، لا زالت أسباب المصالح على يديه جاريه، وسحائب الإحسان من أفق راحته ساريه؛ فلم يعد جوابا لما رسمناه، ولا عذرا عما ذكرناه؛ إلا تجهيز شرذمةٍ من جحافله المنصوره، وتعيين أناس من فوارسه المذكوره؛ يقتحون الأحوال، ولا يعبأون بتغيرات الأحوال؛ يرون الموت مغنما إن صادفوه، وشبا المرهف مكسبا إن صافحوه؛ لا يشربون سوى الدماء مدامه، ولا يلبسون غير الترائك عمامه؛ ولا يعرفون طربا إلا ما أصدره صليلي الحسام من غنا، ولا ينزلون قفرا إلا وأنبت ساعة نزولهم عن صهوات خيلهم قنا؛ ولما وثقنا منه بإنفاذهم راجعنا رأينا الشريف النبوي أن نكاتب من قعد على تخت مملكتها، وتصرف في جميع أمور دولتها؛ فطولع بأنه ولد السلطان الملك المظفر يوسف بن عمر الذي له شبهة تمسكٍ بأذيال المواقف المستعصمية، وهو مستصحب الحال على زعمه، أو ما علم الفرق بين الأحياء والأموات؟ أو ما تحقق الحال بين النفي والإثبات؟ أصدرناها إلى الرحاب التعزيه، والمعالم اليمنيه؛ تشعر من تولى فيها فاستبد، وتولى كبره فلم يعرج على أحد؛ أن أمر اليمن ما برحت حكامنا ونوابنا تحكم فيه بالولاية الصحيحه، والتفويضات التي هي غير جريحه؛ وما زالت تحمل إلي بيت المال المعمور ما تمشى به الجمال وئيدا، وتقذفه بطون الجواري إلى ظهور اليعملات وليدا؛ وتطالعنا بأمر مصالحه ومفاسده، وبحال معاهده ومقاصده؛ ولك أسوةٌ بوالدك السلطان الملك المظفر، هلا اقتفيت ما سنه من آثاره، ونقلت ما دونته أيدي الزمن من أخباره؛ واتصل بمواقفنا الشريفة أمورٌ صدرت منك: منها - وهي العظمى التي ترتب عليها ما ترتب - قطع الميرة","part":2,"page":412},{"id":913,"text":"عن البيت الحرام، وقد علمت أنه وادٍ غير ذي زرع، ولا يحل لأحدٍ أن يتطرق إليه بمنع؛ وكفتك الآية دليلا على ما صنعت، وبرهانا على ما فعلت؛ ومنها انصبابك على تفريغ مال بيت المال في شراء لهو الحديث، ونقض العهود القديمة بما تبديه من حديث؛ ومنها تعطيل أجياد المنابر من عقود اسمنا، وخلو تلك الأماكن من أمر عقدنا وحلنا؛ ولو أوضحنا لك ما اتصل بنا من أمرك لطال، ولا اتسعت فيه دائرة المقال؛ رسمنا بها والسيف يود لو سبق القلم حده، والعلم المنصور يحب لو فات القلم واهتز بتلك الروابي قده؛ والكتائب المنصورة تختار لو بدرت عنوان الكتاب وأهل العزم والحزم يودون إليك إعمال الركاب؛ والجواري المنشآت قد تكونت من ليلٍ ونهار، وبرزت كصور الفيلة لكنها على وجه الماء كالأطيار، وما عمدنا إلى مكاتبتك إلى للإنذار، وما جنحنا لمخاطبتك إلا للإعذار؛ فأقلع عما أنت بصدده من الخيلاء والإعجاب، وانتظم في سلك من استخلفناه على أعمالنا فأخذ بيمينه ما أعطي من كتاب؛ وصن بالطاعة نفوس من زعمت أنهم مقيمون تحت لواء علمك، ومنتظمون في سلك أوامر كلمك، وداخلون تحت طاعة قلمك؛ فلسنا نشن الغارات على من نطق بالشهادتين لسانه وقلبه، وامتثل أوامر الله المطاعة عقله ولبه؛ ودان الله بما يجب من الديانه، وتقلد عقود الصلاح والتحف بمطارف الأمانه؛ ولسنا ممن يأمر بتجريد سيف إلا على من علمنا أنه خرج عن طاعتنا، ورفض كتاب الله ونزع عن مبايعتنا؛ فأصدرنا مرسومنا هذا إليه يقص عليه من أنباء حلمنا ما أطال مدة دولته، وشيد قواعد صولته؛ ويستدعى منه رسولا إلى مواقفنا الشريفه، ورحاب ممالكنا المنيفه؛ لينوب عنه في قبول الولاية مناب نفسه، وليجني بعد ذلك ثمار شفقاتنا إن غرس شجر طاعتنا ومن سعادة المرء أن يجني ثمار غراسه؛ بعد أن يصحبه من ذخائر الأموال ما كثر قيمةً وخف حملا، وتغالى في القيمة رتبةً وحسن مثلا؛ واشرط على نفسك في كل سنة قطيعةً ترفعها إلى بيت المال، وإياك ثم إياك أن تكون عن هذا الأمر ممن مال؛ ورتب جيشا مقيما تحت لواء علم السلطان الأجل الملك الناصر للقاء العدو المخذول التتار، ألحق الله أولهم بالهلاك وآخرهم بالبوار؛ وقد علمت تفاصيل أحوالهم المشهوره، وتواريخ سيرهم المذكوره؛ واحترص على أن يخصك من هذا المشرب السائغ أو في نصيب، وأن تكون ممن جهز جيشا في سبيل الله فرمى بسهم فله أجرٌ كان مصيبا أو غير مصيب؛ ليعود رسولك من دار الخلافة بتقاليدها وتشاريفها حملا أهلة أعلامنا المنصوره، شاكرا بر مواقفنا المبروره؛ وإني أبى حالك إلا أن استمررت على غيك، واستمرأت مرعى بغيك؛ فقد منعناك التصرف في البلاد، والنظر في أحكام العباد؛ حتى تطأ خيلنا العتاق مشمخرات حصونك، وتعجل حينئذ ساعة منونك؛ وتمسي لهوادي قلاعك عقودا، ولعرائس حصونك نهودا؛ وما علمناك غير ما علمه قلبك، ولا فهمناك غير ما حدسه لبك؛ فلا تكن كالصغير تزيده كثرة التحريك نوما، ولا ممن غره الإمهال يوما فيوما؛ وقد أعلمناك ذلك فاعمل بمقتضاه، موفقا إن شاء الله تعالى؛ والحمد لله وحده. البيت الحرام، وقد علمت أنه وادٍ غير ذي زرع، ولا يحل لأحدٍ أن يتطرق إليه بمنع؛ وكفتك الآية دليلا على ما صنعت، وبرهانا على ما فعلت؛ ومنها انصبابك على تفريغ مال بيت المال في شراء لهو الحديث، ونقض العهود القديمة بما تبديه من حديث؛ ومنها تعطيل أجياد المنابر من عقود اسمنا، وخلو تلك الأماكن من أمر عقدنا وحلنا؛ ولو أوضحنا لك ما اتصل بنا من أمرك لطال، ولا اتسعت فيه دائرة المقال؛ رسمنا بها والسيف يود لو سبق القلم حده، والعلم المنصور يحب لو فات القلم واهتز بتلك الروابي قده؛ والكتائب المنصورة تختار لو بدرت عنوان الكتاب وأهل العزم والحزم يودون إليك إعمال الركاب؛ والجواري المنشآت قد تكونت من ليلٍ ونهار، وبرزت كصور الفيلة لكنها على وجه الماء كالأطيار، وما عمدنا إلى مكاتبتك إلى للإنذار، وما جنحنا لمخاطبتك إلا للإعذار؛ فأقلع عما أنت بصدده من الخيلاء والإعجاب، وانتظم في سلك من استخلفناه على أعمالنا فأخذ بيمينه ما أعطي من كتاب؛ وصن بالطاعة نفوس من زعمت أنهم مقيمون تحت لواء علمك، ومنتظمون في سلك أوامر كلمك، وداخلون تحت طاعة قلمك؛ فلسنا نشن الغارات على من نطق بالشهادتين لسانه وقلبه، وامتثل أوامر الله المطاعة عقله ولبه؛ ودان الله بما يجب من الديانه، وتقلد عقود الصلاح والتحف بمطارف الأمانه؛ ولسنا ممن يأمر بتجريد سيف إلا على من علمنا أنه خرج عن طاعتنا، ورفض كتاب الله ونزع عن مبايعتنا؛ فأصدرنا مرسومنا هذا إليه يقص عليه من أنباء حلمنا ما أطال مدة دولته، وشيد قواعد صولته؛ ويستدعى منه رسولا إلى مواقفنا الشريفه، ورحاب ممالكنا المنيفه؛ لينوب عنه في قبول الولاية مناب نفسه، وليجني بعد ذلك ثمار شفقاتنا إن غرس شجر طاعتنا ومن سعادة المرء أن يجني ثمار غراسه؛ بعد أن يصحبه من ذخائر الأموال ما كثر قيمةً وخف حملا، وتغالى في القيمة رتبةً وحسن مثلا؛ واشرط على نفسك في كل سنة قطيعةً ترفعها إلى بيت المال، وإياك ثم إياك أن تكون عن هذا الأمر ممن مال؛ ورتب جيشا مقيما تحت لواء علم السلطان الأجل الملك الناصر للقاء العدو المخذول التتار، ألحق الله أولهم بالهلاك وآخرهم بالبوار؛ وقد علمت تفاصيل أحوالهم المشهوره، وتواريخ سيرهم المذكوره؛ واحترص على أن يخصك من هذا المشرب السائغ أو في نصيب، وأن تكون ممن جهز جيشا في سبيل الله فرمى بسهم فله أجرٌ كان مصيبا أو غير مصيب؛ ليعود رسولك من دار الخلافة بتقاليدها وتشاريفها حملا أهلة أعلامنا المنصوره، شاكرا بر مواقفنا المبروره؛ وإني أبى حالك إلا أن استمررت على غيك، واستمرأت مرعى بغيك؛ فقد منعناك التصرف في البلاد، والنظر في أحكام العباد؛ حتى تطأ خيلنا العتاق مشمخرات حصونك، وتعجل حينئذ ساعة منونك؛ وتمسي لهوادي قلاعك عقودا، ولعرائس حصونك نهودا؛ وما علمناك غير ما علمه قلبك، ولا فهمناك غير ما حدسه لبك؛ فلا تكن كالصغير تزيده كثرة التحريك نوما، ولا ممن غره الإمهال يوما فيوما؛ وقد أعلمناك ذلك فاعمل بمقتضاه، موفقا إن شاء الله تعالى؛ والحمد لله وحده.","part":2,"page":413},{"id":914,"text":"ومن إنشائه تقليد السلطان الملك الناصر لما ترك الديار المصرية وأقام بالكرك - وكتب له بذلك من ديوان الإنشاء عن الملك المظفر ركن الدين، فلم يمكن الكاتب الإطناب، ولا وسعه غير الاختصار، فلم يرضه الكتاب، وعمل جماعةٌ منهم في ذلك تجربةً لخواطرهم ولم يكتب بشيء منها فعمل هو - :","part":2,"page":414},{"id":915,"text":"الحمد لله مدبر الأمر على ما يشاء في عباده، ومنقل الحال على حكم اختياره ووفق مراده، وجري أسباب الممالك على يد من اختاره من عباده لإصدار الأمر وإيراده، ومجيب من أصبح قاصدا بابه الشريف والزهادة فيما حوله من اعتقاده، ومعز من أضحى له من حقونا ركنٌ استند إليه الدهر في استناده، يلبي دعوة مرامه حيث كان من بلاده؛ ويجيب داعي نداه وإن بعد فيكون أقرب من سره إلى فؤاده؛ يذب عن حوزة نسائه يبيض مرهفاته وسمر صعاده، ويحمى بيضة جاهه بالغلب من أشياعه والجرد من جياده؛ نحمده على أن جعل موالاتنا لهذا البيت الشريف المنصوري تستديم عهوده، وتلتحف من المحافظة على مراضيه الشريفة في كل حالٍ بروده؛ وترد من القيام بواجب حقه أعذب منهل شرعه الصفاء وسنه، وأكد موالاته الوفاء وحسن الوفاء من شعار أهل السنة؛ ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترفع أعلام الهدى بكلمها، وتخمد نار الشرك بنور هداية علمها وعلمها، وتطهر أديم البسيطة من أرجاس الكفرة بالحدين من غربي صمصامها وقلمها، وتروي كل قطر أصبح ماحلاً من قطري عدلها ونعمها؛ ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الني كانت الزهادة ملاك أمره والملوك تحت وطأة أقدامه، والملائكة يحفونه من حوله ومن أمامه، ومعادن الذهب تعرض عليه فيساوى لديه لزهادته بين نضاره ورغامه؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تحاكي أرج الصبا وقد سرى عن خزامه، وتضاهي فتيق المسك وقد تنفس عن ختامه، مشفوعةً إلى يوم القيامة برضوانه وسلامه؛ وبعد، فإنه لما كان المقام العالي الملكي الفلاني هو الذي ربته الممالك في حجرها وليدا، وخولته السلطنة الشريفة من نفائس ذخائرها طارفا وتليدا؛ وبوأته من مراتب العز أقصى غاية لا ترام، وأبادت بمرهفه البتار جمع التتار الطغام؛ واستخدمت لطاعته جيشين: جيش نهارٍ بكر فيه مواليه على أعدائه بسابق خيله ومرهف حسامه، وجيش ليلٍ تبسط أولياء دولته أكفهم للدعاء ببقائه في جنح ظلامه؛ طالما هزت المنابر أعطافها طربا عند ذكر اسمه، وازدادت وسامة الدينار حسنا لما شرفها بحسن وسمه ورسمه؛ وتلت أوصاف بأسه ألسنة خرصانه، ورجعت سوابق الهمم عن التطاول للمطاولة في ميدانه، وقالت فوارس الحروب لما رأت كره: هذا سباق لسنا من رهانه؛ كم فرق بجيشه اللهام جيشا أرمد جفن الشمس بقتامه، ونصر الأحزاب يوم الكريهة بالعاديات من خيله والمرسلات من سهامه، فالدهر يشكر مواقف إقدامه، والعدل ينشر منشور فضله وسديد أحكامه؛ والممالك تثني على عليائه بالسداد، والمسالك تهدي لسالكها ما خصها به من أمنها المعتاد؛ والناس في ظل عدلٍ لياليه خلقت كما شاءوا أسحارا، والوحش والغنم كل؟ منهما قد جعل صاحبه جارا؛ ومواطن العلوم أمست تطرز بمحاسن أوصافه، وحكام الشرع الجليل أضحت تميس في حلل عدله وإنصافه؛ والأماكن التي تشد لها الرحال يفتر ثغرها عن عدله، والمشاعر المعظمة قد حمى حوزتها بالسهم من نصله والشهم من رجله؛ تنقل في مراتب الملك صغيرا إلى أن اشتد بالعزم القوى كاهله، واستوطن ربع العز مذ كان يجتلى بدوره وتجتليه عقائله؛ فلم تبق له مأربةٌ إلا قضاها، ولا حالةٌ إلا ابتلاها، ولا غمةٌ إلا جلاها، ولا آية شكر إلا تلاها؛ إلى أن قمع بحد سيفه كل مجترى، وقال للسحابة كما قيل: امطري؛ رأى أن الموارد الدنيوية لا بد لها من مصادر، وأن أوائل الأمور تستدعي الأواخر، وأن للزهادة في الدنيا وإن عظم قدرها الشأن الكبير، وأن الانقطاع إلى الله تعالى منهل صفو لا يقبل شوائب التكدير؛ وقوى عزمه في الرحلة عن مقر ملكه إلى أعز حصونه المنيعه، بل إلى أجل معاقله الشامخة الرفيعه؛ قاصدا بها الانفراد، عالما بأن الله يطلع على خفيات الفؤاد؛ فرحل ركابه العلي ونظام المملكة من حسن الهيئة قائم على ساق، وقلوب كفال الممالك الشريفة متفقةٌ على الاتفاق؛ واثقا بأن للملك من أولياء بيته الشريف كل ولي عهدٍ لا تخفر لديه الذمم، وكل سلطان أفقٍ تضؤل دون عزمه الهمم؛ يحمى بيضة خدره من كل متطاولٍ إليها، ويقصر أسباب الحرص من كل شان؟ عليها؛ واختار الانفراد، وتيقن أنا لا نعدل عما أراد؛ ونصب عمد خيامه الشريفة على سفح روض الكرك النضر، وحل منه رأس شاهقةٍ نبتها خضر؛ ورغب في الزهادة وشعارها، واستوت عنده الدنيا في حالتي إقبالها وإدبارها؛ فاقتضى اعتناؤنا الشريف أن نبلغه من مآربه","part":2,"page":415},{"id":916,"text":"الشريفة أقصى المرام، وأن نساعده في كل أمر يعرف منه المرافقة منا على الدوام؛ وأن ننظم الأمر في سلك الإرادة على مراده، وأن نبادر إلى راحة سره الشريف وفؤاده؛ ولسوف نعامل مقامه العالي بكل احترامٍ يصل إليه تفصيلا وإجمالا، ونراعي معه أدب أسلافه الكرام حالا فحالا، وإنا لا نخليه من تجهيز مثالٍ يتضمن من محاسنه سيرا وأمثالا، ولولا عرف السلطنة ونظام المملكة يقتضيان ذلك ما جهزنا إلى بابه الشريف مثالا، فلذلك خرج الأمر الشريف بكذا وكذا.ريفة أقصى المرام، وأن نساعده في كل أمر يعرف منه المرافقة منا على الدوام؛ وأن ننظم الأمر في سلك الإرادة على مراده، وأن نبادر إلى راحة سره الشريف وفؤاده؛ ولسوف نعامل مقامه العالي بكل احترامٍ يصل إليه تفصيلا وإجمالا، ونراعي معه أدب أسلافه الكرام حالا فحالا، وإنا لا نخليه من تجهيز مثالٍ يتضمن من محاسنه سيرا وأمثالا، ولولا عرف السلطنة ونظام المملكة يقتضيان ذلك ما جهزنا إلى بابه الشريف مثالا، فلذلك خرج الأمر الشريف بكذا وكذا.\rهذا ما اتفق إيراده في هذا الفصل من رسائل الكتاب، وكتاب العصر - أعزهم الله تعالى - كثير، وكلامهم مشهور، ومدونٌ بأيدي الناس ومحفوظٌ في صدورهم، ولم نشترط أن نورد لجميعهم فنلتزم الشرط، ولو فعلنا ذلك لطال الكتاب وخرج عن شرطه، وإنما خصصنا هؤلاء بالذكر لتعلقنا بهم، واتصال سببنا في الوداد بسببهم.\rأبيات في هذا الباب\rفمن ذلك قول بعض الشعراء:\rإني لعظم تشوقي ... وشديد وجدي واكتئابي\rأصبحت أحسد من يفو ... ز بقربكم حتى كتابي\rوقال آخر:\rوما تأخر كتبي عنك من مللٍ ... طوبى لودك يا بن السادة النجب\rلكن حسدت كتابي أن يراك وما ... أراك فاخترت إمساكي عن الكتب\rوقال آخر:\rعفت الرسائل طامعا أن نلتقي ... فأبى الزمان يتيح لي ما أطلب\rوتأخرت كتبي فقلت أعاتبٌ ... في ذاك أنت علي أم متعتب\rفإذا وجدتك في الضمير ممثلا ... أبدا تناجيني إلى من أكتب\rوقال آخر:\rالكتب تكتب للبعي ... د وأنت من قلبي قريب\rفإذا وجدتك في الفؤا ... د فمن أكاتب أو أجيب\rوقال آخر:\rلو أن كتبي بقدر الشوق واصلةٌ ... كانت إليك مع الأنفاس تتصل\rلكنني والذي يبقيك لي أبدا ... على جميل اعتقادي فيك أتكل\rوقال آخر:\rوفي الكتب نجوى من يعز لقاؤه ... وتقريب من لم يدن منه مزار\rفلم تخلني منها وتعلم أنها ... لعيني وقلبي قرةٌ وقرار\rوقال آخر:\rسألتك عوذني بكتبك إن لي ... شياطين شوق لا تفارق مضجعي\rإذا استرقت أسرار فكري تمردا ... بعثت إليها في الدجى شهب أدمعي\rوقال آخر:\rأتبخل بالقرطاس والخط عن أخٍ ... وكفاك أندى بالعطايا من المزن\rلعمري لقد قوى جفاؤك ظنتي ... وأوهن تأميلي وما كان ذا وهن\rوقال آخر:\rأظن القراطيس في مصركم ... تخونها ريب دهرٍ خؤون\rفلو أنها صفحات الخدو ... د يكتب فيها بماء الجفون\rلما أعوزتك ولكن جفوت ... فألقيت شأني خلال الشؤون\rوقال المتنبي في جواب كتاب ورد عليه:\rبكتب الأنام كتابٌ ورد ... فدت يد كاتبه كل يد\rيعبر عما له عندنا ... ويذكر من شوقه ما نجد\rوقال أبو الفتح البستي:\rلما أتاني كتاب منك مبتسمٌ ... عن كل فضلٍ وبر؟ غير محدود\rحكت معانيه في أثناء أسطره ... أثارك البيض في أحوالي السود\rوقال آخر:\rطلع الفجر من كتابك عندي ... فمتى باللقاء يبدو الصباح\rوقال آخر:\rولما أتاني بعد هجرٍ كتابكم ... وفيه شفاء الواله الدنف المضنى\rسررت به حتى توهمت أنه ... كتابي وقد أعطيته بيدي اليمنى\rوقال آخر:\rنفسي الفداء لغائب عن ناظري ... ومحله في القلب دون حجابه\rلولا تمتع مقلتي بلقائه ... لوهبتها لمبشري بكتابه\rوقال آخر:","part":2,"page":416},{"id":917,"text":"ورد الكتاب مبشرا ... نفسي بأوقات السرور\rوفضضته فوجدته ... ليلا على صفحات نور\rمثل السوالف والخدو ... د البيض زينت بالشعور\rأنزلته منى بمن ... زلة القلوب من الصدور\rوقال آخر في كتاب عدم فلم يصل إليه:\rنبئت أن كتابا ... أرسلته مع رسول\rملأته منك طيبا ... فضاع قبل الوصول\rومما يتصل بهذا الباب ويلتحق به، ويحتاج الكاتب إلى معرفته والاطلاع عليه الحجة البالغة والأجوبة الدامغة.\rفمن ذلك في التنزيل قوله عز وجل: \" وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميمٌ قل يحييها الذي أنشأها أول مرةٍ وهو بكل خلقٍ عليمٌ \" .\rوقوله تعالى: \" أيحسب الإنسان أن يترك سدىً ألم يك نطفةً من مني؟ يمنى ثم كان علقةً فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادرٍ على أن يحي الموتى \" .\rوقوله تعالى حكاية عن إبراهيم: \" وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأي الفريقين أحق بالأمن \" .\rوقوله تعالى: \" قل لو كان معه آلهةً كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا \" .\rوقوله تعالى: \" وما اتخذ الله من ولدٍ وما كان معه من إلهٍ إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعضٍ سبحان الله عما يصفون \" .\rوقوله تعالى: \" إن الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب \" .\rوقوله تعالى: \" وإن كنتم في ريبٍ مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله \" .\rوقال تعالى في الدلالة على إثبات نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون \" ، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يعرف في قريش بالصادق الأمين وقوله تعالى: \" قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون \" ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" يا معشر قريش لو قلت لكم إن خيلا تطلع عليكم من هذا الجبل كنتم تصدقوني؟ قالوا: نعم؛ قال: فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد \" فلما أقروا بصدقه خاطبهم بالإنذار، ودعاهم إلا الإسلام. فهذه حججٌ من الكتاب والسنة لا جواب عنها.\rولما انتهى إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم السقيفة أن الأنصار قالت: منا أميرٌ ومنكم أمير؛ قال علي: فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بأن يحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم؛ قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ قال: لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم.\rولما قال الحباب بن المنذر في يوم السقيفة أيضاً: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، إن شئتم كررناها جذعة، منا أميرٌ ومنكم أمير، فإن عمل المهاجري شيئا في الأنصاري رده عليه الأنصاري، وإن عمل الأنصاري شيئاً في المهاجري سرده عليه المهاجري؛ أراد عمر الكلام، فقال أبو بكر رضي الله عنه: على رسلك، نحن المهاجرين أول الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرم الناس حسبا، وأحسنهم وجوها، وأكثر الناس ولادةً في العرب، وأمسهم رحما بالرسول صلى الله عليه وسلم، أسلمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم، وأنتم إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدو، آويتم وواسيتم، فجزاكم الله خيرا، نحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش. قالوا: قد رضينا وسلمنا.\rقال بعض اليهود لعلي؟ رضي الله عنه: ما دفنتم نبيكم حتى اختلفتم؛ فقال: إنما اختلفنا عليه لا فيه، ولكنكم ما جفت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيكم: \" اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ قال إنكم قومٌ تجهلون \" .","part":2,"page":417},{"id":918,"text":"وقال حاطب بن أبي بلتعة: لما بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك الإسكندرية بكتابه، أتيته وأبلغته الرسالة، فضحك ثم قال: كتب إلي صاحبك يسألني أن أتبعه على دينه، فما يمنعه إن كان نبيا أن يدعو الله فيسلط علي البحر فيغرقني فيكتفي مؤنتي، ويأخذ ملكي؟ قلت: ما منع عيسى عليه السلام إذ أخذته اليهود فربطوه في حبل، وحلقوا وسط رأسه، وجعلوا عليه إكليلا من شوك، وحملوا خشبته التي صلبوه عليها على عاتقه، ثم أخرجوه وهو يبكي حتى نصبوه على الخشبة ثم طعنوه حيا بحربة حتى مات - على زعمكم - فما منعه أن يدعو الله فينجيه ويهلكهم، ويكفي مؤنتهم، ويظهر هو وأصحابه عليهم؟ وما منع يحيى بن زكريا حين سألت امرأة الملك أن يقتله فقتله وبعث برأسه إليها حتى وضع بين يديها أن يسأل الله أن يحميه ويهلكهم؟ فأقبل على جلسائه وقال: والله إنه لحكيم، وما تخرج الحكم إلا من عند الحكماء.\rوخطب معاوية بن أبي سفيان ذات يوم وقال: إن الله تعالى يقول: \" وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدرٍ معلومٍ \" فما نلام نحن؛ فقام إليه الأحنف بن قيس فقال له: يا معاوية، إنا والله ما نلومك على ما في خزائن الله، وإنما نلومك على ما آثرك الله به علينا من خزائنه فأغلقت بابك دونه.\rوقال معاوية لرجل من اليمن: ما كان أحمق قومك حين ملكوا عليهم امرأة قال: قومك أشد حماقةً إذ قالوا: \" اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليمٍ \" أفلا قالوا: اهدنا له.\rوقيل: مرت امرأةٌ من العرب بمجلس من مجالس بني نمير، فرماها جماعةٌ منهم بأبصارهم، فوقفت ثم قالت: يا بني نمير، لا أمر الله تعالى أطعتم، ولا قول الشاعر سمعتم، قال الله تعالى: \" قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم \" وقال الشاعر:\rفغض الطرف إنك من نميرٍ ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا\rفما اجتمع منهم بعد ذلك اثنان في مجلس.\rوقيل: استعمل عتبة بن أبي سفيان رجلاً من أهله على الطائف، فظلم رجلاً من أزد شنوءة، فأتى الأزدي عتبة فقال:\rأمرت من كان مظلوما ليأتيكم ... فقد أتاكم غريب الدار مظلوم\rثم ذكر ظلامته، فقال عتبة: إني أرى أعرابياً جافيا، والله ما أحسبك تدري كم تصلي في اليوم والليلة؛ فقال: إن أنبأتك ذلك تجعل لي عليك مسألة؟ قال: نعم؛ فقال الأعرابي:\rإن الصلاة أربعٌ وأربع ... ثم ثلاثٌ بعدهن أربع\rثم صلاة الفجر لا تضيع\rقال: صدقت فاسأل؛ فقال: كم فقار ظهرك؟ فقال: لا أدري؛ قال: أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك؟ فأمر برد ظلامته عليه.\rوقال الحجاج بن يوسف ليحيى بن سعيد بن العاصي: بلغني أنك تشبه إبليس في قبح وجهك؛ قال: وما ينكر الأمير من أن يكون سيد الإنس يشبه سيد الجن؟.\rوقال لسعيد بن جبير: اختر لنفسك أي قتلة شئت؛ قال: اختر أنت فإن القصاص أمامك.\rوحكى أبو حويطب بن عبد العزى بلغ عشرين ومائة سنة، ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، فلما ولى مروان بن الحكم المدينة دخل عليه حويطب، فقال له مروان: لقد تأخر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث؛ فقال: والله لقد هممت بالإسلام غير مرة كل ذلك يعوقني أبوك عنه وينهاني، ويقول: أتدع دين آبائك لدينٍ محدث؟ أما أخبرك عثمان ما كان قد لقي من أبيك حين أسلم.\rوقيل: لما ظفر الحجاج بابن الأشعث وأصحابه أمر بضرب أعناقهم، حتى أتى على رجلٍ من تميم، فقال التميمي: أيها الأمير، والله لئن أسأنا في الذنب ما أحسنت في العقوبة؛ فقال الحجاج: وكيف ذاك؟ قال: لأن الله تعالى يقول: \" فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداءً \" فوالله ما مننت ولا فاديت؛ فقال الحجاج: أف؟ لهذه الجيف، أما كان منهم من يحسن مثل هذا؟ وأمر بإطلاق من بقي وعفا عنهم.","part":2,"page":418},{"id":919,"text":"وحكى أن الرشيد سأل موسى بن جعفرٍ فقال: لم قلتم إنا ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجوزتم للناس أن ينسبوكم إليه ويقولوا: يا بني نبي الله وأنتم بنو علي، وإنما ينسب الرجل إلى أبيه دون جده؛ فقرأ: \" ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى والياس \" وليس لعيسى أب، وإنما لحق بذرية الأنبياء من قلب أمه؛ وكذلك ألحقنا بذرية الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل أمنا فاطمة - عليها السلام - وأزيدك يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: \" فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين \" ولم يدع صلى الله عليه وسلم في مباهلة النصارى غير فاطمة والحسن والحسين، وهما الأبناء.\rقيل: لما ولي يحيى بن أكثم قضاء البصرة استصغر الناس سنه، فقال له رجل: كم سن القاضي - أعزه الله - ؟ فقال: سن عتاب بن أسيد حين ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء مكة. فجعل جوابه احتجاجا.\rقال يزيد بن عروة: لما مات كثيرٌ لم تتخلف بالمدينة امرأةٌ ولا رجلٌ عن جنازته، وغلب النساء عليها، وجعلن يبكينه ويذكرن عزة في ندبهن له؛ فقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: أفرجوا لي عن جنازة كثير لأرفعها، فجعلنا ندفع النساء عنها ومحمد بن علي يقول: تنحين يا صويحبات يوسف؛ فانتدبت له امرأةٌ منهن فقالت: يا ن رسول الله، لقد صدقت، إنا لصويحباته، ولقد كنا له خيرا منكم له؛ فقال أبو جعفر لبعض مواليه: احتفظ بها حتى تجيئني بها إذا انصرفت؛ قال: فلما انصرف أتي بها وكأنها شررة النار؛ فقال لها محمد بن علي: إيه، أنت القائلة: إنكن ليوسف خيرٌ منا؟ قالت: نعم، تؤمنني غضبك يا بن رسول الله؟ فقال: أنت آمنة من غضبي فأنبئيني؛ فقالت: نحن دعوناه إلى اللدات من المطعم والمشرب والتمتع والتنعم، وأنتم معاشر الرجال ألقيتموه في الجب وبعتموه بأبخس الأثمان، وحبستموه في السجن؛ فأينا كان عليه أحنى، وبه أرأف؟ فقال محمد: لله درك لن تغالب امرأةٌ إذا غلبت؛ ثم قال لها: ألك بعلٌ؟ فقالت: لي من الرجال من أنا بعله؛ فقال أبو جعفر: ما أصدقك مثلك من تملك الرجل ولا يملكها؛ فلما انصرفت قال رجل من القوم: هذه فلانة بنت معقب.\rوقال المأمون ليحيى بن أكثم: من الذي يقول:\rقاضٍ يرى الحد في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من ياس\rفقال: يا أمير المؤمنين، هو الذي يقول:\rشاهدنا يرتشى وحاكمنا ... يلوط والراس شر ما راس\rلا أحسب الجور ينقضي وعلى ال ... أمة والٍ من آل عباس\rقال: ومن هو؟ قال: أحمد بن أبي نعيم؛ فأمر بنفيه إلى السند.\rوحكي أن أهل الكوفة تظلموا إلى المأمون من عاملٍ ولاه عليهم؛ فقال: ما علمت في عدد عمالي أعدل ولا أقوم بأمر الرعية ولا أعود بالرفق عليهم منه؛ فقام رجل من القوم فقال: يا أمير المؤمنين، ما أحدٌ أولى بالعدل والإنصاف منك، فإذا كان الأمر على هذه الصفة فينبغي أن تعدل في ولايته بين أهل البلدان، وتسوى بنا أهل الأمصار، حتى يلحق أهل كل بلد من عدله وإنصافه مثل الذي لحقنا، فإذا فعل أمير المؤمنين ذلك فلا يخصنا منه أكثر من ثلاث سنين؛ فضحك المأمون وعزل العامل عنهم.\rولنصل هذا الفصل بذكر هفوات الأمجاد وكبوات الجياد - وقد رأيت بعض أهل الأدب ممن يستحق الأدب تعرض في هذا الفصل إلى ذكر قصص الأنبياء - صلوات الله عليهم - كآدم ويوسف وداود وسليمان فكرهت ذلك منه، ونزهت كتابي عنه - قال الله تعالى: \" إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفورٌ حليمٌ \" فكانت هذه هفوةً من المسلمين غفرها الله وعفا عنها.\rوقال الأحنف بن قيس: الشريف من عدت سقطاته.\rوقال النابغة:\rولست بمستبقٍ أخا لا تلمه ... على شعثٍ أي الرجال المهذب\rوقالوا: كل صارمٍ ينبو، وكل جوادٍ يكبو.","part":2,"page":419},{"id":920,"text":"وكان الأحنف بن قيس حليما سيدا يضرب به المثل، وقد عدت له سقطات فمن ذلك أنه نظر إلى خيلٍ لبني مازن فقال: هذه خيل ما أدركتبالثار، ولا نقصت الأوتار؛ فقال له سعيد بن القاسم المازني: أما يوم قتلت أباك فقد أدركت بثارها؛ فقال الأحنف: لشيءٍ ما قيل: :دع الكلام حذر الجواب \" - وكانت بنو مازن قتلت أبا الأحنف في الجاهلية.\rومنها أنه لما خرج مع مصعب بن الزبير أرسل إليه مائة ألف درهم، ولم يرسل إلى زبراء جاريته بشيء، فجاءت حتى وقفت بين يدي الأحنف، ثم أرسلت عينيها؛ فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما لي لا أبكي عليك إذ لم تبك على نفسك، أقعدتها وتذر مرو الروذ تجمع بين غارين من المسلمين؛ فقال: نصحتني والله في ديني إذ لم أتنبه لذلك؛ ثم أمر بفسطاطه فقوض، فبلغ ذلك مصعبا فقال: ويحكم، من دهاني في الأحنف؟ فقيل: زبراء، فبعث إليها بثلاثين ألف درهم، فجاءت حتى أرخت عينيها بين يديه؛ فقال: مالك يا زبراء؟ قالت: عجبت لأحوالك في أهل البصرة، تزفهم كما تزف العروس، حتى إذا ضربت بهم في نحور أعدائهم أردت أن تفت في أعضادهم؛ قال: صدقت والله، يا غلام دع الفساطيط؛ فاضطرب العسكر بمجيء زبراء مرتين.\rومن سقطاته التي عدت عليه أن عمرو بن الأهتم دس إليه رجلا ليسفهه، فقال له: يا أبا بحر، من كان أبوك في قومه؟ قال: كان من أوسطهم، لم يسدهم ولم يتخلف عنهم؛ فرجع إليه ثانية، ففطن الأحنف إلى أنه من قبل عمرو، فقال: ما كان مال أبيك؟ قال: كانت له صرمة يمنح منها ويقرى، ولم يكن أهتم سلاحا.\rوقيل: إن الحسن سئل عن قوله تعالى: \" قد جعل ربك تحتك سريا؟ \" فقال: إن كان لسريا، وإن كان لكريما؛ فقيل له: من هو؟ قال: المسيح؛ فقال له حميد بن عبد الرحمن: أعد نظرا، إنما السري: الجدول؛ فأنعم له، وقال: يا حميد، غلبنا عليك الأمراء.\rومات ولدٌ طفلٌ لسليمان بن علي، فأتاه الناس بالبصرة يعزونه وفيهم شبيب بن شيبة وبكر بن حبيب السهمي؛ فقال شبيب: أليس يقال: إن الطفل لا يزال محبنظئا بباب الجنة حتى يدخل أبواه؟ فجاء بظاء معجمة؛ فقال له بكر بن حبيب: محبنطئا، بطاء مهملة؛ فقال شبيب: إلا أن من بين لابتيها يعلم أن القول كما أقول؛ فقال بكر: وخطأٌ ثانٍ، ما للبصرة لابتان، أذهبت إليه بالمدينة؟. من بين لابتيها: أي حريتها.\rقيل: جلس محمد بن عبد الملك يوما للمظالم، وحضر في جملة الناس رجلٌ زيه زي الكتاب، فجلس بإزاء محمد، ومحمد ينقد الأمور وهو لا يتكلم، ومحمدٌ يتأمله؛ فلما خف المجلس قال له: ما حاجتك؟ قال: جئتك - أصلحك الله - متظلما؛ قال: ممن؟ قال: منك، ضيعةٌ لي في يد وكيلك يحمل إليك غلتها، ويحول بيني وبينها؛ قال: فما تريد؟ قال: تكتب بتسليمها إلي؛ قال: هذا يحتاج فيه إلى شهودٍ وبينة وأشياء كثيرة؛ فقال له الرجل: الشهود هم البينة، وأشياء كثيرة عي؟ منك؛ فخجل محمدٌ وهاب الرجل، وكتب له بما أراد.\rووصف ذو الرمة لعبد الملك بن مروان بالذكاء وحسن الشعر، فأمر بإحضاره، فلما دخل عليه أنشده قصيدةً افتتحها بقوله: \" ما بال عينك منها الماء ينسكب \" وكانت عينا عبد الملك تدمعان دائماً، فظن أنه عرض سبه، فغضب وقال: مالك ولهذا السؤال يا بن اللخناء؟ وقطع إنشاده، وأمر بإخراجه.\rودخل أبو النجم على هشام بن عبد الملك وأنشده أرجوزته التي أولها: \" الحمد لله الوهوب المجزل \" حتى انتهى إلى قوله يصف الشمس عند الغروب: \" وهي على الأفق كعين الأحول \" ، واستدرك سقطة لسانه، وقطع إنشاده، وعلم أنها زلة، لأن هشاما كان أحول، فقال له هشام: كمل إنشادك ويلك وأتمم البيت، وأمر بوجء عنقه وإخراجه من الرصافة.\rقال المدائني: كان رجل من ولد عبد الرحمن بن سمرة أراد الوثوب بالشام في زمن المهدي، فأخذ وحمل إليه، فلما مثل بين يديه اعتذر، فرأى منه المهدي نبلا وفضلا، فعفا عنه وخلطه بجلسائه؛ ثم قال له يوما: أنشدني شيئاً من شعر زهير، فأنشده قصيدته التي أولها: \" لمن الديار بقنة الحجر \" حتى أتى على آخرها؛ فقال المهدي: مضى من يقول مثل هذا؛ فقال السمري: وذهب والله من يقال فيه مثله؛ فاستشاط المهدي غضبا، وأمر أن يجر برجله، وألا يؤذن له بعدها.\rولنختم ما ذكرناه من أمر كتابة الإنشاء بشيء من الحكم.\rمن الحكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الحكمة ضالة المؤمن \" .","part":2,"page":420},{"id":921,"text":"وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لكل جوادٍ كبوه، ولكل حكيمٍ هفوه؛ ولكل نفسٍ ملة، فاطلبوا لها طرائف الحكمة.\rومن الحديث النبوي - صلوات الله تعالى عليه وسلامه على قائله - مما يدخل في هذا الفصل قوله صلى الله عليه وسلم: \" كرم الرجل دينه، ومروءته عقله، وحسبه عمله \" . \" خير الأمور أوسطها \" . \" كل؟ ميسرٌ لما خلق له \" . \" زر غبا تزدد حبا \" . \" الوحدة خيرٌ من قرين السوء \" . \" البركة في الحركة \" . \" صلوا أرحامكم ولو بالسلام \" . \" من كثر سواد قوم فهو منهم \" . \" ما قل وكفى خيرٌ مما كثر وألهى \" . \" ليس الغني عن كثرة العرص، إنما الغني غني النفس \" .\rوقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - : صنائع المعروف تقي مصارع السوء.\rوقال علي بن أبي طالب: استغن عمن شئت فأنت نظيره، واحتج إلى من شئت فأنت أسيره، وأفضل على من شئت فأنت أميره.\rقال بعض الشعراء:\rوإذا ما الرجاء أسقط بين الن ... اس فالناس كلهم أكفاء\rوقال لقمان لابنه: ثلاثةٌ لا يعرفون إلا في ثلاثة مواضع: لا يعرف الحليم إلا وقت الغضب، ولا الشجاع إلا في الحرب إذا لاقى الأقران، ولا أخوك إلا عند حاجتك.\rوقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أحبكم إلينا قبل أن نختبركم أحسنكم صمتا، فإذا تكلم فأبينكم منطقا، فإذا اختبرناكم فأحسنكم فعلا.\rوفي رواية: أحبكم إلينا أحسنكم اسما، فإذا رأيناكم فأجملكم منظرا، فإذا اختبرناكم فأحسنكم مخبرا.\rوخطب علي رضي الله عنه يوما فقال في خطبته: وأعجب ما في الإنسان قلبه، له أمدادٌ من الحكمة، وأضدادٌ من خلافها، فإذا سنح له الرجاء هاج به الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعد بالرضا نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته مصيبةٌ قضمه الجزع، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقةٌ شغله البلاء، وإن جهده الجوع أقعده الضعف، فكل تقصيرٍ به مضر، وكل إفراطٍ له مفسد.\rومن كلامه - رضي الله عنه - : فرض الله تعالى الإيمان تطهيرا من الشرك، والصلاة تنزيها عن الكبر، والزكاة سببا للرزق، والصيام ابتلاه لإخلاص الخلق، والحج تقويةً للبدن، والجهاد عزا؟ للإسلام، والأمر بالمعروف ومصلحةً للعوام، والنهي عن المنكر ردعا للسفهاء، وصلة الرحم منماةً للعدد، والقصاص حقنا للدماء، وإقامة الحدود إعظاما للمحارم، وترك شرب الخمر تحصينا للعقل، ومجانبة السرقة إيجادا للعفة، وترك الزنى تصحيحا للنسب، وترك اللواط تكثيرا للنسل، والشهادات استظهارا على المجاحدات، وترك الكذب تشريفا للصدق، والسلام أمانا من المخاوف، والإمامة نظاما للأمة، والطاعة تعظيما للإمامة.\rوقال فرفوريوس: لو تميزت الأشياء بأشكالها لكان الكذب مع الجبن، والصدق مع الشجاعة، والراحة مع اليأس، والتعب مع الطمع، والحرمان مع الحرص، والعز مع القناعة، والأمن مع العفاف، والسلامة مع الوحدة.\rوقال آخر: الشكر محتاجٌ إلى القبول، والحسب محتاجٌ إلى الأدب، والسرور محتاج إلى الأمن، والقرابة محتاجة إلى المودة، والمعرفة محتاجة إلى التجارب، والشرف محتاج إلى التواضع، والنجدة محتاجة إلى الجد.\rوقال حكيم يوناني: السعادات كلها في سبعة أشياء: حسن الصورة، وصحة الجسم، وطول العمر، وكثرة العلم، وسعة ذات اليد، وطيب الذكر، والتمكن من الصديق والعدو.\rوقال بعض الأدباء: - وقد سئل عن العيش - فقال: في الغنى فإني رأيت الفقير لا يلتذ بعيش أبدا؛ فقال له السائل: زدني، قال: في الصحة، فإني رأيت المريض لا يلتذ بعيشٍ أبدا؛ فقال له: زدني، قال: في الأمن، فإني رأيت الخائف لا يلتذ بعيشٍ أبدا؛ قال: زدني؛ قال: لا أجد مزيدا. وهذا الكلام مأخوذ من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من أصبح آمنا في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها \" .\rوقال فيلسوف: كثيرٌ من الأمور لا تصلح إلا بقرنائها: لا ينفع العلم بغير ورع، ولا الحفظ بغير عقل، ولا الجمال بغير حلاوة، ولا الحسب بغير أدب، ولا السرور بغير أمن، ولا الغني بغير كفاية، ولا الاجتهاد بغير توفيق.\rوقالوا: المنظر يحتاج إلى القبول، والحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقربى إلى المودة، والمعرفة إلى التجارب، والشرف إلى التواضع، والنجدة إلى الجد.","part":2,"page":421},{"id":922,"text":"وقال علي رضي الله عنه: يغلب المقدار على التقدير، حتى تكون الآفة في التدبير.\rأخذه ابن الرومي فقال:\rغلط الطبيب علي غلطة موردٍ ... عجزت موارده عن الإصدار\rوالناس يلحون الطبيب وإنما ... غلط الطبيب إصابة المقدار\rوقال: إذا انقضت المده، كان الهلاك في العده.\rوقال القدماء: لا خير في القول إلا مع الفعل، ولا في المنظر إلا مع المخبر، ولا في المال إلا مع الجود، ولا في الصديق إلا مع الوفاء، ولا في الفقه إلا مع الورع، ولا في الصدقة إلا مع حسن النية، ولا في الحياة إلا مع الصحة، ولا في السرور إلا مع الأمن.\rقال بعض بني تميم: حضرت مجلس الأحنف بن قيس وعنده قوم مجتمعون، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الكرم، منع الحرم؛ ما أقرب النقمة من أهل البغي لا خير في لذة تعقب ندما؛ لن يهلك من قصد، ولن يفتقر من زهد؛ رب هزل قد عاد جدا؛ من أمن الزمان خانه، ومن تعظم عليه أهانه؛ دعوا المزاح فإنه يؤرث الضغائن؛ وخير القول ما صدقه الفعل؛ احتملوا من أدل عليكم، واقبلوا عذر من اعتذر إليكم؛ أطع أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك؛ أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك؛ وإياكم ومشاورة النساء؛ واعلم أن كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم؛ ومن الكرم، الوفاء بالذمم؛ ما أقبح القطيعة بعد الصلة؛ والجفاء بعد اللطف، والعداوة بعد الود لا تكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا إلى البخل أسرع منك إلى البذل؛ واعلم أن لك من دنياك، ما أصلحت به مثواك، فأنفق في حق؟ ولا تكونن خازنا لغيرك؛ وإذا كان الغدر موجودا في الناس فالثقة بكل أحد عجز؛ اعرف الحق لمن عرفه لك؛ واعلم أن قطيعة الجاهل، تعدل صلة العاقل. قال: فما رأيت كلاما أبلغ منه، فقمت وقد حفظته. والله سبحانه وتعالى اعلم بالصواب.\rومن كلام علي؟ رضي اللهعنه: من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره؛ ومن سل سيف البغي قتل به؛ ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها؛ ومن هتك حجاب أخيه انتهكت عورات بيته؛ ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن تكبر على الناس زل؛ ومن سفه على الناس شتم؛ ومن خالط العلماء وقر، ومن خالط الأنذال حقر؛ ومن أكثر من شيءٍ عرف به؛ والسعيد من وعظ بغيره؛ وليس مع قطيعة الرحم تقى، ولا مع الفجور غنى؛ رأس العلم الرفق، وآفته الخرق؛ كثرة الزيارة تورث الملالة.\rوقال موسى بن جعفر: ما تساب اثنان إلا انحط الأعلى إلى رتبة الأسفل.\rوقال آخر: ما تساب اثنان إلا غلب ألأمهما.\rوقال الحسن بن علي بن موسى الرضي: اعلم أن للحباء مقدارا فإن زاد عليه فهو سرف، وللحزم مقدارا فإن زاد عليه فهو جبن، وللاقتصاد مقدارا فإن زاد عليه فهو بخل.\rقال مهدي بن أبان: قلت لولادة العبدية - وكانت من أعقل النساء - : إني أريد الحج فأوصيني، قالت: أوجز فأبلغ، أم أطيل فأحكم؟ فقلت: ما شئت؛ فقالت: جد تسد، واصبر تفز؛ قلت: أيضاً؛ قالت: لا يبعد غضبك حلمك، ولا هواك علمك؛ وق دينك بدنياك، وق عرضك بعرضك؛ وتفضل تخدم، واحلم تقدم؛ قلت: فبمن أستعين؟ قالت: بالله؛ قلت: من الناس؛ قالت: الجلد النشيط، والصالح الأمين؛ قلت: فمن أستشير؟ قالت: المجرب الكيس، أو الأديب الأريب؛ قلت: فمن أستصحب؟ قالت: الصديق المسلم، أو المؤاخي المتكرم؛ ثم قالت: يا بناه، إنك تفد إلى ملك الملوك فانظر كيف يكون مقامك بين يديه.\rوقال حكيم: من الذي بلغ جسيما فلم يبطر، واتبع الهوى فلم يعطب؛ وجاور النساء فلم يفتتن، وطلب إلى اللئام فلم يهن، وواصل الأشرار فلم يندم، وصحب السلطان فدامت سلامته.\rوقال: الاعتبار يفيدك الرشاد، وكفاك أدبا لنفسك ما كرهت من غيرك.\rوكان يقال: عليكم بالأدب فإنه صاحبٌ في السفر، ومؤنسٌ في لوحدة، وجمالٌ في المحفل، وسببٌ إلى طلب الحاجة.\rوقال بعضهم: احذر كل الحذر من أن يخدعك الشيطان فيمثل لك التواني في صورة التوكل، ويورثك الهوينى بالإحالة على القذر، فإن الله تعالى أمر بالتوكل عند انقطاع الحيل، بالتسليم للقضاء بعد الإعذار، فقال تعالى: \" خذوا حذركم \" \" ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة \" .\rوقال آخر: لا تجاهد الطلب جهاد الغالب، ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم، فإن ابتغاء الفضل من السنة، والإجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بدافعة رزقا، ولا الحرص بجالب فضلا.","part":2,"page":422},{"id":923,"text":"وقالوا: عشر خصالٍ في عشر أصناف أقبح منها في غيرهم: الضيق في الملوك، والغدر في الأشراف، والكذب في القضاة، والخديعة في العلماء، والغضب في الأبرار، والحرص في الأغنياء، والسفه في الشيوخ، والمرض في الأطباء، والزهو في الفقراء، والفجور في القراء.\rوقالوا: ثمانيةٌ إذا أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم: الآتي طعاما لم يدع إليه، والمتأمر على رب البيت في بيته، وطالب المعروف من غير أهله، وراجٍ منن الفضل من اللئام، والداخل بين اثنين لم يدخلاه، والمستخف بالسلطان، والجالس مجلس ليس له بأهل، والمقبل بحديثه على من لا يسمعه.\rومن الأبيات المناسبة لهذا الفصل قول الأضبط بن قريع:\rلكل ضيقٍ من الهموم سعه ... والمسى والصبح لا بقاء معه\rفصل حبال البعيد إن وصل ال ... حبل وأقص القريب إن قطعه\rوخذ من الدهر ما أتاك به ... من قر عينا بعيشه نفعه\rلا تحقرن الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه\rقد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه\rوقال أحيحة:\rفما يدري الفقير متى غناه ... ولا يدري الغني متى يعيل\rولا تدري إذا أزمعت أمرا ... بأي الأرض يأتيك المقيل\rوقال الصلتان العبدي:\rأشاب الصغير وأفنى الكبي ... ر كر الغداة ومر العشى\rإذا ليلةٌ هرمت يومها ... أتى بعد ذلك يومٌ فتى\rنروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي\rتموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجةٌ ما بقي\rوقال المتنبي:\rذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما قاته وفضول العيش أشغال\rوقد جمع من شعر أبي الطيب في ذلك ما وافق كلام أرسطوطاليس في الحكمة؛ فمن ذلك قول أرسطوطاليس: إذا كانت الشهوة فوق القدرة كان هلاك الجسم دون بلوغ الشهوة.\rقال المتنبي:\rوإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام\rوقال أرسطوطاليس: قد يفسد العضو لصلاح أعضاء، كالكي والفصد اللذين يفسدان الأعضاء لصلاح غيرها. نقله المتنبي إلى شعره فقال:\rلعل عتبك محمودٌ عواقبه ... فربما صحت الأجساد بالعلل\rوقال أرسطوطاليس: الظلم من طبع النفوس، وإنما يصدها عن ذلك إحدى علتين: إما علة دينية خوف معاد، أو علة سياسية خوف سيف قال المتنبي:\rوالظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم\rهذا ما اتفق إيراده في هذا الباب من أمر كتابة الإنشاء، وكلام الصحابة والخلفاء، وذوى الفصاحة من الأمراء، وبلاغات الخطباء والفصحاء، ورسائل الفضلاء والبلغاء، وفقر الكتاب والأدباء، وحكم أوائل الحكماء؛ وهو مما يضطر الكاتب إليه، ويعتمد في الاطلاع على ما خفى من أمر هذه الصناعة عليه؛ وهي إشاراتٌ إلى مجموعها، ورشفاتٌ من ينبوعها؛ وبابٌ يتوصل منه إلى رحابها، وسلمٌ يرتقى عليه إلى هضباتها، ومسيلٌ عذبٌ يتصل بعبابها؛ فقد وضح لك أيها الطالب السبيل، وظهر لك أيها الراغب قيام الدليل؛ وفيما أوردناه كفايةٌ لمن تمسك بهذه الصناعة ورغب فيها، وغنيةٌ لمن تأمل مقاصدها وتدبر معانيها؛ فلنذكر كتابة الديوان والتصرف.\rكتابة الديوان\rوقلم التصرف","part":2,"page":423},{"id":924,"text":"وما يتصل بذلك قد ذكرنا في أول هذا الباب في السفر السابع من هذا الكتاب اشتقاق الكتابة، ولم سميت بذلك، وذكرنا أيضاً أصلها وشرفها وفؤادها، فلا حاجة إلى إعادته في هذا الموضع، فلنذكر الآن ما يتعلق بقلم الديوان والتصرف والحساب؛ وإن كنا قدمنا ذكر كتاب الإنشاء لما هم بصدده من الصدارة والوجاهه، والنبالة والنباهه؛ والفصاحة والصباحه، والنزاهة والسماحه؛ والأمانة والديانه، والسيادة والصيانه؛ ولما تصدوا له من كتم أسرار الدول، وتردوا به من محاسن الأواخر ومآثر الأول، والتحفوا به من مطارف الفضائل والمكارم، وتحلوا به من صفات الأفاضل والأكارم؛ إلى غير ذلك من مناقبهم الجمه، وأياديهم التي وضحت غررا في ليالي الخطوب المدلهمه؛ فكتاب الحساب أكثر تحقيقا، وأقرب إلى ضبط الأموال طريقا، وأدل برهانا، وأوضح بيانا، قال الله تعالى في كتابه العزيز: \" لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيءٍ فصلناه تفصيلاً \" وذهب بعض المفسرين لكتاب الله تعالى في قوله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: \" قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظٌ عليمٌ \" ، أي كاتبٌ حاسب.\rوروى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال: \" استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأسد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه \" فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاسب؛ وبكتاب الحساب تحفظ الأموال وتضبط الغلال؛ وتحد قوانين البلاد؛ وتميز الطوارف من التلاد؛ لم يفخر كتاب الإنشاء بمنقبة إلا فخروا بمناقب، ولا سموا إلى مرتبة إلا وقد رقوا إلى مراتب؛ ولا تميزوا برسالة إلا ولهؤلاء فيها القدح المعلى، ولا نسبوا إلى نباهة إلا ومحلهم فيها المحل الأرفع ومقامهم المقام الأعلى؛ ولا اتصفوا بكتمان سر إلا اتصف هؤلاء بمثله، ولا شهروا ببذل بر؟ إلا وهؤلاء هم أعيان أهله؛ ثم اختص كتاب التصرف بأمورٍ منع أولئك منها، وأطلقت أقلامهم في أقلام حبست أقلام أولئك عنها؛ وارتفعوا إلى قلل مراتب كبت جيادهم عن إدراك غايتها، وتنموا ذرا مناصب لا تمتد الآمال إلى أكثر من نهايتها؛ ولسنا نقيمهم في محل المناظره، ولا نوقفهم في موقف المكاثرة والمفاخره؛ بل لكل طائفة فضلٌ لا ينكر، وفضائل هي أشهر من أن تملى وتسطر؛ ولما انتهيت في كتابي هذا إلى باب الكتابة، أردت أن أضرب عن ذكر كتابة التصرف صفحا، ولا أعيرها من النظر لمحا، وأقتصر على كتابة الإنشاء جريا على عادة من صنف، وقاعدة من ألف؛ فسألني بعض إخواني أن أضع في ذلك ملخصا يعلم منه المباشر كيف المباشره، ويستضيء به فيما يسترفعه أو يرفعه من ضريبةٍ وموافره؛ فأوردت هذه النبذة إزالةً لسؤاله، وتحقيقاً لآماله؛ وذكرت من صناعة الكتابة ما هو بالنسبة إلى مجموعها قطرةٌ من بحرها، وشذرةٌ من عقود درها؛ مما لا بد للمبتدى من الإحاطة بعلمه، والوقوف عند رسمه؛ وحين وضعت ما وضعت من هذه الصناعة لم أقف قبل ذلك على كتاب في فنها مصنف، ولا انتهيت إلى فصل مترجم بها أو مؤلف؛ ولا لمحت في ذلك إشاره، ولا سمعت من لخص فيها عباره؛ ولا من تفوه فيها ببنت شفةٍ ولسان، ولا من صرف ببنان بلاغته في ميادينها العنان؛ حتى أقتدي بمثاله، وأنسج على منواله؛ وأسلك طريقه في الإجاده، وأحذو حذوه في الإفاده؛ بل وجدتها مقفلة الباب، مسبلة الحجاب؛ قد اكتفى كل كاتب فيها بعلمه، واقتصر على حسب فهمه؛ فراجعت فيها الفكره، وعطفت بالكرة بعد الفره؛ ثم قرعت بابها ففتح بعد غلقه، ورفعت حجابها ففتق بعد رتقه؛ وامتطيت صهوتها فلانت بعد جماحها، وارتقيت ذروتها فظهر للفكرة طريق نجاحها؛ فشرعت عند ذلك في تأليف ما وضعته، وترصيف ما صنفته؛ وبدأت باشتقاق تسمية الديوان، ولم سمي ديوانا، ثم ذكرت ما تفرع من كتابة الديوان من أنواع الكتابات، وأول ديوان وضع في الإسلام، وسبب وضعه، ثم ذكرت ما يحتاج إليه كل مباشر من كيفية المباشرة وأوضاعها، وما استقرت عليه القواعد العرفية، والقوانين الإصطلاحية، وما يرفعه كل مباشر ويسترفعه، والأوضاع الحسابية، على ما ستقف إن شاء الله تعالى عليه، وترجع فيما أشكل من أمورها إليه.\rاشتقاق تسمية الديوان\rولم سمي ديوانا ومن سماه بذلك","part":2,"page":424},{"id":925,"text":"قد اختلف في تسمية الديوان ديوانا على وجهين: أحدهما أن كسرى اطلع ذات يوم على كتاب ديوانه، فرآهم يحسبون مع أنفسهم، فقال: ديوانه: أي مجانين؛ فسمى موضعهم بهذا الاسم، ثم حذفت الهاء لكثرة الاستعمال تخفيفا للاسم، فقيل: ديوان. والثاني أن الديوان بالفارسية اسمٌ للشياطين، فسمي الكتاب باسمهم لحذقهم بالأمور، ووقوفهم على الجلي والخفي، وجميعهم لما شذ وتفرق، واطلاعهم على ما قرب وبعد، ثم سمى مكان جلوسهم باسمهم، فقيل: ديوان. هذا ما قيل في تسميته على ما حكاه الماوردي في الأحكام السلطانية؛ والله أعلم.\rما تفرع عن كتابة الديوان\rمن أنواع الكتابات\rهذه الكتابة تنقسم إلى أقسام ووظائف: أصولٍ وفروع، وهي: مباشرة الجيوش، ومباشرة الخزانة، وبيت المال، وأهراء الغلال، ومباشرة البيوت، ومباشرة الهلالى، ومباشرة الجوالي، ومباشرة الخراجى، ومباشرة الأقصاب والمعاصر ومطابخ السكر؛ ويحتاج مباشر كل وظيفة من هذه الوظائف إلى معرفة قواعد يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى؛ ولنبدأ بذكر مباشرة الجيوش.\rذكر مباشرة ديوان الجيش\rوسبب وضع الدواوين وأول من وضعها في الإسلام\rوديوان الجيش هو أول ديوان وضع في الإسلام، وضعه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في خلافته؛ وقيل: بل وضع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك أن البخاري - رحمه الله - ترجم على هذا بقوله: باب كتابة الإمام الناس، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائلٍ عن حذيفة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس، فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل \" وقد روى البخاري أيضاً بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: \" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وامرأتي حاجة؛ قال: ارجع فاحجج مع امرأتك \" واختلف الناس في سبب وضعه في أيام عمر، قال قوم: سببه أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قدم بمال من البحرين، فقال له عمر رضي الله عنه: ماذا جئت به؟ قال: خمسمائة ألف درهم، فاستكثره عمر وقال: أتدري ما تقول؟ قال: نعم، مائة ألف خمس مرات؛ فقال عمر: أطيبٌ هو؟ فقال: لا أدري؛ فصعد عمر رضي الله عنه المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، قد جاءنا مالٌ كثير، فإن شئتم كلنا لكم كيلا، وإن شئتم عددنا لكم عدا؛ فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت الأعاجم يدونون ديوانا لهم، فدون أنت لنا ديوانا.\rوقال آخرون: بل سببه أن عمر - رضي الله عنه - بعث بعثا وعنده الهرمزان، فقال لعمر: هذا بعثٌ قد أعطيت أهله الأموال، فإن تخلف رجلٌ منهم وأخل بمكانه فمن أين يعلم صاحبك؟ فأثبت لهم ديوانا؛ فسأله عن الديوان حتى فسره له.","part":2,"page":425},{"id":926,"text":"وروى عابد بن يحيى عن الحارث بن نفيل أن عمر رضي الله عنه استشار المسلمين في تدوين الدواوين، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: تقسم في كل سنة ما اجتمع إليك من المال ولا تمسك منه شيئاً؛ وقال عثمان بن عفان - رضي الله عنه - : أرى مالا كثيرا يسع الناس، وإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر؛ فقال خالد بن الوليد: قد كنت بالشأم فرأيت ملوكها دونوا ديوانا، وجندوا جنودا، فدون ديوانا، وجند جنودا فأخذ بقوله، ودعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم - وكانوا من كتاب قريش - فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فبدءوا ببني هاشم فكتبوهم، ثم أتبعوهم قوم أبي بكر، ثم عمر وقومه، وكتبوا القبائل ووضعوها على الخلافة، ثم رفعوا ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فلما نظر فيه قال: لا، ما وددت أنه كان هكذا، ولكن ابدءوا بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأقرب فالأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله؛ فشكره العباس رضي الله عنه على ذلك؛ وكان ذلك في المحرم سنة عشرين من الهجرة، وقيل في سنة خمس عشرة للهجرة - والله أعلم - ؛ فلما استقر ترتيب الناس في الدواوين على قدر النسب المتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم فضل بينهم في العطاء على قدر السابقة إلى الإسلام. وسنذكر إن شاء الله في خلافة عمر رضي الله عنه ما فرضه من العطاء لكل طائفة على ما ستقف عليه - إن شاء الله تعالى - في موضعه من فن التاريخ؛ وهو في السفر السابع عشر من كتابنا هذا؛ فهذا كان سبب وضع ديوان الجيش.\rوأما دواوين الأموال - فإنها كانت بعد ظهور الإسلام بالشأم والعراق على ما كانت عليه قبل الإسلام، فكان ديوان الشام بالرومية لأنه كان من ممالك الروم؛ وكان ديوان العراق بالفارسية لأنه كان من ممالك الفرس؛ فلم يزل أمرهما جاريا على ذلك إلى زمن عبد الملك بن مروان، فنقل ديوان الشأم إلى العربية في سنة إحدى وثمانين من الهجرة؛ وكان سبب نقله - على ما حكاه المدائني - أن بعض كتاب الروم في ديوانه أراد ماءً لدواته، فبال في الدواة، فبلغه ذلك فأدبه، وأمر سليمان بن سعد أن ينقل الديوان إلى العربية، فسأله أن يعينه بخراج الأردن سنةً، ففعل وولاه الأردن، وكان خراجه مائة ألف وثمانين ألف دينار، فلم تنقض السنة حتى فرغ من الديوان ونقله، وأتى به عبد الملك فدعى سرجون كاتبه فعرضه عليه فغمه وخرج كئيبا، فلقيه قوم من كتاب الروم، فقال لهم: اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة فقد قطعها الله عنكم.\rوأما ديوان العراق - فكان سبب نقله إلى العربية أن كاتب الحجاج بن يوسف كان زاذان فروخ، وكان معه صالح بن عبد الرحمن يكتب بين يديه بالعربية والفارسية، فأوصله زاذان فروخ إلى الحجاج، فخف على قلبه، فقال صالحٌ لزاذان فروخ إن الحجاج قد قربني ولا آمن أن يقدمني عليك؛ فقال: لا تظن ذلك فهو إلى أحوج مني إليه، لأنه لا يجد من يكفيه حسابه غيري؛ فقال له صالح: والله لو شئت أن أحول الحساب إلى العربية لفعلت؛ فقال: فحول منه ورقة أو سطرا حتى أرى، ففعل؛ ثم قتل زاذان فروخ في حرب عبد الرحمن بن الأشعث، فاستخلف الحجاج صالحا مكانه، فذكر له ما جرى بينه وبين زاذان فروخ فأمره أن ينقله، فأجابه إلى ذلك وأجله فيه أجلا حتى نقله إلى العربية، فلما عرف مردانشاه بن زاذان فروخ ذلك بذل له مائة ألف درهم ليظهر للحجاج العجز عنه، فلم يفعل؛ فقال له: قطع الله أصلك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسية.\rوكان عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان يقول: لله در صالح ما أعظم منته على الكتاب.\rهذا ما حكي في ابتداء نقل الدواوين، فلنرجع إلى الجيش وما يحتاج إليه مباشره.\rحاجات كاتب الجيش\rعلى ما استقر في زماننا هذا من المصطلح","part":2,"page":426},{"id":927,"text":"يحتاج كاتب الجيش إلى أن يرصع أسماء أرباب الإقطاعات والنقود والمكيلات من الأمراء على اختلاف طبقاتهم، والمماليك السلطانية، وأجناد الحلقة، وأمراء التركمان والعربان؛ ويضع لذلك جريدة مقفاةً على حروف المعجم يثبت فيها أسماءهم، ويذكر الاسم وابتداء إمرته أو جنديته في أي سنة كانت من السنين الهلالية لاستقبال ما يكتب من مغل السنة الخراجية، وعمن انتقل إليه الإقطاع؛ ويرمز قبالة كل اسمٍ إلى عبرة إقطاعه رمزا لا تصريحا، ويشير في جندي الحلقة إلى مقدمه، ويعين في اسم التركماني أو البدوي ما قدمه إلى الإصطبلات السلطانية والمناخات من الخيل والجمال، وفي عربان مصر المقرر عليهم في مقابلة الإقطاعات من التقادم، وإقامة خيل البريد في المراكز، وغير ذلك من نقل الغلال، وما هو مقررٌ عليهم في ابتداء أمرهم عند خروج الإقطاعات بأسمائهم، وغير ذلك على جاري العادة، فإن انتقل أحدٌ منهم من إقطاع إلى غيره في ذلك العمل بعينه وضع تحت إقطاعه الأول ما صورته: ثم انتقل إلى غيره بمقتضى منشورٍ تاريخه كذا عن فلان المنتقل إلى غيره، أو المتوفى، أو المفارق، أو غير ذلك؛ فإن كان على سياقته في إقطاعه الأول قال: على سياقته؛ وضبط تاريخ الأول، وإن كان لاستقبال مغل؟ أو شيءٍ من مغل؟ ميزه، واحتاج إلى محاسبة رب الإقطاع على إقطاعه الأول؛ والمحاسبات غالبا إنما تقع بعد وفاة الأمير أو الجندي، أو انفصاله بوجه من وجوه الانفصالات، وأما ما دام في الخدمة فهي يتلو بعضها بعضا؛ وصورة المحاسبة أن يقيم تاريخ منشوره إلى تاريخ انفصاله أو نقلته، ويعقد على ذلك جملةً، ويوجب له عن نظير خدمته استحقاقا، وينظر إلى ما قبضه من المغلات فيجمعها، فإن كان قبضه نظير خدمته فلا شيء له ولا عليه، وإن زاد قبضه على مدة خدمته استعاد منه ما زاد بنسبته، وإن كانت خدمته أكثر من قبضه أفرج له عن نظير ما فضل له؛ ومن العادة في غالب الأوقات أن يسقط من استحقاق أرباب الإقطاعات في كل سنة أحد عشر يوما وربع يوم، وهي التفاوت بين السنة الشمسية والقمرية، ويبرز له ما بقي ويعطيه المثل من نسبة البارز، وقد سومح بذلك في بعض الأوقات دون بعض؛ وهذه الجريدة تسمى الجريدة الجيشية.\rويحتاج إلى بسط جريدة إقطاع صورتها: أنه يرصع الأعمال كل عمل وبلاده وضياعه وكفوره وقراه وجزائره وجروفه وجهات الهلالى والجوالى، وغير ذلك من معالمه وحدوده والجهات المستظهر بها والبذول، وسائر ما هو متعلق بذلك المكان؛ ويذكر عبرة البلد الجيشية، وما استقر عليه حال متحصلها أخيرا، وإن كان بالشأم ذكر العبرة الجيشية ومتحصل البلد لثلاث سنين: مبقلة ومتوسطةٍ ومجدبة، ثم يشطب قبالة كل جهة أسماء مقطعيها، وما هو باسم كل واحد منهم، ليتحرر له بذلك هل استوعب الإقطاع جملة النواحي والجهات، ويتميز بشطبه لوقته في موضعه لئلا يدخل عليه الوهم والاختلاف.\rويحتاج إلى أن يتعاهد مباشري المعاملات والبرور بطلب الكشوف الجيشية في كل ثلاث سنين ويشطبها على ما عنده لتتحرر عنده العبر، ويتميز له ما تعين من الزيادة والنقص.\rويحتاج أيضا إلى بسط جريدةٍ ثالثةٍ بأسماء أرباب النقود والمكيلات خاصة، لأنه يحتاج أن يفرج لكل؟ منهم في كل سنة عن نقده ومكيله بمقتضى ما شهد به منشوره، وعادة قبضه وجهته، أو مما تعين بقلم الاستيفاء إن كان، فإذا أفرج لكل؟ منهم شطب تاريخ إفراجه قبالة اسمه لتنضبط له بذلك تواريخ قبوضهم ويأمن من التكرار والغلط؛ وهذه الجريدة هي فرع من الجريدة الجيشية، فإنه يبسطها منها.","part":2,"page":427},{"id":928,"text":"ويحتاج في أجناد الحلقة السلطانية إلى أن يضيف كل جماعة منهم إلى مقدمٍ مشهور من أعيانهم ممن هو متميز الإقطاع، ويقيم عليها نقيباً يعرف مساكنهم ومظانهم، فإذا طلبوا جمعهم، أو طلب أحدٌ منهم أحضره، ويسمى هذا المقدم: مقدم الحلقة؛ ويضيف كل جماعة من أمراء الطبلخاناه وأمراء العشرات، ومقدمي الحلقة، ومضافيهم إلى مقدمٍ كبير من أمراء المائة، ويسمى هذا الأمير: مقدم الألف؛ ويحتاج إلى أن يضع لهاتين الطائفتين جريدة عدة، يضع فيها اسم مقدم الألف وعدته من غير تفصيل لأسمائهم وقبالة اسمه عبرة إقطاعه، ما هو لخاصه، وما هو لأصحابه؛ ثم أمراء الطبلخاناه كل أمير وعدته، وعبرة إقطاعه، على ما تقدم في مقدم الألف، ويرتبهم في التقديم والتأخير على مراتبهم؛ ثم أمراء العشرات كذلك؛ ثم يذكر مقدمي الحلقة فيعين اسم المقدم ونسبته وأتباعه إن كان له أتباع، وعبرة إقطاعه، ثم يذكر مضافيه من الحلقة على هذا الحكم، ويرتبهم بحسب مراتبهم، يبدأ في كل تقدمةٍ باسم المقدم، ويختم باسم النقيب، ليسهل عليه طلب كل جندي؟ من مقدمه، ويطلبه مقدمه من نقيبه؛ وإن انتقل أميرٌ أو جندي؟ من مقدم ألف أو مقدم حلقة وانضاف إلى مقدمٍ آخر نقله لوقته لئلا يضطرب عليه حالهم، ويلتبس أمرهم؛ وكذلك أيضاً يفعل في الممالك السلطانية من إضافة كل جماعة منهم إلى مقدم من أعيانهم، ويميز أرباب الوظائف منهم: من السلاحدارية والحربدارية والرمحدارية والجمفدارية والزردكشية والبندقدارية ومن السقاة والجمدارية والخزندارية والحراس والبشمقدارية وغيرهم؛ ويضيف كل جماعة من كل طائفة منهم إلى متعين من جملتهم، ويجمع عدة كل طائفة ويقدم عليهم أمثلهم؛ وأما المماليك الكتابية أرباب الجامكيات فينسب كل جماعة منهم إلى طبقةٍ مقدمها من الطواشية، وينسب الممالك البرجية إلى مساكنهم ومقدمهم، والبحرية إلى مراكزهم ومقدمهم، والأوشاقية الذين إقامتهم بالإسطبل إلى المقدم عليهم من الطواشية، ويرجع سائر المماليك السلطانية إلى مقدمهم الكبير، ولا يكون في الغالب إلا من الطواشية الأمراء.\rويحتاج أيضا إلى أوراقٍ أخر تتضمن أسماء أمراء الميمنة وأمراء الميسرة، والجالس - وهو المقدم - أمام قلب الجيش، وهذه الأوراق تكون جملية يستغنى فيها بذكر مقدمي الألوف دون مضافيهم.\rويتلو هذه الأوراق أوراقٌ أخر - تتضمن أسماء الأمراء الذين جرت عادتهم بصحبة ركاب السلطان في الصيد والركوب للمنتزهات وفي الميادين للعب بالكرة، وفي غير ذلك؛ هذا ما يحتاج إليه في الأمراء والمماليك السلطانية ورجال الحلقة.","part":2,"page":428},{"id":929,"text":"وأما أجناد الأمراء فإن مباشر الجيش يسترفع من دواوينهم أوراقا بعدة أجناد كل أمير منهم، يصدرها كاتب عدة الأمير على عدة نسخٍ بحسب المباشرين للجيش، ويقول في صدرها ما مثاله: عرضٌ رفعه المملوك فلان الفلاني على ما استقر عليه الحال إلى آخر كذا، والعدة خاصته، وكذا كذا طواشيا؛ ويشرح أسماء الجند، وما أقطع باسم كل؟ منهم من إقطاع ونقد ومكيل، مبتدئا برأس المدرج ومن يليه في الجند، ثم مماليك الأمير وألزامه، ويختمهم بالنقيب، ثم يعين في آخر المدرج ما بقي لخاص الأمير من النواحي والجهات، وما عليه منه لأصحابه من نقد ومكيل إن كان؛ ويلزمه عمل مسير على نواحي الإقطاع يشطب كل جهة بأسماء من أقطعت لهم، وما بقي منها للخاص إن كان؛ فإن كان منشور الأمير قد عين فيه ما هو لخاصه وما هو لأصحابه فليس له أن يقتطع من المعين لجنده ما يضيفه لخاصه، ولا يمنع أن يقطع من خاصه زيادةً لأصحابه؛ وهذه القاعدة لاحقة بقواعد الفقه، فإن له التصرف في ماله دون مال غيره، وله أن يميز بعضهم على بعض بحسب أحوالهم ومراتبهم؛ فإذا رفعت إليه هذه الأوراق عرض جند كل أمير في مجلس ولي الأمر بمشهد من الأمراء وغيرهم، فمن أجاز ولي الأمر عرضه حلاه قبالة اسمه، ويعين في حلاه سنه ولونه وقامته، ثم يذكر حلية وجهه، ويصف ما يتميز به عن غيره من أثرٍ في وجهه أو غير ذلك؛ ومن رده ولي الأمر من العرض طولب الأمير بإقامة غيره، فإذا أقامه وعرضه وأجاز ولي الأمر وعرضه حلاه عند ذلك، وعين تاريخ عرضه إن كان عرضه بعد يوم العرض الشامل؛ ويرقم المباشر بقلمه على رأس أوراق العرض تاريخ عرض الجند؛ وتستحق هؤلاء الجند الإقطاعات والنقود والهلالي من تاريخ عرضهم وتدوينهم في الديوان، والأمير من تاريخ منشوره؛ فإن مات جندي؟ منهم او فارق الخدمة أقام الأمير عوضه، وعرضه على ولي الأمر، وأثبت اسمه بالديوان؛ وإن قطعه الأمير فلا يخلو قطعه: إما أن يكون لسبب كالعجز ونحوه فله ذلك، وإما أن يكون بغير سبب فلا يخلو: إما أن يكون قطعه له في قرب زمن إدراك المغل فلولي الأمر منعه من ذلك، أو في غير وقت المغل، فإن عرض من هو أكفى منه وأقدر على الجندية أجيز، وإن عرض من هو دونه منع أميره من ذلك، وألزم باستمرار الكافي أو إقامة من يماثله في الكفاية والقدرة؛ وإذا عرض الأمير أصحابه في السنة الثانية جدد كاتبه أوراقا بالعرض نظير الأولى، وشطب كاتب الجيش حلى الجند من العرض الأول، ثم يقابلها بالصورة الجديدة في وقت العرض الثاني، فإن وافقت وطابقت أجازه، وإن اختلفت الحلى وتباينت رده وطالع ولي الأمر به ليقع الإنكار على من تجاسر على فعل ذلك لما فيه من التلبيس؛ فهذه هي القواعد التي استقرت في زماننا والله أعلم.","part":2,"page":429},{"id":930,"text":"ويحتاج الكاتب إلى تحرير شواهده وحفظها، فإن كان بين يدي السلطان ورسم له بإقطاع أمير أو جندي؟ كتب مثالا بالإقطاع، وكتب السلطان أو نائبه بقلمه أعلى المثال ما مثاله: يكتب؛ وعين ناظر الجيش بقلمه تحت خط السلطان أو نائبه ما مثاله: رسم أن يكتب باسم فلان لاستقبال مغل سنة كذا، ولاستقبال كذا من مغل سنة كذا؛ وخلد الكاتب هذا الشاهد عنده، وكتب مثالا ثانيا مربعا بما مثاله: رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الفلاني - ويدعو للسلطان - أن يقطع ويقرر باسم فلان الفلاني - وينعته بما يستحق - ما رسم له به الآن من الإقطاع والنقد والمكيل إن كان فيه نقدٌ أو مكيلٌ في السنة، خارجا عن الجوالي والمواريث الحشرية والرزق الإحباسية، إن كان الإقطاع بالديار المصرية؛ وإن كان بالشام قال: خارجا عن الملك والوقف، ثم يقول: خبز فلان الفلاني، إن كان عن أحد؛ وإن كان من الخاص أو مستجدا أو مستظهرا به عينه، ويذكر خاصته وعدته وأتباعه، أو بمفرده، ثم يعين جهات إقطاعه، ويثبت هذا المثال الثاني في الديوان، وتشمله علامة السلطان ونائبه، ثم يخلد بديوان الإنشاء، وهو شاهد الموقع، ويكتب منشوره بمقتضى ذلك المثال، وتشمله علامة السلطان وخط نائبه ووزيره بالامتثال، ويثبت بديوان الجيش ثم بالدواوين؛ وإن كان الكاتب في جهة خارجة عن باب الملك من الممالك الشامية وأمره النائب بإقطاع أحد كتب مثالا بالإقطاع، وكتب النائب بأعلاه: يكتب، ثم يكتب عليه الناظر نحو ما تقدم، وهو شاهد الكاتب، ثم يكتب المثال الثاني في ورقة مربعة بما مثاله: رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الفلاني أن يقطع ويقرر باسم فلان ما رسم له به الآن من الإقطاع، ويعين خبز من كان وسبب حله عنه، إما بوفاة، أو بمفارقة، أو بانتقال إلى غيره، أو غير ذلك من الأسباب الموجبة لإخراج الإقطاع عنه، ويكتب نائب السلطنة عليه بالترجمة، ويترجم عليه الناظر بقلمه تحت خط النائب بما مثاله: المملوك فلان يقبل الأرض وينهى أن هذا مثالٌ كريمٌ باسم فلان المرسوم إثباته في جملة الأمراء والمماليك السلطانية، أو البحرية، أو رجال الحلقة المنصورة، أو رجال التركمان، أو العربان، أو الجبلية بالمملكة الفلانية، أو بالجهة الفلانية بما رسم له به الآن من الإقطاع عن فان، والعدة خاصته، وكذا كذا طواشيا، أو بحسب ما يكون لاستقبال ما عين فيه على ما شرح باطنه، والأمر في ذلك معذوق بإمضائه أو بما يؤمر به من الأبواب. ثم يثبت بديوان الجيش، ويجهز إلى باب السلطان، فإذا وصل إلى الباب كتب عليه الناظر ومن معه من الرفاق بالمقابلة، وقوبل به، ثم تشمله علامة السلطان أو نائبه بالكتابة، ويخلده كاتب الجيش بالباب عنده، ويكتب مثالا من جهته على ما تقدم، فإذا خرج المنشور الشريف ووصل إلى تلك المملكة شمل خط نائبها بالامتثال، وكتب عليه ناظر الجيش ورفقته بالثبوت تحت خط ناظر الجيش بالباب ورفاقه، ثم يثبت بالدواوين، ويفرج لرب الإقطاع على حكمه، ويثبت إفراجه، ويسلم إليه إقطاعه؛ فهذه شواهد المناشير والأمثلة.\rوأما غيرها من شواهد الكشوف فعلى حسب الوقائع؛ والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.\rويحتاج إلى ضبط أسماء من توجه بدستور إلى جهة من الجهات، ويراعى انقضاء مدة الدستور، ثم يكشف عنه، ويطالب مقدمه به، وكذلك من توجه إلى الحجاز وغيره، وكذلك من تخلف عن العود مع الجيش المجرد في المهمات، فيراعى ذلك حسب الطاقة والإمكان، وإن تعذرت عليه معرفة من تأخر بعينه يستعلم أخبارهم مجملة من مقدميهم ونقبائهم.\rويحتاج إلى أنه مهما انحل من الإقطاعات، أو تعين من تفاوت المدد عمن درج وفارق وانتقل، أو ما تعين في خلال المدد بين منفصل ومتصل يحرر ذلك، ويكتب به حوطةً جيشية يضمنها اسم رب الإقطاع المتصل ونواحي إقطاعه ونقده ومكيله إن كان، ويعين استقبال الحوطة، ويميز ما استحقه الديوان من المغل، وتصدر إلى ديوان التصرف بعد شمولها بالعلامة وثبوتها، ويطالب المستوفي بكتابة رجعة بوصول ذلك إليه ليتبرأ من عهدته، ويلزم المثبتون التعريف بذلك وإضافة ما يتحصل منه، فإن أخر كاتب الجيش إصدار الحوطات إلى ديوان التصرف حتى يفوت الزمن الذي مكن فيه تحصيل ما فيها، كان تحت دركه وتبعته؛ والله أعلم.","part":2,"page":430},{"id":931,"text":"ويحتاج مباشر الجيش إلى مراجعة جرائده: الجيشية والإقطاعية وأوراق العدة في كل وقت من غير احتياج إلى كشف، لتكون على خاطره أسماء الجند ونواحي إقطاعهم، فإنه بصدد أن يسأل عن شيء من ذلك بين يدي ملك أو نائب، فإن أخر الجواب بالجملة إلى أن يكشف عنه ربما ينسب إلى عجز فيتعين أن يكون على خاطره من جليات الأحوال ما يجيب به في المجلس على الفور، ولا يتأتى له ذلك إلا بمراجعة حسابه ومداومة النظر فيه، والناظر إلى ذلك أحوج من غيره من المباشرين، لأنه المسؤول والمخاطب في غالب الأوقات؛ والله أعلم بالصواب.\rويحتاج أيضا إلى معرفة الحلى واختلافها على ما نذكره في فصل الوراقة، ولا بد له من معرفة الأوضاع التي اصطلح عليها كتاب الجيوش في كتابة الحلى من الاختصار؛ فهذه أمورٌ كليةٌ لا بد لمباشر الجيش من معرفتها وإتقانها.\rويتجنب مباشر الجيش أن يرقم بقلمه عدة جيش تصريحا، لما يتعين من إخفاء عدته وذكر تكثيره، فإنه إن وضع ذلك بقلمه لا يأمن من الاطلاع عليه فيشيع ويذيع، وقد يتصل بالعدو والمعاند والمناوئ فيترتب عليه من الفساد ما يترتب وهذا بابٌ يجب على كاتب الجيش الاحتفال به، والاحتراز من الوقوع فيه، وكتمانه عن سائر الناس؛ وإن دعته الضرورة إلى تسطير ذلك خشية أن يسأله ولي الأمر عن شيء منه، فليكن وضعه لذلك رمزا خفيا يصطلح عليه مع نفسه لا يعرفه إلا هو، أو من له دربة بمباشرة الجيش.\rويتجنب أن يكشف عبرة إقطاع أو متحصله، أو يذكر ذلك لأحد إلا بمرسوم ولي الأمر، ثم يذكره باللفظ دون الخط، ووجوه الاحتراز كثيرة، وهي بحسب الوقائع، فيتعين على مباشر الجيش ملاحظة ذلك والاحتراز من الوقوع فيما ينتقد عليه، أو يصل سبب ضررٍ منه إليه؛ هذا ما أمكن إيراده مما يحتاج مباشر الجيش إلى اعتماده؛ والله أعلم.\rوأما مباشرة الخزانة - فالعمدة فيها على العدالة والأمانة، لأن خزائن الملوك في هذا العصر لسعتها، وكثرة حواصلها، وعظم ذخائرها لا تنضبط بسياقة، فإنه لو طولب كاتب الخزانة بعمل سياقة لحواصلها عن سنةٍ احتاج إلى أن ينتصب لكتابتها سنةً كاملةً لا يشتغل فيها بغيرها، فإذا تحررت سياقة السنة في آخر السنة الثانية وكشفها مباشر الأصل وحررها في مدة أخرى من السنة الثالثة فاتت المصلحة المستقبلة، وتعطل على المباشر ما بعد تلك السنة، لاشتغاله بنظر تلك السياقة، فإذا تقرر عجز الكاتب عن عمل السياقة بهذه المقدمة فقد تعين أن العمدة في مباشرتها على الأمانة والعدالة؛ ومع ذلك فيحتاج كاتبها إلى أمور: منها ضبط ما يصل إليه من حمول الأموال والأصناف، ويقابل ما يصل منها على رسائله، ويحرره بالوزن والذرع والعدد والأحمال على اختلاف أجناسه وأنواعه وأوصافه، ويميز ما يصل إليه من الأقاليم والثغور والأعمال والممالك، وما يصل من الهدايا والتقادم على اختلافها، فيضيف كل نوع إلى نوعه، وصنفٍ إلى صنفه؛ وكذلك يحرر ما يبتاعه من الأصناف التي تدعو الضرورة إليها وجرت العادة بابتياعها.\rومنها معرفة عوائد أرباب الصلات والإنعام، ومصاريف أرباب المناصب عند ولايتهم، وما جرت عليه عوائدهم من الإنعام في خلال مباشراتهم بالأسباب الموجبة لذلك وغير الأسباب، وعوائد أرباب التقادم والصناع وغيرهم.\rومنها ضبط ما يصل إلى الخزانة من تقادم الملوك والنواب، ويقابل ما يصل منها في الوقت الحاضر على ما تقدم، ويحرر زيادته من نقصه، ويكون ذلك على خاطره، فإن سأله ولي الأمر عنه أجابه، وإلا فلا يبدؤه؛ ويضبط عادات مهاداة الملوك وما جهز إلى كل؟ منهم في السنين الخالية، وما كان قد وصل من هداياهم، وما جرت عليه عادات رسلهم وقصادهم من التشاريف والإنعام.\rومنها ضبط ما جرت به العادة من كسا أرباب العوائد المقررة في كل سنة على اختلاف طبقاتهم من أرباب الرتب والمناصب والمماليك السلطانية وغيرهم، وتواريخ صرف الكسوة إليهم.","part":2,"page":431},{"id":932,"text":"ومنها تجهيز ما جرت العادة بأن يجهز في خزائن الصحبة عند استقلال ركاب السلطان من مقر ملكه، إما إلى الصيد والنزهة، وإما لكشف ممالكه عند انتقاله من مملكة إلى أخرى، أو في حروبه عند ملاقاة الأعداء، فيجهز ما جرت به العادة في ذلك، ولا يزيد عليه إلا بمرسوم ولي الأمر، ولا يستكثر من استصحاب صنف من الأصناف عند توجهه إلى معدن ذلك الصنف ومظنته، ولا إلى الخزانة منه بحمله، بل يستصحب منه ما يكون معه ذخيرة واحتياطا، إذ لو طلب الملك ذلك الصنف في مسيره قبل وصوله إلى معدن ذلك الصنف كان معه منه ما يسد به الضرورة، ولا يعتذر بأنه ما استصحبه معه بحكم توجهه إلى معدنه، وأنه فعل ذلك للمصلحة الظاهرة، فإن الملوك لا تحتمل مثل ذلك، ولا تصبر على أن يفقد من ذخائرها ما تطلبه؛ ويستكثر من استصحاب الصنف المعدوم في ذلك الوجه الذي يتوجه إليه، ويحمل أنه يكفيه في مسيره وعوده؛ والله أعلم.\rومنها ضبط ما يتسلمه الصناع من مزركش وخياط وفراء ونجاد وسراج وخردفوشي وغيرهم بالوزن والذرع والعدد، ويحرزه عند استعادته من صانعه.\rومنها تحرير ما يصل إليه من الأقمشة من دار الأعمال وما جرت به العادة أن يحمل منها في كل مدة ليطالب به إن تأخر عن وقته؛ وإن قل صنف من الأصناف عنده يبادر بمطالعة وزير المملكة أو مدبرها بذلك ليخلص من عهدته، وعلى وزير المملكة ومدبرها طلب ذلك الصنف من مظانه وحمله إلى الخزانة.\rوأما ملبوس الملك المختص بنفسه وعادته في التفصيل والحبس والطول والسعة فهو أمر متعلق برأس نوبة الجمدارية، وهو المقدم عليهم، فعليه أن يحضر إلى الخزانة ويختار من الأقمشة ما يعلم أنه ملائم لخاطر السلطان وموافقٌ لغرضه، فيفصل منه ما يراه على ما يراه من أنواع التفصيل، وعلى معلم الخياطين الدرك في طوله وسعته وهندامه، ولا يستغني المباشر عن معرفة ذلك، ولا يستغنى أيضا عن معرفة قيم الأشياء على اختلافها وعادة التفصيل والترفئة والجندرة والحشو ليشارك رب كل صنعة في صناعته بنظره ولسانه، ولا يكون في ذلك مقلدا جملة، بل يشاركهم فيما هم فيه، وعليهم الدرك دونه فيما لعله يعرض في ذلك من خللٍ إن وقع، لأن هذه الصناعات زائدةٌ على وظيفته ولازمةٌ لأولئك؛ فأيما رجل اجتمعت فيه هذه الأوصاف تعين على ولي الأمر ندبه لمباشرة الخزانة، وقرر له كفايته، وألزمه إن امتنع.\rوأما مباشر بيت المال - فعمدته على ضبط ما يدخل إليه وما يخرج منه، ويحتاج في ضبط ما يصل إليه من الأموال إلى أن يقيم لكل عمل من الأعمال وجهةٍ من الجهات أوراقا مترجمةً باسم العمل أو الجهة، ووجوه أموالها، فإذا وصل إليه المال وضع الرسالة الواصلة قريبةً من ذلك العمل، ثم شطبها بما يصح عنده من الواصل إليه، وذلك بعد وضعه في تعليق المياومة، فإن صح الواصل صحبة الرسالة كتب لمباشر ذلك العمل رجعةً بصحته، وإن نقص ضمن رجعته: من جملة كذا؛ واستثنى بالعجز والرد، وبرز بما صح، وأعاد الرد على مباشر ذلك العمل وأثبت في بيت المال ما صح فيه، فإن كان العجز عن اختلاف الصنج عينه في رجعته ولا شيء على مباشر العمل، وإن كان مع اتفاقها فلا يعتد لمباشر العمل أو الجهة إلا بما صح في بيت المال.\rويحتاج كاتب بيت المال إذا عمل جامعةً لسنةٍ إلى أن يضم كل مال وصل إليه إلى ما هو مثله، من الخراج والجوالي والأخماس وغير ذلك بحسب ما يصل إليه، ويفصل جملة كل مالٍ بنواحيه التي وصل منها، ويستشهد فيه برسائل الحمول، ويضيف إلى جملة ما انعقد عليه صدر الجامعة من الأموال ما انساق عنده من الحاصل إلى آخر السنة التي قبلها، ويفذلك بعد ذلك؛ ويعرف ما لعله صرفه من نقدٍ بنقدٍ في تواريخه، ويستقر بالجملة بعد ذلك؛ ثم يشرع في الخصم، فيبدأ منه بما حمله إلى المقام على يد من حمل على يده وتسلمه، من الخزندارية والجمدارية وغيرهم إن كان، ثم يذكر ما نقله إلى الخزانة ويستشهد فيه برجعاته، وما نقله إلى الحوائج خاناه والبيوت والعمائر وغيرها بمقتضى استدعاءات هذه الجهات ووصولات مباشريها، وفي أرباب الجامكيات والرواتب والصلات بمقتضى الاستئمارات والتواقيع السلطانية؛ فإذا تكامل الحمل والمصروف عقد عليهما جملةً وساق ما بقي إلى الحاصل؛ والله أعلم.","part":2,"page":432},{"id":933,"text":"وطريق مباشر بيت المال في ضبط المصروف أن يبسط جريدةً على ما يصل إليه من الاستدعاءات والوصولات من الجهات، وأسماء أرباب الاستقاقات والجامكيات والرواتب والصلات؛ وما هو مقرر لكل؟ منهم في كل شهر بمقتضى تواقيعهم أو ما شهدت به الاستئمارات القديمة المخلدة في بيت المال، ويشطب قبالة كل اسم ما صرفه له على مقتضى عادته إما نقدا من بيت المال، أو حوالة تفرع على جهة تكون مقررة له في توقيعه، ويوصل إلى تلك الجهة ما فرعه عليها، وكذلك إذا أحال رب استحقاق غير ثمن مبيع أو غيره على جهةٍ عادتها تحمل إلى بيت المال سوغ ذلك المال في بيت المال، وأوصله إلى تلك الجهة، والتسويغ في بيت المال هو نظير المجرى؛ وإذا وصل إليه استدعاءٌ من جهة من الجهات أو وصولٌ وضعه في جريدته، وخصمه بما يقبضه لربه، ويشهد عليه بما يقبضه، ويورد جميع ذلك في تعليق المياومة.\rوأما مباشر أهراء الغلال - فمبني؟ أمره أيضا على ضبط ما يصل إليه، وما يصرف من حاصله؛ ويحتاج في مبدإ مباشرته إلى تحرير ما انساق من حواصل الغلال بأصنافها، وإن أمكنه تمييز ذلك بينه، ويكون أتقن لعمله؛ ثم يبسط جريدة يرصع فيها أسماء نواحي الخاص السلطاني التي تصل الغلال منها إلى الأهراء فإذا جاءته رسالة من جهة من تلك الجهات وضعها تحت اسم الجهة وعبر ما وصل قرينها، فإن صح صحتها كتب لتلك الجهة رجعةً بالصحة، وإن نقص فلا يخلو: إما أن يكون المركب أو الظهر الذي حمل ذلك الصنف قد سفر من ديوان الأصل أو سفره مباشر العمل من جهته، فإذا كان قد سفر من ديوان التسفيرات طالب مباشر الأهراء مقدم رجال المركب والأمين المسفر عليه بالعجز، وألزمهما بحمله، فإن كان قد سفر من الأعمال كان درك ذلك على من سفره، ومباشر الأهراء بالخيار بين أن يطالب محضر الغلة بالعجز، أو يرجع على مباشر العمل به، ويكون مباشر العمل هو المطالب لمن سفره، والأولى طلب محضر الغلة، فإنه إذا أطلقه ورجع إلى المباشر الذي سفره فقد يعود إلى العمل وقد لا يعود، فإن لم يعد كان مباشر الأهراء قد أضر بمباشر العمل، لأنه ألزمه الغرم مع قدرته وتمكنه من استرجاعه ممن عدا عليه، ويكون هو أيضا ممن شارك في التفريط؛ وإن وصلت إليه الغلة متغيرةً تغيرا ظهر له منها أنها خلطت بغيرها، إما بوصول عين تلك الغلة إليه، أو بقرينة الحال التي يعلم منها أن تلك الغلة لا يوجد مثلها من فلاح، ولا يعتد بها من خراج السلطنة لظهور غلثها، أو وصلت إليه الغلة مبلولةً بللا ظاهرا لتزيد عند الكيل وتتميز نظير ما أخذ منها، فله أن يعمل لذلك معدلا، وهو أن يكيل منها جزءا معلوما ويغربله حتى يصير مثل العين التي عنده، أو بتجفيف ذلك حتى يعود إلى حالته الأولى، ويحرر العجز على هذا الحكم، ويطالب به محضر الغلة؛ وينبغي له أن يبدأ بصرف ما وصل إليه من الغلال المبلولة ولا يخلطها بغيرها، فإنها بعد بللها لا تحمل طول البقاء؛ هذا ما يعتمده في القبض.\rوأما في المصروف، فإن كان لصاحب جرايةٍ أو صلةٍ أو إنعامٍ أو تقاٍ لفلاح صرف ذلك من عرض حاصله، ويراعى في صرف التقاوي أن تكون من أطيب الغلال وأفضلها، لأنه يجنى ثمرة ذلك عند استيفاء الخراج؛ وإن كان ما يصرفه مما ينقله إلى الطواحين برسم المخابز، أو للإسطبلات والمناخات برسم العليق غربله، وحرر نقصه، وأورده في جامعته من الفذلكة واستقرار الجملة؛ ومباشرة الأهراء مناسبةٌ في أوضاعها لمباشرة بيت المال.\rالبيوت السلطانية وهي الحوائج خاناه، والشراب خاناه، والطشت خاناه، والفراش خاناه، والسلاح خاناه؛ وأمر البيوت معذوق بأستاذ الدار.\rفيحتاج مباشر الحوائج خاناه إلى أمور: منها ما يحتاج إليه من راتب السماط العام والطارئ - وهو الطعام الثاني الذي يمد بعد قيام السلطان من المجلس العام، ويأكله خواص الملك ومن يحضره بين يدي السلطان، وهو أخص من السماط الأول - وطارئ الطارئ وهو الطعام الثالث الذي يمد بعد رفع الطارئ، ومنه يأكل الملك وخواصه، وقد يأكل السلطان من الطارئ الذي قبله؛ فيحرر ما يحتاج إليه من لحوم وتوابل وخضراواتٍ وأبازير وتحالٍ وقلوبٍ وطيبٍ وبخور وأحطاب وغير ذلك؛ ولذلك عندهم معدلٌ قد عرفوه فلا يتجاوزه، فإنه إن صرف زيادةً عنه بغير سبب ظاهر خرج عنه وكان تحت دركه.","part":2,"page":433},{"id":934,"text":"ومنها معرفة مقادير الأسمطة في أوقات المهمات والأعياد ليجري الأمر فيها على العادة، ولا يتجاوزها إلا بمرسوم.\rومنها تعاهد أسماء الحوائج خاناه، فيستدعى ما يراه قد قل عنده منها قبل نفاده بوقت يمكن فيه تحصيله، فإن أخر طلب ذلك إلى أن ينفد، أو طلبه في وقت ولم يبق عنده منه ما يكفيه إلى أن يأتيه ذلك الصنف من بلد آخر كان المباشر تحت درك إهماله، ومتى طلب ذلك في وقته وطالع ولي الأمر به فقد خلص من عهدته.\rويحتاج إلى بسط أسماء من يعامل بالحوائج خاناه من قصاب وحيواني؟ وطيوري؟ وغيرهم، ويحصر لكل؟ منهم ما أحضره في كل يوم، فإذا اجتمع له من ذلك ما يقتضى محاسبته جرد له محاسبةً ضم فيها كل صنف إلى صنفه وثمنه، إما بتعريف الحسبة، أو بعادة استقرت له، وأحاله بمبلغ ما وجب له على بيت المال، أو استدعى من بيت المال ما ينفق منه وأشهد عليه بقبض ذلك.\rويحتاج أيضا إلى بسط أسماء أرباب الرواتب السلطانية وأرباب الصلات، وما لكل؟ منهم في كل يوم، وخصمه بقبوضهم مياومة أو مشاهرة، صنفا أو حوالة؛ ويراعى حال من مرض من المماليك السلطانية ونقل من اللحم إلى المزاوير أو المساليق فيقطع مرتبه من اللحم في مدة مرضه، ونظير ذلك من التوابل في مدة مرضه.\rويحتاج إلى معرفة عادات الرسل الواردين، والأضياف المترددين، ومرتب الصدقة في شهر رمضان، وعادات الأضاحي والصلات في عيد النحر، فيجري الأمر على حكم العادة؛ وبضبط جميع ما يصل إليه من ديوان المتجر ومطابخ السكر وغيرها، ويكتب لهم بما يحملونه إليه من الأصناف؛ ويضبط أيضا ما استقر في كل ليلة من الوقود من شمع وزيت، ويصرف على ما استقر عنده، وإذا سلم شمع الوقود إلى الطشتدارية وزنه عليهم، وعبره عند إعادته في بكرة النهار ليتميز له النقص؛ ويضبط غير ذلك مما يصل إليه وينزل عنده من عادات من قنع وتبتل، وغير ذلك من جميع ما يرد وما يرتب ويزاد ويقطع.\rوأما الشراب خاناه - وهي بيت يشتمل على أنواع المشروب من المياه على اختلافها، والسكر والأشربة والدرياقات والسفوفات والمعاجين والأقراص والأقسما والفقاع والبلح والأبقال والحلويات والجوارشات والفواكه، وما يجري هذا المجرى؛ وأمر هذا البيت الخاص معذوق بأمير مجلس، والعام بأستاذ الدار؛ فيحتاج مباشر هذه الوظيفة إلى ضبط ما يصل إليه من جميع هذه الأصناف، وما يستعمله من ذلك في عقد الأشربة والحلويات، وما يعقد للمشروب وما يصرفه من ذلك، ومعرفة عادات الأسمطة والطوارئ والرواتب المقررة في كل يوم، فيجري الأمر فيها على العادة المستقرة، وما يستدعيه السلطان على حسب الاتفاق، وما يصرف للمرضى من المماليك السلطانية من أنواع الأشربة والمعاجين وغيرها بمقتضى أوراق الأطباء؛ هذا ما يعتمده عليه مباشرها والله أعلم.\rوأما الطشت خاناه - فهي بيت تكون فيه آلة الغسل والوضوء، وقماش السلطان البياض الذي لا بد له من الغسل، وآلة الحمام، وآلات الوقود؛ فيكون في هذا البيت من الآلات: الطشوت والأباريق والسخانات والطاسات والكراسي والستائر واللبابيد المختصة بالحمامات والسجادات والنمرقات والمناشف وفوط الخدمة ومقاعد الجلوس من الجوخ والبسط، وغير ذلك، والمباخر وأنواع البخورات والطيب والغوالي وماء الورد والممسك، وغير ذلك من الأصناف التي تلائم هذا البيت؛ ويستدعى ما يحتاج إليه برسم هذا البيت من الحوائج خاناه والخزانة؛ والله أعلم.","part":2,"page":434},{"id":935,"text":"وأما الفراش خاناه - فيكون فيها أنواع الفرش والخيام والخركاهات والتخوت وقصور الخشب التي تنصب في الدهاليز، وحمامات الخشب التي تنقل على الظهر في الأسفار، وما يتعلق بذلك من اللبابيد وشلائت النوم وغير ذلك؛ وهو بيتٌ متسعٌ فيه حواصل كثيرةٌ لها قيمٌ جليلةٌ تحتاج إلى استصحابه في أسفار السلطان لخاصته ولمماليكه على اختلاف طبقاتهم ووظائفهم، وما ينصب برسم آدر السلطان ومن يتبعها من الخدام وما ينصب برسم البيوت السلطانية الخزائن فما دونها، وما ينصب لأرباب الوظائف من المباشرين الذين يكونون في صحبة الركاب السلطاني، ومن غير المباشرين حتى الكلاب السلطانية والكلابزية والجواري؛ ويميز بين خيام الصيد والنزه والأسفار والحروب، وغير ذلك من الحركات التي تحتاج فيها إلى استصحاب الخيام ولكل حركة منها ما جرت به العادة من خيام المقام والسفر؛ ويعرض ما يسلمه للفراشين عليهم، ويضبط صفاته عند السفر، ويستعيده منهم عند العود بعرضٍ ثانٍ، وكذلك ما يسلمه لأرباب الوظائف؛ ويضبط أيضا ما يتسلمه الصناع الذين يفصلون الخام الجديد وغيره من آلات الفراش خاناه: من قماشٍ بياضٍ ومصبوغٍ وغزلٍ وجلودٍ ومشمعاتٍ وشعرٍ وأخشاب، وغير ذلك، ويعرف عوائدهم في الأجر، ويحاسبهم على ما يستحقونه من الأجر بحسب أعمالهم فيحيلهم بمبلغه.\rوأما السلاح خاناه - فهي من أعظم البيوت وأهمها، وأمرها راجعٌ إلى أمير سلاح؛ وعلى المباشر فيها حفظ ما يدخل إليها، وضبط ما يخرج منها مما يتسلمه السلاح دراية والزردكشية والحرب دارية والرمح دارية من أنواع السلاح وأصنافه إذا ركب السلطان أو جلس في المجلس العام، واستعادته منهم، وإعادته لهم، والاعتداد لهم بما أنعم به السلطان وذهبه مما كان بأيديهم؛ ويوصل ما يصل إلى السلاح خاناه من خزائن السلاح وغيرها، وما يصل إليه من سيوف الأمراء الذين يرسم باعتقالهم، وما يحمل إليه من سلاح من توفي من الأمراء على جاري العادة. ويميز ذلك من غيره وعليه أن ينبه أمير سلاح على ما عنده من العدد التي يخشى عليها التلف بتطاول المدة ليأمر بكشفها وإصلاحها: من مسحٍ وصقلٍ وجلاءٍ وشحذٍ وتثقيفٍ وخرزٍ، وغير ذلك.\rوجميع ما قدمنا ذكره من البيوت ليس بشيء من صناعة الكتابة العلمية، بل العملية خاصة، فإن علوم الكتابة إنما تظهر في نظم الحسبانات، ولا نظم فيما قدمناه؛ والعمدة في صناعة الكتابة على مباشرة الهلالى والخراجي على ما يأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.\rجهات أموال الهلالى\rووجوهها وما يحتاج إليه مباشرها","part":2,"page":435},{"id":936,"text":"والهلالي عبارةٌ عما تستأدى أجوره مشاهرةً، كأجر الأملاك المسقفة من الآدر والحوانيت والحمامات والأفران وأرحية الطواحين الدائرة بالعوامل، والراكبة على المياه المستمرة الجريان، لا الطواحين التي تدور بالمياه الشتوية في بعض نواحي الشام، فإنها تجري مجرى الخراجي، وسنذكر ذلك إن شاء الله في موضعه؛ ومما نورد في أبواب الهلالي عداد الأغنام والمواشي، ومن الهوائي الجهات الهلالية المضمونة والمحلولة؛ والذي يعتمد عليه مباشره أن يتخير لكل جهةٍ من يستأجرها بقيمتها، وما لعله يتعين من الحيطة، ويلزم المستأجر بكتابة إجارةٍ شرعيةٍ لمدةٍ معلومةٍ بأجرة معينة؛ ويخلدها في ديوانه؛ وغن كانت الجهة هوائيةً ألزم ضامنها بكتابة حجة بمبلغ الضمان، وطالبه بمن يكفله من الضمان الأملئاء القادرين بالمال في الذمة، فإن تعذر فبالوجه؛ فإذا خلدت الحجة عنده كتب له من ديوانه تقريرا عين له فيه استقبال مدة ضمانه، ومبلغ الضمان وأقساطه مبسوطةً أو منجمة، ويذكر فيه ما يستأديه من رسوم تلك الجهة علة ما تشهد به الضرائب المخلدة في الديوان، وسلم إليه؛ فإذا تكاملت عنده إجارات الأملاك وحجج الضمان بسط على ذلك جريدةً يشرح فيها الجهة، واسم مستأجرها أو ضامنها، واستقبال مدة إيجاره أو ضمانه، ومبلغ الأجرة أو الضمان في السنة والشهر واليوم؛ وإنما ذكرنا اليوم لما يتحصل من أقساط أيام سلوخ الشهور الناقصة، ولما كانت العادة جاريةً به من استخراج قسط يوم التعديل من سائر ضمان الجهات الهوائية، وهو قسط يومٍ واحدٍ في سلخ ثلاث سنين يؤخذ من الضمان خالصا للديوان زيادةً على الأقساط، وهذا يستأدى في بعض أقاليم الشأم؛ وإنما أوردناه خشية الإخلال به؛ ويكون بسطه لذلك في يمنة القائمة إلى الشطر المكسور المعتاد الذي يتخلله خيط الجريدة؛ فإن اتفق في جهةٍ زيادةٌ في أثناء السنة قررها في تعليق المياومة، ووضعها في الجريدة بما صورته: ثم استقرت باسم فلانٍ لاستقبال التاريخ الفلاني بكذا وكذا، العبرة كذا، والزيادة كذا؛ ويحاسب المستأجر أو الضامن المنفصل عما استحق عليه إلى حين انفصاله، ويلزمه بالقيام به، وذلك بعد أن يعرض على الضامن المستقر ما زاد عليه، فإن اختار قبول الزيادة على نفسه قبل ذلك منه، وكان ذلك له، فإن زيدت عليه في الوقت زيادةٌ ثانيةٌ لم يكن له الاستمرار في الجهة إلا بزيادة على تلك الزيادة الثانية؛ وإذا انقضت مدة مستأجرٍ أو ضامنٍ وأراد الخروج من تلك الجهة، فإن كان قد غلق ما عليه من الأجرة أو الضمان لم يكن للمباشر إلزامه بالاستمرار بها، وإن انطرد عليه باقٍ كثيرا كان أو قليلا لزمه استئناف عقدٍ جديدٍ نظير العقد الأول؛ هذا اصطلاحهم في الديوان، ولهم اصطلاحات أيضا نحن نذكر ما تيسر منها، إذ لا تمكن الإحاطة بجميعها لاختلاف أحوال المباشرات، ول استقصينا ذلك لطال؛ فمن اصطلاحاتهم أن المباشر يسلم للمستأجر الطاحون عند أذان المغرب من اليوم الذي حصل فيه الإيجاز أو الزيادة لاستقبال اليوم الثاني، ويسلم الحمام من وقت التسبيح، ويسلم بقية الجهات لاستقبال غرة النهار؛ وإذا دخل ضامن نيلةٍ قوم للمنفصل ماله بالخوابي من مياه الأصباغ المختلفة بالقيمة العادلة، ولا يمكن من أخذ ذلك من المصبغة لما فيه من الإضرار بهما، أما ضرر المنفصل فلفساد المياه، وأما ضرر المتصل فلأنه يتعطل مدةً إلى أن تختمر له مياهٌ غيرها، ولا يمكن ضامن المصبغة المنفصل من أخذ خابية وإن كانت ملكه، بل القيمة عنها؛ هذا اصطلاحهم؛ وليحترز مباشر الجهات الهلالية من قبول زيادةٍ بسطا في جهة منجمةٍ قد مضت أقساطها الخفيفة وبقيت الأقساط الكبار، لما يحصل في ذلك من التفاوت والنقص على الديوان مع وجود الزيادة الظاهرة، مثال ذلك أن تكون جهةٌ مضمونةً في كل سنة بأربعة آلاف درهم منجمة، قسط ستة شهور ألف درهم، وقسط الستة شهور الثانية ثلاثة آلاف، فانقضت الستة الأول، وحصلت زيادةٌ في الجهة في أول الستة الثانية مبلغ خمسمائة درهم في السنة على أن تكون قسطين، فيصير بمقتضى البسط قسط الستة شهور الثانية ألفين ومائتين وخمسين درهما، وهي على الضامن المنفصل بثلاثة آلاف، فتكون هذه الزيادة على هذا الحكم نقصا؛ فيراعى المباشر ذلك، فإنه متى وقع فيه خرج عليه وكان مخرجا لازما؛ ومهما استخرجه المباشر من مستأجرٍ أو ضامنٍ أو أجراه","part":2,"page":436},{"id":937,"text":"بوصولٍ لرب استحقاقٍ أو ثمن صنف، أو غير ذلك من وجوه المصارف أورده في تعليق المياومة، وصورة وضعه لذلك أن يرصع المحضر أو المجرى عن يمنة القائمة، ويخصم عن يسرتها قبالة المجرى، فيقول في يمنتها: من جهة فلان كذا، وفي مقابلته: ينصرف في كذا؛ ثم يشطب المحضر والمجرى من تلك الجهة في يسرة قائمة الجريدة التي بسطها قبالة كل اسم استخرج منه أو أجرى عليه، يفعل ذلك في مدة السنة، ويرمز على تعليقه إشارة الخدمة على الجريدة، وصورته له؛ وكذلك إذا كتب وصولا رمز عليه إشارة الكتابة، وصورته له؛ فإذا انقضت السنة عمل محاسبة كل جهةٍ بما استخرجه من مستأجرها أو ضامنها وأجراه عليه، وعقد على ذلك جملةً، فإن كان المستخرج والمجري نظير الأجرة أو الضمان فقد تغلقت تلك الجهة عن تلك السنة، وإن زاد المستخرج على الأجرة أورده في حسابه مضافا، ويسميه: زائد مستخرجٍ، على ما يأتي بيانه في كيفية الأوضاع الحسابية، واعتد له بذلك في السنة المستقبلية؛ وإن تعين للضامن أو المستأجر اعتدادٌ بما يجب الاعتداد به كبطالة الحمامات من انقطاع المياه وانكسار الأحجار أو السهام أو العدد، أو حصول جائحةٍ أرضيةٍ أو سمائية كانقطاع الأجلاب عن الجهات الهوائية بسبب مداومة الأمطار، أو سقوط الثلوج، أو طروق عدو؟ للبلاد، أو حادثةٍ عطلت تلك الجهة بسببها اعتد له بقسط تلك المدة محسوبا هذا إذا شرط ذلك في تقريره على ما يأتي شرح ذلك؛ هذا ما يعتمد عليه المباشر للجهات الهلالية في أصولها. لرب استحقاقٍ أو ثمن صنف، أو غير ذلك من وجوه المصارف أورده في تعليق المياومة، وصورة وضعه لذلك أن يرصع المحضر أو المجرى عن يمنة القائمة، ويخصم عن يسرتها قبالة المجرى، فيقول في يمنتها: من جهة فلان كذا، وفي مقابلته: ينصرف في كذا؛ ثم يشطب المحضر والمجرى من تلك الجهة في يسرة قائمة الجريدة التي بسطها قبالة كل اسم استخرج منه أو أجرى عليه، يفعل ذلك في مدة السنة، ويرمز على تعليقه إشارة الخدمة على الجريدة، وصورته له؛ وكذلك إذا كتب وصولا رمز عليه إشارة الكتابة، وصورته له؛ فإذا انقضت السنة عمل محاسبة كل جهةٍ بما استخرجه من مستأجرها أو ضامنها وأجراه عليه، وعقد على ذلك جملةً، فإن كان المستخرج والمجري نظير الأجرة أو الضمان فقد تغلقت تلك الجهة عن تلك السنة، وإن زاد المستخرج على الأجرة أورده في حسابه مضافا، ويسميه: زائد مستخرجٍ، على ما يأتي بيانه في كيفية الأوضاع الحسابية، واعتد له بذلك في السنة المستقبلية؛ وإن تعين للضامن أو المستأجر اعتدادٌ بما يجب الاعتداد به كبطالة الحمامات من انقطاع المياه وانكسار الأحجار أو السهام أو العدد، أو حصول جائحةٍ أرضيةٍ أو سمائية كانقطاع الأجلاب عن الجهات الهوائية بسبب مداومة الأمطار، أو سقوط الثلوج، أو طروق عدو؟ للبلاد، أو حادثةٍ عطلت تلك الجهة بسببها اعتد له بقسط تلك المدة محسوبا هذا إذا شرط ذلك في تقريره على ما يأتي شرح ذلك؛ هذا ما يعتمد عليه المباشر للجهات الهلالية في أصولها.\rوأما مضافاتها فلا فرق بينها وبين سائر الأموال، وسيرد الكلام إن شاء الله على ذلك مفصلا؛ وقد اصطلح بعض مباشري الجهات على إيراد أحكار البيوت والحوانيت، وريع البساتين التي تستخرج أجورها مشاهرةً، ومصايد السمك، ومعاصر الشيرج والزيت في مال الهلالي؛ ومنهم من يوردها في أبواب الخراجي، وهو الأليق، وإنما نبهنا عليه لبيان الاختلاف فيه، ولا أرى في إيراد ريع البساتين في مال الهلالي وجها، بل يتعين ألا يرد إلا في أبواب الخراجي؛ وإن قال قائل منهم: قد يكون في ارض البستان مسكنٌ يستحق أجرة، قلنا: إن أمكن إفراد ذلك المسكن بأجرةٍ معينةٍ تقيد أمواله في أموال الهلالي دون البستان، وإن تعذر إفراده وأوجر بعقدٍ واحد فالمسكن هنا فرع البستان، والفرع يتبع الأصل ولا ينعكس، هذا ما لخصناه من حال مال الهلالي، فلنذكر الجوالي.\rالجزية الواجبة على أهل الذمة وما ورد فيها من الأحكام الشرعية وأول من ضربها وقررها على الرؤوس وما اصطلح عليه كتاب التصرف في زماننا من استخراجها وموضع إيرادها في الحساب ونسبتها في الإقطاعات الجيشية وما يلزم مباشرها من الأعمال وما يحتاج إليه والله أعلم","part":2,"page":437},{"id":938,"text":"أما الأحكام الشرعية فالأصل في وجوبها قوله تعالى: \" قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون \" وقد ورد في هذه الآية تأويلاتٌ ذكرها أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي - رحمه الله - في الأحكام السلطانية، نحن نذكرها على ما أورده، قال: أما قوله: \" الذين لا يؤمنون بالله \" فأهل الكتاب وإن كانوا معترفين بأن الله سبحانه واحد، فيحتمل نفى هذا الإيمان بالله تأويلين، أحدهما: لا يؤمنون بكتاب الله سبحانه وتعالى وه القرآن، والثاني: لا يؤمنون برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، لأن تصديق الرسل إيمانٌ بالمرسل؛ وقوله: \" ولا باليوم الآخر \" يحتمل تأويلين، أحدهما: لا يخافون وعيد اليوم الآخر وإن كانوا معترفين بالثواب والعقاب، والثاني: لا يصدقون بما وصفه الله تعالى من أنواع العذاب؛ وقوله تعالى: \" ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله \" يحتمل تأويلين، أحدهما: ما أمر الله سبحانه بنسخه من شرائعهم، والثاني: ما أحله لهم وحرمه عليهم؛ \" ولا يدينون دين الحق \" فيه تأويلان، أحدهما: ما في التوراة والإنجيل من اتباع الرسول - وهو قول الكلبي - ، والثاني: الدخول في دين الإسلام - وهو قول الجمهور - ، وقوله: \" من الذين أوتوا الكتاب \" فيه تأويلان، أحدهما: من أتباع الذين أوتوا الكتاب، والثاني: من الذين ملتهم الكتاب، لأنهم في اتباعه كإيتائه؛ وقوله: \" حتى يعطوا الجزية فيه تأويلان، أحدهما: حتى يدفعوا الجزية، والثاني حتى يضمنوها، لأنه بضمانها يجب الكف عنهم؛ وفي الجزية تأويلان، أحدهما: أنها من الأسماء المجملة التي لا يعرف منها ما أريد بها إلا ما خصصه دليل؛ واسمها مشتق؟ من الجزاء، وهو إما جزاءٌ على كفرهم، أو جزاءٌ على أماننا لهم؛ وفي قوله: \" عن يدٍ \" تأويلان، أحدهما: عن غنىً وقدرة، والثاني: أن يعتقدوا أن لنا في أخذنا منهم يداً وقدرةً عليهم؛ وفي قوله: \" وهم صاغرون تأويلان، أحدهما: أذلاء مساكين، والثاني: أن تجرى عليهم أحكام الإسلام. وقال غيره: الصغار أن يضرب على فك الذمى برؤوس الأنامل عند قيامه بالجزية ضربا لطيفا غير مؤلم. وقال الماوردي: فيجب على ولي الأمر أن يضرب الجزية على رقاب من دخل في الذمة من أهل الكتاب ليقروا بها في دار الإسلام؛ ويلتزم لهم ببذلها حقين: أحدهما الكف عنهم، والثاني الحماية لهم، ليكونوا بالكف آمنين، وبالحماية محروسين؛ روى نافعٌ عن ابن عمر رضي الله عنهم قال: آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم: \" احفظوني في ذمتي \" قال الماوردي: ولا تؤخذ من مرتد ولا دهري؟ ولا عابد وثن، وأخذها أبو حنيفة من عبدة الأوثان من العجم، ولم يأخذها منهم إذا كانوا عربا؛ وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وكتابهم التوراة والإنجيل، وتجرى المجوس مجراهم في أخذ الجزية منهم؛ وتؤخذ من الصابئين والسامرة إذا وافقوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم وإن خالفوهم في فروعه، ولا تؤخذ منهم إن خالفوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم؛ ومن جهلت حاله أخذت جزيته، ولا تؤكل ذبيحته؛ والجزية تجب على الرجال الأحرار العقلاء، ولا تجب على صبي؟ ولا امرأةٍ ولا مجنونٍ ولا عبدٍ، لأنهم أتباعٌ وذراري؛ ولو تفردت امرأةٌ منهم عن أن تكون تبعا لزوجٍ أو نسيبٍ لم تؤخذ منها الجزية، لأنها تبعٌ لرجال قومها وإن كانوا أجانب منها؛ ولو تفردت امرأةٌ في دار الحرب فبذلت الجزية للمقام في دار الإسلام لم يلزمها ما بذلته، وكان ذلك منها كالهبة لا يؤخذ منها إن امتنعت؛ ولا تؤخذ الجزية من خنثى مشكل، فإن زال إشكاله وبان رجلا أخذت منه في مستقبل أمره وماضيه؛ واختلف الفقهاء في قدر الجزية، فذهب أبو حنيفة إلى تصنيفهم ثلاثة أصناف: أغنياء يؤخذ منهم ثمانية وأربعون درهما، وأوساطٌ يؤخذ منهم أربعة وعشرون درهما وضربٌ يؤخذ منه اثنا عشر درهما، فجعلها مقدرة الأقل والأكثر ومنع من اجتهاد الولاة فيها.\rوقال مالك: لا يقدر أقلها ولا أكثرها، وهي موكولةٌ إلى اجتهاد الإمام في الطرفين.","part":2,"page":438},{"id":939,"text":"وذهب الشافعي إلى أنها مقدرة الأقل بدينارٍ لا يجوز الاقتصار على أقل منه، وعنده أنها غير مقدرة الأكثر، يرجع فيه إلى اجتهاد الولاة، ويجتهد رأيه في التسوية بين جميعهم، أو التفضيل بحسب أحوالهم، فإذا اجتهد رأيه في عقد الجزية معهم على مرضاة أولي الأمر منهم صارت لازمة لجميعهم ولأعقابهم قرنا بعد قرن، ولا يجوز لوالٍ بعده أن يغيره إلى زيادة عليه أو نقصانٍ منه.\rويشترط عليهم في عقد الجزية شرطان: مستحق؟ ومستحب، أما المستحق فستة أشياء: أحدها ألا يذكروا كتاب الله تعالى بطعنٍ فيه لا تحريفٍ له، والثاني ألا يذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكذيبٍ له ولا ازدراءٍ به، والثالث ألا يذكروا دين الإسلام بذم؟ له ولا قدحٍ فيه، والرابع ألا يصيبوا مسلمةً بزنىً ولا باسم نكاح، والخامس ألا يفتنوا مسلما عن دينه ولا يتعرضوا لماله ولا دمه، والسادس ألا يعينوا أهل الحرب ولا يؤووا أغنياءهم؛ فهذه الستة حقوقٌ ملتزمةٌ بغير شرط، وإنما تشترط إشعارا لهم، وتأكيدا لتغليظ العهد عليهم، فيكون انتهاكها بعد الشرط نقضا لعهدهم.\rوأما المستحب فستة أشياء: أحدها تغيير هيآتهم بلبس الغيار وشد الزنار، والثاني ألا يعلوا على المسلمين في الأبنية، ويكونوا إن لم ينقصوا مساوين لهم، والثالث ألا يسمعوهم أصوات نواقيسهم، ولا تلاوة كتبهم، ولا قولهم في عزير والمسيح، والرابع ألا يجاهروهم بشرب خمورهم، ولا بإظهار صلبانهم وخنازيرهم، والخامس أن يخفوا دفن موتاهم ولا يجهروا بندبٍ عليهم ولا نياحة، والسادس أن يمنعوا من ركوب الخيل عتاقا وهجنا، ولا يمنعوا من ركوب البغال والحمير؛ قال: فهذه الستة المستحبة لا تلزم بعقد الذمة حتى تشترط فتصير بالشرط ملتزمة، ولا يكون ارتكابها بعد الشرط نقضا للعهد، لكن يؤخذون بها إجبارا، ويؤدبون إن لم يشترط ذلك عليهم، ويحتاط به.\rوتجب الجزية عليهم في كل سنة مرةً واحدةً بعد انقضائها بالشهور الهلالية، ومن مات منهم في أثناء السنة أخذ من تركته بقدر ما مضى منها، ومن أسلم كان ما لزم من جزيته دينا في ذمته يؤخذ منه؛ وأسقطها أبو حنيفة بإسلامه وموته؛ ومن بلغ من صغارهم، أو أفاق من مجانينهم استقبل به حولٌ ثم أخذ بالجزية ويؤخذ الفقير بها إذا أيسر، وينتظر بها إذا لأعسر؛ ولا تسقط عن شيخٍ ولا زمن، وقيل: تسقط عنهما وعن الفقير؛ ولأهل العهد إذا دخلوا دار الإسلام الأمان على نفوسهم وأموالهم، ولهم أن يقيموا فيها أربعة أشهر بغير جزية، ولا يقيموا سنةً إلا بجزية، وفيما بين الزمانين خلاف؛ ويلزم الكف عنهم كأهل الذمة، ولا يلزم الدفع عنهم؛ وإذا أمن بالغٌ عاقلٌ من المسلمين حربيا لزم أمانه كافة المسلمين، والمرأة في بذل الأمان كالرجل، والعبد فيه كالحر؛ وقال أبو حنيفة: لا يصح أمان العبد إلا أن يكون مأذونا له في القتال؛ وإذا تظاهر أهل الذمة والعهد بقتال المسلمين كانوا حربا لوقتهم، يقتل مقاتلهم، ويعتبر حال من عدا المقاتلة منهم بالرضا بفعلهم والإنكار له؛ وإذا امتنع أهل الذمة عهدهم لم يستبح بذلك قتلهم، ولا غنم أموالهم، ولا سبى ذراريهم ما لم يقاتلوا، ووجب إخراجهم من بلاد المسلمين آمنين حتى يلحقوا مأمنهم من أدنى بلاد الشرك، فإن لم يخرجوا طوعا أخرجوا كرها؛ فهذه هي الأحكام الشرعية في أمر الجزية.\rوأول ما ضربت الجزية وجعلت على الرؤوس في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكانت قبل ذلك تحمل قطائع؛ واختلف: هل استأداها سلفا أو عند انقضاء الحول.\rوأما ما اصطلح عليه كتاب التصرف في زماننا هذا من استخرجها وموضع إيرادها في حسباناتهم، فهم يستخرجونها سلفا وتعجيلا في غرة السنة، وفي بعض الأقاليم تستخرج قبل دخول السنة بشهر أو شهرين؛ وتورد في الحسبانات قلما مستقلا بذاته، بعد الهلالي وقبل الخراجي، وسبب تأخيرها عن الهلالي أنها تستأدى مسانهةً، وسبب تقدمها على الخراجي ما ورد من وجوبها مشاهرةً على الأشهر من أقوال الفقهاء؛ وقد تقدم ذكر الحكم فيمن أسلم أو مات في أثناء الحول، وأنه لا يلزمه منها إلا بقدر ما مضى من السنة قبل إسلامه أو وفاته، فلذلك وردت بين الهلالي والخراجي.","part":2,"page":439},{"id":940,"text":"وأما نسبتها في الإقطاعات الجيشية عند خروج إقطاعٍ ودخول آخر فإنها تجري مجرى المال الهلالي، لأنها تستخرج على حكم شهور السنة الهلالية دون الشمسية؛ فإن تعجلها مقطعٌ في غرة السنة على العادة وخرج الإقطاع عنه في أثنائها بوفاةٍ أو نقلة إلى غيره استحق منها نظير ما مضى من شهور السنة إلى حين انتقاله، لا على حكم ما استحق من المغل؛ ويستحق المتصل من استقبال تاريخ منشوره كعادة النقود؛ وإن تخلل بين المنفصل والمتصل مدةٌ كان قسطها للديوان، يرد في جملة المحلولات من الإقطاعات.\rوأما ما يلزم مباشر الجوالي وما يحتاج إلى عمله، فالذي يلزمه أن يبسط جريدةً على أسماء الذمة بمقتضى الضريبة المرفوعة إليه، أو الكشف الذي كشفه إن كان العمل مفتوحا أو مستجدا، يبدأ فيها بذكر أسماء اليهود، ويثنى بالسامرة لأنهم شعبٌ منهم، ويثلث بالنصارى، وإن كان في عمله طائفةٌ من الصابئة والمجوس ذكرهم بعد النصارى؛ وفي بعض بلاد الشأم تؤخذ الجزية من طائفة تعرف بالشمسية، يوحدون الله تعالى وينكرون نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يقول بنبوة عيسى عليه السلام وأن لا نبي بعده؛ ويكون بسط الكاتب لهذه الجريدة على التقفية إذا كانت الأسماء كثيرة، ليسهل عليه بذلك الكشف والشطب، وإذا استخرج جاليةً أوردها في تعليق المياومة؛ وكتب له بها وصولا، وشطبها عن اسم من استخرجت منه في جريدته، ويرمز في تعليقه إشارة الكتابة والخدمة على ما تقدم بيانه في الهلالي.\rويحتاج مباشر الجوالي في كل سنة إلى إلزام رئيس اليهود ورئيس السامرة وقسيس النصارى أو أسقفهم بكتابة أوراق يسمونها: الرقاع بمن عند كل منهم من الرواتب، وما لعله استجد من الطوارئ والنوابت، ويعين في آخر الرقاع من اهتدى بالإسلام، ومن هلك بالموت، ومن تسحب من العمل، وإلى أي جهة توجه، ويجعل تلك الرقاع شاهدا عنده بعد الإشهاد فيها على الصادرة عنه بأنه لم يخل بشيء من الأسماء، ويلزمه بكتب مشاريح بمن ضمن رقاعه أنه اهتدى أو هلك أو تسحب كل اسمٍ بمشروح، ويخلد المشاريح عنده ويشطبها على جريدته؛ والكتاب في إيراد من اهتدى ونزح وهلك مختلفون: فمنهم من يوصل العدة المستقرة عنده عن يمنة العمل، ويستثنى بالتعدية عمن اهتدى وهلك وتسحب، كل اسم بمقتضى مشروحه المشهود فيه، ويبرز بما تحرر بعد ذلك؛ ومنهم من يوصل الجميع على ما استقرت عليه الحال إلى آخر السنة الماضية، ويستخرج ممن استخرج منه، ويعتد بما يجب على المهتدى والهالك والمتسحب محسوبا في باب المحسوب قبل فذلكة الواصل في الرقاع - على ما نبينه إن شاء الله في الأوضاع الحسابية - ويكون ما على النازحين موقوفا إلى أن يتحرى أمرهم؛ فإن عاد أحدٌ منهم إلى ذلك الإقليم ولم يكن قد قام بالجزية في بلد آخر استخرجت منه، ووردت في باب المضاف في حساب السنة، وإن كان قد قام بالجزية في بلد آخر وأحضر وصول مباشر تلك الجهة بما اعتد له به عن تلك السنة، نقل مبلغ الوصول على تلك الجهة التي حضر وصولها قربت أو بعدت، واستشهد في حسابه بمقتضى الوصول؛ وكلتا الطريقتين سائغةٌ عند الكتاب؛","part":2,"page":440},{"id":941,"text":"وأما النوابت والطوارئ فإنها ترد في باب المضاف باتفاق الكتاب في أول سنة، وتستقر أصلا في السنة التي تليها وما بعدها؛ ويحتاج المباشر إلى تفقد أحوال النوابت في كل مدة لاحتمال بلوغ صبي؟ في أثناء الحول، واختبار ذلك بأمور شرعية واصطلاحية: أما الشرعية فبإنبات الشعر الخشن، أو بكمال خمس عشرة سنة؛ وأما الاصطلاحية فبانفراق راس الأنف، وغلظ الصوت، وبظهور شيء على حلمة الثدي من باطنة كالترمسة، وبأن يدار خيطٌ على عنق الصبي مرتين تحريرا، ثم يوضع طرف الخيط بين أسنانه وتدخل أنشوطةٌ في رأسه، فإن دخلت دل ذلك على بلوغه، وإلا فلا؛ واصطلح بعض مباشري الجوالي في بعض الأقاليم على إلزام عرفاء الذمة بالمطالعة بكل صبي؟ يولد لوقته، وبمن هلك منهم، ويرصع أسماءهم في جريدة مفردةٍ بهم، فمن بلغ عمره ثلاث عشرة سنةً استخرج منه الجزية سواء ظهرت أمارات بلوغه أم لا، ويلازم المباشر الكشف والتنقيب عمن لعله أخفي من الرواتب، أو استجد من الطوارئ والنوابت ولم يرد الدفع، فمن ظهر له أمره استخرج الجالية منه لاستقبال وجوبها عليه، ويقابل من أخفاه بالإهانة والنكال؛ والمباشرة تظهر ما لا تحيط به الكتب؛ هذا ما يتعلق بالجوالي، فلنذكر الخراجي - إن شاء الله تعالى - .\rجهات الخراجي وأنواعه وما يحتاج إليه مباشره والخراجي عبارةٌ عما يستأدى مسانهةً مما هو مقررٌ على الأراضي المرصدة للزراعة والنخل والبساتين والكروم والطواحين السنوية التي تدور أحجارها بمياه السيول في الجهات الشامية، وما يستأدى من خدم الفلاحين، ويسمى ذلك بمصر: الضيافة، وبالشأم: رسم الأعياد والخميس، وهو أغنامٌ ودجاجٌ وكشكٌ وبيض - على ما استقر على كل جهة - وهو إنما يكون على النواحي الإقطاعية غالبا، وأما في نواحي الخاص فلا يستأدى، لما هو مقرر على الأراضي بمصر من الحقوق التي تستخرج دراهم، وبالشأم من التضييف المقرر عليهم في أيام الفتح عن مدة ثلاثة أيام؛ ومن أبواب الخراجي ما يستأدى بالشأم في خدمة رؤساء الضياع في مقابلة ما لهم من المطلق والولاة والوكلاء والنقباء والصيارفة والكيالين والضوئية في مقابلة ما يستأديه من الرسم، وذلك يرد في أبواب المضاف؛ والخراجي تختلف أحكامه وقواعده بمصر والشام؛ والله سبحانه وتعالى اعلم بالصواب.\rأما الديار المصرية وأوضاعها وقوانينها وما جرت عليه قواعدها على استقر في زماننا هذا وتداوله الكتاب، فقانون الديار المصرية مبني؟ على ما يشمله الري من أراضيها ويعلوه النيل؛ وقد ذكرنا في باب الأنهار في الفن الأول من كتابنا هذا نيل مصر، ومبدأه، والاختلاف فيع، وما يمر عليه من البلاد، وكيفية الانتفاع به من حفر الترع، وضبط الجسور، وتصريف المياه عن الأراضي بعد ريها؛ ونيل مصر هو من أعاجيب الدنيا، وقد روى عن ذي القرنين أنه كتب كتابا عما شاهده من عجائب الوجود فذكر فيه كل عجيبة، ثم قال في آخره: وذلك ليس بعجب، ولكن العجب نيل مصر، ولولا ما جعل الله تعالى فيه من حكمة هذه الزيادة في زمن الصيف على التدريج حتى يتكامل ري البلاد، وهبوط الماء عنها عند بدء وقت الزراعة لفسد أمر هذا الإقليم، وتعذرت سكناه، إذ ليس به أمطارٌ كافية ولا عيونٌ سارحةٌ تعم أراضيه، وليس ذلك إلا في بعض إقليم الفيوم؛ فسبحان من بيده الخلق والأمر القادر على كل شيء، والمدبر لكل شيء، سبحانه وتعالى لا إله إلا هو.","part":2,"page":441},{"id":942,"text":"والذي يحتاج إليه مباشر الخراج بمصر ويعتمد عليه في مباشرته أنه إذا شمل الري أرض الجهة التي يباشرها أن يبدأ بإلزام خولة البلاد برفع قوانين الري، وصورتها أن يكتب في صدر القانون ما مثاله: قانونٌ رفعه كل واحدٍ من فلان وفلان الخولة والمشايخ بالناحية الفلانية، بما شمله الري وعلاه النيل المبارك من أراضي الناحية لسنة كذا وكذا الخراجية، وهو من الفدن؛ ويذكرون جملة قانون البلد، ويفصلونه بالري والشراقي، فالري: ما شمله النيل. والشراقي: ما لم يشمله؛ وللري تفصيل: منه ما هو نقاء، ومنه ما هو مزروعٌ، وخرسٌ، وغالب، ومستبحر؛ ويفصل بقبائله، ويشرح في كل قبالة هذا التفصيل؛ والنقاء: هو الطين السواد الذي يصلح للزراعة وينبت فيه إذا لم يزرع الكلأ الصالح للرعي، ويسمى نباته بصعيد مصر: الكتيح، وهو نباتٌ تستغني به الخيل والدواب والماشية عن البرسيم. وأما المزروع: فهو ما عادته أن يزرع في كل سنة. وأما الخرس: فهو الأرض التي تنبت فيها الحلفاء، فلا تزرع إلا بعد قلعها منها وتنظيفها، وقطيعته دون قطيعة النقاء. وأما الغالب: فهو ما غلبت على أرضه الحلفاء وتكاثفت فلا تقلع إلا بكلفة، وقطيعته دون قطيعة الخرس، وقلما يزرع، وأكثر ما يكون الخرس والغالب ببلاد الصعيد الأعلى لسعتها، وكثرة أرضها، وتعطيلها من الزراعة سنةً بعد أخرى. وأما المستبحر: فهو أراضي الخلجان المشتغلة التي تستمر المياه فيها إلى أن يفوت زمن الزراعة ، فمناه ما يبور، ومنها ما يزرع مقاثئ، وقطيعته متوسطة، وتكون غالبا بالدراهم دون الغلة. وعندهم أيضا الترطيب: وهو الذي تخللت المياه باطن أرضه شبه النز ولم تعلها، ولا تصلح لغير المقاثئ، فإذا رفع إلى المباشر قانون الري أشهد فيه على رافعيه بأن الأمر على ما تضمنه؛ ثم ينظر المباشر إلى سنة يكون نيلها نظير نيل تلك السنة، ويبرز الكشوف، ويحضر البلد على الفلاحين القرارية نظير ما حضروه في السنة الموافق نيلها لنيل تلك السنة الحاضرة، ويشهد على كل مزارعٍ بما يسجله من أراضي كل قبالة وقطيعتها المستقرة، ويعين منها ما هو بحقوق وما هو بغير حقوق، والحقوق: دراهم يقوم بها المزارع عن كل فدان غير الغلة، وتكون من أربعة دراهم إلى درهمين، والغلة بحسب قطيعة الأرض وعادتها، وأكثر ما عرف من الخراج عن كل فدان - وهو أربعمائة قصبة بالقصبة الحاكمية، والقصبة ستة أذرعٍ وثلثا ذراع بذراع القماش - ثلاثة أرادب، وهذه الأرض جزيرةٌ بالأقصر من أعمال قوص، وأقل ما علمناه من القطيعة عن كل فدان سدس إردب، وهي في الأراضي التي غلبت عليها الأخراس وقل الانتفاع بها، فهي تسجل بهذه القطيعة عليها، وتنصلح في المستقبل؛ وأما الأراضي التي تسجل بالدراهم فأكثر ما علمناه بأراضي الجيزية قبالة فسطاط مصر عن كل فدان مائتان وخمسون درهما، وهو كثير في أراضيها وسجل في بعض السنين ثلاثة أفدنة بألف درهم، ولم تستقر هذه القطيعة، وهذه الأراضي تزرع غالبا كتانا؛ فإذا تكامل تحضير البلد على المزارعين القرارية والطوارئ نظم المباشر أوراقا بجملة ما اشتمل عليه التحضير مفصلةً بالأسماء والقبائل والجزائر والجروف، وتكتب عليها الشهود الذين حضر البلد بحضورهم، ثم يصرف لكل مزارع ما جرت العادة به من التقاوي بحسب ما يسجله، ويكون ما يصرفه من التقاوي من أطيب الغلال وأفضلها وأنصعها، ثم يبسط جريدةً على أوراق السجلات يشرح فيها اسم كل فلاح وما يسجله من الفدن، ويفصل ذلك بقبائله وجهاته وقطائعه؛ فإذا نبت الزرع واستوى على سوقه ندب عند ذلك من يباشر مساحة الأراضي: من شاد ؟وعدولٍ ذوي خبرة بعلم المساحة، وكاتبٍ عارفٍ خبيرٍ أمين، وقصابين: وهم الذين يقيسون الأراضي بالأحكام الحاكمية المحررة؛ فيمسحون الأراضي المزروعة بأسماء أربابها وقبائلها، ويعينون أصناف المزروعات بها، ويكون مباشرو المساحة قد بسطوا أيضا سجلات التحضير، فإذا تكاملت المساحة نظم مباشروها أوراقا يسمونها: المكلفة، يترجم صدرها بما مثاله مكلفة تأريج فنداق مساحة الأراضي بالناحية الفلانية لمغل سنة كذا وكذا الخراجية. والتأريج: هو الأوراق التي يبسطها مباشر المساحة بما في السجلات ويختمها بما انتهت إليه المساحة. والفنداق: هو عبارة عن التعليق، وهو الذي تكتب فيه المساحات حال قياسها. فإذا انتهت ترجمة صدر المكلفة عقد جملة فدنها في صدرها","part":2,"page":442},{"id":943,"text":"وفصلها بأصناف المزروعات وأسماء المزارعين، فإن طابقت المساحة السجلات من غير زيادة ولا نقص قال: وذلك بمقتضى السجلات، وإن تميزت قال: ما تضمنته السجلات كذا، زائد المساحة كذا، وإن نقصت ذكر ما صح بمقتضى مساحته، وكمله بالقلم تتمة؛ وإن نقص مزارعٌ عن سجله في قبالةٍ وزاد على سجله في قبالةٍ أخرى كمل عليه ما نقص بمقتضى سجله، وأورد ما زاد في القبالة الأخرى زيادة، ولا ينقل الزائد إلى الناقص، ويلزمه المباشر بالقيام بخراج ما نقص من تلك القبالة وما زاد في الأخرى؛ هذا مصطلحهم، وليس هو منافيا للشرع، إلا أنني أرى أرضٍ بائرة بتلك القبالة لزمه القيام بخراج النقص، لأنه عطلها مع قدرته على الانتفاع بها وزراعتها؛ ويسلم إليه من الأراضي البائرة التي شملها الري بتلك القبالة نظير ما نقص عنده لينتفع بما لعله نبت في تلك الأرض من الكلإ؛ وإن كان النقص مع تغليق أرض تلك القبالة بالزراعة فلاشيء عليه لأنه لم يتسلم ما بسجله، ويعتد له بما لعله زاد على تسجيل غيره بتلك القبالة، فإنه يعلم بالضرورة القطيعة أن الذي زرع بها أكثر مما بسجله أخذ من جملة سجل غيره؛ وإن صحت تلك القبالة في جميع المزارعين بمقتضى سجلاتهم بغير زيادة، ونقص عند واحد بعينه جميع ما اشتملت عليه المساحة بها، فإن وافق جملة قانونها تعين أن الخلل إنما جاء من قبل المباشر، لأنه سجل في قبالة أكثر من قانونها، فلا يلزم المزارع بالنقص؛ هذا هو العدل والإنصاف، فمن خرج عنه فقد ظلم وحاف؛ فإذا تكملت تكملة المساحة وضع المباشر زائد مساحة كل اسمٍ تحت اسمه، وضمه إلى سجله، ورفع الجملة بالعين والغلة، وأضاف إلى كل اسم ما لعله قد تسلمه من تقاوٍ وقروض، وما عليه من عشرٍ ووفرٍ ورسوم، وما لعله انساق من الباقي إلى آخر السنة الماضية إن كان؛ وهم يضيفون عشر التقاوي، وهو حرام لا شبهة في أخذه، وهو الربا بعينه، فإنه يقرض الرجل عشرة فيأخذها أحد عشر؛ ويضيفون أيضا في بعض البلاد عشر العشر فيقبض كل مائة إردب مائة إردب؟ وأحد عشر إردبا؛ وإنما اشتدت هذه المظالم وأحدثت من قبل أرباب البذول الذين يقترفون المظالم ولا يجدون من يردهم عنها فتستمر، وهى من السنن السيئة التي وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.صلها بأصناف المزروعات وأسماء المزارعين، فإن طابقت المساحة السجلات من غير زيادة ولا نقص قال: وذلك بمقتضى السجلات، وإن تميزت قال: ما تضمنته السجلات كذا، زائد المساحة كذا، وإن نقصت ذكر ما صح بمقتضى مساحته، وكمله بالقلم تتمة؛ وإن نقص مزارعٌ عن سجله في قبالةٍ وزاد على سجله في قبالةٍ أخرى كمل عليه ما نقص بمقتضى سجله، وأورد ما زاد في القبالة الأخرى زيادة، ولا ينقل الزائد إلى الناقص، ويلزمه المباشر بالقيام بخراج ما نقص من تلك القبالة وما زاد في الأخرى؛ هذا مصطلحهم، وليس هو منافيا للشرع، إلا أنني أرى أرضٍ بائرة بتلك القبالة لزمه القيام بخراج النقص، لأنه عطلها مع قدرته على الانتفاع بها وزراعتها؛ ويسلم إليه من الأراضي البائرة التي شملها الري بتلك القبالة نظير ما نقص عنده لينتفع بما لعله نبت في تلك الأرض من الكلإ؛ وإن كان النقص مع تغليق أرض تلك القبالة بالزراعة فلاشيء عليه لأنه لم يتسلم ما بسجله، ويعتد له بما لعله زاد على تسجيل غيره بتلك القبالة، فإنه يعلم بالضرورة القطيعة أن الذي زرع بها أكثر مما بسجله أخذ من جملة سجل غيره؛ وإن صحت تلك القبالة في جميع المزارعين بمقتضى سجلاتهم بغير زيادة، ونقص عند واحد بعينه جميع ما اشتملت عليه المساحة بها، فإن وافق جملة قانونها تعين أن الخلل إنما جاء من قبل المباشر، لأنه سجل في قبالة أكثر من قانونها، فلا يلزم المزارع بالنقص؛ هذا هو العدل والإنصاف، فمن خرج عنه فقد ظلم وحاف؛ فإذا تكملت تكملة المساحة وضع المباشر زائد مساحة كل اسمٍ تحت اسمه، وضمه إلى سجله، ورفع الجملة بالعين والغلة، وأضاف إلى كل اسم ما لعله قد تسلمه من تقاوٍ وقروض، وما عليه من عشرٍ ووفرٍ ورسوم، وما لعله انساق من الباقي إلى آخر السنة الماضية إن كان؛ وهم يضيفون عشر التقاوي، وهو حرام لا شبهة في أخذه، وهو الربا بعينه، فإنه يقرض الرجل عشرة فيأخذها أحد عشر؛ ويضيفون أيضا في بعض البلاد عشر العشر فيقبض كل مائة إردب مائة إردب؟ وأحد عشر إردبا؛ وإنما اشتدت هذه المظالم وأحدثت من قبل أرباب البذول الذين يقترفون المظالم ولا يجدون من يردهم عنها فتستمر، وهى من السنن السيئة التي وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.","part":2,"page":443},{"id":944,"text":"ثم يعقد المباشر على جميع ذلك جملةً ويشطبها بما يستخرجه منه ويحصله، والذي تنعقد عليه الجملة هو ما تعين عليه للديوان أنجب زرعه أو لم ينجب؛ ومهما استخرجه منه وحصله وأحال به كتب به وصولا؛ فإذا غلق كل اسم ما عليه أجاز عليه إشارة التغليق، وإن بقي عليه شيء مما تعين عليه طرده للباقي؛ هذا حكم الأرض التي تسجل بالغلة؛ وأما ما يسجل بالنقد فإنه تتساوى عليه ثلاثة أقساط أو قسطان: قسطٌ من ثمن البرسيم الأخضر عند إدراكه وبيعه لربيع الخيل، وقسطٌ من الكتان عند قلعه إن كان، وقسطٌ عند إدراك المغل والمقاثئ، ومنهم من يسجل بالنقد الحاضر جملةً واحدةً في وقت السجل؛ هذا حكم خراج الزراعة.\rوأما الخراج الراتب، فهو لا يكون إلا بالنقد عينا أو فضة؛ وهو خراج السواقي والبساتين والنخيل؛ وذلك أن أربابه يقاطعون الديوان على فدن معينةٍ بمبلغ معينٍ عن كل فدان في كل سنة يقومون به في أوقات معلومة، رويت الأرض أو شرقت؛ وهم يحفرون في تلك الأراضي آبارا بقدر ما يعلمون أن المياه التي تطلع منها تروى تلك الأراضي، ويركبون على أفواه الآبار السواقي المتخذة من أخشاب السنط وما ناسبه، المشهورة بالخرير التي تعين على رفع الماء ويسمونها بديار مصر: المحال، وبحماة: النواعير، إلا أن النواعير تدور بالماء، وهذه تدور بالأبقار، ويزرعون عليها بتلك الأراضي ما أحبوه واختاروه من أصناف المزروعات والغروس لا يطالبون عليها بغير الخراج المقرر، إلا أن ينصبوا القصب فلا يقتصر منهم عند ذلك على الخراج، بل للديوان على الأقصاب مقررٌ يستأديه عن كل فدان؛ ويستأدى خراج الراتب على أقساط في زمن الثمار والأعناب والفواكه وعند ضرب الوسمة - وهي النيل الذي يصبغ به اللون الأزرق - وخراج الراتب يستأدى ممن هو عليه، زرع أرضه أوعطلها، وهو لا يبطل بوفاة المقاطع على الأرض، بل ينتقل على ورثته، ويطالبون به أبدا ما تعاقبوا وتناسلوا، ولا يوضع عنهم إلا أن ابتلع البحر الأرض المقاطع عليها بعد أن يعلموا بذلك مشاريح تثبت عند حاكم البلد أن البحر ابتلع تلك الأراضي بكاملها أو بعضها، ولا ينهض مباشر الناحية أو ناظر العمل بوضعه مع وجود المحضر الثابت، بل يحضر المقاطع على الأرض أو من انتقلت إليه بالإرث أو الابتياع إلى باب السلطان، ويرفع قصةً إلى الوزير بصورة الحال، ويوقع عليها بقلمه أن يوضع عنه من خراج الراتب بقدر ما ابتلعه البحر بمقتضى المحضر، ويستمر حكم ما بقي، ويكتب على ظهر قصته: توقيعٌ شريفٌ سلطاني؛ ويثبت بدواوين الباب السلطاني، ثم يثبت بديوان العمل الجامع، ثم ينزل في ديوان البلد التي بها تلك الأرض، ويوضع عند ذلك من الضريبة الديوانية؛ هذا حكم الخراج بالديار المصرية وقاعدته والعادة فيه.\rوأما جهات الخراجي بالشام وكيفيتها وما يعتمد عليه مباشروها - فإن قانون البلاد الشامية مبني؟ على نزول الغيث، ووقوع الأمطار في إبانها وأوقات الاحتياج إليها، فمن ذلك المطر المسمى: الوسمى، وهو الذي يقع في فصل الخريف، وعند وقوع هذا المطر يخد شق الأراضي المكروبة بالسكك، ثم يبذر الحب فيها، ويعاد شق الأرض عليه ليخفي عن الطير خشية التقاطه، فإذا نزل عليه المطر الثاني بعد ذلك نبت وبرز إلى وجه الأرض، وهو عند ذلك يسمى: الأحوى، ثم لا تزال الأمطار تسقيه والأنواء تغذيه حتى يصير غثاء، ثم يقع عليه بعد ذلك المطر المسمى بالمطر الفاطم، وهو غالبا يكون في شهر نيسان، ثم يعقد في الحب بعد ذلك، وينتهى على عادة الزرع؛ هذا حكم ما يزرع على الوسمى.","part":2,"page":444},{"id":945,"text":"ومن أراضي الشأم نواحٍ يغبها الوسمى فيزرع سكانها الحب عفيرا، ومعنى ذلك أنهم يزرعون في الأرض الحب قبل إبان الزرع وينتظرون وقوع الأمطار عليه؛ ومن غريب ما اتفق في بعض السنين أنهم أودعوا الحب الأرض على عادتهم فلم يسقط عليه الأمطار في تلك السنة، فاستمر في الأرض إلى العام القابل، وأيس أهل البلاد منه، وزرعوا في السنة الثانية شطر الأراضي التي كانت كرابا غير مزروعة - فإن عادتهم بسائر بلاد الشأم أن كل فلاحٍ يقسم الأراضي التي بيده شطرين، فيزرع شطرا، ويريح شطرا، ويتعاهده بالحرث لتقرع الشمس باطن الأرض، ثم يزرعه في القابل ويريح الشطر الذي كان به الزرع؛ هذا دأبهم، خلافا لأراضي الديار المصرية، فإنها تزرع في كل سنة - فلما وقعت المطار نبت الشطران معا، وأقبلت الزراعات في تلك السنة، فتضاعف المغل، وهذا غريبٌ نادر الوقوع.\rومن أراضي الشأم ما يسقى بالمياه السارحة من الأنهار والعيون، وتكون مقاسمة أرضه أو فر من مقاسمة ما يسقى بالأمطار، وقيمة الأملاك بها أرفع وأغلى من تلك، ويكون غالبا في الأراضي المستقلة؛ والله تعالى أعلم.","part":2,"page":445},{"id":946,"text":"والذي يعتمده مباشر الخراج ببلاد الشأم أنه يبدأ بإلزام رؤساء البلاد بتغليق أراضيها بالزراعة والكراب؛ ومصطلحهم في ذلك أن يقولوا: أحمر وأخضر، يعنون بالأحمر: الكراب، وبالأخضر: الزرع شتوياً أو صيفياً، ويعنون بالشتوي: القمح والشعير والشوفان والفول والحمص والعدس والكرسنة والجلبان والبستيلية وهي التي تسمى بمصر: البسلى، وبالساحل الطرابلسي: الحالبة؛ ويعنون بالصيفي: الذرة والدخن والسمسم والأرز والحبة السوداء والكسبرة والمقاثئ والوسمة والقرطم والقطن والقنب؛ ويكتب عليهم بذلك مشاريح أنهم لا يبورون شيئا من الأراضي ومن بور شيئا منه كان عليه القيام بريع الغامر من نسبة العامر؛ فإذا زرعت الأراضي وبدا صلاح الزرع، وأخذ الفول في العقد خرج الوكلاء على الزراعة إلى النواحي يحفظون الزراعة من التطرق إلى شيء منها، ويلازمونها إلى أن تحصد وتنقل إلى البيادر؛ فعند ذلك يخرج الأمر بحفظ ما يصل إلى البيادر، ويأخذون في الدراس؛ فإذا تكامل وطابت البيادر ولم يبق إلا التذرية أخرج مذريا - ووظيفة المذرى أنه يلزمهم بتخليص الغلال من الأقصال وتنظيفها؛ فإذا فعلوا ذلك وخلصت الغلال من الأتبان والأقصال وصارت بيادر صافيةً خرج وإلى العمل ومباشروه إلى تلك الجهة، وتقدموا بتوزيع بيادرها على ضريبة الناحية وعادتها في المقاسمة، مناصفةً - وذلك في أراضي السقى - ، ومثالثةً ومرابعةً - وهو في غالب البلاد - ، ومخامسةً ومسادسةً - وذلك في المزارع والنواحي الخالية من السكان التي يزرعها المستكرون - ، ومسابعةً ومثامنةً - وذلك في النواحي المجاورة لسواحل البحر والمتاخمة لأطراف بلاد العدو؛ فإذا فرغ توزيعها أخذ المباشرون ما يخص الديوان من التوازيع، ثم يحزر ما لعله تأخر من الغلال في عرصات البيادر والأقصال وأعقاب التبانات والعفائر، ويؤخذ منه ما يخص الديوان من نسبة المقاسمة، ويكمل على الفلاح على حكم ضريبة ذلك العمل؛ وفي بعض النواحي يكون من المواسطة، فتفرد لها توزيعةٌ بمفردها، ثم يؤخذ من حاصل الفلاح بعد الرسوم عشر ما بقي له؛ وهذا غير مطرد في جميع البلاد، فإن في جهات الأوقاف والبر وما يناسبها لا يؤخذ العشر إلا من النصاب الشرعي؛ وفي نواحي الخواص والإقطاعات يؤخذ مما بقي للفلاح من كل عشرة أجزاءٍ جزءا مما قل أو كثر بحسابه؛ وفي بعض الأقاليم لا يؤخذ العشر من المزارعين الذمية؛ وأما النواحي الإقطاعية والأملاك التي أعشارها ديوانيةٌ فمنها ما عليه ضريبةٌ مقررةٌ تؤخذ في كل سنةٍ زاد المغل أو نقص، ومنها ما يندب له من يقف على النواحي ويحزر ما بها من الغلال ويقدر العشر عنها، ويكون هذا الحزر والزرع قائمٌ أو حصيدٌ قبل درسه، ثم يتعاد بعد ذلك من الفلاحين ما لعله عليهم من التقاوى والقروض، وتكون بمفردها مرصدةً لتقاوى السنة الآتية؛ ثم يعتبر ما يتحصل من الغلال على اختلاف أصنافها بالكيل المتعامل به في ذلك الإقليم، وتعمل بذلك مخازيم على العادة مفصلة بالأسماء وأصل المقاسمة والرسوم والعشر وما لعله استعيد من التقاوى والقروض؛ وعند تكامل قسم نواحي كل عملٍ سينظم على المخازيم عملٌ بالمتحصل عل ما نشرحه إن شاء الله تعالى سفي الأوضاع الحسابية؛ هذا ما يعتمده في الغلال.\rوأما الخروب والزيتون والقطن والسماق والفستق والجوز واللوز والأرز فإن الوكلاء تستمر على حفظ ذلك إلى أن يصير في بيادره، ويقسم على حكم الضريبة ويحصل ويورد على المتحصل؛ وفي بعض الأعمال الشامية نواحٍ مفصولةٌ ومضمنةٌ على أربابها بشيء معلوم يؤخذ منهم عند إدراك المغل من غير توكيل ولا مقاسمة، وهي نظير المتأجرات بالديار المصرية؛ ولفظ الفصل بالشأم كله كلمة فرنجية، واستمر استعمالها في البلاد الساحلية التي ارتجعت من أيدي الفرنج جريا على عادتهم.\rوأما خراج العين فهو مقرر على البساتين والشجريات والكروم والمقاثئ ويستخرج على حكم الضريبة عند إدراك كل صنف.\rومن أبواب الخراجي الخدم التي تقدم ذكرها، ومقرر القصب والبريد والبسط، وعشر العرق، وغير ذلك مما يطول شرحه، إلا أن جميع ما يستخرج من الأراضي منسوبٌ إلى الخراج.","part":2,"page":446},{"id":947,"text":"ومن أبواب الخراجي الأحكار على ما فيها من الاختلاف؛ ومهما استخرجه المباشر وحصله من ذلك يعتمد في إيراده نحو ما شرحناه في الهلالي: من إيراده في تعليق المياومة، وشطبه على الجريدة المبسوطة على أبوابه؛ هذا حكم الهلالي والجوالي والخراجي؛ والله سبحانه وتعالى أعلم.\rوأما ما يشترك فيه الهلالي والخراجي ويختلف باختلاف أحواله فجهاتٌ، وهي المراعي والمصايد والأحكار؛ أما المراعي - فالذي يرد منها في أبواب الهلالي ما استقر حكمه بجهة، وتقرر في كل سنة، وصار ضريبةً مقررة؛ فمن المباشرين من يقبضه على شهور السنة، ويستخرجه أقساطا، ويورده في جملة أبواب الهلالي؛ والذي يرد منه في أبواب الخراجي هو ما يستخرج من أرباب المواشي في كل سنة عند هبوط نيل مصر ونبات الكلإ، في مقابلة ما رعته مواشيهم من نبات الأرض، وهو يزيد وينقص بحسب كثرة المواشي وقلتها؛ وعادتهم فيه أن يندب لمباشرة ذلك مشد؟ وشهود وكاتب، ويعدوا الأغنام وغيرها، ويستخرجوا من أربابها عن كل رأسٍ شيئا معلوما بحسب ضريبة تلك الجهة وعادتها؛ وهو على هذا الوجه لا ينبغي إيراده إلا في أبواب الخراجي؛ ومن الكتاب من يورده في أبواب الهلالي، وهو غلط.\rوأما المصايد - فمنها أيضا ما يورد في أبواب الهلالي كالنواحي التي تصاد بها الأسماك على الدوام، مثل ثغر دمياط والبرلس وجنادل ثغر أسوان وأشباه ذلك بالديار المصرية، وبالشأم مثل نهر العاصي وبحيرة طبرية، وغيرهما من الأنهار والبرك؛ ومنها ما يرد في أبواب الخراجي، وهو ما يصاد من الأسماك عند هبوط نيل مصر ورجوع الماء من المزارع إلى بحر النيل؛ والعادة في ذلك إذا انتهت زيادة النيل وشرع الماء في مبادئ النقص سكروا أفواه الترع، وسدوا أبواب القناطر التي عليها حتى يرجع الماء ويتكاثف مما يلي المزارع ثم ينصبون الشباك، ويصرفون المياه، فيأتي السمك وقد اندفع مع الماء الجاري، فيجد الشباك تحول بينه وبين الانحدار مع الماء، فيجتمع فيها، ثم يخرج منها إلى البر، فيوضع على نخاخٍ ويملح ويودع في الأمطار، وأكثر ما يكون ذلك قفي طول الإصبع ونحوه؛ وله أسماء: منها البلطي والراي والبني وغير ذلك، وما يؤكل منه طرياً بعد قليه يسمونه الإبسارية؛ ومنها ما يكون بقدر الفتر، ويسمى الشال، وهو يملح أيضاً؛ فهذا الذي يتعين إيراده في أقلام الخراجي، ومنهم من يورده في الهلالي، ومن الكتاب من يورد المصايد والمراعي قلما مستقلا بعد الجوالي وقبل الخراجي.\rوأما الأحكار - فقد تقدم الكلام عليها عند ذكرنا للهلالي.\rوهذه الاختلافات بين الكتاب هي بحسب آرائهم وعادات النواحي وما استقرت عليه قواعدها؛ وإنما أوردنا ذلك على سبيل التنبيه عليه، وذكر مصطلح الكتاب فيه.\rوأما أقصاب السكر ومعاصرها - فهي تختلف بحسب الأماكن والبقاع والنواحي والديار المصرية والشأم، وتختلف أيضا في الديار المصرية بحسب الأعمال والنواحي والأراضي؛ وقاعدتها الكلية التي لا تكاد تختلف في الديار المصرية أن تختار لها الأراضي الجيدة الدمثة التي شملها الري وعلاها النيل، ويقلع ما بها من الحلفاء وتنظف؛ ثم تبرش بالمقلقلات - وهي محاريث كبار - ستة وجوه، وتجرف حتى تمهد، ثم تبرش ستة وجوهٍ أخرى وتجرف - ومعنى البرش الحرث - ؛ فإذا صلحت وطابت ونعمت وصارت ترابا ناعما وتساوت بالتجريف تشق عند ذلك بالمقلقلات، ويرمى القصب فيها قطعتين: قطعةً مثناةً، وقطعةً مفردة؛ وذلك بعد أن تجعل أحواضا وتفرز لها جداول يصل الماء منها إلى تلك الأحواض، ويكون طول كل قطعة منها ثلاثة أنابيب كوامل وبعض أنبوبة من أعلى القطعة وبعض أخرى من أسفلها؛ ويختار برسم النصب من الأقصاب ما قصرت أنابيبها، وكثرت عيونها؛ فإذا تكامل النصب أعيد التراب عليه؛ وصورة النصب أن تكون القطعة ملقاةً لا قائمة؛ ثم يسقى من حال نصبه في أول فصل الربيع في كل أسبوع مرة؛ فإذا نبت القصب وصار أوراقاً ظاهرةً على وجه الأرض نبتت معه الحلفاء والبقلة الحمقاء، فعند ذلك تعزق أرضه - ومعنى العزق أن تنكش الأرض وينظف ما نبت مع القصب - ويتعاهد بذلك مرةً بعد أخرى إلى أن يغزر القصب ويقوى ويتكاثف، فلا يتمكن العزاق من الأرض، فيقال فيه عند ذلك: طرد القصب عزاقه، وذلك عند بروز الأنبوب منه؛ ومجموع ما يسقى بالقادوس ثمانيةٌ وعشرون ماءً.","part":2,"page":447},{"id":948,"text":"والعادة أن الذي ينصب من الأقصاب على كل مجالٍ بحراني؟ - أي مجاور للبحر - إذا كان مزاح العلة بالأبقار الجياد مع قرب أرشية الآبار ثمانية أفدنة؛ ويحتاج إلى ثمانية أرؤسٍ بقرا؛ فإذا كانت الآبار بعيدةً عن مجرى النيل لا يقوم المحال بأكثر من ستة أفدنة إلى أربعة أفدنة؛ فإذا طلع النيل وارتفع سقي القصب عند ذلك ماء الراحة؛ وصفة ذلك أنه يقطع عليه من جانب جسرٍ يكون قد أدير عليه ليقيه من الغرق عند ارتفاع الماء بالزيادة، فيدخل الماء من تلك الثلمة التي فرضت من الجسر، ويعلو على وجه أرضه نحوا من شبر، فتسد عند ذلك، ويمنع الماء من الوصول إليه، ويترك ذلك الماء عليه مقدار ساعتين أو ثلاثٍ إلى أن يسخن، ثم يصرف عنه من جانبٍ آخر إلى أن ينضب، ثم يجدد عليه الماء مرةً أخرى؛ يتعاهد بذلك مرارا في أيام متفرقة بقدر معلوم، ثم يفطم بعد ذلك؛ فما نقص من ذلك كان المباشر قد أخل به إلا النصب على الري وسقى ماء الراحة فإنه أمرٌ رباني؟ لا قدره للمباشر على استجلابه.\rولا غنية للقصب عن القطران قبل أن يحلو، فإنه يمنع السوس من الوصول إليه؛ وصفة ذلك أنهم يجعلون القطران في قادوسٍ مبخوشٍ من أسفله، ويسد ذلك البخش بشيء من الحلفاء، ويعلق القادوس على جدول الماء، ويمزج القطران بالماء فيقطر من خلال ذلك البخش المسدود، ويمتزج قطره بالماء الذي يصل إلى القصب، ويحصل به المقصود.\rوإن خشي المباشر على القصب من فساد الفأر أدار حوله حيطانا رقيقة مقلوبة الرأس إلى خارج أرض القصب تسمى حيطان الفأر، وتصنع من الطين المخلوط بالتبن فتمنع الفأر من الوصول إلى القصب، فإنه إذا تسلق في الحائط وانتهى إلى آخرها منعته تلك الحافة المقلوبة وأصابت رأسه فيسقط إلى الأرض.\rهذا ما يلزم المباشر الاحتفال به واعتماده في أمر القصب.\rفإذا كان في أول كيهك من شهور القبط كسرت الأقصاب وقشرت، ونقلت إلى المعاصر؛ وإذا كان في أوان نصب القصب من السنة الثانية حرقت آثار الأقصاب وسقيت وعزقت كما تقدم، فتنبت أرضها القصب؛ ويسمونه بمصر: الخلفة، ويسمون الأول: الرأس؛ وقنود الخلفة في الغالب أجود من قنود الرأس.","part":2,"page":448},{"id":949,"text":"بها وتراتٌ وحطبٌ ورجالٌ مرصدون لإصلاح القصب بالسكاكين الكبار التي مقدار حديدها ثلثا ذراع، في عرض سدس ذراع في سمك إبهام، فينظفون عيدان القصب، ويقطعون من أعلاه ما ليس فيه حلاوة، ويسمونه اللكوك، وينظفون أسفل العود مما لعله به من عروق وطين؛ ويسمى هذا الإصلاح التطهير؛ ثم ينقل من تلك الوترات إلى وترات أخر مؤبدةٍ بأعلى حائطٍ عريضٍ مرتفعٍ عن الأرض، أحد جانبي الحائط مما يلي دار القصب، والوجه الآخر إلى بيتٍ آخر يسمى بيت النوب؛ وعلى ذلك الحائط رجالٌ جالسون في مقاعد أعدت لهم، وبأيديهم السكاكين التي ينظف بها القصب، والوترات المؤبدة أمامهم، فيجمع الرجل منهم عدة عيدان من القصب، ويضعها على الوترة، ويقطعها قطعا صغارا فتسقط في بيت النوب؛ ثم تنقل من بيت النوب إلى الحجر في أفرادٍ تسمى العيارات متساوية المقادير؛ فيوضع ذلك القصب المقطع تحت الحجر؛ ويدور الحجر عليه الأبقار الجياد فيعصره؛ وينزل ما يخرج منه من الماء في أبخاشٍ في القاعدة التي تحت الحجر إلى مكانٍ ضنكٍ معد؟ له؛ فإذا انتهى ذلك القصب من العصر تحت الحجر نقل إلى مكانٍ آخر، ثم يجعل في قفاف متخذةٍ من الحلفاء مشبكة الأسافل والجوانب، ويلقى تحت دولاب التخت، ويدور الدولاب عليه بالأعواد حتى يأخذ حده، ويخرج ما بقي فيه من الماء؛ ويجتمع ما تحصل من ماء القصب من الحجر والتخت في مكان واحد؛ ثم ينقل ذلك الماء فيصفى من منخلٍ موضوعٍ في قفص معد؟ له، وينزل ما يخرج إلى مكانٍ متصلٍ يسمونه البهو، له عيارٌ معلومٌ محرر؛ فإذا امتلأ من ذلك الماء المصفى نقل إلى المطبخ، وصفى تصفية ثانية في قدرٍ كبيرةٍ يسمونها الخابية يصب فيها بعد التصفية جميع ما كان في البهو، وهو ستون مطرا من ماء القصب ضريبة كل مطر نصف قنطار بالليثي على التحرير - والرطل الليثي مائتا درهم - فيكون ما في الخابية ثلاثة آلاف رطل وهو ما كان في البهو؛ ثم يوقد عليها من خارج المعصرة إلى أن يغلى الماء غليانا كثيرا، وينقص نقصا معلوما، فعند ذلك يبطل الوقيد عنها؛ فإذا سكن غليانها نقل ما فيها من الماء المسلوق في يقاطين كبار، في كل قرعة منها خشبةٌ منجورةٌ طويلةٌ كالساعد نافذةٌ في جانبي القرعة، ويصب في أكسية من الصوف تحتها دنانٌ كبار فيصفى الماء منها تصفية ثالثة، ويستقر في تلك الدنان؛ ثم ينقل من الدنان في دسوت إلى القدور، فيطبخ فيها إلى أن يأخذ حده من الطبخ؛ ويحتاج كل حجرٍ إلى خابية وثماني قدور لطبخ ما يعتصر تحت الحجر والتخت؛ ثم ينقل بعد طبخه في دسوت من النحاس، لكل دست منها قبضتان من الخشب مسمورتان في أعلاه يقبض الرجل عليهما ليقياه حرارة الدست؛ ويصب ذلك المطبوخ - ويسمى إذ ذاك المحلب - يف أباليج من الفخار ضيقة الأسافل، متسعة الأعالي، مبخوش في أسفل كل أبلوجة منها ثلاثة أبخاش مسدودةٌ بقش القصب، وهذه الأباليج موضوعةٌ في مكان يسمى بيت الصب، فيه مصاطب مبنيةٌ مستطيلة تشبه المذاود، ويجعل تحت كل أبلوجة من تلك الأباليج قادوس يقطر فيه ما يتخلص من رقيق ذلك المحلب - وهو العسل القطر - ثم يخدمها الرجال بالكرانيب مرة بعد أخرى حتى تمتلئ تلك الأباليج، وهي تختلف، فمنها ما يسع أكثر من قنطار، وأقل منه؛ فإذا امتلأت وتكاملت خدمتها وأخذت في الجفاف نقلت من بيت الصب إلى بيت الدفن؛ فتعلق فيه على قواديس يقطر فيها ما بقي من أعسالها.\rوأما أوساخ الأقصاب التي تنظف منها في دار القصب فإنها تعتصر على انفرادها، وتطبخ بمفردها، وتسمى الخابية، وهي أردأ من عسل القصب.\rولما يتحصل من الاعتصار أسماءٌ وعبر: منها الضريبة، ومنها الوضعة، ومنها اليد؛ فالضريبة عبارة عن ثماني أيادٍ؛ واليد ملء خابية؛ والخابية ثلاثة آلاف رطل من عصير القصب بالرطل الليثي كما تقدم؛ فتكون الضريبة أربعةً وعشرين ألف رطل من الماء، يجمد منها مع جودة القصب وصلاحه من القند خمسةٌ وعشرون قنطارا إلى خمسة عشر قنطارا، ومن الأعسال اثنا عشر قنطارا إلى ثمانية قناطير؛ ونهاية ما يتحصل من الفدان القصب ثلاثة ضرائب: منها قندٌ وقطرٌ ضريبتان ونصف وعسل خابيةٍ نصف ضريبةٍ مقدارها أربعة وعشرون قنطارا بالمصري؛ ومن الأقصاب ما يفسد فلا يجمد طبيخ مائه ولا يصير قندا، فيطبخ عسلا، ويسمونه المرسل؛","part":2,"page":449},{"id":950,"text":"وهذا الذي ذكرناه من الوضع والمتحصل والتسمية اصطلاح بلاد قوص من الصعيد الأعلى بالديار المصرية، وهو وإن اختلف في غيرها من البلاد فلا يبعد من هذا الترتيب.\rوأما أقصاب الشأم - فهي تختلف أوضاعها بحسب البقاع والنواحي والأعمال، فمنها ما هو بالسواحل الطرابلسية والبيروتية والعكاوية؛ ولهم اصطلاحٌ في نصب الأقصاب واعتصارها: فمنها ما يعتصر بحجارة الماء، ومنها ما يعتصر بالأبقار، ومنها ما يعتصر بالسهام؛ وليس ذكرها وبسط القول فيها من المهمات التي تقتضي الانصباب إليها؛ والذي قدمنا ذكره أيضا من أمر أقصاب مصر هو على الحقيقة فلاحةٌ ودولبة، وليس هو كتابة، وهو للمباشر زيادةٌ على صناعته، على أنه لا يستغنى عن معرفته والاطلاع عليه.\rوعمدة المباشر في الاعتصار ضبط ما يتحصل، وحراسته من السارق والخائن والمفرط؛ ويلزم مباشر الاعتصار أن ينظم في كل يوم وليلة مخزومةً بما اعتصر وبما تحصل؛ فإذا اتنهى الاعتصار نظم عملا شاملا لجميعه على ما نشرحه في الأوضاع الحسابية.\rوالقند إذا جف وأخذ حده من البياض نقل إلى مطابخ السكر، فيحل بالماء وشيء من اللبن الحليب، ويطبخ فيصير منه السكر البياض والقطارة؛ ويتحصل من كل قنطار من القند ربعه وسدسه سكرا، وثلثه وربعه قطارة؛ ومنه ما يكرر ثانيا فيصير في غاية البياض والنقاء، وقطارته تقارب قطر النبات؛ ومنه أيضا ما يطبخ نباتا؛ وهذه أمور جملية يستدل منها على المقاصد، والمباشر تشمل ما لا يمكن إيراده في كتاب، وتظهر ما لا يكاد ينحصر بخطاب، فلنذكر الأوضاع الحسابية.\rأوضاع الحساب\rوما يسلكه المباشر ويعتمده فيها\rأول ما يحتاج إليه كل مباشر أن يضع له تعليقا ليوميته، يذكر فيه تاريخ اليوم والشهر من السنة الهلالية، ويذكر فيه جميع ما يتجدد ويقع في ذلك اليوم في ديوانه: من محضرٍ ومستخرجٍ ومجرى ومبتاعٍ ومباعٍ ومبيع ومصروف، وما يتجدد من زيادات في الأجر والضمانات، وعطلٍ، وتقرير أجائر، وترتيب أرباب استحقاقات على جهات، وتنزيل من يستخدمه، وصرف من يصرفه من أرباب الخدم، وغير ذلك بحيث لا يخل بشيء مما وقع له في مباشرته قل أو جل؛ وهذا التعليق هو أصل المباشرة، فمن ضبط اليوم انضبط ما بعده؛ وكل المباشرين في وضعه سواء، يضع الشاهد فيه ما يضعه العامل، فإذا كان في آخر النهار قوبل على مجموعه بين المباشرين، ويساق ما يحتاج إلى سياقته من العين والغلة والأصناف.\rثم يكتب العامل مخزومةً يورد فيها المستخرج والمحضر والمجرى والمصروف، ويرفعها على عدة نسخٍ بحسب المسترفعين؛ وإن شاحه المسترفع لزمه أن يوردها فيما أورده في ميامته من سائر المتجددات والأحوال، فيصير بها المسترفع الغائب كالمباشر الحاضر، وتشمل المخزومة خط من هو مباشرٌ: من ناظر مباشرةٍ فمن دونه؛ وقد قدمنا ذكر بسط الجرائد على الأموال والغلال، وكيفية خدمتها في الأصول؛ ونظير ذلك أن يبسط أسماء أرباب الاستحقاقات وأرباب المصارف تلو أصول الأموال ومضافاتها، ويضع لكل اسم ما يستحقه مشاهرةً ومسانهةً عينا وغلة، أو ثمن صنفٍ أو غير ذلك؛ ثم يشطب قبالة كل اسم ما قبضه مفصلا بتواريخه من جهة قبضه، لتسهل عليه بذلك محاسبة كل نفرٍ عند الاحتياج إلى محاسبته كما شرحناه في الأصول؛ ولا بد لكل مباشر من جريدة على هذه الصفة تشتمل على الأصل والخصم؛ والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.\rالناتج من الحسبانات\rما ينتج عن التعليق من الحسبانات بعد المخازيم\rوهي الختم والتوالي والأعمال والسياقات التي تلك كلها شواهد الارتفاع:","part":2,"page":450},{"id":951,"text":"فأما الختم - فتختص بجهات العين من سائر الأموال؛ وكيفيتها أنه إذا مضت على المباشر مدةٌ لا تتجاوز أحد عشر شهرا فما دون الشهر إلى عشر أيام - وما دون الشهر لا يقع إلا عند انفصال كاتب في أثناء الشهر أو اقتراح مقترح - نظم حسابا سماه الكتاب في مصالحهم: الختمة، يشرح في صدرها ما مثاله بعد البسملة: ختمة بمبلغ المستخرج والمجرى من أموال الجهات، أو المعاملة الفلانية لاستقبال كذا، وإلى آخر كذا؛ ويذكر أسماء المباشرين فيقول: بولاية فلان، ونظر فلان، ومشارفة فلان، وكتابة فلان؛ و يعقد في صدرها جملةً على ما استخرجه في تلك المدة وأجراه من أصول الأموال، يفصل ذلك بسنيه، ويشرحه بجهاته وأسماء أربابه وتواريخ محضره ومجراه، إلى نهاية ذلك؛ ثم يقول: وأضيف إلى ذلك ما وجبت إضافته؛ يبدأ بالحاصل المساق إلى آخر المدة التي قبلها، ثم يذكر ما لعله استخرجه من الجهات التي ترد في باب المضاف، وما ورد من أثمان المبيعات والمصالحات والخدم، وما لعله اقترضه، وما لعله حصل من المواريث الحشرية والمجتذبات والتأديبات، وما لعله اعتد به لمعاملةٍ أخرى ونقل عليه، إلى غير ذلك من أبواب المضاف على اختلافها. مما يطول شرحه لو استقصى؛ ثم يفذلك على الأصل والإضافة؛ وإن صرف نقدا بنقدٍ ذكره بعد الفذلكة، واستقر بالجملة بعده وإلا فالفذلكة بمفردها؛ ثم يخصم تلك الجملة بما لعله حمله أو نقله على معاملة أخرى أو صرفه، ويذكر الحمل بتواريخه ورسائله، واسم من حمل على يده، والمنقول كذلك والمصروف بأسماء أربابه وتواريخه، ثم يسوق إلى التحصيل إن انطرد له حاصل وإلا فيقول في أخرها: ولم يبق حاصلٌ فنذكره.\rوقد اقترح في بعض الممالك الشامية في بعض السنين على المباشرين أن يضمنوا ختمهم ما يوردونه في الأصل من جهات الأصول - كل جهة من المستخرج والمجرى - الأصل مختوما والخصم مفصلا بجهاته؛ مثال ذلك أن يقول في الأصل: الجهة الفلانية في التاريخ الفلاني كذا وكذا درهما؛ ويذكر تحت ذلك التاريخ خصم تلك الجملة؛ وفي الخصم إذا ذكر اسم رب استحقاق وما وصل إليه في كل تاريخ يقول: التاريخ الفلاني؛ ويعين جهاته؛ ويشطب المسترفع الأصل على الخصم؛ وفي ذلك تضييق كثير على المباشر، ولم يستقر ذلك، وعادت الأوضاع على ما بيناه؛ هذا مصطلحهم في الختم؛ والله أعلم.\rوأما التوالي - فهي إذا أطلقت أريد بها توالي الغلال؛ وكيفيتها أنه إذا مضت مدة على ما قدمناه في شرح الختم نظم كاتب الجهة حسابا للغلة اسمه التالي يشرح في صدره بعد البسملة: تالٍ بما انساق حاصلا من الغلال بالجهة الفلانية إلى آخر المدة الفلانية، مضافا مخصوما إلى آخر كذا؛ ويذكر أسماء المباشرين على ما تقدم، ثم يوصل في صدره ما انساق إلى آخر المدة التي قبلها من الغلال على اختلافها، ويفسر الغلال بسينها، ويضيف إليه ما لعله انضاف من متحصلٍ ومبتاعٍ وقرضٍ وغير ذلك؛ ثم يفذلك عليه، ويذكر بعد الفذلكة ما لعله وقع من تبديل صنفٍ بصنفٍ لوجود ذلك الصنف وعدم غيره، إما فيما قبضه أو فيما صرفه، وما لعله أبيع وثمن، وما لعله ينقلمن كيل إلى كيل؛ ويستقر بالجملة بعد ذلك على ثمن ما أبيع وما استقر من الغلال بعد التبديل والتنقيل، ويستخرج ثمن البيع بمقتضى ختمة تلك المدة، وهي شاهده؛ ويخصم بالمحمول والمنقول والمصروف على اختلافه؛ ويفصل ذلك بتواريخه على ما شرحناه في الختمة، ويسوق الحاصل من الغلة إن كان؛ هذا مصطلحهم في توالي الغلال.\rولهم أيضا توالٍ يسمونها توالي الارتفاع - تشتمل على العين والغلة والأصناف، ولا تعمل إلا عند اقتراحها؛ وصورتها أن يوصل في صدر تالي الارتفاع ما انساق آخر الارتفاع الذي قبله من الحاصل والباقي عينا وغلة؛ ويفصله بسنيه؛ ثم يضيف إليه ما استحق في تلك السنة أصلا ومضافا، ويخصم بالخصم السائغ المقبول، ويطرده بعد ذلك إلى حاصلٍ وباق.\rولهم أيضا توالي الاعتصار - وصورتها أن يوصل ما انساق حاصلا آخر المدة على الاعتصار أو تاليه، ويضيف ما لعله تحصل من قطرٍ وغيره، ويفذلك عليه، ويكرر منه ويبيع، ويستقر بالجملة، ويخصم، ويسوق إلى الحاصل.\rوأما الأعمال - وهي تختلف - : فمنها أعمال متحصل الغلال والتقاوى، وأعمال الاعتصار، وأعمال المبيع، وأعمال المبتاع، وأعمال الجوالي، وأعمال الخدم والتأديبات والجنايات.","part":2,"page":451},{"id":952,"text":"فأما أعمال الغلال والتقاوى - فكيفيتها أن يشرح في صدر العمل بعد البسملة ما مثاله: عملٌ بما تحصل من الغلال بالناحية الفلانية لمغل سنة كذا وكذا الخراجية، المدرك في شهور سنة كذا وكذا الهلالية، مضافا إلى ذلك ما وجبت إضافته، ويوصل في صدره ما تحصل من الغلال على اختلافها وأكيالها مفصلا بأسماء الفلاحين؛ ويضيف إليه ما لعله استعاده من التقاوى والقروض أو حصله من رسوم أو غير ذلك؛ ويفذلك عليه؛ فمن الكتاب من يسوقه بجملته حاصلا، ويخصم بمقتضى التالي؛ ومنهم من يخصم بما حمله وصرفه في مدة تحصيله للمغل، ويسوق ما بقي إلى الحاصل، ويستغنى بذلك عن تالٍ لتلك المدة.\rوأما عمل الاعتصار - فصورته أن يترجم في صدره بعد البسملة بما مثاله: عملٌ بما تحصل من اعتصار الأقصاب بالجهة الفلانية لاعتصار أقصاب سنة كذا وكذا الخراجية؛ ويقول في يمنة العمل: عن كذا وكذا فدانا أو منظرةً إن كان بالأغوار، أو قسما إن كان بالسواحل؛ ويفصل الفدن بما فيها رأسا وما فيها خلفةً إن كان بمصر، ومقنطرا أو قائما إن كان بالشأم، ويبرز عن يسرته بكمية ما تحصل فيقول: من أصناف الحلو كذا وكذا قنطارا، ويفصل ذلك بالقند والأعسال على اختلافها: من المرسل والقطر والحر والأسطروس والمردودة؛ والمرسل هو من القصب الذي لا يجمد ولا يصير قندا. والقطر هو ما يتحصل من قطر أباليج القند. والحر هو ما يتحصل من أطراف الأقصاب، وهذه الأطراف يسمونها بالشأم: العيكون، ولا يعتصرونها ألبتة، بل ترصد للنصب، فإنهم يستغنون بها عن العيدان، ومنهم من يسمى الحر المردودة. وأما الأسطروش: فهو ما يعمل من جرادة وجوه الأباليج حال الطبخ، وما يتأحر على البواري عند خلعه بالشأم. وأما الخابية فهي ما يتحصل من الأوساخ والريم. والمرسل والحرو الخابية لا تعرف بالشأم ألبتة، وإنما يعرفون القطر والأسطروش؛ ثم يذكر بعد ذلك تفصيل المتحصل بجهاته إن كان بمصر - يفصل كل ساقية وفدنها وما يحصل منها من الضرائب - وتفصيل الأقصاب الرأس والخلفة، ويذكر اسم الطباخ؛ ثم يبيع من عرض ذلك ويثمن، ويستقر بالجملة، ويحمل ويصرف ويسوق إلى الحاصل.\rوأما عمل المبيع - فصورته أن يقول في صدره بعد البسملة: عملٌ بما بيع من الغلال والأصناف بالجهة الفلانية لمدة كذا وكذا؛ ويعقد على الثمن جملة، ثم يفصلها بأصنافها، يذكر عن يمنة القائمة الصنف، وفي الوسط السعر إن كان سعرا واحدا، وإلا فيقول مكانه: بأسعارٍ تذكر، وفي اليسرة الثمن، ثم يفصله بأسماء مبتاعيه؛ فإذا كمل ذلك أضاف ما انساق له آخر العمل الذي قبله من أثمان المبيعات؛ ويفصل ذلك بأسماء من تأخر عليه منها شيءٌ إن كان؛ ثم يفذلك على الجملة، ويستخرج من عرضه بمقتضى ختم المدة، ويسوق إلى الباقي دون الحاصل.\rوأما عمل المبتاع - فيقول في صدره: عملٌ بالمبتاع بالجهة الفلانية من الأصناف التي تذكر لمدة كذا وكذا؛ ويعقد على ثمن المبتاع جملة يجعلها عن يمنة نصف القائمة، ويبرز بالأصناف المبتاعة إن أمكن، وإلا فيقول: ما يذكر؛ ويشرح ما ابتاعه صنفا صنفا بتواريخه، وأسماء من ابتاع منهم، وأسعاره، ويضيف إلى جملة الثمن ما لعله تأخر عليه من ثمن ما ابتاعه في العمل الذي قبله، ويفصله بأسماء أربابه؛ ويفذلك على ذلك، ويخصم بما صرفه من عرضه بمقتضى ختم المدة، ويسوق إلى متأخرٍ أو فائضٍ إن كان قد سلف عليه شيء.\rوأما عمل الجوالي - فيقول في صدره ما مثاله بعد البسملة: عملٌ بما وجب من مال الجوالي بالمعاملة الفلانية لسنة كذا وكذا الهلالية مخصوما مساقا إلى آخر المدة؛ ويوصل ما كان قد استقر من الأنفار على ما تقدم؛ ويضيف النوابت والطوارئ بأسمائها ومللها، وما لعله انساق باقيا إن كان، وقلما يكون، ويفذلك على ذلك؛ ثم يذكر بعد الفذلكة من اهتدى بالإسلام، أو هلك بالموت، أو تسحب إلى عملٍ آخر على ما قدمناه من الاختلاف في إيراد ذلك في هذا الموضع، والاستثناء به في الصدر بالتعدية أو إيراده في باب المحسوب؛ وكل ذلك سائغ في الوضع؛ ثم يستقر بالجملة بعد ذلك، ويستخرج بمقتضى الختم، ويسوق ما لعله انساق إلى الباقي؛ وإن عاد إليه متسحبٌ أو نازحٌ وبيده وصولٌ من مباشر عملٍ آخر اعتد له به، وأورده في باب المحسوب، وفذلكه على الجملة.","part":2,"page":452},{"id":953,"text":"وأما عمل الخدم والجنايات والتأديبات - فصورته أن يوصل في صدر العمل بعد الترجمة عليه ما تعين من أموال الخدم أو ما تقرر من الجنايات والتأديبات، يذكر فيه الأسماء والجرائم؛ ويضيف إلى ذلك ما لعله انساق قبل تقرير هذا المال آخر العمل الذي قبله؛ ويفذلك عليه؛ ويستخرج من عرضه بمقتضى ختم المدة، ويعتد بما لعله رسم بالمسامحة به مما كان قرر، ويسوق ما ينطرد بعد ذلك إلى الباقي؛ فهذه هي الأعمال.\rوأما السياقات - فهي مختلفة: فمنها سياقة الأسرى والمعتقلين، وسياقة الكراع، وسياقة العلوفات، وسياقة الأصناف والعدد.\rفأما سياقة الأسرى والمعتقلين - فصورتها أن يوصل في صدرها عدة من انساق عنده إلى آخر المدة التي قبلها، ويفصلها بالمعتقلين وأسمائهم وجرائمهم، والأسرى ومللهم وأجناسهم؛ ويضيف إليها ما لعله تجدد عنده من معتقلٍ أو أسير، ويفذلك عليها، ثم يذكر من أفرج عنه: إما بمقتضى المراسيم \" فيذكر تواريخها وأسماء من حضرت على يده، ومن تسلم المعتقل وإما بالهداية إلى دين الإسلام من الأسرى فيذكر اسم المهتدى وجنسه، ومن أي الملل كان، وتاريخ إسلامه والإفراج عنه، أو من فودي به، أو من تسحب، أو من هلك بالموت بعد اعتبار ما يجب اعتباره في الهالك؛ ويستقر بالجملة بعد ذلك؛ واستقرار الجملة هو الحاصل.\rوأما سياقة الكراع - فهي سياقةٌ تشتمل على الخيل والجمال والدواب والأبقار والأغنام؛ وصورتها أن يوصل الكاتب ما انساق عنده حاصلا آخر السياقة التي قبلها؛ ويضيف إلى ذلك ما لعله ابتاعه بتواريخه وأسماء من ابتيع منهم، وما لعله نتج، وما لعله اجتذب؛ ويفذلك على ذلك؛ ثم يذكر بعد ذلك ما باعه من عرض الجملة وما نفق وتنبل وذكي؛ ويستقر بالجملة على ما استقر من حيوانٍ وجلود وثمن، ويصرف وينقل ما لعله صرفه أو نقله، ويسوق إلى الحاصل.\rويحتاج المباشر لذلك إلى ملاحظة أحوال الأغنام، ومعرفة أوقات نتاجها وما يكون منها توأما، واستقبال النتاج لينضبط له نتاج النتاج.\rوأما سياقة العلوفات - فصورتها أن يوصل في صدرها ما صرفه على الكراع في المدة التي نظم لها السياقة، ثم يفصل ذلك كل صنفٍ من الكراع وعدده في الزيادة والنقص، وما صرفه على ذلك النوع في كل مدة، في اليوم كذا في المدة كذا، والزيادة والنقص على حسب الاتفاق، ويراعى في ذلك ما تضمنته سياقة الكراع؛ وإن صرف علوفةً لطارئٍ لا يستقر عنده ميزه في التفصيل من المستقر فيقول: المستقر كذا، والطارئ كذا إضافةً إلى هذه السياقة؛ ولا فذلكة، ويتجنب أن يصرف علوفةً عن أيام نقص الشهور الهلالية، وهي ستة أيام في السنة فإن ذلك من المخرج اللازم، وكذلك أيام الربيع.\rوأما سياقات الأصناف والزردخاناه والعدد والآلات والخزائن والبيمارستانات - فإنه لا يمكن استيعابها لمؤلف كتاب، وقلما عملت فيما كثر، وإنما تعمل فيما قل من الأصناف؛ وصفتها إذا أمكن عملها أن يوصل ما عنده من الأصناف مفصلة، ويضيف إليها ما ابتاعه أو ما وصل إليه، ويفذلك على ذلك ثم يذكر بين الفذلكة واستقرار الجملة ما يرد من الأبواب: من المنتقل والمستهلك وغير ذلك على كثرته؛ وإذا استقصى ما يرد بين الفذلكة واستقرار الجملة زاد على مائة باب لا يعرفها إلا أفاضل الكتاب ومن له حذقٌ بهذه الصناعة، واختلفت مباشراته وتكررت؛ فإذا ذكر ما وقع عنده استقر حينئذ بالجملة على ما قام عليه ميزان عمله؛ ثم يخصم بما يسوغ الخصم به، ويسوق إلى حاصله.\rفهذه هي الختم والتوالي والأعمال والسياقات، وهي شواهد الارتفاع.","part":2,"page":453},{"id":954,"text":"وأما الارتفاع - فهو العمل الجامع الشامل لكل عمل؛ وصورة وضعه أن يشرح الكاتب في صدره بعد البسملة ما مثاله: عملٌ بما اشتمل عليه ارتفاع المعاملة الفلانية لمدة سنة كاملة، أولها المحرم سنة كذا وكذا، وآخرها سلخ ذي الحجة منها، مما اعتمد في إيراد ذلك الهلالي والجوالي للسنة المذكورة، والخراجي والأقصاب لسنة كذا وكذا الخراجية، مضافا إلى ذلك ما وجبت إضافته، مفذلكا عليه، وما استقرت عليه الجملة، مخصوما مساقا إلى حاصل، وما اعتد به محسوبا إن كان، وما اشتملت عليه فذلكة الواصل، وما انساق إلى الباقي والموقوف في المدة؛ ويذكر أسماء المباشرين كما قدمناه في الختمة؛ وإن انفصل أحدٌ من المباشرين في أثناء تلك السنة وباشر آخر بعده قال: بمباشرة فلانٍ إلى آخر المدة الفلانية وفلانٍ بعده إلى آخر المدة؛ ويقول في صدره عن يسرة نصف القائمة: ما مبلغه من الذهب كذا، ومن الدراهم كذا، ومن الغلات كذا، ومن الأقصاب كذا، ومن الأصناف كذا، ومن الكراع كذا؛ يفصل ذلك بسنيه، ثم يأخذ في تفصيل كل مال بجهاته، فيبدأ بمال الهلالي، يذكر كل جهة، واسم مستأجرها أو ضامنها، واستقبال عقد إجارته أو تقريره، ويوجب عليه في الشهر وفي السنة، إلى أن يستوعب أبواب الهلالي، ويشطب في مسودته التي ينظمها لنفسه قبالة كل جهةٍ ما استخرجه بمقتضى ختمات المستخرج ليقوم له ميزان كل جهة في الباقي والفائض؛ ولا يلزمه هذا العمل في الحساب المرفوع منه؛ فإذا انتهت أبواب الهلالى ذكر الجوالى واعتمد فيها كذلك، ثم يذكر الخراجى، ويفصله بأقلامه وجهاته مستقصىً واضحا جلياً، ويعتمد من الشطب قبالة كل جهةٍ ما تقدم شرحه؛ فإذا تحررت له جهات الأصول قال: وأضيف إلى ذلك ما وجبت إضافته؛ ويعقد على المضاف جملة، ويذكر أبوابه يبدأ فيها بالحاصل والباقي المساقين آخر العمل الذي قبله، ويعقد عليهما جملة، ثم يقول: الحاصل كذا، والباقي كذا؛ ويفصل ما أمكن تفصيله من الحاصل بسنيه ويفصل الباقي بجهاته وأسماء أربابه وسنيه وأسماء مباشريه إن أمكن، ويشطب في مسودته قبالة كل اسم ما لعله استخرجه من عرض ما هو عليه كما تقدم؛ ثم يذكر جهات مضاف السنة الحاضرة، يبدأ بما هو مستقر من الأموال التي ترد في جهات المضاف، ويشطب قبالة كل اسم ما تقدم بيانه؛ ثم يذكر بعد ذلك ما لعله وصل إليه أو اعتد به: من الأموال والغلال على اختلافها، وأثمان المبيعات والمواريث الحشرية والمجتذبات والجنايات والتأديبات والقروض والأصناف المبتاعة، يستقصى أبواب المضاف على حسب ما ورد عنده منها في طول السنة بمقتضى ما ورد في الشواهد التي ذكرناها بحيث لا يخل بها بشيء.\rومن أبواب المضاف ما يضاف بالقلم - ولا أصل له، بل يكمله الكاتب على نفسه في حسابه لينطرد نظيره إلى الباقي، ويقوم به الميزان، وهو نظير التقاوى والقروض؛ وكتاب الشأم يفعلون ذلك دون كتاب الديار المصرية، وهم على الصواب في إيراده، لأن الكاتب إذا أورد نظير التقاوى والقروض انطرد له إلى الباقي نظير ذلك، وصح ميزان العمل، فإنه لا يمكن أن ينطرد إلى الباقي إلا بإضافة نظيره، فإذا انطرد إلى الباقي وجب إيراده في المضاف في السنة الثانية وما بعدها إلى أن يستخرج ويحصل؛ وكتاب مصر يقتصرون في ذلك على أعمال التقاوى والقروض؛ والتحرير ما يورد كتاب الشأم في ذلك.","part":2,"page":454},{"id":955,"text":"ومن وجوه المضاف الغربية: المستعاد نظير المعاد، مثال ذلك أن يكون المباشر أحال رب استحقاقٍ على ضامن جهةٍ بمبلغٍ بمقتضى وصولٍ أجراه واعتد به لضامن تلك الجهة، واعتد على رب الاستحقاق بمبلغه، وقطع الباقي والمتأخر بعده، وصدر حسابه بذلك، فأعيد عليه وصوله في أثناء السنة الثانية فمثل هذا تجب إضافته وإضافة نظيره، فيكون خصم إضافته الأولى المعاد على الضامن، وخصم الثانية الباقي المساق، ويكمل لرب الاستحقاق نظير ذلك المبلغ في محاسبته - على ما يأتي بيانه في المحاسات؛ فإذا استوعب ما ورد عنده من أبواب المضاف فذلك على ذلك فيقول: فذلك الأصل وما أضيف إليه؛ ويعقد على الفذلكة جملةً، ومعناها أن يضم ما عقد عليه الجملة في صدر الارتفاع إلى ما عقد عليه جملة المصاريف، فتشتمل الفذلكة على الجملتين، ويفصل ذلك عينا وغلة وأصنافا وكراعا على ما تقدم، ويفصل ما هو متميز بسنة؛ ويشرحه؛ ثم يذكر الأبواب التي ترد بين الفذلكة واستقرار الجملة على اختلافها بحسب ما وقع عنده منها، يبدأ بالصرف من نقدٍ إلى نقد، والمبدل من صنفٍ إلى صنف، والتنقل من سنة إلى سنة، ومن كيلٍ إلى كيل ومن وزنٍ إلى وزن، ومن عددٍ إلى وزن، ومن وزنٍ إلى عدد، ومن صفةٍ إلى صفة وما وقع من مبيع ومثمنٍ ونافقٍ ومستهلك، وغير ذلك؛ وقد جمع بعض فضلاء الكتاب جميع ذلك واختصره في لفظتين فقال: هو عبارة عن منقول ومعدوم؛ وإذا نظرت إلى حقيقة هاتين اللفظتين وجدت جميع هذه الأبواب وإن كثرت مندرجة فيها، كما أن جميع الكلام لا يتعدى أن يكون اسما أو فعلا أو حرفا؛ فإذا انتهت هذه الأبواب قال: واستقرت الجملة بعد ذلك على ... ويذكر ما استقرت عليه الجملة بمقتضى قيام ميزانه، ويفصله بسنيه، ثم يقول: استخرج من ذلك وتحصل ... ويذكر المستخرج بمقتضى الختم، فيشرح ما استقرت عليه جملة الختمة الأولى، وما اشتملت عليه فذلكتها بعد وضع الحاصل من الجهة الثانية وما بعدها لئلا يتكرر عليه؛ ويحصل بمقتضى الأعمال والتوالي والسياقات على هذا الحكم؛ ويفصل المستخرج والمتحصل بسنيه، ثم يخصم ما استخرجه وحصله، فيبدأ في الخصم بالحمل من الأموال، والحمول من الغلال والأصناف، والمساق من الكراع؛ ويتلوه ما لعله نقله على معاملة أخرى مفصلا بأبوابه ومعقود الجملة على كل باب فيها؛ فإذا تكامل له الخصم في العين والغلة والمواشي والأصناف ساق ما تأخر من جملة ما استخرجه وحصله إلى حاصل، ويفصله بالعين والغلة والصنف وغيره، فيكون ما حمله ونقله وصرفه وساقه إلى الحاصل خصم ما استخرجه وحصله؛ ثم يذكر بعد سياقة الحاصل ما لعله ورد عنده من المحسوب على اختلافه: من عطلة، ويذكر أسبابها، وما لعله ثبت من الحوائج الأرضية والسمائية بمقتضى المحاضر الشرعية إذا برزت المراسيم بالحمل على حكمها؛ فيذكر كل جهة واسم مستأجرها أو ضامنها، وتاريخ محضر الجائحة، وتاريخ المرسوم بجمل الأمر على حكمه، وجملة المبلغ المتروك بسبب ذلك، وما لعله سومح به من البواقي المساقة، وغير ذلك مما هو داخل في باب المحسوب؛ وسائر المسامحات ترد بعد سياقة الحاصل، وترد في أماكن نذكرها بعد إن شاء الله تعالى؛ فإذا استوعب الكاتب جملة ما عنده من المحسوب في بابه قال بعد ذلك: فتلك جملة المستخرج والمتحصل والمحسوب؛ ويعقد عليه جملة يفصلها بسنيها وأقلامها؛ ويسمون هذه الفذلكة فذلكة الواصل؛ وما بقي بعد ذلك مما استقرت عليه الجملة بعد هذه الفذلكة تعينت سياقته إلى الباقي والموقوف، فيطرده باقيا وموقوفا، أو باقيا بغير موقوف، معقود الجملة، مفصلا بالسنين والجهات والأسماء والمباشرات، ويميز ما يرجى استخلاصه وتحصيله منه وما لا يرجى؛ وما انعقد عليه الباقي والموقوف واشتملت عليه فذلكة الواصل هو خصم ما استقرت عليه جملة الارتفاع.","part":2,"page":455},{"id":956,"text":"وأما الحواصل المعدومة المساقة بالأقلام - ولا حقيقة لوجودها، وإنما يوردها الكتاب حفظا لذكرها، كالحواصل المسروقة والمنهوبة - فإنه إذا رسم بالمسامحة بها فقد اختلفت آراء الكتاب في إيرادها على وجوه كثيرة: منها ما يسوغ، ومنها ما لا يجوز فعله، ونحن نذكر أقوالهم وطرقهم في ذلك، ونوضح ما يجوز منها وما لا يجوز، ونذكر ما ينبغي أن يسلك فيها: فمن الكتاب من يرى أن ينقل هذا الحاصل بين الفذلكة واستقرار الجملة من الحاصل إلى الباقي، ولا يورده في باب المستخرج، ويطرده إلى الباقي، ويورده في باب المسموح بعد سياقته الحاصل؛ وهذا لا يجوز، وفي إيراده على هذا الوجه غلطٌ وسوء صناعة، لأن الحاصل لا يجوز نقله إلى الباقي، والباقي أيضا، فلا بد أن يكون باسم إنسان أو أناس، فإن ساقه باقيا باسم مباشره فقد أتى بغير الواقع، وعرض المباشر إلى الغرامة، ولا يفيده، إذ مرسوم المسامحة يتضمن المسامحة بحاصل معدوم، وقد انتقل هذا من تسمية الحاصل إلى الباقي.\rومن الكتاب من يرى استثناءه من جملة المستخرج، ثم يورده أيضا في باب المسموح؛ وفي هذا أيضا ما فيه من نقله من الحاصل إلى غيره تسميةً، فإنه لا عبرة عند ذلك بتسميته ولا بنسبته إلى الباقي والموقوف؛ وإن نقل فلا يجوز، لأن الحواصل لا يجوز نقلها إلى تسمية أخرى ألبتة؛ فهذه الوجوه لا تجوز في صناعة الكتابة.\rوأما الذي يجوز في هذه فوجوه: منها أن يكمله الكاتب في باب المستخرج من ذلك، ويخصم إلى نهاية المصروف، ويقول قبل سياقة الحاصل: ما نقل رسم بالمسامحة به عن الحاصل المعدوم المساق بالقلم حفظا لذكره، بمقتضى مرسومٍ تاريخه كذا؛ ويشرح مقاصد المرسوم، وسبب عدم الحاصل، وجملته؛ ويكتفى بذلك عن إيراده في باب المسموح؛ ويعقد جملة الخصم على الحمل والمصروف والمسموح به.\rومنها أنه إذا ساق الحاصل بعد الحمل والمصروف يقول: من جملة كذا بعد مأمنه ما سومح به عن الحاصل المعدوم والمساق بالقلم؛ ويشرح ما تقدم، ويبرز بالحاصل بعد ذلك.\rومنها أن يستثنيه عند ذكر المضاف، فيقول عند إضافة الحاصل ما صورته الحاصل المساق إلى آخر السنة الحالية من جملة كذا بعد مأمنه ما عدم في تاريخ كذا وورد في سياقات الحاصل حفظا لذكره، ورسم بالمسامحة به بمقتضى مرسومٍ شريفٍ تاريخه كذا؛ ويعين جملة المسموح به، وهي جملة المعدوم، ويبرز بما بقي، ويستثنيه أيضا من المستخرج عندما يستشهد بالختم والتوالي والأعمال.\rفهذه صورة نظم الارتفاع وشواهده التي قدمناها قبله؛ والارتفاع هو جل العمل، وقاعدة الكتابة، والجامع لسائر ما يرد في المعاملة.\rوإن انفصل الكاتب أثناء السنة لزمه أن ينظم لما مضى من السنة في مباشرته حسابا يسمونه بالشأم الملخص، وبمصر التالي، وهو نظير الارتفاع في نظمه، إلا أنه يكون لما دون السنة، والملخص عند المصريين هو الارتفاع، ويلزم الكاتب المباشر بعده عمل ملخصٍ أو تالٍ يتلوه لما بقي من المدة، ثم يعمل جامعةً على المخلصين أو التاليين، وهما شاهداها؛ ويستغنى الكاتب في إيراد المستخرج والمتحصل والمصروف عن الاستشهاد بالختم والتوالي والأعمال، ويستشهد بهذين الملخصين فيقول: ما تضمنه ملخص مدة كذا وكذا كذا وما تضمنه ملخص مدة كذا وكذا كذا؛ وقد تكون الملخصات أكثر من اثنين بحسب الاستبدال بالأعمال.\rومما يلزم الكاتب رفعه المحاسبات - وتختلف:","part":2,"page":456},{"id":957,"text":"فمنها محاسبة أرباب النقود الجيشية والمكيلات والجامكيات والجرايات، وأرباب الوظائف والرواتب والصلات عما هو مستقر مشاهرةً أو مسانهة؛ وهذه المحاسبة تنظم من الجريدة المبسوطة على أسمائهم، المشتملة على كمية استحقاقهم، المشطوبة بقبوضهم؛ وصورة عملها أن يقول الكاتب: محاسبةٌ لأرباب النقد والمكيل والقرارات والجامكيات والرواتب والصلات بالمعاملة الفلانية لاستقبال مدة كذا، وإلى آخر كذا؛ ويعقد جملة صدرها على ما يستحق لهم في تلك المدة المعينة من عينٍ وغلة وأصناف، ويضيف إلى تلك الجملة ما تأخر لهم إلى آخر المدة التي قبلها، ويفذلك على ذلك، ويقبضهم ما صرفه لهم بمقتضى ختم المدة وأعمالها وتواليها، ويعتد عليهم بما لعله انساق فائضا على من قبض منهم زيادةً على استحقاقه في المدة التي قبلها، ثم يطرد ما انساق لهم إلى متأخر، وما انساق عليهم إلى فائض، ثم يفصل ذلك بالأسماء، فيضع الاسم ويذكره واستحقاقه في الشهر وعن المدة، ويضيف إليه ما لعله تأخر له إن كان، ويفذلك عليه، ويخصم بقبضه، ويسوق إلى متأخرٍ إن بقي له، أو فائضٍ إن زاد قبضه على استحقاقه؛ استحق له ما وجب له في المدة، واعتد عليه بما انساق فائضا؛ وما لعله صرفه له في تلك المدة يسوقه إلى متأخر أو فائض، يفعل ذلك في جميع الأسماء.\rوهذه المحاسبة إذا كان الكاتب مستمر المباشرة عملها لسنة، وإن انفصل قبل استكمال السنة أو اقتراحها مقترحٌ عليه لزمه عملها؛ والله أعلم.\rومنها محاسبات أرباب الأجر والاستعمالات، ويعتمد الكاتب فيها نظير تلك، إلا أنه لا يستحق لكل نفرٍ إلا بمقدار عمله، ويضيف إليه ما لعله تأخر له ويفذلك عليه، ويخصمه بالقبض والاعتداد بالمسلف إن كان؛ وهذه المحاسبة على منوال تلك، إلا أنها تعمل بمفردها.\rومما يلزم الكاتب رفعه ضريبة أصول الأموال ومضافاتها عن كل سنة كاملة، يذكر فيها كل جهةٍ من جهات الهلالي، واسم مستأجرها أو ضامنها، ومبلغ إجارتها أو تقرير ضمانها مشاهرةً ومسانهة، واستقبال العقد، وتاريخ الحجة المكتتبة به، ويشطب قبالتها أسماء كفلاء ضامن الجهة؛ ويذكر الجوالي ويفصلها بالأسماء والملل، ويفصل الخراجي بجهاته وأقلامه، والأحكار بأسماء أربابها؛ وإن كان بتلك المعاملة شيء من نواحي الخاص ذكر كل ناحية، واسم رئيسها، وحدودها وعدة فدنها الرومية والكادية والعاطلة، وأسماء من بها من الفلاحين القرارية، وما يبذره كل فدان من الشتوي والصيفي، وريعه في الثلاث سنين المقبلة والمتوسطة والمجدبة، وشروط المقاسمة، وما على كل فدان من الحقوق والرسوم، وما بها من المطلق، وما فيها من جهات العين وما عليها من الخدم والضيافات، وغير ذلك من معالمها بحيث لا يخل بشيء من جميع أحوال القرية، بل يوضحها إيضاحا شافيا كافيا حتى يعلم الغائب عنها جلية أمرها كالحاضر فيها.\rفإذا تكامل ذكر جهات الأصل في هذه الضريبة ذكر جهات المضاف الراتبة كالخدم وما يناسبها، وذكر في آخرها ما تتعين إضافته من المتوفر من العين والغلة على اختلاف ضرائبه؛ وهذه القواعد تكون في ضياع الشأم.\rويلزمه رفع المؤامرات - وتسمى ضرائب المستقر إطلاقه - وهي تشتمل على أسماء من هو مرتبٌ على تلك المعاملة: من رب نقدٍ ومكيلٍ ومقررٍ وصدقة، يذكر اسم كل واحد واستحقاقه مشاهرةً ومسانهة، ويعقد على ذلك جملةً في صدر المؤامرة مشاهرةً ومسانهة؛ فإن كان في حصن ذكر في صدر الأوراق عدة أرباب الاستحقاقات، ثم يفصلهم بوظائفهم وأسمائهم من الخرجية والأقجية وغيرهم.\rويلزمه رفع ضريبة ما يستأدى من الحقوق، يذكر فيها ما يستأديه ضامن كل جهة من رسومها وحقوقها، وما لعله يستأدى بالدروب من الخفر، وغير ذلك من سائر ما يستأدى من حقوق تلك المعاملة، وما لعله يقتطع من أرباب النقود والمكيلات وغيرهم من الوفر والمقتطع على اختلاف الضرائب، بحيث لا يخل بشيء منها، لتعلم بذلك أحوال تلك الجهة، فلا يمكن للضمان أن يستأدوا زيادة على ذلك، لما فيه من تجديد الحوادث على الرعية.","part":2,"page":457},{"id":958,"text":"ومما يلزمه رفعه في كل سنة تقدير الارتفاع - وهو الارتفاع بعينه إلا أنه لا يضيف فيه حاصلا ولا باقيا، ولا يفصل فيه الجوالي بالأسماء، بل يعقد الجملة في صدره على ما يستحق بتلك المعاملة من جهات الأصول والمضاف، ويخصم بالمرتب عليها عن سنة كاملة، ويسوقه إلى خالص أو فائض، ليظهر بذلك ميزان تلك الجهة.\rهذا ما يلزم المباشر رفعه مشاهرةً ومسانهة.\rويلزمه في كل ثلاث سنين رفع الكشوف الجيشية، يذكر فيها أسماء النواحي العامرة والغامرة، والفدن الكادية والعاطلة وما تقدم شرحه في الضريبة: من ذكر البذار والربع والشروط والمطلق وغيره؛ ثم يذكر المتحصل منها في ثلاث سنين لثلاث مغلات، يعقد على ذلك جملة، ويفصله بسنيه وأقلامه، ولا يخل بشيء مما بكل ناحية من الحقوق الديوانية والإقطاعية، ويعقد في صدر الكشف جملة على عدة النواحي وعدة الفدن، وجملة جهات العين والغلة، مفصلا بالمعاملات؛ هذه هي الحسابات اللازمة.\rوأما المقترحات - فلا يمكن ضبطها، إلا أنه مهما اقترح مما يكون سائغ الاقتراح ممكن العمل لزم الكاتب عمله.\rوحيث انتهينا إلى هذه الغاية فلنذكر أرباب الوظائف.\rأرباب الوظائف وما يلزم كلا منهم مع حضور رفقته ومع غيبتهم وما يسترفعه كل مباشر عند مباشرته وما يلزمه عمله أما المشد أو المتولي - فالذي يحتاج إلى استرفاعه عند مباشرته ضرائب أصول الأموال والمرتب عليها ليعلم حال المعاملة، وما بها من الخالص، أو عليها من الفائض؛ ويسترفع أوراقا بالحاصل والباقي والفائض والمتأخر، ليعلم أحوال الناس ومحاسباتهم، ويعلم ممن يطلب وإلى من يصرف؛ والذي يلزمه عمارة البلاد، واستجلاب من نزح منها، وإقامة السطوة، وإظهار المهابة والحرمة، وتسهيل السبل، وإقامة الخفراء عليها، وتشييد منار الشرع الشريف، والتسوية بين القوي والضعيف؛ ويلزمه استخراج الأموال من سائر جهاتها ووجوهها المستحقة في مباشرته، والبواقي التي رفعت إليه بعد تحقيقها بحيث لا ينطرد إلى الباقي الدرهم الفرد؛ ومتى انساق في مباشرته شيءٌ لزمه؛ ويلزمه تقرير الجنايات والتأديبات على أرباب الجرائم لتنحسم بذلك مواد المفسدين.\rوأما الناظر على ذلك - فيحتاج عند مباشرته إلى استرفاع ضرائب أصول الأموال ومضافاتها، والمستأدى من الحقوق، وضرائب بما استقر إطلاقه، وأوراق الحاصل والباقي، وأوراق الفائض والمتأخر، وتقدير الارتفاع، والكشوف الجيشية، ويطالب بمخازيم المياومة لاستقبال مباشرته، والختم والتوالي عند مضي المدة، والأعمال وسائر الحسبانات المتقدم ذكرها في أوقاتها، وما لعله يقترحه مما يسوغ اقتراحه ويمكن عمله؛ والذي يلزمه الاجتهاد في عمارة نواحي الخاص، وتمييز الجهات ونموها، والنظر في أحوال المعاملات، وإزاحة أعذارها، وتقدير قواعدها، واختبار من بها من المباشرين، والكشف عن أحوالهم، وكتب كل واحد منهم بما يلزمه مباشرةً وعملا، ويتصفح ما يرد عليه من الحسبانات الصادرة عنهم؛ وينظر فيما يتجدد من أحوال المعاملات وما يطرأ من الحوادث على اختلافها مما لا يحصره ضبط، بل هو بحسب ما يقع؛ وإنما جعلنا هذه الإشارات أنموذجا يستدل بها على ما بعدها؛ ويقيد بخطه الاستدعاءات والإفراجات والمراسيم والتواقيع وغير ذلك مما جرت به العادة: من الكتابة بالمقابلة والثبوت والتمحية والاعتماد وغير ذلك.\rوأما صاحب الديوان - فإنه يسترفع ما يسترفعه الناظر من المعالم خاصة، وليس له أن يسترفع الارتفاعات ولا شواهدها؛ فإن استرفعها لزمه من دركها ما يلزم المستوفي؛ وهو يكتب على ما يكتب عليه الناظر، وله زيادةٌ على ذلك: وهي الترجمة على التذاكر والاستدعاءات، والكتابة على تواقيع المباشرين بأخذ خطوطهم عند استخدامهم، والكتابة على محرراتهم بالتخليد، والكتابة على تذاكر المخرج والمردود الصادرة عن مستوفي العمل بأن يجيب المباشرون عنها بما يسوغ قبوله، والكتابة بقبول الجواب عند عوده إن كان سائغا، والكتابة على الحساب الصادر عن المباشرين بتخليده في ديوان الاستيفاء بعد أن يتصفحه وتظهر له سياقة أوضاعه؛ وكل عمل لا يكون له صاحب ديوانٍ قام الناظر بهذه الوظيفة إلا الكتابة بقبول الحساب.","part":2,"page":458},{"id":959,"text":"وأما مقابل الاستيفاء - وهو بمنزلة الشاهد في ديوان الأصل - فله أن يسترفع المعالم لنفسه في كل سنة، ويسترفع نتيجة الحسبانات اللازمة التي تصدر إلى الديوان العالي بالباب الشريف، ويضبط مياومة المجلس، ويكتب على ما يكتب عليه المستوفي، ويكتب على الحسبانات الواصلة من جهة المباشرين بتاريخ حضورها إلى الديوان قبل تخليدها في ديوان الاستيفاء، ويسد بقلمه تواريخ التذاكر والمراسيم، ويتصفح ما يصدر عن المستوفي من المخرج والمردود ويطالب بحمل ما ثبت منه، ويطالب أرباب الخطوط والبذول بما يستحق عليهم وينيب شاد الدواوين عنه، ويكتب في كل يوم بما يطالب به؛ وإذا لم يكن للديوان مقابل قام المستوفي بوظيفته.\rوأما المستوفي - فله أن يسترفع سائر الحسبانات اللازمة، وما تدعو إليه حاجته من المقترحات في المدد الماضية والحاضرة مما يمكن عمله، فإذا صار الحساب إليه مشمولا بخط صاحب الديوان بتخليده ومؤرخا حضوره بخط المقابل تصفحه واستوفى تفاصيله على جمله أصلا وخصما، وشطب ما يحتاج إلى شطبه - كل عملٍ على شواهده - وخرج ورد ما يتعين تخريجه ورده، وكتب بذلك مطالعةً تعرض على المقابل، فإذا وافقه عليها عرضت على صاحب الديوان وكتب بالإجابة عنها، ثم يطالب المباشر بالإجابة عما تجب الإجابة سعنه، وإضافة ما تجب إضافته إلى حساب المدة التالية لتلك المدة، وحمل ما يجب حمله؛ وتكون إضافته في الحساب منسوبةً إلى قلم مستدركه؛ فإن أخر استيفاء الحسبانات وشطبها وتخريج ما يلوح فيها ومضت عليها مدة يمكن فيها العمل، كان ما يتعين فيها لازما له إذا عنت، إعادة ما تناوله من الجامكية عن تلك المدة، ويطالب من صدر عنه الحساب بما يلزمه؛ ويتعين على المستوفي أنه إذا رفع إليه حساب معاملة تأمل خطوط المباشرين على عاداتهم، ونظر فيه بعد ذلك، فإن تغيرت عن العادة، فإن كان بزيادة تأكيد فلا بأس، وإن كان بإخلال مثل أن يكتب الشاهد على الحساب بالمقابلة، وعادته أن يكتب: الأمر على ما شرح يلزمه الكشف عن موجب ذلك؛ ويلزم المستوفي ضبط مياومة المجلس، وكتابة الكشوف بخطه والتذاكر ونسخ المحررات، وتعيين الجهات لأربابها بعد كاتبة الناظر بتعيين الجهة، وعليه نظم جوامع التقدير بعد عمل موازينها وتحريرها وشطبها على التقادير الصادرة عن المباشرين وجوامع الحواصل: من العين والغلال والكراع والأصناف المعدودة والموزونة والمذروعة والسلاح خاناه والعدد والآلات وغير ذلك، يسد على ما أمكن سده جملة، وما لا يمكن نثره أقلاما يستشهد فيها بما رفع إليه من جهة المباشرين؛ وكذلك يعتمد في جملة البواقي، يعقد عليها جملة، ويفصلها بمعاملاتها وجهاتها وسنيها وأسماء مباشريها، وما يرجى بمقتضى أوراق المباشرين؛ وكذلك يعتمد في جامعة الفائض والمتأخر وغير ذلك من الجوامع؛ وعليه عمل ما يطلب من الأبواب من المقترحات والمطاولات؛ ويلزمه علم المقايسات وفوائد المتأخر، وغير ذلك من لوازم قلم الاستيفاء؛ ويلزمه محاسبات أرباب النقدوالكيل المرتبين على ما تعين بقلم الاستيفاء، فيحاسبهم على استحقاقهم، ويعتد عليهم بما ثبت مما عينه لهم بقلمه؛ ويلزمه التنبيه على خوالص المعاملات وطلبها: حملا إلى بيت المال، أو حوالةً على ما يعينه بقلمه؛ ويلزمه تخريج تفاوت المدد والمحلولات وغير ذلك؛ ويلزمه التفريع بما يصل إليه من الحوطات الجيشية لوقته على ما جرت به العادة.\rووظيفة الاستيفاء كبيرة، كثيرة الأعمال، لا تنحصر لوازمها في كتاب، وإنما هي بحسب الوقائع.\rفإذا انفصل المستوفي من المباشرة فليس له أن يأخذ ورقةً من حسابه الذي استرفعه أو وضعه بقلمه، ويتلقاه المباشر بعده.\rوأما المشارف - فله أن يسترفع عند مباشرته معالم الجهة ليستعين بها على المباشرة: من ضرائب وتقادير وحاصلٍ وباقٍ وفائضٍ ومتأخرٍ وغير ذلك؛ وهو مطلوب بتحقيق الحواصل، وله الختم عليها؛ وهو مطلوب بنظم سائر الحسبانات اللازمة والمقترحة إن تسحب العامل أو مات، ومع وجود العامل إن كان قد التزم عند مباشرته العمل؛ وتلزمه المقابلة مع العامل على الحساب الصادر عنهما، وسياقة التعليق معه، والكتابة على الوصولات والحسبانات؛ وهو مطلوب بجميع ما يطلب به العامل من المخرج وغيره.","part":2,"page":459},{"id":960,"text":"وأما الشاهد - فيلزمه ضبط تعليق المياومة، والكتابة على الوصولات والحسبانات؛ ومتى فقد العامل والمشارف لزمه رفع الحساب اللازم دون المقترحات؛ ولا بد له من جريدة مبسوطة على الأصل والخصم.\rوأما العامل - فقد قدمنا ذكر ما يحتاج إليه كل مباشر من ضبط تعليق المياومة وبسط الجريدة وخدمتها في الأصل والخصم أولا فأولا، والتيقظ لذلك وأن من أهمله فقد قصر في مباشرته وأخل بوظيفته؛ والعامل أحرى بجميع ذلك ممن سواه من سائر المستخدمين، لما هو مطلوب به من نظم الحسبانات وموقعه من عمل المقترحات والأجوبة عن المخرج والمردود، وأنه هو الملتزم لذلك دون غيره وأنه لا يلزم من سواه شيءٌ من الأعمال مع وجوده.\rوقد ذكرنا تلخيص قواعد هذه الكتابة والمباشرين وأوضاعهم ولوازمهم والأوضاع الحسابية وغير ذلك من معالم المباشرات، مجملا غير مفصل، وبعضا من كل، وقليلا من كثير، إذ لو استقصينا ذلك لطال ولتعذر لاختلاف المباشرات والوقائع والأوضاع والآراء؛ ولقد حصل الاجتماع لجماعة من مشايخ أهل هذه الصناعة ممن اتخذها حرفة من مبادئ عمره إلى أن طعن في سنه، وما منهم إلا من يخبر أنه يستجد له في وقت من أحوال المباشرات ما لم يسمع به قبل، ولا طرأ له فيما سلف من عمره، فكيف يمكن حصر ما هو بهذا السبيل؟ وفيما نبهنا عليه مقنعٌ لطالب هذه الصناعة، والعمدة فيها على الدربة والمباشرة، وقد قيل:\rولا بد من شيخ يريك شخوصها ... وإلا فنص العلم عندك ضائع\r/////ذكر كتابة الحكم والشروط وما يتصف به الكاتب ويحتاج إليه ينبغي أن يكون كاتب الحكم والشروط عدلاً، ديناً، أميناً، طلق العبارة فصيح اللسان، حسن الخط، ويحتاج مع ذلك إلى معرفة علوم وقواعد تعينه على هذه الصناعة، لا بد له منها، ولا غنية له عنها: وهي أن يكون عارفاً العربية والفقه متقناً علم الحساب، محرراً القسم والفرائض، دربا بالوقائع، خبيراً بما يصدر عنه من المكاتبات الشرعية، والإسجالات الحكمية على اختلاف أوضاعها، وأن يكون قد أتقن صناعة الوراقة وعلم قواعدها، وعرف كيفية ما يكتب في كل واقعة وحادثة: من الديون على اختلافها، والحوالات، والشركات، والقراض، والعارية، والهبة والنحلة، الصدقة والرجوع، والتمليك، والبيوع، والرد بالعيب والفسخ، والشفعة والسلم، والمقايلة، والقسمة والمناصفة، والأجائر على اختلافها، والمسافاة، والوصايا والشهادة على الكوافل بالقبوض، والعتق، والتدبير، وتعليق العتق، والكتابة، والنكاح وما يتعلق به، وإقرار الزوجين بالزوجية عند عدم كتاب الصداق، واعتراف الزوج بمبلغ الصداق، والطلاق، وتعليق الطلاق، وفسخ النكاح، ونفي ولد الجارية والإقرار باستيلاد الأمة، والوكالات، والمحاضر، والإسجالات، والكتب الحكيمة والتقاليد، والأوقاف، وغير ذلك، على ما نوضحه ونبينه إن شاء الله تعالى. فنقول وبالله التوفيق: أما اشتراط العدالة والديانة والأمانة - فلأنه يتصرف بشهادته في الأموال والدماء والفروج، فإذا لم يكن فيه من الديانة والعدالة والأمانة ما يستمسك به، ويقف عند أوامر الشرع الشريف نواهيه بسببه، تولاه - والعياذ بالله تعالى - الشيطان بالغرور، وأوقعه في محظور يتوقع في الدار الآخرة منه وقوع المحذور، وربما انكشفت في الدنيا عورته، وبدت سريرته، وإذن هو المعنى والمشار إليه بقولهم: \" شاهد الزور قتل ثلاثة: نفسه والمشهود له والمشهود عليه فلم يفز مما ارتكبه بطائل، بل جمع لنفسه بين نكالٍ عاجلٍ وعقابٍ آجل، \" خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين.","part":2,"page":460},{"id":961,"text":"وأما طلاقة العبارة وذلاقة اللسان - فلأنه يجلس بين يدي الحاكم في مجلسه العام، ويحضره من يحضره: من العلماء والفقهاء، وذوي المناصب، وأصحاب الضرورات، وخصوم المحاكمات على اختلاف طبقاتهم وأديانهم، وهو المتصدي لقراءة ما يحضر في المجلس: من إسجالات حكمية، ومكاتيب شرعية، وكتب مبايعات، ووثائق إقرارات، وقصص وفتاوي، وغير ذلك مما يتفق في المجلس، فمتى لم يكن الكاتب طلق العبارة فصيح اللسان، جيد القراءة حسن البيان، تعذرت قراءة ذلك عليه ولكن في المجلس، فرمقته العيون شزراً، وتلمظت به الألسن سراً، ونظر بعض القوم بسببه بعضا، وكان عندهم في الرتبة سماءً فغدا أرضاً، ثم تتعدى هذه المفسدة إلى إفساد المكتوب، والتباس المعنى المراد والأمر المطلوب، وذلك لأنه إذا توقف في القراءة أحتاج إلى إعادة اللفظة وتكريرها، وترديد الكلمة وتدويرها، فتشكل قراءته على سامعه ومستكتبه، ويكون قد أخل برتبته ومنصبه.\rوأما حسن الخط - فلأنه مندوب إليه في مثل ذلك، وله من الفوائد ما لا يحصى، ولأن المكتوب إذا كان حسن الخط قبلته النفوس، وانشرحت له ومالت إليه، وإذا كان على خلاف ذلك كرهته وملته وسئمته، وقد ذكرنا ما قيل في حسن الخط وما وصفت به الكتابة عند ذكرنا لكتابة الإنشاء، فلا فائدة في إعادته هنا.\rوأما معرفة العربية - فلأنه إنما يكتب عن حاكم المسلمين في الأمور الشرعية، فلا يجوز أن يصدر عنه لحن بلفظه، فكيف إذا سطره بقلمه!؟ فإن وقع ذلك كان من أقبح العيوب وأشنعها، وربما أخل بالمقصود، وحرف المعنى المراد وأخرجه عن وضعه، ونقله إلى غير ما أريد به، سيما في شروط الأوقاف.\rوأما معرفة الفقه - فلأنه يجلس بين يدي حاكم عالم، لا يكاد يخلو مجلسه غالباً من الفقهاء والعلماء، فيوردون المسائل أو تورد عليهم، فيحصل البحث فيها فيتكلم كل من القوم بما علمه بقدر اشتغاله ونقله، فإذا كان الكاتب عارياً من الفقه والمدارسة ومطالعة الشرعية اقتضى ذلك عدم مشاركته لهم فيما هم فيه فيصير بمثابة الأجنبي من المجلس، وهو في ذلك بين أمرين: إما أن يسكت، فلا فرق بينه وبين جماد شغلت به تلك البقعة التي جلس فيها، أو يتكلم بما لا يعلم، فيرد عليه قوله، فيحصل له الخجل في ذلك المجلس الحفل، ويستزريه القوم، هذا من هذا الوجه، ثم هو فيما يكتبه عن الحاكم أو في أصل المكتوب بين أمرين: إما أن يجيد ويبرز المكتوب وهو محرر على مقتضى قواعد الفقه، فلا بد له فيه من الاستعانة بالغير وتقليده، بحيث إنه لو سئل عن معنى أجاد فيه وأحسن لعجز عن الجواب، وإما أن يستقل بنفسه فيكتب غير الواجب، فيكون قد أفسد المكتوب على أهله ولزمه غرم ما أفسد من القراطيس والرقوق، وكلتاهما خطة خسفٍ ما فيهما حظ لمختار، وربما اغتر جاهل ممن تلبس بالكتابة لوثوقه من نفسه بمعرفة مصطلح الوراقة دون الفقه، فيظن أنه استغنى بذلك عنه، وهذا غلط وجهل، لأنه قد يقع له من الوقائع ما لم يعلمه، فلا يخلصه منه إلا تصريفه على القواعد الشرعية، ولا يعتمد الكاتب على اطراد قاعدة الأشباه والنظائر، فيقبس الشيء على ما يظن أنه شبهه أو نظيره، وقد لا يكون كذلك، فإن الفقه أمر نقلي لا عقلي، فلا بد للكاتب من معرفته، والله أعلم.\rوأما علم الحساب والفرائض - فلأنه لو وقع في المجلس قسمة شرعية بين ورثة أو شركةٍ، ولم تكن له معرفة بهذا العلم، كان ذلك عجزاً منه وتقصيراً ونقصاً في صناعته، ويقبح به أن يعتمد على غيره فيه ويقلده، ويرجع إليه في المجلس الذي هو ممن يشار إليه فيه، فيصير في ذلك المجلس تابعاً بعد أن كان متبوعاً، ومقلداً لغيره، ومسطراً بقلمه ما لم يعرفه وما هو أجنبي عنه، هذا إن أتفق أن يحضر المجلس من له معرفة بهذا العلم، فأما إن خلا المجلس ممن يعلم ذلك جملة كان أشد لتوقيف الأمر وتعطيله، ودفعه من وقت إلى آخر، وفي هذا من النقص والتقصير والإخلال برتبته، وعدم الإنصاف بالكمال في صناعته، ما لا يخفى على متأمل.","part":2,"page":461},{"id":962,"text":"وأما معرفة صناعة الوراقة في الأمور التي ذكرناها - فلذلك من الفوائد ما لا يخفى على ذي لب، لأن الكاتب إذا أخرج المكتوب من يده بعد إتقانه وتحرير ألفاظه على ما استقر عليه الاصطلاح: من التقديم والتأخير ومتابعة الكلام وسياقته، وترصيعه وترصيفه، حسن موقعه، وعذبت ألفاظه، وأشرأبت له النفوس، ولو بلغ الكاتب في الفقه والعربية واللغة ما عساه أن يبلغ ولم يدر المصطلح، وخرج الكتاب من يده وقد حرره على قواعد الفقه والعربية من غير أن يسلك فيه طريق الكتاب واصطلاحهم، مجته الأسماع، ولم تقبله النفوس كل القبول، وثقل على قارئه وسامعه، والله أعلم.\rفهذه لمعة كافية من فوائد ما قدمناه مما يحتاج الكاتب الشروطي إلى معرفته، فلنذكر الآن صورة ما اصطلح عليه الكاتب من أوضاع الوراقة في الأمور التي قدمنا ذكرها على ما استقر عليه الحال في زماننا هذا، مما يضطر إليه المبتدئ، ولا يكاد يستغني عنه المنتهى، فنقول: أول ما ينبغي أن يبدأ به الكاتب فيما يصدر عنه من جميع المكاتيب الشرعية حين ابتدائه بكتابه شيء منها أن يكتب: \" بسم الله الرحمن الرحيم \" ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكتب لقب المشهود عليه وكنيته واسمه، ولقب أبيه وجده وكنيتيهما واسميهما، إن كانوا ممن يلقبون ويكنون، وإلا فأسماؤهم كافية، وينسب المشهود عليه إلى قبيلته، أو صناعته وحرفته أو مجموع ذلك، وذلك بحسب ما تقتضيه رتبته وحاله في علو القدر والرفعة، فإن كان من ذوي الأقدار المشهورين ذكر ألقابه وكناه، ونسبة إلى قبيلته وحرفته، إن كانت مما تزيده رفعة وتعريفاً، وإن كان غير مشهورٍ أو منصبه لكنه ممن يعرفه الشهود بالحلية والنسب قال: وشهود هذا المكتوب به عارفون واستغنى بذلك عن وصف حليته، وإن كان ممن عرفه بعضهم ولم يعرفه البعض قال: وبعض شهوده به عارفون وذكر حليته، وإن كان ممن لا يعرفه الشهود جملة ذكر حلاه وضبطها على ما نشرحه عند ذكرنا للحلى، ثم يذكر المشهود له ويسلك في ألقابه ونعوته وكناه وتعريفه نحو ما تقدم في المشهود عليه بحسب ما تقتضيه حالهُ أيضاً ويذكر بعد ذلك ما اتفقا عليه، فإذا انتهى إلى آخر الكلام فيه أرخ المكتوب باليوم من الشهر، وبما مضى من سنين الهجرة النبوية، ولا بأس أن يؤرخه بالساعة من اليوم، الاحتمال تعارض مكتوبٍ آخر في ذلك اليوم يناقض هذا المكتوب، مثال ذلك أن امرأة طلقت في يوم قبل دخول الزوج المطلق بها، فتزوجت في يومها، وتمادى الأمر على ذلك، ثم ادعى مدعٍ أنها تزوجت قبل وقوع الطلاق ولم يكن في الكتاب ما يمنع دعواه، فإنه يحتاج في مثل هذا ونحوه إلى تحديد الطلاق والزواج بالساعات، فإن فيه إزالة للشك، وحسماً لمادة الالتباس، فإذا كملت كتابه المكتوب استوعبه الكاتب قراءة، فإن كان على السداد والتحرير أشهد في ذيله عليهما بما اتفقا عليه، أو على المقر بما أقر به، وذلك بحسب ما تقتضيه الحال.\rوإن احتاج المكتوب إلى إصلاح: من كشط أو ضرب أو إلحاق حرره، واعتذر في ذيل المكتوب تلو التاريخ قبل وضع رسم الشهادة عما أصلحه فيقول فيه مصلح على كشط كذا وكذا، وفيه ضرب ما بين كلمة كذا إلى كلمة كذا إن كان الضرب قد أخفى ما كان تحته، وإن كانت الأحرف المضروب عليها ظاهرة قال: فيه ضرب على كذا وكذا، وفيه ملحق بين سطوره أو بهامشه كذا وكذا ويشرح ذلك، ثم يقول: وهو صحيح في موضعه، معمول به، معتذر عنه بخط كاتبه.\rوإن كان المكتوب في درج موصونٍ بالإلصاق، أو رق مخروز الأوصال أشار على فواصل الأوصال بقلمه إشارة له يعرفها وتعرف عنه: إما علامته أو اسمه، ويكتب في آخر أسطره عدد أوصال المكتوب، وعدة أسطره، وقد أهمل الكتاب ذلك في غالب مكاتيبهم، وهو زيادة حسنة في التحرير، والله أعلم.\rوإن كان المكتوب نسخاً متعددة ككتب الأوقاف كتب عند رسم شهادته في كل نسخة عدد النسخ، والقاعدة عندهم في هذه الصناعة أن الكاتب كلما زادها عرفانا زادته بياناً، فيكون هذا دأبه في كل ما يكتبه أو غالبه، والله أعلم بالصواب.","part":2,"page":462},{"id":963,"text":"ولنذكر كيفية ما يصنعه الكاتب في كل واقعة على معنى ما أورده أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن المخزومي، المعروف بابن الصيرفي في مختصره الذي ترجمه بمختصر المكاتبات البديعة فيما يكتب من أمور الشريعة الذي قال فيه إنه اختصره من كتابه المترجم بجامع العقود في علم المواثيق والعهود. أما الإقرارات وما يتصل بها من الرهن والضمان - فسبيل الكاتب فيها أنه إذا أقر رجل لرجل بدين كتب: أقر فلان عند شهوده طوعاً إقراراً صحيحاً شرعياً بأن في ذمته بحق صحيح شرعي لفلان من الذهب المسكوك، أو من الدراهم النقرة المتعامل بها يومئذ كذا وكذا، إن كان نقداً.\rوإن كان غلة أو صنفاً من الأصناف الموزونة أو المعدودة أو غير ذلك قال: من الغلال الطيبة النقية السالمة من العيوب والغلث، ويعين الغلة، وينسبها إلى جهتها فيقول إن كان بالديار المصرية: الصعيدية، أو البحرية، أو الفيومية، وإن كان بالشأم أو بغيره نسبها إلى جهتها فيقولك البلقاوية، أو الحورانية أو السوادية أو الجبلية أو المرجية، أو غير ذلك من النواحي، يعينها بناحيتها وبأصنافها، وبأكيالها، ويذكر الجملة وينصفها فيقول : النصف من ذلك تحقيقاً لأصله وتصحيحاً لجملته كذا وكذا، ثم يقول: يقوم له بذلك على حكم المحلول وسبيله، أو التنجيم، أو يقول: على ما يأتي ذكره وبيانه، فمن ذلك ما يقوم به على حكم الحلول كذا، وما يقوم به في التاريخ الفلاني كذا على حسب ما يقع عليه الاتفاق، ثم يقول: وأقر المقر المذكور بأنه ملئ بالدين المعين، قادر عليه وأنه قبض العوض عنه، فإن كان ذلك على حكم الحلول اكتفى فيه بالشهادة على المقر دون المقر له، وإن كان لأجل فلا غنية عن الشهادة على المقر له بأنه صدقه على ذلك فإنه لو أدعى الحلول فيما وقعت الشهادة فيه على المقر بمفرده بأنه إلى أجل، كان القول قوله مع يمينه، وكذلك في الشهادة بالغلة أو الصنف، هل ذلك محمول إلى منزل المقر له، أو هو موضوع بمكان آخر، فإن في الشهادة عليهما معاً قطعاً للنزاع والاختلاف، والله سبحانه وتعالى أعلم.\rولا يجوز أن يشهد في الإقرار إلا على حرٍّ بالغ عاقل، أو مريض مع حضور حسه وفهمه، ويجوز أن يكتب على العبد البالغ وتتبع به ذمته بعد عتقه. وإن كان الدين المقر به ثمن مبيع كتب في آخر المكتوب: وهذا الدين هو ثمن ما ابتاعه القمر من المقر له، وتسلمه، وهو جميع الشيء الفلاني، أو جميع الحصة التي مبلغها كذا وكذا، الجاري ذلك في يد البائع وملكه وتصرفه على ما ذكرا - ويذكر المبيع ويصفه - وذلك بعد النظر والمعرفة، والمعاقدة الشرعية، والتفرق بالأبدان عن تراض، وضمان الدرك في صحة البيع حيث يجب شرعاً. ويؤرخ المكتوب، ويشهد عليهما معاً.\rوإن كان الدين لرجل واحد أو اثنين أو جماعة على اثنين أو على جماعة قال: أقر كل واحد من فلان وفلان وفلان إقرارا صحيحاً شرعياً بأن في ذمتهم بحق صحيح شرعي السوية بينهم أو على مقتضى ما وجب عليهم، لكل واحد من فلان وفلان، ويعين المقر به نقداً كان أو صنفاً على حكمه في الحلول والأجل والمدد، ويعين لكل واحد من المقرب لهم ما يخصه، إن كان بينهم تفاوت، أو بالسوية بينهم، ويشهد على من أقر بالملاءة وقبض للعوض على ما تقدم.\rوإن تضامنوا وتكافلوا قال: وكل واحد منهم ضامن في ذمته ما في ذمة الآخر من ذلك للمقر لهم بإذن كل واحد منهم للآخر في الضمان والأداء والرجوع، وأقروا بأنه مليئون بما ضمنوه، ويؤرخ.\rوإن كان كل واحد من المقرين يقوم بما عليه من الدين من غير ضمان ولا كفالة لغيره فلا بأس بأن يبرهن الكاتب على ذلك بأن يقول: من غير ضمان ولا كفالة.\rحضور الضامن\rمن يضمن في الذمة\rكتب بعد تمام الإقرار: وحضر بحضور المقر المذكور فلان، وأشهد عليه طوعاً منه أنه ضمن ما في ذمة المقر المذكور من الدين المعين للمقر له على حكمه.\rوإن كان الدين على حكم الحلول فحضر من يضمنه في ذمته إلى أجل، عينه في حق الضامن إلى الأجل، وأشهد عليه بالملاءة، بما ضمنه، فإن كان بإذن المضمون قال: \" بإذنه له في الضمان والأداء والرجوع عليه، وإن تبرع الضامن بالضمان صح ضمانه، ويقول الكاتب: إنه ضمن الدين المعين تبرعاً واختياراً، من غير إذن صادرٍ من المضمون، وليس للضامن إن يرجع على ذمة المضمون بما يقوم به عنه.","part":2,"page":463},{"id":964,"text":"وإن حضر من يضمن الوجه والبدن دون المال فلا يجوز إلا بإذن المضمون، ومثال ما يكتب في ذلك أن يقول: وحضر بحضوره فلان، وضمن وكفل إحضار وجه وبدن المقر المذكور للمقر له المذكور، متى التمس إحضاره منه في ليل أو نهار، أو في مدة معلومة أحضره له، وذلك بإذنه له في ذلك.\rوينحل هذا الضمان عن الضامن بموت المضمون دون سفره وغيبته، والله أعلم.\rوإن رهن المقر عند المقر له رهناً على دينه كتب ما مثاله: وبعد تمام ذلك ولزومه رهن المقر المذكور عند المقر له توثقة على الدين المذكور، وعلى كل جزء منه ما ذكر أنه في يده وملكه وتصرفه، وهو جميع الشيء الفلاني - ويوصف ويحدد إن كان له حدود - رهناً صحيحاً، شرعياً، مقبوضاً، مسلماً ليد المقر له من المقر الراهن بإذنه له في ذلك، بعد النظر والمعرفة، والمعاقدة الشرعية، والإيجاب والقبول الشرعيين، والتسلم والتسليم.\rفإذا استعار الرهن بعد ذلك كتب ما مثاله: ثم بعد ذلك استعار الراهن من المرتهن المذكور الرهن المذكور لينتفع به، مع بقاء حكم الرهن، استعارةً شرعية، من غير فسخ شيء من أحكامه، وصار بذلك بيد الراهن المذكور وقبضه وحوزه.\rفإن استقر الرهن تحت يد المرتهن كتب: واعترف المرتهن بأن الرهن المذكور باقٍ تحت يده وحوزه، وعليه إحضاره عند وفاء الدين، ويؤرخ.\rمن أعار المقر شيئاً\rليرهنه على ما في ذمته كتب في ذيل المسطور:\rوحضر بحضور المقر المذكور فلان، وأشهد عليه طائعاً مختاراً أنه أعار المقر المذكور جميع الشيء الفلاني - ويوصف ويحدد إن كان له حدود - ليرهن ذلك عند المقر له على ما في ذمته له من الدين المعين أعلاه، وبعيده بسؤاله في ذلك، عارية صحيحة شرعية مسلمة مقبوضة، وذلك بعد النظر، والمعاقدة الشرعية، والإيجاب والقبول ، وأذن المعير للمستعير أن يرهن ذلك عند المقر له على الدين المذكور، ويسلمه له التسليم الشرعي، ثم يستعيد ذلك منه ليعيده إلى المعير المالك لينتفه به، مع بقاء عينه علت حكم الرهن.\rوإن كان المستعير الراهنُ ينتفع بالرهن كتب: وأن يستعيد الرهن لينتفع به دون المعير، مع بقائه على حكم الرهن.\rوإن كان الرهنُ تحت يد المرتهن كتب: وهذا الرهن المذكور تحت يد المرتهن حفظاً لماله، وصيانة لدينه، وعليه أن يعيده عند وفاء الدين للمستعير ليسلمه للمعير.\rفإن وكل الراهن وكيلاً في بيع الرهن عند استحقاق الدين ووفاء ما عليه كتب: ثم بعد تمام ذلك ولزومه وكل المقر المذكور فلان بن فلان في قبض الرهن المذكور ممن هو تحت يده برضا المرتهن، وبيعه ممن يرغب في ابتياعه بما يراه من الأثمان وقبض الثمن، وتسليم المبيع لمبتاعه، وكتب ما يجب اكتتابه، وقضاء ما عليه من الدين المعين فيه للمقر له وأخذ الحجة منه، والإشهاد على المقر له بقبض الدين المذكور منه على المقر، وكالة صحيحة شرعية، قبلها منه قبولاً سائغاً، أقامه في ذلك مقام نفسه، ورضيه واختاره.\rوإن أراد المرتهن أن ينزل عن الرهن كتب خلف المسطور: أقر فلان وهو المقر له بالدين باطنه، إقراراً صحيحاً شرعياً بأنه نزل عن رهنية العين المعينة باطنه، المرتهنة عنده على دينه المعين باطنه، نزولاً صحيحاً شرعياً، وأبطل حقه في وثيقة الرهن المذكور، وسلم الرهن للراهن المذكور وهو على صفته الأولى فتسلمه منه بغير حادث غيره عن صفته، وذلك بعد النظر والمعرفة، والإحاطة بذلك علماً وخبرةً.\rإذا أقر رب الدين\rأن الدين المقر به كان من مال غيره كتب:\rأقر فلان وهو المقر له باطنه، عند شهوده طوعاً إقراراً صحيحا شرعياً بأنه لما داين فلاناً المقتر المذكور باطنه بالدين المعين باطنه - وهو كذا وكذا - كان ذلك من مال فلان دون ماله، وأن اسم المقر له باطنه كان على سبيل النيابة والوكالة، وأنه كان أذن له في معاملة المقر المذكور باطنه بالدين المذكور على حكمه، ومداينته، وصدقه المقر له على ذلك تصديقاً شرعياً، وبمقتضى ذلك وجبت له مطالبة المقر باطنه بالدين المعين فيه واستخلاص حقه، قبضه على الوجه الشرعي.\rفصل","part":2,"page":464},{"id":965,"text":"فإن أقر المقر له بأن الدين أو ما بقي منه صار لغيره كتب على ظهر المكتوب: أقر فلان - وهو المقر له باطنه - إقراراً صحيحاً شرعياً بأن الدين المعين باطنه، أو أن الذي بقي من الدين المعين باطنه - وهو كذا وكذا - صار ووجب من وجه صحيح شرعي لا شبهة فيه لفلان، وصدقه على ذلك، وقبل منه هذا الإقرار لنفسه قبولاً سائغاً وبحكم ذلك وجبت له مطالبة المقر باطنه بالدين المعين على الوجه الشرعي.\rوأما الحوالة - فسبيل الكاتب فيما يكتب فيها أنه إذا كان لرجل دين على آخر وأحال به كتب على ظهر مسطور الدين ما مثاله: أقر فلان - وهو المقر له باطنه - عند شهوده إقراراً صحيحاً شرعياً بأنه أحال فلاناً على ذمة فلان المقر المذكور باطنه بما له في ذمته من الدين المعين باطنه، وهو كذا وكذا، على الحكم المشروح باطنه، وذلك نظير ما لفلان المحال في ذمة فلان المحيل من الدين الذي اعترف به عند شهوده، وهو نظير ما لفلان المحال في ذمة فلان المحيل من الدين الذي اعترف به عند شهوده، وهو نظير المبلغ الحال به في القدر والجنس والصفة والاستحقاق حوالة صحيحة شرعية، قبلها منه قبولاً سائغاً، ورضى ذمة الحال عليه، تعاقداً على ذلك معاقدة صحيحة شرعية، وافترقا عن تراض، وبحكم ذلك برئت ذمة المحيل المبدأ بذكره من الدين الذي كان في ذمته، براءةً صحيحة شرعية، وقبل كل منهما ذلك من الآخر لنفسه قبولاً شرعياً، وبه شهد عليهما، ويؤرخ.\rالشركة\rفيه تصح في الذهب والفضة،\rوسبيل الكاتب فيها أنه إذا أتفق اثنان على الشركة، فأخرج كل واحد منهما مالاً وخلطاه، وأراد المكاتبة بينهما كتب ما مثاله: أقر كل واحد من فلان وفلان عند شهوده إقرار صحيحاً شرعياً بأنهما اشتركا على تقوى الله تعالى، وإيثار طاعته، وخوفه ومراقبته، والنصيحة من كل منهما لصاحبه، والعمل بما يرضي الله تعالى في الأخذ والعطاء، وهو أن كلاً منهما أخرج من ماله كذا وكذا، خلطا ذلك حتى صار شيئاً واحداً، لا يتميز بعضهُ من بعض وجملته كذا وكذا، ووضعا أيديهما عليه، وتراضيا على أنهما يبتاعان به من المكان الفلاني أو المدينة الفلانية ما أحبا واختارا من أصناف البضائع وأنواع المتاجر ويجلسان به في حانوت بالبلد الفلاني، إن كان اتفاقهما على ذلك، وإن كانا يسافران به كتب: وسافران به إلى البلاد الفلانية وفي البر والبحر العذب والملح أو أحدهما دون الآخر على حسب اتفاقهما، ويتوليان معاً ذلك بأنفسهما ومن يختاره من وكلائهما ونوابهما، على ما يريان في ذلك من الحظ والمصلحة ويبيعان ذلك بالنقد دون النسيئة، ويسلمان المبيع، ويتعوضان بالثمن ما أحبا واختارا، ويديران هذا المال في أيديهما على ذلك حالاً بعد حال، وفعلاً بعد فعل، ومهما فتح الله من ذلك من ربح وفائدة بعد إخراج رأس المال والمؤن والكلف وحق الله تعالى إن وجب، كان الربح بينهما مقسوماً نصفين بالسوية، تعاقداً على ذلك معاقدة صحيحة شرعية شفاهاً بالإيجاب والقبول، وأذن كل واحد منهما لصاحبه في البيع والشراء، والأخذ والعطاء، في غيبة صاحبه وحضوره، إذنا شرعياً، وعلى كل منهما أداء الأمانة، وتجنب الخيانة، وتقوى الله في السر والعلانية والنصيحة لصاحبه، ومعاملة شريكه بالمعروف والإنصاف.\rوإن تسلم أحدهما المال دون الآخر كتب بعد ذكر جملته: تسلمه جميعه فلان، وصار بيده وقبضه وحوزه ليبتاع به ما أراد من البلاد الفلانية من أصناف البضائع، وأنواع المتاجر، ويجلس به في حانوت أو يسافر به، ويكمله على ما تقدم.","part":2,"page":465},{"id":966,"text":"وأما القراض - فإذا دفع رجل لرجل مالاً يعمل فيه، أو لجماعة من الناس كتب ما مثاله: أقر ف لان عند شهوده إقراراً صحيحاً شرعياً بأنه قبض وتسلم من فلان من الذهب العين كذا وكذا، أو من الدراهم الجيدة المتعامل بها كذا وكذا - ولا يجوز في الدراهم المغشوشة - وصار ذلك نقده وقبضه وحوزه، على سبيل القراض الشرعي الجائز بين المسلمين، وأذن رب المال له أن يشتري بذلك المال ما أحبه واختاره من المدينة الفلانية من أصناف البضائع، وأنواع المتاجر على اختلافها، وتباين أجناسها وسافر به أين شاء من بلاد المسلمين في الطرق المأمونة، أو في البحر العذب والملح ويبيع ذلك بالنقد دون النسيئة، ويتعوض بقيمته ما أراد من أنواع المتاجر، ويعود به إلى البلد الفلاني، ويبيعه بالنقد دون النسيئة، ويدير هذا المال في يده على ذلك حالاً بعد حال، وفعلاً بعد فعل، ومهما أطلعه الله في ذلك من ربح وفائدة بعد إخراج رأس المال والوزن والكلف وحق الله تعالى إن وجب، كان الربح مقسوماً بينهما نصفين، أو أثلاثاً: لرب المال الثلثان، وللعامل بحق عمله الثلث، تعاقداً على ذلك معاقدة صحيحة شرعية بالإيجاب والقبول، والتفرق بالأبدان عن تراض وقبل كل منهما ذلك لنفسه قبولاً شرعياً، وعلى هذا العامل المذكور الأمانة وتجنب الخيانة، وتقوى الله في السر والعلانية في بيعه وابتياعه وجميع أفعاله، وحفظه هذا المال على عادة مثله، وإيصاله عند وجوب رده، ويؤرخ.\rوإن كان القراض بيد جماعة فلا يصح أن يتكافلوا في الذمة، ويصح ضمان الوجه.\rوأما العارية - فإن الرجل إذا أعار لابنته شورة تتجمل بها، أو أعار لرجل داراً أو عبداً أو غير ذلك كتب الكاتب ما مثاله: أقر فلان بأنه أعار لانتبه لصلبه فلانة البكر البالغ، التي اعترف برشدها عند شهوده، ما ذكر أنه له وفي ملكه ويده وتصرفه، وصدقته على ذلك، وهو جميع الشورة الآتي ذكرها فيه، وهي كذا وكذا - وتوصف وتذكر الأوزان والقيم، وإن كان المعار دارا حدها ووصفها - عارية صحيحة شرعية مسلمة مقبوضة بيد المستعيرة من المعير، بإذنه لها في ذلك بعد النظر والمعروفة والمعاقدة الشرعية، وعلى هذه المستعيرة حفظ ذلك والانتفاع به في منزلها بالموضع الفلاني والتجمل به، وألا تخرج ذلك من يدها إلى أن تعيده إلى المعير على الصفة المذكورة، وعلمت مقدار العارية وما يلزم فيها، ويؤرخ.\rوأما الهبة والنحلة - فإن الرجل إذا وهب لأجنبي داراً أو غير ذلك أو وهب لولده لصلبه فلان الرجل الرشيد مالاً أو غيره كتب الكاتب: أقر فلان بأنه وهب لولده لصلبه فلان الرجل الرشيد، الذي اعترف بأنه لا حجر له عليه ما ذكر أنه له وفي ملكه ويده وتصرفه، وهو جميع الدار التي بالموضع الفلاني - وتوصف وتحدد - هبة صحيحة شرعية جائزة ماضية، بغير عوض عنها ولا قيمة قبلها منه قبولاً شرعياً، وتسلم الموهوب له من الواهب ما وهب له فيه التسلم الشرعي، وصار بيده وقبضه وحوزه، فبحكم ذلك وجب له التصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم، وذوي الحقوق في حقوقهم، وأقر بأنهما عارفان بذلك المعرفة الشرعية النافذة.\rفإن وهب الرجل داراً لولده الطفل أو لولده البالغ الذي هو تحت حجره كتب موضع القبول ما مثاله: قبل الواهب ذلك من نفسه لولده المذكور، بحكم أنه تحت حجره وولاية نظره قبولاً صحيحاً شرعياً، وتسلم من نفسه لولده المذكور ما وهب فيه التسلم الشرعي، ورفع عنه يد ملكيته، ووضع عليه يد نظره وولايته، أقر بأنه عارف بذلك المعرفة الشرعية.\rفإن نحل الرجل ولده الطفل مالاً أو غير ذلك كتب ما مثاله: أقر فلان بأنه نحل أي دفع لولده لصلبه فلان الطفل، أو المراهق، الذي تحت حجره وولاية نظره ما ذكر أنه له وفي يده وملكه وتصرفه، وهو جميع لاشيء الفلاني - ويوصف بما يليق به - نحلة صحيحة شرعية، جائزة مرضية، قبلها له من نفسه، وصار ذلك بيده ملكاً لولده المذكور، وأقر بأنه عارف بما نحله.\rوإن نحل ولده البالغ أو الأجنبي كتب نحو ما تقدم إلا القبول والتسلم فإنه يقول: قبل ذلك لنفسه قبولاً صحيحاً شرعياً، وتسلم منه ما نحله إياه فيه بإذنه وصار بيده قبضه وحوزه، ومالاً من جملة أمواله، وأقر بأنهما عارفان بذلك المعرفة الصحيحة الشرعية اليافية لجهالة.","part":2,"page":466},{"id":967,"text":"وأما الصدقة والرجوع - فإن الرجل إذا تدق على ولده الطفل أو البالغ أو على أجنبي، كتب ما مثاله: أقر فلان بأنه تصدق على ولده الطفل الذي تحت حجره وولاية نظره فلان، وإن كان بالغاً كتب: البالغ الرشيد باعتراف والده برا به، وحنواً عليه، وابتغاءً بذلك وجه الله الكريم، وطلباً لثوابه الجسيم بما ذكر أنه له وفي يده وتصرفه، وهو جميع الدار الفلانية التي بالموضع الفلاني - وتوصف وتحدد - صدقة صحيحة شرعية جائزة ماضية نافذة، قبلها من نفسه لولده، أو قبلها الولد البالغ الراشد لنفسه، على نحو ما تقدم في الهبة والنحلة من القبول والتسلم.\rوإذا رأى الأب والجد و إن علا، والأم والجدة وإن علت الرجوع عن الصدقة والهبة والتمليك إذا كان بغير عوض، كتب الكاتب على ظهر المكتوب ما مثاله: أشهد فلان على نفسه طائعاً مختاراً أنه رجع في الدار المذكورة الموصوفة المحدودة باطنه، التي كان تصدق بها على ولده المذكور باطنه فلان، رجوعاً صحيحاً شرعياً، وأعاده إلى ملكه ويده وتصرفه، وأبطل حكمها، ونقض شرطها، وتسلمها تسلم مثله لمثلها، وأقر بأنه عارف بها المعرفة الشرعية، ويؤرخ.\rوأما التمليك - فمنه ما هو بعوض، وما هو بغير عوض، فأما ما كان بعوض فيكتب فيه ما مثاله: ملك فلان لفلان جميع الدار الفلانية الجارية في يده وملكه وتصرفه التي بالموضع الفلاني - وتوصف وتحدد - تمليكاً صحيحاً شرعياً، بثمن مبلغه كذا وكذا، قبض الفقير المملك ذلك من المملك له بإذنه، وصار بيده وحوزه ومالا من جملة أمواله، عوضاً عما ملكه فيه فتسلمه منه، وصار بيده وقبضه وحوزه، وذلك بعد النظر والمعرفة، والمعاقدة الشرعية، والتفرق بالأبدان عن تراض، وضمان الدرك في ذلك.\rوأما ما كان بغير عوض، فيكتب فيه: ملك فلان لفلان، جميع الدار - وتوصف وتحدد نحو ما تقدم - تمليكاً صحيحاً شرعياً، جائزاً نافذاً مرضياً، بغير عوض عن ذلك ولا قيمة، قبلها منه قبولاً صحيحاً شرعياً، وسلم هذا المملك لفلان أملك ما ملكه إياه، فتسلمه منه، وصار بيده وحوزه، ملكاً من جملة أملاكه، وأقرا بأنهما عارفان بها المعرفة الشرعية النافية للجهالة، وأنهما نظراها وأحاطا بها علماً وخبرة، تعاقدا على ذلك معاقدة شرعية بالإيجاب والقبول، ثم تفرقا بالأبدان عن تراض، ويؤرخ.\rوإذا أقر رجل بأن داره ملك لغيره كتب: أقر فلان عند شهوده طوعاً إقرار صحيحاً شرعياً بأن جميع الدار التي بيده وتصرفه - وتوصف وتحدد - ملك فلان ملكاً صحيحاً شرعياً دونه ودون كل أحد بسببه، وأن ملكه لهذه الدار سابق على هذا الإقرار ومقدم عليه، وصدقه المقر له على ذلك تصديقاً شرعياً وقيل منه هذا الإقرار لنفسه قبولاً شرعياً، وأقر بأنهما عرافان بذلك المعرفة الشرعية النافية للجهالة، وسلم المقر المذكور للمقر له جميع الدار المذكورة، فتسلمها منه وصارت بيده وقبضه وحوزه، وأقر المقر المذكور بأنه لا حق له في هذه الدار ولا طلب بسبب ولا ملك ولا استحقاق منفعة بوجه من الوجوه الشرعية كلها على اختلافها وتصادقاً على ذلك.\rوأما البيوع - فإنه إذا ابتاع رجل داراً أو حصة من دار أو غير ذلك كتب الكاتب ما مثاله: هذا ما اشترى فلان بماله لنفسه من فلان جميع الدار الكاملة أرضاً و بناءً، الآتي ذكرها ووصفها وتحديدها فيه، التي ذكر البائع أنها له وفي ملكه ويده وتصرفه، وإن كان عمرها كتب: ومعروفة بإنشائه وعمارته.\rوإن كان المبيع حصة من دار كتب: جميع الحصة التي مبلغها كذا وكذا سهماً من أربعة وعشرين سهماً شائعاً غير مقسوم من جميع الدار التي ذكر البائع أن هذه الحصة المذكورة وفي يده وملكه وتصرفه بجميع حقوقها ومرافقها وما يعرف بها وينسب إليها.\rفإن استثنى البائع مكاناً منها غير داخل في البيع كتب بعد ذلك: خلا الموضع الفلاني، فإنه خراج عن هذا العقد، غير داخل في هذا البيع، وعلم به المشتري ورضى به. ثم يقول: شراءً صحيحاً قاطعاً ماضياً جائزاً نافذاً بثمن مبلغه كذا وكذا، تقابضاً وتفرقاً بالأبدان عن تراض، بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية، وضمان الدرك في المبيع حيث يجب شرعاً.","part":2,"page":467},{"id":968,"text":"وإن أراد الكاتب تحسني ألفاظه وتنميقها وتكثيرها فيما لا يضر بالعقد ولا يفسد البيع كتب بعد تنصيف الثمن: دفعه المشتري المذكور للبائع المذكور من خالص ماله وصلب حاله، تاماً وافياً، وأقبضه له بعد وزنه ونقده، فقبضه البائع المذكور منه وتسلمه بتمامه وكماله موزوناً منتقداً، وصار بيده وقبضه وحوزه مالاً من جملة أمواله، وبحكم ذلك برئت ذمة المشتري المقبوض منه من الثمن المذكور براءة صحيحة شرعية براءة قبض واستيفاء، وسلم البائع المذكور للمشتري المذكور ما باعه إياه، فتسلمه منه خالياً لا شاغل له، ولا مانع له منه، ولا دافع له عنه، وصار بيده وقبضه وحوزه، ملكاً من أملاكه، يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكه، وذوي الحقوق في حقوقهم من غير مانع ولا معترض، ولا رافع ليد بوجه ولا سبب، وذلك بعد نظرهما لجميع ذلك، ومعرفتها إياه، وإحاطتهما به علماً وخبرة نافيين للجهالة، وتعاقدهما على ذلك كله المعاقدة الصحيحة الشرعية المعتبرة شفاهاً بالإيجاب والقبول، ثم تفرقاً بالأبدان من مجلس العقد التفرق الشرعي عن تراض منهما، وضمان الدرك في صحة البيع حيث يوجبه الشرع الشريف ويقتضيه أحكامه.\rوإن اشترط أحدهما الخيار لنفسه ثلاثة أيام كتب بعد قوله: عن تراض: وانقضاء مدة الخيار الشرعي الذي اشترطه البائع لنفسه خاصة، أو المشتري، أو الذي اشترطاه لأنفسهما، وهو ثلاثة أيام من تاريخ العقد.\rوإن كان لم يتفرقا من مجلس العقد كتب عوض التفريق بعد الإيجاب والقبول: واختار كل من المتعاقدين المذكورين إمضاء البيع المذكور بينهما في المبيع المعين وإلزامه وإبرامه وتمام إحكامه ونفوذه على الوجه الشرعي، والقانون المرضى، وضمان الدرك على ما تقدم.\rوإن أحضر البائع من يده كتابً يشهد له بصحة ملكه للمبيع كتب: وأحضر هذا البائع من يده كتاباً يتضمن ابتياعه الدار المذكورة، وأصولاً له، وسطر عليها فصولاً بهذه المبايعة، وتسلم المشتري ذلك توثقه له، وحجة لليوم ولما بعده.\rوإن كان البائع قد استعاد الحكم على ما بقي على ملكه منها أو من غيرها كتب عوض وتسلم المشتري ذلك: ثم بعد ذلك استعادها البائع بحكم ما بقي على ملكه منها أو من غيرها.\rوإن كان في ملك المشتري حصة متقدمة ثم ابتاع حصة أخرى كتب: وقد كمل للمشتري المذكور بما في ملكه متقدماً وبهذه المبايعة ملك جميع كذا وكذا سهماً أو ملك جميع الدار المذكورة، وصدقة البائع على ذلك.\rوإن كان في المبيع عيب واشترطه البائع كتب بعد تمام العقد ولزومه: أعلم البائع المشتري أن الدار المبيعة واقعة الجدران، مختلة البنيان، سبخة الأرض والحيطان مائلة الجدر والزروب، مكسورة القوائم والأعراق، مسوسة الأخشاب، إلى غير ذلك مما لعله يكون فيها من عيب، ورضى المشتري بذلك.\rوإن كان وكيلاً في الشراء كتب: وعلم المشتري أن الدار المذكورة معيبة - أو على ما يصفها به من العيوب - وقال: إنه أعلم موكله بذلك ورضى به.\rوإن كان البيع بناء دون الأرض كتب: جميع البناء القائم على الأرض المحتكرة داراً أو طاحونة أو غير ذلك، الجاري هذا البناء في يد البائع وملكه وتصرفه على ما ذكر، ويكمل المبايعة على ما تقدم شرحه وبيانه، ويكتب ، ويكتب في آخرها: وعلم المشتري المذكور أن الأرض الحالة لهذا البناء المذكور محتكرة، ومبلغ الحكر عنها في كل سنة أو في كل شهر كذا وكذا، ورضى بذلك.\rوإن كان المشتري وكيلاً كتب: وقال: إنه أعلم موكله بذلك، ورضي به.\rوإن كان المبيع أرضاً دون البناء أو أرضاً كشفاً كتب: جميع قطعة الأرض الحاملة لبناء البائع، أو جميع الساحة الكشف التي لا بناء عليها، الجارية في يد البائع وملكه وتصرفه، ويذرع ويحدد، ويكمل المبايعة على ما تقدم.\rإن كان المبيع بئراً\rكتب: جميع بناء البئر المعينة ومكانها من الأرض، المبنية بالطوب الآجر والطين والجير.\rوإن كانت نقرا كتب: جميع البئر المنقورة للماء المعين.\rوإن كان صهريجاً كتب: جميع الصهريج المبنى بالطوب الآجر والطين والجير المتلص المبيض بالخافقي الذي برسم خزن الماء العذب.\rوإن كان بئرا همالية كتب: جميع بناء الهمالية ومكانها من الأرض، المبنية بالطوب الآجر والطين والجير، الجاري ذلك في يد البائع وملكه وتصرفه، وهي في الموضع الفلاني، ويذرع ويحدد ذلك، إن أمكن ذلك.","part":2,"page":468},{"id":969,"text":"وإن كان المبيع نخلاً دون الأرض كتب: جميع النخل القائم في الأرض الوقف على الشيء الفلاني، الخارجة عن هذا البيع، ومكان كل نخلة من الأرض، الجاري النخل المذكور في يد البائع وملكه وتصرفه على ما ذكر، الذي ذلك في الموضع الفلاني، ويذكر عددها.\rوإن كانت الأرض مملوكة للبائع وأراد أن يبيع النخل بمغارسها كتب: جميع النخل النابت في الأرض الآتي ذكرها فيه، وجميع أماكنها من الأرض، الجاري النخل والأرض بكمالهما في يد البائع المذكور وملكه وتصرفه على ما ذكر، باع من ذلك النخل المذكور ومواضع مغارسها، وتبقى على ملكه بقية الأرض فإنها غير داخلة في هذا البيع، وهذه الأرض بالموضع الفلاني، وعدة النخل كذا وكذا، ويحدد الأرض، ويكمل المبايعة، ويكتب في آخر المكتوب: ولهذا المشتري العبورُ في الأرض المذكورة والاستطراق فيها إلى النخل المذكور بحق شرعي.\rوإن كان المبيع ثمرا ونخلا كتب: جميع ثمر النخل الجاري ذلك في ملكه ويده وتصرفه على ما ذكر، الذي بالموضع الفلاني، وعدتها كذا وكذا نخلة، إن أمكن، ويحدد الأرض، ثم يقول: التي بدا صلاحها، وطاب أكلها، واحمرت واصفرت، وجاز بيعها بشرط القطع، وإن شرط التبقية كتب: بشرط التبقية إلى أوان الجذاذ، شراء صحيحاً شرعياً، ويكمل المبايعة.\rإن كان المبيع مركباً\rكتب: جميع المركب العشاري أو الخضاري، أو الدرمونة، أو النارية، أو الشختور، أو الحراقة أو الشلودة، أو الدلاج، أو الكبكة، أو غير ذلك، وجميع عدتها المتخذة برسمها، الآتي ذكر ذلك ووصفه، الجاري ذلك في يد البائع وملكه وتصرفه على ما ذكر، وصفة المركب أنها طول كذا كذا ذراعاً بالذراع النجاري، ومحملها كذا وكذا إردبا بالكيل المصري، وصفة العدة أنها صارٍ قطعة واحدة، وبرأسه جامور، وقرية ثلاث قطع وقوسان، وقلع مزوى من قماش القطن، أو الملحم، أو غيره، عدته كذا وكذا بيلمانا أو قلع ستارة مكملة حبال القنب أو القطن، ورجل طويلة قطعة أو قطعتان، وفراش، وكذا وكذا مجذافاً، وإسقالة بئر أو أكثر من ذلك ومذراة أو أكثر، وعروس، وقلوس، وقرايا، وغير ذلك من آلات المركب وعدده، فما زاد عن ذلك ذكره، وما نقص وصفه، ثم يقال: وهذا المركب مدسور السفل والعلو، مسدود الشوبين، مغطى الحنين، وإن كان له مرساة من حديد وصفها وذكر زنتها، ويكمل المبايعة.\rوإن كان المبيع بالغاً عبداً أو أمة أو كانا غير بالغين كتب: جميع العبد، أو الغلام، أو الوصيف، أو المملوك، أو الجارية، أو الأمة، أو الوصيفة، الجاري، أو الجارية في يد البائع وملكه، المقر له بالرق والعبودية، المدعو فلاناً، ويذكر جنسه ودينه، ثم يقول: وحليته:....... ويذكرها.\rوإن كان دون البلوغ كتب: جميع الغلام الذي بيده وملكه وتصرفه على ما ذكر، المراهق، أو المعصر، إن كانت جارية، ويعين البكارة إن كانت، ثم يقول: \" شراء صحيحاً شرعياً بثمن مبلغه كذا وكذا، ويكمل المبايعة.\rوإن كان بالمبيع عيب ذكره، فيكتب: وعلم المشتري أن به أو بها المرض الفلاني وعينه، ويعدد الأمراض والعيوب وآثار الكي وغير ذلك إن كان - ورضى به، ودخل عليه.\rوإن كان المبيع عبدا بجارية أو العكس كتب: جميع العبد الذي بيد البائع - على نحو ما تقدم - بجميع الجارية الفلانية الجنس، المسلمة، تقابضاً وتفرقاً بالأبدان، بعد النظر والمعرفة، والمعاقدة الشرعية، وضمان الدرك في ذلك حيث يجب شرعاً، وإن كان في أحدهما عيب ذكره.\rالمتبايعان في غير بلد المبيع\rوإن كانت الدار المبيعة في بلد والمتبايعان في بلدٍ آخر\rكتب التخلية عوض التسليم، فيقول: وخلى البائع المذكور بين المشتري وبين ما باعه إياه فيه تخلية شرعية، ووجب له بذلك قبض المبيع وتسلمه بمقتضى هذا الابتياع الشرعي، وأقرا أنهما عارفان بذلك المعرفة الشرعية قبل تاريخه، ونظراه النظر الشرعي، تعاقدا هذه المبايعة بينهما معاقدة شرعية مشافهة بالإيجاب والقبول.\rوإذا دفع المشتري للبائع من الثمن جوهرة، أو سيفاً، أو خاتماً بفص ثمين، أو غير ذلك مما تجهل قيمته، كتب: شراء صحيحاً شرعياً، بثمن مبلغه من الذهب، أو من الدراهم كذا وكذا، وبجوهرةٍ نفيسة، أو لؤلؤة نقية، مجهولة القيمة، مرئية حال العقد، تقابضاً وافترقا، ويكمل المبايعة.","part":2,"page":469},{"id":970,"text":"وإن حضر من يضمن درك البائع فيما باعه وقبض ثمنه كتب: وحضر بحضور البائع المذكور فلان، وضمن في ذمته درك البائع فيما باعه وقبض الثمن بسببه، ضماناً شرعياً في ماله، بإذنه له في ذلك، وأقر أنه ملئ بما في ضمانه.\rإبراء ذمة المشتري\rفصل وإن أبرأ البائع ذمة المشتري من الثمن\rكتب: بثمن مبلغه كذا وكذا، أبرأ البائع المذكور ذمة المشتري منه براءة صحيحة شرعية، براءة إسقاط، قبلها منه قبولاً شرعياً، ولم تبق للبائع المذكور قبل المشتري المذكور مطالبة بسبب الثمن ولا عن شيء منه، ولا عوض عنه ولا عن شيء منه، وسلم البائع المذكور للمشتري المذكور ما باعه، إياه، فتسلمه بعد النظر والرضا والمعرفة والمعاقدة الشرعية.\rوإن كان البيع بثمن مؤجل أو منجم كتب: بثمن مبلغه كذا وكذا يقوم له بذلك جملةً واحدةً في التاريخ الفلاني، أو في كل شهر يمضي كذا وكذا، على حسب ما يقع عليه الاتفاق.\rاشترى رجل داراً\rبما له في ذمته من الدين كتب ما مثاله: شراءً صحيحاً شرعياً، بما للمشتري في ذمة البائع من الدين الحال الذي اعترف به البائع عند شهوده، وهو كذا وكذا، وصدقه المشتري على ذلك، وسلم البائع للمشتري ما باعه إياه، فتسلمه منه، وصار بيده وقبضه وحوزه، وذلك بعد النظر والرضا والمعرفة والمعاقدة الشرعية، والتفرق بالأبدان عن تراض، وضمان الدرك في ذلك وبحكم ذلك برئت ذمة البائع من الدين الذي كان قبله للمشتري، ولم تبق للمشتري عنده مطالبة بسبب ذلك، وتصادقا على ذلك.\rلرجل على رجل دين\rفباعه داراً بثمن معلوم، ثم قاصه بما له في ذمته من الدين، أو امرأة اشترت من زوجها دار بثمن حال وقاصته بصداقها، كتب ما مثاله: اشترى فلان بن فلان من فلان جميع الدار الفلانية - كما تقدم شرحه - شراء صحيحاً شرعياً، بثمن مبلغه كذا وكذا حال، وسلم البائع للمشتري ما باعه إياه فتسلمه منه، وصار بيده وقبضه وحوزه، ومالاً من جملة أمواله، وذلك بعد النظر والمعرفة، والمعاقدة الشرعية، والتفرق بالأبدان عن تراض، وضمان الدرك في ذلك ثم بعد تمام ذلك ولزومه قاص المشتري المذكور البائع المذكور الثمن المذكور بما له في ذمة البائع من الدين الذي اعترف به عند شهوده، وهو نظير الثمن المذكور في القدر والجنس والصفة والاستحقاق، مقاصة شرعية، قبل كل منهما ذلك لنفسه قبلوا شرعياً، ولم تبق لكل منهما مطالبة قبل الآخر بسبب ثمن، ولا مثمن ولا دين، ولا غيره، ولا حجة، ولا مسطور، ولا ذهب، ولا فضة، ولا حق من الحقوق الشرعية على اختلافها لما مضى من الزمان وإلى يوم تاريخه، وتصادقاً على ذلك.\rوإذا اشترى جماعة من جماعة دارا ورثوها كتب ما مثاله: هذا ما اشترى فلان وفلان وفلان بما لهم لأنفسهم بالسوية بنيهم أثلاثاً، وإن كانوا متفاوتين في الابتياع كتب: فمن ذلك ما اشتراه فلان المبدأ بذكره بما له لنفسه كذا، وما اشتراه فلان بما له لنفسه كذا، وما اشتراه فلان بما له لنفسه كذا","part":2,"page":470},{"id":971,"text":"وإن كان منهم من اشترى حصة لموكله قال: وما اشتراه فلان لموكله بإذنه وأمره وتوكيله وما له كذا حسب ما وكله في ابتياع ما يذكر فيه، وفي التسليم والتسلم اللذين يشرحان فيه، على ما يشهد به من يعينه في رسم شهادته آخره، أو على ما ذكر الوكيل المشتري من فلان وفلان الإخوة الأشقاء، أو الأب، أولاد فلان بن فلان الفلاني، جميع الدار الكاملة الجارية في أيدي البائعين وملكهم وتصرفهم بالسوية بينهم أثلاثاً، المنتقلة إليهم بالإرث الشرعي عن والدهم فلان المذكور، بحكم أنه توفي إلى رحمة الله تعالى قبل تاريخه، وخلف من الورثة المستحقين لميراثه المستوعبين جميعه شرعاً أولاده لصلبه الإخوة الأشقاء، وهم البائعون المذكورون أعلاه الذين رزقهم من زوجته التي كانت في عصمته وعقد نكاحه فلانة، بغير شريك لهم في مراثه، ولا حاجب يحجبهم عن استكماله بوجه ولا سبب، وترك من جملة ما خلفه هذه الدار المذكورة، قسمت بينهم بالفريضة الشرعية أثلاثاً بالسوية بينهم وإن كانت وفاة والدهم ثابتة عند حاكم ذكرها، ثم يقول: وهذه الدار بالبلد الفلاني، بالحارة الفلانية، بالخط الفلاني - وتوصف وتحدد - شراء صحيحاً شرعياً بثمن مبلغه من الذهب أو من الدراهم كذا وكذا بين البائعين بالسوية، من مال المشترين المذكورين على قدر ما ابتاعه كل منهم فيه، تقابضوا، وتفرقوا بالأبدان، بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية، وضمان الدرك في ذلك.\rوإن ضمن كل من البائعين درك الآخر كتب: وكل واحد من البائعين ضامن من ماله وذمته درك الآخرين المذكورين فيما باعاه وقبضا الثمن بسببه ضماناً شرعياً في ماله وذمته، بإذن كل منهم للآخرين في الضمان والأداء والرجوع، وأقر كل واحد منهم ملئ بما ضمنه، وقادر عليه.\rوإن صدق كل منهم الآخر على صحة ملكه لما باعه كتب: وصدق كل واحد منهم الآخر على صحة ملكه لما باعه فيه وقبض الثمن بسببه تصديقاً شرعياً.\rوإن حضر من يضمن في الذمة كتب: وحضر بحضورهم فلان، أو كل واحد من فلان وفلان، وضمن كل منهم وكفل في ذمته درك البائعين المذكورين فيما باعوه وقبضوا الثمن بسببه، ضماناً شرعياً، بإذن كل منهم للآخر في ذلك، وأقر كل منهم أنه ملئ بما ضمنه، قادر عليه.\rوإذا ابتاع رجل لموكله حجر طاحون أو غيرها كتب ما مثاله: هذا ما اشتراه فلان لموكله فلان بما له وإذنه وتوكيله إياه في ابتياع ما يذكر فيه، وفي التسليم والتسلم اللذين يشرحان فيه، بشهادة من يعينه في رسم شهادته آخره، أو يقول: على ما ذكر، وإن كان بيده وكالة كتب: حسب ما تشهد به الوكالة التي بيده، الثابتة بمجلس الحكم العزيز بالمكان الفلاني، من فلان جميع حجر الطاحون الفارسي وعدتها، الداخل ذلك في عقد هذا البيع، الجراي ذلك في يد البائع المذكور وملكه وتصرفه على ما ذكر، وهي بالمكان الفلاني، ويصف الطاحون والعدة التي بها، وهي التوابيت والحجارة النجدية وقواعد الصوان، ويصف جميع العدة، ويحدد الطاحون، ويذكر الثمن، ويكتب: دفعه المشتري المذكور من مال موكله للبائع المذكور، فتسلمه منه، وصار بيده وقبضه وحوزه، وبحكم ذلك برئت ذمة المشتري المذكور والمشتري له فيه من الثمن المذكور ومن وزنه ونقده، براءةً صحيحة شرعية براءة قبض واستيفاء، وسلم البائع للمشتري ما باعه إياه، فتسلمه منه لموكله المذكور، وصار بيده وقبضه وحوزه ملكاً لموكله، وذلك بعد النظر والمعرفة الشرعية والمعاقدة والتفرق بالأبدان عن تراض، وضمان الدرك حيث يوجبه الشرع الشريف.\rباع الوكيل حماماً","part":2,"page":471},{"id":972,"text":"كتب: هذا ما اشترى فلان بما له لنفسه من فلان القائم في بيع ما يذكر فيه بثمن الذي تعين فيه، وقبض الثمن، وتسلم المبيع لمبتاعه، عن موكله فلان، حسب ما يشهد على موكله بذلك من يعينه في رسم شهادته آخره، وإن كان بيده وكالة كتب: حسب ما يشهد بذلك كتاب الوكالة الذي بيده، الثابت حكمه بمجلس الحكم العزيز بالمكان الفلاني، ويشرح مقاصد الثبوت، ثم يكتب: جميع الحمام المعروفة بدخول الرجال والنساء، وقدروا الرصاص الأربع، وميزايبها النحاس والرصاص، ومستوقدها، وبيت نارها، الآتي ذكر جميع ذلك فيه، الجاري جميع ذلك في البائع ملكاً لموكله المبيع عنه، على ما ذكر الوكيل البائع، وذلك بالبلد الفلاني، بالموضع الفلاني - ويوصف ويحدد شراء صحيحاً شرعياً، بثمن مبلغه كذا كذا، ودفع المشتري الثمن من ماله للبائع المذكور، فتسلمه منه لموكله المذكور وصار بيده وقبضه وحوزه، وسلم البائع المذكور للمشتري ما باعه إياه عن موكله فتسلمه منه، وصار بيده وملكه وحوزه، وذلك بعد النظر...، ويكمل على ما تقدم.\rوإذا ابتاع الأخرس الأصم داراً، كتب: اشترى فلان الأخرس اللسان، الأصم الأذنين، الصحيح البصر والعقل والبدن، العارف بما يلزمه شرعاً الخبير بالبيع والشراء والأخذ والعطاء، كل ذلك بالإشارة المفهومة عنه، المعلومة عند البائع وعند شهود هذا المكتوب، القائمة مقام النطق، التي لا تجهل ولا تنكر من فلان الفلاني جميع الدار الفلانية...، ويكمل نحو ما تقدم.\rوإذا ابتاع رجل من آخر داراً بثمن معين مقبوض وكتب بينهما مكتوب على ما تقدم، ثم حضر المشتري وادعى أنه كان ابتاع الدار لموكله كتب على ظهر المكتوب: أقر فلان - وهو المشتري المذكور باطنه - أنه لما ابتاع الدار الموصوفة الحدود في باطنه في التاريخ الفلاني من فلان بالثمن المعين وهو كذا وكذا، كان وكيلاً في ابتياعها عن فلان بإذنه وأمره وتوكيله إياه في ذلك وأن اسمه على سبيل النيابة والوكالة، وأن الثمن المعين باطنه من مال هذا المقر له فيه وصلب حاله، وصدقه على ذلك تصديقاً شرعياً، وقبل منه هذا الإقرار لنفسه وسلم له الدار المذكورة، فتسلمها منه، وصارت بيده وقبضه وحوزه، ملكاً له وأقر المقر له أنه كان قد أذن له في ذلك ووكله في ابتياعها الوكالة الشرعية، وصدقه المقر، وأقر أنهما عارفان بالدار المذكورة المعرفة الشرعية النافية للجهالة، وبحكم هذا الإقرار صارت هذه الدار المذكورة ملكاً للمقر له دون المقر، ودون كل أحد بسببه ولم يبق للمقر فيها حق ولا طلب، تصادقا على ذلك تصادقاً شرعياً، ويؤرخ.\rوإذا ابتاع رجل من آخر داراً، ومات البائع ولم يكن بينهما مكاتبة فأراد ورثته مكاتبة ببراءة ذمة مورثهم والإشهاد له بذلك، كتب ما مثاله: أقر كل واحد من فلان وفلان وفلان الإخوة الأشقاء، أو غير الأشقاء، أولاد فلان عند شهوده طوعاً إقرار شرعياً أن والدهم المذكور توفي إلى رحمة الله تعالى في التاريخ الفلاني، وأنه كان قبل تاريخ وفاته في تاريخ كذا وكذا باع لفلان جميع الدار الفلانية، الجارية في يده وملكه وتصرفه - وتوصف وتحدد - بما مبلغه كذا وكذا، بيعاً صحيحاً شرعياً قاطعاً ماضياً جائزاً نافذاً، وأن المشتري المذكور دفع إليه جميع الثمن من ماله، وصلب حاله، بتمامه وكماله، وسلم والدهم البائع هذا المشتري المذكور الدار المذكورة، فتسلمها منه، وصارت بيده وقبضه وحوزه وذلك بعد النظر والمعرفة، والمعاقدة الشرعية، والتفرق بالأبدان عن تراض وصدقهم المشتري المقر له على ذلك، واعترف كل من المقرين والمشتري أنه عارفون بالدار المذكورة المعرفة الشرعية النافية للجهالة، وأقروا أن البائع المذكور كان عارفاً بها، وتصادقوا على ذلك، واعترف المشتري المذكور أن الدار المذكورة بيده وتصرفه، جارية في ملكه، وأنه سأل الورثة المذكورين الإشهاد على أنفسهم بذلك، فأجابوا سؤاله، وأشهدوا على أنفسهم براءة لذمة أبيهم، ومراعاةً لحقه عليهم وأقر المقترون أنهم لا يستحقون في هذه الدار ملكاً، ولا يدا، ولا إرثاً، ولا موروثا ولا حقاً من الحقوق الشرعية، وأن المشتري المذكور المقر له مالك لهذه الدار دونهم ودون كل أحد بسببهم، وتصادقوا على ذلك، وقبل منهم المشتري هذا الإقرار قبولاً شرعياً، ويؤرخ.","part":2,"page":472},{"id":973,"text":"إذا ابتاع رجل من بائع قد ثبت رشده بعد الحجر عليه كتب ما مثاله: هذا ما اشترى فلا من فلان البالغ الرشيد، الثابت رشده في مجلس الحكم العزيز بالبلد الفلاني، عند القاضي فلان.......\rمن نفق ومؤونة وكسوة ولوازم شرعية، ولكونه ليس له موجود غير ما يذكر فيه، وأن والده لا تلزمه نفقة يحكم ماله من هذا الموجود، اشترى من نفسه بقضية ذلك وحكمه جميع الحصة التي مبلغها كذا وكذا سهماً من أربعة وعشرين سهماً شائعاً في جميع الدار الفلانية التي بالمكان الفلاني، أو الدار الكاملة - وتوصف وتحدد - شراء صحيحاً شرعياً، بثمن مبلغه كذا وكذا، وقبضه المشتري من نفسه لولده المذكور المبيع عليه، من مال أخيه فلان الطفل المشتري له فيه، الذي تحت يده وحوطه، وصار ذلك في حوزه لولده فلان المبيع عليه وتسلم من نفسه الدار المذكورة لولده المشترى له، وذلك بعد مشاهدته لها ونظره إياها، ومعرفته الشرعية، كل ذلك بالمعاقدة الشرعية الجائزة باع على ولده فلان المثنى باسمه المذكور، واشترى لولده فلان المبتدئ باسمه فيه من نفسه على ما شرح أعلاه، واعترف أن الثمن المذكور هو ثمن المثل يومئذ لا حيف فيه ولا شطط، ولا غبينة ولا فرط ولا بخس ولا وكس، ولا تفاوت فيه بوجه ولا سبب، وقبل ذلك من نفسه لولده المشترى له فيه قبولاً صحيحاً شرعياً وضمن الدرك حيث يوجبه الشرع الشريف.\rإذا ابتاع رجل داراً من نفسه لنفسه - وهو أن يكون له ولد تحت حجره، ولولده دار، فأراد أن يشتريها لنفسه من ولده - كتب ما مثاله: اشترى فلان من ماله لنفسه من نفسه جميع الدار الكاملة، الجارية في يده ملكاً لولده لصلبه فلان الطفل الذي تحت حجره وكفالته وولاية نظره، لما رأى له في ذلك من الحظ والمصلحة والغبطة الزائدة على ثمن المثل، أو لمصلحة اقتضت ذلك، وهذه الدار بالبلد الفلاني، بالخط الفلاني - وتوصف وتحدد - شراء صحيحاً شرعياً بثمن مبلغه كذا وكذا، قبض الثمن من نفسه لولده عن داره التي ابتاعها منه لنفسه وصار بيده وقبضه وحوزه، ويصرفه في مصالح ولده المذكور، وتسلم من نفسه لنفسه الدار المذكورة، وصارت بيده ملكاً له، ورفع عنه يد نظره وولايته، ووضع عليها يد ملكه وحيازته، وأقر أنه عارف بالدار المذكورة، وأنه نظرها النظر الشرعي وأحاط بها علماً وخبرة نافية للجهالة، ويؤرخ.\rإذا أراد أمين الحكم - وهو الناظر على الأيتام من قبل الحاكم - أن يبيع دارا على يتيم محجور عليه كتب محضراً بالقيمة، وأثبته عند الحاكم بشهادة شهود القيمة والمهندسين، وأشهر الدار بحضرة عدلين، وصفه المحضر في فصل المحاضر، فإذا ثبت المحضر وأراد البيع وكتب كتاب المبايعة، فسبيل الكاتب إن يكتب: هذا ما اشترى فلان من القاضي فلان أمين الحكم العزيز بالبلد الفلاني، القائم في بيع ما يذكر فيه على فلان بن فلان المحجور عليه من قبل الحكم العزيز، لما دعت حاجته إليه: من نفقة ومؤونة وكسوة ولوازم شرعية، وذلك بإذن سيدنا قاضي القضاة فلان الحاكم المشار إليه في بيع الدار التي تذكر فيه، بالثمن الذي تعين فيه وقبضه، وفي تسليم الدار لمبتاعها، الإذن الشرعي، يشهد عليه بذلك من يعينه في رسم شهادته آخر هذا المكتوب، اشترى منه يقضيه ذلك وحكمه جميع الدار الفلانية الجارية في يده ملكاً لفلان المحجور عليه - وتعين فيه - وله بيعها، وقبض ثمنها وتسليمها لمبتاعها بطريق شرعي، وإن صدقة المشتري قال: وصدقه المشتري على ذلك تصديقاً شرعياً وهي الدار التي بالبلد الفلاني، بالخط الفلاني - وتوصف وتحدد - شراء صحيحاً شرعياً، بثمن مبلغه كذا وكذا، دفعه المشتري من ماله لأمين الحكم العزيز، فتسلمه منه وصار بيده وقبضه لفلان المذكور المحجور عليه، وسلم أمين الحكم العزيز المذكور للمشتري ما باعه إياه، فتسلمه منه، وصارت بيده وقبضه وملكه وحوزه وتصرفه، وذلك بعد النظر والرضا والمعرفة والمعاقدة الشرعية والتفرق بالأبدان عن تراض.","part":2,"page":473},{"id":974,"text":"وإن شرط أيمن الحكم الخيار كتب: وانقضاء مدة الخيار الشرعي الذي اشترطه أمين الحكم البائع لنفسه ثلاثة أيام، والسبب في هذه المبايعة احتياج المبيع عليه على نفقه ومؤونة وكسوة ولوازم شرعية، وثبوتُ ذلك عند الحاكم المذكور وثبت عنده أيضاً - أيد الله أحكامه - أن قيمة الدار المذكورة كذا وكذا وهو الثمن المعين أعلاه، ثبوتاً صحيحاً شرعياً، بشهادة ذوي عدل: هما فلان وفلان ومهندسين: هما فلان وفلان، فحينئذ تقدم إذن الحاكم المذكور بالنداء على الدار المذكورة، وإشهارها بصقعها وغيره في مظان الرغبة فيها مدة ثلاثة أيام، آخرها اليوم الفلاني، فلم يسمعها من بذل زيادة على ذلك، وقد أقام كل من شاهدي القيمة والمهندسين وشاهدي النداء شهادته بما يشهد به فيه عند الحاكم المذكور، وأعلم تحت رسم شهادتهم علامة الأداء على الرسم المعهود حسب ما تضمنه الحضر الشرعي المؤرخ بكذا وكذا، وبأعلاه علامة الثبوت، ومثالها كذا وكذا، فلما تكامل ذلك عند الحاكم المذكور وسأله من جازت مسأته، وسوّغت الشريعة المطهرة إجابته الإذن لأمين الحكم المذكور في بيع الدار المذكورة بالثمن المذكور، والإشهاد عليه بما ثبت عنده فأجاب الحاكم المذكور سؤاله، وأشهد عليه بثبوت ذلك عنده على الوجه الشرعي وأذن لأمين الحكم في بيع ذلك على ما شرح أعلاه، فشهد على الحاكم المذكور بذلك من يعينه في رسم شهادته آخره، فامتثل أمين الحكم ذلك، وعاقد المشتري المذكور على ذلك كذلك على ما شرح أعلاه، وبمضمونه شهد على المتعاقدين بتاريخ كذا وكذا.\rإذا مات رجل وترك داراً وفي ذمته لزوجته صداق وأثبته، واشترت الدار من أمين الحكم بمبلغ صداقها، فالذي يفعل في ذلك أن الزوجة تحضر عدلين يشهدان بشخصه وهو ميت، ويكتبان لها في ذيل صداقها أنهما عايناه ميتاً، وإن كانا شاهدي الصداق كان ذلك أجود، وإن لم يكونا عايناه شهدا بالاستفاضة، ثم يؤدي شهود العقد والتشخيص عند الحاكم، ثم تحلف الزوجة، ويكتب الحلف، وصورة ما يكتب: أحلفت الشهود لها أعلاه أو باطنه، فلانة المرأة الكاملة ابنة فلان بالله الذي لا إله إلا هو، يميناً شرعية، مؤكدة مستوفاة جامعة لمعاني الحلف، إنها مستحقة في تركة المصدق المسمى باطنه فلان مبلغ صداقها عليه وإن الشاهدين بذلك صادقان فيما شهدا لها به من ذلك، وإن ذمته لم تبرأ من الصداق المذكور ولا من شيء منه، وإنها ما قبضته ولا شيئاً منه ولا تعوضت عنه ولا أبرأته منه ولا من شيء منه، ولا أحالت به ولا بشيء منه، ولا اختلعت به ولا بشيء منه، ولا برئ إليها منه، ولا من شيء منه بقولٍ ولا فعل، وإنها تستحق قبض ذلك من تركته حال حلفها، وإن من يشهد لها به صادق فيما يشهد لها به من ذلك، فحلفت كما أحلفت بالتماسها لذلك وحضور من يعتبر حضوره على الأوضاع الشرعية، بعد تقدم الدعوى المسموعة وما ترتب عليها بتاريخ كذا وكذا. ويشهد شهود الحلف في آخره بما صورته: حضرت المحلف المذكور وشهدت به.\rوإن كان صداقها لم يثبت إلا بشهادة عدلٍ واحد أحلفت على ذلك، ويكتب حلفها، وهو: أحلفت الزوجة المشهود لها فيه، فلانة المشخصة لمستحلفها بالله الذي لا إله إلا هو يمينين شرعيتين مؤكدتين مستوفاتين جامعتين لمعاني الحلف معتبرتين شرعاً: إحداهما أنها محقة فيما ادعت به على زوجها المصدق المذكور فلان، وهو مبلغ صداقها عليه، الشاهد به كتابها، وهو كذا وكذا، وأن شاهدها بذلك صادق فيما شهد بها من ذلك واليمين الثانية أنها تستحق قبض المبلغ المذكور من تركته، وأنها ما قبضت ذلك ولا شيئاً منه، كما تقدم ذكره في الحلف الأول إلى التاريخ، ثم يكتب بعد ذلك إسجال الحاكم، ومثاله: هذا ما أشهد عليه سيدنا ومولانا العبد الفقير إلى الله تعالى قاضي القضاة، أو أقضى القضاة فلان، الحاكم بالمكان الفلاني، من حضر مجلس حكمه ومحل قضائه وولايته، في اليوم الفلاني من الشهر الفلاني، من السنة الفلانية... بعد صدور دعوى محررة ، مقابلة بالإنكار.","part":2,"page":474},{"id":975,"text":"على الوجه المعتبر الشرعي، بشهادة العدول الذين أعلم تحت رسم شهادتهم بالأداء في باطنه، ويمين المشهود لها فيه فلانة على استحقاقها في ذمة المصدق المسمى باطنه فلان مبلغ صداقها عليه، وهو كذا وكذا، على ما تضمنه الصداق باطنه، أو على ما تضمنه فصل الاسترجاع المسطر باطنه، المؤرخ بكذا، وقال كل منهم: إنه عارف بالمصدق والزوجة المذكورين، وما علم مغيراً لشهادته إلى أن أقامها عنده بشروط الأداء المعتبرة شرعاً، وشخص له الشهود المشهود لها تشخيصاً معتبراً، وقبل ذلك مهم القبول السائغ فيه، وسطر ما جرت العادة به من علامة الأداء والتشخيص على الرسم المعهود في مثله، وذلك بعد ثبوت وفاة المصدق المذكور الثبوت الشرعي وأحلفت الزوجة المشهود لها المذكورة على استحقاقها ذلك بالله العظيم الذي لا إله إلا هو، اليمين الثابتة الشرعية المسطرة في فصل الحلف باطنه على ما نص وشرح فيه، فحلفت بالتماسها لذلك وحضور من يعتبر حضوره على الأوضاع الشرعية في تاريخ الحلف المذكور، ولما تكامل ذلك كله عنده وصح لديه - أحسن الله إليه - سأله من جاز سؤاله الإشهاد على نفسه بثبوت ذلك عنده، فأجابه إلى سؤاله، وتقدم بكتابة هذا الإسجال، فكتب عن إذنه الكريم، وأشهد على نفسه بثبوت ذلك لديه، وأبقى كل ذي حجة معتبرة على حجته إن كانت، وهو في ذلك نافذ القضاء والحكم ماضيهما، بعد تقدم الدعوى الموصوفة وما ترتب عليها، وحضر سماع الدعوى وإقامة البنية القاضي فلان أيمن الحكم العزيز، واعترف بأنه لا مطعن له في ذلك، فحينئذ أذن الحاكم في إيصال الحق لمستحقه شرعاً، ووقع الإشهاد فيه بتاريخ كذا وكذا.\rثم يكتب ابتياعها من أمين الحكم في ذيل الإسجال...: هذا ما اشترت فلانة المرأة الكاملة ابنة فلان - وهي المشهود لها باطنه المستحلفة فيه لنفسها من القاضي فلان أيمن الحكم العزيز بالجهة الفلانية، القائم في بيع ما يذكر فيه على المصدق المسمى المحلى باطنه فلان، فيما ثبت عليه من صداق زوجته المشترية المذكورة بمجلس الحكم العزيز بالجهة الفلانية، وهو كذا وكذا، وفي المقاصة الشرعية على الأوضاع المعتبرة، بإذن صحيحٍ شرعي من يد قاضي القضاة فلان الحاكم بالجهة الفلانية لأمين الحكم المذكور في ذلك، اشترت منه بقضية ذلك وحكمه جميع الدار الكاملة الجارية في يده وتصرفه منسوبة لملك فلان المتوفى إلى رحمة الله تعالى، وهي بالمكان الفلاني - وتوصف وتحدد - شراء صحيحاً شرعياً بثمن مبلغه كذا وكذا حال، وسلم البائع أمين الحكم المذكور للمشترية المذكورة ما ابتاعته منه فيه، فتسلمته منه، وصار بيدها وقبضها وملكها وحوزها، ومالاً من جملة أموالها، وذلك بعد النظر والرضا والمعرفة والتفرق بالأبدان عن تراض وأقرت المشترية المذكورة أن الدار المذكورة جارية في ملك زوجها المذكور، ثم بعد ذلك ولزومه قاص القاضي فلان أمين الحكم العزيز البائع المذكور المشترية بما في ذمتها من الثمن المذكور ما ثبت لها على المبيع عليه من الصداق المذكور، وهو كذا وكذا، وهو قدر الثمن المذكور وصفته وجنسه وحلوله، مقاصة شرعية برأت ما في ذمة المبيع عليه من الصداق، وبرأت ما في ذمته المشترية من الثمن براءة صحيحة شرعية، براءة إسقاط، وذلك بعد أن ثبت عند سيدنا قاضي القضاة فلان بشهادة من يضع خطه آخره، من العدول والمهندسين المندوبين لتقويم الأملاك أهل الخبرة بذلك، أن قيمة الدار المذكورة جميع الثمن المذكور، وأنه قيمة المثل يومئذ، لا حيف فيه ولا شطط، ولا غبينة ولا فرط، وأن الحظ والمصلحة في البيع بذلك، ويؤرخ. ثم يكتب شهود القيمة والمهندسين خطوطهم أن الثمن المذكور هو ثمن المثل يومئذ، ويؤدون عند الحاكم، ويعلم تحت رسم شهادتهم، ثم يكتب شهود المعاقدة الشهادة عليهما بالابتياع وأنه قد تم ذلك.","part":2,"page":475},{"id":976,"text":"وإن كانت الزوجة لم تشتر بل اشترى غيرها لنفسه كتب ما مثاله: هذا ما اشترى فلان من القاضي فلان أمين الحكم العزيز، القائم في بيع ما يذكر فيه على فلان المصدق فيما ثبت عليه من صداق زوجته فلانة بمجلس الحكم العزيز - وهو كذا وكذا - وفي وفاء الصداق المذكور للزوجة المذكورة، وذلك بإذن صحيح شرعي من سيدنا العبد الفقير إلى الله تعالى قاضي القضاة فلان الحاكم بالجهة الفلانية وشهد عليه بذلك من يعينه في رسم شهادته آخره، اشترى منه بقضية ذلك وحكمه جميع الدار الكاملة الجارية في يده وتصرفه ملكاً لفلان المتوفى المبيع عليه، وتوصف وتحدد، ويذكر الثمن، ويقال: قبضه أمين الحكم من المشتري المذكور، وصار بيده وحوزه، وسلم البائع للمشتري المذكور ما باعه إياه، فتسلمه منه، وصار بيده وقبضه ومالا من جملة أمواله، بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية، والتفرق بالأبدان عن تراض، والسبب في هذه المبايعة أن فلانة زوجة فلان المتوفى المذكور أثبتت صداقها في مجلس الحكم العزيز عند الحاكم المذكور على زوجها المذكور، بشهادة العدول المشار إليها في الإسجال المذكور، الذي أعلم تحت رسم شهادتهم علامة الأداء آخره، وقال كل منهم: إنه عارف بالمصدق والزوجة المذكورين، وما علم مغيراً لشهادته إلى أن أقامها عنده بشروط الأداء. وشخص الزوجة المذكورة، وقبله في ذلك، وأعلم تحت رسم شهادته علامة الأداء والتعريف بالتشخيص على الرسم المعهود في مثله وأحلف الزوجة المذكورة بالله الذي لا إله إلا هو اليمينين الشرعيتين، الجامعتين لمعاني الحلف، المشروحتين في مسطور الحلف بكذا وكذا، وذلك بحضور من يعتبر حضوره، فلما تكامل ذلك عند الحاكم المذكور سألت الزوجة الحاكم المذكور إيصالها إلى مبلغ صداقها المشهود لها به من موجود زوجها المذكور، فأذن الحاكم لأمين الحكم العزيز في بيع ذلك، وقبض ثمنه، وإيصال الزوجة المذكورة إلى ما ثبت لها في ذمة زوجها من الصداق المذكور، والإشهاد عليها بقبض ذلك، إذنا شرعياً، فشهد عليه بذلك من يضع خطه آخره، وذلك بعد أن ثبت عند الحاكم المذكور أن هذه القيمة المبيع بها قيمة المثل يومئذ، وأن الحظ والمصلحة في البيع بذلك، يشهد به بالمحضر المؤرخ بكذا وكذا، وفيه خط جماعة من العدول والمهندسين أرباب الخبرة بالعقار وتقويمه وذلك بعد أ شهد أمين الحكم المذكور أن الدار المذكورة أقامت بيد الدلالين على العقار ليشهروها في الشوارع والأسواق الجارية بها العادة أياماً متوالية بحضرة عدلين: هما فلان وفلان، فكان الذي انتهى إليه البذل فيها من هذا المشترى كذا وكذا، وهو الثمن المذكور، فما تكامل ذلك كله وقع الإشهاد على الحاكم المذكور وأمين الحكم والمشتري بما نسب إلى كل منهم فيه بتاريخ كذا وكذا.\rثم يكتب خلف الصداق قبض الزوجة، ومثال ذلك: أقرت فلانة المرأة الكاملة عند شهوده طوعاً أنها قبضت وتسلمت من القاضي فلان أمين الحكم العزيز جميع مبلغ صداقها الذي في ذمة زوجها فلان المتوفى المذكور، وهو كذا وكذا، وصار بيدها وقبضها وحوزها، وهو ثمن الدار التي باعها أمين الحكم العزيز على زوجها فلان لأجل وفاء صداقها المذكور، فبحكم ذلك برئت ذمة المصدق من الصداق المذكور براءة صحيحة شرعية، براءة قبض واستيفاء، ويؤرخ.","part":2,"page":476},{"id":977,"text":"إذا باع الوصي دار بالغبطة الزائدة على ثمن المثل بغير حاجة لمن هو تحت الحجر فالطريق في ذلك أني كتب محضرا بالقيمة يشهد فيه شهود القيمة والمهندسون وينادي عليه بحضرة عدلين، ويثبت ذلك عند الحاكم، وصورة المحضر في باب المحضر، ثم يكتب المبايعة، وصورة ما يكتب: هذا ما اشترى فلان لنفسه من فلان القائم في بيع ما يذكر فيه على فلان بن فلان الذي هو تحت ولاية نظره بمقتضى الوصية المفوضة إليه من والده، الثابتة بمجلس الحكم العزيز وعدالته ونسختها... وأرخها... وأسماء شهودها... والحاكم الذي ثبتت عنده... وصورة علامته... وإن اختصر ولم يذكر نسختها فذلك كاف - لما رأى له في ذلك من الحظ والمصلحة، وحسن النظر، والغبطة الزائدة على ثمن المثل، حسب ما يشهد بذلك محضر القيمة والغبطة المشروح آخره، الثابت بمجلس الحكم العزيز الثبوت الشرعي يشهد على الحاكم بذلك من يعينه في رسم شهادته آخر، اشترى منه بقضية ذلك وحكمه جميع الدار الفلانية - وتوصف وتحدد - شراء صحيحاً شرعياً بثمن مبلغه كذا وكذا، تقابضاً وتفرقاً بالأبدان عن تراض، بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية، والسبب في هذه المبايعة أن الوصي البائع المذكور نجز محضراً يتضمن مسير أرباب الخبرة بالعقار وتقويمه والعدول والمهندسين والمندوبين من مجلس الحكم العزيز لذلك - وهم فلان وفلان شاهداً القيمة، وفلان وفلان المهندسان - إلى الدار المذكورة وشاهدوها، وأحاطوا بها علماً وخبرة، وذكروا أن القيمة عنها كذا وكذا، وأنها قيمة المثل يومئذ، لا حيف فيها ولا شطط، ولا غبينة ولا فرط، وأن الحظ والمصلحة في بيع الدار المذكورة بزيادة كذا وكذا لتتمة كذا وكذا، وهو الثمن المعاقد عليه، وأقام كل منهم شهادته عند القاضي فلان بذلك، وأعلم تحت شهادتهم ما جرت العادة به من علامة الأداء والقبول، ثم أشهرت الدار المذكورة بحضرة عدلين: هما فلان وفلان، وفي صقعها وغيره من الأصقاع ومظان الرغبة مدة ثلاثة أيام فلم يحضر من بذل زيادة على ذلك، وقد أقام كل من شاهدي النداء شهادته عند الحاكم المذكور بذلك، وأعلم تحت رسم شهادته علامة الأداء حسب ما تضمنه المحضر المذكور المؤرخ بكذا وكذا، الذي بأعلاه علامة الثبوت، ومثلاها كذا وكذا وشهد على الحاكم بثبوت ذلك عنده من يعينه في رسم شهادته آخر هذا المكتوب، فلما تكامل ذلك كله وقع الإشهاد على الوصي البائع والمشتري بما نسب إلى كل منهما بعاليه بتاريخ كذا وكذا.\rوإن كان الوصي باع بإذن الحاكم كتب ذلك كما تقدم في حق أمين الحكم، ويجوز أن يبيع الوصي بغير محضر، وإنما المحضر أقطع للتنازع، وأدفع للطاعن.\rوإذا باع الوصي داراً على يتيم للحاجة من غير أن يثبت الحاجة ولا القيمة فذلك جائز، وإنما يخاف من التنازع، فإذا أراد ذلك كتب ما مثاله: هذا ما اشترى فلان بما له لنفسه من فلان وصى فلان بن فلان على ولده لصلبه فلان الطفل الذي هو تحت حجره وولاية نظره، متصرفاً فيما له وعليه بمقتضى الوصية التي بيده، الثابتة في مجلس الحكم العزيز بالجهة الفلانية، القائم في بيع ما يذكر فيه على فلان الطفل الذي تحت حجره وولايته نظره، لما دعت إليه الحاجة من نفقته وكسوته ولوازمه الشرعية، وأنه ليس له موجود غير هذه الدار المذكورة، وليس منها أجرة تكفيه، ولما رأى له في ذلك من الحظ والمصلحة وحسن النظر، اشترى منه بقضية ذلك وحكمه جميع الدار الفلانية، الجارية في يده وتصرفه ملكاً لفلان المبيع عليه - وتوصف وتحدد - شراء صحيحاً شرعياً، بثمن مبلغه كذا وكذا، دفعه المشتري المذكور من ماله للبائع المذكور، فقبضه منه وتسلمه، وصار بيد ه وقبضه وحوزه لفلان المبيع عليه، وسلم الوصي البائع المذكور ما باعه إياه، فتسلمه وصار بيده وملكه وحوزه، ومالاً من أمواله، وذلك بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية، والتفرق بالأبدان عن تراض، وضمان الدرك في صحة البيع، وبعد أن اعترف الوصي البائع أن الثمن المذكور هو قيمة المثل يومئذ، لا حيف فيه ولا شطط ولا غبينة فيه ولا فرط، وصدقه المشتري على ذلك، ويؤرخ.\rإذا ابتاع الوصي دار ليتيم على يده كتب ما مثاله:","part":2,"page":477},{"id":978,"text":"هذا ما اشترى فلان لفلان بن فلان الطفل الذي في حجره وكفالته وولاية نظره، بما له الذي تحت يده، المنتقل إليه بالإرث عن والده المذكور، الذي كان في حال حياته وصاه عليه، وجعله ناظراً في مصلحته، وذلك بمقتضى الوصية التي بيده، الثابتة بمجلس الحكم الشريف وعدالته، لما رأى له في ذلك من الحظ والمصلحة وحسن النظر، اشترى له بقضية ذلك وحكمه من فلان جميع الدار الفلانية - وتوصف وتحدد، ويكمل المبايعة على ما تقدم - وذلك بعد أن اعترف الوصي بأن الثمن المذكور هو ثمن المثل، لا حيف فيه ولا شطط، وصدقه البائع على ذلك ويؤرخ.\rإذا عوض الرجل ابنته الطفلة داراً بدارٍ لها كتب ما مثاله: حضر إلى شهوده في يوم تاريخه فلان، وأشهد على نفسه طوعاً أنه عوض ابنته لصلبه فلانة الطفلة، التي تحت حجره وكفالته وولاية نظره - لما رأى لها في ذلك من الحظ والمصلحة وحسن النظر - جميع الدار التي بيده وملكه وتصرفه - على ما ذكر - بجميع الدار التي بيده وتصرفه ملكاً لأبنته المذكورة - وتوصف وتحدد - لما رأى لها في ذلك من الحظ والمصلحة والغبطة، ولعلمه أن الدار التي عوض ابنته بها - وهي المبتدأ بذكرها - أجود من الدار التي تعوضت منها وأعمر، وأكثر أجرة وقيمة، معاوضة صحيحة جائزة، قبلها من نفسه لأبنته، وسلمها من نفسه لنفسه لأبنته المذكورة، ورفع عنها يد ملكه، ووضع عليها يد ولايته ونظره، وأخرج الدار الفلانية المثنى بذكرها من ملك ابنته المذكورة إلى ملكه، وسلمها من نفسه لنفسه وصارت بيده وقبضه وحوزه، ومالاً من جملة أمواله، ورفع عنها يد نظره وولايته ووضع عليها يد ملكه، كل ذلك بحق هذا التعويض، وبحكم ذلك صارت الدار المبتدئ بذكرها ملكاً لأبنته المذكورة دونه ودون كل أحد بسببه، وصارت الدار المثنى بذكرها ملكاً له دون ابنته المذكورة ودون كل أحد بسببها، وأقر بأنه عارف بذلك المعرفة الشرعية النافية للجهالة، وأنه رآها الرؤية المعتبرة، وأحاط بها علماً وخبرة، ويؤرخ.\rإذا اعترف رجل بأنه كان من مدة باع لرجل داراً كتب ما مثاله: أقر فلان بأنه كان بتاريخ كذا وكذا وباع لفلان جميع الدار الكاملة، التي كانت يوم تعاقدهما عليها في يده وملكه وتصرفه، على ما ذكر - وتوصف وتحدد - بيعاً صحيحاً شرعياً، بثمن مبلغه كذا وكذا، وأنه قبض الثمن منه لنفسه، وتسلمه وصار بيده وقبضه وحوزه، وأنه من التاريخ المذكور اشتراها منه بالثمن المعين أعلاه وتسلمه له، وتسلم منه الدار المذكورة أعلاه، وصارت بيده وقبضه وحوزه، مالا من جملة أمواله، وأقرا بأنهما كانا تعاقدا على ذلك كذلك من التاريخ المذكور معاقدة صحيحة شرعية شفاها بينهما بالإيجاب والقبول، ثم تفرقا عن تراض، وأقر بأنهما عارفان بها، وأنهما نظراها قبل ذلك، وأحاطا بها علماً وخبرة نافية للجهالة، وضمن البائع المذكور درك ما باعه فيه وقبض ثمنه بسببه ضماناً شرعياً، ولم تبق لكل منهما مطالبة قبل الآخر بسبب من الأسباب، ولا حق من الحقوق الشرعية، وأن الدار صارت وجبت بطريق الابتياع المذكور ملكاً لفلان المقر له ملكاً صحيحاً شرعياً دون البائع ودون كل أحدٍ بسببه، ويؤرخ.\rإذا كان البائع هو السلطان كتب ما مثاله: هذا كتاب مبايعة شرعية، جائزة مرضية، أمر بكتبه وتسطيره، وإنشائه وتحريره، واستيفاء مقاصده، واستكمال معانيه وفوائده، المولى السيد الأجل السلطان المالك الملك الفلاني أبو فلان - وتذكر ألقابه ونعوته الملوكية وسلطنته على العادة، ويدعى له بما يدعي للملوك من النصر والاقتدار وغير ذلك - وأشهد على نفسه الشريفة من حضر مقامه الشريف من العدول الواضعي خطوطهم آخره أنه باع لفلان جميع كذا، ويكمل المبايعة.\rإذا اشترى للسلطان وكيه قدم اسم السلطان، وهو أن يكتب: هذا ما اشترى للمولى السيد الأجل السلطان المالك الملك الفلاني، وكيله فلان، بماله المبارك النامي، وتوكيله إياه في ابتياع ما يذكر فيه بالثمن الذي تعين فيه، والتسليم والتسلم اللذين يشرحان فيه، يشهد عليه - خلد الله ملكه - بذلك من يعينه في رسم شهادته آخره، من فلان جميع الشيء الفلاني، ويكمل.","part":2,"page":478},{"id":979,"text":"وإن كان البائع وكيل بيت المال كتب مشروحٌ على العادة بالشهادة على بعض المهندسين، مثلاه: مشروح رفعه كل واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار بالبلد الفلاني، بقضية حال الدار الكاملة ، الجارية في ديوان المواريث الحشرية التي بالمكان الفلاني - وتوصف وتحدد - شاهد الدار المذكورة على الصفة المشروحة أعلاه، وأحاطا بها علماً وخبرة، وكتب هذا المشروح ليثبت علمه بالديوان المعمور، ويؤرخ.\rوتكتب على ظهره حجة على سماسرة العقار، صورتها: يقول كل واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار بالبلد الفلاني: إنهما سارا صحبة فلان وكيل بيت المال المعمور إلى حيث الدار الآتي ذكرها ووصفها وتحديدها فيه، الجارية في ديوان المواريث الحشرية، وهي بالمكان الفلاني - وتوصف وتحدد - وأحاطا بها علماً وخبرة، وقوماها بما مبلغه كذا وكذا، وقالا: إن ذلك قيمة المثل التي لا حيف فيها ولا شطط، ولا غبينة ولا فرط، وأن الحظ المصلحة في البيع بذلك، ويؤرخ.\rوتكتب على ظهره حجة على سماسرة العقار، صورتها: يقول كل واحد من فلان وفلان المناديين على العقار: إنهما أشهرا ما ذكر باطنه في مظان الرغبات، ومواطن الطلبات، في صقعها وغيره من الأصقاع دفعاتٍ متفرقة، وأوقات متعددة، فلم يسمعا من بذل زيادة على ما قوم باطنه، ويؤرخ، ويشهد عليهما فيه، ثم تكتب قصة باسم المشتري للمقام الشريف السلطاني، ويكتب عليها صاحب الديوان ويجاوب وكيل بيت المال المعمور، ويخرج الحال على ظهرها، ثم يوقع صاحب الديوان بحمل المبلغ إلى بيت المال المعمور، فإذا حمل وقع صاحب الديوان وتلصق الحجة على القصة، فإذا كمل ذلك عاقد وكيل بيت المال، وصورة المكاتبة: وهذا ما اشترى فلان بماله لنفسه من القاضي فلان، وكيل بيت المال المعمور والقائم في بيع ما يذكر فيه بأحكام الوكالة التي بيده، المفوضة إليه من المقام الشريف السلطاني الملكي الفلاني الذي جعل له فيه بيع ما هو جارٍ في أملاك بيت المال المعمور، وغير ذلك على ما نص وشرح فيها، وما ماله إلى بيت المال المعمور بالقضايا الشرعية، الثابتة وكالته في مجلس الحكم العزيز الثبوت الشرعي، المتوجة بالعلامة الشريفة، ومثالها كذا وكذا، اشترى منه بقضية ذلك وحكمه جميع الدار الفلانية، الجارية في رباع المواريث الحشرية، الموروثة عن فلان المتوفى إلى رحمة الله تعالى، أو التي أظهرها الكشف - وتوصف وتحدد - شراء صحيحاً شرعياً بثمن مبلغه كذا وكذا ديناراً أو درهما حالة، وذلك محمول إلى بيت المال المعمور على ما شهد به وصول بيت المال المعمور المشروح في آخره، وتسلم المشتري المذكور ما ابتاعه بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية، والتفرق بالأبدان عن تراض، وانقضاء أمد الخيار الشرعي الذي اشترطه البائع على المشتري المذكور، وهو ثلاثة أيام، وأقر المشتري المذكور أن ذلك صائر في أملاك بيت المال المعمور، والسبب في هذه المبايعة أن المشتري المذكور رفع قصة باسمه أنهى فيها: - وتنقل إلى آخرها - فوقع على ظهرها من جهة متولي الديوان المعمور ما مثاله: ليذكر ما بذل عليه للديوان المعمور، ومثاله - وينقل إلى عند الصفات المحدودة، ويكتب تاريخه - ثم تلاه توقيع كريم، ومثاله: ليتقدم المجلس - وينقل جميع ما فيه - ثم تلاه جوابُ متولي الوكالة الشريفة بما مثاله: المملوك فلان الوكيل.. - وينقل - ثم نجز المشتري المذكور وصولاً من بيت المال المعمور شاهداً له بحمل الثمن المذكور، ونسخته بعد البسملة... - وينقل ما فيه - ثم تلاه توقيع كريم، إذا كان - وينقل جميع ما فيه - وذلك كله بعد أن أخذت الحجة الملصقة بأعلى التوقيع الديواني، المتضمنة الإشهاد على كل واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار أن القيمة المعينة فيها - وهي كذا وكذا - قيمة المثل يومئذ - وتشرح إلى آخر التاريخ - بشهادة فلان وفلان سماسرة العقار، بأنهما أشهرا ذلك على ما تضمنته، فلما تكامل ذلك كله وقع الإشهاد على القاضي فلان وكيل بيت المال المعمور والمشتري بما نسب إلى كل منهما، ويؤرخ.","part":2,"page":479},{"id":980,"text":"وإن باع وكيل بيت المال بغير توكيل بيع بل بحجة قيمة كتب: هذا ما اشترى فلان من فلان وكيل بيت المال المعمور - كما تقدم - جميع قطعة الأرض الحاملة لبناء المشتري، الآتي ذكرها وذرعها وتحديدها فيه، الجارية في أملاك بيت المال المعمور، مضافة إلى ديوان المواريث الحشرية، أو ديوان الأحكار، وهي بالمكان الفلاني - وتذرع وتحدد - شراءً صحيحاً شرعياً، بثمن مبلغه كذا وكذا الجميع حال محمول إلى بيت المال المعمور، على ما شهد به وصول بيت المال المعمور المشروح في آخره، وتسلم المشتري المذكور ما ابتاعه بعد النظر والرضا والمعرفة والمعاقدة الشرعية، والتفرق بالأبدان عن تراض، وانقضاء أمد الخيار الذي اشترطه البائع على المشتري، وهو ثلاثة أيام، وأقر المشتري المذكور أن الأرض المذكورة جارية في ديوان المواريث، وذلك بعد اكتتاب حجة تتضمن الإشهاد على كل واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار - وتشرح كما تقدم - والشهادة على السماسرة، فحينئذ استظهر القاضي فلان البائع على المشتري بكذا وكذا، فتكون جملة ما تقرر من القيمة والاستظهار ورسم الوكالة جميع الثمن المذكور أعلاه، ثم بعد ذلك حضر وصول من بيت المال المعمور شاهد له بحمل الثمن المذكور، نسخته كذا وكذا، وعلى ظهره توقيع كريم، مثاله كذا وكذا...، فلما تكامل ذلك كله وقع الإشهاد، ويؤرخ.\rوإن كان المشتري أجرى باسمه الثمن من بيت المال وأنعم عليه به كتب ما مثاله: هذا ما اشترى فلان بن فلان، ويذكر الثمن، ويقول: \" وهو مجرى من بيت المال المعمور، ويكمل المبايعة نحو ما تقدم، ويكتب: \" ثم أحضر المشتري توقيعاً شريفاً سلطانياً بالإنعام عليه بالثمن، وينقل إلى آخره، والله أعلم بالصواب.\rإذا اشترت امرأة من وكيل بيت المال داراً جارية في رباع المواريث الحشرية بما لها في ذمته، ثم قاصت بما لها في رباع ديوان المواريث، يكتب: هذا ما اشترت فلانة من وكيل بيت المال - كما تقدم - جميع الدار الكاملة الجارية في ديوان المواريث الحشرية - على ما ذكرت المشترية - المقبوضة عن فلان المتوفى إلى رحمة الله تعالى، وهي بالمكان الفلاني - وتوصف وتحدد - شراء صحيحاً شرعياً بثمن مبلغه من الدراهم كذا وكذا، الجميع حال، وتسلمت المشترية ما ابتاعته بعد النظر والرضا والمعرفة والمعاقدة - نحو ما تقدم - ثم بعد ذلك قاص القاضي فلان المشترية المذكورة بالذي توجه على الديوان المعمور إيفاؤه من تركة زوج المشترية المذكورة فلان وهو مبلغ صداقها عليه، الثابت لها بمجلس الحكم العزيز، ومبلغه كذا وكذا، وهو نظير الثمن المذكور في قدره وجنسه وحلوله، مقاصة صحيحة شرعية، برئت بها ذمة المشترية من الثمن، وذمة زوجها من نظير ذلك الصداق، والسبب في هذه المبايعة والمقاصة أن المشترية المذكورة أثبتت صداقها على زوجها فلان في مجلس الحكم العزيز، ومبلغه كذا وكذا، المؤرخ الصداق بكذا وكذا، وأسجل لها الحاكم على نفسه - وهو القاضي فلان - بثبوت ذلك عنده، والحكم به، وأشهد لها على نفسه بذلك، وذلك بعد استحلافها اليمين الشرعية، المؤرخ الحلف بكذا وكذا، ثم بعد ذلك رفعت المشترية قصة مترجمة باسمها، مثالها: المملوكة...، ويشرح ما فيها وما تضمنه التوقيع كما تقدم، ويشرح مسطور القيمة نحو ما تقدم.\rهذا ما اتفق إيراده في البيوع على اختلاف الوقائع، الله أعلم.\rوأما الرد بالعيب والفسخ - فإنه إذا اشترى رجل من آخر داراً أو عبداً أو أمة أو دابة، وأطلع على عيب يوجب الرد بالعيب، وأراد الإشهاد بذلك، كتب ما مثاله: حضر إلى شهوده في يوم تاريخه فلان، وأشهد عليه أن ابتاع قبل تاريخه من فلان جميع الشيء الفلاني، وأنه اطلع في يوم تاريخ على أن به عيباً قديماً مزمناً يوجب الرد، وهو الشيء الفلاني - ويذكر العيب - وأنه حين إطلاعه على العيب حضر إلى شهوده على الفور، واختار فسخ البيع ورد المبيع على بائعه بالعيب المذكور، وأنه باق على طلب الرد، واستعادة الثمن الذي أقبضه له، ورفع يده عن التصرف في الشيء الفلاني رفعاً تاماً، ويؤرخ.","part":2,"page":480},{"id":981,"text":"في مقايلة تكتب على ظهر المبايعة، ومثالها: أقر كل واحد من فلان - وهو المشتري باطنه - وفلان - وهو البائع باطنه - بأنهما تقابلا أحكام المبايعة المشروحة باطنه، وهي في جميع الدار الموصوفة المحدودة، التي كان فلان المبدأ باسمه ابتاعها من فلان المثنى باسمه بالمثنى المعين في باطنه، وهو كذا وكذا مقابلة صحيحة شرعية، ودفع البائع المذكور للمشتري المذكور جميع الثمن بتمامه وكماله فقبضه منه، وتسلمه، وصار بيده وقبضه وحوزه، ورفع المشتري يده عن الدار المذكورة، وسلمها للبائع على صفتها الأولى، فتسلمها منه، وذلك بعد النظر والمعرفة والتفرق بالأبدان عن تراض.\rوأما الشفعة - فالذي يكتب فيها أنه إذا اشترى رجل حصة من دار وحضر مالك بقية الدار فطلب الحصة بالشفعة، وصدقه المشتري على ذلك، كتب ما مثاله: حضر إلى شهوده في يوم تاريخه كل واحد من فلان بن فلان، وفلان بن فلان - وهو المشتري المذكور باطنه - وأعلم فلان المبتدأ بذكره فلاناً المشتري باطنه - أن في ملكه من الدار الموصوفة المحدودة باطنه كذا وكذا سهماً من أربعة وعشرين سهماً شائعاً في جميع الدار المذكورة، وأنه يستحق أخذ الحصة التي ابتاعها منها بالشفعة الشرعية، وأنه قام على الفور عند سماعه بابتياع الحصة المذكورة باطنه من غير إمهال، واجتمع بالمشتري المذكور، وأعلمه بما ذكر، فحينئذ صدقه المشتري على صحة ذلك جميعه تصديقاً شرعياً، والتمس منه القيام له بنظير الثمن الذي دفعه المشتري المذكور باطنه عن الحصة المذكورة باطنه، فأحضره إليه بكماله، وهو كذا وكذا، وأقبضه له، فقبضه منه، وتسلمه، وصار بيده وقبضه وحوزه، وسلم المشتري المذكور باطنه لفلان المبتدئ بذكره المستشفع المذكور الحصة المذكورة، ومبلغها كذا وكذا سهماً من أربعة وعشرين سهماً شائعاً في جميع الدار الموصوفة المحدودة باطنه، فتسلمها منه، وصارت بيده وقبضه وحوزه عن هذه الشفعة، وأقر بأنهما عارفان بها المعرفة الشرعية، وبحكم ذلك كمل لفلان المستشفع بما في ملكه متقدماً وبهذه الحصة ملك جميع الدار المذكورة بالشفعة المذكورة، ولم يبق لفلان المشتري المذكور باطنه في الدار المذكورة حق ولا طلب بسبب ملك، ولا يد، ولا ابتياع، ولا حق من الحقوق الشرعية، وبمضمونه شهد، ويؤرخ.","part":2,"page":481},{"id":982,"text":"إذا ادعى رجل على رجل أن الحصة التي ابتاعها من شريكه يستحقها بالشفعة ولم يصدقه على ذلك، وكلفه إثبات الملك وقبول القسمة - فالذي يفعل في ذلك أن يثبت المدعي ابتياعه عند الحاكم ثم يثبت محضراً بقبول القسمة، فإن لم يكن معه كتاب ابتياع كتب محضراً بأنه مالك لحصته من الدار، وصيغة المحضر: شهد الشهود الواضعون خطوطهم آخره - وهم من أهل الخبرة الباطنة فيما شهدوا به فيه - أنهم يعرفون فلاناً معرفة صحيحة شرعية، ويشهدون أنه مالك لجميع الحصة التي مبلغها كذا وكذا سهماً من أربعة وعشرين سهماً شائعاً غير مقسوم من جميع الدار الفلانية، التي بالمكان الفلاني - وتوصف وتحدد - ملكاً صحيحاً شرعياً، من وجه صحيح شرعي، وأنه متصرف في الحصة المذكورة بالسكن والإسكان والإجارة والعمارة، وأنها باقية في ملكه ويده وتصرفه إلى الآن، ولم تخرج عنه بتمليك، ولا بيع، ولا هبة، ولا إقرار، ولا صدقة، ولا غيرها ولا بوجه من وجوه الانتقالات كلها، وهم بالدار في مكانها عارفون، وأن تلك الحصة التي مبلغها كذا وكذا سهماً من أربعة وعشرين سهماً شائعاً في الدار المذكورة ابتاعها فلان بن فلان من فلان بن فلان شريك فلان متنجز هذا المحضر، وأن متنجزه قام في طلب الحصة المبيعة وأخذها من المشتري المذكور بالشفعة الشرعية بحكم أنه مالك للحصة المشهود بها ملكاً شرعياً متقدماً على ابتياع المشتري المدعي عليه وأنه قام على الفور في طلب الحصة المبيعة من المشتري من غير تأخير ولا عاقة، يعلمون ذلك ويشهدون به بسؤال من جازت مسألته، وسوغت الشريعة المطهرة إجابته، ويؤرخ، ثم يشهد فيه الشهود عند الحاكم. ثم يكتب تحته محضران بأن الدار المذكورة قابلة للقسمة، وصيغته: شهد الشهود الواضعون خطوطهم آخره - وهم من أهل الخبرة بالعقار وتقويمه وقسمته - أنهم ساروا بإذن صحيح شرعي من القاضي فلان الحاكم بالجهة الفلانية إلى حيث الدار الآتي ذكرها فيه، الجارية منها حصة مبلغها كذا وكذا سهماً في ملك فلانٍ متنجز المحضر الأول المستشفع فيه، وحصة مبلغها كذا وكذا سهماً في ملك المشتري المدعي عليه الشفيع المذكور، منتقلة إليه بالابتياع الشرعي من شريك المستشفع المذكور، لكشف حالها، ومعرفة جملتها وتفصيلها، وسبب طلب الشفعة من متنجز هذا المحضر فيها، بحكم ابتياع المشتري الشفيع لحصته فيها ودخوله على المستشفع، وأنها هل تتهيأ فيها قسمة التعديل بالأجزاء المقتضية لخير الشريك؟ فألفوها في البلد الفلاني - وتوصف وتحدد - وتأملوها وأحاطوا بها علماً وخبرة، فوجدوها قابلة لقسمة التعديل الموجبة لخير الشريك وشهدوا أنها تمكن قسمتها جزأين، أو تمكن قسمتها ثلاثة أجزاء، ومهما كان، على قدر ملك كل واحد من الشركاء، كل جزء مساو للجزء الآخر في القيمة والانتفاع به، شهدوا بذلك بسؤال من جاز سؤاله، وسوغت الشريعة المطهرة إجابته، ويؤرخ ويشهد فيه عند الحاكم.","part":2,"page":482},{"id":983,"text":"ثم يكتب إسجال الحاكم، وصورته: هذا ما أشهد على نفسه سيدنا ومولانا قاضي القضاة فلان من حضر مجلس حكمه ومحل ولايته - وهو يومئذ نافذ القضايا والأحكام، ماض النقض والإبرام - أنه ثبت عنده وصح لديه بمحضر من متكلم جائز كلامه، مسموعة دعواه على الوجه الشرعي، مضمون المحضرين المسطرين باطنه: أحدهما - وهو الأول - مضمونه: أن فلان بن فلان المستشفع المدعي مالك لجميع الحصة التي مبلغها كذا وكذا سهماً شائعاً غير مقسوم في جميع الدار الموصوفة المحدودة ملكاً صحيحاً شرعياً، من وجه صحيح شرعي، وأنه متصرف في الحصة المذكورة بالسكن والإسكان والإجارة والعمارة، وأنها باقية على ملكه وفي يده وتصرفه إلى الآن، لم تخرج عنه بتمليك، ولا بيع، ولا هبة، ولا إقرار، ولا صدقة ولا بوجه من وجوه الانتقالات كلها، وأن الشهود الواضعي رسم شهادتهم آخر المحضر المذكور بالدار المذكورة عارفون في صقعها ومكانها، وأنّ ملكه للحصة سابق على ابتياع فلان المدعي عليه الشراء المذكور للحصة التي ابتاعها من شريك فلان المستشفع المشروح في المحضر الأول، وأن متنجز المحضر قام في طلب الحصة المبيعة وأخذها من المشتري بالشفعة على الفور، بحكم أنه مالك للحصة المشهود له بها، وأن ملكه متقدم على ابتياع الشفيع المشتري، وقد أقام كل من الشهود شهادته بذلك عند الحاكم المذكور، على ما تضمنه المحضر الأول المؤرخ بكذا وكذا، وقبل ذلك منه القبول السائغ، وأعلم تحت رسم شهادته علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود، والمحضر الثاني يتضمن أن الدار المذكورة قابلة للقسمة الموجبة لخير الشريك وأن القسمة تتهيأ فيها على ما شرح في المحضر الثاني، وأقام كل من الشهود شهادته بذلك عند الحاكم المذكور، على ما تضمنه المحضر الثاني المؤرخ بكذا وكذا، وقبل ذلك منه القبول السائغ الشرعي، وسطر ما جرت العادة به تحت رسم شهادته علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود، والمحضر الثاني يتضمن أن الدار المذكور قابلة للقسمة الموجبة لخير الشريك وأن القسمة تتهيأ فيها على ما شرح في المحضر الثاني، وأقام كل من الشهود شهادته بذلك عند الحاكم المذكور، على ما تضمنه المحضر الثاني المؤرخ بكذا وكذا، وقبل ذلك منه القبول السائغ الشرعي، وسطر ما جرت العادة به تحت رسم شهادته من علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود في مثله، فلما تكامل ذلك عنده وصح لديه - أحسن الله إليه - أشهد عليه بثبوت المحضرين المذكورين لديه على الوجه الشرعي، وحينئذ سأل فلان متنجز المحضرين المدعي الحاكم المذكور الحكم بمقتضى ما ثبت عنده، فأجابه إلى سؤاله، وأوجب الشفعة المذكورة، وألزم الحاكم المشار إليه المدعي بالقيام للمشتري المدعي عليه بالثمن الذي ابتاع به الحصة من شريك المدعي المذكور، وهو كذا وكذا، وحكم على فلان المشتري المدعي عليه بتسليم الحصة التي ابتاعها من شريك المستشفع - وهي كذا وكذا سهماً - لفلان المدعي متنجز المحضرين المذكورين، بحكم ثبوتهما عنده، فحينئذ أشهد فلان المشتري الشفيع عليه أنه قبض من المستشفع نظير الثمن الذي قام للبائع - وهو كذا وكذا - عن الحصة التي ابتاعها، وصارت بيده وقبضه وحوزه، وسلم للمدعي المستشفع المذكور الحصة الثابتة أخذها منه بالشفعة - وهي كذا وكذا سهماً - فتسلمها منه، وصارت بيده وملكه وحوزه، ملكاً من جملة أملاكه، ومالا من جملة أمواله، وأضافها إلى ما يملكه من الدار المذكورة من الحصة المشهود له بها، وفقد كمل له جميع الدار المذكورة، وأقر بأنهما عارفان بها المعرفة الشرعية، فلما تكامل ذلك كله سأله من جاز سؤاله الإشهاد على نفسه بذلك... وأبقى كل ذي حجة على حجته، وهو في ذلك كله نافذ القضاء والحكم ماضيهما، بعد تقدم الدعوى المسموعة وما ترتب عليهما، وتقدم - أدام الله أيامه - بكتابة هذا الإسجال، فكتب عن إذنه متضمناً لذلك، وذلك بعد قراءة ما تضمنه باطناً وظاهراً، وأشهد الشفيع والمستشفع عليهما بما نسب إلى كل منهما فيه، وذلك بتاريخ كذا وكذا.","part":2,"page":483},{"id":984,"text":"وإن كان بعض الثمن عروضاً، والمشتري يعترف بأن المستشفع له حصة في الدار، وأن الدار قابلة للقسمة، ولم يعترف بقيمة العروض، وطلب منه الثمن وتحليفه على ذلك، فرد عليه الثمن وأخذ الحصة بالشفعة بعد الترافع إلى الحاكم - فسبيل الكاتب أن يكتب ما مثاله: حضر إلى شهوده في يوم تاريخه من ذكر أنه حضر إلى مجلس الحكم العزيز بالجهة الفلانية عند سيدنا القاضي فلان الحاكم بها، كل واحد من فلان ابن فلان، وفلان بن فلان، وهو المشتري باطنه، وذكر فلان المبتدأ بذكره أنه يستحق أخذ الحصة المبيعة بما طلب باطنه - ومبلغها كذا وكذا سهماً من أربعة وعشرين سهماً شائعاً في جميع الدار الموصوفة المحدودة باطنه، التي ابتاعها المثنى بذكره من شريك المبتدئ بذكره فلان البائع باطنه - بحكم ما يجري في ملكه من الدار المذكورة، وأنه حين علم بابتياع المشتري للحصة المعينة قام على الفور في طلب الشفعة، وأحضر المشتري المذكور للحاكم المذكور، وأدعى عليه هذه الدعوى وأن الدار قابلة للقسمة، وأن قيمة العروض التي أخذها البائع باطنه كذا وكذا درهماً وأنه لم يكتم قيمتها إلا تحيلاً منه في إقصاء حقه عن الشفعة، وسأل سؤاله عن ذلك، فسأله الحاكم عن ذلك، فصدق المدعي في صحة ما ادعاه، وفي كل العروض التي سلمها للبائع المذكور باطنه، وأنه ما يعلم قيمتها، فطلب يمينه على ذلك، فأبى أن يحلف، ورد عليه اليمين، فأحلف الحاكم المدعي على قيمة العروض، فحلف أن قيمتها كذا وكذا درهماً، اليمين الشرعية المستوفاة، بمحضر من خصمه المذكور، وسأل المدعي الحاكم المذكور الحاكم له على خصمه بما يوجبه الشرع الشريف، فأجابه إلى سؤاله وحكم له بوجوب الشفعة على خصمه حكماً صحيحاً شرعياً، وأوجب عليه القيام بنظير الثمن، وهو كذا وكذا، وقيمة العروض، وهي كذا وكذا، وأوجب على المشتري تسليم الحصة، فحينئذ أشهد على المشتري المذكور على نفسه أنه تسلم نظير الثمن، وهو كذا وكذا... وصار بيده وقبضه وحوزه، وأشهد المدعي المستشفع أنه تسلم من المشتري الشفيع جميع الحصة المعينة باطنه تسلماً شرعياً، وصارت بيده وقبضه وحوزه وملكه، وذلك بعد النظر والمعرفة، فقد كمل للمدعي المستشفع بما في ملكه متقدماً وبهذه الحصة ملك جميع الدار المذكورة، ويؤرخ.\rفي استشفاع الأب لابنه المأجور عليه، وكذلك الوصي وأمين الحكم، مع تصديق المشتري له على دعواه، يكتب ما مثاله: أقر كل واحد من فلان - وهو كافل ولده فلان المراهق، أو الطفل الذي تحت حجره وكفالته وولاية نظره - ، وفلان - وهو المشتري المذكور باطنه - عند شهوده طوعاً بأن فلان المبتدأ بذكره كافل ولده المذكور اجتمع بفلان المثنى بذكره، وأعلمه بأن في ملك ولده لصلبه فلان المذكور جميع الحصة التي مبلغها كذا وكذا سهماً من أربعة وعشرين سهماً شائعاً في جميع الدار المذكورة.... بحكم تقدم ملك ولده للحصة المذكورة التي في يد والده المذكور، وبحكم أن الدار قابلة للقسمة وأن الثمن الذي قام به المشتري المذكور للبائع المذكور هو ثمن المثل يومئذ، وقيمة العدل، وأنه قام في طلبها على الفور، لما رأى لولده في ذلك من الحظ والمصلحة وأن المشتري صدقه على جميع ذلك تصديقا شرعياً، والتمس منه القيام بنظير ما كان دفعه ثمناً عن الحصة، وهو كذا وكذا، وأنه أجابه إلى ذلك، وسلم له من مال ولده فلان نظير الثمن المذكور، وهو كذا وكذا، فقبض ذلك منه، وتسلمه، وسلم المشتري المذكور له الحصة المذكورة بحق الاستشفاع، فتسلمها منه، وصارت بيده وقبضه وحوزه، ملكاً لولده فلان، وأضافها إلى ما في يده من الحصة الجارية في ملك ولده، وبحكم ذلك كمل لولده المذكور جميع الدار المذكورة باطنه، وأقر بأنهما عارفان بها المعرفة الشرعية، يؤرخ.\rوأما السلم والمقايلة فيه - فإذا أسلم رجل لرجل ثمناً في قمح أو حبوب أو غير ذلك كتب ما مثاله: أقر فلان عند شهوده بأنه أسلم إلى فلان من الدراهم كذا وكذا، وسلمها، فتسلمها منه في مجلس العقد، وصارت بيده وقبضه وحوزه على حكم السلم الشرعي في كذا وكذا - ويعين ذلك ويصفه - يقوم له بذلك في التاريخ الفاني، محمولاً إلى المكان الفلاني، أو موضوعاً بالمكان الفلاني، تعاقداً أحكام هذا السلم بينهما معاقدة صحيحة شرعية بالإيجاب والقبول، ثم تفرقا من مجلس العقد بالأبدان عن تراض، ويؤرخ.","part":2,"page":484},{"id":985,"text":"فإن تقايلا في السلم كتب ما مثاله: أقر كل واحد من فلان المسلم وفلان المسلم إليه بأنهما تقايلا أحكام السلم الذي كانا تعاقدا عليه بينهما باطنه مقايلة صحيحة شرعية، وفسخا أحكامه فسخاً شرعياً، وسلم فلان المسلم إليه لفلان المسلم المبلغ المذكور باطنه، وهو كذا وكذا، فتسلمه، منه وصار بيده وقبضه وحوزه، ولم يبق لكل منهما قبل الآخر حق من الحقوق الشرعية بسبب السلم المذكور، ولا بسبب شيء منه، وتصادقا على ذلك، ويؤرخ.\rأما القسمة والمناصفة - فإذا كان بين شريكين دار، وحصل الاتفاق بينهما على قسمتها، فالذي يكتب في ذلك: أقر كل واحد من فلان وفلان بأن لهما وفي ملكهما وتصرفهما بالسوية بينهما - لا مزية لأحدهما على الآخر - جميع الدار الفلانية - وتوصف وتحدد - ملكاً صحيحاً شرعياً، وأن ملكهما لذلك سابق لهذا الإقرار ومتقدم عليه، وأنهما عارفان بها المعرفة الشرعية، وأن يديهما فيها متصرفتان تصرف الملاك في أملاكهم، وذوي الحقوق في حقوقهم، من غير مانع ولا معترض، لا رافع ليد بسبب من الأسباب، وتصادقا على ذلك كله تصادقاً شرعياً، وأنهما ي يوم تاريخ اتفقا وتراضيا على قسمة ذلك جزأين: قبليا، وبحريا، صفة القبلى كذا - ويحدد - وصفة البحري كذا - ويحدد - ، ثم بعد تمام ذلك اشترى فلان من شريكه فلان جميع النصف الشائع في جميع القبلي، وكمل لفلان جميع الجزء البحري، وتصادقا على ذلك تصادقاً شرعياً، ويؤرخ.\rوإن كانا أحضرا رجلين من المهندسين كتب في ذيل المكاتبة: وذلك كله بعد أن أحضرا رجلين من أهل الهندسة والخبرة بمساحة الأراضي وذرعها وقسمتها، والآدر وقيمتها - وهما فلان وفلان - إلى الموضع المذكور وشاهداه، وأحاطا به علماً وخبرة، وقسماه بنيهما جزأين، لا مزية لأحدهما على الآخر، وأنهما اتفقا وتراضيا على ذلك، ورضيا قولهما، وأمضيا فعلهما.\rوإن كان بينهما قرعة كتب ما مثاله: وذلك كله بعد قرعةٍ شرعية رضيا بها وحصل الاتفاق على ما ذكر أعلاه.\rوإن كان بينهما حوانيت واقتسماها بالتعديل على القرعة كتب ما مثاله: أقر كل واحد من فلان وفلان بأن لهما بالسوية بينهما جميع الحوانيت - ويذكر عددها وصفتها وتحديدها نحو ما تقدم - وأنهما في يوم تاريخه رغباً في قسمتها بينهما بالتعديل والقرعة الشرعية، وأحضرا رجلين من أهل الهندسة والخبرة بالأراضي وذرعها وقيمة العقار وقسمته - وهما فلان وفلان - إلى الحوانيت المذكورة، وشاهداها، أحاطا بها علماً وخبرة، فسماها بينهما قسمة عادلة شرعية بالذرع والقيمة والمنفعة، وأقرعا بينهما في ذلك قرعة شرعية، جائزة مرضية، فكان الذي حصل لفلان المبتدئ بذكره جميع الحوانيت - وتعد وتوصف وتحدد - التي قيمتها كذا وكذا، الجميع حقه وحصته من جملة الحوانيت المذكورة، والذي حصل لفلان المثنى بذكره جميع الحوانيت - ويذكر فيها ما تقدم - ، وسلم كل واحد منهما للآخر ما وجب عليه تسليمه، وصار بيده وقبضه وجوزه، واقر بأنهما عارفان بذلك المعرفة الشرعية، تعاقدا أحكام هذه القسمة بينهما معاقدة صحيحة شرعية شفاها بالإيجاب والقبول، ثم تفرقا بالأبدان عن تراض، وأقر كل واحد منهما بأنه لا حق له ولا طلب فيما صار لصاحبه مما ذكر أعلاه بوجه من الوجوه الشرعية على اختلافها، وتصادقا على ذلك، ورضي كل منهما بهذه القسمة واعترفا بأن الذي قوم به كل موضع قيمة المثل يومئذ لا حيف فيها ولا شطط.","part":2,"page":485},{"id":986,"text":"في صفة ميراث - يكتب ما مثاله: أقر كل واحد من فلان وفلان وفلان الإخوة أولاد فلان بأن والدهم المذكور توفي ولم يخلف من الورثة سواهم، وأنهم مستحقون لميراثه، مستوعبون لجميعه، يغير شريك لهم في ميراثه، لا حاجبٍ يحجبهم عنه بوجه ولا سبب، وترك لهم موروثاً عنه جميع الدار الفلانية - وتوصف وتحدد - ، فلما كان في يوم تاريخ تداعوا إلى قسمة ذلك، فقسم بينهم على الوجه الشرعي، فتميز لكل واحد منهم الثلث شائعاً فيها، ووضع كل واحد منهم يده ما تميز له منها بهذا الإرث وضعا تاماً، وعرفه وعرف مقداره، وصار بيده وتصرفه وملكه وحوزه بالإرث الشرعي المشروح أعلاه، ويتصرف كل منهم فيما صار إليه تصرف الملاك في أملاكهم، وذوي الحقوق في حقوقهم، من غير مانع، ولا دافع، ولا رافع ليد، ولا معترض بوجه ولا سبب، وأقروا بأنهم عارفون بالدار المذكورة المعرفة الشرعية، ونظروها، وأحاطوا بها علماً وخبرة، وتصادقوا على ذلك كله، وقبل كل منهم هذا الإقرار لنفسه من الآخر قبولاً شرعياً، الله مع المتقين.\rوأما الأجائر - فإذا أستأجر رجل من رجل داراً كتب ما مثاله: استأجر فلان من فلان جميع الدار الجارية في يده وملكه وتصرفه، على ما ذكر وصدقه المستأجر على ذلك، إن صدقه.\rوإن كانت الدار وقفاً عليه كتب: الجارية في يده وتصرفه وقفاً على تناهت منافعها إليه.\rوإن كانت في عقد إجارته نبه على ذلك، فيكتب: الجارية في يده وتصرفه وعقد إجارته بالإيجار الشرعي من فلان.\rوإن كان يؤجر عن موكله كتب: الجارية في يده وتصفه ملكاً لموكله فلان، وله إيجارها وقبض أجرته عنه بطريق الوكالة الشرعية التي بيده.\rوإن كانت حصة من دار كتب: جميع الحصة التي مبلغها كذا وكذا من جميع الدار وهي بالمكان الفلاني - وتوصف وتحدد - لينتفع بها في السكن والإسكان،ووقود النيران - إن أذن له في ذلك - لمدة كذا وكذا، أول ذلك يوم تاريخه، أو اليوم الفلاني من الأشهر الماضية، بأجرة مبلغها في كل شهر من شهورها كذا وكذا قسط كل شهر في سلخه، أو مستهله، وتسلم ما استأجره بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية، والتفرق بالأبدان عن تراض، ويؤرخ.\rوإن استأجر مدة كل يوم بعض النهار بأجرة حالة مقبوضة أو أبرأه منها كتب ما مثاله: استأجر فلان من فلان جميع الحانوت - ويوصف ويحدد كما تقدم - لمدة سنة كاملة، أو أقل أو أكثر، لينتفع بذلك من السكن والإسكان طول المدة في كل يوم من أول النهار إلى الوقت الفلاني منه، خلا بقية النهار والليل، فإن منفعته باقية في يد الآجر وتصرفه، وينتفع بذلك كيف شاء، بأجرة مبلغها عن جميع هذه المدة كذا وكذا حالة، قبضها الآجر من المستأجر، وتسلمها.\rوإن كان أبرأه منها كتب: حالة، أبرأه الآجر منها براءة صحيحة شرعية، براءة إسقاط، قبلها منه، وتسلم ما استأجره بعد النظر والرضا والمعرفة والمعاقدة الشرعية.\rأن استأجر من رجل بما له في ذمته من الدين كتب:..... لمدة سنة كاملة، أولها يوم تاريخه، بما للمستأجر في ذمة الآجر من الدين الحال الذي اعترف به عند شهوده، وهو كذا وكذا، وتسلم ما استأجره، ويكمل.\rإن استأجر داراً\rلمدة ثم استأجر مدة ثانية قبل انقضاء المدة الأولى كتب:.... لمدة سنة كاملة مستأنفة على مدته الأولى، أولها اليوم الفلاني من الشهر الفلاني، بحكم أن الدار مستأجرة معه على مدة معلومة آخرها اليوم الفلاني، وقد استؤنفت هذه المدة الثانية زيادة على تلك المدة الأولى إجارة صحيحة شرعية، بأجرة مبلغها كذا وكذا، تعاقدا على ذلك معاقدة شرعية شفاها بالإيجاب والقبول، واعترف المستأجر بأن الدار المذكورة في يده وتصرفه وأنه عارف بها المعرفة الشرعية.\rإن استأجر بأجرة حالة\rثم قاصه المستأجر بما له في ذمته كتب: ....بأجرة مبلغها عن جميع المدة كذا وكذا وحالة - ويكمل الإجارة - ، ثم بعد ذلك قاص المستأجر المذكور الآجر بما له في ذمته من الدين الذي اعترف به عند شهوده - وهو نظير الأجرة المذكورة في القدر والجنس والصفة والحلول مقاصة شرعية، قبل كل منهما ذلك لنفسه قبولاً شرعياً، ولم تبق لكل منهما مطالبة قبل الآخر بسبب دين ولا أجرة ولا حق من الحقوق الشرعية كلها.","part":2,"page":486},{"id":987,"text":"وإن استأجر جماعة من رجل أرضاً لبناء وغيره كتب ما مثاله: استأجر فلان وفلان وفلان من فلان جميع قطعة الأرض الطين السواد، الجارية في يد المؤجر وملكه، وهي بالمكان الفلاني، ومساحتها كذا وكذا قصبة بالقصبة الحاكمية، وذراعها كذا وكذا ذراعاً بذراع العمل، ليبنوا عليها ما أرادوا بناءه، ويحفروا فيها ما أرادوا حفره: من الآبار المعينة وآبار السراب والقنى والمجاري، ويعلوا ما أرادوا تعليته، ويزرعوا ويغرسوا ما أحبوا زراعته وغرسه، وينتفعوا بها كيف شاءوا على الوجه الشريعي، لمدة ثلاثين سنة كوامل، أولها يوم تاريخه، ويكمل.\rوإن كان كل منهم يقوم بما عليه برهن على ذلك، وكذلك إن تضامنوا.\rوإن استأجر وكيل داراً لموكله من جماعة كتب: استأجر فلان لموكله فلان بإذنه وتوكيله إياه في استئجار ما يذكر فيه بالأجرة التي تعين فيه للمدة التي تذكر فيه، وفي تسلم ما استأجره له، التوكيل الشرعي، على ما ذكر، أو على ما تشهد به الوكالة التي بيده، من فلان وفلان وفلان جميع الدار الكاملة، الجارية في ملكهم ويدهم وتصرفهم بالسوية، أو بقدر حصصهم - وتوصف وتحدد وتذكر المدة والأجرة - ما هو لفلان عن أجرة حصته كذا، وما هو لفلان كذا، وما هو لفلان كذا، وتسلم ما استأجره لموكله بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية.\rوإن آجر رجل داراً عن موكله كتب: استأجر فلان من فلان القائم في إجار ما يذكر فيه عن موكله فلان، بالأجرة التي تعين فيه، للمدة التي تذكر فيه، وفي تسلم ما يؤجر لمستأجره، حسب ما تشهد به الوكالة التي بيده، استأجر منه بقضية ذلك وحكمه جميع... ويكمل، والله أعلم بالصواب.\rمعاقدة حمولة\rعاقد فلان بن فلان السير وإن فلاناً على حمله وحمل محارمه وزاده - وهو كذا وكذا رطلاً - والبلد الفلاني إلى البلد الفلاني، على ظهر جماله التي بيده وتصرفه، بما مبلغه كذا وكذا، قبضه منه، تعاقدا معاقدة شرعية بعد النظر والمعرفة والإحاطة بذلك علماً وخبرة، وعليه الشروع في ذلك من يوم كذا وكذا.\rاستأجر داراً بدار\rكتب: استأجر فلان من فلان جميع الدار الفلانية الجارية في يد الآجر، لمدة كذا وكذا، بجميع الدار الجارية في يد المستأجر - ويحدد كلاً منهما - وتسلم كل منهما ما وجب له تسلمه من الآخر تسلماً شرعياً وصار بيده، وذلك بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية، ويؤرخ.\rإن استأجر مركباً\rطولها ومحملها وعدتها... لينتفع بها في حمل الغلا والركبان، في البحر الفلاني، وإن كان في بحر النيل قال: مصعداً ومنحدراً، ويكمل كما تقدم.\rفصل وإن استأجر بغلاً\rأو حماراً كتب:... جميع الحمار، لينتفع به في حمله وحمل قماشه في المكان الفلاني إلى المكان الفلاني، أو في حمل ما يختاره من القماش والأثاث، ونقل الحواصل على ظهره على قدر طاقته، لمدة كذا وكذا، ويكمل.\rفصل إذا أجر رجل عبده أو ولده\rكتب: أجر فلان ولده لصلبه فلاناً المراهق الذي تحت حجره وولاية نظره، لفلان، ليعمل عنده في صناعة كذا وحانوته بالمكان الفلاني، لمدة كذا، بأجرة مبلغها في كل يوم كذا من استقبال تاريخه، تعاقدا على ذلك معاقدة شرعية بالإيجاب والقبول والتسليم الشرعي.\rوإن أجر نفسه كتب: أجر فلان نفسه لفلان، ليعمل عنده في صناعة كذا، ويكمل.\rفصل وإن أجرت امرأة نفسها لمطلقها\rكتب: أجرت فلانة نفسها لمطلقها الطلقة الأولى - أو مهما كان من عدد الطلاق - فلان، وفي رضاع ابنها منه وحضانته وغسل خرقه، وتسريح رأسه، والقيام بمصالحه في منزلها بالمكان الفلاني لمدة كذا، ويكمل، والله أعلم بالصواب.\rوإذا أجر رجل داراً على ولده الطفل أو أجر الوصي أو أمين الحكم كتب: استأجر فلان من فلان القائم في إيجار ما يذكر فيه على ولده لصلبه فلان الطفل الذي هو تحت حجره وكفالته، لما رأى له في ذلك من الحظ والمصلحة.\rوإن كان الأجر الوصي كتب: القائم في إيجار ذلك على فلان المحجور عليه بطريق الوصية الشرعية التي بيده، وقبض الأجرة، وتسلم ما يأجره لمستأجره.\rوإن كان أمين الحكم هو الآجر كتب: القائم في إيجار ما يذكر فيه على فلان المحجور عليه من قبل الحكم العزيز، فإن كان الحاكم أذن كتب: وذلك بإذن من سيدنا القاضي فلان الدين له في ذلك، جميع الدار، ويكمل.\rوإن شهد بقيمة الأجرة شرحه في ذلك الإجارة.","part":2,"page":487},{"id":988,"text":"فصل وإن استأجر رجل لولده داراً\rأو الوصي أو أمين الحكم كتب ما مثاله: استأجر فلان لولده الذي تحت حجره وولاية نظره، لما رأى له في ذلك من الحظ والمصلحة.\rوإن كان الوصي فكما تقدم، أو أمين الحكم فنحوه، ويذكر إذن الحاكم، والله أعلم.\rإذا استأجر الوصي من يحج عن الميت كتب ما مثاله: أقر فلان ابن فلان بأنه أجر نفسه لفلان وصي فلان المتوفى إلى رحمة الله تعالى، القائم في معاقدته بالوصية الشرعية التي بيده، الثابتة بمجلس الحكم العزيز، لأن يحج بنفسه عن فلان الموصى المذكور حجة الإسلام الواجبة عليه، وإن كانت غير واجبة كتب: لأن يحج عنه حجة تطوع على أن يتوجه من المكان الفلاني في عام تاريخ قاصداً لأداء حجة الإسلام وعمرته في البحرين العذب والملح، أو في البحر الملح، أو في البر، ويحرم من الميقات الذي يجب على مثله، فينوي حجة مفردة كاملة، أو يدخل إلى الحرم الشريف بمكة - شرفها الله تعالى - فينوي عنه الحجة المذكورة كاملة بأركانها وواجباتها وشروطها وسننها ثم يعتمر عنه عمرة من ميقاتها مكملة فروضها على الأوضاع الشرعية، وهو بالخيار إن شاء أفرد، وإن شاء أقرن، وينوي في جميع أفعاله وقوع ذلك عن المتوفى الموصى المذكور، وأجر ثوابه له، ومتى وقع منه إخلال يلزمه فيه فداء، أو وجب عليه دم كان ذلك متعلقاً به وبما له، دون مال الموصى المتوفى، المشروحُ جميع ذلك في كتاب الوصية المذكورة، عاقده على ذلك معاقدة صحيحة شرعية بالأجرة المعينة أعلاه وهي كذا وكذا، قبضها منه وتسلمها، وصارت بيده وقبضه وحوزه، من مال الموصي المذكور الذي فرضه في ذلك، وأذن في تسليمه، وذلك بعد أن تبين أن الآجر المذكور عن نفسه الحجة الواجبة عليه، ويؤرخ.\rإذا استأجر رجل من وكيل بيت المال أرضاً ليبني عليها أو جدراً يعمد عليها أو سطحاً أو غير ذلك، كتب مشروحاً، وأخذ فيه خط شهود القيمة والمهندسين، ثم يكتب الإجارة، ويشرح في ذيلها المشروح، وإن كانت بتوقيع مثل توقيع المبايعة كتب في آخر الإجارة مثل ما يكتب في المبايعة وهو أن يقول: والسبب في هذه الإجارة أن المستأجر المذكور رفع قصة... وتشرح. وصيغة المشروح: مشروح رفعه كل واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار بقضية حال قطعة الأرض الآتي ذكرها وذرعها وتحديدها فيه، الجارية في ديوان المواريث الحشرية - وتذرع وتحدد - تأملاها بالنظر، وأحاطا بها علماً وخبرة، وقالا: إن الأجرة عنها لمن يرغب في استئجارها لينتفع بها كيف شاء وأحب واختار على الوجه الشرعي، ويبني عليها ما أحب بناءه، ويعلى ما أراد تعليته ويحفر الآبار المعينة وآبار السراب والقنى، ويشق الأساسات، ويخرج الرواشن.\rوإن كان المؤجر سطوحاً أو جدراً أو عقوداً كتب زنة ما يبنيه، وهو أن يقول: فتكون زنة ما يبنيه ويعليه عليها كذا وكذا قنطاراً لمدة ثلاثين سنة كوامل ما مبلغه كذا وكذا، الحال من ذلك كذا، وباقي ذلك - وهو كذا - يقوم به منجماً في سلخ كل سنة تمضي من تاريخه كذا، وقالا: إن ذلك أجره المثل يومئذ، لا حيف فيها ولا شطط، ولا غبينة ولا فرط، إن الحظ والمصلحة في إيجار ذلك بهذه الأجرة ويؤرخ.\rومن الكتاب من يكتب أول المشروح ما صورته: لما رسم بعمل مشروح بقضية حال الموضع الآتي ذكره فيه، الجاري في ديوان المواريث الحشرية، امتثل المرسوم كل واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار، وسارا إلى الموضع المذكور، فألفياه بالمكان الفلاني، ويوصف ويحدد، ويكمل المشروح نحو ما تقدم.","part":2,"page":488},{"id":989,"text":"ثم يكتب الإجارة، وصيغتها: استأجر فلان من القاضي فلان وكيل بيت المال المعمور، القائم في إيجار ما يذكر فيه بأحكام الوكالة التي بيده، المفوضة إليه من المقام الشريف، التي جعل له فيها إيجار ما هو جار في أملاك بيت المال المعمور وغير ذلك، على ما نص وشرح فيها، وما مآله إلى بيت المال المعمور بالقضايا الشرعية، الثابتة وكالته بمجلس الحكم، المتوجة وكالته بالعلامة الشريفة، ومثالها كذا وكذا، استأجر منه بقضية ذلك وحكمه جميع قطعة الأرض التي لا بناء بها، أو الحاملة لبناء المستأجر، الآتي ذكرها وذرعها وتحديدها فيه، الجارية في ديوان المواريث الحشرية، أو جميع السطح، أو الجدر، ليبني على ذلك ما أحب وأراد بالطوب والطين والجير والجبس وآلة العمارة ما زنته كذا وكذا قنطاراً - هذا يكون في السطح أو في الجدار، وأما الأرض فلا - لمدة كذا وكذا سنة، أولها يوم تاريخه، بأجرة مبلغها عن جميع هذه المدة كذا وكذا، الحال من ذلك كذا وكذا بما فيه من المستظهر به وباقي ذلك - وهو كذا وكذا - يقوم به منجماً، في سلخ كل سنة من استقبال تاريخه كذا وكذا، وتسلم ما استأجره بعد النظر والمعرفة والمعاقدة الشرعية، وأقر المستأجر بأن الأرض جارية في ديوان المواريث الحشرية، وذلك بعد أن تنجز المستأجر المذكور مشروحاً يتضمن الإشهاد على كل واحد من فلان وفلان المهندسين على العقار بأنهما سارا إلى ما ذكر أعلاه، وذكراً من الذرع ولا تحديد ما وافق أعلاه، وقالا: إن الأجرة في ذلك عن كل سنة كذا وكذا، ويذكر ما تضمنه المشروح، ورسم شهادة العدل فلان والعدل فلان بأن الأجرة المعينة فيه أجرة يومئذ، ثم بعد تمام ذلك أحضر المستأجر من يده وصولات بيت المال شاهدة له بحمل المال المذكور ونسخها كذا وكذا، فلما تكامل ذلك كله وقع الإشهاد على القاضي فلان الآجر والمستأجر بما نسب إلى كل واحد منهما فيه، ويؤرخ.\rوإن أجر نائب وكيل بيت المال المعمور أرضاً في ديوان الأحباس كتب ما مثاله: استأجر فلان من القاضي فلان النائب عن القاضي فلان وكيل بيت المال المعمور، القائم في إيجار ما يذكر فيه من مستنيبه المذكور بأحكام الوكالة التي بيد مستنيبه، المفوضة إليه من المقام الشريف، التي لمستنيبه فيها إيجار ما هو جار في أملاك بيت المال المعمور وأوقاف الأحباس المعمورة، وغير ذلك، على ما نص وشرح فيها، وما مآله إلى بيت المال المعمور بالقضايا الشرعية، وأن يستنيب عنه في ذلك من يراه، الثابتة وكالته في مجلس الحكم العزيز الثبوت الصحيح الشرعي، ويشهد على وكيل بيت المال المعمور بالأذن لنائبه المذكور في ذلك من يعينه في رسم شهادته آخره، استأجر منه بقضية ذلك وحكمه جميع بقعة الأرض الآتي ذكرها وذرعها وتحديدها فيه، الجارية في ديوان الأحباس المعمور، الذي صاحب الديوان به يومئذ فلان، ومشارف الأحكار به فلان، الأذن كل منهما للآجر في الإيجار المذكور، يشهد عليهما بذلك شهوده، وهي بالمكان الفلاني، وتوصف وتحدد ويكمل الإجارة كما تقدم.\rإن كان بستاناً فأجر الأرض وساقي على الأنشاب كتب ما مثاله: استأجر فلان من فلان جميع قطعة الأرض السواد، المتخللة بالأنشاب الآتي ذكرها فيه، ومساحتها كذا وكذا فدانا بالقصبة الحاكمية، الجارية الأرض المذكورة في يده وعقد إجارته، أو في ملكه، وجميع بناء البئر المعينة والساقية المركبة على فوهتها، المكملة العدة والآلة، الذي ذلك بالموضع الفلاني، وصفة الأنشاب أنها النخل والكرم والتين والزيتون والرمان، وغير ذلك، بحدود ذلك وحقوقه، خلال الأنشاب ومواضع مغارسها، فإنها خارجة عن عقد هذه الإجارة، لمدة...، ويكمل ما تقدم.\rوأما المساقاة - فإنه إن كتبها في ذيل الإجارة كتب ما مثاله: ثم بعد ذلك ساقي الآجر المستأجر... ويكمل.","part":2,"page":489},{"id":990,"text":"وإن لم يكتبها في ذيلها كتب ما مثاله: ساق فلان مالك الأنشاب الآتي ذكرها فيه فلان بن فلان على الأنشاب القائمة في الأرض الآتي ذكرها فيه، الجاري ذلك في يد فلان المبتدئ بذكره، وهي الأرض التي بالموضع الفلاني، ومساحتها كذا وكذا فدانا بالقصبة الحاكمية، وصفة الأنشاب المساقي عليها أنها النخل والكرم وكذا وكذا، بحسب ما يكون، ويحيط بذلك حدود أربعة - وتذكر - مساقاةً صحيحة شرعية جائزة نافذة، لمدة سنة كاملة، أولها يوم تاريخه، على أن يتولى سقي ذلك وتنظيفه وتأبيره وغرسه وإصلاحه بنفسه، وبمن يستعين به، ومهما أطلعه الله تعالى من ثمر كان مقسوماً بينهما على ألف جزء، جزء واحد لفلان المبتدأ بذكره مالك الأنشاب، وباقي الأجزاء لفلان المثنى بذكره المساقي، وذلك بعد إخراج المؤن والكلف وحق الله تعالى إن وجب، تعاقدا على ذلك معاقدة شرعية، وسلم فلان المالك لفلان المساقي جميع الأنشاب المذكورة، فتسلمها منه للعمل عليها، وصارت بيده وحوزه، وذلك بعد النظر والمعرفة، والإحاطة بجميع ذلك علماً وخبرة.\rوفي المساقاة على الليف والسعف والكرناف خلاف: فإن كان يعد من الثمرة جاز، وإن لم يعد منها لم يجز.","part":2,"page":490},{"id":991,"text":"وأما الوصايا والشهادة على الكوافل بالقبوض وما يلتحق بذلك - فإذا أوصى رجل رجلاً كتب ما مثاله: هذا كتاب وصية اكتتبه فلان، حذراً من هجوم الموت عليه، وعملاً بالسنة النبوية وامتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الندب إلى الوصية، وأشهد على نفسه في حال عقله، وتوعك جسمه، وحضور حسه، وثبوت فهمه، وجواز أمره، وهو عالم بأركان الإسلام، عارف بالحلال والحرام، متمسك بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عالم بالموت وحقيقته والقبر ومسألته، متيقن بالبعث والنشور، والصراط والعبور، والجنة والنار، والخلود والاستقرار، غير محتاج إلى تعليم ولا تكرار، أن الذين له في الورثة المستحقين لميراثه المستوعبين لجميعه: زوجته فلانة بنت فلان، التي لم تزل في عصمته وعقد نكاحه إلى الآن، وأولاده منها، وهم فلان وفلان وفلان، بغير شريك لهم في ميراثه ولا حاجب يحجبهم عن استكماله، وأشهد على نفسه أن الذي عليه لزوجته كذا وكذا ولفلان كذا وكذا، وأن ذلك باق في ذمته إلى الآن، وأن الذي له من الدين على فلان كذا وكذا، وعلى فلان كذا وكذا، وأن ذلك باقٍ في ذمتهما إلى الآن، وأن الجاري في ملكه كذا وكذا - ويعين ماله إن كان - ، وأشهد على نفسه أنه دبر مملوكه فلاناً تدبيراً صحيحاً شرعياً، وقال له: أنت حر بعد موتي، تخرج من ثلث مالي المفسوح في إخراجه، وأشهد على نفسه أن أوصى فلان بن فلان، وجعل له أنه إذا نزل به حادث الموت الذي كتبه الله على خلقه، وساوى فيه بني بريته، يحتاط على جميع موجوده، ويقبضه ويحرزه تحت يده، ثم يبدأ من ثلث ماله بتجهيزه وتغسيله وتكفينه ومواراته في قبره بمن يراه أهلاً لذلك على الأوضاع الشرعية، والسنة النبوية، ثم يسارع إلى قضاء ديونه الواجبة عليه، وإبراء ذمته، ثم يفرز من ثلث ماله كذا وكذا، ليستأجر به رجلاً مشهوراً بالخير والصلاح، عارفاً بأداء الحج، ممن حج عن نفسه، ليحج عنه، على أن ينشئ السفر من البلد الفلاني في البر والبحر على ما يراه، بنية الحج في هذا الموصي المذكور، فيحرم من الميقات الواجب عليه في طريقه، ويؤدي عنه حجة الإسلام وعمرته الواجبتين عليه شرعاً، مكملتين بأركانهما وشروطهما وواجباتهما وسنتهما على الأوضاع الشرعية، والسنن المرضية، وينوى في جميع أفعاله وقوع ذلك عن الموصى المذكور، وللموصى الناظر أن يسلم إليه المبلغ المذكور في ابتداء سفره، ليكون عوناً له على هذه العبادة، وعلى المؤجر أن يشهد على نفسه بأداء ذلك عن الموصى ليثبت علمه عند الوصي المذكور، كل ذلك من رأس ماله، ثم يبيع ما يرى بيعه، ويقبض ثمنه، ويستخلص ما له من دين على أربابه، ويحرر جميع ذلك، ثم يعود فيفرق من ثلث ما له المفسوح له في إخراجه، فيقوم العبد المذكور ويخرج فيمته من ثلث ماله ويثبت عتقه، وإن تصدق بشيء يذكره في هذا الموضع، وهو أن يقول: ثم يخرج لفلان كذا، ولفلان كذا، ويقف عنه الموضع الفلاني - كل ذلك ما يعينه - ، ثم يقسم ثلثي المال وما يفضل من الثلث المفسوح له في إخراجه تعلى ورثته بالفريضة الشرعية، فيسلم البالغ الرشيد حصته، ويبقى تحت يده للمحجور عليهم ما يتعين لهم من نقد وعروض وعقار وغير ذلك، فيصرف لهم وعليهم على النظر والاحتياط إلى حين بلوغهم وإيناس رشدهم، وينفق عليهم بالمعروف، ويصرف عليهم ما تدعوه الحاجة إلى صرفه، فمن بلغ منهم أشده، وآنس الناظر عليه منه صلاحه ورشده، سلم إليه ما عساه يبقى له تحت يده من ذلك، ويشهد عليه بقبضه، أوصى بجميع ذلك وصية صحيحة شرعية ثابتة في حياته، معمولاً بها بعد وفاته، أقامه فيها مقام نفسه، لعلمه بدينه وعدالته وأمانته، وله أن يستنيب عنه في ذلك من يراه، فإن تعذر تصرف فلان الوصي كان الوصي في ذلك فلاناً، فإن تعذر كان لحاكم المسلمين بالمكان الفلاني.\rإذا عزل الموصي وصيه بغيره كتب: هذا ما أشهد عليه فلان أنه عزل وصيه فلاناً عن وصيته التي كان وصاه بها عزلاً شرعياً، ورجع عنها، وأشهد عليه أنه أسند وصيته إلى فلان، وجعله وصياً، وأقامه مقام نفسه، ويؤرخ.\rإذا كلف الحاكم الوصي بإثبات أهليته","part":2,"page":491},{"id":992,"text":"كتب على ظهر الوصية ما مثاله: شهد الشهود الواضع و خطوطهم آخر هذا المحضر - وهم من أهل الخبرة الباطنة بما شهدوا به - أنهم يعرفون فلاناً الوصي المذكور باطنه معرفة صحيحة شرعية، ويشهدون أنه أهل لما فوضه إليه فلان الموصي باطنه المتوفى إلى رحمة الله تعالى من الوصية المشروحة باطنه، وأنه كافٍ للتصرف، عدل لهم وعليهم، يعلمون ذلك ويشهدون به بسؤال من جاز سؤاله.\rفصل في إسجال الوصية ومحضر الوصي\rيكتب على ظهر الوصية: هذا ما أشهد عليه سيدنا القاضي فلان الحاكم بالعمل الفلاني على نفسه الكريمة من حضر مجلس حكمه وقضائه أنه ثبت عنده وصح لديه بعد صدور دعوى محررة، مقابلةٍ بالإنكار على الوضع الشرعي، بشهادة من أعلم تحت رسم شهادته علامة الأداء، مضمون الوصية - ويذكر تاريخا - وبآخرها رسم شهادة العدلين المذكورين، وقال كل واحد من هذين العدلين: إنه شهد على الموصى والوصي بما نسب إلى كل منهما فيه، وهو بهما عارف، وإن الموصي توفي إلى رحمة الله تعالى في اليوم الفلاني، وما علم مغيراً لشهادته إلى أن أقامها عند الحاكم بشروط الأداء المعتبرة، وأعلم تحت رسم شهادة كل منهما علامة الأداء والتعريف على الرسم المعهود بما رأى معه قبول شهادتهما، وأشهد عليه أيضاً أنه ثبت عنده وصح لديه، بعد صدور دعوى محررة، مقابلة بالإنكار على الوضع المعتبر الشرعي بشهادة عدلين، هما فلان وفلان - عرفهما فقبل شهادتهما بما رأى معه قبولها - جميع ما تضمنه المحضر المكتتب في ذلك هذه الوصية - ويذكر مضمونه وتاريخه - وبآخره رسم شهادة الشاهدين المذكورين، وقال كل منهما: إنه بما شهد عالم وبفلان الوصي المذكور عارف، وما علم مغيراً لشهادته إلى أن أقامها بشروط الأداء، وأعلم تحت رسم شهادة كل منهما علامة الأداء والتعريف على الرسم المعهود في مثله، فلما تكامل ذلك كله سأله من جازت مسألته، وسوغت الشريعة إجابته الإشهاد على نفسه الكريمة بثبوت ذلك لديه، والحكم به، فأجابه إلى سؤاله، وأشهد عليه بثبوت ذلك عنده على الوجه الشرعي، وأطلق يد الوصية في تنفيذ الوصية المذكورة باطنه على الوجه المشروح فيها، وحكم بذلك وأمضاه، ونفذه وارتضاه وهو في ذلك كله نافذ القضاء والحكم ماضيهما، وأبقى كل ذي حجة معتبرة فيه على حجته، وذلك بعد تقدم الدعوى المسموعة وما ترتب عليها بتاريخ كذا وكذا.\rفصل إذا قبضت الكافلة نفقة ولدها\rكتب: أقرت فلانة المرأة الكاملة ابنة فلان، كافلة ولدها فلان بن فلان الطفل، عند شهوده، بأنها قبضت وتسلمت من فلان وصي زوجها فلان المذكور والد ولدها كذا وكذا، وذلك عوضاً عن نفقة ولدها لبطنها المذكور، لمدة كذا وكذا شهراً، وآخرها يوم تاريخه، وصار ذلك بيدها وقبضها وحوزها، من مال الموصي المذكور، ويؤرخ.\rفصل إذا خلف الموصي زوجة مشتملة على حمل،\rفوضعت وأراد الوصي إثبات ذلك كتب: شهد من أثبت اسمه آخره من الرجال الأحرار المسلمين، شهدوا شهادة لا يشكون فيها ولا يرتابون، أن فلانة وضعت الحمل الذي كانت مشتملة عليه من زوجها فلان المتوفى إلى رحمة الله تعالى ولداً ذكراً - واسمه فلان - في اليوم الفلاني، وهو في قيد الحياة إلى الآن، وهم بها وبولدها عارفون، ولما سألهم من جاز سؤاله أجابوا سؤاله.\rوأما العتق والتدبير وتعليق العتق - فإذا أعتق السيد عبده كتب: هذا ما أشهد عليه فلان أنه أعتق في يوم تاريخه أو قبل تاريخه مملوكه فلاناً المقر له بالرق والعبودية، المدعو فلاناً، الفلاني الجنس، المسلم، وإن كان دون البلوغ كتب: مملوكه المراهق، الماسك بيده عند شهوده المدعو فلاناً - ويذكر حلاه - عتقاً صحيحاً شرعياً منجزاً، لوجه الله الكريم وطلب ثوابه العميم، يوم يجزى الله المتصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: \" من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه حتى الفرج بالفرج صار \" صار به فلان حراً من أحرار المسلمين، لا سبيل لأحد عليه إلا سبيل الولاء الشرعي، فإنه لمعتقه، ولمن يستحقه من بعده.\rفإن أعتق نصف عبد وهو موسر كتب: أعتق جميع النصف من جميع العبد المقر له بالرق والعبودية، ويكمل العتق، ثم يكتب: وأقر المعتق بأنه في يوم تاريخه موسر بقيمة النصف الثاني، ويؤرخ.","part":2,"page":492},{"id":993,"text":"ثم يكتب خلف العتق قويم حصة الشريك وتكملة العتق، ومثال ما يكتب: أقر فلان بأن شريكه فلاناً أعتق ما يملكه من العبد المذكور باطنه، وهو النصف وهو موسر، وأنهما احضرا رجلين خبيرين بقيمة الرقيق، وهما فلان وفلان، وقوما النصف من العبد المذكور يوم العتق بكذا وكذا، وأنهما رضيا قولهما، وعلما أنها قيمة المثل يوم ذاك، وأن فلاناً المعتق دفع ذلك لشريكه، فقبضه منه وتسلمه، وبحكم ذلك عتق النصف الثاني من العبد على فلان عتقاً شرعياً، وصار العبد بكماله حراً من أحرار المسلمين، لا سبيل لأحد عليه إلا سبيل الولاء الشرعي.\rفصل إذا علّق رجل عتق عبده على موته\rليخرج من رأس ماله كتب: أقرّ فلان بأنه علّق عبده فلانٍ على موته في آخر يوم من أيام حياته المتقدّم على وفاته، لاستكمال عِتقِ عبده المذكور من رأس ماله؛ تلفّظ بذلك بتاريخ كذا.\rفصل إذا دبّر رجل عبدَه\rكتب ما مثاله: دَبَّر فلان مملوكه فلاناً، الفلانيّ الجنس، المقِرّ له بالرّقّ والعبوديّة، تدبيراً صحيحاً شرعياً، وقال له: \" متى مِتّ فأنت حرّ بعد موتي، تخرج من ثلث مالي المفسوح لي في إخراجه \" ؛ فبحكم ذلك صار حكمه حكم المدبّر؛ ويؤرّخ.\rفإن أقرّ الورثة بخروج المدبّر من ثلث المال الموروث، أو أقرّ الوصيّ بذلك كتب ما مثاله: أقر فلان وفلان وفلان أولاد فلان بأن العبد المسمّى باطنَه الذي كان والدهم دبّره تدبيراً شرعياً، قوّمه أهل الخبرة والمعرفة بقيمة الرقيق، فكانت قيمته كذا وكذا، وأنها قيمة عادلة يكمل خروجها من ثلث مال متوفّاهم؛ وبحكم ذلك صار العبد حرّاً من أحرار المسلمين، لا سبيل لأحد عليه إلا سبيل الولاء الشرعي؛ ويؤرّخ.\rوأما الكتابة - فإذا كاتب رجل عبده كتب ما مثاله: كاتب فلان مملوكه الذي بيده وملكه، المقرّ له بالرق، المدعوّ فلاناً، الفلاني الجنس، المسلم لما علم فيه من الخير والديانة، والعفة والأمانة، ولقوله تعالى: \" فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً \" ، على مالٍ جمالته كذا وكذا، ويقوم به منجماً، في سلخ كل شهر كذا وكذا من استقبال تاريخه، وأسقط عنه السيد من ذلك قسط النجم الأخير، وهو كذا وكذا وأبرأه منه، وأسقط عنه السيد من ذلك قسط النجم الأخير، وهو كذا وكذا وأبرأه منه، لقول الله عز وجل: \" وآتوهم من مال الله الذي أتاكم \" ، مكاتبة صحيحة شرعية، وأذن له سيده في التكسب والبيع والشراء، فمتى أوفى ذلك كان حراً من أحرار المسلمين، له مالهم، وعليه ما عليهم، ولا سبيل لأحد عليه إلا سبيل الولاء الشرعي، ومتى ما عجز ولو عن الدرهم الفرد كان باقياً على حكم العبودية، لقوله صلى الله عليه وسلم: \" المكاتب قن ما بقي عليه درهم \" ، وبمضمونه شهد بتاريخ كذا وكذا.\rفإن وفي العبد مال الكتابة كتب ما مثاله: أقر فلان بأنه قبض وتسلم من مملوكه فلان المسمى باطنه جميع المبلغ المعين باطنه، وهو كذا وكذا، على حكم التنجيم باطنه، وصار ذلك بيده وقبضه وحوزه، فبحكم ذلك صار فلان حراً من أحرار المسلمين، على ما تقدم ويؤرخ.\rفصل وإن عجز المكاتب من أداء ما كوتب عليه\rكتب ما مثاله: حضر إلى شهوده في يوم تاريخه فلان، وأشهدهم على نفسه أنه كان كاتب عبده المذكور باطنه المكاتبة المشروحة باطنه إلى المدة المعينة باطنه، وزادت مدة ثانية، واستحق عليه كذا وكذا عن قسط كذا وكذا شهراً، لم يقم له بها، وصدقه العبد على ذلك واعترف بأنه عاجز عن القيام بما حصل عليه، وأنه سأله بعد الاستحقاق الصبر عليه إلى يوم تاريخه ليسعى في تحصيل ما بقي عليه... لقوله صلى الله عليه وسلم: \" المكاتب قن ما بقي عليه درهم \" ، وتصادقاً على ذلك، ويؤرخ.","part":2,"page":493},{"id":994,"text":"وإن كانا تحاكما عند حاكم كتب ما مثاله: حضر إلى شهوده في يوم تاريخه من ذكر أنه حضر إلى مجلس الحكم المذكور عند سيدنا الفقير إلى الله تعالى فلان الحاكم بالعمل الفلاني، كل واحد من فلان بن فلان ومملوكه، وادعى فلان المبتدأ باسمه على مملوكه عند الحاكم المذكور أنه كاتبه على مالٍ جملته كذا وكذا، فمتى أوفى ذلك كان حراً من أحرار المسلمين، ومتى عجز عن أدائه ووفائه ولو عن درهم واحد كان قناً باقياً على العبودية، وأن المدة المذكورة انقضت، فاستحق عليه كذا وكذا درهماً، ولم يقم له بها، وأنه صبر عليه مدة ثانية، آخرها يوم تاريخه، ولم يقم له بشيء منها، فسأل الحاكم المملوك عن ذلك، فصدق سيده في دعواه، واعترف بأنه عاجز عن الوفاء، وأنه لم يقدر على تحصيل ما بقي، فحينئذ سألا الحاكم المذكور الحكم لهما بما يوجبه الشرع الشريف، فأذن له الحاكم المذكور في فسخ المكاتبة المذكورة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: \" المكاتب قن ما بقي عليه درهم \" ، فحينئذ فسخ السيد المكاتبة المذكورة فسخاً شرعياً، وأبطل حكمها، وأشهد عليهما بذلك بتاريخ كذا وكذا.\rوأما النكاح وما يتعلق به - فإذا زوج الوالد ابنته بإذنها أو زوجها وهي غير بالغ كتب ما مثاله: هذا ما أصدق فلان فلانة البكر البالغ ابنة فلان، صداقاً تزوجها به، على بركة الله تعالى وعونه، وحسن توفيقه ومنه ملك به عصمتها، واستدام به - إن شاء الله - صحبتها، مبلغه كذا وكذا، الحال في ذلك كذا وكذا، قبضته الزوجة وتسلمته، أو قبضه والد الزوجة لها بإذنها - وإن كانت تحت حجره كتب: قبضه للزوجة والدها، ليصرفه في مصالحها - وباقي ذلك - وهو كذا وكذا - يقوم به منجماً، في سلخ كل سنة من استقبال تاريخه كذا وكذا - وإن كان الصداق بكماله على حكم الحلول كتب: عجل لها الزوج من ذلك كذا وكذا، وباقي ذلك في ذمته على حكم الحلول - وولي تزويجها إياه بذلك والدها المذكور - ويحلى في هذا الموضع إن كان ممن لا يعرف - بحق ولايته عليها شرعاً، وبإذنها له في ذلك ورضاها، بشهادة من يعينه في رسم شهادته، أو على ما ذكر - وإن كانت دون البلوغ كتب: بحق ولايته عليها شرعاً، لما رأى لها في ذلك من الحظ والمصلحة وحسن النظر - بعد أن وضح للقاضي فلان عاقد الأنكحة بالمكان الفلاني بالتولية الشرعية عن القاضي فلانٍ أن الزوجة المذكورة بكر بالغ، خالية من موانع النكاح الشرعية، وأنها ممن يجوز العقد عليها شرعاً، وأن أباها المذكور مستحق الولاية عليها شرعاً بشهادة جماعة من المسلمين وهم فلان وفلان، فتقدم حينئذ بكتابته، وزوجها والدها المذكور من الزوج المذكور على الصداق المعين، وقبله الزوج لنفسه ورضيه، والله تعالى مع المتقين، ويؤرخ.\rوإن اعترف الأب برشدها كتب: واعترف والد الزوجة المذكورة بأن ابنته رشيدة، جائزة التصرف، لا حجر عليها وإن كان العقد لم يحضره كاشف حاكم كتب إلى عند \" وبإذنها له في ذلك ورضاها وباشر والدها المذكور عقد النكاح بنفسه، ويؤرخ.\rوإن زوجها العاقد بإذنها وإذن أبيها، أو بإذنها خاصة إذا لم يكن لها ولي كتب: وولى تزويجها إياه بذلك القاضي فلان عاقد الأنكحة الشرعية بالتولية الشرعية عن فلان، بإذنها وإذن والدها له في ذلك ورضاهما، بعد أن وضح عند فلان العاقد أنها بكر بالغ، كما تقدم.\rوإن كان الزوج ممن مسه الرق وعتق كتب: وعلمت الزوجة المذكورة ووالدها أن الزوج المذكور مسه الرق وعتق، ورضيا بذلك.\rوإن كانت الزوجة بكراً وزوجها من له الولاية عليها شرعاً، كالأب أو الجد الأعلى، أو الأخ، أو ابن الأخ، أو العم، أو ابن العم، أو المعتق، أو ابنه أو وليه، كتب: وولي تزويجها بذلك فلان - ويذكر نسبته منها - بحق ولايته عليها شرعاً، وبإذنها له في ذلك ورضاها.\rوإن كانوا جماعة إخوة كتب اسم أمثلهم، بإذنها له، وإذن بقية إخوتها الأشقاء - وهم فلان وفلان - له، وإذنها لإخوتها في هذا الإذن.\rوإن زوجها الحاكم بإذنها وإذن أوليائها أو أحدهم ذكر، بشهادة من يعينه في رسم شهادته آخره.","part":2,"page":494},{"id":995,"text":"وإن كانت الزوجة ثيباً كتب كما تقدم، ويكتب: بعد أن حضر إلى العاقد المذكور من عرفها عنده، وهما فلان وفلان، شهدا أنهما يعرفان هذه الزوجة معرفة شرعية، وأنها خالية من جميع موانع النكاح الشرعية، ومنذ طلقها زوجها فلان الذي دخل بها وأصابها، الطلقة الأولى الخلع، أو الثانية، أو الثلاث، أو الرجعية التي انقضت عدتها ولم يراجعها، المسطرة على ظهر صداقها أو حاشيته، المؤرخة بكذا وكذا، لم تتصل بزوج غيره إلى يوم تاريخه.\rوإن طلقها قبل الدخول والإصابة كتب ونبه عليه.\rوإن كان زوجها توفي عنها كتب: ومنذ توفي عنها زوجها فلان من مدة تزيد على أربعة أشهر وعشرة أيام لم تتصل بعده بزوج إلى الآن.\rوإن طلقها ومات عنها وهي حامل ووضعت كتب: وإن زوجها طلقها، و توفي عنها، وهي مشتملة منه على حمل، ووضعته، وانقضت عدتها بحكم وضعها.\rوإن كان عن فسخ كتب: ومنذ فسخ الحاكم فلان نكاحها من زوجها فلانٍ في التاريخ الفلاني وانقضت عدتها، لم تتصل بزوج إلى يوم تاريخه.\rوإن راجع رجل امرأته من طلقة أو طلقتين كتب: هذا ما أصدق فلان مطلقته الطلقة الأولى الخلع، أو الثانية، المؤرخة قرينته أو باطنه، أو المكتتبة في براءة محررةٍ تاريخها كذا وكذا.\rوإن زوجها الحاكم عند غيبة وليها نبه عليها بأن يكتب: وولى تزويجها إياه فلان، بعد أن وضح عنده بشهادة فلان وفلان خلوها من الموانع الشرعية، وأنه لا ولي لها حاضر سوى الحاكم العزيز، بحكم غيبة وليها فلان - ويعين نسبته منها - في مسافة تقصر فيها الصلاة، وأن هذا الزوج كفء لها الكفاءة الشرعية في الدين والنسب والحرية، فحينئذ زوجها الحاكم المذكور من الزوج المذكور على الصداق المعين، وقبله الزوج لنفسه ورضيه، ويؤرخ.\rوإن زوج الحاكم امرأة عضلها وليها وقد دعيت إلى كفء كتب: وولى تزويجها إياه بذلك القاضي فلان، بإذنها له في ذلك ورضاها وبحكم أن والدها المذكور حضر إلى القاضي فلان، وسألته ابنته المذكورة أن يزوجها من الزوج المذكور لما ثبتت كفاءته عند الحاكم، فامتنع، فوعظه القاضي فلان وأعلمه بماله من الأجر في تزويجها، وما عليه من الإثم في المنع، فلم يرجع إلى عظته وأصر على الامتناع، وعضلها العضل الشرعي، وقال بمحضر من شهوده: عضلتها فلا أزوجها، وبعد أن حضر إلى الحاكم المذكور كل واحد من فلان وفلان وشهدا عنده أن الزوجة المذكورة خالية من جميع موانع النكاح الشرعية، وأن أباها المذكور عضلها العضل الشرعي، وأن هذا الكفء لها الكفاءة الشرعية في النسب والدين الصناعة والحرية، فلما وضح له ذلك من أمرها أذن بكتبه فكتب وزوجها من الزوج المذكور على الصداق المعين، وقبله الزوج لنفسه ورضيه.\rفصل إذا زوج الصغير أو المراهق للصغيرة أو المعصرة\rكتب ما مثاله: هذا ما أصدق فلان عن ولده لصلبه فلان - ويذكر سنه - الذي تحت حجره وكفالته وولاية نظره، لما رأى له في ذلك من الحظ والمصلحة في دينه ودنياه فلانة البكر - ويعين سنها - ابنة فلان التي تحت حجر ولدها المذكور وكفالته وولاية نظره، لما رأى لها في ذلك من الحظ والمصلحة، صداقاً مبلغه كذا وكذا عجل لها من ذلك من ماله عن ولده المذكور كذا وكذا، قبضه منه والدها لأنبته المذكورة ليصرفه في مصالحها - وإن كان من مال ولده كتب: من مال ولده المذكور الذي تحت يده وحوطه - وباقي ذلك - وهو كذا وكذا - يقوم به الولي من ماله عن ولده وفي سلخ كل سنة من استقبال العقد بينهما كذا وكذا، أو من مال ولده المذكور الذي تحت يده وحوزه، وولى تزويجها إياه بذلك والدها المذكور، بحق ولايته عليها شرعاً، بعد أن وضح للقاضي فلان أنها بكر معصر لم يعقد عليها عقد إلى يوم تاريخه، أو يكتب: خالية من جميع موانع النكاح الشرعية، وأن أباها مستحق الولاية عليها شرعاً، بشهادة فلان وفلان، فلما وضح ذلك عنده أذن بكتبه فكتب، وزوجها والدها من الزوج المذكور على الصداق المعين، وقبله والد الزوج لولده قبولاً شرعياً.\rوإن كان من مال الصغير كتب في آخر الكتاب: وشهدت البينة أن المهر المذكور مهر مثلها على مثله، لا حيف في ذلك ولا شطط ويؤرخ.\rفصل في صداق المحجور عليه من قبل الحاكم","part":2,"page":495},{"id":996,"text":"يكتب ما مثاله: هذا ما أصدق فلان المحجور عليه من قبل الحكم العزيز عندما دعت حاجته إلى النكاح، وتاقت نفسه إليه، وذكر ذلك للقاضي فلان أمين الحكم بمحضر من شهوده، وسأله الإذن له في ذلك، فأذن له فيه بالصداق الآتي ذكره الإذن الصحيح الشرعي، فلانة ابنة فلان، وتزوجها به، أصدقها على بركة الله تعالى صداقاً مبلغه كذا وكذا، الحال من ذلك كذا وكذا، قبضته الزوجة المذكورة من القاضي فلان أمين الحكم العزيز، من مال هذا الزوج الذي له تحت يده وصار بيدها وقبضها وحوزها، وباقي الصداق - وهو كذا وكذا - مقسط في سلخ كل سنة كذا وكذا، وولي تزويجها إياه بذلك.... ويكمل، ويكتب في آخره: وشهدت البنية أن الصداق المذكور مهر مثلها على مثله.\rوإن تزوج رجل امرأة محجوراً عليها كتب في القبض: بيد الوصي أو أمين الحكم، ليصرفه في مصالحها. ويكتب في آخره: وشهدت البنية أن هذا المهر مهر المثل.\rفصل إذا أصدق رجل عن موكله\rكتب ما مثاله: هذا ما أصدق فلان عن موكله فلان بإذنه له في ذلك وتوكيله - ويشرح الوكالة إن كانت مفوضة أو مقيدة على الزوجة بعينها - يشهد بذلك على الموكل من يعينه في رسم شهادته من شهود هذا العقد، فلانة البكر البالغ، أو المرأة الكاملة، ويكمل. ويكتب في القبول: وقبل هذا الوكيل المذكور عقد هذا النكاح لموكلة فلان على الصداق المعين قبولاً شرعياً ويؤرخ.\rزواج الحر من أمة\rكتب: هذا ما أصدق فلان فلانة مملوكة فلان المقرة لسيدها بالرق والعبودية، عندما خشي على نفسه العنت، وخاف الوقوع في المحظور لعدم الطول، وأنه ليس في عصمته زوجة، ولا يقدر على صداق حرة على ما شهد له به من يعينه في رسم شهادته، صداقاً تزوجها به، مبلغه كذا وكذا وولي تزويجها إياه بذلك سيدها المذكور بحق ولايته عليها شرعاً - ولا يفتقر إلى إذنها - ويكمل الصداق، ويكتب: وشهدت البينة أن الزوج المذكور فقير ليس له موجود ظاهر، ولا مال باطن، ولا له قدرة على نكاح حرة، ولا في عصمته زوجة، وأنه عادم للطول.\rوأن تزوج العبد حرة كتب: هذا ما أصدق فلان مملوك فلان، المقر لسيده بالرق والعبودية، بسؤال منه لسيده، وإذن سيده له في ذلك الإذن الصحيح الشرعي، وشهد عليه بذلك شهود هذا الكتاب، فلانة ابنة فلان، صداقاً تزوجها به، جملته كذا وكذا، الحال من ذلك كذا وكذا، قبضته الزوجة من مال سيده الذي بيده بإذن سيده له في ذلك، وباقي ذلك - وهو كذا وكذا - يقوم به سيده لها عن عبده من ماله، في سلخ كل سنة تمضي من تاريخ العقد كذا وكذا - وإن كان من مال العبد من كسبه ذكره - وأذن له سيده في السعي والكسب والبيع والشراء، والأخذ والعطاء، وولي تزويجها.... ويكمل.\rويكتب في آخر: وعلمت الزوجة المذكورة أن الزوج مملوك، ورضيت بذلك. وإن كان لهما أولياء كتب رضاهم.\rإن زوج جاريته لعبده\rكتب ما مثاله: هذا كتاب تزويج اكتتبه فلان لعبده فلان من أمته فلانة، المقر له منهما بالرق والعبودية، وأنه أشهد على نفسه أنه زوج عبده المذكور لأمته المذكورة تزويجاً صحيحاً شرعياً بسؤال كل منهما لسيده المذكور في ذلك، وقبل الزوج المذكور من سيده عقد هذا النكاح لنفسه قبولاً شرعياً. ولا يعين الصداق، ولا اعتبار بإذنها، وإن كشفه عاقد كتب كما تقدم.\rفصل وإن تزوج رجل أخرس بامرأة ناطقة\rكتب: هذا ما أصدق فلان الأخرس اللسان، الأصم الأذان، العاقل، الذي يفهم ما يجب عليه شرعاً، كل ذلك بالإشارة المفهومة عنه، يعلمها منه شهوده، ولا ينكرها منه من يعلمها عنه فلانة ابنة فلان، ويكمل على ما تقدم.\rويكتب عند القبول: وقبل الزوج لنفسه هذا العقد بالإشارة المفهومة عنه.\rوإن كانا أخرسين كتب: هذا ما أصدق فلان فلانة، وكل منهما أخرس لا ينطق بلسانه، أصم لا يسمع بآذانه، صحيح العقل والبصر، عالم بما يجب عليه شرعاً، كل ذلك بالإشارة المفهومة عنه، يفهمها من كل منهما شهود هذا العقد صداقاً تزوجها به، ويكمل كما تقدم.\rوإن كان الزوج مجبوباً كتب في آخر الكتاب: وعلمت الزوجة أن الزوج مجبوب، لا قدرة له على النكاح، ورضيت به.","part":2,"page":496},{"id":997,"text":"وأما إقرار الزوجين بالزوجية واعتراف الزوج بمبلغ الصداق وما يتصل بذلك من فرض الزوجة والإشهاد عليها بقبض الكسوة فيحتاج في إقرار الزوجين بالزوجية إلى تسطير محضر بأنهما زوجان متناكحان ويشهد فيه جماعة من المسلمين الذين يعلمون ذلك، ثم يكتب كتاب الإقرار وصورته: أقر فلان وفلانة بأنهما زوجان متناكحان بنكاح صحيح شرعي، وأن الزوج منهما دخل بالزوجة وأصابها، وأولدها على فراشه ولداً ذكراً يسمى فلاناً - إن كان - وأن الزوجة المذكورة لم تبن من الزوج المذكور بطلاق بائن ولا رجعي ولا فسخ ولا غيره، ومنذ تزوجها إلى الآن أحكام الزوجية قائمة بينهما، وتصادقاً على ذلك، واعترف الزوج بأن في ذمته مبلغ صداقها عليه الذي عدم، وهو كذا وكذا. وإن كشفه عاقد كتب: وذلك بعد أن وضح للعاقد فلانٍ بشهادة فلان وفلان مضمون ما أقرا به فيه، فحينئذ أذن في كتبه، ويؤرخ.\rفصل في فرض زوجة\rإن فرض الرجل على نفسه كتب: فرض قرره على نفسه فلان لزوجته فلانة التي دخل بها وأصابها، واستولدها على فراشه - إن كان ذلك - لما تحتاج إليه من طعام وإدام وماءٍ وزيت وصابون حمام، في غرة كل يوم كذا وكذا حسب ما اتفقا على ذلك وتراضيا عليه، وذلك خارج عما يوجبه الشرع الشريف لها.\rوإن قرره حاكم كتب: هذا ما أشهد على نفسه القاضي فلان أنه فرض على فلان لزوجته فلانة لما تحتاج إليه من نفقة ومؤونة وماء وزيت وصابون حمام في كل يوم كذا وكذا، وذلك خارج عما يلزمه لها من اللوازم الشرعية غير ذلك، قرر ذلك الحاكم عليه، وأوجبه في ماله، ورضيت الزوجة به.\rفصل وإن قبضت المرأة كسوتها\rكتب: أقرت فلانة بأنها قبضت وتسلمت من زوجها فلان كسوتها الواجبة عليه شرعاً، وهي ثوب وسراويل ومقنعة، وذلك عن فصل واحد، أوله يوم تاريخه، وصار ذلك بيدها وقبضها وحوزها. وكذلك إن قبضت كسوة ولدها الطفل.\rوأما الطلاق وما يتصل به من الفروض الواجبة - فإذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول كتب: طلق الزوج المسمى باطنه فلان زوجته المسماة باطنه فلانة قبل الدخول بها والإصابة، طلقة واحدة بانت منه بذلك، بحكم أنه لم يدخل بها ولم يصبها، وبحكم ذلك تشطر الصداق المعقود عليه باطنه نصفين سقط عنه النصف، وبقي النصف الثاني.\rفإن طلق الزوج الزوجة قبل الدخول بها على ما يتشطر لها من الصداق كتب ما مثاله: سألت الزوجة المساماة باطنه فلانة زوجها فلاناً الذي لم يدخل بها ولم يصبها - وتصادقاً على ذلك - أن يخلعها من عصمته وعقد نكاحه على ما يتشطر من الصداق باطنه، أو على ما يتفقان عليه، فأجابها إلى سؤالها وقبل منها العوض المذكور، وطلقها عليه الطلقة المسئولة، بانت منه بذلك وملكت نفسها عليه، وبحكم ذلك تشطر الصداق المعقود عليه باطنه نصفين سقط عنه النصف، وبرئت ذمته من النصف الثاني بحكم هذا.\rوإن سأل الأب أو غيره الزوج أن يطلق زوجته على نظير ما بذله له في ذمته، ثم أحال المطلق مطلقته بذلك كتب: سأل فلان فلاناً - وهو الزوج المسمى باطنه - أن يخلع زوجته فلانة المسماة باطنه التي لم يدخل بها ولم يصبها، أو التي يدخل بها وأصابتها، وبطلقة واحدة: أولى أو ثانية، أو ثالثة، على ما بذله في ذمته، وهو كذا وكذا، من ذلك ما هو حال كذا وكذا، وما هو مؤجل كذا وكذا، فأجابه إلى سؤاله، وقبل منه العوض المذكور وطلق زوجته الطلقة واحدة أولى خلعا بانت بها منه، وملكت نفسها عليه، وبحكم هذا الطلاق تشطر الصداق المذكور نصفين، سقط عنه النصف، وبقي في ذمته النصف الثاني، وأقر المطلق بأنه قبض من السائل مبلغ الحال الذي اختلع له به واعترف أيضاً بأنه قبض نصف المعجل باطنه، وصار بيده وقبضه وحوزه، ثم بعد تمام ذلك ولزومه أحال المطلق المذكور مطلقته المذكورة على أبيها بالمبلغ المؤجل وهو نظير نصف مؤخر الصداق المعين باطنه في قدره وجنسه وصفته واستحقاقه حوالة شرعية، قبلها منه لها والدها، بحكم أنها تحت حجره وولاية نظره، قبولاً شرعياً، وبحكم ذلك وجبت لها مطالبة أبيها.\rفإن طلق طلقة رجعية بعد الدخول كتب: طلق الزوج المسمى باطنه فلان زوجته المسماة باطنه فلانة، التي دخل بها وأصابها، طلقة واحدة أو ثانية رجعية، يملك بها رجعتها ما لم تنقض عدتها، فإذا انقضت فلا سبيل له عليها ولا رجعة إلا بأمرها ورضاها وعقدٍ جديد لها عليه، على ما يوجبه الشرع الشريف.","part":2,"page":497},{"id":998,"text":"وإن استرجعها منها كتب: ثم بعد ذلك استرجع المطلق المذكور مطلقته، أو أقر بأنه استرجع مطلقته من الطلقة الأولى، أو الثانية، استرجاعاً شرعياً، وردها وأمسكها، وصار حكمها حكم الزوجات، ويؤرخ.\rفإن طلقها ثلاثاً كتب: طلق فلان زوجته فلانة التي دخل بها وأصابها طلاقاً ثلاثاً، حرمت عليه بذلك، \" فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره \" .\rفإن اختلعت المرأة من زوجها على أن يطلقها كتب: سألت فلانة زوجها فلاناً الذي دخل بها وأصابها أن يخلعها من عصمته وعقد نكاحه على مؤخر صداقها عليه، الشاهد به كتابه المتعذر حضوره، وهو كذا وكذا، فأجابها إلى سؤالها، وقبل منها العوض المذكور، وطلقها عليه طلقة واحدة أولى خلعاً، أو ثانية خلعاً، أو ثالثة، بانت منه بذلك، وملكت نفسها عليه، وأقرت بأنها لا تستحق عليه صداقاً، ولا بقية من صداق، ولا نفقة ولا كسوة ولا حقاً من حقوق الزوجية كلها.\rوالعبد لا يملك إلا طلقتين. وإذا طلق المحبوب لا يكتب في طلاقه إصابة.\rوإن وكل رجلاً أن يطلق عنه كتب: سألت فلانة فلان بن فلان الوكيل عن زوجها فلان، القائم عنه في طلاقها بالوكالة التي جعل له فيها أن يطلق عنه زوجته المذكورة طلقة واحدة أولى خلعاً على مؤخر صداقها عليه، وهو كذا وكذا، المشروح ذلك في الوكالة المؤرخة بكذا وكذا، أن يطلقها عن موكله فلان المذكور بطلقة واحدة أولى خلعاً على جميع مؤخر صداقها، وهو كذا وكذا، فأجابها إلى سؤالها، وقبل منها العوض المذكور، وطلقها عن موكله طلقة واحدة أولى خلعاً، بانت منه بها، وملكت نفسها عليه، فلا تحل له إلا بعد عقد جديد وأقرت بأنها لا تستحق عليه صداقاً، كما تقدم.\rفصل في فرض امرأ مطلقة ظهرت حاملاً\rيكتب ما مثاله: فرض قرره على نفسه فلان لمطلقته الطلقة الأولى أو الثانية، أو الثلاث، فلانة المرأة الكاملة، المشتملة منه على حمل، وتصادقاً على ذلك، عوضاً عما تحتاج إليه من طعام وإدام وماء، في كل يوم من الأيام كذا وكذا قسط كل يوم في أوله من استقبال تاريخه، حسب ما اتفقا على ذلك وتراضياً عليه وذلك خارج عما يوجبه الشرع الشريف لها، وأذن لها أن تقترض على ذمته بقدر ما قرر لها عند تعذر وصول ذلك إليها، وتنفقه عليها، وترجع به عليه، إذناً شرعياً قبلته منه.\rفإن قرر على نفسه لولده كتب: فرض قرره على نفسه فلان لولده الطفل، الذي في كفالة والدته مطلقته فلانة، لما يحتاج إليه من طعام وادام وماء وزيت وصابون حمام، في كل يوم من الأيام كذا وكذا من استقبال تاريخه، حسب ما اتفقا وتراضيا عليه، وذلك خارج عما يوجبه الشرع الشريف، وأذن لها أن تقترض على ذمته، وتنفق على ولدها، وترجع به عليه، إذناً شرعياً.\rفإن قرر لوالده أو والدته كتب ما مثاله: فرض قرره على نفسه فلان لوالدته فلانة، بحكم عجزها وفقرها وحاجتها، لما تحتاج إليه من الطعام وإدام وزيت وصابون، في كل يوم كذا وكذا، ويكمل.\rفصل إذا قرر القاضي للمحجور عليه من ماله له ولزوجته\rكتب: هذا ما أشهد على نفسه القاضي فلان الفارض أنه قرر لفلان المحجور عليه بيد الحكم العزيز ولزوجته فيما له من أجرة العقار المنسوب إليه، الذي تحت نظر الحكم العزيز، لما يحتاجان إليه من طعام وإدام وماء وزيت، في كل يوم كذا وكذا من استقبال تاريخه، قسط كل يوم في أوله، وقرر له ولزوجته وللخادم عوضاً عن كسوتهم لفصل الصيف كذا وكذا ولفصل الشتاء كذا وكذا، وبذلك شهد عليه، ويؤرخ.\rوأما تعليق الطلاق وفسخ النكاح - فإذا علق الزوج طلاق زوجته على سفره، أو أنه يسافر بها، كتب على ظهر كتابه ما مثاله: قال الزوج المسمى باطنه فلان لزوجته فلانة، التي دخل بها وأصابها: متى سافرت عنك من البلد الفلاني، واستمرت غيبتي عنك شهراً واحداً ابتداؤه من حين سفر، أو متى سفرتك إلى بلد من البلاد بنفسي أو وكيلي، أو متى تسريت عليك بأمةٍ فأنت طالق ثلاثاً، تلفظ بذلك عند شهوده، ويؤرخ.\rفصل إذا سافر الزوج عن زوجته وتركها بغير نفقة","part":2,"page":498},{"id":999,"text":"ولا كسوة، وأرادت فسخ نكاحها منه، كتب محضر بالغيبة، مثاله: شهد الشهود الواضعون خطوطهم آخر هذا المحضر - وهم من أهل الخبرة الباطنة فيما شهدوا به فيه - أنهم يعرفون كل واحد من فلانٍ وفلانة معرفة صحيحة شرعية، ويشهدون أنهما زوجان متناكحان بنكاح صحيح شرعي دخل الزوج منهما بالزوجة، وأولدها على فراشه ولداً ذكراً، أو أولاداً - إن كان ذلك، وإن كان لم يدخل بها كتب: وإن الزوج لم يدخل بها، ولم يصبها، وأنها عرضت نفسها عليه ليدخل بها فامتنع من ذلك، وأخره إلى وقت آخر - وأنه سافر عنها بعد ذلك من البلد الفلاني، وتوجه إلى البلد الفلانية، من مدة تزيد على أشهر سنة تتقدم على تاريخه، وهي مطاوعة له، وأنه تركها معوزة عاجزةً عن الوصول إلى ما يجب لها عليه، من النفقة والكسوة واللوازم الشرعية، بحكم أنه ليس له موجود حاضر، ولا مال متعين، وقد تضررت بسبب غيبته عنها، وتعذر وصول ما يجب لها عليه شرعاً من جهته ومن جهة أحد بسببه، وأنها لم تجد من يقرضها على ذمته، ولا من يتبرع بالإنفاق غليها عنه، وأنه مستمر الغيبة عنها إلى الآن، وأنها مستمرة على الطاعة له، يعلمون ذلك ويشهدون به بسؤال من جازت مسألته، وسوغت الشريعة المطهرة إجابته، ويؤرخ.\rفإذا وضع الشهود رسم شهادتهم، وأدوا عند الحاكم، كتب على ظهره الحلف بعد حلفها، وصورته: أحلفت المشهود لها باطنه فلانة بالله العظيم الذي لا إله إلا هو، اليمين الشرعية المستوفاة، الجامعة لمعاني الحلف، المعتبرة شرعاً، أن الزوج المذكور معها باطنة فلاناً سافر عنها من البلد الفلاني، متوجهاً إلى البلد الفلاني من مدة تزيد على سنة كاملة تتقدم على تاريخه، وهي مطاوعة له، أنه تركها معوزة عاجزة عن الوصول إلى ما يجب لها عليه، من النفقة والكسوة واللوازم الشرعية، بحكم أنه ليس له موجود - ويصف كل ما في المحضر إلى عند وأنها متسمرة على الطاعة له - وأن من شهد لها باطنه صادق فيما شهد لها به، فحلفت كما أحلفت، بالتماسها لذلك على الأوضاع الشرعية، وبحضور من يعتبر حضوره شرعاً، بعد تقدم الدعوى وما ترتب عليها، ويؤرخ.\rثم يكتب الإسجال قرين الحلف أو تحته، وهو: هذا ما أشهد على نفسه الكريمة سيدنا العبد الفقير إلى الله تعالى فلان الحاكم، من حضر مجلسه من العدول الواضعي خطوطهم آخره، أنه ثبت عنده وصح لديه في اليوم الفلاني، بعد دعوى محررة مقابلة بالإنكار على الوجه الشرعي، بشهادة من أعلم تحت رسم شهادته باطنه وزكي لديه التزكية الشرعية على الوجه المعتبر الشرعي، مضمون المحضر المسطر باطنه على ما نص وشرح فيه بكذا وكذا ثبوتاً صحيحاً شرعياً، وقد أقام كل من الشهود به شهادته عنده بذلك، وأعلم تحت رسم شهادة كل منهم ما جرت به العادة، وأحلفت الزوجة المذكورة الحلف المشروح فيه، فلما تكامل ذلك عنده وصح لديه وعظها، وأعلمها بما له من الأجر في الصبر على البقاء في عصمة زوجها المذكور، فأبت الصبر، وذكرت أن ضرورتها تمنعها من ذلك، وسألت الحاكم المذكور الإذن لها في فسخ نكاحها من زوجها المذكور، فحين زالت الأعذار من إجابتها أذن لها الحاكم المذكور في فسخ نكاحها من زوجها المذكور، وأشهدت على نفسها شهود هذا الإسجال أنها فسخت نكاحها من زوجها المذكور، واختارت فراقه - وإن كان الحاكم هو الفاسخ كتب: فحينئذ سألت بر الحاكم فسخ نكاحها من زوجها المذكور، وأصرت على ذلك، فحين زالت الأعذار من إجابتها قدم خيرة الله تعالى، وأجابها إلى ما التمسته، وفسخ نكاحها من زوجها المذكور الفسخ الصحيح الشرعي، وفرق بينهما - فلما تكامل ذلك كله سأله من جازت مسألته وسوغت الشريعة المطهرة إجابته، التقدم بكتابة هذا الإسجال، والإشهاد عليه بذلك، فأجابه إلى سؤاله، وتقدم بكتابته، فكتب عن إذنه، وأشهد على نفسه بذلك في مجلس حكمه وقضائه - وهو في ذلك كله نافذ القضاء والحكم ماضيهما - وأبقى كل ذي حجة معتبرة فيه على حجته إن كانت، وذلك بعد تقدم الدعوى الموصوفة وما ترتب عليها. ويشهد على الزوجة أيضاً بما نسب إليها.","part":2,"page":499},{"id":1000,"text":"وأما نفي ولد الجارية والإقرار باستيلاد الأمة - فإنه إذا أراد السيد نفي ولد جاريته بعد الوطء والاستبراء على قول من قال به كتب ما مثاله: أقر فلان بأنه كان قبل تاريخه وطئ مملوكته فلانة - ويذكر جنسها - المسلمة المقترة له بالرق والعبودية، ثم استبرأها بعد الوطء استبراء صحيحاً شرعياً، وأنه لم يطأها بعد الاستبراء، وأنها بعد ذلك أتت بولد، وسمته فلاناً، وأنه الآن في قيد الحياة، وأن هذا الولد ليس منه ولا من صلبه، ولا نسب بينه وبينه، وحلف على ذلك بالله العظيم اليمين الشرعية، وأشهد عليه بحضورها بتاريخ كذا وكذا.\rوأن أقر بأنه استولد جاريته كتب: أقر فلان بأنه كان قبل تاريخ وطئ مملوكته التي بيده وملكه، المقرة له بالرق والعبودية، المدعوة فلانة، الفلانة الجنس، الوطء الصحيح الشرعي، في حال مملكته لها على فراشه، واستولدها عليه ولد ذكراً يسمى فلاناً، الطفل يومئذ، وهو الآن في قيد الحياة، وأنه من صلبه ونسله، ونسبه لا حق بنسبه، وصدقته على ذلك.\rوأما الوكالات - فإذا وكل رجل رجلاً وكالة مطلقة كتب: وكل فلان فلاناً في المطالبة بحقوقه كلها، وديونه بأسرها، من غرمائه وخصومه قبل من كانت وحيث تكون، والمحاكمة بسببها عند القضاة والحاكم وخلفائهم وولاة أمور الإسلام، والدعوى على غرمائه وخصومه، واستماع الدعوى عليه ورد الأجوبة عنها بما يسوغ شرعاً، والحبس والإطلاق والترسم والملازمة والإفراج، وأخذ الكفلاء والضمناء بالوجه والمال، وقبول الحوالات على الأملئاء وإثبات حججه ومساطيره، وإقامة بيناته، وقبض كل حق متوجه له قبضه بكل طريق شرعي، والإشهاد على الحكام والقضاة بما يثبت له شرعاً، وطلب الحكم من الحكام، وفي إيجار ما يجري في ملكه من العقار الكامل والمشاع لمن يرغب في استئجاره بما يراه من الأجر: حالها ومنجمها ومؤجلها ومعجلها، لما يراه من المدد: قليلها وكثيرها، وقبض الأجرة، واكتتاب ما يجب اكتتابه في ذلك، وتسليم ما يؤجره - ومهما وكله فيه كتبه وعينه بما يليق تعيينه - ، وكله في ذلك كله وكالة شرعية قبلها منه قبولاً شرعياً، وأذن له أن يوكل عنه في ذلك كله وفيما شاء منه من شاء، ويعزله متى شاء، ويعيده متى أراد.\rفإن وكله وأراد ألا يعزله كتب في ذيل الوكالة: ثم بعد تمام ذلك ولزومه قال الموكل لوكيله: متى عزلتك فأنت وكيل متصرف لا منصرف.\rفإذا أراد عزله كتب على ظهر الوكالة: قال الموكل لوكيله: متى عدت وكيلي فأنت معزول، بحكم ذلك العزل بطل تصرفه في الوكالة المشروحة باطنه، ويؤرخ.\rوإذا وكل ذمي مسلماً قدم اسم الوكيل، فيكتب: هذا كتاب وكالة اكتتبه لفلان فلان الذمي، وأشهد على نفسه أنه وكله في كيت وكيت، ويكمل كما تقدم.\rوأما المحاضر على اختلافها فسنذكرها، إذا أراد أمين الحكم أن يبيع على يتيم للحاجة كتب محضراً بالقيمة، مثاله: شهد الشهود الواضعون خطوطهم آخره - وهم من أهل الخبرة بالعقار وتقويمه - أنهم ساروا بإذن شرعي إلى حيث الدار الكاملة الآتي ذكرها ووصفها وتحديدها فيه، المقومة بكمالها، أو المقوم منها حصة مبلغها كذا وكذا سهماً، ملك فلان المحجور عليه، لتباع عليه في نفقته ومؤونته ولوازمه الشرعية، وهي بالمكان الفلاني - وتوصف وتحدد - وتأملوا ذلك بالنظر، وأحاطوا به علماً وخبرة، وقوموا الحصة المذكورة بما مبلغه كذا وكذا وقالوا: إن ذلك قيمة المثل يومئذ، لا حيف فيها ولا شطط، ولا غبينة ولا فرط وإن الحظ والمصلحة في البيع بذلك.\rفإن كان بالغبطة على القيمة كتب كما تقدم إلى قوله: لتباع عليه لما له في ذلك من الحظ والمصلحة والغبطة الزائدة على قيمة المثل، هي الدار التي بالموضع الفلاني - وتوصف وتحدد - وتأملوا ذلك بالنظر، وأحاطوا به علماً وخبرة، وقوموا الحصة بكذا وكذا درهماً، وقالوا: إن ذلك قيمة المثل - نحو ما تقدم - وإن الحظ والمصلحة والغبطة في بيع الحصة المذكورة بزيادة كذا وكذا، وبذلك وضعوا خطوطهم، ويؤرخ.","part":2,"page":500},{"id":1001,"text":"فإن قومت لتباع فيما ثبت على المتوفى من صداق زوجته، أو من دين، كتب أول المحضر كما تقدم، وقيل: المنسوبة لفلان المتوفى إلى رحمة الله تعالى، لتباع لعيه فيما ثبت في ذمته من صداق زوجته فلانة، الثبوت الصحيح الشرعي، أو فيما يثبت عليه من دين شرعي لفلان، حسب ما يشهد بذلك مسطوره الذي بيده، الذي ثبت بمجلس الحكم العزيز، ويكمل كما تقدم.\rفصل في محضر وفاة وحصر ورثة\rيكتب: شهد الشهود الواضعون خطوطهم آخر هذا المحضر - وهم من أهل الخبرة الباطنة فيما شهدوا به - أنهم يعرفون فلان بن فلان، وورثته الآتي ذكرهم فيه، معرفة صحيحة شرعية، ويشهدون أنه توفي إلى رحمة الله تعالى بالبلد الفلاني من مدة كذا وكذا، وخلف من الورثة المستحقين لميراثه المستوعبين لجميعه زوجته فلانة التي لم تزل في عصمته وعقد نكاحه إلى حين وفاته، وأولاده منها أو من غيرها - ويذكر أبويه إن كانا أو أحدهما - بغير شريك لهم في ميراثه، ولا حاجب يحجبهم عنه بوجه ولا سبب، ويعلمون ذلك ويشهدون به بسؤال من جازت مسألته وسوغت الشريعة المطهرة إجابته، ويؤرخ.\rفصل إذا مات رجل وخلف أبوين وأخوين\rكتب ما مثاله: شهد الشهود أنهم يعرفون فلاناً ووالديه الآتي ذكرهما فيه، ويشهدون بالخبرة الباطنة أنه خلف وارثيه: والده فلاناً، ووالدته فلانة، بغير شريك لهما في ميراثه، ولا حاجب يحجبهما حجب حرمان عن استكماله، ويشهدون أن المتوفى له أخوان، وهما فلان وفلان، وبحكم ذلك يكون للأب من ميراثه النصف والثلث، وللأم السدس، بحكم أن الأخوين حجباها عن الثلث إلى السدس حجب تنقيص للفريضة الشرعية، لا حجب حرمان، يعلمون ذلك ويشهدون به.\rوإن مات رجل في بلد بعيدة واستفاض موته وشهد به بالاستفاضة كتب كما تقدم، و: أنهم يعرفون فلاناً، ويشهدون بالاستفاضة الشرعية بالشائع الذائع، والنقل الصحيح المتواتر، أنه مات إلى رحمة الله تعالى من مدة كذا وكذا بالمدينة الفلانية، ويشهدون أنه خلف من الورثة... ويكمل.\rفصل إذا مات قوم بعد قوم\rيكتب: .....أنهم يعرفون فلان بن فلان وورثته الآتي ذكرهم، ومن توفي منهم على الترتيب الآتي ذكرهم، ومن توفي منهم على الترتيب الآتي ذكره فيه، معرفة صحيحة شرعية، ويشهدون أن فلاناً المبتدأ بذكره توفي إلى رحمة الله تعالى بالبلد الفلاني، وخلف من الورثة المستحقين لميراثه المستوعبين لجميعه زوجته فلانة التي لم تزل في عصمته وعقد نكاحه إلى حين وفاته، وأولاده منها، وهم فلان وفلان، ثم توفيت الزوجة بعده في تاريخ كذا وكذا، وخلفت من الورثة المستحقين لميراثه أولاده لصلبه، وهو - ويسميهم - يعملون ذلك ويشهدون به، ويكمل، ويؤرخ. وهذا مثال فقس عليه.\rفصل إذا مات العبد وخلف سيده\rكتب: شهد من أثبتوا أسماءهم أخره - وهم من أهل الخبرة الباطنة فيما شهدوا به - أنهم يعرفون كل واحد من فلان ومملوكه فلان، الفلاني الجنس، المسلم، ويشهدون أن فلاناً المثنى باسمه توفي إلى رحمة الله تعالى، وخلف سيده المذكور، الذي لم يزل في ملكه إلى حين موته، وأنه مستحق لجميع ما يخلفه بغير شريك له في ميراثه، ولا حاجب يحجبه عنه.\rوإن كان قد أعتقه ومات كتب كما تقدم، و: أنهم يعرفون فلان ابن فلان، وعتيقه فلان بن فلان، معرفة صحيحة شرعية، ويشهدون أنه مات إلى رحمة الله تعالى، وأنه كان مملوكاً لفلان، وأنه أعتقه عتقاً منجزاً قبل موته،ولم يخلف من الورثة سواه، بغير شريك له في ميراثه، ويكمل.\rفصل إذا أراد إثبات ملكه لدار\rكتب ما مثاله: .... أنهم يعرفون فلان بن فلان، ويشهدون أنه مالك لجميع الدار الفلانية - وتوصف وتحدد - ملكاً صحيحاً شرعياً، وأنه متصرف فيها بالسكن والإسكان والإجارة والعمارة وقبض الأجرة، وأنها باقية في يده وملكه وتصرفه إلى الآن، لم تخرج عنه بتمليك ولا بيع ولا إقرار ولا صدقة، ولا بوجه من الوجوه الشرعية كلها على اختلافها، وأنها باقية على ملكه وتصرفه وحيازته إلى يوم تاريخه، وهم بالدار المذكورة في مكانها عارفون، يعلمون ذلك ويشهدون به.\rفصل إذا أثبت رجل أنه باع بالإجبار والإكراه","part":3,"page":1},{"id":1002,"text":"كتب: ....أنهم يعرفون كل واحد من فلان وفلان، ويشهدون أن فلان المبتدأ باسمه جبر فلاناً المسمى باسمه وخوفه واعتقله وضربه وأوجعه، وطلب منه بيع داره التي بالموضع الفلاني - وتوصف وتحدد - بغير ثمن، وأن يشهد عليه بالبيع وقبض الثمن، وأنه امتنع من ذلك، فأعاد عليه الضرب، وهدده بالقتل، وسجنه، ولم يزل على ذلك حتى جبره وأكرهه، وابتاعها منه بكذا وكذا، واعترف بقبضها، وأنه وضع يده عليها، وتسلمها من مدة كذا وكذا، وهم بالدار عارفون، يعلمون ذلك ويشهدون به.\rوإن كان جبره حتى باعه القيمة كتب صدر المحضر كما تقدم، وطلب منه بيع الدار بكذا وكذا، وأن قيمتها أزيد من ذلك، وأنه امتنع من ذلك، فضربه وسجنه، وأعاد عليه العقوبة، وأكرهه وجبره إلى أن باعه الدار المذكورة بالثمن المذكور، وقبضه منه، وأنه دون قيمتها، وأن قيمتها أضعاف ذلك، وأنه وضع يده عليها، وتسلمها من مدة كذا وكذا، يعلمون ذلك...\rما يكتب بعيب في جارية\rشهد الشهود المسمون أخره - وهم من أهل الخبرة الباطنة بالرقيق وعيبه - أنهم نظروا الجارية المدعوة فلانة، الفلانية الجنس، التي بيد فلان متنجز هذا المحضر، الذي ذكر أنه ابتاعها من فلان، نظر مثلهم لمثلها، بمحضر من الخصمين المذكورين، فوجدوا بها من العيوب المرض الفلاني، وأن ذلك مرض مزمن متقدم على تاريخ العهدة التي أظهرها المشتري من يده، المؤرخة بكذا وكذا، وأن ذلك عيب منقص للثمن، يعلمون ذلك ويشهدون به.\rفصل إن شهد لإنسان أنه من أهل الخبرة\rكتب: ... ... ويشهدون أنه من أهل الخير والصلاح، والعفة والفلاح، والصيانة والأمانة، والثقة والديانة، محافظ على صلاته، أهل لأن يجلس بين أطهر المسلمين، وأنه محق في جميع أفعاله، صادق في جميع أقواله، يعلمون ذلك.... .\rفصل إذا شهد برشد إنسان\rكتب: ... ... ويشهدون أنه رشيد، صالح في دينه، مصلح لماله، مستحق لفك الحجر عنه، غير مبذر ولا مفرط، حسن التصرف، يعلمون ذلك....\rفصل في نسب رجل شريف\r... ... ويشهدون بالاستفاضة الشرعية، بالشائع الذائع، والنقل الصحيح المتواتر، أنه شريف النسب، صحيح الحسب، من ذرية الحسين بن علي - رضي الله عنهما - من أولاد الصلب، أبا عن أب، إلى أن يرجع نسبه إليه، ويدلي بأصله إلى أصل الحسين، يعلمون ذلك ويشهدون به.\rفصل في عدالة رجل\r... ... ويشهدون شهادة علموا صحتها، وتيقنوا معرفتها، لا يشكون فيها ولا يرتابون، أنه من أهل الصدق والوفاء، والعفة والصفاء، صادق في أقواله، محق في أفعاله، حسن السيرة، طاهر السريرة، متيقظ في أموره، سالك شروط العدالة وأفعالها، صالح لأن يكون من العدول المبررين، والأعيان المعتبرين، مستحق أن يضع خطة في مساطير المسلمين، عدل رضي لهم وعليهم، يعلمون ذلك ويشهدون به.\rفصل في إعسار رجل\r... ... ويشهدون أنه فقير لا مال له، معسر لا حال له، عاجز عن وفاء ما عليه من الديون، أو عن شيء منها، يعلمون ذلك....\rإسلام ذمي\rيكتب: حضر إلى شهود في يوم تاريخه من ذكر أنه حضر إلى مجلس فلانٍ - أدام الله أيامه - فلان بن فلان الفلاني، وأشهدهم على نفسه أن تلفظ بالشهادتين المعظمتين، وهما شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأن عيسى عبد الله ونبيه، ومريم أمة الله، وأن محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وأفضل المرسلين، وأن شريعته أفضل الشرائع وملته أفضل الملل، وأن ما جاء به عن الله حق، وقال: أنا برئت من كل دين يخالف دين الإسلام،، ودخل في ذلك طالباً مختاراً، وأشهد عليه بذلك، وتلفظ به بتاريخ كذا وكذا.\rفإن أسلم يهودي كتب موضع عيسى: وأن موسى عبد الله ونبيه، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، وشريعته أفضل الشرائع، وأن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسخت شريعة موسى وجميع الشرائع، قال: أنا مسلم برئت من كل دين يخالف دين الإسلام، ومن كل ملة تخالف ملة محمد صلى الله عليه وسلم، وأشهد على نفسه بتاريخ....\rوأما الإسجالات - فهي بحسب الوقائع، وقد ذكرنا منها في أثناء ما قدمناه ما هو وارد في مواضعه، فلنذكر ما لم نورده هناك، فمن ذلك إسجال بثبوت العدالة.","part":3,"page":2},{"id":1003,"text":"وقد استقرت القاعدة بين الناس في إسجالات العدالة أن يبتدئ الكاتب بخطبة يذكر فيها شرف العدالة وعلوها، وارتفاع رتبتها وسموها، ويصف المعدل بأوصاف تليق به بحسب حاله ورتبته، وأصالته وأبوته، ولا حجر على الكاتب فيما يأتى به من القرائن والفقر والكلام المسجوع ما لم يتعد به حق المنعوت، أو يخرج به عن طوره ورتبته، ويراعي مع ذلك قيود الشرع وضوابطه، والكاتب فيها بحسب قدرته وتصرفه في أساليب الكلام وبراعة الاستهلال واختيار المعاني، فإذا انتهى إلى آخر الخطبة وذكر أوصاف المعدل قال: فلذلك استخار الله تعالى سيدنا ومولانا العبد الفقير إلى الله تعالى قاضي القضاة، حاكم الحكام، وينعته بنعوته، ويذكر مذهبه وولايته للدولة القاهرة السلطانية الملكية الفلانية، بالولاية الصحيحة الشرعية، المتصلة بالمواقف الشريفة النبوية، الإمامية العباسية، المستكفي أمير المؤمنين - أعز الله به الدين، وأمتع ببقائه الإسلام والمسلمين - وأشهد على نفسه من حضر مجلس حكمه وقضائه، وهو يومئذ نافذ القضايا والأحكام ماضي النقض والإبرام، وذلك في اليوم المبارك، ويكتب الحاكم التاريخ بخطه، ثم يكتب الكاتب: أنه ثبت عنده وصح لديه بالبينة العادلة المرضية، التي ثبتت بمثلها الحقوق الشرعية، عدالة فلان - وينعته بما يستحقه - ثبوتاً ماضياً شرعياً معتبراً تاماً مرضياً، وحكم بعدالته، وقبول قوله في شهادته، وأجاز ذلك وأمضاه واختاره وارتضاه، وألزم ما اقتضاه مقتضاه، وأذن سيدنا قاضي القضاة فلان لفلان المحكوم بعدالته في تحمل الشهادات وأدائها، لتحفظ الحقوق على أربابها وأوليائها، وسمع شهادته فقبلها وأجازها، وأمره أن يرقم على حلل الطروس طرازها، وبسط قلمه بسطاً كلياً، ونصبه بين الناس عدلاً مبرراً مرضياً، وأجراه مجرى أمثاله من العدول المبررين، وسلك به مسلك الشهداء المتميزين، وتقدم - أدام الله تعالى أيامه بكتابه هذا الإسجال، فكتب عن إذنه الكريم في التاريخ المقدم ذكره أعلاه المكتتب بخطه الكريم، شرفه الله تعالى. والكاتب في ذلك بحسب ما توصله إليه عباراته.\rإقرار متبايعين\rيكتب: هذا ما أشهد على نفسه الكريمة سيدنا ومولانا العبد الفقير إلى الله تعالى قاضي القضاة، حاكم الحكام فلان - وتستوفى ألقابه ونعوته وولايته، ويدعى له - من حضر مجلس حكمه وقضائه، وهو نافذ القضاء والحكم ماضيهما، أنه ثبت عنده وصح لديه - أحسن الله إليه - في المجلس المذكور، بمحضر من متكلم جائز كلامه، مسموعة دعواه على الوجه المعتبر الشرعي، بشهادة العدول الثلاثة - أو بحسب ما يكونون - الذين أعلم تحت رسم شهادتهم بالأداء في باطنه، إقرار فلان وفلان بما نسب إلى كل منهما في كتاب الإقرار باطنه على ما شرح فيه، وهو مؤرخ بكذا وكذا، وبآخره رسم شهادتهم، وقد أرخ شاهدان منهم شهادتهما بتاريخ الكتاب، والثالث أرخ شهادته بكذا وكذا وجميع ما تضمنه كتاب الابتياع المشروح باطنه - ويذكر جميع ما فيه - وقد أقاموها بذلك عند سيدنا قاضي القضاة فلان الحاكم المذكور بشروط الأداء المعتبرة فيما عينه كل منهم في خطه باطنه في التاريخ المذكور، وقبل ذلك منهم القبول السائغ فيه، وأعلم تحت رسم شهادتهم في باطنه علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود في مثله، وثبت ذلك عنده ثبوتاً شرعياً، فلما تكامل ذلك عند سيدنا قاضي القضاة فلان الحاكم المذكور سأله من جازت مسألته، وسوغت الشريعة المطهرة إجابته، الإشهاد على نفسه بثبوت ذلك عنده، الحكم بموجبه على الوجه المشروح فيه،... ... وأبقى كل ذي حجة على حجته، وهو في ذلك كله نافذ القضاء والحكم ماضيهما، بعد تقدم الدعوى المسموعة وما ترتب عليها، وتقدم - أدام الله أيامه، وأعز أحكامه - بكتابة هذا الإسجال، فكتب عن إذنه متضمناً لذلك وذلك بعد قراءة ما يحتاج إلى قراءته في كتاب الإقرار، ووقع الإشهاد بذلك بتاريخ كذا وكذا.\rمثال إسجال بثبوت مبايعة بشهود الأصل\rوشهود الفرع على نائب الحكم","part":3,"page":3},{"id":1004,"text":"هذا ما أشهد على نفسه العبد الفقير إلى الله تعالى أقضى القضاة فلان، خليفة الحكم العزيز بالمكان الفلاني عن سيدنا العبد الفقير إلى الله تعالى قاضي القضاة فلان، من حضره من العدول، أنه ثبت عنده في مجلس حكمه ومحل نيابته في اليوم الفلاني، بعد صدور دعوى محررة مقابلة بالإنكار على الوضع الشرعي بشهادة عدول الأصل والثلاثة، وهم - ويسميهم - وشاهدي الفرع، وهما فلان وفلان، وهم الذين أعلم الحاكم المذكور تحت رسم شهادتهم بالأداء آخر الابتياع المذكور باطنه، إقرار المتبايعين المسميين باطنه بما نسب إليهما فيه، على ما نص وشرح فيه، المؤرخ بكذا وكذا، وبآخره رسم شهادة العدول الثلاثة المشار إليهم، وقد أقام شهود الأصل شهادتهم بذلك عند الحاكم المذكور بشروط الأداء وقبل ذلك منهم القبول السائغ فيه، وقد أقام شاهداً الفرع المذكور أن شهادتهما على أصلهما العدل فلان بما تحملاه عنه، وهو أنه شهد على المتعاقدين المذكورين باطنه بما نسب إلى كل منهما فيه، وأنه ذكر لهما ذلك، وأشهدهما على شهادته به، على ما تضمنه رسم شهادتهما آخر الابتياع باطنه، في حال سوغ سماع شهادة الفرع على أصله، عند سيدنا القاضي فلان الحاكم المذكور، وقبلها منهما القبول السائغ فيه وسطر تحت رسم شهادة كل منهما ما جرت العادة به من علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود في مثله، وأنه ثبت عنده - أعز الله أحكامه - في المجلس المذكور على الوضع الشرعي، بشهادة عدلين من العدول الثلاثة الأصول، هما فلان وفلان أن البائع المذكور لم تزل يده متصرفة فيما باعه إلى حين انتقاله من يده إلى يد هذا المشتري المسمى باطنه، وقد أقام كل منهما شهادته بذلك عنده، وقبلها منه القبول السائغ فيه، وسطر ما جرت العادة به من علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود في مثله - وإن كانت المبايعة بعدلين وشهد أن البائع مالك لما باعه كتب: أنه ثبت عنده في المجلس المذكور بمحضر من متكلم جائز كلامه، مسموعة دعواه على الوضع الشرعي المعتبر، بشهادة عدلين، هما فلان وفلان، إقرار المتبايعين باطنه، وهو أن فلاناً اشترى من فلان جميع كذا وكذا - ويشرح ما في المبايعة - وبآخرها رسم شهادتهما، وقد أقاماها عند الحاكم على المشتري والبائع بما نسب إلى كل منهما باطنه وأن البائع المذكور مالك لما باعه فيه، وشخصاه له، فقبل ذلك منهما القبول السائغ فيه، وسطر ما جرت العادة به من علامة الأداء والتشخيص على الرسم المعهود فلما تكامل ذلك عنده وصح لديه سأله من جاز سؤاله التقدم بكتابة هذا الفصل وتضمينه الإشهاد عليه بثبوت ذلك لديه، الحكم على المتبايعين المذكورين بما نسب إليهما بأعاليه، وتضمينه ملك البائع المذكور لما باعه فيه، فأعذر - أعز الله أحكامه - إلى البائع المذكور: هل له مطعن فيما شهد به عليه فيه، أو في من شهد؟ فأقر في المجلس المذكور بأنه لا مطعن له في ذلك ولا في شيء منه، فعند ذلك أجاب السائل إلى سؤاله، فكتب عن إذنه، وحكم على المتبايعين المذكورين بما نسب إليها بأعاليه، وبصحة ملك البائع المذكور لما باعه بعد قراءة ما تضمنه باطنه على شهود هذا الإسجال، وأبقى كل ذي حجة معتبرة فيه على حجته، وهو في ذلك كله نافذة القضاء والحكم ماضيهما، وذلك بعد تقدم الدعوى المحررة وما ترتب عليها، ووقع الإشهاد بذلك بتاريخ كذا وكذا.\rفصل في ثبوت إسجال حاكم على حاكم","part":3,"page":4},{"id":1005,"text":"هذا ما أشهد عليه سيدنا العبد الفقير إلى الله تعالى قاضي القضاة فلان من حضره من العدول، أنه ثبت عنده وصح لديه في مجلس حكمه ومحل ولايته، بعد صدور دعوى محررة مقابلة بالإنكار على الوضع الشرعي، بشهادة العدول الذين أعلم تحت رسم شهادة كل منهم بالأداء في باطنه، إشهاد قاضي القضاة فلان الحاكم بالعمل الفلاني بما نسب إليه في إسجاله المسطر أعلاه، على ما نص وشرح فيه، وهو مؤرخ بكذا وكذا، وقد أقام كل من الشهود شهادته بذلك عند القاضي فلان الحاكم المبتدئ باسمه بشروط الأداء على الرسم المعهود عنده في مثله، فلما تكامل ذلك عنده وصح لديه - أحسن الله إليه - سأله من جاز بسؤاله الإشهاد على نفسه بثبوت ذلك لديه، وتنفيذه وإمضاءه والحكم به، فأجابه إلى سؤاله، وتقدم بكتابته فكتب عن إذنه الكريم، وأشهد على نفسه بثبوت ذلك لديه، وتنفيذه وإمضائه وأنه حكم به وارتضاه، وأبقى كل ذي حجة معتبرة فيه على حجته، وهو في ذلك نافذ الحكم والقضاء ماضيهما، بعد تقدم الدعوى المسموعة وما ترتب عليها - وإن حضر من أشهد عليه أنه لا مطعن له في ذلك كتب: وحضر إقامة البينة فلان، واعترف بأنه لا مطعن له في ذلك ولا في من شهد به - ووقع الإشهاد به بتاريخ.... .\rفهذه أمثلة ذكرناها، والكاتب المجيد المتصرف يكتب بقدر الوقائع، ويتصرف في الألفاظ، ما لم يخل بالمقاصد، ولا يدخل عليها من الألفاظ ما يفسدها.\rوأما الكتب الحكمية - فإذا ثبت عند حاكم من الحكام أمر وسأله المحكوم له كتاباً حكمياً لجميع القضاة كتب ما مثاله بعد البسملة: هذه المكاتبة الحكمية إلى كل من تصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم - ويدعو لهم - من مجلس الحكم العزيز بالعمل الفلاني عن سيدنا قاضي القضاة فلان، الحاكم بالعمل الفلاني - ويدعي له - أنه ثبت عنده وصح لديه في مجلس حكمه وقضائه بمحضر من متكلم جائز كلامه، مسموعة دعواه على الوضع الشرعي، بشهادة عدلين، وهما فلان وفلان، جميع ما تضمنه مسطور الدين المتصل أوله بآخر كتابي هذا، الذي مضمونه - وينقل إلى آخره - وبآخره رسم شهادة العدلين المشار إليهما، وقد أقام كل منهما شهادته عنده أنه بالمقر المذكور عارف، وقبل ذلك منهما القبول السائغ، وسطر تحت رسم شهادتهما ما جرت العادة به من علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود في مثله، وذلك بعد أن ثبتت عنده على الوضع الشرعي بشهادة عدلين - هما فلان وفلان الواضع رسم شهادتهما في مسطور الدين المذكور - الغيبة الشرعية وأقام كل منهما شهادته عنده بغية المقر المذكور، وقالا: إنهما به عارفان، وقبل ذلك منهما القبول الشرعي، وسطر تحت رسم شهادتهما ما جرت العادة به من علامة الأداء والقبول على الرسم المعهود في مثله، وأحلف المقر له بالله العظيم، اليمين الشرعية المتوجهة عليه، المؤرخة في مسطور الحلف المكتتب على ظهر المسطور أو الملصق بذيل مسطور الدين بالتماسه لذلك على الأوضاع الشرعية، ثبوتاً شرعياً معتبراً، وأنه حكم بذلك وأمضاه، وألزم بمقتضاه، على الوجه الشرعي، مع إبقاء كل ذي حجة معتبرة على حجته، وهو في ذلك كله نافذ القضاء والحكم ماضيهما بعد تقدم الدعوى المسموعة وما ترتب عليها، ولما تكامل ذلك كله عنده وصح لديه - أحسن الله إليه - سأله من جازت مسألته وسوغت الشريعة المطهرة أجابته، المكاتبة عنه بذلك، فأجابه إلى سؤاله، وتقدم بكتابة هذا الكتاب الحكمي فكتب عن إذنه، فمن وقف عليه من قضاة المسلمين وحكامهم واعتمد تنفيذه وإمضاءه حاز الأجر والثواب، والرضا وحسن المآب، وفقه الله وإياناً لما يحبه ويرضاه، وكتب عن مجلس الحكم العزيز بالعمل الفلاني في اليوم الفلاني - ويؤرخ - مثال العلامة بعد البسملة كذا وكذا، وعدد أوصاله كذا وكذا، ويختم الكتاب.\rثم يكتب عنوانه، ومثال ما يكتب: من فلان بن فلان الحاكم بالعمل الفلاني ويشهد عليه بثبوت ذلك عنده.","part":3,"page":5},{"id":1006,"text":"ويكتب أيضاً في مثل ذلك - وهو أبلغ - ما صورته: هذا كتاب حكمي محرر مرضي، تقدم بكتابته وتسطيره، وتنجيزه وتحريره، العبد الفقير إلى الله تعالى قاضي القضاة فلان - ويدعى له - الحاكم بالديار المصرية، أو غيرها، للدولة الفلانية، بالولاية المتصلة بالمواقف الشريفة - نحو ما تقدم في إسجال العدالة - إلى كل من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم ونوابهم وخلفائهم - ويدعو لهم - متضمناً أنه ثبت عنده وصح لديه، ويكمل كما تقدم.\rفصل إذا ورد مثل هذا الكتاب من قاضٍ إلى قاض\r- مثاله من قاضي القضاة بدمشق إلى قاضي القضاة بمصر - كتب على ظهره ما مثاله: هذا ما أشهد على نفسه سيدنا ومولانا قاضي القضاة فلان، الحاكم بالقاهرة ومصر المحروستين وسائر الديار المصرية - ويدعى له - أنه ورد عليه الكتاب الحكمي الصادر عن مصدره قاضي القضاة فلان الحاكم بدمشق - وهو الكتاب المشروح باطنه - وروداً صحيحاً شرعيا، موثوقاً به، مسكوناً إليه، وشهد بوروده عن مصدر قاضي القضاة فلان الحاكم بدمشق المحروسة كل واحد من العدول المستورين، أو المزكين وهم - ويسميهم - عند سيدنا قاضي القضاة فلان، وقالا: إن الحاكم المذكور أشهدهما على نفسه بما تضمنه الكتاب الحكمي المسطر باطنه، بعد قراءته على مصدره بحضرتهما وحضور من يعتبر حضوره وإن قاضي القضاة فلاناً سمع شهادتهما فقبلها القبول السائغ، ولما تكامل ذلك كله سأله من جازت مسألته، وسوغت الشريعة المطهرة إجابته، الإشهاد على نفسه بثبوت ذلك لديه، وأنه قبله قبول أمثاله من الكتب الحكمية قبولاً شرعياً، وحكم به وأمضاه، ،ألزم بمقتضاه، فأجاب السائل إلى سؤاله، وأشهد على نفسه بذلك، وذلك كله بعد تقدم الدعوى المسموعة في ذلك وما ترتب عليها، وأبقى كل ذي حجة معتبرة فيه على حجته، وهو في ذلك كله نافذ القضاء والحكم ماضيهما، وذلك بتاريخ...\rوأما التقاليد الحكمية - فيبتدئ الكاتب في صدرها بعد البسملة بخطبة يورد فيها ما تؤديه إليه عبارته، وتبلغه إياه فصاحته وبلاغته، ثم يكتب: ولما كنت أيها القاضي فلان - وينعته بما يستحقه - ممن اتصف بكذا وكذا واشتغل بكذا وكذا، واستحق كذا وكذا، استخرت الله تعالى، واستنبتك عني في القضاء والحكم في العلم الفلاني، في جميع أعماله وبلاده وسائر أقطاره، فتول ما وليتك، وباشر ما عذقته بك، وصن أموال الناس عن الضياع، وزوج من لأولى له عند الشروط المعتبرة الأوضاع، واضبط الأحكام بشهادة الثقاة العدول وميز بني المردود منهم والمقبول، وراع أحوال النواب في البلاد، وأرهم يقظة تردع بها المفسد عن الفساد - ويذكر غير ذلك من الوصايا، ويوصيه في آخرها بتقوى الله تعالى - وكتب عن مجلس الحكم العزيز بالعمل الفلاني، ويؤرخ.\rوأما تقاليد قضاة القضاة فتتعلق بكتاب الإنشاء، وهذا مثال، والكاتب يتصرف بحسب نباغته ومعرفته وعلمه.\rوأما الأوقاف والتحبيسات - فهي بحسب آراء أربابها فيما يوقفونه ويحبسونه على أبواب القرابات، وأنواع الأجر والمثوبات، وسنذكر منها قواعد يقاس عليها - إن شاء الله تعالى - .","part":3,"page":6},{"id":1007,"text":"فمن ذلك ما إذا كان لرجل دار وأراد أن يوقفها عليه وعلى أولاده من بعده ونسلهم وعقبهم، فسبيله في ذلك أن يملك الدار لغيره، ويكتب التمليك على ما تقدم، ثم يقول: وبعد تمام ذلك ولزومه أشهد عليه فلان المقر له فيه شهود هذا المكتوب وطوعاً منه واختياراً، أنه وقف وحبس وسبل وحرم وأبد، وتصدق بما هو له وفي يده وملكه وتصرفه، ورآه عرفه، وأحاط به علماً وخبرة، وهو جميع الدار الموصوفة المحدودة أعلاه، علا فلان بن فلان المقر المملك المذكور أعلاه أيام حياته، ثم من بعده على أولاده، وأولاد أولاده، وأولاد أولاد أولاده أبداً ما تناسلوا دائماً، وما تعاقبوا، للذكر مثل حظ الأنثيين، يتناقلونه بينهم كذلك إلى حين انقراضهم، يحجب الآباء منهم والأمهات أولادهم وأولاد أولادهم وإن سفلوا، فإن لم يكن له ولد ولا ولد ولد ولا أسفل من ذلك، كان نصيبه لإخوته الموجودين حين موته، للذكر مثل حظ الأنثيين، يحجب الآباء منهم والأمهات أولادهم وأولاد أولادهم، فإن لم يوجد من أولاد الموقوف عليه وأولاد أولاده أحد كان ذلك وقفاً مصروفاً ريعه على مصالح المسجد الذي بالموضع الفلاني - ويوصف ويحدد - برسم عمارته ومرمته وفرشه ووقود مصابيحه وشراء ما يحتاج إليه من الزجاج والنحاس والحديد، ومن يقوم بخدمته والأذان فيه، ومن يؤم فيه بالمسلمين في الصلوات الخمس المكتوبة المفروضة على سائر المسلمين، على ما يراه الناظر في ذلك، فإن تعذر الصرف عليه بوجه من الوجوه كان ذلك وقفاً على الفقراء والمساكين أينما كانوا وحيثما وجدوا من الديار المصرية أو الشأم، أو عمل من الأعمال، أو بلد من البلاد، على ما يراه الناظر في ذلك من مساواة وتفضيل، وإعطاءٍ وحرمان، ومتى أمكن الصرف إلى ما ذكر من مصالح المسجد كان الوقف عليها والصرف إليها، يجري الحال في ذلك كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، على أن للناظر في هذا الوقف والمتولى عليه أن يؤجره لمن شاء ما شاء من المدد: طوالها وقصارها، بما يراه من الأجر: المعجلة أو المؤجلة أو المنجمة، أو يكتب: \" وعلى الناظر في هذا الوقف أن يؤجره لسنة كاملة فما دونها، بأجرة المثل فما فوقها ولا يتعجل أجرة، ولا يدخل عقداً على عقد إلا أن يجد في مخالفة ذلك مصلحة ظاهرة، أو غبطة ظاهرة، فيؤجره لمدة كذا وكذا ولمن شاء، ويستغل أجره بوجوه الاستغلال الشرعية، فما حصل من ربعه بدأ منه بعمارته ومرمته وإصلاحه وما فيه بقاء عينه ودوام منفعته، ثم ما فضل بعد صرفه لمستحقه على ما شرح أعلاه، وجعل الوقف النظر في هذا الوقف والولاية عليه لفلان الموقوف عليه أولاً، ثم من بعده لأولاده وأولاد أولاده، ينظر كل منهم على حصته في حال استحقاقه وعلى حصة من تعذر نظره من المستحقين لصغير أو سفهٍ أو عيبةٍ أو عدم أهلية، أو سبب من الأسباب، إلى حين تمكنه من النظر، فيعود حكمه حكم باقي المستحقين في النظر على حصته وحصة غيره، فإن تعذر النظر من أحدهم أو من جميعهم بسبب من الأسباب، أو انقرضوا ولم يوجد منهم أحد، كان النظر في ذلك لحاكم المسلمين، وإن عاد إمكان النظر إلى مستحقي الوقف أو إلى أحد منهم قدم في النظر على غيره، ومن عدمت منهم أهليته وكان له من ولي ينظر في ماله كان النظر له على حصته في هذا الوقف دون غيره من المستحقين ومن الحاكم، يجرى الحال في ذلك كذلك وجود وعدما، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، ولكل ناظر في هذا الوقف أن يستنيب عنه في ذلك من هو أهل له، وعلى كل ناظر في هذا الوقف أن يتعهد إثباته عند الحاكم بحفظه بتواتر الشهادات واتصال الأحكام، وله أن يصرف في كلفة إثباته ما جرت العادة به من ريع هذا الوقف، وقف فلان المبتدأ باسمه جميع ذلك على الجهات المعينة، بالشروط المبينة، على ما شرح أعلاه، وقفاً صحيحاً شرعياً مؤبدا، وحبساً دائماً سرمداً، وصدقة موقوفة، لا تباع ولا توهب، ولا تملك، ولا ترهن، ولا تتلف بوجه تلف، قائمة على أصولها محفوظة على شروطها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، وقبل هذا الموقوف عليه ذلك لنفسه قبولاً شرعياً، وتسلم الموقوف عليه الدار المذكورة وصارت بيده وقبضه وحوزه، وذلك بعد النظر والمعرفة، والإحاطة به علماً وخبرة، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر إخراجه عن أهله، وحرام على من غيره أو بدله","part":3,"page":7},{"id":1008,"text":"\" فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم \" .من بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم \" .\rفصل: إذا وقف رجل داراً على أولاده\rوعلى من يحدثه الله من الأولاد، ثم على المسجونين ثم على فك الأسرى، ثم على الفقراء والمساكين، كتب ما مثاله: هذا كتاب وقف صحيح شرعي، وحبس صحيح مرضي، تقرب به واقفه إلى الله تعالى رغبة فيما لديه وذخيرة له يوم العرض عليه، يوم يجزى الله المتصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين، اكتتبه فلان، وأشهد على نفسه أن وقف وحبس وسبل وحرم وأبد وتصدق بما هو له وفي يده وملكه وتصرفه، وعرفه ورآه، وأحاط به علماً وخبرة.\rعقار بالعين والقاف والراء: عقار بن المغيرة بن شعبة، وغيره، وغفار، هو أبو غفار، عن أبي تميمة، وأبو غفار غالب التمار.\rوعبيس وعنبس عبيس، هو ابن ميمون أبو عبيدة، وأم عبيس، امرأة كانت تعذب في الله أعتقها أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وعنبس، هو ابن عقبة، وعنبس ابن إسماعيل القزاز، وغيرهما.\rوعَبّاد وعُباد وعِياذ وعِباد فأما عَباد، فكثير، وعُباد بضم العين، وهو قيس بن عُباد، تابعي كبير، وعِياذ بكسر العين وياء مثناة وذال معجمة، هو عِياذ بن عمرو، له صحبة، وأهبانُ بن عِياذ مكلمُ الذئب، وعياذ بن أبي العيذ، وعِياذُ بن مقراء، وعِباد بكسر العين وباء موحدة: ربيعة بن عباد، له صحبة، وعباد العبدي.\rوعُمارة وعِمارة عُمارة بالضم، كثير، وبكسر العين: واحد، هو أبي بن عمارة، له صحبة.\rوعابس وعائش عابس كثير، وعائش، هو ابن أنس، وعبد الرحمن بن عائش الحضرمي.\rوعُدْثان وعَدْنان أما عُدْثان، فهو نسب غافق بن العتيك بن عك بن عدنان، وعَدْنان، هو عَدْنان بن أحمد بن طولون.\rوعَليَ وعُليّ ... ... عُليّ بضم العين وتشديد الياء، هو علي بن رباح، والأصبغ بن علقة بن علي.\rوعيشون وعَيْسُون وعَبسون أما عيشون، فهو عبد الله بن عيشون الحراني، ومحمد بن عيشون، وأما عيسون فهو عبد الحميد بن أحمد بن عيسى، هذا يعرف بعيسون، ومحمد بن عيسون الأنماطي، وأما عبسون، فهو محمد بن أحمد بن عبسون البغدادي.\rوعَتِيق وعُتيق الأول بالفتح، كثير، وعتيق بالضم، هو عتيق بن محمد.\rوعُتبة وعنبة وغَنية وعبية أما عتبة بضم العين، فكثير، وأما عنبة بكسر العين وبعدها نون، فهو أبو عنبة الخولاني، أدرك الجاهلية والإسلام، والحارث بن عنبة الكوفي، وأما غنية بالغين المعجمة ونون وياء، فعبد الملك بن حميد بن أبي غنية والد يحيى، وأما عبية، فاسم مشهور.\rوعباس وعياش وعياس وعناس فأما عباس، فكثير، وأما عياش، فجماعة منهم عياش بن أبي ربيعة، وأما عياس بالياء المثناة من تحت والسين، فهو أبو العياس، يروي عن سعيد بن المسيب، وأما عناس بالنون والسين المهملة، فهو عناس بن خليفة.\rوعبدان وعيدان وعيدان فعبدان، اسم مشهور، وعيدان بفتح العين، هو ربيعة بن عيدان، وأما عيدان بكسر العين، فهو واحد من المحدثين.\rوعقيل وعقيل اسمان مشهوران وعتاب وغياث كذلك.\rوعليم وعلثم أما عليم، فهو الذي يروي عن سلمان الفارسي، وأما علثم، فهو والد عمار ابن علثم.\rوعيسى وعبسى أما الأول فاسم مشهور معروف، والثاني بفتح العين وتسكين الباء الموحدة وكسر السين، فهو عبسي بن قاش، اجتمع بأحمد بن حنبل.\rوعثيم وغنيم الأول: اسم جماعة منهم عثيم بن نسطاس، روي عن سعيد المقبري، وغنيم بالغين المعجمة والنون: غنيم بن قيس، أبو العنبر، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ورآه.\rوعتيبة عيينة الأول: الحكم بن عتيبة، وعتيبة عن بريد بن أصرم عن علي، وأما عيينة، فكثير.\rوعديس وعدبس عبد الرحمن بن عديس، له صحبة، وعدبس بالباء الموحدة، هو جد عبد الله ابن أحمد بن وهيب بن عدبس، وأبو العدبس منيع بن سليمان.\rوعفير وغفير الأول بالعين المهملة: جماعة، والثاني بالإعجام، هو الحسن بن غفير.\rوعدي وعدي الأول بالفتح كثير، والثاني بالضم، هو زياد بن عدي وعائذ وعابد الأول بالياء المثناة من تحت والذال المعجمة، كثر، والثاني بالباء الموحدة والدال المهملة: حبيس بن عابد، وعابد بن عمر بن مخزوم.\rوغزوان وعزوان الأول بالإعجام، كثير، والثاني بالعين المهملة، هو غزوان بن زيد الرقاشي روي عن الحسن البصري.","part":3,"page":8},{"id":1009,"text":"وغنام وعثام الأول: غنام، بدري، وتسمى به غيره، والثاني: عثام بن علي.\rوغرير وعُزيز وعَزِيز وعزير الأول بالغين معجمة وراء مهملة مكررة، هو غرير بن حميد بن عبد الرحمن ابن عوف، والثاني عزيز بالعين المهملة مضمومة وزاي مكررة معجمة، هو محمد بن عُزيز الأيلي، ومحمد بن عزيز السجستاني صاحب غريب القرآن، والثالث عزيز بفتح العين المهملة وكسر الزاي الأولى المعجمة، هو والد خيثمة، قال خيثمة بن عبد الرحمن: \" كان اسم أبي في الجاهلية عزيزا، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن. والرباع عزيز بالزاي والياء مثناة تحت: أحمد بن عبيد الله حمار العزير.\rوغرون عزون الأول: من شيوخ الموصل، والثاني: بالعين المهملة، هو جد علي بن الحسين ابن عزون.\rوغني وعتي الأول: عطية بن غني، والثاني: عتي بن ضمرة، عن أبي بن كعب.\rوفضيل وفصيل الأول كثير، والثاني بالفاء والصاد المهملة مكسورة: الحكم بن فصيل يروي عن خالد الحذاء، عن نافع، عن ابن عمر.\rوفريس وقريش الأول بفاء مفتوحة وسين مهملة، هو فريس بن صعصعة، والثاني، كثير.\rوفرج وفرح وفرخ الأول بالجيم: جماعة، والثاني بالحاء المهملة: قليل، منهم فرح بن رواحة، والثالث بالخاء المعجمة والراء الساكنة، هو جد عبد الله بن محمد بن فرخ الواسطي.\rوفتح وفنج الأول اسم مشهور، والثاني بالفاء والنون والجيم: واحد، روي عبد الله بن وهب بن منبهٍ عن أبيه قال: \" حدثني فنج \" ... ...\rوقهم وفهم الأول بالقاف، هو النهاس بن القهم، والثاني بالفاء، هو فهم بن عبد الرحمن، وغيره.\rوكثير وكنيز وكثير وكبير وكنيز الأول بالفتح والثاء المثلثة: اسم مشهور، الثاني بالفتح والنون والزاي معجمة، هو بحر بن كنيز السقاء، والثالث كثير بضم الكاف وتشديد الياء، هو كثير بن عبد الرحمن، والرابع كبير بالفتح والباء الموحدة والياء السكنة، هو أبو أمية كبير والد جنادة الأزدي، والخامس كنيز بضم الكاف وفتح النون، هو كنيز الخادم كان يحدث بمصر.\rوكبشة وكيسة الأول، كثير، والثاني بالياء والسين، و أبو كيسة البراء بن قيس، وكيسة بنت أبي بكرة الثقفي.\rومُسْلِم ومُسَلَّم ... ...\rومَخلد ومُخلد الأول بتسكين الخاء، كثير، والثاني بضم الميم وفتح الخاء وتشديد اللام: مسلمة ابن مُخلد، له صحبة، والحارث بن مخلد، عن أبي هريرة رضي الله عنه.\rومعاوية ومغوية الأول، معروف، والثاني بالغين المعجمة، هو أبو راشد الأزدي، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما اسمك؟ فقال: عبد العزى، قال: أبو من؟ قال: أبو مغوية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كلا ولكنك عبد الرحمن أبو راشد ومبشر وميسر الأول، اسم مشهور، والثاني، هو ميسر بن عرمان بن عمير، مولى عبد الله بن مسعود، علي بن ميسر، كوفي.\rومَعْمَر ومُعَمَّر اسمان مشهوران ومَعْبد ومُعَيْد الأول، كثير، والثاني، هو أبو معيد حفص بن غيلان.\rومِسْور ومُسَوَّر الأول بكسر الميم وتسكين السين المهملة، كثير، والثاني، هو بضم الميم وفتح السين وتشديد الواو، وهو مسور بن يزيد المالكي الكاهلي، له صحبة.\rمرثد ومزيد ومريد ومزبد الأول بفتح الميم وسكون الراء المهملة والثاء المثلثة، كثير، والثاني مزيد بالزاي والياء، هو الوليد بن مزيد صاحب الأوزاعي، ومزيد بن هلال، ووالد يزيد ابن مزيد، ومزيد بن عبد الله \" ، والثالث مريد بضم الميم والراء المهملة والياء المثناة من تحت، هو مريد، روي عن أيوب السختياني، والرابع مزبد، هو صاحب النوادر، بالزاي والباء المعجمة بواحدة.\rومحرز ومحرر ومجزز الأول محرز بن زهير، له صحبة، والثاني محرر بالحاء والرائين المهملتين هو محرر بن أبي هريرة، ومحرر بن قعنب، والثالث مجزز بالجيم وزايين معجمتين هو مجزز المدلجي القائف، وهو في الصحافة.\rومغيث ومعتب ومُعتِب الأول: مغيثُ بن بديل ، ومغيث بن أبي بردة، ومغيث زوج بريرة، له صحبة وغيرهم، والثاني معتب، هو ابن قشير، ومعتب بن أبي معتب، وغيرهما، الثالث معتب، تسمى به جماعة.\rوزاحم ومراجم الأول، مشهور، والثاني مراجم بالراء المهملة والجيم: عوام بن مراجم ومسهر ومشهر الأول، فيه جماعة، والثاني وبربن مشهر، له صحبة.\rومشكان ومسكان... ...\rومشرح ومسرح... ...\rومسبح ومسيح ومَسيح ومشنج","part":3,"page":9},{"id":1010,"text":"الأول، هو مسبح بن حاتم العكلي، وغيره، والثاني مُسَيْح بفتح السين المهملة وسكون الياء، هو تميم بن مسيح، وبكسر السين المهملة، هو عبد الله العزيز بن مسيح، والرابع مشنج بالشين المعجمة والنون والجيم، هو سمعان بن مشنج، روي عن سمرة ابن جندب.\rومثنى وميثاء الأول، مشهور كثير، والثاني ميثاء بالياء المثناة من تحت الثاء المثلثة، هو أبو الميثاء المستظل بن حصين، وأبو الميثاء أيوب بن قسطنطين، مصري وأبو الميثاء، عن أبي ذر.\rومنبه ومنية الأول، كثير، والثاني، قليل، منهم يعلى بن منية، هو ابن أمية ومنيه بنت عبيد بن أبي برزة ونافع ويافع الأول بالنون، كثير، والثاني بالياء، هو يافع بن عامر.\rونصر ونضر اسمان معروفان.\rونميل وثميل الأول بالنون: إسماعيل بن نميل، والثاني بالثاء المثلثة: ثميل الأشعري، عن أبي الدرداء.\rونعيم ويغنم الأول بالنون، كثير، والثاني بالياء وغين معجمة، هو يغنم بن سالم بن قنبر ضعيف جداً.\rونزار وبراز الأول بالنون، جماعة والثاني بالباء، هو أشعث بن براز، من أهل البصرة، له مناكير.\rونصير ونُضَيْر ونَضِير وبصير الأول: نصير بن الفرج، وغيره، والثاني: نضير بنون مضمومة وضاد معجمة هو نضير بن زياد، والثالث نضير بنون مفتوحة وضاد معجمة مكسورة، هو نضير ابن قيس، والرابع: أبو بصير، روي عنه أبو إسحاق السبيعي، وأبو بصير عتبة بن أسيد.\rوالنجار والنحاز الأول بالجيم والراء: أيوب بن النجار، والنجار جد الأنصار، والثاني النحاز بالحاء والزاي، هو النحاز بن جدي.\rونجبة وتحية الأول بالنون والجيم والباء، هو الجبةُ بن صبيغ، عن أبي هريرة، والمسيب ابن نجبة، والثاني تحية بالتاء والحاء والياء، هو الحكم بن أبي تحية.\rونائل ونابل وناتل الأول بالياء: نائل بن نجيح، ونائل بن مطرف، والثاني بالباء الموحدة هو نابل صاحب العباء، عن ابن عمر، وأيمن بن نابل، والثالث ناتل بالتاء المثناة هو ناتل الشامي، هو ناتل بن قيس، عن أبي هريرة.\rونجيب وبخيت الأول بالنون والجيم، هو أبو النجيب، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - واسمه ظليم، النجيب بن السري، والثاني بخيت، وهو أبو بكر بن بخيت البغدادي الدقاق.\rوواقد ووافد الأول بالقاف، كثير، والثاني وافد بالفاء، قليل، منهم وافد بن سلامة، ووافد ابن موسى.\rووقاء ووفاء فأما وقاء بالقاف، فهو وقاء بن إياس، وأما وفاء بالفاء، فهو ابن شريح، ووفاء بن سهيل.\rوهدبة وهدية هدبة بالباء الموحدة، هو ابن المهال، وهدبة بن خالد أخو أمية، وأما هدية بالياء المثناة، فهو هدية بن عبد الوهاب، ومحمد بن هدية الصدفي، ويقال: ابن هدية، ويزيد بن هدية ويسرة وبسرة الأول: يسرة بن صفوان، والثاني بسرة بالباء الموحدة، هو أبو بسرة، عن البراء وبسرة بنت صفوان، لها صحبة.\rوياسر وباشر وناشر الأول ياسر كثير، وباشر، هو أبو حازم، وناشر بالنون، هو والد أبي ثعلبة الخشني جرثوم، وقيل فيه: \" ناشب \" .\rهذا ما اتفق إيراده من مؤتلف الأسماء ومختلفها على سبيل الاختصار مما ألفه الشيخ عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان الأزدي، الحافظ المصري - رحمه الله تعالى - ، وقد ألف أيضاً كتاباً آخر في المنسوب من رجال الحديث إلى قبيلة أو بلدة أو صنعة، مما يأتلف في صورة الخط ويختلف في المعنى، لا بأس أو نورد منه نبذة.\rفمن ذلك الأبلى: نسبة إلى الأبلة، وإليها ينسب نهر الأبلة الذي هو أحد متنزهات الدنيا الأربعة. والأيلي: نسبة إلى أيلة وأيلة على شاطئ البحر، يمر عليها الحاج المصري في مسيره إلى مكة وعوده، وإليها تنسب العقبة، وهو على عشر مراحل من القاهرة. ولهم أيضاً الأبلى: نسبة إلى أبلة بالأندلس.\rومنه الأسِيدي والأسَيدي فالأولى بالفتح: نسبة إلى آل أسيد بن أبي العيص، والأسَيدي بالضم وتشديد الياء: نسبة إلى بطنٍ من تميم، منهم حنظلة بن الربيع، وأخوه رياح، لهما صحبة.\rومنه البصري والنصري والبكري والنكري فالبكري: نسبة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وإلى بكر، والنكري بالنون، يقال: إنهم من عبد القيس، منهم عمرو بن مالك.\rوالبحراني والنجراني ... ...\rوالبشيري والتستري ... ...\rوالبستي والبشتي","part":3,"page":10},{"id":1011,"text":"الأول: نسبة إلى بست، من سجستان، والثاني: إلى بشت، قرية من قرى نيسابور.\rوالبلخي والثلجي البخلي: نسبة إلى بلخ، الثلجي: محمد بن شجاع الثلجي.\rوالبزاز والبزار والتيمي والتيمي فالتيم بتسكين الياء: نسبة إلى تيم بن مرة بن كتعب، وتيم الرباب، وأما التيمي بتحريك الياء، فهم بطن من بني غافق والثاتي والباني والبابي أما الثاتي، فهو ابراهيم بن يزيد أبو خزيمة الثاتي قاضي مصر، وثات: قبيلة من حمير، وأما الباني، فهو محمد بن إسحاق، وأما الباني، فمنهم زهير بن نعيم الباني وغيره، ولعلها نسبة إلى الباب: قرية من قرى حلب.\rوالثوري والتوزي والبوري والنوري فالثوري: نسبة إلى ثور بن عبد مناة بن أد بن طانجة، وأما التوزي بالزاي بعد تاء معجمة من فوقها بنقطتين، فأبو يعلى محمد بن الصلت التوزي، وأما البوري بالباء المعجمة بواحدة، فمحمد بن عمر بن حفص البوري البصري العنزي، كان بمصر...، وأما النوري، فأبو الحسن النوري الصوفي البغدادي.\rوالجريري والحريري والجريرى والحزيزى أما الجريري بالجيم مضمومة، فجماعة، منهم سعيد بن إياس، وأبان بن تغلب وعباس بن فروخ، وأما الحريري بالحاء المهملة، فكثير، وأما الجريرى بالجيم المفتوحة، فجماعة ينسبون إلى جرير بن عبد الله البجلي، وأما الحزيزي بالحاء المهملة وزايين، فنسبة إلى قرية اسمها حزيز.\rوالجندعي والخبذعي فالجندعي: نسبة إلى جندع، من ليث، وليث من مضر بن نزار، وأما الخبذعي فهم بطن من همدان.\rوالجبيري والحبتري والخيبري فالجبيري جماعة، منهم سعيد بن عبد الله بن زياد بن جبير، وغيره، وأما الحبتري، فنسبة إلى حبتر،وحبتر من كعب، ثم من خزاعة، وأما الخيبري، فأظنها نسبة إلى خيبر.\rوالحناط والخياط والخباط جماعة من المحدثين والحبري والحيري والجيزي والخبري والحتري فأما الحبري، فهو الحسين بن الحكم الحبري، وأما الحيري، فنسبة إلى الحيرة محلة بنيسابور، وأما الجيزي، فنسبة إلى جيزة فسطاط مصر، وأما الخبري، فنسبة إلى قرية من قرى شيراز، منها الفضل بن حماد الخبري، وأما الحتري، فهو أبو عبيد الله الحتري.\rوالحراني والحرابي فالحراني: نسبة إلى حران، من مدن الجزيرة، والحرابي، هو أحمد بن محمد شيخ البغداديين.\rوالحنائي والجبائي والجبإي الجنابي أما الحنائي بالحاء المهملة والنون، فإبراهيم بن علي الحنائي، وأما الجبإي بالجيم والباء، فهو شعيب الجبإي، منسوب إلى جبل باليمن، وأما الجبائي بالجيم المضمومة والباء الموحدة، فهو علي الجبائي المتكلم، وأما الجنابي بالجيم والنون والباء الموحدة فهو محمد بن علي بن عمران الجنابي.\rوالخزاز والخراز والجرار والجزار أما الخزاز بالخاء والزايين المعجمات، فعدد كثير، منهم النضر بن عبد الرحمن وأحمد بن علي، وغيرهما، وأما الخراز بالخاء والراء والزاي، فجماعة، منهم عبد الله ابن عون الخراز، وغيره، وأما الجرار بالجيم والراء المكررة المهملة، فعبد الأعلى بن أبي المساور الجرار، وعيسى بن يونس الرملي الجرار، وهو الفاخوري، وأما الجزار فنسبة إلى صنعة الجزارة.\rوالخضرمي والحضرمي فأما الخضرمي بالخاء المعجمة المجرورة، فهو عدة يسكنون بأرض الجزيرة، وأما الحضرمي بالحاء، فخلق كثير، يرجعون إلى حضرموت.\rوالحمصي والحمصي فالحمصي: منسوب إلى حمص، والحمصي قليل، وهو إبراهيم بن الحجاج بن منير الحمصي، الحمصي كان يقلي الحمص.\rوالخضري والحصري والخضري فأما الخضري بالخاء والضاد، فأبو شيبة الخضري، وأما الحصري فسعيد بن محمد الحصري، وغيره، وأما الخضري، فهو فقيه أهل مرو أبو عبد الله محمد بن أحمد.\rوالخوزي والجوري والجوزي والحسني والخشني والحبشي والخيشي... ...\rوالختلي والجبلي والحبلي والختلي والجبلي فأما الختلي بضم الخاء وتشديد التاء المثناة، فنسبة إلى ختل من بلاد الديلم وإليها تنسب الدولة الديملمية الختلية، وأما الجبلي بالجيم المفتوحة والباء الموحدة المشددة، فنسبة إلى جبل: قرية بين بغداد وواسط، وأما الحبلى بالحاء المهملة والباء الموحدة، فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الحلي، صاحب عبد الله ابن عمرو، رضي الله عنهما، وأما الختلى بضم الخاء وضم التاء المثناة وتشديد اللام فنسبة إلى ختل، وأما الجبلي، فنسبة إلى جبلة الشأم.","part":3,"page":11},{"id":1012,"text":"والخصيبي والحصيني... ...\rوالخرقي والحرقي ... ... الثاني: نسبة إلى الحرفة بنت النعمان.\rوالدهني والذهبي الدهني بضم الدال المهملة وكسر النون: نسبة إلى حي من بجيلة... ...\rوالرهاوي والرهاوي بالفتح: منسوب إلى قبيلة، منهم مالك بن مرارة الرهاوي، له صحبة، وبالضم: نسبة إلى بلد الرها، من أرض الجزيرة.\rوالرياحي والرباحي فالرياحي بكسر الراء المهملة وفتح الياء المثناة من تحت: إلى بطن من تميم بن مرة، والرباحي بفتح الراء والباء الموحدة: منسوب إلى قعلة رباح بالأندلس.\rوالربذي والزيدي فالربذي بالراء المهملة والباء الموحدة المفتوحة والذال المعجمة: نسبة إلى الزبذة، والزيدي بالزاي المعجمة: نسبة إلى زيد العلوي، وإلى مذهبه.\rوالرفاعي والرقاعي والزماني والرماني فالزماني بكسر الزاي المعجمة: عبد الله بن معبد، والرماني بالراء المهملة: جماعة منهم على بن عيسى النحوي المتكلم، وغيره.\rوالزينبي والزبيبي... ...\rوالزبيدي والزبيدي بالضم: نسبة إلى قبيلة، منهم عمرو بن معد يكرب، وبالفتح: نسبة إلى زبيد، من أرض اليمن.\rوالزبادي والزيادي فالزبادي بفتح الزاي المعجمة، جماعة منهم خالد بن عامر الزبادي والزيادي بكسر الزاي المعجمة: نسبة إلى زياد.\rوالسلمي والسلمي بضم السين المهملة وفتحها ... ...\rوالسذابي والشذاتي فالسذابي بالسين المهملة، هو عمر بن محمد السذابي، وبالشين المعجمة والياء المثناة من تحت، هو أبو الطيب الشذائي الكاتب، واسمه محمد بن أحمد والسبإي والشنإي والسنائي فإما السبإي بالسين المهملة والباء الموحدة، فنسبة ترجع إلى سبإ بن يشجب ابن يعرب بن قحطان، وأما الشنإي بالشين المعجمة والنون، فنسبة إلى أزد شنوءه، وأما السنائي، فرجل نعرفه، كان يلقب عز الدين السنائي، وقد أورد في هذا الموضع النسائي بتقديم النون على السين، نسبة إلى نسا من خرسان، والأفصح فيها النسوى.\rوالسامري والسامري الأول نسبة إلى سامرا، والثاني: نسبة معروفة إلى السامري وفي المحدثين إبراهيم بن أبي العباس السامري.\rوالسِّبيي والشَّيبي والسَّينيّ والسَّبنيّ والسَّيني والسبتيّ أما السَّبييّ بالسين المهملة والباء الموحّدة والياء بآثنتين من تحتها، فهو أبو طالب السِّبييّ، يُنسب إلى قرية من قرى الرّملة، تسمّى سَيْبة؛ وأمّا الشّيبي، فنسبة إلى شَيبة بن عثمان، من بني عبد الدار بن قُصيّ، من سَدَنة الكعبة؛ وأما السِّيبي بالسين مهملة، تليها باء مثنّاة من تحتها، بعدها ياء موحدة، فهو صبّاح بن هارون أبو مروان؛ وأما السَّبنيّ، بالسين المهملة والنون بعد الياء الموحّدة فهو أحمد بن إسماعيل السَّبَنيّ؛ وأما السِّبنيّ، فقُبيلٌ من الأكراد يُعرفون بالسِّينية؛ وأما السَّبتيّ، فشيخٌ صالحٌ متأخر، مدفونٌ بقرافة مصر؛ والسِّينيّ والسَّبتيّ لم يذكرهما عبد الغنيّ.\rوالشاميّ والساميّ فالشامي بالشين المعجمة: نسبة إلى الشأم؛ والساميّ بالسين المهملة: قوم يُنسبون إلى سامة بن لؤيِّ بن غالب، منهم إبراهيم بن الحجاج صاحب الحمّادَين: حمّاد بن سلمة وحمّاد بن زيد؛ وعلي بن الحسن الساميّ، وعمر بن موسى السامي ومحمد بن عبد الرحمن السامي الهَرَوي، ويحيى بن حجر، وبِشر بن حجر.\rوالسَّجزيّ والسَّحريّ والشَّجَريّ فأما السَّجزيّ بفتح السين المهملة، وبالجيم والزاي المعجمة، فعدد كبير يُنسبون إلى سِجِسْتان؛ وأما السِّحري بكسر السين، وبالحاء والراء المهملات، فهو عبد الله بن محمد السَّحري؛ وأما الشجَريّ بالشين المعجمة والجيم والراء المهملة فإبراهيم بن يحيى الشجَريّ.\rوالشَّيباني والسَّيباني والسِّينانيّ أما الشَّيباني، فنسبٌ معروف؛ وأما السَّيباني بالسين المهملة، تليها ياء مثنّاة من تحتها وباء موحّدة، فهو يحيى بن أبي عمرو السَّيبانيّ، وأيّوب بن سُويد الرمليّ؛ وأما السِّيناني بكسر السين المهملة، تليها ياء مثنّاة من تحتها ونون، فهو الفضل بن موسى السَّيناني، يُنسب إلى قرية من قرى مرْوَ.\rوالسَّبخيّ والسِّنجي والسُّبحيّ والشَّيخي","part":3,"page":12},{"id":1013,"text":"أما السَّبْخيّ بالياء الموحَّدة والخاء المعجمة، فهو فَرْقدُ بن يعقوبَ السَّبخي العابد؛ وأما السِّنجي بالنون والجيم، فهو أبو داود سليمان بن مَعْبَد السِّنجي، خُراساني؛ وأما السُّبحيّ بضم السين المهملة، وبالحاء المهملة، قبلها باء موحَّدة، فهو أبو بكر السُّبحي؛ وأما الشَّيخي، فجماعة نعرفهم من الأمراء يقال لهم: الشيخية؛ ويصلح أن يضاف إلى هذه الترجمة السَّبحي والشَّيحي.\rوالشَّعبي والشُّعبي والشَّغْبي فالشَّعبي بفتح الشين المعجمة، هو عامر بن شَراحيل الشَّعْبي؛ وأما الشُّعبي بضمّها، فهو معاوية بن حفص الشُّعبي؛ وأما الشَّغْبي؛ بالشين والعين المعجمة فهو زكريا بنُ عيسى الشَّغْبي، منسوب إلى شغْب: منهلٌ بين طريق مصر والشأم.\rوالشُّعيثي والشُّعَيْبي فالشُّعَيثي: نسبة إلى شُعَيث بَلْعنبر من بني تميم؛ وأما الشُّعيبي، فنسبة إلى من اسمه شعيب.\rوالشَّني والشَّبّي والسُّنّي والبَسّي فأما الشَّني بالشين المعجمة والنون، فعدة، منهم عقبة بن خالد الشَّني البَصري، عن الحسن البَصْري، روى عنه مسْلِم بن إبراهيم؛ والعباسُ بن جعفر بن زيد طَلق العَبْدي الشَّني؛ وأما الشَّبّيّ، فهو محمد بن هلال بن بلال الشَّبيّ؛ وأما السُّني بالنون، فهو الحافظ ابن السُّني الدينوري؛ وأما البَسّيّ، فهو أبو مِحجن توْبة بن نَمِر قاضي مصر، بطنٌ من حمير يقال لهم: \" البَسّيّون \" .\rوالضَّبي والضَّنّيّ فالضَّبي: نسبة إلى ضّبة؛ وأما الضِّني بالنون وكسر الضاد، فهو أبو يزيد الضِّني، يروي عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم.\rوالصَّراري والضِّراري والصَّراري فأما الصِّراري، فهو محمد بن عبد الله الصَّراري، يروي عن عطاء بن أبي رباح؛ وأما الضِّراري بكسر الضاد المعجمة، فهو محمد بن إسماعيل الضِّراري؛ وأما الصَّراري بفتح الصاد المهملة والراء المهملة المشدّدة، فأبو القاسم بكر بن الفضل بن موسى النِّعالي الصَّراري: نسبة إلى صنعة النّعال الصَّرّارة.\rوالصائغ والضائع فالصائغ: نسبة إلى صنعة الصِّياغة؛ والضائع، هو عثمان بن بلْج الضائع.\rوالصَّعدي والصُّغّدي فالصَّعْدي، هو محمد بن إبراهيم بن مسلم الصَّعدي؛ وأما الصُّغْدي بضم الصاد المهملة وتسكين الغين المعجمة، فهو أيوب بن سليمان الصُّغْدي، وإسحاق بن إبراهيم بن منصور الصُّغْدي؛ أراها نسبة إلى الصغد بسمرقند، وهو أحد متنزهات الدنيا الأربعة.\rوالصُّباحي والصَّباحي فالصُّباحي بضم الصاد، هو أبو خيْرة الصُّباحي، له صحبة؛ وأما الصَّباحي بفتح الصاد وتشديد الباء الموحّدة، فهو يزيد بن سعيد الصَّباحي، يروى عن مالك بن أنس حديثين.\rوالطِّيبي والطِّيني والطُّبْني والطَّيبي فالطَّيبي بالطاء والياء المعجمة باثنتين من تحتها وباء موحّدة، هو أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطِّيبي، وأما الطِّيني بالياء المثناة من أسفل النون، فهو عبد الله بن الهيثم الطِّيني؛ وأما الطبني الموحدة بالباء والنون، فنسبة إلى مدينة بالمغرب منها علي بن منصور الطبني، وغيره الطُّبني، وغيره؛ وأما الطّيبي، فنسبة إلى الطَّيبي: بلد بإقليم الغربية بمصر، وبلد بالشرقية، وقرية بالسوداء من الشأم تُسمى طيّبة الاسم وهذه النسبة إلى الطيبة لم يذكرها عبد الغني.\rوالعابدي والعائدي والعائذي فالعابدي بالباء الموحدة والدال المهملة: نسبة إلى عابد بن عمر بن مخزوم منهم عبد الله بن المسيّب القرشي العابدي، وعبد الله بن عمران العابدي صاحب سفيان بن عُيينة؛ \" وأما العائدي، فهم من ولد عائد بن عمرو بن مخزوم، فقد اجتمع في مخزوم عابد وعائد \" ؛ وأما العائذيون بالذال المعجمة، فهم من ولد عمران بن مخزوم أيضاً.\rوالقَيني والقُتبي فأما القَيني بالياء المثناة من تحتها والنون، فجماعة، منهم عبد الله نُعيم القَيْني وغيره؛ وأما القتبي بضم القاف وفتح التاء المثناة من فوقها وبالباء الموحدة، فهلال ابن العلاء، وعبد الله بن مسلم بن قُتيبة؛ وأضاف عبد الغني إلى هذه الترجمة العُتبي، وهو محمد بن عبيد الله العتبي الأخباري.\rوالعَوَقي والعَوْفي أما بالقاف، فهو أبو نَضْرة منذر بن مالك العَوَفي صاحب أبي سعيد الخُدري، ومحمد بن سِنان العَوَقي، وأما العَوْفي بالفاء، فهو عطية العَوْفي، وأحمد بن إبراهيم العَوْفي.\rوالعُتقي والغَيْفي","part":3,"page":13},{"id":1014,"text":"فالعُتقي بضم العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبالقاف، هو الحارث بن سعيد العُتَقي، وأبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله العُتقي المقرئ، له تاريخ في المغاربة؛ وأما الغَيْفي بالغين المعجمة والياء المثناة من تحتها والفاء، فالنسبة فيها إلى غَيْفة: قرية من قرى مصر بقرب بُلْبَيْس مدينة الشرقية، منها الحسين بن إدريس بن عبد الكبير الغَيْفي.\rوالعُودي والعَوْذي ... ...\rوالعُمَري والعَمْري والغَمْري ... ...\rوالعِبادي والعُبادي والعَبّادي ... ...\rوالعَبْدي والعَيْذي والعبسي والعنسي والعَيْشي فأما العَبْسي، فنسبة إلى عبْس، منهم جماعة من الصحابة؛ وأما العَنْسي بالنون فجماعة، منهم عمّار بن ياسر؛ وأما العّيْشي، فجماعة كثيرة، منهم أُميّة بن بِسْطام وحمّاد بن عيسى.\rوالقيْسي والفِيشي فالقَيْسي: نسبة إلى قيس؛ والفِيشيّ بالفاء والشين: نسبة إلى قرية من قرى مصر يقال لها: فِيشة.\rوالعَرفي والعِرقي والعَرْقي فالعَرَفي، هو أبو عبد الله العَرَفي الحجازي؛ والعرقي، هو عروة بن مروان الرَّقي العِرقي \" والعِرقي: نسبة إلى عِرقة، من عمل طرابُلُس الشأم، لم يذكرها عبد الغني \" .\rوالغُبَري والعَنَزي والعِتري والعَنَزي فأما الغُبّري بالغين المعجمة المضمومة والباء المفتوحة بواحدة والراء المهملة فهم كثير، من بني غُبَر، منهم عبّاد بن شُرحبيل، وعبّاد بن قَبيصة؛ وأما العنزي بالعين المهملة والنون والزاي، فنسبة إلى عَنَزَة: حي من ربيعة؛ وأما العتري فجماعة، منهم بكّار بن سلام العِتري؛ وأما العَنزي بفتح العين وسكون النون وكسر الزاي، فمنهم عامر بن ربيعة العَنزي؛ وعَنْز من ربيعة بن نزار.\rوالفَزاري والقَراري فالفَزاري: نسبة إلى بني فَزارة؛ والقَراريّ بالقاف والراء المهملة المكررة، قليل منهم أبو الأسد سهل القراري؛ وقرار قبيلة.\rوالفلاّس والقلاّس فالفلاّس بالفاء، هو أبو حفص عمرو بن علي الصيرفي الفلاّس؛ والقلاّس بالقاف والسين المهملة، هو أبو بكر محمد بن هارون القلاّس.\rوالقِتباني والفِتياني فالقتباني بالقاف: جماعة، منهم عيّاش بن عباس القتباني، وأبو معاوية المفضّل بن فَضالة بن عُبيد قاضي مصر؛ وأما الفِتياني بالفاء، فبطن من بجيلة الكوفة، منهم رِفاعة بن عاصم.\rوالقُبائي والقُنّائي والقِياني والقبّاني والقِناني والقبّاني فالقُبائي بضم القاف: نسبة لمن سكن قُباء؛ وأما القُنائي بضم القاف أيضاً وبالنون، فهو أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن علي القُنّائي الكاتب؛ وأما القِياني بكسر القاف وبالياء المثناة من تحتها والنون، فهو عبدوس بن المعلّى القِياني والقِيانة، بطنٌ من غافق؛ وأما القَباني بفتح القاف وبالباء الموحّدة والنون، فهو علي بن الحسين القَباني؛ وأما القِنائي، فنسبة لمن يكون من قِنى من أعمال الديار المصرية، على مرحلة من مدينة قُوص؛ وأما القَبّاني، فنسبة لمن يزن بالقَبان والقِنائي والقَباني لم يذكرهما عبد الغني رحمه الله.\rوالفِريابي والقرْناني فأما الفِريابي، فنسبة إلى فِرياب من خراسان؛ وأما القَرناني بالقاف والنونين فهو شريك بن سويد التجيبي ثم القَرْناني، من بني القَرْنان.\rوالقَرني والقِربي فأما القرني، فنسبة إلى بطن من مراد، منهم أويس القرني؛ وأما القِربي فالحكم بن سنان.\rوالغَزّي والغرّي فالغَزّي: نسبة إلى مدينة غزّة بالشأم؛ والغرّي: طائفة من الأكراد يسمون الغرّية \" ، لم يذكرهم عبد الغني.\rوالقَرَوي والفَرْوي فالقَرَوي بالقاف: نسبة إلى القَيْروان من المغرب؛ والفَرْوي بالفاء: هم رهطُ أبي علقمة عبد الله بن محمد الفَرْوي.\rوالقَبّاب والقَتّات فالقبّاب بباءين موحّدتين، هو عبد الله بن محمد بن محمد بن فورك القبّاب الأصبهانيّ، وقيل فيه: \" القَتات \" ؛ والقتّات بتاءين مثناتين من فوقهما، هو أبو يحيى زادان، روى عن مجاهد، وأبو عمرو محمد بن جعفر القتّات.\rوالقِطري والفِطري فالقِطري بالقاف، هو محمد بن عبد الحكم؛ والفِطري بالفاء، هو محمد بن موسى، روى عن سعيد المقبَري.\rوالقُوصي والقَوَصي","part":3,"page":14},{"id":1015,"text":"فالقُوصي بضم القاف وتسكين الواو: نسبة لمن يكون من أهل مدينة قُوص من الديار المصرية؛ والقَوَصي بفتح القاف والواو: نسبة لمن يكون من قرية القَوَصة من إقليم مصر، من مرْج بني هُميم، لم يذكرهما عبد الغني رحمه الله.\rوالكِسائي والكُشاني الأول بكسر الكاف وفتح السين المهملة، هو علي بن حمزة الكِسائي النحوي أحد القرّاء السبعة؛ وأما الكُشاني بضم الكاف وبالشين المعجمة والنون، فهو محمد بن حاتم الكُشاني النحوي.\rوالكُلَبي والكُلِبي والكليبي والكليني الأول: نسبة معروفة إلى كُليب؛ والكُلِيني بالنون، هو محمد بن يعقوب الكُلِيني؛ من الشِّيعة.\rوالكِناني والكَتاني فالأول: نسبة إلى كِنانة؛ والثاني بالتاء المشددة، هو محمد بن الحسين الكَتّاني وأحمد بن عبد الواحد الكَتّابي، وغيرهما.\rوالكَرَجي والكَرْخي والكَرْجي فالكَرَجي: نسبة إلى الكَرَج؛ والكَرْخي: نسبة إلى الكَرْخ محلّة ببغداد؛ والكُرْجي: إلى الكُرْج طائفة من الأكراد أتراك.\rواللَّهبي واللِّهبي فاللَّهبي بفتح اللام: نسبة إلى أبي لَهَب؛ وأما اللَّهبي بكسر اللام وسكون الهاء فنسبة إلى قبيلة من الأزد.\rوالمازِني والمَأْرِبي فالمازِني: نسبة إلى مازن أخي سليم بن منصور بن عِكرِمةَ بن خَصَفة بن قيس عَيلان بن مضر، وغيره؛ وأما المَأْرِبي بالراء المهملة والباء الموحدة، فهم جماعة من مَأْرب باليمن، إليها يُنسب سد مأرب الذي كان بني بسبب سيل العرِم، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.\rوالنّجّاري والبخاري فالنّجّاري: نسبة إلى بني النّجّار من الأنصار؛ والبخاريّ: نسبة إلى مدينة بُخاري بما وراء النهر.\rوالناجي والباجي والتَّاجي فالنّاجي بالنون: نسبة إلى بني ناجية من سامة بن لؤي؛ وأما الباجي بالباء الموحّدة، فنسبة إلى باجه من مدن المغرب؛ وأما التاجي، فجماعة من الأتراك يُنسبون إلى مواليهم ممن لقبه تاج الدين.\rوالنحّاس والنخّاس فالنحاس بالحاء: الذي يصنه أواني النحاس، والنخاس بالخاء، هو دلاّل الرقيق.\rوالبَجَلي والبَجْلي والنَّخْلي فالبَجَلي بالجيم المفتوحة: من بَجيلة؛ وأما البجْلي بسكون الجيم، فهم رهط من سُليم بن منصور، يقال لهم: بنو بَجْلة، نُسِبوا إلى أمّهم بَجْلة بنت هَنأة بن مالك بن فهْم الأزدي؛ وأما النخْلي بالخاء المعجمة والنون قبلها، فعمران النخْلي روى عنه شريك بن عبد الله القاضي، وإبراهيم بن محمد أبو عبد الله النَّخْلي صاحب التاريخ.\rوالهَمْداني والهَمَذاني فالأول: منسوب إلى همْدان، قبيلة مشهورة من اليمن؛ والثاني: نسبة إلى مدينة هَمَذان.\rواليَزَني والبِرتي فأما اليَزَني، فنسبة إلى سيف بن ذي يَزَن الحِمْيَري؛ وأما البِرْتي بالباء الموحّدة والراء المهملة والتاء المثناة من فوقها، فمنهم أحمد بن محمد بن عيسى البِرتي. وذكر عبد الغني في هذا الموضع البَزّي والبُرّي والبَرّي فقال: أما البَزَي بالباء المعجمة بواحدة والزاي المعجمة، فهو أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن أبي بَزّة، صاحبُ القراءة، يروى عن ابن كثير؛ وأما البُري بالباء المضمومة الموحّدة والراء المهملة، فمنهم عثمان بن مقسم البُري أبو سَلمة؛ وأما البَري بباء مفتوحة موحّدة فهو علي بن بحر برّي.\rهذا مختصر ما ألّفه عبد الغني - رحمة الله تعالى - وفيه زيادة في مواضع نبّهنا عليها؛ ولم يكن الغرضُ بإيراد ما أوردناه من المؤتِلف والمختلف استيعابه وحصَره وإنما كان الغرض التنبيه على ذلك، وأن الناسخ يحتاج إلى ضبط ما يرد عليه من هذه الأسماء وأمثالها، وتقييدها والإشارة عليها؛ وقد أخذ هذا الفصل حقه، فلنذكر غير ذلك من شروط الناسخ وما يحتاج إلى معرفته.","part":3,"page":15},{"id":1016,"text":"وأما من ينسخ العلوم؛ كالفقه واللغة العربية والأصول وغير ذلك، فالأولى له والأشبه به إلا يتقدم إلى كتابة شيء منها إلا بعد اطلاعه على ذلك الفن وقراءته وتكراره، ليسلم من الغلط والتحريف، والتبديل والتصحيف؛ ويعلم مكان الانتقال من بابٍ إلى بابن ومن سؤالٍ إلى جواب؛ ومن فصل إلى فصل، وأصل إلى فرع أو فرع إلى أصل؛ ومن تنبيه إلى فائدة، واستطراد لم يجز الأمر فيه على قاعدة؛ ومن قول قائل، وسؤال سائل؛ ومعارضة معارض، ومناقضة مناقض؛ فيعلم آخر كلامه، ومنتهى مرامه؛ فيفصِل بين كل كلام وكلام بفاصلة تدل على إنجازه، ويُبرز قول الآخر بإشارة يُستدلّ بها على إبرازه؛ وإلا فهو حاطب ليلٍ لا يدري أين يفجأه الصباح، وراكب سيل لا يعرف الغدوّ من الرّواح.\rوأما من ينسخ التاريخ - فإنه يحتاج إلى معرفة أسماء الملوك وألقابهم ونعوتهم وكُناهم، خصوصاً ملوك العجم والترك والخوارزمية والتتار فإن غالب أسمائهم أعجمية لا تُفهم إلا بالنقل، ويحتاج الناسخ إذا كتبها إلى تقييدها بضوابط وإشارات وتنبيهات تدل عليها؛ وكذلك أسماء المدن والبلاد والقرى والقِلاع والرساتيق والكوَر والأقاليم، فينبّه على ما تشابه منها خطاً واختلف لفظاً وما تشابه خطاً ولفظاً واختلف نِسبة، نحو مرْو ومَرْو؛ إحداهما مرْو الروذ، والأخرى مرْو الشاهجان؛ والقاهرة، والقاهرة؛ إحداهما القاهرة المعِزية، والأخرى القلعة القاهرة التي هي بزوزن التي أنشأها مؤيد الملك صاحب كرمان، فإن الناسخ متى أطلق اسم القاهرة ولم يميّز هذه بمكانها ونسبتها تبادر ذهنُ السامع إلى القاهرة المُعِزية لشهرتها دون غيرها، وأما في أسماء الرجال، فمثل عبيد الله بن زياد، وعبيد الله بن زياد، فالأول عبيد الله بن زياد بن أبيه، وزياد هذا، هو ابن سمية الذي ألحقه معاوية بن أبي سفيان بأبيه، واعترف بأخوته، وكان عبيد الله هذا يتولى أمر العراق بعد أبيه إلى أيام مروان بن الحكم؛ والثاني عبيد الله بن زياد بن ظَبيان؛ وخبرهما يشبه مسائل الدور، فإن عبيد الله بن زياد بن أبيه قتله المختار بن أبي عبيد الثقفي والمختار بن أبي عبيد قتله مصعب بن الزبير، ومصعب بن الزبير قتله عبيد الله بن زياد بن ظَبيان؛ فإذا لم يميز كل واحد منهما بجده ونسبه أشكل ذلك على السامع وأنكره ما لم تكن له معرفة بالوقائع، واطلاع على الأخبار؛ فأمثال ذلك وما شاكله يتعين على الناسخ تبيينه، وكذلك أسماء أيام العرب، نحو أيام الكُلاب بضم الكاف، وأيام الفِجار بكسر الفاء وبالجيم، وغير ذلك، فينبه على ذلك كله، ويشير إليه بما يدل عليه.\rوأما من ينسخ الشعر - فإنه لا يستغني عن معرفة أوزانه، فإن ذلك يعينه على وضعه على أصله الذي وُضع عليه؛ ويحتاج إلى معرفة العربية والعَروض ليقيم وزن البيت إذا أشكل عليه بالتفعيل، فعلم هل هو على أصله وصفته أو حصل فيه زِحاف من نقصٍ به أو زيادة، فيثبته بعد تحريره، ويضعَ الضبط في مواضعه، فإن تغييره يُخلّ بالمعنى ويفسده، ويحيله عن صفته المقصودة؛ فإذا عرف الناسخ هذه الفوائد وأتقنها، وحرّر هذه القواعد وفنّنها، وأوضح هذه الأسماء وبيّنها، وسلسل هذه النساب وعنعنها؛ ... ... والمرغوب في علمه وكتابته، فليبسط قلمه عند ذلك في العلوم، ويضع بن المنتور والمنظوم؛ ولنذكر كتابة التعليم.\rذكر كتابة التعليم وما يحتاج من تصدي لها إلى معرفته وكتابة التعليم تنقسم إلى قسمين: تعليم ابتداء، وتعليم انتهاء","part":3,"page":16},{"id":1017,"text":"فأما تعليم الابتداء - فهو ما يعلّمه الصبيان في ابتداء أمرِهم؛ وأول ما يبدأ به المؤدب من تعليم الصبي أن يُكتبه حروف المعجم المفردات؛ فإذا علمها الصبي وعرف كيف يضعها، وميّز بين المعجم والمهمل منها امتحنه المؤدب بتقطيعها وسؤاله عنها على غير وضعها، مثل أن يسأله عن النون، ثم الجيم، والضاد ونحو ذلك؛ فإذا أجابه عما فرّقه وعكسه عليه من ذلك أنه أتقن هذه الحروف فيهنجيه الحروف بعد ذلك حرفاً حرفاً، كل حرف وهجاءه في المنصوب والمجرور والمرفوع والمجروم، فإذا عرف هجاء هذه الحروف وأتقنه، وامتحنه نحو ما تقدّم جمع له بعد ذلك كل حرف إلى آخر كتابه، من الباء والجيم والدال والراء والسين والصاد والطاء والعين والفاء والكاف واللام والميم، يبدأ بالباء مع الألف وما بعدها ثم يُكتبه البسملة، ويأخذ في تدرجه في الكتابة، وتدريبه في استخراج الحروف بالهجاء وما يتولد منها إذا اجتمعت، إلى أن يقوى فيها لسانه ويده، ويقرأ ما يُكتب له، ويكتب ما يُقترح عليه من غير منبه له ولا مساعد؛ فهذه كتابة الابتداء؛ ولا ينبغي أن يتصدى لها إلا من اشتهرت ديانته وحسن اعتقاده والتزامه طريق السنة، ومن كان بخلاف ذلك، أو ممن طُعن فيه بوجه من وجوه المطاعن وجب على ناظر الحِسبة منعه.\rوأما تعليم الانتهاء - فهو كتابة التجويد، وهي أصل جميع ما قدّمناه من الكتابات، ويحتاج من تصدى لها إلى إتقان أقلام الكتابة، ومعرفة أوضاعها على ما وضعه الوزير أبو علي بن مقلة حين عرّب الخط ونقله من الكوفية إلى التوليد، ثم عمدته على طريق علي بن هلال الكاتب المعروف بابن التواب وما وضعه من أقلام الكتابة، ومعرفة الأقلام الأصول الخمسة، وهي قلم المحقق، وقلم النسخ وقلم الرِّقاع، وقلم التواقيع، وقلم الثلث؛ فهذه الأقلام الخمسة هي الأصول؛ ثم لتفرع عنها أفلامٌ أخر نذكرها بعد إن شاء الله تعالى؛ وقد ذكر لهذه التسمية أسباب واشتقاقات، فقالوا: إن قلم المحقق إنما سمي بذلك لأنه أصل الكتابة، وهو يحتاج إلى التحقيق في وضع الحروف وتركيبها؛ وقلم النسخ؛ لأنه تُنسخ به الكتب ولذلك وُضع بحيث أن الكتب لا تحسُن كتابتها بغيره، لاعتدال أسطره، ودقة حروفه والتئام أجزائه؛ وقلم الرقاع لأنه وضع لكتابة الرقاع المرفوعة في الحوائج؛ ألا ترى ما على الرقاع به من البهجة؟ ولو كُتبت بغيره ما حسُن موقعها من النفوس؛ وقلم التواقيع لأنه وضع لتكتب به التواقيع الصادرة عن الخلفاء والملوك؛ وقلم الثلث لكتابة المناشير التي تُكتب في قطع الثلث؛ هذا ما قيل في سبب تسمية هذه الأقلام بهذه الأسماء.","part":3,"page":17},{"id":1018,"text":"وأما ما يتفرع عن هذه الأقلام الخمسة التي ذكرناها - فلكل قلم منها غليظٌ وخفيفٌ ومتوسّط، فقلم المحقق يتفرع عنه خفيفه، ويتفرع عنه أيضاً قلم الريحان؛ وقلم النسخ يتفرع عنه قلم المتن، وهو غليظه، وقلم الحواشي وهو خفيفه، وقلم المنثور، وهو الذي يفصل بين كل كلمة وكلمة ببياض؛ وقلم الرقاع يتفرع عنه قلم الغبار، وهو خفيفه، وينزل منه بمنزلة الحواشي من النسخ، وهو الذي تُكتب به الملطفات والبطائق، ويتفرع عنه أيضاً قلم المقترن، وهو ما يُكتب سطرين مزدوجين، وقد يُكتب بغير قلم الرقاع، لكن لم تجر عليه هذه التسمية، وفي الرقاع مسلسل؛ وقلم التواقيع منه ما هو مسلسل، وهو ما يتصل بعض حروفه ببعضٍ بتشعيراتٍ رقيقة تلتف على الحروف؛ وقلم الثلث يتفرع عنه وعن المحقق جميعاً قلم يسمى قلم الأشعار؛ ولهم أيضاً قلم الذهب، وهو قد يكون تارة ثلثا وتارة تواقيع إلا أنه يكون خالياً من التشعير بسبب ترميكه باللون المغاير للون الذهب، والترميك هو أن يحبس الحرفُ بلون غير لونه بقلمٍ رقيقٍ جداً؛ ولهم أيضاً قلم الطومار ومنه كامل وغير كامل، فالكامل: الذي إذا جُمعت الأقلام كلها كانت في غلظه وهو الذي يكتب به على رؤوس الدروج؛ وغير الكامل، هو الطومار المعتاد؛ فهذه هي الأصول وما يتفرع عنها. ولهم أيضاً أسماء أخر، منها قلم الطور وقلم المنهج، وقلم الطمغاوات، وأسماءٌ غير هذه اصطلح عليها الكتاب؛ فإذا أتقن الكاتب ما ذكرناه من هذه الأقلام وحرّرها، وعرف أوضاعها وقواعدها، وكيفية وضع الحروف وموضع ترقيقها وتغليظها، والمكان الذي تُكتب فيه بسن القلم وبصدره، وأين يضع الحرف الآخر منه، إلى غير ذلك من شروطها وقواعدها، واتصف بما قدمناه في المؤدب من الديانة والخير والعفة وحسن الطريقة وصحة الاعتقاد والتزام السنة، فقد استحق أن يتصدى للتعليم والإفادة، ويتعين على الطالب والرجوع إليه، والاقتداء بطريقته، والكتابة على خطه والتزام توقيفه.\rالفن الثالث\rالحيوان الصامت\rقد جمعت في هذا الفن - أعزك الله تعالى - من أجناس الحيوان بين الكاسر والكاشر، والنافر والطائر؛ والصائد والصائل، والناهق والصاهل؛ والحامل والحالب، واللاذع واللاسب؛ والكانس والسانح، والراسخ والسائح؛ فمن أسدٍ انفرد عظماً بنفسه، وترفّع عن الإلمام بما سواه من جنسه؛ إن وطئ أرضاً مالت الوحوش عن آثاره، أو قصد جهة نفرت من جواره؛ وإن فغر فاه أبرز المُدى وإن مد خطاه قرّب المدى؛ ونمرٍ حديد الناب، موشّى الإهاب؛ وفهدٍ سريع الوثوب والاختطاف، وكلب إن طفئت النيران فهو الجالب للأضياف؛ وضَبُعٍ إن رأت قتيلاً طافت به ومالت إليه، وذئب ما رأى بصاحبه دماً إلا أغار عليه؛ إلى غير ذلك من أنواع الوحوش والآرام، والخيل والبغال والأنعام؛ وذوات السموم القواتل منها وغير القواتل، وأصناف الطير التي تكون تارة محمولة وتارة حوامل؛ وآونة تختطف من الهواء، وحالة تقتنص الوحشَ من البيداء؛ وما شاكل منها الكلب والبهيمة، وما حُبس لسماع صوته فعلت قيمتُه كل قيمه؛ وما ينوح وما يغرد، وما يتلو ويردد؛ وميزت كل حيوان منها بمحاسنه ومناقبه، ونبذته بمعايبه ومثالبه؛ ولولا خشية الإطالة، لوصفت كل حيوان منها برساله؛ لكني استغنيت بما ألّفه من منقولي، عما أصنّفه من مقولي؛ وعلمت أنني أقصُر عن حق هذه الرتبة فأحجمت وأقف دون بلوغ هذه الحلبة فأمسكت؛ وقد تقدمني من بالغ في هذا وأطنب ووجد المقال فبسط القول وأسهب، وحاز المعاني فما ترك لسواه مذهب؛ فاختصرتُ عند ذلك المقال، واقتصرت عل هذه النُّبذة التي أشبهت طيف الخيال؛ ووضعته على أحسن ترتيب، ورتبته على أجمل تقسيم وتبويب؛ وهو يشتمل على خمسة أقسام.\r؟القسم الأول وفيه ثلاثة أبواب\rالسباع وما يتصل بها\rالباب الأول\rالأسد والبَيْر والنمر\rولنبدأ بذكر أسماء الأسد، ثم نذكر ما قيل في أصناف الآساد وأجناسها وعاداتها في افتراسها، وما فيها من الجراءة والجبن، وما وُصف به الأسد نظماً ونثراً ثم نذكر ما سواه، فنقول - وبالله التوفيق - : أما أسماء الأسد - فقد بسط الناس فيها القول وزادوا، فمنهم من عدّله ألف اسمٍ فما دون ذلك، وقد اقتصرنا منها على أشهرها.","part":3,"page":18},{"id":1019,"text":"فمن أسمائه: الأسد، والأنثى أسَدَة ولبؤة؛ والشِّبل والحفص: جَرْوه؛ والشبلة والحَفْصة: الأنثى؛ وكناه: أبو الأشبال، وأبو الحارث؛ ومن أسمائه الأعلام: بيهس، وأسامة، وهرثمة، وكهمس؛ ومن صفاته: الصم، والصمة، والمصدّر والصمصامة، والهِزبر، والقسورة، والدلهمس، والضيغم، والغضنفر، والهمام والدوكس، والدوسك، والعلندس، والعنابِس، والسِّيد، والدِّرباس، والفُرافِر والقُصاقِص، والقُضاقِض، والرئبال، والضّيثم؛ والخُنابس، وعثمثم، والخُنابِش: اللبؤة إذا استبان حملها، وكذلك الآفل؛ والهَرِس: الشديد المراس.\rوأما لأصناف الآساد وأجناسها - فالذي يعرفها الناس منها صفتان: أحدُهما مستدير الجُثة، والآخر طويلُها، كثير الشعر؛ وعدّ أرسطو من هذا النوع ضروباً كثيرة، حكى عن بعض من تكلم في طبائع الحيوان قبله أن في أرض الهند سبعاً - سماه باليونانية - في عِظَم الأسد وخلقته، ما خلا وجهه فإنه شبيه بوجه الإنسان ولونه شديد الحمرة، وذنبه شبيه بذنب العقرب، وفي طرفه حًمة، وله صوت يشبه صوت الزمارة وهو قوي، ويأكل الناس؛ وذكر أن من السباع ما يكون في عِظَم الثور وفي خلقته، له قرونٌ سود، طويلُها، في قدر الشبر، إلا أنه يحرّك الفك الأعلى كما يحرّكه الثور، ولرجليه أظلاف مشقوقة، وهو قصير الذنب بالنسبة إلى نوعه، ويحفر الأرض بخرطومه، ويستفّ التراب، وإذا خرج هرب، فإن طُلب رمح برجليه، ورمى برجيعه على بعد.\rوأما عاداتها في حملها ووضعها وحضانتها - فقد قال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر: إن أصحاب الكلام في طبائع الحيوان يقولون: إن اللبؤة لا تضع إلا جرواً واحداً، وتضعه بضعة لحم ليس فيها حس ولا حركة فتحرسه من غير حضانة ثلاثة أيام، ثم يأتي أبوه بعد ذلك فينفخ في تلك البضعة المرة بعد المرة حتى تتحرك وتتنفس وتنفرج الأعضاء وتتشكل الصورة، ثم تأتيه أمه فترضعه ولا يفتح عينيه إلا بعد سبعة أيام من تخليقه؛ واللبؤة ما دامت ترضع لا يقربها الذكر البتة؛ فإذا مضى على الجرو ستة أشهر كلف الاكتساب بالتعليم والتدريج وطارد الذكر الأنثى، فإن كانت صافراً أمكنته من نفسها، وإن لم تكن كذلك منعته ودفعته عن نفسها، وبقيت مع جروها بقية الحول وستة أشهرٍ من الثاني، وحينئذ تألف الذكر وتمكنه من نفسها؛ والله أعلم.\rوأما عادتها في وثباتها وأفعالها وصبرها وسرعة مشيها وأكلها - فإن للأسد من بعد الوثبة، واللصوق بالأرض، والإسراع في الحُضر إذا هرب، والصبر على الجوع، وقلة الحاجة إلى الماء، ليس لغيره من السباع؛ قالوا: وربما سار في طلب القوت ثلاثين فرسخاً، ولا يأكل فريسة غيره من السباع، وإذا شبع من فريسته تركها، ولم يُعْد إليها ولو جهده الجوع، وإذا أكل أكلة يقيم يومين وليلتين بلا طعام لكثرة امتلائه، ويلقيه بعد ذلك شيئاً يابساً مثل جَعْر الكلب، وإذا بال رفع إحدى رجليه كالكلب، وإذا فقد أكله صعُب خُلقه. وإذا امتلأ بالطعام فهو وادع، وأكل الجيف أحب إليه من أكل اللحم الغريض الغض، وهو لا يفترس الإنسان للعداوة ولكن للطُّعم فإنه لو مر به وهو شبعان لم يتعرض له، وهو ينهس ولا يمضغ، ويوصف بالبخر، ولحم الكلب أحب اللحمان إليه، ويقال: إن ذلك لحنقه عليه، فإنه إذا أراد التطواف في جنبات القرى ألحّ الكلب في النباح عليه والإنذار به، فينهض الناس ويتحرزون منه، فيرجع بالخيبة، فهو إذا أراد ذلك بدأ بالكلب ليأمن إنذاره؛ ومن شأنه أنه إذا أكثر من أكل اللحم وحسو الدم وحلت نفسه منهما، طلب الملح ولو كان بينه وبين عريسته خمسون ميلاً.","part":3,"page":19},{"id":1020,"text":"وأما ما في الآساد من الجراءة والجبن - فجرائته معروفة مشهورة، غير منكوره، فمنها أنه يقبل على الجمع الكثير من غير فزع ولا اكتراث بأحد ولا مهابة له، وقد شاهدت أنا ذلك عياناً، وهو أنني ركبت ليلة في شوال سنة اثنتين وسبعمائة من بيسان الغَوْر إلى قراوي في نحو خمسة عشر فارساً وجماعة من الرجال بالقسي والتراكيش - وكانت ليلة مقمرة - فعارضنا أسد، ثم بارانا وسايرنا على يمنة طريقنا عن غير بعد، بل أقرب من رشقة حجر، لا أقول: من كفّ قويّ فكان كذلك مقدار ربع ليلة، فلما أيس من الظفر بأحد منا لتيقظنا قصّر عنا، ثم تركنا إلى جهة أخرى. قالوا: والأسد الأسود أكثر جراءة وجهالة وكلباً على الناس؛ قالوا: وإن أجئ الأسد إلى الهرب أو أحس بالصيادين تولى وهو يمشي مشياً رفيقاً، وهو مع ذلك متلفت يظهر عدم الاكتراث، فإن تمكن منه الخوف هرب عجلاً حتى يبلغ مكاناً يأمن فيه، فإذا علم أنه أمن مشى متئداً، وإن كان في سهلٍ وألجئ إلى الهرب جرى جرياً شديداً كالكلب، وإن رماه أحدٌ ولم يصبه شد عليه، فإن أخذه لم يضره، وإنما يخدِشه ثم يخليه، كأنه منّ عليه بعد الظفر به وهو إذا شم أثر الصيادين عفا أثره بذنبه.\rوأما جبنه - فمنه أنه يُذعر من صوت الديك، ومن نقر الطست وحس الطنبور، ويفزع من رؤية الحبل الأسود والديك الأبيض والسنور والفأرة، ويدهش لضوء النار، ويعتريه ما يعتري الظباء والوحوش من الحيرة عند رؤيتها وإدمان النظر إليها والتعجب منها، حتى يشغله ذلك عن التحفظ والتيقظ. قالوا: والأسد لا يألف شيئاً من السباع، لأنه لا يرى له فيها كفؤاً فيصحبه، ولا يطأ شيء منها على أثر مشيه، ومتى وُضع جلد الأسد مع سائر جلودها تساقطت شعورها؛ والأسد لا يدنو من المرأة الطامث، وهو إذا مس بقوائمه شجر البلوط خدر ولم يتحرك من مكانه، وإذا غمره الماء ضعف وبطلت قواه، فربما ركب الصبي على ظهره وقبض على أذنيه ولا يستطيع عن نفسه دفاعاً؛ وأخبرني بعض من سكن غور الشأم أن بعض الغسوارنة رأى أسداً في بعض الأيام وهو رابض على حافة نهر الأردن، وظهره إلى الماء وذنبه فيه، وهو يرش على ظهره وجنبيه بذنبه وكان الغوري من جانب الشريعة الآخر فبادر بعبور الماء، وعدّى إلى جهة الأسد برفق وسكون حتى صار وراءه، ثم قبض الغوري على مرقّيْ فخذي الأسد وجذبه إلى الماء، فهم الأسد بالوثوب وضرب الأرض بيديه، فانسحل الرمل من تحتمهما، ولم يستطع إثباتهما عليه، فانحدر إلى الماء، وركبه الغوري، وقبض على أذنيه، وضربه بسكين معه فقتله؛ والغورانة تتحيل على قتل السباع بأمور كثيرة مواجهة، والذي وقع لهذا الرجل نادر الوقوع لم أسمع أنه وقع لغيره، وهو أمر مستفاض عند الغورانة.\rقالوا: والأسد لا تفارق الحمى، ولذلك الأطباء يسمونها داء الأسد، وعظامه عاسية جداً، وإن دلك بعضها ببعض خرجت منها النار كما تخرج من الحجارة وكذلك في جلده من القوة والصلابة ما لا يعمل فيه السلاح إلا من مراقّ بطنه؛ والأسد طويل العمر؛ وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: إن شحم الأسد يحلل الأورام الصلبة.\rوصف الأسد قال أبو زُبيد الطائي يصفه لعثمان بن عفان - رضي الله عنه - وكان قد لقيه: أقبل يتضالع من بغيه، ولصدره تحيط، ولبلاعيمه غطيط؛ ولطرفه وميض ولأرساغه نقيض؛ كأنما يخبط هشيماً، أو يطأ صريماً؛ وإذا هامة كالمجن، وخد كالمسن؛ وعينان سجراوان، كأنهما سراجان؛ وقصرة ربله، ولهزمة رهله؛ وساعد مجدول وعضد مفتول؛ وكف شثنة البراثن، ومخالب كالمحاجن؛ وفم أشدق كالغار الأخرق؛ يفتر عن معاول مصقوله، غير مفلوله؛ فهجهجنا به ففرفر وبربر، ثم زأر فجرجر؛ ثم لحظ فخلت البرق يتطاير من جفونه، عن شماله ويمينه؛ فأُرعشت الأيدي، واصطكت الأرجل؛ وجحظت العيون، وساءت الظنون، ولحقت الظهور بالبطون.\rووصفه بعض الأعراب فقال: له عينان حمراوان مثل وهج الشرر، كأنما نقرتا بالمناقير في عرض حجر؛ لونه ورد، وزئيره رعد؛ هامته عظيمه، وجبهته شتيمه؛ نابه شديد؛ وشره عتيد؛ إذا استقبلته قلت: وإذا استدبرته قلت: أفرع؛ لا يهاب إذا الليل عسعس، ولا يجبن إذا الصبح تنفس؛ ثم أنشد:\rعبوس شموس مصلخد مكابر ... جريء على الأقران للقرن قاهر\rبراثنه شُثن وعيناه في الدجى ... كجمر الغضى في وجهه الشر طائر","part":3,"page":20},{"id":1021,"text":"يدل بأنياب حداد كأنها ... إذا قلّص الأشداق عنها خناجر\rومن التهويل في وصف الأسد قول الشاعر\rإياك لا تستوش ليثاً مخدرا! ... للهول في غشق الدجى دوّاسا\rمَرِساً كأمراس القليب جدوله ... لا يستطيع له الأنام مِراساً\rشثن البراثن كالمحاجن عطّفت ... اظفاره فتخالها أقواساً\rلان الحديد لجلده فإهابه ... يكفيه من دون الحديد لباسا\rمصطكة أرساغه بعظامه ... فكأن بين فصولها أجراسا\rوإذا نظرت إلى وميض جفونه ... أبصرت بين شفورها مقباسا\rوقال آخر:\rتوق وقاك رب الناس ليثاًحديد الناب والأظفار وردا\rكأن بملتقى اللحيين منه ... مذرّبة الأسنة أو أحداً\rوتحسب لمح عينيه هدوءاً ... ورجع زئيره برقاً ورعدا\rتهاب الأسُد حين تراه منه ... إذا لاقينه في الغاب فردا\rتصد عن الفرائس حين يبدو ... وكانت قبل تأنف أن تصدّا\rوقال أبو الطيب المتنبي - رحمه الله - :\rورد إذا ورد البحيرة واردا ... ورد الفرات زئيره والنيلا\rمتخصب بدم الفوارس لابس ... في غيله من لبديته غيلا\rفي وُحْده الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا\rوقعت على الردن منه بلية ... نظمت بها هام الرفاق تلولا\rيطأ البري مترفقاً من تيهه ... فكأنه أس يجس عليلا\rويرد غُفرته إلى يافوخه ... حتى تصير لرأسه إكليلا\rفصرت مخافته الخُطا فكأنما ... ركب الكمي جواده مشكولا\rوقال عبد الجبار بن حمديس:\rوليث مقيم في غياض منيعة ... أمير على الوحش المقيمة في القفر\rيوسّد شبليه لحوم فوارس ... ويقطع كاللص السبيل على السفر\rهزبرله في فيه نار وشَفرة ... فما يشتوي لحم القتيل على الجمر\rسراجاه عيناه إذا أظلم الدجى ... فإن بات يسري باتت الوحش لا تسري\rله جهة مثل المجنّ ومعطس ... كأن على أرجائه صبغة الحبر\rيصلصل رعد من عظيم زئيره ... ويلمع برق من حماليقه الحمر\rله ذنب مستنبط منه سوطه ... ترى الأرض منه وهي مضروبة الظهر\rويضرب جنبيه به فكأنما ... له فيهما طبلٌ يحض على الكر\rويضحك في التعبيس فكّيه عن مدي ... نيوبٍ صلابٍ ليس تهتم بالفهر\rيصول بكف عرض شبرين عرضها ... خناجرها أمضى من القُضُب البُتْر\rيجرّد منها كل ظُفر كأنه ... هلال بدا للعين في أول الشهر\rوقال بشر بن عَوانة الفقعسي يصف ملاقاته الأسد وما كان بينهما:\rأفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا\rإذاً لرأيت ليثاً رام ليثاً ... هِزَبرا أغلبا لاقى هزبرا\rتبنهس إذ تقاعس عنه مهرى ... محاذرة فقلت: عُقرت مهرا\rأنِل ْ قدميّ ظهر الأرض إني ... وجدت الأرض أثبت منك ظهرا\rوقلت له وقد أبدى نِصالاً ... مذرّبة ووجهاً مكفهرا\rيدلّ بمخطب وبحد ناب ... وباللحظات تحسبهن جمرا\rوفي يمناي ماضي الحد أبقى ... بمضربه قراع الموت أثْرا\rألم يبلغك ما فعلت ظباه ... بكاظمة غداة لقيت عمرا\rوقلبي مثل قلبك لست أخشى ... مصاولةً ولست أخاف ذُعرا\rوأنت تروم للأشبال قوتا ... واطلب لابنة الأعمام مهْرا\rففيم تروم مثلي أن يولّى ... ويترك في يديك النفس قسرا؟!\rنصحتك فالتمس يا ليث غيري ... طعاماً إن لحمي كان مرّا\rولما ظن أن الغش نصحي ... وخالفني كأني قلت هُجرا\rدنا ودنوت من أسدين راما ... مراماً كان إذ طلباه وعرا","part":3,"page":21},{"id":1022,"text":"يكفكف غيلة إحدى يديه ... ويبسط للوثوب عليّ أخرى\rهززت له الحسام فخلت أني ... شققت به من الظلماء فجرا\rحساماً لو رميت به المنايا ... لجاءت نحوه تعطيه عذرا\rوجدت له بجائفةٍ رآها ... بمن كذبته ما منّته غَدرا\rبضربة فيصل تركته شفعا ... زكان كأنه الجُلمود وَترا\rفخر مضرّجاً بدمٍ كأني ... هدمت به بناء مشمخرّا\rوقلت له: يعزّ عليّ أني ... قتلت مناسبي جَلدا وقهرا\rولكن رمت شيئاً لم يرمُهُ ... سواك فلم أطق يا ليث صبرا\rتحاول أن تعلمني فِراراً ... لعمري أبيك قد حاولت نُكرا\rفلا تبعد لقد لاقاك حرٌّ ... يحاذر أن يعاب فمتّ حرّا\rوأما الييْر وما قيل فيه - فهو شبُعٌ هندي، ويقال: حبشي؛ وهو في صورة أسد كبير، أزبُّ ملمع بصفرة وسواد، ويقال: إنه متولّد بين الزبرقان واللبؤة؛ وفي طبعه أنه يسالم النمر وغيره من السباع ما لم يستكلب، فإذا استكلب خافه كل شيء كان يسالمه، وهو والأسد متوادّان أبداً، ومودّته معه كمودة الخنافس والعقارب والحيّات والوزغ؛ ويقال: إن الأنثى منه تلقح بالريح، ولهذا يقال: إن عدوه يشبه الريح سرعة، ولا يقدر أحدٌ على صيده؛ وإنما تسرق جراؤه فتحمل في مثل القوارير من زجاج، ويُركض بها على الخيول السوابق، فإن أدركهم أبوها رُمي إليه بقارورة منها، فيشتغل بالنظر إليها والفكرة في إخراج جِروه منها، فيفوته الآخذ لها؛ وزعم قومٌ أنه إذا استكلب ورآه الأسد رقد له حتى يبول في أذنه خوفاً منه ورهبة له؛ هكذا نقل صاحب مباهج الفكر ومناهج العبر، ولم أقف على شعرٍ في وصف الببر ولا رسالةٍ فأوردَها.\rما قيل في النمر والنمر له أسماء، منها السبندي والسبنتي، والطرح: ولده، وجمعه طروح؛ والتلوة والختعة: الأنثى.\rوزعم أهل البحث عن طبائع الحيوان والاطّلاع على أسراره أن النمرة لا تضع ولدها إلا وهو مطوق بأفعى، وهي تعيّث وتهِش إلا أنها لا تقتل؛ وفي طبع النمر وعادته أنه يشبع لثلاثة أيام، ويقطعها بالنوم، ثم يخرج في اليوم الرابع، ومتى لم يصد لم يأكل، ولا يأكل من صيد غيره كالأسد، وينزّه نفسه عن أكل الجيف ولو مات جوعاً؛ وهو لا يأكل لحوم البشر إلا للتداوي من داء يصيبه؛ وفيه زغارّة خلق، وحدة نفس، وتجهم وجه، وشدة غيظ، ولهذا يقال في الرجل إذا اشتد غضبه وكثر غيظه على عدوه: \" ليس له جلد النمر \" ، أي تخلق بأخلاقه، والنمر بعيد الوثبة، وربما وثب أربعين ذراعاً صعوداً إلى مجثمه الذي يأوي إليه، وقد شوهد وهو يثب في الليل فيصير في داخل زريبة الغنم فيأخذ الشاة فيحذفها إلى خارج الزريبة، ثم يثب فيسبقها إلى الأرض، ويتناولها من الهواء قبل أن تسقط على الأرض؛ ومن خصائصه الغريبة أن المعضوض منه يطلبه الفأر حيث كان، ويقصده ليبول عليه، فإن ظفر به وبال عليه مات؛ والناس يحترزون على من يجرحه النمر غاية الاحتراز، والفأر يطلب المجروح كل الطلب، ومن أعجب ما سمعت أن إنساناً جرحه النمر فاحترز على نفسه من الفأر، فركب في مركب، ووقف به في الماء وقد وثق بذلك، وظن أن الفأر لا يصل إليه، فاتفق لنفوذ القضاء المقدّر الذي لا حيلة في دفعه أن حدأة اختطفت فأراً من الأرض، وطارت فحاذت المجروح فلما سامته الفأر بال عليه فمات. وقد وجد في بعض الكتب القديمة: أن النمر إذا عضّ إنساناً أُخذ زهر السماق وذلك به الجرح، فإن الفأر لا يقاربه، ويكون في ذلك شفاؤه؛ وأخبرني من عاين ذلك عند التجربة؛ والنمر يحب شرب الخمر، وبها يصاد، فإنه إذا سكر نام؛ وزعموا أنه يتولد بينه وبين اللبؤة سبع يسمى الذراع على قدر الذئب العظيم، كثير الجراءة، لا يأوي معه شيءٌ من السباع والوحوش.\rووصف كُشاجم النمر من طَرَدّيه فقال:\rوكالحٍ المغضب المهيج ... جهنم المحيا ظاهر النشيج\rيكشر عن مثل مدي العلوج ... أو كشباً أسنة الوشج\rمدبج الجلد بلا تدبيج ... كأنه من نمط منسوج\rتريك فيه لمع التدريج ... كواكباً لم تك في بروج\rولم أقف في وصف النمر إلى غير ذلك فأذكره.\rالباب الثاني:","part":3,"page":22},{"id":1023,"text":"الفهد والكلب والضبع والنمس\rالفهد يقال للذكر: الفهد، وللأنثى: فهدة \" وهما البنة، ولذلك يكنى أبا بنة \" ، وجروه الهوبر، والأنثى هبيرة؛ قال أرسطو: إن الفهد متولد بين أسد ونمرة، أو لبؤة ونمر؛ ويقال: إن الفهدة إذا حملت وثقل حملها حنَا عليها كل ذكر يراها من الفهود، ويواسيها من صيده، فإذا أرادت الولادة هربت إلى موضع قد أعدته لنفسها، حتى إذا علّمت أولادها الصيد تركتها؛ وبالفهد يُضرب المثل في شدة النوم؛ قال بعض الشعراء:\rرقدت مقلتي وقلبي يقظا ... ن يحس الأمور حساً شديدا\rيُحمد النوم في الجواد كمالاً ... يمنع الفهد نومه أن يصيدا\rوقال الجاحظ: قال صاحب المنطق: والفهد إذا اعتراه الداء الذي يقال له: خانقة الفهود أكل العذرة فبرأ منه؛ قال: والسباع تشتهي رائحة الفهود، والفهد يتغيب عنها، وربما قرب بعضها من بعض فيطمِع الفهد في نفسه، فإذا أراده الفهد وثب عليه السبع فأكله؛ قالوا: وليس شيء في الحيوان في جِرم الفهد إلا والفهد أثقل منه وأحطم لظهر الدابّة؛ والإناث أصعب خُلقاً وأكثر جراءةً وإقداماً من الذكور؛ ومن خُلق الفهد الحياء، وذلك أن الرجل يمر بيده على سائر جسده فيسكن لذلك، فإذا وصلت يده إلى مكان الثفْر قلق حينئذ وغضب؛ ويقال: أول من صاد بالفهد كُليب وائلَ، وقيل: همام بن مرة، وكان صاحب لهو وطرب؛ وأول من حمله على الخيل يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وأكثر من اشتهر باللعب بها أبو مسلم الخراساني صاحب الدعوة العباسية، وأول من استسن حلقة الصيد المعتضد بالله؛ والمواضع التي توجد فيها الفهود ما يلي بلاد الحجاز إلى اليمن، وما يلي الحجاز إلى العراق، وما يلي بلاد الهند إلى تُبّت، وتوجد أيضاً في بريّة عيذاب من أعمال قوص من الديار المصرية.\rوقد ولع الشعراء والفضلاء بوصف الفهود نظماً ونثراً؛ فمن ذلك قول أبي إسحاق الصابي في رسالة طردية جاء منها: ومعنا فهود أخطف من البروق، وأسرع من السهم حين المُروق؛ وأثقف من الليوث، وأجرى من الغيوث؛ وأمكر من الثعالب وأدبّ من العقارب؛ خُمْصُ الخصور قُبّ البطون، رُقْش المتون؛ حمر الأماق خُزْر الأحداق، هرت الأشداق؛ عِراض الجباه علف الرقاب، كاشرة عن أنياب كالحراب؛ تلحظ الظباء من أبعد غاياتها، وتعرف حسها من أقصى نهاياتها؛ تتبع مرابضها وآثارها، وتشم روائحها وأبشارها.\rومن رسالة طردية لضياء الدين نصر الله بن الأثير الجزري يصف فهذا بعد أن ذكر ظبياً، قال: فأرسلنا عليه فهذه سلس الضريبه، ميمون النقيبه، منتسباً إلى نجيب من الفهود ونجيبه؛ كأنما ينظر من جمره، ويسمع من صخره، ويطأ من كل برتنٍ على شَفره؛ وله إهاب قد جبل من ضدين: بياض وسواد، وصوّر على أشكال العيون فتطلعت إلى انتزاع الأرواح من الأجساد؛ وهو يبلغ المدى الأقصى في أدنى وثباته، ويسبق الفريسة ولا يقبضها إلا عند التفاته.\rوقال أحمد بن زياد بن أبي كريمة يصفها بعد أن وصف الكاتب من أبيات:\rبذلك أبغي الصيد طوراً وتارةً ... بمخطفة الأكفال رُحب الترائب\rمرقّقة الأذناب نُمْر ظهورها ... مخططة الأذان غلب الغوارب\rمدنرةٍ وُرقٍ كأن عيونها ... حواجل تستوعي متون الرواكب\rإذا قلبتها في الحجاج حسبتها ... سنا ضرمٍ في ظلمة الليل ثاقب\rمولّعة فُطْس الأنوف عوابس ... تخال على أشداقها خط كاتب\rنواصب للآذان حتى كأنها ... مداهن، للإجراس من كل جانب\rذوات أشافٍ ركّبت في أكفّها ... نوافذ في صم الصخور نواشب\rذِرابٍ بلا ترهيف قَين كانها ... تعقرب أصداغ المِلاح الكواعب\rفوارس ما لم تلقَ حرباً، ورِجلة ... إذا آنست بالبيد شُهب الكتائب\rتروٍّ وتسكينٌ يكون دريئةً ... لهن بذي الأسراب في كل لاحب\rتضاءل حتى ما تكاد تبينها ... عيونٌ لدى الضبرات غير كواذب\rحِراصٌ يفوت البرق أمكث جريها ... ضِراء مُبلاّت بطول التجارب\rتوسِّد أجياد الفرائس أذرعاً ... مرمّلة تحكي عناق الحبائب\rوقال ابن المعتز:","part":3,"page":23},{"id":1024,"text":"ولا صيد إلا بوثّابة ... تطير على أربعٍ كالعذب\rملمّعة من نِتاج الرياح ... تريك على الأرض شيئاً عجب\rتضم الطريد إلى نحرها ... كضم المُحبة من لا يحب\rإذا ما رآى عدوها خلفه ... تناجت ضمائره بالعَطَب\rلها مجلسٌ في مكان الرديف ... كتركية قد سبتها العرب\rومقلتها سائلٌ كحلها ... وقد حُلّيت سُبَحاً من ذهب\rمتى أُطلقت من قلاداتها ... وطار الغبار وجدّ الطلب\rغدت وهي واثقة أنها ... تقوم بزاد الخميس اللَّجب\rوقال محمد بن أحمد السراج يصفه:\rوأهرت الشدق في فيه وفي يده ... ما في الصوارم والخطية الذُّبّل\rتساهم الليلُ فيه والنهار معاً ... فقمّصا بجلبابٍ من المُقَل\rوالشمس مذ لقّبوها بالغزالة لم ... تطلع لناظره إلا على وجل\rوقال آخر:\rوأهرت الشدق بادي السخط مطرّح ال ... حياء جَهْم المحيّا سيئ الخُلُق\rوالشمس مذ لقّبوها بالغزالة أع ... طته الرِّشاء جداً من ثوبها اليِقَق\rونقّطتْه حِباءً كي يسالمها ... على المنايا نِعاج الرمل بالحَدَق\rوقال آخر:\rتَغاير الليل فيه والنهار معاً ... فحلَّياه بجلبابٍ من الحَدَق\rوالشمس مذ لقّبوها بالغزالة لم ... تطلُع على وجهه من شدة الحَنَق\rالكلاب يقال: إن بين الكلب والضبع عداوة شديدة، وذلك انه إذا كان في مكانٍ مرتفعٍ ووطئت الضبعة ظلّه في القمر رمى نفسه إليها مخذولاً فأكلته؛ ويقال: إن الإنسان متى حمل على لسان ضبع لم ينبح عليه كلب؛ ومتى دُهِن كلبٌ بشحمها جُنَّ؛ وفي طبع الكلب أنه يحمي ربه، ويحمي حريمه شاهداً وغائباً، ونائماً ويقظان؛ والكلب أيقظ الحيوان عبنا في وقت حاجته إلى النوم، وأنومُها نهاراً عند استغنائهم عن حراسته؛ ومن عجيب أمره أنه يكرم الجلة من الناس وأهل الوجاهة؛ فلا ينبح على أحد منهم، وربما حاد عن طريقهم وينبح على الأسْود والوسِخ الثوب والزري الحال والصغير.\rوأما ما في الكلب من المنافع - فقد قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: إن بول الكلب يستعمل على الثآليل، ودم الكلب لنهوشه ولسمّ السهاك الأرمنية؛ وقال إبراهيم بن هرمة - رحمة الله تعالى عليه - :\rأوصيك خيراً به فإن له ... سجيّة لا أزال أحمدها\rيدُل ضيفي عليّ في غس ... ق الليل إذا النار نام موقدها\rوقال أيضاً:\rيكاد إذا ما أبصر الضيفَ مقبلاً ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم\rولد الذئب من الكلبة\rقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الحيوان: وزعموا أن ولد الذئب من الكلبة يقال له: الديسم، ورُوي لبشار بن برد في ديسم العنزي أنه قال:\rأديسم يا ابن الذئب من نسل زارع ... أتروي هجائي سادراً غير مقصِر","part":3,"page":24},{"id":1025,"text":"قال: وزارع، اسم الكلب يقال للكلاب: أولاد زارع؛ قال: وزعم صاحب المنطق أن أصنافاً أخر من السباع المتزاوجات المتلاقحات مع اختلاف الجنس والصورة معروفة النتاج مثل الذئاب التي تسفد الكلاب في أرض رومية؛ قال: وتتولد أيضاً كلابٌ سَلوقية بين ثعالب وكلاب؛ قال: وبين الحيوان الذي يسمى باليونانية طاغريس والكلب تحدث هذه الكلاب الهندية؛ قال: وليس يكون ذلك من الولادة الأولى؛ هذا ما حكاه الجاحظ عن صاحب المنطق. وحكى الجاحظ عن بعض البصريّين عن بعض أصحابه، قال: وزعموا أن النتاج الأول يخرج صعباً وحشياً لا يلقّن ولا يؤلّف؛ وزعم لي بعضهم عن رجلٍ من أهل الكوفة من بني تميم أن الكلبة تَعرِض لهذا السبع حتى تلْقح، ثم تعرض لمثله مراراً حتى يكون جرو البطن الثالث قليل الصعوبة يقبل التلقين، وأنهم يأخذون إناث الكلاب ويربطونها في تلك البراري، فتجيء هذه السباع فتسفدها، قال: وليس في الأرض أنثى يُجتمع على حب سِفادها، ولا ذكرٌ يَجتمع له من النزاع إلى سِفاد الأجناس المختلفة أكثر في ذلك من الكلب والكلبة؛ وقال: إذا ربطوا هذه الكلاب الإناث في تلك البراري، فإن كانت هذه السباع هائجة سِفدتها، وإن لم تكن السباع هائجة فالكلبة مأكولة؛ قال الجاحظ: ولو تم للكلب معنى السبع وطباعه ما ألف الإنسان واستوحش من السبع، وكره الغياض، وألف الدور، واستوحش من البراري وجانَب القفار، وألف المجالس والديار؛ ولو تم له معنى البهيمة في الطبع والخُلق والغذاء ما أكل الحيوان، وكلب على الناس، نعم حتى ربما وثب على صاحبه؛ وذكر من معايب الكلب وذمّه، فقال: إنه حارسٌ محترسٌ منه، ومؤنِسٌ شديد الإيحاش من نفسه، وأليفٌ كثير الجناية على إلفه، وإنما قبلوه حين قبلوه على أن ينذرهم بموضع السارق، وتركوا طرده لينبههم على مكان المبيِّت، وهو أسرق من كل سارق، وأدوم جناية من ذلك المبيّت، فهو سراق وصاحب بيات، وأكالٌ للحوم الناس إلا أنه يَجمع سرقة الليل مع سرقة النهار، ثم لا تجده أبداً يمشي في خزانةِ أو مطبخٍ أو في عرْصِة دارٍ أو في طريق أو براريّ، أو على ظهر جبلٍ أو في بطن وادٍ إلا وخطْمه أبداً في الأرض يتشمم ويستروح؛ وإن كانت الأرض بيضاء حصّاء، أو دوِّية ملساء، أو صخرة خَلقاء، حِرصاً وجَشَعاً، وشرهاً وطمعاً، نعم حتى تجده أيضاً لا يرى كلباً إلا شم آسته، ولا يشم غيرها منه، ولا تراه يُرمى بحجرٍ أبداً إلا رجع إليه فعضّ عليه، لأنه لما كان لا يكاد يأكل إلا شيئاً رَموا به إليه صار يَنسى لفرْط شرهه وغلبة الجَشَع على طبعه أن الرامي إنما أراد عقره أو قتله، فيظن لذلك أنه إنما أراد إطعامه والإحسان إليه، كذلك يخيّل إليه فرط النَّهم، وتوهمه غلبةُ الشره، ولكنه رمى بنفسه على الناس عجزاً ولؤماً، وفُسُولةً ونقصاً، وخاف السباع واستوحش من الصحاري؛ وسمعوا بعض المفسّرين يقول في قوله عز وجل: \" والذين في أموالهم حق معلومٌ للسائل والمحروم \" : إن المحروم هو الكلب؛ وسمعوا في المثل: \" اصنع المعروف ولو إلى كلب \" ، فلذلك عطفوا عليه، واتخذوه في الدور، على أن ذلك لا يكون إلا من سَفِلتهم وأغبيائهم، ومن قلّ تقزّوه، وكثر جهله، وردّ الآثار أما جهلاً وإما معاندة؛ ووصف في ذمه ومعايبه ما ذكره صاحب الديك من ذم الكلاب، وتعداد أصناف معايبها ومثالبها، من لؤمها وخبثها وضعفها وشرهها وغدرها وبذائها وجهلها وتسرعها ونتنها وقذَرها، وما جاء في الآثار من النهي عن اتخاذها وإمساكها، ومن الأمر بقتلها وإطرادها، ومن كثرة جناياتها وقلة وُدّها، وضرْب المثل بلؤمها ونذالتها وقبحها وسماجة نباحها وكثرة أذاها وتقدُّر المسلمين من دنوِّها، وأنها تأكل لحوم الناس، وأنها مطايا الجنّ، ونوعٌ من المَسْخ، وأنها تنبُش القبور، وتأكل الموتى، وأنها يعتريها الكلب من أكل لحوم الناس، إلى غير ذلك من مساويها، ثم ذكر قول من عدّد محاسنها وصنّف منقبها وأخذ في ذكر أسمائها وأنسابها وأعراقها وتفدية الرجال لها، وذكر كسبها وحراستها ووفائها وإلفها وجميع منافعها، والمرافق التي فيها، وما أودعت من المعرفة الصحيحة والفطنة العجيبة، والحس اللطيف، والأدب المحمود، وصدق الاسترواح، وجَودة الشمّ، وذكر حفظها وإتقانها واهتدائها، وإثباتها لصور أربابها وجيرانها، ومعرفتها بحقوق الكرام، وإهانتها اللئام، وصبرها على الجفاء، واحتمالها","part":3,"page":25},{"id":1026,"text":"للجوع، وشدة منّتها وكثرة يقظتها، وعدم غفلتها، وبُعد أصواتها، وكثرة نسلها، وسرعة قبولها ولقاحها مع اختلاف طبائع ذكورتها والذكورة من غير جنسها، وكثرة أعمامها وأخوالها وترددها في أصناف السباع، وسلامتها من أعراق البهائم، وغير ذلك من محاسنها؛ وأورد ذلك بألفاظ طويلة، وأدلة كثيرة، واستطرادات يطول الشرح في ذكرها فأضربنا عن ذلك رغبةً في الاختصار؛ فلنذكر ما يحتاج الكاتب إلى الاطلاع عليه ويدور في ألفاظ الكتاب من وصف كلاب الصيد، التي لا بد للكاتب من معرفة جيّدها وأفعالها، ليضمّنه ما يصدر عنه من الرسائل الطردية، فنقول: دلائل النّجابة والفراهة فيها تُعرف من خلقتها وألوانها ومولدها.، وشدة منّتها وكثرة يقظتها، وعدم غفلتها، وبُعد أصواتها، وكثرة نسلها، وسرعة قبولها ولقاحها مع اختلاف طبائع ذكورتها والذكورة من غير جنسها، وكثرة أعمامها وأخوالها وترددها في أصناف السباع، وسلامتها من أعراق البهائم، وغير ذلك من محاسنها؛ وأورد ذلك بألفاظ طويلة، وأدلة كثيرة، واستطرادات يطول الشرح في ذكرها فأضربنا عن ذلك رغبةً في الاختصار؛ فلنذكر ما يحتاج الكاتب إلى الاطلاع عليه ويدور في ألفاظ الكتاب من وصف كلاب الصيد، التي لا بد للكاتب من معرفة جيّدها وأفعالها، ليضمّنه ما يصدر عنه من الرسائل الطردية، فنقول: دلائل النّجابة والفراهة فيها تُعرف من خلقتها وألوانها ومولدها.\rأما في الخلقة - فقد قالوا: طول ما بين اليدين والرجلين، وقِصَر الظهر وصِغَر الرأس، وطول العنق، وغَضَف الأذنين، وبعدُ ما بينهما، وزرقة العينين ونتوء الجبهة وعِرَضها، وقصر اليدين.\rوأما في الألوان، فإنه يقال: السود أقل صبراً على الحر والبرد، والبيض أفره إذا كنّ سود العيون؛ وقد قال قوم: إن السود أصبر على البرد وأقوى.\rوأما في ولادتها - فإنه يقال: إذا ولدت الكلبة جرواً واحداً كان أفره من أبويه، وإن ولدت ذكراً وأنثى كان الذكر أفره، وإن ولدت ثلاثة فيها أنثى شِبه الأم كانت أفره الثلاثة، وإن كان في الثلاثة ذكرٌ واحدٌ فهو أفره.\rكلاب الصيد\rقال أبو إسحاق الصابي يصفها من رسالة طردية: ومعنا كل كلب عريق المناسب، نجيح المكاسب؛ حلو الشمائل، نجيب المخايل؛ حديد الناظرين، أغضف الأذنين، أسيل الخدين، مخطف الجنبين؛ عريض الزور، متين الظهر؛ أبيّ النفس، مُلهِب الشدّ؛ لا يمسّ الأرض إلا تحليلاً وإيماءً، ولا يطؤها إلا إشارة وإيحاء.\rوقال بعض الشعراء:\rأبعث كلباً يكسر اليحمورا ... مجرّباً مدرباً صبورا\rيأنف أن يشاكل الصُّفورا ... منفرداً بصيده مُغيرا\rذا شيَةٍ تحسبها حريراً ... قد حُبّرت نقوشها تحبيرا\rإذا جرى حسبته المقدورا ... يكاد للسرعة أن يطيرا\rحتفا لما عنّ له مبيراً ... أعجز أن أرى له نظيرا\rوقال أبو نواس:\rهِجْنا بكلب طالما هجنا به ... ينتسف المقود من جِذابه\rكأن متينه لدى انسلابه ... مَتْنا شجاعٍ لجّ في انسيابه\rكأنما الأظفور في قِنابه ... موسى صناع ردُّ في نَصابه\rتراه في الحُضْر إذت ها هي به ... يكاد أن يخرج من إهابة\rترى سَوام الوحش إذ تُحوى به ... يَرحْن أسرى ظُفْره ونابه\rوقال أيضاً:\rكأن لحييه لدى افتراره ... شكّ مساميرٍ على طَواره\rسِمْعٌ إذا استروح لم تثماره ... إلا بأن يُطلق من عِذاره\rفانصاع كالكوكب في انحداره ... لفت المشير موهناً بناره\rشد إذا أخصف في إحضاره ... خرّق أذنيه شَبا أظفاره\rوقال بعض الأندلسيين:\rوأغضف تلقى أنفه فكأنما ... يقود به نورٌ من الصبح أنور\rإذا ألهبته شهوة الصيد طامعاً ... رأيت عقيم الريح عنه تقصّر\rوقال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة:\rومورّس السربال يُخلع قدّه ... عن نجم رجمٍ في سماء غبار\rيستن في سنن الطريق وقد عفا ... قِدَماً فيقرأ أحرف الآثار\rعطف الضمور سَراته فكأنه ... والنقع يحجبه هلال سرار","part":3,"page":26},{"id":1027,"text":"يفترّ عن مثل المّصال وإنما ... يمشي على مثل القَنا الخطّار\rوقال آخر:\rومودَّب الآساد يمسك صيده ... متوقفاً عن أكله كالصائم\rصبٌّ إذا ما صاد عانق صيده ... طرب المقيم إلى لقاء القادم\rوقال آخر:\rوما الظبي منه في حُشاشة نفسِه ... ولكنّه كالطفل في حجر أمّه\rيلازمه دون اخترامٍ كأنما ... تعلّق خصمٌ عند قاضٍ بخصمه\rوقال ابن المرغري النصراني الأندلسي منشداً:\rلم أر ملهىً لذي اقتناص ... ومكسباً مقنِع الحريص\rكمثل خَطْلاءَ ذات جيدٍ ... أتلعَ مصفرّة القميص\rكالقوس في شكلها ولكن ... تنفُذ كالسهم للقَتيص\rلو أنها تستثير برقاً ... لم يجد البرقُ من محيص\rمحبولة الظهر لم يخنه ... لحوق بطنٍ به خميص\rاتخذت أنفها دليلاً ... قاد إلى الكانِس العويص\rوكلبة تاهت على الكلاب ... بجلدةٍ صفراء كالزرياب\rتنساب مثل الحية المنساب ... كأنها تنظر من شِهاب\rوقال أحمدٌ بن زياد بن أبي كريمة يصف كلب صيدٍ من قصيدة طويلة، أولها:\rوغبّ غمان مزّقت عن سمائه ... شأمية حصّاء جون السحائب\rمواجِه طلقٍ لم يردّد جَهامه ... تذاؤب أرواحِ الصَّبا والجنائب\rبعثت وأثواب الدجى قد تقلصت ... بعزة مشهورٍ من الصبح ثاقب\rوقد لاح ناعي الليل حتى كأنه ... لساري الدجى في الفجر قنديل راهب\rبها ليل لا يثنيهم عن عزيمة ... وإن كان جَمّ الرُّشد لوم الأقارب\rلتجتنب غُضْفٍ كالقداح لطيفة ... مشرّطة آذانها بالمخالب\rتخال سياطاً في صَلاها منوطةً ... طوال الهوادي كالقداح الشوازب\rإذا افترشت خَبتاً أثارت بمتنه ... عَجاجاً وبالكذّان نارَ الحُباحبِ\rتفوت خُطاها الطرف سبقاً كأنها ... سهامُ مُغالٍ أو رجوم الكواكب\rطرادُ الهَوادي لاحها كل شتوة ... بطامسه الأرجاء مَرْتِ المسارب\rتكاد من الأحراج تنسلّ كلما ... رأت شبحاً لولا اعتراض المناكب\rتسوف وتوفي كل نشْزٍ وفدفدٍ ... مَرابضَ أبناء النفاق الأرانب\rكأن بها ذُعراً يُطير قلوبها ... أنين المَكاكي أو صرير الجنادب\rتُدير عيوناً رُكّبت في براطل ... كجمر الغضى خُرْزاً، ذِرابُ الأنايب\rإذا ما استحثت لم يجنّ طريدَها ... لهنّ ضَراءٌ أو مجاري المذانب\rوإن باصها صَلتاً مدى الطرق أمسكت ... عليه بدون الجُهد سُبلَ المذاهب\rتكاد تُفرِّي الأهبّ عنها إذا انتحت ... لنبأة شَخْتِ الجِرْم عاري الرواجب\rكأن غصون الخيزران متونها ... إذا هي جالت في طراد الثغالب\rكواشر عن أنيابهن كوالح ... مذلّقة الآذان شوس الحواجب\rكأن بنات القفر حين تفرقت ... غدون عليها بالمنايا الشواعب\rالذئب والذئب له أسماء نطقت بها العرب، ذكره ذئب، والأنثى ذئبة وسِلقة وسِيدانة، ويُكنى أبا جعدة، ومن أسمائه: نهشَل، وأويس، وذؤالة، وأشبة، ونُسبة، وكَساب، وكُسيب، والعسعاس، والعساس، والخيعل، والعَمَلّس، والطَّمِلّ، والشيَّيذمان، والشيمذان، والخيتعور، والقلِّيب، والعِلّوش، ورئبال، والسِّرحان ومصدَّر، والعَسول، والنَّسول، والخاطف، والأزلّ، والأرسَح: القليلُ لحم الوركين، والعمرّد. ويقال لولد الذئب: جُرْموز، والأنثى: جَعدة.","part":3,"page":27},{"id":1028,"text":"ويقال: إن الذئب إذا لم يجد ما يأكله استعان بإدخال النسيم في فيه، فيقتات به؛ وجوفُه يذيب العظم، ولا يذيب نوى التمر؛ وقال بعض من اعتنى بسرّ طبائع الحيوان: إنه لا يلتحم عند السفاد إلا الذئب والكلب، وهو يسفد مضطجعاً على الأرض، وذكره عظم؛ والذئب موصوف بالانفراد والوُحدة وشدّة التوحّش؛ وإذا خفيَ عليه موضع الغنم عوى ليؤذنهم بمكانه، ويُعلمهم بقربه، فإذا حضرت الكلاب إلى الناحية التي هو فيها راغ عنها إلى جهة الغنم التي ليس فيها كلب؛ وهو لا يعود إلى فريسةٍ بعد أن يشبع منها؛ وهو ينام بإحدى عينيه ويفتح الأخرى، فإذا اكتفت النائمة وأخذت حقّها من النوم فتحها ونام بالأخرى؛ فهذا أبداً دأبه في نومه؛ وهو قويّ حاسّة الشم، قيل: إنه يشتم من فرسخ؛ وأكثر ما يعترض الغنم وقت الصبح عند توقّعه فترة الكلاب ونومها؛ ومن عادة الذئاب أنه إذا افترس ذئبان شاة قسماها على شطرين بينهما بالسوية؛ والذئب إذا وطئ ورق العنْصُل مات لوقته؛ وبينه وبين الغنم معاداة عظيمة، فمنها أنه إذا جُمع بين وترٍ عمل من أمعاء ذئب وبين أوتارٍ عُملت من أمعاء الغنم وضُرِب بها لا يُسمع لها صوت؛ وإذا اجتمع جلد شاة مع جلد ذئب تمعّط جلد الشاة؛ والذئب إذا كدّه الجوع عوى، فتجتمع له الذئاب، ويقف بعضها إلى بعض، فمن ولّى منها وثب الباقون عليه فأكلوه، وهو إذا تعرّض لإنسان وخاف العجز عنه عوى، فيسمعه غيره من الذئاب، فتُقبل على الإنسان، فإذا أدمى الإنسان منها واحداً وثب الباقون على المدمى فمزقوه وتركوا الإنسان، ولذلك قال بعض الشعراء يعاتب صديقاً له أعان في مصيبة نزلت به:\rوكنت كذئب السوء لما رأى دماً ... بصاحبه يوماً أهان على الدم\rوالذئب لا يواجه الإنسان، وإنما يأتيه من ورائه، فإن وجد الإنسان ما يُسند ظهره إليه عجز الذئب عن افتراسه.\rوقد وصف الشعراء الذئب بما ذكرناه من عادته وطبعه، فقال حميد بن ثور:\rونمت كنوم الذئب عن ذي حفيظة ... أكلتُ طعاماً دونه وهو جائع\rترى طرفيه يعسلان كليهما ... كما اهتر عود النبعة المتتابع\rينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع\rوقال إبراهيم بن خُفاجة:\rولربّ روّاغٍ هنالك أنبطٍ ... ذِلِقِ المسامع أطلس الأطمار\rيجري على حذر فيجمع بسطه ... يهوي فيتعطف انعطاف سوار\rوالعرب تقول في أمثالها: \" أحمق من جهيزة \" قالوا: وجَهيزة عِرس الذئب، لأنها تدع ولدها وترضع ولد الضبع، وهو معنى قول ابن جِدل الطعان:\rكمرضعة أولاد أخرى وضيّعت ... بنيها ولم ترقع بذلك مرقَعا\rوقول الآخر:\rكانوا كتاركةٍ بنيها جانباً ... سفهاً وغيرهم تَرُبّ وتُرضِع\rويقولون: إن الضبع إذا قتلت أو صيدت فإن الذئب يأتي أولادها باللحم وأنشدوا قول الكميت:\rكما خامرت في حضنها أمّ عامرٍ ... لدى الحبل حتى عال أوسٌ عيالها\rوأوس، هو الذئب كما تقدم في أسمائه.\rالضبع","part":3,"page":28},{"id":1029,"text":"ثقال: إن الضبع كالأرنب، تكون مرة ذكراً ومرة أنثى، وهم يسمّون الذكر والأنثى: الضبع والذِّيخ، ومن أسمائها: حَضاجِر، وجَيأل، وجَعار، وقَثام، ونقاثِ، والعرفاء، لطول عُرفها، والعثواء لنُفُول شعرها، والعرجاء، والخامعة، وأم عامر وأم هِنبِر، وأم خَنّور؛ وولدها الفُرْعل؛ وحُجرها الوِجار. والضبعة مولعة بنبش القبور، وإنما ذلك لشهوتها في لحوم الناس؛ ومن عاداتها إذا كان القتيل بالعراء وورم وانتفخ ذكره تأتيه فتركبه وتقضي حاجتها منه، ثم تأكله؛ وهي متى رأت أنساناً نائماً حفرت تحت رأسه، فإذا مال رأسه وظهر حلقه ذبحته بأسنانها، وشربت دمه؛ وهي فاسقة، لا يمر بها حيوان من نوعها إلا تعرّضت له حتى يعلوها؛ والعرب تضرب المثل بها في الفساد، فإنها إذا وقعت في الغنم عاثت، ولم تكتف بما يكتفي به الذئب؛ وإذاً اجتمع الذئب والضبع في الغنم سلمت، فإن كل واحد منهما يمنع صاحبه، ولذلك تقول العرب في دعائها للغنم: \" اللهم ضبعاً وذئباً \" ؛ والضبع إذا وطئت ظل الكلب في القمر وهو على سطح وقع فتأكله؛ وإذا دخل الرجل وِجارها ولم يسدّ منافذ الضوء، ثم صار إليها من الضياء ولو بقدر سم الخياط، وثبت إليه فقتلته؛ وإن أخذ معه حنظلاً أمن سطوتها؛ وتوصف بالحُمق والموق، وذلك لأن من يريدون صيدها يقفون على باب وجارها ويقولون: \" أطرقي أم طريق، خامري أم عامر \" فإذا سمعت كلامهم انقبضت، فيقولون: \" أبشري بكمر الرجال، أبشري بشاءٍ هزْلي وجرادٍ عظلي \" وهم مع ذلك يشدون يديها ورجليها وهي ساكنة لا تتحرك، ولو شاءت لأجهزت عليهم وقتلتهم وخلّصت نفسها؛ وهذا القول فيما أظن من خرافات العرب؛ والضبع تلد من الذئب جروا يسمى العِسبار، ويكون منفرداً بنفسه، لا يألف السباع، ويثب على الناس والدوابّ؛ وهي توصف بالعرج، وفيها يقول بعض الأعراب:\rمن العُثو لا يُدري أرِجْلُ شِمالها ... بها الظَّلْعُ لمّا هرولت أم يمينها\rالنمس والعرب تسمي النِّمس الظَّرِبان، وسماه أبو عبيد الظَّرِباء؛ وهو على قدر الهرّ، وفي قدر الكلب القَلَطيّ؛ وهو منتنُ الريح ظاهراً وباطناً، ولونه إلى الشهبة، طويل الخطْم جداً، وليس له أذنان إلا صِماخان، قصير اليدين، وفيهما براثن حِداد، طويل الذنب، ليس لظهره فَقار، ولا فيه مَفْصِل، بل عظمٌ واحدٌ من مَفْصِل الرأس إلى مفصل الذنَب، وربما ضربه من ظفر به من الناس بالسيف فلا يعمل فيه حتى يصيب طرف أنفه، لأن جلده في قوّته كالقَدّ؛ ولفسوِه ريحٌ كريهة حتى إنه يصيب الثوب فلا تذهب رائحته منه حتى يبلى، وهو يفسو في الهجْمة من الإبل فتتفرق ولا تجتمع لراعيها إلا بعد تعب؛ والعرب تضرب المثل في تفريق الجماعات به، فيقولون: \" فسا بينهم الظَّرِبان \" ؛ وهو لأهل مصرَ كالقنافذ لأهل سِجِستان في قتله الثعابين؛ قالوا: ولولاه لأكلتهم؛ ومن عادته أنه إذا رأى الثعبان دنا منه ووثب عليه، فإذا أخذه تضاءل في الطول حتى يبقى شبيهاً بقطعة حبل، فينطوي الثعبان عليه، فإذا انطوى نفخ الظَّرِبان بطنه ثم زفر زفرةً فيتقطّع الثعبان قطعاً؛ قال الجاحظ: وفسو الظَّرِبان أحدُّ أسلحته، لأنه يدخل على الضبّ في جحره وفيه حُسوله وبيضُه، فيأتي أضيق موضع في الجحر فيسدّه بيده، ويحوّل دُبُره فلا يفسو ثلاث فَسَوات حتى يخرّ الضب سكران مغشياً عليه، فيأكله؛ وله جراءة على تسلق الحيطان في طلب الطير، فإن هو سقط نفخ بطنه حتى يمتلئ جلده، فلا يضرّه السقوط؛ قالوا: وهو يشبه السمّور، وذهب بعضهم إلى أنه هو، وإنما البقعة التي هو فيها غيّرت وَبَرَه.\rالباب الثالث: مما قيل في\rالسنجاب والثعلب والخنزير\rفأما السنجاب - فهو حيوان معروف، حسن الوبر، ظهره أزرق اللون، وبطنه أبيض، ومنه ما يكون ظهره أحمر، وهو رديء الجنس؛ مبخوس الثمن؛ وهذا الحيوان سريع الحركة، فإذا أبصر الإنسان صعد الشجرة العالية، وهي مأواه؛ وهو كثير ببلاد الصقالبة والخزر، ومزاجه باردٌ رطب وقيل: حار رطب لسرعة حركته؛ قال أبو جعفر الببغاء:\rقد بلونا الذكاء في كل ناب ... فوجدناه صنعة السنجاب\rحركاتٌ تأبى السكون وألحا ... ظ حِدادٌ كالنار في الالتهاب\rخفّ جداً على النفوس فلو شا ... ء ترامى مجاوراً للتصابي","part":3,"page":29},{"id":1030,"text":"واشتهت قربه العيون إلى أن ... خِلته عندها أخَّا للشباب\rلابسٌ جلدةً إذا لاح خلن ... ه بها في مزرّةٍ من سحاب\rلو غدا كل ذي ذكاء تطوقاً ... رد في ساعة الخطاب جوابي\rالثعلب هو ذو مكر وخديعة وتحيل في طلب الرزق، فمن تحيّله أنه يتماوت وينفخ بطنه ويرفع قوائمه، حتى يظن به أنه قد مات، فإذا قرب منه حيوانٌ وثب عليه فصاده؛ ومنه أنه إذا دخل برج الحمام وكان شبعان قتلها ورمى بها، فإذا جاع عاد إليها فأكلها، وكذلك يفعل مع الدجاج؛ وهو أيضاً من الحيوان الذي سِلاحه سُلاحه، وهو أنتن من سُلاح الحُباري، فإذا تعرّض للقنفذ لقيه القنفذ بشوكه واستدار كالكُرة، فيسلح الثعلب عليه، فلا يتمالك القنفذ أن ينسدخ، فيقبض الثعلب على مراقّ بطنه؛ ومن ظريف ما يُحكى عنه أن البراغيث إذا كثرت في فروته تناول صوفة بفمه؛ ثم يدخل النهر برفقٍ وتدريج، والبراغيث تصعد إذا قاربها الماء حتى تجتمع في تلك الصوفة التي في فيه، فعند ذلك يلقيها في الماء ويخرج منه؛ والذئب يطلب أولاد الثعلب، فإذا ولد له وضع ورق العنصل على باب وجاره فلا يصل الذئب إليه، لأنه متى وطئ العنصل مات لوقته؛ ويقال: إن قضيب الثعلب في خلقة الأنبوب، وأحد شطريه عظم، والآخر عصبٌ ولحم؛ وربّما يسفد الثعلب الكلبة فتأتي منه بولد في خلقة السلوقي الذي لا يُقدر على مثله؛ وفرو الثعلب من أجود الأوبار وأفضلها، ومنه الأسود والأبيض والخلنجي وأدونه الأعرابي لقلة وبره، وما كان منه ببلاد الترك يسمى البُرطاسي لكثافة وبره وحسن لونه، ووبره أنواع، منها السارسيتا والبُرطاسي والغيب والنيفق؛ قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: والثعلب فيه تحليل، وفراؤه أسخن الفراء، تنفع المرطوبين لتحليلها آلات المفاصل؛ قال: وإذا طُبخ الثعلب في الماء وطليت به المفاصل الوجعة نفع نفعاً جيّداً، وكذلك الزيت الذي يُطبخ فيه حياً أو مذبوحاً فإنه يحلل ما في المفاصل، وشحمه يُسكّن وجع الأذن إذا قُطر فيها؛ ورئته المجفّفة نافعةٌ لصاحب الربو جداً، والشربة منها وزن درهمين والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\rقال أبو الفرج الببغاء يصفه:\rوأعفِر المسك تلقاه فتحسبه ... من أدكن الحزّ مخبوء بخيفان\rكأن أذنيه في حسن انتصابهما ... إذا هما انتصبا للحس زجّان\rيسري وينبعه من خلفه ذنبٌ ... كأنه حين يبدو ثعلب ثاني\rفلا يشك الذي بالبعد يبصره ... فرداً بأنهما في الخلقة اثنان\rوقال آخر:\rجاؤوا بصيدٍ عجبٍ من العجب ... أزيرق العينين طُوّال الذنب\rتبرق عيناه إلى ضوء الشُّهُب\rالدب","part":3,"page":30},{"id":1031,"text":"والدب مختلف الطبائع، يأكل ما تأكله السباع، ويرعى ما ترعاه الدوابّ، ويتناول ما يأكله الناس؛ وفي طبعه أنه إذا كان أوان السفاد خلا ذكر بأنثاه، والذكر يسفد أنثاه مضطجعة على الأرض، وهي تضع جروها فِدرة لحم غير مميز الجوارح، فتهرب به من موضع إلى آخر خوفاً عليه من النمل، وهي مع ذلك تلحسه حتى تنفرج أعضاؤه ويتنفس، وفي ولادتها صعوبة، فزعم بعض من فحص عن طبائع الحيوان أن الدبة تلد من فيها، وأنها إنما تلده ناقص الخلق شوقاً إلى الذكر وحرصاً على السفاد، وهي لشدة شهوتها تدعو الآدمي إلى وطئها؛ وفيما حُكي لي أن إنساناً كان سائراً في بعض الغياض لمقصده، فصادف دبة، فأخذته وأومأت إليه بالإشارة أن يواقعها، ففهم عنها وفعل، فلما فرغ عمدت إلى أقدامه فلحست مواطئها حتى نعمت، ولم تزل تكرر لحسها وتمر بلسانها عليها حتى بقي الرجل يعجز عن الوطء بها على الأرض، فعند ذلك أمنت هربه وتركته، فكانت تغدو وتتكسّب وترجع إليه بما يأكله وهو يواقعها، وهي تتعاهد لحس رجليه، فلم يزل كذلك حتى مر عليه جماعة من السفر، فناداهم، فأتوه وحملوه على دوابهم وساروا به. قالوا: والأنثى إذا هربت من الصيّادين جعلت جراءها بين يديها، فإذا اشتد خوفها عليهم بأن أدركها من يطلبها صعدت بأولادها إلى الأشجار؛ وفي الدب من القوة والشدة ما يقطع العود الضخم من الشجرة العادية التي لا تقطعها الفأس إلا بعد تعب، ثم يأخذه بيديه، ويقف على قدميه كالإنسان، ويشُدّ به على الفارس، فلا يصيب شيئاً إلا أهلكه؛ وفي طبع هذا الحيوان من الفطنة العجيبة لقبول التأديب والتعليم ما هو مشاهَد لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، هذا مع عظم جثته، وثقل جسمه، لكن لا يطيع معلّمه إلا بعنف وضربٍ شديد وتعميةٍ لذكوره؛ وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن شينا: إن دم الدب يُنضج الأورام الحارّة سريعاً؛ والله أعلم بالصواب.\rالهرّ","part":3,"page":31},{"id":1032,"text":"والهر ضربان: وحشي وأهلي، وهو يشبه الأسد في الصورة والأعضاء والوثوب والافتراس والعدو، إلا أنه أقل جراءة من الأسد وأكثرها من سائر الحيوان؛ وهو يناسب الإنسان في أحوال، منها: أنه يعطس ويتثاءب ويتمطّى، ويتناول الشيء بيده، ويغسل وجهه وعينيه بلعابه؛ وفيه أن الأنثى تحدُث لها قوةٌ وشجاعةٌ عند السفاد، ولهذا فإن الذكر يهرب منها عند فراغه، وتكون هذه الشجاعة في الذكر قبل السفاد، فإذا سفد انتقلت إلى الأنثى، والذكر إذا هاج صرخ صراخاً منكراً يؤذي به من يسمعه لبشاعته؛ والأنثى تحمل في السنة مرتين، ومدة حملها خمسون يوماً، وفي أخلاق بعضها أنها إذا ولدت تأكل أولادها، ويقال: إنها إنما تأكلهم لفرط حبها لهم؛ وقيل: بل من جنون يعرض لها عند الولادة وجوع؛ والله اعلم؛ وفي هذا الحيوان من الأخلاق الحميدة أنه يرعى حق التربية والإحسان إليه، ويقبل التأديب، وربما رُبي في حانوت السمان والجزار وفي الدور بين الدجاج والحمام وغير ذلك من المطاعم التي يحبها الهر ويأكلها فلا يتعرض لها بفساد، ولا يأكل منها ما لم يطعمه، وربما حفظها من غيره، وقاتل دونها، مع ما فيه من الافتراس والاختلاس؛ وفي طبع الهر وعادته أنه إذا أطعم شيئاً أكله في موضعه ولم يهرب، وإذا خطفه أو سرقه هرب به، ولا يقف إلا أن يأمن على نفسه؛ وفي بعضها من الجراءة ما يقتل الثعبان والعقرب؛ وإذا أرادت الهرة ما يريد صاحب الغائط أتت موضع ترابٍ في زاوية من زوايا الدار، فتبحث حتى تجعل لها حفرة، ثم تدفن فيها ما تلقيه، وتغطّيه من ذلك التراب، ثم تشم أعلى التراب، فإن وجدتْ رائحة زادت عليه تراباً حتى تعلم أنها أخفت المرئي والمشموم، فإذا لم تجد تراباً خمشت الأرض، وزعم بعض الأطباء أن ستر الهرة لذلك لحدة رائحته، فإن الفأرة إذا شمته نفرت منه إلى منقطع تلك الرائحة؛ وهو يقبل التعليم ويؤدّب حتى يألف الفأر مع ما بينهما من شدة العداوة، فيحصل بينهما من المؤالفة الظاهرة والملاءمة ما إن الفأر يصعد على ظهر الهر، وربما عض أذنه، فيصرخ الهر ولا يأكله، ولا يخدشه لخوفه من مؤدّبه، فإذا أشار إليه مؤدبه بأكله وثب عليه على عادته وأكله، وهذا أمر مشاهد غير منكور بفعله الطرقية ويفرّجون الناس عليه؛ وفي طبع الهر أنه لا يأكل السخن ولا الحامض، ومتى دُهن أنفه بدهن الورد مات سريعاً؛ وهو إذا قاتل الثعبان يضع يده على انفه، ويقاتل بيده الأخرى، وإنما بفعل ذلك حذراً على نفسه، فإن الثعبان متى ضربه في أنفه مات، ويضربه في سائر جسده فلا يضره ذلك، بل يلحس مكان نهش الثعبان بلسانه وهو يقاتله. وقد وصفه الشعراء والأدباء برسائل وأبيات.","part":3,"page":32},{"id":1033,"text":"فمن ذلك رسالةٌ أنشأها أبو جعفر غمر الأوسي الأندلسي المعروف بابن صاحب الصلاة - ونُسبت هذه الرسالة لأبي نصر الفتح بن خاقان صاحب قلائد العقبان - يخاطب بها بعض إخوانه ويوصيه على كتبه، وهي: وفي علمك - أعزك الله - ما استودعته ديانتك، واستحفظته أمانتك؛ من كتبي التي هي أنفس ذخائري وأسراها، وأحقها بالصيانة وأحراها؛ وما كنت أرتضي فيها بالتغريب، لولا الترجي لمعاودة الطلب عن قريب؛ ولا شك أنها منك ببال، وبمكان تهمّمٍ واهتبال؛ لكن ربما طرقها من مردة الفئرة طارق، وعاث فيها كما يعيث الفاسق المارق؛ فينزل فيها قرضاً، ويفسدها طولاً وعرضاً؛ إلا أن يطوف عليها هر نبيل، ينتمي من القطاط إلى أنجب قبيل؛ له رأس كجمع الكفّ، وأذنان قد قامتا على صفّ؛ ذواتا لطافةٍ ودقّه، وسَباطةٍ ورِقّه؛ يقيمهما عند التشوف، ويُضجعهما عند التخوّف؛ ومقلةٌ مقتطعةٌ من الزجاج المجزّع، وكأن ناظرها من العيون البابلية منتزع؛ قد استطال الشعر حول أشداقه، وفوق أماقه؛ كابرٍ مغروزة على العيون، كما أحكمت برد أطرافها القيون؛ له ناب كحدّ المِطرَد، ولسانٌ كظهر المبرد؛ وأنفٌ أخنس وعنقٌ أوقص، وخلقٌ سويٌّ غير منتقص، أهرت الشِّدقين، موشّى الساعدين والساقين ململم اليدين والرجلين؛ يرجّل بها وبره ترجيل ذوي الهِمم، لما شعث من اللمم؛ فينفض ما لصق به من الغبار، وعلق من الأوبار، ثم يجلوه بلسانه جِلاء الصقيل للحسام، والحمّام للأجسام؛ فينفي قذاه، ويواري أذاه؛ ويُقعي إقعاء الأسد إذا جلس، ويثب وثبة النمر إذا اختلس؛ له ظهرٌ شديد، وذنَبٌ مديد؛ يهزّه هزّ السّمهري المثقّف، وتارةً يلونه ليّ الصّولج المعقّف؛ يجول في الخشب والأرائك، كما تجول في الكُسايد حائك؛ يُكبّ على الماء حين يلِغَهُ، ويُدني منه فاه ولا يُبلغه؛ ويتخذ من لسانه رِشاءً ودَلواً، ويعلم به إن كان الماء ملِحاً أو حُلواً؛ فتسمع للماء خضخضةً من قرْعه، وترى للِّسان نضنضةً من حرْعه؛ يحمي داره حماية النقيب، ويحترسها حراسة الرقيب؛ فإن رأى فيها كلباً، صار عليه إلبا؛ وصعّر خدّه وعظّم قدّه حتى يصير نِدّه؛ أنفةً من جنانه أن يطرق، وغيرةً على حجابه أن يُخرق؛ وإن رأى فيها هراً، وَجَفَ إليه مكفهرّاً؛ فدافعه بالساعد الأشدّ، ونازعه منازعة الخصم الألدّ؛ فإذا أطال مفاوضته، وأدام مراوضته؛ أبرز برثنه لمبادرته، وجَوشنه لمصادرته؛ ثم تسلل إليه لواذاً، واستحوذ عليه استحواذاً؛ وشدّ عليه شدِّه، وضمّه من غير مودّه؛ فأنسل وبره إنسالاً، وأرسل دمه إرسالاً؛ بأنياب عُصْل، أمضى من نصل، ومخلب كمنقار الصخر، دربٍ بالاقتناص والعقْر؛ فيُصيّر قرنه ممزّق الإهاب، مستبصراً في الذهاب، قد أفلت من بين أظفار وأنياب، ورضي من الغنيمة بالإيّاب؛ هذا وهو يخاتله دون جُنّه، ويقاتله بلا سيوفٍ ولا أسنّة؛ وإنما جُنّته، مُنّته؛ وشِفاره، أظفاره؛ وسِنانه، أسنانه؛ إذا سمعت الفئرة منه مُغاء، لم تستطع له إصغاء؛ وتصدّعت قلوبها من الحَدَر، وتفرّقت جموعها شَذَر مَذَر؛ تهجَع العيون وهو ساهر، وتستر الشخوص وهو ظاهر؛ يسري من عينيه بنيّرين وضّاحين، تخالهما في الظلام مصباحين؛ يُسوف الأركان، ويطوف بكلّ مكان؛ ويحكي في ضِجعته تحنّياً، وقضيب الخيزران تثنّياً؛ ثم يغطّ إذا نام، ويتمطّى إذا قام؛ ولا يكون بالنار مستدفئاً، ولا للقِدر مُكفئاً؛ ولا في الرماد مضطجعاً، ولا للجار منتجعاً؛ بل يدبّر بكيده، وينتصر على صيده؛ قد تمرّن على قتل الخِشاش، وافترس الطير في المسارح والأعشاش؛ يستقبل الرياح بشمه، ويجعل الاستدلال أكبر همّه؛ ثم يكمن للفأر حيث يسمع لها خَبيثاً، أو يلمح من شيطانها دبيباً؛ فيلصق بالأرض، وينطوي بعضه في بعض، حتى يستوى منه الطول والعرْض؛ فإذا تشوّفت الفأرة من جحرها، وأشرفت بصدرها ونحرها؛ دبّ إليها دبيب الصِّلّ وامتدّ إليها امتداد الظلّ؛ ثم وثب في الحين عليها وجلب الحين إليها؛ فأثخنها جراحاً، ولم يعطها بَراحاً؛ فصاحت من شدة أسره، وقوة كسره؛ وكلّما كانت صيحتها أمدّ، كانت قبضته عليها أشد، حتى يستأصل أوداجها فَرْياً، وعظامَها بَرْياً، ثم يدعها مخرجة الدماء، مضرجة بالدماء؛ وإن كان جُرذاً مسِناً، لم يضع عليه سنّاً؛ وإن كان درصاً صغيراً فغر عليه فاه، وقبض مترفقاً على قفاه؛ ليزداد منه تشهّياً وبه تلهّياً؛ ثم تلاعب به تلاعب الفُرسان","part":3,"page":33},{"id":1034,"text":"بالأعنة، والأبطال بالأسنة؛ فإذا أوجعه عضّاً، وأوعبه رضّاً؛ أجهز في الفور عليه، وعمد بالأكل إليه؛ فازدرد منه أطيب طعمه، واعتدّه أهنأ نعمه؛ ثم أظهر بالالتعاق شكره، وأعمَلَ في غيره فكره؛ فرجع إلى حيث أثاره؛ ويتبع فيه آثاره راجياً أن يجد في رِباعه، ثانياً من أتباعه، فيلحقه بصاحبه في الردى، حتى يفنى جميع العدي؛ وربّما انحرف عن هذه العوائد، والتقط فتات الموائد، بِلاغاً في الاحتماء، وبِراً بالنعماء، فماله على خصاله ثمن، ولا جاء بمثاله زمن؛ وقد أوردت - أعزك الله - من وصفه فصلاً مُغرباً، وهَزْلاً مَطرباً؛ إخلاصاً من الطوية واسترسالاً، وتسريحاً للسجية وإرسالاً، على أني لو استعرت في وصفه لسان أبي عبيد، وأظهرت في نعته بيان أبي زبيد؛ ما انتهيتُ في النطق إلى خطابك، ولا احتويت في السبق على أقصابك؛ والله يبقيك لثمر النبل جانياً، ولدرج الفضل بانياً.أعنة، والأبطال بالأسنة؛ فإذا أوجعه عضّاً، وأوعبه رضّاً؛ أجهز في الفور عليه، وعمد بالأكل إليه؛ فازدرد منه أطيب طعمه، واعتدّه أهنأ نعمه؛ ثم أظهر بالالتعاق شكره، وأعمَلَ في غيره فكره؛ فرجع إلى حيث أثاره؛ ويتبع فيه آثاره راجياً أن يجد في رِباعه، ثانياً من أتباعه، فيلحقه بصاحبه في الردى، حتى يفنى جميع العدي؛ وربّما انحرف عن هذه العوائد، والتقط فتات الموائد، بِلاغاً في الاحتماء، وبِراً بالنعماء، فماله على خصاله ثمن، ولا جاء بمثاله زمن؛ وقد أوردت - أعزك الله - من وصفه فصلاً مُغرباً، وهَزْلاً مَطرباً؛ إخلاصاً من الطوية واسترسالاً، وتسريحاً للسجية وإرسالاً، على أني لو استعرت في وصفه لسان أبي عبيد، وأظهرت في نعته بيان أبي زبيد؛ ما انتهيتُ في النطق إلى خطابك، ولا احتويت في السبق على أقصابك؛ والله يبقيك لثمر النبل جانياً، ولدرج الفضل بانياً.\rوقال ابن طَباطَبا يصف هرّة بلقاء:\rفتنتني بظلمةٍ وضياءٍ ... إذ تبدّت بالعاج والآبنوس\rتتلقّى الظلام من مقلتيها ... بشعاعٍ يحكي شعاع الشموس\rذات دلٍّ قصيرةٌ كلما قا ... مت تهادت، طويلةٌ في الجلوس\rلم تزل تُسبغ الوضوء وتُنفي ... كل عضوٍ لها من التنحيس\rدأبها ساعة الطهارة دفن ال ... عنبر الرطب في الحنوط اليبيس\rوقال أبو بكر الصنوبري من أبيات - وذكر الجرذان - :\rذاد همي بهن أورق ترك ... ي السبالين أنمر الجلباب\rليث غابٍ خَلقاً وخُلقلً فمن عا ... ينه قال: إنه ليثُ غاب\rقنفذ في ازبراره وهو ذئبٌ ... في اغترارٍ وحيةٌ في انسياب\rناصب طرقه إزاء الزوايا ... وإزاء السقوف والأبواب\rيَنتصي الظفر حين يظفر في الحر ... ب وإلا فظُفره في قِراب\rيسحب الصيد في أقل من اللم ... ح ولو كان صيدُه في السحاب\rومنها:\rقرّطوه وقلّدوه وعالو ... ه أخيراً وأوّلاً بالخضاب\rفهو طوراً يبدو بنحر عروس ... وهو طوراً يمشي على عُنّاب\rحبّذا ذاك صاحباً فهو في الصح ... بة أو في سائر الأحباب\rوقال أبو بكر بن العلاّف يرثي هراً - ، وقد قيل: إنما رثى بها ابنه، لأنه تعرّض إلى حريم بعض الأكابر فاغتالوه، وقتلوه؛ وقيل: بل رثى بها عبد الله بن المعتز، وورّى بهرٍّ خوفاً من المقتدر بالله، فقال:\rيا هر فارقتنا ولم تعدِ ... وكنت منا بمنزل الولد\rوكيف ننفكّ عن هواك وقد ... كنت لنا عُدّةً من العُدد\rتمنع عنا الأذى وتحرسنا ... بالغيب من خُنفس ومن جُرد\rوتخرج الفأر من مكامنها ... ما بين مفتوحها إلى السُّدد\rيلقاك في البيت منهم عدد ... وأنت تلقاهم بلا عدد\rوكان يجري ولا سَداد لهمأمرك في بيتنا على سَدد\rحتى اعتقدت الأذى لجيرتنا ... ولم تكن للأذى بمعتقد\rوحُمْت حول الردى بظلمهم ... ومن يَحُم حول حوضه يرِدِ\rوكان قلبي عليك مرتعداً ... وأنت تنساب غير مرتعد","part":3,"page":34},{"id":1035,"text":"تدخل برج الحمام متئداً ... وتخرج الفرخ غبر متئد\rوتطرح الريش في الطريق لهم ... وتبلع اللحم بلع مزدرد\rأطعمك الغيّ لحمها فرأى ... فتلك أربابها من الرشد\rكادوك دهراً فما وقعت وكم ... أفلتّ من كيدهم ولم تُكًدِ\rحتى إذا خاتلوك واجتهدوا ... وساعد النفس كيدُ مجتهدِ\rصادوك غيظاً عليك وانتقموا ... منك وزادوا ومن يصد يُصد\rثم شفوا بالحديد أنفسهم ... منك ولم يربعوا على أحد\rلم يرحموا صوتك الضعيف كما ... لم ترِث منها لصوتها الغرِدِ\rفحين كاشفت وانتهكت وجا ... هرت وأسرفت غير مقتصد\rأذاقك الموت من أذاق كما ... أذقت أطياره يداً بيد\rكأنهم يقتلون طاغية ... كان لطاغوته من العُبُد\rفلو أكبّوا على القرامِطِ أو ... مالوا على زكرويه لم يَزد\rيا من لذيذُ الفراخ أوقعه ... ويحك هلاّ قنعت بالقِدد\rما كان أغناك عن تسوّرك ال ... برج ولو كان جنّة الخُلُد\rلا بارك الله في الطعام إذا ... كان هلاك النفوس في المِعَد\rكم أُكلةٍ داخلت حشا شَرِهٍ ... فأخرجت روحه من الجسد\rأردت أن تأكل الفراخ ولا ... يأكلك الدهر أكل مضطهد\rهذا بعيدٌ من القياس وما ... أعزّه في الدنوّ والبُعُد\rولم تكن لي بمن دهاك يدٌ ... تقوى على دفعه يد الأبد\rولا تبيّن حشْو جلدك عن ... د الذبح من طاقةٍ ومن جَلِد\rكأن حبلاً حوى بحوزته جِيداك للذبح كان من مسد\rكأن عيني تراك مضطرباً ... فيه وفي فيك رغوة الزبد\rوقد طلبت الخلاصَ منه فلم ... تقدر على حيلةٍ ولم تَجِد\rفجُدت بالنفس والبخيلَ بها ... كنت ومن لم يجُد بها يَجُد\rعشت حريصاً يقوده طمعٌ ... ومِتَّ ذا قاتلٍ بلا قَوَد\rفما سمعنا بمثل موتك إذ ... مت ولا مثل عيشك النكِدِ\rعشنا بخير وكنت تكلؤنا ... ومات جيراننا من الحسد\rثم تقلّبت في فراخهم ... وانقلب الحاسدون بالكمد\rقد انفردنا بمأتمٍ ولهم ... بعدك بالعُرس أي منفرد\rقد كنت في نعمةٍ وفي سعةٍ ... من المليك المهيمن الصمد\rتأكل من فأر بيتنا رغداً ... وأين بالشاكرين للرغد\rقد كنت بددت شملهم زمنأ ... فاجتمعوا بعد ذلك البدد\rوفتّتوا الخبز في السلال فكم ... تفتّتت للعيال من كبِد\rفلو يبقّوا لنا على سَبَدٍ ... في جوف أبياتنا ولا لَبَد\rوفرّغوا قعرها وما تركوا ... ما علّقته يدٌ على وَتِد\rومزّقوا من ثيابنا جُدداً ... فكلّنا في مصائب جدد\rفاذهب من البيت خير مفتقدٍ ... واذهب من البرج شرّ مفتقد\rألم تخف وثبة الزمان وقد ... وثبتَ في البرج وثبة الأسد؟\rأخنَى على الدار فيه بالأمس ... ومن قبلها على لُبَد\rولم يدعْ في عِراضها أحداً ... ما بين عَلياشها إلى السَّند\rعاقبة البغي لا تنام وإن ... تأخّرت مدّة من المُدَد\rمن لم يمُت يومه غدَه ... أو لا يمُت في غدٍ فبعد غد\rوالحمد لله لا شريك له ... فكل شيءٍ يرى إلى أمد\rوفيه أيضاً:\rيا هر بعث الحقّ بالباطل ... وصرت لا تُصغي إلى عاذل\rإذا أتيت البرج من خارجٍ ... طارت قلوب الطير من داخل\rعلما بما تصنع في بُرجها ... فهي على خوفٍ من الفاعل\rقد كنت لا تغفل عن أكلها ... ولم يكن ربك بالغافل\rفانظر إلى ما صنعت بعد ذا ... عقوبة المأكول بالآكل","part":3,"page":35},{"id":1036,"text":"ما زلت يا مسكين مستقتلاً ... حتى لقد مُنّيت للقاتل\rقد كنت للرحمة مستأهلاً ... إذ لم أكن منك بمستأهل\rوقال أيضاً:\rيا رب بيتٍ ربُّه ... فيه تضايق مستقرُّه\rلما تكاثر فأره ... وجفاه بعد الوصل هِرّه\rوسعى إلى برجٍ امرئ ... فيه الفراخ كما يسرّه\rظن المنافع أكلها ... فإذا منافعها تضرّه\rالخِنزير والخنزير مشترك بين السبعية والبهيمية، فالذي فيه من السبعية الناب، وأكل الجيف؛ والذي فيه من البهيمية الظِّلف، وأكله العشب والعلف؛ والخنزير موصوفٌ بالشَّبق وكثر السِّفاد، حتى إن الأنثى يركبها الذكر وهي تُرجع، فربما قطعت أميالاً وهو على ظهرها، ويرى الرائي أثر ستة أرجل ممن لا يعرف ذلك، فيظنّ أن في الدوابّ ما له ستة أرجل؛ والخنزيرة تضع عشرين خِنّوصاً، وتحمل من ماء واحد، وتضع لمضيّ ستة أشهر من حملها؛ وقال الجاحظ: إنها تضع في أربعة أشهر؛ والخنزير إذا تمت له ثمانية أشهر، والخنزيرة إذا تمت لها ستة أشهر اشتهت السِّفاد، ولكن لا يجيء أولادها كما يريدون؛ وأجود النزو أن يكون ذلك منه وهو ابن عشرة أشهر إلى ثلاث سنين؛ وإذا كانت الخنزيرة بِكراً ولدت جراء ضعافاً وكذلك البكر من كل شيء، وإذا بلغت الخنزيرة خمسة عشرة سنة لا تلد بعدها، وهي أنسل الحيوان، والذكر أقوى الفحول على السِّفاد، وأطولها مكثاً فيه؛ ويقال: إنه ليس شيء من ذوات الأنياب ما للخنزير من القوة في نابه، وربما طال ناباه حتى يلتقيا، فيموت عند ذلك جوعاً، لأنهما يمنعانه من الكل، وهو متى عضّ كلباً سقط شعر الكلب، وإذا أراد محاربة الأسد جرّب نفسه قبل الإقدام عليه بأن يضرب شجرةً بنابه، فإن قطعها حارب الأسد، وإلا هرب منه ولم يقاتله؛ وأخبرني من رآه وقد جرّب نفسه في شجرة وضربها بأنيابه، فتمكّنت أنيابه منها وثبتت فيها، فأراد الخلاص فعجز، فجاء الأسد إليه وهو على تلك الحالة فافترسه؛ قالوا: ويعتري ذكوره داء الحُلاق واللِّواط، فربما يُرى الخنزير وقد ألجأه أكثر من عشرين خنزيراً إلى مِضيق، ثم ينزو عليه الأمثلُ، إلى أن يبلغ آخرهم؛ والخنزير إذا قلعت إحدى عينيه هلك عاجلاً؛ ويقول الأطباء: إنه متى فسد من عظام الإنسان عظمٌ ووُضع في مكانه عظمٌ من عظام الخنزير قبلته الطبيعة ونبت عليه اللحم؛ وحكى أرسطو أن عمر الخنزير من خمسة عشر سنة إلى عشرين سنة؛ وقلما ذكر الفضلاء والشعراء الخنزير في رسائلهم وأشعارهم، وسأثبت في هذا الموضع ما وقفتُ عليه في هذا المعنى.\rفمن ذلك ما كتب به عطاء بن يعقوب الغزنوي يعرّض فيها بقاض، قال منها: وما مثل فلانٍ في استنابته إلا كمثل رجلٍ رأى في المنام أنه يضاجع خنزيراً، فبكر إلى المعبِّر ليعبِّر منامه تعبيراً؛ فقال المعبِّر: يا برذعة الحمير، ما غرّك بالخنزير؟ ألين ملمسه، أم حسن مَعطِسه؛ أم شكله الرشيق، أم طرفه العشيق؛ أو لقاؤه البهج، أم قِباعه الغَنِج؛ أم شعره الرَّجل، أم ثغره الرَّتل؟.\rوقال القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في الخنزير:\rوخنزيرٍ له نابٌ تراه ... إذا عنّ افتراسً نابي\rكمثل الكلب لا بل منه أجراً ... ويحقر أن يشبّه بالكلاب\rفذاك لنخوةٍ يُعزى وهذا ... يقاّل نخوةَ الرجل المُهاب\rبنصٍّ للكتاب غدا حراماً ... وحلّل أكله أهلُ الكتاب\rالقسم الثاني: وفيه ثلاثة أبواب\rالوحوش والظباء\rوما يتصل بها من جنسها\rالباب الأول فيما قيل في\rالفيل والزرافة والمها والأُيَّل\rالفيل يقال: إن الفيل مولّد بين الجاموس والخنزير، ولذلك يزعم بعض من بحث عن طبائع الحيوان أن الفيلة مائية الطباع بالجاموسية والخنزيرية اللتين فيها، وبعضها يسكن الماء، وبعضها لا يسكنه؛ ويقال: إن الفيلة صنفان: فيل، وزندبيل، وهما كالبُخت والعِراب، والبقر والجاموس، والخيل والبَراذين، والفأر والجرذان، والنمل والذّرّ؛ وبعضهم يقول: إن الفيل الذكر، والزندبيل الأنثى؛ وقال بعضهم: إن الزندبيل هو عظيم الفيلة والمقدَّم عليها في الحرب، وفيه يقول بعض الشعراء:","part":3,"page":36},{"id":1037,"text":"ذاك الذي مِشفرة طويل ... وهو من الأفيال زندبيل\rوقال آخر:\rوفيله كالطود زندبيل\rوقال آخر:\rمن بين أفيال زندبيل\rوخرطوم الفيل أنفه، وبه يوصل طعامه والشراب إلى فيه، وبه يقاتل وبه يصيح، وليس صوت الفيل على مقدار جثته؛ ولسانه مقلوب، طرفه إلى داخل فيه، وأصلُه خارج، وهو على العكس من سائر الحيوانات؛ والهند أنه لولا ذلك لتكلّم، وهم يعظّمون الفيلة ويشرّفونها على سائر الحيوانات؛ والفيل يتولد في أرض الهند والسند والزنج، وبجزيرة سرنديب؛ وهو أعظمها خلْقاً، وينتهي في عظم الخَلْق إلى أن يبلغ في الارتفاع عشرة أذرع؛ وفي ألوانها الأسود والأبيض والأبلق والأزرق؛ وهو إذا اغتلم أشبه الجمل في ترك الماء والعلف حتى ينضم إبطاه، ويتورّم رأسه، وربما استوحش لذلك بعد استئناسه، والفيل ينزو إذا مضى له من العمر خمس سنين، والأنثى تحمل سنتين، وإذا حملت لا يقربها الذكر، ولا ينزو عليها إذا وضعت إلا بعد ثلاث سنين، ولا ينزو إلا على فيلة واحدة، وله عليها غيرةٌ شديدة؛ وإذا أرادت الفيلة أن تضع دخلت النهر فتضع ولدها في الماء، لأنها تلد قائمة؛ والذكر يحرسها ويحرس ولدها من الحيّات، وذلك لعداوة بينهما؛ قالوا: وأثنيا الفيل داخل بدنه قريباً من كُليتيه، ولذلك هو يسفد سريعاً كالطير، لأنهما قريبتان من القلب فتنضحان المنيَّ بسرعة؛ ويقال: إن الفيل يحقد كالجمل؛ والهند يجعلون نابي الفيل قرنيه، وفيها الأعقف والمستقيم؛ قال المسعودي في مروج الذهب: وربما بلغ الناب الواحد منها خمسين ومائة مَنّ؛ ورأيت أنا من أنياب الفيلة ما طوله يزيد على أربعة أذرع ونصف، وهو معقّف، شاهدت ذلك بمدينة قوص في سنة سبع وتسعين وستمائة، ورأيت فيها نابين أظّنهما أخوين بهذه الصفة، وهما معقّفان، وغلظُهما مناسبٌ لطولهما؛ والفيل يحمل بنابيه على الجدار الوثيق فيهدمه؛ ولم تزل ملوك غَزْنة إلى سُبُكِتِكين ومن بعدهم من الملوك الغزنوية تفتتح بالفيلة المدن، وتهدم بصدماتها الحصون، وأشهرهم بذلك يمين الدولة محمود بن سُبُكتِكين، على ما ستقف - إن شاء الله تعالى - عليه في تاريخ الدولة الغزنزية؛ والفيل سريع الاستئناس بالناس؛ وفي طبعه أنه إذا سمع صوت الخنزير ارتاع ونفر واعتراه الفزع؛ وقال المسعودي: إنه لا يثبت للهر، وإذا رآه فرّ منه؛ وقال: إن رجلاً كان بالمولتان من أرض الهند يدعى هارون بن موسى مولى الأزد، وكان شاعراً شجاعاً ذا رياسةٍ في قومه ومَنَعة بأرض السِّند مما يلي بلاد المولتان وكان في حصن له هناك، فالتقى مع بعض ملوك الهند، وقد قدّمت الهند أمامها الفيلة، فبرز هارون أمام الصف وقصد عظيم الفيلة، وقد خبأ سِنّوراً تحت ثيابه؛ فلما دنا في حملته من الفيل أبرز الهرّ له، فانهزم الفيل وولى عند مشاهدته للهر، فانهزم الجيش وقتل الملك الهندي، ولهارون بن موسى قصيدةٌ في ذلك نذكرها - إن شاء الله تعالى - عند ذكر وصف الفيل؛","part":3,"page":37},{"id":1038,"text":"والفيل إذا ورد الماء الصافي كدّره قبل أن يشربه كعادة الخيل، وهو قليل الاحتمال للبرد، وإذا عام في الماء استتر كله إلا خرطومه؛ ويقال: إنه يصاد باللهو والطرب والزينة وروائح الطيب؛ والزنوج تصيده بحيلة غير ذلك، وهو أنهم يعمدون إلى نوع من الأشجار، فيأخذون ورقه ولحاءه ويجعلونه في الماء الذي تشربه الفيلة، فإذا وردته وشربت منه سكرت، فتسقط إلى الأرض، ولا تستطيع القيام، فتقتلها الزنوج بالحراب، ويأخذون أنيابها ويحملونها إلى بلاد عُمان، وتُنقل منها إلى البلاد؛ وأما أهل النوبة فإنهم إذا أرادوا صيدها للبقاء عمدوا إلى طُرقها التي ترد الماء منها، فيحفرون هناك أخاديد ويسقِّفونها بالخشب الضعيف، ويسترونها بالنبات والتراب، فإذا مر الفيل عليها انكسرت به تلك الأخشاب الضعيفة، فيسقط في الأُخدود، فعند ذلك يتبادر إليه جماعةٌ من الرجال بأيديهم العصي الرقاق، فيضربونه الضرب الوجيع، فإذا بلغ به الألم خرج إليهم رجلٌ منهم مغايرٌ للباسهم، فيضربهم، ويصرفهم عنه، فينصرفون، ويقف هو بالقرب من الفيل ساعة، ثم ينصرف، فإذا أبعد وغاب عن الفيل رجع أولئك القوم وعاودوا ضربه حتى يؤلموه، فيعود ذلك الرجل فيريه أنه ضربهم، فيتفرقوا عنه، يفعلون ذلك به أياماً والرجل يؤانس الفيل، ويأتيه بالمأكل والماء حتى يألفه ويقرب منه، فيقال: إنه ينام بالقرب منه، ويخرج أولئك، فإذا رآهم الفيل قد أقبلوا أيقظه بخرطومه برفق، وأشار إليه أن يردّهم عنه، فيفعل على عادته، فإذا عُلم أن الفيل استأنس وزال استيحاشه وألف ذلك الرجل، حفروا أمامه بتدريج وتوطئة، فيطلع وقد سلس قياده، وزال عناده، ثم يحملونه إلى المركب إلى الديار المصرية في جملة التقادم الموظفة عليهم؛","part":3,"page":38},{"id":1039,"text":"وبأرض الهند فيلةٌ غير وحشية تستأنس إلى الناس، وتتنايج بينهم، ويقاتلون عليها في حروبهم، فيجتمع للملك الواحد من ملوك الهند منها عدةٌ كثيرة، وأكثرها يأوي المروج والغياض كالبقر والجاموس في بلادنا؛ قال المسعودي: وهي تهرب من المكان الذي فيه الكركدّن، فلا ترعى في موضعٍ تشمّ فيه رائحته؛ وللفيلة بأرض الهند آفةٌ عظيمةٌ من الحيوان، وهو الذي يُعرف بالزبرق أصغر من الفهد، أحمر اللون برّاق العينين، سريع الوثبة، يبلغ في وثبته إلى خمسين ذراعاً وأكثر، فإذا أشرف على الفيلة رش عليها ببوله، فيُحرقها، وربما لحِق الإنسان فمات؛ وهذا الوحش إذا أشرف على أحد من أهل الهند التجأ إلى أكبر شجر الساج، وارتقى إلى أعلاها، فيأتي هذا الوحش إليها ويثِب، فإن أدركه رش عليه ببوله، فأحرقه وإن عجز عنه وضع رأسه بالأرض وصاح صياحاً عجيباً، فتخرج من فمه بأسفل الفتحة بوله عليه؛ قالوا: وللهند طِيبٌ يجمعونه من جباه الفيلة ورؤوسها، فإنها إذا اغتلمت عَرُفت هذه الأماكن منها عَرفاً كالمسك، فهم يستعملونه لظهور الشَّبق في الرجال والنساء، وهو يقوّي النفس، ويشجّع القلب؛ قالوا: والفيل يشِبّ إلى تمام ستّين سنة، ويُعمّر مائتي سنة؛ وأكثر؛ وحكى أرسطو أن فيلاً ظهر عمره أربعمائة سنة؛ وحكى بعض المؤرخين أن فيلاً سجد لأبرويز، ثم سجد للمعتضد، وبينهما الزمان الذي ذكره أرسطو واعتُبر ذلك بالوسم؛ ووقفت على حكايةٍ تُناسب ما نحن فيه، أحببت أن أثبتها في هذا الباب، وهي: حكى الإمام الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني في كتابه الموسوم بحلية الأولياء، قال: حدّثنا محمد بن الحسن، قال: حدّثنا عبد الوارث بن بُكَير: أن أبا عبد الله القَلانسيّ ركب البحر، فعصفت عليهم الريح في مَركبهم، فدعا أهل المركب وتضرّعوا، وندروا النذور، فقالوا: أي عبد الله؛ كلّنا قد عاهد الله ونذر نذراً إن أنجانا الله، فانذر أنت نذراً، وعاهدْه عهداً؛ فقلت: أنا مجرّدٌ من الدنيا، ما لي وللنذر؛ فألحّوا عليّ فيه؛ فقلت: لله عليّ إن خلّصني مما أنا فيه لا آكل لحم الفيل؛ فقالوا: ما هذا النذر؟ وهل يأكل لحم الفيل أحد؟ فقلت: كذا وقع في سري، وأجراه الله على لساني؛ فانكسرت السفينة، ووقعت في جماعةٍ من أهلها إلى الساحل، فبقينا أيّاماً لم نذق ذَواقاً، فبينا نحن قعودٌ إذا نحن بولد فيل؛ فأخذوه فذبحوه وأكلوا من لحمه، وعرضوا عليّ أكله، فقلت: أنا نذرت وعاهدت الله أن لا آكل لحم الفيل، فاعتلّوا عليّ بأني مضطر، ولي فسخُ العهد لاضطراري، فأبيت عليهم، وثبتُّ على العهد، فأكلوا وامتلأوا وناموا، فبينما هم نيامٌ إذ جاءت الفيلة تطلب ولدها، وتتبع أثره، فلم تزل تشم الرائحة حتى انتهت إلى عظام ولدها، فشمّتها، ثم جاءت وأنا أنظر إليها، فلم تزل تشم واحداً واحداً، فكلما شمت من واحدٍ رائحة اللحم داسته برجلها أو بيدها فقتلته، قطع من الدم ويموت من ساعته ويحترف من الشجرة ما يقع حتى قتلتهم كلّهم، ثم أقبلت إليّ، فلم تزل تشمّني فلم تجد مني رائحة اللحم، فأدارت مؤخّرها وأومأت إليّ بخرطومها أن أركب؛ فلم أقف على ما أومأت به، فرفعت ذنبها ورجلها، فعلمت أنها تريد مني ركوبها، فركبتها واستويت عليها، وأومأت إليّ أن أستوِ، فاستويت على شيءٍ وطئ، فسارت سيراً عنيفاً إلى أن جاءت بي في ليلتي إلى موضع زرعٍ وسواد، فأومأت إليّ أن أنزل، وبركت برجلها حتى نزلت عنها، فسارت سيراً أشدّ من سيرها بي، فلما أصبحت رأيت زرعاً وسَواداً وناساً، فحملوني إلى ملكهم، وسألني تُرجمانه، فأخبرته بالقصة وبما جرى على القوم، فقال لي: أتدري كم المسير الذي سارت بك الليلة؟ فقلت: لا، فقال: مسيرة ثمانية أيام سارت بك في ليلة، فليثبت عندهم إلى أن حُمِلت ورجعت؛ والله أعلم بالصواب.\rوصف الفيل نظماً\rمن ذلك ما قاله الأرجاني من أيبات وصف فيها مجلس ممدوحه، فقال:\rوالفيلُ في ذيل السِّماط له ... زَجَلٌ يُهال له الفتى ذُعرا\rفي موقف الحُجّاب يؤمر أو ... يُنهى فيُمضي النهيَ والأمرا\rأذنان كالتُّرْسين تحتهما ... نابان كالرمحين إن كرّا\rيعلو له فَيّاله ظَهَراً ... فيظلّ مِثلَ من اعتلى قصْرا\rوقال عبد الكريم النهشلي يصفه:","part":3,"page":39},{"id":1040,"text":"وأضخم هندي النجار تعده ... ملوك بني ساسان إن نابها دهر\rيجيء كطودٍ جائلٍ فوق أربعٍ ... مضبّرةٍ لُمّت كما لُمّت الصخر\rله فخذان كالكثيبين لُبِّداً ... وصدرٌ كما أوفى من الهَضْبة الصدر\rووجهٌ به أنفٌ كراووق خمرةٍ ... ينال به ما تدرك الأنمل العشر\rوجُبّان لا يُروي القُليب صداهما ... ولو أنه بالقاع مُنْهرِتٌ حَفْر\rوأذنٌ كنصف البُرد تُسمعه النَّدا ... خفيّاً وطرْفٌ ينفض العيبَ مَزْوَر\rونابان شُقّا لا يريد سواهما ... قناتين سمراوين طعنُهما بَتْر\rله لون ما بين الصباح وليله ... إذا نطق العصفور أو صوّت الصقر\rوله ابن طَباطَبا:\rأعجب بفيلٍ آنس وحشيَّ ... بهيمةٍ في فطنة الإنسي\rيفهم عن سائسه الهنديّ ... غيبَ معاني رمزه الخفيّ\rمثل السدى الموثّق المبنيّ ... منزّهٍ في خُلُقه السَّويِّ\rعن لين مشيِ رُكُبِ المطيِّ ... ذي ذنَبٍ مطوَّلٍ ثَوْريّ\rفي مثل رِدْفِ الجمل البُخْتيّ ... منخفض الصوت طويل العيِّ\rيطوف كالمزدجر المنهيِّ ... يرنو بطرْفٍ منه شادنيِّ\rفي قبح وجهٍ منه خنزيري ... خرطومه كجعبة التركيِّ\rحكى فما من سمكٍ بحريّ ... تُبصره في فيه ذا هويِّ\rكالدلو إذ تهوى إلى القَرِيّ ... يصُبّ في مصهرجٍ مطويِّ\rناباه في هولهما المخشيِّ ... كمثل قرني ناطحٍ طوريِّ\rأذناه في صِبغِهما الفضّيّ ... كطيلساني ولدَيْ ذِمّيِّ\rسائسُه عليه ذو رُقيِّ ... منتصبٌ منه على كرسيِّ\rيطيعه في أمره المأبيِّ ... كطاعة القُرقورِ للنُّوتيِّ\rوقال آخر منشداً:\rمن يركب الفيل فهذا الفيل ... إن الذي يحمله محمول\rعلى تهاويل لها تهويل ... كالطود إلا أنه يجول\rوقال ابن الرومي:\rيقلّب جُثماناً عظيماً موثَّقاً ... يهُدّ بركنيه الجبالَ إذا زَحَمْ\rويسطو بخرطوم يطاوع أمره ... ومشتبهات ما أصاب بها غَنِمْ\rولست ترى بأساً يقوم لبأسه ... إذا أعمل النابين في البأس أو صَدَمْ\rوقال هارون بن موسى مولى الأزْد يصفه ويذكر خوفَه من الهِرّ:\rأليس عجيباً بأن خِلقةٌ ... لها فِطَن الإنس في حِرم فيلْ\rوأظرف من مشيه زوّله ... بحلمٍ يَجِلّ عن الخنشليل\rوأوقَصُ مختلفٌ خَلقه ... طويلُ النُّيوب قصيرُ النَّصيلْ\rويلقى العدو بنابٍ عظيمٍ ... وجوفٍ رحيبٍ وصوتٍ ضئيلْ\rوأشبه شيءٍ إذا قسته ... بخنزير برٍّ وجاموس غِيلْ\rينازعه كلّ ذي أربعٍ ... فما في الأنام له من عديلْ\rويعصف بالببْر بعد النُّمور ... كما تعصف الريح بالعندبيل\rوشخصٌ تُرى يدُه أنفَه ... فإن وصفوه فسيفٌ صَقيل\rوأقبل كالطود هادي الخميس ... بهولٍ شديدٍ أمام الرَّعيلْ\rومرّ يسيل كسيل الآتيِّ ... بوطءٍ خفيفٍ وجسمٍ ثقيل\rفإن شِمتَه زاد في هوله ... بشاعةُ أذنين في رأس غول\rوقد كنت أعددت هراً له ... قليل التهيب للزندبيل\rفلما أحس به في العَجاج ... أتانا الإله بفتحٍ جليلْ\rفسبحان خالقه وحده ... إله الأنام وربّ الفُيولْ\rوقال أبو الحسن الجوهري يضف الفيل من قصيدته التي أولها:\rقل للوزير وقد تبدّى ... يستعرض الكرم المعدّا\rأفنيت أسباب العلا ... حتى أبت أن تُستجدّا\rلو مس راحتُك السحا ... ب لأمطرت كرماً ومجدا","part":3,"page":40},{"id":1041,"text":"لم ترضَ بالخيل التي ... شدّت إلى العلياء شدّا\rوصرائمِ الرأي التي ... كانت على الأعداء جندا\rحتى دعوت إلى العدى ... ما لا يلام إذا تعدّى\rمتقمّصاً تيه العلو ... ج وفطنةً أعيتْ معدّا\rمتعسّفاً طُرُق العوا ... لي حين لا يُستاق قصدا\rفيلاً كرضْوى حين يل ... بس من رقاق الغيمِ بُردا\rمثل الغمامة مُلِّئت ... أكنافُها برقاً ورعدا\rرأسٌ كقُلّة شاهقٍ ... كُسيت من الخيلاء جِلدا\rفتراه من فرطِ الدلا ... ل مصعِّراً في الناس خدّا\rيُزهَى بخرطوم كمث ... ل الصولجان يُرَدُّ ردّا\rمتمدِّدٍ كالأُفعُوا ... ن تمدّه الرّمضاء مدّا\rأو كُمِّ راقصةٍ تش ... ربه إلى النَّدمان وجدا\rأو كالمصلب شُد جن ... باه إلى جذعين شَدا\rوكأنه بوقٌ يحرّ ... كه لينفخ فيه جدّا\rيسطو بساريتي لجي ... نٍ يحطمان الصخر هدّا\rأذناه مروحتان أُسند ... تا إلى الفودين عقدا\rعيناه غائرتان ضُيّ ... قتا لجمع الضوء عمدا\rفكٌّ كفُوَّهة الخلي ... ج يلوك طول الدهر حِقدا\rتلقاه من بعدٍ فتح ... سبه غماماً قد تبدّى\rمَتناً كبنيان الخَوَر ... نَقِ ما يلاقي الدهر كدّا\rرِدفاً كدكّة عنبرٍ ... متمايل الأوراك نَهْدا\rذَنَبا كمثلٍ السوطِ يض ... رب حولَه ساقاً وزَندا\rيخطو على أمثال أع ... مدة الخباء إذا تصدى\rأو مثل أميالٍ نضد ... ن من الصخور الصُّمّ نَضْدا\rمتورِّدٌ حوضَ المن ... يّة حين لا يُشتاق وِردا\rمتملِّقٌ فكأنه ... متطلّبٌ ما لن يُودّا\rمتلفِّعٌ بالكبريا ... ء كأنه ملكٌ مفدّى\rأدنى إلى الشيء البعي ... د يراد من وهْمٍ وأهدى\rأذكى من الإنسان حتى ل ... و رأى خَللاً لَسُدّا\rلو أنّه ذو لهجةٍ ... وفَّى كتاب الله سردا\rعقّته أرض الهند حت ... ى حل من زهوٍ هرندا\rقل للوزير: عبدت حت ... ى قد أتاك الفيل عبدا\rسبحان من جمع المحا ... سن عنده قرباً وبُعدا\rالكركدّن","part":3,"page":41},{"id":1042,"text":"والكركدّن من الحيوان الشديد القوة، القليل العدد، وهو شبيه بالجاموس إلا أنه أغلظ وأعتى وأنبل منه، وله قرنٌ غليظٌ غير طويل في جبهته، وقرنٌ أخر ألطف منه؛ وقد ذكره صاحب المنطق في كتاب الحيوان وسماه الحمار الهندي؛ وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: وإنما قلّ عدد هذا الجنس لأن الأنثى منه منها ما تكون نَزورا، وأيام حمْلها ليست أقلّ من أيام حَمِل الفيلة؛ وهذا الحيوان يكون بأرض الهند وبلاد الحبشة؛ وتزعم الهند أنه إذا كان يرعَ شيءٌ من الحيوان شيئاً في أكناف تلك البلاد هيبة له وخضوعاً وهرباً منه، وليس هو ببلاد الحبشة كذلك، بل يختلط به غيره من الحيوان؛ قال الجاحظ: وقد قالوا في ولدها وهو في بطنها لولا أنه ظاهرٌ على ألسنة الهند لكان أكثر الناس بل كثيرٌ من العلماء يُدخلونه في الخُرافة، وذلك أنهم يزعمون أن أيام حملها إذا كادت أن تتم ونضجت وسخنت وجاء وقت الولادة فربما أخرج الولد رأسه من ظَبْيتها فأكل من أطراف الشجر، فإذا شبع أدخل رأسه، حتى إذا تمت أيامه، وضاق به مكانه، وأنكرته الرحم، وضعته مطيقاً قوياً على الكسب والحُضْر، لا يعرِض له شيء من السباع؛ وهذا القول أيضاً ذكره المسعودي؛ قال: وإذا اغتلم الفيل في بلاد الهند لا يقوم له شيء من الوحوش إلا الكركدن، فإنه يقتحم عليه، فيُحجم عنه ويذهب عنه سكر الاغتلام؛ وقيل: إنه يطعن الفيل بقرنه فيموتا جميعاً، فمنهم من يقول: إنه يثقل عليه فلا يستطيع أن يُخرج قرنه من جوفه، فيكون ذلك سبب حتفهما؛ ومنهم من يقول: إن قرنَه من السّموم التي تقتل الفيل، ودم الفيل من السّموم التي إذا وقعت على قرن الكركدن مات؛ وحكي لي من يرجع إلى قوله، ويُعتمد على نقله من الحُبوش أن الكركدن ببلاد الحبشة إذا رأى الرجل قصده ليقتله، فيعمد الرجل إلى شجرةٍ فيتعلّق بها، فيحاوله الكركدن، فربما كسر تلك الشجرة وأهلكه، فإن بال الرجل على أذن الكركدن هرب وأسرع الحُضْر فلا يقف ولا يعود إليه، فيسلَم منه؛ والله أعلم بالصواب.\rالزرافة والزرافة في كلام العرب: الجماعة، وإنما سميت الزرافة زرافةً لاجتماع صفاتٍ عدة من الحيوان فيها، وهي عنق الجمل، وجلد النمر، وقرن الظبي، وأسنان البقر، ورأس الأيل؛ وزعم بعض من تكلم في طبائع الحيوان أنها متولدة من حيوانات، ويقال: إن السبب في ذلك اجتماع الوحوش والدواب في القيظ في شرائع المياه، فتتسافد، فيلقح منها ما يلقح، ويمتنع ما يمتنع، فربما يسفد الأنثى من الحيوان ذكورٌ كثيرة، فتختلط مياهها، فيجيء خلقٌ مختلف الصور والألوان والأشكال؛ والفُرْس تسمّى الزرافة اشتُركا ويلنك وتفسير اشْتُر: بعير؛ وتفسير كاو: بقرة؛ وتفسير يلنْك: الضبع؛ وهذا موافق لما ذهبت إليه العرب من كونها مركبة الخلق من حيوانات شتى؛ والجاحظ ينكر هذا القول، ويقول: هو جهل شديد، لا يصدر عمن لديه تحصيل، لأن الله عز وجل يخلق ما يشاء على ما يشاء، وهو نوعٌ من الحيوان قائم بنفسه كقيام الخيل والحُمُر، وما يحقّق ذلك أنه يلد مثله؛ وهذا غير منكور، فإنا نحن رأينا زرافة بالقاهرة ولدت زرافة أخرى شبهها، وعاشت إلى الآن؛ وصفة الزرافة أنها طويلة اليدين والعنق جداً، منها ما يزيد طوله على عشرة أذرع، قصيرة الرجلين جداً، وليس لرجليها ركب، وإنما الركب ليديها كسائر البهائم؛ وهي تجترّ وتبعَر، وفي طبع هذا الحيوان التودّد للناس والتآلف بهم.\rوصف الزرافة\rوقد وصفها الشعراء وشبّهوها في أشعارهم، فمن ذلك ما قاله عبد الجبار بن حَمديس الصِّقلي:\rونوبيةٍ في الخلق فيها خلائقٌ ... متى ما ترقّ العين فيها تسفل\rإذا ما اسمها ألقاه في السمع ذاكر ... رأى الطرف منها ما عناه بمقوَل\rلها فخذاً وأظلاف فَرْهَبٍ ... وناظرتا رِثْمٍ وهامةُ إيَّل\rكأن الخطوط البيض والصفرا أشبهت ... على جِسمها ترصيع عاجٍ بصندل\rودائمة الإقعاء في أصل خلقها ... إذا قابلت أدبارُها مقبل\rتلفّت أحياناً بعينٍ كحيلةٍ ... وجيدٍ على طول اللواء المظلّل\rوتنفُض رأساً في الزمام كأنما ... تريك له في الجو نِفضة أجدل","part":3,"page":42},{"id":1043,"text":"إذا طلع النطْح استجادت نطاحه ... رأسٍ له هادٍ على السُّحب معتلي\rوعُرْفٌ رقيق الشعر تحسب نبته ... إذا الريح هزته ذوائب سنبل\rوتحسبها من مشيها إن تبخترت ... تُوفّ إلى بعلٍ عروساً وتنجلي\rفكم منشد قولَ القيس عندها ... أفاطم مهلاً بعض التدلّل\rوقال عُمارة اليمني - وقد وصف تصاوير دارٍ منها زرافة - :\rوبها زرافاتٌ كأن رقابها ... في الطول ألويةٌ تؤمّ العسكرا\rنوبية المنشا تريك من المها ... روقاً ومن بُزل المهاري مِشفَرا\rجُبلت على الإقعاء من إعجابها ... فتخالُها للتيه تمشي القهقرى\rوقال أبو علي بن رشيق منشداً:\rومجنونةٍ أبداً لم تكن ... مذلّلة الظهر للراكب\rقد اتصل الجيد من ظهرها ... بمثل السَّنام بلا غارب\rملمّعة مثلما لُمِّعت ... بحِنّاء وشى يدُ الكاعِب\rكأن الجواري كنّفنها ... تخلّج من كل ما جانب\rوقال أيضاً:\rوأتتك من كسب الملوك زرافةٌ ... شتى الصفات للونها أثناء\rجمعت محاسن ما حكت فتناسبت ... في خُلقها وتنافت الأعضاء\rتحتثّها بين الخوافق مشيةٌ ... بادٍ عليها الكبرُ والخُيلاء\rوتمدّ جيداً في الهواء يزينها ... فكأنه تحت اللواء لواء\rحُطّت كآخرها وأشرف صدرُها ... حتى كأن وقوفها أقعاء\rوكأن فِهْرَ الطِّيب ما رجمت به ... وجه الثرى لو لُمّت الأجزاء\rوتخيّرت دون الملابس حُلّةً ... عيت بصنعة مثلها صنعاء\rلوناً كلون الذَّبل إلا أنه ... حلّى وجزّع بعضه الجلاّء\rأو كالسحاب المكفهرّة خطّطت ... فيها البروق وميضها إيماء\rأو مثلما صَدئت صفائح جوشنٍ ... وجرى على حافاتهن جِلاء\rنعم التجافيف التي قد دُرّعت ... من جلدها لو كان فيه وِقاء\rوقال محمد بن شرف القيرواني:\rغريبة أشكالٍ غريبة دار ... لها لون فضةٍ ونُضار\rفلونٌ لها لون البياض وصفرةٍ ... كما مُزجت بالماء كأس عُقار\rوآخر ما بين اسودادٍ وحمرةٍ ... كما احمرّ مسودُّ الدخان بنار\rأعيرت شخوصاً وهي في شخص واحد ... يحيّر في نشْزٍ لها وقِفار\rتقوم على ما بين ظِلفٍ وحافرٍ ... له جسم جُلمودٍ وصبغة قار\rوأربعةٍ تحكي سبائك عسجدٍ ... تطير بها في الأرض كلّ مطار\rلها عنقٌ قد خالط الجوّ تحته ... طوالٌ لها تخطو أمام قصار\rوذات قرىً وعْر الركوب وإنما ... أُجلّت بذا عن ذِلةٍ وصَغارِ\rلها عِجْبة التَيّاه عُجْباً بنفسها ... ولكنّ ذاك العُجب تحت وقار\rالبقر الوحشية - وهي المها - والإيَّل ولنبدأ بذكر ترتيب سنّها، ثم نذكر ما قيل فيها؛ أما سنها - فقد قالت العرب: ولد البقرة الوحشية ما دام يرضع فهو فزٌّ وفرقدٌ وفرير؛ فإذا ارتفع عن ذلك فهو يعفورٌ وجؤذُرٌ، وبحْزَج؛ فإذا شب فهو مهاة فإذا أسنّ فهو قرْهَب؛ هذا ما قيل في سنها.\rوأما ما قيل في المها - فذكر من بحث عن طبائع الحيوان أن من طباعها الشبق والشهوة؛ وأن الأنثى إذا حملت هربت من الذكر خوفاً من عبثه بها في الحمل؛ والذكر لفرط شهوته يركب الذكر؛ وإذا ركب واحدٌ منها شم الباقي روائح الماء منه، فيثبن عليه، ولا يمنع ما يثب عليه بعد ذلك؛ ولم أقف من أحواله على غير هذا الذي أوردته، فلنذكر ما وصف به.\rوصف المها\rفمن ذلك ما قاله كاتبٌ أندلسي من رسالةٍ طرديةٍ، جاء منها: وعنّ لنا سِربُ نعاجٍ يمشين وهْواً كمشي العذارى، ويتثنّين زهواً تثنّي السُّكارى؛ كأنما تُجلّل بالكافور جلودها، وتُضمّخ بالمسك قوائمها وخدودها؛ وكأنما لبسن الدِّمَقْس سِربالاً، واتخذن السندس سِروالاً.\rمن كل مهضمة الحشا وحشيةٍ ... تحمي مَداريها دماء جلودها","part":3,"page":43},{"id":1044,"text":"وكأنما أقلام حبرٍ كتبت ... بمداد عينيها طُروس خدودها\rفأرسلنا أولي الخيل على أخراها، وخلّيناها وإياها؛ فمضت مُضيّ السهام، وهوت هُوِيّ السَّمام؛ فجالت في أسرابها يميناً وشِمالاً؛ فكأنما أهدت لآجالها آجالاً؛ فمن متّقٍ بروقه، وكابٍ أتاه حتفُه من فوقِه.\rوقال الأخطل يصف ثوراً:\rفما به غير موشيٍّ أكارعه ... إذا أحس بشخصٍ ماثلٍ مَثُلا\rكأن عطّارة باتت تُطيف به ... حتى تسربلَ ماء الوَرس وانتعلا\rكأنه ساجدٌ من نضْج ديمته ... مقدِّسٌ قام تحت الليل فابتهلا\rينفي التراب بروقيه وكلكله ... كما استماز رئيس المِقْنَب النَّفَلا\rوقال عدي بن الرقاع يصف ثورين يعدوان:\rيتعاوران من الغبار مُلاءةً ... بيضاء محكمةٌ هما نسجاها\rتطوّى إذا وردا مكاناً جاسياً ... وإذا السنابك أسهلت نشراها\rوقال الطِّرمّاح يصف عدوه بسرعة:\rيبدو وتُضمره البلاد كأنه ... سيفٌ على شرفٍ يُسَلّ ويُغمَد\rوأما ما قيل في الإيّل - فهو من أصناف البقر الوحشية، وهذا الحيوان يسمن كثيراً، وإذا سمن اختفى خوفاً أن يصاد لسمنه؛ وهو مولع بأكل الحيّات، يطلبها في كل موضع، فإن انجحرت أخذ الماء بفمه، ونفخه في الحُجر، فتُخرج له ذنبها فيأكلها، حتى إذا انتهى إلى رأسها تركه خوفاً من السم، وربما لسعته فتسيل دموعه إلى نقرتين تحت محاجر عينيه تدخل في كل واحدةٍ منهما الإصبع، فتجمد تلك الدموع فتصير كالشمع، تُتخذ دِرياقاً لسم الحيات، وهو البازَهر الحيواني؛ قالوا: وإذا لسعته الحيات أكل السراطين فيبرأ ويبرئه أكل التفاح أيضاً وورق شجره؛ وهو لا تنبت له قرونٌ إلا بعد أن تمضي له سنتان من عمره، فإذا نبت قرناه نبتا مستقيمين كالوتدين، وفي الثالثة يتشعبان، ولا يزال التشعب في زيادة إلى تمام ست سنين، وحينئذ يكونان كالشجرتين على رأسه، ثم بعد ذلك يلقي قرونه في كل سنة، ثم تنبت، وإذا نبتا عرّضهما للشمس حتى يصابا؛ وهما إذا كبرا على رأسه منعاه من الجري؛ ولا يكاد يفلت إذا طلبته الخبل؛ وإذا ألقى قرونه علم أنه ألقى سلاحه، فهو لا يظهر؛ قال الجاحظ: قال صاحب المنطق: إن أنثى الإيّل إذا وضعت ولداً أكلت مشيمتها فتظنّ أنه شيء تتداوى به من علة النفاس؛ وزعم أرسطو أن هذا النوع يصاد بالصفير والغناء، وهو لا ينام ما دام يسمع ذلك، ومن أراد صيده من الصيادين شغله بعضهم بالتطريب، ويأتيه البعض من خلفه، فإذا رأوه مسترخياً أذناه وثبوا عليه؛ وإذا اشتد عليه العطش من أكل الحيّات أتى غدير الماء واشتمه، ثم انصرف عنه، يفعل ذلك أربعة أيام، ثم يشرب اليوم الخامس، وإنما يمتنع من شرب الماء خوفاً على نفسه من سَريان السم في جسده مع الماء؛ والله أعلم.\rقال بعض الشعراء:\rهجرتك لا قِلىً مني ولكن ... رأيت بقاء وُدّك في الصّدود\rكهجر الظامئات الماء لما ... تيقّن المنايا في الورود\rتذوب نفوسها ظمأً وتخشى ... هلاكاً فهي تنظر من بعيد\rوقال أخر في مثل ذلك:\rوما ظامئات طال في القيظ ظِمئها ... فجاءت وفي الأحشاء غَلْي المراجل\rفلما رأين الماء عذباً وقد أتت ... إليه رأين الموت دون المناهل\rفولّت ولم تشفي صداها وقد طوت ... حشاها على وخز الأفاعي القواتل\rبأعظم من شوقي إليكِ وحسرتي ... عليكِ ولم ألتذ منكِ بطائلِ\rالباب الثاني: فيما قيل في\rالحمر الوحشية والوَعْل واللّمط\rالحُمُر الوحشية","part":3,"page":44},{"id":1045,"text":"والحمار الوحشي يسمى العير والفرَأ؛ وبه ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل، فقال: \" كل الصيد في جوف الفَرَإ \" ؛ ويقال: إنه ينزو إذا بلغ ثلاثين شهراً من عمره؛ وهو يوصف بشدة الغَيرة؛ ويقال: إن الأنثى إذا ولدت جحشاً كَدَم الذكر قضيبه، فالإناث تُعمِل الحيلة في إبقائه، فتهرب به من أبيه، وتكسر رجله ليستقر بذلك المكان، وهي تتعهده وترضعه، فإذا انجبرت رجله وقويت وصحت، وأمكنه المشي عليها، يكون قد حصل فيه من القوة والجري ما يدفع به عن نفسه، ويهرب إذا أبوه أو من هو أقوى منه أراد خصاءه؛ ويقال: إن الحمار الوحشي يعمّر مائتي سنة وأكثر من ذلك، وكلما بلغ مائة سنة صارت له مبولة ثانية؛ قالوا: وشوهد منها ما له ثلاث مباول وأربع؛ ومعادنه بلاد النوبة وزُغاوة، ويوجد منه ما تكون شِيَتُه معمَّدةً ببياض وسوادٍ في الطول من أعضائه المستطيلة، ومستديرة فيما استدار منها بأصح قسمة؛ ومنها صِنفٌ يسمى الأخدري وهو أطولها أعماراً.\rوقد وصفها أبو الفرج الببغاء من رسالةٍ ذكر فيها أتاناً معمّدةً ببياض وسواد كانت قد أهديت لعز الدولة بُخْتِيار بن بُوَيه من جهة صاحب اليمن، قال: وأما الأتان، الناطقة في كمال الصنعة بأفصح لسان؛ فإن الزمان لاطف مولانا - أيده الله - منها بأنفس مذخور، وأحسن منظور؛ وأعجب مرئيّ، وأغرب موشيّ؛ وأفخر مركوب، وأشرف مجنوب؛ وأعز موجود، وأبهى مخدود؛ كأنما وسمها الكمال بنهايته، أو لحظها الفلك بعنايته؛ فصاغها من ليله ونهاره، وحلاّها بنجومه وأقماره، ونقشها ببدائع آثاره؛ ورمقها بنواظر سعوده، وجعلها أحد جدوده؛ ذات إهابٍ مسيّر، وقربٍ محبّر، وذنَبٍ وشَوىً مسوَّر؛ ووجهٍ مزجَّج، ورأس متوَّج؛ تكنُفه أذنان، كأنهما زُجّان؛ سُبجية الأنصاف، بلّورية الأطراف، جامعة شِيتَها بالترتيب، بين زمني الشبيبة والمشيب؛ فهي قيد الأبصار، وأمد الأفكار، ونهاية الاعتبار؛ غني عن الحلْيِ عَطَلها، مُزريةٌ بالزهر حللها؛ واحدة جنسها، وعالَم نفسها صنعةُ المنشئ الحكيم، وتقدير العزيز العليم.\rوقال ابن المعتز:\rشغلته لواقحٌ ملأته ... غَيرةً فهو خلقهن كَمِيُّ\rقابضٌ جمْعَها إليه كما يج ... مع أيتامه إليه الوصيّ\rكلّما شمّ لاقحاً شُمّ منها ... رأس فحلٍ برجلها مَفْليُّ\rخارجٌ من ظلال نقْعٍ كما فرّ ... ق جلبابه الخليع الغَويُّ\rقد طواها التسويق والشد حتى ... هي قُبٌّ كأنهنّ القِسيُّ\rهربت من رؤوسهن عيونٌ ... غائراتٌ كأنهنّ الرُّكِيُّ\rالوعل الوعل، هو التيس الجبلي، والأنثى تسمى أُروِيّة؛ وهي شاهُ الوحش؛ وفي طباع هذا الحيوان أنه يأوي الأماكن الوعرة والخشنة من الجبال؛ ولا يزال مجتمعاً، فإذا كان في وقت الولادة تفرّق؛ وإذا اجتمع في ضَرْع الأنثى لبنٌ امتصته؛ والذكر إذا ضعُف عن النزو أكل البلوط فتقوى شهوته، ومتى فقد الأنثى انتزع منيّه بفيه بالامتصاص، وذلك لشدة الشَّبَق؛ وهو إذا جُرح عمد إلى الخضرة التي تكون على الحجارة، فيمضغها ويجعلها على الجرح فيبرأ؛ وإذا أحسّ بقنّاصٍ وهو في مكانه المرتفع استلقى على ظهره، ثم يُزجّ بنفسه فينحدر من أعلى الجبل إلى أسفله، وقَرناه يقيانه ألمَ الحجارة، ويُسرعان هبوطَه لملاستهما فإنهما من رأسه إلى عَجُزه؛ وفي طبع هذا الحيوان الحنوّ على ولده والبر بوالديه؛ أما حنّوه على ولده فإنه إذا صيد منها شيء تبعته أمه واختارت أن تكون معه في الشرك؛ وأما بره بوالديه، فإنهما إذا عجزا عن الكسب لأنفسهما أتاهما بما يأكلانه، وواساهما من كسبه، فإن عجزا عن الأكل مضغ لهما وأطعمهما؛ ويقال: إن في قرنيه ثَقْبين يتنفس منهما، فمتى سُدّا جميعاَ هلك.\rما وصف به الوعل\rوقد وصفه الشعراء، فمن ذلك ما قاله الصاحب بن عباد:\rوأعيَنَ كالذَّرى في سَفلاته ... سوادٌ وأعلى ظاهر اللون واضحُ\rموقّف أنصاف اليدين كأنه ... إذا راح يجري بالصريمة رامحُ\rوقال أبو الطيب المتنبي:\rوأوفَتَ الفُدْر من الوعال ... مرتدياتٍ بقسِّي الضَّال\rنواخسَ الطراف للكفال ... يكدن يَنفُذن من الطال","part":3,"page":45},{"id":1046,"text":"لها لَحى سودٌ بلا سِبال ... يصلحن ضحاك الإجلال\rكل أثيثٍ نبتُه متْفال ... لم يُغذَ بالمسك ولا الغوالي\rيرضى من الأدهان بالأبوال\rاللمط واللمط حيوانٌ وحشي يكون ببلاد الغرب الجَوّاني، قي قدر المهر اللطيف، له قرونٌ غير متشعبة، ولا مفاصل لرُكبه، فهو لا يستطيع النوم إلا مستنداً إلى شجرة أو جدار، فإذا أريد صيده عمد من يريد ذلك إلى تلك الشجرة التي هي في محلّ مظانّ نومه، فينشر أكثرها، ويترك منها يسيراً إلا يحمله، فإذا استند إليها سقطت وسقط بسقوطها، فيؤخذ ويُذبح وتُتخذ من جلده دَرَقٌ تباع بالأثمان الغالية، تردّ طعنة الرمح ورشقة السهم، ومهما أصابها من الحديد انطوى، فإن تمكن منها ونُزع وبقي أثره والتحم في اليوم الثاني وخفي أثره؛ أخبرني بذلك من أثق بقوله.\rالباب الثالث\rالظبي والأرنب والقرد والنعام\rالظبي للظباء أسماءٌ نطقت بها العرب، واحدها ظبي، والأنثى ظَبية، وولدها طَلا وغزال؛ فإذا تحرك ومشي فهو رَشَأ؛ فإذا ثبت قرناه فهو شادنٌ وخِشْف؛ فإذا قوِي فهو شَصَر، والأنثى شَصَرة، ثم هو جَذَع، ثم ثَنيّ، ولا يزال ثَنيّاً حتى يموت. والظِّباء أنواعٌ تختلف بحسب مواضعها؛ فصِنفٌ منها يسمى الآرام، وهي الخالصة البياض، ومساكنها الرمل، وهي أشدها حُضراً؛ وصِنفٌ يسمى العُفْر، وألوانها بيضٌ تعلوها حمرة؛ وصِنفٌ يسمى الأُدْم، وألوانها أيضاً كذلك، ومساكنها الجبال؛ ومن طبع هذا الحيوان أنه إذا فقد الماء استنشق النسيم فاعتاض به عنه؛ وهو إذا طُلب لم يجهد نفسه في الحُضْر لأوّل وهلة، ولكنه يرفق بنفسه، فإذا رأى طالبه قد قرُب منه زاد في حُضْره حتى يفوت الطالب؛ وهو يخْضَم الحنظل حتى يرى ماؤه يسيل من شِدقيه؛ ويرد الماء الملح الأُجاج فيغمس لحيته فيه كما تفعل الشاة في الماء العذب، يطلب النوى المُنْقَع فيه؛ وهو لا يدخل كناسه إلا مستدبراً، يستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه، وله نومتان في مَكْنِسين: مَكْنس الضُّحى، ومكنس العشيّ، وهو يصاد بالنار، فإنه إذا رآها ذَهِل لها ودُهش، سيما إذا أضيف إلى إشعال النار تحريك الجرس، فإنه ينخذل ولا يبقى به حراكٌ البتة؛ وبين الظبي والحجل ألفةٌ ومحبّةٌ؛ وهو يوصف بحدّة النظر.\rغزال المِسْك\rولونه أسود، وله نابان خفيفان أبيضان خارجان من فيه في فكه الأسفل، قائمان في وجهه كنابي الخنزير، كل واحدٍ منهما دون الفِتْر، على هيئة ناب الفيل؛ ويكون هذا الغزال ببلاد التُّبَّت وبالهند؛ ويقال إنه يسافر من التُّبَّت إلى الهند بعد أن يرعى من حشيش التُّبَّت - وهو غير طيّب - فيُلقي ذلك المسك بالهند، فيكون رديئاً لأنه يحصُل عن ذلك المرعى، ثم يرعى حشيش الهند الطيب ويعقد منه مسكاً، ويأتي بلاد التُّبَّت فيلقيه فيها، فيكون أجودَ مما يلقيه في بلاد الهند؛ وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر المسك في بابه في آخر فنّ النبات في القسم المذيّل به مستوفىً، فلا فائدة في تكراره؛ فلنذكرها ما وُصف به الغزال من الشعر.\rقال ذو الرُّمة - وذكر محبوبته - :\rذكرتُكِ أن مرت بنا أم شادنٍ ... أمام المطايا تشرئبّ وتسنَحُ\rمن المؤلفات الرمل أدماءُ حُرّةٌ ... شعاعُ الضحى في متنها يتوضّح\rهي الشبه أعطافاً وجِيداً ومقلةً ... وميّةُ أبهى بعدُ منها وأملح\rوقال آخر:\rوحاليةٍ بالحسن والجيد عاطلٌ ... ومكحولة العينين لم تكتحل قطّ\rعلى رأسها من قرنها الجَعْد وفرةٌ ... وفي خدِّها من صُدغها شاهدٌ سَبط\rوقد أدمجت بالشحم حتى كأنما ... ملاءتها من فرط ما اندمجت قمْط\rالأرنب","part":3,"page":46},{"id":1047,"text":"قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: إن قضيب الأرنب كذكر الثعلب، أحد شطريه عظم، والآخر عصب؛ وربما ركبت الأنثى الذكر حين الفساد لما فيها من الشَّبَق، وتسفد وهي حبلى؛ وهي قليلة الإدرار على ولدها؛ ويزعمون أنه يكون شهرين ذكراً، وشهرين أنثى؛ وحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل في حوادث ستة ثلاث وعشرين وستمائة، قال: وفيها اصطاد صديق لنا أرنباً، فرآها لها أنثيان وذكر وفر ج أنثى، فلما شقوا بطنها رأوا فيه خُرَيقين. والأرنب تنام مفتوحة العينين، وسبب ذلك أن حِجاحَيْ عينيها لا يلتقيان؛ ويقال: إن الأرنب إذا رأت البحر ماتت، ولذلك لا توجد بالسواحل؛ وتزعم العرب أن الجن تهرب منها إذا حاضت، ويقال: إنها تحيض كالمرأة، وتأكل اللحم وغيره، وتجترّ وتبعر، وفي باطن أشداقها شعر، وكذلك تحت رجليها، وليس شيء قصير اليدين أسرع منها حُضراً، ولقصرهما يخفّ عليهما الصعود؛ وهي تطأ الأرض على مؤخَّر قوائمها تعميةً لأثرِها حتى لا يعرفه الطالب لها، وإذا قربت من المكان الذي تريد أن تجثم فيه وثبت إليه.\rوفي الأرنب منافعُ طيّبةٌ ذكرها الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا، قال: إن اِنْفَحة الأرنب حارّةٌ يابسةٌ ناريةٌ، تحلّل كل جامد من دمٍ ولبنٍ متجبنٍ وخلْطٍ غليظ، وتجمّد كل ذائب، وتمنع كل سيلانٍ ونزفٍ من النساء؛ قال: ولا شك أنها مع ذلك مجفّفة، وإذا شُربت منعت من الصَّرْع، وكذلك سائر الأنافح، وهي رديئة للمعدة وإذا حُملت بعد الطُّهر ثلاثة أيام بالخلّ منعت الحبل ونفت الرطوبة السائلة من الرحم، وتنفع من اختناق الرحم؛ قال: ودم الأرنب ينفي الكلف؛ ورماد رأسه جيد لداء الثعلب؛ وإذا الأخذ بطن الأرنب كما هو بأحشائه والإحراِق قلْياً على مِقْلىً كان دواءً منبِتاً للشعر إذا سُحق واستعمل بدهن الورد؛ ودماغه مشوياً ينفع من الرعشة الحادثة عقيب المرض؛ وإذا حُلّ دماغ الأرنب بسمن أو زبدٍ أو عسلٍ أسرع إنبات الأسنان، وسهل بغير وجع؛ ودم الأرنب مقلوّاً ينفع من السَّحْج وورم الأمعاء والإسهال المزمن، وينفع من السهام الأرمنية؛ هذا ما قاله الشيخ الرئيس في الأرنب.\rوقد وصف بعض كتّاب الأندلس عدّة من الأرانب، فقال: أفرادٌ إخوان كأنهن أولاد غزلان؛ بين روّاغٍ ينعطف انعطاف البُرَه، ووثّابٍ يجتمع اجتماع الكُره؛ حاك القَصَب إزاره، وصاغ التبر طوقه وسواره؛ قد غُلّل بالعنبر بطنه، وجلّل بالكافور متنه؛ كأنما تضمّخ بعبير، وتلفّع في حريرٍ؛ ينام بعيني ساهر، ويَفوت بجناحَيْ طائر؛ قصير اليدين، طويل الساقين؛ هاتان في الصعود تنجدانه، وتانِكَ عند الوثوب تؤيدانه؛ والله أعلم.\rالقرد","part":3,"page":47},{"id":1048,"text":"القرد عند المتكلمين في الطبائع مركّبٌ من إنسانٍ وبهيمةٍ؛ وهو إذا سقط في الماء غرِقَ مثل الإنسان الذي لا يحسن السباحة؛ وهو يأخذ نفسه بالزواج والغَيرة على الأنثى؛ وهو يقمَل، وإذا قمِل تقلّى، ويأكل ما ينتزعه من بدنه من القمل؛ وهو كثير الشبق، وإذا اشتد به الشبق استمنى بفيه؛ والأنثى تلد عدة نحو العشرة وأكثر، كما تلد الخنزيرة؛ وهي تحمل بعض أولادها كما تحمل المرأة؛ ويقال: إن الطائفة من القرود إذا أرادت النوم ينام الواحد في جنب الآخر حتى يكونوا سطراً واحداً، فإذا تمكن النوم منها نهض أوّلها من الطَّرَف الأيمن، فيمشي وراء ظهورها حتى يقعد من وراء الأقصى من الطرف الأيسر، فإذا قعد صاح؛ فينهض الذي يليه، ويفعل مثل فعله، فهذا دأبُهم طول الليل؛ فهم يبيتون في أرض ويصبحون في أخرى؛ وفي القرد من قبول التأديب والتعليم ما لا خفاء به عن أحد حتى إنه دُرّب قرد ليزيد بن معاوية على ركوب الحمير والمسابقة عليها؛ وحكى المسعودي في كتابه المترجم بمروج الذهب: أن القرود في أماكن كثيرة من المعمور، منها وادي نخلة بين الجَنَد وبلاد زَبيد، وهو بين جبلين، وفي كل جبلٍ منهما طائفة من القرود يسوقها هزر، وهو القرد العظيم المقدّم فيها؛ قال: ولها مجالس يجتمع فيها خلقٌ كثير منها؛ فيُسمع لها حديث والإناث بمعزلٍ عن الذكور، والرئيس متميز على المرؤوس؛ وباليمن قرود كثيرة في نواحٍ متعددة؛ منها في ذَمار من بلاد صنعاء في براريَّ وجبالٍ كأنها السحب؛ وتكون القرود أيضاً بأرض النوبة وأعلى بلاد الحبشة، وهذا الصنف من القرود حسن الصورة، خفيف الروح، مدوّر الوجه، مستطيل الذنب، سريع الفهم، ويسمونه النسناس؛ ومنها أيضاً بخُلجان الرانج في بحر الصين وبلاد المهراج وفي ناحية الشمال نحو أرض الصقالبة ضرب من القرود منتصب القامات مستدير الوجوه، والأغلب عليهم صور الناس وأشكالهم، ولهم شعور، وربما صيد منها القرد في النادر بالحيلة، فيكون في نهاية الفهم والدراية، إلا أنه لا لسان له يعبر به عما في نفسه، لكنه يفهم كل ما يخاطب به بالإشارة؛ ومن النواحي التي بها القرود جبل موسى، وهو الجبل المطلّ على مدينة سبتة من بلاد المغرب، والقرود التي فيها قباحُ الصور جداً، وعظام الجثث، تشبه وجوهها وجوه الكلاب، لها خُرطوم، وليس لها أذناب، وأخلاقها صعبة لا يكاد ينطبع فيها تعليم إلا بعد جهد؛ وحكى لي بعض المغاربة أنهم إذا أرادوا صيد هذه القرود يتحيلون عليها بأن يصنعوا لها زرابين بقدر أرجلها، ويلطّخوا نعالها بالصابون، ويأتوا إلى مكان هذه القرود فيقعدوا حيث تراهم، ويلبسوا زرابيبهم ويمشوا بها، ويتركوا تلك الزرابين الصغار، فتأتي القرود وتلبس الزرابين، فتخرج عليها الرجال، فتعدو القرود بتلك الزرابين، فلا تثبت أرجلها على الأرض وتزلَق، فتدركها الرجال ويأخذوها. ولم أقف على شعرٍ يتعلق بوصف القرد فأثبته؛ والله أعلم.\rالنعام والنعامة تسمى بالفارسية: أُشْتُرْمُرْغ، ومعنى أُشْتُر: جمل، ومُرغ: طائر، فكأنهم قالوا: جملٌ طائر؛ ومن أعاجيبها أنها تضع بيضها عند الحِضان، وتعطى كل بيضة منها تصيبها من الحَضْن، لأن بدناه لا يشمل جميع ما تحضنه، فإنها تحضن أربعين بيضة أو ثلاثين، وتخرُج لطلب الطعم، فتمر بطريقها ببيض نعامةٍ أخرى فتحضنه وتنسى بيضها؛ قال ابن هرمة:\rوإني وتركي ندى الأكرمين ... وقَدْحي بكفّي زَنداً شَحاحا\rكتاركة بيضها بالعراء ... وملبِسةٍ بيض أخرى جَناحا\rويقال: إنها تقسم بيضها أثلاثاً، منه ما تحضنه، ومنه ما تجعل صفارة غذاء، ومنه ما نفتحه وتتركه في الهواء حتى يَعْفَن، وتتولّد من عُفونته دوابّ، فتُغذى بها فراخَها إذا خرجت؛ وكل ذي رجلين إذا انكسرت إحداهما استعان في نهوضه وحركته بالثانية إلا النعامة، فإنها تبقى في مكانها جاثمةً حتى تهلِك جوعاً؛ قال الشاعر:\rإذا انكسرت رجل النعامة لم تجد ... على أختها نهضاً ولا باستها حَبْوا","part":3,"page":48},{"id":1049,"text":"والعرب تزعم أن الظليم أصلم، وأنه عوّض عن السمع بالشم، فهو يعرف بأنفه ما لا يحتاج معه إلى سمع، والعرب تقول في أمثالها: \" أحمق من نعامة \" ، قالوا: لأنها إذا أدركها القانص أدخلت رأسها في كثيب رمل وتقدّر في نفسها أنها قد استخفت منه؛ والنعام قوي الصبر على العطش، شديد العدْو، وأشد ما يكون عدْوه إذا استقبل الريح، وهو في عدْوه يضع عنقه على ظهره، ثم يخترق الريح؛ والنعامة تبتلع العظم والحجر والحديد فيصير في جوفها كالماء، وتبتلع الجمر؛ وهو يصاد بالنار كسائر الوحش، فإنه إذا رأى النار دهش ووقف فيتمكّن منه الصائد.\rما وصفت به النعامة\rوقد وصفها إبراهيم بن خفاجة الأندلسي فقال:\rولرب طيّارٍ خفيفٍ قد جرى ... فشلا بجارٍ خلفه طيّار\rمن كل فاجرة الخُطا مختالةٍ ... مشي القناة تجُرّ فضل إزار\rمخضوبة المنقار تحسب أنها ... كَرَعت على ظمأٍ بكأس عُقار\rلا تستقر بها الأَداحي خشيةً ... من ليلِ ويلٍ أو نهار بَوار\rوقال الحِماني:\rقد ألبس الليل حتى يتثنى خَلَقاً ... وأركب الهول بالغرّ الغَرانيقِ\rوأنتحي لنعام الدَّو مُلهِبةً ... كأنها بعض أحجار المجانيق\rتسدي الرياح بها ثوباً وتلحمه ... كما تلبّس من نسج الخداريق\rكأنما ريشها والريح تَقرفه ... أسمال راهبة شيبت بتشقيق\rكأنها حين مدت رؤوسها فَرَقاً ... سود الرجل تعادى بالمزاريق\rكأن أعناقها وهْناً إذا خفقت ... بها البلاقع أدقال الزواريق\rفما استلذ بلحظ العين ناظرها ... حتى تغصّص أعلاهن بالريق\rالقسم الثالث من الفن الثالث وفيه ثلاثة أبواب\rالدواب والأنعام\rالباب الأول من هذا القسم\rفي الخيل\rوابتداء خلقها، وأول من ذللها وركبها، وما ورد في فضلها وبركتها من الآثار الصحيحة، والأحاديث النبوية الثابتة الصريحة، وما ورد في فضل الإنفاق عليها، وما جاء في التماس نسلها، والنهي عن خصائها والرخصة فيه؛ وما قيل في أكل لحومها من الكراهة، وما ورد من النهي عن عَسْب الفرس وبيع ماء الفحل، وما نُدِب إليه من إكرام الخيل ومنع إذالتها، والأمر بارتباطها، وما يُستحبّ من ألوانها وشياتها وذكورها وإناثها، وما ورد في شؤم الرفس، وما يذم من عصمه ورجله، وما جاء في سباق الخيل، وما يحلّ منه وما يحرم، وكيفية التضمير عند السباق، وأسماء السوابق في الحلبة، وما يُقسم لصاحب الفرس من سهام الغنيمة، والفرق في ذلك بين العِراب والهُجُن والبراذين، والعفو عن سقوط الزكاة في الخيل، وما وصفت العرب به الخيل من ترتيبها في السن، وتسمية أعضائها وأبعاضها وألوانها وشياتها، والمحمود من صفاتها ومحاسنها، وعدّ عيوبها التي تكون في خَلقتها وجريها، والعيوب التي تطرأ عليها وتحُدث فيها، وذكر خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدّتها وأسمائها، وكرام الخيل المشهورة عند العرب، وما وُصفت به الخيل في أشعار الشعراء ورسائل الفضلاء التي تتضمن مدح جيّدها وذم رديئها، وغير ذلك على ما نوضحه - إن شاء الله تعالى - ونبيّنه، ونأتي به على الترتيب والتحقيق، فنقول وبالله التوفيق، وإليه المآب.\rابتداء خلق الخيل وأول من ذللها وركبها","part":3,"page":49},{"id":1050,"text":"قال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري المعروف بالثعلبي في تفسيره: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد بن عقيل الأنصاري، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، قالا: أخبرنا أبو منصور محمد بن القاسم العتكي، قال: حدّثنا محمد بن الأشرس، قال: حدثنا أبو جعفر المديني، قال: حدثنا القاسم بن الحسن بن زيد، عن أبيه، عن الحسين بن علي رضي الله عنهما، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لما أراد الله أن يخلق الخيل قال للريح الجنوب: إني خالق منك خلقاً فأجعله عزاً لأوليائي، ومذلّة على أعدائي، وجمالاً لأهل طاعتي؛ فقالت الريح: اخلق، فقبض منها قبضة فخلق فرساً، فقال له: خلقتُك عربياً وجعلت الخير معقوداً بناصيتك، والغنائم مجموعةً على ظهرك، وعطفتُ عليك صاحبك، وجعلتك تطير بلا جناح، فأنت للطلب، وأنت للهرب، وسأجعل على ظهرك رجالاً يسبحوني ويحمدوني ويهللوني، تسبّحن إذا سبحوا، وتهلّان إذا هلّلوا، وتكبرن إذا كبروا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما من تسبيحة وتحميدة وتكبيرة يكبّرها صاحبها فتسمعه إلا فتجيبه بمثلها، ثم قال: لما سمعت الملائكة صفة الفرس وعاينت خلقها، قالت: رب، نحن ملائكتك نسبحك ونحمدك، فماذا لنا؟ فخلق الله لها خيلاً بُلْقاً، أعناقها كأعناق اليُخت، فلما أرسل الله الفرس إلى الأرض، واستوت قدماه على الأرض صَهَلَ، فقيل: بوركت من دابة، أذِلّ بصهيلك المشركين، أُذِلُّ به أعناقهم، وأملأ به آذانهم، وأرعب به قلوبهم؛ فلما عرض الله على آدم من كل شيء قال هل: اختر من خلقي ما شئت، فاختار الفرس، فقال له: اخترت عزّك وعز ولدك خالداً ما خلدوا، وباقياً ما بقوا، بركتي عليك وعليهم، ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك ومنهم \" .\rوروى المسعودي في كتابه المترجم بمروج الذهب بسنده إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الله لما أراد أن يخلق الخيل أوحى إلى الريح الجنوب أني خالق منك خلقاً فاجتمعي، فاجتمعت، فأمر جبريل عليه السلام فأخذ منها قبضة، قال: ثم خلق الله تعالى منها فرساً كميتاً، ثم قال الله تعالى: خلقتك فرساً، وجعلتك عربياً، وفضّلتك على سائر ما خلقت من البهائم بسعة الرزق، والغنائم تقاد على ظهرك، والخير معقود بناصيتك؛ ثم أرسله فصهل، فقال له: باركت فيك، فصهيلك أرعب به المشركين وأملأ مسامعهم، وأزلزل أقدامهم؛ ثم وسمه بغُرّة وتحجيل، فلما خلق الله تعالى أدم، قال: يا آدم، أخبرني أي الدابتين أحببت؟ - يعني الفرس والبُراق، قال: وصورة البُراق على صورة البغل لا ذكر ولا أنثى - فقال آدم: يا رب اخترت أحسنها وجهاً، فاختار الفرس، فقال له الله: يا آدم، اخترت أحسنهما، اخترت عزك وعز ولدك باقياً ما بقوا، وخالداً ما خلدوا \" . هذا ما ورد في ابتداء خلق الفرس؛ والله أعلم بالصواب؛ وإليه المرجع والمآب.\rوأما أول من ذلل الخيل وركبها - فإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، ودليل ذلك ما رواه الزبير بن بكّار في أول كتابه في أناب قريشٍ من حديث داود بن الحُصين، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كانت الخيل وحوشاً لا تُركب فأول من ركبها إسماعيل، فلذلك سُميت العِراب. وما رواه أحمد بن سليمان النجّاد في بعض فوائده من حديث ابن جريج، عن ابن عكرمة أبي مليكة، عن ابن عباس رضي الله عنهما - قال: كانت الخيل وحشاً كسائر الوحوش، فلما أذن الله عز وجل لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام برفع القواعد من البيت، قال الله عز وجل: إني معطيكما كنزاً ذخرته لكما؛ ثم أوحى الله تعالى إلى إسماعيل أن اخرج فادع بذلك الكنز، فخرج إسماعيل إلى أجياد - وكان موطناً له - وما يدري ما الدعاء ولا الكنز، فألهمه الله عز وجل الدعاء، فلم تبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا أجابته، فأمكنته نواصيها، وذلّلها له؛ فاركبوها واعتقدوها، فإنها ميامين، وإنها ميراث عن أبيكم إسماعيل عليه السلام والله أعلم.\rفضل الخيل وبركتها","part":3,"page":50},{"id":1051,"text":"وفضل الإنفاق عليها قال الله عز جل: \" الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون \" قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : \" نزلت في علَفِ الدوابّ \" . ورُوي عن أبي أمامة الباهلي أنه قال: \" هي النفقة على الخيل في سبيل الله \" ، قال الواحدي: \" هذا قول أبي الدرداء ومكحول والأوزاعي \" ؛ ومن فضل الخيل وشرفها أن الله أقسم بها في كتابه العزيز، فقال: \" والعاديات ضبحاً والموريات قدْحاً فالمغيرات صبحاً فأثرن به نقعاً فوسطن به جمعاً إن الإنسان لربه لكَنودٌ \" ؛ وسماها الله تعالى الخير في قوله عز وجل إخباراً عن سليمان عليه السلام: \" إذا عُرض عليه بالعشيّ الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب \" ؛ وفي الحديث الصحيح عن مالك بن أنس، عن نافع، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة \" رواه البخاري؛ وفي لفظٍ آخر: \" معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة \" ؛ ومن طريقٍ آخر عن الشعْبي، عن عُروة - هو ابن أبي الجعد الأردي البارفي - قيل يا رسول الله: وما ذلك الخير؟ قال: \" الأجر والغنيمة \" رواه مسلم.\rوعن عروة رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى فرساً أشقر في سوق المدينة مع أعرابي، فلوى ناصيتها بإصبعه وقال: \" الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة \" .\rوعن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه، - قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يلوي ناصية فرسه بإصبعه ويقول: \" الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة \" ؛ رواه مسلم والنسائي؛ وفي لفظ النسائي: \" يفتل ناصية فرسٍ بين إصبعيه \" ؛ وفي حديث آخر موضع \" معقود \" : \" معقوص \" ، وهو بمعناه، أي ملوي بها ومضفور فيها، والعِقصة: الضفيرة.\rوفي حديث أخر عن نعيم بن زياد، عن أبي كبشة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة \" ؛ وفي لفظٍ آخر: \" فامسحوا نواصيها، وادعوا لها بالبركة \" .\rوعن أسماء بنت يزيد - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" الخيل في نواصيها الخير معقود أبداً إلى يوم القيامة، فمن ربطها عدة في سبيل الله فإن شبعها وجوعها وريها وظمأها وأرواثها وأبوالها فلاح في موازينه يوم القيامة \" رواه الإمام أحمد في مسنده.\rوعن جابر - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها، فخذوا بنواصيها، وادعوا بالبركة، وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار \" ، وفي لفظ: \" وفي نواصيها الخير والنيل \" ، وكانوا يقلدون الخيل أوتار القسي لئلا تصيبها العين، فنهاهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأعلمهم أن الأوتار لا ترد قضاء الله تعالى شيئاً، وقيل: نهاهم عن ذلك خوفاً على الخيل من الاختناق بها، وقيل: المراد بالأوتار الذحول التي وترتم بها في الجاهلية، وقد اختلف الناس في تقليد الدواب والإنسان أيضاً ما ليس بتعاويذ قرآينة مخافة العين، فمنهم من نهى عنه ومنعه قبل الحاجة إليه، وأجازه بعد الحاجة إليه، لدفع ما أصابه من ضرر العين وشبهه، ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها، كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبل حلول المرض، وقصر بعضهم النهي على الوتر خاصة، وأجازه بغير الوتر، وقال بعضهم فمن قلد فرسه شيئاً ملوناً فيه خرز: إن كان للجمال فلا بأس به.\rوعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفاً أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له، فهي لذلك أجر، ورجل ربطها تغنياً وتعففا، ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي لذلك ستر، ورجل ربطها فخراً ورياء ونواءً لأهل الإسلام، فهي على ذلك وزر \" .","part":3,"page":51},{"id":1052,"text":"وفي حديث آخر: \" الخيل لثلاثة، هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي هن له أجر فالذي يتخذها في سبيل الله ويعدها له، فال تغيب شيئاً في بطونها إلى كتب له به أجر، ولو رعاها في مرج فما أكلت شيئاً إلا كتب له به أجر، ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها - حتى ذكر الأجر في أبوالها وأرواثها - ولو استنت شرفاً أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر، وأما الذي هي له ستر فالذي يتخذها تعففاً وتكرماً وتجملاً، ولم ينس حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها، وأما الذي هي عليه وزر يتخذها أشرا وبطراً وبذخا ورثاء الناس، فذلك الذي هي عليه وزر \" .\rشرح غريب هذين الحديثين\rالطول والطيل بالواو والياء: الحبلى، وكذلك الطويلة. وقوله: استنت، أي عدت لمرحها ونشاطها ولا راكب عليها. والشرف: ما يعلو من الأرض، وقيل: الطلق، فكأنه صلى الله عليه وسلم يقول: جرت طلقاً أو طلقين، بمعنى شوط أو شوطني. والأشر والبطر: شدة المرح. والبذخ بفتح الذال وبالخاء المعجمتين: الكبر. ونواء لأهل الإسلام معاداة لهم، من ناوأه نواء ومناوأة، وأصله من ناء إليك ونؤت إليه، أي نهضت.\rوعن زياد بن مسلم الغفاري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: \" الخيل ثلاثة، فمن ارتبطها في سبيل الله وجهاد عدوه كان شبعها وجوعها وريها وعطشها وجريها وعرقها وأرواثها وأبوالها أجر في ميزانه يوم القيامة، ومن ارتبطها للجمال فليس له إلا ذاك، ومن ارتبطها فخرا ورياء كان مثل ما قص في الأول وزراً في ميزانه يوم القيامة \" .\rوعن حباب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وفرس للإنسان،وفرس للشيطان، فأما فرس الرحمن فما أعد في سبيل الله، وقوتل عليه أعداء الله، وأما فرس الإنسان فما استبطن وتجمل عليه، وأما فرس الشيطان فما قومر عليه، رواه الأجري في النصيحة.\rوالقمار في السباق: أن يكون الرهان بني فرسين لا محلل معهما. والاستبطان: طلب ما البطن والنتاج.\rوعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: \" الخيل ثلاثة، ففرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان، فأما فرس الرحمن فالذي يرتبط في سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله - وذكر ما شاء الله - ، وأما فرس الشيطان فالذي يقامر ويراهن عليه، وأما فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها، فهي ستر من فقر \" رواه الإمام أحمد في مسنده.\rوروي ابن أبي شيبة في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" الخيل ثلاثة: فرس يرتبطه الرجل في سبيل الله، فثمنه أجر، وركوبه أجر، ورعايته أجر، وعلفه أجر، وفرس يغالق عليه الرجل ويراهن عليه، فثمنه وزر، وعلفه وركوبه وزر، وفرس للبطنة فعسى أن يكون سداداً من فقرٍ إن شاء الله.\rوعن أنس بن مالك - رضي الله عه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" البركة في نواصي الخيل \" رواه البخاري ومسلم والنسائي. والناصية: الشعر المسترسل على الجبهة، وقد يكنى بها عن النفس، نحو قولهم: \" فلان مبارك الناصية \" أي النفس، قال شيخنا الشيخ الإمام المحدث النسابة القدوة شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتاب الخيل، قال أبو الفضل: وإذا كان الخير والبركة في نواصيها فبعيد أن يكون فيها شؤم على ما جاء في الحديث، وقد تأول العلماء ذلك أن معناه على اعتقاد الناس في ذلك، لا أنه خبر من النبي صلى الله عليه وسلم عن إثبات الشؤم.\rوعن مكحول، قال: قيل لعائشة - رضي الله عنها - : إن أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الشؤم في ثلاثة: في الدار والمرأة والفرس \" فقالت: لم يحفظ أبو هريرة، لأنه دخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" قاتل الله اليهود، يقولون: الشؤم في ثلاثة: في الدار والمرأة والفرس \" ، فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله. وسنذكر الحديث والكلام عليه - إن شاء الله تعالى - في موضعه.\rوعن أنس - رضي الله عنه - قال: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل.\rوعن معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال: ما كان شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخيل، ثم قال: اللهم غفراً إلا النساء.","part":3,"page":52},{"id":1053,"text":"وعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" من حبس فرساً في سبيل الله كان ستره من النار \" .\rوعن محمد بن عقبة، عن أبيه، عن جده، قال: أتينا تميماً الداري وهو يعالج عليق فرسه بيده، فقلنا له: يا أبا رقية، أما لك من يكفيك؟ قال: بلى، ولكنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" من ارتبط فرساً في سبيل الله فعالج عليقه بيده كان له بكل حبة حسنة.\rوروى أن روح بن زنباع الجذامي زار تميماً الداري فوجده ينقى لفرسه شعيرا، ثم يلعفه عليه وحوله أهله، فقال له روح: أما كان لك من هؤلاء من يكفيك؟ قال تميم: بلى، ولكنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من امرئ مسلم ينقى لفرسه شعيراً ثم يعلفه عليه إلا كتب الله له بكل حبة حسنة رواه الإمام أحمد في مسنده.\rوروى أن معاوية بن أبي سفيان قال لأبن الحنظلية: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ارتبط فرساً في سبيل الله كانت النفقة عليه كالماد يده بصدقة لا يقطعها، وفي حديث آخر عنه: لا يقبضها.\rفضل الطرق روي عن أبي عامر الهوزني، عن أبي كبشة الأنماري، أنه أتى رجلاً فقال: أطرقني من فرسك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أطرق مسلماً فرساً فأعقب له الفرس كتب الله له أجر سبعين فرساً يحمل عليها في سبيل الله، وإن لم يعقب كان له كأجر فرس حمل عليه في سبيل الله عز وجل رواه الطبراني في المعجم الكبير.\rوعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ما تعاطى الناس بينهم شيئاً قط أفضل من الطرق، ويطرق الرجل فحله فيجرى له أجرة ويطرق كبشه فيجرى له أجره. والله الموفق للصواب، وإليه المراجع المآب، حسبنا الله وكفى.\rدعاء الفرس لصاحبه حكي الأبيوردي في رسالته، قال: حكى عبد الرحمن بن زياد أنه لما نزل المسلمون مصر كانت لهم مراغة للخيل، فمر حديج بن صومي بأبي ذر - رضي الله عنه - وهو يمرغ فرسه الأجدل، فقال: ما هذا الفرس يا أبا ذر؟ قال: هذا فرس لي، لا أراه إلى مستجاباً، قال: وهل تدعو الخيل فتجاب؟ قال: نعم، ما من ليلة لا والفرس يدعو فيها ربه يقول: اللهم إنك سخرتني لأبن آدم، وجعلت رزقي بيده، فاجعلي أحب إليه من أهله وماله، اللهم أرزقه مني، وأرزقني على يده. وروي أن هذا الخبر عن معاوية بن حديح، عن أبي ذر، وكلاهما روى عن عبد الله بن عمر، ومعاوية هذا يعد من الصحابة الذين سكنوا مصر، وفي حديثه عن أبي ذر \" أحب إليه من أهله وولده \" الحديث، وزاد فيه: فمنها المستجاب، ومنها غير المستجاب، ولا أرى فرسي هذا إلا مستجاباً. ورواه النسائي في كتاب الخيل من سننه، ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من فرس عربي إلى يؤذن له عند كل سحر - وفي رواية: عند كل فجر - بدعوتين: الله خولتني من خولتني من بين آدم، وجعلتني له، فاجعلني أحب أهله وماله، أو من أحب أهله وماله إليه، والله أعلم.\rالشيطان والفرس\rذكر ما ورد من أن الشيطان لا يخبل من في داره فرس عتيق، ولا يدخل داراً فيها فرس عتيق\rعن عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لن يخبل الشيطان أحداً في داره فرس عتيق. وفي لفظ آخر: الجن لا تخبل أحداً في بيته عتيق من الخيل. ورواه ابن قانع أيضاً في معجمه من حديث عريب المليكي، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: \" وآخرين من دونهم لا تعلمونهم \" قال: الجن، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الشيطان لا يخبل أحداً في دارٍ فيها فرس عتيق \" وقيل: المراد أن الشيطان لا يدخل داراً فيها فرس عتيق.\rوروي أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني أرجم بالليل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" ارتبط فرساً عتيقاً \" قال: فلم يرجم بعد ذلك، ورواه محمد بن يعقوب الخيلي في كتاب الفروسية وعلاجات الدواب.\rذكر ما جاء في التماس نسل الخيل والنهي عن خصائها والرخصة فيه والنهي عن هلبها وجز أعرافها ونواصيها","part":3,"page":53},{"id":1054,"text":"روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً من جدس، حي باليمن، فأعطاه رجلاً من الأنصار، وقال: إذا نزلت فانزل قريباً مني فإني أتسار إلى صهيله ففقده ليلة، فسأل عنه، فقال يا رسول الله: إنا خصيناه، فقال: مثلت به يقو لها ثلاثاً، الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، أعرافها أدفاؤها، وأذنابها مذابها، التمسوا نسلها، وباهوا بصهيلها المشركين.\rوعن مكحولٍ - رضي الله عنه - قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جز أذناب الخيل وأعرافها ونواصيها، وقال: \" أما أذنابها فمذابها، وأما أعرافها فأدفاؤها، وأما نواصيها ففيها الخير \" .\rوعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: \" لا تهلبوا أذناب الخيل، ولا تجزوا أعرافها ونواصيها، فإن البركة في نواصيها ودفاؤها في أعرافها، وأذنابها مذابها \" .\rوعن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت: نهى رسول الله صلى الله عيه وسلم عن خصاء الخيل. عن عبد الله بن عمر - ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خصاء الخيل والإبل والغنم، قال ابن عمر - رضي الله عنهما - : \" فيها نشأة الخلق، ولا تصلح الإناث إلا بالذكور \" .\rوروي عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهم - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" لا خصاء في الإسلام ولا بنيان كنيسة \" .\rوكتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - ينهي عن حذف أذناب الخيل وأعرافها وخصائها. ومن العلماء من رأى الخصاء، وذكر أن عروة بن الزبير خصى بغلاً له، وأن عمر بن عبد العزيز خصى بغلاً له في زمن خلافته، وان الحسن سئل عن الخصاء فقال: لا بأس به، وان ابن سيرين قال: لا بأس بخصاء الخيل، لو تركت الفحول لأكل بعضها بعضاً، وأن عطاء قال: \" ما خيف عضاضه وسوء خلقه فلا بأس \" . قال البيهقي: ومتابعة قول ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - مع ما فيه من السنة المروية أولى. ويحتمل جواز ذلك إذا اتصل به غرض صحيح.\rأكل لحوم الخيل\rما قيل من الإباحة والكراهة\rقد أباح أكلها جماعة، منهم شريح والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وحماد بن أبي سليمان والثوري وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور في جماعة من السلف، ودليلهم على ذلك ما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق وجابر بن عبد الله - رضي الله عنهم - ، فأما حديث أسماء فقالت: نحرنا فرساً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه. وأما حديث جابر - رضي الله عنه - فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسمل يوم خيبر من لحوم الحمر، ورخص - و أذن - في لحوم الخيل.\rوذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعي إلى أنها مكروهة، إلى أن كراهيتها عند مالك كراهية تنزيه، لا تحريم في إحدى الروايتين عنه، ودليلهم ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث بقية بن الوليد الحمصي، عن ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير. وما تضمنته الآية من قوله تعالى: \" والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً \" . قال صاحب الهداية الحنفي: خرجت - أي الآية مخرج الامتنان، والأكل من أعلى منافعها، والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى لنعم ويمتن بأدناها، ولأنها آلة إرهاب العدو، فيكره أكله احتراماً له، ولهذا يضرب له بسهم في الغنيمة، ولا، في إباحته تقليل آلة الجهاد، وحديثُ جابرٍ معاوض بحديث خالد ابن الوليد، والترجيح المحرم، ثم قيل: الكراهية عنده كراهية تحريم، وقيل: كراهية تنزيه، والأول أصح، وأما لنبه - فقد قيل: لا باس به، إذ ليس في شربه تقليل آلة الجهاد، انتهى كلام صاحب الهداية.","part":3,"page":54},{"id":1055,"text":"وقد عورض في أدلته بأقوال، أما الآية، فقد قيل: الغالب في الانتفاع بهذه الدواب ما أشار الله تعالى إليه فيها الركوب والزينة، فأما أكلها فنادر، فخرجت الآية مخرج الغالب، وقالوا: ألا ترى أن الأنعام لما كانت متقاربة الحال عند العرب في الانتفاع بها أكلاً وتجملاً وركوباً وتحميلاً، من الله عليهم بتفصيل أحوالها المألوفة والمعتادة عندهم المعروفة في الآية قبلها، فقال تعالى: \" والأنعام خلقها لكم فيها دفئ ومنافع ومنها تأكلون ولكن فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد. لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم \" وقوله تعالى: \" أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون \" ، وأما حديث خالد فإنه وإن كان أحوط من حديث جابر وأسماه فإن حديث جابر وأسماء أسند وأصح، وحديث خالدٍ لا يعرف إلا من رواية بقية ابن الوليد الحمصي، وفيه مقال، حتى إن بعضهم قال: إن أحاديث بقية غير نفيه، فكن منها على تقيه، وصالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب الكندي الحمصي، قال البخاري: فيه نظر، وقال موسى بن هارون: لا يعرف صالح ولا أبوه إلى بجده، وقال أبو داود في سننه: وحديث خالد هذا منسوخ، قد أكله جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الاعتراض على الحنقية أو رده شيخنا الشيخ شرف الدين الدمياطي عليهم في كتاب الخيل له، هذا ما قيل في أكل لحومها.\rعسب الفحل وبيع مائه روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: \" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل \" . وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رجلا من كلابٍ سأل النبي صلى الله لعيه وسلم عن عسب الفحل، فنهاه، فقال يا رسول الله، إنا نطرق الفحل فنكرم، فرخص له في الكرامة، رواه الترمذي، وقال: حسن غريب. والعسب: الضراب، والنهي عنه، أي عن كرائه، وقيل: العسب، ماء الفحل.\rإكرام الخيل ومنع إذالتها روى أبو داود في المراسيل، عن نعيم بن أبي هند - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بفرس، فقال إليه يمسح وجهه وعينيه ومنخريه بكم قميصه، فقيل: يا رسول الله، تمسح بكم قميصك؟ فقال: \" إن جبريل عاتبني في الخيل \" ، وفي حديث آخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح بطرف ردائه وجه فرسه، وقال: \" إني عوتبت الليلة في إذالة الخيل \" . وعن الوضين بن عطاء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا تقودوا الخيل بنواصيها فتذلوها.وعن مكحول - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أكرموا الخيل وجللوها. وعن مجاهد - رضي الله عنه - قال: أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إنساناً ضرب وجه فرسه ولعنه، فقال: \" هذه مع تلك \" لتمسنك النار إلى أن تقاتل عليه في سبيل الله، فجعل الرجل يقاتل عليه إلى أن كبر وضعف، وجعل يقول: اشهدوا اشهدوا. وعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في عين الفرس ربع ثمنه.وعن رعوة البارقي قال: كانت لي أفراس فيها فحل شراؤه عشرون ألف درهم، ففقأ عينه دهقان، فأتيت عمر - رضي الله عنه - فكتب إلى سعد بن أبي وقاص أن خير الدهقان بني أن يعطيه عشرين ألفاً ويأخذ الفرس، وبين أن يغرم ربع الثمن، فقال الدهقان: مال أصنع بالفرس؟ فغرم ربع الثمن. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ما من ليلة إلا ينزل ملك من السماء يحس عن دواب العزاة الكلال إلا دابة في عنقها جرس.\rما يستحب في الخيل ذكر ما ورد من الأمر بارتباط الخيل وما يستحب من ألوانها وشياتها وذكورها وإناثها قال الله تعالى: \" يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا \" ، قال الزمخشري في تفسيره: اصبروا على الدين وتكاليفه، وصابروا أعداء الله في الجهاد، أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحب ولا تكونوا أقل صبراً منهم وثباتاً، ورابطوا: أقيموا في الثغور رابطين خيلكم مترصدين مستعدين للغزو. وقال تعالى: \" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم \" .","part":3,"page":55},{"id":1056,"text":"وعن قيس بن باباه، قال: سمعت سلمان - رضي الله عنه - يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" ما من رجل مسلم إلا حق عليه أن يرتبط فرساً إذا أطاق ذلك \" .\rوعن أبي وهب الجشمي - وكانت له صحبة، رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عزّ وجلّ وجل عبد الله وعبد الرحمن، وارتبطوا الخيل، وامسحوا نواصيها وأكفالها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار، وعليكم بكل كميت أغر محجل، أو أشقر أغر محجل، أو أدهم أغر محجل \" . هكذا ساقه السنائي في سننه.\rوعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: \" إذا أردت أن تغزر فاشتر فرساً أدهم محجلاً مطلق اليمنى فإنك تغنم وتسلم رواه الدمياطي بسنده في كتاب الخيل له.\rوعن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يمن الخيل في شقرها. واليمن: البركة. رواه أبو داود الترمذي، ولفظ الترمذي: يمن الخيل في الشقر.\rوروى الواقدي، عن سعيد بن خالد، عن داود بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه، عن جده - رضي الله عنهم - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \" خير الخيل الشقر \" وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" خير الخيل الشقر وإلا فأدهم أغر محجل ثلاث، ملطق اليمنى \" .\rوذكر سليمان بن بنين النحوي المصري في كتاب آلات الجهاد، وأدوات الصافنات الجياد، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق تبوك، وقد قل الماء، فبعث الخيل في كل وجه يطلبون الماء، فكان أول من طلع بالماء صاحب فرس أشقر، والثاني صاحب أشقر، وكذلك الثالث، فقال صلى الله عليه وسلم: \" اللهم بارك للشقر \" .\rوعن عمرو بن الحارث الأنصاري، عن أشياخ أهل مصر، قالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" لو أن خيل العرب جمعت في صعيد واحد ما سبقها إلى أشقر \" . وكان صلى الله عليه وسلم يحب الشقر.\rوعن أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - عن البني صلى الله عليه وسلم، قال: \" خير الخيل الأدهم والأقرح الأرثم، ثم الأقرح المحجل طلق اليمين، فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية \" هكذا ساقه الترمذي، ورواه أيضاً ابن ماجة، ولفظه: \" خير الخيل الأدم الأقرح الأرثم المحجل طلق اليد اليمنى، فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية \" . وفي بعض ألفاظه عن يزيد بن أبي حبيب، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" الخير في الأدهم الأقرج الأرثم محجل ثلاث، طلق اليمين ثم أغربهيم - وفي لفظ: الأدهم البهيم، أو أغر بهيم - ويسلم إن شاء الله، فإن لم يكن أدهم فكميت في هذه الشيه وروى أبو عبيدة من حديث ابن شبرمه، قال حدثني الشعبي في حديث رفعه، أنه قال: التمسوا الحوائج على الفرس الكميت الأدهم المحجل الثلاث، المطلق اليد اليمنى. وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا أردت أن تغزو فاشتر فرساً أغر محجلاً مطلق اليمنى، فإنك تسلم وتغنم \" . وعن موسى بن علي بن رباح عن أبيه - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أريد أن أبتاع فرساً، أو أفند فرساً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" عليك به كميتاً أو أدهم أقرح أرثم محجل ثلاث، طلق اليمنى.\rوعن عطاء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" وإن خير الخيل الحو \" . الحو: جمع أحوى، وسيأتي شرح لونه في ذكر الألوان والشيات.\rوعن نافع بن جبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" اليمن في الخيل في كل أحوى أحم \" .\rالإناث والفحول\rذكر ترجيح إناث الخيل على فحولها وترجيح فحولهاعلى إناثها\rوما جاء في ذلك عن يحيى بن كثير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" عليكم بإناث الخيل، فإن ظهورها عز، وبطونها كنز \" . وفي لفظ ظهورها حرز.\rوروي أن خالد بن الوليد - رضي الله عنه - كان لا يقاتل إلا على أنثى لأنها تدفع البول وهي تجري، والفحل يحبس البول في جوفه حتى ينفتق، ولأن الأنثى أقل صهيلاً.","part":3,"page":56},{"id":1057,"text":"وروى عن عبادة بن نسي، أو ابن محيريز أنهم كانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات ولما خفي من أمور الحرب، وكان يستحبون فحول الخيل في الصفوف والحصون والسير والعسكر ولما ظهر من أمور الحرب، وكانوا يستحبون خصيان الخيل في الكمين والطلائع، لأنها أصبر وأبقى في الجهد.\rوعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان السلف يستحبون الفحولة من الخيل، ويقولون: هي أجسر وأجرأ. وحكاه البخاري في جامعة عن راشد بن سعد قال: كان السلف يستحبون الفحول من الخيل، لأنها أجرأ وأجسر.\rشؤم الفرس\rوما يذم عن عصمها ورجلها\rروي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" الشؤم في الدار والمرأة والفرس \" . وفي لفظ عنه صلى الله عليه وسلم: \" الشؤم في ثلاثة: في الفرس والمرأة والدر \" . وقد قيل في هذا الحديث: إن المراد بالشؤم: شؤم المرأة إذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس إذا لم يغز عليها وشؤم الدار جار السوء، قال معمر.\rوقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" البركة في ثلاث: في الفرس والمرأة والدار \" . وسئل سالم بن عبد الله - وهو راوي هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - ما معناه؟ فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" إذا كان الفرس ضروباً فهو مشئوم، وإذا كانت المرأة قد عرفت زوجاً قبل زوجها فحنت إلى الزوج الأول فهي مشئومة، وإذا كانت الدار بعيدة من المسجد لا يسمع منها الأذان والإقامة فيه مشئومة، وإذا كن بغير هذا الوصف فهن مباركات \" .\rوعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل. والشكال: أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى، أو في يده اليمنى وفي رجله اليسرى، قال أبو داود: أي مخالف، رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة، ورواه الترمذي والنسائي، ولفظهما: أنه كان يكره الشكال في الخيل، وزاد النسائي: والشكال من الخيل: أن تكون ثلاث قوائم محجلة وواحدة مطلقة، أو تكون الثلاث مطلقة وواحدة محجلة. وقال شيخنا شرف ا لدين الدمياطي - رحمه الله - : وليس يكون الشكال إلا في الرجل، ولا يكون في اليد. وهذا الذي زاده النسائي هو قول أبي عبيدة. وقال ابن دريد: الشكال: أن يكون الحجل في يد ورجل من شق واحد، فإن كان مخالفاً قيل: شكال مخالف. وقال أبو عمر المطرز: وقيل،الشكال: بياض الرجل اليمنى واليد اليمنى، وقيل: بياض اليد اليسرى والرجل اليسرى، وقيل: بياض الرجلين ويد واحدة. قال الشيخ: والصحيح من صفة الشكال ما ذكره أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره: أنه البياض الذي يكون بيد ورجل من خلاف قل أو كثر، وهو الذي ورد في صحيح مسلم وسنن أبي داود، قال الشيخ: وكرامته تحتمل وجهين: إما تفاؤلاً، لشبهه المشكول المقيد الذي لا نهوض فيه، وإما لجواز أن يكون هذا النوع قد جرب فلم توجد فيه نجابة، وقيل: إذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة لزوال شبهه الشكال. والرجل: إذا كان البياض بإحدى رجليه فهو أرجل، ويكره إلا أن يكون به وضح غيره، وقيل: لا يكره إلا إذا كان البياض في رجله اليسرى خاصة، وقيل: الأرجل، وهو الذي لا يكون فيه بياض سوى قطعة في رجله غير دائرة حوالي الإكليل، يقال: رجل الفرس، إذا ابيضت إحدى رجليه، وسيأتي بيان التحجيل والعصم ويغرهما عند ذكرنا للشيات، والله أعلم.\rسباق الخيل\rما يحل منه وما يحرم وكيفية.\rالتضمير عند السباق، وأسماء السوابق في الحلبة روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل \" رواه أبو داود والترمذي والنسائي.\rوفي رواية أخرى للنسائي: \" لا يحل سبق إلا على خف أو حافر \" ، وسئل ابن عمر - رضي الله عنهما - أكنتم تراهنون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لقد راهن رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس له.","part":3,"page":57},{"id":1058,"text":"وعنه - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي قد ضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن ابن عمر كان ممن سابق بها. قال سفيان الثوري: بين الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن الثنية إلى مسجد بني زريق ميل. وقال موسى بن عقبة: بين الحفياء وثنية الوداع ستة أميال أو سبعة، وبين الثنية والمسجد ميل أو نحوه، رواه البخاري ويغره.\rوفي لفظ آخر عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل ، فجعل غاية المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع، وما لم يضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق، قال ابن عمر: فجئت سابقاً فطفر بي الفرس المسجد.\rوذكر بأن بنين في كتابه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل على حلل أتته من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حلل، والمصلى حلتين، والثالث حلة، والرابع ديناراً، والخامس درهماً، والسادس قصبة، وقال: \" بارك الله فيك وفي كلكم وفي السابق والفسكل \" .وروي البلاذري عن ابن سعد عن الواقدي، عن سليمان بن الحارث، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده، قال: أجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيل، فسبقت على فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم الظرب فكساني برداً يمانياً.\rوعن الواقدي، عن سليمان بن الحارث، عن الزبير بن المنذر بن أبي أسيد، قال: سبق أو أسيد الساعدي على فرس رسول الله صلى الله عليه وسلم لزاز، فأعطاه حلة يمانية. وعن مكحول - رضي الله عنه - قال: طلعت الخيل وقد تقدمها فرس النبي صلى الله عليه وسلم، فبرك على ركبتيه، وأطلع رأسه من الصف، وقال: كأنه بحر.وفي لفظ عن مكحول: فجاء فرس له أدهم سابقاً، وأشرف على الناس، فقالوا: الأدهم الأدهم، وجثا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه ومر به وقد انتشر ذنبه وكان معقوداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" البحر \" .\rوأول مسابقة كانت في الإسلام سنة ست من الهجرة، سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل، فسبق فرس لأبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فأخذ السبق. والمسابقة مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام، وليس هو من باب تعذيب البهائم، بل من تدريبها بالجري وإعدادها لحاجتها للطلب والكر، وأختلف فيه، هل من باب المباح، أو من باب المرغب فيه والسنن.\rوعن سعيد بن المسيب أنه قال: ليس برهان الخيل بأس إذا أدخلوا فيها محللا ليس دونها، إن سبق أخذ السبق، وإن سبق لم يكن عليه شيء.\rوعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: \" من أدخل فرساً بين فرسين - يعني وهو لا يؤمن أن يسبق - فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار \" ، رواه أبو داود في الجهاد في باب المحلل، ورواه ابن ماجة.","part":3,"page":58},{"id":1059,"text":"قال الشيخ شرف الدين الدمياطي - رحمة الله تعالى - وقوله: من أدخل فرساً، هو فرس المحلل إذا كان كفؤاً يخافان أن يسبقهما فيحرز السبق، فهو جائز، وإن كان بليداً مأموناً أن يسبق فيحرز السبق لم يحصل به معنى التحليل، وصار إدخاله بينما لغواً لا معنى له، وحصل الأمر على رهان من فرسين لا محلل بينهما، وهو عين القمار. وقال القاضي أبو الفضل: لا خلاف في جواز المراهنة فيها - يعني المسابقة - وأنها خارجة من باب القمار، لكن لذلك صور: إحداها متفق على جوازها، والثانية متفق على منعها، وفي الوجوه الأخر خلاف، فأما المتفق على جوازه فأين خرج الوالي سبقاً يجعله للسابق من المتسابقين ولا فرس له في الحلبة، فمن سبق فهو له، وكذلك لو أخرج أسباقاً أحدها للسابق، والثاني للمصلي، والثالث للثالث، وهكذا، فهو جائز، ويأخذونه على شروطهم، وكذلك لو فعل متطوعاً رجل من الناس ممن لا فرس له في الحلبة، لأن هذا قد خرج من معنى القمار إلى باب المكارمة والتفضل على السابق، وقد أخرجه عن يده بكل حال، وأما المتفق على منعه فإن يخرج كل واحد من المتسابقين سبقاً، فمن سبق منهما أخذ سبق صاحبه وأمسك متاعه، فهذا قمار عند مالك والشافعي وجميع العلماء ما لم يكن بينما محلل فإن كان بينهما محلل فجعلا له السبق إن سبق ولا شيء عليه إن سبق فأجازه ابن المسيب، وقاله مالك مرة، والمشهور عنه أنه لا يجوز، وقال الشافعي مثل قول ابن المسيب، فإن سبق أحد المتسابقين أحرز سبقه وسبق صاحبه، وإن تساويا كان لكل واحد منهما ما أخرج، وإن سبق المحلل لتحليه السبق بدخوله، لأنه علم أن المقصد بدخوله السبق لا المال، وإن لم يكن بينهما محلل فمقصدهما المال والمخاطرة فيه، وقال محمد بن الحسن نحوه والأوزاعي وأحمد وإسحاق، ومن الوجوه المختلف فيها أن يكون الوالي أو غيره ممن أخرج السبق له فرس في الحلبة، فيخرج سبقاً على أنه إن سبق هو حبس سبقه، وإن سبق أخذه السابق، فأكثر العلماء يجيزون هذا الشرط، وهو أحد أقوال مالك وبعض أصحابه، وهو قول الشافعي والليث والثوري وأبي حنيفة قالوا: الأسباق على مالك أربابها، وهم فيها على شروطه، وأبي ذلك مالك في الرواية الأخرى وبعض أصحابه وربيعة والأوزاعي، وقالوا: لا يرجع إليه سبقه، قال مالك: وإنما يأكله من حضر إن سبق مخرجه إن لم يكن مع المتسابقين ثالث، فإن كان معهما ثالث فللذي يلي مخرجه إن سبق، فإن سبق غيره فهو له بغير خلاف، فخرج هذا عندهم عن معنى القمار جملة، ولحق بالأول، لأن صاحبه قد أخرجه عن ملكه جملة، وتفضل بدفعه، وفي الوجوه الأخر معنى من القمار والخطر، لأنها مرة ترجع الأسباق لمخرج أحدها، ومرة تخرج عنه إلى غيره.\rومن شرط وضع الرهان في المسابقة أن تكون الخيل متقاربة الحال في سبق بعضها بعضاً، فمتى تحقق حال أحدها في السبق كان الرهان في ذلك قماراً لا يجوز، وإدخال المحلل لغواً لا معنى له، وكذلك إن كانت متقاربة الحال مما يقطع غالباً بسبق جنسها، كالمضمرة مع غير المضمرة، والعراب مع غيرها، فلا تجوز المراهنة في مثل هذا، وقد ميز النبي صلى الله عليه وسلم ما ضمر في السباق، وأفرده عن ما لم يضمر، وتجوز فيها المسابقة بغير رهان، وإنما يدخل التحليل والتحريم مع الرهان.\rومن شرطها أيضاً الأمد لسباقها، وحكى عبد الله بن المبارك عن سفيان قال: إذا سبق الفرس بأذنه فهو سباق إذا تساوت أعناق الخيل في الطول فإن اختلفت أعناقها بالطول والقصر كان السبق بالكاهل.\rوأما أسماء السوابق في الحلبة - فالسوابق عند أبي عبيدة عشرة: أولها السابق، ثم المصلي، ثم الثالث والرابع كذلك إلى التاسع، والعاشر السكيت، ويقال بالتشديد. وقال ابن قتيبة: فما جاء بعد ذلك لم يعتد به، والفسكل: الذي يجيء في الحبة آخر الخيل. وأما الأصمعي فإنه يقول: أولها المجلي، وهو القمصب، أي محرز قصب السبق، ثم المصلى ثم المسلي، ثم التالن، ثم المؤمل، ثم المرتاح، ثم العاطف، ثم الحظي، ثم اللطيم، ثم السكيت. وقال ابن الأنباري في الزاهر: الأولى المجلي، الثاني المصلي، الثالث المسلي، الرابع التالي، الخامس المرتاح، السادس العاطف، السابع الحظي، الثامن المؤمل، التاسع اللطيم، العاشر السكيت، والكاف منه تخفف وتشدد، قال الشاعر:\rجاء المجلى والمصلى بعده ... ثم المسلى بعده والتالي","part":3,"page":59},{"id":1060,"text":"نسقا وقاد حظيها مرتاحها ... من قبل عاطفها بال إشكال\rوقال أبو الغوث: أولها المحلي، وهو السابق، ثم المصلى، ثم المسلي، ثم التالي، ثم العاطف، ثم المرتاح، ثم المؤمل، ثم الحظي، ثم اللطيم، ثم السكيت، وأنشد بعضهم في العشرة:\rأتانا المجلي والمصلي بعده ... مسل وتالٍ بعده عاطف يجري\rمرتاحها ثم الحظي ومؤمل ... وجاء اللطين والسكيت له يبري\rوقال الجاحظ: كانت العرب تعد السوابق ثمانية، ولا تجعل لما جاوزها حظاً، فأولها السابق، ثم المصلى، ثم المقفى، ثم التالن، ثم العاطف، ثم المذمر، ثم البارع، ثم اللطيم، وكانت العرب تلطم وجه الآخر وإن كان له حظ. وقال ابن الأجدابي: المحفوظ عن العرب السابق والمصلي والسكيت الذي هو العاشر، وأما باقي الأسماء فأراها محدثة، والفسكل: الذي يأتي آخر الخيل في الحلبة. وقال غيره: وما يجيء بعد هذه - يعني العشرة - فهو المقردح، وانشد على ذلك:\rقد سبق الخيل الهجان الأقداح ... وأقبلت من بعده تُقردحُ\rوالفسكل: الذي يجيء في آخريات الخيل، والذي يجيء بعده القاشور، وما جاء بعد ذلك لاحظ له ولا اعتداد به، وقيل: السكيت والفسكل والقاشور بمعنى واحد.\rومما يتصل بهذا الفصل ترتيب عدو الفرس - وأوله الخبب، ثم التقريب، ثم الإمجاج، ثم الإحضار، ثم الإرخاء، ثم الأهداب، ثم الإهماج.\rتضمير الخيل قد حكي ابن بنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بإضمار خيله بالحشيش اليابس شيئاً بعد شيء، وطيا بعد طي، ويقول: \" أرووها من الماء، واسقوها غدوة وغشياً، وألزموها الحلال... فتصفو ألوانها، وتتسع جلودها \" . وأمر صلى الله عليه وسلم أن يقودوها في كل يوم مرتين، ويؤخذ منها من الجري الشوط والشوطان، ولا تركض حتى تنطوى. قال الشيخ - رحمة الله - : والتضمير: تقليل علفها مدة، وإدخالها بيتاً كنيناً، وتجليلها فيه لتعرق ويجف عرقها، فيصلب لحمها ويخف، وتقوى على الجري، يقال: ضمرت الفرس وأضمرته.\rسهم صاحب الفرس والفرق في ذلك بين العراب والهجن والبرازين عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهماً. وفي لفظ: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خبير الفرس سهمين، وللرجل سهماً، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة. وفي لفظ أبي داود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهماً له، وسهمين لفرسه، ولفظ ابن ماجة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان، وللرجل سهم.\rوعن مكحول - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هجن الهجين يوم خيبر، وعرب العرب، للعربي سهمان، وللهجين سهم. وعن خالد ابن معدان - رضي الله عنه - قال: أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للعربي سهمين، وللهجين سهماً.\rوعن أبي موسى أن كتب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - إنا وجدنا بالعراق خيلاً عراضاً دكا، فما يرى أمير المؤمنين في سهامها؟ فكتب: تلك البرازين، فما قارب العتاق فاجعل له سهماً واحداً، وألغ ما سوى ذلك.","part":3,"page":60},{"id":1061,"text":"وعن أبي الأقمر قال: أغارت الخيل على الشأم، فأدركت العرابُ من يومها، وأدركت الكوادن ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان يقال له المنذر بن أبي حمضة، فقال: لا أجعل التي أدركت من يومها مثل التي لم تدرك، ففضل الخيل، فكتب في ذلك إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: \" هبلت الوادعي أمه، لقد أذكرني أمراً كنت أنسيته، أمضوها على ما قال. والكوادن: جمع كودن، وهو البرذون، ومذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة التسوية بني العربي وغيره، إلا أنهم جعلوا لكل واحد منهما سهماً واحداً، قال مالك: ولا أرى البراذين والهجن إلا من الخيل لأن الله تعالى قال في كتابه: \" والخيل والبغال والحمير لتركبوها \" ، وقال: \" وأعدو لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل \" قال: فأنا أرى البراذين والهجن من الخيل إذا أجازها الوالي. قال ابن حبيب: الراذين هي العظام، يريد الجافية الخلقة، العظمية الأعضاء، وليست العرابُ كذلك، فإنها أضمر وأرق أعضاء وأعلى خلقة، وأما الهجن فهي التي أبوها عربي وأمها من البراذين. قال شيخ - رحمه الله تعالى - : ومذهب جمهور العلماء أنه يقسم للفرسان سهمان، ولصاحبه سهم على ما فرضه النبي صلى الله عليه وسلم، لأن مؤونة الفرس أكثر من مؤونة فارسه، وغناءه أكثر من غناء الفارس، فاستحق الزيادة في القسم من أجل ذلك، قال: وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقسم للفرس كما يقسم للرجل، وقال: لا يكون أعظم منه حرمة، ولم يتابعه أحد على ذلك إلى شيء يروي عن علي وأبي موسى، وذهب مالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي إلى أنه لا يقسم إلا لفرس واحد، ودليلهم ما رواه ابن سعد في طبقاته: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن ثابت يوم حنين بإحصاء الناس والغنائم فكان السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، فأخذ من ذلك الخمس، ثم فض الباقي على الناس، فكانت سهامهم لكل رجلٍ أربع من الإبل وأربعون شاة، وإن كان فارساً أخذ اثني عشر من الإبل وعشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم له. وذهب الأوزاعي والثوري والليث بن سعد وأبو يوسف وأحمد ابن حنبل - رحمهم الله - إلى أنه يسهم لفرسين، وروي مثله عن مكحول ويحيى ابن سعيد وابن وهب ومحمد بن الجهم من المالكية، وحكاه محمد بن جرير الطبير في تاريخه، فقال: ولم يكن يسهم للخيل إذا كانت مع الرجل إلا لفرسين ودليلهم ما ذكره ابن مندة في ترجمة البراء بن أوس بن خالد أنه قاد مع النبي صلى الله عليه وسلم فرسين، فضرب له الني صلى الله عليه وسلم خمسة أسهم، ولم يقل أحد إنه يسهم لأكثر من فرسين إلا شيئاً يروى عن سليمان بن موسى أنه يسهم لمن غزا بأفراس لكل فرس سهمان، واختلفوا في الإسهام للفرس المريض الذي يرجى برؤه على قولين، أحدهما: يسهم له نظراً إلى الجنس، والثاني: لا يسهم له، لأنه لا غناء فيه كالبغل والحمار، والله الموفق للصواب.\rسقوط الزكاة في الخيل روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ليس على المرء المسلم في فرسه ولا مملوكه صدقة \" متفق عليه. وفي لفظ عنه: \" ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة \" . وفي لفظ: \" ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر في الرقيق \" . وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الله وضع الصدقات فليس على الخيل صدقة، وليس على الحمر صدقة، وليس على البغال صدقة، وليس على الإبل التي يسقى عليها الماء للنواضح صدقة \" .\rوعن أبي عمرو عبد الله بني يزيد الحراني، قال: حدثني سليمان بن أرقم، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" لا صدقة في الكسعة والجبه والنخة \" ، فسره أبو عمرو، الكسعة: الحمير. والجبهة: الخيل. والنخة: العبيد. ويقال: النخة، البقر العوامل، قال ثعلب: هذا هو الصواب، لأنه من النخ، وهو السوق الشديد، وقال الكسائي: إنما هو النخة بالضم، قال: وهو البقر العوامل، وقال الفراء: النخة بالفتح، أن يأخذ المصدق ديناراً لنفسه بعد فراغه من أخذ الصدقة، وأنشد:\rعمى الذي منع الدينار صاحبه ... دينار نخة كلبٍ وهو مشهود","part":3,"page":61},{"id":1062,"text":"وعن علي - رضي الله عنه - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" عفوت لكم عن الخيل والرقيق \" . وعنه - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" قد عفوت لكم عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهماً درهماً، وليس فيه في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم \" . وفي لفظ أخر عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك \" . قال الجوهري: الورق، الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة، والهاء عضو من الواو، وفي الورق ثلاث لغات حكاهن الفراء: ورق، وورق، وورق.\rوعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الله عز وجل تجوز لكم عن صدقة الخيل والرقيق \" .\rوعن عبد الله بن دينار قال: سألت سعيد بن المسيب، فقلت: أفي البراذين صدقة؟ فقال: في الخيل صدقة؟. وعن حارثة بن مضرب قال: جاء ناس من أهل الشام إلى عمر فقالوا: إنا قد أصبنا أموالاً خيلاً ورقيقاً نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور، فقال: ما فعله صاحباي فأفعله، فاستشار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وفيهم علي - رضي الله عنه - فقال علي: \" هو من إن لم تكن جزية يؤخذون بها بعدك \" .\rوعن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار أن أهل الشأم قالوا لأبي عبيدة: خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة، فأبى، ثم كتب إلى عمر بن الخطاب، فأبى، فكلموه أيضاً، فكتب إلى عمر، فكتب إليه أيضاً عمر: إن أحبوا فخذها منهم وأرددها، يعني في فقرائهم.\rفدلت هذه الأحاديث والأخبار على أن لا صدقة في الخيل السائمة ولا في الرقيق إذا كانوا للخدمة، إلا أن يكونوا للتجارة، فإن كانوا للتجارة ففي أثمانهم أو قيمهم الزكاة إذا حال عليها الحول، وعلى هذا مذهب الجمهور، وذهب أبو حنيفة - رحمة الله - دون صاحبيه إلى وجوب الزكاة في الخيل السائمة إذا كانت إناثاً، أو إناثاً وذكوراً، وقال: هو مخير بين أن تقوم وتؤخذ الزكاة من القيمة، وبين أن يخرج عن كل فرس ديناراً، واحتجوا له بقوله عليه السلام \" ثم لم ينس حق الله في رقابهم وظهورها \" ، قال المخالف لهم: وليس فيه دليل من وجهين: أحدهما أنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر الإبل السائمة وقال: فيها حق سئل عن ذلك الحق ما هو؟ فقال: إطراق فحلها وإعارة دلوها، ومنحة لبنها أو سمنها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله، فلما كانت الإبل فيها حق سوى الزكاة احتمل أن يكون في الخيل أيضاً حق سوى الزكاة وقد روي الترمذي وابن ماجة حديث فاطمة بنت قيس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن في المال حقاً سوى الزكاة \" وتلا هذه الآية \" ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب \" الخ الآية، فيجوز أن يحمل الحق في رقابهم وظهورها على هذا الوجه. الثاني أن يحمل الحق فيها على التأكيد لا على الوجوب، كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ: \" وحق العباد على الله عز وجل أن لا يعذبهم إذا فعلوا ذلك \" ، فهذا محمل قوله عليه السلام: \" ثم لم ينس حق الله في رقابهم \" وتأويله.","part":3,"page":62},{"id":1063,"text":"قال شيخنا شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي - رحمه الله - : ولنا أن نقول فيه أيضاً: هو مجمل، والأحاديث المتقدمة مفسرة تقضي عليه، وظواهرها حجج متضافرة على ترك الزكاة في الخيل، قال: فهذا وجهه من طريق السنة والأثر، وأما وجهه من طريق النظر فمن وجهين: أحدهما أن السؤم في الخيل نادر عند العرب فلا زكاة فيها كالبغال والحمير، الثاني أن الزكاة لو وجبت في الخيل لتعدى ذلك إلى ذكورها قياساً على المواشي من الإبل والبقر والغنم. وقال الطبري والطحاوي: والنظر أن الخيل في معنى البغال والحمير التي قد أجمع الجميع على أن لا صدقة فيها، ورد المختلف فيه إلى المتفق عليه إذا اتفقا في المعنى أولى. وقال أبو عبيد: وكان بعض الكوفيين يرى من الخيل صدقة إذا كانت سائمة يبتغي منها النسل، فقال: إن شاء أدى عن كل فرس ديناراً، وإن شاء قومها ثم زكاها، قال: وإن كانت للتجارة كانت كسائر أموال التجارة يزكيها، قال أبو عبيد: أما قوله في التجارة فعلى ما قال، وأما إيجابه الصدقة في السائمة فليس هذا على اتباع السنة، ولا على طريق النظر، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عفا عن صدقتها، ولم يستثن سائمة ولا غيرها، وأما في النظر، فكان يلزمه إذا رأى فيها صدقة أن يجعلها كالماشية تشبيهاً بها، لأنها سائمة مثلها، فلم يصر إلى واحد من الأمرين، وقد جاء عن غير واحد من التابعين إسقاط الزكاة من سائمتها، فروي عن الحسن أنه قال: ليس في الخيل السائمة صدقة، وعن عمر بن عبد العزيز قال: ليس في الخيل السائمة زكاة، وقال أبو عبيد: وقد قال مع هذا بعض من يقول بالحديث ويذهب إليه: إنه لا صدقة في سائمتها ولا فيما كان منها للتجارة أيضاً، يذهب إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" قد عفونا لكم عن صدقة الخيل والرقيق \" ، فجعله عاماً، فلا زكاة في شيء منها، قال أبو عبيد: فأوجب ذلك الأول الصدقة عليها في الحالين جميعاً وأسقطها هذا فهما كلتيهما وأحد القولين فأوجب القولين عندي غلو، والآخر تقصير، والقصد فيما بينهما هو أن تجب الصدقة فيما بينهما هو أن تجب الصدقة فيما كان منها للتجارة، وتسقط من السائمة، على هذا وجدنا مذهب العلماء، وهم أعلم بتأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول سفيان بن سعيد ومالك وأهل العراق وأهل الحجاز والشأم، لا أعلم بينهم في هذا اختلافاً، والله أعلم بالصواب.\r////وصفت العرب للخيل من ترتيبها في السنّ، وتسمية أعضائها، وأبعاضها، وألوانها، وشياتها، وغررها، وحجولها، وعصمها، ودوائرها، وما قيل في طبائعها وعاداتها، والمحمود من صفاتها ومحاسنها، والعلامات الدّالة على جودتها ونجابتها، وعدّ عيوبها التي تكون في خلقها وجريها، والعيوب التي تطرأ عليها وتحدث فيها\rترتيبها في السنّ\rفالعرب تقول: سنّ الفرس إذا وضعته أمه فهو مهر. ثم هو فلوٌّ. فإذا استكمل سنةٌ فهو حوليّ. ثم هو في الثانية جذع. ثم في الثالثة ثنيٌّ. ثم في الرابعة ربّاعٌ. ثم في الخامسة قارحّ. ثم هو إلى نهاية عمره مذّكٌّ.\rتسميتها\rوتسمية أعضائها وأبعاضها فقد قالوا: الخيل مؤنّثةٌ، ولا واحد لها من جنسها، وجمعها خيول. ويقال في صفاتها: أذنٌ مؤلّلةٌ ومرهفةٌ، أي محدّدة الطرف. قال عديّ بن الرقاع:\rتخوض في فرجات النّقع داميةٌ ... كأنّ آذانها أطراف أقلام\rوحشرةٌ: صغيرة مستديرةٌ. ومقدودةٌ: مدوّرةٌ. وأذنٌ غضنفرةٌ أي غليظةٌ. وزبعراةٌ أي غليظةٌ شعراء. وخذاويّةٌ أي خفيفة السمع. قال عديّ بن زيد:\rله أذنان خذاويّتان ... والعين تبصر ما في الظّلم\rثم الناصية وهي الشعر السائل على الجبهة، يقال: واردةٌ وهي الطويلة، وجثلة وهي الكثيرة الملتفّة. والفاشغة والغمّاء وهي الكثيرة المنتشرة. والسّفواء وهي القليلة. وعصفورها: أصل منبت شعرها. وقونسها: العظم الناتئ بين الأذنين.\rالوجه وما فيه\rمما لم يذكر في خلق الإنسان\rالنّواهق وهما عظمان شاخصان في وجهه من الجبهة إلى المنخرين. واللّهزمتان: وما اجتمع من اللحم في معظم الجبين. وعينّ مغربةّ أي بيضاء الحماليق وما حولها. وخيفاء: إذا كانت إحداهما سوداء والأخرى زرقاء. والمحملقة: التي حول مقلتيها بياضّ لم يخالف السّواد.\rوأنفٌ مصفّحٌ أي معتدل القصبة. والسّمٌ: ثقبه، قال:","part":3,"page":63},{"id":1064,"text":"ومنخراً واسعةٌ سمومه\rوقال مزاحم بن طفيل الغنويّ، وقيل: العبّاس بن مرداس السّلمي،:\rملء الحزامين وملء العين ... ينفش عند الرّبو منخرين\rكنفش كيرين بكفّي قين\rوالحجفلة: الشّفة. والفيد: الشّعر النابت عليها. والشّدقان: مشقّ الفم إلى حدّ اللجام:\rالعنق وما فيه\rفالمعرفة: موضع العرف. والعرف: شعر أعلى العنق. والعذوة: ما على المنسج يقبض عليه الفارس إذا ركب. والعرشان: اللحمان من جانبي العرف. والجران: جلد أسفل العنق. والدّسيع: مركّب العنق في الكاهل. قال سلامة بن جندل:\rيرقى الدّسيع إلى هادٍ له بتعٍ ... في جؤجؤٍ كمداك الطّيب مخضوب\rواللّبان: ما جرى عليه اللّبب. ويقال: عنقٌ قوداء أي طويلةٌ. وسطعاء أي طويلةٌ منتصبةٌ غليظةٌ. وتلعاء: منتصبةٌ غليظة الأصل مجدولة الأعلى. ودنّاء أي مطمئنةٌ من أصلها، هنعاء: مطمئنةٌ من وسطها. ووقصاء: قصيرة. ومرهفةٌ: رقيقةٌ.\rالظهر وما اتصل به\rمن الوركين فمنه: المتنان وهما لحمان يكتنفان الظهر من مركّب العنق إلى علوة ظهر الذّنب. والحارك: عظمٌ مشرفٌ من بين فرعي الكتفين. والقردودة: حدّ الفقار. والفقار: المنتظمة في الصّلب. والصّهوة: مقعد الفارس. والقطاة: مقعد الرّدف خلفه. والمعدّان: موضع السّرج من جنبيه. قال شاعرٌ:\rفإمّا زال سرجي عن معدٍّ ... وأجدر بالحوادث أن تكونا\rوالصّرد: بياضٌ على الظهر. والغرابان: ملتقى أعالي الوركين في ناحية الصّلب. والصّلوان: ما أسهل من جانبي الوركين. والعجب: ما ارتفع من أصل الذّنب. والعلوة: أصله. والعسيب: عظم الذّنب. والأعوج العسيب: أعزل.\rالصدر\rوما اتصل به من البطن فمنه: الكلكل: ما مسّ الأرض من فهدتيه. والفهدتان: اللّحمتان الناتئتان في الصدر. والمحزم: ما شدّ عليه الحزام. والناحران: عرقان يودج منهما.\rالذّراعان\rوما دونهما المرفقان: مآخير رءوس الذّراع. والخصيلة: لحمة الذراع مع العصب. والصّافن: عرق الذراع. والحبال: عصبها. والرّقمتان: لحمتان في باطنهما لا تنبتان شعراً. والرّكبة: موصل ما بين الذّراع والظيف. والوظيفان: العظمان تحت الركبتين والعرقوبين. والرّضفتان: عظمان مستديران على الرّكبة، والسّنبك: طرف مقدّم الحافر. والنّسر: ما يتطاير من أسفله كالنّوى. والمنقل: مجتمع الحافر من باطنه. وألية الحافر: مؤخّره. ويقال: حافرٌ أرحّ: منبطح السّنابك. وفرشاح أي منبطحٌ. ووأبٌ: مقعّبٌ.ومصرورٌ: مضمومٌ صغيرٌ. ومكنبٌ أي كثيفٌ. والله أعلم بالصواب.\rألوانها وشياتها\rوغررها وحجولها وعصمها وما فيها من الدوائر\rمن ألوانها: البهيم والمصمت: كلّ ذي لونٍ واحدٍ لا شية فيه، إلا الأشهب فإنه لا يقال له بهيمٌ. يقال: فرسٌ مصمتٌ، والأنثى مصمتةٌ، والجمع مصامت. وكذلك يقال في قوائم الفرس إذا لم يكن بهنّ تحجيلٌ. قال أبو حاتم:\rمبهمةٌ مصمتة القوائم\rومن ألوان الخيل: الدّهم، وهي ستة: أدهم غيهبٌ وهو أشدّها سواداً، والأنثى غيهبةٌ. والغيهب: الظلمة، والجمع غياهب. وكذلك الغربيب. والحالك. وأدهم دجوجيٌّ: صافي السّواد؛ وقيل: هو مأخوذ من الدّجّة، وهي شدّة السواد والظّلمة. وأدهم يحمومٌ وأدهم أحمّ وهو الذي أشربت سراته وحجزته حمرةً. قال أبو تمام:\rأو أدهم فيه كمتةٌ أممٌ ... كأنه قطعةٌ من الغلس\rثم أدهم أكهب وهو إلى الكدرة.\rثم أحوى والجمع حوٌ؛ وهو أهون سواداً من الجون، ومناخره محمرّةٌ، وشاكلته مصفرّةٌ. والأحوى أربعة ألوانٍ: أحوى أحتم وهو المشاكل للدّهمة والخضرة؛ ولا فرق بينه وبين الأخضر الأحمر إلا باحمرار مناخره واصفرار شاكلته. وأحوى أصبح وهو الي تقلّ حمرة مناخره فتصير إلى السواد ويكون البياض فيه غالباً على أطراف المنخرين. وأحوى أطحل وهو الذي تعتريه صفرةٌ وخضرةٌ مخالطتان لكدرةٍ. وأحوى أكهب. والكهب: قلّة ماء اللّون وكدرته في موضع المنخرين في حمرتهما وفي سواد السّراة في بياض الأقراب.\rومنها الخضر، وهي أربعةٌ: أخضر أحمّ وهو أدناها إلى الدّهمة. قال الشاعر:\rخضراء حمّاء كلون العوهق","part":3,"page":64},{"id":1065,"text":"وهو اللاّزورد. وأخضر أدغم وهو الأخطب لون وجهه وأذنيه ومناخره. وهذا اللّون يسمّى بالفارسيّة ديزجاً. وأخضر أطحل وهوالذي تعلو خضرته صفرةٌ. وأخضر أورق هو الذي كلون الرّماد.\rومنها الكميت، والجمع كمتٌ، والذكر والأنثى فيه كميتٌ، وهي تسعةٌ. قالوا: وكميتٌ من الأسماء المصغّرة المزحّمة التي لا تكبير لها، ومن أكمت بمنزلة حميدٍ من أحمد، غير أن أكمت لم يستعمل. والكميت بين الأحوى والأصدأ، وهو أقرب من الشّقر والوارد إلى السواد وأشدّ منها حمرةً. والفرق ما بين الكميت والأشقر بالعرف والذنب، فإن كانا أحمرين فهو أشقر، وإن كانا أسودين فهو كميتٌ؛ والورد بينهما. والكميت أحبّ الألوان إلى العرب. ومن ألوانه: كميتٌ أحمّ وهو الذي يشاكل الأحوى، غير أنه تفصل بينهما حمرة أقرابه ومراقّه مربطائه. والمريطاء: الجلدة التي بين العانة والسّرّة. والأقراب: من الشاكلة التي هي الخاصرة إلى مراقّ البطن، واحدها: قربٌ وقربٌ. قال الأصمعيّ: أشدّ الخيل جلوداً وحوافر الكمت والحمّ. وكميتٌ أصحم وهو الأسود الذي يضرب إلى الصّفرة. وكميتٌ أطخم والطّخمة: سوادٌ مقدّم الأنف. وكميتٌ مدمّى وهو الشديد الحمرة وكلّما انحدر إلى مراقّ البطن يزداد صفاءً. وكميتٌ أحمر وهو أشدّ حمرةً من المدمّى، وهو أحسن الكمت. وكميتٌ مذهبٌ وهو الذي تعلو حمرته صفرة. وكميتٌ محلفٌ وهو أدنى الكمت إلى الشقرة وظاهر شعر ذنبه وعرفه كلون جسده وباطنه أسود، والأنثى محلفةٌ. وأنشدوا:\rكميتٌ غير محلفةٍ ولكن ... كلون الصّرف علّ به الأديم\rقال أبو خيرة: المحلف بين الأصهب والأحمر، وهو من الإبل الأصحر. وكميتٌ أكلف وهو الذي لم تصف حمرته ويرى في أطارف شعره سوادٌ. وكميتٌ أصدأ وهو الذي فيه صدأةٌ أي كدرةٌ بصفرةٍ قليلة، شبّهت بلون صدأ الحديد.\rومنها الوارد، وهي جمع وردٍ وهي ثلاثةٌ، والورد هو الذي تعلوه حمرةٌ إلى الشّقرة الخلوقيّة وجلده وأصول شعره سودٌ. وقيل: الوردة: حمرةٌ تضرب إلى الصّفرة. وتحقيقه أنه بين الكميت الأحمر وبين الأشقر، منها: وردٌ خالصٌ ووردٌ مصامص وهو الخالص أيضاً، والأنثى مصامصة. ووردٌ أغبس تدعوه العجم السّمند وهو الذي لونه كلون الرّماد.\rومنها الشّقر، وهي تسعةٌ، والأشقر: أشدّ حمرةً من الورد، يقال: أشقر أدبس وهو الذي لونه بين السواد والحمرة. وأشقر خلوقيّ. وأشقر أصبح وهو قريبٌ من الأصهب. والصّهبة: الشّقرة في شعر الرأس. وأشقر سلّغد وهو الذي خلصت شقرته، والأنثى سلّغدةٌ، والجمع سلّغداتٌ. قال شاعرٌ:\rأشقر سلّغدٌ وأحوى أدعج ... وأصكّ أظمى وحيفسٌ أفلج\rوأشقر قرفٌ والأنثى قرفةٌ، والجمع قروفٌ وقرافٌ وأقرافٌ وهو كالسلّغد. وأشقر مدمّى وهو الشديد الحمرة. وأشقر أقهب. والقهبة: غبرةٌ إلى سوادٍ. وقال ابن الأعرابيّ: الأقهب: الذي فيه حمرةٌ فيها غبرةٌ. وأشقر أمغر، وهو الذي تعلو شقرته مغرةٌ، أي كدرةٌ. وأشقر أفضح: بين الفضحة، وهي البياض ليس بالشديد.\rومنها الصّفر، وهي أربعةٌ: أصفر فاقعٌ. وأصفر أعفر وهو بياضٌ تعلوه حمرةٌ. وأصفر ناصعٌ. وأصفر ذهبيٌّ وهو الذي يضرب إلى البياض، وهو السّوسنيّ.\rومنها الشّهب، وهي خمسةٌ. الأشهب: كلّ فرس تكون شعرته على لونين ثم تفترق شعراته فلا تجمع واحداً من اللّونين شعراتٌ تخلص بلون كقدر النّكتة فما فوقها. وقيل: الأشهب الأبيض الشّعرة ليس بالبياض الصّافي القرطاسيّ وجلده أسود يقال له أشهب أبيض. والشّهبة في الألوان: البياض الذي يغلب على السّواد. ويقال للأشهب أيضاً: أضحى، والأنثى ضحياء. وأسماء ألوانه: أشهب ناصعٌ. وأشهب أحمّ وهو أسود تنفذه شعراتٌ بيضٌ. وأشهب زرزوريّ وهو الذي اعتدل فيه السواد والبياض. وأشهب مفلّسٌ وهو الذي خالط بياضه سوادٌ أو حمرة. وأشهب سامريّ وهو الذي شبهته بسواد أورق.\rومنها الجون، وهو اختلاط بياض بحمرة الأشقر أو الكميت.\rومنها الصّنابيّ، وهو دهمة فيها شهبة، أو كمتة فيها شهبة أقلّ من بياض الأشهب. نسب إلى الصّناب وهو الخردل بالزبيب.\rومنها الأغبر، وهو أشقر شملت شقرته شهبةٌ.","part":3,"page":65},{"id":1066,"text":"ومنها الأبرش، وهو الذي فيه لمع بياض كالرّقط، وقيل: هو الذي يكون في شعره نكتٌ صغارٌ تخالف سائر لونه، وإنما يكون ذلك في الدّهم والشّقر خاصّةً، وربما أصابها ذلك من شدّة العطش. فإذا عظمت النّكت فهو مدنر. وإذا كان في جسده بقعٌ متفرقةٌ مخالفةٌ للونه فهو ملمعٌ وأبقع وأشيم. وقيل: الأشيم: أن تكون فيه شامةٌ بيضاء؛ وقيل: قد تكون الشّامة غير بيضاء. وإذا كان في الشامة استطالةٌ فهو مولّعٌ. وقال ابن بنين: إذا كان في الدابّة عدّة ألوان من غير بلقٍ فذلك التوليع، يقال: برذونٌ مولّعٌ. وإذا كانت الشامة في مؤخّره أو شقّه الأيمن كرهت.\rومنها العرسيّ وهو الذي يشبه لون ابن عرس.\rومنها الأنمر، وهو الذي يكون فيه بقعةٌ بيضاء وبعقةٌ أخرى من أيّ لون كان.\rومنها الأبلق، وهو ما يكون نصف لونه أو ما قارب النصف أبيض، والنصف الآخر أسود أو أحمر.\rومنها الأغشى بالغين المعجمة، وهو ما ابيضّ رأسه دون جسده مثل الأرخم.\rومنها الأبيض، وهو الذي ابيضّ شعره بياضاً مثل بياض الأوضاح أشدّ ما يكون من البياض وأصفاه لا يخالطه شيءٌ من الألوان فيقال، فيه: أبيض قرطاسيّ. وربما كان أزرق العين أو أسود أو أكحل. ويدعى بما في عينيه من زرقة وسواد وكحلٍ؛ ولا يكون أكحل حتى تسودّ أشفار عينيه وجفونه.\rقال الشيخ رحمه الله تعالى في كتابه فضل الخيل: وألوان الخيل أدهم، وأخضر، وأحوى، وكميت، وأشقر، وأصفر، وأشهب،وأبرش، وملمّع، ومولّع، وأشيم. هذا قول أبي عبيدة. وقال الأبيورديّ في رسالته: الدّهمة، ثم الحوّة، ثم الصّدأة، ثم الخضرة، ثم الكمتة، ثم الوردة، ثم الشّقرة، ثم الصّفرة، ثم العفرة، ثم الشّهبة. هذا ما وقفنا عليه من ألوانها. والله أعلم.\rوأما الشّية وجمعها شيات\rفقالوا: كلّ لون يخالف معظم لون الفرس فهو شيةٌ. فإذا لم يكن فيه شية فهو أصمّ بهيمٌ من أيّ الألوان كان، والأنثى أيضاً بهيم. وكذلك فرسٌ مصمتٌ بمنزلة البهيم من أيّ لون كان، والأنثى مصمتة، والجمع مصامت. وقد تقدّم ذكر ذلك، فلنذكر الشّيات.\rمن الشيّة، : الغرّة، والقرحة، والرّثمة، والتّحجيل، والسّعف، والنّبط، والصّبغ، والشّغل، واللّمظ، واليعسوب، والتعميم، والبلق.\rفالغرّة، : البياض في الوجه؛ وهي أنواع: لطيمٌ، وشادخةٌ، وسائلةٌ، وشمراخ، ومتقطّعة، وشهباء.\rفاللّطيم: الذي يصيب البياض عينيه أو إحداهما أو خدّيه أو أحدهما، والأنثى أيضاً لطيم. فإذا فشت في الوجه ولم تصب العين فهي شادخةٌ. فإذا اعتدلت على قصبة الأنف وإن عرضت في الجبهة فهي سائلةٌ. وإذا دقدت وسالت في الجبهة وعلى قصبة الأنف ولم تبلغ الحجفلة فيه شمراخٌ. وكلّ بياض في جبهة الفرس فشا أو قلّ ينحدر حتى يبلغ المرسن ثم ينقطع فهي غرّة متقطعةٌ. وإذا كان البياض في منخريه ثم ارتفع مصعداً حتى يبلغ بين عينيه ما لم يبلغ جبهته فهي أيضاً غرّة متقطعة. وإذا كان في الغرّة شعر يخالف البياض فهي غرّة شهباء. وقال ابن قتيبة: إن سالت غرته ودقّت فلم تجاوز العينين فهي العصفور. وإن أخذت جميع وجهه غير أنه ينظر في سوادٍ فهي المبرقعة. فإن فشت حتى تأخذ العينين فتبيضّ أشفاهرما فهو مغربٌ. فإن كانت إحدى عينيه زرقاء والأخرى كحلاء فهو أخيف.\rوأما القرحة، وهي دون الغرّة؛ فقال ابن قتيبة: الغرّة: ما فوق الدّرهم، والقرحة: قدر الدرهم فما دونه. قالوا: والقرح: كلّ بياض كان في جبهة الفرس ثم انقطع قبل أن يبلغ المرسن. وتنسب القرحة إلى خلفتها في الاستدارة والتثليث والتربيع والاستطالة والقلّة؛ فإذا قلّت قيل: خفيّة. وإذا كان في القرحة شعر يخالف البياض فهي قرحةٌ شهباء.\rوأما الرّثمة بالثاء المثلثة، فكلّ بياض أصاب الحجفلة العليا قلّ أو كثر فهو رثمٌ إلى أن يبلغ المرسن. وتنسب الرّثمة إذا هي فشت إلى الشّدوخ. وإذا لم تجاوز المنخرين نسبت إلى الاعتدال. وإذا قلّت واشتدّ بياضها نسبت إلى الاستنارة. وإذا لم يظهر للناظر حتى يدنو نسبت إلى الخفية.\rواللّمظة، كلّ بياض أصاب الحجفلة السّفلى قلّ أو كثر فهو لمظٌ والفرس ألمظ.","part":3,"page":66},{"id":1067,"text":"واليعسوب، : كلّ بياض يكون على قصبة الأنف قلّ أو كثر ما لم يبلغ العينين. وإذا شاب الناصية بياضٌ فهو أسعف. فإذا خلص البياض في الناصية فهو أصبغ. فإذا انحدر البياض إلى منبت الناصية فهو المعمّم. وإذا كان في عرض الذّنب بياضٌ فهو أشعل. والعرب تكره شعلة الذّنب. وإذا كان في قمعة الذّنب، وهي طرفه، بياضٌ فهو أصبغ. وإذا ارتفع البياض حتى يبلغ البطن فهو أنبط. وإذا ظهر البياض وزاد فهو أبلق. وقال ابن قتيبة وابن الأجدابي: إذا كان الفرس أبيض الظّهر فهو أرحل، وإن كان أبيض البطن فهو أنبط. وقال غيرهما: الأدرع من الخيل والشاء: الذي اسودّ رأسه ولو سائره أبيض، والأنثى درعاء، من الدّرعة. والأخصف من الخيل والغنم: الأبيض الخاصرتين الذي ارتفع البلق من بطنه إلى جنبيه، ولونه كلون الرّماد فيه سوادٌ وبياضٌ. وقيل: كلّ ذي لونين مجتمعين فهو خصيفٌ وأخصف؛ وأكثر ذلك السواد والبياض. ويقال: فرسٌ آزر إذا كان أبيض العجز.\rومن الشّية التحجيل، وهو البياض في قوائم الفرس الأربع، أو في ثلاث منها، أو في رجليه قلّ أو كثر إذا استدار حتى يطيف بها. وأصل الحجلة من الحجل بفتح الحاء وكسرها وهو القيد والخلخال. قال ابن الأجدابيّ: فإن كانت قوائمه الأربع بيضاء لا يبلغ البياض منها الركبتين فهو محجّلٌ. وطليق اليد وطلق اليد بفتح الطاء وإسكان اللام وبضمهما أيضاً: إذا كانت على لون البدن ولم يكن بها بياضٌ. فإذا أصاب البياض القوائم كلها فهو محجّل أربعٍ. وإن كان في ثلاث قوائم فهو محجّل ثلاثٍ مطلق يدٍ أو رجلٍ يمنى أو يسرى. وكلّ قائمةٍ بها بياضٌ فهي ممسكةٌ. وكلّ قائمة ليس بها وضحٌ فهي مطلقةٌ. فإن كان البياض في الرجلين جميعاً فهو محجّل الرجلين. وإن كان في إحداهما فهو الأرجل؛ وقد ذكرناه.\rولا يكون التحّجيل واقعاً بيدٍ ما لم يكن معها رجلٌ أو رجلان. ولا بيدين ما لم يكن معهما رجلٌ أو رجلان أو وضحٌ بالوجه. فإن كان التحجيل في يد ورجل من شقٍّ واحدٍ فهو ممسك الأيامن مطلق الأياسر، أو ممسك الأياسر مطلق الأيامن، ويقال: الأيمنين والأيسرين. وإن كان من خلافٍ قلّ أو كثر فهو مشكولٌ؛ وهو مكروه في الحديث. وقد تقدم ذكره.\rومنها العصم، وهو إذا كان البياض بإحدى يديه قلّ أو كثر فهو أعصم اليمنى أو اليسرى. واسم العصمة مأخوذٌ من المعصم وهو موضع السّوار من الساعد. فإن كان البياض في يده اليسرى قيل: منكوسٌ؛ وهو مكروه. وإن كان البياض بيديه جميعاً فهو أعصم اليدين، وإلا أن يكون بوجهه وضحٌ فهو محجّلٌ ذهب عنه العصم. فإن كان بوجهه وضحٌ وبإحدى يديه بياضٌ فهو أعصم، لا يوقع عله وضح الوجه اسم التّحجيل إذا كان البياض بيد واحدة.\rووضح القوائم: الخاتم، والإنعال، والتّخديم، والصّبغ، والتّجبيب، والمسرول، والأخرج، والتّسريح. فأقلّ وضح القوائم الخاتم وهو شعراتٌ بيضٌ. فإذا جاوز ذلك حتى يكون البياض واضحاً فهو إنعالٌ ما دام في مؤخّر رسغه مما يلي الحافر. فإذ جاوز الأرساغ فهو تخديمٌ. وإذا ابيضّت الثّنّة كلّها ولم يتّصل بياضها ببياض التحجيل فهو أصبغ. وإذا ارتفع البياض في القوائم إلى الجبب فما فوق ذلك ما لم يبلغ الركبتين والعرقوبين فهو التّجبيب. فإذا بلغ التجبيب الركبتين والعرقوبين فهو مسرولٌ حتى يخرج من الذراعين والسّاقين. فإذا خرج من الذراعين والساقين فهو أخرج. وكلّ بياضٍ في التحجيل مستطيلٍ فهو تسريحٌ. والله أعلم.\rما في الفرس من الدوائر","part":3,"page":67},{"id":1068,"text":"فمنها: دائرة المحيا وهو اللاّصقة بأسفل الناصية. ودائرة اللّطمة في وسط الجبهة، فإن كانت دائرتان في الجبهة قيل: فرسٌ نطيحٌ. ودائرة اللاّهز: التي تكون في اللّهزمة. ودائرة العمود وتسمّى المعوّذ أيضاً وهي في موضع القلادة. ودائرة السّمامة في وسط العنق. ودائرتان البنيقين وهما اللّتان في نحر الفرس. ودائرة النّاحر:التي في الجران إلى أسفل من ذلك. ودائرة القالع: التي تكون تحت اللّبد. ودائرة الهقعة في الشّقّين، وتدعى النافذة أيضاً، وقيل: هي التي تكون في عرض زوره. ودائرة النّافذة وهي دائرة الحزام. ودائرتا الصّقرين في الحجبتين والقصريين، والحجبة: رأس الورك. والقصرى: الضّلع التي تلي الشاكلة، ودائرة الخرب تكون تحت الصّقرين. ودائرة الناخس تكون تحت الجعرتين إلى الفائلين. وهما عرقان في الفخذ. والجاعرتان: حرفا الوركين المشرفان على الفخذين، وهما مضرب الفرس بذنبه على فخذيه، وهما موضع الرّقمتين من است الحمار.\rوكانت العرب تستحبّ من هذه الدوائر: المعوّذ، والسّمامة، والهقعة. وقيل:استحبّوا الهقعة ثم كرهوها. يقال: إن المهقوع لا يسبق أبداً. وكانوا يكرهون النّطيح، واللاّهز، والقالع، وقيل: الناخس أيضاً. وما سوى هذه الدوائر فغير مكروه.\rوقال ابن قتيبة: والدوائر ثماني عشرة دائرةً. تكره منها الهقعة وهي التي تكون في عرض زوره، وقال: إنّ أبقى الخيل المهقوع. ودائرة القالع هي التي تكون تحت اللّبد. ودائرة النّاخس هي التي تكون تحت الجاعرتين إلى الفائلين. ودائرة اللّطاة في وسط الجبهة، وليست تكره إذا كانت واحدةً؛ فإذا كانت هناك دائرتان قالوا: فرس نطيحٌ؛ وذلك مكروه. وما سوى هذه الدوائر غير مكروهة.\rومن الدوائر التي ذكرتها الهند في البركة والشؤم، قالوا: إذا كان في موضع حكمته دائرةٌ أو على جحفلته العليا دائرةٌ كان ممّا يرتبط. وما كان منها ليس في وجهه ولا في صدره دارةٌ فمكروه ارتباطه. وما كان في صدره دارةٌ إلى التّربيع، أو كان في رأسه دارتان، أو على خاصرته أو على مذبحه دارة، أو في عنقه أو على خطمه أو على أذنه شعرٌ نابت كزهرة النبات، كان ذلك مما يرتبط وتقضى عليه الحوائج، ويكون صاحبه مظفّراً في الحروب ولا يرى في أموره إلاّ خيراً.\rوذكروا أيضاً: أنه لا ينبغي أن يرتبط من الدّوابّ ما كان منها في مقدّم يده دارةٌ، وما كان أسفل من عينيه دارة، أو في أصل أذنيه من الجانبين دارتان، أو على مأبضه دارة، أو على محجره دارة، أو في خدّه أن في جحفلته السّفلى أو على ملتقى لحييه دارة، أو في بطنه شعر منتشرٌ، أو على سرّته دارة، أو كانت أسنانه طالعةً على جحفلته، أو له سنّان ناتئان بمنزلة أنياب الخنزير، أو في لسانه خطط سودٌ لا خضر، وما كان منها أدبس أو أبيض أو أصفر أو أشهب تعلوه حمرةٌ وداخل جحافله ولهواته وخارج لححيته سواد، وما كان منها أدهم وداخل جحافله أبيض، أو في لهواته وداخل شدقه نقطٌ سود وجحفلته خارجها منقّط كحبّ السمسم، أو على منسجه دارتان، أو على خصييه وبرٌ أسود مخالفٌ للونه، أو كان في جبهته شعراتٌ مخالفةٌ للونه، أو ما كان منها حين ينتج يرى خصياه ظاهرين، فهذه العلامات زعم حنةً الهنديّ أنه لا ينبغي لأحد أن يرتبط دابةً بها شيءٌ منها. وزعم أنه يستحبّ أن يربط ما كان في صدره أربع نقطٍ في أربعة مواضع، أو شعر ملتفّ عرضاً وطولاً، أو شعر ملتو.\rطبائعها\rوعاداتها، والمحمود من صفاتها، ومحاسنها، والعلامات الدالّة على جودة الفرس ونجابته: قالت العرب: والخيل نوعان: عتيقٌ وهو المسمى فرساً، وهجين وهو المسمّى برذوناً. والفرق بينهما أنّ عظم البرذون أغلظ من عظم الفرس؛ وعظم الفرس أصلب وأثقل من عظم البرذون؛ والبرذون أحمل من الفرس، والفرس أسرع من البرذون؛ والعتيق بمنزلة الغزال، والبرذون بمنزلة الشاة.","part":3,"page":68},{"id":1069,"text":"وفي طبع الفرس: الزّهو، والخيلاء، والعجب، والسرور بنفسه، والمحبّة لصاحبه. وفي طبعه: أنه لا يشرب الماء إلا كدراً، حتى إنه يرد الماء وهو صافٍ فيضرب بيده فيه حتى يكدّره ويعكّره. وربما ورد الماء الصافي وهو عطشان فيرى خياله فيه فيتحاماه ويأباه، وذلك لفزعه من الخيال الذي يراه في الماء. وهو يوصف بحدّة البصر. وفي طبعه: أنه متى وطئ أثر الذئب خدرت قوائمه حتى لا يكاد يتحرّك، ويخرج الدّخان من جلده؛ وإذا وطئته الأنثى وهي حامل أزلقت. والأنثى من الخيل تحمل سنةً كاملةً؛ هذا هو المعروف من عادتها. وأخبرني بعض من أثق إلى قوله أنه كان يملك حجراً تحمل ثلاثة عشر شهراً. وسمعت أن عند التّتر جنساً من خيلها تحمل الفرس منها تسعة أشهر وتضع. وقال لي الناقل: إنّ هذا أمر مشهور عندهم معروف مألوف لا ينكرونه ولا يتعجبون.\rفصل، والعلامات الجامعة لنجابة الفرس الدالّة على جودته، ما ذكره أيّوب ابن القرّيّة وقد سأله الحجّاج عن صفة الجواد من الخيل فقال: القصير الثلاث، الطويل الثلاث، الرّحب الثلاث، الصافي الثلاث. فقال: صفهنّ؛ فقال: أما الثّلاث الطّوال فالأذن والعنق والذّارع. وأما الثلاث القصار فالظّهر والسّاق والعسيب. وأما الثلاث الرّحبة فالجبهة والمنخر والجوف. وأما الثلاث الصافية فالأديم والعينان والحافر. وقد جمع بعض الشعراء ذلك في بيت واحد فقال:\rوقد أغتدي قبل ضوء الصّباح ... وورد القطا في الغطاط الحثاث\rبصافي الثّلاث عريض الثلاث ... قصير الثلاث طويل الثلاث\rوهذه الحكاية أيضاً نقلت عن صعصعة بن صوحان وقد سأله معاوية: أيّ الخيل أفضل؟ فقال: الطويل الثلاث، والعريض الثلاث، القصير الثلاث، الصافي الثلاث. قال معاوية فسّر لنا؛ قال: أما الطويل الثلاث فالأذن والعنق والحزام. وأما القصير الثلاث فالصّلب والعسيب والقضيب. وأما العريض الثلاث فالجبهة والمنخر والورك. وأما الصافي الثلاث فالأديم والعين والحافر.\rوقال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه لعمرو بن معد يكرب: كيف معرفتك بعراب الخيل؟ قال: معرفة الإنسان بنفسه وأهله وولده؛ فأمر بأفراسٍ فعرضت عليه؛ فقال: قدّموا إليها الماء في التّراس، فمن شرب ولم يكتف فهو من العراب، وما ثنى سنبكه فليس منها.\rوقيل: أهدى عمرو بن العاص لمعاوية بن أبي سفيان ثلاثين فرساً من خيل مصر؛ فعرضت عليه وعنده عتبة بن سفيان بن يزيد الحارثي؛ فقال له معاوية: كيف ترى هذه يا أبا سفيان؟ فإن عمراً قد أطنب في وصفها؛ فقال: أراها يا أمير المؤمنين كما وصف؛ وإنها لسامية العيون، لاحقة البطون؛ مصغية الآذان، قباّء الأسنان؛ ضحام الرّكبات، مشرفات الحجبات؛ رحاب المناخر، صلاب الحوافر؛ وضعها تحليل، ورفعها تقليل؛ فهي إن طلبت سبقت، وإن طلبت لحقت. فقال معاوية: اصرفها إلى دارك، فإن بنا عنها غنىً، وبفتيانك إليها حاجة.\rوقال أبو عبيدة: يستدلّ على عتق الفرس برقّة جحافله وأرنبته، وسعة منخريه، وعرى نواهقه، ودقّة حقويه وما ظهر من أعالي أذنيه، ورقّة سالفتيه وأديمه، ولين شعره؛ وأبين من ذلك كلّه لين شكير ناصيته وعرفه.\rوكانوا يقولون: إذا اشتدّ نفسه، ورحب متنفّسه، وطال عنقه، واشتدّ حقوه، وانهرت شدقه، وعظمت فخذاه، وانشنجت أنساؤه، وعظمت فصوصه، وصلبت حوافره ووقحت، لحق بجياد الخيل، والله أعلم.\rما يستحبّ من أوصافها\rفي الخلق الأذن المؤللّة، والناصية المعتدلة التي ليست بسفواء ولا غمّاء. والجبهة الواسعة، والعين الطامحة السامية، والخدّ الأسيل، ورحب المنخرين، وهرت الشّدقين، قال الشاعر:\rهريتٌ قصيرعذار اللّجام ... أسلٌ طويل عذار الرّسن\rقوله: قصير عذار اللجام: لم يرد به قصر خدّه، وإنما أراد طول شق الفم. ويدلّ على ذلك قوله في البيت:\rأسيلٌ طويل عذار الرّسن\rيريد طول خدّه، وقود العنق لينها حتى لا تكون جاسئةً، ورقّة الجحفلتين، وارتفاع الكتفين والحارك والكاهل.","part":3,"page":69},{"id":1070,"text":"قالوا: ويستحبّ أن يشتدّ مركّب عنقه في كاهله لأنه يتساند إليه إذا أحضر، وعرض الصدر، وضيق الزّور، وارتفاع اللسان، وأن يشتدّ حقوه لأنه معلّق وركيه ورجليه في صلبه، وعظم جوفه وجنبيه، وانطواء كشحه، وإشراف القطاة، وقصر العسيب، وطول الذنب، وشنج النّسا، وطول الفخذين، وتوتير الرّجلين حتى لا يكون أقسط، وتأنيف العرقوبين حتى لا يكون أقمع، وغلظ الرّسغ، وأن تكون الحوافر صلاباً سوداً أو خضراً.\rوحكي أن هارون الرشيد ركب في سنة خمس وثمانين ومائة إلى الميدان لشهود الحلبة، قال الأصمعيّ: فدخلت الميدان لشهودها، فجاء فرس أدهم لهارون الرشيد سابقاً يقال له الرّبد؛ فسرّ به الرشيد وابتهج وقال: عليّ بالأصمعيّ، فنوديت من كل جانب، فأقبلت سريعاً حتى مثلت بين يديه؛ فقال: يا أصمعيّ، خذ بناصية الرّبد ثم صفه من قونسه إلى سنبكه، فإنه يقال: إن فه عشرين اسماً من أسماءالطير؛ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، وأنشدك شعراً جامعاً لها من قول أبي حزرة؛ قال: فأنشدنا لله أبوك!؛ فأنشدته:\rوأقبّ كالسّرحان تمّ له ... ما بين هامته إلى النّسر\rالهامة: أعلى الرأس. والنّسر: ما ارتفع من بطن الحافر من أعلاه. وهما من أسماء الطير.\rرحبت نعامته ووفّر فرخه ... وتمكّن الصّردان في النّحر\rالنعامة: جلدة الرأس التي تغطّي الدّماغ. والفرخ: الدّماغ. والصّردان: عرقان في أصل اللسان، ويقال: إنهما عرقان يكتنفان باطن اللسان. وفي الظهر أيضاً صرد يكون في موضع السّرج من أثر الدّبر. والنعامة والفرخ والصّردان من أسماء الطير.\rوأناف بالعصفور في سعفٍ ... هامٍ أشمّ موثّق الجذر\rالعصفور: أصل منبت شعر الناصية، وهو أيضاً عظم ناتئ في كل جبين، وهو أيضاً من الغرر. والسّعف: يقال: فرس أسعف إذا سالت ناصيته. وهام أي سائل. والشّمم: ارتفاع قصبة الأنف. وموثق الجذر أي شديد. والجذر: الأصل من كل شيء.\rوازدان بالدّيكين صلصله ... ونبت دجاجته عن الصّدر\rالديكان: واحدهما ديك وهو العظم الناتئ خلف الأذن، وهو الذي يقال له الخشّاء والخششاء. والصلصل: بياض في طرف الناصية، ويقال: هو أصل الناصية. والدّجاجة: اللّحم الذي على زوره بين يديه. والدّيك والصّلصل والدّجاجة من الطير.\rوالنّاهضان أمرّ جلزهما ... فكأنما عثما على كسر\rالناهضان: واحدهما ناهض، وهو لحم المنكبين، ويقال: هو اللحم الذي بلى العضدين من أعلاهما. والناهض: فرخ العقاب. وقوله أمرّ جلزهما أي فتل وأحكم، يقال: أمررت الحبل أي فتلته. والجلز: الشدّ. وقوله:\rفكأنما عثما على كسر\rأي كأنهما كسرا ثم جبرا. والعثم: الجبر على عقدة وعوج.\rمسحنفر الجبين ملتئم ... ما بين شيمته إلى الغرّ\rقوله: مسحنفر الجبين أين منتفخهما. ملتئم أي معتدل. والشيمة: من قولك: فرس أشيم: بيّن الشامة. والغرّ في الطير الأغلب الذي يسمّى الرّخمة. وهي من الفرس عضلة السّاق.\rوصفت سماناه وحافره ... وأديمه ومنابت الشعر\rالسّماني: طائر وهو موضع من الفرس ربما أراد به السّمامة، وهي دائرة تكون في سالفة الفرس. والسّمامة أيضاً من الطير. وأديمه: جلده.\rوسما الغراب لموقعيه معاً ... فأبين بينهما على قدر\rالغراب: رأس الورك، ويقال للصّلوين الغرابان، وهما مكتنفا عجم الذنب، ويقال: هما ملتقى أعلى الوركين. والموقعان: ما في أعالي الخاصرتين. وقوله:\rفأبين بينهما على قدر\rأي فرّق بينهما على استواء واعتدال.\rواكتنّ دون قبيحه خطّافه ... ونأت سمامته على الصّقر\rقوله: واكتنّ أي استتر. والقبيح: ملتقى الساقين، ويقال: إنه مركّب الذراعين في العضدين. والخطّاف: هو حيث أدركت عقب الفارس إذا حرّك رجليه؛ ويقال لهذين الموضعين من الفرس المركلان. ونأت أي بعدت. والسّمامة: دائرة تكون في عنق الفرس. والصقر: دائرة في الرأس. والخطّاف والسّمامة والصقر من أسماء الطير.\rوتقدّمت عنه القطاة له ... فنأت بموقعها عن الحرّ\rالقطاة: مقعد الردف. والحرّ: سوادٌ في ظاهر أذني الفرس. وهما من الطير. يقال: إن الحرّ ذكر الحمام.\rوسما على نقويه دون حداته ... خربان بينهما مدى الشّبر","part":3,"page":70},{"id":1071,"text":"النّقوان: واحدهما نقو والجمع أنقاء، وهو عظم ذو مخّ. وعنى هاهنا عظام الوركين، لأن الخراب هو الذي تراه مثل المدهن في ورك الفرس. وهو من الطير ذكر الحباري. والحدأة: سالفة الفرس. وهي من الطير.\rيدع الرّضيم إذا جرى فلقاً ... بتوائم كمواسم سمر\rالرّضيم: الحجارة، يفلقها بتوائم أي بحوافره. والمواسم: جمع ميسم الحديد؛ أي أنها كمواسم الحديد في صلابتها. وقوله: سمر أي لون الحافر. والحافر الأسمر هو الصّلب.\rركّبن في محض الشّوى سبط ... كفت الوثوب مشدّد الأسر\rالشّوى هاهنا: القوائم، يقال: فرس محض الشّوى إذا كانت قوائمه معصوبة. سبط: سهل. كفت الوثوب أي مجتمعٌ. مشدّد الأسر أي الخلق.\rقال الأصمعيّ: فأمر لي بعشرة آلاف درهم.\rفهذه جملٌ من أوصاف محاسنها. وسنذكر إن شاء الله تعالى ما وصفها به الشعراء في أشعارها والفضلاء في رسائلها، على ما تقف على ذلك في موضعه. فلنذكر عيوب الخيل:\rعيوبها\rالتي تكون في خلقتها، وفي جريها، والتي تطرأ عليها وتحدث فيها، فهي مائة نذكرها:\rفأما التي في خلقتها\rفهي أن يكون الفرس أخذى وهو المسترخي أصول الأذنين. وأمعر وهو الذي ذهب شعر ناصيته. وأسفى وهو الخفيف الناصية، وهو محمود في البغال. وأغمّ وهو الذي غطّت ناصيته عينيه. وأسعف وهو الذي في ناصيته بياض. وأحول وهو الذي ابيضّ مؤخر عينه وغار السّواد من قبل مآقيه. وأزرق وهو الذي في إحدى عينيه بياضٌ أو زرقة. وأقنى وهو الذي في أنفه احديدابٌ. ومغرباً وهو الذي أشفار عينيه بيضٌ مع زرقتها. وأدن وهو الذي اطمّأنّ عنقه من أصله. وأهنع وهو الذي اطمأنت عنقه من وسطها. وأوقص وهو الذي في عنقه قصرٌ ويبس معطف. وأكتف وهو الذي في أعالي كتفيه انفراج. وأزور وهو الذي تدخل إحدى فهدتي صدره وتخرج الأخرى. وأقعص وهو المطمئن الصّلب من الصهوة المرتفع القطاة. ومخطفاً وهو الذي الحق ما خلف محزمه من بطنه. وأهضم وهو المستقيم الضلوع الذي دخلت أعاليه. وصقلاً وهو الطويل الصّقلة. وأثجل وهو الذي خرجت خاصرته ورقّ صفاقه. وأفرق وهو الذي قد أشرفت إحدى وركيه على الأخرى. وأرسح وهو قليل لحم الصّلا. وأعزل وهو الملتوي عسيب الذّنب حتى يبرز بعض باطنه. وأكشف وهو الذي التوى عسيب ذنبه. وأصبغ وهو المبيضّ الذّنب. وأشعل وهو الذي في عرض ذنبه بياض. وأشرج وهو الذي ببيضة واحدة. وأفحج وهو الذي تباعد كعباه.وأبدّ وهو الذي تباعدت يداه، وأصكّ وهو الذي تصكّ كعباه إذا مشى. وأحلّ وهو متمسّح النّسا رخو الكعب. وأقفد وهو المنتصب الرّسغ المقبل على الحافر ويكون في الرّجل خاصّةً. وأصدف وهو الذي تدانى ذراعاه وتباعد حافراه. وموجّهاً وهو الذي به صدفٌ يسير. وأقسط وهو الذي رجلاه منتصبتان غير منحنيتين. وأمدش وهو المصطكّ بواطن الرّسغين. وأحنف وهو الملتوي الحافرين يقبل كلّ منهما على صاحبه. ومتلقّفاً وهو الذي يخبط بيده. وأرجز وهو المضطرب الرّجل والكفل فإذا قام اضطربت فخذه. وشختاً وهو القليل اللحم الحميش العظام. ورطلاً وهو الضعيف الخفيف. مكبوناً وهو القصير الدّوارج القريب من الأرض الرحيب الجوف. وعشّاً وهو الضاحي العظام لقلّة لحمه. وسغلاً وهو الصغير الجرم. قال الواسانيّ رحمه الله:\rليس بأسفي ولا أحقّ ولا ... أهضم طاوي الحشا ولا سغل\rوجأباً وهو القصير الغليظ. وملواحاً وهو السريع العطش. وصلوداً وهو البطيء العرق. وضاوياً وهو الذي أضواه أبواه. ومقرفاً وهو الذي أمّه عتيقه وأبوه غير عتيق. وهجيناً وهو الذي أبوه عتيق وأمه برذونة. ومحمقاً وهو الذي لا ينتج منه إلا أحمق. وكوسيّاً وهو الذي إذا جرى نكّس كالحمار. وجاسئاً وهو الذي ترى معاقده وفقار ظهره وعنقه جاسئةً غير ليّنةٍ. والله أعلم.\rوأما العيوب التي في جريها","part":3,"page":71},{"id":1072,"text":"فمنها: الطّموح وهو السامي ببصره صعداً. والمنكّس وهو الذي يطأطئ رأسه إذا جرى. والمعتزم وهو الذي يجمح أحياناً. والجموح: الصّلب الرأس. والغرب: المدّاد المرامي. والشّموس: الذي يمنع السرج والمسّ. والحرون: الذي إذا أدرّ جريه قام لا عن كلال. والبالح إذا قطع جريه ضعفاً. والضّغن هو الذي يتلكأ في الحضر ويقصر عن الحران. والحفّاش هو الذي يشبّ حضراً ثم يرجع القهقرى. والرّوّاغ هو الذي يحيد في حضره يميناً وشمالاً. والفيوش هو الذي يظنّ يه الجري وليس عنده شيء منه. والحيوص وهو الذي يعدل يميناً وشمالاً في استقامة حضره.\rوالمشتق هو الذي يدع طريقه ويعدل ثم يمضى على عدوله لا يروغ. والشّبوب: الذي يقوم على رجليه ويرفع يديه. والعاجر والمعاجر: الذي يعجر برجليه كقماص الحمار. والعدوم والعضوض: الذي يعضّ ما سايره. والشّادخ: يعدل عن طريقه ولا يبالي ما ركب. والجرور: البطئ. والمنعثل: الذي يفرّق بين قوائمه فإذا رفعها فكأنما ينزعها من وحل يخفق برأسه ولا تتبعه رجلاه. والمجربذ: الذي يقارب الخطو يقرّب سنابكه من الأرض ولا يرفعها رفعاً شديداً. والمساعر: الذي يطيح قوائمه جميعاً متفرّقة ولا ضبر له. والمترادّ: الذي ينقص حضره من ابتداء جريه. والفاتر إذا فتر في حضره ولم تساعده قوائمه على ما تطالبه نفسه. والمواكل: الذي لا يسير إلا بسير غيره. والخروط: الذي يخرط رسنه عن رأسه. والرّموح: الذي يرمح بإحدى رجليه. والضّروح: الذي يرمح بكلتيهما. قال: وهذه الزيادة على الأربعة والعشرين إنما هي من سوء العادة وفساد الرياضة.\rوأما العيوب التي تطرأ عليها وتحدث فيها\rفمنها: الانتشار وهو انتفاخ العصب. والشّظى: تحرّك العظم الّلاصق بالرّكبة. والفتوق: انفتاق من العصب على الأرضفة. والدّخس: ورم في أطرة الحافر. والزوائد: أطراف عصب تفرّق عند العجاية وتنقطع عندها وتلصق بها. والعرن: جسوءٌ في رسغ الرّجل خاصّة لشقاقٍ أو مشقة. والشّقاق: يصيبه في أرساغه وربما ارتفع إلى أوظفته، وهو تشقق يصيبها، وتسمى الحلامة. والجرد، ما حدث في عرض عرقوبيه ظاهراً وباطناً من تزيد وانتفاخ عصبٍ ويكون مع المفصل طولاً كالموزة. والملح: انفتاقٌ من العصب أسفل العرقوب لمادّة تنصبّ إليه كالبلّوطة. والقمع: هو عظم قمعة العرقوب. والمشش: كلّ ما شخص في الوظيف وله حجمٌ وليست له صلابة العظم. والارتهاش: أن يصكّ بعرض حافره عرض عجايته من اليد الأخرى. والرّهصة: ما يصير في الحافر. والوجا: ما يصيب الحافر من الخشونة. والرّقق: ضعفٌ ورقّة في الحافر. والنّملة: شقّ في الحافر من الأشعر إلى طرف السّنبك. والسّرطان: داءٌ يأخذ في الرّسغ فيبّس عروقه حتى يقلب حافره. والعزل: أن يعزل ذنبه في شقٍّ عادةً. والخقاق: صوت من ظبية الأنثى. والبجر: أن تكون الرّهابة غير ملتئمةٍ فيعظم ما والاها من جلد السّرة.\rوحيث ذكرنا العيوب فلنذكر الخيل النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.\rأسماء خيل الرسول أوّل فرس ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فرسٌ ابتاعه بالمدينة من رجل من بني فزارة بعشر أواقٍ، وكان اسمه عند الأعرابيّ الضّرس فسمّاه النبيّ صلى الله عليه وسلم السّكب. فكان أوّل ما غزا عليه أحداً، ليس مع المسلمين فرسٌ غيره وفرس لأبي بردة بن نيار يقال له ملاوح. وكان السّكب كميتاً أغرّ محجلاً مطلق اليمنى، وقيل: إنه أدهم. رواه الطّبراني في المعجم الكبير.","part":3,"page":72},{"id":1073,"text":"وعن عمارة بن خزيمة الأنصاريّ أن عمّه حدّثه، وهو من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلّم، : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ابتاع فرساً من أعرابيّ، فاستتبعه النبيّ صلى الله عليه وسلم ليقبضه ثمن فرسه، فأسرع النبيّ صلى الله عليه وسلم المشي وأبطأ الأعرابيّ؛ فطفق رجالٌ يعترضون الأعرابيّ فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ابتاعه، حتى زاد بعضهم الأعرابيّ في السّوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه به النبيّ صلى الله عليه وسلّم؛ فنادى الأعرابيّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت مبتاعاً هذا الفرس فابتعه وإلا بعته؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلّم: \" بلى قد ابتعته \" ؛ فطفق الناس يلوذون بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وبالأعرابيّ وهما يتراجعان، وطفق الأعرابيّ يقول: هلم شهيداً يشهد أني قد بايعتك فمن جاء من الناس قال للأعرابي ويلك! إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن ليقول إلا حقاً! حتى جاء خزيمة بن ثابت فأسمع لمراجعة النبيّ صلى الله عليه وسلم ومراجعة الأعرابيّ؛ فطفق الأعرابيّ يقول: هلمّ شهيداً يشهد أني قد بايعتك؛ فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبيّ صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال: \" بم تشهد؟ \" فقال: بتصديقك يا رسول الله؛ فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: \" شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين \" . وفي لفظٍ: فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنه قد باعك الفرس يا رسول الله؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: \" وهل حضرتنا يا خزيمة؟ \" فقال: لا؛ فقال: \" فكيف شهدت بذلك \" ؛ فقال خزيمة: بأبي أنت وأمّي! يا رسول الله، أصدّقك على أخبار السماء وما يكون في غدٍ ولا أصدّقك في ابتياعك هذا الفرس!. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: \" إنك لذو الشهادتين يا خزيمة \" .\rوقد اختلف في اسم هذا الفرس، فقال محمد بن يحيى ين سهل بن أبي حثمة: هو المرتجز؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه المرتجز. قال ابن الأثير: وكان أبيض. وقال ابن قتيبة في المعارف: المرتجز، وفي أخرى: الطّرف، وفي أخرى: النّجيب.\rومنها البحر، وهو الذي سبق الخيل لمّا سابق به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فسمّاه البحر في ذلك اليوم. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد اشتراه من تجرٍ قدموا من اليمن، فسبق عليه مرّات. قال ابن الأثير: وكان كميتاً، وقيل: كان أدهم.\rومنها سبحة، ذكرها ابن بنين فقال: وكانت فرساً شقراء ابتاعها النبيّ صلى الله عليه وسلم من أعرابيّ من جهينة بعشر من الإبل، وسابق عليها يوم خميسٍ ومدّ الحبل بيده ثم خلّى عنها وسبح عليها؛ فأقبلت الشقراء حتى أخذ صاحبها العلم وهي تنبّر في وجوه الخيل؛ فسمّيت سبحة. وسبحة من قولهم: فرس سابح إذا كان حسن مدّ اليدين في الجري. وسبح الفرس: جريه.\rومنها ذو اللّمة، ذكره ابن حبيب في أفراس النبيّ صلى الله عليه وسلم.\rومنها ذو العقّال، قال بعض العلماء: كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم فرس يقال له ذو العقّال. وكان له صلّى الله عليه وسلّم فرس يقال له اللّحيف وقيل: اللّخيف بالخاء، وقيل فيه: النّحيف. أهداه له فروة بن عمرو من أرض البلقاء، وقيل: أهداه له ابن أبي البراء، وكان صلى الله عليه وسلم يركبه في مذاهبه. وسمّي اللّحيف لطول ذنبه.\rوروى ابن منده من حديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل عن أبيه عن جدّه قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أفراس يسميهنّ: اللّزاز واللّحيف والظّرب. فأمّا لزاز فأهداه له المقوقس. وأما اللّحيف فأهداه له ربيعة بن أبي البراء، فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلب. وأما الظّرب فأهداه له فروى بن عمرو بن النافرة الجذاميّ. الظّرب واحد الظّرب وهو الرّوابي الصغار. وسمّي به لكبره وسمنه، وقيل: لقوّته وصلابة حافره.\rوأهدى تميمٌ الدّاريّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً يقال له الورد؛ فأعطاه عمر؛ فحمل عليه عمر رضي الله عنه في سبيل الله.\rوذكر عليّ بن محمد بن حنين بن عبدوس الكوفيّ في أسماء خيل النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: وكانت له أربعة أفراس: أحدها يقال له السّكب والمرتجز والسّجل والبحر. وقال ابن الأثير: وكان له أفراس: المرتجز وذو العقّال والسّكب واللّحيف واللّزاز والظّرب وسبحة والبحر والشّحاء بالشين المعجمة والحاء المهملة.","part":3,"page":73},{"id":1074,"text":"وحكى ابن بنين عن ابن خالويه قال: كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم من الخيل: سبحة واللّحيف ولزاز والظّرب والسّكب وذو اللّمّة والسّرحان والمرتجل والأدهم والمرتجز. وذكر في موضع آخر: وملاوح والورد واليعسوب.\rوذكر قاسم بن ثابت في كتاب الدلائل:ا ليعسوب واليعبوب فرسين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر ابن سعد في وفادات العرب عن محمد بن عمر قال: حدّثني أسامة بن زيد عن زيد بن طلحة التّيميّ قال: قدم خمسة عشر رجلاً من الرّهاويين وهو حيّ من مذحج على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلوا دار رملة بنت الحارث؛ فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحدّث عندهم طويلاً؛ فأهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هدايا، منها فرس يقال له المراوح؛ فأمر به فشوّر بين يديه فأعجبه؛ فأسلموا وتعلّموا القرآن والفرائض؛ وأجازهم كما يجيز الوفد: أرفعهم ثنتي عشرة أوقية ونشّاً وأخفضهم خمس أواق.\rفقد ظهر من مجموع هذه الروايات أن خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تسعة عشر فرساً، وهي: السّكب والمرتجز والبحر وسبحة وذو اللّمّة وذو العقّال واللّحيف، وقيل فيه بالخاء المعجمة، وقيل: النحيف بالنون، واللّزاز والظّرب والورد والسّجل والشّحاء والسّرحان والمرتجل والأدهم وملاوح واليعسوب واليعبوب والمراوح. وقد يكون الأدهم هو السكب أو البحر، فتكون ثمانية عشر فرساً. والله عز وجل أعلم.\rالخيل المشهورة عند العرب من أقدم خيل العرب زاد الرّاكب؛ وكان من خيل سليمان بن داود عليهما السلام. وحكى محمد بن السائب الكلبيّ: أن الصافنات الجياد المعروضة على سليمان ابن داود صلى الله عليهما وسلم كانت ألف فرس ورثها عن أبيه؛ فلما عرضت عليه ألهته عن صلاة العصر حتى توارت الشمس بالحجاب، فردّها وعرقبها إلاّ أفراساً لم تعرض عليه؛ فوفد عليه قوم من الأزد، وكانوا أصهاره، فلما فرغوا من حوائجهم قالوا: يا نبيّ الله، إنّ أرضنا شاسعة فزوّدنا زاداً يبلّغنا؛ فأعطاهم فرساً من تلك الخيل وقال: إذا نزلتم منزلاً فاحملوا عليه غلاماً واحتطبوا، فإنكم لا تورون ناركم حتى يأتيكم بطعام؛ فساروا بالفرس، فكانوا لا ينزلون منزلاً إلا ركبه أحدهم للقنص، فلا يفلت شيءٌ تقع عينه عليه من ظبي أو بقرة أو حمار، إلى أن قدموا بلادهم؛ فقالوا: ما لفرسنا هذا اسم غلا زاد الراكب فسمّوه به. فأصل فحول العرب من نتاجه. ويقال: إن أعوج منها. قال امرؤ القيس:\rإذا ما ركبنا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب\rوقال عمارة:\rوأرى الوحش عن يميني إذا ما ... كان يوماً عنانه في شمالي\rومن خيل العرب المشهورة ما حكاه أبو عليّ الحسن بن رشيق الأزديّ في كتابه المترجم بالعمدة عن ابن حبيب عن أبي عبيدة قال: الغراب والوجيه ولاحق والمذهب ومكتوم كانت كلّها لغنيّ.\rوقال أحمد بن سعد الكاتب: كان أعوج أوّلاً لكندة، ثم أخذته سليم، وصار لبني عامر ثم لبني هلال. قال ابن حبيب: ركب رطباً فأعوجّت قوائمه، وكان من أجود خيل العرب. وأمّه سبل لغنيّ. وأمّ سبل سوادة. وأم سوادة القسامة، وكانت لجعدة.\rوحكى أحمد بن محمد بن عبد ربّه صاحب العقد في كتابه: أنه لما أنتجته أمّه ببعض بيوت الحيّ نظروا إلى طرف يضع جحفلته على كاذتها على الفخذ مما يلي الحياء؛ فقالوا: أدركوا ذلك الفرس لا ينزو فرسكم؛ لعظم أعوج وطول قوائمه؛ فقاموا إليه فإذا هم بالمهر؛ فسموه أعوج. ولهم أيضاً الفيّاض.","part":3,"page":74},{"id":1075,"text":"قال ابن سعد: الوجيه ولاحق لبني أسد، وقيد وحلاّب لبني تغلب، والصّريح لبني نهشل، وزعم غيره أنه كان لآل المنذر، وجلوى لبني ثعلبة بن يربوع، وذو العقّال لبني رياح بن يربوع، وهو أبو داحسٍ. وكان داحسٌ والغبراء لبني زهير. والغبراء خالة داحس وأخته من أبيه. وذو العقّال وقرزل والخطّار والحنفاء لحذيفة بن بدر. والحنفاء هي أخت داحس من أبيه وأمه. وقرزل آخر للطّفيل بن مالك. وحذفة لخالد بن جعفر بن كلاب. وحذفة أيضاً لصخر بن عمرو بن الشّريد. والشّقراء لزهير بن جذيمة العبسيّ. والزّعفران لبساطم بن قيس. والوريعة ونصاب وذو الخمار لمالك بن نويرة. والشّقراء أخرى لأسيد بن حنّاءة. والشّيّط لأنيف بن جبلة الضّبّيّ. والوحيف لعامر بن الطّفيل. والكلب والمزنوق والورد له أيضاً. وخنثى لعمرو بن عمرو بن عدس. والهدّاج فرس الرّيب ابن شريق السّعدي وجزة فرس يزيد بن سنان المريّ فارس غطفان. والنّعامة للحارث بن عباد. وابن النّعامة لعنترة. والنّحّام فرس للسّليك ابن السّلكة السّعديّ. والعصا فرس جذيمة بن مالك الأزديّ. والهراوة لعبد القيس بن أفصى. واليحموم فرس النّعمان بن المنذر. وكامل فرس زيد الخيل. والزّبد فرس الحوفزان وهو أبو الزّعفران فرس بسطام. والحمالة فرس الكلحبة اليربوعي. هذا ما أورده أحمد بن سعد.\rوقال ابن دريد: القطيب والبطين فرسان كانا للعرب. واللعّاّب والعباية فرسا حرّيّ بن ضمرة. والمدعاس فرس النّوّاس بن عامر المجاشعي. وصهبى فرس النّمر بن تولب. وحافل فرس مشهور. والعسجدي لبني أسد. والشّموس فرس يزيد بن خذّاق العبديّ. الضّيف لبني تغلب. وهراوة العزّاب فرس الرّيّان بن حويص العبديّ، يقال إنها جاءت سابقةً طول أربع عشرة سنة، فتصدّق بها على العزّاب يتكسّبون عليها في السّباق والغارات. والحرون فرس تنسب إليه الخيل، وكان لمسلم بن عمرو بن أسد الباهليّ. والزائد فرس مشهور وهو من نسل الحرون. ومناهب فرس تنسب إليه الخيل أيضاً، قال الشّمردل:\rتلقى الجياد المقربات فينا ... لأفحلٍ ثلاثةٍ ينمينا\rمناهباً والضّيف والحرونا\rوالعلهان فرس أبي مليلٍ عبد الله بن الحارث اليربوعي.\rهذا ما اتفق إيراده من أسماء كرام الخيل ومشهورها. فلنذكر ما ورد في أوصافها وتشبيهها.\rأوصاف الخيل وتشبيهها أوّل من شبّه الفرس بالظبي والسّرحان والنّعامة، ثم اتّبعه الشعراء وحذوا مثاله واقتدوا به، هو امرؤ القيس بن حجر حيث قال:\rله أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ ... وإرخاء سرحانٍ وتقريب تتفل\rكأنّ على المتنين منه إذا انتحى ... مداك عروسٍ أو صراية حنظل\rمكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معاً ... كجلمود صخرٍ حطّه السّيل من عل\rدريرٍ كخذروف الوليد أمرّه ... تقلّب كفّيه بخيطٍ موصّل\rكميتٍ يزلّ اللّبد عن حال متنه ... كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل\rوقال أيضاً:\rوأركب في الرّوع خيفانةً ... كسا وجهها سعفٌ منتشر\rلها حافرٌ مثل قعب الولد ... ركّب فيه وظيفٌ عجر\rلها عجزٌ كصفاة المسي ... ل أبرز عنها حجافٌ مضرّ\rلها ذنبٌ مثل ذيل العرو ... س تسدّ به فرجها من دبر\rلها جبةٌ كسراة المجن ... حذّفه الصانع المقتدر\rإذا أقبلت قلت دبّاءة ... من الخضر مغموسةٌ في الغدر\rوإن أغرضت قلت سرعوفةٌ ... لها ذنبٌ خلفها مسبطرّ\rوإن أدبرت قلت أثفيّةٌ ... ململمةٌ ليس فيها أثر\rوقال أبو داود الإيادي يصف فرساً:\rله ساقا ظليمٍ خا ... ضبٍ فوجئ بالرّعب\rحديد الطّرف والمنك ... ب والعرقوب والقلب\rوقال آخر:\rله صدر طاوسٍ وفخذ نعامةٍ ... ووثبة نمرٍ والتفات غزال\rوأعجب من ذا كلما حطّ حافراً ... يخطّ هلالاً من وراء هلال\rوقال البحتريّ وكان وصّافاً للخيل:\rوأغرّ في الزمن البهيم محجّلٍ ... قد رحت منه على أغرّ محجّل\rكالهيكل المبنيّ إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل","part":3,"page":75},{"id":1076,"text":"ذنبٌ كما سحب الرّداء يذبّ عن ... عرفٍ، وعرفٌ كالقناع المسبل\rجذلان ينفض عذرةً في غرّةٍ ... يققٍ تسيل حجولها في جندل\rكالرائح النّشوان أكثر مشيه ... عرضاً على السّنن البعيد الأطول\rتتوهّم الجوزاء في أرساغه ... والبدر غرّة وجهه المتهلّل\rصافي الأديم كأنّما عنيت به ... لصفاء نقبته مداوس صيقل\rوكأنما نفضت عليه صبغها ... صهباء للبردان أو قطربّل\rوتخاله كسي الخدود نواعماً ... مهما تواصلها بلحظٍ تخجل\rوتراه يسطع في الغبار لهيبه ... لوناً وشداً كالحريق المشعل\rهزج الصّهيل كأنّ في نغماته ... نبرات معبد في الثّقيل الأوّل\rملك العيون فإن بدا أعطينه ... نظر المحبّ إلى الحبيب المقبل\rوكتب إلى محمد بن حميد بن عبد الحميد الطّوسيّ يستهديه فرساً، ووصف له أنواعاً من الخيل، فقال من أبيات:\rفأعن على غزو العدّ بمنطوٍ ... أحشاؤه طيّ الرّداء المدرج\rإمّا بأشقر ساطع أغشى الوغى ... منه بمثل الكوكب المتأجّج\rمتسربلٍ شيةً طلت أعطافه ... بدمٍ فما تلقاه غير مضرّج\rأو أدهم صافي الأديم كأنه ... تحت الكمى مظهر بيرندج\rخفّت مواقع وطئه فلو أنّه ... يجري برملة عالج لم يرهج\rأو أشهبٍ يققٍ يضيء وراءه ... متنٌ كمتن اللّجّة المترجرج\rتخفى الحجول ولو بلغن لبانه ... في أبيضٍ متألقّ كالدّملج\rأوفى بعرفٍ أسودٍ متفرّدٍ ... فيما يليه وحافرٍ فيروزجي\rأو أبلقٍ ملأ العيون إذا بدا ... من كلّ لونٍ معجب بنموذج\rجذلان تحسده الجياد إذا مشى ... عنقاً بأحسن حلّةٍ لم تنسج\rوعريض أعلى المتن لو علّيته ... بالزّئبق المنهال لم يتدحرج\rخاضت قوائمه الوثيق بناؤها ... أمواج تحنيب بهنّ مدرّج\rولأنت أبعد في السماحة همّةً ... من أن تضنّ بملجمٍ أو مسرج\rوقال أيضاً يصف فرساً أدهم:\rبأدهم كالظلام أغرّ يجلو ... بغرّته دياجير الظلام\rترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في جون الغمام\rوقال أيضاً في أدهم:\rضرم يهيج السوط من شؤبوبه ... هيج الجنائب من حريق العرفج\rأمّا الجواد فقد بلونا يومه ... وكفى بيومٍ مخبراً عن عامه\rجارى الجياد فطار عن أوهامها ... سبقاً وكاد يطير عن أوهامه\rجذلان تلطمه جوانب غرّةٍ ... جاءت مجيء البدر عند تمامه\rواسودّ ثم صفت لعيني ناظرٍ ... جنباته فأضاء في إظلامه\rمالت نواحي عرفه فكأنها ... عذبات أثل مال تحت حمامه\rومقدّم الأذنين تحسب أنّه ... بهما يرى الشخص الذي لأمامه\rوكأن فارسه وراء قذاله ... ردفٌ فلست تراه من قدّامه\rلانت معاطفه فخيّل أنه ... للخيزران مناسبٌ لعظامه\rفي شعلةٍ كالشّيب مرّ بمفرقي ... غزلٍ لها عن شيبه بغرامه\rوكأن صهلته إذا استعلى بها ... رعدٌ يقعقع في ازدحام غمامه\rمثل الغراب غدا يباري صحبه ... بسواد صبغته وحسن قوامه\rوالطّرف أجلب زائرٍ لمؤونةٍ ... ما لم تزره بسرجه ولجامه\rوقال عليّ بن الجهم:\rفوق طرفٍ كالطّرف في سرعة الطّر ... ف وكالقلب قلبه في الذكاء\rلا تراه العيون إلا؟ّ خيالاً ... وهو مثل الخيال في الانطواء\rوقال العباس بن مرداس:\rجاء كلمع البرق سمام ناظره ... تسبح أولاه ويطفو آخره\rفما يمسّ الأرض منه حافره\rوقال أبو الطيّب المتنبيّ:\rوجرداً مددنا بين آذانها القنا ... فبتن خفافاً يتّبعن العواليا","part":3,"page":76},{"id":1077,"text":"تماشي بأبدٍ كلّما وافت الصّفا ... نقشن به صدر البزاة حوافيا\rوينظرن من سودٍ صوادق في الدّجى ... يرين بعيدات الشّخوص كما هيا\rوتنصب للجرس الخفيّ سوامعاً ... يخلن مناجاة الضمير تناديا\rتجاذب فرسان الصّباح أعنةً ... كأن على الأعناق منها أفاعيا\rوقال أيضاً:\rوجيادٍ يدخلن في الحرب أعرا ... ءً ويخرجن من دمٍ في جلال\rواستعار الحديد لوناً وألقى ... لونه في ذوائب الأطفال\rوقال أبو الطيّب أيضاً:\rويومٍ كليل العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشمس أيان تغرب\rوعيني على أذني أغرّ كأنّه ... من الليل باقٍ بين عينيه كوكب\rله فضلةٌ عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدرٍ رحيبٍ وتذهب\rشققت به الظّلماء أدني عنانه ... فيطغى وأرخيه مراراً فيلعب\rوأصرع أيّ الوحش قفّيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب\rوقال أيضاً يصف فرساً:\rإن أدبرت قلت لا تليل لها ... وأقبلت قلت ما لها كفل\rوقال أبو الفرج الببّغاء:\rإن لاح قلت أدميةٌ أم هيكل ... أو عنّ قلت أسابح أم أجدل\rتتخاذل الألحاظ في إدراكه ... ويحار فيه الناظر المتأمّل\rفكأنّه في اللطف فهمٌ ثاقبٌ ... وكأنه في الحسن حظٌّ مقبل\rوقال أيضاً من أبيات:\rرماهم بألحاظ الجياد ولم تكن ... لينأى عليها المنزل المتباعد\rمن الّلاء يهجرن المياه لدى السّرى ... ويعتضن شمّ الجوّ والجوّ راكد\rمرنّ على لذع القنا فكأنما ... عليهن من صبغ الدّماء مجاسد\rنسجن ملاء النّقع ثم خرقنه ... بكرٍّ لها منه إلى النصر قائد\rعليهنّ من نسج الغبار غلائلٌ ... رقاقٌ ومن نضح الدماء قلائد\rوقال أبو الفتح كشاجم:\rماءٌ تدفّق طاعةً وسلاسةً ... فإذا استدرّ الحضر منه فنار\rوإذا عطفت به على ناورده ... لتديره فكأنه بركار\rقصرت قلادة نحره وعذاره ... والرّسغ، وهي من العتيق قصار\rيرد الضّحاضح غير ثانٍ سنبكاً ... ويرود طرفك خلفه فيحار\rلو لم تكن للخيل نسبة خلقه ... خالته من أشكالها الأطيار\rوقال آخر:\rوأقبّ تحمله رياحٌ أربعٌ ... لولا اللّجام لطار في الميدان\rمن جملة العقبان إلاّ أنه ... من حسنه في طلعة الغزلان\rيمشي إلى ميدانه متبختراً ... من تيهه كتبختر النّشوان\rوقال ابن المعتزّ:\rوخيلٍ طواها القود حتى كأنّها ... أنابيب سمرٌ من قنا الخطّ ذبّل\rصببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيدٍ سراعٌ وأرجل\rوقال أبو بكر الصّنوبري:\rطرفٌ نأت سماؤه عن أرضه ... وما نأى كاهله عن الكفل\rذو أربعٍ من أربعٍ من القبو ... ل والدّبور والجنوب والشّمل\rوهو إذا أعملها ألفى لها ... فوق الذي يطلبه من العمل\rكالبرق إن أومض أو كالرّعد إن ... أجلب أو صوب الحيا إذا احتمل\rوقال آخر:\rيجري فيبعد من مدىً متقاربٍ ... أبداً ويدنو من مدىً متباعد\rإن سار فهو غدير ماءٍ مائجٍ ... أو قام فهو غدير ماءٍ جامد\rوقال أبو الفضل الميكالي:\rخير ما استطرف الفوارس طرفٌ ... كلّ طرف بحسنه مبهوت\rهو فوق الجبال وعلٌ وفي السه ... ل نعامٌ وفي المعابر حوت\rوقال آخر:\rوطرفٍ إذا ما جرى خلته ... عقاباً من الوكر يبغي المزارا\rترى في الجبين له سوسناً ... وتلمح في لونه الجلّنارا\rويمشي على الماء من خفّةٍ ... ويقدح في الجلمد الصخر نارا\rفلو كان يبغي به راكبٌ ... إلى مطلع الشمس سيراً لطارا\rوقال عبد الجبّار بن حمديس:","part":3,"page":77},{"id":1078,"text":"ومجرّرٍ في الأرض ذيل عسيبه ... حمل الزبرجد منه جسم عقيق\rيجري ولمع البرق في آثاره ... من كثرة الكبوات غير مفيق\rويكاد يخرج سرعةً من ظلّه ... لو كان يرغب في فراق رفيق\rوقال ابن طباطبا:\rعجباً لشمسٍ أشرقت في وجهه ... لم تمح منه دجى الظلام المطبق\rوإذا تمطّر في الرّهان رأيته ... يجري أمام الريح مثل مطرّق\rوقال تاج الملوك بن أيّوب:\rوخيل كأمثال السّعالي شوازب ... تكاد بنا قبل المجال تجول\rسوابق تكبو الريح قبل محاقها ... لها مرحٌ من تحتنا وصهيل\rوقال إبراهيم بن خفاجة يصف فرساً أشهب:\rربّ طرفٍ كالطّرف ساعة عدوٍ ... ليس يسري سراه طيف الخيال\rإن سرى في الدّجى فبعض الدّراري ... أو سعى في الفلا فإحدى السّعالي\rلست أدري إن قيد ليلة أسرى ... أو تمطّيته غداة قتال\rأجنوبٌ تقتاد لي أم جنيبٌ ... أم شمالٌ عنانها بشمالي\rأشهب اللّون أثقلته حليٌّ ... خب فيهن وهو ملقى الجلال\rفبدا الصبح ملجماً بالثّريّا ... وجرى البرق مسرجاً بالهلال\rوقال أيضاً في أشهب:\rوظلام ليلٍ لا شهاب بأفقه ... إلاّ لنصل مهنّدٍ أو لهذم\rلاطمت لجته بموجة أشهبٍ ... يرمى بها بحر الظلام فيرتمى\rقد سال في وجه الدّجنّة غرّةً ... فالليل في شبه الأغرّ الأدهم\rأطلعت منه ومن سنانٍ أزرقٍ ... ومهنّدٍ عضبٍ ثلاثة أنجم\rوقال أبو الصّلت يصف فرساً أشهب:\rوأشهبٍ كالشّهاب أضحى ... يجول في مذهب الجلال\rقال حسودي وقد رآه ... يجنب خلفي إلى القتال\rمن ألجم الصبح بالثريّا ... وأسرج البرق بالهلال\rوقال ابن خفاجة وقد أهدى مهراً بهيماً:\rتقبّل المهر من أخي ثقةٍ ... أرسل ريحاً به إلى المطر\rمشتملاً بالظلام من شيةٍ ... لم يشتمل ليلها على سحر\rمنتسباً لونه وغرّته ... إلى سواد الفؤاد والبصر\rتحسبه من علاك مسترقاً ... بهجة مرأىً وحسن مختبر\rحنّ إلى راحةٍ تفيض ندىً ... فمال ظلٌّ به على نهر\rترى به والنشاط يحفزه ... ما شئت من فحمةٍ ومن شرر\rلو حمل الليل حسن دهمته ... أمتع طرف المحبّ بالسّهر\rأحمى من النجم يوم معركةٍ ... ظهراً وأجرى به من القدر\rاسودّ، وابيضّ فعله كرماً ... فالتفت الحسن فيه عن حور\rفازدد سنا بهجةٍ بدهمته ... فاللّيل أذكى لغرّة القمر\rومثل شكري على تقبّله ... يجمع بين النسيم والزّهر\rوقال في فرس أشقر:\rومطهّم شرق الأديم كأنما ... ألفت معاطفه النجيع خضابا\rطربٌ إذا غنّى الحسام، ممزّقٌ ... ثوب العجاجة جيئةً وذهابا\rقدحت يد الهيجاء منه بارقاً ... متلهّباً يزجي القتام سحابا\rورمى الحفاظ به شياطين العدا ... فانقضّ في ليل الغبار شهابا\rبسّام ثغر الحلى تحسب أنّه ... كأسٌ أثار بها المزاج حبابا\rوقال في أدهم أغرّ محجّل:\rوكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض في أحشائه\rوقال ابن نباتة السّعدي في أدهم:\rوأدهم يستمدّ الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريّا\rسرى خلف الصباح يطير مشياً ... ويطوى خلفه الأفلاك طيّا\rفلمّا خاف وشك الفوت منه ... تعلّق بالقوائم والمحيّا\rوقال في فرس أدهم أغرّ محجّل أهدي له:\rقد جاءنا الطّرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه\rأولايةً ولّيتنا فبعثته ... رمحاً سبيب العرف عقد لوائه\rتختال منه على أغرّ محجّل ... ماء الدّياجي قطرةٌ من مائه","part":3,"page":78},{"id":1079,"text":"وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض في أحشائه\rمتمهّلاً والبرق من أسمائه ... متبرقعاً والحسن من أكفائه\rما كانت النيران يكمن حرّها ... لو أن للنيران بعض ذكائه\rلا تعلق الألحاظ في أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه\rوقال محمد بن الحسين الفارسيّ النحويّ أحد شعراء اليتيمة في فرس أدهم أغرّ:\rومطهّم ما كنت أحسب قبله ... أنّ السروج على البوارق توضع\rوكأنما الجوزاء حين تصوّبت ... لببٌ عليه والثريّا برقع\rطرائف في ذم الخيل بالهزال والعجز عن الحركة كتب بعضهم إلى صديق له:\rما فعلت حجرك تلك التي ... أفضل من فارسها الرّاجل\rعهدي بها تبكي وتشكو الضنى ... لما احتشاه البدن الناحل\rوهي تغنّيني غنا صبّةٍ ... غايتها وجدان ما تأكل:\rياربّ لا أقوى على كلّ ذا ... موتٌ وإلاّ فرجٌ عاجل\rوقال آخر:\rيا نصر حجرك أبلى الجوع جدّتها ... وأصبحت شبحاً تشكو تجافيكا\rإذا رأت تبنةً قالت مجاهرةً ... يا تبن لي حسرةٌ ما تنقضي فيكا\rترجوه طوراً وتبكي منه آيسة ... حتى إذا عرضت باتت تغنّيكا:\rهذي، فديتك، حالي عد علمت بها ... فلم يكون الجفا أفديك أفديكا\rوقال آخر:\rأعطيتني شهباء مهلوبةً ... تذكر نمروذ بن كنعان\rسفينة الحشر إلى عدوها ... أسبق من أشقر مروان\rكأنني منها على زورقٍ ... بلا مجاديف وسكّان\rفانظر إلى حجري ترى شهرةً ... أخبارها جامع سفيان\rوقال آخر:\rحملتني فوق مقرفٍ زمنٍ ... ليس لذي رحلة بنفّاع\rجلدٌ على أعظمٍ محلّلةٍ ... فليس يمشي إلاّ بدفّاع\rكأنني إذ علوت صهوته ... ركبت منه سرير فقّاع\rوكتب زهير بن محمد الكاتب:\rوفرسٍ على المسا ... وي كلّها محتويه\rراكبها في حجلة ... كأنه في مخزيه\rمستقبحاً ركوبها ... مثل ركوب المعصيه\rفما مساويها لمن ... عدّدها مستويه\rيا قبحها مقبلةً ... وقبحها مولّيه\rوقال برهان الدين ابن الفقيه نصر:\rلصاحب الديوان برذونةٌ ... بعيدة العهد من القرط\rإذا رأت خيلاً على مربطٍ ... تقول سبحانك يا معطي\rتمشي إلى خلف إذا ما مشت ... كأنها تكتب بالقبطي\rهذا ما اتّفق إيراده مما قيل في أوصاف الخيل من النظم. فلنذكر ما وصفت به في الرسائل المنثورة، والفقر المسجوعة، والألفاظ المزدوجة؛ مع ما يتصل بذلك من الأبيات في ضمنها.\rفمن ذلك ما حكي أن المهديّ سأل مطر بن درّاج عن أيّ الخيل أفضل؛ فقال: الذي إذا استقبلته قلت نافر، وإذا استدبرته قلت زاخر، وإذا استعرضته قلت زافر. قال: فأي هذه أفضل؟ قال: الذي طرفه إمامه، وسوطه عنانه.\rومن هذا أخذ المتنبي وعليّ بن جبلة والعسكريّ. فقال المتنبي:\rإن أدبرت قلت لا تليل لها\rوقد تقدّم.\rوقال عليّ بن جبلة:\rتحسبه أقعد في استقباله ... حتى إذا استدبرته قلت أكبّ\rوقال أبو هلال العسكريّ:\rطرفٌ إذا استقبلته قلت حبا ... حتى إذا استدبرته قلت كبا\rووصف أعربيّ فرساً أجري في حلبة فقال لما أرسلت الخيل: جاءوا بشيطان، في أشطان؛ فأرسلوه فلمع لمع البرق، واستهلّ استهلال الودق؛ فكان أقرب الخيل إليه، تقع عينه من بعدٍ عليه.\rووصف محمد بن الحسين بن الحرون فرساً فقال: هو حسن القميص، جيّد الفصوص؛ وثيق القصب، نقيّ العصب؛ يبصر بأذنيه، ويتبوّع بيديه، ويداخل رجليه.\rووصف أخر فرساً فقال: الريح أسيرة يديه، والظّليم فريسة رجليه؛ إن حر؟ّ استعر في التهابه، وإن جدّ مرق من إهابه.","part":3,"page":79},{"id":1080,"text":"وكتب عبد الله بن طاهر إلى المأمون مع فرس أهداه إليه: قد بعثت إلى أمير المؤمنين فرساً يلحق الأرنب في الصّعداء، ويجاوز الظباء في الاستواء، ويسبق في الحدور جري الماء؛ إن عطف حار، وإن أرسل طار؛ وإن حبس صفن، وإن استوقف فطن؛ فهو كما قال تأبّط شرّاً:\rويسبق وفد الريح من حيث ينتحى ... بمنخرقٍ من شدّه المتتابع\rووصف آخر فرساً فقال: كأنه إذا علا دعاء، وإذا هبط قضاء. كأنه محلولٌ من قول الشاعر في صفة فرس:\rمثل دعاء مستجابٍ إن علا ... أو كقضاءٍ نازلٍ إذا هبط\rووصف أيّوب بن القرّيّة فرساً فقال: أسيل الخدّ، حسن القدّ؛ يسبق الطّرف، ويستغرق الوصف.\rوقال محمد بن عبد الملك لصديق له: ابغ لي فرساً برذوناً، وثيق اليدين، قائم الأذنين، ذكر العينين، يأنف من تحريك الرجلين.\rومن الكلام الجيّد في وصف الخيل ما أنشأه الشيخ ضياء الدين بن القرطبيّ من رسالته التي كتبها إلى الصاحب الوزير شرف الدين الفائزيّ، وقد تقدّم ذكرها في باب الكتاب في الرسائل، فلا فائدة في إعادتها؛ وإنما أوردنا ذكر الخيل هناك لأن الرسالة تشتمل على أوصاف الخيل والعساكر والسلاح وغير ذلك، فأردنا بإيرادها بجملتها ثمّ أن يكون الكلام فيها سياقه يتلو بعضه بعضاً. وهذه الرسالة في السّفر السابع من هذه النسخة.\rومن إنشاء المولى الفاضل العالم الأديب البليغ شهاب الدين أبي الثّناء محمود ابن سليمان الحلبي الكاتب رسالةٌ في الخيل عملها تجربةً ورياضةً لخاطره، ولم يكتب بها؛ وسمعتها من لفظه، ونقلتها من خطّه؛ وهي: أدام الله إحسان الجناب الفلاني، ولا زالت الآمال في أمواله محكّمه، والأماني كالمحامد في أبوابه مخيّمه، والمعالي كالعوالي إليه دون غيره مسلّمه، والمكارم تغريه في الندى حتى يبذل ما حبّب إليه من الخيل المسوّمه. المملوك يقبّل اليد التي ما زالت بسطتها في الكرم علّيه، وقبضتها بتصريف أعنّة الزمن مليّه؛ ومواهبها تتنوّع في الندى، ومذاهبها في الكرم تهب الأولياء ما تهابه العدا. وينهى وصول ما أنعم به من الخيل التي وجد الخير في نواصيها، وادّخرت صهواتها حصوناً يعتصم في الوغى بصياصيها: فمن أشهب غطّاه النهار بحلّته، وأوطأه الليل على أهلته؛ كأنّ أذنه جلفة قلم، أو شقّة جلم؛ يدرك بها الوهم، ويحقّق في الليل البهيم مواقع السهم؛ يتموّج أديمه ريّا؛ ويتأرّج ريّا، ويقول من استقبله في حلى لجامه: هذا الفجر قد طلع بالثريّا؛ إن التفّت المضايق انساب انسياب الأيم، وإن انفرجت المسالك مرّ مرور الغيم؛ كم أبصر فارسه يوماً أبيض بطلعته، وكم عاين طرف السّنان مقاتل العدا في ظلام النّقع بنور أشعّته؛ لا يستنّ داحسٌ في مضماره، ولا تطمع الغبراء في شقّ غباره، ولا يظفر لاحقٌ من لحاقه بسوي آثاره؛ تسابق يداه مرامي طرفه، ويدرك شوارد البوق ثانياً من عطفه.\rومن أدهم حالي الشّكيم، حالك الأديم، له مقلة غانيةٍ وسالفة ريم؛ قد ألبسه الليل برده، وأطلع بين عينيه سعده؛ يظنّ من نظر إلى سواد طرّته، وبياض حجوله وغرّته؛ أنه توهّم النهار نهراً فخاضه، وألقى بين عينيه نقطةً من رشاش تلك المخاضه؛ ليّن الأعطاف، سريع الأنعطاف؛ يقبل كالليل، ويكرّ كجلمود صخرٍ حطّه السّيل؛ يكاد يسبق ظلّه، وإذا جارى السهم إلى غرضٍ بلغه قبله.\rومن أشقر غشّاه البرق بلهبه، ووشّاه الأصيل بذهبه؛ يتوجّس ما لديه برقيقتين، وينفض وفرتيه عن عقيقتين، وينزل عذار لجامه من سالفتيه على شقيقتين؛ له من الرّاح لونها، ومن الرياح لينها؛ إن جرى فبرقٌ خفق، وإن أسرع فهلالٌ على شفق؛ لو أدرك أوائل حرب ابني وائلٍ لم يكن للنّعامة نباهه، ولا للوجيه وجاهه، ولكان ترك إعارة سكاب لؤماً وتحريم بيعها سفاهه؛ يركض ما وجد أرضاً، ولو اعترض به راكبه بحراً وثبه عرضاً.","part":3,"page":80},{"id":1081,"text":"ومن كميتٍ نهد، كأنّ راكبه في مهد؛ عندميّ الإهاب، شماليّ الذّهاب؛ يزلّ الغلام الخفّ عن صهواته، وكأنّ نغم الغريض ومعبدٍ في لهواته؛ قصير المطا، فسيح الخطا؛ إن ركب لصيدٍ قيّد الأوابد، وأعجل عن الوثوب الوحش اللّوابد؛ وإن جنب إلى حربٍ لم يزورّ من وقع القنا بلبانه، ولم يشك لو علّم الكلام بلسانه، ولم ير دون بلوغ الغاية، وهي ظفر راكبه، ثانياً من عنانه؛ وإن سار في سهلٍ اختال براكبه كالثّمل، وإن أصعد في جبل طار في عقابه كالعقاب وانحطّ في مجاريه كالوعل؛ متى ما ترقّ العين فيه تسهّل، ومتى أراد البرق مجاراته قال له الوقوف عند قدره: ما أنت هناك فتمهّل.\rومن حبشيّ أصفر يروق العين، ويشوق القلب بمشابهته العين؛ كأنّ الشمس ألقت عليه من أشعّتها جلالاً، وكأنه نفر من الدّجى فاعتنق منه عرفاً واعتلق أحجالاً؛ ذي كفلٍ يزين سرجه، وذيلٍ يسدّ إذا استدبرته منه فرجه؛ قد أطلعته الرياضة على مراد فارسه، وأغناه نضار لونه ونضارته عن ترصيع قلائده وتوشيع ملابسه؛ له من البرق خفّة وطئه وخطفه؛ ومن النسيم لين طروقه ولطفه، ومن الريح هزيزها إذا ما جرى شأوين وابتلّ عطفه؛ يطير بالغمز، ويدرك بالرّياضة مواقع الرّمز، ويغدو كألف الوصل في استغنائه مثلها عن الهمز.\rومن أخضر له من الروض تفويفه، ومن الوشي تقسيمه وتأليفه؛ قد كساه الليل والنهار حلتي وقارٍ وسنا، واجتمع فيه من البياض والسواد ضدّان لمّا استجمعا حسناً؛ ومنحه البازي حلّة وشيه، وأعطته نفوح الرياح ونسماتها قوّة ركضه وخفّة مشيه، يعطيك أفانين الجري قبل سؤاله، ولمّا لم يسابقه شيء من الخيل أغراه حبّ الظفر بمسابقة خياله، كأنه تفاريق شيب في سواد عذار، أو طلائع فجرٍ خالط بياضه الدّجى، فما سجى، ومازج ظلامه النهار، فما أنار؛ يختال لمشاركة اسم الجري بينه وبين الماء في شدّة السّير كالسيل، ويدلّ بسبقه على المعنى المشترك بين البروق اللّوامع وبين البرقيّة من الخيل، ويكذّب المانويّة لتولّد اليمن فيه بين إضاءة النهار وظلمة الليل.\rومن أبلق ظهره حرم، وجريه ضرم؛ إن قصد غاية فوجود الفضاء بينه وبينها عدم، وإن صرّف في حربٍ فعمله ما يشاء البنان والعنان وفعله ما تريد الكفّ والقدم؛ قد طابق الحسن البديع بين ضدّي لونه، ودلّت على اجتماع النّقيضين علّة كونه؛ وأشبه زمن الرّبيع باعتدال الليل فيه والنهار، وأخذ وصف حلتي الدّجى في حالتي الإبدار والسّرار؛ لا تكلّ مناكبه، ولا يضلّ في حجرات الجيوش راكبه، ولا يحتاج ليله المشرق بمجاورة نهاره إلى أن تسترشد فيه كواكبه؛ ولا يجاريه الخيال فضلاً عن الخيل، ولا يملّ السّرى إلاّ إذا ملّ مشبهاه: النهار والليل، ولا تتمسّك البروق اللوامع من لحاقه بسوى الأثر فإن جهدت فبالذّيل؛ فهو الأبلق الفرد، والجواد الذي لمجاريه العكس وله الطّرد، قد أغنته شهرة نوعه في جنسه عن الأوصاف، وعدل بالرياح عن مباراته سلوكها له في الاعتراف جادّة الإنصاف.\rفترقّى المملوك إلى رتب العزّ من ظهورها، وأعدّها لخطبة الجنان إذ الجهاد على مثلها من أنفس مهورها؛ وكلف بركوبها فكلّما أكمله عاد، وكلّما أقله شره إليه فلو أنه زيد الخيل لما زاد؛ ورأى من آدابها ما دل على أنها من أكرم الأصائل، وعلم أنها ليومي سلمه وحربه حنيّة الصائد وجنّة الصائل؛ وقابل إحسان مهديها بثنائه ودعائه، وأعدّها في الجهاد لمقارعة أعداء الله تعالى عليها وأعدائه؛ والله تعالى يشكر برّه الذي أفرده في الندى بمذاهبه، وجعل الصّافنات الجياد من بعض مواهبه. والله أعلم بالصواب.\rومن إنشاء المولى الفاضل تاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني رسالةٌ في مثل ذلك أنشأها في سنة ستٍّ أو خمسٍ وسبعمائة. وسمعتها من لفظه، ونقلتها من إملائه؛ وهي: يقبّل اليد العالية الفلانيّة، لا زالت ترسل إلى الأولياء سحائب كرمها، وتقلّد الأودّاء قلائد نعمها، ولا برح المرهفان طرازي حاشيتها وخدمها، حتى ينوب القلم عن صليل مرهفها والصّمصام عن صرير قلمها، لتتساوى في الإنفاذ مواقع كلمها ومراسم كلمها؛ ولا فتئ ظاهرها قبلة القبل وغاية الآمال، وباطنها مورد الكرم ومصدر الأموال.","part":3,"page":81},{"id":1082,"text":"ينهى أنه لما كانت العزائم الفلانيّة طامحةً إلى أسنى المعالي، مطلعةً من مناقبها أهلّةً تخجل بدور الليالي؛ متيّمةً باكتساب المفاخر، عميدةً بتشييد المآثر؛ ماثلةً إلى ما يزيّن المقانب، ويطرّز الكتائب؛ مصغيةً إلى ما يرد جنابتها من جنايتها لا غير، وكيف لا تكون كذلك وحبّ الخيل من الخير؛ ناظرةً إلى ما يصل من كرائمها، مهتديةً بنجوم غررها مشغوفةً بتحجيل قوائمها؛ عاشقةً لاتساع صدورها، ورقّة نحورها.\rخدم المملوك الرّكاب العالي بإنفاذ خيلٍ اتّحدت في الصفات، وتباينت في الشّيات؛ وصدرت كروضةٍ تفتّحت أزهارها، وزها نوّارها، وأشرقت أنوارها؛ بل كعرائس تختال في برودها، أو كجواهر تنافست في عقودها؛ ملكتها يمين المملوك فكانت كعدد أصابعها، وأحرزتها همّته فنزعت في الحزم إلى منازعها؛ لها من الظباء أعناقها، ومن النعام أسواقها؛ ومن البأس قوة جنانها، ومن الظفر مثنى عنانها؛ ومن الإقبال غرر نواصيها، ومن إدراك الغرض جلّ أمانيها؛ ذوات ضبح، وموريات قدح؛ تكبو الريح في غاياتها، ويقرّ البرق بمعجزاتها؛ مداخلة الخلق رحبة اللّبان، مستغنيةٌ عن الهمز بتحريك العنان؛ تقارب ما بين قطاها ومطاها، وتباعد ما بين قذالها وصلاها؛ سما عنقها وأطرق جبينها، وتنزّهت عن المعايب فلا صكك يشينها؛ يا حبّذا أشهبها وقد تجلّلت بالشّهب ذاته، وادّرعت أشهب الصبح شياته؛ زبرجديّ الحافر لؤلؤيّ الأديم، له أيطلا ظبي وساقا ظليم؛ كغمامةٍ بارقها قدح سنابكه، أو كسيلٍ طمّ مفعمه واسع مسالكه؛ استغنى بجوهر شياته عن كل مذهب، فما لمذهب في الانتساب عنه مذهب؛ إن امتطى الفارس قطاته طار بنسر حافره، وإن أشار إلى غرضٍ أدركه بمجرّد الوهم لا بالنظر غلى ناظره؛ أميال البيداء كميلٍ بين عينيه، وترادف رمالها كذرورٍ بين جفنيه؛ استولى على السّبق وأحرز خصله، وكيف لا وقد حاز اثنتي عشرة خصله.\rيتلوها أشقرها وقد نجّد عقيقاً، أو التحف شقيقاً؛ أو كوجنة قد احمرّت من الخجل، أو كوردة ناظرت بخفرها نرجس المقل؛ تناسبت أجزاؤه في الملاحه، وتساوت مراتبه في الصّباحه؛ وجاهة الوجيه ناطقة من المحيّا، ومسيل غرّته كتصويب الثريّا؛ حجّل بالجوزاء وأسرج بالهلال، وألجم بالمجرّة فما لابن ذكاء في الإشراق عليه مجال؛ إن أطلق والريح في سنن ميدان، رأيت الريح ككميتٍ خلّفته الجياد يوم الرّهان؛ تنهب الفلاة حوافره، وتحرز قصب السبق بوادره. يتبعه كميت كقطعة جمر، أو ككأس خمر؛ اسودّ ذنبه وعرفه، واختال كالنّشوان فكأنما أسكره وصفه؛ حكت أذناه قادمتي حمامه، أو المحرّف من أقلام قدامه؛ قصرت عن سعيه الخيول فسابق الظّلال، ونشأ مع النّعام فلا يألف غير الرّئال؛ كأنّ الصّبا ألقت إليه عنانها قسراً، فتخبّ بسرجه مرّةً وتناقل أخرى. مقروناً بأصفر كالدّينار، قد أفرغت عليه حلة نور لا نار طال منه الذيل واتسع اللبان فكأنما هو نار على يفاعٍ شبّت للضّيفان؛ جلّلته الشمس بأنوارها، وأهدت إليه الرّياض اصفرار أزهارها؛ تشهدك عند رؤيته يوم العرض، فروج قوائمه سماءً على أرض؛ إن هملج لاذت الريح بالشّجر، وإن عدا قصر عن إدراكه رؤية البصر؛ نجاشيّ النّجار، وحليف الوجار؛ كأنما خلق من الحزم شطره، ومن العزّ ظهره؛ ومن الإقبال غرّته، ومن كنوز المفاخر سرّته؛ يقرّ أعوج بني هلالٍ بفضله، ويقفو حرون مسلمٍ أثر ظلّه. مختوماً بأدهم كصخرة سيل، أو كقطعة ليل؛ خاض في أحشاء الصّباح فلطم جبينه، وسابق الفلك فقيّد بالجوزاء رجليه ويساره وأطلق يمينه؛ عريض الكفل والمنخرين، دقيق القوائم والساقين؛ كأنما أشرب لونه سواد القلب والبصر، وكأنما النصر قيسٌ وهو ليلى يحضره حيث حضر؛ لو كتب اسمه على رايةٍ لم تزل تقدم فتوحاً، أو لمعت بوارق سنابكه رأيت زنجيّاً جريحاً؛ طابقت أخباره لمخبره، وسبقت رجلاه في العدو مواقع نظره؛ لا يعلق غرابٌ بغباره، ولا تستنّ النّعامة في مضماره.\rولنختم هذا الباب بذكر فائدة، وهي دواء للخلد: يؤخذ خمسون طائراً من الدّراريج تسحق بحجر ولا تمسّ باليد، وتجعل في قدر صغيرة جديدة، ويصبّ عليها من الماء والزيت ما يغمره، ويغلى عليه حتّى ينعقد، ويضاف إليه يسيرٌ من القطران الأسود، ويوضع على النار؛ فإذا فتر فتلفّ مشاقةٌ على عود ويدهن به أمّ الخلد قبل قطعه بالنار، ثم يدهن بعد ثلاثة أيام بالشّيرج والصّيلقون وماء الورد؛ فإنه مجرّب.","part":3,"page":82},{"id":1083,"text":"الثاني من القسم الثالث من الفن الثالث\rالبغال والحمير\rالبغال قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: إنّ البغل لا يعيش له ولد، وليس بعقيم؛ ولا يبقى للبغلة ولد، وليست بعاقر. وهو أطول عمراً من أبويه وأصبر. ويقال: إنّ أوّل من نتج البغال قارون، وقيل: أفريدون أحد ملوك الفرس الأول. والبغل يوصف برداءة الأخلاق والتلوّن. ومن أخلاق البغال الإلف لكل دابّة. ويقال: إنّ أبوال الإناث تنقية لأجسادها. والإناث أجمل من الذكور. قال بعض الشعراء:\rعليك بالبغلة دون البغل ... فإنها جامعةٌ للشّمل\rمركب قاضٍ وإمامٍ عدل ... وعالمٍ وسيّدٍ وكهل\rتصلح للرّحل وغير الرحل\rوالبغال من مراكب الرؤساء، والسادة النجباء، والقضاة والعلماء. وهم يرجّحون إناثها على ذكورها؛ حتى إن المغاربة لا يركبون البغال الذكور البتة وإنما يجعلونها برسم حمل الزّبل. أخبرني قاضي القضاة جمال الدين أبو محمد بن سليمان بذلك، قال: وإذا طلب وليّ الأمر البغل لأحدٍ كان ذلك دلالةً على إشهاره وتجريسه عليه. قال: فلا يركب البغل الذكر عندنا إلا زبّالٌ أو مجرّس. وأعظم ما تفضّل به إناث البغال على ذكورها أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبها وملكها؛ وما ورد أنه ملك بغلاً ولا ركبه.\rولنذكر بغلات رسول الله صلى الله عليه وسلم تفضيلاً لهذا الحيوان وتشريفاً، تنويهاً بذكره وتعريفاً؛ والله أعلم.\rبغلات الرسول\rكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغلةٌ شهباء يقال لها دلدل، أهداها له المقوقس. ذكر ذلك ابن قتيبة وابن سعد؛ فقال ابن سعد ما هذا نصه: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة اللّخمي، وهو أحد الستة، إلى المقوقس صاحب الإسكندريّة عظيم القبط يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتاباً؛ فأوصل إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأه وقال له خيراً؛ وأخذ الكتاب فجعله في حقٍّ من عاج وختم عليه ودفعه إلى جاريته؛ وكتب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم: قد علمت أن نبيّاً قد بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وقد أهديت إليك كسوة وبغلة تركبها. ولم يزد على هذا ولم يسلم. فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هديّته، وأخذ الجاريتين: مارية أمّ إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأختها سيرين. وبغلةً بيضاء لم يكن في العرب يومئذ غيرها وهي دلدل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ضنّ الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه \" .\rوذكر ابن سعد أيضاً قال: كانت دلدل بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أوّل بغلة رئيت في الإسلام، أهداها له المقوقس وأهدى معها حماراً يقال له عفير؛ فكانت البغلة قد بقيت حتى كان زمن معاوية. وفي لفظ: وكانت شهباء، وكانت بينبع حتى ماتت ثمّ. وفي لفظ: وكانت قد كبرت حتى زالت أسنانها، وكان يجّش لها الشعير.\rوروى ابن سعد أيضاً عن محمد بن عمر الأسلميّ قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الله ابن أبي سبرة عن زامل بن عمرو قال: أهدى فروة بن عمرو إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بغلة يقال لها فضّة فوهبها لأبي بكر. وكذلك قال البلاذريّ. وقد يقال: إن دلدل من هديّة فروة، وإن فضّة من هدية المقوقس.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أهذي للنبيّ صلى الله عليه وسلم بغلة أهدها له كسرى؛ فركبها بجلٍّ من شعر ثم أردفني خلفه. رواه الثّعالبيّ في تفسيره في قوله تعالى: \" وإن يمسسك الله بضرٍّ فلا كاشف له إلاّ هو \" . قال الشيخ شرف الدين عبد المؤمن الدّمياطي رحمه الله: قوله أهداها له كسرى بعيدٌ؛ لأنه مزّق كتاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وأمر عامله باليمن بقتله وبعث رأسه إليه؛ فأهلكه الله بكفره وطغيانه.","part":3,"page":83},{"id":1084,"text":"وروى مسلم بن الحجّاج رحمه الله من حديث أبي حميد الساعديّ قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك؛ فذكر الحديث؛ وقال فيه: وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب وأهدى له بغلة بيضاء؛ فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى له برداً. رواه البخاريّ في كتاب الجزية والموادعة بعد الجهاد؛ ورواه أبو نعيم في المستخرج. ولفظهما: وأهدى ملك أيلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء فكساه برداً؛ وقال أبو نعيم: بردةً.\rوقال ابن سعد: وبعث صاحب دومة الجندل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ببغلة وجبّة من سندس.\rوروى إبراهيم الحربيّ في كتاب الهدايا عن عليّ رضي الله عنه قال: وأهدى يحنّة بن روبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلته البيضاء.\rوروى يوسف بن صهيب عن ابن بريدة عن أبيه قال: انكشف الناس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم حنين ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته الشّهباء التي أهداها له النّجاشيّ وزيدٌ آخذٌ بركاب بغلته. وذكر عليّ بن محمد بن حنين بن عبدوس الكوفيّ في أسماء خيله وسلاحه وأثاثه: وكان اسم بغلته دلدل أهداها إليه المقوقس صاحب الإسكندريّة وكانت شهباء؛ وهي التي قال لها يوم حنين: \" اربضي \" فربضت. ويقال: إنّ علياً ركبها بعد النبيّ صلى الله عليه وسم ثم ركبها الحسن ثم ركبها الحسين ثم ركبها محمد بن الحنفيّة رضي الله عنهم؛ ثم كبرت وعميت، فوقعت في مبطخة لبعض بني مدلج فخبطت فيها، فرماها بسهم فقتلها.\rوكانت له بغلة يقال لها الأيليّة؛ أهداها إليه ملك أيلة، وكانت طويلة مخندفةً كأنما تقوم على رمال حسنة السير؛ فأعجبته ووقعت منه. وهي التي قال له فيها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه حين خرج عليها: كأنّ هذه البغلة قد أعجبتك يا رسول الله؟ قال: \" نعم \" قال: لو شئنا لكان لك مثلها؛ قال: \" وكيف \" ؛ قال: هذه أمّها فرس عربيّة وأبوها حمار، ولو أنزينا حماراً على فرس لجاءت بمثل هذه؛ فقال: \" إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون \" .\rوعن دحية بن خليفة الكلبيّ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ألا أحمل لك حماراً على فرس فتنتج لك بغلة؟ فقال: \" إنما يفعل ذلك الذين لا يعقلون \" . رواه ابن منده في كتاب الصحابة.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عبداً مأموراً، ما اختصّنا دون الناس بشيء إلا بثلاث: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وألاّ نأكل الصّدقة، وألا ننزي حماراً على فرس. رواه التّرمذيّ في الجهاد. وفي لفظ آخر عنه رضي الله عنه: كان عبداً مأموراً بلّغ ما أرسل به، وما اختصّنا دون الناس بشيء إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وألاّ نأكل الصّدقة، وألا ننزي الحمار على الفرس. وهذا على هذين الحديثين يختصّ بآل النبيّ صلى الله عليه وسلم دون غيرهم.\rوالذي يظهر من مجموع هذه الأحاديث المرويّة التي أوردناها أن بغلات رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت سبعاً، وهي: الدّلدل التي أهداها له المقوقس، وفضّة التي أهداها له فروة بن عمرو، وبغلة أهداها له كسرى، وبغلته الأيليّة التي أهداها له ابن العلماء صاحب أيلة، وبغلة بعثها له صاحب دومة الجندل، وبغلة أهداها له يحنّة ابن روبة، وبغلة أهداها له النّجاسيّ صاحب الحبشة. والله تعالى أعلم بالصواب.\rوصف البغال\rقد ألّف الجاحظ كتاباً في البغال مفرداً عن كتاب الحيوان، قال فيه ما نصه: نبدأ إن شاء الله بما وصف الأشراف من شأن البغلة في حسن سيرتها، وتمام خلقتها، والأمور الدّالة على السرّ في جوهرها، وعلى وجوه الارتفاق بها، وعلى تصرّفها في منافعها، وعلى خفّة مؤونتها في التنقّل في أمكنتها وأزمنتها، ولم كلف الأشراف بارتباطها مع كثر ما يزعمون من عيوبها، ولم آثروها على ما هو أدوم طهارة خلقٍ منها، وكيف ظهر فضلها مع النقص الذي هو فيها، وكيف اغتفروا مكروه ما فيها لما وجدوا من خصال المحبوب فيها.\rوقال: ولقد كلف بارتباطها لأشراف حتى لقّب بعضهم من أجل اشتهاره بها بروّاض البغال؛ ولقّبوا آخر بعاشق البغل. فبسط القول في الترجمة ثم لم يأت من أخبار البغال بطائلٍ، بل اقتصرت على حكاياتٍ واستطرد منها إلى غيرها، على عادته في مصنّفاته. فكان مما حكاه من ذلك:","part":3,"page":84},{"id":1085,"text":"قال مسلمة بن عبد الملك: ما ركب الناس مثل بغلةٍ طويلة العنان، قصيرة العذار، صفواء العرف، حصّاء الذّنب.\rقال: وكتب روح بن عبد الملك إلى وكيل له: ابغني بغلةً حصّاء الذنب، عظيمة المحزم، طويلة العنق، سوطها عنانها، وهواها إمامها.\rقال: وعاتب صفوان بن عبد الله بن الأهتم عبد الرحمن بن عبّاس بن ربيعة ابن الحارث بن عبد المطّلب في ركوب البغال، وكان ركّاباً للبغلة، فقال له: مالك ولهذا المركب الذي لا يدرك عليه الثار، ولا ينجّيك يوم الفرار؟! فقال: إنها نزلت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن ذلّة العير، وخير الأمور أوساطها. فقال صفوان: إنا نعلّمكم، فإذا علمتم تعلّمنا منكم. وهو الذي يلقّب روّاض البغال، لحذقه بركوبها، ولشغفه بها، وحسن قيامه عليها. وكان يقول: أريدها واسعة الجفرة، مندحّة السّرة، شديدة الغلوة، بعيدة الخطوة، ليّنة الظهر، ملوية الرّسغ، سفواء جرداء عنقاء، طويلة الأنقاء.\rقال: وقال ابن كتامة: سمعت رجلاً يقول: إذا اشتريت بغلةً، فاشترها طويلة العنق، تجده في نجائها؛ مشرفة الهادي، تجده في طباعها؛ ضخمة الجوف، تجده في صبرها.\rقال: ولما خرج قطريّ بن الفجاءة أحبّ أن يجمع إلى رأيه رأي غيره؛ فدسّ إلى الأحنف بن قيس رجلاً يجري ذكره في مجلسه ويحفظ عنه ما يقول؛ فلمّا قعد قال الأحنف: أما إنهم إن جنبوا بنات الصّهّال، وركبوا بنات النّهّاق، وأمسوا بأرضٍ وأصبحوا بأرض، طال أمرهم.\rقال الجاحظ: فلا ترى صاحب الحرب يستغني عن البغال، كما لا ترى صاحب السّلم يستغني عنها، وترى صاحب السفر كصاحب الحضر. انتهى كلام الجاحظ.\rوحكي أنّ عبد الحميد ساير مروان بن محمد الجعديّ على بغلة؛ فقال: لقد طالت صحبة هذه الدابّة لك!؛ فقال: يا أمير المؤمنين، من بركة الدابّة طول صحبتها. فقال: صفها؛ فقال: همّها إمامها، وما ضربت قطّ إلاّ ظلماً.\rوقال بعض الكتّاب من رسالة: قد اخترت لسيّدي بغلةً وثيقة الخلق، لطيفة الخرط، رشيقة القدّ، موصوفة السير، ميمونة الطير، مشرفة العنق، كريمة النّجار، حميدة الآثار.\rإن أدبرت قلت لا تليل لها ... أو أقبلت قلت ما لها كفل\rقد جمعت إلى حسن القميص، سلامة الفصوص؛ فسمّيت قيد الأوابد، وقرّة عين الساهد؛ تزري في انطلاقها، بالبروق في ائتلاقها.\rقال البحتريّ يصف بغلاً:\rوأقبّ نهدٍ للصّواهل شطره ... يوم الفخار وشطره للشّحّج\rخرق يتيه على أبيه ويدّعي ... عصبيّةً لبني الضّبيب وأعوج\rمثل المذّرع جاء بين عمومةٍ ... في غافقٍ وخؤولة للخزرج\rوقال أبو الفرج الوأواء من قصيدة يشكر بعض أصحابه وقد أهدى له بغلةً:\rقد جاءت البغلة السّفواء يجنبها ... للبرق غيثٌ بدا ينهلّ ماطره\rعريقةٌ ناسبت أخوالها فلها ... بالعتق من أكرم الجنسين فاخره\rملء الحزام وملء العين مسفرةٌ ... يريك غائبها في الحسن حاضره\rأهدى لها الرّوض من أوصافه شيةً ... خضراء ناضرةً إن زال ناضره\rليست بأوّل حملانٍ شريت به ... حمدي ولا هي ياذا الجود آخره\rكم قد تقدّمها من سابح بيدي ... عنانه وعلى الجوزا حوافره\rوقال أبو المكارم بن عبد السّلام:\rكأنها النار في الحلفاء إن ركضت ... كأنها السيل إن وافتك من جبل\rكأنها الأرض إن قامت لمعتلفٍ ... كأنها الريح إن مرّت على القلل\rما يعرف الفكر منها منتهى حضرٍ ... ما صوّر الوهم فيها وصمة الكسل\rإذا اقتعدت مطاها وهي ماشيةٌ ... ثهلان تبصره في زيّ منتقل\rهذا ما اتّفق إيراده من صفات البغال التي تقتضي المدح.\rفأما ما جاء في ذمها فالمثل المضروب في بغلة أبي دلامة. وقال أبو دلامة في بغلته:\rأبعد الخيل أركبها وراداً ... وشقراً في الرّعيل إلى القتال\rرزقت بغيلةً فيها وكالٌ ... وخير خصالها فرط الوكال\rرأيت عيوبها كثرت وعالت ... ولو أفنيت مجتهداً مقالي\rتقوم فما تريم إذا استحثّت ... وترمح باليمين وبالشّمال","part":3,"page":85},{"id":1086,"text":"رياضة جاهلٍ وعليج سوءٍ ... من الأكراد أحبن ذي سعال\rشتيم الوجه هلباجٍ هدانٍ ... نعوسٍ يوم حلٍّ وارتحال\rفأدّبها بأخلاقٍ سماجٍ ... جزاه الله شرّاً عن عيالي\rفلمّا هدّني ونفى رقادي ... وطال لذاك همّي واشتغالي\rأتيت بها الكناسة مستغيثاً ... أفكّر دائباً كيف احتيالي\rبعدة سلعةٍ ردّت قديماً ... أطمّ بها على الداء العضال\rفبينما فكرتي في القوم تسدي ... إذا ما سمت أرخص أم أغالي\rأتاني خائبٌ حمقٌ شقيٌّ ... قديمٌ في الخسارة والضّلال\rوراوغني لخلو بي خداعاً ... ولا يدري الشّقيّ بمن يخالي\rفقلت بأربعين فقال أحسن ... فإن البيع مرتخصٌ وغالي\rفلما ابتاعها منّي وبتّت ... له في البيع غير المستقال\rأخذت بثوبه وبرئت مما ... أعدّ عليك من شنيع الخصال\rبرئت إليك من مششٍ قديم ... ومن جردٍ وتخريق الجلال\rومن فرط الحران ومن جماحٍ ... ومن ضعف الأسافل والأعالي\rومن عقر اللسان ومن بياضٍ ... بناظرها ومن حلّ الحبال\rوعقّالٍ يلازمها شديدٍ ... ومن هدم المعالف والرّكال\rتقطّع جلدها جرباً وحكّاً ... إذا هزلت وفي غير الهزال\rومن شدّ العضاض ومن شبابٍ ... إذا ما همّ صحبك بالرّقال\rوأقطف من دبيب الذّرّ مشياً ... وتنحط من متابعة السّعال\rوتكسر سرجها أبداً شماساً ... وتسقط في الوحول وفي الرمال\rويهزلها الجمام إذا خصبنا ... ويدبر ظهرها مسّ الجلال\rتظلّ لركبةٍ منها وقيداً ... يخاف عليك من ورم الطّحال\rوتضرط أربعين إذا وقفنا ... على أهل المجالس للسؤال\rفتخرس منطقي وتحول بيني ... وبين كلامهم ممّا توالي\rوقد أعيت سياستها المكاري ... وبيطاراً يعقّل بالشّكال\rحرونٌ حين تركبها لحضرٍ ... جموحٌ حين تعزم للنّزال\rوذئبٌ حين تدنيها لسرجٍ ... وليثٌ عند خشخشة المخالي\rوفيلٌ إن أردت بها بكوراً ... خذولٌ عند حاجات الرّجال\rوألف عصاً وسوطٍ أصبحيٍّ ... ألذّ لها من الشّرب الزّلال\rوتصعق من صياح الدّيك شهراً ... وتذعر للصّفير وللخيال\rإذا استعجلتها راثت وبالت ... وقامت ساعةً عند المبال\rومثفارٌ تقدّم كلّ سرجٍ ... تصيّر دفّتيه على القذال\rوتحفى في الوقوف إذا أقمنا ... كما تحفى البغال من الكلال\rولو جمّعت من هنّا وهنّا ... من الأتبان أمثال الجبال\rفإنك لست عالفها ثلاثاً ... وعندك منه عودٌ للخلال\rوكانت قارحاً أيام كسرى ... وتذكر تبّعاً قبل الفصال\rوقد قرحت ولقمان فطيمٌ ... وذو الأكتاف في الحجج الخوالي\rوقد أبلى بها قرنٌ وقرنٌ ... وآخر يومها لهلاك مالي\rفأبدلني بها يا ربّ بغلاً ... يزين جمال مركبه جمالي\rكريمٌ حين ينسب والداه ... إلى كرم المناسب في البغال\rوقال اقاضي بهاء الدين زهير الكاتب:\rلك يا صديقي بغلةٌ ... ليست تساوي خردله\rمقدار خطوتها الطوي ... لة حين تسرع أنمله\rوتخال مدبرةً إذا ... ما أقبلت مستعجله\rتمشي فتحسبها العيو ... ن على الطريق مشكّله\rتهتزّ وهي مكانها ... فكأنما هي زلزله\rالحمر الأهلية","part":3,"page":86},{"id":1087,"text":"قال المتكلمون في طبائع الحيوان: إنّ الحمار لا يولد له قبل أن تتمّ له ثلاث سنين ونصف. قالوا: والحمار إذا شمّ رائحة الأسد رمى بنفسه عليه لشدّة خوفه منه. ولذلك قال أبو تمّام يخاطب عبد الصمد بن المعذّل وقد هجاه:\rأقدمت ويلك من هجوي على خطرٍ ... والعير يقدم من خوفٍ على الأسد\rوالحمار يوصف بحدّة حاسّة المسع. وهو إذا نهق أضرّ بالكلب؛ قالوا: حتى إنّه يحدث له مغساً؛ فلذلك يطول نباحه. والبرد يضرّ الحمار ويؤذيه؛ ولهذا لا يوجد في بلاد الصّقالبة. وقال الجاحظ: وحلف أحمد بن العزيز أن الحمار ما ينام. فقيل له: ولم ذلك؟ قال: لأنّي أجد صياحه ليس بصياح من نام وانتبه في تلك الساعة، ولا هو صياح من يريد أن ينام بعد انقضاء صياحه.\rوأجود الحمير المصريّة. وأهل مصر يعتنون بتربيتها، ويحتفلون بأمرها ويسابقون عليها، ويسمّون مكان سباقها الطابق. والجيّد منها يباع بالثمن الكثير. نقل صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر في كتابه قال: لقد بيع منها حمارٌ بمائة دينار وعشرة دنانير. وأمّا الذي رأيناه نحن منها فأبيع بألف درهم، وربما زاد بعضها على الألف. وكثيرٌ من أهل مصر يركبونها ويتركون الخيل والبغال. فمن ركبها من الأعيان مع وجود القدرة والإمكان على ركوب الخيل والبغال، يقصد بذلك التواضع وعدم الكبرياء. ومن ركبها من ذوي الأموال وترك الخيل والبغال ربما يفعل ذلك توفيراً لماله وضنّةً به. ومن ركبها من الشباب والسّوقة يقصد بذلك التنزّه عليها لفراهتها وسرعة مشيتها.\rوقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارٌ من حمير مصر اسمه يعفور وقيل: عفير؛ أهداه له المقوقس صاحب الإسكندريّة مع ما أهدى. وقد ورد أيضاً في الحديث أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حماران: يعفور وعفير. فأمّا عفير فأهداه له المقوقس. وأمّا يعفور فأهداه له فروة ابن عمرو الجذاميّ. ويقال: إنّ حمار المقوقس يعفور وحمار فروة عفير.\rقال الواقديّ: مات يعفور عند منصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم من حجّة الوداع. وذكر السّهيليّ: أن يعفوراً طرح نفسه في بئرٍ يوم مات النبيّ صلى الله عليه وسلم فمات. وذكر ابن فورك في كتاب الفصول أنه كان في مغانم خيبر، وأنّه كلّم النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أنا زياد بن شهاب، وقد كان في آبائي ستّون حماراً كلّهم ركبهم نبيٌّ، فاركبني أنت. وزاد الجوينيّ في كتاب الشامل: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أحداً من أصحابه أرسل هذا الحمار إليه؛ فيذهب حتى يضرب برأسه ؛ فيخرج ذلك الرجل، فيعلم أنه أرسل إليه، فيأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم.\rوفي الحمار منافع طبيّة ذكرها الشيخ الرئيس أبو عليّ بن سينا، قال: رماد كبد الحمار بالزّيت ينفع من الخنازير؛ قال: ويبرئ من الجذام. وهذا دواءٌ رخيص إن صحّ. قال: وكبده مشويّةً على الرّيق تنفع من علّة الصّرع. قال: والمكزوز من اليبوسة يجلس في مرقة لحمه. وقيل: إنّ بوله نافع من وجع الكلى. قال: وبول الحمار الوحشيّ يفتّت الحصاة في المثانة.\rما يتمثل به في ذكر الحمار\rتقول العرب: \" العير أوقى لدمه \" . وقالوا: \" نجىً عيراً سمنه \" . وقالوا: \" الجحش إذا فاتك الأعيار \" . وقالوا: \" أصحّ من عير أبي سيّارة \" ؛ لأنه كان دفع بأهل الموسم على ذلك العير أربعين عاماً. وقالوا: \" إن ذهب عيرٌ فعيرٌ في الرّباط \" . وقالوا: \" العير يضرط والمكواة في النار \" . وقالوا: \" حمارٌ يحمل سفراً \" .\rومن أنصاف الأبيات:\rوقد حيل بين العير والنّزوان\rالمدح والذم في وصفها\rقال أبو العيناء لبعض سماسرة الحمير: اشتر لي حماراً لا بالطويل الّلاحق، ولا بالقصير اللاصق؛ إن خلا الطريق تدفّق، وإن كثر الزّحام ترفّق؛ لا يصادم بي السّواري، ولا يدخل تحت البواري؛ إن كثرت علفه شكر، وإن قلّلته صبر؛ وإن ركبته هام، وإن ركبه غيري قام. فقال به السمسار: إن مسخ الله بعض قضاتنا حماراً أصبت حاجتك، وإلاّ فليست موجودة.","part":3,"page":87},{"id":1088,"text":"قيل للفضل الرّقاشيّ: إنك لتؤثر الحمير على جميع الدوابّ؛ قال: لأنها أرفق وأوفق؛ قيل: ولم ذاك؟ قال: لأنها لا تستبدل بالمكان، على طول الزمان؛ ثم قال: هي أقلّ داءً، وأيسر دواءً، وأخفض مهوىً، وأسلم صرعاً؛ وأقلّ جماحاً، وأشهر فرهاً، وأقلّ بطراً؛ يزهى راكبه وقد بواضع بركوبه؛ ويعدّ مقتصداً وقد أسرف في ثمنه.\rوقال احمد بن طاهر يصف حماراً:\rشيةٌ كأنّ الشمس فيها أشرقت ... وأضاء فيها البدر عند تمامه\rوكأنّه من تحت راكبه إذا ... ما لاح، برقٌ لاح تحت غمامه\rظهرٌ كجري الماء لين ركوبه ... في حالتي إتعابه وجمامه\rسفهت يداه على الثّرى فتلاعبت ... في جريه بسهوله وإكامه\rعن حافرٍ كالصّخر إلاّ أنّه ... أقوى وأصلب منه في استحكامه\rما الخيزران إذا انثنت أعطافه ... في لين معطفه ولين عظامه\rعنقٌ يطول بها فضول عنانه ... ومحزّمٌ يغتال فضل حزامه\rوكأنّه بالرّيح منتعلٌ، وما ... جري الرياح كجريه ودوامه\rأخذ المحاسن آمناً من عيبه ... وحوى الكمال مبرّأً من ذامه\rوقال آخر:\rلا تنظرنّ إلى هزال حماري ... وانظر إلى مجراه في الأخطار\rمتوقّدٌ جعل الذكاء إمامه ... فكأنما هو شعلةٌ من نار\rعادت عليه الريح عند هبوبها ... فكأنه ريح الدّبور يباري\rهذا ما ورد في مدحها.\rوأمّا ما جاء فيها على سبيل الذم، فمن ذلك قولهم: \" أضلّ من حمارٍ أهله \" . وقولهم: \" أخزى الله الحمار مالاً، لا يزكّي ولا يذكّي \" . ومنه قول جرير بن عبد الله: لا تركب حماراً، فإنه إن كان حديداً أتعب يديك، وإن كان بليداً أتعب رجليك.\rوالمثل مضروبٌ في الحمير المهزولة بحمار طيّاب، كما يضرب المثل ببغلة أبي دلامة.\rقال شاعر:\rوحمارٍ بكت عليه الحمير ... دقّ حتى به الرياح تطير\rكان فيما مضى يسير بضعفٍ ... وهو اليوم واقفٌ لا يسير\rكيف يمشي وليس شيءٌ يراه ... وهو شيخٌ من الحمير كبير\rلمح القتّ مرّةً فتغنّي ... بحنينٍ وفي الفؤاد زفير:\rليس لي منك يا ظلوم نصيبٌ ... أنا عبد الهوى وأنت أمير\rوقال خالد الكاتب:\rوقائلٍ إنّ حماري غدا ... يمشي إذا صوّب أو أصعدا\rفقلت لكنّ حماري إذا ... أحثثته لا يلحق المقعدا\rيستعذب الضرب فإن زدته ... كاد من اللّذّة أن يرقدا\rوقال أبو الحسين الجزّار:\rهذا حماري في الحمير حمار ... في كلّ خطوٍ كبوةٌ وعثار\rقنطار تبنٍ في حشاه شعيرةٌ ... وشعيرةٌ في ظهره قنطار\rولمّا مات حمار هذا الشاعر داعبه شعراء عصره بمراثٍ وهزليّات؛ فقال بعضهم:\rمات حمار الأديب قلت قضى ... وفات من أمره الذي فاتا\rمات وقد خلّف الأديب ومن ... خلّف مثل الأديب ما ماتا\rونحو هذين البيتين قول الآخر:\rقال حمار الحكيم توما ... لو أنصفوني لكنت أركب\rلأنني جاهلٌ بسيطٌ ... وصاحبي جاهلٌ مركّب","part":3,"page":88},{"id":1089,"text":"وكتب أبو الحسن بن نصر الكاتب إلى صديق له اشترى حماراً، يداعبه. قال من رسالة: قد عرفت، أبقاك الله، حين وجدت من سكرة الأيّام إفاقه، وآنست من وجهها العبوس طلاقه؛ كيف أجبت داعي همّتك، وأطعت أمر مروءتك؛ فسررت بكمون هذه المنقبة التي أضمرها الإعدام، ونمّ على كريم سرّها الإمكان؛ واستدللت منها على خبايا فضل، وتنبّهت منها على مزايا نبل؛ كانت مأسورةً في قبضة الإعسار، وكاسفةً عن سدفة الإقتار؛ وقلت: أيّ قدمٍ أحقّ بولوج الرّكب من قدميه، وحاذٍ أولى ببطون القبّ من حاذيه؛ وأيّ أنامل أبهى من أنامله إذا تصرّفت في الأعنّة يسراها، وتحتّمت بالمخاصر يمناها؛ وكيف يكون ذلك الخلق العظيم، والوجه الوسيم؛ وقد بهر جالساً، وإذا طلع فارساً!. ثم اتّهمت آمالي بالغلوّ فيك، واستبعدت مناقضة الزمان بإنصاف معاليك؛ فقبضت ما انبس من عنانها، وأخمدت ما اشتعل من نيرانها؛ حتى وقفت على صحيحة الشك. أرجو علوّ همّتك بحسن اختيارك، وأخشى منافسة الأيّام في درك أوطارك؛ فإنها كالظّانّة في ولدها، والمجاذبة بالسّوء في واحدها؛ يدني الأمل مسارّها، ويرجئ القلق حذارها؛ حتى أتتنا الأنباء تنعى رأيك القائل، وتفلّ عزمك الآفل؛ بوقوع اختيارك على فاضح صاحبه، ومسلم راكبه؛ الجامد في حلبة الجياد، والحذق بالحران والكياد؛ السّوم دينه ودأبه، والبلادة طبيعته وشأنه؛ لا يصلحه التأديب، ولا تقرع له الظّنابيب؛ إن لحظ عيراً نهق، أو لمح أتاناً شبق، أو وجد روثاً شمّ وانتشق؛ فكم هشم سنّاً لصاحبه، وكم سعط أنف راكبه؛ وكم استردّه خائفاً فلم يردده، وكم رامه خاطباً فلم يسعده؛ يعجل إن أحبّ الأناة والإبطاء، ويرسخ إن حاول الحثّ والنّجاء؛ مطبوعٌ على الكيد والخلاف، موضوع للضّعة والاستخفاف؛ عزيزٌ حتى تهينه السّياط، كسولٌ ولو أبطره النّشاط؛ ما عرف في النّجابة أباً، ولا أفاد من الوعي أدباً؛ الطالب به محصور، والهارب عليه مأسور؛ والممتطي له راجل، والمستعلي بذروته نازل؛ له من الأخلاق أسوؤها، ومن الأسماء أشنؤها، ومن الأذهان أصدؤها، ومن القدود أحقرها؛ تجحده المراكب، وتجهله المواكب؛ وتعرفه ظهور السوابك، وتألفه سباطات المبارك. والله الموفق.\rالباب الثالث\rالإبل والبقر والغنم\rالإبل الإبل جمع لا واحد لها من لفظها. والذّكر منها جمل، والأنثى ناقة. والبعير يقع عليهما. ودليل ذلك قول بعض الشعراء:\rلا نشتهي لبن البعير وعندنا ... عرق الزّجاجة واكف المعصار\rوالإبل من منن الله الجسيمة على خلقه، ومما منحهم به من إرفاقه ورزقه. قال الله تعالى: \" والأنعام خلقها لكم فيها دفءٌ ومنافع ومنها تأكلون. ولكم فيها جمالٌ حين تريحون وحين تسرحون. وتحمل أثقالكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيه إلاّ بشقّ الأنفس إنّ ربّكم لرءوف رحيمٌ \" . وقال تعالى: \" أولم يروا أنّا خلقنا لهم ممّا عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون. وذّللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون. ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون \" .\rولنذكر ما جاء من لغة العرب في الإبل من تسميتها من حين تولد إلى أن تتناهى سنّها، وأسماء ما يركب منها ويحمل عليه، وما اختصّت به النوق من الأسماء والصّفات؛ ونذكر ألوان الإبل وما قالوه في ترتيب سيرها، وفي المسير عليها والنزول؛ ثم نذكر بعد ذلك أصناف الإبل وما قيل في عاداتها وطبائعها. فإذا أوردنا ذلك، ذكرنا ما ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وما جاء في أوصاف الإبل من الشعر؛ فنقول وبالله التوفيق.\rتسميتها\rمن حين تولد إلى أن تتناهى سنّها فقد قالت العرب: ولدها حين يسلّ من أمّه سليلٌ ثم سقب وحوار إلى سنة، وجمعه أحورة وحيران. وهو فصيل إذا فصل عن أمّه. وهو في السنة الثانية ابن مخاضٍ، لأن أمّه تلقح فتلحق بالمخاض وهي الحوامل، وواحدتها من غير لفظها خلفة، والأنثى بنت مخاض. فإذا دخل في الثالثة فهو ابن لبون، والأنثى بنت لبون؛ لأن أمّه صارت ذات لبنٍ. وهو في الرابعة حقٌّ؛ لأنه استحقّ أن يحمل عليه. وهو في السنة الخامسة جذعٌ. وفي السادسة ثنيٌّ لأنّه يلقى ثنيّته؛ والأنثى نثيّة. وهو في السابعة رباعٌ. وفي السنة الثامنة سديس وسدس للذكر والأنثى. وهو في التاسعة بازلٌ إذا فطر نابه، أي طلع. قال الشاعر:","part":3,"page":89},{"id":1090,"text":"وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرنٍ ... لم يستطع صولة البزل القناعيس\rثم هو بعدها بسنة مخلف عامٍ وبازل عامٍ ثم مخلف عامين وبازل عامين؛ ثم يعوّد، أي يصير عوداً وهرماً وماجّاً.\rقالوا: والقلوص منها كالجارية من الناس، والقعود كالغلام، والجمع قلائص وقعدانٌ. والبكر: الفتيّ، والبكارة جمع، والأنثى بكرةٌ. ويقال: جملٌ راشٌ وناقة راشةٌ إذا كثر الشّعر في آذانهما.\rأسماء ما يركب منها\rويحمل عليه فقد قالوا: المطيّة اسمٌ جامع لكل ما يمتطى من الإبل. فإذا اختارها الرجل لمركبه لتمام خلقتها ونجابتها فهي راحلة. وفي الحديث النبويّ صلوات الله تاعلى وسلامه على قائله: \" النّاس كإبلٍ مائةٍ لا يكاد يوجد فيها راحلة \" . فإذا استظهر صاحبها بها وحمل عليها فهي زاملة، والناس يقولون في الرجل العاقل الثابت في أموره: رجل زاملةٌ، يريدون بذلك مدحه. ووصف ابن بشير رجل فقال: ليس ذلك من الرّواحل إنما هو من الزّوامل، فإذا وجّهها مع قوم ليمتاروا عليها فهي عليقةٌ.\rما اختصّت به النوق\rمن الأسماء والصّفات فإنهم يقولون فيها: كهاةٌ وجلالةٌ وهي العظيمة، وعطموس ودعبلة وهي الحسنة الخلقة التامّة الجسم، وكوماء وهي الطويلة السّنام، ووجناء وهي الشديدة القويّة اللحم. واشتقاقه من الوجهين، وهي الحجارة. فإن اردادت شدّتها فهي عرمسٌ وعيرانةٌ. فإذا كانت شديدةً كثيرة اللحم فهي عنتريسٌ وعرندسٌ متلاحكةٌ. فإذا كانت ضخمةً شديدة فهي دوسرةٌ وعذافرةٌ. فإذا كانت حسنةً جميلةً فهي شمردلةٌ. فإذا كانت عظيمة الجوف فهي مجفرةٌ. فإذا كانت قليلة اللحم فهي حرجوجٌ وحرفٌ ورهبٌ.\rأوصافها في السّير\rإذا كانت ليّنة اليدين في سيرها فهي خنوفٌ. فإذا كان بها هوجٌ من سرعتها فهي هوجاء وهوجلٌ. فإذا كانت تقارب الخطو فهي حاتكةٌ. فإذا كانت تمشي وكأنها مقيّدة الرّجل وهي تضرب بيديها فهي راتكةٌ. فإذا كانت سريعة فهي عصوفٌ ومشمعلةٌ وعيهلٌ وشملالٌ ويعملة وهمرجلة وشمذر وشمّلة وشمردلةٌ. فإذا كانت تجرّ رجليها في المشي فهي مزحافٌ وزحوفٌ. فإذا كانت لا تقصد في سيرها من نشاطها فهي عجرفيّة. قال الأعشى:\rوفيها إذا ما هجّرت عجرفية ... إذا خلت حرباء الظّهيرة أصيدا\rألوان الإبل\rفإنهم قالوا: إذا لم يخالط حمرة البعير شيءٌ فهو أحمر. فإن خالطها السواد فهو أرمك. فإذا كان أسود يخالط سواده بياضٌ كدخان الرّمث فهو أورق. فإذا اشتدّ سواده فهو جونٌ.فإن كان ابيض فهو آدم. فإن خالط بياضه حمرةٌ فهو أصهب. فإن خالطته شقرةٌ فهو أعيس. فإن خالطت خضرته صفرةٌ وسوادٌ فهو أحوى. فإذا كان أحمر يخالط حمرته سوادٌ فهو أكلف.\rترتيب سيرها\rفالعنق وهو السير المسبطر. فإذا ارتفع عنه قليلاً فهو التّزيّد. فإذا ارتفع عن ذلك فهو الذّميل. فإذا ارتفع فهو الرّسيم. فإذا دارك المشي وفيه قرمطةٌ فهو الحفد. فإذا ارتفع عن ذلك وضرب بقوائمه كلّها فذاك الارتباع والالتباط. فإذا لم يدع جهداً فذاك الادرنفاق.\rالمسير عليها والنزول للرّاحة والإراحة\rفقد قالا: إذا سار القوم نهاراً ونزلوا ليلاً فذاك التّأويب. فإذا ساروا ليلاً ونهاراً فذاك الإسآد. فإذا ساروا من أوّل الليل فهو الإدلاج. فإذا ساروا من آخر الليل فهو الادّلاج.فإذا ساروا مع الصبح فهو التّغليس. فإذا نزلوا للاستراحة في نصف النهار فهو التّغوير. فإذا نزلوا في نصف الليل فهو التّعريس.\rأصناف الإبل وطبائعها\rوالإبل ثلاثة أصنافٍ: يمانيٌّ، وعرابيٌّ، وبختيٌّ. فاليمانيّ هو النّجيب، وينزّل بمنزلة العتيق من الخيل. والعرابيّ كالبرذون. والبختيّ كالبغل. ويقال: البخت ضأن الإبل. وهي متولّدةٌ عن فساد منيّ العراب. وحكى الجاحظ أنّ منهم من يزعم أنّ في الإبل ما هو وحشيٌّ وأنها تسكن أرض وبار، وهي غير مسكونة بالناس. وقالوا: ربما ندّ الجمل منها في الهياج فيحمله ما يعرض له منها على أن يأتي أرض عمان، فيضرب في أدنى هجمةٍ من الإبل؛ فالإبل المهريّة من ذلك النّتاج. وتسمّى الإبل الوحشيّة الحوش. ويقولون: إنها بقايا إبل عادٍ وثمود ومن أهلكه الله من العرب. والمهريّة منسوبة إلى مهرة قبيلة باليمن؛ وهي سريعة العدو. ويعلفونها من قديد سمكٍ يصاد من بحر عمان.","part":3,"page":90},{"id":1091,"text":"وأمّا البخت، فمنها ما يرهوك مثل البراذين؛ ومنها ما يجمز جمزاص ويرقل إرقالاً. وفي البخت ماله سنامان في طول ظهره كالسّرج، ولبعضها سنامان في العرض عن اليمين وعن الشمال، وتسمّى الخراسانية.\rقالوا: والجمل لا ينزو إلاّ مرّةً واحدةً يقيم فها النهار أجمع ونزل فيها مراراً كثيرة، فيجيء منها ولدٌ واحدٌ. وهو يخلو في البراري حالة النّزو، ولا يدنو منه أحدٌ من الناس إلاّ راعيه الملازم له. وذكره صلبٌ جدّاً؛ لأنه من عصبٍ. والأنثى تحمل سنة كاملة؛ وتلقح لمضيّ ثلاث سنين، وكذلك الذكر ينزو في هذه المدّة، ولا ينزو عليها إلا بعد سنةٍ من يوم وضعها. وفيه من كرم الطّباع أنه لا ينزو على أمّهاته ولا أخواته. ومتى حمل على أن يفعل حقد على من ألزمه؛ وربما قتله. وليس في الحيوان من يحقد حقده. وقد قالوا: إنّ العرب إنما اكتسبت الأحقاد لأكلها لحوم الجمال ومداومتها.\rوفي طبع الجمل الاهتداء بالنّجم، ومعرفة الطّرق، والغيرة، والصولة، والصبر على الحمل الثقيل وعلى العطش. والإبل تميل إلى شرب الماء الكدرة الغليظة؛ وهي إذا وردت ماء الأنهار حرّكته بأرجلها حتى يتكدّر. وهي من عشّاق الشمس. وهي تتعرّف النبات المسموم بالشّمّ من مرّة واحدةٍ فتجنّبه عند رعيه ولا تغلط إلا في اليبيس خاصّةً. وزعم أرسطو: أنها تعيش ثلاثين سنة في الغالب. وقال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر ينقل عن غيره: وقد رئي منها ما عاش مائة سنةٍ. وكانت للعرب عوائد في إبلها أنها إذا أصاب إبلهم العرّ كووا السليم لذهب العرّ عن السقيم. وكانوا إذا كثرت إبلهم فبلغت الألف فقئوا عين الفحل؛ فإن زادت على الألف فقئوا عينه الأخرى. وقد ذكرنا في أوابد العرب، وهو في الباب الثاني من الفن الثاني من هذا الكتاب في السفر الثالث من هذه النسخة. والله أعلم بالصواب.\rما ملكه الرسول من الإبل\rكانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال لها القصواء. ذكر ابن سعد عن محمد بن عمر قال حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم التّيميّ عن أبيه قال: كانت القصواء من نعم بني الحريش، ابتاعها أبو بكر رضي الله عنه وأخرى معها بثمانمائة درهم فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه بأربعمائة؛ فكانت عنده حتى نفقت. وهي التي هاجر عليها صلى الله عليه وسلم. وكانت حين قدم المدينة رباعيةً، وكان اسمها القصواء والجدعاء والعصباء، وكان في طرف أذنها جدع، وكانت لا تسبق كلما دفعت في سباق. فلما كان في سنة ستٍّ من الهجرة سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرّواحل، فسبق قعودٌ لأعرابيّ القصواء، ولم تكن تسبق قبلها؛ فشقّ ذلك على المسلمين؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" حقٌّ على الله ألاّ يرفع شيئاً من الدنيا إلاّ وضعه \" . وعن قدامة بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجّته يرمي على ناقة صهباء. وعن سلمة بن نبيط عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجّته بعرفة على جمل أحمر. وذكر أبو إسحاق أحمد ابن محمد بن إبراهيم الثّعلبيّ في تفسيره: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث يوم الحديبية خراش بن أميّة الخزاعيّ قبل عثمان إلى قريشٍ بمكة، وحمله على جمل له يقال له الثّعلب؛ ليبلّغ أشرافهم عنه ما جاء له؛ فعقروا جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله؛ فمنعته الأحابيش، فخلّوا سبيله. وكان للنبيّ صلى الله عليه وسلم عشرون لقحة بالغابة وهي على بردي من المدينة من طريق الشام وكان فيه أبو ذرٍّ، وكان فيها لقائح غزرٌ: الحنّاء والسّمراء والعريّس والسّعديّة والبغوم واليسيرة والرّيّا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فرّقها على نسائه؛ فكانت السّمراء لقحةً غزيرة لعائشة؛ وكانت العريّس لأمّ سلمة؛ فأغار عليها عيينة بن حصن في أربعين فارساً فاستاقوها وقتلوا ابن أبي ذرٍّ؛ ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى انتهوا إلى ذي قردٍ فاستنقذوا منها عشراً وأفلت القوم بما بقي؛ وقيل: بل استنقذها كلّها منهم سلمة بن الأكوع حين يقول: ما خلق الله شيئاً من ظهر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا خلّفته وراء ظهري واستنقذته منهم؛ وذلك في شهر ربيع الأوّل سنة ستّ.","part":3,"page":91},{"id":1092,"text":"وكانت لقاحه صلى الله عليه وسلم، التي كان يرعاها يسارٌ مولاه بذي الجدر ناحية قباء قريباً من عير على ستة أميال من المدينة، خمس عشرة لقحةً غزاراً استاقها العرنيّون وقتلوا يساراً وقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثرهم كرز بن جابر الفهريّ في عشرين فارساً؛ فأدركوهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة، فقطّعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم وصلبوا. وفيهم نزل: \" إنّما جزاء الّذين يحاربون الله ورسوله \" الآية؛ وذلك في شوّال سنة ستّ. وفقد النبيّ صلى الله عليه وسلم منها لقحةً تدعى الحنّاء؛ فسأل عنها فقيل: نحروها.\rوقيل: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سبع لقائح تكون بذي الجدر؛ وتكون بالجمّاء: لقحةٌ تدعى مهرة وكانت غزيرةً، أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بني عقيل، ولقحة تدعى بردة تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان، أهادها له الضّحاك بن سفيان الكلابيّ، والشّقراء والرّيّا والسّمراء والعريّس واليسيرة والحنّاء يحلبن ويراح إليه بلبنهنّ كلّ ليلة.\rوفي غزاة بدر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم جمل أبي جهل وكن مهريّاً يغزو عليه ويضرب في لقاحه. ذكره الطبريّ.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى عام الحديبية في هداياه جملاً لأبي جهل في رأسه برةٌ من فضّة؛ ليغيط بذلك المشركين. ذكره ابن إسحاق.\rوقيل: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم لقحة اسمها مروة.\rوقال ابن الكلبيّ: إن عياض بن حمّاد أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم نجيبة، وكان صديقاً له إذا قدم عليه مكة لا يطوف إلا في ثيابه؛ فقال له: أسلمت؟ قال: لا؛ قال: إن الله نهاني عن زبد المشركين. فأسلم؛ فقبلها.\rوصف الإبل\rقال بعض من عظّم شأن الإبل: إن الله تعالى لم يخلق نعماً خيراً من الإبل؛ إن حملت أثقلت، وإن سارت أبعدت، وإن حلبت أروت، وإن نحرت أشبعت.\rوقال بشامة يصف ناقةً:\rكأنّ يديها إذا أرقلت ... وقد حرن ثم اهتدين السّبيلا\rيدا سابح خرّ في غمرةٍ ... وقد شارف الموت إلا قليلا\rإذا أقبلت قلت مشحونةٌ ... أطاعت لها الرّيح قلعاً جفولا\rوإن أدبرت قلت مذعورةٌ ... من الرّبد تتبع هيقاً ذمولا\rوقال أبو تمام:\rوبدّلها السّري بالجهل حلماً ... وقدّ أديمها قدّ الأديم\rبدت كالبدر في ليلٍ بهيمٍ ... وآبت مثل عرجونٍ قديم\rوقال الخطيم الخزرجيّ:\rوقد ضمرت حتى كأن وضينها ... وشاح عروسٍ جال منها على خصر\rوقال ابن دريد:\rخوصٌ كأشباح الحنايا ضمّرٌ ... يرعفن بالأمشاج من جذب البرى\rيرسبن في بحر الدّجى، وفي الضّحى ... يطفون في الآل إذا الآل طفا\rوقال عبد الجبّار بن حمديس:\rومن سفن البرّ سبّاحةٌ ... من الآل بحراً إذا ما اعترض\rلها شرّةٌ لا تبالي بها ... أطال بها سبسبٌ أم عرض\rإذا خفق البرد بي خلتني ... على كورها طائراً ينتفض\rوإن يعرض البعض من سيرها ... ترى العيس من خلفها تنقرض\rهي القوس إنّي لسهمٌ لها ... أصيب بكر فلاة غرض\rوقال الشريف البياضيّ:\rنوقٌ تراها كالسّفي ... ن إذا رأيت الآل بحرا\rكتب الوجا بدمائها ... في مهرق البيداء سطرا\rلا تستكين من اللّغو ... ب إذاً ولا يعرفن زجرا\rوكأن أرجلهن تط ... لب عند أيديهنّ وترا\rوقال أبو عبادة البحتريّ:\rوخدانالقلاص حولاً إذا قا ... بلن حولاً من أنجم الأسحار\rيترقرقن كالسّراب وقد خض ... ن غماراً من السّراب الجاري\rكالقسيّ المعطّفات بل الأس ... هم مبريّةً بل الأوتار\rوقال ذو الرّمّة يصف ناقةً:\rرجيعة أسفارٍ كأن زمامها ... شجاعٌ على يسرى الذّراعين مطرق\rومنه أخذ المتنبي فقال:\rكأنّ على الأعناق منها الأفاعيا\rوقال أبو نواس يصفها بالسرعة:","part":3,"page":92},{"id":1093,"text":"وتجشّمت بي هول كلّ تنوفةٍ ... هوجاء فيها جرأةً إقدام\rتذر المطيّ وراءها وكأنها ... صفٌّ تقدّمهنّ وهي إمام\rوقال الفرزدق منشداً:\rتنفي يداها الحصى في كلّ هاحرة ... نفي الدّراهيم تنقاد الصّياريف\rوقال آخر:\rتطير مناسمها بالحصى ... كما نقد الدرهم الصّيرف\rوقال الغطمّش:\rكأن يديها حين جدّ نجاؤها ... يدا سابح في غمرة يتبوّع\rوقال آخر في نوقٍ:\rخوصٌ نواجٍ إذا حثّ الحداة بها ... حسبت أرجلها قدّام أيديها\rوقال القطاميّ:\rيمشين رهواً فلا الأعجاز خاذلةٌ ... ولا الصدور على الأعجاز تتّكل\rفهنّ معترضاتٌ والحصى رمضٌ ... والرّيح ساكنةٌ والظلّ معتدل\rوقال أبو نواس:\rولقد تجوب بي الفلاة إذا ... صام النّهار وقالت العفر\rشدنيّةٌ رعت الحمى فأتت ... مثل الجبال كأنها قصر\rوقال الأحمر:\rحمراء من نسل المهاري نسلها ... إذا ترامت يدها ورجلها\rحسبتها غيري استفزّ عقلها ... أتى التي كانت تخاف بعلها\rالبقر الأهلية عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: \" بينا رجل يسوق بقرةً إذ ركبها فضربها فقالت إنّا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث \" ؛ فقال الناس: سبحان الله بقرةٌ تكلّم! قال: \" فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر \" وما هما ثمّ.\rوقال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: إنّ الفحل من البقر ينزو إذا تمّت له سنةٌ من عمره؛ وقد ينزو لعشرة أشهرٍ. والبقرة إذا ولدت تحدّر لبنها من يومها، ولا يوجد لها لبنٌ قبل أن تضع. وهي تحمل تسعة أشهر وتضع في العاشر؛ فإن وضعت قبل ذلك لا يعيش ولدها. وربما وضعت اثنين، وهو نادر. وهم يتشاءمون بها إذا وضعت اثنين. وإذا مات ولدها أو ذبح لا يسكن خوارها ولا يدرّ لبنها؛ ولذلك الرّعاء يسلخون جلد ولدها ويحشونه لتدرّ له وتسكن، ويسمونه البوّ. والبقر يحبّ الماء الصافي، بضدّ الخيل والجمال. وقال المسعوديّ في كتابه المترجم بمروج الذهب: رأيت بالرّيّ نوعاً من البقر تبرك كما تبرك الإبل وتحمل فتثور بحملها، والغالب عليها حمرة الحدق. وحكى أسامة بن منقذ في كتابه أن في بعض البلدان بقراً لها أعرافٌ كالخيل. ولعلّها الأبقار التي توجد فيها البراجم. والبراجم في أطراف أذنابها وفي أكتافها. ويقال: إنّ أبقار البراجم تخرج من بحر الصّين وهي تلد وترضع؛ ولذلك يقال البراجم البحريّة. وبأرض مصر بناحيتي دمياط وتنّيس بقر بسمى بقر الخيس، ضخامٌ حسان الصّور والشّيات، ولها قرون كالأهلّة، وفيها نفورٌ وتوحّشٌ، لا ينتفع بها في العمل وإنما ينتفع بألبانها. وهي لا تعلف الحبّ، ومأواها حيث يكون العشب والماء الدائم؛ ولها أسماء يدعونها بها إذا أرادوا حلها، فتتقدّم إليهم.\rوقد وصف الشعراء البقر في أشعارها؛ فمن ذلك قول أحمد بن علّويه الأصبهانيّ:\rيا حبّذا محضها ورائبها ... وحبّذا في الرّجال صاحبها\rعجّولةٌ سمحةٌ مباركةٌ ... ميمونةٌ طفّحٌ محالبها\rتقبل للحلب كلما دعيت ... ورامها للحلال حالبها\rفتيّةٌ سنّها، مهذّبةٌ ... معنّفٌ في النّدى عائبها\rكأنها لعبةٌ مزيّنةٌ ... يطير عجباً بها ملاعبها\rكأنّ ألبانها جني عسلٍ ... يلذّها في الإناء شاربها\rعروس باقورةٍ إذا برزت ... من بين أحبالها ترائبها\rكأنها هضبةٌ إذا انتسبت ... أو بكرةٌ قد أناف غاربها\rتزهى بروقين كاللّجين إذا ... مسّهماً بالبنان طالبها\rلو أنها مهرةٌ لما عدمت ... من أن يضمّ السرور راكبها\rوأنشدني شمس الدين بن دانيال لنفسه:\rلله عجلة خيسٍ ... صفراء ذات دلال\rتريك عيني مهاةٍ ... من تحت قرني غزال\rقد سربلت بأصيلٍ ... وتوّجت بهلال\rوقال شاعر يصف صوت الحلب:\rكأنّ صوت شخبها المرفضّ ... كشيش أفعى أجمعت لعضّ\rوهي تحكّ بعضها ببعض\rوقال:","part":3,"page":93},{"id":1094,"text":"كأن صوت شخبها غديّه ... هفيف ريح أو كشيش حيّه\rالجاموس قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: والجواميس هي ضأن البقر. والجاموس أجزع الحيوان من البعوض وأشدّها هرباً منه إلى الماء؛ وهو يمشي إلى الأسد رخيّ البال، رابط الجأش، ثابت الجنان. وقد حكي عن المعتصم بالله العباسيّ أنه أبرز للأسد جاموستين فغلبتاه، ثم أبرز له جاموسةً ومعها ولدها فغلبته وحمت ولدها، ثم أبرز له جاموساً مفرداً فواثبه ثم أدبر عنه. هذا على ما في الأسد من القوّة في فمه وكفّه والجرأة العظيمة والوثبة وشدّة البطش والصبر والحضر والطّلب والهرب؛ وليس في الجاموس، ولا يستطيل بغير قرنه، وليس في قرنه حدّة قرن بقر الوحش؛ فإذا قوي الجاموس مع ذلك حتى يقاوم الأسد دلّ على قوّة عظيمة. ولذلك قدّم الجاحظ الجاموس على الأسد، وعلّل تقديمه عليه بهذه العلّة. وليس ما حكي عن المعتصم في أمر الجاموس وغلبته للأسد بعجيب؛ فإنّ الجواميس بالأغوار تقاتل الأسد وتمانعه وتدفعه فلا يقدر على قهرها. وأصحاب الجواميس هناك منهم من يغلّف قرونها بالنّجاس ويحدّدون أطرافه، ويقصدون بذلك إعانته على حرب الأسد وقتاله.\rوالجاموس عندنا بالديار المصرية يقاتل التّمساح الذي هو أسد البحر ويتمكّن منه ويقهره في الماء؛ فهو قد جمع بين قتال أسد البرّ وأسد البحر. وله قدرةٌ عظيمة على طول المكث في قعر البحر. والتماسيح لا تكاد تأوي موارد الجواميس من بحر النيل وتتجنّب أماكنها.\rوالجواميس في أرض الشأم من الأغوار والسواحل والأماكن الحارّة الكثيرة المياه ينتفع بها في الحرث والحمولة وجرّ العجل وحلب ألبانها. وأمّا في الدّيار المصرية فلا يستعملونها البتّة ولا ينتفعون بها إلا بما يتحصّل من ألبانها ونتاجها.\rوفحول الجواميس يكون بينها قتالٌ شديدٌ ومحاربةٌ؛ فأيّما فحلٍ غلب وقهره خصمه، لا يأوي ذلك المراح، بل ينفرد بنفسه في الجزائر الكثيرة العشب شهوراً وهو يأكل من تلك الأعشاب ويشرب من ماء النيل، وينفرد خصمه بالإناث؛ فإذا علم الهارب من نفسه القوّة والجلد، رجع إلى المراح وقد توحّش واستطال، ويكون خصمه قد ضعفت قواه فلا يقوم بمحاربته؛ ولكنه لا يولّي عنه إلا بعد محاربته. فإذا قهره ترك الآخر المراح وتوجّه إلى جزيرة وفعل كما فعل الأوّل وعاد إلى خصمه.\rولبن الجاموس من ألذّ الألبان وأدسمها. والرّعاء يسمّون كلّ جاموسة باسم تعرفه إذا دعيت به إلى الحلب، فتجيب وتأتيه وتقف حتى يحلبها.\rالغنم الضّأن والمعز روي عن أنس بن مالك وعطاء رضي الله عنهما: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: \" الغنم بركةٌ موضوعةٌ \" . وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" رأس الكفر نحو المشرق والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدّادين أهل الوبر والسكينة في أهل الغنم \" .\rومن فضل الغنم ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: \" ما بعث الله نبيّاً إلا ورعي الغنم \" . فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: \" نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة \" . وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنم مائة شاةٍ لا يريد أن تزيد كلّما ولّد الراعي بهمةً ذبح مكانها شاةً. وقال ابن الأثير في تاريخه: وكان له شاةٌ تسمى غوثة، وقيل غيثة، وعنزٌ تسمى اليمن. وذكر بعض المتأخّرين من أهل الحديث أنّ مكحولاً سئل عن جلد الميتة، فقال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة تسمى قمر؛ ففقدها فقال: \" ما فعلت قمر؟ \" فقالوا: ماتت يا رسول الله؛ قال: \" ما فعلتم بإهابها؟ \" قالوا: ميتة؛ قال: \" دباغها طهورها \" .","part":3,"page":94},{"id":1095,"text":"قال الشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدّمياطي رحمه الله تعالى في كتاب فضل الخيل: وكانت منائح رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنم سبعاً: عجرة وزمزم وسقيا وبركة وورشة وأطلال وأطراف. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سبع أعنز منائح ترعاهنّ أمّ أيمن. قال: والمنيحة: الناقة والشاة تعطيها غيرك فيحلبها ثم يردّها عليك. قال أبو عبيدٍ: للعرب أربعة أسماء تضعها مواضع العارية، وهي: المنيحة، والعريّة، والإفقار، والإخبال.\rترتيب سنّ الغنم\rولد الشاة حين تضعه ذكراً كان أو أنثى سخلةٌ وبهمةٌ. فإذا فصل عن أمّه فهو حملٌ وخروفٌ. فإذا أكل واجترّ فهو بذجٌ وفرفورٌ. فإذا بلغ النّزو فهو عمروسٌ. وكلّ أولاد الضأن والمعز في السنة الثانية جذعٌ؛ وفي الثالثة ثنيٌّ؛ وفي الرابعة رباع؛ وفي الخامسة سديسٌ؛ وفي السادسة سالغٌ. وليس له بعد هذا اسم. ويقال لولد المعز: جفر ثم عريضٌ وعتود وعناقٌ. والغنم، الضأن والمعز، تضع حملها في خمسة أشهر. وتلد النعجة رأساً إلى ثلاثة، والعنز من الرأس إلى أربعة. وينزو الذكر بعد مضيّ ستة شهور من ميلاده. وتحمل الأنثى بعد مضيّ خمسة أشهر من يوم ولدت. ويجزّ صوف الضأن عنها في كل سنة. ولحوم الضأن من أطيب اللّحمان؛ وكذلك ألبانها. وقد أطنب الجاحظ في المفاخرة بين الضأن والمعز وأطال وأتى بالغثّ والسّمين.\rوكتب أبو الخطّاب الصابي إلى الحسين بن صبرة جواباً عن رقعة أرسلها بلغ النّزو فهو عمروسٌ. وكلّ أولاد الضأن والمعز في السنة الثانية جذعٌ؛ وفي الثالثة ثنيٌّ؛ وفي الرابعة رباع؛ وفي الخامسة سديسٌ؛ وفي السادسة سالغٌ. وليس له بعد هذا اسم. ويقال لولد المعز: جفر ثم عريضٌ وعتود وعناقٌ. والغنم، الضأن والمعز، تضع حملها في خمسة أشهر. وتلد النعجة رأساً إلى ثلاثة، والعنز من الرأس إلى أربعة. وينزو الذكر بعد مضيّ ستة شهور من ميلاده. وتحمل الأنثى بعد مضيّ خمسة أشهر من يوم ولدت. ويجزّ صوف الضأن عنها في كل سنة. ولحوم الضأن من أطيب اللّحمان؛ وكذلك ألبانها. وقد أطنب الجاحظ في المفاخرة بين الضأن والمعز وأطال وأتى بالغثّ والسّمين.\rوكتب أبو الخطّاب الصابي إلى الحسين بن صبرة جواباً عن رقعة أرسلها إليه في وصف حملٍ أهداه إليه، جاء منها: وصلت رقعتك؛ ففضضتها عن خطٍّ مشرق، ولفظٍ مؤنق؛ وعبارة مصيبة، ومعانٍ غريبة؛ واتّساع في البلاغة يعجز عنه عبد الحميد في كتابته، وسبحان في خطابته. وذكرت فيها حملاً، جعلته بصفتك جملاً؛ وكان كالمعيديّ أسمع به ولا أراه. وحضر، فرأيت كبشاً متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد؛ قد أفنته الدهور، وتعاقبت عليه العصور؛ فظننته أحد الزوجين اللذين حملهما نوح في سفينته، وحفظ بهما جنس الغنم لذريّته. صغر عن الكبر، ولطف في القدر؛ فبانت دمامته، وتقاصرت قامته؛ وعاد نحيفاً ضئيلاً، بالياً هزيلاً؛ بادي السّقام، عاري العظام؛ جامعاً للمعايب، مشتملاً على المثالب؛ يعجب العاقل من حلول الروح فيه؛ لأنه عظم مجلّد، وصوفٌ ملبّد؛ لا تجد فوق عظامه سلباً، ولا تلقى اليد منه إلا خشباً؛ لو ألقي للسّبع لأباه، أو طرح للذئب لعافه وقلاه؛ وقد طال للكلأ فقده، وبعد بالمرعى عهده؛ لم ير القتّ إلاّ نائماً، ولا الشعير إلا حالماً. وقد خيّرتني بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى الدهر، أو أذبحه فيكون فيه خصب الشّهر؛ فملت إلى استبقائه؛ لما تعلمه من محبّتي في التوفير، ورغبتي في التّثمير؛ وجمعي للولد، وادّخاري لغد؛ فلم أجد فيه مستمتعاً للبقاء، ولا مدفعاً للفناء؛ لأنه ليس بأنثى فيحمل، ولا بفتيٍّ فينسل، ولا بصحيحٍ فيرعى، ولا بسليم فيبقى؛ فملت إلى الثاني من رأييك، وعملت بالأخر من قوليك؛ وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطباً مقام قديد الغزال؛ فأنشدني وقد أضرمت النار، وحدّدت الشّفار، وشمّر الجزّار:\rأعيذها نظراتٍ منك صادقةً ... أن تحسب الشّحم فيمنشحمه ورم\rوما الفائدة لك في ذبحي! وإنما أنا كما قيل:\rلم يبق إلاّ نفسٌ خافت ... ومقلةٌ إنسانها باهت","part":3,"page":95},{"id":1096,"text":"ليس لي لحم يصلح للأكل، فإنّ الدهر أكل لحمي؛ ولا جلدٌ يصلح للدّبغ، فإن الأيام مزّقت أديمي؛ ولا صوفٌ يصلح للغزل، فإن الحوادث حصّت وبري. وإن أردتني للوقود فكفّ بعر أدفأ من ناري، ولم تف حرارة جمري برائحة قتاري. ولم يبق إلاّ أن تطالبني بذحل أو بيني وبينك دم. فوجدته صادقاً في مقالته، ناصحاً في مشورته. ولم أعلم من أيّ أموره أعجب: أمن مماطلته الدّهر على البقاء، أم من صبره على الضّر والبلاء، أم من قدرتك عليه مع عوز مثله، أم من إتحافك الصديق به على خساسة قدره. ويا ليت شعري إذا كنت والي سوق الأغنام، وأمرك ينفذ في المعز والضأن؛ وكلّ حملٍ سمين، وكبش بطين؛ مجلوبٌ إليك، وموقوفٌ عليك، تقول فيه فلا تردّ. وتريد فلا تصدّ؛ وكانت هديّتك هذا الذي كأنّه انشر من القبور، أو أقيم عند النّفخ في الصّور؛ فما كنت مهدياً لو انك رجل من عرض الكتّاب، كأبي عليّ وأبي الخطّاب! ما تهدي إلاّ كلباً أجرب، أو قرداً أحدب.\rوقال شاعرٌ في هذا المعنى:\rليت شعري عن الخروف الهزيل ... ألك الذّنب فيه أم للوكيل\rلم أجد فيه غير جلدٍ وعظمٍ ... وذنيبٍ له دقيقٍ طويل\rما أراني أراه يصلح إذ أص ... بح رسماً على رسوم الطّلول\rلا لشيٍّ ولا لطبخ ولا بي ... ع ولا برّ صاحب وخليل\rأعجفٌ لو مطفّلٌ نال منه ... لغدا تائباً عن التّطفيل\rوقال شرف الدّين بن عين وقد أهدى له بعض أصدقائه خروفاً بعد ما مطله به:\rأتاني خروفٌ ما تشكّكت أنّه ... حليف جوىّ قد شفّه الهجر والمطل\rإذا قام في شمس الظهرة خلته ... خيالاً سرى في ظلمةٍ ما له ظلّ\rفناشدته: ما تشتهي؟ قال: قتّةً ... وقاسمته: ما شفّه؟ قال لي: الأكل\rفأحضرتها خضراء مجّاجة الثرى ... منعّمةً ما خصّ أطرافها فتل\rوظلّ يراعيها بعينٍ ضعيفةٍ ... وينشدها والدّمع في الخدّ منهلّ:\rأتت وحياض الموت بيني وبينها ... وجادت بوصلٍ حين لا ينفع الوصل\rوقال الحمدونيّ في المعزى:\rأبا سعيدٍ لنا في شاتك العبر ... جاءت وما إن بها بولٌ ولا بعر\rوكيف تبعر شاةٌ عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان: الشمس والقمر\rلو أنّها أبصرت في نومها علفاً ... غنّت له ودموع العين تنحدر:\rيا مانعي لذّة الدنيا بما رحبت ... إني ليقنعني من وجهك النظر\rوقال أيضاً:\rما أرى إن ذبحت شاة سعيدٍ ... حاصلاً في يديّ غير الإهاب\rليس إلاّ عظامها، ولو تراها ... قلت هذي أرزانٌ في جراب\rوقال فيها:\rلسعيدٍ شويهةٌ ... سلّها الضّرّ والعجف\rقد تغنّت وأبصرت ... رجلاً حاملاً علف:\rبأبي من بكفّه ... برء دائي من الدّنف\rفأتاها مطمّعاً ... فأتته لتعتلف\rفتولّى وأقبلت ... تتغنّى من الأسف:\rليته لم يكن وقف ... عذّب القلب وانصرف\rالقسم الرابع من الفن الثالث وفيه بابان\rذوات السموم\rالباب الأوّل في ذوات السموم القواتل.\rويشتمل هذا الباب على ما قيل في\rالحيّات والعقارب\rالحيّات","part":3,"page":96},{"id":1097,"text":"الحيّات مختلفات الجهات جدّاً. وهي من الأمم التي يكثر اختلاف أجناسها في الصّور والشّيم، والصّغر والعظم، وفي التعرّض للناس وفي الهرب منهم. فمنها ما لا يؤذي إلا أن تطأها. ومنها ما يؤذي إذا وطئت في حماها. ومنها ما لا يؤذي في تلك الحال إلا أن تكون على بيضها أو فراخها. ومنها ما لا يؤذي إلاّ أن يكون الناس قد آذوها مرّة. فأمّا الأسود فإنه يحقد ويطالب ويكمن في المتاع حتى يدرك؛ وله زمانٌ يقتل فيه كلّ شيء نهشه. وأما الأفعى فليس ذلك عندها، ولكنها تظهر في الصيف مع أوائل الليل إذا سكن وهج الرّمل أو ظاهر الأرض، فتأتي قارعة الطريق حتى تستدير كالرّحى وتشخص رأسها؛ فمن وطئ عليها أو مسّها نهشته. وهي من الحيّات التي ترصد؛ وهي تقتل في كل زمان وعلى كل حال. والشّجاع يواثب ويقوم على ذنبه. والحيّات أصنافٌ كثيرة سنذكر ما أمكن ذكره منها إن شاء الله.\rوالعرب تضر المثل في الظلم بالحيّة فيقولون: \" أظلم من حيّةٍ \" ، لأنها لا تتخذ لنفسها بيتاً، وكل بيت قصدت نحوه هرب أهله منه وأخلوه لها.\rوالحيّة مشقوقة اللسان، ولسانها أسود. وزعم بعض المفسرين لكتاب الله عز وجل أنّ الله تعالى عاقب الحيّة، حين أدخلت إبليس في فمها حتى خاطب آدم وحواء وخدعهما، بعشرة أشياء: منها شقّ لسانها؛ فلذلك ترى الحيّة إذا ضربت لتقتل كيف تخرج لسانها لتري الضارب لها عقوبة الله تعالى، كأنها تسترحم. ويقال: إن من خصائص الحيّة أنّ عينها إذا قلعت عادت، وكذلك نابها إذا قلع أو قطع بالكاز عاد بعد ثلاث ليالٍ؛ وكذلك ذنبها إذا قطع عاد. وفي طباعها أنها تهرب من الرجل العريان، وتفرح بالنار وتطلبها وتعجب بها، وباللبن والبطيخ والّلفّاح والخردل. وهي لا تضبط نفسها عن الشراب إذا شمّته؛ وإذا وجدته شربت منه حتى تسكر؛ فربما كان السّكر سبب حتفها؛ لأنها إذا سكرت خدرت. وتكره الحيّة ريح السّذاب ولا تملك نفسها معه، وربما اصطيدت به؛ وتكره ريح الشّيح. والحيّة تذبح حتى تفرى أوداجها فتبقى أياماً لا تموت. ومتى ضربت بالقصب الفارسيّ ماتت، وإن ضربت بسوط قد مسّه عرق الخيل ماتت. ويقال: إنها لا تموت حتف أنفها إلا أن تقتل.\rومن أعجب ما شاهدته أنا من الأفاعي أنها قطّعت بحضوري بالبيمارستان المنصوري بالقاهرة المعزّيّة في شهور سنة ستٍّ وسبعمائةٍ بسبب عمل الدّرياق الفاروق؛ وقطع من رأسها وذنبها ما جرت العادة بقطعه، وسلخت وشقّ بطنها نظّفت وهي تختلج، ثم سلقت وجرّد لحمها عن العظم، فنظرت إليه فإذا هو يختلج؛ فعجبت لذلك؛ وذكرته لرئيس الأطبّاء علم الدّين المعروف بابن أبي حليقة وهو حاضر في المجلس، فقال: ليس هذا بأعجب مما تراه الآن، وقال لي: استدع أقراص الأفاعي التي عملت من أكثر من سنة؛ فاستدعيتها، فأحضرها الخازن وهي في العسل وقد دقّ لحم الأفاعي بعد سلقه وعجن بالسّميذ وجع أقراصاً ووضع في العسل من أكثر من سنة؛ فقال لي: تأمّل الأقراص؛ فتأملتها فإذا هي تضطرب اضطراباً خفيفاً.\rوقال الجاحظ: وزعم صاحب المنطق أنّ الحيّات تنسلخ عن جلودها في كل عام في أوّل فصل الربيع أو الخريف؛ وتبتدئ بالسّلخ من عيونها ويتمّ سلخها في يوم وليلة، ويصير داخل الجلد هو الخارج. وإذا هرمت وعجزت عن السلخ وارتخى جسمها أدخلت جسمها بين عودين أو في صدعٍ ضيقٍ حتى تنسلخ، ثم تأتي إلى عين ماء فتنغمس فيها فيشتدّ لحمها يعود إلى قوّته وشدّته.","part":3,"page":97},{"id":1098,"text":"قال الجاحظ: وليس في الأرض مثل جسم الحيّة إلا والحيّة أقوى بدناً منه أضعافاً. ومن قوّتها أنها إذا أدخلت صدرها في جحر أو صدع لم يستطع أقوى الناس وقد قبض على ذنبها بكلتا يديه أن يخرجها، لشدّة اعتمادها وتعاون أجزائها؛ وربما انقطعت في يد الجاذب لها. فإذا أراد أن يخرجها أرسلها بعض إرسالٍ ثم يجذبها كالمختطف لها. قال: ومن أصناف الحيّات ما هو أزعر، وما هو أزبّ ذو شعر، ومنها ذوات قرون. ومنها ما يسمى الأسود وهو ما إذا كان مع الأفاعي في جونةٍ وجاع ابتلعها من قبل رءوسها، ومتى رام ذلك من غير جهة الرأس عضّته فقتلته. ومن أصنافها ما يسمى الأصلة، وهو ثعبان عظيم جدّاً، وله وجه كوجه الإنسان؛ ويقال: إنه يصير كذلك إذا مرّت عليه ألوف من السنين. وهو يقتل بالنظر وبالنفخ. ومنهم من يسمّي هذا النوع الصّلّ، ويقول: إنّ أصل خلقته على هذه الصفة. وقال: وفي البادية حيّة يقال لها الحفّاث تأكل الفأر وأشباهه. وهي عظيمةٌ، ولها وعيدٌ منكر ونفخٌ وإظهار للصولة، وليس وراء ذلك شيء؛ والجاهل ربما مات من الفزع منها.\rقالوا: والثعبان والأفعى فإنه يقتل بما يحدثه من الفزع؛ لأن الرجل إذا فزع تفتّحت مسامّه ومنافسه، فيتوغّل السمّ في موضع الصّميم وأعماق البدن. فإن نهشت النائم والمغمى عليه والمجنون والطفل الصغير لم تقتله البتّة. وزعم صاحب المنطق أنّ بالحبشة حيّاتٍ لها أجنحةٌ. وأخبرني المولى شرف الدين أحمد بن البزديّ قال: كنت بمدينة الرّملة في شهور سنة اثنتين وسبعمائة صحبة الصاحب شرف الدين بن الخليل ومعه القاضي الحاكم وجماعةٌ كثيرة من الناس وفيهم عدولي وغيرهم؛ فنظرنا نحو السماء فإذا نحن بحيّتين عظيمتين طائرتين في الهواء قاصدتين صوب البحر، كلّ منهما في غلظ الثنيانة، وإن إحداهما مستقيمة في طيرانها والأخرى تتعوّج من قبل رأسها ووسطها وذنبها، وكانتا من الأرض بحيث لا يبلغهما السهم، قال: فسطّرنا بذلك محضراً على عدّة نسخ.\rوحكى بعض المؤرّخين: أنه وجد في خزائن المستنصر بالله العبيدي أحد خلفاء مصر بيضةٌ محلاّةٌ بالذّهب ظنّوا أنها بيضة نعامة؛ فجعل الناس يتعجّبون من تحليتها بالذّهب؛ فذكروا ذلك للمستكفي، فقال: إنها بيضة حيّة كان بعض الملوك أهداها لجدّي القائم بأمر الله.\rومن كتاب نشوار المحاضرة قال حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن الورّاق قال حدّثني عمي أبو الحسين: أن الحصينيّ حدّثه عن أبي العبّاس بن الفرات قال حدّثني أبي قال: قال لي جعفر الخيّاط: أمرني المأمون ونحن بالروم أن أقتصّ الطريق لئلا يكون به جواسيس للعدوّ؛ فأخذت معي جماعةً من أصحابي فرساناً ورجّالةً وسلكت الطريق، فعنّ لي شعب فقصدته لئلا يكون فيه كمينٌ من الجواسيس، وتقدّمني الرّجّالة فرأيتهم قد وقفوا؛ فأسرعت إليهم وسألتهم عن خبرهم، فقالوا: انظر؛ فنظرت فإذا رجلٌ من الرّجّالة قد قعد لقضاء حاجته، ومشى أصحابه، فقصدته حيّةٌ من وراء ظهره فابتلعته من رجليه إلى صدره وهو يستغيث ويصيح، فلم يكن لنا فيه حيلةٌ وخفت أن آخر الرّجالة برمي الحيّة بالنّشّاب فيصيب الرجل فأكون أنا قتلته. فبسط الرجل يديه وانتهى بلع الحيّة إلى إبطيه، فرأيتها وقد انضمّت على ما ابتلعته منه ضمّةً سمعنا تكسير عظامه في جوفها، فمات وسقطت يداه فابتلعته حينئذ بأسره. فقلت: الآن أقصدوها بالنّشّاب؛ فرشقناها جميعاً فأثبتناها في موضعها حتى قتلناها؛ فأمرت بشق بطنها لأعاين جسم الرّجل، فلم نجد في بطنها من جلد ولا عظمٍ ولا غيرهما إلا شيئاً كالخيط الأسود، فإذا هي قد أحرقته في لحظةٍ واحدةٍ.\rويقال: إن بجزائر الصين حيّاتٍ تبتلع الإبل والبقر وشبهها.","part":3,"page":98},{"id":1099,"text":"قال الجاحظ: حدّثني أبو جعفر المكفوف النحويّ العنبريّ وأخوه روح الكاتب ورجالٌ من بني العنبر: أنّ عندهم في رمال بلعنبر حيّةً تصيد العصافير وصغار الطير بأعجب حيلةٍ؛ وزعموا أنها إذا انتصف النهار واشتدّ الحرّ في رمال بلعنبر وامتنعت الأرض على الحافي والمنتعل، غمست هذه الحية ذنبها في الأرض ثم انتصبت كأنها عودٌ مركوزٌ أو عود ثابت، فيجيء الطائر الصغير والجرادة، فإذا رأى عوداً قائماً وكره الوقوع على الرّمل لشدّة حرّه وقع على رأس الحيّة على أنها عود، فإذا وقع على رأسها قبضت عليه. فإن كان جرادةً أو جعلاً أو بعض ما لا يشبعها ابتلعته وبقيت على انتصابها؛ وإن كان طائراً يشبعها أكلته وانصرفت؛ وإن ذلك دأبها ما منع الرمل جانبه في الصيف والقيظ.\rقال: وزعم لي رجالٌ من الصّقالبة خصيانٌ وفحولٌ أنّ الحيّة في بلادهم تأتي البقرة المحفّلة فتنطوي على فخذيها وركبتيها إلى عراقيبها ثم تشخص صدرها نحو أخلاف ضرعها حتى تلتقم الخلف، فلا تستطيع البقر مع قوّتها أن تترمرم؛ فلا تزال الحيّة تمصّ اللبن، ولكما مصّت استرخت؛ فإذا كادت لتلف أرساتها. وزعموا أنّ تلك البقرة إما أن تتلف، وإما أن يصيبها داءٌ في ضرعها وفسادٌ شديد يعسر دواؤه.\rوهذا الباب طويل؛ وقد أوردنا منه ما فيه غنيةٌ. فلنذكر ما قيل في أصناف الحيّات وأوصافها.\rأسماء الحيّات وأوصافها\rيقال: الجانّ والشيطان هي الحيّة الخبيثة. والحنش: ما يصاد من الحيّات. والحيّوت: الذكر منها. والحفّاث والحضب: الضخم منها. والأسود: العظيم وفيه سواد؛ ويقال: الأسود هو الداهية؛ وله خصيتان كخصيتي الجدي، وشعر أسود، وعرفٌ طويل، وصنانٌ كصنان التّيس. والشّجاع: أسود أملس يضرب إلى البياض، خبيث؛ ويقال: إنه دقيق لطيف. والأعيرج: حيّةٌ صمّاء لا تقبل الرّقي وتطفر كما تطفر الأفعى. ويقال: الأعيرج: حيّةٌ أريقط نحوٌ من ذراع، وهو أخبث من الأسود. وقال ابن الأعرابيّ: الأعيرج أخبث الحيّات، يقفز على الفارس حتى يصير معه في سرجه. وقال الليث عن الخليل: الأفعى التي لا تنفع معها رقيةٌ ولا درياقٌ، وهي دقيقة العنق عريضة الرأس. وقال غيره: هي التي إذا ماشت منثنيةً جرشت بعض أسنانها ببعض. وقال غيره: هي التي لها رأس عريضٌ ولها قرنان. والأفعوان: الذكر من الأفاعي. والعربدّ والعسودّ حيّة تنفخ ولا تؤذي. والأرقم: الذي فيه سواد وبياض، والأرقش نحوه. وذو الطّفيتين: الذي له خطّان أسودان. والأبتر: القصير الذنب. والخشخاش: الحيّة الخفيفة. والثعبان: العظيم منها، وكذلك الأيم والأين. وابن قترة: حيّة شبيهة بالقضيب من الفضّة في قدر الشّبر والفتر، وهي أخبث الحيّات، فإذا قرب من الإنسان تراءى في الهواء فوقع عليه من أعلاه. وابن طبق: حيّة صفراء؛ ومن طبعها أن تنام ستة أيام ثم تنتبه في اليوم السابع. ولا تنفخ شيئاً إلا أهلكته قبل أن يتحرّك. وربما مرّ بها الرجل وهي نائمةفيأخذها كأنها سوار من ذهب، فإن استيقظت في كفّه خرّ ميتاً. ومن أمثال العرب \" أصابته إحدى بنات طبق \" . قال الليث: السّفّ: الحيّة التي تطير في الهواء. وأنشد:\rوحتى لو أنّ السّفّ ذا الريش عضّني ... لما ضرّني من فيه نابٌ ولا ثعر\rوالنّضناض: الذي لا يسكن في مكان.\rومن أسمائها القزة والهلال والرّعّاصة.\rمنافع لحوم الحيّات","part":3,"page":99},{"id":1100,"text":"قال الشيخ الرئيس أبو عليّ بن سينا: والحيّة يستعمل مطبوخها بالماء والملح والشّبث، وقد يزاد عليها الزيت. قال: وأجود لحمه لحم الأنثى؛ وأجود سلخه سلخ الذّكر. وطبع الحيّة إلى التجفيف في لحمها قوي؛ وأما التسخين فليس بشديد؛ وسلخه شديد التجفيف أيضاً. وخاصيّة لحمه أنه ينفذ الفضول إلى الجلد، سيّما إذا كان الإنسان غير نقيّ. قال: ولحمه إذا استعمل: أطال العمر، وقوّى القوّة، وحفظ الحواسّ والشباب، وأمّا قوله: أطال العمر فيردّ هذا القول ما ورد في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" فرغ ربّك من أربع خلقٍ وخلقٍ ورزقٍ وأجلٍ \" . وأما ما عدا ذلك فغير مردودٍ عليه، . قال: وأكله ينفع من الجذام نفعاً عظيماً؛ وإذا استعمل على داء الثعلب نفع نفعاً عظيماً. ولحمها ومرقها بعد إسقاط طرفها يمنع تزيّد الخنازير، وكذلك سلخها. ومرقتها إذا تحسّيت وأكل لحمها نفع من أوجاع العصب، وكذلك سلخها. قال: وسلخها إذا طبخ في شراب وقطّر منه في الأذن سكن وجعها؛ ويتمضمض بخلٍّ طبخ فيه السّلخ لوجع السّن. قال: وزعم جالينوس أنه إذا أخذت خيوط كثيرة، وخصوصاً المصبوغة بالأرجوان، وخنق بها أفعى ولفّ واحدٌ منها على عنق صاحب أورام اللّهاة والحلق ظهر نفع عجيبٌ. ومرقته ولحمه يقوّيان البصر. قال: واتفقوا على أنّ شحم الأفعى يمنع نزول الماء إلى العين، ولكنّ الإنسان لا يجسر على ذلك. وإذا شقّت الحيّة ووضعت على نهش الأفاعي سكن الوجع.\rوصف الأفاعي\rقال بعض الشعراء يصف حيّةً:\rر ينبت العشب في وادٍ تكون به ... ولا يجاورها وحشٌ ولا شجر\rجرداء شابكة الأنياب ذابلةٌ ... ينبو من اليبس عن يافوخها الحجر\rلو شرّحت بالمدي ما مسّها بللٌ ... ولو تكنّفها الحاوون ما قدروا\rقد جاهدوها فما قام الرّقاة لها ... وخاتلوها فما نالوا ولا ظفروا\rيكبو لها الورل العادي إذا نفخت ... جبناً ويهرب منها الحيّة الذّكر\rوقال خلفٌ الأحمر:\rوكأنّما لبست بأعلى جسمها ... برداً من الأثواب أنهجه البلى\rفي عينها قبلٌ وفي خيشومها ... فطسٌ وفي أنيابها مثل المدى\rوقال آخر:\rأرقم كالدّرع فيه وشمٌ ... منمنم الظّهر واللّبان\rيزحف كالسّيل من تلاعٍ ... كأن عينيه كوكبان\rيهشم ما مشّ من نباتٍ ... ويجذب النّفس بالعنان\rوقال ابن المعتز:\rأنعت رقشاء لا تحيا لديغتها ... لو قدّها السيف لم يعلق به بلل\rتلقى إذا انسلخت في الأرض جلدتها ... كأنها كمّ درعٍ قدّه بطل\rوقال الظاهر البصريّ شاعر اليتيمة:\rسرت وصحبي وسط قاعٍ صفصف ... إذا أشرفت من فوق طودٍ مشرف\rرقشاء ترنو من قليبٍ أجوف ... تومي برأس مثل رأس المجرف\rوذنبٍ مندمجٍ معقّف ... حتى إذا أبصرتها لا تنكفي\rعلوتها بحدّ سيفٍ مرهف ... فظلّ يجري دمها كالقرقف\rأتلفتها لم أرادت تلفي\rوقال خلفٌ الأحمر:\rله عنقٌ مخضّرةٌ مدّ ظهره ... وشومٌ كتحبير اليماني المرقّم\rإلى هامةٍ مثل الرّحى مستديرةٍ ... بها نقطٌ سودٌ وعينان كالدّم\rوقال آخر:\rوحنشٍ كحلقة السّوار ... غايته شبرٌ من الأشبار\rكأنه قضيب ماءٍ جاري ... يفترّ عن مثل تلظّي النّار\rوقال خلف الأحمر:\rصلّ صفاً لا تنطوي من القصر ... طويلة الإطراف من غير حسر\rداهيةٌ قد صغرت من الكبر ... مهروتة الشّدقين حولاء النّظر\rتفترّ عن عوجٍ حدادٍ كالإبر\rوقال أبو هلال العسكريّ:\rوخفيفة الحركات تفترع الرّبى ... كالبرق يلمع في الغمام الرّائح\rمنقوطةٌ تحكي صدور صحائفٍ ... إبّان تبدو من بطون صفائح\rترضى من الدنيا بظلّ صخيرةٍ ... ومن المعيشة باشتمام روائح\rوقال ابن المعتز:\rكأنني ساورتني يوم بينهم ... رقشاء مجدولةٌ في لونها برق","part":3,"page":100},{"id":1101,"text":"كأنها حين تبدو من مكامنها ... غصن تفتح فيه النّور والورق\rينسلّ منها لسان تستغيث به ... كما تعوّذ بالسبّابة الفرق\rوقال الهذليّ في مزاحف الحيّات:\rكأنّ مزاحف الحيّات وهناً ... قبيل الصبح آثار السّياط\rوقال آخر:\rكأنّ مزاحفه أنسعٌ ... جررن فرادى ومنها ثني\rالعقارب قال الجاحظ: والعقارب أصنافٌ: منها الجرّارة، والطيّارة، وماله ذنبٌ كالحربة، وماله ذنب معقّفٌ؛ وفيه السّود، والخضر، والصّفر. وهي من ذوات الذّرو. ويقال: إنّ الأنثى من هذا النوع إذا حملت يكون حتفها في ولادتها؛ لأن أولادها إذا استوى خلقها أكلت بطون الأمّهات حتى تنقبها، وتكون الولادة من ذلك النّقب، فتخرج والأمهات ميتةٌ. وفي ذلك يقول الشاعر:\rوحاملةٍ لا تحمل الدّهر حملها ... تموت ويحيا حملها حين تعطب\rوقال أيضاً: إنها تلد من فيها مرّتين، وتحمل أولادها على ظهرها وهي في قدر القمل كثيرة العدد. قال: والعقرب شرّ ما تكون إذا كانت حبلى؛ ولها ثمان أرجلٍ لها أظلاٌ مثل أظلاف الثور، وعيناها في ظهرها. ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا المغشيّ عليه ولا النائم، إلا أن يتحرّك شيء من بدنه؛ فإنها عند ذلك تضربه؛ وضربها له إنما هو من خوفها منه. وهي تأوي إلى الخنافس وتسالمها، وتصادق من الحيّات كلّ أسودٍ سالخٍ. وبما لسعت الأفعى فتموت. وفيها ما يلسع بعضه بعضاً فيموت الملسوع. ويقال: إنها تستخرج من بيوتها بالجراد؛ لأنها تحرص على أكله. ومتى أدخل الكّرّاث في جحرها وأخرج تبعته وما معها من نوعها. وهي إذ أخرجت من جحرها تضرب كلّ ما لقيته من حيوانٍ أو نباتٍ أو جمادٍ.\rوقيل لبعض الأطبّاء: إنّ فلاناً يقول: إنما أن مثل العقرب أضرّ ولا أنفع؛ فقال: ما أقلّ علمه بها! إنها تنفع إذا شقّ بطنها ووضعت على مكان اللّسعة. وقد تجعل في جوف فخّارٍ مسدود الرأس مطيّن الجوانب، ثم توضع الفخّارة في تنّورٍ؛ فإذا صارت العقرب رماداً سقي من ذلك الرماد من به حصاةٌ نصف دانقٍ فتفتّتها من غير أن تضرّ شيئاً من الأعضاء. وقد تلسع من به حمّى عتيقةٌ فتقلع عنه. وقد تلسع المفلوج فيذهب عنه الفالج. وقد تلقى العقرب في الدّهن تترك فيه حتى يأخذ منها ويجتذب قواها، فيكون ذلك الدّهن مصرّفاً للأورام الغليظة. وقال الشيخ الرئيس: زيت العقارب نافعٌ من أوجاع الأذن. فهذه منافعها.\rوقال الجاحظ: ومن أعاجيب العقرب أنها لا تسبح ولا تتحرك إذا ألقيت في الماء، كان الماء جارياً أو ساكناً. قال: وهي تطلب الإنسان وتقصده؛ فإذا قصدها فرّت منه. وهي إذا ضربت الإنسان هربت هرب من قد أساء. قال: ومن أعاجيب ما في العقرب أنا وجدنا عقارب القاطول يموت بعضها من لسع بعضٍ، ثم لا يموت عن لسعتها شيء غير العقارب، ونجد العقرب تلسع إنساناً فيموت وتلسع آخر فتموت هي؛ فدلّ ذلك على أنها كما تعطي تأخذ. ويقال: إن الذي تموت هي إذا لسعته تكون أمّه قد لسعت وهي حاملٌ به. قال: ومن أعاجيبها أنها تضرب الطّست والقمقم النّحاس فتخرقه، وربما ضربته فثبتت إبرتها فيه. قال: والعقارب القاتلة تكون في موضعين: بشهر زور من بلاد الجبل، وعسكر مكرم من بلاد الأهواز، وهي جرّاراتٌ؛ وإذا لسعت قتلت؛ وربما تناثر لحم من لسعته أو تعفّن ويسترخي حتى لا يدنو منه أحدٌ إلا وهو يمسك أنفه مخافة إعدائه. وهي في غاية الصغر؛ فإن أكبر ما يوجد منها تكون زنته دانقاً واحداً؛ والذي يوجد منها كبيراً تكون زنته ثلاث حبّات أرزٍ؛ فإن وزنت بشعيرةٍ رجحت الشعيرة عنها. وهي منع نزارتها تقتل الفيل والبعير بلسعتها. قال: وبنصيبين عقارب قتّالةٌ يقال: إن أصلها من شهر زور، وإن بعض الملوك حاصر نصيبين فأتى بالعقارب من شهر زور ورمى بها في كيزانٍ بالمجانيق إلى البلد، فأعطى القوم بأيديهم.\rوقد وصف الشعراء العقرب وشبّهوها في أشعارهم؛ فمن ذلك قول السّريّ الرفّاء:\rساريةٌ في الظّلام مهديةٌ ... إلى النفوس الرّدى بلا حرج\rشائلةٌ، في ذنبها حمةٌ ... كأنها سبجةٌ من السّبج\rوقال آخر:\rونضوةٍ تعرف باسم ولقب ... ما بين عينيها هلالٌ منتصب\rموجودةٌ معدومةٌ عند الطلب ... تطعن من لاقته من غير سبب","part":3,"page":101},{"id":1102,"text":"بخنجرٍ تسلّه عند الغضب ... كأنه شعلة نارٍ تلتهب\rوقال آخر:\rتحمل رمحاً ذا كعوبٍ مشتهر ... فيه سنانٌ بالحريق مستعر\rأنّف بأنيفاً على حين قدر ... تأنيف أنف القوس شدّت بالوتر\rوقال عبد الصمد بن المعذّل: يدعو بها على عدوٍّ له.\rيا ربّ ذي إفكٍ كثيرٍ خدعه ... مستجهل الحلم خبيثٍ مرتعه\rيسري إلى عرض الصديق قذعه ... صبّت عليه حين جمّت بدعه\rذات ذنابي متلفٍ من يلسعه ... تخفضه طوراً وطوراً ترفعه\rأسود كالسّبجة فهي مبضعه ... ينطف منه سمّه وسلمعه\rتسرع فيه الحتف حين تشرعه ... يبرز كالقرنين حين تطلعه\rفي مثل صدر السّبت حين تقطعه ... لا تصنع الرقشاء ما قد تصنعه\rوقال ابن حمديس:\rومشرعةٍ بالموت للطعن صعدةً ... فلا قرن إن نادته يوماً يجيبها\rتذيقك حرّ السّمّ من وخز إبرةٍ ... إذا لسبت ماذا يلاقي لسيبها\rإذا لم يكن لون البهارة لونها ... فمن يرقانٍ دبّ فيها شحوبها\rلها سورةٌ خصّت بمنكر صورةٍ ... ترى العين فيها كلّ شيء يريبها\rلها طعنةٌ لا تستبين لناظرٍ ... ولا يرسل المسبار فيها طبيبها\rنسيت بها قيساً وذكرى طعينه ... وقد دقّ معناها وجلّ ندوبها\rتجيء كأمّ الشّبل غضبى توقّدت ... وقد توّج اليأفوخ منها عسيبها\rعدوٌّ مع الإنسان يعمر بيته ... فكيف يوالي رقدةً يستطيبها\rولولا دفاع الله عنّا بلطفه ... لصبّت من الدنيا علينا خطوبها\rالباب الثاني فيما هو ليس قاتلاً بفعله من دوابّ السموم\rما لايقتل من دواب السموم\rويشتمل هذا الباب على ما قيل في الخنافس، والوزغ، والضبّ، وابن عرس، والحرباء، والقنافذ، والفيران، والقراد، والنمل، والذرّ، والقمل، والصّؤاب.\rالخنافس قالوا: والخنافس تتولّد من عفونة الأرض. وهي أصناف، منها الخنفس المعروف؛ ومنها العجل ويسمّى الكبرتل. وهو يتولّد من أخثاء البقر، وهو يموت إذا شمّ رائحة الطّيب، وإذا دفن في الورد مات، وإذا أخرج منه ودفن في الرّوث عاش. والغالب أنه لا يموت حقيقةً وإنما يخدر وتبطل حركته؛ فإذا عولج بما نشأ منه قوي. والله أعلم. وله ستّ أرجلٍ، وسنامٌ مرتفع. وهو لا يصير كبرتلاً حتى يصير له جناحان. وجناحاه يظهران إذا أراد الطيران ويخفيان إذا مشى. ومن عادة الجعل أن يحرس النّيام؛ فمن قام منهم لقضاء الحاجة تبعه طمعاً أنهم إنما يريد الغائط؛ والغائط قوت الجعل.\rوقال أبو عثمان عمرو بن بحر: وزعم الأعراب أنّ بين ذكور الخنافس وإناث الجعلان تسافداً، وأنهما ينتجان خلقاً ينزع إليهما جميعاً. قال: وأنشد سيبويه لبعض الأعراب يهجو عدوّاً له:\rعاديتنا يا خنفساً أمّ الجعل ... عداوة الأوعال حيّات الجبل\rويقال: إنّ الجعل يظلّ دهراً لا جناح له، ثم ينبت له جناحان. والعرب تقول في أمثالها: \" ألجّ من خنفساء \" و \" أفحش من فاسيةٍ \" وهي الخنفساء. وفي لجاجة الخنفساء يقول الأحمر:\rلنا صاحبٌ مولعٌ بالخلاف ... كثير الخطاء قليل الصواب\rألجّ لجاجاً من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب\rومن أصناف الخنافس صنفٌ يقال له حمار قبّان. وهو يتولّد في الأماكن النديّة على ظهره شبه المجنّ. ومنها صنفٌ يسمّى بنات وردان. وهي أيضاً تتولّد في الأماكن النديّة، وأكثر ما تكون في الحمّامات والسّقايات. وفيها من الألوان الأسود، والأصهب، والأبيض. قال بعض الشعراء يصف بنات وردان:\rبنات وردان جنسٌ ليس ينعته ... خلقٌ كنعتي في وصفي وتشبيهي\rكمثل أنصاف بسرٍ أحمرٍ تركت ... من بعد تشقيقه أقماعه فيه\rومنها الصّراصر والجنادب. ولها صوتٌ لا يفتر بالليل، فإذا طلع الفجر فقد. وفيه من الألوان الأسود وهو جندب الجبال والآكام السّد؛ والأبرق وهو جندب الطلح والسّمر والغضا؛ والأبيض وهو جندب الصحاري. قال السّريّ الرّفّاء يصف جندبةً:","part":3,"page":102},{"id":1103,"text":"وجندبةٍ تمشي بساقٍ كأنّها ... على فخذٍ كالعود منشار عرعر\rممسّكةٌ تجلو الجناح كأنّها ... عروسٌ تجلّت في عطافٍ معنبر\rالوزغ والوزغ يسمّى سامّ أبرص. وزعموا أنه أصمّ، وأنّ السبب في صممه وبرصه أن الدوابّ كلّها حين ألقي إبراهيم عليه السلام في نار النّمرود كانت تطفئ عنه، وأنّ هذا كان ينفخ عليه، فصمّ وبرص. وروي عن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها أنّها قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يدي عكّاز فيه زجٌّ، فقال: \" يا عائشة ما تصنعين بهذا؟ \" قلت: أقتل به الوزغ في بيتي؛ قال: \" إن تفعلي فإنّ الدوابّ كلّها حين ألقي إبراهيم في النار كانت تطفئ عنه وإنّ هذا كان ينفخ عليه فصمّ وبرص \" . وفي حديث آخر عنها رضي الله عنها: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للوزغ الفويسق.\rقالوا: وفي طبع الوزغ أنه لا يدخل إلى بيتٍ في زعفران. والحيّات تألف الوزغ، كما تألف العقارب الخنافس. وهو يطاعم الحيّات ويزاقّها. وهو يقبل اللّقاح بفيه، ويبيض كما تبيض الحيّة. وقيل: إنّ نصيبه من السّم نصيبٌ متوسّط، لا يكمل أن يقتل، ومتى دبر جاء منه سمٌّ قاتل. ومتى قتل ووضع على جحر حيّة هربت منه. وهو يقيم في جحره أربعة أشهر الشتاء.\rوقال الشيخ الرئيس: إذا ضمد به على الشوك والسّلاّء جذبه، وعلى الثآليل يقلعها. قال: وقيل: إنّ المجفّف منه إذا خلط بالزيت أنبت الشعر على القرع. وبوله ودمه عجيب النّفع من فتق الصّبيان إذا جلسوا في طبيخه. وقد يجعل في بوله أو دمه شيء من المسك ويجعل في إحليل الصبيّ فيكون بالغ النفع في الفتق. وقيل: إنّ كبده تسكّن وجع الضّرس، وتشقّ وتوضع على لسع العقرب فيسكن.\rالضبّ قال الجاحظ في كتاب الحيوان: إنّ من أعاجيب الضبّ أنّ له أيرين وللضبّة حرين؛ قال: وهذا شيء لا يعرف إلاّ لهما. هذا قول الأعراب في تخصيصهما بذلك. وقالت الحكماء: إنّ السّقنقور له أيران، والحرذول كذلك. قال: وقال جالينوس: الضبّ الذي له لسانان يصلح لحمه لكذا وكذا. ومما يستدلّ به على أنّ للضبّ أيرين قول الفزاريّ:\rسبحلٌ له نزكان كانا فضيلةً ... على كل حافٍ في البلاد وناعل\rواسم أير الضبّ: النّزك. وسئل أبو حيّة النّميريّ عن ذلك، فزعم أنّ أير الضبّ كلسان الحيّة، الأصل واحد الفرع اثنان. وللأنثى مدخلان. وعلى ذلك أنشد الكسائيّ رحمه الله تعالى:\rتفرّقتم لا زلتم قرن واحدٍ ... تفرّق أير الضبّ والأصل واحد\rويقال: إنّ الضبّة إذا أرادت أن تبيض حفرت في الأرض حفرةً ثم رمت بالبيض فيها وطمّته بالتراب، وتتعاهده كل يوم حتى يخرج، وذلك في أربعين يوماً. وهي تبيض سبعين بيضةً وأكثر. وبيضها يشبه بيض الحمام. ويخرج الحسل وهو مطيقٌ للكسب.\rقالوا: والضبّ يخرج من جحره كليل البصر، فيجلوه بالتحدّق في الشمس. وهو يغتذي بالنسيم، ويعيش ببرد الهواء، وذلك عند الهرم.\rقال الجاحظ: وزعم عمرو بن مسافر: أنّ الضبّة بيض ستين بيضةً وتسدّ عليهنّ باب الجحر ثم تدعهنّ أربعين يوماً، فيتفقص البيض ويظهر ما فيه، فتحفر عنهن عند ذلك. فإذا كشفت عنهم أحضرن وأحضرت في أثرهنّ، فتأكل ما أدركت منهنّ. ويحفر المنفلت منها لنفسه جحراً، ويرعى من البقل. فلذلك توصف بالعقوق. ويضرب به المثل في أكل حسوله. وفي ذلك يقول الشاعر:\rأكلت بنيك أكل الضبّ حتى ... تركت بنيك ليس لهم عديد\rقالوا: وفي ذنب الضبّ من القوّة ما يضرب به الحيّة فربما قطعها. والضبّ طويل العمر. وفي طبعه أنه يرجع في قيئه. وهو شديد الإعجاب بالتمر. ويقال: إنه يمكث ليلةً بعد الذّبح ثمّ يقرّب إلى النار فيتحرّك.\rقال الجاحظ: وزعمت العرب إنّ الضبّ يعدّ العقرب في جحره؛ فإذا سمع صوت الحرش استثفرها فألزقها بأصل عجب ذنبه وضمّه عليها، فإذا أدخل الحارش يده ليقبض على أصل ذنبه لسعته. وقيل: بل العقارب تألف الضّباب وتسالمها وتأوي إليها. قال التّميميّ:\rأتأنس بي ونجرك غير نجري ... كما أنس العقارب والضّباب","part":3,"page":103},{"id":1104,"text":"والضبّ من الحيوان المأكول؛ غلاّ أنّ العرب تعيّر بني تميم بأكل لحم الضبّ. والدليل على إباحته ما جاء في الحديث الصحيح: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بيت ميمونة رضي الله عنها، فقدّمت له مائدةٌ وعليها ضبٌّ مشويّ، فأهوى بيده ليأكل منه؛ فقيل له: يا رسول الله، إنه ضبّ؛ فرفع يده. فقال له خالد بن الوليد: يا رسول الله، أحرامٌ هو؟ قال: \" لا ولكنه ليس في بلاد قومي فأنا لا آكله \" ؛ فأكله خالد بن الوليد بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهه؛ ولو كان حراماً لنهاه صلى الله عليه وسلم عن أكله ولأخبر بتحريمه لمّا سئل عنه.\rوقال أبو نواس يعيّر بأكل الضبّ:\rإذا ما تميميٌّ أتاك مفاخراً ... فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضّبّ\rوقال عمرو بن الأهتم من أبياتٍ:\rورددناهم إلى حرّتيهم ... حيث لا يأكلون غير الضّباب\rوقال الشيخ الرئيس أبو عليّ بن سينا: زبل الضبّ نافع لبياض العين، وينفع من نزول الماء.\rوقد وصفه الحمّانيّ فقال وذكر أرضاً:\rترى ضبّها مطلعاً رأسه ... كما مدّ ساعده الأقطع\rله ظاهرٌ مثل بردٍ موشىًّ ... وبطنٌ كما حسر الأصلع\rهو الضبّ ما مدّ سكّانه ... وإن ضمّه فهو الضّفدع\rالحرباء والحرباء لها أصابع، وأظنها لنبش التراب. ولونها أسود وأصفر ومختلط الألوان كالفهد. وهذه التسمية تقع على ذكورها وإناثها. والحرباء إذا كان في الشمس كان كثير التلوّن، فإذا انتقل إلى الظل كان أقل تلوّناً. وإذا قارب الموت أو مات اصفرّ. وهو أبداً يطلب الشمس، فإذا طلعت وجّه وجهه نحوها. فمتى غاب عنه جرمها فلا يراها أصابه نوع من الجنون. وإذا غابت الشمس ذهب ليطلب معاشه ليله كلّه حتى يصبح. ولسانه طويل جدّاً، يقال: إنه مقدار ذراعٍ، فهو يبلغ به ما بعد عنه من الذّباب. والأنثى منه تكنى أمّ حبينٍ. وهو يوصف بالحزم لنه حيث ينظر إلى الشمس يقبض بيده على خوطٍ، فإذا تقلّب نحو الشمس حيث ما مالت لا يرسل ذلك الخوط من يده حتى يقبض بيده الأخرى خوطاً آخر. وفيه يقول الشاعر:\rأنّى أتيح له حرباء تنضبةٍ ... لا يرسل السّاق إلا ممسكاً ساقا\rوكتب بعض الفضلاء إلى بعض أصدقائه يلومه على مقامه بوطنه حين نبا به؛ فقال من رسالة: أعجزت في الإباء، عن خلق الحرباء؛ أدلى لساناً كالرّشاء، يبلغ به ما يشاء؛ وناط همّته بالشمس، مع بعدها عن اللمس؛ وأنف من ضيق الوجاء، ففرّخ في الأشجار؛ وسئم العيش المسخوط، فاستبدل خوطاً بخوط؛ فهو كالخطيب، على الغصن الرّطيب.\rوإنّ صواب الرّأي والحزم لامرئٍ ... إذا بلغته الشمس أن يتحوّلا\rوقال ذو الرّمّة:\rكأنّ يدي حربائها متشمّساً ... يدا مذنبٍ يستغفر الله تائب\rوقال فيه أيضاً:\rوقد جعل الحرباء يصفرّ لونه ... وتخضرّ من لفح الهجير غباغبه\rويشبح بالكفّين شبحاً كأنه ... أخو فجرةٍ عالي به الجذع صالبه\rوقال فيه أيضاً:\rيصلّي بها الحرباء للشمس ماثلاً ... على الجذع إلاّ أنّه لا يكبّر\rإذا حوّل الظّلّ العشيّ رأيته ... حنيفاً وفي وقت الضّحى يتنصّر\rابن عرس وابن عرس من حيوان البيوت، وهو حديد النفس شجيعٌ فطنٌ. وأكثر ما يكون بمصر في المنازل. وله صوت قويٌّ يدلّ على شجاعته. وقيل: إنّه الحيوان المسمّى بالدّلق، وإنما يختلف وبره ولونه بحسب البلاد. وفي طبعه أنه يسرق ما يظفر به من الذّهب والفضّة، وأنه متى وجد حبوباً متفرّقةً خلطها. وهو عدوّ الفأر يصيده ويقتله، والفأر يخافه.\rوقال الجاحظ: وابن عرسٍ يقاتل الحيّة؛ وإذا قاتلها بدأ بأكل السّذاب؛ لأنّ الحيّة تؤلمها رائحة السّذاب؛ كما قدّمنا. وابن عرس يفعل في الطير ما يفعل الذئب في الغنم من الذّبح. وهو إذا عجز عن الوصول إليها استدار بعجزه وفسا إلى جهتها، فربما قبل الفراريج رائحة فسائه.","part":3,"page":104},{"id":1105,"text":"ومن ذكائه وفطنته ما حكي: أنّ رجلاً صاد فرخاً منها فجعله في قفص؛ فرأته أمّه فذهبت وعادت بدينار في فمها فألقته بين يدي الرجل كأنها تريد فداء ولدها منه به، فتركه ولم يتناوله، فذهبت وأتت بدينارٍ آخر فلم يأخذه، فلم تزل تذهب تعود في كل مرّة بدينار إلى خمسة دنانير وهو لا يمسك الذهب، فذهبت وعادت بصرّ فارغةٍ ألقتها بين يديه كأنها تقول: إنه لم يبق شيء؛ فلم يطلق ولدها ولا ضمّ الدنانير. فلمّا رأته على ذلك عمدت إلى دينار منها فأخذته وعادت به إلى جحرها؛ فخشي أن تفعل ذلك ببقيّة الدنانير، فأخذها وأطلق فرخها؛ فأعادت إليه الدينار.\rوقالت الحكماء: لحم ابن عرس نافع من الصّرع. والله أعلم.\rالقنافذ وواحدها قنفذٌ. وهي صنفان: قنفذٌ ودلدلٌ. فالقنفذ يكون بأرض مصر في قدر الفأر. والدلدل يكون بالشأم والعراق وخراسان في قدر الكلب القلطيّ. ويقال: إنه يسفد قائماً وبطن الأنثى لاصقٌ ببطن الذكر. والأنثى تبيض خمس بيضاتٍ؛ وليس هو كالبيض الذي له قشر يابسٌ بل هو شبيه باللّحم. وتصرّف القنافذ بالليل أكثر من تصرّفها بالنهار. قال أيمن بن خريم:\rكقنفد الرّمل لا تخفى مدارجه ... حتى إذا نام عنه الناس لم ينم\rوالقنفذ يستأنس في البيوت، ويختفي أياماً ثم يظهر. وهو إذا جاع صعد إلى الكروم وقطع العناقيد ورمى بها ثم ينزل فيأكل منها ما أطاق؛ فإن كان له فراخ تمرّغ عل ما بقي فيشتبك في شوكه، وذلك بعد تفريطه من عمشوشه، ويذهب به إلى فراخه. وهو مولعٌ بأكل الأفاعي، ولا يبالي قبض على رأسها أو غيره من بدنها، فإنه إن قبض على رأسها أكلها بغير كلفة عليه ولا مشقّةٍ؛ وإن قبض على وسطها أو ذنبها استدار وتجمّع ونفخ بدنه، فمتى ضربته أصابها شوكه، فهي تهرب منه؛ وطلبه لها بقدر هربها منه.\rوالدّلدل إذا رأى ما يكرهه انقبض فيخرج منه شوك كالمداري في طول الشّبر، فيجرح ما يصبه من الحيوان. ويقال: إنّ شوكه شعرٌ، وإنما لمّا غلظ غلب عليه اليبس صار شوكاً.\rوقال ابن سينا: في رماد القنفذ جلاءٌ وتحليلٌ. وملحه ينفع من داء الفيل. ولحمه ينفع من الجذام؛ لشدّة تحليله وتجفيفه. ولحمه المملّح ينفع من الفالج والتّشنّج وأمراض العصب كلّها وداء الفيل، وينفع من السّلّ ومن سوء المزاج. ومملوحه مع السّكبينج جيّدٌ للاستسقاء ووجع الكلى، وينفع من يبول من الصبيان في الفراش؛ حتى إنّ إدمان أكله ربما عسّر البول. ولحمه ينفع من الحمّيات المزمنة ومن نهش الهوامّ. والله أعلم.\rوقد وصفه البلغاء والشعراء في رسائلها وأشعارها، فمن ذلك ما قاله الأمير شمس المعالي من رسالة كتبها إلى بعض أصدقائه وقد أهدي له دلدلاً: قد أتحفتك يا سيّدي بعلقٍ نفيس، وتحفة رئيس؛ يتعجّب المتأمّل من أحواله، ويحار الناعت في أوصافه وأعماله؛ ويتبلّد المعتبر في آياته، ويكلّ الناظر في معجزاته؛ فما يدري ببديهة النظر والفؤاد، أمن الحيوان هو أم من الجماد؛ حتى إذا أعطى متدبّره النّظر أوفى حقوقه، والفحص أكمل شروطه، علم انه كميّ سلاحه في حضنه، ورامٍ سهامه في ضمنه؛ ومقاتلٌ رماحه على ظهره، ومخاتلٌ سرّه خلاف جهره، ومحاربٌ حصنه من نفسه؛ يلقاك بأخشن من حدّ السيف، ويستتر بألين من وبر الخيف. متى جمّع أطرافه، وضمّ إليه أصوافه؛ حسبته رابيةً ناتيه، أو تلعةً باديه. وهو أمضى من الأجل، وأرمى من بني ثعل. إن رأته الأراقم رأت حتف نفسها، أو عاينته الأساود أيقنت بفناء جنسها؛ صعلوك ليلٍ لا يحجم عن دامسه، وفارس ظلامٍ لا يخاف من حنادسه؛ فيه من الضبّ مثل، ومن الفأر شكل؛ ومن الورل نسب، ومن الدّلدل سبب. ومن أوابده أنه يسودّ إذا هرم وشاب، ويصير كأكبر ما يكون من الكلاب.\rوقال أبو محمد اليزيديّ يذكر قنفذاً رآه، فأطعمه وسقاه:\rوطارق ليلٍ جاءنا بعد هجعةٍ ... من الليل إلاّ ما تحدّث سامر\rقريناه صفو الزاد حين رأيته ... وقد جاء خفّاق الحشى وهو سادر\rجميل المحيّا في الرّضا فإذا أبى ... حمته من الضّيم الرّماح الشّواجر\rولست تراه واضعاً لسلاحه ... مدى الدّهر موتوراً ولا هو واتر\rوقال آخر من أبيات يرثيه فيها ويصفه:\rعجبت له من شيهمٍ متحصّنٍ ... بنبلٍ من السّرد المضاعف تبرق","part":3,"page":105},{"id":1106,"text":"وأنّى اهتدى سهم المنية نحوه ... وفي كلّ عضوٍ منه سهمٌ مفوّق\rولو كان كفّ الدهر تستخشن الرّدى ... لكان بكفّ الدّهر لا يتعلّق\rوقال أبو بكر الخوارزميّ يصفه:\rومدجّج وسلاحه من نفسه ... شاكي الدّوابر أعزل الأقبال\rيمسي ويصبح لم يفارق بيته ... ولقد سرى عدداً من الأميال\rوتراه يكمن بعضه في بعضه ... فتطيش عنه أسهم الأهوال\rعيناه مثل النقطتين وخطمه ... يحكي ثديّ رضاعة الأطفال\rوكأنّ أقلاماً غرزن بظهره ... مسّ المداد رءوسها ببلال\rتتهارب الحيّات حين يرينه ... هرب اللصوص رأت سواد الوالي\rوكأنّه الخنزير إلاّ جلده ... وصياحه وتقارب الأوصال\rالفئران قد سمّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم الفويسقة. والفأر ضروب تقع على جميعها هذه التسمية وهي الجرذ والفأر معروفان، وهم كالجواميس والبقر، والزّباب والخلد واليربوع وفأرة البيش وفأرة المسك وفأرة الإبل.\rالجرذ والفأر وهم من حيوان البيوت والبرّ. قال المتكلمون في طبائع الحيوان: إنّ الفأر مما جمع له بين حاسّة السمع والبصر. وليس في الحيوان أفسد منه. ومن فساده أنه يجد قارورة الدّهن وهي ضيّقة الفم فيدخل ذنبه فيها ويمتصّه. فإن قصر ذنبه عن بلوغ الدّهن عمد إلى النّوى والأحجار الصّغار فيلقيهما فيها، فيطفو ما فيها فيمتصّه بذنبه، ولا يزال يتعاهد ذلك حتى ينفذ جميع ما فيها. وهو إذا سرق البيض يعجز عن كسره بسنّه، فيدحرج البيضة إلى أن تسقط من مكان مرتفع إلى مستفلٍ فتنكسر؛ فإن عجّزه ذلك استعان بفأر آخر فيعشقها أحدهما بيديه ورجله وينقلب على قفاه؛ ويقبض الآخر على ذنبه ويتسلّق به في حائط؛ فإذا ارتفع به عن الأرض ألقاها الحامل لها فتنكسر فيأكلانها جميعاً. أخبرني بذلك من شاهده. والمثل المضروب به في الفساد والسّرقة والنسيان والحذر. وفي طبع الجرذ البرّيّ وعادته أنه لا يحفر بيته على قارعة الطريق خوفاً من الحافر أن يهدم عليه بيته. ويقال: إنه يخلق من الطّين، وإنه يتولّد بأرض مصر إذا نضب ماء النيل عنها. وقال صاحب كتاب مباهج الفكر: إنه رأى ذلك عياناً في سفط ميدوم من جيزة مصر.\rوقال الجاحظ: لعمري إن جرذان أنطاكية لتساجل السّنانير في الحرب، ولا تقوم لها ولا تقوى عليها إلا الواحد بعد الواحد. قال: وهي بخراسان قويّةٌ جدّاً، وربما قطعت أذن النائم. قال: ومن الفأر ما إذا عضّ قتل. قال: ومن الأعاجيب في قرض الفأر أنّ قوماً من أهل الفراسة ينظرون إلى قرضه ويتفرّسون منه أحوالاً. ويزعمون أنّ أبا جعفر المنصور نزل في بعض القرى فقرض الفأر مسحاً له كان يجلس عليه، فبعث به ليرفأ؛ فقال لهم الرّفّاء: إنّ هاهنا أهل بيت يعرفون بقرض الفأر ما ينال صاحب المتاع من خير وشرّ، فما عليكم أن تعرضوه عليه قبل إصلاحه؟ فبعث المنصور إلى شيخهم؛ فلما نظر إلى موضع القرض وثب قائماً ثم قال: من صاحب هذا المسح؟ فقال المنصور: أنا؛ فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ والله لتليّن الخلافة أو أكون جاهلاً أو كذّاباً.\rوفي الفأر منافع ذكره الشيخ الرئيس ابن سينا، فقال: دم الفأر يقلع الثآليل، وزبله نافع على داء الثعلب وخصوصاً لطخاً بالعسل، وخصوصاً المحرق. قال: وإذا شوي الفأر وجفّف وأطعم الصبيّ انقطع سيلان اللّعاب من فمه. قال: واتّفق الناس أنّ الفأر إذا شقّ ووضع على لدغ العقرب نفع. والله أعلم.\rوقد وصف الشعراء الفأر وشبّهوه في أشعارهم وذكروا سوء فعله. فمن ذلك قول أعرابيّ وقد دخل البصرة فاشترى خبزاً فأكله الفأر:\rعجّل ربّ الناس بالعقاب ... لعامرات البيت بالخراب\rحتى يعجّلن إلى التّباب ... كحل العيون وقص الرّقاب\rمجرّراتٍ فضل الأذناب ... مثل مداري الطّفلة الكعاب\rكيف لها بأنمرٍ وثّاب ... منهزت الشّدق حديد النّاب\rكأنما يكشر عن حراب ... يفرسها كالأسد الوثّاب\rوقال أبو بكر الصّنوبريّ:\rيا لحدب الظّهور قعس الرّقاب ... لدقاق الخرطوم والأذناب","part":3,"page":106},{"id":1107,"text":"للطافٍ آذانها والخراطي ... م حداد الأظفار والأنياب\rخلقت للفساد مذ خلق الخل ... ق وللعيث والأذى والخراب\rناقباتٍ في الأرض والسقف والحا ... ئط نقباً أعيا على النّقّاب\rآكلاتٍ كلّ المآكل لا تس ... أمها شاربات كلّ الشّراب\rآلفاتٍ قرض الثياب وقد يع ... دل قرض القلوب قرض الثياب\rوقال في فأرة بيضاء:\rوفأرةٍ بيضاء لم تبتذل ... يوماً لإطعام السّنانير\rإذ فأرة المسك سمعنا بها ... وهذه فأرة الكافور\rالزّباب فإنه فأرٌ أصمّ، يكون في الرمل. والعرب تضرب به المثل في السرقة. يقولون: \" أسرق من زبابة \" .\rالخلد فهو أعمى لا يدرك شيئاً إلاّ بالشّمّ، إلا أن عينيه كاملتان، لكن الجفن ملتحمٌ على الناظر لا ينشقّ. وهو ترابيٌّ مستقرٌّ في باطن الأرض؛ وهي له كالماء للسمك. وليس له على ظهر الأرض قوّةٌ ولا نشاط؛ بل يبقى مطروحاً كالميّت فتخطفه الجوارح أو يموت. وهو حديد حاسّة الشمّ. ومتى شمّ رائحةً طيّبةً هرب. وهو يحبّ رائحة الكرّاث والبصل؛ وربما صيد بهما. ومن دأبه طول الكدّ ودوام الحفر. وفي تركيبه أنه لا يفرط في الطّلب ولا يقصّر عنه. وله وقت يظهر فيه لا يخطئه ولا يغلط في المقدار. ويضرب به المثل في حدّة السمع؛ فيقال: \" أسمع من خلدٍ \" .\rاليربوع فهو حيوان طويل الرّجلين، قصير اليدين جدّاً. وله ذنبٌ كذنب الجرذ، يرفعه صعداً، في طرفه شبه النّوّارة. ولونه لون الغزال. ويقال لولده درصٌ، والجمع أدراص. قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: كلّ دابة حشاها الله خبثاً فهي قصيرة اليدين. وهو يسكن بطن الأرض لتقوم رطوبتها له مقام الماء. وهو يؤثر النسيم ويكره البخار. وهو يتّخذ جحره على نشزٍ من الأرض ويحفره، ويفتح له أبواباً على مهبّ الرياح وتسمّى النّافقاء والقاصعاء والدّامّاء والرّاهطاء. فإذا طلب من أحد هذه الأبواب خرج من الآخر. وهو يجترّ ويبعر. وله كرشٌ وأسنان وأضراس. وهو من الحيوان الذي ينقاد إلى رئيس منه. والرئيس منها إذا كان فيها يرتفع عنها فيكون في مكان مشرفٍ أو على صخرة ينظر منه إلى الطريق. فإن رأى ما يخاف عليها صرّ بأسنانه وصوّت، فتسمعه فتنصرف إلى جحرتها؛ وإن أغفل ذلك ورأت ما تخافه قبل أن يراه قتلته، لتضييعه الحزم وغفلته، ونصبت غيره لرياستها. وإن أرادت اليرابيع الخروج من جحرتها لطلب المعاش خرج الرئيس قبلها وأشرف؛ فإذا لم ير ما يخافه عليها صرّ لها وصوّت فتخرج. قالوا: ويتولّد من اليربوع والفأرة ولدٌ يسمى القرنب.\rفارة المسك فقال الجاحظ: إنها دويبّةٌ تكون في بلاد تبّت تصاد لنوافجها وسررها. فإذا اصطيدت عصبت سرتها بعصابٍ وهي مدلاّة فيجتمع فيها دمها؛ فإذا اجتمع ذبحت، ثمّ تقوّر السّرّة المعصوبة وتدفن في الشّعير حيناً فيستحيل ذلك الدّم المختنق الجامد مسكاً ذكياً بعد أن كان منتناً. يقال: إن هذه الفأرة توجد في بلاد الزّابج وتحمل إلى السّند، وإن المسك يخرج من خصيتي ذكورها بالعصر، ومن ضروع إناثها بالحلب. ويقال: إن الفأر الفارسيّ أطيب ريحاً من كلّ طيبٍ، وربما ضاهى ريح المسك. وهو أجرد أشقر، شعره إلى الصّفرة، شديد كحل العين، طويل الأذنين، قصير الذّنب.\rفارة الإبل فليست بحيوان، وإنما هي رائحةٌ تسطع من الإبل عند صدورها من الورد ينتجها طيب الرّعي. قال الشاعر:\rلها فأرةٌ ذفراء كلّ عشيّةٍ ... كما فتق الكافور بالمسك فاتقه\rالقراد فقد قالوا: أوّل ما يكون قمقامة وهو الذي لا يكاد يرى من صغره، ثم يصير حمنانة ثم يصير قراداً ثم يصير حلماً. ويقال للقراد: العلّ والطلح والقتين والبرام والقرشام.\rوالقراد يخلق من عرق البعير ومن الوسخ والتّلطّخ بالثّلط والأبوال؛ كما يخلق القمل من عرق الإنسان. وفي طبع القراد أنه يسمع رغاء الإبل من فراسخ فيقصدها؛ حتى إنّ أصحاب الإبل يبعثون إلى الماء من يصلح لإبلهم الأرشية وآلات السّقي، فتبيت الرّجال عند البئر تنتظر مجيء الإبل، فيعرفون قربها من القراد بانبعاثه في جوف الليل وسرعة حركته ومروره، فإذا رأوا ذلك منه تهيّئوا للعمل.","part":3,"page":107},{"id":1108,"text":"ويقول من اعتنى بالحيوان وتكلّم في طبائعه: إنّ لكل حيوانٍ قراداً يناسب مزاجه.\rوهم يضربون المثل بالقراد في أشياء، فيقولون: \" أسمع من قرادٍ \" ، و \" ألزق من قرادٍ \" ، وما هو إلا قراد ثفرٍ. وأنشد الجاحظ لبعض الشعراء في القراد:\rألا يا عباد الله هل لقبيلةٍ ... إذا ظهرت في الأرض شدّ مغيرها\rلا الدّين ينهاها ولا هي تنتهي ... ولا ذو سلاحٍ من معدٍّ يضيرها\rالنّمل والذّرّ قال الله عز وجل: \" وحشر لسليمان جنوده من الجنّ والإنس والطّير فهم يوزعون. حتّى إذا أتوا على وادي النّمل قالت نملةٌ يأيها النّمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون \" . وجاء في الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً فانطلق لحاجةٍ فجاء من حاجته وقد أوقد رجلٌ على قرية نملٍ إما في شجرةٍ وإمّا في الأرض؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من فعل هذا أطفئها أطفئها أطفئها \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: \" نزل نبيٌّ من الأنبياء تحت شجرةٍ فعضّته نملةٌ فقام إلى نملٍ كثيرٍ تحت الشجرة فقتلهنّ فقيل له: أفلا نملةً واحدةً \" . وعنه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: \" نزل نبيٌّ من الأنبياء تحت شجرةٍ فقرصته نملةٌ فأمر بجهازه فأخرج من تحتها ثم أمر بقرية النّمل فأحرقت فأوحى الله غليه أن قرصتك نملةٌ أهلكت أمّةً من الأمم يسبّحن الله فهلاّ نملةً واحدةً \" . وجاء في الأثر: أنّ سليمان بن داود عليهما السلام خرج يستسقي، فرأى نملةً مستلقيةً على ظهرها رافعةً قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنّا خلقٌ من خلقك، ليس لنا غنىً عن سقيك؛ فإما أن تسقينا وترزقنا، وإما أن تميتنا وتهلكنا. فقال للناس: \" ارجعوا، فقد سقيتم بدعاء غيركم \" .\rوقال الجاحظ: وكان ثمامة يزعم أنّ النمل ضأن الذّرّ. قال: والذي عندي أنّ النمل والذّر مثل الفأر والجرذ، والبقر والجواميس. قال: والذّرّ أجود فهماً وأصغر جثّةً.\rوزعم ابن أبي الأشعث أنّ النمل لا يتزاوج ولا يتوالد ولا يتلاقح، وإنما يسقط منه شيءٌ حقير في الأرض فينمو حتى يصير بيظاً فيتكوّن منه.\rوالنمل من الحيوان المحتال في طلب المعاش يفرّق لذلك؛ فإذا وجد شيئاً أنذر الباقين فيأتين إليه ويأخذن منه. وكلّ واحد مجتهد في إصلاح شأن العامّة غير مختلسٍ لشيء من الرزق دون صحبه. ويقال: إنما يفعل ذلك منها رؤساؤها ومن تحيّله في طلب الرزق أنه ربما وضع بينه وبين ما يخاف عليه منه ما يمنعه من الوصول إليه من ماءٍ أو شعرٍ، فيتسلّق في الحائط ويمشي على جذع من السّقف حتى يسامت ما حفظ منه ثم يلقي نفسه عليه. وفي طبعه وعادته أن يحتكر في زمن الصيف لزمن الشتاء. وهو إذا خاف على ما يدّخره من الحبوب من العفن والسّوس أو التّنديّ من مجاورة بطن الأرض، أخرجها إلى ظاهر الأرض حتى تيبس ثم يعيدها. وإن خاف على الحبّ أن ينبت من نداوة الأرض نقر في موضع القطمير من وسط الحبّة وهو الموضع الذي يبتدئ منه النّبات؛ ويفلق جميع الحبّ أنصافاً؛ فإن كان من حبّ الكزبرة فلقه أرباعاً، لن أنصاف حبّ الكزبرة تنبت. فالنمل من هذا الوجه في غاية الحزم. فسبحان الملهم لا إله غيره.\rوليس شيءٌ من الحيوان يقوى على حمل ما يكون ضعف وزنه مراراً غير النملة. والنّمل يشمّ ما ليس له ريحٌ ممّا لو وضعه الإنسان عند أنفه لما وجد له ريحاً. ومن أسباب هلاك النملة نبات الأجنحة لها؛ فإذا صار النمل كذلك صادته العصافير وأكلته. وفي ذلك يقول أبو العتاهية:\rوإذا استوت للنّمل أجنحةٌ ... حتّى يطير فقد دنا عطبه\rومن أصناف النمل صنفٌ يسمّى نمل الأسد؛ سمّي بذلك لأن مقدّم النملة يشبه وجه الأسد ومؤخّرها كالنّمل. وزعم بعض من تكلّم في طبائع الحيوان أنه متولّد، وأن أباه أكل لحماً، وأمّه أكلت نباتاً، فينتج بينهما على هذه الصفة.\rوقد وصفه الشعراء؛ فمن ذلك قول شاعر:\rغزاةٌ يولّي الليث عنهنّ هارباً ... وليست لها نبلٌ حدادٌ ولا عمد\rقصار الخطا حمش القوائم ضمّر ... مشمّرةٌ لا تشتكي الأين والحرد\rوتعدو على الأقران في حومة الوغى ... نشاطاً كما يعدو على صيده الأسد","part":3,"page":108},{"id":1109,"text":"إذا ذكرت طيب الهياج تنفّست ... تنفّس ثكلى قد أصيب لها ولد\rكأكراد زنجانٍ تريد قضاضةً ... وتلك الصّعاليك الغرائب في البلد\rوفيهنّ أجناسٌ تشابهن صورةً ... وباينّ في الهمّات واللون والجسد\rفمنهنّ كمتٌ كالعناكيب أرجلاً ... وساع الخطا قد زان أجيادها الغيد\rإذا انتهزت طارت وإن هي خلّدت ... رأت ورد أحواض المنايا من الرّشد\rوسودٌ خفاف الجسم لو عضّت الصّفا ... رأيت الصّفا من وقع أسنانها قدد\rيفدن علينا مفسداتٍ جفاننا ... وأزوادنا أبغض إلينا بما وفد\rوقال أبو هلال العسكريّ:\rوحيٍّ أناخوا في المنازل باللّوى ... فصاروا به بعد القطين قطينا\rإذا اختلفوا في الدار ظلّت كأنها ... تبدّد فيها الريح بزر قطونا\rإذا طرقوا قدري مع الليل أصبحت ... بواطنها مثل الظواهر جونا\rلهم نظرةٌ يسرى ويمنى إذا مشوا ... كما مرّ مرعوبٌ يخاف كمينا\rومشون صفّاً في الديار كأنما ... يجرّون خيطاً في التراب منينا\rوفي كل بيتٍ من بيوتي قريةٌ ... تضمّ صنوفاً منهم وفنونا\rفيا من رأى بيتاً يضيق بخمسةٍ ... وفيه قريّاتٌ يسعن مئينا\rالقمل والصّؤاب قال الجاحظ: ذكروا عن إياس بن معاوية أنه يزعم أنّ الصّئبان ذكورة القمل، وأنّ القمل من الشكل الذي تكون إناثه أعظم من ذكورته.\rقال الجاحظ: والقمل يعتري من العرق والنسخ إذا علاهما ثوبٌ أو ريشٌ أو شعر، حتى يكون لذلك المكان عفنٌ وخموم. والقملة يكون لونها بحسب لون الشعر في السّواد والبياض والشّمط وفي لون الخضاب، وينصل إذا نصل. قال: والقمل يعرض لثياب كل إنسانٍ إذا عرض لها الوسخ أو العرق أو الخموم، إلا ثياب المجذّمين فإنهم لا يقملون. وإذا قمل إنسانٌ وأفرط عليه القمل زابق رأسه فيتناثر القمل. قال: وربما كان الإنسان قمل الطّباع وإن تنظّف و تعطّر وبدّل أثوابه؛ كما عرض لعبد الرحمن بن عوف والزّبير بن العوّام رضي الله عنهما، حتى استأذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في لباس الحرير؛ فأذن لهما فيه لهذه الضرورة ولدفع هذا الضرر.\rوقد وصف الشعراء القمل في أشعارهم؛ فمن ذلك قول بعض العقيليّين وقد مرّ بأبي العلاء العقيليّ وهو يتفلّى، فقال:\rوإذا مررت به مررت بقانص ... متصيّدٍ في شرقةٍ مقرور\rللقمل حول أبي العلاء مصارعٌ ... ما بين مقتولٍ وبين عقير\rفكأنهنّ إذا علون قميصه ... فذٌّ وتوءم سمسمٍ مقشور\rضرج الأنامل من دماء قتيلها ... حنقٌ على أخرى بعدو مغير\rوقال الحسن بن هانئ في رجل اسمه أيّوب:\rمن ينأ عنه مصاده ... فمصاد أيّوبٍ ثيابه\rيكفيه منها نظرةٌ ... فتعلّ من علقٍ حرابه\rيا ربّ محترزٍ بجي ... ب الرّدن تكنفه صؤابه\rفاشي النّكاية غير مع ... لومٍ إذا دبّ انسيابه\rأو طامريٍّ واثبٍ ... لم ينجه عنه وثابه\rأهوى له بمزلّق ال ... عرنين إصبعه نصابه\rلله درّك من أخي ... قنصٍ أصابعه كلابه\rالقسم الخامس من الفن الثالث\rأجناس الطير وأنواع السمك\rوفيه سبعة أبواب: ستة منها في الطير، وباب في السمك. وذيّلت عليه بباب ثامنٍ أوردت فيه ذكر شيء مما قيل في آلات صيد البرّ والبحر.\rقال الجاحظ في كتاب الحيوان: إنّ الحيوان على أربعة أقسام: شيءٌ يطير، وشيء يعوم، وشيء ينساح، وشيء يمشي؛ إلاّ أنّ كلّ طائر يمشي، وليس كلّ شيء يمشي طائراً. قال: واسم طائر يقع على ثلاثة أشياء: صورةٍ، وطبيعةٍ، وجناحٍ؛ وليس بالرّيش والقوادم والأباهر والخوافي يسمى طائراً ولا بعدمه يسقط ذلك عنه. ألا ترى أنّ الخفاش والوطواط من الطير وإن كانا أمرطين ليس لهما ريشٌ ولا زغب ولا شكير.","part":3,"page":109},{"id":1110,"text":"قال: والطير كلّه سبعٌ وبهيمةٌ وهمجٌ. والسّباع من الطير على ضربين: فمنها العتاق، والأحرار، والجوارح. ومنها البغاث، وهو كلّ ما عظم من الطير سبعاً كان أو بهيمة إذا لم يكن من ذوات السّلاح والمخالب المعقّفة كالنّسور والرّخم والغربان وما أشبهها من لئام السّباع. ثم الخشاش وهو ما لطف جرمه وصغر شخصه وكان عديم السلاح.\rوقال: إذا باض الطائر بيضاً لم تخرج البيضة من حدّ التحديد والتلطيف بل يكون الجانب الذي يبدأ بالخروج الجانب الأعظم. وما كان من البيض مستطيلاً محدّد الأطراف فهو للإناث، وما كان مستديراً عريض الأطراف فهو للذكور. والبيضة عند خروجها تكون ليّنة القشر غير جاسئةٍ ولا يابسةٍ ولا جامدةٍ. قال: والبيض الذي يتولّد من الريح والتراب أصغر وألطف، وهو في الطّيب دون الآخر. ويكون بيض الريح من الدّجاج والقبج والحمام والطاوس والإوزّ. قال: وحضن الطائر وجثومه على البيض يكون صلاحاً لبدن الطائر كما يكون صلاحاً لبدن البيض. قال: وزعم ناسٌ أنّ بيض الرّيح إنما يكون عن سفادٍ متقدّمٍ. وذلك خطأ من وجهين: أمّا أحدهما، فإن ذلك قد عرف من فراريج لم تر ديكاً قطّ. والآخر أن بيض الرّيح لم يكن منه فروخٌ قطّ. وبيض الصّيف المحضون أسرع خروجاً منه في الشتاء.\rفهذه جملٌ من أحوال الطير فرّقها الجاحظ في كتابه في عدّة مواضع جمعناها وألّفنا بعضها إلى بعض. فلنذكر كلّ جنسٍ من الطير، ونشرح ما يخصّه من الكلام وما قيل فيه. وغير الجاحظ قسّم الطير إلى أقسام، فجعل منها سباعاً، وكلاباً، وبهائم، وبغاثاً، وليليّاً، وهمجاً؛ وعلى ذلك بوّبنا هذا القسم؛ على ما تقف عليه إن شاء الله تعالى.\rالباب الأوّل من القسم الخامس من الفن الثالث في\rسباع الطير\rويشتمل هذا الباب على ما قيل في العقاب والبزاة والصقور والشّواهين، وأصناف ذلك، وما يتصف به كلّ طير منها وما فه من الطبائع والعادة، وما يصيد، وما فيه من الأمارات الدّالّة على نجابته وفراهته، وغير ذلك مما تقف عليه إن شاء الله تعالى.\rالعقاب يقال: إنّ العقاب جميعه أنثى وليس فيه ذكر. ويسمى عند أهل اللغة العنقاء. وهي عقابٌ وزمّجٌ. فأما العقاب فيقال: إنّ ذكورها من طيرٍ آخر لطيف الجرم. وهي تبيض في الغالب ثلاث بيضاتٍ فيخرج لها فرخان. قال الجاحظ: ثم اختلفوا، فقال بعضهم: لأنها لا تحضن إلاّ بيضتين؛ وقال آخرون: قد تحضن ويخرج لها ثلاثة أفراخ ولكنها ترمي بالواحد استثقالاً للتكليف على ثلاثة؛ وقال آخرون: ليس ذلك إلاّ لما يعتريها من الضعف عند الصيد، كما يعتري النّفساء من الوهن والضعف. وهي تحضن ثلاثين يوماً. وما عداها من الجوارح تبيض بيضتين في كل سنة وتحضن عشرين يوماً.\rقالوا: وفي طبع الذكر انه يمتحن أنثاه هل هي محافظة له أو مؤاتية لغيره من غير جنسه، بأن يصوّب نظر فرخيه إلى شعاع الشمس، فإن ثبت عليه تحقّق أنها فراخه وأمسكها، وإن نبا بصره عن شعاع الشمس ضرب الأنثى كما يضرب الرجل المرأة الزانية وطردها من ووكره ورمى الفرخين.","part":3,"page":110},{"id":1111,"text":"والعقاب خفيفة الجناح، سرية الطيران، فهي إن شاءت ارتفعت على كل شيءٍ وإن شاءت كانت بقربه. يقال: إنها تتغذى بالعراق وتتعشى باليمن. وربما صادت حمر الوحش، وذلك أنها إذا نظرت الحمار رمت نفسها في الماء حتى يبتل جناحاها، ثم تتمرّغ في التراب وتطير حتى تقع على هامة الحمار، ثم تصفّق على عينيه بجناحيها فتملؤهما تراباً، فلا يرى الحمار أين يذهب فيؤخذ. وهي مولعة بصيد الحيّات. وفي طبعها قبل أن تتدرّب أنها لا تراوغ صيداً ولا تعنى فيطلبه، ولا تزال موفيةً على شرفٍ عالٍ؛ فإذا رأت سباع الطير قد صادت شيئاً انقضّت عليه، فتتركه لها وتنجو بنفسها. ومتى جاعت لم يمتنع عليها الذئب. وهي شديدة الخوف من الإنسان. ويقال : إنها إذا هرمت وثقل جناحها وأظلم بصرها التمست غديراً؛ فإذا وجدته حلّقت طائرةٌ في الهواء ثم تقع من حالقٍ في ذلك الغدير فتنغمس فيه مراراً، فيصحّ جسمها ويقوى بصرها ويعود ريشها ناشئاً إلى حالته الأولى. وهي متى ثقلت عن النهوض أو عميت حملتها الفراخ على ظهورها ونقلتها من مكان إلى آخر لطلب الصيد وتعولها إلى أن تموت. ومن عجيب ما ألهمت أنها إذا اشتكت كبدها رفعت الأرانب والثعالب في الهواء وأكلت أكبادها فتبرأ. وهي تأكل الحيّات إلاّ رءوسها، والطّير إلا قلوبها. قال امرؤ القيس:\rكأنّ قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي\rومنسرها الأعلى يعظم ويتعقّف حتى يكون ذلك سبب هلاكها؛ لأنها لا تنال به الطّعم إذا كان كذلك. وأوّل من صاد بها أهل المغرب. وحكي أنّ قيصر أهدى إلى كسرى عقاباً، وكتب إليه: علّمها فإنها تعمل عملاً أكثر من الصقور التي أعجبتك. فأمر بها فأرسلت على ظبيٍ عرض لها فقدّته، فأعجبه ما رأى منها؛ ثم جوّعها ليصيد بها، فوثبت على صبيّ من حاشيته فقتلته؛ فقال كسرى: غزانا قيصر في بلادنا بغير جيش. ثم أهدى له نمراً وكتب إليه: قد بعثت إليك بما تقتل به الظّباء وما قرب منها من الوحش؛ وكتم عنه ما صنعت العقاب. فأعجب به قيصر. فغفل عنه يوماً فافترس بعض فتيانه؛ فقال: صادنا كسرى؛ فإن كنّا صدناه فلا بأس. فلمّا اتّصل ذلك بكسرى قال: أنا أبو ساسان.\rوأجود العقاب ما جلب من سرت وبلاد المغرب.\rوقد وصفها الشعراء فمن ذلك ما قاله أبو الفرج الببّغاء:\rما كلّ ذات مخلبٍ وناب ... من سائر الجارح والكلاب\rبمدركٍ في الجدّ والطّلاب ... أيسر ما يدرك العقاب\rشريفة الصّبغة والأنساب ... تطير من جناحها في غاب\rوتستر الأرض عن السّحاب ... وتحجب الشمس بلا حجاب\rيظلّ منها الجوّ في اغتراب ... مستوحشاً للطير كالمرتاب\rذكيّةٌ تنظر من شهاب ... ذات جرانٍ واسع الجلباب\rومنكبٍ ضخمٍ أثيثٍ رابي ... ومنسرٍ موثّق النّصاب\rوراحتي ليث شرىً غلاّب ... نيطت إلى براثنٍ صلاب\rمرهفةٍ أمضى من الحراب ... وكلّ ما حلّق في الضّباب\rلملكها خاضعة الرّقاب\rالزّمّج فهو الصّنف الثاني من العقاب، ويعدّ من خفاف الجوارح. وهو سريع الحركة شديد الوثبة. ويوصف بالغدر. ومن عادته أنه يتلقّف الطائر كما يتلّقفه البازي، ويصيد على وجه الأرض كما تصيد العقاب. ويحمد من خلقه أن يكون أحمر اللون، ولا يحمد ما قرنص منه وحشيّاً.\rوقد وصفه أبو الفرج الببّغاء فقال:\rيا ربّ سربٍ آمنٍ لم يزعج ... غاديته قبل الصّباح الأبلج\rبزّمجٍ أدلق حوشٍ أهوج ... مضبّر المنكب صلب المنسج\rذي قصبٍ عبلٍ أصمّ مدمج ... وجؤجؤٍ كالجوشن المدرّج\rوعنقٍ سامٍ طويلٍ أعوج ... ومنسرٍ أقنى فسيح مسرج\rمنخرق المدخل رحب المخرج ... ومقلةٍ تشفّ عن فيروزج\rناظرةٍ من لهبٍ مؤجّج ... وهامةٍ كالحجر المدملج\rومخلبٍ كالمعول المعوّج\rالبازي قالوا: والبازي خمسة أصناف، وهي البازي، والزّرّق، والباشق، والعفصيّ، والبيدق.\rفأمّا البازي","part":3,"page":111},{"id":1112,"text":"فهو الثاني من الجوارح، وهو أحرّ هذه الأصناف الخمسة مزاجاً، لأنه قليل الصبر على العطش. ومأواه مساقط الشجر العاديّة الملتفّة والظلّ الظّليل ومطّرد المياه. وهو لا يتّخذ وكراً إلاّ في شجرة لها شوك. وإذا أراد أن يفرّخ بنى لنفسه بيتاً وسقّفه تسقيفاً جيّداً يقيه من المطر ويدفع عنه وهج الحرّ. وسبيله في البرد أن يدفأ بالنار ويجعل تحت كفّيه وبر الثعالب واللّبود؛ وفي الصيف أن يجعل في بيت كنينٍ بارد النّسم ويفرش له الرّيحان والخلاف. وهو خفيف الجناح، سريع الطيران، يلفّ طيرانه كالتفاف الفواخت؛ ويسهل عليه أن يزجّ بنفسه صاعداً وهابطاً وينقلب على ظهره حتى يلتقف فريسته. والإناث منه أجرأ على عظام الطير من الذّكور. ويقال: إن الإناث إذا كان وقت سفادها يغشاها جميع أنواع الضّواري: الزّرّق والشاهين والصّقر، وإنها تبيض من كل طائر يغشاها؛ ولهذا تجيء مختلفة الأخلاق. والبازي يصيد ما بين العصفور والكركيّ. ومن عادته أنه إذا أخطأ صيده وفاته وكان في برّيّةٍ لا شجر فيها ولىّ ممعناً حتى يجد كهفاً أو جداراً يأوي إليه؛ ولهذا علّق عليه الجرس ليدلّ على مكانه إذا خفي.\rوصفة الجيّد منه المحمود في فعله أن يكون قليل الريش، أحمر العينين حادّهما، وأن تكونا مقبلتين على منسره وحجاجاهما مطلّين عليهما، ولا يكون وضعهما في جنبي رأسه كوضع عيني الحمام. والأزرق منه دون الأحمر العين؛ والأصفر دونهما. وسعة أشداقه تدلّ على قوّة الافتراس. ومن صفاته المحمودة أن يكون طويل العنق عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، شديد الانخراط إلى ذنبه، وأن تكون فخذاه طويلتين مسرولتين بريش، وذراعاه قصيرتين غليظتين، وأشاجع كفّيه عاريةً، وأصابعه متفرّقةً ولا تكون مجتمعةً ككفّ الغراب، ومخلبه أسود، ويكون طويل المنسر دقيقه. وأفخر ألوانه الأبيض ثم الأشهب، وهما لونان يدلاّن على الفراهة والكرم. وأما الأسود الظهر المنقّش الصدر بالبياض والسواد فهو يدلّ على الشدّة والصّلابة. وإن اتفق أن يكون هذا أحمر العين كان نهايةً. وهذا اللون في البزاة كالكميت في الخيل. والأحمر في البزاة أخبثها. وبعض الناس يقول: أشرف البزاة الطّغرل، ثم البازي التامّ وهو الذي وصفناه آنفاً. والطّغرل: طائرٌ غزيزٌ نادر الوقوع لا يعرفه غير التّرك، لأنه يكون في بلاد الخزر وما والاها وما بين خوارزم إلى إرمينية، وهو يجمع صيد البازي والشاهين. وقيل: إنه لا يعقر شيئاً بمخلبه إلاّ سمّه.\rوأوّل من صاد البازي لذريق أحد ملوك الروم الأول؛ وذلك أنه رأى بازياً إذا علا كتف، وإذا سفل خفق، وإذا أراد أن يسمو درق؛ فاتّبعه حتى اقتحم شجرةً ملتفةً كثيرة الدّغل؛ فأعجبته صورته، فقال: هذا طائر له سلاحٌ تتزين بمثله الملوك؛ فأمر بجمع عدّة من البزاة فجمعت وجعلت في مجلسه. فعرض لبعضها أيم فوثب عليه؛ فقال: ملكٌ يغضب كما تغضب الملوك. ثم أمر به فنصب على كندرةٍ بين يديه؛ وكان هناك ثعلبٌ فمرّ به مجتازاً، فوثب عليه فما أفلت منه إلاّ جريحاً؛ فقال لذريق: هذا جبّارٌ يمنع حماه. ثم أمر به فضرّي على الصيد؛ واتخذه الملوك من بعده.\rوقد وصفته الشعراء والأدباء؛ فمن ذلك قول الناشي:\rلما تعرّى الليل عن أنساجه ... وارتاح ضوء الصبح لانبلاجه\rغدوت أبغي الصيد من منهاجه ... بأقمرٍ أبدع في نتاجه\rألبسه الخالق من ديباجه ... ثوباً كفى الصانع من نساجه\rحالٍ من الساق إلى أوداجه ... وشياً يحار الطّرف في اندراجه\rفي نسقٍ منه وفي انعراجه ... وزان فوديه إلى حجاجه\rبزينةٍ كفته عزّ تاجه ... منسره يثنى على خلاجه\rوظفره يخبر عن علاجه ... لو استضاء المرء في إدلاجه\rبعينه كفته عن سراجه\rوقال ابن المعتزّ يصف عين البازي:\rومقلة تصدقه إذا رمق ... كأنها نرجسةٌ بلا ورق\rوقال أيضاً فيه:\rوفتيانٍ غدوا والليل داجٍ ... وضوء الصبح متّهم الطلوع\rكأن بزاتهم أمراء جيشٍ ... على أكتافها صدأ الدّروع\rوقال أيضاً:\rومنسرٍ عضب الشباة دامي ... كعقدك الخمسين بالإبهام","part":3,"page":112},{"id":1113,"text":"وخافقٍ للصّيد ذي اصطلام ... ينشره للنّهض والإقدام\rكنشرك البرد على المستهام\rووصفه أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسيّ فقال من رسالة: طائرٌ يستدلّ بظاهر صفاته، على كرم ذاته؛ طوراً ينظر نظر الخيلاء في عطفه كأنما يزهى جبّار، وتارةً يرمي نحو السماء بطرفه كأنما له هناك اعتبار. وأخلق به أن ينقضّ على قنيصه شهاباً، ويلوي به ذهاباً، ويحرقه توقّداً والتهاباً. وقد أقيم له سابغ الذّنابي والجناح، كفيلين في مطالبه بالنّجاح. جيّد العين والأثر، حديد السمع والبصر. يكاد يحسّ بما يجري ببال، ويسري من خيال. قد جمع بين عزّة مليك، وطاعة مملوك. فهو بما يشتمل عليه من علوّ الهمّه، ويرجع إليه بمقتضى الخدمه؛ مؤهّل لإحراز ما تقتضيه شمائله، وإنجاز ما تعد به مخايله. وخليق بمحكم تأديبه، وجودة تركيبه؛ أن لو مثل له النجم قنصاً، وأو جرى بذكره البرق قصصاً؛ لاختطفه أسرع من لحظه، وأطوع من لفظه؛ وانتسفه أمضى من سهم، وأجرى من وهم. وقد أقسم بشرف جوهره، وكريم عنصره؛ لا يوجّه مسفّراً، إلا غادر قنيصه معفّراً، وآب إلى يد من أرسله مظفّراً؛ مورّد المخلب والمنقار، كأنما اختضب بحنّاء أو كرع في عقار.\rوله من أبيات يمدح بها:\rطرد القنيص بكلّ قيد طريدةٍ ... زجل الجناح مورّد الأظفار\rملتفّة أعطافه بحبيرةٍ ... مكحولة أجفانه بنضار\rيرمي به الأمد البعيد فينثني ... مخضوب راء الظّفر والمنقار\rالزّرّق وهو الصّنف الثاني من البازي. وهو باز لطيفٌ، إلا أن مزاجه أحرّ وأيبس، وهو لذلك أشدّ جناحاً وأسرع طيراناً وأقوى إقداماً. وفيه ختلٌ وخبثٌ؛ وذلك أنه إذا أرسل على طائر طار في غير مطاره ثم عطف عليه وأظهر الشدّة بعد اللين. وخير ألوانه الأسود الظهر الأبيض الصدر الأحمر العين. ووصفه المحمود منه أن يكون أعدلها خلقاً، وأقلّها ريشاً، وأنقلها محملاً، وأملأها فخذاً، وأرحبها شدقاً، وأوسعها عيناً، وأصغرها رأساً، وأصفاها حدقةً، وأطولها عنقاً، وأقصرها خافيةً، وأشدّها لحماً، وأن يكون أخضر الرجلين، وسيع المخالب، متعرّياً من اللحم. والله أعلم.\rالباشق وهو الصنف الثالث من البازي. وهو أحرّ وأيبس من الزّرّق، وهو هلعٌ قلقٌ ذعر، يأنس وقتاً ويستوحش وقتاً. ونفسه قويّة جافيةٌ. فإذا أنس منه الصغير بلغ منه كلّ المراد. وأجود الباشق ما أخذ فرخاً لم يلق من قوادمه ريشة. وهو متى تمّ تأنيسه وجد منه بازٍ خفيف المحمل ظريف الشمائل.\rومن صفاته المحمودة أن يكون صغير المنظر، ثقيل المحمل، طويل الساقين والفخذين، عظيم السّلاح بالنسبة إلى جسمه.\rوقال بعض الشعراء يصفه:\rإذا بارك الله في طائرٍ ... فحصّ من الطير إسبهرقي\rله هامةٌ كلّلت باللّجين ... فسال اللّجين على المفرق\rيقلّب عينين في رأسه ... كأنهما نقطتا زئبق\rواشرب لوناً له مذهباً ... كلون الغزالة في المشرق\rحمام الحمام وحتف القطا ... وصاعقة القبج والعقعق\rوأحنى عليك إلى أن يعود ... إليك من الوالد المشفق\rفأكرم به وبكفّ الأمير ... وبالدّستبان إذا يلتقي\rوقال أبو الفتح كشاجم:\rيسمو فيخفى في الهواء وينكفي ... عجلاً فينقضّ انقضاض الطارق\rوكأن جؤجؤه وريش جناحه ... خضبا بنقش يد الفتاة العاتق\rوكأنما سكن الهوى أعضاءه ... فأعارهنّ نحول جسم العاشق\rذا مقلةٍ ذهبيّةٍ في هامةٍ ... محفوفةٍ من ريشها بحدائق\rومخالبٍ مثل الأهلّة طالما ... أدمين كفّ البازيار الحاذق\rوإذا انبرى نحو الطريدة خلته ... كالرّيح في الأسماع أو كالبارق\rوإذا دعاه البازيار رأيته ... أدنى وأطوع من محبٍّ وامق\rوإذا القطاة تخلّفت من خوفه ... لم يعد أن يهوى بها من حالق\rومن رسالة لبعض فضلاء الأندلس، جاء منها:","part":3,"page":113},{"id":1114,"text":"كأنما اكتحل بلهب، أو انتعل بذهب. ملتفٌّ في سبره، وملتحفٌ بحبره. من سيوفه منقاره، ومن رماحه أظفاره. ومن اللواتي تتنافس الملوك فيها، تمسكها عجباً بها وتيهاً. فهي على أيديها آيةٌ باديه، ونعمةٌ من الله ناميه. تبذل لك الجهد صراحاً، وتعيرك في نيل بغيتك جناحاً. وتتّفق معك في طلب الأرزاق، وتأتلف بك على اختلاف الخلق والأخلاق. ثم تلوذ بك لياذ من يرجوك، وتفي لك وفاءً لا يلتزمه لك ابنك ولا أخوك. ثم ذكر حمامةً صادها، فقال: اختطفها أسرع من اللّحظ، ولا محيد لها عنه، وانحدر بها أعجل من اللّفظ، وكأنها هي منه؛ ثم جعل يتناولها بعقد السبعين، ويدخلها في أضيق من التسعين. وكان لها موتاً عاجلاً، وكانت له قوتاً حاصلاً. والله الهادي للصواب.\rالعفصيّ وهو الصنف الرابع من البازي. وهو من الباشق كالزّرّق من البازي، إلا أنه أصغر الجوارح نفساً، وأضعفها حيلةً، وأشدّها ذعراً، وأيبسها مزاجاً. وربما صاد العصفور وتركه لخوفه وحذره. ومن عادته أنه يرصد الطير أيام حضانه، فإذا طار عن وكره خلفه فيه وكسر بيضه ورماه وباض مكانه وطار عنه فيحضنه صاحب الوكر؛ فهو أبداً لا يحضن ولا يربّي.\rالبيدق وهو الصنف الخامس من البازي، وهو لا يصيد غير العصافير. وقد وصفه كشاجم فقال:\rحسبي من البزاة والزّرارق ... ببيدقٍ يصيد صيد الباشق\rمؤدّبٍ مدرّب الخلائق ... أصيد من معشوقةٍ لعاشق\rيسبق في السّرعة كلّ سابق ... ليس له عن صيده من عائق\rربّيته وكنت عين الواثق ... أنّ الفرازين من البيادق\rالصقر والصقر ثلاثة أصناف، وهي صقرٌ، وكونجٌ، ويؤيؤٌ.\rفأمّا الصقر فهو النوع الثالث من الجوارح. والعرب تسمّي كل طائرٍ يصيد صقراً، ما خلا النّسر والعقاب، وتسمّيه الأكدر والأجدل. وهو من الجوارح بمنزلة البغال من الدّوابّ، لأنه أصبر على الشدّة وأشدّ إقداماً على جلّة الطير كالكراكيّ والحبارج. وقالوا: ومزاجه أبرد من سائر ما تقدّم ذكره من الجوارح وأرطب. وهو يضرّي على الغزال والأرنب ولا يضرّي على الطير لأنها تفوته. وفعله في صيده الانقضاض والصّدم. وهو غير صافٍ بجناحه ولا خافقٍ به. ومتى خفق بجناحه كانت حركته بطيئةً بخلاف البازي. ويقال: إنه أهدأ نفساً من البازي، وأسرع أنساً بالناس، وأكثر رضاً وقناعةً. وهو يغتذي بلحوم ذوات الأربع. وهو يعاف المياه ولا يقربها، وذلك لبرد مزاجه. وفي طبعه أنه لا يركب الأشجار ولا الشوامخ من الجبال، ولا يأوي إلاّ المقابر والكهوف وصدوع الجبال. وهو ينقى بالتّمعّك في الرّمل والتراب.\rومن صفاته المحمودة الدّالّة على نجابته وفراهته: أن يكون أحمر اللّون، عظيم الهامة، واسع العينين، تامّ المنسر، طويل العنق والجناحين، رحب الصدر، ممتلئ الزّور، عريض الوسط، جليل الفخذين، قصير الساقين والذّنب، قريب القفدة من القفار، سبط الكفّ، غليظ الأصابع فيروزجها، أسود اللسان. والله الموفّق.\rوأوّل من صاد بالصقر وضرّاه الحارث بن معاوية بن ثور بن كندة. وسبب ذلك أنه وقف في بعض الأيّام على صيّاد قد نصب شبكةً للعصافير؛ فانقضّ أكدر على عصفور قد علق في الشبكة فجعل يأكله وقد علق الأكدر واندقّ جناحاه، والحارث ينظر إليه ويعجب من فعله؛ فأمر به فحمل فرمي به في كسر بيتٍ ووكّل به من يطعمه؛ وأنس الصقر بالموكّل به، حتى صار إذا جاءه باللحم ودعاه أجاب؛ ثم صار يطعمه على يده وصار يحمله. فبينما هو يوماً حامله إذ رأى حمامةً، فطار عن يده إليها فأخذها وأكلها. فأمر الحارث عند ذلك باتّخاذها وتدريبها والتصيّد بها. فبينا هو يسير يوماً إذ لاحت أرنبٌ فطار الصقر إليها وأخذها؛ فلما رآه يصيد الطير ازداد به إعجاباً واغتباطاً. واتخذته العرب بعده.\rووصفه الشعراء؛ فمن ذلك ما قاله كشاجم يصفه:\rغدونا وطرف النجم وسنان غائر ... وقد نزل الإصباح والليل سائر\rبأجدل من حمر الصقور مؤدّبٍ ... وأكرم ما قرّبت منها الأحامر\rجريءٌ على قتل الظّباء وإنّني ... ليعجبني أن يكسر الوحش طائر\rقصير الذّنابي والقدامي كأنّها ... قوادم نسرٍ أو سيوفٌ بواتر","part":3,"page":114},{"id":1115,"text":"ورقّش منه جؤجؤٌ فكأنّه ... أعارته إعجام الحروف الدّفاتر\rفما زلت بالإضمار حتى صنعته ... وليس يحوز السبق إلاّ الضّوامر\rوتحمله منّا أكفٌّ كريمةٌ ... كما زهيت بالخاطبين المنابر\rوعنّ لنا من جانب السّفح ربربٌ ... على سننٍ تستنّ منه الجآذر\rفجلّى وحلّت عقدة السير فانتحى ... لأوّلها إذ أمكنته الأواخر\rيحثّ جناحيه على حرّ وجهها ... كما فصّلت فوق الخدود المعاجر\rوما تمّ رجع الطّرف حتى رأيتها ... مصرّعةً تهوي إليها الخناجر\rوقال عبد الله بن المعتزّ:\rوأجدلٍ يفهم نطق الناطق ... ململم الهامة فخم العاتق\rأقنى المخاليب طلوبٍ مارق ... كأنها نونات كفّ ماشق\rذي جؤجؤٍ لابس وشيٍ رائق ... كمبتدا الّلامات في المهارق\rأو كامتداد الكحل في الحمالق ... ونجّمت باللّحظ عين الرامق\rعشراً من الإوزّ في غلافق ... فمرّ كالرّيح بعزمٍ صادق\rحتى دنا منهنّ مثل السارق ... ثم علاها بجناح خافق\rفطفقت من هالكٍ أو فائق\rوقال أيضاً:\rوأجدلٍ لم يخل من تأديب ... يرى بعيد الشيء كالقريب\rيهوي هويّ الدّلو في القليب ... بناظرٍ مستعجمٍ مقلوب\rكناظر الأقبل ذي التّقطيب ... رأى إوزّاً في ثرىً رطيب\rفطار كالمستوهل المرعوب ... ينفذ في الشمال والجنوب\rالكونج وهو الصنف الثاني من الصقر. ويسمّى بمصر والشأم السّقاوية. ونسبته من الصقر كنسبة الزّرّق من البازي، إلا أنه أحرّ منه؛ ولذلك هو أخفّ منه جناحاً. وهو يصيد الأرنب، ويعجز عن الغزال لصغره؛ ويصيد أشياء من طير الماء. وشدّة نفسه أقلّ من شدّة بدنه؛ ولأجل ذلك هو أطول في البيوت لبثاً، وأصبر على مقاساة الشقاء من الصقر. وفي وصفه يقل بعض الشعراء:\rإن لم يكن صقرٌ فعندي كونج ... كأنّ نقش ريشه المدرّج\rبردٌ من الموشّى أو مدبّج ... فكم به للطير قلبٌ مزعج\rممزّقٌ بدمه مضرّج ... بمثله عنّا الهموم تفرج\rاليؤيؤ وهو الصّنف الثالث من الصقر. ويسمّيه أهل مصر والشأم الجلم لخفّة جناحيه وسرعتهما. وهو طائر قصير الذّنب. ومزاجه بالإضافة إلى الباشق باردٌ رطبٌ، ولأنه أصبر منه نفساً وأثقل حركةً. ويشرب الماء شرباً ضروريّاً كما يشربه الباشق. ومزاجه بالنسبة إلى الصقر حرٌّ يابس، ولذلك هو أشجع منه، لأنه يتعلّق بما يفترسه، ويصيد ما هو أجلّ منه كالدّرّاج. ويقال: إنّ أوّل من صاد به واتّخذه للّعب بهرام جور؛ وذلك أنه شاهد يؤيؤاً يطارد قبّرةً ويراوغها، ويرتفع معها إلى أن صادها؛ فأعجبه واتخذه وصاد به.\rوقال عبد الله النّاشي يصفه:\rويؤيؤٍ مهذّبٍ رشيق ... كأنّ عينيه على التحقيق\rفصّان مخروطان من عقيق\rوقال أبو نواس:\rقد أغتدي والصبح في دجاه ... كطرّة البرد على مثناه\rبيؤيؤٍ يعجب من رآه ... ما في اليآي يؤيؤٌ شرواه\rأزرق لا تكذبه عيناه ... فلو يرى القانص ما يراه\rفدّاه بالأمّ وقد فدّاه\rوقال أبو إسحاق الصّابي يصفه من رسالة: وكم من قبّرٍ أطلقنا عليه يؤيؤاً لنا فعرج إلى السماء عروجاًن ولجج في أثره تلجيجاً؛ فكان ذلك يعتصم منه بالخلاّق، وهذا يستطعمه من الرّزّاق؛ حتى غابا عن النّظّار، واحتجبا عن الأبصار؛ وصارا كالغيب المرّجم، والظنّ المتوهّم؛ ثم خطفه ووقع به وهما كهيئة الطائر الواحد؛ فأعجبنا أمرهما، وأطربنا منظرهما.\rالشاهين والشاهين ثلاثة أصناف، وهي شاهين، وأنيقي، وقطاميّ.\rفأما الشاهين","part":3,"page":115},{"id":1116,"text":"واسمع بالفارسية شوذانه، فعرّبته العرب على ألفاظ شتّى منها: شوذانق وشوذق وشوذنيق وشيذنوق. ويقال: إنه من جنس الصقر إلا أنه أبرد منه وأيبس؛ ولذلك تكون حركته من العلو إلى السّفل شديدةً. وليس يحلّق في طلب الصّيد على خطّ مستقيم إنما يحوم لثقل جناحه، حتى إذا سامت الفريسة انقضّ عليها هاوياً من علوٍ فضربها وفارقها صاعداً؛ فإن سقطت على الأرض أخذها، وإن لم تسقط أعاد ضربها لتسقط؛ وذلك دليلٌ على جبنه وفتور نفسه وبرد مزاج قلبه. ومع ذلك كلّه فهو أسرع الجوارح وأخفّها وأشدّها ضراوةً على الصيد. إلاّ أنهم عابوه بالإباق وبما يعتريه من الحرص؛ حتى إنه ربما ضرب بنفسه الأرض فمات. ويزعمون أنّ عظامه أصلب من عظام سائر الجوارح؛ ولذلك هو يضرب بصدره ويعلق بكفّه.\rوقال بعض من تكلّم في هذا النوع: الشاهين كاسمه. يريد شاهين الميزان؛ لأنه لا يحتمل أدنى حال من الشّبع ولا أيسر حالٍ من الجوع.\rوالمحمود من صفاته: أن يكون عظيم الهامة، واسع العينين حادّهما، تامّ المنسر، طويل العنق، رحب الصدر، ممتلئ الزّور، عريض الوسط، جليل الفخذين، قصير الساقين، قريب القفدة من الظهر، قليل الرّيش ليّنه، تامّ الخوافي، دقيق الذّنب، إذا صلّب عليه جناحيه لم يفضل عنهما شيءٌ منه. فإذا كان كذلك فهو يقتل الكركيّ ولا يفوته. وزعم بعضهم أنّ السّود من الشواهين هي المحمودة؛ وأن السواد أصل لونها، وإنما أحالته التّربة. ويكون في الشواهين الملمّع. والله أعلم.\rوأوّل من صاد بالشّواهين قسطنطين ملك عمّوريّة. حكي أنه خرج يوماً يتصيّد، حتى إذا أتى إلى مرج فسيح نظر إلى شاهين ينكفئ على طير الماء؛ فأعجبه ما رأى من سرعته وضراوته وإلحاحه على صيده، فأخذه وضرّاه؛ ثم ريضت له الشّواهين بعد ذلك وعلّمت أن تحوم على رأسه إذا ركب فتظلّه من الشمس؛ فكانت تنحدر مرّة وترتفع أخرى، فإذا نزل وقعت حوله.\rوقد وصف الشعراء الشواهين وشبّهوها؛ فمن ذلك قول النّاشي:\rهل لك يا قنّاص في شاهين ... شوذانقٍ مؤدّبٍ أمين\rجاء به السائس من رزين ... ضرّاه بالتّخشين والتّليين\rحتى لأغناه عن التلقين ... يكاد للتثقيف والتّمرين\rيعرف معنا الوحي بالجفون ... يظلّ من جناحيه المزين\rفي قرطقٍ من خزّه الثمين ... يشبه من طرازه المصون\rبرد أنوشروان أو شيرين ... أحوى مجاري الدّمع والشؤون\rذي منسرٍ مؤلّلٍ مسنون ... وافٍ كشطر الحاجب المقرون\rمنعطفٍ مثل انعطاف النون ... يبدي اسمه معناه للعيون\rوقال أبو الفتح كشاجم وبدأ بالكركيّ:\rيا ربّ أسراب من الكراكي ... مطمعة السكون في الحراك\rبعيدة المنال والإدراك ... كدرٍ وبيض اللّون كالأفناك\rتقصر عنها أسهم الأتراك ... ذعرن قبل لغط المكاكي\rوقبل تغريد الحمام الباكي ... بفاتكٍ يربى على الفتّاك\rمؤدّب الإطلاق والإمساك ... ململم الهامة كالمداك\rمثل الكميّ في السّلاح الشّاكي ... ذي منسرٍ ضخمٍ له شكّاك\rومخلبٍ بحدّه بتّاك ... للحجب عن قلوبها هتّاك\rحتى إذا قلت له دراك ... وحلّقت تسمو إلى الأفلاك\rممتدّة الأعناق والأوراك ... موقنةً بعاجل الهلاك\rغادرها تهوي على الدّكاك ... أسى بكفّيه بلا فكاك\rيا غدوات الصيد ما أحلاك ... ومنّة الشاهين ما أقواك\rلم تكذبي فراسة الأملاك ... إيّاك أعني مادحاً إيّاك\rالأنيقيّ\rوهو الصّنف الثاني من الشاهين. وتسميه أهل العراق الكرك. وهو دون الشاهين في القوّة، إلا أنّ فيه سرعة. وهو يصيد العصافير. وفيه يقول الشاعر:\rغنيت عن الجوارح بالأنيقي ... بمثل الرّيح أو لمع البروق\rأصبّ به على العصفور حتفاً ... فأرميه بصخرة منجنيق\rالقطاميّ","part":3,"page":116},{"id":1117,"text":"وهو الصّنف الثالث من الشاهين، وتسميه أهل العراق البهرجة. يقال: إنه في طبع الشاهين، والعرب تخالف ذلك، وتسمّى بعض الصقور القطاميّ؛ والمعتنون بالجوارح يخالفونهم في ذلك.\rمما ناسب الجوارح في الافتراس وأكل اللحم الحيّ الصّرد، ويسمّى الشّقّراق والأخطب والأخيل. وقيل: إنّ من أسمائه الواق وبعضهم يسمّيه بازي العصافير. وهو طائر مولّعٌ بسواد وبياضٍ، ضخم المنقار. وفي طبعه شرهٌ وشراسة وسرقةٌ لفراخ غيره ونفورٌ من الناس. وهو يصيد الحيّات ويغتذي باللّحم، ويأوي الأشجار ذوات الشّوك وفي رءوس التّلاع، حذراً على نفسه ممن يصيده. وهو يتحيّل في صيد ما دونه من الطير كالعصفور.\rهذا ما ظفرت به في أثناء المطالعة من سباع الطير ممّا تكلّم عليه أرباب هذا الفن. وقد أهملوا أصنافاً، منها ما هو أجلّ من جميع ما ذكرناه، وهو السّنقر.\rوالسّنقر، طائر شريف، حسن الشّكل، أبيض اللّون بنقط سود. والملوك تتغالى فيه وتشتريه بالثمن الكثير. وكان فيما مضى من السنين القريبة يشترى من التّجار بألف دينار؛ ثم تناقص ثمنه حتى استقرّ الآن بخمسة آلاف درهم. ولهم عادةٌ: أنّ التّجار إذا حملوه وأتوا به من بلاد الفرنج فمات منهم في الطريق قبل وصولهم أحضروا ريشه إلى أتوا بالملوك، فيعطون نصف ثمنه إذا أتوا به حيّاً؛ كل ذلك ترغيباً لهم في حملها ونقلها إلى الديار المصرية. وهذا الطير لا يشتريه غير السلطان ولا يلعب به غير من الأمراء إلا من أنعم السلطان عليه به. والله أعلم.\rوممّا أهملوا الكلام فيه الكوهيّة والصيفيّة والزغزغي، وهو يعدّ من أصناف الصقر. ولم أجد من أثق بنقله وعلمه بهذه الأصناف فأنقل عنه أخلاقها وطبائعها وعاداتها.\rوقال أبو إسحاق الصابي في وصف الجوارح من رسالةٍ طرديّة جاء منها: وعلى أيدينا جوارح مؤلّلة المخالب والمناسر، ومذّربة النّصال والخناجر، طامحة الألحاظ والمناظر؛ بعيدة المرامي والمطارح؛ ذكيّة القلوب والنفوس، قليلة القطوب والعبوس؛ سابغة الأذناب، كريمة الأنساب؛ صلبة الأعواد، قويّة الأوصال؛ تزيد إذا ألحمت شرهاً وقرماً، وتتضاعف إذا أشبعت كلباً ونهماً. ثم خرج إلى وصف الحمام فقال: فلما أوفينا عليها، أرسلنا الجوارح إليها؛ كأنها رسل المنايا، أو سهام القضايا؛ فلم نسمع إلا مسمّياً، ولم نر إلا مذكّياً.\rالباب الثاني من القسم الخامس من الفن الثالث في\rكلاب الطير\rويشتمل هذا الباب على ما قيل في النّسر، والرّخم، والحدأة، والغراب.\rوإنما سمّيت هذه الأصناف بالكلاب لأنها تأكل الميتة والجيف وتقصدها وتقع عليها، فهي في ذلك شبيهة بالكلاب.\rالنّسر والنّسر ذو منسر وليس بذي مخلب، وإنما له أظفار حدادٌ كالمخالب. وهو يسفد كما يسفد الديك. وزعم من تكلّم في طبائع الحيوان أنّ الأنثى من هذا النوع تبيض من نظر الذّكر إليها، وأنها لا تحضن بيضها وإنما تبيض في الأماكن العالية التي يقرعها حرّ الشمس وهجيرها، فيقوم ذلك للبيض مقام الحضن.\rوالنّسر يوصف بحدّة حاسّة البصر؛ حتى إنه يقال: إنه يرى الجيفة عن مسافة أربعمائة فرسخ. وكذلك حاسّة الشّمّ؛ إلا أنّه إذا شمّ الطّيب مات. وهو أشد الطير طيراناً وأقواها جناحاً؛ حتى زعموا أنه يطير ما بين المشرق والمغرب في يوم واحد. وهذا القول أراه من التّغالي فيه. وسائر الجوارح تخافه. وهو شرهٌ نهمٌ رغيبٌ؛ إذا سقط على الجيفة وامتلأ منها لم يستطع عند ذلك الطيران حتى يثب عدّة وثبات يرفع فيها نفسه في الهواء طبقة بعد طبقةٍ حتى تدخل تحته الرّيح. ومن أصابه بعد امتلائه وأعجله عن الوثوب أمكنه ضربه إن شاء بعصا وإن شاء بغيرها. قالوا: والأنثى تخاف على بيضتها وفراخها من الخفّاش فتفرش في وكرها ورق الدّلب ليفرّ منه. والنّسر أشدّ الطير حزناً على فراق إلفه؛ يقال: إن الأنثى إذا فقدت الذّكر امتنعت عن الطّعم أياماً ولزمت الوكر؛ وربما قتلها الحزن. وهو طويل العمر؛ يقال: إنّه يعمّر ألف سنة. وفيه ألوان: منها الأسود البهيم، والأربد وهو لون الرّماد، والأكدر مثله. وهو يتبع الجيوش طمعاً في الوقوع على جيف القتلى والدّوابّ.\rالرّخم يقال: إنّ لئام الطير ثلاثة: الغربان، والبوم، والرّخم.","part":3,"page":117},{"id":1118,"text":"والرخمة تلتمس لبيضها المواضع البعيدة والأماكن الوحشيّة والجبال الشامخة وصدوع الصخر؛ ولذلك يضرب المثل ببيض الأنوق. قال الشاعر:\rطب الأبلق العقوق فلمّا ... لم ينله أراد بيض الأنوق\rوالرّخم من أحبّ الحيوان في العذرة، لا شيء يحبّها كحبّه إلا الجعل. وقال المفضّل لمحمد بن سهل: إنّا لا نعرف طائراً ألأم لؤماً ولا أقذر طعمةً ولا أظهر موقاً من الرّخمة. فقال محمد بن سهل: وما حمقها وهي تحضن بيضها، وتحمي فراخها، وتحبّ ولدها، ولا تمكّن إلاّ زوجها، وتقطع في أوّل القواطع، وترجع في أوّل الرّواجع، ولا تطير في التّحسير، ولا تغترّ بالشّكير، ولا تربّ بالوكور، ولا تسقط على الجفير!.\rقال الجاحظ: أمّا قوله: تقطع في أوّل القواطع وترجع في أوّل الرّواجع، فإنّ الرّماة وأصحاب الحبائل والقنّاصّ إنما يطلبون الطير بعد أن يعلموا أنّ القواطع قد قطعت، فبقطع الرخمة يستدلّون، فلا بدّ للرّخمة من أن تنجو سالمةً إذ كانت أوّل طالع عليهم. وأمّا قوله: ولا تطير في التّحسير ولا تغترّ بالشّكير؛ فإنها تدع الطيران أيام التحسير، فإذا نبت الشّكير وهو أوّل ما ينبت من الريش فإنها لا تنهض حتى يصير الشكير قصباً. وأما وقوله: ولا تربّ بالوكور، فإن الوكور لا تكون إلا في عرض الجبل، وهي لا ترضى إلا بأعالي الهضاب ثم بمواضع الصّدوع وخلال الصخور حيث يمتنع على جميع الخلق المصير إلى أفراخها؛ ولذل قال الكميت:\rولا تجعلوني في رجائي ودّكم ... كراجٍ على بيض الأنوق احتبالها\rوأمّا قوله: ولا تسقط على الجفير، فإنما يعني جعبة السهام. يقول: إذا رأته علمت أنّ هناك سهاماً فلا تسقط في موضع تخافي فيه وقع السهام.\rقال: والرّخم من الطير التي تتبع الجيوش والحجّاج لمّا يسقط من كسرى الدّواب. وإذا فقدت الميتة عمدت إلى العظم فحملته وارتفعت به في الهواء ثم تلقيه فيقع على الصخور فينكسر فتأكل ما فيه. والله أعلم بالصواب.\rالحدأة قالوا: والحدأة تبيض بيضتين، وربما باضت ثلاثاً وخرج منها ثلاثة أفرخ. وهي تحضن عشرين يوماً. ومن ألوانها الأسود والأربد. ويقال: إنها لا تصيد وإنما تخطف. وهي تقف في الطيران، وليس ذلك لغيرها من الكواسر. وزعم ابن وحشيّة: أنّ العقاب والحدأة يتبدّلان، فتصير الحدأة عقاباً والعقاب حدأةً. وهذا أراه من الخرافات. ويقال: إنّ الحدأة من جوارح سليمان عليه السلام وإنها امتنعت من أن تؤلّف أو تملك لغيره، لأنها من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده. وهي لا تختطف إلا من يمين من تختطف منه دون شماله. وليس فيها لحمّ، وإنما عظامٌ وعصبٌ وجلدٌ وريشٌ. ولم أقف على شعر فيها فأضعه.\rالغراب قالوا: والغراب أصنافٌ، وهي الغداف والزّاغ الأكحل والزاغ الأورق. والغراب يحكي جميع ما يسمعه، وهو في ذلك أعجب من الببّغاء. ويقال: إنّ متولّي ثغر الإسكندريّة أهدى إلى السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس غراباً أبيض؛ وهو غريبٌ نادر الوقوع. ويقال في صوت الغراب: نغق ينغق نغيقاً، ونعب ينعب نعيباً. فإذا مرّت عليه السنون الكثيرة وغلظ صوته قيل فيه: شحج يشحج شحيجاً. وفي طبعه الاستتار عند السّفاد وهو يسفد مواجهةً، ولا يعود إلى الأنثى إذا سفدها أبداً، وذلك لقلّة وفائه.\rقال الجاحظ: وإذا خرج الفرخ حضنته الأنثى دون الذكر، ويأتيها الذّكر بالطّعم. قال: والغراب من لئام الطير وليس من كرامها، ومن بغائها وليس من أحرارها، ومن ذوات المخالب المعقّفة والأظفار الجارحة، ومن ذوات المناقير وليس من ذوات المناسر؛ وهو مع ذلك قويّ البدن، لا يتعاطى الصيد، وربما راوغ العصفور. ولا يصيد الجرادة إلا أن يلقاها في سدّ من جراد. وهو إن أصاب جيفةً نال منها وإلا مات هزالاً. ويتقمّم كما تتقمّم بهائم الطير وضعافها. وليس ببهيمة لمكان أكله الجيف؛ وليس بسبع لعجزه عن الصيد.\rقال: وهو إمّا أن يكون حالك السواد شديد الاحتراق، ويكون مثله من الناس الزّنج لأنهم شرار الناس وأردأ الخلق تركيباً ومزاجاً، فلا تكون له معرفة ولا جمال؛ وإما أن يكون أبقع فيكون اختلاف تركيبه وتضادّ أعضائه دليلاً على فساد أمره. والبقع ألأم من السّود وأضعف.","part":3,"page":118},{"id":1119,"text":"قال: ومن الغربان غراب الليل، وهو الذي ترك أخلاق الغربان وتشبه بأخلاق البوم. وقد رأيت أنا ببلنياس، وهي على ساحل البحر الروميّ، غرباناً كثيرة جدّاً، فإذا كان وقت الفجر صاحت كلّها صياحاً عظيماً مزعجاً؛ فهم يعرفون طلوع الفجر بصياحها.\rقال: ومنها غراب البين؛ وهو نوعان: أحدهما غربان صغار معروفة بالضّعف واللؤم. والآخر إنما لازمه هذا الاسم لأنّ الغراب إذا بان أهل الدار للنّجعة وقع في مواضع بيوتهم يتلمّس ويتقمّم، فتشاؤموا به وتطيّروا منه، إذ كان لا يلمّ بمنازلهم إلا إذا بانوا منها؛ فسمّوه غراب البين. ثم كرهوا إطلاق ذلك الاسم مخافة الزّجر والطّيرة، وعلموا أنه نافذ البصر صافي العين، فسمّوه الأعور؛ من أسماء الأضداد. قال: والغدفان جنسٌ من الغربان؛ وهي لئام جدّاً. ومن أجل تشاؤمهم بالغراب استقّوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب. والعرب يتعايرون بأكل لحوم الغربان. وفي ذلك يقول وعلة الجرّميّ:\rفما بالعار ما عيرّتمونا ... شواء النّاهضات مع الخبيص\rفما لحم الغراب لنا بزادٍ ... ولا سرطان أنهار البريص\rوالغربان من الأجناس التي تقتل في الحلّ والحرم، وسمّيت بالفسق.\rقال الجاحظ: وبالبصرة من شأن الغربان ضروبٌ من العجب، لو كان ذلك بمصر أو ببعض الشامات كان عندهم من أجود الطّلّسمات؛ وذلك أنّ الغربان تقطع إلينا في الخريف فترى النخيل وبعضها مصرومٌ وعلى كل نخلة عددّ كثير من الغربان؛ وليس فيها شيء يقرب نخلةً واحدةً من النخيل التي لم تصرم ولو لم يبق عليها إلا عذق واحد. قال: فلو أنّ الله تعالى أذن للغراب أن يسقط على النخلة وعليها التمر لذهب جميعه. فإذا صرموا ما على النخلة تسابق الغربان إلى ما سقط من التمر في جوف القلب وأصول الكرب تستخرجه وتأكله.\rومما يتمثّل به في الغراب: يقولون: \" أحذر من غراب \" . و \" أصحّ من غراب \" . و \" أصفى نظراً من غراب \" . و \" أسود من غراب \" .\rومما وصفت به الغربان، فمن ذلك قول عنترة:\rحرق الجناح كأن لحي رأسه ... جلمان بالأخبار هشٌّ مولع\rوقال الطّرمّاح بن حكيم:\rوجرى ببينهم غداة تحمّلوا ... من ذي الأثارب شاحجٌ يتعبّد\rشنج النّسا أدفى الجناح كأنه ... في الدار إثر الظاعنين مقيّد\rوقال أبو يوسف بن هارون الزّياديّ الأندلسيّ:\rأبا حاتم ما أنت حاتم طيّءٍ ... وما أنت إلا حاتم الحدثان\rخطبت ففرّقت الجميع بلكنةٍ ... فما الظنّ لو تعطي بيان لسان\rكأنّهم من سرعة البين أودعوا ... جناحيك واستحثثت للطيران\rوقال أحمد بن فرج الجبّائي:\rأمّا الغراب فمؤذنٌ بتغرّب ... وشكاً فصدّق بالنّوى أو كذّب\rداجي القناع كأن في إظلامه ... إظلام يوم تفرّقٍ وتغرّب\rالباب الثالث من القسم الخامس من الفن الثالث\rبهائم الطير\rويشتمل هذا الباب على ما قيل في الدّرّاج والحباري والطاوس والدّيك والدّجاج والحجل والكركيّ والإوزّ والبطّ والنّحام والأنيس والقاوند والخطّاف والقيق والزّرزور والسّماني والهدهد والعقعق والعصافير.\rقال الجاحظ: والبهيمة من الطير ما أكل الحبّ خالصاً.\rالدّرّأج قال الجاحظ: إنه يبيض بين العشب ولا سيما فيما طال منه والتوى.\rوقال الشيخ الرئيس أبو عليّ بن سينا: لحم الدّرّاج أفضل من الفواخت وأعدل وألطف وأيبس. قال: وهو يزيد في الدّماغ الفهم، ويزيد في المنيّ.\rوقال أبو طالب المأمونيّ:\rقد بعثنا بذات حسنٍ بديعٍ ... كنبات الرّبيع بل هو أحسن\rفي رداءٍ من جلّنارٍ وآسٍ ... وقميصٍ من ياسمينٍ وسوسن\rوقال آخر:\rصدورٌ من الدّرّاج نمّق وشيها ... وصلن بأطراف اللّجين السّواذج\rوأحداق تبرٍ في خدود شقائقٍ ... تلألأ حسناً كاشتعال المسارج\rوأذناب طلع في ظهور ملاعقٍ ... مجزّعة الأعطاف صهب الدّمالج\rفإن فخر الطاوس يوماً بحسنه ... فلا حسن إلاّ دون حسن الدّارج\rالحباري وتسمّيه أهل مصر الحبرج.","part":3,"page":119},{"id":1120,"text":"قال الجاحظ: والحباري أشدّ الطير طيراناً وأبعدها سقطاً وأطولها شوطاً وأقلّها عرجةً؛ وذلك أنه يصاد بالبصرة فيشقّ عن حوصلته بعد الذّبح فتوجد فيها الحبّة الخضراء لم تتغيّر ولم تفسد؛ والحبّة الخضراء من شجر البطم ومنابتها جبال الثغور الشاميّة. والحباري له خزانة بين دبره وأمعائه، لا يزال فيها سلحٌ رقيق لزجٌ؛ فمتى ألحّ عليه جارحٌ ذرق عليه فتمعّط ريشه. ولذلك يقال: الحباري سلاحه سلاحه.\rقال الشاعر:\rوهم تركوك أسلح من حباري ... رأى صقراً وأشرد من نعام\rوهو يغتذي بسلحه إذا جاع. ويقال: الحباري دجاجة البرّ تأكل كل ما دبّ حتى الخنافس؛ فلذلك يعاف أكله.\rووصف أبو نواس الحباريات فقال:\rيخطرن في برانسٍ قشوب ... من حبرٍ ظوهرن بالتّذهيب\rفهنّ أمثال النّصارى الشّيب\rالطاوس فهو ألوان منها الأخضر، والأرقط، والأبيض؛ ويوجد في كلها الخيلاء. ولا تعرف هذه الألوان إلا في بلاد الزّابج. وفي طبع الطاوس الخيلاء والإعجاب بريشه. والأنثى تبيض بعد أن يمضي من عمرها ثلاث سنين. ولا يحصل التلوّن في ريش الذّكر إلا بعد مضيّ هذه المدّة. وتبيض الأنثى مرتين في السنة، في كل مرّة اثنتي عشرة بيضة.\rوقال الجاحظ: أوّل ما تبيض ثماني بيضات، وتبيض أيضاً بيض الرّيح. ويسفد الذّكر في أوان الربيع. ويلقي ريشه في فصل الخريف، كما يلقي الشجر ورقه فيه؛ فإذا بدأت الأشجار تكتسي الأوراق بدأ الطاوس فاكتسى ريشاً. والذكر كثير العبث بالأنثى. والفرخ يخرج من البيضة كاسياً كاسباً.\rوزعم أرسطو أن الطاوس يعمّر خمساً وعشرين سنة. وقال أبو الصّلت أمية بن عبد العزيز الأندلسيّ يصفه:\rأبدى لنا الطوس عن منظرٍ ... لم تر عيني مثله منظرا\rمتوّج المفرق إلاّ يكن ... كسرى بن ساسان يكن قيصرا\rفي كل عضو ذهبٌ مفرغٌ ... في سندسٍ من ريشه أخضرا\rنزهة من أبصر، في طيّها ... عبرة من فكّر واستبصرا\rتبارك الخالق في كلّ ما ... أبدعه منه وما صوّرا\rوقال فيه أيضاً:\rأهلاً به لمّا بدا في مشيه ... يختال في حللٍ من الخيلاء\rكالرّوضة الغنّاء أشرف فوقه ... ذنبٌ له كالدّوحة الغنّاء\rناديته لو كان يفهم منطقي ... أو يستطيع إجابةً لندائي\rيا رافعاً قوس السماء ولابساً ... للحسن روض الحزن غبّ سماء\rأيقنت أنك في الطيور مملّك ... لمّا رأيتك منه تحت لواء\rوقال أبو الفتح كشاجم من قصيدة ذكر فيها طاوساً:\rوأيّ عذر لمقالة بعد الطّاوس عنها إن لم تفض بدم\rرزئته روضةً تروق لوم ... أسمع بروضٍ سعى على قدم\rمتوّجاً خلعةً حباه بها ... ذو الفطر المعجزات والحكم\rكأنه يزدجرد منتصباً ... يبني فيعلي مآثر العجم\rيطبق أجفانه ويحسر عن ... فصّين يستصحبان في الظّلم\rأدلّ بالحسن فاستذال له ... ذيلاً من الكبر غير محتشم\rثم مشى مشية العروس فمن ... مستظرفٍ معجبٍ ومبتسم\rالدّيك والدّجاج قالوا: والدّجاج ثلاثة أصناف: نبطيّ وهو ما يتّخذ في لقرى والبيوت، وهندي وهو عظيم الخلق يتّخذ لحسن شكله، وحبشيّ وهو نوعٌ بديع الحسن أرقط: نقطةٌ سوداء ونقطةٌ بيضاء، وله قرطان أخضران.\rقالوا: والدّجاجة تجمع البيض بعد السّفاد في أحد عشر يوماً؛ وهي تبيض في السنة كلها ما خلا شهرين شتويين. والذي عرفناه نحن بديار مصر أنّ البيض لا ينقطع أبداً في الفصول الأربعة، فيدلّ على أنها تبيض دائماً. ومن الدّجاج ما يبيض في اليوم مرّتين. والبيضة تكون عند خروجها ليّنة القشر جدّاً؛ فإذا أصابها الهواء يبست. وربما وجد في البيضة محّان. وقال أرسطو: باضت دجاجةٌ فيما مضى ثماني عشرة بيضةً لكل بيضة محّان، ثم حضنت البيض فخرج من كل بيضة فرخان، أحدهما أظم جثةً من الآخر.\rوالدّجاجة تحضن عشرين يوماً. وخلق الفرّوج يتبيّن إذا مضت عليه ثلاثة أيام. ويعرف الذّكر من الأنثى بأن يعلّق الفرّوج برأسه فإن تحرّك فذّكرٌ، وإن سكن فأنثى.","part":3,"page":120},{"id":1121,"text":"قال الجاحظ: والفرخ يخلق من البياض ويغتذي بالصّفرة ويتمّ خلقه لعشرة أيام؛ والرأس وحده يكون أكبر من سائر جسده. والدّجاجة إذا هرمت لم يكن لبيضها محّ، وإذا لم يكن له محّ لا يخلق منه فروجٌ.\rوالدّجاجة تخشى ابن آورى دون سائر السّباع؛ وذلك أنه يمرّ عليها في القرى ما يمرّ من السباع وغيرها فلا تخشاه؛ فإذا مرّ عليها ابن آوى وهي على سطحٍ نالها من الفزع منه ما تلقي به نفسها إليه. وهي إذا قابلت الدّيك تشهّته ورامت السّفاد. والدّجاجة توصف بقلةّ النوم. والفرّوج يخرج من البيضة كاسياً كاسباً، سريع الحركة، يدعى فيجيب ويتبع من يطعمه؛ ثم هو كلّما كبر ماق وحمق وزال كيسه. وهو مشترك الطبيعة: يأكل اللّحم، ويحسو الدّم، ويصيد الذّباب، وذلك من طباع الجوارح؛ ويلقط الحبوب، ويأكل البقول، وذلك من طباع بهائم الطير. والله أعلم بالصواب.\rالدّيكة في الأحاديث\rوما عدّ من فضائلها وعاداتها ومنافعها جاء في الحديث عن عبيد الله بن عتبة: أنّ ديكاً صرخ عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسبّه بعض أصحابه، فقال: \" لا تسبّه فإنّه يدعو إلى الصلاة \" . وعن زيد بن خالد الجعفيّ: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن سبّ الدّيك وقال: \" إنّه يؤذّن للصلاة \" . وعن سالم بن أبي الجعد يرفعه: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: \" إنّ ممّا خلق الله لديكاً عرفه تحت العرش وبراثنه في الأرض السّفلى وجناحاه في الهواء فإذا ذهب ثلثا الليل وبقي ثلثٌ ضرب بجناحيه ثم قال سبّحوا الملك القدّوس سبّوح قدّوس لا شريك له فعند ذلك تضرب الطير بأجنحتها وتصيح الدّيكة \" . وعن كعب: \" إنّ لله ديكاً عنقه تحت العرش وبراثنه في أسفل الأرض فإذا صاح صاحت الدّيكة يقول سبحان القدّوس الملك الرحمن لا إله غيره \" . وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إنّ الدّيك الأبيض صديقي وعدوّ عدوّ الله يحرس دار صاحبه وسبع دور \" . وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يبيّته معه في البيت. وروي أنّ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا يسافرون بالدّيكة.\rقال الجاحظ: وزعم أصحاب التّجربة أن كثيراً ما يرون الرجل إذا ذبح الدّيك الأبيض الأفرق إنه لا يزال ينكب في أهله وماله.\rوقال في كتاب الحيوان في المناظرة بين الدّيك والكلب: وفي الديك الشّجاعة والصبر والجولان والثّقافة والتّسديد؛ وذلك أنه يقدّر إيقاع صيصيته بعين الديك الآخر أو مذبحه فلا يخطئ. قال: ثم معرفته بالليل وساعاته وارتفاق بني آدم بمعرفته وصوته، يتعرّف آناء الليل وعدد الساعات ومقادير الأوقات ثم يقسّط أصواته على ذلك تقسيطاً موزوناً لا يغادر منه شيئاً. فليعلم الحكماء انه فوق الإسطرلاب وفوق مقدار الجزر والمدّ على منازل القمر، حتى كأن طبعه فلكٌ على حدته.\rزمن عجيب أحوال الدّيكة أنها إذا كانت في مكان ثم دخل عليها ديكٌ غريب سفدته جميعاً. والدّيك يضرب به المثل في السخاء، وذلك أنه ينقر الحبّ ويحمله بطرفي منقاره إلى الدّجاج، فإذا ظفر بشيء من الحبّ والدّجاج غيبٌ دعاهنّ إليه وقنع منه بدون حاجته توفيراً عليهن. قالوا: والدّيكة تعظم بدبيل السّند حتى تكون مثل النّعام.","part":3,"page":121},{"id":1122,"text":"وقال الشيخ الرئيس أبو عليّ بن سينا: إنّ مرقة الديوك العتق لها خاصّيّات، سنذكرها. قال: والوجه الذي ذكره جالينوس في طبخها أن تذبح بعد علفها وبعد إعدائها إلى أن تنبت فتسقط فتذبح، ثم يخرج ما في بطنها ويملأ بطنها ملحاً ويخاط ويطبخ بعشرين قسطاً ماءً حتى ينتهي إلى الثّلث ويشرب. قال: ثم يزاد في ذلك ما نذكره. قال: وأجود الدّيكة ما لم يصقع بعد. وأجود الدّجاج ما لم يكن يبض، والعتيق رديءٌ. قال: ولحم الفراريج أحرّ من لحم الدّجاج الكبير. وخصيّ الدّيوك محمودٌ سريع الهضم. ومرقة الدّيوك المذكورة توافق الرّعشة ووجع المفاصل. ولحم الدّجاج الفتيّ يزيد في العقل، ودماغها يمنع النّزف الرّعافيّ العراض من حجب الدّماغ. ومرقة الدّيوك المّكور نافعةٌ من الرّبو. ولحم الدّجاج يصفّي الصوت. ومرقة الدّيك الهرم المعمولة بالقرطم والشّبث تنفع من جميع ذلك. ومرقة الدّيوك نافعة لوجع المعدة من الرّيح، وتنفع القولنج جدّاً. ولحم الدّجاج الفتيّ يزيد في المنيّ؛ والمرقة المذكورة مع البسفايج تسهّل السّوداء، ومع القرطم تسهّل البلغم. وقد تطبخ بالأدوية القابضة للسّحج، وباللبن لقروح المثانة. والمرقة نافعةٌ من الحمّيات المزمنة. قال: والدّجاج المشقوق عن قلبه أو الديك يوضع على نهش الهوامّ ويبدّل كلّ ساعة فيمنع من فشوّ السّم. وفي السموم المشوبة يتحسّى طبيخه بالشّبث والملح ويتقيّأ.\rومن الحكايات التي تعدّ من خرافات العرب ما حكاه بعضهم عن الرّياشيّ قال: كنّا عند الأصمعيّ، فوقف عليه أعرابيّ فقال: أنت الأصمعي؟ قال: نعم؛ قال: أنت أعلم أهل الحضر بكلام العرب؟ قال: يزعمون؛ قال: ما معنى قول أميّة بن أبي الصّلت:\rوما ذاك إلاّ الدّيك شارب خمرةٍ ... نديم غراب لا يملّ الحوانيا\rفلما استقلّ الصبح نادى بصوته ... ألا يا غراب هل رددت ردائيا\rفقال الأصمعيّ: إنّ العرب كانت تزعم أنّ الدّيك كان ذا جناحٍ يطير به في الجوّ وأنّ الغراب كان ذا جناح كجناح الدّيك لا يطير به وأنهما تنادما ليلةً في حانة يشربان فنفذ شرابهما، فطار ولم يرجع إليه؛ فزعموا أنّ الديك إنما يصيح عند الفجر استدعاءً لجناحه من الغراب؛ فضحك الأعرابيّ وقال: وما أنت إلا شيطان. وهذه الحاكية ذكره الجاحظ في كتاب الحيوان بنحو ما حكي عن الأصمعيّ، وساق أبيات أميّة بن أبي الصّلت، وهي:\rولا غرو إلاّ الديك مدمن خمرةٍ ... نديم غرابٍ لا يملّ الحوانيا\rومرهنه عند الغراب جبينه ... فأوفيت مرهوناً وخان مسابيا\rأدلّ عليّ الدّيك أنّي كما ترى ... فأقبل على شأني وهاك ردائيا\rأمنتك لا تلبث من الدهر ساعةً ... ولا نصفها حتى تؤوب مآبيا\rولا تدركنّك الشمس عند طلوعها ... فأغلق فيهم أو يطول ثوائيا\rفردّ الغراب والرداء يحوزه ... إلى الدّيك وعداً كاذباً وأمانيا\rبأيّة ذنبٍ أو بأيّة حجّةٍ ... أدعك فلا تدعو عليّ ولا ليا\rفإني نذرت حجّةً لن أعوقها ... فر تدعونّي دعوةً من ورائيا\rتطيّرت منها والدّعاء يعوقني ... وأزمعت حجّاً أن أطير أماميا\rفلا تيأسن إني مع الصبح باكراً ... أوافي غداً نحو الحجيج الغواديا\rكحب امرئٍ فاكهته قبل حجّتي ... وآثرت عمداً شأنه قبل شأنيا\rهنالك ظنّ الدّيك أن زال زوله ... وطال عليه الليل أن لا مفاديا\rفلما أضاء الصبح طرّب صرخةً ... ألا يا غراب هل سمعت ندائيا\rعلى ودّه لو كان ثمّ يجيبه ... وكان له ندمان صدقٍ مواتيا\rوأمسى الغراب يضرب الأرض كلّها ... عتيقاً وأضحى الدّيك في القدّ عانيا\rفذلك ممّا أسهت الخمر لبّه ... ونادم ندماناً من الطير عاديا","part":3,"page":122},{"id":1123,"text":"ومن الحكايات التي لا بأس بإيرادها في هذا الموضع ما حكاه الجاحظ قال: قال أبو الحسن: حدّثني أعرابيٌّ كان نزل البصرة قال: قدم عليّ أعرابيٌّ من البادية فأنزلته، وكان عندي دجاجٌ كثير ولي امرأةٌ وابنان وابنتان منها؛ فقلت لامرأتي: بادري واشوي لنا دجاجةً وقدّميها غلينا نتغذّها. فلما حضر الغداء جلسنا جميعاً أنا وامرأتي وابناي وابنتاي والأعرابيّ. قال: فدفعنا إليه الدجاجة فقلنا له: اقسمها بيننا، نريد بذلك أن نضحك منه؛ فقال: لا أحسن القسمة، فإن رضيتم بقسمتي قسمتها بينكم؛ قلنا: فإنّا نرضى. فأخذ رأس الدجاجة فقطعه وناولنيه وقال: الرأس للرئيس، وقطع الجناحين وقال: الجناحان للابنين، ثم قطع الساقين وقال: الساقان للابنتين، ثم قطع الزّمكّي وقال: العجز للعجوز، وقال: الزّور للزّائر؛ قال: فأخذ الدّجاجة بأسرها وسخر بنا. قال: فلمّا كان من الغد قلت لامرأتي: اشوي لنا خمس دجاجات فلما حضر الغداء قلنا له: اقسم بيننا؛ فقال: إني أظن أنكم وجدتم في أنفسكم؛ قلنا: لم نجد فاقسم بيننا؛ قال: أقسم شفعاً أو وتراً؟ قلنا: اقسم وتراً؛ قال: أنت وامرأتك ودجاجة ثلاثة، ثم رمى إلينا بدجاجة؛ ثم قال: وابناك ودجاجة ثلاثة، ورمى إليهما بدجاجة؛ ثم قال: وابنتاك ودجاجة ثلاثة، ورمى إليهما بدجاجة؛ ثم قال: وأنا ودجاجتان ثلاثة وأخذ دجاجتين وسخر بنا. فرآنا ننظر إلى دجاجتيه فقال: ما تنظرون لعلكم كرهتم قسمتي الوتر لا يجيء إلا؟ّ هكذا، فهل لكم في قسم الشّفع؟ قلنا نعم؛ فضمّهنّ إليه ثم قال: وأنت وابناك ودجاجة أربعة، ورمى إلينا بدجاجة؛ ثم قال: والعجوز وابنتاها ودجاجة أربعة، ورمى إليهنّ بدجاجةٍ؛ ثم قال: وأنا وثلاث دجاجات أربعة وضمّ إليه الثلاث، ورفع يديه إلى السماء فقال: اللهمّ لك الحمد، أنت فهّمتنيها. هكذا ساقها أبو عمرو بن بحر الجاحظ. وحكى غيره هذه الحكاية عن الأصمعيّ وفيها زيادةٌ، قال: حكى الأصمعيّ: بينا أنا في البادية إذا أنا بأعرابيّ على ناقةٍ وهي ترقص به في الآل؛ فلمّا دنا منّي سلّم عليّ، فسلّمت عليه وقلت: يا أخا العرب\rقوم بخفّان عهدناهم ... سقاهم الله من النّو\rما النّو؟ فقال:\rنوء السّماكين وريّاهما ... نور تلالا بعد إيماضه ضو\rفقلت: ما الضّو يا أخا العرب؟ فقال:\rضوءٌ تلالا في دجى سائرٌ راكبٌ ... مقمرةٍ مسفرة لو\rفقلت: لو إيش يا أخا العرب؟ فقال:\rلو مرّ فيها سائرٌ راكبٌ ... على نجيب الأرض منطو\rفقلت: منطو إيش يا أخا العرب؟ فقال:\rمنطوي الكشح هضيم الحشى ... كالباز ينقضّ من الجوّ\rفقلت: ما الجوّ يا أخا العرب؟ فقال:\rجوّ السما والريح تعلو به ... فاشتمّ ريح الأرض فاعلوّ\rفقلت: فاعلوّ إيش يا أخا العرب؟ فقال:\rفاعلو لما قد فات من صيده ... لا بدّ أن تلقى ويلقوا\rفقالت: ماذا يلقوا يا أخا العرب؟ فقال:\rيلقوا بأسيافٍ يمانيّةٍ ... وعن قليلٍ سوف يفنوا\rفقلت: ما يفنوا يا أخا العرب؟ فقال:\rإن كنت تنكر ما قلته ... فأنت عندي رجلٌ بوّ\rفقلت: وما البوّ يا أخا العرب؟ فقال:\rالبوّ من يفقد عن أمّه ... يا أحمق الناس فرح أو\rفقلت: أو إيش؟ فقال:\rتندفع الكّف بصفع القفا ... تسمع ما بينهما قوّ\rفقلت: يا أخا العرب، هل لك في الضيافة؟ فقال: لا يأبى الكرام إلاّ لئيم؛ فأتيت به منزل. ثم ساق الحكاية بنحو ما تقدّم، إلا أنه قال: فأتيته في اليوم الثاني بثلاث دجاجات، وقلت نحن كما علمت، اقسمها بيننا أزواجاً؛ فقال: أنت وابناك ودجاجة زوج،وامرأتك وابنتاها ودجاجة زوج، وأنا ودجاجة زوج. وساق خبر الخمسة في اليوم الثالث كما تقدّم.\rوصف الشعراء\rالبيضة والدّجاجة والدّيك فمن ذلك ما وصفوا به البيضة. قال أبو الفرج الأصبهانيّ من أبيات:\rفيها بدائع صنعةٍ ولطائفٌ ... ألّفن بالتّقدير والتلفيق\rخلطان مائيّان ما اختلطا على ... شكر ومختلف المزاج رقيق\rفبياضها ورقٌ وزئبق محّها ... في حقّ عاج بطّنت بدبيقي\rوقال شاعر:","part":3,"page":123},{"id":1124,"text":"وصفراء في بيضاء رقت غلالةٌ ... لها وصفاً ما فوقها من ثيابها\rجمادٌ ولكن بعد عشرين ليلةً ... ترى نفسها معمورةً من خرابها\rوقال كشاجم من أبيات يذكر فيها جونةً أهديت إليه وفيها بيض مسلوقٌ مصبوغٌ أحمر:\rوجاءنا فهيا ببيض أحمر ... كأنه العقيق ما لم يقشر\rحتى إذا قدّمه مقشّراً ... أبز من تحت عقيقٍ دررا\rيخال أنّ الشطر منه من لمح ... أعاره تلوينه قوس قزح\rومما قيل في الدّجاجة والدّيك\rقال الشاعر:\rغدوت بشربةٍ من ذات عرقٍ ... أبا الدّهناء من حلب العصير\rوأخرى بالعقنقل ثم رحنا ... نرى العصفور أعظم من بعير\rكأن الديك ديك بني نمير ... أمير المؤمنين على السّرير\rكأن دجاجهم في الدار رقطاً ... وفود الروم في قمص الحرير\rفبتّ أرى الكواكب دانياتٍ ... ينلن أنامل الرجل القصير\rأدافعهنّ بالكفّين عنّي ... وأمسح جانب القمر المنير\rوقال أبو بكر الصّنوبريّ من أبيات يصف ديكاً:\rمغرّد الليل ما يألوك تغريداً ... ملّ الكرى فهو يدعو الصبح مجهودا\rلما تطرّب هزّ العطف من طربٍ ... ومدّ للصوت لمّا مدّه الجيدا\rكلا بسٍ مطرفاً مرخٍ جوانبه ... تضاحك البيض من أطرافه السّودا\rحالي المقلّد لو قيست قلادته ... بالورد قصّر عنها الورد توريدا\rرانٍ بفصّي عقيقٍ يدركان له ... من حدّةٍ فيهما ما ليس محدودا\rتقول هذا عقيد الملك منتسباً ... في آل كسرى عليه التاج معقودا\rأو فارسٌ شدّ مهمازيه حين رأى ... لواء قائده للحرب معقودا\rقال أبو هلال العسكريّ:\rمتوّجٌ بعقيق ... مقرّطٌ بلجين\rعليه قرطق وشيٍ ... مشمّر الكمّين\rقد زيّن النّحر منه ... ثنتان كالوردتين\rحتى إذا الصبح يبدو ... مطرّز الطّرّتين\rدعا فأسمع منّا ... من كان ذا أذنين\rيزهى بطوقٍ وتاجٍ ... كأنه ذو رعين\rوقال الأسعد بن بلّيطة:\rوقام لنا ينعى الدّجى ذو شقيقةٍ ... يدير لنا من بين أجفانه سقطا\rإذا صاح أصغى سمعه لندائه ... وبادر ضرباً من قوادمه الإبطا\rومهما اطمانت نفسه قام صارخاً ... على خيزران نيط من ظفره خرطا\rكأنّ أنو شروان أعلاه تاجه ... وناطت عليه كفّ مارية القرطا\rسبى حلّة الطاوس حسن لباسها ... ولم يكفه حتى سبى المسية البطّا\rوقال أبو عبد الله المالكيّ:\rرعى الله ذا صوتٍ أنسنا بصوته ... وقد بان في وجه الظلام شحوب\rدعا من بعيدٍ صاحباً فأجابه ... يخبّرنا أنّ الصباح قريب\rوقال ابن المعتزّ:\rبشرّ بالصبح هاتفٌ هتفا ... صاح من اللّيل بعد ما انتصفا\rمذكّرٌ بالصّبوح صاح لنا ... كأنّه فوق منبرٍ وقفا\rصفّق إمّا ارتياحةً لسنا ال ... فجر وإمّا على الدّجى أسفا\rوقال أيضاً فيه:\rوقام فوق الجدار مشترفٌ ... كمثل طرفٍ علاه أسوار\rرافع رأسٍ طوراً وخافضه ... كأنما العرف منه منشار\rوقال السّريّ الرّفّاء:\rكشف الصباح قناعه فتألّقا ... وسطا على اللّيل البهيم وأبرقا\rوعلا فلاح على الجدار وشّحٌ ... بالوشي توّج بالعقيق وطوّقا\rمرخٍ فضول التاج من لبّاته ... ومشمّرٌ وشياً عليه منمّقا\rوقال أبو الفرج عليّ بن الحسين الأصفهانيّ يرثي ديكاً ويصفه:\rابنيّ منزلنا ونشو محلّنا ... وغذىّ أيدينا نداء مشوق\rلهفي عليك أبا النّذير لو أنّه ... دفع المنايا عنك لهف شقيق\rوعلى شمائلك اللّواتي ما نمت ... حتى ذوت من بعد حسن سموق","part":3,"page":124},{"id":1125,"text":"لما بقعت وصرت علق مضنّةٍ ... ونشأت نشو المقبل الموموق\rوتكاملت جمل الجمال بأسرها ... لك من جليلٍ خالصٍ ودقيق\rوكسيت كالطاوس ريشاً لامعاً ... متلألئاً ذا رونقٍ وبريق\rمن صفرةٍ مع خضرةٍ في حمرةٍ ... تخييلها يخفى على التّحقيق\rعرضٌ يجلّ عن القياس وجوهرٌ ... لطفت معانيه عن التّدقيق\rوكأنّ سالفتيك تبرٌ سائلٌ ... وعلى المفارق منك تاج عقيق\rوكأنّ مجرى الصوت منك، إذا نبت ... وجفت عن الأسماع بحّ حلوق،\rنايٌ رقيقٌ ناعمٌ قرنت به ... نغمٌ مؤلّفةٌ من الموسيقي\rتزقو وتصفق بالجناح كمنتشٍ ... وصلت يداه الصوت بالتّصفيق\rوخطرت ملتحفاً بمرطٍ حبّرت ... فيه بديع الوشي كفّ أنيق\rكالجلّنارة أو ضياء عقيقةٍ ... أو لمع نارٍ أو وميض بروق\rوكأنما الجاديّ جاد بصبغه ... لك أو غدوت مضمّخاً بخلوق\rوقال شاعر أندلسيّ:\rوكأنّ نفي النوم من عين فان ... بديع الملاحة حلو المعاني\rبأجفان عينيه ياقوتتان ... كأنّ وميضهما جمرتان\rعلى رأسه التاج مستشرفاً ... كتاج ابن هرمز في الهرجان\rوقرطان من جوهر أحمرٍ ... يزينانه زين قرط الحصان\rله عنقٌ حولها رونقٌ ... كما حوت الخمر إحدى القناني\rودار برائله حولها ... لها ثوب شعرٍ من الزعفران\rودارت بجؤجئه حلّةٌ ... تروق كما راقك الخسرواني\rوقام له ذنبٌ معجبٌ ... كباقة زهرٍ بدت من بنان\rوقاس جناحاً على ساقه ... كما قيس سترٌ على خيرزان\rوصفّق تصفيق مستهترٍ ... بمحمرّةٍ من بنات الدّنان\rوغرّد تغريد ذي لوعةٍ ... يبوح بأشواقه للغواني\rوقال أبو عليّ بن رشيق حيث مزّق عنه جلباب الممادح، وتركه من شمل الذّم في الرأي الفاضح:\rقام بلا عقلٍ ولا دين ... يخلط تصفيقاً بتأذين\rفنبّه الأحباب من نومهم ... ليخرجوا من غير ما حين\rبصرخةٍ تبعث موتى الكرى ... قد أذكرت نفخ سرافين\rكأنها في حلقه غصّةٌ ... أغصّه الله بسكّين\rالحجل والحجل طائرٌ يسمّى: دجاج البرّ وهو صنفان: نجديّ، وتهاميّ. فالنجديّ أخضر أحمر الرجلين. والتّهاميّ فيه بياضٌ وخضرةٌ. وسمّي الذكر يعقوب والفرخ الذّكر السّلك، والأنثى السّلكة. وهو من الطير الذي يخرج فرخه كاسياً كاسباً. ويقال: إنّ الحجلة إذا لم تلقح تمرّغت في التراب ورشّته على أصول ريشها فتلقح. ويقال: إنها تبيض بسماع صوت الذّكر وبريحٍ تهبّ من ناحيته.\rقال أبو عثمان الجاحظ: وإذا باضت الحجلة ميزّ الذّكر الذكور منها فيحضنها،وميزّت الأنثى الإناث فتحضنها، وكذلك هما في التربية. قال: وكلّ واحد منهما يعيش خمساً وعشرين سنةً. ولا تلقح الأنثى بالبيض، ولا يلقح الذكر إلاّ بعد مضيّ ثلاث سنين. والذكر شديد الغيرة على الأنثى. فإذا اجتمع ذكران اقتتلا، فأيّهما يغلب ذلّ له الآخر؛ وذهبت الأنثى مع الغالب. والأنثى إذا أصيب بيضها قصدت عشّ أخرى وغلبتها على بيضها. وقد وصف أبو عليّ بن رشيق القيروانيّ الحجل فقال:\rما أغربت في زيّها ... إلاّ يعاقيب الحجل\rجاءتك مثقلة التّرا ... ئب بالحليّ وبالحلل\rصفر الجفون كأنما ... باتت بتبرٍ تكتحل\rمشقوقةً شقّ الزّجا ... ج لمن أمّل أو عقل\rوصلت مذابحها الرءو ... س بحمرة فيها شعل\rلولا اختلاف الجنس والتركيب جاءت في المثل\rكلحى الثمانين التي ... خضبت ومنها ما نصل\rأو كاللّثام أزاله ... فرط التّلفّت والعجل\rوتخالهنّ جوارياً ... لا يزدرين من العطل","part":3,"page":125},{"id":1126,"text":"رمت الثّياب إلا ورا ... ء عن المناكب تنجدل\rوبدت سراويلاتها ... يسبحن وشياً من قبل\rحمرٌ من الرّكبات في ... لون الشقائق أو أجلّ\rعقّدنها فوق الصدو ... ر مخالساتٍ للقبل\rوشددن بالأعضاد من ... حذرٍ عليها أن تحلّ\rوكأنما باتت أصا ... بعها بحنّاءٍ تعلّ\rمن يستحلّ لصيدها ... فأنا امرؤٌ لا أستحلّ\rالكركيّ ويقال: إنه الغرنيق؛ ويقال: إن الغرنيق صنف منه. وهو طائر أخضر طوي المنقار والرجلين. وسفاده في السّرعة كالعصفور. وله مشاتٍ ومصايف. وفي طبعه التناصر؛ ولهذا أنّه لا يطير متقطّعاً ولا متباعداً بل صفّاً واحداً، يقدمها واحدٌ منها كالرئيس لها المقدّم عليها وهي تتبعه، يكون كذلك حيناً، ثم يخلفه آخر منها . وفي طبع الكركيّ وعادته أنّ أبويه إذا كبرا عالهما.\rوقال أرسطو: إن الغرانيق من الطير القواطع وليست من الأوابد، وإنها إذا أحسّت بتغيّر الزمان اعتزمت على الرجوع إلى بلادها. وكلّ منها ينام على إحدى رجليه قائماً. ويقال: إن الكراكيّ إذا كبرت اسودّ ريشها وهو في شيبتها رماديٌّ. وقدظهر بالديار المصريّة في شهور سنة خمس عشر وسبعمائة صنفٌ من الكراكيّ أبيض اللون ناصع البياض حسن الصورة، وهو أكبر جثّةً من الكركيّ المعتاد. وقال النّاشي في وصف الكراكيّ:\rوموردٍ يجذل قلب الوامق ... منظّمٍ بالغرّ والغرانق\rوكلّ طيرٍ صافرٍ أو ناعق ... مكتهلٍ وبالغٍ ولاحق\rموشيّة الصدور والعوتق ... بكل وشيٍ فاخرٍ وفائق\rتختال في اجنحةٍ خوافق ... كأنما تختال في قراطق\rيرفلن في قمصٍ وفي يلامق ... كأنّهنّ زهر الحدائق\rحمر الحداق كحل الحمالق ... كأنما يجلن في مخانق\rالإوزّ والإوزّ ثلاثة أصناف: بطائحيّ وهو الطويل الأسود بزرقة، وتركيّ وهو المدوّر المائل إلى البياض، وخبيّ وهو الضخم الكبير منها. ويقال: إن الإوز إذا فرغ من السّفاد وسبح في الماء فإنما يفعل ذلك لتمام اللّذة. والأنثى تحضن بيضها ثلاثين يوماً. والذكور تحنو على الفراخ. ولكلّ منها قضيبٌ يسفد به كالبطّ. والإوزّ البطائحيّ، وهو المعروف بمصر بالعراقيّ، يخالف الحبيّ في الصياح؛ لأن الخبيّ تصيح ذكورها ولا تصيح إناثها، والبطائحيّ بخلاف ذلك. والخبيّ من الطير الأوابد التي لا تبرح من الأماكن التي تربّى فيها لثقل أجسامها، وإذا نهضت فلا ترتفع من الأرض إلاّ يسيراً. والعراقيّات من الطير القواطع التي تنتقل من مكان إلى آخر، وترى في وقت دون وقتٍ.\rوقال ابن رشيق يصف فحل إوزٍّ:\rنظرت إلى فحل الإوزّ فخلته ... من الثّقل في وحلٍ وما هو في وحل\rينقّل رحليه على حين فترةٍ ... كمنتعلٍ لا يحسن المشي في النّعل\rله عنقٌ كالصّولجان ومخطمٌ ... حكى طرف العرجون من يانع النّخل\rيداخله زهوٌ فيحلظ من علٍ ... جوانبه ألحاظ متّهم العقل\rيضمّ جناحيه إليه كما ارتدى ... رداءً جديداً من بني البدو ذو جهل\rالبطّ وهو أصناف: منها الوحشيّ، والأهليّ. ومن الوحشيّ اللّقلق؛ ومن الأهليّ الصّينيّ. وفراخه تخرج كاسيةً كاسبةً. وقيل: إن بالزّابج بطّاً بيضاً وحمراً ورقطاً طوال الأعناق قصر الأرجل. والبط يطير على وجه الماء، وليس من طير الماء، لأنه لا يأويه دائماً ولا يغتذي بالسمك. وهو يأكل النبات والبذور؛ وله قضيبٌ يخرج من دبره كذكر الكلب عظيمٌ جدّاً بالنسبة إليه؛ في رأسه زرٌّ كالفلكة؛ فإذا سفد لم يخرجه حتى ينقلب لجنبه؛ ويحصل له عند السّفاد من الالتحام ما يحصل للكلب.\rوقال أبو عليّ بن سينا: وطبع البطّ حارٌّ أسخن من جميع الطيور الأهلية. قال: قال بعضهم: وهو يسخّن المبرود ويورث المحرور حمّى. قال: وشحمه عظيم في تسكين الوجع وتسكين اللذع من عمق البدن؛ وهو أفضل شحوم الطير. ولحمه يكثر الرّياح، وقانصته كثير الغذاء، ولحمه يسمّن، وهو بطيءٌ في المعدة ثقيلٌ، وإذا انهضم كان أغذى من جميع لحوم الطير؛ وهو يزيد في الباه ويكثر المنيّ.","part":3,"page":126},{"id":1127,"text":"النّحام قالوا: والنّحام يكون أفراداً وأزواجاً. وإذا أراد المبيت اجتمع رفوفاً فنام ذكوره ولا تنام إناثه.وتعدّ لها مباتاتٍ، إذا ذعرت في واحد منها طارت إلى آخر. ويقال: إنه لا يسفد ولا يخرج فراخه بالحضن وإنما تبيض الأنثى من زقّ الذكر. وإذا باضت تغرّبت وبقي الذّكر عند البيض يذرق عليه ليس إلاّ، فيقوم مقام الحضن. فإذا تمّت مدّة ذلك خرجت الفراخ لا حراك بها؛ فتجيء الأنثى فتنفخ في مناقيره حتى يجري ذلك النفخ فيها روحاً، ثم يتعاون الذّكر والأنثى جميعاً على التربية. وإذا قويت الفراخ على الطّعم وأمكنها التكسّب لنفسها طردها الذّكر.\rالأنيس فقال أرسطو: إنّه حادّ البصر، وصوته يشبه صوت الجمل ويحاكيه. ومأواه في قرب الأنهار وفي الأماكن الكثيرة المياه الملتفّة الشجر. وله لونٌ حسنٌ وتدبيرٌ في معاشه. والناس يتغالون به إذا وقع لهم ويجعلونه في بيوتهم.\rوأمّا القاوند وما قيل فيه، قال صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر في كتابه: كنت أسمع بشحم القاوند ولم أدر ما هو: حيوانٌ هوائيّ أم مائيّ أم أرضيّ، حتى وقفت على كتابٍ موضوعٍ في طبائع الحيوان وخواصّه ليس عليه اسم المصنّف، فرأيته قد قال: القاوند طائر يتّخذ وكره على ساحل البحر ويحضن بيضه سبعة أيّامٍ، وفي اليوم السابع يخرج فراخه ثم يزقّها سبة أيام. والمسافرون في البحر يتيّمنون بهذه الأيام ويوقنون بطيب الرّيح وحلول أيام السفر.\rالخطّاف والخطّاف يسمّى زوّار الهند. وهو من الطيور القواطع التي تقطع البلاد البعيدة إلى الناس رغبةً في القرب منهم والإلف بهم، وهو مع ذلك لا يبني بيته إلاّ في أبعد المواضع حيث لا تناله أيديهم. ومن عجيب حاله أنّ عينه تقلع فترجع؛ وهو لا يرى أبداً يقف على شيءٍ يأكله، ولا يرى يسافد ولا يجتمع بأنثاه. والأنثى تبيض مرّةً واحدةً في السنة، وقيل: مرتين؛ وكلاهما قاله الجاحظ. والخفّاش عدوّ الخطّاف؛ فهو إذا فرّخ وضع في أعشاشه قضبان الكرفس، فلا يؤذي فراخه إذا شمّ رائحة الكرافس. وهو لا يفرّخ في عشٍّ عتيقٍ حتى يطيّنه بطينٍ جديدٍ. وهو يبني عشّه بالطين والتّبن. فإذا لم يجد طيناً مهيّأً ألقى نفسه في الماء ثم تمرّغ في التّراب حتى يمتلئ جناحاه ثم يجمعه بمنقاره. وهو يسوّي في الطّعم بين فراخه. ولا يترك في عشّه زبلاً بل يلقيه خارجاً. وأصحاب اليرقان يلطّخون فراخ الخطّاف بالزعفران؛ فإذا رآها صفراً ظنّ أنّ اليرقان أصابها من شدّة الحرّ، فيذهب ويأتيها بحجر اليرقان فيطرحه على الفراخ، وهو حجرٌ أصفر، فيأخذه المحتال فيعلّقه على نفسه أو يحكّه ويشرب من مائه يسيراً فيبرأ. والخطّاف متى سمع صوت الرّعد مات.\rوقال الشيخ الرئيس أبو عليّ بن سينا: قال ديسفوريدس: إنّ أوّل بطن للخطّاف إذا شقّ وجد فيه حصاتان، إحداهما ذات لونٍ واحد والأخرى ذات ألوانٍ كثيرة، إذا جعلتا في جلد عجلٍ قبل أن يصيبه ترابٌ وربط على عضد المصروع ورقبته انتفع به، قال: وقد جرّبت ذلك وأبرأ المصروع. قال: وأكل الخطّاف يحدّ البصر، وقد يجفّف ويسقى. والشربة منه مثقالٌ. وقيل: إنّ دماغه بعسل نافعٌ من ابتداء الماء، وكذلك دماغ الخفاش. قال: وإن ملّح الخطّاف وجفّف وشرب منه درهمان نفع من الخناق. قال بعض الأطباء: المشهور عند الأطباء أن عشّ الخطّاف إذا حلّ في ما ء وصفّي وشرب سهّل الولادة.\rوقد ألمّ الشعراء في أشعارهم يوصف الخطّاف؛ فمن ذلك ما قاله أبو إسحاق الصّابي:\rوهنديّة الأوطان زنجيّة الخلق ... مسوّدة الأثواب محمرّة الحدق\rكأنّ بها جزناً وقد لبسن له ... حداداً وأذرت من مدامعها العلق\rإذا صرصرت صرّت بآخر صوتها ... كما صرّ العود بالوتر الحزق\rتصيف لدينا ثم تشتو بأرضها ... ففي كلّ عامٍ نلتقي ثم نفترق\rوقال السّريّ الرّفاء يصفها من أبيات ويذكر غرفةً:\rوغرفتنا بين السحائب نلتقي ... لهنّ عليها كلّةٌ ورواق\rتقسّم زوّارٌ من الهند سقفها ... خفافٌ على قلب النديم رشاق\rأعاجم تلتدّ الخصام كأنها ... كواعب زنج راعهنّ طلاق\rأنسن بنا أنس الإماء تحبّبت ... وشيمتها غدرٌ بنا وإباق","part":3,"page":127},{"id":1128,"text":"مواصلةٌ والورد في شجراته ... مفارقةٌ إن حان منه فراق\rوقال أيضاً:\rوغرفتنا الحسناء قد زاد حسنها ... بزائرةٍ في كلّ عام تزورها\rمبيّضة الأحشاء حمر بطونها ... مزبرجة الأذناب سود ظهورها\rلهنّ لغاتٌ معجماتٌ كأنها ... صرير نعال السّبت عالٍ صريرها\rوقال أبو هلال العسكريّ:\rوزائرةٍ في كلّ عام تزورنا ... فيخبر عن طيب الزمان مزارها\rتخبّر أنّ الجوّ رقّ قميصه ... وأنّ رياضاً قد توشّى إزارها\rوأنّ وجوه الغدر راق بياضها ... وأنّ متون الأرض راع اخضرارها\rتحنّ إلينا وهي من غير شكلنا ... فتدنو على بعدٍ من الشكر دارها\rويعجبنا وسط العراص وقوعها ... ويؤنسنا بين الدّيار مطارها\rأغار على ضوء الصباح قميصها ... وفاز بألوان الأليالي خمارها\rتصيح كما صرّت نعال عرائسٍ ... تمشت إلينا هندها ونوارها\rوقال آخر:\rأهلاً بخطّافٍ أتانا زائراً ... غرداً يذكّر بالزمان الباسم\rلبست سرابيل الصباح بطونه ... وظهوره ثوب الظلام العاتم\rوقال أبو نواس:\rكأن أصواتها في الجوّ طائرةً ... صوت الجلام إذا ما قصّت الشّعرا\rالقيق والزّرزور والقيق: طائر قدر الحمام اللّطيف؛ وأهل الشأم يسمّونه أبا زريق. وفي طبعه كثرة الإلف بالناس، وقبول التعليم، وسرعة الإدراك لما يلقّن من الكلام مبيّناً حتى لا يشك سامعه إذا لم يره أنه إنسانٌ؛ وربما زاد على الببّغاء. وله حكاياتٌ وأخبارٌ في الذكاء والفطنة يطول شرحها، وهو طائر مشهور بذلك.\rوأمّا الزّرزور\rفيقال: إنه ضربٌ من الغراب يسمّى الغداف؛ ويقال: إنه الزّاغ. وهو يقبل التعليم، ولا يرى إلاّ في أيام الربيع. ولونه أرقط لكن السواد أغلب. وقد يوجد في لونه الأبيض، وهو قليل جدّاً.\rوقال بعض شعراء الأندلس:\rيا ربّ أعجم صامتٍ لقّنته ... طرف الحديث فصار أفصح ناطق\rجون الإهاب أعير قوّة صفرةٍ ... كاللّيل طرّزه وميض البارق\rحكمٌ من التّدبير أعجزت الورى ... ورأى بها المخلوق لطف الخالق\rوقال آخر:\rأمنبرٌ ذاك أم قضيب ... يقرعه مصقعٌ خطيب\rيختال في بردتي شباب ... لم يتوضّح بها مشيب\rأخرس لكنّه فصيحٌ ... أبله لكنّه لبيب\rوقال الوزير أبو القاسم بن الجدّ الأندلسيّ من رسالة كتبها إلى الوزير أبي الحسن ابن سراج جواباً عن رقعةٍ وصلت منه إليه، يشفع لرجل يعرف بالزّريزير؛ ابتدأها بأن قال: حسنت لك أبا الحسن ضرائب الأيام، وتشوّفت نحوك غرائب الكلام، واهتزّت لمكاتبتك أعطاف الأقلام، وجادت على محلك ألطاف الغمام، وأشادت بفضلك ونبلك أصناف الأنام. فإن كان روض العهد أعزّك الله لم يصبه من تعهّدنا طلٌّ ولا وابل، ولا سجعت على أيكه ورقٌ ولا بلابل؛ فإن أزهاره على شرب الصّفاء نابته، وأشجاره في ترب الوفاء راسخةٌ ثابته. وقد آن الآن لعقم شجره أن تطلع من الثمر ألواناً، ولعجم طيره أن تسجع من النّغم ألحاناً؛ بما سقط لديّ ووقع عليّ من طائرٍ شهيّ الصفير، مبنيّ الاسم على التصغير؛ فإنه رجّع باسمك حيناً، وابتدع في نوبة شكرك تلحيناً، وحرّك من شوقي إليك سكوناً، ودمّث في قلبي لودّك وكوناً. ثم أسمعني أثناء ترنّمه كلاماً وصف به نفسه، ولو تغنّت به الورقاء، لأذنت له العنقاء؛ أو ناح بمثله الحمام، لبكى لشجوه الغمام؛ أو سمعه قيس ابن عاصم في ناديه، وبين أغاديه، لحلّ الزّمع حباه، واستردّ الطّرب صباه:\rكلاماً لو أن البق يزهى بمثله ... زها البقل واخضرّ الغضا بمصيف\rفتلقّيت فضل صاحبه بالتّسليم، واعترفت بسبقه اعتراف الخبير العليم.","part":3,"page":128},{"id":1129,"text":"وبعد، فإني أعود إلى ذكر ذلك الحيوان الغرّيد، والشيطان المريد؛ فأقول: لئن سمّي بالزّريزير، لقد صغر للتكبير؛ كما قيل: حريقيصٌ وسقطه يحرق الحرج، ودويهيةٌ وهي تلتهم الأرواح والمهج. ومعلومٌ أنّ هذا الطائر الصافر يفوق جميع الطيور في فهم التلقين، وحسن اليقين. فإذا علمّ الكلام لهج بالتسبيح، ولم ينطق لسانه بالقبيح، وتراه يقوم كالنصيح، ويدعو للخير بلسان فصيح. فمن أحبّ الأتّعاظ، لقى منه قسّ إيادٍ بعكاظ؛ أو مال إلى سماع البسيط والنشيد، وجد عنده نخب الموصليّ للرشيد. فطوراً يبكيك بأشجى من مراثي أربد، وحيناً يسلّيك بأحلى من أغاني معبد. فسبحان من جعله هادياً خطيباً، وشادياً مطرباً مطيباً. ولما طار ببلاد الغرب ووقع، ورقي في أكنافها وصقع؛ وعاين ما اتّفق فيها في هذا العام من عدم الزيتون، في تلك البطون والمتون؛ أزمع عنها فراراً، ولم يجد بها قراراً؛ لأن هذا الثمر بهذا الأفق هو قوام معاشه، وملاك انتعاشه؛ إليه يقطع، وعليه يقع؛ كما يقع على العسل الذّباب، وتقطع إلى العراد الضّباب؛ فاستخفّه هائج التذكار، نحو تلك الأوكار؛ حيث يكتسي ريشه حريراً، ويحتشي جوفه بريراً، ويحتسي قراحاً نميراً. ويغتدي على رهطه أميراً. فخذه إليك، نازلاً لديك، ماثلاً بين يديك؛ يترنّم بالثّناء، ترنّم الذباب في الرّوضة الغنّاء؛ وقد هزّ قوادم الجناح، لعادة الاستمناح؛ حبّر من لمع الأسجاع، وما يصلح للانتجاع؛ واثقاً بأن ذلك القطر الناضر ستنفحه حدائقه، ولا تلفحه ودائقه؛ لا سيما وفضلك دليله إلى ترع رياضه، وفرض حياضه؛ مع أنه لا يعدم في جانبك حبّاً نثيراً، وخصباً كثيراً، وعشّاً وثيراً.\rفإذا ما أراد كنت رشاءً ... وإذا ما أراد كنت قليبا\rوالله تعالى يكفيه فيما ينو به شرّ الجوارح، ويقيه شؤم السانح والبارح؛ بمنّه وكرمه.\rالسّماني يقال: إن السّماني هو السّلوى. وهو من الطيور القواطع التي لا يعلم من أين تأتي. ويقال: إنه يخرج من البحر المالح؛ فإنه يرى وهو يطير عليه أوان ظهوره وأحد جناحيه منغمسٌ في الماء والآخر منتشرٌ كالقلع. وأكثر من يعتني بتربيته أهل مصر ويتغالون في ثمنه ويحتفلون بأمره، حتى ينتهي ثمن جيده إلى ألف درهم بعد أن يباع كلّ عشرة منها بدرهم وأرخص. وهو صنفان: ربيعيّ وطرماهيٌّ؛ فالرّبيعيّ القادم الراحل. والطّرماهي القاطن في الأرض والبلاد الخصيبة، ويبيض ويفرّخ فيها كالحجل. وسبب مغالاتهم في أثمانها لأجل كثرة صياحها وعدد أصواتها. وقد وجد فيها ما صاح في الليلة الواحدة إلى الثانية من النهار أربعة آلاف وستمائة صوت. والصوت عندهم أن يفصل بينه وبين الصوت الثاني بسكتة. وهم في تربيت ه يبدءون بإطعامه دقاق القمح وهو القمح الصغير الذي لا يمسكه الغربال لصغره مدّة شهر؛ وتكون ذلك الوقت مجتمعةً في قفص كبير يسمّونه المرح؛ ثم يفرد بعد ذلك كلّ سمّانيّ بمفرده في قفص ويطعم الدّخن والشّادانق. ويصيح في مبتدأ أمره مقدار شهر ثمّ يسكت مدّة شهرين. وينقل إلى أقفاص أخر يعتنون بجودتها ويرفعونها على البراريد والبراريد عصيّ تعلّق عليها الأقفاص فيصيح بعد تلك السكتة أربعة أشهرٍ. فإذا دخل فصل الخريف وهبط الماء سكت مدّة شهرين وتقرنص، ثم يصيح أحياناً ويسكت أحياناً. وهو لا يطول عمره أكثر من سنة ونصف. وأوّل ما يصيح قبل أن يتفصّح بالوعوعة، وحكاية صوته: وع وع؛ ثم يصيح بعد ذلك: شقشلق.\rوقال الشيخ الرئيس أبو عليّ بن سينا في كتاب الأدوية المفردة: إنه يخاف من أكل لحوم السّماني من التمدّد والتّشنج.\rالهدهد والهدهد طائرٌ معروف. وقال الجاحظ فيه: والعرب كانوا يزعمون أن القنزعة التي على رأسه ثوبٌ من الله عزّ وجلّ على ما كان من برّه لأمّه، لمّا ماتت جعل قبرها في رأسه؛ فهذه القنزعة عوضٌ عن تلك الوهدة. وهو طائر منتن البدن من جوهره وذاته. والأعراب يجعلون ذلك النّتن شيئاً خامره بسبب تلك الجيفة التي كانت على رأسه. ويستدلّون على ذلك بقول أميّة بن أبي الصّلت حين يقول من أبيات:\rغيمٌ وظلماء وغيث سحابةٍ ... أزمان كفّن واستراد الهدهد\rيبغي القرار لأمّه ليجنّها ... فبنى عليها في قفاه يمهد\rمهداً وطيئاً فاستقلّ بحمله ... في الطير يحملها ولا يتأوّد","part":3,"page":129},{"id":1130,"text":"من أمّه فجزي بصالح حملها ... ولداً وكلّف ظهره ما يعقد\rفتراه يدلج ماشياً بجنازةٍ ... بقفاه ما اختلف الجديد المسند\rوزعم صاحب الفراسة: أن سبب نتنه أنّه يطلب الزّبل؛ فإذا وجده نقل منه وابتنى بيتاً منه؛ فإذا طال مكثه في البيت، وفي مثله ولد، اختلط ريشه وبدنه بتلك الرائحة فورث ابنه النّتن، كما ورثه هو من أبيه، وكما ورثه أبوه من جدّه. قال شاعرٌ.\rوأنتن من هدهدٍ ميّتٍ ... أصيب فكفّن في جورب\rويقال عنه: إنه يرى الماء في باطن الأرض كما يراه الإنسان في باطن الزّجاج. وزعموا: أنه كان دليل سليمان عليه السلام على الماء ولذلك تفقّده، على أحد أقوال المفسرين لكتاب الله تعالى.\rوقال الجاحظ فيه: إنه وفيٌّ حفوظٌ؛ وذلك أن الذكر إذا غابت عنه أنثاه لم يأكل ولم يشرب، ولا يزال يصيح حتى تعود إليه، فإن لم تعد لا يسفد بعدها أنثى أبداً، ولا يزال يصيح عليها ما عاش، ولم ينل بعدها من طعم بل ينال منه ما يمسك رمقه.\rووصفه أبو الشّيص فقال:\rلا تأمننّ على سرّي وسرّكم ... غيري وغيرك أوطىّ القراطيس\rأو طائرٍ سأجلّيه وأنعته ... ما زال صاحب تنقير وتدسيس\rسودٍ براثنه ميلٍ ذوائبه ... صفرٍ حمالقه في الحسن مغموس\rقد كان همّ سليمانٌ ليذبحه ... لولا سعايته في ملك بلقيس\rوقال آخر من أبيات:\rكأنّه إذ أتاه من قرى سبإٍ ... مبشّراً قد كساه تاج بلقيس\rيبدو له فوق ظهر الأرض باطنها ... كما تبدّت لنا الأقذاء في الكوس\rالعقعق ويسمى العقعق أيضاً كندشاً. وهو طائرٌ لا يأوي تحت سقفٍ ولا يستظل به، بل يهيّء وكره في المواضع المشرفة الفسيحة. وفي طبعه الزّنا والخيانة والسرقة والخبث؛ والعرب تضرب به المثل في ذلك كلّه. وإذا باضت الأنثى أخفت بيضها بورق الدّلب خوفاً عليه من الخفاش، فإنه متى قرب منه مذر وفسد وتغير في ساعته. وتقول العرب في أمثالها: \" أموق من عقعق \" . وهو شديد الاستلاب والاختطاف لما يراه من الحلي الثمين. قال إبراهيم الموصليّ فيه:\rإذا بارك الله في طائرٍ ... فلا بارك الله في العقعق\rقصير الذّنابي طول الجناح ... متى ما يجد غفلةً يسرق\rيقلّب عينين في رأسه ... كأنهما قطرتا زئبق\rوكان سبب قوله لهذا الشعر فيه ما حكاه إسحاق بن إبراهيم قال: كان لي عقعقٌ وأنا صبيٌّ قد ربّيته، وكان يتكلّم بكلّ شيءٍ يسمعه؛ فسرق خاتم ياقوتٍ كان أبي قد نزعه من إصبعه ودخل الخلاء ثم خرج فلم يجده، فضرب الغلام الذي كان واقفاً، فلم يقف له على خبر. فبينا أنا ذات يوم في دارنا إذ أبصرت العقعق قد نبش تراباً وأخرج الخاتم منه، فلعب به طويلاً ثم دفنه؛ فأخذته وجئت به إلى أبي، فسرّ به وقال هذا الشعر.\rالعصافير والعصافير ضروبٌ كثيرةٌ: منها العصفور البيوتيّ وعصفور الشّوك وعصفور النّوفر. ومن ضروبها القبّرة وحسّون والبلبل.\rفأمّا العصفور البيوتيّ ففي طباعه اختلافٌ: ففيه من طبائع سباع الطير أنه يلقم فراخه ولا يزقها، ويصيد أجناساً من الحيوان كالنّمل إذا طار والجراد، ويأكل اللّحم. والذي فيه من طباع بهائم الطير أنه ليس بذي مخلبٍ ولا منسرٍ؛ وهو إذا سقط على عودٍ قدم أصابعه الثلاث وأخّر الدّابرة؛ وسباع الطير تقدّم إصبعين وتؤخّر إصبعين؛ ويأكل الحبّ والبقول. ويتميّز الذكر منها من الأنثى بلحيةٍ سوداء. وهو لا يعرف المشي وإنما يرفع رجليه ويثب. وهو كثير السّفاد، وربما سفد في الساعة الواحدة خمسين مرّةً، ولذلك عمره قصيرٌ فإنّه لا يعمّر غالباً أكثر من سنةٍ؛ وإناثها تعمّر أكثر من ذكورها. والمثل يضرب في التحقير والتصغير بأحلام العصافير.\rقال دريد بن الصّمّة:\rيا آل سفيان ما بالي وبالكم ... أنتم كبيرٌ وفي الأحلام عصفور\rوقال حسّان بن ثابت:\rلا بأس بالقوم من طولٍ ومن عظمٍ ... جسم البغال وأحلام العصافير\rوأما عصفور الشّوك","part":3,"page":130},{"id":1131,"text":"فزعم أرسطو أنّ بينه وبين الحمار عداوةً، لأن الحمار إذا كان به دبرٌ حكّه بالشّوك الذي يأوي إليه هذا العصفور فيقتله؛ وربما نهق الحمار فتسقط فراخه أو بيضه خوفاً منه؛ فلذلك هذا العصفور إذا رأى الحمار رفرف فوق رأسه وعلى عنقه وآذاه ونقره في عقره أنّى كان.\rوأما عصفور النّيلوفر وهو لا يوجد غالباً إلا بثغر دمياط، وشأنه غريب، وذلك أنه عصفورٌ صغير جدّاً، فإذا كان قبل غروب الشمس جاء إلى برك النّوفر فيجد النّوفرة وهي طافحةٌ على وجه الماء مفتوحة فيقعد في وسطها، فإذا حصل فيها انطبقت عليه وانغمست في الماء طول الليل؛ فإذا طلعت الشمس طفت النّوفرة على وجه الماء وانفتحت، فيخرج منها ويطير إلى غروب الشمس، فيأتي ويفعل كفعله.\rالقبّرة\rفقد عدّوها من أنواع العصافير.\rوهي غبراء كبيرة المنقار على رأسها قبّرةٌ. وهذا الضرب قاسي القلب. وفي طبعه أنّه لا يهوله صوت صائحٍ به، وربّما رمي بالحجر فاستخفّ بالرامي ولطئ إلى الأرض حتى يتجاوزه الحجر. وهوي ضع وكره على الجادّة رغبةً في الأنس بالناس.\rحسّون\rوتسميه أهل الأندلس أمّ الحسن والمصريون السقاية لأنه إذا كان في القفص استقى الماء من إناء بآلةٍ لطيفةٍ يوضع له فيها خيطٌ، فتراه يرفع الخيط بإحدى رجليه ويضعه تحت رجله الأخرى حتى يصل إليه ذلك الإناء اللطيف فيشرب منه. وهو ذو ألوانٍ حنة التركيب والتأليف من الحمرة والصفرة والسواد والبياض والخضرة والزّرقة. وله صوتٌ حسنٌ مطربٌ. ووصفه أبو هلال العسكريّ فقال:\rومفتّنة الأوان بيضٍ وجوهها ... ونمرٍ تراقيها وصفرٍ جنوبها\rكأنّ دراريعاً عليها قصيرةً ... مرقّعةً أعطافها وجيوبها\rوأما البلبل وهو العندليب، وتسميه أهل المدينة النّغر. وهو طائرٌ أغبر الرأس لطيف القدّ، مأواه الشجر.\rقال الجاحظ: البلبل موصوفٌ بحسن الصوت والحنجرة. ومن شأنه إذا كان غير حاذقٍ أن يطارحه إنسان بشكل صوته، فيتدرّب ويتعلّم ويحسن صوته. وقد وصف أبو هلال العسكريّ البلابل فقال:\rمررت بدكن القمص سود العمائم ... تغنّي على أطراف غيدٍ نواعم\rزهين بأصداغ تروق كأنّها ... نجومٌ على أعضاد أسود فاحم\rترى ذهباً منهنّ تحت مآخرٍ ... لها ولجيناً نطنه بالقوادم\rوقال آخر:\rكيف ألحي وقد خلعت على الله ... و وعذاري وقد هتكت قناعي\rوتعشّقت بلبلاً أنا منه ... في انزعاج إلى الصّبا والتياع\rأنا من ريشه المدبّج في زه ... رٍ ومن شجو صوته في سماع\rومن رسالة ذكره العماد الأصفهانيّ الكتب في الخريدة، وهي لبعض فضلاء أصبهان، ذكر فيها وصف الرّياض ومفاخرة الرّياحين، وفضّل فيها الورد، وانتهى بعد ذكر الورد إلى وصف البلابل، فقال:","part":3,"page":131},{"id":1132,"text":"فلما ارتفع صدر النّهار، وانقطع جدال الأزهار؛ سمع من خلل الحديقة زقزقة عندليب، قد اتخذ وكراً على حاشية قليب؛ كان يستتر به عن الجمع، ويجعله دريئةً لاستراق السّمع. وحين أتقن ما وعاه، وأودعه سمعه وأرعاه؛ انتحى غصناً رطيباً، فأوفى عليه خطيباً؛ ثم قال: يا فتنة الخليقه، لقد جئت بالشّنعاء الفليقه؛ وربّ بسمٍ استحال احتداماً، ولن تعدم الحسناء ذاماً. إلام ترفل في دلال زهوك، وتغفل عن رذائل سهوك! وحتّام تتيه على الأكفاء والأقران، كأنّك أنت صاحب القرآن! ألست من عجبك بنفسك، واسترابتك بأبناء جنسك؛ لا تزال مشتملاً شوك الغصون، معتصماً منها بأشباه المعاقل والحصون!. لكنك متى انقضى مهبّ الشّمال، وعدل عن اليمين إلى الشّمال؛ خيف عليك نفح الإحراق، وتعرّيت من حلل الأوراق؛ وأصبحت للأرض فراشاً، وتلعّب بك الهواء فعدت فراشاً. ثم ما قدر جورتك حتى تجور! وهل ينتج حضوره إلا الفجور!. هذا إذا كنتم على الأصل الثابت، وعرفتم في أكرم المغارس والمنابت، فكيف وأنتم بين رمليّ وجبليّ، ونهبوريّ أو تيهوريّ. وهب أنك ورهطك تفرّدتم بممايلة القدود، وتوحّدتم بمشابهة الخدود؛ وصرتم درر البحور، وعلّقتم على الجباه والنّحور؛ وتحوّلتم جماناً ومرجاناً، وحلّيتم مناطق وتيجاناً؛ أقدرتم على مباراة الشحارير، ومجاراة القماري النّحارير! أم ملكتم تهييج البلابل، قبل أصوات البلابل! أم وجدتم سبيلاً إلى ولوج القلوب والأسماع، واتّخاذ الطّرب والسّماع؟! هيهات هيهات، بعد عنكم ما فات! بل نحن ذوات الأطواق، وبنات الغصون والأوراق؛ إنما يكمل صيتكم بنغمات أصواتنا، ويزهو غناؤكم بصحة غنائنا؛ ويحسن تمايل دوحكم بترنّمنا ونوحنا، ويروق غديركم بهديرنا، ويشوق تهديلكم بهديلنا. لم تزالوا حملة أثقالنا، ومهود أطفالنا؛ وجياد شجعاننا، ومنابر خطبائنا. فروعكم محطّ أرحلنا، ورءوسكم مساقط أرجلنا. إذا أوفى مطربنا على عوده، وعبث بملوي عوده؛ وشدّ المثالث والمثاني، وشدّ الثّقيلين الأوّل والثاني؛ فقد أحيا باللّحن الأيكيّ، وبذّ يحيى المكّيّ؛ وأعاد إبراهيم، كحاطب الليل البهيم؛ وخرق له أثواب مخارق طرباً وحسداً، ولم يسلم منه سليم غيظاً وكمداً؛ وأخذ قلب ابن جامع بمجامعه، وطوّقه من الإقرار غلاًّ بمجامعه؛ حتى كأنّه بصحّة ضربه وإتقان أوتاره، يطلب عندهم قديم أحقاده وأوتاره.\rفهي تصبي الأبصار لوناً قريباً ... وتسرّ الأسماع ضرباً بعيدا\rخضب الكفّ من دم القلب وابتتتزّ سويداءه فطوّق جيدا\rأعجميّ اللّسان مستعرب اللح ... ن يعيد الخليّ صبّاً عميدا\rكلّ وقتٍ تراه من فرط شجوٍ ... مظهراً في الغناء لحناً جديدا\rتارةً يجعل النّشيد بسيطاً ... ويعيد البسيط طوراً نشيدا\rمعبدٌ لو رآه أصبح عبداً ... ولبيدٌ أمسى لديه بليدا\rضلّ عن إلفه وأقلقه الوج ... د فأمسى بكاؤه تغريدا\rلو عارض الخليل في عروضه لبكّته، أو ناظر ابن السّكّيت في إصلاحه لسكّته؛ أو جادل الفارسيّ لفرسه وجذله، أو نازل الكوفيّ لأكفأه عن رتبته وأنزله.\rالباب الرابع من القسم الخامس من الفن الثالث\rبغاث الطير\rويشتمل هذا الباب على ما قيل في القمريّ، والدّبسيّ، والورشان، والفواخت والشّفنين، واليعتبط، والنّوّاح، والقطا، واليمام وأصنافه، والببّغاء. وهذه الأصناف قد عدّه أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أو أكثرها في الحمام، فقال: الحمام وحشيّ، وأهليّ، وبيوتيّ، وطورانيّ. وكلّ طائر يعرف بالنّواح وحسن الصّوت والدّعاء والتّرجيع فهو حمام وإن خالف بعضه بعضاً في الصّورة واللون وفي بعض النّوح ولحن الهديل.\rقال: وزعم أفليمون صاحب الفراسة أنّ الحمام يتّخذ لضروب، منها ما يتّخذ للأنس والنّساء والبيوت. ومنها ما يتّخذ للفراخ، ومنها ما يتخذ للزّجال والسّباق. ولازّجال: إرسال الحمام الهوادي. ثم ذكر من أوصاف الحمام وما فيه من ضروب المعرفة والمنافع ما نورده عند ذكرنا للحمام المشتهر بهذه التّسمية، وهو الذي أشار الجاحظ إليه. فلنذكر تفصيل ما قدّمناه من هذه الأصناف، فنقول وبالله التوفيق: القمريّ","part":3,"page":132},{"id":1133,"text":"فقد قالوا: إنما سميّ القمريّ بهذه التسمية لبياضه، والأقمر: الأبيض. وحكاية صوته تشبه ضحك الإنسان. وهو شديد المودّة والرحمة. أما مودّته فإنه يفرّخ على فننٍ من أفنان شجرةٍ عليها أعشاش لأبناء جنسه، فيصابحها كلّ يوم. وأمّا رحمته فإنه يربيّ ولده ويعفّ عن أنثاه ما دام ولده صغيراً. ومن عادته أنه يعمل عشّه في طرف فننٍ دائم الاهتزاز، احترازاً على فراخه لئلا يسعى إليه من الحيوان الماشي ما يقتله.\rوقال أبو الفتح كشاجم يصفه من أبيات رثاه بها أوّلها:\rومطوّقٍ من حسن صنعة ربه ... طوقيه خلتهما من النّوّار\rومنها:\rلهفي على القمريّ لهفاً دائماً ... يكوي الحشا بجوىً كلذع النار\rلون الغمام لونه ومناسبٌ ... في خلقه الأقلام بالمنقار\rالدّبسيّ وإنما سمّي الدّبسيّ بذلك للونه، لأنّ الدّبسة حمرةٌ في سواد. قالوا: والدّبسيّ أصناف، منها المصريّ، والحجازيّ، والعراقيّ. وأفخر هذه الأصناف المصريّ ولونه الدكنة. وهو لا يرى ساقطاً على وجه الأرض، بل له في الشتاء مشتىً، وفي الصيف مصيفٌ. ولا يعرف له وكر.\rالورشان وما قيل فيه، والورشان أصناف منها النّوبيّ وهو ورشان أسود؛ ومنها الحجازيّ. والنوبيّ أشجاها صوتاً. وهذا الطائر يوصف بالحنوّ على أولاده، حتى إنه ربما قتل نفسه إذا رآها في يد القانص.\rوقال أبو بكر الصّنوبريّ فيه:\rأنا في نزهتين من بستاني ... حين أخلو به ومن ورشان\rطائرٌ قلب من يغنّيه أولى ... منه عند الغناء بالطّيران\rمسمع يودع المسامع ما شا ... ئت وما لم تشأ من الألحان\rفي رداءٍ من سوسنٍ وقميصٍ ... زرّرته عليه تشرينان\rقد تغشّى لون اسماء قراه ... وتراءى في جيده الفرقدان\rالفواخت والفواخت عراقيّةٌ ليست حجازيّة. وفيها فصاحةٌ وحسن صوت. وفي طبعها أنها تأنس بالناس، وتعشّش في الدّور. والعرب تضرب بها في الكذب المثل، فيقولون: \" أكذب من فاختةٍ \" ؛ فإنّ حكاية صوتها عندهم: \" هذا أوان الرّطب \" . قال شاعرٌ:\rأكذب من فاختةٍ ... تقول وسط الكرب\rوالطّلع لم يبد لنا ... هذا أوان الرّطب\rوهو يعمّر. وحكى أرسطو أن منه ما عاش أربعين سنة.\rوقال أبو هلال العسكريّ:\rمررت بمطراب الغداة كأنها ... تعلّ من الإشراق راحاً مفلفلا\rمنمّرةٍ كدراء تحسب أنها ... تجللّ من جلد السّحاب مفصّلا\rبدت تجتلي للعين طوقاً ممسّكاً ... وطرفاً كما ترنو الغزالة أكحلا\rلها ذنب وافى الجوانب مثلما ... تقشّر طلعاً أو تجرّد منصلا\rإذا حلّقت في الجوّ خلت جناحها ... يردّ صفيراً أو يحرّك جلجلا\rالشّفنين والشفنين من الطير التي تترنّم؛ وصوته في ترنّمه يشبه صوت الرّباب. وفي طبعه أنه إذا فقد أنثاه لم يزل أعزب، يأوي إلى بعض فراخه حتى يموت؛ وكذلك الأنثى إذا فقدت الذّكر. وهو متى سمن سقط ريشه وامتنع من السّفاد؛ فهو لذلك لا يشبع. وهو طائر يؤثر العزلة.\rاليعتبط وإنما سمّي اليعتبط بهذه التسمية لصوته، وهو شريف في طيور الحجاز. وحاله حال القمريّ، ولكنه أحرّ منه مزاجاً وأعلى صوتاً. قال كشاجم:\rوناطقٍ لم يخش في النطق غلط ... ما قال شيئاً قطّ إلا يعتبط\rالنّوّاح والنوّاح: طائر كالقمريّ، وحاله كحاله؛ إلاّ أنّه أحرّ منه مزاجاً وأرطب وأدمث وأشرف. قالوا: يكاد النّوّاح يكون للأطيار الدّمثة ملكاً، وهو يهيجها إلى التّصويت لأنه أشجاها صوتاً؛ وجميعها تهوى استماع صوته. وهو أيضاً يسرّه استماع صوت نفسه. والله أعلم بالصواب.\rالقطا","part":3,"page":133},{"id":1134,"text":"والقطا نوعان: كدريّ وجونيّ. والدريّة غبر الألوان. والجونيّة سود بطون الأجنحة والقوادم بيض اللّبان وفيه طوقان أسود وأصفر؛ وظهورها غبرٌ رقطٌ تعلوها صفرةٌ. وتسمّى الجونيّة غتماً؛ لأنها لا تفصح بصوتها إذا صوّتت إنما تغرغر بصوتٍ في حلقها. والكدريّة فصيحةٌ تنادي باسمها تقول: قطا قطا؛ ولهذا يضرب بها المثل في الصدق. وتوصف القطا بحسن المشي لتقارب خطاها. والعرب تشبّه مشي النّساء الخفرات بمشيها إذا أرادوا مدحهنّ. قال شاعر يصف القطاة، واختلف في الشاعر من هو، فقيل: هو أوس بن غلفاء الهجيميّ، وقيل: مزاحم العقيلي، وقيل: العباس بن يزيد بن الأسود الكنديّ، وقيل: العجير السّلوليّ، وقيل: عمرو بن عقيل بن الحجّاج الهجيميّ؛ قال أبو الفرج الأصفهانيّ: وهو أصحّ الأقوال، :\rأمّا القطاة فإنّي سوف أنعتها ... نعتاً يوافق نعتي بعض ما فيها\rسكّاء مخطوبةٌ في ريشها طرقٌ ... سودٌ قوادمها صهبٌ خوافيها\rمنقارها كنواة القسب قلّمها ... بمبردٍ حاذق الكفّين باريها\rتمشي كمشي فتاة الحيّ مسرعة ... حذار قومٍ إلى سترٍ يواريها\rتسقي الفراخ بأفواهٍ مرقّقةٍ ... مثل القوارير سدّت من أعاليها\rكأن هيدبة من فوق جؤجئها ... أو جرو حنظلةٍ لم يعد راميها\rوقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسيّ:\rولربّ طيّارٍ خفيفٍ قد جرى ... فشلاً بجارٍ خلفه طيّار\rمن كلّ قاصرة الخطا مختالةٍ ... مشي الفتاة تجرّ فضل إزار\rمخضوبة المنقار تحسب أنها ... كرعت على ظمإٍ بكأس عقار\rلا تستقرّ بها الأيادي خشيةً ... من ليل ويلٍ أو نهار بوار\rوقال امرّار أو العكبّ التغلبيّ، وهي أجود قصيدةٍ قيلت في القطا، :\rبلاد مروارةٍ يحار بها القطا ... ترى الفرخ في حافاتها يتحرّق\rيظلّ بها فرخ القطاة كأنّه ... يتيمٌ جفا عنه مواليه مطرق\rبديمومةٍ قدبات فيها وعينه ... على مرّه تغضي مراراً وترمق\rشبيهٌ بلا شيءٍ هنالك شخصه ... يواريه قيضٌ حوله متفلّق\rله محجرٌ نابٍ وعينٌ مريضةٌ ... وشدقٌ بمثل الزعفران مخلّق\rتعاجيه كحلاء المدامع حرّةٌ ... لها ذنبٌ ساجٍ وجيدٌ مطوّق\rسماكيّةٌ كدريّةٌ عرعريّةٌ ... سكاكيّةٌ عفراء سمراء عسلق\rإذا غادرته تبتغي ما يعيشه ... كفاها رذاياها الرّقيع الهبنّق\rغدت تستقي من منهلٍ ليس دونه ... مسيرة شهرٍ للقطا متعلّق\rلأزغب مطروحٍ بجوز تنوفةٍ ... تلظّى سموماً قيظه فهو أورق\rتراه إذا أمسى وقد كاد جلده ... من الحرّ عن أوصاله يتمزّق\rغدت فاستقلّت ثم ولّت مغيرةً ... بها حين يزهاها الجناحان أولق\rتيمّم ضحضاحاً من الماء قد بدت ... دعاميصه فالماء أطحل أطرق\rفلما أتته مقدحرّاً تغوّثت ... تغوّث مخنوقٍ فتطفو وتغرق\rتجرّ وتلقي في سقاءٍ كأنّه ... من الحنظل العاميّ جروٌ معلّق\rفلمّا ارتوت من مائها لم يكن لها ... أناةٌ وقد كادت من الرّيّ تبصق\rطمت طموةً صعداً ومدّت جرانها ... وطارت كما طار الشّاب المحلّق\rأوصاف شعريّة جامعة لمجموع هذا النوع الذي ذكرناه من ذلك قول بعض الشعراء:\rوقبلي أبكى كلّ من كان ذا هوىً ... هتوف البواكي والدّيار البلاقع\rوهنّ على الأفلاق من كلّ جانب ... نوائح ما تخضلّ منها المدامع\rمزبرجة الأعناق نمرٌ ظهورها ... مخطّمةٌ بالدّرّ خضرٌ روائع\rترى طرراً بين الخوافي كأنّها ... حواشي برودٍ زيّنتها الوشائع\rومن قطع الياقوت صيغت عيونها ... خواضب بالحنّاء منها الأصابع\rوقال أبو الأسود الدؤليّ من أبيات:","part":3,"page":134},{"id":1135,"text":"وساجع في فروع الأيك هيّجني ... لم أدر لم ناح ممّا بي ولم سجعا\rأباكياً إلفه من بعد فرقته ... أم جازعاً للنّوى من قبل أن تقعا\rيدعو حمامته والطير هاجعةٌ ... فما هجعت له ليلاً ولا هجعا\rموشّح سندساً خضر مناكبه ... ترى من المسك في أذياله لمعا\rله من الآس طوقٌ فوق لبّته ... من البنفسج والخيريّ قد جمعا\rكأنما عبّ في مسودّ غاليةٍ ... وحلّ من تحته الكافور فانتقعا\rكأنّ عينيه من حسن اصفرارهما ... فصّان من حجر الياقوت قد قطعا\rكأنّ رجليه من حسن احمرارهما ... ما رقّ في شعب المرجان فاتّسعا\rشكا النّوى فبكى خوف الأسى فرمى ... بين الجوانح من أوجاعه وجعا\rوالريح تخفضه طوراً وترفعه ... طوراً فمنخفضاً يدعو ومرتفعا\rكأنه راهبٌ في رأس صومعةٍ ... يتلو الزّبور ونجم الصبح قد طلعا\rوقال ابن اللّبانة الأندلسيّ:\rوعلى فروع الأيك شادٍ يحتوي ... طرفي لآخر تحتويه الأضلع\rيندى له رطب الهواء فيغتدي ... ويظلّه ورق الغصون فيهجع\rتخذ الأراك أريكةً لمنامه ... فله إلى الأسحار فيها موضع\rحتى إذا ما هزّه نفس الصّبا ... والصبح، هزّك منه شدوٌ مبدع\rفكأنما تلك الأراكة منبرٌ ... وكأنه فيها خطيب مصقع\rوقال بعض الأعراب يصف مطوّقةً:\rدعت فوق ساقٍ دعوةً لو تناولت ... بها الصّخر من أعلى أبان تحدّرا\rتبكّى بعين ليس تذري دموعها ... ولكنّها تذري الدموع تذكّرا\rمحلاّة طوقٍ ليس تخشى انفصامه ... إذا همّ أن يبلى تجدّد آخرا\rلها وشحٌ دون التّراقي وفوقها ... وصدرٌ كمقطوع البنفسج أخضرا\rتنازعها الألوان شتّى صقالها ... بدا لتلالي الشمس فيه تحيرا\rوقال شاعر أندلسيّ:\rوما شاقني إلا ابن ورقاء هاتفٌ ... على فنن بين الجزيرة والجسر\rمفتّق طوقٍ لا زورديّ كلكلٍ ... موشّى الطّلى أحوى القوادم والظهر\rأدار على الياقوت أجفان لؤلؤٍ ... وصاغ على الأجفان طوقاً من التّبر\rحديد شبا المنقار داجٍ كأنه ... شبا قلمٍ من فضّة مدّ من حبر\rتوسّد من فرع الأراك أريكةً ... ومال على طيّ الجناح مع النّحر\rولمّا رأى دمعي مراقاً أرابه ... بكائي فاستولى على الغصن النّضر\rوحثّ جناحيه وصفّق طائراً ... فطار بقلبي حيث طار وما يدري\rوقال آخر:\rكأنّ بنحرها والجيد منها ... إذا ما أمكنت للنّاظرينا\rمخطّا كان من قلمٍ لطيفٍ ... فخطّ بجيدها والنحر نونا\rوقال ابن الرّومي:\rمطوّقةٌ تبكي ولم أر باكياً ... بدا ما بدا من شجوها لم يسلّب\rوقد أوردنا في باب الغزل والنّسيب من هذا المعنى فيما قيل على لسان الورقاء ما يستغنى عن تكراره.\rاليمام وأصنافه وما وصف به وما قيل فيه فالعرب تقول: إن هذه التسمية واقعةٌ على النوع الذي تسمّيه عامّة الناس الحمام؛ وهو أصنافٌ مختلفة الأشكال والألوان والأفعال، منها الرّواعب والمراعيش والعدّاد والميساق والشّدّاد والقلاّب والشّقّاق والمنسوب.\rالرّواعب وهو ألوان كثيرةٌ. وزعم الجاحظ أنه تولّد بين ورشانٍ ذكرٍ وحمامٍ أنثى، فأخذ من الأب الجثّة ومن الأمّ الصوت، وفاته سرعة الطيران فلم يشبههما فيه؛ وله من عظم البدن وكثرة الفراخ والهديل والقرقرة ما ليس لأبويه، حتى صار ذلك سبباً للزيادة في ثمنه والحرص على اتّخاذه.\rالمراعيش وهي تطير مرتفعةً حتى تغيب عن النظر فترى في الجوّ كالنّجم.\rالعدّاد فهو طير ضخم، قليل الطيران كثير الفراخ.\rالميساق وهو أضخم من العدّاد وأنبل، ثقيل الجسم لا يستطيع الطيران إلاّ قليلاً.\rالشدّاد","part":3,"page":135},{"id":1136,"text":"فهو لا يلزم الطيران في الجوّ، وله قوّة في جناحه حتى يقال إنّه ربما يكسر الجوز به، ولا يأتي من الغاية لبلهٍ فيه. وأصحاب الرّغبات في تربية هذا الصّنف يلقونه على البصريّات فيخرج من بينهما حمامٌ يسمّى المضرّب يجتمع فيه هداية البصريّ وشدّة الشّدّاد. والشدّاد يطير صعداً حتى يرى كالنّجم. وفي ذنبه إحدى وثلاثون ريشة.\rالقلاّب فتسمّيه العراقيون الملاّح؛ وسمّي بذلك لتقلّبه في طيرانه.\rوالشّقّاق، وطيرانه تحويمٌ.\rالمنسوب ويسمّيه العراقيّون الهوادي، والمصريون يسمونه البصاري يعنون البصرية، وهو بالنسبة إلى ما تقدّم ذكره كالعتّاق من الخيل، وما عداه فيها كالبراذين. وفيها العلويّ وهو ألطف جرماً وأسرع طيراناً؛ وهو يطلب وكره ولو أرسل من مسافة ألف فرسخ، ويحمل البطائق ويأتي بها من المسافة البعيدة في المدّة القريبة. قالوا: وفيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخٍ في يوم واحدٍ. وسباع الطير تطلبه أشدّ طلبٍ. وخوفه من الشاهين أشدّ من خوفه من غيره. وهو أطير منه ومن سباع الطير كلّها؛ لكنه يذعر فيجهل باب المخلص.\rالمحمود منه ما وصفه الجاحظ عن أفليمون صاحب الفراسة أنه قال: جميع الفراسة لا تخرج عن أربعة أوجه: أوّلها التقطيع، والثاني المجسّة، والثالث الشمائل، والرابع الحركة.\rفأمّا التقطيع، فانتصاب العنق والخلقة، واستدارة الرأس من غير عظمٍ ولا صغرٍ، وعظم القرطمتين ونقاؤهما، واتّساع المنخرين، وانهرات الشّدقين، وسعة الجوف، ثم حسن خلقة العينين مع توقّدهما، وقصر المنقار في غير دقّةٍ، ثمّ اتّساع الصدر، وامتلاء الجؤجؤ، وطول العنق، وإشراف المنكبين، وانكماش الجناحين، وطول القوادم في غير إفراطٍ، ولحوق بعض الخوافي ببعض، وصلابة القصب في غير انتفاخ ولا يبسٍ، واجتماع الخلق في غير الجعودة والكزازة، وعظم الفخذين، وقصر السّاقين والوظيفين، وافتراق الأصابع، وقصر الذّنب وخفته من غير تفنينٍ وتفريق، ثم توقّد الحدقتين وصفاء اللّون. فهذه علامة الفراسة في التقطيع.\rوأمّا علامة المجسّة، فوثاقة الخلق، وشدّة اللّحم، ومتانة العصب، وصلابة القصب، ولين الرّيش في غير رقّةٍ، وصلابة المنقار في غير دقّةٍ.\rوأمّا علامة الشمائل، فقلّة الاختيال، وصفاء البصر،وثبات النظر، وشدّة الحذر، وحسن التّلفّت، وقلّة الرّعدة عند الفزع، وخفّة النهوض إذا طار، وترك المباردة إذا لقط.\rوأمّا علامة الحركة، فالطيران في علوّ، ومدّ العنق في سموّ، وقلّة الاضطراب في جوّ السماء، وضمّ الجناحين في الهواء،وتتابع الرّكض في غير اختلاطٍ، وحسن القصد في غير دورانٍ، وشدّة المدّة في الطيران. فإذا أصبته جامعاً لهذه الصفات فهو الطائر الكامل.\rوقد وصف الجاحظ الحمام في كتاب الحيوان وبسط فيه القول ووسّع المجال. ونحن الآن نورد ملخّص ما قاله فيه، قال:","part":3,"page":136},{"id":1137,"text":"ومن مناقب الحمام جبّه للناس وأنس الناس به، وهو من الطير الميامين. وهو إذا علم الذكر منه أنّه قد أودع رحم الأنثى ما يكون منه الولد، تقدّما في إعداد العشّ، ونقل القصب وشقق الخوص، وأشباه ذلك من العيدان الخوّارة الدّقاق، حتى يعملا أفحوصةً وينسجاها نسجاً متداخلاً في الموضع الذي اتّخذاه واصطنعاه عشّاً بقدر جثمان الحمامة؛ ثم أشخصا لتلك الأفحوصة حروفاً غير مرتفعةٍ لتحفظ البيض وتمنه من التّدحرج، لتلزم كتفي الجؤجؤ، ولتكون رفداً لصاحب الحضن، وسنداً للبيض؛ ثم يتعاوران ذلك المكان ويتعاقبان تلك الأفحوصة يسخّنانها ويدفئانها ويطيّبانها وينفيان عنها طباعها الأول ويحدثان لها طبيعةً أخرى مشتقّةً من طبائعهما ومستخرجةً من رائحة أبدانهما وقواهما، لكي تقع البيضة إذا وقعت في موضع يكون أشبه المواضع طباعاً بأرحام الحمام مع الحضانة والوثارة، كي لا تنكسر البيضة بيبس الموضع، ولئلا تنكر طباعها طباع المكان، وليكون على مقدارٍ من البرد والسّخونة والرّخاوة والصّلابة. ثم إن ضربها المخاض وطرّقت ببيضها، بدرت إلى الموضع الذي قد أعدّته وتحاملت إليه، إلاّ أن يقرعها رعدٌ قاصفٌ أو ريحٌ عاصفٌ فإنها ربما رمت بها دون الأفحوصة. والرّعد ربّما أفسد البيض. فإذا وضعت البيض في ذلك المكان الذي أعدّاه لا يزالان يتعاقبان الحضن ويتعاورانه حتى تنتهي أيامه ويتمّ ميقاته؛ فعند ذلك ينصدع البيض عن الفرخ، فيخرج عاري الجلد صغير الجناح مستدّ الحلقوم؛ فيعلمان أنّه لا يتسع حلقه وحوصلته للغذاء، فلا يكون لهما همٌّ إلاّ أن ينفخا في حلق الفرخ الرّيح لتتّسع الحوصلة بعد التحامها. ثم يعلمان انه وإن اتّسعت الحوصلة لا يحمل في أوّل اغتذائه أن يزقّ بالطّعم، فيزقّ باللّعاب المختلط بقواهما وقوى الطّعم. ثم يعلمان أنّ الحوصلة تضعف عن استمراء الغذاء وهضم الطّعم فيأكلان من شروج أصول الحيطان، وهو شيء من الملح المحض والتراب الخالص، وهذا هو السّبخ، فيزقّانه به. حتى إذا علما أنه قد اندبغ واشتدّ زقّاه بالحبّ الذي قد غبّ في حواصلهما؛ ثمّ يزقّانه بعد ذلك بالحبّ والماء. حتى إذا علما أنه قد أطاق اللّقط منعاه بعض المنع ليحتاج إلى اللّقط فيتعوّده. فإذا علما أنّ إرادته قد تمّت وأنه قد قوي على اللّقط وبلغ بنفسه منتهى حاجته، ضرباه إذا سألهما الكفاية، ونفياه متى رجع إليهما وتنتزع تلك الرحمة العجيبة منهما وينسيان ذلك التعطّف. ثم يبتدئان العمل ثانياً على ذلك النظام وتلك المقدّمات. فسبحان الهادي الملهم.\rقال: ثمّ يبتدئ الذّكر بالدّعاء والطّراد؛ وتبتدئ الأنثى بالتّأتّي والاستدعاء، ثم تزيف وتشكل، وتمكّن وتمنع، وتجيب وتصدف بوجهها؛ ثمّ يتعاشقان ويتطاوعان ويكون بينهما قبلٌ وارتشافٌ وإدخال فمها في فمه؛ وذلك هو التّطاعم والمطاعمة. قال الشاعر:\rلم أعطها بيدي إذ بتّ أرشفها ... إلاّ تطاول غصن الجيد بالجيد\rكما تطاعم في خضراء ناعمةٍ ... مطوّقان أصاخا بعد تغريد\rقال أبو عثمان: ومما أشبه فيه الحمام الناس أن ساعات الحضن على البيض أكثرها على الأنثى، وإنما يحضن الذكر حضناً يسيراً. والأنثى كالمرأة في كفالة الصبيّ، حتى إذا ذهب الحضن وصار البيض فراخاً كالأطفال في البيت يحتاجون إلى الطعام والشّراب صار أكثر ساعات الزّقّ على الذكر.","part":3,"page":137},{"id":1138,"text":"وقال: قال مثنّى بن زهير، وهو إمام الناس في البصرة بالحمام، : لم أر شيئاً قطّ في رجلٍ ولا امرأةٍ وقد رأيت مثله في الذكر والأنثى من الحمام. رأيت حمامةً لا تريد إلاّ ذكرها، كالمرأة لا تريد إلاّ زوجها أو سيّدها. ورأيت حمامةً لا تمنع شيئاً من الذّكورة؛ ورأيت امرأة لا تمنع يد لامسٍ. ورأيت حمامةً لا تزيف إلاّ بعد طرادٍ شديدٍ وشدّة طلبٍ، ورأيتها تزيف لأوّل ذكر يريدها، ورأيت من النساء كذلك. ورأيت حمامةً لها زوج وهي تمكّن ذكراً آخر لا تعدوه، ورأيت مثل ذلك في النساء. ورأيتها تزيف لغير ذكرها وذكرها يراها، ورأيتها لا تفعل ذلك إلاّ وذكرها يطير أو يحضن. ورأيت الحمامة تقمط الحمامة، ورأيت الحمام الذكر يقمط الذكر. ورأيت الأنثى كانت لا تقمط إلاّ الإناث، ورأيت أخرى تقمط الإناث فقط ولا تدع أنثى تقمطها، ورأيت ذكراً يقمطها ويدعها حتى تقمطه. ورأيت ذكراً يقمط الذكور وتقمطه؛ ورأيت ذكراً يقمط الذكور ولا يدعها تقمطه؛ ورأيت الأنثى تزيف للذكور ولا تدع شيئاً منها يقمطها؛ ورأيت هذه الأصناف كلّها في السّحّاقات واللاّطة. قال: وامتنعت عليّ خصلةٌ فوالله لقد رأيتها؛ لأني رأيت من النساء من تزني أبداً وتساحق أبداً ولا تتزوّج؛ ومن الرجال من يلوط أبداً ويزني أبداّ ولا يتزوّج، ورأيت حماماً ذكراً يقمط ما لقي ولا يزاوج، ورأيت حمامةً تمكّن كلّ حمام أرادها من ذكر أو أنثى وتقمط الذكورة والإناث ولا تزاوج، ورأيتها تزاوج ولا تبيض، وتبيض فيفسد بيضها، كالمرأة. قال: ورأيت ذكراً له أنثيان وقد باضتا منه، وهو يحضن مع هذه ومع تلك ويزقّ مع هذه ومع تلك، ورأيت أنثى تبيض بيضةً، ورأيت أنثى تبيض في أكثر حالاتها ثلاث بيضات. قال: ورأيت حمامةٌ تزاوج هذا الحمام ثمّ لتحوّل منه إلى آخر، ورأيت ذكراً فعل مثل ذلك في الإناث، ورأيت الذكر كثير النّسل قوياً على القمط.\rقال الجاحظ: والحمام يبيض عشرة أشهر من السنة؛ فإذا صانوه وحفظوه وأقاموا له الكفاية وأحسنوا تعهّده باض في جميع السنة. والفواخت والأطرغلاّت والحمام البرّيّ تبيض مرّتين في السنة. قال: ويتمّ خلق الحمام في أقلّ ن عشرة أيّامٍ. والحمامة في أكثرها أمرها يكون أحد فرخيها ذكراً والآخر أنثى؛ وهي تبيض أوّلاً البيضة التي فيها الذكر ثم تقيم يوماً وليلةً وتبيض الأخرى. وتحضن ما بين السبعة عشر يوماً إلى العشرين. والأنثى أبرّ بالبيض، والذكر أبرّ بالفراخ. ولقد أطنب أبو عثمان الجاحظ وأوغل وبسط القول في ذكر الحمام وأوصافه ومناقبه والمغالاة في ثمنه والحرص على اقتنائه، حتى إنه قال: وللحمام من الفضيلة والفخر أنّ الحمام الواحد يباع بخمسمائة دينار؛ ولم يبلغ ذلك باز ولا شاهين ولا عقابٌ. قال: وأنت إذا أردت أن تتعرّف مبلغ ثمن الحمام الذي جاء من الغاية ثم دخلت بغداد والبصرة، وجدت ذلك بلا معاناة. وهذا يدلّ على أنّ قوله فيه كان مشهوراً عندهم في وقته. ثم قال: والحمام إذا جاء من الغاية بيع الذّكر من فراخه بعشرين ديناراً وأكثر، وبيعت الأنثى بعشرة دنانير وأكثر وبيعت البيضة بخمسة دنانير؛ فيقوم الزوج منها من الغلة مقام ضيعةٍ، حتى ينهض بمؤونة العيال وبقضاء الدّين، وتبني من غلاّته وأثمان رقابه الدّور والجنان وتبتاع الحوانيت. ثم وصف حجر الحمام ومقاصيرها المبنيّة في ذلك الزمان وما يعانيه أهلها من حديثها والاحتفال بها في المسابقة وغيرها. وأطال في ذلك. وقال: وللحمام من حسن الاهتداء، وجودة الاستدلال، وثبات الحفظ والذّكر، وقوّة النزاع إلى أربابه، والإلف لوطنه، أن يكون طائراً من بهائم الطير يجيء من مسافة كذا إلى مسافة كذا. قال: ولن ترى جماعة طيرٍ أكثر طيراناً إذا كثرن من الحمام؛ فإنّهنّ كلما التففن وضاق موضعهنّ كان أشدّ لطيرانهنّ. قال النابغة:\rواحكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت ... إلى حمامٍ شراعٍ وارد الثّمد\rيحفّه جانباً نيقٍ وتتبعه ... مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد\rقالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد\rفحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعاً وتسعين لم تنقص ولم تزد\rفأكملت مائةً فيها حمامتها ... وأسرعت حسبةً في ذلك العدد","part":3,"page":138},{"id":1139,"text":"قال الأصمعيّ: لما أراد أن يمدح الحاسب وسرعة إصابته شدّد الأمر وضيّقه عليه ليكون أحمد له إذا أصاب؛ فجعله حرز طيراً والطير أخفّ من غيره؛ ثم جعله حماماً والحمام أسرع الطير وأكثر اجتهاداً في السرعة إذا كثر عددهنّ، وذلك أنه يشتدّ طيرانه عند المسابقة والمنافسة. وقال: يحفّه جانباً نيقٍ وتتبعه، فأراد أن الحمام إذا كان في مضيق من الهواء كان أسرع من أن يتسع عليه الفضاء. والله أعلم بالصواب.\r؟ذكر ما قيل في طوق الحمامة يقال: إنّ نوحاً صلّى الله عليه وسلّم لمّا كان في السفينة بعث الغراب ليكشف له هل ظهر من الأرض موضعٌ، فوقع على جيفة فلم يرجع إليه؛ فبعث بالحمامة، فاستعجلت على نوح الطّوق الذي في عنقها فجعل لها ذلك جعلاً. وفي ذلك يقول أميّة بن أبي الصّلت:\rوأرسلت الحمامة بعد سبع ... تدلّ على المهالك لا تهاب\rتلمّس هل ترى الأرض عيناً ... وعاينه من الماء العباب\rفجاءت بعد ما ركضت بقطفٍ ... عليه الثّأط والطّين الكباب\rفلمّا فرّسوا الآيات صاغوا ... لها طوقاً كما عقد السّخاب\rإذا ماتت تورّثه بنيها ... وإن تقتل فليس لها استلاب\rوقال أيضاً فيها:\rسمع الله لابن آدم نوحٍ ... ربّنا ذو الجلال والإفضال\rحين أوفى بذي الحمامة والنا ... س جميعاً في فلكه كالعيال\rحابساً خوفه عليه رسولاً ... من خفاف الحمام كالتّمثال\rفرشاها على الرّسالة طوقاً ... وخضاباً علامةً غير بال\rفأتته بالصّدق لمّا رشاها ... وبقطفٍ لمّا بدا عثكال\rقوله: فرشاها أي جعل لها جعلاً.\rوقال فيها:\rوما كان أصحاب الحمامة خيفةً ... غداة غدت منهم تضمّ الخوافيا\rرسولاً لهم والله يحكم أمره ... يبين لهم هل برنس التّرب باديا\rفجاءت بقطفٍ آيةً مستبينةً ... فأصبح منها موضع الطين جاديا\rعلى خطمها واستوهبت ثم طوقها ... وقالت ألا لا تجعل الطوق حاليا\rولا ذهباً إني أخاف نبالهم ... يخالونه مالي وليس بماليا\rوزدني على طوقي من الحلي زينةً ... تصيب إذا أتبعت طوقي خضابيا\rيكون لأولادي جمالاً وزينةً ... وعنواني زيني زينةً من ترابيا\rمما وصف به هذا النوع قال عبد الواحد بن فتوح الأندلسيّ يصف حماماً بسرعة الطيارن والسّبق:\rيجتاب أودية السّحاب بخافقٍ ... كالبرق أومض في السّحاب فابرقا\rلو سابق الريح الجنوب لغايةٍ ... يوماً لجاءك مثلها أو أسبقا\rيستقرب الأرض البسيطة مذهباً ... والأفق ذا السّقف الرفيعة مرتقى\rويظلّ يسترقي السماء بخافقٍ ... في الجوّ تحسبه الشّهاب المحرقا\rيبدو فيعجب من رأه لحسنه ... وتكاد آية عنقه أن تنطفا\rمترقرقاً من حيث درت كأنما ... لبس الزجاجة أو تجلبب زئبقاً\rوقال أبو هلال العسكريّ في حمام أبلق:\rومتّفقات الشكل مختلفاته ... لبسن ظلاماً بالصباح مرقّعا\rأخذن من الكافور أنفاً ومنسراً ... وخضّبن بالحنّاء كفّاً وإصبعا\rوترنو بأبصارٍ إذا ما أدرنها ... جلون عقيقاً للعيون مرصّعا\rتطير بأمثال الجلام كأنّها ... جنادل تدحوها ثلاثاً وأربعا\rتبوع بها في الجوّ من غير فترةٍ ... كأنّ مجاديفاً تبوع بها معا\rإذا هي عبّت في الغدير حسبتها ... تزقّ فراخاً في المغاور جوّعا\rوقال القاضي الفاضل عبد الرحيم البيسانيّ من رسالة يصف طائراً جاء من غاية:","part":3,"page":139},{"id":1140,"text":"وكان هذا الطائر أحد الرسل المسيّرة بل المبشّره، والجنود المجرّدة بالمسخّره؛ فإنها لا تزال أجنحتها تحمل من البطائق أجنحه، وتجهّز من جيوش المقاصد والأقلام أسلحه؛ وتحمل من الأخبار ما تحمل الضمائر، وتطوي الأرض إذا نشرت جناح الطائر؛ وتزوي لها حتى ترى ما سيبلغه ملك هذه الأمه، وتقرب بها السماء حتى ترى ما لا يبلغه وهم ولا همّه؛ وتكون مراكب للأغراض لمّا كانت الأجنحة قلوعاً، وتركب الجوّ بحراً يصفّق فيه هبوب الرياح موجاً مرفوعاً؛ وتعلّق الحاجات على أعجازها، فلا تعرف الإرادات غير إنجازها. ومن بلاغات البطائق استعارت ما هي به مشهورة من السّجع، ومن رياض كتبها ألفت الرياض فهي إليها دائمة الرّجع. وقد سكنت البروج فهي أنجم، وأعدّت في كنائنها فهي للحاجات أسهم. وقد كادت تكون ملائكةً فإذا نيطت بالرّقاع، صارت أولى أجنحةٍ مثنى وثلاث ورباع. وقد باعد الله بين أسفارها وقرّبها، وجعلها طيف اليقظة الذي صدق العين وما كذبها. وقد أخذت عهود الأمانة فهي في أعناقها أطواقاً، فأدّتها من أذنابها أوراقاً؛ فصارت خوافي وراء الخوافي، وغطّت سرّها المودع بكتمانٍ سحبت عليه ذيول ريشها الضوافي؛ ترغم النّوى بتقريب العهود، وتكاد العيون تلاحظها تلاحظ أنجم السعود؛ فهي أنبياء الطير لكثرة ما تأتي به من الأنباء، وخطباؤها لأنها تقوم على منابر الأغصان مقام الخطباء. والله أعلم بالصواب.\rالببّغاء وما قيل فيها، والببّغاء طائرٌ هنديّ، وحبشيّ. حسن الخلق، دمث الخلق، ثاقب الفهم، له قوّةٌ على حكاية الأصوات بالتلقين والتعليم، تتخذه الملوك وأكابر الناس في منازلهم. وفي لونه الأخضر والأغبر والأسود والأحمر والأصفر والأبيض. وهذه الألوان كلّها قليلة ونادرة الوجود إلاّ الأخضر والأغبر. وقد شاهدت أنا بالقاهرة المعزّيّة درّة بيضاء، سوداء المنقار والرجلين، وعلى رأسها ذؤابة فستقيّة. وهذا الطائر يتناول الطّعم برجله. وله منقار معقّف قصير يكسر به ما صلب وينقب به ما تعسّر نقبه. وهو في مأكله ومشربه كالإنسان التّرف الظريف. والناس يحتالون على تلقنيه بأن ينصبوا تجاهه مرآةً يرى خياله فيه ويتكلّم الإنسان من ورائها، فيتوهّم الطائر أنّ خياله في المرآة هو المتكلّم فيأخذ نفسه بحكاية ما يسمعه من ذلك الصوت.\rوقال المولى تاج الدين عبد الباقي اليمانيّ رحمه الله فيها ملغزاً:\rيا سيّداً أبدع في المقال ... ويا رئيساً فاق في المعالي\rما حيوانٌ مشبه الإنسان ... مرتّل الآيات في القرآن\rذو مبسمٍ صيغ من النّضار ... ومقلةٍ قد ركّبت من قار\rومخلبٍ يكسّر الصّليبا ... ومنطقٍ يفاخر الخطيبا\rذو حلّة بنديّة البرود ... منسوجةٍ من أخضر البنود\rكروضةٍ قد أينعت أزهارها ... وأدهشتنا بالغنا أطيارها\rقد جمعت في ذاته ألوان ... كأنّه في خلقه بستان\rفذاته من ناصع الزّبرجد ... ونوره مركّبٌ من عسجد\rوتارة يبصر من أقاحي ... خلقته في سائر النواحي\rوعرفه من خالص المداد ... ونطقه مستحكم الإيراد\rيأكل بالكفّ خلاف الطير ... ويغتدي وهو قدير السّير\rإن لقط الحبّ لدى تفريقه ... رأيت درّاً جال في عقيقه\rيحفظ بيت المرء في المغيب ... ويغتدي كالحارس المرهوب\rسميّه في أسفل البحر ... مستودعٌ في آخر التيار\rإليه يعزي الشاعر المجيد ... والكاتب النّحرير والمجيد\rفاكشف معمّى ما لغزت يا إمام ... واسلم على مرّ الدهور في الدّوام\r؟الباب الخامس\rالطير الليليّ\rويشتمل هذا الباب على ذكر ما قيل في الخفّاش، والكروان، والبوم، والصّدى.\rالخفاّش","part":3,"page":140},{"id":1141,"text":"فالخفّاش ليس من الطير في شيء؛ فإنه ذو أذنين ظاهرتين وأسنان وخطم وخصيتين بارزتين، ويبول كما تبول ذوات الأربع، ويحيض، ويلد، ويرضع، ولا ريش له. قال بعض المفسّرين لكتاب الله عزّ وجلّ: إنّ الخفّاش هو الطائر الذي خلقه عيسى بن مريم عليه السلام بإذن الله تعالى؛ ولذلك هو مباين لصنعة الخالق؛ ولهذا سائر الطير تقهره وتبغضه؛ فما كان منها يأكل اللحم أكله، وما لا يأكل اللحم قتله؛ فلذلك لا يطير إلاّ ليلاً. وطعامه البعوض والفراش يصيدهما وقت طيرانه، ولا يبلغ ذلك إلا بما فيه من سرعة الاختطاف وشدّة الطيران ولين الأعطاف. وهو مع ذلك ليس بذي ريشٍ وإنما هو لحم مغشّى بجلد صلبٍ كأنّه جلد ضفدع، وهو يطير بغير ريشٍ؛ وهذا من العجب. وهو لا يطير في ضوءٍ ولا ظلمةٍ. وسبب ذلك أه ضعيف حاسّة البصر، قليل شعاع العين؛ فالشمس تضعف بصره عن التحديق في شعاعها، والظلمة تغمر ضياء بصره؛ فهو يجعل طيرانه لطلب قوته وقت غروب الشمس وظهور الشّفق. وذلك وقت هيج البعوض وانتشاره. ومنازله تكون في الجبال وصدوع الصخور وبسيط الفيافي وجزائر البحر والأماكن الخربة المهجورة. وهو يطلب قرب الناس؛ فإذا كان في بيوتهم قصد أرفع مكانٍ وأحصنه فيكون فيه. ويذكر بطول العمر، ويكبر حتى يكون في قدر الحدأة وأكبر. وهو يلد ما بين الثلاثة إلى التسعة. ويسفد غالباً وهو طائر في الهواء. وهو يحمل ولده تحت جناحه، وربما قبض عليه بفيه لإشفاقه عليه. وربّما أرضعت الأنثى ولدها وهي طائرة. أخبرني من شاهد ذلك ممن يعتمد على نقله. وهو متى أصابه شجر الدّلب خدر.\rقال الجاحظ: والخفّاش يأتي الرّمانة وهي على شجرتها فينقب عنها ويأكل جميع ما فيها حتى لا يدع إلا القشر وحده. قال: ولحوم الخفافيش موافقةٌ للشواهين والصّقور والبوازي ولكثير من جوارح الطير، وهي تسمن عنها وتصحّ أبدانها عليها، ولها في ذلك عملٌ محمود ناجع عظيم النفع بيّن الأثر.\rوقال بعض الشعراء في الخفّاش ملغزاً:\rوطائرٍ جناحه في رجله ... أبعد شيءٍ فصّه من وصله\rلم يوصف الله بخلق مثله ... وهو على تآلفٍ في شكله\rلو بيع في سوقٍ له لم أغله\rوقال آخر:\rأبى علماء الناس أن يخبرونني ... وقد ذهبوا في العلم في كلّ مذهب\rبجلدة إنسانٍ وصورة طائرٍ ... وأظفار يربوعٍ وأنياب ثعلب\rالكروان والكروان طائرٌ من طبعه وعادته الطيران فيا لليل، والإدلاج والصّياح بالأسحار، والإشراف على مواضع العساكر. ويوصف بالحمق؛ ومن حمقه أنه يقال له: أطرق كراً، فيلصق بالأرض حتى يرمى. وتقول العرب: \" أطرق كراً أطرق كراً إنّ النّعامة في القرى \" .\rالبوم ويقال: إنه الصّدى، ويقال: بل الصّدى ذكر البوم، وللبوم ذكر له منه. ويقال: إنه خمسة أصناف: منه ما يصيد الأرنب. ومنه صنف له لونان يأوي الآكام والبرّيّة. ومنه المدبّج بالصّفرة، وله حواجب وقرونٌ من ريش، ويسكن الجدران. ومنه الهام ويسمّى الغبشيّة. ومنه القن وهو يصيح كالهام لكنّ صوته أدقّ. وكل هذه الأصناف تحب الخلوة بنفسها. وهي تبغض الغربان، وسائر أصناف الطير تبغضها؛ فإنّ الطيور إذا رأينها يطرن حولها وينتفن ريشها؛ فلذلك صيّادو الطيور يجعلونها في مصايدهم؛ لأن الطيور إذا رأوها اجتمعوا عليها، فتصاد عند ذلك.\rالصّدى فالعرب تزعم أن الإنسان إذا مات أو قتل تتصوّر نفسه في صورة طائرٍ تصرخ على قبره مستوحشةً لجسدها. وفي ذلك يقول توبة:\rولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... عليّ ودوني جندلٌ وصفائح\rلسلّمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدىً من جانب القبر صائح\rويحكون على ذلك حكايةً. وتقول العرب: إن هذا الطائر يكون صغيراً ثم يكبر حتى يصير في قدر البوم، ويسمّونه الهام، واحده هامةٌ. وهو يتوحّش ويصيح ويوجد في الدّيار المعطّلة والنّواويس وحيث مصارع القتلى وأجداث الأموات. ويقولون: إنه لا يزال عند ولد الميّت ومخلفيه ليعلم ما يكون بعده فيخبره. وهذا كلّه أراه من خرافات العرب وأكاذيبها. وما زالوا على ذلك حتى جاء الإسلام فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال: \" لا عدوى ولا طيرة ولا هامة \" الحديث. والله أعلم.\rالباب السادس\rالهمج","part":3,"page":141},{"id":1142,"text":"وقد قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فيه: إنه ليس من الطير، ولكنّه مما يطير كالحشرات مما يمشي. والذي أطلق عليه اسم الهمج هو مما يشتمل عليه هذا الباب، وهو النّحل، والزّنبور، والعنكبوت، والجراد، ودود القزّ، والذّباب، والبعوض، والبراغيث، والحرقوص.\rالنّحل قال الله عزّ وجلّ: \" وأوحى ربّك إلى النّحل أن اتّخذي من الجبال بيوتاً ومن الشّجر وممّا يعرشون. ثمّ كلي من كلّ الثّمرات فاسلكي سبل ربّك ذللاً يخرج من بطونها شرابٌ مختلفٌ ألوانه فيه شفاءٌ للنّاس إنّ في ذلك لآيةً لقومٍ يتفكّرون \" . وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه: أنّ رجلاً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي يشتكي بطنه يا رسول الله؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: \" اسقه عسلاً \" . ثم أتاه فقال: قد فعلت؛ فقال: \" اسقه عسلاً \" . ثم أتاه فقال: قد فعلت؛ فقال: \" اسقه عسلاً \" . ثم أتاه في الرابعة؛ فقال: \" صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلاً \" ؛ فسقاه فبرئ الرجل.\rوقال أرسطو: النحل تسعة أصنافٍ: ستّةٌ منها يأوي بعضها إلى بعض، وذكر أسماءها باليونانيّة. وغذاء النحل من الفضول الحلوة والرّطوبات. والنحل لا تقعد على أزهارٍ مختلفةٍ بل على زهرٍ واحدٍ؛ وإن قعدت على زهرٍ آخر فإنما تقعد عليه بعد أن تنصرف إلى الخليّة. وبيوتها من أعجب المباني؛ لأنها مبنية على الشكل الذي لا ينتهك ولا ينخرق، كأنه حرّر بآلةٍ وقياسٍ هندسيّ. وإذا هلك شيء من النحل في باطن الخلايا أخرجته الأحياء إلى خارجها. وهو يعمل في فصل الربيع والخريف. والرّبيعيّ أجود من الخريفيّ. والصغير منه أعمل من الكبير. وهو يشرب من الماء النقيّ العذب الصّافي، ويطلبه حيث كان. وهو يسلخ جلده كالحيّات. وتوافقه الأصوات المطربة. ويجتمع للتصفيق بالأيدي والرّقص. والسوس يضرّه. ودواؤه أن يطرح في كل خليّةٍ كفٌّ من الملح، وأن تفتح في كلّ شهر مرّةً وتدخّن بأخثاء البقر.\rوقد وصف الشعراء الشّهد والعسل في أشعارها؛ فمن ذلك قول إبراهيم بن خفاجة الأندلسيّ يصف شهدةً بعث بها إليه بعض أصدقائه:\rلله ريقةٌ نحلٍ ... رعى الرّبى والشّعابا\rوجاب أرضاً فأرضاً ... يغشى مصاباً مصابا\rحتّى ارتوى من شفاءٍ ... يمجّ منه رضابا\rإن شئت كان طعاماً ... أوشئت كان شرابا\rوكتب مع هذه الأبيات رسالة، جاء منها: وكفى النّحلة فضيلة ذات، وجلالة صفات؛ أنّها أوحي إليها، وأثني في الكتاب عليها؛ تعلم مساقط الأنداء، وراء البيداء؛ فتقع هناك على نوّارةٍ عبقه، وبهارةٍ أنقه؛ ثمّ تصدر عنها بما تطبعه شمعه، وتبدعه صنعه؛ وترتشف منها ما تحفظه رضاباً، وتلفظه شراباً؛ وتتجافى بعد منه عن أكرم مجتنى، وأحكم مبتنى.\rالزّنبور والزنبور يسمّى الدّبر. وهو جبليّ وسهليّ. فالجبليّ يأوي الجبال والأماكن الخشنة، وقد يعشّش على الشّجر، ولونه إلى السواد. والسّهليّ أحمر اللون ويتّخذ عشّه تحت الأرض ويخرج التراب منه كما يفعل النّمل، وهو يختفي في الشتاء فلا يظهر، وأكثره يهلك. ومن السّهليّ صنف مختلف الألوان مستطيلٌ؛ وفي طبعه الشّره يطلب المطابخ ويأكل اللحم، ويطير مفرداً ويسكن بطن الأرض.\rوصنف الزنبور جميعه مقسومٌ في وسطه؛ وهو لذلك لا يتنفّس من جوفه البتّة. ومتى غمس في الدّهن سكنت حركاته وذلك لضيق منافذه.\rوقد وصفه الشعراء. فمن ذلك قول السّلاميّ:\rولابس لونٍ واحدٍ وهوطائرٌ ... ملوّنة أبراده وهو واقع\rأغرّ تردّى طيلساناً مدبّجاً ... وسود المنايا في حشاه ودائع\rإذا حك أعلى رأسه فكأنما ... بسالفتيه من يديه جوامع\rيخاف إذا ولّى ويؤمن مقبلاً ... ويخفى عن الأقران ما هو صانع\rبدا فارسيّ الزّيّ يعقد خصره ... عليه قباءٌ زيّنته الوشائع\rفمعجره الورديّ أحمر ناصغٌ ... ومئزره التّبريّ أصفر فاقع\rيرجّع ألحان الغريض ومعبدٍ ... ويسقي كؤوساً ملؤها السمّ ناقع\rوقال السّريّ الرّفّاء يصفه:\rومخطف الخصر برده حبر ... نحذره وهو خائف حذر\rمجنّح طار في مجنّحةٍ ... تصعد طوراً به وتنحدر","part":3,"page":142},{"id":1143,"text":"كأنّها والرياح تنثرها ... غرائب الزّهر حين تنتثر\rلها حماتٌ كأنها شعر ... تظهر مسوّدة وتستتر\rقد أذهبت في الجبين غرته ... إذ فضّضت في جيادنا الغرر\rسلاحه الدّهر في مؤخّره ... يطعن طوراً به وينتصر\rكأنّ شطر الذي يجرّده ... من بين فكّيه حيّة ذكر\rالعنكبوت قد ضرب الله عزّ وجلّ المثل في الوهن بالعنكبوت؛ فقال تعالى: \" مثل الّذين اتّخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتّخذت بيتاً وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون \" . والعنكبوت أصنافٌ: منها صنفٌ يسمّى الرّتيلا من ذوات السموم القواتل، وهو عنكبوتٌ صغير. ومنه صنفٌ طويل الأرجل. ومنه صنف يسمّى اللّيث يصيد الذّباب، وله ست عيون وثماني أرجلٍ. وقال الجاحظ: ولد العنكبوت يقوى على النّسج ساعة يولد، وذلك من غير تلقين ولا تعليم. وأوّل ما يولد دوداً صغاراً، ثمّ يتغيّر ويصير عنكبوتاً. وهو يطاول في السّفاد. ومنه ما هو كبير ونسجه رديءٌ، ومنه ما هو دقيق. وهو في نسجه يمدّ السّدى ثم يعمل اللّحمة، ويبتدئ من الوسط؛ ويهيّء موضعاً لما يصيده يكون له كالخزانة. والأنثى منه هي التي تنسج، والذكر يحل وينقض. والتي تنسجه لا تخرجه من جوفها بل من خارج جسدها. وفم العنكبوت مشقوقٌ بالطول. وهو إذا صاد الذّباب يثب عليه وثوب الفهد.\rوقال الشيخ الرئيس أبو عليّ بن سينا: إنّ نسج العنكبوت يقطع نزف الدّم إذا جعل على الجراحة، وإذا وضع نسجه على القروح منعها أن ترم وعلى الجراحات. وإذا طبخ العنكبوت الذي هو غليظ النّسج أبيضه بدهن الورد وقطّر في الأذن سكّن وجعها. قال: وقال بعضهم: إنّ نسج العنكبوت إذا خلط ببعض المراهم ووضع على الجبهة والصدغين أبرأ حمّى الغب. قال: وزعم بعضهم أنّ نسج الصّنف الذي يكون نسجه كثيفاً أبيض إذا شدّ في خيط وعلّق على العنق والعضد أبرأ حمّى الغبّ.\rوقال ابن الرّوميّ يصف فهد العنكبوت:\rأعجب مستفادٍ ... أفادني زماني\rمن الفهود فهدٌ ... في الاسم والعيان\rتلك ذوات أربعٍ ... وذاك ذو ثمان\rكأنما أرجله ... مخالب النّغران\rسيفاه سيفا بطلٍ ... والدرع درع جان\rمستأنسٌ ما إن بنى ... والإنس في مكان\rوصائدٌ وهو من ال ... مصيد في أمان\rذبابه في كفّه الط ... ائر مثل العان\rوليس يبغي بدلاً ... بطائر الخوان\rإذا دنا فلم يكن ... بينهما عقدان\rعانقه أسرع من ... تعانق الأجفان\rبخفّة الوثوب بل ... بجرأة الجنان\rفهو عزيزٌ عزّةً ... في غاية الهوان\rوقال خلف الأحمر في الرّتيلاء:\rابعث له يا ربّ ذات أرجل ... في فمها أحجن مثل المنجل\rدهماء مثل العنكبوت المحول ... تأخذه من تحته ومن عل\rالجراد فالجراد أحد جند الله الذي عذّب الله به قوم فرعون؛ قال الله تعالى: \" فأرسلنا عليهم الطّوفان والجراد والقمّل والضّفادع \" . والعرب تقول: سرأت الجرادة إذا باضت. فإذا خرج من بيضه فهو دبيّ، ويخرج دوداً أصهب إلى البياض. فإذا تلوّنت فيه خطوطٌ صفرٌ وسودٌ وبيضٌ فهو المسيّح. فإذا ضمّ جناحيه فذاك الكتفان؛ لأنه حينئذ يكتف في المشي. فإذا ظهرت أجنحته وصار أحمر إلى الغبرة فهو الغوغاء والواحدة غوغاءة؛ وذلك حين يستقلّ فيخرج بعضه في بعض ولا يتوجّه إلى جهة. فإذا بدت في لونه الحمرة والصفرة واختلف في ألوانه فهو الخيفان. اصفرّت الذكور واسودّت الإناث سمّي حينئذ جراداً.\rوهو إذا أراد أن يبيض التمس لبيضه المواضع الصّلدة والصخور الصّلبة التي لا تعمل فيها المعاول فيضربها بذنبه فتنفرج له، ثم يلقي بيضه في ذلك الصّدع فيكون له كالأفحوص ويكون حاضناً له ومربّياً.","part":3,"page":143},{"id":1144,"text":"والجرادة لها ستّ أرجل: يدان في صدرها، وقائمتان في وسطها، ورجلان في مؤخّر جسدها. وطرفا رجليها منشاران. والجراد من الحيوان الذي ينقاد إلى رئيس يجتمع إليه كالعسكر، إن ظعن أوّله تتابع كلّه ظاعناً؛ وإذا نزل أوّله نزل جميعه. ولعابه سمّ على الأشجار، لا يقع على شيء منها إلا أهلكه. والجرادة فيها شبهٌ من عشرة من جبابرة الحيوان، وهي: وجه فرس، وعينا فيل، وعنق ثور، وقرنا إيّل، وصدر أسدٍ، وبطن عقرب، وجناحا نسر، وفخذا جمل ورجلا نعامة، وذنب حيّة. قال شاعر:\rلها فخذا بكرٍ وساقا نعامةٍ ... وقادمتا نسرٍ وجؤجؤ ضيغم\rحبتها أفاعي الرمل بطناً وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم\rوقال أبو عليّ بن سينا: أجود الجراد السمين الذي لا جناح له؛ وأرجل الجراد تقلع الثآليل فيما يقال. قال: يؤخذ من مستديراتها اثنتا عشرة وتنزع رءوسها وأطرافها ويجعل معها قليل آسٍ يابسٍ للاستسقاء كما هي. قال: والجراد نافع لتقطير البول؛ وإذا تبخّر به نفع عسره وخصوصاً في النساء. ويتبخّر به من البواسير. والذي لا أجنحة له يشوى ويؤكل للسع العقرب.\rوقال بعض الأعراب وذكر فساده: باكرنا وسمّى، ثم خلفه ولىّ؛ حتى كأنّ الأرض وشيٌ منشور، عليه لؤلؤٌ منثور؛ ثمّ أتتنا غيوم جراد، بمناجل حداد، فأخربت البلاد، وأهلكت العباد. فسبحان من يهلك القويّ الأكول، بالضعيف المأكول.\rوقال العسكريّ يصف جرادةً:\rأجنحةٌ كأنّها ... أرديةٌ من قصب\rلكنّها منقوطة ... مثل صدور الكتب\rبأرجل كأنّها ... مناشرٌ من ذهب\rوقال أيضاً:\rوأعرابيّة ترتاد زاداً ... فتمرق من بلاد في بلاد\rغدت تمشي بمنشارٍ كليلٍ ... تبوع به قرارة كلّ واد\rوتنشر في الهواء رداء شريٍ ... على أطرافه نقط المداد\rوقال يعلى بن إبراهيم الأندلسيّ:\rوخيفانةٍ صفراء مسودّة القرا ... أتتك بلونٍ أسودٍ فوق أصفر\rوأجنحة قد ألحقتها لرؤيةٍ ... تقاصر عن أثناء بردٍ محبّر\rوقال آخر:\rجرادةٌ حنّت القلوب لها ... حين أشارت بناظري ربرب\rصفراء جسمٍ يشوبها رقطٌ ... في نقطٍ من عبيرها الأشهب\rكأنها والجناح حلّتها ... راقصةٌ في ممسّك مذهب","part":3,"page":144},{"id":1145,"text":"ووقفت على حكاية عجيبة في أمر الجراد، نقلها ابن حلب راغب في تاريخه في حوادث سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، قال: قال القاضي الفاضل عبد الرحيم البيسانيّ: حدّثنا القاضي بهاء الدّين بن شدّاد قاضي حلب في يوم الثلاثاء من عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وقدم علينا في صفر منها، قال: كان الجراد بالشأم قد زاد أمره وعظم خطبه وأمحلت السّنة بعد السّنة ولم يسلم من الزرع إلا أقله؛ فأعلم الملك الظاهر غازي صاحب حلب عن طائر يسمى السّمندل، إذا ظهر الجراد ببلاد أحضر إليها ماءٌ من مكان مخصوص فتبعه ذلك الطائر ووقع على الجراد فأتلفه واستخرج بيضه من التراب ونظّف البلاد منه. قال: فندب ثلاثة نفرٍ من العجم ذوي قوّة في أبدانهم وصبرٍ على مشقّة المشي في أسفارهم، وأزاح علّتهم بنفقة وسّعها عليهم، وساروا على خوزستان، واستدلّوا على الضّيعة التي هي من عملها وفيها هذا الماء، فوصلوا إليها وحملوا من الماء، ووجدوا هذه العين على وجه الأرض لا تبلغ إلى أن تفيض فتسيح ولا إلى أن تغيض فتستقى. ومن تدبير هذا الماء إلى أن يتمّ به المراد أن يحمله الماشي ولا يركب، وإذا نزل بمنزلة علّقه ولا يضعه على الأرض؛ وكان الملك الظاهر قد سيّر معهم دوابّ يركبها من لم يحمل الماء بالنّوبة ويمشي من يحمله؛ ومن عادة من يحمله ألاّ ينفرد بنفسه وألاّ يسير إلاّ في قافلةٍ وأن يعلم أهلها بما معه ويشهدهم أنه ما ركب ظهر دابّةٍ في حال حمله، وأنه مشي والماء في إنائه في يده؛ وكلّما وصلت قافلةٌ إلى بلد أدّى شهود القافلة ما شهدوا به عند الحاكم؛ ويتنجّز حامل الماء كتباً حكميّةً من قضاة البلاد في أمرالماء بصحّة نسبه وكيفيّة حمله. قال: ولم يزالوا على ذلك إلى أن وصلوا إلى حلب، فعلّق ذلك الماء ووصل ذلك الطائر في جمع كجمع الجراد وأكثر، وهو يشبه السّماني في قدره ولونه، ووقع على الجراد فأتلفه واستأصله. قيل: إنّه كان يأكل الجرادة والثنتين والثلاث والأربع في دفعة ويرميها في الحال من بطنه، وإنه يتتبّع مكان بيضه في الأرض فيبحث عنه بمناقيره وأخرجه، حتى صارت الأرض كالغربال من أثر نقره، وإنّ الجراد ارتفع من الشأم وكشفت به البلوى. قال: وأمر هذا الماء مشهور ومعلوم مستفيض.\rدود القزّ ودود القزّ وإن لم يكن من الهمج الذي له جناح، فمآل أمره أن يصير له جناحٌ؛ ولذلك أوردناه في هذا الباب وألحقناه بهذا النّوع.\rودود القزّ أوّل ما يكون بزراً في قدر حبّ التين، وهو البيض الذي يتكوّن في الدّود. ويكون خروجه منه في أوّل فصل الربيع. ويخرج أصغر من الذّرّ، وفي لونه. وإذا تأخّر خروجه وضعه النساء تحت ثديّهنّ في صرر. فإذا خرج غذّي بورق التوت. ويأخذ في النّمو إلى أن تصير الدودة منه في قدر الإصبع وينتقل من السواد إلى البياض أوّلاً فأوّلاً، وذلك في مدّة ستين يوماً فما دونها. وله في غضون هذه المدّة نوماتٌ لا يأكل فيها شيئاً البتّة، كلّ نومةٍ يومان؛ فإذا استيقظ أكل أضعاف ما كان يأكل قبل النوم. فإذا أكمل المدّة امتلأ حريراً فلا يبقى فيه مساغٌ لمأكل، فيقطع الأكل عند ذلك ويهيج للنّسج؛ فأيّ شيء تعلّق به نسج عليه. وهو ينسج على نفسه بما يخرجه من فيه إلى أن يخرج ما في جوفه، وهو أرق من العنكبوت، ويكمل عليه ما يبنيه، فيكون كهيئة اللّوزة. ويبقى محبوساً في غزله قريباً من عشرين يوماً، ثم ينقب عن نفسه ويخرج فراشاً أبيض ذا جناحين لا يسكنان عن الاضطراب وقرنين وعينين. وهو إذا نقب عن نفسه وخرج لا ينتفع من نسجه بحرير لأنه يقطع طاقاته. وعند خروجه يهيج للسفاد فيلصق الذّكر ذنبه بذنب الأنثى ويلتحمان ساعة زمانيّة ثم يفترقان، وتنثر الأنثى البزر على الصفة التي ذكرناها على خرقٍ بيضٍ تكون قد فرشت له. فإذا نفذ ما فيهما من السفاد والبزر ماتا. هذا إذا أريد من الدود البزر. وإذا أريد منه الحرير ترك ذلك النسج في الشمس بعض يومٍ فيموت.\rوقد جعله بعض الشعراء مثلاً للحريص على جمع المال، فقال:\rيفني الحريص لجمع المال مدّته ... وللحوادث والوراث ما يدع\rكدودة القزّ ما تبنيه يهلكها ... وغيرها بالذي تبنيه ينتفع","part":3,"page":145},{"id":1146,"text":"وهو كثير العوارض. وأكثر ما يعرض له الفساد إذا أطعم ورق التّوت الحامض. ويهلك من صوت الرعد وضرب الطّست والهاون، ومن رائحة الخلّ والدّخان. وكثر الحرّ تهلكه وتذيبه؛ وكذلك البرد الشديد فإنه يبطئ به. ويؤذيه مسّ الجنب والحائض، ويخشى عليه من الفأر والعصفور والنمل والوزغ.\rالذّباب فقد ضرب الله عزّ وجلّ به المثل فقال تعالى: \" يأيّها النّاس ضرب مثلٌ فاستمعوا له إنّ الّذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذّباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطّالب والمطلوب \" . فهذا مثلٌ ضربه الله تعالى لضعف الناس وعجزهم عن الإتيان بمخلوقٍ. وجاء في الحديث: \" إذا سقط الذّباب في طعام أحدكم أو شرابه فليغمسه فإنّ في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاءً \" . ويقال: إنه يغمس جناح الداء ويرفع جناح الشفاء، فلهذا ندب إلى غمسه. والعرب تجعل النحل والفراش والدّبر من الذّباب.\rقال الجاحظ: والذباب ضروبٌ سوى ما ذكروا من الفراش والنحل والزّنابير؛ فمنها الشّعراء. قال الراجز:\rذباب شعراء ونبتٌ مائل\rوللكلاب ذبابٌ على حدة يتخلّق منها فلا يريد سواها. ومنها ذباب الكلأ والرّياض؛ وكلّ نوع منها يألف ما خلق منه.\rومنها الذّباب الذي يقتل الإبل وهو أزرق. والذّباب الذي يسقط على الدّوابّ وهو أصفر. ويقال: إنّ الذّباب يكثر إذا هاجت ريح الجنوب وإنّه يخلق في تلك الساعة؛ وإذا هبّت ريح الشمال خفّ وتلاشى. وهو من ذوات الخراطيم، وكذلك البعوض. ويقال: إن الذّباب لا يعمّر أكثر من أربعين يوماً.\rقال الجاحظ: وليس بعد أرض الهند أكثر ذباباً من واسط، وربّما رأيت الحائط وكأنّ عليه مسحاً شديد السواد من كثرة ما عليه من الذباب.\rويقال: إن اللّبن إذا ضرب بالكندس ونضح به بيتٌ لم يدخله ذبابٌ. ومن عجيب أمر الذباب أنّه يلقي رجيعه على الشيء الأبيض أسود وعلى الأسود أبيض. ويقال: إنه لا يظهر إلاّ في مواضع العفونات والقاذورات، ومبتدأ خلقه منها، ثم يكون من السّفاد.\rقال الجاحظ: ويقال: إنّ الذّباب لا يقرب قدراً فيه كمأةٌ.\rوالذّباب بطيء في سفاده، وربّما بقي الذّكر على ظهر الأنثى عامّة النّهار؛ فهو يتجاوز في ذلك البعير والخنزير. وهو من الحيوان الشّمسيّ لأنه يخفى في الشتاء ويظهر في الصيف. وللذّباب يدان زائدتان في مقدّم يديه يتّقي بهما الأذى عن عينيه فإنهما بغير أجفان.\rوالعرب تضرب به المثل في الزّهو فتقول: \" أزهى من ذبابٍ \" . قالوا: لأنّه يسقط على أنف الملك الجبّار وعلى موق عينيه ويطرده فلا ينطرد. ويضرب به المثل في القذر واستطابة النّتن. فإذا عجز الذّباب عن شمّ شيء فلا شيء أنتن منه.\rوقال ابن عبدل في محمد بن حسّان بن سعد ورماه بالبخر:\rوما يدنو إلى فيه ذبابٌ ... ولو طليت مشافره بقند\rيرين حلاوةً ويخفن موتاً ... ذعافاً إن هممن له بورد\rويقال لكلّ أبخر: أبو ذبّان؛ وكانت من كنى عبد الملك بن مروان.\rوقد وصف الشعراء الذّباب؛ فمن ذلك قول عنترة:\rجادت عليها كلّ عينٍ ثرّةٍ ... فتركن كلّ حديقةٍ كالدّرهم\rفترى الذّباب بها يغنّي وحده ... هزجاً كفعل الشارب المترنّم\rغرداً يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم\rوقال العسكريّ وجمع بين البراغيث والبعوض والذّباب:\rوبدا فغنّاني البعوض تطرّباً ... فهرقت كأس النوم إذ غنّاني\rثمّ انبرى البرغوث ينقط أضلعي ... نقط المعلّم مشكل القرآن\rحتى إذا كشف الصباح قناعه ... قرأت لي الذّبّان بالألحان\rالبعوض","part":3,"page":146},{"id":1147,"text":"والبعوض صنفان: صنفٌ يشبه القراد، لن أرجله خفيّةٌ ورطوبته ظاهرة، يسمّى بالعراق والشأم الجرجس والفسافس، وبمصر البقّ. ويشمّ رائحة الإنسان ويتعلّق به. وله لسعٌ شديد. ولدمه إذا قتل رائحةٌ كريهة. ويقال: إنّه يتولّد من النّفس الحارّ ولشدّة رغبته في الإنسان لا يتمالك إذا شمّ رائحته، فإذا كان في السقف رمى بنفسه عليه فلا يخطئه. وهذا الصنف ليس من الطير. والصنف الثاني طائر ويسمّيه أهل العراق البقّ والبعوض. ويسمّيه أهل مصر الناموس. وهو يتولّد من الماء الراكد، فإذا صار الماء رقراقاً استحال دعاميص، ثمّ يستحيل الدعاميص فراشاً. والبعوض في خلقة الفيل إلاّ أنّه أكثر منه أعضاءً، فإنّ للفيل أربع أرجلٍ وخرطوماً وذنباً، وله مع هذه الأعضاء يدان زائدتان وأربعة أجنحة. وخرطوم البعوض أجوف نافذ الخرق؛ فإذا طعن به جلد الإنسان استقى به الدّم وقذف به إلى جوفه. وفيه من الشّره أن يمتصّ من دم الإنسان إلى أن ينشقّ ويموت، أو يمتصّ إلى أ، يعجز عن الطيران. ومن عجيب أمره أنه ربّما قتل البعير وغيره من ذوات الأربع، فيبقى طريحاً في الصحراء فيجتمع حوله السّباع والطير التي تأكل الجيف، فمن أكل منها منه مات لوقته في موضعه. ويقال: إنّ جبابرة الولاة بالعراق كان يقتل بالبعوض، فيأمر بمن يريد قتله أن يجرّد من ثيابه ويربط ويخرج إلى بعض الآجام التي بالبطائح فيوجد في أسرع وقتٍ عظاماً عاريةً من جلدٍ ولحم.\rوقال الجاحظ: بعوض البطائح كجرّارات الأهواز وعقارب شهر زور. ربّما ظفر بالسكران النائم فلا يبقى فيه إلاّ العظام العارية.\rوقد أكثر الشعراء في وصف البعوض؛ فمن ذلك قول فرج بن خلف الأندلسيّ:\rبعوضٌ جعلن دمي قهوةً ... وغنّينني بصنوف الأغان\rكأنّ عروق ي أوتارهنّ ... وجسمي الرّباب وهنّ القيان\rوقال آخر:\rإذا البعوض زجلت أصواتها ... وأخذ اللّحن مغّنياتها\rلم تطرب السامع خافضاتها ... وأرّق العينين رافعاتها\rصغيرةٌ كبيرة أذاتها ... تنفضّ عن بغيتها بغاتها\rولا يصيب أبداً رماتها ... رامحةٌ خرطومها قناتها\rوقال أبو هلال العسكريّ:\rغناءٌ يسخن العين ... وينفي فرح القلب\rولا يأتي على الزّمر ... ولا يجري مع الضرب\rغناء البقّ باللّيل ... ينافي طرب الشّرب\rإذا ما طرق المرء ... جرى في طلق الكرب\rإذا ما نقب الجلد ... ة أخفى أثر النّقب\rسوى حمرٍ خفيّاتٍ ... تحاكي نقط الكتب\rالبراغيث والبرغوث أسود أحدب. وهو من الحيوان الذي لا يمشي؛ وإنما أوردناه مع ذي الجناح لأنه ذو وثبٍ لا يقصر عن الطيران؛ ومنه أيضاً ما يمشي ولا يثب. وقالوا: إنه يطيل السّفاد، ويبيض ويفرّخ. وأصله متولّد من التراب في المواضع المظلمة. وهو يكثر ويستطيل ويؤذي في أواخر الشتاء وفصل الربيع. وإذا اشتدّ عليه الحرّ هلك.\rومن جناس الكلام فيه قولهم: أذى البراغيث إذا البرى غيث. يعنون بالبرى التراب إذا نزل عليه المطر.\rوالبرغوث يكمن بالنهار ويظهر بالليل. ويشتدّ أذان للإنسان إذا أخذ مضجعه. وهو يطول لبثه بمصر؛ ولا يوجد في البلاد الحارّة مثل صعيد مصر ولا في البلاد الشديدة البرد.\rوقد أكثر الشعراء في وصف البراغيث وأفعالها؛ فمن ذلك قول أبي الرمّاح الأسديّ وكان قد سكن مصر:\rتطاول بالفسطاط ليلي ولم أكن ... بحنو الغضى ليلي عليّ يطول\rيؤرّقني حدبٌ صغارٌ أذّلةٌ ... وإنّ الذي يوقظنه لذليل\rإذا ما قتلناهنّ أضعفن كثرةً ... علينا ولا ينعى لهنّ قتيل\rألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً ... وليس لبرغوث إليّ سبيل\rوقال العسكريّ من أبيات:\rومن براغيث تنفى النوم عن بصري ... كأنّ جفنيّ عن عيني قصيران\rيطلبن منّي ثأراً لست أعرفه ... إلاّ عداوة سودانٍ لبيضان\rوقال أبو الحسن أحمد بن أيّوب البصري المعروف بالناهي:\rلا أعذل الليل في تطاوله ... لو كان يدري ما نحن فيه نقص","part":3,"page":147},{"id":1148,"text":"لي في البراغيث والبعوض إذا ... يلحفنا حندس الظلام قصص\rإذا تغنّى بعوضه طرباً ... ساعد برغوثه الغنا فرقص\rوقال عبد المؤمن بن هبة الله الأصبهانيّ:\rبات البراغيث في الفراش معي ... تقسمني قسمةً المواريث\rأكلنني بعد ما شربن دمي ... فمن مغيثي من البراغيث\rوقال أيضاً فيها:\rإنّ البراغيث إذا ساورت ... من كنّها ترقص أو تقرص\rوكلّما غنّت بعوضٌ لها ... فهي على شرب دمي أحرص\rتقفز من ثمّ إلى هاهنا ... كأنها زنجيّة ترقص\rوقال عبد الله بن عبد الرحمن الدّينوريّ:\rوحمش القوائم حدب الظهور ... طرقن فراشي على غرّة\rوينقطنني بخراطيمهنّ ... كنقط المصاحف بالحمرة\rوقال ابن المعتزّ:\rوبراغيث إن ظفرن بجسمي ... خلت في كلّ موضع منه خالا\rالحرقوص فقد ذكره الجاحظ في كتاب الحيوان فقال: وزعموا أنه دويبّة أكبر من البرغوث؛ وأكثر ما ينبت لها جناحان بعد حين. وعضّة الحرقوص أشدّ من عضّة البرغوث. قالوا: والحرقوص يسمّى النّهيك. وأكثر ما يعضّ أحرار النساء وخصى الرجال. قال أعرابي وقد عضّ الحرقوص خصيتيه:\rلقد منع الحراقيص القرارا ... فلا ليلاً نقرّ ولا نهارا\rيغالبن الرجال على خصاهم ... وفي الأحراح دسّاً وانجحارا\rوقالت امرأة تشير إلى زوجها:\rيغار من الحرقوص إن عضّ عضّةً ... بفخذيّ منها ما يجز غيور\rلقد وقع الحرقوص منّي موقعاً ... أرى لذّة الدّنيا إليه تصير\rالباب السابع\rأنواع الأسماك\rقال ابن أبي الأشعث: السمك يستنشق الماء بأصداغه فيقوم له مقام الهواء للإنسان. والسمك كلّه شرهٌ كثير الأكل، وحاسّة السمع والشمّ فيه أقوى منها في الإنسان. واستدلّ على ذلك بأدلّة يطول شرحها. وحاسّة البصر فيه ليست كالسمع والشمّ وإنما أضعف. ولسانه غليظ قصير شبيه باللسان وليس لساناً. وله أضراس ليست للمضغ عليها وإنما لقتل ما يفترسه من حيوان الماء، ويفرغ فيه سمّاً يكون سبباً لقتله. وصغار السمك تحترز من كباره بأن تطلب الماء القليل الذي لا يحمل الكبار.\rواختلف الناس في سفاد السمك، فالأكثر على أنّه يسفد مثل الحيّة. وقال الجاحظ: وفي السمك القواطع والأوابد كالطير. ومن أصناف السمك ما هو في شكل الحيّات. قال: وهي إما أن تكون برّيّة أو جبليّة فاكتسحتها السيول وألقتها في الماء الدائم فتوالدت فيه؛ وإما أن تكون أمهاتها وآباؤها من دوابّ الماء.\rوقال الشيخ الرئيس أبو عليّ بن سينا في الأدوية المفردة: أفضل السمك في جثّته ما كان ليس بكبير جدّاً ولا صلب اللحم ولا يابسه، ولا دسومة فيه كأنه يتفتّت، والذي لا مخاطيّة ولا سهوكة فيه وطعمه لذيذ، فإن اللذيذ مناسبٌ، وما هو دسمٌ دسومةً غير مفرطةٍ ولا غليظةٍ ولا شحميّةٍ ولا حرّيفة، والذي لا يسرع إليه النّتن إذا فصل عن الماء. ويختار من السمك الصّلب اللحم ما هو أصغر، ومن الرّخص اللحم ما هو أكبر إلى حدٍّ مّا. وصلب اللحم مملوحاً خيرٌ من طريّاً. وأمّا في الأجناس فالشبابيط أفضلها، ثم البنّيّ، والبياح البحريّ لا بأس به. وأما في مأواه فالذي يأوي الأماكن الصخريّة ثم الرّمليّة والمياه العذبة الجارية التي لا قذر فيها ولا حمأة وليست بطيحيّةً ولا نزّيّةً ولا من البحيرات الصغار التي لا تسقيها الأنهار ولا فيها عيونٌ. قال: والسمك البحريّ محمودٌ لطيف؛ وأفضل أصنافه الذي لا يكون إلا في البحر واللّجة. والذي يأوي ماءً مكشوفاً ترفرف الرّياح عليه أجود من الذي بخلافه. والذي يأوي ماءً كثير الاضطراب والتّموج أجود من الذي يأوي الماء الراكد. والسمك البحريّ لطيف اللحم لا سيما إذا كان مأواه في الشطوط صخراً أو رملاً؛ والذي يصير من البحر إلى أنهارٍ عذبةٍ جرية الماء بالطبع لطيفٌ كثر الرّياضة.","part":3,"page":148},{"id":1149,"text":"وأمّا غذاؤه، فالذي يغتذي بالحشيش وأصول النبات خيرٌ من الذي يغتذي الأقذار التي تطرح من البلاد إلى المستنقعات. وأفضل ما يؤكل السمك اسفيدباجاً ثم المشويّ على الطّابق. وأما المقليّ فيصلح لأصحاب المعد القويّة ومعه الأبازير. والمشويّ أغذى وأبطأ نزولاً، والمطبوخ بالضدّ. وأفضل طبيخه أن يطبخ بالماء حتى يغلي ثم يلقى فيه.\rوأمّا المالح، فخيره ما كان طريّاً قريب العهد بالتمليح. وأحمده الممقور بالخلّ والتّوابل.\rوأمّا طبعه، فجميع السمك باردٌ رطبٌ، لكن بعضه أسخن بالقياس إلى مزاج السمك مثل الكوسج والمارماهيج.\rوأمّا أفعاله وخواصّه، فالطّريّ منه يولّد البلغم المائيّ مرخٍ للأعصاب، غير موافقٍ إلا للمعدة الحارّة جدّاً. قال: وجلد السمك المعروف بسيفيانوس في ناحية بيت المقدس إن ذرّ رماد جلده في عيون المواشي أذهب بياضها. والمالح من أصناف السمك يخرج السّلاّء من المناشب. قال: ورأس سماريس محرقاً يقلع اللّحم الزائد في القروح ويمنع سعتها ويقلع الثآليل واليوث. وماء السمك المالح ينفع من القروح العفنة ويغسلها. قال: وإذا احتقن بسلاقة المالح مراراً نفع من وجع الورك. والسمك الصغار الذي تسمّيه أهل الشام ومصر الصّير إذا تمضمض صاحب القلاع الخبيث بالمرّيّ الذي يتّخذ منه نفعه. والرّعّاد الحيّ إذا قرّب من رأس المصدوع أخدره عن الحسّ بالصداع. قال: وجلد سيفيانوس تحكّ به الأجفان الجربة فينفع، وجلده المحرق أيضاً يدخل في أدوية العين؛ ويذهب الاكتحال به مع الملح الظّفرة، وأكله مقلياً يورث غشاوة العين بل جميع السمك؛ ورءوس السّمكات المملوحة المجفّفة تنفع اللّهاة الوارمة، وعلاجٌ جيدٌ من شقاق المقعدة. وغراء السمك يلقى في الأحساء فينفع نفث الدّم. قال: وحوصلة سيفيانوس تليّن البطن مع صعوبة انهضامها. قال: ورأس المالح من سماريس محرقاً يجعل على عضّة الكلب ولسعة العقرب فينفع ذلك، وكذلك كلّ سمكةٍ. ومرقة كلّ سمكٍ تنفع من السموم المشروبة والنّهوش. قال: والسمك ينفع من عسر النّفس والرّبو واليرقان ويسهّل البلغم وينفع من خناق الرّحم.\rوقد وصف الشعراء السمك في أشعارها؛ فمن ذلك قول ابن الرّومي يخاطب رئيساً ويستدعي منه سمكاً:\rعسرت علينا دعوة السّمك ... أنّى وجودك ضامن الدّرك\rاعلم وقيت الجهل أنك في ... قصرٍ تلته مطارح الشّبك\rوبنات دجلة في فنائكم ... مأسورةٌ في كلّ معترك\rبيضٌ كأمثال ا لسبائك بل ... مشحونةٌ بالشحم كالعكك\rحسنت مناظرها وساعدها ... طعم كحلّ معاقد التّكك\rفليصطد الصيّاد حاجتنا ... يصطد مودّتنا بلا شرك\rوقال أبو الفتح كشاجم:\rومحجوبةٍ بالماء عن كل ناظرٍ ... ولكنها في حجبها تتخطّف\rأخذنا عليهنّ السبيل بأعينٍ ... رواصد إلاّ أنّها ليس تطرف\rفجئنا بها بيض المتون كأنّها ... خناجر في أيماننا تتعطّف\rوقال أبو عبادة البحتريّ وذكر بركةً:\rلا يبلغ السمك المقصور غايتها ... لبعد ما بين قاصيها ودانيها\rيعمن فيها بأوساط مجنّحةٍ ... كالطير تنفض في جوٍّ خوافيها\rوقال أبو طالب المأمونيّ في المقليّ منه:\rماويّةٌ فضيّةٌ لحمها ... ألذّ ما يأكله الآكل\rيضمّها من جلدها جوشنٌ ... مذيّلٌ فهو لها شامل\rلوّنت من فضّتها عسجداً ... بالقلي لما ضافني نازل\rوقال أيضاً:\rمائيّة في النار مصليّةٌ ... يصبغ من فضّتها عسجد\rكأنّما جلدتها جوشنٌ ... مزرفن الصّنعة أو مبرد\rوقال عطاء بن يعقوب يصف سمكةً من رسالة يستدعي بها صديقاً، جاء منها: قد أهدى لنا صديق سمكه، قد لبست من جلدها شبكه؛ تشبه حملاً شكلاً وقدّاً، أو جراباً قد امتلأ زبداً؛ كأنها أرادت أن تحارب نجم السّماك، أو حوت الأفلاك؛ فلبست من جلدها جوشناً مزرداً. وسلّت من ذنبها سيفاً مجرّداً.\rوقال خالد بن صفوان ليزيد بن المهلّب يصف سمكاً: أتيت ببناتٍ بيض البطون، زرق العيون، سود المتون، حدب الظهور، معقّفات الأذناب، صغار الرءوس، غلاظ القصر، عراض السّرر.","part":3,"page":149},{"id":1150,"text":"هذا ما اتفق إيراده في السمك المطلق. فلنذكر أصنافاً من أنواع الأسماك.\rشئ من أنواع الأسماك وأنواع الأسماك كثيرةٌ جدّاً، ومنها ما يعرفه الناس، ومنها ما لم يعرفوه، ومنها ما يكون في أماكن من البحار دون غيرها. وقد ذهب بعضهم أنّ كلّ حيوانٍ في البرّ يكون مثله في البحر. فلنورد في هذا الفصل ما أمكن إيراده، وهو الدّلفين، والرّعاد، والتّمساح، والسّقنقور، والسّلحفاة، واللّجأة، والفرس النهريّ، والجندبيدستر والقندس، والقاقم والضفادع، والسّرطان، وشيءٌ من عجائب الحيوان المائيّ، على حكم الاختصار حيث تعذّر الاستيعاب.\rالدلفين هو كالزّقّ المنفوخ، وله رأس صغير جدّاً. وهو يوجد في بحر النيل يقذفه البحر الملح إليه. ويقال: ليس في دوابّ البحر ماله رئةٌ غيره؛ فلذلك يسمع له التنفّس والنّفخ، وهو إذا ظفر بالغريق كان أقوى الأسباب في نجاته؛ فإنه لا يزال يدفعه إلى البرّ حتى ينجيه. وهو من أقوى الدوابّ المائيّة. ولا يؤذي و يأكل غير السمك. وربما ظهر على وجه الماء وهو نائم كالميّت. وهو يلد ويرضع. وأولاده تتبعه حيث ذهب؛ ولا يلد إلاّ في الصيف. وفي طبعه الأنس بالناس وخصوصاً الصبيان. وإذا صيد جاءت الدّلافين لقتال صائده، فإذا أطلقه لها انصرفت. وأهل المراكب في البحر الفارسيّ إذا رأوه استبشروا به وأيقنوا ببلوغ الأرب سيّما الغزاة.\rالرّعاد ويكون في نيل مصر، ولم أسمع به في غيره. وفيه من الخاصيّة أنه لا يستطيع أحدٌ من الناس أن يمسّه. ومتى وضع الإنسان يده عليه نزعها بحركته وصاح صيحةً منكرةً ربما دهش الإنسان لها؛ ويجد الرجل في فؤاده خفقاناً من ذلك. وهو متى وقع في شبكة الصيّاد ارتعدت يداه عند إخراج الشبكة من الماء أو جذب الحبل، فيعلم أنه قد وقع له السمك الرّعّاد.\rالتّمساح وهو أيضاً لا يكون إلا في نيل مصر؛ وزعم قوم أنه يوجد في مهران في السّند، لزعمهم أنه من النيل. وهو شديد البطش في الماء. وهو يعظم إلى أن ينتهي في الطول إلى عشرين ذراعاً في عرض ذراعين. ويفترس الفرس والإنسان. ولا يقوى على قتاله من الحيوان إلاّ الجاموس. وله يدان ورجلان وذنب طويل يضرب به ويلفّ. وهو لا يصاد إلاّ أن يضرب في إبطيه، ومنهما مقتله. ويقال: إنه أراد السّفاد خرج هو والأنثى إلى البرّ فيقلبها على ظهرها ويستبطنها؛ فإذا فرغ قلبها لأنها لا تتمكّن من الانقلاب لقصر يديها ورجليها ويبس ظهرها. وهي تبيض في البرّ، فما وقع في الماء صار تمساحاً وما بقي في البرّ صار سقنقوراً. والتّمساح يحرّك فكّه الأعلى دون الأسفل، ولسانه معلّقٌ به. ويقال: إنه ليس له مخرجٌ، وإنّ جوفه إذا امتلأ خرج إلى البرّ وفتح فمه فيجيء طائرٌ صغير أرقط فينقر بمنقاره ما في جوفه ويخرجه، وذلك غذاء الطائر وراحةٌ للتّمساح. وفي رأس هذا الطائر شوكةٌ فإذا أغلق التمساح فمه عليه نخسه بها فيفتحه. ويقال: إن للتمساح ستين سنّاً وستين عرقاً، ويسفد ستين مرّةً، ويبيض ستين بيضةً. ويوجد في جلده ممّاً يلي بطنه سلعة كالبيضة فيها رطوبةٌ لها رائحةٌ كالمسك، وتنقطع رائحتها بعد أشهر.\rووصفه شاعرٌ فقال:\rوذي هامةٍ كالتّرس يفغر عن فم ... يضمّ على مثل الحسام المثلّم\rويفترّ عن مثل المناشير ركّبت ... على مشفرٍ مثل القليب المهدّم\rمشى في شواةٍ من فقارة غيلمٍ ... وسقّف لحياً عن مناكب شيهم\rالسّقنقور ويسمى الحرذون البحريّ. ويقال: إنه ورلٌ مائيٌّ. ومنه ما هو مصريّ، وما هو هنديّ، وما يتولّد في بحر القلزم وببلاد الحبشة. وهو يغتذي في الماء بالسمك وفي البرّ بالقطا. وأنثاه تبيض عشرين بيضةً وتدفنها في الرّمل، فيكون ذلك حضنها. وجلده خشنٌ مدبّج بالسواد والصفرة وهو إذا عضّ إنساناً وسبقه الإنسان إلى الماء فاغتسل منه مات السقنقور؛ وإن سبق السقنقور الإنسان إلى الماء مات الإنسان. وبين السقنقور وبين الحيّة عداوةٌ عظيمةٌ، متى ظفر أحدهما بصاحبه قتله.\rوقال الشيخ الرئيس: أجود السقنقور ما صيد في الرّبيع وقت هيجانه. وأجود أعضائه السّرّة. وهو ينفع من العلل الباردة في العصب. وملحه يهيج الباه فكيف لحمه، وخصوصاً لحم سرّته وما يلي كليتيه وخصوصاً شحمها.\rالسّلحفاة واللّجأة","part":3,"page":150},{"id":1151,"text":"يقال: إنّ اللّجأة تبيض في البرّ، فما أقام به سمّي سلحفاةً، وما وقع في البحر سميّ لجأةً. فأمّا ما يبقى في البرّ فإنه يعظم حتى لا يكاد الرجل الشديد يحمله. وقد رأيت في سنة سبع وسبعمائة بالقاهرة المعزّيّة سلحفاةً تحمل الرجل وتمشي به وهو قائم على ظهرها. وما ينزل البحر يعظم حتى لا يكاد الحمار يحمله؛ وربما وجد منها ما زنته أربعمائة رطلٍ. وتبيض أنثاه أربعمائة بيضة. وهي تحضن بيضها بالنظر إليه والرّصد له لا غير. وللذّكر نزكان وللأنثى فرجان. والذكر يطيل المكث في السّفاد. والعرب تكنيها أمّ طبقٍ. ويزعمون أنها تبيض تسعاً وتسعين بيضةً، وتبيض تمام المائة بيضةً يخرج منها أسود أي ثعبان. وهو مولعّ بأكل الحيّات؛ وإذا أكل الأفعى أكل صعتراً جبليّاً؛ فإذا أكثر من أكل الحيّات والصّعتر هلك. وله تحيّلٌ فيما يصيده من الطائر، وهو أنه يصعد من الماء ويتمرّغ في التراب ويأتي موضعاً قد سقط الطير عليه ليشرب، فيخفى على الطير بكدرة لونه التي اكتسبها من الماء والتراب، فيصيد منها ما يكون له قوتاً ويدخل به الماء فيموت الطائر فيأكله.\rووصفها الشاعر فقال:\rوسلحفاة يمج ... سكونها والحركه\rشبّهتها بديلميٍ ... ساقطٍ في معركه\rمستترٍ بترسه ... عمّن عسى أن يهلكه\rوقال أبو بكر الخوارزميّ يصف لجأةً:\rبنت ماءٍ بدت لنا من بعيدٍ ... مثل ما قد طوى البحاريّ سفره\rرأسها رأس حيّةٍ وقراها ... ظهر ترسٍ وجلدها جلد صخره\rمثل فهر العطّار دقّ به العط ... ر فخلّت طرائق الطّيب ظهره\rيقطع الخوف رأسها فإذا ما ... أمنته فرأسها مستقرّه\rوقال آخر:\rلحى الله ذات فمٍ أخرسٍ ... تطيل من العيّ وسواسها\rتكبّ على ظهرها ترسها ... وتظهر من جلّها فاسها\rإذا الحذر أقلق أحشاءها ... وضيّق بالخوف أنفاسها\rتضمّ إلى نحرها كفّها ... وتدخل في جوفها رأسها\rالفرس النّهريّ وهو عظيم الجثّة، وخلقه خلق الفرس؛ إلا أنّ وجهه أوسع؛ وله أظلافٌ كالبقرة؛ وذنبه مثل ذنب الخنزير؛ وصوته يشبه صوت الفرس. وهو لا يوجد إلاّ في نيل مصر. وهو يخرج من الماء إلى البرّ، ويرعى الزرع. وإذا قصد الزرع لا يبتدئ من أوّله، ولكنه يجوز منه قطعةً بقدر ما يأكل ويبتدئ منها بحيث يكون وجهه إلى البحر. وهو يقتل التمساح ويقهره. وأهل الديار المصريّة إذا رأوا أثر حافره في البرّ تباشروا بزيادة النيل وكثر الخصب. وفي سنة اثنتين وسبعمائةٍ طلع الفرس النّهريّ إلى البرّ بالجيزة وأبعد عن البحر، فتحيّل عليه وقتل. وأهل النّوبة يصيدونه كثيراً، ويتّخذون من جلده سياطاً يسوقون بها الإبل.\rالجندبيدستر وهو السّمّور، ويسمى كلب الماء. ولا يوجد إلا ببلاد القفجاق وما يليها. وهو على هيئة الثعلب، أحمر اللّون، لا يدان له، وله رجلان وذنبٌ طويلٌ، ورأسه كرأس الإنسان. ووجهه مستديرٌ. وهو يمشي متّكئاً على صدره كأنه يمشي على أربع، وله أربع خصىً: ثنتان ظاهرتان وثنتان باطنتان. وهو إذا أراد الصيّادين يجدّون في طلبه لأجل الجندبيدستر، وهو خصيتاه الظاهرتان، قطعهما بفيه ورمى بهما إليهم؛ إذ لا حاجة لهم إلا بهما. فإن لم يرهما الصيّادون وداموا في الجدّ في طلبه استلقى على ظهره ليريهم الدّم، فيعلمون أنه قطعهما فينصرفون عنه. وهو إذا قطع الظاهرتين ظهر الباطنتان وعوّض عنهما غيرهما. وفي داخل الخصية شبه الدّم أو العسل زهم الرائحة سريع التّفرّك إذا جفّ. ويقال: إنه يوكّر على الأرض ويولد عليها ويرعى فيها، ويهرب إلى الماء يعتصم به؛ ويمكنه أن يلبث في قعره حابساً لنفسه زماناً ثم يخرج إلى الهواء.\rحيوان القندس والقاقم","part":3,"page":151},{"id":1152,"text":"فالقندس يغتذي بالسمك والنّبات. ويقال: إنّ فيه سادةً وعبيداً؛ وإنه يتّخذ مساكن مرتّبةً على ترتيب مساكن الناس. والسادة يتّخذون في بيوتهم صففاً مرتفعةً يكونون عليها، وفي أسفلها مواضع للعبيد، ولبيوتهم أنفاقاً إلى البرّ وأبواباً إلى النّهر. وبعض هذا الحيوان يغير على بعض. والسادة لا تتكسّب، وإنما يتكسّب لها العبيد. ويعرف جلد السّيد من جلد العبد بحسن لونه وبصيصه. وأهل تلك البلاد يسلخون خراطيم القندس والسّمّور ويتعاملون بها كما يتعامل بالدّنانير والدراهم بحيث يكون عليها ختم الملك. وجلد هذا الحيوان هو الذي يعمل شرابيش الأمراء وأطواق التّشاريف ودوائرها.\rوالقاتم: حيوان يشبه السنجاب إلا أنه أبرد منه وأرطب ولهذا هو أبيض يقف وهو يجلب عن بحر الجرز وجلده يشبه جلد الفنك الضفادع وهو أصناف كثيرة، تكون من سفادٍ وغير سفادٍ. وهي تبيض في البرّ وتعيش في الماء. والذي من غير سفادٍ يتولّد من المياه الضعيفة، ومن العفونات، وغبّ الأمطار الغزيرة، حتى يتوهّم المتوهّم أنه يسقط من السّحاب لكثرة ما يرى منه على الأسطحة عقيب المطر. ويقال: إنه يخلق في تلك الساعة.\rوالضّفدع من الحيوان الذي لا عظم له. وفيه ما ينقّ وما ليس ينقّ. وليس صوت ما ينقّ من فيه ولكنه من جلودٍ رقاقٍ تكون إلى جانب أذنيه؛ فإذا أراد النقيق انفتحت فيخرج الصوت منها. وهي تنطبق في زمن الشتاء فلا تنفتح حتى يعتدل الجوّ.\rقال الجاحظ: والضّفدع لا يصيح ولا يمكنه الصياح حتى يدخل حنكه الأسفل الماء، فإذا صار في فيه بعض الماء صاح؛ ولذلك لا تسمع للضفادع نقيقاً إذا كنّ خارجاتٍ من الماء. قال: والضفادع تنقّ، فإذا أبصرت النار أمسكت. وتوصف بحدّة السمع إذا كانت خارج الماء. ويضرب بها المثل في السمع والحذر، فيقال: \" أحذر من ضفدعٍ \" و \" أسمع من ضفدعٍ \" . وقال شاعر يصف الضفادع:\rومقعداتٍ زانهنّ أرجل ... كقعدة الناكح حين ينزل\rيكسين وشياً وعيونٌ تكحل\rوقال آخر:\rدعتك في فاضةٍ مدنّرةٍ ... ليس لها طرّةٌ ولا هدب\rقد نسجت من زبرجدٍ فجرى ... بين تضاعيف نسجها الذّهب\rيظلّ صمتاً نهاره فإذا ... أدركه الليل بات يصطخب\rهو وإن لم يغطّ مقلته ... جفنٌ ولا امتدّ خلفه ذنب\rيعجبني ما أراه منه ففي ... خلقته واختلافها عجب\rالسّرطان وهو ذو فكّين ومخالب وأظفارٍ حدادٍ، كثير الأسنان، صلب الظّهر، سريع العدو، وعيناه على كتفيه، وفمه في صدره، وفكّاه مشقوقان من جانبين. وله ثماني أرجلٍ. وهو يمشي على جانبٍ واحدٍ؛ ويستنشق الماء والهواء معاً. وهو يسلخ جلده في السنة ستّ مراتٍ. وتّخذ بجحره بابين، أحدهما إلى الماء والثاني إلى البرّ. فإذا سلخ جلده سدّ عليه ما يلي الماء خوفاً من السمك وترك ما يلي البرّ مفتوحاً؛ فإذ جفّت رطوبته واشتدّ، فتح ما يلي الماء وطلب معاشه.\rقال شعر يصفه:\rفي سرطان الماء أعجوبةٌ ... ظاهرةٌ للخلق لا تخفى\rمستضعف المنّة لكنّه ... أبطش من حاربته كفّا\rيسفر للناظر عن جملة ... متى مشى قدّرها نصفا\rوقال أبو عبيد البكريّ في كتابه المترجم بالمسالك والممالك: إنّ ببحر الصين سرطاناتٍ تخرج كالذراع والشبر، فإذا صارت إلى البرّ عادت حجارةً وانقلبت عن الحيوانيّة؛ والأطباء يتخذون منها كحلاً يجلو البياض.\rعجائب الحيوان المائي","part":3,"page":152},{"id":1153,"text":"وعجائب البحر كثيرةٌ جدّاً لا يستغرب ما نذكر منها؛ ولذلك قيل: \" حدّث عن البحر ولا حرج \" . وقد حكى صاحب كتاب مباهج الفكر ومناهج العبر في كتابه، قال: رأيت في بعض المجاميع المجهولة أنّ في بعض البحار شاةً شعراء تكون في البرّ مع البهائم حين الرّعي؛ فإذا فرغت من رعيها عادت إلى الماء، وتأكل السمك. قال: وذكر لها خواصّ. قال: وذكر بعضهم دابّة سمّاها خزّ الماء ولم يسمّ المكان الذي تكون فيه، وقال: إنها مثال ابن عرسٍ أو أكبر قليلاً، سباحتها في الماء كجريها في البرّ، لها وبرٌ ناعمٌ تعمل منه ثياب الخزّ، وهذا الوبر موجودٌ تأتي به التّجّار من البحر الروميّ يباع بالقاهرة، ويسمّونه صوف السمك؛ وهو أخضر اللّون؛ ويقال: إنه إن طلع من البحر يكون أبيض يققاً، فإذا صار إلى البرّ وأصابه النسيم انقلب إلى الخضرة. وهو يغزلونه ويلحمون به الثياب المسداة بالحرير، وقيمته لا تقصر عن قيمة الحرير وربما يزيد عليه. وأرخص ما ابتعته أنا حساباً عن وزن كلّ مائة درهم أربعين درهماً. وبه تخنق الأفاعي بمصر، تفتل منه خيوطٌ تسمّى إذا خنق بها الأفاعي حبال الخناق، لها نفعٌ في تحليل مرض الخناق.\rويقال: إن ببحر الرّوم، وربما بغيره أيضاً، حيواناً يسمّونه بنات الماء يشبهن النساء، لهنّ شعورٌ سباط، ألوانهنّ إلى السّمرة، ذوات فروجٍ عظامٍ وثديٍّ، ولهنّ قهقهةٌ وضحكٌ وكلامٌ لا يفهم؛ وربما يقعن لأصحاب المراكب وغيرهم فينكحونهنّ فيجدون لنكاحهنّ لذّةً عظيمة ثم يعيدونهنّ إلى البحر. وفي البحر أيضاً أمثال الرجال، ويقال: إنهم يظهرون بالإسكندريّة وبالبرلّس ورشيد في صورة الإنسان بجلودٍ لزجةٍ، لهم بكاءٌ وعويل إذا وقعوا في أيدي الناس؛ وذلك أنهم ربما برزوا عن البحر إلى البرّ يتشمّسون فيقع بهم الصيّادون؛ فإذا سمع الناس بكاءهم أطلقوهم رحمةً لهم.\rالباب الثامن ويشتمل هذا الباب على ذكر شيء مما وصفت به آلات الصيد\rفي البرّ والبحر ووصف رماة البندق، وما يجري هذا المجرى.\rآلات الصيد\rرماة البندق ومما وصفت به الجلاهق وهو قسيّ البندق. من ذلك ما كتب به أبو إسحاق الصّابي من رسالة إلى أبي الفرج محمد بن العباس بن فسابخش، جاء منها: أقبلت رفقة الرّماة قد برزت قبل الذّرور والشروق، وشمّرت عن الأذرع والسّوق؛ مقلّد بن خرائط شاكلت السيوف بحمائلها ونياطاتها، وناسبتها في آثارها ونكاياتها؛ تحمل من البندق الملموم، ما هو في الصّحة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم؛ كأنما خرط بالجهر، فجاء كبنات الفهر؛ قد اختير طينه، وملك عجينه؛ فهو كالكافور المصّاعد في اللّمس والمنظر، وكالعنبر الأذفر في الشمّ والمخبر؛ مأخوذٌ من خير مواطنه، مجلوبٌ من أطيب معادنه؛ كافلٌ بمطاعم حامليه، محقّقٌ لآمال آمليه؛ ضامنٌ لحمام الحمام، متناولٌ لها من أبعد مرام؛ يعرج إليها وهو سمٌّ ناقع، ويهبط بها وهي رزقٌ نافع.\rومنها في وصف القسيّ: وبأيديهم قسيٌّ مكسوّةٌ بأغشية السّندس، مشتملة منها بأحسن ملبس؛ مثل الكماة في جواشنها ودروعها، والجياد في جلالها وقطوعها؛ حتى إذا جرّدت من تلك المطارف، وانتضيت من تلك الملاحف؛ رأيت منها قدوداً مخطفةً رشيقه، وألواناً معجبة أنيقه؛ صلبة المكاسر والمعاجم، نجيبة المنابت والمناجم؛ خطّيّة الأسماء والمناسب، سمهريّة الأعراق والمناصب؛ ركّبت من شظايا الرّماح الداعسه، وقرون الأوعال الناخسه؛ فحازت الشرف من طرفيها، واستولت عليه بكلتا يديها؛ قد انحنت المشيخة النّسّاك، وصالت صيال الفتية الفتّاك؛ واستبدلت من قديمها في عزذ الفوارس، بحديثها من نفيس الملابس؛ وانتقلت من جدّها في طراد المغارات، إلى هزلها في طرد المسهرات؛ ظواهرها صفرٌ وارسه، ودواخلها سودٌ دامسه؛ كأنّ شمس أصيلٍ طلعت على متونها، أو جنح ليل اعتكر في بطونها؛ أو زعفراناً جرى فوق مناكبها، أو غاليةً جمدت على ترائبها؛ أو قضبان فضّةٍ أذهب شطرها وأحرق شطر، أو حبّات رمل اعتنق السود منها صفر.\rوجاء منها في وصف الوتر:","part":3,"page":153},{"id":1154,"text":"فلمّا توسّطوا تلك الروضه، وانتشروا في أكناف تلك الغيضه؛ وثبتت للرّمي أقدامهم، وشخصت للطير أبصارهم؛ وتروها بكل وترٍ فوق سهمه منه، وهو مفارقٌ للسهم وخارجٌ عنه؛ مضاعفٌ عليها من وترين، كأنّه شخص ذو جسدين، أو عناقٌ ضمّ ضجيعين؛ في وسطه عينٌ كشرجة كيسٍ مختوم، أو سرّة بطنٍ خميصٍ مهضوم؛ تروع قلب الطير بالإنباض، وتصيب منها مواقع الأغراض.\rوقال ضياء الدين بن الأثير الجزريّ من رسالة في وصف القسيّ. وذكر الرّماة، جاء منها: وإذا تناولوها بأيديهم قلت: أهلّةٌ طالعةٌ في أكفّ أقمار، وإذا مثّل غناؤها وغناؤهم قلت: منايا مسوقةٌ في أيدي أقدار؛ وتلك قسيٌّ وضعت للّعب لا للنّضال، ولردى الطير لا لردى الرجال. فإذا نعتها ناعتٌ قال: إنها جمعت بين وصف اللين والصلابه، وصيغت من نوعين غريبين فحازت معنى الغرابه؛ فهي مركّبةٌ من حيوان ونبات، مؤلّفةٌ منها على بعد الشّتات؛ هذا من سكان البحر وسواحله، وهذا من سكان البرّ ومجاهله. ومن صفاتها أنها لا تتمكّن من البطش إلا حين تشدّ، ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وتردّ. ولها بناتٌ أحكم تصويرها، وصحّح تدويرها؛ فهي في لونها صندليّة الإهاب، وكأنها صيغت لقوّتها من حجر لا من تراب؛ فإذا حذفها نحو الأطيار أحد، قيل: وتصعد من الأرض من جبال فيها من برد، فلا ترى حينئذ إلا قتيلاً بالمقتل الذي لا يجب في مثله من قود؛ فهي كافلةٌ من تلك الأطيار بقبض نفوسها، ومنزلةٌ لها من السماء على أمّ رءوسها.\rومن إنشاء المولى الفاضل شهاب الدين محمود بن سليمان الحلبي الكاتب، أمتع الله ببقائه، وزاد في علوّه وارتقائه، رسالةٌ في رمي البندق، وصف فيها الرّماة، ومواضع الرّمي ووقته، والقسيّ، وأفعال الرّماة، وجميع طير الواجب، لم أقف فيما طالعته لمتقدّم ولا متأخّر على أجمع لهذا الفن منها؛ وهي مما يستعين بها الكاتب على إنشاء ما يقصده من قدم البندق في أي نوع أراد من طير الواجب. وقد أوردتها بجملتها؛ لحسن التئامها، واتّساق نظامها؛ وجودة ترتيبها، وبديع تهذيبها. وهي: الرّياضة، أطال الله بقاء الجناب الفلانيّ، وجعل حبّه كقلب عدوّه واجباً، وسعده كوصف عبده للمسارّ جالباً وللمضارّ حاجباً، تبعث النفس على مجانبة الدّعة والسكون، وتصونها عن مشابهة الحمائم في الرّكون إلى الوكون؛ وتحضّها على أخذ حظّها من كلّ فنّ حسن، وتحثّها على إضافة الأدوات الكاملة إلى فصاحة اللّسن؛ وتأخذ بها طوراً في الجدّ وطوراً في اللّعب، وتصرّفها في ملاذّ السموّ في المشاقّ التي يستروح إليها التّعب؛ فتارةً تحمل الأكابر والعظماء في طلب الصيد على مواصلة السّرى، ومقاطعة الكرى؛ ومهاجرة الأوطار، ومهاجمة الأخطار؛ ومكابدة الهواجر، ومبادرة الأوابد التي لا تدرك حتى تبلغ القلوب الحناجر؛ وذلك من محاسن أوصافهم التي يذّم المعرض عنها، وإذا كان المقصود من مثلهم جدّ الحرب فهذه صورة لعب يخرج إليها منها؛ وتارةً تدعوهم إلى البروز إلى الملق، وتحدوهم في سلوك طريقها مع من هو دونهم علا ملازمة الصدق ومجانبة الملق؛ فيعتسفون إليها الدّجى، إذا سجى؛ ويقتحمون في بلوغها حرق النهار، إذا انهار؛ ويتنعّمون بوعثاء السفر، في بلوغ الظّفر؛ ويستصغرون ركوب الخطر، في إدراك الوطر؛ ويؤثرون السهر على النوم، والليلة على اليوم؛ والبندق على السهام، والوحدة على الالتئام.\rولمّا عدنا من الصيد الذي اتّصل بعلمه حديثه، وشرح له قديم أمره وحديثه؛ تقنا إلى أن نشفع صيد السّوانح برمي الصوادح، وأن نفعل في الطير الجوانح بأهلّة القسيّ ما تفعل الجوارح؛ تفضيلاً لملازمة الاتحال، على الإقامة في الرّحال؛ وأخذاً بقولهم:\rلا يصلح النفس إذ كانت مدبّرةً ... إلاّ التّنقّل من حالٍ إلى حال\rفبرزنا وشمس الأصيل تجود بنفسها، وتسير من الأفق الغربيّ إلى جانب رمسها؛ وتغازل عيون النّوّار بمقلة أرمد، وتنظر إلى صفحات الورد نظر المريض إلى وجوه العوّد؛ فكأنها كئيبٌ أضحى من الفراق على فرق، أو عللٌ يقضي بين صحبه بقايا مدّة الرّمق؛ وقد اخضلّت عيون النّور لوداعها، وهمّ الروض بخلع حلّته المموّهة بذهب شعاعها.\rوالطلّ في أعين النّوّار تحسبه ... دمعاً تحيّر لم يرقأ ولم يكف\rكلؤلؤٍ ظلّ عطف الغصن متّشحاً ... بعقده وتبدّى منه في شنف","part":3,"page":154},{"id":1155,"text":"يضمّ من سندس الأوراق في صرر ... خضرٍ ويخبا من الأزهار في صدف\rوالشمس في طفل الإمساء تنظر من ... طرفٍ غدا وهو من خوف الفراق خفي\rكعاشقٍ سار عن أحبابه وهفا ... به الهوى فتراءاهم على شرف\rإلى أن نضا المغرب عن الأفق ذهب قلائدها، وعوّضه عنها من النجوم بخدمها وولائدها؛ فلبثنا بعد أداء الفرض لبث الأهلّه، ومنعنا جفوننا أن ترد النوم إلاّ تحلّه؛ ونهضنا وبرد الليل موشّع، وعقده مرصّع؛ وإكليله مجوهر، وأديمه معنبر؛ وبدره في خرد سراره مستكنّ، وفجره في حشى مطالعه مستجنّ؛ كأنّ امتزاج لونه بشفق الكواكب خليطاً مسكٍ وصندل، وكأن ثريّاه لامتداده معلقةٌ بأمراس كتّانٍ إلى صمّ جندل.\rولاحت نجوم الليل زهراً كأنّها ... عقودٌ على خودٍ من الزّنج تنظم\rمحلّقةً في الجوّ تحسب أنها ... طيورٌ على نهر المجرّة حوّم\rإذا لاح بازي الصبح ولّت يؤمّها ... إلى الغرب خوفاً منه نسرٌ ومرزم\rإلى حدائق ملتفّه، وجداول محتفّه؛ إذا جمّش النسيم غصونها اعتنقت اعتناق الأحباب، وإذا فرك من المياه متونها انسابت في الجداول انسياب الحباب، ورقصت في المناهل رقص الحباب؛ وإن لثم ثغور نورها حيّته بأنفاس المعشوق، وإن أيقظ نواعس ورقها غنّته بألحان المشوق؛ فنسيمها وان، وشميمها لعرف الجنان عنوان، ووردها من سهر نرجسها غيران، وطلّها في خدود الورد منبثٌّ وفي طرر الريحان حيران؛ وطائرها غرد، وماؤها مطّرد؛ وغصنها تارةً يعطفه النسيم إليه فينعطف، وتارةً يعتدل تحت ورقائه فتحسب أنها همزةٌ على ألف؛ مع ما في تلك الرياض من توافق المحاسن وتباين الترتيب؛ إذ كلّما اعتلّ النسيم صحّ الأرج وكلّما خرّ الماء شمخ القضيب.\rفكأنّما تلك الغصون إذا ثنت ... أعطافها رسل الصّبا أحباب\rفلها إذا افترقت من استعطافها ... صلحٌ ومن سجع الحمام عتاب\rوكأنّها حول العيون موائساً ... شربٌ وهاتيك المياه شراب\rفغديرها كأسٌ وعذب نطافها ... راحٌ وأضواء النجوم حباب\rتحيط بملقٍ نطافها صاف، وظلال دوحها ضاف، وحصاها لصفاء مائها في نفس الأمر راكد وفي رأى العين طاف؛ إذا دغدغها النسيم حسبت ماءها بتمايل الظّلال فيه يتبرّج ويميل؛ وإذا اطّردت عليه أنفاس الصّبا ظننت أفياء تلك الغصون فيه تارةً تتموّج وتارة تسيل؛ لكأنّه محبٌّ هام بالغصون هوىً فمثّلها في قلبه، وكأنّ النسيم كلفٌ بها غار من دنوّها إليه فميّلها عن قربه.\rوالسّرو مثل عرائسٍ ... لفّت عليهنّ الملاء\rشمّرن فضل الأزر عن ... سوقٍ خلاخلهنّ ماء\rوالنهر كالمرآة تبصر وجهها فيه السماء\rوكأنّ صوافّ الطير المبيضة بتلك الملق خيام، أو ظباءٌ بأعلى الرّقمتين قيام، أو بأباريق فضّة رءوسها لها فدام، ومناقيرها المحمّرة أوائل ما انسكب من المدام؛ وكأنّ رقابها رماحٌ أسنّتها من ذهب، أو شموعٌ أسود رءوسها ما انطفأ وأحمره ما التهب. وكنّا كالطير الجليل عدّه، وكطراز العمر الأوّل جدّه.\rمن كلّ أبلج كالنّسيم لطافةً ... عفّ الضّمير مهذّب الأخلاق\rمثل البدور ملاحةً وكعمرها ... عدداً ومثل الشّمس في الإشراق\rومعهم قسيّ كالغصون في لطافتها ولينها، والأهلّة في نحافتها وتكوينها، والأزاهر في ترافتها وتلوينها؛ بطونها مدبّجه، ومتونها مدرّجه: كأنّها الشّولّة في انعطافها، أو أوراق الظّباء في التفافها؛ لأوتارها عند القوادم أوتار، ولبنادقها في الحواصل أوكار؛ إذا انتصبت لطيرٍ ذهب من الحياة نصيبه، وإن انبضّت لرمي بدا لها أنها أحقّ به ممّن يصيبه. ولعل ذاك الصّوت زجرٌ لبندقها أن يبطئ في سيره، أو يتخطّى الغرض إلى غيره؛ أو وحشةٌ لمفارقة أفلاذ كبدها، أو أسفٌ على خروج بنيها عن يدها؛ على أنها طالما نبذت بنيها بالعراء، وشفعت لخصمها التحذير بالإغراء.\rمثل العقارب أذناباً معقّدةً ... لمن تأمّلها أو حقّق النّظرا\rإن مدّها قمرٌ منهم وعاينه ... مسافر الطير فيها أو نوى سفرا","part":3,"page":155},{"id":1156,"text":"فهو المسيء اختياراً إذ نوى سفراً ... وقد رأى طالعاً في العقرب القمرا\rومن البنادق كراتٌ متّفقةٌ السّرد، متّحدة العكس والطّرد؛ كأنّما خرطت من المندل الرّطب أو عجنت من العنبر الورد؛ تسري كالشّهب في الظلام، وتسبق إلى مقاتل الطير مسدّدات السّهام.\rمثل النجوم إذا ما سرن في أفقٍ ... عن الأهلة لكن نونها راء\rما فاتها من نجوم اللّيل إن رمقت ... إلاّ ثباتٌ يرى فيها وأضواء\rتسري ولا يشعر الليل البهيم بها ... كأنّها في جفون الليل إغفاء\rوتسمع الطير إذ تهفو قوادمه ... خوافقاً في الدّياجي وهي صمّاء\rتصونها جراوةٌ كأنّها جرج درر، أو درج غرر، أو كمامة ثمر؛ أو كنانة نبل، أو غمامة وبل؛ حالكة الأديم، كأنّما رقمت بالشّفق حلّة ليلها البهيم.\rكأنّها في وصفها مشرقٌ ... تنبثّ منه في الدّجى الأنجم\rأو ديمةٌ قد أطلعت قوسها ... ملوناً وانبثقت تسجم\rفاتخذ كلٌّ له مركزاً، وتقاضى من الإصابة وعداً منجزاً، وضمن له السعد أن يصبح لمراده محرزاً.\rكأنّهم في يمن أفعالهم ... في نظر المنصف والجاحد\rقد ولدو في طالعٍ واحدٍ ... وأشرقوا في مطلعٍ واحد\rفسرت علينا من الطير عصابه، أظلّتنا من أجنحتها سحابه؛ من كلّ طائر أقلع يرتاد مرتعاً، فوجد ولكن مصرعاً، وأسفّ يبغي ماءً جماماً فورد ولكن السمّ منقعاً، وحلّق في الفضاء يبتغي ملعباً فبات وهو وأشياعه سجّداً للقسيّ وركّعاً؛ فتبرّكنا بذلك الوجه الجميل، وتداركنا أوائل ذلك القبيل.\rفاستقبل أوّلنا تمّاً تمّ بدره، وعظم في نوعه قدره؛ كأنه برقٌ كرع في غسق؛ أو صبحٌ عطف على بقيّة الدّجى عطف النّسق؛ تحسبه في أسداف المنى غرّة نجح، وتخاله تحت أذيال الدّجى طرّة صبح؛ عليه من البياض حلّة وقار، وله كرةٌ من عنبرٍ فوق منقارٍ من قار. له عنق ظليم، والتفاتة ريم، وسرى غيم يصرّفه نسيم.\rكلون المشيب وعصر الشّباب ... ووقت الوصال ويوم الظّفر\rكأنّ الدّجى غار من لونه ... فأمسك منقاره ثمّ فرّ\rفأرسل إليه عن الهلال نجماً، فسقط منه ما كبر بما صغر حجماً؛ فاستبشر بنجاحه، وكبّر عند صياحه، وحصّله من وسط الماء بجناحه.\rوتلاه كيٌّ نقيّ اللّباس، مشتعل شيب الراس، كأنّه في عرانين شبيه لا وبله كبير أناس؛ إن أسفّ في طيرانه فغمام، وإن خفق بجناحه فقلعٌ له بيد النّسيم زمام؛ ذو غببةٍ كالجراب ومنقارٍ كالحراب، ولونٍ يغرّ في الدّجى كالنّجم ويخدع في الضّحى كالسّراب؛ ظاهر الهرم، كأنّما يخبر عن عادٍ ويحدّث عن إرم.\rإن عام في زرق الغدير حسبته ... مبيضّ غيمٍ في أديم سماء\rأو طار في أفق السماء ظننته ... في الجوّ شيخاً عائماً في ماء\rمتناقض الأوصاف فيه خفّة ال ... جّهال تحت رزانة العلماء\rفثنى الثاني إليه عنان بندقه، وتوخّاه فيما بين رأسه وعنقه، فخرّ كماردٍ انقضّ عليه نجمٌ من أفقه؛ فتلقّاه الكبير بالتكبير، واختطفه قبل مصافحته الماء من وجه الغدير.\rوقارنته إوزةٌ حلّتها دكناء، وحليتها حسناء؛ لها في الفضاء بحال، وعلى طيرانها خفّة ذوات التبرّج وخفر ربّات الحجال؛ كأنّما عبّت في ذهب، أو خاضت في لهب؛ تختال في مشيتها كالكاعب، وتتأنّى في خطوها كاللاّعب؛ وتعطو بجيدها كالظّبي الغرير، وتتدافع في سيرها مشي القطاة إلى الغدير.\rإذا أقبلت تمشي فخطرة كاعبٍ ... رداحٍ وإن صاحت فصولة حازم\rوإن أقلعت قالت لها الريح ليت لي ... خفا ذي الخوافي أو قوى ذي القوادم\rفأنعم بها في البعد زاد مسافرٍ ... وأحسن بها في القرب تحفة قادم\rفلوى الثالث جيده إليها، وعطف بوجه قوسه عليها؛ فلجّت في ترفّعها ممعنه، ثمّ نزلت على حكمه مذعنه؛ فأعجلها عن استكمال الهبوط، واستولى عليها بعد استمرار القنوط.\rوحاذتها لغلغةٌ تحكي لون وشيها، وتصف حسن مشيها؛ وتربى عليها بغرّتها، وتنافسها في المحاسن كضرّتها؛ كأنّها مدامةٌ قطبت بمائها، أو غمامةٌ شفّت عن بعض نجوم سمائها.","part":3,"page":156},{"id":1157,"text":"بغرّةٍ بيضاء ميمونةٍ ... تشرق في اللّيل كبدر التّمام\rوإن تبدّت في الضّحى خلتها ... في الحلّة الدّكناء برق الغمام\rفنهض الرابع لاستقبالها، ورماها عن فلك سعده بنجم وبالها؛ فجدّت ف العلوّ مغذّه، وتطاردت أمام بندقه ولولا طراد الصّيد لم تك لذّه؛ وانقضّ عليها من يده شهاب حتفها، وأدركها الأجل لخفّة طيرانها من خلفها؛ فوقعت من الأفق في كفّه، ونفر ما في بقايا صفّها عن صفّه.\rوأتت في أثرها أنيسةٌ آنسه، كأنّها العذراء العانسه، أو الأدماء الكانسه؛ عليها خفر الأبكار، وخفّة ذوات الأوكار وحلاوة المعاني التي تجلى على الأفكار؛ ولها أنس الرّبيب، وإدلال الحبيب، وتلفّت الزائر المريب، من خوف الرّقيب؛ ذات عنقٍ كالإبريق، أو الغصن الوريق، قد جمع صفرة البهار إلى حمرة الشّقيق؛ وصدرٍ بهيّ الملبوس، شهيٍّ إلى النّفوس، كأنّما رقم فيه النّهار بالليل أو نقش فيه العاج بالآبنوس؛ وجناحٍ ينجيها من العطب، يحكي لونه المندل الرّطب إلاّ أنّه حطب.\rمدبّجة الصدر تفويفه ... أضاف إلى اللّيل ضوء النهار\rلها عنقٌ خاله من رآه ... شقائق قد سيّجت بالبهار\rفوثب الخامس منها إلى الغنيمه، نظم في سلك رميه تلك الدّرّة اليتيمه؛ وحصل بتحصيلها بين الرّماة على الرتبة الجسيمه.\rوأتى على صوتها حبرجٌ تسبق همّته جناحه، ويغلب خفق قوادمه صياحه؛ مدبّج المطا، كأنما خلع حلّة منكبيه على القطا؛ ينظر من لهب، ويخطو على رجلين من ذهب.\rيزور الرّياض ويجفو الحياض ... ويشبه في اللّون كدر القطا\rويهوى الزّروع ويلهو بها ... ولا يرد الماء إلا خطا\rفبدره السادس قبل ارتفاعه، وأعان قوسه بامتداد باعه؛ فخرّ على الألاءة كبسطام بن قيس، وانقضّ عليه راميه فخصله بحذقٍ وحمله بكيس.\rوتذّر على السابع مرامه، ونبا به عن بلوغ الأرب مقامه؛ فصعد هو تربٌ له إلى جبل، وثبت في موقفه من لم يكن له بمرافقتهما قبل. فعنّ له نسرٌ ذو قوادم شداد، ومناسر حداد، كأنه من نسور لقمان بن عاد؛ تحسبه في السماء ثالث أخويه، وتخاله في الفضاء قبّته المنسوبة إليه؛ قد حلّق كالفقراء راسه، وجعل ممّا قصر من الدّلوق الدّكن لباسه؛ واشتمل من الرّياش العسليّ إزاراً، واختار العزلة فلا يجد له إلاّ في قنن الجبال الشواهق مزاراً؛ قد شابت نواصي الليالي وهو لم يشب، ومضت الدهور وهو من الحوادث في معقلٍ أشب.\rمليك طيور الأرض شرقاً ومغرباً ... وفي الأفق الأعلى له أخوان\rله حال فتّاكٍ وحلية ناسكٍ ... وإسراع مقدام وفترة وان\rفدنا من مطاره، وتوخّى ببندقه عنقه وفوقع في منقاره؛ فكأنما هدّ منه صخراً، أو هدم بناءً مشمخراً؛ ونظر إلى رفيقه، مبشراً له بما امتاز به عن فريقه.\rوإذا به قد أظلّته عقابٌ كاسر، كأنما أضلّت صيداً أفلت من المناسر؛ إن حطّت فسحابٌ انكشف، وإن قامت فكأنّ قلوب الطير رطباً ويابساً لدى وكرها العنّاب والحشف؛ بعيدة ما بين المناكب، وإذا أقلعت لجّت في علوٍّ كأنّما تحاول ثأراً عند بعض الكواكب.\rترى الطير والوحش في كفّها ... ومنقارها ذا عظامٍ مزاله\rفلو أمكن الشمس من خوفها ... إذا طلعت ما تسمّت غزاله\rفوثب إليها الثامن وثبة ليثٍ قد وثق من حركاته بنجاحها، ورماها بأوّل بندقةٍ فما أخطأ قادمة جناحها؛ فأهوت كعودٍ صرع، أو طود صدع؛ قد ذهب باسها، وتذهّب بدمها لباسها؛ وكذلك القدر يخادع الجوّ عن عقابه، ويستنزل الأعصم من عقابه؛ فحملها بجناحها المهيض، ورفعها بعد الترفّع في أوج جوّها من الحضيض؛ ونزلا إلى الرّفقه، جذلين بربح الصّفقه.\rفوجدا التاسع قد مرّ به كركيٌّ طويل السّفار، سريع النّفار؛ شهيّ الفراق، كثير الاغتراب يشتو بمصر ويصيف بالعراق؛ لقوادمه في الجوّ هفيف، ولأديمه لون سماءٍ طرأ عليها غيمٌ خفيف؛ تحنّ إلى صوته الجوارح، وتعجب من قوّته الرّياح البوارح؛ له أثر حمرةٍ في رأسه كوميض جمرٍ تحت رماد، أو بقيّة جرح تحت ضماد؛ أو فصّ عقيقٍ شفّت عنه بقايا ثماد؛ ذو منقارٍ كسنان، وعنقٍ كعنان؛ كأنّما ينوس، على عودين من آبنوس.\rإذا بدا في أفقٍ مقلعاً ... والجوّ كالماء تفاويفه","part":3,"page":157},{"id":1158,"text":"حسبته في لجّةٍ مركباً ... رجلاه في الأفق مجاذيفه\rفصبر له حتى جازه مجلّياً، وعطف عليه مصلّياً؛ فخرّ مضرّجاً بدمه، وسقط مشرفاً على عدمه. وطالما أفلت لدى الكواسر من أظفار المنون، وأصابه القدر بحبةٍ من حمأٍ مسنون؛ فكثر التكبير من أجله، وحمله راميه من على وجه الأرض برجله.\rوحاذاه غرنوق حكاه في زيه وقدره، وامتاز عنه بسواد رأسه وصدره؛ له ريشتان ممدودتان من رأسه إلى خلفه، معقودتان من أذنيه مكان شنفه.\rله من الكركيّ أوصافه ... سوى سواد الصدر والرّاس\rإن شال رجلاً وانبرى قائماً ... ألفيته هيئة برجاس\rفأصغى العاشر له منصتاً، ورماه ملتفتاً؛ فخرّ كأنّه صريع الألحان، أو نزيف بنت الحان؛ فأهوى إلى رجله بيده وأيده، وانقضّ عليه انقضاض الكاسر على صيده.\rوتبعه في المطار صوغ، كأنّه من النّضار مصوغ؛ تحسبه عاشقاً قد مدّ صفحته، أو بارقاً قد بثّ لفحته.\rطويلةٌ رجلاه مسودّةٌ ... كأنّما منقاره خنجر\rمثل عجوزٍ رأسها أشمطٌ ... جاءت وفي قمّتها معجر\rفاستقبله الحادي عشر ووثب، ورماه حين حاذاه من كثب؛ فسقط كفارسٍ تقطّر عن جواده، أو وامقٍ أصيبت حبّة فؤاده؛ فحمله بساقه، وعدل به إلى رفاقه.\rواقترن به مرزمٌ له في السماء سميٌّ معروف، ذو منقارٍ كصدغٍ معطوف؛ كأنّ رياشه فلق اتّصل به شفق، أو ماءٌ صافٍ علق بأطرافه علق.\rله جسمٌ من الثّلج ... على رجلين من نار\rإذا أقلع ليلاً قل ... ت برقٌ في الدّجى ساري\rفانتحاه الثاين عشر ميمّماً، ورماه مصمّماً؛ فأصابه في زوره، وحصّله من فوره، وحصل له من السرور ما خرج به عن طوره.\rوالتحق به شبيطر كأنه مدية مبيطر؛ ينحطّ كالسيل ويكرّ على الكواسر كالخيل؛ ويجمع من لونه بين ضدّين يقبل منهما بالنهار ويدبر بالليل؛ يتلوّى في منقاره الأيم، تلوّي التّنّين في الغيم.\rتراه في الجوّ ممتدّاً وفي فمه ... من الأفاعي شجاعٌ أرقمٌ ذكر\rكأنه قوس رامٍ عنقه يدها ... ورأسه رأسها والحيّة الوتر\rفصوّب الثالث عشر إليه ببندقه، فقطع لحيه وعنقه؛ فوقع كالصّرح الممرّد، أو الطّراف الممدّد.\rواتّبعه عنّاز أصبح في اللّون ضدّه، وفي الشكل ندّه؛ كأنّه ليلٌ ضمّ الصبح إلى صدره، أو انطوى على هالة بدره.\rتراه في الجوّ عند الصبح حين بدا ... مسودّ أجنحةٍ مبيضّ حيزوم\rكأسودٍ حبشيٍّ عام في نهرٍ ... وضمّ في صدره طفلاً من الرّوم\rفنهض تمام القوم إلى التّتمّه، وأسفرت عن نجح الجماعة تلك الليلة المدلهمّه؛ وغدا ذلك الطير الواجب واجباً، كمل العدد به قبل أن تطلع الشمس عيناً أو تبرز حاجباً؛ فيالها ليلةً حصرنا بها الصوادح في الفضاء المتّسع، ولقيت فيها الطير ما طارت به من قبل على كلّ شملٍ مجتمع؛ وأضحت أشلاؤها على وجه الأرض كفرائد خانها النّظام، أو شربٍ كأنّ رقابهم من اللّين لم يخلق لهنّ عظام؛ وأصبحنا مثنين على مقامنا، منثنين بالظّفر إلى مستقرّنا ومقامنا؛ داعين للمولى جهدنا، مذعنين له قبلنا أو ردّنا؛ حاملين ما صرعنا إلى بين يديه، عاملين على التشرّف بخدمته والانتماء إليه.\rفأنت الذي لم يلف من لا يودّه ... ويدعو له في السرّ أو يدّعى له\rفإن كان رميٌ أنت توضح طرقه ... وإن كان جيشٌ أنت تحمي رعيله\rوالله تعالى يجعل الآمال منوطةً به وقد فعل، ويجعله كهفاً للأولياء وقد جعل.\rومن إنشاء المولى علاء الدّين عليّ بن عبد الظاهر في قدمة بندق.\rابتدأها بأن قال: الحمد لله مهيءّ أسباب الارتياح، ومهنّئ أوقات الانشراح، ومطلق الأيدي في الاقتناص فليس عليها في صيد ذوات الجناح جناح؛ ومزيّن السماء بمصابيح أنوارها، وموشّي الأرض بروضها ونوّارها؛ ومنوّر الأيام شموسها والليالي بأقمارها، ومطرّز مطارف الآفاق بمطار أطيارها. والصلاة والسلام على سيّدنا محمد وآله وصحبه الذين أنجدهم الله من ملائكته بأولى أجنحه، وأهوى بصرائعهم وأوهى قوى ممانعهم بعزائمهم المنجحه.","part":3,"page":158},{"id":1159,"text":"وبعد، فإنّ القنص شغفت به قلوب ذوي العزائم؛ وصيّرته عنواناً للحرب إذ حمام الحمام فيه على الفرائس حوائم؛ تلتذّ نفوسهم بالمطاردة فيه وترتاح، وتهواه فلو تمكّنت لركبت إليه أعناق الرّياح؛ ترد منه مورد الظّفر، وتتمتّع فيه بنزهٍ تقسّم الحسن فيهن بين السمع والبصر، وتتملّى عند السرور إليه برياضٍ دبّجها صوبٌ من المطر لا صوب من الفكر، ويطوي من الأرض ما نشرت أيدي السماء به بروداً أبهى من الحبر؛ فتارةً تستنزل من العواصم الظباء العواصي، وآونةً تقتنص الطير وقد تحصّنت من بروج السّحب في الصّياصي ببعوثها الدّانية من كلّ قاصي. وأحسن أنواعه الذي جمع لمعاينه بين روضةٍ ورياضه، وغدرٍ مفاضه؛ ومغازلة عيون النّور وهي تدمع حين طرفها بذيله نسيم الصباح، ومباكرة اللذّات من قبل أن ترشف شمس الضحى ريق الغوادي من ثغور الأقاح؛ ورمي البندق الذي هو عقلة المستوفز، وانتهاز غفلة الطائر المتحرّز؛ ونزهة القلوب التي إن طالت لا تملّ؛ وإن اجتاز المتنزّه بموطنها لم يؤجر. أحلى من صيد الظباء، وأشهى من لمح ملح الحسناء؛ لا يحتاج إلى ركض جواد، ولا يجتاح فيه خفض العيش جواد، ولا يهاجر متعاطيه إلى الهواجر، ولا يحجر على نفسه في الإفضاء إلى المحاجر؛ أربابه يرتاضون في الروضة الغنّاء، ويسمعون من نغمات الأوتار وشدو الأطيار مختلف الألحان والغناء؛ ويمتطون الليل طرفاً، ويستنيرون من النجوم شموعاً لا تقطّ ولا تطفا؛ قد اتخذ كل منهم مقاماً أكرم به من مقام، وهام باللذة فترك كرائم كراه وكذا عادة المستهام؛ وسبح في لجج الليالي وكرع في نهر النهار، وتجلّى في حلل الصدق وتخلّى عن خلل العار. يهوون لذّة القنص في الليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفّس، ويرسلون رسل المنايا إلى صرائعهم فما تتنفّس. إذا برزوا عند الغروب توارت شمس الأصيل حياء، وذهبت في حلّتها الذهبيّة حين بهروها سناً وسناء؛ تراهم كالزّهر أو الأزهار، أو عقدٍ نظم باللّجين والزّمرّد والنّضاء؛ أوجههم في أفلاك قسيّهم أقمار، كولدان جنان، وأعطاف أغصان؛ قد طاف بهم سياج المسرّة وأحدق، وحلّوا بثياب سندس خضر وإستبرق؛ كأنّ الأرض ضاهت بهم السماء، وفصيّرت قسيّهم أفلاكها، وغررهم نجومها، وعزائمهم صواعقها وبنادقهم رجومها؛ يخفق منهم قلب كلّ خافقه، وتقدم بعوثهم على ذوات القوادم فبينا هي مترافقة إذا بها متفارقه، وكأنّ صوافّ الطير لديهم في جوّ السماء، سطورٌ في صفيحةٍ زرقاء؛ أو كأنها في التئامها، عقود درّ في نظامها؛ يفرطون سلكها، ويقرّبون هلكها، ويغدرون بها في الغدر، ويجسرون عليها في الجسور، وتقايض بنادقهم صرائعهم فيصير وكر الطير الجراوة وجراوة البنادق حواصل الطيور. وإذا أسفروا وجه صباح، سمعت للطير صياحاً والطرب كلّه في ذلك الصياح؛ وإن عشوا مقاماتهم وجه عشاء رأيت الطير وهي لدى محاريب قسيّهم وهي سجود وركّع، طرائح من بيضٍ وسودٍ كأنّ أديم الأرض منهنّ أبقع. وإن تعلّقوا بأذيال الليل وسجفه، وباتوا في عطفه؛ احتمى منهم بشهبه، وتسترّ في حجبه؛ وتوارى عنهم البدر بذيل الغمام، وهال هالته أن تبدو لقسيّهم الموتّرة بالحمام. إلى غير ذلك مما التزموه من محاسن أوصاف وأوصاف محاسن، ووردوه من مناهل مصافاةٍ ماؤها غير آسن، ووجدوه من طيب عيش ما لانوا معه ولا استكانوا إلى المساكن؛ وحفظوه من صناعهم من شروطٍ وأوضاع، ووقفوا في مقاماتهم من مطيع ومطاع؛ يرعون قدر كبيرهم، ولا يراع بينهم قلب صغيرهم؛ ويتناصفون في أحكامهم، فالحكم واحد على آمرهم ومأمورهم. إن تفرّقوا فهم على قلب رجل واحد، وإن اختلفت منهم المقاعد فقد اتفقت منهم المقاصد. ما خلا جوّهم من واجب الطاعه، ولا علا بينهم كبيرٌ إلاّ بذلوا في خدمته جهد الاستطاعه؛ وأضحوا وأمرهم عليهم محتوم، وأمسوا وما فيهم إلا من له مقامٌ معلوم؛ بأيديهم قسيٌّ قاسيه، قضبانها قاضيه؛ منعطفةٌ جافيه، بعوثها في الخوافي خافيه؛ تمثّلها الأفكار في ساحة الفضاء، كزوارق مبثوثةٍ في لجّة الماء. وكيف لا! وهي تحمل المنايا إلى الطير، وإن لم تكن سائرةً فلها بعوثٌ سريعة السير؛ كأنّ صانعها قصد وضعها كالأهلّة واقترح، أو حكى مدبّج أثوابها قوس قزح؛ وكأن ظهرها وقد تنوّعت به من الغروز مدارجه، مدر سحيق ورسٍ دبّ عليه من النمل دارجه؛ إذا حطّت عنها أوتارها كانت عصاً لربّها فيها مآرب ومغانم، يوجس الطير في","part":3,"page":159},{"id":1160,"text":"نفسه منها خيفةً وكيف لا! وهي في شكل الأراقم؛ متضادّة تجفو وتلين، موتورةٌ وغيرها حزين؛ تضمّها أنامل من يسراهم هي أيمن من يمين عرابة بن أوس، ويطلع كلٌّ منهم في فلكها والطّالع القمر في القوس؛ لا تعتصم منها الطّرائد بالخباء في وكر الدّجنّه، ولا يخفيها اتخاذها الظّلماء جنه؛ ولا يوقّيها نزقها، ولا ينقيها ملقها ولا تنجح بخفق الجناح، ولا تستروح بمساعدة الرياح؛ لها بنادق كأنها حبات القلوب لوناً، وأشكال العقود كوناً؛ كأنما صبغت من ليل وصيغت من شهب، أو صنعت من أديم للسّحب؛ تفرد من الطير التّؤام، وتجمع بين روحها والحمام؛ قد تحاماها النّسران فاتخذا السماء وكراً، واتفقا أن يصبحا شفعاً ويمسيا وتراً؛ تقبض منها الأيدي عند إطلاقها رائحةً رابحه، جارحةً من الطير كلّ جارحه، لا ترى صادحةً إلا صيرتها صائحه. قلب كلّ طير منها طائر، وكيف لا وهي للسّهام ضرائر؛ تضرم النار لإشواء الطّريدة قبل مفارقتها للأوتار، وتقتنص من الجوارح كلّ مستخفٍ بالليل وساربٍ بالنّهار؛ تهيج كامن الغنيمة وتستثير، وتبدو كأنما عجنت من صندل وعبير.نفسه منها خيفةً وكيف لا! وهي في شكل الأراقم؛ متضادّة تجفو وتلين، موتورةٌ وغيرها حزين؛ تضمّها أنامل من يسراهم هي أيمن من يمين عرابة بن أوس، ويطلع كلٌّ منهم في فلكها والطّالع القمر في القوس؛ لا تعتصم منها الطّرائد بالخباء في وكر الدّجنّه، ولا يخفيها اتخاذها الظّلماء جنه؛ ولا يوقّيها نزقها، ولا ينقيها ملقها ولا تنجح بخفق الجناح، ولا تستروح بمساعدة الرياح؛ لها بنادق كأنها حبات القلوب لوناً، وأشكال العقود كوناً؛ كأنما صبغت من ليل وصيغت من شهب، أو صنعت من أديم للسّحب؛ تفرد من الطير التّؤام، وتجمع بين روحها والحمام؛ قد تحاماها النّسران فاتخذا السماء وكراً، واتفقا أن يصبحا شفعاً ويمسيا وتراً؛ تقبض منها الأيدي عند إطلاقها رائحةً رابحه، جارحةً من الطير كلّ جارحه، لا ترى صادحةً إلا صيرتها صائحه. قلب كلّ طير منها طائر، وكيف لا وهي للسّهام ضرائر؛ تضرم النار لإشواء الطّريدة قبل مفارقتها للأوتار، وتقتنص من الجوارح كلّ مستخفٍ بالليل وساربٍ بالنّهار؛ تهيج كامن الغنيمة وتستثير، وتبدو كأنما عجنت من صندل وعبير.\rولما كان من هو واسطة عقد هذه الأوصاف، والرافل في برودها الموشيّة للأطراف؛ والمبدع في فنّه، والجامع بين فضيلة الرمي وحسنه؛ والمستنطق لسان قومه بالإحسان، والحافظ شروطه في طهارة العرض وصدق اللسان؛ والرامي الذي بلغ بهمّته غاية المرام، وضاهى ببندقه السّهام؛ وكان يوم كذا وكذا خرج إلى برزته المباركة وصرع طيرين في وجه واحد، وأبان عن حسن الرمي وسداد الساعد؛ وأضحى بينهما كثيراً بين قومه، وجعلهما لهم وليمةً في يومه؛ وهما تمٌّ كأنما صيغ من فضّه، أو تدرّع من النهار حلّةً مبيضّه؛ أو غاير بياضه الليل فلطم وجهه بيد ظلمائه، فاقتصّ منه وخاض في أحشائه؛ لجناحه هفيفٌ في المطار، تسمع منه نغمة الأوتار. ولغلغةٌ كأنها كوّنت من شقيق وغمام، أو مزج لونها بماءٍ ومدام؛ لها غرّةٌ لو بدت في الليل خلتها بدراً، وإن أسفرت عند الصباح حسبتها فجراً؛ وحملها فلان وفلان، وقطع شبقه فلان وادّعى لفلان؛ وعاد الرامي قرير العين، مملوء اليدين؛ إذا فخر غيره بواحدة فخر باثنتين؛ معظّماً بين أترابه، مكرّماً لدى أحبابه؛ ألبسه الله من السرور أزهى أثوابه. بمنّه وكرمه.\rومما ورد في وصف الجلاهق نظماً، قال أبو الفرج الببّغاء يصفها:\rومرنانٍ معبّسةٍ ضحوك ... مهذّبة الطبائع والكيان\rمغالبةٍ وليس بها حراكٌ ... وباطشةٍ وليس لها يدان\rلها في الجارح النّسب المعلّي ... وإن هي خالفته في المعاين\rتطير مع البزاة بلا جناح ... فتسبقها إلى قصب الرّهان\rوتدرك ما تشاء بغير رجلٍ ... ولا باعٍ يطول ولا بنان\rوتلحظ ما يكلّ الطرف عنه ... بلا نظرٍ يصحّ ولا عيان\rلها غضوان من عصب ولحم ... وسائر جسمها من خيزران\rيخاطب في الهواء الطير منها ... بلفظٍ ليس يصدر عن لسان\rفإن لم تصغ أردتها بطعنٍ ... ينوب الطين فيه عن السّنان","part":3,"page":160},{"id":1161,"text":"مقرطقة ممنطقة خلوب ... مهفهفة مخفّفة الجران\rمذكّرة مؤنّثة تهادى ... من الأصباغ في حلل القيان\rمعمّرة تزايد كلّ يوم ... شبيبتها على مرّ الزمان\rكأنّ الله ضمّنها فبانت ... لنا في الرّزق عن أوفى ضمان\rأعزّ على العيون من المآقي ... وأحلى في النفوس من الأماني\rإذا ما استوطنت يوماً مكاناً ... تولّى الجدب عن ذاك المكان\rوقال أبو الفتح كشاجم:\rوثيقةٌ مدمجة الأوصال ... محنيّةٌ عوجاء كالهلال\rتعود إن شئت إلى اعتدال ... باطنها لعاقل الأوعال\rوالظهر منها لقنا الأبطال ... يجمعها أسمر ذو انفتال\rفي وسطه من صنعة المحتال ... مثال عينٍ غير ذي احولال\rتقذى بصدفات من الصّلصال ... أمضى من السّهام والنّبال\rقدّى يقرّ أعين الآمال ... فاقعة الصّفرة كالجريال\rرخيصةٌ تغنم كلّ غال ... تؤمن منها ونية الكلال\rتعول في الجدب وفي الإمحال ... وقد يكون الصّقر كالعيال\rمطيّها عواتق الرجال ... في غلفٍ ممدودةٍ طوال\rكم أفضلت على ذوي إفضال ... وكم أنالت من أخي نوال\rوقرّبت للطّير من آجال\rوقال أيضاً فيها من أبيات:\rوفي يساري من الخطّيّ محكمةٌ ... متى طلبت بها أدركت مطلوبي\rللوعل باطن شطريها ومعظمها ... من عود شجراء ظمياء الأنابيب\rتأنّق القين في تزيينها فغدت ... تومي بأحسن تفضيضٍ وتذهيب\rفي وسطها مقلةٌ منها تبيّن ما ... يرمي فما مقتلٌ عنها بمحجوب\rفقمت والطير قد حمّ الحمام لها ... على سبيلي في عادي وتجويبي\rحتى إذا اكتحلت بالطين مقلتها ... صبّت عليهنّ حتفاً جدّ مصبوب\rفرحت جذلان لم تكدر مشارب لذّاتي ولم تلق آمالي بتخييب\rسبطانة قال أبو الفرج الببّغاء:\rوجوفاء حاملةٍ تهتدي ... إلى كل قلبٍ مقروحه\rمقوّمة القدّ ممشوقةٍ ... مهفهفة الجسم ممسوحه\rمثقّفةٍ فمها عينها ... تبشّر قلبي بتصحيحه\rفإن هي والجارح استنهضا ... إلى الصّيد عاقته عن ريحه\rإذا المرء أودعها سرّه ... لتخفيه باحت بتصريحه\rمواتٌ تعيش إذا ما أعاد ... لها النافخ الرّوح من روحه\rهي السّبطانة في شكلها ... ففي القلب جدّ تباريحه\rتحطّ أبا الفرخ عن وكره ... وتستنزل الطير من لوحه\rوقال أبو طالب المأمونيّ:\rمثقّفة جوفاء تحسب زانةً ... ولكنها لازجّ فيها ولا نصل\rتسدّد نحو الطير وهو محلّق ... فينفذ عنها للردى نحوه الرّسل\rيطير إلى الطير الرّدى في ضميرها ... فيجري كما يجري ويعلو كما يعلو\rفيعقل ما تنجو به فكأنما ... يمدّ إليه من بنادقها حبل\rعيدان الدّبق قال عبد الله بن المعتز فيها ملغزاً:\rوما رماحٌ غير جارحات ... ولسن في الدّماء والغات\rولسن للطّراد والغارات ... يخضبن لا من علق الكماة\rبريق حتف منجز العدات ... مكتمن ليس بذي إفلات\rينشب في الصدور واللّبّات ... فعل إسار فلّق السّيات\rعلى عواليها مركّبات ... أسنّةٌ لسن موقّعات\rمن قصب الريش مجرّدات ... يحسبن في الهواء شائلات\rأذناب جرذانٍ منكّسات\rوقال أبو الفتح كشاجم:\rوآسراتٍ مثل مأسورات ... ممكّناتٍ غير ممكنات\rمؤمّلاتٍ غير مكذبات ... صوادق التعجيل للعدات\rنواظر الأشكال ذاهبات ... كواسرٍ ولسن ضاريات","part":3,"page":161},{"id":1162,"text":"ولا بما يصدن عالمات ... بمثل ريق النحل مطليّات\rأقتل من سمائم الحيّات ... لو صلحت شيئاً من الآلات\rووصلت بالزّجّ والشّباة ... كانت مكان النّبل للرّماة\rحواملٍ للطير ممسكات ... تعلّق الأحباب بالحبّات\rكأنها في النعت والصفات ... أذناب ما دقّ من الحيّات\rأغدر بالورق المغرّدات ... فيها من الفتيان بالقينات\rفهنّ من قتلى ومن عناة ... بلا فكاكٍ وبلا ديات\rالشّباك قال السّريّ الرّفّاء يصف شبكة:\rوجدولٍ بين حديقتين ... مطّردٍ مثل حسام القين\rكسوته واسعة القطرين ... تنظر في الماء بألف عين\rراصدةً كلّ قريب الحين ... تبرزه مجنّح الجنبين\rكمديةٍ مصقولة المتنين ... كأنما صيغ من اللّجين\rوقال أبو الفرج الببّغاء يصف شبكة العصافير:\rرقراقةٌ في السّراب تحسبها ... على الثّرى حلّةً من الزّرد\rكالدّرع لكنها معوّضةٌ ... عن المسامير كثرة العقد\rسائرها أعينٌ مفتّحةٌ ... لا ترتضي نسبةً إلى جسد\rالشّصّ، وهو الصّنانير، قال كاتب أندلسيّ يصفه من رسالة: صنانير كأظفار السّنانير؛ قد عطفها القين كالراء، وصيّرها الصّقل كالماء؛ فجاءت أحدّ من الإبر، وأرق من الشّعر؛ كأنها مخلب صرد، أو نصف حلقةٍ من زرد.\rوقال أبو الفتح كشاجم:\rمن كان يحوي صيده الفضاء ... وللبزاة عنده ثواء\rوطال بالكلب له العناء ... فإن صيدي ما حواه الماء\rبمخلبٍ ساعده رشاء ... يظلّ والماء له غطاء\rكما طوت هلالها السماء ... كأنه من الحروف راء\rفهو ونصف خاتمٍ سواء ... يحمل سمّاً اسمه غذاء\rوعطباً فيه لنا إحياء ... تدمى به القلوب والأحشاء\rعاد إذا ساعده القضاء ... أمتعنا القريس والشّواء\rوصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم\rالفن الرابع\rالنبات","part":3,"page":162},{"id":1163,"text":"وهذا الفٌّن وإن جل مقدارُه، وحسنت آثارُه، وأشرقتْ أنوارُه، وزها نُوارُه، وتفّيأتْ خامات زروعِه، ونبت أصوله تحت فروعِه، وتدبّجت خمائله، وتأرجتْ بُكره وطابت أصائله، وابتهج إغريضه، واتسق نضيده، وتسلسلت غُدرانُ مائه وزهت أرضه على سمائه، وتعددت منافعُه، وعذبتْ منابعه، وكان منه ما هو للنفس قوتا، وما حكت ألوانُه زمردا وياقوتا، وما أشبه الٌّلجَيْنَ والعقيان، وما غازل بعيونه مُقل الحِسان، وما نسبت إليه الوجناتُ في احمرارها، وألوان العشاق في اصفرارها، وأشبهته القدود عند تمامها، والثغور في انتظامها، والنهودُ في بروزها وارتفاعها والخصور في هيفها والسرور في اتساعها، وما اختلفت ألوانه وطعوم ثماره وإن ائتلفت أراضى مغارسه ومجارى أنهاره، وما تضوع عرفه وفاح نشرُه، وحُسنَ وصفه ولاح بشره، وبقيت أثاره بعد ذبوله أحسن منها يوم زفافه، وحصل الانتفاع به في حالتى غضاضتِه وجفافه، ووصف الطيب في دوائه وعلاجِه، ونص عليه الحكيم في أقْراباذِينِه ومناهجه، وكان هذا الفن أحد شطرى النّامى، وقسيم النوع الحيواني، فإنا لم نقصدْ بإيرادِه استيعاب نوعِه، واستكمال جِنسه، واستيفاء منافعه ولإحاطة بمجموعه، ولا تصدينا لذلك، ولا تعرضنا لخوض هذه الجج وطُروِق هذه المهالك، لأمور: منها تعذر الإمكان، وضيق الزمان، ولأن هذا الفن عجز عن حصره فلاسفةٌ الحكماء، ومشاهير الأطباء، وسكان البوادي، ومن جمعتهم الرحاب وضمتهم النوادي، ومن لازموا النبات من حين استهلت عليه الأنواء وباكرته الغوادي، فأطلع كل منهم على ما لم يطلع الآخر عليه، وشاهد مالم تنته فكرة غيره إليه، وعلم التركماني منه مالم يعلمه البدوي، وعرف الحبلٌّى مالم يعرفه النبطىّ، وصنف فيه الحكماء الكتب المطوله، وأظهروا من منافعه ومضاره كل فائدة خفية وخاصيةٍ مهمله، وتعددت فيه تصانيفهم، وتواردت واشتهرت تآليفهم، ومع ذلك فما قدروا على حصرِه، ولعلهم لم يقفوا إلا على جزءٍ يسيرٍ من شطرِه، بل قصدنا بإيراده أن نذكر منه ما عليه وصف للشعراء، ورسائل للبلغاء والفضلاء، لأن ذلك مما لا يستغني عنه المحاضِر، ويضطر إليه الجليس والمسامر، وينتفع به الكاتب في كتابته، ويتسع به على المنشئ مجال بلاغته، فأوردنا منه ما هو بهذه السبيل، استقصينا ما هو من هذا القبيل، وإن كانا زدنا في بعضه على هذا الشرط، وخرجنا من هذا الخط، وتعدينا من وصفه إلى ذكر منافعه ومضاره، وانتهينا إلى إيراد بارده وحاره، ورطبِه ومعتدلِه ومحرقهِ وقابضه وملينه ومطلقه، ونبهنا على توليده وأصلِه، وخساستهِ وفضلهِ، فهذه الزيادة إنما وردت على سبيل الاستطراد، لا على حكم الالتزام والاستعداد، وهي مما تزيد هذا الفن إلى حسنهِ حسنا، وتبدو بها فضائله فرادى ومثنى، ووصلنا فن النبات بالمصوغ والأمنان، لأنهما من توابعه وفروعه، وحلبنا ألبان التكملة له بهما من ضروعه، وألحقنا ذلك بقسم يشتمل على أصناف الطيب والبخورات، والغوالي والمستقطرات، فختمنا الفن منه بمسك، ونظمناه معه في سلك، وحصرنا هذا الفن وما يتعلق به في خمسة أقسامٍ تندرج تحتها أبواب، ولخصناه من أكرِم أصولٍ وأعرقِ أنسابٍ وأوثق أسباب.\rالقسم الأول:من هذا الفن في أصل النبات وما تختص به أرض دون أرض\rوتتصل به الأقوات والخضراوات والبقولات، وفيه ثلاثة أبواب\rأصل النبات\rأصل النبات وتربيته","part":3,"page":163},{"id":1164,"text":"قال المسعودي في كتابه المترجم \" بمروج الذهب ومعادن الجوهر: إن آدم عليه السلام لما أهبطه الله تعالى إلى الأرض خرج من الجنة ومعه ثلاثون قضيباً مودعة أصناف الثمرة، منها عشرة لها قشر، وهي الجوز واللوز والجلوز والفستق والبلوط والشاهبلوط والنارنج والرمان والخشخاش. ومنها عشرة لثمارها نوى، وهي الزيتون والرطب والمشمش والخوخ والإجاص والغبيراء والنبق والعناب والمخيط والزعرور، ومنها عشرة ليس لها قشر ولا نوى وهي التفاح والسفرجل والكمثرى والعنب والتين والأترج والخرنوب والتوت والقثاء والبطيخ، وقال أبو عبيد البكري في كتابه المسالك والممالك: إن إسحاق بن العباس بن محمد الهاشمي حكى عن أبيه أنه تصيد يوما بناحية صنعاء فأصابته السماء فمال على أحوية أعرابٍ فمكث عندهم يوما وليلة والغيث منسجم، لا ينسجم، فلما أصبح قال: لقد أنزل الله الليل خير كثير، فقام رب البيت إلى كساء كان قد نصبه بين أربع أخشاب يصيبه المطر، فلمسه بيده، فقال، ما أنزل الله الليلة خيراً، ثم ليلة أخرى كذلك، وليلة أخرى، فلما كان في اليوم الثالث قال: نعم قد أنزل الله خيرا في هذه الليلة، فسأله العباس بن محمد عن ذلك، فأتاه بكف من البزور وتناولها من جوف ذلك الكساء، وقال: إن حب البقل والعشب والكلإِ إنما ينزل من السماء. هذا ما ورد في أصل النبات.\rوأما ترتيبه من ابتدائه إلى انتهائه - فقد حكى الثعلبي في \" فقه اللغة \" قال: أول ما يبدأ النبت فهو بارِض، فإذا تحرك قليلا فهو جحيم، فإذا عم الأرض فهو عّميم فإذا اهتز وأمكن أن يقبض عليه قيل: \" اجثألَّ \" فإذا اصفر ويبس فهو هائج، فإذا كان الرطب تحت اليابس فهو غميم، فإذا كان بعضه هائجا وبعضه أخضر فهو شَميِطِ، فإذا تهشم وتحطم فهو هشيم حَطِيم، فإذا أسود من القدم فهو الدِّنْدِن فإذا يبس ثم أصابه المطر فأخضر فذاك النشر.\rوقيل في مثله: إذا طلع أول النبت قيل: \" أوشم، وطرّ \" ، فإذا زاد قليلا قيل: \" طفر \" فإذا غطى الأرض قيل: \" استحلس \" ، وإذا صار بعضه أطول من بعضٍ قيل: \" تناتل \" ، فإذا تهيأ لليبس قيل: \" اقطار \" فإذا يبس وأنشق قيل: \" تصوح \" ، فإذا تم يبسه قيل: هاجت الأرض هياجا، والله أعلم بالصواب.\rترتيب أحوال الزرع\rهو ما دام في البزر فهو الحب، فإذا أنشق الحب عن الورقة فهو الفرخ والشطء، فإذا طلع رأسه فهو الحقل، فإذا صار أربع ورقاتٍ أو خمسا قيل: كوث تكويثاً، فإذا طال وغلظ قيل \" استأسد \" ، فإذا ظهرت قصبته قيل \" قصب \" ، فإذا ظهرت فيه السنبلة قيل: \" سنبل \" ثم اكتهل. وأحسن من جميع ذلك وأبلغ قوله عز وجل: \" كزرع أخرج شطئه فآزره فأستغلظ فاستوى على سوقه \" ، قال الزجاج: \" ازرع الصغار للكبار حتى استوى بعضه ببعض \" . وقال غيره: \" فساوي الفراخ الطوال فاستوى طولهما \" وقال ابن الأعرابي: أشطأ الزرع، إذا فرّخ وأخرج شطئه فراخه، فآزره، أي أعانه، والله أعلم.\rالباب الثاني:\rما تختص به أرض دون أرض\rوما يستأصِل شأفة النبات الشاغل للأرض عن الزراعة:","part":3,"page":164},{"id":1165,"text":"أما ما تختص به أرض دون أرض - فقد حكى أبو بكر بن وحشية أنواعا من النبات توجد في أرضٍ ولا توجد في غيرها، فقال: إن في بلاد سجلماسة شجرة ترتفع نصف قامةٍ أو أرجح، ورقها كورق الغار، إذا عمل منها إكليل ولبسه الرجل على رأسه ومشى أو عدا أو عمل لم ينم ما دام ذلك الإكليل على رأسه، ولا يناله من ضرر السهر وضعف القوة ما ينال من سهر وعمل، وقال وفي بلاد الإفرنجة شجرة إذا قعد إنسان تحتها نصف ساعة من النهار مات، وإن مسها ماس أو قطع منها غصنا أو ورقة أو هزها مات، وفي جزيرة من جزائر الصقالبة نبات في قدر البقل، ورقه يشبه ورق السذاب، إذا ألقى الأصل منه بورقه وأغصانه بعد غسله من التراب الذي فيه، وجعل في الماء البارد، وترك فيه ساعة من نهار، سخن ذلك الماء كسخونته إذا أوقدت تحته النار، وكلما دام فيه اشتدت حرارته حتى لا يمكن أن يمس، وإذا خرج من الماء برد الماء لوقته، وقال في بلاد رومية شجرة لطيفة تنبت على شاطئ نهر هناك ورقها كورق الحمص طولها ذراعان، إّذا جمع شيء من ورقها وأغصانها ودق واعتصر ماؤه، وجففت العصارة، فإن شرب منها رجل مقدار دانقٍ ونصف بخمر أنعظ إنعاظاً شديداً ويجامع ما شاء من غير كلالٍ ولا ضعف، فإذا أحب أن يزول ذلك الإنعاظ عنه قام في ماء بارد إلى نصف صدره ساعة، فإن ذلك يزول عنه، ويرجع إلى حالته الأولى، قال: وفي بلد من بلاد الروم يقال له: سفانطس نبات يرتفع عن الأرض نحو الذراع له ورق كورق السلق، والورق نحو ذراع، وليس له ساق يقوم عليها، إذا أخذ أصل هذا النبات - وهو أصل كبير مستدير إلى الطول - وقشر وطبخ، وأكله الذي يحم زالت عنه الحمى بعد أكلهٍ أو أكلتين أي حمى كانت، وكذلك أن بخور بورقه بعد تجفيفه مرةً أو مرتين، قال: وببلاد الهند نبات لا تحرقه النار، وفيها شجرة إذا قطع شيء من أغصانها وألقى على الأرض تحرك، وربما سعى كما تسعى الحيات ودب، وفيما يلي مهب الشمال شجرة تسمع منها في فصل الربيع والخريف همهمة إنسان يريد أن يتكلم وربما نطقت بلغة الهند كلمة بعد كلمة، وتسمى هذه الشجرة شجرة الشمس، وصورتها على صورة الإنسان، وفي بلاد التاكيان شجرة تضيء بالليل كالسراج، بحيث أن الناس إذا سلكوا بقربها بالليل استغنوا بضوئها عن مصباح، ويسمونها شجرة القمر ومن الشجر والنبات المشهور الذي لا يوجد إلا ببقاع مخصوصة: البَلَسان، وهو في أرض مطرية على ساعة من القاهرة المعزية، في بقعة مخصوصة معروفة، تسمى من بئرٍ مخصوٍص هناك، والفلفل، يقال: أنه لا ينبت إلا بالمنيبارات في بلاد الهند والمراد بالنبات هنا: كماله وتحصيل مُغلَّة، وإلا فقد رأيته أنا وقد زرِع ببستان بأرض أشموم طناح من الديار المصرية في سنة أربع وتسعين وستمائة، ونبت وصار نباته بقدر الذراع، وكاد يعقد الحب، وأخبرني من أختبره في غير هذه السنة المذكورة أنه لا يتم عقد حبه ولا يتكون، وأنهم يستعملون فروعه في الطعام فتقوم مقام الفلفل، وشجر الكافور لا ينبت إلا في بقٍاع مخصوصةٍ يأتي ذكرها إن شاء الله في موضعِها من هذا الكتاب في هذا الجزء، وكذلك اليَبْرح الصَّنَميٌّ لا يوجد إلا في بلدٍ بعينه، والباب في هذا متّسع، وليس في استقصائه فائدة توجب البحث عنه أو إيراده. ومما يناسب هذا الفصل ما حكى عن ابي بكر بن وحشيه أيضا أنه إذا خلِط بِزره الكرْنب ببِزرِ السَّلجم - والسَّلْجَم، هو اللفت - وترِكا ثلاثة أشهرٍ ثم زرِعا خرج البِزر كله سلْجَما، فإذا اخِذ من بِزرِ هذا السَّلْجم وزرِع خرج كُرْنبُا. وحُكى عنه أيضاً أنه إذا احرِق النعنع والجرجِير في موضعٍ ندٍ بقرب شجرٍة أو زَرعٍ، وخلط الرماد بالتراب، وأضيف إليهما قِشرٌ بَيض الحمام، ودفن ذلك في الأرض على مقدارٍ دون الشَّبر، وصبَّ عليه الماء أربعهَ أيام، ثم يسقَى على عاده النٌّعْعِ والجرجِير، أخرج شجرَ الدٌّلب، فإذا نبت فليحولْ ويغرسْ في موضعٍ آخر، فانه يثبت، وزعم أن ذلك لا يتم إلا أن يكون في نيسان إذا قارب القمر الشمس في برج الحمل أو الثّور، والله أعلم. وأما ما يستأصل النبات الشاغل للأرض عن الغِراسه والزراعة - فقد ذكر أبو بكر بن وحشيه من ذلك أشياء كثيره، ثم قال: وأوجد ذلك أن يزرع البنج في الأرض التي تنبت فيها هذه الحشائش، ويسقى الماء، فإذا كبر وأزهر يقلع، ويؤخذ الترمس وورق الخلاف فيلقيان على النبج وهو رطب، ويدق","part":3,"page":165},{"id":1166,"text":"الجميع جملهً حتى يختلط، ويٌنثر منه في تلك الأرض، فإنه يحرق الثيل والشوك وجميع الحشائش التي هي أعداء الزرع، قال: أو يسحق الترمس وثمر الطرفاء وورق الخلاف مع أغصانه سحقا ناعما، يعتصر ماء البنج الرطب وماء ورق الآس ويخلط الماءان، ويٌبل بهما المسحوق يوما وليله، ثم يصب على الثيل وعلى أصول الشوك وغير ذلك من الحشائش الدِغله، فانه يأكلها ويجففها، قال: أو يعمل مِعوَل من نحاس، ويحمى بالنار حتى يصير كالجمر، ثم يغمس في دم تيس كما يسقى الحديد، يصنع به ذلك مرار، ثم يقطع به الثيِّل والشوك والعَوْسَج والقصب وغير ذلك من الحشائش للكبار الغلاظ المضرة بالزرع، فإن كل نبات قطع به لا ينبت بعد ذلك أبداً، لكنه متى أصاب المعول شيئاً من كرٍم أو نبات فإنه يؤذيه، قال:أو تقلع أصول النبات المضرة بالزراعة والغِراسة، ويؤخذ الماء العذب فيغلى في قدر نحاس غلينا جيدا مراراً، يوقد عليه بخشب الصنوبر، ويدق الحِلْتِيت والخردل والَخرْبَق دقاً ناعماً، وتضاف إلى الماء، ويصب منه وهو حار في الأصول التي قلعت، فإنها نباتها لا يعود أبداً، أو يلقى الزفت والخمر في ماٍ عذبٍ، ويغلى في قدر نحاس حتى يذوب الزفت، ويصب وهو حار في تلك الأصول المقلوعة، ومقدار ما يصب منه في كل أصلٍ ربع رطل، قال: وأما ما يقلع الحلفاء فهو أن يزرع الَّتْرمس والخَرْبَق في الأرض التي تظهر فيها، فإذا انتهيا في بلوغ غايتهما يقلعان بأصولهما، ويلقيان على الأرض، ويضربان بالخشب حتى يتهرأ، ويجرى عليهما الماء، ويتركان حتى يعفنا، فإنهما يأكلان أصول الحلفاء وما عداها من الحشاشِ المضرة، قال: ومن أراد قلع شجرةٍ عظيمةٍ لا يمكن الأكَرَاة قلعها، فليَحفِر حول أصلِها، فإذا انكشف صب فيه خلا قد أغلى فيه الزفت، ثم يمطر بالتراب فإنه يهترىء ذلك الأصل ويفتته وييبسه، وإن كان يابساً سقط بنفسه، والله أعلم. جملهً حتى يختلط، ويٌنثر منه في تلك الأرض، فإنه يحرق الثيل والشوك وجميع الحشائش التي هي أعداء الزرع، قال: أو يسحق الترمس وثمر الطرفاء وورق الخلاف مع أغصانه سحقا ناعما، يعتصر ماء البنج الرطب وماء ورق الآس ويخلط الماءان، ويٌبل بهما المسحوق يوما وليله، ثم يصب على الثيل وعلى أصول الشوك وغير ذلك من الحشائش الدِغله، فانه يأكلها ويجففها، قال: أو يعمل مِعوَل من نحاس، ويحمى بالنار حتى يصير كالجمر، ثم يغمس في دم تيس كما يسقى الحديد، يصنع به ذلك مرار، ثم يقطع به الثيِّل والشوك والعَوْسَج والقصب وغير ذلك من الحشائش للكبار الغلاظ المضرة بالزرع، فإن كل نبات قطع به لا ينبت بعد ذلك أبداً، لكنه متى أصاب المعول شيئاً من كرٍم أو نبات فإنه يؤذيه، قال:أو تقلع أصول النبات المضرة بالزراعة والغِراسة، ويؤخذ الماء العذب فيغلى في قدر نحاس غلينا جيدا مراراً، يوقد عليه بخشب الصنوبر، ويدق الحِلْتِيت والخردل والَخرْبَق دقاً ناعماً، وتضاف إلى الماء، ويصب منه وهو حار في الأصول التي قلعت، فإنها نباتها لا يعود أبداً، أو يلقى الزفت والخمر في ماٍ عذبٍ، ويغلى في قدر نحاس حتى يذوب الزفت، ويصب وهو حار في تلك الأصول المقلوعة، ومقدار ما يصب منه في كل أصلٍ ربع رطل، قال: وأما ما يقلع الحلفاء فهو أن يزرع الَّتْرمس والخَرْبَق في الأرض التي تظهر فيها، فإذا انتهيا في بلوغ غايتهما يقلعان بأصولهما، ويلقيان على الأرض، ويضربان بالخشب حتى يتهرأ، ويجرى عليهما الماء، ويتركان حتى يعفنا، فإنهما يأكلان أصول الحلفاء وما عداها من الحشاشِ المضرة، قال: ومن أراد قلع شجرةٍ عظيمةٍ لا يمكن الأكَرَاة قلعها، فليَحفِر حول أصلِها، فإذا انكشف صب فيه خلا قد أغلى فيه الزفت، ثم يمطر بالتراب فإنه يهترىء ذلك الأصل ويفتته وييبسه، وإن كان يابساً سقط بنفسه، والله أعلم.\rالباب الثالث\rالأقوات والخضراوات\rويشتمل هذا الباب على الحنطة والشعير والحمص والباقلى والأرز، وما قيل في الخشخاش والكتان والشَّهْدانِج والبطيخ والقثاء والخيار والقرع والباذنجان والسلق والقنَّبِيِط والكرنب والسَّلْجَمِ والفجل والجزر والبصل والثوم والكرات والريباسِ والهِلْيَوْن والهِنْدَبا والنعْنُعِ والجرجير والسذاب والطَّرْخُوِن والإسْفاناخِ والبقلهِ الحمقاءِ والحُماِّض والرازيانجِ والكَرَفْس.","part":3,"page":166},{"id":1167,"text":"فإما الحنطة وما قيل فيها - فقد حكى الشيخ أبو الحسن الكسائي - رحمه الله - في بدء الدنيا، أن الحبة أول ما خرجت من الجنة كانت قدر بيض النعام، ألين من الزبد، وأحلى من العسل، ولم تزل زاكيةً زمن آدم وشيت - عليهما السلام - إلى زمن إدريس - عليه السلام - فلما كثر الناس نقص الحب عن مقداره إلى أصغر منه، ثم كان كذلك أيام فرعون، فنقص مقداره إلى أيام إلياس - عليه السلام - ، ثم نقص في زمنه حتى صار مثل بيض الحمام، إلى أن قتل يحيى بن زكريا - عليهما السلام - فصار قدر البندق، فكان كذلك إلى أيام عزير، فلما قالت اليهود: عزير ابن الله نقص إلى ما ترى، وقيل بل صار قدر الحمص، ثم صار إلى هذه الغاية.\rوقال وهب بن منبه: وكان الزرع في زمان آدم - عليه السلام - على طول النخل.\rوقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: أجود الحنطة المتوسطة في الصلابة العظيمة السمينة الملساء، التي بين الحمراء والبيضاء، والحنطة السوداء رديئة الغذاء، وطبع الحنطة حار معتدل الرطوبة واليبوسة، وسوِيقها إلى اليبِسْ، وهو بطيء الانحدار، كثير النفخ، لا بد من حلاوةٍ تحدره بسرعة، وغسلٍ بالماء الحار حتى يزيل نفخه، وقال في الأفعال والخواص: الحنطة الكبيرة الحمراء أكثر غذاء، والحنطة المسلوقة بطيئة الهضم نفّاخة، لكن غذاءها إذا استمرئت كثير، والحوّاري قريب من النشا، لكنه أسخن، والنشا بارد ورطب ولزج، قال: والحنطة تنقي الوجه، ودقيقها والنشا خاصة بالزعفران دواء للكلف، قال: والحنطة النيئة والمطبوخة المسلوقة من غير طحن ولا تهرئةٍ كالهريسة، والهريسة إن أوكلت ولدت الدود، قال: والحنطة المدقوقة مذرورةً على عضة الَكْلب الكَلِب نافعة.\rالشعير - فقد قال الشيخ الرئيس: طبع الشعير بارد يابس في الأولى وهو جلاء، وغذاؤه أقل من غذاء الحنطة، وما الشعير أغذى من سويقه، وكلاهما يكسر حدة الأخلاط، وهو نافخ، قال: وإذا طبخ بخل ثَقِيفٍ ووضع ضمادا على الجرب المتقرح أبرأه، ويضمد به مع السفرجل والخل على النقرس، ويمنع سيلان الفضول إلى المفاصل، قال: وماءه ينفع من أمراض الصدر، وإذا شرب ببزر الرّازِيانَج أغزر اللبن، ويضمد بدقيقه يمسك بالبطن، وماؤه مبرد يرطب الحميات: أما للحارة فساَذِجا، وأما للباردة فمع الكرفس والرازيانج، والله أعلم.\rوأما ما وصف به الشعراء الزرع وشبهوه به - فمنه قول القاضي عياض:\rأنظر إلى الزرع وخاماته ... تحكي وقد مالت أمام الرياحْ\rكتائبا تجفل مهزومة ... شقائق النعمان فيها جراحْ\rوقال ظافر الحداد الإسكندري:\rكأن سنابل حب حصيد ... وقد شارفت وقت إِيباّنِها\rمكانس مضفورة ربَّعت ... وأرخى فاضل خيطانِها\rوقال ابن رافع:\rأنظر إلى سنبل الزروعِ وقد ... مرت عليه الجنوب والشمل\rكأنه البحر في تموجه ... يعلو مراراً به و يستفل\rوقال آخر:\rيا حّبذا سنبلة ... تبدو لعين المبصِر\rكأنها سلسلة ... مضفورة من عنبرِ\rالحمص","part":3,"page":167},{"id":1168,"text":"- فقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في \" كتاب الأدوية المفردة \" : الحمص أبيض وأحمر وأسود وكِرِسنّيّ، ومن الأصناف بستاني وبري والبري أحدٌّ وأمرٌّ وأشدٌّ تسخينا، ويفعل أفعال البستاني في القوة، ولكن غذاء البستاني أجود من غذاء البري، وقال في طبعه: الأبيض حار يابس في الأولى، والأسود أقوى، وقال في خواصه: كلاهما مفتح ملين، وفيه تقطيع، ولا شيء في أشكاله أغذى منه للرئة، ورطبه أكثر توليداً للفضول من يابسه، قال: والحمص يجلو النمش، ويحسن اللون طِلاءً وأكلاً، وينفع من الأورام الحارة والصلبة وسائر الأورام ما كان منها في الغدد، ودهنه ينفع من القوباء، ودقيقه للقروح الخبيثة والسرطانية والحكة، قال: وينفع من وجع الظهر، ومن البثور الرطبة في الرأس، ونقيعه ينفع من وجع الضرس وأورام الحارة والصلبة، والأورام التي تحت الأذنين، قال: وهو يصفي الصوت، قال: وطبيخه نافع للاستسقاء واليرقان ويفتح سدد الكبد والطحال، خصوصاً الِكرِسّنيَّ الأسود، قال: ويجب ألا يأكل الحمص في أول الطعام ولا في أخره، بل في وسطه، قال: وطبيخ الأسود يفتت الحصاة في المثانة والكلى بدهن اللوز والفجل والكرفس، وجميع أصناف الحمص تخرج الجنين، وهو ردىء لقروح المثانة، ويزيد في الباه جداً، ونقيعه إذا شٌرِب على الريق أنعظ بقوة، وكله ملين للبطن، وقال بعضهم: إنه إن نقع في الخل وأكل منه على الريق، وصبر عليه نصف يوٍم قتل الدود.\rالباقلى - فقد قال فيه الشيخ الرئيس: منه مصري، ومنه نبطي والنبطي أشد قبضاً، والمصري أقل غذاء، والرطب أكثر فضولا، قال ولولا بطء هضمه وكثرة نفخه ما قصر في التغذية عن كشك الشعير، بل دمه أغلظ وأقوى، قال: وأجوده السمين الأبيض السالم من السوس، وأردأه الطري، وإصلاحه إطالة نقعه وإجادة طبخه وأكله بالفلفل والملح والحِتِليتِ والصَّعْتَر وطبع قريب من الاعتدال، وميله إلى البرد واليبس أكثر، وفيه رطوبة فضلية خصوصاً في الرطب منه، قال والفوم الذين يجعلون برد الباقلى في الدرجة الثانية يفرطون.\rوأما أفعاله وخواصه - فإنه يجلو قليلاً، وينفخ، والمقلي منه قليل النفخ، ولكنه أبطأ انهضاماً، والمطبوخ في القشرة كثير النفخ، والنبطي أشد قبضاً ولا يجلو، قال: والباقلى يولد أخلاطاً غليظة، وقد قضى إبٌّقْراطٌ بجودة غذائه وإذا قشر وشق نصفين ووضع على نزفٍ قطعه، ومن خواصه أنه يقطع بيض الدجاج إذا علفت منه، وأنه يري أحلاماً مشوشة، وأنه يحدث الحكة، خصوصاً طرية، ومن خواصه أنه إذا ضمدت به عانة الصبي منع نبات الشعر، وكذلك إذا كرر على الموضع المحلوق، ويجلو البهق من الوجه والكلف والنمش، ويحسن اللون لا سيما مع قشوره، وإذا ضمد به بالشراب على الخصية نفع ورمها، وينفع من تشنج المفصل، ويضمد بمطبوِخه النقْرس مع شحم الخنزير، وإن خلط مع العسل ودقيق الحلبة نفع من أورام الحلق، وضماده جيد لورم الثدي وتجبن اللبن فيه، والمطبوخ منه بخَّل وماءٍ ينفع من الإسهال المزمن، وخصوصاً إذا كان بقشره وينفع من السٌّحْج، ولا سيما النبطي، وسَوِيقه أيضاً ينفع من ذلك حسوا وضماداً هذا ما قاله فيه وأما ما وصفه به الشعراء وشبهوه به - فمن ذلك قول الصنوبري:\rفصوص زمردٍ في غلف در ... بأقماعٍ حكت تقليم ظفرِ\rوقد خاط الربيع لها ثياباً ... بديع اللون من خضرٍ وصفرِ\rوقال أيضاً فيه:\rونبات باقلاءَ يشبه نورها ... بلق الحمام مشيلةً أذنابها\rوقال العسكري:\rويزهى ورد باقلى ... كأطواق الشَّفانِينِ\rوقال أبو الفتح كشاجِم:\rوباقلاءَ حسن المجردِ ... مسك الثرى شهد الجني غض نَدِى\rكالعقد إلا أنه لم يعقدِ ... أو الفصوص في أكف الخردِ\rأو كبنات اللؤلؤ المنضدِ ... في طي أصداف من الزبرجدِ\rوقال فيه أيضاً:\rوكأن ورد الباقلاءِ دراهم ... قد ضمَّختْ أوساطها بالعنبرِ\rوكأنه من فوق متن غصونه ... يرنو بمقلةِ أقبلٍ أو أحورِ\rوقال أيضاً:\rولاح ورد الباقلاءِ ناظرا ... عن مقلةٍ تفتح جفنا عن حور\rوقال أبو طالب المأموني:\rوباقلاءَ أزهرِ ... مثل سموط الجوهرِ","part":3,"page":168},{"id":1169,"text":"تضمه أوعية ... مثل الحرير الأخضرِ\rأوساطه مخطفة ... مثل خصورٍ ضمرِ\rأطرافه مذروبة ... مسروقة من أنسرِ\rفطرف كمخلبٍ ... وطرف كمِنسرِ\rوقال ابن وكيع التِّنِّيسي:\rكأن ورد الباقلاءِ إذ بدا ... لنظاريه أعين فيها حورْ\rكمثل ألحاظ اليعافيرِ إذا ... روعها من قانصٍ فرط الحذرْ\rكأنه مداهن من فضةٍ ... أوسطها بها من المسك أثرْ\rوقال أيضاً فيه:\rكأن أوراق وردٍ ... للباقِلاءِ بهيةْ\rخواتم من لجينٍ ... فصوصها حبشيةْ\rوقال آخر:\rلي نحو وردِ الباقِلا ... إدمان لهوٍ ولَهَجْ\rكأنما مبيضة ... يلوح من ذاك الدَّعَجْ\rخواتم من فضةٍ ... فيها فصوص من سَبَجْ\rالأرز فقال الشيخ: هو حار يابس، ويبسه أظهر من حره، وقالوا: إنه أحر من الحنطة، وهو يغدو غذاءً صالحاً، وإذا طبخ باللبن ودهن اللوز كان غذاؤه أكثر وأجود، وسقط تجفيفه وعقله، وخصوصاً إذا نقع ليلة في ماء النخالة، قال: وفيه جلاء، ومطبوخه بالماء يعقل، والمطبوخ باللبن يزيد في الباه ولا يعقل، ولم أقف على شيء من الشعر فيه فأورده.\rالخشخاش وما ينتج عنه من عصارته: فقال الشيخ الرئيس: وعصارة الخشخاش المصري الأسود الأفيون، قال: والمختار منه الرزين الحاد الرائحة الهش السهل الانحلالِ في الماء، لا ينعقد في الَّذوْب وينحل في الشمس والأصفر منه الصافي اللون الضعيف الرائحة مغشوش، وغشه بالمامِيثا، وهو يغش بلبن الَخسَّ البري، ويغش بالصمغ فيكون براقاً صافياً جداً، وطبعه بارد يابس في الرابعة، وأفعاله وخواصٌّه، هو مخدر مسكن لكل وجع سواء شرب أم طلي به والشربة منه مقدار عدسةٍ كبيرة، ولا تزاد شربته على دانقين، ويمنع الأورام الحارة، وفيه تجفيف للقروح، \" وإذا طلي به اللبن سكن وجع النقرس \" ، قال: وأما أفعاله في الرأس، فهو منوم، وإذا أذيب بدهن الورد وقطر منه في الأذن سكن وجعها إذا أضيف إليه المرّ والزعفران، ويسكن الصداع المزمن، ويسكن السعال المبرح، وهو يحبس الإسهال، وينفع من السَّحْجِ وقروحِ الأمعاء، وإذا عدم كان بدله ثلاثة أضعافه من بزر البنج وضعفه من بزر اللقاح.\rوأما ما وصف به الشعر - فمن ذلك الشِّمْشاطيّ:\rوخضراء قد نِيِطتْ على حسن حالها ... بإكليلها لما استطالت قناتها\rمضمنةً حبات در كأنها ... لهم خير ما لم وهن بناتها\rوقال الحَصْكفَيِ:\rوغادة زاد فيها اللّحظ تكريرا ... قد يضيف إلى التأنيث تذكيراَ\rلها على الرأس إكليل يحيط به ... أو جمة قص أعلاها شَوابيراَ\rكأنها قبة من فوقها شرف ... جوفاء قسمها الباني مَقاصيراَ\rحبلى بعدة أولادٍ وما أفتٌرِعتْ ... عذراء تحكي لنا العذراء تطهيراَ\rتضم شمل أطَيفالٍ إذا درجوا ... رأيت شملهم المنظوم منثوراَ\rعهدي بها فوق ساقٍ ترجحن بها ... زمرّذاً ثم عادت بعد كافوراَ\rقال ابن وكيع:\rوخشخاٍش كأناّ منه نفري ... قميص زبرجدٍ عن جسم دورَّ\rكأقداحٍ من البلور صِينت ... بأغشيةٍ من الديباج خٌضِر\rالكتان وما قيل في بزره وتشبيهه: فقال الشيخ الرئيس: بزر الكتان حار في الأولى، معتدل في الرطوبة واليبوسة، وإنه مع النَّطْرون والتين ضماد للكلف والبثور اللبنية، وينفع من تشنج الأظفار وتشققها وتقشرها إذا خلط بشمع وعسل، ودخانه ينفع من الزكام، وكذلك دخان الكتان، وينفع من السعال البَلْغَميّ، وخصوصاً المحمص منه، وهو رديء للمعدة، عسر الهضم، ومقلية يعقل البطن، وإذا طبخ وجلس فيه نفع من لذعٍ يكون في الرحم وأورام، وكذلك الأمعاء، وينفع من قروح المثانة والكلية، قال: وطبيخ بزر الكتان إذا حقن به مع دهن الورد عظمت منفعته في قروح الأمعاء. \" ونبات الكتان في غاية ما يكون من البهجة والنضارة وحسن الألوان \" . وقد وصفه الشعراء بأوصافٍ وشبهوه بأشياء، فمن ذلك قول ابن الرومي:","part":3,"page":169},{"id":1170,"text":"وحِلْسٍ من الكتان أخضر ناصر ... يباكره داني الَّربابِ مطيرُ\rإذا درجت فيه الرياح تتابعت ... ذوائبه حتى يقال غديرُ\rوقال أبو الفتح كشاجِم:\rكأنما الكتان فيه إذ عقد ... ونشر الأوراق زرقا في المدد\rآثار قرص من محب في جسد\rوقال ابن وكيع:\rذوائب كتانٍ تمايل في الضحى ... على خضر أغصانٍ من الري ميَّدِ\rكأن اصفرار الزهر فوق اخضرارها ... مداهن تبر ركبت في زبرجدِ\rوقال آخر في الأزرق.\rكأنه حين يبدو ... مداهن اللازوردِ\rإذا السماء رأته ... تقول هذا فِرِنِدي\rوأما الشَّهْدانِج - ويقال فيه:الشاهْداِنق - فورقة الحشيش، وهو بزر شجرة القنب، قال الشيخ الرئيس: ومن الشَّهْدانْجِ بستاني معروف، ومنه بريء، قال حنين: إن البري شجرة تخرج في القفار على قدر ذراع، ورقها يغلب عليه البياض، وثمرها كالفلفل، ويشبه حبها حب السمنة،وهو حب ينعصر منه الدٌّهن، قال:وطبعه حار يابس في الثالثة، وهو يطرد الرياح، ويجفف. وهو عسر الانهضام، رديء الخلط، قوي الإسخان، ومقلوٌّه أقل ضرراً، قال: وإذا طبخت أصول القنب البري وضمدت بها الأورام الحازة في المواضع الصلبة التي فيها كَيْموٌساتٌ لا حجة سكنت الحازة وحللت الصلبة، وهو مصدع بحرارته، وعصارته تقطر لوجع الأذن السٌّدٌديّ، ولرطوبة الأذن وكذلك ورقه ودهنه قلاع للحزاز في الرأس وهو يظلم البصر، ويضعف المعدة، ويجفف المنى، ولبن الشَّهْدانِج البري يسهل برفق، ونصف رطل من عصيره يحل الاعتقال، ويطلق البلغم والصفراء، ويذهب مذهب الِقٌرِطٌم، هذا ما قاله فيه. وقال بعض الشعراء في ورقه:\rعاطيتُ من أهوى وقد زارني ... كالبدر وافى ليلة البدرِ\rوالنهر قد مد على متنه ... شعاعه جسراً من التبرِ\rخضراء كافوريةً رَنّحتْ ... أعطافه من شدة السكرِ\rيفعل منها درهم فوق ما ... تفعل أرطال من الخمرِ\rفراح نشوان بها غافلا ... لا يعرف الحلو من المر\rقال وقد لان بها أمره ... فبات مردودا إلى أمري\rقتلتني، قلت: نعم سيدي ... قتلين بالسكرِ وبالَّنْجرِ\rوقال آخر:\rيا ساقي القوم أدر بينهم ... خضراء تغنيهم عن الخمر\rحشيشة تجعل كل امرئٍ ... منهم حشيشاً ولا يدري\rوقال آخر:\rرب ليلٍ قطعته ونديمي ... شاهدي وهو مسمعي وسميري\rمجلسي مسجد وشربي من خض ... راء تزهي حسناً بلونٍ نضير\rقال لي صاحبي وقد لاح منها ... نشرها مزريا بنشر العبير\rأمن المسك؟ قلت: ليست من المس ... ك ولكنها من الكفور\rالبطيخ وما قيل فيه: فقال الثعالبيٌّ في فقه اللغة: أول ما يخرج البطيخ يكون قَعْسَرا، ثم خَضَفا، وهو أكبر من ذلك، ثم يكون قحا، ثم يكون بطيخاً، وهو نوعان: بري وبستاني، فالبري، هو الحنظل، ومنه ذكر ومنه أنثى، فالذكر ليفي، والأنثى رخو أبيض سلس، والمختار منه الأبيض الشديد البياض اللين، فإن الأسود منه رديء، والصلب رديء، وذكر فيه الشيخ الرئيس خواص ومنافع يطول شرحها، قال: وطبعه حار في الثالثة، زعم الكندي أنه بارد رطب، قال: وقد بعد عن الحق بعداً شديداً. وأما البستاني - فهو ثلاثة أصناف: هندي وصيني وخرساني، فالهندي هو الذي يسمى بمصر: الأخضر، بالمغرب: الدلاع، وبالحجاز: الحَبْحَب، وبالشام: الَّزبَش، والصيني هو الذي بمصر والشأم: الأصفر، والجيد منه الثقيل الخشن الأصفر، وفيه يقول بعض الشعراء:\rثلاث هن في البطيخ زين ... وفي الإنسان منقصة وذلهْ\rخشونة جسمه والثقل فيه ... وصفرة لونه من غير علهْ\rإذا شققته يوما تراه ... بدورا أشرقت منها أهلهْ","part":3,"page":170},{"id":1171,"text":"الخرساني هو الذي رقبه مستطيلة معوجة، ويسمى بمصر: الَعْبدَليّ نسبة إلى عبد الله بن طاهر، فإنه الذي نقله من خرسانَ إليها، وقد عد بعض الأطباء في البطيخ صنفا آخر، وهو لطيف الشكل، عطر الرائحة، منقوش بالحمرة والصفرة والسواد، منه ما يكون بقدر الكف، وأكبر من ذلك، ومنه المستطيل، ويسمى بالعراق: الدَّسْتَنْبوي، واحدته دَسْتَنبويَه، وفي الشأم: الشّمّام، واحدته شمامة، وفي الصعيد الأعلى يسمونه: اللٌّفاَحِ، وهو خطأ، لأن اللٌّفَاحِ صنف آخر، ولهم في بعض بلاد الصعيد الأعلى من الديار المصرية صنف آخر من أصناف البطيخ الأصفر يسمونه: الشتوي، وهو مستطيل الشكل، غير جاف، يشبه القثاء، رقيق الجلد جداً، وهم غالباً لا يقطعونه بالسكين، وإنما يمتصون البطيخة فيخرج ما فيها، ويبقى جلدها شبه الظرف، وأكثر ما رأيت هذا الصنف بِإِسْنىَ من عمل مدينة قٌوصَ.\rقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في البطيخ - ولم يميزه بأصنافه، بل أطلق أسم البطيخ، فقال: طبعه بارد في أول الثانية، رطب في آخرها، وإذا جفف بزره لم يكن مطباً، بل يجفف في الأولى، وأصله مجفف، وقال في أفعاله وخواصِّه: النضيج منه لطيف، و النَّيء الكثيف، وغير النضيج في طبع القثاء، وفيه تفتيح كيفما كان، قال: والنَّضيجٌ منه وغير النضيج جاليان، وبِزْرٌه أقوى جلاء، ويستحيل إلى أي خلطٍ وافق في المعدة، وهو إلى البلغم أشد ميلاً منه إلى الصفراء، فكيف إلى السواد! وهو ينقي الجلد، وينفع من الكلف والبهق والحزاز، وخصوصاً إذا عٌجِن جوفه كما هو بدقيق الحنطة وجفف في الشمس، وإذا ألصق قشره بالجبهة منع من النوازل إلى العين، قال: وإذا أكل وجب أن يتبع طعاماً آخر، فإنه إذا لم يتبع شيئاً آخر غَثَّي وقيأ، وليشرب عليه المحرر سِكَنْجَبِينا، والمرطوب كٌنْدٌرا أو زنجبيلاً: مربى أو شراباً، قال: وهو يدر البول نضيجه ونيئه، وينفع من الحصاة في الكلية، قال: وإذا فسد البطيخ في المعدة استحال إلى طبيعة سمية، فيجب إخراجه بسرعةٍ إذا ثقل، هذا ما قاله الشيخ.\rوأما ما جاء في وصفه وتشبيه - فقد وصفه الشعراء وشبهوه، فمن ذلك ما قيل في الأخضر منه، قال أبو الطيب المأموني:\rومبيضة فيها طرائق خضرٍة ... كما اخضر مجرى السيل من صيّب المزْنِ\rكحقةِ عاجٍ ضبَّيتْ بزبرجدٍ ... حوت قطع الياقوت في عطب القطن\rوقال آخر:\rرأيتها في كف جلابها ... وقد بدت في غاية الحسنِ\rكسلةٍ خضراء مختومةٍ ... على الفصوص الحمر في القطنِ\rوقال محمد بن شرف القيرواني:\rما أطفأت جمر الوق ... يد لمشتكٍ وقدا ووهجا\rكإداوةٍ أكرية ... مملوءةٍ ماء وثلجا\rرتقاء لم يسلك بها ... غرز الأشافي قط نهجا\rتزهو بلوني خضرةٍ ... هذا انتهى وأخوه لجا\rكزمرد وزبرجدٍ ... رصعن للكافور درجا\rأو وجه ذي خجلٍ تبر ... قع بالمصبغٍ أو تسجى\rوقال آخر:\rومال إلى بطيخةٍ ثم شقها ... وفرقها ما بين كل صديق\rصفائح بلورٍ بدت في زبرجدٍ ... مرصعةً فيها فصوص عقيق\rومنه ما قيل في الأصفر، قال أبو طالب المأموني:\rوبطيخةٍ مسكيةٍ عسليةٍ ... لها ثوب ديباجٍ وعرف مٌدامٍ\rمحققةٍ ملء الأكَّف كأنها ... من الجزع كبرى لم ترض بنظامِ\rلها حلةٌ من جلنارٍ وسوسنٍ ... معمدة بالآِس غب غمامِ\rتمازج فيها لون حِبَّ وعاشقٍٍ ... كساه الهوى والبين لون سقامِ\rوأبدى لنا التحزيزٌ تخضيب كاعبٍ ... غلاميةٍ ذات اعتدال قوامِ\rإذا فصلت للأكل كانت أهلة ... وإن لم تفصل فهي بدر تمامِ\rوقال آخر:\rأتانا الغلام ببطيخةٍ ... وسكينةٍ جملوها صِقالاَ\rفقطع بالبرق شمس الضحى ... وناول كل هلالٍ هلالاَ\rوقال آخر:\rخلناه لما حزز البطيخ في ... أطباقه بصقيلةِ الصفحاتِ\rبدرا يقد من الشموس أهلةً ... بالبرق بين الشهبِ في هالاتِ\rوقال قاضي القضاة نجم الدين بن البارزي:","part":3,"page":171},{"id":1172,"text":"يقطع بالسكين بطيخة ضحى ... على طبقٍٍ في مجلسٍ لأن صاحبه\rكشمسٍ ببرقٍ قد بدرا أهلة ... لدى هالةٍ في الأفق شتى كواكبه\rوقد تقدم إيرادهما في تشبيه سبعة أشياء.\rوقال أبو هلال العسكري:\rوجامعةٍ لأصناف المعاني ... صلحن لوقت إكثارٍ وقلهْ\rفإحداهن تبرز في عباءٍ ... وأخراهن في حبرٍ وحلهْ\rومنها ما تشبه بدورا ... فإن قطعتها رجعت أهلهْ\rوقال أيضاً:\rولونٍ واحدٍ يلقى ... فيأتينا بألوانِ\rبسمرانٍ وسودانٍ ... وحمرانٍ وصفرانِ\rكوشيٍ في يدي واٍش ... وشهدٍ في يدي جانيِ\rفمن أدمٍ ومن قبلٍ ... وريحانٍ وأشنان\rوقال آخر:\rبطيخة تعطيك من لونها ... حظين من ريحٍ ومن طعمِ\rكأنها في ذوقها شهدة ... أو جونة العطار في الشم\rوقال أبو الفتح كشاجم:\rوزائرٍ زار وقد تعطرا ... أستر شهدا وأذاع عنبرا\rوأودعت منه اللهاة سكرا ... ينفث في الأنوف مسكا أذفرا\rملتحفا للحر ثوبا أصفرا ... معمدا من الحرير أخضرا\rيظنه الناظر إن تصورا ... دب الدبي بمتنه فأثرا\rوقال أيضا فيه:\rيا جاني البطيخ من غرسه ... جنيت منه ثمر الحمدِ\rلم يأتنا حتى أتينا له ... روائح أذكى من الندَّ\rبظاهرٍ أخشن من قنفذٍ ... وباطنٍ أنعم من زبدِ\rكأنما تكشف منه المدى ... عن الزعفرانٍ شيب بالشهدِ\rومنه ما قيل في الدستنبويه، فمن ذلك ما قاله مؤيد الدين الطغرائي:\rكرات دستنبويةٍ نضدت ... مختلفات الشكل والمنظرِ\rفمستدير الشكل ذو سمرة ... كأنه جمجمة العنبرِ\rولا بس للنور ذو نمرةٍ ... والحسن كل الحسنٍ في الأنمرِ\rوعسجدي اللون ذو صفرةٍ ... ضم إلى تربٍ له أحمرِ\rكأنه المريخ في لونه ... قارنه في برجه المشتريِ\rوقال آخر:\rيا حبذا تحية ... رحت بها مسرورا\rمخزنة من ذهبٍ ... قد ملئت كافورا\rوقال السري:\rوأغن كالرشإ الربي ... ب نشا خلال الربرِب\rفي خده ورد حما ... ه من القطاف بعقربِ\rحيا بدستنبويةٍ ... مثل السنانِ المذهبِ\rوقال فيها:\rصفراء ما عنت لعيني ناظرٍ ... إلا توهمها سنانا مذهبا\rالقثاء والخيار وما قيل فيهما: فقد قال الشيخ الرئيس: طبع القثاء بارد رطب في الثانية، وهو يسكن الحرارة والصفراء، ولكن كَيْمٌوسه رديء مستعد للعفونة، ومهيج لحمياتٍ صعبة، وبزره خير من بزر الخيار، قال: وإذا وضع ورقه مع العسل على الشري البلغمي نفع منه، وإذا شمه صاحب الغشيِ الحار انتفع به وانتعش، وهو مسكن للعطش، جيد للمعدة، وفيه إدرار وتليين، وينفع من أوجاع المذاكير، وهو يوافق للمثانة، قال: ورقه ينفع من عضة الكلبِ الكَلبِ.\rوصفهما وتشبيههما\rوفي ذلك ما قيل في القثاء، قال عبد الرحيم بن رافع القيرواني:\rأحبب بقثاءٍ أتا ... نا فوق أطباق منضدْ\rكمضارب قد حددت ... أجرامهن من الزبرجدْ\rثم الدواء إذا الهوا ... من الهواجر قد توقدْ\rوقال السري الرفاء:\rوعقفاء مثل هلال السماء ... ولكنها لبست سندسا\rعراقية لم يذب جسمها ... هزالا ولم تجس فيما جسا\rزبرجدة حسنت منظرا ... وكافورة بردت ملمسا\rعلى رأسها زهرة غضة ... كنجم الظلام إذا عسعسا\rحبانا بها مغرس طيب ... من الأرض أكرم به مغرسا\rلها أخوات لطاف القدود ... إذا تبرجن خضر الكسا\rمحجبة عن شموس النهار ... وبارزة لنسيم المسا\rتقوس في حين ميلادها ... ولم أر ذا صغرٍ قوسا\rيطول اللسان بإطرائها ... ويصبح عن ذمها أخرسا\rوقال أبو بكر الخوارزمي:","part":3,"page":172},{"id":1173,"text":"يا رب القثاء قريب المورد ... در الحشا زمرد المجردِ\rشخت الرءوس أصور المقلد ... مثل ذنابي ريش ديك أعقدِ\rقد التوى فوق الثرى الرطب الندى ... كما يلوذ أسود بأسوِد\rذي زغبٍ وفيه لين الأجرد ... كالخد بين الملتحى والأمردِ\rكأنه في اللون والتأود ... صوالج ركبن من زبرجدِ\rيكاد اللين وللتقصد ... تجنيه ألحاظ الفتى قبل اليد\rلما حصدناه قريب المحصدِ ... هشا وجدنا منه ما لم يوجدِ\rماء كطعم السكر الطبرزد ... وذوب شهدٍ سائلا في جمدِ\rوقال الشاعر في الخيار:\rأنظر إلى عرف الخيار ولونه ... كروائح الريحان للمخمورِ\rفكأن ظاهره زبرجد أخضر ... وكأن باطنه من البلورِ\rوقال آخر:\rخيارٌ حين تلبسه خيارُ ... وريحان السرور به اخضرارُ\rكأن نسيمه أنفاس حب ... فليس لمغرمٍ عنه اصطبارُ\rقال أبو هلال العسكري:\rزبرجدة فيها قراضة فضةٍ ... فإن رجعت تبرا فقد خس أمرهاُ\rتلم بنا طورين في كل حجةٍ ... فيكثر فينا خيرها ثم شرهاُ\rفعند المصيف ليس فقد نفعها ... وعند الخريف ليس يعدم ضرهاُ\rالقرع وما قيل فيه: فقال الشيخ الرئيس: القرع بارد رطب في ثانية، والمسلوق منه يغذو غذاء يسيرا، وهو سريع الانحدار، وإن لم يفسد قبل الهضم بسببٍ لم يتولد منه خلط ردىء، ويفسد في المعدة بمخالطة خلط رديء أو إبطاء مقامٍ كسائر الفواكه، والخلط الذي يتولد منه تفه إلا أن يغلب عليه شيء يخالطه، وإن خلط بالسفرجل كان خلطه محموداً للصفراويين، وكذلك ماء الحصرم وماء الرمان، لكن ضرره بالقولون يتضاعف، قال: ومن خاصته أنه يتولد منه غذاء مجانس لما يصحبه، فإذا أكل بالخردل تولد منه خلط حريف، أو بالملح تولد منه خلط مالح، أو مع القابض تولد منه خلط بالقابض، وهو بالجملة ضار لأصحاب السوادء والبلغم، جيد للصفرويين، قال: والمربى منه لا يدخل في الأدوية، ولا يؤثر شيئاً من تبريدٍ ولا تسخين، ولاكن يستعمل للذة، وعصارته تسكن وجع الأذن الحار، وخصوصاً مع دهن الورد، وينفع الأورام الدماغية والسرسام، وهو نافع لوجع الحلق، قال: وسويق القرع مانع من السعال ووجع الصدر الكائنين من الحرارة، وطبيخه ينفع من الفضول الحارة في المعدة ويزلقها، وكذلك شراب صب تجويفه ثم استعمل، ويسعط بعصارته لوجع الأسنان، وهو مما يولد بلة المعدة جداً، ويقطع العطش، والنيء منه ضار بالمعدة جدا حتى للصبيان والفتيان، وإذا طبخ ماءه بالعسل وجعل فيه نطرون لين البطن، فهو ينفع من الحميات. ولم أقف فيه على شيءٍ من الشعر فأورده.\rالباذنجان وما قيل فيه: فقد قال ابن وحشية في كتاب \" أسرار القمر \" في توليده: وإن أردتم الباذنجان فخذوا خصيتي التيس وعروقاً من عروق الباذنجان فألقوها على الخصيتين بعد أن تجعلوا الخصيتين في الأرض، وخذوا إحدى كليتيه واجعلوها فوق العروق، واطمروا ذلك في الأرض، وخذوا إحدى كليتيه واجعلوها فوق العروق، واطمروا ذلك في الأرض، فإنه بعد أربعة أسابيع تنبت منه شجرة الباذنجان، فإذا نبتت فحولوها إلى موضعٍ آخر فإنها تنمو، هذا ما قيل في توليده، والله أعلم بالصواب.","part":3,"page":173},{"id":1174,"text":"وقال الشيخ الرئيس: إن العتيق منه رديء، والحديث أسلم. كأنه أراد بالعتيق: الذي طال مكثه في الأرض، والحديث: الذي قرب عهده بالغراسة. وقال في طبعه: الصحيح أن قوته الغالبة عليه الحرارة واليبوسة. ورد بهذا القول على من زعم أنه بارد، وقال في أفعاله وخواصه: إنه يولد السوداء، ويولد السدد، وإنه يفسد اللون ويصفره، ويسود البشرة، ويورث الكلف، ويولد السرطانات والصلابات والجذام والصداع في الرأس، وينتن الفم، ويولد سدد الكبد والطحال، إلا المطبوخ منه بالخل فإنه ربما فتح سدد الكبد، قال والباذنجان يولد البواسير، لكن سحيق أقماعه المجففة في الظل طلاء نافع للبواسير، قال: وليس للباذنجان نسبة إلى عقلٍ أو إطلاق، ولكنها إذا طبخت في الدهن أطلقت، أو في الخل حبست، هذا ما قاله الشيخ فيه.\rوأما ما وصف به من الشعر، فقال بعض الشعراء يصف المدور منه:\rأهدت لنا الأرض من عجائبها ... ما سوف يزهو بمثله وقتي\rإذا أجاد الذي يشبهه ... وأحكم الوصف منه في النعتِ\rقال:\rكرات الأديم قد حشيت ... بسمسمٍ قمعت بكيمختِ\rوقال آخر:\rوابذنج بستانٍ أنيقٍٍ رأيته ... على طبقٍٍ يحكي لمقلة رامقِِ\rقلوب ظباءٍ أفردت عن جسوِمهاِ ... على كل قلبٍ منهم كف باشقِِ\rوقال آخر:\rومستحسن عند الطعام مدحرجٍ ... غذاه نمير الماء في كل بستانِ\rتطلع من أقماعه فكأنه ... قلوب نعاجٍ في مخالب عقبانِ\rوقال آخر:\rكأنما الابذنج سود حمائمٍ ... أوكارها روض الربيع المبكرِ\rلقطت مناقرها الزبرجد سمسما ... فاستودعته حواصلا من عنبرِ\rالسلق فقال أبو بكر بن وحشية في توليده: وإن أردتم السلق فخذوا من ورق الخس وورق الخطمي فدقوها حتى يختلطا، وليكونا رطبين، ثم خذوا عروقا من عروق التيس فألبسوها ذلك المخلوط، ثم اطمروها في الأرض، فإنه يخرج من ذلك السلق. قال الشيخ الرئيس: والسلق صنفان: أسود لشدة الخضرة، وهو معروف وأبيض، وطبعه عند بعضهم حار يابس في الأولى، وفي الحقيقة أنه مركب القوة، وعند بعضهم هو بارد، قال: ولا شك أن في أصله رطوبة، قال: وفيه بورقية ملطفة، وفيه تحليل وتجفيف وتليين، وفي الأسود قبض، وخاصة مع العدس، قال: وجميع السلق رديء الكيموس، وجميعه قليل الغذاء كسائر البقول، وعصارته وطبيخ ورقه ينفعان من شقاق البرد، ومن داء الثعلب، ومن الكلف إذا استعمل ورقه ضمادا بعد غسل الموضع بنطرون، ويقلع الثآليل، وعصيره يقتل القمل، تضمد به الأورام مسلوقاً فيحللها وينضجها، وينفع من التوث ضمادا يحللها، وورقه جيد مطبوخا لحرق النار، وينفع من القوابي طلاء بالعسل، ويسعط ماؤه مع مرارة الكركي فيذهب اللقوة، وينفع من قروح الأنف، وماؤه فاترا يقطر في الأذن فيسكن الوجع، ويغسل بمائه الرأس فيذهب النخالة، وأصله رديء للمعدة، مغيثٍ، وأكثر ذلك لبورقيته، قال: وتفتيحه لسدد الكبد أشد من تفتيح الملوخيا، خاصة مع الخردل والحل، وكذلك الطحال، ويجب أن يأكل بالمري والتوابل، قال: وجميعه يولد النفخ والقراقر ويمغص، وهو جيد للقولنج إذا أخذ بالتوابل والمري. ولم أقف على شيءٍ من الشعر فيه فأورده.\rالقنَّبِيط والكرنب","part":3,"page":174},{"id":1175,"text":"فقال ابن وحشية: وإن أردتم توليد القنبيط فخذوا منه رأسا بعد موته، فاغمسوه في عكر الخل غمستين بينهما ساعة، ثم أتركوه في الأرض، ودقوا كفا من جبنٍ عتيق، واجعلوه فوقه، واطمروه بالتراب، فإنه بعد أربعة أسابيع يخرج القنبيط. ومن خصائص هذا النبات أنه إذا وقع عليه خل العنب قبل طبخه لم ينضج، وكذلك إذا سلق وعمل عليه الخل فإنه يصلب، ومتى زرع تحت كرمٍ فسد الكرم، ويقال: إن بزره إذا قدم على أربع سنين وزرع بعد ذلك تحول سلجما، فإن الزرع ذلك السلجم تحول كرنبا. وقال في توليد الكرنب: وإن أردتم الكرنب فخذوا أظلاف التيس الأربعة فانقعوها في السمن ثلاثاً، ثم اجعلوها في الأرض، وغطوها بشعر لحية التيس ثم اطمروا ذلك في رمل، واطرحوا فوقه التراب، فإنه ينبت منه الكرنب. وقال الشيخ الرئيس في طبع الكرنب: الأصل أرطب من الورق، والبري أسخن وأيبس، وجملته حار في الأولى، يابس في الثانية، قال: والكرنب منه بستاني ومنه بحري ومنه بري، ومنه كرنب الماء، البري أمر وأحد وأبعد من أن يكون غذاء، وطبيخ أصل الكرنب بماء الرمان طيب، والقنبيط غليظ الغذاء، مغلظ للدم إذا لم ينحل رسخ إلى نواحي الثندؤة والجنب وأوجع، ولا يكون منتقلا كالريحي، قال وأما أفعاله وخواصه، فهو منضج ملين مخفف، خصوصا إذا طبخ وصب عنه الماء الأول، ورماد قضبانه قوي التجفيف، وله خاصية في تسكين الأوجاع، وغذاءه يسير، ودمه رديء، وإذا طبخ بلحم سمينٍ أو دجاجٍ جاد قليلا، قال: والبري والبحري والبستاني ينضج الفلغمونيات، وهو يدمل، ويمنع سعى الخبيثة ويجعل ببياض على الحرق، قال: وهو ينفع من الرعشة، ومع الحلبة قد يجعل على النقرس، قال: طبيخه وبزره يبطيء بالسكر، وإذا استطعت عصارته نقي الرأس، ومن خواصه تجفيف اللسان، وهو منوم، وهو مظلم للبصر مع أنه يقع في الأكحال، قال: ويتغرغر بعصيره أو طبيخه مع دمن الخل من الخوانق، وأكله يصفي الصوت، وهو رديء للمعدة، وعصيره بالنبيذ نافع من الطحال واليرقان، وبيضه بطيء الهضم، وهو يدر البول والطمث: \" وإذا احتمل هو أو عصارته مع دقيق الشيلم \" أو زهره قتل الجنين، وإذا احتمل بزره بعد الجماع أفسد المنىّ، قال: ورماد أصله يفتت الحصاة، وعصارته مع الشراب للنهوش، وهو نافع من عضة الكلب الكَلِب.\rولم أقف على شعرٍ فيهما فأذكره، والله الموفق.\rالسلجم وهو اللفت فقال ابن وحشية في توليده: وإن أردتم السلجم فخذوا عرق الشوك المعقد فخزوا من عقده ثلاثا كبار، ثم أخذوا رأس عنزٍ بعد موتها فأدخلوا الثلاث عقدٍ فيه، ثم اطمروه بالأرض، واجعلوا فوقه كيله من الماء، فإنه بعد أربعين يوماً ينبت الورق ظاهرا، ويعمل الأصل بعد ذلك وأكثروا من سقيه الماء فإنه ينمي، وقال الشاعر يصفه:\rكأنما السلجم لما بدا ... في حسنه الرائق من غير مينْ\rقطائع الكافور ملمومة ... لمبصريها أو كرات اللجينْ\rوقال آخر:\rيا حبذا السلجم من مأكل ... بنفعه فاق جميع البقول\rكم فيه من منفعةٍ جمةٍ ... إحصاؤها من غير مينٍ يطول\rالفجل فقال ابن وحشية في توليده: وإن أردتم الفجل فخذوا من قرون المعز قرنين فانقعوهما في بول الناس سبعة أيام، اغرسوهما في الأرض، وذروا عليهما شيئاً يسيرا من حلتيت، واسقوهما ماء المطر يوما بعد يوم فإن ذلك ينبت لكم الفجل بعد أحد وعشرين يوماً.","part":3,"page":175},{"id":1176,"text":"وقال الشيخ الرئيس: أقوى ما في الفجل بزره، ثم قشره، ثم ورقه، ثم لحمه، ودهنه في قوة دهن الخروع، إلا أنه أشد حرارة منه. وقال في طبعه: الرطب منه حار في الأولى، وبزره حار في ثالثة، وهو يولد الرياح، لكن بزره يحللها، وفيه تلطيف، وغذاؤه بلغمي، وهو قليل مع ذلك، وفيه جوهر سريع إلى التعفن، قال وإن خلط معه دقيق الشيلم أنبت الشعر في داء الثعلب، وإذا ضمد به مع عسلٍ قلع الآثار العارضة تحت العين والقروح الخبيثة واللبنية، وبزره مع الخل يقلع قرحة غنفرانا قلعا تاما، وكذلك على القوباء، وبزره ينفع من النمش الكائن في الأعضاء وسائر الألوان الغريبة وآثار الضرب والكلف، وهو مع الكندس بخل طلاء يذهب البهق الأسود، وخصوصاً في الحمام، وهو يكثر القمل في الجسد، قال: وبزره يدفع الضربان الذي في المفاصل، وهو جيد لوجع المفاصل جداً، ، وهو يضر الرأس والأسنان والحنك، وعصارته ودهنه نافعان من الريح في الأذن جداً، وهو ضار بالعين، إلا أنه يجلو إذا قطر ماؤه فيها، ويذهب الآثار التي تحت المأق، وقال ابن ماسويه: إن ورقه يحد البصر، قال: والمطبوخ منه صالح للسعال العتيق والكيموس الغليظ المتولد في الصدر، قال: وإن طبخ بسكنجبينٍ وتغرغر به نفع من الخناق، وفيه مع ذلك مضرة بالحلق، قال: وهو رديء للمعدة مجشيء، وبعد الطعام ملين للبطن، منفذ للغذاء، وقبل الطعام يطفي الطعام ولا يدعه يستقر، وهو يسهل القيء، وخصوصاً قشره بالسكنجبين، ويوافق الجنب والطحال ضماداً، وبزره بالخل يقيء جداً، ويحلل ورم الطحال، قال ابن ماسويه: وإن أكل بعد الطعام هضم، وخاصة ورقه، وماء ورقه يفتح سدد الكبد، ويزيل اليرقان، وقال بعضهم: ورقه يهضم، وبزره وجرمه محللان للنفخ في البطن، ويسهلان خروج الطعام، ويشهيان، ويذهبان وجع الكبد، وماؤه جيد للأستسقاء، قال:وهو ينفع من نهش الأفاعي، وبالشراب من لسع العقرب، وبزره ينفع من السموم والهوام، وإن وضعت شدخة منه على العقرب ماتت، وجرب ماؤه في ذلك فكان أقوى، وإن لدغت العقرب من أكل فجلا لم تضره، هذا ما ورد من منافعه ومضاره.\rوقال بعض الشعراء يصفه:\rاحبب بفجلٍ قد أتتني به ... عند مسائي ذات أوقارِ\rكأنه في يدها إذ بدا ... مقشراً في وقت إفطاري\rقضبان بلورٍ وإلا فما ... يجمد من قطرِ الندى الجاري\rوقال آخر:\rاحبب بفجلٍ قد أتانى به ... طبّاخٌنا من بعد تقشيرِ\rمنضدٍ في طبقٍ خلته ... من حسنه قضبان بلورِ\rالجزر - فقال ابن وحشية في توليده: إن أخذتم نابي الخنزير فدهنتموهما بالزيت، وجعلتم في كل جانبٍ من جانبي النابين الحادين بعرة جمل، وطمرتموهما في الأرض خرج عن ذلك الجزر الحلو الجيد، وإن طمرتم قرنين من كبشين من كل واحدٍ قرناً مدهوناً بالزيت خرج من ذلك الجزر. وقال أيضاً: وأن أردتم الجزر فخذوا أصل السلجم فشقوه نصفين، واجعلوا في جوفه من البصل في كل رأس بصلتين، واحدة في أعلاه، وأخرى في أسفله، وليكونا أصلين، ثم ادهنوهما بالزيت، واطمروهما بالتراب، فإن ذلك يعمل أصلا هو الجزر، ويظهر ورقه على وجه الأرض. وقال الشيخ الرئيس: قال دِيسْقٌورِيدٌوس:من الجزر صنف ورقه أصغر من ورق الرّازِبانَج وفي صورته، وساقه إلى شبر، وفٌقّاحٌه أصفر، وله كصومعة الكزبرة والشبث، وله ثمر أبيض حاد طيب الرائحة والمضغ، والثاني يشبه الكرفس الرومي حريف محرق طيب الرائحة، والثالث ورقه كورق الكزبرة، أبيض الفقاح، شبثي الصومعة والثمرة، وله كأقماع الجوز محشوة بزرا كمونيا في هيئته وحدته، قال: وطبع الجزر حار في آخر الثانية، رطب في الأولى، وينفع بزره، وورقه إذا دق وجعل على القروح المتأكلة نفع منها، والجزر ينفع من ذات الجنب، ومن السعال المزمن، وهو عسر الهضم، والمربى أسهل هضماً، وينفع من الاستسقاء، ويسكن المغص، ويدر، خصوصاً البرى، وخصوصاً بزره، وكذلك ورقه، ويهيج الباه، وخاصة البستاني، فإنه أشد نفخاً، وليس يفعل ذلك بزر البري.\rالَّشقاقُل","part":3,"page":176},{"id":1177,"text":"وهو الجزر البري إن عد في الجزر - فهو أهيج للباء من البستاني، ويدر الطمث والبول، ورأيت على حاشية \" كتاب الأدوية المفردة \" للشيخ الرئيس في النسخة التي نقلت منها بخط من لعله استدرك على الشيخ ما صورته: الجزر نوعان: بستاني وبري، والمحلى عند دِيسْقٌورِيدٌوس ها هنا هو دوقو، وله ثلاثة أصناف، وليس هو من الجزر، ولما خلط الشيخ في الماهية خلط في المنافع. ودوقو، وهو جزر البري، هذا ما رأيته في الجزر.\rوقال الشاعر يصفه ويشبهه:\rأنظر إلى الجزر الذي ... يحكي لنا لهب الحريقْ\rكمديةٍ من سندسٍ ... فيها نصاب من عقيقْ\rقال ابن رافع:\rأنظر إلى الجزر البديع كأنه ... في حسنه قصب من المرجانِ\rأوراقه كزبرجدٍ في لونها ... وقلوبه صيغت من العِقبانِ\rالبصل وما قيل فيه: فقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: إنه حار في الثالثة، وفيه رطوبة فضلية، وأما أفعاله، فهو ملطف مقطع، وفيه مع قبضه جلاء وتفتيح قوي، وفيه نفخ وجذب للدم إلى خارج، ولا يتولد من غير المطبوخ منه غذاء يعتد به، وغذاء الذي طبخ أيضا خلط غليظ، قال: وللبصل المأكول خاصية، ينفع من ضرر المياه، وهو يحمر الوجه، وبزره يذهب البهق ويدلك به حول موضع داء الثعلب فينفع جدا، وهو بالملح يقلع الثآليل، وماؤه ينفع القروح الوسخة، وينفع مع شحم الدجاج لسَحْج الخف، وإذا سٌعِط ماؤه نقي الرأس، ويفطر في الأذن لثقل الرأس والطنين والقيحِ في الأذنين، والإكثار منه يُسْبِت، وهو مما يضر العقل لتوليده الخلط الرديء، وهو يكثر اللعاب، وعصارته تنفع من الماء النازل في العين، وتجلو البصر، ويكتحل ببزره بالعسل لبياض العين، وماءه مع العسل ينفع من الخناق، قال: والبصل يفتح أفواه البواسير، وجميع أنواع البصل تهيج الباه، وماؤه مدر للبول وملين للطبيعة، وينفع من عضة الكلب الكلبِ إذا نطل عليها ماؤه بملح وسَذاب، قال: والبصل المأكول يدفع ضرر السموم، قال بعضهم: لأنه يولد في المعدة خلطا رطبا كثير يكسر عادية السموم قال الشاعر يصفه:\rيكثرن من لبس الثياب تسترا ... كتم الحسود ليطمئن الحارسُ\rفإذا نظرت إلى ثياب وجدتها ... أثواب زورٍ ليس فيها لابسُ\rوقال ابن وكيع يصفه من أرجوزة:\rفاعمد إلى مدورٍ من البصل ... فإنه أكثر أعوان العملْ\rيحكي لعينيك احمرار قشره ... إذا رماه ناظر بفكرهِ\rغلائلا حمرا على جسومِ ... بيض رِطابٍ من جسومِ الرومِ\rالثوم وما قيل فيه: فقال الشيخ: منه البستاني المعروف، ومنه الثوم البري، وفي البري مرارة وقبض، وهو المسمى ثوم الحية، والكرّاثي مركب القوة من الثوم والكراث، مسخن ومجفف في الثالثة إلى الرابعة، والبري أكثر من ذلك، والثوم ملين يحل النفخ جدا، مقرح للجلد، ينفع من تغير البلاد، وإذا شرب بطبيخ الفُوتَنْج الحبلى قتل القمل والصئبان، ورماده إذا طلى بالعسل على البهق نفع، وينفع من داء الثعلب الكائن من المواد العفنة، والثوم البري يلصق الجراحات الخبيثة إذا وضع عليها طريا، وإذا احتقن بالثوم نفع من عرق النسا، لأنه يسهل دما وأخلاطا، قال : والثوم مصدع للرأس، وطبيخه ومشويه يسكن وجع الأسنان، وكذلك المضمضة بطبيخه، وخصوصا إذا خلط بالكٌنْدٌر، قال: والثوم مضعف للبصر، ويجلب بثور في العين، ويصفي الحلق مطبوخاً، وينفع من السعال المزمن، ومن أوجاع الصدر من البرد، ويخرج العلق من الحلق، وإذا جلس في طبيخ ورق الثوم وساقه أدر البول والطمث وأخرج المشيمة، وكذلك إذا احتمل أو شرب، وإذا دق منه مقدار درهمين مع ماء العسل أخرج البلغم، وهو يخرج الدود، وفيه إطلاق للطبع، وأما فعله في الباه فإنه لشدة تجفيفه وتحليله قد يضر، فإن طبخ في الماء حتى انحلت فيه حدته لم يبعد أن يكون ما يبقى منه في مسلوِقه قليل الحرارة لا يجفف، وتتولد منه مادة المنىّ، قال: والثوم نافع للسع الهوام ونهش الحيات إذا سقي بشراب، قال: وقد جربنا ذلك، وكذلك من عضة الكلب الكلبِ، وإذا ضمد بالثوم وبورق التين وبالكمون على عضة مٌوغالِي نفع، هذا ما أورده الشيخ فيه.\rوقال الشاعر يصفه:\rيا حبذا ثومة في كف طاهيةٍ ... بديعة الحسن تسبى كل من نظرا","part":3,"page":177},{"id":1178,"text":"أبصرتها وهي من عجب تقلبها ... كصرة من دَبِيقيٍّ حوت دررا\rوقال آخر:\rالثوم مثل اللوز إن قشرته ... لولا روائحه وطعم مذاقه\rكالنَّدْلِ غرك منظرا فإذا ادعى ... لفضيلة ينمى إلى أعراقه\rالكُرّاث وما قيل فيه: فمنه الشامي والنبطي، ولكل منها توليد ذكره أبو بكر بن وحشية في كتاب \" أسرار القمر \" فقال: وإن أردتم الكُراّثَ الشامي فخذوا مقلة واحدةً فاغمسوها في سَكْبِينجٍ محلولٍ ببولٍ أي بولٍ اتفق، ثم اطمروها في التراب، واسقوها الماء، فإنها تنبت بعد ثلاثين يوماً، وتعمل أصولا جيادا.\rوإن أردت الكٌراثَ النبطي فخذوا قشر الجوز فألقوه على قيرٍ مغلي، واتركوه قليلا بقدر ما يعلق به من القِيرِ شيء يسير على أطرافه وجوانبه، وما لم يعلق به شيء فردوه إلى أن يعلق، ثم اجمعوا ذلك القشر وادفنوه في التراب، وألقوا عليه قبل التراب شيئاً من خردلٍ مسحوق، ثم اسقوه بالماء، فإنه ينبت في أحد وعشرين يوما كٌرّاثا نبطيا.\rقال الشيخ الرئيس: الكرّاث منه الشامي، ومنه نبطي، ومنه الذي يقال له كراث بري، وهو بين الكُرِاث والثوم، وهو أشبه بالدواء منه بالطعام، والنبطي أدخل في المعالجات من الشامي، وطبع النبطي حار في ثالثة، يابس في ثانية، والبري أحر وأيبس، ولذلك هو أراد، والشامي مع السٌّماّق للثآليل، ويذهب الشَّرَى ومع الملح للقروح الخبيثة، والبري لقروح الثدي، قال: وهو يقطع الرعاف. وقال غيره: ماء الكُرّاثِ النبطي يقطع الرعاف وسيلان الدم إذا خلط به شيء من كٌنْدٌرٍ مسحوق. قال الشيخ: ويبخر ببزره من القطران للسن التي فيها دود، وأكله مصدع، يخيل أحلاما رديئة، ورماده مع دهن وردٍ وخل خمرٍ لوجع الأذن وطنينها، وهو مما يفسد اللثة والأسنان، وخصوصا الشامي، وهو يضر البصر، وهو مع ماء الشعير للرَبو الكائن من مادةٍ غليظة، وخصوصا النبطي، وخصوصا مع العسل، وينفع من أورام الرئة وينضجها، ويعطي من بزره ودرهمان مع مثله حب الآس لنفث الدم، والبري منه رديء للمعدة، أردأ من الشامي، والكراث كله نفاخ، وقال روفس: إنه يقطع الجُشاء الحامض، قال الشيخ: وهو بالجملة بطيء الهضم، وهو يدر البول والطمث، لا سيما النبطي والبري، ويضران المثانة والكلية، ومسلوقه ينفع البواسير مأكولا وضمادا، ويحرك الباه، وكذلك بزره ملقوا، قال: وبزره مقلوا مع الحب الآس للزحير ودم المعقدة، ويجلس في طبيخ ورقه بماء، وهو نافع من انضمام الرحم والصلابة فيها، وطبيخ أصوله إسْفِيدْباجَةً بدهن القرطم أو دهن اللوز أو شَيْرَجٍ نافع للقُولَنْج، ولم أقف فيه على شعرٍ فأورده.\rالرِّيباس وما قيل فيه: فقال الشيخ: الرَّيباس له قوة حُماَّضِ الأتْرُجِّ والحصرم، وهو بارد يابس في الثانية، وهو مطفيء، قاطع للدم، يسكن الحرارة، وينفع في الطاعون، ويحد البصر إذا اكتحل بعصارته، وينفع من الإسهالِ الصفراوي، وينفع من الحصبة والجدري والوباء.\rقال أبو بكر الخوارزمي يصفه:\rولعبة عاجٍ في قميص موردٍ ... أسافله خضر وأزراره حمرُ\rكأن يديها والأنامل خضبتْ ... وشدت على أطرافها خرق خضرُ\rوقال آخر:\rونبات لم يكتس الورق الخض ... ر ولم يغذه نسيم الهواءِ\rلا ولا كان في الثرى فتغذي ... ه بتسكابِها يد الأنواءِ\rجاء مثل السياط أو كالمساوي ... ك وبعض يحكي عصى الرعاءِ\rلذ طعام وعم نفعا فأي الن ... قل منه نلقي وأي الدواءِ\rقوله: \" لا ولا كان في الثرى \" ، يشير إلى أنه لا ينبت إلا في الثلج.\rوقال آخر:\rومكنونةٍ في بنات الثرى ... تجمع بالباب خطابها\rتمد يدا أبرزت كفها ... يجر الزمرد عنابها\rالِهلْيَوْن وما قيل فيه:","part":3,"page":178},{"id":1179,"text":"فقال ابن وحشية في توليده: متى دفنتْ أطراف قرون الكباش مع ورق السلق، وسقيا بالماء، نبت من ذلك الِهْليَوْن، قال: وإن أخذ من الِهْليَوْن قضيب واحد وطلي بالعسل، ومرغ في رماد البلوط وألبس طينا، وطمر في الأرض، خرجت منه عدة عيدانٍ كثيرة القضبان، بيضٍ في غاية البياض، وربما كان في بعضها حمرة حولها صفرة، وربما خالطها خضرة وتوريد. وقال الشيخ الرئيس فيه: طبعه معتدل عند جالِينٌوس، قال: إنه ليس فيه إسخان ولا تبريد إلا الصخري، قال الشيخ: أقول: لا يبعد عن الحرارة، وكلما أخذ يصلب أشتد حره، وقال في أفعاله وخواصه: قوته جالية، تفتح سدد الأحشاء كلها، خصوصاً للكبد والكلية، وفيه تحليل، خصوصاً الصخري، قال: ويشرب طبيخه لوجع الظهر وعرق النسا، وإذا طبخ أصله بالخل وكذلك بزره فهو جيد لوجع الضرس، وينفع من اليرقان، قال: والأغلب يقولون فيه: إنه ينفع من القُوَلنْج البلغمي، وطبيخ أصوله يدر البول وينفع عسره، ويزيد في الباه، وبزره إذا احتمل أرد الطمث، وبفتح سدد الكلى، قال: وإذا طبخ بالشراب نفع من نهشة الٌّرتَيْلاء، وطبيخه يقتل - فيما يقال - الكلاب.\rوقال الشاعر يصفه:\rوباقة هليونٍ أتت وهي غضة ... فشبهتها تشبيه ذي اللب والفضلِ\rبرشق نبال جمعت من زبرجدٍ ... مشنفةِ الأعلى مفضضةِ الأصلِ\rوقال أبو الفتح كشاجِم:\rلنا رماح في أعاليها أود ... مثقفات الحسم فتل كالمسدْ\rمنتصبات في انفراجٍ كالعمد ... مكسوة من صبغة الفرد الصمدْ\rثوبان من السندس من فوق جسد ... قد أشربت حمرة لونٍ لتقدْ\rالهندبا وما قيل فيها: فقال ابن وحشية:إن أردتم الهندبا فخذوا من أصول الأشنان فدقوه واخلطوا به ورق الهندبا مدقوقا، وصبوا عليه اليسير من الزيت، وخمروه في إناء ثلاثة أيام، ثم اجعلوه في الأرض، وطمروه بالتراب فإنه يخرج بعد أربعة عشر يوما هندبا، قال: وإن أردتموه أيضاً فخذوا رجل ديكٍ فانقعوها في خل ممزوجٍ بماءٍ يوما وليلة، ثم انقعوها في بول البقر ثلاثة أيام، ثم طمروها في الأرض، فإنه يخرج من ذلك نوع آخر من هندبا، والذي ينبت من أصول الأشنان أشد مرارةً وأغلظ ورقا، لكنه أنفع للكبد. قال الشيخ الرئيس: الهندبا منه بري ومنه بستاني، وهو صنفان: عريض الورق، ودقيقه، وأنفعه للكبد أمره، وقال في طبعه: إنه بارد في آخر الأولى و يابسه يابس في الأولى، ورطبه رطب في آخر الأولى، والبستاني أبرد وأرطب، قال: وتشتد مرارته في الصيف فيميل إلى حراراة لا تؤثر، والبريٌّ أقل رطوبة وهو الَّطْرخَشْقٌوق، وقال في أفعاله وخواصه: انه يفتح سدٌدَ الأحشاء والعروق، وفيه قبض صالح وليس بشديد، وماؤه مع الإسْفِيدَاجِ والخل عجيب في تبريد ما يراد تبريده طلاءً، قال: ويضمد به النقرس، وينفع من الرمد الحار، ولبن الهندبا البري يجلو بياض العين، ويضمد به مع دقيق الشعير للخفقان، ويقوي القلب، وإذا حل خيار شنبر في مائه وتغرغِر به نفع من أورام الحلق، وهو يسكن الغثى، ويقوي المعدة وهو خير الأدوية لمعدةٍ بها مزاج حار، والبري أجود للمعدة من البستاني، وقيل: أنه موافق لمزاج الكبد كيف كان، أما الحار فشديد الموافقة له، وليس يضر البارد ضرر سائر أصناف البقول الباردة، وإذا أكل مع الخل عقل البطن، وهو نافع لحمى الربع والحميات الباردة، وإذا جعل ضمادا مع أصوله للسع العقرب والهوام والزنابير والحية وسام أبرص نفع، وكذلك مع السويق.\rالنعنع وما قيل فيه:","part":3,"page":179},{"id":1180,"text":"فقال ابن وحشية: هو أحد منابت أنواع تحت جنس واحد يسمى الفودنج، والفودنج خمسة ضروب: جبلي وصخري، وبري، ونهري، وبستاني، فالجبلي والصخري والبري واحد، وأما النهري فالنمام، والبستاني: النعنع، وكلاهما نوع واحد، وذلك ان النمام لما نقل من شطوط الأنهار إلى البساتين صار نعنْاع، ونقص رِيحه، وكبر ورقه وطال لكثرةِ رِيه وشربِه. وقال في توليده: وإن أردتم فودَنْجا بستانيا فخذوا رجلي دجاجةٍ وادهنوهما بعكر الزيت، وادفنوهما في التراب ثلاثة أيام، ثم أغرسوهما في الأرض واجعلوا الأصابع إلى فوق، ثم اجعلوا فوقها عود سذابٍ عرضا، ثم نقطوا عليه زيتاً، ثم ألقوا عليه التراب، واتركوه ثلاثا، ثم صبوا عليه الزيتاً في اليوم الرابع مقدار ما تعلمون أن شيئا من الزيت قد وصل إليه، فإنه يخرج بعد أحدٍ وعشرين يوما نعْنعاً ذكي الرائحة. وفيها الشيخ الرئيس في النمام: النمام، وهو السِّيسَنْبَر، وطبعه حار في الثالثة يابس إليها، وهو يقاوم العفونات، ويقتل القمل، وينفع من الأورام الباردة، وإذا طبخ بالخل وخلط بدهن الورد ولطخ به الرأس نفع من النسيان ومن اختلاط الذهن، ويتضمد بورق البري منه على الجبهة للصداع، وهو نافع للفواق إذا شرب بشراب، وبزره أقوى، وينفع من أورام الكبد الباردة، ويخرج الجنين الميت، والبري منه إذا شرب بشراب منع من تقطير البول، وأخرج الحصاة وينفع من المغص، ويضمد به لسع الزنانير، ويشرب للسعها منه وزن درهمين في سِكَنْجِبين.\rوقال في النعناع: هو حار يابس في الثانية، وفيه رطوبة فضلية، وقوة مسخنة قابضة، وهو ألطف البقول المأكولةِ جوهرا، وإذا تركت طاقات منه في اللبن لم يتجبن، وإذا شربت عصارته بالخل قطعت سيلان الدم من الباطن، وهو مع السوبق ضماد للدٌّبيلات، وتضمد به الجبهة للصٌّداع، وخصوصا مع سويق الشعير، وتدلك به خشونة اللسان فتزول، ويمنع قذف الدم ونزفه، ويعقد اللبن في الثدي ضمادا، ويسكن ورمه، وهو يقوّي المعدة ويسخَّنها، ويسكن الفواق ويهضم، ويمنع القيء البلغميَّ والدّمويّ، وينفع من اليرقان، وخصوصا شرابه، وهو يعين على الباه لنفخ فيه، ويقتل الديدان، وإذا احتمل قبل الجماع منع الحبل، وهو نافع لعضة الكلب الكَلبِ.\rقال أبو إسحاق الحضرمي في النَّمّام:\rأرى النمام بالصوت الفصيح ... ينادي الشرب حيَّ على الصَّبوحِ\rبدا لك في مطارفه وأبدي ... روائح تَستقلّ بكل ريحِ\rفقمْ واعص النّصيحَ وكن مطيعا ... لنا فالعيش عصيان النَّصيحِ\rوقال آخر:\rحَيّيتها بتحيةٍ في مجلسٍ ... بقضيب نمامٍ من الرَّيحانِ\rفتطيّرتْ منه وقالت:ألقِه ... لا تقربنّ مضيَّعَ الكتّمانِ\rوقال آخر:\rلا بارك الله في النَّمام إن له ... اسما قبيحا من الأسماء مهجورا\rلو لم ينم على العشّاق سرهم ... ما كان فيهم بهذا الاسمِ مشهورا\rوقال ابن رشيق - وخالف الأول فيه:\rلم كره النمام أهل الهوى ... أساء إخواني وما أحسنوا\rإن كان نماما فتنكسيهٌ ... من غير تكذيبٍ لهم مأمنُ\rالجِرجِير وما قيل فيه: فقال ابن وحشية: وأن أردتم جرجيراً فخذوا خنفساء كبيرة، ومن ورق الباذْرَنْوُيَه ثلاثة قصبان، واسحقوه مع الخنفساء، ثم خذوا سبع حبات حمصٍ أسود، واقلوها، وألبسوها الذي سحقتم، واطمروه في الأرض، ولا تسقوه بالماء، ولتكن أرضا نديةِّ بالقرب من نباتٍ يسقي دائماً فإنه يخرج من ذلك الجرجير. وقال الشيخ الرئيس: الجرجير منه بريٌّ ومنه بستانيّ، وبزر الجرجير هو الذي يستعمل في الطبيخ بدل الخردل، وهو حار في الثالثة، يابس في الأولى، وفي رطبه رطوبة في الأولى، وهو ملين منفَّخ، وماؤه بمرارة البقر ينفع لآثار القروح، وهو مصدَّع، خصوصا إذا أكل وحده، والخسٌّ يمنع هذا الضرر منه، وكذلك الهِنْدَبا والَّرجْلة، وهو مدر للبن، وفيه هضم للغذاء، والبري منه مدر للبول محرك اللباه والإنعاظ، خصوصا بزره، وإذا أكل وشرب عليه الرَّيْحانيٌّ فهو دِرْياق لعضة ابنِ عِرْس.\rالسَّذاب وما قيل فيه:","part":3,"page":180},{"id":1181,"text":"فقال ابن وحشية: إن أردتم سذابا فخذوا رجلي ديكٍ فانقعوهما في عصارة الفودَنجْ البري أربعة أيام، ثم اغمسوهما في الزيت واغرزوهما في الأرض، وجعلوا فوق أصابع كل رجلٍ حجرين من الكٌنْدٌر أكبر ما تقدرون عليه، ثم طاقةً من سذابٍ يابسٍ عرضا، واطمروه في التراب، فإنه بعد أحد وعشرين يوما يخرج منه السَّذاب، فحولوه من منبته إلى بقعةٍ أخرى، فإنه يشتدّ ويقوي، ومن خاصية السذاب أن الحائض إذا مسته بيدها جف، وهو إذا زرع في أصل شجرة التين نقصت حرارته وحرافته لما بينهما من الموافقة. وقال الشيخ الرئيس: أوفق السذاب البستاني ما ينبت عند شجرة التين، وطبع السذاب الرطب منه حار يابس في الثانية، واليابس حار يابس في الثالثة: واليابس البري حار يابس في الرابعة، وهو مقطع محلل مٌفِشٌّ جداً،منق للعروق مقرح قابض، وهو مع النٌّطْرون على البهق الأبيض وعلى الثآليل والتوثِ نافع ويذهب رائحة الثوم والبصل، وينفع من داء الثعلب، وإذا دق وضمد به مع الملح عضو أحدث عليه ورما حارا، وإذا جعل على خنازير الحلق والإبط حللها والصمغ أقوى في جميع ذلك، وإذا جعل مع السمن والعسل على القوابي ومع الخل والإسِفيداج على النملة والحمرة نفع وينفع من الفالج وعرق النسا وأوجاع المفاصل شرباً وضماداً بالعسل، ويضمد به مع السَّويق للصداع المزمن، وعصارته المسخنةٌ في قشور الرمان تقطر في الأذن فتنفعها، وتسكن الوجع والطنين والدوي، وتقتل الدود، وتطلي بها قروح الرأس، وهو يحد البصر، وخصوصا عصارته مع عصارة الرازبانج والعسل كحلا وأكلا، وقد يضمد به مع السويق على ضربان العين، وطبيخ الرطب منه الشبث اليابس نافع لوجع الصدر وعسر النفس على ما شهد به رُوفُس ويضمد به مع التين الأستقساء اللحميّ، ويسقى شراب طبخ فيه السَّذاب، وإذا شرب من بزره من درهمٍ إلى درهمين للفُواق البلغميِّ سكَّنه، وهو يُمْريء ويشهي ويقوي المعدة، وينفع من الطحال، وهو مجفف المنى ويقطعه، ويسقط شهوة الباه ويحقن به مع الزيت لأوجاع القولنج، ويوضع بالعسل على القروح المعقدة، ويغلي في الزيت ويشرب للديدان، قال: والنوعان يستفرِغان فضول البدن بالإدرار، ويضمد به وبورق الغار على الأنثيين لأورامهما، وأكله ينفع من الحمى النافض والتمريخُ بدهنه، وهو يقاوم السموم، والإكثار من أكل البري قاتل. ولم أقف على وصفٍ فيه فأورده.\rالطَّرْخُون فهو صنفان: بابليّ، وهو طويل الورق، وروميّ، وهو مدوَّر، قال ابن وحشية في توليده: وأن أردتم الطَّرْخُون فخذوا من عروق العشر وورقه فدقوا ذلك دقا يسيرا بلاسحق، ثم صروه في صرةٍ واحدةٍ أو صررٍ في ورق الفجل الكبار، واطمروه في الأرض، فإنه يخرج لكم منه الطرخون. وقال الشيخ الرئيس: قالوا: إن العاقر قرحا هو أصل الطرخون الجبليّ، قال: وطبعه الظاهر أنه حاَّر يابس إلى الثانية، وإن كانت فيه قوة مخدرة، قال: وقال بعض من لا يعتمد عليه: إنه بارد يابس. قال الشيخ: وهو مجفف للرطوبات، وفيه تبريد ما، وإذا مضغ وأمسك في الفم نفع القُلاع، وهو يحدث وجع الحلق، وهو عسر الهضم، وهو يقطع شهوة الباه.\rالإسفاناخُ وما قيل فيه: أما توليده فقال ابن وحشية فيه: خذوا عروق الخطميِّ ولفوا عليها من ورق الخسَّ الرَّطْب، وانقعوها في الشيرجِ يوما ثم اطمروها في التراب، فإنها تنبت بعد سبعة أيامٍ إسفاناخا. وأما طبعه وأفعاله - فقال الشيخ: هو بارد رطب في آخر الأولى، وهو ملين، وفيه قوة جالية غسّالة، ويقع الصّفراء، وينفع من أوجاع الظّهر الدّمويّة ونافعٌ من وجع الصّدر والرّئة.\rالبقلةُ الحمقاء","part":3,"page":181},{"id":1182,"text":"وهي اليرسا، وتسمى الرجلة والفَرْفَحِين: أما توليدها - فقد قال: وإن أردتم يرسا - وهي البقلةُ الحمقاء - فخذوا عروق القطن وورقه رطبين فدقوها دقا يسيرا وغرقوهما باللبن الذي قد أنبذ فيه الحمص، ثم اطمروه في الأرض، فإنه بعد أسبوع تثبت منه هذه البقلة والذي نعرفه نحن من أمرها أنها تنبت في أرض قصب السكر من غير معالجة. وأما طبعها وفعلها - فقال الشيخ والرئيس: إن طبعها بارد في الثانية رطب في آخرها، وإن فيها قبضا يمنع النزف والسيلانات المزمنة، وغذاؤها قليل غير مذموم، وهي قامعة للصفراء جدا، قال: ومن خاصيتها أنها تحك بها الثآليل فتقلها، وهي ضماد للأورام الحارة التي يتخوف عليها الفساد، وللحمرة، وتنفع البثور في الرأس غسلا بها، وتسكن الصداع الحار الضّربانيّ، وتنفع من الرمد، وتدخل في الأكحال والإكثار منها يحدث الغشاوة، وتنفع التهاب المعدة شربا وضمادا، وتنفع الكبد الملتهبة، وتمنع القيء، وتنفع من أوجاع الكلى والمثانة وقروحهما، وتقطع شهوة الباه، وزعم ما سرجويه أنها تزيد في الباه. قال الشيخ: ويشبه أن يكون ذلك في الأمزجة الحارة اليابسة، وهي تحبس نزف الدم من الحيض، وينفع ماؤها من البواسير الدامية، ومن الحميات الحارة، قال: وإن شويت وأكلت قطعت الإسهال.\rالُحّماض وما قيل فيه: فقال ابن وحشية: وإن أردتم الُحّماض فخذوا من اليرسا ثلاثا أو أربعا فانقعوها في ماءٍ وخل ثلاثة أيام، ثم خذوا عرقا من عروقها أو عرقين فاجعلوهما في الأرض، واجعلوا الطاقات المنقوعة فوقهما ثم صبوا عليها ذلك الخل الممزوج، واطمروها، فإنها تنبت لكم الحماض. وقال الشيخ الرئيس: الحماض منه البستاني ومنه بريء \" يقال له: السلق البري، وليس في البري، وليس في البري كله كما يقال حموضة، بل لعل في بعضه حموضة، والبري أقوى في كل شيء، وطبعه بارد يابس في الثانية، وبزره بارد في الأولى، يابس في الثانية، وفيه قبض، وفي التَّفه منه التحليل يسير، والحامض أقبض، والذي ليس شديد الحموضة أغذى، وهذا هو الشبيه بالهندبا، وكله يقمع الصفراء، وخلطه محمود، وأصله بالخل ينفع لتقشير الأظفار، وإذا طبخ بالشراب نفع ضماده من البرص والقوباء، وقيل: إن أصله إذا علق في عنق صاحب الخنازير انتفع به، وأصله بالخل للجرب المتقرح والقوابي، وطبيخه بالماء الحار ينفع من الحكة، وكذلك هو نفسه في الحمام، وإذا تمضمض بعصارته نفع من وجع السن، وكذلك بمطبوخه في الشراب، وينفع الأورام التي تحت الأذن، وينفع من اليرقان الأسود بالشراب، ويؤكل لشهوة الطين، وبزره يعقل البطن، وقد قيل: إن ورقه تليينا ما، وفي بزره عقل مطلق، وقال بعضهم: إن بزر الحماض غير مقلوٍّ فيه إزلاق وتليين، وأصله مدقوقا لسيلان الرحم وتفيت حصاة الكلية إذا شرب في شراب، واللزوجة التي فيه تنفع من السَّحْج العارض من يبس الثٌّفْل، وهو ينفع من لسع العقرب، وخصوصا البري، وإن استعمل بزره قبل لسع العقرب لم يضر لسعها.\rالرّازِيانَج وما قيل فيه: فقال ابن وحشية: إن أخذتم أخثاء الخنزير فخلطتموها بدمه، ولفقتموها في شيءٍ من جلده، ثم طمرتموها بالتراب الذي له نزوفيه رطوبة، خرج عن ذلك الرّازِيانَج. قال الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا: \" والرّازِيانَجُ نبطي ورومي فأما النبطي: فمنه بري، ومنه بستاني، والبري أشد حرارة ويبسا، وأولى بالثالثة، وأما البستاني فتكون حرارته في الثانية، قال: الراّزِيانَجُ يفتح السدد ويحد البصر، خصوصا صمغة، وينفع من ابتداء الماء، وزعم إبٌّقراطيس أن الهوائم ترعى بزر الرازيانج الطري ليقوي بصرها، والأفاعي والحيات تحك أعيانها عليه إذا خرجت من مآويها بعد الشتاء استضاءةً للعين، ورطبه يغزر اللبن، وخصوصا البستاني، ويدر البول والطمث، والبري خاصةً يفتِّت الحصاة، وفيهما منفعة للكلية والمثانة، والبري ينفع من تقطير البول، وينقي النٌّفساء، وإذا أكل بزره مع أصله عقل،وينفع من الحميات المزمنة، وطبيخه بالشراب ينفع من نهش الهوام، ويدق أصله ويجعل طلاء من عضة الكلب الكَلبِ.","part":3,"page":182},{"id":1183,"text":"\" وأما الرومي: وهو الذي بزره الأنيُسون \" فقال جالِينُوس: هو حار في الثانية، يابس في الثالثة. وقال الشيخ: وهو مفتح مع قبضٍ يسير، وهو مسكن للأوجاع، محلل للرياح، وخصوصا إن قلي، وفيه حدة يقارب بها الأدوية المحرقة وينفع من التهيج في الوجه، وورم هو مفتح مع قبضٍ يسير، وهو مسكن للأوجاع، محلل للرياح، وخصوصا إن قلي، وفيه حدة يقارب بها الأدوية المحرقة وينفع من التهيج في الوجه، وورم الأطراف، وإذا بخر به واستنشق برائحته سكن الصداع، وإن سحق وخلط به دهن الورد وقطر في الأذن أبرأ مما يعرض في باطنها من صدعٍ عن صدمةٍ أو ضربة، وينفع من السبل المزمن، ويسهل النفس ويدر اللبن، ويقطع العطش الكائن عن الرطوبات البورقية، وينفع من سدد الكبد والطحال، ومن الرطوبات، ويدر البول والطمث الأبيض، وينقي الرحم من سيلان الرطوبات البيض، ويحرك الباه، وربما عقل البطن، وهو يفتح سدد الكلي ويدفع ضرر السموم والهوام، والله أعلم. وقال ابن وكيع في الرازيانج:\rأخذت من كف الغزال الأحورِ ... غصنا من البسباسِ ممطورا طرِي\rكأنه في عين كل مبصرِ ... مذبة من الحرير الأخضرِ\rالكرفس وما قيل فيه: فقال الشيخ الرئيس: الكرفس منه جبلي ومنه بري، ومنه بستاني، ومنه ما ينبت في الماء وبقربه، وهو أعظم من البستاني وقوته كقوته \" ومنه نوع يسمى سُمُرْنِيُون \" أعظم من البستاني أجوف الساق إلى البياض، وقد يختلف بالبلاد، فمنه رومي، ومنه غيره، قال: وأقواه الرومي ثم الجبلي، وطبعه في أولى الحرارة، وثانيه اليبوسة. وقال روفس: البستاني رطب إلا أصله، فهو يابس اتفاقا، قال: وهو محلل للنفخ، مفتح للسدد، مسكن للأوجاع، ومرمر باه أوفق للمحور، والبري ينفع لداء الثعلب، ولتشقيق الأظفار والثآليل وشقاق البرد، والبستاني مطيب للنكهة جداً، والبري مقرح إذا ضمد به ولذلك ينفع من الجرب والقوباِء، ومن الجراحات إلى أن تنختم، خصوصا سُمُرْنيُون و سُمُرِنيُون يوافق جميع أجزائه عرق النسا، والكرفس البستاني يدخل في أضمدة أوجاعِ العين، وينفع السعال، وخصوصا سُمُرْنيُون، وكذلك ضيق النفس وعسره، وهو من أدوية أورام الثدي الحارة، وينفع الكبد والطحال، ويحرك الجُشاءَ لتحليه، وليس سريع الأنهضام والأنحدار، وفي بزر الكرفس تغثية وتقيء إلا أن يقلي، قال: وقال بعضهم: إن جميع أصله نافع المعدة. ويقول روفس: لا، بل قد يجلب إليها رطوباتٍ رديئةً حادة، وقال جالينوس: إنه مما يصلح أن يؤكل مع الخس، فإنه يعدل برد الخس، وبزره ينفع من الأستقساء، وينقي الكبد ويسخنها، وهو يدر البول والطمث، وهو رديء للحوامل، وهو ينقي الكلية والمثانة والرحم، وينفع من عسر البول، ويخرج المشيمة، خصوصا سُمُرْنِيُون ويملاء الرحم رطوبةً حريفةً إذا أدمن أكله. قال: وقال بعضهم: الكرفس يهيج الباه، حتى قال: يجب أن تمنع المرضعة من تناوله لئلا يفسد لبنها لهيجان شهوة الباه، والرومي جيد لقولون والمثانة والكلية، وطبيخه مع العدس يتقيأ به بعد شرب السم، وإذا لسعت العقرب من أكله اشتد به الأمر. انتهى القسم الأول.\rالقسم الثاني من الفن الرابع وفيه ثلاثة أبواب\rالأشجار\rالباب الأول من هذا القسم من هذا الفن\rفيما ثمره قشر لا يؤكل\rويشمل هذا الباب على اللوز والجوز والجلوز والفستق والشاه بلوط والصنوبر والرمان والموز والنارنج والليمون اللوز","part":3,"page":183},{"id":1184,"text":"فقال الشيخ الرئيس في طبيعته: الحلو معتدل إلى رطوبة والمّر حار يابس في الثانية، وقال في أفعاله وخواصه: في جميع أصناف اللوز جلاء وتنقية وتفتيح، لكن الحلو أضعف من المّر في تفتيحه، لأنه ملطف ودهنه أخف من حرمه، والمر ينفع من الكلف والنمش والأثر، ويبسط تشنج الوجه، وأصل المر إذا طبخ وجعل على الكلف كان دواءً قوياً، وأكل اللوز الحلو يسمن، والمربى بالشراب جيد للشَّرى، ويطلى به بالعسل الساعية والنملة ويطلى به بالخل أو بالشراب على القوابي، والمر أبلغ في ذلك، وهو جيد لوجع الأذن والدوي فيها، وخصوصا المر دهنا ومسحوقا بحالة ومسموحا، وإذا غسل الرأس به وبالشراب نقى الرطوبة والحزاز ونوم، وإذا شرب المر قبل الشراب منع السكر، وخصوصا خمسين عددا، وشجر اللوز المر إذا دق ناعما وخلط بالخل ودهن الورد وضمد به الجبين نفع الصداع، وكذلك دهن اللوز المر ينفع منه، وهو يقوي البصر، واللوز المر مع النشا الحنطة جيد لنفث الدم، وينفع من السعال المزمن والربو وذات الجنب، وخصوصا دهن الحلو، وسويق اللوز نافع من السعال ونفث الدم، وهو يفتح سدد الكبدوالطحال، وخصوصا المر، فإنه يفتح السدد العارضة في أطراف العروق، وإذا أكل الطري بقشره نقي بلة المعدة، وهو عسر الهضم، جيد الخلط، قليل الغذاء، وإذا كان بالسكر انحدر سريعا، ودهن المر ينقي الكلية والمثانة ويفتت الحصاة، وخصوصا مع الإيرساء شربا، وربما نفع ضمادا معه ومع دهن الورد، وينفع الأوجاع الرحم وأورامها الحارة وصلابتها وعسر البول ووجع الكلى، ويحتمل فيدر الطمث، والحلو نافع من القولنج لجلائه، والمر أنفع، ودهنه أخف من جرمه. قال وينفع من عضة الكلب والكَلبِ.\rوأما ما وصفه به الشعراء وشبهوه - فمن ذلك قول ابن المعتز:\rثلاثة أثوابٍ على جسدٍ رطبِ ... مخالفة الأشكال من صنعة الربِّ\rتقيه الردى في ليلهِ ونهارهِ ... وإن كان كالمسجون فيها بلا ذنبِ\rوقال آخر:\rأما ترى اللوز حين ترجله ... عن الأفانين كف مقتطفِ\rوقشره قد جلا القلوب لنا ... كأنها الدر داخل الصدفِ\rوقال آخر:\rجاء بلوزٍ أخضرِ ... أصغره ملء اليدِ\rكأنما زِئْبِرُه ... نبت عذارِ الأمردِ\rكأنما قلوبه ... من توأمٍ ومفردِ\rجواهرٌ لكنّما ... الأصداف من زبرجدِ\rوقال أبو طالب المأموني:\rومستجنٍّ عن الجانين ممتنعٍ ... بخلةٍ لم تحكها كف نساجِ\rدر تكون من عاجٍ تضمنه ... في البر لا البحرِ أصداف من الساجِ\rوقال آخر في لوزةٍ بقلبين:\rومهدٍ إلينا قد تضمنتْ ... لمبصرها قلبين فيها تلاصقا\rكأنهما حباّن فازا بخلوةٍ ... على رقبةٍ في مجلسٍ فتعانقا\rالجوز فقال الشيخ: هو حار، ودرياقه للمحرورين السِّكَنْجبَيِن، ولضعفاء المعدة المربى بالخل، وهو حار في الثانية يابس في أولها ويبسه أقل من حره، وفيه رطوبة غليظة تذهب إذا عتق. وأما أفعاله وخواصه - ففي مقلوه قبض، وورقه وقشره كله قابض للنزف، وقشره المحرق مجفف بلا لذع، ودهن العتيق منه كالزيت العتيق، وجلاء العتيق قوى، ولبه الممضوغ يجعل على الورم السوداوي المتقرح فينفع، وصمغه نافع للقروح الحارة منثوراً عليها وفي المراهم، وهو مع عسلٍ وسذابٍ ينفع التواء العصب، وعصارة ورقه تفتر وتقطر في الأذن فتنفع من المدة. وقيل: إنه مثقل للسان مبثر للفم، وعصارة قشره وربه يمنع الخناق، ويضر بالسعال، وهو عسر الهضم رديء للمعدة، والمربي والرطب أجود للمعدة وأفل ضرراً، والمربى بالعسل نافع للمعدة الباردة، وقشره يحبس نزف الطمث، والمربى نافع للكلية الباردة، ورماد قشره يمنع الطمث شربا بالشراب وحملا، والجوز مع التين والسذاب دواء لجميع السموم ومع البصل والملح ضماد على عضة الكلب الكلبِ وغيره. وأما ما وصفه به الشعراء وشبهوه - فمن ذلك قول شاعر:\rجاء بجوازٍ أخضرِ ... مكسرٍ مقشرِ\rكأنما أرباعه ... مضغة علكِ الكندرِ\rوقال آخر:\rوالجوز مقشور يروق كأنه ... لونا وشكلا مصطكى ممضوغُ\rوقال أبو طالب المأموني:","part":3,"page":184},{"id":1185,"text":"ومحقق التدوير يبعد نفعه ... من كف من يجنيه مالم يكسرِ\rدر يسوغ لآكليه يضمه ... صدف تكون جسمه من عرعرِ\rمتدَّرع في السلم فوق غلالةٍ ... درعا مظاهرةً بثوبٍ أخضرِ\rالجِلَّوْزُ وما قيل فيه: فالجلوز، هو البندق، وقد سمي أبن سينا الصنوبر بالجلوز، وقال في البندق: هو إلى حرارٍة ما ويبوسةٍ قليلة، وفيه من القبض أكثر مما في الجوز، وفيه نفخ، ويولد الرياح في البطن، وإذا قلي وأكل مع فلفلٍ قليلٍ أنضج الزكام، وقال إِبٌّراقط: البندق يزيد في الدماغ، وإذا أكل بماء العسل نفع من السعال المزمن، وهو بطيء الهضم، ويهيج القيء، وينفع من النٌّهوش وخصوصا مع التين والسذاب للدغ العقرب.\rوأما ما وصفه به الشعراء وشبهوه، فمن ذلك قول شاعر:\rولقد شربت مع الغزال مدامةً ... صفراء صافيةً بغير مزاجِ\rفتفضل الظبي الغزير ببندقٍ ... شبهته ببنادقٍ من ساجِ\rوكسرته فرأيت صوفا أحمرا ... قد لف فيه بنادق من عاجِ\rوقال ابن رافع:\rجلوزة من كف طبيٍ غزالِ ... رمى بها نحوي كمثل جلجلِ\rأو كرةٍ قد ثلثت من صندلِ ... تكسر عن حريرٍة لم تغزلِ\rمحمرةٍ فوق بياضٍ يعتلي ... من حسنها المستظرفِ المستكملِ\rفي مطعمِ الشهدِ وعرفِ المندلِ\rالفستق وما قيل فيه: فقال ابن وحشية في توليده: وإن أردتم فستقاً فخذوا كبد الماعز فشقوها، وادفنوا فيها عظم صلب الطاووس، وأهرقوا فوقها عصارة الشّاهْتَرَج، واطمروها في الأرض، فإنه بعد سبعةٍ وعشرين يوما تخرج من شجرة الفستق.\rوقال الشيخ الرئيس: طبعه أشد حرارة من الجوز، وهو حار يابس في آخر الثانية، وفيه رطوبة، وزعم بعضهم أنه بارد، وقد أخطأ وهو يفتح سدد الكبد لمرارته وعطريته، وفيه عفوصة، وغذاؤه يسير جدا، وهو جيد للمعدة، خصوصا الشامي الشبيه بحب الصنوبر، وهو يفتح منافذ الغذاء، ودهنه ينفع من وجع الكبد الحادث من الرطوبة والغلظ. قال فإن قال قائل: \" لم أجد له في المعدة كبير مضرةٍ ولا منفعة \" أقول: بل يمنع الغثيان، وتقلب المعدة، ويقوي فمها، وهو ينفع من نهش الهوام، خصوصاً إذا طبخ بالشراب. وأما ما وصفه به الشعراء وشبهوه: فمن ذلك ما قاله أبو إسحاق الصّابي:\rوالنقل من فستقٍ حديثٍ ... رطبٍ تبدي به الجفافُ\rلي فيه تشبيه فيلسوفٍ ... ألفاظه عذبة خفافُ\rزمرد صانه حرير ... في حق عاجٍ له غلافُ\rوقال آخر:\rزمردةً ملفوفةً في حريرٍ ... لها حق عاجٍ في غلافِ أديمِ\rوقال أبو بكر الصنوبري:\rوحظّى من نقلٍ إذا ما نعته ... نعت لعمري منه أحسن منعوتِ\rمن الفستق الشامي كل مصونةٍ ... تصان عن الأحداق من بطن تابوتِ\rزبرجدة ملفوفة في حريرةٍ ... مضمنة درا مغشي بياقوتِ\rوقال آخر:\rوفستقٍٍ مستلذٍّ ... من بعد شرب الرحيقِ\rكأنه حين ترنو ... إليه عين الَّرموقِ\rحق من عاج يحوي ... زبرجدا في عقيقِ\rوقال آخر يصف الضاحك:\rومهدٍ إلينا فستقا غير مطبقٍٍ ... به من كمينٍ في حشاه مضمنِ\rظماءٌ من الأطيار حامت ففتحت ... مناقيرها ثم استعانت بألسنِ\rوقال آخر:\rانظر إلى الفستق المجلوبِ حين أتى ... مشققا في لطيفات الَّطواميرِ\rوالقلب ما بين قشريه يلوح لنا ... كألسنِ الطير من بين المناقيرِ\rوقال آخر:\rكأنما الفستق المملوحُ حين بدا ... مفتح القشر موضوعا على طبقِِ\rوقد بدا لبه للعين، ألسنة ... للطير عطشى بها شيء من الرمقِِ\rوقال آخر:\rوضاحكٍ أجفانه ... لم تكتحل بالوسنِ\rلم أدرِ عن أفئدةٍ ... تبسم أم عن ألسنِ\rكعاشقٍ كلفه ال ... غرامُ ما كلفني\rإذا أخذت قلبه ... لم ينتفع بالبدنِ\rوقال أبو بكر بن القرطبية:\rصدف أبيض نقي ... ذو بهاءٍ ورونقِِ","part":3,"page":185},{"id":1186,"text":"مسفر عن جوهرةٍ ... أخضرٍ فيه مطبقِِ\rكل صبغٍ يعزي إلى ... لونه قيل فستقيِ\rالشاه بلوط وما قيل فيه: فالشاه بلوط هو القسطل، قال ابن وحشية: وإن أردتم الشاه بلوط فخذوا كليتي الخنزير وقرني غزال، فاغرزوا في طرفي القرنين الكليتين، وادفنوا ذلك في الأرض، واسقوه من الماء بقدرِ وصوله إليه، فإنه ينبت في أربعةٍ وعشرين يوما شجرة تحمل الشاه بلوط... ...\rقال شاعر يصفه:\rيا حبذا القسطل المجرد عن ... قشريه بعد الجفاف في الشجرِ\rكأنه أوجه الصَّقالبِة ال ... بيض وفيها تكرمش الكبرِ\rشجر الصنوبر وما قيل فيه: فشجر الصنوبر صنفان، ذكر وأنثى، فالذكر هو الأرز، وهو لا يثمر، ومنه القطران، والأنثى صنفان، صنف كبير الحب، وصنف صغيرة، يسمى قريش. وقال أبو بكر بن وحشية في توليده: خذوا من شجرة الخرنوب الشامي من عروقها الطوال، فلقوها على قرني ثور، وانقعوها في الزيت سبعة أيام، ثم جعلوها في الأرض، وسحقوا الكُنْدُرَ وذروه عليها إذا غرست، فإنها تنبت شجرة الصنوبر. وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا فيه: وسماه الجلوز وقال: هو حب الصنوبر الكبار، وهو أفضل غذاء من الجوز، لكنه أبطأ انهضاما، وهو مركب من جوهرٍ مائي وأرضي، والهوائية فيه قليلة، وفي لحاء شجره قبض كثير، والدود الذي فيه قوة الذَّراريح، ولحاؤه ينفع من إحراق الماء الحار، \" ويلصق الجراحات ذرورا \" ومن الحروق الحرقيّة، وفيه قوة مُدملة، وفي لحائه من القبض ما يبلغ أن يشفي السَّحْجَ إذا وضع عليه ضمادا أو ذرورا، ويصلح لمواقع الضربة ويدمل، وورقه أصلح لذلك لأنه أرطب، والغرغرة بطبيخ قشرة تجلب بلغما كثيرا، وإذا سلق لحاؤه بالخل وتمضمض به نفع وجع الأسنان، ودخانه نافع من انتثار الأشفار. قال: ويغذو غذاء قويا غليظاً غير رديء، ويصلح للرّطوبات الفاسدة في الأمعاء، وهو بطيء الهضم، ويصلح هضمه: أما للمبرودين فالعسل وللمحرورِين فالطَّبرَزْذَ، ويزداد بذلك جودة غذاء، والمنقوع منه في الماء تذهب حدته وحرافته ولذعه، ويبريء من أوجاع العصب والظهر وعرق النسا، وهو نافع للأسترخاء، وينقي الرئة ويخرج ما فيها من القيح والخلط الغليظ، ويهيج الباه، وخصوصا المربى منه، وينفع من القيح والحصاة في المثانة، وهو التمر والتين ينفع من لدغ العقرب. وقال في قضم قريش: إنه جيد لقروح الكلى والمثانة.\rوأما ما وصف به الصنوبر وشبه به من الشعر: فمن ذلك قول بعض الشعراء:\rصنوبر أطيب موجود ... نلت به غاية مقصودي\rكأنه حين حباني به ... من خص بالإنعام والجودِ\rحب لآلٍ مشرق لونه ... في جوف أدراجٍ من العودِ\rونحوه قول الشاعر:\rصنوبر ظلت به مولعا ... لأنه أطيب موجودِ\rكأنه الكافور في لونه ... تحويه أدراج من العودِ\rوقال أبو بكر الصنوبري - وذكر انتسابه إليه - :\rوإذ عزينا إلى الصنوبر لم ... نعز إلى خاملٍ من الخشبِ\rلا بل إلى باسق الفروع علا ... مناسبا في أرومة الحسبِ\rمثل خيام الحرير تحملها ... أعمدة تحتها من الذهبِ\rكأن ما في ذراه من ثمرٍ ... طير وقوع على ذرا القضبِ\rباقٍ على الصيف والشتاء إذا ... شابت رءوس النبات لم يشبِ\rمحصن الحب في جواشن قد ... أمن في لبسها من الحربِ\rحب حكى الحب صين في قرب ال ... أصداف حتى بدا من القربِ\rذو نثةٍ ما ينال من عنبٍ ... ما نيل من طيبها ولا رطبِ\rيا شجرا حبه حداني أن ... أفدي بأمي محبةً وأبىِ\rفالحمد لله إن ذا لقب ... يزيد في حسنهِ على النسبِ\rوقال ابن رافع القيرواني:\rيا حسنه في اللعين من صنوبرِ ... يحكي لنا جماجما من عنبرِ\rيفلق عن حب إذا لم يكسرِ ... مصندلٍ إن شئت أو معصفرِ\rكمثلِ أصدافِ نفيس الجوهرِ\rالرمان والجُلنَّار","part":3,"page":186},{"id":1187,"text":"فقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: الرمان الحلو منه بارد إلى الأولى رطب فيها، والحامض يابس في الثانية، والحامض يقع الصفراء، ويمنع سيلان الفضول إلى الأحشاء، وخصوصا شرابه، وهو جلاء مع القبض، وحب الرمان مع العسل طلاء للدّاحس والقروح الخبيثة، وأقماعه للجراحات، ولا سيما المحروقة. قال: والحلو ملين، وجميعه قليل الغذاء جيده، والمز منه ربما كان أنفع للمعدة من التفاح والسفرجل، لكن حبه رديء، وأقبض أجزائه الأقماع. قال: وحب الرمان بالعسل ينفع من وجع الأذن، وهو طلاء لباطن الأنف، وينفع حبه مسحوقا مخلوطا بالعسل من القلاع طلاء، وإن طبخت الرّمانة الحلوة بالشراب ثم دقت كما هي وضمدت بها الأذن نفع من ورمها منفعةً جيدة، وشراب الرمان وربه نافعان من الحٌمار، وعصارة الحامض تنفع من الظَّفرة، وهو يخشن الصدر والحلق، والحلو يلينهما ويقوي الصدر، وإذا سقي حب الرمان في ماء المطر منع نفث الدم، وجميعه ينفع من الخفقان، ويجلو الفؤاد، والمز ينفع من التهاب المعدة، والحلو يوافق المعدة، والحامض يضرّها، ومع ذلك فحب الرمان يضر المعدة، وسويقه مصلح لشهوة الحبالى، وكذلك ربه، خصوصا الحامض، ويمصه المحموم بعد غذائه فإنه يمنع صعود البخار، قال: والحامض أكثر إدرارا للبول من الحلو، وكلاهما مدرّ، وسويق الرمان ينفع من الإسهال الصفراوي، وقشور أصل الرمان بالنبيذ تخرج الديدان. قال: والحلو يضر أصحاب الحميات الحارة. وقال في الجُلَّنار: وهو زهر رمانٍ بريّ، فارسيّ أو مصريّ، قد يكون أحمر وقد يكون أبيض، وقد يكون مورداً، وعصارته في طبعها كعصارة لحية التَّيس، قوته قوة شحم الرمان، وطبع بارد في آخر الأولى، ويابس في الثانية، وأفعاله وخواصه، هو مُغَر، حابس لكل سيلان، ويولد الَّسوداء، وهو جيد للثة الدامية ويدمل الجراحات والقروح والعٌقور والشٌّجوج ذروورا، وهو يقوي الأسنان المتحركة، وهو يعقل، وينفع من قروح الأمعاء وسيلان الرحم ونزفها. وأما ما قيل فيهما من الشعر - فمن ذلك ما وصف به الرمان وشبَّه به، قال أبو هلال العسكريّ،\rحكى الرمان أول ما تبدى ... حقاق زبرجدٍ يحشون درّا\rفجاء الصيف يحشوه عقيقا ... ويكسوه مرور القيظ تبرا\rويحكي في الغضون ثدي حورٍ ... شققن غلائلا عنهن خُضرا\rوقال آخر:\rخذوا صفة الرمان عني فإن لي ... بيانا عن الأوصاف غير قصيرِ\rحقاق كأمثال الكُراةِ تضمنت ... فصوص بلخشٍ في عشاء حريرِ\rوقال آخر:\rلله رمانة من فوق دَوْحتها ... مثالها ببديع الحسن منعوتُ\rفالقشر حق نضارٍ ضم داخلهٌ ... والشحم قطن له والحب ياقوتُ\rوقال آخر:\rرمانة صبغ الزمان أديمها ... فتبسمت في خضرةِ الأغصانِ\rفكأنما هي حُقةُ من صندلٍ ... قد أُوعِدتْ خرزا من المرجانِ\rوقال ابن قسيم الحمويّ:\rومحمرةٍ من بناتِ الغُصو ... ن يمنعها ثقلها أن تميدا\rمنكسة التاج في دستها ... تفوق الخدود وتحكي النٌّهودا\rتفضٌّ فتفترٌّ عن مبسمٍ ... كأن به من عقيقٍ عقودا\rكأن المقابل من حسنهاِ ... ثغور تقبلُ منها خدودا\rوقال آخر:\rرمانة مثل نهد الكاعب الريمِ ... تزهى بشكلٍ ولونٍ غيرِ مذمومِ\rكأنها حُقةُ من عسجدٍ ملئت ... من اليواقيت نثرا غير منظومِ\rوقال محمد بن عمر المقريء الكاتب:\rورمانٍ رقيقِ القشرِ يحكي ... ثدي الغيدِ في أثوابِ لاذِ\rإذا قشّرتهُ طلعت علينا ... فصوص من عقيقٍ أو بجاذيِ\rوقال آخر:\rولاح رماننا فأبهجنا ... بين صحيحٍ وبين مفتوتِ\rمن كل مصفرةٍ مزعفرةٍ ... تفوق في الحسنِ كل منعوتِ\rكأنها حُقةُ فإن فتحت ... فضرة من فصوصِ يا قوتِ\rوقال آخر:\rولابسةٍ صدفا أصفرا ... أتتك وقد مُلئت جوهراَ\rحبوبا كمثل لثِاتِ الحبيب ... رضابا إذا شئتَ أو منظراَ\rوقال آخر:\rطعم الوصال يصونه طعم النوى ... سبحان خالقِ ذا وذا من عودِ","part":3,"page":187},{"id":1188,"text":"فكأنها والخضر من أوراقهاِ ... خُضْرُ الثياب على النهود الغيدِ\rوأنشدني الشيخ شهاب الدين أحمد بن الجبّاس الدمياطي لنفسه في ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وسبعمائةٍ في رمانةٍ مشقوقةٍ يتساقط منها الحب:\rكتمت هوى قد لج في أشجانهِا ... وحشت حشاها من لظى نيرانهاِ\rفتشققت من حُبَّها عن حَبَّها ... وجداً وقد بدتْ خفا كتمانهاِ\rرمانة ترمي بها أيدي النوى ... من بعد ما رمت على أغصانهاِ\rفاعجب وقد بكت الدموع عقائقا ... لا مِن مآقيها ولا أجفانهاِ\rومنه ما وصف به الجُلَّنار، قال أبو فراس الحمدانيّ:\rو جُلَّنارٍ مُشرقٍ ... على أعالي الشجرةَ\rكأن في أغصانهِ ... أحمرهَ وأصفرهَ\rقراضة من ذهبٍ ... في خرقةٍ معصفرهَ\rوقال ابن وكيع:\rوجُلنارٍ بهي ... ضرامه يتوقدْ\rبدا لنا في غصونٍ ... خضرٍ من الريِّ مُيَّدْ\rيحكي فصوص عقيقٍ ... في قبةٍ من زبرجدْ\rوقال آخر:\rكأنما الجُلَّنار لمّا ... أظهره العرضُ للعيونِ\rأناملٌ كُلها خضيبٌ ... تنشر لذاً على الغصونِ\rقال أبو الحسن الشمشاطيّ:\rوبدا الجُلنَّارُ مثل خدودٍ ... قد كساها الحياءُ لون عُقارِ\rصبغه الله كالعقيق تراه ... أحمرا ناصعا لدى الأخضرارِ\rالموز وما قيل فيه: فقال أبو بكر بن وحشية في توليده: وإن خلطتم باليبروح مثل وزنه من التمر، وعجنتموهما عجناً جيداً، ثم زرعتموهما وتعاهدتم ذلك بالسقي الكثير، خرج منه شجر الموز، وكذلك إن عجن القلقاس بالتمر خرج منها الموز، إلا أن ما ينبت عن اليبروح أكبر موزاً، وأشد حلاوةً. وقال الشيخ الرئيس: الموز ملين، والإكثار منه يورث السدد، ويزيد في الصفراء والبلغم بحسب المزاج، وهو نافع للحلق والصدر، وهو ثقيل على المعدة، ويجب تناول المحرور بعده سِكَنْجَبِينا بُزُوريّا، والمبردُ عسلا. قال وهو يزيد في المنيّ، ويوافق الكلى، ويدرّ البول. وأما ما وصف به وشبه من الشعر: فمن ذلك قول أبن الرومي:\rإنما الموز إذ تمكن منه ... كاسمه مبدلا من الميم فاءاَ\rوكذا فقده العزيز علينا ... كاسمه مبدلا من الزاي تاءاَ\rفهو الفوز مثلما فقده المو ... ت لقد عمّ فضلهُ الأحياءاَ\rولهذا التأويل سماه موزاّ ... من أفاد المعاني الأسماءاَ\rنكهةٌ عذبةٌ وطعمٌ لذيذٌ ... فنعيم متابعٌ نعماءاَ\rلو تكون القلوبُ مأوى طعامٍ ... نازعته قلوبنا الأحشاءاَ\rوقال فيه أيضاً:\rللموز إحسانٌ بلا ذنوبِ ... ليس بمعدودٍ ولا محسوبِ\rيكاد من موقعهِ المحبوب ... يسلمه البلعُ إلى القلوبِ\rوقال الصاحب جمال الدين علي بن ظافر:\rكأنما الموز إذا ... ما جاءنا بالمعجبِ\rأنياب أفيالٍ صغا ... رٍ طليت بالذهبِ\rونحوه قول الآخر - وكأنه مأخوذ منه - :\rموز حلا فكأنه ... عسل ولكن غير جاريِ\rذو باطنٍ مثلِ الأقا ... حِ وظاهرٍ مثل النضارِ\rيحكي إذا قشرته ... أنياب أفيالٍ صغارِ\rوحكى صاحب \" بدائع البدائه \" أن الحسن بن رشيقٍ ومحمد بن شرف القيرواني اجتمعا في مجلس المعز بن باديس وبين يديه موز، فاقترح على كل واحدٍ منهما أن يعمل فيه شيئا، فقال ابن شرف:\rيا حبذا الموز وإسعادهُ ... من قبل أن يمضغه الماضغُ\rلأن إلى أن لا محس له ... فالفم ملآن به فارغُ\rسيان قلنا مأكلٌ طيبٌ ... فيه وإلا مشربٌ سائغُ\rإن قيل فيما قد حلا طيبٌ ... فالموز حلوٌ طيبٌ بالغُ\rأحلى مذاقا من دماء العِدا ... أمكن منها أسدٌ والغُ\rوقال ابن رشيق - تواردا في المعنى والقافية - :\rموز سريع سوغه ... من قبل مضغِ الماضغِ\rمأكله لا كلٍ ... ومشرب لسائغِ","part":3,"page":188},{"id":1189,"text":"فافم من لينٍ به ... ملآنُ مثلُ فارغِ\rيخالُ وهو بالغٌ ... للحلق غير بالغِ\rثم سألهما في مثل ذلك، فقال محمد بن شرف:\rهل لك في موزٍ إذا ... ذقناه قلنا حبذا\rفيه شراب وغذا ... يزيل كالماء القذى\rلو مات من تلذذا ... به لقلنا: ذا بذا\rوقال ابن رشيق:\rلله موز لذيذ ... يعيده المستعذُ\rفواكهٌ وشرابٌ ... به يفيقُ الوقيدُ\rترى القذى العين فيه ... كما يريها النبيذُ\rفأنظر إلى هذا التوارد العجيب المرة بعد المرة: وقال نجم الدين بن إسرائيل يصفه:\rأنعت لي موزا شهى المنظرِ ... مستحكم النضيجِ لذيذ المخبرِ\rكأنه في جلده المعصفرِ ... لفات زبدٍ عجنتْ بسكرِ\rوأنشدني الشيخ الفاضل شهاب الدين أحمد بن منصور الدمياطي - عرف بابن الجباس - في ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة لنفسه وأجاد:\rكأنما الموز في عراجِنه ... وقد بدا يانعا على شجرهِ\rفروع شعرٍ برأس غانيةٍ ... عقُص من بعد ضم منتشرهِ\rكأن ضمه وعقصه ... أرسل شرابهً على أثرهِ\rكأن أمشاطه مكاحل من ... زمردٍ نظمت على قدرهِ\rكأنما زهره الأنيق وقد ... شقق عنه كِمامُ مستترهِ\rنظام ثغرٍ يزينه شنب ... ممتزج شهده بمعتصرِ\rكأن قامات سوقه عمد ... حنت أواوينها على جدرهِ\rكأن أشجاره وقد نشرت ... ظلال أوراقها على ثمرهِ\rحاملة طفلها على يدها ... تقيه حر الهجيرِ في خمرهِ\rكأنما ساقه الصقيلُ وقد ... بدت عليه رقوم معتبرهِ\rساق عروسٍ أميط مئزرها ... فبان وشي الخضاب في حبرهِ\rتصاغ من جوهرٍ خلاخلها ... فتنجلي والنثار من زهرهِ\rحدائق خفقت سناجقها ... كأنها الجيش أم في زمرهِ\rوكل آياته فباهرة ... تبين في ورده وفي صدرهِ\rكأنما عمره القصير حكى ... زمان وصل الحبيب في قصرهِ\rكأن عرجونه المشيب أتى ... يخبر أن حانه انقضا عمرهِ\rكأنه البدر في الكمال وقد ... أصيب بالخسف في سنا قمرهِ\rكأنه بعد قطعه وقد اصفر ... لما نال من أذى حجرهِ\rمتيم قد أذابه كمد ... يبيت من وجده على خطرهِ\rمعلق بالرجاء، ظاهره ... يخبر عما أجن من خبرهِ\rيطيب ريحاً ويستلذ جني ... على أذى زاد فوق مصطبرهِ\rكأنه الحر حال محنته ... يزيد صبراً على أذى ضررهِ\rوأما ما وصف به وشبه النارنج، فمن ذلك قول شاعر:\rلله أنجم نارنج توقدها ... يكاد ينجاب عن لألائه الغسقُ\rتبدو لعينيك في لألائها ولها ... من الغصون بروج دوحها الأفقُ\rتجني به اليد جمراً ليس يطفئه ... غيث ولا اليد إذ تجنيه تحترقُ\rكأنه مستعار الشبه من سفنٍ ... مذهبٍ أو حباه لونه الشفقُ\rوقال آخر:\rتأملها كراتٍ من عقيق ... تروقك في ذرا دوحٍ وريقِِ\rصوالجٌ من غصونٍ ناعماتٍ ... غذتها درة العيش الأسبقِِ\rتخال غصونها فيها نشاوي ... بأيديهم كئوس من رحيقِِ\rعجبت لها شربن الماء رياً ... وفي لباتها لهب الحريقِِ\rوقال آخر يصف نارنجة:\rيا رب نارنجةٍ يلهو النديمُ بها ... كأنها كرة من أحمر الذهبِ\rأو جذوة حملتها كف قابسها ... لكنها جذوة معدومة اللهبِ\rوقال آخر:\rومورقةٍ في صيفها وشتائها ... يحار النهى في أرضها وسمائها\rإذا ما زهى الكانون يوماً بجمره ... نظرت إليه تحت فضل ردائها\rأرى الماء يطفي كل نارٍ ونارها ... تزيد حياة ما تغذت بمائها","part":3,"page":189},{"id":1190,"text":"كرات عقيقٍ أم خدود كواعبٍ ... بدت وهي حمر من صباغ حياتها\rوقال آخر:\rانظر إلى منظرٍ يلهيك منظره ... بمثله في البرايا يضرب المثلُ\rنار تلوح على الأغصان في شجرٍ ... لا الماء يطفي ولا النيران تشتعلُ\rوقال آخر يصف نارنجة نصفها أحمر ونصفها أخضر:\rوبنت أيكٍ دنا من لمسها قزح ... فلاح منها على أرجائها أثرُ\rيبدو لعينيك منها منظرٌ عجبٌ ... زبرجدَّ ونضارٌ صاغه المطرُ\rكأن موسى كليم الله أقبسها ... نارا وجرَّ عليها كفه الخضرُ\rوقال الصاحب بن عباد:\rبعثنا من النارنج ما طاب عرفه ... ونمت على الأغصان منه نوافجُ\rكراتٍ من العقبان أحكم خرطها ... وأيدي الندامى حولهن صوالجُ\rوقال أبو الحسن الصقلي:\rتنعم بنارنجِك المجني ... فقد حضر السعد لما حضرْ\rفيا مرحبا بقدود الغصون ... ويا مرحبا بخدود الشجرْ\rكأن السماء همت بالنضار ... فصاغت لها الأرضُ منه أكرْ\rوقال ابن المعتز:\rكأنما النارنج لما بدت ... صفرته في حمرةٍ كاللهيبْ\rوجنة معشوقٍ رأى عاشقا ... فاصفر ثم احمر خوف الرقيبْ\rوقال السري الرفاء:\rوبديعة أضحى الجمال شعارها ... صبغ الحيا صبغ الحياء إزارها\rحلت عقال نسيمها وتوشحت ... بالأرجوان وشددت أزرارها\rفالعين تحسر إن رأت إشراقها ... والنفس تنعم إن رأت أخبارها\rفكأنها في الكف وجنة عاشقٍٍ ... عبث الحياء بها فأضرم نارها\rمحمولة حملت عجاجة عنبرٍ ... فإذا سرى ركب النسيم أثارها\rأمنت على أسرارها ريح الصبا ... وهنا فضيعت الصبا أسرارها\rوكأنما صافحت منها جمرةً ... أمنت يمينك حرها وشرارها\rما أحسب النارنج إلا فتنة ... هتك الزمان لناظرٍ أستارها\rعشقت محاسنه العيونُ فلو رنت ... أبدا ليه ما قضت أوطارها\rوقال آخر:\rسقيا لأيامنا ونحن على ... رءوسنا نعقد الأكاليلا\rفي جنةٍ ذٌللت لقاطفها ... قطوفها الدانيات تذليلا\rكأن نارنجها يلوح على ... أغصانها حاملاً ومحمولا\rسلاسل من زبرجدٍ حملت ... من ذهبٍ أحمرٍ قناديلا\rوقال آخر:\rوأشجار نارنجٍ كأن ثمارها ... حقاق عقيقٍٍ قد ملئن من الدرَّ\rتطالعنا بين الغصون كأنها ... خدود غوانٍ في ملاحقها الخضرِ\rأنت كل مشتاقٍ بربا حبيبه ... فهاجت له الأحزان من حيث لا يدرِي\rوقال آخر:\rحدائق أشجارٍ كإقبال دولةٍ ... عليك أو البشرى أتت لقعيدِ\rأنارت بنارنجٍ لرياه في الحشا ... مواقع وصلٍ من فؤاد عميدِ\rإذا ما حتى أغصانه فكأنه ... صوالجة الأصداغ فوق خدودِ\rوقال آخر:\rوأغصانٍ مقومةٍ حسانٍ ... ومنها ما يرى كالصولجانِ\rكأن بها ثدياً ناهداتٍ ... غلائها صُبِغن بزعفرانِ\rوقال أخر يصف نارنجا مختلق الألوان:\rرياض من النارنج كالأمن والمنى ... جمعن ومثل النوم بعد التسهدِ\rتجلى العشا عن ناظري كل ناظرٍ ... وتجلو الصدى عن قلب ذي اللوعة الصدىِ\rفمن أخضرٍ غصَّ النبات كأنه ... مشارب مينا أو حقاق زمردِ\rومن أحمرٍ كالأرجوان إذا بدا ... وكالراح صرفا أو كخد موردِ\rومن أصفرٍ كالصب، يبدو كأنه ... كرات أديرت من خلاصة عسجدِ\rإذا لاح في أشجاره فكأنه ... شموس عقيق في قباب زبرجدِ\rوقال آخر:\rأهدى لنا النارنج عند قطافه ... أكرا تروق بمنظرٍ وبمخبرَ\rببواطنٍ من ياسمينٍ أبيضٍ ... وظواهرٍ من جُلنَّارٍ أحمرِ\rوقال آخر:","part":3,"page":190},{"id":1191,"text":"كانت هديته لنا نارنجةً ... كالفهرِ لفت في حريرٍ أصفرِ\rصفراء تحسب أنها قد جدرت ... فترى ببهجتها انتثار مجدرِ\rفسألتها عما يغير لونها ... قالت سألت فخذ جواب محبرِ\rكنا حبائب فوق غصنٍ ناعمٍ ... أوراقه مثل الفِرِنِدْ الأخضرِ\rفرمى الزمان وصالنا بتفرقٍ ... فلذاك صفرة وجنى وتغيري\rوقال ابن وكيع التنيسي:\rانظر إلى النارنج في بهجاته ... يلوح قي أفنان هاتيك الشجرْ\rمثل دبابيس نضارٍ أحمرٍ ... أو كعقيقٍٍ خرطت منه أكرْ\rوقال أبو الحسن الصقلي:\rونارنجةٍ بين الرياض نظرتها ... على غصنٍ رطبٍ كقامة أغيدِ\rإذا ميلتها الريح مالت كأكرةٍ ... بدت ذهبا في صولجان زمردِ\rوأما ما وصف وشبه به اللَّيْمُون فمن ذلك قول الشاعر:\rانظر إلى الليمون في شكله ... وحسنه لما بدا للعيانْ\rكأنه بيض دجاجٍ وقد ... لطخه العابث بالزعفرانْ\rوقال السري الرفاء:\rواصطبحناها على نه ... رٍ بصفو الماء يجري\rظللته شجرات ... عطرها أطيب عطرِ\rفلك أنجمه اللي ... مون فمن بيضٍ وصفرِ\rأكر من فضةٍ قد ... شابها تلويح تبرِ\rوقال آخر:\rيا رب ليمونةٍ حيا بها قمر ... حلو المقبل ألمي بارد الشنبِ\rكأنها كرة من فضةٍ خرطت ... فاستودعوها غلافا صيغ من ذهبِ\rالباب الثاني\rفيما لثمره نوىً لا يؤكل\rويشتمل هذا الباب على عشرة أصناف، وهي النخل وما يشبهه، وهو النارجيل، والفُوْفَلُ والكاذيّْ، والخزم، ثم الزيتون والخُرْنُوبُ والإجاصُ والقَراسِيِا والزعرور والخوخ والمشمشُ والعنابُ والنَّبِقْ.\rالنخل فقال الله تعالى \" والنخل باسقاتٍ لها طلعٌ نضيدٌ رزقاً للعبادِ \" ، وقال عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلمٌ، فحدثوني ما هي \" ؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فآستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال \" هي النخلة \" ، قال عبد الله: فحدثني أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قُلتها أحبٌّ إليّ من كذا وكذا.\rوفي لفظ عنه، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأُتِىَ بجُمّار، فقال: \" إن من شجرةً مثلها كمثل المسلم \" الحديث. وفي لفظ عنه رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" إن من الشجر لما بركتُه كبركة المسلم \" وساق الحديث. وللنخلة أسماءٌ نطقتْ بها العرب من حين تبدو صغيرةً إلى أن تكبرٌ، وكذلك الرٌّطَب من حين يكون طلعا إلى أن يصير رطبا، تقول العرب لصغار النخل: الجَثِيثُ والهِرَاءُ والوديٌّ والفَسِيلُ والأشاء. وقال الثعالبيٌّ في \" فقه اللّغة \" : إذا كانت النخلة صغيرةً فهي الفسيلةُ والوديّة. فإذا كانت قصيرةً تناولها اليد فهي القاعد، وفي \" غريب المصنف \" : العضيد، والجمع: عِضْدان \" . فإذا صار لها جذع لا يتناول منه المتناول فهي جًبّارة. فإذا ارتفعت عن ذلك فهي الرَّقْلةُ والعيدانة. فإذا زادت فهي باسِقة. فإذا تناهت في الطول مع انجراد فهي سحُوق.\rنعوتها","part":3,"page":191},{"id":1192,"text":"إذا كانت النخلة على الماء فهي كارِعةٌ ومُكْرَعة. فإذا حملت في صغرها فهي مهتَجنة. فإذا كانت تُدرِك في أول النخل فهي بَكُور. فإذا كانت تحمل سنةً وسنةً لا تحمل فهي سَنْهاء. فإذا كان بُسْرُها ينثر وهو أخضرُ فهي خَضِيرة. فإذا دقت من أسفلها وانجرد كربها فهي صُنْبُور. فإذا مالت فبني تحتها دُكانُ تعتمد عليه فهي رُجَبيّة. فإذا كانت منفردةً عن أخواتها فهي عَوَانة. ويقال للّطلع: الكافور، والضَّحْك، والإغريض. فإذا انعقد سمته السياب. فإذا اخضر قبل أن يشتد سمته الجدال. فإذا عظم فهو البُسْر. فإذا صارت فيه طرائق فهو المُخَطَّم. فإذا تغيرتْ البسرة إلى الحمرة فهي شَقْحة. فإذا ظهرت الحُمْرة فهو الزَّهْو، وقد أزهى. فإذا بدت فيه نقطٌ من الإرطاب نصفها فهي المجزِّع. فإذا بلغ ثلثيها فهي حُلُقانة. فإذا جرى الإرطاب فيها فهي مُنَسبِتة. وللشعراء في النخل أوصاف، فمن ذلك ما أنشده الأصمعيّ:\rغدتْ سلمى تعاتبني وقالت ... رأيتك لا تُريغ لنا معاشا\rفقلت لها: أما يكفيك دُهْمُ ... إذا أمحلتِ كنّ لنا رِيَاشا\rبواركُ ما يبالين الّيالي ... ضربن لنا وللأيام جاشا\rإذا ما الغادياتُ ظلمن مدتْ ... بأسبابٍ ننال بها انتعاشا\rترى أمطاءها بالبسْرِ هُدْلا ... من الألوان ترتِعش ارتعاشا\rوعن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إن رسلي أخبروني أن بأرضك شجرةً كالرجل القائم عن مثل آذانِ الحُمُر، ثم يصير مثل اللؤلؤ، ثم يعود كالزمرد الأخضر، ثم يصير كالياقوت الأحمر والأصفر ثم يرطب فيكون كأطيب فالُوذٍ اتخذ، ثم يجفٌّ فيكون عصمةً للمقيم، وزاداً للمسافر فإن كان رسلي صدقوني فهي الشجرةُ التي نبتت على مريم بنت عمران. فكتب إليه عمر - رضي الله عنه - : إن رسلك صدقوك، وهي الشجرة التي نبتت على مريم، فاتق الله، ولا تتخذ عيسى إلهاً من دون الله.\rأخذ عبد الصمد بن المعدَّل هذه التشبيهات، فقال يصف النخل في أُرجوزة أولها:\rحدائقٌ ملتفةُ الجنانِ ... رست بشاطي ترعٍ ريانِ\rتمتار بالأعجازِ للأذقانِ ... لا ترهب المحلَ من الأزمانِ\rإن هي أبدت زينة المُردانِ ... لاحت بكافورٍ على إدهانِ\rيطلع منها كيد الإنسانِ ... إذا بدت ملمومة البنانِ\rعلت بورسٍ أو بزعفرانِ ... حتى إذا شُبه بالآذانِ\rمن حُمُر الوحش لدى العيانِ ... شققه علجانِ ماهرانِ\rعن لؤلؤٍ صيغ على قضبانِ ... مصوغةٍ من ذهبٍ خلصانِ\rثم يرى للسبعِ والثماني ... قد حال مثل الشذر في الجمانِ\rيضحك عن مشتبه الأقرانِ ... كأنه في ناضر الأغصانِ\rزمردٌ لاح على تيجانِ ... حتىّ إذا تم له شهرانِ\rوانسدلت عثا كل القنوانِ ... كأنها قضبٌ من القيقانِ\rفصلن بالياقوت والمرجانِ ... رأيته مخلتف الألوانِ\rمن قانيءٍ أحمر أرجواني ... وفاقع أصفرَ كالنيرانِ\rمثل الأكاليل على الغواني\rونحوه قول أبي هلال العسكريّ:\rونخيلٍ وقفن في معطف الرّم ... ل وقوف الحبشانِ في التيجانِ\rشربت بالأعجازِ حتى تروتْ ... وتراءت بزينة الرّحمنِ\rطلع الطلعُ في الجماجم منها ... كأكف خرجن من أردانِ\rفتراها كأنها كُمُت الخي ... لِ توافتْ مُصّرة الآذانِ\rأهو الطلعٌ أم سلاسلُ عاجٍ ... حملت في سفائن العيقانِ\rثم عادت شبائها تتباهى ... بأعالٍ شبائةٍ أقرانِ\rخرزات من الزبرجدِ خضر ... وهبها السلوكُ للقضبانِ\rثم حال النجارُ واختلف ... الشكلُ فلاح بجوهرٍ ألوانِ\rبين صفرٍ فواقعٍ تتباهى ... في شماريخها وحمرٍ قواني\rوقال النمر بن تولب:\rضربن العرق في ينبوع عينٍ ... طلبن معينه حتى روينا","part":3,"page":192},{"id":1193,"text":"بناتُ الدهر لا يخشين محلا ... إذا لم يبق سائمة بقينا\rكأن فروعهن بكل ريحٍ ... عذارى بالذوائب ينتضينا\rوقال النابغة:\rصغارُ النوى مكنوزة ليس قشرها ... إذا طار قشر التمر عنها بطائرِ\rمن الواردات الماء بالقاع تستقي ... بأعجازها قبل\rوقال السري الرفاء:\rوكأن ظلَّ النخل حول قبابها ... ظلٌّ الغمام إذا الهجيرُ وتوقدا\rمن كل خضراء الذوائب زينت ... بثمارها جيداً لها ومقلدا\rخرقت أسافلهنّ أعماق الثري ... حتى اتخذن البحر فيه موردا\rشجر إذا ما الصبح أسفر لم ينح ... للأمن طائره ولكن غردا\rوقال شهاب الدين الشطنوفيّ:\rكأن النخيل الباسقات وقد بدت ... لناظرها حسنا قباب زبرجدِ\rوقد علقت من حولها زينةً لها ... قناديل ياقوتٍ بأمراسِ عسجدِ\rالجُمّارُ فالجمار، هو رأس النخل، وإذا قطعت الجمارة لا تعيش النخلةُ بعدها أبداً. وقال الشيخ الرئيس: طبعه بارد في ثانية، يابس في الأولى، وهو قابض، وينفع في خشونة الحلق، ويقبض الإسهال والنزف، وينفع من لسع الزٌّنْبُور ضماداً وقال شاعر يصفه:\rجمارةٌ كالماء تبدو لنا ... ما بين أطمارٍ من الليفِ\rجسمٌ رطيبُ اللمس لكنه ... قد لف في ثوبٍ من الصوفِ\rوأما ما وصف به الطلع، فمن ذلك قول كشاجم:\rأفدى الذي أهدى إلينا طلعةً ... أهدت إلى قلب المشوق بلابلاِ\rفكأنما هي زورق من صندلٍ ... قد أودعوه من اللجين سلاسلا\rوقال ابن وكيع:\rطلع هتكنا عنه أستاره ... من بعد ما قد كان مستورا\rكأنه لما بدا ضاحكا ... في العين تشبيها وتقديرا\rدرج من الصندل قد أودعتْ ... فيه يد العطار كافورا\rوقال محمد بن القاسم العلويّ:\rوطلعٍ هتكنا عنه جيب قميصه ... فيا حسنه في لونه حين هُتِّكا\rحكى صدر خودٍ من بني الروم هزها ... سماع فشقتْ عنه ثوبا ممسَّكا\rوقال كُشاجم:\rولا بسٍ ثوبا من الحريرِ ... مضمخ الظاهرِ بالعبير\rمضَّمن الباطنِ ثوب نور ... يَفْتَرّ عن مكنونهِ الثغورِ\rكأنما فت من الكافورِ\rوقال أيضاً:\rقد أتانا الذي بعثتَ إلينا ... وهو شيءٌ في وقتنا معدومُ\rطلعةٌ غضةٌ أتتنا تٌحاكي ... سفطا فيه لؤلؤ منظومُ\rوقال الربيع بن أبي الحقيق اليهودي يرثي كعب بن الأشرف:\rذو نخيلٍ في تلاعٍ جمةٍ ... تخرج الطلع كأمثال الأكفْ\rالبلح والبُسْرُ والتَّمر فروى عن عامر بن سعيدٍ عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من تصبَّح كلَّ يومٍ سبع تمرات - يعني عجوةً - لم يضره في ذلك اليوم سمٌّ ولا سحر \" خرجه البخاري في صحيحه. وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: إن طبعهما بارد يابسٌ في ثانية، والبٌسرٌ أقبض من القسب، وإذا أكل وشرب الماء على أثره نفخ، وإن كان أول ما يحلو قرقر أكثر، ويحدثان السدد في الأحشاء، وطبيخ البسر يسكن اللهب مع حفظ الحرارة الغريزية، والإكثار منهما يولد في البدن أخلاطا غليظة، والبسر يصدع، وكثيره يسكر، وهما رديئان للصدر والرئة، ويحدثان السدد في الكبد، وهضمهما بطيء، والهش أقل هضماً، وغذائهما يسير، وكلٌّ واحد منهما يعقل البطن. قال: والبلح يغزر البول، وإذا شرب بخل عفصٍ منع السيلان الرحم ونزف البواسير، وكثرة استعمالهما توقيع في القشعريرة.\rوقد وصف الشعراء البلح والبسر في أشعارهم - فمن ذلك ما قاله ابن وكيع التيسي في البلح:\rأما ترى النخل طارحا بلحا ... جاء بشيرا بدولة الرطبِ\rكأنه والعيون تنظره ... إذا بدا زهره على القٌضٌبِ\rوقال عبد الصمد:\rكأنه في ناضر الأغصانِ ... زمردٌ لاح على التيجانِ\rوقال كمال الدين بن بشائر الإخميمي - وهو عصري - :\rحيث بها رائحةً ... كالمسك للمستنشقِِ\rوقال شبهها لنا ... فقلت غير مُطرقِ","part":3,"page":193},{"id":1194,"text":"مكحلةٌ مخروطةٌ ... من دهنجٍ موثق\rسدادها من ذهبٍ ... وميلها من ورقِ\rوقال شاعر يصف البسر الأحمر:\rأما ترى النخل حاملاتٍ ... بسرا حكى لونه الشقيقا\rكأنما خوصه عليه ... زمردٌ مثمر عقيقا\rوقال ابن المعتز:\rكقطيع الياقوت يانعاتِ ... بخالص التبر مقمعاتِ\rوقال في الأصفر:\rأما ترى البسر الذي ... قد حاز كل العجبِ\rكيف غدا في لونه ... كعاشقٍ مكتئبِ\rمكاحل من فضةٍ ... قد طليت بالذهبِ\rووصفوا الرطب والتمر، فمن ذلك ما قاله محمد بن شرف القيروانيّ:\rومطبوخٍ بغير عقدِ نارٍ ... عزمتُ على جناه بابتكارِ\rتوابيت تبدت من عقيقٍ ... مقمعة بمسبوك النضارِ\rترى لصفاء جوهرِها نواها ... كألسنة العصافير الصغارِ\rوقال ابن الرومي:\rبعثت ببرنيٍّ جَنيَّ كأنهّ ... مخازنُ تبرٍ قد ملئن من الشهدِ\rمختمة الأطراف تنقد قُمْصُها ... عن العسل الماذي والعنبر الهندي\rفكم لبثت في شاهقٍٍ لا ترى به ... ولا تجتني باللحظ إلا من البعدِ\rتُنقَّلُ من خضرِ الثياب وصُفرِها ... إلى حُمرِها ما بين وشيِ إلى بردِ\rألذ من السلوى وأحلى من المني ... وأعذبُ من وصل الحبيب على الصدِّ\rوقال محمد بن شرف القيرواني في التمر:\rأما ترى التمر يحكي ... في الحسنِ للنظارِ\rمخازنا من عقيقٍ ... قد قُمَّعتْ بنُضارِ\rكأنما زعفرانٌ ... فيه مع الشُهْد جارِي\rيشفّ مثل كئوسٍ ... مملوءةٍ من عُقارِ\rوحيث انتهينا من وصف النخل وثمرته على اختلافها إلى ما وصفناه فلنذكر أعجوبة نقلها محمد بن علي بن يوسف بن جلب راغب في تاريخ مصر في حوادث سنةِ اثنتين وثلاثمائة فقال: اتفق يوم النوروز في هذه السنة لسبع خلون من شهر ربيع الأول، فأكل الناس الرطب قبل النوروز، ولم يبق في النخل شيء من الرطب، ثم حمل النخل حملاً ثانياً، فأكل الناس البلح والبسر مرة ثانية، ولم يتفق مثل هذا في سنةٍ من السنين، ولا سمع في تاريخٍ إلى وقتنا هذا. ولنصل ذكر النخل بما يشبهه، وهو النارجيل والفُوفَلُ والكاذي والخزم.\rالنارجيل ويسمى الرانج وسماه ابن سينا الجوز الهندي، وهو المشهور من أسمائه على ألسنة العوام - فهي نخلة طويلة تميل بمرتقيها حتى تدينه من الأرض للينها، ولها أفناء، يكون في القنو الكريم ثلاثون نارجيلة، ولها لبن يسمى الأطواق، يشرب، حلو، يسكر سكراً معتدلاً، وأهل الهند يصنعون من النارجيل الرطب سكراً، إلا أنه لاييبس ويكون كالرمل.وقال الشيخ أبو علي بن سينا فيه: جيده الطري الشديد البياض، ويجب أن يؤخذ عنه قشر لبه .قال:وطبعه حار في أول الثانية، يابس في الأولى، وفيه رطوبة فضلية، والرطب منه رطب في الأولى. وقال في أفعاله وخواصه: هو ثقيل، غير رديء الغذاء، وقشر لبه لا ينهضم. قال: ويجب ألا يتناول عليه الطعام إلا بعد ساعة، ودهنه الطري أفضل كَيْمُوسا من السمن، ولا يلزج المعدة، ودهنه للبواسير، وخصوصاً دهن العتيق منه، لاسيما مع دهن المشمش مشروباً من كل واحدٍ مثقال.وقال كشاجم يصفه:\rوذات قشرٍ أسودٍ حشوها ... كافورةٌ موموقةُ المنظرِ\rقد نشرت في رأسها وفرة ... تسترها عن ناظر المبصرِ\rكأنها جمجمة ألبست ... ذوائبا من خالص العنبرِ\rلٌفَوفَل - فقال أبو حنيفة: هي نخلة مثل نخلة النارجيل،تحمل كبائس فيها الفوفل مثلا التمر،فمنه أسود، منه أحمر. وقال الشيخ الرئيس: قوة الفوفل قريبة من قوة الصندل ، وهو مبرد بقوة، قابض، وهو جيد للأورام الحارة الغليظة،وموافق لمن به التهاب في عينه.\rالكاذِيَّ فقال:هي نخلة، إلا أنها لا تطول طول النخل، فإذا أطلعت الطلعة قطعت قبل أن تنشق، ثم تلقي في الدهن، وتترك حتى يأخذ الدهن رائحتها، فيتطيب به، فإن تركت الطلعة حتى تنشق صار بلحاً، ويتناثر ولم توجد له رائحة.\rالخَزَم","part":3,"page":194},{"id":1195,"text":"فقال:هو شجرة كالدوم،له أقناء وبسر أسود إذا أينع إلا أنه مر عَفِصٌ لا يأكله الناس،وتتخذ من خوصه وعسبه الحبال، فلا يكون شيء أقوى منها.\rالزيتون وما قيل فيه - فقال الشيخ الرئيس: الزيتون يغذو قليلاً، وورق البري جيد للداحس،ويمنع العرق مسحاً، وصمغ البري ينفع من الجرب المتقرح والقوابي، وينفع الغشاوة والبياض، ويجلو العين ووسخ قروحها ويخرج الجنين. وأما الزيتون المملح يحقن به لعرق النسا، وورقه يطبخ بماء الحصرم حتى يصير كالعسل، وتطلى به الأسنان المتأكلةُ فينفعها، وعصارة ورقه للجحوظ. قال: الزيتون الأسود مع النواه من جملة البخورات للربو وأمراض الرئة، والزيتون الغليظ المملح يثير الشهوة، ويقوي المعدة، ويولد كَيْمُوسا قابضا، والمخلل أقبل الجميع للهضم وأسرعه. وقال ابن وكيع:\rأنظر إلى زيتوننا ... فيه شفاء المهجِ\rبدا لنا كأعينٍ ... شُهلٍ وذاتِ دعجِ\rمحضٌّر زبرجدُ ... مسودة من سبجِ\rالخُرْنُوب وما قيل فيه - : فقال الشيخ الرئيس: أصلحه الخُرْنُوب الشامي المجفف، وهو قابض، والرطب منه مطلق. قال: وإذا دلكت الثآليلُ بالخرنوب النبطي الفج دلكا شديدا أذهبها البتة،والمضمضةٌ بطبيخه جيدةٌ لوجع الأسنان، والرطب من الشامي رديء للمعدة، لا ينهضم، واليابس أبطأ انهضاما. وقال: والجلوس في طبيخه يقوي المعدة، وفيه إدرار، والنبطي نافعُ من سيلان الطمث المفرط أكلاً واحتمالاً. وقال جالينوس: ليت هذه الشجرة لم تجلب إلى بلادٍ أخرى. وحُكي أن سليمان عليه السلام كان من عادته أن يعتكف في البيت المقدس المدد الطوال، وكانت تخرج له في كل يوم من محرابه شجرة، فيسألها عن اسمها فتخبره، فخرجت له شجرة الخرنوب، فسألها عن اسمها، فأخبرته، فبكى، وقال نُعيتْ إلى نفسي، فقيل له ذلك، فقال: الخرنوب خراب، ومات بعد ذلك بقليل، وقال الشاعر فيه:\rلما أتى الخُرْنُوبُ في طبقٍٍ ... حنّت إليه النفوسُ والمُهخُ\rكأنه في كمال حالته ... حَبٌّ عقيقٍ أصدافها سبجُ\rالأجاصُ فقال أبو بكر بن وحشية في توليده: إن خلطتم اليبروح بورق العناب ومثل نصف وزنِ اليبروح كُنْدُسا، وزرعتموه في أي بلاد، خرج عن ذلك شجر الإجاص الحامض، وإن أردتموه حلوا فاخلطوا مع اليبروح خمير دقيق الشعير والحنطة مختلطين، وقد طال اختمارهما حتى حمٌضا، فإنه يخرج عنه شجر الإجاص الحلو، وذلك بعد أن يخلط بما تقدم، ومن الخمر الحديث بِرطل. وقال الشيخ الرئيس في الإجاص: البستي منه أقوى من الأسود، والأصفر أقوى من الأحمر، والأبيض الكبير ثقيل قليل الإسهال، والأرمني أحلى الجميع وأشده إسهالاً، وأجوده الكبار السمينة، وطبعه بارد في أول الثانية رطب في آخرها. وقال في أفعاله وخواصه: صمغه ملطف قطاع مُغَرٍّ، وفي الدمشقي عقل وقبض عند دِيسقُورِيدُس، وقال جالينوس: والذي لم ينضج فيه قبض وغذاؤه قليل، وليؤكل قبل الطعام، ويشرب المرطوب بعده ماء العسل والنبيذ وصمغه ملحم للقروح، وبالخل يقلع القُوباء. وخاصة إن كان معه عسل أو سكر وخصوصاً في الصبيان، وورقه إذا تمضمض بمائه منع من النوازل إلى اللوزتين واللهاة، وإذا اكتحل بصمغه قوي البصر، والمز منه يسكن التهاب القلب، وهو أشد قمعاً للصفراء، والحلو منه يرخي المعدة بترطيبه وتبريدها، وبالجملة لا يلائمها، والحلو منه أشد إسهالا للصفراء، والرطب أشد إسهالا من اليابس، والدمشقي يعقل البطن عند بعضهم، والبري ما دام لم ينضج جدا ففيه قبض إجماعا. وقال جالينوس: إن دِيْسقُورِيدُس أخطأ في قوله: إن الدمشقي يقبض، بل هو مسهل وصمغه يفتت الحصاة، وماؤه يدر الطمث، وكلما صغر كان أقل إسهالاً. وقال سليمان بن بطال الأندلسي يصفه:\rبعثتُ ما يندرُ لكنه ... في وصفه الناعتُ لم يبررِ\rجيشا من الزَّنْج ولكنه ... جيشُ متى يلقى العِدا يُقهرِ\rينفي لك الصفراء مهزومةً ... والزَنْجُ أعداُء بني الأصفرِ\rوقال آخر:\rكأنما الإجاصُ في صبغه ... مسترقٌ في اللون صِبغَ المهجْ\rلم يخلطُ في لونٍ وفي منظرٍ ... مستحسنِ الوصف وعرفٍ أرجْ","part":3,"page":195},{"id":1196,"text":"قطائع العنبر ملمومةً ... أو خرزاتٍ خُرطتْ من سبخْ\rومما وصف به القَراسِيا - قال شاعر:\rوحبوبٍ كأنها حدقُ الأع ... ين سُودٍ دموعهن دماءُ\rمائلاتٍ مثل النجوم علينا ... في بروج لها الغصونُ سماءُ\rوإذا ما نثرتها ففصوصٌ ... صبغتها بمائها الظَّلماءُ\rمن يذقها يذق رُضابَ غزالٍ ... فهي والخمرُ في المذاق سواءُ\rالزٌّعْرور وما قيل فيه: فقال الشيخ الرئيس: الزعرور يسمى مثلث العجم، ومنه نوع تسميه اليونانيون هيقيليمون، وربما سموه التفاح البري، وشجره يشبه شجر التفاح حتى في ورقه، إلا أنه أصغر منه، عفصُ الطعم، وهو قابض، ويقمع الصفراء، ويحبس السيلانات أكثر من كل ثمرة. وفي وصفه يقول أبن رافع:\rكأنما الزٌّعْرورُ لما بدا ... في حُسنِ تقديرٍ ومرأي أنيقْ\rجلاجلٌ مخضوبةٌ عندما ... أو خرزاتٌ خُرِطتْ من عقيقْ\rيضوع من يراه إما هفا ... به نسيمٌ الريح مِسكٌ فتيقْ\rوقال أيضاً فيه:\rأنظر إلى زُعرورنا المنعوتِ ... نكهتهُ كالعنبر المفتوتِ\rكأنه في وصف النعوتِ ... بنادقٌ من أحمر الياقوتِ\rالخوخ وما قيل فيه: فالشاميون يسمونه الدراقن، قال الشيخ الرئيس: طبع الخوخ بارد في أول ثانية، رطبُ في الأولى دون آخرها، ورطوبته سريعة العفونة، وهو ملين، وفيه قابض ما، وأقبضه المقدد، وفيه منع للسيلان، والفج منه قابض أيضاً، وإذا قطر ماء ورقه في الأذن قتل الديدان، ودهنه ينفع من الشقيقةِ وأوجاعِ الأذن الحارةِ الباردة، والنضيج منه جيد للمعدة، وفيه تشهيةٌ للطعام، ويجب ألا يؤكل على غيره فيفسد عليه ويفسده، بل يقدم على الطعام، وقديده بطيء الهضم ليس يجيد الغذاء. وقال: وإذا ضمدتْ بورقه السرةُ قتل ديدان البطن، وكذلك إن شربت عصارة فقاحه وورقه، والنضيج منه يلين البطن، والفج العاقل. قال: وقد قال بعضهم: إنه يزيد في الباه، ويُشبهِ أن يكون ذلك للأبدان الحارة. وأما ما وصفه به الشعراء - فمن ذلك قول شاعر:\rفي الخوخِ أعوجوبةٌ لناظرهِ ... ما مثلها جاء في الأحاديثِ\rكأنه وجنةُ الحبيب وقد ... أثر فيها قرصُ البراغيثِ\rوقال أبو بكر الصنوبري:\rأهدي إلينا الزمان خوخاً ... منظرهٌ منظرٌ أنيقُ\rمن كل مخصوصةٍ بحسنٍ ... معناه في مثلها دقيقُ\rصفراء حمراء مستفيدٌ ... بهجتها التبرُ والعقيقُ\rذات أديمين ذابهارٌ ... المجتنيه، وذا شقيقُ\rكوجنةٍ ألبستْ خلوقا ... فزال عن بعضها الخلوقُ\rوقال أبو بكر بن القرطبية:\rوطيب الريق عذبٍ آب في آبِ ... وزار مشتملا في زي أعرابِ\rفي مخملِ الثوب لم تحمل رآستُه ... بين الفواكه من نقصٍ ولا عابِ\rخالستهُ نظري فاحمر من خجلٍ ... ثم انثنى مُعرضا عني كمرتابِ\rمن اسمه فيه مقلوبا ومبتدأ ... أربى على اللوز في تطريز جلبابِ\rوقال أيضاً:\rوبنت الندى مخططةِ الأعالي ... بمجمر كلون الأرجوانِ\rكوجنةِ غادةٍ خافت رقيبا ... فغطتها بمحمرّ البيانِ\rوقال أبو هلال العسكريّ:\rوخوخةٍ ملء يد الجانيه ... تملك لحظ الأعين الرانيهْ\rمصفرةِ الوجنةِ محمرةٍ ... كأنها عاشقةٌ ساليهْ\rالمشمش وما قيل فيه: فقال الشيخ الرئيس: أجود المشمش الأرمنيّ، فإنه لا يسرع إليه الفساد ولا الحموضة، وإذا أكل المشمش فيجب أن يؤخذ من المصطكا والأنيسون بالسوية وزن درهم أو درهمين في خمرٍ صرفٍ أو نبيذ زبيبٍ أو نبيذ عسل. وقال: طبعه بارد رطب في الثانية، ودهن نواه حارٌ يابس في الثانية، وخلطه سريع العفونة، وهو يسكن العطش، ودهن نواه ينفع من البواسير، وهو يولد الحميات لسرعة تعفنه، ونقيع المقدد منه ينفع من الحميات الحارة. وقد وصفه الشعراء وشبهوه: فمن ذلك قول بعض الشعراء:\rأفدى حبيبا جاءني متِحفاً ... بمشمشٍ أحلى من السكرِ","part":3,"page":196},{"id":1197,"text":"فخلفته حين تأملتهٌ ... بنادقا من ذهبٍ أحمرِ\rوقال ابن وكيع:\rبدا مشمشُ الأشجار يذكو شهابه ... على خُضرِ أغصانٍ من الري مُيدِ\rحكى وحكت أشجاره في اخضرارها ... جلاجل تبرٍ في قبابِ زبرجدِ\rوقال ابن رشيق:\rكأنما المشمشُ لما بدت ... أشجاره وهو بها يلتهبْ\rخضر قباب الملك حفت بها ... جلاجل مصقولةٌ من ذهبْ\rوقال ابن معتز:\rومشمشٍ بان منه أعجبُ العجبِ ... يدعو النفوسِ إلى اللذات والطربِ\rكأن في غصون الدوح حين بدا ... بنادقٌ خُرطتْ من خالص الذهبِ\rوقال ابن الروميّ\rقشرٌ من الذهب المصفىَّ حشوه ... شُهْدٌ لذيذٌ طعمه للجاني\rظلنا لديه ندير في كاساتنا ... خمرا تشعشع كالعقيق القاني\rوكأنما الأفلاك من طربٍ بنا ... نثرت كواكبها على الأغصان\rوقال أيضاً يذمه:\rإذا ما رأيت الدهر بستانَ مشمشٍ ... فأيقن يقينا أنه لطبيبِ\rيغل له ما لا يفعل لربه ... يغل مريضا حمل كل قضيبِ\rالعناب وما قيل فيه: فقال أبو بكر بن وحشية في توليده: وإن أردتم العناب الكبار فخذوا بطيخةً فقوروا رأسها من جهة الرأس، واحشوا اليبروح فيها، وأعيدوا القوارة في موضعها، وصبوا اللبن الحامض بزبده عليها وازرعوها في الأرض، وعمقوا لها الحفر قليلا، واسقوها في أول زرعها، فإنها تخرج شجرة تحمل عنابا كبارا كأمثال الإجاص اللطيف.\rوقال الشيخ: أجود العناب أعظمه، وطبعه بارد إلى الأولى معتدل في اليبوسة والرطوبة، وهو إلى قليلِ الرطوبة، وينفع حدة الدم الحار. قال: أظن ذلك لتغليظه الدم، وتلزيجه إياه. قال: والذي يظن من أنه يصفي الدم ويغسله ظن لستُ أميل إليه، وغذاؤه يسير، وهضمه عسير. وقال: والقول الجيد فيه ما قاله جالينوس: \" ما وجدت للعناب في حفظ الصحة ولا إزالة المرض أثرا، لكن وجدته عسير الهضم، قليل الغذاء \" قال الشيخ: والعناب ينفع الصدر والرئة، وهو رديء للمعدة. وقيل: إنه نافع لوجع الكلية والمثانة، وقد وصفه الشعراء وشبهوه - فمن ذلك قول أبن قرطبية:\rأما ترى شجر العناب موقرةً ... بكل أحمر لماعٍ من الخرزِ\rوقد تدلت به الأغصان مائلةً ... مثل العثا كيل من صدرٍ إلى عجزِ\rوقال أبو طالب المأمونيّ:\rيروقني العنابُ ... فبي إليه انصبابُ\rإذ لاح منه أطرا ... ف من أحب الرطابُ\rيحكي فرائد درَّ ... لها العقيقُ إهابُ\rوقال ابن رافع:\rأحب بعنابٍ بدا أنيقِ ... كمثل لون وجنه المعشوقِ\rأو خرزٍ لمُتْ من العقيقِ ... أو كقلوب الطير في التحقيقِ\rجاءت بها شغواء رأس نيقِ ... كأنما اشتق من الشقيقِ\rأو كان يسقى بجنى الرحيق ... أحلى من السكر في الحلوقِ\rفي نكهةِ العنبرِ والخلوقِ.\rوقال أيضاً فيه:\rكأنما العناب لما بدا ... يلوح في أعطافِ غصنٍ أنيقْ\rتطريفُ من تطريفها من دمى ... أو خرزاتٌ خرطتْ من عقيقْ\rأو كلوب الطير جاءت بها ... أفراخها شغواءُ في رأس نيقْ\rوقال فيه أيضاً:\rكأنما العناب في دوحه ... لمل تناهى حسنه واستتمْ\rأفراط ياقوتٍ تبدت لنا ... أو انمل قد طرفت بالغمْ\rالنبق وما قيل فيه: فقال الشيخ الرئيس: الرطب من النبق واليابس فيهما تخفيف وتلطيف، ودخان السدرِ شديد القبض، والنبقُ قابض وخصوصا سويقه، ويمنع تساقط الشعر، ويطوله، ويقويه، ويلينه، ورق السدر يلين الورم الحار ويحلله، وينفع من الربو وأمراض الرئة، وهو مقوٍّ للمعدة عاقلُ للطبيعة، وينفع من نزف الحيض والطمثِ، ومن قروح الأمعاء، وخصوصا سويقه، وينفع من الإسهال الكائن بسبب ضعف المعدة. قال: والسدرُ يحتقن بطبيخه، وُيشرب لهذه العلل، والسيلان الرِحم. وقد وصفه الشعراء وشبهوه - فمن ذلك قول الشاعر:\rوأشجار النبق قد تكامل حُسنها ... أتت بغريبٍ في الثمار بديعِ","part":3,"page":197},{"id":1198,"text":"فمن أحمرٍ قانٍ وأصفرَ فاقعٍ ... ويانع مخضرًّ كزهرِ ربيعِ\rوقال آخر:\rوسدرةٍ كل يومٍ ... من حُسنها في فنونِ\rكأنما النبقُ فيها ... وقد بدا للعيونِ\rجلاجلُ من نضارٍ ... قد علقتْ في الغصونِ\rوقال كُشاجم من أبيات:\rفي ظلَّ سدرٍ مثمرٍ داني العذبْ ... فيه لأنواعٍ من الطير صخبْ\rإذا الرياحُ زعزعتْ تلك الشعبْ ... أهدى لنا بنادقا من الذهبْ\rوقال عبد الله بن المعتز:\rأنظر إلى النبق الذي ... فيه الشفاءُ لكلِّ ذائقْ\rفكأنه في دوحه ... والليلُ ممدودُ السراديقْ\rذهب تبهرجه الصيا ... رفُ صار حباًّ للمخانقْ\rوقال أبو الفرج الببغاء:\rأنظرْ إلى النبقْ البديعِ المنظرِ ... الطيبِ الريحِ اللذيذِ المخبرِ\rأحلى مذاقا من مذاق السكرِ ... كخرزٍ من كهرباءٍ أصفرِ\rالباب الثالثُ\rثمانية أصناف\rويشتمل هذا الباب على ثمانية أصناف: وهي العنب والتينُ والتوتُ والتفاحُ والسفرجلُ والكُمَّثْرَى والٌّلفّاحُ والأُترُجّ العنب وما قيل فيه: فشجرة العنب: الَكْرمه، والجمعُ كَرْمٌ وكُروم. والجَفْنةُ: الكرمة، ويقال فيها: الجفنةُ بفتحتين. ويقال للقضيب منها: الحبلة وقيل: الحبلةُ، أصل الكرمة: والقضيب: السَّرْغ بغين معجمة، والجمع سروغ، رواه أبو عمرو عن ثعلب، وقال أبو بكر: السرع بعينٍ غير معجمة، قضيبُ من قُضبان الكرم. وفي القضيب الأبنة، والجمع أُبَن، وهي العُقد التي تكون فيه. فإذا أخرج القضيبُ ورقه قيل: قد أطلع. فإذا ظهر حملهُ قيل: قد أَحْثر وحَثِر. فإذا صار حصرما قيل: حَصْرَمَ، ويقال للحصرم: الكَحْب، والواحدة كَحْبة، ولما تساقط من العنب: الَهُرور. فإذا اسود نصف حبه قيل: شطر تشطيرا. فإذا اسودت الحبة إلا دون نصفها قيل: قد حَلْقَم يُحلقِم. فإذا اسود بعض حبه قيل: قد أوشم إشاما، ولا يقال للعنب الأبيض: أوشم. فإذا فشا فيه الإيشام قيل: قد أطعم. فإذا أدرك غاية الإدراك قيل: ينع وأينع وطاب. والعنقود معروفٌ ما دام عليه حبه. فإذا أكل فهو شِمْراخ. ويقال لمعلق الحب من الشمراخ: القمع، ويقال إذا جني: قد قطف قطافا. فإذا يبس، فهو الزبيب والعُنْجُد. والقِطْفُ: العنقود، وفي التنزيل: \" قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ \" . قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: الأبيض أحمد من الأسود إذا تساويا في سائر الصفات من المائية والرقة والحلاوة وغير ذلك، والمتروكُ بعد القطف يومين أو ثلاثةً خير من المقطوف في يومه. وأما طبعه: فإن قشره بارد يابس بطيء الهضم، وحشوه حار رطب، وحبه بارد يابس، والمقطوف منه في الوقت ينفخ، والمعلقُ حتى يضمر قشره جيد الغذاء، مقو للبدن، وغذاؤه شبيه بغذاء التين في قلة الرداءة وكثرةِ الغذاء، وإن كان أقل من غذاء التين، والنضيجُ أقل ضررا من غير النضيج، وإذا لم ينهضم العنب كان غذاؤه فجاً نيئاً، وغذاء العنب بحاله أكثر من غذاء عصيره، ولكن عصيره أسرع نفوذا وانحدارا. قال: والزبيب صديق الكبد والمعدة، والعنب والزبيب بعجمهما جيد لأوجاع المعي، والزبيب ينفع الكلى والمثانة، والعنب المقطوف في الوقت يحرك البطن وينفخ، وكل عنب فإنه مضر للمثانة، والله أعلم. وأما وصفت به الكروم والأعناب نظما ونثرا - فمن ذلك ما قاله مؤيد الدين الطغرائي:\rوكرمةٍ أعرقها في الثرى ... بعيدة المنزع والمضربِ\rكريمةٍ تلفت أغصانها ال ... غضةُ بالأقربِ فالأقربِ\rتمتاحُ من قعرِ الثرى ريها ... أشطانُها عفوا ولم تُجذَبِ\rألقحها الريح وصوب الحيا ... والشمسُ في المشرقِ والمغربِ\rفأعقبت حائُلها بعد ما ... عاشت زمانا وهي لم تُعقبِ\rووضعتها نُخبا تنتمي ... إلى أبٍ أكرم به من أبِ\rوألحفتها خضر أوراقها ... مغذوةً بالحلب الأعذبِ\rوأسلمتها الشمس من صبغة ... التلويح للأغربِ فالأغربِ\rفمهرت فيها وجاءت بما ... يبهر من مستحسن معجبِ","part":3,"page":198},{"id":1199,"text":"وبدلت خضر عناقيدها ... بالأدهمِ اليحمومِ والأشهبِ\rواستسلفت ماء وجاءت به ... مُدامةً كالقبس المُلهبِ\rولم تزل بالرفق حتى اكتسى ... لُجَينُها من صبغها المذهبِ\rفالأشقر المنتوج من نسلها ... سليلُ ذاك الأشهب المنجبِ\rترى الثريا من عناقيدِها ... تلوح في أخضر كالغيهبِ\rألقابها شتى وألوانها ... متفقاتُ النجرِ والمنصبِ\rكم دُرةٍ فيها وكم جزعةٍ ... صحيحةِ التدوير لم تثقبِ\rكأنما الحالك منها لدى ... أبيضها الامع كالكواكبِ\rجيلان من زنج ورومٍ غدت ... في جننٍ خضرٍ لها تختبيِ\rكأنما تحمل حباتها ... أكارعُ النغرانِ بالمخلبِ\rأطيب بها حلا ومحظورة ... في كرمها أو كأسها أطيبِ\rوقال آخر:\rرحنا إلى حديقةٍ ... بكل حسنٍ محدقهْ\rكأنما عنقودها ... زنج جنوا في سرقهْ\rفأصبحت رءوسهم ... على الذُّرا مُعلقهْ\rوقال ابن المعتز:\rظلت عناقيدها يخرجن من ورقٍ ... كما احتبي الزنج في خضرٍ من الأزُرِ\rوقال الناجم:\rمُعرشُ للكروم منتشر ... أوراقه الخضر دون مرأها\rفكل كرمٍ هو السماء دجي ... وكل عنقوده ثرياها\rوقال الرفاه:\rيحملن أوعية المدام كأنما ... يحملنها بأكارع النغرانِ\rوقال الصاحب بن عباد:\rوحبةٍ من عنبٍ قطفتها ... تحسدها العقودُ في الترائبِ\rكأنها من بعد تمييزي لها ... لؤلؤة قد ثُقبتْ من جانبِ\rوقال ابن المعتز:\rوحبةٍ من عنبٍ ... من المنى متخذه\rكأنها لؤلؤةٌ ... في بطنها زمرده\rوقال البادني:\rوعناقيدٍ تراها ... إذ تمايلن مميلا\rركبت فيها لآلٍ ... لم تثقب فتزولا\rوقال عبد المحسن الصوري يصف عنبا أهدي إليه وهو مغطى بورقه:\rجاءنا منك تحفة أنا منها ... أبدا في تضاعف السراءِ\rعنب أسود كان عليه ... حللا من حنادسِ الظلماءِ\rخلته في خلال أوراقه الخض ... رِ ولون اسوداده والصفاءِ\rكقموعٍ على أناملِ خودٍ ... لحن من كم لاذةٍ خضراءِ\rوقال ابن الرومي يصف العنب الرازقي:\rكأن الرازقي وقد تباهى ... وتاهت بالعناقيد الكرومُ\rقوارير بماء الورد ملآي ... تشف ولؤلؤ فيها يعومُ\rوتحسبه من العسل المصفى ... إذا اختلفت عليك به الطعومُ\rفكل مجمع منه ثُريا ... وكل مفرقٍ منه نجومُ\rوقال فيه أيضاً\rورازقي مُخطفِ الخصورِ ... كأنه مخازن البلورِ\rوقد ضمنت مسكا إلى الشطورِ ... وفي الأعالي ماء وردٍ جوريِ\rلم يبق منه وهج الحرورِ ... إلا ضياءً في ظروفِ نورِ\rله مذاق العسل المشهورِ ... ورقةُ الماء على الصدورِ\rونفخة المسك مع الكافورِ ... لو أنه يبقى على الدهورِ\rفرط آذان الحسانِ الحورِ ... بلا فريدٍ وبلا شذورِ\rوقال أبو الوليد بن زيدون وقد أهداه:\rقد بعثناه ينفع الأعضاء ... حين يجلو بلطفه السخناءَ\rجاء يزهى بمستشف رقيقٍٍ ... خدع العين رقةً وصفاءَ\rتنفذ العين منه في ظرفِ نورٍ ... ملأتة أيدي الشموسِ ضياءَ\rاكسبته الأيام برد هواءٍ ... فهو جسم قد صيغ نارا وماءَ\rمنظر يبهج القلوبَ وطعمُ ... يُسكر النفس شهده استمراءَ\rفضل السابق المقدم في السنخِ فأزري بطعمه إزراءَ\rغير أني بعثتُ هذا غذاء ... يشتهيه الفتى وذاك دواءَ\rمُلطفٌ يبردُ المزاجَ إذا جا ... ش بحر ويقمع الصفراءَ\rومُعينٌ لواصلِ الصومِ يسري ... برده في الحشا ويروي الظلماءَ","part":3,"page":199},{"id":1200,"text":"فأقبل النزر شافعا لأياديك التي بعضها يفوت الثناءَ\rوقال ابو طالب المأموني يصف الزبيب الطائفي:\rوطائفي من الزبيب به ... ينتقل الشرب حين ينتقلُ\rكأنه في الإناء أوعيةٌ ... من النواجيد ملؤها عسلُ\rالتين وما قيل فيه: فقال ابن وحشية في توليده: وإن خلطتم من اليبروح الرطب أصلا وفرعا، ومثل وزنه من العسل والشمع، وزرعتموه في الأرض كما تزرعون سائر الأشياء، وصببتم عليه وقت زرعه من الماء ما تعلمون أنه قد وصل إليه، ثم تركتموه ولم تزيده، خرج من ذلك التين الأصفر الشديدُ الحلاوة، وإن خلطتم باليبروح أربع ثوماتٍ وبصلةٍ وسحقتم الجميع، وزرعتموه خرج عن ذلك التين الأسود المتوسطُ بين السواد الشديد، والأحمر، وهو الذي ينفط الفم. وأخبرني من يرجع إلى قوله ويوثق بنقله من حكام المسلمين أن بثغر الإسكندرية صنفا من التين أسود يسمى الغُرابي، إذا نضج يكتب بالبياض فربما وجد في بعضه مكتوبا أسم الله تعالى، وأخبرني أيضا أنه رأى ذلك كثيرا، وأخبرني أنه أخبر من ثقاتٍ أنه فيه ما يوجد مكتوباً عليه: \" لا إله إلى الله محمد رسول الله \" ، وسألته: هل يُتحيل على ذلك بشيء؟ فقال: لا، وأنه خلقةٌ من الله تعالى، فسبحان القادر على كل شيء.","part":3,"page":200},{"id":1201,"text":"وأما المختار من التين وما قيل في طبعه وخواصه: فقد قال الشيخ الرئيس: أجود التين الأبيض ثم الأحمر ثم الأسود، والشديد النضج منه خيره، وقريب من ألا يضر، واليابس محمود في أفعاله، إلا أن الدم المتولد منه غير جيدٍ إلا أن يكون مع الجوز فيجود كيموسه، وبعد الجوز واللوز، وأخف الجميع الأبيض. وطبعه: الرطب منه حار قليلا، ورطبه كثير المائية، قليل الدوائية، والفج منه جلاء إلى البرد ما هو إلا لبنه، واليابسُ منه حارٌّ في الأولى في آخرها لطيف. قال: واليابس منه قوي الجلاء، منضجٌ محلل، واللحيُم أكثر إنضاجاً، وفيه تغريةٌ وتقطيعٌ وتلطيف. قال: والتين أغذى من سائر الفواكه، وعصارة ورقه قوية التسخين والجلاء، وفيه تليين نافع يدفع العفونات إلى الجلد. قال: وفي تناوله تسكين للحرارة، ولبنه يجمد الذوائب من الدماء والألبان، ويذيب الجامد، والرطب منه سريع الغور والنفوذ في المعدة وفي البدن. قال: وشراب التين لطيفٌ رديء الخلط. قال: ولقضبان التين من اللطافة ما يهريء اللحم إذا طبخ بها، وفي الجميز قوةٌ جاذيةٌ من عميق البدن وتحليلٌ لما جذب. قال: الفج منه يطلي به، ويضمد به على الحيلان والثاليل وأصنافها والبهق، وكذلك ورقه، وتناوله يصلح اللون الفاسد، وينضج الدماميل. قال: ولبنُ الجُميز عصارة ورقه يقلعان أثار الوشم وبقيروطي على شقاق البرد. قال: وتضمد به الأورام الصلبة، والجميز مطبوخا مع دقيق الشعير، والفج منه على البهق، وينضج الدماميل، ويجذب رطبه الحصف، وطبيخه ينفع لأورام الحلق وأورام أصول الأذنين غرغرة كذلك مع قشور الرمان، وللداحس مع الفانيذ، ويضر اليابس أورام الكبد والطحال بحلاوته، وأما إذا كان الورم صلباً لم يضر ولم ينفع، إلا أن يخلط بالملطفات المحللات فينفع جدا، والجميز شديد التحليل للأورام العسرة. قال: وطبيخ التين برغوة الخردل يطلي به على الحكة: وورقه ينفع من القوباء، وان ستعمل مع قشور الرمان أبرأ الداحس، ومع القلفند لقروح الساقين الخبيثة، ولبن الجميز ملزق للجروحات. قال ورطب التين ويابسه ينفع الصرع، ويقطر طبيخه مع رغوة الخردل في الأذن التي بها طنين، وينفع لبنه أو عصارة قضبانه قبل أن تورق إذا جعل في السن التأكله، وينفع استعماله على الأورام ما تحت الأذن ضمادا، والفج منه يبريء قروح الرأس ذرورا، ولبنه مع العسل ينفع الغشاوة الرطبة في العين وابتداء الماء وغلظ الطبقات، وتدلك بورقه خشونة الأجفان وجربها، والرطب اليابس ينفعان من خشونة الحلق ويوافقان الصدر وقصبة الرئة، وشراب التين يدر اللبن، وينفع من السعال المزمن وأوجاع الصدر، وينفع من أورام القصبة والرئة. قال: والتين يفتح سدد الكبد والطحال. وقال جالينوس: رطبه رديء للمعدة، ويابسه ليس برديء، فإن أكل بالُمري نقي فضول المعدة، وهو مما يقطع العطش الذي يكون من بلغم مالح، ويابسه يهيج العطش، وينفع من الأستقساء، خصوصا بالأفسنتين، ورب شرابه يضر بالكبد والطحال الورمين بجلائه فقط، فإن كان الورم صلباً لم يضر ولم ينفع. قال: ولاستعماله على الريق منفعة عجيبةٌ في تفتيحه مجاري الغذاء، وخصوصا مع الجوز واللوز. قال: وجميع أصناف التين غير موافقٍ لسيلان المواد إلى المعدة، ورطبه ويابسه ينفع الكلى والمثانة، وعصارة ورقه تفتح أفواه عروق المقعدة، ورطبه يلين ويسهل قليلا، خصوصا إذا أكل منه بلوزٍ مدقوق، وكذلك لصلابة الرحم، وكذلك إن خلط بالنطرون والقرطم وأخذ قبل الطعام، ويحتمل لبنه بصفرة البيض فينقي الرحم ويدر الطمث، ويتخذ في الضماد الأرحام مع الحلبة، وفي حقن المغص مع السذاب، ويسقى من ماء رماد خشبه المكرر لمن به إسهال ودوسنطاريا أوقية ونصف. قال: ولبنه ينفع من لسعة العقرب مَرُوخا، وكذلك الرُّيَتْلاء، ويجعل الفج منه أو الورق الطري على عضة الكلب الكَلبِ فينفع، ويضمد به مع الكرسنة على عضة ابن عرس فينفع، هذا ملخص ما أورده الشيخ في أفعاله وخواصه، والله أعلم بالصواب. وأما ما وصفه به الشعراء وشبهه: فمن ذلك قول أسامة بن المرشد ابن المنقذ:\rأما ترى التين في الغصون بدا ... ممزق الجلد مائل العنقِِ\rكأنه رب نعمةٍ سُلبت ... أصبح بعد الحديد في خلقِِ\rأو كأخي شرةٍ أُغلظ وقد ... مزق جلبابه من الحنقِِ","part":3,"page":201},{"id":1202,"text":"مثل النهود الأبكار صورتهُ ... لو لم يناد عليه في الطرُقِ\rقد عقدته يد السموم لنا ... فالُوذج الدوحِ غير محترقِ\rفالشهد والزعفرانُ مع عرق ال ... وردِ وحب الخشخاش في نسقِِ\rفقم بنا نحوه نباكرهُ ... قبل جفاف الندى عن الورقِ\rولا تمل بي إلى سواه فلا ... أميل عنه ما دمت ذا رمقِِ\rوقال إبراهيم بنُ خفاجة:\rوسود الوجوهِ كلون الصدودْ ... تبسمن تحت عبوس الغبشْ\rإذا ما تجلى بياض الضحى ... تطلعن في وجهه كالنمشْ\rكأني أقطف منها ضُحى ... ثُدي صغارِ بناتِ الحبشْ\rوقال أبو الفتح كُشاجمُ يصف تينا أصفر وأسود:\rأهلا بتينٍ جاءنا ... منضدا على طبقْ\rيحكى الصباح بعضهُ ... وبعضُه يحكى الغسقْ\rكُسفرةٍ مضمومةٍ ... قد جُمعت بلا حلقْ\rوقال أيضاً في تينٍ أصفر:\rقم قد أتى ضوء الصباح المُسفر ... يا صاح نغتنم الحياة وبكرِ\rنُلمم بتينٍ لذ طعما واكتسى ... حُسنا وقارب منظرا من مخبرِ\rلطُفت معانيه لطافةَ عاشقٍٍ ... في لون مشتاقٍ حليف تفكرِ\rكالثلج بردا في صفاء التبر في ... ريح العبير وفوق طعمِ السكرِ\rيحكى لنا ما صُف في أطباقه ... خِيماً تلوح من الحرير الأخضرِ\rوقال أخر:\rما التينُ إلا سيدُ الثمارِ ... بلا امتراءٍ وبلا مُمارِي\rكأنه إذا لاح في الأشجارِ ... أطرافُ أنداءٍ من الجواريِ\rأو أكرم صيغت من النضارِ\rوأما ما وصف به على سبيل الذم - فمنه قول محمد بن شرف القيرُواني:\rلا مرحبا بالتين لما أتى ... يسحب كالليل عليه وِشاحْ\rممزَّق الجلبابِ يحكىِ لنا ... هامةَ زِنْجىًّ عليها جِراحْ\rوقال أخر:\rلا أشتهِى ما عشتُ تينا فما ... أقبحَه مذ كنتُ في عيني\rلأنه بينٌ ومن ذا الذي ... يحب أن يسمع بالبَيْنِ\rالتوتُ وما قيل فيه - فقال الشيخ الرئيس أبو على بنُ سينا: التوت صنفان: أحدُهما هو الفِرْصادُ الحلو، وهو يجرى مجرى التين في الإنضاج إلا أنه \" أردأ غذاء \" وأفسدُ دما، وأقلُّ، وله سائر أحوال التين ولكنه دونه، وأما المُزّ الذي يعرف بالتوت الشامي فليكن أكثر كلاً منا فيه، وطبعه الحلو حار رطب،والحامض الشامي هو إلى البرد والرطوبة، وفي التوت قبضٌ وتبريد،وعصارته قابضة، خصوصاً إذا طبخت في إناء نحاس، ويمنع سيلان المواد إلى الأعضاء،وخصوصاً الفج منه. قال: وإذا طبخ ورقه وورق الكرم وورق التين الأسود بماء المطر سود الشعر، والحامضُ يحبس أورام الفم والحلق وورقه ينفع للذبحة والخوانق،والحامضُ ينفع القروح الخبيثة مجففه وعصارته، ورب الحامض نافع لبثور الفم، والتمضمض بعصارة ورق الحامض جيد للسن الوجعة، والتوت رديءٌ للمعدة يفسد فيها، وخصوصاً الفرِصْاد، وإذا لم يفسد الِفرْصادُ في المعدة بسرعةٍ لم يضر،ويجب أن تؤكل جميع أصنافه قبل الطعام وعلى معدةٍ لا فساد فيها، وأما الشامي فلا يضر معدةً صفراويةً، وليس فيه من رداءة الموافقة للمعدة ما في الفرصاد، وهو يشهي الطعام ويزلقه، ويخرجه بسرعة، والعفصُ المجفف المملح من التوت يحبس البول شديداً، وينفع من الدُوِسنْطاريا، ودمعةُ التوت تسهل، وفي لحائه تنقيةٌ وإسهال، وفي الحلو سرعةُ انحدار، وفي جميع أصناف التوت إدرارٌ للبول، وإذا شرب من عصارة ورقه أوقيةٌ ونصف نفع من لسع الرتَيْلاء، ولين الطبيعة. وأما ما وصفه به الشعراء - فمن ذلك قولُ محمد بن شرف القيرواني:\rانظر إلى تُوتِ الجنان الذي ... وافى به الناطورُ في خامٍ\rيحكى جراحاً دمها سائل ... لدى جُسومٍ من بني حامِ\rوقال بعض الأندلسيين وقد أهداه:\rتفاءلتُ بالتوت التأني لزورةٍ ... وذلك فألٌ ما علمتُ صدوقُ\rفأهديته غضاً حكى حدق المها ... له منظرٌ بالحسن منه يروقُ\rفذا سيجٌ لما يرى باسوداده ... وذا لاحمرار اللوِن منه عقيقُ","part":3,"page":202},{"id":1203,"text":"وقال ابن الرومي:\rومختضباتٍ من نجيعِ دمائها ... إذا جُنِيتْ في بكرةٍ الغدواتِ\rتكاد بأن تُفْطا إذا ما لمستُها ... فأرحمها من سائر الثمراتِ\rوأما التفاحُ وما قيل فيه - فقال الشيخ: أعدلُ التفاح الشامي، والتفهُ منه رديءٌ قليلُ المنافع، وكذلك الفج، وطبعه، العفصُ والقابضُ والحامضُ باردٌ غليظ، والحلوُ مائيُّ أميل إلى الحرارة من غيره، وإن كان الغالبُ البرد، فهي مختلفة، وكذلك أوراقها وأشجارها مختلفة، وبالجملة فإن الغالب في جوهره رطوبةٌ فضليةٌ باردة. قال: وفيه منعٌ للفضول، وخصوصاً في ورقه، وفي التفاح نفخٌ فيما ليس بحلو، والحامضُ والفج مولدٌ للعفونات والحميات لخامية خلطهما وفجاجهما، وخلطُ الحامضُ ألطف من القابض، وشراب التفاح عتيقهُ خيرٌ من طريه، لتحليل البخارات الرديئة، وورقه ولحاؤه يدمُلان، وكذلك عصارةُ القابض منه، وإدمانُ أكل التفاح يُحدث وجع العصب، والتفاح يقوي القلب، خصوصاً العطر الشامي، والمشوي في العجين نافع لقلة الشهوة، وينفع من الدود ومن الدُّوِسنْطاريا وأوفقه للدُوِسنْطاريا العَفِص، وسويقُ التفاح يقوي المعدة، ويمنع القيء، والحلو والحامضُ إذا صادف في المعدة خلطاً غليظاً ربما حَدَرَه في البِراز، وإن كانت خاليةً حبس، والتفاحُ نافعٌ من السموم، وكذلك عصارةُ ورِقه. وأما ما وصفه به الشعراء - فمن ذلك قول ابن المعتز:\rوتفاحةٍ حمراء خضراء غضةٍ ... مضمَّخةٍ بالطيب من كل جانبِ\rتكامل فيها الحُسنُ حتى كأنها ... تورد خدٌ فوق خُضرةٍ شاربِ\rوقال العسكري:\rوتُفاحةٍ صفراءَ حمراءَ غضةٍ ... كخدٍّ محبٌ فوق خدَّ حبيبِ\rأحيا بها طوراً وأشربُ مثلها ... من الراحِ من كفىَّ أغنَّ ربيبِ\rوقال الرقي:\rوتُفاحةٍ غضةٍ ... عقيقيةِ الجوهرِ\rتندت بماء الربي ... عِ في روضِها الأخضرِ\rفجاءت كمثل العرو ... س في لاذها الأحمرِ\rذكرتُ بها الجُلنا ... رَ في خدك الأزهرِ\rفملتُ سروراً بها ... إلى القَدَح الأكبرِ\rوأنت لنا حاضرٌ ... وإن كنتَ لم تَحضُرِ\rوقال آخر:\rتفاحةٌ تذكر صفو الوُدِّ ... وتبعث النفسَ لحفظِ العهدِ\rكأنها مقطوفةٌ من خدِّ ... نسيُمها يحكي نسيمَ الوردِ\rوقال أبو بكر بن دُريد:\rوتُفاحةٍ من سُوسنٍ صيغَ نصفُها ... ومن جُلنَّارٍ نصفُها وشقائِقِ\rكأن النوى قد ضم من بعد فرقةٍ ... بها خد معشوقٍ إلى خدِّ عاشقِِ\rوقال أبو الوليد بنُ زَيدونَ وقد أهدى تُفاحا :\rأتتك بلون الحبيبِ الخَجِلْ ... تُخالِط لون المِحُبّ الوَجِلْ\rثمارٌ تَضمَّنَ إدراكَها ... هواءٌ أحاط بها معتدِلْ\rتأتي لتدريج تلطيفِها ... فمن حر شمسٍ إلى بَرْدِ ظِلْ\rإلى أن تناهتْ شفاءَ العَليلْ ... وأنس الخليلِ ولهو الغَزِلْ\rفلو يَجمُد الراحُ لم يَعدُها ... وإن هي ذابت فراحٌ يَحِلْ\rقَبولُكَها نعمةٌ غَضةٌ ... وفضلٌ بما جئتَه متّصلْ\rوقال أبو نُواس - ومنه أَخَذ ابنُ زَيدون - :\rالخمرُ تُفّاحٌ جرى ذائباً ... كذلك التُّفاحُ خمرٌ جَمُدْ\rفاشربْ على جامِدها ذَوْبَها ... ولا تدَعْ لذّةَ يومٍ لِغَدْ\rوقال ابن المعتز:\rتفاحةٌ معضوضةٌ ... كانت رسول القُبَلِ\rكأن فيها وجنةً ... تنقبتْ بالخَجلِ\rتناولتْ كفىِّ بها ... ناحيةً من أمَليِ\rلستُ أرجي غير ذا ... يا ليت هذا دام لي\rوقال آخر:\rفديتُ من حيا بتفاحةٍ ... في خلع التوريدِ من وجنتِهْ\rنسيمُها يُخبرِني أنها ... تَسترِق الأنفاسَ من رِيقتِهْ\rلما حكتْ نوعين من حسنِه ... قَبلتُها شوقاً إلى نَكْهِتهْ\rوقال الصَّنَوْبَري:\rفتناولتُ منه صادقةَ الرِّي ... حِ تُسمَّى صديقةَ الأرواحِ","part":3,"page":203},{"id":1204,"text":"وَشَّحتْها يداه من خالص التِّب ... رِ يجول جَوْلَ الوشاحِ\rكُسِيتْ صِبغةَ المَلاحةِ لما ... صُبِغتْ صِبغةَ الخدودِ الملاحِ\rوقال آخر:\rتُخالُ تُفاحتُها ... في لَونِها وقَدِّها\rتناولها كفُّها ... من صدرهاِ وخدَّها\rوقال ابن رشيق:\rوتفاحةٍ من كف ظبيٍ أخذتُها ... جناها من الغصنِ الذي مِثلُ قدهِ\rحَكتْ لمس نهديه وطِيب نسيِمه ... وطعم ثناياه وحُمرةَ خدهِ\rوقال ابن عباد:\rولما بدا التفاح أحمرَ مشرقاً ... دعوتُ بكأسي وهي ملآى من الشفقْ\rوقلت لساقينا أدرها فإنها ... خدودُ عذارى قد جُمِعن علىطبقْ\rوقال محمد بن سعيد:\rبديعةُ اللون من نور السرور بها ... في كل حسنٍ وطيبٍ يضرب المثلُ\rجاءتك في حلُةٍ بيضاء مُشرقةٍ ... في حُمرةٍ كاتقادِ النار تَشتعِلُ\rأو قهوةٍ مُزِجتْ أو نصف لؤلؤةٍ ... بنصِف يا قوتةٍ حمراءَ تتصلُ\rوقال آخر:\rقال جالينوسُ في حكمته ... لك في التفاحِ فكرُ وعجبْ\rهو روحُ النفس، مِن جوهرِها ... وبها شوقٌ إليه وطَرَبْ\rومزاج القلب ينفي همه ... ويُجلى الحزن عنه والكُرَبْ\rوقال ابن الرومي - وهو مما يكتب على تفاحة - :\rأرسلني عاشقٌ بحاجتهِ ... فجئتُ بين الرّجاء والوجلِ\rلا تُخجِلني بالرد حسبُك ما ... ترى بخدي من حُمرةٍ الخجلِ\rوقال أبو الفتح البُسْنيّ:\rفتى جمع العلياء علماً وعفةً ... وبأساً وجُودا لا يُفيق فُواقا\rكما جمع التفاحُ حسناً ونضرةً ... ورائحةً محبوبةً ومذاقا\rوقال آخر:\rأكلتُ تفاحةً فعاتبني ... خلٌ رآها كخد معشوِقةْ\rوقال خد الحبيب تأكلهُ ... فقلتُ لا، بل أُمصُ من ريِقِهْ\rوقال آخر:\rلا آكل التفاح دهري ولو ... جنته كفي من جِنان الخلوْد\rتا لله لا أتركه عن قِلًى ... لكنني أتركه للخُدودْ\rوأما السفرجل وما قيل فيه - فقال الشيخ الرئيس: السَّفَرْجَلُ إذا غُسِل برمَادِ أغصانه وورقه كان كالتُّوتِياء، والمشوي منه أخف وأنفع، وصورةُ شيه أن يقور ويخرج حبه ويجعل فيه العسل، ويُطين خُرمه،ويدع الرماد، قال: وطبع السفرجل باردٌ في آخر الأولى، يابس في أول الثانية، وهو قابض مقو، وزهره قابض، وكذلك دهنه، والحلو أقل قبضاً، وحبه ملينٌ بلا قبض، وهو يمنع سيلان الفضول إلى الأحشاء، ويحبس العرق، ودهنه ينفع من شُقاق البرد، ومن النملة والقروح الجربة. قال: وكثرة أكله تولد وجع العصب، ومشويه يوضع على أورام العين الحارة، وعصارته نافعة من انتصاب النفس والربو، وتمنع نفث الدم، وحبه ينفع من خشونة الحلق، ويلين قصبة الرئة، ولعابه أيضاً يرطب يبس القصبة، والسفرجل ينفع من القيء والخُمار، ويسكن العطش، ويقوي المعدة القابلة للفضول شرابه ونقيعُه ومطبوخُه، وشرابه مقو للشهوة الساقطة جداً، ونيئه يقوي المعدة، ويمنع القيء، البلغمي، والسفرجل مدر، والمطبوخ بالعسل أشد إدراراً، وربما أطلق ولم يعقل، ويولد القولنج والمغس، وينفع من الدُّوسِنطاريا، ويحبس نزف الطمث، وينفع من حرقة البول إذا قطرت عصارته ودهنه في الإحليل، ودهنه ينفع الكلى والمثانة، وإذا أكل من السفرجل على الطعام أطلق،حتى إنه إذا استكثر منه أخرج الطعام قبل الآنهضام، ويحقن بطبيخه لنتوء المقعدة والرحم، هذا ما قاله الشيخ في السفرجل.\rوأما ما وصف به نظماً ونثراً، فمن ذلك ما قاله السري الرفاء:\rلك في السفرجل منظرٌ تحظى به ... وتفوزُ منه بشمه ومذاقِه\rهو كالحبيب سَعِدتَ منه بحسنهِ ... متأملاً وبلثمِه وعِناقه\rيحكي لك الذهب المصفى لونُه ... وتزيدُ بهجتُه على إشراقه\rفالشكْلُ من أعلاه يحكي شكلُه ... ثدي الكعابِ إلى مدار نِطاقه\rوالشكلُ من سفلاهُ يحكي سُرّةً ... من شادنٍ يُزهي على عشّاقه\rوقال آخر:","part":3,"page":204},{"id":1205,"text":"سفرجلاتٌ خَرْطُها ... مثل الثُّدِي النُّهدِ\rزهرٌ حكت بلونِها ... صِبغة ماء العَسجِدِ\rوقال أبو محمد الداودي:\rغصون السفرجل ملتفةٌ ... فمعتدلُ القد أو منثني\rوقد لاح في زئيرٍ شامل ... كصفراء في مِعجرٍ أدكَن\rوقال مؤيد الدين الطُّغرائي:\rوسفرجلٍ عُني المصيف بحفظه ... فكساه قبل البَرْد خزاًّ أغبرا\rصوغٌ من الذهب المصفى، نشرُه ... مِسكٌ إذا حضر الندى تعطرا\rيحكى نهود الغانيات وتحتها ... سررٌ لهن حُشِين مِسكاً أذفَرا\rيُزهي بملمِسه وطيبِ مذاقِه ... ومشمه ويَرُوقُ عينَك منظَرا\rوقال شاعرٌ أندلسي:\rسفرجلة جمعت أربعا ... نظمن لها كل معنى عجيبِ\rصفاء النُّضار وطعم العُقار ... ولون المُحب وريحَ الحبيبِ\rوقال آخر:\rومصفرةٍ تختال في ثوبِ سندسٍ ... وتَعبقَ عن مِسكٍ ذكي التنفِس\rلها ريحُ محبوب وقسوة قلبه ... ولون مِحب حُلة السُّقم قد كُسِي\rوقال آخر:\rمتُحِفي بالسفرجلِ ... لا أُحب السفرجلاَ\rاسُمه لو عقلته ... سفرٌجلَّ واعتَلَى\rوقال آخر:\rأتحْفَتا بهديةٍ ... نقضتْ وصالَك أولا\rأرأيت من يُهدي إلى ... من يصطفيه سفرجلا\rأو ما علمتَ بأنه ... سفرٌ وآخرِه جَلا\rومن رسالة لأبي عبد الله محمدٍ بن أبي الخِصال الأندلسي، جاء في السفرجل: وقد بعثتُ منه ما يقوم مقام الشاهد، وينوب عن ثدي الناهد، فدونكها مخلفة البدر، محلقة الصدر، قد لبست الحسن باطناً وظاهراً، واستوفت الطيب أولاً وآخِرا، كأنها من طباعك طُبعت، أومن فضائلك ألفتْ وجُمعتْ،كلا إنها يذكرك غُذَيت، وعلى غاياتك حُذيَتْ .\rومنها: من كل ساهرة الشذا، نائمةٍ عن الأذى، دوحُها لدن، وفَوْحُها عدن، من وسائط السلوك، وندامي الملوك، لو ألفاها جَذيمةُ لاستغني عن مالٍك وعقيل، أو ظَفِر بها بِلالٌ لسلاعن شامةَ وطِفيل، ولم يعبأ بإذخرٍ وجليل، أما إنها لوحت ندِيا، وتمثلت بشرا سويا، لنطقت بالصواب، وأتت بالحكمة وفصل الخطاب، ونثرت في طب دقائق، ووضعت في الزهد رقائق، ولم لا! وهي تهدي الإيمان، وتدل على الجِنان، وتحكي طوبى طيبا، وحسبُك بها أولى ما سمت بها النفس، وواحدةً ميز بها الجنس، وهاكها قد تعرضت لقبولك، وانفردت كما انفردتُ بتأميلك. والله أعلم.\rالكمثرى وما قيل فيها: فقال الشيخ الرئيس: وفي بلادنا نوع يقال له: شاه أمْرُود كثير اللحم، شديد الاستدارة، رقيق القشرة، حسنُ اللون، كأنه ماء سكر معقود، طيب الرائحة جدا، إذا سقط من شجرته إلى الأرض اضمحل، وهذا لا مضرة فيه من أصناف الكمثرى. وقال في طبعه: الكمثرى معروف بالصيني بارد في الأولى، يابس في الثانية، والشاه أَمْرُود معتدل رطب، وقال في أفعاله وخواصه: جميع أصنافه قابض يدخل في ضمادات حبس المواد، وقد يجلو يسيرا، وأما المعروف بشاه أَمْرُود في بلاد خُراسان دون غيرها فهو ملينٌ للطبيعة، حسن الكَيْمُوس جدا. قال: وهو يَدْمُل الجراحات، خصوصا البري المجفف، وهو يدبغ المعدة، والصيني خاصة يقوي المعدة، ويقطع العطش، ويسكن الصفراء. قال: وهو يعقل البطن، خصوصا المجفف منه، قال: وفي الكمثرى خاصيةُ إحداث القولنج، فيجب أن يُشرب بعده ماء العسل بالأفَاوِيه.\rوأما ما وصفه به الشعراء - فمن ذلك قول ظافر الحداد الإسكندري:\rلله وافدُ كُمَّثْرَى ذكرتٌ به ... ما كنتُ أعهد في أيامي الأُولِ\rلم أُدنِه من فمي إلا وأحسبهُ ... من النهود لذيذ العض والقُبَل\rقذفتُ من طعمِه ما كاد يبلغُ بي ... ما ذقتُ من رشف محبوب على عجل\rأكرمِ بَزْورته لو أنها اتصلتْ ... أو أنه كان فيها غيرَ منفصل\rلو كنت املك حُكم الأرض ما حملتْ ... نبتا سواه على سهل ولا جبلِ\rوقال أبو الفتح كُشاجِم:\rأحضرنا الناطُور من بستانهِ ... في طبقٍ ينطق عن إحسانهِ\rلونا من الرائع في أوانهِ ... أهدي له الجوهرُ من ألوانهِ","part":3,"page":205},{"id":1206,"text":"ما احمر أو ما اصفر من مرجانهِ ... مثل تُرُوك الجيش في ميدانهِ\rمُذهبةً في الهمام من فُرسانهِ ... شيب بريق الشُهْد في أغصانهِ\rأنورُ في الناظر من إنسانهِ\rوقال آخر - وقد أهداه - :\rبعثت بها ولا آلوك حمدا ... تحية ذي اصطناع واعتلاقِ\rخدود أحبةٍ راءين صبا ... وعُدن على ارتماضٍ واحتراقِ\rفحمر بعضها خجلُ التلاقي ... وصفر بعضها وجلُ الفراقِ\rاللقاح وما قيل فيه: فاللقاح هو ثمر نبات يسمى اليبرُوح الصنمي،وليس هو اللقاح المعدود في صنف البطيخ الذي يقال له الدَّسْتْنُبو، ويقال: إنها شجرة سليمان بن داود - عليهما السلام - التي كان منها تحت قص خاتمه، ومنبت قُضُبها وورقها الظاهر وسط رأس الصنم، وتكون منابتها في الجبال والكروم، وقال التميمي: اليباريحُ سبعة، وسيدها الصنمي. وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في كتاب الأدوية المفردة من القانون في اليبروح: هو أصلُ اللقاح البري، وهو أصل كل لقاح، \" كبير \" شبيهٌ بصورة الناس، فلهذا سمي باليبروح، فإن اليبروح اسم الصنم الطبيعي.قال: وطبعه بارد في الثانية يابس إليها، وفيه قليل حرارة على ما ظن بعضهم. قال: وأما الأصل فقوي مجفف، وقشر الأصل ضعيف، والورق يستعمل مجففاً ورطباً فينفع الفالج. وقال في خواصه: هو مخدر، وله دمعة وعصارته أقوى من دمعته، ومن أراد أن يقطع له عضو سقى ثلاثة أو بُولُوسات في شرابٍ فيسبُت.وقيل: إن الأصل منه إذا طبخ به العاج ست ساعات لينه وأسلس قياده. قال: و إذا دلك بورقه البرش أسبوعاً ذهب من غير تقريح، وخصوصاً إن وجد رطباً، ولبن اللفاح يقلع النمش والكلف بلا لذع، قال:ويستعمل على الأورام الصلبة والخنازير فينفع، وإذا دق الأصل ناعماً وجعل بالخل على الحمرة أبرأها، وأصله بالسويق ضماد لأوجاع المفاصل، والإكثار من شم اللفاح يورث السكتة، وخصوصاً الأبيض الورق، وقد يتخذ منه شراب يزيل السهر، وهو أن يجعل من قشور أصله ثلاثة أمناءٍ في مطر يطوس شرابٍ حلو، ويسقي منه ثلاثة قواثوسات، وقد تطبخ القشور أيضاً في الشراب طبخاً يأخذ الشراب قواها، ويستعمل للإسبات منه شيء كثير، وللإنامة أقل، وقوم من الأطباء يجلسون صاحبه في الماء الشديد البرد حتى يفيق. قال: ودمعته من أدوية العين، تسكن الوجع المفرط، ويضمد بورقه أيضاً، وإذا احتمل نصف أو بُولُوس من دمعته أخرج الجنين، وبزره ينقي الرحم إذا شرب، وإذا احتملته المرأة قطع نزف الرحم، ولبن اللفاح يسهل البلغم والمرة، وإذا تناول الصبي الطفل اللفاح بالغلط حصل له قيءٌ وإسهال.\rوأما ما وصفه به الشعراء، فمن ذلك قول بعض الشعراء:\rأتانا المصيفُ بلُفاحِه ... فطاب ولو فاته لم يطبْ\rنجومٌ بلا فلكٍ دائرٍ ... ولكن أوراقه كالقُطُبْ\rروائُحه من شذا مِسْكةٍ ... وأجسامهُ أُكرٌ من ذهبْ\rوقال أبو الهلال العسكريّ:\rأنظر إلى اللفاح تنظرْ مُعجبا ... يجلو عليك مفضضا في مُذْهَبِ\rتعلو مفارقه قلانسُ أُجفيتْ ... من تحتهن دراهمٌ لم تضربِ\rوقال آخر:\rللعين والعرنين في يبروحةٍ ... لون المحب وعقبةُ المعشوقِ\rصفراء طيبة النسيم كأنها ... بلورةٌ محشوةٌ بخلُوقِ\rالأُتْرُج وما قيل فيه: فقال أبو بكر بن وحشية في كتاب \" أسرار القمر \" : وإن خلطتم بأصل اليبروح وفروعه أصل الجزر وورقه أجزاءً سواء وطمرتموه في الأرض، خرج عن ذلك شجر الأترج، وإن أضفتم إليهما البطيخَ الفجً خرجتْ عنه الشجرة الحاملة للأترج الكبير الطيب الرائحة، وإن أردتم أترجا إلى البياض شديد الريح فاخلطوا باليبروح والجزر أصلا وورقا عرق شجرة التين الأصفر. وقال الشيخ الرئيس في طبع الأترج: قشره حار في الأولى، يابس في آخر الثانية، ولحمه حارٌ في الأولى، رطبٌ فيها، وقال قوم: بل هو بارد رطب في الأولى، وبرده أكثر، وهو الأصح، وحُماضُه بارد يابس في الثالثة، وبزره حار في الأولى، مجفف في الثالثة.","part":3,"page":206},{"id":1207,"text":"وأما أفعاله وخواصه - فإن لحمه ينفخ، وورقه يسكن النفخ، وفُقاحه ألطف، وحُماضه قابض كاسر للصفراء، وبزره وقشره محلل، وإذا جعل قشره في الثياب منع السوس، ورائحتهُ تُصلح فساد الهواء والوباء، وحُماضُه يجلو اللون ويذهب الكلف، وحُراقة قشره طلاءً جيدةٌ للبرص، وطبيخه يطيب النكهة، وهو مسمن، وقشره يطيب النكهة أيضا إمساكا في الفم، وحُماضُه نافع من القُوباء طلاء، ودُهنه نافع من استرخاء العصب والفالج. وحُماضه رديء للعصب، وإذا اكتحل بحماضه أزال يرقان العين، وحُماضه يسكن الخفقان الحار، والمُربي جيدٌ للحلق والرئة، لكن حُماضه رديء للصدر، ولب الأترج إذا طبخ بالخل وسقي منه نصفُ أُسْكُرُّجَةٍ قتل العلقة المبلوعة وأخرجها، ولحمه رديءٌ للمعدة، ينفخ، بطيءُ الهضم، لكن ورقه مقو للمعدة والأحشاء، وقشره إذا جعل في الأطعمة كالأبازِير أعان على الهضم، ونفس قشره لا ينهضم لصلابته، وطبيخه يسكن القيء، ورُبُّه - وهو رُبُّ الحُماض - نافع للمعدة، قال: ويجب أن يؤكل الأترج مفردا لا يخلط بطعام لا قبله ولا بعده، ولحمه يورث القُولنج، وحُماضه يحبس البطن، ويمنع من الإسهال الصفراوي، وبزره ينفع من البواسير، وفي بزره قوة مسهلة، وعصارة حُماضه تسكن غُلمة النساء، ووزن درهمين من بزره بالشراب والطلاء والماء الحارّ مقاومٌ للسموم كلها، وخصوصا سم العقرب شربا وطلاء، وقشره قريب من ذلك، وعصارة قشره تنفع من نهش الأفاعي شُربا، وقشره ضمادا.\rوأما ما وصفه به الشعراء - فمن ذلك قول ابن الرومي:\rكلٌّ الخِلال التي فيكم محاسنكمُ ... تشابهت منكم الأخلاق والخلقُ\rكأنكم شجرُ الأُتُرج طاب معا ... حملا ونورا وطاب الأصل والورقُ\rوقال حجظة:\rأترجةٌ كالمسكِ في طيبهِ ... والتبر في بهجة إشراقهِ\rكأنها في كف أستاذنا ... مخلوقةٌ من طيب أخلاقهِ\rوقال علي بن سعيد الأندلسيّ:\rمصفرةِ اللون لا من هوى ... تُكابد منه علاقاتِ همْ\rولكن كساها سمومُ الهجير ... جلابيب تبرٍ بتضريج دمْ\rوأكسبها طيب نشر العبير ... وريح الحبيب إذا ما يُشمْ\rعروسٌ تُزف إلى شاهها ... على كف أغيد مثل الصنمْ\rوقال ابن رشيق في المعز بن باديس:\rأترجةٌ سبطةُ الأطراف ناعمةٌ ... تلقي النفوس بحظ غيرِ منحوسِ\rكأنها بسطت كفا لخالِقها ... تدعو بطول بقاء لأبن باديسِ\rوقال آخر:\rكأنما الأترج في لونه ... وشكله المستطرف المنظرِ\rأبارقٌ تسقط عنها العُرا ... مسبوكةٌ من ذهبٍ أحمرِ\rوقال آخر:\rيا حبذا أترجةٌ ... تُحدث في النفس الطربْ\rكأنها كافورةٌ ... لها غِشاءٌ من ذهبْ\rوقال السري الرفاء:\rوقريبةٍ من كل قلب إن بدت ... للمرء أدناها إليه وقرٍّبا\rأروى القلوب نسيمها وتلهبتْ ... حُسنا فأذكت في القلوب تلهُّبا\rفكأنها ذهب حوى كافورةٌ ... فغدا برياها وراح مطيِّبا\rصفراء ما عنت لعيني ناظرٍ ... إلا توهمها سنانا مُذهَبا\rوقال فيه:\rيا حبذا أترجةٌ ... رحت بها مسرورا\rإذ جاءني يحملها ... ظبيٌ يباهي الحُورا\rشبهتها في كفه ... وقد كساها النُّورا\rمخزنةٌ من ذهب ... قد مُلئتْ كافورا\rوقال الزاهي:\rوذات جسم من الكافور في ذهب ... دارت عليه حواشيه بمقدارِ\rكأنها وهي قُدامىِ ممثلةً ... في رأس دَوحتها تاج من النارِ\rوقال ابن دُرَيْد:\rجسم لُجَيْنٍ قميصُه ذهبٌ ... زُر على لعبةٍ من الطيبِ\rفيه لمن شمه وأبصره ... لون محبٌ وريحُ محبوب\rوقال أبو الفتح كُشاجِم:\rيا حبذا يومنا ونحن على ... رءوسنا نعقد الأكاليلا\rفي جنةٍ ذُللت لقاطِفها ... قُطوفُها الدانياتُ تذليلا\rكأن أُتْرُجها تَمِيس به ... أغصانُها حاملا ومحمولا\rسلاسلٌ من زبرجد حملت ... من ذهب أصفر قناديلا","part":3,"page":207},{"id":1208,"text":"وقال أبو بكر بن القُرطُبية:\rجسمٌ من النور في ثوبٍ من النار ... كأنه ذهبٌ من فوق بُلارِ\rوأبيض باطنُه واصفر ظاهرُه ... كأنه دِرهمٌ من تحت دينارِ\rوقالت علية بنتُ المهدي متطيرةً به:\rأترجةٌ قد أتتك لطفاً ... لا تقبلنها وإن سُرِرتَ\rلا تهو أترجةٌ فإني ... رأيت مقلوبَها هُجِرتَ\rوقال العباس بن الأحنف:\rأهدى له أحبابُه أُتْرُجّةً ... فبكى وأشفق من عِيافِة زاجرِ\rخاف التلون إذ أتته لأنها ... لونان باطنُها خلافُ الظاهرِ\rوقال آخر:\rأمات إذ حيا بأُتْرُجةٍ ... فهمتُ منها كنة تأويله\rلما تطيرتُ بمنكوسها ... ضم بنانا لي بتقليله\rومن الأترج صنف صغير مخطط بخضرة وصفرة. وفيه طول، يسمى شمام الأترجّ، وفيه يقول ابن طَباطَبا:\rومُخطفاتٍ كأن الحُبَّ أخطفها ... هِفٍ الخصور ثقيلات المآخيرِ\rصُفر الثياب كأن الدهر ألبسها ... بناصر النبت ألوان الدنانيرِ\rالقسم الثالث من الفن الرابع وفيه بابان\rالفواكه المشمومة\rالباب الأول من هذا القسم من هذا الفن فيما يُشم رَطْبا ويُستَقطر:\rويشتمل هذا الباب على أربعة أنواع، وهي الورد والنِّسْرين والخِلاف والنَّيْلَوفْرَ.\rما يُشم رَطْبا ويُستَقطر\rالورد فالورد ألوان، وأشهرها الأحمر والأبيض، وقال صاحب كتاب \" نشوار المُحاضرة \" : إنه رأى ورداً أصفر، ووردا أسود حالكَ السواد، له رائحة ذكية، ورأى بالبصرة وردةً نصفها أحمر قانيء، ونصفها أبيض ناصع، وكأنها مقسومة بقلم، وفيه ماله وجهان: أحمر وأبيض، ويقال: إنه ربما وُجد وردٌ أحد وجهي الورقة منه أحمر قانيْ، والآخر أصفر، ومن ألوان الورد الأزرق، وهذا اللون يقال إنه يُتحيل فيه، بأن تُسقى شجرةُ الورد الأبيض الماء المخلوط بالنيل، فيصير الورد أزرق، وقد يُتحيل على الأسود بمثل ذلك، والله تعالى أعلم. ومما يدل على وجود هذه الألوان وأنها غير منكورة أن الشعراء وصفوها في أشعارهم فذكروا الأصفر والأزرق والأسود على ما نورده إن شاء الله تعالى بعد ذكر منافع الورد وخواصه.\rقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: والورد المركب من جوهرٍ مائي وأرضي وفيه حرارة وقبض، ومرارة مع القبض، وقليلُ حلاوة، وفي مائيته انكسار حرافة بسبب الشيء الذي لأجله حلا ومر، وفيه لطافة تنفذ قبضه، فكثيرا ما يُحدث الزكام. قال: والقوة المرة تثبت فيه ما دام طريا، فإذا يبس قلت مرارتُه، ورطبُه يُسهل إذا شُرب منه وزنُ عشرة دراهم، والمسمى منه بالورد المنتن حار، وأصله كالعاقِر قَرْحا مُحرِق، وقال في طبعه:","part":3,"page":208},{"id":1209,"text":"ذكر جالِينُوس أن الورد ليس بشديد البرد بالقياس إلينا، ويقول: يجب أن يكون باردا في الأولى، قال الشيخ، أقول: ويُبْسُه في أول الثانية، لا سيما في الجاف، وقال في أفعاله وخواصه: تجفيفه أقوى من قبضه، لأن مرارته أقوى من قبض طعمه، وهو مفتحٌ جلاء، ويسكن حركة الصفراء، وبزره أقوى ما فيه قبضا، وكذلك الزغب الذي في وسطه، وفي جميعه تقوية للأعضاء الباطنة، ولا يجاوز قبضه منع التحليل، واليابس أقبض وأبرد. قال: وإذا استعمل الورد في الحمام أصلح نتن العرق، ويتخذ منه غسول على هذه الصفة، وهي أن يؤخذ من الورد الذي لم تصبه نداوة - ويترك حتى يضمر - أربعون مثقالا، ومن سنبل الطيب خمسةُ مثاقيل، ومن المُر ستةُ مثاقيل، تُعمل أقراصا صغارا. قال: وربما زادوا فيها من القُسْط والسَّوسَن درهمين درهمين، فربما جعلها النساء في المخانق علاجا من ذَفَرِ العَرَق. قال قوم: إنه يقطع الثآليل كلها إذا استعمل مسحوقا، وهو ينفع من القروح، ولا سيما السَّحْج بين الأفخاذ وفي المَغابِن، وينبت اللحم في القروح العميقة وادعى قوم أنه يخرج السُّلاءَ والشوك مسحوقا، وهو مسكن للصداع رطبه وطبيخُ مائه، ودهنه معطس بل شمهٌّ نفسه، وقال قوم: تعطيسُه لحبسه البخار، ولعل ذلك لتضاد قوتيه: الجالية والمانعة في الأدمغة الرقيقة الفضول، وشمه نفسه معطسٌ لمن هو حار الدماغ، وبزره يشد اللثة، وهو يسكن وجع العين من الحرارة، وكذلك طبيخ يابسه صالحٌ لِغلظَ الجفون إذا اكتحل به، وكذلك دهنه وعصارتهُ، قال: وإنما ينفع من الرمد إذا قطعت منه زوائده البيض. قال: وإذا تُجُرِّع ماء الورد نفع من الغشي، قال: والورد جيد للكبد والمعدة، ومُرباه بالعسل يقوي المعدة، وهو الَجَلنجَبِين، ويعين على الهضم، ودهن الورد يطفئ التهاب المعدة، وكذلك طلاء المعدة بالورد نفسه، وشرابه نافع لمن في معدته استرخاء، قال: وهو يسكن وجع المقعدة طليا عليها بريشة، ووجع الرحم من الحرارة، وكذلك طبيخ يابسه، وهو نافع لأوجاع المعي، ويحتقن بطبيخه لقروح المعي، وشرابهُ يُشرب لذلك، قال: والنوم على المفروش منه يقطع الشهوة، هذا ما قاله الشيخ في الورد، والذي جربتُه أنا منه أن زهر الورد الأصفر يجفف ويسحق بالملح فيكون دواءً جيدا للجراح يلحمها بسرعة.\rوأما ما جاء في وصف الورد نظما ونثرا - فقال أبو العلاء صاعد الأندلسي:\rودونك يا سيدي وردةً ... يذكرك المسكُ أنفاسهَا\rكعذراء أبصرها مبصرٌ ... فغطت بأكمامِها رأسها\rوقال أبو عبادة البحتريّ:\rأتاك الربيعُ الطلقْ يختال ضاحكا ... من الحُسن حتى كاد أن يتكلمّا\rوقد نبه النوروز في غسق الدُجى ... أوائل ورد كن بالأمس نُومَّا\rيفتحه برد الندى فكأنما ... يبث حديثا بينهن مكتَّما\rوقال محمد بن عبد الله بن طاهر - ويروي لعلي بن الجهم - :\rأما ترى شجراتِ الورد مظهرةً ... لنا بدائع قد رُكبن في قُضُبِ\rكأنهن يواقيتُ يُطيف بها ... زبرجدُ وسطه شذرٌ من الذهبِ\rوقال الناشي:\rقُضُب الزبرجد قد حملن شقائقا ... أثمارُهنّ قُراضةُ العِيقانِ\rوكأن قطر الطل في أهدابه ... دمعٌ مَرَتْه فواتر الأجفانِ\rوقال ابن طاهر - ويروي لأبن بسام:\rأما ترى الورد يدعو للورود إلى ... خمر معتقة في لونها صهبُ\rمداهنٌ من يواقيت مركبة ... على الزبرجد في أجوافها ذهبُ\rكأنه حين يبدو من مطالعه ... صبٌ يقبل حِبا وهو يرتقبُ\rخاف الملال إذا طالت إقامتُه ... فظل يظهر أحيانا ويحتجبُ\rوقال العماد الأصفهاني:\rقلت للورد ما لشوكِك يُدمي ... كل ما قد أسوته من جراحِ\rقال لي هذه الرياحينُ جندٌ ... أنا سلطانُها وشوكي سلاحي\rوقال آخر:\rالورد أحسنُ منظرٍ ... تستمتع الألحاظ منه\rفإذا انقضت أيامُه ... أتت الخدود تنوب عنه\rوقال أبو طالب الرقيّ:\rووردةٍ في بنان معطارِ ... حيت بها بديع أسرارِ\rكأنها وجنةُ الحبيب وقد ... نقطها عاشق بدينارِ","part":3,"page":209},{"id":1210,"text":"وقال أبو هلال العسكري:\rمر بنا يهتز في خطوِه ... كالغصن غِبَّ العارض الساري\rشِممتُ في وجنته وردةً ... جاءت من المسك بأخبارِ\rتلوح في حمرتها صفرةُ ... كالخد منقوطا بدينارِ\rوقال آخر:\rكأنما الوردة لما بدت ... في كف من أهوى ويهواني\rحمرةُ خديه وفي وسطها ... صفرةُ لوني حين يلقاني\rوقال آخر:\rجمع الورد خصالا ... لم تكن في نظرائهْ\rحسن لون جعل الزه ... رة من تحت لوائهْ\rونسيما عطر المج ... لس من فرط ذكائهْ\rفإذا غاب وولى ... عوض الناس بمائهْ\rوقال آخر:\rوذي لونين لونُ المسك فيه ... يروق بحمرة فوق اصفرارِ\rكمعشوقين ضمهما اعتناقٌ ... على حدثان عهدٍ بالمزارِ\rوقال الطغرائي:\rألم تر أن جند الورد وافي ... بصُفر في مطارده وحُمرِ\rأتى مستلئما بالشوك فيه ... نِصالُ زمردٍ وتراسُ تبرِ\rفجلي بالسرور هموم قلبي ... وطارد بالنشاط بنات صدري\rفما عذري إذا أنا لم أقابِل ... أياديه بُسكرٍ أو بشكرِ\rومما قيل في ذم الورد ومدحه، قال ابن الرومي:\rيا مادح الورد لا تنفك عن غلطٍ ... ألست تنظره في كف ملتقِطهْ\rكأنه سُرْمُ بغل حين يخرجُه ... عند البِراز وباقي الروث في وسطهْ\rوقال ابن المعتز في الرد عليه:\rيا هاجي الورد لا حُييت من رجلٍ ... غلطت والمرء قد يُؤتي على غلطهْ\rهل تُنبت الأرض شيئا من أزاهرها ... إذا تحلت يُحاكي الوشي في نمطهْ\rأحلى وأشهر من وردٍ له أرجٌ ... كأنما المسك مذرورٌ على وسطهْ\rكأنه خدُّ حِبي حين ملكني ... حل السراويل بعد الطول من سخطهْ\rوقال العسكري:\rأفضل الورد على النرجسِ ... لا أجعل الأنجم كالأشُمسِ\rليس الذي يقعد في مجلسٍ ... مثل الذي يمثل في المجلسِ\rوكتب أبو دُلَف إلى عبد الله ابن طاهر:\rأرى وُدكم كالورد ليس بدائم ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهدُ\rوحبي لكم كالآسِ حُسنا ونضرةً ... له زهرةٌ تبقى إذا فني الوردُ\rفأجابه ابن طاهر يقول\rوشبهت ودُي الورد وهو شبيههُ ... وهل زهرةٌ إلا وسيدها الوردُ\rوودك كالآسِ المريرِ مَذاقُه ... وليس له في الطيب قبلٌ ولا بعدُ\rومما وصف به الورد الأبيض قول محمد بن قيس:\rجاءت بورد أبيضٍ ... شبهتُه عند العِيان\rبمداهنٍ من فضةٍ ... فيها بقايا زعفران\rوقال السري الرفاء:\rوروضٍ كساه الغيث إذ جاد دمعُه ... مجاسد وشي من بَهارٍ ومنثورِ\rبدا أبيضُ الوَرِ الجني كأنما ... تنسم للناشي بمسكٍ وكافورِ\rكأن اصفرارا منه تحت ابيضاضه ... برادةُ تبرٍ في مداهنِ بلورِ\rوقال ابن المعتز:\rأتاك الوردُ مبيضاً مَصُونا ... كمعشوقٍ تكنفه صدودُ\rكأن وجوهه لما توافت ... بدورٌ في مطالعها سعودُ\rبياضٌ في جوانبه احمرارٌ ... كما احمرت من الخجل الخدودُ\rومما وصف به الأصفر قول ُشاعر:\rرعى الله وردا غدا أصفرا ... بهيا نضيرا يُحاكي النضارا\rوسقى غصوناً به أثمرت ... وحُملن منه شموسا صِغارا\rوقال الطغرائي:\rشجراتُ وردٍ أصفرٍ بعثت ... في قلب كل متيمٍ طربا\rسبكت يد الغيم اللجين لها ... وكسته صبغا مُوِنقا عجبا\rمن ذا رأى من قبلها شجرا ... سقي اللجين فأثمر الذهبا\rخرطت نهود زبرجدٍ حملت ... أجوافها من عسجدٍ لُعبا\rفإذا الصبا فتقت كمائمها ... سحراً وماد الغصنُ وانتصبا\rشبهتُها بخريدةٍ طرحتْ ... في الخُضر من أثوابها لهبا","part":3,"page":210},{"id":1211,"text":"ومما وصف به الوردُ الأزرق - قال بعض الشعراء وقد وصف بستانا:\rوبه واردٌ من الورد قد أي ... نع في رقة الهواء اللطيِف\rشبهوه بدمعة العاشق الآ ... ليف نالته جفوةٌ من أليف\rفهو يحكيه رقةٌ ومثالُ ال ... قرص لونا في خد ظبيٍ تَرِيف\rورقٌ أزرقٌ كزرق يوافي ... ت تطلعن من لجينٍ مَشُوِف\rومما قيل في الورد الأسود قول مؤيد الدين الطغرائي:\rلله أسودُ وردٍ ظل يلحظنا ... من الرياض بأحداق اليعافيرِ\rكأنها وجناتُ الزنج نقطها ... كف الإمام بأنصاف الدنانيرِ\rوقال آخر فيه:\rووردٍ أسودٍ خلناه لما ... تنشق نشره ملكُ الزمانِ\rمداهن عنبرٍ غضٌ وفيها ... بقايا من سحيق الزعفرانِ\rوأما ما جاء فيه نثراً - فقال أبو حفص عمرُ بنُ بُرْد الأصغر رسالة قدم فيها الورد على سائر الرياحين، وهي رقعةٌ خاطب بها ابن جهور: أما بعد يا سيدي ومن أنا أفديه،فإنه ذكر بعضُ أهل الأدب المتقدمين فيه، وذوي الظرف المعتنين بملح معانيه، أن صنوفا من الرياحين، وأجناسا من نوار البساتين، جمعها في بعض الأزمنة خاطرٌ خطر بنفوسها، وهاجسٌ هجس في ضمائرها، لم يكن لها بدٌ من التفاوض فيه والتحاور، والحاكم من أجله والتناصف، وأجمعت على أن ما ثبت في ذلك من العهد، ونفذ من الحلف،ماضٍ على من غاب شخصه، ولم يئن منها وقته، فقام قائمها فقال: يا معشر الشجر، وعامة الزهر، إن اللطيف الخبير الذي خلق المخلوقات، وذرأ البريات،باين بين أشكالها وصفاتها،وباعد بين منحها وأعطياتها، فجعل عبدا وملكا، وخلق قبيحا وحسنا،فضل على بعضٍ بعضا حتى اعتدل بعدله الكل، ولسق على لطف قدرته الجميع، إن لكل واحد منها جمالا في صورته، ورقة في محاسنه، واعتدلا في قده، وعبقاً في نسيمه، ومائية في ديباجته، قد عطفت علينا الأعين، وثُنيت إلينا الأنفس، وزهت بمحاضرتنا المجالس، حتى سفرنا بين الأحبة، ووصلنا أسباب القلوب، وتحملنا لطائف الرسائل، وصيغ فينا القريض، وركبت في محاسننا الأعاريض، فطمح بنا العجب، وازدهانا الكبر، وحملنا تفضيل من فضلنا، وإيثارُ من آثرنا، على أن نسينا الفكر في أمرنا، والتمهيد لعواقبنا، والتطييب لأخبارنا، وادعينا الفضل بأسره، والكمال بأجمعه، ولم نعلم أن فينا من له المزيةُ علينا، ومن هو أولى بالرآسة منا، وهو الورد الذي إن بذلنا الإنصاف من أنفسنا، ولم نسبح في بحر عمانا، ولم نمل مع هوانا، دنا له، ودعونا اليه، فمن لقيه منا حياه بالمُلك، ومن لم يدرك زمن سلطانه، ودولة أوانه، اعتقد ما عُقد عليه، ولبى إلى ما دُعي إليه، فهو الأكرم حسبا، والأشرفُ زمنا، إن فُقد عينُه لم يُفقد أثرُه، أو غاب شخصُه لم يغب عَرْفُه، وهو أحمر والحُمرةُ لون الدم، والدمُ صديقُ الروح، وهو كالياقوت المنضد، في أطباق الزبرجد، عليها فريدُ العسجد، وأما الأشعارُ فبمحاسنه حَسُنتْ، وباعتدال زمانِه وزِنتْ. وفي فصل منها: وكان ممن حضر هذا المجلس من رؤساء النوارِ والأزهار، النرِجس الأصفر والبنفسجُ والبهار، والخيري - وهو النمام - فقال النرجس الأصفر: والذي مهد لي في حجر الثرى، وأرضعنى ثدي الحيا، لقد جئت بها أوضح من لبة الصباح، وأسطع من لسان المصباح، ولقد كنتُ أسترُ من التعبدُ له، والشغف به، والأسف على تعاقب الموت دون لقائه، ما أنحل جسمي ومكن سُقمي، وإذ قد أمكن البوحُ بالشكوى، فقد خف ثقل البلوى، ثم قام البنفسجُ فقال: على الخبير والله سقطت، أنا والله المتعبد له، والداعي إليه والمشغوفُ به، وكفى ما بوجهي من ندب، ولكن في التأسي بك أُنس، ثم قام البهار فقال: لاتنظرن إلى غضارِة نبتي، ونضارة ورقي، وانظر إلى وقد صرت حدقة باهتة تشير إليه، وعينا شاخصة تندى بكاءً عليه.\rولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي","part":3,"page":211},{"id":1212,"text":"ثم قام الخيري فقال: والذي أعطاه الفضل دوني، ومد له بالبيعة يميني، ما اجترأتُ قط إجلالا له، واستحياء منه، على أن أتنفس نهارا، أو أساعد في لذة صديقاً أو جاراً، فلذلك جعلت الليل سترا، واتخذت جوانحه كنا. فلما استوت آراؤها قالت: إن لنا أصحاباً، وأشكالا وأترابا، لا نلتقي بها في زمن، ولا نجاورها في وطن، فهلم فلنكتب بذلك عقدا ينفذ على الأقاصي والأداني، فكتبوا رقعة نسختها: هذا ما تخالف عليه أصنافُ الشجر، وضُروبُ الزهر، وسميها وشتويها ورَبِعيهُّا وقَيْظِيُّها، حيث ما نجمت من تلعةٍ أو ربوة، وتفتحت في قرارة أو حديقة، عند ما راجعت من بصائرها، وألهمت من رشادها، واعترفت بما أسلفت من هفواتها، وأعطت للورد قيادها. وملكته أمرها، وعرفت أنه أميرها المقدمُ بخصاله فيها، والمؤمرُ بسوابقه عليها، واعتقدت له السمع والطاعة، والتزمت له الرق والعبودية، وبرئت من كل زهر نازعته نفسُه المباهاة له، والانتراء عليه، في كل وطن، ومع كل زمان، فأية زهرةٍ قص عليها لسانُ الأيام هذا الحِلف، فلتتعرف إرشادها منه، وقوام أمرها به، والله أعلم. ومن رسالةٍ لبض فضلاء أصبهان ممن ذكرهم العِمادُ الأصبهاني في الخريدة وصف فيها الرياض والرياحين، وفضل الورد على جميعها، وهي رسالةٌ مطولةٌ في هذا النوع وغيره، جاء منها: في يومٍ استعار نضارته من عصر الصبا، واكتسى صحنه من عليل الصبا، ونجمت فيه نجوم الربيع، خاليةٌ من المقابلة والتربيع، وتقابل إشراُق زهرِه ونهارِه، فراق يجري جداوله وأنهاره، وأقبل فيه جيشُه بفوارسهِ وجيادهِ، وعساكرِه وأجنادِه، بين رافع لواءٍ زبرجدي، وحامل مطردٍ عسجدي، وصاحب رداء لازوردي، ومعلمٍ قد أطلق عنانه، ورامح قد خضب سنانه، وأخذت الأرض زينتها وزخارفها، ولبست حليتها ومطارفها، ومادت كُثبانُها بخمائلها، وماست قُضبانُها في غلائلها، فبرزت بين جبينٍ متوج، وخد مضرج، وصدغٍ محلق، وخضرٍ ممنطق، ونادت الشمس بلسان الجذل:\rيا بُعدَ ما بين برجِ الجديِ والحملِ\rوفصل فصلُ الربيع الرياض ... عقودا ورصع منها حُلِيا\rوفاخر بالأرض أُفق السماء ... فحلى الثرى بنجوم الثُّريا\rونثر منثورُه ياقوتا ودرا وزمرذا، وجمع بين ضدين من بردِ بردٍ وتوقُّد جذا، فشمخ بالمناكب، على الكواكب، وتاه بالضوج، على، الأوج، وطاول بالاكام عُلا الرُّكام، فهنالك برز النرجِسُ من بين الرياحين، وقال: الصمتُ لا يُحمَد في كل حِين، ومن لم يُفِصح بتعريف نفسه، وتفضيل يومه على أمسه، فهو مغبونٌ في جنسه، أنا حدقُ الحدائق، ونزهةُ الرامق، أخطِر بين جسدٍ زبرجدي، وفرع كافوري وعسجدي، إلى ينسب حُسنُ العيون، وعندي يوجد ضعفُ الجفون:\rتنافسُ في نفوسُ الكرامِ ... إذا ما أدبرت كُئوسُ المُدامِ\rفأسبي الجليسَ إذا ما حضرتُ ... بلَحظ الفتاةِ وقَد الغلامِ\rفأيقظ لمباهلته الأقحُوان، و قال: الآن آن ظهوري وحان، ما هذه العجرفةُ والتباهي! لقد نطقت بعجائب النواهي،و تالله ماصدقت سن بكرِك،ولا امتاز عُرفُك من نُكرِك،فبم تتيه على أقرانك، وتتكبر على سُجَرائك وأخدانِك؟ أنسيت تنكيس رأسك بين الندماء، وإمساكَ رَمَقِك ببلةٍ من الماء، وأنك لا تبيت إلا مُوثقا محبوسا، ولا تُشم إلا صاغرا منكوسا، ولا تُستخدم إلا قائما، ويا سوء يومك إذا أصبحت نائما؟ ألا عطفت على جيد الالتفات، وأشرت إلى بأحسن الصفات، فقلت: لله درك من زهرٍ كملت محاسنه، وصفا من غديره آسنه، وتبسم عن مؤشر الثغور، وجمع فرعه بين لوني التبر والكافور، فتوج بالتيجان المشرقة المرصعة بخلاصة النضار والرقة، ألم تعلم أني فوز المغاني، ونزهة الراني، ومباسم الغواني؟ لا يحكم لشاعر بالإحسان، أو ينسب إلى حسن ثغور الحسان.\rأنا زهر الربا ونور الرياضِ ... وعيون ترنو بغير اغتماضِ\rلن تراني إلا بشاطِي غديرٍ ... باسما أو مضاحكا لحياضِ","part":3,"page":212},{"id":1213,"text":"فشُق الشقيق عن زفير ووجيب، ولدغه بُحمة لسانٍ مجيب، وقال: لقد تجاوزت بنفسك مدى الحد، وضربت في افتخارك بكهامٍ قليل الحد، أليس ندى الطل يزينُك، وإغبابُه يشينُك؟ ومتى نضب غديرُك، بدا تغييركُ، ما أراك بغير مضاهاة الثغور تفتخر، فهل هي على الحقيقة إلا عظم نخر؟ بل أنا نزهة الناظر، وبغية الحاضر، جسدي من قضبان الياقوت، وفرعي من المسك المفتوت.\rأفوق إذا مِستُ بين الريا ... ض زهوا على مائسات القدودِ\rوأفضل ولونا وحُسنا إذا ... حضرتُ على حُسنِ لون الخدودِ\rفمالت إليه الخُزامي وكادت تميل به جذابا والتزاما، و قالت: \" أسمع جعجعةٌ ولا أرى طحنا \" وقعقعةٌ ولا انظر إلا شنا، لقد ارتكبت جللا، واستغزرت غللا،ما أقبح عاقبة العجل،وأقرب الواثق من الحجل! حتام تُنِبض ولا ترمي، وإلام توِمض ولا تهمي؟ أبكمته لونك تفتخر، وبعظم كونك تشمخر، ألست الخشن الجلده، الدموي البرده، البعيد عن محل التقريب والشم، الطريد عن رتبه التقبيل والضم؟ لكن أنا الملبس المشار إليه، والعطر المنصوص عليه، مُدحتُ بالطيب واللون، وتُحُيرتُ للتسربل والصون، وجُمعت مني الحُلل، وتُوجتْ مني الكلل.\rفضلتُ على زهر الربيع برتبةٍ ... بها صدق الراوون للشعر إذ قالوا\rكأن الخُزامي جمعت لك حُلةً ... عليك بها في الطيب واللون سربالُ\rفأنهضت لمعارضتها البنفسج، وألجم جواد مناضلتها وأسرج، وقال:يا ساكنة الشهباء، لقد جئت بالداهية الدهياء، أضبح الثعالب، وإرسال الأرانب، وما يغني عنك وصف الشعراء، وأنت منبوذةٌ بالعراء، بَعْدتِ عن محاسن أخلاقِ البرية،وقَرُبتِ من مراتع البهائم البرية، وحُرِمِت برد نسيم العراق،وضعُفت ساقِك عن حَمْل ساق، وإنما أنا نزهةُ الأمصار،ومسرةُ الأبصار،وطيبُ النفوس،وربيبُ الكئوس، المحمولُ على الرءوس، المحبوبُ إلى الرئيس والمرءوس، ذو العرق الذكي والعرف المِسكي:\rرئيسُ الرياحين المضُيفُ بلونهِ ... جمالاً إلى ورد الخدود المضرَّجِ\rإذا ما جِنان الأرض بالنوْر زُحفتْ ... فتعريفُها من طِيب زهر البنفسجِ\rفغضب لذالك جُوري الورد، ووئب لو استطاع وثبة الورد، ثم قال: أرِكزا كأحاديث الضبع. وزمجرة كزمجرة السبعُ. ذهب بك الشتاءُ وبردُه. وشُغل عنك التربيع ووردُه. أطعت هوى النفس الأمارة، ونطقت بحضرة الإمارة، وأنت لا تنقضي ساعتُك حتى تربد، ولا ينصرم يومك حتى تذبل وتسود، ثم تستحيل أوراقُك، ويفارقُك وراقُك.وتشعث قِمتُك. وتنزُر قيمتُك. أتراك لو قرصُ الخدود، هل كنت في الألوان بمعدود؟. أما علمت أني مدعو بالأمير المقدمِ والميموِن المِقدام.أنا الزائر في كل عام، القادمُ بمسرة الخاص والعام. لا تشرف الأيام إلا باسمي، ولا تفخر الأجسام إلا بمشابهة جسمي، في يُفتن النظر، وأنا السيد المنتظر. وإذا أنقضت مدتي، وقضيت عدتي. أقصدتني حنِية الفُرقِة بسهام الفرق، واستولى على والي الحرق. فولد تلهي رشحاً من العرق،قام لهم مقامي. وساوى عندهم بين رِحلتي ومُقامي، يعترض كل وقت بذكرِي، ويعرف لديهم نُكري، ويحدد عندهم شكرِي.\rأخلفُ نفسي عندهم بعد رِحلتي ... فسيان قربِي إن تأملتَ والبُعدُ\rوقد فضل الكِندي بي عند قوله ... فإنك ماءُ الوردِ إن ذهب الوردُ","part":3,"page":213},{"id":1214,"text":"ومن إنشاء المولى الفاضل تاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني في شهور سنة ست وسبعمائة، رسالةٌ ترجمها بأنوار السعد، ونُوار المجد، في المفاخرة بين النرجس، قال: الحمد لله الذي أضحك ثغور الأزهار، ببكاء عيون الأمطار، وأنطق خطباء الأطيار، على منابر الأشجار، وعقد عليها من النوار إكليلا، وأمر الغزالة أن تسل عليها عند بروزها من الإبريز سيفا صقيلاً، حمى حدائقها بأحداق نرجِسها، فنم لسانُ النسيم بطيب نفسها، أبدع في تركيب حلها وعقدها، فثغور الأقحوان تقبل خدود وردها، خلخلت سُوقها فضلاتُ الجداول، واطردت أنهارها كالأيم وقد حث بأطراف العوامل، فحكت المبارد متونا، والحيات بطونا، أحمده على نعمه التي تأرج نشرها، وبدا على جبين الدهر بِشرُها، حمدا تخضل من ترادف سيبها أغصانهُ، وتثمر بأنواع السعادة أفنانه، وأصلى على سيدنا محمد الذي عطر الكون مسكي رسالته، ووطد القواعد الشرعية مرهف بسالته، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما توجت الغمائم رءوس الربا، وسحب ذيل الصبا على أزهار روضها مهب الصبا، وبعد، فإن أولى ما وقعت المفاخرةُ بين غصنين نشآ في جنه، وبارقتين تألقتا في دُجُنه، وزهرتين تفتحتا في كمامه، وقطرتين صدرنا من غمامه، ولما كان النرجس والورد قريعي هذه الصفات، وقارعي هذه الصفاة، تطاول كل منهما إلى أنه النديم، والخل الذي لا يمله الحميم، طالما عطر بنشره الأكوان، وغازل بعيونه الغزلان، وأنارت شموس سعودِه، وقبلت حمرةُ خدودِه، أحببتُ أن أقيمهما في موقف المناضلة، وأشخصهما في معرض المفاضله، ليبرهن كلٌ منهما على ما ادعى أنه في وطابه، ويبدي شعائر ما تقلده وتحلى به، فبالامتحان يظهر الزيف،ولا يقبل الحيف، فعندها حدق النرجس بأحداقه، وقام على قصبة ساقه، وتهيأ لمناضلة خصمه، وشرع يبدي شرائع حكمه، وقال: أشبهتُ العيون وأشبهت الخدود فلا فرق، ولقد علمت ما بينهما مثل ما بين القدم والفرق، فأنا حارس مجلس الشراب والنديم المعول عليه بين الأحباب، تسميت بأحسن الأسامي، فلست لي بمُسامي، تسمت بي الحسان، ومست في حُللٍ مصبغات الألوان، ولو اعتبرت بحمرة خجلك، وتشقيق جيوب حللك، ما قمت في موقف المفاخر، ولا فهت ببنت شفة في معرض المفاخر، فتضرج خد الورد حمره، وأوقد من الغيظ لمناضلته جمره، وقال: مت بداء الحسد فقد علاك اصفراره، وأين منك الطرف كما ادعيت ولم يبد عليك احوراره، صدقت، ولكن أنت أشبه بالعين المخصوصة باليرقان والصفرة المنوطة بالأيهقُان، فلقد عشت عيونك السقيمة من أشعة شموسي ووقفت على قصب ساقك حيث استقر كرسي جلوسي، فأنا دائرة الجمال، المشتعلة على قطب الكمال، ربتني الدراري بدرها، وقلدتني تقيس درها، فنشرت أعلامي العقيانية على زهرتها، وأشبهت شكلها وحسن زهرتها، فهز النرجس رماحه الزبرجديه، فتلقاها الورد بحجفته الذهبيه، وقال: اردد هذه العقود النفيسة إلى هواديها، فقد علم كذبك حاضرها وباديها، والطم خدودك حزنا على فوات مقامي وقصورك عن بلوغ مرامي، من أين لك مداهن در حشوهن عسجد، لست أبالي بنفسك تصوب أم تصعد، أما تراني قد نشرت على رماحٍ من زبرجدٍ طالما حرست حمى الرياض، ولبست أحسن اللباس وهو البياض، وقمت خطيباُ على منبر الصين وقلدت إمرة الرياحين؟ فأنا ناظر هذا الفضل، وناظر هذا الفصل ، سبقتك إلى الوجود مكانا أعدم مكانك، ولم يرض زماني يجاور زمانك، لبثك على وجه البسيطة قليل، وحالك - كما علمت - ليس بالجليل، تتلون كما يتلون الغول، من أحمرِك وأصفرِك وأبيضك المملول، فلقد رماك ابن الرومي بسهام هجائه، وجعلك عرضة لنوائب الدهر ولأوائه، حيث قال:\rكأنه سُرمُ بغلٍ حين يُخرِجه ... إلى البراز وباقي الروث في وسطه\rوحيث مدحني وقال:\rأين العيونُ من الخدود نفاسةً ... ورآسةً لولا القياسُ الفاسدُ\rفمثل هذه المسبة لا يضمحل أثرهُا،ولا ينقطع خبرهُا، ولله در القائل:\rالنرجِس الغضُّ له رتبةٌ ... أشبهُ شيء بالعيون المِراضْ\rقام على قُضبانِه مبديا ... فخاره المشهود بين الرياضْ","part":3,"page":214},{"id":1215,"text":"ولو لم أغمض عن مساويك عيني، وأترك للصلح موضعا بينك وبيني،لكنت أبديتُ أضعاف مساويك، لأنني في رتبة غير مُساويك، فعندها اشتعل الورد من كلامه، وظهر على جسده أثر كلامه، وقال: لقد تعديت طورك وستعرف جورك وكورك، لكن قحة العيون مخصوصةٌ بالأنذال، والتجري على الملوك من شعائر الجهال، فأنا سلطان الرياحين، وبذلك وُقع لي في سائر الدوواين، كأنني وجنةُ حب وقد نقطت بدينار، أو أناملُ خود عندميةٍ ضُمت على قُراضِة نضار، أشبهتُ الشموس شكلا، وفقتُ البدور مثلا، أُنظم كما تنظم العقود، وأصِل كما يصل الحبيب بعد الصدود، وأما افتخارك بالحراسة فهي محل الأسقاط، والوظيفةُ المنوطة بالأنباط، وأما كونك سبقتني فهو على حُكم الحجبه، والمبشر بوصولي وإن كان أضمر بغضه لا حُبه، فلما علم أوان حط رحالي حث رحاله، وأشاع في أصحابه ارتحاله، وقال: قد أظلنا وصول ملكٍ لا يجاري، ورئيس لا يباري، وأين زمانك من زماني، ومكانك من مكاني؟ لا أظهر إلا والثري قد اكتسي سندسي أديمه وفاح مسكي نسيمه، وخطبت أطياره، واخضلت أزهارهُ، وصدحت بلابله، وتأرجت خمائلهُ، واطردت أنهاره، وتعانقتْ أغصانُه وأشجارُه، بزغت شموسي في فلك غياضه، وتكلل خدي عرقا من أنداءِ رياضه، فأنا بينها الطراز المذهب، والملك المعظم المهذب، إذا برزت في لياليك المُعتمه، وظهرت في أراضيك المُقتمه، وسهرت عيونك في ليل شتائك، وقاسيت برد مائك وطول عنائك، ولكم بين الشتاء والربيع، كما بين الرئيس والوضيع، يا جبلي الطباع، ولقد صرتك رياحي، وصفرتْ عينك حُمرة خُمرة ارتياحي، وأما ثلبُك بقصر مُدتي، وسرعة بلى جِدتي، فدليلٌ على عدم عقلك، وسقوط معقولِك ونقلك، أما علمت أن المكثر للزيارة مملول، وعقد وده محلول، لو بقيت الشمس على الدوام، لملتها أنفس الأنام، ولك بذلك عبره، وأنت في هذا الموطن من أهل الخبرة، لما أقمت ملك الناشق، ولم يعرج عليك العاشق، ولقد عجبتُ من رقاعةٍ عصبت رأسك بالحماقة، وادعيت شبه العيون وأنت أشبه شيء بُصفرِة بيض على رُقاقه، إن ذهبت عيني فأثرى على أردان الأمجاد يفوح، وعلى ممر الأعصُر يغدو ويروح، فأنا أثرٌ بعد عين، فدع عنك التحلي بالمين، ولله در القائل:\rيا حبذا الورد مذ حيا بطلعته ... وعطر الأفق منه نشرُه العِبقُ\rكالشمس شكلا ونشر المسك رائحةً ... واللؤلؤ الرطب في تضريحه عَرَقُ\rفعميت عيون النرجس من بزوغ أنواره، ونُكستْ أعلامه الزبرجديه لنضارة نواره، فعندها قال الورد: هذه الشقراء والميدان، أن كانت لك خبرة بمبارزة الأقران، فلما أورده لظى الحرب، ولم يكن من رجال الطعن والضرب، وألزمه الحجة، وعرفه المحجه، وبان بهرجه من إبريزه، وتحقيق مواد تبريزه، دمعت عينه أسفا، على ما أبداه من الجفا، ثم قال: ما أنا أول من بحث بظلفه عن حتفه وجدع مارن أنفه بكفه، لقد قيل: عادات السادت، سادات العادات، وعادة الملك - أدام الله انهمار السحب على خمائله الذهبيه، وأطلع في الفلك الاعتلاء أنواره الشمسية - الصفح عمن كثر ندمه، وزلت قدمه، ومن نشر أعلام الاستغفار، خليق أن يُقبل منه ما يبديه من الاعتذار، وما أنا أول من هفا ولا أنت أول من عفا، ليت شعري، أين حياؤه من وقاحتي، وأين رشاقته من كثافتي، الخفارة لائحةٌ عليه، وأمور الرياحين تساق إليه، فعندها قال الورد: من شأننا الصفحُ عما أتيته، فقد جنيت ثمار الندم، بما جانيته، فكن قرير العين، ولا تعد لمثلها فالمؤمن لا يُلدغ من حُجر مرتين، وأحذر أن تطاول من هو أعلى منك محله وأبهج في ارتداء السيادة حُله، والآن فقد تولد من بياضك وحُمرتي اجتماع، والتأم شعث أمرنا بعد أن طار شعاع، وأما علمت أن الامتحان، يظهر رتبة الإسنان، ومن سعادة جدك، وقوفك عند حدك، فكن لما قلته بالمرصاد، وإن عدت لمثلها فتقرب أول النحل وآخر صاد، ونسأل الله تعالى أن يهدينا إلى الرشد، وأن يذهب عنا ضغائن الحسد، بمنه وكرمه، أنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.\rالنَّسْرينِ وما قيل فيه:","part":3,"page":215},{"id":1216,"text":"فقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: طبع النسرين حار يابس في الثالثة، وهو منق ملطف، وزهره أخص بذلك، وينفع من برد العصب، ويقتل الديدان في الأذن، وينفع من طنين والدوي، ينفع من وجع الأسنان، والبري تلطخ به الجبهة فيسكن الصداع، وهو يفتح سدد المنخرين، وإذا شرب مع أربع درخميات سكن القيء، ويسكن الفؤاق وخصوصا البري منه، والله أعلم. وأما ما جاء في وصفه - فقال شاعر منشدا:\rأكرم بنسرينٍ تُذيع الصبا ... من نشره مسكا وكافورا\rما إن رأينا قط من قبلهِ ... زبرجدا يثُمر بلورا\rوقال آخر:\rانظر لنسرينٍ يلو ... ح على قضيب أملدِ\rكمداهنٍ من فضةٍ ... فيها بُرادةُ عسجدِ\rحيتك من أيدي الغصو ... ن بها أكُف زبرجدِ\rوقال عبد الرحمن بنُ علي النحوي:\rزان الحدائق النسرينُ ... فالحِجا في رياضه مفتونُ\rقد جرى فوقه اللجين وإلا ... فهو من ماء فضة مدهونُ\rأشبهته طلي الحسان بياضا ... وحوته شبهُ القدود غصونُ\rوقال آخر فيه مُلغزا:\rومشمومٍ له عرف ذكي ... وفي تصفيحه بعضُ الشهورٍ\rإذا أسقطت خمسيه تراه ... عِيانا في السماء وفي الطيورِ\rوأولُه وآخرهُ سواءٌ ... وباقيه يشح به ضميري\rالبان وما قيل فيه: فقال أبو علي بن سينا في ماهية البان: حبه أكبر من الحمص، إلى البياض، وله لب لين دهني، وطبعه حار في الثالثة، يابسٌ في الثانية. وقال: إنه منق، خصوصا لُبه، يقطع الأخلاط الغليظة، ويفتح مع الخل والماء سدد الأحشاء. قال: وقشر قابض، ولا يخلو دُهنه من قبض وفي جمعه جلاءٌ وتقطيع، وحبه ينفع من البرش والنمش والكلف والبهق وآثار القروح وكذلك دهنه. قال: وينفع من الأورام الصلبة كلها إذا وقع في المراهم، ومن الثآليل، وهو بالخل ينفع من التقشر والجرب المتقرح والبثور اللبنية، وهو يسخن العصب، ويلين التشنج وصلابات العصب، وخصوصا دُهنه. قال: وينفع من الرعاف لقبضه، وُدهنه يوافق وجع الأذن والدوي فيها، خصوصا من شحم البط، وطبيخ أصله ينفع من وجع الأسنان مضمضة، وهو ينفع من صلابة الطحال والكبد إذا شرب ممزوج وزن درهمين منه، والمثقال من حبه يسهل بلغما خاما إذا شُرب بالعسل، وكذلك دهنه إذا احتملت فتيلةٌ مغموسةٌ فيه.\rباكورة الخلاف - قال شاعر:\rأول ثغر الربيع مبتسما ... نور خِلاف در مضاحكُه\rقبضانُه الفانئات في لُمعٍ ... من لؤلؤ وُضحٍ مسالكهُ\rبشير صدق جاء الربيع به ... يخبر أن زُينت ممالكهُ\rقال آخر:\rعُود خِلاف أتى وفاقا ... من الملاهي بلا خِلافِ\rمرصعٌ قشرهُ بنورٍ ... أُلف من لؤلؤ ولافِ\rوقال أبو عُبادة البحتري:\rهذا الربيع كأنما أنورهُ ... أولادُ فارس في الثياب الرومٍ\rوترى الخِلاف كشارب من قهوة ... ثملٍ إلى شرب المدامة يُومِي\rبسط البسيطة سندسا وتبرقعت ... فلل المياه بلؤلؤ منظومِ\rوقال مؤيد الدين الطغرائي:\rغضون الخلاف اكتست فانبرتْ ... لها الطير دارسةً شدوهاَ\rمقدمةٌ لورود الربي ... ع تشخص أبصارنا نحوهاَ\rأحست برحلة فصلِ الشتا ... فجاءت وقد قلبتْ فروهاَ\rوقال آخر، وهو شهاب الدين أحمد، عُرف بأبي جلنك الحلبي:\rلله بستانٌ حللنا دوحه ... في لذة قد فتحتْ أبوابهاَ\rوالبان تحسبه سنانير رأت ... بعض الطلاب فنفشتْ أذنابهاَ\rوكتب الصاحب بن عباد - وقد أهدى باكورة خِلاف - قد نورتْ لتنوير الخلاف فضائلُ لا تحصى، ومحاسن يطول أن تُستقصي، منها أنه أول ثغر يتبسم عند الربيع ويضحك، ودر يُعقد على القضبان ويُسلك، ولتمايله ادكار لقدود الأحباب، وتهييج لسواكن الاضطراب، وحُمل إلى قضيب منه ذاته متعادلة، ولذاته متقابلة، فأنفذتهُ مع رقعتي هذه إليك، وسألت الله أن يعيده ألف حول عليك. قال، وقلت:\rوقضيبٍ من الخلاف بديعٍ ... مستخصً بأحسن الترصيع","part":3,"page":216},{"id":1217,"text":"قد نعي شرةَ الشتاء إلينا ... وسعي في جلاء وجه الربيع\rوحكي من أحبُّ عرفا وظرفا ... واهتزازا يثير نار الضلوع\rالَّنيْلَوْفَر فقال ابن التلميذ: النَّيْلَوْفَر اسم فارسي معناه النيلي الأجنحة، والنيلي الأرياش. وربما سمي بالفارسية اسماه معناه كرنب الماء، وسماه جالينوس: كرنب الماء، وحبه يسمى حب العروس، وفيه حلاوة. وقال أبو بكر الوحشية في توليده: إن أخذتم ظلفي الغزال من يديه، وقرنيه جميعا، وطمرتم ذلك في التراب الندي، خرج من ذلك النباتُ الذي يسمي شاكريا، وهو النَّيْلَوْفَر، وقال أيضا: وإن أخذتم عيني الغزال وقرنيه وظلفا واحدا ظِلفيه من يديه، وطمرتم ذلك في التراب، خرج منه شاكريا الأزرق، فإن طمرتم ظلفيه من رجليه وقرنه الأيسر مع كف من بعره، خرج منه الشاكريا الأحمر، فإن نقصتم من هذا أحد ظلفي رجليه، خرج الشاكريا بالأصفر. وقال: والهندُ تسميه نينوفر، والنبط تسميه نِيلوفريا، والعرب تسميه نِيلوفه، والفُرس تسميه نِيلُوفَر. وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: والنِّيْلَوْفَر الهنديُّ في حُكم اليبروح، وأقواه الأبيض الأصل، وبزره أقوى من حبه. وقال: وطبعه بارد رطب في الثانية، وشرابه شديد التطفئة، ملطف جدا، وأصله بالماء على البهق نافع خصوصا الأسود، وأصله مع الزفت على داء الثعلب، وخصوصا الأسود، وشرابه جيد للسعال والشوصة. قال: وأصله ينفع الأورام الحارة، وأصله وبزره للقروح، وأصله ينفع أورام الطحال شربا وضمادا، وينفع الاحتلام، ويكسر شهوة الباه إذا شُرب منه درهم بشراب الخشخاش، وهو يُجمد المني بخاصية فيه، وخصوصا أصله، ينفع وهو منوم، مسكن للصداع الحار الصفراوي، لكنه يضعف، وأصله ينفع من الإسهال المزمن وقروح المعي وأوجاع المثانة ضمادا، وبزره أقوى من كل شيء، حتى إنه يمنع نزف الحيض، وأصل الأصفر منه وبزره إذا شربا نفعا سيلان الرطوبة المزمنة من الرحم، وشرابه ملين للبطن، نافع من الحميات الحارة، شديد التطفئة، والله المستعان.\rوأما ما جاء في وصفه - فقال أبو بكر الزبيدي الأندلسي:\rوبِركةٍ أحيا بها ماؤها ... من زهرها كل نبات عجيبْ\rكأن نيلَوْفَرَها عاشق ... نهاره يَرقُب وجهَ الحبيبْ\rحتى إذا الليل بدا نُجمه ... وانصرف المحبوب خوف الرقيبْ\rأطبق جفنيه عسى في الكرى ... يبصر من فارقه عن قريبْ\rوقال آخر:\rيا حبذا بِركةُ نَيِلَوْفَرٍ ... قد جمعت من كل فن عجيبْ\rأزرق في أحمر في أبيضٍ ... كقرصة في صحن خد الحبيب\rكأنه يعشق شمس الضحى ... فانظره في الصبح وعند المغيب\rإذا تجلت يثجلي لها ... حتى إذا غاب سناها يغيب\rيرنو إليها مبصرا يومه ... ولا يحاشي نظراتِ الرقيب\rلا يبتغي وجها سوى وجههِا ... فِعلَ محب مخلص في حبيب\rوقال التنوخي:\rفكأنه في الماء صاحبُ مذهب ... أغراه وِسواس بأن لم يَطهُرِ\rوقال آخر:\rكلنا باسط اليد ... نحو نيلوفرٍ ندى\rكدبابيسِ عسجدٍ ... نُصْبهُا من زبرجدٍ\rوقال آخر:\rاشرب على بركةٍ نِيَلوفْر ... محمرةِ الأوراق خضراءِ\rكأنما أزهارهُا أخرجتْ ... ألسنةَ النار من الماءِ\rوقال آخر:\rونَيِلَوْفَر صافحته الرياح ... وعانقه الماء صفوا ورَنْقا\rتخيلَ أوراقه في الغدي ... ر ألسنةِ النار حمرا وزُرقا\rوقال آخر:\rصفرُ الدراري تضمها شُرفٌ ... مفتِضح عند نَشرِها العِطرُ\rتحمِلها خَيْزُرانة ذَبُلت ... ذبول صبّ أذابه الهجرُ\rوقال ابن الرومي:\rيرتاح للنِيلَوْفَر القلبُ الذي ... لا يستفيق من الغرام وجهدهِ\rوالورد أصبح في الروائح عبده ... والنرجس المسكي خادمُ عبدهِ\rيا حسنه في بِركة قد أصبحت ... محشوةً مسكاً يشاب بندهِ\rوكأنه فيها وقد لحظ الصبا ... ورمى المنام ببُعده وبصدهّ","part":3,"page":217},{"id":1218,"text":"محجورُ حب ظل يرفع رأسه ... كالمستجير بربه من ضدهّ\rوكأنه إذ غاب عند مسائه ... في الماء فانحجبت نضارة قدهّ\rصب يهدده الحبيب بهجره ... ظُلماً فغرق نفسه من وجِدهِ\rوقال مؤيد الدين الطغرائي:\rونيلوفرٍ أعناقُه أبدا صُفرُ ... كان به سُكرا وليس به سُكْرُ\rإذا انفتحتْ أوراقُه فكأنها ... وقد ظهرت ألوانُها البِيض والصُّفرُ\rأناملُ صباغ صُبغن بِنِيلِهِ ... وراحتُها بيضاء في وَسْطها تبرُ\rوقال السري الرفاء:\rوبِركةٍ حفت بِنَيلَوَفرٍ ... ألوانُه بالُحسن منعوتهْ\rنهاره ينظر عن مقلة ... ساجيِةِ الألحاظ مبهوتهْ\rوإن بدا الليل فأجفانُه ... في لُجة البِركة مسبوتهْ\rكأنما كل قضيب له ... يحمِل في أعلاه ياقوتهْ\rوقال آخر:\rوبِركةٍ تزهو بِنَيلَوْفَرٍ ... نسيمُه يشبه نشَر الحبيبْ\rمفتحِ الأجفان في يومِه ... حتى إذا الشمسُ دنت للمَغيبْ\rأَطَبق جفنيه على حِبه ... وغاص في البِركة خوفَ الرقيبْ\rوقال آخر:\rتحب الشمس لا تبغي سواها ... وتلحظها بمقلة مستهامِ\rإذا غابت تكنفها اشتياقٌ ... فنامت كي تراها في المنامِ\rوقال الرفاء:\rيا حُسن نِيَلَوْفَر شُغِفتُ به ... يمنحه الماء صفوَ مشروبِهْ\rكأنه عاشق به ظمأُ ... توهم الماءَ ريقَ محبوبِهُ\rوقال آخر:\rوشاخصٍ نحو عين الشمس يَرمُقها ... حتى إذا غَرَبتْ أَغضَى بتنكيسِ\rتراه من قِطَع المرجان في قُضُب ... زرقِ الشوابير أمثالِ الدبابيسِ\rكأنه ودُروعُ الماء تَشمَله ... تحت الشُّعاع أكاليلُ الطواويسِ\rوقال آخر:\rونَيلَوْفَرٍ قد لاح في زي فاقدٍ ... حبيبا فمنه يستعير لباسهُ\rيظل نهارا شاخص الطرف لاحظا ... ويَغِمس جنحَ الليل في الماء رأسهُ\rكأن عليه للظلام مراقبا ... فيهرُب منه أو يخاف اختلاسهُ\rوقال مؤيد الدين الطغرائي:\rنيلوفرٍ يسبح في لُجةٍ ... عليه ألوانٌ من اللبْسِ\rمُظاهرٌ ثوب حدادٍ على ... ثوبِ بياضٍ عُلّ بالوَرْسِ\rفالشطر من أعلاه في مأتمٍ ... وشطره الأسفلُ في عُرسِ\rمغمضٌ طُولَ الدجى ناعسٌ ... جفونُه تُفتحُ في الشمسِ\rالباب الثاني\rما يشم رطبا ولا يُستَقَطر\rويشتمل هذا البابُ على ما قيل في البنفسجَ والنرجِس والياسِمَين والآس والزعفران والحَبَق:\rفأما البنفسج وما قيل فيه\rفقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: طبع البنفسج بارد رطب في الأولى. وقال قوم: أنه حار في الأولى. قال: ولا شك في برودته. وأما أفعاله وخواصه، فقيل: أنه يولد دما معتدلا، وهو يسكن الأورام الحارة ضمادا مع سويق الشعير، وكذلك ورقهُ. قال:ودهُنُ البنفسج طلاءٌ جيدٌ للجرب، وهو يسكن الصداع الدموي شما وطلاء. قال: وينفع من الرمد الحار من السعال الحار، ويلين الصدر، خصوصاً المربى منه بالسكر، وشرابه نافع من ذات الجنب والرئة والتهاب المعدة، وشرابه بنفع من وجع الكلى، ويابسه يُسهل الصفراء، وشرابُه أيضاً يلين الطبيعة برفق. وأما ما جاء في وصفه - فقال أبو القاسم بن هُذيل الأندلسي - ويروى لأبن المعتز -\rبنفسجٌ جُمعت أوراقُه فحكت ... كُحلا تشرب دمعا يوم تشتيتِ\rأو لازورديةٍ أوفت بُزرقِها ... وسط الرياض على زُرق اليواقيتِ\rكأنه وضعافُ القُضب تحمله ... أوائلُ النار في أطراف كبريتِ\rوقال آخر في معناه:\rبنفسجٌ بذكي الريح مخصوصُ ... ما في زمانك إذ وافاك تنغيصُ\rكأنما شُعل الكبريت منظرهُ ... أو خذُ أغيد بالتخميش مقروصُ\rوقال أبو الحسن العُقيلي:\rاشربْ على زهر البنفسج قهوةً ... تنفي الأسى عن كل قلب مُكمَدِ","part":3,"page":218},{"id":1219,"text":"فكأنه قرصٌ نجدُ خريدةٍ ... أو أعينٌ زُرق كُحِلن بإثِمدِ\rوقال آخر:\rماس البنفسجُ في أغصانه فحكى ... زرقَ الفصوص على بِيض القراطيسِ\rكأنه وهُبوب الريح يعطفه ... بين الحدائق أعرافُ الطواويسِ\rوقال آخر:\rأهدت إلىّ بنفسجاً ... أحب بُمهدية البنفسَجْ\rفكأنه هي في اللطا ... فة والذكاء إذا تأرجْ\rأوراقُه اللهب المُطِ ... ل على الذبالة حين تُسرَجْ\rأو إثرُ قرص مؤلمٍ ... في وجنة الخد المضرَّجْ\rوقال آخر في الأبيض منه - وذكر ممدوحا - :\rكأن البنفسج فيما حكى ... من الطيب أخلاقَك المونِقهْ\rيلوح فتحسب طاقاتِه ... فصوصا من الفضَّة المحرَقهْ\rوقال أبو الحسن الشاطبي - ويروي لأبن الرومي - :\rاشرب على زهر البنف ... سج قبل تأنيب الحسود\rفكأنما أوراقُه ... آثارُ قَرْضٍ في الخدود\rوقال آخر:\rوكأن البنفسج الغض يحكي ... أثر اللطم في خدود الغيد\rوقال أبو هلال العسكري:\rوبحافاتها البنفسجُ يحكي ... أثر القرْص في خدود العَذارَى\rوقال الميكالي فيه متفائلا به:\rيا مُهدياً لي بنفسجا أرِجا ... يرتاح قلبي له وينشرحُ\rبشرني عاجلا مصحفُه ... بأن ضيق الأمور ينفسحُ\rوتطير آخر به فقال:\rيا مُهديا لي بنفسجا سَمِجا ... أودُ لو أن أرضه سَبَخُ\rأنذرني عاجلاً مصحفهُ ... بأن عقد الحبيب ينفسخُ\rوقال صالحٌ بن يونس:\rبنفسجٌ جاء في حِدادٍ ... ووردنا في معصفَراتِ\rفاشربْ على مأتمٍ وعُرسٍ ... جلا جميعاً عن الصفاتِ\rومن رسالةٍ لأبي العلا عطاء بن يوسف السندي يصف طاقة بنفسجَ، قال:سماويةُ اللباس، مِسكيةُ الأنفاس، واضعةُ رأسها على ركبتها كعاشقٍ مهجور ينطوي على قلبٍ مسجور، كبقايا النقش في بنان الكاعب، أو النقس في أصابع الكاتب، أو الكُحْل في ألحاظ الملاح، والمراِض الصحاح،الفاترات الفاتنات، المحييات القاتلات، لا زَوَرْدِيّةٌ أوفت زرقتها على زُرق اليواقيت، كأوائل النار في أطراف كبريت، أو كأثر القرْص في خدود العذارى، أو عِذارٍ خلعتُ فيه العِذارا.\rوأما النرجِسُ وما قيل فيه - فقال أبو بكر بن وحشية في توليده: إن أردتم النرجسَ فخذوا قرنى الغزال، فاقطعوا كل قرن نصفين، وأنقعوهما في بول البقر سبعة أيام، ثم اقلعوا عيني الغزال، واجعلوهما فوق رءوس القرون، واطمروهما في الأرض في أول ساعةٍ من يوم الجمعة، فإنه بعد خمسة عشر يوماً ينعقد نرجساُ مفتحاً. وإن أردتموه مضعفاً فخذوا الثوم، ثم شقوا البصل، واجعلوا الثومة في وسطها، ولتكن سِناً واحدة، ثم ضموا على الثومة نصفي بصلة النرجس، واغرسوها في الأرض، فإنه ينبت النرجس المضاعف، وإن أردتم المضاعف الذي بعض ورقه أخضرُ وبغضه أصفر، فخذوا سناً من الثوم، وخذوا عصارة ورق بصل النرجس، وانقعوا السن في العصارة ثلاثة أيام، ثم أدخلوها في البصلة، واغرسوها في الأرض، فإنها تنبت بعد أيام قلائل. وقال أبو علي بن سينا:إن أصل النرجس يُخرِج الشوك والسلاء، وخصوصاُ مع دقيق الشيلم والعسل.قال: والنرجس يجلو الكلف والبهق، وخصوصا أصله بالخل، وينفع أصلهُ من داء الثعلب، ويعجن أصله مع العسل والكرسنة فيفجر الدماميل العسرة النضج، ويضمد بأصله على أورام العصب. قال: والنرجس يجفف الجراحات، ويُلزقها إلزاقا شديدا، ودهنه ينفع للعصب. قال: وينفع من الصداع الرطب السوداوي وكذلك دهنه، وهو أوفق، ويصدع الرءوس الحارة، وإذا أكل أصله هيج القيء، وإذا شُرِب منه أربعةُ دراهم بماء العسل أسقط الأجنة الأحياء والأموات، ودهنه يفتح انضمام الرحم، وينفع من أوجاعِها. وأما ما جاء في وصفه - فقال أبو نُواس الحسنُ بن هانئ:\rلدى نرجسٍ غض القطاف كأنه ... إذا ما منحناه العيون عيونُ\rمخالفة في شكلهن بُصفرةٍ ... مكان سوادٍ والبياض جفون\rوقال أبو الفتح محمود كُشاجِم:\rكأنما نرِجسُنا ... وقد تبدى من كثبْ","part":3,"page":219},{"id":1220,"text":"أناملٌ من فضةٍ ... يَحمِلن كأسا من ذهبْ\rوقال أبو بكر الصنوبري:\rأضعف قلبي النرجسُ المُضْعَفُ ... ولا عجيبٌ إن صبا مُدَنَفُ\rكأنه بين رياحيننا ... أعشارُ آي ضمها مصحفُ\rوقال آخر:\rونرجس إلى حدا ... ئق الرياض مُحدِقِ\rكأنما صُفرتهُ ... على بياضٍ يَقَقِِ\rأعشارُ جُزءٍ ذُهبتْ ... من ورقٍ في ورقِ\rوقال أبو بكر بن حازم:\rونرجسٍ ككئوس التبر لائحةً ... من الزبرجد قد قامت بها ساقُ\rكأنها عيونٌ هُدْبُها ورقٌ ... لهن من خالص العِقيان أحداقُ\rوقال الصنوبري:\rونرجسٍ مُضعفٍ تضاعفَ من ... ه الحسنُ في أبيضٍ وفي أصفرْ\rالدر والتبر فيه قد خُلطا ... للعين والمِسكُ فيه والعنبرْ\rوقال أيضا يصفه في منابته:\rأرأيت أحسن من عيون النرجسِ ... أو من تلاحُظِهن وسط المجلسِ\rدُر تشققَ عن يواقيتٍ على ... قُضُب الزبرجد فوق بُسطِ السندسِ\rأجفانُ كافورٍ حُشِين بأعيُنِ ... من زعفرانٍ ناعمات الملمسِ\rمغرورِقات في ترقرقُ طلها ... ترنو بعين الناظر المتفرسِ\rفإذا تنشقها تنفس ناشقٌ ... عن مِثل ريح المِسك أي تتنفسِ\rوحكي تداني بعضها من بعضِها ... يوما تداني مؤنسٍ من مؤنسِ\rوإذا نعست من المُدام رأيتَها ... ترنو إليك بأعين لم تنعسِ\rوقال أبن الرومي:\rونرجسٍ كالثغور مبتسم ... له دموعُ المحدق الشاكي\rأبكاه قطرُ الندى وأضحكهُ ... فهو من القطر ضاحكٌ باكي\rوقال آخر:\rقد عكفنا على عيونٍ من النر ... جسِ بيضٍ مصفرةِ الأحداقِ\rذابلاتِ الأجفانِ كالعاشق الوا ... قف يشكو الهوى على فردِ ساقِ\rوقال الشاعر أندلسي:\rأنظر إلى نرجسٍ في روضةٍ أنُفٍ ... غناء قد جمعتْ شتى من الزهرِ\rكأنه ياقوتةً صفراء قد طُبعتْ ... في غصنه حولها ست من الدُّررِ\rوقال آخر:\rأبصرتُ باقةَ نرجسٍ ... في كف من أهواه غضهْ\rفكأنها قُضُبُ الزبر ... جد قُمعتْ ذهبا وفضهْ\rوقال ابن عباد:\rعمري لقد راق طرفي حُسنُ زاهرةٍ ... تميس في سُندسياتٍ من الورقِ\rأبدت لنا عجبا منها حديقتُها ... عينا من التبر في جفنٍ من الورقِ\rوقال أبو فضل الميكالي:\rأهلا بنرجسِ روضٍ ... يُزهى بحسنٍ وطيبِ\rبرنو بعيني غزالٍ ... على قضيبٍ رطيبِ\rوفيه معنى خفي ... يزينُه في القلوبِ\rتصحيفُه إن نسقت ال ... حروفَ بر حبيبِ\rوقال آخر:\rلما أطلنا عنه تغمضا ... أهدى لنا النرجس تعريضا\rفدلنا ذاك على أنه ... قد اقتضانا الصفر والبيضا\rوقال أبو هلال العسكري:\rونرجسٍ مثل أكُف خُردِ ... دُرنَ علينا بكُئوس الذهبِ\rناولنيهِ مِثلهُ في حسنهِ ... فحل من قلبي عقد الكُربِ\rمبتسمٌ عنه وناظرٌ به ... هذا لعمري عجبٌ في عجبِ\rوقال أيضا فيه:\rونرجسٍ قام فوق منبرهِ ... مثل عروسٍ وتشتهرُ\rنام الندى في عيونه سحرا ... فاعتاده في منامه سهرُ\rلم يغتمض والظلامُ حل به ... كأنما في جفونه قصرُ\rتحير الطلُّ في مدامعه ... فليس يرقا وليس ينحدرُ\rكدمعة الصب كاد يسكُبُها ... فردها في جفونه الحذرُ\rوقال أبن المعتز:\rوعُجنا إلى الروض الذي طله الندى ... وللِصبح في ثوب الظلام حريقُ\rكأن عيون النرجس الغض بينه ... مداهنُ درٍّ حشوهن عقيقُ\rإذا بلهن القطرُ خلتَ دموعها ... بكاء جفونٍ كحلهن خلوقُ\rوقال ابن الرومي يفضله على الورد:","part":3,"page":220},{"id":1221,"text":"خجلتْ خدودُ الورد من تفضيلهِ ... خجلا توردهُا عليه شاهدُ\rلم يخجل الوردُ الموردُ لونهُ ... إلا وناحِلُه الفضيلةَ عانِدُ\rللنرجس الفضلُ المبين وإن أبى ... آبٍ وحاد عن الطريقة حائدُ\rفضلُ القضية أن هذا قائدٌ ... زهر الربيع وأن هذا طاردُ\rشتان بين اثنين هذا مُوعدٌ ... بتسلب الدنيا وهذا واعدُ\rوإذا احتفظت به فأمتعُ صاحبٍ ... بحياته لو أن حيا خالدُ\rيحكي مصابيح السماء وتارةً ... يحكي مصابيح الوجوه تُراصِدُ\rينهي النديم عن القبيح بلحظِه ... وعلى المدامةِ والسماع يساعِدُ\rإن كانت تطلب في الملاح سميه ... يوما فإنك لا محالة واجدُ\rوالوردُ إن فتشت فردٌ في اسمه ... ما في الملاح له سمي واحدُ\rهذي النجوم هي التي ربينها ... بحيا السحابِ كما يربي الوالدُ\rفانظر إلى الولدين من أوفاهما ... شبها بوالده فذاك الماجدُ\rأين العيون من الخدود نفاسةً ... وراسةً لولا القياسُ الفاسدُ\rوقال أيضا فيه:\rوأحسنُ ما في الوجوه العيون ... وأشبهُ شيء بها النرجسُ\rوقال أيضا:\rوزعفرانيةٍ في اللون تحسبهُا ... إذا تأملتها في ثوبِ كافورِ\rكأن حب سقيط الطل بينهما ... دمعٌ تحير في أجفان مهجورِ\rوقال عبد الله بن المعتز:\rعيونٌ إذا عاينتها فكأنما ... مدامعها من فوق أجفانها دُرٌ\rمحاجرُها بيضٌ وأحداقُها صُفرُ ... وأجسامها خُضرٌ وأنفاسُها عِطرُ\rوقال محمد بن يزيد المبرد:\rنرجسةٌ لا حظني طَرفُها ... تُشبِه دينارا على درهمِ\rوقال عبيد الله بن عبد الله:\rترنو بأحداقِها إليك كما ... ترنو إذا خافت اليَعافِيرُ\rمثل اليواقيت قد نُظمن على ... زبرجدٍ بينهن كافورُ\rكأنها والعيونُ ترمُقُها ... دراهمٌ وسطها دنانيرُ\rالياسمين فالياسمين والياسمون اسم فارسي، وهو نوعان: بري، ويسمى بهرامج، وتسميه العرب الظيان، وبستاني، وهو أصفر وأبيض، والأبيض أطيب رائحة. قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: طبعُ الأبيض أسخن من الأصفر، والأصفر من الأرجواني، وهو بجملة حار يابسٌ في الثانية. قال: وهو يلطف الرطوبات، ودهنه ينفع المشايخ. قال وهو يذهب الكلف رطبه ويابسه، وكثرة شمه تورث الصفار، ودهنه نافعٌ للأمراض الباردة في العصب، ورائحته مصدعة، لكنها مع ذلك تحل الصداع الكائن عن البلغم اللزج إذا شُمت، والخالص من دهُنه يُرعف المحرور إذا شمه لوقته. وأما ما جاء في وصفه - فقال أبو إسحاق الحضرمي يصفه قبل تفتحه:\rخليلي هُبا وانفُضا عنكما الكرى ... وقُوما إلى روض وكأسِ رحيقِِ\rفقد لاح رأسُ الياسمينِ منورا ... كأقراط دُر قُمعتْ بعقيقِِ\rيميل على ضعفي الغصونِ كأنما ... له حالتا ذي غشيةٍ ومُفيقِِ\rإذا الريحُ أدته إلى الأنف خِلته ... نسيم جنوبٍ ضُمخت بخلوقِ\rوقال آخر:\rوروضةٍ نورهُا يرفُّ ... مثل عروسٍ إذا تُزفَ\rكأنما الياسمينُ فيها ... أناملٌ مالها أكفُّ\rوقال آخر:\rكأن الياسمينَ الغضَ لما ... أدرتُ عليه وسط الروض عينِي\rسماءٌ للزبرجد قد تبدت ... لنا فيها نجومٌ من لُجينِ\rوقال آخر:\rوياسمينٍ عبقِِ النشرِ ... يزُري بريح العنبر الشحرِي\rيلوح من بين غصونٍ له ... كمِثل أقراطٍ من الدرِّ\rوقال المعتمد بنُ عباد:\rكأنما ياسميننا الغضُّ ... كواكبٌ في السماء تبيضُّ\rوالطرقُ الحمرُ في بواطنهِ ... كخد عذراء مسه عَضُّ\rوقال الشمشاطي في دوحةٍ جمعتْ بين الأبيض والأصفر:\rويا سمينٍ قد بدا لونين ... قُراضة من ورقٍ وعينِ","part":3,"page":221},{"id":1222,"text":"رُكب في زبرجدٍ نوعين ... فالبيضُ في عيان العينِ\rمِثلُ ثغور البيض غير مينِ ... والصفرُ لون عاشقٍ ذي بينِ\rوقال أحمد بن عبد الرحمن القُرطبي:\rولفاء خلناها سماء زبرجدٍ ... لها أنجمٌ زُهرٌ من الزهر الغض\rتناولها الجاني من الأرض قاعدا ... ولم أرمن يجني النجوم من الأرضِ\rوقال شاعر يتطير به:\rأصبحتُ أذكر بالريحان رائحةً ... منكم وللنفس بالريحان إيناسُ\rوأهجرُ الياسمين الغض من حذر ال ... ياس إذ قيل في شطر اسمه ياسُ\rوقال آخر:\rلا مرحبا بالياسمين وإن غدا للروض زَينا\rصحفتُه فوجدتُه ... متقابلا ياسًا ومَيْنا\rونظيرهُ قولُ الآخر:\rويا سمين إن تأملتَه ... حقيقةً أبصرته شَيْنا\rلأنه ياسٌ ومينٌ ومن ... أحب قط الياسَ والمَيْنَ\rوقال ابن الحداد في عكس ذلك:\rبعثتُ بالياسمينِ الغض مبتسِما ... وحسنهُ فاتنٌ للنفس والعينِ\rبعثتهُ منبئا عن صدق مُعتقَدِي ... فانظر تجد لفظه ياسا من المَيْنِ\rالآس فالآس نوعان: بري وبستاني، فالبري هو الذي يسمى بدمشق: قِف انظُر، سمي بذلك لُحسنِه، وورقهُ يشبه ورق البستاني، إلا أنه أعرضُ منه، وطرفه محدد، يشبه سنان الرمح، واليونانُ تسمي الآس: مَرْسِيني، وتسميه العامة: مَرْسِيناً. وقال ابن وحشية في توليده: وإن خلطتم بأصل اليبروح عيدان الشبث وورق الجرجير وسحقتم ذلك سحقاً جيداً وزرعتموه في الأرض، وهو كهيئة الكُبة، وصببتم فوق الكُبة الماء، وطمرتوه في التراب، خرجت عن ذلك شجرة الآس الطويل الورق. وإن أردتم المدور الورق فاخلطوا مع أصل اليبروح ورق الآس الطويل، ونصف وزن أصل اليبروح من ورق النبق، فإنه يخرج الآس المدور الورق. قال: وإن أردتم الآس الأزرق اللون، فاخلطوا بأصل اليبروح ورق النيل، واعجنوا معها من أصل الزيتون وعروقه، واطمروه فإن يخرج عنه الآسُ الأزرق. وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في الآس: أفواه الذي يضرب إلى السواد، لا سيما الخُسْرُوانيُّ المستديرُ الورق، لا سيما الجبلي، وأجود زهره الأبيض، وعُصارةُ ثمرته أجود. وأما طبعه ففيه حرارةٌ لطيفة، والغالب عليه البرد، ويشبه أن يكون برده في الأولى، ويبسهُ في حدود الثانية. وأما أفعاله وخواصه، فإنه يحبس الإسهال والعرق وكل نزفٍ وكل سيلانٍ إلى عضو، وإذا تدلك به في الحمام قوي البدن، ونشف الرطوبات التي تحت الجلد، وهو ينفع من كل نزف لطخوا وضمادا ومشروبا، وكذلك رُبه ورب ثمرته، وقبضه أقوى من تبريده، وهو يسرع جبر العظام، وليس في الأشربة ما يعقل وينفع أوجاع الرئة والسعال غير شرابه، ودهنه وعصارته وطبيخه تقوي أصول الشعر، وورقه اليابسُ يمنع صنان الآباط، ورماده ينقي الكلف، ويجلوا البهق. قال: والآس يسكن الأورام والحمرة والنملة والبثور والقروح والشرى وحرق النار، وورقه يضمد به بعد تخبيصه بزيتٍ وخمر، ويابسُه إذا ذر على الداحس نفعه، وإذا طُبختْ ثمرته بالشراب واتخذت ضمادا أبرأت القروح التي في الكفين والقدمين وحرق النار وتمنعه عن التنفط، ومن استرخاء المفاصل. قال: والآس يحبس الرعاف ويجلو الجزاز، ويجفف قروح الرأس، وقروح الأذن، وينفع شرابه من استرخاء اللثة، وورقه إذا طبخ بالشراب وضمد به سكن الصداع الشديد، وإذا شرب شرابه قبل الشراب منع الخُمار، والآس يسكن الرمد والجُحوظ، وإذا طُبخ مع سويق الشعير أبرأ أورام العين، والآس يقوي القلب، ويذهب الخفقان، وثمرته تنفع من السعال، وهو ويقوي المعدة، خصوصا ربه، وحبه يمنع سيلان الفضول إلى المعدة، وهو جيد في منع درور الحيض، وماءه يعقل الطبيعة، ويحبس الإسهال، وطبيخ ثمرته ينفع في سيلان رطوبات الرحم، وينفع تضميده للبواسير، وينفع من ورم الخُصية، وطبيخه ينفع من خروج المعقدة والرحمِ، وهو ينفع من عض الرتيلاء، وكذلك ثمرته إذا شُربت بشراب، وكذلك من العقرب. وأما ما جاء في وصفه - فقال الأخيطل الأهوازي:\rللآسِ فضلُ بقائه ووفائه ... ودوامِ نضرته على الأوقاتِ\rالجو أغبر وهو أخضرُ والثري ... يَبْسٌ وناضرَ الورقاتِ","part":3,"page":222},{"id":1223,"text":"قامت على قُضبانه ورقاتهُ ... كنِصال نبلٍ جد مؤتلقاتِ\rوقال آخر:\rوغادةٍ أهدت إلى إلفها ... قضيب آسٍ زاد في ظرفهِا\rكأنما خضرةُ أوراقهِ ... بقيةُ الحِنا على كفها\rوقال آخر في باقة آس:\rومشمومةٍ مخضرةِ اللون غضةٍ ... حوت منظرا للناظرين أَنيقا\rإذا شمها المعشوقُ خلت اخضرارها ... ووجنته فَيْرُوزَجا وعَقيقا\rوقال أبن وكيع:\rخليلي ما للآسِ يعبق نشرهُ ... إذا هب أنفاس الرياحِ العواطرِ\rحكى لونهُ أصداغ ريمٍ معذرٍ ... وصورتُه آذان خيلٍ نوافرِ\rالزعفران فالزعفران يسمى الجادِيَّ بالدالين المهملة والمعجمة، والجِساد، والرَّيْهُقَان، والكُرْكُم.\rوقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: وجيده وطري، والحسن اللون، الذكي الرائحة، على شعره قليلُ بياضٍ غير كثير، ممتليءٌ صحيحٌ سريعُ الصبغْ، غير متكرجٍ ولا متفتت، وطبعه حار في الثانية، يابسٌ في الأولى. وقال في أفعاله وخواصه: هو قابضٌ محلل مُنضِج مفتح. قال: وقال الخُوزي: إنه لا يغير خِلطا ألبتة بل يحفظها على السوية، ويصلح العفونة، ويقوي الأحشاء، وشربه يحسن اللون، وهو محلل للأورام، وتطلى به الحمرة. قال: وهو مصدع، يضر الرأس، وهو منوم، وإذا سقي في الشراب أسكر، وينفع من الورم الحار في الأذن، وهو يجلو البصر، ويمنع النوازل إليه، وينفع من الغشاوة، ويكتحل به للزرقة المكتسبة من الأمراض، وهو مقوٍّ للقلب، مفرح يشمه المبرسمُ وصاحب الشَّوْصة للتنويم، وخصوصا دهنه، ويسهل النفس، ويقوي النفس. قال: وهو مُغيثٍ يسقط الشهوة بمضادته الحموضة التي في المعدة وبها الشهوة، ولكنه يقوي المعدة لما فيها من الحرارة والدبغِ والقبض. وقال قوم: الزعفران جيد للطحال. قال: وهو يهيج الباه، ويدر البول، وينفع في صلابة الرحم وانضمامها والقروح الخبيثة فيها إذا استعمل بمُومٍ أو مح مع ضعفه زيتا. وزعم بعضهم أنه سقاه للطلق المتطاول فولدت للساعة. قال: وثلاثة مثاقيل منه تقتل بالتفريح، وإذا عدم فبدله وزنه قُسط، وربع وزنه قشورُ السليخة.\rوأما ما جاء في وصفه - فقال مؤيد الدين الطغرائي:\rوحديقةٍ للزعفران تأرجتْ ... وتبرجتْ في نسجِ وشيٍ مُونقِِ\rشكت الحِيالَ فألقحتها نطفةٌ ... من صوبِ غاديةِ الغمامِ المغُدقِ\rحتى إذا ما حان وقتُ وِلادِها ... فتق الصبا منها الذي لم يُفتقِ\rعذراء حُبلى قمطت أولادها ... حُمرا وصُفرا في الحرير الأزرقِ\rوكأنما اقتتلوا فأصفرُ خائفٌ ... بحذاء قانٍ بالدماء مغرقِ\rوقال آخر:\rوكأن ورد الزعفران مضاحكٌ ... قد جمعتْ لعس المقبل واللمي\rأو أنصلٌ فوق التراب سديدةٌ ... قد فارقتْ بعد الرماية أسمهاُ\rوقال آخر:\rللزعفران إذا ما قاسه فِطنٌ ... فضلٌ على كل ورد زاهرٍ أنِق\rكأنه ألسنُ الحيات قد شُدِختْ ... رءوسُها فاكتست من حُمرة العلقِِ\rمن لابسٍ حُمرةً من وجه ذي خجلٍ ... ولا بسٍ صُفرةً من وجه ذي فرقِ\rلاشيء أعجبُ من لونيهما وهما ... نشوانِ تربانِ في مهدٍ وفي خرقِ\rفرعانِ مختلفٌ معناهما وهما ... نتيجتا جوهرٍ في الأصل متفقِ\rوقال آخر:\rطلع الزعفرانُ مثل زجاجٍ ... قد تُنُضلن من سهامِ غلاءِ\rوتراءى كأنه شُغلُ الكب ... ريتِ ليلا ضياؤها في غطاءِ\rورقٌ فيه زرقةٌ تجلبِ الله ... و ويسي عيانُه كل رائي\rيتفرى عن قانئاتٍ حسانٍ ... مثلِ هُدبٍ معصفرٍ من رداءِ\rقائماتٍ كأنها ألفاتٌ ... خُططتْ في الطراز ذات استواءِ\rيتنقبن للرجال غُداُوا ... ثم يسفرن ضحوةً للنساءِ\rيتبرجن في الثياب الثكالى ... ويعيرن منه بعد اكتساءِ\rزيُ عُرسٍ ومأتمٍ ذا لدي خ ... يرِ عشاءٍ وذا لشرِ عشاءِ","part":3,"page":223},{"id":1224,"text":"مثلُ غمٍّ قد انجلى عن سرورٍ ... ونعيمٍ قد انتضى عن بلاءِ\rوقال أبو بكر الخوارزمي:\rأما ترى الزعفران الغض تحسبه ... جمرا بدا في رماد الفحم مضطِرما\rكأنه بين أطراف تحفُ به ... طرائقُ الدم في خدين قد لُطماِ\rدمٌ عيانا ومسكٌ نشر رائحةٍ ... في طيبهِ وكذاك المسكُ كان دما\rوقال آخر:\rشبهتُ روض الزعفران بشاطرٍ ... سلب النصارى واليهود شِعارهَا\rكصحيفةٍ من سندسٍ عُنيتْ بها ... كفٌ صناعٌ قومتْ أسطارهَا\rوكأنما ألفتهاُ قد توختْ ... بمجامرٍ تُذكيِ النسائمُ نارهَا\rمن كل فاقعةٍ تلفعُ دائما ... بدخانِ كبريتٍ تجر إزارَها\rمقتنعاتٍ في الدجى فإذا بدا ... للصبح إسفارٌ سفرن خمارهَا\rوالشمس طالعةٌ على أخواتها ... وإذا توارت أسبلتْ أستارهَا\rالحَبَقُ فالحَبَقُ أنواع، تُطلق عليها العامةُ الريحان، ومن أسمائه الباذَرُوج، وهو الحَماحِم. ويسمى الباذْرَنْجَبُويهَ، والباذْرَنْبُويهَ، واسمه بالفارسية: المَرْماحٌوز، ومنه ما سمي الفَرَنْجَمَشْكَ بالفاء والباء، ورائحتهُ كرائحة القَرَنْفُل، ويقال فيه فَلَنْجَمَشْك، وأَفْلَنْجَمَشْك، وكلها فارسية. ومنه ما يسمى بالفارسية: الشاهِسْفَرَم، ومعناه ملك الرياحين، والعرب تسميه: الضَّيْمَران والضَّومَران، ومنه حبقُ الفتى: المَرْزَجُوش والمَرْزَنْجُوش والمَرْدَقُوش والعَبْقرَ. ومنه ما يسمى المَروَ والزِّغْبرَ والزِّبْغَر، وهو الَمرْوُ الدقيقُ الورق. والصَّعْتَريّ، وريحان الكافور، ويسمى بالفارسية سُِوسَن واناه، وشكله شكل المنثور، ورائحتهُ رائحة الكافور الرياحي.\rوقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في طبائع الرياحين: الباذَرُوجُ طبعه حار في الأولى إلى الثانية، يابسُ في أول الأولى، وفيه رطوبةٌ فضلية. قال: وفيه قبض وإسهال، فإنه يقبض، إلا أن يصادف فضلا مستعدا، فإذا صادف خلطا أسهله، وفيه تحليل وإنضاج ونفخ، ويُسرع إلى التعفن، ويولد خِلطا رديئا سوداويا، وبزره ينفع من تتولد فيه السوداء، وإذا طلي بالخل ودهن الورد على الأورام والحارة نفع، وعصارته قطورا تنفع الرعاف، لا سيما بخل خمرٍ وكافور، وهو مما يسكن العُطاس من مِزاج، ويحركه من مِزاج، وهو ينفع من ضربان العين ضمادا: ويحدث ظلمة البصر مأكولا لتخليط رطوبته تبخيرها، وعُصارتُه تقوي البصر كُحلا، وهو يقوي القلب جدا، ويجفف الرئة والصدر، وسُكُرٍّجة من مائه تنفع من سوء التنفس، وماؤه يدر اللبن، وبزره ينفع من عُسر البول، وإذا وضع على لسع الزنابير والعقارب سكنه.\rالمرَمْاحُوز فهو حار في الثالثة، يابسٌ في الثانية، وهو لطيفٌ محلل مسكن للرياح، مفتحٌ للسددُ البلغمية حيث كانت، والإكبابُ على نطوله يحلل البُخار والصداع البارد، وهو يقوي المعدة وينشف رطوبتها، ويقوي الأمعاء.\rالمَرْزَنْجُوش فهو حار يابس في الثالثة، وهو لطيف محلل مفتح، وهو طلاءٌ جيدٌ على الأورام البلغمية، ودهنه ضمادٌ للفالج المميل العنقِ إلى خلف ولغيره من الفالج، ويفتح سدد الدماغ، وينفع من الشقيقة والصداع والرطوبة والرياح الغليظة، ومن وجع الأذنُ نطولا وقطورا، وتجعل فيها قطنةٌ مغموسةٌ في المَرْزَنُجوش فتنفع من انسدادها، وطبيخه ينفع من الاستقساء، ومن عُسْر البول، والمغص، ودهنه ينفع من انضمام الرحم المؤدي إلى احتقانها، وهو مع الخل ضمادٌ للسع العقرب.\rالفَلَنْجَمَشْك فهو أعدل من المَرْزَنْجُوش والنمام، وأقل يبسا، ويفتح السدد العارضة في الدماغ والمنخرين شما وطلاء وأكلا، وينفع الخفقان العارض من البلغم والسوداء في القلب، وهو جيدٌ للبواسير.\rوأما ما وُصفتْ به الرياحين - فقال السري الرفاء:\rوبساطِ ريحانٍ كماء زبرجدٍ ... عبثتْ بصفحتهِ الجنوبُ فأُرعِدا\rيشتاقُه الشَّرْبُ الكرامُ وكلما ... مَرِض النسيمُ سروا إليه عُودا\rوقال أبو الفضل الميكاليّ:\rأعددتُ محتفلا ليومِ فراغي ... روضا غدا إنسانَ عينَ الباغِ","part":3,"page":224},{"id":1225,"text":"روضا يروض هموم قلبي حُسنهَ ... فيه لكأسِ اللهو أيَُ مساغِ\rفإذا انثنت قضبانُ ريحانٍ به ... حيث بِمثل سلاسلِ الأصداغِ\rوقال أبو هلال العسكري:\rوخُضرٍ تجمع الأعجاز منها ... مناطقَ مِثلَ أطواقِ الحمامِ\rلها حُسنُ العوارض حين تبدو ... وفيها لينُ أعطاف الغلامِ\rوقال مؤيد الطّغرائيّ:\rمراضيعٌ من الريحان تُسقىَ ... سقيط الطلَّ أو درّ العهادِ\rملابسهن خُضٌر مشبعاتٌ ... تشير بزيهن إلى السواد\rإذا ذرت عليها المِسكَ ريحٌ ... وجاد بفيضهنّ يدُ الغوادي\rتخللها الرياحُ فسرحتها ... صنيعَ المُشط في اللممِ الجعادِ\rجرت وَهنا بها وسَرتْ عليها ... فطاب نسيمُها في كلِّ وادي\rوقال ابن أفلح الأندلسي:\rوحَماحمٍ كأسنةٍ ... في كل معتدلٍ قويمْ\rأو أنجمٍ نزعت لتح ... رِق كل شيطانٍ رجيمْ\rأو مثلِ أعرافِ الديو ... ك لدى مبارزة الخصومْ\rأو كالشقيق تحرشتْ ... بفروعه أيدي النسيمْ\rأو ثاكلٍ صبغت بنا ... نا من دم الخد اللطيمْ\rوقال آخر:\rوريحانٍ تميس به غصونُ ... يطيب بشمه شُربُ الكئوِس\rكسُودانٍ لبس ثياب خز ... وقد تُركوا مكاشيف الرءوِس\rوقال آخر:\rأما ترى الريحان أهدى لنا ... حَماحِما منه فأحيانا\rتحسبه في طله والندى ... زمردا يحمل مَرجانا\rوقال آخر في الشاهِسْفَرَم:\rوقامةِ ريحانٍ أنيقٍٍ نباتُها ... غذاها نميرُ الماء سَقيا على قَدْرِ\rتكلل أعلاها بنظمٍ محبرٍ ... وضاق عليها الزي بالورق الخضرِ\rوفاحت بنشرٍ طيب الشم عاطرٍ ... له نشواتُ المسكِ في سائر العطرِ\rفأصبح شاها للرياحين كلها ... فليس لها دام شيٌ من الأمرِ\rوقال أبو سعيد الأصفهاني:\rوشمامةٍ مخضرةِ اللون غضةٍ ... حوت منظرا للناظرِين أنِيقا\rإذا شمها المعشوقُ خلت اخضرارها ... ووجنته فَيْرُوزَجا وعقيقا\rوقال ابن وكيع في الصعتري:\rصعتريٌ أدق من أرجل النم ... ل وأذكى من نفحة الزعفرانِ\rكسطورٍ كُسين نقطا وشكلا ... من يدي كاتب ظريفِ البنانِ\rوقال أبو بكر الخوارزمي:\rوصفتُ ريحاناً إذا ما وصفه ... واصفُه قيل له: زد في الصفهْ\rدققه صانُعه ولطفه ... كأنه وشمُ يدٍ مطرفهْ\rأو خط وراقٍ أدق أحُرفَهْ ... أو زغباتُ طائرٍ مصففهْ\rأو حُلةٌ مخضرةٌ مفوفهْ\rوقال صاعد الأندلسي في الأترنجاني:\rلم أدرِ قبل تُرُنْجانٍ مررتُ به ... أن الزمردَ أغصانٌ وأوراقُ\rمن طيبه سرق الأتْرُجُّ نكهته ... يا قومُ حتى من الأشجار سُراقُ\rوقال آخر وأجاد:\rذكى العرف مشكورُ الأيادي ... كريمٌ عِرقُه يُسلي الحزينا\rأغار على الترُنْج وقد حكاه ... وزاد على اسِمه ألِفا ونونا\rالقسم الرابع:من الفن الرابع\rالرياض والأزهار\rويتصل به الصموغ والأمنان والعصائر،وفيه أربعة أبواب\rالباب الأول\rوصف الرياض\rاتفق جوابو الأقطار أن مستنزهات الدنيا أربعة مواضع، وهي صُغْدُ سَمَرْقَنْد، وشِعبُ بوان، ونهرُ الأبلة، وغوطةُ دمشق، وقد رأيتُ أن أصف هذه المستنزهات بصفاتها التي شاهدتها ونقلت إلي، وأخبارها التي عاينتُها وقًصت أنباؤها علي، فقلتُ في ذلك: ألذ ما تمنعت بحسنه النواظر، وأبهى ما ارتاحت النفوس إلى أزهاره النواضر، وصفُ رياضٍ تاهت الأرضُ على السماء بأزهارها، وباهت أنوارَ الكواكب بنورها ونُوارها. فمنها صُغْدُ سَمَرْقَنْد - الذي تحف به بساتينُ كست زهرتُها من الأرض عاريها، وأصبح للسماء بكاءٌ في جوانبها وللروض ابتسامٌ في نواحيها، تتخللها قصورٌ يتضاءل سنا النجم في آفاقها، وتحتجب الغزالةُ عند طاوعها حياءٌ من بهجتها وإشراقها.","part":3,"page":225},{"id":1226,"text":"شِعبُ بَوّانَ الذي غدت مغانيه مغاني للزمان، وقصُرت الألسن عن وصف محاسنهِ وطالت إلى اقتطاف ثمره البنان، تكاد شمسه تغرب عند الإشراق، ولا تتخلل أشجاره إلا والحياءُ يعيدها في قبضة الإطراق، يستغني بغُدرانه عن صوب الصيب، ولقد أبدع في وصفه أبو الطيب:\rمغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمانِ\rولكن الفتى العربي فيها ... غريبُ الوجه واليد واللسانِ\rملاعبُ جنةٍ لو سار فيها ... سليمان لسار بترجمانِ\rطبت فُرساننا والخيل حتى ... خشيتُ وإن كُرمن من الحرانِ\rغدونا تنفضُ الأغصانُ فيه ... على أعرافها مثل الجمانِ\rفسرتُ وقد حجبن الشمس عني ... وجئن من الضياء بما كفاني\rوألقى الشرقُ منها في ثيابي ... دنانير تفر من البنانِ\rلها ثمرُ تشير إليك منه ... بأشربةٍ وقفن بلا أواني\rوأمواهٌ يصل بها حصاها ... صليلَ الحلي في أيدي الغواني\rإذا غنى الحمامُ الورقُ فيها ... أجابتها أغانيُ القيانِ\rومن بالشعب أحوجُ من حمامٍ ... إذا غنى وناح إلى بيانِ\rوقد يتقارب الوصفان جدا ... وموصوفاهما متباعدانِ\rيقول بشعب بوانٍ حصاني ... أعن هذا تسير إلى الطعانِ\rأبوكم آدمٌ سن المعاصي ... وعلمكم مفارقة الجنانِ\rوأجاد السلامي حيث قال:\rاشرب على الشعب واحلل روضةً أنُفا ... قد زاد في حسنه فازدد به شغَفا\rإذ ألبس الهيِف من أغصانه حُللا ... ولقن العُجْم من أطيارِه نُتَفا\rونمرتْ حُسنه الأغصانُ مثمرةً ... من نازعٍ قُرُطا أو لابسٍ شنَقا\rوالماءُ يثني على أعطافها أزُرا ... والريحُ تعقد من أطرافها شُرَفا\rوالشمسُ تخرق من أشجارها طَرَفا ... بنُورها فتُرينا تحتها طُرفَا\rمن قائلٍ نسجت درعا مفضضةً ... أو قائلٍ ذهبتْ أو فضضتْ صُحُفا\rظلت تَزُف إلى الدنيا محاسنها ... وتستعيد لها الألطافَ والتحَفا\rمن عارضٍ وكفا أو بارقٍ خطفا ... أو طائرٍ هتفا أو سائرٍ وَقَفا\rولستُ أُحصي حصى الياقوت فيه ولا ... دُرا أصادفه في مائه صَدفَا\rيَظُن من وقفتْ فيه الشجونُ به ... أن الصبابة شابت والهوى خَرِفا\rتعسف الشوقَ فيه كل ذي شجنٍ ... والشوقُ ألطفه ما كان معتسَفا\rفاحللُ عُرا الهم واشربها معتقةً ... رق النسيمُ مباراةً لها وصَفا\rومنها نهرُ الأُبُلة - الذي طوله أربعُ فراسخ، ورءوسُ نخله على وجه الأرض شوارفُ وأصولها في الثرى رواسخ، بجانبيه بساتينُ إن هب النسيمُ بأغصانها تعانقتْ وتمايلتْ، وإن لعب بأفنانها تناظرتْ وتماثلتْ، كأنما غُرستْ في يومٍ واحدٍ شجراتُه، وقامت على خط الاستواء نَخَلاتُه، وفيه يقول التنوخي شاعر اليتيمة:\rوإذا نظرتَ إلى الأبُلة خِلتهاَ ... من جنة الفردوسِ حين تُخيلُ\rكم منزلٍ في نهرِها آلى السرو ... ر بأنه في غيرِه لا ينزلُ\rفكأنما تلك القصورُ عرائسٌ ... والزهرُ وشيٌ فهي فيه تَرفُلُ\rغنت قيانُ الطير في أرجائه ... هزجا يقل له الثقيلُ الأولُ\rوتعانقتْ تلك الغصونُ فأذكرتْ ... يوم الوداع وعِيرهُم تترحلُ\rربع الربيعُ بها فحاكت كفه ... حُللا بها عُقد الهمومِ تُحللُ\rفمدبجٌ وموشحٌ ومدنرٌ ... ومعمدٌ ومخبرٌ ومهللُ\rفتخال ذا عينا وذا ثغرا وذا ... خّدا يعضض تارةً ويقبلُ\rغوطة دمشق","part":3,"page":226},{"id":1227,"text":"التي هي شركُ العقول وقيدُ الخواطر، وعِقالُ النفوس ونزهةُ النواظر، خلخلتْ الأنهار أسواق أشجارها، وجاست المياهُ خلال ديارها، وصافحت أيدي النسيم أكف غُدرانها، ومُثلت في باطنها موائسُ أغصانها، يخال سالكها أن الشمس قد نثرت على أثوابه دنانير لا يستطيع أن يقبضها ببنان، ويتوهم المتأمل لثمراتها أنها أشربةٌ قد وقفتْ بغير أوانٍ في كل أوان، فيالها من رياضٍ من لم يطفْ بزهرها من قبل أن يحلق فقد قصر، ومن غياضٍ من لم يشاهدها في إبانها فقد من عمره الأكثر.\rوهذه الأربعةُ الأماكن أجمع جوابو الأقطار على تفضيلها على ما عداها، وتمييزها على ما سواها.\rوللناس في وصف الرياض محاسنُ سنذكر منها النزر اليسير، ونقتصر على لُمعةٍ ليس لنضارتها نظير.\rفمن ذلك قولُ الثعالبي في \" سحر البلاغة وسر البراعة \" : روضةٌ رقت حواشيها وتأنق واشيها، أشجارها كالعرائس في حللها وزخارفها، والقيان في وشيها ومطارفِها، باسطةٌ زرابيها وأنماطها، ناشرةٌ حِبرها ورِياطها، كأنما احتفلت لوفد، أو هي من حبيبٍ على وعد.\rومن كلامه أيضا: روضةٌ قد تضوعتْ بالأرج الطيب أرجاؤها، وتبرجتْ في ظُلل الغمام صحراؤها، وتنافحتْ بنوافج المسك أنوارها، وتفاوضت بغرائب المنطق أطيارُها، بها أشجارٌ كأن الخُرد أعارتها قدودها، وكستها بُرودها، وحلتها عقودها.\rومن كلام الفتح بن خاقان في \" قلائد العيقان \" : حتى استقروا بالروض فحلوا منه ذرا أيك ربيع مفوفةٍ بالأزهار، ومطرزةٍ بالجداول والأنهار، والغضونُ تختال في أدواحِها، وتنثني في أكف أرواحِها.\rومن كلامه أيضاً: روضٌ مفتر المباسم، معطر الرياح النواسم، قد صقل الربيع حوذانه، وأنطلق بلبله وورشانه، وألحف غصونه بُرودا مخضره، وجعل إشراقه للشمس ضره، وأزاهيره تنير على الكواكب، وتختال في خلع الغمائم السواكب.\rومن كلامه: روضةٌ لم يجل في مثلها ناظر، ولم تدع حسنها الخدودُ النواضر، غصونٌ تثنيها الرياح، ومياهٌ لها انسياح، وحدائق تهُدى الأرج والعرف، وتُبهج النفس وتمتع الطرف.\rومن كلامه: روضةٌ تأرجتْ نفحاتها، وتدبجت ساحاتها، وتفتحت كمائمها، وأفصحت حمائمها، وتجردت جداولها كالبواتر، ورمقت أزهارها بعيون الجآذر.\rوقد أكثر الشعراءُ في وصف الرياض والغصون - فمن ذلك قول ابن الرومي:\rحيتك عنا شمالٌ طاف طائُفها ... في جنةٍ قد حوت روحاً وريحاناً\rهبت سُحيرا فناجى الغصنُ صاحبه ... سراً بها وتداعى الطيرُ إعلانا\rورقٌ تغنى على خضرٍ مهدلةٍ ... تسمو بها وتشم الأرضَ أحيانا\rتخال طائرها نشوانَ من طربٍ ... والغصنَ من هزه عطفيه نشوانا\rوقال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة:\rسقيا لها من بطاحِ أنسٍ ... ودوحِ حُسنٍ بها مُطل\rفما ترى غير وجهِ شمسٍ ... أطلَ فيه عذارُ ظلِ\rوقال أيضاً من أبيات:\rوالروضُ محنى المعاطف خِلتُه ... نشوان تعطفه الصبا فيميلُ\rريانُ فضضه الندى ثم انجلى ... عنه فذهب صفحيته أصيلُ\rوقال الأخيطل الأهوازي منشدا:\rالروضُ ينشرُ رفرفا وحريرا ... ومطارفا من سندس وحبِيرا\rحل الربيعُ نقاب كل خَميلةٍ ... فأراك من صور النبات سُفورا\rغِيدُ القوام إذا النسيمُ أمالها ... ألقين عند صدورهن نُحورا\rينحل عنهن الندى فتخال ما ... ينحل عنها لؤلؤا منثورا\rكسلُ النعيم يدبّ في حركتها ... فيريك في أعطافهنّ فُتورا\rوقال أبو عُبادة البحتري:\rهذي الرياضُ بدا لطرفك نورها ... فأرتك أحسن من رياط السندسِ\rينشرن وشيا مُذهبا ومدبجا ... ومطارفا نُسجتْ لغير الملبسِ\rوأرتك كافورا وتبرا مُشرِقا ... في قائمٍ مثلِ الزمردِ أملسِ\rمتمايل الأعطاف في حركته ... كسلُ النعيم وفترةُ المتنفسِ\rمتلحيا من كل حُسنٍ مُنقٍ ... متنفسا بالمِسك أي تنفُّسِ\rوقال التنوخي:\rأما ترى الروض قد وافاك مبتسما ... ومد نحو الندامي للسلام يدا","part":3,"page":227},{"id":1228,"text":"فأخضرٌ ناضرٌ في أبيضٍ يققٍ ... وأصفرٌ فاقعٌ في أحمرٍ نُضدا\rمثل الرقيب بدا للعاشقين ضُحى ... فاحمر ذا خجلا واصفرّ ذا كمدا\rوقال أبو بكر الصنوبري:\rتشبهُ الروض بالحبائب قد ... زاد المحبين في محبتِها\rكم من قُدودٍ هناك من قُضُبٍ ... تميل من لينِها ونعمتِها\rكم وجنةٍ خالُها يلوح لنا ... سواده في صفاء حُمرتِها\rوكم ثنايا تسبِي بنكهتِها ... وكم عيونٍ تُصبى بلحظتِها\rتُسارِق الغَمزَ غَمزَ خائفةٍ ... رقيبها من خفاءِ نظرتِها\rوقال أبو طاهر بن الخُبزارزي:\rوروضةٍ راضها الندى فغدا ... لها من الزهر أنجمٌ زُهْرُ\rتنشُر فيها أيدي الربيع لنا ... ثوبا من الوشىِ حاكه الفَطْرُ\rوقال منصور بن الحاكم:\rروضةٌ غضةٌ علاها ضَبابٌ ... قد تجلت خلالها الأنوارُ\rفهي تحكي مجامرا مُذكياتٍ ... قد علاها من البخور بٌخارُ\rوقال سعيدُ بن حُميد مٌقسما:\rلا وزهرِ الرياض تجري عليها ... باكياتٌ ضواحكَ النوارِ\rصافحتْها الرياحُ فاعتنق الرو ... ضُ ومالت طِوالهُ للقصارِ\rلائذا بعضُه ببعضٍ كقوم ... في عتاب مكررٍ واعتذارِ\rما خلفناك بالقبيح ولا الذ ... م على البُعد واقترابِ المزارِ\rوقال أبو هلال العسكري:\rوروضةٍ حالية الصدورِ ... كاسيةِ البطونِ والظهورِ\rمحمودةِ المخبور والمنظورِ ... مُونقةِ المطوى والمنشورِ\rمعجبةِ الظاهرِ والمستورِ ... ضاحكةٍ كالوافد المحبورِ\rباكيةٍ كالعاشق المهجورِ ... شذرها الغيثُ بلا شُذورِ\rشقائقٌ كناظرِ المخمورِ ... وأقحوانٌ كثُغور الحُورِ\rونرجسٌ كأنجم الديجُورِ ... والطل منثورٌ على المنثورِ\rيرصع الياقوتَ بالبلورِ\rوقال أيضا:\rلبس الماءُ والهواءُ صفاءً ... واكتسى الروضُ بهجةً وبهاءَ\rفكأن النهاءَ صرن رياضا ... وكأن الرياضَ عُدن نِهاءَ\rوكأن الهواء صار رحيقا ... وكأن الرحيقَ صار هواءَ\rوتخال السماءَ بالليل أرضا ... وترى الأرض بالنهار سماءَ\rجللتها الأنوارُ زُهرا وصُفرا ... يوم ظلت تُنادِم الأنواءَ\rفترها ما بين نَوْرٍ ونَوْءٍ ... تتكافا تبسما وبُكاءَ\rوتظلُّ الأشجارُ تتخذ الحسن ... قميصا أو الجمال رِداءَ\rوترى السرو كالمنابر تُزهى ... وترى الطير فوقها خطباءَ\rوقال كُشاجِم:\rأرتك يدُ الغيث آثارها ... وأعلنت الأرضُ أسرارَها\rوكانت أكنت لِكونها ... خبيثا فأعطته آذارهاَ\rفما تقع العينُ إلا على ... رياضٍ تصنف أنوارهاَ\rيفتح فيها نسيمُ الصبا ... خِباها ويَهتِك أستارهاَ\rويسفح فيها دماء الشقيق ندى ظل يفتض أبكارهَا\rويدني إلى بعضها بعضها ... كضم الأحبة زوارهَا\rكأن تفتحها بالضحى ... عذارى تحلل أزرارهَا\rتغض لنرجسها أعينا ... وطورا تحدق أبصارهَا\rإذا مُزنةٌ سكبتْ ماءها ... على بقعة أشعلتْ نارهَا\rوقال البسامي:\rأما ترى الأرض قد أعطتك زهرتها ... مخضرةً واكتسى بالنور عارِيها\rفللسماء بكاءٌ في جوانبها ... وللربيع ابتسامٌ في نواحِيها\rوقال آخر:\rقهقه زهرُ الربيع فاستبشر ... وأكتست الأرضُ مُطرفا أخضرْ\rترى ربيعا نواره ذهبٌ ... ماء لجين حصباؤه جوهرْ\rعطل صباغه الخدود بما ... ورد من صبغها وما عصفرْ\rلابس قمصٍ من العقيق على ... غلائلٍ من زبرجدٍ أخضرْ\rوقال المعوج:\rحقاقٌ من النوار مزرورةُ العُرا ... على قِطع الياقوت واللؤلؤ الغض","part":3,"page":228},{"id":1229,"text":"فهن على الأغصان أحقاقُ فضةٍ ... وبالأمس كانت مطبقاتٍ على الغمضِ\rوقال ابن الساعاتي:\rلله ما شق من جيب الرياض بها ... وحبذا من ذُيول السحب ما سُحبا\rيا ضاحك الومض والأنواءُ باكيةٌ ... أشبهت لمياء إلا الظلم والشنبا\rوقال أيضاً:\rيا حبذا زمنُ الربيع ودوحُه ... قيدُ النواظر بل عقالُ الأنفُسِ\rوأفاك يبسم والغمامُ معبسٌ ... فاعجب لطلعة باسمٍ ومعبسِ\rجُليت عرائسُه فهم قلوبِنا ... واللهوُ بين مقوضٍ ومعرسِ\rأنفاسُه من عنبرٍ وسماؤه ... من لؤلؤ وبِساطُه من سندسِ\rوقال أبو عبادة البحتري:\rولا زال مخضرٌ من الروض يانعٌ ... عليه بمحمر من النورِ جاسدِ\rيذكرني ريا الأحبة كلما ... تنفسَ في جُنحٍ من الليل باردِ\rوقال السروي:\rغدونا على الروض الذي طله الندى ... سُحيرا وأوداجُ الأباريق تُسفكُ\rفلم أر شيئا كان أحسن منظرا ... من النور يجري دمعهُ وهو يضحكُ\rوقال آخر:\rحظ عينٍ وحظ سمعٍ ربيعا ... نِ وتغريدُ بلبلٍ وهزارِ\rفي جلاء من الزمان ووجه ... الأرض يُكسى وشائعَ النوارِ\rبابيضاضٍ محدقٍ باخضرارٍ ... واصفرارٍ مبطن باحمرارِ\rكلما أشرقت شُموسُ الأقاحيِ ... خِلتَ إحدى الشموس شمس النهار\rوقال كُشاجمِ:\rوروضٍ عن صنيعِ الغيثِ راضٍ ... كما رضى الصديقُ عن الصديقِِ\rإذا ما القطر أسعده صبوحا ... أتم له الصنيعةَ في الغبوقِ\rيُعير الريح بالنفحات رِيحا ... كأن ثراه من مسكٍ سحيقِِ\rكأن الطل منتثرا عليه ... بقايا الدمع في خد المَشوقِ\rكأن غصونه سُقيتْ رحيقا ... فماست ميس شُراب الرحيقِِ\rكأن شقائق النعمان فيه ... محضرةٌ كئوسا من عقيقِِ\rكأن النرجس البري فيه ... مَداهنُ من لُجين للخلوقِ\rيذكرني بنفسجهُ بقايا ... صنيعِ اللطم في الخد الرقيقِِ\rوقال ابن سكرة الهاشمي:\rأما ترى الروضةَ قد نورتْ ... وظاهرَ الروضة قد أعشَبا\rكأنما الأرضُ سماءٌ لنا ... نقِطف منها كوكبا كوكبا\rوقال علي بن عطية البلنسي:\rأديراها على الزهر المندي ... فُحكمُ الصبح في الظلماء ماضِي\rوكأسُ الراح تنظر عن حَبابٍ ... وينوب لنا عن الحدق المراضِ\rوما غربتْ نجومُ الليل لكن ... نُقلن من السماء إلى الرياضِ\rوقال شاعر أندلسي:\rوفتيانِ صدقٍ عرسوا تحت دوحةٍ ... وما لهمُ غير النبات فِراشُ\rكأنهمُ والنورُ يسقُط فوقهم ... مصابيحُ تهوي نحوهن فَراشُ\rوقال أبو محمد الحسنُ بن علي بن وكيع التنيسي:\rأسفر عن بهجتهِ الدهرُ الأغرْ ... وابتسم الروضُ لنا عن الزهرْ\rأبدي لنا فصلُ الربيع منظرا ... بمثلهِ تُفتنَ ألبابُ البشرْ\rوشيا ولكن حاكه صانعُه ... لا لابتذال اللبس لكن للنظرْ\rعاينه طرفُ السماء فانثنت ... عشقا له تبكي بأجفان المطرْ\rفالأرضُ في زي عروسٍ فوقها ... من أدمع القطر نثارٌ من دررْ\rوشيٌ طواه في الثرى صيانةً ... حتى إذا مل من الطي نشرْ\rوقال أبو الطاهر بن أبي الربيع:\rوكأن مولى الرياض ضرائرٌ ... تُزهى بُخضرتها على الخضراءِ\rقد أبرزتْ زهراتها وازينتْ ... وتعطرتْ وتبرجتْ للرائي\rوالنورُ منحسرُ القِناع كما بدت ... للناظرين محاسنُ العذراءِ\rوالنبتُ ريانُ المهزة مائلٌ ... شَرِقٌ محاجرُ زَهرِه بالماءِ\rالباب الثاني\rالأزهار\rويشتمل هذا البابُ على ما قيل في الخيري - وهو المنثور - والسوسن، والآذريُون والخُرم، والشقيق، والبهار، والأقحوان :","part":3,"page":229},{"id":1230,"text":"الخيري فالخيري هو المنثور وهو مما أولِع الشعراء بوصفه. فمن ذلك قول أبن وكيع التنيسي:\rأنظر إلى المنثور في ميدانه ... يرنو إلى الناظر من حيث نظرْ\rكجوهرٍ مختلفٍ ألوانهُ ... أسلمه سلكُ نظام فانتثرْ\rوقال آخر:\rانظرْ إلى المنثور ما بيننا ... وقد كساه الطلُّ قُمصانَا\rكأنما صاغته أيدي الحيا ... من أحمرِ الياقوت قُضبانا\rوقال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة يذكر كونه لا تظهر رائحته إلا ليلا:\rوخيرةٍ بين النسيم وبينها ... حديثُ إذا جن الظلامُ يطيبُ\rيدب مع الإمساء حتى كأنما ... له خلف أستار الظلام حبيبُ\rوقال أبو هلال العسكري:\rألوان منثورٍ يريك حُسنُها ... ألوان ياقوتٍ زها في عقدِهِ\rيا حسنها في كف من يشبهها ... فانظر إلى الند بكف ندهِ\rمن أشهلٍ كعينه وأبيضٍ ... كثغرهِ وأحمرٍ كخدهِ\rوأصفرٍ مثل صريع حُبه ... إذا تغشته غَواشِي صدهِ\rوقال آخر:\rعجبتُ من الخيري أمتع في الدجى ... وأصبح رياه مع الصبح تُحجبُ\rفخلتُ الريا طبعا له مِثل ناسكٍ ... يرائي نهارا وهو بالليل يشربُ\rوقال آخر:\rما أكرم الخيري في فعلهِ ... يسهر إذ نورُ الربا ناعسُ\rكأنما خاف عليه العِدا ... فهو له في ليله حارسُ\rوقال ابن الحداد:\rعاف النهار مخافة الرقباءِ ... فسرى يضمخ حُلة الظلماءِ\rيطوي شذاه عن الأنوف نهاره ... ويجود في الظلماء بالإفشاءِ\rمتهتكٌ في طبعه متسترٌ ... وكذا تكون شمائلُ الظرفاءِ\rلما رأى حُب الأنوف لعرفهِ ... لبس الغياهب خفية الرقباءِ\rكالطيف لا يصل الجفون لُسهدهاِ ... ويهب فيها ساعةَ الإعفاءِ\rوقال أبو العلاء السروي:\rأهدى إلى فنون الشوقِ والأرقِ ... نسيمُ رائحة الخِيري في طبقِِ\rكأنه عاشق يطوي صبابته ... صبحا وينشرها في ظلمةِ الغسقِِ\rوكلُّ ذي لوعةٍ فالليلُ رائحتهُ ... والليلُ أخفى لويل الوالهِ القلقِِ\rوقال آخر:\rينم مع الإظلام طيبُ نسيمهِ ... ويخفى مع الإصباح كالمتسترِ\rكعاطرةٍ ليلا لوعدِ محبها ... وكاتمةٍ صبحا نسيم التعطرِ\rوقال ابن الرومي:\rخيري وردٍ أتاك في طبقِهْ ... قد ملأ الخافقين من عبِقهْ\rقد خلع العاشقون ما صنع ... الهجيرُ بألوانهم على ورِقهْ\rالسوسن","part":3,"page":230},{"id":1231,"text":"فقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في طبع السُّوسن: الأبيض البستاني منه حارٌ يابسٌ في الثانية، والإيرساءُ أشد تسخينا وتجفيفا، والإيرساءُ هو أصلُ السوسن الاسمانُجوني. قال وأصله جلاء، مجفف باعتدال، ودهنهُ ألطف وأشد تحليلا وتليينا مطيبا كان أم غير مطيب، والإيرساءُ أقوى في جميع ذلك، وهو قابض، وفيه شفاءٌ للأوجاع والعفونات، وينفع من الكلف والنمش، وخصوصا أصله، وينقي الوجه غسلا به ويصقله، ويزيل تشنجه، وإن دق بِزرُه وورقُه ناعما وعُمل منه ضمادٌ بالشراب على الحمرة نفعها، وكذلك على الأورام البلغمية الفجة \" والجرب المتقرح والخُشكريشات \" \" وأصله ينفع من حرق الماء الحار، لأنه يجفف مع جلاء وباعتدال، وكذلك ورقه مطبوخا، والأحسنُ أن يكون استعمالهُ بُدهن الورد وعُصارة الإيرساء، وغيره يطبخ في الخل والعسل في إناءٍ من نحاسٍ للقروح المزمنة والجراحات. والبستاني أفضلُ الأدوية لحرق الماء الحار، وهو جيدٌ لانقطاع العصب، وتتخذ من أصل البري مضمضةٌ لوجع الأسنان، ويوافق دهنهُ قروح الرأس والنخالة، وإذا قطر في الأذن سكن الدوي، وهو رديءٌ للمعدة، وخصوصا دهنه، ودهنه محلل ملين لصلابة الرحم شُربا وتمريخا، وكذلك إذا طبخ أصله بدهن الورد، ولا نظير له في أمراض الرِحم، وكذلك دُهنُ الإيرساء، ويُخرج الجنين، وينفع من المغص، وإذا طبخ أصله وحده بالخل أو مع بزر البنج ودقيق الحنطة سكن الأورام الحارة العارضة للأنثيين، وإذا شُرب من الإيرِساء يفتح أفواه البواسير، وكذلك أصل السوسن كيف كان، وهو ينفع من لسع الهوام، خصوصا العقرب هو عُصارته وشرابه وبزره شُربا، ودهنه دِرْياقٌ للبَنْج. وأما ما جاء في وصفه - فقال الأخيطل الأهوازي:\rسقياُ لأرض إذا ما نمتُ أرقني ... بعد الهدوء بها قرعُ النواقيسِ\rكأن سُوسنها في كل شارفةٍ ... على الميادين أذنابُ الطواويسِ\rوقال أيضا فيه:\rوكأن سوسنها سبائكُ فضةٍ ... غض النبات فأزرقٌ أو أحمرُ\rحُمِلتْ سقيطُ الطل في ورقاتهِ ... فكأنه متبسمٌ مستعبِرُ\rوقال الصنوبري - ويروي للرفاء - :\rأنظرْ إلى السوسن في منبتهِ ... فانه نبت عجيبُ المَنَظر\rكأنه ملاعقٌ من ذهبٍ ... قد خُط فيها نُقطٌ من عَنْبرِ\rوقال آخر:\rأنُظر إلى السوسن في ... جمالهِ المنعوتِ\rمِثل كئوسٍ خُرِطتْ ... من أزرقِ الياقوتِ\rوقال آخر:\rيا رب سُوسنةٍ قبلتُها شَغَفا ... وما لها غير نشر المِسك من رِيقِِ\rمصفرةِ الوجه مبيض جوانبهُا ... كأنها عاشقٌ في حجرِ معشوقِ\rوقال آخر:\rإن كان وجهُ الربيع مبتسما ... فالسُّوسن المجتني ثناياهُ\rيا حُسنه ضاحكا له عبقٌ ... كطِيب رِيح الحبيب رَيّاهُ\rوقال شاعر أندلسي:\rسُوسنةٌ بيضاءُ أوراقهُا ... فيها خطوطٌ من سوادٍ خفيِ\rكأنه دارسُ خط بدت ... أشكالهُ في الرق من مصحفِ\rوقال شاعرٌ متطيرا بإهدائه:\rيا ذا الذي أهدى لنا السُّوسَنا ... ما كنت في إهدائه محسِنا\rأولهُ سوءٌ فقد ساءني ... يا ليت أني لم أر السُّوسَنا\rوقال آخر:\rسُوسنةٌ أعطيتنيها فما ... كنتِ بإعطائي لها مِحسنهْ\rأولُها سوءٌ فإن جئتِ بالآخر ... منها فهو سوءُ سنهْ\rالآذَرْيُون فالآذَرْيُون وردٌ أصفرُ لا ريح له ألبتة، وهو صِنفٌ من الأُقحوان، ومنه ما نُوارُه أحمر. وقال أبن البيطار في جامعه: أنه نُوارٌ ذهبي، في وسطه رأسٌ صغير أسود، واسمهُ بالفارسية: آذَرْكُون، ومعناه لونُ النار.\rوقال أبو علي بن سينا: طبعهُ حارُّ يابسٌ في الثالثة، وأنه ينفع من داء الثعلب مسحوقا بخل، ورمادهُ بالخل لِعرق النسا. وقال دِيْسقُوريدُوس: إن الحُبلى إذا مسته أو تحملتْ منه أسقطت من ساعتها، وهو ينفع من السمومات كلها وخصوصاً اللُّدوغ. وأما ما جاء في وصفه - فقال شاعرٌ يصفه:\rتاه الربيعُ بآذَرْيُونِه وزها ... لما بدا منه في جُنح الدجى أرجُ","part":3,"page":231},{"id":1232,"text":"كأن أغصانه فَيْرُوزَجٌ بَهِجٌ ... من فوقه ذهبٌ في وسطهِ سَبَجُ\rوقال التنوخي:\rوآذَرَيُونٍ مثل خد متيمٍ ... لأحشائه خوف الفراق وجيبُ\rشموسٌ لها من حين تطلعُ شمُسها ... طلوعٌ وفي وقت الغروب غروبُ\rتُفتح إن لاحت سرورا بضوئها ... كما سُر بالرأي المصيبِ مصيبُ\rوتنضم إن جاء الظلامُ كأنه ... رقيبٌ عليها والضياءُ حبيبُ\rوقال ابن وكيع:\rقم فاسقني صافيةً ... تسلُب قلبي فِكرهْ\rفي روضةٍ كأنها ... خريدةٌ في حِبرهْ\rكأن آذَرْيُونها ... أسوده وأحمرهْ\rسحيقُ مِسكٍ مودع ... في خِرَقٍ معصفَرهْ\rوقال عبد الله بن المعتز:\rكأن آذَرْيُونَها ... تحت سماء هاميَهْ\rمَداهنٌ من ذهبٍ ... فيها بقايا غاليهْ\rوقال آخر:\rأظرفِ بآذَرْيُونةٍ أبصرتهُا ... في الروض تلمع كاتقاد الكوكبِ\rوكأنها لما تكامل حسنهُا ... مِسكٌ تفتت في إناءٍ مُذهبِ\rوكأنما تشريفُها من فوقها ... حببٌ يفرج عن رحيقٍ أكهَبِ\rوقال السري الرفاء:\rوروضةِ آذَرْيُونَ ذُر بَوسْطهاِ ... نوافجُ مِسكٍ هيجتْ قلب مهتاجِ\rتراها عيونا بالنهار روانيا ... وعند غروب الشمس أزرار ديباجِ\rوقال الطُّغْرائي:\rوكأن آذَرْيُونَ روضتنا ... كانونُ فحمٍ حوله لهبُ\rأو جامُ جَزْع وَسْطه سبجٌ ... أو سُؤرُ مِسكٍ جامُه ذهبُ\rالخُرَّمُ فالخُرم هو الخُزامي، وهو عند المغاربة السوسن الأزرق.\rقال ابن الرومي يصفه:\rوخُرَّمٍ في صبغة الطيالسهْ ... يحكي الطواويس غدت مُطاوِسهْ\rكأنما تلك الفروعُ المائسهْ ... تَغمِسها في اللازَوَرْد غامسهْ\rوقال الشمشاطيُ يصفه:\rوخُرمٍ مثل لون اللازورد جرى ... منها على فضة بيضاءَ جارِيها\rكأنهن خدود اللاطمات ضُحى ... أو الطواويسُ حلتها خَوافيها\rما غُمضت لعيون الشمس أعينُها ... إلا على لُمعَ من نُورها فيها\rوقال شاعر أندلسي:\rعافَ لونَ البياض ثوبَ أخيه ... وتبدى في حُلةٍ زرقاءِ\rلتراه العيون في حُلةٍ يحكي ... سنا نُورها أديمَ السماءِ\rلو حواها الطاووس أصبح لا شك مهنا بمُلك طيرِ الهواءِ\rعِزةٌ في طباعه وعُلُوُّ ... قد أنافا به على العَلياءِ\rالشقيق فالشقيق يسمى الشقائق والشقر. قال أبو الخير العشّاب: في ألوانه الأبيضُ والأسودُ والأحمرُ والورديُ والرمادي والأصفر، وفيه بستانيٌ وبريً،فالبستانيُ، هو الخَشخاشُ الأبيض.\rقال: ومن أنواعه شقاثقُ النعمان،ومن الشقائق نوع يسمى المامِيثا،ولونهُ أصفرُ فاقع.\rوقال أبو على بن سينا: هو حارٌ في الثانية، رطب، وهو جلاء محلل. قال: يسود الشعر إذا خُلط بقشر الجوز،وإذا استعمل ورقه وقُضبانه كما هو أو مطبوخاً حسن الشعر.قال: ويابُسه ينفع من القروح الوسخة،وعصارته سعوطٌ لتنقية الرأس والدماغ،وأصلُه يُمضغ لجذب الرطوبات من الرأس، وعُصارتُه نافعةٌ من ظُلمة البصر وبياضه وآثارِ قروح العين، وإذا طُبخ بالطلاء وتُضُمد به أبرأ الأورام الصلبة، وإذا طُبخ ورقُه بقُضبانه بحشيش السعتر وأكل أدر اللبن، وهو يُدِر الطمث، والله أعلم.\rوأما ما جاء في وصفه - فقال ابن الرومي:\rتَصُوغ لنا كفُ الربيع حدائقا ... كعقدِ عقيقٍ بين سِمِط لآلِي\rوفيهن نُوارُ الشقائق قد حكى ... خدودَ غوانٍ نُقطت بغوالِي\rوقال أبو الفتح كُشاجم:\rفرج القلب غايةً التفريجِ ... اِبتهاجي ما بين روضٍ بهيجِ\rفكأن الشقيق فيه أكالي ... لُ عقيقٍ على رءوسِ زُنوجِ\rوقال آخر:\rطَرِب الشقائقُ للحمام وقد شجا ... شجو القِيان فشق فضلَ ردائِهِ\rوتَحيّرتْ ما بين إِثمِدِ مأقِهِ ... في الخد دمعتُه وبين حيائه","part":3,"page":232},{"id":1233,"text":"فكأنه الحبشيُّ يصبغ جسمه ... فثيابهُ مخضلّةٌ بدمائِه\rوقال القاضي عياض:\rأُنظرْ إلى الزرع وخاماته ... تحكي وقد مالت أمامَ الرياحْ\rكتيبةً خضراءَ مهزومةً ... شقائق النعمان فيها جِراحْ\rوقال الصنوبري:\rكم خدودٍ مصونةٍ من شقيقٍ ... لم تبذْل للثم أو للعِضاضِ\rاعترضْ ناظرَ الشقيق ففيه ... طُرفُ ما يملها ذو اعتراضِ\rجُمَمٌ سُرِّحتْ بلا مُشُطٍ أو ... طُررٌ قًصصت بلا مِقراضِ\rحُمرةٌ فوق خضرةٍ وسوادٌ ... بين هذين مُعلمٌ ببياضِ\rوقال أيضاً فيه:\rوجوهُ شقائقٍٍ تبدو وتخفي ... على قُضُبٍ تميد بهن ضَعفا\rتراها كالعذارى مُسبِلاتٍ ... عليها من عميم النبت سَجْفا\rتنازعتِ الخدودَ الحمر حُسنا ... فما إن أخطأت منهن حَرفا\rإذا طلعتْ أرتك السُّرْجَ تًذُكي ... وإن غربت أرتك السرج تُطفاَ\rتُخال إذا هي اعتدلتْ قواما ... زجاجاتٍ مُلئن الخمر صِرفا\rيزيد بهن روضُ الحزن حُسنا ... إذا ما زهرُهن بهن حَفا\rوقال أيضا من أبيات:\rوكأن محمر الشقي ... ق إذا تصوب أو تصعدْ\rأعلامُ ياقوتٍ نُشِر ... ن على رماحٍ من زبرجدْ\rوقال آخر:\rشقيقةٌ شق على الورد ما ... قد لبست من كثرة الصبْغِ\rكأنها في حسنها وجنةٌ ... يلوح فيها طرفُ الصدْغِ\rوقال الأخيطل الأهوازي:\rهذى الشقائقُ قد أبصرت حُمرتها ... فوق السوادِ على أعناقها الذلُلِ\rكأنه دمعةٌ قد غسلتْ كُحُلا ... جالت بها وقفةٌ في وجنتيْ خجلِ\rوقال كُشاجمُ من أبيات:\rفانظر بعينك أغصانَ الشقائق في ... فروعها زهرٌ في الحسن أمثالُ\rمن كل مُشرِفة الأوراق ناضرةٍ ... لها على الغصن إيقادٌ وإشعالُ\rحمراء من صِبغةِ الباري بقدرتهِ ... مصقولة لم ينلْها قط صقالُ\rكأنما وجناتٌ أربعٌ جُمعتْ ... فكل واحدةٍ في صحنهِا خالُ\rوقال مؤيد الدين الطغرائي:\rوترى شقائقه خلال رياضِها ... أوفتْ مَطاردُها على أزهارهِا\rفكأنها والريحُ تَصقُل خدها ... والسحبُ تملؤها بصوبِ قطارهاِ\rأقداحُ ياقوتٍ لطافٍ أترعتْ ... راحا فبات المِسكُ سُؤرَ قرارهاِ\rوكأنها وجناتُ غيدٍ أحدقتْ ... بخدودها حُمرا خطوطُ عِذارهاِ\rوأما ما وصف بها البَهار فمن ذلك قول الصنوبري:\rوروضةٍ لا يزال يبتسم ... النوار فيها ابتسام مسرورِ\rكأنما أوجهُ البَهار بها ... وقد بدت أوجُهَ الدنانيرِ\rوقال أحمد بن برد الأندلسي:\rتأملْ فقد شق البهارُ مقلصا ... كمائمه عن نَورِه الخَصِل الندِي\rمداهن تبرٍ في أناملِ فضةٍ ... على أذرعٍ مخرطةٍ من زبرجدِ\rوقال أبن دراج القسطلي من أبيات:\rبَهارٌ يُروق بمسكٍ ذكي ... وصيغٍ بديعٍ وخلقٍ عجبْ\rغصونُ الزبرجد قد أورقتْ ... لنا فضة مُوهتْ بالذهبْ\rوقال آخر:\rبهر البَهار عيوننا فقلوبُنا ... مسحورة بجماله السحارِ\rكسواعدٍ من سُندسٍ وأكفها ... من فضةٍ حملت كئوس نُضارِ\rالأُقْحُوان","part":3,"page":233},{"id":1234,"text":"فقال أبو الخير العشّاب: الأقحوان هو البابونج، وهو نوعان: نوع ينبت في الجبال الباردة جدا، ونوع يزرع في البساتين، فما كان جبليا فهو البابونج، وما كان مزروعا فهو أقحوان، ومنه ما زهره أصفر كله، ومنه ما هو زهرهُ أبيض، وفي وسطه لُمعةٌ صفراء، ومنه الحوذان، وورقه يشبه ورق الخيري الأصفر، وهو مشرفٌ تشرف المِنشار، وُيعرفُ برأس الذهب، ويسمى بمصر: الكَرْكاش، وأهل مصر يعتنون بأمره في وقت نزول الشمس برج الحمل، ويختلفون به، فيخرجُ كثيرٌ من عوامهم وبعضُ الجند وغيرهم إلى البر ويقطعونه في الساعة التي تحل الشمس فيها الحمل بمناجل من الذهب يصوغونها برسمه، أو بدنانير، ومنهم من يتكلم بكلامٍ شبه الرقية، لا ينطق بغيره ما دام يحصده، ويجمعون ما يقطعونه من ذلك بالذهب، ويدخرونه في صناديقهم، ويزعمون أن من قطعه على وضعهِ ملك في تلك السنة بعدد ما يقطعه منه دنانير إن قطعه بالذهب، ودراهم إن قطعه بالفضة.\rوقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: طبع الأقحوان حار في الثالثة، يابس في الثانية. قال: وهو مسخنٌ مُنضج، مفتحٌ للسدد، وفي الأحمر منه قبضٌ ومنعٌ لأنواع السيلان، مع ما فيه من التحليل، وهو يدر العرق، وكذلك دُهنهُ مَسُوحا، ويفتح أفواه العروق، محلل، ملطف للأورام والبثور، محلل للورم الحار في المعدة والدم الجامد فيها، وينفع جميع الأورام الباردة، وينفع من النواصير، ويقشر الُخشْكَرِيشات والقروح النضيجة، وينفع من الجراحات العصب، ومن التواء العصب إذا بُلت صوفةٌ بطبيخه ووِضعتْ عليه، وهو مُسبت، وإذا شم رطبه نوم، ودُهُنه نافع من أوجاع الأُذن، وهو ينفع من الربو إذا شُرب يابسه كما يُشرب الإفتِيمُون. قال: وهو رديء لفم المعدة، إلا أنه يحلل يابسا، ويجفف ما يتحلب إليها، ويحلل الدم الجامد فيها.\rوقال: وهو يدر بقوة، ويحلل الدم الجامد في المثانة بماء العسل، ويفتت الحصاة، وإذا شرب مع زهره وفُقاحِه في الشراب أدر الطمث، وكذلك احتمالُ دُهنِه فإنه يدر بقوة، واحتمال دُهنهِ يحلل صلابة الرحم، ويفتح الرحم، ويشرب يابسا بالسكَنْجَبِين كما يشرب الإفْتِيمون فيُسهل سوداء وبلغما، وينفع من أورام المقعدة الحارة، ويفتح البواسير هو ودُهنه، وينفع من اُدْرِة الماء بعد أن تشق، وينفع من القولنج ووجع المثانة، وصلابة الطحال، هذه منافُعه الطبية.\rوأما ما وصفه به الشعراء - فقد أكثر الشعراءُ من تشبيهه بالثغور وتشبيه الثغور به، وتشبيه الثغور به أكثر في أشعارهم من تشبيهه بالثغور، وقد أجاد ظافر الحدادُ الإسكندري في وصفه حيث قال:\rوالأُقْحُونةُ تحكي ثغر غانيةٍ ... تبسمتْ عنه من عُجبٍ ومن عجبِ\rفي القد والبرد والريق الشهي وطي ... ب الريح واللون والتفليجِ والشنبِ\rكشمسةٍ من لُجينٍ في زبرجدة ... قد شُرفتْ حول مسمارٍ من الذهبِ\rوقال آخر:\rوالأُقْحُوانةُ تُجلي وهو ضاحكةٌ ... عن واضحٍ غير ذي ظلمٍ ولا شنبِ\rكأنها شمسةُ من فضة حُرستْ ... خوف الوقوع بمسمارٍ من الذهبِ\rوهذا والذي قبله من بديع التشبيه، وهو أجودُ من تشبيهها بالثغور وأصنع فإنها لا تشبه بالثغر حقيقةً إلا من وجهٍ واحد، وهذا وقد شبهها ووصفها بجميع صفاتها وهيئتها .\rوقال أبن عباد:\rومن لؤلؤٍ في الأقْحُوان منظمٍ ... على نُكتٍ مصفرةٍ كالفرائدِ\rيذكرنا ريا الأحبةِ كلما ... تنفس في جُنحٍ من الليل باردِ\rوقال آخر:\rكل يوم بأُقْحُوانٍ جديدٍ ... تضحك الأرضُ من بكاء السماءِ\rوسطها جُمةٌ من الشذر حُفت ... بثغورٍ من فضةٍ بيضاءِ\rوقال جمال الدين علي بن أبي منصور المصري:\rأنظرْ فقد أبدى الأقاحُ مباسما ... ضحكتْ بدُرٍّ في قُدودِ زبرجدِ\rكفصوص دُر لُطفتْ أجرامُها ... قد نُظمتْ من حولِ شمسةِ عَسْجَدِ\rوقال آخر:\rظفرتْ يدي الأقحوان بزهرةٍ ... باهت بها في الروضة الأزهارُ\rأبدت ذراع زبرجدٍ وأناملا ... من فضةٍ في كفها دينارُ\rوقال آخر:\rكأن نور الأقاحي ... إذ لاح غِب القطْرِ\rأناملٌ من لُجينٍ ... أكفها من تبْرِ","part":3,"page":234},{"id":1235,"text":"وقال آخر:\rلدى أُقْحُوانات يطفن بناضرٍ ... من الورد محمر الثياب نضيدِ\rإذا الريحُ هزتها توهمت أنها ... ثغورٌ هوت قصد العض خدودِ\rالباب الثالث\rالصُّموغ\rويشتمل هذا الباب من الصموغ على ثمانيةٍ وعشرين صنفا.وهي الكافُور والكَهْرَبا، وعلْكُ الأنباط، وعلْكُ الروم - وهو المُصْطَكا - وعلكُ البُطْم وصمغُ اليَنْبُوت، وصمغُ قُوفيّ،والكثيِراء، والكُنْدُر، والفَرْبَيُون، والصبرِ، والمُرّ والكَمْكام، والضِّجاج، والأُشق، وترابُ القيء، والقِنة، والحِلتْيت، والأُنْزَرُوت والسَّكْبِينَج، والسادَرْوان، ودمُ الأخوين، والمَيْعة، وصَمْغُ قبعرين، والمُقْل الأزرق والصمغُ العربي، والقَطِران، والزفت.\rالكافور فهو أشرفُ الصموغ قدرا، وأحقها بالتقديم وأحرى، لفضله في التركيب، ودخوله في أصناف الأدوية والطيب، ويقال فيه: القافور بالقاف بدل الكاف، ويقال: إنه صمغ شجرةٍ سفحيةٍ بحريةٍ عظيمةٍ تُظل مائة رجُل، تكون بأطراف الهند. وتزعم التجار أنه يوجد في الشجرة الواحدة أصنافٌ من الكافور، فيميزون كل صِنف على حدته، وله مظان: منها فَنْصُور وهي جزيرةٌ محيطها سبعمائة فرسخ، وتُعرف أرضها بأرض الذهب، والكافور المنسوبُ إليها أفضلُ مما عاده، ومن مظانه موضعٌ يُعرف بأربشير، ومنها الزابج، والمنسوبُ إليها أدنى أصنافه. قالوا وكيفيةُ جمعه أن تُقصد شجرته في وقتٍ معلومٍ من السنة فتحفر حولها حُفرة، ويجعل في الحفرة إناءٌ كبير، ثم يُقبل الرجُل وبيده فأسٌ عظيمة، وهو ملثم، مسدودُ الأنف، ويمكن الإناء من أصل الشجرة، ثم يضربها بالفأس ضربة، ويطرح الفأس من يده، ويهرب خشية أن يفور في وجهه ما يخرج من الشجرة من الكافور، فإنه متى أصاب وجهه قتله، ويجمع ما يخرج من الشجرة عقيب تلك الضربة في ذلك الإناء الموضوع في أصلها، فإذا برد في الإناء جعلوه في أوعيةٍ وقطعوا تلك الشجرة، وتركوها حتى تجف، ثم نقطع أجزاء صغارا أو كبارا، وذهب آخرون إلى أنه بين اللحاء والعود مثل الصمغ قطعا صغارا وكبارا. وقال آخرون: بل يشقون الخشب فيجدون الكافور في قلب العود منظما مثل الملح، فيعلقونه منه، وهذا هو الأصح عندهم وقد زعم آخرون أن الكافور يلتقط من شجرٍ في غِياضٍ ملتفةٍ في سفوح جبال، وبين تلك الغِياضِ والبحر مسيرةُ أيام وأن الُبُور تألف تلك الغِياض، ولا يصل أحدٌ إلى التقاطه خوفا منها إلا في وقتٍ معلومةٍ من السنة، وهو زمن هياج هذا الحيوان، لأنه إذا هاج مرض، فتخرج إناثه وذُكورُه إلى البحر فتستشفى بمائه نحوا من شهر، فيلتقط في ذلك الوقت. قالوا: ولولا ذلك لكان الكافور كثيرا جدا.\rوالكافور أصناف: أفضلُها الرباحي، وأجود الرباحي الفَنْصُوري. قالوا: ولا يوجد هذا الصنفُ إلا في رءوس الشجر وفروعها، ولونه أحمر ملمع، ثم يصعد هناك فيكون منه الكافور الأبيض، وإنما سمي بالكافور رباحيا، لأن أول من وقع عليه ملكٌ يقال له: رباح، فنُسب إليه، ومن الرباحي صنفٌ يسمى المَهْنَشان وهو حب أبيضُ براق، ناعمُ الفرك، ذكي الرائحة، ومنه صنفٌ يعرف بالبرتك ناعمُ الفَرْك، ذكي الرائحة، وليس له صفاءُ المَهْنَشان، وبعده صنفٌ يعرف بالسرحان وهو أكبر حبا من المهنشان، إلا أنه كثيرُ الخشب، ولونه يضرب إلى السواد ناعم الفرك، ومنه صنف يسمى موطيان، ناعم الفَرْك، يضرب إلى الحُمرة، منه صنفٌ يسمى المهاي لبصيصه، وهو حب أحمرُ الظاهر أبيضُ في الفَرْك، جاف الجوهر، ومنه صنفٌ يعرف بالرقرق، وصنفٌ يعرف بالإسفرك، وهو غُثاء الكافور، وبعده صنفٌ يسمى الكندج، يشبه لونه نشارة الساج، إلا أن فيه لينا ودهانه، وفي حبه كبر، إذا كسر وجد داخله أسود، فإذا فُرك وجد أبيض، وكل هذه الأصناف لا تدخل إلا في الأدوية، إلا الرباحي المجلوب من أرض فَنْصور فإنه لا ينبغي أن يُستعمل إلا في الطيب لجودته وحسنه، وقد ذكر محمد بن أحمد ابن سعيد التميمي المقدسي في كتابه المترجم بجيب العروس من الكافور أصنافا كثيرة، منها الذي أوردناه.","part":3,"page":235},{"id":1236,"text":"وقال أبو علي بن سينا: طبعُ الكافور باردٌ يابسٌ في الثالثة، واستعمالهُ يسرع الشيب، ويمنع الأورام الحارة، وإذا خلط بالخل أو مع عصير البُسْر أو مع ماء الآسِ أو ماء الباذَرُوج منع الرعاف، ونفع الصداع الحار، وهو يقوي حواس المحرور، وهو يقطع الباه، ويولد حصى الكُلية والمثانة.\rالكَهْرَبا فالكهربا يسمى مصباح الروم. وقال عبد الله بن البيطار في مفرداته: من زعم أن الكهربا صمغ الحور الرومي فليس قوله بصحيح. والكهربا صنفان: منها ما يُجلب من بلاد الروم والمشرق، ومنها ما يوجد بالأندلس في غربيها عند السواحل البحر تحت الأرض، ويوجد في واحاتِ مصر. ويقال: إنه رطوبةٌ تقطر من الدوم من ورقهِ، شبيهةٌ بالعسل، يكون منها الكهربا، وقد يوجد في داخلها الذبابُ والتبنُ والحجارة. وأما من زعم أنه صمغُ الحور الرومي المعروفِ بالتوز، فيقول: إن صمغته ذهبية، تسيل في النهر الذي يسمى أمريدانوس، فتجمد فيه، فيكون منه الكهربا، ولهذا الشجر ثمرةٌ تسمي السدد والكهربا يجذب التبن إلى نفسه، ولذلك يسمى كاهْ رُبْا، أي سالبُ التبن، وأجوده الشمعي اللون.\rوقال ابن سينا: طبعُ الكهربا حار قليلا، يابسٌ في الثالثة، وهو قابضٌ وخصوصا للدم من أي موضع كان. قال، وقال بعضهم: إنه يُعلق على الأورام الحارة فينفع منها، وهو يحبس الرعاف، وإذا شُرب منه نصفُ مثقالٍ بماءٍ باردٍ نفع من الخفقان، ويمنع من نفث الدم جدا، وهو يحبس القيء، ويمنع المواد الرديئة عن المعدة، ومع المُصْطكا يقوي المعدة وهو يحبس نزف الرحم والمعقدة، وينفع من الزحير.\rعِلْكُ الأنباط فهو صمغ شجرة الفُسْتُق، يُستخرج منها كسائر الصموغ، وذلك أنهم يعقرون الشجرة في مواضع كثيرة، فيسيل من تلك العُقور فيجمع ويجفف في الشمس، ولونه أبيض كمدِ، وفي طمعه شيءٌ من مرارة.\rعِلكُ الروم فهو المُصْطَكَا - ويسمى مصطيجا - وأجوده ما كان له بريق، وكان أحمر مُشربا، وأبيض، والأصفر دونهما.\rوقال أبو علي بن سينا فيه: الطبعُ حار يابسٌ في الثالثة، وهو قابضٌ محلل، ودُهنُ شجرته ينفع من الجرب، حتى جرب الماشي والكلاب، ويُصب طبيخ ورقه وعصارته على القروح فتنبت اللحم، وكذلك على العظام المكسورة فتجبر، ومضغهُ يحلب البلغم من الرأس وينقيه، وكذلك المضمضةُ به تشد اللثة، وهو يقوي المعدة والكبد، ويفتق الشهوة، يطيب المعدة، ويحرك الجُشاء، ويذيب البلغم، وينفع من أورام المعدة والكبد في الوقت، ويقوي الكبد والأمعاء وينفع من أورامها، وطبيخُ أصله وقشره ينفع من دُوسنطاريا والسحج، وكذلك نفسُ ورقه، وينفع من نزف الدم من الرحم وجميع أوجاع الأرحام وسيلان رطوباتها الرديئة، ومن نتوء الرحم والمقعدة، وكذلك دهن شجرته. قال: ويُدِر.\rعلك البُطْم فهو صمغ شجرةِ الحبة الخضراء. ويؤتي به من بلاد المغرب وبلاد فلسطين وسورية وما جاورها. وقال ابن البيطار: العلك أنواع: أفضلها علك الروم، وبعده علك البطم، وبعده صمغُ اليَنْبُوت، وهو صمغ شجرِ قضمِ قريش، وهو الصنوبر الصغير، وبعده صمغ القُوفي، وهو الأرز. وقالوا: اليَنْبُوتُ هو الخُرْنُوب النبطي.\rالكَثِيراء فقال أبو حنيفة الدينوري: الكثيراء ممدود، وهكذا نطقتْ به العرب، وهو صمغُ القتاد. وهي شجرةٌ شَوِكةٌ تكون بأرض خُراسان، وهي أيضا توجد في الجبال المطلة على طرابلسِ الشأم، ورأيتها أنا تنبتُ بجبل الثلج، وهي جُمم، لا ترتفع عن الأرض أكثر من نصفِ ذراع، يكون فيها الكثيراء. وقال ابن سينا: طبع الكثيراء باردٌ إلى يبس، وفيه تجفيف.\rالكُنْدُر فهو اللبان. والكُنْدرُ كلمةٌ فارسية. وهو لا يكون إلا بالشِّحْر من اليمن، وشجرته لا ترتفع أكثر من ذراعين، ومنابتها الجبال، وورقُها مِثلُ ورِق الآس، وثمرتها مِثل ثمرته، لها مرارةٌ في الفم، وعِلْكُها يظهر في أماكن تقص بالفئوس.","part":3,"page":236},{"id":1237,"text":"وقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: أجود الكُنْدرُ الأبيض المدحرج، الدبقي الباطن، الذهبي المكسرِ، وطبعه حار في الثانية، مجففٌ في الأولى، وقشرهُ مجففٌ في حدود الثالثة. قال: وهو حابسٌ للدم، والاستكثار منه يحرق الدم، ودُخانه أشد تجفيفا وقبضا، وإذا خُلط الكُنْدُر في العسل ووضع على الداحس أذهبه، وقشوره جيدةٌ لآثار القروح، وينفع بالخل والزيت لطوخا من الوجع المسمى مرميقيا، وهو وجعٌ يعرض منه في البدن كالثآليل، مع شيءٍ كدبيب النمل، وإذا خلط بالخل والزفت ولطخ به في ابتداء حدوث الثآليل التي تسمي النملة ازالها، ويدخل في الضمادات المحللة لأورام الأحشاء، وهو مدملٌ جدا، وخصوصا للجراحات الطرية، ويمنع الخبيثة من الأنتشار، ويصلحُ للقروح الكائنة من الحرق، ويقطع نزف الدم الرعافي إذا خُلط بزفتٍ أو زيتٍ أو بلبن، ويدملُ القروح العين، وينضج الورم المزمن فيها، ودخانهُ ينفع من الورم الحار، ويقطع سيلان رطوبات العين، ويدمل القروح الريئة، وينفع من السرطان في العين، وإذا خُلط بَقْيُموليا ودُهن الورد نفع الأورام الحارة التي تعرض في ثدي النفساء، ويدخل في أدوية قصبة الرئة، وهو يحبس القيء، وينفع الهضم، ويحبس نزف الدم من الرحم والمعقدة، وينفع من دُوسنطاريا، ويمنع من انتشار القروح الخبيثة إذا اتخذت منه فتيلة، وينفع من الحميات البلغمية.\rالفرْبَيُون ويسمى اللبانة المغربية - فشجرته تشبه شجرة القنا في شكلها، وصمغها المفرط في الحدة، يحذره من يستخرجه لإفراط حِدته، فيعمدون إلى كُروش الغنم فيغسلونها ويشدونها على ساق الشجرة، ثم يطعنونها بعد ذلك بمزاريق، فينصب منها الكَرِش صمغٌ كثير، كأنه ينصب من إناء، ويخرج من شجره صنفان: منه ما هو صافٍ يشبه الأَنْزَرُوت، ومنه ما يشبه السكر، وأكثر ما يوجد شجرة ببلاد البربر، خصوصا بجبل درن، وهو عَساليجُ عريضٌ كالألواح، مثلُ عساليج الخس، بيض، لها شُعب، وهي مملوءةٌ لبنا، ولا ينبت حول شجره نباتٌ آخر. ومنه صنفٌ آخَرُ ينبت ببلاد السودان، وشجرته شوكةٌ كثيرةُ الأغصان، تنبسط على الأرض. ويقال إن ببلاد إفريقية شجرة صمغها الفَرْبَيُون، وإن الصمغ يسيل منها فيجمد، وبعضُ أهل البلد يشرط الشجرة، ويعلق على موضع الشرط ما تسيل فيه تلك الرطوبة، ولا يسمون الشجرة بأيديهم، ولا تلك الرطوبة، لأنها سم قاتل مُشيط، يحرق كل ما لامسه أو باشره من أبدان الناس. وقال الشيخ الرئيس: إن قوة الفَرْبَيُون لتغير بعد ثلاثِ أو أربع سنين، والعتيقُ منه يضرب إلى الشقرة والصفرة، ولا يُداف في الزيت إلا بصعوبة، والحديث خلاف ذلك. قال بعضهم: إنه إذا جعل في إناءٍ مع الباقلي المقشر انخفظت قوته. قال: وجيده الحديث الصافي الأصفر إلى الشقرة، الحاد الرائحة، الشديد الحرافة، وغير هذا فهو مغشوشٌ بالعَنْزَرُوت والصمغ، وهو جالٍ، وله قوةٌ لطيفةٌ محرقةٌ جلاءه، والحديث منه أشد إسخانا من الحِلتِيت، على أنه لا صمغ كالحِلتِيت في إسخانه، ويخلط ببعض الأشربة المعمولة بالأفاويه فينفع من عرق النسا، ويمرخ فيه الفالجُ، والخدر ينفع جدا، وإذا اكتحل به كان جاليا، ولكن يدوم لذعُه النهار كله، فلذلك يخلط بالعسل. قال: وينفع من برد الكلى، وينفع أصحاب القُولنج، والشربةُ منه مع بعض البزور وماء العسل ثلاثةُ أو بُولُوسات. وقال بعضهم: إنه يضم فم الرحم ضما شديدا حتى يمنع الأدوية المسقطة أن تسقط الجنين، ويسهل البلغم اللزج الناشب في الوركين والظهر والأمعاء فيما قالوا. قال، وقال بعضهم: إن من نهشه شيءٌ من الهوام فشق جلد رأسه وما يليه حتى يظهر القحف، ويجعل فيه من هذا الصمغ مسحوقا، ثم يخطيه، لم يصبه مكروه. قال: وثلاثة دراهم منه تقتل في ثلاثة أيام تقريحا للمعدة والمعي.\rالصبرِ","part":3,"page":237},{"id":1238,"text":"فهو من الصموغ، ووصفة شجرته فيما قيل: أن ورقها يشبه ورق الإسْقِيل، عليه رطوبةٌ تلصق باليد، وفي حرفي كل ورقةٍ شبهُ الشوك، قصيرٌ متفرق، وعِرقها واحد، وهذه الشجرة تنبت ببلاد الهند كثيرا، وفي بلاد المغرب. ويقال: إنها ثلاثة أصناف: الأُسْقُطْري، والعربي، والسَّمِنْجاني، ويقال أيضا: إن نباته كنبات الراسن الأخضر، غير أن ورق الصبر أطولُ وأعرض وأغلظ، وهو كثير الماء جدا، ويُلقي في المعاصر، ثم يدق بالخشب، ويداس بالأقدام حتى يسيل عصيرهُ، ويترك حتى يثخن، ثم يجعل في الجُرُب، ويشمس حتى يجف، وأجوده الأسقطري، وأُسقطري جزيرةٌ قريبةٌ من ساحل اليمن. وقال إسحاق أبن عمران: الصبر ثلاثةُ أصناف، فمنه الأحمر الأُسْقُطْرِي، ومنه الأسود الفارسي ومنه الأحمر الملمعُ بُصفرة، ويؤتي به من اليمن. وقال الشيخ الرئيس أبو علي بنُ سينا: أجود الصبر الأُسْقُطْرِي، وماءه كماء الزعفران، ورائحته كالمر، بصاص، منفرِك، نقي من الحصى، والعربي دونه في الصفرة والرزانة والبصيص، والسمنجاني رديء، منين الرائحة، قليل الصفرة، لا بصيص له، وإذا عتق الصبر أسود. قال: وطبعه حارٌ في الثانية يابسٌ فيها، وقيل حارٌ يابسٌ في الثالثة، وليس كذلك. وقوته قابضة مجفف منومة، والهندي كثير المنافع، مجففٌ بلا لذع، وفيه قبضٌ يسير، وهو بالعسل يدمل الداحس والمتقرح، وبالشراب إذا جعل على الشعر المتساقط منع تساقطه، وهو ينفع أورام الدبر والمذاكير، وخاصة أورام العضل التي على جانبي اللسان إذا كان بالشراب أو العسل، وهو صالحٌ للقروح العسرة والاندمال، وخصوصاً في الدبر والمذاكير والأنف والفم، وينفع من أوجاع المفاصل، وينقي الفضول الصفراوية التي في الرأس، وإذا طُلي به على الجبهة والأصداغ نفع من الصداع، وهو من الأدوية النافعة من مرض الأُذن. قال: وفي الطب القديم أن الصبر يُسهل السوداء، وينفع من الماليخُوليا، والصبر الفارسي يذكي العقل، ويحد الفؤاد. قال: والصبر ينفع من قروح العين وجربها وأوجاعها ومن حكة المآقي، ويجفف رطوبتها، وينقي الفضول الصفراوية والبلغمية التي في المعدة إذا شرب منه مِلعقتان بماءٍ باردٍ أو فاتر، ويُصلح الحُرقة والالتهاب الكائنين في اللهاة، وربما نفع أوجاع المعدة في يومٍ واحد، ويفتح سدد الكبد، لكنه يضر بالكبد، وهو يزيل اليرقان بإسهاله. قال: ودَرْخَمَي ونصف منه بماءٍ حار يسهل، وثلاث دَرْخَمَيات تنقي تنقيةً كاملة، والمعتدل دَرْخَمَيَان بماء العسل يسهل بلغماء وصفراء، وهو أصلح مسهلٍ للمعدة، والمعسولُ أضعفُ إسهالا لكنه أنفع للمعدة، وخلطه بالعسل ينقص قوته حتى يكاد لا يسهل. قال: وإذا شرب العرب منه كرب وأمغص وأسهل، ونقبتْ قوته إلى صِفاقات المعدة إلى يومٍ أو يومين، وسقي الصبر أيام البرد خطر، وربما أسهل دما، وقد جُعل بالشراب الحلو على البواسير النابته وشقاق المعقدة، ويقطع الدم السائل منها. قال: وبدله مثلاه حُضُض.\rالمرُ","part":3,"page":238},{"id":1239,"text":"فهو صمغ شجرةٍ تكون ببلاد المغرب شبيةٍ بالشجرة التي تسمى باليونانية: الشوكة المصرية، تشرط فتخرج منها هذه الصمغة، فتسيل على حصرٍ وبواري قد أعدت لذلك، ومنه ما يوجد على ساق الشجرة. وقال أبو علي بن سينا: أجود المر ما هو إلى البياض والحمرة، غير مختلط بخشب شجرته، طيب الرائحة، وطبعه: حار يابسٌ في الثانية، وهو مفتحُ محللٌ للرياح، وفيه قبضٌ وإلزاقٌ وتليين، ودخانه يصلح لما يصلح هو، ولكنه أشد تجفيفا، وهو يمنع التعفن، حتى أنه يمسك الميت ويحفظه من التغير والنتن، ويجفف الفضول، وإذا خلط بدهن الآس واللاذن أعان على تقوية الشعر وتكثيفه، ويجلوا أثار القروح وطيب نكهة الفم إذا أمسك فيه، ويزيل البخر، ويلطخ بالشراب والشب على الآباط فيزيل صنينها، ويلطخ بالعسل والسليخةِ على الثآليل،وهو نافعٌ من الأورام البلغمية، ويدمل الجروح والقروح، ويكسو العظام العارية، ويُستعمل بالخل على القوابي، ويبريء الجراحات المتعفنه، ورائحته مصدعةٌ للرأس، وإذا تمضمض به بشرابٍ وزيتٍ شد الأسنان جدا وقواها، ومنع من تأكلها، ويشد اللثة، ويذهب رطوبتها، ويجفف قروح الرأس، ويلطخ به المنخران للنوازل المزمنة فيحبسها، وقد يسقط بوزن دانقٍ منه فينقي الدماغ، وهو يجلو آثار القروح في العين، ويجلو البياض، وينفع من خشونة الأجفان، ويحلل المدة في العين بغير لذع، وربما حلل الماء في ابتداء نزوله إذا كان رقيقا، وهو جيدٌ للسعال المزمن الرطب، ومن الربو وأوجاع الجنب، ويصفي الصوت، ويجعل تحت اللسان ويبلع ماءه لخشونة الحلق، وينفع من استرخاء المعدة والنفخة فيها، ويدر الحيض، وخصوصا الاحتقان به بماء السذاب أو ماءِ الأَفْسَنْتِين أو ماء التُّرْمُس، ويخرج الأجنة والديدان، ويلين انضمام فم الرحم، ويسقي بالشراب لسع العقرب.\rالكَمْكَامُ فهو صمغ شجرة الضرو، ويقال: أنه ورقها، وقيل: لحاؤها، وهو يسيل لزجا أسود مثل القار، وشجرتهُ تُشبه شجرة البُطْم. وقيل: إنها تُشبه شجرة البلوط العظيمة، إلا أنها ألين وأنعم، وتثمر عناقيد مثل عناقيد البُطْم إلا أنها أكبر.\rالضِّجَاج فقال أبو حنيفة الدينوري: الضجاج، مثل شجرة اللبان يكون في جبل يقال له: \" قَهْوان \" من أرض عُمان، وهو صمغ أبيض تُغسل به الثيابُ فينقيها مثل الصابون، ولهذه الشجرة حبُّ مثل الآس، أسود، يلذع اللسان.\rالأُشَّق يقال فيه وُشق وأُشج - ولصاق الذهب، والكَلَخ، وهو صمغ الطُّرْثُوث، وهو نابتٌ ينبتُ تحت أصولِ الحُميض، وهو صنفان: حلوٌ يؤكل ولونه أحمر، ومر، ولونه أبيض. وقال الخليل: هو نباتٌ مستطيلٌ دقيقٌ يضرب إلى الحمرة. وقيل أنه صمغُ نباتٍ يشبه القنا في شوكه، ينبت في بلاد نينوى على مزاعم دِيْسقُورِيدُوس. وقال أبو علي بن سينا:هو حار في آخر الثانية، يابسٌ في الأولى، وتجفيفه وتحليله قوي، وفيه تليينٌ وجذبٌ للأورام والفضول، وإذا طُلي به أو ضمد نفع من الخنازير والصلابات والسلع، وهو نافعٌ للجراحات الرديئة، يأكل اللحم الخبيث، وينبت الجيد، وإذا سقي بالعسل أو بماء الشعير نفع أوجاع المفاصل، وإذا ضمد به بالعسل والزفت حلل تحجر المفاصل، وهو يلين خشونة الأجفان والجرب، ويجلو البياض، وينفع رطوبات العين، وينفع من الربو وعسر التنفس إذا لعق بعسلٍ أو بماء الشعير، وينفع من الخوانق التي من البلغم والمرةِ السوداء، وإذا طلي به نفع من الاستقساء، وهو يدر البول حتى يبول الدم، ويقتل الدود ويخرج الجنين حيا أو ميتا، وإذا لُطخ به الأنثيان بخل لين صلابتهما.\rتراب القيء ويسمى الكَنْكَرْزَد - فهو صمغُ الحرشف والحرشف يسمى خس الكلب، وهو ينبت على شطوط الأنهار وسواقي المياه وعليه شوكٌ مُتفشج.\rالقنة","part":3,"page":239},{"id":1240,"text":"فهو بالفارسية البارْزَد، وشجرهُ صنفان: صنفٌ زُبدي ضعيفُ الورق أبيض، والآخر كثيف ثقيل، وهو ثلاثة أنواع بري وعربي، وجبلي وأجوده العسلي الصافي اللون. وقال دِيْقُوريدُوس وهو صمغٌ نباتٍ يشبه القنا في شكله ينبت في بلاد سُورية، وأجوده ما كان شبيها بالكُنْدُر، وكان متقطعا، نقيا يدبق باليد، وهو يُغش بالأشق ودقيق الباقلاء. وقال أبو علي بن سينا: طبعه حار في الثانية، مجفف في الثالثة، وقوته ملينةٌ محلله، وهو مما يُفسد اللحم، وفيه تسخينٌ وإلهاب وجذب، ويقلع العدسيات، وينفع من الخنازير ويُطلي به على القروح اللبنية بالخل، وينفع من تشنج العضل، ومن الصداع، وإذا شمه المصروع انتعش، وينفع من وجع الضرس والسن المتأكلة في الحال، وينفع من الأوجاع الباردة في الأذن، ويحلل أورامها وأوجاعها بغير أذى إذا حُل في دُهن السوسن وفُتر وقُطر، وينفع من الربو والسعال المزمن، ويدر الطمث بقوة، ويُسقط الأجنة، وينفع من اختناق الرحم سقيا بالشراب، ويزيل عسر البول، وهو ترياقٌ للسم الذي تسقاه السهام إذا سقي بشراب، ولُسموم الحيات والعقارب، ودخانه يطرد الهوام، وبدله السٍّكْبِينَج.\rالحِلْتِيت - فهو صمغ شجرة الأَنْجُذان، وهو نوعان: أحدهما أبيض وهو المأكول، والآخر أسود، منتن الرائحة. وقال أبو حنيفة الدينوري: نبأته الرمل الذي بين بُست وبلاد القيقان، والحِلْتِيت صمغ يخرج من أصل ورقه بان يُشرط أصله وساقه. وقال أبو علي بن سينا: طبعهُ حارٌ في أول الرابعة، يابسٌ في الثانية، وهو يُكثرِ الرياح ويطردها بتحليله، وهو مع ذلك نفاخٌ مقطع، ويحلل الدم الجامد في الجوف، وينفع من داء الثعلب لطوخا بالخل والفلفل، وإذا استعمل في المأكولات حسن اللون، ويقلع التآليل المسمارية، وإذا جُعل على الأورام الخبيثة نفعها، وإذا شُرب بماء الرمان نفع من شَدْخ العضل، وينفع من أوجاع العصب مثل التمدد والفالج بأن يؤخذ منه، أو بُولُوس ويخلط بالشمع، ويُبلع أو يُشرب بالشراب مع فُلفُلٍ وسذاب، وإذا تُغُرغر به قلع العلق من الحلق وهو جيدٌ لابتداء الماء في العين كُحلاً بعسل،وإذا أُدِيفَ في الماء وتُجرع صفى الصوت، ونفع من خشونة الحلق المزمنة، وإن تُحُسى بالبيض نفع من السعال المزمن والشوصة الباردة، وإن استُعمل بالتين اليابس نفع من اليرقان، وهو مما يضر بالمعدة والكبد، وينفع من البواسير، ويقوي الباه، ويُدر البول، وينفع من المغص، ومن قُروح الأمعاء، ومن حُمى الربع، وإذا جُعل على عضة الكَلْب الكَلِب والهوام خصوصاً العقرب والرُّتَيلاءَ فإنه ينفع من جميع ذلك شُرباً وطلاء بالزيت، ويدفع ضرر السهام المسمومة وأما الأَنْزَرُوت فهو صمغ شجرةٍ شائكة، وفيه مرارة، ومنه أبيض وأحمر، ويكون بجبال فارس، وأجوده الشبيهُ باللبان. وقال ابن سينا: قال بعضهم: هو حارٌ في الثانية، يابسٌ في الأولى، وهو يسكن الأورام كلها ضماداً، ويأكل اللحم الميت، وينفع من الرمد والرمص، وهو يُسهل البلغم الغليظ.\rوأما السَّكْبِينَج:","part":3,"page":240},{"id":1241,"text":"فقال دِيسْقُورِيدُوس: هو صمغ نباتٍ يشبه القنا في شكله، ينبت في البلاد التي يقال لها: ماه ويسميه اليونان: سكافتيون. وقال ابن سينا: هو صمغُ شجرةٍ لا منفعة فيها، بل في صمغها.قال: وأجودُ نوعيه الأكثُف الأصفى، الذي يضرب داخلُه إلى الحُمرة، وخارجُه إلى البياض، وينحل في الماء سريعاً، وخيرُه الأصفهاني. قال:وطبعه حارٌ في الثالثة، يابسٌ في الثانية، وهو محللُ ملطف، مُفش مسخنٌ، جالٍ، وينفع من الفالج، ويسهل المادة التي في الوركين حُقنةً وشُرباً، وكذلك أوجاع المفاصل الباردة، ويحلل الصداع البارد والريحي، وينفع من الصرع، ومن ظُلمة العين كُحلا، ومن غلظ الأجفان ومن الآثار في العين، وهو أفضلُ الأدوية للماء النازل فيها، وإن سُحق بالخل وجُعل على الشعيرة أذهبها، وهو نافع من وجع الصدر والجنب، ومن السعال المزمنُ، يُسقى بماء السذاب المعصور ثلاثة أرباع درهمٍ لسوء النفس، وهو ينفي الصدر، ويخرج الأخلاط النيئة، وهو نافعٌ من الأستسقاء، ويخرج الماء الأصفر، وينفع من القُولنْج حُقْنةً وشُربا ومن المغص، ويُخرج الحصاة، ويزيد في الباه، وينفع من أوجاع الأرحام، وإذا شُرب أدر الطمث، وقتل الجنين، ويخرج الخلط للزج والماء الأصفر، وهو ينفع من الحميات الدائرة، وإذا سُقى في الشراب أفاد لسع الهوام، ومن جميع السموم القاتلة. وأما السادَوْرَان - فهو شيءٌ أسودُ شبيهٌ بالصمغ مثلُ حصى السبج يتكون في التجويفاتُ الكائنة في أصول أشجار الجوز الكبار العتيقة إذا تجوفت أصولُها، فإذا قُطعت الشجرةُ وجدَ في وسطها، ولونه محلولا إلى الصفرة، وله بصيصٌ إذا كُسر.\rدمُ الأخوين ويسمى القاطر - فقال أبو حنيفة الدينوري: هو صمغٌ أحمرُ يؤتى به من جزيرة سُقُطرى، ويسمى الأيداع، ودم التنين، ودم الثعبان. ويقال: إنه دموعُ شجرةٍ كبيرةٍ ببلاد الهند، معروفةٍ هناك.\rالَمْيعة فهي صنفان: سائلة، ويابسة، وكلاهما دسمٌ مر، ومنها صنفٌ هو صمغُ شجرةٍ تشبه شجرةَ السفرجل، أجوده ما كان لونه أشقر دسماً يميل إلى البياض، ومن هذا الصنف ما هو أسودُ هش كالنخالة، وهو رومي.\rوقال إسحاق بن عمران: شجرةُ الميعة شجرةٌ جليلة كشجرة التفاح، ولها ثمرةٌ بيضاءُ أكبرُ من الجوز تشبه عيون البقر الأبيض، يؤكل الظاهر منها، وفيه مرارة وثمرتُه التي داخل النوى دسمة، يُعتصر منها دهن هو الميعة اليابسة، ومنه تُستخرج الميعة السائلة.\rوقال أبن جريج: الميعةُ تسيل من شجرةٍ تكون في بلاد الروم تتحلب منها، ثم تؤخذ فتطبخ، وتعتصر أيضا من لحاء تلك الشجرة، فما عُصر فهو الميعةُ السائلة وما طبخ فهو الميعة اليابسة.\rوقال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في الميعة - وسماها لبني - قال: ويقال للسائلة: عسل اللبني والأَصْطُرَك، وهو دمعة شجرةٍ كالسفرجل. قال: وأجود أصناف الميعة السائل بنفسه، الشُّهْدي، الصمغي، الطيبُ الرائحة الضاربُ إلى الصفرة. قال: وطبعُ الميعة حارٌ في الأولى يابسٌ في الثانية، وله قوةٌ مُنضجة، ملينةٌ جدا، مسخنةٌ محللة، ودخانه شبيهٌ بدخان الكُنْدُور، وفيه تخديرٌ بالطبع، ودُهنه الذي يُتخذ بالشأم ملينٌ تليينا قويا، وينفع الصلابات في اللحم، ويُطلى به على البثور الرطبة واليابسة مع الأدهان، ويُطلى به على الجرب الرطب واليابس، وهو طِلاء جيدٌ عليه، وهو يقوي الأعضاء وينفع تشبك المفاصل جدا شُربا وطِلاء، ورطبه ويابسه يحبس النزلة تبخيرا، وهو غايةٌ للزكام، وفيه قوةٌ مسبته، ولا سيما في دُهنه، وينفع من السعال المزمن والبلغم ووجع الحلق ويصفي صوت الأبح مع تليين شديد، وهو يهضم، ويلين الطبيعة، ويُدر البول والطمث إدرارا صالحا شُربا واحتمالا، ويلين صلابة الرحم، واليابسة تعقلُ البطن، قال: وإذا شرب من الميعة السائلة مثقال مع مثله من صمغ اللوز أسهل بلغما من غير أذى. وبدلُ الميعة جُندَبادَسْتَر، ومثلاه من دُهن الياسمين.\rصمغُ قبعرين فقال دِيسْقُورِيدُوس: هو صمغُ شجرةٍ تكون ببلاد العرب، وفيه شبهٌ يسيرٌ من المر إلا أنه كريه المطعم زَهِم. وزعم قومٌ أنه السٍّنْدَرُوس. وقال آخرون: هو الُّلك. قال ابن البيطار: وليس كما زعموا.\rالمُقْل الأزرق","part":3,"page":241},{"id":1242,"text":"فيسمى كورا، ويُعرف بالمُقْل المكي، وبمقل اليهود، والمقل الهندي، وإن كان لا يوجد إلا بأرض العرب، ومنه صقلي، ومنه عربي، وهو صمغٌ يشبه الكُنْدُور، طيب الرائحة، وشجرته كشجرة اللبان، وأكثر نباته بأرض اليمن فيما بين الشحر وعُمان بجبل هناك، ولشجره ثمرُ يسمى ديميس إذا كان رطبا، فإذا يبس فهو الوَقْل، والذي يؤكل منه يسمى الحتيّ، وقال أبو الخير العشّاب: المُقل المكي هو صمغ الدوم، لأن الدوم هناك يدرك ويصمغ، وليس في سائر البلاد إلا بمكة لا غير.\rالصمغ العربي فهو صمغ القرظ، وهو الذي يُستعمل في المركب ولا يصلح بغيره، فإنه ينحل في الماء بسرعة من غير تعقيد، وما عداه من الصموغ التي تُجمع من أشجار الفواكه متى جُعل في المركب أفسده. ولهم أيضا صمغ السماق وصمغ السذاب، وصمغ الخطمي، ومن الصموغ التي جرت عليها التسمية بالعربي صمغ الإجاص، وصمغ الداميثا، وهو شجرٌ ببلاد فارس، وصمغ اللوز، وصمغ الزيتون البري والبستان، والبري يشبه السقَمُونِيا في لونه، ومنه ما هو أحمر، وصمغ السرو، ومن صموغ الراتينج وهو القُلْفُونِيا، ومنه ما هو أبيض، ومنه ما هو أسود وهو صمغ الصنوبر الذكر.\rالقَطْرِان فهو معدودٌ من الصموغ، وشجرته تسمى شَرْبِين، وهي شجرةٌ عظيمة، لها ثمرٌ يشبه ثمر السرو، غير أنه أصغر منه، والقطران دُهنٌ يخرج منه، فأجوده ما كان صافيا، كريه الرائحة. وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: \" سَرَابِيُلُهمْ مِنْ قَطِرَانٍ \" ، هو ما يحلب من شجرٍ يسمى الأَبْهَل فُيطبخ، فُتدهن به الإبل الجُرْب لحدته وحره، وهو أسود اللون، مُنْتِن الرائحة.\rوقال أبو علي بنُ سينا: القَطِرانُ حارٌ يابسٌ في الرابعة، وهو يقتل القمل والصئبان، وهو يقوي اللحم الرخو، وخصوصا دُهنه من الجرب، حتى جرب الحيوان من ذوات الأربع، وينفع من شَدْخ العضل واجتماع الدم والقيح فيها، وهو دواء لداء الفيل لعوقا ولطوخا. قال: وهو أعظم شيءٍ في تسكين الصداع البارد طِلاء للرأس ويُقطر في الأذن فيقتل دودها، ويُقطر فيها بماء الزوفا للطنين والدوي، وينفع الأسنان المتأكلة، وهو يحد البصر، ويجلو آثار القُروح في العين، ولعقُ أوقيةٍ ونصف منه ينفع لقروح الرئة، وينفع من السعال العتيق، ويقتل الدود في الأمعاء وخصوصا الاحتقان به، ويدر الطمث، ويقتل الجنين، ويُفسد المني إذا لظخ به، وإذا لُطخ به الذكر قبل االخماع منع الحبل وينفع من تقطير البول وضمد به على نهش الحيه ذات القرن ، وإذا أذيب في شحم الأُيَّل ومُسحتْ به الأعضاء لا تقربها الهوام.\rالزفت فيكون من شجر التنوب وغيره من ضروب الصنوبر، وهو قريبٌ من دُهن القِطران.\rالباب الرابع\rالأمنان\rويشتمل هذا الباب على العسل والشمع واللُّكِّ والقِرِمز والآذن والأَفْتيِمُون والقِنْبِيل والوَرْس والترنْجُبِين والشيرْخُشْك والمَنّ والكَشُوث وسُكّر العُشَر العسل والشمع فقد قال التميمي في المرشد: إن العسل من يسقط من الهواء بكل بلد وبكل إقليم من الأمصار المسكونة، وسقوطه على أنواع كثيرة من الأزهار والنوار والأوراق يلتقطه النحل الذي قد ألهمه الله جمعه وإلقاءه إياه في كواثره التي هو ساكنها، وهي أقرصةُ شهده، ويدخره لقوته عند حلول الشتاء عليه وانقطاعه من الطيران وعند حِصار الأمطار والثلوج له. ويدخره لُقوته عند حلول الشتاء عليه وانقطاعه عن الطيران وعند حصار الأمطار والثلوج له. وزعم كثيرٌ من الفلاسفة والأطباء أن الشمع الذي تتخذ منه النحلُ مساكنها، وتربي فيه فراخها، وتوعي فيه أعسالها، نوع من المن الساقط من الهواء، والله تعالى أعلم.\rالُّلكّ فيقال إنه يسقط على قُضبان الكروم في بلاد الهند فينعقد عليها. وزعم قومُ أنه صمغٌ يُلقط من قُضبان الكُروم، والله أعلم.\rوقال ابن سينا: إنه ينفع من الخفقان، ويقوي الكبد، وينفع من اليرقان والاستقساء.\rالقِرْمِز","part":3,"page":242},{"id":1243,"text":"فقد قال أبو الخير في كتاب النبات: القِرْمِزُ طل يقع في العام الكثير الرطوبات والأنداء على شجر البلوط والتنوب فينعقد على خشبه حب أبيضُ اللون مِثلُ حب الكِرسنة، فإذا انتهى ونضج وكان في قدر الحمص صار لونه أحمر قانئا براقا، فيجمع في شهر إبريل ومايه، فيجفف ويحزن لتصبغ به الثياب، ومن خاصيته أنه لا يصبغ به إلا ما كان من حيوان، كالحرير، والصوف، وإن هو لم يُجمع خرج منه دود صغار، ويصنع على نفسه نسجا مثل نسج العنكبوت، ويموت فيه.\rاللاذن فهو من يسقط بجزيرة قُبْرُس على شجره ترعاه الأغنام فإذا باكرت الرعي من الأشجار علق اللآذن بلحي التيوس وخراطيمها وأظلافها، فُيجمع منها بأمشاط معدة له. وأما ما يُجمع من الشجر فإنه يكون في خزائن الملوك لِطيب رائحته.\rوقال ابن سينا: أجوده الدِسم الرزين القُبْرُسي الطيب الرائحة، الذي هو إلى الصفرة ولا رملية فيه، وينحل كله في الدهن فلا يبقى منه ثُفْل، والاسود القاري غيرُ جيد، وطبعه حارٌ في آخر كله من الدُهن فلا يبقى منه ثُفْل، والاسود القاري غير جيد، وطبعه حار في آخر الأولى، يابسٌ في الثانية، والذي يكون في البلاد الجنوبية أسخن. قال: وقال الخوزي: إنه بارد قابض، وليس كذلك. قال: وهو لطيفٌ جدا، فيه يسيرُ قبض، منضج للرطوبات الغليظة اللزجة يحللها باعتدالٍ فيه، وفيه قوةٌ حادةٌ مسخنةٌ مفتحةٌ لأفواه العروق، ويدخل في تسكين الأوجاع، وهو ينبت الشعر ويكثفه ويكثره ويحفظه، خصوصا مع دهن الآس ومع الشراب، ويقطر منه مع دهن الورد في الأذن الوجعة، ويدخل في علاج الصداع والضربان وينفع من السعال، ويحلل أورام الرِحم محتملا، ويُخرج الجنين الميت والمشيمة تدخينا به، وإذا شُرب بشرابٍ عتيقٍ عقل البطن وأدر البول.\rالإفْتِيمُون فهو من يسقط من الهواء على صنفٍ من الصعاتر برياض جزيرة اقريطش وبرقة وفي جبال بيت المقدس.\rالقِنْبِيل فهو شبيه بالورس، ويسقط في اليمن مثل الرمل الأحمر وتُمازج حمرته صُفرةٌ ظاهرةٌ فيه. ويقال: إنه يوجد أيضا بُخراسان على وجه الأرض غِب المطر فيجمع.\rالوَرْس فهو من يسقط بأرض الصين والهند والحبشة وأرض اليمن على ورق شجرٍ يشاكل الباذَرُوج، فتجمع الشجرةُ بما عليها منه، وتُلقي في الشمس حتى تنشف، ثم تنقض على أنطاع الأدم فيسقط ورقها وعليه الورَسْ متعلقا به، ولونه أحمر، فإذا طُحن صار أصفر، وأجوده الهندي، ثم الحبشي، ثم اليماني.\rالتَّرَنْجُبِين فمعناه عسل الندي، وهو يسقط ببلاد خُراسان وما وراء النهر على العاقول، ويسمي الحاج، وقد يقع على سعف النخل ببلاد قَسْطِيِليِةَ، وعلى ورق الأَثْل. وورقِ الطرفاء.\rوقال ابن سينا: أجوده الطري الأبيض، وطبعهُ معتدلٌ إلى الحرارة، وهو ملين، صالحُ الجِلاء، وينفع من السعال، ويلين الصدر، ويسكن العطش، ويسهلِ الصفراء برفق، وإسهالهُ بخاصيةٍ فيه، والشربةُ عشرةُ مثاقيل إلى عشرين مثقالا.\rالشَّيْرخُشْك فقال ابن البيطار، قال علماؤنا الشِّيْرخُشْك طل يقع من السماء بهراة من بلاد خُراسان على شجر الخلاف، حلو إلى الاعتدال. وقال التميمي: أما كيفيته فإنه حب أبيض مثل حب التَّرَنْجُبِين. بل هو أكبر، وهو قريب من مِزاج الكافور وطعمه ورائحته، وإذا بقي في اليد انحل ودبق باليد.\rالمَنّ فهو يسقط على ورق البلوط والسَدْر والخوخ والمشمش مثل العسل، فما تخلص منه كان أبيض، وما لم يتخلص وجمع بورقه كان أخضر وسقوطه يكون بجبال ربيعة ومُصر وجبال الشأم إلى نحو دِمشق والساحل.\rالكَشُوث فقال التميمي: الكشُوث يسقط بأرض العراق على شجرٍ يشاكل الباذَرُوج، وهو مركبٌ من قُوى مختلفة من مرارة وعُفوصة: وقال ابن سينا: طبعه حارٌ قليلا في أول الأولى يابسٌ في آخر الثانية، وهو منق يُخرج الفضول اللطيفة من العروق وينقيها، وهو يقوي المعدة، وخصوصا المقلي منه، وإذا شُرب بالخل سكن الفؤاق، وهو يفتح سدد الكبد والمعدة ويقويهما، وماؤه عجيبٌ لليرقان، وهو ينقي الأوساخ عن بطن الجنين، ويدر البول والطمث، وينقي سيلان الرِحم، وبزره وماؤه ينفع من الحُميات العتيقة جدا سكر العُشَر","part":3,"page":243},{"id":1244,"text":"فقال التميمي: هو طل يسقط على شجر العُشر بأرض اليمن والحجاز، فإن أصابه الهواء جمد. وقال أبو حنيفة الدينوري: العُشر ضربٌ من العِضاه، ينبت صُعُدا، عريض الورق، وله سكر يخرج من فصوص شعبه، والله أعلم بالصواب.\rالقسم الخامس من الفن الربع\rأصناف الطيب والبخورات\rوالغوالي والندود والمستقطرات والأدهان والنضوحات وأدوية الباه والخواص\rوفيه أحد عشر باباً\rالباب الأول\rالمسك وأنواعه","part":3,"page":244},{"id":1245,"text":"قال محمد بن أحمد بن الخليل بن سعيد التميمي المقدسي في كتابه المترجم \" بجيب العروس وريحان النفوس \" : المسك أصناف كثيرة، وأجناس مختلفة؛ فأرفعها وأفضلهاالتبتي، ويؤتى به من موضع يقال له: \" ذو سمت \" ، بينه وبين \" التبت \" مسيرة شهرين، فيصار به إلى \" التبت \" ، ثم يحمل إلى خراسان. قال: وأصل المسك من بهيمة ذات أربع، أشبه شيء بالظبي الصغير. وقد ذكرنا غزال المسك في \" الباب الثالث من القسم الثاني من الفن الثالث \" ، وهو في السفر التاسع من هذه النسخة فلا فائدة في إعادته. وقد ذكروا في صفة تحصيل المسك من هذا الحيوان أقوالا نحن نذكرها؛ فزعم قوم أن الغزلان تذبح وتؤخذ سررها بما عليها من الشعر ويكون فيها دم عبيط، وربما كانت السرة كثيرة الدم، وربما كانت كبيرة واسعة قليلة الدم، فيجمع فيها دم عدة سرر، ويصب فيها الرصاص وهو ذائب وتخيط بالخوص، وتعلق في حلق مستراح مدة أربعين يوما، ثم تخرج وتعلق في موضع آخر حتى يتكامل جفافها، وتشيد رائحتها، ثم تصير النوافج في مزاود صغار، وتخيط، وتحمل من التبت إلى خراسان. قال: وقال أحمد بن أبي يعقوب مولى بني العباس: ذكر لي جماعة من العلماء بمعدن المسك أن معادنه بأرض \" التبت \" وغيرها معروفة، قد ابتنى الجلابون فيها بناءً يشبه المنار في طول عظم الذراع، فتأتى هذه البهيمة التي من سررها يتكون المسك فتحك سررها بتلك المنار، فتسقط السرر هنالك، فيأتي إليه الجلابون في وقت من السنة قد عرفوه، فيلتقطون ذلك مباحاً لهم، فإذا وردوا به إلى \" التبت \" عشر عليهم وقال قوم: إن هذه الدابة خلقها الله تعالى معدنا للمسك، فهي تثمره في كل سنة وهو فضل دموي يجتمع من جسمها إلى سررها في كل عام في وقت معلوم، بمنزلة المواد التي تنصب إلى الأعضاء، فإذا حصل في سررها ورم وعظم، مرضت له وتألمت حتى يتكامل، فإذا بلغ وتناهى حكته بأظلافها، فيسقط في تلك المفاوز والبراري، فيخرج اليه الجلابون فيأخذونه. قال: وهذا أصح ما قيل في باب المسك. قال: ويشهد بصحة ذلك ويوافقه ما حكاه محمد بن العباس المسكي في كتابه: أن تجار المسك من أهل الصغد يذكرون أن المسك سرة دابة في صورة ضخامة الظبي، لها قرن واحد في وسط رأسها. قال: ومن قرنها وعظم جبهتها تتخذ النصت المعروفة بنصب \" الختو \" . قال: وذكروا أنها تهيج في وقت معلوم من السنة، فترم مواضع سررها، ويجتمع إليها دم غليظ أسود يفيض إليها من سائر أجسادها، وأنه يشتد وجعها، فتأتي مواضع فيها تراب لين كهيئة المراغة في تلك البراري، بين المراغة منها وبين الأخرى مسافة ليست بالقريبة وتلك الظبي لا ننزع سررها في غير تلك المراغات، قد ألفت المعك فيها، والتمرغ في تربها، واعتادته على ممر السنين، فإذا نالها ذلك أمسكت عن الرعي وعن ورود المياه، ولاتزال تتقلب فيه حتى تسقط تلك السررعنها، وهي دم عبيط. قال: وربما سقطت قرونها أيضاً كما يفصل الإيل قرنه في كل سنة. قال: وربما اجتمع في المراغة الواحدة مائتان من تلك الظباء، فإذا ألفت تلك السرر خرج شباب أهل الصغد وأهل التبت في وقت الإمكان إلى تلك المفاوز التي فيها تلك المراغات فيتفرقون في طلب النوافج، فربما وجدوا في المراغة ألوفا من تلك السرر: من بين رطب وجامد ويابس. قال: وإذا سقطت السرة عن الظبي كان في ذلك إفاقته وصحته فيثبت حينئذ في الرعي وورود الماء. وقال محمد بن العباس: أجود المسك الصغدي، وهو ما استراه تجار خراسان من التبت وحملوه على الظهر إلى خراسان ثم يحمل من خراسان إلى الآفاق؛ ثم يتلوه في الجودة المسك الهندي، وهو ما وقع من التبت إلى أرض الهند، ثم حمل إلى الديبل، ثم حمل في البحر إلى سيراف وعدن وعمان، وغيرها من النواحي، وهو دون الصغعدي، ويتلو الهندي المسك الصيني وهو دونه، لطول مكثه في البحر، وما يلحقه من عفونة هوائه، ولعلة أخرى وهي اختلاف المرعى في الأصل. قال: وأفضل المسك ما كان مرعى غزلانه حشيشا يقال له: الكد همس، ينبت بالتبت وقشمير، أو بأحداهما. وذكر أحمد بن أبي يعقوب أن اسم هذه الحشيشة الكندهسة، قال: وأفضل ما يرعى هذا الحيوان بعد هذه الحشيشة السنبل الهندي، يريد سنبل الطيب، فإنه ينبت بأرض الهند وبأرض التبت كثيرا، وما كان يرعى السنبل فإن المسك المتكون منه يكون وسطاً دون الصنف الأول. قال: وأدنى المسك ما كان مرعى حيوانه حشيشة يسمى أصلها: المرو؛","part":3,"page":245},{"id":1246,"text":"ورائحه تلك الحشيشة كرائحة المسك، إلا أن المسك أقوى وأذكى رائحة، قال محمد بن أحمد بن العباس المسكى: وقد ذكر بعض العرب أن دابة المسك ترعى شجر الكافور، واستدل على ذلك بقول الشاعر العكلي:ه تلك الحشيشة كرائحة المسك، إلا أن المسك أقوى وأذكى رائحة، قال محمد بن أحمد بن العباس المسكى: وقد ذكر بعض العرب أن دابة المسك ترعى شجر الكافور، واستدل على ذلك بقول الشاعر العكلي:\rتكسو المفارق واللبات ذا أرج ... من قصب معتلف الكافور دراج\rوالقصب: المعى؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: \" رأيت عمرو بن لحى يجر قصبه في النار \" . وقال محمد بن أحمد: هذا رأي بدوي وليس برأي عالم يعتمد على نقله. وفال الحسين بن يزيد السيرافي - وهو من أهل الخبرة ببر الصين وبحرها، وماسلكها وممالكها: إن الأرض التي بها ظباء امسك الصيني والتبتي أرض واحدة لا فرق بينهما، وأهل الصين بجمعون من المسك قرب منهم وكذلك أهل التبت. قال: وإنما فضل المسك التبتي على المسك على المسك الصيني لأمرين: أحدهما أن ظباء المسك التي في حدود التبت ترعى سنبل الطيب، وما يلي منها أرض الصين ترتعي سائر الحشائش؛ والثاني أن أهل التبت يتركون النوافج بحالها؛ وأهل الصين ربما يغشون فيها، ولسلوكهم بها في البحر وما يلحقها من الأنداء؛ فأما إذا ترك أهل الصين المسك في نوافجه من غير غش، وأحرز في البراني، وحمل إلى أرض العرب، فلا فرق بينه وبين التبتي في الجودة. قال وأجود المسك كله ما حكته الظباء على أحجار الجبال، وذلك أن المادة الغليظة الدموية إذا انصبت إلى سرر الظباء اجتمعت فيها كاجتماع الدم فيما يعرض من الدماميل، فإذا أدرك وأضجر الظباء، حكت السرربالحجارة بحدة وحرقة فيسيل ما في السرر على أطراف الحجارة؛ فإذا خرج عنها جفت السرر واندملت و عادت المادة فآجتمعت فيها، فيخرج أهل التبت في طلب هذا الدم السائل ولهم به معرفة، فيلتقطونه و يجعلونه في النوافج، ويحملونه إلى ملوك خراسان، وهو نهاية المسك جودة وفضلا، إذ هو مما أدرك على حيوانه، فصار فصله على غيره من المسك كفضل مايدرك من الثمار على أشجاره على ما يقطف قبل بلوغه وإدراكه. قال: وغير هذا من المسك فإنما تصاد ظباؤه بتلسرك وبالسهام، وربما قطعت النوافج عن الظباء قبل إدراك المسك فيها، قال: على أن إذا قطع عن ظبائه كان كريه الرائحة مدة طويلة إلى أن يجف على طول الأيام، فيستحيل مسكا. قال: وظباء المسك كسائر الظباء المعروفة في القدر واللون ودقة القوائم، وافتراق الأظلاف، وانتصاب القرون وانعطافها،نور غير أن لكل واحد منها نابين رقيقين أبيضين، خارجين من فيه في فكه الأسفل، قائمين في وجه الظبي كنابي الخنزير، في طول الفتر أو دونه، على هيئة ناب الفيل.","part":3,"page":246},{"id":1247,"text":"وقال أحمد بن أبي يعقوب: أفضل المسك التبتي، ثم بعده المسك الصغدي، وبعد الصغدي المسك الصيني، وأفضل الصيني ما يؤتى به من خانقو، وهي المدينة العظمى التي هي مرفأ الصين التي ترسى بها مراكب تجار المسلمين، ثم يحمل في البحر الى الزقاق، فإذا قرب من بلد الأبلة ارتفعت رائحته، فلا يمكن التجار أن يستروه من العشارين، فإذا خرج من المركب جادت رائحته، وذهبت عنه رائحة البحر \" ثم المسك الهندي، وهو ما يقع من التبت الى الهند، ثم يحمل إلى الديبل، ثم يجهز في البحر \" ، وهو دون الأول؛ وبعد الهندي من المسك القنبارى، وهو مسك جيد، إلا انه دون التبتى في القيمة والجوهر واللون والرائحة، يؤتى به من بلد يقال له: قنبار بين الصين والتبت وربما غالطوا به فنسبوه الى التبت، قال: ويتلوه في الجودة المسك الطغزغزى، وهو مسك رزين يضرب الى السواد، يؤتى به من أرض الترك الطغزغز تجلبه التجار فيغالطون به، إلا أنه ليس له جوهر ولا لون، وهو بطىء السحق لايسلم من الخشونة، ويتلوه في الجودة المسك القصارى، يؤتى به من بلد يقال لها قصار، بين الهند والصين، قال:وقد يلحق بالصيني، إلا أنه دونه في القيمة قال: والمسك الجرجيري، وهو مسك يشاكل التبتي ويشبه وهو أصفر حسن، زعر الرائحة. وبعده المسك العصماري، وهو أضعف أنواع المسك كلها، وأدناها قيمة، يخرج من النافجة التي زنتها أوقية زنة درهم واحد من المسك. ثم المسك الجبلي، وهو مايؤتى به من ناحية أرض السند من أرض المولتان، وهو كبير النوافج، حسن اللون، إلا أنه ضعيف الرائحة، وقال: أجود المسك في الرائحة والمنظر ماكان تفاحيا، تشبه رائحته رائحة التفاح اللبناني، وكان لونه تغلب عليه الصفرة وكان بين الجلال والدقاق وسطا، ثم الذي يليه وهو أشد سواداً منه، إلا أنه يقاربه في الرائحة والمنظر، وليس مثله، ثم الذي هو أشد سواداً، وهو أدناه قدرا وقيمة، وقال: بلغني أن العلماء بالمسك من تجار أهل الهند يذكرون أن المسك ثلاثة أنواع، لايخرجونه عن ذلك، فالنوع الأول - وهو أفضله وأجوده - المسك الأصلي الخلقة المعروف، ونوعان آخران متخذان: أحدهما يتخذ من أخلاط يابسة تكون عندهم من نبات أرضهم، وليس فيه من المسك الأصلي شيء، وهم يأمرون باستعماله وابتياعه من مواضع أصوله، ومايليها من البلاد ومن الذين يعرفونه، وهو أهل التبت، والآخر يتخذونه وينهون عنه وعن ابتياعه والمتجر فيه، وذلك أنه يتغير ويفسد إذا اقام قال: ونوع آخر، وهو مسك يجلب من قشمير الداخلة وماحولها، وليس بجيد، وهو يقارب المسك المصنوع المنهى عنه، ويكون هو أيضا متخذاً وغير متخذة وهو على نصف القيمة من المسك الجيد، قال: والمسك في طبعه حاد لطيف غواص، جيد لوجع الفؤادة مقو للقلب، قاطع للدم إذا ضمد به الجرح، ويدخل في أكحال العين وفي كثير من المعاجين الكبار، وإذا جعل بدلاً من الجندبيرستر فإنه أقرب الأشياء إليه في طبعه وفعله، وقال محمد بن أحمد: فأما المسك المنسوب الى دارين، فهو من نوع المسك الهندي، تجلبه التجار الى دارين: جزيرى بالبحرين ترفأ إليها سفن تجار الهند، ويحمل منها إلى المواضع، وليست دارين بمعدن للمسك.\r؟؟؟الباب الثاني في العنبر وأنواعه ومعادنه","part":3,"page":247},{"id":1248,"text":"قال محمد بن أحمد التميمي: حدثني أبي عن أبيه عن أحمد بن أبي يعقوب أنه قال: العنبر أنواع كثيرة، واصناف مختلفة، ومعادنه متباينة، وهو يتفاضل بمعادنه وبجوهره، فأجواد أنواعه وأرفعه وأفضله وأحسنه لونا وأصفاه جوهرا وأعلاه قيمة، العنبر الشحري، وهو ماقذفه بحر الهند الى ساحل الشحر من أرض اليمن، وزعموا أنه يخرج من البحر في خلقة البعير أو الصحرة الكبيرة. قال التميمي: والأصل الصحيح فيه أنه ينبع من صخور في قرار الأرض ومن عيون، ويجتمع في قرار البحر، فإذا تكاث وثقل جذبته طبيعة الدهانة، التي فيه، واضطرته الى الانقطاع من المواضع التي يتعلق بها عند خروجه من الأرض، وطلعت إلى وجه الماء، فطفا على وجه الماء وهو جار ذائب؛ ومنه. ما تقطعه الأمواج فتخرجه الى السواحل قطعا كباراً وصغاراً. قال: وحدثني أبي عن أبيه عن أحمد بن أبي يعقوب قال: تقطعه الريح وشدة الموج فترمي به الى السواحل وهو يفوره لايدنو منه شيء لشدة حره وفورانه فإذا أقام أياما وضربه الهواء جمد، فيجمعه الناس من السواحل المتصلة بمعادنه، قال: وربما أتت السمكة العظيمة التي يقال لها: . \" البال \" فابتلعت من ذلك العنبر الصافي وهو يفور، فلايستقر في جوفها حتى تموت وتطفو، ويطرحها البحر الى الساحل، فيشق جوفها، ويستخرج مافيه من العنبر، وهو العنبر السمكي ويسمى أيضا: المبلوع، قال: وربما طرح البحر قطعة العنبر فيبصرها طير أسود شبيه بالخطاف، فيأتي اليها ويرفرف بجناحيه، فإذا دنا منها وسقط عليها تعلقت مخاليبه ومنقاره فيها فيموت ويبلى، ويبقى منقاره ومخاليبه في العنبر، وهو العنبر المناقيري. قال التميمي: وزعم الحسين بن يزيد السيرافي أن الذي يقع من العنبر الى سواحل الشحر شيء تقذفه الأمواج إليها من بحر الهند، وأن أجوده وأفضله مايقع الى بحر البربر وحدود بلاد الزنج وما والاها، وهو الأبيض المدور، والأزرق النادر. قال: ولأهل هذه النواحي نجبٌ يركبونها مؤدبة يركبون عليها في ليالي القمر على سواحلهم، وهذه النجب تعرف العنبر، وربما نام الراكب عليها أو غفل، فإذا رأى النجيب العنبر على الساحل برك بصاحبه، فينزل ويأخذه. قال: ومنه مايوجد فوق البحر طافيا في عظم الثور، قال: وبعد العنبر الشحري العنبر الزنجي، وهو الذي يؤتى به من بلاد الزنج الى عدن، وهو عنبر أبيض، وبعده العنبر الشلاهطين وهو يتفاضلن وأجود الشلاهطى الازرق الدسم الكثير الدهن، وهو الذي يستعمل في الغوالي، وبعد الشلاهطي العنبر القاقلين وهو أشهب جيد الريح، حسن المنظر، خفيف، وفيه يبس يسير، وهو دون الشلاهطي لايصلح للغوالي ولا للتغليى والتطهير إلا عن ضرورة، وهو صالح للذرائر والمكلسات، ويؤتى بهذا العنبر من بحر قاقلة إلى عدن، وبعد القاقلي العنبر الهندي، يؤتى به من سواحل الهند الداخلة، فيحمل الى البصرة وغيرها، وبعد الزنجي، يؤتى به من ساحل الزنج، وهو شبيه بالهندي ويقاربه، هكذا ذكر التميمي في \" جيب العروس \" ، فإنه يجعل الزنجي بعد الشحري وذكر الزنجي أيضا بعد الهندي، قال: وعنبر يؤتى به من الهند يسمى الكرك بالوس وينسب الى قوم من الهند يجلبونه، يعرفون بالكرك بالوس، يأتون به إلى قرب عمان، يشتريه منهم أصحاب المراكب، قال: وأما العنبر المغربي، فإنه دون هذه الأنواع كلها، يؤتى به من بحر الاندلس، فتحمله التجار الى مصر، وهو شبيه في لونه بالعنبر الشحري، وقد يغالط به فيه، قال التميمي: وأفضل العنبر وأجوده ماجمع قوى رائحة وذكاء بغير زعارة. وقال أحمد بن أبي يعقوب: قال لي جماعة من أهل العلم بالعنبر: إنه بجبال ثابتة في قرار البحر، مختلفة الألوان، تقتلعه الرياح وشدة اضطراب البحر في الاشتية الشديدة، فلذلك لايكاد يخرج في الصيف. قال: وألوان العنبر مختلفة، منها الابيض، وهو الأشهب، ومنها الأزرق، والرمادي، والجراري، وهو الأبراش؛ والصفائح، وهو الأصفر والأحمر، وهما أدنى العنبر قدرا؛ \" والله أعلم \" .","part":3,"page":248},{"id":1249,"text":"ومن العنبر صنف يسمى المند، ويوجد على سواحل من البحر، قال التميمي: أخبرني جماعة من أهل المعرفة بالعطر وأصنافه وأنسابه أن دابة تخرج من البحر فترمى به من دبرها، وأن تلك الدابة في صورة البقر الوحشي، فيؤخذ وهو لين يمتد، فما كان منه عذب الرائحة حسن الجوهر، فهو أفضله وأجوده. والمند أصنافه، أجودها الشحرى وهو أسود، فيه صفرة تخضب اليد إذا لمس؛ ورائحتة كرائحة العنبر اليابس، إلا أنه لا بقاء له على النار؛ ويستعمل في الغوالي إذا عز العنبر الشلاهطي؛ ومن المند الزنجي، وهو نظير الشحري في المنظر، ودونه في الرائحة؛ وهو أسود بغير صفرة؛ ومنه الخمري، وهو يخضب اليد وأصول الشعر خضابا جيدا، ولا ينفع في الطيب؛ ومنه السمكي، وهو المبلوغ كما قدمنا ذكره وهو في لونه شبيه بالقارة وهو ردئ في الطيب، للسهوكة التي يكتسبها من السمك. وقال التميمي: طبع العنبر حار، وفيه شئ من يبس؛ وهو مقو للقلب، مذك للحواس محلل للرطوبات، نافع للشيوخ؛ وقد تضمد به المفاصل النصب اليها الرطوبات فتنتفع به نفعا جيدا، ويقويها؛ ويستعمل في الجوارشنات وكبار المعاجين وفي المعاجين القوية للمعدة والقلب؛ ويسعط به فيحلل علل الدماغ. قال: وفد تصطنع منه شمامات فيشمها من بهم اللقوة و الفالج، فينتفعون بروائحها.\rالباب الثالث\rالعود وأنواعه\rومعادنه وأصنافه قال محمد بن أحمد التميمي: أخبرني أبي عن أبيه من جماعة من أهل العلم والمعرفة بالعود أنه شجر عظام بمواضع من أرض الهند؛ وهي معادن له، وأن منه ما يجلب من أرض قشمير الداخلة، ومن أرض سرنديب ومن قمار وما اتصل بتلك النواحي؛ وذكرواأنه لا تصير له رائحة إلا بعد أن يعتق وينجر ويقشر، فإذا نفى عنه قشره وجفف حمل إلى كل ناحية. قال وأخبرني بعض العلماء به أنه يكون من قلب الشجر، وأنه ليس كل ما في الشجرة عودا، وأنه بمنزلة قلب شجرة الآبنوس والعناب والزيتون والأنواع التي داخلها من جوهر الخشب فيه دهانة، وما في خارجها خشب أبيض لا دهانة فيه، وربما كان فية كمثل الطرائق والشامات في الشجرة فيقطع، ويقشر البياض منه، ويدفن في التراب، فيقيم سنين حتى يأكل التراب ما عليه وما في داخله من الخشب، ويبقى العود، ولا يعمل التراب فيه. وإلى نحو هذا القول ذهب محمد بن العباس. وقال محمد بن العباس أيضاً: وأخبرهي جماعة من أهل الأبلة أن العود المعروف بالهندي يكون في أودية بين جبال شواهق متوعرة، لا وصول لأحد اليها لصعوبة المسلك، وأن العود يكون في غياض بتلك الأودية، فيتكسر بعض ذلك الشجر على طول الأيام، وتتعفن منه أصول بعض الشجر من الأمطار والسيول، فيأكمل التراب والماء والهواء من فيه من الخشب، ويبقى صميم العود وخلاصه وجوهره، فإذا كثرت الأمطار وجرت السيول أخرجته من تلك الأودية إلى البحر، فتقذفه الأمواج إلى الساحل فيجمعه الناس ويلتقطونه وينقلونه الى الجهات. وقد حكى بعض من تردد إلى بلاد الهند من التجار قال: لم أر شجر العود، ولا رأيت من رآ ه؛ قيل له: وكيف لم تره وقد ترددت الى بلاد الهند، ومنها يجلب؟ قال: لأن التجار الذين يجلبونه إلى الهند اذا قدموا بمراكبهم إلى المواني بالهند يقفون بالمراسي بحيث يرى من المواني مراكبهم، ولايرون من فيها، فإذا شاهدوهاأخلوا الفرضة والمينا من عشية، ولا يظهر منهم أحد بها، فيأتي أصحاب تلك المراكب إلى المينا وينقلون جميع ما معهم الى الفرضة، ويفرد كل تاجر منهم بضاعته، ويتركونها ويخرجون فيقفون على مراسيهم ويصبح أهل المدينة فيأتون الى تلك البضائع، ويجعلون الى جانب كل بضاعة بضاعة نظيرها، ويتركونها، ويخلون الفرضة، فيعود التجار وينظرون الى ما جعل لهم بدل بضائعهم، فمن رضى بالعوض أخذه وترك بضاعته من لم يرض به تركهما جميعاً ؛ ويصبح أهل المدينة فيأتون إلى تلك البضائع فما وجدوه منها قد أخذ عوضه علموا أن صاحبه رضي بالبيع، وما وجدوه باق هو وعوضه علموا أن صاحب البضاعة لم يرض بالعوض، فيزاد حتى يرضى؛ فهذا دأبهم مع الذين يجلبون العود، وليس فيهم من رآ هم، وحكى الحاكي، أنه حكى أن بعض أهل المدينة كمن لهم في مكان يراهم منه ولا يرونه، فرأى وجوههم وجوه كلاب، وبقية أجسامهم أجسام الآدميين.","part":3,"page":249},{"id":1250,"text":"وأما أنواع العود ومعادنه وأصنافه - فهو أنواع كثيرة، وأصناف متباينة؛ فأفضلة وأجله وأنفسه المندلي، وهو الهندي؛ وإنما سمي المندلى نسبة الى معدنه. \" والمندلى هو الهندي \" . قالوا: وهو يجلب من ثلاثة مواضع من أرض الهند، فأفضل ذلك القامروني، وهو ما جلب من القامرون؛ والقامرون: مكان مرتفع من الهند. وقيل: بل هو منسوب إلى نوع من شجر العود يسمى القامرون وهو أغلى الغود ثمناً، وأرفعه قدراً، قال: وهو قليل لا يكاد أن يجلب إلا في بعض الحين؛ وهو عود رطب جداً، شديد سواد اللون، رزين، كثير الماء. وقال الحسين بن يزيد السيرافي في \" أخبار الهند \" : إن الصنم المعروف بالمولتان - وهو بقرب المنصورة - يقصده الرجل من مسيرة ثلاثة أشهر يحمل على ظهره أفخر العود الهندي والقامروني. قال: وقامرون: بلد يكون فيه فاخر العود، ويتجشم الهندي المشقة في حمله حتى يأتى به إلى هذا الصنم فيدفعه إلى السدنة ليبخروا به الصنم، وإ ن هذا العود القامروني فيه ما قيمة المن منه مائتا ويثار؛ وإنه ربما ختم عليه فانطبع وقبل الختم للينه. قال: والتجار يبتاعونه من هؤلاء السدنة؛ ولما غلب المسلمون على المولتان قلعوا هذا الصنم وكسروه، فأصابوا تحته من هذا العود، فأخذوه.","part":3,"page":250},{"id":1251,"text":"والصنف الثاني من الهندي، السمندوري، ويجلب من بلاد سمندور، وهي بلد سفالة الهند؛ والسمندوري يتفاضل، فأجوده الأزرق، الكثير الماء، الصلب الرزين، الذي يصبرعلى النار؛ ومن الناس من يفضل الأسود على الأزرق، ومنهم من يفضل الأزرق على الأسود؛ وتكون القطعة الضخمة منه منا واحدا، ويسمى لطيت رائحته ريحان العود؛ وأفضل العود بعد السمندوري \" العود \" القماري ويؤتى به من قمار، وهي أرض سفالة الهند؛ وهو أيضاً يتفاضل؛ وأجوده الأسود والأزرق، الكثير الماء، الرزين الصلب، الذي لا بياض فيه، ويبقى على النار ويكون في القطعة منه نصف رطل إلى ما دون ذلك. قال أحمدبن أبي يعقوب: وله سن نضيج جيد، كثير الماء. قال: ولا يجتمع في صنف من أصناف العود ما يجتمع في العود الهندي من الحلاوة والمرارة والخمرة والبقاء والصبر على النار وحكى محمد بن العباس المسكى في كتابه في سبب تفضيل العود الهندي وتقديمه على غيره، واستعمال الخلفاء له، فقال: العود الهندي أرفع أجناس العود وأفضلها وأجودها، وأبقاها على النار، وأعبقها بالثياب. قال: ولم تكن التجار تجلبه في الجاهلية ولا ما بعدها، إلى آخر أيام بني أمية، ولا ترغب في حمله، لأجل المرارة التي في رائحته؛ وإنما كانت الأكاسرة تتبخر بالمندلي والقماري والسمندوري والصنفي بشدة حلاوة روائحها. وزعم أن تلك الحلاوة تولد القمل في الثياب. قال: ولم يكن الهندي يعرف في هذه الأمصار، ولا كانت التجار تجلبه مع معرفتها بفضله فلما كان في آخر أيام الدولة الأموية عند ما كثر الاختلاف بينهم، وقلت الأموال في أيديهم، شرعوا في مصادرات الرعايا، وأخذوا الأموال من عير وجوهها وتعرضوا إلى أموال الأوقاف والأيتام، فتعرض ولاة خراسان لبرمك ولولده وطالبوهما بالأموال، وكان تحت يد برمك أوقاف جليلة، فهرب هو وولده من أعمال خراسان الى بلاد الهند، فأقاموا بها إلى أن ظهرت الدولة العباسية، فرأى الحسين بن برمك طيبة العود الهندي وزهد التجار فيه، فاستجاده، واشترى منه واستكثر؛ ثم قدم خالد بن برمك وأخوه الحسين وأهلهما على المنصور أبي جعفر لما أفضت الخلافة اليه، فاصطنعهم وأدناهم وقربهم؛ فدخل الحسين يوما على المنصور وهو يتبخر بالعود القماري، فأعلمه أن عندهما هو أطيب منه رائحة وأنه حمله معه من الهند؛ فأمره المنصور بحمل ماعنده منه، فحمله إليه، فاستجاده المنصور، وأمر أن يكتب إلى الهند في حمل الكثير منه، ولم تكره تلك المرارة والزعارة التي في رائحته، لأنها تقتل القمل، وتمنع من تكونه في الثياب؛ وله عبق بالثياب وبقاء فيها. قال: فلما اختارت الخلفاء والملوك العود الهندي وآثرت البخور به، سقط قدر ما عداه من أصناف العود وغر العود الهندي قال محمد بن أحمد وبعد العود القماري في الفضل والجودة العود القاقلي، ويجلب من جزائر في بحر قاقلة، وهو عود دسم له بقاء في الثياب، وفي ريحانية خمرة؛ وهو حسن اللون شديد الصلابة، إلا أن قتادة ربما تتغير على النار فينبغي أنك إذا ستعمل وبخربة لا يستقصى إلا أن تنتهي النار إلى القتار. قال ابن أبي يعقوب: وبعد العود القاقلي العود الصنفي، ويجلب من بلد يقال له الصنف بناحية الصين؛ وبين الصنف والصين جبل لا يسلك، وهو أجل الأعواد وأبقاها في الثياب؛ ومنهم من يفضله على القاقلي، ويرى أنه أطيب وأعبق وآمن من القتار؛ ومنهم أيضاً من قدمه على القماري. قالوا: وأجود الصنفي الأسود، الكثير الماءٍ، ويكون في القطعة منه المن والأكثر والأقل. قالوا وشجر العود الصنفي أعظم من شجر الهندي والقماري. وبعد الصنفي العود الصندفوري. ويجلب من بلد الصندفور. ويقال: إنه صنف من الصنفي، إلا أنه ليس بالقطع الكبار؛ وهو حلو الرائحة حسن اللون، رزين صلب، لاحق بقيمة الجيد من الصنفي. وبعد الصندفوري العود الصيني، وهو عود حسن اللون، أول رائحته يشا كل رائحة الهندي، إلا أن قتاره غير محمود، وأفضله نوع منه يسمى القطعي، وهو رطب حلو، طيب الرائحة؛ ويؤتى به من الصين؛ وتكون القطعة منه نصف رطل وأكثر وأقل. قال أحمد بن أبي يعقوب: ومن العود أيضاً صنف يسمى القثور، رطب أزرق؛ وهو أعذب رائحة من القطعي، ودونه في القيمة. قال: ومن الصيني أيضاً أصناف أخر، وهي دون كل هذه الأصناف: منها المنطائي، وهو المانطائي قطعه كبار ملس سود، لا عقد فيها، ليست روائحها","part":3,"page":251},{"id":1252,"text":"بمحمودة، تصلح للأدوية والسفوفات والجوارشنات. ومنه صنف يعرف بالجلابي؛ وصنف يعرف باللواقي وهو اللوقيني؛ وهي أعواد متقاربة في القيمة. تصلح للأدوية والسفوفات والجوارشنات. ومنه صنف يعرف بالجلابي؛ وصنف يعرف باللواقي وهو اللوقيني؛ وهي أعواد متقاربة في القيمة.\rقال التميمي: ومن الناس من رتب العود الصيني غير ترتيب أحمد بن أبي يعقوب فقالوا: إن أفضل العود الصيني العود القطعي، وبعده العود الكلهي، وهو عود رطب يمضغ، وفيه زعارة وشدة مرارة، للدهانة التي فيه، وهو من أعبق الأعواد في الثياب وأبقاها. وبعد الكلهي العود العولاتي، وهو عود يجلب من \" جزيرة العولات \" بناحة قمار من أرض الهند. وبعده اللوقيني، ولوقين: طرف من أطراف الهند، وهو دون هذه الأعواد في الرائحة والقيمة؛ وله خمرة في الثياب. وبعد اللوقيني المانطائي، وهو من شجر بجزيرة تسمى مالطاء؛ وقيمته مثل قيمة اللوقيني؛ وهو خفيف، ليس بالحسن اللون. وبعد المانطائي العود الريطائي، وهو من جزيرة تسمى ريطاء، وهو دون المانطائي في الرائحة والقيمة، يدخل في أعمال المثلثات والبرمكيات. وبعد العود الريطائي العود القندغلي، ويؤتى به من ناحية كله وهو ساحل الزنج، وهويشبه القماري، إلا أنه لاطيب لرائحته. وبعده العود السمولي، وهو عود حسن المنظر فيه حمرة، وله بقاء في الثياب وعلى النار؛ وقتاره غير محمود، وهو سريع القتار. وبعد السمولي العود الرانجي، وهو عود يشبه قرون الثور، لا ذكاء له ولا بقاء؛ وهو ساقط القيمة، وهو أردأ أنواعه وأدناها. وبعده صنف يقال له: المحرم، سمى بذلك لأنه كان قد وقع إلى البصرة، فشك الناس فيه، فحرمه السلطان، فسمى المحرم، وهو من أدنى أصناف العود. وقال محمد بن العباس المسكي في كتابه: أفضل العود كله وأجوده المندلي، وبعده العود السمندوري، وأجود السمندوري الأزرق، الكثير الماء الرزين، الصلب، الغليظ، الذي لا بياض فيه، الباقي على النار، الكثير الغليان وقوم يفضلون الأسود منه، وآخرون يفضلون الأزرق؛ ويكون في القطعة الضخمة منه من. ثم العود القماري، وأجود القماري الأسود، النقي من البياض، الرزين الباقي على النار. قال: وربما كان فيه شهبة يسيرة؛ وبعد القماري الصنفي الغليظ الكثير الماء وقد يوازي القماري في بعض الحالات، وربما فضل عليه، وهما عودان يتقاربان في الصفة، وتكون القطعة من الصنفي رطلين وأقل. وبعد الصنفي القاقلي، وهو عود أسود، فيه بعض شهبة، أشبه شيء بالعود القماري في منظره؛ وهو عود حلو، طيب الرائحة. وبعد القاقلي العود الريركي وهو عود صلب، خفيف، قليل الصبر على النار، حسن المنظر واللون، ويشبه القاقلي، ويؤتى به من بلاد سفالة الهند. وبعده العود العطكي، يؤتى به من الصين وهو عود رطب حلو طيب، دون الصنفي، وفوق القاقلي. ثم صنف من العود يسمى: القشور، وهو عود طيب الرائحة، رطب، أزرق، عذب، رائحته مثل رائحة القطعى، وهو دونه في القيمة، وبعده المانطائي، وهو جنس من العود الصيني، هو قطع كبار ملس لا عقد فيها، وليست رائحته طيبة، وهو يصلح للأدوية والجوارشنات. قال: وكذلك الجلابي، واللواقي، والبربطائي، البوطاجي هذه الأصناف لا خير فيها، ولا طيب لروائحها؛ وهذه الأجناس يسمونها: الأشباه. قال: وأما العود المسمى: الإفليق، فإنه يجلب من أرض الصين، ويكون في العظم مثل الخشب الريحي الغليظ، يباع المن منه بدينار وأقل وأكثرٍ، والعود من قشورهٍ؛ أما داخله وقلبه فخشب أبيض خفيف مثل الخلاف؛ زإذا وضع على الجمر وجد له في أوله رائحة حلوة طيبة، فإذا أخذت النار منه ظهرت له رائحة جزازية رديئة كرائحة الشعر. هذا ما أمكن إيراده من أصناف العود وأجناسه ومعادئه، وهو معنى ماأورده التميمي في \" جيب العروس \" .\r\" ذكر تطرية العود الأبيض وإظهار دهانته وإكسابه سواداً","part":3,"page":252},{"id":1253,"text":"قال التميمي فيما نقله عن أبي بكر بن محمد بن أحمد المرندج المعروف بابن البواب: يؤخذ من العود ما كان أبيض الظاهر، إلا أن فيه رزانة تدل على دهانة كامنة فيه فيبري برية يسيرة، ويعمد إلى قعر قدر برام فيثقب حتى يصير كهيئة المنخل، ويعمد إلى قدرمن نحاس أوغير نحاس يكون رأسها بمقدار قعر القدر المبخش، بحيث إنها متى انطبقت عليها لا يخرج من البخار شيء، ويصب في القدر ماء، ويجعل ذلك المثقب على فم القدر، ويطين ويجعل العود فيها، وتغطى بغطاء محكم، ويوقد تحت القدر السفلى وقيداً جيداً حتى يصعد بخار الماء إلى العود من تلك الأبخاش ويفتقده بعد مضي ساعة، ثم يكشفه ويقلبه تقليباً جيداً، ثم يغطيه، ويتعاهده ساعةً بعد ساعة إلى أن يظهر له أن دهن العود قد ظهر، ويمتحن ذلك بأن يمسح القطعة منه في خرقة، فإذا أثرت الدهانة فيها فليخرج وينشر في طست حتى يبرد ويرفعه.\rالباب الرابع\rالصندل وأصنافه\rوالصندل أصناف: أفضلها الأصفر الدسم، الرزين العود، الذي كأنه قد مسح بالزعفران، الذكي الرائحةٍ؛ ويسمى المقاصيري، واختلف في سمم تسميته بهذا الاسم ونسبته إليه، فقال قوم: هي نسبة إلى بلد تسمى \" مقاصير \" . وقال قوم: إن بعض الخلفاء من بني العباس أمر بأن تصنع منه مقاصير لأمهات أولاده وخواص سراريه، فسمى بذلك؛ والأول أصح. وقيل: إنة يجلب من بلدين من أطراف الهند، إحداهما مقاصير، الأخرى بسمى الجور؛ فما جلب من مقاصير فهو المقاصيري، وما جلب من الجور فهو الجوري. قالوا: وهو شجر عظام؛ وإنه يقطع وهو رطب، ويقشر؛ وله من فوق قلبه الأصفر خشب ليس بالذكي الريح إلا أنه صندل يضرب إلى البياض، وهو الصندل الأبيض؛ وفي روائحه ضعف عن رائحة القلب الدسم. وأجوده ما اصفر وذكت رائحته ولم يكن فيه زعارةز ويلي الصندل الأصفر الصندل الأبيض، الطيب الريح، الذي هو من جنس المقاصيري، لايخالفه إلا بالبياض؛ وبعده الصندل الأبيض الذي يضرب لونه إلى السمرة، وهو الجوري السبط، الصلب العود، الذي يجلب من الجور، وهو صندل صلب سبط، ضعيف الرائحة، وله رائحة طيبة، إلا أنها دون رائحة ما قبله، ويلي الجوري صنفان: أحدهما أصفر فيه زعارة وطيب؛ والاخر يضرب في لونه إلى الحمرة، وفيه أيضاً زعارة ريح وحدة، وما لونه منهما إلى الصفرة فإنه يسمى \" الساوس \" ؛ وقيل: \" الكاوس \" ، وقد تفتق بهما الذرائر؛ ويدهلان في المثلثات والبخورات. وفعدهما صندل جعد الشعرة، لا سباطة له، اذا شقق كان جعدا كتجعيد خسب الزيتون؛ وهو أذكى أصناف الصندل، ولا يستعمل في شيء سوى البخورات والمثلثات؛ وبعده الصندل الأحمر الشديد الحمرة، ويستعمل لتبريد الأورام الحارة؛ وهو حسن اللون، ثقيل الوزن، لا رائحة له ولا خاصية غير تحليل الأورام الحارة، وتتخذ منه المنجورات والمخروطات، كالدوي، والعتائد وأدوات الشطرند ومهارك النرد وأشباه ذلك؛ ويتخذ ذلك من الأبيض فيما يحتاج إلى لونين. والصندل الأحمر أيضاً يحك على الحجارة الخشنة بالماء، ويطلى به على الأورام الحارة كم ذكرنا، وعلى الماشرا، وعلى كل موضع من الجسد تظهر فيه حمرة دموية، وعلى النقرس الحاد المتولد من فساد الدم في بدء العلة، ليقوى العضو ويمنع من إنصباب المادة إليه. قال التميمي: وبعد الصندل الأحمر صنف يعرف بالنجاري، وهو خشب صلب لا رائحة له، ولا يدخل في شيء من الطيب، وإنما تتخذ منه المنجورات والمخروطات التي ذكرناها، وذلك، وذلك لصلابته ورزانته. قال: وجميع أنواع الصندل التي ذكرناها، يؤتى بها من سفالة الهند. فالأصفر الطيب الرائحة المقاصيري يدخل في طيب النساء الرطب واليابس وفي البرمكيات والمثلثات والذرائر؛ وتتخذ منه قلائد؛ ويدخل في الأدوية وفي ضمادات الكبد والمعدة؛ وهو بارد منشف محلل للأورام.\rالباب الخامس\rالسنبل الهندي\rوأصنافه و القرنفل وجوهره فأما السنبل الهندي - فقد قال أحمد بن أبي يعقوب: السنبل أصناف، وأجوده العصافير الحمر الألوان، المسلل، والمسلل هو الذي قد نقى من زغبه ومسح منه، وبقى عصافير مجردة، وإذا أمسكه الإنسان بكفه ساعة ثم اشتمه كانت رائحته التفاح أو نحوها؛ ثم الذي يليه، وهو نوع من العصافير أصفر كثير البياض والشمط، طيب الرائحة، قريب من الأول، ثم أدناه، وهو دقاق من السنبل وجلال، ليس مما يدخل في جيد العطر.","part":3,"page":253},{"id":1254,"text":"وأما أصله - فهو حشيشة تنبت بأرض الهند، وببلد التبت أيضاً. وقيل: إنها تنبت في أودية بالهند كما ينبت الزرع، ثم تجف فيأي قوم فيحصدونه ويجمعونه، وقيل: إن الأودية التي ينبت فيها هذا السنبل كثيرة الأفاعي وليس يأتيها أحد إلا وفي رجله خف طويل غليظ منعل بالخشب أو الحديد.\rقالوا: وتلك الأفاعي ذوات قرون فيها السم القاتل الذي يقال له: \" البيش \" ؛ فيقال: إنه من قرون الأفاعي. وقال قوم من أهل العلم: إنه نبات ينبت بتلك الأودية؛ وهو ضربان: ضرب خلنجي، يضرب في لونه إلى الصفرة، وهو أفضله؛ وضرب آ خر يضرب إلى السواد، وهم يعرفونه فيتوقونه؛ وربما جهله بعضهم فمات عند مسه، سيما إن كانت يده قد عرقت، أو هي رطبة. وقد كان بعض الخلفاء يأمر بأن يوكل بالمراكب التي من بلد الهند إلى الأبلة وغيرها من الفرض من يكشف السنبل ويعتبره، فيخرج منه البيش، فيؤخذ بكلبتين من حديد وليس يمسه أحد إلا مات لوقته، فكان يجم ذلا في وعاء ويلقي في البحر.\rوأما القرنفل وجوهره - فقال أحمد بن أبي يعقوب: القرنفل كله جنس واحد، وأفضله وأجوده الزهر، القوي اليابس الجاف الذكي، الحريف الطعم الحلو الرائحة؛ ومنه الزهر، ومنه الثمر؛ والزهر منه هو ما صغر وكان مشاكلا لعيدان فروع الخربق الأسود في المنظر. والثمر منه ما غلظ وشاكل نوى التمر،أو عجم الزيتون. وقيل: هو ثمر شجر عظام يشبه شجر السدر. وقال آخرون: يشبه شجر الأترج. وقال آخرون: هو ثمر شجر ورقة الساذج الهندي، واستدلوا على ذلك بما في طعم الساذج من القرنفلية. قال: ويجلب من بلاد سفالة الهند وأقاصيها؛ وله بالمواضع التي هن بها روائح ذكية ساطعة الطيب جداً، حتى إنهم يسمون أماكن القرنفل: \" ريح الجنة \" ، لذكاء رائحته. هنو حار يابس. لطيف غواص. مقو للقلب نافع لبعض الأكباد التي فيها عفونة، قاطع للغثيان المولد من الرطوبة والقيء الكائن من التخمة والهيضة؛ وإذا دق مع التفاح الشامي واعتصر ماؤه مع شيء من قلوب النعناع وأعطى الوصب نفعه؛ وقطع عنه الغثيان والقيء؛ وهو يطيب النكهة؛ والذكر منه - وهو الزهر - أقوى من فعل الأنثى. قال: وقد يصعد منه ماء يفوق في الطيب ماء الورد، ويدخل في كثير من مكلسات الطيب والذرائر، وفي كثير من المعاجين الكبار والأدوية، وفي عامة طيب النساء، وفي اللخالخ والمخمرات كلها. وقال مجمد بن العباس المسكي: رأيت قوما ببغداد يدورون على الصيارفة يشترون منهم الدنانير المروانية التي أمر بضربها عبد الملك بن مروان، وعلى سكتها: \" الله أحد \" ؛ فسألتهم عن ذلك، فذكروا أنها تحمل في البحر في أكياس قد كتب على كل كيس منها اسم صاحبه ووزنه، فإذا صاروا بالقرب من جزيرة عظيمة بناحية سفالة الهند وضعوا الأناجر، وشدوا المراكب ناحية، وركبوا قوارب ومعهم تلك الأكياس وأنطاع قد كتب على كل نطع منها اسم صاحبه أيضاً؛ فيخرجون إلى موضع من تلك الجزيرة، فيبسط كل واحد منهم نطعه، ويحمل كيسه فوق النطع مغطى ببعض النطع، حتى اذا فعل ذلك جماعتهم، وعادوا إلى القوارب، ورجعوا إلى المراكب آ خر النهار، باتوا ليلتهم تلك في مراكبهم، ثم غدوا في القوارب إلى الجزيرة، فيجدون فوق كل نطع من أنطاعهم من القرنفل بحسب ماله من المال، ولا يجدون الأكياس؛ فإن رضى القوم بما وجدوا من القرنفل على أنطاعهم أخذوه، ومن لم يرض منهم تركه وعاد إلى مركبه، ثم يعود في اليوم الثاني فيجد كيسه بحاله، ولا يرى للقرنفل أثراً، ولا تقع عين أحد من التجار على أحد ممن هو في تلك الجزيرة، ولا يقفون على موضع القرنفل ولا على شجره. وهذه الحكاية شبيهة بما ذكرناه في أمر العود. قال التميمي: وقد كان وقع إلى ذكر هذا بعينه؛ وزعم الذي أخبرني: أنهم قديماً كانوايجدون أكياسهم مع القرنفل علىالأنطاع بحالها، فكان الرجل إن اختار القرنفل حمله وترك الكيس، وإن اختار المال أخذه وترك القرنفل، إلى أن غدر التجار بهم في بعض السنين، فحملوا المال والقرنفل، وانقطع جلب القرنفل سنين كثيرة، وغلا حتى لم يقدر عليه، ثم عادوا ولزموا العدل مع أهل الجزيرة، فصاروا عند ذلك لا يجدون فوق الأنطاع غير القرنفل فإن رضوا به حملوه، وإن سخطوا تركوه ليلتهم، ثم عادوا في اليوم الثاني فوجدوا أموالهم. وهذه الحكاية نحو ما قدمناه في العود.\rالباب السادس\rالقسط وأصنافه","part":3,"page":254},{"id":1255,"text":"ويقال فيه: الكست بالكاف والتاء، بدل القاف والطاء؛ وقد تكررت الأحاديث الصحيحة النبوية - على قائلها أفضل الصلاة والسلام - بمنافعه وما فيه من الأشفية؛ فمنها ما رواه البخاري بسنده عن أم قيس بنت محصن أخت عكاشة، - وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بابن لي قد علقت عليه من العذرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" اتقوا الله، على ما تدغرون أولادكم بهذه الأعلاق، عليكم بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية، منها ذات الجنب \" يريد الكست، يعني القسط.\rوللقسط أصناف ذكرها محمد بن أحمد التميمي قي جيب العروس فقال: منه ما يجلب من بلاد الحبشة؛ ومنه البحري الذي يسمى الجلود؛ وأجوده الأبيض الرقيق القشرة الذي هو كأمثال الأصابع وأكبر، والمشقق اليابس. ويقال: إنهم يأكلونه في بلادهم رطباً. وقال محمد بن العباس المسكي: أخبرني بعض البحريين أنه يكون في جبال الماهات، ينبت في شقوق الصخور وأعالي الجبال؛ ويقال له \" الكلى \" ويؤكل، غير أنه رديء الجوهر، اذا جف لا تكون له صلابة، ويشبه أصله أصل الكرفس الجبلي، وكذلك ورقه يشبه ورق الكرفس الجبلي أيضاً. قال المسكي: فلما صرت إلى الجبل جربت ذلك فوجدته كما قال، ورأيته كثيرا في جبال أبهر وزنجان. قال التميمي: ومن القسط الحلو أيضاً صنف آخر غليظ الرائحة يسمى القرنفلي، ليس بطائل، ويدخل في الدخن.\rاما القسط المر - وهو الهندي - فيجلب من أرض الهند؛ وأجوده ما ابيض ورزن؛ ومن الهندي صنف يضرب إلى السواد لا خير فيه. قال: ومن المر نوع يسمى القرنفل. ليس بطائل. هذا النوع من القسط والذي يضرب الى السواد أدناه وأسقطه ثمناً وقيمة. والقسط المر الأبيض يدخل في كثير من الأدوية والمعاجين الكبار؛ ومنه يعمل دهن القسط؛ ويشرب فينتفع به من أوجاع الجنبين والخواصر ويدر البول ويفتح سدد الكبد؛ وهو حار يابس قوي الحرارة واليبس.\rالباب السابع\rعمل الغوالي والندود\rأما عمل الغوالي - فقد قال الزهراوي في كتابه: والغالية ينقسم عملها إلى ثلاثة أقسام: الأول في الوقت الذي تعمل فيه؛ والثاني الآلة التي تصلح أن تعمل فيها؛ والثالث كيفية عملها.\rفأما الوقت الذي يصلح أن تعمل فيه - فوجه السحر قبل طلوع الشمس، لاعتدال الهواء فيه، وإن وافق أن يكون فصل الربيع فهو أفضل ويتوقى أن يكون حالة وقت هبوب الريح، بل في وقت سكونه.\rوأما الآلات التي تصلح لعملها وسحق أجزائها فيها - فأفضل ما سحق المسك في هاون ذهب خالص، أو صلاية زجاج، بفهر زجاج؛ وأن يذاب العنبر في محارة من حجر، أو في مدهن من حجر أسود، أو زجاج؛ أو في مدهن ذهب، أو فضة مموهةبالذهب، ويرفع في إناء من ذهب أو زجاج.\rوأما كيفية عملها وأخذ أجزائها - فهو أن يأخذ من المسك الجيد أوقية فيسحقة برفق لئلا يحترق من شدة السحق، ثم ينخله بمنخل شعر صفيق وإن أمكن نخله من غير سحق فهو أجود، ثم يأخذ من العنبر الطيب نصف أوقية فيذوبه في مدهن على ألطف ما يكون من النار، فاذا كاد يذوب قطر عليه شيئاً من دهن البان المطيب، ثم ينزله بعد أن يذوب، ويعتبره بأنامله، فأن كان فيه رمل أخرجه، ثم يلقيه على المسك في الصلابة؛ ويحذر أن يكون العنبر حاراً فإن حرارته تفسد المسك؛ ثم يسحق الجميع في الصلاية برفق حتى يمتزج العنبربالمسك، ويجردهما بصفيحة ذهب لطيفة، ولا يجردهما بنحاس ولا بحديد فإنهما يفسدانهما، ثم يرفع الغالية بالبان على حسب ما يحب من رقتها أو ثخنها؛ وليس للبان حد يوقف عنده. وإن أراد أن يجعل المسك مثل العنبر أو دونه فعل. هذا ما ذكره الزهراوي في الغالية. وقد ذكر محمد بن أحمد التميمي في كتابه المترجم \" بجيب العروس \" في باب الغوالي كثيراً منها، نذكر من ذلك ما كان يعمل للخلفاء والملوك والأكابر.","part":3,"page":255},{"id":1256,"text":"فمن ذلك غالية من غوالي الخلفاء عن أحمد بن أبي يعقوب: يؤخذ من المسك التبتي النادر مائة مثقال، يسحق بعد تنقيته من أكراشه وشعره، وينخل بعد السحق بالحرير الصيني الصفيق، ويعاد سحقه ونخله، ويكرر حنى يصير كالغبار؛ ثم يؤخذ تور مكي أو زبدية صيني، فيجعل في أيهما حضر من البان الجيد النادر قدر الكفاية، ويقطع فيه من العنبر الشحري الأزرق الدسم خمسون مثقالاً وترفع الزبدية بما فيها من البان والعنبر على نار فحم لينة لا دخان لها ولا رائحة فتفسده، ويحرك بملعقة من ذهب أو فضة حتى يذوب العنبر، ثم ينزله عن النار، فإذا فتر طرح المسك فيه، ويضرب باليد ضرباً جيداً حتى يصير جزأ واحدا، ثم يرفع ذلك في إناء من الذهب أوالفضة، وليكن ضيق الرأس ليمكن تصميمه، أو في برنية زجاج نظيفة، ويسد رأسها بصمامة حرير صيني محشوة بالقطن، لئلا يتصاعد ريحها. قال: فهذه أجود الغوالي كلها، وإن جعل العنبر نظير المسك فلا بأس. وهذه الغالية المتساوي فيها المسك والعنبر كانت تعمل لحميد الطوسي؛ وكانت تعجب المأمون جداً وكانت هذه الغالية تعمل لأم جعفر، إلا أنهم كانوا يضيفون إلى البان نظير ربعه من دهن الزنبق الرصافي النيسابوري؛ وكانوا يصنعون هذه الغالية لمحمد بن سليمان، إلا أنهم كانوا يجعلون مع البان والزنبق شيئاً من دهن البلسان الخالص؛ وكانوا أيضاً يصنعون لأم جعفر غالية يسمونها غالية العنبر، وذلك أنهم يجعلون لكل ثلاثة أجزاء من المسك عشرة أجزاء من العنبر، وترتيت عملها كما تقدم.\rغالية حجاجية تسمى الساهرية يؤخذ من المسك التبتي عشرة مثاقيل، ومن العنبر عشرة مثاقيل، ومن العود الهندي المسحوق مثقال واحد، ومن الزعفران مثقال واحد؛ فيحل العنبر بدهن البان الكوفي الجيد ودهن الزنبق النيسابوري، فإذا ذاب العنبر ينزل عن النار ويترك حنى يفتر؛ ثم يلقى المسك المسحوق المنخول والعود والزعفران عليه ويضرب ضرباً جيداً محكماً، وربما فتق بشيء من الكافور، ويرفع في ظرف ويسد رأسه كما تقدم؛ والله أعلم بالصواب.\rغالية هشام بن عبد الملك وهي غالية صفراء يؤخذ من السنبل العصافير وزن أربعة دراهم، ومن الصنل المقاصيري ثلاثة دراهم، ومن العود الهندي الجيد أوقيتان؛ وتدق هذه الأصناف، وتنخل بحريرة، وينعم سحقها بعد النخل، وتلقى عليها من الزعفران القمى المطحون أوقية مخولة بحريرة، ويخلط جميع ذلك، ثم يؤخذ الزبيب الطائفي والمرزنجوش الرطب والنمام الرطب، فتنقع الثلاثة ليلة في ماء وتمرس وتصفى وتعجن بها الأخلاط أو تعجن بطلاء عتيق عجناً جيداُ، وتلصق في باطية، وتنجربالند ثلاثة أيام وتقلب كل سبع تبخيرات مرة؛ ثم يؤخذ لهامن السك المثلث أو المنصف خمسة عشر مثقالا فتسحق سحقاًجيداً، وتنخل بحريرة، ويؤخذ نصف السك وتعجن به وهو رطب ثم يقرص ويترك ثلاثة أيام في الظل، ولا يدنيه من الشمس، فإذا جف يسحق في صلاية، وينخل بحريرة؛ ثم يذاب له من العنبر الأزوق أوقية ببان الغالية المرتفع الجيد، وتلقى عليه بقية السك وتلك الأخلاط، ويضرب؛ ثم تلقى عليه أوقية ونصف من المسك التبتي المسحوق المنخول بالحريرة، ويضرب فيه بالأصابع حتى يختلط، ثم يوعى، ويحكم سده كما تقدم.\rصفة غالية أخرى من كتاب محمد بن العباس يؤخد من العود الهندي الجيد المطحون المنخول عشرة دراهم، فيجعل في قدح ويصب عليه ماء ورد، ويسحق به، ويسقى ماء الورد ثلاث مرات، ثم يؤخذ من سك المسك خمسة عشر درهماً، فتسحق وتنخل وتلقى على العود المحلول بماء الورد، ويسحقان جميعاً حتى يجف ماء الورد، ويسقيانه، ويسحقان، ثم يسقيان ثلاث مرات حتى يصيرا كالهباء، ثم يحل العنبر بدهن البان، ويلقى عليه العود والمسك بعد أن ينزل عن النار، ويحرك بعود، ولايحرك بجريدة ولاظفر، فإذا اختلط رد إلى الصلاية وسق حتى يصير كالعلك، ثم يذر عليه من المسك المسحوق بحسب ما يريده صاحبه.\rغالية متوسطة نسبها التميمي إلى كتات أبي الحسن المصري يؤخذ من المسك ثلاثة مثاقيل ومن العنبر الأزرق مثقال، ومن سك المسك المرتفع مثقالان، ومن بان الغالية ثلاث أواقي؛ يحل العنبرفي البان بنار لينة، وينعم سحق العود والمسك والسك، وتخلط، وتلقى على العنبر المحلول وهو فاتر، وتضرب ضرباً جيداً حتى تستوي.\rغالية الساهرية ختم بها التميمي باب الغوالي","part":3,"page":256},{"id":1257,"text":"وقال فيها: من أحب أن يحلها بالبان فيي غالية لا بعدها؛ ومن تطيب بها يابسةً بماء الورد فهي أطيب ما يكون من المسوحات.\rوصفة عملها، أن يؤخذ من المسك التبتي مثقال، ومن السك المثلث مثقالان ومن العود الهندي ثلاثة مثاقيل، ومن العنبر الشحري مثقال؛ يسحق كل واحد منها بمفرده سحقاً ناعماً، وينخل بحريرة، إلا العنبر فإنه يقرض، ويحل في تور من حجارة، أو في زبدية صيني؛ ثم يلقي عليه العود والسك، ويخلطان به خلطاً جيداً ويجعل ذلك على الصلاية؛ فإذا برد وجمد يسحق وينخل بحريرة، ويضاف إليه المسك المسحوق، ويسحق ذلك جميعاً، ويرفع؛ فمن أراد أن يستعمل ذلك غالية يحل المثقال منه في مثقال من دهن البان المفتر، ومن أراد أن يستعمله مسوحاً يحله بماء الورد.\rوأما عمل الندود - فقد ذكر التميمي منها أنواعاً كثيرة؛ فمنها الند المستعيني كان يصنع للمستعين بالله العباسي. قال: يؤخذ من العود الهندي خمسون مثقالا ومثله من المسك التبتي، ومن العنبر الشحري الأزرق الدسم خمسون ومائة مثقال ومن الكافور الرياحي ثلاثة مثاقيل؛ يسحق العود والمسك والكافور سحقاً ناعماً كل واحد منها بمفرده، وينخل المسك بالحريرة، ويحل العنبر في عباسية صيني أو في برام، ويلقي المسحوق عليه بعد أن ينزل عن النار، ويعجن به عجناً جيداً ثم يمد على الرخامة، ويقطع شوابير، ويصف على منخل حتى يجف ويرفع، قال: وأما الند الذي أجمع الناس عليه، فهو أن يؤخد من العود الجيد خمسون مثقالاً، ومثله من المسك التبتي، ويحل لذلك من العنبر الهندن أو الشحري مائة مثقال وثلاثة مثاقيل، ويعجن بالمسك، ويمد شوابير، ويجفف، ويرفع.\rصنعة ند أخر قال التميمي، تركيبه لأبي سعيد يانس الفارسي، فجاء غاية في الجودة؛ يؤحذ من العود الهندي القامروني أو العود القماري عشرة مثاقيل، ومن المسك التبتي المنقى من أكراشه وشعره عشرون مثقالا، يسحق كل واحد منهمابمفرده، وينخل بحريرة صينية ثم يجمعان على الصلاية، ويضاف إليهما من الكافور الفنصوري مثقال واحد، ويحل لذلك من العنبر الشحري الأزرق ثلاثون مثفالا في تور حجر أو في عباسية صيني حلا لطيفاً بنار لينة، بعد أن يقرض العنبر ليسرع انحلاله، وسبيل التور أن يحمل على النار قبل أن يلقى فيه العنبر، ليقل مكث العنبر على النار، فإذا إنحل العنبر أنزل عن النار وألقي فيه المسك والعود والكافور بعد إنعام سحقها، ويضرب ذلك مع العنبر في التور بملعقة من فضة أو حديد ضرباً جيداً حتى يصير جميعه جزءاً واحداً؛ ثم تبل سكين ويمسح بها ما تعلق على الملعقة، ويوضع على قطعة من الرخام ملساء قد مسح وجهها بالماء، وتبل اليد، ويؤخذ بها من المعجون، ويفتل على الرخامة فتلا متساوياً ويقطع شوابير بسكين مبلولة بالماء، على ما يراه من المقادير؛ وإن خشيت أن يبرد المعجون فيجمد، جعلت التور الذي فيه المعجون على رماد حار.\rصفة ند للواثق بالله كانت بنان العطارة تصنعه يؤخذ من العود الجيد الهندي مائة مثقال، ومن سك المسك خمسون مثقالا ومن المسك التبتي ثلاثون مثقالا، ومن الكافور الرياحي تسعة مثاقيل؛ يسحق كل واحد منها على انفراده سحقاً ناعماً، ثم تجمع كلها على الصلاية، وتسحق حتى تختلط وتلتئم؛ ثم يؤخذ لها مائتا مثقال من العنبر الهندي أو الشحري فيحل في تور برام أو غضارة صيني؛ فإذا ذاب ينزل عن النار، وتلقى عليه المسحوقات، وتخلط به وتعجن عجناً جيداً، ثم تعمل منه أقراص أو شوابير، وزن كل قطعة منها مثقال، وتجفف.\rصفة ند لجعفر المتوكل يؤخذ من العود الهندي القامروني عشرون مثقالا، ومن السك المثلث خمسة عشر مثقالا، ومن الكافور الرياحي مثقالان، ومن المسك التبتي ستة مثاقيل، ومن السك الأصفر الطوامير مثقال واحد، ومن الزعفران الروذراوري المسحوق مثقال؛ يسحق كل واحد بمفرده، ثم تجمع على الصلاية، وتسحق؛ ويؤخذ من العنبر الهندي خمسون مثقالا، فيقرض، ويذاب في تور مكي، وتخلط فيه الأصناف نحو ما تقدم، ويقطع شوابير.\rند أم الخليفة المقتدر بالله\rتصنعه وتبخر به الكعبة وصخرة بيت المقدس في كل جمعة","part":3,"page":257},{"id":1258,"text":"يؤخذ من المسك التبتي المنقى من الأكراش مائة مثقال، يسحق، وينخل ويحل له من العنبر الشحري، وينزل عن النار، فإذا فتر ألقى عليه المسك بمفرده من غير عود ولاغيره، ويضرب ضرباً جيداً، ثم يمد على الرخامة، ويقطع شوابير ويبخر به. قال التميمي: كان رئيس الخدم ببيت المقدس يهدي إلى والدي من هذا الند فيحله والدي بالبان، فتجيء منه غالية لاشيء أطيب منها.\rصفة ند اللفيف عن أم أبيها بنت جعفر بن سليمان \" هو الذي يسمى اللفيف الشريف \" قال التميمي: ولاشيء في الند أرفع منه - يؤخذ من العود الهندي القامروني أوقية، فيدق وينخل، ويسحق على الصلاية، ويؤخذ له من السك المثلث نصف أوقية، ومن المسك التبتي المنقى من أكراشه، المسحوق المنخول نصف أوقية ويجمع الجميع، ويسحق على الصلاية؛ ويؤخذ من العنبر الهندي الأزرق الدسم أوقيتان، ويقرض ويذاب في تور على نار لينة نحو ما تقدم، ثم يلقى عليه العود واسك والمسك، ويعجن ذلك، ويمد على صلاية، ويقطع شوابير، ويجفف ويرفع. قال التميمي: أجمع العلماء بأمر العطر وأعمال الطيب أن السك إذا كان مثلثا فله في الند معنى جيد وخمرة، والبخور الذي يدخل فيه يكون له عبق في الثياب، سيما في بلد مصر والبلاد المعروفة بالعفن. فال: وملاك البخور كله جودة العنبر والمسك والعود والكافور والنار التي يبخر بها، وألا يكون في الفحم شيء من الزهومة، فإن ذلك يفسد البخور، ويقطع رائحته. وبسط التميمي القول في الندود، وقد أوردنا منها ما فيه كفاية؛ وهذه الندود كلها التي ذكرناها كانوا يصعونها للبخور خاصة.\rوأما الذي يصنع في عصرها هذا بالديار المصرية - قهو نادر اذا عني به يصلح للحمل والادخار والبخور على النار، وتعمل منه عنابر مختلفة الأشكال والمقادير، من الأكر والوردات والشوابير، وغير ذلك، وتنظم قلائد ومعاضد ووشاحات وسبحاً، وغير ذلك، ويجعلها الناس بين ثيابهم اذا لبسوها ويمشون بها، ويجلسون ويرقدون وهي لا تتغير ولا تتكسر، ويكسر بعض الأكرة منها أو الوردة أو الخرزة فتستعمل في البخور وغيره، وتبقى بقيتها في جملة العنبر المنظوم، ولا يضرها الكسر، ولا يتفتت منها شيء البتة إلا إن قرض بالسن أو قطع بالشفرة أو المدية؛ وإذا طال مكثه صلح وجاد وصلب، وعبق ريحه على النار، إلا أنه متى اختلط بالياسمين ضعف ريحه؛ وإذا تمادت عليه المدد وكثر استعماله وأفسده العرق الرديء كسر وأضيف اليه شيء من العنبر الخام الشحري وجن به، ثم بالمسك المسحوق، وأعيد كما كان، أو على أي صفة أرادها صاحبه فيجيء غاية في الجودة، وربما كان أجود وأنفع من الأول؛ وها نحن نذكر كيفية عمله ومفرداته ومقاديره؛ والله أعلم.\rكيفية عمل الند في وقتنا هذا ومفرداته ومقاديره والند في وقتنا هذا يسمى العنبر، فإذا أطلق عندهم اسم العنبر كان هو المراد، ويميز العنبر الأصلي إذا أريد بأن يقال فيه: العنبر الخام؛ وهذا الند الذن يتداوله الناس في وقتنا هذا ثلاثة أنواع: فالنوع الأول المثلث، وهو أجودها وأعطرها؛ وصفة تركيبه ومقادير أجزائه أن يؤخذ له من العنبر الجيد الشحري الرزين الدسم جزء، ونظيره من العود الهندي الجيد، ونظيره أيضا من المسك التبتي، ويجعل العود براية أجزاء صغاراً، ثم يقلى على نار لينة، ويطحن بعد ذلك طحناً ناعماً ويسحق المسك بعد تنقينه مما لعله فيه من شعر أو غيره، ثم يقرض العنبر صغاراً ويوضع في قدر برام لطيفة شبه رأس الخوذة على نار فحم لينة، حتى يحمر، ويلقى ذلك العنبر الخام في القدر، ويحرك بملعقة من النحاس مدورة الرأس، ثقيلة، لها ساعد فاذا ذاب العنبر يلقى عليه العود المطحون شيئاً بعد شيء، ويحركان حتى يختلطا ويصيرا جزأ واحداً، ويجعل العنبر والعود فتائل، ويقسم المسك على نسبة تلك الفتائل، وتعجن به عجناً جيداً على حجر يمني معد لذلك حتى تختلط به؛ ثم يقطع ويجعل أكرا بحسب ما يريد، ويرفع. هذا أجود من يصنع من أنواع الند في وقتنا هذا، إلا أنه يكون ليناً لا يكاد يستعمل للباس، بل يحمل في الجيوب ويبخر به، ويشم، ويوضع بين الثياب، ونحو ذلك .","part":3,"page":258},{"id":1259,"text":"أما النوع الثاني - وهو المعتدل - فأجزاؤه أن يؤخذ من العنبر الخام الجيد عشرة مثاقيل، ومن الندد العتيق الجيد عشرة مثاقيل، ومن العود الجيد المطحون عشرون مثقالا؛ ويؤخذ لذلك من المسك الجيد ما أحب المستعمل ويركب على ما نذكره.\rأما النوع الثالث - وهو السقي - فأجزاؤه أن يؤخذ لكل عشرة مثاقيل من العنبر الخام عشرة مثاقيل من العنبر العتيق، وثلاثون مثقالا من العود المطحون ومن المسك.\rخلط الند وتركيبه أول ذلك أن يضع القدر البرام المعدة لذلك على نار فحم لينة، ويكون وضعه للقدر على جنبها، ثم يكسر العنبر العتيق ويضعه في القدر، فإذا سخن هرسه بالملعقة النحاس المعدة لذلك، ويكسرالعنبر الخام قطعاً صغاراً، ويوضع في القدر على أثر السخونة ويحرك بالملعقة حتى يذوب؛ ثم توضع القدر على النار، ويلقي على العنبر من العود المطحون شيء بعد شيء إلى أن يختلط بعضه ببعض ويصير جزءا واحداً، ثم يلقي عليه العنبر العتيق، ويخلط بالملعقة حتى يختلط بهما ثم يصب على ذلك ماء ورد بقدر واعتدال، ويجس بالإبهام والسبابه، فإن قبل الفتل أخذ منه شيئاً بعد شيء وفتله فتائل على الحجر اليمني المعد لذلك فإذا صار جميعه فنائل وهو الفتل الأول؛ ووضع القدر على النار، ووضع بعض الفتائل فيها ويصب عليها ماء ورد بقدر، ويعجنها عجناً جيداً، ثم يعيدها على الحجر، ويعجنها بالمسك حتى يختلط بها، بحيث لا يضع المسك على النار اللينة، فإذا اختلط المسك بها فتلها فتائل، ثم يقطعها اجزاء متساوية على ما يريد، ويضمه بأصابعه الثلاث: الإبهام والسبابة والوسطى حنى يدخل بعضه في بعض، ثم يدوره تدويراً جيداً في كفه حتى يندمج ويصطحب، ثم ينخسه بمسلة برفق، وينقشه بعد ذلك بالمشطاب المعدلة، وان كان ساذجاً دورعلى الرخامة. هذه كيفية عمله وأجزاؤه؛ فإن نقص عن ذلك منع من بيعه.\rالباب الثامن\rالرامك والسك\rمن الرامك الأدهان عمل الرامك والسك - فالرامك هو أصل السك الذي لا يمكن عمله إلا منه، وصفة عمل الرامك على ما أورده محمد بن أحمد بن سعيد التميمي المقدسي في كتابه المترجم \" بجيب العروس وريحان النفوس \" ، وقال: إنه استنبطه وديره برأيه - يشير الى هذه الصفة التي نذكرها الآن، وإلا فالرامك قديم، نقله هو عن غيره ممن كان قبله - ؛ فقال التميمي في هذه النسخة: يعمد إلى العفص النقي الأبيض الجيد، فيدق وينخل، ويعتق بعد طحنه سنة. قال: ومن الناس من يطبخه بالماء حتى ينشف الماء: فيستغني بطبخه عن تعتيقه، وإنما يراد تعتيقه ليسلس وتذهب منه زعارة العفصية وطعمها، وطبيخه يفعل ذلك. قال: وتعتيقه أجود. قال: ثم يؤخذ لكل عشرة أرطال من العفص المنخول المعتق خمسة أرطال من الزبيب العينوني اللحم المنقي من عيدانه، ويؤخذ من البلح الحديث ما قد لقط من تحت نخله بعد نضجه، ويجفف، ويحكم تجفيفه، وينزع نواه، خمسة أرطال، فينقع الزبيب والبلح في الشراب الريحاني يوماً وليلة، ومن لم ينقعهما في الشراب فلينقعهما في الميسوس الطيب، أو في الماء القراح، ثم يرفعان على النار، فيغليان غلياناً جيداً حتى ينضجا، ولا تبقى فيهما قوة، ويعتصر ماؤهما، فتعجن به العشرة أرطال العفص المطحون المخول عجناً جيداً حتى يصير مثل الحساء أو أرق منه ثم يرفع في طنجير نحاس غليظ على نار لينة، فيطبخ وهو يحرك بإسطام حديد، ولايفتر تحريكه، ويحترز المتولي لطبخه، بأن يتلثم، ويلف على يديه ورجليه ما يصونهما أن يقع عليهما من ذلك، حتى إذا غلظ وصار أشقر أنزله عن النار.قال: ومن الناس من يضيف اليه وقت طبخه من عقيد العنب على كل عشرة أرطال رطلاً واحداً مع ماء الزبيب وماء البلح؛ ومنهم من يقتصر على مائهما فقط، فإذا انتهى أنزله عن النار، وصبه على بواري قصب، بعد أن يبرد، ويبسط عليها بسطاً رقيقاً مستوياً بشيء قد دهن بدهن خيري؛ ثم يعلق البواري بعد جفافه عليها في سقف بيت كنين من الغبار سنة كاملة، بحيث يصل اليها مهب ريح الشمال؛ فهذا عمل الرامك الذي هو أصل السك.","part":3,"page":259},{"id":1260,"text":"فإذا أحببت أن تصنع منه سكاً فاقلع الرامك عن البواري،ودقه، واطحنه طحناً ناعماً، واسقه أمراق الأفاوية التي يطبخ بها البان، وسنذكرها في فصل الأدهان - إن شاء الله تعالى - ؛ واذا أردت ذلك تجمع أمراق الأفاويه بعد تصفية البان عنها، وغسلها من دهنية البان، وسلقها وتصفيها، فيعجن بها عجناً جيداً كما عجن أولا بماء الزبيب والبلح، وترفعه على النار وأنت تحركه دائماً بالإسطام تحريكاً جيداً، وقد تحرزت مما يتطاير منه كما تقدم، حتى إذا شرب تلك الأمراق وقوي، بردته في سطول، وصببته على البواري كما فعلت أول مرة، فتعقته أربعة أشهر حتى يجف، ثم تدقه وتطحنه وتنخله، وتأخذ لكل من منه من الهرنوة وزن ثلاثة دراهم، ومن الصندل المقاصيري نصف أوقية ومن العود القماري الدق الجيد نصف أوقية، ومن الزعفران المسحوق وزن درهمين، ومثقالا واحداً أو مثقالين - إن أحببت - من نافجة مسك طرية الفتاق قد نتف ما عليها من الشعر وحلق، وقرضت تقريضاً صغيراً، ودقت دقاً ناعماً ومن دهن الخيري الكوفي الخالص نصف أوقية، ومن العسل الماذي نصف أوقية؛ يعجن جميع ذلك بالسك عجناً جيداً، ويترك ثلاثة أشهر أوأربعة حتى يجف ويتكامل جفافه؛ ثم يدق ويطحن، ويعجن بميسوس، ويطرح في كل من منه من المسك ثلاثة مثاقيل، يعجن بها عجناً جيداً، ويقرص أقراصاً صغاراً ويترك حتى يجف. قال : فهذا أذكى أبواب السك وأصلحه.\rفإن أردت أن تصنع منه سكاً مثلثاً أومنصفاً أومثلث أو دون ذلك، فاعمد إلى كل عشرة مثاقيل من السك الأصلي الذي قدمناه ذكره، فأنعم دقها وسحقها، وأضف إلى العشرة مثاقيل - ان أردته مثلثاً - من المسك خمسة مثاقيل؛ وإن أردته منصفاً فأضف إلى العشرة مثاقيل مثلها من المسك؛ وان أردته دون المثلث فأضف إلى العشرة مثاقيل ثلاثة مثاقيل، وأنعم عجنه به، وقرصه، واختمه، وجففه؛ فهذه صفة السك المنصف والمثلث وما دونه، وهو أفضل أنواع السك وأشرفها.\rصنعة سك يؤخذ من الرامك بعد تجفيفه على البواري كما تقدم رطلان، يدق وينخل ويسقى من أمراق الأفاويه نحو ما ذكرناه؛ ثم يؤخذ لذلك من العود السن القماري المسحوق أوقية ونصف، ومن الصندل المقاصيري الأصفر الدسم ثلاث أواقي ومن السنبل العصافير أوقية، ومن الهرنوة أوقية، ومن القرنقل الزهر أوقية، ومن الهال نصف أوقية، ومن الزعفران المائي أوقيتان؛ يدق ذلك، ويطحن وينخل، ويلقى على السك في الطنجير وهو على نار لينة، ويصب عليه من دهن الخيري الكوفي الخالص أوقيتان، ومن العسل الماذي الابيض أوقيتان، ويحرك ساعة، ثم يوضع عن النار، ويبسط على بارية بعد أن يبرد، ويعتق سنة، ثم يقلع فيدق دقاً ناعماً ويعجن بميسوس أو بماء قراح، ويلقي على كل من منه من المسك ربع مثقال بعد سحقه، ومن العسل خمسة دراهم، ويقرص ويختم. قال التميمي: هذه الأفاويه - فيما أرى - كثيرة لرطلين عفصاً؛ وأنا أرى أن يكون العفص سبعة أرطال بالبغدادي، فإنه يحتمل ذلك.\rصنعة رامك وسك ذكر التميمي عن احمد بن أبي يعقوب أنه عمله، وأنه أجود ما يكون من السك. قال ابن أبي يعقوب: صفة عمل الرامك أن يؤخذ من العفص البالغ الجيد، فيرض، ويصير في قدر كبيرة، ويصب عليه من الماء ما يغمره، ثم يطبخ أياما، ويزاد في مائه كلما نشف حتى ينضج، ثم يخرج العفص فيجعل في شمس حارة حتى يجف، ويرفع ذلك الماء الذي طبخ فيه، ويؤخذ ما جلس فيه من العفص فيجفف، ويضاف الى العفص، ويدق، وينخل بمنخل شعر، ثم يرد إلى القدر؛ ويصب عليه ماء كثير، ويطبخ به يومين أو ثلاثة حتى تذهب العفصية منه، ثم يسحق على صلاية حتى يجف، ويصنع منه أمثال العلك؛ فهذا عمل الرامك، ولم يذكر فيه البلح ولا الزبيب.\rقال: فإذا أردت أن تصنع من هذا الرامك سكاً فخذ منه ستة أجزاء، ومن نوافج المسك جزءاً واحداً، فتنزع الشعر عن النوافج، وتقرضها، وتدقها دقاُ شديداً وتطحنها، ثم اخلطها بالستة أجزاء، واسحق الجميع على الصلاية بالماء أوبالشراب أو بالنضوج حتى يستوي، ثم يقرص، فإذا جف فخذ منه ستة أجزاء، ومن المسك التبتي جزءاً واحداً، واسحق المسك، وحل السك بماء ورد، وأضفه اليه بالعجن الجيد، وقرصه يأتك سكاً طيباً.\rفإذا أردت أن تعمل منه منصفاً أوغير ذلك، فاسحقه، وألق على كل مثقال منه نصف مثقال من المسك، أو ثلث مثقال، أودون ذلك، واعجنه به وقرصه.","part":3,"page":260},{"id":1261,"text":"قال: فهذا أفضل ما يعمل من السك.\rوأما الأدهان وما قيل فيها - فهي كثيرة، نقتصر منها على ما يدخل في أصناف الطيب والغوالي، مثل دهن البان، ودهن الزنبق، ودهن الحماحم ودهن الخيري، ودهن التفاح، والأدهان المركبة العطرة، وأدهان تصلح الشعور.\rولنبدأ بذكر دهن البان وحبه ومعادنه وكيفية طبخه - قال محمد بن أحمد التميمي: شجر البان شجر عظيم، يحمل حباً ألطف من البندق في مقدار حب النبق، مستديراً، ذا ثلاثة حدود كحدود أزجة النشاب، يكسر فيخرج من جوفه حب أبيض دهني، تعتريه مرارة يسيرة؛ ومنابته بينبع من أرض الحجاز، وبأرض عمان، وباليمن.\rقال: ومنه شيء ينبت بأرض مصر، وشيء يجلب من أرض الشراة وناحية البلقاء، وشيء ينبت على شاطئ البحيرة المنتنة ما بين زغر وأريحا؛ وأجوده اليمني والحجازي؛ وأجود حبه ما كان قشره يضرب الى السواد؛ وأما الأبيض القشر فإنه رديء، يعرض له الفوارن عند طبخه.\rوأما كيفية إخراج دهنه - فإنه يؤخذ هذا الحب فيطحن في أرحية معدة له، ثم ثجعل في قدر نحاس كبيرة تسع عشر كيالج وأكثر بالكيلجة الشامية، ومقدار كل كيلجة ثمن إردب بالكيل المصري، ويكون الحب المطحون قد ملأ ثلثي القدر ويصب علنه من الماء ما يغمره، وزيادة أربع أصابع مفتوحة، ويوقد تحته بالحطب الجزل حتى يغلي، فيطبخ نصف يوم، وكلما نقص الماء يزاد، حتى إذا انتصف النهار يقطع عنه الوقود، ويترك حتى يبرد، ثم يلقط ما طلع فوقه من الدهن ويجمع في آنية حتى لا يبقى من الدهن شيء؛ فهذا استخراج حب البان.\rوأما كيفية طبخه بالأفاويه حتى يصير باناً مرتفعاً - فمنه كوفي ومنه مدني.\rأما الكوفي - فقال أحمد بن أبي يعقوب مولى ولد العباس فيه: يؤخذ الدهن المستخرج من حب البان، فيجعل في قدر برام كبيرة، ويطبخ بمثله من الماء الصافي، ولا يزال يطبخ أياماً، وكلما نشف الماء نقل إلى قدر أخرى، ويصب علنه من الماء الصافي نظير الدهن، ويطبخ حتى ينشف الماء ويبقى الدهن؛ يفعل ذلك به ثلاث مرات؛ ثم يطبخ بالماء الصافي والورد الذي لم يتفتح ثلاثة أيام؛ ثم يطبخ بالماء والصندل الأصفر الماصيري المخروط أياماً ثلاثة حتى تذهب عنه رائحة الدهن؛ ثم يطبخ بالعود الهندي السن والماء الصافي يومين أو ثلاثة ثم يطبخ المسك المنصف المسحوق بماء الورد يوماً، وهذا الطبخ الذي بالسك وماء الورد يسمى: النش، ويسمى بانه: البان المنشوش.\rقال: ثم ينزل ويصفي، ثم ينش بعد طبخه بالسك وماء الورد بالمسك التبتي المسحوق المحلول بماء الورد الجوري نشا جيداً حتى ينشف عنه ماء الورد، ويأخذ البان قوة المسك.\rوأما البان المدني - فإن أهل المدينة يطبخونه بالأفاويه الطيبة مثل السليخة والسنبل والقرنفل والكبابة والهرنوة والصندل الأصفر المخروط، وسن العود الأسود، يطبخونه بكل واحد من هذه الأصناف أياماً مع الماء الصافي؛ ثم يبرد ويطبخ بالصنف الآخر حتى ينتهي - على ما نصفه إن شاء الله تعالى - إلا ان هذه الدهن لا يصلح للغوالي، لأنه يتغلب على روائح العنبر والمسك بروائح الأفاويه وحدتها، فلا تستعمله الملوك إلا أن تدهن به أيديها في الشتاء، وتستعمله النساء في أطيابهن وخمرهن.\rصنعة بان آخر - قال التميمي فيه : هذا بان ركبته أنا، واخترعته رأياً من ذات نفسي، فجاء غاية في الطيب؛ وهو أن ينقى من حب البان البالغ في شجره ما كان قشره يضرب إلى السواد، فتنقى منه مقدار ما يخرج لك من الدهن زيادة على ثلاثين منا، وذلك يخرج من مائة من الحب البالغ إذا طحن وطبخ وأحكم طبخه - على ما قاله أبو عمران موسى اليهودي المعروف بالبني. وقال أبو سعيد اليهودي العطار - وكان عالما بعمل البان وعلاجه وطبخه - : إن الكيلجة الفلسطينية تخرج منا من الدهن، وكل كيلجة وربع نصف ويبة بالكيل المصري والويبة سدس إردب، فتجعل من الثلاثين منا عشرين منا أولا، وعشرة أمناء ثانيا.","part":3,"page":261},{"id":1262,"text":"وقال: فاذا حصلت من حب البان ما يخرج لك ذلك، وطحنته، وجمعت دهنه كنا تقدم، تعمد الىقدر برام لم يدخلها شيءمن الدنس، تسع أربعين منا - فتصب فيها من دهن البان عشرين منا بعد أن يجلس، وتصفيه؛ ثم تعمد إلى منوين من السليخة الحمراء تكون قضباناً دقاقاً، فتغلى لها من الماء فوق غمرها، وتصبه عليها في إناء غضار أو صفر، وتكمر الإناء ليرجع بخار الماء إليها وتتركها منقوعة يوماً وليلة، أو يومين. ورأى أبو سعيد أن تغلى على النار بعد نقعها ثم يصفى ماء السليخة على دهن البان، وتعاود بماء ثان فتغلى به أيضاً حتى تخرج قوتها، وتصفيه على دهن البان أيضاً، وتطبخه حتى ينشف الماء ويبقى الدهن فترفعه في قراريب بعد ترويقه؛ ثم تعمد إلى السليخة فتغمرها بماء ثالث، وتطبخها طبخة خفيفة لتستخرج قوتها، ثم تصفيها، وتطبخ بالماء الذي يخرج منها العشرة أمناء البان الثانية، وتعزلها في قراريب مفردة؛ فإن كانت السليخة قد ضعفت بعد استخراجك منها الماء الأول فقوها بنصف من آخر لتطيب به العشرة أمنان الثانية؛ وكذلك تفعل في كل نوع من الأنواع التي نذكرها إذا استخرجت مائه الأول ورأيته يضعف عن أن يطيب البان الثاني فقوه بشيء منه طري،ثم تنقع من السليخة الحمراء التفاحية المنسوفة منا ونصف من في ماء حار يوماً وليلة، ثم تغليه وتصفيه على العشرين من بان المطبوخة بالسليخة في القدر، ثم صل عليه من الماء ما تكمله به حتى يصير الماء نظير الدهن، واطبخه على الرسم حتى ينشف الماء ويبقى الدهن فأعده في قراريبه، ثم انقع السليخة أيضاً في ماء ثان، وقوها إن ضعفت، واطبخ بها العشرة أمناء الدهن الثانية كما تقدم؛ ثم برده، وأعده في قراريبه؛ ثم خذ من قرنة القرنقل الحارة الذكية منوين قدقهما تهشيما، ثم اغل لهما عشرين منا من الماء وصبه عليهما، وأكمره بالغطاء يومين وليلتين، ثم أغله بهما غلية واحدة، وصفه على البان الأول، واطبخه نصف يوم حتى ينشف الماء ويبقى الدهن، فبرده، وأوعه وأحكم سده، وانقع القرفة أيضاً بماء حار، وقوها بربع من ، ودعها يوما وليلة ثم اغلها، وصف ماءها على البان الثاني حتى ينشف الماء ويبقى الدهن، فبرده وأعده إلى ظروفه، وأحكم سدها.\rقال: فإن أحببت أن ترفعه بالقرنفل - وهو أفضل - ، فخذ من القرنفل الجيد الحب المنسوف نصف من، فهشمه، واغل له من الماء عشريب منا، وصبه عليه وهو حار، وغطه يومين وليلتين، ثم صفه على البان الأول في القدر، واطبخه به وافعل في طبخه نحو ما تقدم؛ وانقع القرنفل المسلوق في سبعة أمناء من الماء الحار ثم اغله، واطبخ به البان الثاني كما تقدم؛ ثم خذ من البسباسة الحمراء نصف من فانقعها في عشرة أمنان من الماء الحار يوما وليلة","part":3,"page":262},{"id":1263,"text":"وصف الماء على البان، واطبخه به كما تقدم، ثم يطبخ بماء الورد بعد البسباسة؛ ثم خذ من الورد الفارسي الأحمر المنقى من أقماعه منوين، وأغل لهما من الماء الصافي عشرين منا، وصبها عليهما، واكمره بما يرد بخاره فيه، ودعه فيه يومين ثم صفه على البان الأول من غير أن تغليه، واطبخه به على الرسم، وصب على الورد عشرة أمناء من الماء الحار، وقوه بنصف من الورد الطري، وصفه على البان الثاني، واطبخه به كما تقدم؛ ثم خذ من السنبل العصافير الجيد منا واحداً، واغل له من الماء عشرين منا، وصبه عليه، واكمره بما يرد بخاره فيه يومين؛ ثم اسلقه سلقة خفيفة، وصفه على البان الأول، واطبخه على الرسم، وقو السنبل بثمن من وانقعه يوما وليلة في ثمانية أمنان من الماء؛ واغله على النار، وصفه على البان الثاني، واطبخه به تقدم؛ ثم خذ من الهرنوة منا وربع من فهشمه، واغل له من الماء عشرين منا، وصبه عليها، واكمره حتى ينعكس بخاره اليها، واتركه يومين وصفه على البان الأول، واطبخه به؛ ثم قو الهرنوة بثمن من منه، وانقعها في عشرة أمناء من الماء الحار؛ وصفه على البان الثاني؛ واطبخه به كنا تقدم؛ ثم خذ من الصندل الأصفر المقاصيري الدسم منا وأوقيتين، واخرطه خرطاً رفيعاً على نطع واجعله في سفن، واغل له عشرين منا ماء، وصبه عليه، واكمره يومين وليلتين، ثم اغله به، وصفه على البان الأول في القدر، واطبخه به حتى ينشف الماء، وبرده، وأعده إلى ظروفه؛ ثم قو الصندل بأوقيتين، وانقعه يوما وليلة واغله؛ ثم صفه على البان الثاني، واطبخه به كما نحو ما تقدم؛ ثم خذ من العود الأسود السن نصف من أو ثلثي من إن أحببت فانقعه في الماء الحار، واتركه فيه ثلاث أيام وثلاث ليال، ثم اغله على النار، وصفه على البان الاول، وثن العود وثلثه بالماء الحار والغليان، واجمع ماءه الثاني والثالث، وصبهما على البان الأول واطبخه بالمياه الثلاثة حتى ينشف الماء ويبقى الدهن، ثم برده وأعده إلى ظروفه ثم اغل العود بخمسة أمناء ماء غلياناً جيداً، واطبخ به البان الثاني حتى ينشف الماء ويبقى الدهن، فبرده وأودعه في ظروفه.\rقال: فهذا البان الأول الذي لا بعده، والثاني دونه، ولم يبق إلا نشه بالمسك وسك المسك، على ما نصف إن شاء الله تعالى.\rقال التميمي: ورأيت أبا سعيد العطار يؤثر أن يشم القرفة والقرنفل والهرنوة، ويجمع ذلك مع السنبل في إناء كبير، ويصب عليه من الماء الحار ثلاثين منا، وينقعه فيه يومين وليلتين، ثم يصفى ويعزل، ويصب على الأفواه ماء حاراً عشرين منا، ويصفى على الماء الأول في سفن؛ ثم يطبخ به البان الأول في ثلاث سقيات وهو علىالنار، كلما نشف ثلي الماء صب عليه الثلث الآخر فإذا انتهى يبرد ويوعى في ظروفه حتى تثنى الأفواه بماء ثان للبان الثاني، ويطبخ به على الرسم.\rوقال: هذا أروح وأخف مؤونة من تكرارالطبخ بكل نوع على حدته إلا الصندل والعود، فإنه لا بد من طبخهما بماء، كل منهما على الانفراد.\rقال: ورأى سعيد بن عمار الباني وأبو عمران بن الحارث الباني أن يطبخ البان بالماء والأفاوية جميعاً بعد نقعها، ولا يصفى الماء عنها.\rوقالا: طبيخه بالأفاويه مع الماء أقوى له، لأن البان ينمحق في الأفاويه.\rوقال سعيد بن عمار: تسلق الأفاويه بعد إخراجها من البان، كل صنف منها على انفراده، ويؤخذ ماء كل صنف منها على حدته، ويترك بما بقي فيه من البان ويعجن به السك كما ذكرناه قبل.\rقال التميمي: وأنا أرى عجن السك بأفواه قوية منقوعة خيرا وأفضل، وقال: عرضت؟؟ هذه النسخة التي اخترعتها - وهي التي تقدم ذكرها - على أبي عمران موسى بن الحران الباني فعجب من ذلك، وقال: والله إن هذه الطريق لطريقي في عمل البان وطريق كل حاذق، ما عدوت منها شيئاً، وما كنت أظن أحداً يصل إلى علم مثل هذا من عند نفسه من غير أن يأخذه عن صانع؛ والله أعلم.\rصفة نش البان على رأي أ بي عمران الباني","part":3,"page":263},{"id":1264,"text":"قال أبو عمران: إذا اردت نش البان فاسحق للعشرين منا منه بعد أن يبرد ويجلس من المسك التبتي مثقالين، ومن سك المسك المرتفع أربعة مثاقيل وانخلهما بحريرة، واعجنهما بماء ورد، ثم حلهما بماء الورد بعد عجنهما حتى يصيرا مثل الحساء، وصبهما على البان الذي تريد نشه في قدر جديدة معدة للنش واجعله على الكانون الذي يسمونه \" نافخ نفسه \" ، أو غيره، وأوقد تحته بنار فحم، وحركه بقصبة فارسية دائماً وهو يغلي حتى ينشف ماء الورد، وعلامة ذلك أن يعلق المسك والسك برأس القصبة مثل الشمع أو مثل الغالية، فأنزله عند ذلك عن النار واتركه حتى يبرد، وارفعه.\rنشه على ما ورد في كتاب العطر المؤلف للمعتصم بالله فهو أن تأخذ من البان الاصلي الأول الجيد رطلين، فتجعلهما في طنجير برام جديد لم يدخله شيء غير البان، ثم خذ لهما من المسك المثلث المرتفع أوقية، ومن العود الهندي أوقية، واسحق كل واحد منهما، وانخله بحريرة، ثم اعجنهما بماء الورد حتى يصيرا أرق من الحساء المصنوع من الدقيق، وصبهما على البان في الطنجير وارفعه على نار لينة حتى يغلي غلياناً رفيقاً وأنت تحركه دائماً بانبوبة قصب فارسي حتى ينشف ماء الورد، ويعلق السك والعود برأس الأنبوبة، فأنزله حينئذ عن النار، ودعه حتى يبرد، وصفه في إنائه، ثم انزع ما في أسفل الطنجير من السك و العود برأس سكين، أو بملعقة من حديد، واعزله لعمل الغالية؛ ثم اغسل الطنجير غسلاً جيداً، وجففه، وأعد اليه البان الذي نششته بالسك والعود، واسحق للرطلين من المسك أوقية، ومن العنبر الشحري أوقية، وانخل المسك بحريرة صفيقة، والعنبر بخامة، ثم اجمعهما علىالصلاية، واسحقهما جميعاً، ثم حلهما بماء الورد مثلما حللت السك والعود، وصبهما في الطنجير على البان، وارفعه على نار لينة، وأدم تحريكه بأنبوبة القصب، ولا تغفل عن تحريكه، وتكون ناره الآن ألين من النار الأولى التي نششت بها السك والعود، فاذا نشف ماء الورد وتعلق المسك برأس القصبة، فأنزله عن النار، وبرده، وارفعه.\rقال: ونش على اثره بما بقي في الطنجير من ثفل المسك والعنبر باناً ثانياً يكون دون الاول.\rوأما دهن الزنبق وما قيل فيه - فمنه اصلي خالص، ومنه مولد؛ فأما الخالص فمعروف، ولم أقف على كيفية عمله فأذكرها.\rأما المولد - فقد ذكره التميمي، ونقله عن الكتاب المؤلف للمعتصم فقال: تأخذ من الشيرج الرائق منا، فتصبه في طنجير برام، ثم تأخذ من ورود النسرين أوقية، ومن بزر الشاهسفرم غير المفروك وورقه من كل واحد منهما أوقية، ومن بزر النسرين نصف أوقية، ومن زهر الياسمين الأبيض الطري الغض لقاط يومه نصف رطل، ومن بزر الورد الأحمر الطري نصف أوقية، ومن قضبان قلوب شجر البلسان الطرية خمسة قضبان أو ستة، وإن تعذرت الطرية فخذ من لحائه الجاف أوقية ونصف أوقية، ومن الصندل الأصفر نصف أوقية؛ واقسم هذه الأصناف وانقعها في ماء ورد ونضوح وماء ريحان مصعد من كل واحد نصف رطل، واتركها يوماً وليلة منقوعة، ثم ألق ذلك على الدهن مع الياسمين الطري الأبيض، ثم ارفعه على نار لينة، وحركه بشقة قنا حتى تنشف المياه التي نقعت فيها الأصناف، فأنزل الطنجير عن النار، وأحكم تغطيته لوقته، واتركه إلى الغد، ثم صف الدهن عن الثفل، فاذا برد فألق على كل من هذا الدهن رطلا من الزنبق المصري الجيد ثم بعه على أنه زنبق خالص.\rقال: وإن شئت فخذ من دهن الشيرج الرائق العتيق، واجعله في دستجة، وألق على كل رطل منه في بكرة النهار الأول من زهر الياسمين الطري الأبيض الذي لا نداوة فيه أوقية، وسد رأسه، واجعله طول النهار في شمس حارة، ثم افتحه من الغد، وألق عليه من الياسمين نصف أوقية، ودرجه في كل يوم بنقصه درهماً حتى يبقى وزن درهم، فألقه فيه في كل يوم إلى تمام أربعة عشر يوماً، ثم اقطع عنه الياسمين، ودعه أربعة عشر يوماً في الشمس حتى ينطبخ؛ فإذا انضم الزهر الذي ألقيته في الدهن، فألق عليه في كل يوم وزن درهم أو درهمين من زهر الياسمين سبعة أيام، ثم دعه سبعة أيام، وألق عليه سبعة أيام، ثم اقطع الإلقاء عنه ودعه في الشمس تمام ستين يوماً حتى يجف الزهر؛ ثم صفه على شقة غربال وخذ من صفا منه فأودعه القوارير، وأحكم سدها؛ فهذا زنبق غاية لا بعده.","part":3,"page":264},{"id":1265,"text":"وأما دهن الحماحم وما قيل فيه - فقال محمد بن العباس: يؤخذ من رؤس الحماحم السود أول ما تظهر قبل أن تبرز، ومن ورقة الصغير الأخضر الذي يجني منهن فيعزل، ويؤخذ تور حجارة، أو برمة جديدة، تغسل غسلاً جيداً ويصب فيها قدر رطل ماء ورد جوري، ويطرح فيه الحماحم والورق مع عشرين حبة من حب القرنفل الزهر، ويصب على ذلك من دهن الخيري الكوفي الفائق والزنبق السابوري لكل عشرة رؤس من الحماحم الضخمة رطل من الخيري والزنبق ثم اغله بنار فحم لينة حتى ينضج الحماحم؛ ثم خذ مثقال عود هندي مسحوق ومثله من السك المرتفع، ونصف مثقال من الكافور، ووزن دانق من المسك يعجن ذلك بزنبق، ويبخرن ويقلب بعده كل ثلاث بندات، ثم يصفى الدهن من فوق الحماحم؛ وتعصر حتى لا يبقى فيها شيء من الدهن، ثم صب الدهن على الأفاوية المبخرة، ويحرك في باطية، ويترك أربعة أيام حتى يصفو؛ ثم تبخر قارورة نظيفة بسك وكافور وعود؛ ثم صب فيها الدهن، وحل فيه من المسك ثلث مثقال أو أكثر فإذا أردت استعمال شيء من الدهن فحرك القارورة. ومن أحب أن يزيده دهناً مبخراً ويفتقه بشيء من كافور فعل.\rوأما دهن الخيري - فمنه أصلي، ومنه مولد: فأما الأصلي الخالص فلم أقف على كيفية عمله.\rأما المولد - فقد ذكره التميمي عن الكتاب المؤلف للمعتصم، فقال: تأخذ من الشيرج الصافي منا فتصبه في طنجير برام، وتأحذ له من بزر الحماحم وزن ثلاثة دراهم، ومن بزر الأفرنجمشك خمسة دراهم، ومن ورقه عشرة دراهم، ومن ورق الحماحم وقلوبه ستة عشر درهماً رطباً كان أو يابساً، ومن بزر الخيري الخمري والأسمانجوني الطري النقي من خضرته من كل واحد خمسة دراهم ، ومن بزر الخيري الأصفر أربعة دراهم، ومن ورق الورد الأبيض ربع أوقية، ومن قلوب الأترج الورق الرطب وورده المفتح وورد النارنج الطري وقشره من كل واحد نصف اوقية، ومن قلوب النمام الطري أوقية، ومن الصندل الأصفر ربع أوقية؛ يرض الصندل مع ما كان من الأوراق اليابسة والبزور، وينقع بماء الورد وبماء زهر الخيري المصعد يومين، وتلقى الازهار والاوراق وماء الورد والخيري المنقوع فيه على الدهن، ويوقد تحته بنار لينة، وأنت تحركه تحريكاً مستمراً بشقاقنا، حتى إذا علمت ان الدهن قد قبل روائح ما استودعته، أنزلت الطنجير وغطيته ليلة ثم تصفي الدهن في القوارير، وإن شئت خلطته بدهن خيري فجعلت على المن منه من هذا الدهن رطلاً، أو على الرطل منه منا، فإنه يأتي غاية في الطيب؛وقد يباع هذا الدهن مفردا بسعر الخيري الخالص، قال: وإن أردت أن تجعل منه غير مطيب، فخذ الشيرج واجعله في قارورة، وألق على كل رطل من الشيرج أوقية ونصفا من زهر الخيري الخمري والأسمانجوني الطري الذي لقط عند غروب الشمس، وتلقيه فيه من أول الليل، ثم تعلق القارورة في بئر ماء عشرة أيام، ثم تجعلها في الشمس عشرة أيام، وتضع فيه في كل عشية من زهر الخيري الاسمانجوني والخمري لقاط وقته في كل يوم وزن ثلاثة دراهم، ثم يعاد إلى البئر عشرة أيام؛ ثم يخرج ويعلق في الشمس، ويجدد له زهر كرة ثالثة، ويترك في الشمس حتى يجف ورقه، ويصفى بمنخل فيأتي دهن خيري يضرب المثل بطيبه؛ والله أعلم بالصواب.","part":3,"page":265},{"id":1266,"text":"وأم دهن التفاح وما قيل فيه - فأجوده ما ألفه التميمي فقال: تأخذ من دهن الخيري ودهن الورد من كل واحد نصف من، فتخلطهما في ظرف وتأخذ من ورق الآس الغض ما أحببت، فتدقه بشيء من الماء القراح، وتستقطره في قابلة، وتأخذ مما قطر منه زنة مائة درهم، ومن ماء الزعفران المصعد خمسين درهماً، وتخلطها في برنية، وتصب عليهما من ماء الورد ثلاث أواقي، وتدق من الحلب المقشر مائة درهم، وتعجنه بنصف أوقية ميعة حمراء سائلة عجناً شديداً وتعزله، ثم تاخذ من قشور التفاح الشامي البالغ الطري رطلاً فتلقيه في المياه وتغليها عليه، ثم تمرسه مرساً جيداً، وأنزله عن النار، ثم ألق فيه أوقية من فاغية الحناء وجرزه من ورق النمام الطري، وتلقي المحلب المعجون بالميعة في الدهن وتضربه به ضرباً جيداً، وتسحق له من القرنفل مثقالين، ومن السنبل مثقالين وتنخل ذلك، وتضيف اليه أوقية ذريرة ممسكة مفتوقة، وتعجن الجميع بنضوح عتيق، وتخمره يومين في باطية بالعود والكافور، وألقه في الدهن الذي حللت فيه المحلب، واضربه به، ثم اقلبه على المياه التي فيها قشور التفاح والفاغية والنمام وأحكم سد رأس الإناء، وضعه في شمس حارة سبعة أيام، وحركه في كل يوم ثم ارفعه بعد الاسبوع في طنجير على نار لينة، واطبخه حتى ينشف الماء، ثم برده واقطف الدهن في ظرف مبخر، وافتقه بمسك وكافور من كل واحد سدس مثقال؛ فهذا دهن التفاح الفاخر.\rوأما الأدهان المركبة العطرة - فقد ذكر منها التميمي وغيره كثيراً؛ وقد اقتصرنا على أطيبها وأجودها وأعطرها.\rفمنها دهن ألفة التميمي فجاء غاية، وسماه: الدهن الفيح، تعمل منه غالية رفيعة.\rقال: وهذا الدهن يفوق البان طيباً، وتدهن منه في الشتاء الأطراف والوجه فيفوق كل دهن طيب؛ تأخذ من دهن الورد الفارسي الطري ثلاث أواقي، ومن الزنبق السابوري الرصافي أو المصري أوقيتين، ومن دهن البنفسج أوقيتين، ومن دهن الخيري أوقيتين، ومن البان المنشوش بالمسك أوقيتين، ومن دهن النرجس أوقية؛ تجمع هذه الأدهان في خماسية، ثم تأخذ من العود الجيد الفائق وزن درهم ونصف، ومن الصندل الأصفر المحلول بماء الورد المخمر بالزهر والنمام وزن درهم، ومن السك المرتفع وزن درهم، ومن زهر القرنقل الذكي نصف مثقال، ومن الهرنوة مثل ذلك ومن السليخة التفاحية وزن درهم، فتدق ذلك وتسحقه، وتنخله بحريرة، ثم تضيف إلى هذه الأصناف من الزعفران القمي المسحوق وزن دانقين، ومن الكافورالرياحي نصف مثقال، ومن المسك ربع مثقال، ومن الند مثقالا، تسحق المسك والند وتضيف اليهما الكافور بعد سحقه على الانفراد والزعفران؛ ثم تعجن الجميع بشيء من الدهن، وتقطر فيه من دهن البلسان زنة دانق، ومن دهن الأترج زنة دانقين وتضربه ضرباً جيداً، ثم تخلطه بالدهن، وتضربه به حتى يختمر، وتقيم سبعة أيام تضربه كل يوم، وتبخره في السبعة أيام إحدى وعشرين بندة برمكية رفيعة، وبمثلها من العود الصرف، وبمثلها من العود والكافور، وتضربه بالبحور والثفل الذي فيه ضرباً جيداً في كل مرة تبخره، فإنه يأتي عجباً في الطيب والذكاء، فإن أحببت رفعه فحل له نصف مثقال من العنبر الأزرق بشيء منه، وألق فيه ربع مثقال من المسك المسحوق؛ واضربه به حتى يصير مثل الغالية؛ ثم صبه عليه، وأنعم ضربه، فإنه يرفعه ويطيبه.\rصنعة دهن آخر من الكتاب المصنف للمعتصم بالله تأخذ من العود الهندي أوقية، ومن السنبل مثقالا، ومن الصندل الأصفر مثقالا، ونصف مثقال من الورد؛ يدق ذلك، ويخمر بمثقال من سك مسك محلول بماء الورد، مرفوع على النار، فتخمره به ليلة، ثم يسحق حتى يجف بالسحق وينخل بحريرة، ويعجن بزنبق سابوري مرتفع، ويدخن بمثلثة، ثم تهضمه بعود وكافور، ثم يفتق بما أحب صاحبه من مسك وعنبر، ويؤخذ له من دهن الخيري العراقي نصف رطل، ومن دهن الزعفران نصف رطل، ومن البان نصف رطل منشوش؛ تجمع هذه الأدهان في إناء، وتبخرها بالعود والكافور، ثم اخلطها بالمعجون المبخر، واضربها به اضربها به ضرباً جيداً، واستودعه القوارير، وافتقه بما أحببت من مسك وعنبر.\rدهن السيدة","part":3,"page":266},{"id":1267,"text":"تأخذ من الزنبق الرصافي المرتفع ثلاث أواقي، ومن دهن الورد الفارسي أوقية ونصفاً، ومن دهن الخيري الخالص أوقية، تجمع هذه الأدهان الثلاثة في إناء واحد، ثم تأخذ لها من الهرنوة وزن درهمين ونصف، ومن القرنفل الزهر مثل ذلك، ومن الكبابة درهمين، ومن جوزبوا مثل وبسباسة درهماً، وزعفرانا درهما، ومن الكافور ثلث مثقال، تسحق الأفواه سحقاً جيداً، وتعجن بقليل من الدهن، وتلطخ في باطن برنية، ويبخر الدهن بالعود والكافور، ثم تصبه في البرنية على الفتاق المبخر، وتضربه به ضرباً جيداً، وتطرح ثلاثة قلوب من قلوب الأترج، وإن قطرت فيه وزن نصف درهم من دهن الاترج، أغناك عن قلوب الأترج وجاء أطيب، فإذا برد وجلس فصف الدهن واستعمله على انفراد، ويؤخذ ثفله فيعمل في غمر الحمام، فإنه يكون عطراً طيباً.\rدهن للمأمون من كتاب يوحنا بن ماسويه تأخذ من الزنبق السابوري خمسين درهماً، ومن دهن الورد الفارسي الرفيع مثل ذلك، ومن دهن الخيري الرفيع مثله؛ تجمع الأدهان الثلاثة في باطية أو قدح زجاج أو برنية رحبة الفم، ثم يؤخذ من الورد خمسة مثاقيل، ومن الصندل المقاصيري الأصفر خمسة مثاقيل، ومن القاقلة مثقال، ومن الكبابة مثقال، ومن القرنفل مثقال؛ يدق ذلك وينخل، ويعجن بزنبق سابوري عجناً يابساً، ويبسط في باطية أو قدح زجاج أو برنية بسطاً رقيقاً، وتبخره بعود صنفي وكافور رياحي وسك مسك فائق ثلاثة أيام في كل يوم ثلاث بندات بالغداة، وثلاث بندات بالعشي، فإذا أردت أن تصب عليه الدهن فبخره أيضاً بنصف مثقال عود هندي، ونصف مثقال كافور رياحي، ونصف مثقال عنبر؛ تجمع ذلك جميعاً، وتقطع عليه من الزعفران الشعر زنة دانق؛ ثم تبخر بجميعها الأفاويه التي عجينتها في برنية رحبة ضيقة الفم ثلاث تبخيرات، ثم تبخر الدهن على انفراده سبع بندات بالعود والكافور، وتصبه على إثر تبخيرك للفتاق الممسك في البرنية، وتسد رأسها، وتضرب الدهن فيها بالفتاق حتى ينحل به ويمتزج، وتسد راس البرنية على الدهن والثفل سداً جيداً حتى يبرد؛ ثم أفرغ الدهن في قدح، وبخر البرنية، وأعد الدهن اليها، تفعل ذلك حتى ينفد ما أعددته للتبخير من العود والعنبر والكافور والزعفران، فاذا فرغ ذلك فحل الأفاويه المبخرة فيه، وحركها به حتى تختلط به، ودعه يومين وليلتين، ثم صفه عن الأفاويه، وارفعه في قارورة ضيقة الفم، وأحكم سدهه، ثم صب على الثفل الذي صفيت عنه الدهن من الزنبق السابوري ثلاثين درهماً، ومن دهن الورد الفارسي مثل ذلك، ومن دهن الخيري الكوفي حتى تشبع؛ ثم تصبها إذا برد بخورها على الثفل، وتضربها به ضرباً جيداً، وتحركه تحريكاً جيداً سبعة أيام، في كل يوم ثلاث مرات؛ فإذا أردت رفعه ألقيت فيه زنة درهم من الزعفران المطحون، وزنة دانق ونصف من الكافور الرياحي المسحوق، وزنة دانق من المسك المسحوق، وزنة درهم من العنبر المحلول على النار بشيء منه وتضربه بذلك ضرباً جيداً، ثم تصفى الدهن الثاني عن الثفل في قوارير، وتحكم سد رؤسها، ويؤخذ الثفل ويستعمل في لخالخ الحمام، فإنه نهاية؛ والله أعلم.\rدهن برمكي مبخر من كتاب يوحنا بن ماسويه","part":3,"page":267},{"id":1268,"text":"تأخذ من البان الرفيع ثلاثين درهما، ومن الزنبق السابوري مثله، ومن دهن الورد الفارسي مثله، وتأخذ من العود الهندي أوقية، ومن الصندل الأصفر أوقية ومن جوزبوا أوقية، ومن القرنفل الزهر أوقية، ومن الهرنوة أوقية، ومن البسباسة نصف أوقية، ومن السك المرتفع الأول أوقية، ومن المسك ثلاثة مثاقيل، ومن العنبر مثقالين؛ تدق جميع الأفواه كل واحد على حدته، وتنخل بحريرة، ويحل العنبر ببان الغالية، ويعجن به الجميع بعد أن يحل بزنبق سابوري عجناً يابساً، ويصير في برنية رحبة الجوف واسعة الفم، ويبسط فيها بسطاً رقيقاً، ويبخر يوماً بالقسط الحلو ويوما بالعود النيء، ويوما بالصندل الأصفر، ويوما بالزعفران، ويوما بالسك الرفيع، ويوما بالعود، ويوما بالعود والكافور والعنبر؛ ثم يؤخذ من كل واحد منها نصف مثقال، ويقطع ويبخر؛ فإذا انتهى تبخيره فصب الدهن عليه، وحركه فيه تحريكاً جيداً، واتركه يوما وليلة، ثم صف الدهن عن الأثفال في برنية قد بخرتها بمثقال مسك ومثقال عنبر، ونصف مثقال كافور رياحي، وسد رأسها سداً جيداً؛ فهذا الدهن البرمكي الرفيع الذي اتخذه جعفر بن يحيى لهارون الرشيد؛ ثم تأخذ بعد ذلك من الزنبق السابوري ودهن الخيري الكوفي الرفيع ودهن الورد الفارسي من كل واحد خمسين درهما، فتصب ذلك على الأثفال، وتضربها به بعد أن تبخرها بالعود والكافور سبع مرات، وتضرب الأثفال بها في قارورة نظيفة، وصفه عنها ويكون ذلك للخالخ ولشعور النساء. والدهن الثاني يلتحق بالأول. قال التميمي: وهذا الدهن البرمكي يقوم مقام الغالية.\rدهن للعباس بن محمد يؤخذ من السنبل ثلاثة مثاقيل، ومثقال من القرنفل، وثلاثة مثاقيل من براية العود الهندي، ووزن نصف درهم بسباسة، ووزن دانقين قاقلة، ومثلها من المحلب المقشر؛ تدق هذه الأصناف، وتنخل بمنخل صفيق، وتعجن بماء الورد الطيب والزنبق الخالص، وتبخر بعود مطري سبع بندات، ثم يترك حتى يبرد فاذا برد فاقلبه، ودخنه سبع مرات، ثم صب عليه رطلا من الزنبق السابوري الخالص بعد تبخيره مفردا بالعود والكافور، وحركه به، فاذا اختلط فدعه يوماً وليلة حتى يجلس؛ ثم صفه في قارورة جديدة مبخرة، وادهن منه متى أحببت.\rدهن العنبر من كتاب ابن العباس يؤخذ قارورة ضيقة الرأس، فيدهن باطنها بدهن، وتبخر بعنبر قوي الرائحة حتى تكمد وتسود من دخان العنبر؛ فإذا اسودت فصب فيها قدر ثلثيها من دهن الخيري المفتوق بالمسك، واضرب الدهن في القارورة ضرباً جيداً حتى يختلط به ذلك السواد الذي اكتسبته القارورة من دخان العنبر؛ ثم يستعمل، فمن أحب تقويته حل مثقالا من العنبر بشيء يسير منه، ثم يضربه به ضرباً جيداً.\rوأما الأدهان التي تصلح الشعور وتكثرها وتبسطها وتسودها وتذهب ما بها من الحاصة وتطولها وتقوي أصولها - فمنها دهن متخذ من حب القطن يكثر الشعور ويسودها ويذهب بالحاصة ويصفى اللون.","part":3,"page":268},{"id":1269,"text":"يؤخذ من لب حب القطن منوان، فيدق حتى يصير مثل المح وتستخرج دهنه كما تستخرج دهن اللوز؛ فإذا استخرجت من دهنه منا فصيره في طنجير برام وخذ له من السنبل أوقية، ومن القرنفل نصف أوقية، ومن المرزنجوش المجفف نصف أوقية، ومن الصندل الأصفر نصف أوقية، ومن القاقلة أوقية، ومن الورد الفارسي الأحمر أوقية، ومن بزر الشاهسفرم نصف أوقية، ومن بزر الافرنجمشك نصف أوقية، ومن الزعفران نصف أوقية، ومن الإذخر أوقية، ومن السعد الكوفي المقشوروورد النارنج ولب حب الأترج المقشر وبزر النمام وحب الآس الرطب من كل واحد أوقية، ومن البلح الأحمر المنزوع النوى إن كان رطباً فأربع أواقي، وإن كان يابساً فأوقية، ومن الشير أملج الأسود بعد دقة ونخله ثلاث أواقي؛ تجمع هذه الأصناف، وتلقى في قدر، وتصب عليها من الماء غمرها وزيادة أربع أصابع، وتصب عليها أيضاً من ماء الآس الأخضر رطلا، ومن النضوح المعتق منا، وتنقع في ذلك يومين وليلتين، ثم يصب دهن حب القطن عليها، وترفع على نار لينة، ويوقد تحتها برفق حتى ينشف الماء، وتدخل روائح الأفاويه في الدهن؛ فإذا انتهى إلى هذا الحد فخذ من اللاذن الرطب نصف أوقية وحله على نار لينة بزنبق رصافي حتى يصير مثل الغالية، وألق من الكافور سدس مثقال بعد سحقه، ومن المسك المسحوق قيراطين، وإن أحببت فسدس مثقال واضربهما جميعاً في اللاذن المحلول بالزنبق ضرباً جيداً، ثم أنزل الطنجير عن النار وغطه بطبق ينطبق على رأسه، وإن كان طبخه في قدر نحاس فهو أجود وأمكن للتغطية، وألق فوق الطبق خشبة، ودعه بقية يومه وليلته حتى يبرد الدهن ويصفو ثم اقطعه عن الثفل، واجعله في إناء واسع، واضرب فيه اللاذن المحلول والكافور والمسك ضرباً جيداً حتى تختلط به؛ وان كان فاترا فهو أجود؛ ثم ارفعه في قوارير مبخرة، وأحكم سدها، ودعه حتى يختمر، ثم استعمله، فإنه غاية في الطيب والنفع.\r؟دهن نوى المشمش يجود الشعر ويكثره ويذهب بالحاصة، وينفع شعر الرأس واللحية منقول من كتاب المعتصم.\rتعصر من دهن نوى المشمش منا، وتدعه حتى يروق ويصفو، ثم تأخذ له من المحلب الأبيض المقشور والقرنفل وسك المسك والبنك والورد اليابس الأحمر والقاقلة والمرو الأبيض والمرزنجوش المجفف والأفرنجمشك المجفف والشاهسفرم المجفف والصندل الأصفر وورق الأترج المجفف وورد الياسمين المجفف والسنبل العصافير والهرنوة، من كل واحد أوقية؛ تدق هذه الأصناف، وتنخل نخلاً جريشاً وتعجن بماء ورد ونضوح عتيق في توربرام، وتصب عليها من ماء الورد غمرها وزيادة إصبعين؛ فإن كان الثلثان ماء ورد والثلث نضوجاً كان أطيب، وتترك فيه يوماً وليلة؛ فإذا أصبحت فألقه في طنجير برام، وصب عليه أيضاً من ماء الورد والنضوح، وأوقد تحته، حتى إذا استحق صببت الدهن عليه وأوقدت تحت الطنجير وأنت تحركه دائماً تحريكاً شديداً حتى ينشف ماء الورد والنضوح ويبقى الدهن وحده؛ فأنزل الطنجير عن النار، وصب عليه من ماء الآس الرطب الذي قد رششت عليه الماء ودققته وعصرته وروقته بخرقة رطلاً ونصفاً؛ ثم أعده إلى النار، وأوقد تحته حتى ينشف ماء الآس؛ ثم أنزله، وألق فيه قيراطين من المسك المسحوق، وثلاثة قراريط من الكافور المسحوق، وحركه تحريكاً جيداً؛ ثم غطه وغمه بخشبة، واتركه بقية يومه وليلته حتى يبرد ويصفو؛ ثم صفه في القوارير، وارفعه.\rقال التميمي: وإن حللت فيه وهو حار نصف أوقية من اللاذن الرطب وفتقته به زاد طيبا ونفعا للشعر. وهذا الدهن صنعته أنا بالقاهرة في سنة خمس عشرة وسبعمائة فجاء غاية في الطيب والنفع.\r؟؟دهن يجود الشعر ويطوله ويكثفه ويقوى أصوله ويذهب بالحاسة، ألفته منه","part":3,"page":269},{"id":1270,"text":"يؤخذ من الإهليلج الأسود والبليلج وشير أملج ونيلوفر أصفر وأحمر مجففاً وخبث الحديد، من كل واحد نصف أوقية؛ يدق ذلك وينخل، ويسحق بماء الآس الأخضر، ويربب حتى يصير عليه من ماء الآس نحو رطل؛ ثم يؤخذ من دهن الحل الصافي الجيد رطلان، ومن ماء البئر ستة أرطال، ومن ماء ورق الآس رطل آخر؛ فيجمع ذلك في قدر أو طنجير، وتوقد تحته وقيداً ليناً وأنت تحركه دائماً باسطام حديد صغير حتى تعلم أن الماء قد نشف أو قارب أن ينشف، ثم تحل لذلك من اللاذن الرطب أوقية بأوقية دهن رازقي رصافي على نار لينة، فإذا انحل فصبه في القدر على النار، واغله غلية حتى تعلم أنه قد بلغ ونشف ماؤه، ثم برده وصف الدهن بخرقة حرير، واجعله في قارورة وتدهن منه في كل مرة بوزن درهمين، فإنه نافع لما وصف.\rدهن فاغية الحناء يصلح لشعور النساء قال التميمي : \" هذا مما ألفته \" ، وهو أن تأخذ من دهن الحل الطري المخلوع السمسم غير المملوح، ومعنى المخلوع أن يسلق سمسمه بعد قشره وغسله وتجفيفه سلقة لينة، ويجفف على مسح في الشمس، ولا يقلى، فإن المقلو لا يقبل روائح الأزهار، ولا يملح في سلقه بملح، فإن الملح يقطع روائح الطيب؛ فإذا أخذت الدهن فصيره في طنجير أو قدر حجارة، وألق فيه من فاغية الحناء في أول يوم منا، وفي اليوم الثاني نصف من، ودرجه حتى تتم الفاغية ثلاثة أمنان، ويسخن الدهن في كل يوم حتى يحمي حين تلقي عليه الفاغية، فاذا كملت فيه ثلاثة أمنان فاصبب عليه من ماء الآس المصعد من، ومن ماء الزعفران نصف من، ومن ماء الورد نصف من؛ ثم ارفعه على نار لينة حتى تنشف المياه عنه ويبقى الدهن؛ فإذا نشف الماء فأنزله، وغمه بالغطاء، واتركه حتى يبرد، واستخرج ما فيه من فاغية بمصفاة؛ ثم اعصرها حتى يخرج ما فيها من الدهن بحريرة، وأودعه القوارير. ولم يذكر التميمي مقدار الدهن.\rوقال يوحنا بن ماسويه في صنعة دهن الفاغية: تأخذ من دهن الحل الطري غير المملوح ثلاثة أرطال، فاجعلها في طنجير أو قدر حجارة؛ وخذ لذلك من فاغية الحناء وقلوبه زنة منوين فألقه فيه مفروكاً، وإن كان يابسً فدقه جريشاً وأصبب عليه من الماء ثلاثة أرطال، وارفع الطنجير على نار لينة حتى يذهب الماء ويبقى الدهن، فارفعه في قوارير.\rقال: وهو جيد لشعور النساء، مصلح لها، جيد للتمريخ، يستعمله الرجال والنساء؛ والله أعلم.\rالباب التاسع\rالنضوحات والمياه المستقطرة\rوغير المستقطرة.\rمثل ماء الجورين، وماء الصندل، وماء الخلوق، وماء الميسوس، وماء التفاح، وماء العنب، وتصعيد المياه.\rفأما النضوحات - فليس المراد بها في هذا الباب النضوحات التي تصنع للشرب، بل المراد بها النضوحات التي تدخل في أصناف الطيب. وقد ذكر التميمي منها كثيرا، وهي غير متباعدة في الأعمال، ولا متنافية في المقادير؛ ثم اختار منها نضوجاً، قال: إنه ألفه فجاء جيداً، وهو: يؤخذ من التمر المنقى من أقماعه، المنزوع النوي عشرون رطلا، فتنقع في الماء يوما وليلة، ثم تطبخ في قدر نحاس مؤنكة فإذا نضج التمر فصف عنه ماءه من غير أن يمرس أو يمس؛ ثم يؤخذ من الآس الغض الطري المخروط من عيدانه رطلان، فيدق دقاً جريشاً، ويعجن بشيء من ماء التمر، ويبخر بقسط مر وبراية عود وصندل وأظفار خمسة أيام، في كل يوم ثلاث بالغداة، وثلالثاً بالعشى، وتقلبه حتى يأخذ روائح البخور؛ ثم دقة بشيء من ماء التمر، وألقه عليه، وارفعه على النار حتى يذهب من الماء النصف، ثم صفه براووق، واتركه حتى يغلي، فإذا إلى وهدأ غليانه فخذ له من السنبل والأفلنجة والقرنفل والقرفة والهال بوا والكبابة والقاقلة، من كل واحد ثلاثة دراهم؛ ودق هذه الأصناف دقاً جريشاً، ونضاف اليها من الزعفران نصف درهم، وتعجن بشيء من النضوج، وابسطها في باطية أو قدح، وبخرها بالقسط الطيب والعود والكافور، ثم اضربها به ضرباً جيداً وطين رأس الظرف، ولا تفتحه إلا بعد ثلاثة أشهر.\rصفة عمل نضوخ نقلته من كتاب الزهراوي يدخل في أصناف الطيب، ويستعمل للشرب، وهو:","part":3,"page":270},{"id":1271,"text":"يؤخذ من عصير العنب مائة رطل فيغلى عليه حتى يظهر ريمه، ويقطف عنه؛ فإذا صفا فخذ له من ورق الآسي ثلاثة أرطال، ومن التفاح الشامي عشرين حبة ومن السفرجل الممسوح من زغبه عشرين حبة، ومن قشور الأترج الأخضر ثلاثة أرطال؛ والق ذلك على العصير، واطبخه على النار حتى يبقى منه النصف واتركه حتى يبرد، ثم أوعه في آنية الزجاج، ودق الأفاويه الحارة الوافرة، اعجنها بشيء منه، وبخرها بالقسط الطيب والعود والكافور، واضربها به، واضرب به أيضاً شيئاً من الكادي، ومثقالا من دهن الأترج، وطيبه، ويستعمل بعد تعتيقه.\rقال الزهراوي في كتابه: إنه ينقص النصف؛ ولم يزد على ذلك. فمن أراده للطيب فهو كاف؛ وأما من أراده للشرب فلابد أن يغلبه حتى يبقى منه الثلث؛ ولا يجوز استعماله بأقل من ذلك.\rوأما المياه المستقطرة وغير المستقطرة - فمنها ماء الجورين، وهو الذي كان يصنع للخلفاء؛ يؤخذ من ماء الورد الجوري خمسة أرطال، تجعل في زجاجة ويطرح عليها من العود الطيب الهندي أوقية بعد دقة جرشا؛ ثم يغطى فم الزجاجة ويلف بملحفة نظيفة، ويترك خمسة أيام؛ ثم تصفيه بعد ذلك في قرعة التقطير ويقطر الماء برفق وحكمة، ويرفع في قارورة؛ ثم يؤخذ رطلان من الماء، ويطرح فيهما من الزعفران الشعر خمسة دراهم وجوزبوا درهمان، ويجمع الجميع في قرعة التقطير وتترك القرعة مسدودة الفم يوماً وليلة، ثم تجعل في فرن التقطير، ويوقد تحتها وقوداً معتدلاً بنار حطب لا الدخان لها؛ فإذا رأيت الماء قد بدأ يقطر فاقطع النار ساعة وتكون قد أعددت قيراط مسك وقيراط عنبر، وحبتين من الكافور كل ذلك مسحوقاً، وألقه في القرعة، ثم سد رأسها، وأعدها إلى النار؛ فإذا بدأ الماء أن يقطر فأغلق باب الفرن فإن الماء يقطر أبيض؛ فإذا تغير الى الصفرة فارفع الأول في قارورة، وسد رأسها بشمع، واجمع الماء الأصفر في قارورة ثانية؛ فإذا تغير الى الحمرة فارفع القارورة الثانية، واجعل قارورة ثالثة، فإنه يقطر أحمر، فإذا فتر التقطير فارفع الماء الثالث، واجعل كل ماء على حدة؛ فهذا ماء الجورين.\rوأما ماء الصندل - فقال الزهراوي: يؤخذ من الصندل المقاصيري الأصفر أوقيتان، تنقعان في رطل ونصف من الماء المشروب يوماُ وليلة؛ ثم يصعد مثل ماء الجورين؛ وإن عملته من ماء الورد فهو أبلغ؛ وكذلك تصعيد العود، ويكونان قد طحنا قبل نقعهما.\rماء القرنفل يؤخذ من زهر القرنفل الذكي الحريف أوقية، تدق وتنخل، ويضاف إليها زنة دانق من الكافور المسحوق، ويحل بمن ونصف من ماء الورد، ويضرب به ويترك يوماً وليلة؛ ثم يصعد كما تقدم.\rماء السنبل يؤخذ من السنبل العصافير الأحمر أوقيتان، يدق ويعجن بماء الورد وماء النمام، ويترك ليلة مخمراً؛ ثم يضاف إليه من الغد من ماء الورد منا، ويضرب به ضرباً جيداً؛ ثم يصعد بنار لينة كما تقدم.\rالكافور يؤخذ من الكافور الرياحي مثالان، يسحق سحقاً جيداً، ثم تصب عليه من ماء الورد، رطلاً، أو رطلين إن أحببت الكثرة؛ واضربه به ضرباً جيداً شديداً حتى يصير أبيض؛ ثم طين له قرعة بطين الحكمة، وتفقدها ثلاثة أيام حتى لا يبقى في طينها شق؛ ثم تنصب على الأنون، ويصب فيها الماء الذي ضرب به الكافور ويركب عليها الأنبيق، ويوقد تحتها بنار فحم لينة حتى يصعد، فإنه يصعد منه ماء كافور يفوق كل طيب؛ ثم اثنه بماء ورد بغير كافور، فيأتي ماء كافور دون الأول.\rالزعفران عن ابن مسويه يؤخذ رطل زعفران مسحوق، ويصب عليه من الماء رطلان، ويترك يوماً وليلة؛ ثم يضرب بالغداة، ويحرك باليد، ويدلك دلكاً جيداً، ثم يصفى بخرق رقيقة، ويجعل الماء في قرعة، ويصعد؛ ومن أحب ألا يصفيه يصعده بثفله.\rتصعيد للتميمي\rقال: يؤخذ من الزعفران الشعر أوقيتان، فيجعل في برنية زجاج، ويصب عليه من ماء الورد من، ويسد رأسها، ويترك يوماً وليلة، ثم يسحق له من القرنفل الزهر مثقال، ومن الكافور مثقال، ويضربان به ضرباً جيداً؛ ثم يصعد بالقرعة والأنبيق على الماء، فإنه يخرج منه ماء عجيب في الطيب؛ ثم يثنى بالماء القراح فيخرج منه ماء ثان دون الأول.\rماء الورد الطيب الذي يسمى الغنج","part":3,"page":271},{"id":1272,"text":"يؤخذ من ورق الورد الطري الأحمر، ويسحق لكل رطل منه نصف درهم جوزبوا، ونصف درهم من القرنفل الزهر، ومن المسك قيراط، ومن الكافور نصف قيراط، وتذر على ورق الورد بعد أن يرش عليه ماء ورد جوري، ويجعل في فرع التقطير في كل قرعة رطلان؛ ويركب عليها الأنبيق، ويستقطر بخار الماء؛ فإذا قطر من الرطلين ربع رطل عزل ذلك الماء الأول؛ ثم تركب على القرعة قابلة أخرى، ويستقطر فيها ما بقي في الورق من الماء، وهو نحو ربع رطل أو أكثر وارفعه على نوعين: أول وثان، وأحكم سد رؤس القوارير؛ وإن أردت أن تأمن عليه التعطن وأن يصفو، فاسحق لكل من ماء الورد قدر حبتين نوشادرا معدنياً وألقه فيه قبل سد رأس القارورة، فإنه يصفيه؛ وإن جمعت الماء الأول في إناء وألقيت النوشادر فيه، وتركته ثم أوعيته في القوارير كان أجود، وتصنع بالثاني مثل ذلك.\rماء ورد للتميمي يستخرج من الورد اليابس يؤخذ من الورد الأحمر الفارسي الجيد فينقى من أقماعه، وينقع منه رطل واحد في منوين ماء ورد جوري يومين وليلتين، في براني مسدودة الرؤوس؛ ثم يصب عليه من الماء العذب أربعة أمثال وزنه، ويسحق له من الكافور مثقال، ومن القرنفل ثلاثة دراهم، ومن المسك قيراطان، ويضرب ذلك به، ثم يقسم في قرعتين أو ثلاثة؛ تفعل ذلك قبل إلقائك الكافور والقرنفل، ثم تلقي في كل قرعة من الفتاق حقها، وتضرب ما فيها من الورد والماء ضرباً جيداً، ويركب عليها الأنبيق ويستقطر ماؤه، فإنه يأتى منه ماء ورد لا بعده في الطيب؛ ثم تصب على الثفل ماء ثانياً نحو ثلاثة أرطال، وتستقطره، فإنه يخرج منه مناء ورد ثان لاحق بالأول.\rماء ورد ملوكي مرتفع عن ابن العباس يؤخذ من حب السمسم المربى بالمسك، فيسحق مع شيء من الكافور على صلاية، ويجعل لكل عشرة مثاقيل من حب السمسم زنة دانق من الكافور ويجعل منه في كل قرعة مثقالان مخلوطان بورق الورد الأحمر العربي؛ ثم يستقطر فإنه يقطر منه ماء ورد أذكى من كل طيب؛ وإن سحقت لكل قرعة زنة دانقين من زهر القرنفل، أو نصف درهم، خرج ماء عجيباً حسن الرائحةعبقاً.\rماء المسك وماء الورد قال التميمي: تأخذ من المسك دانقاً؛ ومن ماء الورد الجوري رطلا بالبغدادي فتسحق المسك، واضربه بماء الورد، وابركه فيه ساعة؛ ثم اجعله في القرعة وركب على رأسها الأنبيق، وصعده على هباء الماء، فإنه يطلع منه ماء مسك لابعده؛ ومن أحب الزيادة في المسك أو النقصان فعل؛ ويصعد على أثره ماء ورد بغير مسك، فإنه يأتي ماء مسك دون الماء الأول.\rماء الخلوق من كتاب الزهراوي قال: يؤخذ جوزبوا وبسباسة وسك، من كل واحد أوقية؛ كافور نصف أوقية؛ قرنفل أوقية، سنبل وقاقلة وكبابة، من كل واحد نصف أوقية، زعفران أوقية؛ تدق هذه الأصناف، وتحل بماء الورد، وتبخر بالعود والكافور في يوم وليلة خمس عشرة مرة، ويكون العود والكافور سواء في التجزئة، ثم تلقي على ذلك من ماء الورد عشرة أرطال، ويجعل في قرعة التقطير، فإن أردت أن تزيده ماء آخر على الثفل وتصعده ثانياً فافعل، وارفع كل ماء على حدة؛ والله أعلم.\rخلوق آخر\rمن كتاب أبي الحسن المصري يؤخذ من القرنفل والسنبل والهرنوة والصندل والزعفران، من كل واحد جزء، ومن الورد الأحمر المنزوع الأقماع جزءان؛ يدق الجميع، وينخل، ويعجن بزنبق، ويبخر بقسط مر وحلو وظفر ولاذن ثلاثة أيام، ويقلب بين كل ثلاث مندات؛ ثم يبخر بعود وكافور ثلاثة أيام؛ ثم يفتق بجوزبوا وبسباسة وسك مسك وعود لكل رطلين منه نصف اوقية من جميع الفتاق، ودرهمان من الكافور الرياحي ومثقال من دهن البلسان، ويحل بماء ورد حتى يصير كالحساء، ويجعل في قرعة التقطير، ويستقطر، ثم يخرج وفيه نداوة بعد أن يثني بماء ورد آخر،ويجعل ثفله في اللخالخ.\rماء خلوق للبصري","part":3,"page":272},{"id":1273,"text":"يؤخذ من الزعفران عشرة دراهم، ومن القاقلة والصندل وحب العروس والقرنقل والمحلب، من كل واحد وزن درهمين، وسنبل وقرفة قرنفل ومصطكاء وجوزبوا من كل واحد وزن درهم، ومثل الزعفران وسائر هذه الأفاويه من الورد الفارسي الأحمر؛ يدق الجميع، وينخل، ويعجن بعسل نحل صاف منزوع الرغوة، مضروب بالنضوح المعتق، ويبخر بقسط وظفر حتى يشبع، ثم بعود وكافور ثلاثة أيام ثم بزعفران وكافور ثلاثة أيام؛ ثم يؤخذ من الريحان الغض الأخضر أربعة وعشرون درهماً، فتدق وتعجن بصفو النضوح، ويبخر الريحان بقسط وظفر، ويخمر ليلة ثم يخلط بالخلوق، ويضرب به ضرباً جيداً، وتقطر عليه قطران من دهن البلسان أو دهن الكادي؛ ويسحق من الكافور الرياحي مثقال فيعجن به، ويضرب به ضرباُ جيداً، ويحل جميع ذلك بمنوين من ماء الورد، ومنوين من ماء النمام المصعد؛ ثم يصعد على ما تقدم، فإنه يأتي غاية في الطيب والذكاء. قال: وهذا أطيب ما يستخرج من ماء الخلوق.\rوأما ماء الميسوس - فهو ممايدخل في النضوحات، وتنقع به الأفاويه وتخمر به اللخالخ، وغير ذلك من أصناف الطيب؛ وعمله على طرق كثيرة، نذكر أقربها وأجودها إن شاء الله تعالى.\rصنعة ميسوس نادر أخذ عن بختيشوع الطبيب من كتاب العطر المؤلف للخليفة المعتصم بالله قال: يؤخذ من القسط المر وقصب الذريرة والساذج الهندي والقرنفل الزهر وقشور عيدان السليخة الحمراء والبسباسة الذكية والأشنة الهندية واليمانية بعيدانها من كل واحد ست أواقي، ومن السنبل العصافير أوقيتان، ومن الميعة السائلة الحمراء أو البيضاء ست أواقي، ومن دهن البلسان ست أواقي، ومن الزعفران القمي المسحوق خمس أواقي، ومن المسك خمسة مثاقيل؛ تدق الاصناف اليابسة وتطحن، ويسحق المسك والزعفران سحقاً ناعماً، ويدافان بالطلاء الريحاني الذكي وتحل الميعة بدهن البلسان، ويصب على الجميع من عسل النحل ست أواقي ويضرب بالأصناف ضرباً جيداً وهو حار، ويداف ذلك بالطلاء، وتعجن به الأفواه عجناً جيداً، ثم يؤخذ من ورد السوسن الأبيض الطري ثمانمائة وردة عددا فتقطع أصول ورقها بالأظفار، ويمسح من الصفرة التي تكون في داخله بخرقة ناعمة كتان جديدة، ثم تفرش الورق في إناء، راقاً من الورق، وراقاً من الأدوية حتى تأتي على السوسن والأدوية، ثم تصب على ذلك من الطلاء الذكي خمسة وعشرين رطلا بالبغدادي، وتغطى الإناء بغطاء ينطبق عليه، وتستوثق منه ويطين بطين حر مخلوط بشعر العنز المدقوق المنخول؛ ويرفع في بيت كنين، في ظل مما يواجه ريح الشمال، ويترك ستة أشهر، ثم يفتح ويصفى في القوارير. قال: فإنه ينفع - بإذن الله - من الإغماء الشديد، وفرط الغثيان والقيء والاستطلاق والهزال وضعف الطبائع، ومن الغم الشديد، وضعف المعدة والكبد؛ وقد ينفع في الضمادات، وتعصب به المفاصل، ويوضع منه على قرطاس وتضمد به المعدة.\rميسوس آخر\rعن بختيشوع أيضاً من الكتاب المذكور يؤخذ من السوسن الأبيض أربعمائة سوسنة، فيقطع ورقها، وتمسح الصفرة التي داخله، ويبسط على ثوب كتان جديد، وينثر عليه من الملح الأندراني ويجفف في الظل؛ ثم خذ له من القسط المر والساذج الهندي والحمامي الحمراء وقشور عيدان السليخة الحمراء والقرنفل وقصب الذريرة الطيبة من كل واحد أوقيتين ومن المصطكاء وسنبل الطيب والعود الهندي، من كل واحد أربع أواقي ومن المسك أربعة مثاقيل؛ تدق هذه الأصناف جريشاً، وتنعم سحق المسك والزعفران، ويجمعان بالميعة السائلة ودهن البلسان، وتصب على ذلك أربع أواقي من عسل النحل، ويعجن به \" يعني الزعفران والمسك \" عجناً جيداً؛ ثم يحل بالطلاء ويعرك وتأخذ برنية من زجاج واسعة الرأس، كبيرة، فتبسط فيها راقاً من ورق السوسن وراقاً من الأخلاط حتى ينتهي ذلك؛ ثم صب عليه من الطلاء الجيد العتيق الذكي الرائحة الذي لم يوضع في الشمس عشرين رطلا، وتصب عليه بعد ذلك الزعفران والمسك المدافين بدهن البلسان والميعة والعسل المحلول بالطلاء فوق رأس البرنية، وليكن للبرنية غطاء ينطبق عليها، وتجعل تحت الغطاء خرقة كتان جديدة، وتشد فوق الخرقة بقرطاس مصري، ثم بالغطاء، ثم تطين البرنية بالطين الحر والشعر وتبن الكتان، وتجعل البرنية في طاق يلي ريح الشمال، ولا تقابل بها الريح استقبالا، بل اجعلها منحرفة عنها أدنى انحراف، واتركها ستة أشهر ثم استعمله.","part":3,"page":273},{"id":1274,"text":"قال: وبعض الحكماء الأطباء يزيد فيه كبابة وفلنجة وزرنبادا من كل واحد أوقيتين.\rوأما ماء التفاح ونضوحه الذي يصنع منه - فقال التميمي عن أحمد ابن أبي يعقوب في صنعة ماء التفاح الشامي الطيب: ثؤخذ من التفاح الشامي الجيد السالم من العفن والتشنج خمسائة حبة، فتمسح، ثم تشقق كل تفاحة أربعة ويلقى ما فيها من الحب وما يجاوره، ثم تقطع صغاراً في مراكن خضر، ثم تدق دقاً جيداً في هاون حجارة ثم تعتصر في كرباسة نظيفة طيبة الريح مبخرة، ثم تدق مرة ثانية، وتعتصر حتى لا يبقى فيها شيء من الماء، ثم يروق، ويصب في تور حجارة، أو طنجير حجارة، ويطبخ بنار فحم لينة من فحم كرم جزل، فإذا ذهب من الماء اقل من الثلث فاطرح فيه قرنفلا صحيحاً وقطعاً من صندل أصفر دقاقاً واغله بهما حتى ينقص الثلث وزيادة يسيرة، ثم ارفق بالنار حتى يبلغ نقصه النصف ثم أنزله عن النار، ودعه حتى يبرد، ثم صفه، وأعده إلى الطنجير واخرج الصندل والقرنفل منه، وأوقد تحته برفق، فإذا غلي ثانية فاطرح فيه عوداً مرضوضاً مثل رض الخشخاش، أو أجل منه قليلا، واغله به حتى يذهب ثلث ما بقي وزيادة فيكون نقصه عن أصله قد زاد عن ثلثيه، ثم اطرح فيه من السك المرتفع سك الغالية، ولا تكثر تحته النار إلا بقدر ما يغلى غلياناً رفيقاً، فإذا رأيته قد انعقد وصار مثل الخلوق - وهو الى الرقة ليس لخائر - فأنزله عن النار، واتركه في الإناء يوماً وليلة، ثم خذ قارورة ليست بالواسعة الرأس ولا بالضيقة قدر ما تدخلها اليد، فبخرها بسبع قطع عود مخمر وند وقطع عنبر، ثم صف ذلك الماء وصبه فيها، وسد رأسها ما استطعت بخرقة، وطينه، ثم اتركه ثلاثة أيام، حتى إذا كان في اليوم الثالث فاسحق له لكل رطل من الماء مثقالاً من مسك، ومثقالاً من عنبر شحري مداف، واضرب ذلك بالماء ضرباً جيداً، وحرك القارورة سبعة أيام، واتركها شهراً، ثم استعمله بعد ذلك.\rعقيد ماء التفاح من كتاب أبي الحسن المصري قال: يعتصر ماء التفاح على ما تقدم، ثم يجعل في طنجير برام أو برمة بعد ترويقه وتصفيته، ويطبخ على النار حتى يذهب منه النصف والربع، ثم ينزل عن النار ويبرد، ويسحق لكل رطل منه وزن نصف درهم من القرنفل الزهر وحبتي مسك، وحبتي كافور سحقاً جيداُ، وتضرب به، ويجعل في آنية زجاج ويحكم سد رأسها، ويرفع إلى وقت الحاجة إليه.\rنضوح ماء التفاح مما ألفه التميمي وركبه فجاء غاية في الطيب قال: تأخذ من التفاح الشامي البالغ النضيج خمسمائة حبة، فتعصر ماءها على ما تقدم، وترفعه على النار في قدر نحاس مؤنكة، وتوقد تحته حتى تنشق عنه رغوته، فإذا تشققت فالقطها عنه حتى يصفو وينصقل وجهه، ثم خذ له من العود الجيد والسنبل العصافير والقرنفل الزهر والقافلة والهال بوا والهرنوة والقرفة والجوزة، من كل واحد وزن درهم، يدق ذلك دقاً جريشاً، وينخل بمنخل شعر واسع، ويشد في خرقة شرب فيها عنه فضل، وتدلى بخيط في قدر ماء التفاح ويغلى عليها، وتمرس الخرقة ساعة بعد ساعة حتى تخرج قوة الأفواه في ماء التفاح ولا تزال توقد تحته وقيداً ليناً حتى يذهب نصف الماء وربعه، فإذا بقي منه الربع فأنزله عن النار، واعتصر الخرقة فيه، ثم أخرجها وجفف ما فيها من أثفال الأفواه فإنها تصلح للضمادات التي تصلح المعدة، فإذا فتر ماء التفاح فاسحق له من المسك مثقالا، ومن الكافور نصف مثقال، ومن سك المسك مثقالا، ومن الزعفران المطحون نصف مثقال، واجمع ذلك في زبدية، وصب عليه من مطبوخ ماء التفاح ما تعجنه به، ثم أذبه حتىيصير مثل الخلوق، ثم صبه فيه، واضربه به ضرباً جيدً، واجعله في ظروف، وأحكم سدها، فإنه يأتي عجيباً في الطيب .","part":3,"page":274},{"id":1275,"text":"وأما ماء العنب المطيب والعقيد المصنوع منه - وقد سماه التميمي بهذه التسمية، ونقله من كتاب العباس بن خالد وغيره - فقال في عمل ماء العنب المطيب: تأخذ من عصير العنب الأسود زقين أو ثلاثة، فتصبه في إناء، وتتركه يومين، ثم تروقه في إناء آخر حتى يصفو، واجعله في طنجير برام، وأوقد تحته بنار لينة، وانزع رغوته، فإذا صفا فخذ له من الزرنب والفلنجة من كل واحد أوقية واجعلهما في خرقة شرب خفيفة، وتشد وتعلق في الطنجير، ويطبخ وهي فيه وتمرس ساعة بعد ساعة حتى يذهب من ماء العنب النصف، ثم أنزله عن النار وبرده يوما وليلة، ثم روقه، وخذ له من المسك مثقالين، ومن الكافور الرياحي مثقالاً ونصف مثقال، ومن الزعفران نصف أوقية، ومن العود المسحوق المنخول نصف أوقية، ثم اجمع ذلك في زبدية، وحله بشيء من العصير المطبوخ، ثم صبه فيه، واضربه ضرباً جيداً، واجعله في قوارير، وسد رؤسها، ويكون أقل من ملوها، فإنه يغلي ويفور، وينبغي أن يحرك في كل يوم تحريكاً شديداً إلى أن يسكن غليانه ويستعمل بعد شهور.\rماء العنب المطيب من كتاب محمد بن العباس يؤخذ من العنب الأبيض الكثير الماء فيعصر في إناء نظيف، ويجعل الماء في طنجير، ويوقد تحته وقود لين حتى تنزع رغوته ويصفو، ثم خذ له قرفة قرنفل وسنبل، فيدق ذلك دقاً ناعماً، ويلقى فيه وهو على النار بعد أن ينقص نصفه ثم يغلي عليه ساعة، وينزل، ويترك حتى يبرد يوما وليلة، ثم يصفى براووق ويجعل في إناء غضار، ويفتق بمسك وكافور رياحي وعود مطحون، فإن كان في زمن الجر فأخرجه بالليل إلى صحن الدار مغطى، ويرد بالنهار إلى موضع بارد كنين ولا يترك في مكان ند، ثم يجعل بعد إحكام سده وتطيينه في موضع كنين إلى أن يدرك، ويستعمل في وقت الحاجة اليه.\rووصف التميمي أعمالا لماء العنب، إلا أنها لا تبعد عن هذه النسخ التي أوردناها ولا كنافيها إلا بكثرة الأفاويه وقلتها، ولم يقل في شيء منها: إنه ينقص أكثر من النصف؛ وفيه على هذه الصفة مافيه، وبعيد أن تفارقه النشاة مطلقاً اذا لم يزد عن النصف؛ فأما من أراد استعماله على الوجه المباح عند أكثرهم فإنه يغليه حتى لا يبقى منه إلا دون الثلث.\rالباب العاشر\rالأدوية في الباه و الجماع\rومن يتصل بذلك من أدوية الذكر والأدوية المعينة على الحبل والمانعة وغير ذلك\rإعلم - وفقنا الله وإياك - أن علاج الباه يحتاج إلى أدوية لإصلاح باطن البدن وظاهره.\rأما باطنه فإصلاحه بالأدوية المستعملة، من الأطعمة والأدوية المركبة والجوارشنات والمربيات والسفوفات والحقن والحمولات.\rوأما ظاهره فإصلاحه بالمسوحات والضمادات والأدوية الملذذة بالجماع.\rذكر الأطعمة النافعة لذلك - من ذلك صفة عجة تزيد في الباه: يؤخذ حمص وباقلاء وبيض وبصل أبيض، يطبخ ذلك بلبن حليب حتى يتهرأ ويصفى عنه اللبن؛ ثم يطرح في مهراس ويدق ناعماً حتى يختلط....؛ وتؤخذ صفرة عشر بيضات فتطرح علنه، ويجعل جميع ذلك في مقلي، ويقلى بزيت، وتعمل عليه الأبازير، ولا يترك حتى يحترق، بل يؤكل قبل نضجه.\rصفة عجة يؤخذ هليون رخص ولوبياء وبصل أبيض وحمص؛ يسلق جميع ذلك حتى يتهرأ، ويؤخذ من صفرة البيض ما يححتاج اليه، ويجعل على المسلوق بعد دقه ويطرح عليه شيء من شحم الإوز، ويغلى بزيت مغسول، ويؤكل قبل نضجه، فإنه غاية في زيادة الباه.\rلون يزيد في الباه تؤخذ فراريج مسمنة قد علفت الحمص والباقلاء واللوبياء تذبح وتغسل ويؤخذ حمص يسلق ببصل كثير، وينشف، ويرض بشحم ثلاثة فراريج، ويحشى به فروج من المسمنة، ويطبخ إسفيدباجة رطبة، ويكون ملحها ملح السقنقور ويدر عليه دار صيني وزنجبيل وابازير؛ ثم يجعل الفروج بعد نضجه على رغيف سميد قليل الملح والخمير، ويترك الرغيف في المرق حتى يتشربه، ثم يؤكلان،فإن ذلك نهاية.\rهريسة يؤخذ من الحنطة النقية المقشورة، ثم تجعل في قدر، ويجعل معها مثل خمسها من الحمص والباقلاء واللوبياء، ثم يجاد طبخها، ثم يؤخذ من عصارتها جزءان، ومن اللبن الحليب البقري جزء، ومن النارجيل مثل ربع اللبن، ويلقى فيه من شحم الإوز والبط، ويسلق بلحم الهريسة، ويخلط جميع ذلك بالأول؛ ويصرب حتى يصير هريسة، ويكون ملحها ملح السقنقور، وتؤكل، فإنها تزيد في الباه.\rلون آخر","part":3,"page":275},{"id":1276,"text":"يؤخذ لحم حمل سمين، يطبخ إسفيدباجاً، ويطرح معه حمص وبصل كثير وخولنجان وصفرة البيض، ويطيب بالأبازير وملح السقنقور ويؤكل فإنه غاية.\rقال صاحب كتاب الإيضاح: إن الأطعمة التي تزيد في الباه هي الطباهجات والاسفيدباجات واللوبياء والهرائس والمطجنات والأمخاخ وما يجري مجرى ذلك.\rوأما الأشربة المركبة التي تزيد في الباه - فقد وصف منها محمد ابن زكريا الرازي وغيره أصنافاً، فقال: يؤخذ من لبن البقر الحليب رطلان من بقرة فتية صفراء، يجعل فيه ترنجبين أبيض، ويطبخ بوقود شديد حتى يغلظ ويصير مثل العسل، وتؤخذ منه في كل يوم أوقية على الريق، وأكثر من ذلك. وقال: هذا لأصحاب الأمزجة الحارة اليابسة.\rلأصحاب الأمزجة الباردة اليابسة يؤخذ من اللبن الحليب رطل، وتسحق عشرة دراهم دارصيني سحقاً ناعماً حتى تصير مثل الكحل، وتلقى على اللبن، ويترك ساعة، ثم يشرب قدحاً بعد قدح ويخضخض لئلا يرسب الدارصيني فيه، وليشرب قبل الطعام وبعده قليلاً قليلاً بدل الماء عند العطش حتى يأتي على اللبن والدارصيني بكماله، ويكون الغذاء طباهجا بلحم ضأن فتي، ويشرب عليه نبيذاً صرفاً، يفعل ذلك أسبوعاً، ولايجامع فيه، فإنه يولد منياً كثيراً، ويهيج تهييجاً عظيماً. قال: وينبغي أنه اذا هاجت منه حدة وحرارة أن يقطع، فإن لم تسكن الحدة والحرارة فصد وأسهل وسقى ماء الشعير ويترك اللحم والشراب أياماً، ويقلل الغذاء. قال الرازي: إلا أن هذا التدبير يجمع امتلاء كثيراً؛ ولا يقرب هذا الدواء من بدنه غير نقي، فإنه يحم لا محالة. فأما النقي البدن، القليل الدم، الساكن الحدة، فنعم الدواء هو له، وهو دواء قوي في فعله.\rشراب آخر يؤخذ من حليب البقر. يؤجذ من حليب البقر رطلان؛ وقيل رطل، ويلقي عليه من الترنجبين الأبيض الخراساني زنة عشرين درهماً، ويطبخ برفق حتى يصير في قوام العسل ثم تؤخذ منه في كل غداة أوقية على الريق، فإنه في زياده الباه .\rيؤخذ ماء البصل وماء الهليون وسمن البقر ولبنها، من كل واحد جزء، ومن بزر الجرجير وبزر اللفت من كل واحد كف؛ يدقان ويلقيان في المياه واللبن، ويغلى ذلك إلى النار، ويصفى؛ وتشرب منه أوقية وهو حار، فإنه جيد.\rلزيادة الباه وتغزير المنى يؤخذ بزر راز يانج وبزر جرجير، من كل واحد خمسة مثاقيل؛ يسحقان ويعجنان بلبن البقر، ويحبب كالباقلاء، ويؤخذ منه مثقال، ويدخل بعده الحمام، ويمرخ البدن في الحمام بزيت وخل وعصارة عنب الثعلب، فإنه نافع.\rدواء آخر\rيؤخذ من ماء البصل الأبيض جزء، ومن العسل جزءان؛ يطبخ ذلك على نار لينة حتى يذهب ماء البصل، ويؤخذ من العسل عند النوم ملعقتان، فإنه نافع جيد لأصحاب الأمزجة الباردة.\rدواء آخر\rيؤخذ عاقر قرحي وبزر الرشاد وبزر الأترج وفلفل، من كل واحد مثقال؛ دار صيني وشقاقل وبزر الجزر وزنجبيل، من كل واحد مثقالان. \" حلتيت نصف مثقال؛ تجمع هذه الأدوية بعد دقها، وتعجن بعسل منزوع الرغوة، وترفع؛ الشرية منه مثقالان \" .\rدواء آخر عجيب الفعل في زيادة الباه\rيؤخذ حسك يابس، يدق ويسحق سحقاً ناعماً، ويعتصر من ماء الحسك الرطب، ويسقي به المسحوق في الشمس حتى يشرب ثلاثة أمثال وزن المسحوق ثم يؤخذ منه خمسة مثاقيل؛ عاقر قرحى خمسة مثاقيل، وزنجبيل مثقال، وسكر طبرزذ خمسة مثاقيل؛ يدق جميع ذلك وينخل، ويعجن بعسل قد ربي فيه الزنجبيل ويرفع؛ الشربة منه مثقالان بماء فاتر، أو بلبن حليب، فإنه لا مثال له في معناه.\rدواء آخر يؤخذ من الحمص اليابس، ينقع في ماء الجرجير حتى يربو؛ ثم يجفف، ويقلى سمن بقر على نار لينة؛ وتؤخذ منه خمسة مثاقيل، تسحق وتنخل وتعجن بعسل منزوع الرغوة؛ ويلقي على العسل وهو حار دار صيني وقرفة وقرنفل ومصطكاء، من كل واحد مثقال، ويخلط ذلك خلطاً جيداً، ويرفع؛ والسربة منه مثقالان بماء حار أو بلبن البقر.\rيصفي اللون وينفع الكبد والمعدة","part":3,"page":276},{"id":1277,"text":"يؤخذ إهليلج كابلي وهندي منزوع النوى وبليلج وأملج وفلفل ودار فلفل وزنجبيل وسعد وشيطرج وقشور الأترج المجفف وبرادة الإبروتو بال الحديد وسمسم مقشور، من كل واحد مثقال؛ تجمع هذه الأدوية مسحوقة منخولة وتلت سمن البقر، وتعجن بعسل منزوع الرغوة، وترفع؛ والشربة منه درهم في أول يوم، ثم درهمان في اليوم الثاني، وثلاثة دراهم في اليوم الثالث، هكذا إلى سبعة أيام، يزيد في كل يوم زنة درهم، ويكون استعماله لذلك عند النوم.\rيهيج شهوة الجماع ويصلح لمن انقطعت شهوته فإنه يقويها، ويزيد فيها يؤخذ الحندقوق وشقاقل وبزر اللفت وبزر الزراوند وبزر البصل الأبيض وجب الخشخاش وبزرالجرجير وبزر الأنجرة وبزر خصي الثعلب، من كل واحد مثقالان ونصف مثقال ومن كلى السقنقور وعلك الأنباط وقسط وبصل الفإر المشوي من كل واحد مثقال واحد ونصف؛ فلفل أبيض وسمسم مقشور ودار فلفل وزنجبيل وزعفران، من كل واحد مثقال؛ أدمغة الديوك الصغر، وأدمغة العصافير من كل واحد \" ثلاثة مثاقيل، خصي الديوك ثلاثة مثاقيل؛ أدمغة الحملان الرضع خمسة مثاقيل؛ بيض الشبوط اللجأة ولحمه من كل واحد \" خمسة مثاقيل؛ قنة مثقال واحد ونصف؛ تدق البزور اليابسة؛وتذاب القنة مع العلك بخمسة مثاقيل عسل؛ وتنقى الأدمغة والخصي من العروق؛ ويطرح ذلك في صلاية؛ ويخلط بالسحق؛ فإن احتاج الى عسل فزده الى أن يترطب؛ ثم يجعل في إناء؛ ويختم رأسه ويرفع مدة أربعين يوماً، ويستعمل؛ الشربة منه مثقال بأوقية من ماء الجرجير، ويؤكل عليه اسفيدباج بحمص وبصل وسمن بقر، فإنه نهاية فيما ذكرناه.\rدواء آخر\rيؤخذ جزر بري وبزر اللفت وجار فلفل وقاقلة وبزر جرجير وقرنفل وخولنجان وزر ورد وبزر كراث وزنجبيل وبسباسة، من كل واحد أربعة مثاقيل؛ تجمع هذه الحوائج مسحوقة منخولة، وتعجن بقدر ما تحتاج اليه من العسل المنزوع الرغوة وترفع؛ الشربة منه مثقالان بلبن البقر الحليب، أو بشراب حلو.\rدواء عجيب الفعل\rيؤخذ عود هندي وكافور وزعفران وجوزبوا وقرفة وقرنفل وصندلان: أحمر وأبيض، وسعد ودار صيني وشيطرج ونارمشك وساذج هندي، وبصل العنصل، ولحاء الغار، ولحاء أصل الكبر، وخربق أسوج، وسندروس، وكندر من كل واحد أربعة دراهم؛ يدق كل واحج منها على حدة، وتخلط جميع الأصناف بالسحق، ويعجن بعسل منزوع الرغوة، ويرفع في إناء، ويترك ستة أشهر، ثم يستعمل بعد ذلك، الشربة منه مثقال بماء العسل.\rلبانة تزيد في الباه، وتنعظ إنعاظاً شديداً وتهيج فلا يسكن حتى تنزع من فم الماضغ قال شهاب الدين عبد الرحمن بن نصر الشيرازي صاحب كتاب \" الإيضاح \" : هذه اللبانة كلن يستعملها بعض ملوك مصر.\rقال: وله فيها قصة طويلة لم نذكرها رغبة في الاختصار. قال: وهذا من الأسرار الخفية فاعرفه.\rيؤخذ من قشر البلاذر الخارج أوقية، تقرض بالمقراض صغاراً، ويجعل في برمة فخار، ويصب عليه من دهن البطم مقدار ما يغمره، ثم يؤخذ لبان ذكر عشرون درهماً، يسحق ناعماً، ويلقي عليه في البرمة، ويوقد تحته بنار لينة حتى ينعقد، ثم يلقي عليه من المحمودة الصفراء على كل أوقية من الدواء نصف دانق، فإذا انعقد جميعه فارفعه عن النار، واجعله في إناء زجاج؛ فإذا أردت استعماله فخذ من وزن درهم وامضغه، فإنه ينعظ للوقت إنعاظاً قوياً فإذا أردت الإنعاظ يسكن فأخرجها من فيك؛ والقطعة الواحدة منه تستعمل ثلاث مرات ثم يرمى بها.\rقال: وربما قطع ما هاج من الإنعاظ باستعمال هذه اللبانة، وهي: يؤخذ من الشيرج الطري جزء، ومن السكر جزء، ومن اللبان الأبيض ثلث جزء ويطرح فيه لكل أوقية من الدواء زنة دانق من الكافور، ويعقد الجميع على نار لينة ثم ينزل ويرفع، ويستعمل منه عند الحاجة زنة درهم يمضغ، فإنه يسكن ماهاج.\rالجوارشنات التي تزيد في الباه وتغزر المنى صفة جوارش يغزر المنى يؤخذ سنبل وقرنفل ودار صيني وقاقلة، من كل واحد مثقال؛ شلجم مثقال ونصف، كمون منقوع في خل خمر يوما وليلة مقلو أربعة مثاقيل، ومصطكاء مثقالان ونصف، مسك سدس مثقال، سكر طبرزذ خمسة مثقاقيل؛ تجمع هذه الحوائج بعد سحقها ونخلها، وتعجن بعسل منزوع الرغوة، وتبسط على رخام، وتقطع وتستعمل.\rجوارش يقوي الباه\rويزيد في الشهوة","part":3,"page":277},{"id":1278,"text":"يؤخذ قرنقل وجوزبوا وبسباسة وألسنة العصافير وأصل الإذخر وزنجبيل ودارصيني ومصطكاء وعود هندي وزعفران، من كل واحد مثقالان؛ قاقلة ولبان ذكر من كل واحد مثقال، أشنة ثلاثة مثاقيل، مسك ربع مثقال، سكر عشرة مثاقيل؛ بحل السكر بماء الورد على النار، ويلقي عليه عسل نحل منزوع الرغوة، ويعقد بالأدوية بعد سحقها، ويبسط على رخام، ويقطع ويستعمل فإنه غاية.\rجوارش التفاح\rيقوي المعدة ويزيد في الباه يؤخذ تفاح شامي مقشر الخارج، منقى الداخل، تطبخ من خمسة أرطال بخمسة عشر رطلا من الماء حتى ينشف الماء؛ ثم يؤخذ رطل عسل نحل، ورطل سكر ورطل ماء ورد، ويلقى جميع ذلك على التفاح حتى ينعقد على النار؛ ثم يلقى عليه زعفران وسنبل وقرنفل ودار صيني وزنجبيل ومصطكاء، من كل واحد مثقال، لسان ثور شامي مثقالان، عود هندي ثلاثة مثاقيل، تدق هذه الأصناف، وتنخل قبل إلقائها عليه؛ ثم تبسط على رخام، وتقطع، وتستعمل.\rالمربيات المقوية للشهوة والمعدة والباه قال صاحب \" كتاب الإيضاح \" : لا بد لسائر المربيات من هذه الأفاوية وهي: زنجبيل، ودار صيني، وقرفة، وقرنفل، وهال، وجوزبوا، ومصطكاء، وعود هندي، من كل واحد أوقية، زعفران نصف أوقية؛ سك مثقالان، مسك نصف مثقال؛ تدق هذه الأصناف دقاً جريشاً، وتجعل في خرقة كتان، وتشد شداً متحلحلا ويعلق منها في كل مربي لكل رطل أوقية.\rالراسن المربي،\rوهو مسخن للكلى والظهر محرك لشهوة الباه تؤخذ عشرة أرطال راسن يقطع بقدر الإصبع، وينقع في ماء وملح مدة عشرين يوما، ويغير عليه الماء والملح في كل خمسة أيام أو ثلاثة؛ ثم يصير في قدر ويصب عليه من الماء الحلو ما يغمره، ومن العسل ثلاثة أرطال، ويغلى حتى يلين؛ وتلقى عليه الأفاويه مصرورة في خرقة كما وصفنا، ثم يرفع ويستعمل. ؟\rالشقاقل المربي\rيقوي المعدة والشهوة ويزيد في الباه يؤخذ شقاقل كبار خمسة أرطال، ينقع في ماء عشرة أيام، ثم يلقى في قدر حجارة، ويغلى عليه غلية خفيفة، ثم يخرج ويقشر، ويرد الى القدر؛ ويصب عليه من العسل ما يغمره، ويغلى عليه، وتلقى عليه الأفاويه معلقة كما وصفنا ويجعل في برنية مدهونة، ويغسل ظاهر البرنية بالماء في كل خمسة أيام حتى يبرد لئلا يحمض ويفسد، ويستعمل عند الحاجة .\rالجزر المربى\rالذي يزيد في الباه يؤخذ من نحاتة أجواف الجزر عشرة أرطال، فيجعل في قدر حجارة، ويلقى عليه من الماء ما يغمره، ثم يلقى عليه ثلاثة أرطال من عسل النحل، ويطبخ بنار لينة حتى يتهرأ، ثم يخرج من الماء والعسل، وينشف ويبرد؛ ثم يلقى عليه من العسل ما يغمره؛ ويرد الى القدر، ويغلى عليه غلية يسيرة، ويبرد ويجعل في إناء ويتعاهد غسل ظاهر الإناء حتى يبرد ولا يحمض، ويكون قد طرح فيه الأفاويه على الرسم \" والله أعلم \"\rالإهليلج الكابلي\rالمربى يؤخذ من الإهليلج الكابلي الغليظ \" ما أحب الأخذ \" فيحعل في إناء، ويصب عليه من الماء ما يغمره، ويلقى فيه من رماد البلوط ما يكفيه، ويترك ثلاثة أيام ويغير عليه الماء والرماد؛ يفعل به ذلك أربع مرات \" الى تماتم اثني عشر يوما \" ؛ ثم يغسل بالماء العذب ثلاث مرات، ثم يطبخ بماء الشعير طبخاً ليناً، ويخرج منه ويمسح مسحاً رفيقاً لئلا ينسلخ، ثم تثقب كل إهليلجة بالإبرة في عِشرة مواضع ثم يجعل في برنية خضراء، ويلقى عليه من عسل النحل ما يغمره بعد أن تنزع رغوته ويغسل ظاهر الإناء مراراً على ما تقدم، وذلك بعد أن تلقى عليه الأفاويه في خرقة على الرسم.\rالتفاح\rيؤخذ من التفاح الجيد الذي لا عيب فيه قدر خمسين حبة، يقشر، وينقى ما في باطنه من الحب وما يجاوره، ويصير في قدر، ويلقى عليه من عسل النحل ما يغمره، ويغلي عليه يسيرا؛ وتعلق فيها الأفاويه، ويجعل بعد ذلك في برنية من الزجاج، ويتعاهد غسل ظاهرها بالماء في كل ثلاثة أيام حتى يبرد، ويستعمل فإنه يقوي المعدة، ويشد القلب ، ويزيد في الباه.\rالجوز\rوهو مما يزيد في الباه يؤخذ من الجوز الطري الأخضر الذي لم يصلب قشره، فيسلب عنه قشره الخارج، وإن كان داخله قشر قد صلب يقشر عنه أيضاً، ويصير في قدر حجارة ويصب عليه من عسل النحل ما يغمره، ويغلي عليه غلياناً خفيفاً، ويصير في برنية زجاج، وتعلق فيه الأفاويه، ويتعاهد غسل الإناء كما تقدم.","part":3,"page":278},{"id":1279,"text":"سفوفات تزيد في الباه فمن ذلك صفة سفوف يؤخذ تزيد في الباه فمن ذلك صفة سفوف يؤخذ إشقيل مشوي وفانيذ وبوزيدان وبزرسذاب، وحب الشهدانج وألسنة العصافير من كل واحد ثلاثة مثاقيل ونصف، خشخاش وبزر البصل، وبزر الجرجير من كل واحد مثقالان؛ تجمع هذه الأصناف بعد دقها ونخلها، ويستف منها مثقال ونصف بشراب حلو ممزوج، فإنه غاية.\rسفوف آخر\rيزيد في الباه تؤخذ ألسنة العصافير وبزر الجرجير وبزر اللفت، من كل واحد مثقالان؛ يدق ذلك، ويستف منه مثقال بشراب حلو، أو بعقيد العنب، فإنه جيد نافع إن شاء الله تعالى.\rالحقن والحمولات المهيجة للباه والمغزرة للمني والمسمنة للكلى هذه الحقن والحمولات إنما لمن عجز عن تناول ما قدمناه من الأدوية إما لكثرة حرارتها، أو كراهية لمذاقها، أو لإحراقها مزاج المستعمل لها، فالحقن والحمولات تنوبان منابها، وتقومان مقامها في الفعل، إلا أن هذه الحقن لا بد أن تتقدمها حقنة تغسل الأمعاء، ثم يحقن بها بعد ذلك فتكون أسرع فعلاً وأنجح نفعاً.\rحقنة تغسل الأمعاء\rوتنقيها يؤخذ بابونج وبزر كتان وحلبة وشبث، من كل واحد سبعة مثاقيل،وبطم وحسك أربعة عشر مثقالاً، يطبخ جميع ذلك بخمسة أرطال من الماء، ويغلى حتى يبقى منه رطل، ويصفى، ويؤخذ من هذا الماء نصف رطل، ويضاف إليه من الشيرج خمسة عشر مثقالاً، وسكر أحمر سبعة مثاقيل ثم يحقن به.\rحقنة أخرى\rتغسل الأمعاء يؤخذ لعاب بزر قطونا، ولعاب بزر كتان، ولعاب الحلبة، وماء السلق المعتصرولعاب الحطمى من كل واحد خمسة مثاقيل، ثم يجعل في ذلك من البورق والسكر الاحمر من كل واحد خمسة مثاقيل ومن الشيرج عشرة مثاقيل، ثم يحقن به، فانه نافع لما ذكرناه ان شاء الله، فهذه الحقن التي تتقدم أولا.\rحقنة تسمن الكلى\rوتزيد في الباه يؤخذ من دهن الجوز نصف رطل، يلقى فيه من الحسك نصف رطل، ومن لبن البقر رطل ونصف وفانيذ وزنجبيل وبزر هليون، من كل واحد أوقية، يغلى على النار ويصفى ماؤه، ويؤخذ منه أربعة عشر مثقالاً، ومن دهن الزنبق أربعة مثاقيل، ومن دهن البان أربعة مثاقيل، ثم يحقن به، فانه نافع لذلك.\rحقنة أخرى\rتسمن الكلى وتزيد في الباه يؤخذ رأس كبش وأكارعه ونصف أليته، ويرض الجميع، ويوضع في قدر، ثم يوضع عليه ربع رطل حمص، ومثل ذلك حنطة ولوبياء حمراء، ومن الشبث والبابونج وبزر اللفت ومرزنجوشن من كل واحد سبعة مثاقيل، حسك خمسة عشر مثقالاً، تطبخ بعشرة أرطال ماء حتى يتهرأ الجميع، ويصفى، ويؤخذ من ذلك الماء والدسم رطل، ويلقى عليه من سمن البقر أوقية، ومن اللبن الحليب أوقيتان ومن دهن البان نصف أوقية، ثم يحقن به ثلاث ليال متوالية عقيب تلك الحقنة التي تغسل الأمعاء، فإنه عجيب الفعل.\rحقنة لانقطاع الجماع\rوتقوي الشهوة وتسخن الكلى، وتزيد في الباه زيادة حسنة يؤخذ بزر كتان وبزر نرجس وبزر فجل وبابونج من كل واحد أوقية، حلبة ثلاث أواقي، أنجرة أوقية، حنطة أربع أواقي، سمن ثلاث أواقي، تمر عشرون عدداً لب القراطم البري والبستاني من كل واحد أوقيتان، مرزنجوش ثلاث أواقي يطبخ جميع ذلك بعشرة أرطال ماء حتى يبقى منه الثلث، ويمرس، ويصفى ويؤخذ دهن سوسن ودهن زنبق خيري وعسل نحل من كل واحد أوقية، يخلط الجميع بالماء الأول، ويؤخذ منه نصف رطل ويحقن به فإنه نافع.\rحقنة أخرى\rيؤخذ لبن ضأن وأذنا الخروف وحنطة وشعير وحلبة وشحم دجاج، وشحم بط وفراخ حمام وبابونج وخطمي وحسك وشبث وتين وعناب وسيسبان وبزر كتان، من كل واحد جزء؛ ويطبخ جميع ذلك بماء حتى يتهرأ، ويصفى، ويخلط معه شيرج ودهن بنفسج ودهن خيري ودهن بطم، ودهن جوز، وسمن بقر، ثم يحقن به على ما تقدم فإنه غاية في النفع.\rحقنة للرازي تهيج الباه\rيؤخذ رطل من دهن الجوز، ويلقى فيه رطل حسك، وثلاثة أرطال من حليب البقر، وأوقية زنجبيل وأوقية فانيذ، ويطبخ حتى يغلى مراراً؛ ثم يصفى ويؤخذ منه أوقيتان، وزنبق نصف أوقية، ودهن بان نصف أوقية، ويحتقن به ولا يجامع عشر ليال، فإنه عجيب هذه الحقن.","part":3,"page":279},{"id":1280,"text":"وأما الحمولات التي تحدث الإنعاظ الشديد - يؤخذ بزر جزر وبزر جرجير، ولعبة، ولب حب القطن، أجزاء متساوية، يعجن بماء الراسن أو بماء الجرجير، وتعمل من ذلك فتيلة، ويتحمل بها، فإنها تنعظ إنعاظاُ عجيباً.\rصفة أخرى\rيؤخذ من شحم كلى السقنقور فيذاب بدهن السوسن، ويذر عليه من لب حب القطن وعاقر قرحى وزنجبيل بعد سحق ذلك ونخله، وتعمل منه فتيلة ويتحمل بها.؟\rصفة أخرى\rيؤخذ من شحم كلى السقنقور وشحم البقر، والشمع، يسلأ ذلك، وتلقى عليه أدمغة العصافير الدورية، وتعمل منه فتيلة، ويتحمل بها.\rصفة أخرى\rيؤخذ قنطريون مسحوق، وزفت، وشمع، يذاب بدهن سوسن، وتعمل منه فتيلة، ويتحمل بها، فإنها تنعظ إنعاظاً عجيباً.\rصفة أخرى\rتؤخذ قطعة حلتيه فتجعل في ثقب الذكر بقدر ما تلدع، ثم تسال منه، فإنه ينعظ إنعاظاً قوياً، وإذا حصل اللذع يقطر في ثقب الذكر دهن بنفسج. وهذا ما يعالج به الباطن؛ فلنذكر الأدوية النافعة للظاهر من المسوحات والضمادات والأدوية الملذذة للجماع.\rالمسوحات والضمادات التي تزيد في الباه، المقوية للذكر صفة مسوح يمرخ به القضيب فيهيج شهوة الجماع ويزيد في الباه يؤخذ عاقر قرحى، وبسباسة، ودار فلفل، من كل واحد مثقالان؛ قنة وأفربيون من كل واحد مثقال؛ جندبا دستر وبزر الجرجير، من كل واحد نصف مثقال؛ دهن النرجس عشرة مثاقيل؛ شمع أبيض أربعة مثاقيل؛ تسحق الأدوية اليابسة ويذوب الشمع والقنة مع الدهن على النار؛ ثم تلقى عليها الأدوية المسحوقة، ثم يرفع، ويمرخ به القضيب والعانة، فإنه جيد مفيد لما ذكر.\rمسوح يمرخ به الذكر والعانة\rيزيد في الإنعاظ ويسخن الكلى والمثانة تؤخذ عصارة حشيشة الكلب - وهي الفراسيون - تدق وتحل بالدهن ويمرخ بها.\rمسوح آخر يمرخ به الذكر يزيد في الإنعاظ\rتؤخذ مرارة ثور فحل، وعسل نحل منزوع الرغوة، وقليل عاقر قرحى؛ يخلط الجميع، ويمسح به.\rمسوح آخر ملوكي\rيؤخذ أفربيون وزنجبيل وعاقر قرحى، من كل واحد مثقال، ومسك نصف مثقال؛ تجمع بدهن البلسان، ويمرخ بها القضيب وما يليه، فإنها نهاية.\rمسوح آ خر ينعظ ويزيد في الباه،\rويعين على الجماع إذا مرخ به القضيب والعانة يؤخذ السقنقور وقضيب الايل المجفف، والحشيشة المسماة حصي الثعلب من كل واحد مثقال، ومن بزر العاقر قرحي وبزر الجرجير، من كل واحد أربعة مثاقيل فربيون مثقالان، بيض العصافير الدورية ثلاث بيضات، تجعل في إناء زجاج ويصب عليها شيء من قطرات ودهن سوسن مقدار ما يغمرها ويطفو عليها؛ ويسد رأس الإناء، ويدفن في الزبل مدة أربعين يوماً، يبدل عليه الزبل في كل سبعة أيام، ثم يخرجه بعد ذلك، ويصفى عنها الدهن؛ ويلقى في الدهن سبعة مثاقيل من علك البطم؛ وتسحق الأدوية اليابسة، ويخلط الجميع بالعجن الجيد؛ ويصب عليه من دهن السوسن حتى يصير في قوام المرهم الرطب، ثم يرفع لوقت الحاجة؛ فاذا أراد العمل به مرخ به القضيب وما قرب منه، فإنه يفعل فعلاً عجيباً.\rمسوح آخر\rيؤخذ دهن خيري ودهن نرجس، من كل واحد نصف رطل؛ يجعل ذلك في طنجير، ويلقى عليه دار فلفل وعاقر قرحي وزنجبيل ودار صيني من كل واحد أوقية؛ جند بيدستر نصف أوقية؛ يغلى ذلك على النار غلياناً جيداً، ويتمرس ويصفى، ويرفع في إناء زجاج، ثم يدهن به القضيب وما حوله، فإنه يفعل في الإنعاظ فعلاً جيداً قوياً.\rمسوح آخر\rتؤخذ مرارة التيس ويطلى بها الذكر وما حوله والحقوان، فإن ذلك يقوي على الباه.....أمراً عجيباً.\rللذكرالمرخى\rالقليل القيام يؤخذ بورق وورس، ويعجنان بعسل منزوع الرغوة، ثم يلطخ به الذكر وما حوله، ويدمن ذلك أبامً، فإنه عجبب الفغل.\rمسوح آخر\rيؤخذ من شحم الضب ولحمه فيطبخان، ويؤخذ دهنه ويخلط بزنبق، ويدهن به الذكر، فإنه يزيد في الإنعاط، ويقوي الباه....أمراً عظيماً.\rمسوح آخر\rتؤخذ العصافير وقت هيجانها فتذبح على دقيق العدس، ويلت بدمها، ويبندق ويجفف، فإذا أراد الجماع فليأخذ بندقة ويحلها بزيت، ثم يطلي بها أسفل القدمين؛ ولا يطأ على الأرض، بل يكون على الفراش، فإنه ينعظ إنعاظاً قوياً، وإن وطئ على الأرض بطل فعل الدواء.\rمسوح آخر","part":3,"page":280},{"id":1281,"text":"تؤخذ مرائر العصافير الدورية الذكور وتخلط بدهن زنبق خالص، ثم يؤخذ باذروج وشهدانج فيدقان جميعاً دقاً ناعماً، ثم يخلطان بالمرائر والدهن، ويرفع ذلك في قارورة، فإذا أراد الجماع يمسح منه تحت القدمين وعلى القضيب والأثنيين ولا يطأ على الأرض، فإنه يرى من قوة الباه أمراً عجيباً.\rمسوح آخر\rيؤخذ قضيب الإيل فيحرق، ويعجن رماده بشراب عتيق، ثم يطلى به القضيب ويمرخ به، ويطلى ما حوله، فإنه ينعظ إنعاظاً شديداً جداً؛ فهذه المسوحات.\rوأما الضمادات التي تزيد في الباه وتعين على الجماع فيؤخذ رماد قضيب الإيل وعاقر فرحى وفربيون وفلفل أبيض، من كل واحد جزء؛ تسحق وتجمع، وتعجن بشراك عتيق، ويضمد الذكر بها والانثيان، فإنها تزيد في الباه.\rضماد يزيد في الباه ويقوي الإنعاظ ،على الظهر يؤخذ فلفل وعاقر قرحى وفربيو، من كل واحد مثقالان ونصف؛ حلتيت مثقال وربع؛ دهن بلسان ودهن بلسان ودهن قسط، من كل واحد خمسة مثاقيل؛ دار فلفل وجوزبوا، من كل واحد مثقالان؛ تسحق الأدوية اليابسة سحقاً ناعماً جداً؛ وتحل بالأدهان؛ وتمد على خرقة، وتوضع على الظهر، فإنه يرى العجب.\rضماد على الإبهام\rمن الرجل اليمنى، يزيد في الباه ويقوي الجماع يؤخذ من عود اليسر خمسة عشر مثقالاً، ومن صمغ البطم وصمغ عربي وفلفل من كل واحد عشرة مثاقيل؛ خرء الفأر والحشيشة المسماة خصية الثعلب، من كل واحد خمسة مثاقيل، ومقل أزرق وعاقر قرحي وزنجبيل وفربيون وسكبينج وجوزبوا من كل واحد أربعة مثاقيل، ويؤخذ سام أبرص فينقع في الخل الحامض أربعين يوماً، ويخرج ويجفف؛ ويؤخذ شحم ودك الكلى وقنة وشمع أبيض، من كل واحد عشرة مثاقيل؛ تجمع الصموغ والأصناف، ويذوب ما يذوب منها، وتخلط به وتوضع على إبهام الرجل اليمنى، فإنه يرى منه أمراً عجيباً الأدوية الملذذة للجماع منها صفة دواء يطلى به الإحليل عند الجماع يزيد في الباه واللذة؛ يؤخذ جوزبوا وفلفل ودار فلفل وعاقر قرحى وزنجبيل وسنبل وخولنجان وسكر، من كل واحد مثقالان؛ فيسحق كل صنف منه على انفراده ثم تجمع بالسحق، وتنخل، وتعجن بالعسل الذي قد ربى فيه الزنجبيل والشقاقل ويمسح بها الذكر، فإنه يرى منه عند الجماع لذة عظيمة.\rصفة دواء آخر\rيؤخذ عاقر قرحي وزنجبيل ودار صيني وسكر، من كل واحد مثقالان ونصف؛ تجمع هذه الأصناف بعد سحقها ونخلها، وتعجن بماء الرازيانج الرطب، وتحبب مثل حب الفلفل، وتجفف في الظل؛ ثم تسحق ثانياً، وتطرح في دهن رازقي ويطلى بها الذكر، فإنه جيد.\rصفة دواء آخر يزيد في اللذة عند الجماع\rيؤخذ سكر طبرزذ وكبابة وعاقر قرحي، من كل واحد مثقالان؛ تجمع بعد سحقها ونخلها، وتعجن بماء الرازيانج الرطب وتحبب مثل الفلفل، وتجفف في الظل؛ فإذا احتاج اليها طرح منها في الفم حبة، واستعمل ما انحل منها؛ أو تحل في دهن ويمسح بها الذكر، ويجامع، فإنه يرى منه لذة عظيمة.\rصفة دواء آخر يحدث من اللذة ما لا يوصف\rيؤخذ رازيانج يابس محمص، وفلفل، وزنجبيل، وعاقر قرحي ودار صيني، وجوزبوا وقردماناً وسكر طبرزذ، من كل واحد مثقالان؛ تجمع مسحوقة منخولة، وتحل بماء الرازيانج الرطب أو بماء الباذروج الرطب حتى تصير في قوام الطلاء؛ ثم ترفع في إناء زجاج، ويسد رأسه عشرة أيام، ويخضخض في كل يوم ثلاث مرات، ثم يمسح منه الذكر بعد ذلك، ويترك حتى يجف ثم يجامع بعد جفافه؛ ويحرص أن ينخل وهو يجامع؛ ولا يترك رأس الإناء مفتوحاً فإن الهواء يذهب بقوة الدواء. قال: فمن استعمل هذا الدواء لم تصبر المرأة عنه.\r؟ صفة دواء آخر يزيد في اللذة تؤخذ مرارة ذئب، وعسل نحل، وماء الرازيانج الرطب، من كل واحد خمسة مثاقيل؛ فلفل ودار فلفل ودار صيني وزنجبيل وعاقر قرحي، من كل واحد مثقال؛ تسحق الأدوية اليابسة، وتنخل، وتلقى في المرارة والماء والعسل، وتخضخض في إناء زجاج ويغطى فمه حتى لا يصل إليه الهواء؛ ويمسح منه على الذكر وقت الجماع، فإن المرأة تجد لذلك لذة عظيمة.\rصفة دواء آخر\rتؤخذ مرارة دجاجة سوداء، ويضاف إليها شيء يسير من الزنجبيل المسحوق ويطلى بهما الذكر، فإن المرأة تلتذ به.\rوحيث ذكرنا من أدوية الباه ما ذكرنا، فلنذكر ما قيل في الأدوية التي تعظم الذكر وتصلبه، والأدوية التي تضيق فروج النساء وتجفف رطوبتها.","part":3,"page":281},{"id":1282,"text":"أدوية تعظم الذكر وتصلبه قد أجمع جالينوس ومن تابعه من الحكماء على أن الدلك الدائم والتمريخ بالأدهان والأشياء الملينة والتنطيل بالماء الحار والدلك بالزيت والزفت، تعظم كل عضو في الجسد؛ ولاخلاف عندهم أن هذا العضو اذا فعل به ذلك عظم ونما وزاد عن حالته التي هو عليها، فإذا اجتمع مع ذلك هذه الأدوية التي نذكرها - وهي مما اتفق اللأطباء على جودتها وصحتها - فإن ذلك أبلغ وأسرع.\rفمن ذلك صفة دواء يعظم الذكر ويصلبه ويعين على الجماع\rيؤخذ بورق أرمني وسنبل، من كل واحد مثقالان، علق طوال عشر عدداً، يجفف العلق، ويسحق مع البورق والسنبل حتى يصير جميع ذلك كالهباء؛ ثم يصب عليه لبن حليل وعسل أجزاء متساوية، من كل واحد منهما عشرة مثاقيل، ويمرس باليد حتى يختلط، ثم يطلى به الذكر ليلة؛ ثم يغسل بالماءالحار من الغد، ويدلك بالخطمي دلكافويا حتى يحمر، ثم يغسل، ثم يعاد عليه الدواء والدلك قبل الدواء وبعده، فإنه جيد.\rصفة دواء آخر يعظم الذكر ويحسن منظره\rيؤخذ من شمع أحمر، وزفت، وعلك بطم، وزيت فلسطيني، من كل واحد خمسة مثاقيل، أنزروت وبورق أرمني مذوبان بلبن الأتان أربعة مثاقيل - وهو أن تأخذ الأنزروت والبورق فتسقيهما لبن الأتان ثم تجففهما وتسحقهما، وتسقيهما ثم تجففهما حتى يشربا ثلاثة مثاقيل لبن ويؤخذ من العلق الطوال المجفف ثلاثة مثاقيل، ويسحق الجميع، ويذوب الشمع والزفت والعلك والزيت، وتلقى عليها الأدوية المسحوقة، وتخلط خلطاً جيداً، ويمد منها على حرقه، وتوضع الحرقة على الذكر بعد دلكه إلى أن تخمر، وتبيت عليه ليلة، ويغسل باكر النهار بالماء الحلو الحار، ويدلك أيضا، ويعاد عليه الدواء إلى أن يبلغ في العظم ما تريد فاتركه.\rصفة دواء آخر لذلك\rيؤخذ إشقيل مشوى وفربيون وعاقر قرحى ودار فلفل، من كل واحد جزء، يسحق ذلك سحقاً ناعماً، ويعجن بالعسل، ويطلى منه القضيب، ويترك ليلة، ثم يغسل باكر النهار بالماء الحار، ويدهن بدهن زنبق، فإنه يعظم جداً.\rدواء آخر\rيؤخذ باذروج أخضر، يمضغ حتى ينعم مضغه، ويدلك به الذكر دلكاً جيداً فإنه يعظمه.\rصفة دواء آخر\rيؤخذ علق طوال طرية،تجفف وتسحق، ثم تربب بدهن حتى تصير كالمرهم ثم يطلى بها الذكر، فإنها تعظمه جداً.\rصفة دواء آخر\rيطبخ الزفت بالزيت، ثم يمد على حرقه، ويوضع على الذكر، ثم يقلع بعد ساعة ويغسل بالماء الحار، ثم تعيد الدواء عليه حتى يبلغ من العظم ما تريد.\rوإن تقرح الذكر من بعض الأدوية التي تقدم ذكرها، فامسحه بدهن زنبق ودهن بنفسج وشمع أبيض. قال: إن دلك الذكر بللبن الحليب من ضرع الشاة ثلاثة أيام فإنه يعظم، والله أعلم بالصواب .\rأدوية تضيق فروج النساء وتسخنها وتجفف رطوبتها قال عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله الشيرازي: اعلم أن كمال لذة الوطء لاتحصل للرجل حتى تجتمع في الفرج ثلاثة أوصاف، وهي الضيقة والسخونة والجفاف من الرطوبة، فإذا نقص منها وصف واحد أو وصفان فقد نقص من اللذة التي تحصل للرجل عند الجماع بمقدار ذلك، وإن عدمت هذه الأوصاف الثلاثة من الفرج، لم يحصل بوطئه لذة البتة.\rثم قال: واعلم أن الولادة وكثرة الجماع يوسعان الفرج، ويذهبان لذته، فينبغي أن يتدارك من هذه الأدوية بما يصلحه ليرجع إلى حالته الأولى .\rفمن ذلك صفة دواء يضيق الفرج\rيؤخذ جلد ابن آوى محرقاً، وأظلاف المعز محرقة، وحافر حمار محرق، وجوز ماثل محرق، وسرطان بحري محرق، وبسفايج محرق، وسعتر فارسي، من كل واحد وزن درهم؛ يسحق الجميع ناعماً، ويعجن بدهن البان، ويرفع؛ ثم تتحمل منه المرأة بزنة دانق في كل شهر ثلاث مرات كل عشرة أيام مرة، ولا يكون في وقت الحيض ويكون حرق الأدوية بمقدار ما تسحق من غير مبالغة في الإحراق، فإنه يضيق القبل حتى تصير المرأة كالبكر.\rصفة دواء آخر\rيؤخذ أفسنتين وحمامي وعصفر وصمغ البطم وجلنار وقيصوم ودار شيشعان، من كل واحد زنة درهمين؛ تدق وتعجن بزيت، وتتحمل منه المرأة بصوفة تسعة أيام متوالية، فإنه مجرب لذلك.\rصفة دواء آخر فيه منافع\rيؤخذ بسباسة ومرزنجوش وسعتر بري وقشور الكندر وإذخر وخيري وورد أحمر، وقشور الرمان وقشور الكبر والترمس من كل واحد مثقال، يسحق ذلك، ويعجن بدهن البان، وتتحمل منه المرأة نهاراً، وتخرجه ليلاً.","part":3,"page":282},{"id":1283,"text":"صفة دواء آخر يضيق القبل\rيؤخذ سك مسك وزعفران، ويصب عليهما شراب ريحاني، ويغلى غلياناً جيداً، ثم تشرب منه خرقة كتان، وترفع لوقت الحاجة؛ فإذا أرادت المرأة استعمالها قطعت قطعة، وتحملت بها قبل الجماع بيوم وليلة، فإنه يضيق المحل، ويطيب رائحته.\rدواء آخر\rيؤخذ رامك وأقاقيا وسنبل وسعد؛ يسحق الجميع، ويعجن بشراب، وتتحمل منه المرأة بصوفة.\rدواء آخر\rيؤخذ شب وعفص وقلقند، من كل واحد جزء؛ يدق الجميع، ويعجن بشراب ويصير مثل النوى، وتتحمل منه المرأة.\rدواء آخر\rيؤخذ زاج وشب، من كل واحد جزء، يستحقان، ثم يعجنان بماء الحصرم ويصيران شبه النوى، وتتحمل المرأة بواحدة منه قبل الجماع، وتمكث ساعة حتى تنحل في فرجها، فهذه أدوية تضيق الفرج.\rأدوية تسخن القبل فيؤخذ شحم الدجاج، وشحم البط، وزبل الغنم ودهن ناردين، وصمغ اللوز، من كل واحد جزء، زعفران ومر، من كل واحد ربع جزء، تذاب الشحوم بالدهن وتذر عليها الأدوية اليابسة بعد سحقها، وتتحمل منه المرأة بصوفة وهو فاتر، فإنه جيد مجرب.\rدواء آخر مثله\rيؤخذ مرزنجوش، وقشور الكندر، وصعتر بري، وبسباسه، من كل واحد جزء، يسحق الجميع، ويعجن بدهن ناردين أو دهن بان، ثم تتحمل منه المرأة فإنه بليغ جيد الفعل.\rصفة دواء آخر\rيؤخذ أفسنتين رومس وسنبل ودارصيني ومرارة ثور يابسة وسعتر؛ يسحق الجميع، ويعجن بشراب صرف، وتستعمله المرأة مراراً فإنه جيد.\rوأما الأدوية التي تجفف رطوبة الفرج - فقال الحكماء : إذا كثرت رطوبة فرج المرأة كان أنفع علاجها الإسهال بالإيارجات والحبوب واستعمال هذه الأدوية.\rدواء يجفف الرطوبة\rيؤخذ شب وإثمد، من كل واحد جزء؛ يسحقان، وتتحما المرأة منهما ذرورا، فإنه جيد.\rصفة دواء آخر مثله\rيؤخذ صنوبر وسعد، من كل واحد جزء، يدق ذلك ناعماً، ويطبخ بشراب وتشرب منه خرقة كتان، وتتحمل منه المرأة، فإنه نافع.\rصفة جواء آخر\rيؤخذ عفص وجفت البلوط وجلنار، من كل واحد ملء كف؛ يطبخ ذلك بالماء طبخاً جيداً، ويرفع في إناء، وتستنجي منه المرأة قبل الجماع، فإنه غاية.\rدواء آخر\rيؤخذ تمر برني وسمن وعسل وأنيسون ولبنن من كل واحد جزء، ويجعل ذلك في قدر نظيفة، ويغمر بالماء أربع أصابع، ثم يطبخ طبخاً جيداً حتى يغلظ وتتحمل منه المرأة.\rقال حنين بن إسحاق: ينبغي ألا يستعمل يه ماء البتة، بل يطبخ بالعسل والسمن حتى يغلظ ويرفع، ويستعمل، فإنه يقطع الرطوبة من الفرج، ويسكن الضربان، ويصلح للنفساء؛ والله أعلم بالصواب.\rتطيب رائحة البدن وتعطره فمنها صفة طلاء رائحة البدن يؤخذ نمام ونعنع ومرزنجوش وورق التفاح، من كل واحد جزء، ثم يحعل عليه من الماء ما يغمره وزيادة أربع أصابع؛ ويطبخ حتى ينقص الثلث، ويصفى ويطلى به البدن، فإنه يطيبه ويقطع سهوكته.\rدواء آخر\rيؤخذ آس ومرزنجوش وسعد وقشور الأترج وورقه وأشنة وصندل، من كل واحد جزء؛ يسحق جميع ذلك، ويرفع؛ فإذا أراد استعماله حل منه قليلا بدهن آس أو دهن ورد، أو بماء فاتر ويمرخ به البدن، فإنه جيد.\rدواء آخر مثله\rيؤخذ مرداسنج وتوتياء ورماد ورق السوسن ومر وصبروورد، من كل واحد جزء، يدق ذلك، ويسحق؛ ويستعمل مثل الأول لطوخاً أوذروراً.\rقرص يقطع الصنان\rيؤخذ صندل وسليخة وسك مسك وسنلل وشب ومر وورد أحمر، من كل واحد جزء، ومن التوتياء والمرداسنج، من كل واحد ثلاثة أجزاء، ومن الكافور نصف جزء؛ تجمع هذه الأصناف بعد سحقهان وتعجن بماء الوردن وتقرص وتستعمل بعد التجفيف.\rيقطع رائحة العرق\rيؤخذ ورد وسك وسنبل وسعد وشب ومر، من كل واحد جزء؛ تدق هذه الأصناف دقاً ناعماً، وتحل بماء الورد، وتستعمل لطوخاً فإنه جيد لما ذكرنا.\rيذهب رائحة الإبط،\rولا يحتاج بعده إلى دواء آخر","part":3,"page":283},{"id":1284,"text":"يؤخذ راسن مجفف محرق وزراوند طويل محرق، وورق رند محرق، ونوى زعرور محرق، ونوى الزيتون الأخضر محرقاً، وقرطاس محرقن وزجاج فرعوني محرقن وزعفران، من كل واحد جزء، تسحق سحقاً ناعماً حتى تصير مثل الكحل وتعجن بالماء المعتصر من الآس، وتحبب، وتجفف في الظل، ثم يشرط تحت الإبط شرطان يسيران، ويسحق ذلك الحب، ويدلك به ذلك الموضع والدم يجري، ويترك عليه يوما وليلة ثم يغسل فلا تعود تظهر رائحته أبدا.\rلأصحاب الأمزجة الحارة\rيؤخذ سعد، وساذج، وفقاح الإذخر، وميعة سائلة، من كل واحد عشرة مثاقيل، ورد يابس، وأطراف الآس، من كل واحد مثقالان، يبل السعد وفقاح الإذخر والساذج بشراب ريحاني، ثم تسحق، وتعجن بالشراب وتقرص، وتجفف، ثم تسحق، ويطرح عليها الورد وأطراف الآس مسحوقين ويذاب زعفران بماء الورد، ويخلط مع الأدوية، ويجفف ذلك كله في الظل ثم يسحق بعد جفافه، ويجعل ذروراً؛ فإذا أراد استعماله دخل الحمام، وتنظف من كل درن، ثم خرج وتنشف من العرق، ثم نثر على بدنه من هذا الدواء، فإنه نهاية في قطع العرق.\rصفة دواء آخر يقطع العرق، وينفع أصحاب الأمزجة الحارة\rيؤخذ دار صيني وسنبل هندي، وأظفار وقسط، من كل واحد جزء؛ ومن طين البحر وإسفيداج مغسول، من كل واحد نصف جزء، شيح وشقاقل من كل واحد ثلاثة أجزاء، زعفران وورد يابس، من كل واحد ثلث جزء؛ تسحق الأدوية اليابسة بماء الزعفران والآس بعد أن تحل بشراب ريحاني ويستعمل، فإنه جيد.\rتجلو الأسنان من الصفرة والسواد وتطيب رائحة الفم والنكهة فأما السنونات التي تجلو الأسنان - فمنها، يؤخذ قرن ايل محرق، وملح أندراني، وزبد البحر، من كل واحد جزء؛ ورق أثل محرق، وأصول القصب المحرق جزءان؛ شاذنج ربع جزء، خزف صيني جزء؛ يدق الجميع، ويخلط ويسن به.\rسنون آخر\rيؤخذ من قشور الرمان جزءان، ومن عروق الجنار والشب والعقيق، من كل واحد جزء، يدق وينخل، ويستن به، فإنه غاية.\rصفة سنون آخر يقوي الأسنان ويجلوها\rيؤخذ ملح أندراني، يسحق، ويشد في قرطاس، ويلقى على الجمر، فإذا احمر أخذ وأطفئ في قطران، ثم يؤخذ منه جزء، ومن زبد البحر ودار صيني ومر وسعد ورماد الشنج، من كل واحد جزء؛ ومن السكر ثلاثة أجزاء، ومن الكافور عشرة أجزاء؛ يسحق ويستن به، فإنه جيد.\rتطيب رائحة الفم والنكهة - فمنها دواء يؤخذ ورد أحمر منزوع الأقماع، وصندل أبيض، وسعد، من كل واحد عشرة دراهم؛ سليخة وسنبل وقرفة وقرنفل وجوزبوا، من كل واحد أربعة دراهم؛ قشور الأترج المجففة وورقة، وإذخر وأشنة، من كل واحد خمسة دراهم سكر وعود هندي ومصطكاء وبسباسة وسك، من كل واحد درهمان، كافور نصف درهم؛ مسك نصف دانق؛ تدق الأصناف دقاً ناعماً، وتعجن بماء ورد، أو بماء ورق الأترج، وتحبب بقدر الحمص، وتمسك في الفم، فإنه جيد مجرب.\rصفة حب آخر يزيل البخر\rيؤخذ صبر صمغ ثلاثة دراهم، وفلفل وقرنفل وخولنجان وعاقر قرحى، من كل واحد درهم؛ مسك وكافور من كل واحد دانق؛ تدق هذه الأصناف دقاً ناعماً وتعجن بشراب ريحاني، وتحبب، وتستعمل كما تقدم.\rينفع من البخر\rيؤخذ هال وقاقلة وجوزبوا ودارصيني وخولنجان، من كل واحد ثلاثة دراهم ورد أحمر وصندل أبيض من كل واحد خمسة دراهم كافور نصف درهم، مسك زنة دانق؛ الجميع دقاً ناعماً، ويعجن بماء ورد، ويحبب مثل الحمص وتمسك في الفم منه حبة واحدة.\rصفة دواء آخر\rتؤخذ سليخة، ودارصينين ورامك، وهال، وفقاح الإدخر، وأصول السوسن وكبابة وأشنة؛ تسحق هذه الأدوية، وتعجن بماء ورد، وتحبب مثل الحمص وتجعل في الفم منها تحت اللسان في كل يوم واحدة، فإنه جيد.\rحب ملوكي\rذكره التميمي في كتابه، وقال: إنه أخذه عن أحمد بن أبي يعقوب؛ وهو: يؤخذ من العود الهندي سبعة دراهم، ومن القرنفل والبسباسة من كل واحد منهما أربعة درهم، ومن الكبابة والقاقلة من كل واحد ثلاثة دراهم، ومن السعد الكوفي الأبيض والصندل المقاصيري من كل واحد خمسة دراهمن ومن سك المسك مثقال، ومن الكافور نصف مثقال؛ تسحق هذه الأصناف، وتعجن بماء الورد وتحبب بقدر الحمص أو أكبر، وتجفف في الظل، ويأخذ منه حبة بالغداة فيديرها في فمه حتى تذوب، ويفعل مثل ذلك عند النوم.","part":3,"page":284},{"id":1285,"text":"وقال: هذا الحب إن شئت استعملته على هذه الصفة. وإن شئت تبخرت منه. وإن شئت سحقت منه حبة وأذبتها بماء ورد، وتطيبت بها وإن شئت سحقتها مثل الذريرة وتطيبت بها يابسة.\rوإن حللت منه بالبان المنشوش كان مسوحاً طيباً شبيهاً بالغاية.\rوإن حللت منه ثلاث حبات أو أربعاً بماء ورد ومسحت به على جسدك في الحمامن كلن طيباً لا بعده.\rصفة حل آخر مثله يطيب النكهة، ويستعمل كما تقدم أيضاً يؤخذ عنبر ومسك وسك مسك وعود هندي، من كل واحد خزء؛ كافور رياحي ربع جزء، زعفران وقرنفل من كل واحد نصف جزء؛ تسحق هذه الأصناف، وتجمع، ويكون سحق العنبر مع العود، ثم يعجن جميع ذلك بماء الورد ويحبب كما تقدم، ويستعمل حبة بالغداة وأخرى عند النوم، فإنه ينفع لما ذكرناه وينفع الخفقان وعلل القلب. وقد أخذ هذا الفصل حقه، فلنرجع الى أدوية الباه.\rأدوية تعين على الباه فمنها صفة دواء: يؤخذ حب البلسان ومقل أزرق وجاوشير وباذاورد، من كل واحد مثقال؛ تدق أفراداً، وتجمع بالسحق، وتحل بشراب، ويطلي بها الذكر، ويجامع بعد جفافه، ويحرص على أن ينحل الدواء في الفرج قبل الإنزال، فإنه نافع مجرب.\rصفة دواء آخر\rيؤخذ أفربيون وعاقر قرحي وجند بيدستر وسنبل وقسط وميعة سائلة، من كل واحد مثقالان؛ يسحق وينخل، ثم يجمع، ويحل بالميعة، ويرطب بشراب ريحاني، ويطلي الذكر منه، وتجامع المرأة بعد جفافه، فأنه نافع لذلك لا يخرم سيما اذا كاي عقيب طهر المرأة.\rدواء آخر\rيؤخذ ورق الغبيراء، يجفف، ويسحق سحقاً ناعماً، ويعجن بمرارة البقر، ويطلي به الذكر، ويجامع، فإنه يزيد في الباه ويعين على الحبل.\r؟دواء آخر\rيؤخذ بول الفيل، وتسقي منه المرأة وهي لا تعلم، ثم يجامعها، فإنها تحبل لوقتها بإذن الله تعالى.\rصفة دواء آخر وهو من الأسرار\rيطلي الذكر بلبن حليب، ويترك حتى يجف، ثم يجامع عقيب طهر المرأة فإنه غاية لذلك. قال صاحب كتاب \" الإيضاح \" : ينبغي لمن استعمل دواء من هذه الأدوية أن يقصد الجماع في الوقت الذي تطهر فيه المرأة من طمثها.\rقال: وينبغي أن يرفع وركيها عند الإنزال، ويكون رأسها منكساً إلى أسفل فإن ذلك مما يعين على الحبل.\rقال: وينبغي أنه إذا أحس بالإنزال أن يميل على جنبه الأيمنن وكذلك إذا نزع فإن الولد نكون ذكراً إن شاء الله تعالى.\rوأما الأدوية التي تمنع الحبل - فيحتاج الرجل مع الأدوية أن يكون اعتماده في الجماع بضد ما تقدم، وذلك أن يجعل إنزاله فيل إنزالها، وأن ينهض عنها بسرعة، ولا يجامعها عقيب الطهر.\rوأما الأدوية - فمنها صفة دواء يمنع من الحبل ويسقط الجنين: يؤخذ سذاب مجفف ونطرون، من كل واحد جزء؛ يسحقان وينخلان ويحلان بماء السذاب الرطب، ويطلي بذلك الإحليل، ويجامع.\rدواء آخر مثله\rتؤخذ قنة، تسحق بعصارة السذاب وماء الكسبرة الخضراء حتى تترطب ويطلي بها الذكر، ويجامع، فإنه يمنع الحبل ويسقط الجنين.\rصفة دواء آخر يفعل ما تقدم\rيؤخذ أبهل مثقالان؛ ورق سذاب مجفف، وفودنج يابس، من كل واحد نصف مثقال؛ فوة وسقمونيا ونطرون، من كل واحد مثقال؛ يدق ذلك وينخل ويسحق، ثم يجمع، ويحل بماء السذاب الرطب، أو بماء طفئ فيه الحديد ويجامع به فإنه شديد في منع الحبل وإسقاط الأجنة. ؟؟؟؟ وحيث ذكرنا ما قدمناه من الأدوية التي تزيد في الباه وتغزر المنى، وأشباه ذلك، وما وصلناه به، فلنذكر الأدوية التي تنقص الباه، وتسكن الشهوة، فإنه قد يحتاج الى ذلك في بعض الأوقات.\rأدوية تنقص الباه\rوتمنع من الجماع وتسكن الشهوة\rوهذه الأدوية منها مفردة ومنها مركبة أما المفردة - فمنها البقلة الحمقاء، وهي الرجلة، وتسمى الفرفحين أيضا، ومنها الخس، والقرع والشهدابح، والعدس، والجمار، والشعير، والأشياء الحامضة كالحصرم والتوت، والرمان الحامض، وحماض الأترج، والخل، وعنب الثعلب، ومنها البطيخ والخيار والقثاء والسفرجل والمشمش وأشباه ذلك، ومنها الفودنج والمرماحوز والمرزنجوش والحرمل والكمون وبزر قطونا والكافور والبنج والورد والخلاف والإسفاناخ وكل دواء بارد يابس، فهذه المفردات.\rوأما المركبات - فمنها أغذية وأدوية.\rأما الأغذية - فمنها السماقيات، والحصرميات، والليمونيات، والسكباج والمصوص، والمضيرة","part":3,"page":285},{"id":1286,"text":"والعدس، والتمرية، والزبيبية، وما أشبه ذلك مما فيه خل أو حموضة .\rوأما الأدوية - فمنها صفة دواء يقطع الشهوة، ويجمد المني.\rتؤخذ كسبرة يابسة محمصة، وبزرقثاء، وبزر نرجس، وبزر كتان، وجلنار وتحمص البزور كلها.\rويؤخذ سماق، وحرمل وبنج أبيض، وقلقطار وقلقند، وصندل أبيض من كل واحد جزء، تجمع هذه الأدوية بعد سحقها ونخلها، وتعجن بالماء المعتصر من الورد والرجلة، وتحبب مثل الحمص، وتجفف في الظل، وترفع في إناء زجاج ويسد رأسه من الهواء، فإذا احتيج اليه اذيبت منه واحدة بلعاب بزر قطونا، ويطلى به الإحليل في كل أسبوع ثلاث مرات. وإن طليت به فقار الظهر وتكرر ذلك أياماً متواليات قطع النسل وأمات شهوة الجماع.\rصفة دواء آخر يقطع شهوة الجماع البتة،\rوهو من الخواص تؤخذ خصية السقنقور اليمنى، تجفف، وتسحق، وتذاب بماء السذاب الرطب، فمن شرب منه زنة قيراط قطع شهوته ونسله.\rصفة دواء آخر\rيضعف الإحليل ويكسر حدته ولايدعه ينتشر البتة، وهو الذي يستعمله كثيراً من الرهبان.\rيؤخذ توبال النحاس، وتوبال الحديد، وتوتياء هندي، وشعر دب،وشعر ثعلب محرقان، وجلنار محرق، وجفت البلوط، وكافور، وجوز السرو محرقاً، وصندل أبيض من كل واحد جزء، تجمع بعد سحقها ونخلها، وتعجن بالماء المعتصر من السلق وتحبب مثل الحمص، وتجفف في الظل، وترفع في إناء من الزجاج، ويسد رأسه فإذا احتيج اليه تؤخذ منه حبه تحل بماء الكسبرة الخضراء، ويطلى بها الذكر ويرش منها أيضاً في السراويل.\rالباب الحادي عشر\rفيما يفعل بالخاصية\rإعلم - وفقنا الله وإياك - أن الخواص كثيرة لا تكاد تنحصر، ولاتتعلل أفعالها فأحببنا أن نذكر منها طرفاً نخيم به هذا الفن.\rولنبدأ بما هو متعلق بالنكاح، ليكون القول فيه يتلو بعضه بعضاً.\rذكر الخواص المختصة بالنساء والنكاح التي استقرئت بالتجربة من خواص الهنود وهي، تأخذ رأس غراب أسود فأفرغ دماغه، واجعل موضع الدماغ شيئاً من تراب الموضع الذي تجلس فيه المرأة التي تريد، وشيئاً يسيراً من زبل الحمام، واجعل في ذلك سبع شعيرات، وادفنه في الأرض في موضع ند، فاذا نبت الشعير وصار طول أربع أصابع، فخذ منه، ثم ادلك به يدك، وامسح به على وجهك وذراعيك ثم استقبل به تلك المرأة ولا تكلمها، فإنها تسعى في أثرك، ولاتطيق الصبر عنك.\rقال: وهو من الأسرار الخفية، فاعرفه.\rسر آخر قال صاحب الخواص: خذ أظفار الهدهد وأظفار نفسك، فأحرقهما جميعاً واسحقهما حتى يصيرا ذروراً، ثم اجعل ذلك في قدح طلاء، واسقه أي امرأة أردت وهي لاتعلم، فإنها تميل اليك، وتحب القرب منك جداً.\rسر آخر لجعفر الطوسي قال: إذا أخذت لسان ضفدعة خضراء، ووضعته على قلب امرأة نائمة أخبرتك بجميع ما عملت في ذلك اليوم.\rقال: وإن بخرت فراش امرأة بشيء من ضفدعة خضراء وهي لاتعلم ثم نامت عليه، فإنها تتكلم في نومها بجميع ما عملته.\rقال: وكذلك اذا أخذت عين الرخمة أو عين كلب ميت وأصل الخس ثم ربطت ذلك في حرقة كتان، ووضعته على سرة امرأة نائمة، أخبرتك بجميع ما عملته.\rوقال حنين بن إسحاق: اذا أردت أن تعلم أن المرأة بكر أو ثيب، فمرها أن تأخذ ثومة مقشورة وتنخسها في عدة مواضع، ثم تحملها في فرجها ليلة، فاذا أصبحت فاستنكهها، فإن وجدت رائحة الثوم في فيها فهي ثيب، وإن لم تجد فيه رائحة فهي بكر. وبذلك أيضاً تعرف حملها، فإن وجدت للثوم رائحة فهي غير حامل وإن لم تجدها فهي حامل.\rقال: وإذا أردت أن تخبر حال امرأة، وهل بقيت تحمل أم لا فمرها أن تأخذ زراوندا مدحرجاً، وتسحقه بمرارة البقر، ثم تحمله بعد طهرها ليلة، فإذا أصبحت، فإن وجدت طعمة في فيها فهي تحمل، وإلا فهي عاقر.\rوقال صاحب كتاب فردوس الحكمة: إذا تبخرت المرأة بحافر فرس أو حافر بغل أو حمار أسقطت الولد والمشيمة؛ وإذا تحملت به بعد الجماع لم تحبل.\rقال: ومن طلى ذكره بمرارة دجاجة سوداء ثم جامع امرأة لم تحمل بعد ذلك أبداً.\rوقال جابر بن حيان: إذا أخذت المرأة حبة خروع وغمضت عينيها وابتلعتها لم تحبل سنة.\rقال: وإن ابتلعت حبتين لم تحمل سنتين؛ وإن ابتلعت ثلاثاً فثلاث، وكذلك كلما زادت كانت كل حبة بسنة.\rوقال: وإذا أخذ رأس خشاف ووضع تحت رأس امرأة عند الجماع، لم تحبل من ذلك الوطء.","part":3,"page":286},{"id":1287,"text":"قال: وإن أخذ شوكران وسحق وعجن بلبن رمكة وجعل في صرة، وربط في عضد المرأة الأيسر، لم تحبل أبداً ما دام عليها.\rقال: وإن شربت المرأة بول كبش لم تحبل أبداً.وكذلك إن شربت من رغا الجمل الهائج لم تحبل أبداً.\rوقال شرك الهندي: إذا أردت ذهاب غيرة المرأة فلا تغار من ضرتها ولا من وطء جارية، فاسقيها دماغ أرنب بشراب وهي لاتعلم.\rقال: إن سقيت مرارة ذئب بعسل وهي لاتعلم ذهبت غيرتها.\rومما يذهب غيرة المرأة أن تسقى غبار دقيق الشعير من الرحى الدائرة بماء المطر فإنه جيد في ذهاب الغيرة.\rقالوا: وإذا شدت في مقنعة امرأة دودة حمراء وهي لا تعلم هاجت شهوتها واغتلمت أمراً عظيماً. وإذا أخذ من الزنجار جزء، ومن النشادر نصف جزء، وجعلا في الماء الذي تستنجى به المرأة؛ اغتلمت وطلبت الجماع. وكذلك إذا أخذ من الأقحوان والأبهل والأشنان الأحمر من كل واحد جزء ودق ذلك، وسحق، وعجن بدهن البان، وحملته المرأة، ثارت بها شهوة الجماع.\rوإذا أخذ قضيب الثور الأحمر وجفف في الظل، وسحق، وشربت منه المرأة وزن مثقال بنبيذ صرف، قطع عنها شهوة الجماع.\rوإذا أخذت قضيب الذئب قبل طلوع الشمس أو بعد غروبها بحيث لا براه الشمي، وقطعته، ثم جففته في الظل، وسحقته، وأسقيته امرأة، فإنها تبغض الرجال، وتذهب عنها شهوة الباه.\rوإذا أخذت شجرة مريم وسحقتها وعجنتها بماء النعناع، وحببتها كل حبة زنة نصف دانق، وسقيت منها امرأة حبة، انقطعت شهوتها سنة.\rوكذلك مهما زدت كانت كل حبة بسنة.\rشيء من الحواص\rغير ما تقدم ذكره من ذلك طلسم يجعل على المائدة فلا يقربها ذباب يؤخذ كندس وزرنيخ أصفر، وكمأة يابسة، أجزاء متساوية؛ يسحق جميع ذلك، ويعجن بماء العنصل، ويجعل منه مثال، ويدهن بالزيت فإن الذباب لا يقرب من المكان الذي يوضع فيه.\rسام أبرص إذا جعل في قصبة فارسية أحد رأسيها مسدود، ثم يسد الآخر بشمعة، وتعلق القصبة بما فيها على من به عرق النساء على وركه من الجانب الذي به الوجع، فإن وجعه يتناقص بقدر ما يضعف سام أبرص، فإذا مات في القصبة زال الوجع كله.\rالأفسنتين الرومي يمنع السوس عن الثياب؛ وفساد الهوام؛ ويمنع الحبر والمداد أن يتغيرا، والكاغد أن يعث أو يقرض.\rقشر الأترج إذا جعل في الثياب حماها من السوس.\rالساذج الهندي إذا نثر في الثياب حفظها من السوس.\rالخربق إذا جعل مع الثياب التي ترفع لم يقر بها السوس.\rعود الريح وورق النعناع مثل ذلك.\rيكتب على بيضتين بعد سلقهما وقشرهما، على الأولى: والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون؛ وعلى الثانية: والأرض فرشناها فنعم الماهدون، ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون؛ ويكتب بعد ذلك على كل منهما قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين وتعطى الأولى للمرأة، والثانية للرجل؛ ويعطى كل منهما لصاحبه البيضة التي أعطيها يأكلها، فإن ذلك يحل المعقود.\rمرارة الخطاف إن شربت وشرب في عقبها اللبن الحليب، سودت شعر اللحية والرأس.\rإذا غرز في طرف القرع قطع من حديد وهو متصل بأصله، ولم ينفذ إلى الجانب الآخر، وطلي عليه بالطين الأصفر، وترك في أصله إلى أن يدرك ويجف ويؤخذ ما في جوفه، وهو كالحبر، ويحل بعسل نحل من غير نار، ويستعمل منه في كل غداة قدر البندقية - وإن حل برب العنب فهو أجود، وهو الميبختج - فإنه يسود الشعر إن داوم عليه.\rخواص الحروف والأسماء\rخواص الحروف والأسماء كثيرة، قد ذكرها البوني؛ فمنها ما عرفوا تأثيراته بطوالع، وقيدوه بأوقات؛ ومنها ما ليس له وقت مخصوص، وهو الذي أورد منه في هذا الموضع ما تقف عليه إنشاء الله تعالى.\rقال الشيخ جمال الدين أبو العباس أحمد بن أبي الحسن القرشي البوني - رحمه الله تعالى - في كتابه المترجم بلطائف الإشارات في أسرار الحروف العلويات: من نقش حرف الحاء في فص خاتم ثماني مرات، ونقش معه \" ياحي يا حليم يا حنان يا حكيم \" ، أمن من الحميات كلها.\rوإن هو جعله في ماء وسقى منه المحمومين خفف ما بهم.\rوإن داموا على الشرب ذلك الماء والابتراد به ذهبت الحميات كلها. وكذلك ينفع المحرورين من أهل الصفراء.\rقال: ولا يكثر من لبسه كبير السن.\rقال: ومن خاصيته تعطيل حركة النكاح.","part":3,"page":287},{"id":1288,"text":"قال: وإن حمله الشاب فهو أوفق للختم به، ولا يحمله في يوم السبت ولافي يوم الاثنين، ويحمله فيما عداهما من الأيام.\rوفيه لمن أمسكه ذهاب العطش وكثرة شرب الماء.\rوإن علق في بستان نمى ثمره، وكثرت نضارته.\rقال: ومن قال عند طلوع الشمس: \" ياحي يا حليم يا حنان يا حكيم \" ومن الأسماء المقدسة ما أوله حاء في زمن القيظ، يذكر ذلك حتى تنقلب الشمس في رأي عينه خضراء وهو ناظر إليها، لم يحس في يومه ذلك ألم الحر.\rقال: ومن كتب اسمه \" الجبار وذا الجلال \" في بطاقة أي وقت شاء وهو على طهارة، وجعلها في خاتمه أو بين عينه وقت جلوسه بين الناس، رزقه الله الهيبة والتعظيم.\rومن كتب اسم الله \" الجميل والجواد \" في بطاقة أي وقت شاء، وتختم بها أو حملها وقت دخوله بين أحبابه أو منزله، حسنة الله تعالى، وجمل ظاهره وباطنه.\rقال: ومن كتب \" محمد رسول الله \" خمسة وثلاثين مرة، \" أحمد رسول الله \" خمسة وثلاثين مرة في يوم جمعة بعد صلاة الجمعة وحملها معه. رزقه الله تعالى قوة في الطاعة، وتقوية على البركله، وكفاه الله تعالى همرات الشياطين.\rوإن هو أدام النظر إلى تلك البطاقة كل عند طلوع الشمس وهو يصلي على محمد صلى الله عليه وسلم، كثرت رؤياه للنبي صلى الله عليه وسلم، ويسر الله تعالى عليه في يومه ذلك أسباب السعادة، وذلك بحسن القبول وعقد النية وصفاء الباطن.\rقال: ومن نقش اسم الله الخبير على فص مهما يكن يوم الجمعة أو يوم الإثنين أول ساعة من النهار، واحتمل هذا الفص في فمه، لم ينله وصب العطش.\rوإن هو جعله في كوز ماء وشرب منه، أسرع له الري، ولم يطلب الماء بعده.\rومن كتب: إن الله عزيز ذو انتقام أربع مرات، وعلقها عليه، لم يقر به شيطان، ولم يصبه، ولا يقرب البيت الذي يكون فيه.\rقال: ومن كتب الصاد ستين مرة في بطاقة وحملها غلب خصمه.\rومن علقها عليه وهو صائم، أمن من الجوع بإذن الله تعالى.\rقال: ومن كتب الصاد ستين مرة في عصابة، وعصب بها من يشتكي الصداع، بريء إن شاء الله تعالى.\rوقال: إذا نقش حرف الطاء في لوح من مشمش والشمس في السعود تسع طاءات، وخمس هاءات وحملها إنسان، قهر الله عنه قلوب الجبارين من الشياطين والإنس، وربما أنه كثيرا ما يرى النبي صلى الله عليه وسلم.\rومن استدام إمساكه على طهارة، أورثه ذلك حمى الدق.\rقال: ولا يحب أعمال البر كلها، ولا يقدر أن يبقى ساعة بغير طهارة. وإن علق على من يشتكي ألم الرأس، هون الله تعالى عليه ذلك.\rوإن ألقاه في كوز الماء وشرب من ذلك الماء، رأى بركة في ذاته من محبة الخير، وانشراح الباطن، واتساع الصدر.\rقال: ومن كتبها في تسع من الشهر، أو ثمانية عشر، أو في سبعة وعشرين عددها، وخمس هاءات معها، وعلقها على نفسه، أمن من الهوام.\rقال: ومن نقش حرف العين سبعين مرة يوم الجمعة وقت الأذان، في خرقة حرير بيضاء، وركبها على خاتم قلعي أو قمر، وتختم به، نطق بالحكمة، ويسر الله عليه الفهم الثاقب؛ ويكون تعليقه بإزاء قلبه، ولا يعلقه عليه عند نومه، فإنه يرى خيالات كثيرة.\rقال: ومن أكثر من ذكر اسمه العزيز، نال عزة في دينه إن يكن من أهل الديانات، وعزة في دنياه إن يكن من أهل الدنيا.\rقال: ومن كتب حرف القاف في الهلال مائة مرة ومحاه بماء وشربه أمن من الرطوبات العارضة، وجاد فهمه، وقوي حفطه؛ ولا يداوم ذلك لئلا يفرط به اليبس.\rومن كتبه في ورقة رند مائة مرة، وغلاها في زيت زيتون، ودهن به المفلوجين وأهل النزلات الهوائية، نفعهم.\rقال: ومن ذكر من أسماء الله تعالى ما فيه كاسمه القادر والقيوم والقوي، وما أشبه ذلك، فمن استعمل ذلك الذكر ممن يشتكي الضعف والفزع واستدام عليه بعقد نية وجمع همة، رزقه الله تعالى القوة، ويسر له أسباب الخروج من الجزع.\rقال: ومن نقش حرف الكاف في خاتم عشرين مرة، أو كتبه في خرقة حرير، وطواها، وجعلها تحت فص خاتم، فإن لابسه لا يرد كلامه إلا بخير؛ وينفع لملاقاة الجبارين ودفع ضررهم.\rقال: ومن نقش حرف النون بالعربي في فص خاتم خمس نونات، وعلقه على من يشتكي معدته أو خفقان قلبه على موضع الألم، سكن بإذن الله تعالى.\rقال: ومن كتب حرف الواو ست مرات في ورقة وعلقها عليه، أمن من الصداع العارض من اليبوسة، وحسبه.","part":3,"page":288},{"id":1289,"text":"ومن نقشه في فص مها أو فضة وجعله في فيه، وكان به بلغم يجفف الفم، فإنه يكون برأه إن شاء الله تعالى.\rومن علقه عليه أمن من حمى الربع.\rوالخواص كثيرة؛ وفيما أوردناه منها كفاية.\r3\r- الفن الخامس ويشتمل على خمسة أقسام\rالتاريخ\rقال الله تعالى: \" أولم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون ويمشون في مساكنهم إن لفي ذلك لآيات أفلا يسمعون \" وقال تعالى: \" أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة آثاراً في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون \" إلى غير ذلك من الآي.\rوالتاريخ مما يحتاج إليه الملك والوزير، والقائد والأمير، والكاتب والمشير والغني والفقير، والبادي والحاضر، والمقيم والمسافر.\rفالملك يعتبر بما مضى من الدول ومن سلف من الأمم، والوزير يقتدي بأفعال من تقدمه ممن حاز فضيلتي السيف والقلم؛ وقائد الجيش يطلع منه على مكايد الحرب،ومواقف الطعن والضرب؛ والمشير يتدبر الرأي فلا يصدره إلا عن رويه ويتأمل الأمر فكأنه أعطى درجة المعية وحاز فضيلة الألمعيه؛ والكاتب يستشهد به في رسائله وكتبه، ويتوسع به إذا ضاق عليه المجال في سربه، والغنى يحمد الله تعالى على ما أولاه من نعمه ورزقه من نواله، وينفق مما آتاه الله إذا علم أنه لابد من زواله وانتقاله؛ والفقير يرغب في الزهد لعلمه أن الدنيا لا تدوم، وليتقنه أن سعتها بضيقها لا تقوم. ومن عدا هؤلاء يسمعه على سبيل المسامره، ووجه المحاضرة والمذاكره؛ والرغبة في الأطلاع على أخبار الأمم، ومعرفة أيام العرب وحروب العجم.\rفقد تبين بهذه المقدمة تعويل الأمر عليه، وميل المرء إليه.\rوسأورد إن شاء الله في هذا الفن جملا من تواريخ الأمم السافلة والعصور الخاليه، وأطرزه من القصص والسير بما تصبح به صفحات الطروس حاليه.\rولما رأيت غالب من أرخ في الملة الإسلامية وضع التاريخ على حكم السنين ومساقها، لا الدول وآتساقها؛ علمت أن ذلك ربما قطع على المطالع لذة واقعة أستحلاها، وقضية أستجلاها؛ فآنقضت أخبار السنة ولا أستوعب تكملة فصولها ولا انتهى إلى جملتها وتفصيلها؛ وأنتقل المؤرخ بدخول السنة التي تليها من تلك الوقائع وأخبارها، والممالك وآثارها، والدولة وسيرها، والحالة وخبرها؛ فتنقل من الشرق إلى الغرب، وعدل عن السلم إلى الحرب؛ وعطف من الجنوب إلى الشمال وتحول من البكر إلى الآصال؛ وقد تجول به خيل الأستطراد فيبعد، وتحول بينه وبين مقصده السنون فيغور تارة وتارة ينجد، فلا يرجع المطالع إلى ما كان قد أهمه إلا بعد مشقة، وقد يعدل عنه إذا طالت المسافة وبعدت عليه الشقة.\rفاخترت أن أقيم التاريخ دولاُ، ولا أبغى عن دولة إذا شرعت فيها حولاُ؛ حتى أسردها من أوائلها إلى أواخرها، وأذكر جملاً من وقائعها ومآثرها؛ وسياقة أخبار ملوكها، ونظم عقود سلوكها؛ ومقر ممالكه، وتشعب مسالكها.\rفإذا انقضت دمتها، وانقرضت عدتها؛ وانتقلت من العين إلى الأثر، ومن العيان إلى الخبر؛ رجعت إلى غيرها فقفوت أثرها، وشرحت خبرها، وبينت خبرها؛ وذكرت أسبابها، وسردت أنسابها؛ وبدأت بأصلها، وتفوهت بأخبار من نبغ من أهلها؛ واستقصيتها دولة بعد دوله، وجالت بي خيول المطالعة جولة ناهيك بها منجوله؛ ورغبت مع ذلك في الأختصار دون الأقتصار، وأوردت ما يحتاج إلى إيراده من غير تكرار أو إكثار.\rفإن عرضت واقعة كانت بين ملكين كان وقتهما واحداً، مكان الدهر لأحدهما على الأخر مساعداً؛ شرحتها بجملته في أخبار الظافر منهما؛ وأحلت في أخبار المغلوب عليها، وأكتفيت بإيرادها في أحد الموضعين ولم أعرج في الآخر إلا بإشارة إليها.\rوجريت في تقسيم هذا الفن على القاعدة التي تقدمت فيما قبله من الفنون ليكن أبسط للنفوس وأنشط للخواطر وأقر للعيون؛ وجعلته خمسة أقسام، ووضعته على أحسن أتساق وأكمل أنتظام.\rالقسم الأول مبدأ خلق آدم وحواء وأخبارهما ومن كان بعد آدم إلى نهاية خبر أصحاب الرس، وفيه ثمانية أبواب: الباب الأول - في مبدأ خلق آدم وحواء - عليهما السلام - وما كان من أخبارهما إلى حين وفاتهما.\rالباب الثاني - في خبر شيث بن آدم - عليه السلام - وأولاده.\rالباب الثالث - في أخبار إدريس النبي عليه السلام.\rالباب الرابع - في قصة نوح - عليه السلام - وخبر الطوفان.","part":3,"page":289},{"id":1290,"text":"الباب الخامس - في قصة هود - عليه السلام - مع عاد وهلاكهم بالريح العقيم.\rالباب السادس - في قصة صالح - عليه السلام - مع ثمود وعقرهم الناقة وهلاكهم.\rالباب السابع - في أخبار أصحاب البئر المعطلة والقصر المشيد وهلاكهم.\rالباب الثامن - في خبر أصحاب الرس، وما كان من أمرهم.\r؟؟القسم الثاني في قصة إبراهيم الخليل - عليه الصلاة والسلام - وخبره مع النمروذ \" لعنه الله \" وقصة لوط وخبر إسحاق ويعقوب، وتقصة يوسف وأيوب وذي الكفل وشعيب - عليهم السلام - وفيه سبعة أبواب: الباب الأوال - في قصة إبراهيم الخليل - عليه السلام - وأخبار نمروذ بن كنعان.\rالباب الثاني - في خبر لوط مع قومه وقلب المدائن.\rالباب الثالث - في خبر إسحاق ويعقوب عليهما السلام.\rالباب الرابع - في قصة يوسف بن يعقوب عليهما السلام.\rالباب الخامس - في قصة أيوب - عليه السلام - وابتلائه وعافيته.\rالباب السادس - في خبر ذي الكفل بن أيوب عليهما السلام.\rالباب السابع - في خبر شعيب - عليه السلام - وقصته مع مدين.\rالقسم الثالث يشتمل على قصة موسى بن عمران - عليه السلام - وخبره مع فرعون وخبر يوشع ومن بعده وخبر حزقيل وإلياس واليسع وغيلا وأشمويل وطالوت وجالوت ودلود وسليمان وسعيا وإرمياء وخبر بختنصر وخراب بيت المقدس وعمارته وما يتصل بذلك من خبر عزيز وقصة يونس بن متى وخبر بلوقيا وخبر زكريا ويحيى وعمران ومريم وعيسى - عليهم السلام - وخبر الحواريين وما كان من أمرهم وخبر جرجيس، وفيه ستة أبواب: وذيلت هذاالقسم ذيلاً يشتمل على أبواب أربعة، ذكرت ما فيها ما قيل عن الحوادث التي تظهر قبل نزول عيسى - عليه السلام - إلى الأرض، وأخبار المهدي والدجال، ونزول عيسى - عليه السلام - ومدة إقامته في الأرض ووفاته وما يكون بعده، وشيئاً من أخبار الحشر والمعاد.\rوإنما ذكرت هذا الذيل في هذا الموضع - وإن كان غير داخل في فن التاريخ - لأن النفوس لما كانت مائلة إلى الاطلاع على أخبار ما مضى من الزمان ومن سلف الأمم، فميلها إلى الاطلاع على ما يظهر في مستقبل الزمان أكثر وتشوقها إليه أوفر، فأوردت ما أذكره لهذا السبب، ولأن كتابنا هذا ليس مبناه على مجرد التاريخ بل هو كتاب أدب، لا تخرجه هذه الزيادة عن شرطه.\rالباب الأول - في قصة موسى بن عمران وهرون عليهما السلام وغرق فرعون، وأخبار بني إسرائيل وخبر قارون وحروب مو سى وخبر الجبارين وبلعم وغير ذلك.\rالباب الثاني - فيما كان بعد موسى بن عمران - عليه السلام - وهو أخبار يوشع وخبر حزقيل وإلياس ويسع وغيلا وأشمويل وطالوت وجالوت وداود وسليمان - عليهم السلام - ومن بعدهم.\rالباب الثالث - في أخبار سعيا وارمياء وخبر بختنصر وخراب بيت المقدس وعمارته، وما يتصل بذلك من خبر عزير.\rالباب الرابع - في قصة ذي النون يونس بن متى - عليه السلام - وخبر بلوقيا.\rالباب الخامس - في خبر زكريا ويحيى وعمران ومريم ابنته وعيسى ابن مريم عليهم السلام.\rالباب السادس - في أخبار الحواريين الذين أرسلهم عيسى وما كان من أمرهم وخبر جرجيس.\r؟التذييل على هذا القسم، وفيه أربعة أبواب الباب الأول - في ذكر الحوادث التي تظهر قبل نزول عيسى بن مريم عليه السلام.\rالباب الثاني - في خبر نزول عيسى إلى الأرض وقتل الدجال وخروج يأجوج ومأجوج وإفسادهم وهلاكهم، ووفاة عيسى عليه السلام.\rالباب الثالث - في ذكر ما يكون بعد وفاة عيسى بن مريم إلى النفخة الأولى.\rالباب الرابع - في أخبار يوم القيامة والحشر والمعاد والنفخة الثانية في الصور.\rالقسم الرابع في أخبار ملوك الأصقاع، وملوك الأمم والطوائف، وخبر سيل العرم، ووقائع العرب في الجاهلية، وفيه خمسة أبواب الباب الأول - في أخبار ذي القرنين المذكور في كتاب الله عز وجل.\rالباب الثاني - في أخبار ملوك الأصقاع، وهم ملوك مصر والهند والصين والترك وجبل الفتح.\rالباب الثالث - في أخبار ملوك الأمم من الأعاجم، وهم ملوك الفرس الأول، وملوك الطوائف من الفرس، والملوك الساسانية منهم، وملوك اليونان والسريان والكلدانيين والروم والصقالبة، والنوبرد والفرنجة والجلالقة وطوائف السودان.\rالباب الرابع - في أخبار ملوك العرب، وما يتصل بها من خبر سيل العرم.","part":3,"page":290},{"id":1291,"text":"الباب الخامس - في أيام العرب ووقائعها في الجاهلية.\rالقسم الخامس في أخبار الملة الإسلامية وذكر شيء من سيرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأيام الخلفاء من بعده - رضي الله عنهم - والدولة الأموية والعباسية والعلوية ودول ملوك الإسلام وأخبارهم، وما فتح الله عليهم، وفيه اثنا عشر بابا.\rالباب الأول - في سيرة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rالباب الثاني - في أخبار الخلفاء من بعده: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وابنه الحسن - رضي الله عنهم.\rالباب الثالث - في أخبار الدولة الأموية بالشام وغيره.\rالباب الرابع - في أخبار الدولة العباسية بالعراق ومصر.\rالباب الخامس - في أخبار الدولة الأموية بالأندلس، وأخبار الأندلس بعد انقراض دولتهم.\rالباب السادس - في أخبار إفريقية وبلاد المغرب ومن وليها من العمال، ومن استقل بالملك.\rالباب السابع - في أخبار من نهض في طلب الخلافة من الطالبين في الدولتين: الأموية والعباسية فقتل دونها بعد مقتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما.\rالباب الثامن - في أخبار صاحب الزنج والقرامطة والخوارج ببلاد الموصل.\rالباب التاسع - في أخبار من استقل بالملك والممالك في البلاد الشرقية والشمالية في خلال الدولة العباسية، وهم ملوك خراسان وما وراء النهر والجبال وطبرستان وغزنة والغور وبلاد السند والهند، كالدولة السامانية، والدولة الصفارية، والدولة الغزنوية، والدولة الغورية، والدولة الديلمية الختلية.\rالباب العاشر - في أخبار ملوك العراق وما والاه، وملوك الموصل والديار الجزيرية والديار اليكرية والبلاد الشامية والحلبية، كالدولة الحمدانية، والدولة الديلمية البويهية، والدولة السلجقية، والدولة الأتابكية.\rالباب الحادي عشر - في أخبار الدولة الخوارزمية والدولة الجنكزخانية وهي دولتا التتار \" جنكزخان وأولاده \" وما تفرع منها.\rالباب الثاني عشر - في أخبار ملوك الديار المصرية الذين ملكوا في خلال الدولة العباسية نيابة عن خلفائها، وهم الملوك الطولونية والملوك الإخشيدية، ومن استقل بملكها وانتزعها وأخرجها من يد نواب خلفاء الدولة العباسية، وهم الملوك العبيديون الذين انتسبوا إلى العلويين، وما كان من أمرهم ابتدائه إلى انتهائه وما ملكوه من بلاد المغرب، وكيف استولوا على الديار المصرية والبلاد الشامية والثغور الساحلية، وانقراض دولتهم، وقيام الدولة الأيوبية وأخبار ملوكها بمصر والشام إلى حين انقراضها، وقيام دولة الترك ومن ملك منهم وما حازوه من الأقاليم وما فتحوه من الممالك واستنقذوه من أيدي الإفرنج والأرمن والتتار وغيرهم وما استقر في ملك هذه الدولة من الممالك إلى حين وضعنا لهذا التأليف في سنة ...وسبعمائة في أيام مولانا السلطان السيد الأجل المالك \" الملك الناصر \" ناصر الدنيا والدين، محمد ابن السلطان الشهيد المالك، الملك المنصور سيف الدنيا والدين \" قلاوون \" الصالحي، خلد الله تعالى ملكه على ممر الزمان، وسقى عهد والده صوب الرحمة والرضوان.\rهذا جملة ما اشتمل عليه هذا الفن من الأقسام والأبواب، والله تعالى المرشد والهادي والموفق إلى الصواب، بمنه وكرمه، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.\rالقسم الأول من الفن الخامس\rآدم وحواء\rودخولهما الجنة، وما كان بينهما وبين إبليس - لعنه الله - وهبوطهما إلى الأرض واجتماعهما بعد الفرقة، وخبر حرثه وزرعه، وخبر ابني آدم هابيل وقابيل، ونبوة آدم - عليه السىلام - ووفاته، وخبر سيث وأولاده، وقصة إدريس ونوح وهود وصالح - عليهم السلام - وخبر أصحاب البئر المعطلة والقصر المشيد، وخبر أصحاب الرس، وفيه ثمانية أبواب.\rالباب الأول - من هذا القسم في مبدأ خلق آدم وحواء - عليهما السلام - وما كان من أخبارهما إلى حين وفاتهما.\rمبدأ خلق آدم\rخلق الله تبارك وتعالى آدم - عليه السلام - من تراب، بدليل قوله عز وجل \" ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون \" قوقله تعالى \" إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب \" وقوله تعالى إخبار عن إبليس: \" قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين \" وهذا أمر بين واضح لا خلاف فيه، ولا يحتاج إلى زيادة في إقامة دليل وإيضاح.","part":3,"page":291},{"id":1292,"text":"وقيل: إنما سمي آدم لأن الله تعالى خلقه من أديم الأرض.\rوعن وهب بن منبه أن رأسه من الأرض الأولى، وعنقه من الثانية، وصدره من الثالثة، ويديه من الرابعة، وبطنه وظهره من الخامسة، وفخذه ومذاكيره وعجزه من السادسة، وساقيه وقدميه من السابعة.\rوعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أن الله تعالى خلقه من الأقاليم السبعة.\rوقيل: إن عز رائيل أخذ من تراب الأرض كلها أبيضها وأحمرها وأسودها وعذبها ومالحها، فهو مخلووق من ذلك الترابز قال: ولما خلقه الله - عز وجل - صوصره على هذه الصورة الآدمية، أمر الملائكة أن يحملوه ويضعوه على باب الجنة عند ممر الملائكة، وكام جسداً لا روح فيه، فكانت الملائكة يعجبون من خلقته وصورته، لأنهم لم يكونوا رأوا مثله قط، وكان إبليس يطيل النظر إليه ويقول: ما خلق الله تعالى هذا إلا لأمر، وربما دخل فيه، فإذا خرج قال: إنه خلق ضعيف، خلق من طين أجوف، والأجوف لا بد له من مطعم ومشرب.\rويقال: إنه قال للملائكة: ما تعملون إذا فضل هذا المخلوق عليكم؟ فقالوا: نطيع أمر ربنا ولا نعصيه، فقال إبليس: إن فضله علي لأعصينه، وإن فضلني عليه لأهلكنه.\rدخول الروح فيه قال: ولما أراد الله تعالى نفخ الروح فيه أمر بروحه فغمست في جميع الأنوار وليست كأرواح الملائكة ولا غيرها من المخلوقات.\rقال الله تعالى \" فإذا سويته ونفخت فيه من روحي \" الآية.\rوقال تعالى: \" ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي \" الآية.\rقال: فأمرها الله تعالى أن تدخل في جسد آدم بالتأني دون استعجال فرأت مدخلاً ضيقاً حرجاً، فقالت: يا رب، كيف أدخل؟ فنوديت \" ادخلي كرهاً واخرجي كرهاً \" فدخلت من يافوخه إلى عينيه، ففتحهما آدم ونظر إلى نفسه طيناً، ثم صارت إلى أذنيه، فسمع تسبيح الملائكة، وجعلت الروح يمر في رأسه والملائكة ينظرون إليه، ثم صارت إلى الخياشيم، فعطس، فانفتحت المجاري المسدودة، وصارت إلى اللسان؛ فقال آدم \" الحمد لله الذي لم يزل ولا يزول \" وهي أول كلمة قالها، فناداه الرب: \" يرحمك ربك يا آدم، لهذا خلقتك، وهذا لك ولذريتك \" ، وسارت الروح في جسده حتى بلغت الساقين، فصار آدم لحماً ودماً وعظماً وعروقاً، غير أن رجليه من طين؛ فذهب ليقوم فلم يقدر وهو قوله تعالى \" وكان الإنسان عجولا \" .\rفلما صارت إلى الساقين والقدمين استوى قائماً على قدميه يوم الجمعة.\rفقيل: إن الروح استوت في جسده في خمسمائة عام عند نزول الشمس.\rسجود الملائكة لآدم قال: فلما استوى قائماً أمر الله الملائكة بالسجود له؛ فسجدوا كلهم إلا إبليس، كما أخبر الله تعالى عنه؛ قال الله تعالى: \" فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين \" الآيات.\rقال: وكان السجود لآدم يوم الجمعة عند الزوال، فبقيت الملائكة في سجودها إلى العصر.\rقال وعلم الله تعالى آدم الأسماء كلها واللغات بأجمعها.\rقال ابن عباس - رضي الله عنهما - علمه حتى لغة الحيتان والضفادع وجميع ما في البر والبحر، ثم أمر الملائكة أن يحملوه على أكتافهم، ويطوفون به في طرائق السموات؛ ففعلوا ذلك.\rثم أمر جبريل أن ينادي في صفوف الملائكة أن يجتمعوا؛ فاجتمعوا واصطفوا عشرين ألف صف، ووضع لآدم منبر الكرامةة، وعليه ثياب السندس الأخضر وةله نضفيرتان محشوتان بالمسك والعنبر بطوله، وعلى رأسه تاج من ذهب مرصع بالدر والجوهر، فانتصب على المنبر، وسلم على الملائكة، فأحابته برد السلام وخطب فحمد الله، ثم ذكر علم السموات والأرضين وما فيهما، وذلك قوله تعالى: \" وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العلنيم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون \" .\rونزل آدم عن منبره، فجيء بقطف من عنب أبيض فأكله، وهو أول شيء أكله من طعام الجنة، ثم أخذته سنة فنام.\rخلق حواء","part":3,"page":292},{"id":1293,"text":"قال: ولما نام آدم خلق الله تعالى حواء من جنبه الأيسر، من ضلعه مما يلي الشرسوف، وهو ضلع أعوج، قال الله تعالى: \" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها \" فكانت على طول آدم وحسنه وجماله، إلا أنها أرق جلداً منه، وأحسن صوتاً، ولها ضفائر مرصعة محشوة بالمسك تسمع لذوائبها خشخشة، فجلست عند رأسه، فانتبه فرآها، فتمكن حبها من قلبه، فقال: يا رب، من هذه؟ قال: أمتي حواء.\rفقال: يا رب لمن خلقتها؟ قال: لمن أخذها بالأمانة، وأصدقها الشكر.\rقال: يا رب، أنا أقبلها على هذا فزوجنيها.\rفزوجها إياه قبل دخول الجنة على الطاعة والتقوى والعمل الصالح، ونثرت عليهما الملائكة من ثنار الجنة، وأوحى الله إلى آدم، أن اذكر نعمتي عليك، فإني خلقتك ببديع فطرتي، وسويتك بشراً على مشيئتي، ونفخت فيك من روحي، وأسجدت لم ملائكتي، وحملتك على أكتافهم، وجعلتك خطيبهم، وأطلقت على لسانك جميع اللغات، وجعلت ذلك كله فخراً وشرفاً لك، وهذا إبليس قد أبلسته ولعنته حين أبى أن يسجد لك، وقد خختمت كرامتي لك بأمتي حواء، وقد بنيت لكما دار الحيوان من قبل أن أخلقكما بألفي عام، على أن تدخخلاها بعهدي وأمانتي.\rعرض الأمانة على آدم قال الله تعالى: \" إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً \" .\rقال: وهي أن يكافأوا على الإحسان، ويعذبوا على الإساءة، فأبوا؛ فعرضت على آدم، فقيل له: إن أطعت كافأتك بالإحسان، وخلدتك في الجنان، وإن تركت عهدي أخرجتك من داري، وعذبتك بناري.\rفقبل آدم الأمانة، فعجب الملائكة من ذلك، ثم مثل له ولحواء إبليس، وقيل له: \" هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى \" .\rثم ناداهما الرب: إن من عهدي إليكما وأمانتي أن تدخلا الجنة \" فكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين \" فقبلا هذه العهود كلها.\rثم أمر الله تعالى بإدخالهما الحنة، فحمل آدم على الفرس الميمون، وحواء وراءه على الناقة، والملائكة عن اليمين والشمال وأمامهما وخلفهما حتى بلغوا باب الجنة ودخلا واستقرا بجنة عدن في وسط الجنة بعد أن طافا بالجنان، فقدم إليهما من فواكه الجنة فأكلا، فكانا في الجنة خمسمائة عام من أعوام الدنيا في أتم سرور وأنعم الأحوال.\rإبليس والطاوس والحية قال: ولما سمع إبليس أن الله تعالى أباح لآدم أن يأكل من ثمار الجنة إلا شجرة واحدة، فرح بذلك، وقال: لأخرجنهما من الجنة.\rثم مر مستخفياً في طرقات السموات حتى وقف على باب الجنة، فإذا الطاوس قد خرج من الجنة وله جناحان إذا نشرهما غطى سدرة بهما المنتهى، وله ذنب من الياقوت الأحمر، وهو أطيب طيور الجنة صوتاً وتغريداً، وكان يخرج ويمر في السموات يخطر في مشيته ويرجع إلى الجنة.\rفلما رآه إبليس كلمه بكلام لين، وقال: أيها الطائر العجيب الخلق الطيب الصوت، من تكون من طيور الجنة؟ فقال: أنا الطاوس، فمالك أيها الشخص كأنك مرعوب تخاف من طالب يطلبك؟ قال إبليس: أنا من ملائكة الصفيح الأعلى من زمرة الكروبيين، وقد أحببت أن أنظر إلى الجنة وإلى ما أعد الله فيها لأهلها فهل لك أن تدخلني الجنة وأنا أعلمك ثلاث كلمات من قالها لا يهرم ولا يسقم ولا يموت؟ فقال له: وأهل الجنة يموتون؟ قال: نعم ويسقمون ويهرمون إلا من كانت عنده هذه الكلمات، وحلف له على ذلك، فوثق به الطاوس ولم يظن أحد يحلف بالله كاذباً، فقال: ما أحوجني إلى هذه الكلمات، غير أني أخاف أن يستخبرني رضوان عنك، ولكني أبعث إليك بالحية فإنها سيدة دواب الجنة.\rقال: وجاء الطاوس إلى الحية وهي يومئذ على صورة الجمل، ولها زغب كالعقبرى ما بين أبيض وأحمر وأسود وأخضر، ولها عرف من اللؤلؤ، وذوائب من الياقوت ورائحة كرائحة المسك والعنبر، وكان مسكنها في جنة المأوى، وكانت تساير آدم وحواء في الجنة، وتخبرهما بالإشجار.","part":3,"page":293},{"id":1294,"text":"فلما أخبرها الطاوس بالخبر أسرعت الحية نحو باب الجنة، فتقدم إبليس إليها وقال لها كقوله للطاوس، وحلف لها؛ فقالت: حسبك، ولكن كيف أدخلك؟ فقال: إني أرى ما بين نابيك فرجة، وهي تسعني، ففتحت الحية فاها، فوثب وقعد بين نابيها، فصار نابها إلى آخر الدهر سماً، وضمت الحية شفتيها، ودخلت الجنة ولم يكلمها رضوان للقضاء السابق، فلما توسطت الجنة قالت: أخرج وعجل، قال: إن حاجتي من الجنة آدم وحواء، فإني أريد أن أكلمهما من فيك، فإن لم تفعلي ذلك فما أعلمك الكلمات، فجاءت إلى حواء فقال لها إبليس من فيها: يا حواء، ألست تعلمين أني معك في الجنة، وأحدثك بكل ما فيها، وأنا صادقة في كل ما حدثتك به؟ قالت حواء: نعم، قال إبليس: يا حواء، أخبريني ما الذي أحل لكما ربكما من هذه الجنة وحرم عليكما؟ فأخبرتته بما نهاهما عنه؛ فقال إبليس: لماذا نهاكما عن شجرة الخلد؟ فقالت حواء: لا أعلم ببذلك، قال: أنا أعلم، إنما نهاكما لأنه أراد ألا يفعل بكما ما فعل بالعبد الذي مأواه تحت شجرة الخلد.\rهذا وحواء تظن أن الخطاب لها من الحية؛ فوثبت حواء عن سريرها لتنظر إلى العبد، فخرج إبليس من فيها كالبرق، فقعد تحت الشجرة، فأقلبت حواء فوقفت بالبعد منه ونادته: من أنت أيها الشخص؟ قال: خلق من خلق الله، خلقني من نار كما ترينني، وأنا هنا في الجنة منذ ألفي عام، خلقني كما خلقكما بيده، ونفخ في من روحه، وأسجد لي ملائكته، وأسكننى جنته، ونهاني عن أكل هذه الشجرة، فكنت لا آكل منها، حتى نصحني بعض الملائكة وقال لي: كل منها، فإن من أكل منها كان مخلداً في الجنة أبداً، فأكلت منها، فأنا في الجنة إلى وقتي هذا، وقد أمنت الهرم والسقم والموت والخروج من الجنة.\rثم قال: والله \" ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين \" ثم نادى: يا حواء اسبقي وكلي قبل زوجك، فمن سبق كان له الفضل على صاحبه، فأقبلت حواء إلى آدم وهي مستبشرة فرحة، فأخبرته بخبر الحية والشخص، وأنه قد حلف لها بأنه لهما لمن الناصحين، فذلك قوله تعالى: \" وقاسمهما إني لكما من الناصحين \" ؛ وتقدمت حواء إلى الشجرة ولها أغصان لا تحصى، وعلى الأغصان سنابل، كل حبة منها مثل قلال هجر، ولها رائحة كالمسك، أبيض من اللبن وأحلى من العسل، فأخذت منها سبع سنابل من سبعة أغصان، فأكلت واحدة وادخرت واحدة، وجاءت بخمس إلى آدم.\rقال ابن عباس - رضي الله عنها - : لم يكن لآدم في ذلك أمر ولا إرادة بل كان في سابق العلم، لقوله تعالى: \" وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة \" .\rفتناول آدم السنابل من يدها، وقد نسي العهد الذي أخذ عليه من أجلها، فذلك قوله تعالى: \" ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما \" فذاق من الشجرة كما ذاقت حواء، قال الله تعالى: \" فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما \" .\rقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : والذي نفسي بيده ما ساغ آدم من تلك السنابل سنبلة واحدة حتى طار التاج عن رأسه، وعري من لباسه، وانتزعت عنه خوتمه، وسقط كل ما كان على حواء من لباسها وحليها وزينتها، وناداهما كل ما طار عنهما: \" يا آدم طال حزنك، وعظمت رزيتك، وعليك السلام إلى يوم اللقاء \" .\rولم يبق عليهما من لباسهما شيء، \" وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين \" ؛ ونظر كل منهما إلى سوءة صاحبه؛ وهرب إبليس فسار مستخفياً في طرائق السموات، وصاح آدم صيحة عظيمة، ولم يبق فس لبجنة شيء إلا لامه، وانقبضت عنه الأشجار، فلما كثرت عليه الملامات فر هارباً على وجهه، فالتفت عليه شجرة الطلح وأمسكته ونادته: إلى أين تهرب يا عاصي، واضطربت الملائكة لذلك، والله الموفق للصواب.\r؟خروجهما من الجنة قال: وأمر الله جبريل فجاء إلى آدم وقبض على ناصيته، وخلصه من الشجرة، فلما صار به إلى باب الجنة وأخرج رجله اليمنى وبقيت اليسرى، نودي: يا جبريل قف به على باب الجنة حتى يخرج معه أعداؤه الذين حملوه على أكل الشجرة لكي يراهم ويرى ما يفعل بهم.\rفوقفه هنالك، فناداه الرب: يا آدم إنما خلقتك لتكون عبداً شكوراً، لا لتكون عبداً كفوراً.\rقال: يا رب أسألك أن تعيدني إلى تربتي التي خلقتني منها لأكون تراباً كما كنت أول مرة.","part":3,"page":294},{"id":1295,"text":"قال: يا آدم، كيف أعيدك إلى تربتك وقد سبق علمي أن أملأ من ظهرك الجنة والنار.\rوأخرج آدم حواء وقد استتر ت بورقة من ورق الجنة بإذن الله تعالى، فلما رأت آدم صاحت وقالت: يالها من حسرة؟ فوقفت خارج الجنة، ثم أتي بالطاوس وقد طعنته الملائكة حتى قطعت ريشه، وجبريل يجره ويقول: اخرج من الجنة خروج الأبد، فإنك شؤم أبداً ما بقيت؛ ثم أتي بالحية وقد جذبتها الملائكة جذباً شديداً، وهي ممسوخة مبطوحة، على بطنها لا قوائم لها، وصارت ممدودة مشوهة، ومنعت النطق فصارت خرساء، مشقوقة اللسان، فقالت لها الملائكة: لا رحمك الله ولا رحم من يرحمك.\rثم حجبت حواء عن آدم من هناك، ومر به جبريل في طرائق السموات، ونظرت إليه الملائكة عرياناً ففزعت منه، وقالت: إلهنا، هذا آدم بديع فطرتك أقله عثرته.\rوآدم قد ترك يده اليمنى على رأسه، واليسرى على سوأته، ودموعه تجري على خديه، وكلما مر على ملإ من الكلائكة يوبخونه على نقض عهد الله وميثلقه، وأكثروا عليه في الملامة والتوبيخ؛ فقال لهم: يا ملائكة ربي، ارحموني ولا توبخوني، فالذي جرى علي بقضاء ربي، حيث قال: \" إني جاعل في الأرض خليفة \" الآية.\rسؤال إبليس قال: وقال إبليس: يا رب أضللتني وأغويتني وأبلستني، وكان ذلك في سابق علمك \" فانظرني إلى يوم يبعثون، قال فإنك من المنظرين، إلى يوم الوقت المعلوم \" وهي النفخة الأولى، \" قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين \" .\rقال الله تعالى: \" اخرج منها مذءوماً مدحوراً لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين \" .\rقال إبليس: أنظ رتني فأين سيكون مسكني؟ قال: إذا هبطت إلى الأرض فمسكنك المزابل.\rقال: فما قراءتي؟ قال: الشعر والغناء. قال: فما مؤذني؟ قال: المزمار. قال: فما طعامي؟ قال: ما لم يذكر إسمي عليه. قال: فما شرابي؟ قال: الخمور. قال: فما بيتي؟ قال: الحمامات؛ قال: فما مجلسي؟ قال: الأسواق. قال: فما مصايدي؟ قال: النساء. قال: فوعزتك لا أخرجت محبة النساء من قلوب بني آدم حتى يتغرغر بالموت، قيل له: يا ملعون، فإن ربك لا ينزع التوبة من ولد آدم حتى يتغرغر بالموت، \" فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين \" .\r؟سؤال آدم قال: فعند ذلك قال آدم: يا رب هذا إبليس قد أعطيته النظرة، وقد أقسم بعزتك أنه يغوي أولادي، فبماذا أحترز من مكايده؟ فنودي، يا آدم، إني قد مننت عليك بثلاث خصال، واحدة لي، وهي أن تعبدني لا تشرك بي شيئاً، وواحدة لك، وهي ما عملت من صغيرة أو كبيرة من الحسنات فلك بالحسنة عشر وإن عملت سيئة فواحدة بواحدة، وإن استغفرتني غفرتها لك وأنا الغفور الرحيم، وواحدة بيني وبينك، وهي أن منك المسألة ومني الإجابة، فابسط يدك وادعني فإني قريب مجيب.\rفصاح إبليس حسداً لآدم وقال: كيف أكيد ولد آدم الآن؟ فنودي: يا ملعون \" واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا \" .\rقال إبليس: زدني يا رب؛ قال لا يولد لآدم ولد إلا يولد لك سبعة: قال: رب زدني، قال: زدتك أن تجري منهم مجرى الدم في عروقهم، وتسكن في صدورهم.\rفقال: يا رب حسبي؛ ثم قال علام أهبط إلى الأرض؟ قال: على الإياس من رحمتي.\rقال: ثم نظر آدم إلى الحية وقال: رب هذه اللعينة هي التي أعانت عدوي علي، فبماذا أتقوى عليها؟ فقيل له: قد جعلت مسكنها الظلمات، وطعامها التراب فإذا رأيتها فاشدخ رأسها.\rوقيل للطاوس: مسكنك أطراف الأنهار، ورزقك مما تنبته الأرض من حبها، وألقي عليك المحبة حتى لا تقتل.\rسؤال حواء قال: ثم قالت حواء: إلهي خلقتني من ضلع أعوج، وجعلتني ناقصة العقل والدين والشهادة والميراث، وضربتني بالنجاسة، وحرمتني الجمعة والجماعات، وذكرت مشقة الحمل والولادة، فأسألك أن تعطيني مثل ما أعطيتهم.\rفقيل لها: قد وهبت لك الحياء والأنس والرحمة، وكتبت لك من ثواب الحبل والولادة ما لو رأيته لقرت به عيناك، فأي امرأة ماتت في ولادتها حشرتها في زمرة الشهداء. قال: حسبي يا رب.","part":3,"page":295},{"id":1296,"text":"قال: ثم أمر الله بعد ذلك أن يهبطوا إلى الأرض؛ قال الله تعالى: \" وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين \" . فهبط آدم من باب التوبة، وحواء من باب الرحمة، وإبليس من باب اللعنة، والطاوس من باب الغضب، والحية من باب السخط، وكان ذلك وقت العصر.\rقال السدي: فمن هذه الأبواب تنزل التوبة والرحمة واللعنة والغضب والسخط.\rقال وهب: خلق الله آدم يوم الجمعة، وفيه دخل الجنة وأقام فيها نصف يوم مقدار خمسمائة عام، وأهبط بين الظهر العصر من باب يقال له المبرم وهو حذاء البيت المعمور.\rقال كعب: أهبط آدم إلى بلاد الهند على جبل من جبالها ليقال له بوذ وهو جبل محيط بأرض الهند؛ وأهبطت حواء بجدة، وإبليس بدستميسان، والحية بأصفهان، والطاوس بالبحر، ففرق الله بينهم فلم ير بعضهم بعضاً حيناً، ولم يكن على آدم يوم أهبط إلا ورقة من أوراق الجنة، فذرتها الرياح في بلاد الهند فصارت معدناً للطيب.\rوأخذ آدم في البكاء مائة عام حتى نبت من دموعه العود والزنجبيل والصندل والكافور وأنواع الطيب، وامتلأت الأودية بأطيب الأشجار، وبكت حواء فنبت من دموعها القرنفل والأفاويه؛ وكانت الريح تحمل كلامه إليها وكلامها إليه.\rثم أنبت الله - عز وجل - لآدم الشعر واللحية، وكان قبل ذلك أمرد وجسده كالفضة، فتألم لذلك ألماً شديداً.\rقال وهب: أول من علم بهبوط آدم من حيوان الأرض النسر، وكان قد ألف الحوت، فجاء إليه وقال له: إني رأيت اليوم خلقاً عظيماً ينقبض وينبسط، ويقوم ويقعد، ويجيء ويذهب، فقال الحوت: إن كان ما تقوله حقاً فقد حان إلا يكون لي معه مقترفي البحر ولا لك في البر، وهذا الوداع بيني وبينك. فجاء النسر إلى آدم وألفه، وجاءه الوحش والطير وألفوه وبكوا لبكائه دهراً طويلاً، فلما أضجرهم ذلك نفروا عنه ولم يبق عنده إلا النسر وحده وهو لا يفتر عن البكاء.\rقال وهب: بكى آدم حتى بكت الملائكة لبكائه وقالوا: \" إلهنا أقله عثرته \" .\rقال: وبقي من دموعه في الأرض - بعد أن كف عن البكاء - ما شربه الوحش والطير والهوام مائة عام؛ وكان لدموعه رائحة كالمسك، ولذلك كثر الطيب في الهند.\rوقال كعب: بكى آدم ثلاثمائة عام لا يرفع رأسه إلى السماء وهو يقول: \" إلهي بأي وجه أنظر إلى السماء \" فألهم الله سائر الحيوانات أن تأتي لآدم وتعزيه في مصيبته، فعزاه جميعها ونهته عن البكاء، وأمرته بالتسبيح والتقديس.\rتوبة آدم قال: فعند ذلك أمر الله تعالى جبريل أن يهبط على آدم، وقال له: \" إن آدم بديع فطرتي وقد أبكى أهل سمواتي وأرضي، ولا يذكر غيري، ولم يخف سواي، وهو أول من حمدني، وأول من دعاني بأسمائي الحسنى، وأنا الرحمن الذي سبقت رحمتي غضبي، وهذه الكلمات قد خصصت بها آدم لتكون له توبة، وتخرجه من الظلمات إلى النور \" .\rفهبط عليه جبريل بالكلمات ولها نور عظيم، وقال: \" السلام عليك يا طويل البكاء والحزن \" ؛ فلم يسمعه آدم لغليان صدره؛ فناداه بصوت رفيع: السلام عليك يا آدم. وأمر جناحه على صدره ووجهه حتى هدأ من بكائه، وسمع الصوت فقال: أبنداء السخط تنادي، أم بنداء الإحسان والغفران؟ قال: بل بنداء الرحمة والغفران، يا آدم: لقد أبكيت ملائكة السموات والأرض، فدونك هذه الكلمات، فإنها كلمات الرحمة والتوبة.\rقال كعب: كانت الكلمات ما قالها يونس في ظلمات ثلاث: \" لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين \" .\rوقال عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - كانت: \" ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين \" .\rوقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : كانت \" لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب علي يا خير التوابين \" .\rقال الله تعالى: \" فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم قال: فلما قالها آدم انتشر صوته في الأفاق، فقالت الأرض والشجر والجبال: \" أقر الله عينك يا آدم، وهناك الله بتوبتك \" . وأمره الله أن يبعث بالكلمات إلى حواء؛ فحملتها الريح إليها، فقالتها، فتاب الله عليها.","part":3,"page":296},{"id":1297,"text":"قال: ولما فرغ آدم من الدعاء والسجود قال له جبريل: ارفع رأسك، فرفعه وإذا قد رفع له حجاب النور، وفتحت له السموات، ونودى بالتوبة والرضوان وقيل له: يا آدم، إن الله قد قبل توبتك. فذهب ليقوم فلم يقدر لأنه كان قد رسب في الأرض كعروق الشجر، فاقتلعه جبريل، فصاح صيحة شديدة للألم الذي أصابه، وقال: \" ماذا تفعل الخطيئة \" ؟ ثم ضرب جبريل بجناحه الأرض فانفجرت عين ماء معين برائحة كالمسك فاغتسل آدم منها، ثم كساه الله حلتين من سندس الجنة، وبعث الله تعالى ميكائيل إلى حواء، فبشرها بالتوبة، وكساها كذلك؛ وسأل آدم جبريل عنها؛ فأخبره أن الله قد قبل توبتها، وأنه يجمع بينهما في أشرف الأعياد وأكرم البقاع.\rقال: وأمر الله عز وجل الملائكة والحيوانات أن يقربوا من آدم ليهنئوه فأتوه وهنأوه كما كانوا عزوه.\rثم أمر الله تعالى جبريل أن يضع يده على رأس آدم ليقصر من طوله، وكان إذا قام وصل رأسه إلى السماء، فيسمع تسبيح الملائكة، فلما قصر اغتم لفقد ذلك، فقال له جبريل: لا يغمك ذلك فإن الله يفعل ما يريد.\rوأمره الله ببناء بيت يحاذي البيت المعمور ليطوف به هو وأولاده من بعده كما رأى الملائكة تفعل حول البيت المعمور؛ فبناه.\rوقد ذكرنا صفة بنائه في الباب الثاني من القسم الخامس من الفن الأول من هذا الكتاب في خصائص البلاد، وهو في السفر الأول، فلا حاجة إلى إعادته هاهنا. فلنذكر غير ذلك.\rقال: وسار آدم من موضعه إلى موضع البيت؛ والله الهادي.\rأخذ الميثاق على ذريته قال: وأوحى الله تعالى إلى آدم: أني أريد أن آخذ على وديعتي التي في ظهرك الميثاق، فأحاطت الملائكة بآدم في أحسن صورهم، فوقعت الرعدة على آدم من الخوف، فضمه جبريل إلى صدره، واضطرب الوادي وارتج، فقال جبريل: اسكن فإنك أول شاهد على الميثاق الذي يأخذه الله على ذرية آدم. فسكن، ومسح الله تعالى على ظهر آدم كما شاء، وقال: \" انظر يا آدم إلى من يخرج من ظهرك \" فأول من بادر وكان أسرع خروجاً نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأجاب بالتلبية ونادى إلى ذات اليمين وهو يقول: أنا أول من يشهد لك بالتوحيد، ويقر لك بالعبودية، وأشهد أني عبدك ورسولك. فهو صلى الله عليه وسلم أول الأنبياء في الخلق، وآخرهم في البعث، وفي ذلك من الحكمة الإلهية والقدرة الربانية ما لم يخف على ذي لب وفهم، وليس هذا موضع ذكر ذلك. ثم أجابت الطبقة الثانية من النبيين والمرسلين نبيناً بعد نبي في نورهم وبهائهم، ثم خرجت زمرة من المؤمنين بيض الوجوه، معلنين بالتوحيد، فوقفوا دون النبيين.\rثم مسح الله مسحة أخرى فخرج قابيل بن آدم مبادراً وقد تبعه أهل الشمال فوقفوا ذات الشمال كلهم سود الوجوه. ثم قيل لآدم: \" انظر إلى ولدك هؤلاء لتعرفهم بأسمائهما وأزمانهم \" فنظر إلى أهل اليمن فضحك منهم، وبارك عليهم؛ ونظر إلى أهل الشمال فلعنهم وصرف وجهه عنهم؛ ثم استنطقهم الله تعالى فقال: \" ألست بربكم قالوا بلى شهدنا \" وأقررنا.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: أما أهل اليمن فأجابوا بالسرعة، وأما أهل الشمال فأجابوا بالتثاقل. قال الله تعالى: \" يا ملائكتي اشهدوا على ذرية آدم بأنهم أقروا أني ربهم لا يجحدونني شيئاًن، وأن آدم قد بارك على أهل يمينه، ولعن أهل شماله، فأهل اليمين في جنتي برحمتي، وأهل الشمال في النار بما جحدوا من حقي \" .\rثم ردهم الله إلى ظهره كما أخرجهم بقدرته.\rقال وهب: وإذا كان يوم القيامة وحشر الخلق لفصل القضاء قيل: يا آدم، \" ابعث بعث الجنة إلى الجنة، وبعث النار إليها \" . فيعرفهم بصورهم وأسمائهم؛ فيقول: \" نعم يا رب \" ؛ ويراهم كما رآهم في الذرية، ويقبل عليهم بوجهه ويقول: أنسيتم عهد ربكم وشهادتكم له بأنه الله الواحد الأحد؟ فيقولون ما أخبرنا الله تعالى به عنهم: \" إنا كنا عن هاذ غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم \" يعنون قابيل بن آدم، لأنه أول من عصى ربه؛ ثم يقولون: \" ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين \" يعنون إبليس وقابيل؛ فيقبض آدم بشمائله من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحداً بيمنه إلى الجنة؛ ثم يقول: يا رب هل وفيت؟ فيقال له: نعم ادخل الجنة برحمتي.\rاجتماع آدم بحواء","part":3,"page":297},{"id":1298,"text":"قال: وأقبل ملك إلى حواء وهي جالسة بجدة على ساحل البحر، فقال لها: \" خذي لباسك وانطلقي إلى الحرم \" ؛ ثم رمى لها بقميص وخمار من الجنة، وتوارى عنها حتى لبست القميص وتخمرت بالخمار، ومضت إلى مكة فدخلت الحرم من شرقيه يوم الجمعة من شهر المحرم؛ فأمرها الملك أن تقعد على جبل المروة؛ وإنما سميت المروة لقعود المرأة عليها.\rقال وهب: دخل حواء الحرم قبل آدم بسبعة أيام، ودخل آدم من غربي مكة وحواء من شرقيها، فصار آدم إلى جبل الصفا، فناداه: \" مرحباً بك يا صفي الله \" ، فسمى الصفا لذلك؛ وناداه الرب: يا آدم، فقال: \" لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك \" . فصار ذلك سنة في الحج والعمرة.\rثم أوحى الله إليه: \" اليوم حرمت مكة وما حولها \" . فهي حرام إلى يوم القيامة. فقال آدم: يا رب، إنك وعدتني أن تجمع بيني وبين حواء في هذا المقام. فنودي: إنها أمامك على المروة، وأنت على الصفا، فانظر إليها ولا تمسها حتى تقضى المناسك. فهبط آدم إليها، والتقيا، وفرح كل منهما بصاحبه، وسعى هو من الصفا، وسعت هي من المروة، فكانا يجتمعان بالنهار، فإذا أمسيا رجع إلى الصفا، ورجعت إلى المروة، فكانا كذلك حتى دخل ذو القعدة، فأعاد آدم التلبية وعقد الإزار، ولم يزل يلبي حتى دخل ذو الحجة؛ فهبط جبريل وعلمه المناسك وكساه ثوباً أبيض لإحرامه، وطاف يه، وعرفه المناسك، وأمره أن يطوف بالبيت سبعاً؛ فلما فعل ذلك قال له جبريل: \" حسبك يا آدم قد أحللت \" ؛ فانطلق آدم إلى حواء فاجتمع بها في ليلة الجمعة فحملت من ساعتها.\rقال كعب: ما حملت حواء حتى رأت الحيض ففزعت وأخبرت آدم بذلك فمنعها من الصلاة أيام حيضها حتى ينقطع الدم؛ ثم جاءها ملك فوقفها على زمزم وقال لأدم: اركض برجلك في هذا الموضع. فركضها، فانفجرت الأرض بإذن الله عين ماء معين؛ فكبر آدم وحواء، وهمت أن تشرب فمنعها وقال: \" حتى يأذن لي ربي \" . فاغتسلت حواء؛ وكان في ذوائبها بقية من مسك الجنة، ففاحت الدنيا.\rأبناء آدم وزرعه وحرثه قال: ثم أوحى الله تعالى إلى آدم: \" أنك إن لم تعمر هذه الدنيا لم يعمرها أحد من أولادك، فاعمرها \" . فبنى له مسكناً يأوي إليه هو وحواء؛ ثم أخذ بعد ذلك في الحرث والزرع وحفر الآبار؛ وجاءه جبريل بالحبة وهي على قدر بيض النعام، بيضاء في لون الثلج وأحلى من العسل؛ وجاءه بثورين من ثيران الفردوس وجاءه بالحديد، فلما نظر آدم إلى الحب صاح صيحة عظيمة، وقال: مالي ولهذا الحب الذي أخرجني من الجنة.\rقال: \" هذا رزقك في الدنيا، لأنك اخترته في الجنة، فهو غذاء لك ولذريتك \" .\rثم قال له جبريل: يا آدم، قم فكن حراثاً زراعاً، وأتاه بالنار وقد غمسها في سبعين ماء حتى اعتدلت وكمنت في الحديد والحجر، وأمره أن يوقد النار ويلين الحديد، ويتخذ منه مطرقة وسدانا، ففعل؛ ثم اتخذ مدية يذبح بها، وفأساً يحفر بها ويكسر، ومحراثاً يحرث به الأرض، ونيرا؛ كل ذلك وجبريل يعلمه.\rقال وهب: أول ما اتخذ آدم من الحديد سندان ومطرقة وكلبتان؛ ثم اتخذ بعد ذلك آلة التجارة، وأتاه جبريل بكبش من الجنة، فنحره آدم، وأكل هو وحواء من لحمه، واتخذا مقراضاً فجزا به الصوف من الكبش، وغزلاه، واتخذا منه جبتين بغير كمين، وكساءين، فاكتسى كل واحد منهما جبة وكساء، فلما مست جلدهما خشونة الصوف بكيا شوقاً إلى السندس والإستبرق؛ فقيل لهما: \" هذا لباس أهل الطاعة في الدنيا \" . وجيء بالأشجار التي ذكرناها في الفن الرابع من هذا الكتاب، وهو فن النباتات؛ وقد قدمنا ذكرها فيما سلف منه.\rوعن كعب أن الذي جاء بالحب ميكائيل، لأنه الموكل بالحب والقطر والنبات. قال: فقام آدم فعقد النير على عنقي الثورين؛ ثم حرث وبذر، وكان يقف على الزرع ويقول: متى يدرك؟ فيسمع هاتفاً يقول: \" خلق الإنسان من عجل \" ؛ وكان الزرع في طول النخل، والسنبلة في طول مائة ذراع، بيضاء كالفضة.\rقال كعب: فلما استحق الزرع كان آدم يحصد، وحواء تجمع؛ ثم علم آدم الدراسة والتذرية والطحن والعجن والخبز؛ ث أكلا وشربا فأصابتهما النفخة والقرقرة في بطونهما؛ فتجشأ آدم جشاء متغيراً، وتغير عليه بدنه وثقل؛ فلما ثقلت عليهما بطونهما أمرهما الملك أن يتبرزا إلى الصحراء لقضاء الحاجة؛ فلما رأيا ذلك من أنفسهما بكيا بكاء شديداً، وقالا: \" هذا الذي أورثنا ذنبنا \" .","part":3,"page":298},{"id":1299,"text":"ثم أمرهما الملك أن يمسحا بالمدر، ثم يغتسلا بالماء؛ ثم علمهما الوضوء فتوضأ وضوء الإسلام؛ ثم أمرهم بالصلاة، فكان أول صلى صلاها آدم الظهر.\rوكان آدم ربما اشتغل عن صلاته ولا يعرف الأوقات، فأعطاه الله ديكاً ودجاجة، فكان الديك أبيض أفرق أصفر الرجلين، كالثور العظيم، وكان يضرب بجناحه عند أوقات الصلاة ويقول: سبحان من يسبحه كل شيء سبحان الله وبحمده، يا آدم: الصلاة يرحمك الله.\rقال: وأخذ آدم في الغرس حتى غرس كل ما على وجه الأرض من أنواع الثمار والأشجار، وأخذت الأرض زهرتها؛ وكان آدم يأكل من بقول الأرض ونباتها.\rقال وهب: أول بقلة زرعها آدم الهندبا، وأول ما زرع من الرياحين الحناء، ثم الآس.\rحمل حواء وولادتها\rقال: وواقع آدم حواء في ليلة الجمعة، فحملة بذكر وأنثى، وأسقطتهما في الشهر الثامن، فكان أول سقط في الدنيا؛ ثم حملت ثانياً كذلك، فأصابهما مثل الأول؛ ثم حملت ثالثة. قال الله تعالى: \" فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين \" .\rقال: فجاء إبليس إلى حواء وقال: أتحبين أن يعيش في بطنك؟ قالت: نعم، قال: سميه عبد الحارث.\rوقال ابن حبيب عن ابن عباس: أنها لما وضعته جاء إبليس وقال: ألا تسميانه باسمي؟ قالت له حواء: ما اسمك؟ فذهب ولم يتسم، ثم عاد إليهما فقال: كيف تريدان أن تسمياه؟ قالا: نسميه عبد الله. قال: أفتظنان أن الله يترك عبده عندكما إن سميتماه عبد الله، لا والله لا يدعه عندكما حتى يقبضه، ولكن سمياه عبد شمس فإنه يبقى ما بقيت الشمس. فأطاعاه وسمياه عبد شمس؛ فمات صغيراً. قال الله تعالى: \" فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما \" .\rقال وهب: أوحى إليهما \" إنكما أطعتما إبليس في هذه التسمية، فهلا سميتماه عبد الله أو عبد الرحمن أو عبد الرحيم \" فجزعا لذلك جزعاً شديداً، وقالا: \" لا حاجة لنا في هذا المولود \" . فأماته الله.\rثم حملت بذكر وأنثى، فلما وضعتهما سمتهما عبد الله وأمة الله؛ ثم وضعت بطناً آخر فسمتهما عبد الرحيم وأمة الرحيم؛ ولم تزل كذلك حتى وضعت مائة بطن؛ ثم وضعت بعد ذلك هابيل وأخته في بطن، ثم قابيل وأخته في بطن، حتى وضعت عشرين ومائة بطن ذكر وأنثى، فتناسلوا وكثروا.\rمبعث آدم إلى أولاده\rقال: ثم بعث الله عز وجل آدم إلى ذريته رسولاً، وذلك في أول ليلة من شهر رمضان، وخصه بالوحي، وأنزل عليه إحدى وعشرين صحيفة فيها سور مقطعة الحروف، لا يتصل حرف بحرف، وهو أو كتاب أنزل، وهو بألف لغة فيها الفرائض والسنن والشرائع والوعد والوعيد وأخبار الدنيا، وبين له فيها أهل كل زمان وصورهم وسيرهم، وما يحدث في الأرض حتى المأكل والمشرب.","part":3,"page":299},{"id":1300,"text":"ثم أمره الله تعالى أن يكتبها بالقلم، فأخذ جلود الضأن فدبغها حتى صارت رقاً، وكتب فيها الحروف التسعة والعشرين، وهي في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، أولها أ: معناها، أنا الله الواحد الأحد الذي لم يزل. ب: بديع السموات والأرض. ت: توحد في ملكه، وتواضع كل شيء لعظمته. ث: ثابت لم يزل ولا يزال. ج: جميل الفعال، جواد، جليل المقال. ح: حليم على من عصاه، حميد عند من أنشاه. خ: خبير ببواطن الأشياء وظواهرها، خالق كل شيء. د: ديان يوم الدين، دان من خلقه. ذ: ذو الفضل العظيم، والعرش المجيد، ذو الطول القديم. ر: رب الخلائق رزاق رءوف رحمن رحيم. ز: زراع زرع من غير بذر، زائد لمن شكر، زين كل شيء برحمته. س: سريع الحساب، سميع الدعاء، سريع الإجابة. ش: شديد العقاب والبطش، شاهد كل نجوى. ص: صمد صادق الوعد. ض: ضياء السموات والأرض، ضمن لأوليائه المغفرة. ط: طاب من أخلص له من المطيعين، طوبى لمن أطاعه. ظ: ظهر أمره، وظفر أهل محبته بالجنة. ع: عليم عالم علام علا بالربوبية. غ: غياث المستغيثين، غني لا يفتقر. ف: فعال لما يريد، فرد ليس له شريك. ق: قيوم، \" قائم على كل نفس بما كسبت \" ، قدير قاهر. ك: كريم كان قبل كل شيء، كائن بعد كل شيء، كافي كل بلية. ل: \" له ما في السموات وما في الأرض \" ، وله الخلق والأمر. م: مالك يوم الدين، متكبر محسن محمود متين معبود منعم من قبل ومن بعد. ن: نور السموات والأرض ناره معدة لأهل عذابه. و: ولي المؤمنين، ويل لمن عصاه، \" ويل للمطففين \" . هاد هدى من الضلالة من قدر له ذلك برحمته ومشيئته، لا: لا إله إلا الله الواحد القهار، الذي لا إله إلا هو العزيز الحكيم. ي: يعلم ما في السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى وما تخفي الصدور.\rقال: فلما نزلت هذه الحروف علمها آدم لولده، فتوارثها ولده، إلى أن بعث الله تعالى إدريس، وأنزل عليه خمسين صحيفة، وأنزل عليه هذه الحروف.\rقتل قابيل هابيل\rقال: ودعا آدم ابنيه هابيل وقابيل - وكان يحبهما من بين أولاده - فذكر لهما ما كان من أمره ودخوله الجنة، وسبب خروجه، وغير ذلك، ثم أمرهم أن يقربا قرباناً، وكان هابيل صاحب غنم، وقابيل صاحب زرع، فأخذ هابيل من غنمه كبشاً سميناً لم يكن في غنمه خير منه، فجعله قرباناً؛ وأخذ قابيل من زرعه أدناه فقربه؛ فنزلت من السماء نار بيضاء لا حر ولا دخان فيها، فأحرقت قربان هابيل، ولم تحرق قربان قابيل، فداخله الحسد من ذلك، وقال: إن أولاد هذا تفتخر على أولادي من بعدي، فوالله لأقتلنه. قال الله تعالى: \" واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم تقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين \" .\rقال: ثم رجعا من منى - وهو موضع القربان - يريدان أباهما وهابيل أمام قابيل؛ إلى حجر فضرب به رأس أخيه هابيل فقتله، ثم مر على وجهه هارباً. قال الله تعالى: \" فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين \" ؛ وإذا هو بغرابين قد اقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، وجعل يبحث في الأرض برجليه حتى حفر حفرة ودفن فيها المقتول؛ فقال قابيل في نفسه ما أخبر الله تعالى به عنه: \" يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين \" .\rفلما أبطآ على آدم خرج في طلبهما، فأصاب هابيل مقتولاً، فساءه ذلك واغتم غماً شديداً، وكانت الأرض لما شربت دمه تغيرت الأشجار عن نضارتها، فيقال: إن آدم قال:\rتغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح\rتغير كل ذي لون وطعم ... وقل بشاشة الوجه المليح\rقتل قابيل هابيلاً أخاه ... فوا أسفي على الوجه الصبيح\rثم حمل آدم هابيل على عاقته وهو باك، ثم دفنه، وبكى عليه هو وحواء أربعين يوماً، فأوحى الله تعالى إليه أن كف عن بكائك، فإني سأهب لك غلاماً زكياً على صورة هابيل يكون أبا النبيين والمرسلين. فسرى عنه، وجامع حواء فحملت بشيث واسمه هبة الله فلما وضعتنه كان على صفة هابيل وصورته؛ فلما ترعرع وبلغ بعث الله تعالى له قضيباً من سدرة المنتهى في صفاء الجوهر، ورزق الله شيثاً الأولاد في حياة آدم؛ والله أعلم.\rوفاة آدم","part":3,"page":300},{"id":1301,"text":"قال: وكان آدم لما أخرج الله تعالى الذرية من ظهره رأى داود عليه السلام وحسن صورته، فسأل عنه وعماً رزقه الله تعالى من العمر؛ فقيل له: إنه نبي الله داود، وإن عمره الذي كتب الله له أربعون سنة. فقال: يا رب زد في عمره. قال: ذلك الذي كتبت له. فقال: يا رب فإني قد وهبته من عمري ستين سنة. فلما انقضى من عمره تسعمائة سنة وأربعون سنة أتاه ملك الموت، فقال له آدم: قد عجلت علي، لأن ربي كتب لي ألف سنة. قال: ألم تهب منها لولدك داود ستين سنة؟ قال: لا. قال: فجحد آدم وجحدت ذريته من بعده، ونسي فنسيت.\rوقيل في عمر داود: ستون سنة، وإن آدم وهبه أربعين سنة؛ والله أعلم.\rفلما استكمل عدته أمر الله بقبض روحه، فعهد إلى ابنه شيث وأوصاه، وسلم إليه التابوت، وكان فيه نمط من الجنة أبيض أهداه الله تعالى لآدم، فيه صور الأنبياء والفراعنة من ذريته؛ فنشر آدم النمط وأراه لابنه شيث، فنظر إليه، ثم أمر بطيه ووضعه في التابوت؛ وعمد آدم إلى طاقات من شعر لحيته فوضعها في التابوت وقال له: يا بني، إنك لا تزال مظفراً على أعدائك ما دامت هذه الشعرات سوداً فإذا ابيضت فاعلم أنك ميت، فأوص إلى خبر أولادك. وأوصاه بقتال أخيه قابيل.\rثم قبض الله تعالى نبيه آدم في يوم الجمعة بعد أن استكمل ألف سنة، وصلت عليه الملائكة صفوفاً، وصلى عليه شيث، ودفن عليه السلام.\rوقيل: كنت وفاته بالهند، فلما كان زمن الطوفان حمل نوح معه تابوت آدم في السفينة، ثم دفنه ببيت المقدس.\rوفاة حواء قال: ولما توفي آدم عليه السلام لم تعلم حواء بموته حتى سمعت بكاء الوحش والسباع والطير، ورأت الشمس منكسفة؛ فقامت من قبتها فزعة أن يكون حل بشيث ما حل بهابيل، وصارت إلى قبة آدم فلم تره، فصاحت صيحة عظيمة، فأقبل إليها شيث وعزاها وأمرها بالصبر، فلم تصبر دون أن صرخت ولطمت وجهها ودقت صدرها، فأورثت ذلك بناتها إلى يوم القيامة؛ ثم لزمت قبره أربعين يوماً لا تطعم؛ ثم مرضت مرضاً شديداً ودام بها حتى بكت الملائكة رحمة لها؛ ثم قبضت رحمة الله عليها فغسلها بناتها، وكفنت من أكفان الجنة ودفنت إلى جنب آدم عليهما السلام ورأسها إلى رأسه، ورجلاها عند رجليه.\rوقيل: كانت وفاتها بعد مضي سنة من وفاة آدم.\rالباب الثاني من القسم الأول من الفن الخامس\rشيث وأولاده\rقال: ولما مات آدم عليه السلام أسند وصيته إلى ابنه شيث، وكان مما أوصاه به التمسك بالعروة الوثقى، وشهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان بمحمد رسول الله؛ وقال له: يا بني؛ إني رأيت اسمه مكتوباً على سرادق العرش وأبواب الجنان وأطباق السموات وأوراق شجرة طوبى؛ فهذه وصيتي إليك. ثم نزع خاتمه من إصبعه ودفعه إليه، وتسلم منه التابوت، ثم قال له: إنه الله سيعطيك ثوب المجاهدة، فحارب أخاك قابيل، فإن الله تعالى ينصرك عليه. وكان شيث حين الوصية إليه ابن أربعمائة سنة، فأطاعه أولاد أبيه، وصار إليه الفرس الميمون، وكان أغر وحجلاً إذا صهل أجابته الدواب كلها بالتسبيح.\rقتال شيث قابيل قال: ثم أمر الله تعالى شيث بن آدم بقتال قابيل، وكان قابيل قد اعتزل في ناحية من الأرض، فعمرها، وخدع أختاً له فأحبها، ورزق منها أولاداً كثيرة فسار إليه شيث بجميع أولاده، وتقلد سيف أبيه، وكان بين يديه عمود من الياقوت تحمله الملائكة يضيء بالليل والنهار، وسار وقد أحدقت به الملائكة؛ فتوجه إبليس إلى قابيل وأعلمه خبر أخيه، فتأهب للقائه وقد داخله الفزع؛ ثم جاء شيث فقابله، فاقتتلا، فانكب قابيل على وجهه، فأخذه شيث أسيراً، وأسر جماعة من أولاده.\rثم أقبلت الملائكة إلى قابيل فسلكوه في سلسلة من سلاسل جهنم، وغلوا يد إلى عنقه، وساقوه بين يدي شيث مهاناً وهو يقول: يا شيث احفظ الرحم بيني وبينك. فقال: لا رحم بيننا بعد أن قتلت أخاك ظلماً.\rثم أمر شيث الملائكة فساقوه مغلولاً إلى عين الشمس بالمغرب، فلم يزل مواجهاً للشمس حتى مات كافراً، وصارت ذريته عبيداً وإماء لشيث وأولاده.\rثم أخذ شيث بعد ذلك في عمارة المدن حتى بنى نيفاً على ألف مدينة في كل مدينة منارة ينادي عليها: \" لا إله إلا الله، آدم صفوة الله، محمد رسول الله \" .","part":3,"page":301},{"id":1302,"text":"وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر هو وأولاده، حتى عمرت الدنيا، وأنزل الله تعالى على شيث خمسين صحيفة، فكانوا يقرأونها ويعملون بما فيها من غير عداوة ولا تباغض ولا تحاسد ولا فسق بينهم؛ وكان إبليس يحسد شيثاً وأولاده، فأقبل إبليس إليه في صورة امرأة حسناء، فقال لها: من أنت؟ قالت: امرأة أرسلني الله إليك لتتزوج بي، ولست من بنات آدم. فقال: إن ربي لم يأمرني بذلك ولا أخبرني عنك، وما أظنك إلا إبليس. فضحك وقال: إنما أنا امرأة من نساء الجنة، ولا تعص ربك وتزوج بي؛ وجعل إبليس يتزين له حتى كاد يفتنه؛ فنادته الملائكة: يا نبي الله، إنه عدوك إبليس. فقبض شيث عيه وهم بقتله؛ فقال: خل عني فإني من المنظرين، ولكن أعطيك الميثاق أني لا أتعرض إليك بعدها. فأطلقه ولم يعد إليه.\rوولد لشيث أنوش على طوله وحسنه؛ فجعله شيث مكانه والخليفة من بعده، وسلم إليه التابوت، وأوصاه بقتال أولاد قابيل.\rومات شيث وله سبعمائة سنة وعشرون سنة.\rوقيل: بل عاش بد آدم مائتي سنة، وعهد إلى ابنه أنوش فقام على أولاده بالطاعة ثلاثمائة عام.\rوعهد من بعده إلى ابنه قينان، فعمر بعد أبيه مائتين وخمسين سنة.\rوعهد إلى ابنه مهلائيل، وكثر في زمانه بنو آدم، وكان منزلهم الحرم فضاق بهم، فقسم الأرض بينهم خمسة أقسام، وأرسل خمسة نفر من صلحاء قومه يقيمون لهم شرائع آدم عليه السلام ويتولون الحكومة بينهم، وهم ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وهؤلاء الذين لما فقدوا بلغ من وجد قومهم عليهم أن جعلوا لهم تماثيل يتسلون بها؛ وترامى الأمر إلى أن عبدها القرن الذي تلاهم، فكان ذلك هو السبب لعبادة الأوثان.\rثم قام بالأمر بعد مهلائيل ابنه أخنوخ، وهو إدريس.\rالباب الثالث من القسم الأول من الفن الخامس\rإدريس (ع)\rواسمه أخنوخ، وإنما سمي إدريس لكثرة دراسته الكتب؛ وهو أول من بعث من بني آدم؛ وهو أول من خط بالقلم بعد شيث، وأول من كتب في الصحيفة؛ وكان مشتغلاً بالعبادة ومجالسة الصالحين حتى بلغ فانفرد للعبادة، فجعله الله تعالى نبيناً، وأنزل عيه ثلاثين صحيفة، وورثه صحف شيث وتابوت آدم.\rوكان يعيش من كسب يديه؛ وكان خياطاً، وهو أول من خاط الثياب ولبسها وكانوا قبل ذلك يلبسون الجلود، حتى أتت عليه أربعون سنة، فبعثه الله تعالى إلى أولاد قابيل، وكانوا جبابرة، وقد اشتغلوا باللهو والغناء والمزامير والطنابير وغير ذلك، وعبدوا الأصنام؛ وكان إدريس يدعوهم ثلاثة أيام، ويعبد الله أربعة.\rوحكى عن وهب أنه أول من اتخذ السلاح، وجاهد في سبيل الله، ولبس الثياب، وأظهر الأوزان والأكيال، وأنار علم النجوم.\rوكان إدريس شديد الحرص على دخول الجنة، وكان قد رأى في الكتب أنه لا يدخلها أحد دون الموت، فبينما هو يسبح في عبادته إذ عرض له ملك الموت في صورة رجل في نهاية الجمال؛ فقال له إدريس: من أنت؟ قال: عبد من عبيد الله أعبده كعبادتك. وأصطحبا، فكان إدريس يأكل من رزق الله، وهو لا يطعم شيئاً؛ فسأله عن ذلك؛ فأخبره أنه ملك الموت؛ فقال له: جئت لقبض روحي؟ قال: لا، ولو أمرني الله بذلك ما أمهلتك، ولكنه أمرني أن أصطحبك. فسأله إدريس أن يقبض روحه؛ فقال له: وما تريد بذلك وللموت كرب عظيم؟ قال: لعل الله تعالى يحييني فأكون أكثر في عبادته. فأمره الله بقبض روحه فقبضها، وأحياه الله تعالى لوقته.","part":3,"page":302},{"id":1303,"text":"ثم قال إدريس له بعد حين: هل تستطيع أن تقفني على جهنم؟ قال: ما حاجتك إلى ذلك ولها من الأهوال ما لا تطيق أن تنظر إليه، ومالي سبيل إلى ذلك، ولكني أقفك على طريق مالك خازنها، والله أعلم بحاجتك. فاحتمله ووقفه على طريق مالك، فلما رآه كشر في وجهه، فكادت روحه تخرج، فأوحى الله عز وجل إلى مالك: وعزتي وجلالي لا رأى عبدي إدريس بعد كشرتك سوءاً، إرجع إليه وقفه على شفير جهنم ليرى ما فيها. فوقفه مالك على شفيرها ونظر إلى ما فيها من الأهوال، فلولا أن ثبته الله تعالى لصعق؛ ثم أعاده إلى مكانه، فاحمله ملك الموت إلى الأرض، فعبد الله عز وجل حيناً؛ ثم قال لملك الموت. هل لك أن تدخلني الجنة لأرى ما أعد الله تعالى لأهل طاعته من النعيم؟ فقال: حاجتك إلى الله تعالى، ولكني أحملك وأقف على طريق رضوان خازن الجنان فسله حاجتك. ففعل ذلك؛ فلما رآه رضوان قال: من هذا؟ قال: إدريس نبي الله يريد أن ينظر إلى نعيم الجنان. قال: ذلك إلى ربي. فأوحى الله تعالى إلى رضوان: أني قد علمت ما يريد عبدي إدريس، وقد أمرت غصناً من أغصان شجرة طوبى أن يتدلى إليه فيلتف به ويدخله الجنة، فإذا دخل فأقعده في أعلى موضع؛ فلما دخلها إدريس ورأى ما فيها منن النعيم قال له رضوان: أخرج الآن. قال له إدريس: أيدخل الجنة من يخرج منها؟ فحاجه في ذلك، فأرسل الله تعالى له ملك الموت، فقال له إدريس: ما حاجتك؟ إنك لن تسلط على قبض روحي مرتين، فاذهب. فرجع ملك الموت إلى ربه عز وجل وقال: إلهي قد علمت ما قال إدريس. قال الله تعالى: إنه حاجك بكلامي، فذره في جنتي. فذلك قوله تعالى: \" واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقاً نبياً ورفعناه مكاناً علياً \" .\rهذا ما أورد الكسائي رحمه الله في كتاب المبتدأ.\rونقل الشيخ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي رحمه الله في كتابه المترجم بيواقيت البيان في قصص القرآن وفي تفسيره أيضاً في سبب رفع إدريس عليه السلام، قال: وكان سبب رفعه على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر الناس: أنه سار ذات يوم فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب إني مشيت يوماً فتأذيت منها، فكيف من يحملها خمسمائة عام في يوم واحد؟! اللهم خفف عنه من ثقلها، واحمل عنه حرها. فلما أصبح الملك وجد خفة الشمس وخفة حرها ما لا يعرف؛ فقال: يا رب، خلقتني لحمل الشمس، فما الذي قضيت في؟ فقال: أما إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك ثقلها وحرها، فأجبته. قال: يا رب اجمع بيني وبينه، واجعل بيني وبينه خلة. فأذن الله تعالى له، فأتى إدريس حتى إن إدريس ليسأله، فكان مما سأله أن قال: أخبرت أنك أكرم الملائكة عند ملك الموت وأمكنهم عنده، فاشفع لي إليه أن يؤخر أجلي فأزداد شكراً وعبادة. فقال الملك: لا يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها. قال إدريس: قد علمت ذلك، ولكنه أطيب لنفسي. قال: نعم أنا مكلمه لك، فما كان يستطيع أن يفعل لأحد من بني آدم فهو فاعله لك. ثم حمله ملك الشمس على جناحه، فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس؛ ثم أتى ملك الموت، فقال: لي إليك حاجة. قال: أفعل كل شيء أستطيعه. فقال له: صديق لي من بني آدم يتشفع بي إليك أن تؤخر أجله. فقال: ليس ذلك إلي، ولكن إن أحببت أعلمه أجله من يموت فيتقدم في نفسه. قال: نعم. فنظر في ديوانه، فأخبره باسمه، فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبداً. ثم قال: إني لأجده يموت عند مطلع الشمس قال: فإني أتيتك وتركته هناك. قال: فانطلق فإنه قد مات، فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء. فرجع الملك فوجده ميتاً.","part":3,"page":303},{"id":1304,"text":"قال: وقال وهب: كان يرفع له في كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل الأرض في زمانه. فعجبت منه الملائكة، فاشتاق إليه ملك الموت، فاستأذن الله تعالى في زيارته، فأذن له، فأتاه في صورة غلام؛ وكان إدريس يصوم الدهر كله فلما كان في وقت إفطاره دعاه إلى الطعام، فأبى أن يأكل معه، وفعل ذلك ثلاث ليال، فقال له إدريس في الليلة الثالثة: إني أريد أن أعلم منن أنت. قال: أنا ملك الموت، استأذنت ربي أن أزورك وأن أصاحبك، فأذن لي في ذلك. فقال إدريس: فلي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قال: اقبض روحي؛ فأوحى الله تعالى فأوحى الله تعالى إليه: \" اقبض روحه \" . ففعل، ثم ردها الله تعالى إيه بعد ساعة، فقال له ملك الموت: فما الفائدة في سؤالك قبض الروح؟ قال: لأذوق كرب الموت وغمه فأكون له أشد استعداداً.\rثم قال: لي إليك حاجة أخرى، قال: وما هي؟ قال: ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة والنار. فأذن الله تعالى له في ذلك، فلما قرب من النار قال: لي إليك حاجة. قال له: وما تريد؟ قال: تسال مالكاً حتى يفتح لي أبوابها فأردها. ففعل؛ ثم قال له إدريس: فكما أريتني النار فأرني الحنة. فذهب إلى الجنة فاستفتح، ففتحت له أبوابها، فأدخله الجنة؛ فقال له ملك الموت: اخرج منها لتعود إلى مفرك. فتعلق بشجرة وقال: لا أخرج منها. فبعث الله تعالى ملكاً حكماً بينهما؛ فقال له الملك: مالك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال: \" كل نفس ذائقة الموت \" وقد ذقته. وقال: \" وإن منكم إلا واردها \" وقد وردتها. وقال تعالى: \" وما هم منها بمخرجين \" فلست أخرج. قال الله تعالى لملك الموت: دعه فإنه بإذني دخل الجنة، وبأمري يخرج. فهو هناك، فتارة يعيد الله في السماء الرابعة، وتارة يتنعم في الجنة.\rالباب الرابع من القسم الأول من الفن الخامس\rقصة نوح (ع)\rقال الكسائي رحمه الله تعالى: قال وهب بن منبه: لما رفع الله تعالى إدريس عليه السلام ترك إدريس في الأرض ولده متوشلح، فتزج بامرأة يقال لها: ميشاخا؛ فولدت له ولداً سماه لمك، وكان يرجع إلى قوة وبطش وكان يضرب بيده الشجرة العظيمة فيقتلعها من أصلها، وكان على وجهه نور نبيناً محمد صلى الله عليه وسلم، فخرج في يوم إلى البرية فرأى امرأة في نهاية الجمال وبين يديها غنم ترعاها، فأعجبته، فسألها عن نفسها، فقالت: أنا قينوش بنة براكيل بن محويل من أولاد قابيل بن آدم. فقال: ألك زوج؟ قالت: لا. قال: فما سنك؟ قالت: مائة وثمانون. قال: لو كنت بالغة لتزوجتك - وكان البلوغ يومئذ لاستيفاء مائتي سنة - فقالت: كان عندي أنك تريد أن تفضحني، فأما إذا أردت الزواج فقد أتى علي مائتا سنة وعشر سنين. فخطبها من أبيها، وأرغبه بالمال؛ فزوجه بها فحملت منه بنوح عليه السلام فلما كان وقت الولادة ولدته في غار خوفاً على نفسها وولدها من الملك لكونها تزوجت بمن ليس منهم؛ فلما وضعته هناك وأرادت الانصراف قالت: وا نوحاه. وانصرفت، فبقي في الغار أربعين يوماً؛ ثم توفي أبوه لمك؛ فاحتملته الملائكة ووضعته بين يدي أمه مزيناً مكحولاً، ففرحت به وربته حتى بلغ.\rوكان ذا عقل وعلم ولسان وصوت حسن، واسع الجبهة، أسيل الخد، وكان يرعى الغنم لقومه مدة، وربما عالج التجارة؛ ثم كره مجاورة قومه لعبادتهم الأصنام.\rوكان لهم ملك يقال له درمشيل؛ وكان جباراً عاتياً قوياً، وهو أول من شرب الخمر واتخذ القمار وقعد على الأسرة واتخذ الثياب المنسوجة بالذهب وأمر بصنعة الحديد والنحاس والرصاص؛ وكان هو وقومه يعبدون الأصنام الخمسة: وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسرا؛ ثم اتخذ ألف صنم وسبعمائة صنم على صور شتى، واتخذ لها كراسي من الذهب والفضة، وأقام لها الخدم يخدمونها؛ فاعتزلهم نوح إلى البراري ولم يخالطهم حتى بعثه الله تعالى نبياً؛ والله أعلم بالصواب.\rمبعث نوح(ع)","part":3,"page":304},{"id":1305,"text":"قال: فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام أن يهبط إلى نوح ويبشره بالنبوة والرسالة؛ فهبط جبريل عليه، وجاءه بوحي الله أن يسير إلى درمشيل الملك وقومه ويدعوهم إلى عبادة الله تعالى؛ فأقبل نوح إلى قومه من يومه وكان يومن عيدهم وقد نصبوا أصنامهم على أسرتها وكراسيها، وهم يقربون القرابين لها، وكانوا إذا فعلوا ذلك يخرون لها سجداً ويشربون الخمر، ويضربون بالصنج، ويأتون النساء كالبهائم من غير تستر فجاءهم وهم يزيدون على تسعين زمرة، كل زمرة لا يحصون كثرة، فاخترق الصفوف حتى صار في وسط القوم، وسأل الله تعالى أن ينصره عليهم؛ فلما أرادوا السجود للأصنام نادى: أيها القوم، إني قد جئتكم بالنصيحة من عند ربكم أدعوكم إلى عبادته وطاعته، وأنهاكم عن عبادة هذه الأصنام \" فاتقوا الله وأطيعون \" . فخرقت دعوته الأسماع، وهوت الأصنام عن كراسيها، وسقط الملك عن سريره مغشياً عليه، فلما أفاق قال: يا أولاد قابيل، ما هذا الصوت الذي لم أسمع مثله؟ قالوا: أيها الملك، هذا صوت رجل منا اسمه نوح بن لمك كان يجانبنا قبل ذلك بجنونه، والآن قد اشتد عليه فقال ما قال. فغضب الملك واستدعاه، فأتوه به بعد أن ضربوه الضرب الشديد؛ فقال له: من أنت، فقد ذكرت آلهتنا بسوء؟ قال: أنا نوح بن لمك رسول رب العالمين، جئتكم بالنصيحة من عند ربكم لتؤمنوا به وبرسوله، وتهجروا هذه الأصنام والقبائح. فقال درمشيل؛ إنك قد جئتنا بما لا نعرفه، ولا نعتقد أنك عاقل، فإن كان بك جنة فنداويك أو فقر فنواسيك. قال: يا قوم، ما بي جنون ولا حاجة إلى ما في أيديكم، ولكني أريد أن تقولوا: لا إله إلا الله وإني نوح رسول الله. فغضب درمشيل وقال: لولا أنه يوم عيد لقتلناك.\rفأول من آمن به امرأة من قومه يقال لها: عمرة فتزوجها فأولدها ساما وحاما ويافث وثلاث بنات؛ ثم آمنت به امرأة أخرى من قومه يقال لها: والعة فتزوجها فأولدها كنعان؛ ثم نافقت وعادت إلى دينها.\rوكان نوح يخرج في كل يوم في أندية لقومه يدعوهم إلى عبادة الله تعالى فيضربونه حتى يغشى عليه، ويجرون برجله فيلقونه على المزابل، فإذا أفاق عاد إليهم بمثل ذلك، ويعاملونه بمثله؛ حتى أتى عليه ثلاثمائة سنة وهو على هذه الحال؛ ثم مات ملكهم درمشيل، وملك بعده ابنه بولين، وكان أعتى وأطغى من أبيه وكان نوح يدعوهم في القرن الرابع على عادته، فيضربونه ويشتمونه، وربما سفوا عليه التراب ويقولون: إليك عنا يا ساحر يا كذاب. ويضعون أصابعهم في آذانهم؛ فينصرف عنهم ويعد إليهم، وإذا خلا بالرجل منهم دعاه، وهم لا يزدادون إلا عتوا وتمرداً واستكباراً، وذلك قوله تعالى: \" قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً \" الآيات.\rثم دعاهم حتى استكمل ستة قرون؛ فلما دخل القرن السابع مات ملكهم بولين واستخلف عليهم ابنه طفردوس - وكان على عتو أبيه - وكان نوح يأتي أصنامهم بالليل وينادي بأعلى صوته: يا قوم، قولوا \" لا إله إلا الله وإني نوح رسول الله \" . فتنكس الأصنام؛ وكانوا يضربون نوحاً ضرباً شديداً، ويدوسون بطنه حتى يخرج الدم من أنفه وأذنيه.\rوكان الرجل منهم عند وفاته يوصي أولاده ويأخذ عليهم العهد ألا يؤمنوا به، ويأتي الرجل بابنه إلى نوح ويقل: يا بني انظر إلى هذا فإن أبي حملني إليه وحذرني منه، فاحذره أن يزيلك عما أنت عليه فإنه ساحر كذاب. وهو بعد ذلك يدعوهم؛ فضجت الأرض إلى ربها وقالت: ما حلمك على هؤلاء؟ وضح كل شيء إلى ربه من عتوهم، ونوح يدعوهم ويذكرهم بآيات الله؛ فلما كان في بعض الأيام إذا هو برجل من كبار قومه قد أقبل بولده يحذره منه؛ فضرب الغلام بيده إلى كف تراب وضرب به وجه نوح، فعند ذلك قال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً. فأمنت الملائكة على دعوته، فمنع الله عنهم القطر والنبات؛ فعلم نوح أن الله مهلك قومه؛ فأحب أن يؤمن بعضهم إن لم يؤمنوا كلهم؛ فأوحى الله تعالى إليه: \" أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون \" .\rعمل السفينة","part":3,"page":305},{"id":1306,"text":"قال: وأوحى الله تعالى إليه أن يتخذها في ديار قومه، وأن يجعلها ألف ذراع طولاً وخمسمائة عرضاً وثلاثمائة ارتفاعاً، فأعد آلات النجارة، وشرع في عملها وأعانه أولاده ومن آمن من قومه، والناس يسخرون منه ويقولون: بعد النبوة صرت نجاراً، ونحن نشكو القحط، وأنت تبني للغرق. قال الله تعالى: \" ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون \" ؛ وكانوا يأتون السفينة بالليل فيشعلون فيها النار ولا تحترق، فيقولون: هذا من سحرك يا نوح.\rوجعل نوح رأس السفينة كرأس الطاوس، وعنقها كعنق النسر، وجؤجؤها كجؤجؤ الحمامة، وكوثلها كذنب الديك، ومنقارها كمنقار البازي، وأجنحتها كأجنحة العقاب؛ ثم غشاها بالزفت، وجعلها سبع طبقات لكل طبقة باب؛ فلما فرغ من بنائها نطقت بإذن الله وقالت: لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، أنا السفينة، من ركبني نجا، ومن تخلف عني غرق، ولا يدخلني إلا أهل الإخلاص. فقال نوح لقومه: أتؤمنون؟ قالوا: هذا قليل من سحرك. ثم استأذن ربه في الحج، فأذن له؛ فلما خرج هم القوم بإحراقها، فأمر الله الملائكة فاحتملوها إلى الهواء، فكانت معلقة حتى عاد من حجه. ولما قضى مناسكه رأى تابوت آدم عن يمين الكعبة، فسأل ربه في ذلك التابوت فأمر الملائكة فحملوه إلى دار نوح - وكانت يومئذ في مسجد الكوفة - فلما رجع من حجة نزلت السفينة من الهواء، ثم أوحى الله إليه: أن قد دنا هلاك قومك \" فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم \" . ثم أمره الله تعالى أن ينادي في الوحش والسباع والطير والهوام والأنعام؛ فوقف على سطح منزله، ونادى: \" هلموا إلى السفينة المنجية \" . فمرت دعوته إلى الشرق والغرب والبعد والقرب، فأقبلت إليه أفواجاً.\rفقال: إنما أمرت أن أحمل من كل زوجين اثنين، فأقرع بينهم، فأصابت القرعة من أذن الله في حمله، وكان معه من بني آدم ثمانون إنساناً بني رجل وامرأة؛ فلما كان في مستهل شهر رجب نودي من التنور وقت الظهر: قم يا نوح فاحمل في سفينتك من كل زوجي اثنين من الذكر زوجاً ومن الأنثى زوجاً، فحملها. وكان معه جسد آدم وحواء؛ وتباطأ عليهم الحمار في صعوده، لأن إبليس تعلق بذنبه؛ فقال نوح بالنبطية: على سيطان، يعني ادخل يا شيطان؛ فدخل ومعه إبليس فرآه نوح فقال: يا ملعون، من أدخلك؟ قال: أنت حيث قلت: على سيطان: فعاهده ألا يغوي أهل السفينة ما داموا فيها؛ ثم أوحى الله إلى جبريل أن يأمر خزنة الماء أن يرسلوه بغير كيل ولا مقدار وأن تضرب المياه بجناح الغضب. ففعل ذلك، ونبعت العيون، وهطلت السماء \" فالتقى الماء على أمر قد قدر \" وكان ماء السماء أخضر، وماء الأرض أصفر؛ وأمر الله الملائكة أن يحملوا البيت إلى سماء الدنيا؛ وكان الحجر يومئذ أشد بياضاً من الثلج، فيقال إنه أسود من خوف الطوفان، وقال نوح عند ركوبه السفينة ما أخبرنا الله عنه في كتابه العزيز: \" وقال اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بنيهما الموج فكان من المعرقين \" .\rقال: كان ابنه هذا كنعان.\rقال: وكانوا لا يعرفون الليل من النهار إلا بخرزة كانت مركبة في صدر السفينة بيضاء، فإذا نقص ضوءها علموا أنه النهار، وإذا ازداد علموا أنه الليل؛ وكان الديك يصيح عند أوقات الصلاة؛ وعلا الماء على الجبال أربعين ذراعاً؛ وسارت السفينة حتى بلغت موضع الكعبة، فطافت سبعاً، ونطقت بالتلبية؛ وكانت لا تقف في موقف إلا وتناديه: يا نوح هذه بقعة كذا، وهذا جبل كذا؛ حتى طافت به الشرق والغرب ورجعت إلى ديار قومه، فقالت: يا نبي الله، ألا تسمع صلصلة السلاسل في أعناق قومك؟ قال الله تعالى: \" مما خطيئاتهم أغرقوا فادخلوا ناراً \" ؛ ولم تزل السفينة كذلك ستة أشهر آخرها ذو الحجة.","part":3,"page":306},{"id":1307,"text":"وقيل: كان ركوب نوح ومن معه السفينة لعشر خلون من شهر رجب وذلك لتتمة ألفي سنة ومائتي سنة وخمسين سنة من لدن أهبط الله تعالى آدم عليه السلام وخرجوا منها في العاشر من المحرم بعد مضي ستة أشهر؛ ثم استقرت على جبل الجودي، قال الله تعالى: \" وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين، ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين، قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح \" .\rقال: ثم فتح نوح باب السفينة، فنظر إلى الأرض بيضاء من عظام قومه؛ وبعث الغراب لينظر ما بقي على وجه الأرض من الماء، فأبطأ، فبعث الحمامة فانطلقت شرقاً وغرباً وعادت مسرعة، فقالت: يا نبي الله، هلكت الأرض ومن عيها، وأما الماء فإني لا أراه إلا ببلاد الهند، ولم تبق على وجه الأرض شجرة إلا الزيتون، فإنها على حالها. فأوحى الله تعالى إلى نوح: \" اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك \" فخرج من السفينة وأخرج من فيها، وأعاد الله الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والأشجار والنبات كما كانت، وتفرق الوحش والسباع والطيور وغيرها في الأرض، وأمر نوح فبنيت قرية في أسفل جبل الجودي وسميت قرية ثمانين على عددهم.\rقيل: هي الجزيرة، وهي أول قرية بنيت على وجه الأرض بعد الطوفان ثم قسم نوح الأرض بين أولاده الثلاثة: سام وحام ويافث، فأعطى سام الحجاز واليمن والشام، فهو أبو العرب، وأعطى حام بلاد المغرب فهو أبو السودان وأعطى يافث بلاد المشرق، فهو أبو الترك.\rثم أوحى الله عز وجل إلى نوح أن يرد التابوت إلى المكان الذي أخذ منه، فرده.\rدعوته على ابنه حام\rودعوته لابنه سام\rقال: ولما استقر الأمر قال نوح لبنيه: إني أحب أن أنام، فإنني لم أتهنأ بالنوم منذ ركبت الفلك. فوضع رأسه في حجر ابنه حام، فهبت الريح فكشفت عن سوءتهن فضحك حام، وغطاه سام؛ فانتبه فقال: ما هذا الضحك؟ فأخبره سام، فغضب وقال لحام: أتضحك من سوءة أبيك؟ غير الله خلقتك، وسود وجهك. فاسود وجهه لوقته. وقال لسام: سترت عورة أبيك، ستر الله عيك في هذه الدنيا، وغفر لك في الآخرة. وجعل من نسلك الأنبياء والأشراف، وجعل من نسل حام الإماء والعبيد، وجعل من نسل يافث الجبابرة والأكاسرة والملوك العاتية.\rوصية نوح ووفاته قال كعب: بعث الله عز وجل نوحاً إلى قومه وله مائتان وخمسون سنة ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بعد الطوفان مائتي سنة؛ فلما حضرته الوفاة دعا ابنه سام وقال له: أوصيك يا بني باثنين، وأنهاك عن اثنين: أوصيك \" بشهادة أن لا إله إلا الله \" فإنها تخرق السموات السبع، لا يحجبها شيء، والثانية أن تكثر من قولك: \" سبحان الله وبحمده \" ، فإنها جامعة الثواب، وأنهاك عن الشرك بالله، والاتكال على غير الله. فلما فرغ من ذلك أتاه ملك الموت، فسلم عليه فقال: من أنت؟ فقد ارتاع قلبي من سلامك. قال: أنا ملك الموت، جئت لقبض روحك. فتغير وجهه وجزع، فقال له: ما هذا الجزع، ألم تشبع من الدنيا وطول عمرك؟ قال: ما شبهت ما مضى من عمري في الدنيا إلا بدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرحت من الآخر. فناوله ملك الموت كأساً فيها شراب وقال: اشرب هذا حتى يسكن روعك. فلما شربه خر ميتاً عليه السلام والله الموفق.\rأولاد نوح فأما حام فإنه واقع زوجته فولدت غلاماً وجارية سوداً، فأنكرهما حام؛ فقالت امرأته: \" لحقتك دعوة أبيك \" . فلم يقربها حيناً؛ ثم واقعها فولدت مثلهما فتركها حام وهرب على وجهه فلما كبر الولدان الأولان خرجا في طلب أبيهما حتى بلغا قرية على شاطئ البحر، فنزلاها، وواقع الغلام أخته فحملت منه وولدت غلاماً وجارية؛ وأقاما في ذلك الموضع لا مأكل لهما إلا السمك؛ فرجع حام في طلب ولديه فلم يجدهما، فاغتم لذلك؛ ثم ماتت امرأته، فخرج الولدان الآخران في طلب أخويهما حتى صارا إلى قرية أخرى على الساحل خربة، فنزلاها فسمع بهما الأخوان اللذان في البطن الأول، فلحقا بهما؛ ونزلوا هناك، ووطئ كل منهما أخته؛ فرزقوا أولاداً، وكثر منهم النسل، وانتشروا في أعلى الأرض على ساحل البحر، فمنهم النوبة والزنج والبربر والهند والسند وجميع طوائف السودان.","part":3,"page":307},{"id":1308,"text":"وأما يافث بن نوح، فإنه صار إلى المشرق، فولد له هناك خمسة أولاد: جومر وتيرس وأشار وسفويل ومياشخ؛ فمن جومر جميع الصقالبة والروم وأجناسهم؛ ومن تيرس جميع الترك والخزر وأجناسهم، ومن مياشخ جميع أصناف العجم؛ ومن أشار يأجوج ومأجوج؛ ومن سفويل جميع الأرمن.\rوأما سام بن نوح فولد خمسة أولاد: أرفخشذ، وهو أب العرب، ولاوذ وهو أبو العمالقة، وأشور، وهو أبو النسناس؛ وعيلم، وهو أبو العادية الأولى، وإرم، وهو أبو عاد وثمود، ورزق غيرهم ممن لم يعقب.\rالباب الخامس من القسم الأول من الفن الخامس\rقصة هود (ع)\rقال وهب: كان ملك عاد الأكبر اسمه الخلجان بن عاد بن العوص بن إرم ابن سام؛ وكان قومه يرجعون إلى فصاحة وشعر، وكان له ثلاثة أصنام: صدا وهبا، وصمو؛ وكان ملكهم قد حلى هذه الأصنام بأنواع الحلي، وطيبها، وجعل لها عدة من الخدم بعدد أيام السنة؛ فعتوا في المعاصي، وانهمكوا على عبادة الأصنام؛ وكان فيهم رجل من أشرافهم اسمه الخلود بن معيد بن عاد، وكان له بسطة في الخلق وقوة في الجسم، مع الحسن والفصاحة؛ وكان إذا قيل له: لم لا تتزوج وقد بلغت سن أبيك؟ يقول: رأيت في المنام كأن سلسلة بيضاء قد خرجت من ظهري، ولها نور كالشمس، وقيل لي: إذا رأيت هذه السلسلة قد خرجت من ظهرك ثانية فتزوج بالتي تؤمر بتزوجها؛ ولم أراها بعد، وقد عزمت على التزوج. وقام ليعبر بيت الأصنام يدعو بالتوفيق في التزوج، فلما هم بالدخول لم يقدر، وسمع هاتفاً يقول: يا خلود، ما لمن في ظهرك والأصنام؟ فلم يعد إليها. ثم رأى بعد ذلك في منامه السلسلة وقد خرجت من ظهره وقائلاً يقول: \" قم يا خلود فتزوج بابنة عمك \" فانتبه وخطبها وتزوجه، وواقعها فحملت بهود؛ وأصبح القوم وهم يسمعون من جميع النواحي: هذا هود قد حملت به أمه، ويلكم، إن لم تطيعوه هلكتم.\rووضعته أمه في ليلة الجمعة، فوقعت الرعدة على قبائل عاد، ولم يعلموا ما حالهم، فعلموا أن قد ولد لخلود ولد، فقال بعضهم لبعض: ليكونن لهذا الولد شأن فاحذروه. فخرج أحسن الناس وجهاً، وأكملهم عقلاً، وسمته أمه عابر، فرأته أمه ذات يوم يصلي، فقالت: لمن هذه العبادة يا بني؟ قال: لله الذي خلقني وخلق الخلق. قالت: أليس هي لأصنامنا؟ قال: إن أصنامكم لا تضر ولا تنفع وإنما الشيطان قد زين لكم عبادتها. قالت: اعبد إلهك يا بني، فقد رأيت منك حين كنت حملاً وطفلاً عجائب كثيرة.\rمبعث هود قال: ولم يزل هود في ديار قومه يجادلهم في أصنامهم، حتى أتت عليه أربعون سنة، فبعثه الله عز وجل إلى قومه رسولاً، وأتاه الوحي، فانطلق إليهم وهم متفرقون في الأحقاف، وهي الرمال والتلال وكانت مساكنهم ما بين عمان إلى حضرموت إلى الأحقاف إلى عالجة فأتاهم في يوم عيد لهم وقد اجتمع الملوك على الأسرة والكراسي، وملكهم الخلجان على سرير من ذهب وهو منسوج وقد أحدقت به قبائل عاد، وهم في اللهو والطرب؛ فلم يشعروا إلا وهود \" قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون \" وهذه الأصنام التي تعبدونها هي التي أغرقت قوم نوح، ولستم أكرم على ربكم منهم، فاستغفروا ربكم من عبادة هذه الأصنام. والأصنام تربح؛ فقال له ملكهم: ويحك يا هود، أقبل إلي. فتقدم إليه، فلما صار بين يدي الملك صاح صيحة أجابه الوحش والسباع: أبلغ ولا تخف. فامتلأت قلوب الناس خوفاً، فقام إليه رجل منهم وقال: يا هود، صف لنا إلهك. فوصف عظمة الله، وأنه \" ليس كمثله شيء \" - وكان الذي سأله عمرو بن الحلى - فلما فرغ من كلامه قال له الملك: يا هود، أتظن أن إلهك يقدر علينا وهذه كثرة جموعنا وشدة قوتنا؟ قال الله تعالى: \" أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة \" .\rفأول من آمن بهود رجل من قومه يقال له جنادة بن الأصم وأربعون من بني عمه؛ ث انصرف إلى منزله.\rفلما كان من الغد أقبل جنادة وبنو عمه حتى وقفوا على جماعة من سادات قومه، فقال: يا قوم لا تمنعكم مرارة الحق أن تقبلوه، ولا حلاوة الباطل أن تتركوه؛ وهذا ابن عمكم هود قد عرفتم صدقه، وقد أتاكم من عند الله ورسولاً وواعظاً فاتقوا الله وأطيعوه. وحذرهم، فحصبوه وشتموه، فرجع إلى هود.","part":3,"page":308},{"id":1309,"text":"فلما كان من الغد خرج هود فوقف عليهم وقال: يا قوم لا تبدلوا نعمة الله كفراً. وأخذ يعظهم؛ فكذبوه وواجهوه بالقبائح؛ فبقي على ذلك دهراً طويلاً يلاطفهم وهم على كفرهم وعتوهم، فأعقم الله أرحام نسائهم، فلم تحمل امرأة منهم؛ فشكوا ذلك إلى الملك، فأمرهم أن يخرجوا أصنامهم ويقربوا القرابين إليها، ففعلوا ذلك؛ فأتاهم هود وقال: يا قوم ألا تفزعون إلى الله الذي خلقكم وأعطاكم هذه النعمة والقوة، فإنه يجيبكم إذا سألتموه، ويزيدكم ملكاً إلى ملككم وقوة إلى قوتكم. وهو أن تقولوا معي: \" لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإني هود عبده ورسوله \" وإن لم تفعلوا ذلك ضربكم اله بالذل والنقمة، وهبت عليكم الريح العقيم حتى تذركم في دياركم هشيماً. فلما سمعوا ذلك منه ضربوه حتى سال الدم على وجهه وهو يقول: \" إلهي قد أبلغت وأنذرت \" .\rوأقبل إلى هود بعد انصرافه رجل من قومه يعرف بمرثد بن عاد، وقال: يا هود، إني قد جئتك في أمر، فإن أخبرتني به فأنت رسول الله. قال له هود: يا مرثد، كنت البارحة نائماً مع زوجتك فواقعتها، فقالت لك: أتظن أني قد حملت؟ فقلت لها: إني صائر غداً إلى هود، فإن أخبرني بهذا الكلام آمنت به. فقال مرثد: أشهد أنك رسول الله حقاً؛ ولكن أخبرني هل حملت؟ قال: نعم حملت بولدين ذكرين يكونان من أمتي، سيخرجان من بطنها سليمين مؤمنين، وستلد لك عشرة أبطن في كل بطن ذكران، ويكونان من أمتي. فوثب مرثد وقبل راس هود وكان من خيار أصحابه، وجعل مرثد يقول:\rمن كان يصدق يوماً في مقالته ... فإن هوداً رسول صادق القيل\rنبي صدق أتى بالحق من حكم ... وقد أتانا ببرهان وتنزيل\rفالحمد لله حمداً دائماً أبداً ... مضاعفاً شكره في كل تفصيل\rثم انصرف مرثد إلى امرأته وأخبرها، فآمنت؛ وكان مرثد يكتم إيمانه ويجالس قومه، فإذا سمعهم يذكرون هوداً بسوء يقول: مهلاً يا بني عم فإنه كأحدكم وابن عمكم.\rقال: ثم اجتمعوا في متنزه لهم وملكهم ونصبوا أصنامهم، فأقبل هود عليهم وقال: يا قوم اعبدوا الله فإن هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع. فقال الرؤساء من قومه: \" إنا لنراك في سفاهة وإنا لظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذا جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة \" .\rفنادوه من كل ناحية: يا هود \" أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب \" .\rوكان القوم يشتمونه ويضربونه ويدوسونه تحت أرجلهم حتى يظنوا أنه قد مات، ثم يولون عنه ضاحكين؛ فيقوم غير مكترث بفعلهم، فلما أكثر عليهم \" قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله وأشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً إن ربي على كل شيء حفيظ \" فآمن به من ذلك اليوم رجل يقال له نهيل.\rقال: ولم يزل هود فيهم يحذرهم وينذرهم العذاب سبعين عاماً؛ فلما رأى أنهم لا يؤمنون دعا الله تعالى أن يبتليهم بالقحط، فإن آمنوا وإلا يهلكهم بعذاب لم يهلك به أحد قبلهم ولا بعدهم؛ فاستجاب الله تعالى دعوته، وأمره باعتزالهم بمن معه من المؤمنين، فاعتزلهم فأمسك الله عنهم المطر، وأجدبت الأرض ولم تنبت ومات عامة المواشي؛ فصبروا على ذلك أربع سنين حتى يئسوا من أنفسهم، وهموا أن يؤمنوا؛ فنهاهم الملك عن ذلك وصبرهم؛ فأجمعوا رأيهم أن يبعثوا رجالاً منهم إلى الحرم يستسقون لهم؛ والله الفعال.\rوفد عاد إلى الحرم قال وهب: فجمعوا الهدايا، واختاروا سبعين رجلاً من أشرافهم، وجعلوا لكل عشرة منهم رئيساً، من جملتهم مرثد المؤمن؛ فسار وهو يدعو عليهم؛ فلما أشرفوا على الحرم إذا بهاتف يقول:\rقبح الله قوم عاد وذلوا ... إن عاداً أشر أهل الجحيم","part":3,"page":309},{"id":1310,"text":"سيروا الوفد كي يسقوا غياثاً ... فسيسقون من شراب الحميم\rفدخلوا الحرم والملك يومئذ معاوية بن بكر، وكانوا أخواله، فسألهم عما جاء بهم فأخبروه بخبر هود وبما حل بعاد، وأنهم قد لجأوا إلى الحرم للاستسقاء؛ فأنزلهم معاوية في منزل الضيافة، وأطعمهم وسقاهم شهراً؛ فشغلهم اللهو عن الاستسقاء؛ فبلغ الملك الخلجان ذلك، فبعث إلى معاوية يسأله أن يأمرهم بالاستسقاء، فكره مواجهتهم بذلك فيقولون: \" قد تبرم بضيافتنا \" فدعا بالجرادتين - وهما قينتان لمعاوية - فقال لهما: إذا شرب القوم ودب فيهم الشراب فغنياهم بهذه الأبيات، وهي:\rبأبي من خلق الخل ... ق بني سام وحام\rسادة سادوا جميع ال ... خلق في الخلق التمام\rنصب الدهر عليهم ... حربه دون الأنام\rفسقى الله بني عا ... د من الصوب الغمام\rفأجابهما رجل من الوفد يقال له الجعد بن القيل:\rعللينا زانك الل ... ه بأكواب المدام\rوبماء فامزجيها ... تستريحي من ملام\rفلما لم يكترثوا بالصوت الأول قالت:\rأفلا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يمنحكم غمام\rغماماً صوبها هطل مغيث ... يروى السهل طراً والإكاما\rمن العطش الشديد فليس نرجو ... بها الشيخ الكبير ولا الغلام\rوقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم عياما\rوأن الوحش تأتيهم جهاراً ... ولا تخشى لعادى سهاماً\rوأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما\rفقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما\rأفيقوا أيها الوفد السكارى ... لقومكم فقد أضحوا هياما\rفقد طال المقام على سرور ... ألا يا قيل ويك ذر المداما\rقال: فانتبه الناس وقاموا فاغتسلوا ولبسوا ثياباً جدداً، وكسوا البيت بالكسوة التي حملوها له؛ فجعل ينفضها؛ فقال مرثد: يا قوم، إن رب هذا البيت لا يقبل الهدية إلا من مؤمن، فهل لكم أن تؤمنوا بهود؟ فقالوا: يا مرثد: إن كلامك يدل على إيمانك به، ونحن لا نؤمن به أبداً.\rفأنشأ يقول:\rأرى عاداً تمادى في ضلال ... وقد عدلوا عن الأمر الرشيد\rبما كفرت بربهم جهاراً ... وحادوا رغبة عن دين هود\rفاجتمعوا يستسقون، فقال واحد منهم:\rيا رب عاد اسقين عادا ... إنك حقاً ترحم العبادا\rفاسق البساتين وذي البلادا ... أجواد غيث تتبع العهادا\rوجعل كل واحد منهم يتكلم بما حضره من ذلك. ثم تكلم مرثد بن سعد - وهو المؤمن الذي يكتم إيمانه - وقال: اللهم إنا لم نأتك إلى حرمك إلا لأرض تسقيها، أو أمة تحييها.\rفأوحى الله إلى ملك السحاب أن ينشر لهم ثلاث غمامات: بيضاء وحمراء وسوداء؛ وجعل السوداء مشوبة بغضبه، فارتفعت البيضاء، وتبعتها الحمراء خلفهما السوداء، فارتفعت حتى رأى الوفد جميع الغمامات؛ ففرحوا واستبشروا ثم نودوا: يا قيل، اختر لقومك من هذه السحائب. فنظر فقال: أما البيضاء فإنها جهام لا ماء فيها؛ وأما الحمراء فإنها إعصار ريح. فاختار السوداء. فنودي: يا قيل، اخترت رماداً أرمداً، لا يبقي من قوم عاد أحداً، إلا تراهم في الديار همدا.\rعذاب قوم هود قال: وأوحى الله إلى مالك خازن جهنم أن يقبض على سلاسل السوداء وليكن عليها ألف من الزبانية.\rقال كعب: إن هذه السلسلة غمست في سبعين وادياً من أودية الزمهرير ولولا ذلك لذابت الجبال من حرها.\rفمدت الزبانية السلاسل، وجعلت السحابة ترمي بشرر كالجبال، وخرجت عليهم من واد يقال له: وادي الغيث فنظروا إليها فقال بعضهم لبعض: \" هذا عارض ممطرنا \" قال الله تعالى: \" بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها \"","part":3,"page":310},{"id":1311,"text":"وأخرج القوم أصنامهم ونصبوها على أسرتهم؛ فأمر الله تعالى خازن الريح العقيم أن يفتح بعض أطباقها، فانطلقت ناشرة أجنحتها بعدد قبائل عاد؛ فما عاينوا الملائكة يطوفون حول السحاب تيقنوا العذاب، فأدخلوا النساء والولدان في الحصون وخرجوا ونشروا أعلامهم وأوتروا قسيهم، وأفرغوا السهام بين أيديهم، والرياح ساكنة تنتظر أمر ربها، وهود قائم ينذرهم العذاب، وهم يقولون: ستعلم يا هود من أشد منا قوة وبطشاً. حتى إذا كانت صبيحة الأربعاء، خرجت الريح عليهم في يوم نحس مستمر، فكانت في اليوم الأول شهباء، فلم تترك على وجه الأرض شيئاً إلا نسفته نسفاً؛ وفي اليوم الثاني صفراء، فاقتلعت الأشجار؛ وفي اليوم الثالث حمراء، فدمرت كل شيء مرت عليه؛ فلم يزل يجري في كل يوم لون والنساء ينظرن إلى فعلها بقومهن، فجعلن يقلن شعراً:\rألا قد ذهب الده ... ر بعمرو ذي العليات\rوبالحارث والقمقا ... م طلاع الثنيات\rومن سد مهب الري ... ح في وقت البليات\rواستمرت الريح \" سبع ليال وثمانية أيام حسوماً \" ، أي دائمة، فلما كان في اليوم الثامن اصطفت القوم صفوفاً، كل واحد إلى جنب أخيه، وهم عشرة صفوف فجعل ملكهم الخلجان يشجعهم ويقول:\rما بال عاد اليوم خائفينا؟ ... أمن مهب الريح يجزعونا؟\rلقد خشيت أن يكونوا دونا ... إن البنين تعقب البنينا\rهذا والريح تمزقهم، فكانت تدخل في ثوب الرجل فتحمله في الهواء، ثم ترميه على رأسه ميتاً. قال الله تعالى: \" كأنهم أعجاز نخل منقعر \" فلم يبق منهم إلا الملك أخره الله تعالى ليرى مصارع قومه، وهو يريد الريح بصدره، فجاءت الريح فدخلت من دبره، فمات؛ ثم مرت الريح نحو الوفد، فحملتهم من الأرض إلى الهواء، فألقتهم على وجوههم؛ فماتوا عن آخرهم.\rقال: وهود في حظية بمن معه من المؤمنين لا يصيبهم منها إلا ما تلين له الجلود. قال الله تعالى: \" ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين أمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ \" .\rقال: وارتحل هود ومن معه من أرض عاد إلى الشحر من بلاد اليمن؛ فنزلوا هناك حولين، ثم مات.\rويقال: إنه دفن بأرض حضرموت؛ والله أعلم.\rمرثد ولقمان قال: وخرج من وفد عاد مرثد، ولقمان بن عاد، فدخلا مكة منفردين، فدعوا الله تعالى لأنفسهما؛ فقيل لهما: قد أعطيتما مناكما، فاختارا لأنفسكما، إلا أنه لا سبيل إلى الخلود. فقال مرثد: اللهم أعطني براً وصدقاً. فأعطى ذلك. وقال لقمان: يا رب عمراً. فقيل له: اختر لنفسك بقاء سبع بقرات صفر عفر في جبل وعر، لا يمسهن ذعر، وإن شئت بقاء سبع نوايات من تمر، مستودعات في صخر، لا يمسهن ندى ولا قطر؛ وإن شئت بقاء سبعة أنسر كلما هلك نسر أعقب من بعده نسر. فاختار الأنسر، فكان يأخذ الفرخ منها حين يخرج من بيضته، فإذا مات أخذ غيره، فكان كل نسر يعيش ثمانين سنة، حتى انتهى إلى السابع، فكان آخرها لبد؛ فلما مات لبد مات معه لقمان، وهو لقمان النسور.\rولنصل هذا الباب بخبر \" إرم ذات العماد \" ، وقصة شديد وشداد.\rإرم ذات العماد وقصة شديد وشداد بني عاد قد ذكرنا خبر \" إرم ذات العماد \" فيما تقدم من كتابنا هذا على سبيل الاختصار وذلك في الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الأول في المباني القديمة وهو في السفر الأول من هذه النسخة؛ ورأينا إيراده في هذا الباب بما هو أبسط من ذلك لتعلقه به.\rقال الله تعالى: \" ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد \" .","part":3,"page":311},{"id":1312,"text":"روى أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في كتابه المترجم بيواقيت البيانفي قصص القرآن عن منصور عن سفيان عن أبي وائل أن رجلاً يقال له: عبد الله بن قلابة خرج في طلب إبل له قد شردت، فبينما هو في بعض صحارى عدن في تلك الفلوت، إذا وقف على مدينة عليها حصن، حول ذلك الحصن قصور كثيرة وأعلام طوال؛ فلما دنا منها ظن أن فيها من يسأله عن إبله فلم ير داخلاً فيها ولا خارجاً منها، فنزل عن ناقته وعقلها، وسل سيفه، ودخل من باب الحصن، فإذا هو ببابين عظيمين لم ير في الدنيا أعظم منهما ولا أطيب رائحة وإذا خشبهما من أطيب عود، وعليهما نجوم من ياقوت أصفر وياقوت أحمر ضوءها قد ملأ المكان؛ فلما رأى ذلك عجب، ففتح أحد البابين، فإذا هو بمدينة لم ير الراءون مثلها قط، وإذا هو بقصور تتعلق، تحتها أعمدة من زبرجد ياقوت وفوق كل قصر منها غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعلى كل باب من أبواب تلك القصور مصراع كمصراع باب المدينة من عود طيب، قد نضدت عليه اليواقيت؛ وقد فرشت تلك القصور باللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران ولم ير هنالك أحداً، فأفزعه ذلك، ثم نظر إلى الأزقة فإذا في كل زقاق منها أشجار قد أثمرت، تحتها أنهار تجري، فقال: هذه الجنة التي وصفها الله تعالى لعباده في الدنيا الحمد لله الذي أدخلني الجنة. فحمل من لؤلؤها وبنادق المسك والزعفران ولم يستطع أن يقلع من زبرجدها ولا ياقوتها لأنها كانت مشتبكة في أبوابها وجدرانها وكان اللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران منثورة بمنزلة الرمل في تلك القصور والغرف؛ فأخذ منها ما أراد، وخرج؛ ثم سار يقفو أثر ناقته حتى رجع إلى اليمن، فأظهر ما كان معه، وأعلم الناس بخبره، وباع ذلك اللؤلؤ، وكان قد اصفر وتغير من طول الزمان الذي مر عليه، ففشا خبره وبلغ معاوية، فأرسل رسولاً إلى صاحب صنعاء، وكتب بإشخاصه، فسار حتى قدم على معاوية، فخلا به وسأله عما عاين؛ فقص عليه أمر المدينة وما رأى فيها؛ فاستعظم ذلك، وأنكر ما حدث به، وقال: ما أظن ما يقول حقاً. ثم قال: يا أمير المؤمنين، معي من متاعها الذي هو مفروش في قصورها وغرفها وبيوتها. قال له: ما هو؟ قال: اللؤلؤ والبنادق. فشم البنادق فلم يجد لها ريحاً؛ فأمر ببندقة منها فدقت، فسطع ريحها مسكاً وزعفراناً، فصدقه عند ذلك، ثم قال معاوية: كيف أصنع حتى أسمع باسم هذه المدينة ولمن هي ومن بناها؟ والله ما أعطى أحد مثلما أعطى سليمان بن داود وما أظن أنه كان له مثل هذه المدينة. فقال بعض جلسائه: ما تجد خبر هذه المدينة إلا عند كعب الأحبار فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إليه ويأمر بإشخاصه ويغيب عنه هذا الرجل في موضع ويسمع كلامه منه وحديثه ووصف المدينة حتى يتبين أمر هذه المدينة فعل، فإن كعباً سيخبر أمير المؤمنين بخبرها وأمر هذا الرجل إن كان دخلها، لأن مثل هذه المدينة على هذه الصفة لا يستطيع هذا الرجل دخولها، إلا أن يكون سبق في الكتاب دخوله إياها فيعرف ذلك.\rفأرسل معاوية إلى كعب الأحبار وأحضره ثم قال له: يا أبا إسحاق إني دعوتك لأمر رجوت أن يكون علمه عندك. فقال له: يا أمير المؤمنين على الخبير سقطت فسلني عما بدا لك. فقال له: أخبرنا يا أبا إسحاق، هل بلغك أن في الدنيا مدينة مبنية بالذهب والفضة، عمدها زبرجد وياقوت، وحصا قصورها وغرفها اللؤلؤ، وأنهارها في الأزفة تحت الأشجار؟ قال: والذي نفس كعب بيده لقد ظننت أن سأتوسد يميني قبل أن يسألني أحد عن تلك المدينة وما فيها ولكن أخبرك بها يا أمير المؤمنين ولمن هي، ومن بناها.\rأما المدينة فهي حق على ما بلغ أمير المؤمنين وعلى ما وصفت له.\rوأما صاحبها الذي بناها فشداد بن عاد.\rوأما المدينة فهي إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد.","part":3,"page":312},{"id":1313,"text":"فقال له معاوية: يا أبا إسحاق، حدثنا بحديثها يرحمك الله. فقال كعب: نعم يا أمير المؤمنين، إن عاداً كان له ابنان يسمى أحدهما شديداً والآخر شداداً، فهلك عاد، فبقيا وملكا وتجرا، فقهرا أهل البلاد، وأخذاها عنوة وقسرا، حتى دان لهما جميع الناس، فلم يبق أحد من الناس في زمانهما إلا دخل في طاعتهما، لا في شرق الأرض ولا في غربها، وإنهما لما صفا لهما ذلك وقر قرارهما مات شديد بن عاد، وبقي شداد، فملك وحده، ولم ينازعه أحد ودانت له الدنيا كلها، فكان مولعاً بقراءة الكتب القديمة، وكان كلما مر فيها بذكر الجنة دعته نفسه لتعجل تلك الصفة لنفسه الدنية عتواً على الله وكفراً، فلما وقر ذلك في نفسه أمر بصنعة تلك المدينة التي هي إرم ذات العماد، وأمر على صنعتها مائة قهرمان، مع كل واحد ألف من الأعوان، ثم قال: انطلقوا إلى أطيب فلاة من الأرض وأوسعها، واعملوا فيها مدينة من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد ولؤلؤ، تحت تلك المدينة أعمدة من زبرجد، وعلى المدينة قصور، وفوق القصور غرف، ومن فوق الغرف غرف، واغرسوا تحت القصور غروساً فيها أصناف الثمار كلها، وأجروا فيها الأنهار حتى تكون تحت تلك الأشجار جارية، فإني أسمع في الكتب صفة الجنة، وإني أحب أن أتخذ مثلها في الدنيا، أتعجل سكناها. فقال له قهارمته: كيف لنا بالقدرة على ما وصفت لنا من الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة نبني منها مدينة كما وصفت لنا؟ فقال لهم شداد: ألستم تعلمون أن ملك الدنيا كلها بيدي؟ فقالوا: بلى. قال: انطلقوا إلى كل موضع فيه معدن من معادن الزبرجد والياقوت والذهب والفضة، وكلفوا من كل قوم رجلاً يخرج لكم ما في كل معدن من تلك الأرض؛ ثم انظروا إلى ما في أيدي الناس من ذلك فخذوه، سوى ما يأتيكم به أصحاب المعادن، فإن معادن الدنيا فيها كثير من ذلك فخذوه، سوى ما يأتيكم به أصحاب المعادن، فإن معادن الدنيا فيها كثر من ذلك، وما فيها مما لا تعلمون أكثر وأعظم مما كلفتكم من صنعة هذه المدينة.\rقال: فخرجوا من عنده، وكتب معهم إلى كل ملك من ملوك الدنيا يأمره أن يجمع لهم ما في بلده من الجواهر، ويحفر معادنها؛ فانطلق القهارمة، وبعث الكتب إلى الملوك بأخذ كل ما يجدونه في أيدي الناس عشر سنين من الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة، ويبعثون بذلك إلى فعلة إرم ذات العماد. وخرج الفعلة يطلبون موضعاً كما وصفه لهم شداد.\rفقال معاوية: يا أبا إسحاق، كم كان عدد أولئك الملوك الذين كانوا تحت يد شداد؟ قال: كانوا مائتين وستين ملكاً.\rقال: فخرج عند ذلك الفعلة والقهارمة، فتفرقوا في الصحارى ليجدا ما يوافق غرضه؛ فوقعوا في صحراء عظيمة نقية من الجبال والتلال. وإذا هم بعيون مطردة،؛ فقالوا: هذه صفة الأرض التي أمرنا بها؛ فأخذوا منها بقدر ما أمرهم به من العرض والطول، ثم عمدوا إلى موضع الأزفة فأجروا فيها قنوات الأنهار، ثم وضعوا الأساس من صخور الجزع اليماني، وعجنوا طين ذلك الأساس من دهن البان والمحلب، فلما فرغوا من وضع الأساس بعث بالعمد والذهب والفضة من جهة الملوك؛ فتسلمها الوزراء والقهارمة، وأقاموا حتى فرغوا من بنائها على ما أراد شداد.\rفقال معاوية: يا أبا إسحاق، إني لأحسبهم أقاموا في بنائها زمناً من الدهر. قال: نعم يا أمير المؤمنين. إني لأجد في التوراة مكتوباً أنهم أقاموا في بنائها ثلاثمائة سنة. فقال معاوية: كم كان عمر شداد؟ فقال: سبعمائة سنة، فقال معاوية: لقد أخبرتنا عجباً، فحدثنا، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما سماها الله تعالى إرم ذات العماد التي لمن يخلق مثلها في البلاد، للعمد التي تحتها من الزبرجد والياقوت وليس في الدنيا مدينة من الزبرجد والياقوت غيرها، فلذلك قال الله تعالى: \" لم يخلق مثلها في البلاد \" .\rوقال كعبك: إنهم لما أتوه فأخبروه بفراغهم منها قال: انطلقوا واجعلوا عليها حصناً، واجعلوا حول الحصن ألف قصر، عند كل قصر ألف علم، ويكون في كل قصر وزير من وزرائي، ويكن كل علم عليه ناطور. فرجعوا فعملوا تلك القصور والأعلام والحصن، ثم أتوه فأخبروه بالفراغ مما أمرهم به.","part":3,"page":313},{"id":1314,"text":"قال: فأمر شداد ألف وزير من خاصته أن يهيئوا أسبابهم، ويعولوا على النقلة إلى إرم ذات العماد، وأم رجالاً أن يسكنوا تلك الأعلام ويقيموا فيها ليلهم ونهارهم، وأمر لهم بالعطاء والأرزاق، وأمر من أراد من نسائه وخدمه بالجهاز إلى إرم ذات العماد؛ فأقاموا في جهازهم عشر سنين؛ ثم سار الملك شداد بن عاد بمن أراد، وتخلف من قومه في عدن من أمره بالمقام بها.\rقال: فلما استقل وسار إليها ليسكن فيها، وبلغ منها موضعاً بقي بينه وبين دخوله إليها مسيرة يوم وليلة، بعث الله تعالى عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء، فأهلكتهم جميعاً، ولم يبق منهم أحد، ولم يدخل شداد ولا من كان معه إرم ذات العماد، ولم يقدر أحد منهم على الدخول فيها حتى الساعة.\rفهذه صفة إرم ذات العماد، وأنه سيدخلها رجل من المسلمين في زمانك ويرى ما فيها، فيحدث بما عاين، ولا يسمع منه ولا يصدق. فقال معاوية: يا أبا إسحاق، فهل تصفه لنا؟ قال: نعم، هو رجل أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له ندت في تلك الصحاري فيقع على إرم ذات العماد، فيدخلها ويحمل مما فيها. والرجل جالس عند معاوية. فالتفت كعب فرأى الرجل، فقال: هو هذا يا أمير المؤمنين قد دخلها، فاسأله عما حدثتك به. فقال معاوية: يا أبا إسحاق، إن هذا من خدمي، ولم يفارقني. قال كعب: قد دخلها وإلا سوف يدخلها، وسيدخلها أهل هذا الدين في آخر الزمان. قال معاوية: يا أبا إسحاق، لقد فضلك الله على غيرك من العلماء ولقد أعطيت من علم الأولين والآخرين ما لم يعطه أحد. فقال: والذي نفس كعب بيده، ما خلق الله تعالى في الأرض شيئاً إلا وقد فسره في التوراة لعبده موسى تفسيراً، وإن هذا القرآن أشد وعيداً \" وكفى بالله شهيداً \" والله الهادي للصواب.\rقال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى وقال الشعبي: أخبرنا دغفل الشيباني عن رجل من أهل حضرموت يقال له: بسطام، أنه وقع على حفيرة شداد بن عاد في جبل من جبال حضرموت مطل على البحر.","part":3,"page":314},{"id":1315,"text":"قال: وكنت أسمع من صباي إلى أن اكتهلت بمغارة في جبل من جبالنا بحضرموت وهيبة الناس لدخولها، فلم أحتفل بما كنت أسمع من ذلك، فبينما أنا في نادي قومي إذ تناشدوا حديث تلك المغارة وأطنبوا في ذكرها ووصفوا موضعها؛ فقلت لقومي: إني غير منته حتى أدخلها، فهل فيكم من يساعدني؟ فقال فتى منهم حدث السن: أنا أصاحبك. فقلت: يا بن أخي، أوتجسر على ذلك؟ قال: عندي ما عند أشد رجل من رباطة الجأش وشدة القلب، فهيأنا شمعة وحملنا معنا إداوة عظيمة مملوءة ماء وطعاماً مقدار ما قدرنا على حمله؛ ثم مضينا نحو ذلك الجبل الذي فيه المغارة - وكان مشرفاً على المكان الذي يركب أهل حضرموت منه البحر - فلما انتهينا إلى باب المغارة حزمنا علينا ثيابنا؛ وأشعلنا الشمعة؛ ثم ذكرنا الله تعالى، ودخلنا ومعنا تلك الإداوة وذلك الطعام، فإذا بمغارة عظيمة عرضها عشرون ذراعاً، وطولها إلى درجات عالية عرض الدرجة عشرون ذراعاً في سمك عشر أذرع، فحملنا أنفسنا على نزول تلك الدرجات فقلت لصاحبي: هلم، إلي يديك. فكنت آخذ بيده حتى ينزل، فإذا نزل وقام في الدرجة تعلقت بطرف الدرجة وتسيبت حتى تنال رجلاي منكبيه؛ فلم نزل كذلك وذلك دأبنا عامة يومنا، حتى نزلنا ذلك الدرج وكانت مقدار مائة درجة؛ فأفضينا إلى أزج عظيم محفور في الجبل، في طول مائة ذراع، في عرض أربعين ذراعاً، وسمكه في السماء نحو مائة ذراع، وفي صدره سرير من ذهب مفصص بأصناف الجواهر، وفوقه رجل عظيم الجسم، قد أخذ طول هذا الأزج وعرضه وهو مضطجع على ظهره كهيئة النائم، وعليه سبعون حلة بمقدار طوله وعرضه منسوجة تلك الحال بقضبان الذهب والفضة، وإذا في ذلك الأزج نقب عرضه ذراعان، وارتفاعه ثلاث أذرع، خار إلى فضاء لم ندر ما هو، وإذا على رأس السرير لوح من ذهب، فيه كتاب بالمسند - وهو كتاب عاد كانت تكتبه في زمانها - محفور ذلك الكتاب في اللوح حفراً؛ فقلعناه ودنونا من الرجل فمسسنا تلك الحلل فصارت رميماً، وبقيت قضبان الذهب قائمة، فجمعناها وكانت مقدار مائة رطل، فحملناها في أزرنا، وأردنا قلع شيء من تلك الجواهر المفصص بها السرير، فلم نقدر عليه لوثاقته، فتركناه؛ وهجم علينا الليل، ونحن في ذلك الأزج وعرفنا ذلك بذهاب ذلك الضوء الذي كان يدخل من ذلك النقب، فبتنا ليلتنا في ذلك الأزج، وطفئت الشمعة التي كانت معنا، فلما أصبحنا قلت لصاحبي: ما ترى؟ قال: أما الرجوع من حيث جئنا فلا سبيل إليه، لارتفاع الدرج، وأنا لا نستطيع صعودها، لا سيما والشمعة قد طفئت، ولكن هلم لنلزم هذا الضوء الذي نراه في هذا النقب، فإني أرجو أن يخرج بنا إلى الفضاء إن شاء الله تعالى. فقلت له: لعمري إن هذا لهو الرأي.\rقال: فانطلقنا بما عنا من تلك القضبان من الذهب، وحملناها مع ذلك اللوح الذهب الذي كان عند رأس السرير، ومشينا في ذلك النقب نتبع ذلك الضوء، فلم نزل نمشي فيه في طريق ضيق مقدار مائة ذراع حتى خرجنا منه إلى كهف في ذلك الجبل كهيئة الحائط، وقد حف بذلك الكهف البحر، فجلسنا على باب ذلك النقب ثلاثة أيام نتمون بقية ما كان معنا من الماء والطعام، فلما كان في اليوم الرابع نظرنا إلى مركب قد أقبل في البحر فلوحنا إلى من فيه، فأرسلوا إلينا القارب، فنزلنا من باب ذلك النقب نزولاً شاقاً حتى وثبنا إلى القارب بما معنا، ثم خرجنا من البحر فقسمنا ذلك الذهب بيننا، وصار ذلك اللوح إلي بقسطي.\rقال: ثم إن أنفسنا دعتنا إلى العودة إلى ذلك السرب مما يلي النقب من جهة البحر، فركبنا قارباً وسرنا في البحر نحو المكان الذي كنا فيه، فنزلنا منه، فخفى علينا فعلمنا أنا لم نرزق من ذلك المكان إلا ما أخذناه، فرجعنا.\rقال: ومكث ذلك اللوح عندي حولاً وأنا لا أجد من يقرؤه، حتى أتانا رجل حميري من أهل صنعاء كان يحسن قراءة تلك الكتابة، فأخرجت إليه اللوح فقرأه، فإذا فيه مكتوب هذه الأبيات.\rاعتبر بي أيها المغ ... رور بالعمر المديد\rأنا شداد بن عاد ... صاحب الحصن العتيد\rوأخو القوة والبأ ... ساء والملك الشديد\rوبفضل الملك والعد ... ة فيه والعديد\rدان أهل الأرض طراً ... لي من خوف وعيدي\rوملكت الشرق والغر ... ب بسلطان شديد","part":3,"page":315},{"id":1316,"text":"فأتى هود وكنا ... في ضلال قبل هود\rفدعانا لو قبلنا ... الى الأمر الرشيد\rفعصيناه ونادي ... نا ألا هل من محيد\rفأتتنا صيحة ته ... وي من الأفق البعيد\rفتوافينا كزرع ... وسط بيداء حصيد\rوقد ساق أبو إسحاق الثعلبي أيضاً هذه الأبيات بهذا السند دون القصة في تفسيره الكشف والبيان عن تفسير القرآن وفيها في البيت الرابع بدل قوله.\r... ... ... ... طراً ... لي من خوف وعيدي\rدان أهل الأرض لي من ... خوف وعدي ووعيدي\rقال أبو إسحاق رحمه الله: قال دغفل الشيباني: سألت علماء حمير عن شداد بن عاد، فقلت: إنه أصيب وكان قد دنا من إرم ذات العماد، فكيف وحد شلوه في تلك المغارة وهي بحضرموت؟ فقالوا: إنه لما هلك هو ومن معه بالصيحة، ملك بعده مرثد بن شداد، وقد كان أبوه خلفه على ملكه بحضرموت فأمر بحمل أبيه إلى حضرموت، فحمل مطياً بالصبر والكافور، فأمر أن تحفر له تلك المغارة، واستودعه فيها على ذلك السرير الذهب، والله تعالى أعلم هذا ما أورده رحمه الله من خبر إرم ذات العماد وخبر شديد وشداد بني عاد. وقد ذكر في هذه الأبيات هود النبي عليه السلام في قوله:\rفأتى هود وكنا ... في ضلال قبل هود\rالأبيات الخمسة.\rوقد تقدم في خبر هود وهلاك عاد بالريح العقيم، أن ملكهم القائم بأمرهم في زمن هود كان اسمه الخلجان بن الوهم بن عاد، وأنه هلك بالريح العقيم إثر هلاك قومه، ولم يرد أنه آمن بالله تعالى؛ وهذه الأبيات تدل على ندم قائلها، ومقتضى هذا السياق فيه دلالة على أن شداد بن عاد هذا المذكور آنفاً، وابنه مرثد بن شداد وخبر إرم ذات العماد، كان قبل مبعث هود عليه السلام والله تعالى أعلم.\rولنرجع إلى قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\rالباب السادس من القسم الأول من الفن الخامس\rقصة صالح (ع)\rقال الكسائي: قال كعب: لما أهلك الله عز وجل عاداً، جاءت ثمود وعمرت الأرض، وكانوا بضع عشرة قبيلة، في كل قبيلة زيادة عن سبعين ألفاً سوى النساء والذرية، وكثروا حتى صاروا في عدد عاد وأكثر، وكانوا ذوي بطش وقوة وتجبر وكفر وفساد، وكانت منازلهم ما بين الحجاز إلى الشام، وهي ديار الحجر من وادي القرى، وكان ملكهم جندع بن عمرو بن عاد بن ثمود بن إرم بن سام ابن نوح.\rوقيل في نسبه: إنه جندع بن عمرد بن عمرو بن الدميل بن عاد بن ثمود ابن عائذ بن إرم بن سام، وكانت طائفة ممن آمنت بهود يذكرون له كيف أهلك الله قوم عاد بالريح العقيم، وكيف كانت سيرة هود فيهم؟ فيقول: إنما هلكت عاد لأنها لم تكن تشيد بنيانها: ولا تنصح آلهتها، وكان بنيانهم على الأحقاف التي هي الرمال، ونحن أشد قوة وبناء وبلاداً، ونحن نتخذ الجبال بيوتاً فننحتها في الصخر لئلا يكون للريح عليها سبيل، ونحن نعبد آلهتنا حق العبادة.\rقال كعب: كانت قوة الرجل منهم أن ينحت في الجبل بيتاً طوله مائة ذراع في عرض مثل ذلك، ويضربه بصفائح الحديد، ويغلق باباً من حديد مصمت لا يفتحه إلا القوي منهم، وكانت منازلهم أولاً بأرض كوش في بلاد عالج، فانتقلوا إلى هذه البلاد لكثرة جبالها.","part":3,"page":316},{"id":1317,"text":"قال: ثم اجتمع كبراؤهم إلى ملكهم جندع، وقالوا: نريد أن نتخذ لأنفسنا إلهاً نعبده، لم يكن مثله لقوم عاد ولا قوم نوح. فإذن في ذلك، فنحتوا صنماً من جبل يقال له: الكثيب وجعلوا وجهه كوجه الإنسان، وعنقه وصدره كالبقر ويديه ورجليه كالخيل، وضربوه بصفائح الذهب والفضة، وعقدوا على رأسه تاجاً، ورصعوه بالدر والجوهر؛ فلما كمل خروا له سجداً، وقربوا القربان، وأقبلوا إلى الملك فقالوا له: أخرج إلى هذا الإله الذي أتعبنا أنفسنا في اتخاذه، فخرج الملك إليه في زينته وأصحابه؛ فلما رأوه خروا له سجداً، ثم أمر الملك أن يتخذ له بيت، وأن يسقف بصفائح الذهب والفضة، ويرصع بالجوهر، وتفرش أرضه بالديباج؛ وأمر أن تتخذ لسائر الأصنام بيوت، وأن يتخذ سرير من العاج والابنوس على عرض البيت، قوائمه من الفضة، وأن تعلق قناديل الفضة بسلاسل الذهب وأمر أن يجعل للبيت مصراعان في كل مصرع مائة حلقة من الذهب والفضة ويعلق عليهما ستران، وسماهما ستور العز، ووضع الصنم على ذلك السرير، وسائر الأصنام الصغار على كراسي العاج والآبنوس؛ وأمر أن يندب لخدمة الأصنام رجل من أشراف قومه وأحسنهم وأنسبهم؛ فقالوا: ليس في ثمود أشرف نسباً وأجمل وجهاً من كانوه. فاستدعاه وقربه وتوجه وسوده، وجعله على خدمة الصنم، وقد ازدادوا عتواً وتجبراً وكفراً وفساداً، والله تعالى يزيدهم سعة وخصباً، وهم يرون أن ذلك كله من بركات أصنامهم.\rمولد صالح (ع) قال: فبينما كانوه في بيت الأصنام إذ تحركت نطفة صالح في ظهر، وصار لها نور على عينيه، وسمع هاتفاً يقول: \" جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً \" ألا بعدا وسحقاً لثمود لكفرهم، وهذا صالح بن كانوه يصلح الله به الفساد. ففزع من ذلك، وذهب ليتقدم إلى الصنم الأكبر، فنطق بإذن الله وقال: مالي ومالك يا كانوه، مثلك يخدمني وقد استنارت الأرض بنور وجهك للنور الذي في ظهرك؟! ثم تنكس الصنم عن سريره، فأعاده كانوه وأعوانه إلى السرير، وبلغ الملك ذلك، فاغتم له، فقال له أصحابه: إن هذا لسوء خدمة كانوه فإنه لا يوفى الآلهة حقها في الخدمة. وهموا بقتله، فأخفاه الله تعالى عن عيونهم؛ فلما كان الليل هبط عليه ملك من السماء، فاحتمله وهو نائم، وألقاه في واد على أميال من ديار قومه وهو لا يدري في أي موضع هو، فنظر غاراً في جبل هناك، فدخله ليكنه من حر الشمس ونام، فضرب الله على أذنه مائة سنة، وفقده قومه، ونصبوا لخدمة أصنامهم رجلاً منهم يقال له: داود بن عمرو، فبينما هم كذلك وقد خرجوا في يوم عيد لهم إذا نطقت الأشجار بإذن الله وقالت: يا آل ثمود، ألا تعبدون سواه. ونطقت المواشي كذلك فعمدوا إلى الأشجار فقطعوها، وعقروا المواشي، فنطقت السباع ونادت من رءوس الجبال: ويلكم يا آل ثمود، لا تقطعوا هذه الأشجار وتذبحوا هذه المواشي وقد نطقت بالحق. فخرجوا إلى السباع بالأسلحة وهي تهرب من بين أيديهم وتستغيث بالله وتقول: اللهم طهر أرضك بنبيك صالح، وارفع به الفساد. والقوم يسمعون ذلك ويقولون: قد كفر هؤلاء بآلهتنا.\rقال: وكان لكانوه في ديار قومه امرأة يقال لها: رعوم وهي كثيرة البكاء عليه منذ فقدته؛ فبينما هي ذات ليلة وإذا بغراب نعق، فقامت لتنظر إليه، فرأته على مثال الغراب، ورأسه أبيض، وظهره أخضر، وبطنه أسود وهو أحمر الرجلين والمنقار، وأخضر الجناحين؛ فقالت: أيها الطائر، ما أحسنك! فقال: أنا الغراب الذي بعثت إلى قابيل فأريته كيف يواري سوءة أخيه، وأنا من طيور الجنة، وإني أراك باكية حزينة. فقالت: إني فقدت زوجي منذ مائة عام. فقال: اتبعيني فإني أرشدك إليه. فتبعته، وطويت لها الطريق حتى وقفها على باب الغار، ونادى الطائر: قم يا كانوه، قم بقدرة الله. فقام ودخلت إليه زوجته، فواقعها، فحملت بإذن الله تعالى بصالح. وقبض الله كانوه لوقته؛ وعادت رعوم والغراب يدلها على منزلها؛ فلما انقضت مدة حملها، وضعت في ليلة الجمعة من شهر المحرم، فوقعت هزة شديدة في بلاد تمود لمولده، وخرت الوحوش والسباع ساجدة لله تعالى، وأصبحت الأصنام وقد تنكست؛ فأقبل داود وأخبر الملك بخبرها؛ فجاء بأشراف ورفعوها على مراتبها وأسرتها، وتقدم الملك إلى الصنم الأكبر وقال: ما دهاك؟ فناداهم إبليس منه: قد ولد فيكم غلام يدعوكم إلى دين هود ليس عليكم منه بأس.\rفخرج الملك ومن معه مستبشرين.","part":3,"page":317},{"id":1318,"text":"ونشأ صالح، حتى إذا بلغ سبع سنين أقبل على قومه وهو يقول: يا آل ثمود، تنكرون حسبي ونسبي، أنا فلان بن فلان. فيقولون: إنك من أحسبنا وأنسبنا؟ حتى إذا بلغ عشر سنين إذ أقبل عليهم ملك من أولاد سام، كان يغزوهم في كل سبع سنين مرة فيسلب أموالهم؛ فوثب صالح إلى سيف أبيه وسلاحه وخرج يعدو، وإذا هو بالملك جندع وسادات قومه قد اجتمعوا، وقد انتزع الملك منهم أموالهم، وهم لا يستطيعون دفعه عنها لكثرة جموعه؛ فصاح بهم صالح صيحة أزعجتهم، وهم لا يستطيعون دفعه عنها لكثرة جموعه؛ فصاح بهم صالح صيحة أزعجتهم، وألقى الله الرعب في قلوبهم، واستنقذ منهم جميع ما أخذوه من قومه.\rفعجب جندع وأصحابه منه، وأقبلوا يقبلون صالحاً ويكرمونه؛ فخشي الملك على ملكه أن يعزلوه ويولوا صالح بن كانوه، فهم أن يقتله، ودس إليه جماعة من خواصه فدخلوا منزله، فأيبس الله أيديهم عنه، وأخرس ألسنتهم؛ فعلم الملك أنه معصوم، فبعث يسأله فيهم، فدعاهم، فأطلق الله أيديهم وألسنتهم، وبقي صالح مكرماً معظماً في قومه.\rمبعثه (ع) قال: ولما أتى عليه أربعون سنة بعثه الله عز وجل رسولاً إلى قومه، فجاءه جبريل بالوحي عن الله، وأمره أن يدعوهم إلى قول \" لا إله إلا الله \" والإقرار بأن صالحاً عبده ورسوله، وترك عبادة الأصنام، أعمله بما سيظهر على يديه من العجائب.\rقال: فأقبل صالح إلى قومه في يوم عيد لهم وقد نصبوا أصنامهم واجتمعوا على يمينها وشمالها، والملك جندع مشرف عليهم ينظر إليهم إلى قربانهم، فتقدم حتى وقف على الملك وقال: قد علمت نصحي لك أبداً، وقد جئتك رسولاً أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني صالح رسول الله. فقال مالك له: إن قبائل ثمود لا ترضى أن يكون مثلك رسولاً إليهم، غير أني أنظر فيما تقول، فعد إلي غداً. ثم أصبح الملك ودعا بأشراف قومه، وأخبرهم بخبر صالح؛ فقالوا: أحضره حتى نسمع ما يقول. فأحضره فقال: \" يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب \" فقال له نفر منهم: \" يا صالح قد كنت فينا مرجواً قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك ما تدعونا إليه مريب، قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير \" فقال له الملك: كيف خصك ربك بالرسالة من بيننا، ورفعك علينا وفي قبائل ثمود من هو أعز منك؟ فقال: \" ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء \" ثم قال: يا قم اتقوا الله وأطيعون، \" وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على ربي العالمين، أتتركون فيما هاهنا آمنين، في جنات وعيون، وزروع ونخل طلعها هضيم \" ، أي لين \" وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين \" أي حاذقين \" فاتقوا الله وأطيعون، ولا تطيعوا أمر المسرفين، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، قالوا إنما أنت من المسحرين، ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين \" .\rقال: فأقبل الملك عليهم وقال: قد عرفتم صالحاً في حسبه ونسبه، وأنا رجل منكم، فما تقولون؟ وما عندكم من الرأي في أمره؟ قالوا: أيها الملك \" ءألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر \" قال الله تعالى: \" سيعلمون غداً من الكذاب الأشر \" .\rقال: فآمن به منهم جماعة، وخرج صالح من عند الملك، فأمره الله تعالى أن يبني مسجداً لنفسه ولمن معه من المؤمنين، فأعانته الملائكة على بنائه؛ فلما كمل جاءه جبريل بشجرة فغرسها على باب المسجد، واتبع الله له عيناً من الماء العذب.\rوكان صالح يخرج في كل يوم إلى قبيلة من قومه يدعوهم إلى عبادة الله تعالى ويعظهم بأيام عاد وما حل بهم فيقول: \" الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه \" فكان المستضعفون يقولون: \" إنا بما أرسل به مؤمنون \" والمتكبرون يقولون: \" إنا بالذي آمنتم به كافرون \" .\rولم يزل صالح يدعوهم حتى استكمل سبعين عاماً؛ ثم أعقم الله نساءهم وجفت أشجارهم فلم تثمر، ولم تضع لهم بقرة ولا شاة.","part":3,"page":318},{"id":1319,"text":"ثم لم يزل يدعوهم حتى استكمل مائة سنة وهم لا يزدادون إلا كفراً، فلما أيس منهم خرج يريد أن يدعو عليهم بالهلاك، وقال لقومه: لا تبرحوا حتى أعود إليكم. وقصد جبلاً فطاف به حتى أمسى، فنظر إلى عين ماء، فتقدم وتوضأ وقام ليصلي ويدعو على قومه، فرأى في الجبل كهفاً، فدخله فرأى فيه سريراً من الذهب، عليه فرش الحرير، وفي وسط الكهف قنديل؛ فعجب من ذلك، وصعد على السري، فضرب الله على أذنه فنام أربعين سنة؛ وأخذ قومه في العبادة؛ فكان يموت منهم الواحد بعد الواحد، فيدفن إلى جانب المسجد، ويكتب على قبره: \" هذا فلان بن فلان \" .\rقال: ثم بعث الله عز وجل صاحاً من نومته، فخرج من الكهف وتوضأ وصلى ركعتين، وأراد أن يدعوا على قومه؛ فقيل له: لا تعجل عليهم، فإن عجلت غيبتك عن قومك أربعين سنة.\rفعاد إلى قومه، وإذا برسوم وآثار لا يعرفها، وأشرف على مسجده وهو خراب ليس فيه إلا الملائكة يحفظونه من فساق أهل ثمود؛ فقال: إلهي ما فعل أهل هذا المسجد؟ فنادته الملائكة: مات بعضهم ورجع الباقون إلى دينهم الأول لما أيسوا منك.\rثم أمره الله تعالى أن يأتي قومه ويدعوهم إلى عبادة الله والكف عن عبادة الأصنام، فأقبل وهم مجتمعون في يوم عيدهم ومعهم ملكهم، فناداهم: قولوا \" لا إله إلا الله وإني صالح رسول الله \" يا قوم إني أرسلت إليكم مرة وهذه أخرى.\rفتحيروا وتساقطت أصنامهم، ونطقت الدواب: جاء الحق من ربنا. قال له الملك: من أنت؟ قال: أنا صالح. قال: أليس قد بقي صالح فينا طويلاً وغاب عنا منذ مدة طويلة؟ ما أنت إلا ساحر جئتنا بعده، وهم بقتله.\rوكان للملك ابن عم يقال له: هذيل، فقال: يا صالح، لا نحتاج إلى نصحك فانصرف عنا، فقال: يا هذا أما إنك ميت في يومك هذا أنت وأهلك وولدك في وقت كذا و كذا، وفي غد يموت أبوك وأمك، فبادر إلى الإيمان، فإن آمنت أحياك الله وجعلك حجة على قبائلي ثمود.\rفانصرف الرجل وهم ينظرون إلى الوقت الذي ذكره صالح؛ فلما جاء الوقت مات الرجل وأهله وولده، وانتشر الخبر في قبائل ثمود، ومات أبوه وأمه من الغد؛ فعجب الناس وجزعوا، وخاف الملك.\rوأقبل صالح فقال: يا آل ثمود، كيف كان هذا الميت عندكم؟ قالوا: خير رجل حتى مات. قال: فإن أحياه الله بدعائي، أتؤمنون بي وبإلهي وتبرأون من أصنامكم؟ قالوا: نعم. فجاء صالح إلى الميت فدعا ربه، ثم ناداه باسمه فقال: لبيك يا نبي الله، وقام وهو يقول: \" لا إله إلا الله صالح عبد الله ورسوله \" .\rفلما علين قومه ذلك ازدادوا كفراً، ودخلوا على صنمهم وشكوا ما يلقونه من صالح، فنطق إبليس من جوفه وقال: انصرفوا إلى ما أنتم عليه؛ وإذا رأيتم صالحاً فقولوا: ائتنا ببرهان كما أتى به هود ونوح.\rفخرجوا مسرورين حتى أتوا صالحاً، فقال لهم: قد رأيتم وسمعتم كلام الوحش والطير وإحياء الموتى وغير ذلك من الآيات ما فيه كفاية، فأي آية تريدون؟ قالوا: نخرج نحن وأنت إلى هذا الوادي، وندعو وتدعو، وننظر أي الدعوتين تستجاب؛ وتواعدوا إلى يوم عيدهم.\rفلما كان في ذلك اليوم اجتمعوا وخرجوا بأصنامهم وزينتهم؛ وأقبل صالح يخترق صفوفهم؛ حتى وقف أمام ملكهم، ودعاهم إلى الإيمان بالله. قالوا: أرنا آية. قال: ما تريدون؟ قالوا: اخرج لنا ناقة من هذه الصخرة ونؤمن بك ونعلم أنك صادق. قال: إن ذلك هين على ربي، ولكن صفوها لي.\rفأقبل القوم يصف كل منهم صفة حتى أكثروا. فقال الملك: إن هؤلاء قد أكثروا وأنا أصفها بما في قلبي: تكون ناقة ذات فرث ودم ولحم وعظم وعصب وعروق وجلد وشعر يخالطه وبر، وتكون شكلاء شقراء هيفاء، ولها ضرع كأكبر ما يكون من القلال، يدر من غير أن يستدر، يشخب لبناً غزيراً صافياً، ويكون لها فصيل يتبعها على مثالها، فإذا رغت أجابها بمثل رغائها، ويكون حنينها الإخلاص لربك بالتوحيد، والإقرار لك بالنبوة، فإن أخرجتها على هذه الصفة آمنا.","part":3,"page":319},{"id":1320,"text":"فأوحى الله إليه: أن أعطهم ما سألوا. فقال لقومه: إن الله قد شفعني في حاجتكم، فإن أخرجتها تؤمنون؟ قالوا: نعم، على شرط أن يكون لبنها ألذ من الخمر وأحلى من العسل. قال: إن أخرجها ربي تؤمنون؟ قالوا: نعم على شرط أن يكون لبنها في الصيف بارداً، وفي الشتاء حاراً، لا يشربه مريض إلا برئ، ولا فقير إلا استغنى. قال: إن أخرجها ربي أتؤمنون؟ قالوا: نعم، على شرط ألا ترعى من مراعيا، بل في رءوس الجبال وبطون الأودية، وتذر ما على الأرض لمواشينا. قال: إن أخرجها ربي أتؤمنون؟ قالوا: نعم، على شرط أن يكون الماء لنا يوماً ولها يوماً، ولا يفوتنا اللبن، وتدخل علينا بالعشيات في بيوتنا وتسمى كل واحد منا باسمه، وتنادي: \" ألا من أراد اللبن \" ؟ فيخرج ويضع ما يريد تحت ضرعها، فيمثل لبناً من غير احتلاب، قال أتؤمنون حقيقة؟ قالوا: نعم. قال صالح: قد شرطتم شرائط كثيرة، وأنا أشترط عليكم: لا يركبها أحد منكم، ولا يرميها بحجر ولا سهم، ولا يمنعها من شربها ولا فصيلها.\rقالوا: هذا لك يا صالح. فأخذ عليهم المواثيق.\rخروج الناقة قال: فلما انتهت شروطهم وشروطه، وأخذ عليهم المواثيق، قام وصلى ركعتين، ودعا، فاضطربت الصخرة وتمخضت، وتفجر من أصولها الماء، والقوم ينظرون، وسمعوا دوياً كدوي الرعد، فرفعوا رءوسهم، فإذا بقبة تنقض من الهواء فانحدرت على الصخرة وحولها الملائكة؛ ثم تقدم صالح إلى الصخرة فضربها بقضيب كان بيده، فاضطربت وتشامخت صعداً، ثم تطامنت إلى موضعا، ثم خرج رأس ووثبت من جوفها على الصفة كأنها قطعة جبلن فوقفت بين يدي الملك وقومه وهي أحسن مما وصفوا، وهي تنادي: \" لا إله إلا الله صالح رسول الله \" .\rثم مر جبريل على بطنها بحربة، فخرج فصيلها على لونها.\rثم نادت: \" أنا ناقة ربي، فسبحان من خلقني وجعلني آية من آياته الكبرى \" .\rفلما رأى الملك ذلك قام عن سريره وقبل رأس صالح، وقال: يا معشر قبائل ثمود، لا عمى بعد الهدى، أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن صالحاً رسول الله.\rوآمن معه في ذلك اليوم خلق كثير من أهل مملكته وغيرهم، فلما رأى داود خادم الأصنام ذلك نادى بصوت رفيع: يا آل ثمود، ما أسرع ما صبوتم إلى هذا الساحر، إن كانت الناقة قد أعجبتكم فهلموا إلى آلهتكم فسلوها حتى تخرج لكم أحسن منها.\rفوقفوا عن الإيمان. وعمدوا إلى شهاب أخ الملك، فملكوه عليهم، ودخل جندع المدينة فكسر الصنم الذي كان يعبده، وفرق أمواله على المؤمنين، ولبس الصوف، وعبد الله حق عبادته، وكانت الناقة تتبع صالحاً كاتباع الفصيل لأمه، فلما كان بعد ذلك أقبلت ثمود على صالح، وقالوا: إن لم نمس الناقة بسوء يصرف ربك عنا عذابه؟ قال: نعم، إلى منتهى آجالكم، وكانت الناقة تخرج وفصيلها خلقها، فتصعد إلى رءوس الجبال، ولا تمر بشجرة إلا التفت عليها أغصانها فتأكل أطايب أوراقها؛ ثم تهبط إلى الأودية فترعى هناك، فإذا أمست تدخل المدينة وتطوف على دور أهلها، وتنادي بلسان فصيح: ألا من أراد منكم اللبن فليخرج. فيخرجون بآنيتهم، فيضعونها تحت ضرعها، واللبن يشخب حتى تمتلئ الآنية، فإذا اكنفوا عادت إلى المسجد، وتسبح الله حتى تصبح، ثم تخرج إلى المرعى وهذا دأبها.\rقال: وكان للقوم بئر يشربون منها ليس لهم سواها، فإذا كان يوم الناقة تأتى وتدلى رأسها فتشربه وتقول: \" الحمد لله الذي سقاني من فضل مائه، وجعلني حجة على آل ثمود \" .\rوكانت تمج من فيها إلى فم الفصيل حتى يروى؛ فإذا كان يوم القوم أتوا البئر ونزحوا ما فيها؛ وكانت الناقة تقول إذا أصبحت: إلهي كل من شرب من لبني وآمن بك وبرسولك فزده إيماناً ويقيناً، ومن لم يؤمن بك وبرسولك فاجعل ما يشرب من لبني في بطنه داء لا دواء إنك على كل شيء قدير.\rعقر الناقة وهلاك ثمود","part":3,"page":320},{"id":1321,"text":"قال: فلما كانت تدعو بذلك صار القوم إذا شربوا لبنها اعترتهم الحكة في أبدانهم، فاجتمعوا وقالوا: ليس لنا في هذه من خير؛ وأجمعوا على عقرها، وكانت فيهم امرأة يقال لها: عنيزة بنت غنم بن مجلز، تكنى أم غنم، وهي من بنات عبيد بن المهل، وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو، وهي عجوز مسنة، ولها أموال ومواش، ولها أربع بنات من أجمل النساء، وبجوارها امرأة يقال لها: صدوف بنت المحيا بن فهر، ولها أيضاً مواش كثيرة؛ فدعتا قومهما إلى عقر الناقة، فلم يجيبوهما إلى ذلك، فبينما صدوف كذلك إذ مر بها رجل يقال له الحباب وكان مولعاً بالنساء فعرضت نفسها عليه على أن يعقر الناقة، فامتنع، فقالت له: لقد جبن قلبك، وقصرت يدك، وتركته؛ وأقبلت على ابن عم لها يقال له: مصدع فكشفت عن وجهها، وعرضت نفسها عليه على أن يصدقها عقر الناقة؛ فأجاب. وأقبلت صدوف إلى عنيزة فأخبرتها بذلكن ففرحت به. قالت: إلا أنه منفرد، ولكن قومي إلى عزيز ثمود قدار، فإنه شاب لم يتزوج، فاعرضي عليه بناتك لعله يفعل، ففعلت عنيزة ذلك، وزينت بناتها، وأقبلت بهن إلى قدار، وكان أقبح رجل في ثمود، وكان في عينيه زرقة، وكأنهما عدستان، وأنفه أفطس ولحيته بطوله، غير أنه كان يمر بالشجرة العظيمة فينطحها برأسه فيكسرها؛ فلما رأته عنيزة رجعت ببناتها إلى صدوف، وقالت: من تطيب نفسه أن يزوج مثل هؤلاء من هذا؟ فلم تزل بها حتى رجعت بهن إليه، وعرضهن عليه؛ فاختار منهن الرباب، وأجاب إلى عقر الناقة، واجتمع إليه مصدع وأخوه ورعين وداود خادم الأصنام وريان ولبيد والمصرد وهزيل ومفرج فهؤلاء التسعة الذين ذكرهم الله في كتابه، قال الله تعالى: \" وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون \" .\rفطافوا بأجمعهم على قبائل ثمود وأعلموهم بما أجمعوا عليه من عقر الناقة، فرضي بذلك كبيرهم وصغيرهم، واجتمع هؤلاء التسعة بسيوفهم وقسيهم، وذلك في يوم الأربعاء، وقعدوا ينتظرون الناقة، فأقبلت حتى قربت من البئر؛ فنادت عنيزة: يا قدار، اليوم يومك، فأنت السيد في قومك. قال الله: \" فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر \" .\rقال: فشد قدار قوسه ورماها بسهم فأصاب لبتها، وهو أول من رماها، ثم مصدع، وأقبلوا عليها بالسيوف فقطعوها، وأنذبت فصيلها، فهرب إلى رأس جبل، ودعا باللعنة على ثمود، فاتبعه القوم وعقروه، وتقاسموا لحمه.\rوحكى الثعلبي في كتابه المترجم بيواقيت البيان في قصص القرآن: أن الفصيل لما عقت الناقة أتى جبلاً منيعاً يقال له: صور. وقيل: اسمه فاره؛ وأن صالحاً لما بلغه عقر الناقة أقبل إلى قومه، فخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه ويقولون: إنما عقرها فلان وفلان، ولا ذنب لنا.\rفقال لهم صالح: انظروا، هل تدركون فصيلها؟ فعسى أن تدركوه فيرفع عنكم العذاب، فخرجوا يطلبونه، فلما رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله تعالى إلى الجبل أن يتطاول؛ فتطاول في السماء حتى ما يناله الطير؛ وجاء صالح، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه؛ ثم دعا ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب.\rترجع إلى رواية الكسائي، قال: وصاح قدار بأصحابه: هلموا. فقدموا فأمرهم أن يقطعوا لحم الناقة، فقطعوا وطبخوا وقعدوا للأكل والشرب، وصالح لا يعلم بذلك، فنادته الوحوش: يا صالح، هتكت ثمود حرمة ربها، وتعدوا أمره. فأقبل بالمؤمنين من قومه، فلما رآها بكى وقال: إلهي أسألك أن تنزل على ثمود عذاباً من عندك.\rفأوحى الله إليه: أن أنذر قومك بالعذاب. فبشرهم بعذاب الله. فقالوا له: افعل ما بدا لك، فقد عقرناها، وقد أنذرت بالعذاب منذ بعيد وما نرى له أثراً. فقال لهم: \" تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب \" . وبات القوم ليلتهم، فلما أصبحوا تفجرت آثار وطء الناقة بعيون الدم، وظهرت الصفرة في ألوانهم؛ فقالوا: يا صالح، ما هذا التغير في ألواننا وبلادنا؟ قال: غضب ربكم عليكم. فأجمعوا على قتله، وقالوا: إذا قتلناه امتنع عنا سحره ولا تمكنه الإساءة إلينا. فتقدم التسعة لقتله عند ما أقبل الليل، فوقف لهم جبريل ورمى كل واحد منهم بحجر فقتله.","part":3,"page":321},{"id":1322,"text":"فلما كان من الغد نظرت ثمود إليهم وقد قتلوا، فقالوا: هذا من فعل صالح فعزموا على الهجوم عليه وقتله، فأمره الله تعالى بالخروج من المسجد، فجاءوا ليقتلوه فما رأوه، وأصبحوا في اليوم الثاني وقد احمرت وجوههم، وفي اليوم الثالث اسودت، فأيقنوا بعذاب الله، وحفروا لأنفسهم حفائر، ولأهليهم وأولادهم ولبسوا الأنطاع، وجلسوا في الحفائر ينتظرون العذاب، وصالح يخوفهم وينذرهم عذاب الله وهم لا يبالون به.\rفلما كان في اليوم الرابع وهو صبيحة الأحد أرسل الله تعالى جبريل فنشر جناح غضبه، وأتاهم بشرارة من نار لظى، وجعل يرميهم منها بجمر متوهج كأمثال الجبال، وثمود باركة في حفائرها.\rوأخذ جبريل بتخوم الأرض، فزلزلت بيوتهم وقصورهم، ثم نشر جناح غضبه على ديار ثمود، وصاح صيحة، فكانوا كما قال الله تعالى: \" فكانوا كهشيم المحتظر \" .\rثم أقبلت سحابة سوداء على ديارهم، فرمتهم بوهج الحريق سبعة أيام حتى صاروا رماداً.\rفلما كان في اليوم الثامن انجلت السحابة وطلعت الشمس، وجاء صالح بمن معه من المؤمنين، فطاف بديارهم، واحتملوا ما قدروا عليه من أموالهم وارتحل بقومه إلى أرض الشام، فنزل بأرض فلسطين، وأقام عليه السلام حتى مات.\rالباب السابع من القسم الأول من الفن الخامس\rأصحاب البئر\rالمعطلة والقصر المشيد وما كان من أمرهم وهلاكهم\rقال الكسائي: قال كعب: لما قبض الله تعالى نبيه صالحاً عليه السلام بأرض فلسطين، خرج أصحابه إلى بلاد اليمن فتفرقوا فرقتين: فنزلت إحداهما بأرض عدن، وهم أصحاب البئر المعطلة، والثانية صارت إلى حضرموت والقصر المشيد وهو قبل البئر، والذي بناه رجل يقال له: جند بن عاد، وذلك لأنه رأى ما نزل بقوم هود من الريح، فعزم على بناء قصر مشيد، فبالغ في تشييده، وانتقل إليه، وكان له قوة عظيمة، فكان يقتلع الشجرة، ويمر بيده في الجبل فيخرقه وكان مولعاً بالنساء، فتزوج زيادة عن سبعمائة امرأة، ورزق من كل امرأة ذكراً وأنثى؛ فلما كثر ولده وقومه طغى في الأرض وتجبر، وكان يقعد في أعلى قصره مع نسائه فلا يمر به أحد إلا أمر بقتله؛ فلما كثر فساده أهلكه الله بصيحة جبريل جاءته من قبل السماء فأهلكته هو وأولاده وقومه.\rقال الكسائي: ولا يجسر أحد أن يدخل إلى القصر مما نزل بسكانه.\rقال: ويقال: إن فيه حية عظيمة، وإنه يسمع من داخله أنين كأنين المريض. وأما البئر المعطلة فهي بأرض عدن، وكان أهلها على دين صالح، وكان المطر ينقطع عنهم في بعض الأوقات حتى يبلغ بهم الجهد، فيحملون الماء من بلد بعيد، فأعطاهم الله تعالى هذه البئر على ألا يشركوا به شيئاً، ويعبدوه حق عبادته وكانوا معجبين بها، قد بنوها بألوان الصخور، وبنوا حولها حياضاً بعدد قبائلهم؛ وكان لهم ملك يسوسهم، فلما مات حزنوا عليه حزناً عظيماً؛ فأقبل عليهم إبليس وقال: ما بالكم الحزن؟ قالوا: كيف لا نكون كذلك وقد فقدنا ملكنا مع إحسانه إلينا. قال: إنه لم يمت، ولكنه احتجب عنكم لغضبه عليكم، ولكونكم لم تعبدوه.\rوانطلق إبليس فاتخذ لهم صنماً على صورة الملك، ونصبه على سريره، وقال: هلموا إلى الملك فاسمعوا كلامه.\rفأقبلوا حتى وقفوا من وراء الستر، ووقف إبليس في جوف الصنم شيطاناً يكلمهم بلغة لا ينكرون أنها لغة الملك، ثم قال إبليس: استمعوا. فكلمهم الشيطان من الصنم وقال: يا آل ثمود، مالي أراكم تبكون؟ قالوا: لفقدك. قال: قد كذبتم، لو كنتم تحبوني كما تقولون كنتم عبدتموني، وقد كنت فيكم أربعمائة سنة ما فيكم من سجد لي سجدة واحدة، والآن فقد ألبسني ربي ثوب الألوهية، فصيرني فيكم لا آكل ولا أشرب ولا أنام، وأخبركم بالغيوب، فاعبدوني وسموني رباً، فإني أقربكم إلى ربي زلفى.\rقالوا: يأيها الملك، فلو رأينا وجهك. فرفع إبليس الحجاب حتى رأوه فلم ينكروا من صفاته شيئاً، فخروا له سجداً، واتخذوه رباً، وكان فيهم رجل من خيار قوم صالح اسمه حنظلة بن صفوان، ففارقهم ولحق بالحرم، وعبد الله حيناً فرأى في منامه قائلاً يقول له: قد أمرك ربك أن تصير إلى قومك وتحذرهم عذابه إن لم يرجعوا عن عبادة الأصنام، وتذكرهم العهود في البئر، وإن لم يؤمنوا غار ماء البئر حتى يموتوا عطشاً.","part":3,"page":322},{"id":1323,"text":"فانتبه وخرج من ساعته حتى أتى قومه، فأنذرهم ووعظهم، فهموا بقتله فعطل الله تعالى بئرهم حتى لم يجدوا فيها قطرة، فأتوا إلى صنمهم فلم يكلمهم، وأنتهم صيحة من السماء فهلكوا عن آخرهم.\rويقال: إن سليمان صفد شياطين وحبسهم بهذه البئر؛ والله أعلم.\rالباب الثامن من القسم الأول من الفن الخامس\rأصحاب الرس\rوما كان من أمرهم\rقال الكسائي: قال كعب: إن أصحاب الرس كانوا بحضرموت، وكانوا كثيراً، فبنوا هناك مدينة كانت أربعين ميلاً في مثل ذلك، فاحتفروا لها القنوات من تحت الأرض، وسموها رساً، وكان ذلك أيضاً اسم ملكهم، فأقاموا في بلدهم دهراً طويلاً يعبدون الله تعالى حق عبادته؛ ثم تغيروا عن ذلك وعبدوا الأصنام وكان مما أحدثوه إتيان النساء في أدبارهن والمبادلة بهن، فكان كل منهم يبعث بامرأته إلى الآخر، فشق ذلك على النساء، فأتاهن إبليس في صورة امرأة وعلمهن السحاق ففعلنه، وهم أول من أتى النساء في أدبارهن وساحق؛ فاشتهرت هذه القبائح فيهم.\rفبعث الله إليهم رسولاً اسمه حنظلة، وقيل: خالد بن سنان. وقيل: ابن صفوان. فدعاهم إلى طاعة الله، ونهاهم عن عبادة الأصنام وفعل القبائح وحذرهم وذكرهم ما حل بمن قبلهم من الأمم، فكذبوه، فوعظهم دهراً طويلاً وهم لا يرجعون، فضربهم الله بالقحط، فقتلوا نبيهم وأحرقوه بالنار؛ فصاح بهم جبريل صيحة فصاروا حجارة سوداً، وخسفت مدينتهم.\rوقيل: إن هذه المدينة لم يرها إلا ذو القرنين، وإنه رآهم حجارة، ورأى النساء ملتصقات بعضهن ببعض، ورأى الملوك على الأسرة وبين أيديهم الجنود قائمة، بأيديهم الأعمدة والأسلحة، وقد صاروا كلهم حجارة سوداً.\rهذا ما حكاه الكسائي.\rوقال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله قال سعيد بن جبير والكلبي والخليل بن أحمد دخل كلام بعضهم في بعض، وكل قد أخبر بطائفة من حديث أصحاب الرس: أنهم بقية ثمود وقوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكرها الله تعالى في كتابه \" وبئر معطلة \" .\rقال: وكانوا يفلج اليمامة نزولاً على تلك البئر.\rوكل ركية لم تطو بالحجارة والآجر فهي رس؛ وكان لهم نبي يقال له: حنظلة ابن صفوان. وكان بأرضهم جبل يقال له: فلج مصعد في السماء ميلاً وكانت العنقاء تأتيه، وهي أعظم ما يكون من الطير، وفيها من كل لون، وسموها العنقاء لطول عنقها، وكانت تكون في ذلك الجبل وتنقض على الطير فتأكلها فجاءت ذات يوم وأعوزها الطير، فانقضت على صبي فذهبت به، فسميت عنقاء مغرب، لأنها تغرب ما تأخذه وتذهب به، ثم انقضت على جارية حين ترعرعت فأخذتها فضمتها إلى جناحين لها صغيرين سوى الجناحين الكبيرين، فشكوا ذلك إلى نبيهم؛ فقال: اللهم خذها واقطع نسلها، وسلط عليها آفة تذهب بها. فأصابتها صاعقة فاحترقت، فمل ير لها أثر بعد ذلك.\rقال: ثم إن أصحاب الرس قتلوا نبيهم، فأهلكهم الله تعالى.\rقال الثعلبي: وقال بعض العلماء: بلغني أنه كان رسان: أما أحدهما فكان أهله أهل بذر وعمود، وأصحاب غنم ومواش، فبعث الله إليهم نبيناً فقتلوه، ثم بعث الله رسولاً آخر وعضده بولي، فقتلوا الرسول، وجاهدهم الولي حتى أفحمهم؛ وكانوا يقولون: إلهنا في البحر. وكان على شفير البحر؛ وكان يخرج إليهم من البحر شيطان في كل شهر خرجة فيذبحون عنده، ويتخذون ذلك اليوم عيداً، فقال لهم الولي: أرأيتم إن خرج إلهكم الذي تدعونه وتعبدونه إلي وأطاعني أتجيبوني إلى ما دعوتكم إليه؟ قالوا: بلى. وأعطوه على ذاك العهود والمواثيق، فانتظر حتى خرج ذلك الشيطان على صورة حوت راكباً على أربعة أحوات، وله عنق منقلب، وعلى رأسه مثل التاج؛ فلما نظروا إليه خروا سجداً، وخرج الولي إليه وقال: ائتني طوعاً أو كرهاً باسم الله الكريم.\rفنزل عند ذلك عن أخواته، فقال له الولي: ائتني راكباً لئلا يكون القوم في شك. فأتى الحوت وأتت به الحيتان حتى أفضوا إلى البر يجرونه ويجرهم، ثم كذبوه بعد ما رأوا ذلك، ونقضوا العهود، فأرسل الله تعالى عليهم ريحاً تقذفهم في البحر ومواشيهم وما كانوا يملكون من ذهب وفضة وآنية؛ فأتى الولي الصالح إلى البحر حتى أخذ التبر والفضة والأواني، فقسمها على أصحابه بالسوية على الصغير والكبير، وانقطع ذلك النسل.","part":3,"page":323},{"id":1324,"text":"وأما الرس الآخر فهم قوم كان لهم نهر يدعى الرس، وذلك النهر بمنقطع أذربيجان، بينهما رس أرمينة، فإذا قطعنه مدبراً دخلت في حد أرمينية وإذا قطعته مقبلاً دخلت في حد أذربيجان، وكان من حولهم من أهل أرمينية يعبدون الأوثان، ومن قدامهم من أهل أذربيجان يعبدون النيران، وكانوا هم يعبدون الجواري العذارى، فإذا تمت لإحداهن ثلاثون سنة قتلوها واستبدلوا غيرها. وكان عرض نهرهم ثلاثة فراسخ، وكان يرتفع في كل يوم وليلة حتى يبلغ أنصاف الجبال التي حوله، ولا ينصب في بر ولا بحر، وإذا خرج من حدهم يقف ويدور ثم يرجع إليهم فبعث الله إليهم ثلاثين نبياً في شهر واحد، فقتلوهم جميعاً فبعث الله إليهم نبياً وأيده بنصره، وبعث معه ولياً، فجاهدهم في الله حق جهاده.\rثم بعث الله تعالى ميكائيل حين نابذوه - وكان ذلك في أول وقوع الحب في الزرع، وكانوا إذ ذاك من أحوج ما يكون إلى الماء - فبحر نهرهم في البحر فانصب ما في أسفله، وأما عيونه من فوق فسدها، ثم بعث الله تعالى خمسمائة ألف ملك من الملائكة أعواناً له، ففرغوا ما بقي في نهرهم.\rثم أمر الله تعالى جبريل فنزل فلم يدع في أرضهم عيناً ولا نهراً إلا أيبسه بإذن الله تعالى.\rوأمر ملك الموت فانطلق إلى المواشي فأماتها في ربضة واحدة.\rوأمر الرياح الأربع: الجنوب والشمال والدبور والصبا فضمت ما كان لهم من متاع، وألقى الله تعالى عليهم السبات.\rثم خفقت الرياح الأربع بذلك المتاع أجمع فشتته في رءوس الجبال وبطون الأودية.\rوأم الله الأرض فابتلعت ما كان لهم من حلي وتبر وآنية؛ فأصبحوا لا ماشية عندهم ولا بقر ولا مال يرجعون إليه ولا ماء يشربون ولا طعام يأكلون، فآمن بالله تعلى عند ذلك قليل منهم، وهداهم الله تعالى إلى غار في الجبل له طريق إلى خلفه، فنجوا، وكانوا أحدا وعشرين رجلاً وأربع نسوة وصبيين، وكان عدة الباقين من الرجال والنساء والذراري ستمائة ألف، فماتوا عطشاً وجوعاً، ولم تبق منهم باقية.\rثم عاد القوم إلى منازلهم فوجدوها قد صار أعلاها أسفلها، فدعا القوم عند ذلك مخلصين أن يحييهم الله تعالى بماء وزرع وماشية، وأن يجعل ذلك قليلاً لئلا يطغوا. فأجابهم الله تعالى إلى ذلك، وأطلق لهم نهرهم، وزادهم على ما سألوه.\rفأقام أولئك القوم على طاعة الله تعالى باطناً وظاهراً حتى مضوا وانقرضوا؛ فحدث من بعدهم من نسلهم قوم أطاعوا الله تعالى في الظاهر، ونافقوا في الباطن؛ وأملى الله تعالى لهم، ثم بعث الله عليهم عدوهم ممن قاربهم وخالفهم، فأسرع فيهم القتل، وبقيت منهم شرذمة، فسلط الله عليها الطاعون، فلم يبق منهم باقية وبقي نهرهم ومنازلهم مائتي عام لا يسكنها أحد.\rثم أتى الله بعد ذلك بقرن فنزلوها وكانوا صالحين سنين، ثم أحدثوا فاحشة وجعل الرجل منهم يدعو ابنته وأخته وزوجته فيلقى بهن جاره وأخاه وصديقه يلتمس بذلك البر والصلة، ثم ارتفعوا عن ذلك إلى نوع آخر ترك الرجال النساء حتى شبقن، واشتغلن عن الرجال، فجاءت النساء شيطانة في صورة امرأة - وهي الولهانة بنت إبليس - فشبهت للنساء ركوب بعضهن بعضاً؛ وعلمتهن كيف يصنعن؛ فأصل ركوب النساء النساء منها؛ فسلط الله تعالى على ذلك القرن صاعقة من أول ليلتهم، وخسفا في آخر الليل، وصيحة مع الشمس، فمل تبق منهم باقية وبادت مساكنهم.\rقال الثعلبي: ولا أحسب مساكنهم اليوم مسكونة.\rوقال أبو إسحاق الثعلبي أيضاً: وروى علي بن الحسين زين العابدين عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أن رجلاً من أشراف بني تميم يقال له: عمرو، أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن أصحاب الرس وأي عصر كانوا فيه؟ وأين كانت منازلهم؟ ومن كان ملكهم؟ وهل بعث الله تعالى إليهم رسولاً أو لا؟ وبماذا هلكوا؟ فإني أجد في كتاب الله تعالى ذكرهم ولا أجد خبرهم.\rفقال له: لقد سألتني عن حديث ما سألني عنه أحد قبلك، ولا يحدثك به أحد بعدي.","part":3,"page":324},{"id":1325,"text":"كان من قصتهم يا أخا تميم أنهم كانوا يعبدون شجرة صنوبر يقال لها: ساب درحب، كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها: دوسات كانت أنبطت لنوح بعد الطوفان، وكان لهم اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق، ولم يكن يومئذ في الأرض نهر أغزر ولا أعذب منه ولا قرى أكثر سكاناً وعمراناً منها؛ وذلك قبل سليمان بن داود، وكان من أعظم مدائنهم اسفيدبا، وهي التي كان ينزلها ملكهم، وكان يسمى بركون بن عابور بن بلوش بن سارب بن النمروذ بن كنعان، وفيها العين والصنوبرة، وقد غرسوا في كل عين حبة من تلك الصنوبرة، وقد غرسوا في كل عين حبة من تلك الصنوبرة، فنبتت الحبة وصارت شجرة عظيمة، وحرموا ماء تلك العيون والأنهار، لا يشربون منها ولا أنعامهم، ومن فعل ذلك منهم قتلوه ويقولون: هي مياه آلهتنا، ولا ينبغي لأحد أن ينقص من حياتها، ويشربون هم وأنعامهم من نهر الرس الذي عليهم قراهم؛ وقد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيداً يجتمع أهلها ويضربون على تلك الشجرة مظلة من الحرير، فيها من أصناف الصور؛ ثم يأتون بشياه وبقر فيذبحونها قرباناً للشجرة، ويشعلون فيها النيران، فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقتارها وبخارها في الهواء، وحال بينهم وبين النظر إلى السماء، خروا سجداً، ويتلون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم.\rوكان الشيطان يجيء فيحرك أغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبي: عبادي قد رضيت عنكم، فطيبوا نفساً، وقروا عيناً، فيرفعون عند ذلك رءوسهم، ويشربون الخمر، ويضربون بالمعازف؛ فيكونون على ذلك يومهم وليتهم، ثم ينصرفون؛ حتى إذا كان عيد قريتهم العظمى، اجتمع إليهم صغيرهم وكبيرهم، فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقاً من ديباج، عليه من أنواع الصور، له اثنا عشرباباً، كل باب لأهل قرية منهم؛ ويسجدون للصنوبرة خارجاً من السرادق، ويقربون لها الذبائح أضعاف ما يقربون للأشجار التي في قراهم، فيجيء إبليس عند ذلك فيحرك الشجرة تحريكاً شديداً، ويتكلم من جوفها كلاماً جهراً، ويعدهم ويمنيهم بأكثر مما وعدهم به الشياطين كلهم؛ فيرفعون رءوسهم من السجود وبهم من الفرح والنشاط ما لا يفيقون ولا يتكلمون معه؛ فيداومون العزف والشرب، فيكونون على ذلك اثني عشر يوماً بلياليها بعدد أعيادهم في السنة؛ ثم ينصرفون؛ فلما طال كفرهم بالله تعالى وعبادتهم غيره، بعث الله إليهم نبياً من بني إسرائيل من ولد يهوذا بن يعقوب، فلبث فيهم زمناً طويلاً يدعوهم إلى الله تعالى، ويعرفهم ربوبيته؛ فلا يتبعونه ولا يسمعون مقالته؛ فلما رأى شدة تماديهم في البغي والضلالة وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد والصلاح، وحضر عيد قريتهم العظمى قال: يا رب إن عبادك أبوا تصديقي ودعوتي لهم، فما زادوا إلا تكذيبي والكفر بك، وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضر، فأيبس شجرهم أجمع، وأرهم قدرتك وسلطانك.\rفأصبح القوم وقد يبس شجرهم كله، فهالهم ذلك وتضعضعوا، فصاروا فرقتين: فرقة قالت: سحر هذا الرجل الذي زعم أنه رسول رب السماء، ألهاكم ليصرف وجوهكم عنها إلى إلهه، وفرقة قالت: بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويقع فيها، ويدعوكم إلى عبادة غيرها، فحجبت حسنها وبهاءها لكي تغضبوا لها، فتنتصروا منه.\rفأجمعوا رأيهم على قتله، فاتخذوا مثال بئر، واتخذوا أنابيب طوالاً من رصاص واسعة الأفواه، ثم أرسلوها إلى قرار العين واحدة فوق الأخرى مثل البرانج، ونزحوا ماء العين، ثم حفروا في قرارها بئراً ضيقة المدخل عميقة، وأرسلوا فيها نبيهم، وألقوا عليه فيها صخرة عظيمة؛ ثم أخرجوا الأنابيب من الماء وقالوا: الآن نرجو رضا آلهتنا عنا إذا رأت أنا قد قتلنا من كان يقع فيها، ويصد عن عبادتها.\rفبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم، وهو يقول: سيدي، ترى ضيق مكاني وشدة كربي، فارحم ضعف ركني وقلة حيلتي، وعجل قبض روحي ولا تؤخر إجابة دعوتي. حتى مات عليه السلام.\rفقال الله تعالى لجبريل: انظر عبادي هؤلاء الذين غرهم حلمي، وأمنوا مكري، وعبدوا غيري، وقتلوا رسولي، وأنا المنتقم ممن عصاني ولم يخش عذابي وإني حلفت بعزتي لأجعلنهم عبرة ونكالاً للعالمين.","part":3,"page":325},{"id":1326,"text":"فبينما هم في عيدهم إذ غشيتهم ريح عاصف حمراء، فتحيروا وذعروا منها وانضم بعضهم إلى بعض، ثم صارت الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقد؛ وأظلتهم سحابة سوداء، فألقت عليهم كالقبة حجراً يلتهب ناراً، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص في النار؛ نعوذ بالله من غضبه ودرك نقمته.\rالقسم الثاني من الفن الخامس\rإبراهيم الخليل\rوخبره مع نمروذ، وقصة لوط، وخبر إسحاق ويعقوب، وقصة يوسف وأيوب وذي الكفل وشعيب، وفيه سبعة أبواب الباب الأول منه في قصة إبراهيم الخليل - عليه الصلاة والسلام - وخبر نمروذ بن كنعان.\rوليبدأ من هذه القصة بخبر نمروذ؛ ثم نذكر قصة إبراهيم - عليه السلام - لتعلق قصته به، لأن إبراهيم ولد في زمانه، وآيته الكبرى معه.\rنمروذ بن كنعان\rهو نمروذ بم كنعان بن كوش، وهو أحد ملوك الدنيا الأربعة الذين ملكوا شرقها وغربها.\rوقد ورد أنهم مؤمنان وكافران: فالمؤمنان سليمان بن داود والإسكندر ذو القرنين المذكور في سورة الكهف؛ والكافران: شداد بن عاد ونمروذ ابن كنعان.\rوقد قيل: بدل شداد بختنصر.\rقال الكسائي: قال وهب، لما أهلك الله تعالى أهل الرس بالمسخ ومن تقدمهم بما ذكرناه، أنشأ قروناً آخرين، فكان ممن أنشأ من ولد حام بم نوح بن كوش ابن قرط بن حام، وكان جباراً شديد القوة عظيم الخلق، له مخالب كالسباع وهو الذي أنشأ كوثاربا من أرض العراق، وولد له بها ولد سماه كنعان، وكان ولد آخر يقال له: الهاص؛ فلما مات كوش استقل الهاص بالملك دون كنعان واستقل كنعان بالصيد، وولع به حتى ألهاه عن طلب الملك، وكان مع ذلك شديد البطش والقوة، فبينما هو يتصيد إذ رأى امرأة ترعى بقرات، فأعجبته فراودها عن نفسها، فامتنعت واعتذرت بزوجها؛ فقال: ويلك، هل على وجه الأرض من يطاولني وأما من ولد كوش، ونحن ملوك الأرض؟ فضحكت المرأة كالمستهزئة، وقالت: لا تذكر الملوك وأنت رجل صياد.\rثم أقبل زوجها فقتله كنعان وأخذ المرأة ووطئها، فحملت بنمروذ، ونقلها كنعان إلى قصره، فكانت من أحظى نسائه، ثم قتل أخاه بعد ذلك، واستقل بالملك.\rثم رأى في منامه كأنه صارع إنساناً فصرعه وقال: أنا مشئوم أهل الأرض ومنزلي الظلمة، وقد أجلتك حتى أخرج من ظلمتي هذه إلى ضوء الدنيا.\rفانتبه مرتاعاً، وأحضر أصحاب النجوم، وقص رؤياه عليهم، فقالوا: سيولد مولود هو الآن في بطن أمه يكون هلاكك على يديه.\rوتبين حمل الراعية - وكان اسمها شلخاء - وكانت تسمع في بطنها صوتاً عجيباُ، فسمعه كنعان فقال: ويحك، هذا ليس بآدمي، وإنما هو شيطان؛ وهم أن يدوس بطنها ليقتل من فيه؛ فهتف به هاتف: مه يا كنعان، ليس إلى قتله سبيل.\rفلما كملت مدة الحمل وضعته أسود أحول أفطس أزرق العين؛ وخرجت حية من حجر فدخلت في أنفه، ففزعت شلخاء؛ وأخبرت كنعان بخبره؛ فقال: اقتليه فإنه شؤم. فقالت: لا تطيب نفسي بقتله. قال: فاحمليه واطرحيه في البرية.\rفاحتملته إلى البرية، فمرت براعي بقرات فعرضته عليه، فأخذه، وعادت إلى منزلها؛ فلما وضعه الراعي بين البقر نفرت وتفرقت وعسر عليه جمعها؛ وأقبلت امرأته فأخبرها بخبر الغلام؛ فقالت: اقتله إنه شؤم، فأبى وقال: اطرحيه في النهر، فطرحته في نهر عظيم، فألقاه الماء إلى البر؛ فقيض له الله له نمرة فأرضعته وانصرفت؛ فرأته امرأة من قرية هناك فعجبت وأخبرت أهل القرية، فخرجوا إليه واحتملوه وربوه وسموه نمروذ، فلما بلغ جعل يقطع الطريق ويغير على النواحي، واجتمع له جمع كثير، فبلغ خبره كنعان، فجعل يبعث إليه بقائد بعد قائد وهو يهزمنهم؛ وعظم أمره حتى صار في جيش عظيم؛ فسار إلى كوثاربا وقاتل كنعان، فهزم جيوشه وظفر به، وقتله وهو لا يعلم أنه أبوه، واحتوى على ملكه؛ ثم أخذ في غزو الملوك حتى ملك الشرق وسائر ممالك الدنيا؛ ثم رجع إلى كوثاربا فاستدعى وزراءه وقال: أريد أن أبني بنياناً عظيماً لم أسبق إلى مثله. فدلوه على تارح وذكروا أنه عارف بأمر النجارة والبناء، فأحضره ومكنه من خزانته، وأمره بإنشاء قصر عظيم؛ فخرج تارح وشرع في بنائه، وتأنق فيه، وأجرى فيه الأنهار، فلما كمل ورآه نمروذ خلع على تارح وجعله وزيره.\rوأخذ نمروذ في التكبر حتى ادعى الألوهية.","part":3,"page":326},{"id":1327,"text":"وكان مولعاً بعلم النجوم، فأتقنه؛ فجاء إبليس في صورة شيخ وسجد له وقال: إنك قد أتقنت علم النجوم؛ وعندي علم ما هو أحسن منه، وهو السحر والكهانة، فعلمه ذلك، ثم حسن له عبادة الأصنام، فدعا بتارح وأمره أن يتخذ له صنماً على صورته، ويتخذ لقومه أصناماً أخرى، فاتخذها تارح من الجوهر والذهب والفضة والقوارير والخشب على أقدار الناس، وكلها على صورة نمروذ حتى اتخذ سبعين صنماً وأمر نمروذ قومه أن يتخذوها؛ ففعلوا ذلك وانهمكوا في عبادتها، وكلمهم الشياطين من أجوافها؛ فعبدوها حتى لم يعرفوا سواها وطغوا وبغوا، وأكثروا الفساد في الأرض، حتى ضجت الأرض والسماء والوحش والطير إلى ربها منهم.\rرؤيا نمروذ قبل مولد إبراهيم - عليه السلام - قال: كان أول ذلك أنه صعد في بعض الأيام إلى سريره، فانتفض من تحته انتفاضاً شديداً، وسمع هاتفاً يقول: تعس من كفر بإله إبراهيم، فقال لتارح وهو واقف عنده: سمعت ما سمعت؟ قال: نعم. قال: فمن هو إبراهيم؟ قال: لا أعرفه.\rفأرسل إلى السحرة وسألهم عن إبراهيم، وأخبرهم بما سمع؛ فقالوا: لا نعرف إبراهيم ولا إلهه.\rثم توالت عليه الهواتف، ونطقت الوحش والطير والسباع بمثل ذلك؛ ثم رأى الرؤى في منامه.\rفكان منها أنه رأى القمر قد طلع من ظهر تارح، وألقى نوره كالعمود الممدود بين السماء والأرض؛ وسمع قائلاً يقول: \" جاء الحق \" ونظر إلى الأصنام وهي ترتعد، فاستيقظ وقص رؤياه على تارح، فقال: أيها الملك، إني في الأرض كالقمر لكثرة عبادتي لهذه الأصنام. فقال له نمروذ: صدقت.\rوانصرف تارح حتى دخل بيت الأصنام، فإذا هي قد سقطت عن كراسيها منكبة على أوجهها، فأمر خدمها بإعادتها، وعجب من ذلك.\rقال: ثم رأى في منامه كأن نوراً ساطعاً بين السماء والأرض، وقوماً يسلكون فيه ينزلون إلى الأرض، ويصعدون إلى السماء، وإذا برجل من أحسن الناس وجهاً في ذلك النور، وأولئك يقولون: نصرك إله السماء، فبك تحيا الأرض بعد موتها. فانتبه ودعا بالسحرة والكهنة والمنجمين، وذكر لهم رؤياه، وأقسم إن كتموه تأويلها عذبهم وجعلهم طعماً للسباع، فطلبوا أمانة، فأمنهم، فقالوا: رؤياك تدل على مولود من أقرب الناس إليك، يرث ملكك، ويرتفع ذكره إلى السماء والشرق والغرب ويهلكك، وأنه لا يأتيك ومعه سلاح ولا جند، فتبسم نمرود وقال: إن كان كذلك فأمره هين، ثم قال لهم: فممن يكون؟ قالوا: من ظهر أقرب الناس إليك، ولا نعلم أكثر من هذا.\rثم قال: ليس أحد أقرب إلى من ابني كوش ووزيري تارح؛ ثم أمر بابنه كوش فضرب عنقه؛ وأمر بقتل الأطفال حتى قتل مائة ألف طفل؛ ثم دعا بالمنجمين فقال: انظروا هل استرحت ممن كنت أخافه؟ قالوا: ما حملت به أمه بعد.\rوأخذ في ذبح الأطفال حتى ضجت الخلائق إلى الله تعالى.\rميلاد ابراهيم (ع) حمل أم إبراهيم - عليه السلام - وطلوع نجمه قال: وعبر تارح يوماً إلى الأصنام فاضطربت اضطراباً شديداً، فسجد لها فأنطقها الله، فقالت: يا تارح، \" جاء الحق وزهق الباطل \" ووافى نمروذ ما كان يحذره، فخرج خائفاً وجلاً حتى دخل على امرأته وذكر لها ذلك؛ فقالت: وأنا أخبرك بعجب، كنت قعدت عن الحيض منذ كذا وكذا، وقد حضت في يومي هذا.\rفقال: اكتمي أمرك لئلا يبلغ الملك. فلما طهرت هتف به هاتف: يا تارح صر إلى زوجتك ليخرج النور الذي على وجهك، فلما سمع ذلك مر هارباً على وجهه فإذا هو بملك يقول: أين تريد؟ ارجع فرد الأمانة التي في ظهرك.","part":3,"page":327},{"id":1328,"text":"فانصرف إلى منزله ولم يجسر أن يقرب امرأته؛ فأصبح وإذا بنور ساطع على وجهه؛ وكان هو الذي يقرب إلى الأصنام الطعام والشراب كل ليلة، وينصرف إلى منزله فتأكله الشياطين؛ فقرب الطعام إليها، فأقبلت الشياطين لتأكله، فرأوا الملائكة هناك فولوا هاربين، وبقى الطعام على حاله، فلما أصبح تارح رآه على حاله فظن أن الأصنام ساخطة عليه، فعكف عليها لترضى عنه، فأبطأ عن منزله، فأتته امرأته؛ فلما خلت به في بيت الأصنام تحركت شهوته، وهم بمواقعتها، فقالت: ألا تستحي، أتفعل هذا بين يدي آلهتك؟ فواقعها، فحملت منه إبراهيم - عليه السلام - فنكست الأصنام، وظهر نجم إبراهيم وله طرفان: أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب؛ فعجب الناس منه؛ ورآه نمروذ فتحير، فلما أصبح سأل المنجمين عنه؛ فقالوا: هذا نجم جديد طلع يدل على مولود جديد من أولاد الأكابر، يرتفع شأنه، ويخشى عليك منه. فهتف به هاتف يقول: يا عدو الله، هذا المولود قد حملت به أمه والله مهلكك على يديه.\rقال: فلما استكملت أمه تسعة أشهر قالت لأبيه: إني أحب أن أدخل بيت الأصنام فأسألها أن تخفف عني أمر الولادة، فأذن لها في ذلك، وتربص بها إلى الليل خوفاً أن يعلم الناس بحملها؛ فلما دخلت بيت الأصنام تنكست عن كراسيها فخرجت فزعة، فإذا هي بنمروذ في قومه، وبين أيديهم الشموع والمشاعل؛ فقال نمروذ: من هذا؟ قالت: زوجة عبدك تارح؛ فأراد أن يقول: اقبضوها فقال: خلوها؛ فأقبلت إلى منزلها مذعورة، فجاءها الطلق، فأقبل إليها ملك من عند الله تعالى وقال: لا تخافي وانهضي فضعي ما في بطنك. فتبعته حتى أدخلها الغار، وهو الذي ولد في إدريس ونوح - عليهما السلام - .\rميلاد إبراهيم\rقال: ودخلت أمه الغار فوجدت فيه جميع ما تحتاج إليه، وخفف الله عنها الطلق، فولدته في ليلة جمعة، وهي ليلة عاشوراء؛ فلما سقط إلى الأرض قطع جبريل سرته، وأذن في أذنه، وكساه ثوباً أبيض؛ ثم عاد بها إلى منزلها فرجعت خفيفة كأن لم تلد، وقال لها الملك: اكتمي أمرك وما قد رأيت. فدخلت منزلها، وجاء تارح فرآها نشيطة خفيفة، فقالت: إن الذي كان في بطني لم يكن ولداً، وإنما كانت ريحاً وقد انشقت عني. ففرح بذلك، وألقى الله تعالى على نمروذ النسيان في أمر إبراهيم؛ فلما كان اليوم الخامس خرجت أمه إلى الغار فرأت الوحش والسباع على بابه، فتوهمت أن يكون هلك؛ فدخلت فرأته على فراش من السندس، وهو مدهون مكحول، فتحيرت وعلمت أن له رباً، ورجعت إلى منزلها وأخبرت تارح الخبر، فنهاها عن العود إلى الغار، فكانت تروح إليه سراً في كل ثلاثة أيام تنظر إليه وتعود، حتى تم له حولان، فأتاه جبريل بطعام من الجنة، فأطعمه وسقاه؛ فلما استكمل أربع سنين جاءه ملك بكسوة من الجنة، وسقاه شربة التوحيد وقال: اخرج الآن منصوراً.\rذكر خروج إبراهيم - عليه السلام - من الغار واستدلاله قال: ولما قال له الملك ذلك خرج عند غروب الشمس، فجعل ينظر إلى السموات، فذلك قوله تعالى: \" وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي - يعني على سبيل الاستفهام، أي أهذا ربي؟ - فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين \" وهبط جبريل - عليه السلام - فقال له: انطلق إلى أبيك وأمك ولا تخف فإن الله معك. فخرج إبراهيم وجبريل معه حتى وقفه على الباب وقال: هذا بيت أبيك، فدونك هو. فاستأذن إبراهيم وقال: أدخل؟ قال تارح: أدخل. فلما دخل نظر إليه فعجب من حسنه وجماله، وقامت أمه مسرعة إليه واعتنقته وقالت: ولدي وعزة نمروذ. فقال لها: لا تحلفي بعزة نمروذ، فإن العزة لله الذي خلقني في بطنك وأخرجني منك، وكلأني ورباني وهداني.\rفارتعد تارح من كلامه وقال لأمه: أخشى أن تزول عني هذه المنزلة بسببه. ونظر إليه وقال: ما أحسنك! فلولا ما وقع في قلبي من محبتك لرفعت خبرك إلى نمروذ.","part":3,"page":328},{"id":1329,"text":"ثم بكى تارح خوفاً عليه أن يقتل، فقال له: يا أبت لا تخف علي من القتل فإن الله يعصمني من نمروذ. فقال له: ألك رب غير نمروذ، وله مملكة الأرض شرقها وغربها، وله ثلاثمائة صنم؟ فقال إبراهيم: بل ربي الله الذي لا إله إلا هو خالق السموات والأرض وما بينهما لا شريك له.\rوبلغ خبر إبراهيم بعض أقارب تارح، فدخل عليه وقال: ما هذا الغلام الجميل؟ قال: هو ابني ولد لي على كبر. قال: فما الذي بلغك من قوله عن نمروذ وأصنامنا؟ قال تارح هو ما بلغكم، فكلموه حتى يعود إلى ديننا. فحاجه قومه وخوفوه بعذاب نمروذ، وهو يجادلهم ويحتج عليهم، ويذكر عظمة ربه حتى عجزوا عنه فذلك قوله تعالى: \" وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان \" الآيات إلى قوله: \" وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه \" .\rفانصرفوا عنه وخاف تارح أن يسعوا به وبولده إلى نمروذ، فقال: يا إبراهيم كف عن هذا الكلام حتى أستخلفك على خزانه الأصنام فقد كبرت. فقال: يا أبت، إن المعبود هو الله، والأصنام لا تضر ولا تنفع.\rفغضب تارح وأقبل على نمروذ، فسجد له، وقال: إن المولود الذي كنت تحذره هو ولدي، ولم يولد في داري، ولا أعلم به حتى الآن، وقد جاءني وهو غلام يعقل ويفهم، ويزعم أن له رباً سواك، وقد أعلمتك فاصنع ما أنت صانع.\rفلما سمع نمروذ ذلك داخله الرعب وقال: صفه. فوصفه. قال نمروذ: هو الذي رأيته في منامي. وقال لأعوانه: ائتوني به. فأتوه به، فردد النظر إليه وقال: احبسوه إلى غد؛ فلما أصبح أحضره وقد أمر بتزيين قصره بأعظم زينة، وهول عليه بجنوده وأصناف السلاح؛ فالتفت إبراهيم إلى الناس يميناً وشمالاً وقال: \" ما تعبدون \" ؟ فذلك قوله تعالى: \" واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون \" إلى قوله: \" إلا رب العالمين \" ثم قال: \" الذي خلقني فهو يهدين \" إلى قوله: \" واجعلني من ورثة جنة النعيم \" ثم التفت وقال: \" واغفر لأبي إنه كان من الضالين \" إلى قوله: \" وبرزت الجحيم للغاوين \" .\rفلما فرغ من كلامه قال له نمروذ، يا إبراهيم، تقع في ديني وأنا الذي خلقتك ورزقتك؟ قال: كذبت، إن خالقي ورازقي وخالق الخلق ورازقهم، \" هو الله الذي لا إله إلا هو \" فبهت الناس، ووقعت في قلوبهم محبته لحسنه وحسن كلامه؛ فالتفت نمروذ إلى تارح وقال: إن ولدك صغير لا يدري ما يقول ولا يجوز لمثلي في قدرتي وعظم مملكتي أن أعجل عليه؛ فخذه إليك، وأحسن إليه وحذره بأسي حتى يرجع عما هو فيه.\rفأخذه تارح وانصرف إلى منزله، وقال: يا بني، إن لي عليك حقاً، وأسألك بحقي عليك أن تلازمني في عملي وبيع هذه الأصنام كما يفعل إخوتك. قال: كيف أبيع ما أبغضه؟ قال: ما عليك أن تبيعها؟ واخرج له صنمين صغيراً وكبيراً، وقال: بع هذا بكذا، وهذا بكذا. قال: يا أبت أنت تعبد هذه الأصنام على أنها ترزقك وهي التي خلقك؟ قال: نعم. فقال له ما أخبرنا الله به في قوله: \" واذكر في الكتاب إبراهيم صديقاً نبياً إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً \" فغضب تارح من قوله وقال: \" أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً \" قال إبراهيم: \" سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً \" .\rوقال: وكان إبراهيم يخرج ومعه غلامان ومعهما صنمان، فيقول: من يشتري ما لا يضر ولا ينفع ولا يدفع الذباب عن نفسه؛ وكان يغمسهما في الماء ويقول: اشربا. ويشد الحبل في أرجلهما ويجرهما، والناس يعظمون ذلك ولا يجسرون يكلمونه لمكان أبيه من نمروذ.\rمعجزة لإبراهيم","part":3,"page":329},{"id":1330,"text":"قال: وبينما إبراهيم قاعداً إذ جاءته امرأة عجوز، فقالت: بعني أحد هذين الصنمين، واختر لي أجودهما. فقال: هذا أكثر حطباً من هذا. قالت: لست أريده للوقود، وإنما أريد أن أعبده، فقد كان لي إله سرق في جملة ثياب كثيرة لي، وأنا أريد أن أشتري هذا الصنم فأعبده حتى يرد علي رحلي. قال لها إبراهيم: إن الإله الذي يسرق لو كان إلهاً لحفظ الثياب وحفظ نفسه، فكم لك تعبدينه؟ قالت: كنت أعبده ونمروذ منذ كذا وكذا سنة، قال: بئس ما صنعت، هلا عبدت رب السموات والأرض حتى يرد عليك ما سرق منك، فإن عاد مالك تؤمنين؟ قالت: نعم.\rفدعا إبراهيم ربه فإذا بالمسروق بين يديه قد جاء به جبريل؛ فقال لها إبراهيم: هذا رحلك. فأخذته العجوز وكسرت الصنم، وقالت تباً لك ولمن يعبدك دون الله. وآمنت، وجعلت تطوف في المدينة وتقول: يا أيها الناس اعبدوا الله الذي خلقكم ورزقكم، وذروا ما كنتم عليه من عبادة الأصنام.\rفبلغ خبرها نمروذ، فأحضرها وأمر بقطع يديها ورجليها وفقء عينيها؛ فاجتمع إبراهيم والناس لينظروا إليها - وهو إذ ذاك لم يبلغ الحلم - فدعا لها بالصبر وقال: إلهي إنك قد هديتها، أسألك أن تجعلها آية. فرد الله عينيها ويديها ورجليها وارتفعت في الهواء وهي تنادي: ويلك يا نمروذ، أنا الذي قد فعلت بي ما فعلت هذا أنا أرقى إلى الجنان.\rوكان لنمروذ خازن يقال له: بهرام، فقام وقال: آمنت أيتها المرأة بالذي خصك بهذه الكرامة، وأمن في ذلك اليوم خلق كثير من وجوه القوم؛ فأمر نمروذ فنشروا بالمناشير وألقوا للأسود فلم تأكلهم؛ وارتجت المدينة بزلزلة عظيمة وترادفت معجزات إبراهيم - عليه السلام - مبعث إبراهيم قال: فلما تم لإبراهيم أربعون سنة، جاءه جبريل بالوحي من الله، وأرسله إلى نمروذ، فأقبل إبراهيم ووقف على باب نمروذ ونادى بأعلى صوته: يا قوم، قولوا: \" لا إله إلا الله وإني رسول الله \" . فانتشر الصوت على جميعهم؛ فأحضر نمروذ الوزراء والبطارقة، وأجلسهم في مجالسهم، وأقام جنوده، وأحضر الأسود والفيلة بسلاسلها، وأقيمت صفوفاً عن يمين الدار ويسارها؛ وأمر بدخول إبراهيم؛ فدخل وقال: \" باسم الله العظيم \" فلما توسط الدار قال بصوت رفيع: يا قوم قولوا: \" لا إله إلا الله خالق كل شيء \" .\rثم تقدم إلى نمروذ؛ فقال له بعض وزرائه: من أنت؟ قال: أنا إبراهيم بن تارح رسول رب العالمين، أدعوكم إلى عبادته. قال له: من ربك؟ قال: الذي خلق الناس جميعاً. قال نمروذ: إن ملكي أعظم من ملكه. قال إبراهيم: الملك والسلطان لله رب العالمين. قال: لقد تجرأت علي يا إبراهيم، وأنت تعلم أني خلقتك ورزقتك. فاضطرب سرير نمروذ، وقال إبراهيم: كذبت يا نمروذ، إن الله هو الذي خلقك وخلق الناس أجمعين، ورزقك ورزقهم، وأنت تكفلا بنعمته وقد رأيت بعض الآيات؟ قال: هات غير ذلك. فوصف إبراهيم قدرة الله. قال نمروذ: فما الذي يفعل من قدرته؟ \" قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت \" قال نمروذ: \" أنا أحي وأميت \" . قال: كيف تفعل؟ قال: أخرج من الحبس من قد وجب عليه القتل فأطلقه، وأقتل الذي لم يجب عليه.\rقال إبراهيم: إن ربي لا يفعل كذلك، بل الميت يحييه، والحي يميته من غير قتل، ولكن يا نمروذ \" إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر \" .\rسؤال إبراهيم في إحياء الموتى قال الله تعالى: \" وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم \" .\rقال: فأخذ ديكاً أبيض وغراباً أسود وحمامة خضراء وطاوساً، وقطع رءوسها، وخلط الدم بالدم والريش بالريش؛ ثم جزأها أجزاء متساوية، وجعل على كل جبل منهن جزءاً، وجعل رءوسها من بين أصابع إبراهيم، فصار كل رأس إلى بدنه.\rقال: والتفت إبراهيم إلى نمرود وقال: كيف ترى قدرة إلهي؟ قال: ليس هذا ببديع من سحرك. وأمر به فقيد وغلت يده، وأدخل المضيق تحت الأرض وفيه الحيات والعقارب فلم يضره ذلك.\rوجاءه جبريل فبشره عن الله بالنصر، وألبسه حلة خضراء، وفرش له فرشاً من السندس، وأتاه بطعام فأكل وقال له: اصبر كما صبر الأنبياء من قبلك.\rآية لإبراهيم","part":3,"page":330},{"id":1331,"text":"قال: وكان إبراهيم يسلي أهل السجن، ويذكرهم بالجنة والنار؛ فقام إليه رجل وقال: يا إبراهيم، أنا من ملوك العرب، وأنا من ملكهم، وكنا أربع إخوة فغضب الملك علينا فحبسنى هاهنا، وحبس الآخر بالمشرق، والآخر بالمغرب والرابع باليمن، فهل يقدر ربك أن يجمع بيننا؟ قال: نعم. ودعا إبراهيم ربه، فإذا بالأخوين وقد انقضا من المشرق والمغرب. فبلغ ذلك نمروذ، فأحضرهم وقال: من جمع بينكم؟ قالوا: إلهنا بدعاء إبراهيم. فأحضر إبراهيم وقال: ائتنا بالأخ الرابع من اليمن. فقال: إنه قد مات ودفن. فقال نمروذ: ادع ربك حتى يأتينا بقبره.\rفدعا إبراهيم، فأمر الله الملك الموكل بالأرض أن يخترق بالقبر إلى إبراهيم؛ فخرج القبر من تحت الأرض إلى دار نمروذ، فقال إبراهيم للثلاثة: هذا قبر أخيكم. فقالوا: أيها الملك، إن كان حقاً ما يقول فليدع ربه ليحييه وينظر إليه ويكلمه.\rفصلى إبراهيم ركعتين، وسأل الله أن يحييه؛ فانشق القبر، وخرج الرجل منه وهو يشتعل ناراً ويقول: هذا جزاء من عبد الأصنام ورغب عن دين الله.\rفقال بهرام الخازن ونزع ما كان عليه من لباس نمروذ، وآمن بالله وبإبراهيم. فقال له نمروذ: لقد عمل سحره فيك. وأمر بهم نمروذ فشدت أيديهم وأرجلهم ووضعت عليهم أساطين، فلم يؤلمهم ثقلها؛ فبهت نمروذ ثم قال: عودوا لطاعتي فأنا الذي خففت عنكم ثقل هذه. فقال خازنه: قم حتى نضع عليك واحدة منها وخففها عن نفسك.\rفغضب نمروذ وأحرقهم بالنار حتى صاروا رماداً؛ فرد الله عليهم أرواحهم فقاموا على أرجلهم يقرون بعظمة الله؛ فعجب الناس، ولم يدر نمروذ ما يفعل؛ فأمر بهم فألقوا في الحبس بين حيات وعقارب، فبقوا في أربعين يوماً، ولم يطعموا شيئاً، فجاءت أم إبراهيم إلى نمروذ وسألته في إطلاقه، فأمر بإخراجه هو ومن آمن به، وفي ظنه أنهم قد ماتوا؛ فأخرجهم فإذا هم في أحسن صورة؛ فعجب وقال: يا إبراهيم، من أطعمك وسقاك؟ قال: ربي أطعمني وسقاني، فآمن به يا نمروذ، فقد رأيت آياته وعظمته.\rفغضب نمروذ ثم أقبل على تارح وقال له: قد كنت أتخوف من ابنك، لأني كنت أظن له شوكة من الجنود، والآن فليس عنده إلا السحر، وقد وهبته لك. فأخذه أبوه وأخرج من دار نمروذ، وقال له: يا بني، امش حتى أدخلك عبادة هذه الأصنام لعلك تميل إليها. فقال إبراهيم: سوءة لك أيها الشيخ. ثم قال: \" أتعبدون ما تنحتون؟ \" ثم قال: يا قوم قولوا: لا إله إلا الله وإني إبراهيم رسول الله تفلحوا. فكذبوه، فقال له أبوه: يا بني ما تخشى سطوة الملك. فقال: يا أبت إن الله يعصمني من مكايده.\rقال: ثم ابتلاهم الله - عز وجل - بالقحط، وقلت عندهم الأقوات؛ وكان بظاهر المدينة كثيب من الرمل، فتعبد إبراهيم فيه، ودعا ربه أن يحوله طعاماً فحوله الله، فكان المؤمنون ينالون منه ما يريدون، والكفار يسجدون لنمروذ ويأخذون منه القوت.\rوكان قد جمع الأقوات في سراديب عند، فأطعمهم حتى نفذ أكثرها ولم يبق إلا قوت أهله وعشيرته؛ فشرع الناس يؤمنون ويزيدون كل يوم؛ فشق ذلك على نمروذ، وطلب إبراهيم وقال له: اخرج من بلدي فقد أفسدت قومي بسحرك. فقال إبراهيم: لم أخرج وأنا أحق منك؟ وخرج من عنده فأحضر نمروذ تارح وقال له: إن ابنك قد آذاني في أهل مملكتي، ولولا منزلتك عندي لبطشت به. فقال: إنني قد هجرته، ولست راضياً بصنعه، فافعل به ما بدا لك.\rتكسيره الأصنام وإلقائه في النار قال كعب: وكان لأهل كوثربا عيد يخرجون إليه في كل سنة، فيعبدون هناك أياماً؛ وكان بعيداً من البلد؛ فلما حضر ذلك العيد قال تارح لإبراهيم: اخرج معنا إلى عيدنا. \" فقال إني سقيم \" ، يعني لعبادتكم الأصنام \" فتولوا عنه مدبرين \" إلى عيدهم، ولم يبق في بلدهم إلا الصغار والهرمون.\rفقام إبراهيم ودخل بيت الأصنام - وكان القوم قد وضعوا الطعام بين أيديها - \" فقال ألا تأكلون، مالكم لا تنطقون \" استهزاء بهم، وكانت في جانب البيت فأس، فأخذها وكسر بها هذا الصنم، وكسر يد هذا الصنم ورجل هذا ورأس هذا. قال الله عز وجل: \" فراغ عليهم ضرباً باليمين \" وترك كبيرهم كما أخبر الله تعالى: \" فجعلهم جذاذاً إلا كبير لهم \" ثم علق الفأس في عنق الصنم الأكبر ورجع إلى منزله.","part":3,"page":331},{"id":1332,"text":"وأقبل القوم بعد فراغهم من عيدهم، فرأوا أصنامهم على ذلك؛ فقالوا: \" من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم \" وبلغ الخبر نمروذ. قال: \" فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون \" يعني عذابه. فلما أتوا به \" قالوا ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون \" قال بعضهم لبعض: \" إنكم أنتم الظالمون، ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون \" فصاحوا من كل ناحية: أفتأمرنا بذلك وأنت تعلم أنها لا تسمع ولا تبصر. فقال إبراهيم: \" أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون \" فقال القوم لنمروذ ما أخبرنا الله تعالى عنهم: \" قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين \" .\rوكان لنمروذ تنور من حديد يحرق فيه من غضب عليه، فأمر بالتنور فأسجر فطرح إبراهيم فيه، فلم تضره النار بقدرة الله؛ فلما رأى نمروذ ذلك جمع أهل مملكته واستشارهم، فأشاروا بحبسه ويجمع له الحطب الكثير، ويضرم فيه النار، ثم يلقيه فيه إذا صار جمراً. وقالوا: إنه لا يقدر يسحر النار الكبيرة، ولا يعمل سحره فيها.\rفعند ذلك حبسه وأمر بجمع الأحطاب؛ فيقال: إن الدواب امتنعت من حملها إلا البغال، فأعقمها الله عقوبة لذلك؛ فجمعوا من الأحطاب ما لا يحصى كثرة؛ وأمر أن تحفر حفيرة واسعة، وبنى حولها حائطاً عالياً، وألقى فيها تلك الأحطاب وأضرم فيها النار والنفط ثلاثة أيام، فكان لهبها يصيب الطائر في الجو فيحرق.\rقال: وهموا بطرح إبراهيم فيها، فلم يقدروا يقربوا منها.\rفيقال: إن إبليس أتاهم في صورة شيخ، وصنع لهم المنجنيق، ولم يكونوا يعرفونه قبل ذلك، ووضعوا إبراهيم في كفة المنجنيق، ورموا به وهو يدعوا الله أن ينصره عليهم؛ فعارضه جبريل وهو في الهواء، وقال له: ألك حاجة يا إبراهيم؟ قال: أما إليك فلا، بل حسبي الله ونعم الوكيل.\rفلما قرب من النار قال الله عز وجل: \" يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم \" .\rقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : لو لم يقل \" وسلاماً \" لمات إبراهيم من شدة البرد.\rفبرد حرها واخضرت الأشجار التي احترقت ورست بعروقها.\rفلما أصبح نمروذ جلس في مكان مشرف ينظر إلى ما أصاب إبراهيم من النار؛ فكشف عن بصره فإذا هو برجل في وسطها على سرير، عليه ثياب خضر وإلى جنبه رجل آخر؛ وخلق كثير وقوف من ورائهما؛ فدعا بصاحب المنجنيق وقال له: كم ألقيت في النار؟ قال: إبراهيم وحده. فعجب وعجبت الناس وقال: اذهبوا وانظروا من القاعد على السرير ومن إلى جنبه وحوله. فأتوا فإذا هم بإبراهيم على أحسن صورة، فأخبروا نمروذ، فقال: ائتوني به. فقالوا: لا نستطيع الوصول إليه لحر النار. فنادوه: يا إبراهيم، اخرج إلينا. فخرج إلى نمروذ وقال له: ما أعجب سحرك يا إبراهيم! قال: ليس هذا بسحر، وإنما هو من قدرة الله تعالى. قال: فمن الذي عن يمينك؟ قال: ملك جاءني من عند ربي بشرني أن الله اتخذني خليلاً. فقال نمروذ: لأصعدن إلى السماء وأقتل إلهك.\rصعود نمروذ إلى السماء على زعمه قال: وأمر نمروذ أن يتخذ له تابوت مربع، ويكون له بابان: باب إلى السماء وباب إلى الأرض، وجوع أربعة نسور، وسمر أربعة رماح في أركان التابوت، وعلق اللحم في أعلاها، وشد النسور بأوساطها إلى الرماح، وجلس في التابوت ومعه وزيره، وحمل معه قوساً ونشاباً، وأطبق البابين، فرفعت النسور رؤوسها فنظرت إلى اللحم، فطارت صاعدة، وارتفعت في الهواء؛ فقال لوزيره: افتح الباب الذي يلي الأرض وانظر كيف هي؟ قال: أراها كأنها قرية. قال: فانظر إلى السماء. فقال: هي كما رأيناها ونحن في الأرض. ولم يزل يصعد حتى قال: أما الدنيا فلا أراها إلا سواداً ودخاناً، والسماء كما رأيناها.\rوارتفعت النسور حتى كادت تسقط إلى الأرض؛ فعارضه ملك وقال: ويلك يا نمروذ؛ إلى أين؟ قال: أريد محاربة إله إبراهيم. قال: ويحك، إن بينك وبين سماء الدنيا خمسمائة عام، ومن فوق ذلك ما لا يعلمه إلا الله. فخر الوزير ميتاً؛ فأخذ نمروذ القوس ووضع فيه السهم، وقال: أنا لك يا إله إبراهيم، ورمى بالسهم إلى الهواء، فيقال: إن السهم عاد إليه ملطخاً بالدم بإذن الله تعالى.","part":3,"page":332},{"id":1333,"text":"وأمر الله جبريل أن يضرب التابوت بجناحه، فيلقينه في البحر؛ فضربه فمر يهوي به حتى ألقاه في البحر؛ وأمر الله الأمواج أن تلقيه على الساحل؛ فلما وصل إلى البر خرج وقد ابيضت لحيته لما عاين من الأهوال، وتوصل من بلد إلى بلد حتى أتى المدينة، فدخل منزله ليلاً فأنكره الناس لشيبه، ثم عرفوه؛ وجاءه إبراهيم فقال: كيف رأيت قدرة ربي؟ قال: قد قتلت ربك. قال: إن ربي أعظم من ذلك، واكن هل لك قوة - مع كثرة جنودك - أن تقاتلني؟ قال: نعم.\r؟إرسال البعوض\rعلى نمروذ وقومه\rقال: وأمر نمروذ جنوده فاجتمعوا لحرب إبراهيم وهم لا يحصون كثرة؛ وخرج إبراهيم في سبعين من قومه الذين أمنوا في الصحراء، فأرسل الله عليهم البعوض حتى امتلأت منه الدنيا، ولدغت جيش نمروذ؛ فمات من لدغها خلق كثير، والتجأ الباقون إلى الدور، وأغلقوا الأبواب وأسبلوا الستور؛ فلم تغن عنهم شيئاً، وانفرد نمروذ عن جيشه، ودخل منزله وأغلقت الأبواب، وأرخيت الستور، واستلقى على سريره، فجاءت بعوضة فقعدت على لحيته، فهم بقتلها، فدخلت منخره وصعدت إلى دماغه؛ فعذبه الله بها أربعين يوماً لا ينام ولا يطعم؛ ثم شقت رأسه وخرجت في كبر الفرخ، فمات.\rوقيل: إنه اتخذ إزربة من حديد، فكان صديقه الذي يضرب بها رأسه فانفلق رأسه بضربة فخرجت كالفرخ وهي تقول: هكذا يهلك الله أعداءه، وينصر أنبياءه، ويسلط رسله على من يشاء.\rوأرسل الله الزلازل على المدينة، فخربت.\rقال: وجاء لوط وهو ابن أخي إبراهيم، وآمن به، وآمنت به سارة، فتزوج بها إبراهيم.\r؟هجرة إبراهيم قال: وجمع إبراهيم أصحابه الذين آمنوا به، وسار يريد الشام، فجاء إلى حران فأقام بها مدة من عمره، وترك بها طائفة من المؤمنين، وسار حتى أتى الأردن وكان اسم ملكها صادوق، فمر به وهو في منظرة له، فنظر إلى سارة مع إبراهيم فأحضرهما، وقال لإبراهيم: من أنت؟ قال: أنا خليل الله إبراهيم. وذكر له ما كان من أمر نمروذ. فقال له: من هذه؟ قال: هي أختي. فقال: زوجنيها. قال: هي أعلم بنفسها مني، وإنها لا تحل لك. فاغتصبها منه، وقام إلى مجلس آخر وأمر بحملها إليه. فدعا إبراهيم الله تعالى، فارتج المجلس بالملك، ويبست يده فقال لسارة: ألا ترين ما أنا فيه؟ قالت: لأنك أغضبت خليل الله.\rقال: فتضرع إلى إبراهيم؛ فسأل الله في رد يده عليه؛ فأوحى الله إليه: لا أطلقه دون أن أخرجه من ملكه ويسلم؛ فأسلم وخرج عن الملك، ووهب سارة هاجر، وهي أم إسماعيل.\rقال وارتحل إبراهيم حتى أتى الأرض المقدسة فنزلها.\rوقد روينا هذه القصة بسندنا إلى البخاري - رحمه الله - .\rوسنذكر الحديث - إن شاء الله تعالى - في أخبار طرطيس أحد الملوك بمصر، فقد ورد أنه صاحب القصة؛ والله أعلم.\rميلاد إسماعيل (ع) ميلاده ومقامه وأمه في البيت المحرم قال: وأقام إبراهيم بالأرض المقدسة ما شاء الله أن يقيم حتى كبرت سارة وأيست من الولد، فخافت من انقطاع نسا إبراهيم - عليه السلام - فوهبته هاجر فقبلها، وواقعها، فحملت بإسماعيل، ووضعته كالقمر وفي وجهه نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فأحبته سارة حتى بلغ من عمره سبع سنين، فداخلت الغيرة سارة، ولم تطق أن ترى إبراهيم مع هاجر، فقالت: يا نبي الله، إني لا أحب أن تكون هاجر معي في الدار، فحولها حيث شئت.\rفأوحى الله إليه أن انقلها إلى الحرم؛ وجاء جبريل بفرس من الجنة، فقال له: يا إبراهيم، احمل هاجر وإسماعيل على هذا الفرس. فأركب إبراهيم هاجر وإسماعيل من ورائها، وسار بهما حتى بلغ بهما الحرم.\rفأوحى الله إليه ن انزل بهما هذا هنا، فأنزلها بالقرب من البيت، وهو يومئذ أكمة حمراء كالربوة من تخريب الطوفان. ثم قال إبراهيم لهاجر: كوني هذا هنا مع ولدك فإني راجع، فبذلك أمرني ربي. فلما أراد إبراهيم أن ينصرف قال: \" ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم \" إلى قوله: \" لعلهم يشكرون \" .\rثم رجع وتركهما هناك ولا ثالث لهما إلا الله تعالى.\rفلما علا النهار، واشتد الحر، ونفد ما معهما من الماء، قامت هاجر تعدو يميناً وشمالاً في طلب الماء فلم تجده؛ فعادت إلى إسماعيل فرأته يبحث بأصابعه في موضع بئر زمزم وقد نبع الماء؛ فسجدت لله، وأخذت تجمع الحصا حول العين لئلا ينتشر الماء وهي تقول: زم زم يا مبارك.","part":3,"page":333},{"id":1334,"text":"فناداها جبريل: لا تخافي وأبشري، فإن الله سيعمر هذا المكان.\rقال وهب: لولا أن هاجر جمعت الحصا حول الماء لتمت العين نهراً جارياً على وجه الأرض إلى يوم القيامة.\rقال: وأقبل ركب من اليمن يريدون الشام، وطريقهم على الحرم، فرأوا الطير تهوي إلى الأرض، فقالوا: إن الطير لا تنقض إلا على الماء والعمارة.\rوأقبلوا فرأوا هاجر مع إسماعيل والعين؛ فسألوها، فقالت: أنا جارية خليل الله إبراهيم وهذا ابنه، خلفنا وانصرف إلى الشام.\rفاستأذنوها في الماء؛ فأذنت لهم، ثم قالوا: هل أحد ينازعك على هذا الماء؟ قالت: لا، فإن الله أخرجه لي ولودي. قالوا: إن أحضرنا بأهالينا وسكنا في جواركم هل تمنعينا من هذا الماء؟ قالت: لا، لأنه لله يشربه خلق الله.\rفرجعوا إلى بلدهم، واحتملوا أهاليهم وأتوا الحرم بها وبمواشيهم، فصاروا لهما أنساً.\rونشأ إسماعيل حتى بلغ مبلغ الرجال، فكان يخرج إلى الصيد معهم ويرجع وماتت أمه هاجر، وتزوج إسماعيل منهم، وبلغ إبراهيم خبر موت هاجر، فاشتاق إلى إسماعيل، فاستأذن سارة في ذلك، فأذنت له، فجاءه جبريل بفرس فركبه وسار حتى وقف على بيت ولده إسماعيل بالحرم، فقال: السلام عليكم يا أهل المنزل. فقالت له المرأة: إن صاحب البيت غائب. فقال إبراهيم: إذا رجع فقولي له: أبدل عتبة دارك، فإني لا أرضاها لك. وانصرف إلى الشام.\rفلما عاد إسماعيل أخبرته بالخبر، فقال: صفيه لي. فوصفته؛ فقال: الحقي بأهلك. فجاء أهلها وقالوا: ما الذي كرهت منها؟ قال: لأنها لم تعرف لخليل الله قدراً.\rثم تزوج امرأة من جرهم، فأولدها إسماعيل ستة أبطن، فاشتاق إبراهيم إلى ولده، فجاءه جبريل بفرس فركبه وسار إلى الحرم، وقد عمر ذلك المكان بجرهم؛ فوقف على باب إسماعيل وقال: السلام عليكم يا أهل المنزل. فبادرت المرأة وسلمت عليه، وقالت: فدتك نفسي، إن صاحب البيت غائب، وإنه يعود عن قريب. قال: هل عندك طعام؟ قالت: نعم، عندنا خير كثير. وجاءته بطبق عليه لحم مشوي من الصيد، وقدح من الماء. قال: فهل غير هذا من حب أو زبيب؟ قالت: يا عماه، ما هذا طعام بلدنا، ولكنه يجلب إلينا، فانزل بنا وتناول طعامنا. قال: إني صائم، ولكن علي ذرق الطير فاغسليه. وحول قدمه عن الفرس، ووضعه على المقام؛ فغسلته، فقال: إذا جاء زوجك فسلمي عليه وقولي له: الزم عتبة بابك فقد رضيتها لك. وانصرف.\rفلما رجع إسماعيل من الصيد أخبرته الخبر فقال: لقد كنت كريمة علي وقد صرت الآن أكرم بإكرامك آبي خليل الله إبراهيم.\rثم اشتاق إبراهيم إلى ولده ثالثاً، وذلك بعد ثلاث وعشرين يوماً، فجاء إليه ولقيه، وأمره الله أن يبني البيت، فبناه، وأتاه جبريل فعلمه مناسك الحج.\rوقد تقدم ذكر ذلك مبيناً في الباب الثاني من القسم الخامس من الفن الأول وهو في السفر الأول من كتابنا هذا، فلا حاجة لنا في إعادته.\rقال: ورجع إبراهيم إلى البيت المقدس، وأوحى الله إليه أن يرسل لوطاً نبياً إلى سذوم؛ فأرسله.\rوكان من أمره ما نذكره في أخباره في الباب الذي يلي هذا الباب - إن شاء الله تعالى - .\rالبشارة بإسحاق قال: وبعث الله الملائكة إلى إبراهيم حين أرسلهم بالعذاب على قوم لوط وأمرهم أن يبشروه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب؛ فأتوه على صورة البشر وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل ودريائيل.\rقال: فأتوه مفاجأة على خيولهم، ودخلوا عليه منزله ففزع منهم، حتى قالوا: سلاماً. فسكن خوفه، وقال: \" سلام قوم منكرون \" ورحب بهم وأجلسهم وقام إلى زوجته سارة وأمرها بخدمتهم؛ فقالت: عهدي بك وأنت أغير الناس. قال: هو كما تقولين، وإنما هؤلاء أضياف أخيار. ثم قام إلى عجل سمين فذبحه وشواه، وقربه إليهم، ووقفت سارة لخدمتهم، فجعل إبراهيم يأكل ولا ينظر إليهم وهو يظن أنهم يأكلون؛ فرأت سارة أنهم لا يأكلون؛ فنبهته على ذلك، فقال: \" ألا تأكلون \" ؟ وداخله الخوف من ذلك، ثم قال: لو علمت أنكم لا تأكلون ما قطعت العجل عن البقرة.\rفمد جبريل يده نحو العجل، وقال: قم بإذن الله. فاشتد خوف إبراهيم وقال: \" إنا منك وجلون قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم، قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون \" إلى قوله: \" إلا الضالون \" .","part":3,"page":334},{"id":1335,"text":"قال: وكانت سارة واقفة هناك، فقالت: \" أوه \" \" فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم \" قال الله تعالى: \" وامرأته قائمة فضحكت \" أي حاضت \" فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب، قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد \" ولم تعلم أنهم ملائكة؛ فقال لها جبريل: يا سارة، \" كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم \" . قال إبراهيم: \" فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين، لنرسل عليهم حجارة من طين \" ثم عاد جبريل إلى صورته، فعرفه إبراهيم، وعرفه أنهم يقصدون قوم لوط بالعذاب؛ فاغتم إبراهيم شفقة على لوط وأهله، ثم قال: امضوا حيث تؤمرون.\rوكان من أمر قوم لوط ما نذكره.\rقال: وحملت سارة بإسحاق في الليلة التي خسف الله فيها بقوم لوط، ووضعته وعلى وجهه نور أضاء منه ما حولها؛ فدخل إبراهيم وقال: \" الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق \" وربته سارة حتى بلغ سبع سنين.\rخبر الذبيح وفدائه قال: وكان إسحاق يخرج مع أبيه إلى البيت المقدس، فبينما إبراهيم في مصلاه إذ غلبته عينه فنام، فأتاه آت في منامه وقال: إن الله يأمرك أن تقرب قرباناً. فلما أصبح عمد إلى ثور فذبحه وفرق لحمه على المساكين، فلما كان الليل رأى في منامه الذي أتاه وهو يقول: يا إبراهيم، إن الله يأمرك أن تقرب له قرباناً أعظم من الثور. فلما انتبه ذبح جملاً وفرق لحمه على المساكين، ثم رآه في الليلة الثالثة وهو يقول: إن الله يأمرك أن تقرب له قرباناً أعظم من الثور والجمل. قالإبراهيم: وما هو؟ فأشار إلى ولده إسحاق؛ فانتبه فزعاً، وأقبل على إسحاق وقال له: ألست تطيعني يا بني؟ قال: بلى، ولو كان في ذبح نفسي.\rفانصرف إبراهيم إلى منزله، وأخذ الشفرة والحبل، فوضعهما في مخلاته وقال: يا إسحاق، امض بنا إلى الجبل.\rفلما مضيا أقبل إبليس إلى سارة وقال لها: إن إبراهيم قد عزم على ذبح إسحاق فالحقيه ورديه. قال: ولم يذبحه؟ قال: إنه زعم أن ربه أمره بذلك. قالت: إن كان الأمر كذلك فإنه صواب إذا أراد رضى ربه. وقالت: اللهم اصرف نزغ الشيطان. فولى عنها هارباً، وتبع إسحاق فناداه: إن أباك يريد أن يذبحك. فقال إسحاق لأبيه: يا أبت ألا تسمع إلى هذا االهاتف ما يقول؟ قال: يا بني امض ولا تلتفت إليه، فسأخبرك.\rفلما انتهيا إلى رأس الجبل قال إبراهيم: \" يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين \" .\rفحمد إبراهيم ربه على ذلك؛ فنودي من السماء: أليس الله قد وصفك بالحلم فكيف لا ترحم هذا الطفل؟ قال: إن الله قد أمرني بذلك. فقال إسحاق: يا أبت عجل أمر ربك قبل أن ينال منا الشيطان.\rفنزع إبراهيم قميصه وربطه بالحبل، وكبه على جبينه وهو يقول: الحمد لله باسم الله الفعال لما يريد، ووضع الشفرة على حلقه، فلما هم بذبحه انقلبت الشفرة، فارتعدت يد إبراهيم، فقال له إسحاق: يا أبت، حد الشفرة، واصرف وجهك عني حتى لا ترحمني. قال: أيا بني، قد فعلت حتى لو قطعت بها المجن لقطعته بحدها.\rثم وضع إبراهيم الشفرة على حلقه ثانياً، وهم بقط أوداجه؛ فانقلبت؛ فقال إبراهيم: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال: أصبت في قولك يا أبت لكن حد سفرتك لتذبحني ذبحاً، ولا تجزع. فحد إبراهيم المدية حتى جعلها كالنار ووضعها على حلق إسحاق، فسمع إبراهيم هدة عظيمة ومنادياً يقول: يا إبراهيم خذ هذا الكبش فاذبحه عن ابنك، فهو قربان عنه، وهذا اليوم جعل عيداً لك ولودك من بعدك.\rفالتفت إبراهيم إلى الجبل، وإذا هو بكبش أملح أقرن، قد انحدر من الجبل وهو يقول: خذني يا إبراهيم فاذبحني عن ابنك، فأنا أحق منه بالذبح، فأنا كبش هابيل بن آدم.\rفحمد إبراهيم ربه على ذلك، وذبح الكبش؛ فأتت نار من السماء بغير دخان فأكلته حتى لم يبق إلا رأسه؛ وانصرف إبراهيم وإسحاق ورأس الكبش معهما إلى منزل إبراهيم، وأخبر سارة بما جرى.\rقال: ثم توفيت سارة بعد ذلك، وزوج إبراهيم بامرأة من الكنعانيين وأولدها ستة أولاد في ثلاثة أبطن.\rوإبراهيم أول من صافح وعانق وفرق الشعر بالمشط ونتف الإبط واستاك واكتحل واختتن بالقدوم.\r؟؟وفاة إبراهيم","part":3,"page":335},{"id":1336,"text":"قال: فبينما إبراهيم على باب داره، وإذا هو بملك الموت وقد وافاه في أحسن صورة؛ فسلم عليه؛ فأجابه وقال: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت، أمرني الله بقبض روحك. فكره إبراهيم الموت؛ ثم تصور له في صورة شيخ كبير، ودخل على إبراهيم وقال: هل من طعام؟ فقدم إليه طعام على طبق، فجعل ملك الموت يتناول الطعام، ويخيل إلى إبراهيم أنه يلوث وجهه وعنقه، وأنه لا يستقر في بطنه.\rفقال له إبراهيم: أيها الشيخ، ما بال هذا الطعام لا يستقر في بطنك؟ قال: يا خليل الله، إني قد شخت، ولست أتمكن منه إلا على هذا الوجه، قال: فكم تعد من السنين؟ قال: قد جزت مائتي سنة. قال إبراهيم: وأنا في المائتين إلا سنة، وإذا مضى علي مائتين أصير كذا؟ قال: نعم.\rفدعا إبراهيم ربه أن يقبضه. فجاءه ملك الموت؛ فقال: يا ملك الموت قد اشتقت إليك منذ رأيت ذلك الشيخ على تلك الصورة، فاقبض روحي. فقبض روحه صلى الله عليه وسلم.\rالباب الثاني من القسم الثاني من الفن الخامس\rقصة لوط (ع)\rوقلب المدائن هو لوط بن هاران بن تارح، وتارح هو آزر أبو إبراهيم - عليه السلام - وكان لوط قد شخص مع عمه إبراهيم - عليهما السلام - من المدائن إلى أرض الشام، مؤمناً به، مهاجراً معه، ومع إبراهيم تارح وسارة بنت ماحور؛ فلما انتهوا إلى حران هلك تارح بها وهو باق على كفره؛ وسار إبراهيم ولوط وسارة إلى الشام؛ ثم مضوا إلى مصر وبها فرعون من الفراعنة يقال له: سنان بن علوان ابن عبيد بن عوج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام؛ ورجعوا إلى أرض الشام فنزل إبراهيم فلسطين، وأنزل لوطاً الأردن، فكان هناك إلى أن بعثه الله نبياً.\rقال: وأوحى الله - عز وجل - إلى إبراهيم أن يرسل لوطاً نبياً إلى سذوم، وكانت خمس مدائن؛ وهي: \" صامورا وصابورا وسذوم ودومة وعامورا \" ، وهي المؤتفكات، وكان أعظمها سذوم وعلى كل مدينة سور عظيم مبني بالحجارة والرصاص، وعليهم ملك يقال له: سذوم من بيت نمروذ بن كنعان، وكان أهل هذه المدائن قد خصوا بحذف الحصا والحبق في المجالس وعبادة الأصنام، وكانوا حسان الوجوه، فأصابهم قحط، فأتاهم إبليس فقال: إنما أصابكم القحط لأنكم منعتم الناس من دوركم ولم تمنعوهم من بساتينكم. فقالوا: كيف السبيل إلى المنع؟ قال: اجعلوا السنة بينكم إذا دخل بلدكم غريب سلبتموه ونكحتموه في دبره، فإذا فعلتم ذلك لم تقحطوا.\rفخرجوا إلى ظاهر البلد فتصور لهم إبليس في صورة غلام أمرد، فنكحوه وسلبوه، فطاب لهم ذلك حتى صار فيهم عادة مع الغرباء، وتعدوا إلى أهل البلد، وفشا بينهم؛ فأرسل الله إليهم لوطاً، فبدأ بمدينة سذوم وبها الملك، فلما بلغ وسط السوق قال: يا قوم اتقوا الله وأطيعون وارجعوا عن هذه المعاصي التي لم تسبقوا إليها، وانتهوا عن عبادة الأصنام، فإني رسول الله إليكم.\rفكان جوابهم أن قالوا: \" ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين \" .\rوبلغ الخبر الملك، فقال: \" ائتوني به \" فلما وقف بين يديه سأله: من أين أقبل؟ ومن أرسله؟ ولماذا جاء؟ فأخبره أن الله أرسله. فوقع في قلبه من الخوف والرعب، وقال: إنما أنا رجل من القوم، فادعهم فإن أجابوك فأنا منهم. فدعاهم فقالوا: \" لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين \" . فقال لهم: \" إني لعملكم من القالين، رب نجني وأهلي مما يعملون \" .\rفلبث فيهم عشرين سنة يدعوهم إلى الله وهم لا يجيبونه.\rثم توفيت امرأته، فتزوج بامرأة من قومه كانت قد آمنت به، فأقام معها أعواماً وهو يدعوهم حتى صار له فيهم أربعون سنة وهو يدعوهم بما أخبر الله به ويقول: \" أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين \" الآيات، وهم لا يزدادون إلا كفراً وإصراراً وتمادياً على أفعالهم الذميمة، فضجت الأرض منهم.\rقلب المدائن قد ذكرنا قصة إبراهيم أن الله - عز وجل - أرسل الملائكة إليه وبشروه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وأخبروه بما أمرهم الله به من هلاك قوم لوط، وقال لهم: امضوا حيث تؤمرون.","part":3,"page":336},{"id":1337,"text":"فاستووا على خيلهم، وساروا إلى المدائن وهم على صفة البشر، فأتوا المدائن وقت المساء، فرأتهم ابنة لوط - وهي الكبرى من بناته وهي تستقي الماء - فتقدمت إليهم وقالت: ما لكم تدخلون على قوم فاسقين؟ ليس يضيفكم إلا ذلك الشيخ. فعدلت الملائكة إلى لوط، فلما رآهم اغتم غماً شديداً مخافة عليهم من شر قومه، ثم قال لهم: من أين أقبلتم؟ قالوا: من موضع بعيد، وقد حللنا بساحتك، فهل لك أن تضيفنا الليلة؟ قال: نعم، ولكن أخاف عليكم من هؤلاء الفاسقين - عليهم لعنة الله - قال جبريل لإسرافيل: هذه واحدة - وكان الله قد أمرهم إلا يدمروا على قومه إلا بعد أربع شهادات من لوط ولعنته عليهم - ثم أقبلوا إليه وقالوا: يا لوط، قد أقبل علينا الليل، فاعمل على حسب ذلك. قال: قد أخبرتكم بأن قومي يأتون الرجال من العالمين - عليهم لعنة الله - فقال جبريل لإسرافيل: هذه ثانية. ثم قال لهم لوط: انزلوا عن دوابكم واجلسوا هذا هنا حتى يشتد الظلام، وتدخلوا ولا يشعر بكم أحد منهم - عليهم لعنة الله - قال جبريل: هذه ثالثة، وقال لامرأته: إنك قد عصيت الله أربعين سنة وهؤلاء ضيوفي قد ملأوا قلبي خوفاً، فاكتمي علي أمرهم حتى يغفر الله لك ما مضى. قالت: نعم. ثم خرجت وبيدها سراج كأنها تشعل، فطافت على عدة من القوم، فأخبرتهم بجمالهم وحسنهم، فعلم لوط بذلك، فأغلق الباب وأوثقه؛ فأقبل الفساق وقرعوا الباب، فناداهم لوط: \" هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد، قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد \" ثم كسروا الباب، ودخلوا، فقالوا له: \" أولم ننهك عن العالمين \" .\rفوقف لوط على الباب الذي دونه ضيفانه وقال: لا أسلم ضيفاني إليكم دون أن تذهب نفسي.\rفتقدم بعضهم ولطم وجهه، وأخذ بلحيته، ودفعوه عن الباب، فقال أوه \" لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد \" ثم قال: إلهي خذ لي بحقي من هؤلاء الفسقة والعنهم لعنا كبيراً. فقال جبريل عند ذلك: هذه أربعة. وقام جبريل ففتح الباب وقال للوط: \" إنا رسل ربك لن يصلوا إليك \" فهجم القوم. ودخلوا وبادروا نحو الملائكة، فطمس الله أعينهم، واسودت وجوههم. قال الله تعالى: \" ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم \" فجاءت طائفة أخرى ونادوهم: اخرجوا لندخل، فنادوا: يا قوم، هؤلاء قوم سحرة سحروا أعيننا فأخرجونا. فأخرجوهم، وقالوا: يا لوط، حتى نصبح نريك وبناتك. وخرجوا فقال لوط للملائكة: بماذا أرسلتم؟ فأخبروه، فقال متى؟ قالوا: \" إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب \" .\rثم قال له جبريل: \" فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم \" فجمع لوط أهله وبناته ومواشيه، وأخرجه جبريل من المدينة، وقال له: \" إن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين \" ومضى لوط بمن معه، وجبريل قد بسط جناح الغضب، وإسرافيل قد جمع أطراف المدن ودريائيل قد جعل جناحه تحت الأرض، وملك الموت قد تهيأ لقبض أرواحهم حتى إذا برز عمود الصبح صاح جبريل صيحة: يا بئس صباح قوم كافرين. وقال ميكائيل: يا بئس صباح قوم فاسقين. وقال دريائيل: يا بئس صباح قوم ظالمين. وقال إسرافيل: يا بئس صباح قوم مجرمين. وقال عزرائيل: يا بئس صباح قوم غافلين.\rفاقتلع جبريل هذه المدن عن آخرها، ثم رفعها حتى بلغ بها إلى البحر الأخضر وقلبها، فجعل عاليها سافلها. قال الله تعالى: \" والمؤتفكة أهوى، فغشاها ما غشى \" يعني رمي الملائكة إياهم بالحجارة من فوقهم.\rقال: واستيقظ القوم، وإذا هم بالأرض تهوي بهم، والنيران من تحتهم والملائكة تقذفهم بالحجارة.\rقال: ومن كان من القوم بغير مدائنهم ممن كان على دينهم وفعلهم أتاه حجر فقتله.\rقال: وبقي يخرج من تحت المدائن دخان منتن، لا يقدر أحد يشمه لنتنه، وبقيت آثار المدائن. قال الله تعالى: \" ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون \" .\rقال: ومضى لوط إلى إبراهيم - عليهما السلام - فذلك قوله عز وجل: \" ولوطاً آتيناه حكماً وعلماً ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين، وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين \" .\rالباب الثالث من القسم الثاني من الفن الخامس\rإسحاق ويعقوب","part":3,"page":337},{"id":1338,"text":"قال: ولما قبض الله تعالى إبراهيم الخليل - عليه السلام - سكن إسماعيل الحرم، وإسحاق الشام ومدين، وسكن معه سائر أولاد إبراهيم، وبعثه الله إلى الأرض المقدسة نبياً ورسولاً، فأقام بينهم نحواً من ثمانين سنة، وكف بره فبينما هو نائم إلى جنب امرأته إذ تحركت شهوته، فقالت: وفيك بقية يا إسحاق؟ فواقعها مرة فحملت بذكرين: وهما يعقوب والعيص - على ما ذكرناه في الأنساب - وهو في الباب الرابع من القسم الأول من الفن الثاني، وهو في الجزء الثاني من هذا الكتاب، وذكرنا أيضاً أولاد العيص.\rقال: ثم قبض الله تعالى نبيه إسحاق، فقسم ما كان له من بقر وخيل وغنم وغير ذلك بالسوية، ومات؛ فغلب العيص على مال يعقوب، واغتصبه إياه وقصد قتله؛ فقالت له أمه: الحق بخالك لابان وإخوته بحران، فإنهم مؤمنون من آل إبراهيم.\rفتوجه يعقوب إلى حران، فأكرمه خاله، وزوجه ابنته، وسلم إليه ما بيده من المال، وكانت ابنته هذه الكبرى، واسمها ليا فرزق منها روبيل وشمعون، ثم ذكرين: لاوى ويهوذا، وتوفيت؛ فزوجه خاله ابنته الثانية واسمها سرورية، فولدت له ولدين: دانا ونفتالي؛ ثم توفيت، فزوجه الثالثة فأولدها ذكرين يساخر وزبولون، وماتت؛ فزوجه ابنته الرابعة، واسمها راحيل - وكانت أحسن بناته - وذلك بعد أن استكمل يعقوب من عمره أربعين سنة، فجاءه الوحي يومئذ وهو بحران وقد ماتت أمه.\rمبعث يعقوب بن إسحاق قال: ولما أتاه الوحي أقبل على خاله لابان، وشكره على فعله، وقال: إن ربي بعثني رسولاً إلى أرض كنعان، فزوده بخيل وغنم وبقر وغير ذلك، وقال: امض لما أمرك به ربك. فخرج يعقوب ومعه أولاده العشرة وامرأته يريد أرض كنعان، فبلغ خبر نبوئته أخاه العيص، فغضب لذلك، وعارضه في طريقه بجموعه؛ فراسله يعقوب مع ابنه روبيل، وذكره الأخوة والرحم، فزبر روبيل ورده؛ ثم التقيا، فظفر الله يعقوب بالعيص بقوة النبوة، فاحتمله وألقاه على الأرض وجلس على صدره، وقال له: كيف رأيت صنع الله بك يا عيص؟ ثم رق له وقام عن صدره واعتنقه، فاعترف العيص بفضله عليه، وسأله أن يعفو عما سلف منه في حقه؛ فاستغفر له يعقوب ودعا له، وانصرف العيص إلى بلده، وأقبل يعقوب إلى أرض كنعان، فبنيت له دار متسعة، سكنها بأهله وأولاده، وكان بأرض كنعان ملك يقال له: سحيم، فدعاه يعقوب إلى الإيمان بالله، فلم يكترث به قال: فإني مجاهدك. قال: بمن تجاهدني وليس معك أحد؟ قال: أجاهدك بالله وملائكته وهؤلاء أولادي.\rوأقبل يعقوب بأولاده والملك في حصنه، فقال: يا بني، جاهدوا في الله حق جهاده. فقال ابنه شمعون: أنا أكفيك هذا الحصن. وأقبل وضرب باب الحصن برجله فتساقطت حيطانه، وصاح صيحة عظيمة فمات الملك وأكثر من بالحصن، ودخل يعقوب الحصن، وغنم ما كان فيه؛ فكانت هذه معجزة ليعقوب، وبلغ ذلك أهل كنعان، فوقع الرعب في قلوبهم، فآمنوا بيعقوب - عليه السلام - .\rالباب الرابع من القسم الثاني من الفن الخامس\rقصة يوسف (ع)\rيوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام وهذه القصة تدخل فيها بقية أخبار يعقوب وما كان من أمره ووفاته وخبر الأسباط أولاده.\rميلاده قال: ولما رجع يعقوب من غزاته دخل على امرأته راحيل فواقعها فحملت بيوسف وببنيامين أخيه، فوضعتهما، فجاء يوسف كالقمر، فربته أمه حتى صار عمره سنتين، وماتت أمه؛ فلما بلغ عمره عشر سنين أمر يعقوب بجذعة من غنمه، فذبحت، وصنعت طعاماً، وجمع أولاده على الطعام يأكلون، فأقبل مسكين وسأل وأكثر السؤال، واشتغل يعقوب عنه ولم يأمرهم بإطعامه، حتى انصرف السائل.\rفلما فرغ يعقوب من أكله قال: أعطيتم السائل شيئاً؟ فقالوا: إنك لم تأمرنا بشيء، فجاءه الوحي: يا يعقوب، قد جاءك مؤمن فقير مريض شم رائحة طعامك فلم نطعمه، وأحرقت قلبه، فلأحرقن قلبك. فاغتم يعقوب.\rرؤيا يوسف وكيد إخوته له قال: ولما بلغ اثنتي عشرة سنة رأى رؤياه وقصها على أبيه. قال الله تعالى: \" إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين، قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدو مبين، وكذلك يجتبيك ربك \" إلى قوله: \" عليم حكيم \" .","part":3,"page":338},{"id":1339,"text":"قال: فسمع إخوته الرؤيا: فداخلهم الحسد، وقالوا ما أخبر الله عنهم به: \" إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين، اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين، قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيبت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين \" .\rقال: فاتفقوا وجاءوا إلى أبيهم، فقالوا: \" يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون، أرسله معنا غداً يرتع ويلعب وإنا له لحافظون \" . فقال لهم يعقوب: \" إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون، قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذاً لخاسرون \" .\rقال: وأحب يوسف ذلك، فدعا يعقوب بسلة فيها طعام وكوز ماء، وقال: إذا جاع فأطعموه من هذا الطعام، وإذا عطش فاسقوه؛ وأخذ عليهم العهود برده وشيعهم بنفسه، وجلس على تل عال ينظر إليهم حتى غابوا عنه؛ فندم على إرساله ثم رجع إلى منزله، وجعل إخوة يوسف يمعنون في السير، وهو يمشي وراءهم ولا يلحقهم، ويناديهم: قفوا لي. فلم يقفوا. ويقول: اسقوني. فلم يسقوه؛ وكسر شمعون الكوز وقال: قل لأحلامك الكاذبة حتى تسقيك. ورمى لاوي سلة الطعام في الوادي؛ فعلم يوسف أنهم قد عزموا على أمر، فناداهم وناشدهم الله والرحم، وذكرهم بعهود أبيه، فطمه أحدهم فأكبه؛ وساروا ويوسف يعدو وراءهم حتى بلغوا موضع أغنامهم، فأرادوا قتله؛ فقال لهم يهوذا: إن قتلتموه حل بكم ما حل بقابيل حين قتل أخاه. فأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وطلبوا له جباً عميقاً فوجدوه، فجروه إليه وهو يبكي، فقال لهم يهوذا: يا بني يعقوب لقد ذهبت الرحمة من قلوبكم. قالوا: فنرده إلى أبيه فيحدثه بما فعلناه به؟ قال: فإن طرحتموه في الجب لا يبلغ قعره حتى يموت، ولكن دلوه بحبل. ولم يكن معهم حبل، فذبحوا شاة، وقدوا جلدها كالحبل، ودلوه به؛ فلما نزل إلى الجب امتلأ نوراً، وأتاه جبريل وقال له: لا تخف فإن الله معك. وكان في الجب جحر عظيم، فسطحه جبريل بجناحه فصار كالطبق وأجلسه فيه، وأتاه بطعام من الجنة فأكل، وأتاه بقميص فلبسه، وبفراش من الجنة، وآنسته الملائكة في الجب.\rقال الله تعالى: \" فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون \" .\rقال: ثم قالوا: ماذا نقول لأبينا؟ قال بعضهم: إنه كان يخاف عليه من الذئب، فنقول: إن الذئب أكله. فعمدوا إلى جدي فذبحوه على قميصه. وألصقوا بالدم شيئاً من شعر الجدي. ورجعوا إلى أبيهم.\rرجوع إخوته قال: ولما قربوا من عريش يعقوب أخذوا في البكاء والعويل، فرأتهم ابنة يعقوب، فنزلت إلى أبيها باكية، وقالت: رأيت إخوتي متفرقين يبكون، وروبيل يقول: يا يوسف يا يوسف. فصاح يعقوب، وخر على وجهه؛ فدخلوا عليه وقالوا: يا أبانا، حلت المصيبة وعظمت الرزية \" إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين \" قال الله تعالى: \" وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على تصفون \" وأخذ يعقوب القميص، ونظر إليه فلم ير فيه أثر خدش فقال: يا بني، ما للذئب وأكل أولاد الأنبياء؟ وأخذ يبكي؛ ثم قال: اخرجوا في طلب هذا الذئب، وإلا دعوت عليكم فتهلكوا. فخرجوا فأخذوا ذئباً عظيماً وجعلوا يضربونه ويجرونه، حتى جاءوا به إلى أبيهم، فقال: كيف عرفتموه؟ قالوا: لأنه ذئب كبير، وكان يتعرض لنا في غنمنا.\rكلام الذئب فقال يعقوب: سبحان من لو شاء لأنطقك بحجتك، فنطق الذئب وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يا نبي الله، إني ذئب غريب، فقدت ولداً لي فجئت في طلبه حتى بلغت بلدك، فأخذني هؤلاء وضربوني وكذبوا علي؛ والذي لأنطقني ما أكلت ولدك، وكيف يأكل الذئب أولاد الأنبياء؟ فأطلقه يعقوب.\rخروجه من الجب وبيعه من مالك بن دعر قال: وأقبل قوم من بلاد اليمن يريدون أرض مصر، فخرج بعضهم في طلب الماء، فرأى نوراً يسطع من البئر، فأدلى دلوه، فتعلق به يوسف، فاجتذبه، فنظر إليه فرآه، فقال للذي كان معه: \" يا بشرى هذا غلام \" . فأخرجوه.","part":3,"page":339},{"id":1340,"text":"قيل: وذلك في اليوم الرابع من إلقائه في الجب، وكان إخوته على رأس جبل فنظروا إلى اجتماع القافلة على الجب، فعدوا إليهم، وقالوا: هذا عبد لنا أبق منذ أيام، ونحن في طلبه، فإن أردتم بعناه منكم.\rثم قالوا ليوسف بالعبرانية: إن أنكرت العبودية انتزعناك من أيديهم وقتلناك. فسأله أهل القافلة فقال: إني عبد، أراد الله.\rوكان رئيس القافلة مالك بن دعر، فاشتراه منهم بأقل من عشرين درهماً.\rقيل: تنقص درهماً. وقيل: تزيد درهمين. وقيل: اشتراه بأربعين درهماً والله أعلم. فاقتسموها بينهم.\rقال الله تعالى: \" وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين \" .\rثم قالوا لمالك: هذا عبد آبق سارق، قيده حتى لا يهرب منك ولا يسرق. فقيده وأركبه ناقة، وكتب يهوذا كتاب البيع، وساروا حتى بلغت القافلة قبر أم يوسف، فلم يتمالك أن رمى بنفسه على القبر وبكى، فافتقدوه فلم يروه، فبعثوا في طلبه، فوجدوه وقد اتكأ على القبر، فلطمه واحد منهم، وقالوا: هلا كان هذا البكاء قبل اليوم حتى كنا لا نشتريك؟ وساروا به حتى دخلوا مصر، فغير مالك لباس يوسف، وعبر به، فاجتمع الناس على القافلة، ورأوا يوسف فعجبوا لحسنه وجماله.\rذكر خبر بيع يوسف من عزيز مصر قال: وواعدوا ملكاً على بيعه بباب الملك ريان بن الوليد، فزين يوسف بأحسن زينة، وأقعده على كرسي، وأقبل عزيز مصر واسمه قطفير، واجتمع التجار وقام الدلال ونادى عليه؛ فبكى يوسف، وتزايد القوم حتى بلغ يوسف مالاً لا يحصى كثرة؛ واستقر بيعه من قطفير، وأحضر الأموال.\rوقد اختلف الرواة في كمية الثمن، فمنهم من لم يحده، بل قال: مالاً كثيراً.\rومنهم من قال: إن عزيز مصر تلقى القافلة، واشتراه من مالك بن دعر بعشرين ديناراً، ونعلين، وثوبين أبيضين. وقد عزي هذا القول إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - .\rوروي عن وهب بن منبه أنه أقيم في السوق، وتزايد الناس في ثمنه، فبلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً؛ فابتاعه العزيز بهذا الثمن.\rنرجع إلى سياق الكسائي: قال: فوقف عليه رجل من بلاد كنعان على ناقة، فمدت عنقها وجعلت تشم يوسف، فسأل يوسف صاحب الناقة بالعبرانية: من هو؟ فأخبره أنه من أرض كنعان؛ فقال له: أقرئ يعقوب سلامي إذا رجعت، وصف له صفتي. فلما عاد الكنعاني أخبر يعقوب بذلك؛ فقال يعقوب: سلني حاجة بهذه البشارة. قال: ادع لي أن يكثر الله ولدي ومالي. فقال: اللهم أكثر ولده وماله وأدخله الجنة.\rقال: ثم دنا مالك من يوسف فقال له: أنا يوسف بن يعقوب بن إبراهيم الخليل؛ وأخبره بخبر إخوته. فصاح مالك وقال: واله ما علمت فاستغفر لي فإني من أولاد مدين بن إبراهيم. فبكى يوسف، وقال له مالك: أسألك أن تدعوا الله يرزقني ولداً. فدعا الله فرزقه الله أربعة وعشرين ولداً؛ وعاش مالك حتى رأى يوسف وهو عزيز مصر.\rقال: ودخل قطفير منزله ويوسف معه، فرأته زليخا - وكانت أحسن نساء زمنها - فقال لها زوجها قطفير: قد اشتريت هذا الغلام لنتخذه ولداً فإنا لم نرزق ولداً. قال الله تعالى: \" وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا \" .\rيوسف وزليخا قال: ولما رأته زليخا عجبت لحسنه، ولاطفته، وقالت: لا ينبغي لمثلك أن يباع عبداً. ويوسف ساكت؛ وكان لا يأكل من ذبائحهم، فقالت له: لم لا تأكل من ذبيحتنا وتقبل كرامتنا ولي هذا البستان أريد أن تحفظه، فقال يوسف: أفعل ذلك. فكان يوسف يتعاهده حتى عمر ببركته، وهو يأكل من نباته، فوقعت محبته في قلب زليخا، فكتمت ذلك حتى كاد أن يظهر عليها، فأتتها دايتها، وقالت: يا سيدة نساء مصر، أخبريني بقصتك. فذكرت ما بها من حب يوسف؛ فأمرتها أن تتزين بأحسن زينتها، ففعلت، وجلست على سرير وأحضرت يوسف، فوقف بين يديها وهو لا يعلم ما يراد منه؛ وأغلقت الداية أبواب المجلس من خارج؛ فعلم عند ذلك مراد زليخا - وكان عمره ثمان عشرة سنة - ؛ قال الله تعالى: \" وراودته التي في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقال هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون \" .\rقال: فرمت بتاجها وهمت به. قال الله تعالى: \" ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين \" .","part":3,"page":340},{"id":1341,"text":"قالوا: هم بضربها. وقيل: بردعها. وقيل: لما حصل عنده من الهم. ولا تعويل على ما نقله أهل التاريخ: أنه هم بها كما همت به.\rقالوا: وكان البرهان الذي رآه أنه سمع صوتاً من ورائه، فالتفت، فرأى صورة يعقوب وهو عاض على يديه يقول: الله الله يا يوسف.\rوقيل: خرجت كف من الحائط مكتوب عليها: \" أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت \" ؛ ثم انصرفت الكف وعادت زليخا لمراودته، فخرجت الكف ثانية مكتوب عليها: \" وإن علكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون \" ثم عادت فخرجت الكف ثالثة وعليها مكتوب: \" واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله \" .\rقال: فلما نظر يوسف إلى البرهان، بادر إلى الباب؛ فعدت زليخا خلفه فلحقته عند الباب، فجذبت قميصه فقدته من دبر؛ وإذا قطفير قد أقبل. قال الله تعالى: \" واستبقا الباب فقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب \" .\rقال: فلما نظرت زليخا إليه لطمت وجهها، وقالت: أيها العزيز، هذا يوسف الذي اتخذناه ولداً دخل يراودني عن نفسي.\rثم قالت: \" ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم، قال هي راودتني عن نفسي \" فهم قطفير أن يضرب يوسف بسيف، فأنجاه الله منه؛ وكان بالمجلس صغير ابن شهرين - وهو ابن داية زليخا - فتكلم بإذن الله وقال: لا تعجل يا قطفير، أنا سمعت تخريق الثوب. قال الله تعالى: \" وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين \" ثم لم ينطق الصبي بعد ذلك حتى بلغ حد النطق، وهذا الصبي أحد من تكلم بالمهد. \" فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم \" ؛ وأقبل على يوسف وقال: \" يوسف أعرض عن هذا \" الحديث لا يسمعه أحد. وقال لزليخا: \" واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين \" .\rوخرج قطفير من منزله، وعادت زليخا لمراودته؛ فامتنع عليها.\rالنسوة اللاتي قطعن أيديهن\rقال: وفشا في المدينة، وشاع عند نساء الأكابر خبرها، فعتبنها عليه، وهو قوله تعالى: \" وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً إنا لنراها في ضلال مبين \" فلما بلغها ذلك من قولهن \" أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأً \" .\rقال: استدعت امرأة الكاتب والوزير وصاحب الخراج وصاحب الديوان.\rوقيل: إن النساء اللاتي تكلمن في أمر زليخا امرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الديوان وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب؛ والله أعلم.\rقيل: إنها أقدمت إليهن صواني الأترج وصحاف العسل: \" وأتت كل واحدة منهن سكيناً \" وزينت يوسف. وقالت: إنك عصيتني فيما مضى، فإذا دعوتك الآن فاخرج. فأجابها إلى ذلك؛ قال الله تعالى: \" فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأً وآتت كل واحدة منهن سكيناً وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاشى لله ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم \" .\rقال: كن يأكلن الأترج بالسكاكين فنالهن من الدهش والحيرة ما قطعن أيديهن وتلوثت بالدماء ولم يشعرن؛ فقالت لهن زليخا ما حكاه الله عنها: \" قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين \" .\rوقيل: إن النساء خلون به ليعدلنه لها، فراودته كل واحدة منهن عن نفسه لنفسها، ثم انصرفن إلى منازلهن.\rثم دعته زليخا وراودته، وتوعدته بالسجن إن لم يفعل؛ فقال يوسف ما أخبر الله به عنه: \" قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين \" .\rقال: فلما أيست زليخا منه مضت إلى الملك ريان بن الوليد - وكانت لا ترد عنه - فقالت: إني اشترت عبداً، وقد استعصى علي، ولا ينفع فيه الضرب والتوبيخ، وأريد أن أحبسه مع العصاة. فأمر الملك بحبسه، وأن يفرج عنه متى اختارت؛ فأمرت السجان أن يضيق عليه في محبسه ومأكله ومشربه؛ ففعل ذلك؛ فأنكره العزيز، وأمر أن ينفل إلى أجود أماكن السجن، ويفك قيده، وقال له: لولا أن زليخا تستوحش من إخراجك لأخرجتك، ولكن اصبر حتى ترضى عنك ويطيب قلبها.\rإلهام يوسف التعبير ونزل جبريل - عليه السلام - وبشره أن الله قد ألهمه تعبير الرؤيا فعرفه بإذن الله عز وجل، وأنبت الله له شجرة في محبسه يخرج منها ما يشتهيه.\rالخباز والساقي","part":3,"page":341},{"id":1342,"text":"قال: وغضب الملك ريان بن الوليد على شاقيه شرهيا، وصاحب مطبخه شرها، فأمر بحبسهما، فحبسا في السجن الذي فيه يوسف، فرأى الساقي رؤيا فسأل أهل السجن عن تأويلها، فدلوه على يوسف؛ فأتاه وقال: قد رأيت رؤيا. فقال له يوسف: قصها. فقال: رأيت كأني في بستان فيه كرمة حسنة؛ وفيها عناقيد سود؛ فقطعت منها ثلاث عناقيد وعصرتها في كأس الملك، ورأيت الملك على سريره في بستانه، فناولته الكأس فشربه، وانتبهت.\rفقال صاحب المطبخ: وأنا رأيت مثل هذه الرؤيا، رأيت كأني أخبز في ثلاثة تنانير: أحمر وأسود وأصفر، ورأيت كأني أحمل ذلك الخبز في ثلاث سلال إلى دار الملك، وإذا بطائر على رأسي يقول لي: قف فإني طائر من طيور السماء، ثم سقط على رأسي فجعل يأكل من ذلك الخبز، والناس ينظرون إليه وإلي، وانتبهت فزعاً.\rفقال يوسف: بئسما رأيت. ثم قال للساقي: إنك تقيم في السجن ثلاثة أيام ويخرجك الملك فيسلم إليك خزانته، وتكون ساقيه وصاحب خزانته. وأنت يا خباز بعد ثلاثة أيام تضرب رقبتك وتصلب وتأكل الطير من رأسك. فقال الخباز: إني لم أر شيئاً، وإنما وضعت رؤياي هذه. فقال: \" قضي الأمر الذي فيه تستفتيان \" .\rثم قال يوسف للساقي: \" اذكرني عند ربك \" وأعلمه أني محبوس ظلماً. فقال له: ما أبقي جهداً.\rفلما كان بعد ثلاثة أيام كان من أمر الساقي والخباز ما قاله لهما يوسف.\rثم هبط جبريل على يوسف وقال: إن الله يقول لك: نسيت نعمائي عليك فقلت للساقي يذكرك عند ربه، وهما كافران، فأنزلت حاجتك بمن كفر بنعمتي وعبد الأصنام دوني.\rقال الله تعالى: \" وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه \" .\rقيل: الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو الساقي، \" فلبث في السجن بضع سنين \" وهو يبكي ويستغفر ويتضرع إلى الله؛ فأوحى الله إليه: أني قد غفرت لك ذنبك، وأنه سيخرجك من السجن، ويجمع بينك وبين أبيك وإخوتك وتصدق رؤياك. فخر ساجداً لله تعالى.\rرؤيا الملك\rوتعبيرها وما كان من أمر يوسف وولايته\rقال: وقد الله عز وجل أن الملك - وهو الريان بن الوليد بن ثروان بن أواسة بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن نوح عليه السلام - رأى في تلك الليلة رؤيا هالته؛ فدعا بالمعبرين، فقالوا: إن هذه \" أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين \" . فغضب الملك وقطع أرزاقهم؛ وذكر الله الساقي؛ قال الله تعالى: \" وقال الذي نجا منهما واذكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون \" فتقدم إلى الملك وذكر تله خبر يوسف - وكان بين المدتين سبع سنين وسبعة أشهر - فأرسله لملك إليه وقال: أخبره برؤياي وأتني بتأويلها. فأقبل الساقي إلى السجن واجتمع بيوسف، واعتذر له، وأخبره برؤيا الملك، وقال: هل عندك تعبير ذلك؟ فال: لا أفعل حتى ترجع إلى الملك وتسأله \" ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن \" ؛ فرجع الساقي إلى الملك وأخبره، فاستدعى النسوة، فأتى بمن كان يعيش منهن، فقال الملك: \" ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين \" . فلما قلن ذلك قال الملك: \" ائتوني به أستخلصه لنفسي \" ؛ فلما دخل عليه أجلسه معه على السرير، وسأله عن اسمه ونسبه، فانتسب له، وذكر قصته مع إخوته؛ فقال له الملك: قد سمعت ما رأيت في منامي. ثم قصها عليه، فقال: رأيت سبع بقرات سمان في ناهية الحسن، ولكل بقرة قرون كبيرة، فحملتني واحدة على قرنيها، فجعلت أصير من بقرة إلى بقرة حتى طفت على الجميع؛ فبينما أنا كذلك وإذا بسبع بقرات عجاف مهازيل، فعمدت فأكلت كل واحدة من المهازيل واحدة من السمان، وبقيت التي أنا على قرنيها فلما تقدمت المهزولة لأكلها، رمتني عن قرنيها، فأكلتها المهزولة؛ ثم صار للمهازيل أجنحة، فطارت ثلاث نحو المشرق وثلاث نحو المغرب، وبقيت هناك واحدة؛ فبينما أنا كذلك وإذا بسبع سنبلات في نهاية الخضرة خرجن من ذلك الوادي، ثم لاحت فيهن سبع سنبلات يابسات، فالتففن على الخضر حتى غلبن على خضرتهن، وإذا بملك قد أقبل وقال: يا ريان، خذ هذا الرجل فأقعده على سريرك، فإنه لا يصلح ما رأيت إلا على يديه؛ فهذا ما رأيت.\rفقال يوسف: فأما السبع بقرات السمان فهي سبع سنين يكون فيها زرع وخصب \" فما حصدتم فذروه في سنبله \" .","part":3,"page":342},{"id":1343,"text":"وأما البقرات العجاف، فإنها سبع سنين فيها قحط وضيق، فتأكل ما حصدتم في سنين الخصب \" إلا قليلاً مما تحصنون \" في بيوتكم.\rوأما السنابل الخضر، فهي سنو الخصب، واليابسة سنو الجوع، والرجل الذي قال لك أقعده على سريرك، فيكون صلاح ذلك على يديه فأنا هو؛ وقد أمرك ربي بهذا؛ فهذا تأويل رؤياك.\rقال: فقال له ريان: أشر علي الآن بمن أقدمه في هذا الأمر. فقال يوسف: \" اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم \" .\rقال: كيف يتهيأ لك وأنت رجل عبراني لا تعرف لغة أهل مصر؟ فقال: إن الله ألهمني جميع هذه الألسنة يوم دخلت مصر. فنزع الملك خاتمه، وجعله في إصبع يوسف، وقال لأصحابه: هذت عزيز مصر وخليفتي، فاسمعوا له وأطيعوه.\rقال الثعلبي: قال أهل الكتاب: لما تمت ليوسف في الأرض ثلاثون سنة استوزره فرعون مصر. وكان مرادهم - والله أعلم - أنه لما استكمل ثلاثين سنة من عمره.\rوحكى الثعلبي أن الملك عزل العزيز وولى يوسف، ثم هلك العزيز عن قريب وكان يوسف يوم قضائه تضرب له قبة من الديباج يجلس فيها للحكومة بين الناس وبقية الأيام يدور في عمله ويأمر بالزراعة والحرث وعمر البيوت لخزن الحبوب بسنابلها، حتى ملأها، وخزن الأتبان حتى انقضت سنو الخصب ودخلت سنو القحط، فنهى عن الزراعة فيها لعلمه أن الأرض لا تثمر فيها شيئاً؛ فأكلوا ما عندهم حتى نفد؛ فالتجأوا إلى الملك، فقال الملك: عليكم بالعزيز فإن في يده خزائن الطعام. فجاءوه، فباعهم في السنة الأولى بالدنانير والدراهم، وفي السنة الثانية بالحلي والجواهر، وفي الثالثة بالأراضي والعقار، وفي الرابعة بالإماء والعبيد، وفي الخامسة بأولادهم، وفي السنة السادسة بأنفسهم، حتى صاروا ملكاً له وعبيداً، وأطعمهم في السنة السابعة لأنهم صاروا عبيده وإماءه؛ والله أعلم.\rزواجه من زليخا يقال: إن زليخا أصابها من الحاجة ما أصاب غيرها، وابتاعت الطعام بجميع مالها، وبقيت منفردة، فلم تجد بداً من التعرض ليوسف، فقعدت على طريقه وإذا هو قد أقبل في مواكب عظيمة، فقامت وقالت: يا يوسف، سبحان من أعز العبيد بالطاعة، وأذل السادات بالمعصية، أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك من أولاد النبيين.\rفسألها يوسف. من أنت؟ فقالت: زليخا؛ وبكت وذكرت حاجتها إلى الطعام؛ فصرفها إلى منزلها، ورد عليها أملاكها وأموالها، وبعث لها بمال جزيل وطعام كثير؛ ثم استأذن الله تعالى في زواجها؛ فأذن له؛ فتزوجها، ورد الله عليها حسنها وجمالها؛ فلما دخل عليها وجدها بكراً؛ فعجب من ذلك؛ فقالت: يا نبي الله \" والذي هداني إلى دينك ما مسني ذكر قط، وما قدر علي العزيز \" .\rفيقال: إنه رزق منها عشرة أولاد في خمسة أبطن.\rوقد حكى الثعلبي أن العزيز قطفير لما هلك بعد عزله زوج الملك يوسف بامرأته زليخا، وسماها الثعلبي في كتابه: راعيل.\rقال: وانتشر القحط حتى بلغ أرض كنعان؛ فقال يعقوب لبنيه: يا بني، إنكم ترون ما نحن فيه من الضر، وقد بلغني أن عزيز مصر تقصده الناس فيمتارون منه ويحين إليهم، وأنه مؤمن بإله إبراهيم، فاحملوا ما عندكم من البضاعة وتوجهوا إليه. ففعلوا ذلك وساروا.\rقال: وأقبل مالك بن دعر على يوسف ومعه أولاده، وهم أربعة وعشرون ولداً، كلهم ذكور، فوقف بين يديه وحياه بتحية الملك، وقال: أيها العزيز أتعرفني؟ قال: إني أشبهك برجل حملني إلى هذا هنا. قال: أنا هو.\rفقربه وسأله عن الفتية، فقال: هم أولادي رزقتهم ببركة دعائك. فكساه وكساهم، وكفاهم من الطعام؛ وسأله: هل مر بأرض كنعان؟ قال: نعم وإنهم لفي جهد، وقد رأيت الذين باعوك مني مقبلين عليك يريدون أن يمتاروا. ففرح يوسف.\rدخول إخوته لمصر قال: وأقبل إخوة يوسف فدخلوا مصر ليلاً، وأناخوا رواحلهم بباب قصر أخيهم؛ فأشرف عليهم وقال: من أنتم؟ قالوا: نحن أولاد يعقوب النبي، قدمنا من أرض كنعان لنشتري القوت. فسكت، وأمر بتزيين قصره؛ وبات إخوته على الباب.\rوأصبح يوسف فجلس على السرير، وتتوج وتطوق وتمنطق؛ ثم أمر بإخوته؛ فدخلوا عليه - وهم عشرة، وتأخر عنهم بنيامين عند أبيه - .\rقال الله تعالى: \" وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون \" .","part":3,"page":343},{"id":1344,"text":"فسلموا عليه، وحيوه بتحية الملوك؛ فرد عليهم وقال لهم: إنكم أولاد يعقوب النبي، فكيف لي بصدقكم؟ فقال له روبيل: نحن نأتيك بأخينا الذي عند أبينا يخبرك بمثل ما أخبرناك به.\rفأمر بأخذ بضاعتهم، وأن يكال لهم الطعام بقدر كفايتهم.\rثم قال لأعوانه: اجعلوا بضاعتهم في رحالهم. قال الله تعالى: \" ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين، فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون، قالوا سنراود عنه أبانا وإنا لفاعلون، وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون \" .\rفوضعت في رحل يهوذا؛ ثم سار القوم حتى أتوا إلى أرض كنعان، فدخلوا على أبيهم؛ فسألهم عن حالهم وما كان من أمرهم؛ وفتحوا رحالهم، فوجدوا بضاعتهم ردت إليهم؛ فدخلوا على أبيهم وقالوا: يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا.\rفقال: إن هذا الطعام حرام عليكم إلا أن تؤدوا ثمنه.\rفقالوا: كيف نرجع إليه وقد ضمنا له أن نأتيه بأخينا بنيامين؟ ثم قالوا ما أخبر الله تعالى عنهم: \" يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكل وإنا له لحافظون، قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظاً وهو أرحم الرامين \" .\rفقال له يهوذا: يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير، قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما أتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل.\rودعا يعقوب بقميص يوسف الذي وردوا عليه بالدم، فألبسه بنيامين وودعهم وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون؛ ثم ساروا.\rدخولهم المرة الثانية\rقال: فلما بلغوا مصر ودخلوا على يوسف قربهم، ونظر إلى أخيه بنيامين وأدناه وأجلسه بين يديه.\rقال الله تعالى: \" ولام دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه \" .\rثم قال له: أرى كل واحد من هؤلاء مع أخيه، فما بالك منفرداً؟ فقال: أيها العزيز، كان لي أخ، ولا أدري ما أصابه، غير أنه خرج مع هؤلاء الإخوة إلى الغنم، فذكروا أن الذئب أكله، وردوا قميصه هذا الذي علي وهو ملطخ بالدم.\rفقال لهم يوسف: يا أولاد يعقوب، إن فيكم من يصيح بالأسد فيخر ميتاً ومن يأخذ برجل الذئب فيشقه اثنين، وفيكم من يقتلع الشجرة من أصلها، وفيكم من يعدو مع الفرس فيسبقه.\rقالوا: نعم أيها العزيز. فقال: سوءة لكم ولقوتكم إذ يعدو الذئب على أخيكم فيأكله. فقالوا: إذا جاء القضاء ذهبت القوى.\rفسكت يوسف، ثم أمر لهم بخمس موائد، وأمر كل اثنين منهم أن يجلسا على مائدة؛ ثم وضعت أخرى بين يدي بنيامين، فبكى؛ فقال له: ما يبكيك؟ قال: أيها العزيز، إخوتي يأكلون كل واحد مع أخيه، وأنا وحدي، ولو كان أخي يوسف باقياً أكل معي.\rفقال يوسف: يا فتى، أنا لك كالأخ. ثم نزل عن السرير وأكل معه.\rفلما فرغوا من الأكل جعل يوسف يسألهم عن أرض كنعان وهم يخبرونه.\rثم خرج صبي من القصر يتثنى، فنظر إليه بنيامين وبكى؛ فقال له يوسف: مم بكيت؟ قال: هذا الصبي يشبه أخي يوسف، فبكيت لأجله.\rفقال يوسف: هل فيكم من حزن على يوسف؟ قالوا: نعم، كلنا حزنا عليه وبنيامين أشد منا حزناً.\rثم قال: فما الذي حملتم من البضاعة؟ قالوا: لم نحمل شيئاً، لأنه لم يكن لنا شيء، غير أنا رددنا عليك البضاعة التي وجدناها في رحالنا، لأنها ثمن الطعام الذي حملناه من عندك.\rفأمر أن يعطوا من الطعام ما تحمله إبلهم، وأمر غلمانه أن يجعلوا الصواع في رحل بنيامين؛ فكانوا يكيلون وإخوة يوسف يخيطون الأعدال، حتى فرغوا.\rورحل إخوة يوسف وهم لا يشعرون بالصواع.\rوقال الثعلبي: كانت السقاية مشربة يشرب فيها الملك، وكانت كأساً من ذهب مكللة بالجوهر، جعلها يوسف مكيالاً يكال بها.","part":3,"page":344},{"id":1345,"text":"قال الله تعالى: \" فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون، قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون، قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم، قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين، قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين، قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين \" .\rفعند ذلك أمر يوسف أن تفتش رحالهم. قال الله تعالى: \" فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله \" الآية.\rقال: فلما نظروا ذلك ضربوا بأيديهم على جباههم، وقالوا: ثكلتك أمك فضحتنا يا بنيامين. قال: إني لم أفعل ذلك. قالوا: من وضعه في رحلك؟ قال: الذي جعل البضاعة في رحالكم. فسكتوا، ثم قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون.\rقال الثعلبي: واختلف العلماء في السرقة التي وصف بها يوسف، فقال سعيد وقتادة: سرق يوسف صنماً لجده أبي أمه وكان من ذهب، فكسره وألقاه في الطريق.\rوقال ابن جريج: أمرته أمه - وكانت مسلمة - أن يسرق صنماً لخاله كان يعبده.\rوقال مجاهد: جاء سائل يوماً، فسرق يوسف بيضة من البيت.\rوقال ابن عيينة: كان يخبأ الطعام من المائدة للفقراء.\rوقال الضحاك وغيره: كان أول ما دخل على يوسف من البلاء أن عمته بنت إسحاق كانت أكبر ولد إسحاق، وكانت لها منطقة إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكبر، وكانت راحيل أم يوسف قد ماتت، فحضنته عمته وأحبته حباً شديداً فكانت لا تصبر عنه؛ فلما ترعرع وبلغ سنيات وقع حبه في قلب يعقوب؛ فأتاها وقال: يا أختاه سلمى إلي يوسف، فوالله ما أصبر عنه ساعة واحدة. فقالت: ما أنا بتاركته.\rفلما غلبها يعقوب قالت: فدعه عندي أياماً أنظر إليه، لعل ذلك يسليني عنه. ففعل ذلك يعقوب؛ فلما خرج يعقوب من عندها عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وهو صغير، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها. فالتمست فلم توجد؛ فقالت: اكشفوا أهل البيت. فكشفوهم، فوجدوها مع يوسف؛ فقالت: والله إنه ليسلم لي أصنع به ما شئت - وكان ذلك حكم أهل آل إبراهيم في السارق - فأتاها يعقوب، فأخبرته بذلك؛ فقال: إن كان فعل ذلك فهو يسلم إليك، ما أستطيع غير ذلك.\rفأمسكته بعلة المنطقة، فما قدر يعقوب عليه حتى ماتت، فهو الذي قال له إخوته: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل. قالوا يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين، قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون، فلما استيئسوا منه خلصوا نجياً أي يتناجون قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين، ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.\rقال: ثم تشاوروا فقالوا: إن هذا الملك وأهل مصر كفرة يعبدون الأصنام فتعالوا نتظاهر عليهم.\rقال روبيل: أنا أكفيكم الملك وأعوانه.\rوقال شمعون: أنا أكفيكم أمر العزيز وأعوانه.\rوقال يهوذا: أنا أكفيكم الأسواق.\rفعلم يوسف بذلك، فأحضرهم وقال: يا بني يعقوب، ما الذي غركم مني؟ أحسنت إليكم مرة بعد مرة، وتفضلت عليكم، وجنى أخوكم جناية فتشاورتم في هلاك المدينة وأهلها، أتظنون أن القوة لكم دون غيركم؟ ثم ضرب برجله السدة التي كان عليها فطحطحها وكسر صفائح رخامها؛ ثم قال: لولا أنكم من أولاد الأنبياء لصحت بكم صيحة تخرون على أذقانكم.\rقال: وكان يهوذا قد عزم على أن يفعل شيئاً، وكان على كتفه شعرة إذا غضب خرجت من جبته فيقطر منها الدم، ثم يصيح صيحة فلا يسمعها أحد إلا سقط مغشياً عليه؛ وكان لا يسكن غضبه إلا أن يمسه أحد من آل يعقوب؛ فدعا يوسف بابنه منسا وقال: اذهب إلى ذلك الكهل فمسه بيدك، وتنح عنه من حيث لا يشعر بك. ففعل ذلك، فسكن غضبه؛ فقال يهوذا لإخوته: من الذي مسني منكم فقد سكن غضبي. قالوا: لم يمسك غير ذلك الصبي. فقال: والله لقد مستني يد من آل يعقوب.","part":3,"page":345},{"id":1346,"text":"فلما عسر عليهم ما عزموا عليه، عزموا على العود إلى أبيهم، وتركوا روبيل عند بنيامين.\rقال: فلما انصرفوا دخل يوسف إلى منزله وأحضر بنيامين، وقال: أتعرفني؟ قال: نعم، أنت العزيز، والله ما سرقت، فلا تعجل علي، فإنك موصوف بالإحسان. فضمه يوسف إلى صدره، وقال له: أنا أخوك يوسف. ثم كساه وسأله عن أبيه، فأخبره بما يقاسيه من أجله.\rقال: ورجع إخوة يوسف إلى أبيهم فذكروا ما كان من خبر بنيامين، وأن روبيل أقام عنده.\rقال: وكيف يسرق ولدي وهو من الذرية الطيبة؟ فقالوا له: واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون، قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنه هو العليم الحكيم، وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم إلى قوله: ما لا تعلمون.\rقال: وأخذ في البكاء حتى ضجر منه جيرانه، فأوحى الله إليه: أن كف عن بكائك فإني سأرد عليك بصرك، وأجمع بينك وبين ولدك. فسكن وهدأ، ثم قال لبنيه: احملوا كتابي إلى العزيز. ودعا بابنته دينة وقال لها: اكتبي، باسم إله إبراهيم، من يعقوب إلى عزيز مصر، إن الله أكرمني بولد كان أحب أولادي إلي وفقدته وبكيت عليه حتى عميت، وكنت لآنس بأخيه بنيامين الذي حبسته عندك؛ وعجبت من أمر الصواع؛ فإن أولاد الأنبياء لا يفعلون ذلك، وإنه مكذوب عليه؛ فإذا أتاك كتابي هذا فتفضل علي بولدي ورده علي فإني أدعو الله أن يزيدك فضلاً وكرامة.\rوسلم الكتاب إليهم، وقال: يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله الآية.\rدخولهم في الدفعة الثالثة\rقال: وساروا حتى دخلوا مصر، فاستقبلهم روبيل ودخل معهم، فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين؛ وناولوه الكتاب؛ فقبله وقرأه، ثم قال لهم: لو كنتم حملتم إلي هذا الكتاب قبل اليوم دفعته لكم، ولكني قد ألقيت حديثه إلى الملك، وأنا أكلمه فيه.\rحديث الصاع قال: ثم أمر يوسف بإحضار الصاع بين يديه وقال: اجتمعوا حتى أسأل هذا الصاع عنكم. فنقر الصاع فطن، فقال: يا بني يعقوب، إن هذا الصاع يقول: إنكم تشهدون بالزور؛ وإنكم كذبتم في قولكم: إن الذئب أكل أخاكم.\rقالوا: ما شهدنا بالزور قط، وما قلنا في يوسف إلا الحق. فنقر الصاع وقال: أتدرون ما يقول؟ إنه يقول: إنكم حسدتم أخاكم، وأخرجتموه من عند أبيه وأردتم قتله، ثم ألقيتموه في الجب المظلم البعيد القعر. ثم نقر ثالثاً وقال: إنه يقول، ما كذبتك فيما أقول، ولقد أخرجوا أخاهم من الجب فباعوه بعشرين درهماً عدداً تنقص درهماً، وأوصوا مشتريه أن يقيده حتى يبلغ أرض مصر. فتغيرت وجوه القوم، وقالوا: ما نعرف شيئاً من هذا. ثم نقره رابعاً وقال: إنه يقول: وكتبوا كتاب البيع بخط يهوذا. فقال: أيها العزيز، إني لم أكتب شيئاً وأنكره. فقال: مكانكم حتى أعود إليكم. ودخل على زليخا وقال: هاتي تلك الصحيفة. فأخرجتها له؛ فأخرجها إلى يهوذا وقال: أتعرف خطك؟ قال: نعم. فألقاها إليه فرآها وهي خطه؛ فقال: هي خطي، \" غير أني لم أكتبه باختياري، وإنما كتبته على عبد أبق منا \" .\rفغضب يوسف وقال: ألستم تزعمون أنكم من أولاد الأنبياء، ثم تفعلوا مثل هذا.\rثم قال لأعوانه: انصبوا عشرة أشجار على باب المدينة حتى أضرب أعناق هؤلاء وأصلبهم؛ وأجعلهم حديثاً لأهل مصر. فبكوا وقالوا: اقتلنا كيف شئت ولا تصلبنا.\rوأقبل بعضهم على بعض وقالوا: هذا جزاؤنا بما عاملنا به أخانا. فلما أقروا كلهم بالذنب، رفع التاج عن رأسه، وقال: هل علمتم مل فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون، وكان في رأسه شامة مثلها في رأس يعقوب؛ فلما نظروا إلى الشامة عرفوها وقالوا: ءإنك لأنت يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إلى قوله: وهو أرحم الراحمين.\rفعمد يوسف إلى قميصه، وجعله في قصبة من فضة؛ ودفعه إلى يهوذا وخلع عليهم وطيبهم، وقال: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً وائتوني بأهليكم أجمعين. فخرجوا، وسبقهم يهوذا بالقميص. قال الله تعالى: \" ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون \" .","part":3,"page":346},{"id":1347,"text":"قال: لما فصلت العير من أرض مصر حملت الريح رائحة القميص فشمها يعقوب، فقال ذلك. ومعنى تفندون أي تكذبون. فقال له أهله: - وقيل بنو بنيه - تالله إنك لفي ضلالك القديم، معناه في حبك القديم ليوسف.\rفلما وصل يهوذا بالقميص ودخل على يعقوب ألقاه على وجهه وقال: خذها بشارة. فعاد بصره من ساعته، وخر ساجداً لله. قال الله تعالى: \" فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيراً \" الآية.\rوجاء بنوه وقالوا: يا نبي الله، نحن الذين غيبنا يوسف عنك، ونحن الذين تيناك بخبره وهو عزيز مصر. ثم قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين، قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم.\rقال: وجاءه جبريل بناقة من نوق الجنة، فاستوى عليها، وخرج من أرض كنعان يريد مصر ومعه أولاده وأهله، وهم ثمانية وسبعون إنساناً، فدعا لعم يعقوب فما دخل أولاده مصر إلا وقد غفر لهم؛ وخرج يوسف لملتقى أبيه ومعه خلق كثير فلما رآه يوسف ترجل عن فرسه وأبرك يعقوب ناقته، واعتنقا وبكيا، وقال يوسف: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين.\rقال الله تعالى: \" ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً \" يعني الأب والخال، \" وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزع الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم \" .\rقال: وكان بين مفارقته ووقت الاجتماع أربع وثلاثون سنة.\rوقال الحسن: كان بين خروج يوسف إلى يوم الالتقاء معه ثمانون سنة لم تجف عيناه.\rوأقام يعقوب بمصر أربعين سنة. وقيل: أربعاً وعشرين سنة؛ ثم أمره الله أن يرتحل إلى أرض كنعان لاقتراب أجله؛ فارتحل ومات هناك، ودفن إلى جانب أبيه إسحاق.\rوحكى الثعلبي - رحمه الله - أن يعقوب مات بمصر، وأوصى يوسف أن يحمل جسده إلى الأرض المقدسة حتى يدفنه عند أبيه إسحاق وجده إبراهيم؛ ففعل ذلك، ونقله في تابوت من ساج إلى البيت لمقدس، وخرج معه في عسكره وإخوته وعظماء أهل مصر، ووافق ذلك اليوم وفاة عيصو، فدفنا في يوم واحد، وكان عمرهما جميعاً مائة سنة وسبعاً ولأربعين سنة، لأنهما ولدا في بطن واحد، وقبرا في قبر واحد.\rدعوة يوسف\rوارتحاله عن بلد الريان\rقال: ثم إن يوسف - عليه السلام - دعا أهل مصر إلى الإيمان سراً وعلانية، فآمن به كثير منهم، وكسروا الأصنام، وصارت الغلبة للمسلمين؛ فاستدعاه ريان بن الوليد وقال له: أيها العزيز، إن أهل مصر يحبونك وقد كرهوك بسبب أديانهم، فما لك وأديانهم؟ فقال يوسف: قد بلغني ذلك وأنا راد عليك ما خولتنيه، ومتحول عنك وعن قومك بأهل ملتي، فإني لا أحب أن أكون من عبدة الأوثان.\rوخرج يوسف هو وأولاده وإخوته وقومه الذين آمنوا حتى نزل الموضع الذي استقبل أباه يعقوب عنده؛ فجاءه جبريل وخرق له نهراً من النيل إلى هناك، وهو نهر الفيوم، ولحق به كثير من الناس، وآمنوا، وابتنى مدينتين وسماهما بالحرمين وكان لا يدخلهما أحد إلا يلبي يقول: \" لبيك يا مفضل إبراهيم بالنبوة لبيك \" .\rولم يكن بأرض مصر أعمر منهما، وسار يوسف في قومه سيرة الأنبياء حتى مات.\rوفاة يوسف قال: ولما أدركته الوفاة أوصى إلى ابنه أفرايم أن يسوس قومه بالواجب وأن يكون معانداً لأهل مصر الذين يعبدون الأوثان، ويجاهدهم في الله حق جهاده؛ ثم توفي، وكانت زليخا قد ماتت قبله، وما تزوج بعدها.\rقال الثعلبي: قال أهل التاريخ: عاش يوسف بعد يعقوب ثلاثاُ وعشرين سنة، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة.\rقالوا: ودفن في بلده فعمر الجانب الذي يليها وأخصب، وقحط الجانب الآخر، فشكا أهله إلى الملك، فبعث أفرايم أن ينقله فيدفنه في الجانب الآخر وإن لم يفعل قاتله؛ فدفنه هناك، فخصب ذلك الجانب، وقحط الآخر، فكان يدفن سنة في هذا الجانب، وسنة في الآخر؛ ثم اجتمعت الآراء أن يدفن في وسط النهر؛ ففعلوا ذلك، فخصب الجانبان ببركته، ولم يزل في نهر النيل حتى بعث الله موسى - عليه السلام - فأمره الله أن يحمل تابوت يوسف؛ فأخرجه ونقله إلى بيت المقدس، فدفنه هناك، وموضع قبره معروف.\rالباب الخامس من القسم الثاني من الفن الخامس\rقصة أيوب (ع)\rوابتلائه وعافيته","part":3,"page":347},{"id":1348,"text":"عن وهب بن منبه أنه لم يكن بعد يوسف نبي إلا أيوب، وهو أيوب بن أموص ابن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم.\rوكان أموص كثير المال والماشية، لم يكن في أرض الشام أغنى منه؛ فلما مات صار ذلك جميعه لأيوب؛ وكان أيوب يومئذ ابن ثلاثين سنة، فأحب الزواج فخطب رحمة بنت أفرايم بن يوسف؛ فتزوجها، وكانت أشبه الخلق بيوسف وكانت كثيرة العبادة، فرزقه الله منها اثني عشر بطناً، في كل بطن ذكر وأنثى؛ ثم بعثه الله تعالى إلى قومه رسولاً - وهم أهل حوران والبثنية - ورزقه الله حسن الخلق والرفق، فشرع لقومه الشرائع، وبنى المساجد، ووضع موائد للفقراء والأضياف؛ وأمر وكلائه ألا يمنعوا أحداً من زراعته وثماره، فكان الطير والوحش وجميع الأنعام تأكل من زرعه وبركة الله تزداد صباحاً ومساء؛ وكانت كل مواشيه تحمل في كل سنة بتوءم.\rوكان أيوب إذا أقبل الليل جمع من يلوذ به في مسجده، ويصلون بصلاته ويسبحون بتسبيحه حتى يصبح، فحسده إبليس؛ وكان لا يمر بشيء من ماله وماشيته إلا رآه وهو مختوم بخاتم الشكر؛ وكان إذ ذاك يصعد إلى السموات ويقف في أي مكان أحب منها، حتى رفع الله عيسى بن مريم، فحجب عن أربع سموات منها؛ حتى بعث الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، فحجب عن جميعها فصعد إبليس في زمن أيوب - عليه السلام - وقال: يا رب إني طفت الأرض ففتنت من أطاعني إلا عبادك منهم المخلصين. فنودي: يا ملعون، هل علمت بعبدي أيوب؟ وهل نلت منه مع طول عبادته؟ وهل تستطيع أن تغيره عن عبادتي؟ فقال إبليس: إلهي إنك ذكرته بالخير، وقد نظرت في أمره فإذا هو عبد عافيته بعافيتك، ورزقته شكرك، ولم تختبره بالبلاء؛ فلو ابتليته بالمصائب لوجدته بخلاف ما هو عليه، فلو سلطتني على ماله لرأيته كيف ينساك.\rفسلطه الله على ماله؛ فانقض وجمع العفاريت، وأخبرهم أنه سلط على مال أيوب، وحضهم على زرعه وأشجاره ومواشيه، فأحرقوا الأشجار، وصاحوا بالمواشي صيحة فماتت برعاتها.\rقيل: وكان له ألف فرس وألف رمكة وألف بغل وبغلة، وثلاثة آلاف بعير، وألف وخمسمائة ناقة، وألف ثور، وألف بقرة، وعشرة آلاف شاة وخمسمائة فدان، وثلاثمائة أتان، مع ما يتبع ذلك من النتاج؛ فهلك جميع ذلك؛ ثم أقبل إبليس إلى أيوب في صورة راع من رعاته، وخيل له أن عليه وهج الحريق وقد اسود وجهه، وهو ينادي: يا أيوب، أدركني فأنا الناجي دون غيري ما رأيت قط مثل هذا اليوم، رأيت ناراً أقبلت من السماء فأحرقت أموالك، وسمعت نداء من السماء: هذا جزاء من كان مرائياً في عمله يريد به الناس دون الله.\rوسمعت النار تقول: أنا نار الغضب. فأقبل أيوب على صلاته، ولم يكترث به حتى فرغ منها، وقال: يا هذا، لقد كثرت علي، ليست الأموال لي، بل هي لربي يفعل فيها ما يشاء. فقال إبليس: صدقت.\rوماج الناس بعضهم في بعض، وقالوا: هلا قبضها قبضاً جميلاً.\rفشق ذلك على أيوب من قولهم، ولم يجبهم، غير أنه قال: الحمد لله على قضائه وقدره. وانصرف إبليس عنه، وصعد إلى السماء، فنودي: يا ملعون كيف وجدت عبدي أيوب وصبره على ذهاب أمواله؟ فقال إبليس: إلهي إنك قد متعته بالأولاد، فول سلطتني عليهم لوجدته غير صابر. فنودي: يا ملعون اذهب فقد سلطتك عليهم. فانقض إبليس على باب قصر أيوب الذي فيه أولاده فزلزله حتى سقط عليهم، وشدخهم بالخشب، ومثل يهم كل مثلة؛ فأوحى الله إلى الأرض: احفظي أولاد أيوب فإني بالغ في مشيئتي.\rوأقبل إبليس إلى أيوب وقال له: لو رأيت قصورك كيف تهدمت، وأولادك وما حل بهم. ولم يزل يعد له ما حل بهم حتى أبكاه؛ ثم ندم على بكائه، فاستغفر وخر ساجداً؛ وأقبل على إبليس وقال: يا ملعون، انصرف عني خائباً؛ فإن أولادي كانوا عارية عندي لله.","part":3,"page":348},{"id":1349,"text":"فانصرف وصعد إلى السماء، ووقف موقفه، فنودي: يا ملعون، كيف رأيت عبدي أيوب واستغفاره عند بكائه؟ فقال: إلهي إنك قد متعته بعافية نفسه، وفيها عوض عن المال، فلو سلطتني على بدنه لكان لا يصبر. فنودي: يا ملعون اذهب فقد سلطتك على جسده إلا عينيه ولسانه وقلبه وسمعه. فانقض إبليس عليه وهو في مسجده يتضرع إلى الله ويشكره على جميع بلائه؛ فلما سمع إبليس ذلك منه اغتاظ، ولم يتركه يرفع رأسه من السجود حتى نفخ في منخريه كالنار الملتهبة؛ فاسود وجهه، ومرت النفخة في سائر جسده؛ فتمعط منها شعره، وتقرح جميع بدنه، وورم في اليوم الثاني، وعظم في الثالث، واسود في الرابع، وامتلأ قيحاً في الخامس، وسال منه الصديد في اليوم السابع ووقع فيه الحكاك، فجعل يحكه حتى سقطت أظافيره؛ فحك بدنه بالخروق والمسح والحجارة، وكان إذا سقطت دودة من بدنه ردها إلى موضعها، ويقول: كلي إلى أن يأذن الله بالفرج.\rفقالت له رحمة: يا أيوب، ذهب المال والولد، وبدء الضر في الجسد.\rفقال لها، يا رحمة، إن الله ابتلى الأنبياء من قبل فصبروا، وإن الله وعد الصابرين خيرا؛ وخر ساجداً لله تعالى، وقال: إلهي لو جعلت ثوب البلاء سرمداً وحرمتني العافية، ومزقتني كل ممزق، ما ازددت إلا شكراً؛ إلهي لا تشمت بي عدوي إبليس.\rثم قال لرحمة: انقليني إلى موضع غير مسجدي، فإني لا أحب أن يتلوث المسجد.\rفانطلقت إلى قوم كان أيوب يحسن إليهم؛ فالتمست منهم أن يعينوها على إخراجه من المسجد؛ فقالوا: إنه قد غضب عليه ربه بما كان فيه من الرياء، فليت كان بيننا وبينه بعد المشرقين. فرجعت رحمة واحتملته إلى الموضع الذي كان يضع فيه الموائد للناس بالفضاء.\rثم قال لها: يا رحمة، إن الصدقة لا تحل علينا، فاحتالي في خدمة الناس. وبكى وبكت، فكانت تخدم أهل البلد في سقي الماء وكنس البيوت وإخراج الكناسات إلى المزابل، وتتكسب من ذلك ما تنفقه على أيوب؛ فأقبل إبليس في صورة شيخ، فوقف على أهل القرية وقال: كيف تطيب نفوسكم بمخالطة امرأة تعالج من زوجها هذا القيح والصديد وتدخل بيوتكم، وتدخل يدها في طعامكم وشرابكم؟! فوقع ذلك في قلوبهم ومنعوها أن تدخل بيوتهم.\rقال: واشتد بأيوب البلاء، ونتن حتى لم يقدر أحد من أهل القرية أن يستقر في بيته لشدة رائحته؛ فاجتمعوا على أن يرسلوا عليه الكلاب لتأكله؛ فأرسلوها فعدت حتى قربت منه وولت هاربة ولم ترجع إلى القرية.\rثم قال لرحمة: إن القوم قد كرهوني، فاحتالي في نقلي عنهم.\rفتوجهت واتخذت له عريشاً، واستعانت بمن يحمله؛ فأعانها الله بأربعة من الملائكة، فحملوه بأطراف النطع إلى العريش، وعزوه في مصيبته ودعوا له بالعافية؛ واتخذت له رحمة في العريش رماداً، فألقى نفسه عليه؛ ثم توجهت في طلب القوت، فردها أهل القرية، وقالوا: إن أيوب سخط عليه ربه. فعادت إليه باكية، وقالت: إن أهل القرية غلقوا أبوابهم دوني. فقال: إن الله لا يغلق باباً دوننا. فحملته إلى قرية أخرى، وصنعت له عريشاً ودخلت القرية، فقربوها وأكرموها، وحملت في ذلك اليوم عشرة أقراص من خمسة بيوت؛ ثم شم أهل القرية رائحة أيوب بعد ذلك، فمنعوا رحمة أن تدخل إليهم، وقالوا: نحن نواسيك من طعامنا بشيء. فرضيت بذلك؛ فبينما هي تتردد إلى أيوب إذ عرض لها إبليس في صورة طبيب وقال: إني أقبلت من أرض فلسطين لما سمعت خبر زوجك، وقد جئت لأداويه، وأنا صائر إليه غداً فيجب أن تخبريه، وقولي له: يحتال في عصفور أو طائر فيذبحه ولا يذكر اسم الله عليه، ويأكله ويشرب عليه قدحاً من خمر، ففرجه في ذلك. فجاءت رجمة إلى أيوب وأخبرته بذلك، فتبين الغضب على وجهه، وأخبرها أنه إبليس وحذرها أن تعود لمثل ذلك؛ ثم أقبلت بعد ذلك إلى أيوب بشيء من الطعام فعرض لها إبليس في صورة رجل بهي على حمار، فقال: إني أعرفكم وأنتم أهل غناء ويسار فما الذي غير حالكم؟ فذكرت ما أصاب أيوب من البلاء في المال والولد والنفس قال: وفي أي شيء أصابتكم هذه المصائب؟ قالت: لأن الله أراد أن يعظم لنا الأجر على قدر بلائه.\rقال إبليس: بئس ما قلت، ولكن للسماء إله وللأرض إله؛ فأما إله السماء فهو الله؛ وأما إله الأرض فأنا، فأردتكم لنفسي فعبدتم إله السماء ولم تعبدوني ففعلت بكم ما فعلت، وسلبتكم نعمكم، وكل ذلك عندي، فاتبعيني حتى تنظري إلى ذلك، فإنه عندي في وادي كذا وكذا.","part":3,"page":349},{"id":1350,"text":"فلما سمعت رحمة ذلك منه عجبت، واتبعته غير بعيد حتى وقفها على ذلك الوادي، وسحر عينيها حتى رأت ما كانت فقدته من أموالهم. فقال: أنا صادق أم لا؟فقالت: لا أدري حتى أرجع إلى أيوب. فرجعت وأخبرته بذلك، فتألم وأنكر عليها وغضب؛ فسألته أن يعفو عنها ولا تعود؛ فقال: قد نهيتك مرة وهذه أخرى، وأقسم إن عافاه الله ليجلدنها مائة جلدة على كلامها لإبليس.\rقال: ولبث أيوب في بلائه ثماني عشرة سنة حتى لم يبق إلا عيناه تدوران في رأسه، ولسانه ينطق به، وقلبه على حالته، وأذناه يسمع بهما.\rقال: وعجزت رحمة في بعض الأيام عن تحصيل القوت، وطافت القرية حتى أتت إلى امرأة عجوز فشكت لها ذلك؛ فقالت العجوز: يا رحمة، قد زوجت ابنتي، فهل لك أن تعطيني ضفيرتين من ضفائرك لأزين بهما ابنتي، وأعطيك رغيفين. فأجابتها رحمة إلى ذلك، وأخذت الرغيفين، وجاءت بهما إلى أيوب؛ فأنكرهما أيوب وقال: من أين لك هذين؟ فأخبرته بالقصة؛ فصاح أيوب وقال ما أخبر الله تعالى: \" أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين \" .\rفأوحى الله إليه: يا أيوب، قد سمعت كلامك، وسأجزيك على قدر صبرك؛ وأما رحمة فلأرضينها بالجنة.\rكشف البلاء عنه قال: فلما كان يوم الجمعة عند زوال الشمس، هبط عليه جبريل فسلم عليه فرد عليه وقال: من أنت؟ قال: أنا جبريل؛ وبشره بالشفاء، وأن الله قد وهب له أهله وماله وولده ومثلهم معهم لتكون آية، فبكى أيوب من شدة الفرح وقال: الحمد لله الذي لم يشمت بي عدوي إبليس. فقال له جبريل: قم يا أيوب. فلم يستطع؛ فأخذ بيده وقال: قم بإذن الله. فقام على قدميه، فقال له جبريل: أركض برجلك هذه الأرض. فركضها، فنبعت عين من الماء تحت قدميه أشد بياضاً من الثلج وأحلى من العسل وأذكى من المسك؛ فشرب منه شربة فسقط ما في بدنه من الدود، ثم أمره جبريل فاغتسل من تلك العين، فخرج وجهه كالقمر وعاد إليه حسنه وجماله؛ ثم ناوله جبريل خلعتين، فأتزر بواحدة وارتدى بالأخرى؛ وناوله نعلين من الذهب شراكهما من الياقوت؛ وناوله سفرجلة من الجنة؛ ثم قام إلى الصلاة، فأقبلت رحمة وقد طردها الناس من كل الأبواب؛ فلما صارت إلى ذلك المكان رأته وقد تغير، فظنت أنها قد أخطأت الطريق؛ فقالت: أيها المصلي كلمني. فلم يكلمها، وثبت في صلاته؛ فقال له جبريل: كلمها. فقال: ما حاجتك؟ قالت: هل عندك علم بأيوب المبتلى فإني خلفته هاهنا ولست أراه.\rفتبسم أيوب وقال: إن رأيته عرفته؟ فقالت: والله إنك لأشبه الناس به قبل بلائه. فضحك وقال: أنا أيوب. فبادرت إليه واعتنقته، وبشرهما جبريل بأولادهما وما فقداه من الأموال وغيرها ومثلهم معهم، وأمطر الله عليهم جراداً من ذهب؛ وكان له بيدران، فأرسل الله سحابتين فأفرغتا في أحدهما ذهباً وفي الآخر فضة حتى فاض أحدهما على الآخر.\rقيل إنه كان له بعد العافية أربعة آلاف وكيل، رزق كل واحد في الشهر مائة مثقال من الذهب، وبين يديه اثنا عشر من البنين، ومثلهم من البنات وملكه الله جميع بلاد الشام، وأعطاه مثل عمره الذي عمره في الماضي.\rفلما أدركته الوفاة أوصى أولاده أن يخلفوه في ماله كما كان يفعل مع الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل؛ ثم مات، وتوفيت امرأته قبله.\rوقيل: بعده بقليل؛ فدفن إلى جانب العين التي أذهب الله بلاءه فيها.\rقال الثعلبي - رحمه الله تعالى - : وكانت مدة ابتلائه ثماني عشرة سنة.\rالباب السادس من القسم الثاني من الفن الخامس\rذي الكفل\rاختلف العلماء في ذي الكفل من هو؟ فقال الكسائي: هو ابن أيوب - عليهما السلام - وذكر قصته فقال: لما قبض الله - عز وجل - أيوب عليه السلام سار ابنه حوميل - وهو أكبر أولاده - في الناس سيرة أبيه، حتى خرج عليهم ملك من ملوك الشام يقال له: لام بن دعام، فغلب على بلاد الشام، وبعث إلى حوميل يقول: إنكم ضيقتم علينا بلاد الشام، وأريد منكم نصف أموالكم وتزوجوني أختكم حتى أقركم على ما أنتم عليه، وإلا سرت إليكم بخيلي ورجلي وجعلتكم غنيمة.\rفأرسل إليه حوميل يقول: إن هذه الأموال التي في أيدينا ليس لأحد فيها حق إلا الفقراء والمساكين والأيتام والأرامل؛ وأما أختنا فإنك من غير ديننا، فلا نزوجها لك؛ وأما تخويفك لنا بخيلك ورجلك، فنحن نتوكل على الله ربنا، وهو حسبنا.","part":3,"page":350},{"id":1351,"text":"فجمع الملك جنوده وقصدهم، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فكانت الكسرة على أولاد أيوب، وأسر بشير بن أيوب وجمعة معه؛ وانقلب حوميل بنفسه وجمع مالاً عظيماً ليحمله إلى الملك ويخلص أخاه منه؛ فبينما هو في ذلك أتاه آت في منامه فقال: لا تحمل هذا المال، ولا تخف على أخيك، فإن هذا الملك يؤمن وتكون عاقبة أمره خيراً.\rفلما أصبح قص رؤياه على إخوته، ففرحوا؛ فبلغ الملك توقفه في حمل المال فأرسل إليه يقول: احمل ما تكفل به أخاك من المال وإلا أحرقته بالنار. فبعث إليه: إني قد أمرت ألا أحمل إليك شيئاً، فاصنع ما أنت صانع، فغضب الملك وأمر أن تجمع الأحطاب؛ فجمعت وألقى فيها النار والنفط، وأمر ببشير فألقي فيها فلم تحرقه؛ فعجب الملك من ذلك، وآمن بالله، واختلط بعضهم ببعض، وزوجوه أختهم، وسمي بشير ذا الكفل، وأرسله الله إلى الشام؛ وكان الملك يقاتل بين يديه الكفار، فلم يزل كذلك حتى مات أولاد أيوب؛ ثم مات الملك وغلب العمالقة على الشام، إلى أن بعث الله - عز وجل - شعيباً رسولاً.\rوحكى الثعلبي في تفسيره وقصصه في قصة ذي الكفل غير ما تقدم، وساق القصة تلو قصة اليسع، فقال: قال مجاهد: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلاً على الناس فعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل. فجمع الناس وقال: من يتكفل لي بثلاثة أتستخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب.\rفقام رجل شاب تزدريه العين قال: أنا. فرده ذلك اليوم؛ وقال مثل ذلك في اليوم الآخر؛ فسكت الناس، وقام ذلك الرجل فقال: أنا. فاستخلفه؛ فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان. فأعياهم؛ فقال: دعوني وإياه. فجاءه في صورة شيخ فقير حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل إلا تلك النومة؛ فدق الباب؛ فقال: من هذا؟ فقال: سيخ مظلوم. ففتح الباب، فجعل يقص عليه قصته، فقال: إن بيني وبين قوم خصومة، وإنهم ظلموني وفعلوا وفعلوا وفعلوا؛ وجعل يطول عليه حتى حضر الرواح وذهبت القائلة؛ فقال له: إذا رحت فإني قد آخذ بحقك. فانطلق وراح، فكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ؟ فلم يره؛ فلما رجع وأخذ مضجعه أتاه ودق الباب، فقال: من هذا؟ قال: أنا الشيخ المظلوم. فقال: ألم أقل لك: إذا قعدت فأتني. قال: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا: نحن نطيعك ونعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني.\rقال: فانطلق، فإذا رحت فأتني، ففاتته القائلة، فراح فجعل ينظر فلا يراه وشق عليه النعاس. فلما كانت تلك الساعة جاء فلم يأذن له الرجل، فنظر فرأى كوة في البيت، فتسورها فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب من داخل؛ فاستيقظ ذو الكفل، وقال: يا فلان، ألم آمرك ألا تأذن لأحد علي؟ فقال: أما من قبلي فما أتيت، فانظر من أين أتيت.\rفقام إلى الباب فإذا هو مغلق والرجل معه في البيت، فقال له: أتنام والخصوم ببابك؟ فقال: فعلتها يا عدو الله. قال: نعم، أعييتني في كل شيء ففعلت ما ترى لأغضبك، فعصمك الله مني، فسمي ذا الكفل، لأنه متكفل بأمر فوفى به.\rوروى الثعلبي أيضاً بسند رفعه إلى ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث حديثاً لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين لم أحدث به، سمعته منه أكثر من سبع مرات.\rقال: كان في بني إسرائيل رجل يقال له: ذو الكفل، لا ينزع عن ذنب عمله، فاتبع امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن تعطيه نفسها؛ فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة أرعدت وبكت؛ فقال: ما يبكيك؟ قالت: من هذا العمل ما عملته قط. قال: أكرهته؟ قالت: لا، ولكن حملتني عليه الحاجة. قال: اذهبي فهي لك. ثم قال: والله لا أعصي الله أبداً. فمات من ليلته. فقيل: مات ذو الكفل فوجدوا على باب داره مكتوباً: إن الله قد غفر لذي الكفل.\rوقال أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - إن ذا الكفل لم يكن نبياً ولكنه كان عبداً صالحاً، تكفل بعمل رجل صالح عند موته، فكان يصلي لله تعالى في كل يوم مائة صلاة، فأحسن الله - عز وجل - عليه الثناء.\rوقيل: كان رجلاً عفيفاً، تكفل بشأن رجل وقع في بلاء، فأنجاه الله تعالى.\rوقيل: ذو الكفل، هو إلياس النبي عليه السلام.\rوقيل: هو زكريا النبي عليه السلام؛ والله تعالى أعلم.\rالباب السابع من القسم الثاني من الفن الخامس\rشعيب (ع)","part":3,"page":351},{"id":1352,"text":"هو شعيب بن صنعون بن عفا بن نابت بن مدين بن إبراهيم عليه السلام.\rقال: وعاش مدين عمراً طويلاً، وكان قد تزوج امرأة من العمالقة فولدت له أربعة بنين، ونسلوا فكثر عددهم في حياة مدين، فلما رأى كثرة عقبه جمعهم وأشار عليهم أن يبنوا مدينة ويحصنوها من العمالقة؛ ففعلوا ذلك، وجعلوا أبوابها من الحديد، وسموها مدين باسم أبيهم، وجعلوها محال لقبائلهم، فرغبت العمالقة في مجاورتهم، وامتلأت المدينة من العمالقة ومن أهلها حتى ضاقت بهم، فخرجت العمالقة من مدين ونزلوا بالأيكة - وكانت غيضة عن يمين مدين - فبنوا هناك الدور لأنفسهم، واختلطوا بأهل مدين، وكان أهل مدين يعبدون الله، وأصحاب الأيكة يعبدون الأصنام، ولا يعدو بعضهم على بعض؛ وكان صنعون والد شعيب من العباد والعلماء بمدين، وتحته امرأة من العمالقة، فولدت له شعيباً في نهاية الجمال؛ فلما كبر أعطاه الله فهماً وعلماً؛ وكان قليل الكلام دائم الفكر؛ وكان أبوه إذا تأمل ضعفه ونحافته يقول: اللهم إنك كثرت الشعوب والقبائل في أرض مدين، فبارك لي في شعيبي هذا. يعني ولده. فرأى في منامه أن الله تعالى قد بارك لك في شعيبك هذا، وقد جعله نبياً إلى أهل مدين. فسمي شعيباً لذلك.\rوتوفي والده فقام شعيب مقامه، وبرز بالزهد على أهل زمانه، واشتهر بالعبادة.\rقال: وكان ملك الأيكة - واسمه أبو جاد - قد اتخذ لقومه أصناماً، وهي ثلاثون صنماً، عشرة من الذهب جلاها بالجوهر خاصة به وبأولاده، والبقية من الفضة والنحاس والحجارة والحديد والخشب لبقية الناس.\rقال كعب في تفسير أبجد: إنها أسماء ملوك مدين.\rوقيل: بل ملوك الأيكة، وهم أبو جاد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت.\rقال: وكان أهل مدين أصحاب تجارات يشترون الحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب، ويجلبون ذلك من سائر البلدان يتربصون بهالغلاء، وهم أول من تربص؛ وكان لهم مكيالان: واف يكتالون به لأنفسهم عند الشراء، وناقص يكيلون به للإعطاء، وكذلك في وزنهم؛ فكانوا على ذلك وشعيب بين أظهرهم وهو لا يخالطهم، وله غنم ورثها من أبيه يأكل من منافعها، وهو عظيم المحل عندهم.\rفبينما هو ذات يوم على باب منزله مشتغل بالذكر، إذ جاءه رجل غريب فقال: إن هؤلاء القوم يظلمون الناس، وإني اشتريت منهم مائة مكيال بمائة دينار وقبضوا الثمن وزيادة، والذي كاله منهم نقص عشرين مكيالاً. فقال له شعيب: ارجع إليهم فلعلهم قد غلطوا عليك. قال: قد راجعهم فضربوني وسبوني، وقالوا: هذه سنتنا في بلدنا. والتمس الرجل من شعيب أن يساعده عليهم؛ فخرج شعيب معه حتى صار إلى سوقهم، وسألهم عن قصته فلم ينكروها، وقالوا: ألم تعلم يا شعيب أن هذه سنة آبائنا في بلدنا؟ قال: ليس هذا من السنة. فعذلهم، فلم يرجعوا إلى قوله وضربوا الرجل حتى أدموه، وانصرف شعيب إلى منزله.\rمبعث شعيب قال: فأتاه جبريل في الحال، وأخبره أن الله تعالى قد بعثه رسولاً إلى أهل مدين وأصحاب الأيكة وغيرهم ممن يعبدون الأصنام، وأمره أن يدعوهم إلى عبادة الله وطاعته، وألا يبخسوا الناس أشيائهم.\rقال: وأقبل شعيب إلى أهل مدين وقال لهم ما أخبر الله تعالى به في كتابه: \" وإلى مدين أخاهم عيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط، ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ \" .\rفلما سمعوا ذلك منه أجابوه بما أخبر الله به عنهم: \" قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد، قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاً حسناً وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثلما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد، واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود \" .","part":3,"page":352},{"id":1353,"text":"ثم انصرف عنهم وعاد إليهم من الغد وقد اجتمعوا مع ملكهم أبي جاد؛ فوقف عليهم ونهاهم عن عبادة الأصنام وبخس المكيال والميزان؛ فقالوا له: \" يا شعيب ما نفقه كثير مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز، قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهرياً إن ربي بما تعملون محيط \" .\rفاستهزأ القوم به، فقال: ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب.\rفكذبه سفهاء قومه، كما أخبر الله عنهم: \" كذب أصحاب الئيكة المرسلين، إذ قال لهم شعيب إلا تتقون، إني لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعون، وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، وأوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين، واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين، قالوا إنما أنت من المسحرين، وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين، فاسقط علينا كسفاً من السماء إن كنت من الصادقين، قال ربي أعلم بما تعملون \" .\rثم قال له الملك: قد بلغت رسالتك بزعمك، وقد سمعناها وأبينا، فلا تعد إلينا فترى ما لا طاقة لك به، فقال: أنا رسول الله إليكم، وإني أعود أدعوكم حتى ترجعوا إلى طاعة الله. فغضب الملك، وانصرف عنهم شعيب؛ وآمن به رجل من وزراء الملك، واستكتمه إيمانه، فكتمه شعيب؛ ثم عاد من الغد وقد خرج الملك ومن معه إلى سوقهم، وأخرجوا أصنامهم ونصبوها؛ وأمر الملك في أهل مدين والأيكة: من سجد لأصنامنا فهو منا، ومن أبى عذبناه عذاباً شديداً. فسجد القوم بأجمعهم للأصنام؛ فنا داهم شعيب: إن هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع، فاتركوا عبادتها. وحذرهم عذاب الله. فقالوا: إنك تدعونا بغير حجة، فهل لك حجة على دعواك النبوة؟ قال لهم شعيب: إن نطقت هذه الأصنام بصدق مقالتي أتؤمنون؟ قالوا: نعم. ورضي الملك بذلك؛ فتقدم شعيب إلى الأصنام وقال لها: أيتها الأصنام، من ربك؟ ومن أنا؟ تكلمي بإذن الله. فنطقت بإذن الله وقالت: ربنا الله وخالقنا وخالق كل شيء، وأنت رسول الله ونبيه. وتنكست عن كراسيها ولم يبق منها صنم صحيح؛ وأرسل الله على قوم شعيب ريحاً كادت تنسفهم نسفاً فأسرع الملك ومن معه إلى منازلهم، وآمن بشعيب خلق كثير؛ ثم أصبح الملك ومن معه فخرجوا إلى سوقهم، ونصبوا ما كان قد بقي عندهم من الأصنام، وأمرهم بالسجود لها؛ فأتاهم شعيب ونهاهم وحذرهم فلم يرجعوا إليه، وأمر الملك أصحابه أن يقعدوا لشعيب ولمن معه كل مرصد، ويؤذوهم أشد الأذى؛ ثم قال الملك وقومه: \" ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين \" .\rقال: وإذا بريح قد هاجت عليهم فيها من الحر والكرب ما لا طاقة لهم به حتى رموا أنفسهم في الآبار والسراديب، واشتد الحر ودام عليهم مدة وهم لا يزدادون إلا عتواً وتمرداً، وشعيب يدعوهم ويحذرهم العذاب؛ فيقولون: لسنا نرى من عذاب ربك إلا هذا الحر، ونحن نصبر عليه.\rوأقاموا كذلك أعواماً كثيرة وهم لا يؤمنون؛ فأرسل الله عليهم الذباب الأزرق، فكان يلدغهم كالعقارب، وربما قتل أولادهم؛ ثم تضاعف الحر عليهم فتحولوا من مدين إلى الأيكة، فتضاعف الحر عليهم، وتنقلوا من الأودية إلى العياض والحر يشتد عليهم، حتى اسودت وجوههم، فأقبل إليهم شعيب ودعاهم إلى الإيمان؛ فنادوه: يا شعيب، إن كان ما نلقاه لكفرنا بك وبربك فزدنا منه فإنا لا نؤمن. فأوحى الله إليه أنه مهلكهم، فتحول عنهم.\rخبر الظلة قال الله تعالى: \" فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم، إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين \" .","part":3,"page":353},{"id":1354,"text":"قال: ولما كان من غد يوم مقالتهم ما قالوه لشعيب وهو يوم الأربعاء فانطبقت عليهم حتى لم يبصر بعضهم بعضاً؛ واشتد الحر؛ ثم رمت بوهجها وحرها حتى أنضجت أكبادهم وأحرقتهم وجميع ما كان على وجه الأرض، وشعيب والمؤمنون ينظرون إلى ما نزل بهم، ويتأملون مصارعهم، ولم ينلهم من ذلك مكروه. قال الله تعالى: \" ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة \" يعني صيحة جبريل \" فأصبحوا في ديارهم جاثمين، كأن لم يغنوا فيها إلا بعداً لمدين كما بعدت ثمود \" ثم أقبل شعيب والمؤمنون ينظرون إلى مصارع القوم. قال الله تعالى: \" فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين \" معناها، كيف أحزن علهم. ثم قسم شعيب أموال الكفار على قومه، وتزوج بامرأة من أولاد المؤمنين، ورزقه الله رزقاً حسناً، ولم يزل بأرض مدين حتى كف بصره، وجاء موسى بن عمران من أرض مصر، وزوجه ابنته - على ما نذكره إن شاء الله تعالى - .\rالقسم الثالث من الفن الخامس\rيشتمل على قصة موسى بن عمران عليه السلام وخبره مع فرعون؛ وخبر يوشع بن نون وإلياس واليسع وغيلا واشمويل وداود وطالوت وجالوت وسليمان بن داود ويونس بن متى وجرجيس وبلوقيا وزكريا وعمران ومريم وعيسى، عليهم السلام، وأخبار الحواريين؛ وفيه ستة أبواب؛ والله أعلم بالصواب.\rموسى والأنبياء من بعده\rالباب الأول من القسم الثالث من الفن الخامس\rموسى (ع)\rفي قصة موسى بن عمران وهارون - عليهما السلام - وخبر فرعون وابتداء أمره وغرقه، وأخبار بني إسرائيل، وخبر قارون، وخروج موسى عليه السلام.\rولنبدأ بخبر فرعون وابتداء أمره، وكيف توصل إلى الملك، ثم نذكر قصة موسى عليه السلام معه، ليكون الكلام في ذلك على سياقه.\rفأما فرعون، فهو الوليد بن مصعب.\rقال وهب: كان مصعب بن نسيم بمصر يرعى البقر لقومه، وله امرأة يقال لها: راعونة، وهما من العمالقة؛ فأتت عليه مائة وسبعون سنة لم يرزق ولداً، فبينما هو في برية مصر إذا ببقرة قد ولدت عجلاً؛ فتأوه وحسد البقرة فنادته: يا مصعب لا تعجل، فسيولد لك ولد مشئوم يكون من أهل جهنم. فرجع وذكر ذلك لامرأته، وواقعها فحملت بفرعون، ومات أبوه قبل ولادتها؛ ثم ولدته أمه وسمته الوليد، وأخذت في إرضاعه وتربيته حتى كبر، فأسلمته إلى النجارين؛ فأتقن صناعة النجارة؛ ثم ولع بالقمار، فعاتبته أمه؛ فقال: كفي عني فأنا عون نفسي.\rفلزمه هذا اللقب، فكان يعرف بعون نفسه، فقامر في بعض الأيام، فقمروه في قميصه، وبقي في خلق لا يستره؛ فاستحيا من الناس أن يروه كذلك؛ فهرب حتى صار إلى قرية من قرى مصر؛ فعرض نفسه على بقال، فخدمه، وكان يضرب المشترين ويؤذيهم حتى نفروا من البقال؛ فطردوه فعاد إلى مصر، وكانوا يقولون: فر عون.\rقال: ورجع إليها وهو لا يملك إلا درهماً واحداً، فاشترى به بقلاً وبطيخاً وقعد يبيعه، فجاءه عريف الطريق وطالبه بحق الطريق؛ قال: وما هو؟ قال: درهم. فتلاحيا؛ فترك فرعون رحله ومضى، وجعل يسرق وينقب، فيهرب مرة ويؤخذ أخرى.\rفاتفق أن رجلاً من العمالقة جمح به فرسه فعجز عن ضبطه، فوثب فرعون إلى الفرس وضبطه بلجامه؛ فقال له العمليقي: أراك جلداً قوياً. فاتخذه سائساً؛ فجعل يخدمه حتى مات الرجل وليس له وارث؛ فاحتوى فرعون على جميع ماله وحمله إلى أمه، وأكل ذلك المال حتى فني، وضاق به الأمر، فوقع في قلبه أن يجلس على باب مقابر مصر ويطلب أرباب الجنائز بشيء، ويظهر أنه بإذن الملك؛ ففعل ذلك مدة حتى اجتمع له مال عظيم؛ واتخذ له أعواناً وحفداً يعينونه على ذلك؛ وكان الملك بعد أن أهلك الله الريان بن الوليد تتوارثه الفراعنة؛ واستقر في سنجاب ابن الوليد، وكان مكرماً لبني إسرائيل، وكانوا يعبدون الله علانية ويتلون الصحف جهراً.","part":3,"page":354},{"id":1355,"text":"قال: فماتت ابنة الملك؛ فحملت إلى المقبرة، فتعلق بها أعوان فرعون على العادة لأخذ القطيعة؛ فاتصل الخبر بالملك؛ فأمر بإحضاره وأراد قتله؛ فقص عليه قصته، وفدى نفسه بما جمعه من المال؛ فعظم عند الملك وأقره على عمله؛ فقرر فرعون عند ذلك على جنائز الملوك ألف درهم، وعلى جنائز الوزراء سبعمائة والقواد خمسمائة، ثم إلى المائة، إلى الخمسين، إلى عشرة، إلى ثلاثة؛ فاجتمع الناس إلى الملك وحرفوا رأيه عن هذه الحالة وقبحوها عليه؛ فصرفه الملك عنها وأبطلها؛ وحمل إليه فرعون أموالاً جمة، وقال له: أيها الملك، إن جدي كان على حرس أبيك، فاجعل ذلك إلي. فولاه الحرس وأمره أن يشدد فيه، ويقتل كل من لقيه بالليل كائناً من كان؛ وجعل الملك معه عدة من الرجال والأعوان؛ فخرج فرعون واتخذ لنفسه قبة في وسط البلد، وكان يوجه أعوانه، فمن أتوه به في الليل أمر بقتله؛ فتقدم عند الملك بذلك، لأنه أخاف أعداء الملك، وأمن الملك جانبهم بسببه، وخافه الناس، وجعل لنفسه حاجباً، ونفذت كلمته.\rاستيلاء فرعون على الملك وما كان من أمره قال: واتفق مرض بعض وزراء الملك - وكان الملك يأنس إليه ويقتدي برأيه - فأحب أن يزوره بالليل؛ فخرج منفرداً وليس معه أحد من خدمه؛ فأخذه أعوان فرعن وأتوه به وهو يقول: ويلكم، أنا الملك سنجاب، وهم يظنون أنه يخدعهم بذلك، حتى أتوا به إلى فرعون، فأمر بقتله، فقتل؛ وبادر فرعون بمن معه - وكان فيهم كثرة - ودخل القصر، وكان لا يمنع منه؛ فاستوى على سرير الملك ووضع التاج على رأسه، وفتح الخزائن، وأحضر الوزراء وفرق فيهم الأموال فرضوا به، وصاروا أولياء له.\rقال: وأتاه إبليس وسجد بين يديه، وسماه إلهاً ورباً، ثم سجد له هامان وكان غلاماً لسنجاب - وسجد الوزراء والملوك والأعوان وغيرهم؛ وبعث إلى أسباط بني إسرائيل، فدعاهم إلى الطاعة والسجود له؛ فسجدوا وقصدوا بالسجود لله تعالى.\rثم أقبل فرعون بعد ذلك على إبليس وقال: أيها الشيخ، لأنك كنت مباركاً وأنت أول من سجد لي، ثم جرى القوم بعدك على سنتك، فمن أنت؟ قال: أنا رجل من أهل مصر أشير على الملوك بمصالحهم. ثم قال لفرعون: اتخذ لقومك أصناماً واحملهم على عبادتها، واتخذ لنفسك صنماً انفرد به أنت، واجعله إلهاً ورباً. فوافقه فرعون على ذلك، واتخذ له ثوراً من ذهب يعبده، وأمر الناس بعبادة الأصنام؛ فعبدوها؛ فكان فرعون يعبد الثور، والقبط يعبدون الأصنام، وبنوا إسرائيل يعبدون الله؛ فبلغه ذلك، فأحضر عبادهم وقال: قد بلغني أنكم مطيعون لي في الظاهر، مخالفون لي في الباطن، فاسجدوا لي. فأبوا ذلك، وكان فيهم جماعة من أولاد يوسف ويهوذا، فقتلهم، ثم قتل خلقاً كثيراً، وتبعه الباقون وأسروا الإيمان؛ ثم إن فرعون استعبد الناس ووضع عليهم الخراج الكثير، وشق عليهم في الأعمال.\rهذا ما حكاه الكسائي - رحمه الله - في خبر فرعون وابتداء أمره وسبب ملكه.\rوحكى أبو إسحاق الثعلبي - رحمه الله - في كتابه المترجم بيواقيت البيان في قصص القرآن: أن فرعون موسى هو أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريان ابن أراشة بن ثروان بن عمرو بن فاران بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السلام، وكناه بهذه الكنية.\rقال: وملك بعد أخيه قابوس بن مصعب؛ وذلك أنه لما مات الريان بن الوليد فرعون يوسف - عليه السلام - وذكر أنه قد آمن بيوسف ومات قبل وفاة يوسف - عليه السلام - ملك بعده قابوس بن مصعب صاحب يوسف الثاني؛ فدعاه يوسف إلى الإسلام، فأبى، وكان جباراً، وقبض الله تعالى يوسف في ملكه، وطالت أيام ملكه، ثم هلك؛ وقام بالملك بعده أخوه أبو العباس الوليد ابن مصعب، ولم يذكر خلاف ذلك.\rوقد قيل في اسمه ونسبه وسبب ملكه غير ذلك، وسيرد - إن شاء الله تعالى - في أخبار ملوك مصر الفراعنة ما ستقف عليه هناك - إن شاء الله تعالى - والله أعلم.\rآسية بنت مزاحم وزواج فرعون بها","part":3,"page":355},{"id":1356,"text":"قال: وكانت آسية بنة مزاحم من الصديقات، وهي مختلف في نبوئتها ولا خلاف أنها صديقة؛ وكانت بارعة الجمال؛ فبلغ فرعون خبرها وجمالها، فأرسل إلى أبيها مزاحم إن ابعث لي بآسية فإنها أمتي. فدخل على فرعون وقال: إن ابنتي صغيرة لا تصلح. فكذبه فرعون وقال: قد عرفت وقت ولادتها. فقال: أيها الملك، فاجعل لها مهراً. فغضب فرعون وقال: احملها إلي، فإن رضيتها أكرمتها، وإلا رددتها إليك. فقال له عمران: أيها الملك لا تفضحني في ابنة أخي، ولكن أكرمها بخلعة ومهر. فأجابه إلى ذلك؛ فانصرف مزاحم وأخبر آسية بذلك وقال: إن امتنعت يكون ذلك هلاكي وهلاكك. قال فكيف تكون مؤمنة عند كافر؟ فلم يزل بها حتى أجابت على كره منها؛ وحمل إليها فرعون عشرة آلاف أوقية من الذهب، ومثل ذلك من الفضة، وجملة من أنواع الثياب والطرف؛ وحملت إلى فرعون، فحماها الله منه حتى رضي منها بالنظر. وكان فرعون قد رأى قبل ذلك من الآيات ما دله على أن زوال ملكه يكون على يد فتى من بني إسرائيل؛ فقال: ائتوني بعمران لأنه كبير فيهم لأصطنع إليه وإليهم معروفاً. فأتي به، فخلع عليه وتوجه، وجعله سيد وزرائه، حتى كان هامان وغيره يحسدونه.\r؟ذكر شيء من الآيات التي رآها فرعون قبل مولد موسى عليه السلام فمن ذلك أنه هتفت به الهواتف تقول: ويلك يا فرعون، قد قرب زوال ملكك على يد فتى من بني إسرائيل.\rثم رأى الرؤى التي أزعجته وأفزعته؛ فكان منها أنه رأى شاباً وقد دخل عليه وبيده عصا، فضربه بها على رأسه وقال: ويلك يا فرعون، ما أقل حياءك من خالق السموات، كلما رأيت آية ازددت كفراً. ونظر إلى آسية في المنام ولها جناحان تطير بهما بين السماء والأرض حتى دخلت السماء؛ ورأى الأرض قد انفرجت وأدخلته جوفها؛ فانتبه فزعاً، وقص رؤياه على أهل العبارة، فقالوا: إنها تدل على مولود يولد يسلبك ملكك، ويزعم أنه رسول إله السماء والأرض ويكون هلاكك وقومك على يديه.\rو كان فرعون قبل ذلك إذا عبر عليهم رؤيا يقولون: هذه أضغاث أحلام ويكتمونه على ما تدل عليه.\r؟ذكر خبر قيل الأطفال قال: فاستشار فرعون وزراءه وأهل مملكته؛ فأشاروا عليه بقتل من يولد من الذكور؛ فقيل اثنتي عشرة ألف امرأة وسبعين ألف طفل؛ وكان يعذب الحوامل حتى يسقطن، حتى ضجت الملائكة إلى ربها؛ فأوحى الله إليهم بأن له أجلاً وبشرهم بموسى؛ وكان فرعون قد منع وزراءه وكبار أهل مملكته من الاجتماع بأهاليهم والخلوة بهن، لأنه كان قد بلغه أن المولود يكون من أقرب الناس إليه؛ وكان عمران ممن منع؛ وكان فرعون إذا نام لا يفارقه حتى يستيقظ؛ فبينما عمران ذات ليلة على كرسيه عند رأس فرعون إذا هو بامرأته وقد حملت إليه على جناح ملك من الملائكة؛ فلما نظر عمران إليها فزع وقال: ما حاجتك هاهنا؟ فسكتت؛ فقال له الملك: إن الله يأمرك يا عمران أن تأتي زوجتك على فراش فرعون ليكون ذلك هواناً له. فواقعها فحملت بموسى؛ ثم اغتسلا في الحوض الذي في دار فرعون؛ ثم حملها الملك وردها إلى منزلها؛ وكان على باب فرعون ألف حاجب، والأبواب مغلقة، فلم يغن عنه ذلك؛ ولما أصبح فرعون دخل عليه المنجمون وقالوا: إن الذي تخافه قد حملت به أمه وقد طلع نجمه. فأمر فرعون القوابل والحواضن أن يدرن على نساء بني إسرائيل؛ ففعلن ذلك، ولم يعبرن بيت عمران لعلمهن بملازمته لفرعون ليلاً ونهاراً؛ فلما تمت أيامها جاءها الطلق نصف الليل، وليس عندها إلا ابنتها، فوضعته ووجهه يتلألأ نوراً.\rميلاد موسى\rوما كان من أمره وإلقائه في التابوت","part":3,"page":356},{"id":1357,"text":"قال: وأصبحت أم موسى وهي شديدة الفرح به والخوف عليه؛ وسمع فرعون في تلك الليلة هاتفاً يقول: ولد موسى وهلكت يا فرعون وتنكست الأصنام. فشدد فرعون في طلب المولود، فكانت أمه ترضعه، وإذا خرجت في حاجة ألقته في التنور بمهده وغطته؛ ففعلت ذلك في بعض الأيام، وكانت أخته قد عجنت وأرادت أن تخبز، فسجرت التنور وهي لا تعلم أن موسى فيه؛ وجاء هامان والدايات فدخلوا دار عمران فلم يجدوا شيئاً، ونظروا إلى التنور والنار تعلو منه، فانصرفوا؛ وجاءت أم موسى فرأت الأعوان والحرس قد خرجوا من منزلها، فكاد روحها يزهق من الغم، فدخلت المنزل بسرعة نحو التنور، فرأت النار فيه؛ فلطمت وجهها وقالت: ما نفعني الحذر، أحرقتم ولدي. وانطلقت إلى التنور فرأت موسى ولم تمسه النار؛ فأخرجته؛ ولما تم له أربعون يوماً فزعت عليه، فاتخذت له تابوتاً ووضعته فيه، وألقته في اليم؛ وكان أبوه قد مات قبل ذلك ودفن، فلذلك اشتد خوف أم موسى.\rقال الله تعالى: \" وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم \" .\rقال: فلما أتت به لتلقيه في النيل تصور لها إبليس في صورة حية سوداء وقال: إن ألقيته في اليم ابتلعته. فعلمت أنه إبليس؛ فسمعت النداء: \" ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين \" .\rقال: فطرحته في النيل. فقيل: أنه بقي في الماء أربعين ليلة.\rوقيل: ثلاثاً.\rوقيل: ليلة واحدة.\rرجوع موسى إلى أمه\rقال: وأصبح فرعون في اليوم الذي دخل فيه التابوت إلى قصره، فصعد أعلى القصر وأشرف فرأى التابوت والموج يلعب به؛ وكان لفرعون سبع بنات من غير آسية، بكل واحدة منهن نوع من البلاء والمرض؛ وكان الأطباء قالوا له: إن دواءهن أن يغتسلن في النيل. فصنع لهن نهراً من النيل وأجراه في وسط القصر يصب في حوض عظيم؛ فكانت بناته يغتسلن فيه؛ فأمر الله الريح أن تلقي التابوت في ذلك النهر وبنات فرعون فيه؛ فبادرت الكبرى وفتحته فإذا فيه موسى وله شعاع ونور؛ فلما لمسته أذهب الله ما بها من البلاء والمرض؛ فلمسنه بنات فرعون واحدة بعد أخرى، فذهب ما بهن من الأمراض؛ وأقبلن بالتابوت إلى آسية؛ فلما رأته قبلته ولم تعلم أنه ابن عمها؛ ثم أعادته إلى التابوت؛ وحملته جارية معها ومضت به إلى فرعون؛ فلما نظر إليه أرعد منه وقال: يا آسية، إني أخاف أن يكون هذا عدوي، ولا بد لي من قتله. فقالت له: قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً.\rوحكى الثعلبي أنها لما قالت: قرة عين لي ولك، قال فرعون: قرة عين لك، أما أنا فلا حاجة لي فيه.\rقال أبو إسحاق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت به لهداه الله تعالى كما هدى به امرأته ولكن الله تعالى حرمه ذلك \" .\rقال الكسائي: ولم تزل تتلطف بفرعون حتى تركه، وأحضرت له المراضع فلم يرضعهن. قال الله تعالى: \" وحرمنا عليه المراضع من قبل \" .\rوأرسلت أم موسى ابنتها كلثم، قال الله تعالى: \" وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون \" .\rقال: فدخلت قصر فرعون فرأته في حجر آسية وقد امتنع أن يرضع؛ فتقدمت إليها، فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون.\rقال:ولم تعلم آسية أنها ابنة عمها لرثاثة ثيابها، لأنها دخلت في حلبة المراضع؛ فالتفت إليها فرعون وقال: من هؤلاء القوم الذين يكفلونه؟ قالت: قوم من آل إبراهيم. قال: اذهبي وائتني بهم. فرجعت إلى أمها وأخبرتها؛ فدخلت على فرعون وموسى بين يديه، فعرفتها آسية وقالت: خذي هذا الصبي وأرضعيه. فلما أخذته التقم ثديها ورضع منه، وفرعون لا يعلم أنها امرأة عمران؛ فقالت لها آسية: أحب أن تكونين عندي إلى أن يستغني هذا الغلام عن الرضاع. فأقامت عند آسية سنتين حتى فطمته وفارقته مستبشرة فرحة.\rوحكى الثعلبي أنها لم تقم عد آسية، بل أخذته وصارت إلى منزلها فأرضعته إلى أن تم رضاعه، وأعادته إلى آسية؛ والله أعلم.\rعجائب موسى وآياته","part":3,"page":357},{"id":1358,"text":"قال: فلما صار موسى من أبناء ثلاث سنين، استدعاه فرعون وأجلسه في حجره وجعل يلاعبه؛ فقبض على لحية فرعون؛ فتألم لذلك وقال: لا شك أن هذا عدوي. وهم بقتله؛ فقالت له آسية: إن الصبيان لهم جراءة ولعب من غير معرفة ولا عقل، وأنا أريك أنه لا يعقل؛ وأمرت بإحضار طست وطرحت فيه درة وجمرة، وقدمته إلى موسى، فأراد أن يأخذ الدرة؛ فصرف جبريل يده عنها إلى الجمرة، فأخذها ورفعها إلى فيه، فاحترق لسانه، فقذفها من فيه وبكى بكاء شديداً؛ فقالت آسية لفرعون: علمت أنه لا يميز بين الدرة والجمرة؟ فسكن عند ذلك.\rقال: فلما تم لموسى سبع سنين، جلس في بعض الأيام مع فرعون على سريره فقرصه فرعون، فغضب موسى ونزل عن السرير وضرب قوائمه برجله، فكسر قائمتين منه، فسقط فرعون عنه، وانهشم أنفه وسال الدم على لحيته؛ فبادر موسى ودخل على آسية وأعلمها بالخبر، وتبعه فرعون إليها وأراد قتله؛ فقالت: ألا يسرك أن يكون ولدك بهذه القوة يدفع أعدائك عنك؟ ولاطفته حتى سكن غضبه.\rثم ظهر له من المعجزات والآيات ما لا يظهر إلا للأنبياء وفرعون يكرمه؛ والله الموفق.\rخروجه من مصر قال: ولما كبر موسى صار يركب من مراكب فرعون ويلبس من ملابسه؛ وكان يدعى: موسى بن فرعون؛ فامتنع بسببه الظلم عن بني إسرائيل، ولم يعلم إلا أن ذلك من قبل الرضاعة؛ واتفق ركوب فرعون، فركب موسى في أثره والمدينة مغلقة الأسواق، وليس بها أحد؛ قال الله تعالى: \" ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه \" فكان الذي من شيعته فتى من بني إسرائيل، والذي من عدوه رجل من القبط، وهو طباخ لفرعون، وقد أخذ حطباً للطعام، وهو يريد الإسرائيلي على حمله وقد امتنع؛ فلما مر بهما استغاثه الإسرائيلي؛ فقال للطباخ: اتركه. فامتنع من تركه؛ فوكزه موسى في صدره فمات؛ فندم موسى على قتله؛ قال الله تعالى: \" فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين \" الآيات.\rقال: فأصبح في المدينة خائفاً يترقب.\rوجاء القبط وشكوا إلى فرعون أن بني إسرائيل قتلوا رجلاً منهم؛ فأمرهم أن يطوفوا على قاتله؛ وخرج موسى في اليوم الثاني، فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه على قبطي آخر، والقبطي يقول: هذا الذي قتل ابن عمي بالأمس. فقال الإسرائيلي: أعني يا موسى على هذا، فإنه يريد أن يحملني إلى دار فرعون قال له موسى إنك لغوي مبين.\rقال: ثم لم يجد موسى بداً من نصرة الإسرائيلي، فحسر عن ذراعيه، ودنا من القبطي؛ فظن الإسرائيلي أن موسى يريد أن يبطش به، فقال ما أخبر الله به عنه: \" فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلا أن تكون من جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين \" .\rفلما سمع القبطي كلام الإسرائيلي لموسى تحقق أن موسى قاتل ابن عمه؛ فدخل إلى دار فرعون وأخبره أن موسى هو الذي قتل القبطي؛ قال: ومن أعلمك؟ فقص عليه القصة؛ فأذن فرعون لأولياء المقتول في قتل موسى حيث وجدوه؛ فجاء حزقيل - وكان مؤمناً من آل فرعون - وأعلم موسى بالخبر.\rقال الله تعالى: \" وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين، فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين، ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل \" .\rومضى بغير زاد ولا راحلة؛ فمر براع في طريقه، فأعطاه موسى ثيابه، وأخذ جبة الراعي وكساه، وسار فوصل إلى مدين في اليوم السابع وقد أجهده الجوع.\rقال: وكان موسى يسير بالليل ودليله النجم، فإذا جاء الصبح جاءه أسدان يدلانه على الطريق؛ فكان هذا دأبه وهما كذلك حتى ورد مدين؛ والله الهادي.\rورود موسى مدين\rوما كان بينه وبين شعيب وزواجه ابنته\rقال الله تعالى: \" ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير \" وكانتا ابنتي شعيب عليه السلام.\rقال: وكان الرعاء إذا سقوا غطوا البئر بصخرة لا يرفعها إلا جماعة؛ فلما انصرفوا تقدم موسى إلى الصخرة فوكزها برجله، فدحاها أربعين ذراعاً على ضعفه من الجوع وسقى غنمهما.","part":3,"page":358},{"id":1359,"text":"قال الله تعالى: \" فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير \" .\rقال: فتمنى موسى في ذلك الوقت شبعة من خبز الشعير؛ وانصرفت المرأتان إلى أبيهما وأخبرتاه بالخبر، فأرسل إحداهما إليه وقال: ائتيني به. قال الله تعالى: \" فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا \" .\rفقام موسى، وكانت تمر بين يديه فكشف الريح عن ساقيها؛ فقال لها: تأخري ورائي ودليني على الطريق. فتأخرت وكانت تقول: عن يمينك تعن شمالك. حتى دخلا مدين؛ وجاء شعيب - وهو شيخ كبير قد كف بصره - فسلم عليه؛ فرد عليه ورحب به وسأله عن خبره. قال الله تعالى: \" فلما جاءه وقص علليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين \" .\rثم دعا شعيب بالطعام فأكل؛ فقالت ابنته: يا أبت استأجره إن خير من استأجرته القوي الأمين أرادت بالقوة رفع الحجر عن رأس البئر واستقاءه بالدلو العظيمة، وأمانته أنه أخرها إلى خلفه.\rفرغب فيه وقال: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين، قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل.\rفتزوج موسى صفورا - وهي الصغرى منهما - وطلب عصا؛ فقالت له: ادخل بيت أبي الذي يأوي فيه فخذ عصاك. وكان فيه عصي كثيرة - فدخل موسى البيت وأخذ من العصي عصاً حمراء؛ فقال له شعيب: هذه من أشجار الجنة أهداها الله لآدم، ثم صارت إلى شييث وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وكلهم توكأوا عليها، فلا تخرجنها من يدك. ثم أوصاه وحذره من أهل مدين، وقال: إنهم قوم حسدة، وإذا رأوك قد كفيتني أمر غنمي حسدوني عليك، فدلوك على وادي كذا وكذا، وهو كثير المرعى، وإنما فيه حية عظيمة تبتلع الغنم، فإن دلوك عليه فلا تمر به، فإني أخاف عليك وعلى غنمي.\rفخرج موسى بالغنم - وكانت يومئذ أربعين رأساً - وقال في نفسه: إن من أعظم الجهاد قتل هذه الحية. وتوجه بالغنم إلى ذلك الوادي؛ فلما قاربه أقبلت الحية إلى الغنم، فقتلها موسى ورعى غنمه إلى آخر النهار، وعاد إلى شعيب وأعلمه الخبر؛ ففرح بقتلها، وفرح أهل مدين وعظموا موسى وأجلوه؛ وقام موسى بغنم شعيب يرعاها ويسقيها، حتى انقضت المدة التي بينهما، وبلغت أربعمائة رأس وعزم موسى على المسير.\rخروجه من مدين\rومناجاته ومبعثه إلى فرعون\rقال: ولما أراد موسى الانصراف بكى شعيب وقال: يا موسى، إني قد كبرت وضعفت، فلا تضيعني مع كبر سني وكثرة حسادي، وتترك غنمي شاردة لا راعي لها. قال موسى: إنها لا تحتاج إلى راع، وقد طالت غيبتي عن أمي وخالتي وهارون أخي وأختي. فقال شعيب: إني أكره أن أمنعك. وأوصاه بابنته وأوصاها ألا تخالفه؛ وسار موسى - عليه السلام - بأهله يريد أرض مصر حتى بلغ جانب وادي طوى في عشية شديدة البرد؛ وجاء الليل وهبت الرياح وغيمت السماء؛ فأنزل موسى أهله وضرب خيمته على شفير الوادي، وأدخل أهله فيها؛ وهطلت السماء بالمطر؛ وكانت امرأته حاملاً، فجاءها الطلق، فجمع حطباً وقدح الزناد فلم يور، فرماه وخرج من البيت، فرأى ناراً.\rقال الله تبارك وتعالى: \" فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون، فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين \" .\rولم يكن هناك نار بل نور.\rقال الثعلبي: واختلفوا في الشجرة ما كانت، فقيل: العوسجة. وقيل: العناب.\rقال الكسائي: وأمر موسى بخلع نعليه؛ قال الله تعالى: \" فلما أتاها نودي يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى، وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى \" إلى قوله \" وما تلك بيمينك يا موسى، قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى \" .\rقال: لأنه كان يركزها في الأرض ويعلق عليها كساءه وأدواته ونعليه، ويقاتل بها السباع، ويستظل بها من الشمس.\rقال الله تعالى: \" ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى \" على مثال الثعبان العظيم.\rقال: فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب.","part":3,"page":359},{"id":1360,"text":"فلما أمعن في الهرب قال له جبريل: أتهرب من ربك وهو يكلمك؟ قال: ما فررت إلا من الموت. ورجع وهي بحالها؛ قال الله تعالى: \" خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى \" .\rفأدخل يده فيها فإذا هي عصا؛ ثم قال الله له: \" واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى \" فذهب الخوف عن موسى؛ ثم أمره الله تعالى أن يذهب إلى فرعون، فقال: \" اذهب إلى فرعون إنه طغى \" .\rقال موسى: رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبحك كثيراً، ونذكرك كثيراً، إنك كنت بنا بصيراً. قال الله تعالى: \" قد أوتيت سؤلك يا موسى \" ز قال: ثم تذكر موسى ما كان كنه فقال: رب إنيقتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون. فنودي: يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون. ثم ذكره الله مننه عليه فقال: \" ولقد مننا عليك مرة أخرى \" الآيات؛ ثم قال الله تعالى: \" اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى، قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى، قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى، فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى \" .\rقال: وكان الخطاب لموسى وحده، والرسالة له ولهارون.\rقال: وأما ابنة شعيب فاشتد بها الطلق، وسمع سكان الوادي من الجن أنينها، فأتوها وأوقدوا النار عندها، وقبلوها؛ وقيض الله تعالى لها من ردها إلى أبيها؛ والله المعين.\rمسيره إلى مصر قال الكسائي: وسار موسى من الطور حتى بلغ العمران؛ وكان هارون يومئذ وزيراً لفرعون على عادة أبيه لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً؛ فبينما هو نائم إلى جنب سرير فرعون إذ أتاه آت في منامه ومعه شراب في كأس من الياقوت، وقال: يا هارون اشرب هذه الشربة فهي بشارة بقدوم أخيك من أرض مدين، وأنت شريكه في الرسالة إلى فرعون.\rفانتبه هارون فزعاً وظن ذلك من الشيطان، وعاد إلى النوم، فعاوده القائل ثلاث مرات؛ ثم قال له: قم إلى أخيك - وكانت الأبواب مغلقة - فاحتمله الملك إلى قارعة الطريق وقال له: امض واستقبل أخاك. ثم أتاه جبريل بوحي الله وبشره بالرسالة، وحمله إلى شاطئ النيل، وموسى إلى الجانب الآخر؛ فكان يكلمه والريح تحمل كلامه إلى هارون؛ ثم أذن لهما الله أن يلتقيا؛ فجاء موسى إلى الجانب الآخر، فالتقيا؛ وبشره بشركته في الرسالة؛ ثم أقبلا إلى أمهما وجبريل معهما، فطرق هارون الباب وأمه في صلاتها، فقامت من محرابها وقالت: من بالباب؟ فقال موسى: أنا ولدك موسى وأخي هارون. ففتحت الباب، ووقعت مغشياً عليها من الفرح؛ ثم أفاقت؛ وذكر لها موسى ما كان من أمره؛ فسجدت لله تعالى؛ ثم حمل جبريل هارون وأعاده عند رأس فرعون؛ وأقام موسى بقية ليلته عند أمه، وخرج من الغد متنكراً، فنظر إلى ما أحدثه فرعون في أرض مصر ورجع حتى أقبلت الليلة الثانية، فخرج وجاء إلى قصر فرعون وبه الحجاب والحرس والجنود، فقرع الباب بعصاه، فانفتح ودخل حتى بلغ القبة الأرجوانية، فانفتحت وعبرها وفرعون نائم بها، وهارون عند رأسه؛ فقام إليه هارون وقال: لقد عجلت يا أخي. وأخرجه؛ فانصرف، وغلقت الأبواب كما كانت.\rفلما كان من الغد جاء إلى فرعون فعرفه بعضهم، وأنكره البعض، وجاء بعض الوزراء إلى فرعون وأخبره به، فأرعدت فرائصه، وأمر هامان أن يخرج إليه؛ فخرج وسأله عن اسمه، فأخبره أنه موسى؛ فعاد هامان إلى فرعون وأعلمه أنه هو؛ فنظر إلى هارون وقال: أيقدم أخوك ولم تعلمني به؟ فقال: أردت ذلك وإنما خشي غضبك.\rدخوله على فرعون","part":3,"page":360},{"id":1361,"text":"قال: وأمر فرعون أن يزين قصره، وجلس والتاج على رأسه، ووقف الوزراء عن يمينه وشماله، وأحضر موسى؛ فلما رآه عرفه، ثم قال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله ورسوله وكليمه. قال: أنت عبد فرعون. قال: إن الله أعز من أن يكون له ند. قال له فرعون: إلى من أرسلت؟ قال: إليك وإلى جميع أهل مصر. قال: فبماذا؟ قال: أن يقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني موسى عبده ورسوله. قال فما حجتك؟ فإن لكل مدع بينة. قال: إن أتيتك ببينة تؤمن؟ قال: نعم. قال موسى: يا هارون، انزل عن الكرسي وبلغ فرعون الرسالة. فنزل وقال: يا فرعون. إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى. فقال فرعون: فمن ربكما يا موسى، قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، الآيات.\rفغضب فرعون على هارون، وأمر هامان بنزع ما عليه من اللباس؛ فنزعه حتى بقي بالسراويل، فألبسه موسى مدرعة الصوف؛ فاقشعر جلده؛ فنزل جبريل بقميص كونه الله تعالى فكان وألبسه إياه؛ فقال فرعون لهامان: احمل موسى وأخاه إلى منزلك ودارهما، فإن أطاعاني مكنتهما من خزائني، ولا أقطع أمراً دونهما ففعل ذلك؛ فقالا له: يا هامان اشتر نفسك من ربك، فضحك من قولهما، ثم أحضرهما من الغد إلى فرعون؛ فأقبل على موسى وقال: \" ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين، وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين، قال فعلتها إذا وأنا من الضالين \" أي عن النبوة \" ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين، وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل \" ثم قال: تذبح أبناءهم وتستحيي نساءهم، فشكوك إلى رب العالمين. وكان فرعون متكئاً، فاستوى جالساً وقال: \" وما رب العالمين، قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين \" .\rفالتفت فرعون لمن حوله وقال: \" ألا تسمعون \" .\rقال موسى: \" ربكم ورب آبائكم الأولين، قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون \" .\rقال فرعون: \" لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين، قال لو جئتك بشيء مبين. قال فأت به إن كنت من الصادقين \" .\rمعجزاته أمام فرعون\rقال: وبينما هما في المخاطبة وإذا بالعصا اضطربت في كف موسى؛ فناداه جبريل: أطلقها يا نبي الله. فألقاها موسى \" فإذا هي ثعبان مبين \" كأعظم ما يكون؛ ثم تمثل مثال الجمل البختي و قام على رجليه حتى أشرف برأسه على حيطان القصر وتنفس ناراً ودخاناً، وعطف على قبة فرعون فضربها فطحطحها، وجعلت لا تمر بشيء إلا ابتلعته، وهاجت كالجمل المغتلم ولها صوت كالرعد؛ وأقبلت إلى قبة فرعون وهو فيها، فوضعت لحيها الأسفل تحت القبة، ولحيها الأعلى فوقها، ورفعت القبة ثمانين ذراعاً في الهواء، وقالت: يا فرعون، وعزة ربي لو أذن لي لابتلعتك بقصورك وأموالك. فلما نظر فرعون إلى ذلك وثب عن سريره - وهو أعرج - وجعل يعدو ويقول: يا موسى بحق التربية والرضاع، وبحق آسية كفها عنا. فناداها فأقبلت، فأدخل يده في فيها، وقبض على لسانها فإذا هي عصا كما كانت؛ فعاد فرعون إلى مكانه وقال: يا موسى، لقد تعلمت بعدي سحراً عظيماً. قال: يا فرعون، \" أسحر هذا ولا يفلح الساحرون \" . قال فرعون: هل عندك سحر غير هذا؟ قال: نعم؛ فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها وعليها نور وشعاع؛ قال الله تعالى: \" فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين، قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون، قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين، يأتوك بكل سحار عليم \" .\rخبر السحرة\rواجتماعهم وما كان من أمرهم وإيمانهم\rقال: فأمر فرعون بجمع السحرة؛ فاجتمع إليه سبعون ألف ساحر؛ فاختار منهم سبعين ساحراً - وهم أحذق الخلق - .","part":3,"page":361},{"id":1362,"text":"وحكى الثعلبي عن عطاء قال: كان رئيسا السحرة بأقصى مدائن الصعيد وكانا أخوين؛ فلما جاءهما رسول فرعون قلا لأمهما: دلينا على قبر أبينا. فدلتهما عليه؛ فأتياه فصاحا باسمه، فأجابهما؛ فقالا له: إن الملك قد وجه إلينا أن نقدم إليه، لأنه أتاه رجلان ليس معهما رجال ولا سلاح، ولهما عز ومنعة، وقد ضاق الملك ذرعاً بهما، ومعهما عصا إذا ألقياها لا يقوم لها شيء حتى تبتلع الحديد والخشب والحجارة. فأجابهما أبوهما: انظرا إذا هما ناما، فإن قدرتما أن تسلا العصا فسلاها، فإن الساحر لا يعمل سحره وهو نائم، فإن عملت العصا وهما نائمان فذلك أمر رب العالمين فلا طاقة لكما به ولا للملك ولا لجميع أهل الدنيا. فأتياهما خفية وهما نائمان ليأخذاها، فصدتهما.\rقال الكسائي: وبعث فرعون إلى موسى فأحضره وقال ما أخبر الله تعالى به عنه: \" قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى، فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى، قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى \" .\rقال: ويوم الزينة هو أول يوم من السنة؛ فلما كان في ذلك اليوم اجتمع الناس من أطراف أرض مصر في صعيد واحد، فأخذ فرعون يقول للسحرة: اجتهدوا أن تغلبوا موسى. قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين. قال فرعون: نعم وإنكم لمن المقربين.\rوأقبل موسى وهارون وقد أحدقت بهما الملائكة، فرأى موسى الوادي وقد امتلأ من الحبال والعصي؛ فقال موسى: ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى.\rقال: وكان في السحرة ساحران عظيمان - وهما رأس السحرة - فقالا: يا موسى إما أن تلقي أو نكون أول من ألقى. فهم موسى أن يلقي، فمنعه جبريل، وأجرى الله على لسانه فقال: بل ألقوا؛ فألقوا وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم. قال الله تعالى: \" فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى \" .\rفامتلأ الوادي من الحيات، وجعلت يركب بعضها بعضاً؛ وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون؛ قال الله تعالى: \" فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى، وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى \" فعندها زال خوفه وقال: ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين. ثم ألقى عصاه في وسط الوادي، فانكشف سحر السحرة، وبطل ما أظهروه من التخييل، فإذا هي حبال وعصي، وصارت عصا موسى ثعباناً له سبعة أرؤس، وعلى ظهره مثل الأزجة، فابتلعت الحبال والعصي وجميع ما كان في الوادي من الزينة؛ فقام فرعون ووزراؤه فوقفوا على تل ينظرون فعل الحية وهم خائفون، ثم حملت على السبعين رجلاً فولوا هاربين على وجوههم؛ ثم اجتمعوا بأجمعهم وقالوا: ما هذا بسحر. وخروا سجداً؛ قال الله تعالى: \" فألقي السحرة ساجدين، قالوا آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون \" .\rقال: فاغتم فرعون لذلك وقال للسحرة: \" آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون، لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين \" .\rوأمر أن يفعل بهم ذلك؛ فقالوا ما أخبر الله به تعالى عنهم: \" لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى \" .\rثم صلبوا على سبعين جزعاً بعدأن قطع فرعون أيديهم وأرجلهم.\rحزقيل مؤمن آل فرعون قد قيل: إن خبر مؤمن آل فرعون كان قبل خبر السحرة، وسياق الآيات يدل على أن خطابه لفرعون كان بعد خبرهم، وذلك أنه لما كان من أمر السحرة ما ذكرناه، قال الملأ من قوم فرعون ما أخبر الله تعالى به عنهم؛ قال الله تعالى: \" وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون \" .\rوقال الله تعالى إخباراً عن فرعون: \" ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد \" .","part":3,"page":362},{"id":1363,"text":"قال: فلما عزم فرعون على قتل موسى، أقبل حزقيل على القوم - وكان خازن فرعون وزوج ماشطة بناته - فقال ما أخبر الله تعالى عنه: \" وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب، يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا \" .\rففزع فرعون من قوله وقال: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.\rفخوفهم المؤمن وقال ما أخبر الله تعالى به عنه: \" وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلماً للعباد، ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد \" .\rفلما سمع فرعون كلامه غضب وقال: كأنك ممن اتبع موسى، فارجع عن ذلك وإلا عاقبتك بأنواع العذاب. فقال له حزقيل: يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد، الآيات.\rثم قال: ويا قوم أدعوكم للنجاة وتدعونني إلى النار، تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار، لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار، فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد؛ ولحق بموسى وهارون، وفارق فرعون وقومه؛ قال الله تعالى: \" فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب \" .\rوحكى الثعلبي أن فرعون قتله مع السحرة صلباً؛ ثم ذكر بعد ذلك أنه كان مع موسى عليه السلام لما فرق الله له البحر؛ والله تعالى أعلم.\rبناء الصرح\rقال: ولما انقضى أمر السحرة أقبل فرعون على هامان وقال: \" يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً \" .\rقال: فجمع هامان خمسين ألف صانع وصنع القرميد - وهو الآجر، وهامان أول من صنعه - فكانوا يبنون فيه ليلاً ونهاراً لا يفترون؛ فلما تكامل الصرح وارتفع ارتفاعاً عظيماً، أمر الله عز وجل جبريل فهدمه وجعل عاليه سافله ومات كل من كان فيه على دين فرعون، والمؤمنون يزيدون ويجتمعون إلى موسى عليه السلام.\rوحكى أبو إسحاق الثعلبي - رحمه الله - أن الصرح اجتمع فيه لبنائه خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء ممن يطبخ الآجر والجص وينجر الخشب والأبواب ويضرب المسامير؛ فلم يزل يبني ذلك الصرح؛ ويسر الله تعالى له أمره استدراجاً منه، فأتى الأمر فيه على ما يريد، إلى أن فرغ في سبع سنين، فارتفع ارتفاعاً لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض؛ فشق ذلك على موسى، فأوحى الله تعالى إليه: أن دعه وما يريد فإني مستدرجه ومبطل كل ما عمله في ساعة واحدة.\rقال: فلما تم بنيانه بعث الله عز وجل جبريل فضرب بجناحه الصرح، فقذف به على عسكر فرعون، فقتل منهم ألفي ألف رجل.\rقالوا: ولم يبق أحد ممن عمل فيه إلا أصابه موت أو حريق أو عاهة.\rقال: وكان تدمير الله تعالى الصرح فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.\rقال: فلما رأى فرعون ذلك من أمر الله، وعلم أن حيلته لم تغن عنه شيئاً عزم على قتال موسى ومن معه، وأمر أصحابه فنصبوا له الحرب؛ فلما رأى الله تعالى ذلك من فعل فرعون وقومه، وأنه حقت عليهم كلمة العذاب، ابتلاهم الله تعالى بالعذاب والآيات.\rالآيات التسع","part":3,"page":363},{"id":1364,"text":"قال الكسائي: ثم أخذ الله تعالى قوم فرعون بالآيات التسع، فكان أول ما جاءهم الطوفان، فدام عليهم ثمانية أيام لا يرون فيها شمساً، حتى امتلأت الأسواق والدور، وأخذت في الخراب؛ فالتجأوا إلى فرعون، فقال: سأكشف ذلك عنكم. ودعا موسى وسأله أن يدعو برفع الطوفان ليؤمن به؛ فطمع موسى في ذلك، فسأل الله تعالى، فرفع ذلك عنهم، فازدادوا كفراً، فبعث الله تعالى عليهم الجراد فأكل أشجارهم وزرعهم، ودام ثمانية أيام، ففزعوا إلى فرعون، فوعدهم بصرفه عنهم وضمن لموسى إن صرفه عنهم آمن به؛ فدعا ربه، فأرسل الله على الجراد ريحاً باردة فقتلته، فلم يؤمنوا؛ فبعث الله عليهم القمل فأكل جميع ما في بيوتهم، وقرض ثيابهم وأبدانهم وشعورهم؛ فضجوا إلى فرعون، فسأل موسى ووعده الإيمان؛ فسأل الله تعالى، فصرفه عنهم بعد ثمانية أيام وأماته، فازدادوا كفراً؛ فأرسل الله تعالى عليهم الضفادع، فكانت تدخل في طعامهم وشرابهم، وكانت لها رائحة منتنة فدامت ثمانية أيام؛ فسأل موسى؛ فلما كشفها الله عنهم لم يؤمنوا وازدادوا كفراً؛ فأمر الله تعالى موسى: أن اضرب بعصاك النيل. فضربه فتحول دماً عبيطاً، فاشتد بهم العطش، فكان الإسرائيلي والفرعوني يأتيان إلى موضع واحد، فإذا أخذه الإسرائيلي يكون ماء، وإذا أخذه الفرعوني كان دماً، فدام ذلك ثمانية أيام حتى أجهدهم العطش وأشرفوا على الهلاك؛ فلما كشفه الله عنهم بدعوة موسى ازدادوا كفراً.\rمسخ قوم فرعون\rقال: ولما لم يؤمنوا بهذه الآيات، قال موسى: ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ وكان الدعاء من موسى والتأمين لهارون؛ فأوحى الله إليهما: \" قد أجبت دعوتكما فاستقيما \" الآية.\rقال: فطمس الله تعالى على كثير منهم، حتى أصبح الرجال والنساء والصبيان والأموال كلها حجارة، فلم يؤمنوا؛ قال الله تعالى: \" ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات \" .\rقال عمر بن عبد العزيز في تفسيره: كان أول الآيات العصا، واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس والبحر حتى صار يبساً.\rهذا ملخص ما حكاه الكسائي.\rوحكى أبو إسحاق الثعلبي في قصصه عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق وغيرهم من أصحاب الأخبار - دخل حديث بعضهم في حديث بعض - قالوا: لما آمنت السحرة وصلبهم فرعون، وانصرف موسى وهارون إلى عسكر بني إسرائيل، أمر فرعون أن يكلفوا بني إسرائيل ما لا يطيقونه، فكان الرجل من القبط يجيء إلى الرجل من بني إسرائيل فيقول له: انطلق معي فاكنس حشي واعلف دوابي واستق لي وتجيء القبطية إلى الكريمة من بني إسرائيل فتكلفها ما لا تطيق، ولا يطعمونهم في ذلك كله خبزاً، وإذا انتصف النهار يقولون لهم: اذهبوا فاكسبوا لأنفسكم. فشكوا ذلك إلى موسى، فقال لهم: استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. قالوا: يا موسى: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، كنا نطعم إذا استعملونا من قبل أن تجيئنا، فلما جئتنا استعملونا ولا يطعموننا. فقال لهم موسى: عسى ربكم أن يهلك عدوكم يعني فرعون والقبط، ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون.","part":3,"page":364},{"id":1365,"text":"قالوا: فلما أبى فرعون وقومه إلا الإقامة على الكفر، والتمادي في الشر والظلم، دعا موسى ربه وقال: رب إن عبدك فرعون طغى في الأرض وبغى وعتا وإن قومه نقضوا عهدك وأخلفوا وعدك، رب فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة، ولمن بعدهم من الأمم عبرة. فتابع الله عليهم الآيات المفصلات بعضها في إثر بعض، فأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات، ثم بعث عليهم الطوفان وهو الماء أرسل عليهم السماء حتى كادوا يهلكون، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشبكة مختلطة بعضها في بعض، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، فمن جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة وفاض الماء على وجه أراضيهم كذلك، فلم يقدروا على أن يحرثوا ولا يعملوا شيئاً؛ ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت؛ فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء ونؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا موسى ربه فرفع عنهم الطوفان، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، وعادوا أشر مما كانوا عليه.\rواختلف العلماء في الطوفان ما هو؛ فقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : هو الماء أرسله الله تعالى عليهم.\rوقال مقاتل: هو الماء طغى فوق حروثهم فأهلكها.\rوقال الضحاك: هو الغرق.\rوقال مجاهد وعطاء: هو الموت الذريع.\rوقال وهب: هو الطاعون بلغة أهل اليمن، أرسل الله الطوفان على أبكار آل فرعون فقبضهن في ليلة واحدة، فلم يبق منهن واحدة ولا دابة.\rوقال أبو قلابة: الطوفان هو الجدري، والله تعالى أعلم.\rقالوا: وأنبت الله تعالى لهم في تلك السنة من الكلإ والزرع ما لم ينبت قبل ذلك، فأعشبت بلادهم وأخصبت، فقالوا: هذا ما كنا نتمناه، وما كان هذا الماء إلا نعمة لنا وخصباً. فأقاموا شهراً في عافية، ثم بعث عليهم الجراد فأكل زرعهم وثمارهم وأوراق أشجارهم والزهر، حتى إن كان ليأكل الأبواب والثياب والأمتعة وسقوف البيوت والخشب والمسامير حتى سقطت دورهم، والجراد لا يدخل بيوت بني إسرائيل ولا يصيبهم من ذلك شيء؛ فعجوا وضجوا، وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل؛ فأعطوه عهد الله وميثاقه؛ فدعا موسى ربه، فكشف الله تعالى عنهم الجراد بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت.\rويقال: إن موسى برز إلى الفضاء، فأشار إلى المشرق بالعصا فذهب الجراد من حيث جاء كأن لم يكن قط.\rقالوا: فأقاموا شهراً في عافية؛ ثم بعث الله عليهم القمل، وذلك أن موسى أمر أن يمشي إلى كثيب أغبر بقرية من قرى مصر تدعى: عين شمس فمشى موسى إلى ذلك الكثيب - وكان عظيماً - فضربه بعصاه، فانثال عليهم القمل فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم ونباتهم فأكله ولحس الأرض كلها، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيعضه، وكان يأكل أحدهم الطعام فيمتلئ قملاً، حتى إن أحدهم ليبني الأسطوانة بالجص فيزلقها حتى لا يرتقي فوقها شيء، ثم يرفع فوقها طعامه، فإذا صعد إليه ليأكله وجده ملآن قملاً، فما أصيبوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل؛ وأخذ القمل شعورهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولصق بجلودهم كالجدري، ومنعهم من النوم والقرار، ولم يستطيعوا له حيلة.\rوقد اختلفوا في القمل ما هو؟ فروي عن أبي طلحة أنه الذباب لا أجنحة له.\rوروى معمر عن قتادة قال: القمل أولاد الجراد.\rوعن عبد الرحمن بن أيلم قال: هو البراغيث.\rوقال عطاء: هو القمل؛ دليله قراءة الحسن: \" والقمل \" بفتح القاف وسكون الميم.\rوقال أبو عبيدة: هو الحمنان، وهو ضرب من القردان.","part":3,"page":365},{"id":1366,"text":"وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهم - : القمل، هو السوس الذي يخرج من الحنطة والحبوب، فكان الرجل يخرج عشرة أقفزة فلا يرد منها إلا ثلاثة أقفزة؛ فلما رأوا ذلك شكوا إلى موسى وصاحوا وقالوا: يا أيها الساحر أي أيها العالم إنا نتوب إلى الله ولا نعود، فادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء. فدعا موسى ربه، فرفع الله تعالى عنهم القمل بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، ثم نكثوا العهد، وعادوا إلى خبث أعمالهم، وقالوا: ما كنا قط أحق أن نستيقن أن موسى ساحر إلا اليوم، فيجعل الرمل والرماد دواب، فعلى ماذا نؤمن به ونرسل معه بني إسرائيل؟ فقد أهلك زرعنا وحروثنا، وأذهب أموالنا، فما عسى أن يفعل أكثر مما فعل، وعزة فرعون لا نصدقه أبداً ولا نتبعه. فدعا عليهم موسى بعدما أقاموا شهراً في عافية - وقيل أربعين يوماً - فأوحى الله تعالى إليه وأمره أن يقوم على ضفة النيل فيغرز عصاه فيه، ويشير بالعصا إلى أدناه وأقصاه وأعلاه وأسفله؛ ففعل موسى ذلك، فتداعت إليه الضفادع بالنقيق من كل جانب حتى أعلم بعضها بعضاً، وأسمع أدناها أقصاها؛ ثم خرجت من النيل مثل البحر تدب سراعاً نحو باب المدينة، فدخلت عليهم في بيوتهم بغتة، وامتلأت منها أفنيتهم وأبنيتهم وأطعمتهم؛ وكان أحدهم لا يكشف ثوباً ولا إناء ولا طعاماً ولا شراباً إلا وجد فيه ضفادع؛ وكان الرجل يجلس إلى ذقنه الضفادع، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه؛ وكان أحدهم ينام على فراشه وسريره فيستيقظ وقد ركبته الضفادع ذراعاً بعضها فوق بعض، وصارت عليه حتى لا يستطيع أن ينصرف إلى شقه الآخر؛ وكان أحدهم يفتح فاه لأكلته فتستبق الضفادع إلى فيه؛ وكانوا لا يعجنون إلا انشدخت فيه، ولا يطبخون إلا امتلأت القدر بالضفادع؛ وكانت تثب في نيرانهم فتطفئها، وفي طعامهم فتفسده؛ فلقوا منها أذى شديداً.\rوروي عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: كانت الضفادع برية، فلما أرسلها الله على فرعون سمعت وأطاعت، فجعلت تقذف أنفسها في القدر وهي تفور، وفي التنانير وهي مسجورة، فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء.\rقال: فضجوا إلى فرعون من أمر الضفادع، وضاق عليهم أمرهم حتى كادوا يهلكون، وصارت المدينة وطرقها مملوءة جيفاً من كثرة ما يطأونها بأقدامهم، فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا إلى موسى، وقالوا: اكشف عنا هذا البلاء فإنا نتوب هذه المرة ولا نعود. فأخذ بذلك عهودهم ومواثيقهم، ثم دعا الله تعالى فكشف عنهم الضفادع، فما كان منها حياً لحق بالنيل؛ وأرسل الله تعالى ريحاً على الميت منها فنفخته عن مدينتهم بعدما قامت عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت فأقاموا شهراً في عافية؛ وقيل: أربعين يوماً. ثم نقضوا العهود وعادوا إلى كفرهم وتكذيبهم، فدعا عليهم موسى، فأرسل الله تعالى عيهم الدم، وذلك أن الله تعالى أمر موسى أن يذهب إلى شاطئ النيل ويضربه بعصاه؛ ففعل ذلك، فسال النيل عليهم دماً، وصارت مياههم كلها دماً عبيطاً، فما يشربون من الأنهار والآبار ألا وجدوا دماً أحمر عبيطاً؛ فشكوا ذلك إلى فرعون وقالوا؛ إنا قد ابتلينا بهذا الدم، وليس لنا شراب. فقال: إنه قد سحركم. فكان يجمع بين الرجلين على الإناء: القبطي والإسرائيلي فيسقيان من ماء واحد، فيخرج ماء القبطي دماً، وماء الإسرائيلي عذباً؛ وكانا يقومان إلى الجرة فيها الماء، فتخرج للإسرائيلي ماء وللقبطي دماً، حتى أن المرأة من آل فرعون كانت تأتي المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول: اسقني من مائك. فتغرف لها من جرتها، وتصب لها من قربتها، فيعود في الإناء دماً، حتى إن كانت المرأة تقول لها: اجعليه في فيك ثم مجيه في فمي، فتأخذ في فيها ماء، فإذا مجته في فيها صار دماً، والنيل على ذلك يسقي الزرع والشجر؛ فإذا ذهبوا ليستقوا من بين الزرع عاد الماء دماً عبيطاً.","part":3,"page":366},{"id":1367,"text":"قالوا: وإن فرعون اعتراه العطش في تلك الأيام، حتى إنه أضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة، فكان إذا مضغها يصير ماؤها في فيه ملحاً أجاجاً ومراً زعاقاً؛ فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يأكلون ولا يشربون إلى الدم؛ فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا موسى ربه فكشف عنهم ذلك، وأمر أن يضرب بعصاه النيل مرة أخرى؛ ففعل فتحول صافياً كما كان، فلم يؤمنوا ولم يفوا بما عاهدوا عليه، وذلك قوله تعالى: \" فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات \" .\rوقال نوف البكالي - وهو ابن امرأة كعب الأحبار - : مكث موسى في آل فرعون عشرين سنة بعد ما غلب على السحرة يريهم الآيات: الجراد والقمل والضفادع والدم .\rوقال الضحاك: لما يئس موسى من إيمان فرعون وقومه، ورأى أنهم لا يزدادون إلا الطغيان والكفر والتمادي، دعا عليهم موسى وأمن هارون. ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا أطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.\rفأجابه الله دعاءه، كما قال تعالى: \" قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما \" الآية.\rقال: وكان لفرعون وأصحابه من زهرة الدنيا وزينتها من الذهب والفضة واليواقيت وأنواع الجواهر والحلي مالا يحصيه إلا الله تعالى؛ وكان أصل ذلك المال مما جمعه يوسف - عليه السلام - في زمانه أيام القحط، فبقي ذلك في أيدي القبط، فأوحى الله تعالى إلى موسى: أني مورث بني إسرائيل ما في أيدي آل فرعون من العروض والحلي، وجاعله لهم جهازاً وعتاداً إلى الأرض المقدسة فأجعل لذلك عيداً تعتكف عليه أنت وقومك تشكروني وتذكروني فيه وتعظموني ذلك اليوم، وتعبدوني فيه لما أريكم من الظفر ونجاة الأولياء وهلاك الأعداء واستعيروا لعيدكم من آل فرعون الحلي وأنواع الزينة، فإنهم لا يمتنعون عليكم للبلاء الحال بهم في ذلك الوقت، ولما قذفت لكم في قلوبهم من الرعب. ففعل موسى ذلك كما أمره الله تعالى، فأمر فرعون بزينة أهله وولده وما كان في خزائنه من أنواع الحلي، فأعيرت بني إسرائيل لما أراد الله تعالى بذلك أن يفيء على موسى وقومه أفضل أموال أعدائه بغير قتال ولا إيجاف ولا خيل ولا رجل؛ فلما دعا موسى عليهم مسخ الله تعالى الأموال التي بقيت في أيدهم حجارة حتى النخل والرقيق.\rوقال محمد بن كعب: سألني عمر بن عبد العزيز عن الآيات التي أراهن الله تعالى فرعون وقومه؛ فقلت: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد البيضاء والطمس وفلق البحر.\rقال عمر: كيف يكون الفقه إلا هكذا. ثم دعا بخريطة فيها أشياء مما كان أصيب لعبد العزيز بن مروان لما كان على مصر من بقايا آل فرعون، فأخرج البيضة مقسومة نصفين كأنها الحجر، والجوزة مشقوقة نصفين كأنها الحجر، والحمصة والعدسة.\rوروى ابن إسحاق عن رجل من أهل الشام كان بمصر قال: ورأيت نخلة مصروعة كأنها الحجر.\rقال: ورأيت إنساناً وما شككت أنه إنسان وإنه لحجر؛ وكان المسخ في أرقائهم دون أحرارهم، إذ العبيد من جملة أموالهم؛ فلم يبق لهم مال إلا مسخه الله تعالى ما خلا الذي في أيدي بني إسرائيل من الحلي والجواهر وأنواع الزينة.\rقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : أول الآيات العصا، وآخرها الطمس؛ وبلغنا أن الدنانير والدراهم صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحاً وأنصافاً وأثلاثاً، وجعل سكرهم حجارة، وبعض المسخ من الآدميين باق مشاهد إلى وقتنا هذا، وقد شاهدت أنا منه شخصاً شكل خادم وهو جالس على كرسي بقرب البيت الأخضر ببلاد الجيزية، وذلك في شهور سنة سبع عشرة وسبعمائة، ولعله من ذلك المسخ؛ والله أعلم.\rقتل الماشطة\rقال: وكانت لبنات فرعون ماشطة - وهي امرأة حزقيل المؤمن - فبينما هي تمشط إحدى بناته إذ سقط المشط من يدها، فقالت: نعس من كفر بالله. فقالت لها ابنة فرعون: إنما تريدين من كفر بأبي. فقالت: إنما عنيت من كفر بإله موسى. فقامت إلى أبيها وأخبرته؛ فغضب وأحضرها وقال: ما الذي بلغني عنك؟ قالت: صدقوا، أنا مؤمنة بإله موسى، فاقض ما أنت قاض. فشدها إلى أوتاد من حديد، وأحضر أولادها الثلاثة، وعرض عليها أن تؤمن به؛ فأبت، فذبحهم على صدرها وهي تحمد الله تعالى؛ ثم طرها في تنور من نحاس وأحرقها فيه وأحرق أولادها.","part":3,"page":367},{"id":1368,"text":"قتل آسية بنت مزاحم امرأة فرعون\rقال: لما قتل فرعون الماشطة، سمعت آسية الملائكة تعدها بالجنة، فقامت من مجلسها وهي تقول: يا إله موسى ألبسني الصبر وارزقني الشهادة وابن لي عندك بيتاً وهي حاسرة عن وجهها، وقالت له: يا ملعون، إلى كم تقتل أولياء الله وتأكل رزق الله وتكفر نعمته ولا تشكره، وترى لآياته ولا تعتبر بها؟ فقال لوزرائه؟ قد أفسد علي موسى حتى آسية؛ واستشارهم في أمرها؛ فأشاروا عليه بقتلها، فأمر بنزع ما عليها؛ وشدها إلى أوتاد في الأرض، وضرب وتدين في صدرها فماتت - رضي الله عنها - .\rانقطاع النيل\rوكيف أجراه الله عز وجل لفرعون\rقال الكسائي: ثم بعث الله تعالى الظلمة على أهل مصر ثلاثة أيام، فلم يعرفوا الليل من النهار، وانقطع عنهم النيل حتى أضر بهم العطش؛ فشكوا ذلك إلى فرعون فأمر بجمع الجنود وخرج ليجريه؛ فلما قرب من مكانه انفرد عن القوم ونزل عن فرسه وقال: إلهي إنك إله السماء والأرض لا إله إلا أنت، وحلمك الذي يحملني أن أسألك ما ليس لي بحق، والخلق خلقك، وقد علمت ما هم فيه من العطش وأنت المتكفل بأرزاقهم؛ اللهم أجر لهم النيل. فما فرغ من كلامه حتى انصب النيل، وركب فرسه والنيل يجري معه إن سار سار وأن وقف وقف، حتى دخل مصر، فسجد القوم له، وازدادوا كفراً؛ وعجب موسى وهارون لذلك.\rغرق فرعون وقومه\rقال الكسائي: ولما رجع فرعون بجنوده وقد أجرى النيل بزعمهم، دخل عليه جبريل في صورة آدمي حسن الهيئة، فقال له: من أنت؟ قال: عبد من عبيد الملك جئتك مستدعياً على عبد من عبيدي مكنته من نعمتي، وأحسنت إليه كثيراً، فاستكبر وبغى وجحدني حقي وتسمى باسمي، وادعى في جميع ما أنعمت عليه به أنه له، وأنه لا منعم عليه به. قال فرعون: بئس ذلك من العبيد. قال جبريل: فما جزاؤه عندك؟ قال: يغرق في هذا البحر. فقال له جبريل: أسألك أن تكتب لي خطك بذلك. فكتب له فرعون خطاً، وأخذه جبريل وجاء به إلى موسى، وأمره عن الله عز وجل أن يرتحل بقومه عن مصر؛ فنادى موسى في بني إسرائيل وأمرهم بالرحيل؛ فارتحلوا وهم يومئذ ستمائة ألف.\rقال الثعلبي: ستمائة ألف وعشرون ألفاً لا يعد فيهم ابن سبعين سنة ولا ابن عشرين سنة؛ ولكن هؤلاء المقاتلة سوى الذرية. وأهل التوراة يقولون: إنه لا يعد فيهم ابن خمسين سنة ولا ابن عشرين سنة، لا خلاف عندهم في هذا ويزعمون أنه نص التوراة.\rقال الكسائي: فلما سمع فرعون بارتحالهم أمر باجتماع جنوده؛ قال الله تعالى: \" فأرسل فرعون في المدائن حاشرين، إن هؤلاء لشرذمة قليلون، وإنهم لنا لغائظون، وأنا لجميع حاذرون \" . فاجتمعوا وهم لا يحصون كثرة.\rقيل: إن هامان كان على مقدمة فرعون بألف ألف وستمائة ألف.\rوقال الثعلبي: ألف ألف وسبعمائة ألف رجل على ألف ألف وسبعمائة حصان.\rقال: وقال: ابن جريح: أرسل فرعون في أثر موسى وقومه ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور، مع كل ملك ألف رجل؛ ثم خرج فرعون خلفهم في الدهم، وكان في عسكره مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشيات، وذلك حين طلعت الشمس وأشرقت؛ قال الله تعالى: \" فأتبعوهم مشرقين \" .\rقال الكسائي: وساروا حتى قربوا من موسى ومن معه، فقالوا: يا موسى، قد لحقنا فرعون بجنوده، والبحر أمامنا والسيف وراءنا. قال كلا إن معي ربي سيهدين.","part":3,"page":368},{"id":1369,"text":"فأوحى الله تعالى إلى موسى: \" أن اضرب بعصاك البحر \" فضربه \" فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم \" . وصار فيه اثنا عشر طريقاً للأسباط الاثني عشر فجعلوا يسيرون وموسى أمامهم وهارون وراءهم، وجعل الله بينهم فتحاً ليرى بعضهم يعضاً، وجاء فرعون ومن معه إلى البحر ورأى تلك الطرق فيه، فقال لهامان: هذه تفرقت من هيبتي. وقصد الاقتحام فلم يطاوعه فرسه - وكان حصاناً - ونفر من العبور؛ فأتاه جبريل على رمكة في صورة آدمي، فدنا من فرعون وقال: ما يمنعك من العبور؟ وتقدم إلى جنبه، فاشتم فرس فرعون رائحة الرمكة فتبعها ودخل فرعون وجنوده وجبريل أمامهم وميكائيل يسوق الناس، حتى لم يبق من جنود فرعون أحد على الساحل، فجاءه جبريل بخطه؛ فلما رآه فرعون علم أنه هالك وانضمت الطرق، وأغرق الناس، وفرعون ينظر إليهم؛ قال الله تعالى: \" حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به ينو إسرائيل وأنا من المسلمين \" . فقال له جبريل: الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين.\rثم غرق فرعون وجميع من معه وبنو إسرائيل ينظرون إليهم؛ ثم قال بن إسرائيل: إن فرعون لم يغرق. فأمر الله تعالى البحر فألقاه على الساحل.\rقال الله تعالى: \" فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية \" .\rقال: فلما عبر موسى البحر ببني إسرائيل إلى الطور، إذا هم في طريقهم بقوم يعبدون الأصنام، قال الله تعالى: \" وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء متبر ما هم فيه باطل ما كانوا يعلمون \" .\rثم قال أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين، وذكرهم بنعم الله تعالى عليهم، وأمرهم بالتوبة والاستغفار؛ ثم ساروا وفي قلوبهم حب الأصنام حتى قربوا من الطور.\rذهاب موسى للميقات\rوطلبه الرؤية وخبر الصاعقة والإفاقة\rحكى أبو إسحاق الثعلبي في تفسير قوله تعالى: \" وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين فتم ليلة \" .\rقال: كان ذلك في شهر ذي القعدة وعشر من ذي الحجة.\rقال: وذلك أن موسى - عليه السلام - كان قد وعد بني إسرائيل وهو بمصر إذا خرجوا منها وهلك عدوهم أن يأتيهم بكتاب فيه ما يأتون وما يذرون؛ فلما أهلك الله تعالى فرعون وقومه واستنقذ بني إسرائيل من أيديهم، وأمنهم من عدوهم، ولم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليها، قالوا: يا موسى ائتنا بالكتاب الذي وعدتنا به. فسأل موسى ربه تعالى ذلك؛ فأمره أن يصوم ثلاثين ليلة ثم يتطهر ويطهر ثيابه ويأتي طور سيناء ويعطيه الكتاب؛ فصام ثلاثين يوماً؛ فلما صعد الجبل أنكر خلوف فمه، فاستاك بعود خرنوب.\rوقال أبو العالية: أخذ من لحاء الشجر فمصه؛ فقالت الملائكة: كنا نشم من فمك رائحة المسك فأفسدته بالسواك. فأوحى الله تعالى إليه أن صم عشرة أيام أخر، وقال له: أما علمت يا موسى أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟.\rقال: وكانت فتنة بني إسرائيل في العشر ليالي التي زادها الله تعالى؛ فلما مضت. أربعون ليلة تطهر موسى وطهر ثيابه لميقات ربه؛ فلما أتى طور سيناء كلمه ربه وناجاه، وقربه وأدناه، كما قال تعالى: \" وقربناه نجياً \" .\rقال وهب: كان بين الله تعالى وبين موسى سبعون حجاباً، فرفعها كلها إلا حجاباً واحداً، فسمع موسى كلام الله تعالى واشتاق إلى رؤيته وطمع فيها، فقال ما أخبر الله - عز وجل - به عنه في كتابه، قال الله تعالى: \" ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك \" . فقال الله تعالى له: \" لن تراني \" وليس يطيق البشر النظر إلي في الدنيا، من نظر إلي مات. قال: إلهي سمعت كلامك فاشتقت النظر إليك، ولأن أنظر إليك ثم أموت أحي إلي من أن أعيش ولا أراك. فقال له تعالى: \" انظر إلى الجبل \" وهو أعظم جبل يقال له: الزبير.\rقال: وذلك أن الجبال لما علمت أن الله تعالى يريد أن يتجلى لجبل منها تعاظمت وتشامخت رجاء أن يتجلى الله تعالى لها، وجعل الزبير يتواضع من بينها فلما رأى الله تعالى تواضعه رفعه من بينها، وخصه بالتجلي، قال الله تعالى: \" ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني \" . فتجلى الله تعالى للجبل.\rقال: واختلف العلماء في معنى التجلي؛ قال ابن عباس: ظهر نوره للجبل.","part":3,"page":369},{"id":1370,"text":"وقال الضحاك: أظهر الله تعالى من نور الحجب مثل منخر الثور.\rوقال عبد الله بن سلام وكعب: ما تجلى من عظمة الله تعالى للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار دكاً.\rوقال السدى: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر.\rوقال الحسن: أوحى الله تعالى إلى الجبل فقال: هل تطيق رؤيتي؟ فغار الجبل وساخ في الأرض وموسى ينظر إليه حتى ذهب أجمع.\rقال أبو إسحاق: قال أبو بكر محمد بن عمر الوراق: حكى لي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نوراً قدر درهم، فجعل الجبل دكاً.\rقال أبو بكر: فعذب إذ ذاك كل ماء، وأفاق كل مجنون، وبرأ كل مريض وزال الشوك عن الأشجار، واخضرت الأرض واهتزت، وخمدت نيران المجوس وخرت الأصنام لوجوهها.\rوقال السدى: ما تجلى للجبل إلا مقدار جناح بعوضة، فصار الجبل دكاً.\rقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : تراباً.\rوقال سفيان: ساخ حتى وقع في البحر.\rوقال عطية العوفي: صار رملاً هائلاً.\rوقال الكلبي: جعله دكاً، أي كسر جبالاً صغاراً.\rوعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" فلما تجلى ربه للجبل دكاً \" قال: \" صار بعظمة الله ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة: أحد، ورقان، ورضوى. ووقعت ثلاثة بمكة: ثور، وثبير، وحراء. \" وخر موسى صعقاً \" . قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : مغشياً عليه.\rوقال قتادة: ميتاً.\rوقال الكلبي: خر موسى صعقاً: يوم الخميس يوم عرفة، وأعطى التوراة يوم الجمعة يوم النحر.\rقال الوافدي: لما خر موسى صعقاً قالت الملائكة: ما لابن عمران وسؤال الرؤية.\rقال وهب: لما سأل موسى الرؤية أرسل الله تعالى الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق فأحاطت بالجبل الذي عليه موسى، وأمر الله تعالى ملائكة السموات أن يعرضوا على موسى، أربعة فراسخ من كل ناحية، فمرت ملائكة سماء الدنيا كثيران البقر، تتابع أفواههم التقديس والتسبيح بصوت عظيم كصوت الرعد الشديد، ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الثانية: أن اهبطوا على موسى. فهبطوا عليه مثل أسد لهم نحيب بالتسبيح والتقديس، ففزع موسى. مما رأى وسمع واقشعر جلده، ثم قال: ندمت على مسألتي، فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شىء؟ فقال له حبر الملائكة ورأسهم: يا موسى اصبر لما رأيت ، فقليل من كثير رأيت. ثم هبطت ملائكة السماء الثالثة كأمثال النسور، لهم قصف ورجف بالتسبيح والتهليل والتقديس كجلب الجيش العظيم وكلهب النار، ثم هبطت عليه ملائكة السماء الرابعة لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم، ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض، أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم، ثم هبطت عليه ملائكة السماء الخامسة في سبعة ألوان، فلم يستطع موسى أن يتبعهم الطرف، لم ير مثلهم ولا سمع مثل أصواتهم، وامتلأ جوف موسى فزعاً، واشتد حزنه وكثر بكاؤه، ثم قال له حبر الملائكة ورأسهم: يا بن عمران، مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه، ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي الذي أراد أن يراني، فعرضوا عليه وفي يد كل منهم حربة مثل النخلة الطويلة، نارها أشد ضوءاً من الشمس، ولباسهم كلهب النيران، إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السموات، كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس رب العزة أبداً لا يموت. وفي رأس كل ملك منهم أربعة أوجه؛ فلما رآهم رفع صوته يسبح معهم ويبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنس عبدك، لا أدري هل أتخلص مما أنا فيه أم لا، إن خرجت احترقت وإن مكثت مت. فقال له كبير الملائكة ورئيسهم: قد أوشكت يا بن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك، فاصبر للذي سألت.","part":3,"page":370},{"id":1371,"text":"ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه في ملائكة السماء السابعة، فقال: أروه إياه. فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة رب العزة، ورددت ملائكة السموات أصواتهم جميعاً؛ فارتج الجبل، واندكت كل شجرة كانت فيه، وخر موسى صعقاً ليس معه روحه؛ فقلب الله تعالى الحجر الذي كان موسى عليه وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى؛ وأرسل عليه روح الحياة برحمته؛ فقام موسى يسبح الله تعالى ويقول: آمنت أنك ربي وصدقت أنه لا يراك أحد، فنجني، ومن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه، فما أعظمك وأعظم ملائكتك! أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، لا يعدلك شيء، ولا يقوم لك شيء، تبت إليك، الحمد لك لا شريك لك رب العالمين.\rالألواح ونزول التوراة قال الله تعالى: \" فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين، قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء فخذها بقوة \" .\rقال الثعلبي: ثم بعث الله جبريل - عليه السلام - إلى جنة عدن فقطع منها شجرة، فاتخذ منها تسعة ألواح، طول كل لوح عشرة أذرع بذراع موسى، وكذلك عرضه، وكانت الشجرة من زمرد أخضر؛ ثم أمر الله تعالى جبريل تأن يأتيه بسبعة أغصان من سدرة المنتهى؛ فجاء بها، فصارت جميعها نوراً، وصار النور قلماً طاف فيما بين السماء والأرض فكتب التوراة، وموسى يسمع صرير القلم؛ فكتب الله تعالى له \" في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء \" وذلك يوم الجمعة، فأشرقت الأرض بالنور؛ ثم أمر الله تعالى موسى أن يأخذها بقوة ويقرئها قومه؛ فوضعت الألواح على السماء فلم تطق حملها لثقل العهود والمواثيق؛ فقالت: يا رب كيف أطيق حمل كتابك الكريم الثقيل المبارك؟ وهل خلقت خلقاً يطيق حمل ذلك؟ فبعث الله تعالى جبريل وأمره أن يحمل الألواح فيبلغها موسى، فلم يطق حملها، فقال: يا رب من يطيق حمل هذه الألواح بما فيها من النور والبيان والعهود؟ وهل خلقت خلقاً يطيق حملها؟ فأمده الله تعالى بملائكته يحملونها بعدد كل حرف من التوراة؛ فحملوها حتى بلغوها موسى؛ فعرضوا له الألواح على الجبل، فانصدع الجبل وخشع، وقال: يا رب من يطيق حمل هذه الألواح بما فيها؟ فلما وضعتها الملائكة على الجبل بين يدي موسى - وذلك عند صلاة العصر - قبض موسى عليها فلم يطق حملها، فلم يزل يدعو حتى هيأ الله تعالى له حملها؛ فحملها، فذلك قوله تعالى: \" يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين \" .","part":3,"page":371},{"id":1372,"text":"قال: وأما العشر كلمات التي كتبها الله تعالى لنبيه موسى في الألواح - وهي معظم التوراة، وعليها مدار كل شريعة - فهي: \" بسم الله الرحمن الرحيم \" ، هذا كتاب من الله الملك الجبار العزيز القهار لعبده ورسوله موسى بن عمران، سبحني وقدسني، لا إله إلا أنا فاعبدني ولا تشرك بي شيئاً، واشكر لي ولوالديك إلي المصير، أحيك حياة طيبة؛ ولا تقتل النفس التي حرم الله عليك فتضيق عليك السماء بأقطارها والأرض برحبها؛ ولا تحلف باسمي كاذباً فإني لا أطهر ولا أزكي من لم يعظم اسمي؛ ولا تشهد بما لا يعي سمعك ولا تنظر عينك ولم يقف قلبك عليه فإني أقف أهل الشهادات على شهاداتهم يوم القيامة، وأسائلهم عنها؛ ولا تحسد الناس على ما آتيتهم من فضلي ورزقي، فإن الحاسد عدو لنعمتي، ساخط لقسمتي؛ ولا تزن ولا تسرق فأحجب عنك وجهي، وأغلق دون دعوتك أبواب السموات؛ ولا تذبح لغيري، فإنه لا يصعد إلي من قربان الأرض إلا ما ذكر اسمي عليه؛ ولا تغدرن بحيلة جارك فإنه أكبر مقتاً عندي؛ وأحب للناس ما تحب لنفسك. فهذه العشر كلمات؛ وقد أنزل الله - عز وجل - على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - مثلها في ثماني عشرة آية، وهي قوله تعالى في سورة بني إسرائيل: \" وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا، وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا، وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسورا، ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا، إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيراً بصيرا، ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأً كبيرا، ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا، ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا، وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا، ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا، ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا، كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها، ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحورا \" ثم جمعها في آيتين من سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: \" قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون، ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها وإذا قلتم فاعد لوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون \" .\rوقد روى أبو إسحاق الثعلبي - رحمه الله - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أعطي موسى الألواح نظر فيها وقال: يا رب لقد أكرمتني بكرامة لم تكرم بها أحداً قبلي. \" قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك \" .","part":3,"page":372},{"id":1373,"text":"وأخرج الحافظ: تموت على حب محمد عليه السلام. قال موسى: يا رب وما محمد؟ قال: أحمد الذي أثبت اسمه على عرشي من قبل أن أخلق السموات والأرض بألفي عام، وإنه لنبيي وحبيبي وخيرتي من خلقي، هو أحب إلي من جميع خلقي ومن جميع ملائكتي. قال: يا رب إن كان محمد أحب الناس إليك من جميع خلقك فهل خلقت أمة أكرم عليك من أمتي؟ قال الله تعالى: إن فضل أمة محمد - عليه السلام - على سائر الأمم كفضله على سائر الخلق. قال: يا رب ليتني رأيتهم. قال: إنك لن تراهم، ولو أردت أن تسمع كلامهم لسمعت. قال: يا رب فإني أريد أن أسمع كلامهم. قال: يا أمة محمد. فأجبنا كلنا من أصلاب آبائنا وأرحام أمهاتنا: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك. قال الله تعالى: يا أمة محمد. إن رحمتي سبقت غضبي، وعفوي عقابي، قد أعطيتكم من قبل أن تسألوني، وقد أجبتكم قبل أن تدعوني، وقد غفرت لكم من قبل أن تعصوني، من جاء يوم القيامة يشهد أن لا إله إلا الله وأم محمداً عبدي ورسولي دخل الجنة ولو كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر. وهذا قوله تعالى: \" وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين \" .\rوروى الثعلبي أيضاً بسند رفعه إلى كعب الأحبار أنه رأى حبراً مت أحبار اليهود يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ فقال له: ذكرت بعض الأمر. فقال كعب: أنشدك الله إن أخبرتك بما أبكاك أتصدقني؟ قال: نعم. قال: أنشدك الله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: إني أجد أمة هي خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال. فقال موسى: يا رب اجعلهم أمتي. قال: هي أمة محمد يا موسى. فقال له الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: إني أجد أمة هم الحامدون، الرعاة الشمس المحكمون، إذا أرادوا أمراً قالوا: \" نفعله إن شاء الله \" فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة أحمد يا موسى. قال له الحبر: نعم. قال: أنشدك الله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: رب إني أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم.","part":3,"page":373},{"id":1374,"text":"قال: \" وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار، غير أن موسى كان يجمع صدقات بني إسرائيل فلا يجد عبداً مملوكاً ولا أمة إلا اشتراه ثم أعتقه من تلك الصدقة وما فضل حفر له حفيرة عميقة وألقاه فيها، ثم دفنه كيلا يرجعوا فيه \" وهم المسبحون والمسبح لهم، وهم الشافعون والمشفع لهم. قال موسى: يا رب اجعلهم أمتي. قال: هم أمة أحمد يا موسى. قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك الله أتجد في التوراة أن موسى نظر في التوراة فقال: إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله تعالى، وإذا هبط وادياً حمد الله تعالى؛ الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيثما كانوا، يتطهرون من الجنابة، طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حين لا يجدون الماء؛ غر محجلون مكن آثار لوضوء، فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة أحمد يا موسى. قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك الله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: يا رب إني أجد أمة إذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها تكتب له، فإن عملها ضوعفت عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها تكتب عليه سيئة مثلها. فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة أحمد يا موسى. قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك الله أتجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب الذين اصطفينا \" فنمهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات \" فلا أجد أحداً منهم إلا مرحوماً فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة أحمد يا موسى. قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك الله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: يا رب إني أجد أمة مرحومة، مصاحفهم في صدورهم، يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يصفون في صلاتهم صفوفاً كصفوف الملائكة، أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل، لا يدخل النار منهم أحد إلا من الحساب مثل ما يرمى الحجر من وراء الشجر. فاجعلهم أمتي. قال: هي أمة أحمد يا موسى. قال الحبر: نعم. قال: فعجب موسى من الخير الذي أعطاه الله محمداً وأمته، وقال: يا ليتني من أصحاب محمد. فأوحى الله تعالى إليه ثلاث آيات يرضيه بهن \" يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي \" إلى قوله: \" دار الفاسقين \" \" ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون \" .\rفقال: فرضي موسى كل الرضى.\rولنصل هذا الفصل بما ورد في تفسير قوله تعالى: \" سأريكم دار الفاسقين \" وقوله: \" ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون \" .\rقال الثعلبي: قال أهل المعاني: هذا كقول القائل لمن يخاطبه: \" سأريك غداً إلى ما تصير إليه حال من يخالف أمري \" على وجه الوعيد والتهديد.\rوقال مجاهد: سأريكم دار الفاسقين، يعني مصيرهم في الآخرة.\rوقال الحسن: جهنم.\rوقال قتادة وغيره: سأدخلكم الشام فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الجبابرة والعمالقة.\rوقال عطية العوفي: معناه سأريكم دار فرعون وقومه، وهي مصر.\rقال أبو العالية: رفعت مصر لموسى حتى نظر إليها.\rوقال السدي: دار الفاسقين، يعني ما يصير قرارهم في الأرض.\rوقيل: الدار الهلاك، وجمعه أدوار؛ وذلك أن الله تعالى لما أغرق فرعون وقومه أمر البحر أن يقذف أجسادهم إلى الساحل؛ ففعل، فنظر إليهم بنو إسرائيل، فأراهم هلاك الفاسقين.\rوقال يمان: يعني مسكن فرعون.\rوأما ما ورد في تفسير قوله تعالى: \" ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون \" .\rقوله تعالى: \" ومن قوم موسى \" ، يعني بني إسرائيل \" أمة \" جماعة \" يهدون بالحق \" ، أي يرشدون إلى الحق.\rوقيل: معناه يهتدون ويستقيمون عليه ويعملون به \" وبه يعدلون \" أي ينصفون من أنفسهم لا يجورون.\rقال السدي: هم قوم بينكم وبينهم نهر من شهد.\rوقال ابن جريج: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا - وكانوا اثني عشر سبطاً - تبرأ سبط منهم؛ واعتذروا وسألوا الله تعالى أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله تعالى لهم نفقاً في الأرض، فساروا فيه سنة ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين؛ فهم هناك حنفاء مسلمون مستقبلون قبلتنا.\rقال الكلبي وربيع والضحاك وعطاء: هم قوم من المغرب خلف الصين على نهر يحوي الرمل يسمى نهر أوران، وليس لأحدهم مال دون صاحبه؛ يمطرون بالليل، ويصحون بالنهار ويزرعون، لا يصل إليهم منا أحد ولا منهم إلينا وهم على الحق.","part":3,"page":374},{"id":1375,"text":"قال: وذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن جبريل ذهب به ليلة أسري به إليهم؛ فكلمهم؛ فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا. قال: هذا محمد النبي الأمي. فآمنوا به وقالوا: يا رسول الله، إن موسى أوصانا وقال: من أدرك منكم أحمد فليقرأ مني عليه السلام. فرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على موسى وعليهم السلام؛ ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم تكن نزلت فريضة سوى الصلاة والزكاة، فأمرهم بالصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون، فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت.\rحكاه أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره.\rنرجع إلى تتمة أخبار موسى - عليه السلام - .\rالسامري والعجل\rوافتتان بني إسرائيل به\rقال الكسائي والثعلبي وغيرهما من أهل السير ما مختصره ومعناه: إن موسى - عليه السلام - لما توجه إلى البقعة المباركة التي كلمه الله تعالى فيها لميقات ربه، استخلف أخاه هارون على بني إسرائيل، وكان السامري فيهم.\rواختلف فيه، فقال قتادة والسدي: كان السامري رجل من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها: سامرة ولكنه عدو لله منافق.\rوقال سعيد: كان السامري من كرمان.\rوقال غيرهم: كان رجلاً صائغاً من أهل باجرما، واسمه ميخا.\rوقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : اسمه موسى بن ظفر، وكان رجلاً منافقاً وقد أظهر الإسلام؛ وكان من قوم يعبدون البقر، فدخل قلبه حب البقر، فلما ذهب موسى - عليه السلام - لميقات ربه - وكان قد واعد قومه ثلاثين ليلة فأتمها الله بعشر، كما أخبر الله عز وجل - فعد بنوا إسرائيل ثلاثين، فلما لم يرجع إليهم موسى افتتنوا وقالوا: إن موسى أخلفنا الوعد؛ فاغتنمها السامري ففعل ما فعل.\rوقال قوم: إنهم عدوا الليلة يوماً واليوم يوماً، وكان موسى قد واعدهم أربعين، فلما مضت عشرين يوماً افتتنوا، فأتاهم السامري وقال: إن موسى قد احتبس عنكم، فينبغي لكم أن تتخذوا إلهاً، فإن موسى ليس يرجع إليكم، وقد تم الميقات. وإنما طمع فيهم السامري لأنهم في اليوم الذي أنجاهم الله من فرعون وطلعوا من البحر، كان من أمرهم ما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: \" وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون \" فطمع السامري فيهم واغتنمها، فلما تأخر موسى عن الميقات - وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حلي آل فرعون كما قدمنا؛ فلما فصل موسى قال هارون لبني إسرائيل: إن حلي القبط الذي استعرتموه غنيمة، وإنه لا يحل لكم؛ فاجمعوه فاحفروا له حفيرة وادفنوه حتى يرجع موسى فيرى فيه رأيه. ففعلوا ذلك، وجاءهم السامري ومعه القبضة التي قبضها من أثر حافر فرس جبريل - عليه السلام - .\rقالوا: وكان لجبريل - عليه السلام - فرس أنثى بلقاء يقال لها: فرس الحياة لا تصيب شيئاً إلا حيي؛ فلما رأى السامري جبريل على تلك الفرس عرفه وقال: إن لهذا الفرس لشأناً. وأخذ قبضة من تراب حافرها حين عبر جبريل البحر.\rقالوا: وإنما عرف السامري خبر الفرس دون غيره من بني إسرائيل، لأن فرعون لما أمر بذبح أولاد بني إسرائيل جعلت المرأة إذا ولدت الغلام انطلقت به سراً في جوف الليل إلى صحراء أو واد أو غار في جبل فأخفته؛ فقيض الله تعالى له ملكاً من الملائكة يطعمه ويسقيه حتى لا يختلط بالناس، وكان الذي ولي كفالة السامري جبريل عليه السلام، فجعل يمص من إحدى إبهاميه سمناً، ومن الأخرى عسلاً، فمن ثم عرفه، ومن ثم الصبي إذا جاع يمص إبهامه فيروى من المص.\rنرجع إلى خبر بني إسرائيل مع السامري.\rقال: فلما أمرهم هارون بجمع الحلي وجمعوه، جاء السامري بالقبضة فقال لهارون: يا نبي الله، أأقذفها فيه؟ فظن هارون أنه من الحلي، وأنه يريد بها ما يريد أصحابه، فقال له: اقذف. فقذفها في الحفرة على الحلي، فصار عجلاً جسداً له خوار.\rوقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : أوقد هارون ناراً وأمرهم أن يقذفوا الحلي فيها؛ فقذف السامري تلك القبضة فيها وقال: \" كن عجلاً جسداً له خوار \" . فكان كذلك للبلاء والفتنة.\rويقال: إن الذي قال لبني إسرائيل: \" إن الغنيمة لا تحل لكم \" هو السامري، فصدقوه وجمعوها، فدفعوها إليه فصاغ منها عجلاً في ثلاثة أيام ثم قذف فيه القبضة، فجثا وخار خورة ثم لم يعد.","part":3,"page":375},{"id":1376,"text":"وقال السدي: كان يخور ويمشي؛ فلما أخرج السامري العجل وكان من ذهب مرصع بالحجارة كأحسن ما يكون، قال هذا إلهكم وإله موسى. فشبه السامري على أوغاد بني إسرائيل وجهالهم حتى أضلهم وقال لهم: إن موسى قد أخطأ ربه فأتاكم ربه أراد أن يريكم أنه قادر على أن يدعوكم إلى نفسه بنفسه، وأنه لم يبعث موسى لحاجة منه إليه، وأنه قد أظهر لكم العجل ليكلمكم من وسطه كما كلم موسى من الشجرة.\rقالوا: فلما رأوا العجل وسمعوا قول السامري، افتتنوا غير اثني عشر ألفاً وكان مع هارون ستمائة ألف، فعكفوا عليه يعبدونه من دون الله تعالى، وأحبوه حباً ما أحبوا مثله شيئاً قط؛ فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل إنما فنتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري، قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى.\rفأقام هارون بمن معه من المسلمين، وأقام من يعبد العجل على عبادته؛ وخشي هارون إن سار بمن معه من المسلمين إلى المفتتنين الضالين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل.\rقال راشد بن سعد: لما واعد الله تعالى موسى أربعين يوماً قال الله تعالى: يا موسى، إن قومك قد افتتنوا من بعدك. قال: يا رب كيف يفتتنون وقد نجيتهم من فرعون ومن البحر، وأنعمت عليهم؟ قال: إنهم اتخذوا العجل إلهاً من دوني وهو عجل جسد له خوار. قال: يا رب من نفخ فيه الروح؟ قال: أنا. قال: أنت - وعزتك - فتنتهم، إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.\rقال: فلما رجع موسى من الميقات إلى قومه وقرب منهم، سمع اللغط حول العجل وكانوا يرقصون حوله، ولم يخبر موسى أصحابه السبعين بما أخبره به ربه تعالى من حديث العجل، فقالوا: هذا قتال في المحلة. قال موسى لهم: لا ولكنها أصوات الفتنة، افتتن القوم بعدنا بعبادة غير الله تعالى.\rرجوع موسى إلى قومه قال الله عز وجل: \" ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر بكم \" وذلك أنه لما رآهم حول العجل وما يصنعون فيه ألقى الألواح من يده فتكسرت، فصعد عامة الكلام الذي فيها، ولم يبق إلا سدسها، ثم أعيدت له في لوحين.\rروى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ليس المعاين كالمخبر، قال الله تعالى لموسى: إن القوم قد افتتنوا فلم يلق الألواح، فلما عاين ألقى الألواح فكسرها.\rقالوا: فلما رأى موسى ما صنع قومه من بعده من عبادة العجل، أخذ شعر رأس أخيه هارون بيمينه، ولحيته بشماله وقال له: يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري، هلا قاتلتهم إذ علمت أني لو كنت فيما بينهم لقاتلتهم على كفرهم؟ فقال هارون: يا بن أم؛ قال المفسرون: كان هارون أخا موسى لأبيه وأمه، ولكنه أراد بقوله: يا بن أم تقريبه واستعطافه عليه، لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت، إن أقاتلهم أن يصيروا حزبين يقتل بعضهم بعضاً، فتقول: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي، ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك: اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين. وقال: إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين. فقال موسى: رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين.\rقال: ثم أقبل موسى على السامري فقال له: ما خطبك يا سامري، أي ما أمرك وشأنك؟ فقال السامري: بصرت بما يبصروا فقبضت قبضة من أثر الرسول، أي أخذت تراباً من أثر فرس جبريل فنبذتها وطرحتها في العجل وكذلك سولت لي نفسي، أي زينت.\rقال: فلما علم بنو إسرائيل أنهم قد أخطأوا وضلوا في عبادتهم العجل، ندموا على ذلك واستغفروا، كما قال الله تعالى: \" ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين \" ؛ فقال لهم موسى: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم.\rقالوا: كيف نتوب؟ قال: فاقتلوا أنفسكم، أي يقتل البريء المجرم، ذلكم يعني القتل خير لكم عند بارئكم.\rقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : أبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل إلا بالحال التي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل.\rوقال قتادة: جعل الله توبة عبدة العجل القتل لأنهم ارتدوا، والكفر مبيح للدم.","part":3,"page":376},{"id":1377,"text":"وقال الكسائي: لما قال موسى لبني إسرائيل: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل، سألوه أن يتوب الله تعالى عليهم؛ فسأل الله تعالى، فأوحى الله تعالى إليه أنه لا توبة لهم، لأن في قلوبهم حي العجل، فاجمع رماد العجل وألقه في الماء وأمرهم أن يشربوا منه فإنه يظهر ما في قلوبهم على وجوههم. ففعل ذلك؛ فلما شربوا لم يبق أحد مما في قلبه مرض إلا اصفر وجهه ولونه ورم بطنه، ودام ذلك بهم، فقالوا: يا موسى، هل شيء غير التوبة الخالصة وقد أخلصنا في توبتنا حتى لو أمرتنا بقتل أنفسنا فعلنا؟ فأوحى الله إليه: يا موسى قد رضيت بحكمهم على أنفسهم، فقل لهم: يقتلوا أنفسهم إن كانوا صادقين في توبتهم. فقال لهم موسى ما أمرهم الله به: \" فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم \" فقالوا: كيف نقتل أنفسنا؟ قال: يقوم من لم يعبد العجل إلى من عبده فيقتله. فقاموا بالسيوف والخناجر إلى الذين عبدوه وأرسل الله عليهم ظلمة فلم يبصر بعضهم بعضاً، حتى كان الرجل يأتي إلى أخيه وأبيه وابن عمه وقرابته فيقتله وهو لا يعرفه، ولم يعمل السلاح فيمن لم يعبد العجل حتى خاضوا في الدماء وصاح النساء والصبيان إلى موسى: \" العفو يا نبي الله \" فدعا موسى الله بالعفو عنهم، فلم يعمل السلاح فيهم بعد ذلك، وقبل الله تعالى توبتهم، وارتفعت الظلمة عنهم.\rقالوا: ثم هم موسى بقتل السامري، فأوحى الله تعالى إليه: لا تقتله فإنه سخا، ولكن أخرجه عن قومك، فلعنه موسى وقال له ما أخبره الله تعالى به عنه: \" قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعداً لن تخلفه \" أي لعذابك في القيامة. \" وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفاً \" .\rقال: وأمر موسى بني إسرائيل ألا يخالطوا السامري ولا يقاربوه، فصار السامري وحشاً لا يألف ولا يؤلف ولا يدنو من الناس ولا يمس أحد منهم فمن مسه قرض ذلك الموضع بالمقراض، فكان ذلك دأبه حتى هلك.\rاعراض بني اسرائيل ذكر خبر امتناع بني إسرائيل من قبول أحكام التوراة ورفع الجبل عليهم وإيمانهم قال الكسائي: ثم أقبل موسى على بني إسرائيل بالتوراة وقال: هذا كتاب ربكم فيه الحلال والحرام والأحكام والسنن والفرائض ورجم الزاني والزانية المحصنين وقطع يد السارق، والقصاص في كل ذنب يكون منكم. فضجوا من ذلك وقالوا: لا حاجة لنا في هذه الأحكام، وما كنا فيه من عبادة العجل كان أرفق بنا من هذا.\rقال: فلما امتنعوا من قبول أحكام الله عز وجل قال موسى: يا رب قد علمت أنهم ردوا كتابك وكذبوا بآياتك. فأمر الله تعالى جبريل أن يرفع عليهم جبل طور سيناء في الهواء، قال الله عز وجل: \" وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة \" \" واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا \" ؛ فجعل الجبل يدنوا منهم حتى ظنوا أنه يسقط عليهم؛ فآمنوا وخروا سجداً على أنصاف وجوههم وهم ينظرون إلى الجبل بالنصف الآخر؛ فلأجل ذلك سجود اليهود كذلك. ورد الجبل عنهم.\rخبر الحجر\rقال: وكانوا إذا اغتسلوا لا يسترون عوراتهم، وإذا اغتسل موسى يستتر فظنوا أن في بدنه عيباً فتكلموا بذلك، وكان موسى - عليه السلام - إذا اغتسل وضع ثوبه على حجر وقرعه بعصاه فيتفجر الماء منه، فيغتسل ثم يلبس ثوبه؛ ففعل ذلك في بعض الأيام، فلما أراد أن يلبس ثوبه انقلع الحجر من موضعه ومر على وجه الأرض وعليه ثوب موسى؛ فعدا موسى خلفه وهو يقول: \" ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر \" ولم يزل يعدو حتى وقف على بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى ولا عيب فيه، فندموا على ما كان منهم؛ قال الله تعالى: \" فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً \" .\rطلبهم رؤية الله تعالى\rوهلاكهم بالصاعقة وكيف أحياهم الله - عز وجل - وبعثهم من بعد موتهم\rقال الله تعالى: \" وإذا قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون، ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون \" .","part":3,"page":377},{"id":1378,"text":"وذلك أن الله تعالى أمر موسى - عليه السلام - أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل؛ فاختار موسى - عليه السلام - سبعين رجلاً من قومه من خيارهم، وكان قد اختار من كل سبط ستة نفر، فصاروا اثنين وسبعين، وقال: إنما أنرت بسبعين فليتخلف منكم رجلان. فتشاحنوا على ذلك، فقال موسى: إن لمن قعد مثل أجر من خرج. فقعد يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، فقال موسى للسبعين: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. ففعلوا ذلك فخرج بهم موسى عليه السلام إلى طور سيناء لميقات ربه؛ فلما بلغوا ذلك الموضع قالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا. فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل وقع عمود الغمام عليه وتغشى الجبل كله، فدخل في الغمام وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى عليه السلام إذا كلمه ربه عز وجل - وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه؛ فضرب دونه الحجاب، ودنا القوم حتى دخلوا في الغمام وخروا سجداً، وسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه؛ فأسمعهم الله تعالى: إني أنا الله لا إله إلا أنا ذو الملك، أخرجتكم من أرض مصر فاعبدوني ولا تعبدوا غيري. فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، أي لن نصدقك، فأخذتهم الصاعقة، وهي نار جاءت من السماء فأحرقتهم جميعاً.\rوقال وهب بن منبه: أرسل الله عليهم جند من السماء، فلما سمعوا حسها ماتوا في يوم وليلة. فلما هلكوا جعل موسى - عليه السلام - يبكي ويتضرع ويقول: يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ولو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلك بما فعل السفهاء منا، فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله - عز وجل - رجلاً بعد رجل ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون. حكاه الثعلبي في تفسيره.\rوقال الكسائي في هذه القصة: أقبل بنو إسرائيل على موسى وقالوا: أرنا الله جهرة. فأوحى الله تعالى إليه: أكلهم يريد ذلك؟ - وهو أعلم - فقال الصالحون منهم: إن الله أجل من أن نراه في الدنيا.\rوقال الباقون: إنما امتنع هؤلاء لضعف قلوبهم. فأوحى الله تعالى إليه: أن اختر منهم سبعين رجلاً وسربهم إلى جبل الطور؛ فسار بهم، ووقع الغمام على الجبل حتى أظله وأتاه موسى وهم معه؛ فأمر الله تعالى الملائكة أن تهبط إلى الجبل بزيها وصورها؛ فلما نظر بنو إسرائيل إليهم أخذتهم الرعدة والخوف، وندموا على ما كانوا منهم، ونودوا من قبل السماء: يا بني إسرائيل فصعقوا كلهم وماتوا. وساق نحو ما تقدم.\rقال: ورجعوا إلى قومهم وخبروهم بما رأوا.\rخبر قارون قال المفسرون: إن قارون كان ابن عم موسى، لأنه قارون بن يصهر ابن قاهث.\rوقال ابن إسحاق: هو عم موسى، لأن يصهر بن قاهث تزوج شميش بنت ماويب بن بركيا بن يقشان بن إبراهيم، فولدت له عمران بن يصهر وقارون بن يصهر. فعلى هذا القول يكون عم موسى؛ وعلى قول الآخرين يكون ابن عمه، وعليه عامة أصحاب التواريخ؛ وعليه أهل الكتاب، لا خلاف عندهم في ذلك قالوا: وكان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون وأفضلهم وأجملهم.\rقال قتادة: وكان يسمى المبشور لحسن صورته، ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة منه، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري، فبغى على قومه، كما قال تعالى: \" إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم \" .\rقال الثعلبي: واختلفوا في معنى هذا البغي ما هو، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : كان فرعون قد ملك قارون على بني إسرائيل، وكان يبغي عليهم ويظلمهم.\rوقال عطاء الخراساني وشهر بن حوشب: زاد عليهم في الثياب شبراً.\rوقال شيبان عن قتادة: بغى عليهم بالكبر والبذخ.\rوقال سعيد عنه: بكثرة المال. وكان أغنى أهل زمانه وأثراهم، كما قال تعالى: \" وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة \" أي تثقل وتميل بهم إذا حملوها لثقلها.\rواختلف المفسرون في عدد العصبة، فقال مجاهد: ما بين العشرة إلى الخمسة.\rوقال قتادة: ما بين العشرة إلى الأربعين.\rوقال عكرمة: منهم من يقول: سبعين.\rوقال الضحاك: ما بين الثلاثة إلى العشرة.\rوقيل: هم ستون.\rوروى جرير عن منصور عن خيثمة قال: وجدت في الإنجيل مفاتيح خزائن قارون كانت وقر ستين بغلاً غراً محجلة ما يزيد منها مفتاح على إصبع لكل مفتاح منها كنز.","part":3,"page":378},{"id":1379,"text":"ويقال: إن قارون كان أينما ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه - وكانت من حديد - فلما ثقلت عليه جعلها من الخشب، فثقلت عليه، فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع، تحمل معه على أربعين بغلاً.\rوقال بعضهم: أراد بالمفاتيح الخزائن. وإليه ذهب أبو صالح.\rوقال أبو رزين: لو كان مفتاح واحد لأهل الكوفة كان كافياً.\rواختلفوا في سبب اجتماع تلك الأموال لقارون؛ فقيل: كان عنده علم الكيمياء.\rقال سعيد بن المسيب: كان موسى يعلم الكيمياء، فعلم يوشع ثلث العلم، وعلم كالب ثلثه، وعلم قارون ثلثه؛ فخدعهما قارون حتى أضافا علمهما إلى علمه.\rوحكى الكسائي: كان قارون من فقراء بني إسرائيل، فأوحى الله إلى موسى أن يحلي تابوت التوراة بالذهب، وعلمه صنعة الكيمياء؛ فجاء قارون إلى أم كلثم أخت موسى - وقد قيل: إنها كانت زوجته - فسألها: من أين لموسى هذا الذهب؟ فقالت: إن الله تعالى قد علمه صنعة الكيمياء. وكان موسى قد علمها الصنعة، فتعلمها قارون منها.\rقالوا: فكان ذلك سبب أمواله، فذلك قوله كما أخبر الله تعالى عنه: \" قال إنما أوتيته على علم عندي \" .\rوقيل: معناه على علم عندي بالتصرف في التجارات والزراعات وسائر أنواع المكاسب والمطالب.\rوقيل في سبب جمعه تلك الأموال ما رواه الثعلبي بسنده عن ابن سليمان الداراني أنه قال: تبدى إبليس لقارون وكان قارون أقام في جبل أربعين سنة غلب بني إسرائيل في العبادة، فبعث إبليس إليه شياطينه فلم يقدروا عليه؛ فأتاه وجعل يتعبد معه، وجعل قارون يتعبد وإبليس يقهره في العبادة ويفوقه؛ فخضع له قارون؛ فقال له إبليس: يا قارون، قد رضينا بهذا الذي نحن فيه، لا نشهد لبني إسرائيل جماعة، ولا نعود مريضاً، ولا نشهد جنازة؟ قال: فأحدره من الجبل إلى البيعة، فكانا يؤتيان بالطعام، فقال له إبليس: يا قارون، قد رضينا أن نكون هكذا كلاً على بني إسرائيل؟ فقال له قارون: فأي رأي عندك؟ قال: نكسب يوم الجمعة، ونتعبد بقية الجمعة.\rقال: فكسبوا يوم الجمعة وتعبدوا بقيتها؛ فقال إبليس: قد رضينا أن نكون هكذا؟ قال قارون: فأي رأي عندك؟ قال: نكسب يوماً ونتعبد يوماً فنتصدق ونعطي.\rقال: فلما كسبوا يوماً وتعبدوا يوماً خنس إبليس وتركه، ففتحت على قارون أبواب الدنيا، فيلغ ماله - على ما روى الثعلبي بسنده إلى المسيب بن شريك قال: ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة، وكانت أربعمائة ألف ألف في أربعين جراباً.\rقال: فبغى وطغى حين استغنى، فكان أول طغيانه وعصيانه أنه تكبر واستطال على الناس بكثرة الأموال، وكان يخرج في زينته.\rقال مجاهد: خرج على براذين بيض عليها سروج الأرجوان وعليه المعصفرات.\rوقال ابن أسلم: خرج في سبعين ألفاً عليهم المعصفرات.\rقال: وذلك أول يوم ظهرت فيه المعصفرات في الأرض.\rوقال مقاتل: خرج على بغلة شهباء على سرج من الذهب عليه الأرجوان ومعه ألف فارس عليهم الديباج وعلى دوابهم الأرجوان؛ ومعه ستمائة جارية بيض عليهن الحلي والثياب الحمر، وهن على البغال الشهب.\rوحكى الكسائي أن قارون اتخذ سريراً من الذهب يصعد إليه بمراق، وعليه أنواع من فرش الديباج، وعلى رأسه تاج من الذهب مرصع بالجوهر.\rقالوا: فلما خرج في بعض الأيام في زينة عظيمة، تمنى أهل الجهالة والخسارة مثل الذي أوتيه، وقالوا ما أخبر الله تعالى به عنهم: \" قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم \" فأنكر عليهم أهل العلم بالله تعالى، وقالوا لهم: اتقوا الله واعملوا ما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم الله عنه، فإن ثواب الله خير لمن أمن وعمل صالحاً من لذات الدنيا وشهواتها؛ قال الله تعالى: \" ولا يلقاها \" ، أي لا يوفق لهذه الكلمة \" إلا الصابرون \" ، أي على طاعة الله وعن زينة الحياة الدنيا.","part":3,"page":379},{"id":1380,"text":"قالوا: ثم أوحى الله تعالى إلى نبيه موسى - عليه السلام - أن يأمر قومه أن يعلقوا في آذانهم خيوطاً أربعة، في كل طرف خيط أخضر كلون السماء فقال موسى: يا رب لم أمرت بني إسرائيل بتعليق هذه الخيوط الخضر في آذانهم؟ فقال تعالى: إن بني إسرائيل في غفلة، وقد أردت أن أجعل لهم علماً في ثيابهم ليذكروني به إذا نظروا إلى السماء، ويعلموا أني منزل منها كلامي. فقال موسى: يا رب أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم خضراً، فإن بني إسرائيل تحقر هذه الخيوط؟ فقال له: يا موسى، إن الصغير من أمري ليس بصغير، وإن لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير.\rقال: فدعا موسى بني إسرائيل وأعلمهم بأمر الله تعالى؛ ففعلوا ذلك واستكبر قارون فلم يطعه، وقال: إنما يفعل هذا الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا من غيرهم. فكان هذا أيضاً من بغيه وعصيانه.\rقالوا: ولما قطع موسى البحر ببني إسرائيل جعلت الحبورة - وهي رئاسة المذبح وبيت القربان - لهارون عليه السلام؛ وكان بنوا إسرائيل يأتون بهديهم فيدفعونه إلى هارون، فيضعه على المذبح، فتنزل نار من السماء فتأكله، فوجد قارون في نفسه من ذلك، وأتى موسى وقال له: يا موسى، لك الرسالة، ولهارون الحبورة، وليس لي من ذلك شيء، وأنا أقرأ للتوراة منكما، لا صبر لي على هذا.\rفقال موسى: والله ما أنا جعلتها في هارون، بل الله جعلها له. فقال قارون: والله لا أصدقك في ذلك حتى تريني بينة.\rقال: فجمع موسى رؤساء بني إسرائيل وقال: هاتوا عصيكم. فجاءوا بها فحزمها وألقاها في قبته التي كان يعبد الله فيها؛ وجعلوا يحرسون عصيهم حتى أصبحوا، فأصبحت عصا هارون قد اهتز لها ورق أخضر، وكان من شجر اللوز فقال موسى: يا قارون، أترى هذا من فعلي؟ قال قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر. وذهب قارون مغاضباً، واعتزل موسى بأتباعه؛ وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما وهو يؤذيه في كل وقت، ولا يزداد كل يوم إلا عتواً وتجبراً ومخالفة.\rويقال: إنه بنى داراً وجعل بابها من الذهب، وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون عليه ويروحون فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضاحكونه.\rقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : ثم أنزل الله تعالى الزكاة على موسى؛ فلما وجبت الزكاة على بني إسرائيل أتى قارون موسى فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، وعن كل ألف شيء شيئاً، ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده كثيراً، فلم تسمح لذلك نفسه، فجمع بني إسرائيل وقال لهم: يا قوم، إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم. فقالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا فمر بما شئت. فقال: آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي فنجعل لها جعلاً على أن تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فاسترحنا منه. فأتوا بها، فجعل لها قارون ألف درهم. وقيل: ألف دينار. وقيل: طستاً من ذهب. وقيل: حكمها؛ وقال لها: إني أمولك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى غداً إذا كان بنو إسرائيل متجمعين. فلما كان الغد جمع قارون بني إسرائيل، ثم أتى موسى فقال: إن بني إسرائيل قد اجتمعوا ينظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم وتبين لهم أعلام دينهم وأحكامهم وأحكام شرعهم. فخرج إليهم موسى وهم في براح من الأرض، فقام فيهم خطيباً ووعظهم، وقال فيما قال: يا بني إسرائيل، من سرق قطعت يده، ومن افترى جلدناه ثمانين جلدة، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مائة جلدة، وإن كانت له امرأة رجمناه حتى يموت. فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة. قال موسى: أنا؟ قال: نعم. قال: ادعها فإن قالت فهو كما قالت. فدعيت؛ فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة، أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ وعظم عليها وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت. فلما ناشدها موسى تداركها الله تعالى بالتوفيق وقالت: لأن أحدث اليوم توبة أفضل من أن أوذي رسول الله. وقالت: لا والله بل كذبوا، ولكن جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك بنفسي. فلما تكلمت بهذا سقط في يد قارون ونكس رأسه، وسكت الملأ وعرف قارون أن قد وقع في مهلكة، وخر موسى ساجداً لله تعالى.","part":3,"page":380},{"id":1381,"text":"وقال الكسائي في قصة هذه المرأة: إن قارون بعث إلى امرأة فاسقة كان موسى قد نفاها من عسكره، فقال لها: إني أريد أن أتزوج بك وأنقذك من هذا الفقر إن عملت ما أقول. قالت: وما هو؟ قال: إذا اجتمع بنوا إسرائيل عندي فاحضري وقولي: إن موسى دعاني إلى نفسه فلم أطاوعه، فأخرجني من عسكره فانصرفت ودخلت على قارون من الغد - وقد اجتمع بنوا إسرائيل عنده - فقالت: يا بني إسرائيل، هذا ما لقي الأخيار من الأشرار؛ اعلموا أن قارون دعاني بالأمس وقال لي كذا وكذا، وأمرني أن أكذب على نبي الله موسى؛ وكذب قارون إنما أخرجني موسى من عسكره لفسادي، وقد تبت إلى الله تعالى من ذلك. فلما سمع قارون ذلك ندم، ولامه بنو إسرائيل، وبلغ موسى الخبر فغضب ودعا قارون.\rقالوا: وجعل موسى يبكي ويقول: يا رب إن عدوك هذا قد آذاني وأراد فضيحتي، اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي وسلطني عليه. فأوحى الله تعالى إليه: ارفع رأسك وأمر الأرض بما شئت تطعك. فقال موسى: يا بني إسرائيل إن الله قد بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليثبت مكانه ومن كان معي فليعتزل عنه. فاعتزل بنو إسرائيل قارون ولم يبق منهم إلا رجلان ثم قال موسى: يا أرض خذيهم. فأختهم إلى كعابهم. ثم قال: يا أرض خذيهم. فأخذتهم إلى ركبهم. ثم قال: يا أرض خذيهم. فأخذتهم إلى حقيهم. ثم قال: يا أرض خذيهم. فأخذتهم إلى أعناقهم وقارون وصاحباه في كل ذلك يتضرعون إلى موسى ويناشدونه؛ حتى روى بعض الأخبار: أنه ناشده سبعين مرة وموسى في جميع ذلك لا يلتفت إليه، لشدة غضبه عليه. ثم قال: يا أرض خذيهم. فانطبقت عليهم الأرض؛ فأوحى الله إلى موسى: استغاثوا بك سبعين مرة فلم ترحمهم ولم تغثهم، أما وعزتي وجلالي لو إياي دعوا لوجدوني قريباً مجيباً.\rقال قتادة: ذكر لنا أن الله تعالى يخسف بهم في كل يوم قامة، وأنه يتخلخل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة.\rقالوا: فلما خسف الله تعالى بقارون وصاحبيه أصبحت بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم: إن موسى دعا على قارون ليستبد بداره وكنوزه وأمواله. فدعا موسى حتى خسف الله تعالى بدار قارون وأمواله الأرض؛ وأوحى الله تعالى إلى موسى: أني لا أعبد الأرض لأحد بعدك أبداً؛ فذلك قوله تعالى: \" فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين \" .\rقال: فلما حلت نقمة الله تعالى بقارون حمد المؤمنون الله تعالى، وندم الذين كانوا يتمنون ماله وحاله، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: \" وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا وخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون \" . والله الفعال.\rموسى والخضر وهذا الخبر إنما رجعت فيه واعتمدت على ما ورد في الحديث الصحيح النبوي مما خرجه البخاري - رحمه الله تعالى - في صحيحه، ورويناه بسندنا عنه بسنده عن ابن عباس عن أبي بن كعب - رضي الله عنهم - عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن موسى - عليه السلام - قام خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه؛ فقال: بلى، بمجمع البحرين هو أعلم منك.\rوورد في الحديث الآخر من رواية البخاري: بلى عبدنا خضر. قال: أي رب ومن لي به؟ قال سفيان من روايته: أي رب وكيف لي به؟ قال: تأخذ حوتاً فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم. وربما قال: فهو ثمة.\rفأخذ حوتاً فجعله في كتل، ثم انطلق هو وفتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما؛ فرقد موسى عليه السلام، واضطرب الحوت فخرج فسقط في البحر: \" فاتخذ سبيله في البحر سراب \" ؛ فأمسك الله عن الحوت حرية الماء فصار مثل الطاق؛ فانطلقا يمشيان بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال لفتاه: \" ائتنا عداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا \" ؛ ولم يجد موسى النصب حتى جاوز حيث أمره الله تعالى؛ قال لفتاه: \" أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا \" ؛ فكان للحوت سرباً ولهما عجباً.\rقال له موسى: \" ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا \" .","part":3,"page":381},{"id":1382,"text":"فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا برجل مسجى بثوب، فسلم موسى، فرد عليه فقال: وأنى بأرضك السلام. قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا. قال: يا موسى إني علة علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. \" قال هل أتبعك \" . \" قال إنك لن تستطيع معي صبراً، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً \" . إلى قوله: \" أمراً \" ؛ فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم؛ فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول؛ فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين فقال له الخضر: يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر. \" فأخذ الفأس فنزع لوحاً \" .\rقال: فلم يفجأ موسى إلا وقد قلع لوحاً بالقدوم. فقال له موسى: ما صنعت؟ قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها \" لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً أمراً، قال ألم أقل لك إنك لن تستطع معي صبراً، قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً \" . وكانت الأولى من موسى نسياناً. فلما خرجا من البحر مرا بغلام يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه يقلعه بيده هكذا - وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئاً - قال له موسى: \" أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً، قال ألم أقل لك إنك لن تستطع معي صبراً، قال إن سألتك عن شيء بعدها لا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً، فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض \" مائلاً، \" فأقامه \" - أومأ بيده هكذا وأشار سفيان كأنه يمسح شيئاً إلى فوق - قال: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا عمدت إلى حائطهم، \" لو شئت لاتخذت عليه أجراً، قال: هذا فراق بيني وبينك سأنبئك يتأويل ما لم تستطع عليه صبراً \" .\rقال النبي - صلى الله عليه وسلم \" وودنا أن موسى كان صبر فقص علينا من خبرهما \" .\rقال سفيان: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : \" يرحم الله موسى لو كان صبر لقص علينا من أمرهما \" .\rوقرأ ابن عباس - رضي الله عنهما - : \" أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً، وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين \" .\rثم قال لي سفيان: سمعته منه مرتين وحفظته منه.\rهذا حديث البخاري عن علي ابن عبد الله عن سفيان عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب؛ وقصتهما في كتاب الله تعالى: \" أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأرت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً، وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً \" الآيات، إلى قوله: \" وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً \" .\rوحكى أبو إسحاق الثعلبي - رحمه الله - في قصصه أن الخضر - عليه السلام - اسمه بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالح بن أزفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام.\rوروى حديثاً عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء وإذا هي تهتز تحته خضراء.\rوروى عن مجاهد قال: إنما سمي الخضر لأنه حيثما صلى اخضر ما حوله.\rقال الثعلبي: وكان الخضر في أيام أفريدون الملك على قول عامة أهل الكتب الأول.\rقال: وقيل إنه كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان في أيام إبراهيم - عليه السلام - وذلك في أيام مسيره في البلاد، وأنه بلغ مع ذي القرنين نهر الحياة وشرب من ماءه وهو لا يعلم ولا يعلم ذو القرنين، فخلد، وهو حي إلى الآن؛ والله أعلم.\rوسنذكر - إن شاء الله تعالى - في السفر الذي يلي هذا السفر خبره في ظفره بماء الحياة في أخبار ذي القرنين البقرة وقتل عاميل","part":3,"page":382},{"id":1383,"text":"قال أبو إسحاق الثعلبي - رحمه الله تعالى - في تفسيره عن السدي وغيره: إن رجلاً كان في بني إسرائيل كان باراً بأبيه، وبلغ من بره به أن رجلاً أتاه بلؤلؤة فابتاعها منه بخمسين ألفاً وكان فيها فضل وربح؛ فقال له البائع: أعطني الثمن. فقال: إن أبي نائم، ومفتاح الصندوق تحت رأسه، فأمهلني حتى يستيقظ فأعطيك الثمن. فقال له البائع: أيقظ أباك وأعطني المال. قال: ما كنت لأفعل ولكن أزيدك عشرة آلاف وأنظرني حتى ينتبه. فقال الرجل: أنا أعطيك عشرة آلاف إن أيقظت أباك وعجلت النقد. فقال: أنا أزيدك عشرين ألفاً إن انتظرت انتباهه. ففعل ولم يوقظ أباه؛ فلما استيقظ أبوه أخبره بذلك، فدعا له وجزاه خيراً، وقال له: أحسنت يا بني، وهذه البقرة لك بما صنعت. وكانت بقية بقر كانت لهم.\rقال: وقال ابن عباس ووهب وغيرهما: كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل، وكان له عجلة، فأتى بها إلى غيضة وقال: اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر. ومات الرجل، فشبت العجلة في الغيضة وصارت عواناً وكانت تهرب من كل من رامها؛ فلما كبر الابن - وكان براً بوالدته، وكان يقسم الليل ثلاثة أثلاث: يصلي ثلثاً، وينام ثلثاً، ويجلس عند رأس أمه ثلثاُ؛ فإذا أصبح انطلق واحتطب على ظهره، ويأتي به السوق فيبيعه بما شاء الله، ثم يتصدق بثلثه، ويأكل ثلثه، ويعطي والدته ثلثه.\rوحكى الكسائي عن وهب قال: كان في بني إسرائيل عبد صالح، فمات وترك امرأته حاملاً، فولدت غلاماً، فسمته ميشى، فكبر، وكان يحتطب من المواضع المباحة، وينفق على نفسه وأمه، وكان كثير العبادة؛ فلم يزل كذلك حتى كبر وضعف وعجز عن الاحتطاب.\rقالوا: فقالت له أمه إن أباك ورثك عجلة وذهب بها إلى غيضة كذا واستودعها الله - عز وجل - فانطلق إليها وادع إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يردها عليك، وإن من علامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها - وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها وصفاء لونها - فأتى الفتى إلى الغيضة، فرآها ترعى، فصاح بها وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه، فقبض على عنقها وقادها، فتكلمت بإذن الله - عز وجل - وقالت: أيها الفتى البار بوالدته اركبني فإن ذلك أهون عليك. فقال إن أمي لم تأمرني من ذلك، ولكن قالت: خذ بعنقها. فقالت البقرة: وإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر علي أبداً، فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقطع من أصله وينطلق معك لفعل، أبرك بوالدتك. فسار الفتى بها، فاستقبله عدو الله إبليس في صورة راع وقال: أيها الفتى، إني رجل من رعاة البقر، اشتقت إلى أهلي فأخذت ثوراً من ثيراني، فحملت عليه زادي ومتاعي، حتى إذا بلغت شطر الطريق ذهبت لأقضي حاجتي، فعدى الثور وسط الجبل وما قدرت عليه، وإني أخشى على نفسي الهلكة، فإن رأيت أن تحملني على بقرتك. فلم يفعل الفتى وقال له: اذهب فتوكل على الله - عز وجل - فلو علم الله منك الصدق لبلغك بلا زاد ولا راحلة.\rفقال له إبليس: إن شئت فبعنيها بحكمك، وإن شئت فاحملني عليها وأعطيك عشراً مثلها. فقال الفتى: إن أمي لم تأمرني بذلك. فبينا الفتى كذلك إذ طار طائر من بين يديه، فنفرت البقرة هاربة في الفلاة، وغاب الراعي، فدعا الفتى باسم إله إبراهيم، فرجعت إليه وقالت: أيها الفتى البار بوالدته، ألم تر إلى الطائر الذي طار، إنه إبليس عدو الله اختلسني، أما إنه لو ركبني ما قدرت علي أبداً، فلما دعوت بإله إبراهيم جاء ملك وانتزعني من يد إبليس وردني إليك لبرك بأمك وطاعتك لها. فجاء بها الفتى إلى أمه، فقالت له أمه: إنك فقير لا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل، فانطلق فبع هذه البقرة وخذ ثمنها. قال: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير، ولا تبعها بغير رضاي ومشورتي. فكان ثمن البقرة في ذلك الوقت ثلاثة دنانير، فانطلق بها الفتى إلى السوق فبعث الله - عز وجل - ملكاً ليرى في خلقه قدرته، وليخبر الفتى كيف بره بوالدته، وكان الله تعالى به خبيراً؛ فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: ثلاثة دنانير، وأشترط عليك رضا والدتي. فقال له الملك: فأنا أعطيك ستة دنانير ولا تستأمر أمك. فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهباً لم آخذه إلا برضا أمي.","part":3,"page":383},{"id":1384,"text":"فردها إلى أمه، وأخبرها الخبر، ارجع فبعها بستة دنانير على رضا مني فانطلق بها إلى السوق، وأتى الملك، فقال: استأمرت والدتك؟ فقال الفتى: إنها أمرتني ألا أنقصها عن ستة دنانير على أن أستأمرها. فقال الملك: فإني أعطيك اثني عشر ديناراً على ألا تستأمرها. فأبى ورجع إلى أمه فأخبرها بذلك؛ فقالت: إن ذلك الرجل الذي يأتيك هو ملك من الملائكة يأتيك بصورة آدمي ليختبرك، فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل الفتى ذلك؛ فقال له الملك: اذهب إلى أمك فقل لها: أمسكي هذه البقرة، فإن موسى بن عمران يشتريها منكم لقتيل يقتل من بني إسرائيل، فلا تبيعوها إلا بملء مسكها دنانير. فأمسكوا البقرة، وقدر الله على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها مكافأة له على بره بأمه؛ وذلك أنه وجد قتيل في بني إسرائيل اسمه عاميل ولم يدر قاتله.\rواختلفوا في قاتله والسبب في قتله؛ فقال عطاء والسدي: كان في بني إسرائيل رجل كثير المال، وله ابن عم مسكين لا وارث له غيره، فلما أبطأ عليه موته قتله ليرثه.\rقال: وقال بعضهم: كان تحت عاميل بنت عم له تضرب مثلاً في بني إسرائيل بالحسن والجمال، فقتله ابن عمها لينكحها.\rوقال الكلبي: قتله ابن أخيه لينكح ابنته، فلما قتله حمله من قريته إلى قرية أخرى وألقاه هناك.\rوقيل: ألقاه بين قريتين.\rوقال عكرمة: كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر باباً، لكل سبط منهم باب، فوجد قتيل على باب السبط، وجر إلى باب سبط آخر، فاختصم السبطان فيه.\rوقال ابن سيرين: قتله القاتل ثم احتمله فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يطلب بثأره ودمه ويدعيه عليه.\rقالوا: فجاء أولياء القتيل إلى موسى - عليه السلام - وأتوه بأناس وادعوا عليهم القتل، وسألوه القصاص؛ فسألهم موسى عن ذلك، فجحدوا، فاشتبه أمر القتيل على موسى - عليه السلام - ووقع بينهم خلاف.\rقال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة، فسألوا موسى - عليه السلام - أن يدعو الله ليبين لهم ذلك؛ فسأل موسى - عليه السلام - ربه عز وجل؛ فأمرهم بذبح بقرة؛ فقال لهم موسى ما أخبر الله تعالى به في قوله: \" وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين \" ، أي تستهزئ بنا حين نسألك عن القتيل وتأمرنا بذبح البقرة؛ وإنما قالوا ذلك لتباعد ما بين الأمرين في الظاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه. قال موسى: \" أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين \" ، أي من المستهزئين؛ فلما علم القوم أن ذبح البقرة عزم من الله عز وجل، سألوه الوصف، فذلك قوله تعالى: \" قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي \" .\rقال: ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم؛ وإنما كان تشديدهم تقديراً من الله - عز وجل - وحكمة.\rقال: ومعنى \" ادع لنا ربك \" ، أي سل؛ وهكذا في مصحف عبد الله: \" سل لنا ربك يبين لنا ما هي وما سنها \" . قال موسى: إنه - يعني الله عز وجل - يقول: \" إنها بقرة لا فارض ولا بكر \" : لا كبيرة ولا صغيرة \" عوان بين ذلك \" أي نصف بين السنين.\rوقال الأخفش: العوان التي نتجت مراراً، وجمعه عون. \" فافعلوا ما تؤمرون \" : من ذبح البقرة، ولا تكرروا القول. \" قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين \" .\rقال ابن عباس: شديدة الصفرة.\rوقال قتادة وأبو العالية والربيع: صاف.\rوقال سعيد بن جبير: صفراء القرنين والظلف.\rوقال الحسن: سوداء. والعرب تسمي الأسود أصفر.\rوقال العتبي: غلط من قال: الصفراء هاهنا السوداء، لأن هذا غلط في نعوت البقر، وإنما هو من نعوت الإبل، وذلك أن السود من الإبل يشوب سوادها صفرة.\rوقال آخر: إن لو أراد السواد لما أكده بالفقوع، أن الفاقع : البالغ في الصفرة، كما يقال: أبيض يقق، وأسود حالك، وأحمر قانئ، وأخضر ناضر. \" تسر الناظرين \" إليها، ويعجبهم حسنها وصفاء لونها، لأن العين تسر وتولع بالنظر إلى الشيء الحسن.\rوقال علي - رضي الله عنه - : من لبس نعلاً صفراء قل همه، لأن الله تعالى يقول: \" صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي \" أسائمة أم عاملة \" إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون \" أي إلى وصفها.","part":3,"page":384},{"id":1385,"text":"قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" وأيم الله لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد \" . \" قال إن يقول إنها بقرة لا ذلول \" ، أي مذللة للعمل. \" تثير الأرض \" ، أي تقلبها للزراعة \" ولا تسقي الحرث مسلمة \" أي بريئة من العيوب.\rوقال الحسن: مسلمة القوائم، ليس فيها أثر العمل. \" لا شية فيها \" ، قال عطاء: لا عيب فيها. وقال قتادة: لا بياض فيها أصلاً.\rوقال مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد.\rوقال محمد بن كعب: لا لون فيها يخالف معظم لونها. فلما قال هذا \" قالوا الآن جئت بالحق \" ، أي بالوصف البين التام؛ فطلبوها فلم يجدوا كمال وصفها إلا عند الفتى البار بوالدته؛ فاشتروها منه بملء مسكها ذهباً.\rوقال السدي: اشتروها بوزنها عشر مرات ذهباً.\rوقيل: اشتروها بوزنها مرة؛ قاله أبو عبيد.\rوقيل: بوزنها مرتين.\rوقال الكسائي: إنهم أتوا إلى ميشى في بيع البقرة فقال: لا أبيعها إلا بحضرة موسى. فرضوا بذلك، وأخرج البقرة إلى موسى، قال: بكم تبيعها؟ قال: المساومة بيني وبينك لا خير فيها، لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهباً. فقال موسى لبني إسرائيل: ذلك لتشديدكم على أنفسكم فشدد الله عليكم. فضمنوا له ذلك، قال الله تعالى: \" فذبحوها وما كادوا يفعلون \" من غلاء ثمنها.\rوقال محمد بن كعب: وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها.\rوقال الكسائي: بوفاء المال؛ قال الله تعالى: \" وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون \" ، يعني عاميل. فادارأتم: اختلفتم، قاله ابن عباس ومجاهد.\rوقال الضحاك: اختصمتم.\rوقال عبد العزيز بن يحيى: شككتم.\rوقال الربيع بن أنس: تدافعتم. وأصل الدرء: الدفع، يعني ألقى هذا على هذا على ذاك، فدافع كل واحد عن نفسه لقوله تعالى: \" ويدرءون بالحسنة السيئة \" ، أي يدفعون. قال الله تعالى: \" فقلنا اضربوه ببعضها \" يعني القتيل ببعض البقرة.\rواختلفوا في هذا البعض ما هو.\rفقال ابن عباس: ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف، وهو المقبل.\rوقال الضحاك: بلسانها.\rقال الحسين بن الفضل: وهذا أولى الأقوال، لأن المراد كان من إحياء القتيل كلامه، واللسان آلته.\rوقال سعيد بن جبير: بعجم ذنبها.\rقال يمان بن زرياب: وهو أولى التأويلات بالصواب، لأن العصعص أساس البدن الذي ركب عليه الخلق، وأن أول ما يخلق، وآخر ما يبلى.\rوقال مجاهداً: بذنبها.\rوقال عكرمة والكلبي: بفخذها الأيمن.\rوقال السدي: بالبضعة التي بين كتفيها.\rوقيل: بأذنها. فقام القتيل - بإذن الله عز وجل - وأوداجه تشخب دماً، وقال: قتلني فلان. ثم مات وسقط مكانه؛ قال الله تعالى : \" كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون \" .\rقال الكلبي: ثم قالوا بعد ذلك: \" لم نقتله حن \" وأنكروا، فلم يكونوا قط أقسى قلباً ول أشد تكذيباً منهم لنبيهم عند ذلك، ولذلك يقول الله تعالى: \" ثم قست قلوبكم من بعد فهي كالحجارة أو أشد قسوة \" .\rقال الكلبي: يبست واشتدت.\rوقال أبو عبيدة: جفت من الشدة فلم تلن.\rوقيل: غلظت.\rوقيل: اشتدت.\rوقال الزجاج: تأويل القسوة ذهاب اللين والرحمة والخشوع والخضوع.\rقوله: \" من بعد ذلك \" ، أي من بعد ظهور الدلالات، فهي في غلظها وشدتها \" كالحجارة أو أشد قسوة \" ، أي بل أشد قسوة.\rثم عدد الله تعالى الحجارة وفضلها على القلب القاسي، وقال تعالى: \" وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله \" ، أي ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله \" وما الله بغافل عما تعلمون \" .\rبيت المقدس\rوخبر القربان والتابوت والسكينة وصفة النار","part":3,"page":385},{"id":1386,"text":"وهذا البيت ليس هو البيت المقدس الموجود الآن، وإنما هو الذي تسميه اليهود: \" قبة الزمان \" ويزعمون أن ذلك نص التوراة، وكان من خبر هذه القصة ما رواه الثعلبي بإسناده عن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى - عليه السلام - أن يتخذ مسجداً لجماعتهم، وبيت قدس للتوراة، وتابوتاً للسكينة وقباباً للقربان، وأن يجعل لذلك المسجد سرادقات باطنها وظاهرها من الجلود الملبسة عليها، وأن تكون تلك الجلود من جلود ذبائح القربان، وحبالها من أصواف تلك الذبائح؛ وعهد إليه ألا تغزل تلك الحبال حائض، ولا يدبغ تلك الجلود جنب؛ وأمره أن ينصب تلك السرادقات على عمد من نحاس، طول كل عمود منها أربعون ذراعاً، ويجعل فيها اثني عشر قسماً مشرجاً، إذا نقضت صارت اثني عشر جزءاً، يحمل كل جزء بما فيه من العمد سبط من الأسباط من بني إسرائيل؛ وأمره أن يجعل سعة ذلك السرادق ستمائة ذراع، وأن ينصب فيه سبع قباب، ست قباب منها مشبكة بقضبان الذهب والفضة، كل واحدة منهن منصوبة على عمود من فضة طول كل عمود منها أربعون ذراعاً، وعليها أربعة دسوت ثياب، الباطن منها سندس أخضر، والثاني أرجوان أحمر، والثالث ديباج أصفر، والرابع من جلود القربان وقاية لها من المطر والغبار، وحبالها التي تمد بها من صوف القربان، وأن يجعل سعتها أربعين ذراعاً، وأن ينصب في جوفها موائد من فضة مربعة مرصعة يوضع عليها القربان، سعة كل مائدة منها أربع أذرع، لا ينال الرجل منها إلا قائماً؛ وأمر أن ينصب بيت المقدس على عمود من ذهب، طوله سبعون ذراعاً، وأن يضعه على سبيكة من ذهب أحمر طولها تسعون ذراعاً، مرصعة بألوان الجواهر، وأن يجعل أسفله مشبكاً بقضبان الذهب والفضة، وأن يجعل حباله التي يمد بها من صوف القربان مصبوغة بألوان من أحمر وأصفر وأخضر؛ وأن يلبسه سبعة من الحلل، الباطن منها سندس أخضر، والثاني أرجوان أحمر، والثالث ديباج أصفر، والرابع من الحرير الأبيض، وسائرها من الديباج والوشي؛ والظاهر غاشية له من جلود القربان وقاية له من الأذى والندى؛ وأمره أن يجعل سعته سبعين ذراعاً، وأن يفرش القباب بالقز الأحمر؛ وأمره أن ينصب فيه تابوتاً من ذهب كتابوت الميثاق، مرصعاً بأنواع الجواهر والياقوت والزمرد الأخضر، وقوائمه من الذهب، وأن يجعل سعته سبع أذرع في أربع أذرع، وعلوم قامة موسى عليه السلام، وأن يجعل له أربعة أبواب: باب تدخل منه الملائكة، وباب يدخل منه موسى، وباب يدخل منه هارون، وباب يدخل منه أولاد هارون، وهم سدنة ذلك البيت وخزان التابوت، وأمر الله نبيه موسى أن يأخذ من كل محتلم من بني إسرائيل مثقالاً من الذهب فينفقه على هذا البيت، وأن يجعل باقي المال الذي يحتاج إليه في ذلك من الحلي والحلل التي ورثها موسى وأصحابه من فرعون وأصحابه؛ ففعل موسى ذلك، فبلغ عدد رجال بني إسرائيل ستمائة ألف وسبعمائة وخمسين رجلاً فأخذ منهم ذلك المال.\rوأوحى الله تعالى إليه أني منزل عليكم من السماء ناراً لا دخان لها ولا تحرق شيئاً، ولا تنطفئ أبداً، لتأكل القرابين المتقبلة، وتسرج منها القناديل التي في بيت المقدس، وكانت من ذهب معلقة بسلاسل من ذهب، منظومة باليواقيت واللآلئ وأنواع الجواهر؛ وأمره أن يضع في وسط البيت صخرة عظيمة من الرخام، وينقر فيها نقرة لتكون كانون تلك النار التي ينزل بها من السماء؛ فدعا موسى أخاه هارون وقال له: إن الله تعالى قد اصطفاني بنار ينزلها من السماء لتأكل القرابين المقبولة ولتسرج منها القناديل، وأوصاني بها، وإني قد اصطفيتك لها وأوصيتك بها. فدعا هارون ابنيه وقال لهما: إن الله تعالى قد اصطفى موسى بأمر وأوصاه به، وإنه قد اصطفاني له وأوصاني به، وإني قد اصطفيتكما به. وكان أولاد هارون هم الذين يلون سدانة بيت المقدس وأمر القربان والنيران؛ فشربا ذات ليلة وثملا، ثم دخلا البيت وأسرجا القناديل من هذه النار التي في الدنيا، فغضب الله عليهما، وسلط عليهما تلك النار حتى أحرقتهما، وموسى وهارون يدفعان عنهما النار فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً؛ فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: هكذا أفعل بمن عصاني ممن يعرفني، فكيف أفعل بمن لا يعرفني، والله أعلم.\rنعم الله على بني اسرائيل\rذكر ما أنعم الله تعالى به على بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر","part":3,"page":386},{"id":1387,"text":"قال الله عز وجل: \" وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين \" .\rقال أبو إسحاق الثعلبي: اختلفوا في معنى الملوك؛ فروى عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة فهو ملك \" .\rوقال أبو عبد الرحمن الحبلي: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص - وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ - فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: وإن لي خادماً. قال: فأنت من الملوك.\rوقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، فمن كان مسكنه واسعاً وفيه ماء جار فهو ملك.\rوقال قتادة: وكانوا أول من ملك الخدم، وأول من سخر لهم الخدم من بني آدم.\rوقال السدي: يعني وجعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القبط بمنزلة أهل الجزية، فأخرجكم الله تعالى من ذلك الذل.\r\" وآتاكم ما لم يؤت أحد من العالمين \" ، يعني من عالم زمانكم.\rوقال مجاهد: يعني المن والسلوى والحجر والغمام.\rقال: ثم أوحى الله تعالى أن يسير ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة ويجاهد الجبارين؛ فأخرجهم موسى - عليه السلام - لذلك، فقال: \" يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم \" .\rقال الثعلبي: اختلفوا في الأرض المقدسة ما هي.\rفقال مجاهد: هي الطور وما حوله.\rوقال الضحاك: هي إيلياء وبيت المقدس.\rوقال عكرمة والسدي وابن يزيد: هي أريحا.\rوقال الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن.\rوقال قتادة: الشام كله.\rقال الكسائي: فلما أخبرهم موسى بذلك قالوا: يا موسى إنك قلت لنا حين أخرجتنا من مصر: إن الله تعالى بعثك لتنقذنا من عذاب فرعون، والآن فإنك تحملنا على ما هو أشق منه، وبيننا وبين الأرض المقدسة المفاوز والقفار، وكيف ندخلها ولا زاد معنا ولا ماء؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى، قل لهم: إني منزل عليهم المن والسلوى، وقد أمرت الحجر أن يتفجر لهم بالماء العذب، وأمرت الغمام أن يظلهم ويسير معهم حيث ساروا؛ وألا تنقب خفافهم ونعالهم؛ وأمرت ثيابهم أن يلبسها صغيرهم وكبيرهم.\rفلما سمعوا ذلك طابت نفوسهم، وساروا نحو الأرض المقدسة والغمام يظلهم في مسيرهم، والسماء تمطر عليهم بالمن، والريح بالسلوى، ويجدون كل ما يحتاجون إليه، ويضيء لهم بالليل عمود من النور، وتهب الريح على السلوى فتمعط ريشها فيطبخونها دون تعب؛ ويقرع موسى - عليه السلام - الحجر فتتفجر لهم اثنا عشرة عيناً، تجري كل عين إلى سبط من الأسباط؛ وثيابهم جدد بيض لا تخلق، وهم في خفض ودعة.\rوقال أوب إسحاق الثعلبي، كان ما أنعم الله تعالى به عليهم أنهم قالوا لموسى في التيه: أهلكتنا وأخرجتنا من العمران إلى مفاوز لا ظل فيها. فأنزل الله تعالى عليهم غمامة بيضاء رقيقة ليست بغمام المطر أرق وأطيب وأبرد، فأظلتهم وكانت تسير معهم إذا ساروا، وتدور عليهم من فوقهم إذا داروا؛ وجعل لهم عموداً من نور يضيء لهم الليل إذا لم يكن ضوء القمر؛ فقالوا: هذا الظل والنور قد حصلا، فأين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن.\rواختلفوا فيه؛ فقال مجاهد: هو شيء كالصمغ يقع على الأشجار، وطعمه كالشهد.\rوقال الضحاك: هو الطرنجبين.\rوقال وهب: الخبز الرقاق.\rوقال السدي: عسل كان يقع في السحر من الليل فيأكلون منه.\rوقال عكرمة: أنزل الله - عز وجل - عليهم مثل الزيت الغليظ.\rوقيل: هو الزنجبيل.\rوقال الزجاج: جملة المن: ما يمن الله عز وجل به مما لا تعب فيه ولا نصب.\rفكان ينزل عليهم كل ليلة ويقع على أشجارهم مثل الثلج، لكل إنسان منهم صاع كل ليلة؛ فقالوا: يا موسى، قتلنا هذا المن بحلاوته، فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم. فدعا موسى عليه السلام، فأنزل الله - عز وجل - عليهم السلوى.\rقالوا: واختلفوا فيه؛ فقال ابن عباس - رضي الله عنهما - وأكثر المفسرين: هو طائر يشبه السماني.\rوقال أبو العالية ومقاتل: بعث الله - عز وجل - السحابة فمطرت السماني في عرض ميل وقدر طول رمح في السماء بعضه على بعض.\rوقال عكرمة: طير يكون بالهند أكبر من العصفور.","part":3,"page":387},{"id":1388,"text":"فكان يأخذ كل واحد منهم ما يكفيه يوماً وليلة من المن والسلوى، فإذا كان يوم الجمعة أخذوا ما يكفيهم عن يومين، لأنه لم ينزل عليهم يوم السبت، فذلك قوله تعالى: \" وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم \" ولا تدخروا لغد. فجنوا لغد فقطع الله ذلك عنهم، ودود وفسد ما ادخروا، فذلك قوله تعالى: \" وما ظلمونا \" معناه وما ضرونا بالمعصية \" ولكن كانوا أنفسهم يظلمون \" روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لولا بنو إسرائيل لم يخثر الطعام، ولم يخبث اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها.\rثم قالوا: يا موسى، من أين لنا الشراب؟ فاستسقى لهم موسى؛ فأوحى الله تعالى إليه: أن أضرب بعصاك الحجر.\rقال الثعلبي: واختلف العلماء في الحجر؛ فقال وهب: كان موسى - عليه السلام - يقرع لهم أقرب حجر من عرض الحجارة فيتفجر عيوناً، لكل سبط عين، وكانوا اثني عشر سبطاً، ثن تسيل كل عين في جدول إلى سبط؛ فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً. فأوحى الله إليه: لا تقرعن الحجارة بالعصا ولكن كلمها تطعك لعلهم يعتبرون. فكان يفعل ذلك. فقالوا: كيف بنا لو مضينا إلى الرمل وإلى الأرض التي ليس فيها حجارة؟ فأمر موسى فحمل معه حجراً، فحيثما نزل ألقاه.\rوقال آخرون: كان حجراً مخصوصاً بعينه، والدليل عليه قوله: الحجر فأدخل الألف واللام للتعريف والتخصيص؛ وأمر أن يحمله، فكان موسى عليه السلام يضعه في مخلاته، وإذا احتاجوا للماء أخرجه وضربه بعصاه وسقاهم.\rوقال أبو روق: كان الحجر من الغضار، وكلن فيه اثنتا عشر حفرة ينبع من كل حفرة ماء عذب، فيأخذونه، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه؛ فيذهب الماء؛ فكان كل يوم يستقي منه ستمائة ألف.\rوقال سعيد بن جبير: هو الحجر الذي وضع موسى عليه ثوبه لغسله ففر بثوبه؛ فلما وقف أتاه جبريل فقال: يا موسى، إن الله تعالى يقول لك: ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة، ولك فيه معجزة.\rوقد تقدم ذكر خبر الحجر.\rوورد أيضاً في صحيح البخاري نحو ما تقدم.\rقال أبو إسحاق الثعلبي: وكان مما أنعم الله تعالى به على بني إسرائيل أنهم قالوا لموسى عليه السلام: من أين لنا اللباس؟ فخلد الله تعالى ثيابهم الني عليهم حتى إنها لا تزيد على الأيام ومرورها إلا جدة وطراوة، ولا تخلق ولا تبلى، وتنمو على صبيانهم كما ينمون.\rقال: ثم سئم بنو إسرائيل المن والسلوى، فقالوا ما أخبر الله تعالى به عنهم: \" وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها \" .\rواختلف في الفوم ما هو؟ فقال ابن عباس: هو الخبز، تقول العرب: فوموا لنا، أي اختبزوا.\rوقال عطاء وأبو مالك: هو الحنطة، وهي لغة قديمة.\rوقال العتبي: هو الحبوب كلها.\rوقال الكلبي والنضر بن شميل والكسائي والمؤرج: هو الثوم.\rفقال لهم موسى عند ذلك: \" أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم \" .\rقالوا: مصراً من الأمصار، ولذلك نونه؛ ولو أراد مصر بعينها لقال: مصر ولم يصرفه، كقوله تعالى: \" ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين \" .\rوقال الضحاك: هي مصر فرعون.\rواليهود يزعمون أن موسى - عليه السلام - وبني إسرائيل حرم عليهم بنص التوراة الدخول إلى مصر حين خرجوا منها عند اتباع فرعون لهم وغرقه، وأنهم لم يدخلوها بعد ذلك. والله أعلم.\rولنرجع إلى أخبار النقباء وقتال الجبارين.\rخبر النقباء\rومسيرهم إلى أريحا، وقصة عوج بن عوق وخبر التيه\rقال الله عز وجل: \" ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً \" .\rقال الثعلبي: وذلك أن الله تعالى وعد موسى - عليه السلام - أن يورثه وقومه الأرض المقدسة، وهي الشام، وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون ووعدهم أن يهلكهم ويجعل أرض الشام مسكن بني إسرائيل؛ فلما استقرت ببني إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحا.\r\" هكذا قال الثعلبي: بمصر \" .","part":3,"page":388},{"id":1389,"text":"واليهود تنكر ذلك، ويقولون: إن نص التوراة عندهم أن الله تعالى لما أغرق فرعون وقومه ونجى موسى وبني إسرائيل، تنقلوا من مكان إلى آخر. ويذكرون أسماء الأماكن بالعبرانية - وليست تعرف الآن - وكان في خلال مسيرهم خبر التيه، وكل ما تقدم ذكره من الأخبار يزعمون أنه في التيه؛ والله أعلم.\rنعود إلى سياق الثعلبي.\rقال: فأمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحا وأرض الشام، وهي الأرض المقدسة وقال: يا موسى، إني قد كتبتها لكم داراً وقراراً، فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو، فإني ناصركم عليهم، وخذ من قومك اثني عشر نقيباً، من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به.\rفاختار موسى - عليه السلام - النقباء.\rقال: \" وهذه أسماؤهم؛ \" من سبط روبيل شامل بن زكور. ومن سبط شمعون سافاط بن حري. ومن سبط يهوذا كالب بن يوقنا. ومن سبط أبين حامل بن بكر ابن سورا. ومن سبط افرايم يوشع بن نون. ومن سبط بنيامين قلطم بن رقوق. ومن سبط زبولون خدي بن سوري. ومن سبط يوسف وهو سبط منشي بن يوسف حنا بن وقشي. ومن سبط دان جملائيل بن حمل. ومن سبط لاوي حولي بن مليكا \" .\rقال: فسار موسى ببني إسرائيل حتى إذا دنوا من أرض كنعان - وهي أريحا - بعث هؤلاء النقباء إليها يتجسسون له الأخبار ويعلمون علمها؛ فلقيهم رجل من الجبارين يقال له: عوج بن عوق، وكان طوله ثلاثة آلاف وعشرين ألف ذراع وثلاثمائة ذراع وثلاثاً وثلاثين ذراعاً.\rقال ابن عمر - رضي الله عنهما - : وكان عوج يحتجز بالسحاب ويشرب منه، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها، ثم يأكله.\rويروى أنه أتى نوحاً - عليه السلام - يوم الطوفان فقال له: احملني معك في السفينة. فقال له: اذهب يا عدو الله فإني لم أؤمر بك؛ وطبق الماء ما على وجه الأرض من سهل وجبل فما جاوز ركبتي عوج.\rوعاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله على يد موسى.\rقال: وكان لموسى عسكر فرسخ في فرسخ، فجاء عوج حتى نظر إليهم، ثم جاء إلى الجبل وقور منه صخرة على قدر العسكر، ثم حملها ليطبقها على العسكر، فبعث الله عليه الهدهد ومعه الطيور، وجعلت تنقر بمناقيرها حتى قورت الصخرة وانثقبت حتى وقعت في عنق عوج، فطوقته وصرعته، فأقبل موسى وطوله عشر أذرع وطول عصاه عشر أذرع، ونزا في السماء عشر أذرع، فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع بالأرض فقتله.\rقالوا: وأقبلت جماعة كثيرة ومعهم الخناجر حتى حزوا رأسه؛ فلما قتل وقع على نيل مصر فسكره سنة.\rقالوا: وكانت أم عوج يقال لها: عناق، وهي إحدى بنات آدم لصلبه.\rويقال: إنها كانت أول من بغت على وجه الأرض، وكان كل إصبع من أصابعها ثلاث أذرع في ذراعين، في كل إصبع ظفران حادان مثل المنجلين، وكان موضع مقعدها جريب من الأرض، فلما بغت بعث الله تعالى إليها أسوداً كالفيلة وذئاباً كالإبل، ونسوراً كالحمر، وسلطها عليها فقتلوها وأكلوها.\rقالوا: فلما لقي عوج النقباء لقيهم وعلى رأسه حزمة حطب، فأخذهم وجلهم في حزمته، وانطلق بهم إلى امرأته، وقال: انظري إلى هؤلاء الذين يريدون قتالنا.\rفطرحهم بين يديها وقال: ألا أطحنهم برجلي؟ قالت امرأته: لا، بل خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا. ففعل؛ وجعلوا يتعرفون أحوالهم.\rوكان لا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة أنفس بينهم في خيشة، ويدخل في قشر شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس.\rقال: فلما خرج النقباء قال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبي الله، ولكن اكتموا وأخبروا موسى وهارون فيكونا هما يريان رأيهما. فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك؛ ثم انصرفوا إلى موسى - عليه السلام - وجاءوا بحبة من عنبهم وقر رجل، ثم إنهم نكثوا العهد، وجعل كل واحد منهم ينهى سبطه عن قتالهم، ويخبرهم بما رأى، إلا يوشع وكالب.\rقال: فلما سمع القوم ذلك من النقباء رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: يا ليتنا متنا في أرض مصر، وليتنا نموت في هذه البرية ولا يدخلنا الله أرضهم، فتكون نساؤنا وأولادنا وأموالنا غنيمة لهم.\rوجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأساً وننصرف إلى مصر؛ فذلك قوله تعالى إخباراً عنهم: \" يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون \" .","part":3,"page":389},{"id":1390,"text":"فلما قالوا ذلك وهموا بالانصراف إلى مصر، خر موسى وهارون - عليهما السلام - سجداً، وخرق يوشع وكالب ثيابهما، وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما بقوله: \" قال رجلان من اللذين يخافون أنعم الله عليهما \" ، أي يخافون الله.\rوقرأ سعيد بن جبير \" يخافون \" بضم الياء.\rقال: كانا من الجبارين، فأسلما واتبعا موسى. : أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذ دخلتموه فإنكم غالبون \" ، لأن الله تعالى منجز وعده، وإنا أتيناهم فكانت أجسامهم عظيمة قوية، وقلوبهم ضعيفة، فلا تخشوهم، وعلى الله فتوكلوا إن كنت مؤمنين. فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة، وقالوا: يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون.\rفلما قالوا ذلك غضب موسى وقال: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين. وكانت عجلة عجلها موسى - عليه السلام - فظهر الغمام على قبة الزمان، وأوحى الله تعالى إلى موسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب، وإلى متى لا يصدقون بالآيات؟ لأقتلنهم جميعاً، ولأجعلن بدلهم شعباً أشد وأكثر منهم.\rقال موسى: إلهي لو أنك قتلت هذا الشعب كله كرجل واحد قالت الأمم الذين سمعوا: إنما قتل هذا الشعب من أجل أنه لم يستطع أن يدخلهم الأرض المقدسة، فقتلهم في البرية، وإنك طويل صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب، وتحفظ الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء، فاغفر لهم ولا توبقهم.\rقال الله تعالى: قد غفرت لهم بكلمتك، ولكن بعدما سميتهم فاسقين ودعوت عليهم، لأحرمن عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب ولآتيهنهم في هذه البرية أربعين سنة، ولتلقين جيفهم في هذه القفار؛ وأما بنوهم الذين لم يعملوا الخير والشر فإنهم يدخلون الأرض المقدسة، فذلك قوله تعالى: \" قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض \" في ستة فراسخ، يسيرون كل يوم جادين، حتى إذا سئموا وأمسوا، فإذا هم في الموضع الذي ارتحلوا منه وكانوا ستمائة ألف مقاتل، مات النقباء العشرة الذين أفشوا الخبر بغتة، وكل من دخل التيه ممن جاوز عشرين سنة مات في التيه غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحا أحد ممن قال: إنا لن ندخلها أبداً.\rفلما هلكوا وانقضت أربعون سنة، ونشأت النواشئ من ذراريهم، ساروا إلى حرب الجبارين، فذلك قوله تعالى: \" فلا تأس على القوم الفاسقين \" . والله المعين.\rحرب الجبارين\rودخولهم القرية\rقال الله تعالى: \" وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم من خطاياكم وسنزيد المحسنين \" .\rاختلف المفسرون في القرية: قال ابن عباس: هي أريحا، وهي قرية الجبارين، وكان فيها بقية من عاد يقال لهم: العمالقة.\rوقيل: هي بلقاء.\rوقال ابن كيسان: هي الشام.\rوقال الضحاك: الرملة والأردن وفلسطين وتدمر.\rوقال مجاهد: بيت المقدس.\rوقال مقاتل: إيلياء. وقوله: رغداً، أي موسعاً عليكم.\rوالباب: باب من أبواب القرية، وكان لها سبعة أبواب.\rوقال مجاهد: هو باب في بيت المقدس ويعرف إلى اليوم بباب حطة.\rوقيل: هو باب القبة التي كان موسى يصلي إليها.\rوعن مجاهد أيضاً : أنه باب في الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى كالفرضة.\rوقوله: سجداً، أي منحنين متواضعين.\rوقال وهب: قيل لهم: ادخلوا الباب فإذا دخلتموه فاسجدوا شكراً لله عز وجل، وذلك أن موسى - عليه السلام - لما انقضت مدة التيه سار بالأبناء إلى القرية ودخلها، ودخل المؤمنون سجداً كما أمرهم الله تعالى. وقوله: \" وقولوا حطة \" ، قال قتادة: حطت عنا خطايانا، أمروا بالاستغفار.\rقال ابن عباس: يعني لا إله إلا الله، لأنها تحط الذنوب.\r\" فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم \" .\rقال مجاهد: طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رءوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا ولك يسجدوا، ودخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا قولاً غير الذي قيل لهم، ذلك أنهم أمروا أن يقولوا: حطة؛ فقالوا: \" هطا سمعاثا \" ، يعنون حنطة سمراء استخفافاً بأمر الله تعالى؛ قال الله تعالى: \" فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون \" ، وذلك أن الله تعالى أرسل عليهم ظلمة وطاعوناً فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً.","part":3,"page":390},{"id":1391,"text":"قال الكسائي: وغلب موسى على مدينة أريحا، وهرب من كان بها من الجبارين.\rوقيل: إنما دخل موسى الآن أرض كنعان، وإن مدينة أريحا فتحها يوشع بن نون بعد وفاة موسى - عليه السلام - على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار يوشع.\rمدينة بلقاء\rوخبر بلعم بن باعورا وما يتصل بذلك\rقالوا: ولما دخل موسى ببني إسرائيل أرض كنعان، سار منها يريد مدينة بلقاء.\rقال مقاتل: سميت بلقاء لأن ملكها كان يقال له: بالق، وكان بها بلعم بن باعورا، وهو الذي أنزل الله تعالى فيه: \" واتلوا عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين \" الآيات.\rوقيل: نزلت الآيات في غيره - على ما نذكره إن شاء الله تعالى آخر القصة - .\rواختلف أيضاً في اسمه ونسبه.\rفقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : هو بلعم بن باعورا.\rوقال ابن مسعد - رضي الله عنه - : بلعم بن ابر.\rوقال مجاهد: بلعام بن باعر.\rوقال الثعلبي: قال أكثر المفسرين: هو بلعام بن باعورا بن أيدن بن مأرب ابن لوط، وكان من الكنعانيين.\rوقال عطية عن ابن عباس: هو من بني إسرائيل.\rوقال علي بن أبي طلحة عنه: هو من الكنعانيين من مدينة الجبارين.\rوقال مقاتل: هو من مدينة بلقاء.\rقالوا: فلما أقبل موسى ببني إسرائيل إلى مدينة بلقاء، كان أهلها يعبدون الأصنام، فلما بلغ الملك مسير موسى - عليه السلام - إليه استشار أكابر دولته، فقالوا له: إن فرعون لم يطقه مع كثرة جنوده، فأنت أولى ألا تطيقه، غير أن ها هنا رجلاً يعرف ببلعام مجاب الدعوة، التمس منه أن يدعو عليهم ليكفيك ربك أمر موسى. فبعث الملك إليه وأحضره وتحدث معه في أمر موسى؛ فقال: حتى أستأذن ربي. ودخل بلعم مصلاه واستأذن في الخروج، فأوحى إليه إن هذا العسكر هم بنو إسرائيل، وعليهم موسى رسولي، ولا تخرج إليهم. فقال بلعم لرسل الملك: إن ربي قد منعني من ذلك، فانصرفوا وعرفوا الملك.\rوكان لبلعم امرأة، فأهدى لها الملك هدية نفيسة، وسألها أن تكلم زوجها في التوجه مع الملك؛ فسألته؛ فقال: قد استأذنت ربي فنهاني. فلم تزل به حتى استأذن الله ثانياً؛ فأوحى الله إليه: إني نهيتك عن ذلك، والآن قد جعلت الأمر إليك. فطابت نفسه بالخروج مع الملك. حكاه الكسائي.","part":3,"page":391},{"id":1392,"text":"وقال الثعلبي في تفسيره، وعزاه إلى ابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم: إن موسى - عليه السلام - لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض كنعان من أرض الشام، أتى قوم بلعام - وكان عنده اسم الله الأعظم - فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وإن قومك وبنو عمك، وليس لنا منزل، وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج وادع الله أن يرد عنا موسى وقومه. فقال: ويلكم هو نبي الله ومعه الملائكة والمؤمنين، كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم؟! وإني إن فعلت ذلك ذهبت دنياي وآخرتي فراجعوه في ذلك، فقالوا: حتى أؤامر ربي. - وكان لا يدعو حتى ينظر ما يؤمر به في المنام - فأمر في الدعاء عليهم، فقيل له في المنام: لا تدع عليهم. فقال لقومه: إني قد نهيت عن الدعاء عليهم فأهدوا إليه هدية فقبلها، ثم راجعوه في الدعاء عليهم، فقال: حتى أؤامر. فآمر فلم يجر إليه شيء فقال: قد آمرت فلم يجر إلي شيء. فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرة الأولى. فلم يزالوا به يرفقونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن؛ فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له: \" حبان \" ؛ فلما سار عليها غير كثير ربضت، فنزل عنها فضربها، حتى إذا آلمها قامت، فركبها فلم تسر به كثيراً حتى ربضت، فنزل عنها وضربها حتى إذ آلمها إذن لها بالكلام، فتكلمت حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم، أين تذهب؟ ألا ترى الملائكة أمامي يردونني عن وجهي هذا؟ تذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع عنها؛ فخلى الله سبيلها؛ فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل \" حبان \" جعل يدعوا عليهم، فلا يدعو بشر إلا صرف به لسانه إلى قومه؛ ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل؛ فقال قومه: يا بلعم أتدري ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا. قال: فهذا ما لا أملك. واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جملوا النساء وزينوهن وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها؛ فإنهم إن زنى منهم رجل واحد كفيتموهم. ففعلوا؛ فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى بنت صعور برجل من عظماء بني إسرائيل يقال له: زمزي بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام - فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها؛ ثم أقبل حتى وقف على موسى فقال له: إني أظنك ستقول: هذه حرام عليك. قال موسى: أجل، هي حرام عليك، لا تقربها. قال: فوالله لا نطيعك في هذا. ثم دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله فأرسل الله تعالى الطاعون على بني إسرائيل في الوقت؛ وكان فنحاص بن العيزار ابن هارون صاحب أمر موسى رجلاً قد أعطى بسطة في الخلق وقوة البطش وكان غائباً حين زمزي بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس في بني إسرائيل فأخبر الخبر، فأخذ حربته، وكانت كلها من حديد، ثم دخل عليهما القبة وهما مضطجعان فنظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعاً حربته إلى لحيته - وكان بكر العيزار - وجعل يقول: اللهم هكذا تفعل بمن يعصيك؛ ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون - فيما بين أن أصاب المرأة إلى أن قتله فنحاص - فوجدوه وقد أهلك منهم سبعين ألفاً في ساعة واحدة من النهار.\rقال: فمن هناك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها الخاصرة والذراع واللحية، لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار بن هارون.","part":3,"page":392},{"id":1393,"text":"قال الثعلبي أيضاً: وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: ادع الله على موسى. فقال: إنه من أهل ديني فلا أدعو عليه. فنحت الملك خشبة ليصلبه فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليه، فلما علين عسكرهم قامت به الأتان وقد وقفت، فقالت: لم تضربني وأنا مأمورة؟ فلا تظلمني، وهذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي. فرجع فأخبر الملك؛ فقال: لتدعون عليه أو لأصلبنك. فدعا على موسى باسم الله الأعظم ألا يدخل المدينة، فاستجيب له، ووقع موسى في التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه. فقال: بدعاء بلعام. قال: رب بما سمعت دعاءه على فاسمع دعائي عليه. فدعا موسى أن ينزع منه الاسم الأعظم والإيمان. فسلخه الله مما كان عليه، ونزع منه المعرفة، فخرجت كحمامة بيضاء، فذلك قوله عز وجل \" فانسلخ منها \" .\rوقال عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد المسيب وأبو روق وزيد بن أسلم: نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت، وكانت قصته أن كان في ابتداء أمره قد قرأ الكتب وعلم أن الله عز وجل مرسل رسولاً في ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل الله تعالى محمداً - صلى الله عليه وسلم - حسده وكان قد قصد بعض الملوك، فلما رجع مر بقتلى بدر، فسأل عنهم؛ فقيل: قتلهم محمد. فقال: لو كان نبياً ما قتل أقرباءه. فلما مات أتت أخته فارعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن وفاة أخيها؛ فقالت: بينا هو راقد أتاه اثنان فكشفا سقف البيت ونزلا، فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: أوعي؟ قال: وعي. قال: أزكا. قال: أبى. قالت: فسألته عن ذلك؟ فقال: خير أريد بي فصرف عني. ثم عشي عليه، فلما أفاق قال:\rكل عيش وإن تطاول دهراً ... صائر أمره إلى أن يزولا\rليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا\rإن يوم الحساب يوم عظيم ... شاب فيه الصغير يوماً ثقيلا\rثم قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنشديني من شعر أخيك. فأنشدته:\rلك الحمد والنعماء والفضل ربنا ... ولا شيء أعلى منك جداً وأمجد\rمليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد\rوهي قصيدة طويلة، حتى أتت على آخرها.\rوأنشدته قصيدته التي يقول فيها:\rعند ذي العرش تعرضون عليه ... يعلم الجهر والسرار الخفيا\rيوم تأتي الرحمن وهو رحيم ... إنه كان وعده مأتيا\rيوم آتيه مثل ما قال فرداًثم لا أدر راشداً أم غوياً\rأسعيداً إسعاده أنا أرجو ... أو مهاناً بما اكستبت شقيا\rإن أؤاخذ بما اجترمت فإني ... سوف ألقى من العذاب فريا\rرب إن تعف فالمعافاة ظني ... أو تعاقب فلم تعاقب بريا\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمن شعره وكفر قلبه، وأنزل الله تعالى فيه: \" واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها \" الآيات.\rومنهم من قال: إن الآيات نزلت في آلبسوس، وكان رجلاً أعطي ثلاث دعوات مستجابة، وكانت له امرأة، وكان له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها دعوة واحدة. فقال: لك فيها دعوة، فما تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل. فدعا لها، فصارت أجمل امرأة في بني إسرائيل؛ فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب ودعا عليها، فصارت كلبة نباحة، فحاء بنوها وقالوا: ليس لنا على هذا قرار، قد صارت أمنا كلبة نباحة والناس يعيروننا بها، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها. فدعا الله تعالى، فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات الثلاث.\rوقال أبو سعيد: نزلت في أبي عامر بن نعمان بن صيفي الراهب الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: الفاسق، وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وقدم المدينة، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا الذي جئت به؟ فقال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم. قال: فأنا عليها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لست عليها، ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها. ثم خرج إلى كفار قريش.\rوأخباره تذكر - إن شاء الله - في سيرة سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .\rفهذا ما قيل في تفسير هذه الآية.","part":3,"page":393},{"id":1394,"text":"قال الكسائي: ونادى موسى في قومه بعد رفع الطاعون عنهم: \" أن احملوا \" فحملوا واقتتلوا، فقتل الملك وبلعم، وانهزم الباقون، وغنم بنو إسرائيل من النساء والولدان شيئاً كثيراً. والله تعالى أعلم بالصواب.\rوفاة هارون قال الكسائي: - وذكر وفاة هارون إثر خبر البقرة وقتل عاميل - قال: لما كان بعد قتل عاميل نظر هارون إلى جبل في التيه بعيد من العسكر، فقال: يا موسى، ألا نمضي إلى ذلك الجبل فننظر إلى خضرته ونضارته. فمضيا من الغد ومعهما أولاد هارون، فأتوه فإذا هو جبل كثير المياه والعشب والكهوف وفيه كهف واسع يسطع نوراً، فدخلوه وإذا هم بسرير من ذهب عليه أنواع من الفرش، فصعد هارون إليه ونام، فجاء طوله، فهم أن ينزل، فأتاه ملك الموت في صورة شاب حسن، فقبض روحه، وغسلته الملائكة، وصلى موسى عليه، وسدوا باب الكهف، وعاد موسى إلى بني إسرائيل، فسألوه عن هارون، فأخبرهم بوفاته قالوا: بل قتلته. فقال: ماذا لقيت منكم يا سفهاء بني إسرائيل، أقتل أخي وشقيقي؟ ثم دعا ربه أن يريهم إياه على صورته. فأمر الله تعالى الملائكة أن يخرجوا سريره من الكهف، فأخرجوه وحملوه في الهواء حتى نظرت إليه بنو إسرائيل، ثم نادت الملائكة: يا بني إسرائيل، هذا سرير هارون قد قبضه الله تعالى إليه.\rوقال أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره في وفاة هارون - عليه السلام - قال السدي: أوحى الله تعالى إلى موسى - عليه السلام - أني متوفي هارون، فأت به جبل كذا وكذا، فانطلق موسى وهارون - عليهما السلام - نحو ذلك الجبل فإذا هما بشجرة مثلها، وإذا بيت مبنى، وفيه سرير عليه فراش وإذا فيه ريح طيبة، فلما نظر هارون إلى ذلك أعجبه وقال: يا موسى، إني أحب أن أنام على هذا السرير. قال: نم عليه. قال: إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي. قال موسى: لا ترهب، أنا أكفيك رب هذا البيت فنم. قال: يا موسى، بل نم معي، فإن جاء رب البيت غضب علي وعليك جميعاً. فلما ناما أخذ هارون الموت، فلما وجد حسه قال: يا موسى خدعتني. فلما قبض - عليه السلام - رفع ذلك البيت، وذهبت تلك الشجرة، ورفع السرير به إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون، قالوا: إن موسى قتل هارون وحسده لحب بني إسرائيل له. فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين، ثم دعا الله تعالى، فنزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض؛ فصدقوه.\rوقال الثعلبي أيضاً. وقال عمرو بن ميمون: مات هارون - عليه السلام - في التيه، ومات قبل موسى، وكانا خرجا في التيه إلى بعض الكهوف، فمات هارون، فدفنه موسى، وانصرف إلى بني إسرائيل، فقالوا: ما فعل هارون؟ قال: مات. قالوا: كذبت، ولكنك قتلته لحبنا إياه - وكان محبباً في بني إسرائيل - فتضرع موسى إلى الله تعالى وشكا ما لقي من بني إسرائيل؛ فأوحى الله إليه: أن انطلق بهم إلى قبره، فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتاً وأنك لم تقتله. فانطلق بهم موسى إلى قبره، فنادى: يا هارون. فخرج من قبره ينفض رأسه؛ فقال: أنا قاتلك؟ قال: لا، ولكني مت. قال: فعد إلى مضجعك. فعاد - عليه السلام - وانصرفوا.\rذكر وفاة موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام\rقال أبو إسحاق الثعلبي - رحمه الله - قال ابن إسحاق: كان موسى - عليه السلام - قد كره الموت وأعظمه، فأراد الله تعالى أن يجيب له الموت ويكره إليه الحياة؛ وكان يوشع بن نون يغدو عليه ويروح، فيقول له موسى: يا نبي الله ما أحدث الله إليك. فيقول له يوشع: يا نبي الله، ألم أصحبك كذا وكذا سنة، فهل كنت أسألك عن شيء مما أحدث الله إليك حتى تكون أنت تبتدئ به وتذكره؟ ولا يذكر له شيئاً.\rفلما رأى موسى ذلك كره الحياة وأحب الموت.\rوعن وهب أنه قال - وذكر من كرامة موسى عليه السلام - أنه ضاق ببني إسرائيل ذرعاً لما كثروا عليه؛ فأوحى الله تعالى إلى ألف نبي أن يكونوا أعواناً له؛ فلما مال الناس إليهم وجد موسى في نفسه، فأماتهم الله تعالى لكرامته في يوم واحد.","part":3,"page":394},{"id":1395,"text":"والذي صح لنا من خبر وفاة موسى - عليه السلام - ما ثبت في صحيح البخاري وهو ما حدثنا به الشيخان المسندان المعمران: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب نعمة بن حسن بن علي بن سنان الشحنة الصالحي الحجار، وست الوزراء أم محمد وزيرة ابنة الشيخ الإمام العالم شمس الدين أبي حفص عمر ابن القاضي وجيه الدين أسعد بن المنجا التنوخي الدمشقيان، قراءة عليهما، وأنا أسمع بالمدينة المنصورية بخط بين القصرين بالقاهرة المعزية، وذلك في يوم السبت السابع من جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة، بقراءة الشيخ علاء الدين علي بن المارديني، قالا: حدثنا الشيخ سراج الدين أبو عبد الله الحسين بن المبارك بم محمد بن يحيى الزبيدي، قال: أخبرنا الشيخ أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي الصوفي ثم الهروي، قال: أخبرنا الإمام جمال الدين أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود الداودي، قال: أخبرنا الإمام أبو عيد الله محمد بن أحمد بن حمويه التنوخي، قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد ابن يوسف بن مطر الفهري، قال: حدثنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف الجعفي مولاهم البخاري - رحمه الله - قال: حدثنا محمود، حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فلما جاء صكه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. فرد الله عليه عينه قال: ارجع فقل له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة. قال: أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: الآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر.\rقال الثعلبي: وكان عمر موسى - عليه السلام - مائة وعشرين سنة، عشرون منها في ملك أفريدون، ومائة سنة في ملك منوجهر، وبعث الله تعالى بعد موسى يوشع عليهما السلام.\rكمل الجزء الثالث عشر من كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب البكري التيمي القرشي المعروف بالنويري - رحمه الله تعالى - ويليه الجزء الرابع عشر، وأوله: الباب الثاني من القسم الثالث من الفن الخامس فيما كان بعد موسى بن عمران عليهما السلام، وهو أخبار يوشع بن نون وحزقيل وإلياس واليسع وغيلا واشمويل وداود وطالوت وجالوت وسليمان بن داود عليهم السلام.\rوالحمد لله رب العالمين.\rالباب الثاني من القسم الثالث من الفن الخامس\rما كان بعد موسى عليه السلام\rوهو أخبار يوشع بن نون وحزقيل وإلياس واليسع وعيلى وأشمول وداود وطالوت وجالوت وسليمان بن داود عليهم السلام يوشع بن نون\rوفتح أريحا وغيرها\rقال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء فيمن تولى حرب الجبارن وفيمن كان على يده الفتح، فقال قوم: إنما فتح أريحا موسى - عليه السلام وكان يوشع على مقدمته فسار إليها بمن بقي من بني إسرائيل ولم يمت في التيه، فدخلها يوشع بهم وقتل الجبارين الذين كانوا فيها، ودخلها موسى ببني إسرائيل، فأقام فيها ما شاء الله تعالى أن يقيم، ثم قبضه الله تعالى، ولم يعلم أحد من الناس أين قبره. قال: وهذا أولى الأقاويل بالصدق. وقال الآخرون: إنما قتل الجبارين يوشع ولم يسر إليهم إلا جد موسى. وقالوا: إنما مات موسى وهارون عليهما السلام في التيه.","part":3,"page":395},{"id":1396,"text":"قالوا: فلما انقضت مدة التيه ومات موسى - ع - بعث الله تعالى يوشع بن نون نبياً، فأخبرهم أنه نبي الله تعالى وأن الله عز وجل قد أمره بقتال الجبارين، فصدقوه وبايعوه. فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحا ومعه تابوت الميثاق، فأحاط بمدينة أريحا ستة أشهر، فلما كان في الشهر السابع نفخوا في القرون وضج الشعب ضجة واحدة، فسقط سور المدينة، فدخلوها وقاتلوا الجبارين، فهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها لا يقطعونها، وكان القتال يوم الجمعة، فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت، فخشي يوشع أن يعجزوه، فقال: اللهم أردد الشمس علي، وقال للشمس: إنك في طاعة الله، وأنا في طاعة الله. فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله قبل غروب الشمس، فردت عليه الشمس وزيد له في النهار ساعة واحدة حتى قتلهم أجمعين.\rقالوا: ثم أرسل ملوك الأرمانيين بعضهم إلى بعض، - وكانوا خمسة - فجمعوا كلمتهم على حرب يوشع وقومه، فهزمت بنو إسرائيل الملوك حتى أهبطوهم إلى ثنية حوران، فرماهم الله تعالى بأحجار البرد، فكان من قتله البرد أكثر ممن قتله بنو إسرائيل بالسيف، وهربت الملوك الخمسة، فاختفوا في غار، فأمر بهم يوشع فأخرجوا، فقتلهم وصلبهم، ثم أنزلهم وطرحهم في ذلك الغار، وتتبع سائر ملوك الشام فاستباح منهم أحدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع أرض الشام،، وصار الشام كله لبني إسرائيل، وفرق عماله في نواحي الشام.\rوحكى الكسائي في كتاب المبتدا أن يوشع أخذ في الجهاد بعد وفاة موسى - ع - حتى فتح الله على يديه نيفاً وثلاثين مدينة من مدن الكفار بأرض الشام. قال: ثم سار ببني إسرائيل إلى أريحا لقتال الحبارين، وكانوا قد عادوا إليها بعد أن فتحها موسى، فقاتلهم يوم الجمعة، وساق نحو ما تقدم من حبس الشمس . قال: وفسد على أهل علم النجوم علوم كثيرة من ذلك اليوم.\rقال الكسائي: ولما فرغ يوشع بن نون من قتال الجبارين بأريحا سار ببني إسرائيل إلى أرض بني كنعان، فقاتلهم حتى قتل أكثر من ثلاثين ملكاً، وفتح ثلاثين حصناً.\rقال الثعلبي في تفسيره: ولما قتل يوشع الملوك واستباح الأموال جمع الغنائم فلم تنزل النار، فأوحى الله تعالى إلى يوشع أن فيها غولاً، فمرهم فليبايعوك فبايعوه، فالتصقت يد رجل منهم بيده، فقال: هلم ما عندك!. فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجوهر كان قد غله، فجعله في القربان وجعل الرجل معه، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان.\rقالوا: ثم مات يوشع فدفن في جبل أفرائيم، وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة، وتدبيره أمر بني إسرائيل بعد وفاة موسى - ع - تسعا وعشرين سنة. وقال الكسائي: أربعين سنة. والله تعالى أعلم.\rولما مات استخلف على بني إسرائيل كالب بن يوقنا، وهو من أولاد يهودا بن يعقوب، وكان من الزهاد، فسار فيهم أجمل سيرة حتى قبضه الله تعالى.\rفاستخلف عليهم ابنه برشاناس وكان نظير يوسف الصديق - ع - في حسنه وجماله، فافتتن الناس به، فسأل الله تعالى أن يغير خلقته، فأصابه الجدري، فتغيرت خلقته، فأنكره الناس وأكثروا من سؤاله عن خبره، فشق ذلك عليه وشغله عن عبادته، فسأل الله تعالى أن يزيده تشويهاً، فاسترخى وجهه، وظهرت له أسنان طوال، وقبح حتى كره الناس أن ينظروا إليه، وعرفوا منه الاجتهاد في عبادة الله تعالى وطاعته، فاختاروه وسمعوا له وأطاعوا، ولم يزل بين أظهرهم أربعين سنة ثم قبضه الله تعالى.\rفقام بأمرهم العيزار بن هارون بن عمران، وكان قد أسن ولا ولد له، فجعلوا يقولون: ما حرم الولد إلا لذنب عظيم. فسأل الله الولد، فرزقه ولداً بعد كبر سنه وإياس زوجته صفورية بنت عمه موسى بن عمران وجدد له قوة، ولها جمالاً وحسناً، وسمى ولده سباسبا وجاء عالماً بالتوراة، فاستخلفه والده على بني إسرائيل، فقام بأمرهم، وتزوج بامرأة يقال لها صفورية، فأولدها إلياس. هكذا نقل الكسائي.\rوقال الثعلبي في قصصه في خبر ابن كالب وسماه بوساقوس: وأنه لما افتتن الناس به سأل الله تعالى أن يغير صورته مع سلامة حواسه وجوارحه فأصابه الجدري. وقال: إنه لبث فيهم مائة سنة، ثم قبضه الله عز وجل، ولم يذكر العيزار وابنه، بل ذكر خبر حزقيل. والله تعالى أعلم.\rحزقيل - ع","part":3,"page":396},{"id":1397,"text":"قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى قالت العلماء لما قبض الله تعالى كالب وابنه، بعث الله عز وجل حزقيل إلى بني إسرائيل، وهو حزقيل بن بوذى، ويلقب بابن العجوز.\rقال: وإنما لقب بذلك لأن أمه سألت الله تعالى الولد وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله تعالى لها، وهو الذي أحيا الله تعالى القوم بعد وفاتهم بدعائه، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: \" ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم \" .\rقال قال أكثر المفسرين: كانت قوية يقال لها داوردان قبل واسط وقع بها الطاعون، فخرج منها طائفة هاربين من الطاعون وبقيت طائفة، فهلك أكثر من بقي في القرية، وسلم الذين خرجوا، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين. فقال الذين بقوا: أصحابنا كانوا أحرم منا، لو صنعنا كما صنعوا لبقينا، ولئن وقع الطاعون بها ثانية لنخرج إلى الأرض التي لا وباء فيها. فوقع الطاعون من قابل، فهرب عامة أهلها، فخرجوا حتى نزلوا وادياً أفيح، فلما نزلوا المكان الذي يبغون فيه الحياة والنجاة، إذا هم بملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه يناديهم كل واحد منهم أن موتوا فماتوا.\rوقال الضحاك ومقاتل والكلبي: إنما فر هؤلاء من الجهاد؛ وذلك أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم، فخرجوا فعسكروا ثم جبنوا وكرهوا الموت واعتلوا وقالوا لملكهم: إن الأرض التي نأتيها بها الوباء فلا نأتيها حتى ينقطع منها الوباء؛ فأرسل الله تعالى عليهم الموت، فلما رأوا أن الموت كثر فيهم خرجوا من ديارهم فراراً منه. فلما رأى الملك ذلك قال: اللهم رب يعقوب وإله موسى، قد نرى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار من حكمك وقضائك. فلما خرجوا قال الله لهم: موتوا، فماتوا جميعاً وماتت دوابهم كموت رجل واحد، فما أتت عليهم ثلاثة أيام حتى انتفخوا وأروحت أجسادهم، فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم، فحظروا عليهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها.\rقال: واختلفوا في مبلغ عددهم، فقال عطاء الخراساني: كانوا ثلاثة آلاف. وقال ابن عباس ووهب: أربعة آلاف. وقال مقاتل والكلبي: ثمانية آلاف. وقال أبو روق: عشرة آلاف. وقال أبو مالك: ثلاثين ألفاً. وقال السُّديّ: بضعة وثلاثين ألفاً. وقال ابن جريج: أربعين ألفاً. وقال عطاء بن أبي رباح: سبعين ألفاً.\rقالوا: فأتت عليهم مدة وقد بليت أجسادهم، وعريت عظامهم، وتقطعت أوصالهم، فمر بهم حزقيل النبي - ع - فوقف عليهم متفكراً متعجباً، فأوحى الله تعالى إليه: يا حزقيل، تريد أن أريك كيف أحي الموتى؟ قال نعم، فأحياهم الله جميعاً.\rقال: هذا قول السدي وجماعة من المفسرين. وقال هلال بن يساف وجماعة من العلماء: دعا حزقيل ربه أن يحييهم فقال: يا رب لو شئت أحييت هؤلاء فعمروا بلادك وعبدوك. فقال الله عز وجل أو تحب أن أفعل؟ قال نعم، فأحياهم.\rوقال عطاء ومقاتل والكلبي: بل كانوا قوم حزقيل، فأحياهم الله عز وجل بعد ثمانية أيام؛ وذلك أنهم لما أصابهم ذلك خرج حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى، فبكى وقال: يا رب كنت في قوم يحمدونك ويقدسونك ويكبرونك ويهللونك فبقيت وحيداً لا قوم لي. فأوحى الله تعالى إليه: إني قد جعلت حياتهم إليك. فقال حزقيل: احيوا بإذن الله تعلى، فعاشوا.\rوقال وهب: أصابهم بلاء وشدة من الزمان، فشكوا ما أصابهم فقالوا: يا ليتنا متنا فاسترحنا مما نحن فيه. فأوحى الله عز وجل إلى حزقيل: إن قومك قد ضجروا من البلاء، وزعموا أنهم ودوا لو ماتوا فاستراحوا، وأي راحة لهم في الموت! أيظنون أني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت! فانطلق إلى جبانة كذا، فإن فيها قوم أمواتاً. فأتاهم، فقال الله عز وجل: قم فنادهم - وكانت أجسامهم وعظامهم قد تفرقت، فرقتها الطير والريح - فنادى حزقيل: أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم. فاكتست جميعاً اللحم، وبعد اللحم جلداً ودماً وعصباً وعروقاً، فكانت أجساداً، ثم نادى أيتها الأرواح، إن الله تعالى يأمرك أن تعودي في أجسادك. فقاموا جميعاً عليهم ثيابهم التي كانوا فيها، وكبروا تكبيرة واحدة.","part":3,"page":397},{"id":1398,"text":"قال: وزعم منصور بن المعتمر عن مجاهد أنهم قالوا حين أحيوا: سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت، فرجعوا إلى قومهم بعد ما أحياهم الله عز وجل، وعاشوا دهراً يعرفون أنهم كانوا أمواتاً، سِحْنةُ الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوباً إلا عاد رميماً مثل الكفن، حتى ماتوا لآجالهم التي كتب الله لهم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما فإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح.\rقال قتادة: مقتهم الله عز وجل على فرارهم من الموت فأماتهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم. فلما أحياهم الله عز وجل قال: \" وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم \" . ثم تلا الثعلبي هذه القصة بقصة إلياس؛ وذكرها الكسائي تلو قصة العيزار، والله الموفق للصواب.\rإلياس - ع - قال الله عز وجل: \" وإن إلياس لمن المرسلين \" . قال الكسائي رحمه الله تعالى قال كعب: لما ولد إلياس - ع - ونسبه أنه إلياس ابن سباسبا بن العيزار بن هارون. قال: وأمه صفورية، وجدته أم أبيه صفورية بنت موسى بن عمران - ع - ظهر ليلة مولده أنوار أضاءت منها محاريب بني إسرائيل. فلما نظرت ملوك بني إسرائيل ذلك علموا أنه قد حدث حادث، فتعرفوا الخبر، فقيل لهم: ولد مولود من ولد هارون ابن عمران.\rقال: وكان إلياس على صورة موسى وقوته، ونشأ أحسن نشأة. وبنو إسرائيل يقولون: هذا الذي بشرنا به العيزار، أن الله يهلك الملوك والجبابرة على يديه.","part":3,"page":398},{"id":1399,"text":"قال: فلما بلغ سبع سنين - وكان يحفظ التواراة - قال: يا بني إسرائيل، إني أريكم من نفسي عجباً. فصاح بهم صيحة انتشرت فيهم فأرعبت قلوبهم. فلما سكنت روعتهم هموا بقتله، وقال بعضهم. هو ساحر، فهرب منهم وصعد إلى جبل وهم يتبعونه. فلما قربوا منه انفرج له الجبل فدخل فيه، وانصرف القوم. فنمى الخبر إلى بعض ملوكهم فعذبهم، ثم انفرج الجبل، وأقام إلياس به يأكل من المباحات حتى استكمل أربعين سنة، والناس قد أخذوا في عبادة الأصنام وخاضوا في المعاصي، فبعثه الله تعالى نبياً ورسولاً، وجاءه جبريل بالوحي، وأمره عن الله تعالى أن يتوجه إلى الملوك والجبابرة الذين يعبدون الأصنام ويدعوهم إلى طاعة الله تعالى وعبادته، وأن يرسلوا معه بني إسرائيل وأعطاه القوة، وأمر النار والجبال والوحش بطاعته. فانطلق إلياس إليهم وهم في سبعين قرية، كل قرية منها مدينة، في كل مدينة جبار يسوسهم، وكلهم يعبدون صنماً يدعى بَعْلا وهو على صورة امرأة، فصار إلياس إلى قرية من قراهم، وكان فيها ملك يقال له آجاب، فوقف بالقرب من قصره، وقرأ التوراة بأطيب نغمة، فسمعه الملك، فقال لامرأته: ألا تسمعين؟ ما أطيب هذا الصوت! فقامت المرأة إليه وأشرفت عليه من أعلى القصر وسألته عن حاله وخبره، فأخبرها أنه رسول الله. قالت: وما حجتك على دعواك؟ فاستدعى النار فجاءت إليه وشهدت بنبوته وصدقته، فأخبرت المرأة زوجها بما رأت منه، فجاء إليه وآمن به هو وامرأته، وأوصاه بالصبر والجهاد، وانصرف إلياس. حتى إذا كان يوم اجتماع القوم وقد خرجوا بزينتهم ونصبوا صنمهم بعلاً وقف عليهم ودعاهم إلى الإيمان، فقال فيما أخبر الله تعلى به عنه: \" وإن إلياس لمن المرسلين، إذ قال لقومه ألا تتقون، أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين، الله ربكم ورب آبائكم الأولين \" . فقالوا له: من أنت؟ فقال: أنسيتموني بعد أن كنت فيكم ومعكم! أنا إلياس. فحثوا في وجهه التراب ورموه بالحجارة من كل جانب. وكان ملكهم الأكبر يقال له عاميل، فأمر بزيت فغلى في قدر نحاس وقال لإلياس: إن رجعت وإلا طرحتك فيه!. فقال: أنا وحيد في أرضكم، فريد في جمعكم، ولكني أريكم آية تدل على صدق دعواي أني رسول الله إليكم. فقال له الملك نعم. فقال إلياس: أيتها النار اخمدي بإذن الله تعالى، فخمدت وسكن غليان الزيت، فعجب الناس من ذلك. قال الملك: قد أتيت بحجة، ولكن أمهلنا يومنا لننظر في أمرك. ففارقهم وأتاهم من الغد ودعاهم، فجمع الملك ملوك قومه وعلماءهم وقال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال العلماء: إنا نرى في التوراة صفة هذا الرجل أنه يبعث نبياً تسخر له النار والأسود والجبال، وأنه لا يسمع أحد صوته إلا ذل وخضع له. فقال بعض علمائهم: أيها الملك، كذب هؤلاء فيما ذكروه، وهذا ساحر، فلا يهولنك أمره. فبسط العذاب على أولئك النفر، فاشتد ذلك على إلياس، وخالفه الملك آجاب الذي كان قد آمن به، ففارقته زوجته ولحقت بإلياس؟ وكانت من الصالحات.","part":3,"page":399},{"id":1400,"text":"قال: واتخذ إلياس عريشاً بالقرب من قصر الملك عاميل، فأشرفت امرأة عاميل عليه في بعض الليالي وهو يعبد الله تعالى، فنظرت إلى عمود من نور من لدن العريش في السماء، فآمنت ولحقت به، فأمر زوجها أن تلقى في النار، فألقيت فيها، فدعا إلياس - ع - الله تعالى لها، فلم تعمل النار فيها شيئاً، فأطلقها الملك، فلحقت بإلياس. ثم مات ولد لعاميل الملك فجزع عليه وتضرع إلى صنمه فلم يغن عنه شيئاً، فغضب وقال لإلياس: إن ابني قد مات وعجز إلهي عن إحيائه، فهل تقدر أن تحييه؟ فقال: هذا على ربي هين، ودعا الله تعالى، فقام الغلام يشهد أن لا إله إلا الله، وأن إلياس عبده ورسوله، فآمن الملك وخرج عن الملك وتبع إلياس ولبس الصوف وعبد الله تعالى حتى مات، وماتت زوجته وابنه. واستمر القوم في ضلالهم وكفرهم ما شاء الله، وإلياس يدعوهم فلا يجيبونه، فأوحى الله تعالى إليه أن ادعهم وأنذرهم، فإن آمنوا وإلا حبست عنهم الغيث وابتليتهم بالقحط. فدعاهم فقالوا: إنا لا نؤمن بك ولا بربك، فاصنع ما أنت صانع. فحبس الله عز وجل عنهم المطر، وغارت العيون وجفت الأشجار، فأكلوا ما عندهم حتى نفد، ثم أكلوا المواشي حتى أكلوا الكلاب والسنانير والفيران، وبلغ بهم الجوع حتى كانوا يأكلون من مات منهم، وإلياس بينهم وهم لا يرونه، ويدعونه وهو لا يجيبهم، وكان الله تعالى قد جعل أمر أرزاقهم إليه، فأوحى الله إليه أن السماء والأرض ومن عليها قد بكت على هؤلاء، وقد هلك كثير من خلقي بسببهم، وكل يدعوك ولا ترحمهم، فانصف خلقي يا إلياس، فإني أعصى فأرزُق، وأكفر فأحلم. ففزع إلياس وقال: يا رب ما غضبت إلا لك، وأنت أعلم بمصالح عبادك. فأوحى الله إليه أن سر إليهم وادعهم، فإن آمنوا وإلا كنت أرأف بهم منك.\rقال: فانطلق إلياس حتى صار إلى أول قرية من قرى مدينتهم، فمر بعجوز فقال لها: هل عندك طعام؟ فقالت: وحق إلهي بعل ما دقتُ الخبز منذ مدة. قال: فهلا تؤمنين بالله! فقالت: إن ابني اليسع على دين إلياس، ولا أراه ينتفع به وقد أشرف على الموت من الجوع. فقال له إلياس. يا اليسع، أتحب أن تأكل الخبز؟ فصاح: كيف لي بالخبز! ومات؛ فبكت العجوز ولطمت. فقال لها: إن أحياه الله وجاءك بما تأكلين أتؤمنين بالله؟ قالت نعم. فدعا الله تعالى، فقام اليسع وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن إلياس رسول الله، ورزقهم الله تعالى خبزاً ولبناً، فأكلوا، وآمنت العجوز، وخرجت تنر قومها، فخنقوها فماتت، فاغتم اليسع لذلك. فقال له إلياس: إن الله سيحييها ويجعلكما آية لقوكما. وخرج إلياس إلى قومه وقد اجتمعوا عليها يريدون أكلها؛ فصاح بهم، فتفرقوا عنها وقالوا: إنك أنت إلياس حقاً، فدعا الله تعالى فأحياها، فأقبل القوم عليه وقالوا: ألا ترى ما نحن فيه منذ سبع سنين! قال: فهلا دعوتم صنمكم بعلا ليكشف عنكم! قالوا: قد دعوناه فلم يغن شيئاً. قال: فإن أغاثكم الله تعالى أتؤمنون؟ قالوا نعم. فسأل الله تعالى فأمطرهم، وجرت أنهارهم وأنبتت أرضهم، وأحيا الله من مات منهم من الجوع، فازدادوا كفراً وعتواً، فحذرهم إلياس وأنذرهم وذكرهم بنعمة الله عليهم. فقالوا: إن القحط قد ارتفع عنا وهيهات أن يعود أبداً، وإن عاد فلا نبالي، قد جمعنا في منازلنا ما يكفينا زمناً طويلاً. فدعا الله عليهم واعتزلهم، وقال: قد بلغت الرسالة. وأنك لاحق بالملائكة. فاستخلف اليسع على المؤمنين؛ فقال اليسع: يا نبي الله، إني ضعيف بين قوم كافرين. فأوحى الله تعلى إلى اليسع بذلك، وخرج إلياس عن ديار قومه في يوم جمعة، فإذا هو بفرس يلتهب نوراً، وله أجنحة ملونة، فناداه: أقبل يا نبي الله. فاستوى على ظهره، وجاءه جبريل فقال: يا إلياس طر مع الملائكة حيث شئت، فقد كساك الله ريش، وقطع عنك لذة المطعم والمشرب وجعلك آدمياً ملكياً سماوياً أرضياً.\rقال: ونشر الفرس أجنحته فهو يطير مع الملائكة. ثم أرسل الله عز وجل العذاب على قومه، فأحدقت بهم سحابة من جهنم، واعتزلهم المؤمنون، فأحدقت السحابة بالكفرة، فأمطرت عليهم حجارة من العذاب. قال الله تعلى: \" ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء \" . قال: ثم انكشفت عن ديارهم وقد صاروا حمماً سوداً؛ قال الله تعالى: \" فكذبوه فإنهم لمحضرون، إلا عباد الله المخلصين \" .\rقال: وأقام اليسع مع بني إسرائيل حتى قبضه الله تعالى.","part":3,"page":400},{"id":1401,"text":"هذا ما أورده الكسائي في أخبار إلياس واليسع عليهما السلام.\rوأما ما حكاه الثعلبي رحمه الله في هذه القصة، فإنه قال: قال ابن إسحاق والعلماء من أصحاب الأخبار: لما قبض الله حزقيل النبي - ع - عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر فيهم الفساد، ونسوا عهد الله تعالى إليهم في التوراة حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله عز وجل فبعث الله تعالى إليهم إلياس نبياً. قال الثعلبي: وهو إلياس ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون - ع - .\rقال: وإنما كانت الأنبياء بعد موسى - ع - يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا وضيعوا من أحكام التوراة، وبنو إسرائيل يومئذ متفرقون في أرض الشام وفيهم ملوك كثيرة. وذلك أن يوشع لما فتح أرض الشام بوأها بني إسرائيل وقسمها بينهم، فأحل سبطاً منهم بعلبك ونواحيها، وهم سبط إلياس، فبعثه الله تعالى إليهم نبياً، وعليهم يومئذ ملك يقال له آجاب قد أضل قومه وجبرهم على عبادة الأصنام، وكان يعبد هو وقومه صنماً يقال له بعل وكان طوله عشرين ذراعاً، وكانت له أربعة وجوه، فجعل إلياس يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وهم في ذلك لا يسمعون منه شيئاً إلا ما كان من أمر الملك الذي كان ببعلبك فإنه صدقه وآمن به، وكان إلياس - ع - يقوم أمره ويسدده ويرشده، وكان لآجاب الملك هذا امرأة يقال لها أرايل، و كان يستخلفها على رعيته إذا غاب عنهم في غزاة أو غيرها، فكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتركب كما يركب، وتجلس إلى مجلس القضاء فتقضي بين الناس، وكانت قتالة للأنبياء، وكان لها كاتب وهو مؤمن حكيم يكتمها إيمانه، وكان الكاتب قد خلص من يدها ثلثمائة نبي كانت تريد قتل كل واحد منهم إذا بعث، سوى الذين قتلتهم ممن يكثر عددهم؛ وكانت في نفسها غير محصنة ولم يكن على وجه الأرض أفحش منها، وهي مع ذلك قد تزوجت سبعة ملوك من ملوك بني إسرائيل وقتلتهم كلهم بالاغتيال؛ وكانت معمرة حتى يقال: إنها ولدت سبعين ولداً. وكان لآجاب هذا جار من بني إسرائيل رجل صالح يقال له مزدكى وكانت له جنينة يعيش منها ويقبل على عمارتها ومرمتها، وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته، فكانا يشرفان على تلك الجنينة ويتنزهان فيها، ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها، وكان آجاب في ذلك يحسن جوار مزدكى صاحبها ويحسن إليه، وامرأته أرايل تحسده على ذلك لأجل تلك الجنينة، وتحتال في أن تغتصبها منه لما تسمع الناس يذكرون الجنينة، ويتعجبون من حسنها ويقولون: ما أحرى أن تكون هذه الجنينة لأهل هذا القصر، ويتعجبون من الملك وامرأته كيف لم يغصباها صاحبها. فلم تزل المرأة تحتال على العبد الصالح مزدكى أن تقتله وتأخذ جنينته، والملك ينهاها عن ذلك. ثم اتفق خروج الملك إلى سفر بعيد وطالت غيبته، فاغتنمت المرأة غيبة الملك واحتالت على مزدكى صاحب الجنينة، وهو غافل عما تريد مقبل على عبادة ربه وإصلاح جنينته، فجمعت أرايل جمعاً من الناس وأمرتهم أن يشهدوا على مزدكى أنه سب زوجها الملك آجاب، فأجابوها إلى ملتمسها من الشهادة عليه، وكان حكمهم في ذلك الزمان على من سب الملك القتل إذا قامت البينة عليه بذلك. فأحضرت مزدكى وقالت: بلغني أنك سببت الملك وعبته، فأنكر ذلك. فقالت: إن عليك شهوداً، وأحضرت الشهود فشهدوا عليه بحضرة الناس، فأمرت بقتل مزدكى، فقتل وأخذت جنينته غصباً، فغضب الله عز وجل عليهم للعبد الصالح. فلما قدم الملك من سفره قال لها: ما وفقت وما أصبت، ولا أرانا نفلح بعده أبداً، وإن كنا عن جنينته لأغنياء، قد كنا نتنزه فيها، وقد جاورنا وتحرم بنا منذ زمان طويل، فأحسنا جواره، وكففنا عنه الأذى لوجوب حقه علينا، فختمت أمره بأسوأ حال الجوار. وما حملك على اجترائك عليه إلا سفهك وسوء رأيك وقلة عقلك وقلة تفكرك في العواقب. فقالت: إنما غضبت لك وحكمت بحكمك. قال: أو ما كان يسعه حلمك ويحدوك عظم خطرك على العفو عن رجل واحد فتحفظين له جواره! قالت: قد كان ما كان.","part":3,"page":401},{"id":1402,"text":"فبعث الله تعالى إلياس - ع - إلى آجاب الملك وقومه، وأمره أن يخبرهم أن الله تعالى قد غضب لوليه حين قتلوه بين أظهرهم ظلماً، وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ولم يردا الجنينة على ورثة مزدكى أن يهلكهما، يعني آجاب وامرأته، في جوف الجنينة أشر ما يكون بسفك دمهما، ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيها حتى تتعرى عظامهما من لحومهما، ولا يمتعان بها إلا قليلاً.\rقال: فجاء إلياس - ع - إلى الملك وأخبره بما أوحى الله عز وجل إليه في أمره وأمر امرأته والجنينة. فلما سمع الملك ذلك اشتد غضبه عليه، ثم قال له: يا إلياس، والله ما أرى ما تدعونا إليه إلا باطلاً، والله ما أرى فلاناً وفلاناً - سمى ملوكاً منهم قد عبدوا الأوثان - إلا على مثل ما نحن عليه، يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، ما ينقص من دنياهم أمرهم الذي تزعم أنه باطل، وما نرى لنا عليهم من فضل.\rقال: وهم الملك بتعذيب إلياس وقتله. فلما سمع إلياس - ع - ذلك وأحس بالشر، رفضه وخرج عنه. فلحق بشواهق الجبال، ودعا الملك الناس إلى عبادة بعل، وارتقى إلياس - ع - أصعب جبل وأشمخه، فدخل مغارة فيه. فيقال: إنه بقي فيه سبع سنين شريداً طريداً خائفاً، يأوى الشعاب والكهوف، ويأكل من نبات الأرض وثمار الشجر وهم في طلبه قد وضعوا عليه العيون يتوكفون أخباره ويجتهدون في أخذه، والله تعالى يستره ويدفع عنه. فلما تمت له سبع سنين أذن الله تعالى في إظهاره عليهم، وشفا غيظه منهم، فأمرض الله تعالى ابنا لآجاب الملك وكان أحب ولده إليه وأعزهم عليه وأشبههم به، فأدنف حتى يئس منه، فدعا صنمه بعلا؛ وكانوا قد فتنوا به وعظموه حتى جعلوا له أربعمائة سادن وكلهم به وجعلوهم أنبياءه، وكان الشيطان يوسوس إليهم بشريعة من الضلالة، فيبينونها للناس فيعملون بها، ويسمونهم الأنبياء. فلما اشتد مرض ابن الملك طلب إليهم أن يشفعوا إلى بعل، ويطلبوا لابنه من قبله الشفاء والعافية، فدعوه فلم يجبهم، ومنع الله تعالى بقدرته الشيطان عن صنمهم فلم يمكنه الولوج في جوفه، وهم مجتهدون في التضرع إليه، وهو لا يزداد مع ذلك إلا خموداً. فلما طال عليهم ذلك قالوا لآجاب: إن في ناحية الشام آلهة أخرى، وهي في العظم مثل إلهك، فابعث إليها أنبياءك فليشفعوا لك إليها، فلعلها أن تشفع لك إلى إلهك بعل فإنه غضبان عليك، ولولا غضبه عليك لقد كان أجابك وشفى لك ابنك. قال آجاب: ومن أجل ماذا غضب علي وأنا أطيعه وأطلب رضاه منذ كنت لم أسخطه ساعة قط؟ قالوا: من أجل أنك لم تقتل إلياس وفرطت فيه حتى نجا سليماً وهو يعبد غيره، فذلك الذي أغضبه عليك. قال آجاب: وكيف لي أن أقتل إلياس يومي هذا وأنا مشغول على طلبه بوجع ابني وليس لإلياس مطلب، ولا يعرف له موضع فيقصد، فلو عوفي ابني لتفرغت لطلبه، ولم يكن لي هم ولا شغل غيره حتى آخذه فأقتله فأريح إلهي منه وأرضيه.","part":3,"page":402},{"id":1403,"text":"قال: ثم اندفعت أنبياؤه الأربعمائة ليشفعوا إلى الأرباب التي بالشام ويسألوها أن تشفع إلى ضم الملك ليشفى ابنه، فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيال الجبل الذي فيه إلياس أوحى الله عز وجل إلى إلياس أن يهبط من الجبل ويعارضهم ويستوقفهم ويكلمهم، وقال له: لا تخف فإني سأصرف عنك شرهم، وألقى الرعب في قلوبهم. فنزل إلياس - ع - من الجبل، فلما لقيهم استوقفهم فوقفوا، وقال لهم: إن الله عز وجل أرسلني إليكم وإلى من وراءكم، فاستمعوا أيها القوم رسالة ربكم لتبلغوا صاحبكم، فارجعوا إليه وقولوا له: إن الله تعالى يقول لك: ألست تعلم يا آجاب أني أنا الله لا إله إلا أنا إله بني إسرائيل الذي خلقهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم، أفجهلك وقلة علمك حملك على أن تشرك بي وتطلب الشفاء لابنك من غيري ممن لا يملكون لأنفسهم شيئاً إلا ما شئت. إني حلفت باسمي لأغيظنك في ابنك ولأميتنه في فوره هذا حتى تعلم أن أحداً لا يملك له شيئاً دوني. فلما قال لهم إلياس هذا رجعوا وقد ملئوا منه رعباً. فلما صاروا إلى الملك قالوا له ذلك، وأخبروه أن إلياس انحط عليهم، وهو رجل نحيف طوال قد قشف وقحل وتمعط شعره وتقشر جلده، عليه جبة من شعر وعباءة قد خلها على صدره بخلال، فاستوقفنا، فلما صار معنا قذفت في قلوبنا الهيبة والرعب، وانقطعت ألسنتنا، ونحن في هذا العدد الكثير وهو واحد، فلم نقدر على أن نكلمه ونراجعه ونملأ أعيننا منه حتى رجعنا إليك، وقصوا عليه كلام إلياس - ع - . فقال آجاب: لا ننتفع بالحياة ما دام إلياس حياً. ما الذي منعكم أن تبطشوا به حين لقيتموه وتوثقوه وتأتوني به، وأنتم تعلمون أنه طلبتي وعدوي. قالوا: أخبرناك بالذي منعنا منه ومن كلامه والبطش به. قال آجاب: ما يطلق إذاً إلياس إلا بالمكر والخديعة. فقيض له خمسين رجلاً من قومه ذوي قوة وبأس، وعهد إليهم عهده، وأمرهم بالاحتيال له والاغتيال به وأن يطمعوه في أنهم قد آمنوا به هم ومن وراءهم، ليستنيم إليهم ويغتر بهم، فيمكنهم من نفسه، فيأتوا به الملك. فانطلقوا حتى ارتقوا ذلك الجبل الذي فيه إلياس - ع - ثم تفرقوا فيه وهم ينادونه بأعلى أصواتهم ويقولون: يا نبي الله، ابرز لنا وأنت آمن على نفسك فإنا قد آمنا بك وصدقناك، وملكنا آجاب، وجميع بني إسرائيل يقرءون عليك السلام ويقولون: قد بلغتنا رسالة ربك، وعرفنا ما قلت، وآمنا بك، و أجبناك على ما دعوتنا، فهلم إلينا فأنت نبينا ورسول ربنا، فأقم بين أظهرنا واحكم فينا؛ فإنا ننقاد لما أمرتنا، وننتهي عما نهيتنا، وليس يسعك أن تتخلف عنا مع إيماننا وطاعتنا، فتداركنا وأرجع إلينا. وكل هذا كان منهم مماكرة وخديعة. فلما سمع إلياس - ع - مقالتهم وقعت بقلبه وطمع في إيمانهم وخاف الله تعالى وأشفق من سخطه إن هو لم يظهر لهم ولم يجبهم بعد الذي سمع منهم. فلما أجمع على أن يبرز لهم رجع إلى نفسه فقال: لو أني دعوت الله عز وجل وسألته أن يعلمني ما في أنفسهم ويطلعني على حقيقة أمرهم. فقال: اللهم إن كانوا صادقين فيما يقولون فأذن لي في البروز إليهم، وإن كانوا كاذبين فاكفنيهم وارمهم بنار تحرقهم. فما استتم قوله حتى حصبوا بالنار من فوقهم، فاحترقوا أجمعين.\rقال: وبلغ آجاب الخبر فلم يرتدع، واحتال ثانياً في أمر إلياس، وجهز فئة أخرى مثل عدد أولئك أقوى منهم وتمكن في الحيلة والرأي، فأقبلوا حتى ارتقوا قلل تلك الجبال متفرقين، وجعلوا ينادون: يا نبي الله، إنا نعوذ بالله وبك من غضب الله وسطواته. إنا لسنا كالذين أتوك من قبلنا، إن أولئك فرقة نافقت وخالفتنا، فصاروا إليك ليكيدوك من غير رأينا ولا علم منا، وذلك أنهم حسدونا وحسدوك، وخرجوا إليك سراً، ولو علمنا بهم لقتلناهم ولكفيناك مؤنتهم، والآن فقد كفاك ربك أمرهم وأهلكهم بسوء نياتهم و انتقم لنا ولك منهم. فلما سمع إلياس - ع - مقالتهم دعا الله تعلى بدعوته الأولى، فأمطر الله عليهم النار، فاحترقوا عن آخرهم، كل ذلك وابن الملك في البلاء الشديد من وجعه - كما وعده الله تعالى على لسان نبيه إلياس - لا يقضى عليه فيموت، ولا يخفف عنه من عذابه.","part":3,"page":403},{"id":1404,"text":"قال: فلما سمع الملك بهلاك أصحابه ثانياً ازداد غضباً إلى غضبه، وأراد أن يخرج في طلب إلياس بنفسه، إلا أنه شغله عن ذلك مرض ابنه فلم يمكنه، فوجه نحو إلياس الكاتب المؤمن الذي هو كاتب امرأته رجاء أن يأنس به إلياس فينزل معه، وأظهر للكاتب أنه لا يريد بإلياس سوءاً. وإنما أظهر له ذلك لما اطلع عليه من إيمانه، وكان الملك مع إطلاعه يغض عنه لما هو عليه من الكفاية والأمانة والحكمة وسداد الرأي، فوجهه نحوه، وأرسل معه فئة من أصحابه، وأوعز إلى الفئة دون الكاتب أن يوثقوا إلياس ويأتوه به إن أراد أن يتخلف منهم، وإن جاء مع الكاتب واثقاً به آنساً بمكانه لم يوحشوه ولم يروعوه، ثم أظهر آجاب للكاتب الإنابة وقال: إنه قد آن لي أن أتوب وأتعظ، وقد أصابتنا بلايا من حريق أصحابنا والبلاء الذي فيه ابني؛ وقد عرفت أن ذلك بدعوة إلياس، ولست آمن أن يدعو على جميع من بقي منا فنهلك بدعوته. فانطلق إليه وأخبره أنا قد تبنا وأنبنا، وأنه لا يصلحنا في توبتنا وما نريد من رضا ربنا وخلع أصنامنا إلا أن يكون إلياس بين أظهرنا يأمرنا وينهانا، ويخبرنا بما يرضى به ربنا. وأمر الملك قومه فاعتزلوا الأصنام، وقال له: أخبر إلياس بأنا قد خلعنا آلهتنا التي كنا نعبد وأرجأنا أمرها حتى ينزل إلياس إلينا، فيكون هو الذي يحرقها ويهلكها وكان ذلك مكراً من الملك. فانطلق الكاتب والفئة حتى علوا الجبل الذي فيه إلياس - ع - ثم ناداه الكاتب، فعرف إلياس صوته، فتاقت نفسه إليه وأنس بمكانه وكان مشتاقاً إلى لقائه، فأوحى الله تعالى إلى إلياس أن ابرز إلى أخيك الصالح فالقه وجدد العهد به، فبرز إليه إلياس وسلم عليه وصالحه، وقال له: ما الخبر؟ قال له المؤمن: إنه قد بعثني إليك هذا الجبار الطاغية وقومه، ثم قص عليه ما قالوا ثم قال وإني خائف إن رجعت إليه ولست معي أن يقتلني، فمرني بما شئت أن أفعله وأنتهي إليه، إن شئت انقطعت إليك وكنت معك وتركته، وإن شئت جاهدته معك، وإن شئت فأرسلني إليه بما تحب فأبلغه رسالتك، وإن شئت دعوت ربك أن يجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً.\rقال: فأوحى الله عز وجل إلى إلياس - ع - أن كل شيء جاءوك به مكر وخديعة ليظفروا بك، وأن آجاب إن أخبرته رسله أنك قد لقيت هذا الرجل ولم يأت بك إليه اتهمه وعرف أنه قد داهن في أمرك، فلم يأمن أن يقتله، فانطلق معه فإن في انطلاقك معه عذره وبراءته عند آجاب، وإني سأشغل عنكما آجاب، وأضاعف على ابنه البلاء حتى لا يكون له هم غيره، وأميته على شر حال، فإذا مات فارجع عنه ولا تقم. فانطلق معهم حتى قدموا على آجاب، فلما قدموا عليه شدد الله تعالى على ابنه الوجع، وأخذه الموت، فشغل الله تعالى آجاب وأصحابه بذلك عن إلياس، فرجع إلياس سالماً إلى مكانه. فلما مات ابن آجاب وفرغوا منه وقل جزعه، انتبه لإلياس وسأل عنه الكاتب الذي جاء به، فقال: ليس لي به علم، وذلك أنه شغلني عنه موت ابنك والجزع عليه، ولم أكن أحسبك إلا قد استوثقت منه. فأضرب عنه آجاب وتركه لما كان فيه من الحزن على ابنه. فلما طال الأمر على إلياس مل الكمون في الجبال والمقام بها واشتاق إلى العمران وإلى الناس فنزل من الجبل، وانطلق حتى نزل بامرأة من بني إسرائيل، وهي أم يونس ابن متى ذي النون. فاستخفى عندها ستة أشهر، ويونس مولود يومئذ يرضع، وكانت أم يونس تخدمه بنفسها، وتواسيه بذات يدها، ولا تدخر عنه كرامة تقدر عليها.","part":3,"page":404},{"id":1405,"text":"ثم إن إلياس سئم ضيق البيوت بعد مقامه بالجبال وسعتها، فأحب أن يلتحق بالجبال فخرج وعاد إلى مكانه، فجزعت أم يونس لفراقه وأوحشها فقده، ثم لم تلبث إلا يسيراً حتى مات ابنها يونس حين فطمته، فعظمت مصيبتها فيه، فخرجت في طلب إلياس، فلم تزل ترقى الجبال وتطوف فيها حتى عثرت عليه ووجدته، فقالت: إني قد فجعت بموت ابني بعدك، فعظمت فيه مصيبتي، واشتد لفقده بلائي، وليس لي ولد غيره، فارحمني وادع ربك جل جلاله فيحي لي ابني، ويجبر مصيبتي، وإني قد تركته مسجى لم أدفنه، وإني قد أخفيت مكانه. فقال لها إلياس: ليس هذا مما أمرت به، وإنما أنا عبد مأمور أعمل بما يأمرني به ربي، ولم يأمرني بهذا. فجزعت المرأة وتضرعت، فعطف الله سبحانه وتعالى قلب إلياس عليها، فقال لها: ومتى مات ابنك؟ قالت: منذ سبعة أيام. فانطلق إلياس معها وسار سبعة أيام أخرى حتى انتهى إلى منزلها فوجد ابنها يونس ميتاً منذ أربعة عشر يوماً، فتوضأ وصلى ودعا الله فأحيا الله تعالى يونس بن متى بدعوة إلياس. فلما عاش وجلس وثب إلياس وانصرف وعاد إلى موضعه. والله أعلم.\rدعاؤه على قومه\rوما حل بهم من القحط وخبر اليسع حين اتبع إلياس\rقال: ولما طال عصيان قومه ضاق إلياس بذلك درعاً وأجهده البلاء، فأوحى الله تعالى إليه بعد سبع سنين وهو خائف مجهود: يا إلياس، ما هذا الحزن والجزع الذي أنت فيه! ألست أمين على وحيي، وحجتي في أرضي، وصفوتي من خلقي! فسلني أعطك فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم. قال: تميتني فتلحقني بآبائي، فإني قد مللت بني إسرائيل وملوني، وأبغضتهم فيك وأبغضوني. فأوحى الله تعالى إليه: يا إلياس، ما هذا باليوم الذي أعرى منك الأرض وأهلها، وإنما قوامها وصلاحها بك وبأشباهك إن كنتم صبرتم قليلاً، ولكن تسألني فأعطيك قال إلياس: فإن لم تمتني يا إلهي فأعطني ثأري من بني إسرائيل. قال الله تعالى وأي شيء تريد أن أعطيك يا إلياس؟ قال: تمكنني من خزائن السماء سبع سنين، فلا تنشئ عليهم سحابة إلا بدعوتي، ولا تمطر عليهم سبع سنين قطرة إلا بشفاعتي، فإنهم لا يذلهم إلا ذلك. قال الله تعالى: يا إلياس، أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين. قال: ست سنين. قال: أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين. قال: فخمس سنين. قال: أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين، ولكني أعطيك ثلاث سنين أجعل خزائن المطر بيدك، فلا تنشأ عليهم سحابة إلا بدعوتك، ولا تنزل عليهم قطرة إلا بشفاعتك. قال إلياس: فبأي شيء أعيش؟ قال: أسخر جيشاً من الطير تنقل إليك طعامك وشرابك من الريف والأرض التي لم تقحط. قال إلياس: قد رضيت. قال: فأمسك الله عز وجل عنهم المطر حتى هلكت الماشية والدواب والهوام والشجر وجهد الناس جهداً شديداً وإلياس على حالته مستخف من قومه يوضع له الرزق حيثما كان، وقد عرفه بذلك قومه، فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في بيت قالوا: لقد دخل إلياس هذا البيت وطلبوه، ولقي أهل ذلك المنزل منهم شراً.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: أصاب بني إسرائيل ثلاث سنين القحط، فمر إلياس - ع - بعجوز فقال لها: هل عندك طعام؟ قالت: نعم، شيء من دقيق وزيت قليل. فجاءته بشيء من الدقيق والزيت، فدعا فيهما بالبركة ومسهما، فبارك الله في ذلك حتى ملأت جربها دقيقاً وملأت خوابيها زيتاً. فلما رأوا ذلك عندها قالوا: من أين لك هذا؟ قالت: مر بي رجل من حاله كذا وكذا، فوصفت صفته، فعرفوه وقالوا: ذلك إلياس؛ فطلبوه فوجدوه فهرب منهم.\rثم أوى ليلة إلى بيت امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع ابن أخطوب به ضر، فآوته وأخفت أمره، فدعا له فعوفي من الضر الذي كان به، واتبع اليسع إلياس وآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب به حيثما ذهب، وكان إلياس قد أسن وكبر، وكان اليسع غلاماً شاباً.\rرفع البلاء عن قومه\rواستمرارهم على الكفر ورفع إلياس وهلاك آجاب الملك وامرأته، ونبوة اليسع","part":3,"page":405},{"id":1406,"text":"قال: ثم أوحى الله تعالى إلى إلياس - ع - إنك قد أهلكت كثيراً من الخلق ممن لم يعص سوى بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوأم والشجر بحبس المطر عن بني إسرائيل. فيزعمون - والله أعلم - أن إلياس قال: يا رب دعني أكن الذي أدعو لهم وآتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلهم أن يرجعوا وينزعوا عما هم عليه من عبادة غيرك. قيل له: نعم. فجاء إلياس - ع - إلى بني إسرائيل فقال لهم: إنكم قد هلكتم جوعاً وجهداً، وهلكت البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور. فإن كنتم تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم هذه، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم، ودعوت الله عز وجل ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء. وقالوا: أنصفت. فخرجوا بأوثانهم فدعوها فلم تستجب لهم، ولم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء. ثم قالوا لإلياس يا إلياس، إن الله قد أهلكنا، فادع الله لنا. فدعا الله تعالى ومعه اليسع بالفرج مما هم فيه وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس على ظهر البحر وهم ينظرون، فأقبلت نحوهم وطبقت الآفاق، ثم أرسل الله تعالى عليهم المطر فأغاثهم وحييت بلادهم.\rفلما كشف الله تعالى عنهم الضر نقضوا العهد ولم ينزعوا عن كفرهم. ولم يقلعوا عن ضلالتهم، وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه. فلما رأى إلياس - ع - ذلك دعا الله تعالى أن يريحه منهم؛ فقيل له - كما يزعمون - : أنظر يوم كذا وكذا فاخرج فيه إلى موضع كذا، فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه. فخرج إلياس ومعه اليسع بن أخطوب، حتى إذا كانا بالموضع الذي أمر إلياس به، أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه إلياس، فانطلق الفرس به، فناداه اليسع، يا إلياس: ما تأمرني؟ فقذف إليه إلياس بكسائه من الجو الأعلى، وكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، فكان ذلك آخر العهد به. ورفع الله عز وجل إلياس من بين أظهرهم، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش، فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً، وسلط الله على آجاب الملك وقومه عدوا لهم فقصدهم من حيث لم يشعروا به حتى رهقهم، فقتل آجاب وامرأته أرايل في بستان مزدكى، فلم تزل جيفتاهما ملقاتين في تلك الجنينة حتى بليت لحومهما ورمت عظامهما.\rاليسع - ع - قال أبو إسحاق رحمه الله تعالى: ولما رفع الله تعالى إلياس - ع - نبأ اليسع وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل، وأوحى إليه وأيده بما أيد به عبده الياس؛ فآمنت به بنو إسرائيل، وكانوا يعظمونه وينتهون إلى أمره، وحكم الله تعالى قائم فيهم إلى أن فارقهم اليسع - ع - .\rقال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله بسند رفعه إلى عبد العزيز بن أبي رواد قال: إلياس والخضر عليهما السلام يصومان شهر رمضان ببيت المقدس، ويوافيان الموسم في كل عام.\rوروى بسند رفعه إلى زيد مولى عون الطفاوى عن رجل من أهل عسقلان أنه كان يمشي بالأردن نصف النهار، فرأى رجلاً فقال له: يا عبد الله، من أنت؟ قال: فجعل لا يكلمني. فقلت: يا عبد الله، من أنت؟ قال: أنا إلياس. قال فوقعت على رعدة، فقلت: ادع الله يرفع عني ما أحد حتى أفهم حديثك وأعقل عنك. قال: فدعا لي بثمان دعوات: يا بر، يا رحيم، يا حنان، يا منان، يا حي، يا قيوم، ودعوتين بالسريانية لم أفهمهما. قال: فرفع الله عني ما كنت أجد، فوضع كفه بين كتفي، فوجدت بردها بين يدي. قال فقلت: يوحى إليك اليوم؟ قال: منذ بعث الله محمداً رسوله فإنه ليس يوحى إلي. قال قلت له: كم من الأنبياء اليوم أحياء؟ قال: أربعة، اثنان في الأرض، واثنان في السماء، في السماء عيسى وإدريس، وفي الأرض إلياس والخضر. قلت: كم الأبدال؟ قال: ستون رجلاً، خمسون منهم من لدن عريش مصر إلى شاطئ الفرات؛ ورجلان بالمصيصة، ورجلان بعسقلان، وستة في سائر البلدان، كلما أذهب الله واحداً جاء بآخر مكانه بهم يدفع الله عن الناس البلاء وبهم يمطرون. قلت: فالخضر أين يكون؟ قال: في جزائر البحر. قلت: فهل تلقاه؟ قال نعم. قلت: أين؟ قال: بالموسم. قلت: فما يكون من حديثكما؟ قال: يأخذ من شعري وآخذ من شعره. قال: وذلك حين كان بين مراون بن الحكم وبين أهل الشام قتال. قال: فقلت: ما تقول في مروان بن الحكم؟ قال: ما تصنع به! رجل جبار عاتٍ على الله عز وجل القاتل والمقتول والشاهد في النار.","part":3,"page":406},{"id":1407,"text":"قال قلت: فإني قد شهدت فلم أطعن برمح ولم أرم بسهم ولم أضرب بسيف، وأنا أستغفر الله عز وجل أن أعود إلى ذلك المقام أو مثله أبداً. قال: أحسنت، هكذا فكن.\rقال: فإني وإياه قاعدان إذ وضع بين يديه رغيفان أشد بياضاً من الثلج، أكلت أنا وهو رغيفاً وبعض آخر ثم رفع، فما رأيت أحداً وضعه ولا أحد رفعه.\rقال: وله ناقة ترعى في وادي الأردن، فرفع رأسه إليها، فما دعاها حتى جاءت فبركت بين يديه فركبها. قلت: أريد أن أصحبك. قال: إنك لا تقدر على صحبتي. قلت: إني خلو ما لي زوجة ولا عيال. قال: تزوج، وإياك والنساء الأربع، إياك والناشز، والمختلعة، والملاعنة، والمبارئة، وتزوج ما بدا لك من النساء.\rقال: قلت: فإني أحب لقاءك. قال: إذا رأيتني فقد رأيتني، ثم قال: إني أريد أن أعتكف في بيت المقدس في شهر رمضان. قال: ثم حالت بيني وبينه شجرة، فوالله ما أدري كيف ذهب.\rفهذا ما أورده في خبر إلياس واليسع عليهم السلام. والله أعلم.\rعيلى وأشمويل قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله قال وهب بن منبه: لما قبض الله تعالى اليسع - ع - اخلفت في بني إسرائيل الخلوف، وعظمت فيهم الخطايا، وكان عندهم تابوت يتوارثونه صاغراً عن كابر، فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت إلا هزم الله ذلك العدو. وكان الله تبارك وتعالى قد بارك لهم في جبلهم، لا يدخله عدو، ولا يحتاجون معه إلى غيره. وكان أحدهم - فيما يذكرون - يضع التراب على الصخرة ثم ينثر فيه الحب فيخرج الله تعالى له ما يأكله سنة هو وعياله. ويكون لأحدهم الزيتونة فيعتصر منها ما يأكله ستة هو وعياله. فلما عظمت أحداثهم وكثرت ذنوبهم وتركوا عهد الله إليهم سلط الله عليهم العمالقة - وهم قوم كانوا يسكنون غزة وعسقلان وساحل بحر الروم ما بين مصر وفلسطين - وكان جالوت الملك منهم فظهروا على بني إسرائيل، وغلبوهم على كثير من أرضهم وسبوا كثيراً من ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاماً، فضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتهم، ومكثوا على اضطراب من أمرهم واختلاف من حالهم يتمادون أحياناً في غيهم وضلالتهم، فسلط الله عليهم من ينتقم منهم ليراجعوا التوبة، حتى بعث الله تعالى فيهم طالوت ملكاً. وكانت مدة ما بين وفاة يوشع بن نون إلى نبوة أشمويل أربعمائة سنة وستين سنة، وكان آخر ملوكهم في هذه المدة رجل يقال له إيلاف وكان يدبر أمرهم في ملكه شيخ يقال له عيلى الكاهن، وكان حبرهم وصاحب قربانهم، وكانوا ينتهون إلى رأيه.\rنبوة أشمويل\rقال الثعلبي قال وهب: كان لأبي أشمويل امرأتان، إحداهما عجوز عاقر لم تلد، وهي أم أشمويل، والأخرى ولدت عشرة أولاد. وكان لبني إسرائيل عيد من أعيادهم قد قاموا بشرائطه وقربوا فيه القرابين، فحضر أبو أشمويل وامرأتاه وأولاده العشرة ذلك العيد، فلما قربوا قربانهم أخذ كل واحد منهم نصيبه، فكان لأم الأولاد عشرة أنصباء، وللعجوز نصيب واحد، فعمل الشيطان بينهما ما يعمل بين الضرائر من الحسد والبغي، فقالت أم الأولاد للعجوز: الحمد لله الذي كثرني بولدي وقللك، فوجمت العجوز وجوماً شديداً. فلما كان عند السحر عمدت العجوز إلى متعبدها فقالت: اللهم بعلمك وسمعك كانت مقالة صاحبتي واستطالتها علي بنعمتك التي أنعمت عليها وأنت ابتدأتها بالننعمة والإحسان، فارحم ضعفي وارحمني وارزقني ولداً تقياً رضياً أجعله لك ذخراً في مسجد من مساجدك، يعبدك ولا يكفرك، ويطيعك ولا يجحدك. وإذا رحمت ضعفي ومسكنتي وأجبت دعوتي، فاجعل لها علامة أعرفها بها. فلما أصبحت حاضت وكانت من قبل قد يئست من الحيض، فألم بها زوجها، فحملت وكتمت أمرها، ولقى بنو إسرائيل في ذلك الوقت من عدوهم بلاء وشدة، ولم يكن في بني إسرائيل من يدبر أمرهم، فكانوا يسألون الله تعالى أن يبعث لهم نبياً يشير عليهم ويجاهدون عدوهم معه، وكان سبط النبوة قد هلك، فلم يبق منهم إلا المرأة الحبلى؛ فلما علموا بحبلها تعجبوا وقالوا: إنما حبلت بنبي، لأن الآيسات لا يحبلن إلا بالأنبياء، فأخذوها وحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدل بها غلاماً، لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، فجعلت المرأة تدعو الله تعالى أن يرزقها غلاماً، فولدت غلاماً فسمته أشمويل وقيل فيه شمعون. وتقول: سمع الله دعائي.","part":3,"page":407},{"id":1408,"text":"واختلف في نسبه، فالذي يقول اسمه شمعون يقول: هو شمعون بن صفية بن علقمة بن أبي ياسف بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب.\rوقال سائر المفسرين: هو أشمويل، وهو بالعربية إسماعيل بن بالي ابن علقمة بن حام بن النهر بن بهر بن صوف بن علقمة بن ماحت بن عموصا ابن عزريا.\rقال مقاتل: هو من نسل هارون - ع - . وقال مجاهد: أشمويل ابن هلقاثا. والله أعلم.\rقالوا: فلما كبر الغلام أسلمته أمه يتعلم التوراة في بيت المقدس وكفله عيلى، فلما بلغ أشمويل الوقت الذي يبعثه الله عز وجل نبياً أتاه جبريل وهو نائم إلى جنب عيلى الكاهن، وعيلى لا يأمن عليه أحداً، فدعاه بلحن الشيخ: يا أشمويل، فقال فزعاً إلى الشيخ فقال: يا أبتاه، دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام؛ فقال: يا بني ارجع. فرجع فنام، ثم دعاه ثانياً، فأتاه فقال: أدعوتني؟ فقال الشيخ: ما شأنك؟ فقال: أما دعوتني؟ قال: لا. قال أشمويل: فإني سمعت صوتاً في البيت، وليس فيه غيرنا، فقال: ارجع فتوضأ وصل، فإذا دعيت باسمك فأجب وقل. لبيك، أنا طوعك، فمرني أفعل ما تأمرني. ففعل الغلام ذلك، فنودي الثالثة، فقال: لبيك أنا طوعك، فمرني أفعل ما تأمرني. فظهر له جبريل وقال: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، فإن الله تعالى قد بعثك إليهم نبياً، وإن الله تعالى ذرأك يوم ذرأك للنبوة ورحم وحدة أمك في ذلك اليوم الذي تاهت عليها ضرتها، ولا أحد اليوم أشد عضداً ولا أطيب ولادة منك، فانطلق إلى عيلى فقل له إنك كنت خليفة الله على عباده، فبقيت زماناً تأمر بأمره، وحاكما بكتابه، وحافظاً لحدوده؛ فلما امتد سنك، ودق عظمك، وذهبت قوتك، وفني عمرك، وقرب أجلك؛ وصرت أفقر ما تكون إلى الله تعالى، ولم تزل فقيراً إليه، عطلت الحدود، وعملت بالرشا، وأضعت حكومات الخلق، حتى عز الباطل وأهله، وذل الحق وحزبه، وظهر المكر، وخفي المعروف، وفشا الكذب، وقل الصدق، وما الله عاهدك على هذا، ولا عليه استخلفك، فبئس ما ختمت به عملك، والله لا يحب الخائنين. فبلعه هذه الرسالة، وقم بعده بالخلافة؛ فلما بلغ أشمويل عيلى هذه الرسالة فزع وجزع.\rقالوا: وكان السبب فيما عاتب الله تعالى عبده عيلى ووبخه عليه أنه كان له ابنان شابان، فأحدثا شيئاً في القربان لم يكن فيه، وذلك أنه كان في مسواط القربان الذي يسوطونه به كلابان. فما أخرجا كان للكاهن الذي كان يوسطه، فجعل ابناه لهما كلاليب، فأوحى الله تعالى إلى أشمويل: انطلق إلى عيلى فقل له: منعك حب الولد أن تزجر ابنيك أن يحدثا في قرباني وأن يعصياني، فلأنزعن الكهانة منك ومن ولديك ولأهلكنك وإياهما. فأخبر أشمويل عيلى بذلك، ففزع فزعاً شديداً وسار إليهم عدوهم، فأمر عيلى ابنيه أن يخرجا بالناس ويقاتلا ذلك العدو، فخرجا وأخرجا معهما التابوت فجعل عيلى يتوقع الخبر؛ فجاءه رجل وهو قاعد على كرسيه فأخبره أن الناس قد انهزموا، وأن ابنيه قتلا. قال: فما فعل بالتابوت؟ قال: ذهب به العدو. فشهق عيلى ووقع ميتاً. فلما بلغ ملكهم إيلاف أن التابوت استلب، وأن عيلى قد مات كمدا مالت عنقه فمات كمدا.\rقالوا: فما ماتا وأخذ التابوت مرج أمر بني إسرائيل واجترأ عليهم عدوهم فقالوا لأشمويل ما أخبر الله تعالى به عنهم في قوله تعالى: \" ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله \" الآيات. وذلك بعد ما دبر أشمويل أمرهم عشر سنين.\rوإنما كان قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك أنبياءهم، وكان الملك هو الذي يسير بالجنود ويقاتل العدو، والنبي يقيم له أمره ويشير عليه ويرشده، ويأتيه بالخبر من الله تعالى.\rقال وهب: بعث الله تعالى أشمويل نبياً، فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال، وكان من أمر جالوت الملك والعمالقة ما كان، فسألوه أن يبعث لهم ملكاً؛ فقال لهم: \" هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا \" . فأجابوه بما قص الله تعالى في كتابه: \" قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله \" الآية.\rقال: فلما أخذ أشمويل ميثاقهم في الطاعة والجهاد سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكاً. والله أعلم بالصواب.\rالملك طالوت\rوإيتان التابوت وخبر جالوت","part":3,"page":408},{"id":1409,"text":"قالوا: ولما سألوا أشمويل أن يبعث لهم ملكاً، سأل الله تعالى في ذلك، فأتى بعصاً وقرن فيه دهن القدس، وقيل له: إن صاحبكم الذي يكون ملكاً طوله طول هذه العصا؛ وقيل له: أنظر إلى القرن الذي فيه الدهن فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل، فادهن به رأسه، وملكه عليهم؛ فقاسوا أنفسهم بالعصا فلم يكونوا مثلها؛ وكان طالوت - واسمه بالسريانية شارك، وبالعبراينة شاول بن قيس بن أنيال بن ضرار بن أحرب بن أفيح بن آيش بن بنيامين ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - . رجلاً دباغاً يعمل الأدم. قال وهب وعكرمة والسدي: كان سقاء يسقى على حمار من النيل، فضل حماره، فخرج في طلبه. وقال وهب: بل ضلت حمر لأبي طالوت، فأرسله وغلاماً له يطلبانها، فمرا ببيت أشمويل فقال الغلام لطالوت: لو دخلنا على هذا النبي فسألناه عن أمر حمرنا ليرشدنا ويدعو لنا بخير. فقال نعم. فدخلا عليه، فبينما هما عنده يذكران شأن الحمر إذ نش الدهن في القرن فقام أشمويل وقاس طالوت بالعصا، فكانت على طوله، فقال لطالوت قرب رأسك. فقربه فدهنه بدهن القدس، ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل، وقد أمرني الله تعالى أن أملكك عليهم. فقال طالوت: أنا؟ قال نعم. قال: أو ما علمت أن سبطى أدنى الأسباط في بني إسرائيل؟ قال بلى. قال: أفما علمت أ، بيتي أدنى بيوت بني إسرائيل؟ قال بلى. قال: فبأي آية أكون ملكاً؟ قال: بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره. فكان كذلك.\rثم قال لبني إسرائيل: \" إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه \" ؛ وإنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة، وسبط مملكة؛ فكان سبط النبوة سبط لاوى بن يعقوب، منهم موسى وهارون عليهما السلام وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب، منهم سليمان بن داود؛ ولم يكن طالوت من سبط النبوة ولا المملكة، وإنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب، وكانوا عملوا ذنباً عظيماً؛ كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق نهاراً، فغضب الله تعالى عليهم، ونزع النبوة والمملكة منهم، فأنكر بنو إسرائيل ذلك وقالوا: \" أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال \" قال أشمويل: \" إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة \" ، أي فضيلة وسعة \" في العلم \" وذلك أنه كان أعلم بني إسرائيل في وقته. وقال الكلبي: في العلم بالحرب. \" والجسم \" يعني بالطول والقوة؛ وكان يفوق الناس برأسه ومنكبيه؛ وإنما سمى طالوت لطوله. وقال ابن كيسان: للجمال، وكان أجمل رجل في بني إسرائيل وأعلمهم \" والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم \" . قالوا: فما آية ذلك؟ \" قال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين \" .\rقصة التابوت\rوصفته وما قيل فيه\rقال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله: قال أهل التفسير وأصحاب الأخبار. إن الله تعالى أهبط تابوتاً على آدم حين أهبط آدم إلى الأرض، فيه صور الأنبياء من أولاده، وفيه بيوت بعدد الرسل منهم، وآخر البيوت بيت محمد صلى الله عليه وسلم وهو من ياقوتة حمراء، وإذا هو قائم يصلي وعن يمينه الكهل المطيع، مكتوب على جبينه: هذا أول من يتبعه من أمته أبو بكر الصديق وعن يساره الفاروق، مكتوب على جبينه: قرن من حديد لا تأخذه في الله لومة لائم؛ ومن ورائه ذو النورين آخذ بحجزته، مكتوب على جبينه: بار من البررة. ومن بين يديه علي بن أبي طالب شاهر سيفه على عاتقه، مكتوب على جبينه: هذا أخوه وابن عمه المؤيد بالنصر من عند الله. وحوله عمومته والخلفاء والنقباء والكبكبة الخضراء - وهم أنصار الله وأنصار رسوله - نور حوافر دوابهم يوم القيامة مثل نور الشمس في الدنيا.\rوكان التابوت نحو ثلاثة أذرع في ذراعين، وكان من عود الشمشار الذي تتخذ منه الأمشاط، مموهاً بالذهب، فكان عند آدم إلى أن مات، ثم عند شيث، ثم توارثه أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم - ع - فلما مات كان عند إسماعيل، ثم كان عند قيذار بن إسماعيل، فتنازعه ولد إسحاق وقالوا: إن النبوة قد صرفت عنكم، وليس لكم إلا هذا النور الواحد، يعني نور محمد صلى الله عليه وسلم فأعطنا التابوت. فكان قيذار يمتنع عليهم ويقول: إنه وصية لأبي، ولا أعطيه أحداً من العالمين.","part":3,"page":409},{"id":1410,"text":"قال: فذهب ذات يوم يفتح التابوت، فتعسر عليه فتحه، فناداه مناد من السماء: مهلاً يا قيذار، فليس لك إلى فتح هذا التابوت سبيل، إنه وصية نبي، لا يفتحه إلا نبي، فادفعه لابن عمك يعقوب إسرائيل الله؛ فحمل قيذار التابوت على عنقه وخرج يريد أرض كنعان وكان بها يعقوب - ع - فلما قرب منه صر التابوت صرة سمعها يعقوب، فقال لبنيه: أقسم بالله لقد جاءكم قيذار بالتابوت فقوموا نحوه. فقام يعقوب وأولاده جميعاً إليه، فلما نظر يعقوب إلى قيذار استعبر باكياً وقال: يا قيذار، مالي أراك متغيراً وقوتك ضعيفة، أرهقك عدو أم أتيت معصية بعد أبيك إسماعيل؟ قال: ما رهقني عدو ولا أتيت معصية ولكن نقل من ظهري نور محمد، فلذلك تغير لوني وضعف كني، قال: أفي بنات إسحاق؟ قال: لا، في العربية الجرهمية، وهي العامرية، فقال يعقوب: بخ بخ! شرفاً لمحمد، لم يكن الله عز وجل ليجريه إلا في العربيات الطاهرات يا قيذار، وأنا مبشرك ببشارة. قال: وما هي؟ قال: اعلم أن العامرية قد ولدت لك البارحة غلاماً. قال قيذار: وما علمك يا بن عمي وأنت بأرض الشام وهي بأرض الحرم؟ قال يعقوب: علمت ذلك لأني رأيت أبواب السماء قد فتحت، ورأيت نوراً كالقمر الممدود بين السماء والأرض، ورأيت الملائكة ينزلون من السماء بالبركات والرحمة، فعملت أن ذلك من أجل محمد صلى الله عليه وسلم فسلم قيذار التابوت إلى يعقوب ورجع إلى أهله، فوجدها قد ولدت غلاماً، فسماه حملا وفيه نور محمد صلى الله عليه وسلم.\rقالوا: وكان التابوت في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى - ع - فكان موسى يضع فيه التوراة ومتاعاً من متاعه، وكان عنده إلى أن مات، ثم تداوله أنبياء بني إسرائيل إلى وقت أشمويل، وكان فيه ما ذكر الله تعالى \" فيه سكينة من ربكم \" .\rقال الثعلبي: واختلفوا في السكينة ما هي؟ فقال علي بن أبي طالب: السكينة ريح خجوج هفافة لها رأسان كرأس الهرة ووجه كوجه الإنسان. وقال مجاهد: رأس كراس الهرة، وذنب كذنب الهرة وجناحان. وقال ابن إسحاق عن وهب عن بعض علماء بني إسرائيل: السكينة، رأس هرة ميتة كانت إذا صرخت في التابوت بصراخ هر أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح.\rوقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: هي طست من ذهب من الجنة كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء. وقال بكار بن عبد الله عن وهب: روح من الله تتكلم، إذا اختلفوا في شيء تخبرهم ببيان ما يريدون. وقال عطاء بن أبي رباح: هي ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها. وقال قتادة والكلبي: فعيلة من السكون أي طمأنينة من ربكم، وفي أي مكان كان التابوت اطمأنوا \" وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون \" .\rقالوا: كان فيه عصا موسى ورضاض الألواح، وذلك أن موسى لما ألقى الألواح تكسرت فوقع بعضها، وجمع ما بقي فجعله في التابوت. وكان فيه أيضاً لوحان من التوراة، وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم، ونعلا موسى، وعمامة هارون وعصاه. وكان التابوت عند بني إسرائيل؛ وكانوا إذا اخلتفوا في شيء تكلم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، فلما عصوا وأفسدوا سلط الله عز وجل عليهم العمالقة فاستلبوا التابوت كما تقدم.\rإتيان التابوت إلى بني إسرائيل وسبب عوده","part":3,"page":410},{"id":1411,"text":"قال أبو إسحاق: لما سلب العمالقة قوم جالوت التابوت كان جالوت صغيراً، فأتوا بالتابوت قرية من قرى فلسطين يقال لها أشدود، وجعلوه في بيت صنم لهم ووضعوه تحت الصنم الأعظم، فأصبحوا من الغد والصنم تحته، فأخذوه ووضعوه فوقه، وسمروا قدمي الصنم على التابوت، فأصبحوا من الغد وقد قطعت يد الصنم ورجلاه، وأصبح ملقى تحت التابوت وأصبحت أصنامهم كلها منكسة، فأخرجوه من بيت الصنم ووضعوه في ناحية من مدينتهم، فأخذ أهل تلك الناحية وجع في أعناقهم حتى هلك أكثرهم، فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء، فأخرجوه عن مدينتكم، فأخرجوه إلى قرية أخرى، فبعث الله عز وجل على تلك القرية فأر، يبيت الرجل صحيحاً فيقرضه الفأر فيصبح ميتاً قد أكلت ما في جوفه، فأخرجوه منها إلى الصحراء ودفنوه في مُخْرَأةٍ لهم، فكان كل من تبرز هناك أخذه الباسور والقولنج، فتحيروا، فقالت لهم امرأة كانت عندهم من سبي بني إسرائيل من أولاد الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم، فأخرجوه عنكم، فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة فحملوا التابوت عليها، ثم علقوها على ثورين، ثم ضربوا جنوبهما، فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، فلم يمر التابوت بشيء من الأرض إلا كان مقدساً، فأقبلا حتى وقفا على أرض فيها حصاد لبني إسرائيل فكسرا برتهما وقطعا حبالهما، ووضعا التابوت فيها ورجعا إلى أرضهما، فلم يرع بني إسرائيل إلا التابوت، فكبروا وحمدوا الله تعالى.\rوقال الكسائي: إنهم لما دفنوه إلى جنب الحش وأخذهم الباسور أعادوه إلى الكنيسة. فغزاهم بعض الفراعنة فهزمهم ودخل الكنيسة، وأخذوا التابوت وهموا بفتحه فلم يقدروا فهموا بكسره فلم يقدروا، فتركوه؛ فكان القوم يتشاءمون به لما كان يصيبهم من البلاء، فحولوه إلى خمس مدائن، فقال أهل المدينة الخامسة: إن هذا البلاء يصيبكم بسبب هذا التابوت فأخرجوه. وساق نحو ما تقدم.\rوقوله تعالى: \" تحمله الملائكة \" أي تسوقه. فعند ذلك أقروا بملك طالوت. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعوه في دار طالوت، فأقروا بملكه. قال الله تعالى: \" إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين \" .\rقال ابن عباس رضي الله عنهما إن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية، وإنهما يخرجان يوم القيامة. والله أعلم.\rمسير طالوت بالجنود وخبر النهر الذي ابتلوا به\rقالوا: فلما أقروا بملك طالوت سألوه أن يغزو بهم، وهم يؤمئذ سبعون ألف مقاتل. وقيل: ثمانون ألفاً لم يتخلف عنه إلا كبير لهرمه أو مريض لمرضه أو ضرير لضره أو معذور لعذره؛ وذلك أنهم لما رأوا التابوت قالوا: قد أتانا التابوت وهو النصر لا شك فيه؛ فسارعوا إلى الجهاد، فقال طالوت: لا حاجة لي في كل ما أرى، لا يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا صاحب تجارة مشتغل بها، ولا رجل عليه دين، ولا رجل تزوج بامرأة ولم يبن بها؛ ولا يتبعني إلا الشاب النشيط الفارع. فاجتمع له ثمانون ألفا على شرطه - وكانوا في حر شديد - فشكوا قلة المياه فيما بينهم وبين عدوهم، وقالوا: إن المياه لا تحملنا، فادع الله تعالى أن يجرى لنا نهراً. فقال لهم طالوت: \" إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني \" أي من أهل ديني وطاعتي؛ \" ومن لم يطعمه فإنه مني \" ؛ ثم استثنى فقال: \" إلا من اغترف غرفة بيده \" .","part":3,"page":411},{"id":1412,"text":"قال الكسائي: لما سألوه أن يجري لهم نهراً قال: أفعل - إن شاء الله - وسار بهم حتى إذا كانوا في برية وفقدوا الماء وأجهدهم العطش، أتوه، فدعا أن يجري الله تعالى لهم نهراً؛ فأوحى الله إليه ما أخبر به في كتابه؛ قال الله تعالى: \" فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر \" الآية. قال: وهو نهر الأردن من بلاد فلسطين. وقال الثعلبي: قال ابن عباس والسدي: هو نهر فلسطين. وقال قتادة والربيع: هو نهر بين الأردن وفلسطين، عذب. قال الكسائي: قالوا: وما تغني عنا الغرفة ثم عرض لهم النهر فانهمكوا في شربه. قال الله تعالى: \" فشربوا منه إلا قليلاً منهم \" قال: واختلفوا في القليل الذين لم يشربوا؛ فقال السدي: كانوا أربعة آلاف. وقال غيره: كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وهو الصحيح، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل بدر \" أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر \" وكان أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر.\rقالوا: فلم يزد هؤلاء على الغرفة فكانت كفاية لهم ولدوابهم؛ فمن اغترف غرفة، كما أمر الله، نور الله قلبه وصح إيمانه، وعبر النهر سالماً. والذين شربوا وخالفوا أمر الله عز وجل اسودت شفاههم وغلبهم العطش فلم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو؛ فقال طالوت للذين عصوا ربهم: ارجعوا فلا حاجة لي بكم فرجعوا. قال الله تعالى: \" فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده \" وإنما قال ذلك الذين عصوا وشربوا \" قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين \" .\rداود يقتل جالوت\rقال الله تعالى: \" ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت \" .\rقال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله: قال المفسرون بألفاظ مختلفة ومعان متفقة: عبر النهر مع طالوت إيش أبو داود في ثلاثة عشر ابناً له، وكان داود أصغرهم، فأتاه ذات يوم فقال: يا أبتاه، ما أرمي بقذافتي شيئاً إلا صرعته. فقال: أبشر يا بني فإن الله عز وجل جعل رزقك في قذافتك؛ ثم أتاه مرة أخرى فقال: يا أبتاه، لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسداً رابضاً، فركبته وأخذت بأذنيه فلم يهجني، فقال: أبشر يا بني فإن هذا خير يريده الله بك. ثم أتاه يوماً آخر فقال: يا أبتاه، إني لأمشي بين الجبال فأسبح فما يبقى جبل، إلا سبح معي. فقال: أبشر يا بني فإن هذا خير أعطاكه الله عز وجل.","part":3,"page":412},{"id":1413,"text":"قالوا: فأرسل جالوت إلى طالوت، أن ابرز إلي أو أبرز إلي من يقاتلني، فإن قتلني فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم. فشق ذلك على طالوت، فنادى في عسكره: من قتل جالوت زوجته ابنتي وناصفته ملكي. فهاب الناس جالوت فلم يجبه أحد؛ فسأل طالوت نبيهم - ع - أن يدعو، فدعا الله عز وجل في ذلك، فأتى بقرن فيه دهن القدس، وتنور من حديد، فقيل له: إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه فيغلى الدهن ثم يدهن به رأسه ولا يسيل على وجهه، يكون على رأسه كهيئة الإكليل، ويدخل في هذا التنور فيملأه لا يتقلقل فيه؛ فدعا طالوت بني إسرائيل، فجربهم فلم يوافقه منهم أحد، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن في ولد إيش من يقتل الله به جالوت، فدعا طالوت إيش وقال له: اعرض على بنيك. فأخرج له اثني عشر رجلاً أمثال السواري، وفيهم رجل فارع عليهم؛ فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئاً، فيقول لذلك الجسيم: ارجع فيردده على التنور. فأوحى الله عز وجل إليه: إنا لا نأخذ الرجال على صورهم، ولكنا نأخذهم على صلاح قلوبهم. فقال لإيش هل بقي لك ولد غيرهم؟ فقال لا. فقال النبي: رب إنه زعم أن لا ولد له غيرهم. فقال كذب. فقال النبي: إن ربي كذبك. قال: صدق الله يا نبي الله، إن لي ابناً صغيراً يقال له داود استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته، فخلفته في الغنم يرعاها وهو في شعب كذا. وكان داود - ع - رجلاً قصيراً مسقاماً مصفاراً أزرق أشقر. فدعاه طالوت. ويقال: بل خرج طالوت إليه فوجد الوادي قد حال بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها، فوجده يحمل شاتين شاتين فيجيزهما السيل ولا يخوض بهما الماء؛ فلما رآه أشمويل قال: هذا هو لا شك فيه، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم. فدعاه ووضع القرن على رأسه ففاض؛ فقال له طالوت: هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأجري حكمك في ملكي؟ قال نعم. قال: وهل أنست من نفسك شيئاً لتقوى به على قتله؟ قال: نعم، أنا أرعى فيجئ الأسد أو النمر أو الذئب فيأخذ شاة فأقوم له فأفتح لحييه عنها وأخرقهما إلى قفاه. فرده إلى عسكره؛ فمر داود - ع - في الطريق بحجر فناداه: يا داود، احملني فإني حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا، فحمله في مخلاته. ثم مر بحجر آخر فناداه: يا داود، احملني فإني حجر موسى - ع - الذي قتل به ملك كذا وكذا، فحمله في مخلاته. ثم مر بحجر آخر فقال: احملني فإني حجرك الذي تقتل به جالوت، وقد خبأني الله لك، فوضعه في مخلاته، فلما تصافوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة، انتدب له داود، فأعطاه طالوت فرساً ودرعاً وسلاحاً، فلبس السلاح وركب الفرس، وسار قريباً، ثم انصرف فرجع إلى الملك، فقال من حوله: جبن الغلام. فجاء فوقف على الملك فقال: ما شأنك؟ إن الله عز وجل إن لم ينصرني لم يغن عني هذا السلاح شيئاً، فدعني أقاتل كما أريد. قال نعم. فأخذ داود مخلاته فتقلدها، وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت، وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم؛ وكان يهزم الجيوش وحده، وكان له بيضة فيها ثلاثمائة من حديدا، فلما نظر إلى داود ألقى في قلبه الرعب، فقال له: أنت تبرز لي؟ قال نعم - وكان جالوت على فرس أبلق، عليه السلاح التام - قال: تأتيني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب؟ قال: نعم، لأنت شر من الكلب. قال: لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطير السماء. فقال داود: باسم الله ويقسم الله لحمك. وقال: بسم إله إبراهيم، وأخرج حجراً، ثم أخرج الآخر وقال: باسم إله إسحاق، ووضعه في مقلاعه، ثم أخرج الثالث وقال: باسم إله يعقوب،، ووضعه في مقلاعه، فصارت كلها حجراً واحداً، ودور المقلاع ورماه به، فسخر الله تعالى له الريح حتى أصاب الحجر أنف البيضة وخالط دماغه فخرج من قفاه، وقتل من ورائه ثلاثين رجلاً، وهزم الله تعالى الجيش وخر جالوت قتيلاً، فأخذه داود فجره حتى ألقاه بين يدي طالوت.","part":3,"page":413},{"id":1414,"text":"وقال الكسائي في هذه القصة: كان مع طالوت سبعة إخوة لداود، وكان داود عند أبيه وهو صغير، فقال له أبوه: قد أبطأ على خبر إخوتك مع طالوت، فاحمل إليهم طعاماً وتعرف لي خبرهم. فمضى داود ومعه مخلاة له فيها الطعام، وقد شد وسطه بمقلاع؛ فبينا هو يسير إذ ناداه حجر من الأرض: خذني فأنا حجر أبيك إبراهيم. فأخذه؛ ثم ناداه حجر آخر خذني فأنا حجر أبيك إسحاق. فأخذه، ثم ناداه حجر آخر: خذني فأنا حجر أبيك يعقوب. فأخذه وسار حتى أتى العسكر، فنزل على إخوته، فلما كان من الغد تهيأ الجيشان للمحاربة، فقال طالوت: أيها الناس، من كفاني منكم أمر جالوت زوجته ابنتي، وأشركته في ملكي، وجعلته خليفتي من بعدي. فلم يجبه أحد إلا داود؛ فخلع عليه وأركبه وطاف به في معسكره؛ فلما كان من الغد ركبوا، وأقبل جالوت بجيوشه وهو على فيل، وكان طوله ثمانية عشر ذراعاً، وطول داود عشرة أذرع، فقال المؤمنون: \" ربنا أفرغ علينا صبراً \" الآية.\rفبرز جالوت بين الصفين فبرز له داود، فقال له جالوت: إنك صغير ولا سلاح معك فارجع، فأبى ذلك، وأخذ تلك الأحجار فوضعها في مقلاعه ورمى بها، فوقع أحدها بميمنة جالوت فهزمها، والثاني في الميسرة فانهزموا، والثالث وقع على أنف بيضة جالوت فخرج من قفاه، فسقط جالوت ميتاً، وانهزم أصحابه.\rقالوا: ولما قتل داود جالوت ذكر الناس داود وعظم في أنفسهم، فجاء إلى طالوت وقال له: أنجز لي ما وعدتني، وأعطني امرأتي. فقال له طالوت: أتريد ابنة الملك بغير صداق، عجل صداق ابنتي وشأنك بها. فقال له داود: ما شرطت علي صداقاً، وليس لي شيء، فتحكم في الصداق ما شئت وأقرضني مهرها وعلي الأداء والوفاء لك. فقال طالوت: أصدقها نصيبك من الملك. فقالت بنو إسرائيل: لا تظلمه وأنجز له ما وعدته به.\rفلما رأى طالوت ميل بني إسرائيل إلى داود وحسن رأيهم فيه قال: لا حاجة لابنتي في المال، ولا أكلفك إلا ما تطيق، أنت رجل جريء، وفي جبالنا أعداء من المشركين غلف فانطلق وجاهدهم، فإذا قتلت منهم مائتي رجل وجئتني برءوسهم زوجتك ابنتي. فأتاهم داود، وجعل كلما قتل منهم رجل احتز رأسه ونظمه في خيط حتى نظم رءوسهم فجاء بها إلى طالوت، فألقاها إليه وقال: ادفع إلي امرأتي، فزوجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبوه وأكثروا من ذكره، فوجد طالوت من ذلك في نفسه وحسده وأراد قتله.\rقال وهب بن منبه: وكانت الملوك يومئذ يتوكأون على عصى فيغرزون في أطرافها أزجة من حديد، وكان بيد طالوت منها واحدة، في رأسها رمانة من ذهب وأسفلها زج من حديد، وداود جالس قريباً منه في ناحية البيت، فرماه بها بغته ليقتله بها، فلما أحس داود بذلك حاد عن طريقها، وأمال نفسه عنها من غير أن يبرح من موضعه، فارتكزت في الجدار، فقال له داود: عمدت إلى قتلي؟ قال طالوت: لا، ولكن أردت أن أقف على ثباتك في الطعان وربط جأشك للأقران. قال داود: فألفيته على ما قدرته في؟ قال: نعم، ولعلك فزعت. قال: معاذ الله أن أخاف إلا الله تعالى وأرجوا إلا الله، و لا يدفع الشر إلا الله. فانتزعها من الجدار ثم هزها هزة منكرة وقال له: \" ثبت كما ثبت لك فأيقن طالوت بالهلاك؛ فقال له: أنشدك الله والحرمة التي بيني وبينك إلا ما صفحت؛ فقال داود: إن الله تعالى كتب في التوراة أن أجر السيئة مثلها، واحدة بواحدة والبادي أظلم؛ فقال طالوت: ألا تقول قول هابيل لأخيه قابيل: \" لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين \" . قال داود: قد عفوت عنك لوجه الله تعالى.","part":3,"page":414},{"id":1415,"text":"فلبث طالوت زمناً يريد قتل داود، فعزم على أن يأتيه ويغتاله في داره، فأخبر بذلك بنت طالوت رجل يقال له: ذو العينين، فقالت لداود. إنك مقتول الليلة؛ قال: ومن يقتلني؟ قالت: أبي، وأخبرته الخبر وقالت: لا عليك أن تغيب الليلة حتى تنظر مصداق ذلك. فأخذ داود زق خمر فوضعه في مضجعه على السرير وسجاه ودخل تحت السرير ودخل طالوت نصف الليل، فعمد إليه فضربه ضربة بالسيف فسالت الخمر، فلما وجد ريحها قال: رحم الله داود، ما كان أكثر شربه للخمر، وخرج، فلما أصبح علم أنه لم يصنع شيئاً، فقال: إن رجلاً طلبت منه ما طلبت لخليق ألا يدعني حتى يطلب مني ثأره؛ فاشتد حجابه وحراسه وأغلق دونه الأبواب، فأتاه داود ليلة وقد هدأت العيون وأعمى الله الحجاب عنه وفتح له الأبواب، ودخل عليه وهو نائم على فراشه فوضع سهماً عند رأسه وسهماً عند رجليه وسهماً عن يمينه وسهماً عن شماله ثم خرج. فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها، فقال: رحم الله داود فهو خير مني، ظفرت به فقصدت قتله، وظفر بي فكف عني، لو شاء لوضع هذا السهم في حلقي وما أنا بالذي آمنه. فلما كانت الليلة القابلة أتاه ثانية، وأعمى الله الحجاب، فدخل وهو نائم، فأخذ إبريق طالوت الذي كان يتوضأ به وكوزه الذي يشرب منه، وقطع شعرات من لحيته وشيئاً من هدب ثيابه، ثم خرج وهرب وتوارى؛ فلما أصبح ورأى ذلك نصب على داود العيون وطلبه أشد الطلب فلم يقدر عليه، ثم ركب طالوت يوماً فوجد داود يمشي في البرية فقال: اليوم أقتل داود، وكان داود إذا فر لم يدرك، فركض داود حتى دخل غار، فأمر الله العنكبوت أن تنسج، فنسجت عليه بيتاً، وجاء طالوت إلى الغار فنظر إلى بيت العنكبوت فقال: لو كان هاهنا لخرق بيت العنكبوت، فتركه ومضى، وانطلق داود إلى الجبل ومعه المتعبدون، فجعل يتعبد فيه.\rوطعن العلماء والعباد على طالوت في شأن داود، فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن داود إلا قتله. وأغرى بقتل العلماء، فلم يكن يقدر في بني إسرائيل على عالم ويطيق قتله إلا قتله ولم يكن طالوت يحارب جيشاً إلا هزمه، حتى أتى بامرأة تعلم اسم الله الأعظم، فأمر جباره بقتلها، فرحمها الجبار وقال: لعلنا نحتاج إلى عالم فتركها.","part":3,"page":415},{"id":1416,"text":"ثم وقع في قلب طالوت التوبة، وندم على ما فعل، وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس، وكان كل ليلة يخرج إلى القبور ويبكي وينادي: أنشد الله عبداً يعلم لي التوبة إلا أخبرني. فلما كثر عليهم بكاؤه ناداه مناد من قبر: يا طالوت، أما ترضى أنك قتلتنا حتى تؤذينا أمواتاً، فازداد بكاء وحزناً، فقال له الجبار: مالك أيها الملك؟ قال: هل تعلم لي في الأرض عالماً أسأله؟ هل لي من توبة؟ قال الجبار: هل تدري ما مثلك؟ إنما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاء، فصاح ديك فتطير به، فقال: لا تتركوا في هذه القرية ديكاً إلا ذبحتموه. فلما أراد أن ينام قال لأصحابه: إذا صاح الديك فأيقظونا حتى ندلج. فقالوا له: وهل تركت ديكاً يسمع صوته؟ وأنت هل تركت في الأرض عالماً؟! فازداد طالوت حزناً وبكاء؛ فلما رأى الجبار ذلك قال له: أرأيتك إن دللتك على عالم لعلك أن تقتله؟ قال لا. فتوثق منه الجبار وأخبره أن المرأة العالمة عنده؛ قال: فانطلق بي إليها حتى أسألها هل لي من توبة؟ - وكان إنما يعلم ذلك أهل بيت لهم علم بالاسم الأعظم - فلما بلغ طالوت الباب قال له الجبار: إنها إن رأتك فزعت، فخلفه خلفه، ثم دخل عليها فقال لها: ألست أعظم عليك حرمة، أنجيتك من القتلى وآويتك عندي؟ قالت بلى. قال: فإن لي إليك حاجة. قالت: وما هي؟ قال: هذا طالوت يسأل هل له من توبة؟ فقالت: لا والله ما لطالوت من توبة، ولكن هل تعلمون مكان قبر أشمويل؟ قال نعم. قالت: فانطلقوا بي إلى قبره، ففعلوا، فصلت ثم نادت: يا صاحب القبر أخرج. فخرج أشمويل من قبره ينفض رأسه من التراب. فلما نظر إليهم ثلاثتهم. المرأة والجبار وطالوت قال: ما لكم! أقامت القيامة؟ قالت: لا، ولكن طالوت يسألك هل له من توبة؟ قال أشمويل: يا طالوت، ما فعلت بعدي؟ قال: لم أدع من الشر شيئاً إلا فعلته، وقد جئت أطلب التوبة. قال: كم لك من الولد؟ قال: عشرة رجال. قال: ما أعلم لك من توبة إلا أن تتخلى عن مالك وتخرج أنت وولدك في سبيل الله، ثم تقدم ولدك حتى يقتلوا بين يديك، ثم تقاتل أنت حتى تقتل آخرهم. ثم رجع أشمويل إلى القبر وسقط ميتاً، ورجع طالوت أحزن ما كان، رهبة ألا يتابعه أولاده، وقد بكى حتى سقطت أشفار عينيه، ونحل جسمه. فدخل عليه أولاده فقال لهم: أرأيتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تنقذونني؟ قالوا: بلى، ننقذك بما قدرنا عليه. قال: فإنها النار إن لم تفعلوا ما أقول. قالوا: فاعرض علينا، فذكر لهم القصة. قالوا: فإنك لمقتول؟! قال نعم. قالوا: فلا خير لنا في الحياة بعدك، قد طابت أنفسنا بالذي سألت. فتجهز للغزو بماله وولده، فتقدم ولده فقاتلوا بين يديه حتى قتلوا؛ ثم تقدم فقاتل بعدهم حتى قتل. فجاء قاتله إلى داود يبشره وقال: قد قتلت عدوك. فقال داود: ما أنت بالذي تحيا بعده. فضرب عنقه.\rوحكى الكسائي: أن طالوت لما حسد داود على ما أوتى من القوة، وهم بالغدر مراراً فلم يظفر به وظفر به داود فأبقى عليه، اعتذر له طالوت واتفقا؛ ثم مات أشمويل، فانضم بنو إسرائيل إلى داود واختلفوا على طالوت وحاربوه؛ فاستقل داود بالملك، وجاهد ببني إسرائيل وقهر الأعداء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\rخلافة داود (ع)\rوما خصه الله عز وجل به هو داود بن إيش بن عويل بن باعد بن سلمون بن يحسون بن عمى بن مارب ابن أرم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام قال الله تعالى: \" يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض \" قال الكسائي: لما مات أشمويل تفرق بنو إسرائيل واشتغلوا باللهو، فبعث الله تعالى داود - ع - وأعطاه سبعين سطراً من الزبور، وأعطاه حسن الصوت، فكان إذا سبح سبحت الجبال معه والطير والوحش؛ قال الله تعالى: \" إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق، والطير محشورة كل له أواب \" أي مطيع.\rوقال أبو إسحاق الثعلبي: قالت العلماء بأخبار الأنبياء: لما استشهد طالوت أتى بنو إسرائيل إلى داود فأعطوه خزانة طالوت وملكوه على أنفسهم، وذلك بعد قتل جالوت بسبع سنين، ولم يجتمع بنو إسرائيل بعد يوشع بن نون على ملك واحد إلا على داود - ع - .\rقال: وخص الله تعالى نبيه داود بحصائص:","part":3,"page":416},{"id":1417,"text":"منها: أنه أنزل عليه الزبور بالعبرانية خمسين ومائة سورة، في خمسين منها ما يكون من بختنصر وأهل بابل؛ وفي خمسين ما يكون من أهل إبرون، وفي خمسين منها موعظة وحكمة؛ ولم يكن فيها حلال ولا حرام، ولا حدود ولا أحكام؛ وذلك قوله تعالى: \" وآتينا داود زبوراً \" .\rومنها: الصوت الطيب، والنغمة اللذيذة، والترجيع في الألحان؛ ولم يعط الله تعالى أحداً من خلقه مثل صوته، فكان يقرأ الزبور بسبعين لحناً بحيث يعرى المحموم ويفيق المغشى عليه.\rوكان إذا قرأ الزبور برز إلى البرية، فيقوم ويقرأ ويقوم معه علماء بني إسرائيل خلفه، ويقوم الناس خلف العلماء، وتقوم الجن خلف الناس، وتقوم الشياطين خلف الجن، وتدنو الوحوش والسباع حتى تؤخذ بأعناقها، وتظله الطير مصيخة، ويركد الماء الجاري ويسكن الريح.\rقال الثعلبي: وما صنعت المزامير والبرابط والصنوج إلا على صوته، وذلك أن إبليس حسده واشتد عليه أمره، فقال لعفاريته: ترون ما دهاكم؟ فقالوا: مرنا بما شئت. قال: فإنه لا يصرف الناس عن داود إلا ما يضاده ويحاده في مثل حاله. فهيأ المزامير والأعواد والأوتار والملاهي على أجناس أصوات داود - ع - فسمعها سفهاء الناس فمالوا إليها واغتروا بها.\rومنها: تسبيح الجبال والطير معه؛ قال الله تعالى: \" ولقد آتينا داود منا فضلاً يا جبال أوبي معه والطير \" . وقوله تعالى: \" إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق \" . يقال: إن داود كان إذا تخلل الجبال يسبح الله تعالى جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح. ثم قال في نفسه ليلة من الليالي: لأعبدن الله عبادة لم يعبد مثلها، فصعد الجبل، فلما كان في جوف الليل وهو على جبل داخلته وحشة، فأوحى الله إلى الجبال: أن آنسي داود، فاصطكت الجبال بالتسبيح والتهليل. فقال داود في نفسه: كيف يسمع صوتي مع هذه الأصوات؟ فهبط عليه ملك وأخذ بعضده حتى انتهى به إلى البحر، فوكزه برجله فانفرج له البحر، فانتهى إلى الأرض فوكزها برجله فانفجرت له الأرض، حتى انتهى إلى الحوت فوكزه برجله، فانتهى إلى الصخرة، فوكز الصخرة برجله، فانفلقت فخرجت منها دودة تنش، فقال: إن الله تعالى يسمع نشيش هذه الدودة في هذا الموضع. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان داود يفهم تسبيح الحجر والشجر والمدر.\rومنها: أن الله تعالى أكرمه بالحكم وفصل الخطاب. قالوا: والحكمة: الإصابة في الأمور. واختلفوا في فصل الخطاب، قال ابن عباس رضي الله عنهما: بيان الكلام. وقال ابن مسعود والحسن: المعنى علم الحكم والنظر في القضاء، كان لا يتتعتع في القضاء بين الناس. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. وقال كعب: الشهود والأيمان. وقال الشعبي: سمعت زياداً يقول: فصل الخطاب الذي أعطى داود: أما بعد. قال الأستاذ: وهو أول من قالها.\rومنها: السلسلة التي أعطاه الله إياها، ليعرف المحق من المبطل في المحاكمة إليه. قال الثعلبي: روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الله تعالى أعطى داود سلسلة موصولة بالمجرة والفلك، ورأسها عند محراب داود حيث يتحاكم إليه، وكانت قوتها قوة الحديد، ولونها لون النار، وحلقها مستديرة، مفصلة بالجوهر، مدسرة بقضبان اللؤلؤ الرطب، فلا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة، فيعلم داود ذلك الحدث؛ ولا يلمسها ذو عاهة إلا برئ، وكان علامة دخول قومه في الدين أن يمسوها بأيديهم ويمسحوا بأكفهم على صدورهم. وكانوا يتحاكمون إليه، فمن تعدى على صاحبه أو أنكره حقاً أتوا السلسلة، فمن كان صادقاً محقاً مد يده إلى السلسة فنالها، ومن كان كاذباً ظالماً لم ينلها؛ فكانت كذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخديعة.","part":3,"page":417},{"id":1418,"text":"قال: فبلغنا أن بعض ملوكهم أودع رجلاً جوهرة ثمينة، فلما استردها منه أنكره ذلك، فتحاكما إلى السلسلة، فعلم الذي كانت عنده الجوهرة أن يده لا تنال السلسلة، فعمد إلى عكازة فنقرها ثم ضمنها الجوهرة واعتمد عليها حتى حضر معه غريمه عند السلسلة، فقال لصاحبها: ما أعرف لك من وديعة، إن كنت صادقاً فتناول السلسلة، فتناولها بيده وقال لمنكر: قم أنت أيضاً فتناولها، فقال لصاحب الجوهرة: إلزم عكازتي هذه حتى أتناول السلسلة. فأخذها وقام الرجل وقال: اللهم إن كنت تعلم أن هذه الوديعة التي يدعيها علي قد وصلت إليه فقرب مني السلسلة. فمد يده وتناولها، فشك القوم وتعجبوا، فأصبحوا وقد رفع الله تلك السلسلة.\rوقال الكسائي في خبر السلسلة: أوحى الله تعالى إلى داود أن ينصب السلسلة من حديد ويعلق فيها جرساً، ففعل ذلك، وساق في خبرها نحو ما تقدم في أمر المحق والمبطل.\rقال: وجاء خصمان فادعى أحدهما على الآخر أنه أودعه جوهراً؛ فاعترف به وقال: أعدته إليه، فتقام المدعي وتناول السلسلة فدنت منه حتى تناولها، ثم قال للمدعى عليه: تناولها. وكان قد أخذ الوديعة فجعلها في قناة مجوفة، فناولها للمدعي وقال: الزم عصاي هذه، ومد يده إلى السلسلة فدنت منه حتى كاد يتناولها؛ ثم ارتفعت وتدلت إليه مراراً، ثم تناولها، فقال داود للمدعي: لعل هذا قد سلم وديعتك لأهلك. فرجع وسأل أهله، فقالوا: ما دفع إلينا شيئاً. فعاد وأعلم داود، فأخذ داود القناة وشقها، فطلعت الوديعة منها؛ وارتفعت السلسلة من ذلك اليوم.\rقال الثعلبي: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا اشتبه عليه أمر الخصمين قال: ما أحوجكما إلى سلسلة بني إسرائيل؟ كانت تأخذ بعنق الظالم فتجره إلى الحق جراً. والله أعلم بالصواب.\rومنها: القوة في العبادة وشدة الاجتهاد؛ قال الله تعالى: \" واذكر عبدنا داود ذا الأيد \" ، أي القوة في العبادة \" إنه أواب \" أي تواب مطيع مسبح.\rوكان داود يقوم الليل، ويصوم يوماً ويفطر يوماً، وما مرت ساعة من الليل إلا وفيها من آل داود قائم يصلي، ولا يوم من الأيام إلا وفيه منهم صائم.\rومنها: قوة المملكة. قال الله تعالى: \" وشددنا ملكه \" أي قويناه، وقرأ الحسن: وشدّدنا ملكه بالتشديد. قال ابن عباس: كان أشد ملوك الأرض سلطاناً؛ كان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل. وقال السدي: كان يحرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف.\rوروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم عند داود؛ فقال المستعدي: إن هذا قد غصبني بقرى. فسأل داود الرجل فجحده، وسأل الآخر البينة فلم تكن له بينة، فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما. فقاما من عنده، فأوحى الله تعالى إلى داود في منامه أن يقتل الذي استعدى عليه، فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتبين فأوحى الله تعالى إليه مرة ثانية أن يقتله فقال: هذه رؤيا، فأوحى الله تعالى إليه مرة ثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله. فأرسل داود إلى الرجل فقال: إن الله تعالى قد أوحى إلي أن أقتلك. فقال: تقتلني بغير بينة ولا تثبت؟. فقال نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك. فلما عرف الرجل أنه قاتله قال: لا تعجل حتى أخبرك. إني والله ما أخذت بهذا الذنب، ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته. فأمر به داود فقتل، فاشتد هيبته عند بني إسرائيل واشتد ملكه.\rويقال: كان لداود إذا جلس للحكم عن يمينه ألف رجل من الأنبياء، وعن يساره ألف رجل من الأحبار.\rومنها: شدة البطش. فروى أنه ما فر ولا انحاز من عدو له قط، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن داود - ع - : \" كان يصوم يوماً ويفطر يوماً \" .","part":3,"page":418},{"id":1419,"text":"ومنها: إلانة الحديد له. قال الله تعالى: \" وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد \" . قالوا: وكان سبب ذلك أن داود - ع - لما ملك أمر بني إسرائيل، كان من عادته أن يخرج للناس متنكراً، فإذا رأى رجلاً لا يعرفه تقدم إليه وسأله، فيقول له: ما تقول في داود واليكم هذا؟ أي رجل هو؟ فيثنون عليه ويقولون خيراً؛ فبينما هو ذات يوم إذ قيض الله له ملكاً في صورة آدمي، فتقدم داود إليه فسأله على عادته، فقال له: نعم الرجل هو لولا خصلة فيه. فراع داود ذلك، فقال: ما هي يا عبد الله؟ قال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال، قال: فتنبه داود لذلك، وسأله الله تعالى أن يسبب له سبباً يستغني به عن بيت المال، فألان الله له الحديد، فصار في يده مثل الشمع والعجين والطين المبلول، فكان يصرفه بيده كيف شاء من غير إدخال نار ولا ضرب بحديد.\rوعلمه الله تعالى صنعة الدروع فهو أول من اتخذها وكانت قبل ذلك صفائح وقيل: إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف، فيأكل ويطعم عياله ويتصدق منها على الفقراء والمساكين، وذلك قوله تعالى: \" وعلمناه صنعة لبوس لكم \" الآية. وقوله: \" وألنا له الحديد أن اعمل سابغات \" أي دروعاً كوامل واسعات \" وقدر في السرد \" ، أي لا تجعل المسامير دقاقاً فتنفلق، ولا غلاظ فتكسر الحلق، فكان يفعل ذلك حتى جمع منه مالاً.\rوروى أن لقمان الحكيم رأى داود وهو يعمل الدروع، فعجب من ذلك ولم يدر ما هو؟ فأراد أن يسأله، فسكت حتى فرغ داود من نسج الدروع، فقام وصبها على نفسه وقال: نعم القميص هذا للرجل المحارب. فعلم لقمان ما يراد به، فقال: الصمت حكمة وقليل فاعله. والله أعلم.\rابتلاء داود بالخطيئة","part":3,"page":419},{"id":1420,"text":"قال الثعلبي رحمه الله: اختلف العلماء في سبب امتحان الله تعالى نبيه داود - ع - فقيل: إنه تمنى يوماً من الأيام على ربه تعالى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان يمتحنهم به، ويعطيه من الفض نحو الذي أعطاهم. قال: وروى السدي والكلبي ومقاتل عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: كان داود - ع - قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً يخلو فيه بنسائه وأولاده وأشغاله؛ وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام فقال: يا رب إن الخير كله ذهب به آبائي الذين كانوا من قبلي. فأوحى الله تعالى إليه: أنهم ابتلوا ببلايا لم تبتل بها فصبروا عليها؛ ابتلي إبراهيم بالنمرود وبذبح ابنه، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وابتلي يعقوب بالحزن على يوسف، وإنك لم تبتل بشيء من ذلك. فقال داود - ع - : رب فابتليني مثل ما ابتليتهم وأعطني ما أعطيتهم. فأوحى الله تعالى إليه: إنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا فاحترس. فلما كان ذلك اليوم الذي وعده الله عز وجل دخل داود محرابه وأغلق بابه، وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان، تمثل له في صورة حمامة من ذهب، فيها من كل لون حسن؛ فوقعت بين رجليه، فمد يده ليأخذها. وفي بعض الروايات: ليدفعها إلى ابن له صغير، فلما أهوى إليها طارت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها؛ فامتد إليها ليأخذها، فتنحت، فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة؛ فنظر داود - ع - أين تقع فيبعث إليها من يصيدها؛ فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها. وقال الكسائي: سقط الطائر على شجرة إلى جانب الحوض الذي تغتسل فيه نساء بني إسرائيل. قالوا: فرأى داود امرأة من أجمل النساء خلقاً، فعجب من حسنها، وحانت منها التفات، فأبصرت ظله، فنفضت شعرها تغطى بدنها، فزاده ذلك إعجاباً بها؛ فسأل عنها، فقيل هي بتشابع بنت سالغ، امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء بعث مع يوآب ابن صروية ابن أخت داود، فكتب داود إلى ابن أخته: أني ابعث أورياً إلى موضع كذا وكذا، وقدمه قبل التابوت؛ وكل من قدم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد، فبعثه أيوب وقدمه، ففتح له، فكتب إلى داود بذلك؛ فكتب إليه أيضاً: أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا. فبعثه، ففتح له؛ فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضاً: أن أبعثه إلى عدو كذا أشد منه بأساً. فبعثه؛ فقتل في المرة الثالثة. فلما انقضت عدة المرأة تزوجها داود - ع - وهي أم سليمان - ع - .\rوقال آخرون: كان سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنه يطيق قطع يوم بغير مقارفة سوء.\rوقد روى الثعلبي في ذلك بسند سعيد بن مطر عن الحسن قال: إن داود - ع - جزأ الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوماً لبني إسرائيل يذاكرونه، ويبكيهم ويبكونه. فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك. فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه، وأمر ألا يدخل عليه أحد، وأكب على قراءة الزبور؛ فبينما هو يقرأ إذا حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن وقد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد، ولم تؤيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل، فأعجبه خلقها؛ فلما رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك إعجاباً بها؛ وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه: أن سر إلى مكان كذا وكذا - مكان إذا سار إليه قتل ولم يرجع - ففعل، فأصيب. فخطبها داود وتزوجها.\rوقال بعضهم في سبب ذلك ما رواه أبو إسحاق بسنده عن قتادة عن الحسن قال: قال داود - ع - لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم. ولم يستثن؛ فابتلى.","part":3,"page":420},{"id":1421,"text":"وقال أبو بكر الوراق: كان سبب ذلك أن داود - ع - كان كثير العبادة، فأعجب بعمله وقال: هل في الأرض أحد يعمل عملي؟ فأتاه جبريل - ع - فقال: إن الله عز وجل يقول: أعجبت بعبادتك والعجب يأكل العبادة، فإن أعجبت ثانياً وكلتك إلى نفسك. فقال: يا رب كلني إلى نفسي سنة. قال: إنها لكثرة. قال: شهراً. قال: إنه لكثير. قال: فأسبوعاً. قال: إنه لكثير. قال: فيوماً. قال: إنه لكثير. قال: فساعة. قال: فشأنك بها. فوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه، فبينما هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه؛ وكان من أمر المرأة ما كان.\rقالوا: فلما دخل داود - ع - بامرأة أوريا لم يلبث إلا يسيراً حتى بعث الله عز وجل ملكين في صورة إنسيين، يطلبان أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه؛ فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسان، فذلك قول الله تعالى: \" وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب، إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط \" أي تجر \" واهدنا إلى سواء الصراط \" أي وسط الطريق \" إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة \" ركني بالنعاج عن النساء؛ والعرب تفعل ذلك. \" فقال اكفلنيها \" . قال ابن عباس: أعطنيها. وقال ابن جبير عنه تحول لي عنها وقال أبو العالية ضمها إلي حتى أكفها. وقال ابن كيسان: إجعلها كفلي، أي نصيبي. \" وعزني في الخطاب \" ، أي غلبني. وقرأ عبيد بن عمير: وعازني، من المعازاة، وهي المغالبة. قال داود: \" لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيراً من الخلطاء \" أي الشركاء \" ليبغى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم \" . وروى السدي أن أحدهما لما قال: \" إن هذا أخي \" الآية، قال داود - ع - للآخر: ما تقول؟ قال: إن لي تسعاً وتسعين نعجة ولأخي هذا نعجة واحدة، وأنا أريد أن آخذها منه فأكمل نعاجي مائة وهو كاره. قال داود: وهو كاره؟ قال نعم. قال: إذاً لا ندعك وذلك، وإن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا، يعني طرف الأنف وأصل الجبهة. فقال: يا داود، أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا، حيث لك تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة، فلم تزل به تعرضه للقتل حتى قتل وتزوجت امرأته. فنظر داود - ع - فلم ير أحداً، فعرف ما قد وقع فيه؛ فذلك قوله تعالى: \" وظن داود \" أي أيقن \" أنما فتناه \" أي ابتليناه. قال سعيد بن جبير: إنما كانت فتنة داود النظر. قال الثعلبي: ولم يتعمد النظر إلى المرأة، ولكنه أعاد النظر إليها فصارت عليه.\rقال: فهذه أقاويل السلف من أهل التفسير في قصة امتحان الله تعالى داود - ع - . وقد روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: \" من حديث بحديث داود على ما يرويه القصاص معتقداً صحته جلدته حدين لعظيم ما ارتكب وجليل ما احتقب من الوزر والإثم، يرمى من قد رفع الله محله وأنابه من خلقه رحمة للعالمين وحجة للمجتهدين \" !.\rوقال القائلون بتنزيه المرسلين في هذه القصة: إن ذنب داود - ع - إنما كان أنه تمنى أن تكون له امرأة أورياء حلالاً له، وحدث نفسه بذلك، فاتفق غزو أورياء وتقدم في الحرب وهلاكه. فلما بلغه قتله لم يجزع عليه ولم يتوجع له كما كان يجزع على غيره من جنده إذا هلك، ووافق قتله مراده، ثم تزوج امرأته فعاتبه الله على ذلك؛ لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند الله تعالى.\rوقال بعضهم: ذنب داود أن أورياء كان قد خطب تلك المرأة ووطن نفسه عليها، فلما غاب في غزاته خطبها داود، فتزوجت منه لحلالته؛ فاغتم لذلك أورياء غماً شديداً، فعاتبه الله تعالى على ذلك، حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها الأول، وقد كانت عنده تسع وتسعون امرأة.","part":3,"page":421},{"id":1422,"text":"قالوا: فلما علم داود أنه ابتلى سجد فمكث أربعين ليلة ساجداً باكياً حتى نبت الزرع من دموعه، وأكلت الأرض من جبينه، وهو يقول في سجوده: رب داود زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب، رب إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثاً في الخلوف من بعده. فجاء جبريل - ع - بعد أربعين ليلة فقال: يا داود، إن الله تعالى قد غفر لك الهم الذي هممت به. فقال داود: عرفت أن الرب قادر على أن يغفر لي، وقد عرفت أن الله عدل لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال: يا رب، دمي الذي عند داود؟ فقال جبريل: ما سألت ربك عن ذلك، ولئن شئت لأفعلن. قال نعم. فعرج جبريل - ع - وسجد داود فمكث ما شاء الله، ثم نزل جبريل فقال: قد سألت يا داود ربك عن الذي أرسلتني فيه فقال: قل لداود: إن الله يجمعكما يوم القيامة، فيقول له: هب لي دمك الذي عند داود؛ فيقول: هو لك يا رب، فيقول: فإن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضاً.\rوروى الثعلبي بسند رفعه إلى ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه، قالوا جميعاً: إن داود - ع - لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه تحولا عن صورتهما، فعرجا وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه. وعلم داود أنه عني به، فخر ساجداً أربعين يوماً لا يأكل ولا يشرب ولا يرفع رأسه إلا لحاجة أو لوقت صلاة مكتوبة ثم يعود ساجداً، لا يرفع رأسه إلا لحاجة لا بد منها ثم يعود، فسجد تمام أربعين يوماً لا يأكل ولا يشرب وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه، وهو ينادي ربه عز وجل ويسأله التوبة ويدعو بدعاء طويل ذكره الثعلبي، في آخر كل كلمة منه: سبحان خالق النور.\rقال: فأتاه نداء: يا داود، أجائع أنت فتطعم، أظمأن أنت فتسقى، أمظلوم أنت فتنصر، ولم يجبه في ذكر خطيئته بشيء. فصاح صيحة هاج منها ما حوله؛ ثم نادى: يا رب الذنب الذي أصبته. فنودي: يا داود، ارفع رأسيك فقد غفرت لك. فلم يرفع رأسه حتى جاء جبريل - ع - فرفعه.\rقال وهب: إن داود - ع - أتاه نداء: إني قد غفرت لك قال: يا رب، كيف وأنت لا تظلم أحداً؟ قال: اذهب إلى قبر أورياء، فناده وأنا أسمعه نداءك، فتحلل منه. فانطلق حتى أتى قبره وقد لبس المسوح، فجلس ثم نادى: يا أورياء. فقال: لبيك، من هذا الذي قطع علي لذتي وأيقظني؟ قال: أنا داود. قال: ما جاء بك يا نبي الله؟ قال: أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك. قال: وما كان منك إلي؟ قال: عرضتك للقتل. قال: عرضتني للجنة، فأنت في حل. فأوحى الله تعالى إليه: يا داود، ألم تعلم أني حكم عدل لا أقضي بالغيب والتغرير؟ ألا أعلمته أنك قد تزوجت امرأته.\rقال: فرجع إليه فناداه؛ فأجابه فقال: من هذا الذي قطع علي لذتي؟ قال: أنا داود. قال: يا نبي الله، أليس قد عفوت عنك. قال: نعم، ولكن إنما فعلت ذلك لمكان امرأتك فتزوجتها، فسكت ولم يجبه، وعاوده فلم يجبه، فقام عند قبره وحثا التراب على رأسه ثم نادى: الويل لداود ثم الويل لداود إذا نصبت الموازين القسط ليوم القيامة، سبحان خالق النور. الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يؤخذ بذقنه فيدفع إلى المظلوم، سبحان خالق النور. الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النار، سبحان خالق النور. الويل لداود ثم الويل الطويل له حين تقربه الزبانية مع الظالمين إلى النار، سبحان خالق النور.\rقال: فأتاه نداء من السماء: يا داود، قد غفرت لك ذنبك، ورحمت بكاءك، واستجبت دعاءك، وأقلت عثرتك. قال: يا رب، كيف لي أن تعفو عني وصاحبي لم يعف عني؟ قال: يا داود، أعطيه يوم القيامة ما لم تر عيناه، ولم تسمع أذناه، فأقول له: رضيت عبدي؟ فيقول: يا رب، من أين لي هذا ولم يبلغه عملي؟ فأقول له: هذا عوض من عبدي داود، فأستوهبك منه فيهبك لي. قال: يا رب، الآن قد عرفت أنك قد غفرت لي. فذلك قوله تعالى: \" فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب، فغفرنا له ذلك \" ، أي ذلك الذنب \" وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب \" أي وإن له بعد المغفرة عندنا يوم القيامة حسن مرجع.","part":3,"page":422},{"id":1423,"text":"قال الثعلبي ورفعه إلى وهب بن منبه قال: إن داود - ع - لما تاب الله تعالى عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة لا ترقأ له دمعة ليلاً ونهاراً، وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة، فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام، فجعل يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوماً لنسائه، ويوماً يسيح في الفيافي والجبال والساحل، ويوماً يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب؛ فيجتمع إليه الرهبان، فينوح معهم على نفسه، ويساعدونه على ذلك. فإذا كان يوم سياحته يخرج في الفيافي، فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي وتبكي معه الشجر الرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار؛ ثم يجيء إلى الساحل فيبكي وتبكي معه الحيتان ودواب البحر والسباع وطير الماء، فإذا أمسى رجع، فإذا كان يوم نوحه نادى مناد: إن اليوم نوح داود على نفسه فليحضر من يساعده. قال: فيدخل الدار التي فيها المحاريب، فتبسط له فرش من مسوح حشوها ليف فيجلس عليها، ويجيء الرهبان وهم أربعة آلاف، عليهم البرانس وفيه أيديهم العصي، فيجلسون في تلك المحاريب ثم يرفع داود صوته بالنوح والبكاء، ويرفع الرهبان معه أصواتهم، فلا يزال يبكي حتى تغرق الفرش من دموعه، ويقع داود مثل الفرخ يضطرب، فيجيء ابنه سليمان فيحمله، فيأخذ داود من تلك الدموع بكفيه، ثم يمسح بها وجهه ويقول: يا ب اغفر ما ترى. قال: فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدنيا لعدله.\rوقال ثابت: ما شرب داود شرباً بعد المغفرة إلا ونصفه ممزوج بدموع عينيه. وعن الأوزاعي قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه قال: \" خدت الدموع في وجه داود - ع - خديد الماء في الأرض \" .\rميلاد سليمان بن داود (ع) قال الكسائي: كان لداود - ع - عدة من الولد، فسأل الله تعالى أن يرزقه ولداً يرث ملكه؛ فرزقه الله تعالى سليمان. فنودي إبليس عند ما حملت به أمه: يا ملعون، قد حمل في هذه الليلة برجل يكون طول حزنك على يديه، ويكون أولادك له خداما. ففزع من ذلك وجمع الشياطين وأخبرهم بأمر المولود وما سمعه وقال: إنه لا يكون إلا من داود، فإنه خير أهل الأرض.\rقال: فلما وضعته أمه أتت الملائكة إلى داود وقالوا: أقر الله عينك به. فبادر داود إلى منزله فرأى أعلام الملائكة منصوبة، فخر داود شكراً لله تعالى، وقرب قرباناً عظيماً. ثم جاءه إبليس وقال: يا دود، أقر الله عينك بولدك، غير أنه يقتلك ويسلبك ملكك، فاقتله صغيراً وإلا قتلك كبيراً، فغضب منه ولعنه، فانصرف وقد خاب أمله.\rقال: ونشأ سليمان، فكان داود إذا تلا الزبور حفظ ما يتلوه لوقته، وحفظ التوراة، وكان يحكم بحضرة أبيه.\rأبشالوم بن داود قال الكسائي: كان من خبر أبشالوم أنه لما كان من أمر فتنة داود - ع - ما قدمناه، تكلم بعض بني إسرائيل في ذلك وجاءوا إلى أبشالوم وهو ابن بنت طالوت، وقالوا: إن أباك قد كبر وعجز عن سياستنا، وقد وقع في هذه الخطيئة، وأنت أكبر أولاده، والرأي أن ندعو الناس إليك وتقوم مقامه، فتبع رأيهم وتولى الملك. فخاف داود على نفسه من سفهاء بني إسرائيل، ففارق منزله واعتزل القوم برجلين من أصحابه. ثم جاء رجل من بني إسرائيل اسمه أحيتوفل إلى أبشالوم وقال: إنه لا يستقيم أمرك إلا بعد وفاة أبيك، والرأي أن تعاجله وتقتله ما دام في الخطيئة، فهم بذلك ثم صرفه الله عنه. فلما غفر الله تعالى لداود ورجع إلى قومه اعتزل ابنه أبشالوم في طائفة من بني إسرائيل. فلما ولد سليمان أرسل داود ابن أخت له يقال له: يوآب إلى ابنه أبشالوم وقال: سر إليه فإنه اعتزلني خوفاً على نفسه، وما كنت بالذي أقتل ولدي وقد تاب الله تعالى علي ورزقني هذا الولد المبارك، فإن ظفرت به فائتني به مكرماً، وإياك أن تقتله، فإنك إن قتلته قتلتك به. فسار إليه في نفر من أصحابه، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم أبشالوم ومن معه. فبينا هو في هزيمته إذ مر بشجرة فعلق برنسه بها، وخرج الفرس من تحته، فأدركه يوآب فحمله الحرج على قتله فقتله وتركه معلقاً في الشجرة، ورجع إلى داود فأخبره الخبر، فغضب وقال: إني قاتلك به لا محالة عاجلاً أو آجلاً.\rقال الثعلبي: فلما حضر داود الوفاة أمر سليمان أن يقتله، فقتله بعد فراغه من دفن أبيه.\rحكم سليمان","part":3,"page":423},{"id":1424,"text":"قال الكسائي: وبينما داود - ع - في يوم قضائه وسليمان بين يديه، إذ تقدم إليه قوم فقالوا: يا نبي الله، إنا قوم حرثنا أرضاً لنا وزرعناها وسقيناها حتى بلغت الحصاد، فجاء هؤلاء وأرسلوا أغنامهم فيها بالليل، فرعتها جميعاً حتى لم يبق منها شيء. فقال داود لأصحاب الغنم: ما تقولون؟ قالوا: صدقوا. فقال: لأصحاب الزرع: كم قيمة زرعكم؟ قالوا: كذا وكذا. وقال لأرباب الغنم: كم قيمة أغنامكم؟ فذكروا قيمتها، فتقاربت القيم، فقال: ادفعوا أغنامكم إليهم بقيمة زرعهم. فقال سليمان: يا أبت إن أذنت لي تكلمت. قال: يا بني تكلم بما عندك. فقال سليمان لأرباب الغنم: ادفعوا أغنامكم إلى هؤلاء ينتفعوا بأصوافها وألبانها ونتاجها، وخذوا أنتم أرضهم فاحرثوها وازرعوها واسقوها حتى يقوم الزرع على مسوقه، فإذا بلغ الحصاد فسلموا إليهم أرضهم بزرعها وخذوا أغنامكم، فرضوا جميعاً بذلك. قال الله تعالى: \" ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً \" .\rقال: ولما نظر مشايخ بني إسرائيل إلى جلوس سليمان عن يمين أبيه مع صغر سنه حسدوه على ذلك. فأوحى الله إلى داود أن يقيم سليمان خطيباً ليسمعهم من الحكمة ما ألهمه الله ليعلموا فضله عليهم. فجمع داود الناس حتى العباد والرهبان وأهل السياحة إلى محرابه، وكانت سن سليمان يومئذ اثنتي عشرة سنة، فأخرجه داود إليهم وألبسه لباس النبيين من الصوف الأبيض وقال: هذا ابني قد أخرجته إليكم خطيباً ليورد عليكم ما علمه الله تعالى. فجلس على منبر أبيه وحمد الله تعالى ووحده، ووصف عجائب خلقه وصنعه؛ فسجدوا شكراً لله، ونظروا إليه بعد ذلك بالعين الرفيعة وأجلوه، وأعطى سليمان في حياة أبيه من العلم ما فسر لبني إسرائيل خطبة آدم ووصية شيث ورفع إدريس وغير ذلك.\rالذين اعتدوا في السبت قال الله تعالى: \" ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين \" . وقال تعالى: \" واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت \" الآية.","part":3,"page":424},{"id":1425,"text":"قال الكسائي: وكان في زمن داود - ع - قوم من بني إسرائيل من أبناء الذين كانوا مع موسى؛ وكانوا ينزلون على ساحل البحر بقرية يقال لها: أيلة وكان الله قد حرم على بني إسرائيل أن يشتغلوا يوم السبت، وأوجب عليهم فيه العبادة؛ لأن موسى - ع - أمرهم بالعبادة يوم الجمعة فأبوا وقالوا: لا ينبغي لنا أن نستغل بعبادة الرب إلا في اليوم الذي فرغ فيه من الخلق، وهو يوم السبت. فلما اختاروه شدد الله عليهم فيه؛ قال الله تعالى: \" إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه \" . وكان موسى يأمر قومه بتعظيمه، فكانوا كذلك مدة، وكان على ساحل البحر إلى جانب أيلة حجران أبيضان، وكانت الحيتان تخرج إلى أصلهما ليلة السبت ويوم السبت، لأنها كانت لا تصاد، فإذا أقبلت ليلة الأحد خرجت منهما إلى البحر، فيتعذر عليهم صيدها فيه إلا بمشقة؛ فذلك قوله تعالى: \" إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم \" . فجعل فساق أهل أيلة يقول بعضهم لبعض: إنما حرم الله تعالى الاصطياد على آبائنا وأجدادنا لا علينا، ونحن لا ذنب لنا، وهذه الحيتان تكثر يوم السبت وليلته، فمن المحال تركها؛ فاصطادوها وطبخوها وشووا منها، فشم المؤمنون رائحتها في يوم السبت، فخرجوا إلى الفساق ووعظوهم وحذروهم، فلم يكترثوا لذلك ولم ينتهوا عنه، فاجتمع المؤمنون على أبواب القرية بالسلاح ومنعوهم من دخولها، فاشتد ذلك على الفساق وشق عليهم أن يمتنعوا من الاصطياد في يوم السبت لكثرة الحيتان فيه دون غيره من الأيام، فقالوا: إن هذه القرية مشتركة بيننا وبينكم ولا يحل لكم أن تمنعونا منها، فإما أن تصبروا على أفعالنا أو تقاسمونا القرية فننفرد عنكم. فتراضوا على ذلك وقاسموهم القرية، وبنوا بينهم حيطاناً عالية وباباً يدخلون منه غير بابهم، وانفردت كل طائفة، واشتغل الفساق باللهو واللعب والاصطياد، وحفروا أنهاراً صغاراً من البحر إلى أبواب دورهم، فكانت الحيتان تأتيهم في يوم السبت، فإذا غربت الشمس همت الحيتان بالرجوع إلى البحر، فيسدون أفواه تلك الأنهار مما يلي البحر، ويصيدون تلك الحيتان. هذا والمؤمنون يخوفونهم عذاب الله فلا يرجعون. فلما طال ذلك وتكرر منهم قال بعض المؤمنين لبعض: إلى كم ننصح هؤلاء ولا يزيدون إلا تمادياً وعتواً! قال الله تعالى: \" وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً \" الآية.\rقال: واستغنى الفساق وكثرت أموالهم، واشتروا الضياع وانهمكوا على الفسق فبلغ ذلك داود - ع - فلعنهم ودعا عليهم. فبينما هم في منازلهم في شر ما هم فيه إذ زلزلت قريتهم زلزلة عظيمة، ففزع المؤمنون وخرجوا من بيوتهم؛ قال الله تعالى: \" فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون \" وقال تعالى: \" لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون \" . فالذين لعنوا على لسان داود هم هؤلاء الذين اعتدوا في السبت، والذين لعنوا على لسان عيسى الذين سألوه نزول المائدة، فلما نزلت عليهم كفروا.\rقال: فمسخ الله هؤلاء الذين اعتدوا في السبت قردة، ومسخ أصحاب المائدة خنازير - وسنذكر إن شاء الله خبر أصحاب المائدة في موضعه من أخبار عيسى - ع - قال: فكان أحدهم يأتي حميمه من المؤمنين وعيناه تذرفان دمعاً فيقول له: أنت فلان؟ فيشير برأسه، أي نعم. فيقول لهم المؤمنون: قد أنذرناكم عذاب ربكم وعقوبته فلم تتعظوا، فنزل بكم ما نزل.\rقال الثعلبي قال قتادة: صارت الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم. قال: ثم برز الممسوخون من المدينة وهاموا على وجوههم متحيرين، فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا، وكذلك لم يلبث مسخ فوق ثلاثة أيام، ولم يتوالدوا ولم يتناسلوا. ثم بعث الله تعالى عليه ريحاً ومطراً فقذفهم في البحر. فإذا كان يوم القيامة أعادهم الله إلى صورهم الأولى البشرية، فيدخلهم النار والله أعلم.\rاستخلاف داود ابنه سليمان\rوخبر الصحيفة وابتداء أمر الخاتم","part":3,"page":425},{"id":1426,"text":"قال الكسائي رحمه الله: ولما أتى على سليمان بضع وعشرون سنة نزل جبريل على داود بصحيفة، وأمره عن الله تعالى أن يجمع أولاده ويقرأ عليهم ما في الصحيفة من المسائل، فمن أجاب عما فيها فهو الخليفة من بعده، فأحضر داود أولاده، وكان سليمان أصغرهم سناً، وقرأ عليهم ما في الصحيفة، فأقروا بالعجز عن معرفتها، وذلك بحضور مشيخة بني إسرائيل، فقال داود - ع - لسليمان - ع - : أجب عن هذه المسائل. فقال: أرجو أن يهديني الله تعالى إلى جوابها فقال: يا سليمان، ما الشيء؟ قال: المؤمن. قال: فما بعض الشيء؟ قال: الفاجر. قال: فما لا شيء؟ قال: الكافر. قال: فما كل شيء؟ قال: الماء. قال: فما أكبر شيء؟ قال: الشرك. قال: فما أقل شيء؟ قال: اليقين. قال: فما أمر شيء؟ قال: الفقر بعد الغنى. قال: فما أحلى شيء؟ قال: المال والولد. قال: فما أقبح شيء؟ قال: الكفر بعد الإيمان. قال: فما أحسن شيء؟ قال: الروح في الجسد. قال: فما أوحش شيء؟ قال: الجسد بلا روح. قال: فما أقرب شيء؟ قال: الآخرة من الدنيا. قال فما أبعد شيء؟ قال الدنيا من الآخرة. قال: فما أشر شيء؟ قال: المرأة السوء. قال: فما خير شيء؟ قال: المرأة الصالحة.\rقال: وكان داود يصدقه عقب كل مسئلة، ثم التفت إلى بني إسرائيل فقال: ما أنكرتم من قول ابني ؟ قالوا: ما أخطأ في شيء متعك الله به، وبارك لنا ولك فيه. قال: أترضون أن يكون خليفتي عليكم؟ قالوا نعم. هذا ما أورده الكسائي رحمه الله.\rوقد ذكر الثعلبي في هذه القصة زيادات نذكرها. قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى قال أبو هريرة رضي الله عنه: نزل كتاب من السماء مختوم بخاتم من الذهب على داود فيه ثلاث عشرة مسألة، فأوحى الله تعالى إليه أن اسأل عنها ابنك سليمان، فإن هو أخرجها فهو الخليفة من بعدك. قال: وإن داود - ع - دعا سبعين قسيساً وسبعين حبراً، ولم يذكر أولاده. قال: وأجلس سليمان بني أيديهم وقلا له: يا بني، إن الله أنزل من السماء كتاباً فيه مسائل، وأمرت أن أسألك عنها، فإن أخرجتها فأنت الخليفة من بعدي. قال سليمان: اسأل يا نبي الله عما بدا لك، وما توفيقي إلا بالله.\rقال داود: أخبرني يا بني، ما أقرب الأشياء؟ وما أبعد الأشياء؟ وما آنس الأشياء؟ وما أكثر الأشياء؟ وما أوحش الأشياء؟ وما أحسن الأشياء؟ وما أقبح الأشياء؟ وما أقل الأشياء؟ وما أكثر الأشياء؟ وما القائمان؟ وما المختلفان؟ وما المتباغضان؟ وما الأمر الذي إن ركبه الرجل حمد آخره؟ وما الأمر الذي ركبه الرجل ذم آخره؟.\rقال سليمان: أما أقرب الأشياء فالآخرة. وأما أبعد الأشياء فما فاتك من الدنيا. وأما آنس الأشياء فجسد فيه روح. وأما أوحش الأشياء فالجسد بلا روح. وأما أحسن الأشياء فالإيمان بعد الكفر. وأما أقبح الأشياء فالكفر بعد الإيمان. وأما أقل الأشياء فاليقين. وأما أكثر الأشياء فالشكر. وأما القائمان: فالسماء والأرض. وأما المختلفان: فالليل والنهار. وأما المتباغضان: فالموت والحياة. وأما الأمر الذي إذا ركبه الرجل حمد آخره فالحلم. وأما الأمر الذي إذا ركبه الرجل ذم آخره فالحدة عند الغضب.\rقال: ففكوا الخاتم، فإذا جواب المسائل سواء على ما نزل من السماء. فقال القسيسون والأخبار: لا نرضى حتى نسأله عن مسألة، فإن هو أخرجها فهو الخليفة. قال: سلوه. قال سليمان: سلوني وما توفيقي إلا بالله. قالوا: ما الشيء الذي إذا صلح صلح كل شيء من الإنسان، وإذا فسد فسد كل شيء منه؟ قال: هو القلب. فقام داود وصعد المنبر وحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: إن الله أمرني أن أستخلف عليكم سليمان. قال: فضجت بنو إسرائيل وقالوا: غلام حدث يستخلف علينا وفينا من هو أعلم وأفضل منه! فبلغ ذلك داود، فدعا رءوس أسباط بني إسرائيل وقال: إنه بلغتني مقالتكم، فأروني عصيكم، فأي عصا أثمرت فإن صاحبها ولي هذا الأمر بعدي، فقالوا: قد رضينا. فجاءوا بعصيهم؛ فقال هلم داود: ليكتب كل رجل منكم اسمه على عصاه؛ فكتبوا. ثم جاء سليمان بعصاه فكتب عليها اسمه؛ ثم أدخلت بيتاً وأغلق عليها الباب وسكر بالأقفال، وحرسه رءوس أسباط بني إسرائيل. فلما أصبح صلى بهم الغداة؛ ثم أقبل وفتح الباب وأخرج عصيهم كما هي، وعصا سليمان قد أثمرت وأورقت. قال: فسلموا ذلك لداود، فأخذ ابنه سليمان ثم سار به في بني إسرائيل فقال: هذا خليفتي فيكم من بعدي.","part":3,"page":426},{"id":1427,"text":"قال وهب بن منبه: لما استخلف داود ابنه وعظه فقال: يا بني، إياك والهزل؛ فإن نفعه قليل ويهيج العداوة بين الإخوان. وإياك والغضب؛ فإن الغضب يستخف صاحبه. وعليك بتقوى الله وطاعته؛ فإنهما يغلبان كل شيء. وإياك وكثرة الغيرة على أهلك من غير شيء؛ فإن ذلك يورث سوء الظن بالناس وإن كانوا براء. واقطع طمعك عن الناس؛ فإنه هو الغنى. وإياك والطمع فهو الفقر الحاضر. وإياك وما يعتذر منه من القول والفعل. وعود نفسك ولسانك الصدق؛ والزم الإحسان؛ فإن استطعت أن يكون يومك خيراً من أمسك فافعل. وصل صلاة مودع، ولا تجالس السفهاء، ولا ترد على عالم ولا تماره في الدين. وإذا غضبت فالصق نفسك بالأرض وتحول من مكانك. وارج رحمة الله فإنها واسعة وسعت كل شيء.\rقالوا: ثم إن سليمان بعد أن استخلف أخفى أمره وتزوج امرأة واستتر عن الناس، وأقبل على العلم والعبادة. ثم إن امرأته قالت له ذات يوم: أبي أنت وأمي، ما أكمل خصالك وأطيب ريحك! ولا أعلم لك خصلة أكرهها إلا أنك في مئونة أبي، فلو أنك دخلت السوق فتعرضت لرزق الله لرجوت ألا يخيبك الله. قال سليمان: إني والله ما علمت عملاً ولا أحسنه، ثم دخل السوق صبيحة يومه ذلك فلم يقدر على شيء، فرجع فأخبرها. فقالت له: يكون غداً إن شاء الله.\rفلما كان في اليوم الثاني مضى حتى انتهى إلى ساحل البحر وإذا هو بصياد، فقال له: هل لك أن أعينك وتعطيني شيئاً؟ قال نعم، فأعانه. فلما فرغ أعطاه الصياد سمكتين، فأخذهما وحمد الله تعالى، ثم إنه شق بطن إحداهما فإذا هو بخاتم في بطنها، فأخذه وصره في ثوبه، وحمد الله تعالى، وجاء بالسمكين إلى منزله، ففرحت امرأته بذلك، فأخرج الخاتم ولبسه في إصبعه؛ فعكفت عليه الطير والريح، ووقع عليه بهاء الملك، ولم يلبث أبوه أن مات. فلما ملك عمل المرأة وأبويها إلى إصطخر.\rوقد قيل في أمر الخاتم غير ذلك - على ما أورده الكسائي - وسنذكره إن شاء الله تعالى بعد هذا في أخبار سليمان - ع - .\rوقد قيل في أمر الخاتم غير ذلك - على ما أورده الكسائي - وسنذكره إن شاء الله تعالى بعد هذا في أخبار سليمان - ع - .\rوفاة داود - ع - قال الكسائي: كان داود - ع - شديد الغيرة على النساء، ويغلق الأبواب عليهن إذا خرج، ويحمل المفاتيح معه. فقيل: إنه رجع يوماً ففتح باب نسائه، فرأى رجلاً في داره ذا مهابة. فقال له داود - وغضب - : من أنت؟ ومن أدخلك داري؟ قال: أدخلني الدار من هو أولى بها منك، أنا الذي لا أهاب الملوك، ولا يمنعني دونهم الحجاب والجنود، وأفرق بين الجمع، أنا ملك الموت. فارتعد داود وقال: دعني أدخل إلى أهلي لأودعهم. قال: لا سبيل إلى ذلك يا داود. فبكى وقال: من لبني إسرائيل من بعدي؟ قال: ابنك سليمان. قال: الآن طابت نفسي، لمضى لما أمرت به، فقبض روحه - ع - وغسله سليمان وإخوته، وكفنه بأكفان نزلت عليه من الحنة، وحمله إلى قبره، ودفن دون غار إبراهيم - ع - قال: وعكفت الطير على قبره أربعين يوماً.\rقال الثعلبي في خبر وفاة داود: إن داود كانت له وصيفة تغلق الأبواب كل ليلة وتأتيه بالمفاتيح ثم تنام، ويقبل داود على ورده في العبادة. فأغلقت ذات ليلة الأبواب وجاءت بالمفاتيح ثم ذهبت لتنام، فرأت رجلاً قائماً في وسط الدار فقالت: ما أدخلك هذه الدار! فإن صاحبها رجل غيور، فخذ حذرك. فقال: أنا الذي أدخل على الملوك بغير إذن. فسمعه داود، وكان في المحراب يصلي، ففزع واضطرب وقال: علي به، فأتاه. فقال: ما أدخلك في هذه الدار في هذا الوقت بغير إذن؟! فقال: أنا الذي أدخل على الملوك بغير إذن. قال: فأنت ملك الموت؟ قال نعم. قال: أجئت داعياً أم ناعياً؟ قال: بل ناعياً. قال: فهلا أرسلت إلي قبل ذلك وآذنتني لأستعد للموت؟ قال: كم أرسلت إليك يا داود فلم تنتبه. قال: ومن كانت رسلك؟ قال: يا داود، أين أبوك إيش؟ وأين أمك؟ وأين أخوك؟ وأين قهر مانك فلان؟ قال: ماتوا كلهم. قال: أما علمت أنهم رسلي، وأن النوبة تبلغك! ثم قبضه.\rقال أهل التاريخ: كان عمر داود سنة، ومدة ملكه أربعين سنة. وقد تقدم خبر آدم فيما وهب له من عمره.\rنبوة سليمان وملكه","part":3,"page":427},{"id":1428,"text":"قال الكسائي رحمه الله ولما قام سليمان - ع - من عزاء أبيه داود وتفرق الطير عن قبره، دخل محراب أبيه، فهبط عليه جبريل - ع - وقال له: إن الله تعالى يخصك بالسلام ويقول لك: الملك أحب إليك أو العلم؟ فخر سليمان ساجداً لله تعالى وقال: العلم أحب إلي من الملك، لأنه أنفع الأشياء. فأوحى الله تعالى إليه: إنك تواضعت واخترت العلم على الملك، فقد وهبت لك العلم والملك، وأضفت إلى ذلك كمال العقل وزينة الخلق، ونزعت عنك العجب، وسأطوي لك الدنيا بأسرها حتى تطأها بجيشك وتشاهد عجائبها. فخر سليمان ساجداً لربه، ورفع رأسه فإذا الرياح الثمانية قد وقفت بين يديه وقالت له: إن الله سخرنا لك، فاركبنا إذا شئت إلى أي موضع شئت. وأقبلت الوحوش والسباع فوقفت بين يديه وقالت: إن الله أمرنا بالطاعة لك. وأقبلت الطير وقالت: قد أمرنا أن نظلك بأجنحتنا ولا نخالفك في أمر. وفوض الله عز وجل إلى سليمان أمر الدنيا شرقها وغربها.\rكلام سليمان مع الطير قال الكسائي: ولما آتاه الله النبوة والملك أحب أن يستنطق الطير، فحشرت إليه، فكان جبريل يحشر طير المشرق والمغرب من البر، وميكائيل يحشر طير الهواء والجبال. فنظر سليمان إلى عجائب خلقها، وجعل يسأل كل واحد منها عن مسكنه ومعاشه فيخبره، وكان بين يديه سبعة ألوية من ألوية الأنبياء، يمسكها سبعة من الملائكة.\rقال: ولما حشر الطير جاءته فوجاً فوجاً؛ فسلمت عليه الخطافة بثلاث لغات وقالت: يا نبي الله، أنا ممن اختارني نوح وحملني في السفينة، ومني تناسل كل خطافة في الدنيا، ودعا لي آدم وقال: إنك تدركين من أولادي من خلافته مثل خلافتي، تحشر إليه الوحوش والطيور والمردة، فإذا رأيته فأقرئيه مني السلام. وقالت له: يا نبي الله، إن معي سورة تعجب الملائكة من نورها، ما أعطيت لأحد من بني آدم غير أبيك إبراهيم، فإنها نزلت كرامة له يوم ألقى في النار، فهل لك أن تسمعها مني؟ قال نعم. فقرأت سورة الحمد حتى بلغت \" ولا الضالين \" ومدت صوتها بآمين وسجدت، وسجد معها سليمان - ع - .\rثم تقدم النسر وهو يومئذ في صورة عظيمة فقال: السلام عليك يا ملك الدنيا، ما رأيت ملكاً أعظم من ملكك، وإني صحبت آدم وساعدته على كثرة حزنه، وأنا أول من علم بهبوطه إلى الأرض، وكنت معه إلى أن تاب الله عليه وقال: إنه يكون من ذريتي من يحشر له الطير، فإذا رأيت فأقرئه مني السلام؛ وقد أديت إليك وديعته، فاصطنعني يا نبي الله، فإني عليم بمعادن الأرض وجبالها، ومعي آية عظيمة لا يفتر لساني عنها، وهي: \" الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه \" . ثم سجد وسجد معه سليمان؛ فلما رفع رأسه جعله سليمان ملكاً على سائر الطيور.\rثم تقدمت العقاب فوقفت بين يديه وسلمت عليه وقالت: يا نبي الله، إن الله حين خلقني كنت أعظم خلقاً من هذا، غير أن حزني على هابيل يوم قتله قابيل صيرني إلى ما ترى، ولقد توحشت الأرض والجبال يوم قتل. ومعي آية أعطانيها ربي، وهي: \" قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى \" . ثم قالت: سلطني على من شئت، فإني قوية سميعة.\rثم تقدمت العنقاء وهي يومئذ شديدة البياض، وصدرها كالذهب الأحمر، ووجهها كوجه الإنسان، ولها ذوائب كذوائب النساء، ورجلان صقراوان، ولها تحت أجنحتها يدان، في كل يد ثلاثون إصبعاً، فوقفت بين يديه وسلمت وقالت: إن الله فضلك على كثير من الملوك حين أبرزني إليك في صورتي هذه، فمرني بما شئت، فوالله ما نطقت لأحد إلا لصفوة الله آدم، فإني وقفت بين يديه وتعجب من حسن صورتي، وقال: ما أشبهك بطيور الجنان! فمنذ كم خلقك ربك؟ قلت: منذ ألفي عام. ثم تبخترت بين يديه فقال: أيها الطائر، إنك معجب بخلقك، والعجب يهلك صاحبه، لقد فاز المفلحون وخسر المبطلون.\rوللعنقاء خبر عجيب نذكره إن شاء الله في آخر خبر الطير على ما تقف عله إن شاء الله تعالى.\rثم تقدم الغراب فسلم وقال: يا نبي الله، لقد فضلك الله على كثير من ولد آدم، وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً، وإني كنت أبيض قبل ذلك، فصرت كما ترى، لما سمعتهم يقولون: اتخذ الرحمن ولداً. وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا. ولقد دعا لي أبوك آدم ونوح بطول العمر، وسمعت أباك إبراهيم يتلوا آية يخضع لها كل شيء، وهي: \" كل نفس بما كسبت رهينة \" .","part":3,"page":428},{"id":1429,"text":"ثم تقدمت الحمامة فسلمت عليه وقالت: يا نبي الله، أنا الحمامة التي اختارني أبوك آدم لنفسه إلفاً وأنيساً، وكنت آنس به وبتسبيحه؛ وكان إذا ذكر الجنة يصيح صيحة عظيمة ويقول: أتراني أرجع إليها؟ وإن لم أرجع إليها كنت من الخاسرين. واعلم يا نبي الله أنه قد علمني كلمات حفظتها عنه، وهي: الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله سيد الأولين والآخرين. وقد أقبلت إليك طائعة لأمرك، فمرني بما شئت.\rثم تقدم الهدهد فسلم عليه وسجد بين يديه وقال: ما أحببت أحداً كما أحببتك، لأني رأيت الدنيا ضاحكة لك، وقد أعطاك الله ملكاً عظيماً، فاتخذني رسولاً آتك بالأخبار، وأدلك على مواضع الماء. فقال له: أراك أكيس الطيور، وأرى فخاخ بني إسرائيل تصطادك، ولا تغني عنك كياستك شيئاً. قال الهدهد: يا نبي الله، الحيلة لا تنفع مع القضاء والقدر، وإن الله يضيف إلى عقل المخلوق سبعين ضعفاً ثم ينفذ فيه حكمه وقضاءه. قال: صدقت. ثم سجد بين يديه مراراً.\rثم تقدم إليه الديك وهو آخر من تقدم، فوقف بين يديه وهو في نهاية الحسن، وضرب بجناحيه، وصاح صيحة أسمع الملائكة والطيور وجميع من حضر وقال في صياحه: يا غافلين اذكروا الله. ثم قال: يا نبي الله، إني كنت مع أبيك آدم وكنت أوقظه أوقات الصلوات، ومع نوح في الفلك، ومع أبيك إبراهيم وكنت أسمعه يقول: \" اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير \" . واعلم يا نبي الله أني ما صحت صيحة إلا أفزعت بها الجن والشياطين. ففرح سليمان به وأمره أن يكون معه حيثما كان. ووقف كل طير بين يديه، وفرغ من حشر الطيور وعرفها بأسمائها ومنطقها، وكانوا يعبدون الله بالليل والنهار، وكذلك الوحوش والسباع، حتى عرف كل واحد منهم باسمه وصفته ونعته.\rالعنقاء في القضاء والقدر","part":3,"page":429},{"id":1430,"text":"قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى بسند رفعه إلى جعفر بن محمد الصادق قال: عاتب سليمان الطير في بعض عتابه فقال لها: إنك تأتين كذا، وتفعلين كذا، فقالت له: والله رب السماء والثرى، إنا لنحرص على الهدى، ولكن قضاء الله يأتي إلى منتهى علمه وقدره. قال سليمان: صدقت، لا حيلة في القضاء. فقالت العنقاء: لست أومن بهذا. قال لها سليمان: أفلا أخبرك بأعجب العجب؟ قالت بلى. قال: إنه ولد الليلة غلام في المغرب، وجارية في المشرق، هذا ابن ملك وهذه بنت ملك، يجتمعان في أمنع المواضع وأهولها على سفاح بقدر الله تعالى فيهما. قالت العنقاء: يا نبي الله، وقد ولدا؟ قال: نعم الليل. قالت: فهل أخبرت بهم؟ من هما وما اسمهما واسم أبويهما؟ قال: بلى، اسمهما كذا وكذا، واسم أبويهما كذا وكذا. قالت: يا نبي الله، فإني أفرق بينهما وأبطل القدر. قال: فإنك لا تقدرين على ذلك. قالت بلى. فأشهد سليمان عليها الطير وكفلتها البومة. ومرت العنقاء وكانت في كبر الجمل عظماً، ووجهها وجه إنسان، ويداها وأصابعها كذلك؛ فحلقت في الهواء حتى أشرفت على الدنيا وأبصرت كل دار فيها، وأبصرت الجارية وطارت، ومرت حتى انتهت بها إلى جبل شاهق في السماء، أصله في جوف البحر، وعليه شجرة عالية في السماء، لا ينالها طائر إلا بجهد، لها ألف غصن، كل غصن كأعظم شجرة في الأرض، كثيرة الورق، فاتخذت لها فيه وكرا عجيباً واسعاً وطيئاً، وأرضعتها واحتضنتها تحت جناحها، وصارت تأتيها بأنواع الأطعمة والأشربة، وتكنها من الحر والبرد، وتؤنسها بالليل، ولا تخبر أحداً بشأنها، وتغدو إلى سليمان وتروح إلى وكرها. وعلم سليمان بذلك ولم يبده لها، وبلغ الغلام مبلغ الرجل، وكان ملكاً من ملوك الدنيا، وكان يلهو بالصيد ويحبه ويطلبه حتى نال منه عظيماً. فقال يوماً لأصحابه: كل صيد البر وفلواته ومفازاته قد تمكنت من صيده، فلو ركبت البحر لأنال من صيده فإنه كثير الصيد كثير العجائب!. فقال وزير من وزرائه: نعم ما رأيت، وهو أكثر ما خلق الله صيداً. فأمره بجهازه، وهيأ السفن وجعل يختار من كل شيء يملكه، وأخذ من الوزراء والندماء والمشيرين والجواري والغلمان والطباخين والخبازين والبزاة والصقور وغير ذلك مما يريده ويشتهيه من الملاهي والشراب، وركب ومر في البحر يتصيد ويتلذذ لا يعرف شيئاً غير ذلك، حتى سار مسيرة شهر، فأرسل الله تعالى على سفينته ريحاً عاصفاً خفيفة ساقتها حتى وصلت بها إلى جبل العنقاء الذي فيه الجارية، وذلك مسيرة خمسين سنة في خمسين ليلة، ثم ركدت سفينته بإذن الله تعالى، وأصبح الغلام فرأى سفينته راكدة، فأخرج رأسه من السفينة، فرأى الجبل وهو في لون الزعفران صفرة، وطوله لا يدرى أين منتهاه ولا عرضه، ورأى الشجرة فإذا هي كثيرة الأغصان والورق، ورقها عرض آذان الفيلة ليس لها ثمر، بيضاء الساق، فقال: إني أرى عجباً، أرى جبلاً شاهقاً لم أر مثله، وأرى شجرة حسنة قد أعجبني منظرها، فحرك سفينته نحو الجبل، فسمعت الجارية التي في عش العنقاء صوت الماء وكلام الناس، ولم تكن سمعت قبل ذلك شيئاً من ذلك؛ فأخرجت رأسها من العش، فتطلعت فرأى الملك صورتها في الماء، ورأى عجباً من جمالها وكثرة شعرها وذوائبها؛ فرفع رأسه إلى الشجرة فرأى الجارية، فأبصر أمراً عظيماً فأخذه القلق، فناداها: من أنت؟ فأفهمها الله تعالى لغته وقالت: لا أدري ما تقول ولا من أنت إلا أني أراك يشبه وجهك وجهي وكلامك كلامي وإني لا أعرف شيئاً غير العنقاء، وهي أمي التي ربتني وتسميني بنتها. فقال لها الغلام: وأين العنقاء أمك؟ قالت: في نوبتها. قال: وما نوبتها قالت: تغدو كل يوم إلى ملكها سليمان فتسلم عليه وتقيم عنده إلى الليل، ثم تروح وتجيئني وتحدثني بما فعل سليمان وبما حكم وقضى، وإنه لملك عظيم، على ما تصف أمي العنقاء، وإنها تخبرني أنه يشبهني إلا أنها تخبر أنه أحسن وجهاً وأتم مني.","part":3,"page":430},{"id":1431,"text":"قال: فانذعر الغلام وفزع، ثم قال: قد عرفته، هو الذي قتل أبي وسبى ذريته، وإني لمن طلقائه وممن يؤدي إليه الخراج، ورسله الطير والرياح، ثم بكى الغلام. فقالت الجارية: وما يبكيك؟ قال: أبكي على وحدتك في مثل هذا الموضع الذي ليس به أنيس ولا أحد، وإن مثلك في الدنيا عدد الشجر والمدر، وكلهم في مقاصير الذهب والفضة والعيش الهنئ واللذة الحسنة مع الأزواج يتعانقون ويتنعمون، ويتوالدون أولاداً مثل خلقتك وخلقتي، أرأيت إن هاجت الريح وأزعجتك من وكرك من يمسكك أن تقعي في البحر؛ فإن وقعت في البحر فمن ذا الذي يخرجك. قال: ففزعت من قوله وقالت: وكيف لي أن يكون معي إنسي مثلك يحدثني مثل حديثك، ويحفظني من خوف ما ذكرت. فقال لها الغلام: أولا تعلمين أن الله الذي اتخذ سليمان نبياً وسخر له الطير والرياح هو الذي رحمك وساقني إليك إلفاً وصاحباً وأنيساً، وأني من أبناء الملوك. قالت الجارية: وكيف تصير إلي وأصير إليك، وهذه العنقاء تنام وتحضنني إلى صدرها بين جناحيها؟ قال الغلام: تكثرين جزعك ووحشتك وبكاءك على العنقاء ليلتك هذه إذا انصرفت إليك، فإذا قالت لك: ما تخشين وما شأنك، فأخبريها بحديثك، ثم انظري إلى ما يكون ردها عليك فتخبريني به. فراحت العنقاء فوجدتها حزينة كئيبة. فقالت لها: يا بنية، ما شأنك؟ قالت: الوحدة والوحشة، وإني لجزعة على نفسي لذلك. فقالت لها: يا بنية لا تخافي ولا تحزني، فإني أستأذن سليمان أن آتيه يوماً وأتخلف عنه يوماً. فلما أصبحت أخبرت الغلام بجوابها. فقال لها: لا تريدي هذا، ولكن سأنحر من دوابي هذه فرساً وأبقر بطنه وأخرج ما في جوفه وأقيره وأطينه وأدخل أنا في جوفه، وألقيه على قرقور سفينتي هذه، فإذا جاءتك العنقاء فقولي لها: إني أرى عجباً، حلقة ملقاة على هذه السفينة، فلو اختطفتها وحملتيها إلى وكري هذا، فأنظر وأستأنس بها، كان أحب إلي من كينونتك عندي نهاراً وإمساكك عني خبر سليمان. فرجعت العنقاء فوجدتها في مثل حالها، وشغل سليمان عنها، فلم تصل إليه في استئذانها إياه بالمقام يوماً في منزلها. فقالت لها: إن نبي الله شغل عني اليوم بالحكم بين الآدميين فلم أصل إليه. قالت لها: فإني لا أريد أن تتخلفي عنه نهاراً لمكان أخبار سليمان، وإني أرى في البحر عجباً، شيئاً مرتفعاً ما هو؟ قالت العنقاء: هذه سفينة قوم سيارة ركبوا البحر. قالت: فما هذا الذي أرى ملقى على رأس هذه السفينة؟ قالت: كأنه ميتة رموها. قالت: فاحمليها إلي لأستأنس بها وأنظر إليها. فانقضت العنقاء فاختطفت الفرس والغلام في بطنها فحملتها إلى عشها. فقالت: يا أماه، ما أحسن هذا! وضحكت، ففرحت العنقاء بذلك وقالت: يا بنية، لو علمت لقد كنت آتيك بمثل هذا منذ حين. ثم طارت العنقاء إلى نوبتها إلى سليمان، وخرج الغلام من جوف الفرس فلاعبها ومسها ولامسها وافتضها فأحبلها، وفرح كل واحد منهما بصاحبه واستأنس به.\rوجاء الخبر إلى سليمان باجتماعهما من قبل الريح، ووافت العنقاء، وكان مجلس سليمان يومئذ مجلس الطير؛ فدعا بعرفاء الطير وأمرهم ألا يدعوا طائراً إلا حشروه، ففعلوا؛ ثم أمر عرفاء الجن فحشروا الجن من ساكني البحار والجزائر والهواء والفلوات والأمصار، ففعلوا وحشروهم، وأحضروا الإنس وكل دابة، واشتد الخوف وقالوا: نشهد بالله أن لنبي الله أمراً قد أهمه. فأول سهم خرج في تقديم الطير سهم الحدأة، وكانت الطير لا تتقدم إلا بسهام، فتقدمت الحدأة واستعدت على زوجها، وكان قد جحدها ولدها، فقالت: يا نبي الله، إنه سفدني، حتى احتضنت بيضي وأخرجت ولدي جحدني. فأمر سليمان بولدها فأتى به، فوجد الشبه واحداً، فألحقه بالذكر وقال لها: لا تمكنيه من السفاد أبداً حتى تشهدي على ذلك الطير لكيلا يجحدك بعدها أبداً. فإذا سفدها ذكرها صاحت وقالت: يا طيور سفدني اشهدي، يا معشر الطير اشهدي.","part":3,"page":431},{"id":1432,"text":"ثم خرج سهم العنقاء فتقدمت، فقال لها سليمان: ما قولك في القدر؟ قالت: يا نبي الله، إن لي من القوة الاستطاعة ما أدفع الشر وآتي الخير. قال لها: وأين شرطك الذي بيني وبينك أنك تفرقين بقوتك واستطاعتك بين الجارية والغلام؟ قالت: قد فعلت. قال سليمان: الله أكبر! فأتيني بها الساعة والخلق شهود لأعلم تصديق ذلك، وأمر عريف الطير ألا يفارقها حتى يوافي بها. فمرت العنقاء، وكانت الجارية إذا قربت منها العنقاء تسمع حفيف أجنحتها، فيبادر الغلام فيدخل جوف فرسه، فقالت كالفزعة: إن لك لشأناً إذ رجعت نهاراً. قالت: لعمري إن لي لشأناً، إن سليمان قد أمرني بإحضارك الساعة لأمر جرى بين وبينه في أمرك، فأنا أرجو نصرتي اليوم فيك. قالت: فكيف تحمليني؟ قالت: على ظهري. قالت: وهل أستقر على ظهرك وأنا أرى أهوال البحر فلا آمن أن أزل وأسقط فأهلك! قالت: ففي منقاري. قالت: وهل أصبر في منقارك قالت: فكيف أصنع؟ لا بد من إحضارك إلى سليمان، وهذا عريف الطير معي، وقد دعا بكفيلي البومة. قالت: أدخل جوف هذا الفرس، ثم تحملين الفرس على ظهرك أو في منقارك، فلا أرى شيئاً ولا أسقط ولا أفزع. قالت: أصبت. فدخلت في جوف الفرس واجتمعت مع الغلام، وحملت العنقاء الفرس بما فيه في منقارها، وطارت حتى وقعت بين يدي سليمان، فقالت: يا نبي الله، هي الآن في جوف الفرس، فأين الغلام! فتبسم سليمان - ع - طويلاً وقال لها: أتؤمنين بقدر الله تعالى وقضائه! إنه لا حيلة لأحد في دفع قضاء الله تعالى وقدره وعلمه السابق الكائن من خير وشر. قالت العنقاء: أومن بالله وأقول: إن المشيئة للعباد والقوة، فمن شاء فليعمل خيراً ومن شاء فليعمل شراً. قال سليمان: كذبت ما جعل الله من المشيئة إلى العباد شيئاً، ولكن من شاء الله أن يكون سعيداً كان سعيداً، ومن شاء أن يكون كافراً كان كافراً، فلا يقدر أحد أن يدفع قضاء الله وقدره بحيلة ولا بفعل ولا بعلم، وإن الغلام الذي قد ولد بالمغرب والجارية التي ولدت بالمشرق قد اجتمعا الآن في مكان واحد على سفاح، وقد حملت منه الجارية ولداً. قالت العنقاء: لا تقل يا نبي الله هذا، فإن الجارية معي في جوف فرسي هذا. قال سليمان: الله أكبر! أين البومة المتكفلة بالعنقاء؟ قالت: هأنا. قال سليمان: على مثل قول العنقاء أنت؟ قالت نعم. قال سليمان: يا قدر الله السابق قبل الخلق أخرجهما على قضاء الله وقدره. قال: فأخرجهما جميعاً من جوف الفرس.\rفأما العنقاء فتاهت وفزعت فطارت في السماء وأخذت نحو المغرب، واختفت في بحر من بحار المغرب وآمنت بالقدر وحلفت لا ينظر الطير في وجهها أبداً استحياء منها.\rوأما البومة فلزمت الآجام والجبال وقالت: أما بالنهار فلا خروج ولا سبيل إلى المعاش. فهي إذا خرجت نهاراً وبختها الطير واجتمعت عليها وقالت لها: يا قدرية، فهي تخضع لهذا.\rهذا ما كان من شأن العنقاء في القضاء والقدر. فلنرجع إلى أخبار سليمان - ع - .\rخاتم سليمان قال الكسائي: وأوحى الله تعالى إلى جبريل - ع - أنه قد سبق في علمي أني أملك سليمان الدنيا، ليعلم الجن والإنس أني لم أخلق خلقاً هو أفضل من ذرية آدم؛ وأمره أن يأخذ خاتم الخلافة من الجنة ويأتيه به. فجاء جبريل إلى سليمان ومعه الخاتم وهو يضيء كالكوكب الدري، ورائحته كالمسك، وعليه كتابة بغير قلم، وهي: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فأعطاه لسليمان وقال له: هنيئاً لك يا بن داود بهذه الهدية، وكان في يوم الجمعة لسبع وعشرين خلت من المحرم. فلما صار الخاتم في كف سليمان لم يتمكن من النظر إليه حتى قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وكذلك كل من كان ينظر إليه.","part":3,"page":432},{"id":1433,"text":"قال وقيل: إن الخاتم أنزل من تحت العرش من نور برهان الله، وقيل لسليمان: لا تنزعه من كفك إلا بأمانة، وجعل الله عزه فيه، فتختم سليمان به وصعد على كرسيه واستقبل الناس بوجهه ورفع إليه الخاتم وهو يلمع، وقال: هذا الخاتم جمع فيه عزي وسلطاني وفضلني به ربي على العالمين، وسلطني على كل شيطان مريد. ثم سجد شكراً لله تعالى وسجد معه الناس. ثم نزل عليه بعد نزول الخاتم \" بسم الله الرحمن الرحيم \" فكان لا يقرؤها على شيء إلا خضع وذل، فتلاها على بني إسرائيل فلم يسمعها أحد إلا امتلأ فرحاً. ثم أمر بعد ذلك باتخاذ البيض والسيوف، فكان عنده اثنان عشر ألف درع من نسج داود.\rوقيل: إن داود لم يعمل أكثر من سبع أذرع، ثم قال سليمان: يا بني إسرائيل، إني أمرت بمجاهدة أعداء الله؛ ثم جمع الخيول وشرع في الاستعداد للحرب.\rحشر الجن لسليمان قال الكسائي: وأمر الله عز و جل جبريل - ع - أن يحشر الجن، فنشر جناحه الأيمن على شرق الأرض، والأيسر على غربها، ونادى: أيتها الجن والشياطين، أجيبوا سليمان بن داود بإذن الله، فخرجت من سائر الأماكن وهي تقول: لبيك لبيك يا حجة الله. فحشرها إلى سليمان طائعة ذليلة تسوقها الملائكة، وهي يومئذ أربعمائة وعشرون فرقة، كل فرقة تدين بدين غير دين الأخرى، فوقفت بأجمعها بين يدي سليمان، فنظر إلى عجائب صورها وسجد لله شكراً؛ ثم قام على قدميه والخاتم في إصبعه، فلما نظرت إليه الجن خرت ساجدة ثم رفعت رءوسها وقالت: يا بن داود، قد حشرنا إليك وأمرنا بالطاعة لك، فختم على أكتافهم بخاتمه وجندهم وصفد مردتهم بالحديد ولم يتخلف منهم إلا صخر الجني تغيب في جزيرة، وسنذكر خبره إن شاء الله تعالى. قال: وبقي إبليس بغير أعوان وفرق سليمان الشياطين في الأعمال المختلفة. من الحديد والنحاس وقطع الصخور والأشجار وعمارة القرى والمدن والحصون، وأمرهم بعمل القدور والجفان؛ قال الله تعالى: \" يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات \" . قيل: كان يأكل من كل جفنة ألف إنسان. وشغل طائفة منهم يغوص البحار واستخراج الأصداف والجواهر منها، وأمر بعضهم بحفر الآبار وشق الأنهار والقنوات، وبعضهم بإخراج الكنوز والمعادن، وغير ذلك من الأعمال.\rثم حشر له بعد ذلك الهوام من الحيات والعقارب وغيرها من الحشرات وسخرت له. فسأل كلاً منها عن اسمها وضرها ونفعها ومأكلها ومشربها ومسكنها ومقدار أعمارها وعادتها وغير ذلك من أحوالها، فأخبرته، ثم صرفهم وأمرهم ونهاهم. والله أعلم.\rمطابخ سليمان\rقال الكسائي: وأمر سليمان أن تصنع الأطعمة للخلق الذين معه، حتى كان طباخوه ينادون في عسكره: من أراد طعاماً فليأت حتى نصنعه له كما يريد، فإن سليمان نصبنا لذلك. وكانت موائده منصوبة، كل مائدة طول ميل وأطول، ومعه عدة من الطباخين، مع كل طباخ شيطان يعينه، ورتب في كل مخبز ألف خباز، وفي كل مطبخ ألف طباخ.\rقال ويقال: إنه كان يذبح في مطبخه في كل يوم من الإبل والبقر والغنم زيادة على ثلاثين ألف رأس، ويستعمل في مطابخه كل يوم كذا وكذا كُرّا من الملح، وكانت موائده منصوبة لعامة الناس فقيرهم وغنيهم، وكان يلقى للطير في كل يوم من الحبوب سبعون ألف كُرّ - والكر عشرة أجربة، والجريب ثلاثون قفيزاً - وكانت تظل البلاد بأجنحتها.\rذكر خبر الرزق الذي سأل سليمان الله تعالى أن يجريه على يديه","part":3,"page":433},{"id":1434,"text":"قال الكسائي: ولما نظر سليمان - ع - إلى عظم ما آتاه الله عز وجل من الملك، سأل الله تعالى أن يجعل أرزاق المخلوقات على يديه. فأوحى الله تعالى إليه: إنك لا تطيق ذلك. قال: يا رب فيوماً واحداً؛ فأوحى الله إليه: إنك لا تطيق ذلك. قال: يا رب فساعة واحدة؛ فأوحى الله إليه: إني قد أعطيتك ذلك، فاستعد الآن لأرزاق خلقي واجمع لهم. فأخذ في الاستعداد حتى جمع ما ينيف على حمل مائة ألف بغل وبعير، وسار يريد ساحل البحر، حتى أتاه ووضع ما جمعه هناك، ونادى مناديه في سكان البحر أحضروا لقبض أرزاقكم. فاجتمع الحيتان والضفادع ودواب البحر على صور مختلفة، وإذا بحوت قد أخرج رأسه وقال: أشبعني يا بن داود، وهو على مثل الجبل. فقال سليمان. دونك الطعام، فأكل جميع ذلك، ثم قال: زدني يا نبي الله، والله ما أصابني الجوع منذ خلقني ربي كما أصابني اليوم حين جعل رزقي على يديك. فعجب سليمان منه وقال: هل في البحر مثلك؟ فقال: إني لفي زمرة من الحيتان فيها سبعون ألف زمرة، كل زمرة مثل عدد الرمل؛ وفي البحر حيتان لو دخلت أنا في جوف أحدها ما كنت إلا كخردلة في أرض فلاة. فبكى سليمان عند ذلك وقال: رب أقلني عثرتي. فأقاله الله تعالى، ثم أوحى إليه: أن قف يا بن داود حتى ترى جنودي، فإن ما رأيت قليل. فوقف وإذا بالبحر قد اضطرب اضطراباً عظيماً وخرج منه شيء أعظم من الجبل يشق البحر شقاً وهو يقول: سبحان من تكفل بأرزاق العباد، ثم نادى: يا بن داود، لولا اليد الباسطة عليك لكنت أضعف الخلائق، وإنك لم تقدر أن تشبع حوتاً واحداً ولا نال كل طعمه، فكيف تقدر أن تتكفل بأرزاق الخلائق!. ثم مر ذلك الحوت، فنظر سليمان إلى خلق عظيم، وقال: إلهي، هل خلقت خلقاً أكبر من هذا؟ فأوحى الله تعالى إليه: إن في البحر من يحتاج أن يأكل سبعين ألفاً مثل هذا ولا يشبعه، ولا يشبعه إلا نعمتي ولطفي. فعلم سليمان أن الذي أعطيه ليس بشيء في قدرة الله عز وجل. والله الواسع المتفضل.\rبناء بيت المقدس\rوابتداء أمره\rقال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله في سبب بناء بيت المقدس: إن الله تعالى بارك في نسل إبراهيم - ع - حتى جعلهم في الكثرة غاية لا يحصون. فلما كان زمن داود - ع - لبث فيهم مدة مديدة بأرض فلسطين وهم يزدادون كل يوم كثرة، فأعجب داود بكثرتهم فأراد أن يعلم عدد بني إسرائيل فأمر بعدهم، وبعث لذلك عرفاء ونقباء، وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بلغ من عدتهم، فكانوا يعدون زماناً من الدهر حتى عجزوا وأيسوا أن يحيط علمهم بعدد بني إسرائيل. فأوحى الله تعالى إلى داود: إني وعدت أباك إبراهيم يوم أمرته بذبح ابنه فصدقني وأتمر بأمري أن أبارك له في ذريته حتى يصيروا أكثر من عدد نجوم السماء، حتى لا يحصيهم العادون. وإني قد أقسمت أن أبتليهم ببلية يقل منها عددهم، ويذهب عنك إعجابك بكثرتهم. وخيره بين أن يبتليهم بالجوع والقحط ثلاث سنين، وبين أن يسلط عليهم عدوهم ثلاثة أشهر، وبين أن يسلط عليهم الطاعون ثلاثة أيام. فجمع داود بني إسرائيل وأخبرهم بما أوحى الله تعالى إليه وخيره فيه. فقالوا: أنت أعلم بما هو أيسر لنا، وأنت سببنا فانظر لنا غير الجوع فلا صبر لنا عليه، وتسليط العدو أمر فاضح. فإن كان ولا بد فالموت، لأنه بيده لا بيد غيره. فأمرهم داود أن يتجهزوا للموت، فاغتسلوا وتحنطوا ولبسوا الأكفان وبرزوا إلى صعيد بيت المقدس قبل بناء المسجد بالذراري والأهلين، وأمرهم داود أن يضجوا إلى الله تعالى وأن يتضرعوا إليه لعله أن يرحمهم. فأرسل الله عليهم الطاعون فأهلك منهم في يوم وليلة ألوف كثيرة لا يدري عددهم، ولم يفرغوا من دفنهم إلا بعد مدة شهرين.","part":3,"page":434},{"id":1435,"text":"فلما أصبحوا في اليوم الثاني خر داود ساجداً يبتهل إلى الله تعالى، فاستجاب الله تعالى منه وكشف عنهم الطاعون ورفع عنهم الموت. ورأى داود الملائكة سالين سيوفهم فأغمدوها وهم يرقون في سلم من ذهب من الصخرة إلى السماء. فقال داود لبني إسرائيل: إن الله قد من عليكم ورحمكم فجددوا له شكراً. قالوا: وكيف تأمرنا؟ قال: أمركم أن تتخذوا من هذا الصعيد الذي يرحمكم الله فيه مسجداً لا يزال فيه منكم وممن بعدكم ذكر الله تعالى. فأخذ داود في بنائه. فلما أرادوا أن يبتدئوا البناء جاء رجل صالح فقير يختبرهم ليعلم كيف إخلاصهم في بنيانهم، فقال لبني إسرائيل: إن لي فيه موضعاً أنا محتاج إليه، فلا يحل لكم أن تحجبوني عن حقي. قالوا له: يا هذا، ما من أحد من بني إسرائيل إلا وله في هذا الصعيد حق مثل حقك، فلا تكن أبخل الناس ولا تضايقنا فيه. فقال: أنا أعرف حقي وأنتم لا تعرفون حقكم. قالوا له: إما أن ترضى وتطيب نفساً وإلا أخذناه كرهاً. قال لهم: أوتجدون ذلك في حكم الله تعالى وحكم داود؟! قال: فرفعوا خبره إلى داود فقال: أرضوه. فقالوا: نعم نأخذه منه يا نبي الله بثمنه. قال: خذوه بمائة شاة. فقال الرجل: زدني يا نبي الله؛ فقال: بمائة بقرة. قال: زدني يا نبي الله؛ قال فبمائة بعير. قال: زدني يا نبي الله، فإنما تشتريه لله تعالى. فقال داود: أما إذ قلت هذا فاحتكم أعطك. قال: تشتريه مني بحائط مثله زيتوناً ونخلاً وعنباً؟ قال نعم. قال: أنت تشتريه لله تعالى فلا تبخل. قال: سل ما شئت أعطك، وإن شئت أؤجرك نفسي. قال: أو تفعل ذلك يا نبي الله؟ قال: نعم إذا شئت. قال: أنت أكرم على الله تعالى من ذلك، ولكن تبنى حوله جداراً ثم تملؤه ذهباً وإن شئت ورقاً. قال داود: هو هين. فالتفت الرجل إلى بني إسرائيل وقال: هذا هو التائب والمخلص. ثم قال لداود: لأن يغفر الله تعالى لي ذنباً واحداً أحب إلي من كل ما وهبت لي، ولكن كنت أختبركم. فأخذوا في بناء بيت المقدس، وذلك فيما قيل لإحدى عشرة سنة مضت من خلافة داود. وكان داود ينقل لهم الحجارة على عاتقه، وكذلك خيار بني إسرائيل حتى رفعوه قامة. فأوحى الله تعالى إليه: إن هذا بيت مقدس، وأنت سفاك للدماء، ولست بانيه، ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان أسلمه من سفك الدماء وأقضي إتمامه على يديه ويكون له صيته وذكره.\rقال: فصلوا فيه زماناً إلى أن توفى الله نبيه داود واستخلف سليمان وأمره بإتمام بناء بيت المقدس. فجمع سليمان الإنس والجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال، فخص كل طائفة منهم بعمل، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض الصافي من معادنه؛ وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفاح، وجعلها اثنى عشر ربضاً، وأنزل كل ربض منها سبطاً من الأسباط. فلما فرغ من المدينة ابتدأ في بناء المسجد، فوجه الشياطين فرقاً، فريقاً منهم يستخرجون الذهب والفضة من معادنها، وفريقاً يغوصون في البحر ويستخرجون أنواع الدر ويقلعون الجواهر والحجارة من أماكنها، وفريقاً يأتونه بالمسك والعنبر وسائر أنواع الطيب من أماكنها؛ فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه إلا الله تعالى. ثم أحضر الصناع وأمرهم بنحت تلك الحجارة وتنضيدها ألواحاً، وإصلاح تلك الجواهر وتثقيبها؛ فكانوا يعالجونها فتصوت صوتاً شديداً لصلابتها. فكره سليمان تلك الأصوات، فدعا الجن فقال لهم: هل لكم حيلة في نحت هذه الجواهر من غير تصويت؟ فقالوا: يا نبي الله، ليس في الجن أكثر تجارب ولا أكثر علماً من صخر. فاستدعاه. وكان من أمره في حضوره إليه والتلطف في تحصيل حجر السامور ما نذكره - إن شاء الله تعالى - في أخبار صخر.\rقالوا: فلما أتى بحجر السامور، وهو حجر الماس، استعمله في أدوات الصناع، فسهل عليهم نحت الحجارة.\rقالوا: فبنى سليمان المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمده بأساطين المها الصافي، وفصصه بألواح الجواهر الثمينة، وفصص سقوفه وحيطانه باللآلئ واليواقيت وسائر الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن يومئذ بيت في الأرض أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، وكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر.","part":3,"page":435},{"id":1436,"text":"قالوا: فلما فرغ من بنائه جمع أحبار بني إسرائيل فأعلمهم أنه بناه لله تعالى، وأن كل شيء فيه خالص لله تعالى. واتخذ ذلك اليوم عيداً، فلم يتخذ في الأرض قط أعظم منه ولا من الأطعمة التي عملت فيه. قيل: إنه ذبح من الخراف خمسين ألفاً، ومن البقر خمسة وعشرين ألفاً معلوفة، ومن الغنم أربعمائة ألف شاة.\rقالوا: ومن أعاجيب ما اتخذ سليمان ببت المقدس أنه بنى بيتاً وطين حيطانه بالخضرة وصقله؛ فكان إذا دخله الورع البار استبان خياله في ذلك الحائط أبيض؛ وإذا دخله الفاجر استبان خياله في الحائط أسود. فارتدع عند ذلك كثير من الناس عن الفجور والخيانة: ونصب في زاوية من زوايا المسجد عصا آبنوس، فكان من مسها من أولاد الأنبياء لمن تضره، ومن مسها من غيرهم احترقت يده.\rقالوا: ولما فرغ من بناء بيت المقدس قرب قرباناً على الصخرة، ثم قال: اللهم أنت وهبت لي هذا الملك مناً منك علي، وجعلتني خليفتك في أرضك، وأكرمتني به من قبل أن أكون شيئاً، فلك الحمد. اللهم إني أسألك لم دخل هذا المسجد خصالاً: ألا يدخله أحد فيصلي فيه ركعتين مخلصاً فيهما إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ولا يدخله مستتيب إلا تبت عليه، ولا خائف إلا أمنته، ولا سقيم إلا شفيته، ولا مجدب إلا أخصبته وأغنيته. وإذا أجبت دعوتي فاجعل علامتها أن تقبل قرباني. قال: فنزلت نار من السماء فسدت ما بين الخافقين ثم امتد منها عنق فاحتمل القربان وصعد به إلى السماء.\rوقال سعيد بن المسيب: لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس تغلقت أبوابه، فعالجها سليمان فلم تنفتح حتى قال في دعائه: بصلوات أبي داود إلا ما فتحت الأبواب، ففتحت. ففرغ له سليمان - ع - عشرة آلاف من قراء بني إسرائيل، خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، فلا تأتي ساعة من ليل أو نهار إلا والله عز وجل يعبد فيها فيه.\rوحكى الكسائي في خبر بناء بيت المقدس قال: فأوحى الله تعالى إلى سليمان - ع - أن تبني بيت المقدس وترفع قواعده كما رفع إبراهيم قواعد البيت العتيق، وأن تبنيه على صخرة المعراج. فأمر سليمان الجان أن تقطع الصخور. وتنقل الرخام والأحجار والعمد وآلات العمارة إليه؛ ثم أمر بالبناء على الأساس الذي كان داود وضعه. فلما كمل البناء انهار وانهدم؛ فأمر أن يحفر أساسه حتى يبلغ الماء، وعقد البناء بالحجارة المنحوتة بعضها على بعض، فغلب الماء على البناء فما انعقد الأساس. فأمر أن تصنع قلال النحاس والرصاص، وختمها بخاتمه، وجعلها تحت الأساس. ثم أمر بالبناء فوقها فبنيت وارتفع البناء، وعمل فيه عشرة آلاف عمود من الرخام الملون، يلي كل عمود سارية من الذهب، وسارية من الفضة؛ ومحاريب الذهب والفضة، وكمل البناء والزخرفة في أربعين يوماً.\rقال: وكان يعمل فيه في كل يوم ألف عفريت من الجن وألف شيطان وألف من الإنس. وفرغ منه يوم عرفة، واتخذ له قناديل من الذهب بسلاسل الفضة.\rقال الثعلبي: فكان بيت المقدس على ما بناه سليمان إلى أن غزاه بختنصر، فخرب المدينة وهدمها، ونقض المسجد، وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر، فحمل ذلك معه إلى دار مملكته من أرض العراق. قال: ثم لم يزل خراباً إلى أن بني في الإسلام.\rقال الكسائي: ثم أمر الله سليمان بجهاد العدو، فرغب في جمع الخيل، فأهديت إليه من جهة ملوك الأطراف الخيول المسومة؛ فاجتمع له ما ينيف عن سبعين ألف فرس بسروج الذهب والفضة بأجلة الديباج. وسار صوب بلاد الشام. وكان إذا خرج للغزو لا يستصحب شيطاناً ولا جنياً بل العباد من بني إسرائيل. والله المعين.\rذكر خبر وادي النمل وما قيل فيه","part":3,"page":436},{"id":1437,"text":"قال: ولما سار سليمان لقصد الغزو مر في طريقه بوادي النمل. قال الثعلبي: إنه مر بوادي السدير واد من الطائف فأتى وادي النمل. قال الكسائي: فنظر إليهم وإذا هم يزيدون على مائة ألف كردوس مثل السحاب؛ وهم زرق العيون، ولهم أيد وأرجل. فقال سليمان: إني أرى سحابة في الأرض لا أعلم ما هي. فحملت إليه الريح قول النمل كما أخبر الله تعالى عنها: \" حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، فتبسم ضاحكاً من قولها \" . قال: ونزل الناس معه، فقال: أتدرون ما هذا السواد؟ هذه أمة من الأمم يقال لها النمل، وأخبرهم بقول النملة تناديهم: الوحا الوحا فقد وافتكم الخيل. فصاح بها سليمان وأراها الخاتم فجاءته خاضعة، فوقفت بين يديه وهي أكبر من الذئب، فسجدت بين يديه ثم قالت: يا نبي الله، ما سجدت قبلك إلا لأبيك إبراهيم، وهأنا بين يديك مرني بأمرك. فقال: ما الذي تكلمت به قبل وصولي إليك؟ قالت: يا نبي الله، إني رأيتك في موكبك وعسكرك، فناديت النمل أن يدخلوا مساكنهم لئلا يحطمهم جندك، وأنا كمثل غيري من الملوك أريد الإصلاح لقومي. فقال لها: كم عددكم؟ وما تأكلون وما تشربون؟ قالت: يا نبي الله، لو أمرت الجن والشياطين أن يحشورنا إليك لعجزوا، وليس على وجه الأرض واد ولا جبل ولا غابة إلا وفي أكنافها مثل سلطانك كراديس من النمل. ولو تفرق كردوس واحد في الأرض لما وسعته ولقد خلقنا قبل أبيك آدم، وإنا لنأكل رزق ربنا ونشكره. فأمرها أن تعرض النمل عليه. فنادتهم، فمروا به زمرة بعد زمرة، وسلموا عليه بلغاتهم وهو ينظر إليهم. فقالت ملكة النمل: يا نبي الله، منا ما يأوي الجبال، ومنا ما يأوي قرب المياه والأشجار والزرع، وفي الهواء وهي الطيارة، فإذا نبتت أجنحتها هلكت واختطفتها الطير. والنملة لا تموت حتى يخرج من ظهرها كراديس من النمل. وليس على ظهر الأرض أحرص من النملة؛ وإنها لتجمع في صيفها ما يملأ بيتها وهي مع ذلك تظن أنها لا تشبع. وتسبيحها تسأل ربها أن يوسع الرزق على خلقه. قال الثعلبي قال الضحاك: اسم النملة التي كلمت سليمان طاحية وقيل حرمى. والله أعلم.\rذكر خبر البعوض وما قيل فيه\rقال الكسائي: ولما نظر سليمان إلى كثرة النمل قال: إلهي هل خلقت أكثر من النمل؟ فأوحى الله إليه: نعم وسترى ذلك. ثم أمر الله تعالى ملك البعوض أن يحشرها لسليمان، فحشرها من شرق الأرض وغربها. فأقبلت كراديس البعوض كالسحاب يتبع بعضها بعضاً حتى وقف منهم كردوس على سليمان، وأقبل ملكهم وقال: يا نبي الله، مالك وللضعفاء من خلق ربك ألهيتهم عن التسبيح؟؟؟؟؟!. يا بن داود، إنا في هذه الأرض قبل أبيك آدم بألفي عام ما عرضنا على آدمي غيرك، نأكل من رزق ربنا، ولا نفتر عن ذكره صباحاً ولا مساء. قال: أخبروني كم أنتم؟ وأين مأواكم؟ ومن أين ترزقون؟ قال ملكهم: يا نبي الله، تحت يدي سبعون سحابة، كل سحابة تملأ المشرق والمغرب، لكل زمرة موضع معلوم، تأكل كل واحدة رزقها، ولولا خوف المعاد لأكلنا ما في الدنيا. ثم سجدوا وانصرفوا. وكان سليمان إذا أراد أن يدرك قوماً بعث إليهم البعوض فيأكل جميع ما في مدينتهم.\rذكر خبر الخيل وما قيل فيها","part":3,"page":437},{"id":1438,"text":"قال الله تعالى: \" إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحاً بالسوق والأعناق \" . قال أبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي في كتاب البرهان في علوم القرآن في تفسيره هذه الآية: الصافن من الخيل الذي يجمع بين يديه. وقال الفراء: الصافن هو القائم. وقال مجاهد: صفون الفرس إذا رفع رجليه حتى يكون عى طرف الحافر قال ابن زيد: أخرجها الشيطان لسليمان من مرج من مروج البحر. والصفن أن يقوم الفرس على ثلاث ويرفع رجلاً واحدة، يكون طرف الحافر على الأرض. قال: وكانت لها أجنحة. قال: والجياد السراع. وذكر أنها كانت عشرين فرساً ذوات أجنحة. قال وقوله: \" إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب \" إنه لها عن الصلاة حتى فاتته. قال قتادة والسدي: الخير: الخيل. وروي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: هي العصر، وهي التي فتن بها سليمان. \" حتى توارت بالحجاب \" ، يعني الشمس حتى تغيب في مغيبها. وقوله \" ردوها علي \" أي الخيل التي عرضت علي فشغلتني عن الصلاة. \" فطفق مسحاً بالسوق والأعناق \" ، أي جعل يمسح فهيا السوق وهو جمع ساق. قال بعضهم: عقرها وضرب أعناقها؛ قاله قتادة والحسن والسدي. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: جعل يمسح أعرافها وعراقيبها بيده حباً لها. وقيل: كشف عن عراقيبها وضرب أعناقها وقال: لا تشغليني عن عبادة ربي مرة أخرى. قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون الله أباح له ذلك لأنه لا يجعل التوبة من الذنب بذنب أعظم منه. والله أعلم.\rوقال الثعلبي رحمه الله في قصة الخيل قال الكلبي: غزا سليمان أهل نصيبين، فأصاب منهم ألف فرس. وقال مقاتل: ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس، كان داود أصابها من العمالقة.\rقالوا: فصلى سليمان الصلاة الأولى وقعد على كرسيه، فعرض عليه منها تسعمائة فرس؛ فتنبه لصلاة العصر، فإذا الشمسي قد غابت وفاتته الصلاة ولم يعلم بذلك، فاغتم وقال: ردوها علي، فردت عليه، فعرقبها بالسيف، وقربها إلى الله عز وجل وبقي منها مائة فرس. فما في أيدي الناس من الخيل العراب فهي من نسل تلك المائة. وقال كعب: كانت الأفراس أربعة عشر فرساً، فأمر بضرب أعناقها وسوقها بالسيف وقتلها؛ فسلبه الله ملكه أربعة عشرة يوماً؛ لأنه ظلم الخيل بقتلها. قال الثعلبي وقال قوم: \" فطفق مسحاً بالسوق والأعناق \" حبسها في سبيل الله وكوى سوقها وأعناقها بميسم الصدقة. وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن الله تعالى أمر الملائكة الموكلين بالشمس فردوها، وصلى سليمان العصر في وقتها.\rبساط سليمان - ع -\rقال الكسائي: وكان سليمان إذا ركب الريح تقدم أمام بساطه البعوض ثم الزنابير وكل ما يطير في الهواء، ثم الشياطين. وكان إذا أراد أن يركب الريح دعا الرياح الثمانية: الشمال والجنوب والصبا والدبور والصرصر والعقيم والكرس والراكي، فيبسط بعضها على بعض؛ ثم يبسط بساط على هذه الرياح، وان من السندس الأخضر، أخضر البطن أحمر الظهر. أهداه الله تعالى إليه من الجنة، لا يعلم طوله وعرضه إلا الله تعالى. وقيل: كان طوله ثلاثمائة وسبعين فرسخاً في عرض عشرة آلاف ذراع. وكان سليمان إذا ركبه جعل اللون الأخضر مما يلي الأرض، فإذا رفع الناس رءوسهم إليه يرونه على لون السماء. وكان يجلس على كرسيه وعن يمينه ويساره القضاة والعلماء والأحبار من بني إسرائيل على كراسي معدة لهم، وهو جالس في وسط البساط وزمام الريح بيده، ويتغدى على مسيرة شهر ويتعشى على مسيرة شهر؛ قال الله تعالى: \" غدوها شهر ورواحها شهر \" .\rقال: وكان سليمان إذا ركب الرياح على بساط يرى كل شيء عليه من الجن والإنس والشياطين والهوام وغيرهم، والطير تظله، ولا يقف على مدينة إلا فتحها.\rصخر الجني","part":3,"page":438},{"id":1439,"text":"قال: وجمع سليمان - ع - عفاريت الجن والشياطين وأمرهم بإحضار صخر الجني، فقالوا: يا نبي الله، إن الله قد أعطاه قوة جماعة منا؛ ويصعب علينا حمله إليك، وما لنا إلا أمر واحد وهو أنه يأتي في كل شهر إلى عين في جزيرة فيشرب ماءها. والرأي أن ننزفه منها ونملأها خمراً، فإذا جاء وشربه وسكر ذهبت قوته فنحمله ونأتيك به. ثم خرجوا ففعلوا ذلك، واختفوا في تلك الجزيرة فجاء صخر ليشرب فاشتم رائحة الخمر وقال: أيتها الخمرة إنك لطيبة غير أنك تسلبين العقل وتجعلين الحليم جاهلاً، وأمرك كله ندامة، وانصرف ولم يشرب. ثم عاد في اليوم الثاني وقد أجهده العطش فقال: ما من قضاء يأتي من الله إلا كان مبرماً، ثم نزل على العين فشرب حتى امتلأ، ثم قام ليخرج فسقط، فتبادرت العفاريت إليه ومعهم طابع خاتم سليمان، فلما رآه ذلك ذل وخضع، فحملوه حتى وقفوه بين يدي سليمان وهو يخرج من فيه لهب النيران، ومن منخريه الدخان. فلما عاين الخاتم ضعفت قوته وخر ساجداً على وجهه، ثم رفع رأسه وقال: يا نبي الله، سيزول هذا الملك عنك ولا يبقى إلا ذكره. قال: صدقت. ثم قال له: يا نبي الله، ما الذي أحوجك إلي وأنا بالبعد منك لا أختلط بالآدميين؟ فقال له سليمان: إن الناس قد اشتكوا من وقع الحديد وصوته على الحجر. فقال: عليك بوكر العقاب وعشه وبيضه، فليس شيء من الطيور أبصر منه، فأتى به. فوضعه في البرية وغطاه بجام من القوارير شديد الصفاء فوضعه على عش العقاب. فجاء العقاب فلم يرعشه، فطار في الهواء حتى نظر إلى عشه في تلك البرية، فانقض عليه وضرب الجام برجله ليكسره فلم يقدر على ذلك، فطار وتعلق في الهواء وغاب يومه وليلته، ثم أقبل صبيحة اليوم الثاني وفي منقاره قطعة من حجر السامور، فانقض على الجام بذلك الحجر فضربه به، فانشق الجام نصفين ولن يسمع له صوت، وأخذ العقاب عشه وبيضه وترك حجر السامور هناك، فأخذه صخر وهو في صفاء المرآة وحر النار. فدعا سليمان بالعقاب وسأله عن حجر السامور من أين احتمله، فأخبره أنه من جبل شامخ. فبعث سليمان الجن والشياطين فحملوا منه ما قدروا، فكان يقطع به الأحجار والصخور والجزع من غير أن يسمع له وقع.\rقال: ثم قال صخر: يا نبي الله، أتحب أن أتخذ لك مدينة؟ قال نعم؛ فاتخذها. فعجب سليمان من ذلك، وأمره أن يتخذ له مدينة دون تلك المدينة حتى يحملها معه على بساطه حيثما ذهب. فقال: يا نبي الله، لك كلما أردت السفر مدينة على أي لون شئت. فبنى له مدينة في طول عسكره وعرضه، وجعل لكل سبط من الأسباط قصراً في طول ألف ذراع وعرضه مثل ذلك، وفي كل قصر بيوت وغرف، ثم بنى بعد ذلك مجلساً من القوارير في طول ألف ذراع، وعرضه مثل ذلك، يجلس فيه العلماء والقضاة. وبنى لسليمان قصراً عجيباً في طول خمسة آلاف ذراع، وعرضه مثلها، وزخرفه بألوان القوارير ورصعه بأنواع الجواهر، وجعل فيه جميع الصور والتماثيل وأتقن صنعته. وكان مما صنع صخر لسليمان الكرسي.\rكرسي سليمان - ع - وما انتهى إليه أمره\rقالوا: وكان مما عمله صخر الجني لسليمان - ع - الكرسي، وكان سليمان أمره باتخاذه ليجلس عليه للقضاء، وأمره أن يعمله بديعاً مهولاً بحيث إنه إذا رآه مبطل أو شاهد زور ارتدع وتهيب.\rقال: فعمل له الكرسي وكان من أنياب الفيلة وفصصه بالياقوت واللؤلؤ، والزبرجد وأنواع الجوهر، وحفه بأربع نخلات من ذهب، شماريخها من الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، على رأس نخلتين طاووسان من ذهب، وعلى رأس النخلتين الأخريين نسران من ذهب، بعضها يقابل بعضاَ، وجعل مقابل جنبي الكرسي أسدين من ذهب، على رأس كل أسد منهما عمود من الزمرد الأخضر، وعقد على النخلات أشجار كروم من الذهب، عناقيدها من الياقوت الأحمر.","part":3,"page":439},{"id":1440,"text":"قالوا: وكان سليمان إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى فيستدير الكرسي كله بما فيه دوران الرحا المسرعة، وتنشر تلك النسور والطواويس أجنحتها، ويبسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما، وكذلك كان يفعل في كل درجة يصعد فيها سليمان. فإذا استوى سليمان بأعلاه أخذ النسران اللذان على النخلتين تاج سليمان فوضعاه على رأس سليمان، ثم يستدير الكرسي بما فيه ويدور معه النسران والطاووسان، والأسدان ماثلان برءوسهما إلى سليمان، ينضحن عليه من أجوافها المسك والعنبر، ثم تناوله حمامة من ذهب جاثمة على عمود من جوهر من أعمدة الكرسي النوارة، فيفتحها سليمان - ع - ويقرؤها على الناس ويدعوهم إلى فصل القضاء. فإذا دعا بالبينات وتقدمت الشهود لإقامة الشهادات دار الكرسي بما فيه من جميع ما حوله دوران الرحا المسرعة.\rقال أبو إسحاق الثعلبي قال معاوية لوهب بن منبه: ما الذي كان يدير ذلك الكرسي؟ قال: بلبلتان من ذهب. قال: فإذا دار الكرسي بسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما، وينشر النسران والطاووسان أجنحتها فتفزع منها الشهود ويداخلهم الرعب الشديد، فلا يشهدون إلا بالحق.\rقال: فلما توفي الله سليمان - ع - وجاء بختنصر إلى بيت المقدس أخذ الكرسي وحمله إلى أنطاكية، وأراد أن يصعد عليه ولم يكن له علم بالصعود عليه ولا معرفة بأحواله. فلما وضع قدمه على الدرجة رفع الأسد يده اليمنى فضربه ضربة شديدة دقه ورماه، فحمل بختنصر ، فلم يزل يعرج منها ويتوجع إلى أن مات. وبقي الكرسي بأنطاكية حتى غزاهم ملك من ملوك الشام يقال له كداس بن سدارس فهزم خليفة بختنصر ورد الكرسي إلى بيت المقدس، فلم يستطع أحد من الملوك الصعود إليه. فوضع تحت الصخرة فغاب فلم يعرف له خبر ولا يدري أين هو. والله أعلم بالصواب.\rخبر بلقيس","part":3,"page":440},{"id":1441,"text":"قال الكسائي قال كعب: هي بلقيس بنت ذي شرح، وهي متولدة من الإنس والجن. وأمها عميرة بنت ملك الجن. وكان لاتصال ذي شرح والد بلقيس بعميرة بنت ملك الجان سبب عجيب نذكره على ما حكاه الكسائي، قال: أهلك الله تعالى مساكن سبأ بسيل العرم، على ما نذكر ذلك في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، وهو يلي أخبار ملوك قحطان، وذلك في الباب الثاني من القسم الرابع من الفن الخامس في السفر الثالث عشر من هذه النسخة. قال: فلما انقرضوا وأبادهم الفناء توارثها بعدهم جماعة من الملوك ليس هذا موضع ذكرهم، حتى انتهى الملك إلى رجل فظ غليظ يقال له شراحي الحميري. وكان من عادته مع قومه أنه افترض على أهل مملكته في كل أسبوع أن يأتوه بجارية من بناتهم فيفتضها ثم يردها إلى أهلها. وكان ذو شرح وزيره وهو من أبناء ملوك حمير من ولد سبأ، وكان لذي شرح ألف قصر وألف فرس عتيق وألف سيف يمان، وكان يرجع إلى حسن وجمال وعقل، وكان مولعاً بالصيد، فكانت الجن تتصور له في صورة الظبي، فإذا صادهم وهم بذبحهم كلموه وقالوا له: لا تعجل فإنا إنما جئنا لننظر إلى محاسن وجهك. وكانت الجن تؤذي أهل اليمن، فأقسم ذو شرح أن يقتل ملك الجن ويتزوج بابنته. قال وكان اسم ملك الجن عمير، وكان حسن الوجه، وابنته عميرة. فمر ذو شرح ذات يوم في واد من بلاد اليمن كثير الأشجار فنزل به، حتى جنه الليل، وكان في جمع قليل من أصحابه، وكان الوادي الذي نزل به من مساكن الجن. فلما مضى بعض الليل سمع همهمة الجن، فقام ونادى: يا معشر الجن، قد نزلت بكم الليلة على أن تضيفوني فإني جار لكم، فأسمعوني من أشعاركم. قال: فأنشدته الجن من أشعارها، وجاءته عميرة بنت عمير ملك الجن على أحسن صورة. فلما نظر إليها ذهل عقله من حسنها، وغابت عن عينه فشغف بحبها فقال: يا معشر الجن، إن أنتم زوجتموها مني وإلا كنت حرباً لكم ما عشت أبداً. فنادوه: يا ذا شرح، إنك آدمي فكيف تقاتل الجن ومسكنهم الهواء وظلمات الأرض! مهلاً أيها الآدمي لا تعرض نفسك إلى ما لا تقدر عليه وارجع، فإن قدر لك أمر فسوف تناله. فلما سمع ذلك أيس من التزويج وأخذ في مستأنف أمره في مؤالفة الجن، فكان يهاديهم بما يصلح لهم من الهدايا، فصافاه عمير ملك الجن وأخاه وألفه حتى صار عنده كالأخ. فلما رأى ذلك ذو شرح وأنه قد تمكن من ملك الجن قال له: هل لك أن تزوجني ابنتك عميرة ليكون لي في ذلك شرف إلى الممات! فرغب فيه عمير ملك الجن لحسنه وجماله وشرفه وماله؛ فزوجه ابنته بحضرة سادات الجن. وانصرف ذو شرح إلى مدينة سبأ وأهدى هدايا كثيرة إلى ملك الجن وسادات قومه، ثم زفت إليه فوطئها فحملت منه.\rميلاد بلقيس\rوكيف كان وسبب ملكها","part":3,"page":441},{"id":1442,"text":"قال: وولدت عميرة بنت ملك الجن بلقيس بنت ذي شرح على أحسن ما تكون من الصور، ثم ماتت أمها بعد ذلك بقليل، فربتها الجن. فلما بلغت مبلغ النساء قالت لأبيها: إني كرهت المقام عند الجن فاحملني إلى بلاد الإنس فإنهم أحب إلي. فقال لها: إن للإنس ملكاً ظالماً وذكر لها سنته في بلاد قومه، وأنه يفتض الأبكار ثم يردهن إلى أهلهن. قالت: لا تخش ذلك علي وانقلني، وسترى ما يكون مني. فبنى لها قصراً خارج مدينة سبأ من أعظم ما يكون من الأبنية، واتخذ لها عريشاً من العاج والأبنوس والذهب والفضة، ونقلها إلى القصر واتخذ لها أواني الجوهر. فأقامت بلقيس في قصرها زمناً طويلاً، وانتشر خبرها إلى ملك سبأ، فركب في موكبه حتى وقف على باب القصر ورأى حسن بنائه، فرجع وأرسل بجارية من جواريه إلى بلقيس، فدخلت عليها ونظرت إليها وإلى ما في قصرها من التحف العظيمة وما عندها من جواري الإنس والجن، فعادت إلى الملك وأخبرته بما هي عليه من الجمال وأنها ابنة وزيره. فأحضره وأنكر عليه وقال: كيف اتخذت مثل هذا القصر ولك مثل هذه البنت وأنت وزيري ولم تعلمني ولا استأذنتني في بنائه!. فقال: أيها الملك، أما القصر فإني أنفقت عليه المال الذي ورثته من أبي. وأما البنت فإنها ابنة عميرة بنت ملك الجن، ورغبت في السكن في بلاد الإنس، فحملتها إلى هذا المكان، فهذه قصتها. فقال: صدقت فزوجنيها ولا بد من ذلك. فقال: أحتاج في ذلك إلى إذنها. قال: استأذنها. فجاء إليها وقال: يا بنية، قد وقعت فيما كنت أخشاه عليك، وذكر لها مقالة الملك. فقالت: زوجني منه ولا تخف، فإنه لا يصل إلي. فزوجها منه بحضور أكابر أهل المملكة. ولما تم التزويج كتب الملك كتاباً إليها يقول: إني قد عشقت اسمك قبل أن أنظر إليك، فإذا قرأت هذه الرقعة فعجلي بحضورك إلي. فكتبت إليه: إني لمشتاقة إلى وجهك أشوق منك إلي، غير أن قصري هذا هو من بناء الجن، وفيه عجائب كثيرة، وقد جمعت فيه ما لا يصلح إلا لمثلك. فإن رأيت أن تتحول إلى قصري فافعل. فلما ورد جوابها عليه ركب لوقته في حشمه وجنوده وسادات قومه. فبلغ بلقيس فقالت لأبيها: امض إلى الملك وقل له: إن ابنتي من بنات الجن ولم تنظر قط إلى مثل هذه الجنود، ففرق هؤلاء وادخل إليها منفرداً. فقال ذلك للملك، ففرق جنوده وأتى إليها بمفرده، ودخل القصر وله سبعة أبواب. وكانت بلقيس قد جعلت عند كل باب جارية من بنات الجن من أحسن ما تكون من النساء، وفي أيديهن أطباق الذهب فيها الدنانير والدراهم والطيب، وأمرتهن أن ينثرن ذلك على الملك. فلما دخل توهم أن كل واحدة منهن امرأته وهم بالنزول عليها، فتقول: أنا خادمتها وهي أمامك، حتى انتهى إلى آخر الأبواب، فتقدمت إليه جارية وأصعدته إلى العرش، فنظر إلى القصر وما فيه من الآلات والزينة، فرأى ما لم يخطر بباله. ثم أقبلت بلقيس والجواري بين يديها ينثرن على الملك من أنواع النثار وعلى رأسها تاج، فصعدت على عرشها. فلما رآها الملك فتن بها وكاد يذهل عقله. وأخذت في مخادعته وملاعبته، ثم أمرت بالطعام فأحضر بين يديه. فامتنع من الأكل وقال: ما أريد أن أغفل عن وجهك. فأمرت بإحضار الشراب فأتى به في آلات الجوهر النفيس. وأخذا في الشرب، فلم تزل به حتى أسكرته وغاب عن عقله ووقع على قفاه لا يعقل من أمره شيئاً. فذبحته بلقيس، ثم دعت بأبيها وأعلمته بما فعلت. ففرح وكتب إلى خزان الملك عن الملك: إني قد أحببت النزول بهذا القصر فاجمعوا ما في الخزائن من الأموال وأنفذوه إلى عندي. فجمعوا الأموال وأنفذوها إلى القصر. ثم أمرت بعد ذلك باتخاذ الأطعمة فصنعت ودعت سادات ملوك اليمن. فلما جلسوا قدمت إليهم الأطعمة فأكلوا، ثم قدم إليهم الشراب فشربوا. فلما أخذ منهم أشرفت بلقيس عليهم وقالت: إن الملك يأمركم أن توجهوا إليه بنسائكم وبناتكم. فغضبوا وقالوا: أما يكفيه أنه فضح بنات العرب حتى طمع فينا نحن! فقالت لهم: لا تغضبوا حتى أرجع إليه وأعرفه غضبكم. ثم أمرت أن يعاد عليهم الشراب ثانياً فشربوا ساعة، فعادت إليهم وقالت: قد أخبرت الملك بغضبكم ومقالتكم فقال: لا بد من ذلك. فازداد القوم غضباً وصاحوا. فقالت: على رسلكم حتى أراجعه وأسأله. ومضت وعادت فقالت: إني عدت إلى الملك فوجدته قد نام، فلما رأيكم في أمر أفعله وأريحكم مما أنتم فيه من شره على أن تملكوني على أنفسكم؟ قالوا","part":3,"page":442},{"id":1443,"text":"نعم. فحلفتهم على ذلك وأخذت عليهم العهود والمواثيق، وغابت ساعة وعادت ومعها رأس الملك فألقته إليهم، ففرحوا بذلك واستبشروا وملكوها عليهم. فملكت بضع عشرة سنة حتى بعث الله سليمان نبياً.عم. فحلفتهم على ذلك وأخذت عليهم العهود والمواثيق، وغابت ساعة وعادت ومعها رأس الملك فألقته إليهم، ففرحوا بذلك واستبشروا وملكوها عليهم. فملكت بضع عشرة سنة حتى بعث الله سليمان نبياً.\rسليمان وبلقيس\rوسبب زواجه بها\rقال: وكان سب اتصال خبرها بسليمان - ع - أنه بينما هو يسير على بساطه، وكان الهدهد دليله على الماء لأنه يراه من عدة فراسخ، فارتفع في الهواء لطلب الماء، فنظر إلى هدهد قد أقبل من ناحية اليمن، فالتقيا. فقال له الهدهد السليماني: من أين أنت؟ قال: من اليمن. وسأله الآخر فقال: أنا من الشام من طيور الملك سليمان. قال: ومن سليمان؟ قال: نبي الله ملك الجن والإنس والطير وجميع المخلوقات. قال: إن هذا ملك عظيم. قال: وهل في اليمن ملك؟ قال: نعم، ملكة يقال لها بلقيس تحت يدها عشرة آلاف قائد، تحت يد كل قائد كذا وكذا ألفاً من العساكر.\rوحكى الثعلبي أنه قال لما أخبره بملك سليمان: إن لصاحبكم ملكاً عظيماً، ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكة اليمن وتحت يدها اثنا عشر ألف قيل مع كل قيل مائة ألف مقاتل - والقيل هو القائد بلغة أهل اليمن - فهل أنت منطلق معي حتى تراها؟ قال نعم. فانطلق الهدهدان حتى أتيا بلاد اليمن وصارا إلى قصرها؛ فنظر إليها الهدهد السليماني وإلى قصرها وملكها. وحضر وقت الصلاة لسليمان فلم يجد الهدهد، فقال ما أخبر الله به عنه: \" وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين \" أي بحجة بينة. ثم دعا العقاب وقال: أنت عريف الطير، فتعرف لي خبر الهدهد. فطار في الشرق والغرب، وإذا هو بالهدهد قد أقبل من جهة اليمن، فجاء به إلى سليمان فاستخبره عن سبب غيبته فقال: \" أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبأ يقين. إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم \" . وذكر صفة عرشها وما فيه من أصناف الجواهر وغيرها ثم قال: \" وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله \" وخر ساجداً لله، ثم رفع رأسه وقال: \" ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض \" . قال سليمان: \" سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين \" !. ثم سأله عن الماء فقال: هو تحت قائمة كرسيك. فأمر سليمان بتحويل البساط، فحول ونقر الهدهد بمنقاره فخرج الماء، فشرب الناس وصلوا. ثم قال للهدهد: \" اذهب بكتابي هذا فألقيه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون \" وأقبل سليمان على آصف بن برخيا وقال: أكتب إلى هذه المرأة كتاباً لطيفاً. فدعا بصحيفة من فضة وكتب: \" بسم الله الرحمن الرحيم. إنه من سليمان، ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين \" . وختم الكتاب وبعثه مع الهدهد في زمرة من الطير، فأقبلوا نحو اليمن وانقضوا على قصرها، ودخل الهدهد إلى قبتها من كوة من كوى القبة وهي نائمة، وقد وضعت خاتم ملكها على صدرها، فوضع الكتاب على نحرها وطار. فلما استيقظت أخذت الكتاب وجمعت قومها ثم قالت: \" إني ألقي إلي كتاب كريم \" وفتحته وقالت: إنه من سليمان، وقرأته عليهم وعلمت أنه من قبل رجل عظيم. وجمعت أكابر قومها وأهل العقل والعلم الذين في مملكته و \" قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون، قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين \" . فعلمت عند ذلك أنهم قد أخطلوا الرأي في عزمهم على الحرب و \" قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون، وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون \" .\rقال: وأرادت أن تختبر حال سليمان - ع - فقالت: إن طلب الدنيا أرضيناه بالمال وصرفنا أذاه عنا، وإن كان من الأنبياء ولم ترغبه الدنيا لم يكن لنا أمر إلا الطاعة له، فمضوا على رأيها، فأمرت باتخاذ الهدايا. فعاد الهدهد إلى سليمان وأخبره بما كان من أمرها مع قومها. فأمر سليمان أن يفرش ميدانه بلبن الذهب والفضة، وأن يبني حول الميدان حائط من الفضة شرفاته من الذهب، على كل شرفة تاج من الذهب مرصع بالجوهر، وأمر الجن أن يأتوا بأولادهم من الذكور والإناث، وأمر بإحضار كل فرس عجيب الخلق.","part":3,"page":443},{"id":1444,"text":"قال الثعلبي: إن سليمان - ع - سأل الجن عن أحسن دواب رأوها في البحر. قالوا: رأينا دواب في بحر كذا وكذا منمرة منقطة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواص. قال: علي بها الساعة، فأتوه بها. قال: شدوها عن يمين الميدان ويساره، ففعلوا. قالوا: وأمر سليمان الشياطين أن يظهروا من التهويلات ما لم يظهروه قبل ذلك اليوم.\rقال الكسائي: وكانت بلقيس قد أعدت مائة لبنة من الذهب، ومائة لبنة من الفضة، ومائة غلام أمرد، لكل غلام ضفائر النساء، ومائة وصيفة مضمومات الشعر.\rقال الثعلبي: واختلفوا في عددهم، فقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جوار. وقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتا غلام ومائتا جارية.\rوقال وهب: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية. وألبست الغلمان ثياب الوصائف، وألبست الوصائف ثياب الغلمان.\rوقال الثعلبي: قال وهب وغيره من أهل الكتاب: عمدت بلقيس إلى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام، فألبست الجواري لباس الغلمان، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقاً من ذهب، وفي آذانهم أقراطاً وشنوفاً من ذهب مرصعات بألوان الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة، والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصع بالجواهر، وغواشيها من الديباج الملون، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب، وخمسمائة لبنة من فضة.\rقالوا: وعمدت إلى تاج من ذهب مرصع بالجواهر، ومائة فرس من جياد خيول اليمن، عليها براقع الحرير وأجلة الديباج، وبعثت بحقة من ذهب فيها درة غير مثقوبة، وجزع يماني مثقوب معوج الثقب، وقارورة بعثت ذلك مع وزيرها، وكتبت جواب كتاب سليمان وقالت: قد بعثت إليك بمائتي وصيف ووصيفة على سن واحدة، وأحب أن تميز ذكورهم من إناثهم من غير أن تكشف عنهم، ودرة غير مثقوبة تأمر من يثقبها من غير أن تستعين بأحد من الإنس والجن والشياطين، وجزع مثقوب تدخل فيه خيطاً، وقارورة تملؤها ماء ما نزل من السماء ولا نبع من الأرض.\rفلما جاء الرسول ونظر إلى ميدان سليمان وحيطانه وما على شرفتها من التيجان والخيول حول الميدان، دخل على سليمان بالجواري والغلمان والحقة والقارورة، ولم يظهر الذهب والفضة والخيل لأنه استحقرها بالنسبة إلى ما رآه.\rوقال الثعلبي: إنه كان مما بعثته خمسمائة لبنة من ذهب، وخمسمائة لبنة من فضة. قال: فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان ورأوا الدواب تروث على لبن الذهب والفضة رموا ما معهم من الهدايا. قال: وفي بعض الروايات أن سليمان لما أمر بفراش الميدان بلبن الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعاً على قدر اللبنات التي معهم. فلما رأت الرسل موضع اللبنات خالياً وكل الأرض مفروشة خافوا أن يتهموا بذلك، وطرحوا ما معهم في ذلك المكان.\rقال: ثم مروا على الشياطين، فلما نظروا إليهم فزعوا. فقيل لهم: جوزوا فلا بأس عليكم. وكانوا يمرون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان - ع - .\rقال الكسائي: فقدم الكتاب إلى سليمان، فأخبر سليمان الرسول بما فيه قبل فتحه وقراءته، وميز الوصفاء من الوصائف، وأمر دودة فثقبت الدرة وأدخلت الخيط في الجزع، وأمر أن تساق الخيل حتى تعرق وتملأ القارورة من عرقها، وأقبل على وزير بلقيس وقال: ارجع إلى صاحبتك بما جئت به من الهدية وقل هلا: \" أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم فرحون. ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون \" .\rقال: فعاد الوزير إليها بما جاء به من الهدية وأختبرها بما كان من أمر سليمان. فقالت لقومها: هل علمتم الآن أن رأيي كان أصوب من رأيكم في ترك المحاربة؟ ومن أين لنا طاقة بحرب نبي! ثم جمعت أموالها وكنوزها واستصحبت ذلك معها إلا عرشها فإنها تركته بقصرها وأغلقت عليه سبعة أبواب وسارت إلى سليمان ومعها ملوك اليمن وأكابرها وساداتها، فبلغ ذلك سليمان.","part":3,"page":444},{"id":1445,"text":"قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى: شحصت بلقيس إلى سليمان - ع - في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت يد كل قيل منهم مائة ألف. قال ابن عباس رضي الله عنهما: وكان سليمان رجلاً مهيباً، لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه. فخرج يوماً فجلس على سرير ملكه فرأى رهجاً قريباً منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس. قال: وقد نزلت منا بهذا المكان؟ قالوا نعم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ.\rقال: فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال: \" يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين. قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين \" قال: أريد أسرع من ذلك. \" قال الذي عنده علم من الكتاب - وهو أصف بن برخيا - أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك \" . قال: وكان عنده اسم الله الأعظم. \" فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم \" ثم قال سليمان: \" نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون \" . فأقبل عفريت من الجن وقال: يا نبي الله، إن رجليها كحافر حمار. قال له سليمان: إن كان ذلك كما قلت وإلا عاقبتك. قال: يا نبي الله، أريد أن أتخذ لك صرحاً من قوارير، وأجري فيه ماء، وأنزل فيه الحيتان والسمك، فلا يشك من رآه أنه ماء جار، فاتخذه كذلك. فلما فرغ منه شكره. فقال: يا نبي الله، أعف عني فإني كذبت على بلقيس في رجليها، فعفا سليمان عنه.\rوأقبلت بلقيس فجعلت تنظر إلى الجن والإنس والطير والوحش وغيرهم، وهم قيام لا يضر بعضهم بعضاً. فلما قاربت الصرح الممرد إذا بعرشها، فتعجبت. فقيل: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو، وعلمت أنه هو، وأنه من قدره الأنبياء.\rقال: فلما أقبلت إلى الصرح حسبته لجة وكشفت عن ساقيها. فناداها سليمان: إنه صرح ممرد من قوارير. فأرسلت ثوبها على ساقيها حياء من سليمان، ثم \" قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين \" ثم أسلم قومها.\rقال الثعلبي: اختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها، فقال أكثرهم: لما أسلمت بلقيس أراد سليمان أن يتزوجها. فلما هم بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا!. فسأل الإنس: بم يذهب هذا؟ فقالوا: بالموس. فقالت المرأة: لم يمسني الحديد قط، فكرهه سليمان. فسأل الجن، فقالوا: لا ندري. فسأل الشياطين فمكروا عليه، فلما ألح عليهم قالوا: نحن نحتال عليه حتى يكون كالفضة البيضاء، فآتخذوا لها النورة والحمام. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو أول يوم اتخذت في النورة. وقال الكسائي في سياقة خبره: ثم قالت بلقيس: يا نبي الله، أرى خاتمك منقوشاً، فما الذي عليه؟ قال: \" لا إله إلا الله محمد رسول الله \" قالت ومن محمد؟ قال: نبي يخرج في آخر الزمان، فآمنت بلقيس به. ثم قال لها بعد إيمانها: أتحبين أن ترجعي إلى بلادك وما كنت فيه؟ قالت: لا، بل أكون معك من بعض نسائك، فتزوج بها سليمان - ع - .\rهذا ما أورده الكسائي. وفيه زيادات نقلها أبو إسحاق الثعلبي قد ذكرناها في أثناء القصة ونبهنا عليها ونسبناها إلى قائلها. وحكى الثعلبي أيضاً في هذه القصة زيادات قد رأينا إثباتها؛ فمن ذلك وصف قصرها وعرشها.\rقصر بلقيس\rقال أبو إسحاق الثعلبي قال الشعبي: يروى أن بلقيس لما ملكت أمرت فحمل إليها خمسمائة أسطوانة من الرخام، كل أسطوانة خمسون ذراعاً، وأمرت بها فنصبت على تل قريب من مدينة صنعاء، وخطت بين كل أسطوانتين عشرة أذرع، ثم جعلت على ذلك سقفاً مبسوطاً بألواح الرخام وألحم بعضها إلى بعض بالرصاص حتى صارت كأنها لوح واحد. ثم بنت فوق ذلك قصراً مربعاً من آجر وجعلت في كل زاوية من زواياه قبة من ذهب مشرفة في الهواء، وفيما بين ذلك مجالس حيطانها من ذهب وفضة مرصعة بأنواع الجواهر الملونة، فكانت الشمس إذا طلعت على ذلك القصر التهب الذهب والجوهر فيكاد يعش العيون وتحار فيه الأبصار. وجعلت باب ذلك القصر مما يلي المدينة بدرج من الرخام الأبيض والأحمر والأخضر، وفي جانبه حجراً لحجابها وبوابيها وحرسها وخدمها وحشمها على قدر مراتبهم.\rقال: وأما صفة عرشها فكان مقدمه من ذهب مفصص بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، ومؤخره من فضة مكلل بأنواع الجواهر، وله أربع قوائم:","part":3,"page":445},{"id":1446,"text":"قائمة من ياقوت أحمر، وقائمة من ياقوت أصفر، وقائمة من زمرد أخضر، وقائمة من در أصفر، وصفائح السرير من ذهب. وعليه سبعة بيوت، على كل بيت باب مغلق، وكان ثمانين ذراعاً في ثمانين ذراعاً، وطوله في الهواء ثمانون ذراعاً، فذلك قوله: \" ولها عرش عظيم \" أي سرير ضخم.\rوادي القردة\rقال الكسائي: وبينما سليمان - ع - مع بلقيس ذات ويوم إذ قال لها: أكل اليمن في طاعتك؟ قالت: نعم، إلا واد عن يمين سبأ، فيه أشجار ومياه غلبت عليه القردة وأزاحوا عنه سكانه، وهو واد طويل عريض، وهم في كثرة، وإنهم على سنن اليهود لا يتبايعون يوم السبت. فبعث سليمان العقاب ليأتيه بخبرهم. فطار إلى الوادي وعاد إليه قبل أن يقوم من مقامه ذلك، وأخبره بكثرتهم. فركب سليمان الريح على بساطه في قبة القوارير، وسار في نفر من بني إسرائيل حتى نزل على شفير الوادي، فعلم القردة أنه سليمان، فبادروا إلى طاعته وأتوه، وقالوا: يا نبي الله، إنا من نسل اليهود الذين اعتدوا في السبت، ونحن على دين موسى نعمل بأحكام التوراة، وسألوه أن يقرهم في ذلك الوادي، فأقرهم فيه وكتب لهم سجلاً على لوح من نحاس وجعله في عنق كبيرهم يتوارثونه، ثم انصرف عنهم. هكذا نقل. والصحيح أن الذين اعتدوا في السبت وغيرهم ممن مسخ لم يعقبوا. وفي الصحيح: إن الله لم يجعل لمسيخ نسلاً.\rخبر الرجل الذي قبض بأرض الهند\rقال الكسائي: كان سليمان - ع - قد سأل الله تعالى أن يريه ملك الموت فأراه إياه، وكان يعوده ويأتيه في كل خميس. فأتاه في بعض الأيام على صورة البشر، وجعل يطيل النظر إلى رجل في مجلس سليمان حتى أرعب ذلك الرجل. فلما فارقه ملك الموت قال: يا نبي الله، لقد فزعني هذا الرجل الذي كن في مجلسك من نظره إلي، فمن هو؟ قال: هو ملك الموت. قال: يا نبي الله أسألك أن تأمر الريح أن تحملني إلى أرض الهند، فأمرها سليمان فحملته من مجلسه ووضعته بأرض الهند. ثم جاء ملك الموت إلى سليمان، فقال له: قد كنت اليوم عندي وأنت تنظر إلى ذلك الرجل نظراً شافياً حتى خاف منك. قال: يا نبي الله، إني كنت قد أمرت بقبض روحه في موضع من أرض الهند في هذا اليوم، فلما رأيته عندك عجبت متى يصل إلى الهند، فإذا الريح قد جاءت به، فألقته في بالبقعة التي أمرت بقبض روحه فيها، فقبضت روحه هناك. فعجب سليمان - ع - من ذلك.\rخبر الفتنة وذهاب خاتم سليمان - ع - ورجوعه إليه\rقال الكسائي: كان سليمان - ع - كلما نزل بمنزل من البراري بنت الجن والشياطين له قصراً بديعاً، فإذا تحول عنه خربوه. وكان له قصر على ساحل البحر من بناء الجن، فأمرهم أن يتركوه على حالته. فجاء سليمان إلى ذلك القصر فنزله، وكان صخر الجني معه وهو شديد الحرص على أن يسلبه الخاتم؛ لأنه كان قد علم أن ملكه في خاتمه. وكان لسليمان جارية اسمها الأمينة فكان إذا أراد الدخول إلى الخلوة بنسائه يسلم الخاتم إليها، فإذا اغتسل أخذ خاتمه منها، وكذلك إذا أراد الوضوء. فجاء سليمان في بعض الأيام فنزل ذلك القصر وأراد الوضوء، فدفع الخاتم إلى الجارية، فجاء صخر وقد ألقى على نفسه صورة سليمان، فقال للجارية: هات الخاتم، فناولته إياه وهي لا تعلم. فلما صار الخاتم في يد صخر لم يستقر في يده لأنه شيطان، فرماه في البحر، فجاء حوت بإذن الله فابتلعه. ومضى صخر وهو على صورة سليمان فجلس على كرسيه ومعه الناس وهم يظنون أنه سليمان؛ فذلك قوله تعالى: \" ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب \" قيل: الجسد هو صخر الجني.","part":3,"page":446},{"id":1447,"text":"قال: وخرج سليمان من الخلاء وقد غير الله صورته إلى صورة صخر، فطلب الخاتم، فقالت الجارية: أعوذ بالله منك، قد دفعت الخاتم إلى سليمان. فعلم أن الله قد أوقع به البلية، فخرج يريد القصر ويقول للناس: أنا سليمان، والناس يهزءون بقوله ويقولون: لست سليمان أنت صخر الجني. فجعل سليمان يدور على جميع الناس وهم على كلمة واحدة في إنكاره، وجعل يدور في القرى ويقول: أنا سليمان والناس يشتمونه حتى لزق بطنه بظهره من الجوع، فقال: إلهي إنك ابتليت كثيراً من الأنبياء ولم تحرمهم رزقك. إلهي إني تائب إليك من خطيئتي. فلم يزل سليمان كذلك أربعين يوماً لم يطعم شيئاً، ثم وجد قرصة يابسة ملقاة، فأخذها ولم يقدر على أكلها ليبسها، فأقبل إلى ساحل البحر وقعد يبل القرصة فاستلبتها الأمواج من يده. فقال: إلهي رزقتني بعد أربعين يوماً قرصة يابسة نزلت حتى أبلها فاستلبتها الأمواج من يدي وأنت المتكفل بأرزاق العباد، وأنا عبدك المذنب، فارزقني فأنت الرزاق الكريم. ثم جعل يمشي على الساحل وهو يبكي، فإذا هو بقوم يصطادون السمك، فسألهم شيئاً من الطعام فمنعوه وطردوه وقالوا له. انصرف عنا، فما رأينا أوحش من وجهك. قال: ما عليكم من وجهي إذا أطعمتموني؟! قالوا: وحق سليمان إن قمنا إليك لنوجعنك ضرباً إن لم ترح عنا. قال: يا قوم، فأنا والله سليمان. فضربه رجل منهم على رأسه وقال: أتكذب على نبي الله! فبكى حتى بكت الملائكة لبكائه ورحمه أولئك القوم وناولوه سمكة وأعطوه سكيناً، فشق بطنها ليصلحها ويشويها ويأكلها، فخرج الخاتم من بطنها فغسله وجعله في إصبعه، وعاد إليه حسنه وجماله، فوضع السمكة وسار يريد قصره، فجعل يمر بتلك القرى، فكل من كان قد أنكره عرفه وسجد له. فبلغ ذلك صخراً الجني فهرب. وعاد سليمان إلى قصره واجتمع له الإنس والجن والشياطين والسباع والهوام كما كانوا أول مرة. فبعث العفاريت في طلب صخر فأتوه به، فأمر أن ينقروا له صخرتين وصفده بالحديد وجعله بينهما وأطبقهما عليه وختم عليه بخاتمه وطرحه في بحيرة طبرية. فقال: إنه فيها إلى يوم القيامة. ثم أمر الله الرياح أن تحشر له سائر الشياطين فحشرت له، فصفد مردتهم بالحديد وحبسهم. هذا ما أورده الكسائي في قصة الفتنة، وهو أولى ما أورده وأشبه ما نقل.\rوحكى الثعلبي رحمه الله في خبر الفتنة قال قال محمد بن إسحاق قال بعض العلماء عن وهب بن منبه قال: سمع سليمان - ع - أن في جزيرة من جزائر البحر رجلاً يقال له صيدون ملك عظيم الشأن لم يكن لأحد من الناس عليه سبيل لمكانه في البحر. وقال غيره: إن هذه الجزيرة مسيرة شهر في مثله، وفيها عجائب كثيرة وأشجار وأنهار، و في وسطها مجلس على عمد من مرمر ملون، والمجلس من ذهب مفصل بأنواع الجواهر يشرف على جميع الجزيرة وقيل: إنه كان ساحراً، فكانت الجن تطيف به وتعمل له العجائب، فدل سليمان عليها فغزاه.","part":3,"page":447},{"id":1448,"text":"ترجع إلى سياق الثعلبي قال: فخرج سليمان إلى الجزيرة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس، فقتل ملكها وسبى ما فيها، وأصاب فيما أصاب بنت الملك واسمها جرادة لم ير الناس مثلها حسناً وجمالاً، فاصطفاها سليمان لنفسه، ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة ثقة، وأحبها سليمان حباً لم يحبه شيئاً من نسائه، وكانت منزلتها عنده منزلة عظيمة، وكان لا يذهب حزنها ولا ترقا دمعتها على أبيها. فشق ذلك على سليمان وقال لها: ويحك! ما هذا الحزن الذي لا يذهب، والدمع الذي لا يرقأ! قالت: إني أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك. قال سليمان: فقد بدلك الله ملكاً أعظم من ملكه، وسلطاناً أعظم من سلطانه، وهداك إلى الإسلام وهو خير من ذلك كله. قالت: إن ذلك كذلك، ولكن إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن. ولو أنك أمرت الشياطين فصوروا لي صورته في داري أراها بكرة وعشية لرجوت أن يذهب ذلك، وأن يسكن عني بعض ما أجد في نفسي. فأمر سليمان الشياطين أن يمثلوا صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئاً، فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه. فعمدت إليه حين صنعوه فأزرته وقمصته وعممته بمثل ثيابه التي كان يلبس. ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو على ذلك التمثال هي وولائدها فيسجدن له كما كانت تصنع ذلك في ملكه، وتفعل ذلك بكرة وعشية وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين يوماً. وبلغ ذلك آصف بن برخياً، وكان صديقاً، وكان لا يرد من باب سليمان متى أراد دخوله من ليل أو نهار، فأتاه فقال: يا نبي الله، كبرت سني، ودق عظمي، ونفد عمري، وقد حان مني الذهاب، وقد أحببت أن أقوم مقاماً قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثنى عليهم بعلمي، وأعلم الناس ما يجهلون من كثير من أمورهم، فقال: افعل. فجمع له سليمان الناس فقام فيهم خطيباً، فذكر من مضى من أنبياء الله وأثنى على كل منهم بما فيه، وذكر ما فضهلم الله به حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما كان أحلمك في صغرك، وأورعك وأفضلك في صغرك، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك من كل ما تركه في صغرك، ثم انصرف. فوجد سليمان في نفسه من ذلك. فلما دخل سليمان داره أرسل إلى آصف بن برخيا فقال: ذكرت من مضى من أنبياء الله، وأثبت عليهم خيراً في كل زمانهم، وفي كل حال من أمورهم؛ فلما ذكرتني جعلت تثني علي بخير في صغري وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري، فماذا أحادث في آخر أمري؟ قال: لأن غير الله يعبد في دارك أربعين يوماً في هوى امرأة. قال سليمان: في داري! قال: نعم في دارك. فاسترجع سليمان ثم دخل داره فكسر ذلك الصنم، وخافت تلك المرأة. ثم أمر سليمان بثياب الطهر فأتى بها، وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار ولا تمسها امرأة ذات دم. فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده، فأمر برماد ففرش به، ثم أقبل تائباً إلى الله حتى جلس على ذلك الرماد تذللاً لله تعالى وتضرعاً إليه، يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره، فلم يزل ذلك دأبه حتى أمسى ، ثم رجع إلى داره. وكان له وليدة يقال لها الأمينة، فكان إذا دخل لحاجته أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، فوضعه يوماً من الأيام عندها ثم دخل لقضاء حاجته، فأتاها صخر الجني على صورة سليمان لا ينكر منه شيء، فقال لها: يا أمينة، خاتمي؛ فناولته إياه، فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان وعكفت عليه الجن والإنس والطير. وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد تغير عن حليته وهيئته عند كل من يراه. فقال: يا أمينة. قالت: ومن أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود. قالت: كذبت لست سليمان، وقد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس على سريره في ملكه، فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته، فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول: أنا سليمان بن داود، فيحثون عليه التراب ويسبونه ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون يزعم أنه سليمان. فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر منه إلى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة ويشوي الأخرى فيأكلها، فمكث كذلك أربعين صباحاً عدة ما كان ذلك الوثن في داره.","part":3,"page":448},{"id":1449,"text":"قال: وأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك المدة. فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل، هل رأيتم من اختلاف حكم سليمان بن داود ما رأيت؟ قالوا نعم. قال: أمهلوني حتى أدخل على نسائه وأسألهن هل أنكرن منه في خاصة أمره ما أنكرناه في عامة أمر الناس. فدخل على نسائه فقال: ويحكن! هل أنكرتن من أمر نبي الله سليمان ما أنكرناه؟ فقلن: أشد وأعظم، ما يدع امرأة منا في دمها، ولا يغتسل من جنابة. فقال آصف: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن هذا لهو البلاء المبين. ثم خرج إلى بني إسرائيل فقال: ما في الخاصة أعظم مما في العامة. فلما مضت أربعون صباحاً طار الشيطان عن مجلسه ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه، فابتلعته سمكة وأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدر يومه حتى إذا كان آخر النهار أعطاه سمكتيه، فأعطى السمكة التي ابتلعت الخاتم، وحمل سليمان سمكتيه فباع التي ليس فيها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها، فاستقبله الخاتم من جوفها فأخذه، فجعله في يده ووقع ساجداً لله تعالى، وعكفت عليه الطير والوحش والجن. وأقبل إليه الناس ورجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين بإحضار صخر فأدخله في صخرة عظيمة، ثم شد عليه أخرى، ثم أوثقهما بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقذف في البحر، هذا حديث وهب. وقال السدي في سبب الفتنة: كان لسليمان مائة امرأة وكانت منهن امرأة يقال لها جرادة وهي آثر نسائه وآمنهنّ عنده، وكان إذا أجنب أو أتى حاجته نزع خاتمه ولم يأتمن عليه غيرها. فجاءها يوماً من الأيام فقالت له: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وإني أحب أن تقضي له إذا جاءك. قال نعم، ولم يفعل؛ فابتلى بقوله وأعطاها خاتمه ودخل المذهب، فخرج الشيطان في صورته فقال لها: هاتي الخاتم، فأعطته إياه، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان بعده فسألها أن تعطيه الخاتم فقالت: ألم تأخذه؟ قال: لا! وخرج من مكانه. ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوماً، فأنكر الناس حكمه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم فجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا حكمه، فأبكى النساء عند ذلك. فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرءوها، فطار الشيطان من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم في البحر فابتلعه الحوت. فأقبل سليمان في حالته التي كان فيها حتى انتهى إلى صيادين وهو جائع فاستطعمهم من صيدهم وقال: إني سليمان بن داود. فقام إليه بعضهم فضربه بعصاه فشجه. فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبه الذي ضربه وقالوا: بئسما صنعت حيث ضربته. فقال: إنه زعم أنه سليمان بن داود! فأعطاه سمكتين. فقام إلى ساحل البحر فشق بطونهما وجعل يغسلهما، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه ولبسه، ورد الله تعالى عليه ملكه وبهاءه، وجاءت الطير فعكفت عليه، فعرفه القوم فقاموا يعتذرون إليه مما صنعوا. فقال: ما أؤاخذكم على عدوانكم ولا ألومكم على ما كان منكم، هذا ما كان لا بد منه. وجاء حتى أتى ملكه، فأخذ الشيطان فجعله في صندوق من حديد ثم أطبقه وأقفل عليه بقفل وختم بخاتمه، ثم أمر به فألقى في البحر، وهو فيه كذلك إلى يوم القيامة.\rقال: وفي بعض الروايات أن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده، فأخذه سليمان فأعاده إلى يده، فسقط من يده فلما رآه لا يثبت في يده أيقن بالفتنة. وقال آصف لسليمان: إنك مفتون بذنبك والخاتم لا يتماسك أربعة عشر يوماً، ففر إلى الله تعالى تائباً من ذنبك وأنا أقوم مقامك وأسير في عملك وأهل بيوتك بسيرتك حتى يتوب الله عليك ويردك إلى ملكك. ففر سليمان هارباً إلى ربه، وأخذ آصف الخاتم ووضعه في يده فثبت. وإن الجسد الذي قال الله تعالى: \" وألقينا على كرسيه جسداً \" هو آصف كاتب سليمان، وكان عنده علم من الكتاب. فأقام آصف في ملك سليمان يسير سيرته ويعمل بعمله أربعة عشر يوماً، إلى أن رجع سليمان إلى منزله تائباً إلى الله تعالى، ورد الله تعالى عليه ملكه، وقام آصف من مجلسه وجلس سليمان على كرسيه وأعاد الخاتم في يده فثبت فيها.","part":3,"page":449},{"id":1450,"text":"قال أبو إسحاق: وقيل في سبب ذلك ما روي عن سعيد بن المسيب أن سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله تعالى إليه أن يا سليمان احتجت عن عبادي ثلاثة أيام فلم تنظر في أمورهم ولم تنصف مظلوماً من ظالم. وذكر حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه كما تقدم، وقال في آخره: قال علي: فذكرت ذلك للحسن فقال: ما كان الله ليسلطه على نسائه.\rقال وقال بعض المفسرين: كان سبب فتنة سليمان أنه أمر ألا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوج من غيرهم فعوقب على ذلك.\rوقيل: إن سليمان لما أصاب ابنة الملك صيدون أعجب بها، فعرض عليها الإسلام فأبت وامتنعت، فخوفها فقالت: إن أكرهتني على الإسلام قتلت نفسي. فخاف سليمان أن تقتل نفسها، فتزوج بها وهي مشركة أربعين يوماً، وكانت تعبد صنماً لها في خفية من سليمان إلى أن أسلمت، فعوقب سليمان بزوال ملكه أربعين يوماً.\rقال وقال الشعبي في سبب ذلك. إن سليمان ولد له ولد. فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لم ننفك مما نحن فيه من البلاء والسخرة، وما لنا إلا أن نقتل ولده أو نخبله. فعلم سليمان بذلك، فأمر السحاب أن يأخذ ابنه، وأمر الريح فحملته، وغدا ابنه في السحاب خوفاً من مضرة الشيطان. فعاقبه الله تعالى بخوفه من الشيطان، ومات الولد فألقي ميتاً على كرسيه فهو الجسد الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز؛ قال الله تعالى: \" ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب \" .\rذكر عزم سليمان - ع - أن يطوف على نسائه\rقال الكسائي: كان سليمان - ع - قد أعطى من القوة ما إنه يأتي على خمسمائة حرة وسبعمائة سرية. فقال في يوم: لأطوفن على ألف امرأة وأجامعهن كلهن، فتحمل كل واحدة منهن بغلامين فارسين يركبون الخيل ويغزون البلاد، ولم يقل إن شاء الله. وطاف عليهن فلم تحمل منهن غير واحدة، حملت بنصف إنسان، قيل: إنه الجسد الذي ألقى على كرسي سليمان. والله أعلم.\rوالذي ثبت من هذه القصة ما رويناه من صحيح البخاري بسندنا المتقدم إليه. قال البخاري حدثنا خالد بن مخلد حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارساً يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه إن شاء الله فلم يقل، ولم تحمل شيئاً إلا واحداً ساقطاً إحدى شقيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو قالها لجاهدوا في سبيل الله. قال شعيب وابن أبي الزناد تسعين وهو أصح \" .\rوفاة بلقيس\rقال الكسائي: أقامت بلقيس عند سليمان سبع سنين وسبعة أشهر ثم توفيت، فدفنها بمدينة تدمر من أرض الشام تحت حائط، ولم يعلم أحد بموضع قبرها إلى أيام الوليد بن عبد الملك بن مروان. قال موسى بن نصير: بعثت في أيام الوليد إلى مدينة تدمر ومعي العباس بن الوليد بن عبد الملك، فجاء مطر عظيم فإنهار بعض حائط المدينة، فانكشفت عن تابوت طوله ستون ذراعاً وعرضه أربعون ذراعاً متخد حجر كالزعفران مكتوب عليه: \" هذا تابوت بلقيس الصالحة أسلمت لثلاث عشرة ستة خلت من ملك سليمان، وتزوج بها يوم عاشوراء سنة أربع عشرة خلت من ملكه، وتوفيت يوم الاثنين من ربيع الأول سنة إحدى وعشرين مضت من ملكه، وقد دفنت ليلاً في حائط مدينة تدمر، ولم يطلع على دفنها إنس ولا جن ولا شيطان. قال: فرفعنا غطاء التابوت وإذا هي غضة كأنها دفنت ليلتها. فكتبنا بذلك إلى الوليد فأمر بتركه في مكانه، وأن يبنى عليه بالصخر والمرمر، ففعلنا ذلك.\rوفاة سليمان - ع","part":3,"page":450},{"id":1451,"text":"قال الكسائي: ملك سليمان شرق الأرض وغربها وطاف أقطارها حتى انتهى إلى السد الذي هو بالقرب من جبل قاف، فوقف هناك ثم قال للريح: هل جريت هاهنا قط؟ قالت: لا يا نبي الله، وإنه آخر الدنيا وليس وراءه إلا علم الله تعالى. ثم أمر الريح فاحتملته حتى نظر إلى التنين المحدق بالعالم، فسار أياماً على طرف من أطرافه فإذا هو بملك، فقال: يا بن داود إن هذا التنين محيط بالعالم الذي هو مسيرة خمسمائة عام. ثم ارتفع إلى مستقر الغمام ونظر إلى مجمع القطر، ونزل من هناك إلى مسكن الليل والنهار فإذا هو بملك يقول: اللهم أعط كل منفق خلقاً وكل ممسك تلفاً. ثم أمر الريح أن تحط بساطه إلى الأرض المقدسة، وكانت مدة غيبته مائة وثلاثين يوماً. وكان في طول سفرته هذه يرى شخصاً بين يديه يسبق كل شيء، فسأله من هو؟ فأخبره أنه ملك الموت، فوقعت عليه الرعدة وتغير لونه وجعل ابنه رحبعم خليفته، وأوصى الناس بالسمع والطاعة له. وأخذ في الصوم والصلاة طول ليله، فإذا أصبح خرج من محرابه إلى روضة هناك فيها نبات حسن يتسلى به. فخرج في بعض الأيام فرأى نبتاً غريباً لم يكن قد رآه قبل ذلك اليوم. فقال: أيها النبت ما أنت؟ قال: أنا الخرنوب الذي لا أنبت في موضع إلى خربته. فقال: قد أمرت أن أنبت هاهنا. فعاد سليمان من الغد وهو على حاله وقد زاد نباته. فقال له سليمان: ألم آمرك أن تلحق بموضعك من البراري!. قال الخرنوب: يا نبي الله، إن هذا الموضع سيخرب عن قريب، فسكت سليمان. فلما ضعف عن العبادة توكأ على عصاه. فبينا هو في محرابه متوكئاً قائماً يتلو الزبور والتوراة إذ أتاه ملك الموت، فرفع رأسه إليه فناوله شمة فشمها فمات. وبقي سليمان على حالته لم يسقط إلى الأرض ولم يتحرك ولا مال. فهابوه وما جسروا أن يتقدموا إليه. وقالوا: إنه لم يمت، ولم تزل الإنس والجن والشياطين والوحش والطير في الطاعة والأعمال حتى مضت سنة، ثم وقعت الأرضة في أسفل العصا، فذلك قوله تعالى: \" فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته \" فخر سليمان عند ذلك كالخشبة اليابسة، وكانت الجن قبل ذلك تدعي علم الغيب؛ قال الله تعالى: \" فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين \" أي في تلك السنة في نقل الصخور والبنيان وغير ذلك.\rوحكى أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى في خبر وفاة سليمان - ع - : قال أهل التاريخ: لبث سليمان في ملكه بعد أن رده الله عليه تعمل له الجن ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات وغير ذلك، ويعذب من الشياطين من يشاء، ويأمرهم بحمل الحجارة الثقيلة ونقلها إلى حيث أحب. فأتاهم إبليس وهم في العمل فقال: كيف أنتم؟ فقالوا: ما بنا طاقة لما نحن فيه. فقال لهم: تذهبون تحملون الحجارة وترجعون فراغاً لا تحملوا شيئاً؟ قالوا نعم. قال: فأنتم في راحة. فأبلغت الريح ذلك سليمان، فأمرهم أن يحملوا ذاهبين وراجعين. فقال لهم إبليس: تعملون بالليل؟ قالوا لا. قال: فأنتم في راحة. فأبلغت الريح ذلك سليمان، فأمرهم أن يعملوا بالليل والنهار. فأتاهم إبليس فسألهم فشكوا إليه أنهم يعملون بالليل والنهار. فقال لهم إبليس: وفعلها؟ قالوا: نعم. قال: فتوقعوا الفرج، فقد بلغ الأمر منتهاه. فما لبثوا إلا يسيراً حتى مات سليمان.\rقال ابن عباس وغيره: كان سليمان يتحنث في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر، يدخل ومعه طعامه وشرابه، فدخله في المرة التي مات فيها. قال: وكان بدء ذلك أنه لم يكن يوماً يصبح فيه إلا نبت في بيت المقدس شجرة فيسألها سليمان ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا. فيقول: لأي شيء تصلحين؟ فتقول: لكذا وكذا؛ فيأمر بها فتقطع، فإن كانت تنبت لغرس غرسها، وإن كانت لدواء كتب عليها لكذا وكذا. فبينا هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ فقالت: الخرنوبة. قال: ولأي شيء نبتي؟ قالت: لخراب هذا المسجد. فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت الذي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس. فنزعها وغرسها في حائط له، ثم قال: اللهم عم عن الجن موتي حتى يعلم الإنسان أن الجن لا يعلمون الغيب. وكانت الجن يخبرون الإنس أنهم يعلمون الغيب وأنهم يعلمون ما في غد.","part":3,"page":451},{"id":1452,"text":"قال: ثم دخل سليمان المحراب فقام يصلي متكئاً على عصاه، فمات على تلك الحالة، ولم يعلم بذلك أحد من الشياطين، وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم.\rقال وقال عبد الرحمن بن زيد قال سليمان لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني. قال: فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك وقد بقيت لك سويعة. فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب، فقام يصلي واتكأ على عصاه، فدخل عليه ملك الموت فبقض روحه وهو متكئ على عصاه.\rقال وفي رواية أخرى: أن سليمان قال ذات يوم لأصحابه: قد آتاني الله من الملك ما ترون، وما مر علي يوم في ملكي بحيث صفا لي من الكدر، وقد أحببت أن يكون لي يوم واحد يصفو لي إلى الليل ولا أغتم فيه، وليكن ذلك غداً. فلما كان من الغد دخل قصراً له، وأمر بإغلاق أبوابه ومنع الناس من الدخول عليه ورفع الأخبار إليه لئلا يسمع شيئاً يسوءه، ثم أخذ عصاه بيده وصعد فوق قصره واتكأ عليها ينظر في ممالكه، إذ نظر إلى شاب حسن الوجه، عليه ثياب بيض قد خرج عليه من جانب قصره فقال: السلام عليك يا سليمان. فقال سليمان. وعليكم السلام، كيف دخلت هذا القصر وقد منعت من دخوله؟ أما منعك البواب والحجاب!. أما هبتني حين دخلت هذا قصري بغير إذني!! فقال: أنا الذي لا يحجبني حاجب، ولا يمنعني بواب، ولا أهاب الملوك، ولا أقبل الرشا، وما كنت لأدخل هذا القصر بغير إذن. فقال سليمان: فمن أذن لك في دخوله؟ قال: ربه. فارتعد سليمان وعلم أنه ملك الموت. فقال له: أنت ملك الموت؟ قال نعم. قال: فيم جئت؟ قال: جئت لأقبض روحك. قال: يا ملك الموت، هذا يوم أردت أن يصفو لي وما أسمع فيه ما يغمني. قال له: يا سليمان، إنك أردت يوماً يصفو لك فيه عيشك حتى لا تغتم فيه، وذلك اليوم لم يخلق في الدنيا، فارض بقضاء ربك فإنه لا مرد له. قال: فاقبض كما أمرت، فقبض ملك الموت روحه وهو متكئ على عصاه.\rقال الثعلبي قالوا: وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه ومصلاه أينما كان. وكان للمحراب كوى بين يديه ومن خلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يدخل يقول: ألست جليداً إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر. فدخل شيطان من أولئك فمر، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق، فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع ولم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت فلم يحترق، ونظر إلى سليمان - ع - قد سقط ميتاً، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه وأخرجوه ووجدوا منسأته وهي - العصا بلسان الحبشة - قد أكلتها الأرضة، فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولاً كاملاً، فأيقن الناس أن الجن كانوا يكذبونهم، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان، فلم يلبثوا في العذاب سنة يعملون.\rقال: ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب طعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، و لكننا سننقل إليك الماء والطين. قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت. قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو مما تأتيها به الشياطين شكراً لها؛ فذلك قوله تعالى: \" فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض \" وهي الأرضة، ويقال لها القادح أيضاً، وهي دويبة تأكل العيدان \" تأكل منسأته \" أي عصاه \" فلما خر تبينت الجن... \" الآية.\rقال أهل التاريخ: كان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ومدة ملكه أربعين سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة.\rوقال الكسائي قال وهب: عاش سليمان ستين سنة، منها في الملك والنبوة أربعون سنة. قال: وتفرقت الإنس والجن وغيرهم، فتفرق بنو إسرائيل بعده ثلاث فرق: فرقة كفروا واتبعوا السحرة، وفرقة اعتزلوا وقالوا: لا نطيع بعده أحداً وفرقة اتبعو ابنه رحبعم.\rقال الثعلبي: ملك بعد سليمان - ع - ابنه رحبعم، وكان قد استخلفه فنبأه الله تعالى ولم يكن رسولاً ثم قبض، وكان ملكه سبع عشرة سنة. ثم ملك بعده ابنه أيشا بن رحبعم، وكان ملكه ثلاثا وستين سنة. ثم ابنه أينا.\rوقال الكسائي: ملك بعد رحبعم ابنه لايى، وملك بعد لايى ابنه أيشا بن لايى، ثم بعث الله تعالى بعد أن قبض أيشا، شعيا وهو من ولد هارون بن عمران.","part":3,"page":452},{"id":1453,"text":"وقال الثعلبي في سياقه: لما ملك أينا بن أيشا، وكان رجلاً صالحاً، وكان أعرج، وكان به عرق النسا، فطمعت الملوك فيه لضعفه، وافترقت ملوك بني إسرائيل، فغزاهم ملك من ملوك الهند يقال له زرج الهندي في جمع كثير، فبعث الله تعالى عليهم ملائكة فهزموهم، فقصدوا البحر حتى ركبوه جميعاً، فبعث الله تعالى عليهم الريح والأمواج أثقالهم وأموالهم وسلبهم إلى محلة بني إسرائيل، ونودوا أن خذوا ما غنمكم الله وكونوا فيه من الشاكرين. ثم لم يزل يغزوهم الملك بعد الملك من ملوك العراق وغيرهم، فيهلكهم الله تعالى إلى أن ظهر فيهم الظلم والفساد، وفشت فيهم المعاصي، وعبد بعض ملوكهم الأصنام، فكان من أمرهم ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rالباب الثالث من القسم الثالث من الفن الخامس\rشعيا وإرميا - ع -\rوخبر بختنصر وخراب بيت المقدس وعمارته وما يتصل بذلك من خبر عزير وفتنة اليهود قصة شعيا (ع)","part":3,"page":453},{"id":1454,"text":"قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله: كان الملك إذا ملك من بني إسرائيل بعث الله معه نبياً يرشده ويسدده ويكون فيما بين الناس وبين الله تعالى، ولا ينزل الله تعالى عليه كتاباً إنما يأمر بأحكام التوراة وينهى عن المعصية، ويدعوا الناس إلى ما تركوا من الطاعة، وكان ممن ملك منهم صديقة. فلما ملك بعث الله تعالى شعيا بن أمصيا، فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زماناً، ثم كثرت في بني إسرائيل الأحداث، فبعث الله سنحاريب ملك بابل، معه ستمائة ألف راية، فأقبل حتى نزل حول بيت المقدس والملك إذ ذاك مريض في ساقه قرحة، فجاء النبي شعيا - ع - فقال لملك بني إسرائيل: إن سنحاريب ملك بابل قد أقبل ونزل بك في ستمائة ألف راية، وقد هابهم الناس وفرقوا منهم. فكبر ذلك على الملك وقال: يا نبي الله، هل أتاك وحي فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله تعالى بنا وسنحاريب؟ قال: لم يأتني وحي. فبينما هم كذلك أوحى الله تعالى إلى شعيا أن ائت ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي بوصية ويستخلف على ملكه من يشاء من أهل بيته. فأتاه شعيا فقال: إن ربك عز وجل قد أوحى إلي أن آمرك أن توصي وصيتك وتستخلف من شئت على ملكك من أهل بيتك فإنك ميت. فلما قال له شعيا ذلك أقبل صديقة الملك على القبلة فصلى ودعا وبكى، فقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله عز وجل بقلب مخلص وتوكل وصبر: \" اللهم رب الأرباب وإله الآلهة القدوس المقدس، يا رحمن يا رحيم، يا رءوف يا من لا تأخذه سنة ولا نوم، اذكرني بنيتي وفعلي وحسن قضائي في بني إسرائيل، وذلك كله كان منك وأنت أعلم به مني سري وعلانيتي لك \" ، فاستجاب الله تعالى دعاءه، وكان عبداً صالحاً. فأوحى الله تعالى إلى شعيا أن أخبر صديقة أن الله استجاب له وقبل منه ورحمه وأخر أجله خمس عشرة سنة، وأنجاه من عدوه سنحاريب وجنوده. فلما رفع رأسه أوحى الله تعالى إلى شعيا أن قل للملك صديقة يأمر عبداً من عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحة ساقه فيشفي ويبرأ، ففعل ذلك فشفي. وقال الملك لشعيا: سل ربك أن يجعل لنا علماً بما هو صانع بعدونا هذا. فقال الله تعالى لشعيا: قل له إني كفيتك عدوك وأنجيتك منهم، وإنهم سيصبحون موتى إلا سنحاريب وخمسة نفر من كتابه. فلما أصحوا جاء صارخ فصرخ على باب المدينة: يا ملك بني إسرائيل، إن الله تعالى قد كفاك أمر عدوك؛ فإن سنحاريب ومن معه قد هلكوا. فخرج الملك فالتمس سنحاريب فلم يوجد في الموتى. فبعث الملك في طلبه، فأدركه الطلب في مغارة وخمسة من كتابه، أحدهم بختنصر، فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم ملك بني إسرائيل، فلما رآهم خر ساجداً لله تعالى من حين طلعت الشمس إلى العصر، ثم قال لسنحاريب: كيف ترى فعل ربنا؟ ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون؟! فقال سنحاريب: قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم، ورحمته التي رحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي، فلم أطع مرشداً ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي، ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم، ولكن الشقوة غلبت علي وعلى من معي. فقال صديقة: الحمد لله رب العزة الذي كفاناكم بما شاء. إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامة لك عليه، ولكنه إنما أبقاك ومن معك لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذاباً في الآخرة، ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا. ولدمك ودم من معك أهون على الله تعالى من دم قرادة لو قتلت. ثم أمر صديقة أمير جيشه أن يقذف في رقابهم الجوامع، فطاف بهم سبعين يوماً حول بيت المقدس وإيليا، وكان يرزقهم في كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل. فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل: القتل خير مما تفعل بنا، فافعل ما أمرت. فأمر بهم الملك إلى سجن القتل، فأوحى الله تعالى إلى شعيا: أن قل لملك بني إسرائيل: يرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم، وأن يكرمهم ويحملهم حتى يبلغوا بلادهم. فبلغ شعيا الملك ذلك، ففعل ما أمر به، وخرج سنحاريب ومن معه حتى قدموا بابل. فلما قدموا جمع سنحاريب الناس وأخبرهم كيف فعل الله بجنوده. فقال له كهانه وسحرته: قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم، فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم. ولبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين ومات. واستخلف بختنصر ابن ابنه على ما كان عليه جده، فعمل بعمله وقضى بقضائه، فلبث سبع عشرة سنة ثم قبض الله تعالى صديقة ملك بني إسرائيل، فمرج أمر بني إسرائيل","part":3,"page":454},{"id":1455,"text":"وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضاً، ونبيهم شعيا معهم لا يرجعون إليه ولا يقبلون منه. فلما فعلوا ذلك أوحى الله تعالى إلى شعيا: أن ثم في قومك أوح على لسانك. فلما قام أوحى الله تعالى على لسانه وأنطقه بالوحي فقال: يا سماء اسمعي، ويا أرض أنصتي؛ فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته، واصطنعهم لنفسه، وخصهم بكرامته، وفضلهم على عباده، واستقبلهم بالكرامة، وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها؛ لآوى شاردها، وجمع ضالها، وجبر كسيرها، وداوى مريضها، وأسمن مهزولها، وحفظ سمينها. فلما فعل ذلك بها تناطحت كباشها فقتل بعضها بعضاً، حتى لم يبق منهم عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير. فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لا يدرون ما جاءهم من الخير. إن البعير مما يذكر وطنه فيأتيه، وإن الحمار مما يذكر الآرى الذي يشبع عليه فيراجعه، وإن الثور مما يذكر المرج الذي يسمن فيه فينتابه، وإن هؤلاء القوم لا يدرون من أين جاءهم الخير وهم ألو الألباب والعقول ليسوا ببقر ولا حمير، وإني ضارب لهم مثلاً فليسمعوه.افسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضاً، ونبيهم شعيا معهم لا يرجعون إليه ولا يقبلون منه. فلما فعلوا ذلك أوحى الله تعالى إلى شعيا: أن ثم في قومك أوح على لسانك. فلما قام أوحى الله تعالى على لسانه وأنطقه بالوحي فقال: يا سماء اسمعي، ويا أرض أنصتي؛ فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته، واصطنعهم لنفسه، وخصهم بكرامته، وفضلهم على عباده، واستقبلهم بالكرامة، وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها؛ لآوى شاردها، وجمع ضالها، وجبر كسيرها، وداوى مريضها، وأسمن مهزولها، وحفظ سمينها. فلما فعل ذلك بها تناطحت كباشها فقتل بعضها بعضاً، حتى لم يبق منهم عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير. فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لا يدرون ما جاءهم من الخير. إن البعير مما يذكر وطنه فيأتيه، وإن الحمار مما يذكر الآرى الذي يشبع عليه فيراجعه، وإن الثور مما يذكر المرج الذي يسمن فيه فينتابه، وإن هؤلاء القوم لا يدرون من أين جاءهم الخير وهم ألو الألباب والعقول ليسوا ببقر ولا حمير، وإني ضارب لهم مثلاً فليسمعوه.","part":3,"page":455},{"id":1456,"text":"قل هلم: كيف ترون في أرض كانت جرزاً زماناً خربةً مواتاً لا عمران فيها، وكان لها رب حكيم قوي، فأقبل عليها بالعمارة وكره أن تخرب أرضه، فأحاط عليها جداراً وشيد فيها قصراً وأنبط فيها نهراً، وصفف فيها غراساً من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار كلها، وولي ذلك واستحفظه ذا رأي وهمة حفيظاً قوياً أميناً، فانتظرها، فلما أطلعت جاء طلعها خروباً؟!. قالوا: بئست الأرض هذه! ترى أن يهدم جدارها وقصرها ويدمر نهرها ويقبض قيمها ويحرق غرسها حتى تصير كما كانت أول مرة خراباً مواتاً لا عمران فيها. قال الله عز وجل لهم: إن الجدار ذمتي، وإن القصر شريعتي، وإن النهر كتابي، وإن القيم نبيي، وإن الغراس هم، وإن الخروب الذي أطلع الغراس أعمالهم الخبيثة، وإني قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، فإنه مثل ضربه الله لهم. يتقربون إلي بذبح البقر والغنم، وليس ينالني اللحم ولا آكله. ويدعون أنهم يتقربون إلي بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها، فأيديهم مخضوبة منها، وثيابهم مترملة بدمائها؛ يشيدون لي البيوت مساجد ويطهرون أجوافها، وينجسون قلوبهم وأجسادهم ويدنسونها. فأي حاجة لي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها! وأي حاجة لي إلى تزويق المساجد ولست أدخلها! إنما أمرت برفعها لأذكر فيها ولأسبح، ولتكون مصلى لمن أراد أن يصلي فيها. يقولون: لو كان الله يقدر على أن يجمع ألفتنا لجمعها، ولو كان الله يقدر على أن يفقه قلوبنا لأفقهها، فاعمد إلى عودين يابسين ثم ائت بهما ناديهم في أجمع ما يكونون، فقل للعودين: إن الله يأمركما أن تكونا عوداً واحداً. فلما قال لهما ذلك اختلطا فصارا واحداً. فقال الله تعالى قل لهم: إني قد قدرت على أن أفقه العودين اليابسين، وعلي أن أؤلف بينهما، فكيف لا أقدر على أن أجمع ألفتهم إن شئت! أم كيف لا أقدر على أن أفقه قلوبهم وأنا الذي صورتها!. يقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا، وصلينا فلم تنور صلاتنا، وتصدقنا فلم تزك صدقاتنا، ودعونا بمثل حنين الحمام، وبكينا بمثل عواء الذئاب، في كل ذلك لا يسمع ولا يستجاب لنا. قال الله تعالى: فسلهم: ما الذي يمنعني أن أستجيب لهم! ألست أسمع السامعين، وأبصر الناظرين، وأقرب المجيبين، وأرحم الراحمين! ألأن ذات يدي قلت! وكيف ويداي مبسوطتان بالخير أنفق كيف أشاء، ومفاتيح الخزائن عندي لا يفتحها غيري!. أو لأن رحمتي ضاقت! فكيف ورحمتي وسعت كل شيء، وإنما يتراحم المراحمون بفضلها!. أو لأن البخل يعتريني! أولست أكرم الأكرمين. والنفاح بالخيرات أجود من أعطى وأكرم من سئل!. لو أن هؤلاء القوم نظروا لأنفسهم بالحكمة التي تورث في قلوبهم النور فنبذوها واشتروا بها الدنيا، إذاً لأبصروا من حيث أتوا، وإذاً لأيقنوا عليه بطعمة الحرام! وكيف أنور صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني وينتهك محارمي! أم كيف تزكو عندي صدقاتهم وهم يتصدقون بأموال غيرهم! إنما آجر عليها أهلها المغصوبين. أم كيف استجيب لهم دعاءهم، وإنما هو قول بألسنتهم والفعل من ذلك بعيد!. إنما أستجيب للداعي البر، وإنما أسمع قول المستعف المستكين. وإن من علامة رضاي رضا المساكين. فلو رحموا المساكين، وقربوا الضعفاء، وأنصفوا المظلوم، ونصروا المغصوب، وعدلوا للغائب، وأدوا مال اليتيم والأرملة والمسكين وكل ذي حق حقه، ثم لو كان ينبغي لي أن أكلم البشر إذاً لكلمتهم، وإذاً لكنت نور أبصارهم، وسمع آذانهم، ومعقول قلوبهم؛ وإذاً لدعمت أركانهم فكنت قوة أيديهم وأرجلهم؛ وإذاً لثبت ألسنتهم وعقولهم.","part":3,"page":456},{"id":1457,"text":"يقولون لما سمعوا كلامي وبلغتهم رسالاتي إنها أقاويل منقولة، وأحاديث متوارثة، وتآليف مما يؤلف السحرة والكهنة، وزعموا أنهم لو شاءوا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا، وأن يطلعوا على علم الغيب بما يوحي إليهم الشياطين لأطلعوا، وكلهم يستخفي بالذي يقول ويسره، وهم يعلمون أني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما يبدون وما يكتمون. وإني قد قضيت يوم خلقت السماء والأرض قضاء اثبته على نفسي وجعلت دونه أجلاً مؤجلاً لا بد أنه واقع، فإن صدقوا فيما ينتحلون من علم الغيب فليخبروك متى أنفذه، وفي أي زمان يكون. وإن كانوا يقدرون على أن يأتوا بما يشاءون فليأتوا بمثل القدرة التي بها أقضي؛ فإني مظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وإن كانوا يقدرون على أن يؤلفوا ما يشاءون فليؤلفوا مثل الحكمة التي أدبر بها أمر ذلك القضاء إن كانوا صادقين. فإني قضيت يوم خلقت السموات والأرض أن أجعل النبوة في الأجراء، وأجعل الملك في الرعاء، والعز في الأذلاء، والقسوة في الضعفاء، والغنى في الفقراء، والثروة في الأفلاء، والمدائن في الفلوات، والآجام في المفاوز، والثرى في الغيطان، والعلم في الجهلة، والحكم في الأميين. فسلهم متى هذا ومن القيم به وعلى يدي من أسببه، ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره. وإن كانوا يعلمون فإني باعث لذلك نبياً أميا لا أعمى من العميان ولا ضالاً من الضالين، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صاحب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوال للخنا، أسدده لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، ثم أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، أحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأشهر به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة؛ وأؤلف به قلوباً مختلفة، وأهواء متشتتة، وأمما متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، إيماناً بي، وتوحيداً لي، وإخلاصاً بي، يصلون قياماً وقعوداً، وركعاً وسجوداً، ويقاتلون في سبيلي صفوفاً وزحوفاً، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء رضواني ألوفاً. ألهمهم التكبير والتوحيد، والتسبيح والتحميد، في مجالسهم ومسيرهم ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم؛ يكبرون ويهللون ويقدسون على رءوس الأشراف، ويطهرون لي الوجوه والأطراف، ويعقدون الثياب إلى الأنصاف؛ قربانهم دماؤهم، وأنا جيلهم صدورهم؛ رهبان بالليل، ولبث بالنهار. ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم.\rقال فلما فزع نبيهم شعيا من مقالته عدوا عليه ليقتلوه فهرب منهم فانفلقت له شجرة فدخل فيها، فأدركه الشيطان فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها، فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها.\rقصة إرميا - ع","part":3,"page":457},{"id":1458,"text":"قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله: استخلف الله تعالى على بني إسرائيل بعد قتلهم شعيا - ع - رجلاً منهم يقال له ناشية بن آموص، وبعث لهم الخضر نبياً. قال: واسم الخضر إرميا بن حلقيا، وكان من سبط هارون ابن عمران. قال: وإنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فقام عنها وهي تهتز خضراء. فقال الله عز وجل لإرميا حين بعثه إلى بني إسرائيل: يا إرميا، من قبل أن خلقتك اخترتك، ومن قبل أن أصورك في بطن أمك قدستك، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك، ومن قبل أن تبلغ السعي نبأتك، ولأمر عظيم اجتبيك؛ فذكر قومك نعمي، وعرفهم أحداثهم، وادعهم إلي. وكانت الأحداث قد عظمت في بني إسرائيل فركبوا المعاصي واستحلوا المحارم. فقال إرميا: إني ضعيف إن لم تقوني، عاجز إن لم تنصرني. فقال الله عز وجل: أنا ألهمك. فقام إرميا فيهم ولم يدر ما يقول، فألهمه الله عز وجل خطبة طويلة بليغة، بين لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية، وقال في آخرها: وإني أحلف بعزتي لأقبض لهم فتنة يتحير فيها الحكيم، ولأسلطن عليهم جباراً قاسياً قلبه، ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم. ثم أوحى الله تعالى إلى إرميا: إني مهلك بني إسرائيل بيافث، ويافث أهل بابل، وهم من ولد يافث بن نوح. فلما سمع ذلك إرميا صاح وبكى وشق ثيابه وسد الرماد على رأسه. فلما سمع الله عز وجل تضرعه وبكاءه ناداه: يا إرميا، أشق عليك ما أوحيت إليك؟ قال: نعم يا رب، أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به. فقال الله عز وجل: وعزتي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك. ففرح بذلك إرمياً وطابت نفسه وقال: لا والدي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل. ثم أتى الملك فأخبره بذلك، وكان ملكاً صالحاً، ففرح واستبشر وقال: إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة، وإن عفا عنا فبرحمته. ثم إنهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزادوا إلا معصية وتمادياً في الشر، وذلك حين اقترب هلاكهم ودعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا، فسلط الله عليهم بختنصر فخرج في ستمائة ألف راية يريد بيت المقدس. فلما فصل سائر أتى الخبر الملك فقال لإرميا: أين ما زعمت أن الله أوحى إليك؟ فقال إرميا: إن الله عز وجل لا يخلف الميعاد وأنا به واثق. فلما قرب الأجل وعزم الله عز وجل على هلاكهم بعث الله تعالى إلى إرميا ملكاً فتمثل له رجلاً من بني إسرائيل فقال له: يا نبي الله، أستفتيك في أهل رحمي، وصلت أرحامهم ولم آت إليهم إلا حسناً، ولا يزيد إكرامي إياهم إلا إسخاطاً لي، فأفتني فيهم. فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير. فقام الملك فمكث أياماً ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه، فقال له إرميا: أو ما ظهرت أخلاقهم لك بعد؟ فقال: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمه إلا قدمتها إليهم وأفضل. فقال له إرميا: ارجع إلى أهلك وأحسن إليهم، واسأل الله تعالى الذي أصلح عباده الصالحين أن يصلحهم. فقام الملك فمكث أياماً وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد، ففزع منهم بنو إسرائيل وشق عليهم. فقال ملكهم لإرميا: يا نبي الله، أين ما وعدك الله؟ قال: إني بربي واثق. ثم أقبل الملك إلى إرميا: ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟ فقال الملك: يا نبي الله، كل شيء يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، فاليوم رأيتهم في عمل لا يرضى الله عز وجل. فقال إرميا: على أي عمل رأيتهم؟ قال: على عمل عظيم من سخط الله، فغضبت لله ولك وأتيتك لأخبرك. وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم. قال إرميا: يا ملك السموات والأرض إن كانوا على حق وصواب فأبقهم، وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم. فلما خرجت الكلمة من فم إرميا أرسل الله عز وجل صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها.","part":3,"page":458},{"id":1459,"text":"فلما رأى ذلك إرميا وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه وقال: يا ملك السموات والأرض، أين ميعادك الذي وعدتني! فنودي: إنه لم يصبهم الذي أصابهم إلا بفتياك ودعائك. فاستيقن إرميا أنها فتياه، وأن ذلك السائل كان رسول ربه. فطار إرميا حتى خالط الوحوش. ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس، فقذفوا فيه التراب حتى ملئوه؛ ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس كلهم، فجمعوا عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل، فاختار منهم مائة ألف صبي، وقيل سبعين ألف صبي. فلما خرجت غنائم جنده لتقسم قال له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك، لك غنائمها كلها، فاقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل، ففعل ذلك، فأصبا كل رجل منهم أربعة غلمة. وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا وعزاريا وميشائيل، وسبعة آلاف من أهل بيت داود - ع - ، وأحد عشر ألفاً من سبط يوسف ابن يعقوب، وأخيه بنيامين - ع - ، وثمانية آلاف من سبط أشرس بن يعقوب؛ وأربعة عشر ألفاً من سبط ريالون بن يعقوب نفتالي بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب، وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوى ابنى يعقوب، ومن بقي من بني إسرائيل.\rقال: وجعل بختنصر من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق، فثلثاً أقر بالشام، وثلثاً سبى، وثلثا قتل. وذهب بآينة بيت المقدس وسلب حيله حتى أقدم ذلك بابل، فكان على سبعين ألفا ومائة ألف عجلة من حلي. فذلك قوله تعالى: \" وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدون في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد \" يعني بختنصر وأصحابه \" فجاسوا خلال الديار وكان وعد مفعولاً \" فهذه الوقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل لاختلافهم وظلمهم. ولنصل هذا الفصل بخبر بختنصر.\rخبر بختنصر وابتداء أمره وكيف ملك يقال في اسمه: بختنصر بتشديد الصاد وإسكانها ويقال فيه: بختناصر. وقد اختلف في أمره، فقال قوم: إنه ملك الدنيا أجمع. وقال آخرون: بل ملك بابل وما افتتحه. وقال قوم: إنما كان مرزباناً للهراسف الفارسي. وقال قوم: كان أصله من أبناء الملوك، وقيل: بل كان من الفقراء. وسنذكر إن شاء الله تعالى ما نقف عليه من ذلك. فمن ذلك ما رواه أبو إسحاق الثعلبي في تفسير قوله عز و جل: \" وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب.... \" الآيات بسند رفعه إلى سعيد بن جبير قال: كان رجل من بني إسرائيل يقرأ التوراة، حتى إذا بلغ \" بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد \" بكى وفاضت عيناه ثم أطبق المصحف وقال: أي رب أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه؛ فأرى في المنام مسكين ببابل يقال له بختنصر، فانطلق بمال وأعبد له وكان رجلاً موسراً. فقيل له: أين تريد؟ قال: أريد التجارة. فسار حتى نزل بابل، فنزل داراً فأكتراها، ليس فيها أحد غيره، فجعل يدعوا المساكين ويلطف بهم حتى لا يأتيه أحد إلا أعطاه. فقال: هل بقي مسكين غيركم؟ قالوا: نعم، مسكين بفج آل فلان مريض يقال له بختنصر. فقال لغلمته: انطلقوا بنا، فانطلق حتى أتاه فقال له: ما اسمك؟ قال بختنصر. فقال لغلمته: احتملوه، فنقله إليه فمرضه حتى برئ، فكساه وأعطاه نفقة، ثم آذن الإسرائيلي بالرحيل، فبكى بختنصر. فقال حتى له الإسرائيلي: ما يبكك؟ قال: أبكي أنك فعلت بي ما فعلت، ولا أجد شيئاً أجزيك به. قال: بلى، شيئاً يسيراً. فقال له: وما هو؟ قال: إن ملكت أطعتني. فجعل يتبعه ويقول: تستهزئ بي؟ ولا يمنعه من أن يعطيه ما سأله إلا أنه يرى أنه يستهزئ به. فبكى الإسرائيلي وقال: لقد علمت ما يمنعك ما سألتك إلا أن الله تعالى يريد أن ينفذ ما قد أمضى وكتب في كتابه.","part":3,"page":459},{"id":1460,"text":"قال: وضرب الدهر ضرباته فقال صيحون وهو ملك فارس ببابل: لو أنا بعثنا طليعة إلى الشام؟ قالوا: وما ضرك لو فعلت؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان. فبعث رجلاً وأعطاه مائة ألف فارس، وخرج بختنصر في مطبخه لا يخرج إلا ليأكل من مطبخه ويعيش منه. فلما قدم الشام رأى صاحب الطليعة أكثر خلق الله فرساناً ورجالاً، كسر ذلك في ذرعه فلم يسأل. فجعل بختنصر يجلس في مجالس أهل الشام فيقول: ما يمنعكم أن تغزوا بابل! فلو غزوتموها فما دون بيت مالها شيء. قالوا: لا نحسن القتال ولا نقاتل، حتى انتفذ مجالس أهل الشام. ثم رجع أمير الطليعة فأخبر الملك بما رأى. وجعل بختنصر يقول لفوارسهم الملك: لو دعاني الملك لأخبرته غير ما أخبره فلان. فرفع ذلك إلى الملك فدعاه، فقال: إن فلاناً لما رأى أكثر أرض الله كراعاً ورجالاً كسر ذلك في ذرعه ولم يسألهم عن شيء، وإنني لم أدع مجلساً بالشام إلا جالست أهله فقلت لهم كذا وكذا، فقالوا لي كذا وكذا. فقال صاحب الطليعة لبختنصر: بصحبتي لك مائة ألف دينار وتنزع عما قلت. قال: لو أعطيتني بيت مال بابل ما نزعت. فضرب الدهر ضربانه فقال الملك: لو بعثنا جريدة خيل إلى الشام، فإن وجدوا مساغاً ساغوا وإلا استلبوا ما قدروا عليه. قالوا: ما ضرك لو فعلت؟ قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان. قال: بل الرجل الذي أخبرني بما أخبرني. فدعا بختنصر وأرسله وانتخب معه أربعة آلاف من فرسانهم، فانطلقوا فجاسوا خلال الديار، فسبوا ما شاء الله ولم يخربوا ولم يقتلوا. ومات صيحون الملك، فقالوا: استخلفوا رجلاً، فقالوا: على رسلكم حتى يأتي أصحابكم فإنهم فرسانكم. فأمهلوا وأخروا ذلك حتى جاء بختنصر بالسبي وما معه، فقسم ذلك في الناس. فقالوا: ما رأينا أحداً أحق بذلك من هذا فملكوه.","part":3,"page":460},{"id":1461,"text":"قال: وقال السدي بإسناده: إن رجلاً من بني إسرائيل رأى في المنام أن خراب بيت المقدس وهلاك بني إسرائيل على يدي غلام يتيم ابن أرملة من أل بابل يدعى بختنصر، وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم. فأقبل فسأل عنه حتى نزل على أمه وهو يحتطب. فلما جاء وعلى رأسه الحطب ألق الحزمة ثم قعد في جانب من البيت، فكلمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم وقال: اشتر بهذه طعاماً وشراباً، فاشترى درهم لحماً، وبدرهم خبزاً، وبدرهم خمراً؛ فأكلوا وشربوا، حتى إذا كان اليوم الثاني..... به كذلك؛ وفي اليوم الثالث كذلك. ثم قال: إني أحب أن تكتب لي أماناً إن أنت ملكت يوماً من الدهر. قال: تسخر مني؟ قال: إني لا أسخر منك، ولكن ما عليك أن تتخذها عندي يداً! فكلمته أمه فقالت: ما عليك إن كان، وإلا لم ينقصك شيئاً، فكتب له أماناً. فقال له: أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك فاجعل لي آية تعرفني بها. قال: ترفع صحيفتك على قصبة فأعرفك بها، فكساه وأعطاه. ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا عليهما السلام ويدني مجلسه ويستشيره في أمره ولا يقطع أمراً دونه؛ وإنه هوى أن يتزوج بنت امرأته. - قال وقيل: كانت بنت أخيه، قال الثعلبي: وهو الأصح إن شاء الله - فسأله عن ذلك، فنهاه عن نكاحها وقال: لن أرضاها لك. فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى - ع - حين نهاه أن يتزوج بنتها، فعمدت أم الجارية حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثياباً رقاقاً حمراء وطيبتها وألبستها من الحلي، وألبستها. فوق ذلك كساء أسود وأرسلتها إلى الملك، وأمرتها أن تسقيه وأن تتعرض إليه، فإن أرادها على نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته، فإذا أعطاها ذلك سألته أن يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طست، ففعلت. فلما أخذ منه الشراب أرادها على نفسها، فقالت: لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك. قال: ما تسألين؟ قالت: أسألك أن تبعث إلى يحيى بن زكريا فتؤتى برأسه في طست. فقال: ويحك! سليني غير هذا. قالت: ما أريد إلا هذا. فلما أبت عليه بعث إليه فأتى برأسه، والرأس يتكلم حتى وضع بين يديه وهو يقول: لا يحل لك. فلما أصبح إذاً دمه يغلي، فأمر بتراب فألقى عليه، فرقى الدم فوق التراب يغلي، فألقى عليه أيضاً فارتفع الدم فوقه، فلم يزل يلقى عليه من التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلي. فبلغ صيحون ملك بابل ذلك فنادى في الناس، وأراد أن يبعث إليهم جيشاً ويؤمر عليهم رجلاً. فأتاه بختنصر فكلمه وقال: إن الذي كنت أرسلت تلك المرة ضعيف، وإني قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهليها فابعثني فبعثه. فسار بختنصر، حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم فلم يطلقهم. فلما اشتد عليه المقام وجاع أصحابه فأتى بها إليه. فقالت: إنه بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة. قال: نعم، قد طال مقامي وجاع أصحابي، فلست أستطيع المقام فوق الذي كان مني. فقالت: أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما أسألك، إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع، ثم اجعل في كل زاوية ربعاً، ثم ارفعوا أيديكم إلى السماء فنادوا: إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكريا، فإنها سوف تساقط، ففعلوا؛ فتساقطت المدينة فدخلوا من جوانبها. فقالت: كف يدك واقتل على هذا الدم حتى يسكن، وانطلقت به إلى دم يحيى بن زكريا، وهو على تراب كثير، فقتل عليه حتى سكن، فقتل سبعين ألفاً. فلما سكن الدم قالت له: كف يدك فإن الله تعالى إذا قتل نبي لم يرض حتى يقتل من قتله ومن رضي قتله. وأتاه. صاحب الصحيفة بصحيفته فكف عنه وعن أهل بيته، وخرب بيت المقدس وأمر أن تطرح الجيف فيه، وقال: من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة. قال: وأعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا.\rقال: فلما خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وسراتهم وذهب بدانيال وقوم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت الملك، فلما قدم وجد صيحون ملك بابل قد مات فملك مكانه.\rبختنصر مع دانيال","part":3,"page":461},{"id":1462,"text":"قال: ولما سار بختنصر إلى بابل وملك بعد موت الملك كان معه دانيال، وكان أكرم الناس عليه هو وأصحابه، فحسدهم المجوس على ذلك، فوشوا بهم إليه وقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون ذبيحتك. فدعاهم فسألهم، فقالوا: أجل، إن لنا رباً نعبده، ولسنا نأكل من ذبيحتكم. فأمر أن يخد لهم أخدود فخد لهم وألقوا فيه وهم ستة، وألقى معهم سبع ضار ليأكلهم، ثم قال: اذهبوا بنا لنأكل ونشرب، فذهبوا فأكلوا وشربوا، ثم عادوا فوجدوهم سبعة والسبع مفترش ذراعيه بينهم ولم يخدش منهم أحداً. فقالوا: ما بال هذا السابع إنما كانوا ستة! فخرج السابع إلى بختنصر، وكان ملكاً من الملائكة، فلطمه لطمة فصار من الوحش ومسخه الله سبع سنين، ثم رده الله إلى صورته ورد عليه ملكه. هذا ما حكاه السدي.\rوروى الثعلب بسنده إلى وهب قال: لما سار بختنصر إلى بابل وملك بعد موت ملكها واستتب أمره لبث على ذلك مدة، ثم رأى رؤيا عجيبة فافزعته وسأل عنها الكهنة والسحرة فعجزوا عن تعبيرها. فبلغ ذلك دانيال وكان في السجن مع أصحابه وقد أحبه صاحب السجن وأعجب به لما رأى من حسن سمته. فقال له دانيال: إنك قد أحسنت إلي؛ وإن صاحبكم قد رأى رؤيا، فدل علي لأعبرها له. فجاء السجان فأخبر بختنصر بقصة دانيال، فاستدعاه فجاء إليه. وكان من عادة من حضر بين يدي الملك أن يسجد له، فلما أتوا بدانيال قام بين يديه ولم يسجد له. فقال: ما الذي منعك من السجود؟ فقال: إن لي رباً آتاني العلم والحكمة وأمرني ألا أسجد لغيره، فخشيت إن سجدت لغيره أن ينزع مني الحكمة والعلم ويهلكني. فأعجب به وقال: نعم ما فعلت حيث وفيت بعهده، وأجللت علمه؛ ثم قال: هل عندك علم هذه الرؤيا؟ قال: نعم وأبشر، فأخبره برؤياه قبل أن يخبره الملك بها، وغبرها له. قال الثعلبي: وكانت الرؤيا على ما أخبرنا به عبد الله بن حامد في إسناده عن وهب بن منبه قال: بختنصر رأى في آخر زمانه صنماً رأسه من ذهب، وصدره من فضة، وبطنه من نحاس، وفخذاه من حديد، وساقاه من فخار، ثم رأى حجراً من السماء وقع عليه فدقه، ثم ربا الحجر حتى ملأ ما بين المشرق والغرب، ورأى شجرة أصلها في الأرض وفرعها في السماء، ثم رأى عليها رجلاً بيده فأس وسمع منادياً ينادي: اضرب جذعها لتفرق الطير من فروعها، وتتفرق الدواب والسباع من تحتها، واترك أصلها قائماً. فعبرها دانيال - ع - له فقال: أما الصنم الذي رأيت، فأنت الرأس وأنت أفضل الملوك. وأما الصدر الذي من فضة فابنك يملك من بعدك. وأما البطن الذي رأيت من نحاس فملك يكون بعد ابنك. وأما ما رأيت من الفخذين من حديد فيتفرق الناس فرقتين في فارس يكون أشد الملوك. وأما الفخار فآخر ملكهم يكون دون الحديد. وأما الحجر الذي رأيته قد ربا حتى ملأ ما بين المشرق والمغرب فنبي يبعثه الله تعالى في آخر الزمان فيفرق ملكهم كله، ويربو ملكه حتى يملأ ما بين المشرق والمغرب. وأما الشجرة التي رأيت والطير التي عليها والسباع والدواب التي تحتها وما أمر بقطعها، فيذهب ملكك ويردك الله طائراً تكون سراً ملك الطير، ثم يردك الله ثوراً ملك الدواب، ثم يردك الله أسداً ملك السباع والوحش سبع سنين، وفي كل ذلك قلبك قلب إنسان، حتى تعلم أن الله له ملك السموات والأرض، يقدر على الأرض ومن عليها، وكما رأيت أصلها قائماً فإن ملكك قائم.\rقال: فمسخ بختنصر نسراً في الطيور، وثوراً في الدواب، وأسداً في السباع، فكان مسخه كله سبع سنين، ثم رد الله تعالى إليه ملكه، فآمن ودعا الناس إلى الله تعالى.\rقال: وسئل وهب بن منبه: أكان بختنصر مؤمنا؟ فقال: وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه، فمنهم من قال: ما ت مؤمناً، ومنهم من قال: مات كافراً؛ لأنه حرق بيت المقدس وكتب الله وقتل الأنبياء، فغضب الله تعالى عليه ولم يقبل توبته.","part":3,"page":462},{"id":1463,"text":"قالوا: فلا عبر دانيال لبختنصر رؤياه أكرمه وصحبه واستشاره في أموره وقربه منه حتى كان أكرم الناس عليه وأحبهم إليه، فحسده المجوس على ذلك ووشوا به وبأصحابه إلى بختنصر فقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك، ولا يأكلون ذبيحتك. فدعاهم وسألهم فقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك، ولا يأكلون ذبيحتك. فدعاهم وسألهم فقالوا: إن لنا رباً نعبده ولسنا نأكل من ذبائحكم. فأمر بختنصر بأخدود، فخد لهم وألقوا فيه، وهم ستة، وألقي معهم سبع ضار ليأكلهم، ثم قالوا: انطلقوا لنأكل كل ونشرب، فأكلوا وشربوا، ثم راحوا فوجدوهم جلوساً والسبع مفترش ذراعيه بينهم ولم يخدش منهم أحداً ولم ينكأهم بشيء، ووجدوا معهم رجلاً فعدوهم فوجدوهم سبعة، فقالوا: ما بال هذا السابع وإنما كانوا ستة، فخرج إليهم السابع، وكان ملكاً من الملائكة، فلطم بختنصر لطمة فصار في الوحوش، ومسخه الله تعالى سبع سنين ثم رده الله إلى صورته ورد عليه ملكه.\rقال السدي: ثم إن بختنصر لما رجع إلى صورته بعد المسخ ورد الله تعالى عليه ملكه، كان دانيال وأصحابه أكرم الناس عليه، فحسدته المجوس ووشوا به ثانية فقالوا لبختنصر: إن دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه أن يهول، وكان ذلك فيهم عار. فجعل بختنصر لهم طعاماً وشراباً فأكلوا وشربوا وقالوا للبوابين: أنظروا أول من يخرج إليكم ليبول فاضربوه بالطبرزين، وإن قال لكم أنا بختنصر فقولوا له: كذبت، بختنصر أمرنا بهذا. فحبس الله تعالى عن دانيال البول، وكان أول من قام من القوم يريد البول بختنصر، فقام مدلاً وذلك ليلاً، فخرج يسحب ثيابه، فشد عليه البواب فقال: أنا بختنصر. فقال: كذبت، بختنصر أمرني أن أقتل أول من يخرج، فضربه فقتله.\rوحكى محمد بن إسحاق بن يسار في سبب هلاك بختنصر غير ما حكاه السدي، وذلك أنه قال بإسناده: لما أراد الله تعالى هلاك بختنصر انبعث فقال لمن كان في يده من بني إسرائيل: أرأيتم هذا البيت الذي خربته، وهؤلاء الناس الذين قتلتهم من هم؟ وما هذا البيت؟ قالوا: هذا بيت الله ومسجد من مساجده، وهؤلاء أهله، كانوا من ذراري الأنبياء فظلموا وتعدوا وعصوا، فسلطت عليهم بذنوبهم، وكان ربهم رب السموات والأرض ورب الخلق كلهم، يكرمهم ويمنعهم ويعزهم، فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله تعالى وسلط عليهم غيرهم. قال: فأخبروني ما الذي يطلع بي إلى السماء العليا لعلي أطلع إليها وأقتل من فيها وأتخذها ملكاً فإني قد فرغت من الأرض ومن فيها؟ قالوا: ما يقدر على هذا أحد من الخلائق. قال: لتفعلن أو لأقتلنكم عن أخركم. فبكوا وتضرعوا إلى الله تعالى، فبعث الله عز وجل عليه بقدرته ليريه ضعفه وهوانه بعوضة فدخلت في منخره ثم ساخت فيه حتى عضت بأم دماغه فما يقر ولا يسكن حتى يوجأ له رأسه على أم دماغه. فلما عرف أنه الموت قال لخاصته من أهل: إذا مت فشقوا رأسي فانظر. ما هذا الذي قتلني. فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضة بأم دماغه ليرى الله تعالى عباده قدرته وسلطانه، ونجى الله تعالى من بقي في يديه من بني إسرائيل وردهم إلى إيليا والشام، فبنوا فيه وربوا وكثروا حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه. قال: فيزعمون أن الله تعالى أحيا أولئك الموتى الذين قتلوا ولحقوا بهم. قال: ثم إنهم لما رجعوا إلى الشام وقد أحرف التوراة وليس معهم عهد من الله تعالى جدد الله عز وجل توراتهم وردها عليهم على لسان عزيز، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.","part":3,"page":463},{"id":1464,"text":"قال: وكان عمر بختنصر بأيام مسخه نيفاً وخمسين سنة وخمسين يوماً. فلما مات بختنصر استخلف ابنه بلسطاس. وكانت آنية بيت المقدس التي حملها بختنصر إلى بابل باقية، فنجسها بلحوم الخنازير وأكل وشرب فيها، و أقصى دانيال ولم يقبل منه، واعتزله دانيال. فبينما بلسطاس ذات يوم إذ بدت له كف بغير ساعد وكتبت ثلاثة أحرف بمشهده ثم غابت، فعجب من ذلك ولم يدر ما هي، فاستدعى دانيال واعتذر إليه وسأله أن يقرأ تلك الكتابة ويخبره بتأويلها. فقرأها دانيال، فإذا هي: \" بسم الله الرحمن الرحيم. وزن فخف، ووعد فنجز، وجمع فتفرق \" . فقال دانيال: أما قوله وزن فخف، أي وزن عملك في الميزان فخف. ووعد ملك فنجز اليوم، وجمع فتفرق، أي جمع لك ولوالدك من قبلك ملك عظيم فتفرق اليوم فلا يرجع إلى يوم القيامة. فلم يلبث إلا قليلاً حتى أهلكهم الله تعالى وضعف ملكهم، وبقي دانيال بأرض بابل إلى أن مات بالسوس.\rفهذه الأقاويل التي وردت في بختنصر هي على ما جاء في التفسير المبتدأ. وأما قول من قال إنه كان مرزباناً للهراسف الملك الفارسي فسنذكره إن شاء الله تعالى في أخبار ملوك الفرس، على ما تقف عليه إن شاء الله تعالى في موضعه وهو في الباب الثالث من القسم الرابع من هذا الفن في السفر الثالث عشر من هذه النسخة من كتابنا هذا. وهذه الأخبار التي قدمنا ذكرها أوردها أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره وفي كتابه المترجم بيواقيت البيان في قصص القرآن. وقال في تفسيره: إلا أن رواية من روى أن بختنصر عزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام غلط عند أهل السير والأخبار والعلم بأمور الماضين من أهل الكتاب والمسلمين. وذلك أنهم مجمعون على أن بختنصر غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيهم شعياً وفي عهد إرميا بن حلقيا عليهم السلام، وهي الوقعة الأولى التي قال الله تعالى: \" فإذا جاء وعد أولادهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً \" يعني بختنصر وجنوده.\rقال الثعلبي قالوا: ومن عهد إرميا وتخريب بختنصر البيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا أربعمائة سنة وإحدى وستون سنة. والله أعلم.\rعمارة بيت المقدس بعد أن خربه بختنصر وخبر الذي مر على قرية قال الله عز وجل: \" أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه... \" الآية.\rقال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله: اختلفوا في ذلك المار من كان، فقال عكرمة وقتادة والربيع بن أنس والضحاك والسدي وناجية بن كعب وسليمان بن بريدة وسلم الخواص: هو عزيز بن شرخيا. وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد ابن عمير: هو إرميا بن حلقياً، وكان من سبط هارون بن عمران، وقد تقدم ذكره.\rقال: واختلفوا أيضاً في القرية التي مر عليها، فقال وهب وعكرمة وقتادة والربيع: هي بيت المقدس. وقال الضحاك: هي الأرض المقدسة. وقال ابن زيد: هي الأرض التي أهلك الله تعالى بها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. وقال الكلبي: هي دير سابرا باذ. وقال السدي: هي سلما باذ. وقيل: هي دير هزقل. وقيل: هي قرية العنب، وهي على فرسخين من بيت المقدس.","part":3,"page":464},{"id":1465,"text":"قال فالذي يقول: إن المار إرميا وإن القرية بيت المقدس، هو ما رواه محمد ابن اسحاق بن يسار عن وهب بن منبه: أنه لما كان من أمر إرميا ما قدمناه، وأنه طار لما التهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبواب بيت المقدس حتى خالط إرميا الوحش ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس وخرب كما تقدم. فلما رجع بختنصر عن بيت المقدس أقبل إرميا على حمال له معه عصير عنب في ركوة وسلة تين حتى غشى إيلياء. فلما وقف عليها ورأى خرابها قال: \" أنى يحيي هذه الله بعد موتها \" !. قال: ثم ربط إرميا حماره بحبل جديد، فألقى الله تعالى عليه النوم، فلما نام نزع منه الروح مائة عام وأمات حماره، وعصيره وتينه عنده، وأعمى الله تعالى عنه العيون فلم يره أحد وذلك ضحى، ومنع الله السباع والطير لحمه. فلما مضى من نومه سبعون سنة أرسل الله عز وجل ملكاً إلى ملك عظيم من ملوك فارس يقال له: بوسك فقال له: إن الله عز وجل يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيلياء وأرضها حتى تعود أحسن ما كانت، فانتدب الملك ألف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل، فجعلوا يعمرونها فعمرت، ونجى الله تعالى من بقي من بني إسرائيل ولم يمت ببابل أحد منهم وردهم الله تعالى إلى بيت المقدس وعمروها ثلاثين سنة حتى كانوا كأحسن ما كانوا عليه؛ وذلك بعد أن خربت سبعين سنة. فلما مضت المائة سنة أحيا الله عز وجل منه عينيه وسائر جسده ميت، ثم أحيا جسده وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرقة بيض تلوح، فسمع صوتاً من السماء: أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع بعضها إلى بعض واتصل بعضها ببعض، ثم نودي: إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً وجلداً فكان كذلك. ثم نودي: إن الله يأمرك أن تحيا، فقام بإذن الله ونهق. وعمر الله تعالى إرميا، فهوا الذي يرى في الفلوات؛ فذلك قوله تعالى: \" فأماته الله مائة عام ثم بعثه \" أي أحياه \" قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوما \" وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال: \" لبثت يوماً \" وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: \" أو بعض يوم \" بمعنى بل بعض يوم \" قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك \" يعني التين \" وشرابك \" يعني العصير \" لم يتسنه \" أي لم يتغير \" وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير \" . قال وهب: ليس في الجنة كلب ولا حمار إلا كلب أصحاب أهل الكهف وحمار إرميا الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه. هذا قول من قال إنه إرميا بن حلقيا.\rوأما من قال إنه عزير، فإنه يقول: إن بختنصر لما خرب بيت المقدس قتل أربعين ألفاً من قراء التوراة والعلماء، وقتل منهم أبا عزير وحده. وكان عزير يومئذ غلاماً قد قرأ التوراة وتقدم في العلم، وأقدمه بختنصر مع بني إسرائيل إلى أرض بابل، وهو من ولد هارون. فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار حتى نزل على دير هزقل على شط دجلة، وطاف في القرية فلم ير فيها أحداً، وعامة شجرها حامل، فأكل من الفاكهة واعتصر من العنب وشرب منه، وجعل فضل الفاكهة في سلة وفضل العصير في زق. فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال: \" أنى يحيي هذه الله بعد موتها \" الآية، وساق فيه نحو ما تقدم في خبر إرميا.\rوقال قوم في قوله تعالى: \" وانظر إلى حمارك \" إن الله تعالى لم يمت حماره فأحياه الله تعالى عينيه ورأسه وسائر جسده ميت فقال له: \" أنظر إلى حمارك \" فنظر إلى حماره قائماً كهيئته يوم ربطه حياً، ولم يطعم ولم يشرب مائة عام، ونظر إلى الرمة في عنقه جديدة؛ وهذا قول الضحاك وقتادة. و قال الآخرون: أراد عظام حماره كما تقدم في قصة إرميا. وقوله تعالى: \" ولنجعلك آية للناس \" أي عبرة ودلالة على البعث بعد الموت. وقال الضحاك: وهو أنه عاد إلى قريته وأولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز وهو أسود الرأس واللحية.","part":3,"page":465},{"id":1466,"text":"وعن ابن عباس رضي الله عنها قال: أحيا الله تعالى عزيراً بعد مائة سنة، فركب حماره حتى جاء محلته، فأنكره الناس وأنكر الناس ومنازله، فانطلق على وهم حتى أتى منزله، وإذا هو بعجوز عمياء قد أتى عليها مائة وعشرون سنة، وكانت أمة لهم، فخرج عنهم عزير وهي ابنة عشرين سنة، وكانت قد عرفته وعقلته؛ فلما أصابها الكبر والزمن قال لها عزيز: يا هذه، هذا منزل عزير؟ قالت: نعم هذا منزل عزير وبكت وقالت: ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيراً وقد نسيه الناس. قال: فإني عزير. قالت: سبحان الله! فإن عزيراً قد فقدناه من مائة سنة. قال: فإني أنا عزير، إن الله أماتني مائة سنة ثم بعثني. قالت: فإن عزيراً كان رجلاً مجاب الدعوة، يدعو المريض وصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادع الله يرد علي بصري حتى أراك، فإن كنت عزيراً عرفتك. فدعا ربه تعالى فاستجاب له ومسح بيده على وجهها وعينيها فصحتا، وأخذ بيدها وقال لها: قومي بإذن الله تعالى، فأطلق الله رجليها، فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت إليه فقالت: أشهد أنك عزير. فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثمانية عشر سنة وبنو ابنه شيوخ في المجالس، فنادت: هذا عزير قد قدم وجاءكم، فكذبوها. فقالت: وأنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد الله علي عيني وأطلق رجلي، وزعم أن الله أماته مائة عام ثم بعثه. فنهض الناس وأقبلوا إليه، فقال ابنه: إنه كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه، فكشف عن كتفيه وإذا هو عزير.\rوأما خبر فتنة اليهود به وقوهم عزير ابن الله، فقد روى عطية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عزير من أهل الكتاب، وكانت التوراة عندهم، فعملوا بها ما شاء الله تعالى أن يعملوا، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق، وكان التابوت فيهم. فلما رأى الله تعالى أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء رفع عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدروهم، وأرسل عليهم عزير. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا بعد ما نسخت التوراة من صدورهم. فبينما هو يصلي ويبتهل إلى الله تعالى إذ نزل نور من السماء فدخل في جوفه، فعاد إليه الذي كان ذهب من التوراة، فأذن في قومه فقال: يا قوم، قد أتاني الله التوراة وردها إلي، فطفق يعلمهم، فمكثوا ما شاء الله وهو يعلمهم. ثم إن التابوت نزل بعد ذلك. فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان يعلمهم عزير فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أوتي عزير هذا إلا وهو ابن الله.","part":3,"page":466},{"id":1467,"text":"وقال السدي وابن عباس في رواية عمار بن ياسر: إنما قالت اليهود هذا لأن العمالقة ظهرت عليهم فقتلوهم وأخذوا التوراة وهرب علماؤهم الذين بقوا ودفنوا التوراة في الجبال وغيرها، ولحق عزير بالجبال والوحوش، وجعل يتعبد في رءوس الجبال ولا يخالط الناس ولا ينزل إلا يوم عيد، وجعل يبكي ويقول: يا رب تركت بني إسرائيل بغير عالم، فبكى حتى سقطت أشفار عينيه، فنزل مرة إلى العيد، فلما رجع إذا هو بامرأة قد تمثلت له عند قبر من القبور تبكي وتقول: يا مطعماه، ويا كاسياه!. فقال لها عزير: يا هذه اتقي الله واصبري واحتسبي، أما علمت أن الموت مكتوب على الناس! وقال لها: ويحك! من كان يطعمك ويكسوك قبل هذا الرجل؟ يعني زوجها التي كانت تندبه. قالت له: الله تعالى. قال: فإن الله تعالى حي لا يموت. فقالت: يا عزير، من كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلم تبكي عليهم وقد علمت أن الموت حق وأن الله حي لم يمت. فلما علم عزير أنه قد خصم ولى مدبراً. فقالت له: يا عزير، لست بامرأة ولكني الدنيا. أما أنه ستنبع لك في مصلاك عين وتنبت لك شجرة، فكل من ثمرة تلك الشجرة واشرب من ماء تلك العين واغتسل وصل ركعتين؛ فإنه سيأتيك شيخ، فما أعطاك فخذ منه. فلما أصبح نبعت العين في مصلاه ونبتت الشجرة، ففعل ما أمرته به، وجاء شيخ وقال له: افتح فاك، ففتح فاه فألقى فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة مجتمعاً كهيئة القوارير ثلاث مرات، ثم قال له: ادخل هذه العين فامش فيها حتى تبلغ قومك. قال: فدخلها فجعل لا يرفع قدمه إلا زيد في علمه، فرجع إليهم وهو أعلم الناس بالتوراة. فقال: يا بني إسرائيل، قد جئتكم بالتوراة. فقالوا: يا عزير، ما كنت كذاباً. فربط على كل إصبع له قلماً وكتب بأصابعه كلها حتى كتب التوراة كلها عن ظهر قلبه، فأحيا لبني إسرائيل التوراة وأحيا لها السنة. فلما رجع العلماء استخرجوا كتبهم التي كانوا دفنوها، فعارضوا بها توراة عزير فوجدوها مثلها، فقالوا: ما أعطاه الله تعالى هذا إلا أنه ابنه.\rوقال الكبي: إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وهدم بيت المقدس وقتل مرة قراء التوراة، كان عزير إذ ذاك غلاماً صغيراً، فاستضعفه فلم يقتله، ولم يدر أنه يقرأ التوراة. فلا توفي مائة سنة ورجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس منهم من يقرأ التوراة بعث الله عز وجل عزيراً ليجدد لهم التوراة ويكون لهم آية، فأتاهم فقال: أنا عزير. فكذبوه وقالوا: إن كنت عزيراً كما تزعم فاتل علينا التوراة. فكتبها وقال: هذه التوراة. ثم إن رجلاً قال: إن أبي حدثني عن جدي أن التوراة جعلت في خابية ثم دفنت في كرم. فانطلقوا معه حتى احتفروها وأخرجوا التوراة، فعارضوها بما كتب عزير فلم يجدوه غادر منها آية ولا حرفاً، فعجبوا وقالوا: إن الله لم يقذف التوراة في قلب رجل واحد منا بعد ما ذهبت من قلوبنا إلا أنه ابنه؛ فعند ذلك قالت اليهود: عزيراً ابن الله.\rالباب الرابع من القسم الثالث من الفن الخامس\rيونس بن متى - ع - و بلوقيا\rقصة ذي النون يونس بن متى - ع","part":3,"page":467},{"id":1468,"text":"قال الكسائي رحمه الله قال وهب بن منبه: كان متى رجلاً صالحاً من أهل بيت النبوة، ولم يرزق الولد إلى آخر عمره بعد أن أسن هو وزوجته، فسأل الله تعالى الولد، فنودي: إن الله قد استجاب دعاءك، فانطلق إلى حضيرة التوبة، وهو الموضع الذي أمر الله تعالى بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم فيه لما عبدوا العجل. فصار إلى هناك وإذا بملك قد هبط من السماء فضرب قبة على باب حضيرة التوبة، وذلك في ليلة عاشوراء، وأمرهما أن يدخلاها فدخلا وواقعها، فحملت بيونس، ثم انصرفا إلى منزلهما فلما صار لها أربعة أشهر توفي متى وبقيت امرأته أرملة ليس لها إلا قصعة كانت لآل هارون، فكانت تصيب رزقها في المساء والصباح من عند الله. فلما وضعت يونس لم يكن لها لبن يكفيه، فكانت أمه تأتي إلى الرعاة وتسألهم اللبن فلا يجيبونها، فكانت تقول: اللهم هذا الولد هبتك فلا تهلكه جوعاً، فكانت المواشي تأتيه تمج عليه بضرعها حتى يشبع، فإذا شبع يقولك الحمد لله، فآمن به جماعة من الرعاة فبقي كذلك حتى فطمته أمه، وكان يسمى يتيم بني إسرائيل، حتى أتت عليه سبع سنين، فأقبل على أمه فقال: يا أماه، لا ينبغي أن تذهب أيامي بالبطالة، وأريد أن تلبسيني ثوباً من الصوف حتى ألحق بالعباد وأكون معهم. فقالت: يا بني، أنت صغير ولم يأن لك أن تسيح. فلم يزل بأمه حتى أجابته إلى ذلك ولحق بالعباد واشتهر ذكره فيهم بكثرة العبادة حتى استكمل من العمر خمساً وعشرين سنة، فرأى في منامه: إن الله يأمرك أن تمضي إلى مدينة الرملة فإن فيها ولياً من أوليائي وله ابنة عفيفة فتزوجها منه. فلما أصبح عزم على المسير، وصحبه جماعة من بني إسرائيل من أصحابه، وسار حتى دخل مدينة الرملة، وسأل عنه فقيل: إنه في السوق يبيع ويشتري. فعجب يونس من ذلك وجاء إلى السوق فرآه وهو يبيع الطيب ويكثر الضحك. فقال يونس ليس هذا من صفات الأولياء والعباد. فنظر إليه زكريا وقام إليه وصافحه وسلم عليه باسمه واسم أبيه. قال: وكيف عرفتني؟ قال: رأيتك في المنام وأمرت أن أزوج ابنتي منك. وتوجه به إلى منزله وقدم له الطعام فأكلا، وذكر له رؤياه وأنها سبب مسيره إلى الرملة، ثم سأله عن مكسبه بالبيع والشراء فقال: أما البيع والشراء فمباح، والتاجر فاجر إلا من أخذ الحق وأعطاه، واتقى الله ولم يمدح سلعته.\rفلما أقبل الليل نزع زكريا ما كان عليه من الثياب ولبس الصوف ودخل محرابه ولم يزل في صلاته ودعائه وتضرعه حتى أصبح، فنزع الصوف ولبس ما كان عليه بالأمس وبرز إلى السوق ويونس معه، فكان ذلك دأبه.\rثم زوج ابنته من يونس ووهب لهما بعض ماله. وأقام يونس عنده، ورزق الله يونس من زوجته ولدين ومات زكريا، فاحتمل يونس زوجته إلى بيت المقدس وأقام هناك يعبد الله تعالى. وشعيا يومئذ بيت المقدس وهو نبي في بني إسرائيل إلى أن بعث الله تعالى يونس نبياً.","part":3,"page":468},{"id":1469,"text":"قال: وكان في بلاد نينوى ملك وكانت جيوشه كثيرة، قيل: إنها كانت تزيد على عشرة آلاف قائد. وكان إذا غزا تكون معه تماثيل من الأسود والفيلة متخذة من النحاس والحديد، يخرج من أفواهها لهب النيران، ومعه رجال يلعبون بالنيران. فغزا هذا الملك بني إسرائيل على هذه الصورة، فقتل من بني إسرائيل وسبى، ثم عاد إلى بلاد نينوى، وغزاهم ثانية وتكررت غزواته فيهم. فأوحى الله تعالى إلى شعيا نبي بني إسرائيل أن يختار من عباد بني إسرائيل أميناً قوياً يبعثه إلى بلاد نينوى رسولاً إلى من بها من الملوك وغيرهم؛ فإنهم قد جحدوا حقي وأنكروا معرفتي. فدخل شعيا على حزقيا الملك وأمره أن ينادي في عباد بيت المقدس، وبها يومئذ عشرة آلف عابد، لباسهم الشعر والصوف ونعالهم الخوص، فنادى فيهم بالاجتماع فاجتمعوا، فاختار منهم ثلاثة واختار من الثلاثة يونس بن متى، ثم قال له حزقيا: إن الله أوحى إلى نبيه شعيا أن يختار من جملة هؤلاء العباد والزهاد أعبدهم وأتقاهم، وقد وقع اختياره عليك لتبعث إلى أهل بلاد نينوى. قال يونس: إن في بني إسرائيل من هو أعبد مني وأزهد، فابعث أيها الملك غيري. قال: لا أبعث سواك، فانهض ولا تخالفني فإن هذا عن أمر الله. فانصرف يونس إلى أمه وأخبرها الخبر واستشارها، فقالت: إن الله أنطق الملك في حقك بالرسالة فسر كما أمرت ولا تعص الله ونبينا شعيا وملكنا حزقيا. فعزم على المسير وودع أمه وحمل أهله حتى بلغ شاطئ دجلة، فنزل هناك وفكر في أمره وضعفه وعياله وقال: كيف لي بمطاولة الجبابرة والفراعنة! وأقبل على أهله وقال: قد عزمت على الفرار، فنهاه أهله عن ذلك. فسكت وقام ليعبر دجلة زاد الماء فغرق ابنه الذي كان معه، وكان في يده نقرة من الذهب كان قد ورثها من حميه فغرقت، وجاء ذئب إلى ولده الذي عبر به فاحتمله. فصاحت المرأة: يا يونس، إن ابنك أخذه الذئب. فخرج من الماء يعدو خلف الذئب فالتفت إليه وقال: ارجع يا يونس فإني مأمور، فرجع يونس باكياً على ولديه. فلما بلغ الشط لم ير أهله، فجلس يبكي. فأوحى الله إليه: إنك شكوت كثرة العيال، وقد أرحتك منهم، فاذهب الآن إلى قومك فإني سأرد عليك أهلك وولديك وأنا على كل شيء قدير. فطابت نفسه وسار حتى بلغ بلاد نينوى فتوسط سوقها ونادى: يا قوم، قولوا بأجمعكم: لا إله إلا الله وأني يونس عبده ورسوله. فلما سمعوا ذلك أقبلوا على ملكهم وأخبروه به بمقالته. فأحضره الملك وقال له: من أين أنت؟ قال: رسول الله إليك وإلي أهل مملكتك فآمنوا بي تنجوا من النار. فأمر الملك بحبسه ثم بعث إليه وزيره، وهو من أهل بيت المقدس، واسمه سنجير، فقال له: ادخل على هذا الرجل يونس وتعرف أمره. فدخل عليه وسأله عن اسمه واسم أبيه، ومن أين أقبل وفي ماذا جاء. فذكر له أنه رسول الله إليهم. فقال له الوزير: أرى أن ترفق فإني أحشى عليك من هذا الملك فإنه جبار. وانصرف الوزير إلى الملك وقال له قد عرفت الرجل، وقد ذكر أنه رسول من إله السماء. فهم الملك بقتله، فاستوهبه الوزير منه على أن يكون في البلد ولا يقول مثل مقالته. فاستدعى الوزير يونس وذكر له ذلك. فقال له: أما القتل فلا أخشى منه، والرسالة فلا أتركها حتى يحكم الله بيني وبينه. ثم إن الملك خلى سبيله على أنه مجنون. فلم يزل يونس يدعوهم إلى طاعة الله تعالى في كل يوم عامة نهاره، حتى إذا جاء المساء أتى شط دجلة فيصلي حتى يصبح، ثم يعود إليهم والناس يضربونه ويرجمونه ويسبونه حتى ضجر فاستغاث إلى ربه. فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس، إنك دعوت القوم فلا تعجل عليهم وادعهم أربعين يوماً، فإن آمنوا وإلا جاءهم العذاب. فدعاهم حتى استكمل العدة ولم يؤمنوا. فأوحى الله إليه أن اخرج من بين أظهرهم، فخرج حتى بلغ شاطئ دجلة، فقعد ينظر إلى العذاب؛ كيف ينزل العذاب فأمر الله تعالى جبريل أن يرسل على قوم يونس سحابة فيها ألوان العذاب، فانطلق إلى مالك وأمره بذلك، فأخرج شرارة من الحطمة على مثال سحابة سوداء مظلمة. فجاءت بها الزبانية حتى بلغت بلاد نينوى وانبسطت حتى أظلت عليها، فظن القوم أنها مطر. فنظر وزير الملك إلى السحابة يخرج من أطرافها شرر النار، فدخل على الملك وقال: الحذر الحذر! فليست هذه سحابة مطر بل هي سحابة عذاب، وأخشى أن يكون ذلك لتكذيبنا يونس نبي الله. ثم قال: انظروا إلى يونس إن كان معكم في بلدكم","part":3,"page":469},{"id":1470,"text":"فلا تخافوا، وإن كان قد خرج عنكم فقد هلكتم. فطلبوا يونس فلم يجدوه. وجعلت السحابة تدنو حتى قربت منهم ورمتهم بشرر كالرماد الأحمر لا يقع على شيء إلا أحرقه. فبينا الناس يقولون: أين نطلب يونس إذا هم بالملك قد خرج عليهم وجميع أصحابه وهم يقولون: أني أنت يا يونس! فإنا لا نعود إلى مخالفتك، فلم يجدوه. فأقبل عليهم سنجير الوزير وقال: أيها الملك، إن يكن يونس قد غاب عنا فإن إلهه لم يغب، فتعالوا حتى نتضرع إلى الله لعله يرحمنا. فخرجوا بأجمعهم نسائهم وأطفالهم إلى ظاهر البلد يبكون ويتضرعون، فقام سنجير فيهم وقال: إلهنا إنك أمرتنا أن نعتق رقاب عبيدنا وإيمائنا ونحن عبيدك وإماؤك فأعتقنا إلهنا إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا فاغفر لنا واعف عنا اللهم أعتقنا من عذابك فإنا قد آمنا بنبيك يونس وبجميع النبيين فاغفر لنا ذنوبنا، وثم خروا سجداً بأجمعهم. فأوحى الله تعالى إلى ملائكة العذاب أن ارجعوا، فانصرفت السحابة عنهم، وسمعوا صوتاً: أبشروا يأهل نينوى برحمة من بركم؛ فرجعوا إلى المدينة وقد آمنوا. وجاء يونس لينظر إلى ما نزل بهم من العذاب، فلقيه إبليس في صورة شيخ. فقال له يونس: من أين أقبلت أيها الشيخ؟ قال: من نينوى. قال: فما نزل بهم اليوم؟ قال: ما نزل بنا إلا سحابة بيضاء أمطرت مطراً جوداً، وكان يونس قد وعدنا بالعذاب فلم يكن وعلمنا كذبه. فغضب يونس وقال: لا أعود إلى قوم كذبوني، وسار. قال الله تعالى: \" وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه \" . قال مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي: معناه أن لن نقضي عليه بالعقوبة، وهي رواية العوفي عن ابن عباس؛ ودليل ذلك قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري \" فظن أن لن نقدر عليه \" . بالتشديد. وقال عطاء وكثير من العلماء: معناه نضيق عليه الحبس. تخافوا، وإن كان قد خرج عنكم فقد هلكتم. فطلبوا يونس فلم يجدوه. وجعلت السحابة تدنو حتى قربت منهم ورمتهم بشرر كالرماد الأحمر لا يقع على شيء إلا أحرقه. فبينا الناس يقولون: أين نطلب يونس إذا هم بالملك قد خرج عليهم وجميع أصحابه وهم يقولون: أني أنت يا يونس! فإنا لا نعود إلى مخالفتك، فلم يجدوه. فأقبل عليهم سنجير الوزير وقال: أيها الملك، إن يكن يونس قد غاب عنا فإن إلهه لم يغب، فتعالوا حتى نتضرع إلى الله لعله يرحمنا. فخرجوا بأجمعهم نسائهم وأطفالهم إلى ظاهر البلد يبكون ويتضرعون، فقام سنجير فيهم وقال: إلهنا إنك أمرتنا أن نعتق رقاب عبيدنا وإيمائنا ونحن عبيدك وإماؤك فأعتقنا إلهنا إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا فاغفر لنا واعف عنا اللهم أعتقنا من عذابك فإنا قد آمنا بنبيك يونس وبجميع النبيين فاغفر لنا ذنوبنا، وثم خروا سجداً بأجمعهم. فأوحى الله تعالى إلى ملائكة العذاب أن ارجعوا، فانصرفت السحابة عنهم، وسمعوا صوتاً: أبشروا يأهل نينوى برحمة من بركم؛ فرجعوا إلى المدينة وقد آمنوا. وجاء يونس لينظر إلى ما نزل بهم من العذاب، فلقيه إبليس في صورة شيخ. فقال له يونس: من أين أقبلت أيها الشيخ؟ قال: من نينوى. قال: فما نزل بهم اليوم؟ قال: ما نزل بنا إلا سحابة بيضاء أمطرت مطراً جوداً، وكان يونس قد وعدنا بالعذاب فلم يكن وعلمنا كذبه. فغضب يونس وقال: لا أعود إلى قوم كذبوني، وسار. قال الله تعالى: \" وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه \" . قال مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي: معناه أن لن نقضي عليه بالعقوبة، وهي رواية العوفي عن ابن عباس؛ ودليل ذلك قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري \" فظن أن لن نقدر عليه \" . بالتشديد. وقال عطاء وكثير من العلماء: معناه نضيق عليه الحبس.","part":3,"page":470},{"id":1471,"text":"قال الكسائي: فلم يزل يسير حتى لحق بساحل البحر، فإذا هو بسفينة مارة فلوح إليهم فدخلوا إليه فقال: احملوني معكم فإني رجل منقطع غريب من بيت المقدس. فحملوه فقعد على كوثل السفينة. فلما توسطوا البحر هبت عليهم رياح كثيرة من جميع الجوانب وأشرفوا على الغرق، فأخذوا في الدعاء والتضرع ويونس لا يتكلم، فأقبل أهل السفينة عليه وقالوا: لم لم تدع أنت معنا؟ قال: لأني مغموم لذهاب الأهل والولد. فلم يزالوا به حتى دعا، فازداد البحر هيجاناً. قال يونس: اطرحوني في البحر فإن هذا من أجلي. قالوا: ما نفعل. قال: فاقترعوا. فاقترعوا فوقعت القرعة عليه. فقالوا: إن القرعة تخطئ وتصيب، ولكن تعالوا حتى نتساهم. فجعل كل واحد منهم لنفسه سهماً ثم رموا بها في البحر، فغرقت إلا سهم يونس فإنه بقي على وجه الماء. قال الله عز وجل: \" فساهم فكان من المدحضين \" . ثم أقبل حوت عظيم من بحر الهند حتى بلغ جانب السفينة، فقام يوسن ليرمي بنفسه، فتعلق القوم به وقالوا: ألا ترى هذه الأمواج وهذا الحوت العظيم! فأقعدوه والبحر يزيد عليهم بكثرة أمواجه وأهواله، فصار إلى جانب السفينة ليرمي بنفسه، فإذا بالحوت قد دار إلى الجانب الذي قصد أن يرمي نفسه منه، فعلم يونس أنه هو المراد، فغطى وجهه بكسائه ورمى نفسه في البحر فابتلعه الحوت. قال الله تعالى: \" فالتقمه الحوت وهو مليم \" معناه يلوم نفسه على ما فعله. وبقي في جوف الحوت وهو يسمع تسبيح الحيتان بلغاتهم، فلم يزل كذلك حتى بلغ إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام. وهو إذا سجد يكون سجوده على كبد الحوت وهو يقول له: يا يونس، أسمعني تسبيح المغمومين المحبوسين في حبس لم يحبس فيه أحد من الآدميين، ويونس يقول: \" لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين \" ، وكانت الملائكة تقول: إلهنا إنا نسمع تسبيح مكروب كان لك شاكراً، اللهم ارحمه في غربته. قال الله تعالى: \" فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت \" الآية. قيل: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. قال الله تعالى: \" فلولا إنه كان من المسبحين \" أي المصلين \" للبث في بطنه إلى يوم يبعثون \" . واختف في مدة لبثه، فمنهم من قال: لبث أربعين يوماً، وقيل: ثلاثة أيام. فلما انقضت المدة التي قدر الله عليه ألهم الله الحوت أن يرجع إلى الموضع الذي ابتلعه فيه. فشق ذلك على الحوت لأنه كان قد أنس به وبتسبيحه، فناداه الملك أن اقذفه من بطنك فليس هو مطعم لك. فتقدم الحوت إلى الساحل وقذفه. قال الله تعالى: \" فنبذناه بالعراء وهو سقيم \" . قال: خرج كالفرخ الذي لا ريش له، وهو لا يقدر على القيام، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين كان لها ثلاثة أغصان: غصن قبل المشرق، وغصن قبل المغرب، والغصن الثالث على رأسه. وجاءه جبريل فقال: يا يونس، إن الله قد أعطاك من الجنة ما ترضى به، ثم أمر يده على رأسه وجسمه فأنبت الله شعره ولحيته، وأمر الله ظبية فوقفت بين يدي يونس وكلمته بإذن الله، فمص من لبنها فقوي عند شربه؛ ثم بشرته بإيمان قومه وأخبرته بما كان من أمرهم وسبب إيمانهم وذكرت اشتياقهم إلى رؤيته. وكانت الظبية ترعى حول يونس فإذا جاع أو عطش أرضعته، فلم يزل كذلك أربعين يوماً. فنام في بعض الأيام ثم انتبه فرأى اليقطينة قد جفت والظبية قد غابت، فاغتم لذلك، فعلم يونس أن الله ضرب له مثلاً بقومه. ثم هبط عليه ملك وقال: قم إلى قومك فإنهم يتمنون رؤيتك، وأتاه بحلتين فأتزر بواحدة وارتدى بالأخرى، ثم سار حتى دخل قرية كثيرة الأشجار والخيرات وأهلها يقطعون تلك الأشجار ويلقون ثمارها في الأرض، فقال: يا قوم، كيف تفعلون ذلك وتبطلون على أنفسكم ثمارها! فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس، إنك أشفقت على قوم لا نعرفهم من قطعهم الأشجار ولم تشفق على قومك وهم مائة ألف أو يزيدون! فعلم يونس أن هذا مثل ضربه الله تعالى له، فقال: إلهي لا أعود إلى ذلك أبداً. ثم سار حتى دخل قرية أخرى وقت المساء، فتلقاه رجل من أهل القرية وسأله أن ينزل عليه فنزل. فلما أكل وشرب نظر إلى بيت الرجل وفيه فخار كثير يريد أن يوقد عليه. فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس، قل لهذا الفاخراني أن يكسر الفخار الذي قد عمله. فقال يونس ذلك للفاخراني، فقال: يا هذا أضفتك لما رأيت فيك من أثر الخير وإذا أنت رجل مجنون، تأمرني أن أكسر فخاراً قد أتعبت فيه نفسي لأنتفع بثمنه! قم الآن فاخرج","part":3,"page":471},{"id":1472,"text":"من عندي، وأخرجه. فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس، إنه أشفق على فخاره وسماك مجنوناً وأخرجك من منزله حين أمرته بكسره، وأنت بعثت إلى مائة ألف أو يزيدون فدعوت عليهم ولم تفكر في هلاكهم فترحمهم!. قال: إلهي لا أعود إلى ذلك أبداً. فلما أصبح سار فإذا هو برجل يزرع زرعاً، فقال له الرجل: ادع الله عز وجل حتى يبارك لي في زرعي، فدعا له فأنبته الله تعالى من ساعته وقام على سوقه، ففرح الرجل وأتى بيونس إلى منزله. فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس، قد حزنت على إرسال الجراد على الزرع ولم تزرعه، ولم تحزن على إرسال العذاب على مائة ألف أو يزيدون!. قال: إلهي تبت إليك من ذنبي لا أعود إليه أبداً. وسار حتى دخل قرية وهناك امرأة معها رجل وهو ينادي: من يحمل هذه المرأة إلى بلاد نينوى ويردها إلى زوجها وله مائة مثقال من الذهب؟ فنظر إليها يونس فإذا هي امرأته، فقال: أيها الرجل، ما قصة هذه المرأة؟ قال: إنها كانت قاعدة على شاطئ دجلة تنظر زوجها يونس، فمر بها ملك من ملوك هذه القرية فاحتملها وأراد أن يفجر بها، فأيبس الله يديه ورجليه، فسألها أن تدعو له بالفرج ولا يعود إلى ذلك، فدعت له. فلما عافاه الله لوقته دفعها إلي وأعطاني مائة مثقال ذهباً على أن أحملها إلى بلاد نيونوى، وما يمكنني ذلك. قال يونس: أنا أحملها فأعطني الذهب، فأعطاه إياه وسلم إليه المرأة. فسار وقد فرحا حتى أتيا قرية أخرى، وإذا برجل يبيع سمكة، فاشتراها يونس وقعد ليصلحها فشق بطنها فوجد فيها تلك الصرة الذهب التي وقعت منه في دجلة، فقال: الحمد لله الذي رد علي أهلي ومالي، اللهم فاردد علي أولادي يا أرحم الراحمين، ثم سار فإذا هو برجل على دابة ومن ورائه غلام، فإذا هو ولد يونس الصغير. فتعلق به، فقال له الرجل: من أنت؟ قال: أنا يونس. فسلم إليه الغلام وقال: الحمد لله الذي ردالأمانة إلى أهلها وخلص ذمتي. فسأله يونس عن قصة الغلام فقال: أنا رجل صياد وكنت قد ألقيت الشبكة في طرف دجلة فوقع هذا الغلام فيها فأخذته، وإذا بهاتف يقول: يا صياد، احفظ هذا الغلام حتى يأتي إليك يونس فإنه أبوه فادفعه إليه. ثم قال له: يا نبي الله، أدع لي أن يغنيني الله عن صيد السمك، فدعا له فرزقه الله مالاً وولداً. وسار يونس حتى قرب من بلاد نينوى، فإذا هو براع على قارعة الطريق يرعى غنماً وهو يقول: اللهم أردد علي والدي، فرآه يونس فعرفه وهو ولده الأكبر، فتعانقا وبكيا طويلاً، ثم قال له: يا أبت إن هذه الأغنام لرجل في القرية فسر معي حتى أردها إليه، فسار إلى القرية وإذا بشيخ على باب داره، فقال له الغلام: هذا أبي. فقام الشيخ إلى يونس وسلم عليه. فقال له يونس: هل تعرف قصة هذا الغلام؟ قال الشيخ: نعم، كنت أرعى هذه الغنم، وإذا بهذا الغلام على ظهر ذئب فكلمني الذئب بقدرة الله وقال: إذا جاء إليك يونس فادفع إليه هذا الغلام. ثم قال له: يا نبي اله، أدع الله أن يغفر لي ذنوبي وأن يميتني في وقتي هذا، فدعا له فقبضه الله لوقته، فغسله يونس وكفنه وصلى عليه ودفنه. ثم سار حتى قرب من المدينة، فإذا هو بغلام يرعى غنماً فوقف يونس - ع - وقال: يا غلام، هل من لبن؟ قال الغلام: يا هذا، والذي بعث إلينا يونس نبياً ما ذقت اللبن منذ غاب عنا نبينا يونس. قال: فأنا يونس نبي الله. فقبل الغلام رأسه وقال: لو رأيتنا يا نبي الله ونحن نجول تحت العذاب لرحمتنا. قال: يا غلام، اذهب الآن إلى المدينة وأخبر الناس أنك قد رأيتني. قال: أخش أن يكذبوني. فقال: سر إليهم وهذه الأغنام شهود لك. فمضى حتى توسط سوق المدينة وقال: أيها الناس، البشرى فقد رجع إلينا يونس نبينا وقد لقيته. فاتصل الخبر بالملك فقام عن سريره وقال: علي بالغلام، فأتى به، فسأله فأخبره بمقدم يونس. ففرح وخرج الملك وأهل المدينة والتقوا بيونس وأدخلوه المدينة وأجلسه الملك في موضعه، ووقف بين يديه، وفرح به أهل المدينة. فقام يونس فيهم ما شاء الله يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إلى أن مات الملك وماتت امرأة يونس وولداه جميعاً، فاستخلف يونس الراعي على مدينة نينوى وخرج هو وسبعون رجلاً من العباد حتى جاء إلى جبل يقال له صهيون فكانوا هناك يعبدون الله حق عبادته، حتى مات يونس - ع - ، ومات العباد الذين صحبوه، فقبروا هناك في جبل صهيون، رضي الله عنهم ورحمهم.من عندي، وأخرجه. فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس، إنه أشفق على فخاره وسماك مجنوناً وأخرجك من منزله حين أمرته بكسره، وأنت بعثت إلى مائة ألف أو يزيدون فدعوت عليهم ولم تفكر في هلاكهم فترحمهم!. قال: إلهي لا أعود إلى ذلك أبداً. فلما أصبح سار فإذا هو برجل يزرع زرعاً، فقال له الرجل: ادع الله عز وجل حتى يبارك لي في زرعي، فدعا له فأنبته الله تعالى من ساعته وقام على سوقه، ففرح الرجل وأتى بيونس إلى منزله. فأوحى الله تعالى إليه: يا يونس، قد حزنت على إرسال الجراد على الزرع ولم تزرعه، ولم تحزن على إرسال العذاب على مائة ألف أو يزيدون!. قال: إلهي تبت إليك من ذنبي لا أعود إليه أبداً. وسار حتى دخل قرية وهناك امرأة معها رجل وهو ينادي: من يحمل هذه المرأة إلى بلاد نينوى ويردها إلى زوجها وله مائة مثقال من الذهب؟ فنظر إليها يونس فإذا هي امرأته، فقال: أيها الرجل، ما قصة هذه المرأة؟ قال: إنها كانت قاعدة على شاطئ دجلة تنظر زوجها يونس، فمر بها ملك من ملوك هذه القرية فاحتملها وأراد أن يفجر بها، فأيبس الله يديه ورجليه، فسألها أن تدعو له بالفرج ولا يعود إلى ذلك، فدعت له. فلما عافاه الله لوقته دفعها إلي وأعطاني مائة مثقال ذهباً على أن أحملها إلى بلاد نيونوى، وما يمكنني ذلك. قال يونس: أنا أحملها فأعطني الذهب، فأعطاه إياه وسلم إليه المرأة. فسار وقد فرحا حتى أتيا قرية أخرى، وإذا برجل يبيع سمكة، فاشتراها يونس وقعد ليصلحها فشق بطنها فوجد فيها تلك الصرة الذهب التي وقعت منه في دجلة، فقال: الحمد لله الذي رد علي أهلي ومالي، اللهم فاردد علي أولادي يا أرحم الراحمين، ثم سار فإذا هو برجل على دابة ومن ورائه غلام، فإذا هو ولد يونس الصغير. فتعلق به، فقال له الرجل: من أنت؟ قال: أنا يونس. فسلم إليه الغلام وقال: الحمد لله الذي ردالأمانة إلى أهلها وخلص ذمتي. فسأله يونس عن قصة الغلام فقال: أنا رجل صياد وكنت قد ألقيت الشبكة في طرف دجلة فوقع هذا الغلام فيها فأخذته، وإذا بهاتف يقول: يا صياد، احفظ هذا الغلام حتى يأتي إليك يونس فإنه أبوه فادفعه إليه. ثم قال له: يا نبي الله، أدع لي أن يغنيني الله عن صيد السمك، فدعا له فرزقه الله مالاً وولداً. وسار يونس حتى قرب من بلاد نينوى، فإذا هو براع على قارعة الطريق يرعى غنماً وهو يقول: اللهم أردد علي والدي، فرآه يونس فعرفه وهو ولده الأكبر، فتعانقا وبكيا طويلاً، ثم قال له: يا أبت إن هذه الأغنام لرجل في القرية فسر معي حتى أردها إليه، فسار إلى القرية وإذا بشيخ على باب داره، فقال له الغلام: هذا أبي. فقام الشيخ إلى يونس وسلم عليه. فقال له يونس: هل تعرف قصة هذا الغلام؟ قال الشيخ: نعم، كنت أرعى هذه الغنم، وإذا بهذا الغلام على ظهر ذئب فكلمني الذئب بقدرة الله وقال: إذا جاء إليك يونس فادفع إليه هذا الغلام. ثم قال له: يا نبي اله، أدع الله أن يغفر لي ذنوبي وأن يميتني في وقتي هذا، فدعا له فقبضه الله لوقته، فغسله يونس وكفنه وصلى عليه ودفنه. ثم سار حتى قرب من المدينة، فإذا هو بغلام يرعى غنماً فوقف يونس - ع - وقال: يا غلام، هل من لبن؟ قال الغلام: يا هذا، والذي بعث إلينا يونس نبياً ما ذقت اللبن منذ غاب عنا نبينا يونس. قال: فأنا يونس نبي الله. فقبل الغلام رأسه وقال: لو رأيتنا يا نبي الله ونحن نجول تحت العذاب لرحمتنا. قال: يا غلام، اذهب الآن إلى المدينة وأخبر الناس أنك قد رأيتني. قال: أخش أن يكذبوني. فقال: سر إليهم وهذه الأغنام شهود لك. فمضى حتى توسط سوق المدينة وقال: أيها الناس، البشرى فقد رجع إلينا يونس نبينا وقد لقيته. فاتصل الخبر بالملك فقام عن سريره وقال: علي بالغلام، فأتى به، فسأله فأخبره بمقدم يونس. ففرح وخرج الملك وأهل المدينة والتقوا بيونس وأدخلوه المدينة وأجلسه الملك في موضعه، ووقف بين يديه، وفرح به أهل المدينة. فقام يونس فيهم ما شاء الله يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إلى أن مات الملك وماتت امرأة يونس وولداه جميعاً، فاستخلف يونس الراعي على مدينة نينوى وخرج هو وسبعون رجلاً من العباد حتى جاء إلى جبل يقال له صهيون فكانوا هناك يعبدون الله حق عبادته، حتى مات يونس - ع - ، ومات العباد الذين صحبوه، فقبروا هناك في جبل صهيون، رضي الله عنهم ورحمهم.","part":3,"page":472},{"id":1473,"text":"بلوقيا وما شاهد من العجائب وهذه القصة تشتمل على عجائب كثيرة ووقائع قد ينكرها بعض من يقف عليها لغرابتها وليست بمستنكرة بعد أن ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار \" . ولنأخذ الآن في سرد القصة.\rقال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى في كتابه المترجم بيواقيت البيان في قصص القرآن بسند رفعه عن عبد الله بن سلام قال: كان في بني إسرائيل رجل يقال له أوشيا وكان من علمائهم، وكان كثير المال، وكان إماماً لبني إسرائيل، وكان قد عرف نعت النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، فخبأه وكتمه عنهم. وكان له ابن يقال له بلوقيا خليفة أبيه في بني إسرائيل، وذلك بعد سليمان بن داود عليهما السلام. فلما مات أوشيا بقي ابنه بلوقيا والأمانة في يده والقضاء، ففتش يوماً خزائن أبيه فوجد فيها تابوتاً من حديد مقفلاً بقفل حديد، فسأل الخزان عن ذلك، فقالوا: لا ندري. فاحتال على القفل حتى فكه، فإذا فيه صندوق من خشب الساج، ففكه وإذا فيه أوراق، فقرأها فإذا فيها نعت النبي صلى الله عليه وسلم وأمته وهي مختومة بالمسك، فقرأ ذلك على بني إسرائيل ثم قال: الويل لك يا أبت من الله فيما كتبت وكتمت من الحق وأهله!. فقالت بنو إسرائيل: يا بلوقيا، لولا أنك إمامنا وكبيرنا لنبشنا قبره وأخرجناه منه وحرقناه بالنار. قال: يا قوم، لا ضير إنما ترك حظ نفسه وخسر في دينه ودنياه، فألحقوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم وأمته بالتوراة. قال: وكانت أم بلوقيا في الأحياء، فاستأذنها في الخروج إلى بلاد الشام، وكانوا يومئذ في بلاد مصر. فقالت: وما تصنع بالشام؟ قال: أسأل عن محمد وأمته، فلعل الله تعالى أن يرزقني الدخول في دينه، فأذنت له. فبرز بلوقيا وقدم بلاد الشام. فبينما هو يسير إذا انتهى إلى جزيرة من جزائر البحر، فإذا هو بحيات كأمثال الإبل عظماً وفي الطول ما شاء الله وهن يقلن: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقلن له: أيها الخلق المخلوق من أنت؟ وما اسمك؟ قال: اسمي بلوقيا، وأنا من بني إسرائيل. فقلن: وما إسرائيل؟ قلت: من ولد آدم. فقلن: سمعنا باسم آدم ولم نسمع باسم إسرائيل. فقال بلوقيا: أيتها الحيات من أنتن؟ فقلن: نحن حيات من حيات جهنم ونحن نعذب الكفار فيها يوم القيامة. قال بلوقيا: وما تصنعن هاهنا؟ وكيف عرفتن محمداً؟ فقلن: إن جهنم تفور وتزفر في كل سنة مرتين فتلقينا هاهنا ثم نعود إليها، فشدة الحر في الصيف من حرها، وشدة البرد في الشتاء من بردها. وليس في جهنم درك من دركاتها، ولا باب من أبوابها، ولا سرادق من سرادقاتها إلا وقد كتب عليه: \" لا إله إلا الله محمد رسول الله \" . فمن أجل هذا عرفنا محمداً صلى الله عليه وسلم. قال بلوقيا: أيتها الحيات، هل في جهنم مثلكن أو أكبر منكن؟ فقلن: إن في جهنم حيات تدخل إحدانا في أنف إحداهن وتخرج من فمها ولا تشعر بذلك لعظمها. قال: فسلم بلوقيا عليهن ومضى حتى أتى جزيرة أخرى، فإذا هو بحيات كأمثال الجذوع والسواري، وعلى متن إحداهن حية صغرى صفراء كلما مشت اجتمعت الحيات. حولها فإذا نفخت صرن تحت الأرض خوفاً منها. فلما رآها ورأته قالت له: أيها الخلق المخلوق من أنت؟ وما اسمك؟ قال: اسمي بلوقيا، وأنا من بني إسرائيل من ولد إبراهيم. فاخبريني أيتها الحية من أنت؟ قالت: أنا موكلة بالحيات واسمي تمليخا، ولولا أني موكلة بهن لقتلت الحيات بني آدم كلهم في يوم واحد، ولكني إذا صفرت صفرة واحدة وسمعن صوتي دخلن في الماء الذي تحت الأرض. ولكن يا بلوقيا إن لقيت محمد صلى الله عليه وسلم فأقرئه مني السلام.","part":3,"page":473},{"id":1474,"text":"قال: ومضى بلوقيا إلى بلاد الشام فأتى بيت المقدس، وكان بها حبر من أحبارهم يسمى عفان الخير، فأتاه فسلم عليه وقص عليه قصته. فقال له: ليس هذا زمان محمد ولا زمان أمه، وبينك وبينه بعد سنين وقورن. ثم قال عفان: يا بلوقيا أرني موضع الحية التي اسمها تمليخا، فإن قدرت أن أصيدها رجوت أن أنال معك ملكاً عظيماً ونحيا حياة طيبة إلى أن يبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فندخل في دينه. قال: فمن حرص بلوقيا على الدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم قال: أنا أريك المكان. فقام عفان وأخذ تابوتاً من حديد وحمل فيه قدحين من فضة في أحدهما خر وفي الآخر لبن؛ ثم سار جميعاً حتى انتهيا إلى موضع الحية ففتحا باب التابوت وتنحيا. وجاءت الحية تبغي الرائحة فدخلت التابوت وشربت من اللبن والخمر حتى سكرت ونامت. فقام عفان ودب إلى التابوت دبيباً خفيفاً فأغلق بابه واحتضنه وسارا جميعاً فم يمرا بشجرة ولا بيت إلا كلمهما بإذن اله تعالى. فمرا بشجرة يقال لها الدواء فقالت: يا عفان، من يأخذني ويقطعني ويدقني ويعصر مائي ودهني ويطلي به قدميه فإنه يغوص البحار السبعة ولا تبتل قدماه ولا يغرق. فقال عفان: إياك طلبت، فقطع تلك الشجرة فدقها وعصر دهنها وجعله في كوز ثم خلى عن الحية فطارت بين السماء والأرض وهي تقول: يا بني آدم ما أجرأكم على الله تعالى، ولن تصلوا إلى ما تريدون، وذهبت الحية. وسار عفان وبلوقيا إلى اليم فطليا أقدامهما ثم عبرا البحر ومشيا على الماء كما كانا يمشيان على الأرض حتى قطعا البحر الأول ثم الثاني، فإذا هما بجبل في وسط البحر ليس بعال ولا متدان ترابه كالمسك، عليه غمام أبيض، وفيه كهف، وفي الكهف سرير من الذهب عليه شاب مستلق على قفاه ذو وفرة، واضع يده اليمنى على صدره واليسرى على بطنه بمنزلة النائم وليس بنائم وهو ميت، وعلى رأسه تنين وخاتمه في الشمال. قال: وكان ذلك سليمان بن داود، وملك سليمان في خاتمه، وكانت حلقته من ذهب وفضة من ياقوت أحمر مربع، مكتوب عليه أربعة أسطر، في كل سطر اسم من أسماء الله الأعظم. وكان عند عفان علم من الكتاب، فقال بلوقيا: من هذا؟ قال: هذا سليمان بن داود، نريد أن نأخذ خاتمه فنملك ملكه ونرجو الحياة إلى أن يبعث الله محمد صلى الله عليه وسلم. فقال بلوقيا: أليس قد سأل سليمان ربه: \" رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي \" فأعطاه الله إياه على ما سأل، ولا ينال ملك سليمان إلى يوم القيامة لدعائه. فقال عفان: يا بلوقيا اسكت إن الله معنا ومعنا اسم الله الأعظم، ولكن أنت يا بلوقيا فاقرأ التوراة. فتقدم عفان لينزع خاتم سليمان من إصبعه، فقال التنين: ما أجرأك على الله! إن غلبتنا باسم الله فنحن نغلبك بقوة الله. قال: فكلما نفخ التنين ذكر بلوقيا اسم الله، فلم تعلم نفخات التنين فيهما. ودنا عفان من السرير لينزع الخاتم من إصبع سليمان، فاشتغل بلوقيا بالنظر إلى نزول جبريل من السماء، فلما نزل صاح بهما صيحة ارتجت الأرض والجبال وتزلزت منها واختلطت مياه البحار وماجت والتطمت حتى صار كل عذب ملحاً من شدة صيحته، وسقط عفان على وجهه، ونفخ التنين فخرجت من بطنه شعلة نار كأنها البرق الخاطف، فاحترق عفان وعادت نفخته في البحر فما مرت البرقة بشيء إلا أحرقته ولا بماء إلا أجاشته وأغلته. وذكر بلوقيا اسم الله الأعظم فلم ينله مكروه، ثم تراءى له جبريل في صورة رجل فقال له: يا بن آدم ما أجرأك على الله تعالى! فقال له بلوقيا: من أنت رحمك الله؟ قال: أنا جبريل أمين رب العالمين. قال له يا جبريل، إنما خرجت حباً لمحمد ودينه ولم أقصد الخطأ ولم أتعمده. قال: فبذلك نجوت. ثم صعد جبريل إلى السماء، و مضى بلوقيا فطلى قدميه بذلك الدهن فأضل الطريق الذي جاء منه وأخذ في طريق آخر، وسار فقطع ستة أبحر ووقع في السابع فإذا هو بجزيرة من ذهب حشيشها الورس والزعفران وأشجارها النخل والرمان. قال بلوقيا: ما أشبه هذا المكان بالجنة على ما وصفت!. ثم دنا من بعض تلك الأشجار فتناول من ثمرها، فقالت الشجرة: يا خاطئ ابن الخاطئ لا تأخذ مني شيئاً. فتعجب، وإذا بحيال الشجرة قوم يتراكضون، بأيديهم سيوف مسلولة، يتناوش بعضهم بعضاً بالطعن والضرب. فلما رأوا بلوقيا طافوا به وأحدقوا من ورائه وهموا به سوءاً، فذكر اسم الله فهابوه وعجبوا منه وأغمدوا سيوفهم وقالوا","part":3,"page":474},{"id":1475,"text":"بأجمعهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ثم قالوا له: من أنت يا عبد الله؟ قال: أنا من بني آدم اسمي بلوقيا. قالوا: نعرف آدم ولا نعرفك فما أوقعك إلينا؟ قال: إني خرجت في طلب نبي يسمى محمداً وإنني قد ضللت عن الطريق الذي أردته فرأيت من الأهوال كذا وكذا. قالوا: يا بلوقيا نحن من الجن مؤمنون، ونحن مع ملائكة الله في السماء، ثم نزلنا إلى الأرض وقاتلنا كفرة الجن ونحن هاهنا مقيمون نغزوهم ونجاهدهم إلى يوم القيامة، ولسنا نموت إلى يوم القيامة وأنت لا تصبر معنا. فقال بلوقيا لملك الجن: يا صخرة أخبرني عن خلق الجن كيف كان؟ قال: لما خلق الله جهنم خلق لها سبعة أبواب وسبعة ألسن، وخلق منها خلقين: خلق في سمائه سماه حيليت، وخلق في أرضه سماه تمليت. فأما حيليت فإنه خلق على صورة أسد، وتمليت في صورة ذئب، وجعل الأسد ذكراً والذئب أنثى، وجعل طول كل واحد منهما مسيرة خمسمائة عام، وجعل ذنب الذئب بمنزلة ذنب العقرب، وذنب الأسد بمنزلة الحية، وأمرهما أن ينتفضا في النار انتفاضة ففعلا، فسقط من ذنب الذئب عقارب، ومن ذنب الأسد حيات. فعقارب جهنم وحياتها من ذلك. ثم أمرهما أن يتناكحا ففعلاً، فحمل الذئب من الأسد فولد سبعة بنين وسبع بنات. فأوحى الله تعالى إليهم أن يزوج البنات من البنين كما أمر آدم، فستة بنين أطاعوا وواحد لم يطع ولم يتزوج فلعنه أبوه وهو إبليس. وكان اسمه الحارث، وكنيته أبو مرة؛ فهذا أول خلق الجن. ثم قال له: يا بلوقيا إن دوابنا لا تثبت مع الإنس ولكن أجلل فرسي وأبرقعه حتى لا يعرف راكبه، فأركب عليه على اسم الله تعالى؛ فإذا انتهيت إلى أقصى أعمالي على ساحل بحر كذا وإذا شيخ وشاب ومشايخ معهما فإنك ستلقاهما هناك فادفع الفرس إليهما وامض في حفظ الله راشداً. فجاء بلوقيا على الفرس حتى انتهى إليهم فسلم على الشيخ والشاب ونزل عن الفرس ودفعه إليهما. وكان قد فصل من عند ملك الجن عند صلاة الغداة ووصل إليهما نصف النهار. فقالا لبلوقيا: مذ كم فارقت الملك؟ قال: فارقته غدوة. فقالا له: ما أسرع ما جئت! قد أتعبت فرسنا. فقال بلوقيا: والله ما مددت إليه يداً ولا حركت عليه رجلاً ولم أركضه عنفاً. قالا: صدقت ولكن فرسنا أحسن بك وبمنزلتك، فطار ما بين السماء والأرض ليريح نفسه منك، فكم تراه جاء بك؟ قال: خمسة فراسخ أو أقل أو أكثر. قالا: بل جاء بك مسيرة مائة وعشرين سنة، وكان يطير بك بين السماء والأرض حول الدنيا دون قاف وأنت لا تعلم. فحولوا عنه السرج واللجام والبرقع وإذا العرق يقطر من كل شعرة منه، وله جناحان انقضا من كثر الطيران. فقال بلوقيا: هذا والله العجب. فقالوا: يا بلوقيا عجائب الله لا تنقضي. ثم سلم عليهم ومضى فركب اليم. فبينما هو يسير إذ رأى ملكاً إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فسلم عليه بلوقيا، فقال له الملك من أنت أيها الخلق المخلوق؟ فقال: أنا بلوقيا وأنا من بني إسرائيل من ولد آدم. ثم قال له: أيها الملك ما اسمك؟ قال: اسمي يوحاييل وأنا موكل بضوء النهار وظلمة الليل. فقال: فما بال يدك مبسوطتين؟ فقال له: في يدي اليمنى ضوء النهار، وفي يدي اليسرى ظلمة الليل، ولو سبق النهار الليل لأضاءت السموات والأرضون. ولم يكن الليل أبداً، ولو سبقت الظلمة النور لأظلمت السماء والأرض ولم يكن ضوء أبداً. وبين يديه لوح معلق في سطران سطر أبيض وسطر أسود، فإذا رأيت السواد ينتقص نقصت الظلمة، وإذا رأيت السواد يزيد زدت الظلمة، وإذا رأيت السطر الأبيض يزداد زدت في البياض والنور، وإذا انتقص نقصت؛ فلذلك الليل في الشتاء أطول و النهار أقصر؛ وفي الصيف النهار أطول والليل أقصر. ثم سلم بلوقيا ومضى، فإذا هو بملك قائم يده اليمن في السماء ويده اليسراى في الأرض في الماء تحت الثرى وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فسلم عليه بلوقيا، فقال له: من أنت وما اسمك؟ قال اسمي بلوقيا وأنا من بني إسرائيل من ولد آدم. قال له بلوقيا: أيها الملك ما اسمك؟ قال: اسمي ميخائيل. قال: فما لي أراك يمينك في السماء وشمالك في الماء؟ قال: أحبس الريح بيمني والماء بشمالي، ولو رفعت شمالي عن الماء لزخرت البحار كلها في ساعة واحدة ولطمت بإذن الله تعالى، ويدي اليمنى في الهواء أحبس الريح عن بني آدم لأن في السماء ريحاً يقال لها","part":3,"page":475},{"id":1476,"text":"الهائمة لو أرسلنها لقتلت من في السماء ومن في الأرض من بردها. فسلم عليه بلوقيا ومضى، وإذا بأربعة من الملائكة، أحدهم رأسه كرأس الثور، والآخر رأسه كرأس النسر، والثالث رأسه كرأس الأسد؛ والرابع رأسه كرأس الإنسان. فالذي رأسه كرأس الثور يقول: اللهم ارفع العذاب عن البهائم، وارفع عنهم برد الشتاء وحر الصيف، واجعل لهم في قلوب بني آدم الرأفة والرحمة كيلا يكرهن ولا يكلفوهن فوق طاقتهن. واجعلني من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. وأما الذي رأسه كرأس النسر فيقول: اللهم ارحم الطيور ولا تعذبها، وادفع عنها برد الشتاء وحر الصيف، واجعلني من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. وأما الذي رأسه كرأس الأسد فإنه يقول: اللهم ارحم السباع ولا تعذبها وادفع عنها برد الشتاء وحر الصيف، واجعلني من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. وأما الذي رأسه كرأس الإنسان فإنه يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، اللهم ارحم المسلمين ولا تعذبهم وادفع عنهم حر النار، واجعلني من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. فسلم عليهم ومضى حتى أتى على جبل قاف وإذا هو بملك قائم على قاف، وهو جبل محيط بالدنيا من ياقوت خضراء. فسلم بلوقيا على الملك، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا بلوقيا وأنا من بني إسرائيل من ولد آدم فقال الملك: وأين تريد؟ قال: خرجت في طلب من يسمى محمداً، ولست أرى أمره ولا أدري في أي بلاد أنا. فقال الملك: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قد أمرنا بالصلاة على محمد. قال بلوقيا: أيها الملك، ما اسمك؟ قال: اسمي حزقاييل. قال: وما تصنع هنا؟ قال: أنا أمين الله على قاف، وإذا في يده وتر مرة يعقده ومرة يحله، وعروق الأرض كلها مشدودة عيه والوتر في كف الملك قال: فإذا أراد الله أن يضيق على عباده أمرني أن أمد الوتر وأعقده وأرتق عروق الأرض فتضيق الدنيا على العباد والبلاد. وإذا أراد الله أن يوسع عليهم أمرني أن أرخي الوتر وأفتق عروق الأرض فتتسع الدنيا على العباد والبلاد. وإذا أراد أن يخوف قوماً أمرني أن أحرك عروق تلك الأرض، فمن أجل ذلك موضع يهتز وموضع لا يهتز، وموضع يتزلزل وموضعرسلنها لقتلت من في السماء ومن في الأرض من بردها. فسلم عليه بلوقيا ومضى، وإذا بأربعة من الملائكة، أحدهم رأسه كرأس الثور، والآخر رأسه كرأس النسر، والثالث رأسه كرأس الأسد؛ والرابع رأسه كرأس الإنسان. فالذي رأسه كرأس الثور يقول: اللهم ارفع العذاب عن البهائم، وارفع عنهم برد الشتاء وحر الصيف، واجعل لهم في قلوب بني آدم الرأفة والرحمة كيلا يكرهن ولا يكلفوهن فوق طاقتهن. واجعلني من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. وأما الذي رأسه كرأس النسر فيقول: اللهم ارحم الطيور ولا تعذبها، وادفع عنها برد الشتاء وحر الصيف، واجعلني من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. وأما الذي رأسه كرأس الأسد فإنه يقول: اللهم ارحم السباع ولا تعذبها وادفع عنها برد الشتاء وحر الصيف، واجعلني من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. وأما الذي رأسه كرأس الإنسان فإنه يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، اللهم ارحم المسلمين ولا تعذبهم وادفع عنهم حر النار، واجعلني من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. فسلم عليهم ومضى حتى أتى على جبل قاف وإذا هو بملك قائم على قاف، وهو جبل محيط بالدنيا من ياقوت خضراء. فسلم بلوقيا على الملك، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا بلوقيا وأنا من بني إسرائيل من ولد آدم فقال الملك: وأين تريد؟ قال: خرجت في طلب من يسمى محمداً، ولست أرى أمره ولا أدري في أي بلاد أنا. فقال الملك: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قد أمرنا بالصلاة على محمد. قال بلوقيا: أيها الملك، ما اسمك؟ قال: اسمي حزقاييل. قال: وما تصنع هنا؟ قال: أنا أمين الله على قاف، وإذا في يده وتر مرة يعقده ومرة يحله، وعروق الأرض كلها مشدودة عيه والوتر في كف الملك قال: فإذا أراد الله أن يضيق على عباده أمرني أن أمد الوتر وأعقده وأرتق عروق الأرض فتضيق الدنيا على العباد والبلاد. وإذا أراد الله أن يوسع عليهم أمرني أن أرخي الوتر وأفتق عروق الأرض فتتسع الدنيا على العباد والبلاد. وإذا أراد أن يخوف قوماً أمرني أن أحرك عروق تلك الأرض، فمن أجل ذلك موضع يهتز وموضع لا يهتز، وموضع يتزلزل وموضع","part":3,"page":476},{"id":1477,"text":"تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، سنة ثمان من الهجرة منصرفة من الجعرانة، فلما دنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقالت: \" لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك \" فكانت إذا استأذنت على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: أنا الشقية إنما خدعت. ودلهت وذهب عقلها، وماتت سنة ستين. وروى عن ابن إسحق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها بعد وفاة ابنته زينب، وخيرها حين أنزلت آية التخيير فاختارت الدنيا ففارقها، فكانت بعد تلقط البعر، وتقول: أنا الشقية أخترت الدنيا. قال أبو عمر بن عبد البر: وهذا عندي غير صحيح؛ لأن ابن شهاب يروي عن أبي سلمة وعروة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خير أواجه بدأ بها فاختارت الله ورسوله قالت وتتابع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، قال قتادة وعكرمة: كان عنده حين خيرهن تسع نسوة وهن الواتي توفي عنهن، قال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن: وقيل إنما طلقها لبياض كان بها. وقيل: إنما فارقها لأنه كان إذا خرج طلعت إلى المسجد. وقيل: إن الضحاك عرض ابنته فاطمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنها لم تصدع قط، فقال: \" لا حاجة لي بها \" . وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم سناء بنت سفيان بن عوف بن كعب ابن أبي بكر بن كلاب. ومنهن:","part":3,"page":477},{"id":1478,"text":"جبريل عسى أن يقدر على فتحه. فدعا بلوقيا، فأمر الله تعالى جبريل فنزل عليه وفتح الباب، ثم قال: يا بن آدم ما أجرأك على الله! ثم جاز بلوقيا حتى انتهى إلى بحرين: بحر مالح وبحر عذب. فلما وصل إليهما رأى بينهما حاجزاً، وفي البحر المالح جبل من ذهب، وفي البحر العذب جبل من فضة، وبينهما ملك على صورة النمل ومعه ملائكة على تلك الصورة. فسلم عليهم فردوا - ع - وقالوا له: من أنت؟ فأخبرهم بقصته. ثم قال بلوقيا: من أنتم؟ قالوا: نحن أمناء الله تعالى على هذين البحرين لا يلتقينان ولا يبغيان. فقال لهم بلوقيا: ما هذا الجبل الأحمر؟ قالوا: هذا كنز الله في الأرض وكل ذهب في الأرض إنما هو من نصاب هذا الجبل، وكل ما في الدنيا من ماء عذب هو من هذا البحر. وهذا البحر إنما يجيء من تحت العرش من قبل أن خلق الله تعالى الملائكة؛ وكل ما يجري من ماء مالح فهو من ذلك البحر الملح. وهذا الجبل الأبيض هو من فضة وهو كنز الله تعالى؛ وكل كنز في الدنيا وكل معدن فضة فهو من عروق هذا الجبل. فسلم بلوقيا عليهم ومضى حتى انتهى إلى بحر عظيم، فإذا هو بحيتان كثيرة عظيمة وقد اجتمعت وبينها حوت عظيم يقضي بين الحيتان. فلما نظر إلى بلوقيا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فسلم بلوقيا وأخبره بحال النبي صلى الله عليه وسلم وأنه خرج في طلبه، فرد السلام ثم قال: يا بلوقيا، إن لقيت محمداً فأقرئه مني السلام. فقال: نعم إن شاء الله. ثم قال: أيتها الحيتان إني جائع عطشان وماء البحر ملح وما أجد ما آكل. فقال الحوت الأعظم: يا بلوقيا سأطعمك طعاماً تسير أربعين سنة لا تعيا ولا تجوع ولا تعطش، قال: فأطعمه ذلك الحوت قرصاً أبيض، فأكله ومضى حتى بلغ العمران. قال: ومن قبل أن يبلغ العمران رأى شاباً يجري على الماء كأنه البدر. فقال له بلوقيا: من أنت؟ قال: سل الذي خلفي. فسار بلوقيا يوماً وليلة فإذا هو بآخر يمر على الماء ضوءه كضوء النجوم. فقال له بلوقيا: يا فتى، من أنت؟ قال: سل الذي خلفي. فسار بلوقيا يوماً وليلة، فإذا هو بشاب كأنه القمر يلوح في آخر الشمس، فقال بلوقيا: أنشدك الله إلا وقفت. قال: فوقف وقال: لماذا استحلفتني؟ قال: خشيت أن تفوتني مثل أصحابك الماضين، فمن كان الأول؟ قال: إسرافيل صاحب الصور، والثاني ميكائيل صاحب المطر، والثالث جبرائيل أمي رب العالمين. فقال بلوقيا: ماذا تصنعون في اليم؟ قال جبريل: حية من حيات البحر قد آذت سكانه، فدعوا الله عليها فاستجاب الله دعاءهم وأمرنا أن نسوقها إلى جهنم ليعذب الله بها الكفار يوم القيامة. قال بلوقيا: كم طولها وكم عرضها؟ قال: طولها مسيرة ثلاثين سنة، وعرضها مسيرة عشرين سنة. فقال بلوقيا: يا جبريل، أيكون في جهنم مثل هذه أو أكبر منها؟ فقال جبريل: إن في جهنم من الحيات ما تدخل هذه في أنف إحداهن ولا تشعر بها من عظم خلقتها، فسلم بلوقيا عليه ومضى إلى جزيرة أخرى، وإذا هو بغلام أمرد بين قبرين، فسلم عليه بلوقيا وقال: يا شاب، من أنت وما اسمك؟ قال: اسمي صالح. قال: فما هذان القبران؟ قال: أحدهما أبي والآخر أمي، كانا سائحين فماتا هاهنا، وأنا عند قبريهما حتى أموت. فسلم بلوقيا ومضى حتى انتهى إلى جزيرة، فإذا هو بشجرة عظيمة عليها طائر رأسه من ذهب، وعيناه من ياقوت، ومنقاره من لؤلؤ، وبدنه من زعفران، وقوائمه من زمرد، وإذا مائدة موضوعة تحت الشجرة وعليها طعام وحوت مشوي. فسلم عليه بولقيا فرد عليه الطائر السلام. فقال بلوقيا: أيها الطائر من أنت؟ قال: أنا من طيور الجنة، وأن الله تعالى بعثني إلى آدم بهذه المائدة لما هبط من الجنة وكنت معه حتى لقي حواء، وأنا هاهنا من ذلك الوقت، وكل غريب وعابر سبيل يمر بها ويأكل منها، وأنا أمين الله عليها إلى يوم القيامة. فقال بلوقيا: ولا تتغير ولا تنقص! قال: طعام الجنة لا يتغير ولا ينقص. فقال لبلوقيا: كل فأكل حاجته، ثم قال: أيها الطائر، هل معك أحد؟ قال: معي أبو العباس يأتيني أحياناً. قال: ومن أبو العباس؟ قال: الخضر. فلما ذكر اسمه إذا هو بالخضر - ع - قد أقبل عليه ثياب بيض. قال: فما خطا خطوة إلا نبت الحشيش تحت قدميه. فسلم عليه بلوقيا وسأله عن حاله. قال بلوقيا: قد طالت غيبتي وأريد أن أرجع إلى أمي. قال الخضر: بينك وبينها مسيرة خمسمائة سنة، أنا أردك في مسيرة خمسمائة شهر. قال الطائر: إن كان","part":3,"page":478},{"id":1479,"text":"بينك وبين أمك مسيرة خمسمائة سنة أنا أردك مسيرة خمسمائة يوم. قال الخضر: أنا أردك إليها في ساعة ثم قال: غمض عينيك فغمضهما ثم قال له: افتحهما ففتحهما، وإذا هو عند أمه جالس. فسألها: من جاء بي؟ فقالت: جئت على متن طائر أبيض يطير بين السماء والأرض فوضعك قدامي. قال: ثم إن بلوقيا حدث بني إسرائيل بما رأى من العجائب والأخبار، فأثبتوها وكتبوها إلى يومنا هذا. فهذا ما كان من حديث بلوقيا. والله أعلم.ك وبين أمك مسيرة خمسمائة سنة أنا أردك مسيرة خمسمائة يوم. قال الخضر: أنا أردك إليها في ساعة ثم قال: غمض عينيك فغمضهما ثم قال له: افتحهما ففتحهما، وإذا هو عند أمه جالس. فسألها: من جاء بي؟ فقالت: جئت على متن طائر أبيض يطير بين السماء والأرض فوضعك قدامي. قال: ثم إن بلوقيا حدث بني إسرائيل بما رأى من العجائب والأخبار، فأثبتوها وكتبوها إلى يومنا هذا. فهذا ما كان من حديث بلوقيا. والله أعلم.\rالباب الخامس من القسم الثالث من الفن الخامس\rزكريا ومن بعده\rابنه يحيى وعمران ومريم وعيسى بن مريم عليهم السلام نسب زكريا وعمران قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى: هو زكريا بن برخيا بن آذن بن مسلم ابن صدوق بن نخشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن ناحور بن شلوم ابن نهفاشاط بن أنبا بن لبنا بن رحبعم بن سليمان بن داود عليهم السلام.\rوعمران بن ماتان. وقال ابن إسحاق: هو عمران بن باسهم بن أمون بن منسى بن حزقياً بن أحزيق بن يوثام بن عزاريا بن أنصيا بن ناوش بن يارم بن يهفاشاط بن أنبا بن لبنا بن رحبعم بن سليمان بن داود.\rوكان زكريا وعمران متزوجين بأختين، فامرأة زكريا أسباع، وقيل بليشفع بنت فاقود وهي أم يحيى. وامرأة عمران حنة بنت فاقود وهي أم مريم بنة عمران.\rقالوا: وكان زكريا نجاراً قبل أن يبعث نبياً، وكان كثير العبادة، وكان بيت المقدس قد خلا من الأنبياء، فبينا زكريا في محراب جده داود - ع - وقد انفتل عن صلاه إذ هبط عليه جبريل بوحي الله تعالى ونبوته، وأعلمه أن الله تعالى بعثه رسولاً إلى بني إسرائيل. فخر زكريا ساجداً لله تعالى على ذلك، وخرج إلى بني إسرائيل ودعاهم، فكذبه بعضهم وصدقه آخرون. فأقام زكريا في بني إسرائيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر وعمران يعبد الله. وكان زكريا وعمران لم يرزقا الولد. فبينا حنة ذات يوم جالسة إلى جانب عمران إذ رأت حمامة تزق فرخاً لها، فبكت شوقاً منها إلى الولد، وذكرت ذلك لزوجها عمران فقال: قومي ندعوا الله ربنا في ذلك، فقاما جميعاً وصليا ودعوا الله تعالى أن يرزقهما ولداً، فرأى عمران في منامه إن الله قد استجاب دعاءك. فقام إلى زوجته فواقعها فحملت منه، وقالت ما أخبر الله تعالى عنها. قال الله تعالى: \" إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم \" . قال: وكان الناس في ذلك الزمان يتقربون إلى الله عز وجل بتحرير أولادهم، وكانوا يخدمون بيت المقدس في صغرهم إذا بلغوا، فمن أحب أن يقيم على الخدمة أقام، ومن اختار الانصراف انصراف.\rميلاد مريم","part":3,"page":479},{"id":1480,"text":"قال الكسائي: ولما حررتها أمها لله تعالى قال لها زوجها: إنك حررت ما في بطنك، فإن كان أنثى كيف يكون محرراً؟ فاغتمت لذلك حتى وضعت مريم. قال الله تعالى: \" فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم \" ثم قالت: رب أن كنت نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبلها مني. قال الله تعالى: \" فتقبلها ربها منها وأنبتها نباتاً حسناً \" . قال: ثم حملتها حتى دخلت بيت المقدس وزكريا هناك في نفر من عباد بني إسرائيل، فقال لها: ما هذه يا حنة؟ قالت: هذه ابنتي مريم، قد جعلتها محررة وقد قبلها الله مني فاقبلوها ولا تردوها، فأقبل بنو إسرائيل على زكريا وقالوا: ما تقول في هذه؟ قال: لا بد لها من مكفل إلى أن تبلغ مبلغ الخدمة ثم تكون خادمة في المسجد. قالوا: أينا يكفلها؟ قال زكريا: أنا أولى بها لأني زوج خالتها، ولكنا نقترع، فأخذوا أقلامهم وصاروا إلى عين سلوان وقالوا: نرمي بأقلامنا فيها فأينا وقف قلمه فهو الذي يكفلها؛ فألقوا فرسيت أقلامهم جميعاً إلا قلم زكريا فإنه طفا وغالب الجرية، فأخذها واسترضع لها بعض نساء بني إسرائيل. ثم مات عمران والد مريم. قال: وبنى لها زكريا بيتاً لا يصعد إليه إلا بسلم، وكان لا يصعد إليها إلا زكريا يحمل إليها الطعام، وابن خال لها يقال له يوسف بن يعقوب النجار، وكان من العباد المحررين، وكان زكريا إذا صعد إليها وجد عندها في الصيف فواكه الشتاء، وفي الشتاء فواكه الصيف، فيعجب من ذلك. قال الله تعالى: \" وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب \" .\rدعاء زكريا\rأن يرزقه الله عز وجل الولد\rمولد يحيى بن زكريا\rقال الكسائي: فلما نظر ذكريا إلى ما رزق الله عز وجل من الفاكهة في غير وقتها قال: إن الذي رزق هذه الفواكه لقادر على أن يرزق من العجوز العقيم والشيخ الكبير الولد. قال الله تعالى: \" هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء \" . قال: ولما أراد زكريا أن يدعو استحيا من الله تعالى، فجلس سبعة أيام ثم قام إلى المحراب ووافق ذلك يوم عاشوراء، فكلمه المحراب بإذن الله تعالى وقال: يا زكريا، أوجدت ربك بخيلاً! يا زكريا إن ربك أبداً رحيم. فعند ذلك عزم على الدعاء واجتهد في العبادة، ثم رفع يديه \" ونادى ربه نداء خفياً \" معناه أخفاه عن قومه \" قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً \" يعني غلب بياضه على سواده \" ولم أكن بدعائك رب شقياً \" معناه لم تخيبني في الدعاء \" وإني خفت الموالي من ورائي \" يعني الذرية من بعدي أن تصير الحبورية في غير أولاد الأنبياء \" فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب \" يعني مكاني وحبوريتي والتابوت الذي فيه وأقلام المحررين ومفاتيح القربان، ثم قال: \" واجعله رب رضياً \" في بني إسرائيل. فاستجاب الله تعالى دعاءه وأمر جبريل أن ينزل عليه بالبشرى فأتاه وأتته الملائكة وأحدقوا بالمحراب. قال الله تعالى: \" فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى \" الآية. وقال تعالى: \" يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا، قال رب إنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتياً، قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً \" . \" قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تلكم الناس ثلاث أيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار \" . قال الكلبي: كان زكريا يوم بشر بالولد ابن اثنتين وتسعين سنة. وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان ابن مائة وعشرين سنة. وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين.\rقالوا: ولما جامع زكريا امرأته اغتسل وعاد إلى محرابه، فجاءته نساء بني إسرائيل وقالوا له: نرى أمرك أعجب من امرأتك، فذهب زكريا ليتكلم فلم يقدر على الكلام، فعلم أن امرأته قد حملت فكتب لهم في الأرض، إني لا أقدر على الكلام ثلاث أيام.","part":3,"page":480},{"id":1481,"text":"قال الثعلبي رحمه الله. فإن قيل: لم أنكر زكريا ذلك وسأل الآية بعد ما بشرته الملائكة؟ أكان ذلك شكاً في وحيه؟، أم إنكاراً لقدرته، وهذا لا يجوز أن يوصف به أهل الإيمان فكيف الأنبياء؟! فالجواب عنه ما قال عكرمة والسدي: إن زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان سخر بك، ولو كان من الله لأوحاه إليك خفياً كما ناديته خفياً وكما يوحى إليك في سائر الأمور؛ فقال ذلك دفعاً للوسوسة. قال: وفيه جواب آخر، وهو أنه لم يشك في الولد وإنما شك في كيفيته والوجه الذي يكون منه الولد فقال: \" أنى يكون لي \" أي كيف يكون لي ولد؟ أتجعلني وامرأتي شابين أو ترزقنا على كبرنا، أو ترزقني من امرأة عاقر، أم من غيرها من النساء؟ فقال ذلك مستخبراً لا مستنكراً. وهذا قول الحسن. \" قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس \" تكف عن الكلام ثلاثة أيام وتقبل بكليتك على عبادتي وطاعتي؛ لأنه ما حبس لسانه عن الكلام ولكنه نهى عنه؛ ويدل عليه قوله: \" واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار \" . هذا قول قوم من أهل المعاني. وقال آخرون: عقل لسانه عقوبة له لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه، فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام، لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزاً.\rقال: وفي بعض الأخبار أنه لما ولد يحيى رفع إلى السماء فغدى بأنهار الجنة حتى فطم ثم أنزل إلى أبيه، فكان يضيء البيت لنوره.\rواختلفوا في تسميته بيحيى ولم يسمى بذلك؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن الله تعالى أحيا به عقر أمه. وقال قتادة وغيره: لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان والنبوة. وقال الحسين بن الفضل: لأن الله تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية. وقيل: سمي بذلك لأنه استشهد والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.\rويحيى أول من أقر بعيسى - ع - وصدقه؛ وذلك أنه لما كان في بطن أمه استقبلتها مريم وقد حملت بعيسى، فقالت لها أم يحيى: يا مريم، أحامل أنت؟ فقالت: لماذا تقولين؟ قالت: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك؛ فذلك تصديقه وإيمانه. وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر، وقتل قبل رفع عيسى. وقوله تعالى فيه: \" وسيداً وحصوراً \" قال ابن جبير: السيد الذي يطبع ربه عز وجل. وقال الضحاك: السيد الحسن الخلق. وقال عكرمة: السيد الذي لا يغضب. وقال سفيان: السيد الذي لا يجسد. وحصوراً، قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما: هو الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن، فعول بمعنى فاعل، يعني أنه حصر نفسه عن الشهوات: وقال المبرد: الحصور: الذي لا يدخل في اللعب ولا الباطل.\rصفة يحيى بن زكريا\rقال كعب الأحبار: كان يحيى بن زكريا عليهما السلام حسن الوجه والصورة، لين الجناح، قصير الأصابع، طويل الأنف. مقرون الحاجبين، رقيق الصوت، كثير العبادة، قوياً في طاعة الله عز وجل وقد ساد الناس في عبادته.\rنبوة يحيى - ع -\rوسيرته وزهده قال الله تعالى: \" يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً \" . قيل: هو أن يحيى - ع - قال له أقرانه من الصبيان: يا يحيى اذهب بنا نلعب؛ فقال: أللعب خلقتم!. وقال الآخرون: هو أنه نبي وهو صغير، وكان يعظ الناس ويقف لهم في أعيادهم وجمعهم يدعوهم إلى الله تعالى، ثم ساح ودخل الشام يدعو الناس.\rولما بعثه الله عز وجل إلى بني إسرائيل أمره أن يأمرهم بخمس خصال وضرب لكل خصلة منها مثلاً: أمرهم أن يعبدوا الله تعالى ولا يشكروا به شيئاً وقال: مثل الشرك مثل رجل اشترى عبيداً من خالص ماله ثم أسكنهم داراً له ودفع لهم مالاً يتجرون فيه ويأكل كل واحد منهم ما يكفيه، ويؤدون إليه فضل الربح، فعمد العبيد إلى فضل الريح فدفعوه إلى غير سيدهم.\rوأمرهم بالصلاة وقال: إن مثل المصلى كمثل رجل استأذن على ملك فأذن له ودخل عليه، فأقبل الملك عليه بوجهه ليسمع مقالته ويقضي حاجته، فلما دخل الرجل التفت يميناً وشمالاً ولم يهم بحاجته، فأعرض الملك عنه بوجهه ولم يقض حاجته.\rوأمرهم بالصدقة وقال: مثلها كمثل رجل أسره العدو فاشترى منهم نفسه بثمن معلوم، فجعل يعمل في بلادهم ويؤدي إليهم من كسبه القليل والكثير حتى وفى ثمنه فأعتق.","part":3,"page":481},{"id":1482,"text":"وأمرهم بذكر الله تعالى وقال: مثل الذكر مثل قوم لهم حصن ولهم عدو، فإذا أقبل عليهم عدوهم دخلوا حصنهم فلم يقدر العدو عليهم، كذلك من ذكر الله عز وجل لا يقدر عليه الشيطان.\rوأمرهم بالصيام وقال: مثله كالجنة لا يصل عدوه إليه. وكان - ع - فيهم كثير التقشف والعبادة والزهد والسياحة إلى أن قتل - ع - .\rمقتل يحيى وأبيه زكريا\rاختلف العلماء في سبب قتل يحيى؛ فقال بعضهم: كان يحيى - ع - في زمن ملك من ملوك بني إسرائيل، وكانت له امرأة وهي بنت ملك صيدا، وكانت قتالة للأنبياء والصالحون، وكانت عاهرة تبرز للناس، وكان يحيى يزجرها عن ذلك ويقول لها: لا تبرزين كاشفة عن وجهك. وكان كثيراً ما يقول لها: مكتوب في التوراة: إن الزناة يوقفون يوم القيامة وريحهم أنتن من الجيف. فأمرت بيحيى فسجن. وكان قد حبس رجل من أبناء الملوك، وكان يختلف إليها، فعلم بها وبه يحيى فزجره، فبلغ ذلك امرأة الملك فحملت بنتاً لها واستقبلت بها زوجها. فقال: لم فعلت ذلك؟ فقالت: وجب لها عليك حق. فقال: سليني ما شئت. فسألته أهل السجن. فظن أنها ترحمهم وتسرحهم فقال: قد فعلت. فأمرت المرأة بأهل السجن فعرضوا. فلما مر بيحيى أمرت به فذبح في طست ثم حملت الطست إلى أبيها بأمر أمها وقالت: أيها الملك، إني ذبحت لك ذبيحة من أعظم ما وجدت، ولو كن مثله ألفاً لذبحتهم لك. فقال: ومن هو؟ قالت: يحيى بن زكريا. قال: هلكت وأهلكت أبويك. فغير الله ما بهم من النعم، وسلط عليهم عدوهم فذبح البنت وأبويها، وسلط عليهم الكلاب حتى أكلتهم.\rوقال الثعلبي في تفسيره: والصحيح من ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار قال: عبرت بنو إسرائيل بعد ما عمرت الشام، وعادوا إليها بعد خراب بختنصر إياها وسبيهم منها، فجعلوا بعد ذلك يحدثون الأحداث بعد مهلك عزير - ع - ، ويعود الله عليهم ويبعث فيهم الأنبياء، ففريقاً يكذبون وفريقاً يقتلون، حتى كان آخر من بعث الله تعالى فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام. فمات زكريا وقتل يحيى بسبب نهبه الملك عن نكاح ابنته في قول عبد الله بن الزبير، وابنة امرأته في قول السدي، وابنة أخيه في قول ابن عباس رضي الله عنهما وهو الأصح إن شاء الله تعالى؛ لما روى الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث عيسى بن مريم يحيى بن زكريا عليهم السلام في اثنى عشر من الحواريين يعلمون الناس، فكان مما نهوهم عنه نكاح ابنة الأخ. قال: وكانت لملكهم ابنة أخ تعجبه يريد أن يتزوجها، وكانت لها في كل يوم حاجة يقضيها لها. فلما بلغ ذلك أمها أنه نهى عن نكاح بنت الأخ قالت لأبنتها: إذا دخلت على الملك فسألك فقولي له: حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا. فلما دخلت عليه سألها حاجتها قالت: حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكريا. فقال: سليني غير هذا. قال: لا أسألك إلا هذا. فلما أبت عليه دعا بيحيى ودعا بطست فذبحه فيه، فندت من دمه قطرة على الأرض، فلم تزل تغلي حتى بعث الله عز وجل ملك بابل، فقتل عليها من بني إسرائيل حتى سكنت. وقد تقدم أيضاً خبر مقتله، وأن بختنصر هو الذي قتل على دمه حتى سكن. والصحيح أن بختنصر إنما قتل بسبب قتل شعيا - ع - .\rقال الثعلبي أيضاً: وقال علماء النصارى: إن قتل يحيى كان على يدي ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له هيرودس بسبب امرأة يقال لها هردوبا، كانت امرأة أخ له يقال له فلفوس، عشقها فوافقته على الفجور، فنهاه يحيى وأعلمه أنها لا تحل له، فسألت المرأة هيرودس أن يأتيها برأس يحيى ففعل، ثم سقط في يده وجزع جزعاً شديداً.\rوقال كعب: كان يحيى - ع - من أحسن الناس وجهاً وأجملهم في زمانه، فأحبته امرأة الملك الذي كان في ذلك الزمان حباً شديداً، فأرسلت إليه ترواده، فأرسل إليها أنه لا علم له بالنساء والملك أحق أن يطأ فراشه. فلما جاءها الرسول غضبت وقالت: كيف لي أن أقتله حتى لا يخبر الناس أني قد راودته!. فلم تزل بالملك حتى وهب لها رأس يحيى بن زكريا، وأرسلت إليها وهو قائم يصلي في محراب داود في بيت المقدس فضرب عنقه وأخذ رأسه. فلما أرادوا أن يأخذوا رأس يحيى خسف الله بها وبأهلها الأرض عقوبة لقتلها يحيى - ع - .","part":3,"page":482},{"id":1483,"text":"قال كعب: فلما رأى زكريا أن ابنه يحيى قد قتل وخسف بالقوم انطلق هارباً في الأرض، حتى دخل بستاناً عند بيت المقدس فيه أشجار. وأرسل الملك في طلبه عضباً لما لقيت المرأة وأهلها. فمر زكريا بشجرة من تلك الأشجار فنادته الشجرة يا نبي الله، هلم إلى هاهنا. فلما أتاها التفت عليه الشجر ودخل زكريا - ع - في وسطها، فانطلق عدو الله إبليس لعنه الله حتى أخذ بطرف ردائه، فأخرجه من الشجرة ليصدقوه إذا أخبرهم، وجاء الذي يلتمسون زكرياً، فأخبرهم إبليس انه دخل الشجرة؛ فقالوا: لا نصدقك. قال: فإني أريكم علامة تصدقونني بها. قالوا: فأرناها، فأراهم طرف ردائه، فأخذوا الفؤوس فضربوا الشجرة حتى قطعوها باثنتين، فسلط الله عليهم أخبث أهل الأرض علجا مجوسياً، فانتقم الله من بني إسرائيل بدم يحيى وزكريا، فقتل عظماء بني إسرائيل وسبي منهم مائة ألف وعشرين ألفاً.\rوقد قيل في سبب قتل زكريا غير هذا، وسنذكر إن شاء الله في أثناء أخبار عيسى بن مريم على ما تقف عليه إن شاء الله تعالى.\rخراب بيت المقدس ثانياً","part":3,"page":483},{"id":1484,"text":"قال الثعلبي رحمه الله تعالى في بعض طرقه عن محمد بن إسحاق: إن خراب بيت المقدس ثانياً وقتل بني إسرائيل كان بعد رفع عيسى بن مريم وقتل يحيى بن زكريا. فلما فعلوا ذلك سلط الله تعالى عليهم ملكاً من ملوك بابل يقال له خردوس، فسار إليهم بأهل باب حتى دخل عليهم الشام؛ فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رءوس أجناده يدعى نبوزرادان صاحب الفيل فقال له: إني قد كنت حلفت بإلهي إن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلى ألا أجد أحد أقتله، فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، وأن نبوزرادان دخل بيت المقدس فقتلهم في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجدوا فيها دماً يغلي فسألهم عنه فقالوا: هذا دم قربان قربناه فلم يتقبل منا فلذلك هو يغلي كما تراه، ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة القربان فتقبل منا إلا هذا القربان. فقال: ما صدقتموني الخبر. قالوا له: لو كان كأول دمائنا لقبل ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم يقبل. فذبح منهم نبوزرادان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحاً من رءوسهم فلم يهدأ، فأمر بسبعة آلاف من سبيهم فذبحهم على الدم فلم يبرد. فلما رأى نبوزرادان أن الدم لا يهدأ قال لهم: ويكلم يا بني إسرائيل! اصدقوني واصبروا على أمر ربكم، فقد طالما ملكتم الأرض تفعلون فيها ما شئتم، قبل ألا أترك نافخ نار ذكر أو أنثى إلا قتلته، فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوه الخبر فقالوا: إن هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله، فلو أطعناه لكان أرشد لنا، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه. فقال لهم: ما كان اسمه؟ قالوا: كان اسمه يحيى بن زكريا. قال: الآن صدقتموني، لمثل هذا ينتقم منكم ربكم. ولما رأى أنهم قد صدقوه خر ساجداً وقال لمن حوله: أغلقوا باب المدينة وأخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوس. وخلا في بني إِسرائيل ثم قال: يا يحيى بن زكريا، قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم، فاهدأ بإذن الله تعالى قبل ألا ابقي من قومك أحداً، فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله تعالى ورفع نبوزرادان حبور صدوق - والحبور بالعبرانية حديث الإيمان - فقال نبوزرادان: يا بني إسرائيل، إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره، وإني لست أستطيع أن أعصيه. قالوا له: افعل ما أمرت به، فأمرهم أن يحفروا خندقاً وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمر والبقر والغنم فذبحها حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين كانوا فوقها. فلما بلغ الدم عسكر خردوس أرسل إلى نبوزرادان أن ارفع عنهم القتل فقد بلغتن دماؤهم. ثم انصرف عنهم إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد. وهذه هي الوقعة الآخرة التي أنزل الله تعالى فيها وفي الأول: \" وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدون في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد \" فكان بختنصر وجنوده. ثم رد الله لهم الكرة عليهم. وكانت الوقعة الآخرة خردوس وجنوده فلم تقم لهم بعد ذلك راية. وانتقل الملك بالشام ونواحيها إلى الروم واليونان، إلا أن بقايا بني إسرائيل كثروا وانتشروا بعد ذلك. وكانت لهم الديانة والرياسة ببيت المقدس ونواحيها على غير وجه الملك. وكانوا في نعمة ومنعة إلى أن بدلوا وأحدثوا الأحداث واستحلوا المحارم وضيعوا الحدود، فسلط الله تعالى عليهم ططوس بن اسفيانوس الرومي فأخرب بلادهم وطردهم عنها، ونزع الله تعالى منهم الملك والرياسة وضرب عليهم الذل، فليسوا في أمة من الأمم إلا وعيهم الصغار والجزية والملك في غيرهم. وبقي بيت المقدس خراباً إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعمره المسلمون بأمره.","part":3,"page":484},{"id":1485,"text":"قال: وروى أبو عوانة عن أبي بشر قال: سألت سعيد بن جبير عن قول الله عز وجل: \" وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب \" الآيات فقال: أما الذي جاسوا خلال الديار فكان صرخان الخزري شعث من الديار وتبر. ثم قال: \" ثم رددنا لكم الكرة عليهم \" إلى قوله: \" فإذا جاء وعد الآخرة \" إلى قوله: \" تتبيراً \" قال: هذا بختنصر الذي خرب بيت المقدس. ثم قال لهم: \" عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا \" قال: فعادوا فعيد عليهم، فبعث الله تعالى عليهم ملك الروم. ثم عادوا أيضاً فعيد عليهم، فبعث عليهم درم أوزن ملك الري. ثم عادوا أيضاً فعيد عليهم، فبعث عليهم سابور ذا الأكتاف.\rوقال قتادة: هذه الآية قضاء قضى على القوم كما يسمعون، فبعث عليهم في الأولى جالوت فسبى وقتل وخرب بيت المقدس وسامهم سوء العذاب، ثم قال: \" عسى ربكم أن يرحمكم \" فعاد الله عليهم برحمته. ثم عاد القوم بشر ما يحضرهم. فبعث الله تعالى عليهم ما شاء أن يبعث من نقمته وعقوبته. ثم بعث الله تعالى عليهم هذا الحي من العرب، كما قال تعالى: \" وإذا تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب \" فهم بهم في عذاب إلى يوم القيامة.\rوهذه الأخبار التي أوردناها في هذا المكان من خبر زكريا ويحيى وخراب بيت المقدس ثانياً، منها ما كان في زمن عيسى - ع - ، ومنها ما كان بعد رفعه. وإنما أوردناها سياقة وتركنا خبر عيسى - ع - لئلا تنقطع بغيرها وليتلو بعضها بعضا. فلنرجع إلى أخبار عيسى بن مريم - ع - .\rحمل مريم بعيسى (ع) قال الكسائي رحمه الله تعالى: وكانت مريم تنمو وتزيد في كل يوم وتعبد الله تعالى حتى برزت في العبادة على نساء بني إسرائيل. فلما بلغت مبلغ النساء أتت منزل زكريا، فقال لها: كيف خرجت من بيتك ومفتاحه معي؟ قالت: إني رأيت أمراً قبيحاً - أرادت بذلك الحيض - فجئتك بإذن الله. فأمرها زكريا أن تكون عند خالتها حتى تطهر، ففعلت ذلك. فلما طهرت واغتسلت عادت إلى عبادتها. فكان ذلك عادتها وشأنها إذا حاضت. فذلك قوله تعالى: \" واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، فاتخذت من دونهم حجاباً \" أي ستراً \" فأرسلنا إليها روحنا \" يعني جبريل \" فتمثل لها بشراً سوياً \" أي في صورة رجل \" قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً \" أي مطيعاً لربك \" قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً، قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا، قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضياً \" ثم نفخ في جيبها فوصلت النفخة إلى جوفها فحملت بعيسى لوقتها. ويقال: إن زكريا في ذلك الوقت أفضى إلى امرأته فحملت بيحيى. وقيل: إن امرأة زكريا حملت قبل مريم بثلاثة أشهر، وقيل ستة أشهر. وكانت مريم إذ ذاك بنت خمس عشرة سنة، وقيل ثلاث عشرة سنة.","part":3,"page":485},{"id":1486,"text":"وحكى الثعلبي في قصة حمل مريم أنه كان معها في المسجد ابن عم لها من المحررين يقال له يوسف ين يعقوب النجار، وكان رجلاً حكيماً نجاراً، يتصدق بعمل يديه، وكان يوسف ومريم إذا نفد ماؤهما أخذ كل واحد منهما قلته وانطلق إلى المغارة التي فيها الماء يستقيان منه ثم يرجعان إلى الكنيسة. فلما كان اليوم الذي لقيها في جبريل، وكان أطول يوم في السنة وأشد حراً، ونفد ماؤها، فقالت: يا يوسف، ألا تذهب بنا نستقي؟ فقال لها: إن عندي لفضلا من ماء أكتفي به في يومي هذا إلى غد. قالت: لكني والله ما عندي ماء، فأخذت قلتها ثم انطلقت وحدها حتى دخلت المغارة، فوجدت عندها جبريل - ع - ، قد مثله الله عز وجل بشراً سوياً؛ فقال لها: يا مريم، إن الله قد بعثني إليك لأهب لك غلاماً زكيا. قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً. قال عكرمة: وكان جبريل قد عرض لها في صورة شاب أمرد وضيء الوجه، جعد الشعر، سوي الخلق. قال الحكماء: وإنما أرسله الله تعالى في صورة البشر لتثبت مريم عليها السلام وتقدر على استماع كلامه، ولو أتاها على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه، ولم تقدر على استماع كلامه. فلما استعاذت مريم منه قال: \" إنما أنا رسول ربك \" الآية. فما قال ذلك استسلمت لقضاء الله تعالى. فنفخ جبريل في جيب درعها، وكانت قد وضعته، ثم انصرف عنها. فلما لبست مريم درعها حملت بعيسى - ع - ، ثم ملأت قلتها وانصرفت إلى المسجد. وقال السدي وعكرمة: إن مريم عليها السلام كانت تكون في المسجد ما دامت طاهرة فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد. فبينما هي تغتسل من الحيض وقد أخذت مكاناً شرقياً - قال الحسن: إنما اتخذت النصارى الشرق قبلة لأن مريم انتبذت مكانا شرقياً - فاتخذت، فضربت من دونهم حجاباً، أي ستراً. وقال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين قومها، فبينما هي كذلك إذ عرض لها جبريل وبشرها ونفخ في جيب درعها.","part":3,"page":486},{"id":1487,"text":"قالوا: فلما اشتملت على عيسى وتبين حملها داخلها الغم علمت أن بني إسرائيل سوف يقذفونها، فنادتها الملائكة: \" يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك \" أي من الحيض \" واصطفاك على نساء العالمين، يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين \" . قال: وبشرها الله تعالى بعيسى فقال: \" إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين، ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين \" . \" ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، ورسولاً إلى بني إسرائيل \" الآية فطابت نفسها. قال وهب: فلما اشتملت على عيسى وكان معها يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي بجبل صهيون - وجبل صهيون على باب بيت المقدس - وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم، وكانت مريم ويوسف يخدمان ذلك المسجد، وكان لخدمته فضل عظيم، فكانا يليان معالجته بأنفسهما وتطهيره، وكان لا يعلم أحد من أهل زمانهما أشد اجتهاداً وعبادة منهما. فكان أول من أنكر حمل مريم يوسف النجار. فلما رأى ما بها استعظمه وقطع به ولم يدر على ماذا يضع أمرها. فكان إذا أراد أن يتهمها ذكر صلاحها وعبادتها وبراءتها وأنها لم تغب عنه، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر بها من الحمل. فلما اشتد ذلك عليه كلمها، فكان أول من كلمها به أن قال لها: إنه قد وقع في نفسي منك ومن أمرك شيء، وقد حرصت على أن أكتمه فغلبني ذلك ورأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري. فقالت: قل قولاً جميلاً. قال: خبريني يا مريم، هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت نعم. قال: فهل تنبت شجرة بغير غيث يصيبها؟ قالت نعم. قال: فهل يكون ولد من غير فحل؟ قالت: ألم تعلم أن الله عز وجل أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذار إنما تكون من الزرع الذي كان أنبته من غير بذر! ألم تعلم أن الله عز وجل أنبت الشجرة من غير غيث، وبالقدر جعل الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كل واحدة على حدة!. أو تقول إن الله لا يقدر على إنباته!. قال يوسف لها: لا أقول هذا، ولكني أعلم أن الله تبارك وتعالى يقدر على ما يشاء، يقول لذلك: كن فيكون. فقالت له مريم: أو لم تعلم أن الله تبارك وتعالى خلق آدم وامرأته حواء من غير ذكر ولا أنثى! قال بلى فلا قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شيء من أمر الله، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه، وذلك لما رأى من كتمانها. وقال الكسائي: لما قال يوسف لمريم: هل يكون ولد من غير فحل؟ قالت: نعم، آدم من غير أب وأم. قال صدقت. ثم قال: هذا الولد الذي في بطنك من أبوه؟ قالت: هذا هبة ربي لي، ومثله كمثل آدم خلقه من تراب. فنطق عيسى في بطنها وقال: يا يوسف ما هذه الأمثال التي تضربها! قم فاشتغل بصلاتك واستغفر لذنبك مما قد وقع في قلبك. فقام يوسف وجاء إلى زكريا وأخبره، فاغتم وقال لامرأته: إن مريم حامل، وأخاف من فساق بني إسرائيل أن يتهموا يوسف بها. قالت: توكل على الله واستعن به فإنه يرد عنها مقالة الفساق.\rقالوا: ثم تولى يوسف خدمة المسجد وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه لما رأى من رقة جسمها، واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتوء بطنها، وضعف قوتها. والله أعلم.\rميلاد عيسى بن مريم قال الكسائي رحمه الله: فلما دنا وقت الولادة خرجت مريم في جوف الليل من منزل زكريا حتى صارت إلى خارج بيت المقدس؛ فذلك قوله تعالى: \" فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً \" . قال: وأخذها الطلق. فنظرت إلى نخلة يابسة فجلست تحتها فاخضرت النخلة من ساعتها وصار لها سعفاً وخوصا وحملت الرطب لوقتها، وأنبع الله في اصل النخلة عيناً من الماء. قال: وعن وهب أنه لما دنت ولادة مريم عليها السلام أوحى الله تعالى إليها أن تخرج من المحراب فتبوأ منزلاً تلد فيه، فتحولت إلى بيت خالتها أم يحيى بن زكريا لتلد في بيتها. قال: فلما دخلت عليها استقبلتها أم يحيى وسلمت عليها. فلما التقيا أحست أم يحيى بسجود من في بطنها، فقالت: يا مريم، إن الذي في بطني يسجد لما في بطنك.","part":3,"page":487},{"id":1488,"text":"قالوا: ثم أوحى الله تعالى إلى مريم أن تخرج من أرض بيت لحم إلى جهة من الأرض تلد فيها، فحملها يوسف النجار إلى حمار بأكاف ليس بينها وبين الأكاف غير ثوبها وهي مثقلة لا تكاد تقوم. فانطلقا في سواد الليل من بيت لحم يؤمان الجبال، حتى إذا كانا ببعض الطريق بين نخلات ينزلها الركبان، بينهن أوارِي مبنية بناها السفر ليعلقوا فيها دوابها. فنزلا المنزل، فأدركها المخاض، فالتجأت إلى بعض تلك الأواري وهو في أصل جذع نخلة يابس قحل ليس فيه عراجين ولا غيرها، فأنبته الله تعالى وأثمره حتى أظلها وأكنها وتدلت عليها غصونه من كل جانب حتى سترها السعف والعراجين. واشتد بها الطلق وداومها سبع ليال، وأشرفت على الموت، فقالت ما أخبر الله تعالى به عنها، قال الله تعالى: \" فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً \" . قال: واشتد عليها البرد، فعمد يوسف إلى حطب فجعله حولها كالحظيرة، ثم أشعل فيه النار فأدفأها، وكسر لها سبع جوزات فأكلتها. فمن أجل ذلك توقد النصارى النار ليلة الميلاد وتلعب بالجوز. قال وقال كعب: إنها خرجت منفردة، فلما فقدها زكريا أهمه ذلك، وبعث يوسف النجار في طلبها، فجاء حتى نظر إليها تحت النخلة. قال: ولما شكت من ألم الولادة ما شكت وقالت: \" يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً \" أي لا تعرف ولا تذكر \" فناداها من تحتها \" - قيل: إن الذي ناداها عيسى. وقيل: جبريل - \" أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً \" وهو الجدول الصغير. قالوا: كان نهراً من ماء عذب، يكون بارداً إذا شربت منه، وفاتراً إذا استعملته \" وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً \" أي نضيجا \" فكلي واشربي وقري عيناً \" أي كلي واشربي من الماء الذي أنبعه الله لك وقري عيناً بهذا الولد \" فإما ترين من البشر أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً \" أي صمتاً \" فلن أكلم اليوم إنسياً \" قال: فلما جاء يوسف النجار كلمها فلم تتكلم، فتكلم عيسى في حجرها وقال: يا يوسف، أبشر وقر عيناً وطب نفساً، فقد أخرجني ربي من ظلمة الرحم إلى ضوء الدنيا، وسآتي بني إسرائيل وأدعوهم إلى طاعة الله.\rواختلف العلماء في مدة حمل مريم عليها السلام بعيسى ووقت وضعها إياه، فقال بعضهم: كان تسعة أشهر كحمل سائر النساء، وقيل: ثمانية أشهر، وكان ذلك آية أخرى لأنه لم يعش مولود يوضع لثمانية أشهر غير عيسى، وقيل: ستة أشهر، وقيل: ثلاثة ساعات، وقيل ساعة واحدة. وقال ابن عباس: ما هو إلا أن حملت فوضعت، ولم يكن بين الحمل والانتباذ إلا ساعة واحدة؛ لأن الله تعالى لم يذكر بينها فصلاً. وقال مقاتل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها وهي بنت عشر سنين، وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى - ع - . قال: فانصرف يوسف إلى زكريا وأخبره بولادة مريم وكلام عيسى، فازداد زكريا غماً لما يقوله الناس.","part":3,"page":488},{"id":1489,"text":"قال الثعلبي قال وهب: فلما ولد عيسى - ع - أصبحت الأصنام كلها بكل أرض منكوسة على رءوسها، ففزعت الشياطين ولم يدروا لم ذلك، فساروا مسرعين حتى جاءوا إبليس وهو على عرش له في لجة خضراء يتمثل بالعرش يوم كان على الماء، فأتوه وقد خلت ست ساعات من النهار. فلما رأى إبليس جماعته فزع من ذلك ولم يرهم جميعاً منذ فرقهم قبل تلك الساعة إنما كان يراهم أشتاتاً، فسألهم، فاخبروه أنه حدث في الأرض حادث أصبحت الأصنام كلها منكوسة على رءوسها، ولم يكن شيء أعون على هلاك بني آدم منها لما يدخل في أجوافها فتكلمهم وتدبر أمرهم، فيظنون أنها هي التي تكلمهم، فلما أصابها هذا الحادث صغرها في أعين بني آدم وأذلها. وقد خشينا ألا يعبدوها بعد هذا. واعلم إنا لم نأتك حتى أحصينا الأرض وقلبنا البحار وكل شيء، فلم تزدد بما أردنا إلا جهلاً. فقال لهم إبليس: إن هذا لأمر عظيم، فكونوا على مكانكم. وطار إبليس عند ذلك ولبث عنهم ثلاث ساعات، فمر بالمكان الذي ولد فيه عيسى - ع - . فلما رأى الملائكة محدقين بذلك المكان علم أن ذلك الحادث فيه، فأراد إبليس أن يأتيه من فوقه فإذا فوقه رءوس الملائكة ومناكبهم إلى السماء، ثم أراد أن يأتيه من تحت الأرض فإذا أقدام الملائكة راسية، فأراد أن يدخل من بينهم فنحوه عن ذلك، فرجع إبليس إلى أصحابه فقال: ما جئتكم حتى أحصيت الأرض كلها شرقها وغربها وبرها وبحرها والخافقين والجو الأعلى، وكل هذا بلغته في ثلاث ساعات، وأخبرهم بمولد عيسى - ع - وقال: ما أشتملت قبله أم على ولد إلا بعلمي، ولا وضعته قط إلا وأنا حاضرها. وإني لأرجو أن أضل به كثيراً ممن يهتدي، وما كان نبي قبله أشد علي وعليكم من هذا المولود.\rقال: ثم خرج من تلك الليلة قوم يؤمونه من أجل نجم طلع، وكانوا قبل ذلك يتحدثون أن مطلع ذلك النجم من علامات مولود في كتاب دانيال، فخرجوا يريدونه ومعهم الذهب والمُرُّ واللبان، فمروا بملك من ملوك الشام، فسألهم أين تريدون؟ فأخبروه بخبرهم. قال: فما بال الذهب والمر واللبان أهديتموه له من بين الأشياء كلها؟ قالوا: تلك أمثاله؛ لأن الذهب سيد المتاع كله، وكذلك هذا النبي سيد أهل زمانه. ولأن المر يجبر به الكسر والجرح، وكذلك هذا النبي يشفي الله تعالى به كل سقيم ومريض. ولأن اللبان يبلغ دخانه إلى السماء ولا يبلغها دخان غيره، وكذلك هذا النبي يرفعه الله تعالى إلى السماء ولا يرفع في زمانه أحداً غيره. فلما قالوا ذلك للملك حدث نفسه بقتله فقال: اذهبوا، فإذا علمتم مكانه فاعلموني ذلك فإني راغب في مثل ما رغبتم فيه من أمره. فانطلقوا حتى دفعوا ما كان معهم من تلك الهدية إلى مريم، وأرادوا أن يرجعوا إلى الملك ليعلموه بمكان عيسى، فلقيهم ملك فقال لهم: لا ترجعوا إليه ولا تعلموه بمكانه فإنه إنما أراد بذلك ليقتله، فانصرفوا في طريق آخر. وقال مجاهد: قالت مريم عليها السلام: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته، فإذا شغلني عنه شيء سبح في بطني وأنا أسمع.\rقالوا: وكان مولد عيسى - ع - بعد مضي اثنتين وأربعين سنة من ملك أغوسطوس، وخمسين سنة مضت من ملك الأشغانين ملوك الطوائف. وكانت المملكة لملوك الطوائف، والرياسة بالشام ونواحيها لقيصر ملك الروم، والملك عليها من قبل قيصر هيرودس، وقيل في اسمه هرادوس.\rرجوعها به إلى قومها","part":3,"page":489},{"id":1490,"text":"قال الكسائي: ثم قامت مريم بعد الولادة وحملت عيسى على صدرها حتى أشرفت به على بني إسرائيل وزكريا بينهم. وقال الثعلبي قال الكلبي: احتمل يوسف مريم وعيسى إلى غار فأدخلهما فيه أربعين يوماً حتى تعالت مريم من نفاسها، ثم جاء بهما فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه، أبشري فإني عبد الله ومسيحه. قال الله تعالى: \" فأتت به قومها تحمله \" . فلما نظروا إليها بكوا و \" قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً \" أي عظيماً فظيعاً لا يعرف منك ولا من أهل بيتك، وكانوا أهل بيت صالحين. \" يا أخت هارون \" واختلف في سبب قولهم لها \" يا أخت هارون \" ، فقال الكسائي: ناداها هارون وكان أخاها من أمها، وهو من أحبار بني إسرائيل وعبادهم، وقال لها: \" ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً \" ، فمن أين لك هذا الولد! وقال الثعلبي قال قتادة: كان هارون من أفسق بني إسرائيل وأظهرهم فساداً، فشبهوها به. \" فأشارت إليه \" أي كلموه. \" قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً \" !، وضربوا بأيديهم على جباههم تعجباً، فتنحنح عيسى و \" قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً \" . قالوا: فلما سمع ذلك أحبار بني إسرائيل علموا أنه لا أب له وأن الله تعالى خلقه كما خلق آدم. فقال زكريا: الحمد لله الذي برأنا بقول عيسى من فساق بني إسرائيل. قالوا: ثم لم يتكلم عيسى بعدها حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان. وقيل غير هذا. والله أعلم.\rخروج مريم وعيسى إلى مصر وما ظهر له من المعجزات في مسيره ومدة مقامه إلى أن عاد قال الله تعالى: \" وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين \" . اختلف العلماء في الربوة فقال عبد الله بن سلام: هي دمشق. وقال أبو هريرة: هي الرملة. وقال قتادة وكعب: هي بيت المقدس. وقال كعب: هي أقرب الأرض إلى السماء. وقال أبو زيد: هي مصر. وقال الضحاك: هي غوطة دمشق. وقال أبو العالية: هي أيلة. وقال بعض المفسرين: هي قرية من قرى مصر تسمى سدمنت. وسدمنت: بلد من بلاد إقليم الفيوم معروفة مشهورة. وقوله تعالى: \" ذات قرار ومعين \" القرار: الأرض المستوية. والمعين: الماء الظاهر. وكان سبب خروج مريم إلى مصر ما حكاه الكسائي وغيره من أهل السير قالوا: وبلغ الملك هيرودس خبر عيسى فهم بقتل مريم وابنها، فخاف زكريا والمؤمنون عليهما من القتل، وذلك بعد مولد عيسى بأيام قلائل، فقال زكريا لمريم: إني أخاف عليك وعلى ابنك من هذا الملك، وأمر يوسف النجار أن ينقلهما إلى أرض مصر، وأعطاهما أتانا وزودهم، فسار يوسف بهما نحو مصر.\rوكان من المعجزات التي ظهرت على يد عيسى - ع - في مسيره ومقامه بمصر أنه بينما هم سائرون إلى أرض مصر رأى يوسف النجار في بعض الطريق أسداً ففزع منه، فقال عيسى: قرباني إلى الأسد ولا تقرباه أنتم، فقربوه؛ فلما صار بين يدي الأسد قال عيسى: أيها الوحش، ما وقوفك على قارعة الطريق؟ قال: لثور يمر علي لا بدل لي منه. قال عيسى: هذا الثور لقوم مساكين ليس لهم سواءه، ولكن انطلق إلى برية كذا وكذا، فإنك سترى جملاً ميتاً فكله، واترك هذا الثور لأصحابه، فمضى الأسد نحو الميتة وتركهم. والله أعلم بالصواب.\rمعجزة أخرى: قال: ثم ساروا، فرأوا قوماً قد اجتمعوا بالقرب من دار ملك من الملوك. فقال لهم عيسى: ما وقوفكم هاهنا؟. قالوا: امض أيها الصبي لشأنك. قال: أتحبون أن أخبركم بوقوفكم؟ قالوا نعم. قال: إنكم تريدون دخول هذا الدار إذا جن الليل فتأخذون مال هذا الملك، فلا تفعلوا فإنه مؤمن، ودلهم على كنز وقال: إنه كان لقوم ماتوا، فسار أولئك إليه واقتسموا منه مالاً عظيماً.\rمعجزة أخرى:","part":3,"page":490},{"id":1491,"text":"قال: ثم ساروا حتى دخلوا قرية عامرة وقد اجتمع الناس على باب ملكها ومعهم صنم من حجر وهم يبكون ويسجدون لذلك الصنم. فقال عيسى: ما شأنكم أيها القوم؟ فقالوا: إن امرأة هذا الملك قد عسر عليها وضع الولد، وقد أمرنا الملك أن نسجد لهذا الصنم ونسأله أن يخفف عنها ما هي فيه. قال عيسى: اذهبوا إلى الملك وقولوا له: لو وضعت يدي على بطنها يخرج الولد عاجلاً. فأخبروا الملك فقال: ائتوني به، فأدخلت مريم وعيسى على الملك، فعجب من نطقه وهو صغير، وأدخل على المرأة، فقال عيسى: إن أخبرتك بما في بطنها وخرج كما أقول أتؤمن بربي الذي خلقني من روحه؟. قال نعم. قال عيسى: في بطنها غلام على خده خال أسود، وعلى ظهره شامة بيضاء، ثم وضع يده على بطن المرأة وقال: أيها الجنين، بالذي خلق الخلق وأسبغ عليهم سعة الرزق اخرج. فخرج الولد على ما وصفه عيسى فهم الملك أن يؤمن، فقال وزراؤه: إن هذه المرأة ساحرة، وهذا الصبي مثلها، وقد طردوهما من بيت المقدس، ولم يزالوا به حتى ردوه عن الإيمان. فأرسل الله تعالى على الملك وقومه صاعقة فأهلكتهم. ثم مضى يوسف بها حتى دخلوا مصر، ونزلت مريم دار دهقان هناك، ولم يكن لها ما تعيش منه إلا الغزل، فكانت تغزل الكتان والصوف بالأجرة لأهل مصر، ويوسف يحتطب ويبع الحطب مدة ليس لهم رزق إلا من ذلك.\rمعجزة أخرى: قال الثعلبي قال وهب: كان أول آية رآها الناس من عيسى أن أمه كانت نازلة في دار دهقان من أهل مصر أنزلها به يوسف النجار حين ذهب بها إلى مصر وكانت داره يأوي إليها المساكين، فسرق للدهقان مال من خزانته فلم يتهم المساكين، فحزنت مريم لمصيبة الدهقان. فلما رأى عيسى حزن أمه بمصيبة صاحب ضيافتها قال لها: يا أماه، أتحبين أن أدله على ماله؟ قالت: نعم يا بني. قال: قولي له يجمع لي مساكين داره. فقالت مريم ذلك للدهقان، فجمع له المساكين. فلما اجتمعوا عمد إلى رجلين منهم أحدهما أعمى والآخر مقعد، فحمل المقعد على عاتق الأعمى وقال له: قم به. فقال الأعمى: أنا أضعف من ذلك. فقال عيسى: وكيف قويت على ذلك البارحة!. فلما سمعوه يقول ذلك ضربوا الأعمى حتى قام. فلما استقل قائماً هو المقعد إلى كوة الخزانة. فقال عيسى - ع - : هكذا احتالا على مالك البارحة، لأن الأعمى استعان بقوته والمقعد بعينيه. فقال المقعد والأعمى: صدق، فردا على الدهقان ماله. فقال الدهقان لمريم: خذي نصف المال. فقالت: إني لم أخلق لهذا. قال: فأعطه ابنك. قالت: هو أعظم مني شأناً. والله أعلم بالصواب.\rمعجزة أخرى: قال: ثم لم يلبث الدهقان أن أعرس ابناً له، فصنع له عيداً فجمع عليه أهل. مصر وكان يطعمهم شهرين. فلما انقضى ذلك زاره قوم من أهل الشام ولم يعلم الدهقان بهم حتى نزلوا به وليس عنده يومئذ شراب. فلما رأى عيسى اهتمامه بذلك دخل بيتاً من بيوت الدهقان فيه جرار، فأمر عيسى يده على أفواهها وهو يمشي، فكلما مر بيده على جرة امتلأت شراباً حتى أتى على آخرها، وهو يومئذ ابن اثنتي عشرة سنة.\rمعجزة أخرى: قال: وبينا عيسى يلعب مع الصبيان بأرض مصر، إذ وثب غلام منهم على غلام آخر فقتله. فجاء أهله وتعلقوا بجميع الصبيان وفيهم عيسى وأتوا بهم إلى القاضي. فقال القاضي: من قتل هذا؟ قالوا: هذا، وأشاروا إلى عيسى. فقال له القاضي: لم قتلت هذا الغلام؟ قال: أراك حاكماً جاهلاً، كان يجب أن تسألني: أقتلته أم لا! قال القاضي: أراك ذا عقل، فما اسمك؟ قال عيسى بن مريم. قال: يا عيسى، لم قتلته؟ قال: يا جاهل، أبهذا أمرتك؟ ثم دنا عيسى من الغلام وقال: قم بإذن الله الذي يحيى العظام وهي رميم، فاستوى جالساً وقال له: من قتلك؟ قال: قتلني فلان بن فلان، وهذا عيسى بن مريم بريء من دمي. فعجب الناس من ذلك وقتلوا قاتل الغلام، وأخذت مريم بيد عيسى وانطلقت.\rمعجزة أخرى:","part":3,"page":491},{"id":1492,"text":"قال: وأتت به أمه إلى معلم ليعلمه، فقال: إن ربي قد أغناني عن تعليم المعلمين وقد علمني التوارة والإنجيل. قالت: صدقت، ولكن تكون عند معلم خير من أن تلعب مع الصبيان. فأتت به إلى معلم يعلمه، فعلمه عيسى. قال الثعلبي: وروى محمد الباقر رحمه الله قال: لما ولد عيسى - ع - كان ابن يوم كأنه ابن شهر، فلما كان ابن تسعة أشهر أخذت والدته بيده وجاءت به إلى كتاب وأقعدته بين يدي المؤدب. فقال له المؤدب: قل: \" بسم الله الرحمن الرحيم \" فقالها عيسى - ع - . فقال المؤدب: قل: أبجد، فرفع عيسى رأسه وقال للمؤدب: هل تدري ما أبجد؟ فعلاه ليضربه. فقال: يا مؤدب، لا تضربني، إن كنت تدري وإلا فسلني حتى أفسر لك. فقال: فسره لي. فقال عيسى - ع - : الهاء هي جهنم وهي الهاوية، والواو ويل لأهل النار، والزاي زفير جهنم. حطى، حطت الخطايا عن المستغفرين. كلمن، كلام الله غير مخلوق لا مبدل لكماته. سعفص، صاع بصاع والجزاء بالجزاء. قرشت تقرشهم حين تحشرهم، أي تجمعهم. فقال المؤدب لأمه: أيتها المرأة، خذي بيد ابنك فقد علم ولا حاجة له إلى مؤدب. وقال سعيد بن جبير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن عيسى - ع - أرسلته أمه إلى الكتاب ليتعلم، فقال له المعلم قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال وما باسم الله. قال لا أدري. قال الباء بهاء الله والسين سناء الله والميم مملكته \" . والله أعلم الموفق.\rمعجزة أخرى: قال الكسائي: وانطلقت به أمه إلى صباغ ليعلمه صنعة الصباغة. فأخذه الصباغ وأمره أن يملأ التيغارات من تيغار كبير، وناوله أصباغاً وأمره أن يجعل في كل تيغار صبغاً، وأن يصبغ الثياب في تلك التيغارات على اختلاف ألوانها، وفارقه الصباغ وخرج إلى منزله. فعمد عيسى إلى تيغار واحد وملأه ماء وأخذ جميع تلك الأصباغ فجعلها فيه. ووضع جميع تلك الثياب فيه وانصرف إلى أمه. فلما كان من الغد جاء الصباغ إلى الحانوت فنظر إلى ما فعله عيسى، فقال له: يا عيسى أهلكتني وأفسدت ثياب الناس. قال عيسى: يا صباغ، ما دينك؟ قال: دين اليهود. قال: قل: لا إله إلا الله وأني عيسى روح الله، وأدخل يدك في هذا التيغار وأخرج كل ثوب على ما تريد. فآمن الصباغ بالله وبعيسى - ع - وأدخل يده فأخرج كل ثوب على ما أراده أصحابه. قال: وظهر لعيسى بمصر معجزات كثيرة.\rذكر خبر زكريا - ع - زكريا مع هيرودس الملك وما كان من أمره قال الكسائي: ولما كان من أمر عيسى - ع - وكلامه ما قدمناه وتنكست الأصنام ليلة مولده، جاء إبليس لعنه الله إلى الملك في صورة شيخ وقال له: أيها الملك، إن لك عندي نصيحة فاخل معي. فخلا به وقال: ما نصيحتك؟ قال: قد بلغك ما كان من شأن المولود الذي تكلم في المهد. قال نعم. قال: وقد رأيت ما حل بالأصنام من شؤم مولده، وإنه لخلق أن يشمل الأرض كلها بشؤمه، وأنت فلا يمكنك قتله الآن لخروجه من بلادك، وأرى أن تفعل أمراً يتشاءم الناس بسببه بهذا المولود يعينونك على قتله، وأنت مع ذلك تطلبه. فإن ظفرت به ذبحته. قال الملك: فما الذي رأيت؟ فلعمري لقد وقع في نفسي إنك لخليق أن يكون عندك رأي ومكيدة. قال: تذبح الولدان، فإن ذلك يبغضه إلى الناس ويتشاءمون به فيكفوك أمره. قال: لقد أتيت بالأمر على وجهه، وأمر بذبح الولدان من سنتين فما دونهما، فوقع الذبح في صبيان بني إسرائيل. قال: ثم انطلق إبليس إلى مجلس بني إسرائيل وموادبهم يقول: الفاحشة في مريم ويقذفها بزكريا، يعرض بذلك لخيارهم، ويبوح به ويصرح لشرارهم، حتى شاعت الفاحشة على زكريا. فلما رأى زكريا ذلك هرب واتبعه سفهاؤهم وشرارهم، وسلك في واد كثير النبت، حتى إذا تواسط الوادي انفرجت له شجرة فدخلها وأقبل القوم في طلبه، وإبليس يقدمهم حتى أوقفهم عليه وهو في الشجرة وقد التحمت عليه، فأشار عليهم بقطعها، فقطعت. ثم قال لهم: أي العقوبة والنكال أبلغ في هذا الذي أورث آباءكم الطيبين إبراهيم وإسحاق ويعقوب وذريتهم من بعدهم الفضيحة والعار؟!. قالوا: القتل أو النشر. فأشار عليهم بنشره، فنشروه نصفين ثم انصرفوا عنوه، وغاب عنهم إبليس لعنه الله. وبعث الله تعالى الملائكة فغسلوا زكريا وصلوا عليه ثلاثة أيام ثم دفنوه. وقد قيل في مقتل زكريا غير هذا، وقد تقدم في أخباره. والله أعلم.\rرجوع عيسى ومريم من مصر","part":3,"page":492},{"id":1493,"text":"قال الكسائي قال وهب: وأقامت مريم وابنها عيسى بمصر اثنتي عشرة سنة حتى أهلك الله الملك هيرودس. قال: وأوحى الله تعالى إلى مريم بوفاة الملك وأمرها أن ترجع إلى بلادها بالشام، فجاء يوسف النجار فرجع بها. فلم تزل هي وابنها يسكنان بجبل الخليل بقرية يقال لها الناصرة، وبها سميت النصارى، وبها ابتدعت النصرانية. قال: ثم أوحى الله تعالى إلى عيسى بعد أن تمت له ثلاثون سنة أن يبرز إلى الناس ويدعوهم إلى الله تعالى، وأنزل عليه الإنجيل. فكان يسير في البلاد ويدعو الناس إلى الله عز وجل ويرغبهم فيما عنده، ويزهدهم في الدنيا ويضرب لهم أمثالاً، ويداوي المرضى والزمنى، ويبرئ الأكمه والأبرص. فأحبه الناس وسكنوا إليه، وكثرت أتباعه حتى امتنع وعلا أمره. ثم أحيا الموتى بإذن الله تعالى.\rقالوا: وربما اجتمع عليه من المرضى والزمنى في الساعة الواحدة خمسون ألفاً، فمن أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يقدر على ذلك أتاه عيسى يمشي إليه. وإنما كان يداويهم بالدعاء بشرط الإيمان.\rخبر الحواريين حين اتبعوا عيسى - ع - وآمنوا به قال الكسائي رحمه الله: ومر عيسى على قوم يصيدون السمك وهم أربعة: شمعون، وأخ له اسمه أندريوس، ويعقوب، ويوحنا. فوعظهم وزهدهم في الدنيا ووعدهم الجنة ونعيمها فآمنوا به واتبعوه. قال: ومر بطائفة أخرى فوجدهم على نهر يغسلون الثياب، منهم لوقا، وتوما، ومرقوس، ويوحنا، وأخوان لهم صبيان لم يبلغا الحلم، أحدهما شمعون والآخر يعقوب، وقيل في أسمائهم غير هذا. والله أعلم. فقال لهم عيسى: يا قوم، إنكم تقصرون هذه الثياب وتنظفونها من أوساخها، فلم لا تفعلون ذلك مع قلوبكم!. ثم قال لهم: إني رسول الله إليكم جميعاً، وبشرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد \" قال: فأمنوا به واتبعوه، وكانوا كلهم اثني عشر رجلاً، أربعة منهم كانوا يصيدون السمك، وثمانية يقصرون الثياب. وكان من القصارين رجل أسفل النهر يقال له يوذا لم يسمع كلام عيسى. فلما رأى أصحابه اتبعوه لحق بهم، وهو الذي ارتد بعد ذلك ودل اليهود على عيسى، فصاروا به قبل ارتداده ثلاثة عشر.\rالآيات والمعجزات التي أظهرها الله تعالى على يد عيسى - ع - بعد مبعثه","part":3,"page":493},{"id":1494,"text":"قال الله تعالى: \" إذ قال يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلاً وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني \" الآيات. قوله تعالى: \" اذكر نعمتي عليك \" قال الحسن: ذكر النعمة: شكرها، وأراد بقوله: \" نعمتي \" نعمى، كقوله تعالى: \" وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها \" . ثم ذكر تعالى النعم فقال: \" إذ أيدتك بروح القدس \" وقال: \" وأيدناه بروح القدس \" . واختلفوا في روح القدس ما هو؟ فقال الربيع بن أنس: هو الروح الذي نفخ فيه، أضاف سبحانه إلى نفسه تكرماً وتخصيصاً، نحو: بيت الله، وناقة الله. والقدس: هو الله تعالى يدل عليه قوله: \" وروح منه \" وقوله تعالى: \" فنفخنا فيه من روحنا \" . وقال آخرون أراد الله تعالى بالقدس: الطهارة، يعني الروح الطاهرة، سمي روحه قدساً لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة إنما كان أمراً من الله تعالى. وقال السدي وكعب: روح القدس هو جبريل، وتأييد عيسى بجبريل عليها السلام هو أنه كان رفيقه وقرينه يوحي إليه ويعينه ويسير معه حيثما سار إلى أن صعد به إلى السماء. وقال سعيد بن جبير وعبيد بن عمير: هو اسم الله الأعظم، وبه كان يحيي الموتى ويرى الناس تلك العجائب. وقوله: \" وإذ علمنك الكتاب \" يعني الخط، \" والحكمة \" يعني العلم والفهم. \" والتوراة والإنجيل \" كان يقرؤهما من حفظه. وقوله: \" وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني \" . قوله: \" تخلق \" أي تجعل وتصور وتقدر \" من الطين كهيئة الطير \" أي كصورة الطير. فكان عيسى يصور من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيصير طيراً بإذن الله تعالى. قالوا: ولم يخلق غير الخفاش. وإنما خص بالخفاش لأنها أكمل الطير خلقاً، فتكون أبلغ في القدرة، لأن لها ثدياً وأسناناً، وهي تلد وتحيض وتطهر. قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز فعل الخلق من فعل الله تعالى، وليعلم أن الكمال لله عز وجل. وقوله تعالى: \" وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني \" . الأكمه: الذي ولد أعمى ولم ير الضوء قط. قالوا: ولم يكن في الإسلام أكمه غير قتادة. والأبرص: الذي به وضح، وكان الغالب على زمن عيسى الطب، فأراهم الله تعالى المعجزة من جنس ذلك.\rقال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله: يروى أن عيسى - ع - مر بدير فيه عميان، فقال: ما هؤلاء فقيل قوم طلبوا للقضاء فطمسوا أعينهم بأيدهم. فقال لهم: ما دعاكم إلى هذا؟ فقالوا: خفنا عاقبة القضاء فصنعنا بأنفسنا ما ترى. فقال: أنتم العلماء والحكماء والأحبار والأفاضل، امسحوا بأيديكم أعينكم وقولوا: باسم الله. ففعلوا ذلك فإذا هم جميعاً يبصرون.\rإحياء سام بن نوح\rوغيره الذين أحياهم عيسى بإذن الله عز وجل قال الكسائي قال وهب: سألت طائفة من بني إسرائيل عيسى بن مريم - ع - أن يحيى لهم سام بن نوح وقالوا: أحي لنا سام بن نوح ليكلمنا وإلا قتلناك، وإن فعلت آمنا بك واتبعناك. فأوحى الله تعالى إليه: ناده ثلاث مرات فإنه سيجيبك. فقام عيسى على قبره وناداه ثلاث مرات: يا سام بن نوح قم بإذن الله، فقام في الثالثة وهو أشمط الرأس واللحية. فقال له عيسى: أهكذا مت أبيض الرأس واللحية؟ قال: لا، ولكني سمعت نداءك فخفت أن تكون القيامة فشمطت، وأخبر القوم بما أرادوه وكلمهم، ثم رده عيسى إلى قبره، وما آمن بعيسى منهم إلا قليل.\rقالوا: وممن أحياه عيسى بن مريم العازر، وكان صديقاً له، فأرسل أخته إلى عيسى إن أخاك العازر يموت فأنه، وكان بينه وبين أن يصل إليه مسيرة ثلاثة أيام، فأتاه وهو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، فانطلقت معهم إلى قبره وهو في صخرة مطبقة. فقال عيسى: اللهم رب السموات السبع والأرضين السبع إنك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك وأخبرتهم أني أحيي الموتى بإذنك فأحي العازر. فقام العازر وأوداجه تقطر. فخرج من قبره وبقي وولد له.","part":3,"page":494},{"id":1495,"text":"قالوا: ومر عيسى - ع - برجل جالس على قبر وكان يكثر المرور به فيجده جالساً عنده، فقال له: يا عبد الله، أراك تكثر القعود على هذا القبر. فقال: يا روح الله، امرأة كانت لي وكان من جمالها وموافقتها كيت وكيت ولي عندها وديعة. فقال عيسى: أتحب أن أدعوا الله تعالى فيحييها؟ قال نعم. فتوضأ عيسى وصلى ركعتين ودعا الله عز وجل فإذا أسود قد خرج من القبر كأنه جذع محترق. فقال له: ما أنت؟ قال: يا رسول الله أنا في عذاب منذ أربعمائة سنة، فلما كانت هذه الساعة قيل لي أجب فأجبت. ثم قال: يا رسول الله، قد مر علي من أليم العذاب ما إن ردني الله إلى الدنيا أعطيته عهداً ألا أعصيه، فادع الله لي. فرق له عيسى ودعا الله عز وجل ثم قال له: امض، فمضى. فقال صاحب القبر: يا رسول الله، لقد غلطت بالقبر، إنما قبرها هذا. فدعا عيسى - ع - ، فخرج من ذلك القبر امرأة شابة جميلة. فقال له عيسى: أتعرفها؟ قال: نعم هذه امرأتي. فدعا عيسى حتى ردها الله عليه. فأخذ الرجل بيدها حتى انتهيا إلى شجرة فنام تحتها ووضع رأسه في حجر المرأة. فمر بهما ابن ملك فنظر إليها ونظرت إليه وأعجب كل واحد منهما بصاحبه، فأشار إليها فوضع رأس زوجها على الشجرة واتبعت ابن الملك. فاستيقظ زوجها ففقدها وطلبها فدل عليها، فأدركها وتعلق بها وقال: امرأتي، وقال الفتى: جاريتي. فبينما هم كذلك إذ طلع عيسى فقال الرجل: هذا عيسى وقص عليه القصة. فقال لها عيسى: ردي علينا ما أعطيناك. قالت: قد فعلت. فسقطت مكانها ميتة. فقال عيسى: هل رأيتم رجلاً أماته الله كافراً ثم بعثه فآمن!. وهل رأيتم امرأة أماتها الله مؤمنة ثم أحياها فكفرت!.\rقالوا: ومروا بميت على سرير، فدعا عيسى الله تعالى، فجلس على السرير ونزل عن أعناق الرجال ولبس الثياب وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله وبقي وولد له.\rوممن أحياه عيسى بإذن الله تعالى ابنة العازر، قيل له: أتحييها وقد ماتت بالأمس! فدعا الله عز وجل، فعاشت وبقيت وولدت.\rقال الكسائي: وسال بنو إسرائيل عيس - ع - أن يحيى لهم عزيراً، فقال: التمسوا قبره فالتمسوه، فوجدوه في صندوق من حجر، فعالجوه ليفتحوا بابه فلم يستطيعوا ذلك. فرجعوا إلى عيسى وأخبروه أنهم عجزوا أن يخرجوه من قبره، فأعطاهم ماء في إناء وقال: انضحوه بهذا الماء فإنه ينفتح. فانطلقوا ونضحوه بالماء فانفتح طابقه. فأقامه عيسى في أكفانه فنزعها عنه، ثم جعل ينضح جسده بالماء ولحمه ينبت وشعره وهم ينظرون. ثم قال عيسى: يا عزير احي بإذن الله، فإذا هو جالس. فقالوا: ما شهادتك على هذا الرجل؟ فقال عزير: أشهد أنه روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وأنه عبد الله ونبيه وابن أمته. قالوا: يا عيسى، ادع ربك يحييه لنا فيكون بين أظهرنا. فقال عيسى: ردوه إلى قبره فإنه انقطع رزقه وانقضى أجله، فردوه إلى قبره.\rإخباره عن الغيوب\rقال الله عز وجل إخباراً عنه: \" وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين \" . قالوا: لما أبرأ عيسى - ع - الأكمه والأبرص وأحيا الموتى بإذن الله قالوا له: إنك تزعم أنك تخبرنا بما نأكل في بيوتنا وما ندخر. قال نعم. قالوا: فإنا نجمع خيارنا وأحبارنا ورهباننا فنأمرهم أن يأكلوا ويدخروا في بيوتهم ثم نأتيك فتخبرنا. قال نعم. فانطلقوا إلى بيوتهم وأكلوا وادخروا وأقبلوا إليه من الغد، وسأله كل رجل منهم وهو يخبره بما أكل وادخر.","part":3,"page":495},{"id":1496,"text":"ومما أخبر به عيسى - ع - من المغيبات قصة ابن العجوز. وكان من خبره ما حكاه أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله أن عيسى - ع - مر في سياحته بمدينة ومعه الحواريون، فقال: إن في هذه المدينة كنزا، فمن يذهب فيستخرجه؟. قالوا: يا روح الله، لا يدخل هذه القرية غريب إلا قتلوه. فقال لهم: مكانكم حتى أعود إليكم، ومضى حتى دخل المدينة فوقف بباب فقال: السلام عليكم يأهل الدار، غريب أطعموه. فقالت له امرأة عجوز: أما ترضى أن أدعك لا أذهب بك إلى الوالي حتى تقول أطعموني شيئاً!. فبينا عيسى بالباب إذ أقبل ابن العجوز فقال له عيسى: يا عبد الله، أضفني ليلتك هذه. فقال له الفتى مثل مقالة العجوز. فقال له عيسى: أما إنك لو فعلت ذلك زوجتك بنت الملك. فقال له الفتى: إما أن تكون مجنوناً، وإما أن تكون عيسى بن مريم. قال: أنا عيسى. فأضافه وبات عنده. فلما أصبح قال له: اغد وادخل على الملك وقل له: جئت أخطب ابنتك فإنه سيأمر بضربك وإخراجك. فمضى الفتى حتى دخل على الملك وقال له: جئت أخطب إليك ابنتك، فأمر به فضرب وأخرج. ورجع الفتى إلى عيسى فأخبره، فقال له: إذا كان الغد فاذهب إليه واخطب إليه فإنه ينالك بدون ذلك. ففعل ما أمر عيسى، فضربه الملك دون ذلك. فرجع إلى عيسى فأخبره، فقال: إرجع إليه واخطبها فإنه سوف يقول لك: إني أزوجك إياها على حكمى، وحكمى قصر من ذهب وفضة، وما فيه من فضة وزبرجد، فقل له: أفعل ذلك. فإذا بعث معك فاخرج فإنك سوف تجده فلا تحدث فيه شيئاً. فدخل عليه فخطب إليه، فقال: تصدقها حكمى؟ فقال: وما حكمك؟ فحكم الذي سمي له عيسى. فقال له: نعم، ابعث من يقبض ذلك. فبعث معه قوماً، فدفع إليهم ما سأله الملك. فعجب الملك من ذلك وسلم إليه ابنته. فتعجب الفتى وقال لعيسى: يا روح الله، تقدر على مثل هذا وأنت على مثل هذه الحال!. قال عيسى: لأنني آثرت ما يبقى على هذا الفاني. فقال الفتى: وأنا أدعه وأصحبك. فتخلى من الدنيا واتبع عيسى. فأخذ بيده وأتى أصحابه وقال: هذا هو الكنز الذي قلت لكم. فكان ابن العجوز مع عيسى حتى مات. والله أعلم.\rعدة معجزات له","part":3,"page":496},{"id":1497,"text":"حكى أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله قال وهب: خرج عيسى - ع - يسيح في الأرض، فصحبه يهودي، وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى رغيف. فقال له عيسى: تشاركني في طعامك؟ قال اليهودي نعم. فلما رأى اليهودي أن عيسى ليس معه إلا رغيف واحد ندم. فقام عيسى إلى الصلاة فأكل اليهودي رغيفاً. فلما قضى عيسى صلاته قدما طعامهما، فقال عيسى لليهودي: أين الرغيف الآخر؟ فقال: ما كان إلا رغيف واحد، فأكل عيسى رغيفاً وصاحبه رغيفاً، ثم انطلقا فجاءا إلى شجرة، فقال عيسى لصاحبه: لو أننا بتنا تحت هذه الشجرة!. فناما ثم أصبحا. فانطلقا فلقيا أعمى، فقال له عيسى: أرأيت إن عالجتك حتى رد الله عليك بصرك هل تشكره؟ قال نعم. فمس عيسى - ع - بصره ودعا الله تعالى فإذا هو صحيح. فقال عيسى لليهودي: بالذي أراك الأعمى بصيراً كم كان معك من رغيف؟ فقال: والله ما كان إلا رغيف واحد، فسكت عيسى عنه. ومرا فإذا هما بمقعد، فقال له عيسى: أرأيت إن عالجتك فعافاك الله تعالى هل تشكره؟ قال بلى. فدعا الله عيسى فإذا هو صحيح قائم على رجليه. فقال صاحب عيسى: ما رأيت مثل هذا قط!. فقال عيسى: بالذي أراك الأعمى بصيراً والمقعد صحيحاً، من صاحب الرغيف الثالث؟ فحلف له اليهودي ما كان معه إلا رغيف واحد، فسكت عيسى. وانطلقا حتى انتهيا إلى نهر عجاج جرار، فقال عيسى: لا أرى جسراً ولا سفينة، فخذ بحجزتي من ورائي وضع قدمك موضع قدمي، ففعل ومشيا على الماء. فقال له عيسى: بالذي أراك الأعمى بصيراً والمقعد صحيحاً وسخر لك هذا البحر حتى مشيت عليه، من صاحب الرغيف الآخر؟ فقال: لا والله ما كان إلا رغيف واحد، فسكت عيسى. وانطلقا فإذا هما بظباء يرعين، فدعا عيسى بظبي فأتاه فذبحه وشوى منه بعضاً وأكلاه، ثم ضرب عيسى بقية الظبي بعصاه وقال: قم بإذن الله عز وجل فإذا الظبي يعدو. فقال الرجل: سبحان الله!. فقال عيسى: بالذي أراك هذه الآية، من صاحب الرغيف الآخر؟ فقال: ما كان إلا رغيف واحد. فانطلقا فمرا بصاحب بقر، فنادى عيسى: يا صاحب البقر، اجزر لنا من بقرك هذه عجلاً. قال: ابعث صاحبك يأخذه. فانطلق اليهودي فجاء به، فذبحه وشواه وصاحب البقر ينظر إليه. فقال له عيسى: كل ولا تكسر له عظماً، ففعل. فلما فرغ قذف بعظامه في جلده وضربه بعصاه وقال: قم بإذن الله تعالى، فقام العجل وله خوار. فقال: يا صاحب البقر خذ عجلك. قال: ويحك! من أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم. قال: عيسى السحار! ثم فر منه. فقال عيسى لصاحبه: بالذي أحيا لك العجل، كم كان معك من رغيف؟ قال: ما كان معي إلا رغيف واحد، فسكت عيسى. ومضيا حتى دخلا قرية، فنزل عيسى في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا عيسى وقال: أنا الآن أبرئ المرضى وأحيي الموتى. قال: وكان ملك تلك المدينة مريضاً مدنفاً. فانطلق اليهودي ينادي: من يبتغي طبيباً، حتى أتى قصر الملك، فأخبر بوجعه، فقال: أدخلوني عليه فأنا ابرئه، وإن لقيتموه قد مات فأنا أحييه. فقيل له: إن وجع الملك قد أعيا الأطباء قبلك، فليس من طبيب يداويه ولا يشفيه إلا صلبه. فقال: أدخلوني عليه، فأدخلوه فضرب الملك بعصاه فمات. فعجل يضربه بالعصا وهو ميت ويقول: قم بإذن الله. فأخذ ليصلب. فبلغ ذلك عيسى، فأقبل إليه وقد رفع على الخشبة، فقال لهم: أرأيتم إن أحييت لكم الملك أتتركون لي صاحبي؟ قالوا نعم. فدعا الله تعالى - ع - فأحياه وقام وأنزل اليهودي من الخشبة، فقال: يا عيسى، أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً. فقال له عيسى: أنشدك الله الذي أحيا الظبي والعجل بعد ما أكلناهما، وأحيا هذا بعد ما مات، وأنزلك من الجذع بعد ما صلبت، كم كان معك من رغيف؟ قال: والله ما كان معي إلا رغيف واحد، قال: لا بأس. ثم انطلقا حتى أتيا قرية عظيمة خربة فيها كنز وفيها ثلاث لبنات من ذهب. فقال الرجل لعيسى: هذا المال لك؟ فقال: أجل! واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة للذي أكل الرغيف الثالث. فقال اليهودي: أنا والله أكلته وأنت تصلي. فقال عيسى: هي لك كلها. فانطلق عيسى وتركه قائماً ينظر وهو لا يستطيع أن يحمل واحدة منهن، وكلما أراد أن يحمل واحدة ثقلت عليه. فقال له عيسى: دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه. فجعلت نفس اليهودي تطلع إلى المال ويكره أن يعصى عيسى ويعجز عن حمله. فانطلق مع عيسى، فبينما هما كذلك إذ مر بالمال ثلاثة نفر فأقاموا عليه.","part":3,"page":497},{"id":1498,"text":"فقال اثنان منها لصاحبهما: انطلق إلى أهل هذه القرية فأتنا بطعام وشراب ودواب وحمل هذا المال عليها. فلما ذهب صاحبهما قال أحدهما للآخر: هل لك أن نقتله إذا رجع ونقتسم المال فيما بيننا؟ قال نعم. وقال الذي ذهب في نفسه: هو ذا أجعل في الطعام سماً فإذا أكلاه ماتا ويصير المال كله إلي، ففعل ذلك. فلما رجع إليهما قتلاه، ثم أكلا الطعام فماتا. ومر - ع - بهم وهم موتى حوله، فقال: هكذا تصنع الدنيا بأهلها، فأحياهم بإذن الله عز وجل، فاعتبروا ومروا ولم يأخذوا من المال شيئاً. فتطلعت نفسي اليهودي صاحب عيسى إلى المال فقال: أعطني المال. فقال له عيسى: خذه فهو حظك من الدنيا والآخرة. فلما ذهب اليهودي ليحمله خسف الله تعالى به الأرض، وانطلق عيسى - ع - . اثنان منها لصاحبهما: انطلق إلى أهل هذه القرية فأتنا بطعام وشراب ودواب وحمل هذا المال عليها. فلما ذهب صاحبهما قال أحدهما للآخر: هل لك أن نقتله إذا رجع ونقتسم المال فيما بيننا؟ قال نعم. وقال الذي ذهب في نفسه: هو ذا أجعل في الطعام سماً فإذا أكلاه ماتا ويصير المال كله إلي، ففعل ذلك. فلما رجع إليهما قتلاه، ثم أكلا الطعام فماتا. ومر - ع - بهم وهم موتى حوله، فقال: هكذا تصنع الدنيا بأهلها، فأحياهم بإذن الله عز وجل، فاعتبروا ومروا ولم يأخذوا من المال شيئاً. فتطلعت نفسي اليهودي صاحب عيسى إلى المال فقال: أعطني المال. فقال له عيسى: خذه فهو حظك من الدنيا والآخرة. فلما ذهب اليهودي ليحمله خسف الله تعالى به الأرض، وانطلق عيسى - ع - .\rالمائدة من السماء\rقال وهب: وسأل بنو إسرائيل عيسى بن مريم - ع - أن ينزل عليهم مائدة من السماء. قال الله تعالى: \" إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين، قالوا نريد أن نأكل منهما وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين \" . وقرأ علي وعائشة وسعيد بن جبير ومجاهد رضي الله عنهم \" هل تستطيع ربك \" بالتاء المثناة من أعلاها ونصب الباء الموحدة في ربك واختاره الكسائي فأبو عبيد على معنى هل تستطيع أن تدعو ربك وتسأل ربك. قالوا: لأن الحواريين لم يكونوا شاكين في قدرة الله تعالى. وقرأ الباقون \" يستطيع ربك \" بالياء المثناة من تحتها ورفع الباء وقالوا: إنهم لم يشكوا في قدرة الله تعالى وإنما معناها هل ينزل أم لا، كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنه يستطيع، وإنما يريد هل يفعل أم لا، وأجراه بعضهم على الظاهر فقالوا: غلط القوم وكانوا بشراً، فقال لهم عيسى - ع - استعظاماً لقولهم: \" اتقوا الله إن كنتم مؤمنين \" معناه أن تشكوا في قدرة الله أو تنسبوه إلى عجز أو نقصان. وقيل: قال لهم: اتقوا الله أن تسألوه شيئاً لم تسأله الأمم قبلكم. قالوا: إنما سألنا لأنا نريد أن نأكل منها فتستيقن قدرته وتطمئن وتسكن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا بأنك رسول الله، ونكون عليها من الشاهدين، فنقر لله بالوحدانية والقدرة، ولك بالرسالة والنبوة، وقيل: ونكون عليها من الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم. قال الكسائي: فأمرهم عيسى بصيام ثلاثين يوماً وأن الله بعد ذلك يطعمهم وينزلها عليهم. فصاموا حتى تم الأجل، فقام عيسى وصلى وسأل الله تعالى وقال: \" اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين \" . قال قوله: \" عيداً \" أي عائدة من الله علينا وحجة وبرهاناً. والعيد اسم لما أعدته وعاد إليك من كل شيء؛ ومنه قيل ليوم الفطر ويوم الأضحى عيد، لأنهما يعودان كل سنة. وقوله: \" لأولنا وآخرنا \" . قال الثعلبي: يعني لأهل زماننا ولمن يجيء من بعدنا. وقرأ زيد بن ثابت: \" لأولانا وأخرانا \" وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم. \" وآية منك \" دلالة وحجة. قال الله عز وجل مجيباً لعيسى - ع - : \" إني منزلها عليكم \" . وقرأ أهل الشام وقتادة وعاصم \" منزِّلها \" بالتشديد لأنها نزلت مرات، والتفعيل يدل على التكثير مرة بعد مرة. وقال تعالى: \" فمن يكفر بعد منك \" أي يكفر بعد نزول المائدة \" فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين \" أي عالمي زمانهم. قال: فجحد القوم وكفروا بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير.","part":3,"page":498},{"id":1499,"text":"قال الثعلبي: واختلف العلماء في المائدة، هل نزلت أم لا؟ فقال مجاهد: ما نزلت مائدة، وهذا مثل ضرب. وقال الحسن: والله ما نزلت المائدة، إن القوم لما سمعوا الشرط وقيل لهم: \" فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين \" . استعفوا وقالوا: لا نريدها ولا حاجة لنا فيها، فلم تنزل. قال أبو إسحاق الثعلبي: والصواب أنها نزلت، لقوله عز وجل: \" إني منزلها عليكم \" ولا يقع في خبره الخلف ولتواتر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين رضوان الله عليهم وغيرهم من علماء الدين في نزولها. قال كعب: أنزلت يوم الأحد، فلذلك اتخذه النصارى عيداً.","part":3,"page":499},{"id":1500,"text":"واختلفوا في صفتها وكيفية نزولها، فحكى الكسائي عن وهب قال: أنزل الله تعالى على عيسى مكتلاً فيه ثلاث سمكات مشويات ليس لها شوك ولا قشر وثلاثة أرغفة، والملائكة تحملها حتى وضعوها بين يدي عيسى. قال: وقد قيل: إن المائدة كانت سفرة من الأدم الأحمر، وكان فيها سمكة واحدة مشوية وحولها الخضر والبقول، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح وخمسة أرغفة على كل منها زيتون، وخمس رمانات وممرات. وقال الثعلبي في تفسيره: روى قتادة عن خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسرعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" نزلت المائدة خبزاً ولحماً \" وذلك أنهم سألوا عيسى طعاماً يأكلون منه لا ينفد، فقيل لهم: إنها مقيمة لكم ما لم تخونوا أو تخبوا أو ترفعوا، فإن فعلتم ذلك عذبتم. قال: فما مضى يومهم حتى خبئوا ورفعوا وخانوا. وقال إسحاق بن عبد الله: إن بعضهم سرق منها وقال: لعلها لا تنزل أبداً، فرفعت ومسخوا قردة وخنازير. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن عيسى بن مريم - ع - قال لبني إسرائيل: \" صوموا ثلاثين يوماً ثم سلوا الله تعالى ما شئتم يعطكم \" . فصاموا ثلاثين يوماً، فلما فرغوا قالوا: يا عيسى، إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا طعاماً، وإنا قد صمنا وجعنا، فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء ففعل. فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. وروي عطاء بن السائب عن راذان وميسرة قالا: كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي من السماء بكل طعام إلا اللحم. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم: أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم. قال عطاء: أنزل عليها كل شيء. وقال عمار وقتادة: كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمر من ثمار الجنة. وقال وهب بن منبه: أنزل الله تعالى أقرصة من شعير وحيتاناً. فقيل لوهب: ما كان ذلك يغني عنهم؟ قال: لا شيء، ولكن الله أضعف لهم البركة، فكان قوم يأكلون ويخرجون ويجيء الآخرون فيأكلون ويخرجون، حتى أكلوا بأجمعهم وفضل. وقال الكلبي ومقاتل: استجاب الله تعالى لعيسى عليه السام فقال: إني منزلها عليكم كما سألتم، فمن أكل من ذلك الطعام ثم لم يؤمن جعلته مثلاً ولعنة لمن بعدهم، قالوا: قد رضينا. فدعا شمعون الصفا وكان أفضل الحواريين فقال: هل معك طعام؟ قال: نعم معي سمكتان وسبعة أرغفة. قال: قدمها. فقطعهن عيسى - ع - قطعاً صغاراً ثم قال: اقعدوا في روضة وترفقوا رفاقاً، كل رفقة عشرة. ثم قام عيسى - ع - ودعا الله تعالى فاستجاب الله له ونزل فيها البركة، فصار خبزاً صحاحاً وسمكاً صحاحاً. ثم قام عيسى فجعل يلقى في كل رفقة ما حملت أصابعه، ثم قال: كلوا باسم الله، فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ركبهم، فأكلوا ما شاء الله وفضل منه، والناس خمسة آلاف ونيف. فقال الناس جميعاً: نشهد أنك عبد لله ورسوله. ثم سألوه مرة أخرى، فدعا الله تعالى، فأنزل الله خبزاً وسمكاً، خمسة أرغفة وسمكتين، فصنع بها ما صنع في المرة الأولى. فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا هذا الحديث ضحك منهم من لم يشهدها، وقالوا لهم: ويحكم! إنما سحر أعينكم، فمن أراد الله تعالى به الخير ثبته على بصيرته، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره. فمسخوا خنازير وليس فيهم صبي ولا امرأة. فمكثوا بذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا، ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا. وقال كعب: نزلت مائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلا اللحم. وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشية حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل. وقال يمان بن رئاب: كانوا يأكلون منها ما شاءوا. وروى عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي قال: لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم أن ينزل عليهم المائدة لبس صوفاً وبكى وقال: \" اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء \" الآية، وأرزقنا عليها طعاماً نأكله، وارزقنا وأنت خير الرازقين. فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من فوقها وغمامة من تحتها، وهم ينظرون إليها وهي تهوي منقضة حتى سقطت بين أيديهم. فبكى عيسى وقال: \" اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة ومثلة \" والشهود ينظرون إليها، ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط، ولم يجدوا ريحاً أطيب من ريحه. فقال عيسى - ع - : ليقم أحسنكم عملاً","part":3,"page":500},{"id":1501,"text":"فيكشف عنها ويذكر اسم الله ويأكل منها. فقال شمعون الصفا رأس الحوايين: أنت أولى بذلك منا. فقام عيسى - ع - فتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى بكاء كثيراً وكشف المنديل عنها وقال: باسم الله خير الرازقين. فإذا هو بسمكة مشوية ليس عليها فلوساً ولا شوك تسيل سيلاً من الدسم، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من أنواع البقول ما خلا الكراث؛ وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث بيض، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. قالوا: فلما استقرت بين يدي عيسى قال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى يا روح الله، أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال عيسى - ع - : ليس شيء مما ترون، ولكنه شيء افتعله الله تعالى بالقدرة الغالبة، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله. قال الحواريون: يا روح الله، لو أريتنا من هذه الآية اليوم آية أخرى! فقال عيسى: يا سمكة احيي بإذن الله. فاضطربت السمكة وعادت عليها فلوسها وشوكها ففزعوا منها. فقال عيسى: ما لكم تسألون أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها، ما أخوفني عليكم أن تعذبوا! يا سمكة عودي كما كنت بإذن الله تعالى. فعادت السمكة مشوية كما كانت. فقالوا: يا روح الله، كن أول من يأكل منها ثم نأكل نحن. فقال عيسى: معاذ الله أن آكل منها، ولكن يأكل منها من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها. فدعا عيسى - ع - أهل الزمانة والمرض وأهل البرص والجذام والمقعدين والمبتلين فقال: كلوا من رزق الله ولكم المهنأ ولغيركم البلاء. وفي رواية: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم واذكروا اسم الله. فأكلوا وصدروا عنها وهم ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير وزمن ومريض ومبتلى كلهم شبعان يتجشأ، ثم نظر عيسى - ع - إلى السمكة فإذا هي كهيئتها حين نزلت من السماء. ثم طارت المائة صعداً وهم ينظرون إليها حتى توارت عنهم. فلم يأكل منها يومئذ زمن إلا صح ولا مريض إلا برأ، ولا مبتلي إلا عوفين ولا فقير إلا استغنى ولم يزل غنياً حتى مات؛ وندم الحواريون ومن لم يأكل منها إذ لم يأكلوا منها. وكانت إذا نزلت اجتمع الفقراء والأغنياء والصغار والكبار والرجال والنساء فيزدحمون عليها. فلما رأى عيسى ذلك جعلها نوبة بينهم، فلبثت أربعين صباحاً تنزل ضحى ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت صعداً وهم ينظرون إلى ظلها حتى تتوارى عنهم. وكانت تنزل غباً، تنزل يوماً ولا تنزل يوماً كناقة صالح. وأوحى الله عز وجل إلى عيسى أن اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكوا وشككوا الناس فيها وقالوا: أترون المائدة حقاً نزلت من السماء! فقال عيسى: هلكتم تجهزوا لعذاب الله. فأوحى الله تعالى إلى عيسى - ع - : إني شرطت على المكذبين شرطاً أن من كفر بعد نزولها عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين. فقال عيسى: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم \" . فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون رجلاً. وقال الكسائي عن وهب: مسخ منهم خمسة آلاف وخمسمائة، فباتوا على فرشهم مع نسائهم في ديارهم، فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات ويأكلون العذرة. فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى - ع - ، وبكى على الممسوخين أهلوهم. ولما أبصرت الخنازير عيسى - ع - بكت وجعلت تطيف به وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم واحداً واحداً فيبكون ويشيرون برءوسهم ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا. وهؤلاء الذين لعنوا على لسان عيسى كما قال تعالى: \" لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم \" الآية.يكشف عنها ويذكر اسم الله ويأكل منها. فقال شمعون الصفا رأس الحوايين: أنت أولى بذلك منا. فقام عيسى - ع - فتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى بكاء كثيراً وكشف المنديل عنها وقال: باسم الله خير الرازقين. فإذا هو بسمكة مشوية ليس عليها فلوساً ولا شوك تسيل سيلاً من الدسم، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من أنواع البقول ما خلا الكراث؛ وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث بيض، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. قالوا: فلما استقرت بين يدي عيسى قال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى يا روح الله، أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال عيسى - ع - : ليس شيء مما ترون، ولكنه شيء افتعله الله تعالى بالقدرة الغالبة، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله. قال الحواريون: يا روح الله، لو أريتنا من هذه الآية اليوم آية أخرى! فقال عيسى: يا سمكة احيي بإذن الله. فاضطربت السمكة وعادت عليها فلوسها وشوكها ففزعوا منها. فقال عيسى: ما لكم تسألون أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها، ما أخوفني عليكم أن تعذبوا! يا سمكة عودي كما كنت بإذن الله تعالى. فعادت السمكة مشوية كما كانت. فقالوا: يا روح الله، كن أول من يأكل منها ثم نأكل نحن. فقال عيسى: معاذ الله أن آكل منها، ولكن يأكل منها من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها. فدعا عيسى - ع - أهل الزمانة والمرض وأهل البرص والجذام والمقعدين والمبتلين فقال: كلوا من رزق الله ولكم المهنأ ولغيركم البلاء. وفي رواية: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم واذكروا اسم الله. فأكلوا وصدروا عنها وهم ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير وزمن ومريض ومبتلى كلهم شبعان يتجشأ، ثم نظر عيسى - ع - إلى السمكة فإذا هي كهيئتها حين نزلت من السماء. ثم طارت المائة صعداً وهم ينظرون إليها حتى توارت عنهم. فلم يأكل منها يومئذ زمن إلا صح ولا مريض إلا برأ، ولا مبتلي إلا عوفين ولا فقير إلا استغنى ولم يزل غنياً حتى مات؛ وندم الحواريون ومن لم يأكل منها إذ لم يأكلوا منها. وكانت إذا نزلت اجتمع الفقراء والأغنياء والصغار والكبار والرجال والنساء فيزدحمون عليها. فلما رأى عيسى ذلك جعلها نوبة بينهم، فلبثت أربعين صباحاً تنزل ضحى ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت صعداً وهم ينظرون إلى ظلها حتى تتوارى عنهم. وكانت تنزل غباً، تنزل يوماً ولا تنزل يوماً كناقة صالح. وأوحى الله عز وجل إلى عيسى أن اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكوا وشككوا الناس فيها وقالوا: أترون المائدة حقاً نزلت من السماء! فقال عيسى: هلكتم تجهزوا لعذاب الله. فأوحى الله تعالى إلى عيسى - ع - : إني شرطت على المكذبين شرطاً أن من كفر بعد نزولها عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين. فقال عيسى: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم \" . فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون رجلاً. وقال الكسائي عن وهب: مسخ منهم خمسة آلاف وخمسمائة، فباتوا على فرشهم مع نسائهم في ديارهم، فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات ويأكلون العذرة. فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى - ع - ، وبكى على الممسوخين أهلوهم. ولما أبصرت الخنازير عيسى - ع - بكت وجعلت تطيف به وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم واحداً واحداً فيبكون ويشيرون برءوسهم ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا. وهؤلاء الذين لعنوا على لسان عيسى كما قال تعالى: \" لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم \" الآية.","part":4,"page":1},{"id":1502,"text":"ما قالته الشياطين الثلاثة\rفي عيسى بن مريم واتبعهم الناس بعدهم قال الكسائي قال وهب: جاء إبليس إلى عيسى - ع - هو وأصحاب له على صور رجال ذوي هيئة وشيبة وعيسى يقول لبني إسرائيل: \" قد جئتكم بآية من ربكم \" الآية. فقال إبليس: هذا الله عز وجل! يأيها الناس فانظروا إليه، فإنه نزل إليكم ليريكم قدرته. فقال أحد أصحاب إبليس: بئسما قلت يا شيخ! أخطأت وجرت وقلت قولاً عظيماً، أتزعم أن الله يتجلى لخلقه لينظروا إلى قدرته! وهل ينبغي لخلقه أن ينظروا إليه أو يسمعوا كلامه أو يقوموا لرؤيته! لا، ولكنه ابن الله وليس هو الله. فقال الثالث: كلا كما قال شططاً وأخطأ وجار وقال قولاً عظيماً، وهل ينبغي لله أن يتخذ صاحبة يكون له منها ولد! وهل ينبغي لولد هو من الله أن تستقل به قوة امرأة ويسعه رحمها! ولكنه إله مع الله وليس بولد لله وليس بالله كما قلتما. قال: فتفرقوا على ذلك ونطق الناس بقولهم، فصار ذلك كلام النصارى. قال الله تعالى: \" لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم \" . وقال تعالى: \" وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه \" . وقال تعالى: \" لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد \" .\rإبليس حين عارض عيسى - ع - وما خاطبه به وجوابه قال وهب: ثم جاء إبليس إلى عيسى بن مريم فعارضه في عقبة من عقاب الأرض المقدسة يقال لها عقبة فيق: فقال له: أنت المسيح بن مريم؟ قال عيسى: أنا المسيح عيسى بن مريم روح الله وكلمته وعبد الله وابن أمته. فقال له إبليس: فأنت إله الأرض. قال: بل إله الأرض ربي. قال: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أن تكلمت في المهد صبياً. قال: بل العظمة للذي أنطقني في صغري. قال: بل فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تخلق من الطين كهيئة الطير فتنفخ فيه فتكون طيراً. قال عيسى: بل العظمة للذي خلقني وخلق ما سخر لي. قال: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تشفي المرضى. قال عيسى: بل العظمة للذي بإذنه شفيتهم وإن شاء أمرضني. قال إبليس: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحيي الموتى. قال عيسى: بل العظمة للذي بإذنه أحييهم، ولا بد أنه سميت من أحييت ويميتني. قال: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تعبر البحر فلا تبتل قدماك ولا ترسخ فيه. قال: بل العظمة للذي ذلله. قال: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تعلم الغيب. قال: بل العظمة لعالم الغيب والشهادة، لست أعلم إلا ما علمني. قال: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك كونت من غير أب. قال: بل العظمة للذي كونني وكون آدم وحواء من قبلي. قال: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك سيأتي عليك يوم تعلو فيه الخلائق كلها. فتكون السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهن دونك، وأنت فوق ذلك كله تدبر الأمر وتقسم الأرزاق. قال: فأعظم عيسى قوله وضاق به ذرعاً وسبح إعظاماً لما قال إبليس. قال: فأتاه جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب يلطم منها على وجهه فلا يملك من نفسه شيئاً حتى وقع بالخافق الأقصى، ثم نهض بالذي أعطاه الله من القوة فسبق عيسى إلى أسفل العقبة فسدها وملأ كل ثلمة وطريق، ثم قال لعيسى: لقد غضبت غضب إله عظيم، وقد أخبرتك بأنك إله وما أنت من البشر، ولو كنت من البشر ما قمت، منذ فارقتك، أربعين ليلة لم تطعم ولم تشرب ولم تنم ولم يضرع لذلك جسمك، وهذا ما لا ينبغي لبشر. قال عيسى: إن جسدي ليألم مما يألم منه البشر، وإني لأطعم وأشرب وأنام وأغفل وأفرح وأحزن وأجزع وأهلع وأحتاج إلى أن أتنظف بالماء وكيف تزعم أني إله وأنت تعلم أني هكذا!. ولم يزل إبليس لعنه الله يحاوره حتى عرض عليه أن يأمر الشياطين بعبادته والاعتراف بربوبيته. فضاق عيسى ذرعاً وسبح لله تعالى فقال: \" سبحان الله عما يقول وبحمده، ملء سمائه وأرضه، وعدد خلقه، ورضا نفسه، ومبلغ علمه، ومنتهى كلماته، وزنة عرشه \" . فهبط جبريل وميكائيل وإسرافيل، فنفخه ميكائيل نفخة ذهب منها نحو مطلع الشمس حتى صدم عين الشمس عند طلوعها، فخر حصيداً محترقاً، فأتبعه إسرافيل فنفخه نحو مغرب الشمس فانطلق لا يملك من نفسه شيئاً حتى حاذى عيسى فقال: يا بن مريم، لقد لقيت منك تعباً. ومرت به النفخة حتى وقع في العين الحامية التي تغرب الشمس فيها، فلبث سبعة أيام وسبع ليال، متى أراد الخروج منها غطته الملائكة بأجنحتها، فما رام عيسى بعد ذلك. والله أعلم.","part":4,"page":2},{"id":1503,"text":"عيسى مع اليهود حين ظفروا به وأرادوا صلبه وقتله قال وهب: لما أوحى الله عز وجل إلى عيسى: \" إني متوفيك ورافعك إلي \" جزع من الموت جزعً شديداً وقال للحواريين: هذا الزمان الذي يقبض الله فيه الراعي ثم تفرق الرعية من بعده، فعرفوا أنه يعني نفسه، فبكوا وجزعوا، فقال: لا تبكوا من حزن الفراق، فسترون ما هو أشد منه، ولست مفارقكم حتى يظفر بي عدوي ثم ياسرونني، فلا تدفعوا عني ولا تمنعوا. قال: وطلابه اليهود ليقتلوه فاستخفى منهم، فدلهم عليه يوذا وهو الذي ارتد عنه، فأخذوه من غار جبل بيت لحم وجعلوا على رأسه إكليلاً من الشوك ليمثلوا به، وجعلوا يلطمونه ويضربونه من خلفه ويقولون له: إن كنت نبياً كما تزعم فامنع عن نفسك وادع ربك فليحل بيننا وبينك، وهو لا يكلمهم حتى طلع الفجر، ونصبوا له خشبة ليصلبوه. فلما أرادوا أن يرفعوه عليها أظلم الجو ظلمة عظيمة لم تلبس الأرض مثلها، وأرسل الله الملائكة فحالوا بينهم وبينه وصلبوا مكانه يوذا الذي دل عليه، وأشرقت الشمس وقلب الله قلوب الناس وأبصارهم فجعلوا ينظرون إلى يوذا في صورة عيسى. قال الله تعالى: \" وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم \" . قال: ولما رفعوا يوذا على الخشبة قال: يا هؤلاء، إني أذكركم اله في دمي، إني صاحبكم يوذا الذي دللتكم على عيسى. ثم أخبرهم خبر الظلمة وأن الملائكة حالوا بينهم وبين عيسى وجعلوه مكانه، وأخبرهم بعلامات يعرفونها. فلما سمعوا ذلك منه زادهم عليه غيظاً وحنقاً وقالوا: ما أعظم سحره! كيف اطلع بسحره على سرنا وما كنا نطويه دونه! وقتلوه وهو صاحبهم.\rرفع عيسى - ع - أول مرة وهبوطه إلى الأرض ووصيته إلى الحواريين ورفعه ثانياً قال: رفع الله تعالى عيسى لثلاث ساعات مضت من النهار، فلبث في السماء أياماً، قيل سبعة أيام، وقيل أربعين يوماً. والله أعلم. ثم قال الله له: إن أعداءك اليهود أعجلوك عن الوصية والعهد إلى أصحابك، فانزل إليهم واعهد لهم وأوصهم، وانزل على مريم المجدلانية فإنها في غار في جبل الجليل. وكانت مريم المجدلانية من قرية من قرى أنطاكية يقال لها مجدل. وكانت من أوسط نساء بني إسرائيل حسباً، وكانت أجمل نسائهم وأكثرهم مالاً، وكانت تستحاض فلا تطهر أبداً وخطبها أشراف بني إسرائيل وملوكهم وامتنعت من إجابتهم، فظنوا أن ذلك ترفعاً منهم، وإنما كان بسبب ما يعر لها. فلما ظهر عيسى - ع - وشاع ذكره أتته في جملة المرضى ليشفيها، فخجلت أن تسأله لكثرة الناس حوله، فجاءت من ورائه فمسته بيدها فزال عنها ما كانت تشكوه وطهرت وآمنت بعيسى، وأنفقت مالها فيما أمرها به من وجوه البر، وصارت فقيرة وتبتلت وتخلت للعبادة، وكانت تعد من أصحاب عيسى. قال: وأمر الله تعالى عيسى أن يأمرها أن تجمع له الحواريين، وأن تستخلف عليهم شمعون، وأن يفرقهم دعاة إلى الله عز وجل في البلاد، وأن يخبرهم بالعلامة التي تأتيهم من الله. ثم أهبطه الله تعالى على مريم فاشتعل الجبل نوراً، وأتته بالحواريين، فبلغهم رسالة ربهم، وقال: إن آية ذلك أن تأتيكم الملائكة في ليلتكم هذه بمغارف فيها نور من نور الله، فكل من تناول مغرفة منها فليلحس النور الذي فيها فإنه يصبح وقد تكلم بلغة القوم الذين بعث إليهم ويصبح وهو على باب مدينتهم. قال: والليلة التي هبط عيسى فيها هي الليلة التي تدخن فيها النصارى باللبان. قال: فما فرغ عيسى من وصيته إلى الحواريين رفع بعد سبعة أيام، وتوفاه الله تعالى لثلاث ساعات من النهار، ثم كساه الريش وألبسه النور، وقطع عنه المطعم والمشرب وصار ملكياً إنسياً. قال وهب: برز عيسى - ع - للناس يوم برز وهو ابن ثلاثين سنة، ولبث فيهم في نبوته وفيما كان الناس يرونه منه من العجائب والآيات ثلاث سنين، ورفعه الله وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وحكى أبو إسحاق الثعلبي عن أهل التاريخ أن الله تعالى أوحى إلى عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ورفعه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث وتسعين سنة. وقد ورد في الحديث ما يدل على أنه رفع وله مائة وخمس وعشرون سنة. وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى في آخر السيرة النبوية على ما تقف إن شاء الله عليه هناك.\rوفاة مريم بنة عمران - ع","part":4,"page":3},{"id":1504,"text":"قال الكسائي قال كعب: ماتت مريم بنة عمران أم عيسى عليهما السلام قبل رفعه، فدفنها في مشاريق بيت المقدس. وحكى الثعلبي رحمه الله أنها ماتت بعد رفع عيسى عليهما السلام. وقال في خبره: إنه لما صلب المشبه بعيسى جاءت مريم ابنة عمران وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها الله من الجنون يبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى - ع - فقال لهما: على ماذا تبكيان؟ فقالتا عليك. فقال: إن الله تعالى رفعني فلم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبه لهم. ثم قال أيضاً في قصة وفاة مريم عن وهب: لما أراد الله تعالى أن يرفع عيسى - ع - آخى بين الحواريين وأمر رجلين منهما وهما شمعون ويوحنا أن يلزما أمه ولا يفارقانها، فانطلقا ومعهما مريم إلى نيرون ملك الروم يدعوانه إلى الله عز وجل، وقد بعث الله إليه قبل ذلك بولس. فلما أتوه أمر بشمعون وبولس فقتلا وصلبا منكسين، وهربت مريم ويوحنا، حتى إذا كانا في بعض الطريق لحقهما الطلب، فخافا فانشقت لهما الأرض فغابا فيها، فأقبل نيرون ملك الروم وأصحابه فحفروا ذلك الموضع فلم يجدوا شيئاً فردوا التراب على حاله، وعلموا أنه أمر من الله عز وجل. فسأل ملك الروم عن حال عيسى فأخبر به فأسلم. وقد قيل في إسلامه غير هذا، وعلى ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rالباب السادس من القسم الثالث من الفن الخامس\rأخبار الحواريين\rالذين أرسلهم عيسى - ع - وما كان من أمرهم مع من أرسلوا إليه وخبر جرجيس ذكر خبر أخبار الحواريين قال الكسائي قال وهب: وأصبح الحواريون على أبواب المدائن التي بعثوا إليها، يتكلم كل رجل منهم بلغة الأمة التي بعث إليها. فبعث إلى أهل رومية رجلين من الحواريين، وبعث إندراوس ولوقا إلى أرض الحبشة، وبعث رجلاً إلى بابل، وبعث رجلاً إلى إفريقية، ورجلاً إلى أصحاب قرية الكهف، ورجلاً إلى بربر، ورجلين إلى أنطاكية، ورجلاً إلى السند والهند، وأقام شمعون مكانه وهو رأسهم، وأمروا أن يستظهروا به فيما يهمهم.\rيوحنا وبولس اللذين توجها إلى إنطاكية","part":4,"page":4},{"id":1505,"text":"قال الكسائي: لما أصبح يوحنا وبولس على باب إنطاكية دخلاها عند فتوح بابها، وملكها يومئذ مخلنطيس بن مخلنطيس، وكان ظالماً جباراً متكبراً، فلم يقدرا على الوصول إليه، وما أمكنهما أن يذكرا ما جاءا فيه مخافة أن يقتلا قبل أن يبلغاه رسالة الله تعالى. فكانا كذلك مدة، حتى شخص الملك من منزله إلى مستنزه له فنادياه من بعيد بالإنذار. فلما سمع أصواتهما أرسل من يسمع مقالتهما فبلغاه رسالة الله عز وجل؛ فأمر الملك بجلد كل منهما مائة جلدة وحلق رءوسهما حلق الشمامسة ليمثل بهما، ثم أمر بهما إلى السجن ليخلدا فيه. فأوحى الله تعالى إلى شمعون بخبرهما وأمره بالانتصار لهما. فخرج حتى بلغ أنطاكية فدخلها، وتلطف حتى صحب خواص الملك وبطانته وأنسوا به وذكروه للملك. ثم طرق السجن ليلاً، وكان له باب من حديد طوله خمسون ذراعاً وعرضه ثلاثون، وكان إذا فتح صرصر حتى يسمع صريره أقصاهم وأدناهم. فأرسل الله تعالى ملكاً فاقتلع الباب من موضعه فلم يسمع له صوت، وألقى الله عز وجل السبات على أهل السجن وحراسه. فدخله شمعون، واجتمع بيوحنا وبولس وبشرهما عن الله بالثواب والخير وانصرف عنهما، ورد الملك باب السجن إلى موضعه. وكان شمعون يدخل مع الملك وأصحابه إلى بيوت أصنامهم ويسجد لله ويبكي ويكثر العبادة وهم لا يشكون أنه يعبد أصنامهم، فأحبه الملك وقربه وسأله عن نسبه، فأخبره أنه من بني إسرائيل وأنه بقية قوم انقرضوا، ولم يكن له من يأنس به فاعتمدتكم رغبة في قربكم، وحرصا على إخائكم. فقال الملك: قد قبلنا قولك وسودناك علينا، فأنت أفضلنا وسيدنا. فلبث فيهم زمناً يصدرون عن رأيه. فلما تمكن أمره ابن الملك قال له: أيها الملك، بلغني أنك سجنت رجلين كانا قد جاءك يدعوانك إلى غير دينك وإلى عبادة إله غير إلهك، ويزعمان أن الله أرسلهما إليك، وعجبت كيف اجترأا عليك. فماذا قلت لهما وما قالا لك؟ وهل أجبتهما بما كان ينبغي لك من الجواب؟ وهل سألتهما حين عظما لك ربهما أن يذكرا لك سائر عظمته، أو أحييا لك ميتاً، أو غير ذلك مما تعرف به مصداق قولهما؟ قال الملك: لقد حال الغضب دون ما تقول. قال: فهل لك أن تدعوهما؟ قال نعم. فأحضرهما بين يديه، فقال لهما شمعون: أخبراني من أرسلكما إلى هذا الملك وقومه؟ قالا: أرسلنا الله الذي هو على كل شيء قدير. فقال شمعون: صفا لي عظمته. قالا: هي أعظم من أن تحصى. قال: فأخبراني ماذا يبلغ من قدرته؟ قالا: إن شئت وصفنا لك ما نطيق وصفه، وصفته أعظم من طاقتنا، وإن شئت وصفنا لك ذلك في كلمتين تكفيان من كلام كثير. قال: نعم، صفا وأوجزا. قالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فوضع شمعون يده على رأسه كالمنكر لما قالا، ثم أقبل عليهما وقال: إني أسألكما أمراً فإن قدر إلهكما عليه آمناً بكما. قالا: سل. قال: هل يقدر أن يخلق خلقاً ونحن ننظر إليه؟ قالا نعم. قال: اعلما ما تقولان! قالا: قد علمنا، فمتى شئت أريناك. فعندها خلا شمعون بالملك وقال: أيها الملك، إن هذين الرجلين ليسا ببعيدين من أن يكون ربهما كما قالا، ولا أظنهما عرضا أنفسهما للملك لمثل هذا الموقف إلا وعندهما ثقة من إلههما. وإني أخشى أن يدعوا ربهما فيخلق خلقاً ينظر إليه الناس فيمرض ذلك قلوبهم ويزهدون في إلهك الذي تعبده ويذهبان بالصوب والشرف. فهل لك أن تدعوا إلهك فيخلق هذا الخلق الذي نريد أن نتمناه عليهما فيكون لك ولإلهك شرف هذا اليوم وصوبه؟. قال له الملك: ليس دونك سر، إن هذا الإله الذي نعبد لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ولا يحيي ولا يميت. فقال لهما شمعون: اعرضا علي بعض قدرة إلهكما فإن أجابكما وخلق الشيء على أعيننا ونحن ننظر إليه فقد صدقتما والقول قولكما. واجتمع الناس لينظروا. فأوحى الله إليهما أن سلاه ماذا يريد، فإني مسخر لكما ما سألكما. قالا: قد أوحى إلينا أنه فاعل ما تسألنا، فسلنا. وكان شمعون قد عهد في المدينة غلاماً مطموس الوجه لم يخلق له عينان، فأتى به فقال: ادعوا ربكما أن يخلق له عينين ونحن ننظر. قالا نعم. فأوقفاه بين أيديهما ودعوا الله وأعانهما شمعون سراً، فأجابهم الله تعالى، فأخذ كل واحد منهما حثوة من تراب وعجنه وجعله كالبندقة، ووضعا البندقتين في موضع العينين من وجه الغلام فانشق لهما البصر، ثم صارت البندقتان عينين. فخاف الملك، فقال له شمعون: لا تخف إن عندي","part":4,"page":5},{"id":1506,"text":"حيلة. قال له الملك: لعلهما ساحران، أرنا مالاً يكون وما ليس بكائن. قال شمعون: ليس هذا من السحر، ولكني أخاف أن يأتي من إلههما ما يعجز حيلتنا. فدعا شمعون بغلام مطموس وعمل كما عملا فانشق بصره، كما انشق بصر الأول، ففرح الملك وأصحابه بذلك. فقال شمعون: إنما صنع ما ترون إله اخترته لنفسي وهو الذي أظهر فلجكم، فاسجدوا لهذا الإله الذي أظفركم بعدوكم لعله يعينكم على ما يكون بعد قال له الملك: لعلهما ساحران، أرنا مالاً يكون وما ليس بكائن. قال شمعون: ليس هذا من السحر، ولكني أخاف أن يأتي من إلههما ما يعجز حيلتنا. فدعا شمعون بغلام مطموس وعمل كما عملا فانشق بصره، كما انشق بصر الأول، ففرح الملك وأصحابه بذلك. فقال شمعون: إنما صنع ما ترون إله اخترته لنفسي وهو الذي أظهر فلجكم، فاسجدوا لهذا الإله الذي أظفركم بعدوكم لعله يعينكم على ما يكون بعد هذا. فقال الملك: كيف نسجد لغير إلهنا!. قال شمعون: ألم تخبرني أنه لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع، فما قدرته عليك إن سجدت لغيره! قال: صدقت. وسجد الملك وسجد قومه لسجوده. ثم قال شمعون ليوحنا وبولس: إني أسألكما عن أمر، فإن قدر عليه إلهكما فالحجة إذاً لكما والقول قولكما. قالا: سل عما بدا لك. قال: تسألان ربكما أن يحيي لنا ميتاً حتى يكلمنا ويخبرنا ما خبره، ويعلمنا ما كان فيه وما لقي بعدنا. قالا: نعم، إن الذي سألت يسير على الله وهين عليه. فوضع شمعون يده على رأسه كالمعظم والمنكر لما قالا. ثم خلا بالملك وقال: إنك قد رميت بأمر عظيم، وإني أخاف إن أحيا إلههما الموتى أن يميل الناس إليهما. قال الملك: إنا نرجو ألا يأتيا بشيء إلا أتيت أنت بمثله. قال شمعون: إني لا أغركم، إن إلهي لا يحيي الموتى، ولا أعلم في الأرض من يقدر على ذلك. قال الملك: فهل تدعهما يدعاننا وندعهما، فإن أبيا قاتلناهما؟. قال شمعون: كيف نقاتل من لهما إله يحيي الموتى! ولكن أرجو أن أدعو الإله الذي صنع ما رأيتم فيعيننا على ما نريد. قال شمعون: هل يقدر إلهكما على أن يحيي الموتى؟ قالا نعم. قال الملك: إن عندنا ميتاً قد مات منذ سبعة أيام وهو ابن دهقان مدينتنا، فدعا به الملك فأحضر في نعش، وقد تغير لونه وأروح، فقال: دونكما ادعوا أن يحييه إلهكما. فدعوا الله، فالبث أن تفتقت عنه أكفانه ورد الله إليه روحه. فسألوه متى مات وماذا لقي. فقال: مت منذ سبعة أيام، ثم عرضت على عملي فقذفت في سبعة أودية من نار، وذكر ما في الأودية من العذاب والحيات وغير ذلك. قال: فلما صرت إلى الوادي السابع خفف عني العذاب. قالوا: فمن أين خفف عنك العذاب؟ قال: أحياني الله ورد علي روحي، فجاءني شيء مثل الريح فدخل في رأسي، فلما صار في جسدي حييت، ثم قيل لي: انظر فوقك، فشخصت ببصري وفتحت أبواب السماء، فنظرت فإذا برجل شاب حسن الوجه نحيف الجسم أبيض يخالطه حمرة متعلق بالعرض يشفع لهؤلاء الرهط الثلاثة، يعني عيسى بن مريم. فقال له الملك: أي رهط تعني؟. قال: هذا الشيخ الأجلخ، وهذا الكهل الأنزع، وهذا الفتى الرجل. فما زالوا مجتهدين في الدعاء حتى شفعوا، والشافع لهم مصغ إليهم بأذنه كأنه يسمع ما يقولون ثم يرفعه إلى الله فيدعو به. فلما فرغ من كلامه قال: إني أحذركم أيها القوم مثل ما كنت فيه، فإنه لا إله إلا إله عيسى بن مريم وشمعون وبولس ويوحنا. قال شمعون: اعتصمنا بالله وتوكلنا عليه، ثم اخبر الملك بخبره وخبر أصحابه ودعاهم إلى الله، فمنهم من آمن، ومنهم من تولى. وكان الملك ممن آمن به في عصبة يسيرة. وأرسل الله على من تولى منهم صيحة من السماء فإذا هم خامدون.","part":4,"page":6},{"id":1507,"text":"قال: وكان قد نعى إلى الدهقان ابنه، وكان اسم الدهقان حبيباً النجار، ثم لم يلبث أن جاءته البشارة بحياة ابنه، ولم يكن له ولد غيره، وأخبر خبر الحواريين، فآمن بهم قبل أن يراهم، فأقبل مسرعاً. فلم قص عليه ابنه قصته ازداد أيماناً ويقيناً. قال وهب: فيقال: - والله أعلم - إن هذا هو الذي ذكره الله تعالى في قوله: \" وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين \" الآية. فأوجب الله له بكلامه الجنة، وخير أن يعمر هو وابنه مائة عام أو يجعل بهما إلى الجنة، فاختارا الجنة؛ وهو قوله تعالى: \" أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر \" الآية. قال: ولم يزل يجاهد قومه قبل أن تأخذهم الصيحة ويدعوهم إلى الله حتى قتلوه، فقيل له: ادخل الجنة \" قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين \" .\rتوما الحواري مع ملك الهند وإيمانه به قال الكسائي قال وهب: وجاء توما إلى أرض الهند والسند. فبينما هو يتردد على ساحلهم إذا هو بغلام لملك الهند يقال له حيان، وكان تاجراً. فأتاه توما فقال له: هل لك أن تبتاعني للملك؟ فقال له حيان: من أنت أيها الرجل الكريم؟. قال له توما: إني كنت عبداً مملوكاً فاعتقني سيدي وأمرني بالطلب لنفسي، فلم أصادف من الحرية ما كنت أظن، وكان حالي يوم كنت عبداً خير منه اليوم وأحسن. فقال له حيان: ما أرى عليك ميسم العبودية، وإني لأرى عليك أثر الخير، ثم قال له: ما الذي تحسن من الأعمال؟ قال: أعمل سائر الأعمال. فاشتراه بثلاثمائة مثقال من الذهب وانطلق به إلى الملك. فلما رآه أجله وعظمه، وسأل التاجر عنه فأخبره أنه اشتراه على أن يعمل سائر الأعمال. فقال له الملك: أريد أن تبني لي قصراً لم يعمل مثله لأحد قط. قال توما: لك ذلك علي، ولكن أرضك حارة، وإذا بني في زمن الحر كان حاراً لا يسكن من حره، وكذلك في زمن البرد يكون بارداً، وإني لأرى أن يعمل في زمن الاعتدال، فوافقه الملك على رأيه،. وعرض للملك غزاة فخرج إليها واستخلف أخاه على الملك، وأمره أن يدفع لتوما ما يحتاج إليه من الأموال للنفقة على القصر، فصرف له أموالاً كثيرة، ففرقها توما في الفقراء والمساكين حتى أغناهم، ثم مرض أخو الملك مرضاً شديداً وغاب عن حسه وحركته سبعة أيام. فقدم الملك وهو على تلك الحال، فلما رد الله عليه روحه قال الملك لتوما: ما فعلت في القصر؟ قال: قد فرغت منه. فقال الملك لأخيه: ما الذي أعطيته من مالي؟ قال: جميع ما في بيت مالك. قال: فهل رأيت القصر؟ قال: بنيته لك في السماء. قال: وكيف لي بسلم أنال به السماء؟ قال: تنال السماء بالسلم الذي نالها به أخوك. فقال له أخوه: اسمع مني أيها الملك أخبرك بالعجب؛ فإنك لو ...لم ما أ...ل عليك هذا الرجل من الخير وصرف عنك من الشر لقبلت قدميه وجعلته فوق رأسك. قال: أخبرني خبره. قال: أخبرك أن الله عز وجل عرج بوحي، فعرضني على النار فرأيت أمر عظيماً مهولاً ووصفه لأخيه، ووصف له ما يعذب به أهل الشرك باله وعبدة الأوثان. قال: ثم قيل لي: إن الله عرضك على النار فأراك ما رأيت لتكون ملن خلفك نذيراً ، وسيريك الجنة، لتبشر بها قومك، ولتخبر من خلقك بما رأيت. قال: فأدخلت الجنة فرأيت كذا وكذا، ووصف الجنة ونعيمها وما فيها. قال: وانتهيت إلى قصر عظيم من أعظم قصورها وأبوابه مغلقة، فقلت لخزنة الجنة: إني أحب أن أشاهد باطن هذا القصر فإني لم أر مثله. قالوا: إن صاحبه الآن في الدنيا ومفاتيحه عند ملك من الملائكة. قلت: فلمن ادخر هذا القصر؟ قالوا: هذا لأخيك فلان وهو الآن في الدنيا، وعنده رسول من عند الله يقال له توما الجواري من حواريى عيسى بن مريم. فإذا رجعت إليه فبشره وأخبره أنه القصر الذي بناه له توما في السماء، وأنفق فيه بيت ماله. ثم رد الله بعد ذلك على روحي، وأنت تعلم يا أخي أن لي شطر مالك وملكك وخزائنك، وتعلم ما لي بعد ذلك من الأموال والخزائن، وأنا أعطيك جميع ذلك على أن تعطيني قصرك الذي رأيته لك في الجنة. قال: يا أخي، ما كنت لأعطيك الباقي بالفاني. ثم أقبل على توما وآمن به هو وأهل مملكته، ولم تزل تلك الأمة على دين عيسى حتى أبادها الموت.\rلوقا الحواري مع ملك فارس","part":4,"page":7},{"id":1508,"text":"قال: وأصبح لوقا على باب مدينة من مدائن فارس، وهي التي يسكنها الملك، فإذا غلمان من أبناء الملوك وأبناء الوزراء جلوس على قارعة الطريق يلعبون. فجلس الحواري إلى جانب غلام منهم وسأله كيف يلعب، فغلب جميع أولئك. فلما تفرقوا دعاه الغلام إلى منزله، فقال له: اذهب إلى أبيك واستأذنه في ذلك. فانطلق الغلام إلى أبيه وأخبره بخبر الشيخ، فأذن له أن يأتيه به، فرجع إليه، وقال له: إن أبي يدعوك، فأقبل معه. فلما ولج باب الدار قال: باسم الله، فخرج كل شيطان في الدار، وصاحب الدار ينظر إلى ذلك، وكانت الشياطين تظهر لهم وتشاركهم في طعامهم وشرابهم، فعجب صاحب الدار من ذلك. وقدم الطعام فأقبلت الشياطين لتأكل على عادتها، فقال لوقا: باسم الله، فنفرت الشياطين وفرت من الدار. فقال الشيخ: قد رأيت منك اليوم ما لم أره من أحد، وإن لك لشأناً، وخلا به وقال: لا بد أن تخبرني خبرك ولا تكتمني أمرك. قال: على أن تكتمه ولا تذكره إلا أن آذن لك، قال نعم. فاستوثق منه وأخبره بخبره. ثم قال له لوقا: أخبرني أي مال الملك أحب إليه وأعجب عنده؟ قال: ما شيء من ماله أحب إليه وأعجب عنده من برذون حتى يركبه من سريره. ثم أقام مدة، فقدم البرذون إلى الملك ليركبه على عادته، فلما صار إلى جانب السرير خر ميتاً، فشق ذلك على الملك وآلمه وقال: وددت لو فديته بمال عظيم، وحزن جلساء الملك وخواصه لحزنه. قال: وجاء الرجل إلى لوقا وقد حزن لحزن الملك، فسأله عن سبب حزنه فذكر له قصة البرذون، فقال له: ارجع إلى الملك وقل له: إني أحييه له إن أطاعني فيما أقول. فرجع إلى الملك وأخبره بذلك، وقال: إن هذا الرجل لما عبر إلى منزلي نفرت منه الشياطين ولم تطعم من طعامنا، وكانت تأكل معنا قبل ذلك وتشرب كما علمت، وقد قال: إن أطاعني الملك أحييت له برذونه. فقال الملك: إن نفسي لتطيب بكل شيء أحيي به هذا البرذون، فعلي بالرجل، فأحضره إلى الملك. فلما دخل الدار لم يبق بها شيطان إلا خرج. ثم جلس لوقا إلى جانب الملك، فقال له: بلغني أنك تحيي الموتى، فأحي لي برذوني هذا. فقال له: إن أطعتني فيما أقول لك أحي برذونك. قال الملك: مرني بما شئت. قال: ادع ابنك وامرأتك، وكان ابنه ولي عهده وامرأته منه بمكان، فدعاهما، فأخذ لوقا بقائمة من قوائم البرذون، وكل من الملك وابنه وامرأته بقائمة، قم قال الحواري بالفارسية: \" اللهم رب السموات والأرض، خالق السموات والأرض وما فيهما لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، أحي هذا العضو الذي في يدي \" فتحرك ذلك العضو. ثم قال للملك: قل كما قلت، فقال الملك مثل قوله: فتحرك العضو الذي في يده. ثم قال لابنه: قل كما أقول، فقال فتحرك العضو الثالث، ثم قال لامرأته: قولي كما قلت، فدعت بدعائه، فتحرك العضو الذي في يدها. ثم قال لهم: قولوا جميعاً كما أقول، فقالوا كلهم: \" اللهم رب السموات والأرض خالق السموات والأرض وما فيهما لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك أحي هذا البرذون \" . فقام البرذون حياً ينفض ناصيته. فعجب الملك والناس من ذلك. وسأله الملك عن خبره فأخبره أنه رسول عيسى بن مريم إليه وإلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله تعالى، فآمنوا به. وقد قيل: إن الذي أرسل إلى أرض فارس متى الحواري، وإنه لما دخل على الملك كان الملك سكراناً، فلما أحيا الفرس أمر الملك أصحابه بقتل متى فقتلوه. فلما أفاق الملك من سكره سأل عنه فقيل له: إنك أمرت بقتله فقتلناه، فقال: ما علمت بذلك. فقاموا إليه وغسلوه وكفنوه ودفنوه. ويقال: إن الله تعالى بعد دفنه خسف بالملك وأولاده وأهله. والله أعلم. ولنصل أخبار الحواريين بخبر جرجيس وإن لم يكن منهم، فقد كانت له قصة عجيبة تلتحق بهم.\rجرجيس","part":4,"page":8},{"id":1509,"text":"قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى في كتابه المترجم بيواقيت البيان في قصص القرءان بإسناده عن وهب بن منبه قال: كان بالموصل ملك يقال له داديه، وكان قد ملك الشام كله ودان له أهله، وكان جباراً عاتياً، وكان يعبد صنماً يقال له أفلون، وكان جرجيس عبداً صالحاً من أهل فلسطين قد أدرك بقايا من حواريى عيسى - ع - ، وكان تاجراً عظيماً كثير المال عظيم الصدقة، وكان لا يأمن ولاية المشركين عليه مخاف أن يفتنوه عن دينه. فخرج يريد الموصل ومعه مال يريد أن يهديه إليه حتى لا يجعل لأحد من الملوك عليه سلطاناً دونه. فجاءه حين جاءه وقد برز في مجلس له وأمر بصنمه أفلون فنصب وأوقد ناراً، فمن لم يسجد لصنمه ألقي في النار. فلما رأى جرجيس ذلك قطع به وهاله وأعظمه وحدث نفسه بجهاده، وألقى الله تعالى في نفسه بغضه ومجاهدته. فعمد إلى المال الذي أراد أن يهديه له فقسمه في أهل ملته حتى لم يبق منه شيء وكره أن يجاهده بالمال. ثم أقبل عليه وقال له: إنك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئاً ولا لغيرك، وإن فوقك رباً هو الذي ملكك وغيرك، وهو الذي خلقك ورزقك ويحييك ويميتك ويضرك وينفعك، وإنك عمدت إلى خلق من خلقه قال له: كن، فكان أصم أبكم لا ينطق ولا يسمع ولا يغني عنك من الله شيئاً، فزينته بالذهب والفضة فتنة للناس، ثم عبدته من دون الله. فكان من جواب الملك إياه أن سأله عن حاله وأمره ومن هو ومن أين هو. فأجابه جرجيس: أنا عبد الله وابن عبده وابن أمته أذل عباده وأفقرهم إليه، من التراب خلقت وإليه أصير. فقال له الملك: لو كان ربك الذي تزعم كما تقول لرئي عليك أثره كما رئى أثري على من حولي وفي طاعتي. فأجابه جرجيس بتحميد الله وتعظيم أمره وقال: أتعدل أفلون الأصم الأبكم الذي لا يغني عنك شيئاً برب العالمين الذي قامت السموات والأرض بأمره!. أو تعدل طرفلينا وما نال بولايتك فإنه عظيم قومك بما نال إلياس بولاية الله تعالى؛ فإن إلياس كان في بدء أمره آدمياً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فلم تزل به كرامة الله تعالى حتى أنبت له الريش وألبسه النور فعاد إنسياً ملكياً سماوياً أرضياً يطير مع الملائكة! أم تعدل مخلنطيس وما نال بولايتك فإنه عظيم قومك، بالمسيح بن مريم وما نال بولاية الله تعالى فإن الله فضله على رجال العالمين وجعله وأمه آية للمعتبرين! أم تعدل أمر هذه الروح الطيبة التي اختارها الله لكلمته وسودها على إمائه وما نالت بولاية الله تعالى، بأزبيل وما نالت بولايتك فإنها كانت من شيعتك وعلى ملتك، فاسلمها الله مع عظم ملكها حتى اقتحمت عليها الكلاب في بيتها فانتهشت لحمها وولغت في دمها، وقطعت الضباع أوصالها!. فقال الملك: إنك لتحدثنا عن أشياء ليس لنا بها علم؛ فأتني بالرجلين اللذين ذكرت أمرهما حتى أنظر إليهما، فإني أنكر أن يكون هذا من البشر. قال له جرجيس: إنما جاءك الإنكار من قبل الغرة بالله تعالى. وأما الرجلان فلن تراهما ولا يريانك إلا أن تعمل بعملهما فتنزل منازلهما. فقال له الملك: أما نحن فقد أعذرنا إليك وتبين لنا كذبك لأنك فخرت بأمور عجزت عنها. ثم خيره الملك بين العذاب وبين السجود لأفلون. فقال جرجيس: إن كان أفلون هو الذي رفع السماء ووضع الأرض فقد أصبت، وإلا فاخسأ أيها النجس الملعون. فلما سمعه الملك غضب وسبه وسب إلهه وأمر بخشبة فنصبت له وجعل عليها أمشاط الحديد فخدش بها جسده حتى تقطع لحمه وجلده وعروقه، ونضح خلال ذلك الخل والخردل، فحفظه الله تعالى من ذلك الألم والهلاك. فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بستة مسامير من حديد فأحميت، حتى إذا جعلت ناراً سمر بها رأسه حتى سال دماغه ، فحفظه الله من الألم والهلاك. فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بحوض من نحاس وأوقد عليه حتى إذا جعله ناراً أمر به فأدخل في جوفه وأطبق عليه فلم يزل فيه حتى برد حره. فلما رأى أن ذلك لم يقتله دعا به فقال: يا جرجيس، أما تجد ألم هذا العذاب الذي تعذب به؟ فقال: إن ربي الذي أخبرتك به حمل عني ألم العذاب وصبرني لأحتج عليك. فلما قال له ذلك أيقن الملك بالشر وخافه على نفسه وملكه، واجتمع رأيه أن يخلده في السجن. فقال له الملأ من قومه: إنك إن تركته طليقاً في السجن يكلم الناس يوشك أن يميل بهم عليك، ولكن مر له بعذاب في السجن يشغله عن كلام الناس. فأمر به فبطح في السجن على وجهه ثم أوتد له في","part":4,"page":9},{"id":1510,"text":"يديه ورجليه أربعة أوتاد من حديد في كل ركن منها وتد. ثم أمر بأسطوان من رخام فوضع على ظهره، وحمل ذلك الأسطوان ثمانية عشر رجلاً، فظل يومه ذلك موتداً تحت الحجر. فلما أدركه الليل أرسل الله تعالى إليه ملكاً فقلع عنه الحجر ونزع الأوتاد وأطعمه وسقاه وبشره وعزاه. فلما أصبح أخرجه من السجن وقال له: الحق بعدوك فجاهده في الله حق جهاده، فإن الله يقول لك: أبشر واصبر فإني قد ابتليتك بعدوك هذا سبع سنين يعذبك ويقتلك فيهن أربع مرات، في كل ذلك أرد إليك روحك، فإذا كانت الرابعة تقبلت روحك وأوفيتك أجرك. قال: فلم يشعر الملك وأصحابه إلا وجرجيس قد وقف على رءوسهم وهو يدعوهم إلى الله تعالى. فقال له الملك: يا جرجيس من أخرجك من السجن؟ قال: أخرجني الذي سلطانه فوق سلطانك. فلما قال له ذلك ملئ غيظاً ودعا بأصناف العذاب حتى لم يخلف منها شيئاً. فلما رآها جرجيس أوجس في نفسه خيفة وفزعاً منها، ثم أقبل على نفسه يعاتبها بأعلى صوته وهم يسمعون. فلما فرغ من عتابه نفسه مدوه بين خشبتين ثم وضعوا سيفاً على مفرق رأسه فنشروه حتى سقط من بين رجليه وصار قطعتين، فعمدوا إلى أجزائه فقطعوها قعطعاً، وللملك سبعة أسود ضارية، وكانوا صنفاً من أصناف عذابه، فرموا بجسده إليها. فأمرها الله تعالى فخضعت له برءوسها وأعناقها وقامت على براثنها، فظل يومه ذلك ميتاً وهي أول موتة ماتها. فلما أدركه الليل جمع الله جسده الذي قطعوه بعضه إلى بعض حتى سواه، ثم رد الله تعالى إليه روحه وأرسل ملكاً فأخرجه من قعر الجب فأطعمه وسقاه وبشره وعزاه. فلما أصبحوا قال له الملك: يا جرجيس، قال: لبيك! قال: اعلم أن القدرة التي خلق الله تعالى بها آدم من التراب هي التي أخرجتك من قعر الجب، الحق بعدوك وجاهده في الله حق جهاده ومت موت الصابرين. فلم يشعر الملك وأصحابه إلا وقد أقبل جرجيس وهم في عيد لهم عكوف عليه صنعوه فرحاً بموت جرجيس. فلما نظروا إليه وقد أقبل قال الملك: ما أشبه هذا بجرجيس! قالوا: كأنه هو. قال الملك: ما بجرجيس من خفاء إنه لهو، ألا ترون إلى سكون ريحه وقلة هيبته. قال جرجيس: أنا هو، بئس القوم أنتم! قتلتم ومثلتم فأحياني الله بقدرته، فهلموا إلى هذا الرب العظيم الذي أراكم ما أراكم. فلما قال لهم ذلك أقبل بعضهم على بعض وقالوا: ساحر سحر أعينكم. وجمعوا من كان ببلادهم من السحرة. فلما جاءوا قال الملك لكبيرهم اعرض علي من كبير سحرك ما يقر عيني. قال: ادع لي بثور من البقر. فلما أتى به نفث في إحدى أذنيه فانشقت باثنتين، ثم نفث في الأخرى فإذا هو ثوران، ثم دعا ببذر فحرث وبذر، فشب الزرع واستحصد، ثم درس وذرى وطحن وعجن وخبز، كل ذلك في ساعة واحدة. فقال الملك: هل تقدر أن تمسخه لي دابة؟ قال الساحر: أي دابة أمسخه لك؟ قال: كلباً. قال: ادع لي بقدح من ماء. فلما أتى بالقدح نفث فيه الساحر ثم قال: اعزم عليه أن يشر به، فشربه جرجيس حتى أتى على آخره. فلما فرغ منه قال له الساحر: ماذا تجد؟ قال: ما أجد إلا خيراً، قد كنت عطشت فلطف الله بي بهذا الشراب فقواني به عليكم. فأقبل الساحر على الملك فقال له: اعلم أيها الملك إنك لو كنت تقاسي رجلاً مثلك إذاً لقد كنت غلبته، ولكنك تقاسي جبار السموات والأرض. وهو الملك الذي لا يرام.ديه ورجليه أربعة أوتاد من حديد في كل ركن منها وتد. ثم أمر بأسطوان من رخام فوضع على ظهره، وحمل ذلك الأسطوان ثمانية عشر رجلاً، فظل يومه ذلك موتداً تحت الحجر. فلما أدركه الليل أرسل الله تعالى إليه ملكاً فقلع عنه الحجر ونزع الأوتاد وأطعمه وسقاه وبشره وعزاه. فلما أصبح أخرجه من السجن وقال له: الحق بعدوك فجاهده في الله حق جهاده، فإن الله يقول لك: أبشر واصبر فإني قد ابتليتك بعدوك هذا سبع سنين يعذبك ويقتلك فيهن أربع مرات، في كل ذلك أرد إليك روحك، فإذا كانت الرابعة تقبلت روحك وأوفيتك أجرك. قال: فلم يشعر الملك وأصحابه إلا وجرجيس قد وقف على رءوسهم وهو يدعوهم إلى الله تعالى. فقال له الملك: يا جرجيس من أخرجك من السجن؟ قال: أخرجني الذي سلطانه فوق سلطانك. فلما قال له ذلك ملئ غيظاً ودعا بأصناف العذاب حتى لم يخلف منها شيئاً. فلما رآها جرجيس أوجس في نفسه خيفة وفزعاً منها، ثم أقبل على نفسه يعاتبها بأعلى صوته وهم يسمعون. فلما فرغ من عتابه نفسه مدوه بين خشبتين ثم وضعوا سيفاً على مفرق رأسه فنشروه حتى سقط من بين رجليه وصار قطعتين، فعمدوا إلى أجزائه فقطعوها قعطعاً، وللملك سبعة أسود ضارية، وكانوا صنفاً من أصناف عذابه، فرموا بجسده إليها. فأمرها الله تعالى فخضعت له برءوسها وأعناقها وقامت على براثنها، فظل يومه ذلك ميتاً وهي أول موتة ماتها. فلما أدركه الليل جمع الله جسده الذي قطعوه بعضه إلى بعض حتى سواه، ثم رد الله تعالى إليه روحه وأرسل ملكاً فأخرجه من قعر الجب فأطعمه وسقاه وبشره وعزاه. فلما أصبحوا قال له الملك: يا جرجيس، قال: لبيك! قال: اعلم أن القدرة التي خلق الله تعالى بها آدم من التراب هي التي أخرجتك من قعر الجب، الحق بعدوك وجاهده في الله حق جهاده ومت موت الصابرين. فلم يشعر الملك وأصحابه إلا وقد أقبل جرجيس وهم في عيد لهم عكوف عليه صنعوه فرحاً بموت جرجيس. فلما نظروا إليه وقد أقبل قال الملك: ما أشبه هذا بجرجيس! قالوا: كأنه هو. قال الملك: ما بجرجيس من خفاء إنه لهو، ألا ترون إلى سكون ريحه وقلة هيبته. قال جرجيس: أنا هو، بئس القوم أنتم! قتلتم ومثلتم فأحياني الله بقدرته، فهلموا إلى هذا الرب العظيم الذي أراكم ما أراكم. فلما قال لهم ذلك أقبل بعضهم على بعض وقالوا: ساحر سحر أعينكم. وجمعوا من كان ببلادهم من السحرة. فلما جاءوا قال الملك لكبيرهم اعرض علي من كبير سحرك ما يقر عيني. قال: ادع لي بثور من البقر. فلما أتى به نفث في إحدى أذنيه فانشقت باثنتين، ثم نفث في الأخرى فإذا هو ثوران، ثم دعا ببذر فحرث وبذر، فشب الزرع واستحصد، ثم درس وذرى وطحن وعجن وخبز، كل ذلك في ساعة واحدة. فقال الملك: هل تقدر أن تمسخه لي دابة؟ قال الساحر: أي دابة أمسخه لك؟ قال: كلباً. قال: ادع لي بقدح من ماء. فلما أتى بالقدح نفث فيه الساحر ثم قال: اعزم عليه أن يشر به، فشربه جرجيس حتى أتى على آخره. فلما فرغ منه قال له الساحر: ماذا تجد؟ قال: ما أجد إلا خيراً، قد كنت عطشت فلطف الله بي بهذا الشراب فقواني به عليكم. فأقبل الساحر على الملك فقال له: اعلم أيها الملك إنك لو كنت تقاسي رجلاً مثلك إذاً لقد كنت غلبته، ولكنك تقاسي جبار السموات والأرض. وهو الملك الذي لا يرام.","part":4,"page":10},{"id":1511,"text":"قال: وكانت امرأة مسكينة من أهل الشام سمعت بجرجيس وما يصنع من الأعاجيب، فأتته وهو في أشد ما هو فيه من البلاء، فقالت له: يا جرجيس، إني امرأة مسكينة ولم يكن لي مال إلا ثوراً أحرث عليه فمات، فجئتك لترحمني وتدعو الله تعالى أن يحيي لي ثوري. فذرفت عيناه، ثم دعا الله تعالى أن يحيى لها ثورها، وأعطاها عصاً وقال لها: اذهبي إلى ثورك فاقرعيه بهذه العصا وقولي له: احي بإذن الله. فقالت: يا جرجيس، مات ثوري منذ أيام ومزقته السباع، وبيني وبينه أيام. فقال: لو لم تجدي منه إلا سناً واحدة ثم قرعتها بالعصا لقام بإذن الله تعالى. فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها، وكان أول شيء بدا لها أحد روقيه وشعر أذنيه، فجمعت أحدهما إلى الآخر ثم قرعتهما بالعصا وقالت كما أمرها، فقام الثور بإذن الله تعالى وعملت عليه. قال: فلما قال الساحر للملك ما قال، قال رجل من أصحاب الملك، وكان أعظمهم من بعد الملك، إنكم قد وضعتم أمر هذا الرجل على السحر، وإنكم عذبتموه فلم يصل إليه عذابكم، وقتلتموه فلم يمت، فهل رأيتم ساحراً يدرأ عن نفسه الموت وأحيا ميتاً قط؟ فقالوا له: إن كلامك رجل قد صغا إليه فلعله استهواك. فقال: بل آمنت بالله، واشهدوا أني بريء مما تعبدون فقام إليه الملك وأصحابه بالخناجر فقتلوه. فلما رأى القوم ذلك اتبع جرجيس أربعة آلاف رجل. فعمد إليهم الملك فأوثقهم، ثم لم يزل يعذبهم بأنواع العذاب حتى أفناهم. فلما فرغ منهم قال لجرجيس: هلا دعوت ربك فأحيا لك أصحابك هؤلاء الذي قتلوا بجريرتك!. فقال له جرجيس: ما خلى بينك وبينهم حتى حان لهم. فقال رجل من عظماء أصحابه يقال له مخلنطيس: إنك زعمت يا جرجيس أن إلهك هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وإني سائلك أمراً إن فعله إلهك آمنت بك وصدقتك وكفيتك، إن حولنا أربعة عشر كرسياً ومائدة، وبيننا أقداح وصحاف وهي من أشجار شتى، فادع إلهك ينشء هذه الكراسي والأواني كما بدأها أول مرة حتى تعود خضراء يعرف كل عود منها بلونه وورقه وزهره. فقال له جرجيس: قد سألت أمراً عزيزاً علي وعليك، وإنه على الله لهين، ودعا الله عز وجل، فما برحوا من مكانهم حتى اخضرت تلك الكراسي والأواني كلها وساخت عروقها وألبست اللحاء وتشعبت فأورقت وأزهرت وأثمرت. فلما نظروا إلى ذلك انتدب له مخلنطيس الذي تمنى عليه ما تمنى فقال: أنا أعذب لكم هذا الساحر عذاباً يضل عنه كيده. فعمد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور أجوف واسع، ثم حشاه نفطاً ورصاصاً وكبريتاً وزرنيخاً، ثم أدخل جرجيس مع الحشو في جوفه، ثم أوقد تحت الصورة حتى التهبت وذاب كل شيء فيها واختلط، ومات جرجيس في جوفها. فلما مات أرسل الله عز وجل ريحاً عاصفاً فملأت السماء سحاباً أسود مظلماً، فيه رعد وبرق وصواعق، وأرسل الله تبارك وتعالى اعصاراً ملأت بلادهم عجاجاً وقتاماً حتى اسود ما بين السماء والأرض ومكثوا أياماً متحيرين في تلك الظلمة لا يفصلون بين الليل والنهار، وأرسل الله تعالى ميكائيل فاحتمل الصورة التي فيها جرجيس، حتى إذا أقلها ضرب بها الأرض ففزع من روعها أهل الشام أجمعون فخروا على وجوههم صعقين، وانكسرت الصورة فخرج منها جرجيس حياً. فلما وقف يكلمهم انكشفت الظلمة وأسفر ما بين السماء والأرض ورجعت إليهم أنفسهم. فقال له رجل يقال له طرفلينا: لا ندري يا جرجيس أأنت تصنع هذه الأعاجيب أم ربك! فإن كان ربك هو الذي يصنع هذا فادعه يحيى موتانا؛ فإن في هذه القبور أمواتاً منه من يعرف ومنهم من لا يعرف. فقال له جرجيس: لقد علمت ما يصفح الله عنكم هذا الصفح ويريكم هذه الأعاجيب إلا كانت عليكم حجة، فتستوجبوا غضبه، ثم أمر بالقبور فنبشت وهي عظام رفات وأقبل على الدعاء، فما برحوا من مكانهم حتى نظروا إلى سبعة عشر إنساناً: تسعة رهط وخمس نسوة وثلاثة صبية، وإذا فيهم شيخ كبير. فقال له جرجيس: يا شيخ، ما اسمك؟ فقال: يا جرجيس اسمي نوبيل. قال: متى مت؟ قال: في زمان كذا وكذا. فحسبوا فإذا هو مات منذ أربعمائة سنة. فلما نظر الملك وأصحباه إلى ذلك قالوا: ما بقي من أصناف العذاب شيء إلا وقد عذبتموه به إلا الجوع والعطش، فعذبوه بهما. فعمدوا إلى بيت عجوز كبيرة، وكان لها ابن أعمى أصم أبكم مقعد، فحصروه في بيتها ولا يصل إليه من عند أحد طعام ولا شراب. فلما بلغ به الجوع قال للعجوز: هل بقي عندك من طعام أو شراب؟ قالت: لا","part":4,"page":11},{"id":1512,"text":"والذي يحلف به ما عهدنا الطعام منذ كذا وكذا، وسأخرج ألتمس لك شيئاً. فقال لها جرجيس: هل تعرفين الله تعالى؟ قالت نعم. قال: فإياه تعبدين؟ قالت لا. فدعاها إلى الله عز وجل فصدقته، وانطلقت تطلب له شيئاً، وفي بيتها دعامة من خشبة يابسة تحمل خشب البيت، فأقبل على الدعاء، فاخضرت تلك الدعامة وأنبتت له كل فاكهة تؤكل أو تعرف، حتى كان فيا اللوبيا واللبان مثل البردى يكون بالشام، وظهر للدعامة فروع من فوق البيت أظلته وما حوله. فأقبلت العجوز وهو فيما شاء يأكل رغداً. فلما رأت الذي حدث في بيتها من بعدها قالت: آمنت بالذي أطعمك، فادع هذا الرب العظيم ليشفى ابني. قال: ادنيه مني، فأدنته، فبصق في عينيه فأبصر، ونفث في أذنيه فسمع. قالت له: أطلق لسانه ورجليه رحمك الله. قال: خذيه فإن له يوماً عظيماً. وخرج الملك يوماً ليسر في مدينته، إذ وقع بصره على الشجرة، فقال: إني أرى شجرة بمكان ما كنت أعرفها به. قالوا: تلك شجرة نبتت لذلك الساحر الذي أردت أن تعذبه بالجوع، فهو فيما شاء وقد شبع منها وأشبع العجوز الفقيرة وشفى لها ابنها. فأمر الملك بالبيت فهدم وبالشجرة لتقطع. فلما هموا بقطعها أيبسها الله تعالى وردها كما كانت أول مرة، فتركوها. وأمر بجرجيس فبطح على وجهه وأوتد له أربعة أوتاد، وأمر بعجلة وأوقرها أسطواناً وجعل في أسفل العجلة خناجر وشفاراً، ثم دعا بأربعين ثوراً فنهضت بالعجلة نهضة واحدة وجرجيس تحتها، فانقطع ثلاث قطع، فأمر بقطعه فأحرقت بالنار، حتى إذا عادت رماداً بعث بذلك الرماد وبعث معه رجلاً فذروه في البحر، فلم يبرحوا من مكانهم حتى سمعوا صوتاً من السماء: يا بحر، إن الله يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيب، فإني أريد أن أعيده كما كان. ثم أرسل الله تعالى الريح فأخرجته ثم جمعته حتى صار الرماد صبرة كهيئته قبل أن يذروه؛ فخرج منه جرجيس مغبراً ينفض رأسه، فرجعوا ورجع جرجيس، فأخبروا الملك خبر الصوت الذي سمعوا والريح التي جمعته، فقال: هل لك يا جرجيس فيما هو خير لي ولك ما نحن فيه؟ ولولا أن يقول الناس إنك قهرتني وغلبتني لاتبعتك وآمنت بك، ولكن اسجد لأفلون سجدة واحدة واذبح له شاة واحدة، ثم إني أفعل ما يسرك. فقال له نعم، مهما شئت فعلت، فأدخلني على صمتك. ففرح الملك بقوله فقام وقبل يديه ورجليه ورأسه وقال: إني أعزم عليك ألا تظل هذا اليوم إلا عندي، ولا تبيت هذه الليلة إلا في بيتي وعلى فراشي، حتى تستريح ويذهب عنك وصب العذاب، ويرى الناس كرامتك علي، فأخلى له بيت فظل فيه جرجيس، حتى إذا أدركه الليل قام يصلي ويقرأ الزبور، وكان أحسن الناس صوتاً. فلما سمعت امرأة الملك استجابت له، فلم يشعر إلا وهي خلفه تبكي معه، فدعاها جرجيس إلى الإيمان فآمنت به، وأمرها فكتمت إيمانها. فلما أصبح غدا به الملك إلى بيت الأصنام ليسجد لها. وقيل للعجوز التي كان سجن في بيتها: هل علمت أن جرجيس قد فتن بعدك فأصغى إلى الدنيا وقد خرج به الملك إلى بيت أصنامه ليسجد لها فخرجت العجوز تحمل ابنها على عاتقها وتوبخ جرجيس والناس مشغولون عنها. فلما دخل جرجيس بيت الأصنام ودخل الناس معه نظر فإذا العجوز وابنها على عاتقها أقرب الناس إليه مقاماً؛ فدعا ابن العجوز باسمه فنطق وأجابه ولم يكن يتكلم قبل ذلك، ثم اقتحم عن عاتق أمه يمشي على رجليه وهما مستويتان وما وطئ على الأرض قبل ذلك قط. فلما وقف بين يدي جرجيس قال: اذهب فادع لي هذه الأصنام وهي حينئذ سبعون صنماً على منابر من ذهب، وهم يعبدون الشمس والقمر معها. فقال له الغلام: كيف أدعو الأصنام؟ قال: قل لها إن جرجيس يسألك ويعزم عليك بالذي خلقك إلا أجبتيه. قال: فلما قال لها الغلام ذلك أقبلت تدحرج إلى جرجيس، فلما انتهت إليه ركض الأرض برجله فخسف بها وبمنابرها، وخرج إبليس من جوف صنم منها هارباً فرقاً من الخسف، فلما مر بجرجيس أخذ بناصيته، فخضع له وكلمه جرجيس فقال له: أخبرني أيها الروح النجسة والخلق الملعون، ما الذي يحملك على أن تهلك نفسك وتهلك الناس وأنت تعلم أنك وجندك تصيرون إلى جهنم؟ فقال له إبليس: لو خيرت بين ما أشرقت عليه الشمس وأظلم عليه الليل وبين هلكة واحد من بني آدم وضلالته وطرفة عين لاخترته على ذلك كله، وإنه ليقع لي من الشهوة واللذة في ذلك مثل جميع ما يتلذذ به جميع الخلائق. ألم تعلم يا جرجيس أن الله","part":4,"page":12},{"id":1513,"text":"تعالى أسجد لأبيك آدم جميع الملائكة فسجدوا كلهم وامتنعت أنا من السجود وقلت أنا خير منه!. فلما قال هذا أخلاه جرجيس. فما دخل إبليس منذ ذلك اليوم جوف صنم ولا يدخله بعدها فيما يذكرون أبداً. فقال الملك: يا جرجيس خدعتني وغدرتني وأهلكت آلهتي. فقال جرجيس للملك: إنما فعلت ذلك لتعتبر ولتعلم أنها لو كانت آلهة لامتنعت مني فكيف ثقتك - ويلك - بآلهة لم تمنع أنفسها مني! وإنما أنا مخلوق ضعيف لا أملك إلا ما ملكني ربي. فلما قال جرجيس هذا كلمتهم امرأة الملك وكشفت لهم إيمانها، وعددت عليهم أفعالهم أفعال جرجيس والعبر التي أراهم الله تعالى، وقالت لهم: ما تنظرون من هذا الرجل إلا د..رةً فيخسف الله بكم الأرض كما خسف بأصنامكم. الله الله أيها القوم في أنفسكم!. فقال لها الملك: ويحك يا سكندرة! ما أسرع ما أضلك هذا الساحر في ليلة واحدة وأنا أقاسيه منذ سبع سنين فلم يظفر مني بشيء قط! فقالت: أما رأيت الله كيف يظفره بك ويسلطه عليك فيكون له الفلج والحجة عليك في كل مواطن!. فأمر بها الملك عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التي كان عليها علق، وحملت عليها الأمشاط التي جعلت على جرجيس. فلما تألمت قالت: ادع ربك يا جرجيس فيخفف عني فإني قد آلمني العذاب. فقال لها: انظري فوقك. فلما نظرت ضحكت. فقال لها: ما الذي يضحكك؟ قالت: أرى ملكين فوقي معهما تاج من حلي الجنة ينتظران به روحي أن تخرج. فلما خرجت أتيا بذلك التاج ثم صعدا بها إلى الجنة. قال: فلما قبض الله تعالى روحها أقبل جرجيس على الدعاء فقال: اللهم أنت أكرمتني بهذا البلاء لتعطيني فضائل الشهداء، فهذا آخر أيامي التي وعدتني فيه الراحة من بلائك، فإني أسألك ألا تقبض روحي ولا أزول من مكاني هذا حتى تنزل بهؤلاء القوم من سطوتك ونقمتك ما لا قبل لهم به حتى تشفي به صدري وتقربه عيني؛ فإنهم ظلموني وعذبوني. اللهم وأسألك ألا يدعو بعدي داع في بلاء وكرب فيذكرني ويشير باسمي إلا فرجت عنه ورحمته وأجبته وشفعني فيه. فلما فرغ من هذا الدعاء أمطر الله عليهم ناراً من السماء. فلما رأوا ذلك عمدوا إليه وضربوه بالسيوف غيظاً عليه من شدة الحريق ليعطيه الله تعالى بالقتلة الرابعة ما وعده. ثم احترقت المدينة بجميع ما فيها وصارت رماداً، فحملها الله من وجه الأرض وجعل عاليها سافلها، فمكثت زماناً يخرج من تحتها دخان منتن لا يشمه أحد إلا سقم سقماً شديداً. وكان من آمن بجرجيس وقتل معه أربعة وثلاثون ألفاً وامرأة الملك. قالوا: وكان جرجيس في أيام ملوك الطوائف.ى أسجد لأبيك آدم جميع الملائكة فسجدوا كلهم وامتنعت أنا من السجود وقلت أنا خير منه!. فلما قال هذا أخلاه جرجيس. فما دخل إبليس منذ ذلك اليوم جوف صنم ولا يدخله بعدها فيما يذكرون أبداً. فقال الملك: يا جرجيس خدعتني وغدرتني وأهلكت آلهتي. فقال جرجيس للملك: إنما فعلت ذلك لتعتبر ولتعلم أنها لو كانت آلهة لامتنعت مني فكيف ثقتك - ويلك - بآلهة لم تمنع أنفسها مني! وإنما أنا مخلوق ضعيف لا أملك إلا ما ملكني ربي. فلما قال جرجيس هذا كلمتهم امرأة الملك وكشفت لهم إيمانها، وعددت عليهم أفعالهم أفعال جرجيس والعبر التي أراهم الله تعالى، وقالت لهم: ما تنظرون من هذا الرجل إلا د..رةً فيخسف الله بكم الأرض كما خسف بأصنامكم. الله الله أيها القوم في أنفسكم!. فقال لها الملك: ويحك يا سكندرة! ما أسرع ما أضلك هذا الساحر في ليلة واحدة وأنا أقاسيه منذ سبع سنين فلم يظفر مني بشيء قط! فقالت: أما رأيت الله كيف يظفره بك ويسلطه عليك فيكون له الفلج والحجة عليك في كل مواطن!. فأمر بها الملك عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التي كان عليها علق، وحملت عليها الأمشاط التي جعلت على جرجيس. فلما تألمت قالت: ادع ربك يا جرجيس فيخفف عني فإني قد آلمني العذاب. فقال لها: انظري فوقك. فلما نظرت ضحكت. فقال لها: ما الذي يضحكك؟ قالت: أرى ملكين فوقي معهما تاج من حلي الجنة ينتظران به روحي أن تخرج. فلما خرجت أتيا بذلك التاج ثم صعدا بها إلى الجنة. قال: فلما قبض الله تعالى روحها أقبل جرجيس على الدعاء فقال: اللهم أنت أكرمتني بهذا البلاء لتعطيني فضائل الشهداء، فهذا آخر أيامي التي وعدتني فيه الراحة من بلائك، فإني أسألك ألا تقبض روحي ولا أزول من مكاني هذا حتى تنزل بهؤلاء القوم من سطوتك ونقمتك ما لا قبل لهم به حتى تشفي به صدري وتقربه عيني؛ فإنهم ظلموني وعذبوني. اللهم وأسألك ألا يدعو بعدي داع في بلاء وكرب فيذكرني ويشير باسمي إلا فرجت عنه ورحمته وأجبته وشفعني فيه. فلما فرغ من هذا الدعاء أمطر الله عليهم ناراً من السماء. فلما رأوا ذلك عمدوا إليه وضربوه بالسيوف غيظاً عليه من شدة الحريق ليعطيه الله تعالى بالقتلة الرابعة ما وعده. ثم احترقت المدينة بجميع ما فيها وصارت رماداً، فحملها الله من وجه الأرض وجعل عاليها سافلها، فمكثت زماناً يخرج من تحتها دخان منتن لا يشمه أحد إلا سقم سقماً شديداً. وكان من آمن بجرجيس وقتل معه أربعة وثلاثون ألفاً وامرأة الملك. قالوا: وكان جرجيس في أيام ملوك الطوائف.","part":4,"page":13},{"id":1514,"text":"وحيث انتهى بنا القول في سرد ما شرحناه من قصص الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، وما اتصل بذلك من الأخبار؛ فلنذكر الآن التذييل الذي شرحناه في ترجمة هذا القسم للسبب الذي قدمناه. وبالله المستعان.\rالتذبيل\rعلى القسم الثالث من الفن الخامس يشتمل على ذكر الحوادث التي تظهر قبل نزول عيسى بن مريم إلى الأرض، وما يكون من الفتن والحروب، وخروج من يخرج ويتغلب على البلاد، وخروج المهدي والدجال ونزول عيسى بن مريم وقتله الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم، ووفاة عيسى بن مريم، وما يكون بعده من أشراط الساعة ويوم القيامة والنفخ في الصور والحشر والمعاد. مما أورد إن شاء الله تعالى ذلك من كتب الحديث الصحيح النبوي، ومن كتاب المبتدا للكسائي، ومن كتاب العاقبة للشيخ أبي محمد عبد الحق بن عبد الحق بن عبد الله الأزدي الإشبيلي على سبيل الاختصار.\rالباب الأول من التذبيل على القسم الثالث من الفن الخامس في ذكر الحوادث التي تظهر قبل نزول عيسى بن مريم ولنبدأ بذكر الملاحم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ستصالحكم الروم صلحاً آمناً، ثم تغزون أنتم وهم عدوا فتنتصرون وتغنمون وتسلمون ثم تنصرفون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيرفع الرجل من أهل الصليب الصليب فيقول غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدقه، فعند ذلك تغدر الروم ويجتمعون للملحمة فيأتون حينئذ تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً \" . وعنه صلى الله عليه وسلم: \" إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثاً من الموالي هم أكرم العرب فرساً وأجوده سلاحاً يؤيد الله بهم الدين \" . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" الملحمة الكبرى وفتح القسطنطنية وخروج الدجال في سبعة أشهر \" . وعنه صلى الله عليه وسلم: \" لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر \" . وفي الحديث الآخر: \" إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة. وإن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً ينتعلون الشعر \" . وعنه صلى الله عليه وسلم: \" لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين عراض الوجوه كأن أعينهم حدق الجراد كأن وجوهم المجان المطرقة ينتعلون الشعر ويتخذون الدرق يربطون خيولهم بالنخل \" . خرج هذه الأحاديث ابن ماجة.\r؟ذكر خبر المتغلبين على البلاد وذلك مما يظهر من الفتن قبل نزول عيسى - ع - قال أبو الحسن الكسائي عن كعب الأحبار: ولا بد أن يحدث بين يدي نزول عيسى علامات وحروب وفتن، فأول من يخرج ويغلب على البلاد رجل اسمه الأصهب من بلاد الجزيرة، ويخرج الجرهمي من بلاد الشام، ويخرج القحطاني بأرض اليمن، وهو أمثل هؤلاء الثلاثة شوكة. فبينا هؤلاء الثلاثة في مواضعهم وقد تغلبوا على أمكنتهم بالظلم والجور إذا هم بالرجل السفياني قد خرج من غوطة دمشق، وقيل: إنه يخرج من الشام، وقيل: إنه يخرج من الوادي اليابس. وأخواله من كلب، واسمه معاوية بن عنبسة، وهو ربع من الرجال، دقيق الوجه، طويل الأنف، محدودب، جهوري الصوت، يكسر عينه اليمنى؛ يحسبه الذي يراه كأنه أعور وليس بأعور، يظهر في أول أمره بالزهد ويبذل الأموال، ويخطب له على منابر الشام، ويكون جريئاً على سفك الدماء لمن خالفه، ويعطل الجمعة والجماعة. وعلامة بدء أمره أنه يخرج في كل مدينة دجال يدعو إلى نفسه، ويظهر الفسق حتى إنهم يفجرون في المساجد، فيخرج عليهم السفياني حتى ينزل أرض دمشق، فيجتمع إليه القوم ويبايعونه، ويفرق الأموال الكثيرة بينهم حتى يقولوا هذا خير أهل الأرض. ثم يسير في الشام وعلى مقدمته رجل من جهينة يقال له ناجية حتى ينزل العراق، فيخرج إليه القحطاني جيشاً كثيراً فيهزمهم ناجية هزيمة قبيحة، فعند ذلك يوجه السفياني ثلاث جيوش: جيش إلى الكوفة فيقتلون قتلاً ذريعاً، وجيش إلى خراسان فيقتلون ويحرقون، جيش إلى الروم حتى يكثر القتل منهم في الدنيا وفي كل طريق. فعند ذلك يجتمع الصالحون على السفياني. ويخوفونه عقوبة الله في سفك الدماء، فيأمر بقتلهم وقتل العلماء والزهاد في جميع الآفاق. فعند ذلك يجتمع المسلمون على رجل من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له محمد بن علي فيبايعونه ويسمونه المهدي. والله أعلم.\r؟ذكر خبر خروج المهدي","part":4,"page":14},{"id":1515,"text":"قال ابن عباس رضي الله عنهما: يبايع بين مكة والركن، ويكون أول أمره على عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً. وقيل: إنه يخرج قبل هذا ولي من قرية قرى حرس في ثلاثين رجلاً، ثم يجتمع إليه المؤمنون من كل ناحية، ثم ينكسف القمر ثلاث ليال متواليات، ثم يظهر المهدي بمكة ويشيع أمره؛ فيبلغ ذلك الزهراني صاحب السفياني، فيبعث إلى المهدي جيشاً ثلاثين ألفا فينزلون في البرية. ثم يخرج السفياني إلى البيداء، فإذا استقر بالموضع خسف الله تعالى بهم الأرض، فيأخذهم إلى أعناقهم حتى لا يفلت منهم إلا رجلان يخرجان بفرسيهما، فإذا وصلوا إلى القوم رأوهم وقد خسف الله بهم، فيخسف الأرض بواحد منهما، ويحول الله وجه الآخر إلى قفاه، فيبقى كذلك مدة حياته. ثم يخرج المهدي بمن معه إلى بلاد الروم فيسير حتى يسمع بهلاك السفياني وأصحابه. قال: وذلك قوله تعالى: \" ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب \" . فيحمد المهدي الله تعالى على ذلك، ويخرج إلى بلاد الروم في نحو مائة ألف فيصل إلى القسطنطينية، فيدعوا ملك الروم إلى الإسلام فيأبى فيقاتله، ويدوم القتال بينهم شهرين، ثم ينهزم ملك الروم. ويدخل المسلمون إلى القسطنطينية، فينزل المهدي لى بابها، ولها سبعة أسوار، فيكبر سبع تكبيرات فينهدم كل سور منها بتكبيرة. ويدخلها المهدي ويقتل خلقاً كثيراً ويقتل ملك الروم، ثم يرفع عنهم السيف، ويأخذ المسلمون من الغنائم ما لا يحصى، حتى إن الرجل ليأخذ من الجوهر ما يعجز عن حمله. فبينما هم كذلك إذ يأتيهم الخبر من خليفة المهدي بخروج الدجال واجتماع الناس عليه، فيتركون تلك الغنائم وينصرفون إلى بلادهم مسرعين لمحاربة الدجال. فيقال: إن المهدي يسير نحو الدجال وعلى رأسه عمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيلتقون ويقتتلون قتالاً شديداً، فيقتل من أصحاب الدجال أكثر من ثلاثين ألفاً، ثم ينهزم الدجال فيمر نحو بيت المقدس، فيأمر الله الأرض بإمساك قوائم خيله، ويرسل عليهم ريحاً حمراء فتقتل منهم أربعين ألفاً. قال: ثم يقبل المهدي بجيشه زهاء مائة ألف، في أيديهم الرايات البيض. فيقول المهدي لعسكر الدجال: ويلكم! أتشكون في هذا الأعور الكذاب أنه الدجال؟ فيقولون: لا، ولكنا نعيش في طعامه. فيمسخون في الحال قردة وخنازير. ثم ينزل عيسى بعد ذلك إلى الأرض ويصلي خلف المهدي، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\r؟ذكر خبر خروج الدجال وصفته ؟وما يكون من أمره إلى أن ينزل عيسى - ع","part":4,"page":15},{"id":1516,"text":"قال كعب: إن الدجال رجل طويل، عريض الصدر، مطموس العين اليمنى، واليسرى كأنها كوكب دري، مكتوب بين عينيه: \" كافر \" ، يقرؤه كل كاتب أو غير كاتب. ويدعى أنه الرب، ومعه يومئذ جبل من خبز، وجبل من لحم، وأجناس الفواكه والخمور، ومعه أصحاب الملاهي يمشون بين يديه بالطبول الطنابير والمعازف والعيدان والنايات والصنوج وغير ذلك، فلا يسمعه أحد إلا وتبعه وفتنه إلا من عصمة الله. ويكون معه نار وجنة، وهو يقول: من أطاعني أدخلته الجنة، ومن عصاني ولم يسجد لي ألقيته في النار. قال: وعلامة خروجه أن تهب ريح مثل ريح قوم عاد، وتسمع صيحة عظيمة مثل صيحة قوم صالح، ويكون مسخاً كمسخ أصحاب الرس، وذلك عند ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإذا أخذوا في سفك الدماء، واستحلوا الربا وشيدوا البنيان وشربوا الخمور، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، فعند ذلك يخرج الدجال من جهة المشرق من قرية يقال لها سيراباد بي الأهواز وأصفهان، ويخرج على حمار له. قال: وهو أحمر الحاجبين، أشعر الأنف، تخرج من خلل أسنانه رائحة لا يشمها أحد ألا صار إليه نتنه، في جبهته قرن مكسور تخرج منه الحيات والعقارب، محدودب الظهر، قد صورت آلات السلاح في جسده حتى الرمح والفأس والسهم والدرق. وهو يتناول السحاب بيده، ويخوض البحار إلى كعبيه، ويستظل في ظل أذن حماره خلق كثير من أولاد الزنا، عليهم خفاف مخروطة، لخفافهم مناقير كمناقير العقبان، لأصابعهم أظافير كالمناجل، ومعه قوم من السحرة يقلبون الجبال خبزاً والأنهار شراباً، ولا يطعم ولا يسقى إلا من آمن به. ومعه صاحب لوائه من قريته ينادي بأعلى صوته: هذا ربكم فاعرفوه. فإذا سار الدجال سارت معه جبال طعامه وأنهار شرابه، وإذا وقف وقفت. يطوف الأرض شرقها وغربها حتى يدخل أرض بابل فيلقاه الخضر، فيقول له الدجال: أنا رب العالمين. فيقول له الخضر: كذبت يا دجال! إن رب العالمين رب السموات والأرضين. فيقتله الدجال ويقول: لو كان لهذا إله كما يزعم لأحياه. فيحي الله الخضر من ساعته فيقوم ويقول: ها أنا يا دجال، قد أحياني الله ربي. ثم يقبل الخضر على أصحابه ويقول: ويلكم! لا يفتننكم هذا الكافر. ويقال: إنه يقتل الخضر ثلاث مرات ويحييه الله تعالى. ثم يخرج الدجال نحو مكة، فإذا دنا منها رأى الملائكة محدقين بالبيت الحرام قد نشروا أجنحتهم على الكعبة، يخرج من خلل أجنحتهم مثل شرر النيران، فلا يقدر على دخولها. ثم يسير إلى المدينة فيجدها كذلك. ثم يمضي إلى بيت المقدس فلا يقدر على دخوله لكثرة من حوله من الملائكة. واختلف في مدة إقامته في الأرض، فقيل أربعين سنة، وقيل أربعين يوماً، على ما نورد ذلك من الحديث الصحيح النبوي الذي يشمل ذكر هذه الفتن كلها. قال: وأما المسلمون فإنهم يصومون ويصلون كما كانوا غير أنهم في غم، قد تركوا المساجد ولزموا البيوت، وتطلع الشمس متلونة: مرة بيضاء، ومرة صفراء، ومرة حمراء، ومرة سوداء، وتكون الأرض في الزلزلة والرجفة، ثم يكون بينه وبين المهدي ما قدمنا، ثم ينزل عيسى بن مريم - ع - .\r؟الباب الثاني من التذييل على القسم الثالث من الفن الخامس في خبر نزول عيسى بن مريم - ع - وقتله الدجال وخروج يأجوج ومأجوج وفسادهم وهلاكهم، ووفاة عيسى - ع - لما رأيت أهل السير قد أكثروا من القول في نزول عيسى - ع - وزادوا في القول ونقصوا منه، عدلت عن أقوالهم، وأوردت ما أذكره من ذلك من الحديث الصحيح النبوي، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم. وختمت هذا الباب بالحديث الشامل في خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم - ع - وغير ذلك. وهذه الأحاديث خرجتها من كتاب السنن للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد ابن يزيد بن ماجة القزويني، رحمه الله تعالى ونفعنا به آمين.\r؟ذكر نزول عيسى بن مريم - ع","part":4,"page":16},{"id":1517,"text":"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر فتنة الدجال وما يلاقيه الناس منه، قال: \" فبينما هم كذلك إذ بعث الله عيسى بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضع كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفع رأسه يتحدر منه جمان كاللؤلؤ، ولا يحل لكافر أن يجد ريح نفسه إلا مات. ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فينطلق حتى يدرك الدجال فيقتله عند باب لد \" . قال: \" ثم يأتي نبي الله عيسى - ع - قوماً قد عصمهم الله فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة \" . والله أعلم.\r؟ذكر خبر يأجوج ومأجوج","part":4,"page":17},{"id":1518,"text":"صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً فيعيده الله عز وجل أشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم إلى الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله واستثنوا فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الأرض فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع عليهم الدم الذي أجفط فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفاً في أقفائهم فيقتلهم بها \" . قال صلى الله عليه وسلم: \" والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكراً من لحومهم ودمائهم \" . وفي الحديث الآخر: \" إن الله تعالى يوحي إلى عيسى أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم فاحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم كما قال الله تعالى \" من كل حدب ينسلون \" فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ثم يمر آخرهم فيقولون لقد كان في هذا ماء مرة وليحصر نبي الله عيسى - ع - وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله عز وجل فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرس كموت نفس واحدة ويهبط نبي الله عيسى وأصحابه فلا يجدون موضع شبر إلا قد ملأه زهمهم ونتنهم ودماؤهم فيرغبون إلى الله عز وجل فيرسل عليهم طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله عز وجل، ثم يرسل الله عليهم مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسله حتى يتركه كالزلفة، ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة فتشبعهم ويستظلون بقحفها، ويبارك الله في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل تكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر تكفي القبيلة، واللقحة من الغنم تكفي الفخذ. فبينما هم كذلك إذ بعث الله عليهم ريحاً طيبة فتأخذ تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم ويبقى سائر الناس يتهارجون كما يتهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة \" . وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: \" لما كان ليلة أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم لقي إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام فتذاكروا الساعة فبدءوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم، ثم سألوا موسى فلم يكن عنده منها علم، فرد الحديث إلى عيسى بن مريم فقال قد عهد إلي فيما دون وجبتها، فأما وجبتها فلا يعلمها إلا الله، فذكر خروج الدجال قال فأنزل فأقتله فيرجع الناس إلى بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فلا يمرون بماء إلا شربوه ولا بشيء إلا أفسدوه، فيجئرون إلى الله تعالى فأدعو الله أن يميتهم فتنتن الأرض من ريحهم، فيجئرون إلى الله فأدعو الله فيرسل السماء بالماء فيحملهم فيلقيهم في البحر ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم فعهد إلي متى كان ذلك كانت الساعة من الناس كالحامل لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادتها \" . قال العوام بن حوشب وهو من رواة هذا الحديث: ووجد تصديق ذلك في كتاب الله تعالى: \" حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق \" . وفي الحديث الآخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله تعالى: \" وهم من كل حدب ينسلون \" فيعمون الأرض وينحاز منهم المسلمون حتى تصير بقية المسلمين في مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم، حتى إنهم ليمرون بالنهر فيشربونه حتى ما يذرون فيه شيئاً. فيمر آخرهم على أثرهم فيقول قائلهم لقد كان بهذا المكان مرة ماء. ويظهرون على الأرض، فيقول قائلهم هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم ولننازلن أهل السماء، حتى إن أحدهم ليهز حربته إلى السماء فترجع مخضبة بالدم، فيقولون قد قتلنا أهل السماء. فبينما هم كذلك إذ بعث الله دواب كنغف الجراد فتأخذ بأعناقهم فيموتون موت الجراد يركب بعضهم بعضاً، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حساً، فيقولون من رجل يشري نفسه وينظر ما فعلوا، فينزل منه رجل قد وطن نفسه على أن يقتلوه فيجدهم موتى، فيناديهم ألا أبشروا فقد هلك عدوكم، فيخرج الناس ويخلون سبيل مواشيهم فما يكون لهم رعي إلا لحومهم فتشكر عليها كأحسن ما شكرت من نبات","part":4,"page":18},{"id":1519,"text":"أصابته قط \" . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين. والله المعين. قط \" . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين. والله المعين.","part":4,"page":19},{"id":1520,"text":"؟الحديث الجامع لأخبار عيسى بن مريم - ع - والدجال قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه: حدثنا علي بن محمد قال حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن إسماعيل بن رافع أبي رافع عن أبي زرعة السيباني يحيى بن أبي عمرو عن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أكثر خطبته حديثاً حدثناه عن الدجال وحذرناه، فكان من قوله أن قال: \" إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم صلى الله عليه وسلم أعظم من فتنة الدجال، وإن الله عز وجل لم يبعث نبياً إلا حذر أمته الدجال. وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة. فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج لكل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. وإنه يخرج من حلة بين الشام والعراق فيعيث يميناً ويعيث شمالاً يا عباد الله فأثبتوا فإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي: إنه يبدأ فيقول أنا نبي، ولا نبي بعدي، ثم يثني فيقول أنا ربكم، ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور وإن ربكم عز وجل ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه كافر يقرءه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب. وإن من فتنته أن معه جنة ونارا، فناره جنة، وجنته نار. فمن ابتلى بناره فليستغث بالله وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه برداً وسلاماً كما كانت النار على إبراهيم. وإن من فتنته أن يقول لأعرابي أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك فيقول نعم، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه فيقولان يا بني اتبعه فإنه ربك. وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها وينشرها بالمنشار حتى تلقى شقين، ثم يقول انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن، ثم يزعم أن له رباً غيري، فيبعثه الله ويقول له الخبيث من ربك؟ فيقول ربي الله وأنت عدو الله أنت الدجال، والله ما كنت بعد أشد بصيرة بك مني اليوم \" . قال أبو الحسن الطنافسي فحدثنا المحاربي حدثنا عبيد الله ابن الوليد الوصافي عن عطية عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ذلك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة \" . قال قال أبو سعيد: والله ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله. قال قال أبو سعيد: والله ما كنا نرى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب حتى مضى لسبيله. قال المحاربي ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع قال: \" وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت. وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت. وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمده خواصر وأدره ضروعاً. وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة لا يأتيهما من نقب من نقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلته حتى ينزل عند الظريب الأحمر عند منقطع السبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفى الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص. فقالت أم شريك بنت أبي العكر يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال هم يومئذ قليل وجلهم بيت المقدس وإمامهم رجل صالح. فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم - ع - الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقري ليتقدم عيسى - ع - يصلي بالناس، فيضع - ع - يديه بين كتفيه ثم يقول له تقدم فصل فإنها لك أقيمت فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى - ع - افتحوا الباب فيفتح ووراءه الدجال ومعه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء فينطلق هارباً، ويقول عيسى - ع - إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها فيدركه عند باب اللد الشرقي فيقتله فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيء مما خلق الله عز وجل يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة إلا الغرقدة فإنها من شجرهم لا تنطق إلا قال يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أيامه أربعون سنة، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي. فقيل له يا","part":4,"page":20},{"id":1521,"text":"رسول الله كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال ثم صلوا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون عيسى بن مريم في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً، يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتترع حمة كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده في في الحية فلا تضره، وتفر الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كماثور الفضة - وقيل كفاثور الفضة - تنبت نباتها بعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات. قالوا يا رسول الله: وما يرخص الفرس؟ قال: لا يركب لحرب أبداً. قيل له: فما يغلي الثور؟ قال تحرث الأرض كلها. وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله، فلا تنبت خضراً، ولا تبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله عز وجل. قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام \" . قال المحاربي: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في المكاتب. رسول الله كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال تقدرون فيها الصلاة كما تقدرونها في هذه الأيام الطوال ثم صلوا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون عيسى بن مريم في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً، يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتترع حمة كل ذات حمة حتى يدخل الوليد يده في في الحية فلا تضره، وتفر الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كماثور الفضة - وقيل كفاثور الفضة - تنبت نباتها بعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات. قالوا يا رسول الله: وما يرخص الفرس؟ قال: لا يركب لحرب أبداً. قيل له: فما يغلي الثور؟ قال تحرث الأرض كلها. وإن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله، فلا تنبت خضراً، ولا تبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله عز وجل. قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام \" . قال المحاربي: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدب حتى يعلمه الصبيان في المكاتب. 5 ؟الباب الثالث من التذييل على القسم الثالث من الفن الخامس في ذكر ما يكون بعد وفاة عيسى بن مريم - ع - إلى أن ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الأولى ذكر خروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها","part":4,"page":21},{"id":1522,"text":"عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان بن داود وعصا موسى بن عمران، فتجلو وجه المؤمن بالعصا، وتحطم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الحواء ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر \" . وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما قال: ذهب بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع بالبادية قريب من مكة فإذا أرض يابسة حولها رمل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" تخرج الدابة من هذا الموضع \" فإذا فتر في شبر. قال ابن بريدة: فحججت بعد ذلك بسنين فأرانا عصاً له، فإذا هي بعصا هذه كذا وكذا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها؛ فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل \" . وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى \" . قال عبد الله: فآيتهما ما خرجت قبل الأخرى فالأخرى منها قريب. قال عبد الله: ولا أظنها إلا طلوع الشمس من مغربها. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن من قبل مغرب الشمس باب مفتوحاً عرضه سبعون سنة، فلا يزال ذلك الباب مفتوحاً للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه، فإذا طلعت من نحوه لم ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خير \" . والله الهادي للصواب.\rذكر خبر قيام الساعة والنفخة الأولى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما زال صاحب الصور مذ وكل به مستعداً ينظر نحو العرش إلى أن يؤمر فينفخ قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان \" . وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الصور؟ فقال: \" قرن ينفخ فيه \" . وعنه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: \" ونفخ في الصور \" قال: \" الصور كهيئة القرن \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم ويكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج، وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا أرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً. ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه. ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها \" . هذا من صحيح البخاري. و عن عبد الله بن عمرو بن العاص وذكر خبر الدجال وقتله قال: .... ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة. ثم يرسل الله عز وجل ريحاً باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه. قال فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان فيقول ألا تستجيبون! فيقولون فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً. قال وأول من يسمعه رجل يلوط حوض أبله، قال فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطراً كأنه الطل أو الظل - الشك من الراوي - فتنبت منه أجساد الناس؛ ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال يأيها الناس هلموا إلى ربكم \" . ويروى أن هذا المطر الذي تنبت منه الأجساد كمني الرجال.\r؟الباب الرابع من التذييل على القسم الثالث من الفن الخامس في أخبار يوم القيامة والحشر والمعاد والنفخة الثانية في الصور ذكر يوم القيامة وأسمائه","part":4,"page":22},{"id":1523,"text":"هو اليوم الذي وصفه الله عز وجل بالعظمة فقال: \" يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد \" . ووصفه الله بالطول فقال: \" في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فأصبر صبراً جميلاً \" .\rوليوم القيامة أسماء جاء بها القرآن، وقد ذكرها عبد الحق في كتاب العاقبة فقال: \" يوم القيامة وما أدراك ما يوم القيامة! يوم الحسرة والندامة، يوم يجد كل عامل عمله أمامه، يوم الدمدمة، يوم الزلزلة، يوم الصاعقة، يوم الواقعة، يوم الراجفة، يوم الرادفة، يوم الغاشية، يوم الداهية، يوم الآزفة، يوم الحاقة، يوم الطامة، يوم الصاخة، يوم التلاق، يوم الفراق، يوم الميثاق، يوم الانشقاق، يوم القصاص، يوم لات حين مناص، يوم التناد، يوم الأشهاد، يوم الميعاد، يوم المآب، يوم العذاب، يوم الفرار، يوم القرار، يوم المرصاد، يوم السائلة، يوم المناقشة، يوم الحساب، يوم القضاء، يوم الجزاء، يوم البكاء، يوم البلاء، يوم تمور السماء موراً وتسير الجبال سيراً، يوم الحشر، يوم النشر، يوم الجمع، يوم البعث، يوم العرض، يوم الوزن، يوم الحق، يوم الحكم، يوم الفصل، يوم الخزي، يوم عقيم، يوم عظيم، يوم عسير، يوم عبوس، يوم قمطرير، يوم النشور، يوم المصير، يوم الدين، يوم اليقين، يوم النفخة، يوم الصيحة، يوم الرجفة، يوم الرجة، يوم الزجرة، يوم الشدة، يوم الفزع، يوم الجزع، يوم القلق، يوم العرق، يوم الميقات، يوم تخرج الأموات وتظهر المخبآت، يوم الإشفاق، يوم الانشقاق، يوم الإنكدار، يوم الانتشار، يوم الانفطار، يوم الافتقار، يوم الوقوف، يوم الانصداع، يوم الانقطاع، يوم معلوم، يوم موعود، يوم مشهود، يوم تبلى السرائر، يوم تخرج الضمائر، يوم لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً، يوم يدعي فيه إلى النار، يوم تسجر فيه النار، يوم تقلب فيه الوجوه في النار، يوم البروز فيه إلى الله، يوم الصدور إلى الله، يوم لا تنفع المعذرة، يوم لا يرضى إلا المغفرة. قال: وأهول أسمائه وأشنع ألقابه: يوم الخلود، يوم لا انقطاع لعذابه، ولا آخر لعقابه، ولا يكشف عن كافر ما به. نعوذ بالله من غضبه وبلائه، برحمته وآلائه. والله معين العاجزين.\r؟ذكر الحشر والمعاد والنفخة الثانية","part":4,"page":23},{"id":1524,"text":"جاء في بعض التفاسير في قوله تعالى: \" ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا ما شاء الله \" قيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. قال: ثم يأمر الله ملك الموت أن يقبض روح جبريل وميكائيل وإسرافيل، ثم يأمر ملك الموت أن يموت فيموت ولا يبقى إلا الله، فينادي جل جلاله: \" لمن الملك اليوم \" فلا يجيبه أحد، فيقول: \" لله الواحد القهار \" . ثم يمكث الناس في البرزخ أربعين عاماً، ثم يحيي الله عز وجل إسرافيل فيأمره أن ينفخ النفخة الثانية؛ قال الله تعالى: \" ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون \" . وقال تعالى: \" منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى \" . وقال تعالى: \" وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه \" . روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب الذنب \" . قيل: يا رسول الله، وما هو؟ قيل: \" مثل حبة خردل ومنه ينشأ \" . وفي الحديث الآخر: \" ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل \" . وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" يقول الله وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجسام، فتدخل في الخياشيم ثم تمشي مشي السم في اللديغ \" . قال: \" وتجتمع الأرواح كلها في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فيه فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، ثم تدخل في الأجساد \" كما تقدم. وفي الحديث الصحيح أن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال: \" حفاة عراة \" . قالت: يا رسول الله، والنساء؟ قال: \" والنساء \" . قالت: يا رسول الله، فما نستحي؟ قال: \" يا عائشة الأمر أهم من أن ينظر بعضهم إلى بعض \" . وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله \" . وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: \" يوم يقوم الناس لرب العالمين \" قال: \" يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه وهو اليوم الذي قال الله تعالى فيه \" كلا لا وزر، إلى ربك يومئذ المستقر، ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر \" . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر \" يريد أرضاً مستوية لا جبل فيها ولا أكمه ولا ربوة ولا وهدة، أرض بيضاء لم يسفك عليها دم قط، ولا عمل عليها خطيئة ولا ارتكب فيها محرم. قال الله تعالى: \" يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار \" . وفي حديث ثوبان: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: \" هم في الظلمة دون الجسر \" والجسر هو الصراط. وفي حديث عائشة \" إنهم على الصراط \" . قال الله عز وجل: \" ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار \" . وقال تعالى: \" يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشراً \" أي يقول بعضه لبعض سراً، فيقول أعدلهم قولاً وأرجحهم عقلاً: إن لبثتم إلا يوماً. قال الله عز وجل: \" نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً \" . وروي عن مجاهد أنه قال: للكفار هجعة قبل يوم القيامة يجدون فيها طعم النوم، فإذا بعثوا قالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا! فنخرج الخلائق مذعورين خائفين وجلين، وإذا المنادي ينادي: \" يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون \" ، فيطمع في ذلك النداء المؤمنون والكافرون، فينادي المنادي: \" الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين \" . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف ركباناً ومشاة وعلى وجوههم \" . قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجهوهم؟ قال: \" إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك \" . وفي حديث مسلم بن الحجاج عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: \" أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة \" . والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة جداً لو استقصيناها لطال الكلام وانبسط القول، وخرج التأليف عن شرط الذي قدمناه، فلنختم","part":4,"page":24},{"id":1525,"text":"هذا الباب بحديث لقيط بن عامر العقيلي فإنه حديث جامع لأكثر ما في هذا الباب.ذا الباب بحديث لقيط بن عامر العقيلي فإنه حديث جامع لأكثر ما في هذا الباب.\r؟حديث لقيط بن عامر","part":4,"page":25},{"id":1526,"text":"قال أبو بكر بن أبي خيثمة بإسناده إلى لقيط بن عامر العقيلي قال: خرجت أنا وصاحب لي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لانسلاخ رجب، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الناس خطيباً فقال: \" أيها الناس! ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام لأسمعكم اليوم. ألا فهل من امرئ بعثه قومه فقالوا اعلم لنا ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضلال. ألا إني مسئول هل بلغت. ألا أسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا \" فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت: يا رسول الله، ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أني أبتغي لسقطه فقال: \" ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله \" . فقلت: وما هن يا رسول الله؟ قال: \" علم المنية قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه. وعلم المني حين يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمونه وعلم ما في غد وما أنت طاعم غداً ولا تعلمه. وعلم يوم الغيث يشرف عليكم آزلين مسنتين فيظل يضحك قد علم أن غوثكم قريب \" . قال لقيط: لم لن نعدم من رب يضحك خيراً. \" وعلم يوم الساعة \" . قلت: يا رسول الله، إني سائلك عن حاجتي. قال: \" سل عما شئت \" . قلت: يا رسول الله، علمنا مما لا يعلم الناس ومما تعلم فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحداً من مذحج التي تدنو إلينا، وخثعم التي توالينا، وعشيرتنا التي نحن منها. قال: \" تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصيحة، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك، فأصبح ربك يطوف في الأرض وقد خلت عليه البلاد، فأرسل ربك السماء بهضب من عند العرش، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلقه من قبل رأسه فيستوي جالساً، فيقول ربك مهيم لما كان فيه، فيقول: يا رب أمتني أمس اليوم، لعهده بالحياة يحسبه حديثاً بأهله \" . فقلت: يا رسول الله، كيف يجمعنا بعد ما تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟ قال: \" أنبئك بمثل ذلك في إلِّ الله الأرض أشرقت عليها وهي مدرة بالية فقلت لا تحيا أبداً ثم أرسل ربك عليها السماء، فلم تلبث عليها إلا أياماً حتى أشرفت عليها فإذا هي شرية واحدة، فلعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء على أن يجمع نبات الأرض فتخرجون من الأصواء ومن مصارعكم فتنظرون إليه ساعة وينظر إليكم \" . قلت: يا رسول الله، وكيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه؟ قال: \" أنبئكم بمثل ذلك في إلِّ الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ساعة واحدة ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وتروه منهما أن تروهما ويرياكم لا تضارون في رؤيتهما \" . قلت: يا رسول الله، فماذا يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم، فلعمر إلهك ما تخطئ وجه واحد منكم منها قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر فتخطمه بمثل الحمم الأسود. ألا ثم ينصرف نبيكم ويتفرق على أثره الصالحون، فتسلكون جسراً من النار يطأ أحدكم الجمرة يقول حس، فيقول ربك وإنه. ألا فتطلعون على حوض الرسول لا يظمأ والله ناهله فلعمر إلهك ما يبسط أحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والأذى. وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحداً \" . قلت: يا رسول الله، فبم نبصر الأرض؟ قال: \" بمثل ساعتك هذه \" وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض وواجهته الجبال. قلت: يا رسول الله، فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا؟ قال: \" الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلا أن يعفو الله \" . قلت: يا رسول الله، ما الجنة وما النار. قال: \" لعمر إلهك إن للنار لسبعة أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاماً. وإن للجنة لثمانية أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاماً \" . قلت: يا رسول الله. فعلام نطلع من الجنة؟ قال: \" على أنهار من عسل مصفى، وأنهار من كأس ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه وأزواج مطهرة \" . قلت: يا رسول","part":4,"page":26},{"id":1527,"text":"الله، ولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات؟ قال: \" الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذذنكم غير أن لا توالد فيها \" .الله، ولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات؟ قال: \" الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذذنكم غير أن لا توالد فيها \" .\rانتهى التذييل على القسم الثالث بعون الله تعالى وحسن توفيقه. والله الموفق للصواب.\rالقسم الرابع من الفن الخامس ويشتمل على خمسة أبواب\rملوك الأصقاع ووقائع العرب\rالباب الأول\rذي القرنين\rالذي ذكره الله عز وجل في كتابه العزيز في سورة الكهف قال الله تعالى: \" ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً، إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً \" . واختلف في تسميته ذا القرنين، فقيل: لبلوغه أطراف الأرض، وإن الملك الموكل بجبل قاف سماه بذلك. وهذا القول محكى عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقيل: إنما سمي بذلك لأنه كانت له ذؤابتان من الذهب. ويعزى هذا القول إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقيل: إنما سمي بذلك لأنه رأي في منامه أنه يدنو من الشمس فيضع يده في قرنيها من شرقها وغربها، فقص رؤياه على قومه فسموه ذا القرنين، وهذا القول مروي عن وهب. وقيل: إنما سمي به لأن الله تعالى كان قد بعثه إلى قوم فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله ثم بعثه إليهم فضربوه على قرنه الآخر فمات، ثم أحياه الله، فسمي ذا القرنين. وقيل: إنما سمي بذلك لأنه أفنى قرنين من الناس. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه. وقيل: لأنه أعطى علم الظاهر والباطن وقيل: لأنه دخل الظلمة والنور. وقيل: لأنه ملك فارس والروم. وقيل غير ذلك. والله تعالى أعلم.\rقال وهب: كان ذو القرنين رجلاً من أهل الإسكندرية يقال له الإسكندروس. والعجب كونه نسبه أنه من أهل الإسكندرية، وقد نقل جماعة من أهل التاريخ أن الإسكندر هو الذي أنشأ الإسكندرية وبناها، فكيف يكون من أهلها وهو الذي أنشأها وإليه نسبت!. وروي عن وهب أيضاً أن ذا القرنين كان خارجياً في قومه، ولم يكن بأفضلهم نسباً ولا حسباً ولا موضعاً، ثم قال بعد ذلك: إن الله تعالى بعثه نبياً ورسولاً. ولا يكون الأنبياء إلا من أفضل قومهم حسباً وأشرفهم نسباً. وقد يكون هذا النقل لاختلاف الروايات. وما آفة الأخبار إلا رواتها.","part":4,"page":27},{"id":1528,"text":"قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي في تفسيره عن ابن إسحاق قال حدثني من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علم: أن ذا القرنين كان رجلاً من أهل مصر، اسمه مرزبان بن مرذبة اليوناني من ولد يونان بن يافث ابن نوح. قال وقال ابن هشام: اسمه الإسكندر، وهو الذي بنى الإسكندرية، فنسبت إليه. قال وقيل: اسمه هرمس، ويقال هرديس. وقال ابن هشام: هو الصعب بن ذي يزن الحميري. وقال وهب: هو رومي. وقيل: إنه أفريدون الذي قتل بيوراسب بن أرونداسب الملك الفارسي. وقال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله تعالى في قصصه - وذكر الخلاف في نبوته - قال: الصحيح إن شاء الله أنه كان نبياً غير مرسل، كما روي عن وهب وغيره من أهل الكتب. قال وقالوا: كان ذو القرنين رجلاً من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه إسكندروس. قال ويقال: كان اسمه ابن عياش، وكان عياش عبداً صالحاً. قال وهب: ونشأ ذو القرنين في علم وأدب وثروة وعفة، ولم يزل يتخلق بمكارم الأخلاق ويسمو إلى معالي الأمور حتى بعدت همته، واشتد أمره، وعلا صوته، وعز في قومه، وألقى الله تعالى عليه الهيبة، وحدث نفسه بمعالي الأمور. قال الثعلبي: فلما استحكم ملكه واستجمع أمره أوحى الله تعالى إليه: يا ذا القرنين، إني بعثتك إلى جميع الخلائق ما بين الخافقين، وجعلتك حجتي عليهم، وهذا تأويل رؤياك. وإني باعثك إلى أمم الأرض كلهم وهي سبع أمم مختلفة ألسنتهم، منهم أمتان بينهما عرض الأرض، وأمتان بينهما طول الأرض، وثلاث أمم في وسط الأرض، وهم الإنس والجن ويأجوج ومأجوج. فأما الأمتان اللتان بينهما طول الأرض فأمة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، والأخرى بحيالها عند مطلع الشمس يقال لها منسك. وأما الأمتان اللتان بينهما عرض الأرض فأمه في قطر الأرض الأيمن يقال لها هاويل، والأخرى بحيالها في قطر الأرض الأيسر يقال لها تاويل. فلما قال الله تعالى له ذلك قال ذو القرنين: إلهي إنك قد ندبتني إلى أمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوة أكاثرهم، وبأي حيلة وجمع أكابرهم، وبأي صبر أقاسيهم، وبأي لسان أناطقهم، وكيف لي بأن أفقه لغاتهم، وبأي سمع أسمع أقوالهم، وبأي بصر أنفذهم، وبأي حجة أخاصمهم، وبأي عقل أعقل عنهم، وبأي قلب وحكمة أدبر أمرهم، وبأي قسط أعدل بينهم، وبأي حلم أصابرهم، وبأي معرفة أفصل بينهم، وبأي علم أتقن أمرهم، وبأي يد أسطو عليهم، وبأي رجل أطؤهم، وبأي طاقة أحصيهم، وبأي جند أقاتلهم، وبأي رفق أتألفهم، وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم لهم ويقوى عليهم وأنت الرءوف الرحيم، الذي لا تكلف نفساً إلا وسعها، ولا تحملها إلا طاقتها، ولا تشقيها؛ بل أنت ترحمها. فقال الله تعالى له: إني سأطوقك ما حملتك، وأشرح لك صدرك وسمعك فتسمع وتعي كل شيء، وأوسع لك فهمك فتفقه كل شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكل شيء، وأفتح لك بصرك فينفذ في كل شيء، وأحصي لك قوتك فلا يفوتك شيء، وأشد لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشيد لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأشد لك يديك فتسطو على كل شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما جنداً من جنودك، يهديك النور من أمامك، وتحوطك الظلمة من ورائك. قال: فلما قيل له ذلك حدث نفسه بالمسير، وألح عليه قومه بالمقام، فلم يفعل وقال: لا بد من طاعة الله تعالى. قال وهب: وكان أول ما بدأ به أن أخذ قومه بالإسلام فأسلموا قهراً من عند آخرهم، ثم أمرهم أن يبنوا له مسجداً ويجعلوا طوله أربعمائة ذراع، وعرضه مائتي ذراع، وسمك حائطه اثنين وعشرين ذراعاً، وارتفاعه في السماء مائة ذراع، وأمرهم أن ينصبوا فيه سواري. قالوا: يا ذا القرنين، كيف لنا بخشب يبلغ ما بين الحائطين؟ فلما كمل البناء أمرهم بردمه بالتراب، ثم فرض على الموسر قدره من الذهب وعلى المقتر قدره، وأمرهم أن يجعلوا ذلك الذهب كقلامة الظفر ويخلطوه بالتراب وكبسوا التراب حتى ساوى البناء، ثم أمرهم بعد ذلك أن يتخذوا أعمدة من النحاس بدلاً من الخشب فصنعوها، وجعلوا على كل حائط اثني عشر ذراعاً، فكان طول كل عمود من النحاس مائتين وأربعة وعشرين ذراعاً. فتمكنوا من ذلك بسبب الردم. فلما استقر السقف بما فيه أمر الإسكندر المساكين أن يحولوا التراب، ومن خرج له شيء من","part":4,"page":28},{"id":1529,"text":"الذهب فهو له، فسارعوا إلى ذلك ونقوله واستغنوا بما فيه، ثم جند القوم أربعين ألفاً، وهم أول جند اتبعوه.هب فهو له، فسارعوا إلى ذلك ونقوله واستغنوا بما فيه، ثم جند القوم أربعين ألفاً، وهم أول جند اتبعوه.\rوقال الثعلبي رحمه الله. إن الإسكندر جند المساكين بما حصل لهم من قراضة الذهب، وكانوا أربعين ألفاً، وجعلهم أربعة أجناد، في كل جند عشرة آلاف. قال: ثم عرض جنده فوجدهم فيما قيل ألف ألف وأربعمائة ألف رجل غير المساكين، وهم أربعون ألفاً، ثم انطلق يوم الأمة التي عند مغرب الشمس، فسار لا يمر بأمة إلا دعاهم إلى الله تعالى، فإن أجابوه قبل ذلك منهم، وإن أبوا عليه غشيتهم الظلمة فلبست مدائنهم ومنازلهم وأعشت أبصارهم، فيتحيروا حتى يجيبوه، أو يأخذهم عنوة. ولم يزل كذلك حتى بلغ مغرب الشمس. قال الله تعالى: \" فاتبع سبباً، حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة \" أي ذات حمأة، ومن قرأ حامية فمعناه حارة \" ووجد عندها قوماً قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً \" الآيات إلى قوله: \" يسراً \" . قال الثعلبي: فوجد جمعاً وعدداً لا يحصيه إلا الله تعالى، وقوة وبأساً لا يطيقه إلا الله تعالى، ورأى ألسناً مختلفة وأهواء متشتتة، وهذه الأمة هي ناسك. فلما رأى ذلك كاثرهم بالظلمة فضرب حولهم ثلاث عساكر فأحاط بهم من كل مكان حتى جمعهم في مكان واحد، ثم أخذ عليهم بالنور فدعاهم إلى الله تعالى وعبادته، فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه، فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخلهم الظلمة، فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم وغشيتهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كل جانب، فصاحوا وتحيروا وأشفقوا من الهلكة، فعجوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم وأخذهم عنوة فدخلوا في دعوته، فجند منهم أمماً عظيمة وجعلهم جنداً واحداً، ثم انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم من خلفهم وتحرسهم والنور أمامهم، وسار يريد الأمة التي في قطر الأرض التي يقال لها هاويل، فكان إذا انتهى إلى بحر أو نهر بنى سفناً من ألواح صغار أمثال النعال نظمها في ساعة، ثم حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع ذلك البحر أو النهر فتقها ثم دفع إلى كل رجل منهم لوحاً فلا يكرثه حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتى انتهى إلى هاويل ففعل بهم كما فعل بالأمة التي قبلها. قال: ولما فرغ منها مضى حتى انتهى إلى منسك وهي الأمة التي عند مطلع الشمس. قال الله تعالى: \" ثم ابتع سبباً، حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً، كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً \" . قال: وقوله تعالى: \" لم نجعل لهم من دونها ستراً \" وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء، وكانوا يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضاً لا تحتمل البناء، فكانوا إذا طلعت الشمس عليهم تهوروا في الماء، فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فتراعوا كما ترعى البهائم. وقال الكلبي: هم أمة يقال لها منسك عراة حفاة عماة عن الحق. قال: وحدثني عمرو بن مالك بن أمية قال: وجدت رجلاً بسمرقند يحدث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنه حدثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس، قال: خرجت حتى جاوزت الصين، ثم سألت عنهم فقيل: لي إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فاستأجرت رجلاً يرينيهم، فسرت بقية عشيتي وليلتي حتى صبحتهم، فإذا أحدهما يفترش أذنه ويلبس الأخرى. وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألوه فقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينما نحن كذلك إذ سمعنا مثل الصلصلة، فغشي علي فوقعت، فلما أفقت وجدتهم يمسحونني بالدهن فإذا الشمس طلعت على الماء، وهي عليه كهيئة الزيت، وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلما ارتفعت دخلوا في سرب لهم وأنا وصاحبي، فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك فيطرحونه في الشمس فينضج.","part":4,"page":29},{"id":1530,"text":"نرجع إلى تتمة أخبار الإسكندر ومطلع الشمس. قالوا: ولما بلغ الإسكندر مطلع الشمس فعل بمنسك كما فعل بالأمم التي قبلها وجند منها جنوداً، ثم كر حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهي بدء تاويل، وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض. فلما بلغها عمل فيها كما عمل بمن قبلها. ولما فرغ من الأمم الذين هم بأطراف الأرض وطاف الشرق والغرب عطف منها إلى الأمم التي هي في وسط الأرض من الجن والإنس ويأجوج ومأجوج. فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين، إن بين هذين الجبلين خلقاً من خلق الله ليس فيهم مشابهة من الإنسان، وهم أشباه البهائم، يأكلون العشب ويفترسون الدواب والوحوش كما يفترسها السباع، ويأكلون هوام الأرض من الحيات والعقارب وكل ذي روح مما خلق الله تعالى. وليس لله خلق ينمون نماءهم ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدة على ما نرى من نمائهم وزيادتهم فلا شك أنهم سيملئون الأرض ويخلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلا ونحن نتوقعهم في أن يطلع علينا أولهم من بين هذين الجبلين.","part":4,"page":30},{"id":1531,"text":"قال الشيخ عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي في كتابه عن وهب بن منبه: إن يأجوج ومأجوج أجفلوا في زمن ذي القرنين يريدون أرضاً وأمة من الأمم، وكانوا إذا توجهوا لوجه لم يعدلوا عنه ولا يميلون ولا يعرجون، وكانت تسمع همهمتهم من مسيرة مائة فرسخ لكثرتهم. فلما سمعت تلك الأمة حسهم استغاثوا بذي القرنين، وهو يومئذ في ناحية أرضهم من شرق أرض الترك والخزر وقالوا: يا ذا القرنين، إنه قد بلغنا ما آتاك الله من السلطان والملك، وما ألبسك من الهيبة، وما أيدك به من جنود أهل الأرض ومن النور والظلمة، وإنا جيران يأجوج ومأجوج، وليس بيننا وبينهم إلا شواهق الجبل، وليس لهم إلينا طريق إلا من هذين الصدفين، فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً. قال الله تعالى: \" ثم اتبع سبباً، حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً، قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً \" أي جعلاً وأجراً \" على أن تجعل بيننا وبينهم سداً \" أي حاجزاً فلا يصلون إلينا \" قال ما مكني فيه ربي \" أي قواني \" خير \" من خراجكم ولكن \" فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً \" حاجزاً كالحائط. قالوا: وما تلك القوة؟ قال: فعلة وصناع يحسنون البناء والعمل والآلة. قالوا: وما تلك الآلة: قال \" آتوني زبر الحديد \" يعني قطعة، واحدتها زبرة، وأتوني بالنحاس. قالوا: من أين لنا الحديد والنحاس ما يكفي هذا العمل؟ قال، سأدلكم على معادن الحديد والنحاس، فضرب لهم في جبلين حتى فلقهما، ثم استخرج منهما معدنين من الحديد والنحاس. قالوا: فبأي قوة نقطع الحديد والنحاس؟ فاستخرج معدن السامور وهو أشد ما خلق الله بياضاً، وهو الذي قطع به سليمان صخور بيت المقدس وجواهره، كما تقدم. قال الثعلبي: ولما شغلهم الإسكندر في استخراج الحديد والنحاس سار نحو يأجوج ومأجوج ليعلم علمهم، فانطلق يؤمهم حتى انتهى إليهم وتوسط بلادهم، فوجدهم على مقدار واحد ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: منهم من طوله شبر، ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخاليب في أيديهم موضع الأظافر، وأنياب وأضراس كالسباع، يسمع لها حركة إذا أكلوا كقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتقون به الحر والبرد، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان، إحداهما وبرة والأخرة زغبة، يفترش إحداهما ويلتحف الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتي في الأخرى. وقال الأنماطي في خبره: ولهم أخفاف كأخفاف الإبل. قالوا: وليس منهم ذكر ولا أنثى إلا وقد عرف أجله الذي يموت فيه. وذلك أن الذكر منهم لا يموت حتى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت الأنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد، فإذا كان ذلك أيقن بالموت وترك طلب المعيشة. قالوا: وهم يزقون التنين في أيام الربيع، ويقذفه عليهم السحاب من البحر في كل عام مرة. فإذا تأخر عنهم وقت عادته استمطروه كما يستمطر الغيث لجينه، فإن قذفوا به أخصبوا وسمنوا وتوالدوا وكثروا وأكلوا منه حولاً كاملاً لا يأكلون غيره، ويقددونه فيعمهم على كثرتهم. قال: وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا. فلما عاينهم ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، ثم أوقد على ما جمع من الحديد والنحاس فصنع منه زبراً أمثال الصخور العظام، ثم أذاب النحاس فجعله كالطين وألاط به تلك الصخور الحديد ثم بناه.","part":4,"page":31},{"id":1532,"text":"قالوا: وكيفية بنائه على ما ذكره أهل السير: أنه لما قاس ما بين الجبلين وجد ما بينهما مائة فرسخ، ثم حفر له الأساس حتى بلغ الماء، وجعل عرضه خمسين فرسخاً، ثم وضع الحطب بين الجبلين، ثم نسج عليه الحديد، ثم نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يحول الحديد على الحطب والحطب على الحديد حتى ساوى بين الصدفين، وهما الجبلان، ثم أمر بالنار فأرسلت فيه، ثم قال انفخوا ثم جعل يفرغ القطر وهو النحاس المذاب فجعلت النار تأكل الحطب ويصير النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس فصار كأنه برد حبرة من صفرة النحاس وحمرته، وسواد الحديد وغبرته؛ فصار سداً طويلاً عظيماً حصيناً. قال الله تعالى: \" فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً \" . وقد روي أن رجلاً قال يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: \" انعته لي \" . قال: كالبرد المحبر، طريقه سوداء، وطريقه حمراء. قال: \" قد رأيته \" . وقد ذكرنا خبر السد فيما سلف من كتابنا هذا عن سلام الترجمان حين أرسله الواثق إلى السد فرآه، وهو في الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الأول وهو في السفر الأول من كتابنا هذا.\rقال الأنماطي قال وهب: فبلغنا - والله أعلم - أنهم يأتونه في كل سنة مرة، وذلك أنهم يسيحون في بلادهم حتى إذا انتهوا إلى ذلك الردم حبسهم فرجعوا يسيحون في بلادهم، فهم كذلك حتى تقرب الساعة، فإذا جاء أشراطها فتحه الله عز وجل؛ فذلك قوله تعالى: \" حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون \" ، وقوله تعالى: \" فإذا جاء وعد ربي جعله دكاً وكان وعد ربي حقاً \" . والله أعلم.\r؟دخول ذي القرنين الظلمات مما يلي القطب الشمالي لطلب عين الحياة","part":4,"page":32},{"id":1533,"text":"قال أبو إسحاق الثعلبي رحمه الله: قال علي رضي الله عنه: ملك ذو القرنين ما بين المشرق والمغرب، وكان له خليل من الملائكة اسمه رفائيل يأتيه ويزوره. فبينما هما ذات يوم يتحادثان إذ قال ذو القرنين: يا رفائيل، حدثني عن عبادتكم في السماء. فبكى وقال: يا ذا القرنين، وما عبادتكم بشيء عند عبادتنا! إن في السماء من الملائكة من هو قائم أبداً لا يجلس، ومن هو ساجد لا يرفع رأسه أبداً، ومنهم الراكع لا يستوي أبداً قائماً، يقولون: سبحان الملك القدوس، رب الملائكة والروح، ربنا ما عبدناك حق عبادتك. فبكى ذو القرنين بكاء شديداً ثم قال: إني لأحب أن أعيش فأبلغ من عبادة ربي حق طاعته. قال رفائيل: أوتحب ذلك؟ قال نعم. قال: فإن لله عينا في الأرض تسمى عين الحياة فيها من الله عزيمة، إن من يشرب منها شربة لم يمت أبداً حتى يكن هو الذي يسأل ربه الموت. قال ذو القرنين: هل تعلم موضع تلك العين؟ قال الملك: لا، غير أنا نتحدث في السماء أن لله تعالى في الأرض ظلمة لا يطؤها إنس ولا جان، فنحن نظن أن العين في تلك الظلمة. فجمع ذو القرنين علماء أهل الأرض وأهل دراسة الكتب وآثار النبوة فقال لهم: أخبروني هل وجدتم فيما قرأتم من كتب الله وما جاءكم من أحاديث الأنبياء ومن كان قبلكم أن الله وضع في الأرض عيناً سماها عين الحياة؟ قالوا لا. وقال عالم من العلماء: إني قرأت وصية آدم، وصى أن الله تعالى خلق في الأرض ظلمة لم يطأها إنس ولا جان ووضع فيها عين الخلد. فقال ذو القرنين: فأين وصيته في الأرض؟ قال: على قرن الشمس. فبعث ذو القرنين وحشر إليه العلماء والأشراف والملوك، ثم سار يطلب مطلع الشمس، فسار اثنتي عشرة سنة إلى أن بلغ طرف الظلمة، فإذا ظلمة تقوم مثل الدخان ليست بظلمة ليل، فعسكر هناك، ثم جمع العلماء وقال: إني أريد أن أسلك هذه الظلمة. قالوا: إنه من كان قبلك من الأنبياء والملوك لم يطلبوا هذه الظلمة فلا تطلبها، فإنا نخاف أن ينبثق عليك أمر تكرهه فيكون فيه فساد أهل الأرض. فقال: لا بد من أن أسلكها. قالوا: أيها الملك كف عنها ولا تطلبها فإنا لو نعلم أنك إن طلبتها ظفرت بما تريد ولم يسخط علينا ربنا لاتبعناك، ولكنا نخاف العتب من الله عز وجل وفساد الأرض ومن عليها. فقال: لا بد أن أسلكها. قالوا: شأنك بها. قال: أي الدواب بالليل أبصر؟ قالوا: الخيل. قال: فأي الخيل أبصر؟ قالوا: الإناث. قال: فأي الإناث أبصر؟ قالوا: البكارة. فجمع ذو القرنين ستة آلاف فرس بهذه الصفة، ثم انتخب من عسكره أهل الجلد والعقل ستة آلاف رجل، فدفع إلى كل رجل فرساً، وعقد للخضر - ع - على مقدمته ألفين، وبقي هو في أربعة آلاف. وقال ذو القرنين للناس: لا تبرحوا من معسكركم هذا إلى اثنتي عشرة سنة، فإن رجعنا إليكم وإلا فارجعوا إلى بلادكم. فقال الخضر: أيها الملك، إنا نسلك ظلمة لا ندري كم المسير فيها ولا يبصر بعضنا بعضاً، فكيف نصنع إذا ضللنا! فدفع إلى الخضر خرزة حمراء وقال: حيث يصيبكم الضلال فاطرح هذه في الأرض فإذا صاحت فليرجع إليها أهل الضلال أين صاحت. فسار الخضر بين يديه، يرتحل الخضر وينزل ذو القرنين، فبينما الخضر يسير إذ عرض له واد فظن أن العين فيه وألقى ذلك في قلبه، فقام على شفير الوادي وقال لأصحابه: قفوا لا تبرحوا، ورمى بالخرزة في الوادي ومكث طويلاً حتى أجابته الخرزة، فطلب صوتها فانتهى إليها فإذا هي إلى جانب العين. فنزع الخضر ثيابه ثم دخل العين، فإذا ماؤها أشد بياضاً من اللبن وأحلى من الشهد، فشرب واغتسل وتوضأ ولبس ثيابه، ثم رمى الخرزة نحو أصحابه، فوقعت الخرزة وصاحت، فرجع إلى صوتها حتى انتهى إلى أصحابه، فركب وقال: سيروا على اسم الله. ومر ذو القرنين فأخطأ الوادي فسلكوا تلك الظلمة أربعين يوماً وليلة، ثم خرجوا إلى ضوء ليس بضوء شمس ولا قمر، وإلى أرض حمراء ورملة خشخاشية، فإذا هو بقصر مبني في تلك الأرض طوله فرسخ في فرسخ عليه باب، فنزل ذو القرنين بعسكره، ثم خرج وحده فدخل القصر، فإذا حديدة قد وضع طرفاها على جانبي القصر من هاهنا وهاهنا، وإذا طائر أسود يشبه الخطاف مزموم بأنفه إلى الحديدة، معلق بين السماء والأرض، فلما سمع الطائر خشخشة ذي القرنين قال: من هذا؟ قال: أنا ذو القرنين. فقال: يا ذا القرنين، أما كفاك ما وراءك حتى وصلت إلي! ثم قال الطائر: يا ذا القرنين، حدثني؛","part":4,"page":33},{"id":1534,"text":"قال سل؛ فقال: هل كثر بناء الآجر والجص في الأرض؟ قال نعم؛ فانتفض الطائر انتفاضة ثم انتفخ فبلغ ثلث الحديدة، ثم قال: يا ذا القرنين، هل كثرت شهادات الزور في الأرض؟ قال نعم؛ فانتفض الطائر ثم انتفخ فملأ الحديدة وسد ما بين جداري القصر. ففرق ذو القرنين فرقاً عظيماً. فقال الطائر: لا تخف. حدثني. قال سل. قال: هل ترك الناس شهادة أن لا إله إلا الله بعد؟ قال لا، فانضم الطائر ثلثه ثم قال: هل ترك الناس الصلاة المفروضة بعد؟ قال لا، فانضم ثلثاه. ثم قال: يا ذا القرنين، هل ترك الناس غسل الجنابة بعد؟ قال لا؛ فعاد الطائر كما كان. ثم قال: يا ذا القرنين. اسلك هذا الدرج درجة درجة إلى أعلى القصر. فسلكها وهو خائف وجل لا يدري على ماذا يهجم، حتى انتهى إلى سطح ممدود، عليه صورة رجل شاب قائم، وعليه ثياب بيض. رافعاً وجهه إلى السماء، واضعاً يديه على فيه، فلما سمع خشخشة ذي القرنين قال: من هذا؟ قال: أنا ذو القرنين. قال: يا ذا القرنين، إن الساعة قد اقتربت، وأنا منتظر أمر ربي يأمرني أن أنفخ فأنفخ، ثم أخذ صاحب الصور شيئاً بين يديه كأنه حجر وقال: خذه يا ذا القرنين، فإن شبع هذا شبعت، إن جاع جعت؛ فأخذه ونزل إلى أصحابه فحدثهم بأمر الطائر وما قال له وما رد عليه، وما قال صاحب الصور. ثم جمع علماء عسكره فقال: أخبروني عن هذا الحجر ما أمره؟ فقالوا: أيها الملك، أخبرنا عما قال لك فيه صاحب الصور. فقال ذو القرنين: إنه قال لي: إن شبع هذا شبعت وإن جاع جعت فوضعوا ذلك الحجر في إحدى كفتي ميزان وأخذوا حجراً مثله فوضعوه في الكفة الأخرى ثم رفعوا الميزان فإذا هو يميل، فوضعوا معه آخر فإذا هو يميل بهن فلم يزالوا يضعون حتى وضعوا ألف حجر فمال بالألف جميعاً، فقالوا: انقطع علمنا دون هذا الحجر لا ندري أسحر هو أم علم ما نعلمه! فقال الخضر: نعم أنا أعلمه، فأخذ الميزان بيده ثم وضع الحجر في كفتها وأخذ كفاً من تراب فجعله في الكفة الأخرى ثم رفع الميزان فاستوى. فخرت العلماء سجداً لله تعالى وقالوا: هذا علم لم يبلغه علمنا. فقال الخضر - ع - : أيها الملك، إن سلطان الله عز وجل قاهر لخلقه، وأمره نافذ فيهم، وحكمه جار عليهم؛ وإن الله تعالى ابتلى خلقه بعضهم ببعض، فابتلى العالم بالعالم، والجاهل بالجاهل، والعالم بالجاهل، والجاهل بالعالم؛ وإنه ابتلاني بك وابتلاك بي. قال ذو القرنين: صدقت، فأخبرني ما هذا؟ فقال الخضر: أيها الملك، هذا مثل ضربه لك صاحب الصور، إن الله تعالى مكن لك في البلاد، وأعطاك منها ما لم يعط أحداً، وأوطأك منها ما لم يوطئ أحد، فلم تشبع، وآتيت نفسك شرها، حتى بلغت من سلطان الله ما لم يطأه إنس ولا جان، فهذا مثل ضربه لك، إن ابن آدم لا يشبع أبداً دون أن يحثي عليه التراب، ولا يملأ جوفه إلا التراب. فبكى ذو القرنين وقال: صدقت، لا جرم أني لا طلبت أثراً في البلاد بعد مسيري هذا حتى أموت، ثم انصرف راجعاً. فلما توسط الظلمة وطئ وادي الزبرجد، فقال من معه لما سمعوا الخشخشة تحت حوافر دوابهم: ما هذا أيها الملك؟ فقال: خذوا منه فإنه من أخذ منه ندم، ومن تركه ندم. فمنهم من أخذ، ومنهم من ترك. فلما خرجوا من الظلمة إذا وهو الزبرجد. فندم الآخذ كونه لم يكثر، والتارك كونه لم يأخذ. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" رحم الله أخي ذا القرنين لو ظفر بوادي الزبرجد في المبتدأ ما ترك منه شيئاً حتى أخرجه إلى الناس لأنه كان راغباً في الدنيا ولكنه ظفر به وهو زاهد في الدنيا لا حاجة له فيها \" .ال سل؛ فقال: هل كثر بناء الآجر والجص في الأرض؟ قال نعم؛ فانتفض الطائر انتفاضة ثم انتفخ فبلغ ثلث الحديدة، ثم قال: يا ذا القرنين، هل كثرت شهادات الزور في الأرض؟ قال نعم؛ فانتفض الطائر ثم انتفخ فملأ الحديدة وسد ما بين جداري القصر. ففرق ذو القرنين فرقاً عظيماً. فقال الطائر: لا تخف. حدثني. قال سل. قال: هل ترك الناس شهادة أن لا إله إلا الله بعد؟ قال لا، فانضم الطائر ثلثه ثم قال: هل ترك الناس الصلاة المفروضة بعد؟ قال لا، فانضم ثلثاه. ثم قال: يا ذا القرنين، هل ترك الناس غسل الجنابة بعد؟ قال لا؛ فعاد الطائر كما كان. ثم قال: يا ذا القرنين. اسلك هذا الدرج درجة درجة إلى أعلى القصر. فسلكها وهو خائف وجل لا يدري على ماذا يهجم، حتى انتهى إلى سطح ممدود، عليه صورة رجل شاب قائم، وعليه ثياب بيض. رافعاً وجهه إلى السماء، واضعاً يديه على فيه، فلما سمع خشخشة ذي القرنين قال: من هذا؟ قال: أنا ذو القرنين. قال: يا ذا القرنين، إن الساعة قد اقتربت، وأنا منتظر أمر ربي يأمرني أن أنفخ فأنفخ، ثم أخذ صاحب الصور شيئاً بين يديه كأنه حجر وقال: خذه يا ذا القرنين، فإن شبع هذا شبعت، إن جاع جعت؛ فأخذه ونزل إلى أصحابه فحدثهم بأمر الطائر وما قال له وما رد عليه، وما قال صاحب الصور. ثم جمع علماء عسكره فقال: أخبروني عن هذا الحجر ما أمره؟ فقالوا: أيها الملك، أخبرنا عما قال لك فيه صاحب الصور. فقال ذو القرنين: إنه قال لي: إن شبع هذا شبعت وإن جاع جعت فوضعوا ذلك الحجر في إحدى كفتي ميزان وأخذوا حجراً مثله فوضعوه في الكفة الأخرى ثم رفعوا الميزان فإذا هو يميل، فوضعوا معه آخر فإذا هو يميل بهن فلم يزالوا يضعون حتى وضعوا ألف حجر فمال بالألف جميعاً، فقالوا: انقطع علمنا دون هذا الحجر لا ندري أسحر هو أم علم ما نعلمه! فقال الخضر: نعم أنا أعلمه، فأخذ الميزان بيده ثم وضع الحجر في كفتها وأخذ كفاً من تراب فجعله في الكفة الأخرى ثم رفع الميزان فاستوى. فخرت العلماء سجداً لله تعالى وقالوا: هذا علم لم يبلغه علمنا. فقال الخضر - ع - : أيها الملك، إن سلطان الله عز وجل قاهر لخلقه، وأمره نافذ فيهم، وحكمه جار عليهم؛ وإن الله تعالى ابتلى خلقه بعضهم ببعض، فابتلى العالم بالعالم، والجاهل بالجاهل، والعالم بالجاهل، والجاهل بالعالم؛ وإنه ابتلاني بك وابتلاك بي. قال ذو القرنين: صدقت، فأخبرني ما هذا؟ فقال الخضر: أيها الملك، هذا مثل ضربه لك صاحب الصور، إن الله تعالى مكن لك في البلاد، وأعطاك منها ما لم يعط أحداً، وأوطأك منها ما لم يوطئ أحد، فلم تشبع، وآتيت نفسك شرها، حتى بلغت من سلطان الله ما لم يطأه إنس ولا جان، فهذا مثل ضربه لك، إن ابن آدم لا يشبع أبداً دون أن يحثي عليه التراب، ولا يملأ جوفه إلا التراب. فبكى ذو القرنين وقال: صدقت، لا جرم أني لا طلبت أثراً في البلاد بعد مسيري هذا حتى أموت، ثم انصرف راجعاً. فلما توسط الظلمة وطئ وادي الزبرجد، فقال من معه لما سمعوا الخشخشة تحت حوافر دوابهم: ما هذا أيها الملك؟ فقال: خذوا منه فإنه من أخذ منه ندم، ومن تركه ندم. فمنهم من أخذ، ومنهم من ترك. فلما خرجوا من الظلمة إذا وهو الزبرجد. فندم الآخذ كونه لم يكثر، والتارك كونه لم يأخذ. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" رحم الله أخي ذا القرنين لو ظفر بوادي الزبرجد في المبتدأ ما ترك منه شيئاً حتى أخرجه إلى الناس لأنه كان راغباً في الدنيا ولكنه ظفر به وهو زاهد في الدنيا لا حاجة له فيها \" .","part":4,"page":34},{"id":1535,"text":"قال الثعلبي: ثم رجع إلى العراق وملك ملوك الطوائف، ومات في طريقه بشهرزور. وقال علي رضي الله عنه: ثم إنه رجع إلى دومة الجندل فأقام بها حتى مات. وصرح الثعلبي في سياقة أخباره أنه الذي قتل دارا بن دارا، وأنه لم تطل مدة عمره. وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر قاتل دارا بن دارا في أخبار ملوك اليونان.\rوحكى الأنماطي عن وهب في خبر دخول الإسكندر الظلمات: أنه لما انتهى إلى مغرب الشمس ترك من معه هناك وسار على الماء في الظلمة ثمانية أيام وثماني ليال حتى انتهى إلى جبل قاف، وإذا هو بملك قابض على الجبل يسبح الله تعالى؛ فخر ذو القرنين ساجداً لله تعالى فلم يرفع رأسه حتى قواه الله تعالى على النظر إلى الملك. فقال له: كيف قويت يا بن آدم على أن تبلغ هذا الموضع ولم يبلغه أحد من ولد آدم قبلك؟! قال: قواني الله الذي قواك على قبض هذا الجبل. فأخبرني عن هذا الجبل. قال: إنه قاف المحيط بالأرض كلها، ولولا هو لانكفأت الأرض بأهلها، وليس على ظهر الأرض أعظم منه، وإنه لمحيط بها كالحلقة، وهو أول جبل أثبته الله، فرأسه ملصق بسماء الدنيا، و أسفله راسخ في الأرض السفلى.\rوحكى إبراهيم بن وصيف شاه في كتاب العجائب الكبير: أن ذا القرنين لما سار إلى الظلمة مر بجزيرة فيها أمة رءوسهم رءوس الكلاب العظام بادية أنيابهم، يخرج من أفواههم مثل لهب النار، وأنهم خرجوا إلى مراكبه فحاربوه فتخلص منهم، وسار فرأى نوراً ساطعاً فقصده فإذا هو قد بلغ جزيرة القصر. قال: وهذه الجزيرة فيها قصر مبني بالبلور الصافي عالي الطول يشف حتى يرى نوره على البعد، فأراد النزول بها، فمنعه بهرام فيلسوف الهند وعرفه أن من نزل إليها وقع عليه النوم وعزب عقله فلا يستطيع الخروج منها حتى يهلك. قال: ويقال إنه ظهر لهم منها قوم قصار زعر، لباسهم ورق الشجر. فسأل بهرام عن صبرهم على المقام بها، فعرفوه أن بها ثمر إذا أكلوا منه زال عنهم ذلك، وذكروا أنهم إذا كان الليل ظهر بين شرف القصر مثل المصابيح تسرج إلى الصبح ثم تخمد نهاراً إلى الليل فتوقد. قال: ويقال إنه مر في طريقه بجزيرة التنين وإنها جزيرة فيها جبال وأنهار وأشجار وزروع وهي عامرة، وعلى مدينتها حصن عال، وبها تنين عظيم قد سام أهلها أقبح سوم. فلما دخلها الإسكندر استغاثوا به من التنين وأنه أتلف مواشيهم حتى إنهم جعلوا له في كل يوم ثورين ينصبونهما قريباً من موضعه، فيخرج فيبتلعهما. فأمر الإسكندر بثورين عظيمين فسلخا وحشا جلودهما زفتاً وكبريتاً وكلساً وزرنيخاً، وجعل مع تلك الأخلاط كلاليب حديد، وجعلهما في ذلك المكان. وخرج التنين وأقبل كالسحابة السوداء وعيناه تلمعان كالبرق، والنار تخرج من جوفه، فابتلعهما ومضى، فاضطرمت تلك الأشياء في جوفه، فلما أحس بثقلها ذهب ليقذفها، فتشبكت الكلاليب في حلقه فخر وفتح فاه ليستروح، فأمر الإسكندر بقطع الحديد فأحميت وحملت على ألواح من حديد وقذفت في حلقه فمات. ففرح أهل ذلك الموضع بموته وألطفوا الإسكندر وحملوا إليه من طرائف ما عندهم. وكان فيما حملوه إليه دابة في خلق الأرنب، شعرها أصفر يبرق كالذهب، يسمونها المعراج، وفي رأسها قرن واحد أسود، إذا رأتها الأسود وسباع الوحش وكل دابة هربت منها.","part":4,"page":35},{"id":1536,"text":"وقال الأنماطي في سياقة أخبار الإسكندر عن وهب تلو خبر السد: ثم انطلق ذو القرنين بعد ذلك، فبينما هو يسير إذ مر على شيخ يصلي، فوقف عليه بجنوده حتى إذا انصرف من صلاه قال له: كيف لم يرعك ما حضرك من الجنود؟! قال: كنت أناجي من جنوده أكثر من جنودك، وسلطانه أعز من سلطانك، وقوته أشد من قوتك؛ ولو صرفت وجهي إليك لم أدرك حاجتي قبله. قال له: هل لك أن تنطلق معي وأواسيك بنفسي وأستعين بك على بعض أمري؟ قال: نعم، إن ضمنت لي أربعة خصال: نعم لا يزول، وصحة لا سقم فيها، وشباب لا كبر فيه، وحياة لا موت فيها. قال له ذو القرنين: وأي مخلوق يقدر على هذه الخصال!. قال الشيخ: فإني مع من يقدر عليها ويملكها، فتركه وسار. فبينما هو يسير إذ دفع إلى الأمة الصالحة من قوم موسى الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة عادلة يقسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل ويتواسون، فكلمتهم واحدة، وقلوبهم مؤتلفة مستقيمة، وسيرتهم مستوية، وقبور موتاهم في أفنيتهم، وليس على بيوتهم أبواب تغلق، وليس عليهم أمراء، ولا قضاة بينهم، ولا أشرف يتفاوتون، ولا يتفاضلون ولا يختلفون ولا يتنازعون ولا يتسابون ولا يقتتلون ولا يقحطون ولا تصيبهم الآفات؛ فعجب من أمرهم وقال: أخبروني خبركم أيها القوم؛ فإني قد أحصيت الأرض شرقها وغربها، وسهلها وجبلها، وبرها وبحرها، ونورها وظلمتها، فلم أر مثلكم. قالوا: سلنا عما بدا لك نخبرك. قال: ما بال قبوركم في أفنيتكم وعلى أبواب بيوتكم؟ قالوا: لئلا ننسى الموت ولا يخر ذكره من قلوبنا. قال: فما بال بيوتكم لا أبواب عليها؟ قالوا: ليس فينا متهم ولا ظنين، ولا فينا إلا مؤتمن أمين. قال: فما بالكم ليس عليكم أمراء؟ قالوا: لأنا نتظالم. قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟ قالوا: لأنا لا نتكاثر. قال: فما بالكم لا تتفاضلون ولا تتفاوتون؟ قالوا: من قبل أنا متواسون متراحمون. قال: فما بالكم ليس فيكم أشراف؟ قالوا: لأنا لا نتنافس. قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟ قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا. قال: فما بالكم ليس بينكم حكام؟ قالوا: نحن لا نختصم. قال: فما بال كلمتكم واحدة؟ قالوا: من قبل أنا لا نتكاذب ولا نتخادع ولا يغتاب بعضنا بعض. قال: فأخبروني من قبل ماذا تشابهت قلوبكم واعتدلت سيرتكم؟ قالوا: من صحة صدورنا، فنزع الله بذلك الغل والحسد من قلوبنا. قال: فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟ قالوا: من قبل أنا نقسم بالسوية. قال: فما بمالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟ قالوا: من قبل أنا نقسم بالسوية. قال: فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟ قالوا: من قبل الذل والتواضع. قال: فأخبروني بماذا أنتم أطول الناس أعماراً؟ قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحق ونحكم بالعدل. قال: فما بالكم لا تقحطون؟ قالوا: لأنا لا نغفل عن الاستغفار. قال: فما بالكم لا تصيبكم الآفات؟ قالوا: من قبل أنا لا نتوكل إلا على الله، ولا نستمطر بالأنواء ولا بالنجوم. قال: أهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟ قالوا: وجدنا آباءنا يعطون مسكينهم، ويواسون فقيرهم، ويوقرون غنيهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمن جهل عليهم، ويستغفرون لمن سبهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وفاءهم لصلاحهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، ولا يرغبون عن أكفائهم، ولا يستنكفون عن أقاربهم، فأصلح الله تعالى لهم بذلك أمرهم، وحفظهم به ما كانوا أحياء. قال: فأقام ذو القرنين عندهم حتى قبضه الله عز وجل، ولم تطل مدة إقامته فيهم. قال وهب: عاش منذ بعثه الله تعالى إلى أن قبض خمسمائة عام. وقال غيره: أكثر من ذلك، وقد ذكر في المعمرين. وقيل: إنه عاش ألف وستمائة وخمسين سنة ومات في حياة أمه. وقيل: إنه أدرك إبراهيم الخليل واجتمع معه وأركبه من دوابه. حكاه الأزرقي وأبو عبيد البكري. والله أعلم.\rالباب الثاني من القسم الرابع من الفن الخامس\rملوك الأصقاع\rوهم ملوك الهند والصين والترك وجبل الفتح وملوك مصر ؟ملوك الهند","part":4,"page":36},{"id":1537,"text":"قال المسعودي في مروج الذهب: ذكر جماعة من أهل النظر والبحث الذين واصلوا البحث والعناية بتأمل شأن هذا العالم وبدئه أن الهند كانت في قديم الزمان الفرقة التي فيها الصلاح والحكمة، وأنه لم تجيلت الأجيال وتخربت الأحزاب حاولت الهند أن تضم المملكة وتستولي على الحوزة وتكون الرياسة فيها. قال كبراؤهم: نحن كنا أهل البدء وفينا التناهي، ولنا الغاية والصدر والانتهاء، ومنا سرى الأب إلى الأرض، فلا شاقنا أحد ولا عاندنا ولا أراد بنا الاغتماص إلا أتينا عليه وأبدناه أو يرجع إلى طاعتنا. فأجمعت على ذلك رأيها ونصبت لها ملكاً، وهو البرهمن الأكبر والملك الأعظم، وإليه تنسب طائفة البراهمة بالهند، لا إلى إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم. وهذا البرهمن هو الإمام المقدم فيهم الذي ظهرت في أيامه الحكمة وتقدمت العلماء، وأمر باستخراج الحديد من معادنه، وضربت في أيامه السيوف والخناجر وكثير من أنواع السلاح وآلات القتال، وشيد الهياكل ورصعها بالجواهر النفيسة المشرقة، وصور فيها الأفلاك والبروج الاثنى عشر برجاً والكواكب، وبين بالصورة كيفية العالم، وأرى بالصورة أيضاً كيفية أفعال الكواكب في هذا العالم وإحداثها للأشخاص الحيوانية من الناطقة وغيرها، وبين حال المدبر الأعظم الذي هو الشمس، وبرهن على ذلك كله وقربه إلى عقول العوام وأذهانهم ففهموه، وغرس في نفوس الخواص دراية ما هو أعلى من ذلك، وأشار إلى المبدئ الأول المعطي لسائر الموجودات وجودها الفائض عليها بجوده. فانقادت له الهند، وأراهم وجه مصالح الدنيا وأخصبت بلادهم. وجمع الحكماء في أيامه كتاب السند هند، وتفسيره دهر الدهور، ومنه فرغت الكتب، ككتاب الأزجهير والمجسطي، وفرع من الأزجهير الأركند ومن المجسطى كتاب بطليموس، ثم عمل منها بعد ذلك الزيجات. وأحدثوا التسعة الأحرف المحيطة بالحساب الهندي. وكان البرهمن هذا أول من تكلم في أوج الشمس، وذكر أنه يقيم في كل برج ثلاثة آلاف سنة، ويقطع الفلك في ستة وثلاثين ألف سنة، إلى غير ذلك من هذا الفن. وكان ملك البرهمن إلى أن هلك ثلاثمائة سنة وستا وستين سنة، وولده يعرفون بالبراهمة، والهند تعظمهم إلى وقتنا هذا، وهم أعلى أجناسهم وأشرافهم، وهم لا يتغذون بشيء من الحيوانات. وفي رقاب النساء والرجال منهم خيوط صفر يتقلدون بها كحمائل السيوف، تفرق بينهم وبين غيرهم من أنواع الهند. وقد تتوزع في البرهمن، فمنهم من زعم أنه آدم وأنه رسول من الله إلى الهند، ومنهم من زعم أنه كان ملكاً، على حسب ما قدمناه وهو الأشهر. ولما هلك البرهمن جزعت عليه الهند جزعاً شديداً، وملكت عليها ولده الأكبر.\r؟ابن البرهمن\rوهو الباهبود وكان ولي عهد أبيه من بعده. فسار فيهم سيرة أبيه وأحسن النظر إليهم. وزاد في بناء الهياكل، وقدم الحكماء ورفع من مقدارهم وزاد في مراتبهم، وحثهم على تعليم الناس الحكمة وبعثهم على طلبها. وكان ملكه إلى أن هلك مائة سنة. وفي أيامه عمل النرد ولعب به، وجعل ذلك مثالاً للمكاسب، وأنها لا تنال بالكيس ولا بالحيل في هذه الدنيا، وأن الرزق لا يتأتى فيها بالحذق. وذكر أن أردشير بن بابك أول من وضع النرد ولعب بها، وأرى تقلب الدنيا بأهلها واختلاف أمرها. وجعل بيوتها اثنى عشر بعدد الشهور، وجعل مهاركها ثلاثين بعدد أيام الشهر، والفصوص أمثلة للقدر وتقلبه بأهل الدنيا وأن الإنسان يلعب بها فيبلغ بإسعاد القدر له في مراده بها ما يريد، وأن الحازم الفطن لا يتأتى له ما يتأتى لغيره إذا لم يسعده القدر، وأن الأرزاق لا تنال في هذه الدنيا إلا بمقادير.\rثم ملك بعده رامان، فكان ملكه نحواً من خمسين ومائة سنة. قال: وله سير وأخبار وحروب مع ملوك فارس وملوك الصين.\rثم ملك بعده فور، وهو الذي قتله الإسكندر بن فيلبس اليوناني مبارزة. وكان ملكه إلى أن قتل أربعين ومائة سنة. ثم ملك بعد تسام، وهو الذي وضع كتاب كليلة ودمنة الذي نقله ابن المقفع. وكان ملكه مائة وعشر سنين، وقيل غير ذلك.","part":4,"page":37},{"id":1538,"text":"ثم ملك بعده بلهيت. وفي أيامه صنعت الشطرنج فقضى بلعبها على النرد، وبين الظفر الذي يناله الحازم والنكبة التي تلحق الجاهل وحسب حسابهما، ورتب لذلك كتاباً للهند يتداولونه بينهم، ولعب بها مع حكمائه. وكانت مدة ملكه إلى أن هلك نحواً من ثمانين سنة، وفي بعض النسخ أنه ملك ثلاثين ومائة سنة.\rثم ملك بعده كوش، فأحدث للهند آراء في الديانات على حسب ما رأى من صلاح الوقت، وما يحتمله أهل العصر من التكليف، وخرج عن مذاهب من سلف. وكان في مملكته وعصره سندباد، وله كتاب الوزراء السبعة والمعلم والغلام وامرأة الملك، وهو الكتاب المترجم بكتاب السندباد. وعمل لهذا الملك الكتاب الأعظم في معرفة العلل والأدواء والعلاجات وأشكال الحشائش وصفتها. وكان مل هذا الملك إلى أن هلك عشرين ومائة سنة. ولما هلك اختلف الهند في آرائها فتحزبت الأحزاب وتجيلت الأجيال، وانفرد كل رئيس بناحيته، فملك على أرض السند ملك، وعلى أرض القنوج ملك، وعلى أرض قشمير ملك. فكانت مدة اجتماع الكلمة ببلاد الهند على ملك واحد على هذا الحكم نحواً من ألف سنة وست وستين سنة. وعلى القول الآخر ألف سنة ومائة سنة وست عشرة سنة. وعدة ملوكهم سبعة ملوك. والله تعالى أعلم.\rوملك بعد كوش بمدينة المانكير وهي الحوزة الكبرى ملك يسمى البلهرا. قال المسعودي: وأرض الهند أرض متسعة في البر والبحر والجبال. وملكهم يتصل بملك الزنج وهي دار مملكة المهراج. وهذه المملكة فرز بين مملكة الهند والصين. قال: ومن عادة الهند أنها لا تملك الملك حتى يبلغ عمره أربعين سنة، ولا تكاد ملوكهم تظهر لعوامهم إلا في كل برهة معلومة من الزمان. ويكون ظهور الملك للنظر في أمور الرعية. وقال أيضاً: رأيت في بلاد سرنديب، وهي جزيرة من جزائر البحر إذا مات ملكهم صيروه على عجلة صغيرة البكر، وشعره ينجر على الأرض، وامرأة بيدها مكنسة تحثو التراب على رأسه وتنادي: أيها الناس، هذا ملككم بالأمس قد ملككم وجاز فيكم أمره قد صار إلى ما ترون من ترك الدنيا، وقبض روحه ملك الملوك الحي القديم الذي لا يموت. فلا تغتروا بالحياة بعده. وكلام هذا معناه من الترهيب والتزهيد في هذا العالم. ويطاف به في جميع شوارع المدينة وهو كذلك؛ ثم يفصل بأربع قطع وقد هيئ له الصندل والكافور وسائر أنواع الطيب ويحرق بالنار يذرى رماده في الرياح. قال: وكذلك فعل أكثر أهل الهند بملوكهم وخواصهم لغرض يذكرونه. قال: والملك مقصور في أهل بيت لا ينتقل منهم إلى غيرهم. وكذلك بيوت الوزراء والقضاة وسائر أرباب المراتب، لتوارث مناصبهم ولا تغير ولا تبدل. وعندهم أن ملكهم متى شرب الشراب فقد استحق الخلع. والله الهادي.\r؟ملوك الصين قال أبو الحسن علي بن عبد الله المسعودي في كتابه المترجم بمروج الذهب: لما قسم فالغ بن عابر بن أرفخشذ بن سام بن نوح الأرض بين ولد نوح سار ولد عامور بن توبل بن يافث بن نوح يسرة المشرق، فكان منهم أجناس الترك. وسار الجمهور من ولد عامور على ساحر البحر حتى انتهوا إلى أقاصية من بلاد الصين. فتفرقوا في تلك البقاع والبلاد وقطنوها وعمروها، وكوروا الكور، ومصروا الأمصار، ومدنوا المدن، واتخذوا للملك مدينة عظيمة سموها إيقو، وبينها وبين ساحل البحر الحبشي، وهو بحر الصين مسيرة ثلاثة أشهر، مدن وعمائر متصلة. فكان أول من تملك عليهم في هذه الديار نسطيرطاس بن ماعور بن بزنج بن عامور. قال: ولما ملك فرق أهله في تلك الديار، وشق الأنهار، وغرس الأشجار، وطعم الثمار، وقتل السباع. وكانت مدة ملكه ثلاثمائة سنة ونيفاً وهلك.\rفقام بالأمر بعده ولده عرون بن نسطيرطاس، فجعل جسد أبيه في تمثال من الذهب الأحمر جزعاً عليه وتعظيماً له، وأجلسه على سرير من الذهب مرصع بالجوهر، وجعل مجلسه دونه، وسجد له وهو في جوف ذلك التمثال، وسجد معه أهل مملكته، وفعل ذلك في كل نهار في طرفيه. وكانت مدة ملكه بعد أبيه نحوناً من مائتي سنة وخمسين سنة ثم هلك.\rفملك بعده ابنه عبيرون بن عرون. ولما ملك جعل جسد أبيه عرون في تمثال من الذهب ونصبه دون مرتبة جده، وكان يبدأ بالسجود لجده ثم يسجد لأبيه، وساس الرعية بأحسن سياسة، وساواهم في جميع أمورهم، وشملهم بعدله، وكثر النسل، وأخصبت الأرض. وكان ملكه إلى أن هلك مائتي سنة.","part":4,"page":38},{"id":1539,"text":"ولما مات ملك بعده ولده عثينان بن عبيرون. قال: ولما ملك جعل جسد أبيه في تمثال من الذهب، وجرى في أمره على ما سلف من عادتهم في السجود والتعظيم. وطالت مدته في الملك، واتسعت مملكته حتى اتصلت بلاده ببلاد الترك من بني عمه. واتخذ في أيامه كثير من المهن مما لطف في الرقة من الصنائع، وعاش أربعمائة سنة ثم هلك.\rفملك بعده ابنه حرانان بن عثينان. قال: ولما ملك جرى في جسد أبيه على عادتهم، ثم أمر باتخاذ الفلك وحمل فيها الرجال، وحمل معهم لطائف بلاد الصين وسفرهم نحو بلاد الهند والسند وإلى إقليم بابل وسائر الممالك مما قرب وبعد في البحر. وأهدى إلى الملوك الهدايا العجيبة والتحف النفيسة. وأمر أصحابه الذين سفرهم أن يجلبوا إليه ما في كل بلد من الطرائف والتحف والمأكول الذي لا يوجد في بلاده، والمشروب والعروس وأصناف الأقمشة والأمتعة وغير ذلك. وأمرهم أن يتعرفوا سياسة كل ملك، وملة كل أمة وشرائعها ونهجها الذي هي عليه، وأن يرغبوا الناس فيما في بلادهم من الجواهر والطيب والآلات. فتفرقت تلك المراكب في البلاد وفعلوا ما أمرهم به، فلم يردوا على مملكة من الممالك إلا أعجبوا بهم واستظرفوا ما معهم. فأنشأت الملوك المحيطة ممالكهم بالبحار السفن وجهزت نحو الصين، وحملوا إليهم ما ليس عندهم. وكاتبوا ملكهم وكافئوه على ما كان قد هاداهم به من تحف بلاده، فعمرت بلاد الصين، واستقامت أمور مملكة الصين. فكانت مدة حياته في الملك نحواً من مائتي سنة وهلك، فجزع أهل مملكته عليه وحزنوا حزناً شديداً، وأقاموا النياحة عليه شهراً.","part":4,"page":39},{"id":1540,"text":"وملك بعده ابنه توتال بن حرانان. قال: ولما ملك جعل جسد أبيه في تمثال من الذهب، وسلك فيه سنة من تقدمه من آبائه، واستقام أمره، وأحدث من السنن المحمودة ما لم يحدثه أحد من الملوك قبله. وقال لأهل مملكته: إن الملك لا يثبت إلا بالعدل لأنه ميزان الباري، وإن من العدل الزيادة في الإحسان مع الزيادة في العمل. وخص وشرف وتوج ورتب الناس في رتبهم، ووقفهم على طرائفهم. وخرج يرتاد موضعاً يبنى فيه هيكلاً، فوافى موضعاً عامراً بالنبات، حسن الاعتمام بالزهر، تخترقه المياه. فحط الهيكل هناك، وجلبت له أنواع الأحجار المختلفة الألوان، فشيد الهيكل وجعل على أعلاه قبة، وجعل لها مخارق للهواء متساوية. وجعل في الهيكل بيوتاً لمن أراد الانفراد للعبادة. فلما فرغ من الهيكل نصب في أعلاه تلك التماثيل التي فيها أجسام من سلف من آبائه، وقال: في ترك ذلك على ما هو عليه خروج عن حد الحكمة، ويكون ذلك إلى غير غاية ونهاية. وأمر بتعظيم تلك الأجساد التي جعلها في أعلى القبة. ثم جمع الخواص من أهل مملكته وأخبرهم أن من رأيه أن يضم الناس إلى ديانة يرجعون إليها فيجتمع الشمل ويتساوى النظام، وقال: إنه متى عدم الملك الشريعة لم يؤمن عليه الخلل، ودخول الفساد والزلل؛ فرتب لهم سياسة وشريعة وفرائض، ورتب لهم قصاصاً للنفوس والأعضاء، وقاعدة تستباح بها الفروج وتصح بها الأنساب. وجعل مما رتبه وقرره لوازم ونوافل، وأوجب عليهم صلوات لخالقهم تقرباً إلى معبودهم منها إيماء لا ركوع فيها ولا سجود في أوقات من الليل والنهار معلومة، ومنها بركوع وسجود في أوقات من السنين وفي شهور محدودة. ورسم لها أعياداً، وأوجب على الزناة منهم حدوداً، وعلى من أراد من نسائهم البغاء جزية مقررة، وألا يستبحن بالنكاح وقتاً من الأوقات، وإن أقلعن عما كن عليه تكف الجزية عنهن. وما يكون من أولادهن ذكوراً يكونون للملك جنداً وعبيداً، وما يكون من أولادهن إناثاً فلأمهاتهن ويلحقن بصنعتهن. وأمر بقرابين للهياكل ودخن وأبخرة للكواكب. وجعل لكل كوكب منها دخناً يتقرب إليه بها معمولة من أنواع الطيب والعقاقير. وأحكم لهم جميع الأمور، فاستقامت أيامه وكثر النسل. فكانت مدة حياته نحواً من مائة وخمسين سنة ثم مات، فجزعوا عليه جزعاً عظيماً، وجعلوه في تمثال من الذهب ورصعوه بالجوهر وبنوا له هيكلاً عظيماً، وجعلوا في أعلاه سبعة أنواع من الجوهر على ألوان الكواكب السبعة وأشكالها، وجعلوا يوم وفاته صلوات وعيداً يجتمعون فيه عند ذلك الهيكل، وصوروا صورته وذكروا سيرته في لوح من الذهب، وجعلوه في أعلى الهيكل من حيث تراه الأبصار ليكون ذلك مثالاً لمن يرد بعده في السياسة ونهج السيرة وصوروا صورته على أبواب المدينة. وعلى الدنانير والفلوس والثياب. وأكثر أموالهم الفلوس الصفر والنحاس. قال: واستقرت هذه المدينة دار ملك الصين وهي مدينة إيقو. قال: ولهم مدينة عظيمة نحو ما يلي مغرب الشمس من أرضهم يقال لها مدو، وتلي بلاد التبت. والحرب بين أهل مدو وبين أهل بلاد التبت سجال. ولم تزل الملوك ممن طرأ بعد هذا الملك أمورهم منتظمة، وأحوالهم مستقيمة، والخصب والعدل لهم شامل، والجور في بلادهم معدوم، ويقتدون بما نصب لهم توتال من الأحكام. وحروبهم على عدوهم قائمة، وثغورهم مشحونة، والرزق على الجنود جار، والتجار يختلفون إليهم في البر والبحر من كل بلد. ودينهم دين من سلف من آبائهم، وهي ملة تدعى السمنية، عباداتهم نحو من عبادات قريش قبل الإسلام، يعبدون الصور ويتوجهون نحوها بالصلوات. فاللبيب فيهم يقصد بصلاته الخالق عز وجل، ويقيم التمثال من الأصنام وغيرها مقام قبلة. والجاهل ومن لا علم له يشرك هذه التماثيل بإلاهية الخالق ويعتقدهما جميعاً، وأن عبادتهم الأصنام تقربهم إلى الله زلفى، وأن منزلتهم في العبادة تنقص عن البارئ لجلالته وعظمته وسلطانه، وأن عبادتهم لهذه الأصنام طاعة له ووسيلة، إلى أن ظهرت في أهل الصين آراء ونحل حدثت من مذاهب الثنوية وأهل الدهر. وقد كانوا قبل ذلك في الآراء وعبادة التماثيل على حسب ما عليه عوام الهند وخواصهم، فتغيرت أحوالهم وبحثوا وتناظروا، إلا أنهم ينقادون في جميع أحكامهم إلى ما نصب لهم من القاعدة التي قدمناها. قال: وملكهم متصل بملك الطغرغر. وكان اعتقاد الطغرغر القول بإله النور والظلمة، وكانوا قبل","part":4,"page":40},{"id":1541,"text":"ذلك جاهلية جهلاء، سبيلهم في الاعتقاد سبيل أنواع الترك، إلى أن وقع إليهم شياطين المانية، فزخرف لهم كلاماً يريهم فيه تضاد هذا العالم وتنافيه من موت وحياة وصحة وسقم وغنى وفقر وضياء وظلام واجتماع وافتراق واتصال وانفصال وشروق وغروب ووجود عدم وليل ونهار وغير ذلك من سائر المتضادات، وذكر لهم أنواع الآلام المعترضة لأجناس الحيوان الناطق والصامت، وما يعرض للأطفال والبله والمجانين، وأن الباري غني عن إيلامهم، وأراهم أن هناك ضداً شديداً دخل على الخير الفاضل في فعله وهو الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فاجتذب بذلك عقولهم ودانوا به. فإذا كان ملك الصين سمنى المذهب يذبح الحيوانات، فتكون الحرب بينه وبين ملك الترك قائمة، وإذا كان ماني المذهب كان الأمر بينهم مشاعاً.ك جاهلية جهلاء، سبيلهم في الاعتقاد سبيل أنواع الترك، إلى أن وقع إليهم شياطين المانية، فزخرف لهم كلاماً يريهم فيه تضاد هذا العالم وتنافيه من موت وحياة وصحة وسقم وغنى وفقر وضياء وظلام واجتماع وافتراق واتصال وانفصال وشروق وغروب ووجود عدم وليل ونهار وغير ذلك من سائر المتضادات، وذكر لهم أنواع الآلام المعترضة لأجناس الحيوان الناطق والصامت، وما يعرض للأطفال والبله والمجانين، وأن الباري غني عن إيلامهم، وأراهم أن هناك ضداً شديداً دخل على الخير الفاضل في فعله وهو الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فاجتذب بذلك عقولهم ودانوا به. فإذا كان ملك الصين سمنى المذهب يذبح الحيوانات، فتكون الحرب بينه وبين ملك الترك قائمة، وإذا كان ماني المذهب كان الأمر بينهم مشاعاً.\rقال: وملوك الصين ذوو آراء ونحل، إلا أنهم مع اختلاف أديانهم غير خارجين عن قضية العقل وسنن الحق في نصب القضاة والأحكام، وانقياد الخواص والعوام إلى ذلك. قال: وأهل الصين شعوب وقبائل كشعوب العرب وأفخاذها، ولهم مراعاة لحفظ أنسابهم. وينتسب الرجل منهم إلى خمسين أباً وأكثر إلى أن يتصل بعامور. ولا يتزوج أهل كل فخذ إلا من فخذهم، ويزعمون أن في ذلك صحة النسل وقوام البنية، وأن ذلك للبقاء وأتم للعمر.","part":4,"page":41},{"id":1542,"text":"قال المسعودي: ولم تزل أمور الصين مستقيمة في العدل على حسب ما جرى به الأمر فيما سلف من ملوكهم إلى سنة أربع وستين ومائتين؛ فإنه حدث في ملك الصين أمر زال به النظام وانتقض به حكم شرائعهم ومنع من الجهاد. وكان سبب ذلك أن خارجياً خرج ببلد من مدن الصين وهو من غير بيت الملك، يقال له ياسر، شرير. وكان في ابتداء أمره يطلب الفتوة، ويجتمع إليه أهل الدعارة والشر، فلحق الملوك وأرباب التدبير غفلة عنه لخمول ذكره، وأنه ممن لا يبالي به؛ فاشتد أمره، ونما ذكره، وكثر عتوه، وقويت شوكته، وقطع أهل الشر المسافات نحوه. فسار من موضعه وشن الغارات، ولم يزل كذلك حتى نزل مدينة خانقو، وهي المدينة العظيمة. قال: وهي على نهر عظيم أكبر من دجلة أو نحوه، تدخله السفن التي ترد من بلاد البصرة وسيراف وعمان ومدن الهند وجزائر الزابج. وبين هذه المدينة وبحر الصين مسيرة ستة أيام أو سبعة، وفيها خلائق من الناس مسلمون ونصارى ويهود ومجوس وغيرهم من أهل الصين. فقصد الخارجي هذه المدينة، والتقى بجيوش الملك فهزمها. وحاصر المدينة وفتحها واستولى على المملكة، وقتل من أهل مدينة خانقو خلقاً لا يحصون كثرة، فأحصى من قتل فيها من المسلمين والنصارى واليهود غير أهل الصين فزادوا على مائتي ألف. ثم سار بجيوشه إلى بلد بلد فافتتحه. وقصد مدينة إيقو، وهي دار المملكة، وهو في ثلاثمائة ألف ما بين فارس وراجل. فخرج إليه الملك في خواصه في نحو مائة ألف والتقيا، فكانت الحرب بينهم سجالاً نحو شهر وصبرا جميعاً. ثم كانت على الملك فانهزم، وأمعن الخارجي في طلبه. وانحاز الملك إلى مدينة في أطرف أرض الصين. واستولى الخارجي على حوزة الصين واحتوى على دار الملك وخزائن الملوك السالفة وما أعدوه للنوائب. وعلم أنه لا يقوم بالملك لأنه ليس من بيته، فأخرب البلاد واستباح الأموال وسفك الدماء. فكاتب ملك الصين ملك الترك أمرخان واستنجده. فأنجده ملك الترك بولده في نحو أربعمائة ألف فارس وراجل. وقد استفحل أمر الخارجي فالتقى الفريقان، فكانت الحرب بينهما سجالاً نحو سنة وقتل من الطائفتين ما لا يحصى كثرة، ثم فقد الخارجي فقيل قتل وأسر ولده وخواص أصحابه، وعاد ملك الصين إلى دار ملكه. قال: والعامة تسميه بغيور، وتفسيره بن السماء تعظيماً له. والاسم الذي يخاطب به ملوك الصين طمغاجيان، ثم لقبوا بعد ذلك ملكهم بالخان. قال: ولما كان من أمر هذا الخارجي الذي ذكرناه تغلب صاحب كل عمل على عمله، وضعف ملك الصين عن مقاومتهم. وسنذكر إن شاء الله تعالى ما آل إليه ملك الصين عند ذكرنا لأخبار الدولة الجنكزخانية. والله أعلم.\r؟ملوك الترك قال المسعودي: وقد تنازع الناس في الترك وبدئهم، فذكر كثير منهم أن ولد عامور بن توبل بن يافث بن نوح لما قسم فالغ بن عابر بن أرفخشذ بن سام بن نوح الأرض بين ولد نوح كما ذكرنا في أخبار ملوك الصين ساروا يسرة المشرق، فقطع قوم منهم من ولد رعو على سمت الشمال وانتشروا في الأرض، فصاروا عدة ممالك، منهم الديلم، والجيل، والطيلسان، والتتر، وفرغانة، وأهل جبل الفتح من أنواع اللكز واللان والخزر والأبخاز والسرير وكمشك وسائر تلك الأمم المنتشرة في ذلك الصقع والأرمن إلى طرابزندة إلى بحر مانيطش ونيطش وبحر الخزر إلى البلغار ومن اتصل بهم من الأمم. وعبر ولد عامور نهر بلخ، ويمم بلا الصين الأكثر منهم وتفرقوا في تلك البلاد وانتشروا في تلك الديار، منهم الختل وهم سكان ختلان وورسنان والأسروشنة، والسغد وكانوا بين بخارى وسمرقند، ثم الفراغنة والشاش وإسبيجاب وأهل بلاد الفاراب، فبنوا المدن والضياع، وانفرد منهم ناس غير هؤلاء فسكنوا البوادي وهم الترك الخزلج والتغزغز وهم أصحاب مدينة كوشان، وهي مملكة بين بلاد خراسان والصين. قال: ومن الترك الكيماكية والبرسخانية والغزية والجفرية. قال: وأشدهم بأساً الغزية، وأحسنهم صوراً الخزلجية، وكانوا على بلاد فرغانة والشاش وما يلي ذلك الصقع. قال: وفيهم كان الملك، ومنهم خاقان الخواقين، وكان ملكه يجمع سائر ممالك الترك وينقاد إليه ملوكها.","part":4,"page":42},{"id":1543,"text":"قال: ولحق فريق من ولد عامور بتخوم الهند، فأثرت فيهم تلك البقاع فصارت ألوانهم خلاف ألوان الترك ولحقوا بألوان الهند. ولهم حضر وبواد، وسكن فريق منه بلاد التبت وملكوا عليهم ملكاً وكان ينقاد إلى ذلك الخاقان. فلما زال ملك خاقان سمى أهل التبت ملكهم بخاقان تشبيهاً بملوك الترك.\r؟جبل الفتح وما عليه من الملوك والأمم قال المسعودي: وأما جبل الفتح فهو جبل عظيم اشتمل على كثير من الممالك والأمم، وفيه اثنتان وسبعون أمة، لكل أمة ملك ولغة تخالف لغة الأخرى. وهو ذو شعاب وأودية، ومدينة الباب والأبواب على شعب من شعابه، وهي التي بناها كسرى. وعلى أحد شعاب هذا الجبل بحر الخزر مما يلي الباب والأبواب، ومملكة شروان، ويلي هذه المملكة مملكة الأرّان، وملكها يدعى الأرّان شاه. ومنها مملكة الموقانية، ومملكة اللكز، وهي أمة لا تحصى كثرة تسكن أعالي هذا الجبل، وهؤلاء ينقادون إلى ملك شروان، ومنهم كفار لا ينقادون إليه يقال لهم الدودانية جاهلية لا يرجعون إلى قبلة. ويلي ملك شروان ملك طبرستان. ومن ممالك الجبل مملكة حيزان، وهي داخلة في جملة الخزر. ومملكة الخزر تلي مملكة حيزان، وبين مملكة الخزر ومدينة الباب ثمانية أيام. ومدينة الخزر اسمها سمندر. ومن مدن الخزر أيضاً مدينة إتل بينها وبين سمندر سبعة أيام، وهي ثلاث قطع يقسمها نهر عظيم يرد من أعالي بلاد الترك، ويتشعب منه شعبة نحو بلاد البلغار ويصب في بحر مانيطش. وفي هذه المدينة خلق من المسلمين والنصارى واليهود والجاهلية. فالملك وحاشيته وجيشه من اليهود، والجاهلية بها من الصقالبة والروس، وهم يحرقون موتاهم ودواب من يموت وآلاته. وإذا مات الرجل منهم أحرقت معه امرأته، وإن ماتت المرأة لا يحرق معها الزوج. وأما المسلمون فهم جند الملك، ويعرفون باللارسية، وهم ناقلة من بلاد خوارزم كانوا قد وفدوا إلى هذه المملكة لقحط أصاب بلادهم في صدر الإسلام. فاستعان بهم الملك فأقاموا عنده على شروط، منها: أن يقيموا شعار الإسلام، وأن تكون الوزارة فيهم، وأنه إذا كانت الحرب بينه وبين المسلمين لا يحضرونها ويحاربون معه سائر الكفار. وبالمدينة قضاة سبعة: اثنان من المسلمين، واثنان للخزر يحكمان بحكم التوراة، واثنان من النصارى يحكمان بالإنجيل، وواحد من الصقالبة والروس والجاهلية يحكم بالقضايا العقلية. وإذا ورد ما لا علم لهم به من النوازل الكبار اجتمعوا إلى قضاة المسلمين فتحاكموا إليهم وانقادوا لما توجبه الشريعة الإسلامية. وليس في الملوك من عنده جند مرتزقة غير ملك الخزر.\rقال: وفي دار مملكة الخزر رجل يكون اسمه خاقان لا يركب ولا يظهر للخاصة ولا للعامة، ولا يستقيم ملك الخزر لملكهم إلا أن يكون عنده خاقان معه في قصره. فإذا أجدبت أرض الخزر أو نابت بلادهم نائبة أو حرب، جاءت الخاصة والعامة إلى ملك الخزر وقالوا له: قد تطيرنا بخاقان وبأيامه وتشاءمنا به، فاقتله أو سلمه إلينا نقتله، من غير أن يكون قد عمل ما يوجب ذلك؛ فتارة يقتله، وتارة يسلمه إليهم فيقتلونه، وتارة يمانع عنه ويرق له. وإذا قتل خاقان أقاموا غيره. قال: وللخزر زوارق يركبون فيها من نهر فوق المدينة يصب إلى نهر يقال له برطاس، عليه أمم من الترك حاضرة داخلة في جملة ملوك الخزر، وعمائرهم متصلة بين مملكة الخزر والبلغر، يرد هذا النهر من نحو بلاد البلغر. ومن بلاد برطاس تحمل جلود الثعالب السود التي يعرف وبرها بالبرطاسي. قال المسعودي: ويبلغ ثمن الجلد منها مائة دينار. وتلبسها الملوك وهو عندهم أغلى من السمور والفنك، والحمر دونها في الثمن.\rقال: وفي أعالي نهر الخزر مصب يتصل بخليج من نهر نيطش، وهو بحر للروس لا يسلكه غيرهم، وهم على ساحل من سواحله. وهي أمة عظيمة لا تنقاد إلى ملك ولا إلى شريعة. وفي أرض الروس معدن من الفضة. قال: والروس أمم كثيرة، فمنهم جنس يقال لهم البوداغية، وهم الأكثر، يختلفون بالتجارات إلى بلاد الأندلس والقسطنطينية ورومية. قال: وبين مملكة حيزان التي ذكرناها وبين الباب والأبواب أناس من المسلمين عرب لا يحسنون غير اللغة العربية في آجام هنالك وغياض وأودية وأنهار، ولهم قرى قد سكنوها، وهم على نحو من ثلاثة أميال من مدينة الباب والأبواب.","part":4,"page":43},{"id":1544,"text":"قال: ويلي مملكة حيزان مما يلي الفتح والسغد ملك يقال له برزينان مسلم، ويعرف بلد هذه الملك بالكرج. وكل ملك يلي هذه المملكة يدعى برزينان. ثم يلي مملكة برزينان ملك يقال له عينق، وهم يدينون بدين النصرانية، ولا ينقادون لملك، ولهم رؤساء. وهم مهادنون لأهل مملكة اللان. ثم يليهم مما يلي السور والجبل مملكة يقال لها زره كران. وتفسير ذلك بالعربية عمال الزرد؛ لأن أكثرهم يعملون الزرد والسيوف واللجم والركب وغير ذلك من آلات الحديد. وهم ذوو أديان مختلف من المسلمين والنصارى واليهود. وبلدهم بلد ممتنع خشن قد امتنعوا فيه ممن جاورهم من الأمم لخشونته. ثم يلي هؤلاء ملك السرير ويدعى قبلان شاه يدين بالنصرانية. ودار مملكته تعرف بخندج، وله اثنتا عشرة ألف قرية يستعبد منهم من شاء. وبلده بلد منيع. وهو شعب من جبل الفتح. وهذا الملك يغير على الخزر ويستظهر عليهم. ثم يلي هذه المملكة مملكة اللان. وملكها يقال له كركنداج، وهذا الاسم غالب على سائر ملوكهم. وكانوا جاهلية ثم دانوا بالنصرانية، ثم رجعوا فيها بعد العشرين والثلاثمائة. وصاحب اللان يركب في ثلاثين ألف فارس. ثم يلي ملك اللان أمة يقال لها كمشك. وتفسير هذا الاسم بالفارسية التيه والصلف. وهم بين جبل الفتح وبحر الروم. وهي تنقاد إلى دين المجوسية. قال: وليس في الأمم التي ذكرناها أنقى أجساداً، ولا أصفى لوناً، ولا أحسن رجالاً، ولا أصبح نساءً، ولا أقوم قدوداً، ولا أرق أخصاراً وأظهر أردافاً، ولا أحسن شكلاً من هذه الأمة. ونساؤهم موصوفات بلذة الخلوة. ولباسهن البياض والديباج الرومي والسقلاطون وغير ذلك من أنواع الديباج المذهب. واللان تستظهر على هذه الأمة إلا أنها تمتنع منها بقلاع لها على ساحل البحر. وتلي هذه الأمة على ساحل البحر أمة يقال لبلدهم السبع بلدان، وهي أمة كثيرة ممتنعة بعيدة الدار. ويلي هذه الأمة أمة عظيمة يقال لها إرم ذات العماد ذوو خلق عجيب جاهلية الآراء. ويلي هذه الأمة صحراء نحو من مائة ميل، بين جبال أربعة، كل جبل منها ذاهب في الهواء، في وسط هذه الصحراء دارة مقورة كأنها خطت ببركار، منحوتة في حجر صلد، استدارتها نحو من خمسين ميلاً قطع قائم كأنه حائط مبني، يكون قعرها نحواً من ميلين، لا سبيل إلى الوصول إلى مستوى تلك الدارة، ويرى بها بالليل نيران كثيرة في مواضع مختلفة، ويرى فيها بالنهار قرى وأنهار تجري، وفيها ناس وبهائم إلا أنهم يرون لطاف الأجسام لبعد قعر الموضع لا يدري من أي الأمم هم. ولا سبيل إلى صعودهم ولا إلى النزول إليهم من جهة من الجهات. ووراء تلك الجبال خسفة أخرى قريبة القعر فيها آجام وغياض، فيها نوع من القرود متنصبة القامات مستديرة الوجوه، الأغلب عليها صور الناس وأشكالهم إلا أنهم ذوو شعور. قال: وربما وقع في النادر منها القرد إذا احتيل عليه في اصطياده، فيكون في نهاية الفهم والدراية. وربما حمل الواحد منها إلى الملوك فيعلم القيام على رأسه بالمذبة. ولهم خاصية بمعرفة المسموم من المآكل والمشارب. فإذا دنا الطعام منها شمته ويلقى لها الشيء منه فإن أكلته أكله الملك، وإن امتنعت علم الملك أن ذلك مسموم.","part":4,"page":44},{"id":1545,"text":"قال: وفيما بين بلاد الخزر وبين بلاد المغرب أمم أربع من الترك ترجع في أنسابها إلى أب واحد، وهم حضر وبدو، ذوو منعة وبأس شديد. ولكل أمة منها ملك. ومسافة كل مملكة منها أيام، متصلة ممالكهم بعضها ببحر نيطش. وتتصل غاراتهم ببلاد رومية وما يلي بلاد الأندلس. وهي تستظهر على سائر من هنالك من الأمم. وبينهم وبين الخزر واللان مهادنة، وبلادهم تتصل بممالك الخزر. فالجيل الأول منهم يقال له نجا. ويليه بجعود. ويليه بجناك؛ وهي أشد هذه الأمم الأربع بأساً، ويليه أنوجرذد . وكانت لهم حرب مع الروم بعد العشرين والثلاثمائة. ويلي بلاد اللان أيضاً أمة يقال لها الأبخاز تدين بالنصرانية، وملك اللان مستظهر عليهم وهم متصلون بجبل الفتح. ثم يلي بلاد الأبخاز ملك الخزرية، وهم أمة عظيمة منقادة إلى دين النصرانية تدعى خزران ولها ملك. قالوا: وكانوا يؤدون الخراج إلى صاحب ثغر تفليس. وتليهم أمة يقال لها الصمصحية نصارى، ومنهم جاهلية لا ملك لهم. ويليهم بين ثغر تفليس وقلعة باب اللان مملكة يقال لها الصنبارية، وملكهم يقال له كريشكوش، ينقادون إلى النصرانية، ويزعمون أنهم من العرب من نزار بن معد. ثم يلي مملكة الصنبارية مملكة شكى وهم نصارى. ويليهم مملكة أخرى وهي مأوى الصعاليك والذعار، ثم تتصل بمملكة الموقانية وهي التي على ساحل بحر الخزر. والله أعلم بالصواب.\r////ملوك مصر ومن ملكها من الملوك قبل الطوفان وبعده، وما ينوه بها من المدن، وما أقاموه من المنارات والأهرام والبرابي وغير ذلك من المباني، وما وضعوه بها من العجائب والطلسمات والحكم، وما أثاروا من المعادن وما دبروه من الصنعة، وما شقوه وأنبطوه من الأنهار وغير ذلك من عجائبها وغير ذلك من عجائبها وأخبارها.\rفأما ملوكها قبل الطوفان فقد ذكرهم إبراهيم بن القاسم الكاتب في مختصر كتاب العجائب الكبير الذي ألفه إبراهيم بن وصيف شاه. قال: أول من ملك مصر من الملوك قبل الطوفان نقراوس، ومعناه ملك قومه وعظيمهم، وذلك أن بني آدم لما بغى بعضهم على بعض وتحاسدوا وتغلب عليهم بنو قابيل تحمل نقراوس الجبار ابن مصرايم بن براكيل بن زرابيل بن غرناب بن آدم في نيف وسبعين رجلاً من بني غرناب جبابرة، كلهم يطلبون موضعاً ينقطعون فيه من بني آدم، فلما نزلوا على النيل ورأوا سعة البلد وحسنه أقاموا فيه وبنوا الأبنية، وقالوا: هذا بلد زرع؛ وبنى نقراوس مصر وسماها باسم أبيه مصرايم ثم تركها. وكان نقراوس جباراً له يد وبسطة، وكان مع ذلك كاهناً عالماً، له معاون من الجن، فملك بني أبيه ولم يزل مطاعاً فيهم. وقد كان وقع إليه من العلوم التي كان زرابيل علمها من آدم. قال: فهو وبنوه الجبابرة الذين بنوا الأعلام، وأقاموا الأساطين العظام، وعملوا المصانع، ووضعوا الطلسمات، واستخرجوا المعادن، وقهروا من ناوأهم من ملوك الأرض ولم يطمع طامع فيهم. وكل علم جليل في أيدي المصريين إنما هو من فضل علم أولئك القوم، كان مرموزا على الحجارة. فيقال إن فليمون الكاهن الذي كان ركب مع نوح عليه السلام في السفينة هو الذي فسرها لهم وعلمهم كتابتها، وسنذكر إن شاء الله تعالى خبر فيلمون في موضعه.","part":4,"page":45},{"id":1546,"text":"قال: ثم أمرهم نقراوس حين استقر أمرهم ببناء مدينة فقطعوا الصخور والأحجار من الجبال، وأثاروا معادن الرصاص وبنوا مدينة وسموها أمسوس، وأقاموا بها أعلاماً، طول كل علم مائة ذراع، وعمروا الأرض، وأمرهم ببناء المدائن والقرى، واسكن أهل كل بيت ناحية من أرض مصر، وهم الذين حفروا النيل حتى أجروا ماءه إليهم، ولم يكن معتدل الحفر إنما كان يتسطح ويتفرق في الأرض، قال: ووجه إلى بلد النوبة جماعة حتى هندسوه وشقوا منه أنهاراً إلى مواضع كثيرة من مدنهم التي بنوها، وشقوا نهراً عظيماً إلى مدينتهم أمسوس يجري في وسطها وغرسوا عليه الغروس، فكثر خيرهم وعزت أرضهم وتجبر ملكهم. قال: وبعد مائة وعشرين سمة من ملكه أمر بإقامة الأساطين العظام وزبر عليها ذكر دخولهم البلد، وكيف نزلوا به، وحربهم لمن حاربوه من الأمم. ثم أمر ببناء قبة على أساطين مثبتة في الرصاص، طولها مائة ذراع، وجعل على رأسها مرآة من زبرجد أخضر، قطرها سبعة أشبار ترى خضرتها على أمد بعيد، قال: وفي مصاحف المصريين أنه سأل الذي كان معه أن يعرفه مخرج النيل، فحمله حتى أجلسه على جبل القمر خلف خط الاستواء على البحر الأسود الزفتي، وأراه النيل كيف يجري فوق ذلك البحر الأسود مثل الخيوط حتى يدخل تحت جبل القمر، ثم يخرج إلى بطائح هناك. ويقال: إنه عمل بيت التماثيل هناك، وعمل فيه هيكلاً للشمس. ورجع إلى أمسوس فقسم البلد بين بنيه، فجعل لنقارس الجانب الغربي، ولسورب الجانب الشرقي، ولابنه الصغير وهو مصرام مدينة سماها برسان وأسكنه فيها، وأقام فيها أساطين وشق لها نهراً وغرس بها غروساً. وعمل بامسوس عجائب كثيرة، منها صورة طائر على أسطوانة عالية، يصفر كل يوم مرتين عند طلوع الشمس وعند غروبها صفيراً مختلفاً، فيستدلون به على ما يكون من الحوادث فيتأهبون لها؛ ومخزن للماء المقسوم على جناتهم مائة وعشرين قسماً لا يقدر أحد أن يحوز ما ليس له. وعمل وسط المدينة صنمين من حجر اسود، إذا تقدم السارق لم يقدر على الزوال عنها حتى يسلك بينهما، فإذا دخل بينهما أطبقا عليه فيؤخذ. وله أعمال كثيرة سوى هذه. قال: وعمل في برسان صورة من نحاس مذهب على منار عال لا تزال عليها سحب تظلها، من استمطرها أمطرت عليه ماء، فهلكت في الطوفان.\rو عمل على حدود بلادهم أصناماً من نحاس مجوف وملأها ناراً وكبريتاً وجلب إليها روحانية النار، فإن قصدهم قاصد بسوء أرسلت تلك الأصنام من أفواهها ناراً أحرقته. وكان حد بلادهم إلى داخل الغرب مسفة أيام كثيرة عامراً كله بالقصور والبساتين، وكذلك في المشرق إلى البحر، ومن الصعيد إلى بلاد علوة.\rوعمل فوق جبال بطرس مناراً يفور بالماء يسقي ما تحته من المزارع. وملكهم مائة وثمانين سنة. فلما مات لطخوا جسده بالأدوية الممسكة، وجعلوه في تابوت من ذهب، وعملوا له ناووساً مصفحاً بالذهب، وجعلوا معه كنوزاً من أنواع الجواهر وتماثيل الزبرجد، وكنزاً من الصنعة المعمولة، وأواني الذهب والطلسمات التي تدفع الهوام وغيرها، وزربوا عليه تاريخ الوقت.","part":4,"page":46},{"id":1547,"text":"ولما مات ملك بعده ابنه نقارس بن نقراوس، فتجبر وعلا أمره، وبنى مدينة يقال لها خلجة، وعمل فيها جنة صفح حيطانها بصفائح الذهب والحجارة الملونة، وغرس فيها أصناف الفواكه والغروس الحسنة، وأجرى تحتها الأنهار، وأمر بإقامة الأساطين والأعلام، وركب عليها أصناف العقاقير والأدوية وجميع العلوم. وكان معه شيطان يعمل له التماثيل العجيبة. وهو أول من بنى بمصر هيكلاً وجعل فيه صور الكواكب السبعة، وزبر على راس كل كوكب محارته وما يعمله من المنافع والمضار، وألبسه الثياب الفاخرة وأقام له كاهناً وسدنة. وخرج مغرباً حتى بلغ البحر المحيط وعمل عليه أعلاماً، وجعل على رأس كل علم أصناماً تسرج عيونها بالليل كأنها مصابيح، ورجع على بلاد السودان إلى النيل، وأمر ببناء حائط على جانب النيل، وجعل له أبواباً يخرج الماء منها. وبنى في صحراء الغرب وراء الواحات ثلاث مدن على أساطين، وجعل شرفها من الحجارة الملونة التي تشف، وجعل في كل ناحية منها ثلاث خزائن للحكمة، وهي أول عجائب الأرض، وجعل الدخول إلى هذه المدائن من الأساطين التي بنيت عليها. ففي إحدى هذه الخزائن صنم الشمس الذي هو أعظم أصنامهم، وهي معلقة في بيت شرفها، وعلى رأسه إكليل فيه كواكبها الثابتة. وفي إحداها صنم للشمس رأسه رأس طاووس في جسد إنسان من ذهب أزرق، وعيناه جوهرتان صفراوان، وهو جالس على سرير مغنطيس، وفي يده مصحف العلوم. وفي إحداها صنم رأسه رأس إنسان وجسده جسد طائر، وصورة امرأة جالسة من زئبق معقود، لها ذؤابتان، وفي يدها مرآة وعلى رأسها صورة كوكب، وهي رافعة بالمرآة إلى وجهه، ومطهرة فيها سبعة ألوان، من الماء السائل لا يختلط بعضها ببعض ولايوارى بعضها بعضاً، وصورة شيخ من حجر الفيروزج، وبين يديه صبية يعلمهم، وهم من أصناف العقيق والجوهر. وفي الخزانة الثانية صورة هرمس يعني عطارد وهو مكب ينظر إلى مائدة بين يديه من نوشادر على قوائم كبريت أحمر، وفي وسطها مثل الصحفة من جوهر أحمر فيها دواء أخضر من الصنعة، وصورة عقاب من زمرد أخضر عيناه من ياقوت أصفر، وبين يديه حية من فضة قد لوت ذنبها على رجليه ورفعت رأسها كأنها تريد أن تنفخ عليه، وفي ناحية منها صورة المريخ راكباً على فرس وبيده سيف مسلول من حديد أخضر، وعمود من جوهر أخضر، عليه قبة من ذهب فيها صورة المشتري، وقبة من أدرك على أربعة أعمدة من جزع أزرق في سقفها صورة الشمس والقمر متحاذيين في صورة امرأة ورجل كأنهما يتحادثان، وقبة من كبريت أحمر فيها صورة الزهرة على صورة امرأة ممسكة بضفيرتها وتحتها رجل من زبرجد أخضر، في يده كتاب فيه علم من علومهم كأنه يقرأ فيه عليها. وجعل في كل خزانة من بقية الخزائن من العجائب ما لايحد، وعلى باب كل مدينة طلسمات تمنع من دخولها في صور مختلفة لا يشبه بعضها بعضاً، وفي كل مدينة من الجوهر النفيس والذهب والفضة والكبريت الأحمر والتربة الصنعية في البراني الملونة، وصنوف الأدوية النفيسة المؤلفة والسموم القاتلة. وعلم كل باب من الأساطين بعلامة يعرف بها يصعد إليها من مسارب تحت الأرض. قال: وجعل بين هذه المدائن وبين مدينة خلجة، وهي التي عمل فيها الجنة، سبعة أميال إلى الغرب، وبينها وبين الأخرى أربعة عشر ميلاً، وبين الأخرى واحد وعشرون ميلاً.\rوكان له من مدينته إلى هذه المدائن أسراب تحت الأرض يصل منها إليها، وكذلك من بعضها إلى بعض. وعمل عجائب كثيرة أزالها الطوفان، وركبت هذه الأرض الرمال فأزالت طلسماتها. قال: وملك نقارس مائة وسبع سنين ثم هلك فعمل له ناووس، وجعل معه من الأشياء العجيبة ما يطول الأمر بذكره.","part":4,"page":47},{"id":1548,"text":"ثم ملك بعده أخوه مصرام بن نقراوس، فبنى للشمس هيكلاً من المرمر الأبيض وموهه بالذهب، وجعل وسط الهيكل كالعرش من جوهر ازرق عليه صورة الشمس من ذهب أحمر وأرخى عليها كلل الحرير الملون، وأمر أن يوقد عليها بطيب الأدهان، وجعل في الهيكل قنديلاً من الزجاج الصافي، وجعل فيه حجراً مدبراً يضيء كما يضيء السراج واكثر منه ضوءاً، وأقام له سدنة، وعمل له سبعة أعياد في السنة. وقيل: إن مصر سميت به. وتسمى به مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح بعد الطوفان لأنه وجد اسمه مزبوراً على الحجارة. وكان فليمون الكاهن أخبرهم أخبار هؤلاء الملوك. وكان مصرام هذا قد ذلل الأسد في وقته فكان يركبها. وصحبه الروحاني الذي كان مع أبيه لما رأى من حرصه على لوازم الهياكل والقيام بأمور الكواكب، وأمره أن يحتجب عن الناس. وألقى على وجهه بسحره نوراً عظيماً لا يقدر أحد أن يتمكن من النظر إليه. فادعى أنه إله، وغاب عن الناس ثلاثين سنة، واستخلف عليهم رجلاً من ولد غرناب وكان كاهناً. ويقال: إن مصرام ركب في عرش وحملته الشياطين حتى انتهى إلى وسط البحر الأسود، فعمل فيه القلعة الفضة وجعل عليها صنمين من النحاس وزبر عليها: أنا مصرام الجبار، كاشف الأسرار، الغالب القهار، صنعت الطلسمات الصادقة، وأقمت الصور الناطقة، ونصبت الأعلام الهائلة على البحار السائلة، ليعلم من بعدي أنه لا يملك أحد ملكي، وكل ذلك في أوقات السعادة.\rوكان قد عمل في جنته شجرة مولدة يؤكل منها جميع الفواكه، وقبة من زجاج أحمر على رأسها صنم يدور مع الشمس، ووكل بها شياطين إذا اختلط الظلام نادوا: لا يخرج أحد من منزله حتى يصبح وإلا هلك، وكان أول من عمل له ذلك.\rو أمرهم أن يجتمعوا له، وجلس لهم في مجلس عال مزين بأصناف الزينة وتجلى لهم في صورة هالتهم وملأت قلوبهم رعباً، فخروا على وجوههم ودعوا له. فأمر بإحضار الطعام والشراب فأكلوا وشربوا ورجعوا إلى مواضعهم ثم لم يروه بعد. وبلغ بكهانته ما لم يبلغه أحد من آبائه.\rثم ملك بعده عنقام الكاهن؛ فعدل فيهم، وعمل مدينة عجيبة قرب العريش جعلها لهم حرساً. وقيل: إن إدريس عليه السلام رفع في زمانه. قال: ويحكى عنه أهل مصر حكايات كثيرة تخرج عن العقول. وكان قد رأى في علمه كون الطوفان، فأمر الشياطين التي تصحبه أن تبنى له مكاناً خلف خط الاستواء بحيث لا يلحقه الفساد، فبنى له القصر الذي في سفح جبل القمر، وهو قصر النحاس الذي فيه التماثيل، وهي خمسة وثمانون تمثالاً، يخرج ماء النيل من حلوقها وينصب إلى بطيحة.\rولما عمل له ذلك القصر أحب أن يراه قبل أن يسكنه، فجلس في قبته وحملته الشياطين على أعناقها إليه. فلما رأى حكمة بنيانه وزخرفة حيطانه ومافيه من النقوش وصور الأفلاك والكواكب، وغير ذلك من صنوف العجائب وكان يسرج بغير مصابيح، وتنصب فيه موائد يوجد عليها من كل الأطعمة ولايدري من يعملها، وكذلك الأشربة في أوان، يستعمل منها ولاتنقص. وفي وسطه بركة من ماء جامد الظاهر ترى حركته من وراء ما جمد منه، وأشياء كثيرة من هذا النوع وإن كانت تنبو عن العقول أعجبه ما رأى، ورجع إلى مصرفاً مستخلف ابنه عرناق وأوصاه بما يريده وقلده الملك، ورجع إلى ذلك القصر فأقام به حتى هلك هناك.\rوإليه تعزى مصاحف القبط التي فيها تواريخهم وجميع ما يجري إلى آخر الزمان.\rقالوا: ولم تطل مدة ملكه.\rثم ملك بعده ابنه عرناق بن عنقام. ملك بعد أبيه وعمل عجائب كثيرة، منها شجرة صفر فيها أغصان حديد بخطاطيف حادة إذا تقرب منها الظالم والكاذب تقربت إليه تلك الخطاطيف فتعلقت به وشكت بدنه ولم تفارقه حتى يحدث عن نفسه بالصدق ويعترف بظلمه ويخرج عن ظلامة خصمه. وعمل صنماً من صوان أسود وسماه عبد قزويس، أي عبد زحل، فكانوا يحتكمون إليه، فمن زاغ عن الحق ثبت في مكانه فلم يقدر على الخروج منه حتى ينصف من نفسه ولو أقام سنة أو أكثر. ومن كانت له حاجة منهم أو طلب شيئاً بخر الصنم ليلاً ونظر إلى الكواكب وذكر اسم عرناق وتصرع فيصبح وقد وجد حاجته على باب منزله. قال: وكان عرناق ربما حملته أطيار عظام وتمر به وهم يرونه. وكان ربما غضب على ناس فجعل ماءهم مراً لا يذاق، وسلط عليهم وحوش الأرض وسباعها وهوامها. قال:","part":4,"page":48},{"id":1549,"text":"و تجرأ على صيد السباع والوحوش، وعمل عجائب، منها انه عمل شجرة من حديد ذات أغصان لطخها بدواء مدبر، فكانت تجتلب كل صنف من الوحش. قال: وفي كتب المصريين أن هاروت وماروت كانا في وقته وعلما أهل مصر أصنافاً من السحر، ونقلا بعد الطوفان إلى بابل. وكان عرناق يجتلب النساء بسحره ويغتصبهن، وكان يسكن الجنة التي عملها نقارس، فاحتالت عليه امرأة من المغصوبات فسمته فهلك وبقي مدة لا يعرف خبره. وكان من رسمه - إذا خلا بنسائه - لا يقربه أحد، فلما تأخر خبره عن الناس هجم عليه فتىً من بني نقراوس يقال له لوخيم ومعه نفر من أهله، فوجدوه ملقى في فراشه جيفة. فأمر أن توقد له ناراً فأحرقه فيها. وجمع النسوة اللواتي كن في الجنة، فمن كانت من نسائه تركها، ومن كانت من المغصوبات سرحها إلى أهلها، ففرح الناس بذلك وبما نزل به.\rوملك بعده لوخيم وجلس على سرير الملك ولبس تاج أبيه، وأمر بجمع الناس وقام فيهم وتكلم وذكر ما كان عليه عرناق الأثيم من سوء السيرة واغتصاب النساء وسفك الدماء، ورفض الهياكل والاستخفاف بالكهنة إلى أن هلك، وأنه أحق بتراث أبيه وجده. وضمن للناس العدل والإحسان والقيام بأمرهم ودفع كل أذى عنهم. فرضى الناس به وأطاعوه وقالوا: أنت أحق بالملك، ولازلت دائم السعادة طويل العمر قائماً بتجويد الهياكل وتعظيمها. فركب إلى هيكل الشمس فقرب له بقراً كثيراً، وسار في الناس بالعدل. قال: وكانت الغرانيق قد كثرت في زمن عرناق فأهلكت زروع الناس. فعمل لوخيم أربعة منارات من نحاس في أربعة جوانب أمسوس، وجعل على كل منارة صورة غراب في فمه قد التوت عليه فلم يقربهم شيء من تلك الطيور، فكانت كذلك حتى أزالها الطوفان.\rقال: ومن ملوكهم خصليم وهو أول من عمل مقياساً لزيادة الماء؛ وذلك أنه جمع أصحاب العلوم والهندسة فعملوا بيتاً من رخام على حافة النيل، وجعل في وسطه بركة من نحاس صغيرة فيها ماء موزون، وعلى حافتي البركة تمثال عقابين من نحاس ذكر وأنثى. فإذا كان في أول الشهر الذي يزيد فيه الماء فتح باب البيت وحضر الكهان وأمناء الملك وتكلموا بكلام لهم حتى يصفر أحد العقابين، فإن صفر الذكر كان الماء زائداً، وإن صفرت الأنثى كان الماء ناقصاً، ثم يعتبرون الماء فكل إصبع يكون في تلك البركة فهو ذراع من زيادة النيل، وكل إصبع ينقص فهو نقصان ذراع. فإذا علموا ذلك حفروا الترع وأصلحوا الجسور. وعمل على النيل القنطرة التي هي ببلاد النوبة. وكان له ابن سماه هرصال، أي خادم الزهرة، لرؤيا كانت رأتها أخت الملك أ، الزهرة تخاطبها، وكفلت الغلام عمته، واسمها خرداقة، وأدبته أحسن التأديب، وزوجته عشرين امرأة من بنات الملوك والعظماء، وبنت له مدينة فيها عجائب كثيرة، احتفلت بها وزينتها بأحسن النقوش والزينة والعمارة، وعملت فيها حماماً معلقاً على أساطين يرتفع الماء إليها حاراً من غير وقيد. ولما هلك خصليم دفن في ناووس.\rثم ملك بعده ابنه هرصال بن خصليم فتحول إلى المشرق وسكنه، وبنى مدينة هي إحدى المدائن ذوات العجائب، وعمل في وسطها صنماً للشمس يدور بدورانها ويبيت مغرباً ويصبح مشرقاً. ويقال: إنه عمل ن تحت النيل سرباً. وهو أول من عمل ذلك. وخرج متنكراً يشق الأمم إلى أن بلغ بابل، ورأى ما عمل الملوك من العجائب. وعلم حال ملكها في الوقت وسيرته ومجاري أموره. ويقال: إن نوحاً عليه السلام ولد في وقته. قال: وولد لهرصال عشرون ولداً، جعل مع كل ولد منهم قاطراً وهو رأس الكهنة، وتزعم القبط أنه بعد مائة وسبع وعشرين سنة من ملكه لزم الهياكل وتعبد للكواكب فأخفته عن أعين الناس. وأقام بنوه على حالهم كل واحد منهم في قسمه الذي أعطاه إياه يدبره ولا يشركه فيه غيره. وأمور الناس جارية على سداد، فأقاموا كذلك سبع سنين. ثم وقع بين الإخوة تشاجر، واجتمع رأي الكهنة على أن يجعلوا أحدهم ملكاً، ويقيم كل واحد منهم في قسمه. فاجتمعوا في ذلك اليوم في دار المملكة، وقام رأس الكهان فتكلم وذكر هرصال وسعادة أيامه وما شملهم فيها من الخير، وأخبر بما رأته الجماعة من تقليد أحدهم الملك. فإن كان هرصال لم يمت ورجع إليهم لم ينكر ما فعلوه لأنهم أرادوا بذلك حفظ ملكه، وإن لم يرجع كان الأمر قد جرى على ما سلف من قيام ملك بعد ملك فاجتمع رأيهم على أكبر ولده وهو:","part":4,"page":49},{"id":1550,"text":"ندسان بن هرصال. فملك وسار سيرة أبيه وحمد الناس أمره. وعمل قصراً من خشب ونقشه باحسن النقوش، وصور فيه صور الكواكب ونجده بالفرش وحمله على الماء وكان يتنزه فيه. فبينما هو فيه إذ زاد النيل زيادة عظيمة وهبت ريح عاصف فانكسر القصر وغرق الملك. وكان قد نفى إخوته إلى المدائن الداخلة في الغرب. واقتصر على امرأة من بنات عمه، وكانت ساحرة، فتفرد بها واستخلف بعض وزرائه على الملك وأقبل على لذته ولهوه. فلما هلك كتمت امرأته الساحرة موته، وكان أمرها ونهيها يخرجان إلى الوزير عن الملك. وأقام الناس تحت طاعته سبع سنين لا يعلمون بأمره. فلما رأى إخوته طول غيبته جمعوا جموعاً كثيرة وقدموا على أنفسهم أحدهم وهو شمرود الجبار وساروا إلى أمسوس. وبلغ ذلك امرأة ندسان الساحرة فأمرت الوزير بالخروج إليهم ومحاربتهم، ففعل ذلك ولقيهم فمزقوه وقتلوا كثيراً ممن كان معه، ودخلوا مدينة أمسوس، وأتوا دار المملكة فلم يروا ندسان وأيقنوا بهلاكه.\rوملك شمرود بن هرصال فسر الناس به، ووعدهم بحسن السيرة فيهم وتغيير ما كانوا ينكرونه على أخيه. واستولى على كنوزه وخزائنه ففرقها على إخوته، وأقطعهم جميع ما كان في يد ندسان. وطلب امرأته الساحرة وابنها ليقتلهما، فانتقلت إلى مدينة أهلها من الصعيد، وكانوا كلهم كهاناً سحرة، فامتنعت بهم، وأرسلت إلى الناس وعرفتهم أن ابنها الملك في وقته؛ لأن أباه قلده الملك وأمرها أن تدبر أمره حتى يكبر، فصدقوها وأجابوها وقالوا: إن الغلام مغصوب على ملك أبيه، وإن شمرود متغلب. فاجتمع في ناحيتها جماعة من أهل البلد وزحف ابن الساحرة وقد عمل له السحرة أصنافاً من التخاييل الهائلة والنيران المحرقة، فقامت الحرب بينهم أياماً، فانهزم شمرود وإخوته وتعلقوا ببعض الجبال.\rوملك توميدون بن ندسان وهو ابن الساحرة. ودخل دار الملك وجلس على السرير ولبس التاج الذي كان لأبيه وأطاف به بطانة أبيه، وهو يومئذ حدث السن، وكانت أمه تدبر أمره، فقتل كل من كان مع شمرود. وطلب شمرود حتى ظفر به، واجتمع الناس لينظروا ما يصنع به، فشد رأسه برأس أسطوانة قائمة، ورجلاه برأس أسطوانة أخرى. وكان طوله فيما يذكر القبط عشرين ذراعاً، ووكلت الساحرة به حرساً لتقتله يوم عيدها، وكان قريباً، فصاح بالليل صيحة مات منها بعض الحرس وهرب الباقون، فلما اتصل بها ذلك أوقدت ناراً وأمرت بإنزاله وجعلت تقطع منه عضواً عضواً وترميه في النار. قال: وخرج ابنها كاهناً منجماً، وعملت له الشياطين قبة الزجاج الكبيرة الدائرة على دوران الفلك، وصوروا عليها صور الكواكب، وكانوا يعرفون الطالع منها وما يحدث بطلوعه بعد ستين سنة. ثم ماتت أمه الساحرة وأوصت أن يجعل جسدها تحت صنم القمر فإنه يخبرهم بالعجائب وما يسألون عنه ففعلوا ذلك وذل الناس لابنها وهابوه، وكان يتصور لهم في صور كثيرة، وملكهم مائة سنة وستين سنة. ولما حضره الموت أمرهم أن يعملوا له صنماً من زجاج على شقين ويطبق على جسده بعد أن يطلى بالأدوية الممسكة ويلحم ويقام في هيكل الأصنام، ويجعل له عيد في السنة ويقترب له قربان، وتدفن علومه وكنوزه تحته، ففعلوا ذلك كله.","part":4,"page":50},{"id":1551,"text":"ولما مات ملك بعده ابنه شرناق بن توميدون، فعمل بسيرة أبيه وجدته، واجتمع الناس عليه. وزحف رجل من بني صرابيس بن إرم من ناحية العراق، فتغلب على الشام، وأراد أن يزحف إلى مصر، فعرف أنه لا يصل إليها لسحر أهلها، فأراد أن يدخلها متنكراً ليقف على أحوالها، فخرج في نفر حتى بلغ الحصن الذي كانوا بنوه على مصر. فسألهم الحرس الموكلون به عن أمرهم، فعرفوهم أنهم قصدوا بلدهم ليسكنوه، فحبسوهم وطالعوا الملك بخبرهم. وكان الملك قد رأى في منامه كأنه قائم على منار لهم عال، وكأن طائراً عظيماً انقض عليه ليختطفه، فحاد عنه حتى كاد يسقط عن المنارة فجاوزه ولم يضره، فانتبه مرعوباً، وبعث إلى رأس الكهنة فقص عليه رؤياه، فعرفه أن ملكاً يطلب ملكه فلا يصل إليه. فنظر في علمه فرأى أنه قد دخل بلده. فلما وردت الرسل بذكر القوم علم أن الملك فيهم؛ فوجه جماعة من أصحابه فاستوثقوا منهم وحملوهم إليه، وقد كان أمرهم أن يطوفوا بهم في أعمال مصر كلها ليروا فيها من الطلسمات والأصنام المتحركات والعجائب المعجزات، فبلغوا بهم إلى الاسكندرية، ثم ساروا بهم إلى أمسوس وطيف على عجائبها. ثم سير بهم إلى الجنة التي عملها مصرام، وكان الملك مقيماً بها وأمر السحرة بإظهار التهاويل والتخابيل، فجعلوا يتعجبون مما رأوا إلى أن وصلوا إلى شرناق الملك والكهنة حوله وقد أظهروا صنوف العجائب، وجعلوا بين يدي الملك ناراً عظيمة لا يصل إليه إلا من خاضها ولا تضر إلا من أضمر للملك غائلة، وأمر بدخولها، فشقوها واحداً واحداً لم ينلهم منها أذى، وكان الملك آخرهم، فلما دنا من النار أخذته فولى هارباً. فأتى به شرناق فسأله عن أمره فأقر، فأمر بقتله على أسطوانة عند باب الحصن من ناحية الشام، فقتل وزبر عليه: هذا فلان المتغلب على الشام أضمر غائلة الملك، طلب ما لا يصل إليه فعوقب بهذا. وأمر بإخراج الباقين من بلاده فأخرجوا. وقيل لهم: قد وجب عليكم القتل لصحبتكم من أراد الفساد في الأرض، ولكن الملك عفا عنكم. فكانوا لا يمرون على أحد إلا حدثوه بما رأوا من العجائب، فانقطعت أطماع الملوك عن الوصول إلى مصر والتعرض إليها، وعملت في أيامه عجائب كثيرة، منها أنه عمل على باب كل مدينة بطة نحاس قائمة على أسطوانة، فإذا دخل الغريب من الباب صفقت بجناحيها وصرخت، فيؤخذ ويكشف عن أمره. وشق إلى مدائن الغرب نهراً من النيل، وبنى على عبره منازل وأعلاماً وغرس بينها غروساً، وكان إذا خرج إليها سار في عمارة متصلة، وملكهم مائة سنة وثلاثين سنة ثم مات.","part":4,"page":51},{"id":1552,"text":"وملك بعده ابنه سهلوق بن شرناق، وكان كاهناً منجماً، فأفاض العدل وقسم ماء النيل قسماً موزوناً، صرف إلى كل ناحية قسمها، ورتب المراتب وجعلها على سبعة أقسام: فالطبقة الأولى الملك وولده وأهل بيته ومن يلي عهده ورأس الكهان والوزير الأكبر وقائد الجيش الأكبر وصاحب خاتم الملك وصاحب خزانته. والطبقة الثانية مراتب العمال والمتولين جباية الأموال والإشراف على النفقات في أمر المملكة ومصالح البلد والعمارات وقسمة المياة. والطبقة الثالثة الكهان وأصحاب الهياكل وخدمتها ومتولو القرابين والمشرفون على جميع ما يتقرب به من بواكير الفواكه والرياحين وفتى البقر والفراريج الذكور ورءوس خوابي الشراب. والطبقة الرابعة المنجمون والأطباء والفلاسفة. والطبقة الخامسة أصحاب عمارة الأرض ومتولو أمر الزراعة. والطبقة السادسة أصحاب الصناعات والمهن في كل فن، والمشرفون على أعمالهم ونقل ما يستحسنون منها إلى خزانة الملك. والطبقة السابعة أصحاب الصيد من الوحش والسباع والطير والهوام والخشاش، والمشرفون على أخذ دمائها ومرائرها وشحومها وحملها إلى الأطباء لإصلاح العقاقير وتأليق الأدوية. وتقدم ألا يدخل أهل مهنة ولا صناعة في غيرهم، ومن قصر في عمله عوقب، ومن أحسن في عمله جوزى بقدره. وكانت رتبة الألحان والملاهي في قسمة الملك: وتقدم في استنباط المعادن وبناء المدائن ونصب الأعلام والمنارات وإبداع الصناعات وجر المياه وتوليد غرائب الأشجار. وأقام على أعالي الجبال سحرة يقسمون الرياح ويمنعون من يقصدهم ويقصد بلادهم بأذى، وكذلك كل مفسد من طائر وسبع ووحش وهوام، وأجرى أمر البلاد والناس على سداد، وجعل في كل صنف من الناس صنفاً من الكهنة يعلمونهم الدين، ودينهم يومئذ الصابئة الأولى. ويرفع كل صنف منهم ما يجري من أمر ما يتولونه إلى الملك في كل يوم. وعمل البيت ذا القباب النورية الثلاث، وأوقد فيه النار الدائمة تعظيماً للنور. والقبط تزعم أنه أول من وضع بيتاً لتعظيم النار.\rوقيل: إن جم الفارسي إنما بنى بيت النار - وهو أول من عمل ذلك للفرس - اقتداء بسهلوق مصر. وكان السبب في عمل سهلوق بيت النار أنه رأى أباه في نومه يقول له: انطلق إلى جبل كذا من جبال مصر فإن فيه كوة من صفتها كذا وكذا، وإنك واجد على باب الكوة أفعى لها رأسان، وإنها إذا رأتك كشت في وجهك، فليكن معك طيران صغيران، فإذا رأيت الأفعى فاذبحهما لها وألقهما إليها، فإنه يأخذ كل رأس من رأسيها أحد الطيرين وتتنحى إلى سرب قريب من الكوة فتدخله، فإذا غابت عنك فادخل الكوة فإنك تنتهي إلى آخرها إلى صورة امرأة جميلة الخلق، وهي من نور حار يابس، وسوف يقع عليك وهجها وتحس بحرارة شديدة، فلا تقرب منها فتحترق، وقف وسلم عليها فإنها تخاطبك فاسكن إلى خطابها، وانظر ما تقوله لك فاعمل به، فإنك تشرف بذلك. وهي حافظة كنوز جدك مصرام التي رفعها إلى مدائن العجائب المعلقة وهي تدلك عليها. وتنال مع ذلك شرفاً في بلدك وطاعة في قومك، ثم مضى وتركه.\rفلما انتبه سهلوق جعل يفكر فيما رأى ويتعجب منه، ورأى أن ينفذ ما أخبره به أبوه، فمضى إلى الجبل وحمل الطيرين معه وفعل جميع ما أمره أبوه إلى أن وقف حذاء المرأة وسلم عليها، فقالت له: أتعرفني؟ قال: لا، لأني ما رأيتك قبل وقتي هذا.","part":4,"page":52},{"id":1553,"text":"قالت: أنا صورة النار المعبودة في الأمم الخالية، وقد أردت أن تحيي ذكرى وتتخذ لي بيتاً وتوقد فيه ناراً دائمة بقدر واحد، وتتخذ لها عيداً في كل سنة تحضره أنت وقومك فإنك تتخذ بذلك عندي يداً وتنال به شرفاً وملكاً إلى ملكك، وأمنع عنك وعن بلدك من يطلبك ويعمل الحيلة عليك، وأدلك على كنوز جدك مصرام. فلما سمع ذلك منها ضمن لها أن يفعل، ودلته على الكنوز التي كانت لجدة تحت المدائن المعلقة، وكيف يصير إليها ويمتنع من الأرواح الموكلة بها وما يبخرها به. فلما فرغ من ذلك قال لها: كيف لي بأن أراك في الأوقات وأسألك عما أريده، أأصير إليك في هذا المكان أو غيره؟ قالت: أما هذا المكان فلا تقدر بعد وقتك هذا عليه؛ لأن الأفعى التي رأيتها فيه قيمته لأن فيه آية تمنع أن يوقف عليها في وقتنا هذا، ولكن إن أحببت أن تراني فدخن في البيت الذي تعمله لي بكذا وكذا: أشياء ذكرتها له، منها: عظام ما يقربه له من القرابين والذبائح والصموغ، فغني أتخيل لك وأخبرك بكل حق وباطل مما يكون في بلدك. فلما سمع ذلك منها سر به وغابت عنه، وظهرت الأفعى وخرج هارباً وجعل على الكوة سداً، وعمل ما أمرته به وأخرج كنوز جده.\rوعمل من العجائب بأمسوس وغيرها ما يطول شرحه. وعمل القبة المركبة على سبعة أركان، ولها سبعة أبواب، على كل باب صورة معمولة، وكان يقال لها قبة القصر. وكان السبب في بنائها أن بعض الكهان جار في قضية قضى بها؛ وذلك أن بعض العامة أتاه يشكو امرأته - وكان يحبها والمرأة تبغضه - وسأله أن يقومها له، وكانت المرأة من أهل بيت الكاهن، فمالأها على زوجها، وأمره بتخليتها فلم يفعل، فحبسه وشدد عليه، وكان من أهل الصناعات، فاجتمع جماعة من أهل صنعته ممن كان قد عرف حال المرأة معه وأنها له ظالمة وهو لها منصف، فوقفوا على ظلم الكاهن فاستعدوا عليه عند خليفة الملك. فاحضر الكاهن وسأله، فذكر أنه لم يحكم إلا بواجب. فأحضر رؤساء الكهنة والقوم الذين شهدوا للرجل، فوقف على ظلم الكاهن فأحرج الرجل وحبس الكاهن مكانه، وأمر بعقوبة المرأة وردها إلى زوجها ورفع ذلك إلى الملك، فأمر بإخراج الكاهن من رسم الكهانة، وأن يعاقب ويحبس إلى أن يرى فيه رأيه. واهتم الملك لذلك وخشي أن يجري من غير ذلك الكاهن في أمر الرعية مثل ما جرى منه، فبات مهموماً. ثم فكر في أمر النار، فأتى إلى بيت النار ودخن بالدخنة التي أمرته بها، فأتته وخاطبته. فسألها أن تعمل له عملاً يقف به على حقيقة أمر المظلوم من الظالم، فأمرته أن يعمل بيتاً مركباً على سبعة أركان ويجعل له سبعة أبواب في كل ركن باب، ويعمل في وسطه قبة من صفر، ويصور عليها صور الكواكب السبعة، ويعمل تحت القبة مطهره من جوهر ملون، ويجعل فيها سبعة أدهان من أشجار مختلفة؛ وتكون القبة معلقة على سبعة أساطين، ويعمل على الباب الأول تمثال أسد رابض، وحذاءه من الجانب الآخر لبؤة رابضة من صفر ويقرب لهما جرو أسد ويبخرهما بشعره. وعلى الباب الثاني صورة ثور وبقرة ويذبح لهما عجلاً ويبخرهما بشعره. وعلى الباب الثالث صورة خنزير وحذاءه خنزيرة ويذبح لهما خنوصاً ويبخرهما بشعره. وعلى الباب الرابع صورة فرس وحجر ويذبح لهما مهراً ويبخرهما بشعره.","part":4,"page":53},{"id":1554,"text":"وعلى الباب الخامس صورة ثعلب وحذاءه أنثاه ويذبح لهما جرو ثعلب ويبخرهما بوبره وعلى الباب السادس صورة حمار وحذاءه أتان ويذبح لهما فروجاً وينخرهما بشعرة. وعلى الباب السابع ديك وحذاءه دجاجة ويذبح لهما فروجاً ويبخرهما بريشه. ويلطخ وجوهها جميعاً بدم ما يذبح. ثم يحرق بقية القربان ويجعل تحت عتب أبوابها وتغلق الأبواب، ويقام للبيت سدنة يوقدونه ليله ونهاره. فإذا فرغ ذلك يتكلم على باب الكواكب السبعة، فإني سوف ألقى روحانية الكواكب على تلك الصور فتنطق. وإذا فرغت من ذلك فاجعل لكل مرتبة من المراتب التي قسمتها باباً من تلك الأبواب، وليكن باب الأسد لأهل بيت المملكة، وسائر الأبواب لسائر المراتب. فإذا تقدم الخصمان إلى شيء من تلك الصور التصقت بالظالم وشدت عليه شداً عنيفاً يؤلمه حتى يخرج لخصمه من حقه، الذكر للذكر، والأنثى للأنثى، فيعرف بذلك المظلوم من الظالم، ومن كان له قبل أحد حق ودعاه إلى تلك الصور فلم يجئ معه فأتاه المظلوم، وقد عرف الصورة ذلك، أقعد الظالم من رجليه وخرس لسانه ولم يتحرك. فاستراح الملك إلى تلك الصورة. ولم تزل على ذلك حتى أزالها الطوفان مع ما أزال من أعمالهم وطلسماتهم وعجائبهم. وعملت في أيام سهلوق أعمال كثيرة، وكتبت سيرته وما عمل من العجائب في مصحف. وعمل عقاقير كثيرة وتماثيل ومحركات وصنعة، وأمر أن يحمل ذلك كله إلى ناووس عمله لنفسه في الجبل الغربي ونقل إليه حكمه. وهلك بعد أن ملك تسعاً وستين سنة وحمل إلى ناووسه، وأقام أهل المملكة ووجوه المدينة ونساؤهم عند ناووسه شهراً يبكون عليه ويتوجعون عنده، واغتموا عليه غماً لم يغتموه على ملك قبله، وأقاموا لناووسه سدنة يخدمونه.\rوملك بعده ابنه سوريد بن سهلوق؛ وكان أبوه قد قلده الملك قبل مهلكه، فملك واقتفى سيرة أبيه في العمارة ومصالح البلد والإنصاف بين الناس والأخذ لهم من نفسه وأهل بيته، وعمل الهياكل وبنى المنارات، ونصب الأعلام والطلسمات فأحبه الناس.\rوبنى بالصعيد ثلاث مدائن وعمل فيها عجائب كثيرة. وهو أول من جبى الخراج بمصر، وألزم أهل الصناعات على أقدارهم، وأول من أمر بالإنفاق على الزمني والموضى من خزائنه. وعمل مرآة من أخلاط كان ينظر منها جميع الأقاليم ما اخصب منها وما أجدب وما حدث فيها، وكانت المرآة على منارة من النحاس وسط مدينة أمسوس، وكان يعلم من المرآة من يقصد مدينته من جميع النواحي فيتأهب له. وهو أول من عمل صحيفة في كل يوم يكتب فيها جميع ما يكون في يومه وما يعمله ويرفع إليه، ثم يخلد في خزانته يوماً بيوم. وإذا مضى الشهر نقلت إلى مصحف الملك وختمه بخاتمه، وما صلح أن يزبر على الحجارة زبره: وكذلك ما عمل من الصنائع وما احدث منها. وكان يعطي الرغائب على الصناعات العجيبة والحكم الغريبة. وعمل في المدائن صورة امرأة جالسة في حجرها صورة صبي كأنها ترضعه، فمن أصابتها على بجسمها مسحت ذلك الموضع من جسد تلك الصورة فيزول عنها ما تجد، وكذلك إن قل لبنها مسحت ثديها، وإن أحبت أن يعطف عليها زوجها مسحت وجهها بدهن طيب وقالت افعلي كذا وكذا، وإن قلت حيضتها مسحت فوق ركبها، وإن كثر دمها ونزفت مسحت تحت ركبها، وإن أصاب ولدها شيء فعلت مثل ذلك بالصبي فيبرأ، وإن عزت ولادتها ومسحت رأس الصبي سهلت ويسهل افتضاضها، وإذا بخرته ومسحته بدهن طيب منع جميع التوابع. وإذا وضعت الزانية يدها عليها ارتعدت حتى تكف عن زناها. وما كان من أعمال الليل بخرت ليلاً، وما كان من أعمال النهار بخرت نهاراً. وكانت تعمل أعمالاً كثيرة إلى أن أزالها الطوفان.\rقال: وفي بعض كتب القبط أنها وجدت بعد الطوفان وأنهم استعملوها وعبدوها.\rوصورتها مصورة في جميع البرابي، واسمها نبلوية، والذي دلهم عليها قرابة فليمون الكاهن. قال: وعمل سوريد عجائب كثيرة، منها الصنم الذي يقال له نكرس المعمول من عدة أخلاط كان يعمل أعمالاً كثيرة في الطب ودفع الأسقام والعلل، ويعرفون به من تبرئة الأدوية فيعيش، وإن كان يموت فله علامات فيقصرون عن علاجه، وكانوا يغسلون المواضع التي بإزاء أعضاء العلل منه ويسقى لصاحب الداء فيزول عنه. وهو أول من عمل الأفروثنات وزبر فيها جميع العلوم. وهو الذي بنى الهرمين الكبيرين.\rبناء الأهرام\rوسبب بنائها وشيء من عجائبها","part":4,"page":54},{"id":1555,"text":"قال: كان بناء الأهرام قبل الطوفان بنحو ثلاثمائة سنة. وقد ذكرنا فيما سلف من كتابنا هذا نبذة من خبر الأهرام في الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الأول؛ وذلك في السفر الأول من هذه النسخة. ونحن الآن نذكر من خبرها خلاف ما قدمناه مما أورده إبراهيم بن القاسم الكاتب مما اختصره من كتاب العجائب الكبير لإبراهيم بن وصيف شاه. قال: كان سبب بنائها أن الملك سوريد رأى رؤيا أفزعته؛ رأى كأن الأرض انقلبت بأهلها، وكأن الناس يخرون على رءوسهم، وكأن الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعضاً بأصوات هائلة مفزعة، فغمه ذلك ولم يذكره لأحد، وعلم أنه سيحدث في العالم أمر عظيم. ثم رأى بعد ذلك بأيام كأن الكواكب الثابتة نزلت إلى الأرض في صور طيور تنصب، وكأنها لتخطف الناس وتلقيهم بين جبلين عظيمين، وكان الجبلين انطبقا عليهم، وكأن الكواكب النيرة مظلمة كاسفة، فانتبه أيضاً مذعوراً فزعاً، فدخل إلى هيكل الشمس وجعل يمرغ خديه ويبكي. ولما أصبح أمر بجمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصرفاً فاجتمعوا، وكانوا مائة وثلاثين، فخلا بهم وقص عليهم رؤياه، فأعظموه وأكبروه وأولوه على أمر عظيم يحدث في العالم. فقال لهم فليمون - وكان من كبارهم وكان لا يبرح من حضرة الملك لأنه رأس كهنة أمسوس - : إن في رؤيا الملك لعجباً وأمراً كبيراً، والملوك رؤياهم لا تجري على فساد ولا كذب لعظم أخطارهم، وكبر أقدارهم. وأنا أخبر الملك عن رؤيا رأيتها منذ سنة لم أذكرها لأحد من الناس. فقال له الملك: قصها علينا. قال: رأيت كأني مع الملك على راس المنار الذي في أمسوس، وكأن الفلك قد انحط من موضعه حتى قارب سمت رءوسنا، وكان علينا كالقبة المحيطة بنا، وكأن الملك قد رفع يديه نحو السماء وكواكبها قد خالطتنا في صور مختلفة، وكأن الناس يستغيثون بالملك وقد انضموا إلى قصره، وكأن الملك رافع يديه ليدفع الفلك أن يبلغ رأسه، وأمرني أن أفعل فعله ونحن على وجل شديد، إذ رأينا منه نوراً مضيئاً طلعت علينا منه الشمس، فكأنا استغثنا بها، فخاطبتنا بان الفلك سيعود إلى موضعه إذا مضت ثلاثمائة دورة، وكأن الفلك لصق بالأرض ثم عاد إلى موضعه، ثم انتبهت فزعاً. فعند ذلك قال لهم الملك: خذوا ارتفاع الكواكب فانظروا هل من حادثة تحدث. فنظروا فأخبروه بأمر الطوفان وبعده بذكر النار التي تخرج من برج الأسد تحرق العالم، فذكروا له أن ذلك يكون في وقت عينوه له من مقارنات النجوم ونزولها في الأبراج على ما حرروه من الدقائق، وشرحه إبراهيم في كتابه مما لا فائدة لنا في ذكره. قال: فلما تبين ذلك له أمر بقطع الأساطين العظام ونشر البلاط الكبير المصفح، واستخراج الرصاص من أرض المغرب، وإحضار الصخور السود التي جعلها أساساً من ناحية أسوان، وكانت تحمل على أطواف. وقيل: كانت لهم فراقل من خوص لها عذب وعليها كتابة منقوشة، فكانوا إذا ضربوا بها الحجارة عدت على وجه الأرض وحدها مقدار رمية سهم حتى وضعت الأساسات.\rوأمر أن يزبر على البلاط المنشور المهندم جميع علومهم. ثم بنى الأهرام الثلاثة الأول: الشرقي والغربي، والملون، فكانوا يجعلون في وسط البلاطة قلب حديد قائماً ويركبون عليه بلاطة أخرى مثقوبة الوسط، ثم يدخل ذلك القلب الحديد في ثقب البلاطة التي تطبق عليه، ويذاب الرصاص ويصب حول البلاطة بعد أن تؤلف الكتابة التي عليها. وجعل أبوابها من تحت الأرض بأربعين ذراعاً في آزاج مبنية بالحجارة في الأرض، طول كل أزج مائة وخمسون ذراعاً. قال: فأما باب الهرم الشرقي فإنه من الناحية الجنوبية على قياس مائة ذراع من وسط حائط الهرم إلى الناحية الجنوبية، ويحفر حتى ينزل إلى باب الأزج ثم يدخل إليه منه.\rوأما باب الهرم الغربي فمن الناحية الغربية يقاس أيضاً من وسط الحائط الغربي إلى الغرب مائة ذراع، ويحفر حتى ينزل إلى باب الأزج المبني ويدخل منه إليه.","part":4,"page":55},{"id":1556,"text":"وأما باب الهرم الملون فمن الناحية البحرية يقاس أيضاً من وسط الحائط البحري مائة ذراع، ويحفر حتى ينزل إلى باب الأزج. وجعل طول كل واحد منها أربعمائة ذراع بالملكي، يكون خمسمائة بذراعنا. وجعل تربيع كل واحد أربعمائة ذراع. وبناها في الاستواء إلى أربعين ذراعاً ثم هرمها. وكان أول بنائهم لها في أوقات السعادة، فلما فرغ منها كساها ديباجاً ملوناً من أعلاها إلى أسفلها، وعمل لها عيداً عظيماً لم يبق في المملكة أحد إلا حضره. ثم أمر بعمل ثلاثين جرناً من حجارة الصوان ملونة فجعلت في الهرم الغربي، ونقل إليها من الكنوز والأموال والجواهر المعدنية، والجواهر المسبوكة الملونة، والآلات الزبرجد، والتماثيل المعمولة والطلسمات، والحديد الفاخر، والسلاح الذي لا يصدا، والزجاج الذي ينطوي ولا ينكسر، والنواميس والمولدات والدخن وأصناف العقاقير والمؤلفات والسموم وغير ذلك شيئاً كثيراً لا يدرك وصفه. ونقل إلى الآخر وهو الشرقي أصنام الكواكب والقباب الفلكية، وما عمل أجداده من التماثيل والدخن التي يتقرب بها لها ومصاحفها، وما عمل لها من التواريخ والحوادث التي مضت، والحوادث التي تحدث، والأوقات التي تحدث فيها، ومن يلي مصر من الملوك إلى آخر الزمان، وكون الكواكب الثابتة وما يحدث بكونها وقتاً وقتاً، وجعل فيها المطاهر التي فيها المياه المدبرة والبودقات الدهنية وما أشبه هذه الأشياء. وجعل في الهرم الآخر أجساد الكهنة في توابيت من الصوان الأسود، وعند كل كاهن منهم مصحف فيه عجائب صناعته وسيرته وما عمل في وقته. وكانوا سبع مراتب. فالمرتبة الأولى القاطرون، وهم الذين يعبدون الكواكب السبعة لكل كوكب سبع سنين، ومعنى القاطرون جامع العلوم. والمرتبة الثانية لمن يعبد ستة من الكواكب، وهم اللاحقون بالدرجة الأولى. ثم يسمون صاحب الخمسة وما دونها كل واحد باسم، فجعل في كل ناحية من الهرم مرتبة من هذه المراتب، فأجسادهم هناك وما عملوا من العجائب. وجعل في الحيطان من كل جانب مما يدور أصناماً تعمل بأيديها جميع الصنائع على مراتبها وأقدارها، وصفة كل صنعة وعلاجها وما يصلح لها، وكذلك أصحاب النواميس ومن عالج شيئاً من الأشياء وجعل فيها أموال الكواكب التي أهديت إليها الكواكب وأموال الكهنة. وجعل لكل هرم منها خادماً، فخازن الهرم الشرقي صنم من جزع أسود مجزع بأسود وأبيض له عينان مفتوحتان براقتان وهو جالس على كرسي، ومعه شبيه بالحربة، إذا نظر إليه الناظر سمع من جهته صوتاً كالرعد يكاد يفزع قلبه، فيهيم على وجهه ويختلس عقله، ولا يكاد يفارق الهرم حتى يموت فيه. وجعل خازن الهرم الآخر من حجر الصوان المجزع، معه شبيه بالحربة، وعلى رأسه حية تطوق بها، من قرب منه وثبت عليه من ناحيته وتطوقت في عنقه فقتلته ثم تعود إلى مكانها. وجعل خازن الهرم الثالث صنماً صغيراً من حجر البهتة على قاعدتيه، من نظر إليه اجتذبه إليه حتى يلتصق به فلا يفارقه حتى يموت. فلما فرغ من ذلك حصنها بالأرواح وذبح لها الذبائح لتمنع عن نفسها من أرادها إلا من قرب إليها وعمل لها أعمال الوصول فإنه يصل إليها. قال: وذكر القبط أنه كتب عليها اسم الملك والوقت الذي بناها فيه، ويقول: إنا بنيناها في ست سنين فقل لمن يأتي بعدنا يهدمها في ستمائة سنة فإن الهدم أهون من البنيان. وإنا كسوناها الديباج الملون المذهب المرقوم بالذهب فقل لمن يأتي بعدنا يكسوها حصيراً. فنظروا فوجدوا أحداً لا يقوم بهدمها وكسوتها لأنه لا يستطاع ذلك ولا يقدر عليه.","part":4,"page":56},{"id":1557,"text":"قال: وحكى عن هذه الأهرام عجائب يطول الشرح بذكرها؛ منها أن المأمون لما دخل إلى مصر أحب أن يهدم أحدها ليعلم ما فيها، فقيل له: إنك لا تقدر على ذلك. فقال: لا بد من فتح شيء منه. فعولجت الثلمة المفتوحة منه فأنفق عليها مالاً كثيراً لنار توقد وخل يرش ومنجنيقات ترمي بها، فوجد عرض الحائط قريباً من عشرين ذراعاً. فلما انتهوا إلى داخل الهرم وجدوا خلف الحائط عند النقب مطهرة خضراء فيها ذهب مضروب دنانير، وزن كل دينار أوقية من أواقينا، وكان عددها ألف دينار، فعجبوا من ذلك ولم يعرفوا ما معناه، ثم أتى المأمون بالذهب والمطهرة فجعل يتعجب من الذهب وحسنه وجودته وحمرته، فقال: ارفعوا لي حساب ما أنفقتموه على هذه الثلمة ففعلوا، فوجده بإزاء المال الذي أصابوه لا يزيد ولاينقص. فعجب المأمون من معرفتهم على طول المدد بأنهم سيفتحونه من ذلك الموضع بعينه، ومعرفتهم بمقدار ما ينفق عليه وتركهم مقداره في موضعه، فقال: كان هؤلاء القوم من العلوم بمنزلة لا ندركها نحن ولا أمثالنا. وقيل: إن المطهرة التي وجد فيها الذهب كانت من زبرجد، فأمر المأمون بحملها إلى خزانته، وكانت أحد ما حمل من عجائب مصر.\rومن عجائب أخبارها أن المأمون لما فتح الهرم أقام الناس سنين يقصدونه ويدخلون فيه وينزلون الزلاقة التي فيه، فمنهم من يسلم ومنهم من يهلك.\rوأن جماعة من الأحداث اهتموا، وكانوا عشرين رجلاً، على أن يدخلوا الهرم ولا يبرحوا منه حتى يقفوا على منتهى أمره، فاخذوا معهم من الطعام والشراب ما يكفيهم لشهرين، وأخذوا السكك والحبال والشمع والوقيد والفئوس والقفاف ودخلوا الهرم، ونزل أكثرهم في الزلاقة الأولى والثانية، ومضوا في أرض الهرم فرأوا فيه خفافيش بقدر العقبان تضرب وجوههم، فانتهوا إلى لصب في حائط تخرج منه ريح باردة لاتفتر، فذهبوا ليدخلوا فانطفأت سرجهم، فجعلوها في زجاج وذهبوا ليدخلوا فكاد اللصب ينطبق عليهم فهابوه فقال أحدهم: اربطوا وسطي بحبل وأنا أدخل، فإذا كاد اللصب ينطبق فجروني إليكم، وكان على باب اللصب، أجرته فارغة يعلمون أن أجساد موتاهم داخل ذلك اللصب فربطوه بالحبل، فلما تقحم اللصب انطبق عليه فجره أصحابه فلم يقدروا على نزعه وسمعوا عظامه تتكسر، وسمعوا صيحة هائلة فسقطوا على وجوههم لا يعقلون. فلما أفاقوا طلبوا الخروج فأخرجهم أصحابهم بشدة، وسقط بعضهم في وقت صعودهم من الزلاقة فنزل، وخرجوا من الهرم فجلسوا في سفحه متعجبين، فإنهم كذلك إذا أخرجت لهم الأرض صاحبهم يتكلم بكلام كاهني فسره لهم بعض أصحاب الديارات بالصعيد: هذا جزاء من يطلب ما ليس له؛ ثم سقط ميتاً، فحملوه وفطن بهم فاخذوا وأتى بهم إلى الوالي فحدثوه بالخبر.","part":4,"page":57},{"id":1558,"text":"وفي خبر آخر: أن قوماً دخلوا الهرم وانتهوا إلى أسفله وطوفوه فعرض لهم مثل الطريق فساروا فيه فوجدوا قبة تحتها كالمطهرة يقطر فيها ماء فينش ثم يغيض ولم يدروا ما هو، ووجدوا موضعاً كالمجلس المربع حيطانه كلها بحجارة ملونة عجيبة، فقلع أحدهم منها حجراً وجعله في كمه فانسدت أذناه من الريح، ولم تزل تصر وهو معه، ووجدوا مكاناً كالفوارة العظيمة فيها ذهب مضروب كثير يكون الدينار منه زهاء مائة مثقال، فأخذوا منه شيئاً فلم يستطيعوا أن يمشوا ولم يتحركوا حتى تركوه من بين أيديهم. ووجدوا في مكان آخر كالصفة فيها شيخ من حنتم أخضر كأنه مشتمل بشمله، وبين يديه تماثيل صغار في صور الصبيان وكأنه يعلمهم، فاخذوا منه شيئاً فلم يقدروا أن يتحركوا فردوه، ومشوا أيضاً في ذلك الطريق فوجدوا بيتاً مسدوداً فيه دوي هائل وزمزمة فلم يتعرضوا له، ومضوا فوجدوا كالمجلس المربع فيه صورة ديك من جواهر معمولة، قائم على أسطوانة خضراء، وله عينان يسرج منهما المجلس، فلما قربوا منه صوت بصوت مفزع وخفق بجناحيه، فتركوه ومضوا حتى بلغوا صنماً من حجر أبيض في صورة امرأة منكسة على رأسها ومن جانبيها أسدان من حجارة كأنهما يريدان نهسها، فجعلوا يتعوذون ويقرءون إلى أن جاوزوها. قال: وقيل إنهم مشوا حتى لاح لهم نور فاتبعوه فإذا بفوهة مفتوحة فخرجوا منها فإذا هم في صحراء، وإذا على باب تلك الفوهة تمثالان من حجر أسود معهما كالمزراقين فعجبوا من ذلك. ووجدوا أجرنه منقورة وأسطوانات مخروطة، فساروا منها بعدا فانتهوا إلى ماء وجدوه في نقار حذاء تلك الفوهة، واخذوا نحو المشرق فساروا يوماً حتى وصلوا الأهرام من خارج فأخبروا والي مصر بخبرهم، فوجه معهم من يدخل من تلك الفوهة، فطافوا فلم يجدوها وأشكل عليهم أمرها. ووجد الآخذ للحجر الحجر جوهراً نفيساً فباعه بمال.\rقال: وحكى أن قوماً في زمن احمد بن طولون دخلوا الهرم فوجدوا في طاق في أحد بيوته أستاندانة زجاجاً ثخينة فأخذوها وخرجوا، ففقدوا رجلاً منهم فدخلوا في طلبه، إذ خرج عليهم الرجل عرياناً يضحك ويقول: لا تتعبوا في طلبي، ورجع هارباً إلى أن دخل، فعلموا أن الجن استهوته وشاع أمرهم، فاخذوا الاستاندانة منهم ومنع الناس من الدخول إلى الهرم، ووزنت الأستاندانة فكانت أربعة أرطال زجاجاً أبيض صافياً، فانتبه رجل من أهل المعرفة لها وقال: لم تعمل إلا لشيء، وملأها ماء ووزنها فوجد وزنها وهي ملأى مثل وزنها فارغة لا تزيد ولا تنقص فكانت أعجوبة.\rوحكى أن قوماً دخلوا الهرم ومعهم من يريدون يعبثون به، فلما هموا بذلك خرج عليهم غلام أسود أمرد في يده عصا فأخذ في ضربهم، فخرجوا هاربين وتركوا ما كان معهم من طعام وشراب وبعض ثيابهم.\rوحكى أن رجلاً دخل بامرأة ليفجر بها فصرعا جميعاً ولم يزالا مجنونين مشهورين حتى ماتا.\rقال: وفي بعض مصاحف القبط أن سوريد الملك لما أخبره كهنته بخبر النار المحرقة وأنها تخرج من برج الأسد فتحرق العالم، عمل في الأهرام مسارب موجهة إلى آزاج ضيقة تجتلب الرياح إلى داخل بصوت هائل. وعمل فيها مسارب يدخل منها ماء النيل ينتهي إلى موضع من أرض الغرب وأرض الصعيد، وملا تلك الأسراب عجائب وطلسمات وأصناماً تنطق.\rقال: وحكى بعض القبط أن سوريد لما أخبره منجموه قال: انظروا لبلدنا هذا هل تلحقه آفة؟ فنظروا فقالوا: يلحقه طوفان ويلحقه خراب يقيم فيه عدة سنين وتغلب عليها التنانين. قال: كيف يكون خرابها؟ قالوا: يقصدها ملك فيقتل أهلها ويغنم مالها ويهدم مصانعها. قال: ثم ماذا؟ ثم تكون عمارتها من قبله. قال: ثم ماذا؟ قالوا: ثم يقصدها قوم مشوهون من ناحية مصب النيل فيأتون على أكثرها. قال: ثم ماذا؟ قالوا: ثم ينقطع نيلها ويجلو أهلها عنها؛ فأمر أن يكتب جميع ذلك على الأهرام.\rقال: وذكر رجل من أهل الغرب ممن يختلف إلى ألواح ويحمل الشمار على جمل له أنه بات في بعض الليالي قرب الهرم فما زال يسمع الضوضاء والعطعطة فهاله ذلك وتباعد عنه بجمله، وكان يرى حول الهرم شبه النيران تأتلق، فلم يزل مرعوباً إلى أن سرقته عيناه فنام وأصبح وهو في الموضع الذي جمع منه الشمار وشماره موضوع بحاله، فتعجب من ذلك وشد شماره على جمله ورجع إلى الفسطاط وآلى على نفسه ألا يقرب من الهرم بعد ذلك.","part":4,"page":58},{"id":1559,"text":"قال: والقبط يذكرون أن روحانية الهرم الغربي في صورة امرأة عريانة مكشوفة الفرج حسناء لها ذؤابتان، فإذا أرادت أن تستفذ الإنسي ضحكت إليه فاختلسته إلى نفسها فيدنو منها فتستهويه ويزول عقله. قال: وقد رأى جماعة هذه المرأة تدور حول الهرم وقت القائلة وعند غروب الشمس. وروحانية الهرم الشرقي غلام أمرد أصفر عريان له ذؤابة. قال: وقد رأوه أيضاً يطوف حوله. وروحانية الهرم الملون في صورة شيخ يرى عليه برطلة وفي يده مجمرة من مجامر الكنائس وهو يبخر كذلك في جميع الأفروثنات.\rوأما روحانيات البرابي: فبربا إخميم روحانيتها غلام أسود عريان، وروحانية بربا قفط في صورة جارية سوداء تحمل صبياً أسود صغيراً. وروحانية بربا دندرة في صورة إنسان رأسه رأس أسد وله قرنان. وروحانية بربا بوصير في صورة شيخ أبيض عليه زي الرهبان ومعه مصحف يحمله. وروحانية بربا سمنود في صورة شيخ آدم طوال أشيب صغير اللحية. وروحانية بربا عدى في صورة راع عليه كساء ومعه عصا. وهذه البربا في أعمال المرتاحية من عمل أشمون طناح بقرب تلبانة عدي.\rقال: ولكل من هذه الأهرام والبرابي قرابين وبخورات تظهر كنوزها وتؤلف بين الناس والروحانيين الذين بها.\rولنرجع إلى أخبار الملوك قال: وأقام سوريد في الملك مائة سنة وسبع سنين، وقد كان منجموه عرفوه الوقت الذي يموت فيه واليوم والساعة، فأوصى إلى ابنه هرجيب وعرفه ما يعمل، وأمره أن يدخل جسده الهرم، وأن يجعله في الجرن الذي أعده لنفسه وبغشيه بكافور، ويحمل معه ما أعده من فاخر الثياب والسلاح والآلات، فامتثل جميع ما أمره به.\rولما مات ملك بعده ابنه هرجيب بن سوريد فسار بسيرة أبيه في العدل والعمارة والرأفة بالناس، فاحبوه. وبنى الهرم الأول من أهرام دهشور وحمل إليه من المال والجوهر. وكان غرضه جمع المال وعمل الكيمياء واستخراج المعادن ودفن ما تهيأ له من الكنوز في كل سنة. وكانت له ابنة أفسدت مع بعض خدمه فنفاها إلى ناحية الغرب، وأمر أن تبنى لها مدينة هناك ويقام عليها علم ويزبر عليها اسمها، وأسكن معها كل امرأة مسنة من أهل بيته. قال: وشج رجل رجلاً فأمر بقطع أصابعه، ووجد سارقاً من العامة رقه الذي سرق منه، وعمل منارات ومصانع وطلسمات، وملكهم نيفاً وسبعين سنة.\rوملك عليهم بعده ابنه منقاوش بن هرجيب وكان جباراً أثيماً فآذى الناس وسفك الدماء واغتصب النساء واستخرج كنوز آبائه، وبنى قصوراً بالذهب والفضة وأجرى فيها الأنهار، وجعل حصباءها من صنوف الجواهر، وتخرق في الهبات وأغفل العمارات فأبغضه الناس، وأباح أصحابه غصب نساء العامة، وأطاف به أهل الشر من كل ناحية، وكان يفترع الناس قبل أزواجهن، وامتنع عليه قوم في شيء أمرهم به فأحرقهم بالنار، وسلط رجلاً من الجبارين اسمه قرناس من ولد ورداديس بن آدم على الناس ووجهه لمحاربة الأمم الغربية فقتل منهم أمماً.\rوكان أشجع أهل زمانه ثم هلك، فاغتم عليه الملك أمر أن يدفن مع الملوك في الهرم. ويقال: بل عمل له ناووساً وأقام عنده أعلاماً وزبر عليها اسمه وما عمله في وقته. وملك منقاوش ثلاثاً وسبعين سنة ومات، فجعل في الهرم مع أجداده في حوض مرمر مصفح بالذهب والجوهر، وحمل معه كثير من ذخائره وأمواله وسلاحه وعجائبه.\rوملك بعد ابنه أقروش بن منقاوش، وكان عاقلاً فخالف آثار أبيه وعدل في الناس ورد النساء اللاتي غصبهن منقاوش إلى أهلهن. وعمل في وقته فوارة قطرها مائة ذراع وطولها خمسون ذراعاً، وركب في جميع جوانبها أطياراً تصفر بأصناف اللغات المطربة لا تفتر. وعمل في وسط المدينة منارتين من صفر عليهما صورة رأس إنسان من صفر كلما مضت ساعة من النهار صاح ذلك الرأس صياحاً عالياً، وكذلك الليل، فيعلم به دخول الساعات، وجعل فيه علامة لكل ساعة تمضي تعرف بها عدتها.","part":4,"page":59},{"id":1560,"text":"وعمل مناراً آخر وجعل على رأسه قبة صفر مذهب ولطخها بلطوخات، فإذا غربت الشمس اشتعلت تلك القبة ناراً يضيء بها أكثر المدينة لا تطفئها الأمطار ولا الرياح، فإذا كان النهار قل ضوءها بضوء الشمس. ويقال: إنه أهدى الدرمسيل بن محويل الملك ببابل مائدة من الزبرجد قطرها خمسة أشبار، وكان استهداه ذلك ليجعلها في بيت القربان. ويقال إنها وجدت بعد الطوفان. ويقال أيضاً: إنه عمل على الجبل الشرقي صنماً عظيماً قائماً على قاعدة وهو مصبوغ بلطوخ أصفر مصور بالذهب ووجهه إلى الشمس يدور معها حتى تغرب، ثم يدور ليلاً إلى الناحية الجنوبية حتى يحاذي الشمس مع الصبح، فلم يزل إلى أن سقط في أيام فرغان الملك فتهشم. وكان نصبه تعظيماً للشمس. ويقال: إن أقروش كان يطلب الولد فنكح ثلاثمائة امرأة يبتغي الولد منهن فلم يكن ذلك. وقيل: إن في عصره عقمت الأرحام لما أراد الله عز وجل من هلاك العالم بالطوفان، وعقمت أرحام البهائم ووقع الموت فيها.\rوقيل إن الأسد كثرت في وقته حتى كانت تتخلل البيوت، فاحتالوا لها بالطلسمات المانعة والحيل المضرة لها، فكانت تغيب وقتاً وتعود، فرفعوا ذلك إلى الملك فقال: هذه علامة مكروهة، وأمر أن تعمل أخاديد وتملا ناراً واجتروا إليها الأسد بالدخن التي تجلب روحانيتها وألقوها على تلك النيران، فاجتلبتها تلك الدخن فتهافتت في تلك النيران فاحترقت. وبنى في وقته مدائن في ناحية الغرب تلفت بالطوفان مع أكثر مدنهم.\rقال: وارتفعت الأمطار عنهم وقل الماء في النيل فأجدبوا، وهلك الزرع بالنار والريح الحارة وغيرها، فأضر ذلك بهم، فاحتالوا لدفع النار بطلسماتهم فكانت تذهب وتعود. وقيل: إن الذي فعل بهم ذلك ساحر من سحرتهم كان منقاوش غضبه امرأته فكان يعمل الحيلة قللاً قليلاً في إفساد طلسماتهم؛ لان لكل طلسم شيء تبطل به روحانيته. وبهذه العلة دخل بختنصر الفارسي مصر وقد كانت ممتنعة من جميع الملوك. فلما أفسد ذلك الساحر الطلسمات، سلط عليهم تلك الآفات وأفسد طلسمات التماسيح فهاجت عليهم ومنعتهم الماء وعذبهم عذاباً كبيراً إلى أن فطنوا من قبل تلاميذه؛ وذلك أن أحدهم لامه على فعله فانتهره ونفخ في وجهه فأظلم عليه بصره، فجاء إلى وزير الملك وعرفه القصة فأنهاها إلى الملك، فأمر الملك بإدخاله عليه فأدخل، فسأله عن الخبر فعرفه بفعل الساحر، فأنفذ إليه جيشاً ليأتوه به، فلما نظر الساحر إلى القوم وقد أقبلوا دخن دخنة أغشت أبصارهم وارتفعت منها عجاجة نار أحرقت وحالت بينه وبينهم، فهالهم ذلك، فرجعوا إلى الملك وعرفوه ما جرى فأمر بجمع السحرة، وكان من رسم السحرة أن يعاهدوا ملوكهم على أن يكونوا معهم ولا يخالفونهم ولا ينالهم منهم مكروه ولا يبغونهم الغوائل، فمن فعل ذلك سلب علمه، وكان للملك أن يسفك دمه ودم أهل بيته وولده، وكانوا مع الملوك على هذه الحال يوفون بعهودهم. فلما اجتمع السحرة عند الملك أخبرهم خبر الساحر، وكان يقال له: أختاليس، وبما عمله وقال: تحضرونه إلي وإلا أهلكتكم؛ فسألوه النظرة فأنظرهم، فاخذوا أولادهم ونساءهم وخرجوا هاربين، فلما خرجوا عنه تكلموا بينهم وقالوا: إنكم لتعرفون كثرة علم أختاليس وشدة سحره، وما نرى لنا به طاقة، ومنقاوش الملك الذي نقض عهده وتعدى عليه وأخذ امرأته غصباً، فاحتالوا لخلاصكم منه؛ فأجمعوا أنهم يصدقون الملك عن أنفسهم، ويستأذنونه في الذهاب إليه ومداراته حتى يأتوه به بعد أن يأخذوا له أماناً منه ويجدد العهد بينه وبينه.\rفمضوا إلى الملك وصدقوه عن أنفسهم، فأجابهم إلى ما سألوه من ذلك، ثم مضوا إلى أختاليس فلطفوا به ووعظوه إلى أن أجابهم إلى ما أرادوا، فكتبوا إلى الملك بذلك، فكتب للساحر أماناً وعهداً، فرجع وردت إليه امرأته، فأكرمها وردها إلى دار الملك، وعرفهم أنه لا يرى في ذمته أن يلابس امرأة لابسها الملك على حال من الأحوال لما كانوا يراعونه من حقوق الملك، فسر الناس بذلك وعجبوا من عقله وحكمته، وصلح أمر الناس، وعمل أختاليس طلسمات وعجائب كثيرة. قال: وملكهم أقروش أربعاً وستين سنة، وهلك وليس له ولد ولا أخ، فدفن في الهرم وجعلت معه أمواله وذخائره وجواهره والصنائع التي عملت في وقته، واجتمع الناس على تمليك رجل من أهل بيت الملك.","part":4,"page":60},{"id":1561,"text":"فملكوا عليهم أرمالينوس، فلما ملك أمر بجمع الناس وقال: أرى الأمم الغربية قد تطرقت إليكم في نواحيكم، ويوشك أن تسير إليكم، وأنا مانع لبلادكم ودمائكم منهم بغزوهم والخروج إليهم وتحويلكم إياهم، وأحتاج إلى معونة من حكمائكم بالأعمال الهائلة والتخابيل العجيبة، فشكروه ودعوا له بالتوفيق. وقالت الحكماء: نحن نخرج مع الملك إذا خرج ونبلغ له مجابه أو يقيم ونحن نخرج مع الجيش مكانه ونبذل أنفسنا دونه. فامتنع من ذلك وخرج في جيش عظيم وحارب تلك الأمم ونكأ فيها أعظم نكاية، ورجع غانماً وخلف في وجوههم جيشاً، فاجتمعت تلك الأمم فهزمت جيشه ورجع أصحابه مغلوبين فعظم ذلك عليه. وكانت أصابته علة من تغير الهواء فأنفذ ابن عم له يقال له فرعان بن مسور، وكان أحد الجبابرة الذين لا يطاقون، وهو أول فرعون تسمى بهذا الاسم ومن سمى بعده سمي تشبيهاً به؛ فأنفذه الملك أرمالينوس في جيش عظيم فأجلى تلك الأمم ونفاها إلى أطراف البحر، وعاد ومعه خلق كثير من الأسرى والرءوس، فأمر الملك بنصب تلك الرءوس حول مدينته وقتل جميع الأسرى. وكان منهم كاهن فأمر الملك أن يوشر بمنشار، وهو أول من فعل ذلك، فأعلم الملك فرعان وألبسه خلعاً منظومة بالجوهر، وأمر بأن يطاف به ويذكر فضله، وأمر له ببعض قصوره.\rواتفق أن امرأة من نساء الملك عشقته وراسلته فامتنع فرغان من ذلك وفاءً للملك، ولأن التحظي إلى نساء الملوك كان من الأمور العظيمة عندهم. فلما طال ذلك عليها أحضرت ساحره ولاطفتها وذكرت لها حالها ووجدها بفرعان، فضمنت لها بلوغ مآربها منه وسحرته لها، فاهتاج إليها وندم على ردها وجعل يدس إليها إلى أن اجتمعت معه، وتمكن حب كل واحد منهما من صاحبه، إلى أن ذاكرته أمر الملك وأنها لا تأمن أن يتصل به خبرهما وقالت: أنا أعمل الحيلة في قتله وتكون أنت الملك وأكون لك ونأمن على أنفسنا. فمن شدة ما عنده من حبها حسن لها ذلك، فسمت الملك في شرابه فمات لوقته وحمل إلى الهرم.\rوملك بعده فرعان بن مسور وجلس على سرير الملك فلم ينازعه أحد، وفرح الناس بمكانته لشجاعته. وهو الذي كان الطوفان في وقته. قال: ولما ملك علا في الأرض وتجبر واغتصب الناس أموالهم وأنفسهم ونساءهم، وعمل ما لم يعمله ملك قبله؛ وأسرف في القتل وهابته الملوك وأقروا له. وهو الذي كتب إلى الدرمسيل ملك بابل يشير عليه بقتل نوح عليه السلام.\rوذلك أن الدرمسيل بن محويل كتب إلى الأقاليم يسألهم: هلى يعرفون آلهة غير الأصنام؟ ويذكر قصة نوح وأنه يريد تغيير ذلك، وأن له إلهاً غيرها، فكل أنكر ذلك. ولما اخذ نوح في بناء السفينة كتب فرعان إلى الدرمسيل يشير عليه بإحراقها، وكان عند أهل مصر خبر الطوفان ولكنهم لم يقدروا كثرته وطول مقامه على الأرض، فاتخذوا السراديب تحت الأرض وصفحوها بالزجاج وحبسوا فيها الرياح بتدبيرهم، واتخذ فرعان منها عدة له ولأهل بيته. وكان فرعان قد أقصى الكهان وباعدهم، وكانوا مع الملوك على خلاف ذلك. ولنصل هذا الخبر بخبر الكهان وما كانوا عليه.\rكهان مصر\rوحالهم مع الملوك قال: وكهان مصر أعظم الكهان علماً، وأجلهم في الكهانة حديثاً. وكان حكماء اليونان يصفونهم بذلك، ويشهدون لهم به ويقولون: أخبرنا حكماء مصر بذلك فاستنفدناه منهم. وكانوا ينحون في كهانتهم نحو الكواكب، ويزعمون أنها هي التي تفيض عليهم العلوم وتخبرهم بالغيوب، وهي التي علمتهم أسرار الطبائع، ودلتهم على العلوم المكنونة؛ فعملوا الطلسمات المشهورة، والنواميس الجليلة، وولدوا الولادات الناطقة، والصور المتحركة؛ وبنوا العالي من البنيان، وزبروا علومهم في الصلب من الصوان، وانفردوا بعمل البرابي، ومنعوا بها الأعداء من بلدهم، وعجائبهم ظاهرة. وكان الذي يتعبد منهم الكواكب السبعة المدبرة لكل كوكب سبع سنين، فإذا بلغ هذه الرتبة سمى قاطراً، وكان يجلس مع الملك في المرتية ويصدر الملك عن رأيه، وإذا رآه قام له.","part":4,"page":61},{"id":1562,"text":"وكان من رسمهم في كل يوم أن يدخل القاطر إلى الملك فيجلس إلى جانبه، ويدخل الكهنة ومعهم أصحاب الصناعات فيقفوا حذاء القاطر، وكل واحد من الكهنة منفرد يكوكب يخدمه لا يتعداه إلى سواه، ويسمى عبد كوكب كذا، كما كانت العرب تسمى عبد شمس، فيقول القاطر للكاهن: أين صاحبك؟ فيقول: في البرج الفلاني في الدرجة الفلانية في دقيقة كذا، ويسأل الآخر حتى إذا عرف مستقر الكواكب قال للملك: ينبغي لك أن تعمل اليوم كذا، وتضع بنيان كذا، وتوجه جيشاً إلى ناحية كذا، وتجامع في وقت كذا، وتأكل في وقت كذا، وجميع ما يراه صلاحاً له في أموره كلها؛ والكاتب قائم يكتب جميع ما يقوله القاطر، ثم يلتفت إلى أهل الصناعات فيقول: انقش أنت صورة كذا على حجر كذا، واغرس أنت كذا، واصنع أنت كذا، حتى يمر على أهل الصناعات؛ فيخرجون إلى دار الحكمة ويضعون أيديهم في تلك الأعمال، ويستعمل الملك جميع ما يأمره القاطر. ويشرح ذلك اليوم في الصحيفة وتطوى وتودع في خزانة الملك، فعلى ذلك كانت تجري أمورهم.\rوكان الملك إذا نابه أمر جمعهم واصطف الناس لهم في شارع المدينة، ثم يدخلون ركباناً يقدم بعضهم بعضاً، ويضرب بين أيديهم بطبل الاجتماع، فيدخل كا واحد منهم بأعجوبة: فمنهم من يعلو وجهه نور كنور الشمس فلا يقدر أحد على النظر إليه، ومنهم من يكون عليه بدنة جوهر أخضر أو أحمر من ذهب منسوج. ومنهم من يدخل راكباً أسداً متوشحاً بحيات عظام. ومنهم من تكون عليه قبة من نور أو من جوهر في صنوف من العجائب كثيرة. ويصنع كل واحد منهم ما يدله عليه كوكبه الذي يعبده؛ فإذا دخلوا على الملك قالوا: أرادنا الملك لأمر كذا وقد علمنا، أو أضمر الملك كذا والصواب فيه كذا. فكانوا مع ملوكهم على هذه الحال حتى ملك فرعان فأبعدهم. وكان فليمون رئيس الكهان، فرأى فيما يرى النائم كأن مدينة أمسوس قد انقلبت بأهلها، وكأن الأصنام تهوي على روءسها، وكأن ناساً ينزلون من السماء معهم مقامع فيضربون الناس بها، وكأنه قد تعلق بأحدهم وقال له: مالكم تفعلون بالخلق هذا! أما ترحمونهم؟ فقال: لأنهم كفروا بإلههم. قال: أفما لهم من خلاص؟ قالوا: نعم، من أراد الخلاص فليلحق بصاحب السفينة، فانتبه وهو يخاطبه، فبقي مرعوباً مما رآه. وكان له امرأة وولدان ذكر وأنثى ومعه تلاميذه، فأجمع على أن يلحق بنوح عليه السلام، ثم نام أيضاً فرأى كأنه في روضة خضراء، وكأن فيها طيوراً بيضاء تفوح منها رائحة طيبة، وكأنه تعجب من حسنها إذ تكلم بعض الطيور فقال لأصحابه: سيروا بنا ننج المؤمنين. قال له فليمون ومن هؤلاء المؤمنون؟ قال: أصحاب السفينة. فانتبه مرعوباً وأخير أهله وتلاميذه بذلك ثم نام.\rفلما كان الغد أتى الملك فقال: إن رأى الملك أن ينفذني إلى درمسيل لأعرف حال هذا الرجل الذي عمل السفينة فأشاهده أناظره على ما جاء به من هذا الدين الذي أظهره وأتبين حقيقة أمره فليفعل؛ فإني أرجو أن يكون ذلك سبباً لهلاكه ودفعه عما يدعيه، فاعجب الملك ذلك منه وأذن له في الخروج، فسار بأهله وولده وتلاميذه حتى انتهوا إلى أرض بابل وقصد نوحاً وسأله أن يشرح له دينه ففعل ذلك، فآمن به وجميع من معه، فقال نوح عليه السلام: من أراد الله عز وجل به الخير لم يصدفه أحد عنه. فلم يزل فليمون مع نوح عليه السلام يخدمه هو وولده وتلاميذه إلى أن ركبوا السفينة.\rوأما فرعان الملك فإنه أقام منهمكاً في ضلاله وظلمه، مقبلاً على لهوه، واستخف بالكهنة والهياكل، وضاقت الدنيا بأهلها، وكثر الهرج والظلم، وفسدت الزروع، وأجدبت النواحي، وظلم الناس بعضهم بعضهم بعضاً، ولم يكن أحد ينكر ذلك عليهم، وسدت الهياكل والبرابي، وطينت أبوابها، وجاءهم الطوفان وأقبل المطر عليهم، وكان فرعان سكران فلم يقم إلا بخرير الماء، فوثب مبادراً يريد الهرب إلى الهرم فتخلخلت الأرض به، وطلب الأبواب فخانته رجلاه وسقط على وجهه وجعل يخور كما يخور الثور، إلى أن أهلكهه الله تعالى بالطوفان، ومن دخل الأسراب منهم هلك بغمها، ولحق الماء من الأرض والأهرام إلى آخر التربيع، وهو ظاهر عليها إلى الآن، وانقرضت ملوك الدنيا أجمع بالطوفان ولم يسلم إلا أصحاب السفينة كما تقدم. فعدة من سمى لنا من ملوك مصر قبل الطوفان على هذا السياق تسعة عشر ملكاً، ثم ملكها بعد الطوفان من نذكره.\rملوكها بعد الطوفان","part":4,"page":62},{"id":1563,"text":"قال إبراهيم بن القاسم الكاتب: قال إبراهيم بن وصيف شاه: أجمع أهل الأثر أن أول من ملك مصر بعد الطوفان مصريم بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام، وذلك بدعوة سبقت له من جده. وكان السبب في ذلك أن فليمون الكاهن سأل نوحاً عليه السلام أن يخلطه بأهله وولده وقال: يا نبي الله، إني قصدتك رغبة في الإيمان بالله سبحانه وتعالى وتصديقك يا نبي الله، وتركت وطني وبلدي فاجعل لي رفعة وقدراً أذكر بهما ن بعدي، فزوج نوح عليه السلام بيصر بن حام بنت فليمون الكاهن فولدت له ولداً سماه فليمون مصريم باسم بلده فلما أراد نوح قسمة الأرض بين بنيه قال له فليمون: ابعث معي يا نبي الله ابني حتى أمضى به إلى بلدي وأظهره على كنوزه وأوقفه على علومه ورموزه، فأنفذه معه في جماعة من أهل بيته، وكان غلاماً مراهقاً، فلما قرب من مصر بنى له عريشاً من أغصان الشجر وستره بحشيش الأرض، ثم بنى بعد ذلك في الموضع مدينة وسماها درسان، أي باب الجنة، فزرعوا وغرسوا الأشجار والأجنة من درسان إلى البحر. فصارت هناك زروع واجنة وعمارة وكان الذين مع مصريم جبابرة، فقطعوا الصخور وبنوا المعالم والمصانع وأقاموا في أرغد عيش.\rونكح مصريم امرأة من بنات الكهنة فولدت له ولداً سماه فبطيم، ونكح قبطيم بعد سبعين سنة من عمره امرأة ولدت له أربعة نفر، وهم: قفطريم، وأشمون، وأتريب، وصا، وكثروا وعمروا الأرض، ولورك لهم فيها. وقيل: كان عدد من وصل مع مصريم ثلاثين نفراً فبنوا مدينة سماها مافه، ومعنى مافه ثلاثون بلغتهم، وهي منف، وكشف أصحاب فليمون عن كنوز مصر وعلموهم خط البرابي، وأثاروا لهم المعادن من الذهب والزبرجد والفيروزج والأسباد شم وغير ذلك، ووصفوا لهم عمل الصنعة، فجعل الملك أمرها إلى رجل من أهل بيته يقال له مقيطام، فكان يعمل الكيمياء في الجبل الشرقي فسمى به المقكم، وعلموهم أيضاً عمل الطلسمات.\rوكانت تخرج من البحر دواب تفسد زرعهم وأجنتهم وبنيانهم فعملوا لها الطلسمات فغابت ولم تعد. وبنوا على عبر البحر مدناً منها: رقودة مكان الإسكندرية، وجعلوا في وسطها قبة على أساطين من نحاس مذهب والقبة مذهبة، ونصبوا فوقها مرآة من أخلاط شتى قطرها خمسة أشبار؛ وكان ارتفاع القبة مائة ذراع؛ فكانوا إذا قصدهم قاصد من الأمم التي حولهم، فإن كان مما يهمهم أو من البحر عملوا لتلك المرآة عملاً فألقت شعاعها على ذلك الشيء فأحرقته؛ فلم تزل على حالها إلى أن غلب عليها البحر فنسفها. وقيل: إن الإسكندر إنما عمل المنارة تشبهاً بها، وقد ذكرنا خبر المنارة فيما تقدم من كتابنا هذا.\rوقال: لما حضرت مصريم الوفاة عهد إلى ابنه قبطيم مصر بن مصريم، فقسم قبطيم بين بنيه الأربعة: فجعل لابنه قفطريم من قفط إلى أسوان إلى النوبة، ولأشمون من أشمون إلى منف، ولأتريب الحوف كله إلى الشجرتين إلى أيلة من الحجاز، ولصاً من ناحية صا البحيرة إلى قرب برقة، وقال لأخيه فارق: لك من برقة إلى المغرب، فهو صاحب إفريقية. وولده الأفارق. وأمر كل واحد من بنيه أن يبني لنفسه مدينة في موضعه. وأمر مصريم عند موته أن يحفروا له في الأرض سرباً وأن يفرشوه بالمرمر الأبيض ويجعلوا فيه جسده، ويدفنوا معه جميع ما في خزائنه من الذهب والجوهر، ويزبروا عليه أسماء الله تعالى المانعة من أخذه. فحفروا له سرباً طوله مائة وخمسون ذراعاً، وجعلوا في وسطه مجلساً مصفحاً بصفائح الذهب، وجعلوا له أربعة أبواب، على كل باب منها تمثال من ذهب عليه تاج مرصع بالجوهر، جالس على كرسي من ذهب قوائمه من زبرجد، وزبروا في صدر كل تمثال آيات عظاماً مانعة، وجعلوا جسده في جرن من المرمر مصفح بالذهب وزبروا على مجلسه: مات مصريم بن بيصر بن حام بعد سبعمائة عام مضت من أيام الطوفان، ومات ولم يعبد الأصنام، إذ لا هرم ولا سقام، ولاحزن ولا اهتمام، وحصنه بأسماء الله العظام، لا يصل إليه إلا ملك ولدته سبعة ملوك يدين بدين الملك الديان، ويؤمن بالبعث والفرقان، الداعي إلى الإيمان في آخر الزمان. وجعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط، وألف تمثال من الجوهر النفيس، وألف برنية مملوءة من الدر الفاخر والصنعة الإلهية، والعقاقير البرية، والطلسمات العجيبة، وسبائك الذهب مكدسة بعضها على بعض، وسقفوا ذلك بالصخور العظام وهالوا فوقها الرمال بين جبلين.","part":4,"page":63},{"id":1564,"text":"واستقل قبطيم بالملك بعد أبيه.\rويقال: إن قبط مصر منسوبون إليه. وهو أول من عمل العجائب وأثار المعادن، وشق الأنهار. ويقال: إنه لحق البلبلة وخرج منهم بهذه اللغة القبطية، وعمل ما لم يعمله أبوه من نصب الأعلام والمنارات والعجائب والطلسمات. وملكهم قبطيم أربعمائة وثمانين سنة ومات؛ فاغتم عليه بنوه وأهله ودفن في الشرق في سرب تحت الجبل الكبير الداخل، وصفحوه بالمرمر الملون وجعلت فيه منافذ للرياح؛ فهي تنخرق فيه بدوي عظيم هائل، وجعل فيه من الكبريت الأحمر وأكر من نحاس مطلية بأدوية مشعلة لا تطفأ، ولطخوا جسده بالمر والكافور والموميا، وجعلوه في جرن من ذهب في ثياب منسوجة بالمرجان والدر، وكشفوا عن وجهه وجعلوه تحت قبة ملونة، في وسطها درة معلقة تضيء كالسراج، والقبة على أعمدة بين كل عمودين تمثال في يده أعجوبة، وجعلوا حول الجرن توابيت مملوءة جوهراً وذهباً وتماثيل وصنعة وغير ذلك، وحول ذلك مصاحف القبط والحكمة، وسدوا عليه بالصخور والرصاص وزبروا عليه كما زبروا على ناووس أبيه.\rوملك بعده ابنه قفطريم بن قبطيم، وكان أكبر ولد أبيه؛ وكان جباراً عظيم الخلق، وهو الذي وضع أساسات الأهرام الدهشورية وغيرها ليعمل منها كما عمل الأولون، وهو الذي بنى دندرة ومدينة الأصنام. ودندرة: بلد من بلاد إقليم قوص، وهي في البر الغربي مشهورة هناك. قال: وأثار من المعادن ما لم يثره غيره، وكان يجر من الذهب مثل حجر الرحى، ومن الزبرجد كالأسطوانة، ومن الأسباد شم في صحراء الغرب كالقلة. وعمل من العجائب شيئاً كثيراً. وبنى مناراً عالياً على جبل قفط يرى من البحر الشرقي، ووجد هناك معدن زئبق فعمل منه بركة كبيرة، فيقال إنها هناك إلى الآن، وأما المنار فسقط، وعمل عجائب كثيرة. ويقال: إنه بنى المدائن الداخلة وعمل فيها عجائب كثيرة، منها: الماء الملفوف القائم كالعمود لا ينحل ولا يذوب، والبركة التي تسمى فلسطين، أي صيادة الطير، إذا مر عليها الطير سقط فيها ولم يمكنه أن يبرح حتى يؤخذ، وعمل أيضاً عموداً من نحاس عليه صورة طائر إذا قربت الأسد والحيات والأشياء المضرة من تلك المدينة صفر صفيراً عالياً فترجع تلك الدواب هاربة. وكان على أربعة أبواب هذه المدينة أربعة أصنام من نحاس لا يقرب منها غريب إلا ألقى عليه النوم والسبات، فينام عندها ولا يستيقظ حتى يأتيه أهل المدينة، وينفخون في وجهه فيقوم، وإن لم يفعلوا ذلك لم يزل نائماً عند الأصنام حتى يهلك. وعمل مناراً لطيفاً من زجاج ملون على قاعدة من نحاس، وعلى رأس المنارة صورة صنم من أخلاط كثيرة، وفي يده كالقوس كنه يرمي عنها، فإن عاينه غريب وقف في موضعه لم يبرح حتى ينجيه أهل المدينة. وكان ذلك الصنم يتوجه إلى مهب الرياح الأربع من نفسه.\rقال وقيل: إن هذا الصنم على حالته إلى الآن، وإن الناس تحاموا تلك المدينة على كثرة ما فيها من الكنوز والعجائب الظاهرة خوفاً من ذلك الصنم أن تقع عين الإنسان عليه فلا يزال قائماً حتى يتلف. قال: وكان بعض الملوك عمل على قلعه فما أمكنه، وهلك لذلك خلق كثير. ويقال: إنه عمل في بعض المدن الداخلة مرآة من أخلاط ترى جميع ما يسأل الإنسان عنه وهي غربي البلد. قال: وعمل خلف الواحات الداخلة مدناً عمل فيها عجائب كثيرة ووكل بها الروحانيين الذين يمنعون منها؛ فما يستطيع أحد أن يدنو منها ولا يدخلها أو يعمل قرابين أولئك الروحانيين فيصل إليها حينئذ ويأخذ من كنوزها ما أحب من غير مشقة ولا ضرر. قال: وأقام قفطريم ملكاً أربعمائة سنة. وأكثر العجائب عملت في وقته ووقت ابنه البودسير. وكان الصعيد أكثر عجائب من أسفل الأرض. قال: وفي آخر أيام قفطريم هلكت عاد بالريح العقيم.","part":4,"page":64},{"id":1565,"text":"ولما حضرت قفطريم الوفاة عمل له ناووس من الجبل الغربي قرب مدينة الكهنة، كان عمله لنفسه قبل موته في سرب في الجبل كهيئة الدار الواسعة وجعل دورها خزائن منقورة، وجعل في سقوفها في مسارب للرياح، وبنى ذلك بالمرمر، وجعل في وسط الدار مجلساً على ثمانية أركان مصفحاً بالزجاج الملون المسبوك، وجعل في سقفه جواهر وحجارة تسرج، وجعل في كل ركن من أركان المجلس تمثالاً من الذهب بيده كالبوق، وجعل تحت القبة دكة مصفحة بالذهب، وجعل لها حوافي زبرجد، وفرش فوق الدكة فرش الحرير، وجعل عليها جسده بعد أن لطخ بالأدوية الممسكة، ومن جوانبه آلات الكافور المخروطة، وسدلت عليه ثياب منسوجة بالذهب، ووجهه مكشوف وعلى رأسه تاج ملكه، وعن جوانب الدكة أربع تماثيل مجوفات من زجاج مسبوك مثل صور النساء وألوانهن، بأيديهن كالمراوح من ذهب، وعلى صدره من فوق الثياب سيف صاعقي قائمه من الزبرجد، وجعل في تلك الخزائن: من الزبرجد وسبائك الذهب والتيجان والجواهر وبراني الحكم وأصناف العقاقير والطلسمات، ومن المصاحف الحاوية لجميع العلوم، مال لا يحصى قدره كثرة؛ وجعل على باب المجلس ديك من ذهب على قاعدة من زجاج أخضر منشور الجناحين مزبور عليه آيات عظام مانعة، وجعل على مدخل كل أزج صورتين من نحاس مشوهتين بأيديهما سيفان كالبرق، ووراءهما بلاطة تحتها لوالب فمن وطئها ضرباه بأسيافهما فقتلاه، وفي سقف كل أزج كرة عليها لطوخ مدبر يسرج، وسد باب الأزج بالأساطين ورصوا على سقفه البلاط العظام وردموا فوقها الرمال، وزبروا على باب الأزج: هذا الداخل إلى جسد الملك العظيم المهيب الكريم الشديد قفطريم ذي الأيد والفخر، والغلبة والقهر، أفل وبقي نجمعه ذكره وعلمه، فلا يصل أحد إليه، ولا يقدر بحيلة عليه، وذلك بعد سبعمائة وسبعين، ودورات مضت من السنين.\rقال: ولما مات قفطريم ملك بعده ابنه البودسير بن قفطريم، فتجبر وتكبر وعمل بالسحر واحتجب عن العيون، وقد كان أعمامه أشمون وأتريب وصاملوكا على أحيازهم إلا أنه قهرهم بجبروته وقوته، فكان الذكر له كما كان لأبيه. ويقال: إنه أرسل هرمس الكاهن المصري إلى جبل القمر الذي يخرج النيل من تحته حتى عمل هناك هيكل التماثيل النحاس، وعدل إلى البطيحة التي ينصب إليها ماء النيل.\rويقال: إنه الذي عدل جانبي النيل وقد كان يفيض في مواضع وينقطع في مواضع، وأمره البودسير أن يسير مغرباً فينظر إلى ما هناك، فوقع على أرض واسعة متخرقة بالمياه والعيون كثيرة العشب، فبنى منائر ومنتزهات، وحول إليها جماعة من أهل بيته فعمروا تلك النواحي وبنوا فيها حتى صارت أرض الغرب كلها عمارة، وأقامت كذلك مدة كثيرة وخالطهم البربر فتناكحوا؛ ثم إنهم تحاسدوا وبغى بعضهم على بعض، وكانت بينهم حروب فخرب البلد وباد أهله إلا بقية منازل تسمى الواحات هي موجودة إلى وقتنا هذا.\rويقال: إنه عمل عجائب كثيرة في وقته، منها: قبة لها أربعة أركان وفي كل ركن منها كوة يخرج منها كالدخان الملتف في ألوان شتى يستدلون بكل لون على شيء؛ فما خرج منه أخضر دل على العمارة وحسن النبات والزرع وصلاحه، وإن خرج الدخان أبيض دل على الجدب وقلة الزكاء، وإن خرج أحمر دل على الدماء والحروب وقصد الأعداء، وإن كان أسود دل على كثرة الأمطار والمياه فساد بعض الأرض بذلك، وإن كان أصفر دل على النيران وآفات تحدث في الفلك، وما كان منها مختلطاً دل على مظالم الناس وتعدى بعضهم على بعض وإهمال ملوكهم لهم، وأشياء من هذا الضرب. وكانت هذه القبة على منار أقام زمناً طويلاً ثم هدمه بعض الملوك البربر؛ لأنه أراد غزو قوم بتلك الناحية فعلموا بحاله فانتقلوا عن ذلك الموضع إلى قرب النيل فلما جاء ولم يجدهم هدمه.","part":4,"page":65},{"id":1566,"text":"ومما عمل له في الصحراء التي تقرب منه - وكانت الوحش قد كثرت وأفسدت عليهم زرعهم وكذلك خنازير الماء - شجرة من نحاس عليها أمثال تلك الوحوش ملجمة أفواهها بخيوط من نحاس، فما يجوز بها من الوحش لا يستطيع الحراك ولا البراح من عندها حتى يؤخذ قبضاً ويقتل؛ فأشبع الناس في لحوم تلك الوحوش وانتفعوا بجلودها زماناً طويلاً إلى أن انتزعها بعض ملوك الغرب سراً من أهل مصر وقدر أن ينصبها في بلدهم فتعمل له مثل ذلك، فلما عملها بطلت؛ لأنهم كانوا يعلمون ما يعملون بطالع يأخذونه له، فلا يزال عمله مستقيماً إلى أن تغير عن مكانه فبطل عمله.\rوما عمل في وقته أن غراباً نقر عين صبي من أولاد الكهنة فقلعها، فعمل شجرة من نحاس عليها تمثال غراب من نحاس في منقاره حربة بادية الطرفين، منشور الجناحين، وكتب على ظهره كتاباً؛ فكانت الغربان تقع على تلك الشجرة ولا تبرح حتى تؤخذ فتقتل، ففي أكثر الغربان وزالت عن تلك الناحية إلى ناحية الشام، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن أصاب بعض ملوكهم علة ووصف له فيها لحم غراب يطبخه ويأكله ويشرب من مرقه فلم يوجد، فوجه إلى آخر العمل الذي بمصر من ناحية الشام من يأتيه بغراب فأبطأ عليه، فأمر بنزع الشجرة فرجع الغربان وأخذ منها ما عولج به الملك قبل أن يرجع رسوله.\rومما عمل في وقته - وكانت الرمال قد كثرت عليهم من ناحية الغرب حتى ظهرت على زروعهم - فعمل لذلك صنماً من صوان أسود على قاعدة منه وعلى كتفه شبه القفة فيها كالمسحاة، ونقش على جبهته وصدره وذراعيه وساقيه حروفاً، وأقامه الكاهن بطالع أخذه له ووجهه إلى الغرب، فانكشفت تلك الرمال ورجعت إلى ورائها. فتلك الأكداس العالية في صحراء الغرب منها. ولم تزل الرمال تندفع عنهم إلى أن زال ذلك الصنم عن موضعه. قال: وأقام البودسير مدة واحتجب عن الناس، وكان يتجلى لهم في صورة وجه عظيم، وربما خاطبهم ولا يرونه، ثم غبر مدة وهم في طاعته إلى أن رآه ابنه عديم وهو يأمره بالجلوس على سرير الملك.\rفجلس عديم بن البودسير على الملك وكان جباراً لا يطاق، عظيم الخلق، فأمر بقطع الصخور ليعمل هرماً كما عمل الأولون. قال: وكان في وقته الملكان اللذان هبطا من السماء، وكانا في بئر يقال لها أفناوه، وكانا يعلمان أهل مصر السحر. ويقال: إن عديم استكثر من علمهما ثم نقلا إلى بابل.\rقال: وأهل مصر من القبط يقولون إنهما شيطانان يقال لهما: مهلة ومهالة، وليس هما الملكين. والملكان ببابل في بئر هناك يغشاها السحرة إلى يوم الساعة.\rولنصل هذا الفصل بخبر هاروت وماروت وإن لم يكن منه؛ وإنما الشيء بالشيء يذكر. والله أعلم.\rهاروت وماروت\rقال الله تعالى: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وماأنزل على الملكين ببابل وهاروت وماروت. الآية. قال أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره: وكانت قصتهما - على ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه والمفسرون - أن الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة؛ وذلك في زمن إدريس عليه السلام فيعيرونهم بذلك، ودعت عليهم الملائكة وقالوا: هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض واخترتهم فهم يعصونك؛ فقال الله عز وجل لهم: لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لركبتم ما ارتكبوا؛ فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي أن نعصيك؛ قال الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت، وكانا من اصلح الملائكة واعبدهم. قال: وقال الكلبي: قال الله لهم: اختاروا ثلاثة فاختاروا عزا وهو هاروت، وعزايا وهو ماروت، وغير اسمها لما قارفا الذنب، وعزابيل؛ فركب الله فيهم الشهوة التي ركبها في بني آدم وأهبطهم إلى الأرض، وأمرهم أن يحكموا بين الناس بالحق، ونهاهم عن الشرك والقتل بغير حق، ونهاهم عن الزنا وشرب الخمر. فأما عزابيل فإنه لما وقعت الشهوة في قلبه استقال ربه وسأله أن يرفعه إلى السماء فأقاله ورفعه؛ فسجد أربعين سنة ثم رفع رأسه. ولم يزل بعد ذلك مطأطئاً رأسه حياءً من الله تعالى. وأما الآخران فإنهما بقيا على ذلك، وكانا يقضيان بين الناس يومهما فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء. قال قتادة: فما مر عليهما أشهر حتى افتتنا.","part":4,"page":66},{"id":1567,"text":"قال الثعلبي: قالوا جميعاً: وذلك أنه اختصم إليهما ذات يوم الزهرة، وكانت من أجمل النساء. قال علي رضي الله عنه: كانت من أهل فارس، وكانت ملكة في بلدها، فلما رأياها أخذت بقلوبهما، فراوداها عن نفسها فأبت وانصرفت، ثم عادت في اليوم الثاني ففعلا مثل ذلك، فأبت وقالت: لا! إلا تعبدا ما أعبد، وتصليا لهذا الصنم، وتقتلا النفس، وتشربا الخمر، فقالا: لا سبيل إلى هذه الأشياء؛ فإن الله عز وجل نهانا عنها، فانصرفت؛ ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها، فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا: الصلاة لغير الله عظيم، وقتل النفس عظيم، وأهون الثلاثة شرب الخمر؛ فشربا فانتشيا ووقعا بالمرأة وزنيا، فلما فرغا رآهما إنسان فقتلاه. قال الربيع بن أنس: وسجدا للصنم فمسخ اله عز وجل الزهرة كوكباً.\rوقال علي بن أبي طالب والسدي والكلبي رضي اله عنهم: إنها قالت لهما: لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء. فقالا: باسم الله الأكبر. قالت: فما أنتما بمدركاني حتى تعلمانيه. فقال أحدهما لصاحبه: علمها! قال: إني أخاف الله. قال الآخر: فأين رحمة الله! فعلماها ذلك. فتكلمت به وصعدت إلى السماء. فمسخها الله تعالى كوكباً. فعلى قول هؤلاء هي الزهرة بعينها، وقيدوها فقالوا: هي هذه الكوكبة الحمراء واسمها بالفارسية ناهيد وبالنبطية بيدخت. قال: ويدل على صحة هذا القول مارواه الثعلبي بسنده إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى سهيلاً قال: لعن الله سهيلاً إنه كان عشاراً باليمن ولعن الله الزهرة فإنها فتنت ملكين.\rوقال مجاهد: كنت مع ابن عمر رضي الله عنهما ذات ليلة فقال لي: ارمق الكوكبة فإذا طلعت فأيقظني، فلما طلعت أيقظته، فجعل ينظر إليها ويسبها سباً شديداً، فقلت: رحمك الله تسب نجماً سامعاً مطيعاً لله؟ ماله يسب! فقال: إن هذه كانت بغياً فلقي الملكان منها ما لقيا. وقال نافع: كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا رأى الزهرة قال: لا مرحباً بها ولا أهلاً. وروى أبو عثمان النهدي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المرأة التي فتن بها الملكان مسخت، فهي هذه الكوكبة الحمراء يعني الزهرة.\rقال الثعلبي: وأنكر الآخرون هذا القول وقالوا: إن الزهرة من الكواكب السبعة السيارة التي جعلها الله قواماً للعالم، وإنما كانت هذه التي فتنت هاروت وماروت امرأة، كانت تسمى زهرة من جمالها، فلما بغت جعلها الله تعالى شهاباً، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزهرة ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين فلعنها، وكذلك سهيل العشار. والله أعلم.\rقالوا: فلما أمسى هاروت وماروت بعد ما قارفا الذنب هما بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلما ما حل بهما فقصدا إدريس عليه السلام فأخبراه بأمرهما وسأله أن يشفع لهما إلى الله عز وجل ففعل ذلك، فخيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا إذ علما أنه ينقطع، فهما ببابل يعذبان. واختلف العلماء في كيفية عذابهما فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هما معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة. وقال قتادة: كبلا من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما. وقال مجاهد: إن جبا ملئ ناراً فجعلا فيه. وقال حصيف: معلقان منكسان في السلاسل. وقال عمير بن سعد: منكوسان يضربان بسياط الحديد.\rوروى أن رجلاً أراد تعلم السحر فقصد هاروت وماروت فوجدهما معلقين بأرجلهما، مزرقة أعينهما، مسودة جلودهما، ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا قدر أربع أصابع، وهما يعذبان بالعطش، فلما رأى ذلك هاله مكانهما فقال: لا إله إلا الله، وقد نهى عن ذكر الله هناك. فلما سمعا كلامه قالا: من أنت؟ قال: رجل من الناس. قالا: من أي أمة أنت؟ قال: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قالا: وقد بعث؟ قال نعم. قالا: الحمد لله! وقد أظهرا الاستبشار. فقال الرجل: ومم استبشاركما؟ قالا: إنه نبي الساعة، وقد دنا انقضاء عذابنا.","part":4,"page":67},{"id":1568,"text":"قال: وأما كيفية تعلم السحر، فقد روى فيه خبر جامع، وهو مارواه أبو إسحاق بسنده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدمت على امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به؛ قالت عائشة رضي الله عنها لعروة: يابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله صلى اله عليه وسلم، فكانت تبكي حتى إني لأرحمها! تقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت؛ قالت: كان لي زوج فغاب عني فدخلت على عجوز فشكوت إليها ذلك فقالت: إن فعلت ماآمرك به فلعله يأتيك، فلما كان الليل جاءتني بكبشن أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن كثير حتى وقفنا ببابل، فإذا برجلين معلقين بأرجلهما فقالا: ماجاء بك؟ فقلت: أتعلم السحر، قالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي، فأبيت فقلت: لا، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت ففزعت فلم أفعل، فرجعت إليهما فقالا: فعلت؟ قلت نعم، قالا: هل رأيت شيئاً؟ قلت: لم أر شيئاً، فقالا: لم تفعلي، إرجعي إلى بلادك فلا تكفري، قالت: فأبيت، فقالا: إذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت فاقشعر جلدي فرجعت إليهما فقلت: قد فعلت، فقالا: هل رأيت شيئاً؟ فقلت: لم أر شيئاً، فقالا: كذبت لم تفعلي، إرجعي إلى بلادك فلا تكفري فإنك على رأس أمرك؛ قالت: فأبيت، فقالا: إذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت إليه فبلت فرأيت فارساً مقنعاً بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء وغاب عني حتى ماأراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت؛ قالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارساً مقنعاً بالحديد خرج مني حتى ذهب في السماء حتى ماأراه، قالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك؛ إذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئاً، وماقالا لي شيئاً. فقالت: لن تريدي شيئاً إلا كان؛ خذي هذا القمح فابذري، فبذرت، قلت: أطلعي، فأطلعت، فقلت: أحقلي، فأحقلت، ثم قلت: أفركي، فأفركت، ثم قلت: أطحني، فأطحنت، ثم قلت: أخبزي، فأخبزت. فلما رأيت أني لا أريد شيئاً إلا كان، سقط في يدي وندمت. والله يا أم المؤمنين ما فعلت شيئاً قط، ولا أفعله أبداً.\rقال: وقال بعضهم: إنهما لا يتعمدان تعليم السحر ولكنهما يصفانه ويذكران بطلانه، ويأمران باجتنابه، فيتعلم الشقي منهما في خلال صفتهما ويترك موعظتهما ونصيحتهما، فلا يكون على هذا التأويل كفرا وإنما يكون العمل به كفراً. وقد أنكر بعضهم أن يكونا ملكين قال: وإنما كانا ملكين. وقرئ في الشواذ: وما أنزل على الملكين بكسر اللام. وقيل: كانا علجين ببابل. حكاه القاضي عياض في كتاب الشفا. والله تعالى أعلم.","part":4,"page":68},{"id":1569,"text":"ولنرجع إلى أخبار عديم بن البودسير الملك. قال: وعديم أول من صلب؛ وذلك أن امرأة زنت برجل من أهل الصناعات، وكان لها زوج من أصحابه، فأمر بصلبهما على منارتين، وجعل ظهر كل منهما إلى ظهر صاحبه، وزبر على المنارتين اسمهما ومافعلاه وتاريخ الوقت الذي عمل ذلك بهما فيه، فانتهى الناس عن الزنا. قال: وبنى أربع مدائن وأودعها صنوفاً كثيرة من عجائب الأعمال والطلسمات وغير ذلك، وكنز فيها كنوزاً كثيرة. وعمل في الشرق مناراً وأقام على رأسه صنماً موجهاً إلى الشرق، مادا يدبه يمنع دواب البحر والرمال أن تتجاوز حده، وزبر في صدره تاريخ الوقت الذي نصبه فيه؛ ويقال: إن هذا المنار قائم إلى وقتنا هذا؛ ولولاه لغلب الماء المالح من البحر الشرقي على أرض مصر. وعمل قنطرة على النيل في أول بلاد النوبة ونصب عليها أربعة أصنام موجهة إلى أربع جهات الدنيا في يدي كل صنم جرس يضرب به إذا أتاهم آت من تلك الناحية؛ فلم تزل بحالها إلى أ، هدمها فرعون موسى. وهو الذي عمل البربا على باب النوبة، ويقال إنه عمل في إحدى المدائن الأربع التي ذكرناها حوضاً من صوان أسود مملوءاً ماء لا ينقص على طول الدهر ولا يتغير؛ وكان أهل تلك الناحية يشربون منه ولا ينقص ماؤه؛ وإنما عمل لبعدهم عن النيل وقربهم من البحر المالح. وقد ذكر بعض كهنة القبط أن ذلك لقربهم من البحر المالح. لأن الشمس فيما ذكروا ترفع بحرها بخاراً فيحصل من ذلك البخار حر بالهندسة، وقيل بالسحر. وملكهم عديم مائة سنة وأربعين سنة، ومات وهو ابن سبعمائة سنة وثلاثين سنة. وقيل: إنه دفن في إحدى المدائن ذات العجائب في أزج من رخام ملون بزرقة، مبطن برخام أصفر، وطلي جسده بما يمسكه، وجعل كثير من ذخائره، وذلك وسط المدينة، فهي محروسة بما يمنع منها من الروحانيين.\rقال: وذكر بعض القبط أن عديماً هذا عمل لنفسه في صحراء قفط على وجه الأرض قبة عظيمة من زجاج اخضر براق، معقودة على ثمانية آزاج من صنفها، على رأسها أكرة من ذهب، عليها طائر من ذهب، متوشح بجوهر، منشور الجناحين، يمنع من الدخول إليها، وقطرها مائة ذراع في مثلها، وجعل جسده في وسطها على سرير من ذهب مشبك وهو مكشوف الوجه، وعليه ثياب منسوجة بذهب مغروزة بجوهر منظوم؛ والآزاج مفتحة، طول كل أزج ثمانية أذرع، وارتفاع القبة أربعون ذراعاً تلقي الشعاع على ما حولها من الأرض، وجعل حوله في القبة مائة وسبعون مصحفاً من مصاحف الحكمة، وسبع موائد عليها أوانيها، منها: مائدة من أدرك رماني أحمر وآنيتها منها. ومائدة من ذهب فيلموني يخطف البصر، وهو من الذي تعمل منه تيجان الحكماء، وآنيتها منها. ومائدة من حجر الشمس المضيء بآنيتها. ومائدة من الزبرجد المخروط الذي يخالطه شعاع أصفر بآنيتها، قال: وهذا الزبرجد إذا نظرت إليه الأفاعي سالت عيونها. ومائدة من كبريت أحمر مدبر بآنيتها.\rومائدة من ملح مدبر براق يكاد نوره يخطف الأبصار بآنيتها. ومائدة من زئبق معقود وقوائمها وحافاتها من زئبق أصفر معقود مضيء، وعليها آنية من زئبق أحمر معقود.\rوجعل في القبة جواهر كثيرة ملونة وبراني صنعة مدبرة، وجعل حوله سبعة أسياف صاعقية وكاهنية وأتراس من حديد أبيض مدبر، وجعل معه تماثيل أفراس من ذهب، عليها سروج من ذهب وسبعة توابيت من الدنانير التي ضربها وصور عليها صورته، وجعل معه من أصناف العقاقير والسمومات والأدوية في براني الحنتم، ومن أصناف الأحجار شيء كثير.\rقال: وقد ذكر من رأي تلك القبة وأقاموا عليها أياماً فما قدروا على الوصول إليها، وأنهم قصدوها وكانوا منها على مقدار ثمانية أذرع دارت القبة عن أيمانهم وشمائلهم وقد عاينوا مافيها. ومن أعجب ما ذكروا أنهم كانوا يحاذون آزاجها أزجاً أزجاً فلا يرون غير الصورة التي يرونها من الأزج الآخر على معنى واحد. وذكروا أنهم رأوا وجهه في قدر ذراع ونصف بالذراع الكبير، ولحيته كبيرة مكشوفة، وقدروا طول بدنه عشرة أذرع وزيادة، وأنهم لما تهيأ أن يصلوا إليها فنى ماؤهم وخافوا على أنفسهم فرجعوا ليمتاروا ما يكفيهم من الزاد ففعلوا، ثم رجعوا فأقاموا أياماً يطوفون تلك الصحراء، ثم أخبروا أنهم رأوا بها عجائب كثيرة وصنوفاً من الوحش لم يروا مثلها.","part":4,"page":69},{"id":1570,"text":"قال: وفي كتبهم أنهم لا يصلون إليها إلا بأن يذبح لها ديك أفرق ويبخر بريشه من بعد، ثم يسأل من المريخ الوصول حتى يصل، وتكون الكواكب النيرة على مثل ما كانت عليه وقت نصبها من اجتماعها في البروج: يكون زحل والمشتري والمريخ في برج واحد، والشمس والقمر في برج واحد، والزهرة وعطارد في برج واحد، ويتكلم عليها بصلاة الكهنة سبع مرات، فإذا وصل إليها لطخ حائطها بدم الديك الذي قربه لها ويأخذ ماشاء من المال والتماثيل ولا يكثر المقام فيها ولا يقيم غير ساعة واحدة.\rقال: وذكر هؤلاء الذين رأوها أنهم لم يكونوا من تلك الناحية وإنما خرجوا يطلبون غيرها؛ فإنهم سألوا أهل قفط عنها فلم يجدوا من يعرفها ولا رآها غير رجل شيخ منهم، فإنه ذكر أن ابناً له خرج له خرج في بعض الأمور ومعه جمل له فرآها ولم يصل إليها، وبحث عن أمرها فعرف أن قوماً من الشرق جاءوا في طلبها وانهم أقاموا يطوفون بقفط وخرجوا إليها فما رجع أحد منهم ولا عرف لهم خبر.\rقال: وكان عديم قد أوصى إلى ابنه شداث عند موته أن ينصب في كل حيز من أحياز عمومته مناراً ويزبر عليه اسمه، فانحدر إلى الأشمونين فعمل مناراً وزبر عليه اسمه وعمل بها ملاعب، وعمل في صحرائها مناراً وأقام عليه صنماً ذا رأسين باسم كوكبين كانا مقترنين في الوقت. وخرج إلى أتريب وبنى فيها قبة عظيمة مرتفعة على عمد وأساطين بعضها فوق بعض، وجعل على رأسها صنماً صغيراً من ذهب، وعمل هيكلاً للكواكب. وكان أبوه البودسير أول من أقام لكواكب فأخذ ذلك عنه. ومضى إلى حيز صا فعمل فيه مناراً على رأسه مرآة من أخلاط توري الأقاليم، ورجع إلى أبيه فعهد له بالملك.\rفملك شداث بن عديم وهو الذي بنى الأهرام الدهشورية من الحجارة التي قطعت في زمان أبيه. قال: من أنكر أن يكون العادية دخلوا مصر إنما غلطوا باسم شداث بن عديم فقالوا شداد بن عاد لأنه أكثر ما يجري على ألسنتهم، وقلة ما يجري على ألسنتهم شداث بن عديم؛ وإلا فما قدر أحد من الملوك يدخل مصر ولاقوى على أهلها غير بخت نصر. وشداث الذي عمل مصاحف النارنجيات؛ وعمل هيكل أرمنت وأقام فيه أصناماً بأسماء الكوالكب من ذهب وفضة وحديد أبيض ونحاس مذهب ورصاص مصفى وزئبق معقود. وهذه الأجساد المعدنية في طباع الكواكب وفي قسمتها. فلما فرغ منه زينه بأحسن زينة ونقشه بأحسن النقوش من الجواهر الملونة والزجاج المعمول الملون وكساه الوشي والديباج ولم يترك شيئاً من التحف إلا عمله، وكذلك عمل في المدن الداخلة من أنصنا هيكلاً، والقبة التي أقامها بأتريب وهيكلاً شرقي الإسكندرية، وأقام لزحل صنماً من صوان أسود على عبر النيل من الجانب الغربي، وبنى شداث من الجانب الشرقي مدائن وجعل فيها صورة صنم قائم له إحليل إذا أتاه المعقود والمسحور ومن لا ينتشر فمسه بكلتا يديه أزال عنه ذلك وانتشر وقوي على الباه، وجعل في إحداها بقرة لها ضرعان كبيران إذا مسحتهما المرأة التي انعقد لبنها در وصلح أمرها.\rوفي أيامه بنيت قوص العالية، بناها لابن له كان سخط على أمه فحولها إليها وأسكن معها قوماً من أهل الحكمة وأهل الصناعات، وقيل: إن شطب بنيت في أيامه، وعمل الصورتين الملتصقتين لكثرة النسل. وكانت الحبش والسودان عاثوا في بلده فأخرج لهم ابنه منقاوش في جيش عظيم فقتل منهم وسبى واستعبد الذين سباهم وصار ذلك سنة لهم، واقطع معدن الذهب من أرضهم وأقام ذلك السبي يعملون ويحملون الذهب إليه، وهو أول من أحب الصيد واتخذ الجوارح، وولد الكلاب السلوقية من الذئاب والكلاب الأهلية، وعمل البيطرة وما تعالج به الدواب، وعمل من العجائب والطلسمات لكل فن ما لا يحصى كثرة، وجمع التماسيح، بطلسم عمله لها، إلى بركة بناحية أسيوط فكانت تنصب إليها من النيل انصباباً فتقتلها، وتستعمل جلودها في السفن وغيرها، وتستعمل لحومها في الأدوية والعقاقير المؤلفة. قال: وبعض القبط يحكي أنه عمل بمصر اثنتي عشرة ألف أعجوبة وطلسما ولم يعمل في بلد كما عمل فيها ولا تهيأ لأهله ما تهيا لهم من ذلك.","part":4,"page":70},{"id":1571,"text":"قال: وأقام شداث في الملك تسعين سنة وخرج يطرد فأكب فرسه في وهدة فقتله. وفي بعض كتبهم: أنه أخذ بعض خدمه، وقد خالفه في أمر من الأمور، فأمر بطرحه من أعلى الجبل إلى أسفل فطرح فتقطع جسده، وندم على فعله ذلك فرأى في منامه أنه سيصيبه مثل ذلك فكان يتوقاه، وآلى على نفسه ألا يعلو جبالً، أوصى إن أصابه شيء أن يجعل ناووسه في الموضع الذي يلحقه فيه ما يلحقه، ويزبر عليه: ليس ينبغي لذي القدرة أن يخرج عن الواجب ويفعل ما لا يجوز له فعله، وهذا ناووس شداث بن عديم بن قفطريم الملك، عمل ما لا يحل لع فكوفئ عليه بمثله.\rقال: ولما هلك عمل له سرب في سفح الجبل فيه قبة على مجلس قد صفح بالفضة وجعل فيه على سرير ملكه، وجعل معه من الأموال والجواهر والتماثيل وأصناف الحكم والمصاحف شيء كثير. وكان له أربعمائة وأربعون سنة.\rوملك بعده ابنه منقاوش بن شداث؛ فملك بحزم وحنكة وأظهر مصاحف الحكم وأمر بالنظر فيها، وأن ينسخ منها لهم بخط العامة ليفهموها، ورد الكهنة إلى مراتبهم. وهو أول من عمل له الحمام من ملوك مصر. وكان كثير النكاح؛ تزوج عدة نساء من بنات عمه وبنات الكهنة، وجعل لكل امرأة منهن مكاناً بجميع ما يصلحه من البنيان العجيب والصور المتقنة والغروس الحسنة والآلات العجيبة، وأسكنهن فيها. وقد قال بعض أهل الأثر: إنه الذي بنى منف لبناته وكن ثلاثين بنتاً ونقلهن إليها، وعمل مدناً غيرها ومصانع، وعمل هيكلاً لصور الكواكب وأصنامها على ثمانية فراسخ من منف، وعمل بتلك الناحية طلسمات كثيرة وعجائب أغرب فيها بفضل حكمة أبيه وجده، وعمل في السنة اثني عشر عيداً لكل شهر عيد يعمل فيه من الأعمال ما كان موافقاً لبرج ذلك الشهر؛ وكان يطعم الناس في تلك الأعياد ويوسع عليهم، ففرح الناس به ورأوا معه مالم يروه مع غيره، وفتح عليه من المعادن ما لم يفتح على أحد، وألزم أصحاب الكيمياء العمل فكانوا لا يفترون ليلاً ولا نهاراً؛ فاجتمع عنده أموال عظيمة وجوهر كثير وزجاج نفيس مسبوك وغير ذلك، فاحب كنزه فدعا أخاً له فقال له: قد ترى كثرة هذا الذهب والجوهر، وما عمل من هذه التماثيل الكثيرة، ولست آمن أن يتسامع بنا الملوك فيغزونا من أجله، فأمعن في أرض الغرب ثم انظر مكاناً حريزاً خفي الأثر ثم أحرزه فيه ثم استره بعلامات واكتب صفة المكان وطريقه وعلامته. قال: ويقول أهل الأثر: إنه حمل معه اثنتي عشرة ألف عجلة، منها من الجوهر ثلاثمائة عجلة، وسائرها من الذهب الإبريز الصفائح والمضروب، ومن آلات الملوك وطرائفهم وسلاحهم وأوانيهم؛ فسار في الجنوب يوماً ثم أخذ مغرباً اليوم الثاني وبعض الثالث، فانتهى إلى جبل أسود منيف ليس له مصعد بين جبال مستديرة حوله، فعمل تحت ذلك الجبل أسراباً ومغاور ودفن فيها ما كان معه وردمها وزبر عليها ورجع؛ فمكث أربع سنين يبعث كل سنة عجلاً عظيمة تدفن في نواح شتى.","part":4,"page":71},{"id":1572,"text":"وهو الذي عمل في انديمس المدينة بيتاً تدور به تماثيل لجميع العلل، وكتب على رأس كل تمثال ما يصلح له من العلاج، فانتفع الناس بها زماناً إلى أن أفسدها بعض الملوك ضنا بالحكمة. وعمل في هذه المدينة صورة امرأة مبتسمة لا يراها مهموم إلا زال همه ونسيه؛ وكان الناس يأتونها ويطوفون حولها ثم عبدوها نم بعد. وعمل تمثالاً روحانياً من صفر مذهب بجناحين لا يمر به زان وال زانية إلا كشف عورته بيده، وكان الناس يمتحنون به فامتنعوا من الزنا فرقاً منه، واستمر كذلك إلى زمن كلكمن الملك؛ وذلك أن بعض نسائه، وكانت حظية عنده، عشقت رجلاً من خدم الملك وخافت أن ينتهي إليه خبرها فيمتحنها بذلك الصنم فيقتلها، فاحتالت لذلك فخلا بها الملك في بعض الليالي، وهما يشربان، فأخذت في ذكر الزواني وجعلت تسبهن وتذمهن، فذكر الملك ذلك الصنم وما فيه من المنافع للناس، وما يستحق من عمله من الثناء والذكر الجميل؛ فقالت المرأة: إنه كذلك وقد صدق الملك، غير أن منقاوش لم يصب الرأي في أمره؛ قال الملك: وكيف قلت ذلك؟ قالت: لأنه أتعب نفسه وحكماءه فيما جعله لصلاح العامة دون نفسه، وهذا أكبر العجز؛ وإنما كان حكم هذا التمثال أن ينصب في دار الملك حيث تكون نساؤه وجواريه، فإن افترقت إحداهن ذنباً علم بها فيكون رادعاً لهن متى عرض بقلوبهن شيء من الشهوة؛ لان شهواتهن أغلب وأكثر من شهوات الرجال؛ ولو حدث - وأعوذ بسعد الله الأعلى - في دار الملك شيء من هذا فأحب امتحانه فضح نفسه وشاع في الخاص والعام أمره، وإن عاقب بغير أمر يتحققه كان متعدياً آثماً، وإن لم يمتحنه صبر على المكروه. قال الملك: صدقت، فكيف الوجه في هذا الأمر؟ قالت: يأمر الملك بنزع هذا الصنم من مكانه ونقله إلى داره ففعل فبطل عمله، وامتحن فلم يصنع شيئاً، فعملت المرأة ما كانت همت به وانهمكت فيه.\rقال: ويقال: إن منقاوش بنى هيكلاً للسحرة على جبل القصير وقدم عليه رجلاً منهم له مسيس، فكانوا لا يطلقون الرياح للمراكب المقلعة إلا بضريبة يأخذونها منهم للملك. وكان الملك إذا ركب عملوا بين يديه التخابيل العجيبة، فيجتمع الناس إليهم ويعجبون من أعمالهم، وأمر أن يبنى لهم هيكل للعبادة يكون لهم خصوصاً، وجعل فيه قبة فيها صورة الشمس والكواكب، وجعل حولها أصناماً وعجائب، وكان الملك يركب إليه ويقيم سبعة أيام، وجعل فيه عمودين زبر عليهما تاريخ الوقت الذي عمل فيه، وهما بعين شمس، ونقل منقاوش إلى عين شمس كنوزاً وجواهر وطلسمات وعققير وعجائب ودفنها بها وبنواحيها.\rقال: وكان منقاوش قسم خراج البلاد أرباعاً: فربع منه لملك خاصة يعمل منه ما يريد، وربع لأرزاق خدمه، وربع ينفق في مصالح الأرض وما يحتاج إليه من حفر ترعها وعمل جسورها وتقوية أهلها على العمارة، وربع يدفن لحادثة تحدث وحاجة تنزل. وكان خراج البلد في ذلك الوقت مائة ألف ألف وثلاثة آلاف دينار.\rوهو مقسوم على مائة وثلاث كور بعدة الآلاف. وأقام ملكاً إحدى وسبعين سنة، ومات نم طاعون أصابه، وقيل: من سم جعل له في طعامه، وعمل ه ناووس في صحراء المغرب، وقيل: في غربي قوص؛ ودفن معه من مصاحف الحكمة والصنعة المعمولة وتماثيل الذهب والجوهر. ومن الذهب المضروب شيء كثير، ودفن معه روحاني الشمس من ذهب يلمع، وله جناحان من زبرجد، وصنم على صورة امرأته التي كانت أحظى نسائه عنده وكان يحبها، فأمر أن تعمل صورتها في هياكلهم جميعاً، فعمل له تمثالها من ذهب بذؤابتين من ذهب أسود، وألبست حلة من جواهر منظومة وجعلت جالسة على كرسي، فكانت تجعل بين يديه في موضع تجلس فيه يتسلى بذلك عنها، فدفنت معه عند رجليه.","part":4,"page":72},{"id":1573,"text":"وملك بعده ابنه مناوش بن منقاوش؛ ملك بوصية من أبيه، فطلب الحكمة على عادة أبيه واستخرج كتبها وأكرم أهلها، وبذل فيهم الجوائز وطلب الإغراب في عمل العجائب، وكان كل واحد من ملوكهم يجهد جهده في أن تعمل له غريبة من الأعمال لم تعمل لمن كان قبله وتثبت في كتبهم وتزبر على الحجارة في تواريخهم. قال: ومناوش هذا أول من عبد البقر من أهل مصر، وكان السبب في ذلك أنه اعتبل على يئس منه فيها، وأنه رأى في منامه صورة روحاني عظيم يخاطبه ويقول له: إنك لا يخرجك من علتك إلا عبادة البقر لأن الطالع كان وقت حلولها بك في صورة ثور بقرتين؛ ففعل ذلك، وأمر بأخذ ثور أبلق حسن الصورة، وعمل له مجلساً في قصره وسقفه بقبة مذهبة، فكان يبخره ويطيب موضعه، ووكل به سادنا يقوم به ويكنس تحته، وكان يتعبد له سراً من أهل مملكته، فبرأ من علته وعاد إلى أحسن أحواله.\rويقال: إنه أول من عمل العجل وضببها بالذهب، وعمل فيها قباباً من الخشب المذهبة وفرشت بأحسن الفرش، وكان يركب عليها مع من أحب. وقيل: إنه عمل له ذلك في علته لأنه كان لايقدر على الركوب؛ وكانت البقر تجره فإذا مر بالمكان النزه أقام فيه، وإن مر بالمكان الخراب أمر بعمارته. وقيل: إنه نظر إلى نظر ثور أبلق من البقر الذي عجلته فأعجبه حسن بشرته فأمر بترفيهه وسوقه بين يديه إلى كل موضع يسلكه إعجباً به، وجعل عليه جلا من الديباج المنسوج بالذهب، فلما كان في بعض الأيام - وقد خلا في موضع منفرد عن أتباعه والثور قائم بين يديه - إذ خاطبه الثور وقال: لو رفهني الملك عن السير معه وجعلني في الهيكل وعبدني وأمر أهل مملتكه بعبادتي كفتيه ما يريده، وعاونته على أمره، وقويته في ملكه، وأزلت عنه جميع علله؛ فارتاع لذلك وأمر بالثور أن يغسل ويطيب وينظف ويدخل الهيكل، أمر بعبادته. وعبد ذلك الثور مدة وصارت فيه آية أنه لا يبول ولا يروث ولا يأكل إلا أطراف ورق القصب الأخضر في كل شهر مرتين، فافتتن الناس به وصار ذلك أصلاً لعبادة البقر.\rقال: وابتنى مناوش مواضع وكنز فيها كنوزاً وأقام أعلاماً. وبنى في صحراء الغرب مدينة يقال لها ديماس وأقام فيها مناراً ودفن حولها كنوزاً. قال: ويقال: إن هذه المدينة قائمة، وإن قوماً جازوا بها من نواحي الغرب وقد أضلوا الطريق فسمعوا بها عزيف الجن ورأوا أضواء نيرانهم. قال: وفي بعض كتبهم أن ذلك الثور، بعد مدة من عبادتهم له، أمرهم أن يعملوا صورته من ذهب أجوف، ويؤخذ من رأسه هو شعرات، ومن ذنبه ومن نحاته قرونه وأظلافه، ويجعل في التمثال، وعرفهم أنه يلحق بعلمه وأمرهم أن يجعلوا جسده في جرن من حجر أحمر ويدفن في الهيكل وينصب تمثاله عليه، ويكون ذلك وزحل في شرفه والشمس مسعودة تنظر إليه من تثليث والقمر في الزيادة، وينقش على التمثال علامات الكواكب السبعة ففعلوا ذلك، وعملت الصورة من ذهب ملمع على شبه الثور، وجعل له قرنان من ذهب وكللا بأصناف الجواهر، وجعلوا عينيه جزعتين سواداً في بياض، ودفن جسد الثور في الجرن الأحمر.\rقال: وجعل في المدينة شجرة تطلع كل لون من الفاكهة، ومناراً في وسطها طوله ثمانون ذراعاً، وعلى رأسه قبة تلون في كل يوم لوناً حتى تمضي سبعة أيام ثم تعود إلى اللون الأول فيكسو المدينة من تلك الألوان، وجعل حول المنار ماء شقه إليه من النيل، وجعل في ذلك الماء سمكاً من ذلك اللون، وجعل حول المدينة طلسمات رؤوسها رءوس قردة وأبدانها أبدان الناس، كل واحد منها لدفع مضرة أو اجتلاب منفعة، وعمل على أبواب المدينة، وهي أربعة أبواب، على كل باب صنماً، ودفن تحت كل صنم كنزاً من الكنوز؛ وباب كل واحد منها على قياس مائة ذراع منه إلى الجهة التي وجهه منصرف إليها، وكتب على كل واحد منها قربانه وبخوره والوصول إليه، وأسكنها السحرة فكانت تعرف بمدينة السحرة، ومنها كانت أصناف السحرة تخرج.\rقال: وأقام مناوش في الملك سبعاً وثلاثين سنة وهلك، وعمل له ناووس تحت الجبل الغربي، وجعل وصيته إلى ابنه من بعده هرميس بن منقاوش، فملك إحدى عشرة سنة لم يبن بنياناً ولا نصب مناراً ولا عمل في أيامه أعجوبة حتى إنه لم يكن يذكر في عداد ملوكهم. فهذا ما أورده في أخبار قفطريم بن قبطيم وبنيه على توال واتساق فلنذكر أخبار أشمون.\rأشمون وبنيه","part":4,"page":73},{"id":1574,"text":"هو أشمون بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام؛ وهو أخو قفطريم أبي الملوك الذين قدمنا ذكرهم. كان ملكه من أشمونين إلى منف، ومن الرق إلى البحر المالح، ومن الغرب إلى حدود برقة، وهو آخر حد مصر، ومن الصعيد إلى حد أخميم. وكان ينزل مدينة الأشمونين وله بنيت وباسمه سميت، وكان طولها اثني عشر ميلاً في مثلها. قال إبراهيم: وأشمون أول من اتخذ الملاعب بابصنا والبهنسا وغيرها، وبنى الصور وغرس الغروس، وبنى مدينة تعرف بقمنطر ذات العجائب، وهي بالقرب من مدينة السحرة التي تقدم ذكرها في أخبار منقاوش. قال: وفي وسط هذه المدينة قبة تمطر شتاءً وصيفاً مطراً خفيفاً وتحت القبة مطهرة فيها ماء أخضر يتداوى به من كل داء فيبرئه، وفي شرقها سرب لطيف له أربعة أبواب، لكل باب منها عضادة صورة وجه يخاطب كل واحد منها صاحبه بما يحدث في قومه، ومن دخل تلك البربا على غير طهارة نفخوا عليه فأصابته علة فظيعة لا تفارقه إلى أن يموت. وكانوا يقولون إن في وسطه مهبط النور وهو في صورة العمود، من اعتنقه لم يحتجب عن نظره شيء من الروحانيات، ويسمع كلامهم ويرى ما يعملون، وعلى كل باب من أبواب هذه المدينة صورة راهب في يده مصحف فيه علوم الكهنة، فمن أحب ذلك العلم أتى تلك الصورة فمسحها بيديه وأمرهما على صدره فيثبت ذلك العلم في صدره. ويقال: إن هاتين المدينتين قمنطر ومدينة السحرة بنيتا على اسم هرمس وهو عطارد، وأنهما بحالهما.\rقال: وحكي عن رجل أنه أتى عبد العزيز بن مروان، وهو على مصر، فعرفه أنه تاه في صحراء الشرق وأنه وقع على مدينة خراب، وأنه وجد فيها شجرة تحمل من كل فاكهة، وأنه أكل منها وتزود؛ فقال له رجل من القبط: هذه إحدى مدينتي هرمس وفيها كنوز كثيرة؛ فوجه عبد العزيز معه جماعة وحمل معهم زاداً وماء، فأقاموا يطوفون شهراً في تلك الصحارى فلم يقفوا لها على اثر. ويقال: إن أشمون عمل في وقته على باب الأشمونين إوزة من نحاس، فكان الغريب إذا دخل المدينة صاحت الإوزة وخفقت بجناحيها فيعلم به، فإن أحبوا منعوه، وإن أحبوا تركوه.\rقال: وفي أيامه كثرت الحيات فكانوا يصيدونها ويعملون من لحومها الأدوية والدرياقات، ثم ساقوها بسحرهم إلى وادي الحيات في جابل لوبية ومراقية فسجنوها هناك. قال: وهو أول من عمل النوروز بمصر ورتبه سبعة أيام يدمنون فيها الأكل والشرب واللهو. وفي زمانه ينبت البهنسا وأقام بها أسطوانات، وجعل فيها مجلساً من زجاج أصفر وعليه قبة مذهبة، فكانت الشمس إذا طلعت على القبة ألقت شعاعها على المدينة. وعمل فيها عجائب كثيرة يطول الشرح بذكرها.\rقال: ويقال إن أشمون كان أول إخوته ملكاً، وكان أعدل بني أبيه وأرغبهم في صنعة تبقى ويبقى ذكرها. وهو الذي بنى المجالس المصفحة بالزجاج الملون في وسط النيل. وتزعم القبط أنه بنى سرباً تحت الأرض من الأشمونين إلى أنصنا تحت النيل. وقيل: إنه عمله لبناته لأنهن كن يمضين إلى هيكل الشمس. وكان هذا السرب مبلط الأرض والحيطان والسقف بالزجاج الثخين الملون. وقيل: إنه كان أطول أخوته ملكاً. وقال أهل الأثر: إنه ملك ثمانمائة سنة، وغن قوم عاد انتزعوا منه الملك بعد ستمائة سنة من ملكه وأقاموا تسعين سنة واستوبئوا البلد فانتقلوا إلى الدثين من طريق الحجاز إلى وادي القرى فعمروها واتخذوا بها المنازل والمصانع فسلط الله عليهم الذر فأهلكهم، وعاد ملك مصر إلى أشمون بعد خروجهم من البلد. ويقال: إنه ملكهم ثمانمائة سنة وثلاثين سنة، ودفن في أحد الأهرام الصغار القبلية. وقيل: بل عمل له ناووس في غربي الأشمونين ودفن معه فيه من الأموال والعجائب شيء كثير، وأصنام الكواكب السبعة التي كانت في هيكل المرآة التي ترى منها الأقاليم، ودفن معه ألف سرج من ذهب وفضة، وعشرة آلاف خابية صغار من ذهب وفضة وزجاج، ألف عقار مدبرة لفنون الأعمال وزبر عليه اسمه ومدة ملكه والوقت الذي مات فيه.\rواستخلف ابنه مناقيوس بن أشمون. وكان جلداً محنكاً فاستأنف العمارة وبنى القرى ونصب الأعلام، وجمع الحكمة ومصاحف الملوك والحكماء وعمل العجائب، وبنى لنفسه مدينة وانفرد بها، وعمل عليها حصناً ونصب عليه أربعة أعلام، في كل ركن من أركانه علم، وبين تلك الأعلام ثمانون صنماً من نحاس وأخلاط، في أيديها آلات السلاح وزبر على صدرها آياتها.","part":4,"page":74},{"id":1575,"text":"قال: وكان بمنف رجل من أولاد الكهنة من أعلم الناس بالسحر وأبصرهم بأخذ التماسيح والسباع، وكان يعلم الغلمان السحر فإذا حدقوا علم غيرها، فأمر الملك أن تبنى به مدينة ويحول إليها فبنيت، وهي إخميم. وملك مناقيوس نيفاً وأربعين سنة ومات فدفن في الهرم المحاذي لإطفيح، ونقل معه شيء كثير من المال والجواهر والآنية والتماثيل، وزبر عليه اسمه والوقت الذي مات فيه.\rوملك بعده ابنه - ولم يسمه إبراهيم - فكان أحزم من أبيه، فعظم في عيون أهل مصر، وهو أول من عمل الميدان أمر أصحابه برياضة أنفسهم فيه. وأول من عمل البيمارستانات لعلاج المرضى والزمني وأودعها العقاقير ورتب فيها الأطباء وأجرى عليهم ما يسعهم، وأقام الأمناء على ذلك، وصنع لنفسه عيداً وسماه عيد الملك؛ فكان الناس يجتمعون إليه في يوم من لاسنة، فيأكلون ويشربون سبعة أيام وهو يشرف عليهم في مجلس قد بني له على عمد قد طوقت ذهباً وألبست فاخر الذهب المنسوج، وعليه قبة مصفحة من داخلها وخارجها بالذهب والزجاج المسبوك، وكان يعطي كل قوم قسطهم من النظر ثم يكثرون الدعاء له وينصرفون إلى مواضعهم.\rوفي أيامه بنيت سنترية في صحراء الواحات، عملها من حجارة بيض مربعة على تقدير واحد، وجعل في كل حائط من حيطانها باباً في وسطه شارع ينتهي إلى الحائط المجاور له من الجهة الأخرى، وجعل في كل شارع أبواباً يمنة ويسرة وتنتهي طرقاتها إلى داخل المدينة، وجعل في وسط هذه المدينة ملعباً يدور به من كل ناحية سبع درج؛ وعمل عليه قبة من خشب مدهون على عمد عظيمة من رخام، وفي وسطه منار من رخام عليه صنم من صوان أسود يدور مع الشمس بدورانها، وبسائر نواحي القبة صور معلقة تصفر وتصيح بلغات مختلفة. وكان الملك يجلس على الدرجة العالية من الملعب وحوله بنوه وأقاربه به وأبناء الملوك، وعلى الدرجة الثانية رؤساء الكهنة والوزراء، وعلى الثالثة رؤساء الجيش، وعلى الرابعة أصحاب الفلسفة والمنجمون والأطباء وأصحاب العلوم، وعلى الخامسة أصحاب العمارات، وعلى السادسة أصحاب المهن، وعلى السابعة العامة؛ فيقال لكل طائفة منهم: انظروا من دونكم ولا تنظروا من فوقكم، فإنكم لا تلحقونهم. فكان في هذا ضرب من التأديب.\rقال: وكان للملك عدة نسوة، وكان يحب منهن امرأتين ويتخطاهما ويجمع بينهما في مجلس واحد، فمال لإحداهما في بعض الأيام دون الأخرى، فغارت وغرب عقلها وتناولت سكيناً ودخلت إلى الملك وهو مغتر وتلك المرأة جالسة إلى جنبه فضربتها بالسكين، وقام الملك دونها ليمنعها منها فضربته على فؤاده فخر صريعاً، وقبض على المرأة وحبست، ومات الملك. وقد أوصى بقتل المرأة ووضع رأسها على ناووسه. ومدة ملكه ستون سنة.\rوملك بعده ابنه مرقورة الملك؛ فدخل عليه العظماء وهنوه ودعوا له بدوام الملك والنعمة، وكان حازماً عاقلاً، فأخذ في حسن التدبير وتقويم العمارة وترتيب المراتب، وجعل لرأس الكهان الحكومة في أمر الدين. قال: وفي كتبهم أنه أول من ذل السباع بمصر وركبها. قال: وبنى المدن وعمر الهياكل وأقام الأصنام التي غربي منف، وكان ملكه نيفاً وثلاثين سنة، وعمل له ناووس على طريق الغرب على مسافة يويمن.\rوقلد ابنه بلاطس بن مرقورة، فملك وهو صبي، وكانت أمه تدبر الملك مع الوزراء والكهنة، وكانت حازمة مجربة، فأجرت الأمور على ما كانت في حياة أبيه، وأحسنت إلى الأولياء، وعدلت في الرعية، ووضعت عنهم بعض الخراج فأحبوها. وعملت في وقته البركة العظيمة في صحراء الغرب، وجعل في وسطها عمود طوله ثلاثون ذراعاً في أعلاه قصعة من حجارة يفور منها الماء فهي لا تنقص أبداً، وجعل حولها أصنام حجارة ملونة من كل صنف على صور الحيوان والوحش والطير، وكان كل جنس يأتي إلى صورته ويألفها فيؤخذ ولا يدري.","part":4,"page":75},{"id":1576,"text":"قال: ولما ترعرع الملك أحب الصيد ولهج له، فعملت له أمه متنزهاً فيه مجالس مركبة على أساطين من المرمر مصفحة بالذهب، عليها قباب مرصعة بالتصاوير العجيبة والنقوش المؤلفة، يطلع من تحتها الماء في فوارات وتنصب إلى أنهار مصفحة بالفضة تفضي إلى حدائق فيها بدائع الغروس، عليها تماثيل تصفر بأصناف اللغات، ونضدت بأنواع الفواكه، وأرخت عليها ستور الديباج المنسوجة بالذهب، اختارت له من بنات الملوك الحسان وأزوجته منهن، وبنت حول تلك الجنة مجالس يجلس فيها الوزراء والكهنة وأشراف أهل الصناعات يرفعون إليه ما يعملونه، فكان أكثر مقام الملك في تلك الجنة، فإذا فرغوا من أعمالهم نقل إليهم الطعام والشراب من مطبخه، ولا يزالون في أكل وشرب بقية يومهم وليلتهم، وأقاموا على ذلك والأمور جارية على السداد.\rوكانت أيامه سعيدة كثيرة الخصب والسعة للناس والعدل فيهم والإحسان إليهم. وكان له يوم يخرج فيه إلى الصيد ويرجع إلى جنته فيأمر لمن معه بالجوائز والأطعمة والأشربة، ويجلس يوماً للناس فينظر في أمورهم ومصالحهم ويقضي حوائجهم، ويجلس يوماً للخلوة بنسائه، ثم جدر فمات؛ وعمل له ناووس في جنته وجعل فيه من الأموال والجواهر والصنعة والتماثيل كما كان يجعل لآبائه. وكان ملكه ثلاث عشرة سنة، وانتقل الملك إلى أعمامه.\rأتريب الملك\rهو أتريب بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام. قال: وكان أتريب قد انتقل إلى حيزه بعد وفاة أبيه قبطيم، وهي المدينة التي كان أبوه بناها له، وكان طولها اثني عشر ميلاً، ولها اثنا عشر باباً، وفي شارعها الأعظم ثلاث قباب عالية على عمد بعضها فوق بعض، منها قبة في وسط المدينة، وقبتان في طرفيها، وجعل على كل ركن منها مرقباً كبيراً يوقد ليلاً، وعلى كل باب من أبوابها حرساً كثيراً، وجعل في كل جانب منها ملعباً ومنتزهات تشرف من تلك المجالس عليها، وشق في عرضها نهراً وعمل عليه قناطر معقودة، وبنى فوقها مجالس يتصل بعضها ببعض، وجعل حوله منازل تدور بالخليج متصلة بالقناطر على رياض مزروعة وخلفها الأجنة والبساتين، وعلى كل باب من أبوابها أعجوبة من تماثيل وأصنام متحركة وأصنام ينبع الماء من آذانها، ومن داخل كل باب صورة شيطانين من ضفر، فكان إذا قصدها أحد من أهل الخير قهقه الشيطان الذي عن يمنة الباب، وإن كان من أهل الريب بكى الشيطان الذي عن يسرة الباب، وجعل في كل منتزه منها من الوحوش الآلفة والطير المغردة كل مستحسن، وجعل فوق قباب المدينة صوراً تصفر إذا هبت الرياح، ونصب له فيها مرايا ترى البلدان البعيدة والعجائب الغريبة، وبنى حذاءها في الشرق مدينة وجعل فيها ملاعب وأصناماً بارزة كثيرة في خلق مختلفة، وجعل في وسطها بركة إذا مر بها الطير سقط عليها فلا يبرح حتى يؤخذ، وجعل لها جصناً باثني عشر باباً وجعل على كل باب من أبوابها تمثالاً يعمل أعجوبة وعمل حولها أجنة، وجعل ما يقرب منها من ناحية الشرق مجلساً منقوشاً على ثماني أساطين، وفوق المجلس قبة عليها طائر منشور الجناحين يصفر كل يوم ثالث صفرات: بكرة ونصف النهار، وعند الغروب، وأقام فيها أصناماً وعجائب كثيرة، وبنى مدناً كثيرة وأكثر من العمارات، وأقام رجلاً يقال له برسان يعمل الكيمياء، وضرب منها دنانير، في كل دينار سبعة مثاقيل عليها صورته، وعمل منها تماثيل كثيرة. وعاش أتريب في الملك ثلاثمائة سنة وستين سنة، وكانت سمة خمسمائة سنة. وعمل له ناووس في جبل بالشرق حفر له تحته سرب بطن بالزجاج والمرمر وجعل على سرير من ذهب مرصع وحملت إليه ذخائره، وجعل على بابه صورة تنين لا يدنو منه أحد إلا أهلكه، وزبر عليه اسمه وتاريخ وقته، وسفوا عليه الرمال.\rوملكت بعده ابنته تدرورة فدبرت الملك وساسته بأيد وقوة خمساً وثالثين سنة ثم ماتت.","part":4,"page":76},{"id":1577,"text":"فقام بالملك أخوها فليمون بن أتريب؛ فرد الوزراء إلى مراتبهم، وأقام الكهان على مواضعهم لوم يخرج الأمر عن رأيهم، وجد في العمارات وطلب الحكم وعمل بها. وفي أيامه بنيت تنيس الأولى التي غرقها البحر، وكان بينها وبين البحر شيء كثير، وحولها الزروع والأشجار والكروم والقرى ومعاصر الخمر وغيرها وعمارة لم يكن أحسن منها، فأمر الملك أن يبنى له في وسطها مجالس، وينصب له عليها قباب، وتزين بأحسن الزينة والنقوش، وأمر بقرشها وإصلاحها، وكان إذا بدأ النيل في الزيادة انتقل الملك إليها فأقام بها إلى النوروز ورجع. وكان للملك بها أمناء يقسمون المياه ويعطون كل قرية قسطها، وكان على تلك القرى حصن يدور بقناطر، وكان كل ملك يأتي يأمر بعمارتها والزيادة فيها ويجعلها له متنزهاً.\rويقال: إن الجنتين اللتين ذكرهما الله تعالى في كتابه كانتا لأخوين من أهل بيت الملك أقطعهما الملك ذلك الموضع. وقد تقدم ذكر خبرهما عند ذكرنا لبحيرة تنيس، وهو في الباب السادس من القسم الرابع من الفن الأول في ذكر البحار والجزائر وهو في السفر الأول من كتابنا هذا.\rقال: وفي زمان فليمون بنيت دمياط على اسم غلام له كانت أمه ساحرة لفليمون. قال: وملك فليمون تسعين سنة، وعمل لنفسه ناووساً في الجبل الشرقي، وحول إليه من الأموال والجواهر وسائر الذخائر شيئاً كثيراً، وجعل من داخله تماثيل تدور بلوالب في أيديها سيوف فمن دخلها قطعته بسيوفها. وجعل عن يمينه ويساره أسدين من نحاس مذهب بلوالب أيضاً فمن دنا منهما حطماه، وزبر على الناووس: هذا قبر فليمون بن أتريب بن قبطيم بن مصريم، عمرا عمراً، وبقي دهراً، واتاه الموت فما استطاع له دفعاً، فمن وصل إليه فلا يسلبه ما عليه، وليأخذ مما بين يديه.\rوصار الملك بعده إلى ابنه قرسون بن فليمون؛ وجلس على سرير الملك، ودخل إليه عظماء أهل البلد والخاص والعام فهنؤه بالملك، فتقدم في أمر الهياكل والكهنة وطلب الحكمة؛ وكان حدثاً جميلاً فعشقته إحدى نساء أبيه، وكانت تتولى طيبة وتزعم أن أباه أمرها بذلك، ثم بعثت إلى ساحرة من أعلم السحرة بمنف فسألتها أن تسحره لها وبذلت لها على ذلك أموالاً، وإذا الساحرة قد عشقته أشد من عشقها، فسعت بامرأة أبيه وعرفته ما بذلت لها على ذلك، فأبعدها عن مجلسه ومنعها من الدخول إليه.\rوبلغ ملكاً من ملوك حمير أن ملك مصر صار إلى غلام حدث غر فطمع فيه وسار إليه في جموع عظيمة، فخرج قرسون نحوه فالتقوا بأيلة واقتتلوا قتالاً شديداً حتى تفانى الفريقان، فأتت تلك الساحرة إلى الملك فقالت: ما تجعل إلى أعنتك على عدوك حتى تفض جموعه وتظفر به؟ قال حكمك؛ فأخذت عليه بذلك العهود والمواثيق، وأصبحوا للحرب فدخنت الساحرة بدخن عجيبة وأظهرت تخابيل هائلة، فهرب الحميري في نفر يسير من ثقاته، وقتل بقية أصحابه، وحاز جميع ما كان في خزائنهم، وعاد الملك إلى منف بالظفر والغنيمة، فأتته الساحرة فسألته الوفاء بالشرط فقال: احتكمي ما أحببت، فهذه الأموال والخزائن بين يديك؛ فقالت: ما أريد غير الملك؛ فقال: ويحك! إنك لست من أهل بيت الملك، وقد علمت ما في هذا على الملك؛ فقالت: قد كان الملوك قبلك يغصبون نساء الناس ويلدن منهم ولا يسألون عن ولاداتهم، وأنا ابنة فلان رئيس الكهنة، ويوشك أن يحتاج الملك إلي بعد هذا. ولم تزل به حتى انصرف قلبه إليها، فتزوجها وأحبها وحظيت عنده. فضاقت الأرض بامرأة أبيه فأخذت في أعمال الحيلة عليها؛ فدست جارية لها عاقلة لطيفة على ساقي الملك الذي يتولى شرابه، فاختلطت بجواريه حتى تمكنت من إناء كان فيه شراب للملك فألقت فيه سماً وعادت في الوقت إلى مولاتها وأخبرتها، فدخلت إلى الملك فسجدت له وقالت: قد كنت للملك ناصحة، وعليه مشفقة، فأقصاني واختص هذه الساحرة الفاجرة، وقد سمت شرابه في إناء من صفته كذا وكذا، فليسقها الملك منه ليعلم صدقي؛ فدعا الملك بالإناء فوجده على ما ذكرت، فاحضر الساحرة، وأمرها بشرب قدح منه فشربته ولم تعلم ما فيه فسقط لحمها من عظمها. فأمر بدفنها في ناووس وزبر عليه اسمها وما همت به وما صار أمرها إليه، وعاد إلى امرأة أبيه وتزوج بها وحسنت حالها عنده.","part":4,"page":77},{"id":1578,"text":"قال: وفي أيامه عمل المنار على بحر القلزم وجعلت على رأسه مرآة من أخلاط تجتذب المراكب على شاطئ البحر، فلا يمكنها أن تبرح أو تعشر، فإذا عشرت سترت المرآة فتجوز المراكب.\rقال: وأقام قرسون ملكاً مائتين وستين سنة؛ وقد كان عمل لنفسه ناووساً خلف الجبل الأسود الشرقي، وجعل في وسطه قبة فيها اثني عشر بيتاً، في كل بيت أعجوبة لا تشبه الأخرى، وزبر عليها اسمه ومدة ملكه. قال: وملك بعده ثلاثة أو أربعة. فهؤلاء الذين سماهم من أولاد أتريب ممن ملك منهم. والله أعلم.\rصابن قبطيم بن مصريم\rبن بيصر بن حام ابن نوح عليه السلام قال: ولما قسم قبطيم الأرض بين بنيه الأربعة كما تقدم وانتقل كل واحد منهم إلى حيزه، خرج صا بأهله وولده وحشمه إلى حيزه، وهو بلد البحيرة وما يليها إلى برقة، ونزل مدينة صا، وذلك قبل أن تبنى الإسكندرية. وكان صا أصغر ولد أبيه وأحبهم إليه، فلما ملك حيزه أمر بالنظر في العمارة، وبنى المدائن والبلدان والهياكل، وعمل في إظهار العجائب كما صنع إخوته، وطلب الزيادة في ذلك. وكان مرهون الهندي صاحب بنائه، فبنى له من حد صا إلى حد لوبية ومراقية على عبر البحر أعلاماً، وجعل على رءوس تلك الأعلام مرايا من أخلاط شتى: فكان منها ما يمنع من دواب البحر وأذاهم، ومنها ما إذا قصدهم عدو من الجزائر الداخلة وأصابها الشمس ألقت شعاعها على مراكبهم فأحرقتها، ومنها ما يرى المدائن التي تجاورهم من عدوة البحر وما يعمله أهلها، ومنها ما ينظر منها إلى إقليم مصر فيعلم ما يخصب وما يجدب من ه في كل سنة. وجعل فيها حمامات توقد من نفسها ومستشرفات. وكان كل يوم في موضع منها بمن يخصه من حشمه وخدمه، وجعل حولها بساتين وسرح فيها الطيور المغردة والوحش المستوحش والمستأنس والأنهار المطردة والرياض المونقة، وجعل شرف القصر من حجارة ملونة تلمع إذا أصابتها الشمس فتنشر شعاعها على ما حولها؛ ولم يدع شيئاً من آلة النعمة والرفاهية إلا استعمله. فكانت العمارة ممتدة إلى برقة في رمال من رشيد إلى الإسكندرية إلى برقة. وكان الرجل يسافر في أرض مصر لايحتاج إلى زاد لكثرة الفواكه والخيرات، ولا يسير إلا في ظلال تستره من الشمس. وعمل في تلك الصحاري فصوراً وغرس فيها غروساً، وساق إليها من النيل أنهاراً. وكان يسلك من الجانب الغربي إلى حد الغرب في عمارة متصلة.\rقال: فلما انقرض أولئك القوم بقيت آثارهم في تلك الصحارى وخربت تلك المنازل وباد أهلها. قال: ولا يزال من دخل تلك الصحارى يحكى ما رأى فيها من الآثار والعجائب.\rقال: ومن ملوكهم مرقونس؛ وكان فاضلاً حكيماً، محباً للنجوم والحكمة، فعمل في أيامه ردهم إذا ابتاع به صاحبه شيئاً اشترط أن يزن له ما يبتاعه منه بوزن الردهم ولا يطلب عليه زيادة، فيغتر البائع بذلك ويقبل الشرط، فإذا تم ذلك بينهما وقع في وزن الردهم أرطال كثيرة تسوي عشرة أضعافه، وإن أحب أن يدخل في وزنه أضعاف تلك الأرطال دخل. قال: وقد وجد في كنوزهم في أيام بني أمية، فكان الناس يتعجبون منه. وقد كانوا وجدوا درهماً آخر قيل إنه عمل في وقته أيضاً يكون في ميزان الرجل، فإذا أراد أن يبتاع حاجة أخذ الدراهم من ميزانه وقلبه وقال: اذكر العهد، ومضى فابتاع به ما أراد، فإذا أخذ السلعة ومضى إلى بيته وجد الدرهم قد سبقه إلى منزله، ووجد البائع حيث وضعه ورقة آس أو قرطاس أو مثل ذلك بدور الدرهم.\rوقيل: إن في وقته عملت الآنية الزجاج التي توزن، فإذا ملئت ثم وزنت لم تزد على وزنها الأول شيئاً، وهي تحمل من الماء بوزنها. وعمل أيضاً في وقته الآنية التي إذا جعل الماء فيها صار خمراً في لونه ورائحته وسكره.\rقال: وقد وجد من هذه الآنية بإطفيح في إمارة هارون بن خمارويه بن أحمد ابن طولون شربة جزع بعروة زرقاء ببياض. وكان الذي وجدها أبو الحسن الصائغ الخراساني هو ونفر معه، فجلسوا ليأكلوا على عبر النيل وشربوا الماء بها فوجدوه خمراً فسكروا منه ورقصوا، فوقعت الشربة فانكسرت على عدة قطع، فاغتم الرجل وجاء بها إلى هارون مكسورة، فأسف عليها وقال: لو كانت صحيحة لاشتريتها ببعض ملكي.","part":4,"page":78},{"id":1579,"text":"وفي أيامه عملت الصورة الحنتمية من الضفادع والخنافس والذباب والعقارب وسائر الحشرات، فكانت إذا جعلت في موضع من المواضع اجتمع إليها ذلك الجنس بعينه ولا يقدر أن يفارقها حتى يقتل. وعمل في صحراء الغرب ملعباً من زجاج ملون، وجعل في وسطه قبة من الزجاج خضراء صافية اللون؛ وكانت إذا طلعت عليها الشمس ألقت شعاعها على المواضع البعيدة. وعمل من أربع جهاته أربعة مواضع عالية من الزجاج، كل مجلس منها بلون، ونقش كل مجلس منها بما يخالف لونه من الطلسمات العجيبة والنقوش الغريبة والصور البديعة؛ كل ذلك من زجاج مطابق يشف. وكان يقصد هذا الملعب ويقيم فيه الأيام الكثيرة.\rوعمل له ثلاثة أعياد في كل سنة، فكانوا يحجون إليه ويذبحون له ويقيمون فيه سبعة أيام؛ فلم يزل ذلك الملعب بحاله تقصده الأمم لتنظر إليه لأنه لم يكن له نظير ولا شكل، ولا عمل في العالم مثله إلى أن هدمه بعض الملوك لأنه تعاطى مثله فلم يقدر على ذلك.\rوكانت أم مرقونس ابنة ملك النوبة، وكان أبوها يعبد نجماً يقال له السها، ويسميه إلهاً، فسألت ابنها أن يعمل لها هيكلاً ويفردها به، فعمله لها وصفحه بالذهب والفضة وأقام فيه صنماً وأرخت عليه ستور الحرير، فكانت تدخل إليه مع جواريها وحشمها وتسجد له كل يوم ثلاث مرات. وعملت في كل شهر عيداً تقرب له فيه القرابين وتبخرج ليله ونهاره، ونصبت له كاهناً من النوبة فكان يقوم به ويبخر ويقرب له، ولم تزل حتى سجد ودعا الناس إلى عبادته.\rقال: ولما رأى الكاهن أن الأمر قد أحكم له من جهة الملك في عبادة الكواكب، أحب أن يكون له مثالاً في الأرض على صورة شيء من الحيوان يتعبد له ليكون حذاء عينيه؛ فأقام يعمل الحيلة في ذلك إلى أن اتفق بمصر كثرة العقبان حتى أضرت بالناس، فأحضره الملك وسأله عن كثرتها فقال: إن إلهك أرسلها لتعمل له نظيراً يسجد له. فقال الملك: إن كان ذلك يرضيه فأفعله، فعمل تمصال عقاب طوله ذراعان في عرض ذراع من ذهب مسبوك، وعمل عينيه من ياقولتين، وعمل له وشاحين من لؤلؤ منظوم على أنابيب جوهر أخضر، وجعل في منقاره كرة معلقة وسروله بادرك أحمر، وأقامه على قاعدة من فضة منقوشة، وركبها على قائمة زجاج أزرق، وجعله في أزج عن يمين الهيكل، وألقى عليه ستور الحرير، وجعل له دخنة معمولة من جميع الأفاويه والصمغ، وقرب له بعجل اسود وبكارة الفراريج وبواكير الفواكه والرياحين. فلما تمت له سبعة أيام دعاهم إلى السجود له فأجابوه. ولم يزل الكاهن يجهد نفسه في عبادته، وعمل له عيداً دعاهم فيه إلى أن يبخر له في أنصاف الشهور بالندل وترش الهياكل بالخمر العتيقة التي تؤخذ من رءوس الجوابي، ونطق لهم العقاب وعرفهم أنه أوال عنهم العقبان وضررها؛ وكذلك يفعل في غيرها مما يخافون؛ فسر الكاهن بذلك ووجه إلى أم الملك فعرفها ذلك فصارت إلى الهيكل، فلما سمعت كلام العقاب سرها ذلك وأعظمته، وبلغ الملك خبره فركب إلى الهيكل حتى خاطبه وأمره ونهاه، فسجد له وأقام له سدنة وأمر أن يزين بأصناف الزينة، وكان الملك يقوم بذلك الهيكل ويسجد تلك الصورة ويسألها عما يريد فتخبره.\rوعمل من الكيمياء والذهب مالم يعمله أحد من الملوك. فيقال: إنه دفن في صحراء الغرب خمسمائة دفين. ويقال: إنه عمل على باب صا عموداً وجعل عليه صنماً في صورة امرأة جالسة وفي يدها مرآة ينظر فيها العليل أو ينظر له أحد فيها فإن كان يموت رآه ميتاً، وإن كان يعيش رآه حياً؛ والماسفر، فإن كان مقبلاً بوجهه أنه راجع، وإن رآه مولياً علموا أنه متماد، وإن كان مريضاً أو ميتاً رأوه كذلك. وعمل بالإسكندرية صورة راهب جالس على قاعدة وعلى رأسه كالبرنس وفي يده كالعكاز إذا مر به تاجر جعل بين يديه شيئاً من الذهب على قدر بضاعته، وإن حاذاه عن بعد ولم يفعل ذلك لم يقدر على الجواز ويبيت قائماً مكانه، فكان يجتمع من ذلك مال عظيم يفرق في الزمني والفقراء.","part":4,"page":79},{"id":1580,"text":"وعمل في وقته كل أعجوبة طريفة، وأمر أن يزبر اسمه عليها وعلى كل علم وكل طلسم وصنم. وعمل لنفسه ناووساً في داخل أرض الغرب عند جبل يقال له سدام، وعمل تحته رحىً طوله مائة ذراع في ارتفاع ثلاثين ذراعاً في عرض عشرين ذراعاً، وصفحه بالمرمر والزجاج الملون المسبوك وسقفه بالحجارة الصافية، وعمل فيما دار به مصاطب لطافاً مبلطة بالزجاج، وعمل على كل مصطبة فيها أعجوبة وتمثالا مما عمل في وقته، وعمل في وسط الأزج دكة من زجاج ملون، على كل ركن من أركانها صورة تمنع من الدنو إليها، وبين كل صورتين كالمنارة عليها حجر مضيء، وجعل في وسط الدكة حوضاً من ذهب يكون جسده فيه بعد تضميده بالأدوية الممسكة، ونقل إليه ذخائره من الجوهر والذهب وغير ذلك، أمر أن يسد باب الأزج بالصخور والرصاص وتهال عليه الرمال. وكان ملكه ثلاثاً وسبعين سنة، وعمره مائتين وأربعين سنة، وكان جميلاً ذا وفرة حسنة عامة نسائه بعده ولزمن الهيكل.\rوعهد بالملك إلى ابنه أنساد بن مرقونس؛ فملك بعد أبيه وهو غلام ابن خمس وأربعين سنة، وكان معجباً جباراً طماح العين، فنكح امرأة من نساء أبيه وانكشف أمره معها، وكان أكبر همه اللهو واللعب، فجمع كل ملة كان في مملكته كل من هذه سبيله، وجعل تدبير الملك إلى وزير له يقال له مسرور، ورفض العلوم والهياكل والكهنة والنظر في أمور الناس. وعمل قصوراً من خشب عليها قباب من خشب منقوشة مموهة وجعلها على أطراف في النيل، فكان يشرب عليها مع من يحبه من نسائه وخدمه ومن يلهيه.\rوعمل عجلاً في البر وحمل عليها الأروقة المذهبة وفرشها بفاخر الفرش، فكان يتنزه عليها ويجرها البقر ويقيم في نزهته شهوراً لا يمر بموضع نزه إلا أقام فيه أياماً. وولد من الشجر توليداً كثيراً. واستنفد أكثر ما في خزائن أبيه لجوائز المهين والنفقات في غير وجه. فلما أسرف في ذلك اجتمع الناس إلى وزيره فأنكروا عليه حاله وسألوه مسألته والمشورة عليه أن يقع عما هو عليه فضمن لهم ذلك، وفاوضه فيه فلم ينته عنه، وسلط أصحابه على الناس فأساءوا إليهم وأضروا بهم. وخرج في بعض الأيام إلى متنزه كان له قد صفح مجالسه بصفائح الذهب والفضة، وغريب الزجاج الملون، والجواهر المخروطة، الصهاريج المرخمة الملونة، وأمال إليه المياه، وغرس فيه الرياحين والثمار، وفرش مجالسه بأصناف الفرش؛ وكان إذا احب أن يخلو بامرأة من نسائه خلا بها هناك؛ فإنه في ذلك المكان، وقد أقام به أياماً، إذ خرج غلام لبعض حرمه فأتى بعض التجار في حاجة أراد أخذها بغير ثمن، فمنعه التجار منها، فوثب بهم فضربوه حتى أسالوا دمه وحمل، واتصل الخبر بالوزير وصاحب الجيش فركبا إلى الموضع وأنكرا على الناس فأغلظوا لهما ، فانصرفا وعرفا الملك الخبر، فأراهما أنه لم يحفل بذلك، وأمر بالنداء في الناس من تعرض لكم من خدم الملك وأصحابه بأذى فاقتلوه، فشكره الناس وحمدوا فعله على ذلك، وتواصلوا بالوثوب على أصحابه، حتى إذا مضى لذلك أسبوع وجه الملك إلى الوزير وصاحب الجيش فعرفهما أنه قد عزم على الركوب إلى صحراء الغرب يتصيد هناك، وأمر أن يركب معه الجيش ويتزودوا لثلاثة أيام ففعلوا، وخرج إلى البرية فسار حتى إذا اختلط الظلام رجع الجيش حتى وافى باب المدينة، وأمر أصحابه أين يضعوا السيف في الناس فقتلوا خلقاً كثيراً، ثم أمر أن ينادي: هذا جزاء من أقدم على الملوك من رعاياهم وأصحاب منهم، وأخرب الموضع الذي ضرب فيه الغلام، فاستغاث به الناس، فتقدم إلى وزيره أن يطرح نفسه بين يديه ويسأله فيهم، فعل وأمنهم وقال: من عاد إلى مثل ما كان فقد حل لنا دمه، فدعوا له وانصرفوا. ثم احتجب عن الناس واستخف بالكهنة والهياكل فأبغضته العامة والخاصة وبغوا الغوائل فاحتال عليه خاصته بطباخه وساقيه فسماه وهو ابن مائة وعشرين سنة فمات.\rوصار الملك من بعده إلى ابنه صا بن أنساد بن مرقونس؛ قال: وأكثر القبط تزعم أن صا بن مرقونس أخو أنساد. فملك وهنأه الناس، فوعدهم بالعدل فيهم، والإحسان إليهم، وحسن النظر لهم، وسكن منف وحكم الأحياز كلها، وعمل بها عجائب وطلسمات، ورد الكهنة إلى مراتبهم، ونفى الملهين وأهل الشر من كان يصحب أخاه، ونصب العقاب الذي كان أبوه عمله، وشرف هيكله ودعا إليه. وعمل في منف مرة كان يرى منها ما يخصب من بلده وما يجدب.","part":4,"page":80},{"id":1581,"text":"وبنى بداخل الوحات مدينة غرس حولها نحلاً كثيراً. ونصب قرب البحر أعلاماً كثيرة. وعمل خلف المقطم صنماً يقال له صنم الحيلة، فكان كل من تعذر عليه أمر يأتيه فيبخره عليه ذلك الأمر. وجعل على أطراف مصر أصحاب أخبار يرفعون إليه ما يجري في حدودهم. وعمل على غربي النيل منائر يوقد عليها إذا قصدهم قاصد أو نابهم أمر. ويقال: إنه بنى أكثر منف وكل بنيان عظيم بالإسكندرية.\rقال: وكان لما ملك البلد بأسره جمع الحكماء إليه ونظر في النجوم - وكان بها حاذقاً - فرأى أن بلده لا بد أن تغرق بالطوفان من نيلها، ورأى أنها تخرب على يد رجل يأتي من ناحية الشام، فجمع كل فاعل بمصر وبنى في ألواح الأقصى مدينة جعل طول حصنها في الارتفاع خمسين ذراعاً وأودعها جميع الحكم والأموال.\rوبنى المدينة التي وقع عليها موسى بن نصير في زمن بني أمية، وكان قد أخذ على ألواح الأقصى، وكان عنده علم منها، وأقام سبعة أيام يسير في رمال وصحارى سمت الغرب والجنوب إلى أن ظهرت له مدينة عليها حصن وأبواب حديد، فاصعد إليها الرجال ليقفوا على ما فيها لما لم يمكنه فتح أبوابها. ولغلبة الرمال على ما حولها؛ فكانوا إذا علوا الحصن وأشرفوا عليها وثبوا إليها؛ وعرض حصنها عشرون ذاعاً؛ فلما أعياه أمرها تركها ومضى، فهلك في تلك الطريق جماعة من أصحابه. فلم يسمع بأحد بعد موسى بن نصير ولا قبله وقع عليها.\rقال: وفي تلك الصحارى أكثر منتزهاتهم ومدائنهم العجيبة؛ إلا أن الرمال غلبت عليها. ولم يبق بمصر إلا وقد عمل للرمال دفعا ثم تفسد طلسماتهم على تقادم الأيام.\rوقال: وحكى قوم من التناء في ضياع الغرب: أن عاملاً من عمالهم عنف بهم فهربوا ودخلوا في صحراء الغرب وحملوا معهم زاداً إلى أن يصلح أمرهم ويرجعوا إلى بلادهم، وكانوا على يوم وبعض آخر قد لحجوا في سفح الجبل، فوجدوا عيراً أهلياً قد خرج من بعض شعابه، فتبعه نفر منهم، فأخرجهم إلى مساكن وأشجار ونخل ومياه تطرد وقوم يسكنون هناك ويزرعون، فخاطبوهم وعجبوا منهم وسألوهم عن حال فعرفوهم أنهم منذ كانوا سكنوا تلك الناحية ويتناسلون ويزرعون ولا يطالبهم أحد بخراج ولا يؤذيهم، وأنهم لم يدخلوا إلى ضياع الغرب قط، وقالوا لهم انتقلوا إلينا؛ فخرج القوم بعد أن صلحت أمورهم واجتمعوا على الرجوع إلى ذلك الموضع والسكنيى فيه بأهليهم ومواشيهم، فخرجوا يطلبون الطريق مدة فما عرفوا الطريق ولا تأتي لهم الوصول إليه بعد ذلك فأسفوا على مافاتهم منه.\rوحكي أيضاً عن آخرين ضلوا الطريق في الغرب، فوقفوا على مدينة عامرة، كثيرة الناس والمواشي والنخيل والشجر، فأضافوهم وأكلوا عندهم وشربوا، وباتوا في طاحونة يعمل فيها الخبز، فسكروا من الشراب وناموا، فلم ينتبهوا إلا عند طلوع الشمس، فوجدوا أنفسهم في مدينة كبيرة خراب ليس فيها أحد، فارتاعوا لذلك وخرجوا على وجوههم كالهاربين، وساروا يومهم على غير سمت حتى قرب المساء، فظهرت لهم مدينة أخرى عظيمة أكبر من الأولى واعمر، وأكثر أهلاً ودواب ومواشي وشجرا ونخلا، فأنسوا بهم وأخبروهم بخبر المدينة، فجعلوا يعجبون منهم ويضحكون؛ وإذا لبعض أهل المدينة وليمة فانطلقوا بهم معهم، فأكلوا وشربوا وغنوهم بأصناف الملاهي، وسألوهم عن حالهم فحدثوهم أنهم ضلوا عن الطريق في هذه الصحارى، فقالوا لهم: الطريق بين أيديكم واضح مستقيم لا يمكن أن تغلطوا فيه، فإن أحببتم المسير وجهنا معكم من يوقفكم على سنن الطريق الكبير الذي يوصلكم إلى منازلكم، وإن أحببتم أن تقيموا عندنا رفدناكم وكنتم إخواننا وأحبابنا.","part":4,"page":81},{"id":1582,"text":"قالوا: فسررنا بذلك من قولهم، واجمع بعضنا على المقام معهم، وأجمع من كان له منا أهل وولد على أن يسير إلى منزله ويحمل أهله وولده ويعود إليهم. قال: وبتنا عندهم في خير مبيت، فرحين بما ساق الله إلينا. فلما كان من الغد انتبهنا فوجدنا أنفسنا في مدينة عظيمة ليس فيها أحد من الناس وقد تشعب بعض حصنها، إلا أن حولها نخلا قد تساقط ثمره وتكدس حوله، فلحقنا من الخوف لذلك والارتياع ما استوحشنا له، وخرجنا على وجوهنا هاربين مفكرين فيما عايناه من أهلها، وإنا لنجد روائح الشراب منا ومعاني الخمار ظاهرة، فلم نزل نسير يومنا أجمع وليس بنا جوع ولا عطش، حتى إذا كان المساء رأينا راعياً يرعى غنماً فسألناه عن العمارة وعن الطريق فدلنا على الطريق وقال: إن العمارة حذاؤكم؛ وإذا بنقار من ماء المطر فشربنا منه وبتنا عليها، ثم أصبحنا فإذا نحن في خلاف موضعنا الذي كنا فيه، وإذا آثار العمارة والناس فما سرنا إلا بعض يوم حتى دخلنا مدينة الأشمونين بالصعيد، فكا نحدث الناس ولا يقبلون منا.\rقال: وهذه مدائن القوم القديمة قد غلب عليها الجان ومنها ما قد سترته عن العيون فلا ينظر إليها أحد.\rقال: وذكر بعض القبط أن رجلاً نم بني الكهنة الذين قتلهم أنساد إلى ملك الإفرنجة فذكر له كنوز مصر وعجائبها وخيرها، وضمن له أن يوصله إلى ملكها وأموالها، ويدفع عنه أذى طلسماتها حتى يبلغ ما يريده ويعرفه مواضع الكنوز.\rفلما اتصل بصا الملك أن صاحب الإفرنجة يتجهز إليه، عمد إلى جبل بين البحر المالح وشرقي النيل فأصعد إليه أكثر كنوزه وما في خزائنه، وبنى عليها قباباً وصفحها بالرصاص، وأمر ففتحوا جوانب الجبل إلى منتهى خمسين ذراعاً، وجعلوا في انتهاء المنحوت منه شبه الطرر البارزة خارجة من النحت بقدر مائة ذراع وهو بين جبال وعرة، فحصن أمواله هناك. وتجهز إليه صاحب الإفرنجة في ألف مركب، فكان لا يمر بشيء من أعلام مصر ومناراتها وأصنامها إلا هدمه وكسره بمعونة الكاهن له.\rحتى أتى الإسكندرية الأولى فعاث فيها وهدم كثيراً من معالمها إلى أن دخل النيل من ناحية رشيد وصعد إلى منف فحاربه أهل النواحي، وجعل ينهب ما مر به ويقتل من قدر عليه إلى أن طلب المدائن الداخلة ليأخذ كنوزها فوجدها ممتنعة بالطلسمات الشداد والمياه العميقة والخنادق الشداخات، فأقام عليها أياماً كثيرة يعالج أن يصل إليها، فلما لم يمكنه ذلك قتل الكاهن، وهلك جماعة من أصحابه، واجتمع أهل النواحي على مراكبه وأصحابه فقتلوا منهم خلقاً وأحرقوا بعض المراكب. ولما تيقن أهل مصر تلف الكاهن الذي كان معه أرسلوا إليه سحرهم وتهاويلهم، وأتت مع ذلك رياح غرقت كثيراً من مراكبه، وكان جل مرامه أن ينجو بنفسه فما عاد إلى الإفرنجة إلا وقيذا بجراحات أصابته، ورجع الناس إلى منازلهم وقراهم، ورجع صا إلى منف فأقام بها وترك ماكنزه على حاله.\rقال: ولم يزل بعد ذلك يغزو بلاد الروم وأهل الجزائر ويخربها فهابته الملوك، وتتبع الطهنة فقتل منهم خلقاً، وأقام سبعاً وستين سنة، وكانت سنة مائة وسبعين سنة وهلك، فدفن بمنف في ناووس عمله وسط المدينة من تحت الأرض، وجعل المدخل إليه من خارج المدينة من الجهة الغربية، وحمل إليه أموالاً عظيمةً وجواهر كثيرة، وتماثيل وطلسمات وغير ذلك كما فعل أجداده. وكان فيه أربعة آلاف تمثال ذهب على صور شتى برية وبحرية، وتمثال عقاب من جوهر أخضر جعل عند رأسه، وتمثال تنين من ذهب مشبك عند رجليه ونزبر عليه اسمه وسيرته وغلبته للملوك.","part":4,"page":82},{"id":1583,"text":"وعهد إلى ابنه تدارس بن صا؛ فملك الأحياز كلها بعد أبيه وصفا له ملك مصر. وكان محنكاً مجرباً ذا أيد وقوة ومعرفة بالأمور؛ فأظهر العدل، وأقام الهياكل وأهلها قياماً حسناً. وبنى غربي منف بيتاً عظيماً للزهرة وزبر جميع الأخبار - وكان صم الزهرة من لازورد مذهب متوجاً بذهب - وسوره بسوارين من الزبرجد الأخضر؛ وكان في صورة امرأة لها ضفيرتان من ذهب أسود مدبر، وفي رجليها خلخالان من حجر احمر شفاف ونعلان من ذهب، وفي يدها قضيب مرجان وهي تشير بسبابتها كالمسلمة على من في الهيكل، وجعل حذاءها من الجانب الآخر تمثال بقرة ذات قرنين وضرعين من نحاس أحمر مموه بذهب موشحة بحجر اللازورد، ووجه البقرة محاذياً لوجه الزهرة، وجعل بينهما مطهرة من أخلاط للأجساد على عمود رخام مجزع فيها ماء مدبر يستشفى به من كل داء، وفرش الهيكل بحشيشة الزهرة يبدلونها في كل سبعة أيام، وجعل فيه كراسي للكهنة مصفحة بذهب وفضة، وقرب له ألف رأس من الضأن والمعز والوحش والطير، وكان يحضر يوم الزهرة ويطوف به. وكانت فرش الهيكل وستوره عن يمين الزهرة ويساره. وكان في قبته صورة رجل راكب على فرس له جناحان وله حربة في سنانها راس إنسان معلق، وبقي هذا إلى زمان بخت نصر وهو الذي هدمه. ويقال: إن تدارس الملك هذا هو الذي حفر خليج سخا، وارتفع مال البلد في أيامه مائة ألف ألف دينار وخمسين ألف ألف دينار. وقصده بعض عمالقة الشام فخرج إليه واستباحه ودخل إلى فلسطين فقتل منها خلقاً كثيراً وسبى بعض حكمائها وأسكنهم مصر وهابته الملوك.\rقال: وعلى رأس ثلاثين سنة من ملكه طمع السودان من الزنج والنوبة في أرضه فعاثوا وأفسدوا، فأمر بجمع الجيوش وأعد المراكب ووجه قائداً من قواده يقال له: بلوطس في ثلثمائة ألف، وقائداً آخر في مثلها، ووجه في البحر ثلثمائة سفينة في كل سفينة كاهن يعمل أعجوبة من العجائب ثم خرج في جيوش كثيرة، فلقي جموع السودان وكانوا في زهاء ألف ألف فهزموهم، وقتلوا أكثرهم أبرح قتل، وأسر منهم خلقاً كثيراً، وتبعهم حتى وصل إلى أرض الفيلة من بلاد الزنج فأخذ منها عدة من النمور والوحش وذللها وساقها معه إلى مصر. وعمل على حدود بلده منارات وزبر عليها مسيره وظفره والوقت الذي سار فيه. ولما وصل إلى مصر اعتل ورأى رؤيا تدل على موته، فعمل لنفسه ناووساً ونقل إليه شيئاً كثيراً من أصنام الكواكب والذهب والجوهر والصنعة والتماثيل وهلك؛ فحمل إليه وزبر عليه اسمه وتاريخ الوقت الذي هلك فيه، وجعل عليه طلسماً تمنع منه.\rوعهد إلى ابنه ماليق بن تدارس؛ فملك بعد أبيه. وكان غلاماً كريماً حسن الوجه، مجرباً، مخالفاً لأبيه وأهل بلده في عبادة الكواكب والبقر.\rويقال: إنه كان موحداً على دين أجداداً قبطيم ومصريم، وكانت القبط تذمه لذلك. وكان سبب إيمانه فيما حكي أنه رأى في منامه أن رجلين لهما أجنحة أتياه فاختطفاه وحملاه إلى الفلك، فأوقفاه بين يدي شيخ اسود أبيض الرأس واللحية، فقال: هل عرفتني؟ فدخلته فزعة الحداثة، وكانت سنة نيفاً وثلاثين سنة، فقال له: ما أعرفك! فقال: أنا قرويس، يعني زحل، فقال: قد عرفتك، أنت إلهي، فقال: إنك وإن كنت تدعوني إلهاً فإني مربوب مثلك، وإلهي الذي خلق السموات والأرض وخلقني وخلقك، فقال: وأين هو؟ فقال: هو في العلو لا تراه العيون، ولا تلحقه الأوهام، وهو الذي جعلنا سبباً لتدبير العالم الأسفل. قال له ماليق الملك: فكيف أعمل؟ قال: تضمر في نفسك ربوبيته علينا. وتخلص في وحدانيته وتعرف بأزليته. ثم إنه أمر الرجلين فأنزلاه؛ فانتبه وهو مذعور، فدعا رأس الكهنة فقص عليه رؤياه فقال: قد نهاك عن عبادة الأوثان فإنها لا تضر ولا تنفع، فقال له: من أعبد؟ قال: الله الذي خلق السموات والكواكب التي فيها والأرض ومن عليها. فكان الملك يحضر الهيكل فإذا سجد انحرف عن الصنم واضمر السجود لخالق السموات والأرض دون غيره، ثم أخذ في الغزو والغيبة عن أهل مصر وجال في البلدان.","part":4,"page":83},{"id":1584,"text":"قال: وقال بعض أهل مصر: إن الله تعالى أيده بملك من الملائكة يعضده ويرشده، وربما أتاه في نومه أن يأمر الناس باتخاذ كل فأره من الخيل، واتخاذ السلاح وما يصلح للأسفار، وإعداد الزاد، واتخذ في بحر الغرب مائتي سفينة، وخرج في جيش عظيم في البر والبحر، فلقيه جموع البربر في جموع لا تحصى فهزمهم واستأصل أكثرهم، وبلغ إلى إفريقية وسار منها، وكان لا يمر بأمة إلا أبادها إلى أن قوم عدي من ناحية الأندلس يريد الإفرنجة، وكان بها ملك عظيم يقال له: أرقيوس، فأقام يحاربه شهراً ثم طلب وأهدى له هدايا كثيرة فسار عنه، ودوخ الأمم المتصلة بالبحر الأخضر وأطاعه أكثرها. ومر بأمة عراة لهم حوافر في أرجلهم، وقرون صغار، وشعور كشعور الدواب، ولهم أنياب بارزة من أفواههم، فقاتلهم قتالاً شديداً حتى أثخنهم، فنفروا منه إلى غيران لهم مظلمة عظام.\rوالقبط تذكر أنه رأى سبعين أعجوبة، وعمل أعلاماً على البحر وزبر عليها اسمه ومسيره، وخرب مدن البربر حيث كانت، وألجاهم إلى قرون الجبال ورجع؛ فتلقاه أهل مصر بأصناف اللهو والطيب والرياحين، وفرشت له الطرقات ولقوه بابنه بلهقانس وكان ولد بعد مسيره فسر به. واتصل خبره بالملوك فهابوه وحملوا إليه الهدايا من كل وجه ومكان.\rقال: وبلغه أن قوماً من البربر سحرة لم تخابيل عجيبة وبخورات يدلون بها، وانهم في مدينة لهم يقال لها: قرميدة، في الغرب من مصر، قد ملكوا عليهم امرأة ساحرة يقال لها: اسطافا، فاتصل به كثرة أذاهم للناس فغزاهم، فلما قرب منهم ستروا عنه مدينتهم بسحرهم فلم يرها، وطموا مياههم فلم يعرفها، فهلك أكثر أصحابه عطشاً. فلما ستروا عنه البلد صعد إلى ناحية الجنوب، ثم رجع على غير الطريق التي سار إليهم فيها، فمر بهيكل كان لهم يحضرونه في أعيادهم، فهدم بعضه وسقط منه موضع على جماعة ممن تولى هدمه فأهلكه، فلما رأى ذلك تركهم وانصرف، وخرجوا إلى هيكلهم فبنوا ما سقط منه وحرسوه بطلسمات محكمة، ونصبوا فوق قبته طلسما من نحاس مذهب، وكان إذا قصده أحد صياحاً منكراً يرعد منه من سمعه ويبهت فيخرجون إليه ويصطلمون. وكانت ملكتهم أحذق منهم بالسحر فقالت: إني أعمل الحيلة في إفساد مصر وأضر وآذى أهلها، فعملت أشياء وأرسلتها مع من ألقاها في النيل، ففاض النيل على مزارعهم وغلاتهم، وكثرت فيه التماسيح والضفادع، وكثرت العل في الناس، وانبثت فيهم الثعابين والعقارب، فاحضر ماليق الكهنة والحكماء وقال: أخبروني عن هذه الحوادث التي حدثت في بلادنا ما هي؟ ولم لم تشرحوها في طالع السنة؟ فاجتمعوا في دار حكمتهم ونظروا حتى علموا أنه من ناحية الغرب، وأن امرأة عملته وألقته في النيل، فعلم أنه من فعل تلك الساحرة، فقال لهم: اجهدوا أنفسكم في هلاكها فقد بلغت فيكم مرادها، فاجتمعوا للهيكل الذي فيه صور الكواكب وأصنامها، وسألوا الملك الحضور معهم فلم يمكنه الخلاف عليهم. فلما أمسى لبس مسحا وافترش رماداً واستقبل مصلاه وأقبل على الابتهال إلى الله والتضرع وقال: يارب يا الله، أنت إله الآلهة، وخالق الخلق، ولا يكون شيء إلا بقضائك ، أسألك أن تكفينين أمر هؤلاء القوم، وغلبه السهر فأغفى في مصلاه، فرأى آتياً يقول له: قدر حم الله تضرعك، وأجاب دعاءك، وهو مهلك هؤلاء القوم ومدمر عليهم، وصارف عنك الماء المفسد والدواب المضرة. فلما أصبح الكهنة غدوا عليه وسألوه حضور هيكلهم، فقال لهم: قد كفيتكم أمر عدوكم وأهلكتهم، وأزلت الماء الفاسد والدواب المضرة عنكم، ولن تروا بعدها شيئاً تكرهونه، فنظر بعضهم إلى بعض كالمنكرين لقوله وقالوا: قد سررنا بما ذكره الملك، وهم يضمرون الاستهزاء به والتكذيب له، ومضوا إلى دار الحكمة فقال بعضهم: الرأي ألا تقولوا في هذا شيئاً فإن كان حقاً وقفتم عليه، وإن كان باطلاً اتسع لكم اللفظ في لومه، وسيتبين لكم أمره.","part":4,"page":84},{"id":1585,"text":"فلما كان بعد يومين انكشف ذلك الماء الفاسد، وهلكت تلك الدواب المضرة، فعلموا أن الذي أخبرهم به حق؛ وأمر قائداً من قواده ورجالاً من الكهنة أن يمضوا حتى يعلموا علم هؤلاء القوم، فأتوا المدينة فوجدوا حصنها قد سقط وقد هلكوا بأجمعهم واحترقوا واسودت وجوههم؛ ووجدوا الأصنام منكسة على وجوهها، وأموالهم ظاهرة بين أيديهم، فطرقوا المدينة فلم يجدوا فيها غير رجل واحد كان مخالفاً لهم بسبب رؤيا رآها؛ ووجدوا من الأموال والجواهر وأصنام الذهب والتماثيل ما لا يحصى ولا تعرف له قيمة، ووجدوا صورة كاهن لهم من زبرجد أخضر على قائمة من حجر الأسباد شم، ووجدوا صورة روحاني من ذهب، ورأسه من جوهر أحمر، وله جناحان من در، وفي يده مصحف فيه كثير من علومهم في دفتين مرصعتين بجوهر ملون؛ ووجدوا مطهرة من ياقوت أزرق على قاعدة من زجاج أخضر مسبوك، وفيها فضلة من الماء الدافع لأسقامهم، وفرساً من فضة من عزم عليه بعزائمه ودخنه بدخنة وركبه طار به فيما يزعمون، وغير ذلك من العجائب والأصنام؛ فحملوا من ذلك ما قدروا عليه من الأموال والجواهر، وسأل الملك ذلك الرجل: ما أعجب ما رأيت من أعمالهم؟ فقال: نعم أخبرك أيها الملك؛ إنه قصدهم بعض ملوك البربر، وكان جباراً من أهل بيت سحر، فجاء بالجموع الكثيرة وتخابيل هائلة، فأغلق أهل مدينتنا حصنهم ولجأوا إلى أصنامهم يخضعون لها ويتضرعون إليها، وكان لهم كاهن عظيم الشأن، فسار إليه رؤساؤهم وشكوا إليه ما دهمهم من عدوهم، فأتى إلى بركة عظيمة بعيدة القعر كانوا يشربون منها، فجلس على حافتها وأحاط رؤساء الكهنة بها وزمزم على ماء البركة، فلم يزل كذلك حتى فار الماء وفاض، وخرجت من وسطه نار تتأجج من وسطها وجه كدارة الشمس وعلى صورتها وضوئها، فخر الجماعة وسجدوا لذلك الوجه، وتجللهم نور؛ وجعل يعظم حتى ملأ البركة، وصعد حتى خرق سقف القبة، ثم ارتفع إلى رأسها وسمعنه يقول: قد كفيتكم شر عدوكم، وأمرهم أن يأخذوا دوابهم ففعلوا ذلك، وهلك الملك الذي قصدهم وجميع من كان معه، وانصرفوا؛ فأقبلوا يأكلون ويشربون، فقلت لبعض الكهنة: لقد رأيت عجباً من ذلك الوجه فما هو؟ فقال: تلك الشمس تبدت لنا في صورتها وأهلكت عدونا، صاحت بهم صيحة أحرقهم فأصبحوا خامدين.\rقال: وكان هذا الرجل عاقلاً فاتخذه ماليق وزيراً. ولم يزل ماليق على التوحيد، وهو مع ذلك يساير أهل البلد خوفاً من اضطراب ملكه، وأمر أن يعمل له ناووس، فكان يقصده ويتعبد فيه، وأمر ألا يدفن معه ذهب ولا جوهر، فلم يدفن معه شيء سوى الطيب وصحيفة مكتوبة بخطه فيها: هذا ناووس ملك مصر ماليق، مات مؤمناً بالله العظيم لا يعبد معه غيره، بريئاً من الأصنام وعبادتها، مؤمناً بالبعث والحساب والمجازاة على الأعمال، عاش كذا وكذا سنة، ملك فيها كذا وكذا، فمن أحب النجاة من عذاب الآخرة فليدن بما دان به. وأوصى ألا يدفن معه في ناووسه أحد من أهله، وكان قد كنزل كنوزاً عظيمة وزبر عليها أن تخرجها أمة النبي المبعوث في آخر الزمان.\rواستخلف ابنه حرما بن ماليق. قال: وكان ليناً سهل الخلق، لم يمت أبوه حتى شرح له التوحيد، وأمره أن يدين به، ونهاه عن عبادة الأصنام؛ وكان معه على ذلك في حياته، ثم رجع عنه بعد وفاته إلى دينهم. وكان سبب رجوعه إلى عبادة الأصنام أن أمه كانت من بنات كبار الكهان، فنقلته بعد موت أبيه إلى دينها وغلبته على رأيه، وأمرت بتجديد الهياكل وتشددت في عبادة الأصنام. وتزوج حرماً امرأة من بنى عمه فأحبها حباً شديداً وهام بها، فأفسدته على جميع نسائه، فاشتد ذلك على أمه، وكانت له قهرمانة من أهل سيوط ساحرة لا تطاق، وكانت تميل إلى هذه المرأة لأنها كانت تعشق أخاها؛ فزادت في سحرها لتلك المرأة فأوحشت ما بين الملك وأمه حتى رفضها واستخف بأمرها، وزاد الأمر حتى حلف ألا يجاورها، وأنه يغزو وينصرف فلا يرجع إلى مصر أو يتصل به موتها، ففعل ذلك وغزا بلد الهند وأرض السودان.","part":4,"page":85},{"id":1586,"text":"وكان سبب خروجه إلى الهند أن ملكاً من ملوكها يقال له مسور خرج في عدد كثير وسايرته مراكبه في البحر ففتح بلدانا وجزائر، وأكثر القتل والسبي؛ وذكرت له مصر فقصدها واعتل فرجع من طريقه، فأمر حرما الملك بعمل مائة سفينة على شكل سفن الهند، وتجهز وركب وحمل معه ووجوه أصحابه وقواده، واستخلف ابنه كلكن على مصر وكان صبياً، وجعل معه وزيراً يقال له لاون، وكاهناً يقال له ويسموس، وخرج فمر على ساحل اليمن وعاث في مدائنه. وكان لا يمر بمدينة إلا أقام صنماً وزبر عليه اسمه ومسيره ووقته، وبلغ سرنديب فأوقع بأهلها، وغنم منها مالاً وجوهراً كثيراً، وحمل معه حكيماً لهم، وبلغ جزيرة بين الهند والصين بها قوم سمر طوال يجرون شعورهم، ورأى لهم الدواب والطيور وشجر الطيب والنارجيل والفواكه التي لا تكون إلا عندهم، فأذعنوا له بالطاعة وحملوا إليه أموالاً وهدايا فقبلها وسار عنهم. وأقبل يتنقل في تلك الجزائر عدة سنين؛ فقيل: إنه أقام في سفره سبع عشرة سنة، ورجع إلى مصر بالظفر والغنيمة، ووجد أمه قد هلكت، ووجد ابنه على الملك كما استخلفه؛ فسر بذلك وهابه من حوله من الملوك. وبنى هياكل وأقام فيها أصنام الكواكب؛ لأنها - فيما زعم - هي التي أيدته في سفره حتى ظفر بما ظفر به وغنم ما غنمه. وقد كان حمل معه من الهند حكيماً وطبيباً، وكان معهما من كتبهم وحكمهم ما أظهرا به في مصر عجائب مشهورة، وحمل معه صنماً من أصنام الهند من الذهب مقرطاً بالجوهر، فنصبه على بعض الهياكل التي عملها. وكان حكيم الهند يقوم به ويخدمه ويقرب له. وكان يخبرهم بما يريدون منه.\rقال: وأقام حرماً بعد منصرفه من الهند ثم غزا نواحي الشام فأطاعه أهلها وهادوه ورجع إلى مصر. ثم غزا نواحي النوبة والسودان فصالحوه على خراج يحملونه له، ورفع أقدار الكهنة وزاد في تعظيم دينهم؛ فصوروه في هياكلهم ومضاجعهم، وملكهم خمساً وسبعين سنة. وعمل لنفسه في صحراء الغرب ناووساً، وعمل برقودة مصانع وعجائب، وأقام بها إلى أن مات وابنه كلكن بمنف، فضمد جسده بالموميا والكافور والمر، وجعل في تابوت من ذهب، وجعل معه مال كثير، وجوهر نفيس، وسلاح عجيب، وتماثيل وصنعة وعقاقير، ومصحف الحكمة. وصور في جانب الناووس صوراً وزبر عليها ذكر السفن التي سار فيها، والبلدان التي فتحها، وسد باب الناووس وزبر عليه اسمه ومدته وتاريخ الوقت الذي هلك فيه، وقتل جماعة من نسائه أنفسهن عليه. وكان جميلاً سمح الأخلاق، واغتم عليه الكهنة لإكرامه لهم، وأهل المملكة لأتباعه لهم.\rوملك بعده ابنه كلكن بن حرما، وعقد التاج على رأسه بالإسكندرية بعد موت أبيه وأقام بها شهراً ورجع إلى منف. وكان أصنامياً على دين أبيه وتبشر به أهل مصر. وكان يحب الحكمة وإظهار العجائب ويقرب أهلها ويكثر جوائزهم. ولم يزل يعمل الكيمياء في مدة ملكه؛ فخزن أموالاً عظيمة بصحارى الغرب. وهو أول من اظهر علم الكيمياء بمصر وكان مكتوماً. وكان الملوك قبله أمروا بترك صنعتها لئلا تجتمع ملوك الأمم على غزوهم، فعملها كلكن وملا دور الحكمة منها حتى لم يكن الذهب بمصر أكثر منه في وقته ولا الخراج؛ لأنه كان في وقته - فيما حكاه القبط - مائة ألف ألف وبضعة عشر ألف ألف مثقال. وقال: وكان المثقال الواحد من الصنعة يطرح على القناطير الكثيرة فيصبغها، فاستغنوا عن إثارة المعادن لقلة حاجتهم إليها. وعمل من الحجارة المسبوكة الملونة الصم التي تشف شيئاً كثيراً لم يعمل مثله أحد ممن تقدمه. وعمل من الأدرك الملون والفيروزج تخرج عن العقول، حتى يسمى حكيم الملوك. وغلب جميع الكهنة في علومهم، وكان يخبرهم بما يغيب عنهم، فهابوه واحتاجوا إلى علمه. وكان نمرود بن كنعان الذي أهلكه الله تعالى على يد إبراهيم عليه السلام في وقته، فيقال: إنه لما اتصل بنمرود خبر حكمته استزاره فوجه إليه أن يلقاه منفرداً من أهله وحشمه بموضع كذا، ففعل النمرود ذلك وسار إلى الموضع الذي ذكره، وأقبل كلكن على أربعة أفراس تحمله ذوات أجنحة، وقد أحاط به نور كالنار، وحوله صور هائلة قد خيل بها، وهو متوشح بثعبان محتزماً ببعضه، والثعبان فاغر فاه، ومعه قضيب آس أخضر كلما حرك الثعبان رأسه ضربه بالقضيب. فلما رآه النمرود هاله أمره وخاطبه؛ فاعترف له بجليل الملك والحكمة، وسأله أن يكون ظهيراً له.","part":4,"page":86},{"id":1587,"text":"وتقول القبط: إن كلكن الملك كان يرتفع ويجلس على الهرم الغربي في قبة تلوح على رأسه. وكان أهل البلد إذا دهمهم أمر اجتمعوا حول الهرم. ويقولون: إنه ربما أقام على راس الهرم أياماً لا يأكل ولا يشرب، ثم استتر عنهم مدة حتى توهموا أنه هلك. وكان يجول في الأرض وحده حتى طمعت الملوك التي حوله في ملكه؛ فقصده ملك من ملوك الغرب يقال له سادوم في جيش عظيم، واقبل من ناحية المغرب من نحو وادي هبيب ليكبس البلد، فأقبل حتى وافاهم، ثم جللهم بشيء من سحره كالغمام شديد الحرارة، فأقاموا تحته أياماً لا يدرون أين يتوجهون، فطار إلى مصر فاستأنس الناس لمقدمه، فعرفهم ما جرى وأمرهم بالخروج إليهم ليعرفوا خبرهم، فوجدوهم ودوابهم أمواتاً فعجبوا لذلك، وهابه الكهنة هيبة لم يهابوها أحداً قبله وصوروه في جميع الهياكل، وملكهم زماناً.\rوبنى في آخر عمره هيكلاً لزحل من صوان اسود في ناحية الغرب، وجعل له عبداً، وجعل في وسطه ناووساً، وحمل إليه ما أراد من ذهب وجوهر، وحكم وعقاقير، وعرفهم بموته، وجعل على باب الناووس طلسمات تمنع منه، وغاب عنهم فلم يقفوا على موته.\rوكان قد أوصى إلى ابنه ماليا بن كلكن فملك بعد أبيه. وكان شرهاً كثير الأكل والشرب، منفرداً بالرفاهة، غير ناظر في شيء من الحكمة، وجعل أمر البلد إلى وزير له. وكان معجباً بالنساء؛ وكان له ثمانون الرماة، ثم اتخذ امرأة من بنات الملوك التي بمنف وكانت عاقلة سديدة الرأي، وكان بها معجباً فحمته النساء. وكان له بنون وبنات، وكان أكبر بنيه يقال له: طوطيس، فكان يستجهل أباه فأعمل الحيلة في قتله، وإنما حملته على ذلك أمه وجماعة نسئه وبعض وزراء أبيه؛ فهجم عليه وزرائه وهو سكران وتلك المرأة عنده فقتله وقتل المرأة وصلبها.\rوملك بعده ابنه طوطيس بن ماليا وجلس على سرير الملك. وكان جباراً جريئاً شديد البأس مهيباً؛ فدخل عليه الأشراف وهنئوه ودعوا له، وأمرهم بالإقبال على مصالحهم وما يعينهم، ووعدهم الإحسان.\rوالقبط تزعم أنه أول الفراعنة بمصر، وهو فرعون إبراهيم الخليل عليه السلام. ويقولون إن الفراعنة سبعة هو أولهم. قال: ثم تذاكر الناس ما فعله بأبيه وأنكروه واستقبحوا صلبه المرأة فأنزلها ودفنها، واستخف بالكهنة والهياكل.\rولنذكر خبره مع إبراهيم الخليل عليه السلام في أمر سارة، ونورد من ذلك ما أورده أهل الأثر وما ورد في الحديث الصحيح النبوي من هذه القصة. قال إبراهيم بن القاسم الكاتب في سياقه أخباره: لما فارق إبراهيم عليه السلام قومه والنمرود بن كنعان ونزل الشام ثم خرج إلى مصر ومعه سارة امرأته وخلف ابن أخيه لوطا بالشام وسار إلى مصر، وكانت سارة أحسن نساء العالمين في وقتها، ويقال إن يوسف الصديق ورث جزءاً من حسنها لأنها جدة أبيه. قال: فلما سار إبراهيم إلى مصر وأتى مصر وأتى الحرس المقيمون على أبواب المدينة فرأوا سارة وعجبوا من حسنها ورفعوا خبرها إلى طوطيس. وقد روينا في ذلك حديثنا بسندنا الذي قدمناه إلى أبي عبد الله البخاري رحمه الله قال: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب قال: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: هاجر إبراهيم عليه السلام بسارة فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فقيل: دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء؛ فأرسل إليه أن يا إبراهيم من هذه التي معك؟ قال: أختي. ثم رجع إليها فقال: لا تكذبي حديثي فإني أخبرتهم أنك أختي؛ والله إن على الأرض من مؤمن غيري وغيرك؛ فأرسل بها إليه فقام فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجى إلا على زوجي فلا تسلط على هذا الكافر قفط حتى ركض برجله.","part":4,"page":87},{"id":1588,"text":"قال الأعرج: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إنأبا هريرة قال: قالت: اللهم إن يمت يقال هي قتلته فأرسل، ثم قام إليها فقامت توضأ وتصلي وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجى إلا زوجي فلا تسلط علي هذا الكافر، فغط حتى ركض برجله. قال عبد الرحمن: قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: فقالت: اللهم إن يمت فيقال هي قتلته فأرسل في الثانية أو في الثالثة. فقال: والله ما أرسلتم إلي إلا شيطاناً! إرجعوها إلى إبراهيم وأعطوها آجر، فرجعت إلى إبراهيم عليه السلام فقالت: أشعرت أن الله كبت الكافر واخدم وليدة. هذا ما رويناه من صحيح البخاري. وقد ورد في أخبار طوطيس زيادات نذكرها؛ وهو أن الملك لما أطلقته في المرة الثالثة قال لها: إن لك رباً عظيماً لا يضيعك؛ وأعظم قدرها وسألها عن إبراهيم فقالت: هو قريبي وزوجي. قال: فإنه ذكر أنك أخته. قالت: صدق أنا أخته في الدين، وكل من كان على ديننا فهو أخ لنا. قال: نعم الدين دينكم! ووجها إلى ابنته حوريا، وكانت من العقل والكمال بمكان كبير، فألقى الله تعالى محبة سارة في قلبها فعظمتها حوريا أضافتها أحسن ضيافة، ووهبت لها جوهراً ومالاً، فأتت به إبراهيم عليه السلام فقال لها: رديه فلا حاجة لنا به فردته؛ فذكرت حوريا ذلك لأبيه فعجب منها وقال: هؤلاء من قوم كرام ومن أهل بيت طهارة فتحيلي في برها بكل حيلة، فوهبت لها جارية قبطية من أحسن الجواري يقال لها آجر، وهي هاجر أم إسماعيل عليه السلام، وعملت لها سلالاً من الحلوى وقالت: يكون معك هذا للزاد. وجعلت تحت الحلوى جوهراً نفيساً وحلياً مصبوغاً مكللاً. فقالت: أشاور صاحبي؛ فأتت إبراهيم عليه السلام فشاورته فقال: إذا كان مأمولاً فخذيه، فقبلته منها وخرج إبراهيم عليه السلام. فلما أمعنوا في السير أخرجت سارة بعض تلك السلال فأصابت الجوهر والحلي، فعرفت إبراهيم ذلك، فباع بعضه وحفر من ثمنه البئر التي جعلها للسبيل وفرق بعضه في وجوه البر، وكان يضيف كل من مر به.\rقال: وعاش طوطيس إلى أن وجهت إليه هاجر من مكة تعرفه أنها بمكان جدب وتستغيثه، فأمر بحفر نهر في شرقي مصر يمر بسفح الجبل حتى ينتهي إلى مرفأ السفن في البحر المالح، فكان يحمل إليهما الحنطة وأصناف الغلات فتصل إلى جدة وتحمل من هناك على المطايا، فأحيا بلد الحجاز مدة. ويقال: إن كل ما حليت به الكعبة في ذلك العصر هو مما أهداه ملك مصر. ويقال: إنه لكثرة ما كان طوطيس يحمله إلى الحجاز سمته العرب جرهم الصادق وكذلك يسميه كثير من أهل الأثر. وقد تقدم في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام أن اسم الملك صادوق، ويقال: إنه سأل إبراهيم عليه السلام أن يبارك له في بلده، فدعا بالبركة لمصر، وعرفه إبراهيم أن ولده سيملكها ويصير أمرها إليه.\rقال: وطوطيس أول الفراعنة بمصر؛ وذلك أنه أكثر القتل حتى قتل قراباته وأهل بيته وبني عمه وخدمه ونسائه وأكثر الكهنة والحكماء. وكان حريصاً على الولد فلم يرزقه الله ولداً غير ابنته حوريا، وكانت عاقلة حكيمة تأخذ على يده كثيراً وتمنعه من سفك الدماء، فأبغضته الخلق: الخاص والعام. فلما رأت أمره يزيد خافت على زوال ملكهم فسمته فهلك. وكان ملكه سبعين سنة. ولما مات اختلفوا فيمن يملكوه عليهم بعده فقالوا: لا يملك علينا أحد من أهل بتيه، وأرادوا تمليك بعض ولد أتريب؛ فقام بعض الوزراء ودعا إلى تمليك ابنته لصنيعها فيه، ولما كانت تنكر عليه، وتبعه أكثر القواد والوجوه فتم لها الأمر.","part":4,"page":88},{"id":1589,"text":"وملكت حوريا ابنة طوطيس وجلست على سرير الملك، ووعدت الناس بالإحسان، وأخذت في جمع الأموال وحفظها، فاجتمع لها من الأموال والجوهر والحلي والطيب ما لم يجتمع لملك، وقدمت الكهنة وأهل الحكمة ورؤساء السحرة ورفعت أقدارهم، وأمرت بتجديد الهياكل وتعظيمها. وسار من لم يرضها إلى مدينة أتريب وملكوا عليهم رجلاً من ولد أتريب يقال له أنداخس، فعقد على رأسه تاجاً وانضم إليه جماعة من بني عمه وأهل بيته، فانفذت إليه جيشاً فحاربه؛ فلما رأى أنه لا طاقة له بها دعاها إلى الصلح وخطبها إلى نفسه وقال لها: إن الملك لا يقوم بالنساء، وخوفها أن يزول ملكهم بمكانها؛ فعملت صنيعاً وأمرت أن يحضره الناس على منازلهم، فحضروا وأكلوا وشربوا وبذلت لهم الأموال وعرفتهم ما جرى من خطبتها، فبعض صوب الرأي، وبعض امتنع وقالوا: لا يتولى علينا غيرها لمعرفتنا بعقلها وحكمتها، وهي وارثة الملك؛ ووثبوا على نفر ممن خالفها فقتلوهم، وخرجوا في جيش كثيف فلقوا جيش الخارج بأتريب فهزموه وقتلوا كثيراً ن أصحابه، فهرب إلى أرض الشام وبها الكنعانيون من ولد عمليق، فاستغاث بملكهم وضمن له أخذ مصر وفتحها، فجهزه بجيش عظيم إلى مصر، فاجتمع الأنس كلهم إلى حوريا، ففتحت خزائن أبيها وفرقت ما فيها على الناس فأحبوها، وقوت السحرة بالمال ووعدتهم الإحسان.\rفلما تقدم أنداخس بالجيوش أمرت السحرة أن يعملوا له عملاً، وكان على جيوشهم قائد من عظماء قواد ملكهم يقال له جيرون؛ فلما نزلوا أرض مصر بعثت ظئراً لها من عقلاء الناس إلى جيرون سراً من أنداخس تعرفه رغبتها في تزويجه، لأنها لا تختار أحداً من أهل بيتها، وأنه إن قتل أنداخس تزوجت به وسلمت إليه ملك مصر ومنعت صاحبه. فرغب في ذلك وسم أنداخس بسم أنفذته إليه فقتله؛ فوجهت إليه أنه لا يجوز أ أتزوجك حتى تظهر في بلدي قوتك حكمتك وتبني لي مدينة عجيبة - وكان افتخارهم حينئذ بالبنيان وإقامة الأعلام وعمل العجائب - وقالت له: انتقل من موضعك هذا إلى غربي بلدي فثم آثار لنا كثيرة فاقتف تلك الأعمال الغريبة وابن عليها. ففعل ذلك وبنى لها مدينة بصحراء الغرب يقال لها تندومة وجر إليها من النيل نهراً وغرس عليها غروساً كثيرة، وأقام بها مناراً عالياً، وعمل فوقه منظراً وصفحه بالذهب والفضة والصفر والرخام الملون والزجاج المسبوك وأبدع في عمله. وكانت تمده بالأموال وتكاتب صاحبه عنه وتهاديه وهو لا يعلم.\rفلما فرغ من بناء المدينة قالت له: إن لنا مدينة حصينة كانت لأوائلنا وقد خربت منها أمكنه وتشعث حصنها فامض إليها واعمل في إصلاحها إلى أن انتقل إلى هذه المدينة التي بنيتها وأنقل إليها جميع ما يحتاج إليه، فإذا فرغت من إصلاح تلك المدينة فأنفذ إلي جيشاً حتى أصير إليك وانظر ما صنعته، وأبعد عن مدينتي وأهل بيتي فإني أكره أن آتيك بالقرب منهم. فمضى وجد في عمل الإسكندرية الثالثة.\rقال: وأهل التاريخ يسوقون شيئاً من أخبار أنداخس ويذكرون أنه الذي قصد الوليد بن دومع العمليقي، وهو ثاني الفراعنة. وكان سبب قصده له أنه كانت به علة فوجه إلى المواضع ليحمل إليه من مياهها حتى يعرف ما يلائم جسده، فوجه علاماً له فأتى مملكة مصر ووقف على كثرة خيراتها وحمل إلى صاحبه من مائها وألطافا وعاد إليه، فعرفه حال مصر فقصدها في جيش كثيف حتى حط عليها، وكاتب المملكة وخطب إليها نفسها، فوجهت إليه من أشرف على حاله فوجد قوماً عظاماً لا يقوم بحربهم، فأجابته إلى النرويج وألطفته وشرطت عليه أن يبنى لها مدينة يظهر فيها أيده وقوته ويجعلها مهراً لها، فأجابها ودخل مصر وانتهى إلى ناحية الغرب ليبني لها المدينة ناحية الإسكندرية، فأمرت أن يتلقى بأصناف الرياحين والفواكه وتخلق وجوه الخيل؛ فمضى إلى الإسكندرية - وقد خربت بعد خروج العادية منها - فنقل منها ما كان من حجارتها ومعالمها وعمدها ووضع أساس مدينة عظيمة وبعث إليها مائة ألف فاعل، فأقام في بنائها مدة وأنفق جميع ما كان معه من المال، وكان كلما بنى بناء خرجت من البحر دواب تقلعه فإذا اصبح لم يجد منه شيئاً؛ فاهتم لذلك.","part":4,"page":89},{"id":1590,"text":"وكانت حوريا قد أنفذت إليه ألف رأس من المعز اللبون يستعمل ألبانها في مطبخه، وكانت مع راع يثق به، وكان ذلك الراعي يطوف بها ويرعاها هناك، فكان إذا أراد أن ينصرف عند المساء خرجت إليه من البحر جارية حسناء فتتوق نفسه إليها، فإذا كلمها شرطت عليه أن تصارعه فإن صرعها كانت له وإن صرعته أخذت رأسين من المعز؛ فكانت على طول الأيام تصرعه وتأخذ من الغنم حتى أخذت أكثر من نصفها وتغير باقيها لشغله بحب تلك الصورة عن رعيها، وتغير هو أيضاً في جسمه ونحل، فمر به صاحبه وسأله عن حاله وحال الغنم فخبره الخبر خوف سطوته فقال: أي وقت تخرج؟ قال: قرب المساء. فلبس ثياب الراعي وتولى رعية الغنم يومه إلى المساء، وخرجت الجارية فشرطت عليه كما شرطت على الراعي، فأجابها وصارعها فصرعها وقبض عليها وشدها فقالت له: إن كان لا بد من أخذي فسلمني لصاحبي الأول فإنه ألطف بي، وقد عذبته مرة بعد مرة، فردها إليه وقال له: سلها عن هذا البنيان الذي بنيته ويزول من ليلته من يفعل به ذلك؛ وهل في بنائه من حيلة؟ فسألها الراعي عن ذلك فقالت: إن دواب البحر التي تنزع بنيانكم. قال: فهل فيها من حيلة؟ قالت: نعم. قال: وما هي؟ قالت: تعمل توابيت من زجاج كثيف بأغطية وتجعل فيها قوماً يحسنون الصناعة في التصوير، وتجعل معهم صحفاً وأنقاشاً وزاداً يكفيهم أياماً، وتجعل التوابيت في المراكب بعد أن تشدها بالحبال، فإذا توسطوا الماء صور المصورون جميع ما مر بهم وترفع تلك التوابيت من الماء؛ فإذا وقفتم على تلك الصور فاعملوا لها أشباهاً من الصفر أو من الحجارة أو من الرصاص وانصبوها أمام البنيان الذي تبنونه من جانب البحر، فإن تلك الدواب إذا خرجت ورأت صورها هربت ولم تعد.\rفعرفه الراعي ذلك ففعله. وتم بناء المدينة.\rوقال قوم من أهل التاريخ: إن صاحب البناء والغنم جيرون المؤتفكي وكان قصدهم قبل الوليد، وإنما أتاهم بعد حوريا وقهرهم وملك مصر. وذكروا أن الأموال اليت كانت مع جيرون نفذت كلها في تلك المدة ولم يتم البناء، فأمر الراعي فسأل تلك الجارية فقالت: إن المدينة التي خربت ملعباً مستديراً حوله سبعة على رءوسها تماثيل من صفر قيام، فقرب لكل تمثال منها ثوراً سميناً ولطخ العمود الذي عليه التمثال من دم الثور، وبخره بشعر من ذنبه وشيء من نحاته قرونه وأظلافه، وقل له: هذا قربانك فأطلق لي ما عندك، ثم قس من كل عمود إلى الجهة اليت يتوجه إليها وجه التمثال مائة ذراع واحفر، وليكن ذلك في وقت امتلاء القمر واستقامة زحل؛ فإنك تنتهي بعد خمسين ذراعاً إلى بلاطة عظيمة فلطخها بمرارة الثور وأقلعها فإنك تنزل منها إلى سرب طوله خمسون ذراعاً في آخره خزانة مقفلة ومفتاح القفل تحت عتبة الباب فخذه ولطخ الباب ببقية مرارة الثور ودمه وبخره بنحاتة قرونه وأظلافه وشعره، وادخل الباب بعد أن تخرج الرياح التي فيه، فإنه يستقبلك صنم في عنقه لوح من صفر معلق مكتوب فيه جميع ما في الخزانة من مال وجوهر وتمثال وأعجوبة، فخذ منه ما شئت ولاتتعرض لميت تجده ولا لما عليه؛ وكذلك فافعل بكل عمود وتمثاله؛ فإنك تجد في تلك الخزائن نواويس سبعة من الملوك وكنوزهم. فلما سمع ذلك سر به وفعله فوجد ما لا يدرك وصفه، ووجد من العجائب شيئاً كثيراً؛ فتم بناء المدينة. واتصل ذلك بحوريا فساءها؛ وإنما كانت أرادت إتعابه وهلاكه بالحيلة عليه. فيقال: إنه فيما وجد من العجائب درج ذهب مختوم بطين ذهب فيه مكحلة زبرجد فيها ذرور أخضر ومعها عرق جوهر أحمر، من اكتحل من ذلك الذرور وكان أشيب عاد شاباً وأسود شعره وأضاء بصره حتى يدرك النظر إلى أصناف الروحانيين، ووجد تمثال من الذهب إذا ظهر غيمت السماء وأمطرت، وتمثال غراب من حجر إذا سئل عن شيء صوت وأجاب عنه. ويقال: إنه كان في كل خزانة عشر أعجوبات.\rقال: فلما فرغ جيرون من بناء المدينة وجه إليها يعلمها ذلك ويحثها على القدوم.","part":4,"page":90},{"id":1591,"text":"فحملت إليه فرشاً فاخرة وقالت: ابسطها في المجلس الذي تجلس فيه، وأقسم جيشك أثلاثاً وأنفذ إلى ثلثه، حتى إذا بلغت ثلث الطريق فأنفذ إلي الثلث الآخر، فإذا جزت نصف الطريق فأنفذ إلي الثلث الباقي، ويكونون من ورائي لئلا يراني أحد إذا دخلت عليك، ولا يكن عندك إلا صبية تثق بهم يخدمونك فإني أوافيك في جوار تكفيك الخدمة ولا أحتشمهن؛ ففعل. وأقامت تحمل إليه الجهاز والأموال حتى علم بمسيرها ووجه إليها ثلث جيشه فعملت لهم الأطعمة والأشربة المسمومة، فلما أتوها استنزلهم جواريها وحشمها أقبلوا عليهم بتلك الأطعمة والأشربة والطيب والكساء واللهو فلم يصبح منهم أحد يعيش، ولقيها الثلث الثاني والثالث بعده ففعلت بهم كذلك، وهي توجه إليه أنها أنفذت جيشه إلى قصرها وملكتها يحفظمونه. إلى أن دخلت عليه هي وظئرها وجوار كن معها، فنفخت ظئرها في وجهه نفخة بهت إليها رشت عليه ماء كان معها فارتعدت مفاصله فقال: من طن أنه يغلب النساء فقد كذبنه نفسه وغلبته الناس، ثم فصدت عروقه وأسالت دمه وقالت: دماء الملوك شفاء.\rوأخذت رأسه فوجهت به إلى قصرها فنصب عليه وحملت تلك الأموال إلى منف.\rوبنت مناراً بالإسكندرية وزبرت عليه اسمها واسمه وما فعلت به وتاريخ الوقت.\rقال: ولما اتصل خبرها بالملوك الذين يتاخمون بلدها، هابوها وأذعنوا لها وهادوها. وعملت بمصر عجائب كثيرة، وأقطعت أهل بيتها وقوادها وحشمها أقطاعاً كثيرة، وأمرت أن يبني على حد مصر من ناحية النوبة حصن وقنطرة يجري ماء النيل من تحتها، واعتلت حوريا فاجتمع إليها أهل مملكتها وسألوها أن تقدم عليهم ملكاً، ولم يكن في ذلك الوقت من ولد أبيها وأهل بيته من يصلح لذلك، فقلدت عمتها دليفة بنت ملموم، وكانت عذراء من عقلاء النساء وكبراهن، فعهدت إليها وأخذت لها المواثيق على أهل مصر ألا يسلموها وأن يتبعوا أمرها، وسلمت إليها مفاتيح خزائنها، وأطلعتها على مواضع كنوز آبائها وكنوزها، وأمرت أن يضمد جسدها بالكافور وتحمل إلى المدينة التي بنيت لها في صحراء الغرب، وقد كانت عملت لها فيها ناووساً وعملت فيه عجائب ونقلت إليه أصنام الكواكب، وزينته بأحسن الزينة ونصبت له قومة، وأسكنت تلك المدينة جماعة من الكهنة وأصحاب العلوم والمهن وبعض الجيش، وعمرت تلك المدينة فلم تزل على حالها من العمارة إلى أن خربها بختنصر وحمل بعض كنوزها.\rوجلست دليفة بنت مأمون على سرير الملك بعد وفاة حوريا، واجتمعت الكلمة عليها وأحسنت إلى الناس ووضعت عنهم خراج سنة. وقام عليها أيمين يطلب بثأر خاله أنداخس، واستنصر بملك العمالقة فوجه معه قائداً من قواده في جيش كثيف، فأخرجت إليه دليفة بعض قوادها فالتقوا بالعريش، وجل سحرة الفريقين يظهرون التخاييل الهائلة والعجائب العظيمة والأصوات التي تقرع الأسماع وتؤلمها، فأقاموا مدة يتكافئون الحرب ويتراجعون فهلك بينهم خلق كثير، ثم انهزم أصحاب دليفة إلى منف وسار أصحاب أيمين في آثارهم، ومضت دليفة في جمع من جيوشها إلى ناحية الصعيد فنزلت الأشمونين وأنفذت من قدرت عليه من الجيوش ووقعت الحرب بينهم بناحية الفيوم وخلى أصحاب دليفة الماء بينهم وبين عدوهم، واستنجدت دليفة بأهل مدائن الصعيد فحاربوا أصحاب أيمين حتى أزالوهم عن منف، وكانوا قد ضفروا بها وعاثوا فيها، فهزموهم حتى ركبوا المراكب وعدوا إلى ناحية الحوف، وكان معهم ساحر من أهل ناحية قفط فأظهر بسحره ناراً حالت بينهم وبين أصحاب دليفة، فلما زاد الأمر وأشفق أهل مصر من خروجها عن أيديهم سفر السفراء بينهم على أن يجعلوا البلد قسمة بينهم فأجاب كل منهما إلى الصلح، ثم غدرت دليفة بعد ذلك بأيمين وأخرجت الأموال والجوهر وفرقتها في الناس، وكان بعضهم قد لامها في الصلح، فرجعت إلى الحرب فأقاموا ثلاثة أشهر ثم ظهر أيمين وهزمها إلى ناحية قوص وسار خلفها وتمكن من المملكة، فلما رأت ذلك سمت نفسها فهلكت.","part":4,"page":91},{"id":1592,"text":"وملك بعدها أيمين، فتجبر وقتل خلقاً كثيراً ممن كان حار به. وكان الوليد بن دزمع العمليقي قد خرج في جيش كثيف يتنقل في البلدان ويقهر ملوكها ليسكن ما يوافقه منها؛ فلما صار بالشام انتهى خبر مصر وعظم قدرها، وأن أمرها قد صار إلى النساء وبادت ملوكها، فوجه غلاماً له يقال له عون، فسار إلى مصر وفتحها وحوى أموالاً، ومولاه لا يعرف خبره ولا يشك في هلاكه وهلاك الجيش الذي معه، لما كان يسمع عما بمصر من الطلسمات والسحر؛ ثم اتصل به خبره فسار إلى مصر فتلقاه عون وعرفه أنه كان عزم على المسير إليه وإنما أراد تعديل البلد وإصلاحه فقبل قوله ودخل.\rوملك مصر الوليد بن دومع العلميقي، واستباح أهلها واخذ أموالها وقتل جماعة من كهنتها، ثم سنح له أن يخرج فيقف على مصب النيل ويعرف ما بناحيته من الأمم ويغزوهم، فأقام ثلاث سنين يستعد لخروجه، وأصلح ما يحتاج إليه، واستخلف عوناً على البلد وخرج في جيش كثيف فلم يمر بأمة إلا أبادها. فيقال: إنه أقام في سفره سنين كثيرة، وإنه مر على أمم من السودان وجاوزهم، ومر على أرض الذهب وفيها قضبان نابتة؛ ولم يزل يسير حتى بلغ البطيخة التي ينصب ماء النيل إليها من الأنهار التي تخرج من تحت جبل القمر؛ ثم سار حتى بلغ هيكل الشمس فدخله. ويقال: إنه خوطب فيه. وسار حتى بلغ جبل القمر؛ وهو جبل عال. وإنما سمى جبل القمر لأن القمر لا يطلع عليه لخروجه عن خط الاستواء. ونظر إلى النيل يخرج من تحته. وقد تقدم خير النيل.\rقال: ودخل الوليد القصر الذي فيه تماثيل النحاس التي عملها هرمس الأول في وقت البودسير الأول بن قفطريم. قال: ولما بلغ الوليد جبل القمر رأى جبلاً عالياً فأعمل الحيلة وصعد عليه ليرى ما خلفه، فأشرف على البحر الأسود الزفتي المنتن، ونظر إلى النيل يجري عليه كالأنهار الرقاق، أتته من ذلك البحر روائح منتنة هلك كثير من أصحابه من ريحها فأسرع النزول بعد أن كاد يهلك.\rقال: وذكر قوم أنهم لم يروا شمساً ولا قمراً وإنما رأوا نوراً أحمر كنور الشمس عند مغيبها. وأقام الوليد في غيبته أربعين سنة. وأما عون الذي استخلفه بمصر فإنه فعل في غيبة الوليد ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rعون\rومافعله في غيبة الوليد وخبر المدينة التي بناها\rقال: ولما مضت من غيبة الوليد بن دومع سبع سنين تجبر غلامه عون بمصر، وادعى انه الملك، وأنكر أن يكون غلاماً للوليد، وأنه أخوه وقلده الملك بعده، ووثب على الناس وغلبهم بالسحرة وأسنى جوائزهم ولم يمنعهم محابهم؛ فمالوا إليه ووثقوا أمره، فلم يترك امرأة من بنات ملوك مصر إلا نكحها، ولا مالاً إلا أخذه وقتل صاحبه. وكان مع ذلك يلزم الهياكل ويكرم الكهنة، فكانوا يمسكون عنه إشفاقاً منه وخوفاً من السحرة الذين معه؛ إلى أن رأى في منامه الوليد بن دومع وكأنه يقول له: من أمرك أن تتسمى باسم الملك، وقد علمت أنه من فعل ذلك استحق القتل، ونكحت بنات الملوك وأخذت الأموال بغير واجب، ثم أمر بقدور فملئت زيتاً وأحميت على أنه يغمر فيها، فلما غلت أمر بنزع ثيابه فأتى طائر في صورة عقاب فاختطفه من أيديهم وحلق به في الجو وجعله في هوة على رأس جبل، وانه سقط من رأس الجبل إلى واد فيه حية، فانتبه مرعوباً طائر العقل. وقد كان في فعله ذلك وتملكه إذا خطرت بقلبه من ذكر الوليد خطرة كاد عقله يزول، خوفاً منه لما يعلمه من فظاظته وبطشه وقوته. ولم يتيقن هلاكه وأضمر في نفسه الهرب من مصر بما معه من الأموال.\rقال: ولما رأى الرؤيا لم يشك في حياة الوليد وأنه سيعود، فأطلع بعض السحرة ممن يثق به على أمره وقال: إني خائف من الويد وقد عزمت على الخروج من مصر فما الوجه عندكم؟ قالوا: نحن ننجيك منه على أن تقبل منا.\rقال: قولوا، قالوا: تعمل عقاباً وتعبده؛ فإن الذي حصنك منه أحد الروحانيين وهو يريد ذلك منك. قال عون: أشهد لقد قال لي وأنا معه: أعرف لي هذا المقام ولا تنسه. قالوا: قد بينا لك. فأجابهم إلى ذلك وعمل عقاباً من ذهب وعمل عينيه جوهرتين ووشحه بأصناف من الجوهر، وعمل له هيكلاً لطيفاً وجعله في صدره وأرخى عليه ستور الحرير، وأقبل أولئك يبخرونه ويقربون إليه ويسحرون إلى أن نطق لهم، فأقبل عون على عبادته ودعا الناس إليه فأجابوه.","part":4,"page":92},{"id":1593,"text":"فلما مضى لذلك مدة أمر العقاب ببناء مدينة يحوله إليها وتكون معقلاً له وحرزاً من كل أحد. فأمر عون أصحابه أن يخرجوا إلى صحارى الغرب ويطلبوا كل أرض سهلة حسنة الاستواء، ويكون المدخل إليها بين هجول صعبة وجبال وعرة، ويتوخوا أن تكون قريبة من ناحية مغيص الماء التي هي اليوم الفيوم. وكانت مغيضاً لماء النيل حتى أصلحها يوسف عليه السلام على ما نذكره إن شاء الله. وإنما أراد عون بذلك ليجر الماء منها إلى مدينته التي يبنيها؛ فخرج أصحابه وأقاموا شهراً يطوفون الصحارى حتى وجدوا له بغيته، ولم يبق فاعل ولا مهندس ولا أحد ممن يبصر البناء ويقطع الصخور وينحتها إلا وجه به عون إليها، وأنفذ معهم ألف رجل من جيشه وسبعمائة ساحر يعاونونهم بالروحانيين الذين في طاعتهم، وأنفذ معهم جميع الآلات وأقام يحمل لهم الزاد إلى هناك شهوراً على العجل؛ وطريق العجل على الفيوم واضحة في صحراء الغرب وخلف الأهرام - وهي التي يقصدها أصحاب المطالب - مشهورة.\rقال: فلما تكامل له ما أراد من ذلك ومن تحت الأحجار خطوا المدينة فرسخين في فرسخين، وحفروا في الوسط بئراً وجعلوا في تلك البئر تمثال خنزير من نحاس بأخلاط ونصبوه على قاعدة من نحاس وجعلوا وجهه إلى الشرق، وكان ذلك بطالع زحل واستقامته وسلامته من المتضادين له في شرفه، وأخذوا خنزيراً فذبحوه له ولطخوا وجهه بدمه وبخروه بشعره، وأخذوا شيئاً نم عظامه ولحمه ومرارته فجعلوه في جوف ذلك الخنزير والنحاس، وجعلوا في أذنيه شيئاً من مرارته، وأحرقوا بقية الخنزير، وجعلوا رماده في قلة نحاس بين يدي الخنزير النحاس، ونقشوا عليه آيات زحل، ثم شقوا في البئر أخدوداً من أربعة وجوه شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، ومدوا تلك الأخاديد إلى حيطان المدينة، وعملوا على أفواهها مسارب تجتلب الرياح إليها، ثم سدوا البئر وعملوا عليها قبة على عمد مربعة، وجعلوا منها شوارع كل شارع ينتهي إلى باب من أبواب المدينة وفصلوها بالطرقات والمنازل، وجعلوا حول القبة تماثيل فرسان من نحاس بأيديها حراب ووجوهها مقابلة لتلك الأبواب، وجعلوا أساس المدينة من حجر أسود وفوقه أحمر وفوقه أصفر وفوقه أخضر، وفوق الجميع أبيض يشف، مثبتة كلها بالرصاص المصبوب بين الحجارة، وقلوبها أعمدة من حديد على وضع بناء الأهرام؛ وجعل طول حصنها ستين ذراعاً في عرض عشرين ذراعاً، ونصب على كل راس باب من أبوابها في أعلا الحصن تمثال عقاب كبير من صفر وأخلاط ناشر الجناحين أجوف، وعلى كل ركن صورة فارس بيده حربة ووجهه إلى خارج المدينة؛ وساق الماء إلى ناحية الباب الشرقي ينحدر في صبب إلى الباب الغربي ويخرج إلى صهاريج هناك، وكذلك من الباب الجنوبي إلى الشمالي، وقرب لتلك العقبان عقباناً ذكوراً، واجتذب الرياح إلى أفواه التماثيل، فكانت الرياح إذا دخلتها سمعت لها أصوات شديدة لا يسمعها أحد إلا هالته، وصمدها بعفاريت تمنع الداخل إليها إلا أن يكون من أهلها، ونصب العقاب الذي كان يعبده تحت القبة التي في وسط المدينة على قاعدة لها أربعة أركان في كل ركن منها وجه شيطان، وجعلها على عمود يديرها، والعقاب يدور إلى كل الجهات الأربع، ويقيم فيها ربع السنة، يقرب إليه من جهتها.\rفلما فرغ من ذلك كله حمل إليها جميع الأموال والجواهر المخزونة بمصر وما وجده في خزائن الملوك، ومن التماثيل والحكم وتراب الصنعة والعقاقير والسلاح وغير ذلك، وحول إليها كبار السحرة والكهنة وأصحاب الصنائع والتجار، وقسم المساكن بينهم لا يختلط أهل صنعة بغيرها، وعمل لها ربضاً يحيط بها، وبنى فيه منازل لأصحاب المهن والزراعة، وعقد على تلك الأنهار قناطر يمر عليها الداخل إلى المدينة، وجعل الماء يدور حول الربض؛ ونصب عليها أعلاماً وحرساً؛ ثم غرس وراء ذلك بالبرية النخل والكروم وأصناف الأشجار، ومن وراء ذلك مزارع الغلات من كل جهة، وكان يرتفع له بها في كل سنة نا يكفيه لعشر سنين، كل ذلك خوفاً من الوليد.\rقال: وبين هذه المدينة وبين منف ثلاثة أيام؛ فكان عون يخرج إليها فيقيم بها عشرة أيام ثم يعود إلى منف، وكان لها رابعة أعياد في السنة؛ وهي الأوقات التي يتحول العقاب فيها. فلما تم ذلك كله لعون اطمأن قلبه، وسكنت نفسه.\rعود الوليد إلى مصر\rوهرب عون إلى مدينته","part":4,"page":93},{"id":1594,"text":"قال: ثم وافا كتاب الوليد بن دومع من نواحي النوبة إلى عون يأمره أن ينفذ إليه الأزواد وينصب له الأسواق؛ فوجه إليه ذلك في المراكب وعلى الظهر، وحول جميع عياله ومن اصطفاه من بنات ملوك مصر وكبرائها إلى المدينة، حتى إذا قرب دخول الوليد إلى مصر خرج عون إلى مدينته وخلف خليفة على مصر بين يدي الوليد. ودخل الوليد مدينة منف وتلقاه أهل مصر وشكوا إليه عوناً وما حل بهم منه. قال: وأين هو؟ قالوا: فر منك. فغضب الوليد وأمر بجيش كثيف ينفذ إليه، فعرفوه أن الجيش لا يصل إليه، وأخبروه خبر المدينة وكيف بناها وخبر السحرة الذين معه. فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه ويحذره التخلف عنه، ويقسم أنه إن لم يفعل وظفر به بضع لحمه بضعاً. فرد جوابه يقول: ما على الملك مني مؤنة، وأنا لا أتعرض إلى بلده ولا أعيث فيه؛ لأني عبده، وأنا له في هذا الموضع أرد كل عدو يأتيه من نواحي الغرب، ولا اقدر على المصير إليه لخوفي منه، فليقرني الملك بحالي كأحد عماله وأوجه إليه ما يلزمني من الخراج والهدايا. ووجه إليه بأموال جليلة وجوهر نفيس. فلما رأى ذلك كف عنه. وأقام الوليد بمصر فاستبعد أهلها واستباح حريمهم وأموالهم. وملكهم مائة وعشرين سنة فأبغضوه وسئموا أيامه. واتفق أنه ركب في بعض الأيام إلى الصيد فألقاه فرسه في وهدة فهلك، وكان ابنه الريان ينكر عليه فعله ولا يرضاه. فلما هلك عمل له ناووساً قرب الأهرام. وقيل: بل دفن في الهرم.\rثم ملك بعده ابنه الريان بن الوليد بن دومع؛ وهو فرعون يوسف عليه السلام، والقبط تسميه نهراوش، وجلس على سرير الملك. وكان عظيم الخلق، جميل الوجه، عاقلاً متمكناً؛ فتكلم ومني الناس وضمن لهم الإحسان وأسقط عنهم الخراج ثلاث سنين، فاثنوا عليه وشكروه، وأمر بفتح الخزائن وفرق ما فيها على الخاص والعام، وتمكنت منه أريحية الصبا فملك على الرعية رجلاً من أهل بيته يقال له أطفين، وقيل في اسمه: قطفير، وقيل: قوطيفر، وهو الذي يسميه أهل الأثر العزيز. وكان من أولاد الوزراء. وكان عاقلاً أديباً متمكناً صائب الرأي كثير النزاهة مستعملاً للعدل والعمارة والإصلاح. وأمر الريان أن ينصب له في قصر الملك سرير من الفضة يجلس عليه ويغدو ويروح إلى باب الملك، ويخرج بجميع الوزراء والعمال والكتاب بين يديه؛ فكفى الريان ما خلف سريره وقام بجميع أمره وأخلاه لذاته؛ فأقام الريان منعكفاً على قصفه ولهوه منغمساً في لذته لا ينظر في عمل ولا يظهر للناس ولا يخاطبهم، فأقاموا بذلك حيناً. هذا والبلد عامر.\rوبلغ الخراج في وقته سبعة وتسعين ألف ألف مثقال فجعلها أقساماً، فما كان للملك وأسبابه وموائده حمل إليه، وما كان في أرزاق الجيش والكهنة والفلاسفة وأصحاب الصنائع ومصالح البلد وأهل المهنة صرف إليهم، والملك مع ذلك غير سائل عن شيء؛ قد عملت له مجالس من الزجاج الملون وأجرى حولها الماء وأرسلت فيها الأسماك المقرطة، فكانت الشمس إذا وقعت على المجلس منها أرسل شعاعاً عجيباً يبهر العيون.\rوعملت له عدة متنزهات على عدد أيام السنة، فكان كل يوم في موضع منها، وفي كل موضع منها من الفرش والآنية والآلات ما ليس في غيره.","part":4,"page":94},{"id":1595,"text":"فلما اتصل بملوك النواحي تشاغل الريان بلذاته وتدبير العزيز لأمره، قصده رجل من العمالقة يقال له عاكن بن بيجوم وكنيته أبو قابوس، وقصد مصر حتى نزل على حدودها، فأنفذ إليه العزيز جيشاً كثيفاً وجعل عليه قائداً يقال له بريانس، فأقام ثلاث سنين يحاربه، ثم ظفر به العمليقي ودخل من الحدود وهدم أعلاماً ومصانع كثيرة، وتمكن طمعه في البلد فأعظم أهل مصر ذلك واجتمعوا إلى قصر الملك وجعلوا يصيحون ويستغيثون ويرفعون أصواهم حتى سمعها الملك فقال: ما بال الناس؟ فأخبر خبر المعليقي وأنه قد دخل عمل مصر وعاث وأفسد المزارع والمصانع والأعلام، وأنه سار بجيشه إلى قصر الملك، فارتاع الريان لذلك وأنف منه وانتبه من غفلته وعرض جيوشه وأصلح أمره وخرج في ستمائة ألف مقاتل سوى الأتباع، فالتقوا من وراء الأحواف في تلك الصحراء، واقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم العمليقي واتبعه الريان إلى حدود الشام وقتل من أصحابه خلقاً وأفسد زرعهم وأكثر أشجار الفواكه والزيتون، وأحرق وصلب ونصب أعلاماً على الموضع الذي بلغه وزبر عليها: إني لمن يجاور هذا المكان بالمرصاد. فلما تم له هذا الظفر هابته الملوك ولاطفوه وأعظموه.","part":4,"page":95},{"id":1596,"text":"وقيل: إنه بلغ الموصل وضرب على الشام خراجاً وبنى عند العريش مدينة لطيفة وشحنها هي وتلك الناحية بالرجال، ورجع إلى مصر فحشد جنوده من جميع الأعمال، واستعد لغزو ملوك الغرب فخرج في تسعمائة ألف واتصل بالملوك خبره، فمنهم من تنحى عن طريقه، ومنهم من دخل تحت طاعته. ومر بأرض البربر فأجلى كثيراً منهم، ووجه قائداً يقال له مريطس في سفن فركب البحر من ناحية رقودة. ومر الريان بجزائر بني يافث فعاث فيها واصطلم أهلها، وخرج من ناحية أرض البربر فقتل بعضهم وصالح بعضهم وحملوا إليه الأموال، ومضى إلى إفريقية وقرطاجنة فصالحوه على أموال وألطاف كثيرة حملوها إليه، ومر حتى بلغ مصب البحر الأخضر وهو موضع الأصنام النحاس، فأقام هناك صنماً وزبر عليه اسمه وتاريخ الوقت الذي خرج فيه، وضرب على أهل تلك النواحي خراجاً، وعدي إلى الأرض الكبيرة وصار في الأفرنجة، والأندلس في حوزهم وعليها لذريق الأصغر، فحاربه أياماً وقتل من أصحابه خلقاً وصالحه بعد ذلك على ذهب مضروب، وعلى ألا يغزو مصر ويمنع من رام ذلك من جميع أهل النواحي، وانصرف مشرقاً فشق بلد البربر فلم يمر بموضع إلا خرج أهله بين يديه واهدوا له وأدخلوا تحت طاعته. ثم أخذ نحو الجنوب ومر ببلد الكوسانيين فحاربوه فقتل خلقاً كثيراً، وبعث قائداً إلى مدينة على عبر البحر الأخضر فخرج إليه ملك المدينة وأهلها فعرفهم حال الريان ومصالحة الملوك له فقالوا: ما بلغنا أحد قط، وسألهم هلة ركب هذا البحر أحد؟ فقالوا: ما يستطيع أحد أن يركبه، وأخبروه أنه ربما أظله الغمام فلا يرونه أياماً، وأتى الريان فتلقوه بهدايا وفاكهة أكثرها المور؛ وحجارة سود فإذا جعلت في الماء صارت بيضاء، ثم تركهم وسار إلى أمم السودان حتى بلغ ملك الدمدم الذين يأكلون الناس، فخرجوا إليه عراة بأيديهم العمد الحديد، وخرج ملكهم على دابة وهو عظيم الخلق له قرون، وكان جسيماً أحمر العينين، فظفر بهم فانهزموا إلى أوحال وأدغال فلم يتهيأ له أتباعهم فيها، وجازهم إلى قوم على خلق القرود لهم أجنحة صغار يثبون بها من غير ريش. ومر على عبر البحر المظلم فغشيهم منه غمام فرجع شمالاً حتى انتهى إلى جبل يقال له وسن، فرأى فوقه تمثالاً من حجر أحمر يومي بيده: إرجعوا وعلى صدره مزبور: ما ورائي أحد. فتركه وسار راجعاً فانتهى إلى مدينة النحاس فلم يصل إليها. ومضى حتى بلغ الوادي المظلم فكانوا يسمعون منه جلبة عظيمة ولا يرون أحداً لشدة ظلمته. وسار حتى انتهى إلى وادي الرمل ورأى على عبرة أصناماً عليها أسماء الملوك قبله فأقام معها صنماً وزبر عليها اسمه. فلما أسبت الرمل جاز عليه إلى الخراب المتصل بالبحر الأسود، وسمع جلبة وصياحاً هائلاً فخرج في شجعان أصحابه حتى أشرف على السباع المقرنة الأنوف، فإذا بعضها تهتر وتأكل بعضها بعضاً، فعلم أنه لا مذهب له من ورائها فرجع، وعدى وادي الرمل ومر بأرض العقارب فهلك بعض أصحابه ورفعوها عنهم بالرقي التي يعرفونها، ثم جاوزهم حتى انتهى إلى مكان صلوفة وهي حية عظيمة، فهجموا عليها ولم يعرفوها وظنوا أنها جبل، ثم عرجوا عنها وتعوذوا منها بالرقي. قال: ويزعم القبط أنه منعها من الحركة بسحره وتركها فهلكت. وقيل: إن تعريج هذه الحية ميل وأنها كانت تبتلع السباع هناك.","part":4,"page":96},{"id":1597,"text":"وسار حتى بلغ مدينة الكند، وهي مدينة الحكماء، فتهاربوا منه إلى جبل صعدوه من مواضع يعرفونها من داخل مدينتهم لم يعرفها غيرهم، ولم يجد الريان ومن معه إلى الصعود إليها سبيلاً، فأقاموا عليها أياماً وكادوا يهلكون من العطش، فنزل إليهم من الجبل رجل يقال له مندوس، كان من أفاضل الحكماء وقد لبس شعره جسده، فقال: أين تريد أيها المغرور الممدود له في الأجل! المرزوق الكفاية! أتعبت نفسك وجيشك! ألا اقتنعت بما تملكه واتكلت على خالقك وربحت الراحة وتركت العناء والغرور بهذا الخلق. فعجب الملك من قوله وسأله عن الماء فدله عليه، وسأله عن موضعهم فقال: موضع لا يصل إليه أحد ولا بلغه قبلك أحد. قال: فما عيشكم؟ قال: من أصول نبات لنا نعتصم به ونقنع بأكله ويكفينا اليسير. قال: فمن أين تشربون؟ قال: من نقار الماء من الأمطار. قال: فلم هربتم منا؟ قال: رغبة عن خلطتكم وإلا فليس لنا ما نخاف عليه. قال: فكيف تكونون إذا حميت عليكم الشمس؟ قال: في غيران تحت هذه الجبال. قال: فهل تحتاجون إلى مال أخلفه لكم؟ قال: إنما يريد أهل البذخ ونحن لا نستعمل منه شيئاً، استغنينا عنه بما قد اكتفينا به، وعندنا منه مالو رأيته لحقرت ما عندك. قال: فأرنيه، فانطلق به مع نفر من أصحابه إلى أرض في سفح جبلهم فيها قضبان الذهب نابته، وأراهم وادياً حافتاه حجارة الزبرجد والفيروذج، فأمر الريان أصحابه أن يأخذوا من كبار تلك الحجارة ففعلوا؛ ورآهم الحكيم يصلون إلى صنم يحملونه معهم، فسألهم ألا يقيموا بأرضهم خوفاً من عبادة الأصنام؛ فسأله الملك أن يدله على الطريق ففعل، وودع الحكيم وسار على السمت الذي وصفه له. فلم يمر بأمة إلا أبادها وأثر فيها إلى أن بلغ بلد النوبة، فصالح أهلها على مال يحملونه إليه، ثم أتى دنقلة فأقام بها علماً وزبر عليه اسمه وميسره. ومر يريد منف؛ فكان أهل كل مدينة من مدائن مصر يتلقونه بالفرح والسرور والطيب والرياحين والملاهي إلى أن بلغ منف، فلم يبق أحد من أهلها إلا خرج إليه مع العزيز وتلقوه بأصناف الطيب والبخورات والرياحين.\rوكان العزيز قد بنى له مجلساً من الزجاج الملون وفرشه بأحسن الفرش المذهبة، وغرس حوله جميع الأشجار والرياحين، وجعل فيه صهريجاً من زجاج سمائي، وجعل في أرضه شبه السمك من زجاج أبيض وأنزله فيه، وأقام الناس يأكلون ويشربون أياماً كثيرة. وأمر بعرض جيشه فوجد أنه قد فقد منهم سبعون ألفاً، وكان قد خرج في ألف ألف، ووجد من انضاف إليه من الغرباء والمأسورين نيفاً وخمسين ألفاً، وكان مسيره وغيبته إحدى وعشرين سنة. فلما سمع الملوك بذكره وما فتح من البلاد وما أسر هابوه، وخافوا شدة باسه وعظم سلطانه. وتجبر وبنى بالجانب الشرقي قصوراً ن الرخام ونصب عليها أعلاماً، فكان يقيم بها الأيام الكثيرة. وكان الخراج قد بلغ في وقته سبعة وتسعين ألف ألف فأحب أن يتمه مائة ألف ألف دينار، فأمر بوجوه العمارات وإصلاح الجسور والزيادة في استنباط الأراضي حتى بلغ ذلك وزاد عليه.\rثم كان من خبر يوسف الصديق عليه السلام وبيعه بمصر وخبره مع امرأة العزيز وسجنه وقصته مع صاحبي الملك ورؤيا الملك وتعبيرها وتولية الريان بن الوليد يوسف عليه السلام رتبة العزيز وخبر القحط، ماقدمنا ذكره في أخبار يوسف عليه السلام، وهو في السفر الحادي عشر من نسخة الأصل. فلا فائدة في إعادته. إلا أنه قد وردت زيادات أخر لم ترد هناك نحن نذكرها الآن، وهو ما حكاه مؤلف هذا الكتاب الذي نقلنا إبراهيم بن القاسم الكاتب عن إبراهيم بن وصيف شاه قال: إن يعقوب عليه السلام لما قدم مصر بأهله وولده، خرج يوسف عليه السلام في وجوه أهل مصر فتلقاه وأدخله على الملك؛ وكان يعقوب عليه السلام مهيباً جميلاً فقربه الملك وعظمه وقال له: يا شيخ، كم سنوك وما صناعتك وما تعبد؟ فقال: أما سني فعشرون ومائة سنة، وأما صناعتي فلنا غنم نرعاها وننتفع بها، وأما الذي أعبد فرب العالمين، وهو الذي خلقني وخلقك، وهو إله آبائي وإلهك وإله كل شيء.\rقال: وكان في مجلس فنيامين، وهو كاهن جليل القدر، فلما سمع كلام يعقوب ضاق به ذرعاً وقال للملك بلغتهم: أخاف أن يكون خراب مصر على يد ولد هذا.","part":4,"page":97},{"id":1598,"text":"فقال له الملك: فأني لنا خبرة، فقال الكاهن: أرنا إلهك أيها الشيخ. قال: إلهي أعظم من أن يرى. قال: فإنا نحن نرى آلهتنا. قال: لأن آلهتكم ذهب وفضة ونحاس وخشب، وما يعمله بنو آدم عبيد إلهي الذي احتجب عن خلقه بعز ربوبيته، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. قال له فنيامين: إن لكل شيء دليلاً، وكل شيء لا تراه العيون فليس بشيء، فغضب يعقوب وقال: كذبت يا عدو الله وطغيت في هذه الدنيا؛ إن الله سبحانه وتعالى شيء وليس كالأشياء، وهو خالق كل شيء لا إله إلا هو. قال: فصفه لنا. قال: إنما يوصف المخلوقون ولا يوصف الخالق عز وجل؛ لأنه يرتفع عن الصفات؛ لأنه واحد ثديم مدبر للأشياء في كل مكان يرى ولا يرى. ثم قام يعقوب مغضباً، فأجلسه الملك وأمر فنيامين أن يكف عنه ويكون بين يديه، ويأخذ في غير هذا. ثم قال الملك: كم عدة من دخل معك إلى مصر؟ قال ستون رجلاً. قال الكاهن: كذلك نجده في كتبنا؛ إن خراب مصر يجري على أيديهم. قال الملك: فهل يكون في أيامنا؟ قال: لا، ولا إلى مدة كبيرة. والصواب أن يقتله الملك ولا يستبقي من ذريته أحداً. قال الملك: إن كان الأمر كما تقول فما يمكننا أن ندفعه ولا نقتل هؤلاء، وإن لهم إلهاً عظيماً، وقد قبل قلبي هذا الشيخ، ومالي إلى قتله من سبيل، فخاطبه بألين الكلام؛ فجرت بينهما بعد ذلك مخاطبات ألان له فيها القول.\rقال: ثم إن يعقوب عليه السلام أحب أن يعرف خبر مصر ومدائنها وكيف بنيت وخبر طلسماتها وعجائبها. فسأله عن ذلك بحق الملك ألا يكتمه شيئاً من أمرها فأخبره. قال: وأقام يعقوب عليه السلام مع الريان بن الوليد الملك يعظمه ويتجله إلى أن حضرته الوفاة، فأوصى أن يحمل إلى مكانه من الشأم، فحمل في تابوت وخرج معه يوسف عليه السلام ووجوه مصر حتى بلغ إلى موضعه ورجعوا. وقيل إن عيصو منعهم من دفنه هناك لأن إسحاف عليه السلام كان قد وهبه الموضع فاشتراه يوسف عليه السلام منه. ويقال: إن الريان آمن بيوسف وكتم إيمانه خوفاً من فساد ملكه.\rوملك الريان مائة وعشرين سنة. في وقته عمل يوسف عليه السلام الفيوم لابنة الملك، وكان أهل مصر قد وشوا به وقالوا: قد كبر ونقص نفعه فاختبره. فقال له الملك: قد وهبت هذه الناحية لابنتي، وكانت مغايض للماء فدبرها. قال: فقلع أدغالها، وساق المنهى، وبنى اللاهون، وجعل الماء فيه مقسوماً موزوناً، وفرغ من ذلك كله في أربعة أشهر، فعجبوا من حكمة يوسف عليه السلام.\rقال: ولما مات الريان بن الوليد ملك بعده ابنه دريموس بن الريان ابن الوليد ويسميه أهل الأثر دارم، وهو الفرعون الرابع عندهم. قال: ولما ملك خالف سنة أبيه، وكان يوسف عليه السلام خليفته كما كان مع أبيه، وذلك بأمر الريان. وكان يوسف يسدده فربما قبل منه وربما خالفه، وظهر في وقته معدن فضة على ثلاثة أيام من النيل فأبان منه شيئاً عظيماً، وعمل منه صنماً على اسم القمر؛ لأن طالعه كان بالسرطان، ونصبه على القصر الرخام الذي كان أبوه بناه في شرقي النيل، ونصب حوله أصناماً كلها من الفضة وألبسها الحرير الأحمر، وعمل لها عيداً في كل سنة، وهو إذا نزل القمر السرطان.\rوكان يتنقل إلى مواضع شتى يتنزه فيها، وإذا أراد أن يضر الناس بشيء منعه يوسف عليه السلام ودفعه عنه أن توفي يوسف عليه السلام، كما تقدم في خبر وفاته، فاستوزر الملك دارم بعده بالطس بن منسا الكاهن، فكان بالطس يطلق له ما كان يوسف يمنعه عنه، وحمله على أذى الناس وأخذ أموالهم فبلغ منهم كل مبلغ.\rوعمل الوادي المنحوت بين الجبلين في الناحية الغربية وكنز الأموال فلا يوصل إليها، وجعل صقالة من الوادي إلى باب الخباء، وجعل لهه باباً من الحديد يتوصل إليه من تلك الصقالة، وصمده بجماعة من العفاريت يمنعون من ذلك الخباء، فمن رامه من الناس سقط في الوادي. وقال آخرون: كنزها في موضع منه يدخل إليه وينظر إلى الأموال مكشوفة مضروبة، في كل دينار عشرة مثاقيل عليها صورته، فإن أخذ الداخل منها شيئاً انطبق عليه الباب فلم يقدر على الخروج، فإذا رده إلى موضعه انفتح له الباب. وهو بحاله إلى هذا الوقت كما زعموا.","part":4,"page":98},{"id":1599,"text":"قال: ثم زاد دارم في التجبر إلى أن اختلع كل امرأة جميلة بمدينة منف من أهلها؛ ولا يسمع بأمرأة حسناء في ناحية من النواحي إلا وجه فحملت إليه. وفشا ذلك في المملكة واضطراب الناس من فعله وشق عليهم أمره إلى أن شغبوا عليه وعطلوا الصنائع والأعمال والأسواق فعدا على جماعة منهم فقتلهم. وزاد الأمر حتى اجتمعوا على خلعه، فخاف بلاطس أن يفسد أمر المملكة فدخل على الملك وأشار عليه أن يتودد إلى الناس ويعتذر إليهم ويرد نساءهم فأبى إلا مخالفته، وهم أن يخرج إلى الناس في خاصته ويقتل منهم وقال: إنما هم عبيدي وعبيد آبائي.\rفلم يزل يرفق به إلى أن سكن غضبه؛ فأمره أن يعتذر إلى الناس عنه، ففعل الوزير ذلك وذكر عنه جميلاً، فأبى الناس أن يقبلوا منه دون مخاطبتهم الملك فضمن لهم ذلك وخاطبه وأشار به عليه، فأمره أن ينادي في الناس بالحضور في يوم عينه، ثم لبس ارفع ثيابه وأكبر تيجانه ودخل الناس عليه فذكروا ما حل بهم من اخذ أموالهم، وعرفوه أنه لم يجر عليهن من ملك قبله مثل هذا، فاعتذر إليهم ووعدهم الإقلاع عما شكوا منه وأسقط عنهم خراج ثلاث سنين.\rثم أمر بعمل قصر من خشب على أساطين خشب ممدودة بأضلاع مسمرة يتنزه فيه، فعمل ودهن بالأدهان والأصباغ الملونة المذهبة، وضبب بالفضة والنحاس المذهب، وعمل فوقه قبة من الفضة المذهبة مصورة بالزجاج الملون وعلق فيها الحجر المضيء الذي أتى به أبوه من المغرب. فلما فرغ القصر فرشه بأحسن الفرش وجعله طبقتين: طبقة له يجلس فيها مع من يحبه، وطبقة لحشمه، وجعل حول ذلك أروقة ملصقة بالمجلس يجلس فيها من يريد؛ فكان يركب فيه بمن احبه من خاصته ونسائه ويصعد فيه في الماء إلى ناحية الصعيد وتتبعه المراكب فيها أصحابه وغلمانه بالعدد والسلاح وينحدر إلى أسفل الأرض، فإذا مر بمكان يستحسنه أقام فيه أياماً.\rواتفق أنه خرج في بعض الأيام مصعداً فوثب رجل من الإسرائيلين على رجل من سدنة الهياكل فضربه حتى أدماه وعاب دين الكهنة، فغضب القبط لذلك وخاطبوا خليفة الملك أن يخرجهم من مصر فامتنع دون مشاورة الملك، وكتب إليه يعرفه ذلك، فكتب إليه ألا يحدث في القوم حادثة دون موافاته، فشغبوا وأجمعوا على خلعه وتمليك غيره، وتعرض بعضهم إلى ذكر الملك فحشد أهل الصعيد وانحدر إليهم، فحاربوه فهلك بينهم خلق كثير. وعاونته امرأة أبيه، وكانت ساحرة، فأظهرت من سحرها وتخاييلها ودخنها ما أعماهم عن النظر، أضعف حواسهم وأسكرهم، فقتل خلقاً منهم وصلب خلقاً على عبر النيل، ورجع إلى أكثر مما كان عليه من ابتزاز النساء ونهب الأموال واستخدام الأشراف والوجوه من القبط ومن بني إسرائيل؛ فأجمع الكل على ذمه. وكانت الساحرة لا تخليه من معونتها إلى أن ركب في ذلك القصر في بعض الليالي وقد أحذق النيل بالبلد، وهو من الجبل إلى الجبل، وامتد القمر على الماء، فأراد أن يعدي من العدوة إلى العدوة الأخرى فلم يتهيأ له سوق القصر بسرعة لعظمه، فركب مركباً لطيفاً مع ثلاثة من خدمه والساحرة، فلما توسط البحر هاجت ريح عاصف فغرق هو ومن معه، وأصبح الناس شاكين في أمره ما نزل له، إلى أن وجدت جثته بسطنوف فعرف بخاتمه وبجوهر كان يتقلد به فحمل إلى منف.\rوملك بعده ابنه معاديوس بن دريموس؛ ويسميه أهل الأثر معدان ابن دارم، وهو الفرعون الخامس، وذلك بتدبير الوزير؛ فأجلسه على سرير الملك وبايعه الجيس، وكان صبياً فكرهه الناس ثم رضوا به، فأسقط عن الناس الخراج الذي كان أبوه أسقطه، وزادهم سنة وأحسن إليهم فأطاعوه؛ واستقام له الأمر ورد نساءهم. وكان ينكر على أبيه فعله ولا يرضاه؛ فلذلك رضوا به.","part":4,"page":99},{"id":1600,"text":"قال: وفي زمانه كان طوفان أضر ببعض البلد فلزم الملك الإقبال على الهياكل والتعبد، وطلب القاطر ووجوه الكهنة بالحضور معه، وأنصف بعض الناس من بعض. وكثر بنو إسرائيل وعابوا الأصنام وثلبوها. وكان الوزير قد هلك فاستوزر كاهناً يقال له املاده، فلما رأى ما فعله بنو إسرائيل أنكره وأمر أن يفردوا بناحية من البلد لا يختلط بهم أحد غيرهم، فأقطعهم موضعاً في قبلي منف، واجتمعوا إليه وعملوا لأنفسهم معبداً كانوا يتلون فيه صحف إبراهيم عليه السلام، واتفق أن رجلاً ن أهل بيت الكهنة عشق امرأة من بني إسرائيل كانت قد جاءته لتشتكي أخاها أنه غصبها ميراثها، وأرادت أن يعتني بأمرها عند وزير الملك، فرآها ابنه فأحبها وسأل والده أن يزوجه منها، فخطبها من أهلها فأبوا ذلك، فأنكر الناس فعلهم واجتمعوا إلى الوزير وقالوا: هؤلاء قوم بعيبونا ويرغبون عنا، ولا نحب أن يجاورونا إلا أن يدينوا بديننا. فقال الوزير: قد علمتم إكرام الريان لملك لجدهم يوسف عليه السلام، وقد وقفتم على بركة جدهم يوسف عليه السلام حتى جعلتم قبره وسط النيل فأخصب جانباً مصر بمكانه فلا تخوضوا في هذا، فأمسكوا.\rقال: وتغلب أحد ملوك الكنعانيين على الشام وامتنع أهله أن يحملوا الضريبة التي كانت عليهم لملك مصر، فأنكر أهل مصر ذلك أشفقوا من غلبة صاحب الشام على بلدهم، فحضوا الملك على غزو الشام فقال: إن رام أحد حدود بلدنا غزوناه، وما لنا في ذلك البلد من حاجة؛ فاستنقصوا رأيه. وأقام على ملازمة الهياكل والتعبد فيها؛ فيزعم القبط أنه بينا ذان يوم قائم في هيكل زحل حذاء صورته، وقد أجهد نفسه في التعبد، إذ تغشاه النوم فتجلى له زحل وخاطبه وقال: قد جعلتك رباً على أهلك وأهل بلدك، وحبوتك بالقدرة عليهم وعلى غيرهم، وسأرفعك إلي فلا تخل من ذكرى؛ فعظم عند نفسه، واتصل خبره بأهل البلد، واخبرهم سدنة الهيكل أنهم رأوا النور وسمعوا الخطاب، وأعظم الناس أمره، فتجبر في نفسه وأمر الناس أن يسموه رباً، وترفع أن ينظر في شيء من أمر الملك، وأحضر الناس وقال: قد وقفتم على ما خصصت به دون الملوك، وهذه موهبة يلزمني الشكر لواهبها عليها، ولست أتفرغ للنظر في أموركم، وقد رأيت أن أجعل الملك إلى ابني اكسامس، وأكون من ورائه إلى أن يغيب شخصي عنكم كما وعدت، وقد أيدته بالقاطرين، فانظروا كيف تكونون، ولا تتظالموا فإنكم مني بمرأى ومسمع، فرضوا بذلك وقالوا: نحن عبيد الملك ومن رضيته الآلهة فحكم الخلق أن يرضوه ولا يخالفونه.\rفملك ابنه أكسامس ين معاديوس؛ ويسميه أهل الأثر كاسم ابن معدان، وهو الفرعون السادس، وجلس على سرير الملك وتوج بتاج أبيه وقام القاطرون بين يديه، فجعل لكل واحد منهم رتبة، ورتب الناس مراتب، وقسم الكور والأعمال، وأمر باستنباط العمارات وإظهار الصناعات، ووسع على الناس في أرزاقهم وعلى حاشيته وحاشية أبيه، وأمر بتنظيف الهياكل وتجديد لباسها ووانيها، وزاد في القرابين؛ وكلما أتى شيئاً من ذلك لم تخالفه الكهنة وقدروا أن ذلك عن أمر أبيه برضى الكواكب، واحتجب أبوه عن الناس. وأقام كاسم أعلاماً كثيرة حول منف وجعل عليها أساطين يمر عليها من بعضها إلى بعض.\rوعمل برقودة وصا ومدائن الصعيد واسفل الأرض مدناً كثيرة وأعلاماً ومناثر للوقود والطلسمات. وعمل من الفضة على عمل البيضة الفلكية ونقش عليها صور الكواكب الثابتة ودهنها بدهن الصيني وركبها على منار في وسط منف. وعمل في هيكل أبيه روحاني زحل من ذهب اسود مدبر. وعمل في وقته الميزان الذي يعتبر به الناس، وجعلت كفتاه من ذهب وعلائقه من فضة وخيوطه سلاسل ذهب، وكان معلقاً في هيكل الشمس، وكتب على إحدى كفتيه حق، والأخرى باطل، وتحته فصوص قد نقش عليها أسماء كل شيء من الكواكب؛ فيدخل الظالم والمظلوم ويأخذ كل واحد منهما فصاً من تلك الفصوص ويسمي عليها ما يريد، ويجعل أحد الفصين في كفه والآخر في الأخرى، فتثقل كفة الظالم وترتفع كفة المظلوم. وكذلك من أراد سفراً أخذ فصين فذكر على واحد اسم السفر، والآخر اسم الجلوس، ويجعل كل واحد في كفه، فغن لم يرتفع أحدهما على الآخر جلس، وإن ارتفعا خرج، وإن ارتفع أحدهما مكث شهراً. ومن نحو هذا من غائب ودين وفساد وصلاح. ويقال إن بختنصر لما ظفر بمصر حمله في جملة ما حمل إلى بابل وجعله في بيت من بيوت النار.","part":4,"page":100},{"id":1601,"text":"قال: وطالب كاسم الناس بلزوم الأعمال وإظهار الصنائع، فعملت كل غريبة منها: التنور الذي يشوى من غير نار فيه، والقدور التي يطبخ فيها من غير نار، والسكين التي تنصب فإذا رآها شيء من البهائم أقبل حتى يذبح نفسه بها، والماء الذي يستحيل ناراً، والزجاج الذي يستحيل هواء، وأشياء من ذلك.\rقال: فأقام في أول ولايته ثلاث سنين بأجمل أمر واصلح حال، ومات وزير أبيه الذي كان معه فاستخلف رجلاً من أهل بيت المملكة يقال له طلما، وكان شجاعاً فارساً كاهناً حكيماً متصرفاً في كل فن، وكانت نفسه تنازعه الملك فصلح أمر المملكة بمكانه وأحبه الناس، فعمل معالم كثيرة وعمر خراباً وبنى مدناً من الجانبين. ورأى في نجومه أن ستكون شدة فاستعمل ما استعمله نهراوش، وبنى بناحية رقودة والصعيد ملاعب ومصانع. وشكا القبط إليه حال الإسرائيلين فقال: هم عبيد لكم، فكان القبطي إذا أراد حاجة سخر الإسرائيلي، وكان القبطي يضرب الإسرائيلي فلا ينكر عليه أحد، وإن ضرب الإسرائيلي القبطي قتل، فكان أول من أذى بني إسرائيل، ويفعل نساء القبط بنساء بني إسرائيل ما يفعل الرجال بالرجال من السخر والضرب.\rقال: وفي أيام اكسامس بنيت منارة الإسكندرية. وفي زمانه هاج البحر المالح فغرق كثيراً من القرى والجنان والمصانع. وحكى أن أكسامس تغيب عن الناس مدة. وقيل: مات وكتموا موته. وكانت مدة ملكه إلى أن غاب إحدى وثلاثين سنة، وأقام طلما إحدى عشرة سنة يدبر المملكة ثم اضطرب الناس على طلما وتغيروا واتصل بهم أنه قتل الملك بسم سقاه إياه فاجتمعوا وقالوا: لا بد لنا من النظر إلى الملك، فعرفهم أنه قد تخلى عن الملك وولى ابنه لاطس فلم يقبلوا ذلك.\rفأمر طلما الجيوش فركبت في السلاح وأجلس لاطس بن أكسامس على سرير الملك ولبس التاج. وكان جريئاً معجباً فوعد الناس جميلاً وقال: أنا مستقيم لكم ما استقمتم، وإن ملتم عن الواجب ملت عنكم، وأمر ونهى وألزم الناس أعمالهم، وحط جماعة من الوجوه عن مراتبهم، وصرف طلما عن خلافة المملكة واستخلف رجلاً يقال له لاهوق من ولد صا الملك ودفع إليه خاتمه، وأنفذ طلما عاملاً على الصعيد وأنفذ معه جماعة من الإسرائيليين، وعمل الأعلام واصلح الهياكل وبنى قرى كثيرة، وأثيرت في أيامه معادن كثيرة وكنوز في صحراء المشرق، واستعمل آنية كثيرة من الجوهر الأخضر وأصناف الزجاج. وكان محباً للحكم ثم تجبر وعلا، وأمر ألا يجلس أحد في مجلسه ولا في قصر الملك من الكهنة وغيرهم، بل يقومون علت أرجلهم إلى أن ينصرفوا، وزاد في أذى الناس والعنف بهم، ثم منع الناس فضول ما بأيديهم وقصرهم على القوت، وجمع أموالهم وطلب النساء فانتزع كثيراً منهن، وفعل في ذلك أكثر من فعل من تقدمه من الملوك، وقهر الناس بالسطوة واستعبد بني إسرائيل وقتل جماعة من الكهنة فأبغضه الخاص والعام.\rوكان طلما لما صرفه لاطس عن خلافته وجد في نفسه وأضمر الغدر به. فلما خرج إلى الصعيد احتجز الأموال فلم يحملها، وحال بين الملك وبين المعادن، وأراد أن يقيم ملكا من ولد قبطريم ويجلسه في الملك، فأشار بعض الكهنة على طلما أن يطلب الملك لنفسه وعرفه أنه سيكون له حال. فلما شجعه الكاهن وجرأه على ذلك دعا إلى نفسه وكاتب وجوه أهل البلد، فبعض أجابه وبعض توقف، ورفع كل واحد من ولد الملوك رأسه وطمع في الملك.\rقال: وفي بعض كتبهم أن بعض الروحانيين ظهر له وقال: إني أطيعك إن أطعتني، وأقلدك مصر زماناً طويلاً، فأجابه إلى ما سأله وقرب له أشياء ذكرها له، منها غلام إسرائيلي؛ فعاونه حينئذ وكان له رسولاً إلى رؤساء مصر، فكان يتصور بصور بعضهم ويشير بتمليكه عليهم إلى أن استقام له الأمر، قال: ولما منع طلما لاطس من مال الصعيد كتب بصرفه عن العمل فأبى أن ينصرف، فوجه إليه قائداً من أهل بيته وقلده مكانه وأمره أن يحمله إليه، فحاربه وأعانه الروحاني فظفر به طلما واعتقله ثم خلاه وقربه وأدخله في جملته، واتصل الخبر بالطس فأنفذ إليه قائداً آخر فهزمه طلما وسار في أثره بجيش كثيف، وكاتب جميع القواد وأهل البلد وبذل لهم الأموال، وخرج إليه لاطس فحاربه طلما وعاونه الروحاني فظفر به طلما وقتله وسار حتى دخل منف وعاث فيها.","part":4,"page":101},{"id":1602,"text":"وملك طلما بن قومس؛ ونزل قصر المملكة وجلس على سرير الملك وحاز جميع ما كان في خزائنهم. قال: وطلما هذا هو ابن قوميس، وهو الذي يذكر القبط أنه فرعون موسى عليه السلام. وأهل الأثر يسمونه الوليد بن مصعب وأنه من العمالقة. وذكروا أن الفراعنة سبعة فأولهم: طوطيس بن ماليا، ثم الوليد بن دومع، ثم ابنه الريان بن الوليد، ثم دريموس بن الريان، ثم معاديوس بن دريموس، ثم أكسامس بن معاديوس، ثم طلما.\rقال: وكان طلما فيما زعموا قصيراً. قيل: كان طوله أربعة أشبار، طويل اللحية، أشهل العينين، صغير العين اليسرى، في جبينه شامة. ويقولون: إنه كان أعرج. وزعم قوم أنه من القبط. قال: والدليل على ذلك سيله إليهم ونكاحه فيهم؛ ونسب أهل بيته مشهور عندهم.\rوقد اختلف الناس في سبب ملكه وعمن تلقى الملك، فقيل ما ذكرناه وقيل ما قدمناه في قصة موسى بن عمران عليه السلام، والله تعالى أعلم.\rقال: ولما جلس طلما على سرير الملك اضطرب الناس عليه فبذل الأموال وأرغب من أطاعه، وقتل من خالفه، فاعتدل الأمر له. وكان أول ما عمل أن رتب المراتب، وشيد الأعلام، ونى المدن، وخندق الخنادق، وعمل بناحية العريش حصناً، وكذلك على حدود مصر، واستخلف هامان، وكان يقرب منه في نفسه ونسبه، فأثار بعض الكنوز وصرفها في بناء المدن والعمارات، وحفر خلجاناً كثيرة. ويقال: إنه الذي حفر خليج السردوس، وكان كلما عرجه إلى قرية من قرى الحوف حمل إليه أهلها مالاً؛ فاجتمع له من ذلك شيء كثير، فأمر برده على أهله.\rوانتهى الخراج في وقته إلى سبعة وتسعين ألف ألف دينار، وكان يغزل الناس على مراتبهم. وهو أول من عرف العرفاء على الناس، وكان ممن صحبه من الإسرائيليين رجل يقال له امرئ، وهو عمران أبو موسى عليه السلام، وهو أخو مزاحم لأبويه، ومزاحم أبو آسية، فهي ابنة عم موسى وبنت خالته، فجعل فرعون عمران حارساً لقصره يتولى حفظه وفتحه وإغلاقه. وكان رأى في كهانته أن هلاكه على يد مولود من الإسرائيليين، فمنعهم المناكحة ثلاث سنين؛ لأنه رأى أن ذلك المولود يكون فيها. ثم كان من خبر موسى في حمل أمه به وولادته وغير ذلك من أمره ما قدمنا ذكره في قصة موسى عليه السلام فلا فائدة في إعادته.\rوقد نقل أن موسى عليه السلام لما كبر عند فرعون عظم شأنه ورد فرعون إليه كثيراً من أمره وجعله من قواده، وكانت له سطوة؛ ثم وجهه فرعون لغزو الكوثانيين، وكانوا قد عاثوا في أطراف مصر، فخرج في جيش كثيف فرزقه الله عز وجل الظفر، فقتل منهم خلقاً واسر خلقاً وانصرف سالماً فسر به فرعون وآسية. قال: واستولى موسى وهو غلام على كثير من أمر فرعون وأراد أن يستخلفه حتى قتل رجلاً من أشراف القبط فكان من أمره ما تقدم ذكره. والله أعلم.\rهذا ما أورده إبراهيم في كتابه ولم يذكر من أخبار ملوك مصر بعد غرق فرعون شيئاً ولا ذكر من ملك بعده. وقد أشار المسعودي في مروج الذهب إلى نبذة من أخبار من ملك مصر بعد غرق فرعون نحن نذكرها. وأما سياقه أخباره فيما كان قبل فرعون فهذا الذي ذكرناه أتم منه وأكثر استيعاباً.\rملوكها بعد غرق فرعون قال أبو الحسن على علي بن عبد الله المسعودي في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر: لما أهلك الله تعالى فرعون وقومه بالغرق خشي من بقي بمصر من الذراري والنساء والعبيد أن يغزوهم ملوك الشام والمغرب؛ فملكوا عليهم امرأة يقال لها دلوكة؛ فبنت على أرض مصر حائطاً يحيط بجميع البلاد من حد أرض رفح إلى برقة، وجعلت الحراس على مسافة كل ميل منها يصل أخبار بعضهم إلى بعض، فإذا حدث أمر في أول ملكها بليل رفعت النيران في وقت حدوثه فعلم في آخر المملكة بالخبر من ليلته، وإن كان بالنهار دخن. وهذا الحائط موجود إلى حين وضعنا لهذا الكتاب ويسمى حائط العجوز. وقيل فيه: حائط الحجوز. وقيل: إنها بنت هذا الحائط من خوفها على ودها.","part":4,"page":102},{"id":1603,"text":"واتخذت دلوكة بمصر البرابي وصورت فيها الصور، وأحكمت آلات السحر، وجعلت في البرابي صور من يرد في البر ودوابهم إبلاً كانت أو خيلاً، ومن يرد في البحر في المراكب من بلاد الغرب وسواحل الشام، وأحكمت جميع ذلك بحركات فلكية. فكان إذا ورد عليها عدو من نحو الحجاز واليمن عورت تلك الشخوص التي في البرابي من الإبل وغيرها فيحدث العور في ذلك الجيش وتهلك دوابهم، وكذلك كل من يقدم عليها من البر والبحر إذا بلغها خبر مقدمه صنعت في تلك الصور ما يحدث مثله في ذلك الجيش من الآفات، فهابها سائر ملوك الأمم. وخبر هذه المرأة مشهور. وأكثر هذه البرابي باق إلى وقتنا هذا وفيها التصاوير إلا أنها لا فعل لها. وقد قيل في البرابي: إنها اتخذت مع الأهرام قبل الطوفان. والله تعالى أعلم.\rوقيل أيضاً: إن مما أنشأته هذه المرأة منارة الإسكندرية، وقد تقدم ذكر خبرها في المباني القديمة وهو في السفر الأول من كتابنا هذا من هذه النسخة.\rقال: وملكت هذه المرأة نحواً من ثلاثين سنة، وقيل أقل من ذلك.\rولما هلكت دلوكة ملك بعدها دركوس بن بلوطس. ثم ملك بعد ولده بورش. ثم ملك بعده ولده بغاش بن بورش نحواً من خمسين سنة. ثم ملك بعده دنيا ابن بورش نحواً من عشرين سنة. ثم ملك بعده بلوطس عشرين سنة. ثم ملك بعده بلوطس بن متنا كيل أربعين سنة. ثم ملك بعده مالس بن بلوطس. ثم ملك بعده بوليه بن متنا كيل؛ وكانت له حروب وسير في الأرض وهو فرعون الأعرج الذي غزا بني إسرائيل وخرب بيت المقدس. ثم ملك بعده وينوس بن مرينوس ثمانين سنة. ثم ملك بعده قومس بن بغاس عشر سنين. ثم ملك بعده مكاييل وكانت له حروب مع ملوك الغرب، وهو الذي غزاه بختنصر فقتله وقتل رحاله وخرب أرض مصر، فقيل إنها خربت مدة أربعين سنة. وانقرض ملك الفراعنة.\rوملك الروم أرض مصر فتنصر أهلها؛ ولم تزل بيد ملوك الروم إلى أن ملك كسرى أنوشروان فارس فغلبت جيوشه على الشام وسارت نحو مصر، فملك الفرس أرض مصر، وغلبوا عليها نحواً من عشر سنين. وكانت بين الروم وفارس حروب كثيرة، فصار أهل مصر يؤدون خراجين: للروم وللفرس، ثم انجلت الفرس عن الشام ومصر لأمر حدث في بلادهم، فغلبت الروم على مصر والشام وأظهروا النصرانية، واستمر ذلك إلى أن جاء الله تعالى بالإسلام. وكان المقوقس ينوب عن ملك الروم، وهادى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم تزل الديار المصرية والشام بيد ملوك الروم إلى أن فتحت في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما سنورد ذلك إن شاء الله تعالى في خلافة عمر في الباب الثاني من القسم الخامس من هذا الفن، وهو في السفر السابع عشر من هذه النسخة.\rقال المسعودي رحمه الله: والذي اتفقت عليه التواريخ، مع تباين ما فيها، في عدد ملوك مصر إلى آخر أيام الفراعنة أنهم اثنان وثلاثون ملكاً. قال: فمن ملوك بابل إلى آخر أيام ابنة مأموم - يشير إلى دليفة - أحد عشر ملكاً وملكة. ومن العماليق أربعة ملوك. ومن الفراعنة من لدن الوليد بن مصعب فرعون موسى بن عمران عليه السلام، وإلى أن خرج بختنصر الفارسي على مكاييل وقتله سبعة عشر ملكاً بما في ذلك من ملك دلوكة، وهو إنما يشير إلى من ملكها بعد الطوفان، وأما من ملكها قبل الطوفان فإنه لم يتعرض إلى ذكرهم. قال: وملكها من الروم سبعة ملوك. ومن اليونان عشرة ملوك. قال: وذلك قبل ظهور المسيح عليه السلام.\rقال: وملكها أناس من الفرس فكانت مدة من ملكها من الفراعنة ومن بعدهم والعماليق والفرس والروم واليونان ألفى سنة وثلثمائة سنة. والله أعلم بالصواب.\rالباب الثالثمن القسم الرابع من الفن الخامس\rملوك الأعاجم وهم من ملوك الفرس الأول، وملوك الطوائف من الفرس، والملوك الساسانية واليونان والسريان والكلوانين والروم والصقالبة والنوكبرد والإفرنجة والجلالقة وطوائف السودان\rملوك الفرس\rوهم الفرس الأول","part":4,"page":103},{"id":1604,"text":"وقد اختلف الناس في الفرس وأنسابهم وكم من دولة كانت لهم. وسنذكر هاهنا مقالاتهم في ذلك واختلافهم. فمن الناس من زعم أنهم من فارس بن ياسور ابن سام بن نوح، وهذا قول هشام بن محمد. ومنهم من زعم أنهم من ولد يوسف ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. ومنهم من زعم أنهم من ولد هدرام ابن أرفخشد بن سام بن نوح، وأنه ولد له بضعة عشر رجلاً كلهم كان فارساً شجاعاً؛ قسموا الفرس لفروسيتهم، وفي ذلك يقول حطان بن المعلى الفارسي:\rوبنا سمى الفوارس فرساً ... ناومنا مناجب الفتيان\rوزعم قوم أن الفرس من ولد لوط من ابنتيه رشا ورغوشا. وذكر آخرون انهم من ولد بوان بن أران بن الأسود بن سام بن نوح، ولبوان هذا ينسب شعب بوان وهو أحد متنزهات الدنيا. وقد تقدم ذكره في باب الرياض من الفن الرابع.\rومن الناس من يرى أن الفرس من ولد غيران بن أفريدون، ولا خلاف بين الفرس اجمع انهم من ولد كيومرث وهو الأشهر، وإليه يرجع جميع الفرس الأول وملوك الطوائف والملوك الساسانية.\rوأما التنازع في دولهم فمن الناس من زعم أنهم أربعة أصناف، وأن الصنف الأول منهم كان من كيومرث إلى أفريدون وهم الجرهانية، وقيل الجهدهانية. والصنف الثاني من كيان إلى دارا ابن دارا وهم الكيانية. والصنف الثالث ملوك الطوائف. والصنف الرابع الساسانية. ومن الناس من جعلهم صنفين: فجعل الصنف الأول من كيومرث إلى دارا بن دارا. والصنف الثاني من أردشير بن بابك إلى يزدجرد ابن شهريار المقتول في خلافة عثمان رضي الله عنه. فمدة ملكهم في الدولة الأولى ثلاثة آلاف سنة وثلثمائة وستة وعشرون سنة. وعدة ملوكهم عشرون ملكاً فيهم امرأة واحدة.\rفأول ملك ملك من الفرس الأول كيومرث وقيل فيه جيومرث.\rوقد اختلف في نسبه، فمن الناس من قال: إنه ولد آدم لصلبه. ومنهم من قال: إنه ولد لاوذ بن غرم بن سام بن نوح. وقد قيل: إنه أول ملك ملك من بني آدم. وكان السبب في ملكه أنه لما كثر البغي والظلم في الناس اجتمع أكابر أهل زمانه ورأوا أنه لا يقيم أمرهم غلا ملك يرجعون إليه فيما يأمر وينهي، فأتوه وقالوا: أنت أكبر أهل زمانك وبقية أبينا، والناس قد بغى بعضهم على بعض، وأكل القوي الضعيف، فضم أمرنا إليك وكن القائم بصلاحنا. فأخذ عليهم العهود والمواثيق بالسمع والطاعة له وترك الخلاف عليه. فصنعوا له تاجاً ووضعوه على رأسه. وهو أول من وضع التاج على رأسه. فاستوثق له الأمر وقام بأمر الناس وحسنت سيرته فيهم. وكانت مدة ملكه عليهم أربعين سنة. وكان ينزل إصطخر من ارض فارس حتى مات. واختلف في مقدار عمره، فقيل: إنه عاش ألف سنة، وقيل غير ذلك. والله تعالى أعلم.\rفلما مات قام بالأمر من بعده أوشهنج ابنه وقيل: أخوه، وقيل: أوشهنج ابن قيشداد بن كيومرث. وفي الناس من يزعم أنه أول ملك ملك من الفرس، وهو الذي جمع الأقاليم السبعة، ورتب الملك ونظم الأعمال، ولقب بقيشداد، وتفسيره بالعربية أول سيرة العدل. ويقال: إن أوشهنج هذا كان بعد الطوفان بمائتي سنة، وهو أول من قطع الحجر وبنى به، واستخرج المعادن، وبنى مدينتي بابل والسوس.\rوكان فاضلاً حسن السياسة محمود الأثر. قال: ونزل الهند وتنقل في البلاد وعقد التاج وجلس على السرير. وكان من حسن سياسته أنه نفى أهل الفساد والدعارة من البلدان وألجأهم إلى رءوس الجبال وجزائر البحر، واستخدم منهم من كان يصلح للخدمة وسماهم الشياطين والعفاريت، وقرب أهل الخبر والصلاح. وكانت مدة ملكه أربعين سنة.\rولما مات ملك طهمورث وقيل فيه طهورث بن أنوجهان بن أوشهنجن وقيل بل بينهما عدة آباء. قال: ولما ملك سار في الناس سيرة جده أوئهنج. وكان ينزل نيسابور. وقيل إنه الذي أنشأها ثم جددها بعد ذلك سابور. وقيل: إنه أول من كتب بالفارسية ونفى أهل الدعارة والشر واستقام له نظام الملك. قيل: وفي أيامه ظهر بوداسف الذي أحدث دين الصابئة. وكان ملكه ثمانين سنة. وقيل ثلاثين سنة.","part":4,"page":104},{"id":1605,"text":"ولما مات ملك بعده أخوه جمشيد، وتفسير شيد: الشعاع، سمى بذلك لوضاءة وجهه. قال: ولما ملك سيرة من تقدم وزاد عليها بأن صنف الناس وطبقهم ورتب منازل الكتاب وأمر لكل واحد وظيفة وأمره أن يلزمها. وعمل أربعة خواتيم: خاتماً للحرب والشرط وكتب عليه الأناة، وخاتماً للخراج وجباية الأموال وكتب عليه العمارة، وخاتماً للبريد وكتب عليه الوحا، وخاتماً للمظالم وكتب عليه العدل. فبقيت هذه الرسوم في ملوك الفرس إلى أن جاء الإسلام.\rوكان ملكه ستمائة سنة. وقيل سبعمائة سنة وستة أشهر. وقيل ألف سنة إلا عشر سنين. وفي أيامه أحدث النيروز وجعله عيداً، وأمر الناس أن يتنعموا فيه. ثم بدل سيرته بالجور بعد الإنصاف، والظلم بعد العدل، والإساءة بعد الإحسان، فثقلت وطأته على أناس. ثم أظهر الكبر على وزرائه وكتابه وقواده.\rثم انهمك على لذاته وترك مراعاة كثير من السياسة الملوكية التي جرت عادة الملك أ، يتولاها بنفسه. وقيل: إنه ادعى الإلهية فخرج عليه بيوارسب، وكان من جملة عماله، واستجلب الناس وجمعهم عليه واستصلحهم لنفسه، وقصد جمشيد يعد أن كثرت أتباعه وقويت شوكته، فهرب منه فاتبعه حتى أدركه وظفر به ونشره بمنشار.\rوملك بعد جمشيد بيوراسب؛ وهو الذي يسميه العرب الضحاك. قالوا: وهو بيوراسب بن أرونداسف بن بغلداس بن طوخ بن قروال بن ساعل بن فرس ابن كيومرث، وهو الدهاك، فعرب اسمه فقيل الضحاك. وقيل: انه ملك ألف سنة. وزعم أنه نمرود. وزعم قوم آخرون أنه كان من عمال بيوراسب على كثير من أعماله.\rقال: ولما ملك بيوراسب ظهر منه خبث شديد، وفجور كثير، وملك الأرض كلها، فسار فيها بالجور والعسف وسفك الدماء والصلب، وهول على الناس ومحا سيرة من تقدمه من الملوك، وسن الأعشار، واتخذ المالهي والغناء. وكان على منكبيه سلعتان يحركهما إذا شاء كما يحرك يده، فادعى أنهما حيتان تهويلاً على ضعفاء الناس. وقد تقدم ذكره في الباب الرابع من القسم الثالث من الفن الأول، وهو في السفر الأول من نسخة الأصل في أخبار أعياد الفرس، فلا حاجة إلى إعادة ما قدمنا ذكره من أمره.\rقال: ولما عم الناس جوره كان من سوء عاقبة ذلك أن ظهر بأصبهان رجل يقال له كابي من عوام الناس. ويقال: إنه كان حداداً. وكان الضحاك قتل لكابي ابنين، فبلغ به الجزع على ولديه عظيماً، فقام وأخذ عصا وعلق عليها جراباً وقيل: بل علق النطع الذي كان يشده على وسطه يتقي به النار إذا صنع الحدادة.\rوقيل: بل كان جلد أسد. وقيل: بل جلد نمر، ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب، فحمل الأنس ما كانوا فيه من البلاد إن اتبعوه وأطاعوه، فاستفحل أمره، وكثرت أتباعه، واجتمع عله أشراف الناس وأكابرهم؛ فقصد بيوارسب. فلما اشرف عليه هرب عن منازله، فجاء أشراف الناس إلى كابي الأصبهاني واجتمعوا عليه ليملكوه، فامتنع من ذلك وقال: إني لست من بيت الملك، ولكن التمسوا من هو من بيت الملك فنوليه علينا. وكان أفريذون بن أثفيان قد استخفى من الضحاك في بعض النواحي، فجاء إلى كابي الأصبهاني ففرح الناس به واستبشروا بمقدمه، وكان مرشحاً للملك فملكوه عليهم، صار كابي من جملة أعوان أفريدون.\rقال: وتفاءل الفرس وتبركوا بذلك العلم الذي كان قد رفعه كابي الأصبهاني وعظموه، ورصعوه بعد ذلك بالجواهر وسموه الدرفس وجعلوه علمهم الأكبر الذي يتبركون به، وهو الذي صار إلى المسلمين في وقعة القادسية. وكانت الفرس لا ينشرونه إلا في الأمور العظيمة.","part":4,"page":105},{"id":1606,"text":"قال: ولما هرب بيوراسب ملك بعده أفريذون؛ وهو التاسع من ولد جمشيد. قال: فأول ما بدا به أن اتبع بيوارسب فأدركه بدنباوند وقتله. وفي يوم قتله أحدث المهرجان على ما قدمناه. قال: ثم رد أفريذون مظالم الناس وأمر بالإنصاف وبسط العدل، ونظر إلى ما كان بيوارسب قد اغتصبه من أموال الناس وأملاكهم أراضيهم، فرد ذلك على أهله، وما لم يجد أهله وقفه على المساكين ومصالح العامة. وكان مؤثراً للعلم وأهله. وكان صاحب طب وفلسفة ونجوم. وزعن بعض الفرس أن بيوارسب الضحاك هو النمروذ، وأن أفريذون هو إبراهيم عليه السلام. قال: ودام ملكه خمسمائة سنة. وقال: هو أول من تسمى بكى، فكان يقال له: كي أفريذون، وهي كلمة يراد بها التنزيه؛ أي روحاني منزه متصل بالروحانية. وهو أول من ذلل الفيلة وقاتل بها الأعداء. قال: وكان لأفريذون ثلاثة أولاد وهم: سرم وقيل فيه سلم، وطوخ، وإيرخ وقيل فيه إيران؛ فخشي أفريذون ألا يتفقوا بعده وأن يبغي بعضهم على بعض، وظن أنه قسم الملك بينهم في حياته بقي الأمر بعده على انتظام واتساق فقسمه بينهم. فجعل الروم والشام وناحية المغرب لسرم. وجعل الترك والصين لطوخ. وجعل العراق والهند لإيرج، وهو صاحب التاج والسرير. ففي ذلك يقول شاعرهم:\rوقسمنا ملكنا في دهرنا ... قسمة اللحم على ظهر الوضم\rفجعلنا الروم والشام إلى ... مغرب الشمس إلى الملك سرم\rولطوخ جعل الترك له ... فبلاد الصين يحويها ابن عم\rولإيران جعلنا عنوة ... فارس الملك وفرنا بالنعم\rفلما مات أفريذون وثب طوخ وسرم بأخيهما إيران فقتلاه وملكا الأرض بينهما، ولذلك نشأت العداوة بين الترك والروم، وقامت الحروب، وطلب بعضهم بعضاً بالدماء. فكان من سوء عاقبة غدرهما بأخيهما وتغلبهما على ملكه أن نشأ ابن لإيران أفريذون يقال له منوجهر، وقيل اسمه منواشجهر، وقيل فيه منوشهر، فغلب على ملك أبيه إيران.\rوملك منوجهر بن إيران بلاد فارس، ثم نشا ابن لطوخ التركي فنفى منوجهر عن بلده وجرت بينهما حروب، ثم ظفر منوجهر وعاد إلى ملكه، ونفى ولد طوخ وقوى أره وظهر اسمه. وكان منوجهر موصوفاً بالعدل والإحسان في مملكته.\rويقال: إنه أول من خندق الخنادق، وجمع آلة الحرب، وأول من وضع الدهقنة، وجعل لكل قرية دهقاناً، وجعل أهلها عبيداً وخولا وألبسهم لباس المذلة. ولما قوي أمره سار نحو الترك وطلب بدم أبيه فقتل عميه اللذين قتلا أباه، وأدرك ثأره وانصرف إلى بلاده.\rثم نشأ فراسباب بن ترك من ولد طوخ بن أفريذون وإليه ينسب الترك، فحارب منوجهر وحاصره بطبرستان، ثم اصطلحا وضربا بينهما حداً لا يجاوزه واحد منهما، وهو نهر بلخ، فانقطعت الحرب بين فراسياب ومنوجهر. وكان لمنوجهر هذا خطب تدل على سداد رأيه، ووفور عقله، وجودة فهمه؛ قد ذكرنا بعضها في الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الثاني في وصايا الملوك. قال: وفي أيام منوجهر ظهر موسى بن عمران عليه السلام.\rقال: ولما مات منوجهر تغلب فراسياب على إقليم بابل اثنتي عشرة سنة، وأكثر الفساد، وخرب البلاد، وطم الأنهار ودفن القني، فقحط الناس إلى أن ظهر زوبن طهماسب فأخرجه عن بلاد فارس إلى تركستان.\rوملك زوبن طهماسب وقيل فيه: زاع، وقيل فيه: زاب، وقيل: راسب، وهو من أولاد منوجهر، وبينه وبين منوجهر عدة آباء. قال: ولما ملك ابتدأ في عمارة ما خربه فراسياب، وأمر ببناء ما هدم من الحصون، وحفر الأنهار والقنى، حتى عادت البلاد إلى أحسن ما كانت عليه، ووضع عن الناس الخراج سبع سنين، فعمرت البلاد في أيامه، ودرت معايش الناس، واحتفر بالسواد نهراً وسماه الزاب، وبنى على حافيته مدينة وهي التي تسمى المدينة العتيقة، وكورها كوراً وجعلها ثلاثة طساسيج: الزاب الأعلى، والزاب الأوسط، والزاب الأسفل، ونقل إليها بذور الرياحين، وأصول الأشجار.\rوزو هذا أول من اتخذ ألوان الطبيخ، وأنواع الأطعمة، وقسم الغنائم على جنوده. وكانت مدة ملكه ثلاث سنين.","part":4,"page":106},{"id":1607,"text":"ثم ملك بعده كرشاسب بن أسباس؛ وأمه من سبط يامين بن يعقوب عليه السلام. قال: وكان مسكنه ببابل. ومدة ملكه عشرون سنة. وبعض المؤرخين لم يذكره في الملوك. وقال الشيخ أبو علي أحمد بن محمد بن مسكويه في كتابه المترجم بتجارب الأمم: إن كرشاسب كان وزيراً لزوبن بن طهماسب، وأنه من أولاد طوخ ابن أفريذون. قال: وقد حكى أن زوا وكرشاسبا اشتركا في الملك. قال: والصحيح من أمره أنه كان وزيراً لزو ومعيناً له، والذي أثبت كرشاسب ففي الملوك الشيخ عبد الملك بن عبد الله بن عبدون الحضرمي الشلبي في كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرر، وقال: ولم يذكره بعض المؤرخين.\rثم ملك بعده كيقباذ بن زو؛ وقيل فيه: ابن زاب بن تور، وسلك سبيل أبيه فكور الكور، وبين حدودها، وأمر الناس بالعمارات، واخذ العشر من الغلات لأرزاق الجند. وكان حريصاً على العمارة، مانعاً لحوزته. والملوك الكيية من نسله. وكان بينه وبين الترك حروب كثيرة. وكانت إقامته في الحد الذي بين مملكة الفرس والترك بناحية بلخ. وكان ملكه مائة وعشرين سنة ثم مات.\rوملك بعده كيقابوس بن كينة بن كيقباذ الملك. قال: ولما ملك شدد على أعدائه، وقتل خلقاً كثيراً من عظماء البلاد وسكن بلخ، وولد له ابن لم ير مثله في عصره جمالاً وتمام خلقة، وسماه سياوخش وضمه إلى رستم الشديد بن دستان من ولد كرشاسب. وكان أصبهبذا بسجستان وما يليها من قبل كيقابوس وأمره بتربيته. فمضى به رستم إلى سجستان وتخير له الحواضن والمراضع إلى أن عقل، فجمع له المعلمين، ثم علمه الفروسية حتى فاق فيها، فقدم به على أبيه وهو كامل الصفات من العقل والأدب والفروسية، فامتحنه والده فوجده فوق ما يحب.\rقال: وكان لكيقابوس زوجة بارعة الجمال يقال إنها بنت فراسياب ملك الترك؛ ويقال: إنها ابنة ملك اليمن، فهويت سياوخش وهويها، ويقال: إنها كانت ساحرة فسحرته، وآل أمرهما إلى أن انكشف لأبيه كيقابوس واطلع على ما كان من أمر ابنه وزوجته، فأشفق سياوخش على نفسه وخشي عاقبة أبيه فتلطف في البعد عنه، فسأل رستم أن يشير على أبيه لإرساله لحرب فراسياب ملك الترك، وكان قد تجددت بين فراسياب وكيقابوس حشة، ففعل رستم ذلك وخاطب كيقابوس فيه واستأذن له في جند يضمهم إليه، فأذن له وضم إليه جنداً كثيفاً وأشخص سياوخش إلى بلاد الترك، فسار حتى التقى بفراسياب فانتظم الصلح بينهما من غير حرب، فكتب سياوخش إلى أبيه يخبره بما كان بينه وبين فراسياب من الصلح والاتفاق، فكتب إليه كيقابوس بإنكار ذلك عليه وأمره بمناهضته ومناجزته الحرب، فرأى سياوخش أنه إن فعل ما أمره به والده من الحرب ونقض الهدنة من غير سبب وقع يوجب نقضها، يكون ذلك عاراً عليه ومنقصة، فامتنع من إنفاذ أمر أبيه وأجمع رأيه على الهرب منه، فكتب إلى فراسياب ملك الترك يطلب منه الأمان لنفسه، وعرفه أنه آثر اللحاق به فأجابه إلى ذلك. وكان السفير بينهما أحد عظماء الترك وأكابرهم يسمى قيران. فلما استوثق سياوخش من ملك الترك سار نحوه وانصرف من كان معه من جند أبيه ورجعوا إليه. قال: ولما وصل سياوخش إلى راسياب ملك الترك أكرمه وعظمه وزوجه بابنته، وهي أم كيخسرو الذي ملك الفرس. ولم يزل على إكرامه إلى أن ظهر له من أدبه وحسن سياسته، وجميل تلطفه ما أشفق منه وخشي على ملكه لميل الناس إليه فقتله. وكانت ابنة الملك قد اشتملت من سياوخش على حمل، فقصد أن يسقطه وتحيلوا في ذلك فلم تسقط؛ ثم جاء قيران، وهو الذي كان السفير في الصلح بين الترك وسياوخس، وأنكر ما كان من فعل الملك وحذره عاقبة الغدر والطلب بالثأر، وأشار عليه أن يدفع ابنته زوجة سياوخش إليه لتكون عنده إلى أن تضع وقال: إذا أردت بعد ذلك قتل ولدها فاقتله؛ فأجابه الملك إلى ذلك وسلم إليه ابنته، فكانت عنده إلى أن وضعت كيخسرو؛ فلما وضعته امتنع قيران من قتله وستر أمره، فكان عند ثيران حتى بلغ، ثم احتال جده كيقابوس إلى أن أخرجه هو وأمه من بلاد الترك.","part":4,"page":107},{"id":1608,"text":"قال أبو علي أحمد بن مسكويه في كتابه المترجم بتجارب الأمم: وللفرس في أمر كيقابوس خرافات كثيرة منها: انهم يزعمون أن الشياطين مسخوه، وقوم منهم يزعمون أن سليمان بن داود عليهما السلام أمرهم بذلك في خرافات كثيرة ظاهرة الإحالة: من الصعود إلى السماء، وبناء مدينة كنكر بأسوار من ذهب وفضة وحديد ونحاس وانهار، وأنها ما بين السماء والأرض؛ وأشباه ذلك مما تحيله العقول السليمة؛ لأن ذلك في قدرة البشر.\rقال: ولما تم لكيقابوس أكثر ما كان يقصده سار من خراسان ونزل بابل وترك ما كان يتولاه ينفسه من السياسات، واحتجب عن الناس وتعاظم عليهم، وآثر الخلوة، فكان من عاقبة ذلك أن فسد عليه ملكه وغزته الملوك؛ فكان بعد ذلك يغزوهم فيظفر بهم مرة وينكب أخرى، إلى أن غزا بلاد اليمن، والملك بها يومئذ ذو الأذعار بن أبرهة بن ذي المنار. فلما أتاه كيقابوس خرج إليه ذو الأذعار في جموعه من حمير وولد قحطان، فظفر به ذو الأذعار وأسره واستباح عسكره وحبسه في بئر وأطبق عليه طبقاً، فخرج رستم الشيديد من سجستان في جموع كثيرة من الفرس؛ فالفر ستزعم أنه أوغل في بلاد اليمن واستخرج كيقابوس من محبسه، واليمن تقول غير ذلك، وأن ملكهم ذا الأذعار لما بلغه إقبال رستم خرج إليه في جموعه وجنود عظيمة، وخندق كل منهما على نفسه وعسكره، وانهما أشفقا على جنديهما من البوار، فاتفقا على أن دفع لهم ملك اليمن كيقابوس وانصرف رستم من غير حرب ورجع بكيقابوس إلى بابل، فكتب له كيقابوس كتاباً بالعتق وأقطعه سجستان. ونسخة الكتاب الذي كتبه: من كيقابوس بن كيقباذ إلى رستم. إني قد أعتقك من العبودية، وملكك بلاد سجستان، واجلس على سرير من فضة مموه بالذهب، والبس قلنسوة من الحرير منسوجة بالذهب متوجة. قال: ومما دل على صحة ما نقل من أمر كيقابوس قول الحسن بن هانئ:\rوقاظ قابوس في سلاسلنا ... سنين سبعاً وفت لحاسبها","part":4,"page":108},{"id":1609,"text":"ولما مات كيقابوس ملك بعده ولد ابنه كيخسور بن سياوخش بن كيقابوس. قال: ولما ملك عقد التاج على رأسه وخطب رعيته خطبة بليغة أعلمهم فيها أنه على الطلب بدم أبيه سياوخش قبل فراسياب ملك الترك، وكتب إلى جوذرز بأصبهان - وكان أصبهبذا على خراسان - يأمره بالمسير إليه، وأمره أن يعرض جنده وأن ينتخب ثلاثين ألف راجل ويضمهم إلى طوس بن نوذران وكان فيمن أشخص معه برزافره بن كيقاوس عم كيخسرو وابن جوذرز وجماعة من إخوته، وتقدم كيخسرو إلى طوس، وأمره أن يقصد فراسياب وطراختته وحذره من ناحية ببلاد الترك فيها أخ له من أبيه سياوخش يقال له فروذ، وكان قد رزقه من بعض نساء الأتراك، كان سياوخش قد تزوجها لما سار إلى فراسياب فولدت له فروذ، وأقام بموضعه إلى أن شب، فسار طوس وكان من غلطه الذي فعله أنه لما صار بالقرب من المدينة التي فيها فروذ حار به فقتل فروذ في الوقعة. فلما اتصل الخبر بكيخسرو غضب لذلك وشق عليه، فكتب إلى عمه برزافره ذلك كتاباً غليظاً يخبره بما ورد عليه من خبر طوس ومخالفته له ومحاربته لأخيه فروذ وقتله إياه، وأمره بإشخاص طوس إليه مقيداً مغلولاً، وان يتقدم هو على العسكر ويتوجه. ففعل برزافره ذلك وتولى أمر العسكر، وسار وعبر النهر المعروف بكاشرود، وانتهى خبره إلى فراسياب فوجه للقائه وحربه جماعة من إخوته وطراختنه، فالتقوا وفيهم قيران وإخوته، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وظهر من برزافره عم كيخسرو في ذلك اليوم فشل لما اشتدت الحرب، فهرب وانحاز بالعلم إلى رءوس الجبال، واضطرب على ولد جوذرز الأمر، فقتل منهم في تلك الملحمة في وقعة واحدة وسبعون رجلاً، وقتل خلق كثير، وانصرف برزافره ومن أفلت معه إلى كيخسرو، فرئيت الكآبة في وجهه وامتنع عن الطعام والشراب أياماً، ثم أتاه جوذرز وشكا إليه عمه برزافره وأنه كان سبب الهزيمة، لاطفه كيخسرو وقال: إن حقك لازم لنا لخدمتك إيانا، وهذا جندنا وخزائننا مبذولة لك فاطلب ترتك واستعد وتجهز للتوجه إلى فراسياب. فنهض جوذرز وقبل يده وقال: نحن رعيتك وعبيدك أيها الملك، فإن كانت آفة أو نازلة فلتكن بالعبيد دون الملوك، وأولادي الذين قتلوا فداؤك، ونحن من وراء الانتقام من فراسياب والاستيفاء من الترك. فكتب كيخسرو إلى وجوه عساكره وأكابر أجناده يأمرهم بموافاته في صحراء تعرف بشاه أسطون من كورة بلخ في وقت وقته لهم، فوافوه في ذلك الوقت، وشخص كيخسرو بأصبهبذيته وأصحابهم وفيهم برزافره عمه وجوذرز وولده، فعرض كيخسرو الجند بنفسه حتى عرف عدتهم واطلع على أحوالهم، ثم أحضر جوذرز وثلاثة نفر معه من القواد فأعلمهم أنه يريد إدخال العساكر على الترك من أربعة وجوه ليحيطوا بهم من جميع جهاتهم، وقود على تلك العساكر، وجعل أعظمها إلى جوذرز، ودفع إليه يومئذ درفس كابيان، ولم يكن يدفع قبل ذلك لأحد من القواد، بل مع أولاد الملوك.\rقال: وأمر أحد القواد بالدخول مما يلي الصين وضم إليه ثلاثين ألف رجل، وأمرهم بالدخول من ناحية الخزر من طريق بين جوذرز وبين الذي دخل من طريق الصين، ودخل جوذرز من ناحية خراسان وبدا بقيروان والتحمت بينهما الحرب واشتد القتال، فقتل جوذرز أخا لقيران، ثم قتل قيبران مبارزة، ثم قصد فراسياب والتحمت عليه العساكر من كل جهة، واتبع كيخسرو القوم بنفسه وقصد الوجه الذي كان فيه جوذرز، وقد أثخن في القتل وقتل اصبهبنذ فراسياب والمرشح للملك بعده، وجماعة كثيرة من إخوته وأولاده، وأسر برويز وهو الذي قتل سياوخش.","part":4,"page":109},{"id":1610,"text":"قال: ولما جاء كيخسرو وجد جوذرز قد أحصى الأسرى والقتلى وما غنم من الكراع والأموال، فوجد ما في يده من الأسرى ثلاثين ألفاً، ومن القتلى خمسمائة ألف ونيفاً وستين ألفاً على ما تزعم الفرس، وحاز من الكراع والأموال مالا يحصى كثرة، وأمر كل واحد من الوجوه الذين كانوا معه أن يجعل أسيره ورأس قتيله عند علمه لينظر إلى ذلك كيخسرو عند موافاته. فلما وافى كيخسرو موضع الملحمة تلقاه جوذرز وعرض عليه الأسرى والقتلى، فرأى قيران قتيلاً، وأتى بقاتل أبيه الذي مثل به بعد قتله. فقتله كيخسرو شر قتلة؛ قطعه عضواً عضواً ثم ذبحه، وأحسن صلة جوذرز وفوض الوزارة التي يقال لها بزر جفر مذار وجعل إليه مع ذلك أصبهان وجرجان، وأحسن لكل من أبلى من قواده ورجاله، ثم أتته أخبار قواده الثلاثة أنهم قد أحاطوا بفراسياب، وبرز فراسياب ومن بقي من ولده وعساكره وتوجه نحو كيخسرو بجيوش عظيمة، فيقال إن كيخسرو أشفق منه وهابه حتى ظن أنه لا قبل له به، ودام القتال بين العسكرين أربعة أيام، فقتل شيده مقدم عسكر فراسياب، وكانت هذه الحرب معه، ثم أقبل فراسياب في جمع عظيم من الأتراك والتقى هو وكيخسرو ونشبت بينهما حروب عظيمة يقال إنه لم ير مثلها قبلها قط على وجه الأرض، فكانت الدائرة على الترك، وانهزم فراسياب وكثر القتل في أصحابه وأتبعه كيخسرو حتى أدركه بأذربيجان فظفر به واستوثق منه بالحديد ووبخه على ما كان منه من قتل سياوخش، فلم يكن له حجة، فذبحه ثم انصرف. وقد غنم غنائم عظيمة لا تحصى وأدرك بثأره.\rقال: ولما فرغ كيخسرو من أمر الترك ورجع إلى بلاده واستقر بدار ملكه زهد في الملك وتنسك، وأعلم وجوه أهل بيته وأكبر مملكته أنه قد عزم على التخلي والانفراد وترك الملك، فجزعوا من ذلك وسألوه ألا يفعل، فأبى عليهم. فلما أيسوا منه سألوه أن ينصب في الملك من يراه له أهلاً، فأشار بيده إلى لهراسف وأعلمهم أنه خاصته ووصيته، فقبل لهراسف ذلك وأقبل الناس عليه. وفقد كيخسرو. فمنهم من يقول: إنه غاب للتنسك، وبعضهم يقول غير ذلك، إلا أنه لم تعلم جهة وفاته. قال: وكان ملكه ستين سنة. قال: وفي أيام ملكه كان سليمان بن داود عليه السلام.\rثم ملك بعده لهراسف؛ وقيل فيه بهراسف بن تنوفي بن كيمش وهو ابن أخي كيقابوس ويلقب بكى لهراسف. قال: ولما ملك اتخذ سريراً من ذهب مكللاً بالجوهر للجلوس عليه، وبنيت له بأرض خراسان مدينة، وسماها بلخ الحسناء.\rقال: وهو أول من دون الدواوين، وقوى ملكه بانتخاب الجنود، وعمر الأرض. وكانت شوكة الأتراك اشتدت في زمانه، فنزل بلخ لمقاتلتهم، ووجه بختنصر أصبهبذاً ما بين الأهواز إلى أرض الروم، من غربي الفرات. وسنذكر أخباره إذا انتهت أخبار لهراسف.\rقال: وكان لهراسف بعيد الهمة، طويل الفكرة، شديد القمع للملوك المحيطة لإيران شهر. وكانت ملوك الروم والمغرب والهند يؤدون إليه إتاوة معلومة في كل سنة، ويقرون له أنه ملك الملوك هيبة له، واستمر في الملك إلى أن كبرت سنه وأحس بالضعف فاعتزل الملك ونصب ابنه بشتاسب. وكان ملكه فيما ذكر مائة وعشرين سنة.\rأخبار بختنصر","part":4,"page":110},{"id":1611,"text":"ويقال في اسمه بالفارسية بخترشه، وكان مرزبانا ببهراسف، ومعنى الورزبان أنه ملك على ربع من أرباع المملكة. وقد قدمنا أن الملك لهراسف كان قد جعله أصبهبذا ما بين الأهواز إلى أرض الروم. قال: فسار حتى أتى دمشق فصالحه أهلها، ووجه قائداً له فأتى بيت المقدس فصالح ملك بني إسرائيل، وهو رجل من بني داود النبي عليه السلام، وأخذ منه رهائن وانصرف. فلما بلغ طبرية وثب بنو إسرائيل على ملكهم فقتلوه وقالوا له: إنك هادنتن أهل الكفر وخذلتنا واستعدوا للقتال؛ فكان عاقبة ذلك أن قائد بختنصر - لما بلغه ما كان من بني إسرائيل - كتب إليه يخبره بقتلهم ملكهم، فأجابه بختنصر أن يقيم بموضعه حتى يوافيه، وأمره بضرب أعناق الرهائن الذين معه. وسار بختنصر حتى أتى بيت المقدس فأخذ المدينة عنوة وقتل المقاتلة وسبي الذرية وهرب الباقون إلى مصر، فكتب بختنصر إلى ملك مصر: أن عبيدا لي هربوا مني إليك فسرحهم إلي وإلا غزوتك وأوطأت خيلي بلادك، فكتب إليه ملك مصر: إنهم ليسوا عبيدك، ولكنهم الأحرار أبناء الأحرار، وامتنع من إنفاذهم إليه، فغزاه بختنصر وقتله وسبى أهل مصر، ثم سار في أرض المغرب حتى بلغ أقصى نواحيها. قال صاحب كتاب تجارب الأمم: وقد حكى أهل التوراة وغيرهم في أمر بختنصر أقوالاً مختلفة، فذكروا منها: أن بختنصر لما خرب بيت المقدس أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه تراباً ثم يقذفه في بيت المقدس، فقذفوا فيه من التراب ما ملأه. قال: ولما انصرف إلى بابل اجتمع معه سبايا بيت المقدس من بني إسرائيل وغيرهم، فاختار منهم سبعين ألف صبي، فلما فرق الغنائم على جنوده سألوه أن يقسم فيهم الصبيان، فقسمهم في الملوك منهم، فأصاب كل رجل منهم أربعة، وكان من أولئك الغلمة الذين سباهم، دانيال النبي وحنين ومنشايل، وسبعة آلاف من أهل بيت داود، وأحد عشر ألفاً من سبط بشر بن يعقوب. ثم غزا بختنصر العرب، وذلك في زمن معد بن عدنان.\rقال: وكانت مدة غلبة بختنصر إلى أن مات أربعين سنة، ثم قام ابن له يقال له أونمروذ ثم هلك، وملك مكانه ابن له يقال له بلتنصر، وذلك في زمن بهمن، فلم يرض بهمن أمره فعزله وملك مكانه كيرش، وتقدم إليه بهمن أن يرفق ببني إسرائيل ويمكنهم من النزول حيث سألوا، أو الرجوع إلى أرضهم، وأن يولي عليهم من يختارونه، فاختاروا دانيال فولاه أمرهم. فكانت مدة خراب بيت المقدس سبعين سنة. وقيل غير ذلك. ولنرجع إلى أخبار الفرس.\rولما اعتزل لهراسف الملك كما ذكرناه ملك بعده كي بشتاسف بن كي لهراسف. قال: ولما ملك بنى مدينة فسا، وهو أول من بسط دواوين الكتاب لا سيما ديوان الرسائل. وكان له ديوانان أحدهما: ديوان الخراج، والآخر ديوان النفقات، فكل ما يرد فإلى ديوان الخراج، وكل ما يصرف فمن ديوان النفقات. وكان له كاتب موكل بدار المملكة، فإن وقع تقصير بأحد في منزلته، أو حط من ردجته رجع إلى ذلك الكاتب ليبين له حال مرتبته فيجري على رسمه وعادته.\rوفي أيامه ظهر زرادشت بعد ثلاثين سنة من ملكه فادعى النبوة فأراده على قبول دينه فامتنع من ذلك ثم صدقه وقبل دعواه، وأتاه بكتاب يكتب في جلد اثنتي عشرة ألف بقرة حفرا في الجلود ونقشا بالذهب، فصير بشتاسف ذلك الكتاب بإصطخر ووكل به الهرابذة، ومنع من تعليمه العامة. وبنى ببلاد الهند بيوتاً للنيران، وتنسك واشتغل بالعبادة، وهادن كي خرزاسف بن كي سواسف ابن أخي فراسياب ملك الترك على ضروب من الصلح، وفي جملة شريطة الصلح ألا يكون ببلاد خرزاسف دابة موقوفة في منزلة الدواب التي تكون على أبواب الملوك، وغير ذلك مما وقعت عليه المهادنة. فأشار زرادشت على بشتاسف بنقض الهدنة ومفاسدة ملك الترك، فبلغ ملك الترك ذلك، فغضب وكتب إليه كتاباً غليظاً من جملته أن يوجه إليه زرادشت، وأقسم إن امتنع أن يغزوه حتى يسفك دمه ودماء أهل بيته؛ فأجابه بشتاسف بجواب أغلظ من كتابه وآذنه بالحرب وأعلمه أنه غير ممسك عنه إن أمسك هو. فسار كل منهما إلى الآخر، ومع كل واحد منهما إخوته وأهل بيته، والتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فكانت الدائرة على الترك، وقتل اسفنديار بن بشتاسف بيدرفش الساحر مبارزة؛ وقتلت الترك قتلاً ذريعاً، وهرب ملكهم خرزاسف ورجع بشتاسف إلى بلخ.","part":4,"page":111},{"id":1612,"text":"قال: فلما مضت لتلك الحرب سنون سعى رجل يقال فروخ بإسفنديار إلى بشتاسف ونسبه أنه تطاول للملك، وزعم أنه أحق به، فأفسد بذلك قلب بشتاسف عليه، وصدق مقالة فروخ، فأخذ في التدبير على إسفنديار وجعل يرسله إلى حرب بعد حرب، وهو يظفر وينجح ويرجع بالغنائم، ثم أمر بتقييده فقيد، وصيره في الحبس في حصن من حصونه، وسار بشتاسف إلى جبل يقال له طميدر لدراسة دينه والتنسك هناك، وخلف أباه لهراسف في مدينة بلخ، وقد كبرت سنة وهرم وعجز.\rقال: فاتصل هذا الخبر بخرزاسف ملك الترك، فجمع من الجنود ما لا يحصى كثرة، وشخص من بلاده نحو بلخ حتى إذا انتهى إلى تخوم ملك فارس قدم أمامه جوهر مز أخيه، وكان مرشحاً للملك، في جماعة كثيرة من المقاتلة، وأمرهم أن يغذوا السير حتى يتوسطوا المملكة، ثم يواقعوا بأهلها ويشنوا الغارة على المدن والقرى. ففعل جوهرمز ذلك وسفك الدماء واستباح الحرم، وسبى ما لا يحصى، وأتبعه خرزاسف ملك الترك حتى انتهى إلى مدينة بلخ، فاحرق الدواوين وقتل لهراسف والهرابذة، وهدم بيوت النيران، واستولى على الأموال والكنوز، وسبى ابنتين لبشتاسف وأخذ درفس كابيان، وسار في طلب بشتاسف فتحصن منه في جبل طميدر؛ فعند ذلك ندم بشتاسف على ما كان منه في حق ابنه إسفنديار؛ فيقال: إنه وجه من استخرجه من محبسه، وجاءه به؛ فلما دخل عليه اعتذر منه ووعده عقد التاج على رأسه، وأن يفعل معه كما فعل لهراسف به. وقلده أمر عساكره وندبه لحرب ملك الترك. فطابت نفس إسفنديار بكلام أبيه له، وتأهب لوقته، وسار بالجنود صبيحة النهار نحو الترك. فلما قرب منهم تبادروا بحربه؛ فكان ممن خرج إليه منهم جوهرمز واندرمان، فالتقوا والتحمت بينهم الحرب، فانقض إسفنديار على عساكر الترك بنفسه واختلط بهم، وقاتل حتى ثلم فيهم ثلمة عظيمة، وفشا في الترك أن إسفنديار قد أطلق من محبسه، وأنه الذي يقاتلهم، فانهزموا لا يلوون على شيء. واسترجع إسفنديار من الترك الدرفس وعاد إلى أبيه، فاستبشر وأمره باتباع القوم وقتال خرزاسف وقتله - إن ظفر به - بجده لهراسف، وقتل جوهرمز واندرمان بمن قتل من ولده، وأن يهدم حصون الترك ويحرق مدنهم ويقتل أهلها بمن قتلوا من أهل بلاده، ويستنقذ من سبوه من بناته. فدخل إسفنديار بلاد الترك ورام مل لم يرمه أحد قبله، واعترض العنقاء ورماها على ما يزعم الفرس، ودخل مدينة الصفر عنوة، وقتل ملكها وأخوته ومقاتلته، واستباح أمواله وسبى ذراريه ونساءه واستنقذ أختيه، وكتب بالفتح إلى أبيه. ولم يستقل إسفنديار هذا بالملك.\rوالذي ملك الفرس بعد بشتاسف أردشيربهمن بن إسفنديار بن بشتاسف. وتفسير بهمن بالعربية: الحسن النية.\rقال: ولما ملك أردشير انبسطت يده وتناول الممالك حتى ملك الأقاليم. وكانت ملوك الأرض تحمل إليه الإتاوة، وابتنى بالسواد مدينة وهي المعروفة بهيمنيا، وهو أبو دارا الأكبر، وأبو ساسان. قال: وكان بهمن كريماً متواضعاً. وكانت تخرج كتبه: من اردشير بهمن عبد الله وخادم الله والسائس لأمركم. ويقال: إنه غزا رومية الداخلة في ألف ألف مقاتل. ومن المؤرخين من ذهب إلى أن بهمن هذا هو الذي جهز بختنصر لغزو العرب وغيرهم. وكانت مدة ملك أردشير مائة واثنتي عشرة سنة.\rولما مات ملكت بعده ابنته جماز هرازاد، وهي جماني أم ابنه دارا. قال: وكانت قد حملت منه بدارا الأكبر وسألته أن يعقد التاج للذي في بطنها ويؤثره بالملك، ففعل أردشير ذلك. وكان ابنه ساسان يتصنع للملك ولا يشك أنه يكون هو الملك بعد أبيه. فلما رأى ما فعل أبوه شق ذلك عليه، فلحق بإصطخر وتزهد، وخرج عن حلية الملوك، واتخذ غنيمة وكان يتولاها بنفسه، فاستشنع الناس ذلك من فعله وقالوا: صار ساسان راعياً؛ ولم تزل جماني قائمة بأمر الملك، ضابطة له، وأغزت الروم جيشاً بعد جيش وأوتيت ظفراً، فقمعت الأعداء وشغلتهم من التطرق إلى شيء من بالدها، ونال رعيتها بتدبيرها رفاهية وأمن إلى أن كبر ابنها.\rفملك دارا بن أردشير بهمن. قال: ولما كبر حول للتاج إلى رأسه ونزل بابل. وكان ضابطاً لملكه، قاهراً لمن حوله من الملوك، يؤدون إليه الخراج. وابتنى بفارس مدينة وسماها دارا بجرد. ورتب دواب البريد. وكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة.","part":4,"page":112},{"id":1613,"text":"وملك بعده ابنه دارا ابن دارا بن أردشير، وكان دارا هذا حقوداً جباراً، فمله قومه، وغزاه الإسكندر بن فيلبس اليوناني، والتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل دارا بن دارا. وسنذكر خبر مقتله في أخبار الإسكندر.\rفهؤلاء ملوك الفرس الأول. ثم تبدد ملك الفرس وانتثر لقتل دارا بن دارا، واستقل الإسكندر بالملك. وملك بعده من نذكره من ملوك اليونان، وتفرق ملك الفرس أربعمائة سنة إلى أن عاد إلى بني ساسان، وهأنا ذاكر خبر موك الوائف ما بين دارا بن دارا وأردشير بن بابك.\rملوك الطوائف\rوملوك الطوائف هم الذين ملكوا بلاد فارس ما بين دارا بن دارا وأردشير ابن بابك الذي جمع ملك الفرس بعد تبدده، ونظمه بعد انتثاره. وكان من خبرهم أن الإسكندر لما قتل دارا بن دارا وغلب على بلاد الفرس هم بقتل أكابرهم، فكتب إلى معلمه أرسطاطاليس يستشيره في ذلك، فنهاه عن قتلهم وقال: هذا من الفساد في الأرض، وإذا قتلتهم أنبتت أرض بابل أمثالهم؛ وأشار عليه أن يفرق المملكة بين أولاد الملوك، فإنهم يتنافسون الملك فلا يجتمعون على ملك واحد منهم، فمتى خالفك واحد كانت مؤنته عليك خفيفة؛ ففعل ذلك، وفرق الملك حتى أمكنه أن يتجاوز أرض فارس إلى بلاد الهند والصين. فكانت ملوك الطوائف في إقليم بابل لا يدين بعضهم إلى بعض.\rفكان من ملوكهم الذين ملكهم الإسكندر: أشك بن دارا الأكبر؛ فقوى أشك هذا وعظمته الملوك وقدموه على أنفسهم، وبدأوا به في كتبهم إليه إجلالاً له، وبدأ في كتبه إليهم بنفسه، وسموه ملكاً، وأهدوا إليه من غير أن يطيعوه أو يستعمل أحداً منهم أو يعزله، وكثرت جموعه إلى أنطيخس، وكان مقينماً بسواد العراق من قبل الروم، وتقدم أنطيخس إليه والتقيا ببلاد الموصل واقتتلا فقتل أنطيخس وغلب أشك على السواد، وصار في يده من الموصل إلى الري وأصفهان، ولذلك عظمته ملوك الطوائف.\rثم ملك جوذرز بن أشكان. وهو الذي غزا بني إسرائيل المرة الثانية؛ وذلك بعد قتلهم يحيى بن زكرياء عليهما السلام، فسلطه الله تعالى عليهم فأكثر فيهم القتل فلم يعد لهم جماعة بعد ذلك، ورفع الله عنهم وانزل بهم الذل.\rوكان من سنة الفرس بعد الإسكندر أن يخضعوا لمن ملك بلاد الجبل، وهم الأشغانية؛ فأولهم أشك بن أشكان، ثم سابور بن أشكان، وفي أيامه ظهر المسيح عيسى بن مريم عليه السلام بأرض فلسطين. ثم ملك جوذرزبن أشغانان الأكبر. ثم ملك بيزن الأشغاني. ثم ملك جوذرز الأشغاني. ثم نرسي الأشغاني. ثم هرز. ثم أردوان الأشغاني. ثم كسرى الأشغاني. ثم بلاش الأشغاني. ثم أردوان الأصغر الأغاني. ثم أدرشير بن بابل. فكانت مدة هؤلاء، إلى أن وثب أردشير بن بابك على الأردوان فقتله، مائتين وستاً وستين سنة.\rوفي أيام ملوك الطوائف اصطلمت طسم وجديس. وسنذكر إن شاء الله خبرهم.\rالملوك الساسانية","part":4,"page":113},{"id":1614,"text":"وهم الفرس الأخر. وألو من ملك منهم أردشير بن بابك بن ساسان الأصغر. وكان من أعظم ملوك الطوائف وملوك الأشغانية، فوثب بالأردوان وقتله واستولى على الممالك وقاد الملوك إلى طاعته رغبة ورهبة. وكتب إلى ملوك الطوائف يدعوهم إلى الاجتماع إليه: بسم الله ولي الرحمة. من أردشير المستأثر دونه بحقه المغلوب على تراث آيائه، الداعي إلى قوام دين الله وسنته، المستنصر بالله، الذي وعد المحقين الفلح، وجعل لهم العواقب؛ إلى من بلغه كتابي هذا من ملوك الطوائف. سلام عليكم بقدر ما تستوجبون بمعرفة الحق، وإنكار الباطل والجور. ودعاهم إلى الطاعة: فمنهم من أقر له بالطاعة، ومنهم من تربص حتى قدم عليه، ومنهم من عصاه فكانت عاقبة أمره إلى القتل والهلاك؛ حتى استوثق له الأمر. فكانت طائفة الأشكانية ممن امتنعت من طاعة أردشير، فاقسم أنه لا يبقى منهم - إن قدر عليهم - رجلاً ولا امرأة. فلما غلب عليهم ما نجا منهم إلا من أخفى اسمه ونسبه. وقد كان أخذ في جملة من أخذ منهم ابنة ملكهم، وكانت بارعة الجمال، وافرة العقل. فلما رآها قال لها: أنت من بنات ملوكهم؟ قالت: بل من خدمهم. فاصطفاها لنفسه، فحملت منه. فلما علمت بالحمل شهرت نفسها وقالت: أنا ابنة ملكهم. فعند ذلك أمر شيخاً من رجاله الذين يثق لهم يقال له هرجند بن سام بأن يودعها في بطن الأرض إشارة إلى قتلها. فقالت: أيها الشيخ، إنني قد حملت من الملك فلا تبطل زرعه، فعمل لها سرباً تحت الأرض وجعلها فيه، ثم عمد إلى مذاكيره فجبها ووضعها في حق وختم عليه ورجع إلى الملك وقال: قد أودعتها بطن الأرض؛ ودفع له الحق وقال: إن فيه وديعة وأحب أن يكون عند الملك إلى أن أحتاج إليه، فاستودعه الملك؛ وأقامت الجارية في السرب حتى كملت مدة حملها، فوضعت غلاماً فسماه الشيخ: شاه بور، أي ولد الملك؛ فسماه الناس سابور. وبقي أردشير هذا دهراً لا يولد له، فرآه الشيخ في بعض الأيام وقد ظهر عليه الحزن، وكان خاصاً به، فقال له: ما هذا الحزن سرك الله أيها الملك وعمرك.\rفقال: من أجل أنه ليس لي ولد يرث ملكي. فقال له الشيخ: إن لك عندي ولداً طيباً فادع بالحق. وأمر أردشير بإحضاره فأحضر، ففض ختمه فإذا فيه مذاكير الشيخ وكتاب فيه: إنه لما أمرني الملك بقتل المرأة الأشكانية التي علقت من ملك الملوك أردشير لم أر أن أبطل زرع الملك الطيب فأودعتها بطن الأرض كما أمرني، وتبرات إليه من نفسي لئلا يجد عائب إلى عيبها سبيلاً؛ فسر أردشير بذلك، وأمر الشيخ أن يجعل الغلام بين مائة غلام من أشباهه في الهيئة وأقرانه في السن، ثم يدخلهم عليه، فعل ذلك، فعرفه أردشير من بينهم وقبلته نفسه، ثم أمرهم أن يلعبوا في حجرة الإيوان بالصوالج، فدخلت الأكرة الإيوان، فأحجم الغلمان عن دخولهم وأقدم سابور، فأمر أردشير عند ذلك بعقد التاج له.\rوكان اردشير من أهل العقل والمعرفة وحسن التدبير، وله وصايا ومكاتبات صدرت عنه تدل على حكمة ورجاحة عقل. وقد تقدم إيرادها في الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الثاني في وصايا الملوك. وكانت مدة ملكه أربع عشرة سنة وستة اشهر.\rثم ملك بعده ابنه سابور بن أردشير؛ والعرب تسميه سابور الجنود. وسابور هذا هو الذي حصر الضيزن، وملك الحضر، وهو من مباني العرب المشهورة. وقد تقدم ذكره في الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الأول هو في السفر الأول. فلا حاجة إلى إعادة ذكره.\rوفي أيامه ظهر ماني الزنديق تلميذ قاردون وقال بالاثنين، فرجع سابور إلى مذهب ماني والقول بالنور والبراءة من الظلمة، ثم عاد إلى دين المجوسية وترك المانوية، وهو المسمى عندهم بدين الثنوية. وكانت مدة ملكه ثلاثين سنة. وقيل إحدى وثلاثين سنة ونصف سنة وثمانية عشر يوماً.\rثم ملك ابنه هرمز بن سابور؛ وهو الذي يدعى هرمز البطل، ويلقب أيضاً بالجرئ. وبنى رامهرمز بين كور الأهواز. وكانت مدة ملكه سنة وعشرة اشهر.\rثم ملك ابنه بهرام بن هرمز. قال: ولما ملك جاءه ماني الزنديق فعرض عليه مذاهب الثنوية فأجابه إلى ذلك احتيالاً منه عليه، إلى أن أحضر له دعاته المتفرقين في البلاد الذين يدعون الناس إلى مذاهب الثنوية. فلما أحضرهم إليه قتلهم وقتل ماني وسلخه.","part":4,"page":114},{"id":1615,"text":"وفي أيام ماني هذا ظهر اسم الزنادقة الذين أضيفتع إليهم الزندقة. وذلك أن الفرس كان لهم كتاب يسمونه السنا، وكان له شرح يسمى الزند. فكان من أتاهم بزيادة على ما في كتابهم زنديا. فلما جاءت العرب أخذت هذا المعنى من الفرس فعربته وقالت زنديق. فالثنوية هم الزنادقة، فألحق هذا السام بسائر من اعتقد القدم وأبى حدوث العالم وأنكر البعث.\rوالذي أتى الفرس بهذا الكتاب زرادشت في زمن الفرس الأول. وقد قدمنا ذكره في أخبار بشتاسف. وهذا زرادشت هو الذي تزعم المجوس أنه نبيها الذي أرسل إليها. وكان زرادشت خادم شعيا فدعا شعيا عليه فبرص. وكان صاحب نيرجات وسحر. وكان يحرز بعض الكوائن قبل أن تقع مما كان قد سمعه من شعيا وقت خدمته له، وادعى النبوة في المجوس وعمل لهم الكتاب الذي قدمنا ذكره، وزعم أنه أنزل عليه من السماء، وجعل كلامه فيه يدور على نيف وسبعين حرفاً، فلم يقدر أحد منهم على قراءته فاختصره لهم وسمى مختصره الزند.\rفلما قام ماني بدين الثنوية سمته المجوس زندين وسموا أصحابه الزنادنة لأنه زاد في شرعهم الذي شرعه لهم زرادشت، فقتل بهرام هذا مانياً وصلبه على باب من أبواب مدينة من مدنه بالعراق؛ فيدعى ذلك الباب إلى آخر وقت باب ماني، وكانت مدة ملك بهرام ثلاثاً وثلاثين سنة وثلاثة اشهر.\rثم ملك بعده ابنه بهرام بن بهرام. قال: ولما ملك أقبل في أول ملكه على اللهو والصيد والنزه، وترك ملكه لا يفكر فيه ولا في رعيته، فخربت البلاد ونقصت بيوت الأموال. فلما كان في بعض الأحيان ركب إلى بعض متنزهاته وصيده فجنه الليل وهو يسير نحو المدائن، وكانت ليلة قمراء. فدعا بالموبذ لأمر خطر بباله، والموبذ عند المجوس كالقسيس عند النصارى، فجعل يحادثه فتوسطا في مسيرهم بين خرابات كانت من أمهات الضياع فخربت في ملكه، وإذا بوم يصيح وآخر يجاوبه، فقال الملك: أترى أحداً من الناس أعطي فهم ما يقول هذا الطائر؟ فقال الموبذ: أنا أيها الملك ممن خصه الله تعالى بذلك. قال: فما يقول هذا الطائر، وما يقول الآخر؟ فقال الموبذ: هذا بوم ذكر يخاطب بومة أنثى ويقول: متعيني من نفسك حتى يخرج من بيننا أولاد يسبحون الله تعالى. فأجابته البومة: إن الذي دعوتني إليه هو الحظ الأكبر، والنصيب الأوفر، إلا أنني أشترط عليك شرائط. فقال: وما هي؟ فقالت: أن تقطعني من خرابات أمهات الديار عشرين قرية مما خربت في أيام هذا الملك السعيد. فقال له الملك: فما الذي قال الذكر؟ قال الموبذ: كان من قوله لها: إن دامت أيام هذا الملك السعيد أقطعتك منها ألف قرية، فما تصنعين بها؟ قالت: في اجتماعنا ظهور النسل وكثرة الولد، فنقطع كل واحد من الأولاد ضيعة. فقال الذكر: هذا سهل ما حيي الملك.\rفلما سمع الملك هذا الكلام من الموبذ عمل في نفسه وفكر فيما خوطب به، فنزل من ساعته وخلا بالموبذ وقال له: ما هذا الكلام الذي خاطبتني به؟ فقد حركت مني ما كان ساكناً. فقال: صادفت من الملك وقت سعد بالعباد والبلاد، فجعلت الكلام مثلاً وموقظاً على لسان الطائر عند سؤال الملك إياي. فقال له الملك: أيها الناصح للملك، المنبه على ما أغفله من أمور ملكه، وأضاعه من أمور بلاده ورعيته، اكشف لي عن هذا الغرض ما المراد منه. فقال له: أيها الملك! إن الملك لا يتم إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته، ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عز للملك إلا بالرجال، ولا قيام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل للمال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل، والعدل هو الميزان المنصوب بين البرية، نصبه الرب وجعل له قيماً وهو الملك.","part":4,"page":115},{"id":1616,"text":"قال: أما ما وصفت فحق، فأبن لي عما إليه تقصد، وأوضح لي في البيان. قال: نعم أيها الملك! عمدت إلى الضياع فأقطعتها الخدم وأهل البطالة فعمدوا إلى ما تعجل من غلاتها فاستعجلوا المنفعة وتركوا العمارة والنظر في العواقب وما يصلح الضياع، وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك، ووقع الحيف على الرعية وعمار الضياع فانجلوا عن ضياعهم، وقلت الأموال، وهلكت الجند والرعية، وطمع في ملك فارس من طمع فيه من الملوك والأمم، لعلمهم بانقطاع المواد التي بها تستقيم دعائم الملك. فلما سمع الملك ذلك أقام في موضعه ثلاثة أيام، وأحضر الوزراء والكتاب وأرباب الدواوين، فانتزعت الضياع من أيدي الخاصة والحاشية وردت إلى أربابها، وحملوا على رسومهم السالفة، وأخذوا بالعمارة، وقوى نم ضعف منهم، وعمرت البلاد، وكثرت الأموال، وقويت الجند، وانتظم ملكه حتى كانت أيامه تدعى بالأعياد، لما عم الناس من الخصب، وشملهم من العدل. وكان ملكه سبع عشرة سنة.\rثم ملك ابنه بهرام بن بهرام بن بهرام البطل، وكان يدعى شكان شاه، وهو الذي يقال له شاهنشاه. فكان ملكه أربعين سنة وأربعة اشهر.\rثم ملك بعده أخوه نرسي بن بهرام الثاني فكان ملكه تسع سنين. وقيل سبع سنين وخمسة اشهر.\rثم ملك بعده ابنه هرمز بن نرسي. قال: فظاً إلا أنه كان يرفق بالرعية، وكان حسن السيرة فيهم. وكان ملكه سبع سنين وخمسة أشهر.\rثم ملك بعده ابنه سابور بن هرمز؛ وهو الملقب بذي الأكتاف. وكان هرمز قد تركه حملاً في بطن أمه، فعقدوا التاج على بطنها، وقام الوزراء بتدبير الأمر مدة حملها، وفي مدة رضاع سابور وطفولته وصغره حتى كبر؛ فكتب إليه الناس الكتب من الآفاق وأجابهم، ووجه البريد إلى الآفاق والأطراف، ورتب الوزراء والكتاب وقرر العمال.\rقال: وكان قد شاع في الممالك أن ملك الفرس صغير السن، وأنه يتدبر برأي وزرائه، ولا يدري ما يراد منه، ولا ما يكون من الأمر، فطمع في مملكة الفرس الترك والروم والعرب. وكانت أدنى بلاد الأعداء إلى الفرس بلاد العرب. وكانت العرب من أحوج الأمم إلى تناول شيء من المعاش لسوء حالهم وشظف عيشهم، فانبسطت أيديهم في البلاد وغلبوا أهلها عليها واتسعت حالهم وكثرت مواشيهم، وأفسدوا في بلاد فارس، ومكثوا كذلك حيناً، وقد أمنوا جانب الفرس واطمأنوا من قتالهم لقلة هيبتهم. وكان الذي غلب على سواد العراق من العرب جمرة العرب ولد إياد بن نزار. وكان يقال لها طبق لإطباقها على البلاد، وملكها يومئذ الحارث بن الإر الإيادي. قال: ولما ترعرع سابور جعل الوزراء يعرضون عليه أمر الجنود الذين في الثغور، وأن الأخبار وردت عليهم أن أكثرهم قد أخل، عظموا عليه الأمر وهولوه، فقال لهم: لا يهولنكنم ذلك، فالخطب فيه غير جسيم، والحيلة في ذلك يسيرة. وأمر الكتاب أن يكتبوا إلى أولئك الجنود أنه قد انتهى إلى طول مكثكم في النواحي التي أنتم فيها، وعظم عنائكم وذبكم عن إخوانكم وأوليائكم، فمن أحب منكم الانصراف إلى أهله فلينصرف مأذوناً له في ذلك، ومن أحب أ، يستكمل الفضل بالصبر في موضعه عرفنا له ذلك؛ وتقدم إلى من اختار الانصراف منهم بلزوم أهله وبلاده إلى وقت الحاجة إليه. فلما سمع الوزراء قوله ورأيه استحسنوه وقالوا: لو كان هذا قد أطال تجربة الأمور وسياسة الجنود ما زاد على ما سمعناه. ثم تتابعت آراؤه في تقويم أصحابه وقمع أعدائه؛ حتى إذا تمت له ست عشرة سنة جمع أسورته وأمرهم بالاستعداد لقتال العرب. وكانت إياد تصيف بالجزيرة وتشتو بالعراق. وكان في جيش سابور رجل منهم يقال له لقيط، فكتب إلى إياد شعراً بنذرهم وهو:\rسلام في الصحيفة من لقيط ... إلى من بالجزيرة من غياد\rبأن الليث آتيكم دليفاً ... فلا يحبسكم سوق النقاد\rأتام منهم سبعون ألفاً ... يزجون الكتائب كالجراد","part":4,"page":116},{"id":1617,"text":"فلم يعبئوا بكتابه، وسراياهم تكر نحو العراق وتغير على السواد. فلما تجهز القوم نحوهم ظفر بهم سابور فعمهم بالقتل، وما أفلت منهم إلا نفر لحقوا بأرض وبار، وخلع سابور أكتاف كثير منهم، فلذلك سمي ذا الأكتاف. وكان سابور في مسيره أتى البحرين وفيها بنو تميم فهربوا، وشيخها يومئذ عمرو بن تميم بن مرة وعمره ثلثمائة سنة، وكان يعلق في عمود البيت في قفة، فأرادوا حمله فأبى عليهم إلا أن يتركوه في ديارهم وقال لهم: أنا هالك اليوم أو غدا فتركوه. فلما صبحت خيل سابور الديار لقوها خالية، فلما سمع عمرو صهيل الخيل جعل يصيح بصوت ضعيف، فحمل إلى سابور، فلما نظر إلى دلائل الهرم ومرور الأيام عليه قال له: من أنت أيها الفاني؟ قال: أنا عمرو بن تميم بن مرة، قد بلغت من الكبر ما ترى، وقد هرب الناس منك لإسرافك في القتل، فآثرت الفناء على يديك ليبقى من بقى من قومي، ولعل الله يجري على يديك فرجهم، وأنا سائلك عن أمر إن أذنت فيه؛ فقال سابور: قل نسمع؛ فقال ماالذي حملك على قتل رعيتك من رجال العرب؟ فقال سابور: أقتلهم لما ارتكبوا في بالدي وأهل مملكتي؛ فقال عمرو: فعلوا ذلك ولست بقيم عليهم؛ فلما ملكت وقفوا عما كانوا عليه من الفساد هيبة لك؛ قال سابور: وأقتلهم لأنا نجد في مخزون علمنا وما سلف من أبناء أوائلنا أن العرب ستدال علينا. فقال عمرو: هذا أمر تظنه أم تتحققه؟ قال: بل أتحققه ولا بد أن يكون؛ فقال عمرو: فلم تسيء إليها؟ والله لئن تبقي عليها وتحسن إليها ليكافئون قومك عند إدالة الدولة إليهم بإحسانك، وإن أنت طالت بك المدة كافئوك عند مصير الأمر إليهم إن كان حقاً، وإن كان باطلاً فلم تتعجل الإثم وتسفك دماء رعيتك؟ فقال سابور: الأمر صحيح والحق ما قلت، ولقد صدقت في القول ونصحت. فنادى منادي سابور بأمان الناس ورفع السيف. ويقال إن عمرا بقي بعد هذا الوقت ثمانين سنة.\rثم سار سابور إلى أرض الروم ففتح المدن وقتل خلائق من الروم وقال لمن معه: إني أريد أن أدخل بلاد الروم متنكراً لأتعرف أحوالهم وسيرهم ومسالك بلادهم، فإذا بلغت من ذلك حاجتي انصرفت إلى بلدي فسرت إليهم بالجنود؛ فحذروه التغرير بنفسه فلم يقبل قولهم. وسار متنكراً إلى أرض القسطنطينية فصادف وليمة لقيصر اجتمع فيها الخاص والعام، فدخل في جملتهم وجلس على بعض موائدهم، وقد كان قيصر أمر مصوراً أتى عسكر سابور فصوره وجاء إلى قيصر بالصورة، فأمر بها فصورت على آنية الشراب من الذهب والفضة، وأتى بعض من كان على المائدة التي عليها سابور بكأس، فنظر بعض الخدم إلى الصورة التي على الكأس، وسابور مقابل له، فانطبعت مثالاً لصورة سابور، فقام إلى الملك فأخبره، فمثل بين يدي الملك، فسأله عن خبره فقال: أنا من أساورة سابور وهربت منه لأمر خفته منه. فلم يقبل ذلك منه، وقدم إلى السيف فأقر بنفسه، فجعل في جلد بقرة، وسار قيصر في جنود حتى توسط العراق، فافتتح المدن، وشن الغارات، وعقر النخل، وانتهى إلى مدينة نيسابور، وقد تحصن بها وجوه فارس، فنزل عليها وحضر عيداً للنصارى فأغفل الموكلون بسابور أمره، وأخذ منهم الشراب، وكان بالقرب من سابور أساري من الفرس، فراطنهم بالفارسية أن يحل بعضهم بعضاً، وأمرهم أن يصبوا عليه زقاق الزيت ففعلوا، فلان عليه الجلد وتخلص، وأتى المدينة فراطنهم فرفعوه بالحبال، ففتح خزائن السلاح وخرج على الروم فكبس جيشهم عند ضرب النواقيس، فانهزم الروم، وأتى بقيصر أسيراً، فأبقى عليه وضم إليه من اسر من أصحابه، وأخذهم بغرس الزيتون بالعراق بدلاً من النخل التي عقروها؛ ولم يكن الزيتون بالعراق قبل ذلك. وفي فعل سابور ودخوله إلى أرض الروم يقول بعض شعراء الفرس:\rوكان سابور صفوا في أرومته ... اختير منها فأضحى خير مختار\rإذ كان بالروم جاسوساً يجول بها ... حوم المنية من ذي كيد مكار\rفتسأسروه، وكانت كبوة عجباً ... وزلة سبقت من غير عثار\rوأصبح الملك الرومي مغترباً ... أرض العراق على هول وأخطار\rفراطن الفرس بالأبواب فافترقوا ... كما تجاوب أسد الغاب بالغار\rفجذ بالسيف أصل الروم فامتحقوا ... لله درك من طلاب أوتار","part":4,"page":117},{"id":1618,"text":"إذ يغرسون من الزيتون ما عضدوا ... من النخيل وما حفوا بمنشار\rوسابور هذا هو الذي بنى الإيوان المعروف بإيوان كسرى، وبنى السوس والكرج ونيسابور. قال صاحب كتاب تجارب الأمم: وبنى بالسواد مدينة نرجس سابور، وبنى الأنبار. قال: وبنى مدائن أخر بالسند وسجستان، ونقل طبيباً من الهند وأسمنه السوس، فورث أهل السوس. وهلك سابور بعد اثنتين وسبعين سنة من ملكه.\rثم ملك بعده أردشير بن هرمز وهو أخو سابور بن هرمز هذا. قال: ولما ملك ظهر منه شر كثير وقتل من العظماء وذوي الرياسة خلقاً كثيراً، فاجتمع الناس على خلعه فخلعوه بعد أن ملك أربع سنين.\rثم ملكوا عليهم بعده سابور بن سابور. قال: ولما ملك استبشرت الرعية برجوع ملك أبيه إليه، فأحسن السيرة ورفق بالرعية. وكانت له حروب كثيرة مع إياد بن نزار وغيرها من العرب، وفيه يقول شاعر إيادي:\rعلى رغم سابور بن سابور أصبحت ... قباب إياد حولها الخيل والنعم\rوكان ملكه خمس سنين وأربعة أشهر، وسقط عليه فسطاط كان ضرب عليه فمات.\rوملك بعده أخوه بهرام بن سابور ذي الأكتاف، وهو الملقب كرمان شاه؛ لأن سابور كان ولاه كرمان. قال: وكان حسن السيرة، جميل السياسة، محمود الأثر، محبباً للرعية. وكان ملكه عشر ينين. وقيل إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوماً.\rوملك بعده ابنه يزدجرد بن بهرام المعروف بالأثيم. قال: وكان فظاً غليظاً، ذا عيوب كثيرة، وكان من أشد عيوبه وضعه ما آتاه الله من ذكاء ذهن وحسن أدب في غير موضعهما؛ وذلك أنه كان كثير الروية في المضار ن الأمور، واستعمل الذي أوتيه في الدهاء والحيل، واستخف بكل علم كان من عند الناس، واحتقر آدابهم وتعاظم عليهم واستطال بما عنده. وكان معجباً بنفسه سيء الخلق، حتى بلغ من شدته وحدته انه كان يستعظم صغار الزلات، ولا يرضى في عقوبتها إلا بما لا يستطاع.\rوكان لا يقدر أحد من بطانته - وإن كان لطيف المنزلة منه - أن يشفع عنده لمن ابتلى به وإن كان ذنب المبتلى به يسيراً، ولم يكن يأتمن أحداً على شيء ألبتة، ولا يكافئ على حسن البلاء، وكان يعتد بالخسيس من المعروف إذا أولاه ويستجزل ذلك، فإن جسر على كلامه أحد في أمر قال له: ما قدر جعالتك في هذا الأمر الذي كلمتنا فيه، وماالذي بذل لك بسببه؟ وما أشبه ذلك. فلما اشتدت بلية الناس به، وكثرت إهانته للعظماء، وأكثر من سفك الدماء، واستعمل الضعفاء في الأعمال الشاقة وحملهم ما لا طاقة لهم به، تضرعوا إلى الله عز وجل وسألوه أن ينقذهم منه. فزعم الفرس أنه كان ذات يوم مطلعاً من قصره غذ رأى فرساً عائراً لم ير مثله قط في الخيل من حسن الصورة وتمام الخلقة حتى وقف على بابه، فتعجب الناس من ذلك، فأمر يزدجرد أن يسرج ويلجم ويدخل عليه به، فحاول السواس وأصحاب المراكيب أن يلجموه أو يسرجوه فعجزوا عن ذلك، ولا مكنهم الفرس من نفسه، فخرج يزدجرد بنفسه إلى الفرس وتقدم إليه وأسرجه وألجمه ولببه وهو لم يتحرك، فلما استدار ورفع ذنبه ليثفره رمحه الفرس على فؤاده رمحة فهلك منها لساعته، ثم لم يعاين الفرس بعد ذلك؛ فأكثرت الفرس في حديثه فظنوا الظنون. وكان أحسنهم مذهباً أمثلهم طريقه من قال: إنما استجاب الله عز وجل دعاءنا. فكان ملكه إلى أن هلك إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوماً. وقيل اثنتين وعشرين سنة غير شهرين.\rقال: وكان ابنه بهرام جور في حجر النعمان بن المنذر بن ماء السماء أسلمه أبوه إليه ليربيه بالحيرة لصحة هوائها. وقد تقدم خبره في ذكر بناء الخورنق والسدير.\rفعدل الفرس عنه لسوء أثر يزدجرد فيهم وملك عليهم كسرى، وهو رجل من عترة ساسان، فاستعان بهرام جور بالعرب وأرسل إلى الفرس وأعلمهم إنكارة سيرة أبيه، ووعدهم بإصلاح ما فسد، وأنه مضى لملكه سنة ولم يف لهم بما بذل تبرأ من الملك طائعاً، فمال إليه قوم وبقيت طائفة مع كسرى، فتراضوا أو يوضع تاج الملك بين أسدين مشبلين فمن تناوله فهو الملك. وكان بهرام جور شجاعاً بطلاً، فلما وقف هو وكشرى وعصر جنبيه بفخذيه، فلام تمكن منه قبض على أذنيه، ولم يزل يضرب راس الأسد براس الآخر حتى قتلهما. فكان كسرى أول من هتف به وأذعن له.","part":4,"page":118},{"id":1619,"text":"فملك بهرام جور بن يزدجرد؛ فأحسن السيرة، وجلس سبعة أيام متوالية للجند والرعية، يعدهم الخير من نفسه ويحضهم على تقوى الله وطاعته. وكان جلوسه على سرير الملك وهو ابن عشرين سنة، فغبر زماناً وهو يحسن السيرة، ويعمر البلاد، ويدر الأرزاق، ثم آثر اللهو على ذلك وكثرت خلواته بأصحاب الملاهي حتى كثرت عليه الملامة من أرباب دولته، وطمع من حوله من الملوك في استباحة بلاده والغلبة على ملكه. وكان أول من سبق إلى مغالبته ومكاثرته خاقان ملك الترك، وغزاه في مائتي ألف وخمسين ألفاً من الأتراك، فبلغ الفرس إقبال الترك في هذه الجموع العظيمة فهالهم ذلك، ودخل على بهرام جور جماعة من عظماء الفرس وأهل الرأي والنجدة وقالوا: أيها الملك، قد أرهقك من بائقة عدوك ما يشغلك عما أنت فيه من اللهو والتلذذ، فتأهب له لئلا يلحقك منه أمر يلزمك فيه مسة وعار. وكان بهرام لثقته بنفسه ورأيه يجيب القوم بأن يقول: الله ربنا قوي ونحن أولياؤه. ثم يقبل على ما هو عليه من اللهو والصيد.\rقال: ثم اظهر بهرام جور التجهز إلى أذربيجان ليتنسك في بيت نارها، ويتوجه منها إلى أرمينية ويتصيد في آجامها، وسار في سبعة رهط من عظماء الفرس وأهل البيوتات. وثلثمائة رجل من رابطته ذوي باس وشدة ونجدة، واستخلف أخاً له يقال له نرسي على ملكه، فما شك الناس - لما بلغهم ذلك - أنه هرب من خاقان، فتآمر الفرس في مراسلة خاقان والانقياد إلى طاعته والإقرار له بالخراج؛ فخافة منه أن يستبيح بلادهم، فاتصل هذا الخبر بخاقان فاطمأن وترك التحفظ والاستعداد وآثر المسالمة. وتعرف بهرام خبر خاقان وحال جنده وما هم عليه من الطمأنينة والفتور وعدم الاستعداد، فسار بمن معه وبيت خاقان وقتله بيده. فلما علم الأتراك أن ملكهم خاقان قد قتل انهزموا لا يلوون على شيء وخلفوا أثقالهم وأموالهم. فأكثر بهرام فيهم القتل وأمعن في طلبهم، وحاز غنائم لم يسمع بمثلها، وسبى من ذريتهم كثيراً.\rوكان مما غنمه تاج خاقان وإكليله، وغلب على بلاد الترك وانصرف بالظفر والغنائم، وكتب إلى أهل مملكته يعلمهم بما حصل له من الظفر بخاقان وجموعه بمن كان معه من أولئك القوم الذين ستصحبهم معه.\rوكان بهرام يتكلم بلغات كثيرة، منها اللغة العربية. ومما حفظ من شعره يوم ظفره بخاقان:\rأقول لما فضضت جموعه ... كأنك لم تسمع بصولات بهرام\rوأني حامي ملك فارس كلها ... وما خير ملك لا يكون له حامي\rومن شعره أيضاً:\rلقد علم الأنام بكل أرض ... بأنهم قد أضحوا لي عبيدا\rملكت ملوكهم وقهرت منهم ... عزيزهم المسود والمسودا\rفتلك أسودهم تبغي حذارى ... وترهب من مخافتي الرودا\rوكنت إذا تشاوس ملك أرض ... غبأت له الكاتب والجنودا\rفيعطيني المقادة أو أوافي ... به يشكو السلاسل والقيودا\rقال: ولما قتل خاقان بعث بهرام أحد قواده إلى ما وراء النهر فغزاهم وأقروا لبهرام بالعبودية وأداء الجزية. قال: وأسقط بهرام جور عن رعيته إثر هذا الظفر خراج ثلاث سنين، وترك ما كان قد بقي من الخراج ولم يستخرج من قسط تلك السنة، وكان سبعين ألف ألف درهم، وقسم في الفقراء مالاً عظيماً وفي أهل البيوتات والأحساب عشرين ألف ألف درهم؛ ونحل بيت النار بأذربيجان جميع ما غنمه من الترك من اليواقيت والجواهر والتاج والإكليل.\rويقال إن بهرام دخل إلى أرض الهند متنكراً فمكث حيناً لا يعرف حتى بلغه أن فيلاً قد هاج وقطع السبل وأهلك الناس، فسألهم أن يدلوه عليه، فرفع أمره إلى الملك فأرسل معه رسولاً، فلما انتهى إليه أوفى الرسول على شجرة لينظر ما يصنع بهرام مع الفيل، فصرخ بالفيل فخرج إليه، فجعل يرميه ويثبت النشاب بين عينيه، ثم دنا وأخذ بمشفره وجذبه جذبةً خر منها الفيل، ثم احتز رأسه وأقبل به إلى الملك فحباه وأحسن إليه.","part":4,"page":119},{"id":1620,"text":"ثم إن ملكاً من أعداء ذلك الملك أقبل لغزوه فجزع ذلك الملك من كثرة جنود الملك الذي أتى نحوه، فقال له بهرام: لا يهولنك أيها الملك أمره؛ فركب بهرام وقال السورة الهند: احموا ظهري، وانظروا إلى عملي، وكانوا لا يحسنون الرمي، وأكثرهم رجالة، فحمل عليهم حملة هدهم بها، ثم جعل يضرب الرجل فيقطعه نصفين، ويأتي الفيل فيضرب مشفره ويكبه ويأخذ من عليه فيقتله، ويأخذ الفارس فيذبحه على قربوس سرجه، ويتناول الرجلين فيضرب أحدهما بالآخر فيموتان جميعاً، ويرمي فلا تقع له نشابة إلا في رجل، فولوا أمامه منهزمين، وحمل الذين كانوا يحرسون ظهره عليهم فأكثروا القتل فيهم، فزوجه ملك الهند بنته ونحله الديبل ومكران وما يليهما من ارض السند وأشهد له بذلك، وانصرف بهرام جور إلى مملكته وضم ذلك إلى بلاده وحمل خراجها إليه، ثم أغزى بهرام جور أخاه نرسي إلى بلاد الروم في أربعين فدخل القسطنطينة وهادن ملك الروم على إتاوة يحملها إلى أخيه. ثم مضى بهرام جور إلى أرض السودان على طريق اليمن فأوقع بهم وعاد إلى مملكته وهلك بعد ذلك في ماء. وذلك أنه توجه إلى الصيد فشد على عير وأمعن في طلبه، فارتطم في ماء في سبخة فغرق فيه، فسارت أمه إلى ذلك الموضع بمال عظيم ونزلت بالقرب منه، وأمرت بإنفاق تلك الأموال على من يخرجه، فنقلوا طيناً عظيماً وحمأة كثيرة حتى صار من ذلك آكاماً عظاماً ولم يقدروا على استنقاذ جثته. وكان ملكه ثلاثاً وعشرين سنة.\rوحكى عنه في صغره ما يدل على نباهته، وجودة فكرته وجميل رأيه. فمن ذلك أنه قال للنعمان بن المنذر لما بلغ خمس سنين: أحضر لي مؤدبين ليعلموني الكتابة والفقه والرمي والفروسية. فقال له المنذر: إنك بعد صغير السن، ولم يأن لك ذلك بعد. فقال له بهرام: أما تعلم أيها الرجل أني من ولد الملوك، وأن الملك صائر إلي، وأولى ما كلف به الملوك وطلبوه صالح العلم؛ لأنه زين لهم وركن، وبه يعرفون. أما تعلم أن كل ما يتقدم في طلبه، ينال في وقته، وما لم يتقدم فيه ويطلب في وقته، ينال في غير وقته، وما يفرط فيه وفي طلبه يفوت ولا ينال؟ عجل علي بما سألتك. فبعث المنذر من ساعته إلى باب الملك من أتاه برهط من المعلمين الفقهاء والرماة، وجمع له حكماء الروم وفارس وغيرهم، وألزمهم إياه، ووقت أوقاتاً لكل منهم؛ فتعلم بهرام من كل علم أحسنه، وسمع الحكمة ووعى ما سمع منها، وثقف كل ما علم بأيسر شيء، وبلغ أربع عشرة سنة، وقد فاق معلميه، وحفظ للنعمان حق التربية، فملكه على العرب لما صار الملك إليه.\rولما هلك بهرام ملك بعده ابنه يزدجرد بن بهرام جور؛ فسار بسيرة أبيه؛ ولم يزل قامعاً لعدوه، كثير الرفق برعيته. وكان له ابنان أحدهما يسمى هرمز، والآخر فيروز. ودام ملك يزدجرد تسع عشرة سنة، وقيل ثماني عشرة سنة وأربعة اشهر وثمانية عشر يوماً ثم هلك.","part":4,"page":120},{"id":1621,"text":"فتغلب على الملك بعده ابنه هرمز بن يزدجرد. ولما ملك هرمز هرب منه فيروز ولحق ببلاد الهياطلة، وأخبر ملكها بقصته وقصة أخيه هرمز، وذكر أنه أحق منه بالملك، وسأله أن يمده بجيش يقاتل به أخاه، فأبى عليه ملك الهياطلة وقال: سأعلم خبره ثم آمرك بعد ذلك بما تفعل. وكشف ملك الهياطلة عن خبر هرمز وتعرف أحواله فبلغه أنه غشوم ظلوم؛ فقال عند ذلك: إن الجور لا يرضاه الله تعالى، ولا يصلح عليه الملك، ولا تقوم به سياسته؛ وأمد فيروز بالعساكر ودفع له الطالقان؛ فأقبل فيروز من عنده بجيش طخارستان وطوائف خراسان، فظفر بأخيه فحبسه. وملك فيروز بن يزدجرد. ولما ملك أظهر العدل وحسن السيرة، وكان يتدين إلا أنه كان مشئوماً على رعيته، فقحط الناس في زمانه سبع سنين، فأحسن فيها إلى الناس، وقسم ما في بيوت الأموال. ويقال: إن الأنهار غارت في مدة القحط، وكذلك القنى والعيون، وقحلت الأشجار والغياض، وهلكت الوحوش والطير، وجاعت الدواب حتى كادت لا تطيق الحمولة، وعم أهل البلاد الجهد والمجاعة، فبلغ من حسن سياسة فيروز لهذا الأمر أن كتب إلى جميع الرعية: أنه لا خراج عليكم ولا جزية ولا سحرة، وانه قد ملكهم أنفسهم، وأمرهم بالسعي فيما يقوتهم ويصلحهم، وكتب بإخراج ما في المطامير من الأطعمة وقسمها في الناس، وترك الاستئثار عنهم وتساوى بهم، وأخبر أهل الغنى والشرف، بكل مدينة وقرية، أنه إن بلغه إنساناً مات جوعاً عاقب أهل تلك المدينة أو الجهة التي يموت بها، وينكل بهم أشد النكال. فقيل إنه لم يهلك في هذا القحط والمجاعة من رعيته إلا رجل واحد من رستاق.\rقال: ثن أغاثه الله فأمطرت السماء، وجرت الأنهار ونبعت العيون، وصلحت الأشجار، وسمنت المواشي؛ فاستوثق له الملك، وأخذ في غزو أعدائه وقهرهم. وبنى مدناً إحداها بين جرجان وباب صول وأخرى بناحية أذربيجان.\rثم سار بجنوده نحو خراسان لقصد حرب أخشوار ملك الهياطلة لأشياء كانت في نفسه ولأن الهياطلة كانوا يأتون الذكران ويركبون الفواحش فسار إليهم؛ فلما بلغ أخشنوار ملك الهياطلة خبره خافه واشتد رعبه منه، وعلم أنه لا طاقة له به، وأن جيشه كبير السن من أهل بلاده وقال: أنا أفدي الملك وأهل مملكته ينفسي، فليأمر الملك بقطع يدي ورجلي ويؤثر في جسدي آثار العقوبة بضرب السياط، ويلقني في الطريق التي يمر فيروز بها، ويحسن إلى ولدي وعيالي الذين أخلفهم؛ ففعل له ذلك وأمر بإلقائه في الطريق. فلما مر به فيروز أنكر حاله، فأخبره أن أخسنوار فعل به ذلك لأنه أشار عليه بالانقياد إلى طاعة فيروز والإقرار بعبوديته، وأن يحمل إليه من الأموال والتحف ما يرضيه؛ فرق له الملك فيروز ورحمه وأمر بحمله معه، فنهاه أكابر قومه عن تقريبه فلم يرجع إليهم، ثم قال له ذلك الأقطع كالمتنصح له: أنا أدل الملك على طريق مختصر تدخل منه في مفازة إلى بلاد أخشنوار، فتصادف غرته؛ وسأله أن يشفى له منه. فاغتر فيروز بذلك؛ وأخذ الأقطع بفيروز ومن معه وعدل بهم عن الطريق الجادة وشرع يقطع بهم مفازة بعد مفازة. فلما شكوا العطش مناهم بقرب الماء وقطع المفازة. ولم يزل يتقدم بهم حتى بلغ بهم موضعاً علم أنها لايقدرون فيه على التقدم ولا الرجوع، فتبين لهم أمره، فعندها سقط في أيدي القوم وقالوا لفيروز: ألم ننهك عن هذا الرجل فلم تنته؟ فهلك أكثر أصحابه من العطش، ومضى على وجهه بمن نجا معه؛ فوافى أخشنوار وقومه؛ وهو من نجا معه على سوأ حال، وقد أجهدهم العطش، فدعوا أخشنوار إلى الصلح على أن يخلي سبيلهم وينصرفوا إلى بلادهم، وعاهدوه على ألا يغزوهم أبداً، فرضي أخشنوار بذلك وحصل اتفاقهما على أن يجعلا بينهما حذاً لا يتجاوزه واحد منهما، ووضع عند الحد حجر، وحلفه أخشنوار أنه لا يتجاوز ذلك الحجر، فحلف له وأخذ عليه العهود والمواثيق وأطلقه أخشنوار، فعاد فيروز إلى بلاده.","part":4,"page":121},{"id":1622,"text":"فلما سار إلى مملكته داخلته الحمية وحملته الأنفة على محاربة أخشنوار والغدر به، فنهاه أهل مملكته عن ذلك وقبحوا عليه نقض العهود والمواثيق، فلم يرجع إلى أقوالهم وأبى إلا غزوه. وسار بجيوشه حتى أتى الحد الذي بينهما والحجر الذي حلف أنه لا يتجاوزه إلى بلاد الهياطلة، فأمر فيروز بالحجر أن يصمد فيه خمسون فيلاً وثلثمائة رجل، فجره أمامه وأمر العسكر ألا يتجاوز ذلك الحجر ولا يتقدم الفيلة، وزعم أنه يكون قد وفى بيمينه ولم يتجاوز ما عاهد عليه. فلما بلغ أخشنوار ذلك أرسل إليه يقول: إن الله عز وجل لا يخادع ولا يماكر ونهاه عن الغدر وقبحه عليه، وهو لا يكترث بقوله، وأحجم أخشنوار عن محاربة فيروز وكرهها، ثم أعمل الفكرة وأخذ يفكر في وجوه المكايد والمكر والخداع، فحفر حول عسكره خندقاً عرضه عشرة أذرع، وعمقه عشرون ذراعاً، وغطاه بخشب ضعيف وألقى عليه التراب، ثم ارتحل بمن معه ومضى غير بعيد، فبلغ فيروز رحيل أخشنوار بجنده من معسكره، فما شك أنه انهزم ومضى غير بعيد، فبلغ فيروز رحيل أخشنوار بجنده من معسكره، فما شك أنه انهزم منه، فركب في طلبه وأغذ السير بجنوده - وكان مسلكهم على الخندق - فلما مروا عليه تردى فيروز وعامة جنوده فيه فهلكوا عن آخرهم وعطف عليهم أخشنوار واحتوى على كل شيء كان في معسكر فيروز، وأسر موبذان موبذ وجماعة من نساء فيروز منهن دخت ابنة فيروز، فكان هذا عاقبة مكره. وكان ملكه سبعاً وعشرين سنة.\rولما هلك تنازع الملك بعده ابناه قباذ وبلاش؛ فملك بلاش بن فيروز ابن يزدجرد. وكان حسن السيرة حريصاً على العمارة؛ وبلغ من حسن نظره انه كان لا يبلغه أن بيتاً خرب وجلا عنه أهله إلا عاقب صاحب القرية التي فيها ذلك البيت على تركهم إنعاش أهله وسد فاقتهم حتى لا يضطرون إلى الجلاء عن أوطانهم. ثم هلك بعد أربع سنين.\rوملك بعده أخوه قباذ بن فيروز. قال: وكان قباذ لما ملك أخوه بلاش سار إلى خاقان يستنصره على أخيه ويذكر أنه أحق منه بالملك؛ فمطله بذلك أربع سنين ثم جهزه بجيش، فلما عاد وبلغ نيسابور بلغه وفاة أخيه بلاش. وكان قباذ في مسيره إلى خاقان مر على نيسابور متنكراً وتزوج بها بابنة رجل من الأسورة وواقعها، فحملت منه بأنوشروان وتركها بنيسابور، فلما عاد في هذا الوقت سأل عن الجارية فأتي بها وابنه منها أوشروان، فتبرك بهما وفرح بابنه، ثم عاد إلى بلاد فارس وبني مدينة أرجان وحلوان وعدة مدن آخر.\rقال: وكان لقباذ خال يقال له سوخرا وقيل فيه: ساخورا، وكان يخلف فيروز والد قباذ على مدينة الملك بالمدائن، فجمع جموعاً كثيرة من الفرس وقصد أخشنوار ملك الهياطلة وحاربه وانتقم منه واستنقذ جميع من كان أسره من الفرس ومن سباه من نساء فيروز، واكثر ما كان قد احتوى عليه أخشنوار من خزائن فيروز؛ فعظم قدره عند الفرس، وحسن فيهم أثره، وكبرت منزلته عند بلاش، وقباذ إلى أن لم يبق بينه وبين الملك إلا مرتبة واحدة، وتولى سياسة الأمر بحنكة وتجربة؛ ومال إليه الناس وأطاعوه، واستخفوا بقباذ ولم يعبأوا بأمره، وهان عندهم فما حملت نفسه هذه الإهانة والذل، فأخذ في التدبير على ساخورا وكتب إلى سابور الرازي، وهو الذي يقال له اللبيب، وهو أصبهذ البلاد، في القدوم عليه بمن قبله من الجند، فقدم بهم سابور فخاطبه قباذ في أمر خاله، فوافقه سابور عليه، فأمره قباذ بالتلطف في هذا الأمر وكتمانه، وإعمال الحيلة وحسن التدبير فيه، فغدا سابور على قباذ فوجد خاله ساخورا عنده، فتقدم سابور إليه وهو آمن، فألقى وهقاً في عنقه واجتذبه وأوثقه بالحديد ثم أودعه السجن، وقتله قباذ وخافته الفرس وبعده.","part":4,"page":122},{"id":1623,"text":"وفي أيام قباذ ظهر مزدق - ويقال فيه: مزدك، وتفسيره: حديد الملك؛ وإليه تضاف المزدقية، ويقال لهم العدلية - وقال: إن الله تعالى إنما جعل الأرزاق في الأرض مبسوطة ليقسمها عباده بينهم بالسوية، ولكن الناس يظلمون؛ واستأثر بعضهم على بعض، فانضم إليه جماعة وقالوا: نحن نقسم بين الناس بالسوية ونرد على الفقراء حقوقهم من الأغنياء، ومن عنده فضل من المال والقوت والنساء والمتاع وغير ذلك فليس هوله ولا أولى به من غيره؛ فافترض السفلة ذلك واغتنموه واتبعوا مزدك وأصحابه، فقوى أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على ما فيها من ماله ونسائه ولا يستطيع أن يردهم عنه ولا يدافعهم. ورأى الملك قباذ رأى مزدك وأصحابه وتابعهم فازداد قوة، فلم يلبث الناس إلا قليلاً حتى صار الأب لا يعرف ولده، ولا الولد يعرف والده، ولا يملك أحد شيئاً، وصيرت العدلية قباذ في مكان لا يصل إليه غيرهم، فاجتمعت الفرس على خلع قباذ من الملك ففعلوا ذلك.\rوملكوا عليهم عند ذلك جاماسف بن فيروز. وهو أخو قباذ. وقيل: إن المزدكية هم الذين أجلسوه. قال: ولما جاماسف قبض على أخيه قباذ وحبسه فاحتالت أخت قباذ في خلاصه. وذلك أنها أتت إلى الحبس الذي هو فيه وحاولت الدخول إلى أخيها، فمنعها الموكل به من الدخول إليه، وطمع أنه يفضحها، وأعلمها أنه لا يمكنها من العبور إليه إلا أن وافقته على قصده، فأطعمته في نفسها وقالت: إني لا أخالفك في شيء مما تهواه مني، فمكنها من الدخول إلى السجن والاجتماع بأخيها قباذ، فدخلت إليه وأقامت عنده أياماً، ثم لفته في بساط أمرت بعض الغلمان أن يحمله فحمله على عاتقه، فلما مر الغلام بالموكل بالحبس سأله عن حمله فاضطرب الغلام فلحقته وقالت: إنه فراش كنت أفرشه تحتي وعركت فيه؛ وأنها خرجت لتتطهر وتعود فصدقها ولم يمس البساط ولم يدن منه استقذاراً له على مذهبهم في ذلك، فمضى الغلام به وخرجت أخته في أثره، وهرب قباذ فلحق بأرض الهياطلة يستمد ملكها ليمده بجيش يحارب من خالفه، ويقال: إن زواجه بأم كسرى أنوشروان كان في هذه السفرة لا في تلك، وأنه تزوجها بأبرشهر، وهي ابنة رجل من عظمائها، وأنه رجع به وبأمه عند عوده من بلاد الهياطلة. قال: وسار قباذ إلى ملك الهياطلة فأقام عنده عدة سنين، ثم عاد إلى بلاده بأمداده، فغلب على أخيه ونزعه من الملك بعد أن ملك ست سنين.\rثم عاد قباذ إلى الملك ثانياً، ولما عاد إلى الملك وجد ابن ساخورا قد وثب في جماعة من أصحابه على مزدك فقتله، فسعى به إلى قباذ فقتله بمزدك. قال: ثم غزا الروم وافتتح آمد، ثم أدبر ملكه لسوء عقيدته. وهلك قباذ إثر ذلك.","part":4,"page":123},{"id":1624,"text":"وكان سبب هلاكه أن الحارث بن عمرو الكندي قتل النعمان بن المنذر ابن امرئ القيس، وملك العرب وما كان ملكه النعمان، فبعث قباذ بن فيروز إلى الحارث بن عمرو يقول: إنه كان بيننا وبين الملك الذي كان قبلك عهد، وإني أحب لقاءك، وخرج للقائه في عدد وعدة، وجاءه الحارث والتقيا بمكان، فأمر قباذ بطبق من تمر فنزع نواه وبطبق آخر على حالته، فوضعا بين أيديهما، وجعل المنزوع بين يدي قباذ، والذي هو بنواه بين يدي الحارث، فجعل الحارث يأكل التمر ويلقي النوى، وقباذ يأكل التمر ولا يحتاج إلى غلقاء شيء. فقال للحارث: مالك لا تأكل كما آكل؟ فقال الحارث: غنما يأكل النوى إبلنا وغنمنا، وعلم أن قباذ يهزأ به. ثم افترقا على الصلح على ألا يجاوز الحارث وأصحابه الفرات، إلا أن الحارث استضعف قباذ وطمع فيه. فأمر أصحابه أن يعبروا الفرات ويغيروا على قرى السواد ففعلوا ذلك، فجاء الصريخ إلى قباذ وهو بالمدائن، فكتب إلى الحارث بن عمرو أن لصوصاً من العرب قد أغاروا على السواد، وأنه يحب لقاءه فلقيه، فقال قباذ كالعاتب له: قد صنعت صنيعاً ما صنعه أحد قبلك، فطمع الحارث فيه من لين كلامه وقال: ما علمت بذلك ولا شعرت به، وإني لا أستطيع ضبط لصوص العرب، وما كل العرب تحت طاعتي، ولا أتمكن منهم إلا بالمال والجنود. فقال له قباذ: فما الذي تريد؟ قال: أريد أن تعطيني من السواد ما أتخذ به سلاحاً، فأمر له بمايلي جانب العرب من أسفل الفرات؛ وهو ستة طساسيج؛ فعند ذلك زاد طمع العرب فيه، وأرسل الحارث بن عمرو إلى تبع وهو باليمن: إني قد طمعت في ملك الأعاجم، وقد أخذت منه ستى طساسيج، فأجمع الجنود وأقبل فإنه ليس دون ملكهم شيء؛ لأن الملك عليهم لا يأكل اللحم ولا يستحل هراقة الدماء، وله دين يمنعه من ضبط الملك؛ فبادر إليه بجندك وعدتك، وأطعمه في الفرس. فجمع تبع جنوده وسار حتى نزل الحيرة، وقرب من الفرات، فآذاه البق، فأمر الحارث بن عمرو أن يشق له نهر الحيرة فنزل عليه، ووجه ابن أخته شمرا ذا الجناح إلى قباذ فقاتله فهزمه شمر حتى لحق بالري، ثم أدركه بها فقتله.\rوملك بعده ابنه كسرى أنوشروان بن قباذ بن فيروز. ولما ملك استقبل الأمر بجد وسياسة وحزم. وكان جيد الرأي، كثير النظر، صائب التدبير، طويل الفكر؛ فجدد سيرة أردشير وعمل بها، ونظر في عهده وأخذ نفسه به، وأدب رعيته وبطانته، وبحث عن سياسات الأمم فاستصلح لنفسه منها ما رضيه، ونظر في تدابير أسلافه المستحسنة فاقتدى بها. وكان أول ما بدا به أن أبطل ملة زرادشت الثاني الذي كان من أهل فسا، وأبطل ملة المزدكية وقتل على ذلك خلقاً كير، وسفك من الدماء بسبب إبطال هذين المذهبين مالا يحصى كثرة، وقتل قوماً من المانوية، وثبت ملة المجوسية القديمة، وكتب في ذلك كتباً بليغة إلى أصحاب الولايات والأصبهبذين، وقوى ملك الفرس بعد ضعفه بإدامة النظر وهجر الملاذ وترك اللهو، وقوى جنوده بالأسلحة والأمتعة والكراع، وعمر البلاد وحفظ الأموال وثمرها، وسد الثغور واستعاد كثيراً من الأطراف التي غلب عليها الأمم.\rقال: وأما تدبيره في أمر المزدكية وإبطال ما فعلوه فإنه ضرب أعناق رؤسائهم، وقسم أموالهم في أهل الحاجة، وقتل جماعة كثيرة ممن عرف من الذين كانوا يدخلون على الناس في بيوتهم، ويشاركونهم في أموالهم وأهاليهم، ورد الأموال إلى أربابها. وأمر بكل مولود اختلف فيه أن يلحق بمن هو في سيمائه، وأمر بكل امرأة غلب عليها أن يؤخذ الغالب عليها حتى يغرم لها مهر مثلها، ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده وبين تزويج غيره؛ إلا أن يكون لها زوج أول فترد إليه.\rوأمر بكل من أضر برجل في ماله أو ظلمه أن يؤخذ منه الحق، ويعاقب الظالم بقدر جرمه. وأمر بعيال ذوي الأحساب الذين مات قيمهم فكتبوا له فأنكح بناتهم للأكفاء وجعل جهازهم من بيت المال، وأنكح بينهم من بيوتات الأشراف وأغنيائهم. وأمرهم بملازمة بابه لستعين بهم في أعماله، وخير نساء والده أن يقمن مع نسائه فيواسين ويصيرن في الأحرار، ويبتغي لهن الأكفاء من البعول، ثم أمر بكرى الأنهار وحفر القنى. وأمر بإعادة كل جسر قطع، أو قنطرة خربت أن ترد إلى أحسن ما كانت عليه، وتخير الحكام والعمال وأمرهم أن يسيروا بسيرة أردشير ووصاياه.","part":4,"page":124},{"id":1625,"text":"فلما انتظمت له هذه الأمور واستوثق له الملك ووثق بجنده سار نحو أنطاكية فافتتحها، وأمر أن تصور له المدينة على هيئتها وذرعها وطرقها وعدة منازلها، وأن تبنى له مدينة على صفتها إلى جانب المدائن، فبنيت المدينة المعروفة بالرومية، ثم نقل أهل أنطاكية إليها. فلما دخلوا باب المدينة مضى كل أهل بيت إلى ما يشبه منازلهم التي كانوا فيها بأنطاكية. وفتح مدينة هرقل ثم الإسكندرية، ثم أخذوا نحو الخزر، ثم إلى الهياطلة فقتل ملكهم بفيروز، وصاهر خاقان ملك الترك، وتجاوز بلخ وأنزل جنوده فرغانة، وبنى باب الأبواب. وقد ذكرناه في المباني القديمة.\rولما بنى هذا السور هابته الملوك وراسلته وهادنته؛ فورد عليه رسول ملك الروم بهدايا فنظر إلى إيوانه في ميزانه اعوجاجاً، فقال: ما هذا الأعوجاج؟ فقيل له: إن عجوزاً لها منزل في جانب هذا الاعوجاج فأرادها الملك على بيعه وأرغبها في الثمن فأبت، فلم يكرهها وبقي الاعوجاج على ما ترى. فقال الرومي: هذا الاعوجاج أحسن من هذا الاستواء. وكتب إليه ملك الصين: من نقفور ملك الصين صاحب قصر الدر والجوهر، الذي يخرج من قصره نهران يسقيان العود والكافور، والذي توجد رائحته على فرسخين، والذي يخدمه بنات ألف ملك، والذي في مربطه ألف فيل أبيض، إلى أخيه كسرى أنوشروان. وأهدى إليه هدايا عظيمة. وكتب إليه ملك الهند: من ملك الهند وعظيم ملوك الشرق، وصاحب قصر الذهب، وأبواب الياقوت والدر، إلى أخيه كسرى أنوشروان ملك فارس، صاحب التاج والراية. وأهدى إليه هدايا؛ منها ألف من من العود يذوب على النار كالشمع، ويختم عليه كما يختم على الشمع. وجام من الياقوت الأحمر فتحته شبر مملوء دراً، وعشرة أمنان كافور كالفستق، وجارية طولها سبعة أذرع تضرب أشفار عينيها خديها، وكأن بين أجفانها لمعان البرق مع إتقان شكلها، مقرونة الحاجبين، لها ضفائر تجرها؛ وفراش من جلود الحيات ألين من الحرير وأحسن من الوشي. وكان كتابه في لحا الشجر المعروف بالكاذي مكتوباً بالذهب.\rوكتب إليه ملك التيبت: من ملك التيبت ومشارق الأرض المتاخمة للصين والهند، إلى أخيه كسرى المحمود السيرة والقدر، ملك المملكة المتوسطة في الأقاليم السبعة، أنوشروان. وأهدى إليه أنواعاً مما عمل من عجائب أرض تبت، منها مائة جوشن ومائة ترس تبتية مذهبة، وأربعة آلاف من من المسك من نوافج غزلانية. واستغاث به ابن ذي يزن يستصرخه على الحبشة فبعث معه قائداً من قواده. وسنورد ذلك إن شاء الله في خبر سيف بن ذي يزن.\rولما استتب له الأمر ووظف الوظائف على الترك والخزر والهند الروم غيرهم، نظر في الخراج وأبواب المال. وكانت رسوم الناس جارية على الثلث من البقاع، ومن بعضها الربع والخمس والسدس على حسب العمارة. وكان قباذ أبوه قد مسح الأرض وهلك قبل أن يستحكم له أمر تلك المساحة؛ فجمع أنوشروان أهل الرأي فاتفقوا على أن جعلوا على كل جريب من الحنطة والشعير درهماً، وعلى الجريب من الكرم ثمانية دراهم، وعلى الرطاب تسعة دراهم، وعلى كل أربع نخلات فارسية درهماً، وعلى كل ست نخلات دقل مثل ذلك، وعلى كل ستة أصول زستون مثل ذلك، ولم يضعوا إلا على نخل في حديقة، أو مجتمع غير شاذ، وتركوا فيما سوى ذلك من الغلات السبع، وألزموا الناس الجزية ما خلا أهل البيوتات والعظماء والمقاتلة والهرابذة والكتاب، ومن كان في خدمة املك، وصيروها على طبقات: اثني عشر درهماً، وثمانية دراهم، وستة دراهم، وأربعة دراهم، على قدر إكثار الرجل وإقلاقه، ولم يلزموا الجزية من كان أتى له من السنين دون العشرين أو فوق الخمسين، ورفعوا هذه الوضائع إلى كسرى فرضيها وأمر بإمضائها وجباية مبلغها في ثلاثة أنجم في كل سنة، وسماها ابراسيار. ومعنى ذلك الأمر المتراضي به.","part":4,"page":125},{"id":1626,"text":"وكان أنوشروان - لما أراد أن يضع هذه الوضائع - أمر بإتمام المساحة التي بدا بها قباذ، وأحصى النخل والزيتون وغير ذلك، والجماجم؛ ثم أمر الكتاب فأخرجوا جمل ذلك غير تفصيله، وأذن للناس إذناً عاماً، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليهم الجمل المستخرجة من أصناف الغلات وعدد النخل والزيتون والجماجم، فقرأ ذلك عليهم. ثم قال كسرى: إنا قد رأينا أن نضع على ما أحصى من جربان هذه المساحة وضائع، فأمر بإنجامها في السنة ثلاثة أنجم، ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثغر من الثغور أو طرف من الأطراف فتق أو ما نكرهه واحتجنا إلى تداركه أو حسمه بذلنا الأموال التي عندنا ولم نحتج إلى استئناف جبايتها، فما الذي ترون فيما رأيناه من ذلك وأجمعنا عليه؟ فلم يشر عليه أحد منهم بمشورة، ولا نطق بكلمة. فكرر كسرى عليهم القول ثلاثاً، فقام رجل من عرضهم وقال: أتضع أيها الملك - عمرك الله - خالداً من هذا على الفاني؟ من كرم يموت، وزرع يهيج، ونهر يغيض، وعين أو قناة ينقطع ماؤها. فقال له كسرى: يا ذا الكلفة المشئوم، من أي طبقات الناس أنت؟ فقال: من الكتاب. فقال كسرى: اضربوه بالدوي، حتى يموت، فضربه الكتاب خاصة تبرؤا منهم إلى كسرى من رأيه، وما صدر من مقالته حتى قتلوه. وقال الناس: نحن راضون بما الزمتنا أيها الملك يه من خراج. ثم اجتمعت الآراء على وضع ما ذكرناه من الوضائع، فاستقرت على ذلك إلى أن الإسلام، وبها أخذ عمر رضي الله عنه لما فتحت بلاد فارس.\rكسرى أنوشروان\rقال الشيخ أبو علي احمد بن محمد بن مسكويه في كتابه المترجم بتجارب الأمم: إنه قرا فيما كتبه أنوشروان من سيرة نفسه في كتاب عمله في سيرته وما ساس به مملكته: قال كسرى: كنت يوماً جالساً بالدسكرة وأنا سائر إلى همذان لنصيف هناك؛ وقد أعد الطعام للرسل الذين بالباب من قبل خاقان والهياطلة والصين وقيصر ونقفور؛ ودخل رجل من الأسورة مخترطاً سيفه حتى وصل إلى الستر في ثلاثة أماكن، وأراد الدخول حيث نحن والوثوب علينا، فأشار علي بعض خدمي أن أخرج إليه بسيفي، فعلمت انه إن كان إنما هو رجل واحد فسوف يحال بيننا وبينه، وإن كانوا جماعة فإن سيفي لا يغني شيئاً؛ فلم أخف ولم أتحرك من مكاني؛ وأخذه بعض الحرس فإذا هو رجل رازي من حشمنا وخاصتنا، فلم يشكوا أن على رأيه كثيراً من الناس، فسألوني ألا أجلس ولا أحضر للشرب حتى يستبين الأمر، فلم أجبهم إلى ذلك لئلا ترى الرسل مني جبناً، فخرجت لشربي، فلما فرغنا هددت الرازي بالعقوبة وقطع اليمين، وسألته أن يصدقني عن الذي حمله على ذلك، وأنه إن صدقني لم تنله عقوبة بعد ذلك؛ فذكر أن قوماً وضعوا من قبل أنفسهم كتباً وكلاماً، وذكروا أنه من عند الله، أشاروا عليه بذلك وأخبروه أني إن قتلته وإن قتلني أدخل الجنة. فلما فحصت عن ذلك وجدته حقاً؛ فأمرت بتخلية الرازي وبرد ما اخذ منه، وتقدمت بضرب رقاب أولئك الذين أشاروا عليه حتى لم أدع منهم أحداً.\rوقال انوشروان: إني لما أحضرت القوم الذين اختلفوا في الدين وجمعتهم للنظر فيما يقولونه، بلغ من جرأتهم وخبثهم وقوة شياطينهم أن لم يبالوا بالقتل والموت في إظهار دينهم الخبيث، حتى إني سألت أفضلهم رجلاً على رءوس الناس عن استحلاله قتلي، فقال: نعم، استحل قتلك وقتل من لا يطاوعنا على ديننا! فلم آمر بقتله حتى إذا حضر وقت الغداء أمرت أن يحبس الغداء وأرسلت إليه بطرف الطعام، وأمرت الرسول أن يبلغه عني أن بقائي له أنفع مما ذكر؛ فأجاب الرسول إن ذلك حق، ولكن سألني الملك أن أصدقه عن ذات نفسي ولا أكتمه شيئاً مما أدين به، وغنما أدين بما أخذته من مؤدبي.\rقال أنوشروان: لما غدر بي قيصر وغزوته فذل وطلب الصلح وأنفذ إلي بمال وأقر بالخراج والفدية، تصدقت على مساكين الروم وضعفائهم وضعفاء مزارعيهم مما بعث به قيصر بعشرة آلاف دينار، وذلك فيما وطئته من أرض الروم دون غيرها.","part":4,"page":126},{"id":1627,"text":"وقال: لما أمرت بتصفح أمر الرعية بنفسي ورفع البلاء والظلم عنهم، وما ينوبهم من ثقل الخراج؛ فإن فيه مع الأجر تزيين أهل المملكة وغناهم وقدرة الوالي على أن يستخرج منهم إن هو احتاج إلى ذلك - وقد كان في آبائنا من يرى أن وضع الخراج عنهم السنة والسنتين والتخفيف أحياناً مما يقويهم على عمارة أرضيهم - جمعت العمال ومن يؤدي الخراج فرأيت من تخليطهم ما لم أر له حيلة إلا التعديل والمقاطعة على بلدة بلدة، وكورة كورة، ورستاق، وقرية قرية، ورجل رجل؛ فاستعملت عليهم أهل الثقة والأمانة في نفسي، وجعلت في كل بلد مع كل عامل أمناء يحفظون عليه، ووليت قاضي القضاة بكل كورة النظر في أهل كورته، وأمرت أهل الخراج أن يرفعوا ما يحتاجون إلى رفعه إلينا إلى القاضي الذي وليته أمر كورهم حتى لا يقدر العامل أن يزيد شيئاً، وأن يؤدوا الخراج بمشهد من القاضي، وأن تعطى به البراءة، وأن يرفع خراج من هلك منهم، ولا يزاد الخراج ممن لم يدرك من الأحداث، وأن يرفع القاضي وكاتب الكورة وكاتب أهل الكورة وكاتب أهل البلد والعامل محاسبتهم إلى ديواننا وقت الكتب بذلك.\rوقال: رفع إلينا موبذان موبذ أن قوماً سماهم من أهل الشرف، بعضهم بالباب كان شاهداً وبعضهم ببلاد أخر، دينهم مخالف لما رويناه عن نبينا وعلمائنا، وأنهم يتكلمون بدينهم سراً يدعون إليه، وأن ذلك مفسدة للملك، وحيث لا تقوم الرعية إلا على هوى واحد، فيحرمون جميعاً ما يحرم الملك، ويستحلون ما يستحل الملك في دينه؛ فإن ذلك إذا اجتمع للملك قوى بجنده لأجل الموافقة بينهم وبين الملك، فاستظهر على قتال الأعداء؛ فأحضرت أولئك المختلفين في الأهواء، وأمرت أن يخاصموا حتى يقفوا على الحق ويقروا به، وأمرت أن يقصوا عن مدينتي وعن بلادي ومملكتي، ويتتبع كل من هو على هواهم فيفعل به ذلك.\rوقال: إن الترك الذين في ناحية الشمال كتبوا إلينا بما أصابهم من الحاجة، وأنهم لا يجدون بداً - إن لم نعطهم شيئاً - من أن يغزونا، وسألوا خصالاً إحداها أن نتخذهم في جندنا، ونجري عليهم مايعيشون به، وأن نعطيهم من أرض الكرج وبلنجر وتلك الناحية ما يعيشون به، فرأيت أن أسير في ذلك الطريق إلى باب صول، وأحببت أن يعرف من قبلنا من الملوك هناك نشاطنا للأسفار وقوتنا عليها متى هممنا، وأن يروا ما رأوا من هيبة الملوك وكثرة الجنود وتمام العدة وكمال السلاح ما يقوون به على أعدائهم، ويعرفون به قوة من خلفهم إن هم احتاجوا إليه، وأحببنا بمسيرنا أن نجري لهم على أيدينا الجوائز والحملان، والقرب من المجلس واللطف في الكلام ليزيدهم ذلك مودة ورغبة فينا، وحرصاً على قتال أعدائنا، ،أحببت أيضاً التعهد لحصونهم، وأن أسأل أهل الخراج عن أمرهم في مسيرنا. فسرت في طريق همذان وأذربيجان. فلما بلغت إلى باب الصول ومدينة فيروز خسرو يممت تلك المدائن العتيقة، وتلك الحدود، وأمرت ببناء حصون أخر. فلما بلغ خاقان الخزر نزولنا هناك تخوف أن نغزوه؛ فكتب أنه لم يزل - منذ ملكت - يحب موادعتي، وأنه يرى الدخول في طاعتي؛ ورأى بعض قواده - لما شاهد حاله - تركه وأتانا في ألفين من أصحابه، فقبلناه وأنزلناه في تلك الناحية، وأجريت عليه وعلى أصحابه الرزق، وأمرت لهم بحصن هناك، وأمرت بمصلى لأهل ديننا، وجعلت فيه موبذاً وقوماً نساكاً، وأمرتهم أن يعلموا من دخل من الترك في طاعتنا ما في طاعة الولاة من المنفعة العاجلة في الدنيا، ولاثواب الآجل في الأخرى، وأن يحثوهم على المودة والصحبة والعدل والنصيحة ومجاهدة العدو، وأن يعلموا أحداثهم رأينا ومذهبنا، وأقمت لهم في تلك التخوم الأسواق، وأصلحت طرقهم وقومت السكك. ونظرنا فيما اجتمع لنا هناك من الخيل والرجال فغذت هو بحيث لو كان بوسط فارس لكان منزلنا بها فاضلاً.","part":4,"page":127},{"id":1628,"text":"وقال: فلما أتى لمكنا ثمان وعشرون سنة جددت النظر في أمر المملكة والعدل على الرعية، والنظر في أمرهم، وإحصاء مظالمهم، وإنصافهم. وأمرت موبذ كل ثغر ومدينة وبلد بإنهاء ذلك إلي. وأمرت بعرض الجند، من كان منهم بالباب بمشهد مني، ومن غاب في الثغور والأطراف بمشهد من القائد وبادوستان والقاضي وأمين من قبلنا. وأمرت بجمع أهل كور الخراج في كل ناحية من مملكتي إلى مصرها مع القائد وقاضي البلد والكاتب والأمين. وسرحت من قبلي من عرفت صحبته وأمانته ونسكه وعلمه، ومن جربت ذلك منه إلى كل مصر ومدينة حيث أولئك العمال والغلمان وأهل الأرض ليجمعوا بينهم وبين أهل أراضيهم وبين وضيعهم وشريفهم، وأن يرفع الأمر كله على حقه وصدقه، فما نفذ لهم فيه أمر أو صح فيه القضاء فرضى به أهله فرغوا منه هنالك، وما أشكل عليهم رفعوه إلي.\rوبلغ اهتمامي بتفقد ذلك مالولا الذي أداري من الأعداء والثغور لباشرت أمر الخراج والرعية بنفسي قرية قرية حتى أتعهدها وأكلم رجلاً رجلاً من أهل مملكتي؛ غير أني تخوفت أن يضيع بذلك السبب أمر هو اعظم منه، الأمر الذي لا يغني فيه أحد غنائي ولا يقدر على إحكامه غيري، ولا يكفينيه كاف، مع الذي في الشخوص إلى قرية قرية من المئونة على الرعية من جندنا، ومن لا نجد بداً من إخراجه معنا. وكرهنا أيضاً إشخاصهم إلينا مع تخوفنا أن يشتغل أهل الخراج عن عمارة أراضيهم، أو يكون فيهم من يدخل عليه من ذلك مئونة في تكلف السير إلى بابنا، وقد ضيع قراه وأنهاره وما لا يجد بداً من تعهده في السنة كلها في أوقات العمارة، ففعلنا ذلك بهم ووكلنا موبذان موبذ بذلك، وكتبنا به الكتب وسرحنا من وثقنا به، ورجونا أن يجري مجرانا وأشخصناه وقلدناه ذلك.\rقال: ولما أمن الله جميع أهل مملكتنا من الأعداء فلم يبق منهم إلا نحو ألفي رجل من الديلم الذين عسر افتتاح حصونهم لصعوبة الجبال عليها، لم نجد شيئاً أنفع لمملكتنا من أن نفحص عن الرعية، وأولئك الأمناء الذين وصيناهم بإنصاف أهل الخراج. وكان بلغنا أن أولئك الأمناء لم يبالغوا على قدر رأينا في ذلك، فأمرت بالكتب إلى قاضي كورة كورة أن يجمع أهل الكورة بغير علم عاملهم وأولى أمرهم فيسألهم عن مظالمهم وما تسخرج منهم، ويفحص عن ذلك بمجهود رأيه ويبالغ فيه، ويكتب حال رجل منهم ويختم عليه بخاتمه وخاتم الرضا من أهل تلك الكورة، ويبعث به إلي ويسرح ممن يجتمع رأي الكورة عليه بالرضا نفراً، وغن أحبوا أن يكون فيمن يشخص بعض سفلتهم أيضاً فعل ذلك.","part":4,"page":128},{"id":1629,"text":"فلما حضروا جلست للناس وأذنت لهم بمشهد من عظماء أرضنا وملوكهم وقضاتهم وأحرارهم وأشرافهم، ونظرت في تلك الكتب والمظالم، فأية مظلمة كانت من العمال ومن وكلائنا، أو من وكلاء أولادنا ونسائنا وأهل بيتنا حططناها عنهم بغير بينة؛ لعلمنا بضعف أهل الخراج منهم، وظلم أهل القوة من السلطان لهم، وأية مظلمة كانت لبعضهم من بعض ووضحت بنا، أمرت بإنصافهم قبل البراح، وما أشكل وأوجب الفحص عنه شهود البلد وقاضيها سرحت معه أميناً من الكتاب، وأميناً من فقهاء ديننا وأميننا وثقنا به من خدمنا وحاشيتنا، فأحكمت ذلك إحكاماً وثيقاً. لوم يجعل الله لذوي قرابتنا ورحمنا وخدمنا وحاشيتنا منزلة عندنا دون الحق والعدل؛ فإن من شأن قرابة الملك وحاشيته أن يستطيلوا بعزته وقوته، فإذا أهمل السلطان أمرهم هلك من جاوره إلا أن يكون فيهم متأدب بأدب ملكه، محافظ على دينه، شفيق على رعيته، وأولئك قليل؛ فدعانا الذي أطلعنا عليه من ظلم أولئك ألا نطلب البينة عليهم فيما ادعى قبلهم. ولم نزل نرد المظالم، ولم نرد أيضاً ظلم أحد ممن كان عزيزاً بنا، منيعاً بمكانه ومنزلته عندنا، فإن الحق واسع للضعفاء والأقوياء والفقراء والأغنياء؛ ولكنا لما أشكلت الأمور في ذلك علينا كان الحمل على خواصنا وخدمنا أحب إلينا من أن نحمل على ضعفاء الناس ومساكينهم، وأهل الفاقة والحاجة منهم. وعلمنا أن أولئك الضعفاء لا يقدرون على ظلم من حولنا. وعلمنا مع ذلك أن الذين أعدينا لهم من خاصتنا يرجعون من نعمتنا وكرامتنا إلى ما لا يرجع إليه أولئك. ولعمري إن خواصنا إلينا، وآثر خدمنا في أنفسنا الذين يحفظون سيرتنا في الرعية، ويرحمون أهل الفاقة والمسكنة وينصفونهم؛ فإنه قد ظلمنا من ظلمهم، وجار علينا من جار عليهم، وأراد تعطيل ذمتنا التي هي حرزهم وملجأهم. قال: ثم كتب إلينا على رأس سبع وثلاثين سنة من ملكنا، أربعة أصناف من الترك من ناحية الخزر، ولكل صنف منهم ملك، يذكرون ما دخل عليهم من الحاجة، وما لهم من الحظ في عبوديتنا، وسألوا أن نأذن لهم في القدوم بأصحابهم لخدمتنا، والعمل لما نأمرهم به، وألا نحقد عليهم ما سلف منهم قبل ملكنا، وأن ننزلهم منزلة سائر عبيدنا، فإنا سنرى في كل ما نأمرهم به من قتال وغيره كأفضل ما نرى من أهل نصيحتنا، فرأيت في قبولي إياهم عدة منافع منها: جلدهم وبأسهم، ومنها: أني تخوفت أن تحملهم الحاجة على إتيان قيصر أو بعض الملوك فيقووا بهم علينا، وقد كان فيما سلف يستأجر منهم قيصر لقتال ملوك ناحيتنا بأغلى الأجرة.\rوكان لهم في ذلك القتال بعض الشوكة بسبب أولئك الأتراك؛ لأن الترك ليس عندهم لذة للحياة، فهو الذي يجرئهم مع شقاء معايشهم على الموت؛ فكتبت إليهم إنا نقبل من دخل في طاعتنا، ولا نبخل على أحد بما عندنا، وكتبت إلى مرزبان الباب آمره بأن يدخلهم أولاً أولاً، فكتب إلي إنه قد أتاه منهم خمسون ألفاً بنسائهم وأولادهم وعيالهم. ولما بلغني ذلك أحببت أن أقربهم إلي ليعرفوا إحساني إليهم، وأعظمهم ليطمئنوا إلي قوادنا، حتى إذا أردنا تسريحهم مع بعض قوادنا كان كل واحد بصاحبه واثقاً، فشخصنا إلى أذربيجان، فلما نزلتها أذنت لهم في القدوم، وأتاني عند ذلك طرائف من هدايا قيصر، وأتاني رسول خاقان الأكبر، ورسول صاحب الروم، ورسول صاحب خوارزم، ورسول ملك الهند، والداور، وكابل شاه، وصاحب سرنديب، وصاحب كله، وكثير من الرسل، وتسعة وعشرون ملكاً في يوم واحد، وانتهيت إلى أولئك الأتراك الثلاثة والخمسين ألفاً فأمرت أن يصفوا هناك وركبت لذلك، فكان يومئذ من أصحابي وممن قدم علي ومن دخل في طاعتي وعبوديتي من لم يسعهم مرج كان طوله عشرة فراسخ، فحمدت الله كثيراً وأمرت أن يصف أولئك الأتراك في أهل بيوتاتهم على سبع مراتب، ورأست عليهم منهم، وأقطعتهم وكسوت أصحابهم، وأجريت عليهم الأرزاق، وأمرت لهم بالمياه والأرضين، وأسكنت بعضهم مع قائد لي باللان، وقسمتهم في كل ما احتجنا إليه من الثغور، وضممتهم إلى المرزبان؛ فلم أزل أرى من مناصحتهم واجتهادهم فيما نوجههم له ما يسرنا في جميع البلدان والثغور وغيرها.","part":4,"page":129},{"id":1630,"text":"قال: وكتب إلي خاقان الأكبر يعتذر إلي من بعض غدراته ويسأل المراجعة والتجاوز، وذكر في كتابه ورسالته أن الذي حمله على عداوتي وغزو أرضي من لم ينظر له، وناشدني الله أن أتجاوز عنه، وتوثق لي بما أطمئن إليه. وذكر أن قيصر قد أرسل إليه وزعم أنه يستأذنني في قبول رسله، وأنه لا يعمل في قبول رسل أحد إلا بما آمره، ولا يجاوز أمري، ولا يرغب في الأموال ولا في المودات لأحد إلا برضائي، وكان دسيس لي في الترك يكاتبني بندم خاقان وندم أصحابه على غدره وعداوته إياي، فأجبته: إني لعمري ما أبالي إن طبيعة نفسك وغريزتك غدرت بنا أم أطعت غيرك في ذلك، وما ذنبدك في طاعة من أطعت في ذلك إلا كذبتك فيما فعلته برأي نفسك، وإني قد استحققت أشد العقوبة. وكتبت أني لا أظن شيئاً من الوثيقة تفي لكم إلا وقد كنت ضيعته، ولا أظن شيئاً وثقت لنا به من قبل اليوم ثم غدرتم، فكيف نطمئن إليك ونثق بقولك؟ ولسنا نأمنك على مثل ما فعلت من الغدر ونقض العهد والكذب في اليمين. وذكرت أن رسل قيصر عندك، ووقفنا على استئذانك إيانا فيهم؛ وإني لست أنهاك عن مودة أحد. وكرهت أن يرى أني أتخوف مصادقته وأهاب ذلك منه. وأحببت أن أعلمه أني لا أبالي بشيء مما جرى بينهما. ثم سرحت لمرمة المدائن والحصون التي بخراسان وجمع الأطعمة والأعلاف إليها ما يحتاج إليه الجند، وأمرت أن يكونوا على استعداد وحذر، ولا يكون من غفلتهم ما كان في المرة الأولى وهم على حال الصلح.\rقال: وكان شكري لله تعالى لما وهب لي وأعطاني متصلاً بنعمه الأول التي وهبها لي في أول خلقه إياي؛ فإنما الشكر والنعم عدلا كفتي الميزان أيهما رجح بصاحبه احتاج الأخف إلى أن يزاد فيه حتى يعادل صاحبه، فإذا كانت النعم كثيرة والشكر قليلاً انقطع الحمل وهلك ظهر الحامل، وإذا كان ذلك مستوياً استمر الحامل. وكثير النعم يحتاج صاحبها إلى كثير الشكر، وكثير الشكر يجلب كثير النعم. ولما وجدت الشكر بعضه بالقول، وبعضه بالعمل، ونظرت في احب الأعمال إلى الله وجدته الشيء الذي أقام به السموات والأرض، وأرسى به الجبال، وأجرى به الأنهار وبرأ به البرية. وذلك الحق والعدل فلزمتهما. ورأيت ثمرة الحق والعدل عمارة البلدان التي بها معايش الناس والدواب والطير وسكان الأرض.\rولما نظرت في ذلك وجدت المقاتلة أجراء أهل العمارة، ووجدت أهل العمارة أجراء المقاتلة، فإنهم يطلبون أجورهم من أهل الخراج وسكان البلدان لمدافعتهم عنهم، ومجاهدتهم من ورائهم، فحق على أهل العمارة أن يوفوهم أجورهم؛ فإن عمارتهم تتم بهم، وإن أبطأوا عليهم بذلك أو هدوهم فقوي عدوهم؛ فرأيت من الحق على أهل الخراج ألا يكون لهم من عمارتهم إلا ما أقام معايشهم، وعمروا به بلدانهم، ورأيت ألا أجتاحهم وأستفرغ ذات أيديهم للخزائن والمقاتلة، فإني إذا فعلت ذلك ظلمت المقاتلة مع ظلم أهل الخراج؛ وذلك أنه إذا فسد العامر فسد المعمور، وكذلك أهل الأرض والأرض، فإنه إذا لم يكن لأهل الخراج ما يعيشهم ويعمرون به بلادهم هلكت المقاتلة الذين قوتهم بعمارة الأرض؛ فلا عمارة للأرض لا بفضل ما في يد أهل الخراج؛ فمن الإحسان إلى المقاتلة والإكرام لهم أن أرفق بأهل الخراج وأعمر بلادهم، وأدع لهم فضلاً في معايشهم؛ فأهل الأرض وذووا الخراج أيدي المقاتلة والجند وقوتهم، والمقاتلة أيضاً أيدي أهل الخراج وقوتهم.\rولقد ميزت ذلك بجهدي وطاقتي، وفكرت فيه فما رأيت أن أفضل هؤلاء على هؤلاء إذ وجدتهما كاليدين المتعاونتين والرجلين المترادفتين.\rولعمري ما أعفى أهل الخراج من الظلم من أضر بالمقاتلة، ولا كف الظلم عن المقاتلة من تعدى على أهل الخراج. ولولا سفهاء الأساورة لأبقوا على أهل الخراج والبلاد إبقاء الرجل على ضيعته التي منها معيشته وحياته وقوته، ولولا جهال أهل الخراج لكفوا عن أنفسهم بعض ما يحتاجون إليه من المعايش إيثاراً على أنفسهم.","part":4,"page":130},{"id":1631,"text":"قال: ولما فرغنا من إصلاح العامة والخاصة بهذين الركنين من أهل الخراج والمقاتلة كان ذلك ثمرة العدل والحق الذي دبر الله العظيم خلائقه به، وشكرت الله على نعمته والمقاتلة في أداء حقه على مواهبه، وأحكنا أمر المقاتلة وأهل الخراج ببسط العدل، وأقبلنا بعد ذلك على السير والسنن، ثم بدأنا بالأعظم فالأعظم من أمورنا، والأكبر فالأكبر عائداً على جندنا ورعيتنا، ونظرنا في سير آبائنا من لدن بستاسف إلى ملك قباذ أقرب آبائنا. ثم لم نترك إصلاحاً في شيء من ذلك إلا أخذناه، ولا فساداً إلا أعرضنا عنه، ولم يدعنا حب الآباء إلى قبول ما لا خير فيه من السنن، ولكنا آثرنا حب الله وشكره وطاعته.\rولما فرغنا من النظر في سير آبائنا وبدأنا بهم، وكانوا أحق بذلك، فلم ندع حقاً إلا آثرناه، ووجدنا الحق في القرابة. نظرنا في سير أهل الروم والهند فاصطفينا محمودها، وجعلنا عيار ذلك عقولنا، وميزانه بأحلامنا، فأخذنا من جميع ذلك ما زين سلطاننا، وجعلناه سنة وعادة، ولم تنازعنا أنفسنا إلى ما تميل به أهواؤنا، وأعلمناهم ذلك وأخبرناهم به، وكتبنا إليهم بما كرهنا لهم من السير ونهيناهم عنه وتقدمنا إليهم فيه؛ غير أنا لم نكره أحداً على غير دينه وملته، ولم نحسدهم ما قبلنا، ولا منع ذلك انقباض بعلم ما عندهم، فإن الإقرار بمعرفة الحق والعلم والأتباع له من أعظم ما تزينت به الملوك. ومن أعظم المضرة على الملوك الأنفة من العلم والحمية من طلبه، ولا يكون عالماً من لا يتعلم.\rولما استقصيت ما عند هاتين الأمتين من حكمة التدبير والسياسة، ووصلت بين مكارم أسلافي، وما أحدثته بالرأي، وأخذت به نفسي، وقبلته عن الملوك الذين لم يكونوا منا، وثبت على الأمر الذي نلت به الظفر والخير، ورفضت سائر الأمم لأني لم أجد عندهم رأياً ولا عقولاً ولا أحلاماً، ووجدتهم أصحاب بغي وحسد وكلب وحرص وشح وسوء تدبير وجهالة ولؤم عهد وقلة مكافأة. وهذه أمور لا تصلح عليها ولاية، ولا تتم لها نعمة.\rقال ابن مسكويه: وقرأت مع هذه االسير في آخر هذا الكتاب الذي كتبه أنوشروان في سيرة نفسه أن أنوشروان لما فرغ من أمور المملكة وهذبها جمع إليه الأساورة مع القواد والعظماء والمرازبة والنساك والموابذة وأماثل الناس معهم فخطبهم فقال:\rخطبة أنوشروان","part":4,"page":131},{"id":1632,"text":"قال: أيها الناس، أحضروني فهمكم، أعطوني أسماعكم، وناصحوني أنفسكم، فإني لم أزل زاضعاً سيفي على عنقي منذ وليت عليكم غرضاً للسيوف والأسنة، وكل ذلك للمدافعة عنكم، والإبقاء عليكم، وإصلاح بلادكم مرة بأقصى الشرق، وتارة في آخر المغرب، وأخرى في نهاية الجنوب، ومثلها في جانب الشمال، ونقلت الذين اتهمتهم إلى غير بلادهم، ووضعت الوضائع في بلدان الترك، وأقمت بيوت النيران بقسطنطنية، ولم أزل أصعد جبلاً شامخاً وأنزل عنه، وأطأ حزونه بعد سهوله، وأصبر على المخمصة والمخافة، وأكابد البرد والحر، وأركب هول البحر وخطر المفازة؛ إرادة هذا الأمر الذي قد أتمه الله لكم: من الإثخان في الأعداء، والتمكن في البلاد، والسعة في المعاش، ودرك العز، وبلوغ ما نلتم؛ فقد أصبحتم بحمد الله ونعمته على الشرف الأعلى من النعمة، والفضل الأكبر من الكرامة والأمن، وقد هزم الله أعداءكم وقتلهم؛ فهم بين مقتول هالك، وحي مطيع لكم سامع؛ وقد بقي لكم عدو عددهم قليل، وبأسهم شديد، وشوكتهم عظيمة؛ وهؤلاء الذين بقوا أخوف عندي عليكم، وأحرى أن يهزموكم ويغلبوكم من الذين غلبتموهم من أعدائكم، وأصحاب السيوف والرماح والخيول؛ وإن أنتم أيها الناس غلبتم عدوكم هذا الباقي، غلبتكم لعدوكم الذين قاتلتم وحاصرتم، فقد تم الظفر والنصر، وتمت فيكم القوة، وتم بكم العز، وتمت عليكم النعمة، وتم لكم الفضل، وتم لكم الاجتماع والألفة والصحة والسلامة؛ وغن أنتم قصرتم وهنتم، وظفر هذا الدو بكم فأين الظفر الذي كان منكم، فاطلبوا أن تقتلوا من هذا العدو الباقي مثل ما قتلتم من ذلك العدو الماضي؛ وليكن جدكم في هذا واجتهادكم واحتشادكم أكبر وأجل وأحزم وأعزم وأصح وأشد، فإن أحق الأعداء بالاستعداد له أعظمهم مكيدة، وأشدهم شوكة، وليس الذي كنتم تخافون من عدوكم الذي قاتلتم بقريب من هؤلاء الذين آمركم بقتالهم الآن؛ فاطلبوه وصلوا ظفراً بظفر، ونصراً بنصر، وقوة بقوة، وتأييداً بتأييد، وعزماً بحزم وعزم، وجهاداً بجهاد؛ فإن بذلك اجتماع غصلاكم، وتمام النعمة عليكم، والزيادة في الكرامة من الله لكم، والفوز برضوانه في الآخرة.\rثم اعلموا أن عدوكم من الترك والروم والهند وسائر الأمم لم يكونوا ليبلغوا منك - إن ظهروا عليكم وغلبوكم - مثل الذي يبلغ هذا العدو منكم إن غلبكم وظهر عليكم؛ فإن بأس هذا العدو أشد، وكيده أكبر، وأمره أخوف من ذلك العدو يا أيها الناس، إني قد نصبت لكم كما رأيتم، ولقيت ما قد علمتم بالسيف والرمح والمفاوز والبحار والسهولة والجبال؛ أقارع عدواً عدواً، وأكالب جنداً جنداً، وأكابد ملكاً ملكاً، لم أتضرع إليكم هذا التضرع في قتال أولئك الجنود والملوك، ولم أسألكم هذه المسالة في طلب أجد منكم، والاجتهاد والاحتفال والاحتشاد، وإنما فعلت كذا لعظم خطره، وشدة شوكته، ومخافة صولته بكم. وإن أنا أيها الناس لم أغلب هذا العدو وأنفة عنكم، فقد أبقيت فيكم أكبر الأعداء، ونفيت عنكم أضعفها، فأعينوني على نفي هذا العدو المخوف عليكم، القريب الدار منكم؛ فأنشدكم الله أيها الناس لما أعنتموني عليه حتى أنفيه عنكم، وأخرجه من بين أظهركم فيتم بلائي عندكم، وبلاء الله فيكم عندي، وتتم النعمة علي وعليكم، والكرامة من الله لي ولكم، ويتم هذا العز والنصر، وهذا الشرف والتمكين، وهذه الثروة والمنزلة.\rيا أيها الناس، إني تفكرت بعد فراغي من كتابي هذا، وما وصفت من نعمة الله علينا في الأمر الذي لما غلب دارا الملوك والأمم وقهرها، واستولى على بلادها ولما تحكم أمر هذا العدو، هلك وهلكت جنوده بعد السلامة والظفر والنصر والغلبة؛ وذلك أنه لم يرض بالأمر الذي تم به بالملك، واشتد به السلطان، وقوى به على الأعداء، وتمت عليه به النعمة، وفاضت عليه من وجوه الدنيا كلها الكرامة، حتى احتال له بوجوه النميمة والبغي؛ فدعا البغي الحسد فتقوى به وتمكن، ودعا الحسد بغض أهل الفقر لأهل الغنى، وأهل الخمول لأهل الشرف؛ ثم أتاهم الإسكندر وهم على ذلك من تفرق الأهواء، واختلاف الأمور، وظهور البغضاء وقوة العداوة فيما بينهم والفساد منهم. ثم ارتفع ذلك إلى أن قتله صاحب حرسه وأمينه على دمه، للذي شمل قلوب العامة من الشر والضينة، ونبت فيها من العداوة والفرقة، وكفى الإسكندر مؤنة نفسه؛ وقد اتعظت بذلك اليوم وذكرته.","part":4,"page":132},{"id":1633,"text":"ياأيها الناس، فلا اسمعن في هذه النعمة تفرقاً ولا بغياً ولا حسداً ظاهراً، ولا وشاية ولا سعاية، فإن الله قد طهر من ذلك أخلاقنا وملكنا، وأكرم عنه ولايتنا، وما نلت ما نلت بنعمة ربنا وحمده بشيء من الأمور الخبيثة التي نفتها العلماء، وعافتها الحكماء؛ ولكن نلت هذه الرتبة بالصحة والسلامة، والحب للرعية، والوفاء والعدل والاستقامة والتؤدة. وإنما تركنا أن نأخذ عن هذه الأمم التي سميناها، أعني من الترك والبربر والزنج والجبال وغيرهم، مثل ما أخذنا عن الهند والروم لظهور هذه الأخلاق فيهم وغلبتها عليهم. ولا تصلح أمة قط وملكها على ظهور هذه الأخلاق التي هي أعدى أعدائكم.\rيا أيها الناس، إن فيما بسط الله علينا بالسلامة والعافية والاستصلاح غني لنا عما نطلب بهذه الأخلاق الرديئة المشئومة؛ فاكفوني في ذلك أنفسكم؛ فإن قهر هذه الأعداء أحب إلي وخير لكم من قهر أعدائكم من الترك والروم. فأما أنا أيها الناس فقج طبت نفساً بترك هذه الأمور ومحقها وقمعها ونفيها عنكم.\rيا أيها الناس، غني قد أحببت أن أنفي عدوكم الظاهر والباطن؛ فأما الظاهر منهما فإنا بحمد الله ونعمته قد نفيناه وعاننا الله عليه وحصد لنا شوكته، وأحسنتم فيه وأجملتم وآسيتم وأجهدتم، فافعلوا في هذا العدو كما فعلتم في ذلك العدو، واعملوا فيه كالذي عملتم في ذلك، واحفظوا عني ما أوصيكم به فإني شفيق عليكم ناصح لكم.\rأيها الناس، من أحيا هذه الأمور فينا فقد أفسد بلادءه عندنا من كان يقاتلنا من أعدائنا، فإن هذه أكثر مضرة، وأشد شوكة، وأعظم بلية، وأضر تبعة.\rواعلموا أن خيركم يا أيها الناس من جمع إلى بلائه السالف عندنا المعونة لنا على نفسه في هذا الغابر. واعلموا أن من غلبه هذا غلبه ذاك، ومن غلب هذا فقد قهر ذاك؛ وذلك أن بالسلامة والألفة والمودة والاجتماع والتناصح منكم يكون العز والقدرة والسلطان، ومع التحاسد والبغي والنميمة والسب يكون ذهاب العز، وانقطاع القوة وهلاك الدنيا والآخرة؛ فعليكم بما أمرنا به، واحذروا ما نهيناكم عنه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. عليكم أهل الفاقة، وضيافة السلابلة، وأكرموا جوار من جاوركم، وأحصنوا صحبة من دخل فيكم من الأمم، فإن الإحراج في ذمتي، ولا تجبهوهم ولا تظلموهم، ولا تسلطوا عليهم، ولا تحرجوهم، فإن الإحراج يدعو إلى المعصية، ولكن اصبروا لهم على بعض الأذى، واحفظوا أمانتكم وعهدكم، واحفظوا ما عهدت إليكم من هذه الأخلاق، فلا تصلحوا إلا معها، وبالله تعالى ثقتنا في الأمور كلها. ثم هلك أنوشروان بعد ثمان وأربعين سنة من ملكه.\rثم ملك بعده ابنه هرمز بن كسرى أنوشروان. وأمه قاقم ابنة خاقان ملك الترك. وقيل: بل ابنة ملك من ملوك الخزر. قال: وكان كثير الأدب، حسن السياسة، جميل النية، وافر الإحسان إلى الضعفاء والمساكين.\rوكان من سيرته المرتضاة أنه يجري الخير والعدل على الرعية، ويشدد على العظماء المتسلكين. وبلغ من عدله أنه كان يسر إلى المياه ليصيف هناك، فأمر فنودي في مسيره أن يتحامى مواضع الحروث، ولا يسير فيها الراكب لئلا يضروا بأحد، ووكل بتعهد ما يجري في عسكره، ومعاقبة من تعدى أمره وتغريمه لصاحب الحرث عوضاً عما أفسده له. وكان ابنه كسرى أبرويز في عسكره فغار مركب من مراكبه ووقع في حرث كان على الطريق، فأفسد ما مر عليه، فأخذ ودفع إلى الرجل الموكل من جهة هرمز بمعاقبة من أفسد هو أو دوابه شيئاً من الحرث، فلم يجسر الرجل الموكل من جهة هرمز أمر هرمز في ابنه أبرويز، فرفع الأمر إلى هرمز فأمره أن يجدع أذنيه، ويبتر ذنبه، ويغرم كسرى أبرويز لصاحب الحرث؛ فخرج الرجل لإنفاذ الأمر، فدس له كسرى رهطاً من العظماء يسألونه التثبت في الأمر، فكلموه فلم يجب إلى ذلك، فسألوه تأخير ذلك الأمر في المركب حتى يكلموا هرمز، ففعل، ولقي أولئك الرهط هرمزاً وأعلموه أن ذلك المركب حتى يكلموا الذي غار زعارة، وأنه أخذ لوقته، وسألوه أن يأمر بالكف عن جدعه وتبره، لما في ذلك من سوء الطيرة فلم يجبهم إلى ما سألوه، وأمر بالمركب فجدعت أذناه وبتر ذنبه، وغرم كسرى كما يغرم غيره من الجند ثم ارتحل.","part":4,"page":133},{"id":1634,"text":"قال: وركب ذات يوم في أوان إيناع الكرم يريد ساباط المدائن، وكان ممره على بساتين وكروم، فنظر بعض الأساورة إلى كرم فرأى حصر ما، فأصاب منه عناقيد ودفعها إلى غلامه وقال: اذهب بها إلى المنزلة واطبخها بلحم واصنع منها مرقة فإنها نافعة في هذا الإبان، فأتاه حافظ ذلك الكرم فلزمه وصاح به، فبلغ إشفاق الأسوار من عقوبة هرمز أن دفع إلى حافظ منقة محلاة بالذهب كانت في وسطه، وسأله أن يأخذها عوضاً عما أخذه من الحصرم، ولا يرفع الأمر إلى الملك.\rفهذه كانت سيرته في العدل، وهذا كان خوف جنده وأساورته منه. وكان مظفراً منصوراً، وكان أديباً داهياً، إلا أنه كان مقصياً للأشراف وأهل البيوتات والعلماء. وقيل: إنه قتل ثلاثة عشر ألف رجل وستمائة رجل منهم، ولم يكن له رأى إلا في تآلف السفلة وأسقاط الناس واستصلاحهم. وحبس خلقاً كثيراً من العظماء، وحط مراتب جماعة كبيرة، وقصر بالأسورة ففسدت عليه نيات أكابر جنده وعظماء مملكته، فكان عاقبة سوء هذا التدبير أن خرج عليه جماعة من الملوك منهم شابه شاه ملك الترك في ثلثمائة ألف مقاتل، وسار إلى باذغيس، وذلك بعد مضي إحدى عشرة سنة من ملكه، وخرج عليه ملك الروم في ثمانين ألف مقاتل، وخرج عليه ملك الخزر حتى سار إلى باب الأبواب، وخرج عليه من العرب خلق كثير، فنزلوا في شاطئ الفرات وشنوا الغارات على أهل السواد، فاجترأ عليه أعداؤه وغزوا بلاده.\rفأما شابه شاه ملك الترك فإنه أرسل إلى هرمز وإلى عظماء ملكه من الفرس يؤذنهم بإقباله في جيوشه زمراً زمراً، وأعلمهم أنه يريد غزو الروم، ويسلك إليهم من بلادهم، وأمرهم أن يعقدوا له قناطر على كل نهر يمر عليه في بلادهم من الأنهار التي لا قناطر عليها، وكذلك في الأدوية، وأن يسهلوا له الطرق والمسالك وقال: فإنني قد أجمعت على المسير إلى بلاد الروم من بلادكم، فاستفظع هرمز ما ورد عليه من ذلك، وجمع أكابر مملكته وعرض ذلك عليهم، وشاورهم فيما يفعله، فاجتمعت الآراء على قصد ملك الترك وحربه، فندب إليه رجلاً من أهل الرأي والنجدة يقال له بهرام جوبين، فاختار بهرام من العسكر اثني عشر ألفاً من الكهول دون الشباب، وسار بهم حتى انتهى إلى هراة وباذغيس، ولم يشعر شابه شاه ملك الترك ببهرام حتى وافاه ونزل بالقرب من معسكره، فكانت بينهما حروب كثيرة آخرها أن بهرام جو بين قتل شابه برمية رماه بها فاستباح عسكره، وأقام بهرام موضعه، فوافاه برموذة بن شابه وكان يعدل بأبيه، فحاربه فهزمه بهرام جوبين وحصره في بعض الحصون، ثم ألح عليه حتى استسلم له، فوجهه أسيراً إلى هرمز، وغنم كنوزاً عظيمة، فيقال إنه حمل إلى هرمز من الأموال والجواهر والأواني وسائر الأمتعة وقر مائتي ألف وخمسين ألف بعير في مدة تلك الأيام، فشكره هرمز على ذلك، وأمر أن يتقدم بمن معه إلى بلاد الترك فلم يره بهرام صواباً، ثم خاف سطوة هرمز.\rوحكى له أن الملك يستقل ما حمله إليه من الغنائم في جنب ما وصل إليه منها، وأنه يقول في مجالسه قد ترفه بهرام واستطاب الدعة، وبلغ ذلك الجند فخافوا مثل خوفه. فيقال إن بهرام جمع ذات يوم وجوه عسكره وأجلسهم على مراتبهم ثم خرج عليهم في زي النساء وبيده مغزل وقطن حت جلس في موضعه؛ وحمل إلى كل واحد من أولئك القوم مغزل وقطن ووضع بين أيديهم، فامتعضوا من ذلك وأنكروه وقالوا: ما هذا الزي! فقال بهرام: إن كتاب الملك ورد علي بذلك ولا بد من امتثال أمره إن كنتم طائعين له، فاظهروا أنفة وحمية واجمعوا كلهم على خلع هرمز، فخلعوه وأظهروا أن ابنه كسرى أبرويز أصلح للملك منه، وساعدهم على ذلك خلق كثير ممن كان بحضرة هرمز.","part":4,"page":134},{"id":1635,"text":"ولما اتصل ذلك بهرمز أنفذ جيشاً كثيفاً مع بعض قواده لمحاربة بهرام جوبين، فأشفق أبرويز من الحديث وخاف سطوة أبيه ببهرام، فهرب إلى أذربيجان، فاجتمع إليه هناك عدة من المرازبة ومن الاصبهبذين، فأعطوه بيعتهم ولم يظهر ابرويز شيئاً، وأقام بمكانه إلى أن بلغه قتل القائد الذي كان قد بعثه هرمز محاربة بهرام جوبين، وهو اذبيحشيش، وهزيمة الجيش الذي كان معه واضطراب أمر هرمز أبيه، وكتبت أخب أذبيجشيش إلى كسرى أبرويز تخبره بضعف أبيه هرمز. وأعلمته أن العظماء والوجوه قد أجمعوا على خلعه، وأن بهرام جوبين إن سبقه إلى المدائن احتوى على الملك. قال: ولم يلبث العظماء أن وثبت على هرمز وفيهم بندويه وبسطام خالاً أبرويز وخلعوه وسملوا عينيه، وتركوه تحرجاً من قتله. فكان ملكه إلى أن خلع وسمل اثنتي عشرة سنة.\rثم ملك بعده ابنه كسرى أبرويز هرمز بن كسرى أنوشروان. قال: ولما ملك بادر بمن معه إلى المدائن وسبق إلهيا بهرام جوبين وتتوج وجمع إليه الوجوه والأشراف، وجلس على السرير ومناهم، فأمرهم بالسم والطاعة، فاستبشر الناس به ودعوا له وأجابوه ودخلوا تحت طاعته. فلما كان في اليوم الثاني أتى إلى أبيه فسجد له، واعتذر وقال: إنك تعلم أيها الملك إنني بريء مما جناه إليك هؤلاء القوم الذين فعلوا بك ما فعلوا، وإنما هربت خوفاً منك وإشفاقاً على نفسي، فصدقه هرمز وقال: يا بني! إن لي إليك حاجتين فأسعفني بهما، إحداهما: أن تنتقم لي ممن عاون على خلعي وسمل عيني ولا تأخذك بهم رأفة، والأخرى تونسني كل يوم بثلاثة نفر ممن لهم أصالة رأي، وتأذم لهم بالدخول إلي؛ فتواضع له أبرويز وقال: عمرك الله أيها الملك، إن المارق بهرام قد أطلنا أهل الشجاعة والنجدة، ولسنا نقدر أن نمد يداً إلى من أتى إليك ما أتى؛ فإنهم وجوه أصحابك؛ ولكن إن أمكنني الله من المنافق فأنا خليفتك وطوع أمرك.\rقال: وأما بهرام جوبين فإنه ورد إلى النهروان، فخرج كسرى أبرويز إليه ووافقه بها وجعل النهر بينه وبينه، ودار بينهما كلام كثير. كل ذلك في استصلاح بهرام ورجوعه إلى الطاعة، وهو لا يجيب إلى ذلك ولا يرد إلا ما يسوء أبرويز حت يئس منه واجمع على حربه والتقوا واقتتلوا. وكان بينهما أخبار كثيرة وأحاديث طويلة آخرها أن أبرويز عنه بعد أن قتل بيده ثلاثة نفر من الأتراك، وكانوا من أشدهم وأعظمهم شجاعة ووسامة، وكانوا قد التزموا لبهرام بقتل أبرويز، وضمن لهم بهرام على ذلك أموالاً عظيمة.","part":4,"page":135},{"id":1636,"text":"ثال: ثم رأى أبرويز من أصحابه فتوراً فسار إلى أبيه وشاوره فرأى المسير إلى الروم، وأحرز نساءه وشخص في عدة يسيرة فيهم بندويه، وبسطام وكردي أخو بهرام؛ فأنه كان معادياً لأخيه، شديد الطاعة والنصيحة لأبرويز. فلما خرجوا من المدائن خاف القوم من بهرام، وأشفقوا أن يرد هرمز إلى الملك، ويكاتب ملك الروم عم هرمز في ردهم فيتلفوا، فذكروا ذلك لأبرويز واستأذنوه في إتلاف هرمز فلم يحر جواباً، فانصرف بندويه وبسطام وطائفة معهما إلى هرمز فخنقوه ثم رجعوا إلى كسرى فقالوا: سر على خير طالع، وأيمن طائر، فحثوا دوابهم وساروا إلى الفرات فقطعوه، وأخذوا طريق المفازة بدلالة رجل يقال له: خرشيذان وساروا إلى بعض الديارات التي في أطراف العمارة، فلما أوطنوه للراحة لحقتهم خيل بهرام جوبين، فلما نذروا بهم أنبه بندويه أبرويز من نومه وقال له: احتل لنفسك فإن القوم قد طلبوك. فقال كسرى: ما عندي حيلة. فقال بندويه: إني سأحتال لك بأن أبذل نفسي دونك؛ قال: وكيف ذلك؟ قال: تدفع لي ثوبك وزينتك لا علو الدير، وتنجو أنت ومن معك من وراء الدير، فإن القوم إذا وصلوا ورأوا هيئتك علي اشتغلوا بي من غيري، وطاولتهم حتى تفوتهم، ففعل ذلك. وخرج أبرويز ومن معه، ثم وافت خيل بهرام الدير وعليهم قائد لهم يقال له بهرام ابن سياوش فاطلع بندويه من فوق الدير وعليه زينة أبرويز وثيابه، وأوهمهم أنه هو، وسأله أن ينظره إلى غد ليصير في يده سليما ويسير به إلى بهرام جوبين، فأمسك عنه وحفظ الدير ليلة كاملة بالحرس. فلما أصبح اطلع عليه في بزته وحليته وقال: إن علي وعلى أصحابي بقية شغل من استعداد وصلوات وعبادات فأمهلنا. ولم يزل يدافعه حتى مضى عامة النهار وأمعن أبرويز، وعلم بندويه أنه قد فاتهم، ففتح الباب حينئذ وأعلم بهرام سياوش بأمره، فانصرف به إلى بهرام جوبين فحبسه. وأما بهرام جوبين فإنه دخل المدائن وجلس على سرير الملك، وجمع العظماء فخطبهم وذم أبرويز ودار بينهم كلام، فكان كلهم منصرفاً عنه إلا أن بهرام تتوج وانقاد له الناس خوفاً، ثم إن بهرام بن سياوش واطأ بندويه على الفتك ببهرام جوبين، فظهر بهرام على ذلك، فقتل سياوش وأفلت بندويه ولحق بأذربيجان، وسار أبرويز حتى أتى أنطاكية فكاتب ملك الروم منها، وراسله بجميع من كان معه وسأله نصرته، فأجابه إلى ذلك وزوجه ابنته مريم وحملها إليه، وأمده بثياذوس أخيه ومعه ستون ألفاً من المقاتلة، عليهم رجل يقال له سرجس، يتولى تدبير أمرهم، ورجل آخر من أبطال الروم، كان يعد بينهم بألف رجل، وسأله ترك الأتاوة التي كان أوه ومن قبله من ملوك الفرس يستأدونها من ملوك الروم إذا هو ملك، فأجابه إلى ذلك، وفرح بالجيش الذي أمده به ملك الروم، واغتبط بهم وأراحهم خمسة أيام، ثم عرضهم وعرف عليهم العرفاء، وسار بهم حتى نزل من أذربيجان في صحراء تدعى الدنق فوافاه بندويه ورجل من أصبهبذي الناحية يقال له موسيل في أرعين ألف مقاتل، فانضموا إليه، ووافاه الناس بالخيل من أصبهان وفارس، وانتهى إلى بهرام جوبين مكانه بصحراء الدنق، فشخص نحوه من المدائن، فجرت بينهما حروب شديدة قتل فيها الكمي الرومي بضربة ضربه بها بعض الفرس على رأسه فقد رأسه وبدنه، وعاد فرسه بنصف بدنه الباقي إلى المعركة.\rفلما رآه أرويز استضحك؛ فعظم ذلك على الروم وعاتبوا أبرويز وقالوا له: هذا جزاؤنا منك! يقتل كميناً وواحد عصره في طاعتك وبين يديك ونصحك ونصرتك وأنت تضحك لقتله! فاعتذر بأن قال: إني والله ما ضحت لما تكرهون. ولقد شق علي أن فقدت مثله أكثر مما شق عليكم، ولكني رايتكم تستصغرون شأن جوبين وتنكرون هربي منه، فذكرت ذلك من قولكم الآن وعلمت أنكم برؤيتكم هذه الضربة تعذرونني وتعلمون يقيناً أن هربي إنما كان من أمثال هؤلاء القوم الذين هذا مبلغ نكايتهم في الأبطال.\rويقال إن أبرويز حارب بهرام منفرداً عن العسكر بأربعة عشر رجلاً منهم كردي أخو جوبين وبندويه وبسطام حرباً شديداً وصل فيها بعضهم إلى بعض، وآخر الأمر أن أبرويز استظهر استظهاراً يئس منه بهرام جوبين، وعلم أنه لا حيلة له فيه ولا قدرة عليه، فانحاز عنه نحو خراسان، ثم سار إلى الترك، وسار أبرويز إلى المدائن بعد أ، فرق في الجنود من الروم أموالاً عظيمة وصرفهم إلى ملك الروم.","part":4,"page":136},{"id":1637,"text":"قال: ولبث بهرام جوبين في الترك مكرماً عند الملك حتى احتال عليه كسرى أبرويز بتوجيهه رجلاً يقال له هرمز إلى الترك بجوهر نفيس وغيره من الهدايا إلى امرأة ملك الترك حتى دست لبهرام من قتله؛ فاغتم خاقان لموته أرسل إلى أخته كردية وامرأته يعلمهما بلوغ الحوادث ببهرام، وسأل كردية أخب بهرام أن يتزوجا وفارق امرأته خاتون بهذا السبب، فأجابته كردية جواباً ليناً، ثم ضمت إليها من كان مع أخيها بهرام من المقاتلة، وخرجت بهم من بلاد الترك إلى حدود مملكة فارس، فأتبعها ملك الترك أخاه نظراً في اثني عشر ألف فارس. فيقال إن كردية قاتلت وقتلت نطرا بيدها، ومضت لوجهها حتى بلغت حدود أرض فارس، وكتبت إلى أخيها كردي فأخذ لها أماناً من أبرويز، فلما قدمت عليه اغتبط بها وتزوج بها أبرويز.\rقال: ولم يزل أبرويز يلاطف ملك الروم الذي نصره وأمده ويهاديه إلى أن وثبت الروم عليه في شيء أنكروه منه فقتلوه وملكوا غيره، فبلغ ذلك أبرويز فتألم له وأوى إلى أبرويز ابن الملك المقتول، فتوجه أبرويز وملكه على الروم، ووجه معه جنوداً كثيفة مع شهرياز قدوخ بهم البلاد. وملك صاحب كسرى بيت المقدس وأخذ خشبة الصلب وبعث بها إلى كسرى، وذلك في أربع وعشرين سنة من ملكه، ثم احتوى على مصر والإسكندرية وبلاد النوبة، وبعث مفاتيح ثغر الإسكندرية إلى كسرى في سنة ثمان وعشرين من ملكه، وقصد قسطنطينية فأناخ على ضفة الخليج الذي هو بالقرب منها وخيم هنالك، فأمره كسرى فجرب بلاد الروم غضباً على أهلها لما انتهكوا من ملكهم وانتقاماً له، ومع ذلك لم يخضعوا لابن ملكهم المقتول ولا منحوه الطاعة، ولا مال إليه واحد منهم؛ غير أنهم قتلوا الملك الذي ملكوه عليهم بعد أبيه المسمى قوقا لما ظهر لهم من فجوره وسوء تدبيره؛ وملكوا عليهم رجلاً يقال له هرقل. فلما رأى هرقل عظم ما فيه أهل بلاد الروم من تخريب جنود فارس بلادهم، وقتلهم مقاتليهم، وسبيهم ذراريهم، واستباحتهم أموالهم تضرع إلى الله وأكثر الدعاء وابتهل. فيقال إنه رأى في منامه رجلاً ضخم الجثة رفيع المجلس قد دخل عليهما داخل فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل: إني قد أسلمته في يدك، فلم يقصص رؤياه في يقظته على أحد حتى توالت عليه أمثالها، فرأى في بعض لياليه كأن رجلاً دخل عليهما وبيده سلسلة طويلة فألقاها في عنق صاحبه، أعني صاحب المجلس الرفيع، ثم دفعه إليه وقال له: ها قد دفعت إليك كسرى برقبته.\rفلما تتابعت هذه الأحلام قصها على عظماء الروم وذوي العلم منهم، فأشاروا عليه أن يغزوه، فاستعد هرقل واستخلف ابنه على مدينة قسطنطينية واخذ عن الطريق الذي فيه شهريار صاحب كسرى وعدل إلى غيرها، وسار حتى أوغل في بلاد أرمينية ونزل نصيبين سنة، وكان صاحب ذلك الثغر من قبل كسرى استدعى لموجدة كانت من كسرى عليه. وأما شهريار فقد كانت كتب كسرى ترد عليه في الجثوم على الموضع الذي هو به وترك البراح، ثم بلغه أن هرقل قد أقام بجنوده بنصيبين، فوجه كسرى لمحاربة هرقل رجلاً من قواده يقال له: راهزر في اثني عشر ألف رجل من الأنجاد، وأمره أن يقيم بنينوى - وهي الموصل - على شاطئ دجلة ويمنع الروم أن يجوزوها. وكان كسرى بلغه خبر هرقل، وهو يومذاك بدسكرة الملك، فنفذ الجيش لمنعه من جواز دجلة، فعسكروا حيث أمرهم كسرى، فقطع هرقل دجلة من موضع آخر إلى الناحية التي فيها جنود فارس، فاذكى راهزار العيون عليه، فاخبروه أن هرقل في سبعين ألف مقاتل، فأيقن راهزار ومن معه من الجند أنهم عاجزون عن مناهضته، فكتب إلى كسرى غير مرة أن هرقل قد دهمه بما لا طاقة له به ولا قيل من الجنود الكثيرة. كل ذلك يجيبه كسرى بأنه إن عجز عن الروم فلن يعجز عن استقبالهم، وبذل دماء الفرس في طاعته.","part":4,"page":137},{"id":1638,"text":"فلما تتابعت على راهزار أجوبة كسرى بذلك عبأ جنده وناهض الروم بهم؛ فقتلت الروم راهزار وستى آلاف رجل من الفرس، وانهزم بقيتهم وهربوا على وجوههم لا يلوون على شيء، وبلغ كسرى ذلك فانحاز من دسكرة الملك إلى المدائن، وتحصن بها لعجزه عن محاربة هرقل، وسار هرقل بجيوش الروم حتى كان قريباً من المدائن، فاستعد كسرى لقتاله، فلما بلغه ذلك انصرف إلى أرض الروم، وكتب كسرى إلى قواد الجند الذين انهزموا يأمرهم أن يدلوه على كل رجل انهزم منهم، فأحوجهم بهذا الكتاب إلى الخلاف عليه، وطلب الحيل لنجاة أنفسهم منه، وكتب إلى شهرياز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله في ذلك ويصف مانال هرقل منه ومن بلاده.\rوقد حكي أن كسرى عرف أن له امرأة في فارس لا تلد إلا الملوك والأبطال فدعاها وقال: إن أريد أن أبعث إلى الروم جيشاً وأستعمل عليهم رجلاً من بنيك فأشيري علي أيهم أستعمل، فوصفت له أولادها فقالت: هذا فرخان أنفذ من سنان؛ وهذا شهريار أحكم من كذا، وهذا فلان أروغ من كذا؛ فاستعمل شهرياز؛ فسار إلى الروم فظهر عليهم وهزمهم وخرب مدائنهم.\rفلما ظهرت فارس على الروم جلس في بعض الأيام فرخان يشرب؛ فقال فرخان لأصحابه: لقد رأيت أني جالس على سرير كسرى، فبلغت كلمته كسرى، فكتب إلى شهرياز: إذا أتاك كتابي هذا فابعث إلي براس فرخان، فكتب إليه: أيها الملك، إنك تجد مثل فرخان، وإن له نكاية في العدو وصيتاً فلا تفعل، فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفاً منه، فعجل إلي برأسه، فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه، وبعث بريداً إلى أهل فارس: إني قد نزعت عنكم شهرياز واستعملت فرخان، فانقاد له شهرياز وقال: سمعاً وطاعةً، ونزل عن سريره وجلس عليه فرخان، ثم دفع البريد صحيفة صغيرة إلى فرخان كان كسرى قد أعطاها له وقال له: إذا انقاد شهرياز إلى طاعة فرخان فأعط فرخان هذه الصحيفة، فلما قرأها فرخان قال: علي بشرهياز! فأتي به فقدم ليضرب عنقه فقال: لا تعجل علي حتى أكتب وصيتي، ثم دعا بسفط وأخرج منه ثلاث صحائف، وهي التي كان كسرى أمر شهرياز فيها بقتل فرخان وقال له: كل هذه راجعت كسرى فيها عنك، وأنت تريد أن تقتلني بكتاب واحد؛ فرد الملك إلى أخيه واعتذر منه، فكتب شهرياز إلى هرقل ملك الروم: إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد، ولا تبلغها الصحف، فألقني ولا تأتيني إلا في خمسين رومياً، فإني أيضاً ألقاك في خمسين فارسياً، فاقبل هرقل في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق، خاف أن يكون قد مكر به، فأتته عيونه أنه ليس مع شهرياز إلا خمسين رجلاً.\rقال: ثم التقيا وقد بسط لهما في قبة من الديباج ضربت لهما، فاجتمعا ومع كل واحد منهما سكين، ودعوا ترجماناً يترجم لكل منهما عن قول الآخر؛ فقال شهرياز لهرقل: إن الذين خربوا مدينتك وبلغوا منك ومن جندك ما بلغوا أنا وأخي بشجاعتنا وكيدنا، وإن كسر حسدنا وأراد قتل أخي وكتب إلي بقتله فأبيت، ثم أمر أخي أ، يقتلني وقد خلعناه جميعاً ونحن نقاتله معك. قال: قد أصبتما ووفقتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه: إن السر إنما يكون بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا، قال الآخر: نعم، فقاما جميعاً إلى الترجمان بسكينيهما فقتلاه، واتفقا على قتال كسرى أبرويز.\rومما اتفق في أيامه من الحوادث يوم ذي قار، وسنذكره - إن شاء الله تعالى - في أيام العرب ووقائعها، ولم نذكر في هذا الموضع يوم ذي قار على سبيل الإيراد له بل على سبيل التنبيه عليه.\rحيلة لأبرويز\rعلى ملك الروم","part":4,"page":138},{"id":1639,"text":"قال: كان أبرويز وجه رجلاً من جلة أصحابه في جيش جرار إلى بلاد الروم، فنكأ فيهم، وبلغ منهم، وفتح الشام، وبلغ الدرب في آثار الروم، فعظم أمره حتى خافه أبرويز، فكاتبه لكتابين، يأمره في أحدهما أن يستخلف على جيشه من يثق به، ويقبل إليه، ويأمره في الكتاب الآخر أن يقيم بمكانه، وأنه لما تدبر أمره، وأجال الرأي لم ير من يسد مسده، ولم يأمن الخلل إن غاب عن موضعه، وأرسل بالكتابين رسولاً من ثقاته وقال له: أعطه الكتاب الأول بالأمر بالقدوم، فإن أجاب إلى ذلك فهو ما أردت، وإن كره وتثاقل عن الطاعة فاسكت عليه أياماً وأعلمه أن الكتاب الثاني ورد عليك وأوصله إليه ليقيم بموضعه. فخرج رسول كسرى حتى أتى صاحب الجيش ببلاد الشام فأوصل إليه الكتاب، فلما قراه قال: إما أن يكون كسرى قد تغير لي وكره موضعي، أو يكون قد اختلط عقله بصرف مثلي وأنا في نحر العدو؛ فدعا أصحابه وقرا عليهم الكتاب فأنكروه. فلما كان بعد ثلاثة أيام أوصل إليه الكتاب الثاني بالمقام وأوهمه أن رسولاً ورد به. فلما قرأه قال: هذا تخليط ولم يقع منه موقعاً، ودس إلى ملك الروم من باطنه في إيقاع الصلح بينهما على أن يخلي الطريق لملك الروم حتى يدخل إلى بلاد العراق على غرة من كسرى، وعلى أن لملك الروم ما يغلب عليه من دون العراق، وللفارسي ما وراء ذلك من بلاد فارس، فأجابه ملك الروم إلى ذلك وتنحى الفارسي عنه في ناحية من الجزيرة، وأخذ أفواه الطريق فلم يعلم كسرى حتى ورد خبر ملك الروم من ناحية قرقيسيا، وكسرى على غير استعداد، وجنده متفرقون في أعماله. فلما أتاه الخبر وثب عن سريره وقال: هذا وقت حيلة ومكيدة، لا وقت شدة، وجعل ينكث الأرض ملياً، ثم دعا برق فكتب فيه كتاباً صغيراً بخط دقيق إلى صاحبه بالجزيرة يقول فيه: ثم علمت ما كنت أمرتك به من مواصلة صاحب الروم وأطماعهم في نفسك، وتخلية الطريق حتى إذا تولج بلادنا أخذته من أمامه، وأخذته ومن ندبناه معك من خلفه فيكون في ذلك بواره، وقد تم في هذا الوقت ما دبرناه، وميعادك في الإيقاع به يوم كذا وكذا، ثم دعا راهباً في دير بجوار مدينته وقال له: أي جار كنت لك، قال: أفضل جار، فقال: قد بدت لنا إليك حاجة، فقال الراهب: الملك أجل من أن يكون له إلي حاجة، ولكن عندي بذل نفسي، فما يأمر به الملك؟ قال كسرى: تحمل لي كتاباً إلى فلان صاحبي، قال نعم، قال كسرى: ستمر بأصحابك النصارى فأخفه، فلما ولى عنه الراهب قال له كسرى: أعلمت ما في الكتاب؟ قال لا: قال: فلا تحمله حتى تعلم ما فيه. فلما قرأه أدخله في جيبه ثم مضى. فلما صار في عسكر الروم ونظر إلى الصلبان والقسيسين وضجيجهم بالتقديس والصوات احترق قلب الراهب وأشفق عليهم وقال في نفسه: أنا شر الناس إن حملت بيدي حتف النصرانية، وهلاك هؤلاء الخلق؛ فصاح الراهب: أنا لم يحملني الملك كسرى رسالة ولا معي كتاب، فأخذوه فودجوا الكتاب معه، وقد كان كسرى أيضاً وجه رسولاً قبل ذلك وأمره أن يمر بعسكر الروم كأنه رسول إلى كسرى من صاحبه الذي وافق ملك الروم ومعه كتاب فيه: إن الملك كان قد أمرني بمقاربة ملك الروم، وأن أخدعه وأخلي له الطريق، فيأخذه الملك من أمامه وآخذه أنا من خلفه، وقد فعلت ذلك، فرأى الملك في إعلامي وقت خروجه إليه. فأخذ ملك الروم الرسول وقرأ الكتاب وقال: قد عجبت من أن يكون هذا الفارسي معي على كسرى، ووافاه ويأسر من أدرك، وبلغ صاحب كسرى هزيمة الروم فأحب أن يخلي نفسه ويستر ذنبه. فلما قاته ما دبر خرج ملك الروم يقتل فيهم ويأسر، فلم يسلم منهم إلا القليل.\rهلاك أبرويز\rقال: وكان سبب ذلك تجبره واحتقاره للعلماء وعتوه، وذلك أنه استخف بما لا يستخف به الملك الحزم، وكان قد جمع من المال ما لم يجمعه أحد من الملوك، وبلغت خيله إلى قسطنطينية وأفريقية، وكانت له اثنتنا عشرة ألف امرأة وجارية، وألف فيل إلا فيل واحد، وخمسون ألف دابة، ومن الجواهر والأواني والآلات ما يليق بذلك، وأمر أن يحصى ما جبى من بلاده وسائر أبواب المال سنة ثماني عشرة من ملكه، فرفع إليه أن الذي جبى في تلك السنة من الخراج وسائر الأبواب كان ستمائة ألف ألف درهم، وأمر أن يحول إلى بيت مال بني بمدينة طيسفون من ضرب فيروز بن يزدجرد وقباذ بن فيروز اثنتي عشرة ألف بدرة من أنواه الجواهر وغير ذلك.","part":4,"page":139},{"id":1640,"text":"قال: فعتا وتجبر واستهان بالأنس والأحرار، وبلغ من جرأته أنه رأى رجلاً كان على حرس باب الخاصة، يقال له: زاذان فروخ، فأمره أن يقتل كل مقيد في سجن من سجونه، فأحصوا من بالسجون من المقيدين فبلغوا ستة وثلاثين ألفاً، فلم يقدر زاذان فروخ على قتلهم، وتوقف عن إمضاء أمر كسرى وأعد عللاً له فيما أمره به فيهم، فكان هذا أحذ الأسباب التي كسب بها كسرى عماوة أهل مملكته مع وجود احتقاره إياهم، واستخفافه بهم، واطراحه لعظمائهم.\rومن ذلك أنه سلط علجا، يقال له: فرخان زاذ، على الخراج فاستخرج بقاياهم منهم بعنف وعذاب. ومن ذلك أنه أجمع على قتل الفيل الذين انصرفوا إليه من قبل هرقل، فأكدت هذه الأسباب بغضه، واستطال الناس مدته، فكان نتيجة ذلك أن قوماً من العظماء انصرفوا إلى عقر بابل، وفيه شيرى بن أبرويز مع إخوته، وقد كان كسرى أبرويز وكل بهم مؤدبين وأسورة، يحولون بينهم وبين من يجتمع بهم من الناس، ويمنعونهم من الراح، فأخذه العظماء وأقبلوا به إلى مدينة بهر سير ودخلوها ليلاً، فخلى عمن كان في سجونها أخرجهم، واجتمع إليه الفل الذيم كانوا غلبوا وفروا من هرقل وأمر كسرى بقتلهم، فنادوا: قباذ شاهنشاه، وصاروا كلهم عند الصباح إلى رحبة كسرى، فهرب الحرس، وانحاز كسرى بنفسه إلى باغ له بالقرب من قصره، يعرف بباغ الهندوان، فاراً مرعوباً، فأخذ وحبس بمكان غير دار المملكة في دار رجل يقال له: ماراسفند، إلى أن قتل بعد حديث طويل ومراسلات كانت بينه وبين ابنه شيري بمواطأة العظماء، بعد تقريع عظيم، وتوبيخ كثير، على ما كان منه، ومن سوء تدبيره، وقبح فعاله، وهو يجيبهم بأجوبة إقناعية، وله مراسلات ووصايا كتبها إلى ابنه من السجن؛ قد ذكرنا بعضها فيما سلف من هذا الكتاب. وكان هلاكه بعد ثمان وثلاثين سنة من ملكه. وبمضي اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوماً من ملكه، كانت هجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.\rقال: ولما قبض على كسرى خلف في بيت المال من الورق أربعمائة ألف بدرة سوى الكنوز والذخائر والجواهر والآلات.\rوكان وزيره والقائم بتدبير بزرجمهر الحكيم. ولبزرجمهر هذا قضايا وحكم ومواعظ في أيدي الناس. ويقال: إن بزرجمهر هذا إنما كان وزيراً لكسرى أنوشروان، وهو الذي قتله. وذلك أن بزرجمهر ترك المجوسية ورجع إلى دين عيسى بن مريم عليه السلام ودان به، فقتله كسرى لذلك. ويقال: إنه وجد في منطقته لما قتل كتاب فيه: إذا كان القدر حقاً فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طباعاً فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان الموت نازلاً فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.\rقالوا: ولما بلغ بزرجمهر من العمر خمس عشرة سنة دخل على كسرى، وقد جلست الوزراء على كراسيها والمرازبة في مجالسها، فوقف وحيا الملك بتحية الملوك ثم قال: الحمد له المأمون نعمه، المرهوب نقمه، الدال عليه، بالرغبة إليه، المؤيد الملك، بسعوده في الفلك، حتى رفع شأنه، وعظم سلطانه، وأنار به البلاد، وأنعش به العباد، وقسم به في التقدير، وجوه التدبير، فرعى رعيته بفضل نعمته، وحماها الموبلات، وأوردها المعشبات، وذاد عنها الأكالين، وألفها بالرفق واللين، إنعاماً من الله عليه، وتثبيتاً لما في يديه. وأسأله أن يارك له فيما آتاه، ويخبر فيما استرعاه، ويرفع قدره في السماء، ويسير ذكره على وجه الماء، حتى لا يبقى له بينهما مناوى، ولا يوجد له مساوي. واستوهب الله له حياة لا يتنغص فيها، وقدرة لا يحيد أحد عنها، وملكاً لا بؤس فيه، وعافية تديم له البقاء، وتكثر له النماء؛ وعزا يؤمنه من انقلاي رعيته، أو هجوم بليت، فإنه مؤتى الخير، ودافع الشر.\rفلما سمعه كسرى أمر فخشي فمه بنفيس الجواهر، ولم تمنحه حداثة سنه أن استوزره، وقلده خيره وشره؛ فكان أول داخل، وآخر خارج. وكان أبوه خامل القدر، وضيع الحال، سفيه المنطق، اسمه البختكان.","part":4,"page":140},{"id":1641,"text":"قال: ولما قبض على أبرويز ملك بعده ابنه: قباذ بن أبرويز ويعرف قباذ بشيرويه. وقباذ هذا هو القابض على أبيه والقاتل له، وقتل سبعة عشر أخاً له، وقيل ثمانية عشر، ذوي آداب وشجاعة؛ فكان عاقبة ذلك أن الله عز وجل ابتله بالأسقام فانتقض عليه بدنه، ولم يلتذ بشيء من ملاذ الدنيا، وجزع بعد قتل إخوته جزعاً شديداً؛ وكان يبكي حتى يرمي التاج عن رأسه، وعاش ما عاش مهموماً حزيناً مدنفاً. وفي أيامه فشا الطاعون فأهلك أكثر الفرس. وكان ملكه ثمانية أشهر، وقيل أكثر من ذلك.\rوملك بعد وفاته ابنه أردشير بن شيرويه وهو ابن سبع سنين ولم يوجد من بيت الملك غيره.\rقال: ولما ملكته الفرس عليها حضنه رجل يقال له: مها ذرجشنس، فاحسن سياسة الملك. وكان شهر براز المقيم يثغر الروم في جند ضمهم إليه كسرى أبرويز وابنه شيرويه، وكانا يكتبان إليه ويستشيرانه في الأمر الذي يهمهما ويعملان برأيه. فلما مات شيرويه وملكت الفرس عليها ابنه أردشير - مع حداثة سنه - لم يشاوره عظماء الفرس في ذلك، فعظم عليه انفرادهم عنه، وجعل ذلك ذنباً لهم، وبسط يده وطمع في الملك، واستهان بعظماء الفرس، ودعا الناس لنفسه، وأقبل بجنده نحو المدائن، فعمد مهاذر جشنس إلى مدينة كيسبون، فحصنها وحول أردشير ومن بقي من نسل الملوك ونسائهم والأموال والخزائن والكراع وغير ذلك إليها؛ فورد شهربراز إلى مدينة طيسبون وحاصرها ونصل عليها المجانيق، فعجز عنها لحصانتها، فأخذ في أعمال المكايد والحيل، فلم يزل يتلطف برجل يقال له: بيوخسرو ويراسله هو وغيره، حتى فتحوا له باب المدينة فدخلها، وقتل جماعة من الرؤساء واستصفى أموالهم وقتل أردشير بن شيرويه. وكان ملمه سنة ونصفاً، وقيل: إنما ملك نصف سنة؛ وقيل: خمسة أشهر.\rوملك بعده شهر براز، وقيل فيه: شهريار، ولم يكن من أهل بيت المملكة.\rقال: ولما جلس على سرير الملك ضرب عليه بطنه، وبلغ من شدة ذلك عليه انه لم يقدر على إتيان الخلاء؛ فدعا بالطست، فوضع أمام ذلك السرير، ومد أمامه ما يستتر به، وبقي يتبرر في ذلك الطست.\rقال: ثم امتعض رجل يقال له: فسفروخ ين ماخرشيذان وأخوان له من قتل شهر براز أردشيرين شيرويه وغلبته على الملك، فتخالفوا على قتله. وكان من السنة إذا ركب الملك أن يقف له حرسه سماطين عليهم الدروع والبيض، وبأيديهم السيوف والتراس والرماح؛ فإذا حاذاهم الملك وضع كل واحد منهم ترسه على قريوس سرجه، ثم يضع جبهته عليه كهيئة السجود.\rقال: واتفق ركوب شهر براز في بعض الأيام فوقف فسفروخ وأخواه وهم بالقرب من بعضهم بعضاً، فلما حازاهم شهر براز طعنه فسفروخ، ثم طعنه أخواه فسقط عن دابته، فشدوا رجله بحبل وجروه إقبالاً وإدباراً ساعة، وساعدهم العظماء على ذلك، وقتلوا جماعة ممن كان قد ساعد شهر براز على قتل اردشير. فكان ملكه أربعين يوماً، وقيل عشرين يوماً.\rوملكت بعده بوران بنت كسرى أبرويز ويقال لها: بوران دخت.\rقال: فأحسنت السيرة وبسطت العدل، وأمرت برقم القناطر والجسور، وإعادة ما تشعث من العمارات، ووضعت بقايا الخراج، وكتبت إلى الناس عامة كتباً تعلمهم منا هي عليه من الإحسان، وأنها ترجو أن يريهم الله من الرفاهية والاستقامة بمكانها، ومن العدل وحفظ الثغور ما يعلمون أنه ليس ببطش الرجال تدوخ البلاد ولا ببأسهم تستباح العساكر، ولا بمكائدهم ينال الظفر وتطفا النوائر؛ ولكن ذلك بالله عز وجل، وحسن النية واستقامة التدبير. وأمرت بالمناصحة وحسن الطاعة وردت خشبة الصليب على ملك الروم. وكان ملكها سنة وأربعة أشهر. ثم ملك رجل يقال له: جشنسدة وهو ابن عم أبرويز، وكان ملكه أقل من شهر، وقيل: إن الذي يزدجرد بن كسرى وهو طفل.\rثم ملكت بعده آرميدخت بنت كسرى أبرويز، وكانت من أجمل نساء دهرها، وكان عظيم فارس يومئذ فرخ هرمز أصبهبذ خراسان؛ فأرسل إليها يسألها أن تزوجه نفسها فأرسل إليه: التزويج للملكة غير جائز، وقد علمت أن أريك فيما ذهبت إليه قضاء حاجتك مني؛ فصر إلي ليلة كذا وكذا، ففعل وركب إليها في تلك الليلة، وتقدمت إلى صاحب حرسها أن يرصده في الليلة التي تواعدا للالتقاء فيها، فإذا رآه يقتله، فرصده صاحب الحرس؛ فلما جاء قتله وجر برجله وطرحه في رحبة دار الملك.","part":4,"page":141},{"id":1642,"text":"فلما أصبح الناس ورأوه علموا أنه لم يقتل إلا لأمر عظيم، ثم أمرت بتغييب جثته فغيبت. وكان رستم بن فرخ هرمز هذا - وهو رستم صاحب القادسية - عظيم البأس، قوياً في نفسه، فلما بلغه ما صنع بابيه أقبل في جند عظيم حتى نزل المدائن؛ فقبض على آزرميد وسمل عينيها وقتلها بعد ذلك. فكانت مدة ملكها ستة أشهر.\rواختلف فيمن ملك بعد آزرميد، فقيل رجل من عقب أردشير بن بابك كان ينزل الأهواز يقال له: كسرى بن مهرجشنس، فلبس التاج وقتل بعد أيام. ويقال: بل كان رجل يسكن ميسان يقال له فيروز، فملكوه كرهاً. وكان ضخم الرأس، فلما توج قال: ما أضيق هذا التاج! فتطير العلماء من افتتاح الأمر بالضيق وقتلوه. ثم أتى برجل من أولاد كسرى كان قد لجأ إلى موضع من الغرب بالقرب من نصيبين، يقال له حصن الحجارة حين قتل شيرويه بن كسرى أبرويز إخوته، وهو فرخ زاباذ خسرو بن كسرى أبرويز، فانقاد الناس له طوعاً زماناً يسيراً ثم استعصوا عليه وخالفوه. وكان ملكه ستة أشهر، وكان أهل اصطخر قد ظفروا بيزدجرد بن شهريار بن أبرويز باصطخر، وكان قد هرب إليها حين قتل شيرويه إخوته. فما بلغ عظماء أهل اصطخر أن من بالمدائن خالفوا الملك فرخ زاذ خسرو أتوا يزدجرد ببيت نار أردشير، فتوجوه هناك وملكوه، وكان حدثاً ثم أقبلوا به إلى المدائن وقتلوا فرخ زاذ خسرو بحيل احتالوها عليه.\rوملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان بن بهرام بن يزدجرد بن سابور بن هرمز بن سابور بن أردشير بن بابك، فملك وكان العظماء والوزراء يدبرون الملك لحداثة سنه، وهو آخر الملوك الساسانية وعليه انقرضت دولته، فلم تقم لهم قائمة، وتردد إلى بلاد خراسان وإلى بلاد الترك، وعاد فقتل بمرو من بلاد خراسان في سنة إحدى وثلاثين ن الهجرة لسبع سنين خلت من خلافة عثمان بن عفان رضي الله.\rوكانت مدة ملك بزدجرد منذ ملك وإلى أن قتل عشرين سمة، إلا أن فيها مدة لا يعد فيها مع الملوك؛ لأنه كان مشرداً طريداً على ما نذكر أخباره مفصلة، وكيف فتحت بلاده ومدنه بلداً بلداً، ومدينة مدينة في خلافة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما.\rفعدة ملوك الفرس الأول والساسانية على هذا المساق الذي ذكرناه اثنان وخمسون ملكاً منهم ثلاث نسوة. فالفرس الأول عشرون ملكاً منهم امرأة واحدة. والملوك الساسنية اثنان وثلاثون ملكاً فيهم امرأتان. وذكر بعض المؤرخين أن ملوك الفرس ستون ملكاً، وأن مدة ملكهم أربعة آلاف سنة وسبعون سنة وشهوراً. والله أعلم.\rملوك اليونان وأنسابهم\rقد تنازع الناس في اليونانيين، فذهبت طائفة منهم أنهم ينتمون إلى الروم ويضافون إلى ولد إسحاق؛ وقالت طائفة: إن يونان هو ابن يافث بن نوح. وقال آخرون: إنه يافث بن الأصغر. وذهب قوم إلى انهم من ولد أوراش بن ماذان ابن سام ين نوح. وذهب آخرون إلى أنهم من قبيل متثدم في الزمن الأول.\rوقال المسعودي: وقد ذكر أن يونان أخو قحطان، وأنه من ولد عابر بن شالخ، وأن أمره في الانفصال عن دار أخيه كان سبب الشك في الشركة في النسب، وانه خرج من أرض اليمن. وكان يونان جباراً عظيماً، وسيماً جسيماً. وكان جزل الرأي، كبير الهمة، عظيم القدر. وهكذا ذكر يعقوب بن إسحاق الكندي في نسب يونان أنه أخ لقحطان، ورد عليه أبو العباس عبد الله بن خمد الناشئ في قصيدته حيث قال:\rأبا يوسف إني نظرت فلم أجد ... على الفحص رأياً صح منك ولا عقدا\rوصرت حكيماً عند قوم إذا امرؤ ... بالهم جميعاً لم يجد عندهم عهدا\rأتقرن إلحاداً بدين محمدلقد جئت شيئاً ياأخا كندة إدا\rوتخلط قحطاناً بيونان ضلة ... لعمري لقد باعدت بينهما جدا\rقيل: ولما كثر ولد يونان خرج يطلب موضعاً يسكنه، فأتى إلى موضع من الغرب، فأقام به هو ومن معه من ولده، وكثر نسله إلى أن أدركه الموت، فجعل وصيته إلى الأكبر من ولده واسمه جريبوش، وأوصاه بأولاده ونسله، ومات وبقي ابنه على مكانه، وكثر نسلهم على باد الغرب من الفرنجة والنوكبرد والصقالبة وغيرهم.\rوذكر بطليموس في كتابه: أن أول ملك ملك من ملوك اليونانيين فيلبس وتفسيره محب الفرس، وقيل اسمه نفليص، وقيل فيلفوس. وكانت مدة ملكه سبع سنين.","part":4,"page":142},{"id":1643,"text":"ثم ملك بعده ابنه الإسكندر ذو القرنين وليس هو صاحب الحضر رضي الله عنه. والإسكندر هذا الذي قتل دارا بن دارا ملك الفرس، ونثر عقد مملكة فارس، وقرر ملوك الطوائف فيما ذكرناه.\rوكان سبب قتله لدارا أن سائر الملوك كانت تؤدي الإتاوة إلى ملوك الفرس منذ دوخ بختنصر البلاد، وذلل لهم الملوك على منا ذكرناه آنفاً في أخبار الفرس، ولا حاجة إلى إعادته.\rقالوا: وكان قيلبس أبو الإسكندر قد صالح دارا على إتاوة يؤديها إليه في كل سنة. فلما ولي الإسكندر وظهر أمره، وكان بعيد الهمة، فامتنع أن يؤدي إلى دارا الخراج الذي كان يحمله أبوه إليه، فأسخط دارا ذلك، فكتب إليه يؤنبه بسوء صنيعه بتركه حمل ما كان أبوه يحمله من الخراج وقال في كتابه: إنما دعاك إلى حبس ذلك الصبا والجهل، وبعث إليه بصولجان وكرة وبقفيز من السمسم. يعلمه بذلك أنه ويعلمه أنه لم يقتصر على ما أمره به وتعاطى الملك بعد أن أمره باعتزاله بعث إليه بمن يأتيه في وثاق. وان عدة جنوده الذين يبعث بهم إليه كعدة حب السمسم الذي بعث به إليه.\rفكتب إليه الإسكندر في جواب ذلك: أنه قد فهم ما كتب به، ونظر إلى ما أرسله إليه من الصولجان والكرة وتيمن به لإلقاء الملقي الكرة إلى الصولجان وإحرازه إياها، وأنه شبه الأرض بالكرة، وتفاءل بملكه إياها واحتوائه عليها، وأنه يجتر ملك دارا إلى ملكه، وبلاده إلى حيزه؛ وأنه نظر إلى السمسم الذي بعث به كنظره إلى الصولجان والكرة لدسمه وبعده عن المرارة والحرافة، وبعث إلى دارا مع كتابه بصرة من خردل، وأعلمه في الجواب أن ما بعث به إليه قليل، غير أن ذلك مثل الذي بعث به في القوة والحرافة والمرارة، وأن جنوده فيما وصف به منه.\rفلما وصل إلى دارا جواب كتاب الإسكندر، جمع جنده وتأهب لحربه وسار نحو بلاده، وتأهب الإسكندر أيضاً للقائه وسار نحو دارا، فالتقيا جميعاً بأرض الجزيرة واقتتلا سنة، وقد كان دارا ملة قومه وأحبوا الراحة منه، فلحق كثير من وجوه فارس بالإسكندر وأطلعوه على عورة دارا وقووه عليه، ثم وثب على دارا حاجباه فقتلاه وتقربا برأسه إلى الإسكندر، فلما أتوه بها أمر بقتلهما وقال: هذا جزاء من تجرأ على ملكه.\rوقد ذكر أنه سيق إليه أسير غدر به صاحب شرطته، فقال له الإسكندر: بما اجترأ عليك صاحب شرطتك؟ قال: بتركي ترهيبه وقت إساءته، وإعطائي إياه وقت الإحسان باليسير من فعله نهاية رغبته، فقال الإسكندر: نعم العون على إصلاح القلوب الموغرة الترغيب بالأموال، وأصلح منه الترهيب وقت الحاجة ثم أمر الإسكندر بقتله.\rوقد قيل: إنه لما هزمه الإسكندر فر جريحاً فخرج في طلبه في ستة آلاف حتى أدركه، ثم لم يلبث دارا أن هلك، فأظهر الإسكندر عليه الحزن ودفنه في مقابر الملوك.\rوقيل: إن الإسكندر كان قد نادى ألا يقتل دارا وان يؤسر. فلما علم الإسكندر بما تم على دارا سار حتى وقف عنده فرآه يجود بنفسه فنزل الإسكندر عن دابته وجلس عند رأسه، وأخبره أنه ما أمر بقتله، وأن الذي أصابه لم يكن عن رأيه. وقال: سلني ما بدا لك فإني أسعفك به، فقال له دارا: لي إليك حاجتان: إحداهما أن تنتقم لي من الرجلين اللذين قتلاني وسماهما له، والأخرى أن تتزوج ابنتي روشنك، فأجابه إلى ذلك، وأمر بصلب الرجلين اللذين فتكاً بدارا. ويقال: إن الرجلين اللذين قتلاه إنما فعلا ذلك عن رأي الإسكندر، وأنه كان شرط لهما شرطاً على قتله، فلما طعناه دفع إليهما ما كان شرطه لهما ثم قال: قد وفيت لكما بالشرط ولم تكونا شرطتما لأنفسكما وأنا قاتلكما لا محالة، فإنه ليس ينبغي لقتلة الملك أن يسبقوا إلا بذمة لا تخفر، فقتلهما وصلبهما.\rويقال إن الإسكندر في الأيام التي نازل فيها دارا كان يسير إليه بنفسه على أنه رسول فيتوسط العسكر ويعرف كثيراً مما يحتاج إليه، فكان دارا يستحسن سمته، ويحسن صلته ومجازاته، ثم اتهمه، وأحس الإسكندر بذلك فما عاد إليه بعدها.\rمكايد الإسكندر\rوحيله في حروبه من ذلك أنه لما التقى بدارا يوم الحرب أمر مناديه فنادى: يا معشر الفرس، قد علمتم ما كتبنا لكم من الأمانات، فمن كان منكم على الوفاء فليعتزل عن العسكر وله منا الوفاء بما ضمناه فاتهمت الفرس بعضها بعضاً، وكان ذلك أول اضطراب حدث فيهم.","part":4,"page":143},{"id":1644,"text":"ومن ذلك أنه لما شخص عن فارس إلى أرض الهند تلقاه ملكها قور في جمع عظيم من الهنود ومعه ألف فيل عليها المقاتلة بالسلاح وفي خراطيمها السيوف والعمد، فلم تقف لها دواب الإسكندر وفوت فكانت الهززيمة عليه، فلما بلغ الإسكندر مأمنه أمر باتخاذ فيلة من نحاس مجوفة وربط خيله بين تلك التماثيل حتى ألفتها، ثم أمر فملئت نفطاً وألبسها الدروع وجرت على العجل، وعاود حرب الهند، وجعل بيم كل تمثالين جماعة من أصحابه. فلما نشبت الحرب أمر بإشعال النيران في أجواف تلك التماثيل وانكشف أصحابه عنها وغشيتها فيلة الهند، فخرجت النيران من خراطيم التماثيل فولت الفيلة مدبرة ورجعت على أصحابها، فكانت الدائرة على الهند وقتل ملكهم قور.\rومما يحكى عنه أنه نزل على مدينة حصينة فتحصن فيها أهلها، فتعرف خبرها فقيل له: إن فيها من الميرة ما يكفيهم زمناً طويلاً، وإن بها نم العيون والأنهار ما لا يقدر على قطعه، فارتحل عنها ودس جماعة من التجار متنكرين، فدخلوها وأمدهم بالأموال الكثيرة، وأمرهم أن يبتاعوا الأقوات ويغالوا في أثمانها، ففعلوا ذلك حتى حازوا أكثر ما فيها. فلما علم الإسكندر بذلك كتب إليهم يأمرهم بإحراق ما حصلوه من الأقوات وان يهربوا، ففعلوا كما أمرهم، وعاد إلى المدينة وحاصرها وزحف عليها فأعطوه الطاعة وملك المدينة. وكان إذا أراد أن يحاصر مدينة شرد من حولها من أهل القرى وتهددهم بالسبي فلجأوا إلى المدينة ويعتصموا بها، فلا يزال كذلك حتى يعلم أنه قد دخلها أضعاف أهلها وأسرعوا في الميرة فيحاصرهم حينئذ فيفتح المدينة.\rومما يحكى عنه أنه كتب إلى معلمه أرسطاطاليس، وكان الإسكندر يشاوره في كثير من أموره، ويقتدى بآرائه، ويعمل بما يشير به عليه ولاي عدل عنه. وأرسطاطاليس هذا هو تلميذ أفلاطون صاحب الفراسة تلميذ سقراط.\rويحكى عن أفلاطون انه كان يصور له صورة إنسان لم يره قط ولا عرفه فيقول: صاحب هذه الصورة من أخلاقه كذا، ومن هيئته كذا، فيكون الرجل كما اخبر عنه، فيقال: إنه صور له صورة نفسه، فلما عاينها قال: هذا رجل محب في الزنا فقيل له: إنها صورتك، فقال: نعم أنا كذلك، ولولا أني أملك نفسي لفعلت وغني لمحب فيه.\rنرجع إلى أخبار الإسكندر فيما كتب به أرسطاطاليس وما أجابه به قالوا: إنه كتب إليه يخبره أن في عسكره من الروم جماعة من خاصته لا يأمنهم على نفسه لما يرى من بعد هممهم في شجاعتهم وكثرة آلتهم. وأنه لا يرى لهم عقولاً تفي بتلك الفضائل التي تمنعهم من الإقدام والجرأة عليه، وأنه يكره الإقدام عليهم بالقتل بمجرد الظنة مع وجوب الحرمة.\rفكتب إليه أرسطاطليس: قد فهمت كتابك، وما زصفت به أصحابك. أما ذكرت من بعد هممهم فإن الوفاء من بعد الهمة. وأما ما ذكرت من شجاعتهم ونقص عقولهم عنها، فمن كانت هذه حاله فرفهه ف معيشته واخصصه بحسان النساء، فإن رفاهية العيش توهن العزم، وتحبب السلامة، وتباعد من ركوب الخطر والغرر، وليكن خلقك حسناً تخلص إليك النيات، ولا تتناول من لذيذ العيش بغضة. واعلم أن المملوك إذا اشترى لم يسال عن مال مولاه، وإنما يسأل عن خلقه.\rوكتب إليه الإسكندر بعلمه أنه شاهد بإيران شهر رجالاً ذوي أصالة في الرأي، وجمال في الوجوه، ولهم مع ذلك صرامة وشجاعة، وأه رأى لهم هيئات وخلقاً لو كان عرف حقيقتها لما غزاهم، وأنه إنما ملكهم بحسن الاتفاق والبخت، وأنه لا باس إذا ظعن عنهم وتوبهم ولا تسكن نفسه إلا ببوارهم.","part":4,"page":144},{"id":1645,"text":"فكتب إليه أرسطاطليس: فهمت كتابك في رجال فارس؛ فأما قتلهم فهو من الفساد في الأرض، ولو قتلتهم لأنبتت أرض فارس أمثالهم، لان إقليم بابل يولد أمثال هؤلاء الرجال من أهل العقل، والسداد في الرأي، والاعتدال في التركيب؛ فصاروا أعداءك وأعداء عقبك بالطبع، لأنك تكون قد وترت القوم وكثرت الأحقاد على أرض الروم منهم وممن بعدهم، وإخراجك إياهم في عسكرك مخاطرة بنفسك وأصحابك؛ ولكني أشير عليك برأي هو أبلغ لك في كل ما تريد من القتل وغيره، وهو ا، تستدعي أولاد الملوك منهم وممن يستصلح للملك ويترشح له، فتقلدهم البلدان وتوليهم الولايات ليصير كل واحد منهم ملكاً برأسه، فتتفرق كلمتهم، ويجتمعوا على الطاعة لك، ولا يؤدي بعضهم إلى بعض طاعة، ولا يتفقوا على أمر واحد، ولا تجتمع كلمتهم. ففعل الإسكندر ذلك، فتم أمره وأمكنه أن يتجاوز أرض فارس إلى أرض الهند حتى قتل ملكها مبارزة بعد حروب عظيمة. ثم صار إلى أرض الصين وطاف مما يلي القطب الشمالي ورجع إلى العراق فمات في طريقه بشهرزور، ويقال: بل في قرية من قرى بابل. وكان عمره ستاً وثلاثين سنة. وفي بعض النسخ ثلاثاً وثلاثين سنة. وكان ملكه ثلاث عشرة سنة وشهوراً.\rوقيل: سبعة عشر سنة، وقتل دارا في السنة الثالثة من ملكه.\rقال: وبنى الإسكندر اثنتي عشرة مدينة وسماها كلها الإسكندرية منها: مدينة جي بأصبهان، وثلاث مدن بخراسان وهي: هراة ومرو وسمرقند. وبنى بأرض بابل مدينة لروشنك. وبنى بأرض يونان سبع مدن.\rومن عجيب ما قيل في نسب الإسكندر: أنه من ولد دارا الأكبر، وأنه أخو دارا الاصغر، وذلك أن دارا الأكبر بن أردشير تزوج ببنت ملك الزنج هلاي، فلما حملت منه استخبث ريحها، فأمر أن تحتال لذلك، فكانت تغتسل بماء السندروس فأذهب ذلك كثيراً من دفرها، ثم عافها وردها إلى أهلها وقد علقت سنه بالإسكندر فقيل له الإسكندروس. هذا ما نقله عبد الملك بن عبدون في كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدر قال: واختلف في مدته فذكر الخوارزمي في تاريخه أنه كان قبل الهجرة بتعسمائة سنة، وثلاث وثلاثين سنة. وذكر أبو محمد ابن قتيبة في كتاب المعارف: أن بينه وبين الهجرة أربعمائة سنة. والله أعلم بالصواب.\rذكر شيء من أخبار الإسكندر\rوما اتفق له مع ملطي الهند والصين فأما خبره مع ملك الهند قال عبد الملك بن عبدون: إن الإسكندر لما دوخ البلاد وقهر الملوك سار نحو الهند وقتل ملكها الأعظم فوراً صاحب مدينة المانكير. فلما دانت له ملوك الهند بلغه أن بأقاصي ديارها ملكاً من ملوكها ذا حكمة وسياسة وإنصاف لرعيته، وأنه ليس في بلاد الهند من فلاسفتهم وحكمائهم مثله يقال له كند كان، وأنه قاهر لنفسه مانع لها من الشهوة الغضبية، فكتب إليه الإسكندر كتاباً يقول فيه: أما بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فإن كنت قائماً فلا تقعد، وإن كنت ماشياً فلا تلتفت حتى تدخل في طاعتي، وإلا مزقت ملكك وأحقتك بمن مضى من ملوك الهند من قبلك.\rفلما ورد عليه الكتاب أجاب بأحسن جواب، وخاطبه بملك الملوك، وأعلمه أنه قد اجتمع عنده أشياء لم تجتمع عند غيره مثلها: فمن ذلك ابنة له لم تطلع الشمس على أحسن منها؛ وفيلسوف يخبرك بمرادك قبل أن تسأله لحدة مزاجه وحسن قريحته، واعتداله في بنيته، واتساعه في علمه؛ وطبيب لا يخشى عليه معه داء ولا شيء من العوارض إلا ما يطرأ من الفناء والدثور الواقع بهذه البنية، وحل العقدة التي عقدها المبدع لها المخترع لهذا الجسم الحسي، وإذا كانت بنية الإنسان وهيكله قد نصبا في هذا العالم غرضاً للآفات والحتوف والبلايا؛ وقدح إذا ملأته شرب منه عسكرك بجمعه ولا ينقص منه شيء، وإني منفذ جميع ذلك إلى الملك وصائر إليه.","part":4,"page":145},{"id":1646,"text":"فلما قرأ الإسكندر كتابه قال: كون هذه الأشياء عندي ونجاة هذا الحكيم من صولتي أحب إلي من ألا تكون عندي ويهلك. فأنف إليه الإسكندر جماعة من الحكماء اليونانيين والروم في عدة من الرجال وتقدم إليهم أنه إن كان قد صدق فيما كتب به إلي فاحملوا ذلك إلى عندي واتركوه في موضعه، وإن تبينتم الأمر على خلاف ذلك، وأنه أخبر عن الشيء على خلاف ما هو به فقد خرج عن حد الحكمة فأشخصوه إلي. فلما انتهوا إلى مملكة الملك خرج إليهم وتلقاهم بأحسن لقاء، وأنزلهم بأحسن منزل. فلما كان في اليوم الثالث جلس لهم مجلساً خاصاً للحكماء دون من كان معهم من المقاتلة. فقال بعضهم لبعض: إن صدقنا في الأول صدقنا فيما بعد ذلك مما ذكر.\rفلما أخذت الحكماء مراتبها واستقرت بها مجالسها أقبل عليهم مباحثاً في أصول العلوم الفلسفية وفروعها، وعلى كم فن يحتوي العلم الفلسفي في أصوله، وإلى كم يتفرع.\rقال عبد الملك بن عبد الله بن عبدون - رحمه الله - : وقد ذكر أن العلم الفلسفي ينقسم على أربعة أنواع: أحدها الرياضيات، والثاني المنطقيات، والثالث الطبيعيات، والرابع الإلهيات. قال: فأما الرياضيات فأربعة: الواحد علم الحساب، والثاني علم الهندسة، والأصل فيه النقطة، وهي فيه كالواحد في علم الحساب، والثالث علم النجوم، والرابع علم الموسيقى، وهو علم تأليف الألحان.\rوأما العلوم المنطقيات فخمسة أنواع: الواحد معرفة صناعة الشعر، وأنواع البديع كالتكافؤ والتفريع والحشو والتتبع والتسميط والترصيع والالتفاتة والإشارة والمقابلة والاستعارة والتبليغ والتلويح والتصدير والتوشيح والتجنيس والتضاد والترديد والاستطراد والتسهيم والإحالة والتتميم. والثاني معرفة صناعة الخطابة. والثالث صناعة الجدل. والرابع صناعة البرهان. والخامس صناعة المغالطين في المناظرة والجدل.\rوأما العلوم الطبيعيات فسبعة أنواع: الواحد علم المبادئ الجسمانية، وهي خمسة أشياء: الهيولى والصورة والزمان والمكان والحركة. والثاني علم السماء والأرض، وهو معرفة ماهية جواهر الأفلاك والكواكب وكيفيتها وكيفية تركيبها وعلة دورانها، وهل تقبل الكون كما تقبل الأركان الأربعة التي دون فلك القمر أو لا، وما علة حركات الكواكب واختلافها في السرعة والإبطاء، وما علة سكون الأرض في وسط الفلك في المركز، وهل خارج العالم جسم آخر أم لا. وهل في الكون والفساد موضع لاشيء فيه، وما شاكل هذه المباحث. والثالث علم الكون والفساد وهو علم معرفة جواهر الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض. والرابع علم حدوث الجواهر بتغيرات الهواء وتأثيرات الكواكب بحركاتها ومطارح شعاعاتها على الأركان الأربعة وانفعالاتها بعضها ببعض بقدرة الله تعالى. والخامس علم المعادن التي تنعقد من البخارات المختنقة في بطن الأرض والعصارات المتحللة من الهواء. والسادس علم النبات على اختلاف أنواعه في هيآته وأشكاله واختلاف صموغه وطعومه وخواصه وروائحه ومنافعه ومضاره. السابع علم الحيوان، وهو معرفة كل جسم يغتذي ويحس ويعيش ويتحرك على اختلاف أنواعه، وما شاكل كل ذلك مما ينسب إلى علم الطبيعيات كعلم الطب والبيطرة وسياسة الدواب والسباع والطيور والحرث والنسل وعلم الصنائع أجمع داخل في علم الطبيعيات.\rوأما العلوم الإلهيات فخمسة أنواع؛ أولها: معرفة الباري سبحانه وتعالى بجميع صفاته، وأنه أول كل شيء، والخالق لكل شيء، والعالم بكل شيء، وأنه ليس كمثله شيء. والثاني علم الروحانيات من الجواهر البسيطة العقلية، وهي الصورة المجردة من الهيولى المستعملة للأجسام المطهرة، ومعرفة ارتباط بعضها ببعض، وقبض بعضها عن بعض، وهي أفلاك روحانية تحيط بأفلاك جسمانية. والثالث علم النفوس والأرواح السارية ي الأجسام الفلكية والطبيعية من لدن الفلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض. والرابع علم السياسة العامية والسياسة الخاصية والسياسة الذاتية. فأما السياسة النبوية فالله تبارك وتعالى يختص بها من يشاء من عباده ويهدي لأتباعهم من يشاء لا معقب لحكمه، لا يسال عما يفعل وهم يسألون.","part":4,"page":146},{"id":1647,"text":"وأما السياسة الملوكية فهي حفظ الشريعة على الأمة وإحياء السنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما السياسة العامية فهي الرياسات على الجماعات كرياسة الأمراء على البلدان وقادة الجيوش وترتيب أحوالهم على ما يجب وينبغي من الأمور وإتقان التدبير. وأما السياسة الخاصية فهي معرفة كل إنسان بنفسه، وتدبيره أمر غلمانه وأولاده، ومن يليهم من أتباعه وقضاء حقوق الإخوان. وأما السياسة الذاتية فهي أن يتفقد الإنسان أفعاله وأحواله وأخلاقه وشهوته فيزمها بزمام عقله، وغضبه فيردعه وما شاكل ذلك. والخامس من العلوم الإلهيات علم المعاد وكيفية انبعاث الأرواح وقيام الأجسام وحشرها للحساب يوم الدين، ومعرفة حقيقة جزاء المحسنين وعقاب المسيئين.\rنرجع إلى خبر الملك الهندي مع أصحاب الإسكندر، قال: ولما تكلم مع الحماء اليونانيين في العلوم الفلسفية وطال الخطب في مناظرتهم أخرج الجارية إليهم، فلما ظهرت لأبصارهم لم يقع طرف كل واحد منهم على عضو من أعضائها فتعدى ببصره إلى غير ذلك العضو اشتغالاً بحسنه عما سواه حتى خاف القوم على عقولهم، ثم رجعوا إلى أنفسهم وقهروا سلطان هواهم، ثم أراهم بعد ذلك ما تقدم الوعد به وصرفهم، وبعث بالفيلسوف والطبيب والجارية والقدح معهم.\rفلما وردوا على الإسكندر أمر بإنزال الفيلسوف والطبيب، ونظر إلى الجارية فحار عند مشاهدتها، فأمر قيمة الجواري بالقيام عليها، ثم صرف همته إلى الفيلسوف والطبيب وإلى علم ما عندهما، وقص عليه الحكماء ما جرى لهم مع الملك الهندي من المباحث في العلوم الفلسفية، فأعجبه ذلك وتأمل أغراض القوم ومقاصدهم، وأقبل ينظر في مطاردة الهند يعللها في معلولاتها، وما يصفه اليونانيون أيضاً من عللها في معلولاتها على حسب ما قدمت من أوضاعها، ثم أراد محنة الفيلسوف على حسب ما خبر عنه، فأجال فيما يختبره به، فدعا بقدح فملاه سمناً ولم يجعل للزيادة عليه موضعاً، ورفعه لرسول وقال: احمل هذا إلى الفيلسوف ولا تكلمه بشيء، فلما دفعه إليه دعا الفيلسوف بألف إبرة فغرزها في السمن وصرفه إليه، فأمر الإسكندر بضرب تلك الإبر كرة متساوية الأجزاء وردها إليه، فأمر الفيلسوف ببسطها وجلائها حتى صارت جسماً ترد صورة مقابليها لصفائها وردها إلى الإسكندر، فدعا بطست وجعل تلك المرآة فيه وصب عليها الماء حتى غمرها وردها إليه، فأخذها الفيلسوف وعمل منها طرجهالة طافية على إملاء وصرفها إليه، فملأها الإسكندر وردها غليه، فلما نظر الفيلسوف إلى التراب تغير لونه وبكى ثم ردها إلى الإسكندر ولم يضع فيها شيئاً.\rفلما كان في اليوم الثاني جلس الإسكندر جلوساً خاصاً ودعا بالفيلسوف، ولم يكن رآه قبل ذلك اليوم، فلما أقبل نظر الإسكندر من الفيلسوف إلى رجل طويل الجسم رحب الجبين معتدل البنية فقال في نفسه: هذه بنية تضاد الحكمة، فإذا اجتمع له حسن الصورة والفهم كان أوحد زمانه، فأدار الفيلسوف إصبعه حول وجهه ثم وضعه على أرنبة أنفه وأسرع نحو الإسكندر وحياه بتحية الملك، فأشار إليه بالجلوس وقال: لم أدرت إصبعك حول وجهك ووضعتها على أرنبة أنفك؟ علمت أنك تقول في نفسك، إذا نظرت إلى حسن صورتي وإتقان بنيتي قلما تجتمع هذه الخلقة مع الحكمة، وإذا كان على هذا كان صاحبها أوحد زمانه، فأريتك مصداقاً لما سنح لك أنه كما ليس لك في الوجه إلا أنف واحد فكذلك ليس في ديار الهند على هذه الصفة أحد غيري.","part":4,"page":147},{"id":1648,"text":"فقال الإسكندر: حسن ما أتيت به! فما بالك حين بعثت إليك بالقدح السمن غرزت فيه الإبر وزرددته؟ قال الفيلسوف: علمت أنك تقول إن قلبي قد امتلأ علماً فليس لأحد فيه مستزاد، فأعلمتك أن علمي سيزيد فيه كما زادت هذه الإبر في هذا السمن. قال: فما بالك حين عملت لك الإبر كرة صنعت منها مرآة صقيلة وصرفتها إلي؟ قال الفيلسوف: علمت أنك تقول إن قلبي قد قسا من سفك الدماء واشتغل بهذا العالم فلا يقبل العلم ولا يرغب فيه، فأخبرتك ني سأعمل الحيلة في ذلك، كما جعلت من الكرة مرآة مورية للأجسام. قال: فما بالك حين جعلتها لك في الطست وصببت عليها الماء جعلتها طرجهالة طافية على الماء؟ قال الفيلسوف: علمت أنك تقول إن الأيام قد قصرت والأجل قريب، ولا يدرك العلم الكثير في المهل القليل، فأخبرتك أني سأعمل الحيلة فيه في غير مدة طويلة، كما جعلت هذه المرآة طافية في أسرع وقت. قال: فما بالك حين ملأت ذلك الإناء تراباً ردده إلي ولم تحدث فيه شيئاً؟ قال: علمت أنك تقول: ثم الموت، وأنه لا بد منه، فأخبرتك أن لا حيلة في ذلك. قال الإسكندر: قد أجبتني على مرادي في جميع ذلك ولأحسنن إلى الهند من أجلك، وأمر له بجوائز كثيرة. فقال له الفيلسوف: لو أحببت المال لما كنت عالماً، ولست أدخل على علمي ما يضاده، فإن القينة توجب الخدمة، وقد ملكت أيها الملك الرحيم بسيفك أجسام رعيتك فأملك قلوبهم بإحسانك فهو خزانة سلطانك، واحذر العامة فإنها إذا قدرت أن تقول قدرت أن تفعل فاحترز من أن تقول تأمن أن تفعل، فالملك السعيد من ملك الرعية بالرغبة والرهبة، وأشبه الأشياء من أفعال الناس بأفعال بارئهم الإحسان، فحيره الإسكندر في المقام معه، أو الإنصراف إلى بلاده، فاختار الرجوع إلى موضعه.\rوأما القدح فملاه ماءً ثم أورد عليه الناس فلم ينقص شربهم منه شيئاً، فيقال إنه كان معمولاً من خواص الهند الروحانية مما تدعيه الهند، ويقال إنه كان لآدم أبي البشر عليه السلام، مبارك له فيمه حين كان بأرض سرنديب، فورث عنه إلى أن انتهى إلى هذا الملك الهندي.\rوأما الطبيب فإنه كان له معه بنظرات دلت على ثبوت قدمه في علمه، وأنه كما وصف صاحبه أوكاد. هذا خبره مع ملك الهند.\rوأما خبره مع ملك لاصين؛ قال أبو علي أحمد بن محمد بن مسكويه في كتابه المترجم بتجارب الأمم: وفي الرواية الصحيحة أن الإسكندر لما انتهى إلى بلاد الصين أتاه حاجبه وقد مضى من الليل شطره فقال: هذا رسول ملك الصين بالباب يستأذن في الدخول عليك، قال: أدخله، فأدخله فوقف بين يدي الإسكندر وسلم ثم قال: إن رأى الملك أن يستخليني فعل، فأمر الإسكندر من بحضرته أن ينصرفوا، فانصرفوا كلهم عنه وبقي حاجبه فقال: إن الذي جئت له لا يحتمل أن يسمعه غيرك، فأمر الإسكندر أن يفتش ففتش، فلم يجد معه سلاحاً، فوضع بين يديه سيفاً مسلولاً وقال له: قف مكانك وقل ما شئت، وأخرج الحاجب ومن كان قد بقي عنده، فلما خلا المجلس قال له: أنا ملك الصين لا رسوله، جئت لأسألك عما تريد، فإن كان مما يمكن عمله ولو على أصعب الوجوه عملته وأغنيتك عن الحرب، فقال له الإسكندر: وما الذي آمنك مني؟ قال: علمي بأنك عاقل حكيم، ولم تك بيننا عداوة ولا مطالبة بذحل، وأنك تعلم أنك إن قتلتني لم يكن ذلك سبباً لتسليم أهل الصين إليك ملكهم، لوم يمنعهم قتلي من أن ينصبوا لأنفسهم ملكاً غيري ثم تنسب أنت إلى غير الجميل وضد الحزم. فأطرق الإسكندر وعلم أنه رجل عاقل، ثم قال له: إن لاذي أريد منك ارتفاع مملكتك لثلاث سنين عاجلاً ونصف ارتفاع مملكتك لكل سنة. قال: هل غير هذا؟ قال لا، قال: قد أجبتك، ولكن سلني كيف تكون حالك، قال: كيف تكون؟ قال: أكون أول قتيل محارب، وأول أكيلة مفترس. قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنتين. قال: أكون أصلح قليلاً وأفسح مدة. قال: فإن قنعت بارتفاع سنة. قال: يكون في ذلك بقاء ملكي، وذهاب لجميع لذتي. قال: قنعت منك بثلث الارتفاع كيف تكون خالك؟ قال: يكون السدس للفقراء ومصالح العباد، ويكون الباقي لجيشي ولسائر أسباب الملك. قال الإسكندر: قد اقتصرت منك على هذا، فشكره وانصرف.","part":4,"page":148},{"id":1649,"text":"فلما طلعت الشمس أقبل جيش الصين وقد طبق الأرض وأحاط بجيش الإسكندر حتى خافوا الهلاك، وتواثب أصحابه فركبوا الخيل واستعدوا للحرب بعد الأمن والطمأنينة إلى السلم، فبينما هم كذلك كلع ملك الصين وهو راكب وعليه التاج، فلما تراءى الجمعان نظر الإسكندر إلى ملك الصين فظن أنه حضر للحرب، فصاح به: أغدرت؟ فترجل ملك الصين وقال: لا والله، قال: فادن مني فدنا منه، فقال له الإسكندر: ما هذا الجيش الكثير؟ فقال: إني أردت أن أريك أني لم أطعك من قلة وضعف، ولكني رأيت العالم العلوي مقبلاً عليك ممكناً لك ممن هو أقوى منك واكثر عدداً، ومن حارب العالم العلوي غلب، فأردت طاعته بطاعتك، والتذلل له بالتذلل لك، فقال الإسكندر له: ليس مثلك من يسام الذل، ولا من يؤدي الجزية، فما رأيت بيني وبين الملوك من يستحق التفضيل والوصف بالعقل غيرك، وقد أعفيتك من جميع ما أردته منك وأنا منصرف عنك. فقال ملك الصين: ولست تخسر إذا ثم انصرف عنه الإسكندر. فبعث إليه ملك الصين بضعف ما قرر معه وانصرف عن الصين.\rكلام الحكماء عند وفاة الإسكندر\rقال: لما توفي الإسكندر جعل في تابوت من الذهب، واجتمع الحكماء فتقدم الأول فقال: قد كان الإسكندر يخبأ الذهب، وقد أصبح الآن يخبؤه الذهب. وتقدم الثاني إليه والناس يبكون ويجزعون فقال: حركنا بسكونه. وتقدم الثالث إليه فقال: قد كان يعظنا في حياته، وهو اليوم أوعظ منه أمس. وتقدم إليه الرابع فقال: قد جاب الأرضين وسلكها، ثم حصل منها في أربعة قوائم.\rووقف عليه الخامس فقال: انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظل الغمام كيف انجلى، ووقف عليه السادس فقال: قد أمات هذا الميت كثيراً من الناس لئلا يموت، وقد مات الآن. ووقف عليه السابع فقال: مالك لا تقل عضواً من أعضائك، وقد كنت تستقل بملك العباد. وقال الثامن. وثال التاسع: كان لا يقدر عنده على الكلام، واليوم لا يقدر عنده على الصمت. وقال العاشر: قد كان غالباً فصار مغلوباً، وآكلاً فصار مأكولاً. وقال الحادي عشر: ما كان أقبح إفراطك في التجبر أمس مع شدة خضوعك اليوم! وقالت بنت دارا: ما كنت أحسب أن غالب أبي يغلب. وقال رئيس الطباخين: قد نضدت النضائد، وألقيت الوسائد، ونصبت الموائد، ولست أرى عميد القوم.\rقال: ولما مات الإسكندر عرض الملك على ابنه من بعده فأباه واختار العبادة والنسك.\rفملك بعد الإسكندر على اليونانيين بطليموس، وهذه التسمية لكل من ملك اليونان ككسرى للأكاسرة من الفرس، وقيصر للروم، وخاقان للترك، وطرخان للخزر، والنجاشي للحبشة.\rقال: وكان بطليموس هذا شاباً مدبراً حكيماً عالماً. وكان ملكه أربعين سنة، وقيل عشرين سنة، وقيل إنه أول من اقتنى البزاة وضراها ولعب بها.\rثم ملك بعده لطليموس الثاني، وهو الذي يقال له: محب الأخ، واسمه هيقلوس، وكان ملكه ستاً وعشرين سنة.\rثم ملك بعده بطليموس محب الأب، وكانت مدة ملكه سبع عشرة سنة.\rثم ملك بعده بطليموس، وهو صاحب علم الفلك والنجوم وكتاب المجسطي. فكان ملكه أربعاً وعشرين سنة.\rثم ملك بعده بطليموس محب الأم. فكان ملكه خمساً وثلاثين سنة.\rثم ملك بعده بطليموس الصائغ. فكان ملكه سبعاً وعشرين سنة.\rثم ملك بعده بطليموس الإسكندراني. فكان ملكه اثنتي عشرة سنة.\rثم ملك بعده بطليموس الحديدي. فكانت مدة ملكه ثمانين سنة.\rثم ملك بعده بطليموس الجوال. فكان ملكه أيضاً ثمانين سنة، وقيل أقل من ذلك.\rثم ملك بعده بطليموس الحرب. فكانت مدة ملكه ثلاثين سنة.\rثم ملكت بعده ابنته قلوبطرة، وكانت حكيمة مفلسفة معظمة للحكماء، ولها كتب مصنفة في الطب والزينة وغير ذلك، مترجمة باسمها ومنسوبة إليها، وكان زوجها بطليموس ويسمى أنطونيوس مشاركاً لها في ملك مقدونية وهي مصر.","part":4,"page":149},{"id":1650,"text":"فلما أراد الله تعالى ذهاب ملك اليونانيين أيد عليهم ملك رومية وهو أغسطس، فسار إليها، وكان له مع الملكة قلوبطرة وزوجها حروب كثيرة، فقتل زوج قلوبطرة، فأراد ملك الروم أن يتزوجها لعلمه بحكمتها وليتعلم منه فراسلها فعلمت مراده منها، فطلبت حية تكون بالحجاز ومصر والشام، وهي نوع من الحيات تراعي الإنسان حتى إذا نظرت إلى عضو من أعضائه قفزت أذرعاً نحوه فلم تخطئ ذلك العضو بعينه حتى تثفل عليه سماً فيموت لوقته ولا يعلم ما خبره، فيتوهم الناس أنه مات فجأة حتف أنفه. فاحتملت لها. فلما كان في اليوم الذي علمت فيه أن أغسطس يدخل في قصرها أمرت بأنواع الرياحين والزهور أن تبسط في مجلسها وأمام سريرها، وجلست على سرير ملكها والتاج على رأسها وفرقت حشمها وقربت يدها من الإناء الذي فيه تلك الحية فضربتها فماتت لوقتها، وانسابت الحية في تلك الرياحين ودخل أغسطس حتى انتهى إلى المجلس، فنظر إليها جالسة وهو يظن أنها باقية، فدنا منها فتبين له أنها قد ماتت، فنظر إلى تلك الرياحين فقفزت عليه تلك الحية فرمته بسمها وقد خف، فبطل شقه الذي ضربته من جهته، ولولا أن سمها كان قد نقص لمات، فعجب من قتلها لنفسها وما كادته به من إلقاء الحية. وكانت قلوبطرة هذه آخر من ملك من اليونانيين. والله اعلم.\rملوك السريان قال أبو الحسن علي بن عبد الله المسعودي في كتابه المترجم بمروج الذهب: ذكر ذوو العناية بأخبار ملوك العالم أن أول الملوك بعد الطوفان ملوك اليونان، قال: وقد تنوزع فيهم وفي النبط، فمن الناس من رأى أن السريانيين هم النبط، ومنهم من رأى أنهم إخوة لولد ماس بن نبيط، ومنهم من رأى غير ذلك على حسب تباين الناس في الأجيال الماضية والقرون الخالية.\rقال: فكان أول من ملك منهم رجل يقال له سوشان، وهو أول من وضع التاج على رأسه في تاريخ السريانيين. قال: وانقاد له ملوك الأرض، فكان ملكه ست عشرة سنة باغياً في الأرض، ومفسداً في البلاد، وسفاكاً للدماء.\rثم ملك بعده يريز، وكان ملكه إلى أن هلك عشرين سنة.\rثم ملك بعده سماسير بن أبوبا. فكان ملكه تسع سنين.\rثم ملك بعده أهريمون فحط الخطط، وكور الكور، وجد في أمره، وأتقن ملكه، وعمر أرضه. فلما استقامت له الأحوال وانتظم ملكه بلغ بعض ملوك الهند وهو رتبيل، وهو اسم لمن يملك هذه الجهة من الهند، ما القوم عليه من القوة، وما بلادهم عليه من العمارة، وأنهم يحاولون الممالك، وقد كان هذا الملك الهندي غلب على من حوله من ممالك الهند وانقادت إلى أحكامه، وذلك أن ملكه كان ممايلي بلاد الهند والسند، فسار نحو بلاد بست وعزنين ونغر وبلاد الداور على النهر المعروف بالهندمند، وهو نهر ببلاد سجستان ويعرف ينهر بست تجري فيه السفن منها إلى سجستان.\rقال: وكان بين ملك الهند وملك السريانيين حروب كثيرة نحواً نم سنة ثم أجلت الحرب عن قتل السرياني واحتوى على الصقع وملكه، فكان ملك أهريمون عشر سنين.\rقال: وبقي ذلك الصقع بيد الملك الهندي حتى سار إلى بعض الملوك فأتى عليه وملك العراق ورد السريانيين.\rفملكوا عليهم تسنوا بن سماسير. فكان ملكه إلى أن هلك ثماني سنين.\rثم ملك بعده أهريمون. فكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة.\rثم ملك بعده ابنه هورديا فزاد في العمارة وأحسن للرعايا وعرس الأشجار.\rفكان ملكه اثنتين وعشرين سنة.\rثم ملك بعده ماروت واستولى على الملك. فكان ملكه خمس عشرة سنة.\rوقيل أكثر من ذلك.","part":4,"page":150},{"id":1651,"text":"ثم ملك بعده أزور وسلحاس، ويقال إنهما كانا أخوين. قال: فأحسنا السيرة، وتعاضدا على تدبير الملك. ويقال: إن أحد هذين الملكين كان جالساً ذات يوم في أعلا قصره فنظر إلى طائر قد فرخ هنالك، وهو يصيح ويضرب بجناحه، فنظر إلى حية تنساب إلى الوكر لتأكل الفراخ التي للطائر، فدعا بقوس وسهم ورمى الحية فقتلها، وسلمت الفراخ، وغاب الطائر وعاد إلى الملك بعد هنيهة وفي منقاره حبة وفي مخاليبه حبتان، وطار حتى وازى الملك، وألقى الحب بين يديه فتناوله الملك وقال: ما ألقى هذا الطائر هذا الحب إلا لأمر قصد به مكافاتنا على ما فعلناه من خلاص فراخه، ولم يعرف ما هو ذلك الحب، واستدعى الحكماء وآراهم فما عرفوه، فقال له حكيم، ينبغي أن يزرع هذا الحب ببطن الأرض لينظر ما يكون منه، فأحضر الأكرة وأمرهم بزرعه فزرعوه، والملك يراعيه حتى طلع وأزهر وحصرم وأعنب، وهم لا يقربونه خشية أن يكون متلفاً، فأمر الملك أن يعصر ماؤه ويودع الآنية وأخرج الحب منه وترك بعضه على حاله. فلما صار في الآنية غلا وقذف بالزبد وفاحت له روائح عبقة، فقال الملك: علي بشيخ كبير، فأتي به، فسقاه من هذا العصير. فلما شرب منه ثلاثاً صال وتكلم وصفق بيديه وحرك رأسه ووقع برجليه على الأرض، فظهر عليه الطرب والفرح وتغنى. فقال الملك: هذا شراب مذهب للعقل، وأحلق به أن يكون قتالاً، ألا ترون إلى هذا الشيخ كيف عاد إلى حال الصبا وقوة الشباب، ثم أمر الملك بالشيخ فرقد، فسكن ونام. فقال الملك: هلك، ثم أفاق الشيخ وطلب الزيادة من الشراب، وقال: لقد شربته فكشف عني الهموم والغموم وأزال عني الأحزان. فقال الملك: هذا اشرف شراب الرجل، فاكثر من غرس الكروم، واختص به دون غيره من الناس، واستعمله بقية أيامه، ثم نما بعد ذلك وكثر في أيدي الناس. وهذا آخر ما أورده المسعودي من أخبار السريان.\rالملوك الكلوانيين وهم ملوك النبط بملوك بابل قال المسعودي، ذهب جماعة من أهل البحث والعناية بأخبار ملوك العالم أنهم ملوك العالم الذين مهدوا الأرض بالعمارة، وأن الفرس الأول إنما أخذوا الملك من هؤلاء كأخذ الروم الملك من اليونان.\rفكان أول من ملك منهم نمروذ الجبار. فكان ملكه نحواً من ستين سنة. وقد قدمنا أخبار نمروذ في قصة إبراهيم عليه السلام.\rقال: ونمروذ هذا هو الذي احتفر أنهاراً بالعراق آخذة من الفرات، فيقال: إن من ذلك نهر كوني على طريق الكوفة، وهو بين قصر ابن هبيرة وبغداد.\rثم ملك بعده أبولس، وكان عظيم البطش جباراً في الأرض. وكان ملكه نحواً من سبعين سنة.\rثم ملك بعده فيزمنوس. وكان باغياً في الأرض، ملك نحواً من مائة سنة.\rثم ملك بعده سوسوس. فكان ملكه نحواً من تسعين سنة.\rثم ملك بعده كورس. فكان ملكه نحواً من خمسين سنة.\rثم ملك بعده اذفرنجوا. فكان ملكه نحواً من عشر سنين.\rثم ملك بعده سيهزم. فكان ملكه نحواً من أربعين سنة، وقيل أكثر.\rثم ملك بعده قوسيس. فكان ملكه نحواً من سبعين سنة.\rثم ملك بعده أنبوش. فكان ملكه نحواً من ثلاثين سنة.\rثم ملك بعده إيلاوس. فكان ملكه نحواً من خمس عشرة سنة.\rثم ملك بعده الجلوس. وكان ملكه نحواً من أربعين سنة.\rثم ملك بعده أونوبس. فكان ملكه نحواً من ثلاثين سنة.\rثم ملك بعده بعنكلوس. فكان ملكه نحواً من ثلاثين شهراً.\rثم ملك بعده سفرين. فكان ملكه نحواً نم أربعين سنة، وقيل أقل.\rثم ملك بعده مارنوس. فكان ملكه نحواً من ثلاثين سنة.\rثم ملك بعده رسطاليم. فكان ملكه نحواً من أربعين سنة.\rثم ملك بعده أسطوس. فكان ملكه نحواً من خمسين سنة.\rثم ملك بعده تاولوس. فكان ملكه نحواً من خمسين سنة.\rثم ملك بعده العداس. فكان ملكه نحواً من ثلاثين سنة.\rثم ملك بعده أطيروس. فكان ملكه نحواً من ستين سنة.\rثم ملك بعده ساوساس. فكان ملكه نحواً من عشرين سنة.\rثم ملك بعده فارينوس. فكان ملكه نحواً من خمسين سنة، وقيل خمساً وأربعين سنة.\rثم ملك بعده أدرموس. فكان ملكه نحواً من أربعين سنة. وغزاه ملك من ملوك فارس في عقر داره.\rثم ملك بعده مسروس. فكان ملكه نحواً من خمسين سنة.\rثم ملك بعده أفروس. فكان ملكه نحواً من أربعين سنة.\rثم ملك بعده طاطاوس. فكان ملكه نحواً من أربعين سنة.","part":4,"page":151},{"id":1652,"text":"ثم ملك بعده لاوسيس. فكان ملكه نحواً من خمسين سنة، وقيل خمساً وأربعين سنة.\rثم ملك بعده قريطوس. فكان ملكه نحواً من ثلاثين سنة.\rثم ملك بعده قروطاوس. فكان ملكه نحواً من عشرين سنة.\rثم ملك بعده قراقريس. فكان ملكه نحواً من خمسين سنة، وقيل اثنتين وأربعين سنة.\rثم ملك بعده بوليس قنطروس. فكان ملكه نحواً من عشرين سنة.\rثم ملك بعده قولاً قسماً فكان ملكه نحواً من ستين سنة.\rثم ملك بعده هيقلس. فكان ملكه خمساً وثلاثين سنة، وقيل خمسين سنة. وكانت له حروب مع ملوك الصقالبة.\rثم لملك بعده سموجد. فكان ملكه نحواً من ثلاثين سنة.\rثم ملك بعده مردوج. فكان ملكه نحواً من أربعين سنة، وقيل أقل من ذلك.\rثم ملك بعده سنحاريب. فكان ملكه نحو من ثلاثين سنة، وهو الذي ابتنى بيت المقدس.\rثم ملك منوشا. فكان ملكه نحواً من ثلاثين سنة، وقيل أقل من ذلك. أن بختنصر لم يكن ملكاً وإنما كان مرزباناً لملوك الفرس الأول، إلا أن يكون هذا غير ذاك. والله اعلم. ثم ملك بعده بيطسقر. فكانت مدة ملكه نحواً من ستين سنة، وقيل أقل من ذلك.\rثم ملك بعده دارنوس. فكان ملكه إحدى وثلاثين سنة، وقيل أكثر من ذلك.\rثم ملك بعده كشرخوش فكان ملكه عشرين سنة.\rثم ملك بعده قرطاسية تسعة أشهر.\rثم ملك بعده فيجسمنه. فكان ملكه إحدى وأربعين سنة.\rثم ملك بعده أجرست. فكان ملكه ثلاثاً وستين سنة.\rثم ملك بعده شعيا. فكان ملكه ثلاثين سنة، وقيل تسعة أشهر.\rثم ملك بعده داريوس. فكان ملكه عشرين سنة، وقيل تسع عشرة سنة. ثم بعده انبطحست. فكان ملكه تسعاً وعشرين سنة.\rثم ملك بعده اليسع. فكان ملكه خمس عشرة سنة، وقيل عشرين سنة.\rقال المسعودي: فهؤلاء الملوك الذين أتينا على أسمائهم، وذكرنا مدة ملكهم، هم الذين شيدوا البنيان، ومدنوا المدن، وكوروا الكور، وحفروا الأنهار، وغرسوا الأشجار، واستنبطوا المياه، وأثاروا الأرض، واستخرجوا المعادن من الحديد والنحاس والرصاص وغير ذلك، وطبعوا السيوف، واتخذوا عدة الحرب، ونصبوا قوانين الحروب، ورتبوا الميمنة والميسرة والأجنحة، وجعلوا ذلك مثالاً لأجزاء أعضاء الإنسان، ورتبوا الأعلام؛ فجعلوا أعلام القلب على صورة الفيلة والنسور وما عظم من أجناس الحيوان؛ وجعلوا أعلام الميمنة والميسرة على صورة السباع؛ وجعلوا في الأجنحة أمثال ما لطف منها كالنمر والذئب؛ وجعلوا في الطلائع كصور الحيات وما خفي فعله من هوام الأرض؛ وتغلغل القوم في هذه المعاني.\rقال: والذي ذكرناه من أخبارهم هو المشهور. والله تعالى أعلم.\rملوك الروم وأنسابهم قال المسعودي: قد تنازع الناس في الروم ولأي علة سموا بهذا الاسم، فقيل لإضافتهم لمدينة رومية واسمها بالرومية روماس، فعرب هذا السام فسمى من كان بها روما، والروم لا يسمون أنفسهم في لغتهم إلا رومس. ومنهم من رأى أن هذا الاسم اسم الأب الأول، وهو روم بن شماخلين بن هوبان بن علفا بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. ومنهم من رأى أنهم سموا باسم جدهم رومس ابن لبطي بن نويفل بن رومي بن الأصغر بن النفر بن العيص، وقيل غير ذلك. وقد ذكرنا في الأنساب شيئاً نم ذلك.\rقال المسعودي: ولبت الروم على ملك اليونانيين، فكان أول من ملك منهم طوخاس وهو جانيوس الأصغر بن روم بن شماخلين، فكان ملكه اثنتين وعشرين سنة.\rوقيل إن أول من ملك من ملوك الروم قيصر، واسمه غالوس أوليوس. فكان ملكه ثماني عشرة سنة.\rوقيل أول من ملك منهم بعد ملوك اليونانيين برومية بوليس. فكان ملكه سبع سنين ونصفاً. قال: ورومية بنيت قبل الروم بأربعمائة سنة.","part":4,"page":152},{"id":1653,"text":"ثم ملك بعده ابنه أغسطس قيصر. وكان ملكه ستاً وخمسين سنة، وهو أول من تسمى بقيصر، وإنما سمي بذلك لأن أمه ماتت وهي حامل به فشق بطنها عنه، ومعنى قيصر بقر، وكان يفتخر بأن النساء لم تلده، وحقيقة هذه اللفظة بالعجمية جيشر، قيل إنما سمى جيشر لأنه ولد بشعر يبلغ عينيه، واسم الشعر بالعجمية حساريه وقيل جشايره، فعرب فقيل قيصر، وهو صاحب قلوبطرة ملكة اليونان على ما ذكرناه. واحتوى هذا الملك على مقدونية وهي مصر والإسكندرية، وحاز ما فيهما من الخزائن، وكانت له حروب كثيرة، وكان يعبد الأوثان. وبنى بأرض الروم مدناً تنسب إليه، وكور كوراً. فمن مدنه قيسارية. ولاثنتين وأربعين سنة خلت من ملكه ولد المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، وعاش هذا الملك بقية عمره وقد بطل شقه لما ثفلت عليه الحية على ما قدمناه في أخبار قلوبطرة.\rثم ملك بعده طياريس. فكان ملكه اثنتين وعشرين سنة. قال: ولثلاث سنين بقيت من ملكه رفع المسيح عليه السلام. قال: ولما هلك هذا الملك برومية اختلفت الروم وتحزبت وأقاموا على اختلاف الكلمة والتنازع مائتي سنة وثمانياً وأربعين سنة لا نظام لهم ولا ملك يجمعهم.\rثم ملكوا عليهم طباريس عابس بمدينة رومية. فكانت مدة ملكه أربع سنين.\rثم ملك بعده قلورس برومية. فكان ملكه أربع عشرة سنة، وهو أول ملك من ملوك الروم شرع في قتل النصارى وأتباع المسيح عليه السلام، فقتل منهم خلقاً كثيراً، وكانت الروم تعبد التماثيل.\rولما هلك الملك ملك بعده نيرون. قال: واستقام ملكه ورغب في عبادة التماثيل والأصنام، وكان ملكه أربع عشرة سنة وشهوراً.\rثم ملك بعده ططس واسبابوس مشتركين في الملك. فكان ملكهما ثلاث عشرة سنة، ولسنة من ملكهما سارا إلى الشام، فكانت لهما حروب عظيمة مع بني إسرائيل قتل فيها من بني إسرائيل ثلثمائة ألف وخربا بيت المقدس وأزالا رسمه، وكان يعبدان الأصنام.\rقال المسعودي: وذكر في بعض التواريخ أن الله تعالى عاقب الروم من ذلك اليوم الذي خربوا فيه بيت المقدس أن يسبي منهم في كل يوم سبي فلا يوم إلا والسبي واقع فيهم قل ذلك أو كثر.\rثم ملك بعدهما ذو مطيانس. فكانت مدة ملكه خمس عشرة سنة.\rثم ملك بعده قبرنوس. فكانت مدة ملكه سنة واحدة.\rثم ملك من بعده طومانوس. فكانت مدة ملكه تسع عشرة سنة.\rثم ملك بعده أذربالس. فكانت مدة ملكه إحدى عشرة سنة، وخرب سائر ما بقي بالشام لبني إسرائيل.\rثم ملك بعده أبطونيس. فكان ملكه ثلاثاً وعشرين سنة. قال: وبنى بيت المقدس وسماه إيلياء.\rثم ملك بعده قرمودس. فكانت مدة ملكه ثلاث عشرة سنة.\rثم ملك بعده سيريرس. فكانت مدة ملكه ثماني عشرة سنة.\rثم ملك بعده ولده انطويس. فكانت مدة ملكه تسع سنين.\rثم ملك بعده أنطويس الثاني. فكانت مدة ملكه أربع سنين، وفي آخر ملكه مات جالينوس الطبيب.\rثم ملك بعده الإسكندر مامياس، وتفسير مامياس العاجز. فكانت مدة ملكه ثلاث عشرة سنة.\rثم ملك بعده عردياس. فكانت مدة ملكه ست سنين.\rثم ملك بعده ديقيوس وقيل فيه دقيوس. فكانت مدة ملكه ستين سنة. قال: فأمعن في قتل النصارى، ومن هذا الملك هرب أصحاب الكهف.\rأصحاب الكهف\rقال الشيخ عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسين الأنماطي في كتاب المبتدأ يرفعه إلى وهب بن منبه: إن أصحاب الكهف كانوا فتية من الروم، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز فقال: نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم قتية آمنوا بربهم وزدناهم هدىً الآيات التي في سورة الكهف. قال: وكان في إيمانهم عبرة وتفكر منهم في عظم الله جلاله وملكه وسلطانه وأصناف خلقه، لم يأتهم بذلك وحي ولم يقرءوا كتاباً، ولم يدركوا زمان نبوة، وكانوا في زمن فترة قبل أن يبعث الله عز وجل عيسى بن مريم عليه السلام، وهذا القول مخالف لما ذكرناه آنفاً، فإن المساق الذي قدمناه من أخبار ملوك الروم يقتضي أن بين رفع عيسى عليه السلام وبين ملك دقيوس ما يزيد على مائتي سنة. والله عز وجل أعلم.","part":4,"page":153},{"id":1654,"text":"قال: وكانوا شباناً متقاربين في السن قلما يتفاوتون، وكانوا من فصيلة واحدة يجمعهم النسب، وكانوا في حسب عظيم من أحساب الروم، من ولد عظمائهم وملوكهم وأشرافهم، وكان للروم فيهم هوىً وصبابة شديدة، وكان ملك الروم الأول في آباء أولئك وينقل في فصيلتهم التي كانوا منها اكثر من أربعمائة عام حتى انقرضت تلك الفصيلة وزال الملك عنهم، فكان أولئك الفتية عقب أولئك الملوك وبقيتهم، وكان الروم يتمنون ملهم ويمدون إليهم أعناقهم لما قد بلغهم ما كان الناس فيه في زمن أسلافهم من الخفض والدعة والعافية والبسط والأمن والسعة، فكانوا يؤملونهم ويرحونهم، وكانت ملوك الروم قد جفوهم وحرموهم وأقصوهم وأضروا بهم منهم على ملكهم لما يعلمون من رأى الروم فيهم، وكانوا مع ذلك يكفون عنهم أذاهم، ويعرفون أنهم مفزع الروم إن اختلفوا ومعولهم عليهم، فلم تزل تلك حالهم فيما بينهم وبين ملوكهم وقومهم حتى أراد الله تعالى بهم ما أراد من هداهم والإيمان الذي نوره الله في قلوبهم.\rقال قائل منهم: إني قد رأيت رأياً وقع في قلبي وأمراً ثبت فيه، فلست أبصر غيره، وليس يخرجه من قلبي شيء، اسمعوا أعرض عليكم، إني فكرت في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم والسحاب والمطر، والأحياء والأموات، والنبات، والصغار والكبار، والبقاء والفناء، والشدة والرخاء، وتقلب الدنيا بأهلها، والأطباق التي تنصرف عليها الخلق طبقاً بعد طبق، قوماً عن قوم: من موت وحياة، ونقص وزيادة، وخفض ورفع، وغنى وفقر، وطول عمر ونقص آخر، وموت صغير وهرم كبير، وأشباه لذلك كثيرة، وهي أكثر من أن تعد وتوصف أو تحصى؛ فلما نظرت فيها وأعملت الري والنظر أجمع رأيي على أن لها خالقاً بديعاً ابتدعها؛ ورباً يملكها ويدبرها، ويخلقها ويرزقها، ويغنيها ويفقرها، ويرفعها ويخفضها، ويحييها ويميتها ويفنيها، تتقلب في قبضته وتعيش برزقه؛ فلما تم لي الرأي نظرت في عظمة هذا الرب الذي ابتدع هذا الخلق وضبطه، ودبره وأحكم أمره، فإذا قدرته تأتي من وراء شيء ومن وراء كل شيء، ثم نظرت في عظمة الرب هل أصفها كما وصفتها القدرة، وهل أعلم كنهها؟ فتحيرت فيها، وعجز عنها الحلم والعلم، وحسر عنها العقل والنظر، وما بقي مما لم أذكره لكم معرفة القلب ولا نصفه إلا أنه قد ألهم بمعرفته واسر بها أكثر وأعظم وأعجب مما وصفت وشرحت لكم، فماذا تقولون، وماذا تعفون، وماذا تفعلون؟ قالوا: قد قلت قولاً عظيماً ووصفت أمراً عجيباً، وما نحسبك إلا قد أصبت فيه الرأي والنظر، وقد صدقناك وتابعناك ورأينا رأيك وواقع قلوبنا منه ومن معرفته مثل الذي عرفت وواقع قلبك، وإن كنا لنرى مثل الذي رأيت من أعاجيب هذا الخلق وعظمة هذا الخالق، وإن كان ليكثر أن يخطر على قلوبنا منه مثل ما خطر على قلبك، ولكنا لم نشرح منه ما شرحت ولم نصف منه ما وصفت، ولم نعمل الرأي والنظر في معرفته مثل ما أعملت وعرفت، ولكن الله أراد هداك وتفضيلك وإكرامك بما سبقت إليه من هذا القول وهذا العلم وهذه المعرفة، ولكن حدثنا عما نسألك عنه، وإنما نظرنا فيه بعد ما سمعنا قولك؛ هل ينبغي لهذا الرب الذي وصفته بما وصفته من العظمة أن يكون له شريك في ملكه، أو حاجة إلى شيء من خلقه، أو هل يغلبه شيء يستعين عليه بغيره.\rقال لهم: لو كان له شريك في شيء من أمره لضبط ما ضبط، ولو كانت به حاجة إلى أحد من خلقه لكان مثلهم، ولو كان يستعين على شيء يغلبه بغيره إذاً ما بلغت قدرته ما بلغت، ولا أخاطب به، ولا وسع ما اتسع له من أمر خلقه، وتدبير ما خلق ورزق وأمات وأحيا.","part":4,"page":154},{"id":1655,"text":"قالوا له: صدقت وعرفنا ما تقول وثبت في قلوبنا، ولكن حدثنا ما بال خلقه يشركون به وهم يعرفونه حق معرفته. قال: لأنه خلق فيهم الأهواء وطبع فيهم الشهوات، وجبلهم على الضعف، وثبت معهم الشيطان، فمن قبل هذا عدلوا به وهم يعرفون أن الذين يدعون من دونه لا يحيونهم ولا يميتونهم، ولا يخلقونهم ولا يرزقونهم، ولا يضرونهم ولا ينفعونهم، إذا مسهم الضر فغياه يدعون وإليه يجأرون، فعند ذلك اجتمع رأيهم على أن يأووا إلى الكهف، وأن يعتزلوا فمهم وما يعبدون من دون الله، فعندها قالوا: ربنا رب السموات والأرض لن تدعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً إلى قوله: فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً قال: فلما اعتزلوهم وما يعبدون من دون الله آووا إلى الكهف رجاء أن ينشر لهم ربهم من رحمته ويهيئ لهم من أمرهم مرفقاً. قال: وأرادوا أن يكونوا في عزلة من قومهم وشركهم حتى يفرق لهم رأيهم، فألقى الله عليهم السبات.\rقال: وهم من مدينة من مدائن الروم يقال لها أفسوس، وملك الروم يومئذ دقيوس، ويقال - والله أعلم - إن عدتهم سبعة، كان عبد الله بن عباس يسميهم بأسمائهم ويقول: ما يعلمهم إلا قليل وأنا من أولئك القليل، منهم مرطالوس، ونونوس، ودانيوس، وسراقيون، وأسطاطالوس، ومكسلميس، وتمليخا، وهو الذي بعثوه بورقهم إلى المدينة ليرتاد لهم. هذا قول ابن عباس، قال: وكانوا قوماً يطلبون الصيد لما مسهم من الضر والحاجة ليس لهم كبير معيشة غيره، فقالوا قولهم هذا ونظروا ما نظروا، وهم يومئذ في الجبل الذي فيه كهفهم يطلبون الصيد ومعهم كلابهم وبزاتهم وقسيهم ونبلهم. فلما أجمع رأيهم أن يأووا إلى الكهف ليأتمروا فيه، هل يقيمون مع قومهم على شركهم، أم يفارقونهم فينتجعون ناحية من الأرض يحلون فيها ويوحدون فيها ربهم. فيبنا هم على ذلك ألقى الله عليهم السبات وأخفى على جميع خلقه مكانهم، وصرف عنهم الأبصار والعقول، فليس يبصرهم أحد ولا يفطن بمكانهم، فلبثوا في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعاً حتى انقرضت الأمة التي كانوا فيها والملك الذي كان عليهم، وظهر المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وآمن به الناس واتبعوا ملته ورفعه الله إليه وذهب زمانه وزمان أهل ملته وهم في كهفهم.\rقال: وقد كان عيسى بن مريم عليه السلام قبل أن يرفعه الله يحدث عنهم وعن إيمانهم وبصيرتهم، وكيف تفكروا في عظمة إلههم، وكيف ألقى الله عليهم السبات في كهفهم، وكيف أخفى مكانهم عن الناس، ولا ينبغي لأحد أن يهتدي إليهم ولا يعرف مكانهم، وكان يخبر أن الله سيرد إليه أرواحهم ويدل على كهفهم ليكونوا عبرة لمن خلفهم إن أراد أن يعتبر بهم.\rقال: فرد الله إليهم أرواحهم بعد أن لبثوا في كهفهم العدة التي ذكرها الله عز وجل في القرآن ولزمهم كلبهم، فلبث سنيهم كلها، كما أخبر الله تعالى: وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. والوصيد: فناء الكهف الذي فيه موضع الباب، زكان الكلب من كلاب صيدهم ولم يطعهم ولم يشرب ليجعله الله آية من آياتهم.","part":4,"page":155},{"id":1656,"text":"قال: فلما رد الله عليهم أرواحهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم إلى قوله: ولن تفلحوا إذا أبداً وهم حينئذ يظنون أن قومهم أحياء، وانهم على ما يعهدون من حالهم وشركهم وعتو ملكهم، فانطلق رجل منهم يقال له تمليخا، وكان أشدهم وأنجدهم، فتوجه حتى إذا خالط ربض المدينة أنكره وأنكر ما وجد به من الناس والدواب والبنيان وغير ذلك، ووجد الناس على حال لم يكن يعهدها وسنة لم يكن يعرفها، ووجدهم يبتاعون لورق لا يشبه الورق الذي معه، فتحير وأنكر وأقبل وأدبر، وأبطأ على أصحابه حتى خافوا عليه، وظنوا أنه فطن به وقدر عليه. فلما طال عليه ذلك دخل المدينة من ناحية أخرى من نواحيها حفية فوجد حال أهل المدينة على حال أهل الربض في كل شيء، فلما شك وارتاب والتبس عليه رأيه عمد إلى مشيخة من أهل المدينة توسم فيه الخير ليتجسس ويسمع قولهم، فوجد معهم الإنجيل يقرءونه، فسمع ما فيه ن توحيد الله وعظمته وعذابه وسنته وشرائعه وحلاله وحرامه، فعرف ذلك وأذعن إليه وأنصت يسمع حتى إذا فرغوا من قراءتهم سألهم عن كتابهم فقالوا: هذا كتاب الله الإنجيل الذي أنزل على عيسى بن مريم عليه السلام نبيه. قال: وأين عيسى؟ قالوا: قد رفعه الله تعالى إليه. قال: وكم لبث فيكم؟ قالوا: ثلاثاً وثلاثين سنة. قال: وهل رأيتموه وأتيتموه وأدركتم زمانه؟ قالوا: لا، كان قبل أن نولد، ووجدنا في أيدي آبائنا. قال: أفكل هذه المدينة تؤمن بهذا النبي وبهذا الكتاب وتعمل بما فيه مما أسمع من حلاله وحرامه؟ قالوا: نعم، إلا مستحقاً بذنب أو ظالماً لنفسه.\rقال: فهل سمعتم بالملك الذي يقال له دقيوس؟ قالوا: نعم. قال: فكم له منذ هلك؟ قالوا: أكثر من ثلثمائةعام. قال: فهل بقي له عقب، أو لأحد من أهل مملكته يعمل بعمله؟ قالوا: لا. قال: فلو أراد أحد أن يعمل بمثل عمله ما كنتم تفعلون بع؟ قالوا: نقتله أو نخرجه نم بين أظهرنا. فلما آمنهم واطمأن إليهم ورأى سمت الإسلام وهديه عليهم وفقه الله وهداه لمسألة سألهم عنها. قال: أخبروني، هل كان نبيكم عيسى عليه السلام يخبركم عن سبعة رهط خرجوا من هذه المدينة في زمن دقيوس وقومه، وهربوا إلى الله بأنفسهم ودينهم فراراً من دقيوس وقومه، وما كانوا يعبدون من دون الله حتى آووا إلى الكهف في هذه الحال فاستخفوا فيها. فلما قال لهم هذا أوجسوا في أنفسهم أنه منهم، قالوا: نعم، قد كان يخبرنا عنهم فلعلك منهم فإنا ننكر حالك كله.\rقال: فهل كان عيسى عليه السلام فيما بلغكم سمى أصحاب الطهف؟ قالوا: نعم؛ قال: فسموهم لي بأسمائهم، فسموهم حتى إذا ذكروا اسمه تمليخا قال: فأنا تمليخا وأنا أحدهم، فخروا له سجداً كما صنع إخوة يوسف بيوسف يوم دخلوا عليه؛ وكانت تحيتهم فيما بينهم السجود يومئذ، ثم أدخلوه مسجدهم وعظموه ووقروه وأكرموه ورفعوه وجمعوا له أهل مدينتهم وقراءهم وفقهاءهم، فتبركوا به، وجعلوا له عيداً عظيماً، وأقام أياماً بين أظهرهم ثم قال لهم: إن أصحابي الذين يحدثكم عنهم عيسى عليه السلام لا أراهم إلا وقد خافوا علي وساء ظنهم وهم يظنون أن دقيوس حي، وأن زمانه وأن الدين دينه، فانطلقوا بنا نعلمهم كيف أهلكه الله وقومه وطهر الأرض منهم، وكيف استبدل به وبأهل ملته أمة يوحدونه ويعرفونه ويهدون بالحق وبه يعدلون. فانطلقوا معه انتهوا إلى الكهف فوجدوا كلبهم باسطاً ذراعيه بالوصيد فقالوا حين رأوا: وهذا الكلب أيضاً من علاماتكم التي كان يحدثنا عنها عيسى عليه السلام، وقد كان يحدث أن أصحاب الكهف لا ينظر إليهم أحد من خلق الله من يوم يدخلون الكهف إلى أن ينزل عيسى عليه بن مريم عليه السلام إلا رجل واحد منهم، وهو الذي يدل عليهم وعلى مكانهم، وأنت هو؛ فدخل على أصحابه فأخبرهم بما رأى وما لقي، ثم كان آخر العهد بهم. قال الله عز وجل: وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنياناً ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً. قال: فبنوه حول الكهف وجعلوا الكهف في وسطه وكتبوا القصة على حيطانه.","part":4,"page":156},{"id":1657,"text":"قال وهب: فبلغني - والله أعلم - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن نزول أخي عيسى بن مريم عليه السلام علم للساعة، وإن الله يبشرهم عند نزول عيسى بن مريم عليه السلام، وإنه يحج في سبعين ألفاً فيهم أصحاب الكهف لأنهم لم يموتوا، ثم تقبل ريح صفراء يمانية، ألين من الحير، وريحها ريح المسك فتقبض روح عيسى عليه السلام وأرواح من معه. انتهى خبر أصحاب الكهف، فلنرجع إلى ما كنا فيه من أخبار ملوك الروم.\rقال: ثم ملك بعد دقيوس جالش. فكانت مدة ملكه ثلاث سنين. ثم ملك بعده فيلطانس. فكانت مدة ملكه عشر سنين. ثم كانت بعده ملوك الروم المتنصرة.\rملوك الروم المتنصرة\rوهم ملوك القسطنطينية قال المسعودي: لما هلك قليطانس ملك بعده قسطنطين برومية، وهو أول من انتقل من ملوك الروم عن رومية إلى بيزنطيا، وهي القسطنطينية، فبناها هذا الملك وسماها بهذا الاسم. قال: وكان خروجه من رومية ودخوله في دين النصرانية لست خلت من ملكه، وذلك أن أمه هلانا خرجت إلى أرض الشام وبنت الكنائس وسارت إلى بيت المقدس وطلبت الخشبة التي تزعم النصارى أن عيسى عليه السلام صلب عليها، فلما ظفرت بها حلتها بالذهب والفضة واتخذت يوم وجودها عيداً وهو عيد الصليب، لأربع عشرة ليلة خلت من أيلول. وهي التي ابتنت كنيسة حمص على أربعة أركان، واستخرجت الدفائن بمصر والشام، وصرفت ذلك في بناء الكنائس وتشييد دين النصرانية، فكل كنيسة بالشام ومصر من بناء هذه الملكة هلانا.\rقال: ولسبع عشرة سنة خلت من ملك قسطنطين اجتمع ثلثمائة وثمانية عشر أشقفا بمدينة نيقية لأرض الروم فأقاموا دين النصرانية. وهذا الاجتماع أول الاجتماعات الستة التي تذكرها الروم في كلامهم وتسميها القوانين، ومعنى هذه الاجتماعات السنودسات وأحدها سونودس. فالأول بنيقية وكان الاجتماع فيه على أرنوس، وهذا اتفاق من سائر أهل دين النصرانية. والسنودس الثاني بقسطنطينية على مقدونس، وعدة المجتمعين فيه من الأساقفة مائة وخمسون رجلاً. والثالث بأقسيس وعدة اجتمع فيه من الأساقفة مائة رجل. والرابع بخلقدونية وعددهم ستمائة ووستون رجلاً. والخامس بقسطنطينية وعددهم مائة وستة وأربعون رجلاً.\rوالسادس كان من ملكة المدن، وعدتهم مائتان وثمانون رجلاً.\rقال: وكان السبب في دخول قسطنطين في دين النصرانية أنه خرج في بعض حروب أبرجان أو غيرهم من الأمم، فكانت الحرب بينهم سجالاً نحواً من سنة، ثم كانت عليه في بعض الأيام فقتل من أصحابه خلق كثير وخاف البوار فرأى في نومه كأن رماحاً نزلت من السماء فيها عذب وأعلام على رأسها صلبان من الذهب والفضة والحديد والنحاس وأنواع الجواهر والخشب، وقيل له: خذ هذه الرماح وقاتل بها عدوك تنتصر، فجعل يحارب في النوم فرأى عدة قد انهزم، فاستيقظ من نومه ودعا بالرماح وركب عليها الصلبان مثل ما رأى، ورفعها في مسكره وزحف إلى عدوة فكسرهم وأخذهم السيف، فرجع إلى مدينة نيقية وسأل عن تلك الصلبان وهل يعرفون ذلك في شيء من الآراء والنحل؟ فقيل له: إن بيت المقدس من أرض الشام يجمع هذا المذهب، وأخبروه بما فعله من قبله من الملوك من قتل النصارى، فبعث إلى الشام وبيت المقدس وحشر له ثلثمائة وثمانية عشر أسقفا فأتوه بنيقية قفص عليهم أمره فشرعوا له دين النصرانية. فهذا هو السنودس الأول.\rوقيل: إن أمه كانت قد تنصرت وأخفت ذلك عنه قبل هذه الرؤيا. وكان ملكه إلى أن هلك إحدى وثلاثين سنة، وقيل خمساً وعشرين.\rثم ملك بعده قسطنطين بن قسطنطين. فكانت مدة ملكه أربعاً وعشرين سنة. وابتنى كنائس كثيرة وشيد دين النصرانية.\rثم ملك بعده ابن عمه بوليانس المعروف بالحنيفي ويسمى البرباط. قال: ولما ملك رجع عن دين النصرانية وغير رسومها وغزا العراق في ملك سابور بن أردشير فأتاه سهم غرب فذبحه. ولما هلك جزع من كان معه من الملوك والبطارقة ففزعوا إلى بطريق كان معظماً عندهم يقال له يونياس، وقيل: إنه كان كاتباً للملك الماضي، فأبى عليهم إلا أن يرجعوا إلى دين النصرانية، فأجابوه إلى ذلك فملك عليهم يونياس المذكور.","part":4,"page":157},{"id":1658,"text":"قال: ولما ملك كان له مراسلات مع سابور ومهادنة واجتماع، ثم انصرف بجيوش النصرانية موادعاً لسابور وأخلف عليه ما أتلف الملك الماضي من أرضه بأموال حملها إليه وهدايا من ألطاف الروم، وشيد النصرانية وأعاد معالمها، ومنع من عبادة الأصنام والتماثيل. وقتل من كان على عبادتها. فكان ملكه سنة.\rثم ملك بعده أوالس قال: ولما ملك كان على دين النصرانية ثم رجع عنه، وهلك في بعض حروبه، فكان ملكه إلى أن هلك أربع عشرة سنة. وقيل: إن في أيامه استيقظ أهل الكهف.\rثم ملك بعده غراطيانس. فكانت مدة ملكه خمس عشرة سنة، وسنة من ملكه كان اجتماع النصرانية، وهو آخر الاجتماعات. فأتموا القول في روح القدس، وهو السنودس الثاني.\rثم ملك بعده بدرسيس الأكبر، وتفسير هذا الاسم عطية الله. قال: ولما ملك قام بدين النصرانية وعظم أمرها وابتنى الكنائس، ولم يكن من أهل بيت المقدس ولا من الروم؛ بل كان أصله من الأسبان، وهم بعض الأمم السالفة. قال: وقد كانت ممن ملكت الشام ومصر والمغرب والأندلس. وقد تنازع الناس فيهم، فذكر الواقدي في كتاب فتوح الأمصار أن بدءهم من أهل أصبهان، وانهم ناقلة من هنالك، وهذا يوجب أنهم من قبل ملوك فارس.\rقال: وذكر عبيد الله بن خرداذبه نحو ذلك، وساعدهما على ذلك جماعة من أهل السير والأخبار.\rقال المسعودي: والأشهر من أمرهم أنهم من ولد يافث بن نوح، وهم اللذارقة ملوك الأندلس وأحدهم لذريق، وقد تنوزع في دياناتهم، فمنهم من رأى أنهم على دين المجوس، ومنهم من رأى أنهم على مذهب الصابئة وغيرهم من عبدة الأصنام. قال: وكان ملك بدرسيس إلى أن هلك تسع عشرة سنة.\rثم ملك بعده أوقاديس. فكان ملكه أربع عشرة سنة وكان على دين النصرانية.\rثم ملك بعده بدرسيس الأصغر، وذلك بمدينة أقسس، وجمع مائتي أسقف وهو الاجتماع الثالث من الأسنودسات، ولعن فيه نسطورس البطرك، وإليه تنسب النسطورية من النصارى. وكان ملك هذا الملك إلى أن هلك اثنتين وأربعين سنة.\rثم ملك بعده مرقياقس وزوجته بلجاريا. فكانت ملكة معه. وكان ملكهما سبع سنين، وفي أيامهما كان خبر اليعاقبة ووقوع الخلاف بينهم في الثالوث.\rقال: وأكثر اليعاقبة من النصارى بالعراق وتكريت والموصل والجزيرة ومصر وأقباطها إلا اليسير فإنهم ملكية، والنوبة والأرمن يعاقبة؛ ومطران اليعاقبة بين الموصل وبغداد وتكريت، وكان لهم بالقرب من رأس عين واحد فمات، وانتقل مطرانها إلى بلاد حلب وقنسرين والعواصم.\rقال المسعودي: وكرسي اليعاقبة رسمه أن يكون بمدينة أنطاكية، وكذلك لهم كرسي بمصر.\rثم ملكا بعدهما ليون الأصغر بن ليون. فكان ملكه ست عشرة سنة، وفي أيامه أحرم مسعدة اليعقوبي بطرك الإسكندرية، واجتمع له من الأسقافة ستمائة وثلاثون أسقفا. وفي تاريخ الروم أن عدة المجتمعة ستمائة وستون رجلاً، وذلك بخلقدونية، وهذا الاجتماع هو السنودس الرابع عند الملكية. واليعاقبة لا تعتد بهذا السنودس.\rقال: واليعاقبة أضيفت إلى يعقوب البرذعي وبه عرفت، وكان من أهل أنطاكية، وكان يعمل البراذع بها.\rثم ملك بعده ابن به على دين الملكية. فكانت مدة ملكه إلى أن هلك سنة.\rثم ملك بعده بير وهو من بلاد الأرمينان، وكان ملكه سبع عشرة سنة، وكان يميل إلى رأي اليعاقبة، وكان له حروب مع خوارج خرجوا عليه في دار ملكه فظفر بهم.\rثم ملك بعده نسطاس، وكان يذهب إلى مذهب اليعاقبة، وهو الذي بنى مدينة عمورية، وأصاب كنوزاً ودفائن عظيمة. وكان ملكه تسعاً وعشرين سنة.\rثم ملك بعده نوسطيانس تسع سنين.\rثم ملك بعده سطيانس. فكان ملكه تسعاً وثلاثين سنة، وبنى كنائس كثيرة وشيد دين النصرانية وأظهر مذاهب الملكية، وبنى كنيسة الرها، وهي إحدى عجائب مباني العالم.\rقال: وقد كان في هذه الكنيسة منديل يعظمه أهل دين النصرانية، وهو أن اليسوع الناصري حين اخرج من ماء المعمودية نشف به، فلم يزل هذا المنديل يتداول إلى أن قرر على كنيسة الرها؛ فلما اشتد أمر الروم على المسلمين وحاصروا الرها في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة أعطى هذا المنديل للروم فوقعت الهدنة عليه، وفرح الروم فرحاً عظيماً.\rولما هلك هذا الملك ملك بعده قوسطيس وهو ابن أخيه، وكان ملكه إلى أن هلك ثلاث عشرة سنة.","part":4,"page":158},{"id":1659,"text":"ثم ملك بعده طباريس. فكان ملكه أربع سنين، وأظهر في مدة ملكه أنواعاً من الباس والآلات وآنية الذهب والفضة وغير ذلك من آلات الملوك.\rثم ملك بعده مورقيس، وقيل فيه موريقس، فكانت مدة ملكه عشرين سنة، وهو الذي نصر كسرى أبرويز على بهرام جوبين على ما قدمناه، ثم قتل وانتصر أبرويز لولده وبعث بجيوش الفرس، وكانت له حروب ذكرناها.\rثم ملك بعده قرقاس. فكان ملكه إلى أن قتل ايضاً ثماني سنين.\rثم ملك بعده هرقل وكان بطريقاً في بعض الجزائر قبل ذلك. قال: ولما ملك عمر بيت المقدس وذلك بعد انكشاف الفرس عن الشام، وبنى الكنائس. ولسبع سنين خلت من ملكه كانت هجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rملوك الروم بعد الإسلام\rقال المسعودي: وجدت في كتب التواريخ تنازعاً في مولد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عصر من كان من ملوك الروم؛ فمنهم من ذهب إلى ما قدمناه، ومنهم من رأى أن مولده صلى الله عليه وسلم كان في ملك نوسطينوس. وكان ملكه سبعاً وعشرين سنة.\rثم ملك نوسطينوس الثاني، وكان ملكه عشرين سنة.\rثم ملك بعده هرقل بن نوسطينوس، وهو الذي ضرب الدنانير والدراهم الهرقلية. وكان ملكه خمس عشرة سنة.\rثم ملك بعده ابنه مورق بن هرقل، وهو الذي كتب الزيجات في النجوم، وعليه يعمل أهل الحساب. وفي تواريخ ملوك الروم فيمن سلف وخلف أن الملك للروم كان في وقت ظهور الإسلام وخلافة أبي يكر وعمر هرقل. وليس هذا الترتيب فيما عداها من كتب تواريخ أهل السير. وفي تواريخ أصحاب السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر وملك الروم قيصر بن فوق.\rثم ملك بعده قيصر بن قيصر، وذلك في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه.\rثم ملك بعده هرقل بن قيصر في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو الذي حاربه أمراء الإسلام الذين فتحوا الشام على ما نذكره إن شاء الله تعالى في خلافة عمر رضي الله عنه.\rثم ملك بعده مورق بن هرقل في خلافة عثمان ين عفان رضي الله عنه.\rثم ملك بعده فوق بن مورق في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأيام معاوية بن أبي سفيان.\rثم ملك بعده فلقط بن مورق بقية أيام معاوية بن أبي سفيان، وكانت بينهما مراسلات ومهادنات، وكان ملكه في آخر أيام معاوية وأيام يزيد ابنه ومعاوية ابن يزيد ومروان بن الحكم وصدرا من أيام ابنه عبد الملك بن مروان.\rثم ملك بعده لاوي بن فلقط في بقية أيام عبد الملك بن مروان.\rثم ملك بعده جيرون بن لاوي في أيام الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك أخيه وعمر بن عبد العزيز، ثم اضطرب ملك الروم لما كان من أمر مسلمة ين عبد الملك بن مروان وغزو المسلمين لهم في البر والبحر، فملكوا عليهم رجلاً من غير أهل بيت الملك من أه لمرعش يقال له جرجس. فكان ملكه تسع عشرة سنة.\rولم يزل ملك الروم في اضطراب إلى أن ملك عليهم قسطنطين بن اليون، وذلك في خلافة أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور.\rثم ملك بعده اليون بن قسطنطين، وكانت أمه أرسى ملكة معه ومشاركة له في الملك لصغر سنه. وملك في أيام المهدي والهادي.\rثم ملك بعده قسطنطين بن اليون بن قسطنطين، وكانت أمه مشاركة له وسلمت عيناها بعد موته.\rثم ملك بعده نقفور بن استبراق، وكان لهذا الملك مراسلات وحروب مع الرشيد، وغزاه الرشيد فأعطى القود من نفسه من بعد بغي كان منه في بعض مراسلاته، فانصرف الرشيد عنه ثم غدر ونقض ما كان أعطاه من الانقياد، فكتم الرشيد أمره لعارض علة كان وجدها بالرقة، ثم تجهز وغزاه فنزل على هرقلة؛ وذلك في سنة سبعين ومائة، فحاصرهما سبعة عشر يوماً فأصيب خلق من المسلمين وفنيت الأزواد والعلوقات، ثم فتحها عنوة. وقيل: إنهم بادروا لما فتحها بطلب الأمان فأمنوا. والأشهر أنه فتحها عنوة.\rثم ملك بعده استبراق بن نقفور بن استبراق. وكان ملكه في أيام الأمين، ولم يزل ملكاً حتى غلب على الملك قسطنطين بن قفلط، وكان ملكه في خلافة المأمون.\rثم ملك بعده توقيل وذلك في خلافة المعتصم، وهو الذي فتح زبطرة وغزاه المعتصم بعد فتح عمورية.\rثم ملك بعده ميخائيل بن توقيل، وذلك في خلافة الواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين، ثم كان بين الروم تنازع في الملك، فملكوا عليهم توقيل بن ميخائيل ابن توقيل.","part":4,"page":159},{"id":1660,"text":"ثم غلب على الملك بسيل الصقلبي ولم يكن من أهل بيت الملك. وكان ملكه في أيام المعتز والمهتدي وبعض أيام المعتمد.\rثم ملك بعده اليون بن يسيل. فكان ملكه بقية أيام المعتمد وصدرا من أيام المعتضد إلى أن هلك.\rثم ملك عليهم أخاه لاوي بن اليون بن بسيل الصقلبي. فكان ملكه بقية أيام المعتضد وأيام المكتفي وصدرا من أيام المقتدر.\rثم هلك وخلف ولداً صغيراً يقال له قسطنطين فملك وغلب على ماشركته في الملك أرمنوس بطريق البحر صاحب حربه. قال: فزوج قسطنطين الصبي بابنته، وذلك في بقية أيام المقتدر وأيام القاهر وأراضي والمتقي، وذلك في سنة اثنين وثلاثين وثلثمائة.\rقال المسعودي: فملوك الروم في هذا الوقت ثلاثة، فالأكبر منهم والمدبر للأمور أرمنوس يخاطب بالملك اسمه اسطفانس وجعل أرمنوس ابناً له آخر صاحب الكرسي بالقسطنطينية، وهو البطريك الأكبر الذي يأخذون عنه دينهم، وقد كان خصاه قبل ذلك أبوه وقربه إلى الكنيسة. وهذا آخر من ذكره المسعودي من ملوك الروم ولم نجد من ضبط أمرهم بعده على اتسق فنذكره.\rقال: فعدة ملوك الروم المتنصرة من قسطنطين بن هلاي الذي أظهر دين النصرانية بالروم إلى هذا الوقت أحد وأربعون ملكاً، ولم يعد ابن أرمنوس وسنيهم خمسمائة سنة وسبع سنين.\rوقال في ملوك رومية: الذي وجدت في اكثر كتب التواريخ مما اتفقوا عليه أنعدة ملوك الروم الذين ملكوا مدينة رومية، وهم الذين ذكرهم في كتابه وذكرناهم نحن في كتابنا هذا، تسعة وأربعون ملكاً، وجميع عدد سني ملكهم، من أول من ملكهم على حسب ما ذكرناه من الخلاف في صدر هذا الفصل إلى قسطنطين ابن هلاي، أربعمائة سنة وثلاثون سنة وسبعة أشهر وستة أيام. والله أعلم.\rملوك الصقالبة والنوكبرد قال المسعودي: الصقالبة من ولد ماراي بن يافث بن نوح، وإليه يرجع سائر أجناس الصقالبة وبه يحقون في أنسابهم. ومنهم من ينقاد إلى دين النصرانية اليعاقبة، ومنهم من لا كتاب له ولا ينقاد إلى شريعة. وهم أجناس: فمنهم جنس كان الملك فيهم قديماً في صدر الزمان، وكان ملكهم يدعى ماجك، وهذا الجنس يدعى لبناناً، وكان يتلو هذا الجنس قديماً في صدر الزمان سائر أجناس الصقالبة وهم اصطبرانة، وملكهم يدعى بصقلانح. وجنس يقال له نامجين، وملكهم يدعى عرابة، وهذا الجنس أشجع الصقالبة، وجنس يدعى مناي، وملكهم رتبيل، ثم جنس يقال له سرتين، وهو جنس مهيب عندهم، ثم جنس يقال له مراوة، ثم جروانيق وصاصين وخشانين وبزانجابين.\rقال: والجنس الذي يدعى سرتين يحرقون أنفسهم بالنار، وإذا مات لهم ملك أو رئيس يخرقونه ويحرقون دوابه، ولهم أفعال كأفعال الهند.\rقال: ومن الصقالبة جنس التحق بالخزر والروس. قال: والأول من ملوك الصقالبة ملك الدير، وبه مدن واسعة وعمائر كثيرة، وهو يحارب الروم والفرنج والنوكبرد وغيرهم من الأمم، والحرب بينهم سجال: ثم بلى هذا الملك من بلاد الصقالبة ملوك الترك. قال: والصقالبة أجناس كثيرة، ثم اختلفت الكلمة بين أجناسهم فزال نظامهم وملك جنس منهم عليهم ملكاً.\rهذا ما أورده المسعودي من أخبار الصقالبة. والله أعلم.\rوأما النوكبرد فقال المسعودي فيهم: إنهم أيضاً من ولد يافث وبلادهم متصلة ببلاد المغرب، ولهم جزائر كثيرة فيها أمم من الناس. وهم ذو بأس شديد ومنعة، ولهم مدن كثيرة ويجمعهم بلد واحد.\rقال: وأسماء ملوكهم في سائر الأعصار أريكس، والمدينة العظمى من مدنهم ودار مملكتهم تبت وهي مدينة عظيمة يخترقها نهر عظيم من أعظم الأنهار اسمه سابيط والمدينة على جانبيه.\rقال: ومن مدنهم التي كان المسلمون ببلاد الأندلس قد غلبوهم عليها وسلبوها منهم وسكنوها ثم استعادها النوكبرد بعد ذلك من المسلمين مدينة تارة ومدينة طارينو ومدينة سيرنية، ولم يذكر من أمرهم خلاف ذلك فنذكره.\rملوك الإفرنجة والجلالقة قال المسعودي: لا خلاف أن الإفرنجة والجلالقة والصقالبة والنوكبرد والأسبان والترك والخزر وبرجان واللان ويأجوج ومأجوج وغير من ذكرنا ممن سكن بلاد الشمال من ولد يافث بن نوح.\rقال: والإفرنجة اشد هؤلاء الأجناس باساً، وأمنعهم وأكثرهم عدة، وأوسعهم ملكاً، وأحسنهم نظاماً، وانقياداً لملوكهم، وأكثرهم طاعة.","part":4,"page":160},{"id":1661,"text":"قال: والجلاقة اشد من الإفرنجة واعظم منهم نكاية. والرجل الواحد من الجلالقة يقاوم من الإفرنجة. ثم قال: وكلمة الإفرنجة متفقة على ملك واحد لا تنازع بينهم في ذلك، ومدنهم تزيد على مائة وخمسين مدينة غير الكور.\rوكانت أوائل بلادهم قبل ظهور الإسلام في البحر في جزيرة رودس وجزيرة إقريطش، ثم ملكوا بلاد الغرب واستولوا عليها.\rقال: وأول ملوك الإفرنجة قلويا وكان مجوسياً فنصرته امرأته عرضلة. ثم ملك بعده ابنه لذريق.\rثم ملك بعده ابنه دفسوت.\rثم ملك بعده ابنه قادله ثم ملك بعده ابنه بيبق.\rثم ملك بعده قادله. وكانت ولايته ستاً وعشرين سنة، وذلك ف أيام الحكم صاحب الأندلس، وتدافع بعده ووقع الاختلاف بينهم حتى تفانت الإفرنجة بسببهم.\rوسار لذريق بن قادله ثمانياً وعشرين سنة وستة اشهر، وهو الذي أقبل إلى طرطوشة فحاصرها.\rثم ملك بعده قادله بن لذريق تسعاً وثلاثين سنة وستة أشهر.\rثم ملك بعده ابنه لذريق ستة أعوام، ثم خرج عليه قائد للإفرنجة يسمى يوسة فملك الإفرنجة وأقام في الملك ثماني سنين. وهو الذي صالح المجوس على بلده سبع سنين بستمائة رطل ذهباً وستمائة رطل فضة يؤديها صاحب الإفرنجة إليهم.\rثم ولى بعده قادله وأقام في الملك إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر.\rثم ولي بعده لذريق بن قادله واستمر في الملك إلى سنة ست وثلاثين وثلثمائة.\rهذا ما أورده المسعودي من أخبارهم في كتابه المترجم لمروج الذهب ومعادن الجوهر.\rثم اتسعت بعد ذلك ممالكهم وانبسطت أيديهم واستولوا على أكثر بلاد الغرب وغيرها.\rطوائف السودان وشيء من أخبارهم ونسبهم قال المسعودي: لما تفرق ولد نوح في الأرض سار ولد كوش ين كنعان نحو المغرب حتى قطعوا نيل مصر. ثم افترقوا فسارت طائفة منهم ميميمين المشرق، وهم النوبة والحبشة والزنج. وسار فريق منهم نحو المغرب، وهم أنواع كثيرة: الزغاوة والكانم ومرنك وكوكو والحمى غانة وغير ذلك من أنواع الأجابش والدمادم، ثم افترق الذين يمموا بين المشرق والمغرب، فصارت الزنج من المكمين والمسكو ودبرا وغيرهم من أنواع الزنج.\rقال: ومن مدنهم بربرا وهي مدينة على خليج من البحر الحبشي يسمى الخليج البربري، طوله خمسمائة ميل وعرضه مائة ميل.\rقال: وليست هذه بربرا هي التي تنسب إليها البرابرة الذين بالمغرب من أرض إفريقية. قال: ولباس هؤلاء الزنج جلود النمورة، وهي جلود كبيرة تحمل من أرضهم إلى بلاد الإسلام. قال: وأقاصي بلاد الزنج بلاد سفالة وأقاصيه بلاد الواق واق، وهي أرض كثيرة الذهب كثيرة العجائب والخصب، حارة. واتخذ بها الزنج دار مملكة وملكوا عليهم ملكاً اسمه وقليمى وهي نسبة لسائر ملوكهم في سائر الأعصار.\rقال: ويركب وقليمى وهو ملك من ملوك الزنج في ثلثمائة ألف راكب، ودوابهم البقر، وليس في أرضهم خيل ولا بغال ولا غبل ولا يعرفونها، وإنما يركبون البقر بالسروج واللجم، ويقاتلون عليها وهي تعدو يهم كالخيل.\rقال المسعودي: رأيت بالري نوعاً من هذه البقر تبرك كما يبرك الجمل وتحمل وتثور بأحمالها، وتحمل عليها الميتة من الخيل والإبل وغيرها فتنهض بحملها.\rوالغالب على هذا النوع من البقر حمرة الحدق وسائر البقر تنفر منها. قال: ولا يقع البرد في بلاد الزنج. قال: ومنهم ناس محددو الأسنان يأكل بعضهم بعضاً. قال: ومساكن الزنج من حد الخليج المشعب من أعلى النيل إلى بلاد سفالة والواق واق، ومقدار مسافة مساكنهم واتصالها في الطول والعرض سبعمائة فرسخ: بر وأودية وجبال ورمال.\rقال المسعودي: ومعنى تسمية ملك الزنج وقليمى أي ابن الرب الكبير، لأنه اختارهم لملكهم والعدل، فمتى جار الملك عليهم في حكمه أو حاد عن الحق قتلوه وحرموا عقبه الملك. وزعموا أنه إذا فعل ذلك فقد بطل أن يكون ابن الرب الذي هو ملك السماء والأرض، ويسمون الخالق عز وجل مكليجو وتفسيره الرب الكبير.","part":4,"page":161},{"id":1662,"text":"قال: والزنج أولو فصاحة في ألسنتهم وفيهم خطباء بلغتهم؛ يقف الرجل الزاهد منهم فيخطب على الخلق الكثير منهم يرغبهم في القرب من ربهم ويبعثهم على طاعته، ويرهبهم من عقابه، ويذكرهم من سلف من ملوكهم وأسلافهم، وليس لهم شريعة يرجعون إليها بل رسوم لملوكهم، وأنواع من السياسات يرجعون إليها ويسوسون بها رعيتهم، وأكثر أكلهم الموز، وهو كثير ببلدهم، وغالب أقواتهم الذرة ونبت يقال له الكلاري يقتلع من الأرض كالكمأة والراسن، ويأكلون العسل واللحم.\rقال: ومن هوى منهم شيئاً نم نبات أو حيوان وجماد عبده. وجرائرهم لا تحصى كثرة وفيها النارجيل.\rوأما النوبة وما قيل فيها فافترقت فرقتين في شرقي النيل وغريبه وأناخت على شطيه واتصلت ديارها بديار مصر، واتسعت مساكنها على شاطئ النيل مصعدة. ومدينتهم دنقله. والفريق الآخر من النوبة يقال له غلوة وينزل مدينة الملك واسمها سرته.\rوأما البجة وما قيل فيها فإنها نزلت بين بحر القلزم ونيل مصر وتشعبوا فرقاً وملكوا عليهم كلوكاص، وفي أرضهم معادن الذهب. قال: وانضاف إلى البجة طائفة من العرب من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وتزوجوا من البجة.\rوأما الحبشة وما قيل فيها فإن دار ملكهم كعبر، وهي مدينة عظيمة، وهي دار مملكة النجاشي. وللجبشة مدة كثيرة وعمائر واسعة ويتصل ملك النجاشي بالبحر الحبشي، وله ساحل فيه مدينة كبيرة، وهو مقابل لبلاد اليمن. فمن مدن الحبشة على الساحل: الزيلع والدهلك وناصع، وفي هذه المدن جماعة ن المسلمين إلا أنهم في ذمة الحبشة. قال: وبين ساحل الحبشة ومدينة غلافقة، وهي ساحل زبيد من أرض اليمن، ثلاثة أيام عرض البحر. قال: ومنه عبرت الحبشة إلى اليمن حين ملكته في أيام ذي نواس، وهذا الموضع هو أقل هذا البحر عرضاً.\rقال: وهنالك جزائر بين الساحلين منها: جزيرة العقل فيها ما ء يشرب فيفعل في القرائح والذكاء فعلاً جميلاً، وبها جزيرة أسقطرة. وأما غير هؤلاء من الحبشة فمنهم من أمعن في المغرب مثل: الزغاوة والكوكو القراقر ومديدة ومريس والمبرس والملانة والقوماطين ودويله والقرمة. قال: ولكل طائفة من هؤلاء الطوائف وغيرهم ملك يرجعون إليه.\rالباب الرابع من القسم الرابع من الفن الخامس\rملوك العرب\rويتصل بهذا الباب خبر سيل العرم ملوك قحطان قل المؤرخون: لم يكن للعرب ملك حقيقي، وإنما كان من ملك حمير في بلاد اليمن سمى ملكاً، وقد كانوا في بعض الأوقات يخرجون من بلادهم ويسيحون في الأرض حتى بلغوا أقصى المغرب، وبلغوا من حدود المشرق سمرقند، وبلغوا باب الأبواب، ودخلوا بلاد الهند ولم يستقروا في غير بلادهم، فلا يعد ذلك ملكاً، وإنما هو غارة.\rفأول ملوك قحطان عبد شمس، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ابن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وإنما سمى سبأ لأنه أول من أدخل بلاد اليمن السبي. قال عبد الملك بن عبدون في كتابه المترجم بكلمة الزهر وصدفة الدر: إن عبد شمس هذا ملك أربعمائة سنة وأربعاً وثمانين سنة. قال: وقد اختلف في أول من ملك منهم، فقيل يعرب بن قحطان. قال: وهو أول من نطق بالعربية، وأول نم حياه ولده بتحية الملك: أبيت اللعن، وأنعم صباحاً. والأشهر أن عبد شمس سبا هو أول ملوكهم. والله أعلم.\rثم ملك ابنه حمير بن سبأ، قال: وكان أشجع الناس في وقته، وأفرسهم وأجملهم. وقيل: إنه غنما سمى حمير لكثرة لباسه الأحمر من الثياب، وكان يلقب بالعرنجج، وهو أول من وضع تاج الذهب على رأسه من ملوك اليمن. وكان ملكه خمسين سنة، وذلك في عصر قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.\rثم ملك بعده أخوه كهلان بن سبأ. فكان ملكه إلى أن هلك ثلثمائة سنة.\rواختلف فيمن ملك بعده، فقيل: ملك بعده أبو مالك بن عسكر بن سبأ. فكان ملكه ثلثمائة سنة. وقيل ملك بعد كهلان الرائس وهو الحارث بن شداد، وكان الحارث أول من غزا منهم، وأصاب الغنائم، وأدخلها اليمن، وبينه وبين حمير خمسة عشر أباً، وسمى الرائس لأنه لما أدخل الغنائم والأموال والسبي بلاد اليمن فراش الناس في أيامه. وفي عصره مات لقمان النسور. قال: وذكر الرائش هذا نبينا صلى الله عليه وسلم في شعره، فقال من قصيدته:\rويملك بعدهم رجل عظيم ... نبي لا يرخص في الحرام","part":4,"page":162},{"id":1663,"text":"يسمى أحمداً يا ليت أني ... أعمر بعد مخرجه بعام\rقال: وكان ملكه مائة وخمساً وعشرين سنة. هكذا نقل عبد الملك بن عبدون وذكر الخلاف في أبي مالك وارائش على ما ذكرناه. وأما غيره فإنه لم يذكر كهلان ابن سبا ولا أبا مالك، بل قال: إن حمير عهد إلى ابنه الملطاط بن عمرو بن حمير. قال: وفي أيامه انقرض ملك ملك صحار وجاسم ابني دارم وبادوا.\rقالوا: ثم ملك بعده ابنه أبرهة ويقال له ذو المنار. قالوا: سمى بذلك لأنه أول من أقام المنار في مغازيه على الطريق، وذلك أنه أوغل في بلاد المغرب والسودان، واتخذها ليهتدي بذلك في قفوله. وكان ملكه مائة وثلاثين سنة، وقيل مائة وثلاثاً وثمانين سنة. هكذا ذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف أن الذي ملك أبرهة. وقال المسعودي: إن الذي ملك بعد الرائش جبار بن غالب زيد ابن كهلان وقال: إن ملكه كان مائة وعشرين سنة، والله اعلم.\rثم ملك بعد أبرهة على ما ذكر ابن حمدون في تذكرته ابنه إفريقش، وهو ذوا الأذعار. قال: سمي بذلك لأنه خرج نحو بلاد المغرب وأوقع بوم لهم خلق منكرة فذعر الناس منهم وفرقوا. قال ابن عبدون: وغزا إفريقش بلاد المغرب حتى أتى طنجة ونقل البربر من أرض فلسطين ومصر والساحل إلى مساكنهم ببلاد المغرب. وكان البربر بقية من قلت يوشع بن نون. قال: وإفريقش هو الذي بنى إفريقية وبه سميت.\rثم ملك بعده ابنه العبد ويلقب ذا الشناتر، وهي الأصابع في لغة حمير.\rقال: وخرج نحو العراق فاحتضر في طريقه. هكذا ذكر ابن حمدون. وقال عبد الملك: إن الذي ملك بعد إفريقش أخوه العبد بن أبرهة. قال: وهو ذو الأذعار سمي بذلك لأنه كان فيما ذكر أهل الأخبار غزا بلاد النسناس فقتل منهم مقتلة عظيمة، ورجع إلى اليمن من سبيهم بقوم وجوههم في صدورهم فذعر الناس فسمي بذي الأذعار. وكان ملكه خمساً وعشرين سنة. وقد قدمنا أن ذا الأذعار هو إفريقش. والله أعلم.\rثم ملك بعده الهدهاد بن عمرو بن شرحبيل. هكذا قال ابن حمدون والمسعودي إلا أن المسعودي لم يذكر عمراً وقال الهدهاد بن شرحبيل. وسماه ابن قتيبة هداد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش، وهو أبو بلقيس صاحبة سليمان عليه السلام. وكانت مدة ملكه عشرين سنة، وقيل سبعة، وقيل سنة. وقد قدمنا خبر بلقيس وأنها ابنة ذي أشرح، وان والدها لم يكن ملكاً وإنما كان وزيراً لملك حمير وهو شراحي المحيري. والله تعالى أعلم.\rواختلف فيمن ملك بعد الهدهاد، قال المسعودي: تبع الأول. وكان ملكه أربعمائة سنة. وقال ابن قتيبة أقل من ذلك، وقال: ملك بعد الهدهاد ابنته بلقيس وهي صاحبة سليمان بن داود عليهما السلام. وكان ملكها مائة وعشرين سنة. وقد أتينا على أخبارها فيما سلف من هذا الكتاب في قصة سليمان عليه السلام.\rثم ملك بعدها ياسر بن عمرو بن شرحبيل وهو ناشر النعم، قالوا: سمي بذلك لإنعامه على العرب، وكان شديد السلطان، وسار غازياً وأوغل في بلاد المغرب حتى بلغ وادي الرمل ولم يبلغه أحد قبله، وهو رمل جار، ولم يجد وراء ذلك مجازاً لكثرة الرمل وجريانه، فبينما هو مقيم إذا انكشف الرمل فأمر بعض أهل بيته أن يعبر هو وأصحابه فعبروا فلم يعودوا غليه وهلكوا عن آخرهم، فأمر بصنم من نحاس فنصب على صخرة عظيمة على شفير الوادي وكتب على صدره بقلم المسند: هذا الصنم لناشر النعم الحميري ليس وراءه مذهب ولا يتكلفن أحد ذلك فيعطب، ورجع من هناك. وكان ملكه خمساً وثمانين سنة على رواية ابن قتيبة.\rوقال المسعودي: خمساً وثلاثين.\rثم ملك بعده أبو كرب شمر بن إفريقش، ويسمى يرعش لارتعاش كان به. قال: وخرج نحو بعض العراق في زمن بستاسف أحد ملوك الفرس فأعطاه بستاسف الطاعة، وسار نحو الصين حتى نزل في طريقه ببلاد الصغد، فاجتمع أهل تلك الأرض بمدينة سمرقند فأحاط بهم شمر وافتحها عنوة وأسرف في القتل وخرب المدينة وهدمها فسميت شمركند، وعربت بعد ذلك فقالوا: سمرقند. ومعنى شمركند أي خربتها شمر. وفيه يقول دعبل بن علي يفتخر باليمن من قصيدة:\rهموا كتبوا الكتاب بباب مرو ... وباب الشاش كانوا كاتبينا\rوهم سموا بشمر سمرقنداً ... وهم غرسوا هناك التبيتنا","part":4,"page":163},{"id":1664,"text":"قال: ولما فرغ من بلاد الصغد سار نحو الصين فأيقن ملكها بالبوار، فاحتال وزير له بأن جدع أنفه وأتى إلى شمر، وهو بمفازة بينها وبين الصين عشر مراحل، ومت إليه بأن ملك الصين فعل به ذلك لأنه نصحه ألا يحارب شمر وخالف رأيه، فسأله شمر عن الطريق والماء، فقال له: بينك وبين الماء ثلاث مراحل، فتزود لثلاثة أيام، فلما قطعها أعوزه الماء وكشف له الرجل أمره مات هو وأصحابه عطشاً.\rقال ابن قتيبة: وكانت مدة ملكه مائة وسبعاً وثلاثين سنة. وقال المسعودي: ثلاثاً وخمسين سنة.\rثم ملك بعده ابنه أبو ملك بن شمر، قال: وتأهب للأخذ بثأر أبيه فبلغه أن بالمغرب وادياً من الزبرجد، فحمله الشره على طلبه وترك ما عزم عليه فمات في طريقه.\rثم ملك بعده ابنه تبع الأقرن بن أبي مالك بن شمر. قال: وطلب ثأر جده وأتى سمرقند فعمرها وجدد بناءها، ثم أتى الصين وأخرب مدينتها وابتنى هناك مدينة أسكن فيها ثلاثين ألف رجل. قال الحمدوني في كتابه المترجم بالتذكرة: هم إلى اليوم هناك في زي العرب، ولهم بأس وشدة - يعني يوم صنف كتابه وهو في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة أو نحو ذلك - قال: وفي أوانه كان بوار طسم وجديس على ما نذكره في وقائع العرب.\rقال: وفي أوانه أيضاً كان سيل العرم وتفرق سبأ وسيأتي ذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.\rقال ابن قتيبة: وكان ملك تبع الأقرن ثلاثاً وخمسين سنة. قاغل المسعودي: إن ملكه كان مائة وثلاثاً وستين سنة. ولم يذكرا الملك الذي كان قبله، ونسبا هذا الملك أنه ابن شمر.\rثم ملك على ما رواه ابن حمدون - وهو إن شاء الله أشبه بالصواب - أسعد ابن عمرو. قال: وملك والملك متشتت فاستفز قومه فنهضوا معه في ملوك اليمن حتى قتلهم ملكاً ملكاً، وانتظم له ملك اليمن، فوجه بابن عم له يقال له القيطون إلى الحجاز فبغى وظلم فقتله اليهود. ولما بلغ أسعد ذلك غضب وحلف ليقتلن كل يهودي في الأرض، وتجهز في مائة ألف حتى ورد يثرب، فاجتمع الأوس والخزرج وأخبروه بقصة ابن عمه وفجره وظلمه فعفا عن اليهود وقال: لست أرضى بالظلم ولو علمت ذلك منه لقتلته، وأتاه بنو هذيل بن مدركة فرغبوه في الكعبة وما فيها من الذهب والجوهر، فقدم مكة لذلك، فاجتمع إليه أحبار اليهود وقالوا: إن هذا البيت العتيق الذي ليس لله عز وجل بيت في الأرض غيره وقد رام إفساده كثير من الملوك فأبادهم الله. وفي هذه البلدة يكون مولد نبي آخر الزمان اسمه محمد وأحمد من ولد إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو خاتم الرسل، وإنما أراد من ذلك على ذلك هلاكك، فضرب أعناق الهذليين وأقام بمكة ستة شهور ينحر في كل يوم ألف ناقة، وكسا البيت وعلق عليه باباً من الذهب.\rولما هلك ملك بعده ابن عمه مرثد بن عبد بن تبع الأقرن المعروف بذي الأعواد. قال: وكان ملكه أربعين سنة. ولما هلك ملك بعده أولاده وكانوا أربعة مشتركين في الملك على كل واحد منهم تاج. قال: وخرجوا إلى مكة ليقلعوا الحجر الأسود ويبتنوا بيتاً بصنعاء يكون حج الناس إليه؛ فاجتمعت كنانة وقلدوا أمرهم فهر بن مالك والتقوا فقتل ثلاثة من الملوك وأسر الرابع.\rولما أسر هؤلاء ملكت بعدهم أختهم أبضعة ابنة ذي الأعواد. قال: وكانت فاجرة فقتلها قومها.\rثم ملك بعد أولاد ذي الأعواد ملكيكرب بن عمرو بن سعد بن عمرو، وكانت مدة ملكه عشرين سنة، وتحرج عن سفك الدماء فلم يغزو ولم يخرج من اليمن.","part":4,"page":164},{"id":1665,"text":"ثم ملك بعده تبع أسعد بن ملكيكرب. قال: ولما ملك غزا بني معد بتهامة في ثلثمائة ألف طالباً لدماء الملوك الأربعة، واجتمع بنو معد وعقدوا الرياسة لأمية ابن عوف الكناني المعروف بالعنسي، ثم نفست ربيعة أن تكون الرياسة في مضر فقعدت عنهم، فضعفت مضر عن تبع وسألوه الصلح على أن يؤدوا إليه عقل الملوك الأربعة، عن كل ملك ألف ناقة. وكذلك كانت دية الملوك في الجاهلية. وديات من قتل معهم من الجنود لكل رجل مائة ناقة، فقبل تبع ما بذلوه وانصرف إلى أرضه ووقع الشر بين الحيين: ربيعة ومضر، فأرسلت ربيعة إلى تبع رسلاً فعقد بينهم حلفاً وعقداً، وهو الحلف الباقي بين ربيعة واليمن إلى أن جاء الإسلام. وأقام تبع هذا بأرض الشام ما شاء الله، ثم سار إلى الهند في البحر باشر الحرب بنفسه فبرز إليه ملك الهند، وهو ابن فوز الذي قتل الإسكندر أباه فقتله تبع بيده، وتحصنت اليهود بمدينتهم وحاصرهم تبع شهراً حتى سألوه الأمان فآمنهم وقفل إلى بلاده.\rثم ملك بعده ابنه حسان بن تبع. قال: فغزا العراق في ثلثمائة ألف وأتى في طريقه مكة، وقد عادت إليها خزاعة عند وفاة فهر بن مالك، فأعطاه بنو نزار الطاعة. وروى عنه شعر يخبر فيه ببعثة نبينا صلى الله عليه وسلم.\rشهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم\rفلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيراً وابن عم\rقال: ولما ورد العراق وجد الفرس وسلطانهم واه وقد مات هرمز وولدت امرأته غلاماً، وهو سابور ذو الأكتاف، ومربية أحد عظماء الفرس، فلم يقم بضبط الملك؛ فاستقبلوه بالطاعة وأقروا له بالخراج، فأقام بالعراق حولاً وعزم على غزو الصين فساء ذلك حمير وقالوا: نعيب عن أولادنا وأعيالنا ولا ندري ما يحدث بهم، فمشوا إلى عمرو أخي حسان الملك وبعثوه على قتل أخيه على أن يملكوه عليهم ويعود بهم إلى بلادهم، وأعطوه العهود والمواثيق إلا رجل يقال له ذو رعين، فقال لهم: إنكم إن قتلتم ملككم ظلماً خرج الأمر منكم فلم يحفلوا به، فأقبل بصحيفة مختومة وقال لعمرو بن تبع: لتكن هذه الصحيفة وديعة لي عندك إلى وقت حاجتي إليها، وأقبل عمرو ليلاً إلى أخيه حسان وهو نائم في فراشه فقتله وانصرفت حمير إلى بلادها. هكذا نقل ابن حمدون في تذكرته.\rوقال أبو علبي أحمد بن محمد بن مسكويه في كتابه المترجم بتجارب الأمم في أخبار الفرس: إن ملك الفرس لما غزا الفرس ابنه حسان وابن أخيه شمر. قال: فسار تبع حتى نزل الحيرة ووجه ابن أخيه شمرا ذا الجناح إلى قباذ فقاتله فهزمه شمر حتى لحق بالري، ثم أدركه بها فقتله.\rقال: ثم إن تبعا أمضى شمرا ذا الجناح وابنه حسان إلى الصغد وقال: أيكما سبق إلى الصين فهو عليها. وكان كل واحد منهما في جيش عظيم يقال إنهما سامائة ألف وأربعون ألفاً، وبعث ابن أخيه - واسمه يعف - إلى الروم.\rقال: فأما يعفر فإنه سار حتى أتى القسطنطينية، فأعطوه الطاعة والأتاوة ومضى إلى رومية فحاصرها، ثم أصابهم جوع ووقع فيهم الطاعون فتفرقوا، وعلم الروم بذلك فوثبوا عليهم فلم يفلت منهم أحد.","part":4,"page":165},{"id":1666,"text":"وأما شمر ذو الجناح فإنه سار حتى انتهى إلى سمرقند فحاصرها فلم يظفر منها بشيء فلما رأى ذلك طاف بالحرس حتى أخذ رجلاً من أهلها فاستمال قلبه ثم سأله عن المدينة وملكها فقال: أما ملكها فأحمق الناس ليس له هم إلا الأكل والشرب والجماع، ولكن له بنت هي التي تقضي أمر الناس، فمناه ووعده حتى طابت نفسه، ثم بعث معه هدية إليها وقال: أخبرها أني إنما جئت من أرض العرب للذي بلغني من عقلها لتنكحني نفسها، فأصيب منها غلاماً يملك العرب والعجم، وإني لم أجئ ألتمس مالاً، وإن معي من المال أربعة آلاف تابوت ذهباً وفضة هاهنا، وأنا أدفعها إليها وأمضي إلى الصين، فإن كانت لي الأرض كانت امرأتي، وإن هلكت كان المال لها. فلما انتهت رسالة إليها قالت: قد أجبته فليبعث المال، فأرسل إليها بأربعة آلاف تابوت، في كل تابوت رجلان، وكان بسمرقند أربعة أبواب على كل باب منها أربعة آلاف رجل. قال: وجعل سمرقند العلامة بينه وبينهم أن يضرب لهم بالجلجل، وتقدم بذلك إلى رسله الذين وجههم، فلما صاروا بالمدينة ضرب بالجلجل فخرجوا وأخذوا بالأبواب، ونهد شمر في الناس فدخل المدينة وقتل أهلها، واحتوى على ما فيها. ثم سار إلى الصين فلقي الترك فهزمهم، وانتهى إلى حسان بن تبع بالصين فوجده قد سبقه إليها بثلاث سنين.\rقال: وفي بعض الروايات وهي المجتمع عليها: إن حسان وشمراً انصرفا في الطريق الذي كانا أخذا فيه حتى قدما على تبع بما حازا من الأموال بالصين وصنوف الجوهر والطيب والسبي، ثم انصرفوا جميعاً إلى بلادهم، فكانت وفاة تبع باليمن. وكان ملكه مائة سنة وإحدى وعشرين سنة.\rقال: وأما في الرواية الأخرى فإن تبعا أقام ووطأ ابنه حسان وابن أخيه شمر أن يملكا الصين ويحملا إليه الغنائم، ونصل بينه وبينهم المنار، فكان إذا حدث حدث أوقدوا النار، فأتى الخبر في ليلة.\rقال: وقد ذكر بعض الرواة أن الذي سار في المشرق من التبابعة تبع الأخير؛ وهو تبع تبان أسعد أبو كرب بن مليك بن زيد بن عمرو بن ذي الأذعار، وهو أبو حسان. انتهى ما أورده ابن مسكويه من أخبارهم، فلنرجع إلى مساق ما قدمناه مما نقله ابن حمدون.\rقال: ثم ملك حسان بن تبع أخوه، فقتله عمرو بن تبع. قال: وانصرف بالقوم إلى بلادهم فسلط الله عليه السهر فكان لا ينام، فجمع الكهنة والقياف والعرافين فسألهم عن ذلك فلم يعرفوه، فقال له رجل منهم: إنه يقال من قتل أخاه ظلماً سلط عليه السهر وحرم النوم، فأحال بالذنب على حمير وجعل يقتل من أشار عليه بقتل أخيه واحداً بعد واحد، ثم أرسل إلى ذي رعين ليلحقه بمن قتل من أصحابه، فقال: أيها الملك إني خالفت القوم فيما زينوا لك من قتل أخيك. قال: ومن يعلم ذلك؟ قال: الصحيفة التي أودعتها عندك، فأخرجها فقرأها فإذا فيها:\rألا من يشتري سهراً بنوم ... خلى من يبيت قرير عين\rفإن تك حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين\rقال: فخلى عمرو سبيله.\rقال: ولما قتل عمرو أشراف قومه وصناديدهم تضع أمر حمير ووهي ملكها، فطمع فيه بنو كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فوثب ربيعة ابن نصر بن الحارث بن عمرو بن عدي بن مرة بن زيد بن مذحج بن كهلان في قومه وجمعهم من أقطار الأرض، وجمع له عمرو بن تبع والتقوا فقتل عمرو بن تبع.\rوملك بعده ربيعة بن نصر المقدم ذكره قال: وكان قد رأى رؤيا أزعجته وعبرت له أن الحبشة تملك بلاده فوجه ابن أخيه جذيمة بن عمرو بن نصر ومعه ابنه عدي بن ربيعة وهو صبي، ووجه معهما حرمه وخزائنه، وكتب لهم إلى سابور ذي الأكتاف، فأسكنهم سابور الحيرة وملكهم ما حولها.\rقال: ولما بلغ عدي بن ربيعة الحلم زوجه جذيمة أخته رقاش فولدت له عمرو بن عدي. وهؤلاء ملوك الحيرة على ما نذكره في أخبارهم.\rقال: ولما مات ربيعة بن نصر تجمعت حمير فآذنت كهلان بحرب أو إعادة الملك فيهم، ودخل بينهم السفراء فسلموا الملك إلى حمير فملكت حمير عليها أبرهة ابن الصباح بن لهيعة لن شيبة الحمد بن مرثد بن الحير بن سيف بن مصلح ابن عمرو بن مالك بن زيد بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سعد ابن زرعه بن ذي المنار.\rقال: فملك عليهم ومكث طول أيام سابور ذي الأكتاف ثم مات.","part":4,"page":166},{"id":1667,"text":"فملك بعده ابن عمه صهبان بن محرث. قال: فبعث عماله على أرض العرب، واستعمل على ولد سعد بن عدنان ابن خاله الحارث بن عمرو بن معاوية بن كندة ابن عدي بن مرة بن زيد بن مذحج بن كهلان، وكان الحارث يلقب بآكل المرار، وهو جد امرئ القيس الشاعر بن حجر بن الحارث، وهو جد الأشعث بن قيس ابن معد يكرب بن جبلة بن عدي بن الحارث المذكور؛ فقسم الحارث مملكته بين ولده، وكانوا ثلاثة: فملك ابنه حجراً على أسد وكنانة، وملك شرحبيل على قيس وتميم، وملك سلمة على ربيعة، فمكثوا كذلك حيناً حتى مات أبوهم الحارث فوثبت بنو أسد على حجر فقتلوه، ووثبت قيس وتميم على شرحبيل فطردوه، فغضب صهبان وتجهز للمسير إلى مصر، فاستغاثت مضر بربيعة وجاءت وفودهم إليهم واستنصروهم، ورئيسهم كليب بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم ابن بكر بن حبيب بن غنم بن تغلب بنوائل، واجتمعت ربيعة ومضر والرياسة على الحيين لكليب؛ فقاتلوا صهبان وعظماء قومه، وهو اليوم المشهور في العرب، فقتل صهبان. وفي هذا اليوم يقول عمرو بن كلثوم:\rونحن غداة أوقد في خزاز ... رفدنا فوق رفد الرافدينا\rفكنا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنوا أبينا\rفآبوا بالنهاب والبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا\rقال: ولما قتل صهبان بن محرث ملك بعده الصباح بن أبرهة بن الصباح.\rقال: وكان نجداً نجداً، فسار إلى معد في مئتي ألف يطلب ثأر صهبان. قال: وتجمعت معد ورئيسهم كليب أيضاً، وكانت الحرب بينهم بموضع يسمى الكلاب، فانهزمت اليمن. وهذان اليومان من مفاخر نزار على اليمن، وامتنعت معد بعد ذلك على اليمن حتى قتل كليب بن ربيعة.\rقال: ولما مات الصباح ملك بعده ابن عم له فاسق، وقيل: إن الذي ملك لخنيعة ذو شناتر، قال: ولم يكن من أهل بيت الملك، فاغري بحب الأحداث من أبناء الملوك، فكان يطالبهم بما يطالب به النسوان، وكان لا يسمع بأحد من فتيان العرب وأولاد الملوك حسن الصورة إلا استدعاه وطالبه بهذا الفعل القبيح، ولم يزل على هذه الطريقة المذمومة حتى نشأ غلام من أبناء ملوك حمير اسمه زرعة. ابن كعب ويدعى ذا نوس؛ سمي بذلك لأنه كان له ذؤابتان تنوسان على عاتقه، وكان وضيئاً فاستدعاه لمثل ما كان يدعو إليه غيره، فجعل تحت إخمصه سكيناً، فلما خلا له الملك واثبه ذو نواس فقتله ثم حز رأسه، وكان له كوة يشرف منها على عبيده إذا قضى حاجته من الغلام الذي يكون عنده ويضع مسواكاً في فيه، فلما قتله ذو نواس جعل السواك في فيه، وجعل رأسه في تلك الكوة التي كان يشرف منها على عبيده، ثم خرج على العبيد فقالوا له: ذو نواس، أرطب أم يباس؟.\rفقال لهم: سل نخماس استرطبان ذو نواس. استرطبان لابأس. وتفسير ذلك سلو الرأس التي في الكوة تخبركم واتركوا ذا نوس، قال: فأجمعت حمير عليه أمرها وقالوا: ينبغي أن نملكه لأنه أراحنا من الهذا الفاسق.\rفملك عليهم ذو ناس زرعة هذا. قال: ولما ملك واستتب له الأمر فارق عبادة الأوثان ودخل في دين اليهودية وقتل من كان في بلاد اليمن على دين عيسى ابن مريم عليه السلام ممن امتنع من موافقته، ثم قصد نجران وبها عبد الله بن الثامر وأصحابه وهم على دين عيسى عليه السلام، فسألهم الدخول في اليهودية فامتنعوا، فقتل عبد الله بن الثامر بالسيف وأضرم للباقين ناراً عظيمة فألقاهم فيها، وهم أصحاب الأخدود الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه العزيز فقال: قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم إلا أ ن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. قال: ولم ينج منهم إلا نفر قليل. وكان سبب تهوده ا، حمير لها بيت نار فيه أصنامهم، وكان يخرج من تلك النار عنق يمد مقدار فرسخين، فحضر عنده قوم من اليهود وقالوا: أيها الملك إن هذا العنق من النار شيطان، فطلب منهم تبيان ذلك، فنشروا التوراة وقرؤوها فتراجع ذلك العنق وطفئت تلك النار، فأعظم ذو نواس ذلك ودخل في دين اليهودية.\rقالوا:","part":4,"page":167},{"id":1668,"text":"ثم إن أحد الناجين من نجران - ويعرف بدوس بن ذي ثعلبان - قصد قيصر ملك الروم مستنجداً به، ومعظماً عنده ما جرى على قومه وهم على دينه، فاعتذر إليه ببعد دياره وقال: سأكتب لك إلى ملك على دينك قريب من ديارك، فكتب إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما عرض عليه الكتاب وحدثه بما جرى على أهل ملته غضب وحمى لأهل دينه، وندب من جنوده سبعين ألف رجل مع ابن عمه أرياط، وتقدم إليه بأن يقتل كل من باليمن على دين اليهودية، فركب أرياط في البحر حتى انتهى إلى عدن فأحرق السفن وقال: يا معشر الحبشة، العدو أمامكم، والبحر وراءكم، ولا منجى لكم إلا الصبر حتى تظفروا أو تموتوا كراماً.\rقال: والتقوا واقتتلوا فانهزمت حمير بعد حرب عظيمة وقتل منهم خلقاً كثيراً.\rقال: واقتحم ذو نواس البحر بفرسه وقال: والله الغرق أفضل من أسر السودان، فغرق. وكان ملكه مائتي سنة وستين سنة، وهو آخر من ملك اليمن من قحطان. فجميع ما ملكوا من السنين ثلاثة آلاف سنة واثنتان وثمانون سنة.\rواستولت الحبشة على ملك اليمن ففرق أرياط الأموال على أشراف الحبشة وحرم الضعفاء، فجمع أبرهة أحد قواد الحبشة جمعا منهم وخرج على أرياط وحاربه فقتله أبرهة بيده واستولى أبرهة على ملك اليمن.\rولما بلغ خبرهما النجاشي غضب لقتل أرياط وحلف لأطان أرض أبرهة سهلها وجبلها برجلي، ولاجزن ناصيته بيدي، ولأهرقن دمه بكفي، وتجهز للمسير إلى أرض اليمن، فبلغ ذلك أبرهة فملأ جرابين من تراب السهل والجبل، وعمد إلى ناصيته فجزها ووضعها في حق، واحتجم وجعل دمه في قارورة وختم عليه وعلى الحق الذي فيه ناصيته بالمسك، وبعث بذلك إلى النجاشي وكتب إليه يعتذر مما فعله أرياط وأنه خالف سيرتك في العدل، وقد بلغني ما حلفت، وقد بعثت إليك بجرابين من تراب السهل والجبل، فطأها هنالك برجلك، وجز ناصيتي بيدك، وأهرق دمي بكف، وبر في يمينك، ولطف غضبك عني فإنما أنا عبد من عبيدك، وعامل من عمالك. فاعجب النجاشي عقل أبرهة وأقره على مكانه ورضي عنه؛ فبقي إلى زمان كسرى أنوشروان وهو صاحب الفيل.\rوكانت قصته انه نظر إلى أهل اليمن يتأهبون للحج، فسأل عن أمرهم، فاخبر أنهم يخرجون حجاجاً إلى مكة فقال: أنا أكفيهم تجشم هذا السفر البعيد ببيعة أبنيها بصنعاء فيكون حج اليمن إليها، وأمر ببنائها فبنيت. وقد تقدم وصفها في الفن الأول في المباني، ونصل عند المذبح درة عظيمة تضيء في الليلة الظلماء كما يضيء السراج، ثم أدى أهل مملكته بالحج إليها ،فغضب العرب لذلك، فانطلق رجلان من خثعم فأحدثا في البيت الذي بناه ولطحاه بالعذرة.","part":4,"page":168},{"id":1669,"text":"وقيل: إن الذي فعل ذلك رجل من كنانه، فاتهم أبرهة قريشاً بذلك، وكان حينئذ بصنعاء تجار من قريش فيهم هشام بن المغيرة، فأحضرهم وسألهم عمن احدث في بيعته، فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك، فقال أبرهة: ظننت أنكم فعلتم ذلك غضباً لبيتكم الذي يحج إليه العرب، فقال هشام بن المغيرة: إن بيتنا حرز تجتمع فيه السباع مع الوحوش، وجوارح الطير مع البغاث، ولا يعرض منها شيء لصاحبه، وإنما ينبغي أن يحج إلى بيعتك هذه من كان على دينك، فأما من كان على لصاحبه، وإنما ينبغي أن يحج إلى بيعتك هذه من كان على دينك، فأما من كان على دين العرب فلا يؤثر على ذلك شيئاً. فاقسم ليسيرن إلى البيت فيهدمه حجراً حجراً. فقال له هشام بن المغيرة: إنه قد رام ذلك غير واحد من الملوك فما وصلوا إليه لأن له رباً يمنعه. فخرج أبرهة في أربعين ألفاً وسار بالفيل، فغضبت لفعله همدان وجمعت إليها قبائل من اليمن - وكان ملكهم رجلاً من أشراف اليمن يقال ص306 فاستقبلوه فحاربه فهزمهم وظفر بذي نفر ملك همدان ونفيل بن حبيب سيد أسيرين فأمر بضرب عنقهما. فقالا: أيها الملك، استبقنا لندلك على الطريق فأنا من أدل العرب، ففعل ذلك. فلما صاروا في مفرق الطريقين: مكة والطائف، قال ذو نفر لابن حبيب: كفى بنا عاراً ا، ننطلق بهذا الأسود إلى بيت الله تعالى فيهدمه؟ قال ابن حبيب: هلم بنا لنأخذ به طريق الطائف فيشتعل بتثقيف ولعله يرى ما يسوءه فلم يشعر أهل الطائف صباحاً إلا والجيوش قد وردت عليهم، فخرج أبو مسعود الثقفي في نفر منهم، فاعلم أبرهة أنها ليست طريقه، وسار أبرهة حتى أتى مكة واستاق السوائم ونزل على حد الحرم؛ فكان فيما ساق مائتا ناقة لعبد المطلب بن هاشم، فركب عبد المطلب فرسه وقصد العسكر ودخل على أبرهة فأعجبه جماله وأكرمه ونزل عن سرير كان عليه وحبس دونه حتى لا يرفع عبد المطلب غليه، ثم قال له: ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن يرد على الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك، قال له أبرهة: قد كان بلغني شرفك في العرب وفضلك فأحببتك، ثم دخلت علي فرأيت من جمالك ووسامتك مازادني حباً، فنقصت عندي في سؤالك إياي مائتي ناقة وتركت أن تسألني في الرجوع عما هممت به من هدم هذا البيت الذي هو شرفك وعزك؟ قال عبد المطلب: أيها الملك، إن لهذا البيت رباً سمنعه منك وأنا رب إبلي، وقد رام هدمه من لا يحصى نم الملوك فرجعوا بين أسير وقتيل، فرد إبله، اجتمع إلى عبد المطلب أشراف قومه فقالوا: اجعل له مالاً نجمعه له ليرجع عما هم به من هدم هذا البيت. قال لهم عبد المطلب: وما عسى أن نجعل له من المال مع عظم ما هو فيه من الملك والسلطان؟ اطمئنوا، الله أمددكم، فوالله لا يصل إليه أبداً. ثم أنشد عبد المطلب يقول:\rيا رب إن المرء يم ... نع جاره فامنع حلالك\rلا يغلبن صليبهم ... بغيا وما جمعوا محالك\rإن كنت تاركهم وقب ... لتنا فأمر ما بدا لك\rثم علا جبل أبي قبيس هو وحكيم بن حزام ونفر من سادات قريش، وهرب الناس، فلحقوا برءوس الجبال، وأم أبرهة البيت وقدم أمامه الفيل، وكان أكبر فيل رآه الناس كالجبل العظيم، واسمه بلسان الحبشة محمود؛ فلما انتهى الفيل إلى طرف الحرم برك، فكانوا بنخسونه، فإذا أخذوا به يميناً وشمالاً هرول، وإذا أقحموه برك. فلم يزل كذلك بقية يومهم. فلما قارب المشاء نظروا إلى طير قد أقبلت من نحو البحر لا تحصى كثرة أصغر من الحمام، فعجبوا من كثرتها ولم يغرفوها ولا رأوا على خلقتها طيوراً، وكان مع كل طير ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، على مقدار الحمص، فرفرفت على رءوسهم وأظلت عسكرهم، ثم قذفت بالحجارة عليهم، وهبت ريح شديدة فزادت الحجارة صعوبة وقوة، فكان الحجر منها إذا وقع على رأس الرجل منهم نفذ حي يخرج من دبره، فإذا سقط على بطنه خرج من ناحية ظهره، فكان ما أخبر الله عز وجل عنهم في سورة الفيل: \" فجعلهم كعصف مأكول \" . وخرج عبد المطلب وأصحابه فملأ وأيديهم من المال، وأرسل إلى قريش فجاءوه من الجبال وغنموا ما شاءوا، فعظمت قريش في أعين العرب وسموهم آل الله، وازداد عبد المطلب وأصحابه شرفاً. وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومهم بخمس وخمسين ليلة. وكان ذلك بعد عشرين سنة من ملك أنوشروان.","part":4,"page":169},{"id":1670,"text":"وملك اليمن بعد أبرهة بأنه يكسوم.\rثم ملك بعده مسروق بن أبرهة، وهو الذي زال ملكه على يد سيف بن ذي يزن على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rذكر خبر سيف بن ذي يزن وعود الملك إلى حمير وذلك أن حمير لما رأت ملك الحبشة قد دام عليهم ونوارثوه فيهم، اجتمع ساداتهم إلى سيف بن ذي يزن - وهو من أولاد ذي نواس الذي غلب الحبشة على اليمن في أيام ملكه - وبذلوا له أن يجمعوا له نفقة تقيمه ليسير إلى بعض الملوك فيستنجده ففعل ذلك، وسار حتى وافى القسطنطينية إلى قيصر ملك الروم، فاستنجده فقال له قيصر: إن الجيش على ديني، وما كنت لأعينك عليهم، وأمر له بعشرة ألف درهم، فأبى أن يقبلها وقال: إذا لم تنصرني فلا حاجة لي إلى مالك.\rوانصرف إلى كسرى واستنجده، فقال له كسرى: بعدت بلادك عن بلادنا مع قلة خيرها، إنما فيها الشاء والبعير وما لا حاجة لي فيه. فقال له سيف: لاتزهدن أيها الملك في بلادي فإنها فرضة العرب، وأرض التبابعة الذين ملكوا أقطار أقاليم الأرض، ودان لهم أهل الشرق والغرب. قال كسرى: ما كنت لأغرر بجندي فيما لا ينفعني وأمر له بعشرة آلاف درهم. فلما انتهى إلى باب القصر نثرها في الناس حتى أتى عليها، فبلغ ذلك كسرى فغضب وقال له: ما الذي حملك على استخفافك بصلتي حتى نثرتها في الناس؟ قال: ما أصنع بالمال وتراب أرضي ذهب وفضة؟ ثم خنقته العبرة، فرق له كسرى ووعده بالانتصار له، فأشار عليه بعض وزرائه فقال: إن في سجونك بشراً كثيراً ممن استوجب القتل، فمر بإطلاقهم، وقوهم بالمال والكراع والسلاح، ووجههم مع هذا العربي، فإن ظفروا كان ذلك زيادة في ملكك، وغن قتلوا كان ذلك جزاء عن جرائمهم. فاعجب كسرى هذا الرأي وعمل به وقدم عليهم وهرز بن كامخان، وكان من فرسان العجم وأهل البيوتات، وقد أناف على المائة من السنين، وكانت عدتهم ثلاثة آلاف وستمائة رجل، فركبوا البحر في سبع سفن، وأرسل سيف إلى اليمن ومخاليفها، فأتوه من أقاصي اليمن وادانيها حتى صاروا في عشرين ألفاً وتجهز إليهم مسروق، فلما التقيا قال وهرز لسيف: أرني ملكهم، فأراه إياه؛ وهو على فيل وعلى رأسه التاج وفيه ياقوتة حمراء مدلاة على جبينه، فلبث ساعة ثم تحول إلى فرس ثم تحول إلى بغله، فقال وهرز: ذل الأسود وبد ملكه، وأنا أرميه فتأمل الرمية، فإن رأيت أصحابه تصدعوا عنه وحاصوا يميناً وشمالاً فاعلم أني قتلته، وإن لم يتحركوا من منازلهم فلم أصنع شيئاً؛ ورماه، ففلق السهم الياقوتة نصفين وخرج من مؤخر رأس مسروق، واضطربت الحبشة وماجوا، وحمل عليهم وهرز ومن معه والعرب فولوا منهزمين، ودخلوا صنعاء وقتلوا كل أسود يوجد في اليمن. وكتب وهرز إلى كسرى بالفتح، فكتب إليه كسرى أن يسأل عن سيف بن ذي يزن، فإن كان من أبناء الملوك فأقره على ملكه وانصرف عنه، وإن لم يكن من أبنائهم فاضرب عنقه وأقم في الأرض متولياً لهم.\rقال: فسلم وهز إليه ملكه وخلف من كان معه من العجم بصنعاء وانصرف إلى كسرى، وملك اليمن لكسرى، وتداولتها الولاة بعده من قبل كسرى.\rوكان ملك الحبشة على اليمن اثنتين وسبعين سنة ثم انتزع عنهم.\rذكر أخبار ملوك الشام من ملوك قحطان قال عبد الملك بن عبدون في كتابه المترجم بكلمو الزهر وصدفة الدر: ومن أهل اليمن من خرج منها فملك الشام، وهم آل جفنة وأولهم: الحارث بن عمرو بن عامر ابن حارثة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد ابن كهلان بن سبأ بن يستجب بن يعرب بن قحطان، ويكنى الحارث بأبي شمر. ثم تداولها منهم سبع وثلاثون ملكاً. ومدة ما ملكوا ستمائة سنة وست عشرة سنة إلى أن كان آخرهم جبلة بن الأيهم، وهو الذي تنصر في أيام عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بعد أن كان قد أقبل إلى عمر وأسلم.\rثم إنه كان في الطواف فداس رجل طرف ردائه فلطمه جبلة، فأتى الرجل عمر رضي الله عنه فطلب بلة ليقيده منه فتنصر جبلة ولحق بهرقل صاحب القسطنطينية، فأقطعه هرقل الأموال والضياع والرباع، ثم ندم جبلة على ما كان منه وقال:\rتنصر الأشراف من اجل لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر\rتكنفني منها لجاج ونخوة ... فبعث لها العين الصحيحة بالعور\rفياليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى القول الذي قاله عمر","part":4,"page":170},{"id":1671,"text":"ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيراً في ربيعة أو مضر\rوياليت لي بالشام أدنى معيشة ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر\rوحكى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى هرقل رسولاً يدعوه إلى الإسلام أو إلى الجزية فأجاب إلى الجزية، فلما أراد الرسول الانصراف قال له هرقل: ألقيت ابن عمك هذا الذي عندنا - يعني جبلة - الذي أتانا راغباً في ديننا؟ فقال: ما لقيته. فإن ألقه، قال الرسول: فذهبت إلى باب جبلة فإذا عليه من القهارمة والحجاب والبهجة وكثرة الجمع مثل ما على باب هرقل. قال: فتلطفت في الدخول عليه حتى أذن لي، فدخلت فرأيته أصهب اللحية، وكان عهدي به أسود اللحية والرأس، فأنكرته وإذا هو قد ذر سحالة الذهب على لحيته حتى صار أصهب، وهو قاعد على سرير من قوارير، وقوائمه أربعة اسود نم الذهب. قال: فلام عرفني رفعني معه على السرير. قال: وجعل يسألني عن المسلمين وعن عمر رضي الله عنه؛ فذكرت خيراً وعرفته أن السملمين كثروا.\rثم انحدوا عن السرير فقال لي: لم تأبى الكرامة التي أكرمناك بها؛ قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا. قال: نعم؟ صلى الله عليه وسلم، ولكن نق قلبك من الدنس ولا تبال على ا قعدت. فلما سمعته يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم طمعت فيه فقلت له: ويحك يا جبلة؟ ألا تسلم وقد عرفت الإسلام وفضله؟ قال: أبعدما كان مني؟ قلت: نعم. قال: إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته ويوليني الإمرة بعده رجعت إلى الإسلام. قال الرسول: فضمنت له التزويج ولم أضمن له الغمرة. قال: ثم أومأ إلى خادم ما ن على رأسه فذهب مسرعاً فإذا خدام قد جاءوا يحملون الصناديق فيها الطعام، فوضعت ونصبت موائد الذهب وصحاف الفضة، قال لي: كل، فقبضت يدي وقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل في آنية الذهب والفضة. قال: نعم؟ صلى الله عليه وسلم، ولكن نق قلبك وكل فيما أحببت. قال: فأكل في الذهب وأكلت في الخلنج، ثم جئ بطسات الذهب وأباريق الفضة فغسل يده فيها وغسلت في الصفر، ثم أومأ إلى خادم فمر مسرعاً فإذا خدم معهم كراسي الذهب مرصعة بالجواهر، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن شماله، ثم جاءت الجواري عليهن تيجان الذهب مرصعة بالجواهر، فقعدن عن يمينه وعن شماله على تلك الكراسي، ثم جاءت جارية كأنها الشمس حسناً على رأسها تاج، على ذلك التاج طائر وفي يدها اليمن جامة مسك فتيت، وفي يدها اليسرى جامة فيها ماء ورد، فأومأت الجارية أو صفرت بالطائر الذي على تاجها فوقع في جام ماء الورد فاضطرب فيه، ثم أومأت إليه أو صفرت فوقع في جام المسك فتمرغ فيه، ثم أومأت فطار حتى نزل على تاج جبلة، فلم يزل يرفرف حتى نفض ما عليه في رأسه، فضحك جبلة سروراً به، ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يمينه وقال لهن: بالله أضحكنا، فاندفعن يغنين بخفق عيدانهن ويقلن:\rلله در عصابة نادمتهم ... يوماً بجلق في الزمان الأول\rيسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل\rيغشون حتى ما تهر كلامهم ... لا يسألون عن السواد المقبل\rبيض الوجوه كريمة أسحابهم ... شم الانوف من الطراز الأول\rأولاد جفنة عند قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل\rقال: فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: أتدري من يقول هذا؟ قلت لا؛ قال: حسان بن ثابت، ثم أشار إلى الجواري اللواتي عن يساره فقال لهن: بالله أبكيننا فاندفعن يغنين عيدانهن ويقلن:\rلمن الدار أقفرت بمعان ... بين أعلى اليرموك فالخمان\rذاك مغنىً لآل جفنة في الده ... ر وحق تعاقب الأزمان\rقد أراني هناك دهراً سكيناً ... عند ذي التاج مقعدي ومكاني\rقال: فبكى حتى سالت دموعه على لحيته، ثم قال: أتدري من يقول هذا؟ قلت: لا، قال: حسان ثم أنشد: نصرت الأشراف الأبيات ثم سألني عن حسان احي هو؟ قلت: نعم، فأمر له بكسوة ولي بمثلها، وأمر بمال لحسان وتوق موقرة برأتم قال: إن وجدته حياً فادفع الهدية إليه، وإن وجدته ميتاً فادفعها إلى أهله وانحر النوق على قبره.","part":4,"page":171},{"id":1672,"text":"قال: فلما أخبرت عمر بخبره وما اشترط علي وما ضمنت له قال: فهلا ضمنت له الأمر فإذا أفاء الله به قضى الله علينا بحكمه؟ ثم جهزني عمر إلى القسطنطينية إلى هرقل ثانية وأمرني أن أضمن له ما اشترط، فلما دخلت القسطنطينية وجدت الناس قد انصرفوا من جنازته، فعلمت أن الشقاء غلب عليه في أم الكتاب.\rذكر أخبار ملوك الحيرة وهم من آل قحطان وأولهم مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك ابن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وكان قد خرج من اليمن مع عمرو بن عامر حين أحسوا بسيل العرم، وقد ذكرنا أن الملك ربيعة ابن نصر كان قد بعثهم إلى سابور فأسكنهم الحيرة وملكوا ما حولها. والله اعلم. قال: وكان ملك مالك على الحيرة عشرين سنة.\rثم ملك بعده ابنه جذيمة وهو الوضاح. قال: وكان يقال له ذلك لبرص كان به، ويقال أيضاً فيه الأبرش، وكان ينزل الأنبار، وكان لا ينادم أحداً من الناس ذهاباً بنفسه على الندماء، وكان ينادم الفرقدين فإذا شرب قدحاً صب في الأرض لهذا قدحاً ولهذا قدحاً، ويقال: إنه أول من عمل المنجنيق من الملوك، وأول من حذيت له النعال. وأول من وقد بين يديه الشمع، وهو الذي قتلته الزباء بحيلة.\rثم ملك بعده ابن أخته عمرو بن عدي بن ربيعة. قالوا: وعمرو هذا هو الذي استهوته الجن دهراً طويلاً ثم رجع؛ فبينما مالك وعقيل ابناً فارح وفيل - قالح - يقصدان جذيمة الملك بهدية إذا نزلا على ماء ومعهما قينة يقال لها: أم عمرو، فتعرض لهما عمرو، وقد طالت أظفاره وشعره وساءت حالته وهيئته، فجلس إليهما - وكانا يأكلان - فمد إليهما يده مستطعماً فناولته تلك الجارية طعاماً فأكله، ثم مد يده ثانية فقالت: إن يعط العبد كراعاً يتبع ذراعاً؟ ثم ناولت صاحبيها من شرابها وأوكأت سقاءها، فقال عمرو:\rصددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراهاً اليمينا\rوما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا\rفقالوا له: من أنت؟ فانتسب لهما ففرحا به وأقبلا على خاله - وقد كان جعل الجعئل لمن يأتيه به - فلما أتياه به قال جذيمة لهما: لكما حكمكما. فقالا: منادمتك. فكانا كما اختارا، وسار بهما المثل، ويقال: إنهما نادماه أربعين سنة، فما أعادا عليه حديثاً مما حدثاه به مرة أخرى، بل كانا يحدثانه بحديث جديد لم يسمعه منهما قبل.\rوعمرو هذا هو الذي اخذ بثأر خاله جذيمة من الزباء وقتلها. وذلك أن قصير ابن سعد كان من غلمان جذيمة قال لعمرو: اضرب ظهري واقطع أرنبة أنفي واتركني والزباء، فإني سأحتال لك عليها، ففعل به ذلك، ففر قصير إلى الزباء وصار في جملة رجالها وأراها النصح والاجتهاد في حوائجها، وأنه غاش لعمرو ابن عدي؛ وجعل يتجر لها ويذهب لعمرو في السر فيعطيه الأموال فيأتيها بها، كأن ذلك من اجتهاده وحذقه في التجارة حتى اطمأنت له؛ فذهب إلى عمرو وأخذه واخذ معه ألفي رجل وجعلهم في جوالق على ألف جمل، ومعهم دروعهم وسيوفهم وجاء على طريق يقال له الغوير، ولم يكن يسلكه قبل ذلك، فلما قرب من حصنها تقدم إليها وأعلمها أنه قد أتاها بمال صامت، فأشرفت من أعلى قصرها تنظر إلى الجمال، فرأتها وكأنها تنزع من أوحال لثقل ما عليها، فقالت: عسى الغوير أبؤساً. فذهبت مثلاً. ثم قالت:\rما للمطايا مشيها وئيداً ... أجندلاً يحملن أم حديداً\rأم صرفاناً بارداً شديداً ... أم الرجال جثماً قعوداً\rوقد كان قصير قال لها قبل ذلك كالاناصح: ما ينبغي لمثلك إلا أن يكون له موضع ليوم ، فإنه لا يدري ما تحدثه الأيام؛ فأرته سرباً في ناحية قصرها قد نفذت فيه إلى حصن أختها - وكانا على ضفتي الفرات - قال: فلما دخلت الإبل على البواب ضجر لكثرتها، حتى إذا كان آخرها طعن في جوالق يعود كان في يده، فقابلت الطعنة خاصرة الرجل الذي كان في الجوالق فحنق فقال البواب: لشنا لشنا، أي شيء في الجوالق، فثارت الرجال من الجوالق بأيديهم السيوف، فهربت الزباء إلى ذلك السرب فإذا هي بتقصير عند النفق ومعه عمرو بن عدي، والسيف في يده، فمصت خاتماً كان في يدها فيه سم ساعة وقالت: بيدي لا بيد عمرو. وفي ذلك يقول المتلمس:\rوفي طلب الأوتار ما حز أنفه ... قصير ورام الموت بالسيف بيهس","part":4,"page":172},{"id":1673,"text":"وعمرو هذا هو الذي يقال فيه: شب عمرو عن الطوق. وكانت مدة ملكه مائة سنة.\rثم ملك بعده ابنه امرؤ القيس. فكان ملكه ستين سنة.\rثم ملك بعده ابنه عمرو بن امرئ القيس وهو محرق العرب. وكان ملكه خمساً وعشرين سنة، وكانت أمه مارية التي يضرب لمثل بقرطيها.\rثم ملك بعده النعمان بن المنذر فارس حليمة، وهو الذي بنى الخورنق وكردس الكراديس. وكان أعور، ويقال: إنه أشرف في بعض الأيام على ما حول الخورنق فقال: أكل ما أرى إلى نفاذ؟ فقيل: نعم. قال: فأي خير في ملك يكون آخره إلى نفاذ؟ ثم انخلع من ملكه ولبس المسوح وسار في الأرض. وقد ذكره عدي بن زيد فقال:\rوتفكر رب الخورنق إذ أش ... ف يوماً وللهدى تفكير\rسره حاله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضاً والسدير\rفارعوى قلبه وقال: فما غب ... طة حي إلى الممات يصير؟\rوكان ملكه خمساً وثلاثين سنة.\rثم ملك الأسود بن النعمان. فكان ملكه عشرين سنة. ويقال: إن الأسود هذا هو الذي انتصر على غسان وأسر عدة من ملوكهم، وأراد أن يعفو عنهم، وكان للأسود ابن عم يقال له: أبو أذينة قد قتل آل غسان له اخاً في بعض الوقائع، فقال قصيدته المشهورة يغري بهم الأسود بن النعمان:\rما كل يوم ينال المرء ما طلبا ... ولا يسوغه المقدار ما وهبا\rوأحزم الأنس من إن فرصة عرضت ... لم يجعل السبب الموصول مقتضباً\rوأنصف الناس في كل المواطن من ... سقى المعادين بالكأس الذي شربا\rوليس يظلمهم من راح يضربهم ... بحد سيف به من قبلهم ضرباً\rوالعفو إلا عن الأكفاء مكرمة ... من قال غير الذي قد قلته كذباً\rقتلت عمراً وتستبقي يزيد لقد ... رأيت رأياً يجر الويل والحربا\rلا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها ... إن كنت شهماً فأتبع رأسها الذنبا\rهم جرودا السيف فاجعلهم له جزراً ... وأوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا\rإن تعف عنهم تقول الناس كلهم ... لم يعف حلماً ولمن عفوه رهبا\rوكان أحسن من ذا العفو لو هربوا ... لكنهم أنفوا من مثلك الهربا\rهمو أهلة غسان ومجدهم ... عال فإن حالوا ملكاً فلاعجبا\rوعرضوا بفداء واصفين لنا ... خيلاً وابلاً يروق العجم والعربا\rأيحلبون دماً منا ونحلبهم ... رسلاً لقد شرفونا في الورى حلبا\rعلام تقبل منهم فدية وهمو ... لا فضة قبلوا ولا ذهبا\rفلما انشده هذا القصيدة رجع عن رأيه في العفو عنهم وقبول الفداء منهم وقتلهم. والله أعلم.\rثم ملم بعده المنذر بن الأسود؛ وكانت أمه ماء السماء. وكانت مدة ملكه أربعاً وثلاثين سنة.\rثم ملك بعده عمرو بن المنذر. فكان ملكه أربعاً وعشرين سنة.\rثم ملك بعده المنذر بن عمرو بن المنذر. وكان ملكه ستين سنة.\rثم ملك بعده قابوس بن المنذر. فكانت مدة ملكه ثلاثين سنة.\rثم ملك بعده أخوه المنذر بن المنذر بن ماء السماء.\rثم ملك بعده النعمان بن المنذر؛ وهو الذي قيل له: أبيت اللعن وهو آخر من ملك من آلهم. وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة. وها نحن نذكر ما قيل في سبب ملكه وزواله.\rقالوا: وكان عدي بن زيد العبادي وابنه زيد بن عدي سبب ولايته وسبب هلاكه. وذلك أن عدياً وأخويه، وهما عمار وعمرو، كانوا في خدمة الأكاسرة ولهم من جهتهم قطائع، وكان قابوس الأكبر عم النعمان بعث إلى كسرى أبرويز بعدي بن زيد وأخويه ليكونوا في كتابه يترجمون له، فلما مات المنذر ترك من الأولاد اثني عشر رجلاً، وهم الأشاهب، سموا بذلك لجمالهم، وفيهم يقول الأعشى:\rوبنو المنذر الأشاهب بالح ... يرة يمشون غدوة كالسيوف","part":4,"page":173},{"id":1674,"text":"فجعل المنذر ابنه النعمان في حجر عدي بن زيد هذا، وجعل ابنه الأسود في حجر رجل يقال له: عدي بن أوس بن مرينا، وبنو مرينا قوم لهم شرف، وهم من لخم، وترك المنذر بقية بنيه، وهم عشرة، يستقل كل واحد منهم بنفسه، وجعل المنذر على أمره كله إياس بن قبيصة الطائي، فلما مات قابوس طلب كسرى من يملكه على العرب، فدعا عدي بن زيد فقال له: من بقي من بني المنذر، وماهم؟ وهل فيهم خير؟ فقال: بقيتهم في ولد هذا الميت، يعني المنذر، وهم رجال نجباء؛ فكتب إليهم بالقدوم عليه، فقدموا فأنزلهم، على عدي بن زيد، وكان عدي يرى موضع النعمان لأنه في حجره ويختاره على بقية إخوته في الباطن، وهو يظهر لهم خلاف ذلك ويفضلهم عليه في الظاهر، ويكرم نزلهم ويخلو بهم ويريهم أنه لا يرجو النعمان، كل ذلك ليطمئنوا إليه ويرجعوا إلى رأيه، ثم خلا بكل منهم على انفراده وقال لهم: إن سألكم الملك أتكفوني العرب فقولوا: نكفيهم إلا النعمان، وقال للنعمان إن سألك الملك عن إخوتك فقل له: إن عجزت عنهم فإني عن غيرهم أعجز.\rقال: وكان عدي بن أوس بن مرينا داهية أريبا، وكان يوصي الأسود ابن المنذر ويقول: قد عرفت أني لك راج، وأن طلبتي إليك ورغبتي أن تخلف عدي بن زيد فيما يشير به عليك، فإنه والله لا ينصح لك أبداً، فلم يلتفت الأسود إلى قوله. فلما أمر كسرى عدي بن زيد أن يدخلهم عليه قدمهم رجلاً رجلاً، وكسرى يرى رجالاً قلما رأى مثلهم، فإذا سألهم هل تكفوني العرب قالوا: نكفيك العرب كلها إلا النعمان. فلما دخل النعمان عليه رأى رجلاً دميماً قصيراً أحمر الشعر فكلمه وقال: هل تستطيع أن تكفيني العرب؟ قال نعم، قال: فكيف تصنع بإخوتك؟ قال: أيها الملك إن عجزت عنهم فإني إن غيرهم أعجز. فملكه وكساه والبسه تاجاً قيمته ستون ألف درهم. فلما خرج وملك على العرب قال عدي ابن أوس بن مرينا للأسود بن المنذر: دونك فإنك خالفت الرأي.\rقال: ثم إن عدي بن زيد صنع طعاماً ما في بيعة وأرسل إلى ابن أوس أن ائتني مع من أحببت فإن لي حاجة، فأتاه في أناس فتغدوا في البيعة، فقال عدي بن زيد لعدي بن أوس: ياعدي إن أحق من عرف الحق ثم لم يلم عليه من كان مثلك، إني عرفت أن صاحبك الأسود كان احب إليك أن يملك من صاحبي النعمان، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، وأنا أحب ألا تحقد على شيئاً لو قدرت عليه ركبته، وأحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيتك من نفسي، فإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك. فقام عدي بن زيد إلى البيعة وحلف ألا يهجوه ولايبغيه غئلة أبداً، ولا يروي عنها خيراً، وحلف عدي بن أوس على مثل يمينه ألا يزال يهجوه أبداً ويبغيه الغوائل ما بقي. وخرج النعمان حتى أتى منزله بالحيرة وافترق العديان على وحشة، فقال عدي بن أمس للأسود: إن لم تظفر أفلا تعجز أن تطلب بثارك من هذا المعدي الذي عمل بنا ما عمل؟ فقد كنت أخبرتك أن معداً لا تنام عن مكرها، وأمرتك أن تخالفه فعصيتني. قال: فما تريد؟ قال: ألا تأتيك فائدة من ملكك ولا أرضك إلا عرضتها علي، ففعل. وكان عدي بن أوس كثير المال، فلم يمر به يوم إلا بعث فيه إلى النعمان هدية أو تحفة. فلما توالى ذلك وكثرت هداياه عنده النعمان صار من أكرم الناس عليه، وصار لا يقضي في ملكه شيئاً إلا برأي عدي بن أوس. فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن أوس عنده تابعوه ولزموه؛ فكان يقول لمن يثق به نم أصحاب النعمان: إذا رأيتموني أذكر عدي بن زيد عند الملك بخير فقولوا: إنه لكما يقول ولكنه لا يسلم عليه أحد، وإنه يقول: إن الملك - يعني النعمان - إنما هو عامله، وإنه هو الذي ولاه ما ولاه.\rفلم يزالوا وأشباهه حتى أضغنوا عليه. ثم إنهم كتبوا كتاباً عن عدي إلى قهرمان كان له، ودسوا من اخذ الكتاب وأتى به النعمان فقرأه فغضب، وأرسل إلى عدي بن زيد يقول: عزمت عليك إلا زرتني فإني قد اشتقت إليك، وكان عند كسرى فاستأذن في زيارة النعمان فأذن له، فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبسه، فجعل يقول الشعر ويستعطفه به، فكان مما قاله:\rبلغ النعمان عني مآلكا ... إنه قد طال حبسي وانتظاري\rلو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري","part":4,"page":174},{"id":1675,"text":"وقال أشعاراً كثيرة كانت تبلغ النعمان فندم على حبسه وعلم أنه كيد فيه، فكان يرسل إليه ويعده ويمينه، فلما طال سجنه وأعياه التضرع إلى النعمان كتب إلى أخيه أبى - وهو عمار - وهو مع كسرى يخبره بحاله، ويبعثه على السعي في خلاصه، فدخل أبي على كسرى وكلمه، فكتب إلى النعمان في أمره وبعث رسولاً بكتابه، فقال له أبي: إبذأ بعدي أنظره قبل أن تجتمع بالنعمان، ورشاه على ذلك، ففعل الرسول ذلك ودخل إلى الحبس واجتمع بعدي وقال له: ما تحب أن أصنع؟ قال: أحب ألا تخرج من عندي، وأعطني كتاب كسرى لأرسله من قبلي. قال: لا أستطيع ذلك. قال: فإنك إن خرجت من عندي قتلت. فقال: لا بد أن آتي النعمان وأوصله الكتاب من يدي، فانطلق إلى النعمان وأوصله الكتاب فقبله وقال: سمعاً وطاعة، ووصله بأربعة آلاف مثقال ذهباً وجارية حسناء وقال: إذا كان من غد فادخل عليه وأخرجه بنفسك. وكان أعداء عدي أتوا النعمان وأخبروه أن رسول كسرى دخل إلى عدي وأنه خرج من الحبس لم يستبق منا أحداً، ولم تنج أنت ولاغيرك، فأمرهم النعمان بقتله، فدخلوا عليه لما خرج الرسول من عنده وغموه حتى مات، فلما أصبح الرسول دخل السجن فقال له الحرس: إن عدياً قد مات منذ أيام، ولم نجرؤ أن نخبر النعمان فرقاً منه لعلمنا بكراهيته لذلك، فرجع الرسول إلى النعمان فقال: إني كنت بدأت به فدخلت عليه وهو حي. فقال له النعمان: يبعثك الملك إلي فتدخل إليه قبلي، كذبت! ولكنك ارتشيت وتهدده، ثم استدعاه بعد ذلك وزاده جائزة وكسوة واستوثق منه وصرفه إلى كسرى. فلما رجع إليه قال له: قد مات قبل مقدمي على النعمان.\rقال: ثم ندم النعمان على قتل ندماً شديداً واجترأ أعداء عدي على النعمان وهابهم، ثم ركب النعمان في بعض أيامه للصيد فلقي ابناً لعدي بن زيد، فكلمه فإذا هو غلام ظريف ففرح به النعمان وقربه ووصله واعتذر إليه، ثم جهزه إلى كسرى وكتب إليه: إن عدياً كان ممن أعين به الملك في نصيحته ورأيه، فانضقت مدته وانقطع أجله، ولم يصب به أحد أشد نم مصيبتي، وإن الملك لم يكن ليفقد رجلاً من عبيده إلا جعل الله له منه خلقاً، وقد أدرك له ابن ليس هو دونه، وقد سرحته إلى الملك فإن رأى أن يجعله مكان أبيه ويصرف عمه إلى عمل آخر فعل. فأجابه كسرى إلى ذلك ورتبه في وظيفة أبيه، وسأله عن النعمان فأحسن الثناء عليه، فمكث سنوات على منزلة أبيه واعجب به كسرى. وكان لصاحب هذه الرتبة على العرب وظيفة في كل سنة من الأفراس والمهارة والكماة والأقط والأدم وغير ذلك، وهو يلي ما يكتب عن كسرى إلى العرب.\rقال: ثم تمكن زيد بن عدي بن زيد عند كسرى حتى كان يجتمع به في أوقات خلواته، فدخل عليه في بعض الأيام فكلمه فيما دخل بسببه؛ ثم جرى ذكر النساء.","part":4,"page":175},{"id":1676,"text":"وكانت عنده الأكاسرة صفات امرأة، ومن رسمهم أن يطلبوا للملك من هي متصفة بتلك الصفات، وكانت الصفة أن المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشروان جارية كان أصابها لما أغار على الحارث الأكبر الغساني، فكتب إلى أنوشروان بصفة الجارية فقال: هي معتدلة الخلق، نفيه اللون والثغر، بيضاء قمراء وطفاء دعجاء حوراء عيناء قنواه شماء برجاء زجاء أسيلة الخد شهية المقبل جثلة الشعر، عظيمة الهامة، بعيدة مهوى القرط، عريضة الصدر، كاعب الثدي، ضخمة مشاش المنكب والعضد، حسنة المعصم، لطيفة الكف، سبطة البنان، لطيفة طي البطن، خميصة الخصر، غرثي الوشاح، رداح الاقبال، رابية الكفل، مفعمة الساق، لفاء الفخذين، ريا الروادف، ضخمة المأكمتين، عظيمة الركبة، مشبعة الخلخال، لطيفة الكعب والقدم، قطوف المشي، مكسال الضحى، بضة المتجرد، سموع للسيد، ليست بخلساء ولا سفعاء، رقيقة الأنف، عزيزة النفس، لم تغذ في بؤس، حيية رزينة، حليمة ركينة، كريمة الخال، تقتصر بنسب أبيها، وبفصيلتها دون جماع قبيلتها، قد أحكمتها التجارب في الأدب، رأيها رأي أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة، صناع الكفين، قطيعة اللسان، رهوة الصوت ساكنته، تزين البيت وتشين العدو إن أردتها اشتهت، وإن تركتها انتهت، تحملق عيناها، وتحمر وجنتاها، وتذبذب شفتاها، وتبادرك الوثبة إذا قمت، ولا تجلس إلا بأمرك إذا جلست. فقبلها أنوشروان وأمر بإثبات هذه الصفة في ديوانه، فكانت تتوارث حتى انتهى الملك إلى كسرى أبرويز بن هرمز. فلما قرئت هذه الصفة عليه قال له زيد بن عدي: أيها الملك، أنا أخبر بآل المنذر، وعند عبدك النعمان من بناته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة. فقال له كسرى: اكتب فيهن إليه. فقال: أيها الملك، إن شر شيء في العرب وفي النعمان خاصة أنهم يتكرمون - زعموا في أنفسهم - عن العجم، فابعثني إليه وابعث معي رجلاً من ثقاتك يفقه العربية. فبعث معه رجلاً جلداً فهما، فخرج به زيد حتى أتى الحيرة ودخل على النعمان؛ فلما دخل عليه عظم الرسول أمر كسرى وقال له: إنه قد احتاج آلة نساء لأهله وولده فأراد كرامتك بصهره وبعث إليك فيهن. فقال النعمان: وما صفة هؤلاء النسوة؟ قال: هذه صفتهن قد جئناك بها، وقرأها على زيد بن عدي، فشق ذلك على النعمان وقال لزيد وللرسول: أما في مها السواد وعين فارس ما تبلغون به حاجتكم؟ فقال الرسول لزيد: ما المها والعين؟ قال: البقر. فقال زيد للنعمان: إنما أراد الملك كرامتك، ولو علم أن ذلك يشق عليك لما كتب إليك، فأنزلهما يومين عنده ثم كتب إلى كسرى. إن الذي طلب الملك ليس عندي. ثم قال لزيد: أعرني عنده. فلما رجعا إلى كسرى قال لزيد: أين ما كنت أخبرتني به؟ قال: قد كنت أخبرتك بضنتهم بنسائهم على غيرهم، وإن ذلك من شقائهم، فسل هذا الرسول عن مقالة النعمان فإني أكره أن أواجه الملك بما قاله، فقال للرسول: وما قال؟ قال: إنه قال: أما في بقر السواد وفارس ما يكفي الملك حتى يطلب ما عندنا! فعرف الغضب في وجه كسرى ثم قال: رب عبد قد قال هذا فصار أمره إلى التباب، فبلغ كلامه النعمان. وسكت كسرى على ذلك أشهراً، وهو يستعد ويتوقع حتى أتاه كتاب كسرى يستدعيه، فانطلق النعمان حتى أتى جبال طيئ وهو متزوج منهم، فأرادهم أن يمنعوه فأبوا ذلك وقالوا: لولا صهرك لقتلناك، فإنه لا حاجة لنا في معاداة كسرى، فأقبل يعرض نفسه على العرب فلا يقبلوه، حتى نزل بذي قار بني شيبان سراً فلقي هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود فأودعه سلاحه وتوجه إلى مسرى فلقي زيد بن عدي على قنطرة ساباط، فقال له: انج نعيم! فقال: أنت يا زيد فعلت هذا! أما والله لئن أفلت لأسقينك بكأس أبيك! فقال له زيد: امض نعيم، فقد والله وضعت عنده أخيه لا يقطعها المهر الأرن. قال: فلما بلغ كسرى أنه بالباب أمر به فقيد وأبعده إلى خانقين فلم يزل بالسجن حتى مات بالطاعون.\rقال ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم: والناس يظنون أنه مات بساباط لبيت قاله الأعشى. والصحيح ما قلناه.","part":4,"page":176},{"id":1677,"text":"وقال ابن عبدون: إن النعمان لما أقبل إلى المدائن صف له كسرى ثمانية آلاف جارية عليهن المصبغات وجعلهن صفين، فلما صار النعمان بينهن قلن له: أما فينا للملك غني عن بقر السواد؟ وأن كسرى أمر بالنعمان فحبس بساباط المدائن، ثم أمر به فرمى بين أرجل الفيلة فوطئته حتى مات. وفي ذلك يقول سلامة بن جندل وذكر قتل كسرى أبرويز للنعمان فقال:\rهو المدخل النعمان بيتاً سماؤه ... نحور الفيول بعد بيت مسردق\rثم ملك إياس بن قبيصة وأتى الله تعالى بالإسلام. فهؤلاء ملوك العرب باليمن والشام والحيرة.\rسد مأرب وسيل العرم قد ذكر الله عز وجل في كتابه العزيز فقال: \" لقد كان لسبا في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم \" الآية. روى عن فروة بن مسيك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما أنزل في سبأ ما أنزل قال رجل: يا رسول الله، وما سبأ؟ أرض أو امرأة؟ فقال: \" ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعرون وحمير وكندة ومذحج وأنمار \" فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: الذين منهم خثعم وبجيلة. أخرجه أبو داود في سننه والترمذي في جامعه.\rوكانت ارض مأرب من بلاد اليمن متصلة العمارة مسيرة ستة أشهر، وقيل أزيد من شهرين للراكب المجد، وكانوا يقتبسون النار بعضهم من بعض ستة اشهر؛ فكانت المرأة إذا أرادت أن تجتني من ثمارها شيئاً وضعت المكل على رأسها وخرجت تمشي بين الأشجار وهي تغزل وتعمل ما شاءت، فلا ترجع إلا وقد امتلأ مكتلها مما يتساقط فيه من الثمار.\rواختلف في مأرب فقيل: إنه اسم ملك تلك الأرض فسمين به، قال الشاعر:\rمن سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما\rوقيل: هو اسم لقصر الملك، وفيه يقول أبو الطمحان:\rألم تروا مأرباً ما كان أحصنه ... وما حواليه من سور وبنيان\rقال: وكان أول من خرج من اليمن بسبب سيل العرم عمرو بن عامر مزيقيا، وقد ذكرناه في الأنساب، وإن سبب تسميته مزيقيا أنه كان يلبس في كل يوم حلة وقيل حلتين، وهو الأشهر، ثم يمزقهما عشية نهاره لئلا يلبسهما غيره، وكان هذا دأبه في كل يوم.\rوكأنسب خروجه من اليمن وإطلاعه على خبر سيل العرم قبل حدوثه دون غيره من الناس أنه كان له امرأة كاهنة يقال لها: طريفة الخير، وكانت قد رأت في منامها أن سحابة غشيت أرشهم فأرعدت وأبرقت ثم أصعقت فأحرقت كل ما وقعت عليه، ففزعت طريفة الخير لذلك فزعاً شديداً وأتت إلى زوجها عمرو بن عامر وقالت: ما رأيت اليوم أزال عني النوم. فقال لها: ما رأيت؟ قالت: رأيت غيماً أرعد وابرق ثم أصعق فما وقع على شيء إلا احترق. قال: فلما رأى ما داخلها من الروع والفزع سكنها.","part":4,"page":177},{"id":1678,"text":"ثم إن عمراً بعد ذلك دخل حديقة له ومعه جارية من بعض جواريه، فبلغ ذلك امرأته طريفة فخرجت إليه ومعها وصيف لها اسمه سنان، فلما برزت من بيتها عرض لها ثلاث مناجد منتصبات على أرجلها، واضعات أيديها على أعينها. قال: والمناجد: دواب تشبه اليرابيع. فلما نظرت طريفة إليها قعدت إلى الأرض ووضعت يديها على عينيها وقالت لغلامها: إذا ذهبت هذه المناجد فأخبرني، فلما ذهبت أعلمها فانطلقت مسرعة، فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها عمرو وثبت سلحفاة من الماء فوقعت في الطريق على ظهرها وجعلت تروم الانقلاب ولا تستطيع، وتستغفر بيديها وتحث التراب على بطنها من جنباته وتقذف بالبولى. فلما رأتها طريفة الخير جلست إلى الأرض. فلما عادت السلحفاة إلى الماء مضت طريفة حتى دخلت الحديقة على عمرو حين انتصف النهار في ساعة شديدة الحر فإذا الشجر يتكافأ من غير ريح، فلما رآها استحيى منها وأمر الجارية بالتنحي ثم قال لها: ما أتى بك يا طريفة؟ فكهنت وقالت: والنور والظلماء، والأرض والسماء، إن الشجر لهالك، وليعودن الماء كما كان في الزمن السالك. قال لها عمرو ومن خبرك بهذا؟ قالت: أخبرني المناجيد بسنين شدائد، يقطع فيها الولد الوالد. قال: فما تقولين؟ قالت: أقول قول الندمان لهفاً، لقد رأيت سلحفاة تجرف التراب جرفاً، وتقذف بالبول قذفاً، فدخلت الحديقة فإذا الشجر من غير ريح يتكافأ. قال عمرو: وما ترين في ذلك؟ قالت: هي داهية دهياء من أمور جسيمة، ومصائب عظيمة. قال: وما هو ويلك؟ قالت: أجل، إن فيه الويل، ومالك فيه من نيل، وإن الويل فيما يجيء به السيل. فألقى عمرو نفسه على فراشه وقال: ما هذا با طريفة؟ قالت: هو خطب جليل، وخزي طويل، وخلف قليل، والقليل خير من تركه. قال: وما علامة ما تذكرين؟ قالت: اذهب إلى السد فإن رأيت جرذاً يديه في السد الحفر، ويقلب برجليه مراجل الصخر، فاعلم أن الغمر غمر، وإن قد وقع الأمر. قال: وما هذا الذي تذكرين؟ قالت: وعد من الله نزل، وباطل بطل، ونكال بنا نكل. قال: فانطلق عمرو إلى السد فحرسه فإذا الجرذ يقلب برجليه ما يقلبها خمسون رجلاً، فرجع إليها وهو يقول:\rأبصرت أمراً عادني سنه ألم ... وهاج لي من حوله برح السقم\rمن جرذ كفحل خنزير الأجم ... أو كبش صرم من افاويق الغنم\rيقلب صخراً من جلاميد العرم ... له مخاليب وأنياب قضم\rما فاته صخر من الصخر قصم فقالت طريفة: وإن من علامة ما ذكرت لك أن تجلس فتأمر بزجاجة بين يديك؛ فإن الريح تملأها بتراب البطحاء من سهل الوادي ورمله، وقد علمت أن الجنان مظللة ما يدخلها شمس ولا ريح. فأمر عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه فلم تمكث إلا قليلاً حتى امتلأت من تراب البطحاء. فقال لها عمرو: متة يكون هلاك السد؟ فقالت: فيما بينك وبين سبع سنين. فقال: ففي أيها يكون؟ فقالت: لا يعلم ذلك غلا الله، ولو علمه أحد لعلمته، ولا تأتي على ليلة فيما بيني وبين السبع سنين إلا ظنت أن هلاكنا في غدها أو مسائها.","part":4,"page":178},{"id":1679,"text":"ثم رأى عمرو بعد ذلك في منامه سيل وقيل له: آية ذلك أن ترى الحصباء قد ظهرت في سعف النخل وكربه، فنظر إليها فوجد الحصباء قد ظهرت فيها فعلم أن ذلك واقع، وأن بلادهم لا محالة؛ فكتم ذلك وأخفاه وأجمع على بيع كل شيء له بأرض مأرب ويخرج منها هو وولده، ثم خشي أن ينكر الناس حاله فصنع وليمة جمع الناس لها وقرر مع أحد أولاده أنه يأمره بأمر في ملأ القوم فيخالفه فإذا لطمه عمرو فيلطمه الآخر، ففعل ذلك. فلما لطمه ابنه - وكان اسمه مالكاً - صاح عمرو: وأذلاه! يوم فحر عمرو يهينه صبي ويضرب وجهه! وحلف ليقتلنه، فسأله القوم ألا يفعل، فحلف ألا يقيم بموضع صنع به فيه هذا، وليبيعن أمواله حتى لا يورث بعده. فقال الأنس بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو واشتروا منه قبل أن يرضى، فابتاع الناس منه جميع ما هوله بأرض مارب، وفشا بعض حديثه فباع أناس من الأزد، فلما كثر البيع استنكر الناس ذلك فأمسكوا عن الشراء، فلما اجتمعت لعمرو أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم وخرج من اليمن، وخرج لخروجه منها خلق كثير فنزلوا أرض عك حتى مات عمرو بن عامر وتفرقوا بعده في البلاد؛ فمنهم من صار إلى الشام، وهم أولاد جفنة بن عمرو بن عامر، ومنهم من صار إلى يثرب، وهم أبناء قبيلة الأوس والخزرج، وأبوهما حارثة بن ثعلبة بن عمرو ابن عامر، وصارت أزد الشراة إلى أرض الشراة، وأزد عمان إلى عمان، ومالك بن فهم إلى العراق.\rثم خرجت بعد عمرو بيسير من أرض اليمن طئ فنزلت بجبلي طئ: اجا وسلمى، ونزل ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر تهامة، وسموا خزاعة لانخزاعهم من أخواتهم، وتمزقوا في البلاد كما أخبر الله تعالى عنهم فقال: \" ومزقناهم كل ممزق \" ثم أرسل الله عز وجل السيل على السد فهدمه.\rواختلف في العرم ما هو؟ فقيل: السد واحدته عرمة، وقيل: هو الجرذ.\rوكان السد فيما يذكر قد بناه لقمان الأكبر بن عاد، وكان صفه لحجارة السد بالرصاص فرسخاً في فرسخ. ويقال: إن الذي بناه كان من ملوك حمير. وقد ذكر ذلك ميمون ابن قيس الأعشى فقال:\rوفي ذلك للمؤتسى أسوة ... ومأرب عفى عليها العرم\rرخام بنته لهم حمير ... إذا جاء مواره لم يرم\rفصاروا أيادي ما يقدرو ... ن منه على شرب طفل فطم\rفأروى الزروع وأعنابها ... على سعة ماؤها إذ قسم\rالباب الخامس من القسم الرابع من الفن الخامس\rأيام العرب في الجاهلية\rوأنها لمن مآثرها السنية، وإذا تأملها المتأمل دلته على مكارم أخلاقهم وكرم نجارهم، وحققت عنده أنهم ما أحجموا عن طلب أوتارهم، وعلم مكافأتهم للأقران، وسماحتهم بالنفوس والأبدان وإقدامهم على الموت، ومبادرتهم عند الإمكان خشية الفوت.\rوقيل لبعض الحابة رضي الله عنهم: ما كنتم تتحدثون به إذا خلوتم في مجالسكم؟ فقال: نتناشد الشعر بأخبار جاهليتنا.\rوقال بعضهم: وددت أن لنا مع إسلامنا كرم أخلاق آبائنا في الجاهلية.\rألا ترى أن عنترة الفوارس جاهلي لا دين له، والحسن ين هانئ إسلامي، فمنع عنترة كرمه ما لم يمنع ابن هانئ دينه، فإن عنترة يقول:\rوأغض طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي ماواها\rوقال أبو نواس الحسن بن هانئ:\rكان الشباب مطية الجهل ... ومحسن الضحكات والهزل\rوالباعثي والناس قد هجعوا ... حتى أبيت خليفة البعل\rوسأذكر من وقائعهم ما يقوي الجنان، ويبعث الجبان.\rوقعة طسم وجديس","part":4,"page":179},{"id":1680,"text":"وطسم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، وجديس بن عابر بن إرم ابن سام بن نوح عليه السلام، وهم العرب العاربة، على ما ذكر بعض المؤرخين. وكان منزلهما اليمامة، واسمها في وقتهم جو؛ وكان الملك عليهما رجلاً من طسم يقال له: عمليق، وكان غشوماً ظلوماً. وكان سبب فنائهما أن عمليقا أتته ذات يوم امرأة اسمها هزيلة بنت مازن مع زوج لها اسمه ماش، وكان قد طلقها وأراد أخذ ولده منها، فترافعا إليه ليحكم بينهما، فقالت هزيلة: أيها الملك هذا ابني حملته تسعاً، ووضعته دفعاً، وأرضعته شفعاً، ولم أنل منه نفعاً حتى إذا تمت أوصاله ، واستوت خصاله، أراد أن يأخذه مني قهراً ويسلبنيه سراً، ويترك يدي منه صفرا. فقال الزوج: قد أخذت المهر كاملاً، ولم أنل منك طائلاً، غلا ولدا جاهلاً، فافعل ما كنت فاعلاً. فأمر الملك أن يجعل الولد في غلمانه، فقالت هزيلة:\rأتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فأبرم حكماً في هزيلة ظالما\rلعمري لقد حكمت لا متورعاً ... ولا فهماً عند الحكومة عالما\rندمت فلم أقدر على متزحزح ... وأصبح زوجي عاثر الرأي نادما\rفلما بلغ عمليقاً ذلك غضب وأقسم أنه لا تهدى عروس في جديس لبعلها حتى يكون هو الذي يبدأ بها قبل زوجها. فلم يزل على ذلك دهراً حتى أهديت عفيرة بنت عفارا الجديسية أخت الأسود بن عفار سيد جديس إلى بعلها، ويقال: إن اسمها الشموس، فحملت إلى عمليق، فلما افترعها وخلى سبيلها خرجت على قومها في دمائها شاقة جيبها عن قبلها ودبرها وهي تقول:\rلا أحد أذل من جديس ... هكذا يفعل بالعروس\rيرضى بهذا يا لقومي حر ... أهدى وقد أعطى وسيق المهر\rلأخذه الموت كذا لنفسه ... خير من أن يفعل ذا بغرسه\rثم قالت تحرض جديساً على طسم:\rأيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد الرمل\rأيصلح تمشي في الدماء فتياتكم ... صبيحة زفت في النساء إلى البعل\rفإن كنتمو لا تغضبوا عند هذه ... فمونوا نساء لا تفيق من الحكل\rودونكم طيب العروس فإنما ... خلقتم لأثواب العرائس وللغسل\rفلو أننا كنا رجالاً وكنتم ... نساء لكنا لا نفر على الذل\rفقبحاً وسحقاً للذي ليس دافعاً ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل\rفموتوا كراماً واصبروا لعدوكم ... لحرب تلظى بالضرام من الجزل\rولا تجزعوا في الحرب يا قوم إنها ... تقوم بأقوام كرام على رجل\rفاجتمعت جديس فقال لهم الأسود بن عفار، وكان مطاعاً فيهم: لتطيعني فيما آمركم به أو لأتكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري. قالوا: فإنا نطيعك. قال: إن طسما ليسوا بأعز منكم، ولكن ملك صاحبهم هو الذي يذعننا إليهم بالطاعة، ولو امتنعتم منهم لكان لكم النصف. قالوا: إن القوم أكثر منا عدداً وعدداً. قال: إني صانع طعاماً فأدعوهم إليه، فإذا جاءوكم متفضلين في الحلل نهضنا إليهم بأسيافنا. فقالت عفيرة لأخيها: لا تفعل! فإن الغدر ذلة وعار، ولكن كاثروا القوم في ديارهم فتظفروا أو تموتوا كراماً. قال: بل نمكر بهم فنكون أمكن منهم. تم صنع الأسود طعاماً وأمر قومه أن يخترطوا سيوفهم ثم يدفنوها في الرمل. ودعا عمليقا وقومه، فلما أتوا استثارت جديس السيوف وشدوا عليهم فما أفلت منهم إلا رياح بن مرة، ففر إلى حسان بن تبع فاستغاث به وأخيره بما صنعته جديس بطسم فوعده النصرة، ثم نادى حسان في حمير بالمسير وأخبرهم بما صنعت جديس بطسم؛ فقالوا: وما جديس وطسم؟ قال: هما أخوان. قالوا: فما لنا في هذا من أرب.\rقال حسان: أرأيتم لو كان هذا فيكم! أكان حسناً لملككم أن يهدر دماءكم.","part":4,"page":180},{"id":1681,"text":"وما علينا في الحكم إلا أن ننصف بعضهم من بعض. فقالوا: الأمر أمرك أيها الملك فمرنا بما أحببت. فأمرهم بالمسير، فساروا حتى إذا كانوا من اليمامة على ثلاث ليال قال رياح بن مرة لحسان بن تبع: أبيت اللعن! إن لي أختاً متزوجة في جنديس تنظر الراكب على مسيرة ثلاث ليال وأخاف أن تنذر قومها، فأمر كل إنسان أن يقتلع شجرة من الأرض ويجعلها أمامه، فأمرهم حسان بذلك. ثم ساروا، فنظرت أخت رياح فقالت: يا جنديس! لقد سارت إليكم الشجر. فقالوا لها: وما ذاك؟ قالت: أرى شجراً، من ورائه بشراً، وإني لا أرى رجلاً من وراء شجرة ينهش كتفاً أو يحصف نعلاً، فكذبوها وغفلوا عن اخذ أهبة الحرب حتى صبحتهم حمير. ففي ذلك تقول زرقاء اليمامة:\rخذوا لهم حذركم ياقوم ينفعكم ... فليس ما قد أراه اليوم يحتقر\rإني أرى شجراً من خلفه بشر ... فكيف تجتمع الأشجار والبشر\rصفوا الطوائف منكم قبل داهية ... من الأمور التي يخشى وتنتظر\rإني أرى رجلاً في كفه كتف ... أو يخصف النعل خصفاً ليس يعتذر\rثوروا بأجمعكم في وجه أولهمفإن ذلك منكم فاعلموا ظفر\rوغوروا كل ماء دون منزلهم ... فليس من دونه نحس ولا ضرر\rأو عاجلوا القوم عند الليل إن رقدوا ... ولا تخافوا لها حرباً وإن كثروا\rفلما كان حسان على مسيرة ليلة عبأ جيشه ثم صحبهم فاستباح اليمامة قتلاً وسبياً، وهرب الأسود حتى نزل بطئي فأجاروه من كل من يطلبه وهم لا يعرفونه. وقبيلته في طيء مذكورة. ثم إن حساناً أمر باليمامة فنزع عينيها فإذا في داخلها عروق سود، فسألها عن ذلك فقالت: حجر أسود كنت اكتحل به يقال له الإثمد فثبت لي بصري. وقيل: إنها أول من اكتحل بالإثمد، فأمر بها فصلبت على باب جو. وقيل: سمى جو باليمامة من ذلك الوقت. وفي ذلك يقول رياح بن مرة لما أخذ بثأره:\rغدر الحي من جديس بطسم ... آل طسم كما تداني تديني\rقد أتيناهم بيوم كيوم ... تركوا فيه مثل ما تركوني\rليت طسماً على منازلها تع ... لم أني قضيت عني ديوني\rوقد كررت الشعراء قصة هذه المرأة وجو. فمن ذلك قول الأعشى على رواية ابن قتيبة:\rقالت أرى رجلاً في كفه كتف ... أو يخصف النعل لهفي آية صنعا\rفكذبوها بما قالت فصبحهم ذو آل حسان يزجي السم والسلعا\rفاستنزلوا آل جو من مساكنهم ... وهدموا رافع البنيان فاتضعا\rوروى ابن إسحاق:\rكوني كمثل التي إن غاب واحدها ... أهدت له من بعيد نظرة جزعا\rثم أتى بالأبيات التي ذكرها ابن قتيبة. وقال المسيب بن علس:\rلقد نظرت عين إلى الجزع نظرة ... إلى مثل موج المفعم المتلاطم\rإلى حمير إذ وجهوا من بلادهم ... تضيق بهم لأيا فروج المخارم\rوفيها يقول النمر بن تولب:\rوفتاتهم عنز غداة تبينت ... من بعد مرأى في الفضاء ومسمع\rقالت أرى رجلاً يقلب نعله ... تقليب ذي وصل له ومشسع\rورأت مقدمة الخميس ودونها ... ركض الجياد إلى الصباح يتبع\rحروب قيس يوم منعج لغنى على عبس","part":4,"page":181},{"id":1682,"text":"يوم منعج. هو يوم الردهة وفيه قتل شأس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي؛ قتله رياح بن الأشل الغنوي. وذلك أن شأساً اقبل من عند النعمان بن المنذر وقد أجزل حباءه. وكان من حبائه قطيفة حمراء ذات هدب وطيب؛ فورد منعجا - وهو ماء لغني - فأناخ راحلته إلى جانب الردهة وعليها خباء لرياح بن الأشل، وجعل يغتسل وامرأة رياح تنظر إليه، وهو كالثور الأبيض، فانتزعه رياح بسهم فقتله، وضم متاعه ونحر ناقته وأكلها وغيب أثره. وفقد شأس بن زهير، حتى وجدوا القطيفة الحمراء بسوق عكاظ قد باعتها امرأة رياح، فعلموا أن رياحاً صاحب ثأرهم، فغزت بنو عبس غنياً قبل أن يطلبوا قوداً أو ديةً، مع الحصين بن زهير ابن جذيمة والحصين بن أسيد بن جذيمة. فلما بلغ ذلك غنيا قالوا لرياح: انج، لعلنا نصالح القوم على شيء أو نرضيهم بدية. فخرج رياح رديفاً لرجل من بني كلاب، وهما بظنان أنهما قد خالفا وجهة القوم؛ فمر صرد على رءوسهما فصرصر، فما راعهما إلا خيل بني عبس، فقال الكلابي لرياح: انحدر من خلفي والتمس نفقاً في الأرض فإني شاغل القوم عنك، فانحدر رياح من عجز الجمل حتى أتى ضفة فاحتفر تحتها مثل مكان الأرنب وولج فيه، ومضى صاحبه، فسألوه فقال: هذه غني جامعة، وقد استمكنتم منهم، فصدقوه وخلوا سبيله، فلما ولى رأوا مركب الرجل خلفه فقالوا: من الذي كان خلفك؟ فقال: لا كذب! رياح بن الأشل، وهو في أولئك الصعدات. فقال الحينان لمن معهما: قد مكننا الله من ثأرنا ولا نريد أن يشركنا فيه أحد، فوقفوا عنهما، ومضيا فجعلا يريغان رياحاً بين الصعدات، فقال لهما: هذا غزالكما الذي تربغانه، فابتدراه فرمى أحدهما بسهم فأقصده، فطعنه الآخر فأخطأه، ومرت به الفرس، فاستدبره رياح بسهم فقتله قم أتى قومه. ففي ذلك يقول الكميت بن زيد الأسدي، وكانت له أمان من غني:\rأنا ابن غني والداي كلاهما ... لامين منهم في الفروع وفي الأصل\rهم استودعوا زهر نسيب بن سالم ... وهم عدلوا بين الحصينين بالنبل\rوهم قتلوا شأس الملوك ورغموا ... أباه زهيراً بالمذلة والثكل\rيوم النفراوات لبني عامر على بني عبس فيه قتل زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي. وكانت هوازن تؤدي إليه إتاوة، فأتته عجوز رهيش من بني نصر بن معاوية بسمن في نحي، وشكت سنين تتابعت على الناس، فذاقه فلم يرض طعمه، فدعها بقوس في يده عطل في صدرها، فاستقلت على قفاها منكشفة، فتألى خالد بن جعفر وقال: والله لأجعلن ذراعي في عنقه حتى يقتل أو أقتل. وكان زهير مقداماً فتفرد من قومه ببنيه وبني أخويه أسيد وزيناع يريغ الغيث في عشرواوات له وشول؛ فأتاه الحارث بن عمرو ابن الشريد، وكانت تماضر بنة عمرو بن الشريد تحت زهير، فلما عرف الحارث مكانه أنذر عليه بني عامر بن صعصعة رهط خالد بن جعفر، فركب منهم ستة فوارس فيهم خالد بن جعفر وصخر بن الشريد وحندج بن البكاء ومعاوية بن عبادة ابن عقيل فارس الهرار. ويقال لمعاوية: الأخيل، وهو جد ليلى الأخيلية. فقال أسد لزهير: أعلمتني راعية غنمي أنها رأت على راس الثنية أشباحاً ولا أحسبها إلا خيل بني عامر، فألحق بنا بقومنا. فقال له زهير: كل أزب نفور وكان أشعر القفا، فذهبت مثلاً، فتحمل أسيد بمن معه وبقي زهير وابناه ورقاء والحارث. وصبحتهم الفوارس فارمدت بزهير فرسه القعساء ولحقه خالد ومعاوية الأخيل، فطعن معاوية القعساء فقلبت زهيراً، وخر خالد فرفع المغفر عن راس زهير وقال: يا لعامر اقتلونا جميعاًّ وأقبل معاوية فضرب زهيراً على مفرق رأسه ضربة بلغت الدماغ، وأقبل ورقاء بن زهير فضرب خالداً وعليه درعان فلم تغن شيئاً، وأجهض ابنا زهير القوم عن زهير واحتملاه وقد أثخنته الضربة فمنعوه الماء فقال: اسقوني وغن كانت نفسي فيه، فسقوه فمات بعد ثالثة من الأيام، فقال في ذلك ورقاء بن زهير:\rرأيت زهيراً تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر\rفشلت يميني يوم أضرب خالداً ... ويمنعه مني الحديد المظاهر\rفياليت أني قبل أيام خالد ... ويوم زهير لم تلدني تماضر\rلعمري لقد بشرت بي إذ ولدتني ... فماذا الذي ردت عليك البشائر\rوقال خالد بن جعفر في قتله زهيراً:","part":4,"page":182},{"id":1683,"text":"بل كيف تكفرني هوازن بعدما ... أعتقتهم فتوالدوا أحرارا\rوقتلت ربهم زهيراً بعدما ... جدع الأنوف واكثر الأوتارا\rوجعلت مهر بناتهم ودياتهم ... عقل الملوك هجائناً وبكارا\rسوم بطن أقل لذبيان على بني عامر فيه قتل خالد بن جعفر ببكطن عاقل. وذلك أنه قدم على الأسود بن المنذر أخي النعمان ومعه عروة الرحال بن عتبة بن حعفر، فالتقى خالد بن جعفر والحارث ابن ظالم بن غيط بن مرة بن سعد بن ذبيان عند الأسود بن المنذر، فجعل خالد يقول للحارث بن ظالم: ياحار، أما تشكر يدي عندك أن قتلت عنك سيد قومك زهيراً وتركتك سيدهم؟ فقال: سأجزيك شكر ذلك. فلما خرج الحارث قال الأسود لخالد: ما دعاك إلى أن تتحرش بهذا الكلب وأنت ضيفي؟ فقال: إنما هو عبد من عبيدي، ولو وجدني نائماً أيقظني. وانصرف خالد إلى قبته فلامه عروة الرحال، ثم ناما وأشرجت عليهما القبة، وكان مع الحارث تبيع له من بني محارب يقال له خراش، فلما هدات العيون أخرج الحارث ناقته وقال لخراش: كنم لي بمكان كذا، فإن طلع الصبح ولم آتك فانظر أحب البلاد إليك فاعمد لها؛ ثم انطلق الحارث حتى أتى قبة خالد فهتك شرجها ثم ولجها وقتله، فنادى عروة عند ذلك: الجوار الملك! فأقبل إليه الناس، وسمع الأسود الهتاف وعنده امرأة من بني عامر يقال لها: المتجردة، فشقت جيبها. ففي ذلك يقول عبد الله ابن جعدة:\rشقت عليك العامرية جيبها ... أسفاً وما تبكي عليك ضلالاً\rيا حار لو نبهته لوجدته ... لا طائشاً رعشاً ولا معزالاً\rواغرورقت عيناي لما أخبرت ... بالجعفري وأسبلت إسبالاً\rفلتقتلن بخالد سرواتكم ... ولنجعلن للظالمين نكالا\rفإذا رأيتم عارضاً متهللاً ... منا فإنا لا نحاول مالا\rيوم رحرحان لعامر على تميم ولما هرب الحارث بن ظالم ونبت به البلاد لجأ إلى معبد بن زرارة فأجاره؛ فقالت بنو تميم لمعبد: ملك أويت هذا المشئوم الأنكد وأغريت بنا الأسود؟ وخذلوه غير ماوية وبني عبد اله بن دارم. وبلغ الأحوص بن جعفر بن كلاب مكان الحارث بن ظالم، وأنه عند معبد بن زرارة، فغزا معبداً فالتقوا برحرحان فانهزمت بنو تميم وأسر معبد بن زرارة، أسره عامر والطفيل ابنا مالك بن جعفر بن كلاب، فوفد لقيط بن زرارة عليهما في فدائه فقال لهما: لكما عندي مائتا بعير، فقالا: أبا نهشل، أنت سيد الناس، واخوك معبد سيد مضر فلا تقبل فيه إلا دية ملك، فأبى أن يزيدهم وقال: إن أبانا أوصانا ألا نزيد أحداً في ديتنا على مائتي بعير، وقال: لا توكلوا العرب أنفسكم ولا تزيدوا بفدائكم على فداء رجل منكم، ورحل لقيط عن القوم.\rقال: فمنعوا معبداً الماء وضاروه حتى مات هزالاً. وقيل: بل أبى معبد أن يطعم شيئاً أو يشرب حتى مات هزالاً. ففي ذلك يقول عامر بن الطفيل:\rقضينا الجون عن عبس وكانت ... منية معبد فينا هزالاً\rوقال جرير:\rوليلة وادي رحرحان رفعتم ... فراراً ولم تلووا رفيق النعائم\rتركتم أبا القعقاع في الغل معبداً ... وأي أخ لم تسلموا للأداهم\rوقال أيضاً:\rوبرحرحان غداة كبل معبد ... نكحت فتاتكم بغير مهور\rيوم شعب جبلة لعامر وعبس على ذبيان وتميم","part":4,"page":183},{"id":1684,"text":"قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: يوم جبلة أعظم أيام العرب، وذلك أنه لما انقضت وقعة رحرحان جمع لقيط بن زرارة لبني عامر وألب عليهم. وبين يوم رحرحان ويوم جبلة سنة. ويوم جبلة قبل الإسلام بأربعين سنة، وهو عام مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت بنو عبس يومئذ في بني عامر حلفاء لهم، فاستعدى لقيط بني ذبيان لعداوتهم لبني عبس من اجل حرب داحس، فأجابته غطفان كلها غير بني بدر، وتجمعت لهم تميم كلها غير بني سعد، وخرجت معه بنو أسد لحلف كان بينهم وبين غطفان، ثم أتى لقيط الجون الكندي وهو ملك هجر وكان يحيى من بها من العرب فقال له: هل لك في قوم عادين قد ملأوا الأرض نعماً وشاءً، فأرسل فما أصبنا من مال وسبى فلهما، وما أصبنا من دم فلي، فأجابه الجون إلى ذلك وجعل له موعداً رأس الحول، ثم أتى لقط النعمان ابن المنذر فاستنجده وأطعمه في الغنائم، وكان لقيط وجيهاً عند الملوك، فلما كان على قرن الحول من يوم رحرحان أقبلت الجيوش إلى لقيط، وأقبل سنان بن أبي حارثة المري في غطفان وجاءت بنو أسد، وأرسل الجون ابنيه معاوية وعمرا، وأرسل النعمان أخاه لأمه حسان بن وبرة الكلبي. فلما توافوا خرجوا إلى بني عامر وقد أنذروا بهم وتأهبوا لهم، فقال الأحوص بن جعفر، وهو يومئذ رحى هوازن لقيس بن زهير: ما ترى؟ فإنك تزعم أنه لم يعرض لك أمران إلا وجدت في أحدهما المخرج! فقال قيس بن زهير: الرأي أن نرحل بالعيال والأموال حتى تدخل شعب جبلة فتقاتل القوم دونها من وجه واحد، فإنهم داخلون عليك الشعب، وإن لقيطا رجل فيه طيش فيستقحم عليك الجبل، فأرى أن تأمر بالإبل فلا ترعى ولا تسقى وتعقل، ثم تجعل الذراري وراء ظهورنا وتأمر بالرجالة فتأخذ بأذناب الإبل، فإذا دخلوا علينا الشعب حلت الرجالة عقل الإبل ثم لزمت أذنابها فإنها تنحدر عليهم وتحن إلى مراعيها ووردها، ولا يرد وجوهها شيء، ويخرج الفرسان في أثر الرجالة الذين خلف الإبل فإنها تحطم ما لقيت وتقبل عليهم الخيل وقد حطموا من عل. فقال الأحوص: نعم ما رأيت وأخذ برأيه، وكان مع بني عامر يومئذ بنو عبس، وغني في بني كلاب، وباهلة في بني صعب، والأبناء أبناء صعصعة. وكان رهط المعقر البارقي يومئذ في بني نمير بن عامر، وكانت قبائل بجيلة كلها فيهم غير قيس.\rقال أبو عبيدة: وأقبل لقيط والملوك ومن معهم فوجدوا بني عامر قد دخلوا شعب جبلة فنزلوا على فمه، فقال لهم رجل من بني أسد: خذوا من بني أسد: خذوا عليهم فم الشعب حتى يعطشوا ويجوعوا، فأتوا حتى دخلوا عليهم الشعب، وكانوا قد عقلوا الإبل وعطشوها ثلاثة أخماس، وذلك اثنتا عشرة ليلة لم تطعم شيئاً، فلما دنوا حلوا عقلها فأقبلت تهوي، فظن القوم عند ذلك أن الشعب قد هد عليهم، والرجالة في آثارها آخذين بأذنابها فدقت كلما لقيت، فانهزموا لا يلوون على أحد، وقتل لقيط وأسر حاجب بن زرارة، أسره ذو الرقيبة، وأسر سنان بن أبي حارثة المري أسره عروة الرحال، فجز ناصيته وأطلقه، واسر عمرو بن أبي عمرو بن عدس، أسره قيس بن المنتفق، فجز ناصيته وخلاه طمعاً في المكافأة فلم يفعل، وقتل معاوية بن الجون ومنقذ بن طريف الأسدي، ومالك بن ربعي بن جندل بن نهشل، فقال جرير في ذلك:\rكأنك لم تشهد لفيطاً وحاجباً ... وعمرو بن عمرو إذ دعوا بال دارم\rويوم الصفا كنتم عبيداً لعامر ... وبالحزن أصبحتم عبيد اللهازم\rيعني بالحزن يوم الوقيط. وقال أيضاً في بني دارم:\rويوم الشعب قد تركوا لقيطاً ... كأن عليه خملة أرجوان\rوكبل حاجب بسمام حولاً ... فحكم ذا الرقيبة وهو عاني\rوقالت دخنتوس أخت لقيط ترثي لقيطاً:\rفرت بنو أسد فرا ... ر الطير عن أربابها\rعن خير خندف كلها ... من كهلها وشبابها\rوأتمها حسباً إذا ... ضمت إلى أحسابها\rيوم الخريبة وفيه قتل الحارث بن ظالم","part":4,"page":184},{"id":1685,"text":"قال أبو عبيدة: لما قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر الكلابي أتى صديقاً له من كندة. فالتف عليه وطلبه الملك فخفى ذكره، ثم شخص من عند الكندي وأضمرته البلاد حتى استجار بزياد أحد بني عجل بن لجيم، فقام بنو ذهل بن ثعلبة وبنو عمرو بن شيبان فقالوا لمعجل: اخرجوا هذا الرجل من بين أظهركم فإنه لا طاقة لنا بالشهباء ودوسر، وهما كتيبتان للأسود بن المنذر، فأبت عجل ذلك عليهم فلما رأى الحارث بن ظالم ذلك كره أن تقع الفتنة بينهما بسببه، فارتحل من بني عجل إلى جبلي طيء فأجاروه فقال في ذلك:\rلعمري لقد حلت بي اليوم ناقتي ... إلى ناصر من طيء غير خاذل\rفأصبحت جاراً للمجرة فيهم ... على باذخ يعلو يد المتطاول\rإذا أجأ لفت على شعابها ... وسلمى فأني أنتم من تناولي\rفمكث عندهم حيناً. ثم إن الأسود بن المنذر لما أعجزه أمره أرسل إلى جارات كن للحارث بن ظالم استاقهن وأموالهن، فبلغ ذلك الحارث، فخرج من الجبلين فاندس في الناس حتى علم مكان جاراته ومرعى إبلهن فأتاهن واستنقذهن واستاق إبلهن فألحقهن بقومهن. واندس في بلاد عطفان حتى أتى سنان بن أبي حارثة المري وهو أبو هرم بن سنان ممدوح زهير. وكان الأسود بن المنذر قد استرضع ابنه شرحبيل عند سلمى امرأة سنان، وهي من بني غنم بن دودان بن أسد، فكانت لا تأمن على ابن الملك أحداً، فاستعار الحارث بن ظالم سرج سنان، وهو في ناحية الشربة، فأتى به سلمى امرأة سنان وقال لها: يقول لك بعلك: ابعثي ابنك مع الحارث فإني أريد أن أستأمن له الملك، وهذا سرجه لك آية. قال: فزيتته ودفعته إليه، فأتى به ناحية من الشربة فقتله وهرب من فوره، وهرب سنان بن أبي حارثة. فلما بلغ الأسود قتل ابنه شرحبيل غزا بني ذبيان فقتل وسبى، وأخذ الأموال، وأغار على بني دودان رهط سلمى، فقتلهم وسباهم، ثم وجد بعد ذلك نعلي شرحبيل في جانب الشربة عند بني محارب بن خصفة، فغزاهم وأسرهم وأحمى لهم الصفا وقال: إني أحذيكم نعالاً، فأمشاهم عليها، فسقطت أقدامهم. ثم إن سيار بن عمرو بن جابر الفزاري احتمل للأسود دية ابنه ألف بعير ورهنه بها قوسه، فوفاه بها وقال في ذلك:\rونحن رهنا القوس ثمت فوديت ... بألف على ظهر الفزاري أقرعا\rبعشر مئين للملوك وفى بها ... ليحمد سيار بن عمرو فأسرعا\rقال: ثم هرب الحارث فلحق بمعبد بن زرارة فاستجار به فأجاره، وكان من سببه وقعة رحرحان التي تقدم ذكرها. ثم هرب حتى لحق بمكة وقريش لأنه يقال: إن مرة بن عوف بن سعد بن دبيان إنما هو مرة بن عوف بن لؤي بن غالب، قتوسل إليهم بهذه القرابة وقال في ذلك:\rإذا فارقت ثعلبة بن سعد ... وإخوتهم نسبت إلى لؤي\rإلى نسب كريم غير وغل ... وحي من أكارم كل حي\rفإن يك منهم أصلي فمنهم ... قوانين الإله بنو قصي\rفقالوا له: هذا نسب رحم كرشاء إذا استغنيتم عنها أدبرتم. قال: فشخص الحارث عنهم غضبان وقال في ذلك:\rألا لستم منا ولا نحن منكم ... برئنا إليكم من لؤي بن غالب\rغدونا على نشر الحجاز وأنتم ... بمنشعب البطحاء بين الأخاشب\rوتوجه إلى الشام فلحق بيزيد بن عمرو الغساني فأجاره وأكرمه. وكانت ليزيد ناقة محماة، في عنقها مدية وزناد وصرة ملح، يمتحن بها رعيته لينظر من يجترى عليه، فوحمت امرأة الحارث فاشتهت شحماً فانطلق إلى الناقة فانتحرها وأتاها بشحمها وفقدت الناقة فأرسل إلى الخمس التغلبي، وكان كاهناً، فسأله عنها، فاخبره أن الحارث صاحبها فهم به الملك ثم تذمم من ذلك، فأوجس الحارث في نفسه شراً فأتى الخمس التغلبي فقتله، فلما فعل ذلك دعا به الملك فأمر بقتله، فقال: إنك قد أجرتني فلا تغدرني، قال الملك: لا ضير إن غدرت بك مرة فقد غدرت بي مراراً، وأمر ابن الخمس به فقتله، وأخذ ابن الخمس سيف الحارث، فأتى به سوق عكاظ في الأشهر الحرم، فأراه قيس بن زهير العبسي فضربه به قيس فقتله.\rداحس والغبراء وهي من حروب قيس","part":4,"page":185},{"id":1686,"text":"قال أبو عبيدة: حرب داحس والغبراء بين عبس وذبيان ابني بغيض أن ريث بن غطفان. وكان السبب الذي هاجها أن قيس بن زهير وحمل ابن بدر تراهنا على داحس والغبراء أيهما يكون به السبق. وكان داحس محلا لقيس بن زهير. والغبراء حجر لحمل بن بدر، فتواضعا الرهان على مائة بعير، وجعلا منتهى الغاية مائة غلوة، والمضمار أربعين ليلة، ثم قاداهما إلى رأس الميدان بعد أن ضمراهما أربعين ليلة. وكان في طرف الغاية شعاب كثيرة، فأكمن حمل بن بدر في تلك الشعاب فتياناً على طريق الفرسين وأرمهم إن جاء داحس سابقاً أن يردوه عن الغاية، ثم أرسلوهما، فلما أحضرا خرجت الأنثى عن الفحل فقال حمل بن بدر: سبقتك ياقيس، فقال قيس: زويداً يعدوان الجدد إلى الوعث وترشح أعطاف الفحل، فلما أوغلا عن الجدد وخرجا إلى الوعث برز داحس عن الغبراء فقال قيس: جرى المذكيات غلاب فذهبت مثلاً. فلما شارف داحس الغاية ودنا من الفتية وثبوا في وجه داحس فردوه عن الغاية، ففي ذلك يقول قيس بن زهير:\rوما لا قيت من حمل بن بدر ... وإخوته على ذات الإصاد\rهمو فخروا علي بغير فخر ... وردوا دون غايته جوادي\rوثارت الحرب بين عبس وذبيان ابني بغيض، فركدت أربعين سنة لم تنتج ناقة ولا فرس فيها لاشتغالهم بالحرب. فبعث حذيفة بن بدر ابنه مالكا إلى قيس بن زهير يطلب منه حق السبق، فقال قيس: كلا لا مطلتك به، ثم أخذ الرمح فطعنه فدق صلبه، ورجعت فرسه غائرة، واجتمع الناس فحملوا دية مالك ناقة عشراء وزعموا أن الربيع بن زياد العبسي حملها وحده فقبضها حذيفة وسكن الناس.\rثم إن مالك بن زهير نزل اللقاطة من أرض الشربة فأخبر حذيفة بمكانه، فعدا عليه فقتله، ففي ذلك يقول عنترة:\rفلله عيناً من رأى مثل مالك ... عقيرة قوم أن جرى فرسان\rفليتهما لم يجريا قيد غلوة ... وليتهما لم يرسلا لرهان\rفقالت بنو عبس: مالك بن زهير بمالك بن حذيفة وردوا علينا مالنا، فأبى حذيفة أن يرد شيئاً، وكان الربيع بن زياد مجاوراً لبني فزارة.\rقال: فلما قتل مالك بن زهير جعل بنو فزارة يتساءلون ويقولون: ما فعل حماركم؟ قالوا: صدناه، فقال لهم الربيع: ما هذا الوحي؟ قالوا: قتلنا مالك ابن زهير، قال: بئس ما فعلتم بقومكم! قبلتم الدية ورضيتم بها ثم غدرتم! فقالوا: لولا أنك جارنا لقتلناك، وكانت خفرة الجار ثلاثاً، فقالوا له: بعد ثلاث ليال أخرج عنا، فخرج واتبعوه فلم يلحقوه حتى لحق بقومه، وأتاه قيس بن زهير فعاقده. ثم نهضت بنو عبس وحلفاؤهم بنو عبد الله بن غطفان إلى بني فزارة وذبيان ورئيسهم الربيع بن زياد ورئيس بني فزارة حذيفة بن بدر، يوم المريقب لبني عبس على بني ذبيان فالتقوا بذي المريقب من أرض الشربة فاقتتلوا، فكانت الشوكة في بني فزارة قتل منهم عوف بن بدر بن عمرو بن أبي الحصين، أحد بني عدي بن فزارة وجماعة كثيرة. وفي هذه الوقعة يقول عنترة الفوارس:\rولقد علمت إذ التقت فرسانها ... يوم المريقب أن ظنك أحمق\rيوم ذي حسي لذبيان على عبس ثم إن ذبيان تجمعت لما أصابت بنو عبس منهم يوم المريقب فزارة بن ذبيان ومرة بن عوف بن سعد بن ذبيان وأحلافهم، فنزلوا فتوافوا بذي حسي، وهو وادي الصفا من ارض الشربة، فهزمت بنو عبس وخافت ألا تقوم بجماعة بني ذبيان واتبعوهم حتى لحقوهم، فقالوا: التفاني أو تقيدونا، فأشر قيس بن زهير على الربيع بن زياد إلا يناجزهم ، وأن يعطوهم رهائن من أبنائهم حتى ينظروا في أمرهم، فتراضوا أن يكون رهنهم عند سبيع بن عمرو أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فدفعوا إليه ثمانية من الصبيان، فانصرفوا وتكافأ الناس، فمكث رهنهم عند سبيع حتى حضرته الوفاة، فقال لابنه مالك بن سبيع: إن عندك مكرمة لا تبيد إن أنت احتفظت بهؤلاء الأغيلمة، وكأني بك لومت قد أتاك خالك حذيفة بن بدر فعصر لك عينيه وقال: هلك سيدنا ثم خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم، فلا تشرف بعدها أبداً، فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم. فلما هلك سبيع أطاف حذيفة بابنه مالك وخدعه حتى دفعهم إليه، فأتى بهم اليعمرية، فجعل يبرز كل يوم غلاماً فينصبه غرضاً ويقول له: ناد أباك، فينادي حتى يقتله.\rسوم اليعمرية لعبس على ذبيان","part":4,"page":186},{"id":1687,"text":"قال: فلما بلغ ذلك من فعله بني عبس أتوهم باليعمرية فلقوهم بحرتها فقتلوا منهم اثني عشر رجلاً، منهم مالك بن سبيع الذي نبذ بالغلمة إلى حذيفة، وأخوه يزيد بن سبيع، وعامر بن لوذان، والحارث بن زيد، وهرم بن ضمضم أخو حصين. ويقال ليوم اليعمرية: يوم ذي نفر لأنهما متجاوران.\rيوم الهباءة لعبس على ذبيان قال: ثم اجتمعوا فالتقوا في يوم قائظ إلى جنب جفر الهباءة واقتتلوا من أول النهار إلى أن انتصف، وحجز الحر بينهم، وكان حذيفة بن بدر يحرق فخذيه الركض، فقال قيس بن زهير: يابني عبس، إن حذيفة غداً إذا احتدمت الوديقة مستنقع في جفر الهباءة فعليكم بها، فخرجوا حتى وقعوا على أثر صارف: فرس حذيفة، والحيفاء: فرس حمل بن بدر، فقفوا أثرهما حتى توافوا مع الظهيرة على الهباءة، فبصر بهم حمل بن بدر فقال: هذا قيس بن زهير قد أتاكم، فوقف قيس وأصحابه على جفر الهباءة وهو يقول: لبيكم لبيكم! يعني أجابه الصبية الذين كانوا ينادونهم إذ يقتلونّ وفي الجفر حذيفة وحمل وبدر ومالك بنو بدر، وورقاء بن بلال من بني ثعلبة بن سعد. وحنش بن عمرو، فوقف عليهم شداد بن معاوية العبسي، فحال بينهم وبين حيلهم، ثم توافت فرسان بني عبس فقال حمل: ناشدتك بالرحم يا قيس، فقال: لبيكم لبيكم! فعرف حذيفة أنه لن يدعهم فانتهر حملاً فقال: إياك والمأثور من الكلام، فذهبت مثلاً، وقال لقيس: لئن قتلتني لا تصلح غطفان بعدها أبداً! فقال: أبعدها الله ولا أصلحها، وجاءه قرواش بمعبلة فقضم صلبه، وقتل الربيع بن زياد حمل بن بدر، فقال قيس بن زهير يرثيه:\rتعلم أن خير الناس ميت ... على جفر الهباءة ما يريم\rولولا ظلمه ما زلت أبكي ... عليه الدهر ما بدت النجوم\rولكن الفتى حمل بن بدر ... بغي والبغي مرتعه وخيم\rأظن الحلم دل على قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم\rومارست الرجال وما رسوني ... فمعوج وآخر مستقيم\rومثلوا بحذيفة بن بدر كما مثل بالغلمة، فقطعوا مذاكيره وجعلوها في فيه وجعلوا لسانه في استه، ففي ذلك يقول قائلهم:\rفإن قتيلاً بالهباءة في استه ... صحيفته إن عاد للظلم ظالم\rمتى تقراوها من ضلالكم ... وتعرف إذا ما فض عنها الخواتم\rوقال عمرو بن الأسلع:\rإن السماء وإن الأرض شاهدة ... والله يشهد والإنسان والبلد\rأني جزيت بني بدر بسعيهم ... على الهباءة قتلاً ما له قود\rلما التقينا على أرجاء جمتها ... والمشرفية في أيماننا تقد\rعلوته بحسام ثم قلت له: ... خذها حذيف فأنت السيد الصمد\rفلما أصيب أهل الهباءة واستعظمت غطفان قتل حذيفة، تجمعوا، وعرفت بنو عبس أن ليس لهم مقام بأرض غطفان، فخرجوا إلى اليمامة فنزلوا بأخوالهم من بني حنيفة، ثم رحلوا عنهم فنزلوا ببني سعد ين زيد مناة.\rيوم الفروق\rلبني عبس ثم إن بني عبس غدروا بجوارهم فأتوا معاوية بن الجون فاستجاسوا عليهم وأرادوا أكلهم، قبلغ ذلك بني عبس فقروا ليلاً، وقدموا ظعنهم، ووقفت فرسانهم بموضع يقال له الفروق، وأغارت بنو سعد ومن معهم من جنود الملك على محلتهم فلم يجدوا إلا مواقد النيران فاتبعوهم حتى أتوا الفروق، فإذا بالخيل والفرسان وقد تواترت الظعن عنهم، فانصرفوا عنهم؛ ومضى بنو عبس فنزلوا ببين ضبة فأقاموا فيهم. وكان بنو حذيفة من بني عبس يسمون بني رواحة، وبنو بدر من فزارة يسمون بني سودة، ثم رجعوا إلى قومهم وصالحوهم، فكان أول من سعى في الحمالة حرملة بن الأشعر بن صرمة بن مرة، فمات، فسعى فيها ابنه هاشم ين حرملة، وإليه أشار الشاعر:\rأحيا أباه هاشم بن حرملة ... يوم الهباءتين ويوم اليعملة\rترى الملوك حوله مرعبلة ... يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له!\rيوم قطن","part":4,"page":187},{"id":1688,"text":"فلما توافوا للصلح وقفت بنو عبس بقطن وأقبل حصين بن ضمضم فلقى تيجان أحد بني مخزوم بن مالك فقتله بأبيه ضمضم. وكان عنترة بن شداد العبسي قتله بذي المريقب، فأشارت بنو عبس وحلفاؤهم بنو عبد الله بن غطفان وقالوا: لا نصالحكم ما بل البحر صوفة وقد غدرتم بنا غير مرة، وتناهض الناس: عبس وذبيان، فالتقوا بقطن يومئذ عمرو بن الأسلع عتبة، ثم سفرت السفراء، بينهم، وأتى خارجة بن سنان أبا تيجان بابنه فدفعه إليه وقال: في هذا وفاء من ابنك! فأخذه فكان عنده أياماً ثم حمل خارجة لأبي تيجان مائة بعير فأداها إليه واصطلحوا وتعاقدوا.\rيوم غدير قلهى قال أبو عبيدة: فاصطلح الحيان إلا بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، فإنهم أبوا ذلك وقالوا: لا نرضى حتى يودوا قتلانا أو يهدر دم من قتلها، فخرجوا من قطن حتى وردوا غدير قلبي، فسبقتهم بنو عبس إلى الماء فمنعوهم حتى كادوا يموتون عطشاً، فأصلح بينهم عوف ومعقل ابنا سبيع من بني ثعلبة وإياهما يعني زهير بقوله:\rتداركتما عبساً وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم\rفوردوا حرباً وخرجوا عنه سلما. تم خبر داحس والغبراء.\rيوم الرقم لغطفان على بني عامر غزت بنو عامر فأغاروا على بلاد غطفان بالرقم - وهو ماء لبني مرة - وعلى بني عامر: عامر بن الطفيل - ويقال يزيد بن الصعق - فركب عتبة بن حصين في بني فزارة، ويزيد بن سنان في بني مرة - ويقال الحارث بن عوف - فانهزمت بنو عامر، فزعمت غطفان أنهم أصابوا من بني عامر يومئذ أربعة وثمانين رجلاً، فدفعوهم إلى أهل بيت من أشجع، كانت بنو عامر قد أصابوا فيهم، فقتلوهم أجمعين.\rوانهزم الحكم بن الطفيل في نفر من أصحابه، فيهم خوات بن كعب حتى انتهوا إلى ماء يقال له: المرورات، فقطع العطش أعناقهم فماتوا، وخنق الحكم ابن الطفيل نفسه مخافة المثلة، فقال في ذلك عروة بن الورد:\rعجبت لهم إذ يخنقون نفوسهم ... ومقتلهم تحت الوغى كان أعذرا\rيوم النتاءة لعبس على بن عامر يقال: خرجت بنو عامر تريد أن تدرك بثأرها يوم الرقم، فهجموا على عبس بالنتاءة وقد أنذروا بهم، فالتقوا، وكان على بني عامر: عامر بن الطفيل، وعلى بني عبس. الربيع بن زياد، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت بنو عامر، وقتل منهم هزار بن مرة، قتله الأحنف بن مالك، ونهشل بن عبيدة بن جعفر، قتله أبو زغبة ابن حارث وعبد الله بن أنس بن خالد، وهزمت بنو عامر هزيمة قبيحة.\rيوم شواحط لبني محارب على بني عامر غزت سرية من بني عامر بن صعصعة بلاد غسان، فأغاروا على بابل لبني محارب بن خصفة، فأدركهم الطلب، فقتلوا من كلاب تسعة نفر وارتدوا إبلهم فلما رجعوا وثبت بنو كلاب على جسر - وهم من بني محارب، وكانوا حاربوا إخوتهم، فخرجوا من عندهم فخالفوا بني عامر بن صعصعة - فقالوا: نقتلهم بقتل بني محارب من قتلوا منا، فقام خداش بن زهير دونهم حتى منعهم من ذلك وقال:\rأيا راكباً إما عرضت فبلغن ... عقيلاً وأبلغ إن لقيت أبا بكر\rفيا أخوينا من أبينا وأمنا ... إليكم لا سبيل إلى جسر\rدعوا جانبي إني سأترك جانبا ... لكم واسعاً بين اليمامة والقهر\rيوم حوزة الأول لسليم على غطفان قال أبو عبيدة. كان بين معاوية بن عمرو بن الشريد وبين هاشم بن حرملة أحد بني مرة - مرة غطفان - كلام بعكاظ، فقال معاوي: والله لوددت أني قد سمعت بظعائن يندبنك، فقال هاشم: والله لوددت أني قد بريت الرطبة - وهي جمة معاوية، وكانت الدهر تنظف ماءً ودهناً وإن لم تدهن - فلما كان بعد حين تهيأ معاوية ليغزو هاشماً، فنهاه أخوه صخر، فأبى وغزاهم يوم حوزة، فرآه هاشم ابن حرملة قبل أن يراه معاوية، وكان هاشم ناقهاً من مرض أصابه، فقال لأخيه دريد بن حرملة: إن هذا إن رآني لم آمن أن يشد علي، وأنا حديث عهد بشكية، فاستطرد له دوني حتى تجعله بيني وبينك، ففعل، فحمل عليه معاوية وأردفه هاشم، فاختلفا طعنتين فأردى معاوية هاشماً عن فرسه الشماء، وأنفذها هاشم سنانه عن عانة معاوية، وكر عليه دريد وظنه قد أردى هاشماً، فضرب معاوية بالسيف فقتله، وشد خفاف بن عمرو على مالك بن حمار الفزاري فقتله.","part":4,"page":188},{"id":1689,"text":"قال: وغارت الشماء فرس هاشم حتى دخلت في جيش بني سليم فأخذوها وظنوا أنها فرس الفزاري الذي قتله خفاف، ورجع الجيش، فلما دنوا من صخر أخي معاوية قال لهم: ما صنع معاوية؟ قالوا قتل! قال: فما هذه الفرس؟ قالوا: قتلنا صاحبها! قال: إذا قد أردكتم ثأركم، هذه فرس هاشم بن حرملة.\rقال: فلما دخل رجب ركب صخر بن عمرو الشماء صبيحة يوم حرام، فأتى بني مرة، فلما رأوه قال لهم هاشم: هذا صخر فحيوه وقولوا له خيراً، وهاشم مريض من الطعنة التي طعنه معاوية، فقال: من قتل أخي؟ فسكتوا ، فقال: لمن هذه الفرس التي تحتي؟ فسكتوا. فقال هاشم: هلم أبا حسان إلى من يخبرك! قال: من قتل أخي؟ فقال هاشم: إذا أصبتني أو دريداً فقد أصبت ثأرك! فقال: هل كفنتموه؟ قال: نعم، في بردين: أحدهما بخمس وعشرين بكرة وأروه قبره، فلما رأى القبر جزع عنده ثم قال: كأنكم ما رأيتم من جزعي، فوالله ما بت منذ عقلت إلا واتراً أو موتوراً، وطالباً أو مطلوباً حتى قتل معاوية، فما ذقت طعم نوم بعده.\rيوم حوزة الثاني قال: ثم غزا صخر فلما دنا منهم مضى على الشماء، وكانت غراء محجلة، فسود غرتها وتحجيلها، فلما رأته بنت هاشم قالت لعمها دريد: أين الشماء؟ قال: هي في بني سليم. قالت: ما أشبهها بهذه الفرس! فقال: هذه والشماء غراء محجلة، ثم اضطجع فلم يشعر حتى طعنه صخر، قال: فثاروا وتناذروا، وولى صخر وطلبته غطفان عامة يومها، وعارض دونه أبو شجرة بن عبد العزي، وكانت أمه خنساء أخت صخر، صخر خاله، فرد الخيل عنه أراح فرسه ونجا إلى قومه، فقال خفاف بن ندبة لما قتل معاوية: قتلني الله إن برحت من مكاني حتى أثار به! فشد على مالك سيد بني شمخ فقتله، وقال صخر في قتله دريداً:\rولقد دفعت إلى دريد طعنة ... نجلاء تزغل مثل غط المنخر\rولقد قتلتكم ثناء وموحداً ... وتركت مرة مثل أمس الدابر\rقال أبو عبيدة: وأما هاشم بن حرملة فإنه خرج منتجعاً فلقيه عمرو بن قيس الجشمي، فتبعه وقال: هذا قاتل معاوية، لا وألت نفس إن وأل، فلما دنا منه أرسل عليه معبلة ففلق قحفه فقتله.\rيوم ذات الإثل قال أبو عبيدة: ثم غزا صخر بن عمرو بن الشريد بني أسد بن خزيمة فاكتسح إبلهم، فأتى الصريخ بني أسد، فركبوا حتى تلاحقوا بذات الأثل، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فطعن ربيعة الأسدي صخرا في جنبه وفات القوم بالغنيمة، ومرض صخر من الطعنة قريباً من الحول حتى مله أهله، فسمع امرأة من جاراته تسال سلمى امرأته: كيف بعلك؟ قالت: لا حي فيرجى، ولا مبت فينسى، لقد لقينا منه الأمرين! وكانت أمه إذا سئلت عنه تقول: أرجو له العافية إن شاء الله! فقال في ذلك:\rأرى أم صخر لا تمل عيادتي ... وملت سلمى مضجعي ومكاني\rفأي امرئ ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في أذى وهوان\rوما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك ومن يغتر بالحدثان\rلعمري لقد نبهت من كان نائماً ... وأمسعت من كانت له أذنان\rأهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان\rقال: فلما طال عليه البلادء - وقد نتأت قطعة من جنبه مثل اليد في موضع الطعنة - قالوا له: لو قطعتها لرجونا أن تبرأ، فقال شأنكم! فقطعوها فمات، فقالت أخته الخنساء ترثيه:\rوقائلة والنعش قد فات خطوها ... لتدركه يا لهف نفسي على صخر!\rألا ثكلت أم الذين غدوا به ... إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر!\rيوم اللوى لغطفان على هوازن","part":4,"page":189},{"id":1690,"text":"قال أبو عبيدة: غزا عبد الله بن الصمة - واسم الصمة: معاوية الأصغر - من بني غزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن - وكان لعبد الله ثلاثة أسماء وثلاث كنى، فاسمه: عبد اله، وخالد، ومعبد، وكنيته أبو فرعان، وأبو دفافة، وأبو وفاء، وهو أخو دريد بن الصمة لأبويه - فأغار على غطفان فأصاب منهم إبلاً عظيمة فاطردها، فقال له أخوه دريد: النجاء فقد ظفرت، فأبى عليه وقال: لا أبرح حتى أنتقع نقيعتي - والنقيعة: ناقة ينحرها من وسط الإبل فيصنع منها طعاماً لأصحابه، ويقسم ما أصاب عليهم - فأقام وعصى أخاه، فتبعته فزارة فقاتلوه وهو بمكان يقال له اللوى، فقتل عبد الله، وارتث وعصى أخاه، فتبعته فزارة فقاتلوه وهو بمكان يقال له اللوى، فقتل عبد الله، وترتث دريد فبقي في القتلى، فلما كان في بعض الليل أتاه فارسان، فقال أحدهما لصاحبه: إني أرى عينية تبص، فأنزل فانظر إلى سبته، فنزل فكشف ثوبه فإذا هي ترمز، فطعنه، فخرج دم قد احتقن.\rقال دريد: فأفقت عندها، فلما جاوزوا نهضت، فما شعرت إلا وأنا بين عرقوبي جمل امرأة من هوازن، فقالت: من أنت؟ أعوذ بالله من شرك! قلت: لا، بل من أنت؟ ويلك! قالت: امرأة من هوازن سيارة. قلت: وأنا من هوازن، أنا دريد بن الصمة. قال: وكانت في قوم مختارين لا يسعرون بالوقعة، فضمته وعالجته حتى أفاق.\rيوم الظعينة بين دريد بن الصمة وربيعة بن مكدم قال أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: خرج دريد بن الصمة في فوارس من بني جشم حتى إذا كانوا في واد يقال له: الأخرم، وهم يريدون الغارة على بني كنانة، إذ رفع له رجل في ناحية الوادي ومعه ظعينة، فلما نظر إليه قال لفارس من أصحابه: صح به: خل الظعينة وانج بنفسك، فانتهى إليه الفارس، فصاح به وألح عليه، فألقى زمام الراحلة وقال للظعينة:\rسيري على رسلك سير الآمن ... سير رداح ذات جأش ساكن\rإن انثنائي دون قرني شاءني ... أبلى بلائي واخبري وعايتي\rثم حمل عليه فصرعه واخذ فرسه وأعطاه للظعينة، فبعث دريد فارساً آخر لينظر ما صنع صاحبه، فلما انتهى إليه ورآه صريعاً صاح به فتصام عنه، فظن أنه لم يسمع، فغشيه، فألقى زمام الراحلة إلى الظعينة ورجع وهو يقول:\rخل سبيل الحرة المنيعة ... إنك لاق دونها ربيعه\rفي كفه خطية مطيعه ... أو لا فخذها طعنة سريعه\rوالطن من في الوغى شريعة ثم حمل عليه فصرعه، فلما أبطأ على دريد بعث فارساً ثالثاً لينظر ما صنعا، فلما انتهى إليهما رآهما صريعين ونظر إليه يقود ظعينته ويجر رمحه، فقال له: خل سبيل الظعينة، فقال للظعينة: اقصدي قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال:\rما ذا تريد من شتيم عابس ... ألم تر الفارس بعد الفارس\rأرداهما عامل رمح يابس ثم حمل عليه فصرعه وانكسر رمحه، وارتاب دريد وظن أنهم قد أخذوا الظعينة وقتلوا الرجل، فلحق ربيعة وقد دنا من الحي، فوجد أصحابه قد قتلوا، فقال: أيها الفارس، إن مثلك لا يقتل، ولا أرى معك رمحاً والخيل ثائرة بأصحابها، فدونك هذا الرمح فإني منصرف إلى أصحابي فمثبطهم عنك، فانصرف دريد وقال لأصحابه: إن فارس الظعينة قد حماها وقتل فرسانكم وانتزع رمحي، ولا مطمع لكم فيه فانصرفوا، فانصرف القوم، فقال دريد:\rا إن رأيت ولا سمعت بمثله ... حامي الظعينة فارساً لم يقتل\rأردى فوارس لم يكونوا نهزة ... ثم استمر كأنه لم يفعل\rمتهللاً تبدو أسرة وجهه ... مثل الحسام جلته كف الصيقل\rيزجي ظعينته ويسحب رمحه ... متوجهاً يمناه نحو المنزل\rوترى الفوارس من مخافة رمحه ... مثل البغاث خشين وقع الأجدل\rيا ليت شعري من أبوه وأمه ... يا صاح من يك مصله لا يجهل\rوقال ربيعة بن مكدم:\rإن كان ينفعك اليقين فسائلي ... عني الظعينة يوم وادي الاخرم\rإذ هي لأول من أتاها نهبه ... لولا طعان ربيعة بن مكدم\rغذ قال لي أدنى الفوارس ميتة ... خل الظعينة طائعاً لا تندم\rفصرفت راحلة الظعينة نحوه ... عمداً ليعلم بعض ما لم يعلم","part":4,"page":190},{"id":1691,"text":"وهتكت بالرمح الطويل إهابه ... فهوى صريعاً لليدين وللفم\rومنحت آخر بعده جياشه ... نجلاء فاغرة كشدق الأصجم\rولقد شفعتهما بآخر ثالث ... وأبى الفرار لي الغداة تكرمي\rثم لم تلبث بنو كنانة أن أغارت على بني جشم، فقتلوا وأسروا دريد بن الصمة فأخفى نفسه، فبينما هو عندهم محبوس إذ جاءه نسوة تتهادين إليه. فصرخت إحداهن وقالت: هلكتم وأهلكتم! ما جر علينا قومنا! هذا والله الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة! ثم ألقت عليه ثوبها وقالت: ياآل فراس، أنا جارة له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادي! فسألوه: من هو؟ فقال: أنا دريد بن الصمة فمن صاحبي؟ قالوا: ربيعة بن مكدم، قال: فما فعل؟ قالوا: قلته بنو سليم! قال: فما فعلت الظعينة؟ قالت المرأة: أنا هيه، وأنا امرأته، فحبسه القوم وآمروا أنفسهم، فقال بعضهم، لا ينبغي لدريد أن تكفر نعمته على صاحبنا! وقال آخرون: والله لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذي أسره، فانبعثت المرأة في الليل. وهي ريطة أنت جذل الطعان، تقول:\rسنجزي دريداً عن ربيعة نعمة ... وكل امرئ يجزي بما كان قدما\rفإن كان خيراً كان خيراً جزاؤه ... وإن كان شراً كان شراً مدمما\rسنجزيه نعمي لم تكن بصغيرة ... بإعطائه الرمح الطويل المقوما\rفقد أدركت كفاه فينا جزاءه ... وأهل بأن يجزي الذي كان أنعما\rفلا تكفروه حق نعماه فيكم ... ولا تركبوا تلك التي تملأ القما\rفلو كان حياً لم يضق بثوابه ... ذراعاً غنياً كان أو كان معدم\rففكوا دريداً من إسار مخارق ... ولا تجعلوا البؤسى إلى الشر سئما\rفلما أصبحوا أطلقوه، فسكته وجهزته ولحق بقومه، فلم يزل كافاً عن غزو بني فراس حتى هلك.\rيوم الصلعاء لهوازن على غطفان قال: فلما كان في العام المقبل غزاهم دريد بن الصمة بالصلعاء، فخرجت إليه غطفان فقال دريد لصاحبه: ما ترى؟ قال: أرى خيلاً عليها رجال كأنهم الصبيان، أنتها عند آذان خيلها. قال: هذه فزارة، ثم قال: أنظر ما ترى؟ قال: أرى قوماً كأن عليهم ثياباً غمست في لجاب المعزى، قال: هذه أشجع، قم قال: انظر ما ترى؟ قال: أرى قوماً يجرون رماحهم سوداً، يخدون الأرض بأقدامهم، قال: هذه عبس، أتاكم الموت الزؤام فاثبتوا، فالتقوا بالصلعاء فاقتتلوا، فكان الظفر لهوازن على غطفان، وقتل دريد ذؤاب بن زيد بن قارب.\rحرب قيس وكنانة يوم الكديد لسليم على كنانة فيه قتل ربيعة بن مكدم فارس بني كنانة، وهو من بني فراس بن غنم بن مالك ابن كنانة، وهم أنجد العرب، كان الرجل منهم يعدل بعشرة من غيرهم، وكان ربيعة بن مكدم يعقر على قبره في الجاهلية، ولم يعقر على قبر أحد غيره، وقتلته بنو سليم يوم الكديد، ولم يحضر يوم اديد أحد من بني الشريد.\rيوم فزارة لكنانة على سليم قال أبو عبيدة: لما قتلت بنو سليم ربيعة بن مكدم فارس كنانة ورجعوا، قاموا ما شاء الله، ثم إن ذا التاج مالك بن خالد بن صخر بن الشريد - واسم الشريد عمرو، وكانت بنو سليم قد تؤجوا مالكاً وأمروه عليهم - فغزا بني كنانة، فأغار على بني فراس ببزرة، ورئيس بني فراس عبد الله بن جذل، فدعا عبد الله إلى البراز، فبرز إليه هند بن خالد بن صخر بن الشريد، فقال له عبد الله: من أنت؟ قال: أنا هند بن خالد، قال عبد الله؛ أخوك أسن منك، يريد مالك ابن خالد، فرجع فأخبر أخاه، فبرز له، فشد عبد الله على مالك بن خالد فقتله، فبرز إليه أخوه كرز بن خالد بن صخر، فشد عليه عبد الله أيضاً فقتله، فشد عليه أخوهما عمرو بن خالد بن صخر، فتجالدا طعنتين، فجرح كل واحد منهما صاحبه وتحاجزا.\rيوم الفيفاء لسليم على كنانة قال أبو عبيدة: ثم إن بني الشريد حرموا على أنفسهم النساء والدهن أو يدركوا ثأرهم من كنانة، فغزا عمرو بن خالد بن صخر بن الشريد بقومه حتى أغار على بني فراس، فقتل منهم نفراً؛ منهم: عاصم بن المعلي، ونضلة، والمعارك، وعمرو ابن مالك، وحصن ، وشريح؛ وسبى سبياً فيهم ابنة مكدم أخت ربيعة، فقال عباس بن مرداس في ذلك:\rألا أبلغن عني ابن جذل وهطه ... فكيف طلبناكم بكرز ومالك","part":4,"page":191},{"id":1692,"text":"غداة فجعناكم بحصن وبابنه ... وبابن المعلى عاصم والمعارك\rثمانية منهم ثأرناهم به ... جميعاً وما كانوا بواء بمالك\rنذيقكم والموت يبني سرادقاًعليكم شبا حد السيوف البواتك\rتلوح بأيدينا كما لاح بارق ... تلألأ في داج من الليل حالك\rحرب قيس وتميم يوم السؤبان لبني عامر على بني تميم قال أبو عبيدة: أغارت بنو عامر على بني تميم وضبة فاقتتلوا، ورئيس ضبة حسان بن وبرة، وهو أخو النعمان بن المنذر لأمه، فأسره يزيد بن الصعق، وانهزمت تميم؛ فلما رأى ذلك عامر بن مالك بن جعفر حسده، فشد على ضرار بن عمرو الضبي، وهو الرديم، فقال لابنه: إذا هم أغنه عني، فشد عليه فطعنه، فتحول عن سرجه إلى جنب أبدانه، ثم لحقه، فقال لأحد بنيه: أغنه عني؛ ففعل مثل ذلك، ثم لحقه، فقال لابن له آخر، ففعل مثل ذلك، فقال: ما هذا إلا ملاعب الأسنة! فسمى عامر من يومئذ ملاعب الأسنة فلما دنا منه قال له ضرار: إني لأعلم ما تريد، أتريد اللبب؟ قال نعم! قال: إنك لن تصل إلي ومن هؤلاء عين تطرف، كلهم بنو عامر، قال له عامر: فأحلني على غيرك، فدله على حبيش بن الدلف وقال: عليك بذلك الفارس، فشد عليه فأسره، فلما رأى سواده وقصره، جعل يتفكر، وخاف ابن الدلف أن يقتله، فقال: ألست تريد البب؟ قال: فأني لك به، وفادى حسان بن وبرة نفسه من يزيد بن الصعق بألف بعير، فداء الملوك فكثر مال يزيد ونبه.\rقال أبو عبيدة: ثم أغار بعد ذلك يزيد بن الصعق على عصافير النعمان بذي لبان، وذو لبان: عن يمين العرنيين.\rيوم أقرن لبني عبس على بني دارم قال: غزا عمرو بن عدس من بني دارم، وهو فارس بني مالك بن حنظلة، فأغار على بني عبس، فأخذ إبلا ونساء ثم أقبل، حتى إذا كان أسفل من ثنية أقرن نزل فابتنى بجارية من السبي ولحقه الطلب فاقتتلوا، فقتل أنس الفوارس بن زياد العبسي عمراً: وانهزمت بنو مالك بن حنظلة، وقتلت بنو عبس أيضاً حنظلة بن عمرو - وقال بعضهم: قتل في غير هذا اليوم - وارتدوا ما كان في أيدي بني مالك.\rيوم المروت لبني العنبر على بني قشير أغار بحير بن سلمة بن قشير على بني العنبر بن عمرو بن تميم، فأتى الصريخ بني عمرو بن تميم حتى لحقوه وقد نزل المروت، وهو يقسم المرباع ويعطي من معه، فتلاحق القوم واقتتلوا، فطعن قعنب بن عتاب المثلم بن عامر القشيري فصرعه فأسره، وحمل الكدام، وهو يزيد بن أويهر المازني على بجير بن سلمة فطعنه فأرداه عن فرسه، ثم أسره، فأبصره قعنب بن عتاب، فحمل عليه بالسيف فضربه فقتله، وانهزم بنو عامر.\rيوم دارة مأسل لتميم على قيس غزا عتبة بن ستير بن خالد الكلابي بني ضبة، فاستاق نعمهم، وقتل حصين بن ضرار الضبي زيد الفوارس، فجمع أبوه ضرار قومه وخرج ثائراً بابنه حصين، وزيد الفوارس يومئذ حدث لم يدرك، فأغار على بني عمرو بن كلاب، وأفلت منه عتبة بن شتير وأسر أباه شتير بن خالد وكان شيخاً كبيراً، فأتى به قومه فقال: يا شتير، اختر واحدة من ثلاث، قال: اعرضها علي، قال: إما أن ترد ابني حصيناً! قال: إني لا انشر الموتى! قال: وإما أن تدفع إلى ابنك عتبة أقتله به! قال: لا يرضى بذلك بنو عامر، قال: وإما أن أقتلك. قال: أما هذه فنعم! فأمر ضرار ابنه أدهم أن يقتله، فلما قدمه ليضرب عنقه نادى شتير يا آل عامر صبراً بصبي كأنه أنف أن يقيل بصبي فقال في ذلك شمعلة:\rوخيرنا شتيراً من ثلاث ... وما كان الثلاث له خيارا\rجعلت السيف بين الليت منه ... وبين قصاص لمته عذارا\rأيام تميم على بكر يوم الوقيط","part":4,"page":192},{"id":1693,"text":"قال فراس بن خندف: تجمعت اللهازم لتغير على تميم وهم غارون، فرأى ذلك ناشب بن شامة العنبري الأعور، وهو أسير في بني سعد بن مالك من بني ثعلبة، فقال لهم: أعطوني رسولاً أرسله إلى بني العنبر أوصيهم بصاحبكم خيراً ليولوه ما تولونني من البر. وكان حنظلة بن طفيل المرثدي أسيراً في بني العنبر، فقالوا: على أن توصيه ونحن حضور، وقال نعم، فأتوه بغلام، فقال: أتيتموني بأحمق، وما أراه مبلغاً عني! قال الغلام: لا والله ما أنا بأحمق، وقل ما شئت فإني مبلغه، فملأ الأعور كفه من الرمل فقال: كم في كفي منه؟ قال: شيء لا يحصى كثرة، ثم أومأ إلى الشمس فقال: ما تلك؟ قال: هي الشمس. قال: شيء لا يحصى كثرة، ثم أومأ إلى الشمس فقال: ما تلك؟ قال: هي الشمس. قال: فاذهب إلى أهلي فأبلغهم عني التحية وقل لهم: ليحسنوا إلى أسرهم ويكرموه فإني عند قوم محسنين إلي مكرمين لي وقل لهم ليعروا جملي الأحمر: ويركبوا ناقتي العيساء، ويرعوا حاجتي في نبي مالك، وأخبرهم أن العوسج قد أورق، وقد اشتكت النساء، وليعصموا همام بن بشامة فإنه مشئوم محدود. ويطيعوا ابن الأخنس فإنه حازم ميمون.\rقال: فآتاهم الرسول فأبلغهم، فقال بنو عمرو بن تميم: ما نعرف هذا الكلام، ولقد جن الأعور، والله ما نعرف له ناقة عيساء، ولا جملا أحمر! فشخص الرسول، ثم ناداهم هذيل ، يا بني العنبر، قد بين لكم صاحبكم، وأما الرمل الذي قبض عليه فإنه يخبركم أنه أتاكم عدد لا يحصى، وأما الشمس التي أومأ إليها فإنه يقول: إن ذلك أوضح من الشمس، وأما جمله الأحمر فهو الصمان: يأمركم أن تعروه، وأما ناقته العيساء فهي الدهناء، يأمركم أن تتحرزوا فيها، وأما أبناء مالك فإنه يأمركم أن تنذروا بني مالك بن زيد مناة، وأن تمسكوا الحلف بينكم وبينهم، وأما العوسج الذي اورق، فيخبركم أن القوم قد لبسوا السلاح، وأما تشكى النساء فيخبركم إنهن قد عملن حجلا يغزون يه.\rقال: فتحرزت عمرو فركبت الدهناء وانذروا بني مالك فقالوا: ما ندري ما تقول بنو عمرو، ولسنا متحولين لما قال صاحبهم. قال: فصبحت اللهازم بني حنظلة فوجدوا عمرا قد جلت، وكان على الجيش أبجر بن جابر العجلي، وشهدها ناس من بني تيم اللات، وشهدها الفرز بن الأسود ين شريك في بني شيبان، فاقتتلوا، فأسر ضرار بن القعقاع بن زرارة، وتنازع في أسره بشر بن العوراء من تيم اللات، والفرز بن الأسود فجزوا ناصيته وخلوا أسره من تحت الليل، وأسر عمرو بن قيس من بني ربيعة بن عشجل بن المأموم بن شيبان بن علقمة من بني زرارة، ثم من عليه، وأسرت غمامة بنت الطود بن عبيد بن زرارة، واشترك في أسرها الخطيم بن هلال، وظربان بن زياد، وقيس بن خليد، فردوها إلى أهلها، وأسر حنظلة بن المأموم بن شيبان بن علقمة، أسره طلبة بن زياد أحد بني ربيعة بن عجل، وأسر حوثرة بن بدر من بني عبد الله بن دارم، فلم يزل في الوثاق حتى قال أبياتاً يمدح فيها بني عجل فأطلقوه، وأسر نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وعمرو بن ناشب، وأسر سنان بن عمرو أحد بني سلامة من بني دارم، وأسر حاضر بن ضمرة، وأسر الهيثم بن صعصعة، وهرب عوف بن القعقاع عن إخوته، وقتل حكيم النهشلي، وكان يقاتل ويرتجز:\rكل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله\rوفيه يقول عنترة:\rوغادرنا حكيماً في مجال ... صريعاً قد سلبناه الإزارا\rيوم النباح وثيتل لبكر على تميم","part":4,"page":193},{"id":1694,"text":"قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: غدا قيس بن عاصم في مقاعس وهو رئيس عليها - ومقاعس هم: صريم، وربيع، وعبيد، بنو الحارث بن عمرو بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم - ومعه سلامة بن ظرب بن نمر الحماني في الأجارب وهم: حمان، وربيعة، ومالك، والأعرج، بنو كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم، فغزوا بكر بن وائل فوجدوا بني ذهل بن ثعلبة بن عكابة، واللهازم وهم: بنو قيس وتيم اللات بن ثعلبة، وعجل بن لجيم، وعننرة بن أسد ابن ربيعة بالنباح وثيتل، وبينها روحة، فتنازع قيس بن عاصم وسلامة بن ظرب في الإغارة، ثم اتفقا على أن يغير قيس على أهل النباح، ويغير سلامة على أهل ثيتل. قال: فبعث قيس بن عاصم الأهتم سبقة له - والسبقة: الطليعة - فأتاه الخير فلما اصبح قيس سقى خيله، ثم أطلق أفواه الروايا وقال لقومه: قاتلوا فإن الموت بين أيديكم، والفلاة من ورائكم. فلما دنوا من القوم صبحا سمعوا ساقياً يقول لصاحبه: يا قيس، أورد، فتفاءلوا به، فأغاروا على النباح قبل الصبح، فقاتلوهم قتالاً شديداً، ثم إن بكرا انهزمت، فأسر الأهتم حمران بن بشر بن عمرو ابن مرثد، وأصابوا غنائم كثيرة، فقال قيس لأصحابه: لا مقام دون الثيتل، فالنجاة، فأتوا ثيتل ولم يغزوا سلامة وأصحابه بعد، فأغار عليهم قيس بن عاصم، فقاتلوه ثم انهزموا، فأصاب إبلاً كثيرة، فقال ربيعة بن طريف:\rفلا يبعدنك الله قيس بن عاصم ... فأنت لنا عز عزيز وموئل\rوأنت الذي حربت بكر بن وائل ... وقد عضلت منها النباح وثيتل\rغداة دعت يا آلا شيبان إذ رأت ... كراديس يزجيهن ورد محجل\rوقال قرة بن قيس بن عاصم:\rأنا ابن الذي شق المزاد وقد رأى ... بتثيل أحياء اللهازم حضرا\rفصحبهم بالجيش قيس بن عاصم ... فلم يجدوا إلا الأسنة مصدرا\rعلى الجرد يعلكن الشكيم عوابساً ... إذا الماء من أعطافهن تحدرا\rفلم يرها الراءون إلا فجاءةً ... نثرن عجاجاً بالسنابك أكدرا\rسقاهم بها الذيقان قيس بن عاصم ... وكان إذا ما أورد الأمر أصدرا\rوحمران أدته إلينا رماحنا ... فنازع غلا في ذراعيه أسمرا\rوجثامة الذهلي قدناه عنوة ... إلى الحي مصفود اليدين مفكراً\rيوم زرود الثاني لبني يربوع على بني تغلب أغار خزيمة بن طارق التغلبي على بني يربوع وهم بزرود، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم انهزمت بنو تغلب، وأسر خزيمة بن طارق، أسره أنيف بن جبلة الضبي - وهو فارس السليط، وكان يومئذ نقيلاً في بني يربوع - وأسيد بن حناءة السليطي، فتنازعا فيه، فحكما الحارث بن قراد، فحكم بناصية خزيمة للأنيف، على أن لأسيد على انيف مائة من الإبل. قال: ففدي خزيمة نفسه بما ئتي بعير وفرس، فقال أنيف:\rأخذتك قسراً يا خزيم بن طارق ... ولا قيت مني الموت يوم زرود\rوعانقته والخيل تدمى نحورها ... فأنزلته بالقاع غير حميد\rيوم ذي طلوح لبني يربوع على بكر","part":4,"page":194},{"id":1695,"text":"كان عميرة بن طارق بن حصينة بن أريم بن عبيد بن ثعلبة، تزوج مرية بنت جابر، أخت أبجر بن جابر العجلي، فابتنى بها في بني عجل، فأتى أبجر أخته امرأة عميرة يزورها فقال لها: إني لأرجو أن آتيك ببنت النطف امرأة عميرة التي في قومها، فقال له عميرة: أترضى أن تحاربني وتسبيني؛ فندم أبجر وقال لعميرة: ما كنت لأغزو قومك، ثم غزا أبجر والحوفزان متساندين، هذا فيمن تبعه من بني شيبان، وهذا فيمن تبعه من اللهازم، وساروا بعميرة معهم قد وكل به أبجر أخاه حرقصة بن جابر، فقال له عميرة: لو رجعت إلى أهلي فاحتملتهم، فقال حرقصة: افعل، فكر عميرة على ناقته، فسار يومين وليلة، أتى بني يربوع، فأنذرهم الجيش، فاجتمعوا حتى التقوا بأسفل ذي طلوح، فكان أول فارس طلع عليهم عميرة، فنادى: يا أبجر، هلم! فقال من أنت؟ قال: أنا عميرة، فكذبه، فسفر عن وجهه، فعرفه، فأقبل إليه، والتفت الخيل بالخيل، فأسر الجيش إلا أقلهم، وأسر حنظلة ابن بشر بن عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم - وكان في بني يربوع - الحوفزان بن شريك، أخذه معه أبو مليل، وأخذ ابن طارق سوادة بن يحيى ابن عم أبجر، وأخذ أبو عنمة الضبي الشاعر مع بني شيبان، فافتكه متمم بن نويرة، وأسر شريك بن الحوفزان، وأسود وفلحس، وهما من بني سعد بن همام فقال جريريذ كريوم ذي طلوح:\rولما لقينا خيل أبجر تدعى ... بدعوى لجيم قبل ميل العواتق\rصبرنا وكان الصبر منا سجية ... بأسيافنا تحت الظلال الخوافق\rفلا رأوا أن لا هوادة عندنا ... دعوا بعد كرب يا عمير بن طارق\rيوم الحائر وهو يوم ملهم لبني يربوع على بني بكر وذلك أن بني مليل عبد الله بن الحارث بن عاصم بن عبيد، وعلقمة أخاه انطلقا يطلبان لهما حتى وردا ملهم من أرض اليمامة، فخرج عليهما نفر من بني يشكر، فقتلوا علقمة وأخذوا أبا مليل، فكان عندهم ما شاء الله ثم خلوا سبيله، وأخذوا عليه عهداً وميثاقاً ألا يخبر بأمر أخيه أحداً، فأتى قومه فسألوه عنه فلم يخبرهم، فقال وبرة بن حمزة: هذا قد أخذ عليه عهد وميثاق، فخرجوا يقصون الأثر وبينهم شهاب بن عبد القيس حتى وردوا ملهم، فلما رآهم أهل ملهم تحصنوا، فحرقت بنو يربوع بعض زرعهم، وعقروا بعض نخلهم، فلما رأى ذلك القوم نزلوا إليهم فقاتلوهم، فهزمت بنو يشكر، وقتل عمرو بني صابر صبراً، ضربوا عنقه، وقتل عيينة بن الحارث بن شهاب بن مثلم بن عبيد بن عمرو رجلاً آخر منهم، وقتل مالك بن نويرة حمران بن عبد الله وقال:\rطلبنا بيوم مثل يومك علقما ... لعمري لمن يسعى بها كان أكرما\rقتلنا بجنب العرص عمرو بن صابر ... وحمران أقصدناهما والمثلما\rفلله عينا من رأى مثل خيلنا ... وما أدركت من خيلهم يوم ملهما\rيوم القحقح وهو يوم مالة لبني يربوع على بكر أغارت بنو أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان على بني يربوع ورئيسهم مجبة ابن ربيعة بن ذهل، فأخذوا إبلاً لعاصم بن قرط أحد بني حميد، وانطلقوا، فطلبهم بنو يربوع، فناوشوهم، فكانت الدائرة على بني ربيعة، وقتل المنهال بن عصمة المجبة بن ربيعة، فقال في ذلك ابن حمران الرياحي:\rوإذا لقيت القوم فاطعن فيهم ... يوم اللقاء كطعنة المنهال\rترك المجبة للضباع مجدلاً ... والقوم بين سوافل وعوال\rيوم رأس العين لبني يربوع على بكر أغارت طوائف من بني يربوع على بني أبي ربيعة براس العين فاطردوا النعم، واتبعهم معاوية بن فراس في بني أبي ربيعة فأدركوهم، فقتل معاوية وفاتوا بالإبل، فقال سحيم في ذلك:\rأليس الأكرمون بنو رياح ... نموني منهم عمي وخالي\rهمو قتلوا المجبة وابن تيم ... تنوح عليهما سود المآل\rوهم قتلوا عميد بني فراس ... برأس العين في الحجج الخوالي\rوذادوا يوم طفخة عن حماهم ... ذياد غرائب الإبل النهال\rيوم العظالي لبني يربوع على بكر قال أبو عبيدة: وهو يوم أعشاش ويوم الأفاقة ويوم الإياد ويوم مليحة.","part":4,"page":195},{"id":1696,"text":"قال: وكانت بكر بن وائل تحت يد كسرى وفارس، فكانوا يجيرونهم ويجهزونهم، فأقبلوا من عند عامل عين التمر في ثلثمائة فارس متساندين، يتوقعون انحدار بني يربوع في الحزن - قال: وكانوا يشتون خفافاً فإذا انقطع الشتاء انحدروا إلى الحزن - قال: فاحتمل بنو عتيبة وبنو عبيد وبنو زبيد من بني سليط، أول الحي، حتى أسهلوا ببطن مليحة، فطلعت بنو زبيد في الحزن حتى حلوا الحديقة بالأفاقة، وحلت بنو عبيد وبنو عتيبة بروضة الثمد. قال: وأقبل الجيش حتى نزلوا هضبة الخصى، ثم بعثوا رئيسهم فصادفوا غلاماً شاباً من بني عبيد يقال له قرط بن أضبط، فعرفه بسطام فقال له: أخبرني ما ذاك السواد الذي أرى بالحديقة؟ قال: هم بنو زبيد.\rقال: أسيد بن حناءة؟ قال: نعم قال: كم هم؟ قال: خمسون بيتاً، قال: فأين بنو عتيبة وبنو أريم؟ قال: نزلوا روضة الثمد. قال: فأين سائر الناس؟ قال هم محتجزون بجفاف. قال: فمن هناك من بني عاصم؟ قال: الأحيمر وقعنب ومعدان أبناء عصمة. قال: فمن فيهم من بني الحارث بن عاصم؟ قال: حصين ابن عبد الله. فقال بسطام لأصحابه: أطيعوني تقبضوا على هذا الحي من زبيد، وتصبحوا سالمين غانمين. قالوا: وما يغني عنا بنو زبيد لا يودون رحلتنا. قال: إن السلامة إحدى الغنيمتين. فقال له مغروق: انتفخ سحرك يا أخا الصهباء، قال له هانئ: أجبنا. قال: ويلكم إن أسيداً لم يظله بيت قط شاتيا ولا قائظا، إنما بيته القفر، فإذا أحس بكم أحال على الشقراء، فركض حتى يشرف مليحة، فينادي: يا آل يربوع! فيركب فيلقاكم طعن ينسيكم الغنيمة، ولا يبصر أحدكم مصرع صاحبه، وقد جئتموني وأنا تابعكم، وقد أخبرتكم ما أنتم لاقون غداً.\rفقالوا: نلتقط بني زبيد، ثم نلتقط بني عبيد وبني عتيبة كما نلتقط الكمأة، ونبعث فارسين فيكونان بطريق أسيد، فيحولان بينه وبين بني يربوع، ففعلوا. فلما أحس بهم أسيد ركب الشقراء وخرج نحو بنى يربوع، فابتدره الفارسان فطعنه أحدهما فألقى نفسه في شق فأخطأه، ثم كرر راجعاً حتى أشرف مليحة، فنادى: يا صباحاه! يا آل يربوع، غشيتم فتلاحقت الخيل حتى توافوا بالعظالى، فاقتتلوا، فكانت الدائرة على بكر، قتل منهم مغروق بن عمرو، فدفن بثينة مغروق، وبه سميت، وغيره. وأما بسطام فألح عليه فارس من بني يربوع، وكان دارعاً على ذات النسوع، وكانت إذا أجدت لم يتعلق بها شيء من خيلهم، ففاقت الطلب حتى أتى قومه.\rيوم الغبيط لبني يربوع على بكر ويقال له يوم الثعالب. قال: غزا بسطام بن قيس، ومغروق بن عمرو، والحارث بن شريك - وهو الحوفزان - بلاد بني تميم، وهذا اليوم قبل يوم العظالي، فأغاروا على بني ثعلبة بن يربوع، وثعلبة بن سعد بن ضبة، وثعلبة بن عدي ابن فزارة، وثعلبة بن سعد بن ذبيان، فلذلك قيل له يوم الثعالب. وكان هؤلاء جميعاً متجاورين بصحراء فلج فاقتتلوا، فانهزمت الثعالب، فأصابوا فيهم واستاقوا إبلاً من نعمهم، ولم يشهد عتيبة بن الحارث بن شهاب هذه الوقعة لأنه كان نازلاً يومئذ في بني مالك بن حنظلة. قال: ثم أسروا على بني مالك، وهم بين صحراء فلج بين الغبيط، فاكتسحوا إبلهم، فوكبت عليهم بنو مالك، فيهم عتيبة بن الحارث ابن شهاب، ومعه فارسان من فرسان بني يربوع وتأنف إليهم الأحيمر بن عبد الله، وأسيد بن حناءة، وأبو مرحب، وجزء بن سعد الرياحي - وهو رئيس بني يربوع، وربيع، والحليس، وعمارة، بنو عتيبة بن الحارث، ومعدان وعصمة ابنا قعنب، ومالك بن نويرة، والمنهال بن عصمة أحد بني رياح بن يربوع، وهو الذي يقول فيه متمم بن نويرة في شعره الذي يرثي به أخاه مالكا:\rلقد كفن المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا\rفأدركوهم بغبيط المدرة، فقاتلوهم حتى هزموهم، وأدركوا ما كانوا استاقوا من أموالهم، وأسر بسطام، أسره عتيبة، فلم يزل عنده حتى فادى نفسه. قيل: إنه فدى نفسه بأربعمائة بعير وثلاثين فرساً ولم يكن غيره عكاظي أعلى فداء منه، على أن جز ناصيته وعاهده ألا يغزو بني شهاب أبداً..\rيوم مخطط لبني يربوع على بكر","part":4,"page":196},{"id":1697,"text":"قال أبو عبيدة: غزا بسطام بن قيس والحوفزان الحارث متساندين يقودان بكر بن وائل، حتى وردوا على بني يربوع بالفردوس، وهو بطن لإياد، وبينه وبين مخطط ليلة، وقد نذرت بهم بنو يربوع فالتقوا بالمخطط، فاقتتلوا، فانهزمت بكر، وهرب الحوفزان وبسطام ففاتا ركضا، وقتل شريك بن الحوفزان، قتله شهاب ابن الحارث أخو عتيبة، وأسر الاحيمر بن عبد الله بن الضريس الشيباني.\rيوم جدود غزا الحوفزان وهو الحارث بن شريك فأغار على من بالقاعة من بني سعد بن زيد مناة، فأخذ نعماً كثيراً ونساء فيهن الزرقاء من بني ربيع بن الحارث، فاعجب بها وأعجبت به، فلم يتمالك أن وقع بها، فلما انتهى إلى جدود منعهم بنو يربوع ابن حنظلة أن يردوا الماء، ورئيسهم عتيبة بن الحارث بن شهاب، فقاتلوهم فلم يكن لبني بكر بهم يد، فصالحوهم على أن يعطوا بني يربوع بعض غنائمهم حتى يردوا الماء، فقبلوا ذلك منهم وأجازوهم، فلما أتى الصريح بني سعد، ركب قيس ابن عاصم في أثر القوم حتى أدركهم بالأشمين، فالح قيس على الحوفزان، وقد حمل الزرقاء رديفاً على فرسه الزبد، وعقد شعرها على صدره، فاخذ قيس بن عاصم بحيث يكلم الحوفزان، فقال له قيس: يا أبا حماد، أنا خير لك من الفلاة والعطش، قال له: ما يشاء الزبد. فلما رأى قيس أن فرسه لا يلحفه نادى الزرقاء فقال: ميلي به يا جعار، فجزا الحوفران قورنها بالسيف ودفعها بمرفقه وألقاها عن عجز فرسه فردها قيس بن عاصم إلى بني ربيع.\rيوم سفوان قال أبو عبيدة: التقت بنو ما زن وبنو شيبان على ماء يقال سفوان، فزعمت بنو شيبان أنه لهم، وأرادوا أن يجلوا تميماً عنه، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فظهرت عليهم بنو تميم وشلوهم حتى بلغوا المحدث، وكانوا قبل ذلك يتوعدون بني مازن، فقال في ذلك الوداك المازني:\rرويداً بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غدا خيلي على سفوان\rتلاقوا جياداً لا تحيد عن الوغى ... إذا الخيل جالت في القنا المتداني\rعليها الكماة الغر من آل مازن ... ليوث طعان كل يوم طعان\rتلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... على ما جنت فيهم يد الحدثان\rمقاديم وصالون في الروع خطوهم ... بكل رقيق الشفرتين يمان\rإذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأية حرب أم لأي مكان\rيوم نقا الحسن وهو يوم الشقيقة لبني ضبة على بني شيبان فيه قتل بسطام. قال أبو عبيدة: غزا بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس ابن خالد - وقيس بن مسعود هو ذو الجدين، وأخوه السليل بن قيس من بني ضبة ابن أد بن طابخة - فأغار على ألف بعير لمالك بن المنتفق فيها فحلها قد فقأ عينه، وكان في الإبل مالك بن المنتفق، فركب فرساً له ونجا ركضاً حتى إذا دنا من قومه نادى: يا صباحاه، فركبت بنو ضبة، وتداعت بنو تميم، فتلاحقوا بالنقا، فقال عاصم بن خليفة لرجل من فرسان قومه: أيهم رئيس القوم؟ قال: حاميتهم صاحب الفرس الأدهم - يعني بسطاماً - فعلا عاصم عليه بالرمح فطعنه، فلتخطئ صماخ أذنه حتى خرج الرمح من الناحية الأخرى وخر. فلما رأى ذلك بنو شيبان خلو سبيل النعم وولوا الأدبار، فمن قتيل وأسير، وأسر بنو ثعلبة نجاد بن قيس أخا بسطام في سبعين من بني شيبان: وقال شمعلة بن الأخضر بن هبيرة:\rويوم شقائق الحسنين لاقت ... بنو شيبان آجالاً قصارا\rشككنا بالرماح وهن زور ... صماخي كبشهم حتى استدارا\rأيام بكر على تميم يوم الزويرين","part":4,"page":197},{"id":1698,"text":"قال أبو عبيدة: كانت بكر بن وائل تنتجع أرض بني تميم في الجاهلية ترعى بها إذا أجدبوا، فإذا أرادوا الرجوع لم يدعوا عودة يصيبونها ولا شيئاً يظفرون به إلا اكتسحوه، فقال بنو تميم: امنعوا هؤلاء القوم من رعي أرضكم، فحشدت تميم، وحشدت بكر واجتمعت، فلم يتخلف عنهم إلا الحوفزان بن شريك في أناس من بني ذهل بن شيبان، وكان غازياً، فقدمت بكر عليهم عمر الأصم أبا مفروق - وهو عمرو بن قيس بن مسعود بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان - فحسد سائر ربيعة الأصم على الرياسة، فأتوه فقالوا: يا أبا مفروق، إنا قد زحفنا لتميم وزحفوا لنا أكثر ما كنا وكانوا قط. قال: فما تريدون؟ قالوا: نريد أن نجعل كل حي على حياله، ونجعل عليهم رجلاً منهم، فنعرف غناء كل قبيلة، فإنه أشد لاجتهاد الناس. قال: والله إني لأبغض الخلاف عليكم، ولكن يأتي مفروق فينظر فيما قلتم. فلما جاء مفروق شاوره أبوه، فقال له مفروق: ليس هذا أرادوا، وإنما أرادوا أن يخدعوك عن رأيك وحسدوك على رياستك، والله لئن لقيت القوم فظفرت لا يزال لنا الفضل بذلك أبداً، ولئن ظفر بك لا تزال لنا رياسة نعرف بها، فقال الأصم: ياقوم، قد استشرت مفروقاً فرأينه مخالفاً لكم، ولست مخالفاً رأيه وما أشار به. فأقبلت تميم بجملين مجلين مقرونين مقيدين وقالوا: لا نولي حتى يولى هذا الجملان، وهما الزويران، فأخبرت بكر بقولهم الأصم فقال: وأنا زويركم إن خشوهما فخشوني، وإن عقروهما فاعقروني، قال: والتقى القوم فاقتتلوا قتالاً شديداً. فأسرت بنو تميم حراث بن مالك أخا بني مرة بن همام. فركض به رجل منهم وقد أردفه، فاتبعه ابنه قتادة بن حراث حتى لحق الفارس الذي أسر أباه، فطعنه فأرداه عن فرسه، واستنقذ أباه، ثم انهزمت بنو تميم. وقال رجل من بني سدوس:\rيا سلم إن تسألي عنا فلا كشف ... عند اللقاء ولسنا بالمقاريب\rنحن الذين هزمنا يوم صبحنا ... جيش الزورين في جمع الأحاليف\rظلوا وظلنا نكر الخيل وسطهم ... بالشيب منا وبالمرد الغطاريف\rيوم الشيطين لبكر على تميم قال أبو عبيدة: لما ظهر الإسلام - قبل أن يسلم أهل نجد والعراق - سارت بكر بن وائل إلى السواد وقالت: نغير على بني تميم بالشيطين، فإن في دين ابن عبد المطلب أنه من قتل نفساً قتل بها، فنغير هذه الغارة ثم نسلم عليها.\rفارتحلوا من لعلع بالذراري والأموال، فأتوا الشيطين في أربع، وبينهما مسيرة ثمانية أميال فسبقوا الخبر فصبحوهم وهم لا يشعرون، ورئيسهم يومئذ بشر بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الحدين، فقتلوا بني تميم قتلاً ذريعاً وأخذوا أموالهم. قال: قتل من بني تميم يوم الشيطين ولعلع ستمائة رجل، قال: فوفد وفد من بني تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع الله على بكر بن وائل! فأبى صلى الله عليه وسلم.\rيوم صعفوق لبكر على تميم أغارت بنو ربيعة على بني سليط بن يربوع يوم صعفوق، فأصابوا منهم أسرى، فأتى طريف بن تميم العنبري فروة بن مسعود، وهو يومئذ سيد بني ربيعة، ففدي منهم أسرى بني سليط ورهنهم ابنه، فأبطأ عليهم فقتلوا ابنه.\rيوم مبايض لبكر على تميم قال أبو عبيدة: كانت الفرسان إذا كانت أيام عكاظ في الشهر الحرام، وأمن بعضهم بعضاً، تقنعوا كي لا يعرفوا، فكان طريف بن تميم لا يتقنع، فوافى عكاظ وقد كشفت بكر بن وائل، وكان طريف قد قتل شراحيل الشيباني أحد بني عمرو بن ربيعة، فقال خميصة: أروني طريفاً، فأروه إياه، فتأمله ونظر إليه، ففطن له طريف فقال: مالك تنظر؟ فقال: أتوسمك لأعرفك، فلله علي إن لقيتك أن أقتلك أو تقتلني.","part":4,"page":198},{"id":1699,"text":"قال: فمضى لذلك ما شاء الله، ثم إن بني عائدة حلفاء بني ربيعة بن ذهل، خرج منهم رجلان يصيدان، فعرض لهما رجل من بني شيبان، فذعر عليهما صيدهما، فوثبا عليه فقتلاه، فثارت بنو مرة بن ذهل بن شيبان يريدون قتلهما، فأبت بنو ربيعة ذلك عليهم، فقال هانئ بن مسعود: يا بني ربيعة، إن إخوتكم قد أرادوا ظلمكم فانحازوا عنهم، ففارقوهم، وساروا حتى نزلوا بمبايض: - ماء لهم - فأبق عبد لرجل من بني ربيعة، وسار إلى بلاد تميم، فأخبرهم أن حياً جديداً، أي منتقى من قومه، من بكر بن وائل نزول على مبايض وهم بنو ربيعة، فقال طريف العنبري: هؤلاء فأرى ياآل تميم، وأقبل معه أبو الجدعاء أخو بني طهية، وجاءه فدكى بن أعبد المنقري في جمع من بني سعد بن زيد مناة، فأنذرت بهم بنو ربيعة؛ فانحاز بهم هانئ بن مسعود، وهو رئيسهم إلى علم مبايض، وأقام عليه وشرفوا بالأموال والسرح، وصبحتهم تميم، فقال لهم طريف: أطيعوني وافرغوا من هؤلاء الأكلب يصف لكم ما وراءهم، فقال لهم أبو الجدعاء - رئيس حنظلة - وفدكي - رئيس بني سعد بن زيد مناة: أنقاتل أكليا أحرزوا أنفسهم ونترك أموالهم؟ ما هذا برأي! وأبوا عليه. وقال هانئ لأصحابه: لا يقاتل رجل منكم، ولحقت تميم بالنعم والبغال فأغاروا عليها، فلما ملأوا أيديهم من الغنيمة قال هانئ بن مسعود لأصحابه: احملوا عليهم، فهزموهم. وقتل طريف العنبري، قتله خميصة الشيباني.\rيوم فيحان لبكر على تميم قال أبو عبيدة: لما فدى نفسه بسطام بن قيس من عتيبة بن الحارث إذ أسره يوم الغبيط بأربعمائة بعير فقال: لأدركن عقر إبلي، فأغار بفيجان، فاخذ الربيع بن عتيبة واستاق ماله، فلما سار يومين شغلوا عن الربيع بالشراب، فبال على قيده حتى لان؛ ثم خلعه وانحل منه، ثم أجال في متن ذات النسوع - فرس بسطام - وهرب، فركبوا في أثره، فلما يئسوا منه ناداه بسطام: ياربيع، هلم طليقاً، فأبى، وأتوه في نادي قومه بحدثهم، فجعل يقول في أثناء حديثه: إيها يا ربيع! انج ياربيع! وأقبل ربيع حتى انتهى إلى أدنى بني يربوع فإذا هو براع فاستسقاه وضربت الفرس براسها فماتت، فسمى ذلك المكان هبير الفرس، فقال له أبوه عتيبة: أما إذ نجوت بنفسك فإني مخلف لك مالك.\rيوم ذي قار الأول لبكر على تميم قال: فخرج عتيبة في نحو من خمسة عشر فارساً من بني يربوع، فكمن في جنبي ذي قار حتى مرت بهم إبل بني الحصين، وهي بالعدوانة: اسم ماء لهم، فصاحوا بمن فيها من الحامية والرعاية، ثم استاقوها، فاخلف للربيع ما ذهب له وقال:\rألم ترني أفأت على ربيع ... جلاداً في مباركها وخورا\rوأني قد تركت بني حصين ... بذي قار يرمون الأمورا\rيوم الحاجز لبكر على تميم قال أبو عبيدة: خرج وائل بن صريم اليشكري من اليمامة، فلقيه بنو أسيد ابن عمرو بن تميم، فأسروه وجعلوا يغمسونه في الماء في الركبة ويقولون: ياأيها المانح دلوى دونكا حتى قتلوه، فغزاهم أخوه باعث بن صريم يوم حاجز، فاخذ ثمامة بن باعث ابن صريم رجلاً من بني أسيد وجيهاً فيهم فقتله، وقتل على الظنة مائة منهم.\rيوم الشقيق لبكر على تميم قال أبو عبيدة: أغار أبجر بن جابر العجلي على بني مالك بن حنظلة، فسبى سليمى بنت محصن، فولدت له أبجر، ففي ذلك يقول أبو النجم:\rولقد كررت على طهيه كرة ... حتى طرقت نساءها بمساء\rحرب البسوس وهي حرب بكر وتغلب ابني وائل قال أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب: لم تجتمع معد كلها إلا على ثلاثة من رؤساء العرب وهم: عامر بن الظرب بن عمرو بن بكر بن يشكر بن الحارث.\rوعامر هو قائد معد يوم البيداء حين تمدحجت مذحج وسارت إلى تهامة، وهي أول واقعة كانت بين تهامة واليمن.\rوالثاني: ربيعة بن الحارث بن مرة بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن كلب وهو قائد معد يوم السلان، وهو يوم كان بين أهل تهامة واليمن.","part":4,"page":199},{"id":1700,"text":"والثالث: كليب بن ربيعة، وهو الذي يقال فيه: أعز من كليب وائل، وقاد معداً كلها يوم خزاز، ففض جموع اليمن وهزمهم، واجتمعت عليه معد كلها جعلوا له قسم الملك وتاجه وتحيته وطاعته، فغبر بذلك حيناً من الدهر، ثم دخله زهو شديد وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى حماه ويقول: وحش أرض كذا في جواري فلا يهاج، ولا تورد إبل أحد مع إبله، ولا توقد نار مع ناره.\rوكانت بنو جشم وبنو شيبان في دار واحدة بتهامة، وكان كليب قد تزوج جليلة بنة مرة بن ذهل بن شيبان أخت جساس بن مرة، وكانت لها ناقة يقال لها: السراب، وبها يضرب المثل في التشاؤم، فيقال: أشأم من السراب وأشأم من البسوس وهي معقولة بفناء بيتها في جوار جساس بن مرة، فمرت بها إبل لكليب، فلما رأت السراب الإبل تازعث عقالها حتى قطعته، وتبعت فلما رآها أنكرها، فانترعها بسهم فحرم ضرعها، فنفرت وهي ترغو، فلما رأتها البسوس قذفت خمارها عن رأسها وصاحت: واذلاه! واجاراه.\rمقتل كليب وائل\rقال: فأجمشت جساساً، فركب فرساً له مغروراً به، وتبعه عمرو بن الحارث ابن ذهل بن شيبان على فرسه، ومعه رمحه، حتى دخلا على كليب الحمى، فطعنه جساس فقصم صلبه، وطعنه عمرو بن الحارث من خلفه فقطع قطنة، فوقع كليب وهو يفحص برجله وقال لجساس: أغثني بشربة من ماء، فقال له: تجاوزت شبيثاً والأحص، ففي ذلك يقول عمرو بن الأهتم:\rوإن كليباً كان يظلم قومه ... فأدركه مثل الذي تريان\rفلما حشاه الرمح كف ابن عمه ... تذكر ظلم الأهل أي أوان\rوقال لجساس أغثني بشربة ... وإلا فخير من رأيت مكاني\rفقال تجاوزت الأحص وماءه ... وبطن شبيث وهو غير زؤان\rوقال نابغة بني جعد:\rأبلغ عقالاً أن خطة داحس ... بكفيك فاستأخر لها أو تقدم\rكليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر ذنباً منك ضرج بالدم\rرمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهم\rوقال لجساس أغثني بشربة ... تدارك بها منا علي وانعم\rفقال تجاوزت الاحص وماءه ... وبطن شبيث وهو ذو متوسم\rقال: فلما قتل كليب ارتحلت بنو شيبان حتى نزلوا بماء يقال له النهي، وتشمر المهلهل أخو كليب - واسمه عدي بن ربيعة، وإنما قيل له المهلهل لأنه أول من هلهل الشعر، أي أرقه - فاستعد المهلهل لحرب بكر، وترك النساء والغزل، وحرم القمار والشراب، وجمع إليه قومه، فأرسل رجالاً منهم إلى بني شيبان يعذر إليهم فيما وقع من الأمر، فأتوا مرة بن ذهل بن شيبان وهو في نادي قومه، فقالوا له: إنكم أتيتم عظيماً بقتلكم كليباً بناب من الإبل، فقطعتم الرحم، وانتهكتم الحرمة، وإنا كرهنا العجلة عليكم دون الإعذار إليكم، ونحن نعرض عليكم حلالاً أربعاً، لكم فيها مخرج ولنا مقنع، قال مرة: ما هي؟ قالوا: تحيي لنا كليباً أو تدفع لنا جساساً قاتله فنقتله به، أو هماماً فإنه كفء له، أو تمكننا من نفسك فإن فيك وفاء من دمه، فقال: أما إحيائي كليباً فهذا ما لا يكون. وأما جساس فإنه غلام طعن طعنةً على عجل ثم ركب فرسه فلا أدري أي البلاد احتوت عليه. وأما همام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة، كلهم فرسان قومهم فلن يسلموه لي فأدفعه إليكم يقتل بجريرة غيره، وأما أنا فما هو إلا أن تجول الخيل جولة غداً فأكون أول قتيل بينهما، فما أتعجل من الموت، ولكن لكم عندي خصلتان: أما إحداهما فهؤلاء بني الباقون فعلقوا في عنق أيهم شئتم تسعة فانطلقوا به إلى رجالكم فاذبحوه ذبح الجزور وإلا فألف ناقة سوداء المقل أقيم لكم بها كفيلاً من بكر بن وائل، فغضب القوم وقالوا: لقد أسأت، تبذل لنا صغار ولدك وتسومنا اللبن من دم كليب.\rووقعت الحرب بينهم، ولحقت جليلة زوجة كليب بأبيها وقومها، واعتزلت قبائل بكر بن وائل، وكرهوا مجامعة بني شيبان ومساعدتهم على قتال إخوتهم، وأعظموا قتل جساس كليباً بناب من الإبل، فظعنت لجيم عنهم، وكفت يشكر عن نصرتهم، وانقبض الحارث بن عباد في أهل بيته، وهو أبو بجير وفارس النعامة. وقال المهلهل يرثي كليباً من أبيات:\rبات ليلي بالأنعمين طويلاً ... أرقب النجم ساهراً أن يزولا","part":4,"page":200},{"id":1701,"text":"كيف اهدي ولا يزال قتيل ... من بني وائل ينسى قتيلا\rفي قصيدة طويلة.\rوقال أيضاً يرثيه من أخرى:\rنعى النعاة كليباً لي فقلت لهم ... مالت بنا الأرض أو زالت رواسيها\rالقائد الخيل تردى في أعنتها ... زهواً إذا الخيل لجت في تعاديها\rمن خيل تغلب ما تلقى أسنتها ... إلا وقد خضبوها من أعاديها\rيهزهزون من الخطى مدمجة ... كمناً أنابيبها زرقاً عواليها\rترى الرماح بأيدينا فتوردها ... بيضاً ونصدرها حمراً أعاليها\rلا أصلح الله يوماً من يصالحكم ... ما لاحت الشمس في أعلى مجاريها\rيوم النهي فالتقوا بماء يقال له: النهي، كانت بنو شيبان نازلة عليه، ورئيس تغلب المهلهل، ورئيس شيبان الحارث بن مرة، فكانت الدائرة لبني تغلب، ولم يقتل في ذلك اليوم أحد من بني مرة.\rيوم الذنائب ثم التقوا بالذنائب، وهي أعظم وقعة كانت لهم، فظفرت بنو تغلب وقتل من بكر مقتلة عظيمة، وفيه قتل شراحيل بن مرة بن همام بن مرة بن شيبان، وهو جد الحوفزان، قتله عتاب بن سعد بن زهير بن جشم، وقتل من بني ذهل بن ثعلبة عمرو بن سدوس بن شيبان، وقتل من بني قيس بن ثعلبة سعد بن ضبيعة بن قيس وتيم بن قيس بن ثعلبة، وهو أحد الحرقيين، وكان شيخاً كبيراً، فحمل في هودج، فلحقه عمرو بن مالك بن الفدوكس بن جشم فقتله.\rيوم واردات ثم التقوا يوم واردات وعليهم رؤساؤهم الذين تقدم ذكرهم، فظفرت بنو تغلب، واستحر القتل في بني بكر، فيومئذ قال الشعثمان: شعثم وعبد شمس ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة وسيار بن الحارث بن سيار، وفيه قتل همام ابن مرة أخو جساس لأبويه، فمر به مهلهل مقتولاً فقال: والله ما قتل بعد كليب قتيل أعز علي فقداً منك يوم عنيزة.\rيوم عنيزة ثم التقوا بعنيزة، فظفرت بنو تغلب، ثم كانت بينهم معاودة ووقائع كثيرة كل ذلك كانت الدائرة فيها لبني اغلب على بني بكر، فمنها يوم الحنو، ويوم عويرضات، ويوم أنين، ويوم ضرية، ويوم القمصيبات، كلها لتغلب على بكر، أصيبت فيها بكر حتى ظنوا أن لن يستقبلوا أمرهم.\rوقال المهلهل يصف هذه الأيام وينعاها على بكر في قصيدة طويلة أولها:\rأليلتنا بذي حسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري\rفإن يك بالذئائب طال ليلي ... فقد أبكى من الليل القصير\rفلو نبش المقابر عن كليب ... لأخبر بالذئائب أي زير\rوإني قد تركت بواردات ... بجيراً في دم مثل العبير\rهتكت به بيوت بني عباد ... وبعض القتل أشفى للصدور\rعلى أن ليس عدلاً من كليب ... إذا برزت مخبأة الخدور\rوقال المهلهل أيضاً وقد أشرف في الدماء:\rأكثرت قتل بني بكر بربهم ... حتى بكيت وما يبكي لهم أحد\rآليت بالله لا أرضى بقتلهم ... حتى أبهرج بكراً أينما وجدوا\rأبهرج: أي أدعهم بهرجاً، لا يقتل بهم قتيل، ولا تؤخذ بهم دية.\rوقال أيضاً:\rقتلوا كليباً ثم قالوا أربعون ... كذبوا ورب الحل والإحرام\rحتى تبيد قبيلة وقبيلة ... ويعض كل مثقف بالهام\rويقمن ربات الخدور حواسراً ... يمسحن عرض ذوائب الأيتام\rحتى يعض الشيخ بعد حميمه ... مما يرى ندماً إلى إبهام\rيوم قضة قال: ثم إن المهلهل أسرف في القتل ولم يبال بأي قبيلة من قبائل بكر وقع، وكانت أكثر بكر قعدت عن نصرة بني شيبان لقتلهم كليباً، وكان الحارث بن عباد قد اعتزل تلك الحروب، حتى قتل ابنه بجير بن الحارث بن عباد، فلما بلغه قتله قال: نعم القتيل أصلح بين ابني وائل، وظن أن المهلهل قد أدرك به ثأر كليب وجعله مفؤاً له، فقيل له: إنما قتله بشسع نعل كليب. وكان المهلهل قال لما قتل بجير بن الحارث: بؤ بشسع نعل كليب، فلما سمع الحارث ذلك غضب، وكان له فرس يقال له النعامة، فركبها وتولى قتال تغلب بنفسه، فكانت الدائرة فيه على تغلب، فتفرقت قبائل تغلب وهرب المهلهل. وقال الحارث بن عباد:","part":4,"page":201},{"id":1702,"text":"قوبا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيالي\rقربا مربط النعامة مني ... شاب رأسي وأنكرتني رجالي\rلم أكن من جناتها علم الل ... ه وإني بحرها اليوم صال\rفي قصيدة طويلة نحو المائة بيت كرر فيها: قربا مربط النعامة مني في خمسين بيتاً وكان أول يوم شهده الحارث يوم قضة، وهو يوم تحلاق اللمم، وفيه يقول طرفة:\rسائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا يوم تحلاق اللمم\rيوم تبدي البيض عن أسوقها ... وتلف الخيل أعراج النعم\rيوم تحلاق اللمم ويوم تحلاق اللمم، إنما سمى بذلك لأن الحارث بن عباد لما تولى الحرب قال لقومه: احملوا معكم نساءكم يكن من ورائكم، فإذا وجدن جريحاً منهم قتلوه، وإذا وجدن جريحاً منا سقينه وأطعمنه، فقالوا: ومن أين يتميز لهن؟ فقال: احلقوا رءوسكم لتمتازوا بذلك، فعلوا، فسمى به، فقال جحدر بن ضبيعة - وكان من شجعانهم - : اتركوا لمتي وأقتل لكم أول فارس يقدمهم، فتركوه، وهو الذي قتل عمراً وعامراً التغلبيان، كعن أحدهما بسنان رمحه، والآخر بزجه، ثم صرع بعد ذلك، فلما رأته نساء بكر دون حلق ظنوه من تغلب فأجهزوا عليه.\rوفي هذا اليوم أسر الحارث بن عباد المهلهل عدي بن ربيعة وهو لا يعرفه فقال له: دلني على عدي وأخلي عنك، فقال له عدي: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال نعم، قال فأنا عدي، فجز ناصيته وتركه وقال فيه:\rلهف نفسي على عدي ولم أع ... رف عدياً إذ أمكنتني اليدان\rوكان الحارث آلى ألا يصالح نغلباً حتى تكلمه الأرض، فلما كثرت وقائعه في تغلب ورأت أنها ما تقوم له حفروا سرباً تحت الأرض وأدخلوا فيه رجلاً وقالوا له: إذا مر بك الحارث فغن بهذا البيت:\rأبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض\rفلما مر الحارث اندفع الرجل وغنى بالبيت، فقيل للحارث قد بر بقسمك فابق بقية قومك، فأمسك، فاصطلحت بكر وتغلب.\rثم إن المهلهل فر بنفسه فنزل بمذحج في بني جنب، فخطبوا إليه ابنته، وقيل أخته، فمنعهم، فاجبروه على تزويجها وساقوا إليه جلوداً من أدم، فقال في ذلك:\rأعزز على تغلب بما لقيت ... أخت بني الأكرمين من جشم\rأنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الخباء من أدم\rلو بأبانين جاء يخطبها ... ضرج ما أنف خاطب بدم\rليسوا بأكفائنا الكرام ولا ... يغنون في ذلة ولا عدم\rثم اشترى المهلهل عبدين يغزوان معه، فغزا بهما حتى طال عليهما ذلك، فاختارا الراحة منه، فاجمعا على قتله بموضع قفر، فلما شعر بما هما به ولم ير لنفسه ملجأ قال لهما: أبلغا عني هذه المراسلة، فقالا هات، فقال:\rمن مبلغ عني بأن مهلهلاً ... لله دركما ودر أبيكما\rفلما قتلاه وانصرفا نحو بيته فقالا: مات بأرض كذا وذكرا وصيته، فلم يدر أحد ما أراد، فقالت ابنته: والله ما كان أبي ردي الشعر، ولا سفساف الكلام، وإنما أراد أن يخبركم أن العبدين قتلاه، وإنما معنى البيت:\rمن مبلغ عني بأن مهلهلاً ... أضحى قتيلاً بالفلا مجدلا\rلله دركما ودر أبيكما ... لا يبرح العبدان حتى يقتلا\rفقتل العبدان بعد أن أقرا بذلك. وقيل: إنه أصبح قتيلاً بين رجلي جمل هاج. والله تعالى أعلم بالصواب.\rالكلاب الأول قال أبو عبيدة: لما تسافهت بكر بن وائل وغلبها سفهاؤها، وتقاطعت أرحامها؛ ارتأى رؤساؤهم فقالوا: إن سفهاءنا قد غلبوا على أمرنا، فأكل القوي الضغيف، فنرى أن نملك علينا ملكاً نعطيه الشاة والبعير، فيأخذ للضعيف من القوي، ويرد على المظلوم من الظالم، ولا يمكن أن يكون من بعض قبائلنا فيأباه الآخرون، فيفسد ذات بيننا، ولكننا نأتي تبعاً فنملكه علينا، فأتوه فذكروا له أمرهم فملك عليهم الحارث بن عمرو آكل المرار الكندي، فقدم فنزل بطن عاقل.","part":4,"page":202},{"id":1703,"text":"ثم غزا ببكر بن وائل حتى انتزع عامة ما في أيدي ملوك الحيرة اللخميين، وملوك الشام الغسانيين، وردهم إلى أقاصي أعمالهم، ثم طعن في نيطة فمات فدفن ببطن عاقل. واختلف ابناه شرحبيل وسلمة في الملك، فتواعدا الكلاب، فأقبل شرحبيل في ضبة والرباب كلها، وبني يربوع، وبكر بن وائل. وأقبل سلمة في تغلب والنمر وبهراء ومن تبعه من بني مالك بن حنظلة، وعليهم سفيان بن مجاشع، وعلى تغلب السفاح، وإنما قيل له السفاح لأنه سفح أوعية قومه وقال لهم: اندروا إلى ماء الكلاب، فسبقوا ونزلوا عليه، وإنما خرجت بكر مع شرحبيل لعداوتها لبني تغلب، فالتقوا على الكلاب، واستحر القتل في بني يربوع، وشد أبو حنش على شرحبيل فقتله، وكان شرحبيل قد قتل ابنه حنشاً، فأراد أبو حنش أن يأتي برأسه إلى سلمة، فخافه فبعثه مع عسيف له، فلما رآه سلمة دمعت عيناه وقال له: أنت قتلته؟ قال لا، ولكن قتله أبو حنش، إنما أدفع الثواب إلى قاتله، فهرب أبو حنش منه، فقال سلمة في ذلك:\rألا أبلغ أبا حنش رسولاً ... فمالك لا تجيء إلى الثواب\rتعلم أن خير الناس طراً ... قتيل بين أحجار الكلاب\rيوم الصفقة وهو يوم الكلاب الثاني قال أبوعبيدة: كان يوم الكلاب متصلاً بيوم الصفقة. وكان من حديث الصفقة أن كسرى كان قد أوقع ببني تميم، فأخذ الأموال وسبى الذراري بمدينة هجر، وذلك أنهم أغاروا على لطيمة له فيها مسك وعنبر وجوهر كثير، فسميت تلك الوقعة يوم الصفقة، ثم إن بني تميم أداروا أمرهم، وقال ذو الحجى منهم: إنكم قد أغضبتم الملك، وقد أوقع بكم حتى وهنتم، وتسامعت بما لقيتم القبائل، ولا تأمنون دوران العرب.\rفجمعوا سبعة من رؤسائهم وشاوروهم في أمرهم، وهم: أكثم بن صيفي الأسدي، والاحيمر بن يزيد بن مرة المازني، وقيس بن عاصم المنقري، وأبير بن عصمة التيمي، والنعمان بن جساس التيمي، وأبين بن عمرو السعدي، والزبرقان بن بدر السعدي فقالوا لهم: ماذا ترون؟ فقال أكثم بن صيفي، وكان يكنى أبا حنش: إن الناس قد بلغهم ما لقينا، ونخاف أن يطمعوا فينا، وإني قد نيفت على التسعين، وقد نحل قلبي كما نحل جسمي، وأخاف ألا يدرك ذهني الرأي لكم، فليعرض علي كل رجل منكم رأيه وما يحضره فإني متى أسمع الحزم أعرفه، فقال كل منهم ما عنده، وأكثم ساكت لا يتكلم، حتى قام النعمان بن الجساس فقال: يا قوم، أنظروا ماءً يجمعكم ولا يعلم الناس بأي ماء أنتم حتى تنفرج الحلقة عنكم، وقد صلحت أحوالكم، وانجبر كسيركم، وقوى ضعيفكم، ولا أعلم ماءً يجمعكم إلا قدة، فقال أكثم: هذا هو الرأي، فارتحلوا حتى نزلوا الكلاب، وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم، وأعلاه مما يلي اليمن، وأسفله مما يلي العراق. فنزلت سعد والرباب بأعلى الوادي، ونزلت حنظلة بأسفله.\rقال: وكانوا لا يخافون أن يغزوا في القيظ، لبعد تلك الصحارى وشدة الحر بها وقلة المياه، فأقاموا بقية القيظ لا يعلم أحد بمكانهم، حتى إذا تهور القيظ بعث الله ذا العيينتين، وهو من أهل مدينة هجر، فمر بقدة وصحاريها، فرأى ما بها من النعم، فانطلق حتى أتى أهل هجر فقال: هل لكم في جارية عذراء، ومهرة شوهاء، وبكرة حمراء، ليس دونها نكبة؟ قالوا: ومن لنا بذلك؟ قال: تلكم تميم ألقاء مطروحون بقدة. فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: اغتنموها من بني تميم.\rفأخرجوا معهم أربعة أملاك بقال لهم اليزيدون: يزيد بن هوبر، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المأموم، ويزيد بن المخرم، وهم كلهم حارثيون ومعهم عبد يغوث الحارثي، وكان كل واحد منهم على ألفين، فمضوا حتى إذا كانوا ببلاد باهلة قال جرير بن جزء الباهلي لابنه: يا بني، هل لك في أكرومة لا يصاب أبداً مثلها؟ قال: وما ذلك؟ قال: هذا الحي من تميم قد لجاوا ها هنا مخافة كسرى، وقد قصصت أثر الجيش يريدونهم، فأركب جملي الأرحبي، وسرسيراً رويداً عقبة من الليل، ثم حل عنه حبليه وأنحه وتوسد ذراعه، فإذا سمعته قد أفاض يجرته وبال فاستنقعت ثفناته في بوله، فشد حبليه ثم ضع السوط عليه، فإنك لا تسال جملك شيئاً من السير إلا أعطاكه حتى تصبح القوم. ففعل ما أمره به.","part":4,"page":203},{"id":1704,"text":"قال الباهلي: فحللت بالكلاب قبل الجيش فناديت: يا صباحاه! فإنهم ليثبون إلي ليسألوني من أنت؟ إذ أقبل رجل منهم من بني شقيق على مهر قد كان في النعم فنادى: يا صباحاه، قد أتى على النعم، ثم كر راجعاً نحو الجيش، فلقيه عبد يغوث الحارثي وهو أول الرعيل، فطعنه في رأس معدته فسبق اللبن الدم، فقال عبد يغوث: أطيعوني وامضوا بالنعم وخلوا العجائز من تميم ساقطة أفواهها، فقالوا: أما دون أن تنكح بناتهم فلا.\rوقال ضمرة بن لبيد الحماسي ثم المذحجي الكاهن: أنظروا إذا سقتم النعم فإن أتتكم الخيل عصباً عصباً تنتظر العصبة أن تنتظم الأخرى حتى تلتحق بها فإن أمر القوم هين، وإن لحق بكم القوم ولم ينتظر بعضهم بعضاً حتى يردوا وجوه النعم فإن أمرهم شديد.\rوتقدمت سعد والرباب في أوائل الخيل والتقوا بالقوم فلم يلتفتوا إليهم، واستقبلوا النعم ولم ينتظر بعضهم بعضاً. ورئيس الرباب النعمان بن الجساس ورئيس بني سعد قيس بن عاصم، فالتقى القوم، فكان النعمان أول صريع، واقتتل الفريقان حتى حجز بينهم الليل، ثم أصبحوا على راياتهم، فنادى قيس بن عاصم: يا آل سعد! يريد سعد بن زيد، ونادى عبد يغوث: يا آل سعد! يريد سعد العشيرة، فلما سمع قيس ذلك نادى: يا آل كعب! يريد كعب بن سعد، ونادى عبد يغوث: يا آل كعب! يريد كعب بن عمرو، فلما رأى ذلك نادى يا آل مقاعس! فلما سمع وعلة ابن عبد الله الجرمي - وكان صاحب لواء أهل اليمن - نادى: يا آل مقاعس، تفاءل بع فطرح له اللواء، وكان أول من انهزم، فحملت عليهم سعد والرباب فهزموهم، ونادى قيس بن عاصم: يا آل تميم، لا تقتلوا إلا فارساً فإن الرجالة لكم، ثم جعل يرتجز ويقول:\rلما تولوا عصباً شوازباً ... أقسمت لا أطعن إلا راكباً\rإني وجدت الطعن فيهم صائباً وأمر قيس بت عاصم أن يتبعوا المنهزمة، ويعرقبوا من لحقوه، ولا يشتغلوا بالقتل عن أتباعهم، فخروا دوابرهم، وفي ذلك يقول وعلة:\rفدي لكم أهلي وأمي ووالدي ... غداة كلاب إذ تحز الدوابر\rوأسر عبد يغوت، أسره مصاد بن ربيعة بن الحارث وكتفه وأردفه خلفه،وكان مصاد قد أصابته طعنة في مأبضه، وكان عرقه يهمى، فنزفه الدم، فمال عن فرسه مقلوبا. فلما رأى ذلك عبد يغوث قطع كتافه وأجهز عليه وانطلق على فرسه، وذلك أول النهار، ثم ظفر به بعد في آخره، ونادى مناد: قتل اليزيدون، وشد قبيصة بن ضرار الضبي على ضمرة بن لبيد الحماسي الكاهن فطعنه فخر صريعاً، فقال له قبيصة: ألا أنبأك تابعك بمصرعك اليوم، ثم أسر عبد يغوث، أسره عصمة بن أبير التيمي.\rقال أبوعبيدة: انتهى عصمة بن أبير إلى مصاد فوجده صريعاً، وكان قبل ذلك رأى عبد يغوث أسيراً في يديه، فعلم أنه الذي أجهز عليه فاقتص أثره فلحقه وقال: ويحك! إني رجل أحب اللين، وأنا خير لك من الفلاة والعطش. قال: ومن أنت؟ قال: عصمة بن أبير، فانطلق به عصمة حتى جثاه عند الأهتم على أن جعل له من فدائه جعلا، فتركه الأهتم عند امرأته العبشمية، فأعجبها جماله وكمال خلقته، وكان عصمة الذي أسره غلاماً نحيفاً، فقالت له: من أنت؟ قال: أنا سيد القوم، فضحكت وقالت: قبحك الله سيد قوم حين أسرك مثل هذا، ففي ذلك يقول عبد يغوث:\rوتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانيا\rفاجتمعت الرباب إلىالاهتم وقالت: ثأرنا عندك، وقد قتل مصاد والنعمان فأخرجه إلينا، فأبى الأهتم أن يخرجه إليهم، فكاد أن يكون بين الحيين: الرباب وسعد، فتنة حتى أقبل قيس بن عاصم المنقري فقال: أيؤتى قطع حلف الرباب من قبلنا؟ فضرب فاه بقوس فهتمه، فسمى الأهتم، فقال الأهتم: إنما دفعه إلى عصمة ابن أبير، ولا أدفعه إلا لمن دفعه إلي، فليجئ فيأخذه، فأتوا عصمة فقالوا: يا عصمة، قتل سيدنا النعمان وفارسنا مصاد، وثأرنا أسيرك، فما كان ينبغي لك أن تستحييه! فقال: إني ممعل وقد أصبت الغني، ولا تطيب نفسي على أسيري، فاشتراه بنو جساس بمائة بعير، فدفعه إليهم، فخشوا أن يهجرهم، فشدوا على لسانه تسعة، فقال: إنكم قاتلي لا محالة، فدعوني أذم أصحابي وأنوح على نفسي! فقالوا: إنك شاعر ونخاف أن تهجونا، فعقد لهم ألا يفعل، فأطلقوا لسانه، فقال قصيدته التي أولها:\rألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا ... فما لكما في اللوم خير ولا ليا\rومنها:","part":4,"page":204},{"id":1705,"text":"أقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا لي لسانيا\rأمعشر تيم قد ملكتم فأسجعوا ... فإن أسارى لم يكن من توانيا\rوقد علمت عرسي مليكه أنني ... أنا الليث معديا عليه وعاديا\rومنها:\rكأني لم أركب جواداً ولم أقل ... لخبلي كرى قاتلي عن رجاليا\rولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لأيسار صدق أعظموا ضوء ناريا\rقال: فلما ضربت عنقه قالت ابنة مصاد: بؤ بمصاد! فقال بنو النعمان: يالكاع! نحن نشتريه ونبؤ بمصاد، فوقع بينهم، في ذلك الشر، ثم اصطلحوا.\rيوم طخفة قال: كانت الرفادة، وقيل الردافة، ردافة الملوك لعتاب بن هرمي بن رياح، ثم كانت لقيس بن عتاب، فسأل حاجب بن زرارة النعمان أن يجعلها للحارث بن مرط بن سفيان بن مجاشع، فسألها النعمان بني يربوع وقال: أعقبوا إخوتكم في الرفادة، قالوا: إنهم لا حاجة لهم فيها، وإنما سألها حاجب جسداً لنا وأبوا عليه، فقال الحارث بن شهاب وهو عند النعمان: إن بني يربوع لا يسلمون ردافتهم إلى غيرهم. وقال حاجب: إن بعث الملك إليهم جيشاً لم يمنعوه ولم يمتنعوا. فبعث النعمان إليهم قابوساً ابنه، وحسان بن المنذر؛ فكان قابوس على الناس، وحسان على المقدمة، وبعث معهم الصنائع والوضائع - فالصنائع: من كان يأتيه من العرب، والوضائع: المقيمون بالحيرة - فالتقوا بطخفة ، فانهزم قابوس ومن معه، وضرب طارق بن عميرة فرس قابوس فعقره، وأخذه ليجز ناصيته، فقال قابوس: إن الملوك لا تجز نواصيها، فجهزه وأرسله إلى أبيه، وأما حسان بن المنذر فأسره بشر ابن عمرو الرياحي، ثم من عليه وأرسله، ففي ذلك يقول مالك بن نويرة:\rونحن عقرنا مهر قابوس بعدما ... رأى القوم منه الموت والخيل تلحب\rعليه دلاص ذات نسج وسيفه ... جزار من الهندي أبيض مقضب\rيوم فيف الريح قال أبو عبيدة: تجمعت قبائل مذحج وأكثرها بنو الحارث بن كعب، وقبائل من مراد وجعفي وزبيد وخثعم، وعليهم أنس بن مدرك، وعلى بني الحارث الحصين، فأغاروا على بني عامر بن صعصعة بطيف الريح، وعلى بني عامر، عامر بن مالك ملاعب الأسنة.\rقال: فاقتتل القوم، فكسروهم، وارفضت قبائل من بني عامر، وصبرت بنو نمير، وأقبل عامر بن الطفيل وخلفه دعى بني جعفر فقال: يا معشر الفتيان، من ضرب ضربة أو طعن طعنة فليشهدني فكان الفارس إذا ضرب ضربة أو طعن طعنة، قال عند ذلك: أبا علي، فبينما هو كذلك إذ أتاه مسهر بن يزيد الحارثي، فقال له من ورائه: عندك يا عامر والريح عند أذنه فوهصه - أي طعنه - ، فأصاب عينه، فوثب عامر عن فرسه ونجا على راحلته، وأخذ مسهر رمح عامر، ففي ذلك يقول عامر بن الطفيل من أبيات:\rلعمري وما عمري على بهين ... لقد شان حر الوجه طعنة مسهر\rوقال مسهر - وقد زعم أنهم أخذوا امرأة عامر - :\rوهصت بخرص الرمح مقلة عامر ... فأضحى نحيفاً في الفوارس أعورا\rوغادر فينا رمحه وسلاحه ... وأدبر يدعو في الهوالك جعفرا\rوكنا إذا قيسية ذهبت بنا ... جرى دمعها من عينها فتحدرا\rمخافة ما لاقت حليلة عامر ... من الشر إذ سربالها قد تعفرا\rقال: وكانت هذه الوقعة وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وأدرك مسهر بن يزيد الإسلام فأسلم.\rيوم زرود الأول","part":4,"page":205},{"id":1706,"text":"غزا الحوفزان حتى انتهى إلى زرود خلف جبل من جبالها، فأغاروا على نعم كثير لبني عبس فاجتازوها، وأتى الصريخ لبني عبس فركبوا، ولحق عمارة بن زياد العبسي الحوفزان فعرفه - وكانت أم عمارة قد أرضعت مضر بن شريك، وهو أخو الحوفزان - فقال: يا بني شريك، قد علمتم ما بيننا وبينكم، قال الحوفزان - وهو الحارث بن شريك - : صدقت يا عمارة، فانظر كل شيء هو لك فخذه، فقال عمارة: لقد علمت نساء بني بكر بن وائل أني لن أملا أيدي أزواجهن وأبنائهن شفقة عليهن من الموت، فحل عمارة ليعارض النعم ليرده، وحال الحوفزان بينه وبين النعم، فعثرت بعمارة فرسه فطعنه الحوفزان، وطعنه نعامة بن عبد الله بن شريك: وأسر ابنا عمارة: سنان وشداد، وكان في بني عبس رجلان من طيء: ابنان لأوس ابن حارثة، مجاورين لهم، وكان لهما أخ أسير في بني يشكر، فلما فقدته بنو شيبان نادوا: يا ثارات معدان! فعند ذلك قتلوا إبني عمارة وهرب الطائيان بأسيرهما. فلما برئ عمارة من جراحه أتى طيئاً فقال: ادفعوا إلي هذا الكلب الذي قتلنا به، فقال الطائي لأوس: ادفع إلى بني عبس صاحبهم، فقال لهم: تأمرنني أن أعطي بني عبس قطرة من دمي، وإن ابني أسير في بني يشكر؟ فوالله ما أرجو فكاكه إلا بهذا. فلما قفل الحوفزان من غزوه بعث إلى بني يشكر في ابن أوس، فبعثوا به إليه، فافتدى به معدان، وقال نعامة بن شريك:\rاستنزلت رماحنا سنانا ... وشيخنا بطخفة عنانا\rثم أخوه قد رأى هوانا ... لما فقدنا بيننا معدانا\rيوم غول الأول وهو يوم كنهل قال أبو عبيدة: أقبل ابنا هجيمة - وهما من غسان - في جيش فنزلا في بني يربوع، فجاورا طارق بن عوف بن عاصم بن ثعلبة بن يربوع، فنزلا معه على ماء يقال له: كنهل، فأغار أناس من ثعلبة بن يربوع، فاستاقوا نعمهما وأسروا من كان في النعم، فركب قيس بن هجيمة بخيله حتى أدرك بني ثعلبة، فكر عليه عتيبة بن الحارث، فقال له قيس: عل لك يا عتيبة إلى البراز؟ قال، ما كنت لأسأله وأدعه، فبارزه، قال عتيبة: فما رأيت فارساً أملأ لعيني منه، فطعنني فأصاب قربوس سرجي، حتى وجدت مس السنان في باطن فخذي، ثم أرسل الرمح وهو يرى أن قد أثبتني وانصرف فأتبعته الفرس، فلما سمع زجلها رجع جانحا على قربوس سرجه، وبدا لي فرج الدرع فطعنته بالرمح، فقتلته وانصرفت فلحقت النعم، وأقبل الهرماس بن هجيمة فوقف على أخيه قتيلاً، ثم ابتغى فقال: هل لك في البراز؟ فقلت: لعل الرجعة خير لك، قال: أبعد قيس؟ ثم شد علي وضربني على البيضة، فخلص السيف إلى رأسي، فضربته، فقتله فقال جرير:\rوساق ابني هجيمة يوم غول ... إلى أسيافنا قدر الحمام\rيوم الجبابات قال أبو عبيدة: خرج بنو ثعلبة بن يربوع فمروا بناس من طوائف بكر بن وائل بالجبابات، خرجوا سفارا، فنزلوا وسرحوا إبلهم ترعى، وفيها نفر منهم يرعونها، منهم: سوادة بن يزيد بن بجير العجلي، ورجل من بني شيبان، وكان محموماً، فمرت بنو ثعلبة بن يربوع بالإبل فاطردوها وأخذوا الرجلين من بني شيبان، فسألوهما: من معكما؟ قالا: معنا شيخ من يزيد بن بجير العجلي في عصابة من بكر بن وائل خرجوا سفارا يريدون البحرين، فقال الربيع ودعموص ابنا عتيبة بن الحارث بن شهاب: أنذهب بهذين الرجلين وهذه الإبل ولم يعلموا من أخذها، ارجعوا بنا حتى يعلموا من أخذ إبلهم وصاحبهم لنعينهم بذلك، فقال عميرة لهما: ما وراءكما إلا شيخ ابن يزيد قد أخذتما أخاه وأطردتما إبله دعاه، فأبيا ورجعا إليه وأخبراهم وتسميا لهم، فركب شيخ ابن يزيد فاتبعهما وقد وليا، فلحق دعموصا فأسره، ومضى ربيع حتى أتى عميرة فأخبره أن أخاه قد قتل، فرجع على فرس له يقال لها الخنساء حتى لحق القوم، فافتك منهم دعموصًا على أن، يرد عليهم أخاهم وإبلهم، فردها إليهم، فكفر بنو عتيبة ولم يشكروا عميرة، فقال عميرة في ذلك:\rألم ترد دعموصا يصد بوجهه ... إذا ما رآني مقبلاً لم يسلم\rألم تعلما يا ابني عتيبة مقدمي ... على ساقط بين الأسنة مسلم\rفعارضت فيه القوم حتى انتزعته ... جهاراً ولم أنظر له بالتلوم\rيوم الشعب","part":4,"page":206},{"id":1707,"text":"غزا قيس بن شرقاء التغلبي، فأغار على بني يربوع بالشعب، فاقتتلوا، فانهزمت بنو يربوع، فأسر سحيم بن وثيل الرياحي، فقال سحيم في ذلك:\rأقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ... ألم تعلموا أني ابن فارس زهدم\rففدى نفسه وأسر أيضاً متمم بن نويرة، فوفد مالك بن نويرة على قيس بن شرقاء في فدائه فقال:\rهل أنت يا قيس بن شرقاء منعم ... أو الجهد إن أعطيته أنت قابله\rفلما رأى وسامته قال: بل منعم، فأطلقه له.\rيوم غول الثاني فيه قتل طريف شراحيل وعمرو بن مرثد المحلمي غزا طريف بن هشيم في بني العنبر بن تميم فأغار على بكر بن وائل بغول، فاقتتلوا، ثم إن بكراً انهزمت، فقتل طريف شراحيل أحد بني ربيعة، وقتل أيضاً عمرو بن مرثد ، وقتل المجشر.\rيوم الخندمة كان رجل من مشركي قريش يحد حربة يوم فتح مكة، فقالت له امرأته: ما تصنع بهذه؟ قال: أعددتها لمحمد وأصحابه! فقالت له: ما أرى أنه يقوم لمحمد وأصحابه شيء فقال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعض نسائهم، وأنشأ يقول:\rإن يقبلوا اليوم فما لي علة ... هذا سلاح كامل واله\rوذو غرارين سريع السله فلما لقبهم خالد بن الوليد يوم الخندمة انهزم الرجل لا يلوي على شيء فلامته امرأته في ذلك، فقال:\rإنك لو شهدت يوم الخندمة ... إذ فر صفوان وفر عكرمة\rلقيتنا بالسيوف المسلمة ... يفلقن كل ساعد وجمجمة\rضربا فلا تسمع إلا غمغمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه\rوهذه القصة تذكرها - إن شاء الله - في أثناء السيرة النبوية في يوم فتح مكة.\rيوم اللهيماء قال أبو عبيدة: كان سبب الحرب التي كانت بين عمرو بن الحارث بن تميم ابن سعد بن هذيل، وبين عمرو بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناة، أن قيس بن عامر بن غريب أخا بني عمرو بن عدي وأخاه سالماً، خرجا يريدان بني عمرو بن الحارث، على فرسين، يقال لأحدهما: اللعاب، والآخر: غفزر، فباتا عند رجل من بني نفاثة، فقال النفاثي لقيس وأخيه، أطيعاني وارجعا، لأعرفن رماحكما تكسر في قتاد نعمان، قالا: إن رماحنا لا تكسر إلا في صدور الرجال! قال: لا يضركما؛ وستحمدان أمري، فأصبحا غاديين. فلما شارفا متن اللهيماء من نمان، وبنو عمرو بن الحارث فويق ذلك بموضع يقال له أديمة، وأغارا على غنم لجندب بن أبي أعيبس، وفيها جندب، فتقدم إليه قيس، فرماه جندب على حلمة ثديه وبعجه قيس بالسيف فأصابت ضبة السيف وجه جندب، وحز قيس ونفرت الغنم نحو الدار فتبعها وحمل سالم على جندب بفرسه عفرز، فضرب جندب خطم الفرس بالسيف فقطعه، وضربه سالم بالسيف فقطع إحدى ثدييه، فخر جندب ووقف عليه سالم، وأدرك العشي سالماً، فخرج وترك سيفه في المعركة وثوبه بحقويه، ولم ينج إلا بحفن سيفه ومئزره فقال حذيفة بن أنيس في ذلك من أبيات:\rكشفت غطاء الحرب لما رأيتها ... تميل على صفو من الليل أعسرا\rأخو الحرب إن عصت به الحرب عضها ... وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا\rويمشي إذا ما الموت كان أمامه ... كذا الشبل يحمي الأنف أن يتأخرا\rنجا سالم والنفس منه بشرقة ... ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا\rوطاب عن اللعاب نفساً ورمة ... وغادر قيساً في المكر وعفزرا\rيوم خزار","part":4,"page":207},{"id":1708,"text":"قال أبو عبيدة: تنازع عامر ومسمع ابنا عبد الملك، وخالد بن جبلة، وإبراهيم بن محمد بن نوح العطاردي، وغسان بن عبد الحميد، وعبد الله بن سالم الباهلي، ونفر من وجوه أهل البصرة كانوا بتجالسون يوم الجمعة ويتفاخرون ويتنازعون في الرياسة يوم خزار. فقال خالد بن جبلة: كان الأحوص ابن جعفر الرئيس. وقال عامر ومسمع: كان الرئيس كليب وائل. وقال ابن نوح: كان الرئيس زرارة بن عدس، وهذا في مجلس أبي عمرو بن العلا، فتحاكموا إليه فقال: ما شهدها عامر بن صعصعة، ولا دارم بن مالك، ولا جشم بن بكر، اليوم أقدم من ذلك، غير أن أهل اليمن كان الرجل منهم يجيء ومعه كاتب وطنفسة بقمد عليها، فيأخذ من أموال نزار ما شاء، كعمال صدقاتهم اليوم، وكان أول يوم امتنعت معد عن الملوك: ملوك حمير، وكانت نزار لم تكثر بعد، فأوقدوا ناراً على خزاز ثلاث ليال، ودخنوا ثلاثة أيام، فقيل له: ما الخزاز؟ قال: هو جبل قريب من أمرة على يسار الطريق خلفه صحراء منعج، ففي ذلك اليوم امتنعت نزار من أهل اليمن، قال عمرو بن كلثوم:\rونحن غداة أوقد في خزار ... رفدنا فوق رفد الرافدينا\rفكا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو أبينا\rفصالوا صولة فيمن يليهم ... وصلنا صولة فيمن يلينا\rفآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا\rقال أبو عمرو بن العلاء: ولو كان جده كليب وائل قائدهم ورئيسهم ما ادعى الرفادة وترك الرياسة.\rيوم النسار قال أبو عبيدة: تحالفت أسد وطيئ وغطفان، ولحقت بهم ضبة وعدي، فغزوا بني عامر فقتلوهم قتلاً شديداً، فغضبت بنو تميم لمقتل بني عامر، فتجمعوا حتى لحقوا طيئاً وغطفان وحلفاءهم من ضبة وعدي يوم الفجار، فقتلت تميم طيئاً اشد مما قتلت عامر يوم النسار، فقال بشر بن أبي خازم:\rغضبت تميم أن تقتل عامر ... يوم النسار فأعقبوا بالصيلم\rيوم ذات الشقوق قال: فحلف ضمرة بن ضمرة النهشلي وقال: الخمر علي حرام حتى يكون لنا يوم يكافئه، فأغار عليهم يوم ذات الشقوق فقتلهم وقال في ذلك:\rالآن ساغ لي الشراب ولم أكن ... آتى الفجار ولا اشد تكلمي\rحتى صبحت على الشقوق بغارة ... كالتمر تنثر في جرين الجرم\rوأفأت يوماً بالحفار بمثله ... وأجزت نصفاً من حديث الموسم\rومشت نساء كالنساء عواطلا ... من بين عارفة النساء وأيم\rذهب الرماح بزوجها فتركنه ... في صدر معتدل القناة مقوم\rيوم خو قال أبو عبيدة: أغارت بنو أسد على بني يربوع فاكتسحوا إبلهم، فأتى الصريخ الحي فلم يتلاحقوا إلا مساء بموضع يقال له خو، وكان ذؤاب بن ربيعة الأسدي على فرس أنثى، وكان عتيبة بن الحارث بن شهاب على حصان يستثنى ريح الألئي في سواد الليل ويتبعها، فلم يعلم عتيبة إلا وقد أقحم فرسه على ذؤاب ابن ربيعة، وعتيبة غافل لا يبصر ما بين يديه، فرآه ذؤاب فطعنه في نحره فقتله، ولحق الربيع بن عتيبة فشد على ذؤاب فأسره وهو لا يعلم أنه قاتل أبيه، فلم يزل عنده أسيراً حتى فاداه أبوه ربيعة بإبل قاطعه عليها، وتواعدا بسوق عكاظ في الأشهر الحرم أن يأتي هذا بالإبل وهذا بالأسير، فأقبل أبو ذؤاب بالإبل، وشغل لربيع بن عتيبة فلم يحضر سوق عكاظ، فظن ربيعة أبو ذؤاب أن ذؤابا قتل بعتيبة، فقال يرثيه:\rأبلغ قبائل جعفر مخصوصة ... ما إن أحاول جعفر بن كلاب\rإن المودة والهوادة بيننا ... خلق كسحق الريطة المنجاب\rولقد علمت على التجلد والأسى ... أن الرزية كان يوم ذؤاب\rإن يقتلوك فقد هتكت بيوتهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب\rبأحبهم فقدا على أعدائه ... وأشدهم فقداً على الأصحاب\rفلما بلغ إليهم الشعر قتلوا ذؤاب بن ربيعة.\rأيام الفجار الفجار الأول قال أبو عبيدة: أيام الفجار عدة، فأولها بين كنانة وهوازن. وكان الذي هاجه أن بدر بن معشر أحد بني عقال بن مليك ين ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة جعل له مجلساً بسوق عكاظ، وكان منيعاً في نفسه، فقام في المجلس وقام على رأسه قائم وأنشأ يقول:","part":4,"page":208},{"id":1709,"text":"نحن ينو مدركه بن خندف ... من يطعنوا في عينه لا يطرف\rومن يكونوا قومه يغطرف ... كأنهم لجة بحر مسدف\rقال: ومد رجله وقال: أنا أعز العرب، فمن زعم أنه أعز مني فليضربها، فضربها الأحيمر بن مازن أحد بني دهمان بن نضر بن معاوية، فأندرها من الركبة وقال: خذها إليك أيها المخندف! قال أبو عبيدة: إنما خرصها خريصية يسيرة وقال في ذلك:\rنحن بنو دهمان ذو التغطرف ... بحر لبحر زاخر لم ينزف\rنبني على الأحياء بالمعرف\rقال أبو عبيدة: فتحاور الحيان عند ذلك حتى كاد يكون بينهم قتال، ثم تراجعوا ورأوا أن الخطب يسير.\rالفجار الثاني قال: كان الفجار الثاني بين قريش وهوازن، وكان الذي هاجه أن فتية من قريش قعدوا إلى امرأة من بني عامر بن صعصعة وضيئة بسوق عكاظ. وقالوا: بل أطاف بها شباب من بني كنانة وعليها برقع فأعجبهم ما رأوا من هيئتها، فسألوها أن تسفر عن وجهها، فأبت عليهم، فاتى أحدهم، من خلفها فشد دبر درعها بشوكة إلى ظهرها وهي لا تدري، فلما قامت تقلص الدرع عن دبرها، فضحكوا وقالوا: منعتنا النظر إلى وجهها فقد رأينا دبرها، فنادت المرأة: يا آل عامر! فتحاور الناس، وكان بينهم قتال ودماء يسيرة، فحملها حرب بن أمية وأصلح بينهم.\rالفجار الثالث وهو بين كنانة وهوازن وكان الذي هاجه أن رجلاً من بني كنانة كان عليه دين لرجل من بني نضر بن معاوية، فأعدم الكناني، فوافى النضري بسوق عكاظ بقرد، فأوقفه في سوق عكاظ فقال: من يبيعني مثل هذا بما لي على فلان حتى أكثر في ذلك. وإنما فعل ذلك تعبيراً للكناني ولقومه، فمر به رجل من بني كنانة فضرب القرد بالسيف فقتله فهتف النضري: ياآل هوازن! وهتف الكناني: ياآل كنانة! فهاج الناس حتى كاد أن يكون بينهم قتال، ثم رأوا الخطب يسيرا فتراجعوا.\rقال أبو عبيدة: إنما سميت هذه الأيام بالفجار لأنها كانت في الأشهر الحرم، وهي الشهور التي يحرمونها، وهذه يقال لها أيام الفجار الأول.\rالفجار الآخر وهو بين قريش وكنانة كلها وبين هوازن وإنما هاجها البراض بقتله عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب، فأبت أن تقتل بعروة البراض لأن عروة سيد هوازن، والبراض خليع من بني كنانة، وأرادوا أن يقتله سيداً من قريش.\rوهذه الحرب كانت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بست وعشرين سنة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كنت أنبل على أعمامي يوم الفجار وأنا ابن أربع عشرة سنة \" يعني أناولهم النبل.\rوكان سبب هذه لحرب أن النعمان بن المنذر اللخمي ملك الحيرة كان يبعث إلى سوق عكاظ في كل عام لطيمة في جوار رجل شريف من أشراف العرب يجيرها له، حتى تباع هنالك ويشتري له بها من أدم الطائف ما يحتاج إليه. وكانت سوق عكاظ تقوم في أول يوم من ذي القعدة، فيتسوقون إلى حضور الحجج، ثم يحجون، فجهز النعمان عير اللطيمة ثم قال: من يحيرها؟ فقال البراض بن قيس الضمري: أنا أجيرها على بني كنانة، فقال النعمان: ما أريد إلا رجلاً يجيرها على أهل نجد وتهامة، فقال عروة الرحال - وهو يومئذ رجل هوازن - أكلب خليع يجيرها لك؟ أبيت اللعن! أبا أجيرها لك على أهل الشيح والقيصوم من أهل نجد وتهامة! فقال البراض: أعلى بني كنانة تجيرها يا عروة؟ قال: وعلى الناس كلهم! فدفعها النعمان إلى عروة، فخرج بها وتبعه البراض، وعروة لا يخشى منه شيئاً، إلى أن نزل بأرض يقال لها أوارة، فشرب من الخمر وغنته قينة، ثم نام، فجاء البراض فدخل عليه، فناشده عروة وقال: كانت مني زلة، وكانت الغفلة مني ضلة، فقتله وخرج وهو يرتجز ويقول:\rقد كانت الغفلة مني ضله ... هلا على غيري جعلت الزلة\rفسوف أعلو بالحسام القلة وقال:\rوداهية يهال الناس منها ... شددت لها بني بكر ضلوعي\rهتكت بها بيوت بني كلاب ... وأرضعت الموالي بالضروع\rجمعت له يدي بنصل سيف ... أفل فخر كالجدع الصريع","part":4,"page":209},{"id":1710,"text":"واستاق اللطيمة إلى خيبر، واتبعه المساور بن مالك الغطفاني، وأسد بن خيثم الغنوي حتى دخلا خيبر، فكان البراض أول من لفيهما، فقال لهما: من الرجالن؟ قالا: من غطفان وغني. قال البراض: ما شأن غطفان وغني بهذا البلد؟ قالا: ومن أنت؟ قال: من أهل خيبر. قالا: ألك علم بالبراض؟ قال: دخل علينا طريدا خليعاً فلم يؤوه أحد بخيبر ولا أدخله بيتاً . قالا: فأين يكون؟ قال: وهل لكما به طاقة إن دللتكما عليه؟ قالا: نعم. قال: فانزلا، فنزلا وعقلا راحلتيهما. قال: أيكما أجرأ عليه وأمضى مقدما وأحد سيفاً؟ قال الغطفاني: أنا. قال: فانطلق أدلك عليه، فانطلقا حتى انتهيا إلى خربة في جانب خيبر خارجة عن البيوت، فقال البراض: وهو في هذه الخربة وإليها يأوي، فانظرني حتى أنظر أثم هو أم لا، فوقف له ودخل البراض ثم خرج إليه وقال: هو قائم في البيت الأقصى خلف هذا الجدار، فهل عند سيفك صرامة؟ قال: نعم. قال: هات سيفك أنظر إليه اصارم هو؟ فأعطاه سيفه، فهزه البراض ثم ضربه فقتله، ووضع السيف خلف الباب وأقبل إلى الغنوي فقال: ما وراءك؟ قال: أجبن من صاحبك، تركته قائماً في البيت الذي فيه الرجل، والرجل نائم لا يتقدم إليه ولا يتأخر عنه، قال الغنوي: يالهفا! لو كان لي من ينظر راحلتينا، قال البراض: هما علي إن ذهبنا، فانطلق الغنوي والبراض خلفه حتى إذا جاور الغنوي باب الخربة أخذ البراض السيف من خلف الباب ثم ضربه حتى قتله وأخذ سلاحيهما وراحلتيهما وانطلق.\rوبلغ قريشاً خبر البراص بسوق عكاظ، فخلصوا نجياً، واتبعتهم قيس لما بلغهم أن البراض قتل عروة الرحال، وعلى قيس أبو برإ عامر بن مالك، فادركوهم وقد دخلوا الحرم، فنادوهم: يا معشر قريش، إنا نعاهد الله ألا نبطل دم عروة أبداً، أو نقتل به عظمياً منكم، وميعادنا معكم هذه الليلة من العام القابل، فقال حرب بن أمية لأبي سفيان ابنه: قل لهم: إن موعدكم قابل في هذا اليوم، فقال خداش بن زهير في هذا اليوم، وهو يوم نخلة، من أبيات أولها:\rيا شدة ما شددنا غير كاذبة ... على سجينة لولا الليل والحرم\rوكانت العرب تسمى قريشاً سخينة لأكلها السخن.\rيوم شمظة وهو يوم نخلة من الفجار الآخر قال: فجمعت كنانة قرشيها وعبد منانها والأحابيش ومن لحق بهم من بني أسد بن خزيمة، وألبس يومئذ عبد الله بن جدعان مائة كمي السلاح بأداة كاملة، سوى ما ألبس من قومه، والأحابيش بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة. قال: وجمعت سليم وهوازن وجموعهما وأخلافهما، غير كلاب وبني كعب فإنهما لم يشهدا يوماً من أيام الفجار غير يوم نخلة، فاجتمعوا بشمظة من عكاظ في هذه الأيام التي تواعدوا فيها على قرن الحول، وعلى كل قبيلة من قريش وكنانة سيدها، وكذلك على قبائل قيس، غير أن أمر كنانة كلها إلى حرب بن أمية، وعلى إحدى مخبتيها عبد الله بن جدعان، وعلى الأخرى كريز بن ربيعة، وحرب بن أمية في القلب، وأمر هوازن كلها إلى مسعود بن معتب الثقفي، فزحف بعضهم إلى بعض، فكانت الدائرة في أول النهار لكنانة على هوازن، حتى إذا كان من آخر النهار تداعت هوازن وصابرت، وانكشفت كنانة فاستحر القتل فيهم، فقتل منهم تحت رايتهم مائة رجل، ويقال ثمانون، ويم يقتل من قريش أحد يذكر، فكان هذا اليوم لهوازن على كنانة.\rيوم العبلاء قال: ثم رجع هؤلاء وأولئك فالتقوا على قرن الحول من يوم عكاظ، والرؤساء عليهم الذين ذكرناهم في يوم شمظة، فكان هذا اليوم أيضاً لهوازن على كنانة. وفي هذا اليوم قتل العوام بن خويلد والد الزبير، قتله مرة بن معتب الثقفي، وقال رجل من ثقيف:\rمنا الذي ترك العوام مجندلاً ... تنتابه الطير لحماً بين أحجار\rيوم شرب ثم جمع هؤلاء وأولئك فالتقوا على قرن الحول في اليوم الثالث من أيام عكاظ، فالتقوا بشرب، وهو أعظم أيامهم والرؤساء عليهم وعلى المجنبتين من ذكرنا، وحمل ابن جدعان يومئذ مائة رجل على مائة بعير ممن لم تكن له حمولة، فالتقوا، وقد كان لهوازن على كنانة يومان متواليان: يوم شمظة والعبلاء، فحمشت قريش وكنانة، وصايرت بنو مخزوم وبنو بكر، فانهزمت هوازن وقتلت قتلاً ذريعاً، فقال عبد الله بن الزبعري يمدح بني المغيرة:\rألا لله قوم ... لدت أخت بنى سهم","part":4,"page":210},{"id":1711,"text":"هشام وأبو عبد ... مناف مدره الخصيم\rوذو الرمحين أشباك ... من القوة والحزم\rفهذان يدودان ... وذا من كثب يرمي\rوأبو عبد مناف: هاشم بن المغيرة، وذو الرمحين: أبو ربيعة بن المغيرة، قاتل يوم شرب برمحين. وأمهم ريطة بنت سعد بن سهم، فقال في ذلك جذل الطعان:\rجاءت هوازن أرسالاً وإخوتها ... بنو سليم فهابوا الموت وانصرفوا\rفاستقبلوا بضراب فض جمعهم ... مثل الحريق فما عاجوا ولا عطفوا\rيوم الحريرة ثم جمع هؤلاء وأولئك والتقوا على رأس الحول بالجزيرة، وهي حرة إلى جنب عكاظ والرؤساء على هؤلاء وأولئك هم الذين كانوا في سائر الأيام، وكذلك على المجنبتين إلا أن أبا مساحق بن قيس اليعمري قد كان مات، فكان بعده على بكر بن عبد مناة ابن كنانة أخوه بن جثامة قيس، فكان يوم الحريرة لهوازن على كنانة، وهو آخر الأيام الخمسة التي تزاحفوا فيها، فقتل يومئذ أبو سفيان بن أمية أخو حرب بن أمية، وقتل من بني كنانة ثمانية نفر، قتلهم عثمان بن أسيد بن مالك من بني عامر ابن صعصعة، وقتل جماعة أخر، فقال خداش بن زهير:\rإني من النفر المحمر أعينهم ... أهل السوام وأهل الصخر واللوب\rالطاعنين نحور الخيل مقبلة ... بكل سمراء لم تغلب ومغلوب\rوقد بلوتم وأبلوكم بلاءهم ... يوم الحريرة ضرباً غير تكذيب\rلاقيتم منهم آساد ملحمة ... ليسوا بزراعة عوج العراقيب\rفالآن إن تقبلوا نأخذ نحوركم ... وإن تباهوا فإني غير مغلوب\rوقال الحارث بن كلدة الثقفي:\rتركت الفارس البذاخ منهم ... تمج عروقه علقاً عبيطاً\rدعست لبانه بالرمح حتى ... سمعت لمتنه فيه أطيطا\rلقد أرديت قومك بإبن صخر ... وقد جشمتهم أمراً سليطاً\rوكم أسلمت منكم من كمي ... جريحاً قد سمعت له غطيطا\rمضت أيام الفجار الآخر، وهي خمسة أيام في أربع سنين.\rقال أبو عبيدة: ثم تداعى الناس إلى السلم على أن يذروا الفضل، ويتعاهدوا ويتواثقوا.\rيوم عبن أباغ قال أبو عبيدة: كان ملك العرب المنذر الأكبر بن ماء السماء، ثم مات فملك ابنه عمرو، ثم هلك فملك بعده أخوه قابوس، ثم مات فملك أخوه المنذر بن المنذر ابن ماء السماء. وذلك في مملكة كسرى بن هرمز، فغزاه الحارث الغساني، وكان بالشام من جهة قيصر، فالتقوا بعين أباغ، فقتل المنذر، فولى كسرى النعمان بن المنذر، ثم سعى إلى كسرى في النعمان فقتله، وقد تقدم ذكر سبب ولايته ومقتله.\rوكان النعمان لما تحقق غضب كسرى عليه هرب، ثم علم أنه لا منجى له من يد كسرى، فقدم إليه فقتله. واستعمل كسرى على العرب إياس بن قبيصة الطائي.\rوكان النعمان لما شخص إلى كسرى أودع حلقته، وهي ثمانمائة درع وسلاحاً كثيراً، هانئ بن مسعود الشيباني، وجعل عنده ابنته هنداً التي تسمى حرقة، فلما قتل النعمان قالت فيه الشعراء، فقال زهير بن أبي سلمى من أبيات:\rألم تر للنعمان كان بنجوة ... من الشر لو أن أمرأً كان ناجيا\rفلم أر مخذولاً له مثل ملكه ... أفل صديقاً باذلاً أو مواسيا\rيوم ذي قار قال أبو عبيدة: يوم ذي قار هو يوم الحنو، ويوم قراقر، ويوم الجبابات، ويوم ذات العجرم، ويوم بطحاء ذي قار، وكلها حول ذي قار.\rقال أبو عبيدة: لم يكن هانئ بن مسعود المستودع حلقة النعمان، وإنما هو ابن ابنه، واسمه هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود، لأن وقعة ذي قار كانت وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم وخبر أصحابه بها فقال: اليوم أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا.","part":4,"page":211},{"id":1712,"text":"ولما قتل النعمان كتب كسرى إلى إياس بن قبيصة يأمره أن يضم ما كان للنعمان، فأبى هانئ بن قبيصة أن يسلم ذلك إليه، فغضب كسرى وأراد استئصال بكر بن وائل، فقدم عليه النعمان بن زرعة التغلبي فقال: يا خير الملوك، ألا أدلك على غرة بكر بن وائل، قال نعم، قال: أقرها واظهر الإضراب عنها حتى يجليها القيظ ويدنيها منك، فأقرهم، حتى إذا قاظوا نزلت بكر حنو ذي قار، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة يخيرهم بين ثلاث خصال: إما أن يسلموا الحلقة، وإما أن يعروا الديار، وإما أن يأذنوا بحرب. فتنازعت بكر بينها، فهم هانئ بن قبيصة بركوب الفلاة، وأشار به على بكر وقال: لا طاقة لكم لجموع الملك، فلم تر من هانئ سقطة قبلها.\rوقال حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي: لاأرى غير القتال فإن إن ركبنا الفلاة لمتنا عطشاً، وإن أعطينا بأيدينا نقتل مقائتنا وتسبى ذرارينا، فراسلت بكر عنها وتوافت بذي قار، ولم يشهدها أحد من بني حنيفة، ورؤساء بكر يومئذ ثلاثة نفر: هانئ بن قبيصة الشيباني، ويزيد بن مسهر الشيباني، وحنظلة بن ثعلبة العجلي.\rفقال حنظلة بن ثعلبة لهانئ بن قبيصة: يا أبا أمامة. إن ذمتكم ذمتنا عامة، وإنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فاخرج هذه الحلقة ففرقها بين قومك، فإن تظفر فسترد عليك، وإن تهلك فأهون مفقود، ففرقها فيهم. وقال للنعمان: لولا أنك رسول ما أبت إلى قومك سالماً.\rقال: فعقد كسرى للنعمان بن زرعة على تغلب والنمر. وعقد لخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وغياد. وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، ومعه كتيبتاه: الشهباء ودوسر. وعقد للهامرز التستري على ألف من الأساورة، وكتب إلى قيس بن مسعود بن خالد ذي الجدين - وكان عامله على طف سفوان - يامره أن يوافي إياس بن قبيصة، فسار إليه.\rوسار إياس بمن معه من الجند وغيرهم، فلما دنوا من بكر أقبل قيس بن مسعود إلى قومه ليلاً، فأمرهم بالصبر ثم رجع.\rفلما التقى الزحفان وتقرب القوم، قام حنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي فقال: يا معشر بكر، إن نشاب الأعاجم يفرقكم، فعاجلوهم إلى اللقاء وابدءوهم بالشدة، وقال هانئ بن مسعود: ياقوم، مهلك مقدور، خير من منجي مغرور.\rإن الجزع لا يرد القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية خير من الدنية، واستقبال المنية خير من استدبارها، فالجد الجد، فما من الموت بد.\rثم قام حنظلة بن ثعلبة فقطع وضن النساء فسقطن إلى الأرض وقال: ليقاتل كل رجل عن حليلته، فسمى مقطع الوضن.\rقال: وقطع يومئذ سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من مناكبها لتخف أيديهم لضرب السيوف فتجالد القوم، وقتل يزيد بن حارثة اليشكري الهامرز مبارزة، ثم قتل يزيد بعد ذلك. فضرب الله وجوه الفرس فانهزموا، واتبعتهم بكر حتى دخلوا السواد في طلبهم، وأسر النعمان بن زرعة التغلبي. ونجا إياس بن قبيصة على فرسه الحمامة، فكان أول من انصرف إلى كسرى بالهزيمة هو. وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلا نزع كتفيه. فلما أتاه إياس بن قبيصة سأله عن الجيش فقال: هزمنا بكر بن وائل وأتيناك ببناتهم. فأعجب ذلك كسرى وأمر له بكسوة، ثم استأذنه إياس فقال: أخي قيس بن قبيصة مريض بعين التمر، فأردت أن آتيه، فأذن له.\rثم أتى كسرى رجل من أهل الحيرة وهو بالخورنق فسال: هل دخل على الملك أحد؟ فقال: إياس، فظن أنه قد حدثه الخبر، فدخل عليه وأخبره بهزيمة القوم وقتلهم، فأمر به فنزعت كتفاه. وقد أكثرت الشعراء في يوم ذي قار. فمن ذلك ما قاله أعشى بكر من قصيدة له:\rلو أن كل معد كان شاركنا ... في يوم ذي قار ما أخطاهم الشرف\rلما أمالوا إلى النشاب أيديهم ... ملنا يبيض لمثل الهام تختطف\rيطارق وبنو ملك مرازية ... من لأعاجم في آذانها النطف\rكأنما الآل في حافات جمعهم ... والبيض برق بدا في عارض يكف\rما في الخدود صدود عن سيوفهم ... ولا عن الطعن في اللبات منحرف\rوقال الأعشى يلوم قيساً من أبيات:\rأقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت امرؤ ترجو شبابك وائل\rرحلت ولم تنظر وأنت عميدهم ... فلا يبلغني عنك ما أنت فاعل\rفعريت من أهل ومال جمعته ... كما عريت مما تعر المغازل","part":4,"page":212},{"id":1713,"text":"شفى النفس قتلي لم توسد خدودها ... وساداً ولم تعضض عليها الأنامل\rلعلك يوم الحنو إذ صبحتهم ... كتائب لم تعصك بهن العواذل\rقال: ولما بلغ كسرى خبر قيس بن مسعود بما فعل مع قومه حبسه حتى مات في حبسه، ففيه قال الأعشى:\rوعريت من أهل ومال جمعته\rالقسم الخامس من الفن الخامس\rأخبار الملة الإسلامية\rلما انتهى الغرض في التاريخ إلى الغاية التي ذكرتها والقصص في الأخبار التي أوردتها والدول والوقائع التي انتخبتها، مما طالعته وحررتها؛ عمدت إلى ذكر الملة الإسلامية التي فضلها الله تعالى على سائر الملل، ورفع أهلها بالعمل الصالح ووفقهم لصالح العمل، ووعدهم برحمته؛ فهم من وعده في أمن، وحذرهم عقابه؛ فهم من وعيده على وجل، وبعث فيهم رسولا من انفسهم وانفسهم فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وعدل، وجعله شافعاً لذنوبهم في يومٍ أحجم فيه من سواه عن الشفاعة وبنفسه اشتغل، وجعلهم به خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله؛ إذ حجد غيرهم ونكل؛ فهم الشهداء على الناس لأنبيائهم، وناهيك بها رتبةً تقدم بها أواخر القوم على الأول. وقلت: بالله التوفيق، ومنه الإعانة وعيلان لمنكل.\rالباب الأول من القسم الخامس من الفن الخامس\rسيرة رسول الله\rوهي السيرة التي ظهرت آياتها واشتهرت معجزاتها وأشرقت انوارها وانتشرت أخبارها وعمت فضائلها وطابت بكرها وأصائلها وحسنت أوصافها وكثر انصافها وجاءت في ظلمة تتقد، وما انكر العدو فضائلها بل شهد:\rوفضائلٍ شهد العدوّ بفضلها ... والفضل ما شهدت به الأعداء\rتالله لقد عجز الواصفون عن وصفها واعترف المادحون بالتقصير عن بلوغ اليسير من مدى مدحها:\rوإذا أردت لك الثناء الّذي ... والله قد أثنى عليك أقول\rولنبدأ بذكر نسبه الطاهر صلى الله عليه وسلم، وما كنا قدمناه مستوفًى في باب الأنساب، فلا غنية عن سرده ههنا.\rهو أبو القاسم محمد صلى الله عليه وسلم بن عبد الله، بن عبد المطلب - واسم عبد المطلب: شيبة الحمد - بن هاشم - واسم هاشم عمرو - بن عبد مناف - واسمه المغيرة - بن قصي - واسمه زيد - بن كلاب، بن مرة، بن كعب، ابن لؤي، بن غالب، بن فهر. وإلى فهر جماع قريش، ومن كان فوق فهر فليس هو بقرشى. وفهر هو ابن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة - واسم مدركة عامر - بن الياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان.\rروى عن ابن عباس، رضى الله عنهم ان ارسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معد بن عدنا بن أدد، ثم يمسك ويقول: كذب النسابون. قال الله عز وجل: \" وَقُرُوناً بَيْنَ ذِلِكَ كَثِيراً \" . قال ابن عباس: لو شاء رسول الله صلى الله عليه وسلمايعلمه لعلمه.\rوعن هشام بن محمد قال: سمعت من يقول: كان معد على عهد عيسى بن مريم عيلان لسلام.\rوقد تقدم في باب الأنساب، وهو الباب الرابع من القسم الأول من الفن الثاني من كتابنا هذا في السفر الثاني من هذه النسخة، ما اختاره الشريف أبو البركات محمد بن أسعد بن علي بن معمر الحسيني الجوانى النسابة في مقدمته بعد معد: بن عدنان، بن أد، بن أدد، بن اليسع، بن الهميسع، بن سلاما بن نبت، ابن حملن بن قيذار، بن إسماعيل الذبيح، بن إبراهيم الخليل، صلى الله عليهم وسلم، ابن تارح، وهو آزر، بن ناحور، بن ساروغ، بن أرغو، ابن فالغ، بن عابر، وهو هود النبى عيلان لسلام - وهو جماع قيس ويمن ونزار وخندف - بن شالخ، بن أرفخشذ، بن سام، بن نوح النبي عيلان لسلام، بن لمك، بن متوشلخ، بن أخنوخ، وهو إدريس النبي عيلان لسلام، بن يارد، ابن مهلائيل بن قينان، بن انوش، بن هبة الله شيث، بن أبي البشر آدم عيلان لسلام.\rهذا ما أورده الشريف الجوانى قال: وعيلان كثر أئمة الأنساب.\rوسنزيداشاء الله تعالى، في أخبار آباء رسول الله صلى الله عليه وسلم، زيادةً حسنة يحتاج إلى إيرادها من عدنا فمن بعده، تقف عليها قريب ان اشاء الله تعالى، بعد ذكرنا لأمهاته صلى الله عليه وسلم.\rأمهات الرسول قال أبو عبد الله محمد بن سعد رحمه الله تعالى في طبقاته الكبرى: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال:","part":4,"page":213},{"id":1714,"text":"أم رسول الله صلى الله عليه وسلم، آمنة بنت وهب، بن عبد مناف، ابن زهرة، بن كلاب بن مرة. وأمها برة، بنت عبد العزى، بن عثمان، بن عبد الدار، بن قصي؛ بن كلاب. وأمها أم حبيب، بنت أسد، بن عبد العزى، ابن قصي بن كلاب. وأمها برة بنت عوف، بن عبيد، بن عويج، بن عدي، ابن كعب، بن لؤي. وأمها قلابة بنت الحارث، بن مالك، بن حباشة، بن غنم، بن لحيان، بن عادية، بن صعصعة، بن كعب، بن هند، بن طابخة، بن لحيان، بن هذيل، بن مدركة، بن الياس، بن مضر. وأمها أميمة بنت مالك، ابن غنم بن لحيان، بن عادية، بن صعصعة. وأمها دب بنت ثعلبة، بن الحارث، ابن تميم، بن سعد، بن هذيل، بن مدركة. وأمها عاتكة بنت غاضرة، بن حطيط، بن جشم، بن ثقيف، بن منبه، بن بكر، بن هوازن، بن منصور، بن عكرمة، بن خصفة، بن قيس، بن عيلأن - واسمه الياس - بن مضر. وأمها ليلى بنت عوف، بن ثقيف. وأم وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب قيلة. ويقال: هند بنت أبي قيلة.\rوقال ابن الكلبي: كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئاً مما كان من أمر الجاهلية.\rوعن محمد بن علي بن الحسين ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: انما خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم؛ لم يصبني من سفاح أهل الجاهلية شيء؛ لم أخرج إلا من طهرة. والله الفعال.\rآباء رسول الله فمن بعده إلى أبيه عبد الله بن عبد المطلب قد تقدم ذكر آباء رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب الأنساب، وذكرنا كل أب من آبائه وأولاده ومن أعقب منهم، وجعلنا العمدة على سرد عمود النسب لشريف على ما تقف عليه هناك في السفر الثاني من كتابنا هذا من هذه النسخة، وسردنا النسب أيضاً انفاً. وقد رأين ان انذكر في هذا الموضع نبذةً أخرى زيادة على ذلك نذكر فيها الاسماء، والكنى، والأمهات، وبعض الوقائع والأخبار، مما لم يتقدم ذكره، فنقول وبالله التوفيق: أما عدنا فإليه انقطع علم أهل الأنساب حقيقة؛ لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه كان إذا انتهى في النسب إلى معد بن عدنا أمسك، ثم قال: كذب النسابون. قال الله جل ثناؤه: \" وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرا \" . وقد روى انه قال: عدنا بن أدد. والله أعلم.\rوأما معد بن عدنان، فكنيته أبو قضاعة، كنى بولده قضاعة وهو بكره. ومعد بتحريك العين وتشديد الدال، وفي طيء معد بتسكين العين بن مالك ابن قميئة، وفي خثعم أيضاً معد بتسكين العين بن الحارث، بن تميم، بن كعب، بن مالك، بن قحافة. وأم معد بن عدنان: مهدد، بنت اللهم بن جلحب الجرهمية، وقيل فيها مهاد بنت لهم. وقيل اللهم بنت جلحب، وفي رواية خليد، بن طسم، بن يلمع، ابن عابر، بن اسليخيا بن لاوذ، بن سام، بن نوح. حكاه الزبير بن بكار.\rوذكر عبد الملك بن حبيباولد معد بن عدنا سبعة عشر رجلأن درج منهم بلا عقب تسعة، وأعقب ثمانية.\rوقال أبو الربيع بن سالم: ذكر الزبير بن أبي بكر،ابختنصر لما أمر بغزو بلاد العرب، وإدخال الجنود عليهم وقتلهم لقتلهم انبياء الله تعالى، وردهم رسالاتهم، أمر إرميا بن حلقيا - وكان فيما ذكر نبي بني إسرائيل في ذلك الزمان - بن معد بن عدنان الذي من ولده خاتم النبيين، واحمله معك إلى الشام، وتول أمره.\rوقال السهيلي: أوحى الله تعالى إلى إرمي ان احمل معد بن عدنان على البراق إلى أرض العراق، فاني مستخرجٌ من صلبه نبياً اسمه محمد؛ فحمل معه معد وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وكا مع بني إسرائيل إلىاكبر وتزوج امرأة اسمها معانة. قال أبو الربيع بن سالم: ويقال المحمول عدنان، والأول أكثر. قال: وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ان الله تعالى بعث ملكين فاحتملا معدا فلما رفع الله تعالى بأسه عن العرب، رداه إلى موضعه من تهامة، فكان بمكة ونواحيها مع أخواله من جرهم.\rوقال الزبير: حدثني على بن المغيرة قال: لما بلغ بنو معد عشرين رجلأن أغاروا على عسكر موسى عيلان لسلام، فدعا عليهم ثلاث مرات فقال: يا رب، دعوتك على قوم فلم تجبني فيهم بشيء. قال: يا موسى، دعوت على قوم فيهم خيرتي في آخر الزمان.\rوفي هذه الرواية ما فيها من المنافاة لما تقدم من انه كان مع إرميا ومن قال انه كان على عهد عيسى عيلان لسلام. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع.","part":4,"page":214},{"id":1715,"text":"وأما نزار بن معد، فكنيته أبو إياد، وقيل أبو ربيعة. ونزار بكسر النون. قال السهيلي: من النزر وهو القليل. وكا أبوه حين ولد له، ونظر إلى النور بين عينيه، وهو نور النبوة الذي كان ينتقل في الأصلاب إلى محمد صلى الله عليه وسلم فرح به فرحاً شديدا ونحر وأطعم وقال:اهذا كله نزر لحق هذا المولود، فسمى نزاراً لذلك. وأم نزار: معاية بنت جوشم بن جلهمة، بن عمرو، بن هلينيه بن دوة، بن جرهم. قال السهيلي: ويقال اسمها ناعمة.\rوأما مضر بن نزار فأمه وأم إياد: سودة بنت عك، بن الذيب، بن عدنان. وقال محمد بن الحسين في كتاب التحفة:ان أم مضر اسمها سودة بنت عك، قال: وقيل حبية بنت عك وقاله الزبير بن بكار. وروى ان أم مضر خاصةً سودة بنت عك؛ وربيعة وانمار وإياد أمهم شقيقة بنت عك؛ وإلى مضر تنتسب مضر الحمراء لسكناها قباب الأدم، ومضر السوداء سميت بذلك لسكناها المظال.\rوقال الزبير عن غير واحد من أهل العلم بالنسب: انهم قالوا: لما حضرت نزاراً الوفاة، آثر إياداً بولاية الكعبة، وأعطى مضر ناقة حمراء فسمى مضر الحمراء، وأعطى ربيعة فرسه، فسموا ربيعة الفرس، وأعطى انماراً جارية له تسمى بجيلة فحضنت بنيه، فسمى بجيلة انمار.\rوقد تقدم ذكر خبر أولاد نزار في الأمثال عند قولهم: ان العصا من العصية، وا خشينا من أخشن، وقصتهم مع الأفعى الجرهمي، وهو في الباب الأول من القسم الثاني من الفن الثاني في السفر الثالث من هذه النسخة من كتابنا هذا.\rقال ابن الأثير الجزري: ومضر أول من حدا وكا سبب ذلك انه سقط عن بعيره، فانكسرت يده فجعل يقول: يا يداه ! يا يداه ! فأتته الإبل من المرعى، فلما صلح وركب حدا وكا من أحسن الناس صوتاً. وقيل بل انكسرت يد مولى له فصاح، فاجتمعت الإبل، فوضع مضر الحداء وزاد الناس فيه.\rقال السهيلي: وفي الحديث: \" لا تَسبُّوا ربيعة ولا مُضَر فانهما كانا مؤمنين \" وروى عبد الملك بن حبيب بسنده إلى سعيد بن المسيبارسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: \" لا تَسبُّوا مضَر فانه كان مسلماً على ملة إبراهيم \" . وعن عبد الملك بن حبيب والزبير وجماعة:اربيعة ومضر الصريح من ولد إسماعيل ابن إبراهيم، عليهما السلام. قال: وحدثني أبو معاوية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال: مات أدد والد عدنان، وعدنان، ومعد بن عدنان، وربيعة، ومضر، وقيس عيلان، وتميم، وضبة، وأسد، وخزيمة، على الإسلام على ملة أبيهم إبراهيم، فلا تذكروهم إلا بما يذكر به المسلمون. والله الموفق.\rوأما الياس بن مضر، فكنيته أبو عمرو. وقال صاحب الاشتمال: قال الزبير: ولد مضر بن نزار الياس بن مضر، فلما أدرك الياس انكر على بني إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وسيرهم، وبا فضله فيهم، ولأن جانبه لهم، حتى جمعهم رأيه ورضوا به، فردهم إلى سنن آبائهم، حتى رجعت سنتهم تامة على أولها.\rوهو أول من أهدى البدن إلى البيت، وهو أول من وضع حجر الركن للناس بعد غرق البيت وانهدامه زمن نوح. فكان الياس أول من ظفر به، فوضعه في زاوية البيت.\rوبعض الناس يقولون: انما كان ذهب بعد إبراهيم وإسماعيل. قال: وفى هذا كله نظر. قال: وقال الزبير: ولم تزل العرب تعظم الياس بن مضر تعظيم أهل الحكمة، كتعظيمها لقما وأشباهه. قال ابن دحية: وهو وصى أبيه، وكا ذا جمال بارع ودين، تعظمه العرب قاطبة، وهو أول من مات بالسل. قال السهيلي: وانما سمى السل داء ياس وداء الياس لأن الياس بن مضر مات به.\rولما مات أسفت امرأته خندف عيلان سفاً شديداً. وكانت نذرت،اهلك، ألا تقيم في بلدٍ مات فيه، ولا يظلها بيت، وتسيح في الأرض، وحرمت الرجال والطيب بعده. فلما هلك خرجت سائحة حتى هلكت. وكانت وفاته يوم الخميس، فنذرتاتبكيه كلما طلعت شمس يوم الخميس حتى تغيب الشمس. قال السهيلي: ويذكر عن النبي صلى اله عليه وسلم انه قال: \" لا تسبوا الياس فانه كان مؤمناً \" . وذكر انه كان يسمع في صلبه تلبية النبي، صلى الله عليه وسلم، بالحج \" . والله أعلم.\rوأما مدركة بن الياس فقال ابن السائب: واسمه عمرو. وقال ابن إسحاق والزبير: عامر، وكنيته أبو الهذيل، وقيل أبو خزيمة. وأمه خندف، واسمها ليلى بنت حلوا بن عمرا بن الحاف بن قضاعة. واسم أمها ضرية بنت ربيعة بن نزار، وبها سمى حمى ضرية.","part":4,"page":215},{"id":1716,"text":"وأما خزيمة بن مدركة فكنيته أبو أسد، وأمه سلمى بنت أسلم بن الحاف ابن قضاعة. وقيل سلمى بنت أسد بن ربيعة، وخزيمة هذا هو الذي نصب هبل على الكعبة، فكان يقال هبل خزيمة، هكذا ذكره ابن الأثير. وروى عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم ان اخزيمة مات على ملة إبراهيم عيلان لسلام.\rأما كنانة بن خزيمة، فكنيته أبو النضر، وأمه عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان، ويقال: بل هند بنت عمرو بن قيس بن عيلأن. قال أبو الحسن سلام ابن عبد الله بن سلام الإشبيلي: وقال أبو عمرو العدواني لابنه في وصيته: يا بني أدركت كنانة بن خزيمة - وكا شيخاً مسناً عظيم القدر، وكانت العرب تحج إليه لعلمه وفضله - فقال: انه قداخروج نبي بمكة يدعى أحمد، يدعو إلى الله، وإلى البر والإحسا ومكارم الأخلاق، فاتبعوه تزدادوا شرفاً إلى شرفكم، وعزاً إلى عزكم، ولا تتعدوا ما جاء به، فهو الحق. والله المرفق.\rوأما النضر بن كنانة، فكنيته أبو يخلد، كنى بابنه يخلد. واسم النضر قيس. قال أبو ذر الخشنى: النضر: الذهب الأحمر. وهو النضار؛ سمي النضر بذلك لوضاءته وإشراق وجهه. وأمه برة بنت مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر أخت تميم بن مر. والذي عيلان كثر أهل السير والمؤرخين كنانة خلف على برة بعد أبيه خزيمة، على ما كانت الجاهلية تفعله؛ إذا مات الرجل خلف على زوجته بعده أكبر بنيه من غيرها. ويرد هذا ما روى عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، انه قال: \" ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء؛ ما ولدني إلا نكاح كنكاح أهل الإسلام \" ، وقول ابن الكلبي: كتبت لرسول الله، صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم، فلم أجد فيها شيئاً مما كان من أمر الجاهلية \" . وقد تقدم ذكر ذلك انفاً.\rوقد اعتذر القائلون هذا القول عنه بأعذار، وأقاموا أدلةً على انه ليس بسفاح ولا من أمر الجاهلية. وفي أعذارهم وأدلتهم بعض تكلف. وقد حصل الظفر - ولله الحمد والمنة - بما يزيل هذا الإشكال، ويرفع هذا الاحتمال، ويخلص من مهاوى هذه الشبة؛ وهو الصحيح،اشاء الله تعالى، وسنذكره بعد ذكر أعذارهم وأدلتهم.\rأما ما استدلوا به على تقديرايكون كنانة خلف على برة بنت مر بن اد بعد أبيه، فقال السهيلي، رحمه الله، في قوله تعالى: \" ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم من النِّساء إلاّ ما قد سَلَف \" ؛ أي إلا ما قد سلف من تحليل ذلك قبل الإسلام، قال: وفائدة الاستثناء ألا يعاب نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعلم انه لم يكن في أجداده بقية ولا سفاح؛ ألا ترى انه لم يقل في شيء نهى عنه في القرا إلا ما قد سلف نحو: \" ولا تَقْرَبُوا الزِّنا \" ؛ ولم يقل إلا ما قد سلف \" ولا تَقْتُلُوا النَّفْس التي حَرّم اللهُ إلا بالحقّ \" ولم يقل إلا ما قد سلف، ولا في شيء من المعاضي التي نهى عنها إلا في هذه الآية، وفي الجمع بين الأختين؛ لأن الجمع بينهما قد كان مباحاً في شرع من قبلنا؛ وقد جمع يعقوب عيلان لسلام، بين راحيل وأختها ليا؛ فقوله: إلا ما قد سلف التفاتٌ إلى هذا المعنى وتنبيه على هذا المغزى. ونقل السهيلي هذه النكتة عن القاضي أبي بكر بن العربي.\rواعتذار من اعتذر عن هذه الواقعة على هذا المنوال.\rوأما ما ارتفع به هذا الإشكال، فهو ما نقله أبو عثما عمرو بن بحر الجاحظ - رحمه الله - في كتاب له سماه كتاب الأصنام قال فيه: وخلف كنانة بن خزيمة على زوجة أبيه بعد وفاته، وهي برة بنت أد بن طابخة بن الياس بن مضر، وهي أم أسد بن الهون؛ ولم تلد لكنانة ولدا ذكراً ولا انثى، ولكن كانت ابنة أخيها وهي برة بنت مر بن أد بن طابخة أخت تميم بن مر عند كنانة بن خزيمة، فولدت له النضر بن كنانة. قال: وانما غلط كثير من الناس لما سمعو ان اكنانة خلف على زوجة أبيه لانفاق اسمهما وتقارب نسبهما. قال: وهذا الذي عليه مشايخنا وأهل العلم بالنسب. قال: ومعاذ اللهايكون أصاب نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم مقت نكاح؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما زلتُ أخُرج من نكاحٍ كنكاح الإسلام، حتى خرجت من أمي وأبي \" . قال: ومن اعتقد غير هذا فقد كفر وشك في هذا الخبر. قال: والحمد لله الذي طهره من كل وصم وطهر به.","part":4,"page":216},{"id":1717,"text":"وأما مالك بن النضر، فكنيته أبو الحارث، وأمه عاتكة بنت عدوان، وهو الحارث بن عمرو بن قيس عيلأن، ولقبها عكرشة، وقيل عوانة بنت سعد القيسية، وقيل غير ذلك. ومالك هو أبو قريش كلها.\rوأما فهر بن مالك - وهو قريش، وفهر لقب غلب عليه - فكنيته أبو غالب، وهو جماع قريش في قول هشام بن الكلبي. وأم فهر جندلة بنت عامر بن الحارث ابن مضاض الجرهمي؛ ومن جاوز فهرا فليس هو من قريش.\rوقد اختلف في تسمية قريش قريشا ومن أول من تسمى به، فقال محمد بن كعب: انما سميت قريش قريشاً لتجمعها بعد تفرقها وقال محمد بن سلام: لما جمع قصي قبائل النضر، وحارب بهم خزاعة، وغلب على الحرم، سموا قريشاً لاجتماعهم. وقيل: انما سموا قريشاً لأنهم يتقرشون البضاعات فيشترونها. وقيل: جاء النضر بن كنانة في ثوب له فقالوا: قد تقرش في ثوبه كانه جمل قريش، أي شديد مجتمع. وقيل: أول من سماهم بهذا الاسم قصي بن كلاب. قاله المبرد. وقال الشعبي: النضر بن كنانة هو قريش، وانما سمى قريشاً لانه كان يقرش عن خلة الناس وحاجتهم فيسد ذلك بماله، والتقريش: هو التفتيش، وكا بنوه يقرشون أهل الموسم فيزودونهم بما يبلغهم، فسموا بذلك من فعلهم.\rوقال الزبير بن بكار قال عمي: قريش بن بدر بن يخلد بن النضر كان دليل بني كنانة في تجارتهم، فكان يقال قدمت عير قريش، وأبوه بدر بن يخلد صاحب بدر الموضع الذي كانت به الوقعة المشهورة، وذكر عن عمهافهراً هو قريش، قال: وقد اجتمع النساب من قريش وغيرهماقريشاً انما تفرقت عن فهر. والذي عليه من أدركت من نساب قريشاولد فهر بن مالك قريش، ومن جاوز فهراً فليس من قريش.\rوروى عن هشام بن السائب: ان النضر بن كنانة هو قريش. وقيل عنه في موضع آخر: ولد مالك بن النضر فهرا وهو جماع قريش. وقال أبو عبيدة معمر ابن المثنى: أول من وقع عيلان سم قريش النضر بن كنانة، فولده قريش دون سائر بني كنانة. وقال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد: قريش مأخوذ من القرش، وهو وقع الأسنة بعضها على بعض؛ لأن قريشاً أحذق الناس بالطعان.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما انه سأل عمرو بن العاص: لم سميت قريش قريشاً ؟ قال: بالقرش، دابة في البحر تأكل كل الدواب لشدتها. وقال: المطرزي: هي ملكة الدواب، وسيدة الدواب وأشدها فكذلك قريش سادات الناس.\rوكا فهر رئيس الناس بمكة. والله أعلم.\rوأما غالب بن فهر، فكنيته أبو تيم، وأمه ليلى بنت الحارث، بن تميم، بن سعد، بن هذيل، بن مدركة؛ ولغالب هذا من الولد: لؤي، وتيم الأدرم؛ وكا تيم كاهنا وانما قيل له تيم الأدرم لأن أحد لحييه كان انقص من الآخر. وفي قريش تيمان: تيم بن مرة، وتيم الأدرم. قال ابن قتيبة: بنو الأدرم من أعراب قريش ليس بمكة منهم أحد. والله أعلم.\rوأما لؤي بن غالب، فكنيته أبو كعب، وأمه عاتكة بنت يخلد، بن النضر بن كنانة، وهي إحدى العواتك اللاتي ولدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: بل أمه سلمى بنت عمرو بن ربيعة وهو لحي بن حارثة الخزاعية.\rوأما كعب بن لؤي، فكنيته أبو هصيص، وأمه ماوية بنت كعب بن القين ابن جسر القضاعية. قيل: انما سمى كعب كعباً لأرتفاعه على قومه، وشرفه فيهم. وكا عظيم القدر عند العرب؛ فلهذا أرخوا بموته إلى عام الفيل، ثم أرخوا بالفيل؛ روى أبو نعيم في الدلائل عن الطبراني بسنده إلى عبد العزيز بن أبي ثابت قال: أرخت كنانة من موت كعب بن لؤي، وأرخت قريش بعد موته من عام الفيل؛ وبين موت كعب والفيل خمسمائة سنة وعشرون سنة.\rوكعب هذا أول من سمى يوم الجمعة الجمعة، وكانت العرب تسمى يوم الجمعة العروبة؛ قاله السهيلي. ومعنى العروبة الرحمة فيما بلغني عن أهل العلم، وانما سماه الجمعة لأجتماع قريش فيه وخطبته فيهم.\rوأول من قال أما بعد كعب؛ فكان يقول: أما بعد، فاستمعوا وافهموا. ثم قال: حرمكم عظموه وتمسكوا به، وسيأتي لكم نبأ عظيم، وسيخرج له نبي كريم.\rقال السهيلي: وكا يخطبهم ويذكرهم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلمهم انه من ولده، ويأمرهم باتباعه والإيما به، وينشد ويقول:\rيا ليتني شاهدٌ فحواء دعوته ... إذا قريشٌ تبغّى الحقّ خذلانا","part":4,"page":217},{"id":1718,"text":"وأما مرة بن كعب، فكنيته أبو يقظة، وأمه مخشية، وقيل وحشية بنت شيبان، بن محارب، بن فهر. وفي مرة يجتمع نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسب أبي بكر الصديق، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما.\rوأما كلاب بن مرة، فكنيته أبو زهرة، واسمه حكيم. وكلاب لقب غلب عليه، وسبب ذلك انه كان محباً للصيد مولعاً به، وكا أكثر صيده بالكلاب، وجمع منها شيئاً كثيرا فكان إذا مر بقوم بكلابه قالوا: هذه كلاب ابن مرة، فغلب ذلك عليه؛ وفيه يقول الشاعر:\rحكيم بن مرّة ساد الورى ... ببذل النّوال وكفّ الأذى\rوأم كلاب هند بنت سرير، بن ثعلبة، بن الحارث، بن فهر، بن مالك، بن كنانة. ويقال:اكلاباً هذا أول من جعل في الكعبة السيوف المحلاة بالذهب والفضة ذخيرةً للكعبة.\rوأما قصي بن كلاب فاسمه زيد، وكنيته أبو المغيرة، وقصي لقبه، ويلقب أيضاً مجمعاً. قال السهيلي، في قصي تصغير قصي: أي بعيد. وقال الرشاطي: وانما قيل له قصي لأن أباه كلاب بن مرة كان قد تزوج فاطمة بنت سعد بن سيل، واسم سيل، خير بن حمالة، بن عوف، بن عثمان، بن عامر وهو الجادر بن جعثمة، وهو يشكر، وهم من الأزد فولدت له زهرة وزيدا ثم هلك كلاب وزيد صغير فطيم، وقال السهيلي: انه كان رضيعا فتزوج فاطمة أم قصي ربيعة بن حرام، بن ضنة، بن عبد، ابن كبير، بن عذرة، بن سعد، بن زيد، بن قضاعة، فاحتملها ربيعة ومعها زيد، فربى زيد في حجر ربيعة، فسمى قصياً لبعده عن دار قومه.\rوقال الخطابي: سمى قصياً لأنه قصى قومه، أي نقصاهم بالشام فنقلهم إلى مكة. قال الرشاطي: ثمازيداً وقع بينه وبين ربيعة شر، فقيل له: ألا تلحق بقومك ؟ وعير بالعربة، وكا لا يعرف لنفسه أباً غير ربيعة، فرجع قصي إلى أمه، وشكا لها ما قيل له، فقالت له: يا بني، انت أكرم منه نفساً وأبا انت ابن كلاب بن مرة، وقومك بمكة عند البيت الحرام. فأجمع قصي على الخروج، فقالت له أمه: أقم حتى يدخل الشهر الحرام، فتخرج في حاج العرب، فلما دخل الشهر الحرام خرج مع حاج قضاعة حتى قدم مكة، فحج وأقام بمكة.\rوكا الذي يلي أمر البيت يومئذ حليل، بن حبشية، بن سلول، بن كعب، ابن عمرو الخزاعي. فخطب إلى حليل بن حبشية ابنته حبى. فعرف حليل نسبه فزوجه، وأقام قصي معه، فولدت له حبى أولاده، وهم: عبد مناف، وعبد العزى، وعبد الدار، وعبد، وبرة، وتخمر وهي بالتاء المثناء من فوق وخاء معجمة ساكنة وميم مضمومة وراء.\rفلما انتشر ولده، وكثر ماله، وعظم شرفه هلك حليل، وأوصى بولاية البيت لآبنته حبى. فقالت: اني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه، فجعلت ذلك إلى سليم ابن عمرو، بن بوى، بن ملكان، وهو أبو غبشان، ويقال له المحترش، فاشترى قصي منه ولاية البيت بزق خمر وقعود، فضربت به العرب المثل، فقالوا: أخسر من صفقة أبي غبشان. فنازعته خزاعة البيت فانتزعه منهم. والله الناصر.\rانتزاع قصي البيت من خزاعة ومن ولى البيت بعد إسماعيل عيلان لسلام إلى ان انتزعه قصي بن كلاب قال محمد بن إسحاق بن يسار: لما توفي الله تعالى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وولي البيت بعده ابنه نابت بن إسماعيل ما شاء اللهايليه، ثم ولى البيت بعده مضاض ابن عمرو الجرهمي، وبنو نابت مع جدهم مضاض بن عمرو وأخوالهم من جرهم، وجرهم وقطوراء يومئذ أهل مكة، وهما ابنا عم، وكانا ظعنا من اليمن، فأقبلا سيارة، وعلى جرهم مضاض بن عمرو، وعلى قطوراء السميدع، رجل منهم. فلما نزلا مكة رأبا بلدا ذا ماءٍ وشجر، فأعجبهما فنزلا به؛ فنزل مضاض بمن معه من جرهم أعلى مكة بقعيقا فما حاز، ونزل السميدع بقطوراء أسفل مكة بأجياد فما حاز، وكا كل منهما يعشر من دخل مكة مما يليه، وكلٌ منهما في قومه لا يدخل على صاحبه.","part":4,"page":218},{"id":1719,"text":"ثماجرهما وقطوراء بغى بعضهم على بعض، وتنافسوا الملك بها ومع مضاض بنو إسماعيل وبنو نابت، وإليه ولاية البيت دون السميدع، فسار بعضهم إلى بعض؛ فخرج مضاض بن عمرو من قعيقعا في كتيبته سائراً إلى السميدع ومع كتيبته عدتها من الرماح والدرق والسيوف والجعاب، يقعقع بذلك؛ فيقال ما سمى قعيقعا قعيقعا إلا لذلك. وخرج السميدع من أجياد ومعه الخيل والرجال، فيقال ما سمى أجياد أجياداً إلا لخروج الجياد من الخيل منه مع السميدع. فالتقوا بفاضح واقتتلوا قتالاً شديدا فقتل السميدع، وفضحت قطوراء؛ فيقال ما سمى فاضح فاضحاً إلا لذلك.\rثم ان القوم تداعوا إلى الصلح، فساروا حتى نزلوا المطابخ: شعباً بأعلى مكة، فاصطلحوا به، وأسلموا الأمر إلى مضاض. فلما اجتمع إليه أمر مكة، وصار ملكها له، نحر للناس فطبخوا وأكلوا فيقال ما سميت المطابخ المطابخ إلا لذلك. وبعض أهل العلم يزعم انها انما سميت المطابخ لما كان تبع نحر بها وأطعم وكانت منزله، والله أعلم.\rفكا الذي كان بين مضاض والسميدع أول بغي كان بمكة. ثم نشر الله ولد إسماعيل بمكة، وأخوالهم من جرهم ولاة البيت والحكام بمكة، لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخئولتهم وقرابتهم، وإعظاماً للحرمةايكون بها بغى أو قتال؛ فلما ضاقت مكة على ولد إسماعيل انتشروا في البلاد، فلا يناوئون قوماً إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم.\rثماجرهما بغوا بمكة، واستحلوا خلالاً من الحرمة، وظلموا من دخلها من غير أهلها وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها فرق أمرهم. فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، وغبشا من خزاعة ذلك، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة؛ فآذنوهم بالحرب فاقتتلوا فغلبتهم بنو بكر وغبشان، فنفوهم من مكة؛ وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها ظلماً ولا بغيا.\rقال ابن إسحاق: فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي بغزالي الكعبة وبحجر الركن، فدفنها في زمزم؛ وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن. فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزناً شديداً؛ فقال عمرو بن الحارث بن مضاض في ذلك، وليس بمضاض الأكبر. والله المعين:\rوقائلةٍ والدّمع سكبٌ مبادر ... وقد شرقت بالدّمع منها المحاجر\rكا لم يكن بين الحجون إلى الصّفا ... انيسٌ ولم يسمر بمكة سامر\rفقلت لها والقلب منّى كأنما ... يلجلجه بين الجناحين طائر\rبلى ؟! نحن كنّا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود العواثر\rوكنا ولاة البيت من بعد نابتٍ ... نطوف بذاك البيت والخير ظاهر\rونحن ولينا البيت من بعد نابتٍ ... بعزٍ فما يحظى لدينا المكاثر\rملكنا فعزّزنا فأعظم بملكنا ... فليس لحيٍّ غيرنا ثمّ فاخر\rألم تنكحوا من خير شخصٍ علمته ... فأبناؤه منّا ونحن الأصاهر\rفا تنثن الدنيا علينا بحالها ... فا لها حالاً وفيها التشاجر\rفأخرجنا منها المليك بقدرةٍ ... كذلك يا للنّاس تجرى المقادر\rأقول إذا نام الخلى ولم انم: ... إذا العرش لا يبعد سهيل وعامر\rوبدّلت منها أوجهّا لا أحبّها ... قبائل منها حمير ويحابر\rوصرنا أحاديثاً وكنّا بغبطةٍ ... بذلك عضّتنا السّنون الغوابر\rوبدّلنا كعبٌ بها دار غربة ... بها الذئب يعوى والعدوّ المكاشر\rفسحّت دموع العين تبكى لبلدة ... بها حرم أمنٌ وفيها المشاعر\rوتبكى لبيتٍ ليس يؤذى حمامه ... يظلّ به أمناً وفيه العصافر\rوفيه وحوشٌ لا ترام انيسةٌ ... إذا خرجت منه فليست تغادر\rوقال أيضاً يشير إلى بكرٍ وغبشا الذين خلفوا مكة بعدهم:\rيأيها الناس سيرو ان اقصركم ... ا تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا\rحثّوا المطّى وأرخوا من أزمّتها ... قبل الممات وقضّوا ما تقصّونا\rكنّا اناساً كما كنتم فغيّرنا ... دهرٌ فانتم كما كنّا تكوونا\rقال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم بالشعر؛اهذه الأبيات أول شعرٍ قيل في العرب، وانها وجدت مكتوبة في حجر باليمن، ولم يسم لي قائلها.","part":4,"page":219},{"id":1720,"text":"قال ابن إسحاق: ثماغبشا من خزاعة وليت البيت دون بني بكر ابن عبد مناة، وكا الذي يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشاني، وقريش إذ ذاك حلول وصرم، وبيوتات متفرقون في قومهم من بني كنانة، فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك كابراً عن كابر، حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب ابن عمرو الخزاعي. فخطب قصي بن كلاب إلى حليل ابنته حبى، فرغب فيه حليل فزوجه، فولدت له عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا.\rفلما انتشر ولد قصي وكثر ماله، وعظم شرفه هلك حليل، فرأى قصي انه أولى بالكعبة، وبأمر مكة من خزاعة وبني بكر، وا قريشاً فرعة إسماعيل بن إبراهيم وضريح ولده، فكلم رجالاً من قريش وبني كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، فأجابوه.\rوكا ربيعة بن حرام من عدرة بن سعد بن زيد مناة قد قدم مكة بعد هلاك كلاب، فتزوج فاطمة بنت سعد بن سيل - وزهرة يومئذ رجل، وقصي فطيم - فاحتملها إلى بلاده، فحملت قصياً معها وأقام زهرة، فولدت لربيعة رزاحاً. فلما بلغ قصيٌ وصار رجلاً أتى مكة فأقام بها فلما أجابه قومه إلى ما دعاهم إليه كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة، يدعوه إلى نصرته والقيام معه؛ فخرج رزاح بن ربيعة ومعه إخوته: حن بن ربيعة، ومحمود ابن ربيعة، وجلهمة بن ربيعة، وهم لغير فاطمة، فيمن تبعهم من قضاعة في حاج العرب، وهم مجمعون لنصرة قصي.\rوكا الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر يلي الإجازة للناس بالحج من عرفة، وولده من بعده، وكا يقال له ولولده صوفة. وانما ولى الغوث ذلك لأن أمه كانت من بني جرهم، وكانت لاتا فنذرت للهاهي ولدت رجل ان اتصدق به على الكعبة عبداً لها يخدمها ويقوم عليها؛ فولدت الغوث، فكان يقوم على الكعبة في الدهر الأول مع أخواله من جرهم، فولى الإجازة بالناس من عرفة، لمكانه الذي كان به من الكعبة، وولده من بعده حتى انقرضوا.\rوكا الغوث بن مر إذا دفع بالناس قال:\rلا همّ انى تابع تباعه ... ا كان إثم فعلى قضاعه\rقال ابن إسحاق: كانت صوفة تدفع بالناس من عرفة، وتجيز بهم إذا نفروا من منًى، حتى إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار، ورجل من صوفة يرمي للناس، لا يرمون حتى يرمى، فكان ذوو الحاجات المتعجلون يأتونه فيقولون له: قم فأرم حتى نرمي معك؛ فيقول: لا والله، حتى تميل الشمس؛ فيظل ذوو الحاجات يرمونه بالحجارة ويقولون له: ويلك ! قم فارم، فيأبى عليهم؛ حتى إذا مالت الشمس قام فرمى، ورمى الناس معه.\rفإذا فرغوا من رمي الجمار، وأرادوا النفر من منًى أخذت صوفة بجانبي العقبة، فحبسوا الناس وقالوا: أجيزي صوفة، فلم يجز أحد من الناس حتى يمروا فإذا نفرت صوفة ومضت خلى سبيل الناس فانطلقوا بعدهم؛ فكانوا كذلك حتى انقرضوا فورثهم في ذلك بنو سعدٍ بن زيد مناة، من تميم، وكانت من بني سعدٍ في آل صفوا بن الحارث بن شجية؛ فكان صفوا هو الذي يجيز الناس بالحج من عرفة، ثم بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذي قام عيلان لإسلام كرب بن صفوان؛ وفي ذلك يقول أوس بن مغراء من قصيدة:\rلا يبرح الناس ما حجّوا معرّفهم ... حتّى يقال أجيزوا آل صفوانا\rوكانت الإفاضة في عدوا يتوارثون ذلك كابراً عن كابر، حتى كان آخرهم الذي قام عيلان لإسلام أبو سيارة عميلة بن الأعزل، وكا أبو سيارة يدفع بالناس على أتا له، وبه ضرب المثل: أصبر من عير أبى سيارة؛ لأنه دفع بأهل الموسم عيلان ربعين عاماً.\rنعود إلى أخبار قصي بن كلاب، فلما كان ذلك العام، فعلت صوفة كما كانت تفعل، وقد عرفت ذلك لها العرب، وهو دينٌ في انفسهم من عهد جرهم وخزاعة وولايتهم، فأتاهم قصي بمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة فقال: لا تجر - لنحن أولى بهذا منكم - ، فقاتلوه، فاقتتل الناس قتالاً شديدا ثم انهزمت صوفة، وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم من ذلك.","part":4,"page":220},{"id":1721,"text":"وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي، وعرفوا انه سيحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة، فلما انحازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم، وخرجت إليه خزاعة وبنو بكر، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً حتى كثرت القتلى في الفريقين، ثم تداعوا إلى الصلح، وا يحكموا بينهم رجلاً من العرب، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضىاقصياً أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة، وا كل دم أصابه قصي من خزاعة وبني بكر موضوعٌ يشدخه تحت قدميه، وا ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة، وا يخلى بين قصي وبين الكعبة ومكة. فسمى يغمر بن عوف يومئذ الشداخ، لما شدخ من الدماء ووضع منها.\rقال: فولى قصي البيت وأمر مكة، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه، إلا انه أقر للعرب ما كانوا عليه، وذلك انه كان يراه ديناً في نفسه لا ينبغي تغييره؛ فأقر آل صفوان، وعدوان، والنسأة، ومرة بن عوف على ما كانوا عليه، حتى جاء الإسلام، فهدم الله به ذلك كله.\rفكا قصي أول من أصاب ملكاً من بني كعب بن لؤي، وكانت إليه الحجابة، والسقاية، والرقادة، والندوة، واللواء؛ فحاز شرف مكة كله، وقطع مكة رباعاً بين قومه، فانزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة، فسمته قريش مجمعاً لما جمع من أمرها وتيمنت بأمره؛ فما تنكح امرأة، ولا يتزوج رجل من قريش، ولا يتشاورون في أمر نزل بهم، ولا يعقدون لواء لحرب قوم غيرهم إلا في داره؛ يعقده لهم بعض ولده، وما تدرع جاريةٌ إذا بلغتاتدرع من قريش إلا في داره، يشق عليها فيها درعها ثم تدرعه، ثم ينطلق بها إلى أهلها.\rفكا أمره في قومه من قريش في حياته وبعد موته، كالدين المتبع لا يعمل بغيره. واتخذ لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة؛ ففيها كانت قريش تقضي أمورها قال الشاعر:\rقصيٌّ لعمري كان يدعى مجمّعا ... به جمّع الله القبائل من فهر\rقال ابن إسحاق: فلما فرغ قصي من حربه انصرف أخوه رزاح بن ربيعة بمن معه إلى بلاده. قال: فلم يزل قصي على ذلك، فلما كبر ورق عظمه - وكا عبد الدار بكره، وكا عبد مناف قد شرف في زما أبيه وذهب كل مذهب، وعبد العزى وعبدٌ - قال لابنه عبد الدار: أما والله يا بني لألحقنك بالقوم وا كانوا قد شرفوا عليك؛ لا يدخل رجلٌ منهم الكعبة حتى تكون انت تفتحها له، ولا يعقد لقريش لواءً لحربها إلا انت بيدك، ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاماً إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمراً من أمورها إلا في دارك، فأعطاه داره: دار الندوة التي لا تقضي قريش أمراً إلا فيها وأعطاه الحجابة واللواء والسقاية والرفادة.\rوكانت الرفادة خرجاً تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب، فيصنع به طعاماً للحاج، فيأكله من لم تكن له سعة ولا زاد. وقصي هو الذي فرض ذلك، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش، انكم جيرا الله وأهل بيته وأهل الحرم، وا الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاماً وشراباً أيام الحج، حتى يصدروا عنكم. ففعلوا. قال: فلما هلك قصي بن كلاب أقام أمره في قومه من بعده بنوه، فاختطوا مكة رباعا بعد الذي كان قد قطع لقومه بها فكانوا يعطونها في قومهم وفي غيرهم من حلفائهم، ويبيعونها فأقامت قريش على ذلك معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع، إلىاكا ما نذكرهاشاء الله تعالى في هاشم بن عبد مناف.\rوحكى أبو عبد الله بن عائذ الدمشقي في مغازيه زيادةً في خبر قصي نذكرها في هذا الموضع، وا كان قد نقص في غيره، فقال في أثناء ما حكاه: ا البيت كان حوله غيضة والسيل يدخله، ولم يرفع البيت حينئذ، فإذا قدم الحاج وطئوه حتى تذهب الغيضة، فإذا خرجوا نبتت. قال: فلما قدم قصي قطع الغيضة، وابتنى حول البيت دارا ونكح حبى بنت حليل.","part":4,"page":221},{"id":1722,"text":"وقال أيضاً:اقصياً قال لأمرأته حبى: قولي لجدتك تدل بنتك على الحجر، فلم تزل بها حتى قالت: انى أعقل انهم حين خرجوا إلى اليمن سرقوه، ونزلوا منزلاً وهو معهم، فبرك الجمل الذي كان عيلان لحجر، فضربوه فقام، ثم ساروا فبرك، فضربوه فقام، ثم برك الثالثة فقالوا: ما برك إلا من أجل الحجر، ودفنوه، وذلك أسفل مكة، وانى لأعرف حيث برك، فخرجوا بالحديد وخرجوا بها معهم، فأرتهم حيث برك أولاً وثانياً وثالثا فقالت: احفروا ههنا. فحفروا حتى يئسوا منه، ثم ضربوا فأصابوه وأخرجوه، فأتى به قصي، فوضعه في الأرض، فكانوا يتمسحون به وهو في الأرض، حتى بنى قصي البيت. قال: ومات قصي ودفن بالحجون. والله أعلم بالصواب.\rوأما عبد مناف بن قصي فكنيته أبو عبد شمس، واسمه المغيرة، وعبد مناف لقبه، وسبب ذلك ان أمه حبى بنت حليل الخزاعية أخدمته مناة، وكا مناة صنماً عظيماً لهم، فسمى عبد مناة به. ثم نظر قصي، فرآه يوافق عبد مناة بن كنانة، فحوله عبد مناف. قاله السهيلي. ومناف مفعل من اناف ينيف اناقة إذا ارتفع. وقال المفضل: الأنافة الإشراف والزيادة، وبه سمى عبد مناف لطوله، ومنه تقول: مائة ونيف، أي شيء زائد على المائة.\rوكا قصي يقول: لي أربعة بنين سميت ابنين بإلهي، وهما عبد مناف وعبد العزى، وواحداً بداري. وهو عبد الدار، وواحداً بي، وهو عبد قصي. حكاه محمد بن عائد في مغازيه عن أم سلمة.\rوقال محمد بن سعد: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: لما هلك قصي بن كلاب قام عبد مناف بن قصي على أمر قصي بعده وأمر قريش إليه، واختط بمكة رباعاً بعد الذي كان قصي قطع لقومه.\rقال: وولد عبد مناف سنة نفر، وست نسوة، وهم: عبد المطلب بن عبد مناف وكا أكبرهم، وهو الذي عقد الحلف لقريش من النجاشي في متجرها إلى أرضه، وهاشم، واسمه عمرو، وهو الذي عقد الحلف لقريش من هرقل لأن تختلف إلى الشام آمنة، وعبد شمس بن عبد مناف، وتماضر بنت عبد مناف، وحية، وقلابة، وبرة، وهالة، وأمهم عاتكة الكبرى بنت مرة، بن هلال، بن فالج، بن ثعلبة بن ذكوان، بن ثعلبة، بن بهثة، بن سليم، بن منصور، بن عكرمة، بن خصفة، بن قيس عيلأن، بن مضر. ونوفل بن عبد مناف، وهو الذي عقد الحلف لقريش من كسرى إلى العراق، وأبو عمرو بن عبد مناف، واسمه عبيد، درج ولا عقب له، وأمهم واقدة بنت أبي عدي، وهو عامر، بن عبد نهم، بن زيد، بن مازن، بن صعصعة؛ وريطة بنت عبد مناف، ولدت بني هلال، بن معيط من بني كنانة، بن خزيمة، وأمها الثقفية.\rوأما هاشم بن عبد مناف، فكنيته أبو نضلة، وقيل أبو يزيد، وقيل بل كان يكنى بابنه أسد؛ واسمه عمرو، وهاشم لقب لقب به. روى عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال: كان اسم هاشم عمرا وكا صاحب إيلاف قريش، وإيلاف قريش: دأب قريش، وهو أول من سن الرحلتين لقريش؛ ترحل إحداهما في الشتاء إلى اليمن وإلى الحبشة إلى النجاشي فيكرمه ويحبوه، ورحلة في الصيف إلى الشام إلى غزة وربما بلغ انقرة، فيدخل على قيصر فيكرمه ويحبوه؛ فأصابت قريشاً سنواتٌ ذهبت بالأموال، فخرج هاشم إلى الشام، فأمر بخبز كثير فخبز له، وحمله في الغرائر على الإبل حتى وافى مكة، فهشم ذلك الخبز، يعنى كسره وثرده، ونحر تلك الإبل، ثم أمر بطبخها ثم كفأ القدور على الجفان، فأشبع أهل مكة؛ فكان ذلك أول الحيا بعد السنة التي أصابتهم؛ فسمى بذلك هاشما وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبعري:\rعمرو العلى هشم الثّريد لقومه ... ورجال مكّة مسنتون عجاف\rقال: فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكا ذا مال، فتكلفايصنع صنيع هاشم فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش، فغضب ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره، فلم تدعه قريش وأحفظوه قال: فانى انافرك على خمسين ناقةً سود الحدق تنحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين. فرضي أمية بذلك، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي، فنفر هاشماً عليه، فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعمها من حضره، وخرج أمية إلى الشام، فأقام بها عشر سنين؛ فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية، ثم ولي هاشم الرفادة والسقاية.\rولاية هاشم الرفادة والسقاية","part":4,"page":222},{"id":1723,"text":"قال:اهاشما وعبد شمس، والمطلب، ونوفلاً: بني عبد مناف أجمعوا علىايأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار بن قصي مما كان قصي جعل إلى عبد الدار من الحجابة، واللواء، والرفادة، والسقاية، والندوة، ورأوا انهم أحق به منهم لشرفهم عليهم، وفضلهم في قومهم، وكا الذي قام بأمرهم هاشم، فأبت بنو عبد الداراتسلم ذلك إليهم، وقام بأمرهم عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار؛ فصار مع بني عبد مناف بن قصي بنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو زهرة ابن كلاب، وبنو تيم بن مرة، وبنو الحارث بن فهر؛ وصار مع بني عبد الدار بنو مخزوم، وسهم، وجمح، وبنو عدي بن كعب؛ وخرجت من ذلك بنو عامر ابن لؤي، ومحارب بن فهر؛ فلم يكونوا مع واحد من الفريقين، فعقد كل قوم على أمرهم حلفاً مؤكداً: ألا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة.\rفأخرجت بنو عبد مناف، ومن صار معهم، جفنةً مملوءة طيبا فوضعوها حول الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها وتعاهدوا وتعاقدوا وتحالفوا ومسحوا الكعبة بأيديهم توكيداً على انفسهم، فسموا المطيبين. وأخرجت بنو عبد الدار ومن كان معهم جفنةً من دم، فغمسوا أيديهم فيها وتعاقدوا وتحالفوا: ألا يتخاذلوا ما بل بحر صوفة؛ فسموا الأحلاف، ولعقة الدم، وتهيئوا للقتال، وعبئت كل قبيلة لقبيلة؛ فبينما الناس على ذلك، إذ تداعوا إلى الصلح علىايعطوا بني عبد مناف بن قصي السقاية والرفادة، وتكون الحجابة واللواء ودار الندوة إلى بني عبد الدار كما كانت، ففعلوا وتحاجز الناس؛ فلم تزل دار الندوة في بني عبد الدار، حتى باعها عكرمة بن عامر، ابن هاشم، بن عبد مناف، بن عبد الدار، بن قصي، من معاوية بن أبي سفيان؛ فجعلها معاوية دار الإمارة.\rقال: وولي هاشم بن عبد مناف بن قصي السقاية والرفادة، وكا رجلاً موسرا فكان يخرج في كل عام مالاً كثيرا وكا قوم من قريش أهل يسار يترافدون، فيرسل كل انسا بمائة مثقال هرقلية، وغيرهم يرسل بالشيء اليسير على قدر حالهم، فكان هاشم، إذا حضر الحج، يأمر بحياضٍ من أدم، فتجعل في موضع زمزم، ثم يستقى فيها الماء من البئار التي بمكة فيشربه الحاج، وكا يطعمهم قبل التروية بيوم بمكة، وبمنًى، وجمع، وعرفة؛ وكا يثرد لهم الخبز واللحم، والخبز والسمن، والسويق والتمر، ويحمل لهم الماء، فيستقون بمنًى، والماء يومئذ قليل، في حياض الأدم، إلىايصدروا من منًى، ثم تنقطع الضيافة ويتفرق الناس إلى بلادهم.\rقال: وهاشم بن عبد مناف هو الذي أخذ الحلف لقريش من قيصراتختلف آمنة، فكتب له كتاباً وكتب إلى النجاشيايدخل قريشاً أرضه وكانوا تجارا فخرج هاشم في عير لقريش فيها تجارات، وكا طريقهم على المدينة، فنزلوا بسوق النبط، فصادفوا سوقاً تقوم بها في السنة يحشدون لها فباعوا واشتروا ونظروا إلى امرأة على موضع مشرف من السوق، فرأى امرأة تأمر بما يشترى ويباع لها فرأى امرأةً حازمة جلدة مع جمال، فسأل هاشم عنها أأيم هي أم ذات زوج ؟ فقيل له أيم كانت تحت أحيحة بن الجلاح، فولدت له عمراً ومعبداً ثم فارقها وكانت لا تنكح الرجال، لشرفها في قومها حتى يشرطوا له ان يأمرها بيدها فإذا كرهت رجلاً فارقته؛ وهي سلمى بنت عمرو، بن زيد، بن لبيد، بن خداش، ابن عامرن بن غنم، بن عدي، بن النجار، فخطبها هاشم، فعرفت شرفه ونسبه فزوجته نفسها ودخل بها وصنع طعاما ودعا من هناك من أصحاب العير الذين كانوا معه، وكانوا أربعين رجلاً من قريش، ودعا من الخزرج رجالأن وأقام بأصحابه أياماً؛ فعلقت سلمى بعبد المطلب، وولدته وفي رأسه شيبة، فسمى شيبة. وخرج هاشم في أصحابه إلى الشام حتى بلغ غزة فمات، ودفن بغزة وله عشرون سنة، وقيل خمس وعشرون سنة، ورجعوا بتركته إلى ولده، وأوصى هاشم إلى أخيه المطلب ابن عبد مناف.","part":4,"page":223},{"id":1724,"text":"وحكى ابن الأثير انه لما تزوج سلمى شرط لها أبوها ألا تلد ولداً إلا في أهلها فحملها هاشم إلى مكة فحملت منه، فلما أثقلت ردها إلى أهلها ومضى إلى الشام؛ وقيل انه لم ينقلها وانه خرج إلى الشام هو وعبد شمس، فماتا جميعاً بغزة في عامٍ واحد، وبقي مالهما إلىاجاء الله تعالى بالإسلام؛ فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر غزوة غزاها جاءه قيس بمالهما فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مال هاشم إلى العباس بن عبد المطلب، ففرقه على كبراء بني هاشم، ودفع مال عبد شمس إلى سفيا بن حرب، ففرقه على كبراء بني عبد شمس.\rوقد حكى ابن الأثير:اعبد شمس مات بمكة فقبر بأجياد، وذلك بعد وفاة هاشم بغزة. قال: ثم مات نوفل بسلما من طريق العراق، ومات المطلب بردما من أرض اليمن والله أعلم.\rوقيل:اهاشماً وعبد شمس توأمان، وا أحدهما ولد قبل الآخر، قيل: ان الأول هاشم، وقيل: انهما ولدا وأصبع أحدهما ملتصقةٌ بجبهة صاحبه فنحيت، فسال دمٌ فقيل يكون بينهما دم. والله تعالى أعلم.\rقال ابن الكلبي: وولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر وخمسة نسوة، وهم: شيبة الحمد، وهو عبد المطلب، ورقية ماتت وهي جارية لم تبرز، وأمهما سلمى بنت عمرو، وأبو صيفي واسمه عمرو وهو أكبرهم، وأمه هند، بنت عمرو، بن ثعلبة، بن الحارث، بن مالك، بن سالم، بن غنم، بن عوف، بن الخزرج. وأسد ابن هاشم وأمه قيلة، وكانت تلقب الجزور، بنت عامر، بن مالك، بن جذيمة، وهو المصطلق بن خزاعة، ونضلة بن هاشم، والشفاء، وأمهما أميمة بنت عدي، ابن عبد الله، بن دينار، بن مالك، بن سلامان، بن سعد، بن قضاعة. والضعيفة بنت هاشم، وخالدة بنت هاشم، وأمهما أم عبد الله، وهي واقدة بنت أبي عدي، ويقال عدي، وهو عامر، بن عبد نهم، بن زيد، بن مازن، بن صعصعة؛ وحية بنت هاشم، وأمها أم عدي بنت حبيب، ابن الحارث، بن مالك، بن حطيط ابن جشم بن قسي وهو ثقيف. والله عز وجل أعلم بالصواب.\rعبد المطلب بن هاشم قال ابن قتيبة: واسمه عامر. والصحيح عندهم ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار وغيره ان اسمه شيبة، وكنيته أبو الحارث، كنى باسم ولده الحارث، وهو أكبر ولده.\rولعبد المطلب كنية أخرى، وهي أبو البطحاء؛ ولتسميته بهذين الاسمين، وتكنيته بأبي البطحاء أسباب نذكرها قريب ان اشاء الله تعالى. وأم عبد المطلب سلمى بنت عمرو، بن زيد، بن لبيد، بن خداش، بن عامر، بن غنم، ابن عدي، بن النجار.\rوقال ابن إسحاق: سلمى بنت زيد، بن عمرو، بن لبيد، بن حرام، ابن خداش، بن جندب، بن عدي، بن النجار.\rوقد تقدم انفاً خبر زواج هاشم بها.\rسبب تسميته وكنيته\rأما سبب تسميته شيبة فقيل أن أمه ولدته وفي رأسه شيبة، وكانت ظاهرةً في دؤابته، فسمته شيبة، وذلك في غيبة أبيه. وقيل: أن أباه أوصاها إذا ولدت ذكر ان اتسميه شيبة، فهو شيبة الحمد.\rوفي تسميته عبد المطلب انه لما مات هاشم أقام شيبة بالمدينة عند أمه إلىابلغ سبع سنين، فمر رجل من بني الحارث بن عبد مناف بالمدينة، فإذا غلما ينتصلون، فجعل شيبة إذا أصاب قال: انا ابن هاشم، انا ابن سيد البطحاء، فقال له الحارثي من انت قال: انا شيبة بن هاشم، بن عبد مناف. فلما أتى الحارثي مكة قال للمطلب، وهو بالحجر: يا أبا الحارث، رأيت ابن أخيك هاشم بيثرب، وأخبره بحاله، ولا يحسن بكاتترك مثله، فقال المطلب: والله لا أرجع إلى أهلي حتى آتي به؛ فأعطاه الحارثي ناقته فركبها وقدم المدينة عشاء، فإذا غلما يضربون كرة، فعرف ابن أخيه، فقال للقوم: هذا ابن هاشم ؟ قالوا نعم، فبلغ أمه انه جاء ليأخذه فقالت: والله لوالك مالاً مثل أحد ما أعطيتك إياه، فقال: لا انصرف حتى أخرج به؛ ان ابن أخي قد بلغ، وهو غريب عن قومه. فيقال انها دفعته إليه فأخذه بإذنها. وقيل انه أخذه اختلاسا وأعانه على أخذه رجل من خزاعة.","part":4,"page":224},{"id":1725,"text":"وقال ابن سعد في طبقاته عن محمد بن واقد الأسلمي:اثابت بن المنذر ابن حرام، وهو أبو حسا بن ثابت الشاعر، قدم مكة معتمرا فلقى المطلب، وكا له خليلأن وكا المطلب قد ولى السقاية والرفادة بعد موت هاشم، فقال له ثابت: لو رأيت ابن أخيك شيبة فينا لرأيت جمالاً وهيبةً وشرفاً؛ لقد نظرت إليه، وهو يناضل فتياناً من أخواله، فيدخل مرماتيه جميعاً في مثل راحتي هذه، ويقول كلما خسق: انا ابن عمرو العلى ! فقال المطلب: لا أمسى حتى أحرج إليه فأقدم به، فخرج فورد المدينة، فنزل في ناحية، وجعل يسأل عنه حتى وجده يرمي في فتيا من أخواله، فلما رآه عرف شبه أبيه فيه، ففاضت عيناه، وضمه إليه وكساه حلةً يمانية، وانشأ يقول:\rعرفت شيبة والنّجّار قد حفلت ... أبناؤها حوله بالنّبل تنتضل\rعرفت أجلاده منا وشيمته ... ففاض منّي عليه وابلٌ سبل\rفأرسلت سلمى إلى المطلب، فدعته إلى النزول عليها فقال: شاني أخف من ذلك؛ ما أريد ان أحل عقدةً حتى أقبض ابن أخي فألحقه ببلده وقومه، فقالت: لست بمرسلته معك، وغلظت عليه فقال: لا تفعلي فاني غير منصرف حتى أحرج به معي، فا المقام ببلده خيرٌ له من المقام ههنا وهو ابنك حيث كان؛ فلما رأت انه غير مقصر حتى يخرج به استنظرته ثلاثة أيام، وتحول المطلب إليهم ونزل عندهم، وأقام ثلاثاً ثم احتمله وانطلقا جميعا ودخل به إلى مكة فقالت قريش: هذا عبد المطلب ! فقال: ويحكم انما هو ابن أخي شيبة بن عمرو.\rوقيل انه لما دخل إلى مكة دخلها وشيبة معه على عجز ناقته، وذلك ضحًى، والناس في أسواقهم ومجالسهم، فقاموا يرحبون بقدوم المطلب ويقولون له: من هذا معك ؟ من هذا وراءك؟ فيقول: هذا عبدي، وفي رواية هذا عبدٌ ابتعته بيثرب، فأدخله المطلب منزله على امرأته خديجة بنت سعيد بن سهم، فقالت: من هذا معك ؟ قال: عبدٌ لي؛ واشترى له حلةً فلبسها ثم خرج به العشى إلى مجلس بني عبد مناف وأعلمهم انه ابن أخيه؛ فجعل شيبة يطوف بمكة، فإذا مر بقوم قالوا: هذا عبد المطلب، فغلب ذلك عليه.\rوفي تكنيته بأبي البطحاء انه استسقى لأهل مكة فسقوا لوقتهم، فقال له مشايخ قريش عند ذلك: هنيئاً لك أبا البطحاء. وسنذكراشاء الله تعالى هذه القصة بطولها في المبشرات برسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذه أسباب تسميته وتكنيته. والله أعلم.\rوكا عبد المطلب جسيما أبيض، وسيما طوالأن فصيحاً؛ ما رآه أحدٌ قطٌ إلا أحبه. قال الواقدي: وأقام عبد المطلب بمكة حتى أدرك، وخرج المطلب بن عبد مناف تاجراً إلى أرض اليمن، فهلك بردما من أرض اليمن، فولي عبد المطلب بعده الرفادة والسقاية؛ فلم يزل ذلك بيده وهو يطعم الحاج ويسقيهم في حياض الأدم حتى حفر زمزم، فترك السقي في الحياض، وسقاهم من زمزم، وكا يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم. والله أعلم.\rحفره زمزم","part":4,"page":225},{"id":1726,"text":"قال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله بسندٍ رفعه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال عبد المطلب؛ اني لنائم في الحجر، إذ أتاني آتٍ فقال: احفر طيبة قال: قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني؛ فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم، قال: قلت وما زمزم ؟ قال: لا تنزف أبداً ولا تدم، تسقى الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل. قال: فلما بين له شانها ودل على موضعها وعرف انه قد صدق، غدا بمعوله، ومعه ابنه الحارث، وليس له يومئذ ولدٌ غيره فحفر، فلما بدا لعبد المطلب الطي كبر، فعرفت قريش انه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب، انها بئر أبينا إسماعيل، وا لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها قال: ما انا بفاعل،اهذا الأمر قد خصصت به دونكم، وأعطيته من بينكم، قالوا له: فانصفنا فانا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم، قال نعم. وكانت بمعا من أشراف الشام فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفرٌ والأرض إذ ذاك مفاوز، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام، فني ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم، وقالوا: انا بمفازة، ونحن نخشى على انفسنا مثل ما أصابكم؛ فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم، وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال: ماذا ترون ؟ قالوا: ما رأينا إلا تبع رأيك، فمرنا بما شئت، قال: فاني أرىايحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الأن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه، حتى يكون آخركم رجلاً واحداً فيموت ضيعة، فضبعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركبٍ جميعا قالوا: نعم ما أمرت به. فقام كل رجل منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً؛ ثماعبد المطلب قال لأصحابه: واللهاإلقاءنا بأيدينا هكذا للموت عجز، ألا نضرب في الأرض، ونبتغي لأنفسنا ؟ فعسى اللهايرزقنا ماءً ببعض البلاد. ارتحلوا ! فارتحلوا حتى إذا فرغوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى ناقته فركبها فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عينٌ من ماءٍ عذب، فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب، وشرب أصحابه، واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش فقال: هلموا إلى الماء، فقد سقانا الله، فاشربوا واستقوا فجاءوا فشربوا واستقوا ثم قالوا: قد والله قضى لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبد ان االذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبينها.\rهذا أحد ما قيل في حفر زمزم.\rوفي رواية أخرى: انه قيل له: احفر زمزم، انكاحفرتها لم تندم، وهي تراثٌ من أبيك الأعظم، لا تنزف أبداً ولا تدم، تسقي الحجيج لأعظم، مثل نعامٍ جافلٍ لم يقسم. ينذ فيها ناذرٌ لمنعم، تكون ميراثه وعقداً محكم، ليست كبعض ما قد تعلم، وهي بين الفرث والدم.","part":4,"page":226},{"id":1727,"text":"قال ابن إسحاق: فزعموا انه حين قيل له ذلك قال: فأين هي ؟ قيل له عند قرية النمل، حيث ينقر الغراب غداً. فغدا عبد المطلب ومعه ابنه الحارث، فوجد قرية النمل، ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين: إساف ونائله: اللذين كانت قريش تنحر عندهما ذبائحها فجاء بالمعول، وقام ليحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش حين رأوا جده فقالوا: والله لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما؛ فقال عبد المطلب لأبنه الحارث: ذدعني حتى أحفر، فوالله لأمضين لما أمرت به، فلما عرفوا انه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيراً حتى بدا له الطي، فكبر وعرف انه قد صدق، فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب، وهما الغزالأن اللذا دفنت جرهم فيها حين خرجت من مكة، ووجد فيها سيوفاً قلعيةً وأدراعا فقالت له قريش: لنا معك في هذا شرك وحق، قال: لأن ولكن هلم إلى أمرٍ نصفٍ بيني وبينكم؛ نضرب عليها بالقداح، قالوا: وكيف نصنع ؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيءٍ كان له، ومن تخلف قدحاه فلا شيء له، قالوا: انصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين له، وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل، وهبل صنم في جوف الكعبة، وهو أعظم أصنامهم، وقام عبد المطلب يدعو، وضرب صاحب القداح، فخرج الأصفرا على الغزالين للكعبة، وخرج الأسودا على الأسياف والأدراع لعبد المطلب، وتخلف قدحا قريش؛ فضرب عبد المطلب الأٍسياف باباً للكعبة، وضرب في الباب الغزالين، فكان أول ذهب حليته الكعبة. وقيل انه جعل القفل والمفتاح من ذهب الغزالين. وعن محمد بن عمرو بن واقد قال: كانت جرهم حين أحسوا بالخروج من مكة دفنوا غزالين وسبعة أسياف قلعية، وخمسة أذراعٍ سوابغ، فوجدها عبد المطلب.\rهذا خبر حفر زمزم وما وجد فيها وقد تقدم ذكر سبب خبر ردمها في أثناء أخبار قصي بن كلاب؛ فلنذكر من أخبار عبد المطلب خلاف ذلك. والله الموفق للصواب.\rاستسقاؤه لبني قيس وهذيل\rحكى الزبير بن بكار في انساب قريش وبني هاشم، وبني عبد المطلب قال: روى إبراهيم بن محمد الشافعي عن أبيه، عن الوليد بن خالد المخزومي، عن سعد بن حذافة الجمحي، عن محمد بن عطية العوفي، عن رجل من هذيل قال: قحطت بلاد قيس، وأجدبت فلم تصبهم سماء يعقد بها الثرى، ولا ينبت بها الكلأ، فذاب الشحم، وذهب اللحم، وتهافتوا ضراً وهزلأن فاجتمعوا للمشورة وإجالة الرأي، وقد عزموا على الرحلة وانتجاع البلاد، فقالت فرقة منهم: انتجعوا بلاد سعد وبطن العشر، وقالت فرقة أخرى:اتميماً عددٌ كثير لا يفضل منهم ما يكفيكم، وقالت فرقة أخرى: لينتجع كل ولد أبٍ منكم ولد أب من غيركم، واعقدوا معهم حلفاً تشركونهم به في ربعهم؛ فقام رجل حسن الوجه، مجتمع الخلق، جيد الرأي، فقال: يا بني عيلأن، انكم قد أصبحتم في أمرٍ ليس بالهزل؛ هذا أمر عظيمٌ خطره، متباعدٌ أمره؛ قد بلغن ان اعبد المطلب بن هاشم سيد البطحاء استسقى فسقى، ودعا فأجيب، واستجير به فأجار، فاجعلوا قصدكم إليه، ووفادتكم عليه، فا ذلك أوكد للسبب، وأوجه في الطلب. قالوا: أحسن الرأي، فرحلت قيس وهذيل، ومن دنا منهم حتى أتوا عبد المطلب، فقالوا: أفلح الوجه أبا الحارث ! نحن ذووا أرحامك الواشجات، أصابتنا سنون مجدبات، أهزلن السمين، وانفذن المعين، وقد بلغنا خبرك، وبا لنا أمرك، وكلاماً نحو هذا.\rفقال: موعدكم جبل عرفات، ثم خرج في بنيه وبنى أمية حتى أتى جبل عرفات، فصعد الجبل فقال: اللهم رب الريح العاصف، والرعد القاصف، والبرق الخاطف، منشئ السحاب، ومالك الرقاب، ذي المنن العظام، والأيادي الجسام؛ هذه مضر خير البشر، تشكو سوء الحال، وشدة الإمحال، قد احدودبت ظهورها وغارت عيونها وشعثت شعورها وقد خلفوا نساء ضلعا وصبياناً رضعا وبهائم رتعاً. فآتهم اللهم ريحاً جرارة، وسحاباً درارة، تضحك أرضهم، وتكشف ضرهم. فما فرغ من كلامه حتى نشأت سحابة دكناء فيها ودق شديد، فقال: هي هي، ثم قال يا معشر مضر، ارجعوا فقد سقيتم، فرجعوا واخضرت أرضهم، وكثرت مياههم.","part":4,"page":227},{"id":1728,"text":"هذا ما أورده الزبير بن بكار راوي هذه القصة، والله أعلم. وكانت بعد ان استسقى لقريش، وذلك بعد مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنذكر ذلكاشاء الله تعالى مستوفىً في المبشرات برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا. والله تعالى عز وجل أعلم.\rنذره نحر ابن\rوخروج القداح على عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفدائه قال محمد بن سعد في طبقاته الكبرى، عن محمد بن عمر بن واقد الأسلمي بسند رفعه إلى عبد الله بن عباس وغيره رضي الله عنهم:اعبد المطلب بن هاشم لما رأى قلة أعوانه في حفر زمزم نذر لئن أكمل الله له عشرة ذكور حتى يراهم يذبح أحدهم، فلما تكاملوا عشرة وهم: الحارث، والزبير، وأبو طالب، وعبد الله، وحمزة، وأبو لهب، والغيداق، والمقوم، وضرار، والعباس. هكذا نقل محمد ابن سعد، وعد من العشرة حمزة والمقوم؛ ويرد هذا العدد ما روىاعبد المطلب لم يتزوج أم حمزة إلا بعد الفداء، وقد عد محمد بن السائب الكلبي أولاد عبد المطلب الذكور اثني عشر، فيهم المغيرة، وقثم؛ وعدهم الزبير بن بكار ثلاثة عشر فيهم عبد الكعبة، وحمزة، والمقوم، والمغيرة؛ هؤلاء الثلاثة إخوةٌ أشقاء كلهم لهالة بنت وهيب، وزواج عبد المطلب هالة هذه كان بعد الفداء على ما حكاه ابن سعد أيضاً عن الواقدي، ولعل العشرة تكمل بقثم وعبد الكعبة. والله تعالى أعلم.\rفلنرجع إلى سياقة خبر محمد بن سعد قال: فلما تكاملوا عشرةً جمعهم، ثم أخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء لله به، فما اختلف عليه منهم أحد، وقالوا: أوف بنذرك، وافعل ما شئت، فقال: ليكتب كل رجل منكم اسمه في قدحه ففعلوا فدخل عبد المطلب في جوف الكعبة وقال للسادن: اضرب بقداحهم فضرب، فخرج قدح عبد الله أولها وكا عبد المطلب يحبه فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه الدية فبكى بنات عبد المطلب وكن قياما وقالت إحداهن لأبيها: أعذر فيه با تضرب في إبلك السوائم التي في الحرم، فقال للسادن: اضرب عليه بالقداح، وعلى عشرة من الإبل، وكانت الدية يومئذٍ عشرة من الإبل، فضرب فخرج القدح على عبد الله، فجعل يزيد عشراً عشرا كل ذلك يخرج القدح على عبدالله حتى كملت مائة، فضرب بالقداح فخرج على الإبل، فكبر عبد المطلب والناس معه، واحتمل بنات عبد المطلب أخاهن عبد الله، وقدم عبد المطلب الإبل فنحرها بين الصفا والمروة، وخلى بينها وبين كل من وردها من انسىً أو سبعٍ أو طائر، لم يذب عنها أحدا ولم يأكل منها هو ولا أحدٌ من ولده شيئاً.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت الدية يومئذٍ عشراً من الإبل، وعبد المطلب أول من سن دية النفس مائةً من الإبل، فجرت في قريش والعرب مائة، وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كانت عليه.\rهذا ما أورده محمد بن سعد في طبقاته. وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام في السيرة: قال ابن إسحاق: وكا عبد المطلب قد نذر حين لقى من قريش ما لقي عند حفر زمزم: لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرن أحدهم لله تعالى عند الكعبة، فلما توافى بنوه عشرة، وعرف انهم سيمنعونه جمعهم ثم أخبرهم بنذره، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه وقالوا كيف نصنع ؟ قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوني، ففعلوا ثم أتوه، فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة، وكا هبل على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكا عند هبل قداحٌ سبعة، كل قدح منها فيه كتاب، قدح فيه العقل إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، فعلى من خرج قدح العقل حمله؛ وقدحٌ فيه نعم للأمر إذا أرادوه يضرب به في القداح، فا خرج قدح نعم عملوا به؛ وقدحٌ فيه لأن فا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر؛ وقدح فيه منكم؛ وقدح فيه ملصق؛ وقدح فيه من غيركم؛ وقدح فيه المياه إذا أرادو ان ايحفروا للماء ضربوا بالقداح فيها ذلك القدح، فحيثما خرج عملوا به.","part":4,"page":228},{"id":1729,"text":"وكانوا إذا أرادو ان ايختنوا غلاماً أو ينكحوا منكحا أو يدفنوا ميتا أو شكوا في نسب أحدهم، ذهبوا إلى هبل وبمائة درهم وجزور، فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا ! هذا فلأن بن فلأن قد أردنا به كذا وكذا فأخرج الحق فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب ! فا خرج عليه منكم كان منهم وسيطا وا خرج عليه من غيركم كان حليفا وا خرج عليه ملصق كان على منزلته فيهم، لا نسب له ولا حلف، وا خرج في شيء مما سوى هذا مما يعملون به نعم عملوا به، وا خرج عليه لا أخروه عامه ذلك حتى يأتوه به مرة أخرة؛ ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح؛ فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بندره الذي نذره، فأعطاه كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه، وكا عبد الله بن عبد المطلب أصغر بني أبيه، وهو أحب ولده إليه، وهو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها قام عبد المطلب عند هبل يدعو الله، ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبد الله، فأخذ عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة، ثم أقبل إلى إساف ونائلة ليذبحه، فقامت إليه قريش من انديتها فقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب ؟ قال: أذبحه، فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه حتى تعذر فيه؛ لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتى بابنه حتى يذبحه، فما بقاء الناس على هذا ؟! وقال له المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة - وكا عبد الله ابن أخت القوم - : لا تذبحه حتى تعذر فيه، فا كان فداؤه بأموالنا فديناه، وقالت له قريش وبنوه: لا تفعل، وانطلق به إلى الحجاز فا به عرافةً لها تابعٌ فسلها ثم انت على رأس أمرك، ان أمرتك بذبحه ذبحته، وان أمرتك بأمرٍ لك وله فيه مخرج قبلته، فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوها - فيما يزعمون - بخيبر، فركبوا إليها حتى جاءوها فسألوها وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه، فقالت لهم: قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم؟ قالوا: عشرٌ من الإبل، قالت: فارجعوا إلى بلادك وقربوا عشراً من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فا خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وا خرجت على الإبل فانحروها عنه، فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم، فخرجوا حتى قدموا مكة وفعلوا ذلك، والقداح تقع على عبد الله، وعبد المطلب يزيد عشراً عشرا وهو قائم يدعو حتى بلغت الإبل مائة، فخرج القدح على الإبل، فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى، رضى ربك يا عبد المطلب، فقال عبد المطلب: لا والله ! حتى أضرب عليه بالقداح ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل، وعبد المطلب قائمٌ يدعو، فخرج القدح في كل مرة على الإبل، فنحرت عند ذلك. وذكر نحو ما تقدم.\rزواج عبد الله من آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم روى محمد بن سعد عن محمد بن عمر بن واقد بسندٍ يرفعه، قال: كانت آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، في حجر عمها وهيب بن عبد مناف، فمشى إليه عبد المطلب بابنه عبد الله أبي النبي صلى الله عليه وسلم، فخطبه عيلان منة فزوجها عبد الله، وخطب إليه عبد المطلب بن هاشم في مجلسه ذلك ابنته هالة بنت وهيب على نفسه، فزوجه إياها فكان تزوجهما في مجلسٍ واحد، فولدت هالة لعبد المطلب حمزة، وكا حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في النسب، وأخاه من الرضاعة.\rونقل أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر رحمه الله:اعبد الله ابن عبد المطلب تزوج آمنة وهو ابن ثلاثين سنة. قال: وقيل بل كان يومئذ ابن خمس وعشرين سنة.\rوعن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه، وعن أبي الفياض الخثعمي قالا: لما تزوج عبد الله آمنة أقام عندها ثلاثا وكانت تلك السنة عندهم.\rوقال أبو محمد عبد الملك بن هشام عن محمد بن إسحاق:اعبد المطلب لما فدى ابنه عبد الله أخذ بيده، وخرج به حتى أتى وهب بن عبد مناف بن زهرة، وهو يومئذ سيد بني زهرة نسباً وشرفا فزوجه ابنته آمنة، وهي يومئذ أفضل امرأةٍ في قريش نسباً وموضعا قال: فزعموا انه دخل عليها حين أملكها مكانه فوقع عليها فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم.\rامرأة عرضت نفسها عليه\rالمطلب وما أبدته من سبب ذلك","part":4,"page":229},{"id":1730,"text":"قد اختلف في هذه المرأة، فمنهم من يقول: هي قتيلة، بنت نوفل، بن أسد، ابن عبد العزى، بن قصي، وهي أخت ورقة بن نوفل. قال السهيلي: اسمها رقيقة بنت نوفل تكنى أم قتال، وهي أخت ورقة بن نوفل. ومنهم من يقول: هي فاطمة بنت مر الخثعمية، وقيل غيرها. ونحن نذكر ما قالوه في ذلك.\rفأما عبد الملك بن هشام فقال: لما انصرف عبد المطلب يوم الفداء آخذاً بيد ابنه عبد الله، فمر به على امرأةٍ من بني أسد، وهي أخت ورقة بن نوفل، وهي عند الكعبة، فقالت له حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله ؟ قال: مع أبي، قالت: لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع على الأن. قال: انا مع أبي، ولا أستطيع خلافه ولا فراقه، فخرج به عبد المطلب حتى أتى وهب ابن عبد مناف. وذكر خبر زواجه بآمنة، وانه وقع عليها كما ذكرناه انفاً.\rقال: ثم خرج من عندها فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: مالك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت علي بالأمس ؟ قالت له: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة.\rوقال الواقدي: هي قتيلة بنت نوفل. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: انها امرأةٌ من بني أسد، وهي أخت ورقة.\rقال الواقدي: كانت تنظر وتعتاف، فمر بها عبد الله فدعته يستبضع منها ولزمت طرف ثوبه فأبى وقال: حتى آتيك، وخرج مسرعاً حتى دخل على آمنة فوقع عليها فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى المرأة وهي تنتظره فقال: هل لك في الذي عرضت علي ؟ فقالت: لا. مررت وفي وجهك نورٌ ساطع، ثم رجعت وليس فيه ذلك النور.\rقال: وقال بعضهم قالت: مررت وبين عينيك غرة مثل غرة الفرس، ورجعت وليس هي في وجهك.\rوقال محمد بن عمر بن واقد، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه، عن أبي الفياض الخثعمي، قال: مر عبد الله بأمرأة من خثعم يقال لها: فاطمة بنت مر، وكانت من أجمل الناس وأشبه وأعفه، وكانت قد قرأت الكتب، وكا شباب قريش يتحدثون إليها فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت: يا فتى ! من انت ؟ فأخبرها قالت: هل لكاتقع علي وأعطيك مائةً من الإبل ؟ فنظر إليها وقال:\rأمّا الحرام فالممات دونه ... والحلّ لا حلّ فأستبينه\rفكيف بالأمر الذي تنوينه\rثم مضى إلى امرأته آمنة، فكان معها ثم ذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه، فأقبل عليها فلم ير منها من الإقبال عيلان خراً كما رآه منها أولأن فقال: هل لك فيما قلت لي ؟ فقالت: قد كان ذاك مرةً فاليوم لأن فذهبت مثلأن وقالت: أي شيء صنعت بعدي ؟ قال: وقعت على زوجتي آمنة، قالت: اني والله لست بصاحبة زنية، ولكني رأيت نور النبوة في وجهك، فأردتايكون ذلك في، وأبى الله يجعله حيث جعله.\rوبلغ شباب قريش ما عرضت على عبد الله وتأبيه عليها فذكروا ذلك لها فكان يقول:\rاني رأيت مخيلة عرضت ... فتلألأت بحناتم القطر\rفلمأتها نوراً يضيء له ... ما حوله كإضاءة الفجر\rورأيته شرفاً أبوء به ... ما كلّ قادح زنده يورى\rلله ما زهريةٌ سلبت ... ثوبيك ما استبلت وما تدرى\rوقالت أيضاً:\rبنى هاشم قد غادرت من أخيكم ... أمينة إذ للباه يعتلجان\rكما غادر المصباح بعد خبوه ... فتائل قد ميثت له بدهان\rوما كلّ ما يحوي الفتى من تلاده ... بحزمٍ ولا ما فاته لتوان\rفأجمل إذا طالبت أمراً فانه ... سيكفيكه جدا يصطرعان\rستكفيكه إمّا يدٌ مقفيلة ... وإمّا يدٌ مبسوطةٌ ببيان\rولما قضت منه أمينة ما قضت ... نبا بصرى عنه وكلّ لساني\rوعن أبي يزيد المدني قال: نبئتاعبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على امرأة من خثعم فرأت بين عينيه نوراً ساطعاً إلى السماء فقالت: هل لك في ؟ قال: نعم حتى أرمي الجمرة، فانطلق فرمي الجمرة، ثم أتى امرأته آمنة بنت وهب، ثم ذكر الخثعمية فأتاها فقالت: هل أتيت امرأةً بعدي ؟ قال نعم، امرأتي آمنة بنت وهب، قالت: فلا حاجة لي فيك، انك مررت وبين عينيك نور ساطعٌ إلى السماء، فلما وقعت عليها ذهب؛ فأخبرها انها قد حملت بخير أهل الأرض.","part":4,"page":230},{"id":1731,"text":"وقال محمد بن إسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار، انه حدثاعبد الله انما دخل على امرأة كانت له مع آمنة بنت وهب، وقد عمل في طين له، وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسه فأبطأت عليه لما رأت عليه من آثار الطين، فخرج من عندها فتوضأ وغسل ما كان به من ذلك الطين، ثم خرج عامداً إلى آمنة فمر بها فدعته فأبى عليها وعمد إلى آمنة فدخل عليها؛ فأصابها فحملت بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر بأمرأته تلك فقال لها: هل لك ؟ قالت: لا. مررت بي وبين عينيك غرة، فدعوتك فأبيت، ودخلت على آمنة فذهبت بها.\rقال ابن إسحاق: وزعمو ان اامرأته تلك كانت تحدث: انه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس، قالت: فدعوته رجاءاتكون تلك بي، فأبى علي، ودخل على آمنة فأصابها فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم، أوسط قومه نسبا وأعظمهم شرفاً من قبل أبيه وأمه. والله الفعال.\rحمل آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم وما رأته، وما قيل لها حملت به صلى الله عليه وسلم أيام التشريق في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى، رواه أبو عمر بن عبد البر عن الزبير بن بكار، وحكاه غيره أيضاً.\rوقيل حملت به في دار وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب.\rوروى محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدثني علي بن يزيد، بن عبد الله، بن وهب بن زمعة عن أبيه، عن عمته قالت: كنا نسمعارسول الله صلى الله عليه وسلم لما حملت به آمنة بنت وهب كانت تقول: ما شعرت اني حملت به، ولا وجدت له ثقلة كما تجد النساء، إلا اني قد انكرت رفع حيضتي، فربما كانت ترفعني وتعود؛ وأتاني آتٍ، وانا بين النائم واليقظا فقال: هل شعرت انك حملت ؟ فكاني أقول ما أدري، فقال: انك قد حملت بسيد هذه الأمة ونبيها وذلك يوم الإثنين، قالت: فكان ذلك مما يقن عندي الحمل، ثم أمهلني حتى إذا دنت ولادتي أتاني ذلك الآتي فقال: قولي: أعيذه بالواحد الصمد، من شر كل حاسد. قالت: فكنت أقول ذلك.\rوفي رواية محمد بن إسحاق انه قيل لها: انك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم سميه محمداً.\rوفي رواية أخرى: امرت أمه وهي حامل برسول الله صلى الله عليه وسلماتسميه أحمد. قالت أمه: فذكرت ذلك لنسائي، فقلن لي: تعلقي حديداً في عضديك وفي عنقك، قالت: ففعلت، فلم يكن يترك علي إلا أياما فأجده قد قطع، فكنت لا أتعلقه.\rوعن الزهري قال: قالت آمنة: لقد علقت به، فما وجدت له مشقة حتى وضعته.\rقال ابن إسحاق: ورأت حين حملت به انه خرج منها نورٌ رأت به قصور بصرى من أرض الشام. قد تواترت الأخبار الصحيحة بذلك.\rوحكى الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي في كتاب الأعلام له عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال: وكا من دلائل حمل آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلماكل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة وقالت: حمل بمحمد ورب الكعبة، وهو إمام الدنيا وسراج أهلها؛ ولم تبق كاهنةٌ في قريش ولا في قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبها؛ وانتزع علم الكهنة منهم ولم يبق سريرٌ لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوساً.\rقال: وقال كعب الأحبار: وأصبحت يومئذ أصنام الدنيا كلها منكوسةً مضغوطة فيها شياطينها وأصبح عرش إبليس عدو الله منكوساً.\rقال: وقال ابن عباس رضي الله عنهما: وأصبح كل ملكٍ أخرس لا ينطق يومه ذلك، وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار صار يبشر بعضهم بعضا وله في كل شهر من شهوره نداءٌ في الأرض، ونداءٌ في السماء: ان أبشروا فقدالأبي القاسمايخرج إلى الأرض ميموناً مباركاً. والله الموفق الفعال.\rوفاة عبد الله بن عبد المطلب","part":4,"page":231},{"id":1732,"text":"روى أبو عبد الله محمد بن سعد، بسندٍ يرفعه إلى محمد بن كعب، وأيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، قالا: خرج عبد الله بن عبد المطلب إلى الشام إلى غزة في عير من عيرات قريش يحملون تجارات، ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا فمروا بالمدينة وعبد الله يومئذٍ مريضٌ فقال: انا أتخلف عند أخوالي بني عدي ابن النجار، فأقام عندهم مريضاً شهرا ومضى أصحابه فقدموا مكة، فسألهم عبد المطلب عن عبد الله، فقالوا: خلفانه عند أخواله وهو مريض، فبعث إليه عبد المطلب ولده الحارث، فوجده قد توفى ودفن في دار النابغة، وهو رجل من بني عدي بن النجار، فرجع إلى أبيه فأخبره، فوجد عليه عبد المطلب وإخوته وأخواته وجداً شديدا ورسول الله صلى الله عيه وسلم يومئذ حملٌ.\rولعبد الله يوم توفى خمس وعشرون سنة.\rقال الواقدي: هذا هو أثبت الأقاويل: والرواية في وفاة عبد الله وسنه عندنا.\rوعن هشام بن السائب الكلبي عن أبيه، وعن عوانة بن الحكم قالا: توفي عبد الله بن عبد المطلب بعد ما أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانيةٌ وعشرون شهرا ويقال سبعة أشهر، وقيل شهران.\rقال محمد بن سعد: والأول أثبت. وقال السهيلي: وأكثر العلماء على انه كان في المهد، قال: ذكره الدولابي وغيره. والله تعالى أعلم.\rقال الواقدي: وترك عبد الله بن عبد المطلب أم أيمن، واسمها بركة، وخمسة أجمالٍ أوارك، يعني تأكل الأراك، وقطعة غنم؛ فورث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله خير الوارثين.\rمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة شرفها الله تعالى؛ قال الزبير بن بكار: ولد صلى الله عليه وسلم في الدار التي كانت لمحمد بن يوسف أخي الحجاج. قال القرطبي رحمه الله في كتاب الأعلام له: ان الدار كانت في الزقاق المعروف بزقاق المولد، وكانت في مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في يد عقيل بن أبي طالب ثم في أيدي ولده، ثم اشتراها محمد بن يوسف الثقفي من ولد عقيل، فأدخل البيت في دارٍ بناها وسماها البيضاء، فكان البيت في الدار إلىاحجت الخيزرا أم الهادي والرشيد، فأخرجت البيت وجعلته مسجداً يشرع في زقاق المولد.\rوكا مولده صلى الله عليه وسلم عام الفيل بعد قدوم أصحاب الفيل بخمس وخمسين ليلة، في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، قيل لليلتين خلتا منه، وقيل أول اثنين منه من غير تعيين، وقيل ولد في شهر رمضا لأثنتي عشرة ليلةً خلت منه، وهو العشرون من نيسا سنة ثمانمائة واثنتين للإسكندر ذي القرنين.\rوالمشهور انه ولد في شهر ربيع الأول؛ فيقول القائل: كيف يمكناتكون حملت به في أيام التشريق، وولد في شهر ربيع الأول، والمدة بينهما إما أربعة أشهر، أو ستة عشر شهرا ولم ينقل إلينا انه صلى الله عليه وسلم ولد لأقل من تسعة أشهر ولا أكثر منها ؟ فالجواب ان الحج إذ ذاك لم يكن محصوراً في ذي الحجة، بل قد ثبت ان أبا بكر الصديق رضي الله عنه حج بالناس في السنة التاسعة من الهجرة، ووافق الحج في ذي القعدة، فلما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع في السنة العاشرة، خطب فقال في خطبته: أل ان االزما قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم: ثلاثةٌ متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحترم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، فيمكنايكون الحج لما حملت آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم وافق في جمادى الآخرة؛ ولا يمتنع هذا والله أعلم.\rوروي عن ابن عباس رضي الله عنهم ان اآمنة بنت وهب قالت: لقد علقت به، تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما وجدت له مشقة حتى وضعته؛ فلما فصل منى خرج منه نورٌ أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب، ثم وقع على الأرض على يديه، ثم أخذ قبضة من تراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء.\rوقال بعضهم: وقع جاثيا على ركبتيه رافعاً رأسه إلى السماء، وخرج معه نورٌ أضاءت له قصور الشام وأسواقها حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى. وعن حسا ابن عطية: ان النبي صلى الله عليه وسلم لما ولد وقع على كفيه وركبتيه شاخصاً بصره إلى السماء.","part":4,"page":232},{"id":1733,"text":"قالت أمه: فولدته نظيفاً والله كما يولد السخل ما به قدر. وقالت فاطمة بنت عبد الله أم عثما بن أبي العاصي، وكانت شهدت ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعته أمه آمنة وذلك ليلأن قالت: فما شيءٌ انظر إليه من البيت إلا نور، واني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى اني لأقول لتقعن علي.\rوذكر الخطيب أبو بكر بن ثابت رحمه الله، عن آمنة قالت: لما ولدت محمداً صلى الله عليه وسلم ثم خرج من بطني نظرت إليه، فإذا هو ساجد لله عز وجل رافعٌ يديه إلى السماء كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد اقبلت تنزل من السماء حتى غشيته، فغيبته عن عيني برهة، فسمعت قائلاً يقول: طوفوا بمحمد مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار كلها ليعرف جميع الخلائق كلها باسمه وصفته، ويعرفوا بركته، انه حبيب لي، لا يبقى شيءٌ من الشرك إلا ذهب به. قالت: ثم انجلت عني في أسرع من طرفة عين، فإذا انا به مدرجٌ في ثوب أبيض أشد بياضاً من اللبن، وتحته حريرة خضراء قد قبض على ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض، وإذا قائلٌ يقول: قد قبض محمدٌ صلى الله عليه وسلم مفاتيح النصرة، ومفاتيح الدنيا ومفاتيح النبوة.\rوذكر الخطيب أيضاً عنها في شا المولد: قالت: رأيت سحابة أعظم من الأولى ولها نور، أسمع فيها صهيل الخيل، وخفقا الأجنحة، كلام الرجال، حتى غشيته، قالت: وغيبت عني وجهه أطول وأكثر من المرة الأولى، فسمعت منادياً ينادي: طوفوا بمحمد جميع الأرضين، وعلى موالد النبيين، واعرضوه على كل روحاني من الجن، والأنس، والملائكة، والطير، والوحوش؛ وأعطوه خلق آدم، ومعرفة شيث، وشجاعة نوح، وخلة إبراهيم، ولسا إسماعيل، ورضا إسحاق وفصاحة صالح، وحكمة لوط، وبشرى يعقوب، وجمال يوسف، وشدة موسى وطاعة يونس، وجهاد يوشع، وصوت داود، وحب دانيال، ووقار إلياس وعصمة يحيى، وزهد عيسى؛ واغمسوه في جميع أخلاق النبيين عليه وعليهم السلام. ثم انجلت عني في أسرع من طرفة العين، فإذا به قد قبض على حريرةٍ خضراء مطويةٍ طياً شديدا ينبع من تلك الحريرة ماءٌ معين، وإذا قائل يقول: بخٍ بخٍ ! قبض محمدٌ صلى الله عليه وسلم على الدنيا كلها لم يبق خلقٌ كثيرٌ من أهلها إلا دخل في قبضته طائعاً بإذن الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله.\rوعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن أبيه، قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مختوناً مسرورا قال: وأعجب ذلك عبد المطلب، وحظى عنده، فقال: ليكونن لأبني هذا شان.\rوفي رواية: لما ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسلت إلى جده عبد المطلب، فجاء البشير وهو جالس في الحجر مع ولده ورجالٍ من قومه، فاخبرهاآمنة ولدت غلاما فسر بذلك، وقام هو ومن معه، فدخل عليه، فأخبرته بكل ما رأت، وما قيل لها فيه، وما أمرتاتسميه. قال: فأخذه عبد المطلب فأدخله الكعبة، وقام عندها يدعو الله، ويشكر ما أعطاه. قال الواقدي: وأخيرتاعبد المطلب قال يومئذ:\rالحمد للّه الذي أعطاني ... هذا الغلام الطّيب الأردان\rقد ساد في المهد على الغلمان ... أعيذه بالبيت ذي الأركان\rحتى أراه بالغ البنيان ... اعيذه من شرّ ذي شنان\rمن حاسدٍ مضطرب العنان\rوقال القرطبي: وقال أبو طالب: كنت تلك الليلة التي ولد فيها محمد في الكعبة أصلح فيها ما تهدم منها فلما انتصف الليل، إذا انا بالبيت الحرام قد مال بجوانبه الأربعة، فخر ساجداً في مقام إبراهيم عيلان لسلام، كالرجل الساجد، ثم استوى قائما وانا أسمع له تكبيراً عجيباً ينادي: الله أكبر ! الله رب محمد المصطفى ! الأن طهرني ربي من انجاس المشركين، وحمية الجاهلية ! ونظرت إلى الأصنام كلها تنتفض كما ينتفض الثوب، ونظرت إلى الصنم الأعظم هبل قد انكب في الحجر، وسمعت منادياً ينادي: أل ان اآمنة قد ولدت محمداً ! وقد سكبت عليها سحائب الرحمة، هذا طست الفردوس قد انزل ليغسل فيه الثانية.\rوعن حسا بن ثابت الأنصاري، قال: والله اني لغلامٌ يفعةٌ ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما سمعت، إذ سمعت يهودياً يصرخ على أطمة يثرب: يا معشر يهود ! حتى إذا اجتمعوا إليه، قالوا له: ويلك ! مالك ؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به.\rاسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكناه","part":4,"page":233},{"id":1734,"text":"وأسماؤه صلى الله عليه وسلم كثيرة، منها ما جاء بنص القران، ومنها ما نقل إلينا من الكتب السالفة والصحف المنزلة، ومنها ما جاء في الأحاديث الصحيحة ومنها ما اشتهر على ألسنة الأئمة من الأمة رضوان الله عليهم.\rروى عن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لي خمسة اسماء: انا محمد، وانا أحمد، وانا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وانا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وانا العاقب. قيل لأنه عقب غيره من الأنبياء.\rوروى عنه عيلان لسلام: لي عشرة اسماء، فذكر الخمسة هذه، قال: وانا رسول الرحمة، ورسول الراحة، ورسول الملاحم، وانا المقفى؛ قفيت النبيين، وانا قيم.\rقال القاضي عياض: والقيم: الجامع الكامل، قال: كذا وجدته ولم أروه وأرى صوابه: قثم بالثاء، وروى النقاش عنه عيلان لصلاة والسلام لي في القرا سبعة اسماء: محمد، وأحمد، ويس، وطه، والمدثر، والمزمل، وعبد الله. وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: انه كان عيلان لسلام يسمى لنا نفسه اسماء؛ فيقول: انا محمد، وأحمد، والمقفى، والحاشر، ونبي التوبة ونبي الملحمة، ويروى المرحمة، والرحمة؛ ومعنى المقفى: معنى العاقب.\rوقد جاءت من ألقابه وأسمائه صلى الله عليه وسلم في القرا عدةٌ كثيرة سوى ما ذكرناه منها النور؛ لقوله تعالى: \" قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وكتابٌ مُبِينٌ \" ، والسراج المنير، والشاهد، والمبشر والنذير، وداعي الله؛ قال الله تعالى \" يأيُّهَا النَّبيّ انا أرْسَلْناكَ شاهِداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً ودَاعِياً إلى الله بإذْنِهِ وسِرَاجاً مُنِيراً \" والبشير لقوله تعالى: \" وبَشِّر المُؤْمِنِين \" ، والمنذر لقوله: \" انمَا انتَ مُنِذْرُ مَنْ يَخْشَاهَا \" ، والمذكر لقوله تعالى: \" انمَا انتَ مُذَكِّرٌ \" ، والشهيد لقوله: \" وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً \" ، والخبير لقوله تعالى: \" الرَّحْمنُ فأسْألْ بِه خَبِيراً \" قال القاضي بكر بن العلاء: المأمور بالسؤال غير النبي صلى الله عليه وسلم، والمسؤول الخبير هو النبي صلى الله عليه وسلم؛ والحق المبين لقوله تعالى: \" حَتَّى جَاءَهُمْ الْحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ \" ، وقوله: \" وقُلْ اني انا النَّذِير المبينُ \" ، وقوله: \" قَدْ جَاءَكُم الْحَقُّ مِن رَّبِّكُم \" ، وقوله: \" فَقَد كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُم \" ، قيل: محمد وقيل القرآن، والرءوف الرحيم؛ لقوله تعالى: \" بالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ \" ، والكريم، والمكين، والأمين؛ لقوله تعالى: \" انهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوةٍ عِندَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أمِين \" ، والرسول، والنبي الأمي؛ لقوله: \" الذينَ يَتَّبِعُون الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيِّ \" ، والولي، لقوله تعالى: \" انمَا وَلِيُّكُم اللَهُ وَرَسُولُه \" ، والفاتح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم، في حديث الإسراء عن ربه تعالى: \" وجعلتك فاتِحا وخاتِما \" ، وفيه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فاتحا وخاتما وقدم الصدق؛ قال الله تعالى: \" وَبَشِّر الذيِنَ آمَنُو ان الَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِم \" ؛ قال قتادة والحسن وزيد بن أسلم: قدم صدق هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ والعروة الوثقى قيل: محمد، وقيل: القران؛ والهادي، لقوله تعالى: \" وَانكَ لتَهَدى إلى صِراطٍ مُسْتَقِيم \" .\rتسميته محمداً وأحمد\rومن تسمى بمحمد قبله صلى الله عليه وسلم من العرب، واشتقاق ذلك أما اشتقاق هذه التسمية، فمحمد اسمٌ علم، وهو منقول من صفة من قولهم: رجلٌ محمد؛ وهو الكثير الخصال المحمودة؛ والمحمد في لغة العرب: هو الذي يحمد حمداً بعد حمد مرةً بعد مرة. قال السهيلي: لم يكن محمد حتى كان أحمد حمد ربه فنبأه وشرفه؛ فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد فذكره عيسى عيلان لسلام باسمه أحمد.\rوهو صلى الله عليه وسلم أول من سمى بأحمد، ولم يسم به أحد قبله من سائر الناس؛ وفي هذا حكمة عظيمة باهرة؛ لأن عيسى عيلان لسلام قال: ومبشراً برسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد، فمنع الله تعالى بحكمتهايسمى أحدٌ به ولا يدعى به مدعوٌ قبله، حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب.\rوأما محمد، فا الله تعالى حمىايسمى به أحدٌ من العرب، ولا من غيرهم إلىاشاع قبل وجوده وميلاده صلى الله عليه وسلم:انبياً يبعث اسمه محمد قد قرب إبا مولده، فسمى قوم من العرب أبناءهم.","part":4,"page":234},{"id":1735,"text":"قال أبو جعفر محمد بن حبيب: وهم ستة لا سابع لهم: محمد بن سفيا بن مجاشع جد الفرزدق الشاعر، وهو أول من سمى محمدا ومحمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي، ومحمد بن حسا الجعفي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن براء البكري، ومحمد بن خزاعي السلمي، وذكر فيهم أيضاً محمد بن اليحمدي من الأزد واليمن تقول: انه أول من تسمى بمحمد. وذكر أبو الخطاب بن دحية فيهم: محمد بن عتوارة الليثي الكناني، ومحمد بن حرماز بن مالك التميمي المعمري. وقال أبو بكر بن فورك: لا يعرف في العرب من تسمى قبله بمحمد سوى محمد بن سفيان، ومحمد بن أحيحة، ومحمد بن حمران، وا آباء هؤلاء الثلاثة وفدوا على بعض الملوك، وكا عنده علم من الكتاب الأول، فأخبرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وباسمه، وكا كل واحدٍ منهم قد خلف امرأته حاملأن فطمع في ذلك فنذر كل واحد منهماولد له ولد ذكرايسميه محمداً.\rوذكر ابن سعدٍ فيهم: محمد الجشمي. وقال ابن الأثير: محمد بن عدي بن ربيعة بن سعد بن سواد بن جشم بن سعد؛ عداده في أهل المدينة. وروى عبد الملك بن أبي سويد المنقري عن جد أبيه خليفة، قال: سألت محمد بن عدي كيف سماك أبوك محمداً ؟ فضحك، ثم قال: أخبرني أبي عدي بن ربيعة، قال: خرجت انا وسفيا بن مجاشع، ويزيد بن ربيعة بن كنانة، بن حرقوص ابن مازن، وأسامة بن مالك بن العنبر نريد ابن جفنة، فلما قربنا منه نزلنا إلى شجرات وغدير، فأشرف علينا ديراني فقال: اني لأسمع لغة ليست لغة أهل هذه البلاد فقلنا: نعم ! نحن من مضر، فقال: أي المضرين ؟ قلنا: خندف، فقال: انه يبعث وشيكاً نبي منكم، فخذوا نصيبكم منه تسعدوا قلنا ما اسمه ؟ قال: محمد فأتينا ابن جفنة، فلما انصرفنا ولد لكل منا ابن فسماه محمداً.\rوقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن علي، عن مسلمة، عن علقمة، عن قتادة بن السكن، قال: كان في بني تميم محمد بن سفيا بن مجاشع، ومحمد الجشمي في بني سواد، ومحمد الأسيدي، ومحمد الفقيمي؛ سموهم طمعاً في النبوة؛ ثم حمى الله تعالى كل من تسمى بمحمدايدعى النبوة، أو يدعيها أحد له، أو يظهر عليه سبب يشكك أحداً في أمره، حتى تحقق ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع.\rمن أسمائه في الكتب المنزلة\rالعظيم، وقع في أول سفر من التوراة عن إسماعيل: وسيلد عظيماً لأمة عظيمة.\rوالجبار، سمى بذلك في كتاب داود عيلان لسلام، فقال: تقلد أيها الجبار سيفك فا ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك. قالوا: ومعناه في حق النبي صلى الله عليه وسلم: إما لإصلاحه الأمة بالهداية والتعليم، أو لقهره أعداءه، أو لعلو منزلته على البشر، وعظيم خطره. ونفى الله عز وجل عنه جبرية التكبر في القرا فقال: \" وما انتَ عليهمْ بجبّارٍ \" .\rومن أسمائه فيها: المتوكل، والمختار، ومقيم السنة، والمقدس، وروح الحق، وهو معنى البارقليط في الأنجيل؛ وقال ثعلب: البارقليط: الذي يفرق بين الحق والباطل.\rومنها ماذ ماذ؛ ومعناه طيب طيب، وحمطايا والخاتم والخاتم؛ حكاه كعب الأخبار، قال: فقلت فالخاتم الذي ختم به الأنبياء، والخاتم أحسن الأنبياء خلقاً وخلقا ويسمى بالسريانية مشفج، والمنحمنا واسمه أيضاً في التوراة: أحيد، وروى ذلك عن ابن سيرين رحمه الله.\rومن اسمائه ونعوته\rعيلان لسلام التي جرت على ألسنة أئمة الأمة المصطفى، والمجتبي، والحبيب، ورسول رب العالمين، والشفيع المشفع والمتقي، والمصلح، والطاهر، والمهيمن، والصادق، والضحوك، والقتال، وسيد ولد آدم، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وحبيب الله وخليل الرحمن، وصاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والشفاعة والمقام المحمود، وصاحب الوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، وصاحب التاج والمعراج والقضيب، وراكب البراق والناقة والنجيب، وصاحب الحجة والسلطان، والخاتم والعلامة والبرهان، وصاحب الهراوة والنعلين. صلى الله عليه وسلم.\rقالوا: ومعنى صاحب القضيب: السيف، وقع ذلك مفسراً في الأنجيل؛ قال: معه قضيب من حديدٍ يقاتل به، وأمته كذلك؛ وأما الهرواة التي وصف بها فهي في اللغة العصا ولعلها القضيب الممشوق الذي انتقل إلى الخلفاء؛ وأما صاحب التاج، فالمراد به العمامة، ولم تكن حينئذٍ إلا للعرب.","part":4,"page":235},{"id":1736,"text":"وكانت كنيته المشهورة أبا القاسم، وعن انسٍ انه لما ولد له إبراهيم، جاءه جبريل فقال: السلام عليك يا ابا إبراهيم.\rمراضعه مراضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخوته من الرضاعة، وما ظهر من معجزاته في زمن رضاعه وحال طفوليته صلى الله عليه وسلم قال محمد بن عمر بن واقد الأسلمي: أول من أرضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثويبة، وهي جارية أبي لهب، أرضعته بلبن ابنها مسروح أياماً قبلاتقدم حليمة السعدية، وكانت قد أرضعت قبله عمه حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الله بن عبد الأسد المخزومي؛ وكا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها وهي يومئذ مملوكة، وطلبت إلى أبي لهباتبتاعها منه لتعتقها فأبى أبو لهب، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أعتقها أبو لهب، وكا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إليها بصلةٍ وكسوة، حتى جاء خبرها انها قد ماتت سنة سبع عند مرجعه من خيبر، فقال: ما فعل ابنها مسروح ؟ فقيل: مات قبلها ولم يبق من قرابتها أحد.\rثم أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب، وأبو ذؤيب عبد الله بن الحارث بن شجنة، ابن جابر بن رزام بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلأن بن مضر؛ واسم أبيه الذي أرضعه: الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملأن بن ناصرة؛ ويقال هلال بن ناصرة بن فصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن.\rوإخوته من الرضاعة منها: عبد الله بن الحارث، وانيسة بنت الحارث، وحذافة بنت الحارث وهي الشيماء، وكانت الشيماء تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمها.\rقال أبو عبد الله محمد بن إسحاق كانت حليمة بنت أبي ذؤيب تحدث انها خرجت من بلدها مع زوجها وابنٍ لها ترضعه في نسوة من بني سعد بن بكر تلتمس الرضعاء قال الواقدي: انهن كن عشرا قالت: في سنة شهباء لم تبق شيئا فخرجت على أتا لي قمراء معنا شارف لنا والله ما تبص بقطرة، وما تنام لنا ليلتنا أجمع مع صبينا الذي معي من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً حتى قدمنا مكة، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها انه يتيم، وذلك انا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي؛ فكنا نقول: يتيم، ما عسىاتصنع أمه وجده ؟ فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعاً غيري، فلما أجمعنا الأنطلاق قلت لصاحبي: والله اني لأكره ان أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه؛ قال: لا عليكاتفعلي، عسى اللهايجعل لنا فيه بركة. قال: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا اني لم أجد غيره؛ فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري، أقبل عليه ثدياي بما شاء الله من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا بها حافل، فحلب منها ما شرب وشربت، حتى انتهينا رياً وشبعا فبتنا بخير ليلة.","part":4,"page":236},{"id":1737,"text":"قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمةً مباركة، قالت: قلت والله اني لأرجو ذلك، قالت: تم خرجنا فركبت أتاني وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم، حتىاصواحبي ليقلن لي: ويحك يا بنت أبي ذؤيب ويحك ! اربعي علينا. أليست هذه أتاتك التي كنت خرجت عليها ؟ فأقول لهن: بلى والله ! انها لهي هي، فيقلن: واللهالها لشاناً. قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها فكانت غنمى تروح على حين قدمنا به معنا شباعاً لبنا فنحلب ونشرب، وما يحلب انسا قطرة لبن وما يجدها في ضرع حتى كان الحاصر من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم ! اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، قالت: فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخيرة حتى مضت سنتاه وفصلته، وكا يشب شباباً لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفرا قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه. وقلت لها: لو تركت بني عندي حتى يغلظ، فاني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم تزل به حتى ردته معنا فرجعنا به فوالله انه بعد مقدمنا بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد، فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلأن عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه، فهما يسوطانه، قالت: فخرجت انا وأبوه نحوه، فوجدناه قائماً منتقعاً وجهه، فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا: مالك يا بني ؟ قال: جاءني رجلأن عليهما ثياب بيض، فأضجعاني فشقا بطني، فالتمسا فيه شيئاً لا أدي ما هو ؟ قالت: فرجعنا إلى خبائنا فقال لي أبوه: يا حليمة، لقد خشيتايكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله قبلايظهر ذلك به، قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك يا ظئر وقد كنت حريصةً عليه وعلى مكثه عندك ؟ فقلت: قد بلغ الله بابني، وقضيت الذي علي، وتخوفت الأحداث عليه، فأديته عليك كما تحبين، قالت: ما هذا شانك فاصدقيني خبرك ! فلم تدعني حتى أخبرتها؛ قالت: أفتخوفت عيلان لشيطا ؟ قلت نعم. قالت كلا والله ! ما للشيطا عليه من سبيل، وا لبني لشانا أفلا أخبرك خبره ؟ قلت: بلى ! قالت: رأيت حين حملت به انه خرج مني نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حملٍ قط كان أخف ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وانه لواضعٌ يديه بالأرض، ورافعٌ رأسه إلى السماء؛ دعيه عنك وانطلقي راشدة. هكذا نقل ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق.\rوقال محمد بن سعد في كتابه المترجم بالطبقات عن الواقدي: كان عمره يوم شق بطنه أربع سنين، وا حليمة أتت به أمه آمنة بنت وهب وأخبرتها خبره وقالت: انا لا نرده إلا على جدع انفنا؛ ثم رجعت به أيضا فكان عندها سنة أو نحوها لا تدعه يذهب مكاناً بعيدا ثم رأت غمامة تظله، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، فأفزعها ذلك من أمره، فقدمت به إلى أمه لترده وهو ابن خمس سنين، فأضلها في الناس، فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب فأخبرته، فالتمسه فلم يجده، فقام عند الكعبة فقال:\rلا همّ ردّ راكبي محمّدا ... أردده ربّي واصطنع عندي يدا\rانت الذي جعلته لي عضدا ... لا يبعد الدهر به فيبعدا\rانت الذي سميته محمدا","part":4,"page":237},{"id":1738,"text":"قال ابن اسحاق: يزعمون انه وجده ورقة بن نوفل بن أسد ورجل آخر من قريش، فأتيا به عبد المطلب، فقالا: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة، فأخذه عبد المطلب فجعله على عنقه وهو يطوف بالكعبة يعوذه ويدعو له، ثم أرسل به إلى أمه آمنة. وعن خالد بن معدا الكلاعي:انفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، قال: نعم. انا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ورأت أمي حين حملت بي انه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينما انا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا إذ أتاني رجلأن عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة تلجا فأخذاني فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فاستخرجا منه علقةً سوداء فطرحاها ثم غسلا بطني وقلبي بذلك اللج حتى انقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فوزننهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، فقال: دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنها.\rقال محمد بن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلمامما هاج أمه السعدية على رده إلى أمه، مع ما ذكرت لأمه مما أخبرتها عنه،انفراً من الحبشة نصارى رأوه معها حين رجعت به بعد فطامه، فنظروا إليه وسألوها عنه وقلبوه ثم قالوا لها: لأخذت هذا الغلام فلنذهبن به إلى ملكا وبلدنا فا هذا غلام كائن له شا نحن نعرف أمره، فلم تكد تنفلت به منهم.\rونقل محمد بن سعد:اآمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم لما دفعته لحليمة السعدية قالت لها: احفي ابني، وأخبرتها بما رأت، فمر بها اليهود فقالت: ألا تحدثوني عن ابني هذا ؟ فاني حملته كذا ورأيت كذا كما وصفت آمنة، فقال بعضهم لبعض: اقتلوه ! ثم قالوا: أيتيم هو ؟ فقالت: لا هذا أبوه وانا أمه، فقالوا: لو كان يتيماً لقتلناه، قالت: فذهبت به.\rوحضنته صلى الله عليه وسلم أم أيمن بركة الحبشية حتى كبر، فأعتقها وزوجها زيد بن حارثة، فولدت له أسامة بن زيد؛ وكا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثها من أبيه. والله أعلم.\rوفاة آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الواقدي وغيره من أهل العلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب، فلما بلغت سنه ست سنين خرجت به إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم به، ومعه أم أيمن تحضنه، وهم على بعيرين، فنزلت به في دار النابغة، فأقامت به عندهم شهرا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أموراً كانت في مقامه ذلك لما نظر إلى أطم بني عدي بن النجار عرفه وقال: كنت ألاعب انيسة جاريةً من الأنصار على هذا الأطم، وكنت مع غلما من أخوالي؛ ونظر إلى الدار فقال: ها هنا نزلت بي أمين وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار، وكا قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليه، فقالت أم أيمن: فسمعت أحدهم يقول: هذا نبي هذه الأمة، وهذه دار هجرية، فوعيت ذلك كله من كلامه؛ ثم رجعت به إلى مكة، فلما كانوا بالأبواء توفيت آمنة بنت وهب فقبرها هناك، فرجعت به أمه ثم بعداماتت، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية قال: ان الله أذن لمحمدٍ في زيارة قبر أمه فأتاه صلى الله عليه وسلم فأصله وبكى عنده، وبكى المسلمون لبكائه، فقيل له، فقال: أدركتني رحمتها فبكيت. والله الرحمن.\rكفالة عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ولما توفيت أمه آمنة قبضه إليه جده عبد المطلب وضمه إليه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكا يقربه منه ويدنيه، ويدخل عيلان ذا خلا وإذا نام، ويجلس على فراشه؛ وكا يوضع لعبد المطلب فراشٌ في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عيلان حد من بنيه إجلالاً له، وكا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلامٌ حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني، فواللهاله لشانا ثم يجلسه معه عليه، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع.\rوقال قوم من بني مدلج لعبد المطلب: احتفظ به، فانا لم نر قدماً أشبه بالقدم التي في المقام منه؛ فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء.","part":4,"page":238},{"id":1739,"text":"وسنذكراشاء الله خبر سيف بن ذي يزن مع عبد المطلب، وما بشره من أمر النبي صلى الله عليه وسلم.\rقالوا: وكا عبد المطلب لا يأكل طعاماً إلا قال: علي بأبني فيؤتي به إليه فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين، هلك عبد المطلب بن هاشم؛ ولما حضرته الوفاة أوصى ابنه أبا طالب بحفظه وكفالته؛ وكانت وفاة عبد المطلب ابن هاشم لثما مضين من عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجون، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل ابن مائة وعشر سنين حكاه السهيلي؛ قال: وهو أول من خضب بالسواد من العرب.\rقال ابن قتيبة: انه كبر وعمى، وكا يرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال، ويقال له الفياض لجوده، ومطعم طير السماء. قال ابن الأثير: وهو أول من تحنث بحراء، فكان إذا دخل شهر رمضا صعد حراء وأطعم المساكين. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتذكر موت عبد المطلب ؟ قال: نعم. انا يومئذ ابن ثماني سنين، قالت أم أيمن: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يبكي خلف سرير عبد المطلب.\rقال: ولما هلك عبد المطلب ولى زمزم والسقاية عليها بعده ابنه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ من أحدث إخوته سنا فلم تزل إليه حتى قام الإسلام وهي بيده، فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما مضى.\rوعن عبد الله بن عباس وغيره، قالوا: لما توفي عبد المطلب قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب، قيل بوصيةٍ من عبد المطلب، فأحبه حباً شديدا وكا لا يفارقه، وكا يخصه بالطعام، وكا إذا أكل عيال أبي طالب جميعاً أو فرادى لم يشبعوا وإذا أكل معهم النبي صلى الله عليه وسلم شبعوا؛ فكان إذا أرادايغذيهم قال: كما انتم حتى يحضر ابني؛ فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهم، فيفضلون من طعامهم، وا لم يكن معهم لم يشبعوا فيقول أبو طالب: انك لمبارك؛ وكا الصبيا يصبحون رمصاً شعثا ويصبح عيلان لسلام دهيناً كحيلاً.\rخروجه إلى الشام مع عمه أبي طالب، وخبر بحيرا الراهب","part":4,"page":239},{"id":1740,"text":"قالوا: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنةً وعشرة أيام، خرج أبو طالب في ركبٍ تاجراً إلى الشام، فلما تهيأ للرحيل تعلق به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به، ولا يفارنقي ولا أفارقه أبدا فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهبٌ يقال له بحيرا في صومعةٍ له، وكا إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة راهبٌ إليه يصير علمهم عن كتابٍ فيها يتوارثونه كابراً عن كابرٍ، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيراً ما يمرون به قبل ذلك، وهو لا يكلمهم، فصنع لهم طعاماً كثيرا وذلك انه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في صومعته، في الركب حين أقبلوا وغمامةٌ تظله من بين القوم، فلما نزلوا في ظل شجرة قريباً منه، نظر إلى الغمامة وقد أظلت الشجرة، وتهصرت أغصانها على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته، وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرل إلى القوم فقال: اني قد صنعت لكم طعاماً يا معشر قريش، فانا أحباتحضروا كلكم؛ صغيركم وكبيركم، وعبدكم وحركم؛ فقال له رجل منهم: يا بحير ان الك لشاناً اليوم: قال له بحيرا: صدقت، قد كان ما تقول فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرف، فقال: يا معشر قريش لا يتخلف منك أحد عن طعامي، قالوا: ما تخلف عنك أحد ينبغيايأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سناً تخلف في رحالهم، قال: لا تفعلوا ادعوه فليحضر، فقال رجل من قريش: واللات والعزىاكا للؤماً بن ان ايتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا ثم قام فاحتضنه وأجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرا فقال له: يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال: لا تسألني بهما ! فوالله ما أبغضت شيئاً قط بغضهما فقال له: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ! فقال: سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه، وهيئته، وأموره، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه، وكا مثل أثر المحجم، فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال له: ما هذا الغلام منك ؟ قال: ابني ؟ قال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلامايكون أبوه حياً؛ قال: فانه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه ؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال: صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده فاحذر عيلان ليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت، ليبغنه شرا فانه كائن لابن أخيك هذا شا عظيم، فأسرع به إلى بلاده، فخرج أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام.\rوروىاوزيراً وتماماً ودريسا وهم نفر من أهل الكتاب، قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما رأى بحيرا في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب، فأرادوه، فردهم عنه بحيرا وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته، وانهما أجمعوا لما أرادوا به لا يخلصوا إليه، فعرفهم ما قال لهم فتركوه وانصرفوا عنه؛ قال: فشب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه لما يريد به من كرامته واصطفائه انه خير الحافظين. والله المعين.\rرعيته الغنم عن عبد الله بن عمير رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من نبي إلا قد رعى الغنم، قالوا: وانت يا رسول الله ؟ قال: وانا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بعث الله نبياً إلا راعي غنم، قال له أصحابه: وانت يا رسول الله ؟ قال: وانا رعيتها لأهل مكة بالقراريط.\rوعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: مروا على النبي صلى الله عليه وسلم بثمر الأراك فقال: عليكم بما اسود منه، فاني كنت إذ انا راعي الغنم، قالوا: يا رسول الله، رعيتها ؟ قال: نعم. وما من نبي إلا قد رعاها.\rوعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه نحوه.","part":4,"page":240},{"id":1741,"text":"قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة، وقيل ابن عشرين، هاجت حرب الفجار، فشهدها صلى الله عليه وسلم، وكا ينبل على أعمامه أي يرد عليهم النبل.\rوقد تقدم ذكر حرب الفجار في وقائع العرب، وذلك في الباب الخامس من القسم الرابع من الفن الخامس من كتابنا هذا؛ وهو في السفر الثالث عشر من هذه النسخة والله الموفق للصواب وإليه المرجع.\rحضوره حلف الفضول قال محمد بن عمر بن واقد بسند يرفعه إلى حكيم بن حزام: كان حلف الفضول منصرف قريش من حرب الفجار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ ابن عشرين سنة، وكا الفجار في شوال، وهذا الحلف في ذي القعدة، وكا أشرف حلفٍ كان قط، وأول من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب، فاجتمعت بنو هاشم وزهرة، وبنو أسد بن عبد العزى وبنو تيم في دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعاما فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن مع المظلوم حتى يؤدي إليه حقه ما بل بحرٌ صوفة، فسمت قريشٌ ذلك الحلف حلف الفضول.\rوقال ابن هشام: تعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه؛ وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته.\rوعن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحبالي بحلفٍ حضرته في دار ابن جدعا حمر النعم واني أغدر به؛ هاشمٌ وزهرة وتيم تحالفو ان ايكونوا مع المظلوم ما بل بحرٌ صوفة، ولو دعيت به لأجبت، وهو حلف الفضول.\rقال الواقدي: ولا نعلم أحداً سبق بني هاشم بهذا الحلف. وحكى أبو الفرج الأصفهاني في سبب تسمية هذا الحلف حلف الفضول:اقوماً من قريش قالوا في هذا الحلف: هذا والله فضل من الحلف. فسمي حلف الفضول، قال: وقال آخرون: تحالفوا على مثل حلفٍ تحالف عليه قوم من جرهم في هذا الأمر لا يقرون ظلماً ببطن مكة إلا غيروه؛ وأسماؤهم: الفضل بن شراعة. والفضل بن قضاعة، والفضل بن سماعة.\rوروى أيضاً بسنده إلى أبي إسحاق بن الفضل قال: انما سمت قريش هذا الحلف حلف الفضول لأن نفراً من جرهم يقال لهم الفضل والفضال والفضيل تحالفوا على مثل ما تحالفت عليه قريش، قال: وقال الواقدي: والصحيحاقوماً من جرهم يقال لهم فضل وفضالة وفضال ومفضل تحالفوا على مثل هذا فلما تحالفت قريشٌ بهذا الحلف سموه بذلك. والله الموفق للصواب.\rخروجه إلى الشامثانية في التجارة وحديث نسطور","part":4,"page":241},{"id":1742,"text":"قال: ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة قال له عمه أبو طالب: انا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزما علينا وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في عيراتها فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك؛ وبلغ خديجة ذلك، فأرسلت إليه تقول: انا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك، فقال أبو طالب: هذا رزق ساقه الله إليك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ميسرة غلام خديجة، وجعل عمومته يوصون به أهل العير، فساروا حتى قدموا بصرى، فنزلا في ظل شجرة، فقال نسطوراً الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي. ثم سأل ميسرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفي عينيه حمرة ؟ قال: نعم لا تفارقه؛ قال: هو نبي، وهو آخر الأنبياء؛ ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعةً فوقع بينه وبين رجل تلاحٍ، فقال له: احلف باللات والعزى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حلفت بهما قط، واني لأمر فأعرض عنهما فقال الرجل القول قولمك، ثم قال لميسرة: هذا والله نبي تجده أحبارنا منعوتاً في كتبهم؛ وكا ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتد الحريري ملكين يظلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس، فوعى ذلك كله، وباعوا تجارتهم، وربحوا ضعف ما كانوا يربحون؛ فلما رجعوا وكانوا بمر الظهرا قال ميسرة: يا محمد ؟! انطلق إلى خديجة فأخبرها بما صنع الله على وجهك، فانها تعرف لك ذلك، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية لها فرأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بعيره، وملكا يظلأن عيه، فأرته نساءها فعجبن لذلك، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها فخبرها بما ربحوا في وجههم ذلك، فسرت به، فلما دخل ميسرة عليها أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا مذ خرجنا من الشام، وأخبرها بما قال نسطورا وبما قال الآخر الذي حالفه في البيع، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجارتها فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما سمت له. والله المعين.\rتزويجه خديجة قال الواقدي بسندٍ يرفعه إلى نفيسة بنت منية؛ قالت: كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأةً حازمة جلدة شريفة لبيبة؛ وهي يومئذ أوسط قريش نسبا وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالأن وكل قومها كان حريصاً على نكاحها لو قدر على ذلك، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال؛ فأرسلتني دسيساً إلى محمد بعدارجع في عيرها من الشام، فقلت: يا محمد، ما يمنعكاتتزوج ؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به، قلت: فا كفيت ذلك، ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب ؟ قال: فمن هي ؟ قلت خديجة، قال: وكيف لي بذلك ؟ قلت علي، فانا أفعل، فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه: ان أئت لساعة كذا وكذا وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها. وقيل: انها أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: يا بن العم ! اني قد رغبت فيك لقرابتك مني، وشرفك في قومك، وسطتك وأمانتك عندهم، وحسن خلقك وصدق حديثك؛ ثم عرضت نفسها عليه، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة ابن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد، وقيل: بل عمرو بن خويلد بن أسد، وقيل: بل عمرو بن أمية عمها وكا شيخاً كبيراً وهو الصحيح، فخطبها إليه. قيل: وحضر أبو طالب ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوجا وحرماً آمنا وجعلنا الحكام على الناس؛ ثم ان ابن أخي هذا محمد بن عبد الله، لا يوزن به رجل إلا رجح به، فا كان في المال قلٌ فا المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد من قدم عرفتم قرابته؛ وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي كذا وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطب جليل. فتزوجها صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين سنة وشهرين وعشرة أيام، وخديجة يومئذ بنت ثما وعشرين سنة، وقيل: بنت أربعين سنة، وأصدقها صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة أوقية ونشاً ذهبا الأوقية أربعون، والنش عشرون، فذلك خمسمائة درهم.\rوروى ابن هشام: انه أصدقها صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة.\rحضوره هدم الكعبة وبناءها","part":4,"page":242},{"id":1743,"text":"قالوا: ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة شهد هدم الكعبة وبناءها وتراضت قريش بحكمه فيها؛ وكا سبب هدم الكعبة وبنائها ما روى عن ابن عباس، ومحمد بن جبير بن مطعم، قالا: كانت الجروف مطلة على مكة، وكا السيل يدخل من أعلاها حتى يدخل البيت فانصدع، فخافو ان اينهدم، وسرق منه حليه وغزال من ذهب كان عليه درٌ وجوهر.\rقال محمد بن إسحق: وكا كنز الكعبة في بئرٍ في جوفها فوجد عند دويك مولىً لبني مليح بن عمرو من خزاعة. قال ابن هشام: فقطعت قريش يده، وزعمت قريش ان الذين سرقوه وضعوه عند دويك.\rوكانت الكعبة فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها وكانوا يهمون بذلك ويهابون هدمها فلما سرق الكنز حملهم ذلك على هدمها وبنائها؛ قال: وكا البحر قد رمى بسفينةٍ إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت. قال الواقدي: كان رأس أصحاب السفينة رجلاً رومياً اسمه باقوم، فحجتها الريح إلى الشعيبة، وكانت مرفأ السفن قبل جدة فتحطمت؛ فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش فابتاعوا خشبها وقدم معهم باقوم الرومي.\rقال ابن اسحق: فأعدوا الخشب لتسقيفها وكا بمكة رجل قبطي نجار، فتهيأ لهم في انفسهم بعض ما يصلحها؛ وكانت حيةٌ تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدى لها فتتشرق كل يوم على جدار الكعبة، ولا يدنو منها أحد إلا احزألت أي رفعت رأسها وكشت وفتحت فاها فكانوا يهابونها؛ فبينا هي يوماً تتشرق بعث الله طائراً فاختطفها فذهب بها فقالت قريش: انا لنرجوايكون الله قد رضي ما أردنا؛ عندنا عاملٌ رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله عز وجل الحية.\rفلما أجمعوا أمرهم على هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمرا بن مخزوم، وهو خال أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس. ويقال ان الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم هو الذي قال هذا القول.\rقال الواقدي: فأمروا بجمع الحجارة، وببناء الكعبة منها؛ فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم ويحملون الحجارة، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبط به: أي سقط من قيام، ونودي: عورتك ! فكان ذلك أول ما نودي، فقال له أبو طالب، يا بن أخي اجعل إزارك على رأسك، فقال: ما أصابني ما أصابني إلا من التعري؛ فما رؤيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم عورةٌ بعد ذلك.\rقال ابن إسحاق: ثماقريشاً جزأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكا ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكا ظهر الكعبة لبني جمح وسهم، وكا شق الحجر لبني عبد الدار ابن قصي وبني أسد بن عبد العزى وبني عدي بن كعب، وهو الحطيم.\rوقال الواقدي: وقع لبني عبد مناف وزهرة وجه البيت، وهو ما بين الركن الأسود إلى ركن الحجر، ووقع لبني أسد بن عبد العزى وبني عبد الدار ما بين ركن الحجر إلى ركن الحجر الآخر، ووقع لتيم ومخزوم ما بين ركن الحجر إلى الركن اليماني، ووقع لسهم وجمح وعدي عامر بن لؤي ما بين الركن إلى الركن الأسود.\rقال ابن إسحاق: ثم ان الناس هابوا هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: انا أبدأكم في هدمها فأخذ المعول؛ ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع، ويقال: لم نزع، اللهم انا لا نريد إلا الخير؛ ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس به تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فا أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت، وا لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا فنهدم، فأصبح الوليد من ليلته غادياً على عمله، فهدم وهدم الناس معه حتى انتهى الهدم بهم إلى أساس إبراهيم عيلان لسلام، فأفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذٍ بعضها بعضا فأدخل رجل من قريش عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها فانتهوا عن ذلك الأساس.\rقال: ثم ان القبائل جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة تجمع على حدة، وبنوا حتى بلغ البنيا موضع الركن. والله المستعان.\rاختلاف قريش\rفي رفع الركن وتراضيهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وخبر التحدي","part":4,"page":243},{"id":1744,"text":"قال ابن إسحاق: ولما بلغ البنيا إلى موضع الركن اختصموا فيه، كل قبيلة تريداترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوزوا وتخالفوا واعتدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنةً مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب ابن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم، فسموا لعقة الدم؛ فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا ثم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا فقال أبو أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكا إذ ذاك أسن قريش كلها: يا معشر قريش ! اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول داخل يدخل؛ فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، هذا محمد، رضينا به؛ فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال صلى الله عليه وسلم: هلم إلي ثوباً فأتي به، وقيل: بل بسط رداءه في الأرض، وأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: ليأت من كل ربع من أرباع قريش رجل، فكان من ربع بني عبد مناف عتبة بن ربيعة، وفي الربع الثاني أبو زمعة، والربع الثالث أبو حذيفة بن المغيرة، والربع الرابع قيس بن عدي.\rهكذا نقل الواقدي، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليأخذ كل رجل منكم بزاوية من زوايا الثوب ثم ارفعوه جميعاً ففعلوا ثم وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في موضعه، فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي صلى الله عليه وسلم حجراً يسد به الركن، فقال العباس بن عبد المطلب: لا. ونحاه، ونازل العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا فشد به الركن، فغضب النجدي حين نحى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انه ليس يبني معنا في البيت إلا منا؛ فقال النجدي: يا عجباً لقوم أهل شرف، وعقول، وسنٍ، وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سنا وأقلهم مالأن فرأسوه عليهم في مكرمتهم وجودهم كانهم خدم له، أما والله ليفرقنهم شيعا وليقسمن بينهم حظوظاً وجدوداً. ويقال ان النجدي إبليس لعنه الله. فقال أبو طالب:\rا لنا أوله وآخره ... في الحكم والعدل الذي لا ننكره\rوقد جهدنا جهده لنعمره ... وقد عمرنا خيره وأكثره\rفا يكن حقاً ففينا أوفره\rقال: ثم بنوا حتى انتهوا إلى موضع الخشب، وكا خمسة عشر جائزاً سقفوا البيت عليه، وبنوه على ستة أعمدة، وأخرجوا الحجر من البيت، قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلماقومك استقصروا في بنيا الكعبة، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت فيه ما تركوا منه، فا بدا لقومك من بعديايبنوه، فهلم أريك ما تركوا منه، فأراها قريباً من سبعة أذرع في الحجر، وقال صلى الله عليه وسلم: ولجعلت لها بابين شرقياً وغربيا أتدرين لم كان قومك رفعوا بابها ؟ قالت: لا أدري. قال: تعزز ان الا يدخلها إلا من أرادوا.\rقال ابن هشام: وكانت الكعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة ذراعا وكانت تكسى القباطي ثم كسيت البرود، وأول من كساها الديباج الحجاج ابن يوسف.\rوحيث انتهينا إلى هذه الغاية من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلنذكر من بشر به.\rالمبشرات برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مولده ومبعثه وبعد ذلك جاءت البشائر برسول الله صلى الله عليه وسلم في كتب الله تعالى المنزلة على انبيائه صلوات الله عليهم، وفيما نقل إلينا من كلامهم، ووجد بخطهم، وبشر به أحبار يهود، وعلماء النصارى، عما انتهى إليهم من العلوم التي تلقوها عن الأنبياء صلوات الله عليهم، ونقلوها من صحفهم، ومخبئات كتبهم، وذخائر أسرارهم، حتى اعترف قوم بنبوته صلى الله عليه وسلم قبل مولده وظهوره بما شاء الله من السنين، وأوصوا به من بعدهم؛ فمنهم من آمن به، ومنهم من صد عنه؛ وبشر به أيضاً قبل مبعثه كها العرب، عما كان يأتيهم من أخبار السماء على لسا شياطينهم الذين كانوا يسترقون السمع ومنعوا بالشهب، كما أخبرنا الله تعالى في قوله: \" وانا كُنَّا نَقْعُدُ مِنها مَقَاعِد للسَّمْع فَمَنْ يَسْتَمِع الأن يَجِدْ لَه شِهَاباً رَصَداً \" ، ونطق الجا من أجواف الأصنام بالبشارة به، فكان ذلك سبباً لإسلام من سمع أصواتها ممن سبقت له من الله الحسنى، وهداه وأرشده إلى اتباع الحق، والإيما برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من عند الله، على ما نذكر ذلكاشاء الله تعالى في مواضعه.","part":4,"page":244},{"id":1745,"text":"فأما جاءت به الكتب المنزلة من الله تعالى مما يدل على نبوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جاء ذلك في القرا العزيز، وفي التوراة، والأنجيل، وزبور داود، وكتب الأنبياء: شعيا وشمعون، وحزقيل عليهم السلام.\rفأما ما جاء في القرا العزيز فقد قال الله عز وجل: \" وَإذ قَال عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ يا بَني إسْرَائِيلَ اني رَسُولُ اللهِ إلَيْكُم مصدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِن التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأتي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ \" ، وقال تعالى: \" وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُم لَتُؤمِنُنَّ بهِ وَلَتَنْصُرُنَّه، قَالَ أأقْرَرْتُم وَأخَذْتُمْ عَلَي ذَلِكُم إصْري قَالُوا أقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَانا مَعَكُم مِنَ الشَّاهِدِينَ \" . قال أهل التفسير: أخذ الله الميثاق بالوحي، فلم يبعث نبياً إلا ذكر له محمداً ونعته، وأخذ عليه ميثاقه: ان أدركه ليؤمنن به؛ وقيل:ايبينه لقومه، ويأخذ ميثاقهمايبينوه لمن بعدهم؛ وقوله تعالى: \" ثُمَّ جَاءَكُم رَسُولٌ \" الخطاب لأهل الكتاب المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم.\rوعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، انه قال: لم يبعث الله نبياً من آدم فمن بعده، إلا أخذ عليهم العهود في محمد صلى الله عليه وسلم: لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك على قومه. ونحوه عن السدى وقتادة.\rوقال تعالى: \" وَإذْ أخَذْنَا مِن النَّبِينِّنَ مِيثَاقَهُمْ ومِنْكَ وَمِن نُوحٍ وإبرَاهِيمَ وَمُوسَى وعيسَى ابنِ مَرْيَمَ وَأخَذْنَا مِنهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً \" . روى عن قتادة: ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت أول الأنبياء في الخلق، وآخرهم في البعث. قال القاضي عياض: فلذلك وقع ذكره مقدماً هنا قبل نوح وغيره، صلى الله عليهم أجمعين.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انا دعوة أبي إبراهيم، وبشر بي عيسى الحديث. يشير بدعوة إبراهيم عيلان لسلام إلى قوله تعالى إخباراً عنه: \" رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً منْهُمْ يتلُو عَليهِم آياتِك وَيُعَلِّمُهُم الكتَابَ والحِكْمَةَ ويُزَكّيهِمْ انك انتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ \" .\rوأما ما جاء في كتب الله السالفة، فقد علمنا قطع ان ان أهل الكتاب بدلوا في كتب الله تعالى المنزلة على انبيائهم، وحرفوا كلمها عن مواضعه، وحذفوا منها أشياء فيها صريح ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغياً منهم وحسداً وجحوداً ونكالاً وافتراء على الله تعالى. هذا لا مرية عندنا فيه ولا خلاف، وقد اتفقوا على أشياء في كتبهم وترجموا عنها بالعربية، تدل على نبوة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن نذكره ان اشاء الله، وكتموا فيها ما أخبر به من أسلم من أخبار يهود وغيرهم، وعرض ذلك على من استمر على كفره، فلم يسعه انكاره بل أقر به، على ما نذكراشاء الله تعالى في مواضعه.\rفأما ما اتفقوا عليه مما جاء في التوراة وترجموه بالعربية ورضوا ترجمته فمن ذلك قوله: جاء الله من طور سيناء، وأشرق لنا من ساعير، واستعلن من جبال فاران. وفي ترجمة أخرى كذلك: تجلى الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران. قال العلماء: وفي هذا تصريح بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الطور هو الجبل الذي اصطفى الله تعالى موسى عليه بتكليمه، وساعير: جبل بالشام منه ظهرت نبوة عيسى بن مريم، وبالقرب منه قرية الناصرة التي ولد فيها وفاران: هي مكة شرفها الله تعالى.","part":4,"page":245},{"id":1746,"text":"قال الشيخ حجة الدين أبو هاشم محمد بن ظفر في كتابه المترجم بخير البشر: لا يخالف في هذا أحد من أهل الكتاب. قال: وأما قوله: جاء الله من طور سيناء فا مجيء الله هو مجيء كتابه وأمره كما قال الله تعالى: \" فَاتَاهُمُ اللَهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا \" ؛ أي أتاهم أمره. وقوله: \" وأشرق لنا من سِاعير \" كنايةٌ عن ظهور أمره وكلامه، قال: وكذلك قوله: \" واستعلن من جبال فاران \" ، أي ظهر أمره، وكتابه، وتوحيده، وحمده، وما شرعه رسوله من ذكره بالأذا والتلبية وغير ذلك؛ قال ابن ظفر: وقرأت في ترجمةٍ للتوراة خطاباً لموسى عيلان لسلام، والمراد به الذين اختارهم لميقات ربه فأخذتهم الرجفة خصوصا ثم سائر بني إسرائيل عموماً: والله ربك يقيم نبياً من إخوتك، فاستمع له كالذي سمعت ربك في حوربت يوم الاجتماع حين قلت: لا أعود أسمع صوت الله ربي لئلا أموت، فقال الله لي: نعم ما قالوا: وسأقيم لهم نبياً مثلك من إخوتهم، وأجعل كلامي في فمه، فيقول لهم: كل شيء آمره به، وأيما رجلٍ لم يطع من تكلم باسمي فاني انتقم منه.\rوفي هذا أدلة على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، منها قوله: من إخوتهم، وموسى وقومه من بني إسحاق، وإخوتهم بنو إسماعيل، ولو كان الموعود من بني إسحاق، لكا من انفسهم، لا من إخوتهم، كما قال تعالى إخباراً عن إبراهيم في دعوته: \" رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِم رَسُولاً مِنْهُم \" ، وكما قال تعالى: \" لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن انفُسِكُم \" ؛ ومنها قوله: نبياً مثلك، وقد قال في التوراة: لا يقوم في بني إسرائيل أحدٌ مثل موسى، وفي ترجمةٍ أخرى: مثل موسى لا يقوم في بني إسرائيل أبداً؛ ومنها قوله: أجعل كلامي في فمه، فهو واضح ان المقصود به محمد صلى الله عليه وسلم، لأن معناه: أوحى إليه بكلامي فينطق به؛ وقوله: \" أيُّما رجلٍ لم يُطِع من تكلّم باسمي فاني انتقم منه \" دليل على كذب اليهود في قولهم: ان الله أمرنا بمعصية كل نبي دعا إلى دين سمى نسخاً لبعض ما شرعه موسى صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم.\rوأما ما اتفقوا عليه، ورضوا ترجمته مما في الأنجيل فمن ذلك ما ترجموه في الأنجيل:اعيسى عيلان لسلام قال: ان أحببتموني فاحفظوا وصيتي، وانا أطلب إلى أبي فيعطيكم بارقليط آخر يكون معكم الدهر كله، فهذا تصريح با الله سيبعث إليهم من يقوم مقامه، وينوب عنه في تبليغ رسالات ربه، وسياسة خلقه منابه، وتكون شريعته باقيةً مخلدة أبدا ولم يأت بذلك بعد عيسى إلا محمد صلى الله عليه وسلم.\rومنه ما ترجموه:اهذا الكلام الذي سمعتموه ليس هو لي، بل للأب الذي أرسلني، كلمكم بهذا وانا معكم، فأما البارقليط، روح القدس الذي يرسل ابي باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم جميع ما أقول لكم.\rقال ابن ظفر: قولهم: أبي: فهذه اللفظة عندنا مبدلة محرفة، وليست منكرة الاستعمال عند أهل الكتابين إشارةً إلى الرب سبحانه، لأنها عندهم لفظة تعظيم يخاطب بها المتعلم معلمه الذي يستمد العلم منه؛ قال: ومن المشهور مخاطبة النصارى عظماء دينهم بالآباء الروحانية؛ قال: وأما قوله: يرسله أبي باسمي فهو إشارة إلى شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالصدق والرسالة، وما تضمنه القرا من مدحه وتنزيهه عما افتراه اليهود في أمره.\rومما ترجموه ورضوا ترجمته قولهم: انه قال: إذ قال البارقليط الذي أرسل إليكم من عند أبي، روح الحق الذي يخرج من الأب، فهو يشهد لي، وانتم تشهدون لي أيضاً لكينونتكم معي من أول أمري.\rقال: قوله روح الحق الذي يخرج من الأب كنايةٌ عن كلام الله المنزل على رسول الله صلى الله عيه وسلم، قال الله تعالى: \" وكَذَلِكَ أوحَيْنَا إلَيْكَ روُحاً مِن أمْرِنَا \" .\rوقوله: يشهد لي تصريح بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لم يشهد للمسيح عيلان لسلام بالنبوة، والنزاهة عما افترى عليه، وبانه روح الله وكلمته وصفيه ورسوله، كتابٌ سوى القران، ولم تزل الأمم تكذب المتبعين للمسيح، واليهود يفترون العظائم من البهتان، حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فشهد للمسيح بما شهد به حواريوه الذين كانوا معه من أول أمره، والمهتدون من أمته.","part":4,"page":246},{"id":1747,"text":"قال: ومما رضوه من الترجمة أيضاً عن الأنجيل قوله فيه: ان انطلاقي خير لكم، لأنيالم انطلق لم يأتكم البارقليط؛ فإذا انطلقت أرسلت به إليكم، فإذا جاء فند أهل العلم. قال: فهذا ظاهر، وقوله: أرسلت به إليكماكا سالماً من التحريف، فمعناه مثل معنى قوله:الم انطلق لم يأتكم، وقوله: فند وصفٌ صريح للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو الذي فند علماء اليهود والنصارى فما أطبقوا عليه من ان المسيح قتل وصلب بعداعذب، وما انفرد به علماء اليهود من بهتانهم في الطعن على المسيح، وما انفرد به علماء النصارى من الدعوة إلى ألوهية المسيح، فرسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم فند جميعهم. والتفنيد: التخطئة وتقبيح القول والرأي.\rقال ابن ظفر: وقرأت في ترجمة أخرى للأنجيل: انه قال البارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فغذا جاء وبخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، ولكنه ما يسمع يكلمهم به، ويسوسهم بالحق، ويخبرهم بالحوادث والغيوب. ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي وبخ العلماء من أهل الكتاب على كتما الحق، وتحريف الكلم عن مواضعه، وبيع الدين بالثمن البخس من عرض الدنيا وهو الذي أخبر بالحوادث والغيوب.\rوقال ابن ظفر: والذي صح عندي في معنى البارقليط: انه الحكيم الذي يعرف السر؛ وقد تقدم ما يدل على انه الرسول.\rوأما ما جاء في زبور داود عيلان لسلام مما ترجمه أهل الكتاب، فمن ذلك قوله: اللهم اجعل جاعل السنة يحيا يعلم الناس انه بشر؛ ويفهم من هذا:اداود عيلان لسلام أطلعه الله تعالى على ما سيقوله النصارى في المسيح إذا أرسله، من انه إلهٌ معبود، فدعا الله سبحانه با يبعث محمداً صلى الله عليه وسلم فيعلمهم ان المسيح بشر.\rوفيه أيضاً مما ترجموه: انه فاضت الرحمة على شفتيك، من أجل ذلك أبارك عليك، إلى الأبد، فتقلد السيفن فا بهاءك وحمدك الغالب، واركب كلمة الحق، فا ناموسك وشرائعك مقرونةٌ بهيبة يمينك؛ والأمم يخرون تحتك؛ قال: فالذي قرنت شريعته بهيبة يمينه، وخرت الأمم تحته، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rومنها وذكر رجلاً فقال: فإذا قام جاز من البحر إلى البحر، ومن عند الأنهار إلى منقطع البر، وخر أهل الجزائر قدامه على وجوههم وركبهم، ولحس أعداؤه التراب لهيبته، وجاءته الملوك بالقرابين، ودانت له الأمم بالطاعة؛ لأنه بخلص الضعيف المغلوب البائس ممن هو أقوى منه، ويقوى الضعيف الذي لا ناصر له، ويرحم المساكين، ويصلي ويبارك عليه في كل وقت، ويدوم ذكره إلى الأبد.\rفهذا في غاية الظهور ان المراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأما ما ترجموه من كتاب شعيا عيلان لسلام ورضوا ترجمته فقوله: عبدي الذي سرت به نفسي انزل عليه وحيي، فيظهر في الأمم عدلي، ويوصيهم بالوصايا لا يضحك، ولا يسمع صوته في الأسواق؛ يفتح العيون العورن والآذا الصم، ويحيي القلوب الغلف؛ وما أعطيه لا أعطي أحدا مشقح يحمد الله حمداً جديدا يأتي من أقصى الأرض. تفرح البرية وسكانها يهللون الله على كل شرف، ويكررونه على كل رابية، ولا يضعف ولا يغلب، ولا يميل إلى الهوى ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة، بل يقوى الصديقين، وهو ركن المتواضعين، وهو نور الله الذي لا يطفا أثر سلطانه على كتفيه.\rقال ابن ظفر: هذه ترجمة السريانيين، وعبر العبرانيون عنه با قالوا: على كتفيه علامة النبوة؛ فهذا كله صريح في البشارة به صلى الله عليه وسلم، مع ما فيه من ذكر قيام دولة العرب بقوله: تفرح البرية وسكانها؛ وأما قوله: مشقح فهو محمد، لأن الشقح بلغتهم الحمد.\rومما ترجموه منهاشعياء عيلان لسلام قال: قم نظاراً فانظر ما ترى، فأخبر به، فقلت: أرى ركبين مقبلين، أحدهما على حمار، والآخر على جمل؛ يقول أحدهما أصاحبه: سقطت بابل وأصنامها فهذه بشارة صريحة بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه راكب الجمل لا محالة، ولأن ملك بابل انما ذهب بنبوته صلى الله عليه وسلم وعلى يد أصحابه، على ما نذكرهاشاء الله تعالى.","part":4,"page":247},{"id":1748,"text":"قال: وقد كان على باب من أبواب الإسكندرية صورة جمل من نحاس، عليه راكب من نحاس، في هيئة العرب مؤتزر مرتدٍ، عليه عمامة، وفي رجليه نعلأن، كل ذلك من نحاس؛ وكانوا إذا تظالموا يقول المظلوم للظالم: أعطني حقي قبلايخرج هذا فيأخذ لي بحقي منك، شئت أو أبيت، ولم يزل الصنم على ذلك حتى افتتح عمرو بن العاص أرض مصر، فغيبوا الصنم.\rومنه: أيتها العاقر ! افرحي واهتزي وانطلقي بالتسبيح، فا أهلك يكونون أكثر من أهلي. قال: فالعاقر مكة، لأنها بوادٍ غير ذي زرع، أو لأن الله لم يبعث بها نبياً في ذلك الزمن دون غيرها فهي عاقر، وقوله: انطلقي بالتسبيح إشارة إلى عمارتها بأهل ذكر الله، وقوله: يكون أهلك أكثر من أهلي، قال:اسلم من التحريف وسوء العبارة فمن زائدة، والمعنى المسلمين يكونون أكثر أهل طاعة وتوحيده، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ان أمته أكثر أهل الجنة. والآل والأهل يكنى بهما عن الجماعة الخاصة، قال عبد المطلب بن هاشم:\rنحن آل الله في بلدتنا ... لم نزل آلاً على عهد إرم\rولما روجع أبو بكر الصديق رضي الله عنه في استخلافه عمر بن الخطاب وقيل له: ماذا تقول لربك وقد استخلفت علينا فظاً غليظاً ؟ فقال: أقول تركت على أهلك خير أهلك. والله الفعال.\rومن كتاب شمعون عيلان لسلام مما ترجموه ورضوا ترجمته قوله: جاء الله بالبينات من جبال فاران، وامتلأت السموات والأرض من تسبيحه وتسبيح أمته. وقد تقدماجبال فارا هي جبال مكة شرفها الله، ومجيء الله هو مجيء كتابه.\rومن كتاب حزقيل عيلان لسلام مما ترجموه من قصة ذكر فيها ظهور اليهود وعزتهم، وكفرانهم للنعم، فشبههم فيها بالكرمة حيث قال: لم تلبث تلك الكرمةاقلعت بالسخطة، ورمي بها على الأرض، فأحرقت السمائم أثرها فعند ذلك غرس غرس في البدو، وفي الأرض المهملة العطشى، فخرجت من أغصانه الفاضلة نارٌ فأكلت تلك الكرمة حتى لم يوجد فيها قضيب.\rقال: فلا شك ان أرض البدو المهملة العطشى هي أرض العرب، وغرس الله الذي غرسه فيها هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أخزى الله به اليهود والله أعلم.\rومما نقل من كلام خيقوق، وهو الذي زعمت اليهود انه ادعى النبوة في عهد بختنصر، وحكوا عنه انه قال: إذا جاءت الأمة الآخرة يسبح بهم صاحب الجمل - أو قال: راكب الجمل - تسبيحاً جديداً في الكنائس الجدد، فافرحوا وسيروا إلى صهيون بقلوب آمنة، وأصوات عالية، بالتسبيحة الجديدة التي أعطاكم الله في الأيام الآخرة، أمة جديدة بأيديهم سيوف ذوات شفرتين، فينتقمون من الأمم الكافرة في جميع الأقطار مولا شكاراكب الجمل أو صاب الجمل من الأنبياء هو محمد صلى الله عليه وسلم، والأمة الجديدة هي العرب، والكنائس الجدد هي المساجد، وصهيون: مكة، والتسبيحة الجديدة: لبيك اللهم لبيك.\rونقل أيضاً عن خيقوق هذا انه قال: جاء الله من اليمن، وظهر القدس على جبال فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد، وملك بيمينه رقاب الأمم، وأضاءت الأرض لنوره، وحملت خيله في البحر. والله أعلم.\rومما وجد بخط موسى بن عمرا عيلان لسلام ما روى معمر عن الزهري أه قال: أشخصني هشام بن عبد الملك إلى الشام، فلما كنت بالبلقاء وجدت حجراً مكتوباً عليه بالخط العبراني، فطلبت من يقرؤه، فأرشدت إلى شيخ، فانطلقت به إلى الحجر، فقرأه وضحك، فقلت: مم تضحك؟ قال: أمر عجيب، مكتوب على هذا الحجر: باسمك اللهم جاء الحق من رتك، لسا عربي مبين؛ لا إله إلا الله محمد رسول الله. وكتبه موسى بن عمرا بخط يده.\rوانما ألحقنا هذا الخبر بما قبله لأن موسى صلى الله عليه وسلم انما يكتب بخطه ما تلقاه عن الله تعالى، أو عن كتبه المنزلة؛ وهذا الذي أوردناه مما جاء في كتب الله السالفة هو الذي أبداه أهل الكتاب وأثبتوه، وترجموه ورضوا ترجمته في تحريفهم وتبديلهم.\rوأما ما كتمه أهل الكتاب مما فيه صريح ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ودلنا عليه وأخبرنا به من أسلم منهم ممن جاز لن ان انروي عنه ونقبل روايته؛ مثل وهب، وكعب الأخبار، وأبي ثعلبة بن أبي مالك.","part":4,"page":248},{"id":1749,"text":"فأما ما جاء عن وهب بن منبه. فانه روى عنه انه قال: قرأت في بعض كتب الله المنزلة على نبي من بني إسرائيل:اقم في قومك، فقل يا سماء اسمعي، ويا أرض انصتي؛ لأن الله يريدايقص شا بني إسرائيل: اني ربيتهم بنعمتي، وآثرتهم بكرامتي، واخترتهم لنفسي، واني وجدت بني إسرائيل كالغنم الشاردة التي لا راعي لها فرددت شاردها وجمعت ضالتها وداويت مريضها وجبرت كسيرها وحفظت سمينها؛ فلما فعلت بها ذلك بطرت، فتناطحت كباشها فقتل بعضها بعضاً. فويل لهذه الأمة الحاطئة، ويل لهؤلاء القوم الظالمين؛ اني قضيت يوم خلقت السموات والأرض قضاء حتما وجعلت له أجلاً مؤجلاً لا بد منه، فا كانوا يعلمون الغيب فليخبروك متى حتمته، وفي أي زما يكون ذلك، فاني مظهره على الدين كله، فليخبروك متى يكون هذا من القيم به. ومن أعوانه وانصاره،اكانوا يعلمون الغيب فاني باعث بذلك رسولاً من الأميين ليس بفظٍ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا فوال بالهجر والجنى، أسدده بكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة على لسانه، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه والحق شريعته، والعدل سيرته، والإسلام ملته، أرفع به من الوضيعة، وأغني به من العيلة، وأهدي به من الضلالة، وأؤلف به بين قلوب متفرقة، وأهواء مختلفة، وأجعل أمته خير الأمم إيماناً بي وتوحيداً لي، وإخلاصاً بما جاء به رسولي، ألهمهم التسبيح والتحميد والتمجيد لي في صلواتهم ومساجدهم ومنقلبهم ومثواهم، يخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي يقاتلون في سبيلي صفوفا ويصلون لي قياماً وركوعاً وسجودا يكبرونني على كل شرف، رهبا بالليل، أسد بالنهار؛ ذلك فضلى أوتيه من أشاء، وانا ذو الفضل العظيم.\rومنه ما روى عنه انه قال: قرأت في بعض الكتب القديمة: قال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لأنزلن على جبال العرب نوراً يملأ ما بين المشرق والمغرب، ولأخرجن من ولد إسماعيل نبياً عربياً أمياً يؤمن به عدد نجوم السماء ونبات الأرض، كلهم يؤمن بي ربا وبه رسولأن ويكفرون بملل آبائهم، ويفرون منها. قال موسى: سبحانك وتقدست أسماؤك ! لقد كرمت هذا النبي وشرفته، قال الله عز وجل: يا موسى اني انتقم من عدوه في الدنيا والآخرة، وأظهر دعوته على كل عدوة، وسلطانه ومن معه على البر والبحر، وأخرج لهم من كنوز الأرض، وأذل من خالف شريعته؛ يا موسى: بالعدل ربيته، وبالقسط أخرجته؛ وعزتي لأستنقذن به أمما من النار، فتحت الدنيا بإبراهيم، وختمتها بمحمد، مثل كتابه الذي يجيء به، فاعقلوه يا بني إسرائيل مثل السقاء المملوء لبنا يمخض فيخرج زبدا بكتابه أختم الكتب، وبشريعته أختم الشرائع، فمن أدركه ولم يؤمن به ولم يدخل في شريعته فهو من الله بريء، أجعل أمنه يبنون في مشارق الأرض ومغاربها مساجد، إذا ذكر اسمي فيها ذكر اسم ذلك النبي معي، لا يزول ذكره من الدنيا حتى نزول.\rوأما ما جاء عن كعب الأحبار رحمه الله، فمن ذلك ما روىاعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا كعب، أدركت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد علمتاموسى بن عمرا تمنىايكون في أيامه فلم تسلم على يده، ثم ادركته أبا بكر وهو خيرٌ مني فلم تسلم على يده، ثم أسلمت في أيامي، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تعجل علي، فاني كنت أتثبت حتى انظر كيف الأمر ؟ فوجدته كالذي هو في التوراة. قال عمر: كيف هو فهيا ؟ قال: رأيت في التوراةاسيد الخلق، ولا صفوة من ولد آدم، يظهر من جبال فارا من منابت القرظ من الوادي المقدس، فيظهر التوحيد والحق، ثم ينتقل إلى طيبة، فتكون حروبه وأيامه بها ثم يقبض فيها ويدفن بها. قال عمرك ثم ماذا يا كعب ؟ قال كعب: ثم يلي بعده الشيخ الصالح. قال عمر: ثم ماذا ؟ قال كعب: ثم يموت متبعاً. قال عمر: ثم ماذا ؟ قال كعب: ثم يلي بعده القرن الحديد - وفي لفظ: مدرع من حديد - قال عمر: وادفراه ! ثم ماذا ؟ قال كعب: ثم يقتل شهيداً؛ قال عمر: ثم ماذا؟ قال كعب: ثم يلي صاحب الحباء والكرم، قال عمر: ثم ماذا ؟ قال كعب: ثم يقتل مظلوما قال عمر: ثم ماذا ؟ قال كعب: ثم يلي صاحب المحجة البيضاء، والعدل والسواء، صاحب الشرف التام، والعلم الجام، قال عمر: ثم ماذا ؟ قال كعب: ثم يموت شهيداً سعيدا قال عمر: ثم ماذا ؟ قال كعب: ثم ينتقل الأمر إلى الشام؛ قال عمر: حسبك يا كعب.","part":4,"page":249},{"id":1750,"text":"ومما جاء عنه ما روى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:ارجلاً جاء إلى كعب الأحبار من بلاد اليمن فقال له:افلأناً الحبر اليهودي أرسلني إليك برسالة، قال كعب: هاتها! فقال: انه يقول لك: ألم تكن فينا سيداً شريفاً مطاعاً ؟ فما الذي أخرجك من دينك إلى أمة محمد؟ فقال له كعب: أتراك راجعاً ؟ قال: نعم، قال: فا رجعت إليه فخذ بطرف ثوبه لئلا يفر منك وقل له: يقول لك كعب: أسألك بالذي رد موسى إلى أمه، وأسألك بالذي فلق البحر لموسى، وأسألك بالذي ألقى الألواح إلى موسى بن عمرا فيها علم كل شيء، ألست تجد في كتاب الله ان أمة محمد ثلاثة أثلاث، فثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يدخلون الجنة برحمة الله، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً ثم يدخلون الجنة؛ فانه سيقول لك: نعم. فقل له: يقول لك كعب: اجعلني في أي هذه الثلاثة شئت.\rومنه ما رواه عطاء بن يسار وأبو صالح عنه انه قال: أجد في التوراة: أحمد عبدي المختار، لا فظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا مجزٍ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، أمته الحمادون؛ يحمدون الله على كل حال، ويسبحونه في كل منزلة، ويكبرونه على كل شرف، يأتزرون على أوساطهم، ويصونون أطرافهم، وهم رعاة الشمس، ومؤذنهم ينادي في جو السماء، وصفهم في الصلاة سواء؛ رهبا بالليل، أسدٌ بالنهار، لهم بالليل دوىٌ كدوى النحل، يصلون الصلاة حيثما أدركتهم من الأرض؛ مولده مكة، مهاجره طابة، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الأمة العوجاء با يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح الله به أعيناً عمياء، وآذاناً صما وقلوباً غلفا.\rومنه ما روىامعاوية بن أبي سفيا قال لكعب: دلني على أعلم الناس بما انزل الله على موسى لأسمع كلامك معه، فذكر له رجلاً من اليهود باليمن، فأشخصه إليه، فجمع معاوية بينهما فقال له كعب: أسألك بالذي فرق البحر لموسى أتجد في كتاب الله المنزلاموسى نظر في التوراة فقال: يا رب اني أجد أمة مرحومة، وهي خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول، ويؤمنون بالكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم يا رب أمتي، قال: هم أمة أحمد ؟ قال الحبر: نعم أجد ذلك، ثم قال: كعب للحبر: انشدك الله الذي فرق البحر لموسى، أتجد في كتاب الله المنزلاموسى نظر في التوراة فقال: رب اني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر، وإذا هبط وادياً حمد الله، الصعيد لهم طهور، يتطهرون به من الجنابة كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، حيث كانوا فلهم مسجد، غرٌ محجلون من الوضوء، فاجعلهم أمتي. قال: هم أمة أحمد ؟ فقال الحبر: نعم أجد ذلك؛ قال: انشدك الله الذي فرق البحر لموسى، أتجد في كتاب الله المنزلاموسى نظر في التوراة فقال: رب اني أجد أمة إذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة مثلها وإذا عملها أضعفت له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، فإذا عملها كتبت عليه سيئة مثلها فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة أحمد ؟ قال الحبر: نعم، أجد ذلك؛ قال كعب: انشدك الله الذي فرق البحر لموسى، أتجد في كتاب الله المنزلاموسى نظر في التوراة فقال: يا رب اني أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم، انهم يطعمونها مساكينهم ولا يحرقونها كما كان غيرهم من الأمم يفعل ؟ وجاء في حديث آخر غير هذا مما هو منسوب إلى كتب الله السالفة: يأكلون قرابينهم في بطونهم. والمراد الضحايا.","part":4,"page":250},{"id":1751,"text":"ومنه ما روى عنه انه قال: كان لأبي سفرٌ من التوراة يجعله في تابوت ويختم عليه، فلما مات أبي فتحته، فإذا فيه:انبياً يخرج في آخر الزما هو خير الأنبياء، وأمته خير الأمم، وهم يشهدونالا إله إلا الله، يكبرون الله على كل شرف، ويصفون في الصلاة كصفوفهم في القتال، قلوبهم مصاحفهم، يأتون يوم القيامة غراً محجلين، اسمه أحمد، وأمته الحمادون، يحمدون الله على كل شدة ورخاء، مولده مكة، ودار هجرته طابة، لا يلقون عدواً إلا وبين أيديهم ملائكةٌ معهم رماح، تحنن الله عليهم كتحنن الطير على فراخها يدخلون الجنة؛ يأتي ثلث منهم يدخلون الجنة بغير حساب، ثم يأتي ثلث منهم بذنوب وخطايا فيغفر لهم، ويأتي ثلث بذنوب وخطايا عظام، فيقول الله: اذهبوا بهم فزنوهم وانظروا إلى أعمالهم، فيزنونهم ويقولون: ربنا ! وجدناهم قد أسرفوا على انفسهم، ووجدنا أعمالهم من الذنوب أمثال الجبال، غير انهم كانوا يشهدونالا إله إلا الله فيقول الله: وعزتي لا أجعل من أخلص لي الشهادة كمن كفر بي؛ قال كعب: فانا أرجو ان أكون من هذه الثلاثةاشاء الله تعالى.\rومنه ما روىارجين جلسا يتحدثا وكعب الأحبار قريبٌ منهما فقال أحدهما: رأيت فيما يرى النائم كان الناس حشروا فرأيت النبيين كلهم لهم نورا نوران، ورأيت لأشياعهم نوراً نورا ورأيت محمداً صلى الله عليه وسلم وما من شعرة في رأسه ولا جسده إلا وفيها نور، ورأيت أتباعه ولهم نورا نوران، فقال له كعب: اتق الله تعالى يا عبد الله ! وانظر ما تتحدث به، فقال الرجل: انما هي رؤيا منام أخبرت بها على ما أريتها فقال كعب: والذي بعث محمداً بالحق صلى الله عليه وسلم، وانزل التوراة على موسى بن عمران،اهذا لفي كتاب الله المنزل على موسى بن عمرا كما ذكرت.\rوأما ما جاء عن أبي ثعلبة وهو أبو مالك، وكا من أحبار يهود، روى الواقدياعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له: يا أبا مالك ! أخبرني بصفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، فقال:اصفته في توراة بني إسرائيل التي لم تبدل ولم تغير أحمد، من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وهو آخر الأنبياء؛ وهو النبي العربي، يأتي بدين إبراهيم الحنيف، يأتزر على وسطه، ويغسل أطرافه، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، ليس بالقصير ولا بالطويل، يلبس الشملة، ويجتزئ بالبغلة ويركب الحمار، ويمشي في الأسواق، سيفه على عاتقه، لا يبالي من لقي من الناس، معه صلاةٌ لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان، ولو كانت في قوم عادٍ ما أهلكوا بالريح، ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة، مولده مكة، ومنشؤه وبدء نبوته بها ودار هجرته يثرب بين لابتي حرة ونحل وسبخة، وهو أميٌ لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وهو الحماد يحمد الله على كل شدة ورخاء، سلطانه بالشام، وصاحبه من الملائكة جبريل، يلقى من قومه أذًى شديدا ثم يدال عليهم فيحصدهم حصدا تكون له وقعات بيثرب، منها له ومنها عليه، ثم له العاقبة، معه قومٌ هم إلى الموت أسرع من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم اناجيلهم، وقربانهم دماؤهم، ليوث النهار رهبا الليل، يرعب عدوه منه مسيرة شهر، يباشر القتال بنفسه حتى يجرح ويكلم، لا شرطة معه ولا حرس، الله يحرسه.\rوكا من هؤلاء أيضاً عبد الله بن سلام ومخيريق؛ وسنذكر أخبارهم ان اشاء الله تعالى عند ذكر إسلامهما بعد الهجرة على ما تقف عليه هناك.\rهذه رواية من أسلم من أهل الكتاب.\rوأما من بشر به صلى الله عليه وسلم من أهل الكتابين ممن لم يسلم ظاهرا ولا علم لهم إسلام، ومن أقر بنبوته صلى الله عليه وسلم ولم يدر له مكان.\rفمن هؤلاء من بشر به وأخبر بنبوته قبل مولده، ومنهم من ذكر ذلك حال مولده لقرائن كان يرقب وقوعها تدل على مولده فوقعت؛ ومنهم من بشر به في حال طفوليته، ومنهم من بشر به قبل مبعثه، ومنهم من ذكر صفته بعد بمعثه ورؤيته له، وذكر قومه بها وحقق عندهم انه هو، ودليل كلٍ منهم ما كان يجده عنده من أخباره في الكتب السالفة التي تلقاها عن أسلافه، ومنهم من أظهر صحفاً كانت عنده فيها صريح ذكره وصفته، ومنهم من أظهر تمثال صورته، وصور بعض أصحابه وهيئتهم، وكا ذلك مصوراً في بيوتٍ في بيعهم على ما نذكر ذلك مسهب ان اشاء الله.","part":4,"page":251},{"id":1752,"text":"فأما من بشر به وأخبر بنبوته وصفته صلى الله عليه وسلم قبل مولده؛ فمن ذلك ما حكاه ابن إسحاق في خبر تبع الأول، قال: وكا من الخمسة الذين كانت لهم الدنيا بأسرها وكا له وزراء، واختار منهم واحدا وأخرجه معه، وكا يسمى عماريشا وأخذه لينظر في مملكته، وخرج معه مائة ألف من الفرسان، وثلاثة وثلاثون ألفا ومائة ألف وثلاثة عشر ألفاً من الرجالة، وكا إذا أتى بلدةً يختار منها عشرة رجال من حكمائها حتى جاء إلى مكة، فكان معه مائة ألف رجل من العلماء والحكماء الذين اختارهم من البلدان، فلم يهبه أهل مكة ولم يعظموه، فغضب لذلك، ثم دعا وزيره عماريشا وقال: كيف شا أهل هذه البلدة ؟ فانهم لم يهابوني، ولم يخافوا عسكري، فقال: أيها الملك انهم قوم عرب جاهلون لا يعرفون شيئا وا لهم بيتاً يقال له كعبة، وهم معجبون بهذا البيت، وهم قوم يعبدون الطواغيت، ويسجدون للأصنام. فقال الملك: وهم معجبون بهذا البيت ؟ قال: نعم، فنزل بعسكره ببطحاء مكة، وفكر في نفسه دون الوزير، وعزم على هدم الكعبة، وتسميتها خربة، وا يقتل رجالهم، ويسبي نساءهم، فأخذه الله بالصداع، وتفجر من عينيه وأذنيه ومنخريه وفمه ماء منتن، فلم يصبر عنه أحد طرفة عين من نتن الريح، فاستيقظ لذلك وقال لوزيره: اجمع العلماء والحكماء والأطباء وشاورهم في أمري، فاجتمع عنده الأطباء والعلماء والحكماء، فلم يقدروا على المقام عنده، ولم يمكنهم مداواته، فقال: اني جمعت الأطباء والعلماء والحكماء من جميع البلدان، وقد وقعت في هذه الحادثة ولم يقدروا على مداواتي، فقالوا بأجمعهم: انا نقدر على مداواة ما يعرض من أمور الأرض، وهذا شيء من السماء لا نستيطع رد أمر السماء، ثم اشتد أمره، وتفرق الناس عنه، ولم يزل أمره في شدة حتى أقبل الليل، فجاء أحد العلماء إلى الوزير وقال:ابيني وبينك سرا وهواكا الملك يصدقني في حديثه عالجته، فاستبشر الوزير بذلك وأخذ بيده، وحمله إلى الملك، وأخبره بما قال الحكيم، وما التمسه من صدق الملك، حتى يعالج علته، فاستبشر الملك بذلك، وأذن له في الدخول، فلما دخل قال: أريد الخلوة، فأخلي له المكان، فقال: نويت لهذا البيت سوءاً ؟ قال: نعم؛ اني نويت خرابه، وقتل رجالهم، وسبي ذراريهم، فقال له:اوجعك وما بليت به من هذا. اعلماصاحب هذا البيت قويٌ يعلم الأسرار، فبادر وأخرج من قلبك ما هممت به من أذى هذا البيت ولك خير الدنيا والآخرة، قال الملك: أفعل، قد أخرجت من قلبي جميع المكروهات، ونويت جميع الخيرات، فلم يخرج العالم من عنده حتى برئ من علته، وعافاه الله بقدرته، فآمن بالله من ساعته، وخرج من منزله صحيحاً على دين إبراهيم عيلان لسلام، وخلع على الكعبة سبعة أثواب، وهو أول من كسا الكعبة، ودعا أهل مكة، وأمرهم بحفظ الكعبة، وخرج إلى يثرب، وهي يومئذ بقعةٌ فيها عين ماء ليس فيها بيتٌ مبني ولا بناء، فنزل على رأس العين هو وعسكره وجميع العلماء الذين كانوا معه، ومعهم رئيسهم عماريشا الذي كان يرى برأيه.","part":4,"page":252},{"id":1753,"text":"ثم العلماء والحكماء اجتمعوا وكانوا أربعة آلاف، فأخرجوا من بينهم أربعمائة هم أعلمهم وبايع كل واحدٍ منهم صاحبهالا يخرجوا من ذلك المقام وا ضربهم الملك أو قتلهم، فلما علم الملك ما قد عزموا عليه، قال للوزير: ما شانهم يمتنعون عن الخروج معي، وانا محتاج إليهم ؟ وأي حكمة في نزولهم في هذا المكان، واختيارهم إياه على سائر النواحي، فلما أتاهم الوزير وسألهم عما عزموا عليه، واختيارهم المقام بهذه البقعة، قالوا له: أيها الوزير ؟!اشرف ذلك البيت، وشرف هذه البقعة التي نحن فيها بشرف رجل يبعث في آخر الزمان، يقال له محمد ووصفوه، ثم قالوا: طوبى لمن أدركه وآمن به، وقد كنا على رجاءاندركه أو يدركه أولادنا فلما سمع الوزير مقالتهم هم بالمقام معهم، فلما جاء وقت الرحيل أمرهم الملكايرتحلوا فقالوا: لا نفعل، وقد أعلمنا الوزير بحكمة مقامنا فدعا الوزير فأخبره بما سمع منهم، فتفكر الملك وهمايقيم معهم سنةً رجاءايدرك محمداً صلى الله عليه وسلم، فأقام وأمر الناسايبنوا أربعمائة دار، لكل رجل من العلماء دار واشترى لكل واحد منهم جارية وأعتقها وزوجها برجل منهم، وأعطى كل واحد منهم عطاءً جزيلأن وأمرهمايقيموا في ذلك الموضع إلىايجيء زما النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كتب كتاباً وختمه بخاتم من ذهب، ودفعه إلى العالم الكبير، وأمرهايدفع الكتاب إلى محمد صلى الله عليه وسلم ان أدركه، وإلا أوصى به أولاده بمثل ما أوصاه به، وكذلك أولاده حتى ينتهي أمره إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وكا في الكتاب: أما بعد فاني آمنت بك وبكتابك الذي انزل عليك، وانا على دينك وسنتك، وآمنت بربك ورب كل شيء، وآمنت بكل ما جاء من ربك من شرائع الإيما والإسلام، فا أدركتك فبها ونعمت، وا لم أدركك فاشفع لي، ولا تنسني يوم القيامة، فاني من أمتك الأولين؛ وتابعيك قبل مجيئك، وانا على ملتك وملة أبيك إبراهيم عيلان لسلام. ثم ختم الكتاب ونقش عليه: \" لِلهِ الأْمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ \" وكتب على عنوانه إلى محمد بن عبد الله نبي الله ورسوله، وخاتم النبيين، ورسول رب العالمين، صلى الله عليه وسلم، من تبع الأول حمير بن حمير ابن وردع أمانةً لله في يد من وقع إليه إلىايوصله إلى صاحبه، ودفع الكتاب إلى الرجل العالم الذي أبرأه من علته. وصار تبع من يثرب حتى مات بقلسا من بلاد الهند.\rوكا من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم ألف سنةٍ لا تزيد ولا تنقص، وكا الأنصار الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم من أولاد أولئك العلماء والحكماء، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، سأله أهل القبائلاينزل عليهم ما نذكر ذلكاشاء الله تعالى؛ فكانوا يتعلقون بناقته وهو يقول: خلوا الناقة فانها مأمورة، حتى جاءت إلى دار أبي أيوب، وكا من أولاد العالم الذي أبرأ تبعا برأيه.\rقال ابن إسحاق: واستشار الأنصار عبد الرحمن بن عوف في إيصال الكتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما ظهر خبره قبل هجرته، فأشار عبد الرحمنايدفعوه إلى رجل ثقة، فاختاروا رجلاً يقال له أبو ليلى وكا من الأنصار، فدفعوا الكتاب إليه وأوصوه بحفظه، فأخذ الكتاب وخرج من المدينة على طريق مكة، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في قبيل من بني سليم، فعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه وقال: انت أبو ليلى ؟ فقال: نعم، قال: معك كتاب تبع الأول ؟ قال: نعم، فبقى الرجل متفكرا وقال في نفسه:اهذا من العجائب، ثم قال له أبو ليلى: من انت، فاني لست أعرفك ؟افي وجهك أثر السحر، وتوهم انه ساحر، فقال له: بل انا محمد رسول الله، هات الكتاب، فأخرجه ودفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ودفعه إلى علي كرم الله وجهه، فقرأه عليه، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم كلام تبع قال: مرحباً بالأخ الصالح ثلاث مرات، ثم أمر أبا ليلى بالرجوع إلى المدينة، فرجع وبشر القوم بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم.","part":4,"page":253},{"id":1754,"text":"ومن ذلك ما روى ان أبا كرب تبا بن أسعد ملك اليمن أحد التبابعة لما قصد بلاد الشرق، جعل طريقه على يثرب، فلم يهج أهلها وخلف بين أظهرهم ابناً له، فقتل غيلة، فقدمها وهو مجمع لإخراجها واستئصال أهلها وقطع نخلها فجمع له أهل المدينة ورئيسهم يومئذ عمرو بن طلة أحد بني النجار؛ وطلة أمه؛ وهي بنت عامر بن زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة.\rقال محمد بن إسحاق: وكا رجل من بني عدي بن النجار ويقال له أحمر، عدا على رجل من أصحاب تبع حين نزل بهم فقتله، وذلك انه وجده في عدقٍ له يجده، فضربه بمنجله فقتله، وقال: انما التمر لمن أبره، فزاد ذلك تبعاً حنقاً عليهم فاقتتلوا فكان أهل المدينة، وهم هذا الحي من الأنصار يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك منهم ويقول: واللهاقومنا لكرام. وفي ذلك يقول حسا بن ثابت من قصيدة لم يذكر فيها قومه:\rقروا تبّعا بيض المواضي ضحاة ... وكوم عشار بالعشيات نهّض\rقال فبينما تبع على ذلك من حربهم إذ جاءه حبرا من أحبار يهود من بني قريظة عالما راسخان، حين مسعا بما يريد من إهلاك يثرب وأهلها فقالا له: أيها الملك، لا تفعل، فانك ان أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها ولم نأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذلك ؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش آخر الزمان، تكون داره وقراره، فرأى تبعالهما علما فانصرف عن المدينة واتبعهما على دينهما.","part":4,"page":254},{"id":1755,"text":"ومن ذلك خبر سلما الفارسي وقصته في سبب إسلامه وهجرته إلى المدينة. روى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني سلما الفارسي من فيه، قال: كنت رجلاً فارسياً من أهل أصبهان، من أهل قريةٍ يقال لها جي، وكا أبي دهقا قريته، وكا أحب خلق الله إليه، ثم لم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة؛ قال: وكا لأبي ضيعة عظيمة، فشغل في بنيا له يوما فقال يا بني: اني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب إليها فأمرني فيها ببعض ما يريد ثم قال: ولا تحتبس عني، فانك ان احتبست عني كنت أهم إلى من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمري؛ قال: فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس بحبس أبي إياي في بيته، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم انظر ما صنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم، ورغبت في أمرهم وقلت: هذا والله خيرٌ من الذين الذي نحن عليه، فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي فلم آتها ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين ؟ قالوا: بالشام، فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي، وشغلته عن عمله كله، فلما جئته قال: أي بني ! أين كنت ؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت ؟ قلت: يا أبت ! مررت باناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت من عندهم حتى غربت الشمس، قال: أي بني ! ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خيرٌ منه، قلت له: كلا والله! انه لخيرٌ من ديننا قال: فخافني فجعل في رجلي قيداً ثم حبسني في بيته، فبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركبٌ من الشام تجار فأخبروني بهم، قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم، فقلت: إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم، فآذوني بهم، فلما أرادوا الرجعة أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين علماً ؟ قالوا الأسقف في الكنيسة، فجئته فقلت: اني رغبت في هذا الدين، وأحببت ان أكون معك وأخدمك وكنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك، قال: ادخل، فدخلت معه، فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه شيئاً منها اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلالٍ من ذهب وورق، قال: وأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته يصنع، ثم مات واجتمعت له النصارى ليدفنوه فقلت لهم:اهذا رجل سوء، يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعط المساكين منها شيئا فقالوا لي: وما علمك بذلك ؟ قلت: انا أدلكم على كنزه، قالوا: فدلنا عليه، فأريتهم موضعه، فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهباً وورقا فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدا فصلبوه ورجموه بالحجارة، وجاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه. قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلاً لا يصلي الخمس أرى انه أفضل منه، وأزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلاً ونهاراً منه، قال: فأحببته حباً لم أحبه شيئاً قبله، فأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة فقلت له: يا فلأن اني قد كنت معك وأحببتك حباً لم أحبه شيئاً قبلك، وقد حضركما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي وبم تأمرني ؟ قال: أي بني، والله ما أعلم اليوم أحداً على ما كنت عليه، لقد هلك الناس، وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلاً بالموصل، وهو فلأن، وهو على ما كنت عليه، فالحق به. قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت له: يا فلأنافلأناً أوصاني عند موتها ألحق بك، وأخبرني انك على أمره، فقال لي: أقم عندي، فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أثر صاحبه، فلم يلبثامات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلأنافلأناً أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي وبم تأمرني ؟ قال: يا بني والله ما أعلم رجلاً على مثل ما كنا عيلان لا رجلاً بنصيبين، وهو فلأن، فالحق به، فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين، فأخبرته خبري، وما أمرني به صاحب، فقال: أقم عندي، فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبثانزل به الموت، فلما حضر قلت له: يا فلأنافلأناً كان أوصى بي إلى فان، ثم أوصى بي فلأن إليك، فإلى من توصي","part":4,"page":255},{"id":1756,"text":"بي وبم تأمرني ؟ قال يا بني والله ما أعلمه بقي أحد على أمرنا فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية، فأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلأن اني كنت مع فلأن فأوصى بي إلى فلأن، ثم أوصى بي فلأن إلى فلأن، ثم أوصى بي فلأن إلى فلأن، ثم أوصى بي فلأن إليك، فإلى من توصي بي وبم تأمرني ؟ قال: يا بني والله ما أعلمه أصبح أحدٌ على مثل ما كنا عليه من الناس آمركاتأتيه، ولكنه قد أظل زما نبي هو مبعوثٌ بدين إبراهيم عيلان لسلام، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى؛ يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فا استطعتاتلحق بتلك البلاد فافعل، قال: ثم مات وغيب، ومكثت بعمورية ما شاء الله ان أمكث، ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم، احملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتي هذه، وغنيمتي هذه، قالوا: نعم. وأعطيتهموها وحملوني معهم، حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي عبدا فكنت عنده، ورأيت النخل؛ ورجوتايكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يحق في نفسي؛ فبينا انا عنده؛ إذ قدم عيلان بن عمٍ له من بني قريظة من المدينة، فابتاعني منه، فحملني إلى المدينة، فوالله ما هو إل ان ارأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكرٍ مع ما انا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فواللهالفي رأس عذقٍ لسيدي أعمل له فيه بعض العمل، وسيدي جالس تحتي إذ أقبل ابن عمٍ له، حتى وقف عليه فقال: يا فلأن، قاتل الله بن قيلة، انهم والله الأن لمجتمعون بقباء، على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون انه نبي، قال: فلما سمعته أخذتني العرواء حتى ظننت اني ساقط على سيدين فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لأبن عمه ذلك: ماذا تقول ؟ فغضب سيدي ولكمني لكمةً شديدة، ثم قال: مالك ولهذا ؟ أقبل على عملك، فقلت لا شيء انما أردت ان أستثبته عما قال. قال سلمان: وكا عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له: انه قد بلغني انك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذووا حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، قال: فقربته إليه، فقال لأصحابه: كلوا ! وأمسك يده فلم يأكل. قال: قلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم جئته به، فقلت: اني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها قال: فأكل منها وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: قلت في نفسي: هاتا اثنتان. قال: ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه، على شملتا لي، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت انظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي، فلما راني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته، عرف اني أستثبت من شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عيلان قبله وأبكى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحول ! فتحولت فجلست بين يديه، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا بن عباس، فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلمايسمع ذلك أصحابه.ي وبم تأمرني ؟ قال يا بني والله ما أعلمه بقي أحد على أمرنا فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية، فأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلأن اني كنت مع فلأن فأوصى بي إلى فلأن، ثم أوصى بي فلأن إلى فلأن، ثم أوصى بي فلأن إلى فلأن، ثم أوصى بي فلأن إليك، فإلى من توصي بي وبم تأمرني ؟ قال: يا بني والله ما أعلمه أصبح أحدٌ على مثل ما كنا عليه من الناس آمركاتأتيه، ولكنه قد أظل زما نبي هو مبعوثٌ بدين إبراهيم عيلان لسلام، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى؛ يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فا استطعتاتلحق بتلك البلاد فافعل، قال: ثم مات وغيب، ومكثت بعمورية ما شاء الله ان أمكث، ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم، احملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بقراتي هذه، وغنيمتي هذه، قالوا: نعم. وأعطيتهموها وحملوني معهم، حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي عبدا فكنت عنده، ورأيت النخل؛ ورجوتايكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يحق في نفسي؛ فبينا انا عنده؛ إذ قدم عيلان بن عمٍ له من بني قريظة من المدينة، فابتاعني منه، فحملني إلى المدينة، فوالله ما هو إل ان ارأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكرٍ مع ما انا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فواللهالفي رأس عذقٍ لسيدي أعمل له فيه بعض العمل، وسيدي جالس تحتي إذ أقبل ابن عمٍ له، حتى وقف عليه فقال: يا فلأن، قاتل الله بن قيلة، انهم والله الأن لمجتمعون بقباء، على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون انه نبي، قال: فلما سمعته أخذتني العرواء حتى ظننت اني ساقط على سيدين فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لأبن عمه ذلك: ماذا تقول ؟ فغضب سيدي ولكمني لكمةً شديدة، ثم قال: مالك ولهذا ؟ أقبل على عملك، فقلت لا شيء انما أردت ان أستثبته عما قال. قال سلمان: وكا عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له: انه قد بلغني انك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذووا حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، قال: فقربته إليه، فقال لأصحابه: كلوا ! وأمسك يده فلم يأكل. قال: قلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم جئته به، فقلت: اني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها قال: فأكل منها وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: قلت في نفسي: هاتا اثنتان. قال: ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه، على شملتا لي، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت انظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي، فلما راني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته، عرف اني أستثبت من شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عيلان قبله وأبكى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحول ! فتحولت فجلست بين يديه، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا بن عباس، فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلمايسمع ذلك أصحابه.","part":4,"page":256},{"id":1757,"text":"ثم شغل سلما الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرٌ وأحد. قال سلمان: ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: كاتب يا سلمان، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلةٍ أحييها له بالفقير، يعني الآبار الصغار، وأربعين أوقية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أعينوا أخاكم، فأعانوني بالنخل؛ الرجل بثلاثين وديةً، والرجل بعشرين ودية، والرجل بخمس عشرة ودية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب يا سلما ففقر لها فإذا فرغت فأتني، أكن انا أضعها بيدي. قال: ففقرت، وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت جئته فأخبرته، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها فجعلنا نقرب إليه الودى، ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده حتى إذا فرغنا فوالذي نفس سلما بيده ما مات منها ودية واحدة، فأديت النخل، وبقى على المال، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن، فقال: ما فعل الفارسي المكاتب ؟ قال: فدعيت، فقال: خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان، قال: وقلت وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي ؟ فقال: خذها فا الله سيؤدي بها عنك، وفي رواية: فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلبها على لسانه ثم قال: خذها فأوفهم منها. قال: فأخذتها فوزنت لهم منها - والذي نفس سلما بيده - أربعين أوقيةً، فأوفيتهم حقهم منها وعتق سلمان. فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق حرا ثم لم يفتني معه مشهد.\rقال محمد بن إسحاق بسند رفعه إلى عمر بن عبد العزيز، انه قال: حدثت عن سلما انه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره:اصاحب عمورية قال له: ائت كذا وكذا من أرض الشام، فا بها رجلاً بين غيضتين يخرج في كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة يعترضه ذووا الأسقام، فلا يدعو لأحدٍ منهم إلا شفى، فاسأله عن هذا الدين الذي تبتغي، فهو يخبرك عنه، قال سلمان: فخرجت حتى جئت حيث وصف لي، فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك، حتى يخرج لهم تلك الليلة مستجيزاً من إحدى الغيضتين إلى الأخرى، فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعو لمرضي إلا شفى، وغلبوني عليه، فلم أخلص إيه حتى دخل الغيضة التي يريدايدخل إلى منكبه، قال: فتناولته، فقال: من هذا ؟ والتفت إلي، قلت يرحمك الله أخبرني عن الحنيفية دين إبراهيم، قال: انك لتسألني عن شيء ما يسأل عنه الناس اليوم، وقد أظل زما نبيٍ يبعث بهذا الدين من أهل الحرم، فأته، فهو يحملك عليه، ثم دخل. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلماكنت صدقتني يا سلمان، لقد لقيت عيسى ابن مريم.\rوقد روى حديث إسلام سلما على غير هذا الوجه إلا انه غير منافٍ له فيما هو مختصٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع.\rوأما من بشر به عند مولده صلى الله عليه وسلم للقرائن التي كان يتوقع وقوعها تدل على مولده، فوقعت.\rفمن ذلك ما روىايهودياً قال لعبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سيد البطحاء المولود الذي كنت حدثتكم عنه قد ولد البارحة، فقال عبد المطلب: لقد ولد لي البارحة غلام، قال اليهودي: ما سميته ؟ قال: سميته محمدا قال اليهودي: هذه ثلاثٌ يشهدن علي بنبوته؛ إحداهن:انجمع طلع البارحة، والثانية: ان اسمه محمد، والثالثة: انه يولد في صبابة قومه، وانت يا عبد المطلب صبابتهم.\rومنه ما روىاحسا بن ثابت قال: والله اني لعلى أطمى فارع في السحر إذ سمعت صوتاً لم أسمع قط صوتاً انفد منه، وإذا هو صوت يهودي على أطم من آطام اليهود معه شعلة نار، فاجتمع الناس إليه وانكروا صراخه فقالوا: مالك ويلك ! قال حسان: فسمعته يقول: هذا كوكبٌ أحمر قد طلع، وهو كوكب لا يطلع إلا بالنبوة، ولم يبق من الأنبياء إلا أحمد، قال حسان: فجعل الناس يضحكون منه ويعجبون لما أتي به، قال: وكا أبو قيس أحد بني عدي بن النجار قد ترهب ولبس المسوح، فقيل له يا أبا قيس ! انظر ما قال هذا اليهود ! قال: صدق وا انتظار أحمد هو الذي صنع به ما صنع، ولعلي ان أدركه فأومن به، فلما بلغه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم بمكة آمن به، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وقد نالت السن من أبي قيس.\rوقد أشرنا إلى خبر حسا هذا عند ذكرنا لمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأخبار في هذا الباب كثيرة، فلا نطول بسردها.","part":4,"page":257},{"id":1758,"text":"وأما من بشر به صلى الله عليه بعد مولده في حال طفوليته وحداثة سنه.\rفمن ذلك خبر سيف بن ذي يزن، وقصته مع عبد المطلب؛ وكا من خبره ما رواه الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي رحمه الله في كتابه المترجم بدلائل النبوة قال: أخبرنا أبو سهل محمد بن نصرويه بن أحمد المروزي بنيسابور، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن صالح المعافري، قال: حدثنا أبو يزن الحميري إبراهيم ابن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن، قال: حدثني عمي أحمد بن حبيش بن عبد العزيز، قال: حدثني أبي عفير، قال: حدثني أبي زرعة بن سيف بن ذي يزن، قال: لما ظهر سيف بن ذي يزن على الحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين أتته وفود العرب وأشارفها وشعراؤها لتهنئته، وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه، وأتاه وفد قريش، منهم: عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وعبد الله ابن جذعان، وأسد بن عبد العزى، ووهب بن عبد مناف، وقصي بن عبد الدار، فدخل عيلان ذنه وهو في قصرٍ يقال له عمدان، والملك مضمخ بالعبير، وعليه بردا أخضران، مرتدٍ بأحدهما مترزٌ بالآخر، سيفه بين يديه، وعن يمينه وشماله الملوك، فأخبر بمكانهم فأذن لهم، فدخلوا عليه، فدتا منه عبد المطلب فاستأذنه في الكلام، فقال:اكنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك، فقال: الله عز وجل أحلك أيها الملك محلاً رفيعاً شامخاً منيعا وانبتك نباتاً طابت أرومته، وعظمت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، في أطيب موضع وأكرم معدن؛ وانت - أبيت اللعن - ملك العرب الذي عيلان لاعتماد، ومعقلها الذي تلجأ إليه العباد، سلفك خير سلف، وانت لنا منهم خير خلف، فلن يهلك ذكر من انت خلفه، ولن يخمل ذكر من انت سلفه، نحن أهل حرم الله وسدنة بيت الله، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا فنحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة.","part":4,"page":258},{"id":1759,"text":"قال له الملك: من انت أيها المتكلم ؟ فقال: انا عبد المطلب بن هاشم، قال: ابن أخينا ؟ قال: نعم، قال: ادنه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحباً وأهلاً وأرسلها مثلأن وكا أول من تكلم بها وناقةً ورحلأن ومستناخاً سهلأن وملكاً ربحلأن يعطى عطاءً جزلأن قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فانكم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم، ثم انهضوا إلى دار الضيافة والوفود، وأجريت عليهم الأنزال، فأقاموا بذلك شهراً لا يصلون إليه، ولا يؤذن لهم في الأنصراف، ثم انتبه لهم انتباهةً فأرسل إلى عبد المطلب فأدناه ثم قال له: يا عبد المطلب، اني مفض إليك من سر علمي أمراً لو غيرك يكون لم أبح به، ولكني رأيتك معدته، فأطلعتك عليه، فليكن عندك مخبأ حتى يأذن الله عز وجل فيه؛ اني أجد في الكتاب المكنون، والعلم المحزون الذي ادخرناه لأنفسنا واحتجناه دون غيرنا خبراً عظيماً وخطراً جسيما فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة للناس عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة، فقال له عبد المطلب: مثلك أيها الملك سر وبر، فما هذا فداك أهل الوبر زمراً بعد زمر ؟ قال: إذا ولد بتهامة، غلام بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة، إلى يوم القيامة. قال عبد المطلب: أيها الملك، لقد أبت بخبرٍ ما آب بمثله وافد قوم، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه، لسألته من بشارته إياي ما أزداد به سروراً. قال له الملك: هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد؛ اسمه محمد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، قد ولدناه مرارا والله باعثه جهارا وجاعلٌ له منا انصاراً يعز بهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض، ويستفتح بهم كرائم الأرض، يعبد الرحمن، ويدحض أو يدحر الشيطان، وتخمد النيرا وتكسر الأوثان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله. قال له عبد المطلب: عز جدك، ودام ملكك، وعلا كعبك، فهل الملك سارني بإفصاح ؟ فقد أوضح لي بعض الإيضاح، قال له سيف ابن ذي يزن: والبيت ذي الحجب، والعلامات على النصب، انك لجده يا عبد المطلب غير كذب، قال. فخر عبد المطلب ساجدا فقال له سيف ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا كعبك، فهل أحسست بشيء مما ذكرت ؟ قال: نعم أيها الملك، انه كان لي ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا واني زوجته كريمةً من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف، فجاءت بغلام وسميته محمدا مات أبوه وأمه، وكفلته انا وعمه. قال له ابن ذي يزن: الذي قلت لك كما قلت، فاحتفظ بابنك واحذر عيلان ليهود، فانهم أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلأن واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فاني لست آمناتداخلهم النفاسة، مناتكون لكم الرياسة، فيصبون له الحبائل، ويبغون له الغوائل، وهم فاعلون ذلك أو أبناؤهم من غير شك، ولولا اني أعلم الموت مجتاحي قبل مبعثه، لسرت بخيلي ورجلي حتى أجيء يثرب دار ملكه، فاني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق،ابيثرب استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا اني أقيه الآفات، وأحذر عيلان لعاهات، لأعليت على - حداثه سنه - أمره، ولأوطات على أسنا العرب كعبه، ولكن سأصرف ذلك إليك من غير تقصيرٍ بمن معك، ثم دعا بالقوم، وأمر لكل رجل منهم بعشرة أعبدٍ سود، وعشر إماء سود، وحلتين من حلل البرود، وخمسة أرطال ذهب، وعشرة أرطالٍ فضة، ومائةٍ من الإبل، وكرشٍ مملوء عنبرا ولعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال له: إذا حال الحول فأتني بخبره، قال: فمات سيف بن ذي يزن قبلايحول عيلان لحول، وكا عبد المطلب كثيراً ما يقول: يا معشر قريش، لا يغبطني رجلٌ منكم بجزيل عطاء الملك، وا كثر، فانه إلى نفاد، ولكن يغبطني بما يبقي لي ولعقبي ذكره وفخره، فإذا قيل وما هو ؟ قال: سيعلم ما أقول ولو بعد حين.\rقال البيهقي وقد روى هذا الحديث أيضاً عن الكلبي أي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما.","part":4,"page":259},{"id":1760,"text":"ومن ذلك رؤيا رقيقة بنت أبي صيفي وقصة استسقاء عبد المطلب بن هاشم وكا من خبرها ما رواه أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي رحمه الله بسند عن مخرمة بن نوفل عن أمه رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم، وكانت لدة عبد المطلب، قالت: تتابعت على قريش سنون أقحلت الضرع، وأرقت العظم، قالت: فبينما انا نائمة اللهم أو مهمومة إذا هاتفٌ يصرخ بصوت صحلٍ صيت يقول: معشر قريش،اهذا النبي المبعوث منكم قد أظلكم أيامه، وهذا إبا نجومه، وفي رواية عنها: مبعوث منكم، وهذا إبا مخرجه فجيهلا بالخير والخصب، وفي رواية بالحيا والخصب، ألا فانظروا رجلاً منكم وسيطاً عظماً جساماً أبيض بضا أوطف الأهداب، سهل الخدين، أشم العرنين، له فخر يكظم عليه، وسنة تهدى إليه، ألا فليخلص هو وولده وليهبط إليه من كل بطن رجلٌ فليشنوا من الماء، وليمسوا من الطيب، ثم ليستلموا الركن. وفي رواية وليطوفوا بالبيت سبعا ثم ليرتقوا أبا قبيس فليستسق الرجل، وليؤمن القوم ألا وفيهم الطاهر والطيب لذاته، ألا بعثتم شئتم وعشتم، قالت: فأصبحت - عليم الله - مذعورةً قد اقشعر جلدي، ووله عقلي، واقتصصت رؤياي، فوالحرمة والحرم ما بقي أبطحى إلا قال: هذا شيبة الحمد، هذا شيبة، وتتامت إليه رجالاً قريش، وهبط إليه من كل بطن رجل، فشنوا وطيبوا واستلموا وطافوا ثم ارتقوا أبا قبس، وطفقوا جنابيه ما يبلغ سعيهم مهلة، حتى إذا استوى بذروة الجبل، قام عبد المطلب ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام قد أيقع أو كرب، فقال عبد المطلب: اللهم ساد الحلة، وكاشف الكربة، انت معلم، وفي رواية عالم غير معلم ومسؤول غير مبخل، وهذه عبداؤك وإماؤك عذرات حرمك يشكون إليك سنتهم أذهبت الخف والظلف، اللهم فأمطرن غيثاً مغدقاً مريعاً؛ فوالكعبة ما راموا حتى تفجرت السماء بمائها واكتض الوادي بتجيجه، فسمعت شيخا قريش وجلتها: عبد الله بن جذعان، وحرب ابن أمية، وهشام بن المغيرة، يقولون لعبد المطلب: هنيئاً لك أبا البطحاء أي عاش بك أهل البطحاء، وفي ذلك تقول رقيقة:\rبشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... لما فقدنا الحيا واجلّود المطر\rفجاد بالماء جونيّ له سيل ... دا فعاشت به الأنعام والشّجر\rمنّا من الله بالميمون طائره ... وخير من بشّرت يوما به مضر\rمبارك الأمر يستسقى الغمام به ... ما في الأنام له عدل ولا خطر\rوأما من بشر به صلى الله عليه وسلم قبيل مبعثه، فمن ذلك خبر اليهودي الذي هو من بني عبد الأشهل. وكا من خبره ما رواه أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بسنده عن سلمة بن سلامة بن وقش، قال: كان بين أبياتنا يهودي، فخرج على نادي قومه بني عبد الأشهل ذات غداةٍ، فذكر البعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، فقال ذلك لأصحاب وثنٍ لا يرونابعثاً كائن بعد الموت، وذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ويحك يا فلأن، وهذا كائن؟ الناس يبعثون بعد موتهم إلى دارٍ فيها جنة ونار، يجزون من أعمالهم ؟ قال: نعم، والذي يحلف به، لوددتاحظي من تلك الناراتوقدوا أعظم تنورٍ في داركم فتحمونه، ثم تقذفونني فيه، ثم تطبقوا علي، واني انجو من النار غدا فقيل له يا فلأن، فما علامة ذلك ؟ قال: نبي يبعث من ناحية هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا: فمتى تراه ؟ فرمى بطرفه، فراني وانا مضطجع بفناء باب أهلي، وانا أحدث القوم فقال:ايستنفد هذا الغلام عمره يدركه فما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وا لحي بين أظهرهم فآمنا به وصدقناه، وكفر به بغيا وحسدا فقلنا له: يا فلأن، ألست الذي قلت ما قلت وأخبرتنا ؟ فقال: بلى. ولكن لا أومن به.\rومن خبر إسلام أسيد وثعلبة ابني سعية وراشد بن عبيد.","part":4,"page":260},{"id":1761,"text":"روى البيهقي رحمه الله عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن شيخ من بني قريظة، قال: هل تدرون عم كان إسلام أسيد وثعلبة ابني سعية، وأسد بن عبيد، نفرٍ من بني هدل لم يكونوا من بني قريظة، ولا النضير، كانوا فوق ذلك ؟ فقلت: لا. قال: فانه قدم علينا رجل من الشام من يهود يقال ابن الهيبان، وكنيته أبو عمير، كذا ذكره الواقدي، فأقام عندنا والله ما رأينا رجلاً قط لا يصلى الخمس خيراً منه، فقدم علينا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، فكنا إذا أقحطنا وقل علينا المطر نقول: يا بن الهيبان، اخرج فاستسقى لنا فيقول: لا والله، حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة؛ فتقول: كم ؟ فيقول: صاعٌ من تمر أو مدين من شعير فنخرجه، ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا ونحن معه، فيستسقي، فوالله ما يقوم من مجلسه حتى يمر السحاب؛ قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين، ولا ثلاثة، فحضرته الوفاة، واجتمعنا إليه، فقال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع ؟ قالوا: انت أعلم، قال: انه انما أخرجني اني أتوقع خروج نبي قد أظل زمانه، هذه البلاد مهاجره، وكنت أرجوايبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه إذا خرج يا معشر يهود، فانه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذراري والنساء ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه. ثم مات؛ فلما كانت الليلة التي فتحت فيها قريظة قال أولئك الثلاثة الفتية، وكانوا شباباً أحداثاً: يا معشر يهود: والله انه للنبي الذي ذكر لكم ابن الهيبان، فقالوا: ما هو به، قالوا: بلى والله ! انها لصفته، ثم نزلوا فأسلموا وخلوا أموالهم وأولادهم وأهاليهم؛ فلما فتح رسول الله الحصن رد ذلك عليهم.\rومنه ما روىاعبد الله بن مسعود كان يحدث عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قال: خرجت إلى اليمن في تجارة قبلايبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت على شيخ من الأزد عالم، قد قرأ الكتب وحوى علماً كثيرا وأتى عليه من السن ثلاثمائة وتسعون سنة، فلما تأملني قال: أحسبك تيمياً فقلت: نعم، انا من تيم ابن مرة؛ انا عبد الله بن عثما بن عامر وبن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، قال: بقيت لي فيك واحدة، قلت: ما هي ؟ قال: اكشف لي عن بطنك، قلت: لا أفعل أو تخبرني لم ذلك، فقال: اني لأجد في العلم الصحيح الصادقانبياً يبعث بالحرم يعاونه على أمره فتًى وكهل، فأما الفتى فخواض غمرات، وكشاف معضلات، وأما الكهل فأبيض نحيف، على بطنه شامة، وعلى فخذه اليسرى علامة، ولا عليكاتريني ما خفى علي؛ قال أبو بكر رضي الله عنه: فكشفت له عن بطني، فرأى شامةً سوداء فوق سرتي، فقال: هو انت ورب الكعبة، واني متقدم إليك في أمرٍ فاحذره، قلت: وما هو ؟ قال إياك والميل عن الهدى وتمسك بالطريقة المثلى، وخف الله عز وجل فيما أعطاك وخولك.\rقال أبو بكر رضي الله عنه: فقضيت باليمن أربي، ثم أتيت الشيخ لأودعه، فقال: أحاملٌ انت مني انباءً إلى ذلك النبي ؟ قلت: نعم، فانشأ يقول:\rألم تر اني قد سئمت معاشري ... ونفسي وقد أصبحت في الحي راهنا\rحييت وفي الأيام للمرء عبرةٌ ... ثلاث مئين ثم تسعين آمنا\rوصاحبت أحباراً اناروا بعلمهم ... غياهب جهلٍ ما ترى فهي طابنا\rوكم راهب فوق عنشبيل قائمٍ ... لقيت وما غادرت في البحث كاهنا\rوكلّهم لما تعطّشت قال لي ... با نبيّا سوف تلقاه دائنا\rبمكة والأوثا فيها عزيزةٌ ... فيركسها حتى تراها كوامنا\rفما زلت أدعو الله في كل حاضرٍ ... حللت به سراً وجهراً معالنا\rوقد خمدت منّي شرارة قوتي ... وألفيت شيخاً لا أطيق الشّواجنا\rوانت وربّ البيت تلقى محمداً ... بعامك هذا قد أقام البراهنا\rفحيّ رسول الله عنّي فانني ... على دينه أحيا وا كنت واهنا\rفياليتني أدركته في شبيبتي ... فكنت له عبداً وإلا العجاهنا\rعليه سلام الله ما ذرّ شارقٌ ... تألّق هنّافا من النور هافنا","part":4,"page":261},{"id":1762,"text":"قال أبو بكر رضي الله عنه: فحفظت وصيته وشعره وقدمت مكة، فجاءني شيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأبو البختري، وعقبة بن أبي معيط، ورجالات قريش مسلمين علي، فقلت: هل حدث أمر ؟ فقالوا: حدث أمر عظيم؛ هذا محمد بن عبد الله يزعم انه نبي أرسله الله إلى الناس، ولولا انت ما انتظرنا به، فإذ جئت فانت البغية والنهية، قال: فأظهرت لهم تعجباً وصرفتهم على أحسن شيء، وذهبت أسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لي: هو في منزل خديجة، فقرعت الباب عليه فخرج إلي فقلت: يا محمد، فقدت من نادي قومك فاتهموك بالغيبة وتركت دين آبائك، فقال يا أبا بكر، اني رسول الله إليك وإلى الناس كلهم فآمن بالله، فقلت وما آيتك ؟ قال: الشيخ الذي لقيته باليمن، قلت: وكم من شيخ قد لقيت، وبعت منه واشتريت، وأخذت وأعطيت ؟؟! قال: الشيخ الذي أخبرك عني، وأفادك الأبيات، قلت: من أخبرك بهذا يا حبيبي ؟ قال: الملك العظيم الذي كان يأتي الأنبياء قبلي، فقلت: أشهدالا إله إلا الله وانك رسول الله. قال أبو بكر رضي الله عنه: فانصرفت وما أحد أشد سروراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي.\rوأما من ذكر صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بمعثه ورؤيته له، وذكر قومه بها وحقق عندهم انه هو، لما كان يجد عنده من العلم بصفته صلى الله عليه وسلم.\rفمن ذلك ما روىاصفية بنت حي بن أخطب قالت: كنت أحب الناس إلى أبي، وكا عمي أشد حباً لي، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم بقباء، ثم رجعا من عنده ثقيلين لا يلتفتا نحوي، ولا ينظرا إلي، فسمعت عمي يقول لأبي: هل تعرفه ؟ قال: نعم. قال فماذا عندك فيه ؟ قال: عداوته إلى آخر الدهر، قال عمي لأبي: انشدك اللهاتطيعني يأخى في هذا ثم اعصني فيما سواه، هلم نتبعه، فقال أبي: لا؛ والله لا أراك له عدوا فقال عمي: انك تهلكنا وتهلك نفسك،اهذا نبي السيف، وجعل عمي يكلمه وهو يأبى إلا كلامه الأول، قالت صفية: فلما كان الليل، وجدت نسوةً من بني النضير جالسات يقلن: والله ما أحسن حي ابن أخطب بخلاف أخيه، انا لنعلماهذا نبي مذور في الكتب، وقالت عجوز منهن: سمعت أبي يقول لإخوتي:انبياً من العرب يقال له أحمد، مولده بمكة، ودار هجرته يثرب، وهو خير الأنبياء، فا خرج وانتم أحياء، فاتبعوه؛ قالت صفية: وإذا هن كلهن يزرين على أبي، ويتعتبن عليه فعله.\rومنه ما قاله كعب بن عمرو لبني قريظة عند حصارهم. وسنذكر ذلكاشاء الله في الغزوات، وقد تقدم خبر بحيرا ونسطور، فلا فائدة في إادته هنا.\rوأما من أظهر صحفا كانت عنده فيها صريح ذكره صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك ما روىارجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بورقةٍ ورثها عن أبيه عن جده، وذكراسلفه كانوا يتوارثونها على وجه الدهر، فإذا فيها: اسم الله وقوله الحق، وقول الظالمين في تبارٍ، هذا ذكرٌ لأمةٍ تأتي في آخر الزمان، يأتزرون على أوساطهم، ويغسلون أطرافهم، ويخوضون البحر إلى أعدائهم، فيهم صلاة لو كانت في قوم نوح ما هلكوا في الطوفان؛ أو في ثمود ما أهلكوا بالصيحة، قال: فقرئت الورقة على الناس، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظها.\rومنه ما روىاعلي بن أبي طالب رضي الله عنه نزل بالبليح إلى جانب ديرٍ، فأتاه قيم الدير فقال يا أمير المؤمنين: اني ورثت عن آبائي كتاباً قديماً كتبه أصحاب المسيح عيلان لسلام؛ فا شئت قرأته عليك؛ قال: نعم، هات كتابك؛ فجاء بكتابٍ فإذا فيه: الحمد لله الذي قضى ما قضى؛ وسطر ما سطر، انه باعث في الأميين رسولاً يعلمهم الكتاب والحكمة، ويدلهم على سبيل الجنة، لا فظٌ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون لله في كل هبوط ونشرٍ وصعود، تذلل ألسنتهم بالتكبير والتهليل، ينصر دينهم على كل من ناوأه.\rومنه ما روى ان أبا ذؤيب الزاهد قال: دخلت في سياحتي ديراً فقلت للراهب القيم عليه: أعندك فائدة ؟ قال: نعم. لك يا عربي، قلت: هاتها ! قال: فأخرج لي ورقةً فيها أربعة أسطر، فذكر انها من الكتب المنزلة؛ ففي السطر الأول منها: يقول الجبار تبارك وتعالى: انا الله لا إله إلا انا وحدي لا شريك لي؛ والسطر الثاني: محمد المختار عبدي ورسولي؛ والسطر الثالث: أمته الحمادون، أمته الحمادون، أمته الحمادون، والسطر الرابع: رعاة الشمس، رعاة الشمس، رعاة الشمس.","part":4,"page":262},{"id":1763,"text":"وأما من أظهر تمثال صورته صلى الله عليه وسلم وصور بعض أصحابه رضي الله عنهم، وذلك مصور عندهم في بيوت في بيعهم.\rفمن ذلك ما روى عن دحية بن خليفة الكلبي رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر انه قال: لقيت قيصر بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بدمشق، فأدخلت عليه خاليا فناولته الكتاب فقبل خاتمه وفضه وقرأه، ثم وضعه على وسادةٍ أمامه، ثم دعا بطارقته وزعماء دينه فقام فيهم على وسائد بنيت له، ثم خطبهم فقال: هذا كتاب النبي الذي بشر به عيسى المسيح، وأخبر انه من ولد إسماعيل، قال: فنخروا نخرة عظيمة، وحاصوا فأومى إليهم بيده ان اسكتوا ثم قال: انما جربتكم لأرى غضبكم لدينكم، ونصركم له، وصرفهم، ثم استدعاني من الغد فأخلأني، وانسني بحديثه، وأدخلني بيتاً عظيماً فيه ثلاثمائة وثلاثة عشر صورة، فإذا هي صور الأنبياء المرسلين صلى الله عليهم وسلم فقال: انظر من صاحبك من هؤلاء، فنظرت فإذا صورة النبي صلى الله عليه وسلم كانما ينطق، فقلت: هو هذا فقال: صدقت، ثم أراني صورة عن يمينه فقال: من هذا ؟ قلت: هذه صورة رجل من قومه اسمه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فاشار إلى صورة أخرى عن يسارة، فقلت: هذه صورة رجل من قومه يقال له عمر رضي الله عنه، فقال: انا نجد في الكتابابصاحبيه هذين يتم الله أمره. قال دحية: فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته، قال: صدق: بأبي بكر وعمر يتم الله هذا الأمر بعدي. والله الموفق.\rومنه ما روى عن حكيم بن حزام قال: دخلت الشام للتجارة قبل ان أسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأرسل قيصر إلينا فجئناه ومعنا أمية بن أبي الصلت الثقفي، فقال: من أي العرب انتم ؟ وما قرابتكم من هذا الرجل الذي يزعم انه نبي ؟ فقال حكيم: فقلت انا ابن عمه، يجمعني وإياه الآب الخامس، فقال: هل انتم صادقي فيما أريكموه وأسألكم عنه ؟ قلنا: نعم، نصدقك أيها الملك، فقال: انتم ممن اتبعه أو ممن رد عليه ؟ قلنا: ممن رد عليه ما جاء به وعاداه، ولكنا نصدقك مع هذا قال: احلفوا لي بآلهتكم لتصدقنني في جميع ما أسألكم عنه وأعرضه عليكم، فحلفنا له وأعطيناه من المواثيق ما أرضاه، فسألنا عن اشياء مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بها ثم نهض واستنهضنا معه، فأتى كنيسة في قصره، فأمر بفتحها ودخل ونحن معه، وجاء إلى سترٍ وأمر بكشفه فإذا صورة رجل، قال: أتعرفون من هذه صورته ؟ قلنا: لا. قال: هذه صورة آدم، ثم تتبع أبواباً يفتحها ويكشف عن صور الأنبياء واحداً بعد واحد، ويقول: هذا صاحبكم ؟ فنقول: لا. حتى فتح باباً وكشف لنا سترا عن صورة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: أتعرفون هذا ؟ قلنا: نعم، هذه صورة صاحبنا فقال: أتدرون منذ كم صورت ؟ قلنا: لا. قال: منذ أكثر من ألف سنة، فا صاحبكم نبيٌ مرسل فاتبعوه، ولوددت اني عنده فأشرب ما يغسل من قدميه.\rوقد ورد في الصحيحين خبر قيصر مع أبي سفيا لما سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسيأتي ذكرهاشاء الله تعالى.\rومنه ما روى عن جبير بن مطعم انه قال: لما بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم: خرجت تاجراً إلى الشام، فأرسل إلى عظيم الأساقفة فأتيته فقال: هل تعرف هذا الرجل الذي ظهر بمكة، يزعم انه نبي ؟ قال: فقلت هو ابن عمي، فأخذ بيدي وأدخلني بيتاً فيه تماثيل وقال: انظر ترى صورته ههنا ؟ فنظرت فلم أر شيئاً فأخرجني من ذلك البيت، وأدخلني بيتاً أكبر منه فيه مثلها وقال: انظر هل تراه ههنا فنظرت فإذا صورة النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا صورة أبي بكر وهو آخذٌ بعقب النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا صورة عمر وهو آخذٌ بعقب أبي بكر، فقال: هل رأيته ؟ فقلت: نعم هوذا قال: أتعرف الذي أخذ بعقبه ؟ قلت: نعم، هو ابن أبي قحافة، قال: وهل تعرف الذي هو آخذ بعقبه ؟ قلت نعم، هذا عمر بن الخطاب ابن عمنا فقال: أشهد انه رسول الله، وا هذا هو الخليفة من بعده، وا هذا هو الخليفة من بعد هذا.\rوهذا باب متسع لو استقصيناه لطال، ولو سطرنا ما وقفنا عليه منه لأنبسطت هذه السيرة، وخرجت عن حد الاختصار، وفيما أوردناه كفاية.\rفلنذكر بشائر كها العرب والله أعلم.","part":4,"page":263},{"id":1764,"text":"وأما من بشر به صلى الله عليه وسلم من كها العرب فقد قدمنا في الباب الثالث من القسم الثاني من الفن الثاني من كتابنا هذا أخبار الكهنة، وذكرنا طرفا من إخبارهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، مما نستثنيه في هذا الموضع، ونذكر ما عداه، ولا يشترط الاستيعاب لتعذره، ولا إثبات جميع ما وقفنا عيلان يضاً من ذلك لأنه يوجب البسط والإطالة، بل نذكر من ذلك ما نقفاشاء الله تعالى عليه مما فيه الكفاية، وا كانت نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم أظهر وأشهر وأقطع منايحتاج فيها إلى ذكر ما ذكرناه، وما نذكره، وانما نورد ما أوردناه ليقف عليه من لم يتتبع أحواله صلى الله عليه وسلم، ولا طالع سيره، وليعلم ان امره صلى الله عليه وسلم لم يفجا الناس، بل جاءهم على بينةٍ واستبصار، وآثار وأخبار، ومعجزات ظهرت، نذكرها بعداشاء الله تعالى.\rفمن بشائر الكها رؤيا ربيعة بن نصر وتأويل سطيح وشق لها.\rقال محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي: كان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التتابعة، فرأى رؤيا هالته وفظع بها فلم يدع كاهناً ولا ساحراً ولا عائفاً ولا منجماً من أهل مملكته إلا جمعه إليه، فقال لهم: اني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بها وبتأويلها قالوا له: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها قال: اني ان أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها فانه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل ان أخبره بها فقال له رجل منهم: فا كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح وشق، فانه ليس أحدٌ أعلم منهما فانهما يخبرانه بما سأل عنه.\rقال ابن هشام: واسم سطيح: ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب ابن عدي بن مازن بن غسان. وشق بن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قيس ابن عبقر بن انمار بن نزار.\rقال ابن إسحاق: فبعث إليهما فقدم عليه سطيح قبل شق، فقال له: اني رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبرني بها فانكاقضيتها أصبت تأويلها قال: افعل؛ رأيت حممة، خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تهمة، فأكلت منها كل ذات جمجمة؛ فقال له الملك: ما أخطأت منها شيئاً يا سطيح، فما عندك في تأويلها ؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من حنش، لتهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش، فقال الملك: وأبيك يا سطيحاهذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن، أفي زماني أم بعده ؟ قال: لا. بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين، قال: افيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع ؟ قال: لا. بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين، قال: ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم ؟ قال: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحداً باليمن، قال: أفيدوم ذلم من سلطانه أم ينقطع ؟ قال: بل ينقطع، قال: ومن يقطعه ؟ قال: نبي زكى، يأتيه الوحي من قبل اعلي، قال: وممن هنا النبي ؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدهر من آخر ؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون، قال: أحقٌ ما تخبرني ؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق؛اما انبأتك به لحق.\rثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح، وكتمه ما قال سطيح، لينظر أيتفقا أم يختلفا ؟ فقال: نعم، رأيت حممة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضةٍ وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة.","part":4,"page":264},{"id":1765,"text":"فلما قال ذلك عرف انهما قد اتفقا وا قولهما واحدٌ، فقال له الملك: ما أخطأت ياشق منها شيئا فما عندك في تأويلها ؟ فقال: أحلف بما بين الحرتين من انسان، لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران، فقال له الملك: وأبيك ياشق،اهذا لنا لغائظٌ موجع، فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده ؟ قال: لا. بل بعده بزمان. ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان، ويذيقهم أشد الهوان، قال: ومن هذا العظيم الشا ؟ قال: غلام ليس بدنيٍ ولا مدن يخرج عليهم من بيت ذي يزن، قال: أفيدوم سلطانه أم ينقطع ؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصفل، قال: وما يوم الفصل ؟ قال: يوم تجزي فيه الولاة، يدعى فيه من السماء بدعوات، يسمع فيها الأحياء والأموات، ويجمع فيها الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقي الفوز والخيرات، قال: أحقٌ ما تقول ؟ قال: إي ورب السماء والأرض، وما بينهما من رفع وخفض،اما انبأتك به لحق ما فيه أمض، قال: فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالأن فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، وكتب إلى ملكٍ من ملوك فارس يقال له سابور، فأسكنهم في الحيرة، فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النعما المنذر.","part":4,"page":265},{"id":1766,"text":"ومن ذلك ما روىامرثد بن عبد كلال ففل من غزاة غزاها بغنائم عظيمة، فوفد عليه زعماء العرب وشعراؤها وخطباؤها يهنونه؛ فرفع الحجاب عن الوافدين، فأوسعهم عطاءً، واشتد سروره بتقريظ الخطباء والشعراء، فبينا هو على ذلك أرى في المنام رؤيا أخافته وذعرته وهالته في حال منامه، فلما انتبه انسيها حتى ما تذكر منها شيئا وثبت ارتياعه في نفسه لها فانقلب سروره حزنا فاحتجب عن الوفود حتى أساءوا الظن به، ثم حشد الكهان، فجعل يخلو بكاهن كاهن ثم يقول: أخبرني عما أريد ان أسألك، فيجيبه الكاهن با لا علم عندي، حتى لم يدع كاهناً علمه، فتضاعف قلقه، فقالت له أمه، وكانت قد تكهنت: أبيت اللعن! الكواهن أهدى إلى ما تسأل عنه، لأن أتباع الكواهن من الجن ألطف من أتباع الكهان، فأمر بحشر الكواهن إليه، وسألهن كما سأل الكها فلم يجد عند واحدة منهن علم ما أراد علمه، فلما يئس من طلبته سلا عنها؛ ثم انه بعد ذلك ذهب يتصيد فأوغل في الصيد، وانفرد عن أصحابه، فرفعت له أبياتٌ في ذرى جبل وقد لفحه الهجير، فعدل إلى الأبيات، وقصد منها بيتاً منها كان منفرداً عنها فبرزت إليه منه عجوزٌ فقالت: انزل بالرحب والسعة، والأمن والدعة، والجفنة المدعدعة، والعلبة المترعة، فنزل عن جواده ودخل البيت، فلما احتجب عن الشمس وخفقت عيلان لأرواح نام فلم يستيقظ حتى تصرم الهجير، فجلس يمسح عينيه فإذا بين يديه فتاة لم ير مثلها جمالاً وقواما فقالت له: أبيت اللعن أيها الملك الهمام ! هل لك في الطعام ؟ فاشتد إشفاقه، وخاف على نفسه لما رأى انها قد عرفته، وتصامم عن كلمتها فقالت له: لا حذر، فداك البشر، فجدك الأكبر، وحظنا بك الأوفر، ثم قربت إليه ثريداً وقديداً وحيسا وقامت تذب عنه حتى انتهى أكله ثم سقته لبناً صريفاً وضريباً فشرب ما شاء، وجعل يتأملها مقبلة ومدبرة فملأت عينيه حسنا وقلبه هوًى، ثم قال لها: ما اسمك يا جارية ؟ قالت: اسمي عفيراء، قال لها: من الذي دعوته الملك الهمام ؟ قالت: مرثد العظيم الشان، الحاشر الكواهن والكهان، لمعضله يعل بها الجان، قال يا عفيراء: أتعلمين ما تلك المعضلة ؟ قالت: أجل أيها الملك الهمام، انها رؤيا منام، ليست بأضغاث أحلام، قال: أصبت يا عفيراء، فما تلك الرؤيا ؟ قالت: رأيت أعاصير زوابع، بعضها لبعض تابع، فيها لهب لامع، ولها دخا ساطع، يقفوها نهر متدافع، وسمعت فيما انت سامع، دعاء ذي جرس صادع: هلموا إلى المشارع، هلموا إلى المشارع، روى جارع، وغرق كارع. قال الملك: أجل هذه رؤياي ! فما تأويلها يا عفيراء ؟ قالت: الأعاصير الزوابع، ملوك تبابع، والنهر علم واسع، والداعي نبي شافع، والجارع ولي له تابع، والكارع عدو له منازع. قال: يا عفيراء أسلمٌ هذا النبي أم حرب ؟ قالت: أقسم برافع السماء، ومنزل الماء من العماء، انه لمبطل الدماء، ومنطق العقائل نطق الإماء. قال الملك: إلام يدعو يا عفيراء ؟ قالت: إلى صلاة وصيام، وصلة أرحام، وكسر أصنام، وتعطيل أزلام، واجتناب آثام. قال الملك: يا عفيراء، من قومه ؟ قالت: مضر بن نزار، ولهم منه نقع مثار، يتجلى عن ذبح وإسار، قال: يا عفيراء: إذا ذبح قومه فمن أعضاده ؟ قالت: أعضاده غطاريف يمانون، طائرهم به ميمون، يعزبهم فيعزون، ويدمث بهم الحزون، فإلى نصره يعتزون، فأطرق الملك يؤامر نفسه في خطبتها فقالت: أبيت اللعن !اتابعي غيور، ولأمري صبور، وناكحي مقبور، والكلف بي ثبور. فنهض الملك مبادرا فجال في صهوة جواده، وانطلق فبعث إليها بمائة ناقة كوماء.\rويشبه ما ذكرناه رؤيا الموبذا وقد تقدمت في أخبار الكهان.","part":4,"page":266},{"id":1767,"text":"ومن ذلك ما روى عن لهيب بن مالك اللهبي انه قال: حصرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت الكهانة فقلت: بأبي انت وأمي يا رسول الله ! نحن أول من عرف حراسة السماء وزجر الشياطين، ومنعهم من استراق السمع عند القذف بالنجوم؛ وذلك انا اجتمعنا إلى كاهن لنا يقال له خططر بن مالك، وكا شيخاً كبيراً قد أتت عليه مائة سنة وثمانون سنة، وكا أعلم كهاننا فقلنا له: يا خطر، هل عندك علم من هذه النجوم التي يرمى بها ؟ فانا قد فزعنا لها وقد خفنا سوء عاقبتها فقال: ائتوني بسحر، أخبركم الخبر، بخيرٍ أم ضرر. وأمنٍ أم حذر؛ قال: فانصرفنا عنه يومنا فلما كان من غدٍ في وجه السحر أتيناه، فإذا هو قائم على قدميه شاخص إلى السماء بعينيه. فناديناه يا خطر، فأومأ إلين ان اامسكوا فأمسكا فانقض نجم من السماء عظيم، فصرخ الكاهن: أصابه إصابه، خامره عقابه، عاجله عذابه، أحرقه شهابه، زايله جوابه، يا ويله ما حاله، بلبله بلباله، عاوده خباله، تقطعت حباله، وغيرت أحواله؛ ثم أمسك طويلأن ثم قال: يا معشر بني قحطان، أخبركم بالحق والبيان، أقسمت بالكعبة ذات الأركان، والبلد المؤتمن السكان. قد منع السمع عتاة الجان، بثاقبٍ بكف ذي سلطان، من أجل مبعوثٍ عظيم الشان، يبعث بالتنزيل والقران، وبالهدى وفاضل الفرقان، تبطل به عبادة الأوثان. قال: قلنا يا خطر، انك لتذكر أمراً عجيبا فماذا ترى لقومك ؟ فقال:\rأرى لقومي ما أرى لنفسي ... ا يتبعوا خير نبي الأنس\rبرهانه مثل شعاع الشمس ... يبعث من مكة دار الخميس\rبمحكم التنزيل غير اللبس\rقلنا: يا خطر، ومم هو ؟ فقال: والحياة والعيش، انه لمن قريش. ما في حكمه طيش، ولا في خلقه هيش، يكون في جيش وأي جيش، من آل قحطا وآل ريش. قال: قلنا بين لنا من أي قريش هو، قال: والبيت ذي الدعائم، والركن والأحائم، انه لمن نجل هاشم، من معشرٍ أكارم، يبعث بالملاحم، وقتل كل ظالم؛ ثم قال: هذا هو البيان، أخبرني به رئيس الجان؛ ثم قال: الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجن الخبر؛ ثم سكت فأغمى عليه، فما أفاق إلا بعد ثلاث فقال: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد نطق عن مثل نبوة، وانه ليبعث يوم القيامة أمةً وحده. والله أعلم.\rومنه ما روىاسفيا بن مجاشع بن دارم احتمل ديات دماءٍ كانت من قومه، فخرج يستعين فيها فدفع إلى حي من تميم، فإذا هم مجتمعون إلى كاهنة تقول: العزيز من والاه، والذليل من خالاه، والموفور من مالاه، والموتور من عاداه؛ قال سفيان: من تذكرين لله أبوك ؟ فقالت: صاحب حل وحرم، وهدى وعلم وبطشٍ وحلم، وحرب وسلم، رأس رؤوس، ورائض يموس، وماحي بوس، وماهد وعوس، وناعشٍ منعوس؛ قال سفيان: من هو لله أبوك ؟ قالت: نبي مؤيد، قداحين يوجد، ودنا أوا يولد، يبعث إلى الأحمر والأسود، بكتاب لا يفند، اسمه محمد؛ قال سفيان: لله أبوك، أعربي هو أم عجمي ؟ قالت: أما والسماء ذات العنان، والشجر ذات الأفنان، انه لمن معد بن عدنان، فقدك يا سفيان؛ فأمسك سفيا عن سؤالها ثماسفيا ولد له غلام فسماه محمداً لما رجاه منايكون النبي الموصوف.\rومنه ما روىاعمرو بن معد يكرب عوتب على ارتداده عن الإسلام فقال: والله ما هو إلا الشقاء، ولقد علمتامحمداً رسول الله قبلايوحي إليه، قيل: كيف كان ذلك يا أبا ثور ؟ قال: حدث بين بني زبيد تناجش وتظالم، ونما إلىاسفك بعضهم دماء بعضٍ، ففزع حلماؤهم إلى كاهنٍ لهم رجو ان ايكون عنده المخرج مما نزل بهم، فقال الكاهن: أقسم بالسماء ذات الأبراج، والأرض ذات الأدراج، والريح ذات العجاج، والبحار ذات الأمواج، والجبال ذات الفجاج،اهذا الإمراج والارتجاج، للقاح ذو نتاج؛ قالوا: وما نتاجه ؟ قال: ظهور نبي صادق، بكتاب ناطق، وحسام والق، قالوا: أين يظهر ؟ وإلام يدعو ؟ قال: يظهر بصلاح؛ ويدعو إلى الفلاح، ويعطل القداح، وينهي عن الراح والسفاح، وعن كل أمر قباح؛ قالوا: ممن هو ؟ قال: من ولد الشيخ الأكرم، حافر زمزم، ومطعم الطير الحوم، والسباع الصوم؛ قالوا: وما اسمه ؟ قال: اسمه محمد، وعزه سرمد، وخصمه مكمد.\rفهذه جملة كافية من أخبار الكهان. فلنذكر ما نطق به الجا من أجواف الأصنام، وما سمع من الهواتف، والله المستعان.","part":4,"page":267},{"id":1768,"text":"وأما من بشر به عيلان لصلاة والسلام من الجا الذين نطقوا من أجواف الأصنام وما سمع من العتائر.\rفمن ذلك ما روى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في سبب إسلام عمر، وانه كان قد ضمن لقريش قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج لذلك، فمر بقومٍ من خزاعة وقد اعتمدوا صنماً لهم يريدون أن يتحاكموا إليه، فقالوا لعمر: ادخل لتشهد الحكم، فدخل معهم، فلما مثلوا بين يدي الصنم سمعوا هاتفاً من جوفه يقول:\rيأيها الناس ذوو الأجسام ... ما انتم وطائش الأحلام\rومسند الحكم إلى الأصنام ... أصبحتم كراتع الأنعام\rأما ترون ما أرى أمامي ... من ساطعٍ يجلو دجى الظلام\rقد لاح للناظر من تهام ... وقد بدا للناظر الشامي\rمحمد ذو البرّ والإكرام ... أكرمه الرحمن من إمام\rقد جاء بعد الشّرك بالإسلام ... يأمر بالصلاة والصيام\rوالبّر والصّلات للأرحام ... ويزجر الناس عن الآثام\rفبادروا سبقاً إلى الإسلام ... بلا فتورٍ وبلا إحجام\rقال: فتفرق القوم عن الصنم ولم يحضره يومئذٍ أحد إلا أسلم؛ ثم ذكر ابن عباس انطلاق عمر إلى منزل أخته على ما نذكر ذلك أو نحوه عند ذكرنا إسلام عمر رضي الله عنه.\rقال: ثم خرج لقصد النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه رجال من بني سليم قد تنافروا إلى صنم لهم ليحكم بينهم اسمه الضمار، فدعوا عمر إلى الدخول معهم إليه ففعل، فلما وقفوا بين يدي الصنم سمعوا هاتفاً من جوفه يقول:\rأودى الضّمار وكا يعبد مرةً ... قبل الكتاب وقبل بعث محمد\rا الذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قري مهتدى\rسيقول من عبد الضّمار ومثله ... ليت الضّمار ومثله لم يعبد\rأبشر أبا حفصٍ بدينٍ صادقٍ ... تهدى إليه بالكتاب المرشد\rواصب أبا حفصٍ قليلا انه ... يأتيك عن فرق أعزّ بني عدي\rلا تعجلنّ فانت ناصر دينه ... حقّاً يقينا باللسا وباليد\rقال: فعجب القوم منه ونكسه عمر، وغير الله ما في صدره من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rومنه ما روىاوائل بن حجر وكا ملكاً مطاعا وكا له صنم من العقيق الأحمر يعبده ويحبه حباً شديدا ولم يكن يكلم منه، إلا انه كان يرجو ذلك، فيكثر له السجود، ويعتر له العتائر، فبينا هو نائم في الظهيرة أيقظه صوت منكر من المخدع الذي فيه الصنم، فقام من مضجعه وأتاه فسجد أمامه، فإذا قائل يقول:\rيا عجبا لوائل بن حجر ... يخال يدرى وهو ليس يدرى\rماذا يرجّى من نحيت صخر ... ليس بذى عرفٍ ولا ذى نكر\rولا بذى نفع ولا ذى ضرّ ... لو كان ذا حجرٍ أطاع أمرى\rقال وائل: فرفعت رأسي واستويت جالسا ثم قلت: قد أسمعت أيها الناصح، فماذا تأمرني ؟ فقال:\rارحل إلى يثرب ذات النّخل ... وسر إليها سير مشمعلّ\rتدن بدين الصائم المصلّى ... محمد المرسل خير الرسل\rقال وائل: ثم خر الصنم بوجهه فانكسر انفه، واندقت عنقه، فقمت إليه فجعلته رفاتا ثم سرت مسرعاً حتى أتيت المدينة؛ وذكر إسلامه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. والله المعين.\rخبر مازن الطائي\rفي سبب إسلامه رواه البيهقي في دلائل النبوة بسندٍ قال: كان مازن الطائي بأرض عما بقرية تدعى سمايل، وكا يسدن الأصنام لأهله، وكا له صنم يقال له باجر، قال مازن: فعترت ذات يوم عتيرة، والعتيرة: الذبيحة، فسمعت صوتاً من الصنم يقول: يا مازن: أقبل إلي أقبل، تسمع ما لا يجهل، هذا نبي مرسل، جاء بحق منزل، فآمن به كي تعدل، عن حر نار تشعل، وقودها بالجندل.","part":4,"page":268},{"id":1769,"text":"قال مازن: فقلت واللهاهذا لعجب، ثم عترت بعد عشرة أيام عتيرة أخرى، فسمعت صوتاً آخر أبين من الأول وهو يقول: يا مازن اسمع تسر، ظهر خير وبطن شر، بعث نبي من مضر، بدين الله الكبر، فدع نحيتا من حجر، تسلم من حرسقر؛ قال مازن: فقلتاهذا والله لعجب، انه لخيرٌ يراد بي؛ وقدم علينا رجل من أهل الحجاز فقلنا: ما الخبر وراءك ؟ قال: خرج رجل بتهامة يقول لمن أتاه: أجيبوا داعي الله عز وجل، يقال له أحمد، قال: فقلت هذا والله نبأ ما سمعت، فثرت إلى الصنم فكسرته أجذاذا وشددت راحلتي ورحلت، حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشرح إلى الإسلام فأسلمت، وانشأت أقول:\rكسرت باجر أجذاذا وكا لنا ... ربا نطيف به ضلاّ بتضلال\rفالهاشمي هدانا من ضلالتنا ... ولم يكن دينه منّى على بال\rيا راكبا بلّغن عمرا وإخوته ... اني لما قال ربّي باجرٌ قالى\rقال مازن: فقلت يا رسول الله، اني امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر، وبالهلوك من النساء، وألحت علينا السنون فأذهبن الأموال، وأهزا الذرارى والرجال، وليس لي ولد، فادع اللهايذهب عني ما أجد، ويأتيني بالحيا ويهب لي ولدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أبدله بالطرب قراءة القران، وبالحرام الحلال، وبالخمر رياً لا إثم فيه، وبالعهر عفة الفرج وائته بالحيا وهب له ولدا. قال مازن: فأذهب الله عنى كل ما أجد، وأخصبت عمان، وتزوجت أربع حرائر، ووهب لي حيا بن مازن، وانشأت أقول:\rإليك رسول الله خبّت مطيّتي ... تجوب الفيافى من عما إلى العرج\rلتشفع لي يا خير من وطئ الحصا ... فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج\rإلى معشرٍ خالفت في الله دينهم ... فلا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجي\rوكنت امرأً بالعهر والخمر مولعا ... شبابي حتى آذن الجسم بالنهج\rفبدلني بالخمر خوفاً وخشية ... وبالعهر إحصانا وحصن لي فرجي\rفأصبحت همّي في جهادٍ ونيتّي ... فلله ما صومي ولله وما حجّي\rقال مازن: فلما رجعت إلى قومي انبوني وشتموني، وأمروا شاعرهم فهجاني، فقلتاهجوتهم فانما أهجو نفسي، فتركتهم، قال: ثم القوم ندموا وكنت القيم بأمورهم، فقالوا ما عسىانصنع به، فجاءني منهم أزفلة عظيمة فقالوا: يا بن عم، عبنا عليك أمراً فنهيناك عنه، فإذا أبيت فنحن تاركوك، ارجع معنا فرجعت معهم، فأسلموا بعد كلهم.\rومازن هذا هو الذي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض عمان.\rومنه ما روى عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: كنا جلوسا عند صنم لنا فإذا صائح يصيح من جوفه: اسمعوا إلى العجب، وتوقعوا حادثا قد اقترب، استراق السمع ذهب، وترمى الجن بالشهب، لنبي من العرب، هاشمي النسب، مولده بمكة، ومهاجره يثرب؛ قال: وهذا قبلايظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه ما روى عن عبد الله بن ساعدة الهذلي انه قال: كنا نعبد صنماً يقال له سواع، وكانت لي غنم فجربت فسقتها إليه وأدنيتها منه أرجو بركته، فسمعت منادياً من جوف الصنم يقول: العجب كل العجب، سدلت الحجب، ورميت الجن بالشهب، وسقطت النصب، ونزل خير الكتب، على خير العرب؛ قال: فسقت غنمي وعدت إلى أهلي، وقد بغضت إلى الأوثان، فجعلت انقب عن الحوادث حتى بلغني ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته فأسلمت.\rوسنذكراشاء الله تعالى في خبر إسلام الجن ما هتفوا به فأسلم بسببه من أسلم لما سمعوا - ما تقف عليه هناك.\rوحيث ذكرنا ما ذكرنا من المبشرات، فلنذكر مبعثه صلى الله عليه وسلم.\rمبعث رسول الله وما بدئ به من النبوة روى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها انها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصادقة، لا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا في نومٍ إلا جاءت كفلق الصبح، وحبب الله إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه منايخلو وحده.","part":4,"page":269},{"id":1770,"text":"وروى محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي عن عبد الملك بن عبيد الله بن أبي سفيا ابن العلاء بن حارثة الثقفي، وكا واعيةً، عن بعض أهل العلمارسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراده الله بكرامته، وابتدأه بالنبوة؛ كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت، ويفضى إلى شعاب مكة وبطون أوديتها فلا يمر بحجرٍ ولا شجرٍ إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت حوله منيمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة؛ فمكث صلى الله عليه وسلم كذلك يرى ويسمع ما شاء اللهايمكث، ثم جاءه جبريل بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء في شهر رمضان.\rوعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وله يومئذٍ أربعون سنة ويوم، فأتاه جبريل ليلة السبت وليلة الأحد، ثم ظهر له بالرسالة يوم الاثنين لسبع عشرة ليلةً خلت من شهر رمضا في حراء، وهو أول موضع نزل فيه القران.\rوحكى أبو عمر بن عبد البرامحمد بن موسى الخوارزمي قال: بعث نبينا صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لثما خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل. فكان من مولده إلىابعثه الله عز وجل أربعون سنة ويوم.\rوعن عبد الله بن الزبير وغيره: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء شهراً من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به - إذا انصرف من جواره - الكعبة قبلايدخل بيته، فيطوف بها سبعاً أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به فيه من كرامته ما أراد، من السنة التي بعثه فيها وذلك في شهر رمضان، خرج صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فهيا برسالته، ورحم العباد بها جاءه جبريل بأمر الله؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جاءني وانا نائم بنمطٍ من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ؛ قال: قلت: ما أقرأ ؟ قال: فغتني به حتى ظننت انه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ؛ قلت: ماذا أقرأ ؟ قال: فغتني به حتى ظننت انه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ؛ قلت: ماذا أقرأ ؟ ما أقول ذلك إلا افتداءً منهايعود لي بمثل ما صنع. فقال: \" اقْرَأ بِاسم رَبِّك الذِي خَلَق خَلَق الأنسا مِن عَلَقٍ اقْرأ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الذِي عَلَّم بِالقَلَم عَلَّم الأنسا ما لم يَعْلَم \" . قال: فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني، وهببت من نومي، فكانما كتب في قلبي كتابا؛ قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسطٍ من الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول: يا محمد، انت رسول الله، وانا جبريل، قال: فرفعت رأسي انظر إلى السماء؛ فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد، انت رسول الله، وانا جبريل، قال: فوقفت انظر إليه، فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فما انظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفاً ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وانا واقف في مكاني ذلك؛ ثم انصرف عني.\rوانصرفت راجعاً إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفاً إليها فقالت: يا أبا القاسم أين كنت ؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا أعلى مكة ورجعوا إلي، فحدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يا بن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده اني لأرجوناتكون نبي هذه الأمة.","part":4,"page":270},{"id":1771,"text":"ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وهو ابن عمها وكا قد تنصر في الجاهلية وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والأنجيل، فأخبرته بمأ أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم انه رأى وسمع، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وانه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة بن نوفل، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف صنع كما كان يصنع؛ بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال: يا بن أخي، أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال له ورقة: والذي نفسي بيده انك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه، ولئن انا أدركت ذلك اليوم، لأنصرن الله نصراً يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله.\rوذكر الإمام العدل سليمان التيمي في سيره النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبر خديجة عن جبريل، ولم تكن سمعت باسمه قط، ركبت إلى بحيرا الراهب إلى الشام، قال الزهري هو جبر من يهود تيماء، فسألته عن جبريل، فقال لها: قدوس قدوس، يا سيدة نساء قريش، انى لك بهذا الاسم ؟ فقالت: بعلي ابن عمي أخبرني انه يأتيه، فقال: قدوس قدوس ما علم به إلا نبي، فإه السفير بين الله وبين انبيائه، وا الشياطين لا تجترئاتتمثل به ولا تتسمى به.\rوكا غلامٌ لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس اسمه عداس من أهل نينوى مدينة يونس عيلان لسلام، عنده علم من الكتاب أرسلت تسأله عن جبريل فقال: قدوس قدوس انى لهذه البلاد بذكر جبريل يا سيدة نساء قريش ؟ فأخبرته بقول النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عداس مثل قول الراهب.\rوروى البخاري - رحمه الله - في صحيحه بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعى ما يقول قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عيلان لوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وا جبينه ليتفصد عرقا.","part":4,"page":271},{"id":1772,"text":"وبسنده عن عائشة رضي الله عنها انها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يلحق بغار حراء، فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبلاينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاء الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرا قال: قلت: ما انا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما انا بقارئ، فأخذني فغطني الثاني حتى بلغ من الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما انا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: \" اقرأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الأنسا مِن عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الذِي عَلَّمَ بَالْقَلَمِ \" فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله، ما يخزيك الله أبدا انك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكا امرءاً تنصر في الجاهلية، وكا يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الأنجيل بالعبرانية ما شاء اللهايكتب، وكا شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا بن عم أمسع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا بن أخي، ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي انزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا يتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أومخرجي هم ؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وا يدركني يومك انصرك نصراً مؤزرا؛ ثم لم ينشب ورقةاتوفى، وفتر الوحي.\rقال ابن شهاب: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمناجابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: بينا انا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فانزل الله: \" يأيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَانذْرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابك فَطَهّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ \" ، فحمى الوحي وتتابع.\rقال محمد بن إسحاق: وحدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير انه حدث عن خديجة انها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي ابن عم، أتستطيعاتخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبريل عيلان سلام كما كان يصنع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني قالت: قم يا بن عم فاجلس على فخذي اليسرى، فقام فجلس عليها قالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، قال: فتحول فقعد على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري، فتحول فجلس في حجرها ثم قالت: هل تراه ؟ قال: نعم: قال: فحسرت وألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها ثم قالت: هل تراه ؟ قال: لا. قالت يا بنعم: اثبت وأبشر، فوالله انه لملك، ما هذا بشيطان.\rوكانت خديجة رضي الله عنها أول من آمن بالله وبرسوله وصدق بما جاء به. وحكى أبو عمر بن عبد البرارسول الله صلى الله عليه وسلم أسر أمره ثلاث سنين ثم أمره الله تعالى بإظهار دينه والدعاء إليه، فأظهره بعد ثلاث سنين من مبعثه، قال: وقال الشعبي: أخبرتاإسرافيل تراءى له ثلاث سنين. وروى ابن عبد البر بسنده إلى الشعبي قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين، ووكل به إسرافيل عيلان لسلام ثلاث سنين ثم وكل به جبريل عيلان لسلام. وفي روايةٍ عنه: ثم بعث إليه جبريل بالرسالة. وعنه أيضاً قال: انزلت عيلان لنبوة وهو ابن أربعين، فقرن نبوته إسرافيل عيلان لسلام ثلاث سنين، وكا يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عيلان لقرا على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عيلان لسلام، فنزل القرا على لسانه عشرين سنة.\rفترة الوحي\rعن النبي صلى الله عليه وسلم وما انزل بعد فترته","part":4,"page":272},{"id":1773,"text":"قال: وفتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فترةً حتى شق ذلك عليه وأحزنه. واختلف في مدة فترة الوحي، فقال ابن جريح: احتبس عنه الوحي اثنى عشر يوما وقال ابن عباس رضي الله عنهما: خمسة عشر يوما وقيل خمسة وعشرين. وقال مقاتل: أربعين يوماً. والله أعلم.\rروى البخاري - رحمه الله - عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وساق الحديث بنحو ما تقدم، قال: وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدي له جبريل فقال: يا محمد انك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل وقال له مثل ذلك. قال: وتكلم المشركون عند فترة الوحي بكلام، فانزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم: \" وَالضُّحَى واللَّيْلِ إذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى \" السورة بكمالها؛ وقيل في سبب نزوله ان ارسول الله صلى الله عليه وسلم كان ترك قيام الليل ليلتين أو ثلاثاً لشكوى أصابته، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد، اني لأرجوايكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فانزل الله تعالى السورة.\rقال القاضي أبو الفضل عياض بن موسى رحمه الله في كتابه المترجم بالشفا بتعريف حقوق المصطفى: تضمنت هذه السورة من كرامة الله تعالى لنبيه وتنويهه به وتعظيمه إياه ستة وجوه: الأول - القسم له عما أخبر به من حاله بقوله: \" والضُّحَى وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى \" أي ورب الضحى، وهذا لمن عظم درجات المبرة.\rالثاني - بيا مكانته عنده وحظوته لديه بقوله: \" مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى \" أي ما تركك وما أبغضك، وقيل ما أهملك بعد ان اصطفاك.\rالثالث - قوله: \" وَلَلآْخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ منَ الأُولَى \" .\rقال ابن إسحاق: أي مالك في مرجعك عند الله أعظم مما أعطاك الله من كرامة الدنيا. وقال سهل: أي ما ذخرت لك من الشفاعة والمقام المحمود خير لك مما أعطيتك في الدنيا.\rالرابع - قوله: \" وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى \" ، وهذه آية جامعة لوجوه الكرامة وانواع السعادة وشتات الأنعام في الدارين والزيادة.\rقال ابن إسحاق: يرضيه بالفلج في الدنيا والثواب في الآخرة. وقيل: يعطيه الحوض والشفاعة، وروى عن بعض آل النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: ليس في القرا آية أرجى منها. ولا يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلمايدخل أحد من أمته النار.\rالخامس - ما عده الله تعالى عليه من نعمه، وقرره من آلائه قبله في بقية السورة، من هدايته إلى ما هداه له، أو هداية الناس به على اختلاف التفاسير، ولا مال له فأغناه بما آتاه، أو بما جعله في قلبه من القناعة والغنى، ويتيما فحدب عليه عمه وآواه إليه، وقيل: آواه إلى الله، وقيل: يتيما لا مثال لك فآواك إيه، وقيل المعنى ألم يجدك فهدى بك ضالأن وأغنى بك عائلأن وآوى بك يتميا ذكره بهذه المنن، وانه - على المعلوم من التفسير - لم يهمله في حال صغره وغيلته ويتمه، وقبل معرفته به ولا ودعه ولا قلاه، فكيف بعد اختصاصه واصطفائه. والله أعلم السادس - أمره بإظهار نعمته عليه، وشكر ما شرفه به بنشره وإشادة ذكره بقوله: \" وَأمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّطَ فَحَدِّثْ \" ، فا من شكر النعمة التحدث بها وهذا خاص له، عام لأمته.\rوقال ابن إسحاق: أي بما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة، فحدث بها أي اذكرها وادع إليها. قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما انعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوة سراً إلى من يطمئن إليه من أهله. قال: ثم فرضت الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. والله الموفق لطاعته.\rفرض الصلاة عليه\rروى عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - انها قالت: افترضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما افترضت ركعتين ركعتين كل صلاة، ثم الله تعالى أتمها في الحضر أربعا وأقرها في السفر على فرضها الأول ركعتين.\rقال محمد بن إسحاق:","part":4,"page":273},{"id":1774,"text":"وحدثني بعض أهل العلم الصلاة حين افترضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت منه عينٌ فتوضأ جبريل ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ليريه كيف الطهور للصلاة، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رأى جبريل توضا ثم قام به جبريل فصلى، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته، ثم انصرف جبريل، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى بها كما صلى به جبريل فصلت بصلاته.\rوعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لما فرضت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فصلى به الظهر حين مالت الشمس، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب الشفق، ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر، ثم جاء فصلى به الظهر من غدٍ حين كان ظله مثله، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثليه، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل الأول، ثم صلى به الصبح مسفراً غير مشرقٍ، ثم قال: يا محمد الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالأمس.\rأول من أسلم وآمن بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم وصدق بما جاء به من عند الله قد تقدما أول من آمن خديجة رضي الله عنها وذهب محمد بن إسحاق إلى ان أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى وصدق بما جاء به من الله تعالى علي بن أبي طالب، ثم زيد بن حارثة مولى سول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أبو بكر الصديق رضي الله عنهم. وسنذكراشاء الله إسلام كل واحد منهم.\rأما إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه فالذي عيلان لأكثرون انه أول من أسلم من الذكور، وقد روى أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله في كتابه المترجم بصفة الصفوة عن ابن عباس، وحسا بن ثابت، والسماء بنت أبي بكر، وإبراهيم النخعي، قالوا كلهم: أول من أسلم أبو بكر، قال: وقال يوسف بن يعقوب بن الماجشون: أدركت أبي ومشيختنا محمد بن المنكدر، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وصالح ابن كيسان، وسعد بن إبراهيم، وعثما بن محمد الأخنسي، وهم لا يشكون ان أول القوم إسلاما أبو بكرٍ.\rوروى أبو الفرج بسنده عن ابن عباس انه قال: أول من صلى أبو بكرٍ رضي الله عنه، ثم تمثل بأبيات حسا بن ثابت:\rإذا تذكّرت شجّوا من أخي ثثقةٍ ... فاذكر أخاك أبا بكرٍ بما فعلا\rخير البرية أتقاها وأعدلها ... إلا النبيّ، وأولاها بما حملا\rالثاني التالي المحمود مشهده ... وأوّل الناس حقا صدّق الرسلا\rوالله يهدي من يشاء.\rوأما إسلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه - فقد اختلف في سنه حال إسلامه؛ فقيل: أسلم وهو ابن عشر سنين، وقيل: تسع سنين، وقيل اثنتي عشرة سنة، وقيل أكثر من ذلك إلى عشرين سنة، وهو بعيد، لأنه آمن في ابتداء الأمر وظهور النبوة. والله أعلم.\rوكا من حديث إسلامه ما رواه محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر بن أبي الحجاج، قال: كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب ومما صنع الله له وأراده به من الخيراقريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكا أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه العباس، وكا من أيسر بني هاشم: يا عباس، ان أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفف عنه من عياله؛ آخذ من بنيه رجلأن وتأخذ انت رجلاً فنكفلهما عنه، فقال العباس: نعم، فانطلقا حتى لقيا أبا طالب، فقالا له: انا نريدانخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما؛ ويقال قال: عقيلاً وطالباً؛ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفراً فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله نبياً فاتبعه علي وآمن به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم.\rقال ابن إسحاق:","part":4,"page":274},{"id":1775,"text":"وذكر بعض أهل العلمارسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفياً من عمه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه فيصليا الصلوات فيها فإذا أمسيا رجعا؛ فمكثا كذلك ما شاء اللهايمكثا ثم انأبا طالب عثر عليهما يوماً وهما يصليان، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به ؟ قال: أي عم، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم، بعثني الله به رسولاً إلى العباد، وانت أي عم أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه، وأعانني عليه، أو كما قال. فقال أبو طالب: أي ابن أخي، اني والله لا أستطيع ان أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك شيءٌ تكرهه ما بقيت.\rوذكروا انه قال لابنه علي: أي بني ما هذا الدين الذي انت عليه ؟ فقال: يا أبت، آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقته بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته. فزعموا انه قال له: أما انه لم يدعك إلا إلى خيرٍ فالزمه.\rوأما إسلام زيد بن حارثة رضي الله عنه - فقال محمد بن إسحاق: ثم أسلم زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس الكلبي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نسبه ابن الكلبي فقال: زيد ابن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن يزيد بن امرئ القيس بن عامر ابن النعما بن عبدود بن امرئ القيس بن نعما بن عمرا بن عبد عوف بن عوف ابن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب ابن وبرة بن تغلب بن حلوا بن عمرا بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن عمر ابن مرة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان: قال أبو عمر: وربما اختلفوا في الاسماء وتقديم بعضها على بعض وزيادة شيء فيها. قال: ولم يتابع ابن إسحاق على قوله شرحبيل وانما شراحيل.\rوقال ابن الكلبي: وأم زيد سعدي بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلت، من بني معن من طئ.\rقال ابن إسحاق: وصلى زيد بعد علي بن أبي طالب. قال أبو محمد عبد الملك ابن هشام: وكا حكيم بن حزام بن خويلد قدم من الشام برقيق منه زيد بن حارثة، وصيفٌ، فدخلت عليه عمته خديجة بنت خويلد، وهي يومئذ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: اختاري يا عمة، أي هؤلاء الغلما شئت فهو لك، فاختارك زيدا فأخذته، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها فاستوهبه منها فوهبته له، فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبناه، وذلك قبلايوحى إليه، وكا أبوه حارثة قد جزع عليه جزعاً شديداً وبكى عليه حين فقده، ثم قدم عليه وهو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:اشئت فأقم عندي، وا شئت فانطلق مع أبيك؛ قال: بل أقيم عندك؛ فلم يزل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله، فصدقه وأسلم وصلى معه، فلما انزل الله عز وجل: \" اُدْعُوهْمِ لآبائِهْم \" قال: انا زيد ابن حارثة. وقد روى أبو عمر وغيرهاحارثة لما فقد ابنه زيداً قال:\rبكيت على زيدٍ ولم أدر ما فعل ... أحيّ يرجّى أم أتي دونه الأجل\rفوالله ما أدري وا كنت سائلا ... أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل\rفياليت شعري هل لك الدهر رجعةٌ ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل\rتذكّرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل\rوا هبّت الأرواح هيّجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه وما وجل\rسأعمل نص العيس في الأرض جاهدا ... ولا أسأم التّطواف أوتسألم الإبل\rحياتي أو تأتي عليّ منّيتي ... وكلّ امرئ فا وا غرّه الأمل\rسأوصى به قيسا وعمرا كليهما ... وأوصى يزيدا ثم من بعده جبل\rيعني جبلة بن حارثة أخا زيد، ويزيد أخا زيد لأمه، وهو يزيد بن كعب ابن شراحيل.\rقال: فحج ناسٌ من كلب فرأوا زيداً فعرفهم وعرفوه، وقال لهم: أبلغوا أهلي هذه الأبيات، فاني أعلم انهم قد جزعوا علي، فقال:\rأحنّ إلى قومي وا كنت نائياً ... فاني قعيد البيت عند المشاعر\rفكفّوا من الوجد الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرض نصّ الأباعر","part":4,"page":275},{"id":1776,"text":"فاني بحمد الله في خير أسرةٍ ... كرام معدٍ كابرا بعد كابر\rفانطلق الكلبيون فأعلموا أباه، فقال: ابني ورب الكعبة، فوصفوا له موضعه وعند من هو، فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل لفدائه، وقدما مكة، فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه فقالا: يا بن عبد المطلب، يا بن هاشم، يا بن سيد قومه، انتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه؛ قال: ومن هو ؟ قالا: زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلاّ غير ذلك ؟ قالوا: وما هو ؟ قال: ادعوه فأخيره، فا اختاركم فهو لكم، وا اختارني فهو لي، فوالله ما انا الذي أختار على من اختارني أحدا. قالوا: قد زدتنا على النصف وأحسنت إلينا فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء ؟ قال: نعم، قال من هذا ؟ قال: أبي، وهذا عمي، قال: فانا من قد علمت، وقد رأيت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما فقال زيد: ما انا بالذي أختار عليك أحدا انت مني مكا الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد ! أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك ؟ قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئاً ما انا بالذي أختار عيلان حدا أبدا. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: يا معشر من حضر، اشهدو ان ازيدا ابني يرثني وأرثه. فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما وانصرفا.\rودعى زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام، فنزلت: ادعوهم لآبائهم، فدعى يومئذ زيد بن حارثة، ودعى الأدعياء إلى آبائهم. والله أعلم.\rمن أسلم بدعاء أبي بكر\rقال محمد بن إسحاق.\rلما أسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه أظهر إسلامه، ودعا إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وكا أبو بكر رجلاً مألفاً لقومه محببا سهلأن وكا انسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر، وكا رجلاً تاجراً ذا خلق ومعروف، وكا رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته.\rفجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه رضي الله عنه، عثما بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استجابوا له، فأسلموا وصلوا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة، ما عكم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه.\rقال ابن إسحاق: فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا بالإسلام الناس فصلوا وصدقوا بما جاء من الله.","part":4,"page":276},{"id":1777,"text":"ثم أسلم أبو عبيدة، واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح، وأبو سلمة، واسمه عبد الله بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، واسم أبي الأرقم عبد مناف بن أسد ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وعثما بن مظعون، وأخواه قدامة، وعبد الله ابنا مظعون، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي، وسعيد بن زيد، وامرأته فاطمة ابنة الخطاب أخت عمر، واسماء وعائشة بنتا أبي بكر، وكانت عائشة صغيرة، وخباب بن الأرت حليف بني زهرة، وعمير بن أبي وقاص أخو سعد، وعبد الله بن مسعود، ومسعود بن القاري، وهو مسعود بن ربيعة، أو الربيع، وسليط بن عمرو ابن عبد شمس، وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة، وامرأته اسماء بنت سلامة ابن مخربة التميمية، وخنيس بن حذافة بن قيس، وعامر بن ربيعة حليف آل الخطاب، وعبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد بن جحش حليفا بني أمية، وجعفر بن أبي طالب، وامرأته اسماء بنت عميس، وحاطب بن الحارث بن معمر، وامرأته فاطمة بنت المجلل بن عبد الله، وأخوه خطاب بن الحارث، وامرأته فكيهة بنت يسار، ومعمر بن الحارث بن معمر، والسائب بن عثما بن مظعون، والمطلب ابن أزهر بن عبد عوف، وامرأته رملة بنت أبي عوف بن صبرة، والنحام واسمه نعيم بن عبد الله، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق، وخالد بن سعيد بن العاص ابن أمية؛ وقد روىاخالد بن سعيد كان خامس من أسلم، وا إسلامه كان بعد سعد بن أبي وقاص، حكاه أبو عمر، وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد، وحاطب ابن عمرو بن عبد شمس، وأبو حذيفة واسمه مهشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ابن عبد مناف؛ ويقال في اسمه هشيم؛ ويقال هاشم، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف ابن عرين بن ثعلبة، وخالد، وعامر، وعاقل، وإياس، بنو البكير بن عبد ياليل وعمار بن ياسر حليف بني مخزوم، وصهيب بن سنان.\rقال ابن إسحاق: ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والسناء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به.\rولنذكر من كانت له سابقة في الإسلام غير من ذكرنا والله الموفق للصواب.\rمن لهم سابقة من غير قريش كانت لجماعة سابقة إسلام، وهم من غير قريش، فرأين ان انذكرهم في هذا الموضع لسابقتهم في الإسلام.\rمنهم أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، واختلف في اسمه اختلافاً كثيرا والمشهور ما ذكرناه، واختلف أيضاً فيما بعد جنادة، فقيل جنادة بن قيس بن عمرو ابن صعير بن حرام بن غفار، وقيل جنادة بن صعير بن عبيد بن حرام بن غفار، ويقال جنادة بن سفيا بن عبيد بن صغير بن حرام بن غفار؛ أسلم أبو ذر بعد ثلاثة، وقيل: بعد أربعة، فكان خامسا وله في سبب إسلامه حديث حسن، نذكرهاشاء الله تعالى عند ذكرنا لأخبار وفود العرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد غفار على ما تقف عليه، وهو في السفر السادس عشر من كتابنا هذا. وأسلم بسبب إسلامه أخوه انيس بن جنادة وأمهما رملة بنت الوقيعة الغفارية.","part":4,"page":277},{"id":1778,"text":"ومنهم عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب بن امرئ القيس ابن بهثة بن سليم، يكنى أبا نجيح، ويقال أبو شعيب. قال أبو عمر بن عبد البر: روينا عنه من وجوه انه قال: ألقى في روعىاعبادة الأوثا باطل، فسمعني رجل وانا أتكلم بذلك، فقال: يا عمرو،ابمكة رجلاً يقول كما تقول، قال: فأقبلت إلى مكة أول ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو مستخفٍ، فقيل لي: انك لا تقدر عيلان لا بالليل حين يطوف، فقمت بين يدي الكعبة فما شعرت إلا بصوته يهلل، فخرجت إليه فقلت من انت ؟ قال: انا نبي الله، فقلت وما نبي الله ؟ قال: رسول الله، قلت وبم أرسلك ؟ قال: با يعبد الله وحده ولا يشرك به شيء، وتكسر الأوثا وتحقن الدماء، وتوصل الأرحام، قلت: ومن معك على هذا ؟ قال: حرٌ وعبد، يعني أبا بكر وبلالأن فقلت: ابسط يدك أبايعك، فبايعته على الإسلام. قال: فلقد رأيتني وانا ربع الإسلام، قال: قلت أقيم معك يا رسول الله ؟ قال: لا. ولكن الحق بقومك فإذا سمعت اني قد خرجت فاتبعني، قال: فلحقت بقومي، فمكثت دهراً منتظراً خبره حتى أتت رفقة من يثرب فسألتهم الخبر، فقالوا: خرج محمد من مكة إلى المدينة. قال: فارتحلت فأتيته فقلت: أتعرفني ؟ قال: نعم، انت الرجل الذي أتيتنا بمكة. وروى أبو عمر أيضاً بسنده إلى أبي أمامة الباهلي انه حدث عن عمرو بن عبسة قال: رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية ورأيت انها آلهة باطلة؛ يعبدون الحجارة، وهي لا تضر ولا تنفع، قال: فلقيت رجلاً من أهل الكتاب فسألته عن أفضل الدين، فقال: يخرج رجل من مكة يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها وهو يأتي بأفضل الدين، فإذا سمعت به فاتبعه، فلم يكن لي هم إلا مكة أسأل هل حدث فيها حدث ؟ فيقولون: لا. فانصرف إلى أهلي، وأهلي من الطريق غير بعيد، فأعترض الركبا خارجين من مكة فأسألهم هل حدث فيها حدث ؟ فيقولون: لا. فاني لقاعد على الطريق يوما إذ مر بي راكب فقلت من أين انت ؟ قال: من مكة، قلت: هل فيها من خبر ؟ قال: نعم، رجل رغب عن آلهة قومه ودعا غيرها قلت: صاحبي الذي أريد، فشددت راحلتي، وجئت مكة، ونزلت منزلي الذي كنت انزل فيه، فسألت عنه، فوجدته مستخفيا ووجدت قريشاً إلبا عليه، فتلطفت حتى دخلت عليه، فسلمت ثم قلت: من انت ؟ قال: نبي الله، قلت: وما النبي ؟ قال: رسول الله، قلت: من أرسلك ؟ قال: الله، قلت بم أرسلك ؟ قال:اتوصل الارحام، وتحقن الدماء، وتؤمن السبل، وتكسر الأوثان، ويعبد الله وحده لا يشرك به شيء. فقلت: نعم ما أرسلت به؛ أشهدك اني قد آمنت بك وصدقتك، أمكث معك أم ما تأمرني ؟ قال: قد رأيت كراهة الناس لما جئت به، فامكث في أهلك، فإذا سمعت اني خرجت مخرجاً فاتبعني. فلما سمعت به خرج إلى المدينة سرت حتى قدمت عليه فقلت: يا نبي الله، هل تعرفني ؟ قال: نعم، انت السلمي الذي جئتني بمكة فقلت لي كذا وقلت لك كذا.\rومنهم عتبة بن غزوا بن جابر، ويقال عتبة بن غزوا بن الحارث بن جابر ابن وهب بن نسيب بن زيد بن مالك بن الحارث بن عوف بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلأن بن مضر بن نزار المازني حليف لبني نوفل بن عبد مناف، يكنى أبا عبد الله، وقيل أبا غزوان، كان إسلامه بعد ستة رجال، فهو سابع سبعة في إسلامه، وقد قال ذلك في خطبته بالبصرة: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله سابع سبعةٍ ما لنا طعامٌ إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا. رضي الله عنهم أجمعين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.\rدعاء الرسول الناس إلى الإسلام قال محمد بن إسحاق: وكا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفرٌ من المشركين وهم يصلون، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذٍ رجلا من المشركين بلحى بعبر، فشجه، فكان أول دم هريق في الإسلام.\rثم أمر الله تعالى رسول صلى الله عليه وسلمايصدع بما جاء به من عند الله وا ينادي الناس بأمره، وا يدعوهم إلى الله تعالى، فكان يدعو ثلاث سنين مستخفيا إلى ان أمر الله بإظهار الدعاء.","part":4,"page":278},{"id":1779,"text":"قال محمد بن سعد: قوله تعالى: \" وَمَنْ أحْسَنُ قَوْلاً مَّمِنْ دَعَا إلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ انني مِنَ الْمُسْلِمِينَ \" هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوقال أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: لما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلمايعلم الناس نزول الوحي عليه، ويدعوهم إلى الإيما به، كبر ذلك عليه، فنزل قوله عز وجل: \" يَأيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا انزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَا لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ \" ، قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة، فقال لهم: أيها الناس، انصرفوا فقد عصمني الله؛ قيل: يعصمك من قتلهمايقتلوك، فبلغ عند ذلك الرسالة.\rوعن الزهري، قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام سراً وجهرا فاستجاب لله تعالى من شاء من أحداث الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن بالله؛ وكفار قريش غير منكرين لما يقول، فكان إذا مر عليهم في مجالسهم يشيرون إليه:اغلام بني عبد المطلب ليكلم من السماء، فكان ذلك حتى عاب الله آلهتهم التي يعبدونها دونه، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر، فعند ذلك عادوا رسول الله صلى عليه وسلم وناكروه؛ وأجمعوا علاقة.\rقال ابن عباس رضي الله عنه: لما انزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم: \" وَانذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ \" صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا فقال: يا معشر قريش، فقالت قريش: محمد على الصفا يهتف، فأقبلوا واجتمعوا فقالوا: مالك يا محمد ؟ فقال: أرأيتكم لو أخبرتكماخيلاً بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقونني ؟ قالوا: نعم، انت عندنا غير متهم، وما جربنا عليك كذباً قط، قال: فاني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف يا بني زهرة، حتى عدد الأفحاد من قريش الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، واني لا أملك لكم من الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله قال: فقال أبو لهبٍ: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا ؟ فانزل الله تعالى \" تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ \" السورة كلها. قال الواقدي: لما أظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ومن معه، وفشا أمره بمكة، ودعا بعضهم بعضا فكان أبو بكر يدعو ناحيةً سرا وكان سعيد بن زيد مثله، وعثمان مثل ذلك، وكان عمر يدعو علانيةً وحمزة ابن عبد المطلب وأبو عبيدة بن الجراح؛ فغضبت قريش من ذلك، وظهر منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم الحسد والبغي، وأشخص به منهم رجالٌ فبادوه، وتستر آخرون وهم على ذلك الرأي، إلا انهم ينزهون أنفسهم عن القيام والإشخاص برسول الله صلى الله عليه وسلم.\rأعداء الرسول جاهروا بالعداوة قالوا: كان أهل العداوة والمباداة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين يطلبون الجدل والخصومة: أبو جهل بن هشام، وأبو لهب بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن قيس بن عدي، والوليد بن المغيرة، وأمية وأبي ابنا خلف، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، والعاص بن وائل، والنضر ابن الحارث، ومنبه بن الحجاج، وزهير بن أبي أمية، والسائب بن صيفي بن عابد، والأسود بن عبد الأسد، والعاص بن سعيد بن العاص، والعاص بن هشام، وعقبة بن أبي معيط، وأبو الأصدي، وهو الذي نطحته الأروى، والحكم ابن أبي العاص، وعدي بن الحمراء؛ وذلك انهم كانوا جيرانه؛ والذين كانت تنتهي عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم: أبو جهلٍ، وأبو لهب، وعقبة ابن أبي معيط؛ وكا عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيا بن حرب أهل عداوة، ولكنهم لم يشخصوا بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ كانوا كنحو قريش، ولم يسلم من هؤلاء إلا أبو سفيا والحكم بن أبي العاص.\rدخول قريش على أبي طالب في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان بينهم من المحاورات قال محمد بن إسحاق:","part":4,"page":279},{"id":1780,"text":"لما رأت قريشارسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيءٍ انكروه عليه، ورأو ان اعمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب، وهم: عقبة وشيبة ابنا ربيعة ابن عبد شمس، وأبو سفيا صخر بن حرب، وأبو البختري العاص بن هشام، والأسود بن المطلب بن أسد، وأبو جهل عمرو بن هشام، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ابن عامر، والعاص بن وائل، فقالوا: يا أبا طالب، ان ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فإم ان اتكفه عنا وإم ان اتخلى بيننا وبينه، فانك على سبيل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم رداً جميلأن فانصرفوا عنه.\rومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها فتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضا عليه، ثم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا: يا أبا طالب،الك سناً وشرفا ومنزلة فينا وانا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وانا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين؛ ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلأنه. فبعث أبو طالب اني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بن أخي،اقومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق؛ قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قد بدا لعمه فيه، وانه خاذله ومسلمه، وانه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال له: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على ان أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته؛ ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام، فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا بن أخي، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيءٍ أبداً.\rقال: ثماقريشاً لما عرفو ان ان أبا طالب قد أبى خذلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة ابن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد انهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولداً فهو لك خير، وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم فنقتله، فانما هو رجل برجل، قال: والله لبئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ هذا والله ما لا يكون أبدا فقال له المطعم بن عدي ابن نوفل بن عبد مناف بن قصي: والله يا أبا طالب لقد انصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريداتقبل منهم شيئا؛ فقال له أبو طالب: والله ما انصفوني، ولكنك أجمعت خذلأني ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك، فحقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضا.\rقال الواقدي:","part":4,"page":280},{"id":1781,"text":"لما أجابهم أبو طالب بما قدمناه من انهم ما انصفوه قالوا له: فأرسل إليه فلنعطه النصف، فأرسل إليه أبو طالب، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا بن أخي، هؤلاء عمومتك، وأشراف قومك، وقد أراوا ينصفونك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا أسمع قالوا: تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك، قال أبو طالب: قد انصفك القوم فاقبل منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيتكم ان أعطيتكم هذه هل انتم معطى كلمةً ان انتم تكلمتم بها ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم ؟ فقال أبو جهل:اهذه لكلمةٌ مربحة، نعم، وأبيك لنقولنها وعشر أمثالها قال: قولوا لا إله إلا الله، فاشمأزوا ونفروا منها وغضبوا وقاموا وهم يقولون: واصبروا على آلهتكماهذا لشيء يراد، ويقال:أن الذي تكلم بها عقبة بن أبي معيط، وقالوا: لا نعود إليه أبدا وما خيرٌ منانغتال محمدا. فلما كان من تلك الليلة، قعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع فتياناً من بني هاشم وبني المطلب، ثم قال: ليأخذ كل واحدٍ حديدةً صارمة، ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد فليجلس كل فتىً منكم إلى عظيم من عظمائهم، فيهم ابن الحنظلية، يعني أبا جهلٍ، فانه لم يغب عن شراكا محمد قد قتل، فقال الفتيان: نفعل، فجاء زيد بن حارثة، فوجد أبا طالب على تلك الحال، فقال: يا زيد، أحسست، ابن أخي ؟ قال: نعم، كنت معه انفا فقال أبو طالب: لا أدخل بيتي أبداً حتى أراه، فخرج زيد مسرعاً حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيتٍ عند الصفا ومعه أصحابه يتحدثون؛ فأخبره الخبر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب، فقال: يا بن أخي، أين كنت ؟ أكنت في خير ؟ قال: نعم، قال: ادخل بيتك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما أصبح أبو طالب غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده فوقف على اندية قريش ومعه الفتيا الهاشميون والمطلبيون، فقال: يا معشر قريش، هل تدرون ما هممت به ؟ قالوا: لا. فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان: اكشفوا عما في أيديكم، فكشفوا فإذا كل رجل معه حديدة صارمة، فقال: والله لو قتلتموه ما بقيت منكم أحدا حتى نتفانى نجن وانتم، فانكسر القوم، وكا أشدهم انكساراً أبو جهل.\rتحزب قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذاهم له ولأصحابه قال ابن إسحاق: لما أيست قريش من أبي طالب، وانه لا يخذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يسلمه أبدا تآمروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلةٍ على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، فقام أبو طالب حين رأى قريشاً يصنعون ذلك في بني هاشم وبني المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه، فقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب فانه تمادى على غيه وكفره.","part":4,"page":281},{"id":1782,"text":"قال: ثم اجتمع نفر من قريش إلى الوليد بن المغيرة، وكا ذا سن فيهم وقد حضر الموسم فقال لهم: يا معشر قريش؛ انه قد حضر هذا الموسم، وا وفود العرب ستفد عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأياً واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويرد قولكم بعضه بعضا؛ قالوا: فانت يا أبا عبد شمس فقل، وأقم لنا رأياً نقول به، قال: بل انتم فقولوا أسمع؛ قالوا: نقول كاهن؛ قال: لأن والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكها فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه، قالوا: فنقول مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته؛ قالوا: فنقول شاعر؛ قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر؛ قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده؛ قالوا: فما تقول يا أبا عبد شمس ؟ قال: واللهالقوله لحلاوة، وا أصله لعدق، وا فرعه لجناة، وما انتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف انه باطل، وا أقرب القول فيهاتقولوا: ساحر، جاء بقولٍ هو سحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبيل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حدروه إياه وذكروا له أمره، فانزل الله تعالى في الوليد ابن المغبرة: \" ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ ان أزِيدَ كَلاَّ انهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً \" أي خصيما مخالفا \" سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً انهُ فَكَّر وَقَدَّر فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ \" . قال ابن هشام: بسرأى كره وجهه، ثم أدجبر واستكبر فقالاهذا إلا سحرٌ يؤثراهذا إلا قول البشر.\rقال ابن إسحاق: وانزل الله في النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما جاء به من عند الله: \" الذِينَ جَعَلُوا الْقُرا عِضِينَ \" أي أصنافا \" فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ أجْمَعِينَ عَمَّا كَانوا يَعْمَلُونَ \" .\rقال ابن إسحاق: وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها. قال: ثم ابتدأت قريش في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أسلم معه منهم، فأغروا به صلى الله عليه وسلم سفهاءهم، فكذبوه وآذوه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مظهرٌ لأمر الله لا يستخفي به، مبا لهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم على كفرهم.\rقال محمد بن إسحاق:","part":4,"page":282},{"id":1783,"text":"حدثني يحيى بن عروة عن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قلت له ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يظهرون من عداوته ؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما رأينا مثلما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط؛ سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا؛ لقد صبرنا منه على أمرٍ عظيم، أو كما قالوا؛ فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فغمزوه ببعض القول، قال: فعرفت ذلك في وجهه صلى الله عليه وسلم، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجهه، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فوقف ثم قال: أتسمعون يا معشر قريش ؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح. قال: فأخذت كلمته القوم حتى ما منهم رجل إلا كانما على رأسه طائر واقع، حتى ان أشدهم فيه وصاةً قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى انه ليقول: انصر يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولأن فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وانا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا دنا منكم وباداكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك طلع رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون: انت الذي تقول كذا وكذا لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول: نعم، انا الذي أقول ذلك. قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه، فقام أبو بكر دونه وهو يبكي ويقو: أتقتلون رجل ان ايقول ربي الله، ثم انصرفوا عنه. فا ذلك لأشد ما رأيت قريشاً نالوا منه قط.\rقالت أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما: لقد رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه مما جبذوه بلحيته، وكا رجلاً كثير الشعر.\rوخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول، من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاثٍ فأرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل هذا يجأه وهذا يتلتله، فاستغاث النبي صلى الله عليه وسلم فلم يغثه أحد إلا أبو بكر وله ضفيرتان، فأقبل يجأ ذا ويتلتل ذا ويقول بأعلى صوته: ويلكم، أتقتلون رجل ان ايقول ربي الله، والله انه لرسول الله، فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكرٍ يومئذ، فقال علي: والله ليوم أبي بكر خيرٌ من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل كتم إيمانه فأثنى الله عليه في كتابه، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل ماله ودمه لله عز وجل.\rقال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم: ان أشد ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش: انه خرج يوماً فلم يلقه أحد من الناس إلا كذبه وآذاه لا حرٌ ولا عبد، فرجع صلى الله عليه وسلم إلى منزله فتدثر منشدة ما أصابه، فانزل الله عز وجل عليه: \" يأيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَانذْرْ \" .\rإسلام حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال محمد بن إسحاق","part":4,"page":283},{"id":1784,"text":"حدثني رجلٌ من أسلم كان واعيةً: ان أبا جهل بن هشام مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومولاةٌ لعبد الله بن جدعا تسمع ذلك، ثم انصرف أبو جهل عنه عامداً إلى نادي قريش عند الكعبة، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب ان أقبل متوشحاً قوسه، راجعاً من قنصٍ له، وكا حمزة أعز فتىً في قريش وأشده شكيمة، فلما مر بمولاة ابن جدعا قالت له: يا أبا عمارة: لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد انفاً من أبي جهل ابن هشام؛ وجده ههنا جالساً فآذاه وسبه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد، فغضب حمزة، فخرج يسعى حتى دخل المسجد فنظر إلى أبي جهل جالساً في القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه ؟ فانا على دينه أقول ما يقول، فرد ذلك علي ان استطعت، فقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فاني والله لقد سببت ابن أخيه سباً قبيحا وتم حمزة على إسلامه، وعلى ما بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله؛ فلما أسلم حمزة عرفت قريشارسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع، وا حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه قبل، قال: وكا إسلام حمزة قبل إسلام عمر ابن الخطاب - رضي الله عنهما - بثلاثة أيام.\rمشي عتبة والوليد إلى الرسول وسماعهما القران، واعترافهما انه لا يشبه شيئاً من كلامهم، وما أشار به عتبة على أشراف قريش في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثتاعتبة بن ربيعة - وكا سيداً - قال يوماً وهو جالس في نادي قريش، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمدٍ فأكلمه وأعرض عيلان مورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ؟ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بن أخي، انك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة، والمكا في النسب، وانك قد أتيت قومك بأمرٍ عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها قال: قل يا أبا الوليد أسمع، قال: يا بن أخي،اكنت انما تريد مما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالأن وا كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وا كنت تريد ملكاً ملكناك علينا وا كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فانه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال له. حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع منه قال: أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال: نعم، قال: فاستمع مني، قال: أفعل، قال: \" بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم. حَمَ. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُراناً عَرَبِياً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيراً وَنَذِيراً فَأعْرَ؟ضَ أكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ \" . ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها عتبة انصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يستمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فانت وذاك.","part":4,"page":284},{"id":1785,"text":"فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال: ورائي اني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأٌ عظيم، فا تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وا يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به؛ فقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.\rوروى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بسنده إلى جابر بن عبد الله، قال: قال أبو جهل والملأ من قريش: لقد انتشر علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلاً عالماً بالسحر والكهانة والشعر فكلمه، ثم أتانا ببيا أمره ؟ فقال عتبة: لقد سمعت بقول السحرة والكهانة والشعر، وعلمت من ذلك علما وما يخفى علياكا كذلك، فأتاه عتبة فقال: يا محمد، انت خيرٌ أم هاشم ؟ انت خيرٌ أم عبد المطلب ؟ انت خيرٌ أم عبد الله ؟ فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فبم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا ؟ فا كنت انما بك الرئاسة عقدنا ألويتنا لك، فكنت رأسنا ما بقيت، وا كان بك الباه زوجناك عشر نسوةٍ تختار من أي بنات قريش شئت، وا كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني بها انت وعقبك من بعدك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم؛ فلما فرغ من حديثه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم. حمم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتابٌ فصلت آياته حتى بلغ قوله تعالى: \" صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ \" ، فأمسك عتبة علي في النبي صلى الله عليه وسلم، وناشده الرحمايكف، ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم؛ فقال أبو جهل: يا عتبة، ما حسبنا إلا انك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره، فا كانت بك حاجةٌ جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمداً أبدا وقال: لقد علمتم اني من أكثر قريش مالأن ولكني أتيته، وقص عليهم القصة، قال: فأجابني بشيءٍ والله ما هو بسحرٍ ولا شعر ولا كهانة، قرأ عليك \" بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم. حَمَ \" إلى قولاه: \" مِثْلَ صَاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ \" فأمسكت بفيه وناشدته الرحمايكف، وقد علمتمامحمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فيه، فخفتاينزل بكم العذاب.\rوأما الوليد بن المغيرة فقد روى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بسنده عن عكرمة عن ابن عباس بن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عيلان لقران، فكانه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عمراقومك يرونايجمعوا لك مالأن قال: لم ؟ قال: ليعطوكه، فانك أتيت محمداً لتعرض لما قبله، قال: قد علمت قريشٌ اني من أكثرها مالأن قال: فقل فيه قولاً يبلغ قوم انك منكٌر له، وانك كاره له، فقال: وماذا أقول ؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن؛ والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا وواللهالقوله الذي يقول لحلاوة، وا عليه لطلاوة، وانه لمثمر أعلاه، مغدقٌ أسفله، وانه ليعلو وما يعلى، وانه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه، فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره، فنزل قوله تعالى: \" ذَرْني وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً... \" الآيات.\rوعن عكرمة بن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: اقرأ علي، فقرأ علي: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، قال: أعد علي، فأعاد عيلان لنبي صلى الله عليه وسلم فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشرٌ.\rاجتماع أشراف قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عرضوا عليه وما طلبوا منهايريهم ويخبرهم به من القصص، وأخبار من سلف وغير ذلك من غيهم، وما انزل عليه في ذلك مما سنذكرهاشاء الله تعالى، ويترجم على بعض ما انطوت عليه هذه الترجمة من القصص بما يدل عليها ويبينها من التراجم وا كانت داخلة فيها.\rقال محمد بن إسحاق:","part":4,"page":285},{"id":1786,"text":"ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش، في الرجال والنساء. وقريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين، ثم اجتمعت أشراف قريش من كل قبيلةٍ، كما روى عن سعيد بن جبير وابن عباس، قالا: اجتمع عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيا ابن حرب، والنضر بن الحارث بن كلدة، وأبو البختري بن هشام، والأسود ابن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وأمية ابن خلف، أو من اجتمع منهم، فاجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: ان أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فأتهم؛ فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا وهو يظناقد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء، وكا حريصاً عليهم، يحب رشدهم، حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد انا قد بعثنا إليك لنكلمك، وانا والله لا نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسببت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك، أو كما قالوا له، فا كنت انما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك، وكلموه بنحو ما كلمه به عتبة بن ربيعة على ما قدمناه انفاً. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم أطلب به أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وانزل عليكم كتابا وأمرني ان أكون بشيراً ونذيرا فبلغت لكم رسالات ربي ونصحت لكم، فا تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وا تردوه على أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم أو كما قال - صلى الله عليه وسلم - . قالوا يا محمد: فا كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضناه عليك فانك قد علمت انه ليس من الناس أحدٌ أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا فسل لنا ربك الذي بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليخرق لنا فيها انهاراً كانهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فانه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول: أحقٌ هو أم باطل، فا صدقوك وصنعت لنا ما سألناك عرفنا به منزلتك من الله، وانه بعثك رسولاً كما تقول. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بهذا بعثت إليكم، انما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فا تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وا تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا له: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك، سل ربكايبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فانك تقوم بالأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمس، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربكاكنت رسولاً كما تزعم؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما انا بفاعل، وما انا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا - أو كما قال - فا تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وا تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم. قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمتاربكاشاء فعل، فانا لا نؤمن لك إل ان اتفعل. فقال صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله،اشاء يفعله بكم فعل قالوا: يا محمد، أفما علم ربك انا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك بما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به ؟ انه قد بلغنا انك انما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وانا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا فقد أعذرنا إليك يا محمد، وانا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة، وهي بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا؛ فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة - وهو ابن عمته - فقال له: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها","part":4,"page":286},{"id":1787,"text":"منزلتك من الله كما تقول، ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوكاتأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم، ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوكاتعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل - أو كما قال له - فوالله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وانا انظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك بصكٍ، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك انك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت اني أصدقك؛ ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً أسفاً لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه. من الله كما تقول، ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوكاتأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم، ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوكاتعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل - أو كما قال له - فوالله لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وانا انظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك بصكٍ، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك انك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت اني أصدقك؛ ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً أسفاً لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه.\rقصة أبي جهل في الحجر الذي قصد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم به، وما شاهده من حماية الله تعالى لنبيه، وكفايته إياه ورجوعه إلى قومه وإخبارهم بما شاهد قال ابن إسحاق: ولما قام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جهل: يا معشر قريش،امحمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وسب آلهتنا؛ واني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم؛ قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدا فامض لما تريد، فلما أصبح أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو، وكا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصل إلى بيت المقدس: وكا إذا صلى صلى بين الركن اليماني والحجر الأسود: وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وقام يصلي وقريشٌ في انديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أتى نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزماً منتقعاً لونه، مرعوباً قد يببست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش فقالوا له: مالك يا أبا الحكم ؟ فقال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحلٌ من الإبل؛ والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا انيابه لفحلٍ قط، فهمايأكلني. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك جبريل لو دنا لأخذه.","part":4,"page":287},{"id":1788,"text":"ومثل هذه القصة أيضا ما رواه ابن إسحاق قال: قدم رجل من إراش - ويقال إراشة - بإبلٍ له مكة فابتاعها منه أبو جهل، فمطله بأثمانها فأقبل الإراشي حتى وقف على نادٍ من اندية قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية المسجد جالس، فقال الإراشي: يا معشر قريش، من رجل يؤذيني على أبي الحكم بن هشام؛ فاني رجلٌ غريبٌ ابن سبيل، وقد غلبني عل حقي؛ فقال له القوم: أترى ذلك الرجل الجالس ؟ - يريدون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يهزءون به - اذهب إليه فهو مؤديك عليه؛ فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عبد الله، ان أبا الحكم قد غلبني على حقٍ لي قبله، وانا غريبٌ وابن سبيل، ولقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه فأشاروا لي إليك، فخذ لي حقي منه يرحمك الله، قال: انطلق إليه، وقام معه صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم: اتبعه فانظر ماذا يصنع ؟ قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه، فقال: من هذا ؟ قال: محمدٌ فاخرج إلي فخرج وما في وجهه رانحة أي دم قد انتقع لونه فقال: أعط هذا الرجل حقه قال: نعم، لا يبرح حتى أعطيه الذي له، ودخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للإراشي: الحق بشانك؛ فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس، فقال: جزاه الله خيرا فقد والله أخذ لي حقي، وجاء الرجل الذي بعثوه معه فأخبرهم الخبر، قال: ثم لم يلبث أبو جهلاجاء، فقالوا له: ويلك ؟! والله ما رأينا مثل ما صنعت قط ! قال: ويحكم ! والله ما هو إل ان اضرب علي بابي، وسمعت صوته، فملئت رعبا ثم خرجت إليه وا فوق رأسه لفحلاً من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا انيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلني.\rخبر النضر بن الحارث وما قال لقريش، وإرسالهم إياه إلى يثرب إلى أحبار يهود وعقبة بن أبي معيط وما عادا به قال: ولما رجع أبو جهل إلى قريش، وألقى الحجر من يده وقص عليهم ما شاهد قام النضر بن الحارث بن كلدة فقال: يا معشر قريش، انه والله قد نزل بكم أمرٌ ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمدٌ فيكم غلاماً حدثا أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب - وقد جاءكم بما جاءكم به - قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة؛ نفثهم وعقدهم. وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة؛ تخالجهم، وسمعنا سجعهم. وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، لقد رأينا الشعر، وسمعنا أصنافه كلها؛ هزجه ورجزه. وقلتم مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، ما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش، فانظروا في شانكم، فانه والله لقد نزل بكم أمر عظيم.\rقال ابن إسحاق: وكا النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العداوة، وكا قد قدم الحيرة وتلعم بها أحاديث ملوك الفرس ورستم وإسفنديار، فكان إذا جلس رسول اله صلى الله عليه وسلم مجلساً فذكر فيه بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا أقام، ثم قال: والله يا معشر قريش انا أحسن حديثاً منه، فهلم فانا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وإسنفديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثاً مني !","part":4,"page":288},{"id":1789,"text":"قيل: والنضر هذا هو الذي قال فيما بلغني: سانزل مثل ما انزل الله، قال ابن عباس: نزل فيه ثما آياتٍ من القران: قوله تعالى \" إذَا تُتْلَى عيلان يَاتُنَا قَالَ أسَاطيرُ الأوَّلِينَ \" ، وكل ما ذكر فيه الأساطير من القران. قال: فلما قال لهم النضر بن الحارث ما قال بعثوه، وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمد، وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله، فانهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علمٌ حسن - ليس عندنا - من علم الأنبياء؛ فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: انكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا فقال لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فا أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وا لم يفعل فالرجل متقول، فرواً فيه رأيكم، سلوه عن فتيةٍ ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم؟ فانه قد كان لهم حديثٌ عجيب؛ وسلوه عن رجل طوافٍ قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها؛ ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ فا أخبركم بذلك فاتبعوه فانه نبي، وا لم يفعل فهو رجل متقول فروا فيه رأيكم. فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتيةٍ ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب؛ وعن رجل كان طوافاً قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها؛ وأخبرنا عن الروح ما هي ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبركم بما سألتم عنه غدا ولم يستثن بالمشيئة، فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون خمس عشرة ليلةً لا يحدث الله في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة؛ ثم جاءه جبريل من الله بسورة الكهف فيها خبر ما سألوا عنه، فيقال: انه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل حين جاءه: لقد احتبست عني حتى سؤت ظناً؛ فقال له جبريل: \" وَمَا نَتَنَزَّلُ إلاَّ بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كان رَبُّكَ نَسِياً \" .\rشمائل سورة الكهف مما سألوه عنه قال أبو محمد عبد الملك بن هشام رحمه الله تعالى: افتتح الله عز وجل السورة بحمده، وذكر نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: \" الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي انزَلَ عَلَي عَبْدِهِ الْكِتَابَ \" يعني محمداً. قوله: \" وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً \" أي معتدلاً لا اختلاف فيه. قوله: \" لِيُنْذِرَ بَأساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ \" أي عاجل عقوبته في الدنيا وعذاباً أليما في الآخرة. قوله: \" وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِالَهُمْ أجْراً حَسَناً. مَاكِثِينَ فِيهِ أبَداً \" أي دار الخلد لا يموتون فيها الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم، وعملوا بما أمرتهم من الأعمال. قوله: \" وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً \" يعني قريشا في قولهم: انا نعبد الملائكة وهي بنات الله. قوله: \" مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ \" الذين أعظموا فراقهم. قوله: \" كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أفْوَاهِهِمْا يَقُولُونَ إلاَّ كَذِباً \" أي قولهم:إن الملائكة بنات الله. قوله: \" فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْالَمْ يُؤْمِنُوا بِهذا الْحَدِيثِ أسَفاً \" أي مهلكٌ نفسك لحزنه صلى الله عليه وسلم عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم، أي لا تفعل. قوله: \" انا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأْرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أيُّهُمْ أحْسَنُ عَمَلاً \" أي أيهم أتبع لأمري، وأعمل لطاعتي. قوله: \" وانا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً \" أي الأرض، وا ما عليها لفا وزائل، ولكن المرجع إلي فأجزي كلاً بفعله، فلا تأس، ولا يحزنك ما ترى وتسمع فيها. ثم استقبل القصة فيما سألوه عنه من شا الفتية.","part":4,"page":289},{"id":1790,"text":"فقال تعالى: \" أمْ حَسِبْتَ ان أصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقيمِ كَانوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً \" ، أي قد كان من آياتي فيما وضعت على العباد من حجتي ما هو أعجب من ذلك. قال ابن هشام: والرقيم الكتاب الذي يرقم فيه بخبرهم، وجمعه رقم. ثم قال: إذ أوى الفتية إلى الكهف إلى قوله: لقد قلنا إذاً شططاً أي لم يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم. قال: والشطط، الغلو ومجاوزة الحق. قوله: \" هَؤُلاَءِ قَوْمُنَا اتّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لوْلاَ يَأتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطا بَيِّنٍ \" ، أي بحجة بالغة. فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً إلى قوله: \" وَهُمْ في فَجْوَةٍ مِنْهُ \" . قال ابن هشام: تزاور، تميل، وهو من الزور، وتقرضهم ذات الشمال، أي تجاوزهم وتتركهم عن شمالها. والفجوة: السعة، وجمعها الفجاء. قوله: \" ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ \" أي في الحجة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب ممن أمر هؤلاء بمسألتك عنهم في صدق نبوتك بتحقيق الخبر عنهم. قوله: \" مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ \" إلى قوله \" بِالْوَصِيدِ \" الوصيد: الباب. قال عبيد بن وهب العبسي منشداً:\rبأرضٍ فلاةٍ لا يسدّ وصيدها ... عليّ ومعروفي بها غير منكر\rوالوصيد أيضاً الفناء، وجمعه وصائد ووصد ووصدا قوله: لو اطلعت عليهم إلى قوله: \" لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ \" إلى قوله \" قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أمْرِهِمْ \" أهل الملك \" لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهمْ مِسْجِداً \" . قوله: \" سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ \" إلى قوله: \" وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهمْ مِنْهُمْ أحداً \" يعني أحبار يهود الذين أمروهم بالمسألة عنهم، فانهم لا علم لهم بهم. قوله: \" وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ اني فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إلاَّ ان \" إلى قوله \" رَشَداً \" أي لا تقولن لشيء سألوك عنه كما قلت في هذا: اني مخبركم غدا واستثن بمشيئة الله \" وَقُلْ عَسَىايَهْدِيَنِ رَبِّي \" الخير مما سألتموني عنه رشدا فانك لا تدري ما انا صانع في ذلك. قوله: \" وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلثَمِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً \" أي سيقولون ذلك. \" قُلِ اللهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّموَاتِ وَالأْرْضِ أبْصِرْ بِهِ وَأسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَليٍّ وَلاَ يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَداً \" أي لم يخف عليه شيء مما سألوا عنه، وقال الله عز وجل، فيما سألوه عنه من أمر الطواف، وهو ذو القرنين: \" وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذي الْقَرْنَيْنِ \" الآيات، إلى آخر خبره. وقد ذكرنا قصة ذي القرنين في الباب الأول من القسم الرابع من الفن الخامس من كتابنا هذا وهي في الجزء الثاني عشر من هذه النسخة، ولا فائدة في إعادتها.\rوقال تعالى فيما سألوه عنه من أمر الروح: \" وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً \" روى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال أحبار يهود: يا محمد، أرأيت قولك: \" وَمَا أُوِتيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً \" إيانا تريد أم قومك ؟ قال: كلا. قالوا: فانك تتلو فيما جاءك انا قد أوتينا التوراة فيها بيا كل شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انها في علم الله قليل، وعندكم في ذلك ما يكفيكم لو أقمتموه فانزل الله تعالى عليه فيما سألوه عنه من ذلك: \" وَلَوْ أن مَا في الأْرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ مَا نَفِدَتُ كَلِمَاتُ الله ِإن اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ \" ، أي أن التوراة في هذا من علم الله قليل.\rما انزل عليه من القرآن فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال، وتقطع الأرض وبعث من مضى من آبائهم من الموتى، وما سألوه لنفسه، وما قالوه له بعد ذلك","part":4,"page":290},{"id":1791,"text":"انزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم فيما سأله قومه لأنفسهم فيما قدمنا ذكره؛ قوله تعالى: \" وَلَوْاقُراناً سُيِّرَتْ بِهِ الجِبْالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بلْ لِلهِ الأمْرُ جَمِيعاً \" ، أي لا أصنع من ذلك إلا ما شئت. وانزل عليه في قولهم: خذ لنفسك ما سألوهايأخذ لنفسه قوله تعالى: \" وَقَالُوا مَا لِهذَا الرَّسُولِ يَأكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشي في الأسْوَاقِ لَوْلاَ انزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نّذيراً. أوْ يُلْقَى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنّةٌ يَأكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ اتَتَّبِعُونَ إلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً \" . \" تَبَارَكَ الَّذِياشَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ \" ، أي مناتمشي في الأسواق وتلتمس المعاش \" جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الأنهارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً \" . وانزل عليه في ذلك: \" وَمَا أرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلاَّ انهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ في الأْسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرًونَ وَكَا رَبُّكَ بَصِيراً \" ، أي جعلت بعضكم لبعض بلاءً لتصبروا ولو شئت ان أجعل الدنيا مع رسلي ولا يخالفوا لفعلت. وانزل عليه فيما قال عبد الله بن أمية: \" وَقَالُوا لَنْ يُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً. أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهارَ خِلاَلَها تَفْجِيراً. أوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أوْ تَأْتَي بِاللهِ وَالْمَلاَئِكَة قَبِيلاً. أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أوْ تَرْقَى في السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِّيِكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَا رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلاَّ بَشَراً رَسُولاً \" ، وانزل عليه في قولهم: انا قد بلغنا انك انما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن، ولن نؤمن به أبدا؛ قوله تعالى: \" كَذَلِك أرْسَلْنَاكَ في أمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوْحَيْنَا إلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إله إلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَيْهِ مَتَابِ \" . وانزل عليه فيما قال أبو جهل وما همز به قوله تعالى: \" أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهَى. عَبْداً إذَا صَلَّى. أرَأيْتَاكَا عَلَى الْهُدَى. أوْ أمَرَ بِالتَّقْوَى \" إلى آخر السورة. قال ابن هشام: لتسفعن: لنجذبن ولنأخذن. والنادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم ويقضون فيه أمورهم، وجمعه اندية. يقول: \" فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ \" أي أهل ناديه، كما قال تعالى: \" وَاسْألِ الْقَرْيَةَ \" أي أهل القرية. وانزل عليه فيما عرضوه عليه من أموالهم: \" قُلْ مَا سَألْتُكُمْ مِنْ أجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ان أجْرِىَ إلاَّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ \" .\rعناد قريش بعد ذلك وعقودهم","part":4,"page":291},{"id":1792,"text":"قال: فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوا من الحق، وعرفوا صدقه فيما حدث، وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوه عتوا عبد الله واستمروا في طغيانهم وعلى كفرهم، فقال قائلهم: \" لاَ تَسْمَعُوا لِهذَا القُرا وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ \" . فانكماناظرتموه وخاصمتموه غلبكم. فقال أبو جهل يوماً - وهو يهزأ برسول الله وما جاء به من الحق - : يا معشر قريش، يزعم محمد انما جنود الله الذين يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر، وانتم أكثر الناس عدداً وكثرة، أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم. فانزل الله تعالى في ذلك: \" وَمَا جَعَلْنَا أصْحَابَ النَّارِ إلاَّ مَلاَئكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا \" إلى آخر القصة. قال: ولما قال بعضهم لبعض: لا تسمعوا لهذا القرا والغوا فيه جعلوا إذا جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرا وهو في صلاته يتفرقون عنه، ويأبونايسمعوا له، فكان الرجل منهم إذا أرادايستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو من القرا وهو يصلي استرق السمع دونهم فرقاً منهم، فا رأى انهم قد عرفوا به انه يستمع منه ذهب خشية أذاهمايستمع؛ وا خفض صلى الله عليه وسلم صوته ظن الذي يستمع انهم لا يستمعون شيئاً من قراءته؛ وسمع هو شيئاً دونهم أصاخ له يستمع منه، فانزل الله تعالى قوله: \" وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً \" يقول: لا تجهر بصلاتك فيفروا عنك، ولا تخافت بها فلا يسمعها من يحبايسمعها ممن يسترقها دونهم لعله يرعوى إلى بعض ما يسمع فينتفع به.\rأول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم روى عن عروة بن الزبير عن أبيه قال: كان أول من جهر بالقرا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود. قال: اجتمع يوماً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرا يجهر لها به قط من رجل يسمعهموه. فقال عبد الله بن مسعود: انا؛ قالوا: انا نخشاهم عليك، انما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم ان أرادوه، قال: دعوني، إن الله سيمنعني؛ قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في وقت الضحى وقريشٌ في انديتها ثم قال رافعاً صوته: \" بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم. الرَّحْمنُ. عَلَّمَ القُران \" ثم استقبلها يقرؤها وتأملوه فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أم عبد ؟ ثم قالوا: انه ليتلو بعض ما جاء به محمد؛ فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء اللهايبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك. قال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم الأن، وا شئتم لأغادينهم بمثلها غدا؛ قالوا: لأن حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون. والله الموفق.\rأذى قريشٍ للصحابة وعذابهم ليفتنوهم عن دينهم","part":4,"page":292},{"id":1793,"text":"قال محمد بن إسحاق: ثم انهم عدوا علي من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فوثبت كل قبيلة من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش، وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر؛ من استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يعصمه الله، فكان بلال بن رباح مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما لبعض بني جح مولداً من مولديهم، وكا صادق الإسلام، طاهر القلب، فكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى؛ فيقول - وهو في ذلك البلاء - أحد أحد، فكان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب بذلك وهو يقول: أحد أحد، فيقول: أحد أحد والله يا بلال؛ ثم يقبل على أمية بن خلف وهو يصنع به ذلك فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا؛ حتى مر به أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوماً وهم يصنعون به ذلك، فقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين، حتى متى ! فقال: انت أفسدته فانفذه مما ترى، قال: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، وهو على دينك، أعطيكه به. قال: قد قبلت؛ قال: هو لك. فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك، وأخذه فأعتقه، ثم أعتق معه على الإسلام قبلايهاجر إلى المدينة ست رقاب؛ وهم عامر بن فهيرة، شهد بدرا وأحدا وأم عميس، وزنيرة - وكانت رومية لبني عبد الدار - فأصيب بصرها حين أعتقها فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، وما ينفعان. فرد الله إليها بصرها؛ وأعتق النهدية وابنتها وكانتا لأمرة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدا؛ فقال أبو بكر: حلٌ يا أم فلأن؛ فقالت: حلٌ انت؛ أفسدتهما فاعتقهما قال فبكم هما ؟ قالت: بكذا وكذا؛ قال: أخذتهما وهما حرتان، ارجعا إليها طحينها؛ قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؛ قال: وذاكاشئتما. ومر بجارية من بني مؤمل حي من بني عدي بن كعب - وكانت مسلمة - وكا عمر يعذبها لتترك الإسلام، وعمر يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا مل قال: اني أعتذر إليك، لم أتركك إلا ملالة، فيقول: كذا يفعل الله بك. فابتاعها فأعتقها فقال أبو قحافة لأبي بكر: يا بني، أراك تعتق رقاباً ضعافا فلو انك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جلدا يمنعونك ويقومون دونك؛ فقال أبو بكر: يا أبت اني انما أريد لله عز وجل ما أريد؛ فيقال:اهذه الآيات انزلت فيه رضي الله عنه قوله تعالى: \" فَأمَّا مَنْ أعْطَى واتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى \" إلى قوله: \" وَلَسَوْفَ يَرْضَى \" .\rقال محمد بن إسحاق: وكا بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه وكانوا أهل بيت إسلام - إذا حميت الظهيرة يعذبونه برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: صبرا آل ياسر موعدكم الجنة، فأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام. قال أبو عمر: وهي سمية، كانت أمةً لأبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، فزوجها من حليفه ياسر بن عامر بن مالك العبسي، فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة. وسمية هذه أول شهيدةٍ في الإسلام. وجاءها أبو جهل بحربة في قلبها فقتلها فقال عمار: يا رسول الله، بلغ منا - أو بلغ منها كل مبلغ - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صبراً يا أبا اليقظان، اللهم لا تعذب أحداً من آل ياسر بالنار.","part":4,"page":293},{"id":1794,"text":"قال ابن إسحاق: وكا أبو جهل هو الذي يغري بهم في رجال قريش إذا سمع برجل قد أسلم، فا كان له شرف ومنعة انبه وخزاه: فيقول: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك ولنفيلن رأيك، ولنضعت شرفك؛ وا كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك، ولهلكن مالك؛ وا كان ضعيفاً ضربه وأغرى به. وروى عن سعيد بن جبير قال: قلت لأبن عباس رضي الله عنهم: أكا المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم ؟ قال: نعم، واللهاكانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه؛ حتى ما يقدرايستوي جالساً من شدة الضر الذي به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا له: اللات والعزى إلها من دون الله، فيقول: نعم، حتى أن الجعل ليمتر بهم فيقولون له: هذا الجعل إلهك من دون الله ؟ فيقول: نعم، افتداءً منهم مما يبلغون من جهده. والله المعين.\rالهجرة الى الحبشة إلى الحبشة، وهي الهجرة الأولى قال محمد بن إسحاق: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء والعذاب، وما هو فيه من العافية لمكانه من الله تعالى ومن عمه أبي طالب، وانه لا يقدر علىايمنعهم مما هم فيه قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فا بها ملكاً لا يظلم عنده أحد - وهي أرض صدق - حتى يجعل الله لكم فرجاً مما انتم فيه، فخرج عند ذلك من خرج منهم مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام.\rقال الواقدي: خرجوا متسللين سرا وكانوا أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، حتى انتهوا إلى الشعيبة منهم الراكب والماشي، ووفق الله لهم ساعة جاءوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وكا مخرجهم في نصف رجب من السنة الخامسة من حين تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر فلم يدركوهم.\rقال ابن إسحاق. كان أول من خرج من المسلمين من بني أمية بن عبد شمس عثما بن عفا معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بني عبد شمس: أبو حذيفة بن عتبة، معه امرأته سهلة ابنة سهيل، ولدت بأرض الحبشة محمد بن أبي حذيفة. ومن بني أسد بن عبد العزى: الزبير بن العوام، ومن بني عبد الدار: مصعب بن عمير بن هاشم. ومن بني زهرة بن كلاب: عبد الرحمن بن عوف. ومن بني مخزوم: أبو سلمة بن عبد الأسد، معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة. ومن بني جمح: عثما بن مظعون بن حبيب. ومن بني عدي بن كعب: عامر بن ربيعة، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم؛ ومن بني عامر بن لؤي: أبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى؛ ومن بني الحارث ابن فهر: سهيل بن بيضاء، وهو سهيل بن وهب بن ربيعة. قال: هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة، وكا عليهم عثما بن مظعون. وزاد الواقدي: حاطب بن عمرو بن عبد شمس، فجعلهم أحد عشر رجلاً وأربع نسوة. قال: فقدمنا أرض الحبشة، فجاورنا بها خير جارٍ، أمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذي، ولا نسمع شيئاً نكرهه. والله أعلم.\rرجوعهم إلى مكة\rوما قيل في سبب رجوعهم","part":4,"page":294},{"id":1795,"text":"قال محمد بن سعد عن محمد بن عمر بن واقد بسند يرفعه: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه كفا عنه، جلس خاليا فتمنى فقال: ليته لا ينزل على شيء ينفرهم عني، وقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يوماً مجلساً في ناد من تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم: والنجم إذا هوى حتى بلغ: أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى. ألقى الشيطا على لسانه كلمتين: تلك الغرانيق العلأن وا شفاعتهن لترتجى ولما بلغ الغرانيق العلأن وفي أخرى: والغرانقة العلأن تلك الشفاعة ترتجى قال الواقدي: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما ثم مضى فقرأ السورة كلها وسجد وسجد القوم جميعا ورفع المغيرة بن الوليد تراباً إلى جبهته فسجد عليه، وكا شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود. ويقال: ان أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ تراباً فسجد عليه، ورفعه إلى جبهته - وكا شيخاً كبيراً - فرضوا بما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فأما إذ جعلت لها نصيباً عندك فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم من قولهم حتى جلس في البيت فلما أمسى أتاه جبريل فعرض عيلان لسورة، فقال جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قلت على الله ما لم يقل. فأوحى الله إليه: \" وا كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإذّا لاَتَّخّذُوكَ خَلِيلاً \" ، إلى قوله: \" ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً \" .\rوقال: ففشت تلك السجدة في الناس حتى بلغت أرض الحبشة، فبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل مكة قد سجدوا فأسلموا حتى أن الوليد ابن المغيرة وأبا أحيحة قد سجدا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال القوم: فمن بقى بمكة إذا أسلم هؤلاء! قالوا: عشائرنا أحب إلينا؛ فخرجوا راجعين، حتى إذا كانوا دون مكة بساعةٍ من نهار لقوا ركباً من كنانة، فسألوهم عن قريش وعن حالهم، فقال الركب: ذكر محمد آلهتهم بخير، فتابعه الملأن ثم ارتد عنها فعاد يشتم آلهتهم، وعادوا له بالشر، فتركناهم على ذلك، فائتمر القوم في الرجوع إلى أرض الحبشة، ثم قالوا: قد بلغنا ندخل فننظر ما فيه قريش، ويحدث عهداً من أراد بأهله، ثم نرجع. قال: فدخلوا مكة، ولم يدخل أحد منهم إلا بجوار، إلا ابن مسعود فانه مكث يسيرا ثم رجع إلى أرض الحبشة. قال الواقدي: فكان خروجهم في شهر رجب سنة خمس يريد من النبوة، فأقاموا شعبا ورمضا وقدموا في شوال من السنة.\rوحيث ذكرنا هذا الحديث فلنذكر ما جاء في توهينه.\rذكر ما ورد في توهين هذا الحديث والكلام عليه في التوهين والتسليم\rقال القاضي عياض بن موسى بن عياض رحمه الله، في كتابه المترجم بالشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم: اعلمالنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما في توهين أصله، والثاني على تسليمه.","part":4,"page":295},{"id":1796,"text":"أما المأخذ الأول فيكفيكاهذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، فقائل يقول: انه في الصلاة، وآخر يقول قالها في نادي قومه حين انزلت عيلان لسورة، وآخر يقول: قالها وقد أصابته سنة؛ وآخر يقول: بل حدث نفسه فيها؛ وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك؛ وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها؛ فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: والله ما هكذا أنزلت إلى غير ذلك من اختلاف الرواة، ومن حكيت عنه هذه الحكاية من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما فيما أحسب - الشك في الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة - وذكر القصة. قال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وانما يعرف عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: فقد بين لك أبو بكر رحمه الله انه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه كما ذكرناه.\rوأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره، لقوة ضعفه وكذبه كما أشار البزار إليه، قال: والذي منه في الصحيحان أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ والنجم وهو بمكة، فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والأنس. هذا توهينه من طريق النقل، والله أعلم بالصواب.\rوأما جهة المعنى: فقد قامت الحجة، وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة. أما من تمنيهاينزل عليه مثل هذا من مدح آلهةٍ غير الله وهو كفر، أوايتسور عيلان لشيطان، ويشبه عيلان لقرا حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلمامن القرا ما ليس منه، حتى ينبهه جبريل عليهما السلام، وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم، أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا - وذلك كفر - أو سهوا وهو معصوم من هذا كله، وقد تقرر بالبرها والإجماع عصمته عيلان لسلام من جريا الكفر على قلبه أو لسانه لا عمداً ولا سهوا أوايتشبه عليه ما يلقيه الملك مما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطا عليه سبيل، أو يتقول على الله؛ لا عمداً ولا سهوا وقد قال تعالى: \" وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ \" الآية، وقال: \" إذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وضِعْفَ المَمَاتِ \" الآية.\rووجه ثان، وهو استحالة هذه القصة نظراً وعرفا وذلكاهذا الكلام لو كان كما روى لكا بعيد الالتئمام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم؛ ولما كان البي صلى الله عليه وسلم، ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك - وهذا لا يخفى على أدنى متأمل - فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيا ومعرفة فصيح الكلام علمه ؟! ووجه ثالث، انه قد علم من عادة المنافقين، ومعاندي المشركين، وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي صلى الله عليه وسلم لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأقل شبهة؛ ولم يحك أحد في هذه القصة شيئاً سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا في قصة الإسراء وقصة القضية، ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت؛ فما روى عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة؛ فدل على بطلها واجتثاث أصلها.\rقال القاضي عياض: ولا شك في إدخال بعض شياطين الأنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفلي المحدثين، ليلبس به على ضعفاء المسلمين.","part":4,"page":296},{"id":1797,"text":"ووجه رابع، ذكر الرواة لهذه القضيةافيها نزلت: : \" وَا كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ \" الآيتين، وهاتا الآيتا ترددا الخبر الذي رووه، لأن الله تعالى ذكر انهم كادوا يفتنونه حتى يفترى، وانه لول ان اثبته لكاد يركن إليهم؛ فمضمونه هذا.\rومفهومها أن الله عصمه منايفترى، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلأن فكيف كثيراً ! وهم يروون في أخبارهم الواهية انه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وانه قال عيلان لسلام: افتريت على الله وقلت ما لم يقل؛ وهذا ضد مفهوم الآية، وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له !، وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال: كل ما في القرا كاد فهو ما لا يكون، قال الله تعالى: \" يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالأبْصَارِ \" ، ولم يذهب. قال القاضي القشيري: ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهمايقبل بوجهه إليها ووعدوه الإيما بهافعل، فما فعل ولا كان ليفعل صلى الله عليه وسلم.\rوأما المأخذ الثاني - وهو مبني على تسليم الحديث لو صح، وقد أعاذنا الله من صحته - فقد أجاب على ذلك أئمة المسلمين بأجوبة ذكرها القاضي عياض وضعف بعضها واستحسن بعضا نذكر منها ما استحسنه وجوزهاشاء الله.\rمنها ما ذكره القاضي أبو بكر في أجوبته عن هذا الحديث، قال: لعل النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك أثناء تلاوته؛ على تقدير التقرير والتوبيح للكفار، لقول إبراهيم عيلان لسلام: هذا ربي على أحد التأويلات، يريد: أهذا ربي ؟! ولقوله: بل فعله كبيرهم هذا بعد السكت وبيا الفصل بين الكلامين، ثم رجع تلاوته، وهذا ممكن مع بيا الفصل وقرينة تدل على المراد، وانه ليس من المتلو. قال القاضي عياض: ولا يعترض على هذا بما روى انه كان في الصلاة، فقد كان الكلام فيها قبل غير ممنوع، قال: والذي يظهر ويترجح في تأويله عند القاضي أبي بكر، وعند غيره من المحققين على تسليمه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كما أمره ربه يرتل القرا ترتيلأن ويفصل الآي تفصيلا في قراءته، كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصد الشيطا لتلك السكتات ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكياً نغمة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار، فظنوها من قول النبي صلى الله عليه وسلم وأشاعوها ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما انزلها الله تعالى، وتحققهم من حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثا وعيبها ما عرف منه. وقد حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحو هذا وقال:أن المسلمين لم يسمعوها وانما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم.","part":4,"page":297},{"id":1798,"text":"قال القاضي عياض: ويكون ما روى من حزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة، وقد قال الله تعالى: \" وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبيٍّ إلاّ إذَا تَمَنَّى ألْقىَ الشَّيْطَا في أمْنِيّتهِ \" الآية، فمعنى تمنى تلأن قال الله تعالى: \" لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلاّ أماني \" أي تلاوةً، وقوله: \" فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقي الشَّيْطان \" أي يذهبه ويزيل اللبس به، ويحكم آياته، قال: ومما يظهر في تأويله أيض ان امجاهداً روى هذه القصة: والغرانقة العلا. فا سلمنا القصة قلنا: لا يبعداهذا كان قرانا والمراد بالغرانقة العلأن وا شفاعتهن لترتجى: الملائكة على هذه الرواية، وبهذا فسر الكلبي الغارنقة انها الملائكة، وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون الأوثان والملائكة بنات الله، كما حكى الله عنهم ورد عليهم في هذه السورة بقوله: \" أَلَكُم الذّكَرُ وَلَه الأنثَى \" ، فانكر الله كل هذا من قولهم؛ ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح، فلما تأوله المشركون على ان المراد بهذا الذكر آلهتهم، ولبس عليهم الشيطا ذلك، وزينه في قلوبهم، وألقاه إليهم؛ نسخ الله ما القى الشيطا وأحكم آياته، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطا بهما للتلبيس سبيلأن كما نسخ كثيراً من القرا ورفعت تلاوته. قال: وكا في انزال الله تعالى لذلك حكمة، وفي نسخه حكمة، ليضل به من يشاء، ويهدي من يشاء وما يضل به إلا الفاسقين، وَ \" لَيْجَعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَا فِتْنَةً لِلّذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وا الظَّالِمينَ لَفي شِقَاقٍ بَعِيدٍ. ولِيَعْلَمَ الّذيِن أُوتُوا الْعِلْمَ انه الْحَقُّ مِن رَّبّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ \" .\rوقيل: ان النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى ذكر اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، خاف الكفارايأتي بشيء من ذمها فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين؛ ليخلطوا تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم ويشغبوا عليه على عادتهم، وقولهم: لا تسمعوا لهذا القرا وألغوا فيه لعلكم تغلبون، ونسب هذا الفعل إلى الشيطا لحمله لهم عليه، وأشاعوا ذلك وأذاعوه، وا النبي صلى الله عليه وسلم حزن لذلك من كذبهم وافترائهم عيه، فسلاه الله تعالى بقوله: \" وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ \" الآية، وبين للناس الحق من ذلك من الباطل، وحفظ القرا وأحكم آياته، ودفع ما لبس به العدو؛ كما ضمنه الله تعالى من قوله: \" انا نَحْنُ نَزّلْنَا الذِّكْرَ وَانا لَهُ لَحَافِظُونَ \" الآية، هذا ما ورد في الجواب عن هذا الحديث. فلنرجع إلى تتمة أخباره وسيره صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.\rالهجرة الثانية إلى الحبشة\rومن هاجر إليها من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الواقدي: لما قدم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الهجرة الأولى اشتد عليهم قومهم، ونيطت بهم عشائرهم، ولقوا منهم أذى شديدا فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فقال عثما بن عفان: يا رسول الله؛ فهجرتنا الأولى، وهذه الآخرة إلى النجاشي ولست معنا فقال صلى الله عليه وسلم: انتم مهاجرون إلى الله وإلي، لكم هاتا الهجرتا جميعا قال عثمان: فحسبنا يا رسول الله.\rقال ابن سعد: وكا عدة من خرج في هذه الهجرة من الرجال ثلاثة وثمانون ومن النساء إحدى عشرة امرأة قرشية، وسبع غرائب. وقد عدهم أبو محمد عبد الملك بن هشام حسبما رواه عن محمد بن إسحاق بن يسار - رحمهم الله تعالى - فلم يزد على ذلك. وأورد أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري رحمه الله في كتاب الاستيعاب؛ في تراجم جماعة من الصحابة رضوا الله عيهم؛ انهم ممن هاجروا إلى أرض الحبشة ممن لم يذكرهم ابن هشام، نحن نذكرهماشاء الله تعالى وننبه عليهم.","part":4,"page":298},{"id":1799,"text":"قال ابن هشام: كان منهم من بني هاشم بن عبد مناف، جعفر بن أبي طالب معه امرأته اسماء بنت عميس ولدت بأرض الحبشة عبد الله بن جعفر، ومن بني أمية بن عبد شمس عثما بن عفا رضي الله عنه، معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، معه امرأته فاطمة بنت صفوان، وأخوه خالد بن سعيد، معه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد الخزاعية، ويقال فيها همينة، ولدت بأرض الحبشة سعد بن خالد، وآمنة بنت خالد. ومن حلفائهم من بني أسد بن خزيمة عبد الله بن جحش بن رئاب؛ وأخوه عبيد الله ابن جحش، معه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيا بن حرب. وذكر أبو عمر في ترجمة عبد الله بن جحش انه هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه أبي أحمد وعبد الله، فعلى هذا يكون أبو أحمد ممن هاجر إلى الحبشة؛ واسمه عبد بن جحش، وكا أعمى، وعد أيضاً محمد بن عبد الله بن جحش انه هاجر مع أبيه وكا صغيرا.\rقال ابن هشام: وقيس بن عبد الله رجل من بني أسد بن خزيمة، معه امرأته بركة بنت يسار مولاة أبي سفيا بن حرب، ومعيقيب بن أبي فاطمة؛ وهؤلاء آل سعيد بن العاص.\rومن بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. قال أبو عمر: معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ولدت له هناك محمد بن أبي حذيفة. قال ابن هشام: وأبو موسى الأشعري واسمه عبد الله ابن قيس. قال أبو عمر في ترجمة عبد الله بن قيس: الصحيح ان أبا موسى رجع بعد قدومه مكة، ومحالفته من حالف من بني عبد شمس إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدم مع الأشعريين نحو خمسين رجلاً في سفينة، فألقتهم الريح إلى النجاشي بأرض الحبشة فوافقوا خروج جعفر وأصحابه منها فأتوا معهم، وقدمت السفينتا معاً: سفينة الأشعريين، وسفينة جعفر وأصحابه. والله تعالى أعلم بالصواب.\rومن بني نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوا حليف لهم من بني مازن؛ ومن بني زمعة بن ربيعة وعمرو بن أمية بن الحارث مات بالحبشة.\rقال أبو عمر بن عبد البر في ترجمة خالد بن حزام بن خويلد بن أسد: انه هاجر إلى أرض الحبشة في المرة الثانية، فنهشته حية، فمات في الطريق قبل وصوله. والله المستعا وإليه المرد.\rومن بني عبد الدار بن قصي مصعب: بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار، وسويبط بن سعد بن حريملة بن مالك بن عميلة بن السباق ابن عبد الدار، وجهم بن قيس بن عبد بن شرحبيل بن هاشم بن عبد الدار معه امرأته أم حرملة بنت عبد بن الأسود الخزاعية - ويقال: حريملة - وابناه عمرو بن جهم، وخزيمة بن جهم؛ وأبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف؛ ابن عبد الدار بن قصي أخو مصعب، وفراس بن النضر بن الحارث بن علقمة ابن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار. وقال أبو عمر في ترجمة أبي بكر: مولى لبني عبد الدار؛ قال يقال: انه من الأزد كان ممن عذب في الله فلم يزل كذلك حتى كانت الهجرة الثانية مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rومن بني زهرة بن كلاب عبد الرحمن بن عوف، وعامر بن أبي وقاص، وأبو وقاص مالك بن وهيب، والمطلب بن أزهر بن عبد عوف، معه امرأته رملة بنت أبي عوف، ولدت له بأرض الحبشة عبد الله بن المطلب. قال أبو عمر بن عبد البر: وطليب بن أزهر بن عبد عوف وأخوه المطلب، هاجر مع أخيه إلى أرض الحبشة وبها ماتا جميعاً.\rقال ابن هشام: ومن حلفائهم من هذيل: عبد الله بن مسعود، وأخوه عتبة بن مسعود.\rومن بهراء المقداد بن عمرو بن ثعلبة، وكا يقال له: المقداد بن الأسود ابن عبد يغوث بن عبد مناف بن زهرة، وذلك انه كان تبناه في الجاهلية وحالفه. حكاه ابن إسحاق.\rومن بني تيم بن مرة الحارث بن خالد بن صخر، معه امرأته ريطة بنت الحارث ابن جبيلة، ولدت له بأرض الحبشة موسى بن الحارث، وزينب بنت الحارث، وفاطمة بنت الحارث، وعمرو بن عثما بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة.","part":4,"page":299},{"id":1800,"text":"ومن بني مخزوم أبو سلمة بن عبد الله بن عبد الأسد بن هلال، معه امرأته أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة، ولدت له بأرض الحبشة زينب، وشماساً واسمه عثما بن عثما بن الشريد، وهبار بن سفيا بن عبد الأسد، وأخوه عبد الله بن سفيان، وهشام بن أبي حذيفة بن المغيرة، وسلمة بن هشام بن المغيرة وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة. ومن حلفائهم معتب بن عوف بن عامر - وهو الذي يقال له عيهامة - ونسبه أبو عمر فقال: معتب بن عوف بن عمر بن الفضل ابن عفيف بن كليب بن حبشية. قال ابن هشام، ويقال: حبشية بن سلول، وهو الذي يقال له: معتب بن حمراء، وعمار بن ياسر. ذكره أبو عمر، وشك فيه ابن هشام.\rومن بني جمح عثما بن مظعون، وابنه السائب بن عثمان، وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون. قال أبو عمر: والسائب بن مظعون ممن هاجر إلى أرض الحبشة، وهو أخو عثما لأبويه، حكاه عن العدوى. قال ابن هشام: وحاطب ابن الحرث بن معمر، معه امرأته فاطمة بنت المجلل بن عبد الله، وابناه محمد والحارث، وقيل ولدا هناك، وأخوه حطاب بن الحارث، معه امرأته فكيهة بنت يسار، وقيل: ولدت له ابنه محمداً هناك؛ وسفيا بن معمر بن حبيب معه ابناه: جابر وجنادة، ومعه امرأته أمهما حسنة، وابنها شرحبيل بن حسنة، وهو شرحبيل بن عبد الله أحد بني الغوث بن مر، وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: هو شرحبيل بن عبد الله من بني جمح، وعثما بن ربيعة بن أهبا بن وهب ابن حذافة بن جمح. قال الواقدي: ونبيه بن عثما بن ربيعة. والله أعلم.\rومن بني سهم بن عمرو بن هصيص: خنيس بن حذافة، وعبد الله ابن الحارث، وهشام بن العاص بن وائل، وقيس بن حذافة، وأبو قيس بن الحارث ابن قيس، وعبد الله بن حذافة بن قيس، والحارث بن الحارث بن قيس، ومعمر ابن الحارث بن قيس، وبشر بن الحارث بن قيس، وأخ له من أمه من بني تميم، يقال له: سعيد بن عمرو، وسعيد بن الحارث بن قيس: والسائب ابن الحارث بن قيس. وقال أبو عمر: وتميم بن الحارث بن قيس، والحارث ابن قيس بن عدي، وهو والد بشر والحارث، وعمير بن رئاب بن حذيفة، ومحمية ابن جزء حليف لهم. من زبيد.\rومن بني عدي بن كعب معمر بن عبد الله بن نضلة، وعروة بن عبد العزى، وعدي بن نضلة وابنه النعمان، فمات عدي بالحبشة، فورثه ابنه النعمان، وهو أول وارث في الإسلام، وعامر بن ربيعة حليف لآل الخطاب، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة.\rومن بني عامر بن لؤي أبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى معه امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، وعبد الله بن مخرمة بن عبد العزى، وعبد الله بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس، وسليط بن عمرو بن عبد شمس. وأخوه السكرا بن عمرو، معه امرأته سودة بنت زمعة، ومالك بن ربيعة بن قيس معه امرأته عمرة بنت السعدي، وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس، وسعد بن خولة حليف لهم من اليمن.\rومن بني الحارث بن فهر أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، وسهيل بن وهب وهو ابن بيضاء، وعمرو بن أبي سرح بن ربيعة، وعياض بن زهير بن أبي شداد، وعمرو بن الحارث بن زهير، وعثما بن عبد غنم بن زهير، وسعد بن عبد قيس ابن لقيط بن عامر، والحارث بن عبد قيس بن لقيط. وقال أبو عمر بن عبد البر:اعبدالله بن عرفطة بن عدي بن أمية بن خدارة بن عوف بن النجار بن الخزرج الأنصاري هاجر إلى أرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب، وهو حليف لبني الحارث بن الخزرج، وذكره ابن منده أيضاً فجميع من هاجر على هذا الحكم بما فيه من زيادات ابن عبد البر؛ خلا أبناءهم الذين خرجوا معهم صغارا ومن ولد هناك اثنا وتسعون رجلأن وثماني عشرة امرأة، والأبناء الصغار سبعة. والله أعلم.\rإرسال قريش إلى النجاشي\rفي شا من هاجر إلى الحبشة، وطلبهم منه وإسلامه","part":4,"page":300},{"id":1801,"text":"عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي، ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهمايبعثوا إلى لأنجاشي فينا رجلين جلدين، وا يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكا من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدماً كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبلاتكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سلاهايسلمهم إليكما قبلايكلمهم. قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبلايكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم: انه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلما سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا انتم، وقد بعثنا إلى الملك فهيم أشراف قومهم لنردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عيلان يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فقالوا: نعم، ثم انهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها ثم كلماه فقالا: أيها الملك، انه قد ضوى إلى بلدك منا غلما سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، جاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا انت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم عليهم؛ فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو منايسمع إلى كلامهم النجاشي، فقالت بطارقته: صدقاً أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه، فأسلمهم لهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم، قالت: فغضب النجاشي وقال: لاها الله ! إذاً لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سوايح حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذا في أمرهم، فا كانوا كما يقولأن أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وا كانوا على غير ذلك منعتهم منهم، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.\rقالت: ثم أرسل إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا أجبتموه، قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا نبينا؛ كائناً في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوا وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله؛ سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به في ديني؛ ولا في دين أحد من هذه الملل ؟ فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونانى الفواحش، ونقتطع الأرحام، ونسئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرن ان انعبد الله ولا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد عيلان مور الإسلام، فصدقناه، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثا من عبادة الله، وا نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك، فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء، قال: نعم، قال: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من كهيعص، قال: فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلت مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي:اهذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون.","part":4,"page":301},{"id":1802,"text":"قالت: فلما خرجنا من عنده قال عمرو بن العاص: والله آتينه غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة: لا تفعل فا لهم أرحاما وا كانوا قد خالفونا قال: والله لأخبرنه انهم يزعموناعيسى بن مريم عبدٌ. قالت: ثم غدا عليه من الغد فقال: يأيها الملك، انهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيما فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه، فأرسل إليهم فسألهم عنه. قالت أم سلمة: ولم ينزل بنا مثلها فاجتمع القوم، ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه ؟، قالوا: نقول والله كما قال الله، وما جاءنا به نبينا؛ كائناً في ذلك ما هو كائن. قالت: فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا نقول هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قالت: فضرب النجاشي بيده إلى الأرض، ثم أخذ منها عودا ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود. فناخرت بطارقته من حوله حين قال ما قال، فقال: وا نخرتم، والله انتم شيوم بأرضي - والشيوم: الآمنون - من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم ! وما أحبالي دبرا من ذهب، واني آذيت رجلاً منكم - والدبر بلسا الحبشة الجبل - ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة.\rقال الزهري: فحدثت عروة بن الزبير حديث أم سلمة قال: هل تدري ما قوله: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي. فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه ؟ قلت: لأن قال: فا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حدثتني ان أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد إلا النجاشي، وكا للنجاشي عم له من صلبه اثنا عشر رجلأن وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها: لو انا قتلنا أبا النجاشي، وملكنا أخاه فانه لا ولد له غير هذا الغلام، وا لأخيه من صلبه اثني عشر رجلاً يتوارثون ملكه من بعده، فغدوا على أبي النجاشي فقتلوه وملكوا أخاه، فمكثو على ذلك حينا ونشأ النجاشي مع عمه، وكا لبيباً حازما فغلب على أمر عمه، ونزل منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه منه، قالت: والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه، وانا لنتخوفايملكه علينا وا ملكه علينا قتلنا أجمعين، لقد عرف اننا نحن قتلنا أباه. فمشوا إلى عمه فقالوا: إم ان اتقتل هذا الفتى، وإم ان اتخرجه من بين أظهرنا فانا قد خفناه على انفسنا قال: ويلكم ! قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم ! بل أخرجه من دياركم، فخرجوا به إلى السوق؛ فباعوه من رجل من التجار بستمائة درهم، فقذفه في سفينته وانطلق به حتى إذا كانت العشاء من ذلك اليوم؛ هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمه يستمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته، ففزع الحبشة إلى ولده، فإذا هو محمق ليس في ولده خير، فمرج على الحبشة أمرهم، فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك قال بعضهم لبعض: تعلموا واللهاملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتم غدوة، فا كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه، قال: فخرجوا في طلبه، فأخذوه من الرجل الذي باعوه له، ثم جاءوا به فعقدوا عيلان لتاج، وأقعدوه على سرير الملك وملكوه، فجاءهم التاجر الذي باعوه منه، فقال: إم ان اتعطوني مالي، وإم ان ان أكلمه في ذلك، قالوا: لا نعطيك شيئا قال: فإذا والله أكلمه، قالوا: فدونك. فجاء فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعت غلاماً من قوم في السوق بستمائة درهم، فأسلموا إلى غلامي، وأخذوا دراهمي، حتى إذا سرت بغلامي؛ أدركوني فأخذوه مني، ومنعوني دراهمي، فقال لهم النجاشي: لتعطنه دراهمه أو ليضعن غلامه يده في يده؛ فليذهبن به حيث شاء، قالوا: بل نعطيه دراهمه. قالت: فلذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيع الناس فيه. قال: وكا ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه، وعدله في حكمه.","part":4,"page":302},{"id":1803,"text":"قال ابن إسحاق، وحدثني جعفر بن محمد عن أبيه، قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: انك فارقت ديننا وخرجوا عليه. فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا وقال: اركبوا فيها وكونوا كما انتم، فا هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وا ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتابٍ فكتب فيه: هو يشهدالا إله إلا الله، وا محمداً عبده ورسوله، ويشهداعيسى عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعلها في قبائه عند المنكب الأيمن، وخرج إلى الحبشة وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة، أست أحق الناس بكم ؟ قالوا: بلى؛ قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم ؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما بالكم ؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمتاعيسى عبد، قال: فما تقولون انتم في عيسى ؟ قالوا: نقول: هو ابن الله فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه: هو يشهداعيسى بن مريم، لم يزد على هذا شيئا وانما يعني ما كتب، فرضوا وانصرفوا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات النجاشي صلى عليه، واستغفر له. وسنذكراشاء الله تعالى خبر إسلامه.\rإسلام عمر بن الخطاب روى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب، أو أبي جهل بن هشام. وعن سعيد بن المسيب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى عمر بن الخطاب أو أبا جهل بن هشام قال: اللهم اشدد دينك بأحبهما إليك فشد دينه بعمر، وعنه صلى الله عليه وسلم: اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب.\rقال ابن إسحاق ومحمد بن سعد في طبقاته: ليس بينهما تنافٍ إلا في مغايرة بعض الألفاظ، أو زيادةٍ أوردها أحدهما دون الآخر، ونحن نورد ما يتعين إيراده منها.\rقالا: خرج عمر بن الخطاب متوشحاً سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه، قد ذكروا له انهم قد اجتمعوا في بيتٍ عند الصفا وهم قريب أربعين: من بين رجالٍ ونساء، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب، وأبو بكر بن أبي قحافة، وعلي بن أبي طالب في رجالٍ من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله النحام، وهو رجل من قومه من بني عدي بن كعب كان قد أسلم وهو يخفي إسلامه عن عمر، فقال: أين تريد يا عمر ؟ فقال: أريد محمدا هذا الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقلته. فقال له نعيم: لقد غرتك نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً ! فقال عمر: ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك الذي انت عليه؛ قال: أفلا لذلك على العجب يا عمر ؟اإختك وأخيك قد صبوا وتركا دينك الذي انت عليه.","part":4,"page":303},{"id":1804,"text":"قال ابن إسحاق: فقال له نعيم: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فقيم أمرهم ؟ قال: وأي أهل بيتي ؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو. وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمداً على دينه، فعليك بهما قال: فرجع عمر عامداً إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت، معه صحيفة فيها: طه يقرئهما إياها فلم سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم - أو في بعض البيت - وأخذت فاطمة الصحيفة فجعلتها تحت فخذها فلما دخل عمر قال: ما هذه الهينمة التي سمعت ؟ قالا: ما سمعت شيئا قال: بلى والله، لقد أخبرت انكما اتبعتما محمداً على دينه. فقال له ختنه: أرأيت يا عمراكا الحق في غير دينك ! فوثب عمر على ختنه فبطش به ووطئه وطئاً شديدا فقامت إليه أخته فاطمة لتكفه عن زوجها فضربها فشجها فلما فعل ذلك قالا: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. فلما رأى عمر بأخته من الدم ندم على ما صنع فارعوى، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءون انفاً انظر ما هذا الذي جاء به محمد - وكا عمر كاتباً - فقالت له أخته: انا نخشاك عليها قال: لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها فطمعت في إسلامه وقالت له: يا أخي انك نجس على شركك، وانه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة وفيها طه، فلما قرأ منها صدرا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ! فلما سمع ذلك خباب بن الأرت خرج إليه، فقال له: يا عمر، والله اني لأرجوايكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فاني سمعته أمس يقول: اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب، فالله الله يا عمر ! فقال له عمر: فدلني على محمد حتى آتيه فأسلم، فقال له خباب: هو في بيتٍ عند الصفا معه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر من خلل الباب، فرآه وهو فزع، فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحاً السيف، فقال حمزة: فأذن له، فا كان جاء يريد خيراً بذلناه له، وا كان يريد شراً قتلناه بسيفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ايذن له فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة، فأخذ بحجرته - أو بمجمع ردائه - ثم جبذه جبذة شديدة، وقال: ما جاء بك يا بن الخطاب ؟، فوالله ما أرىاتنتهي حتى ينزل الله بك قارعة. قال انس بن مالكٍ في روايته: حتى ينزل الله بك من الخزي ما انزل بالوليد بن المغيرة. فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأؤمن بالله ورسوله وبما جاء به من عند الله، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف بها أهل البيتاعمر قد أسلم.\rقال محمد بن سعد بن منيع في طبقاته: أسلم عمر بن الخطاب بعدادخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار ابن الأرقم بعد أربعين أو نيف وأربعين من رجالٍ ونساء قد أسلموا قبله.\rوقال ابن المسيب: أسلم عمر بعد أربعين رجلاً وعشر نسوة.\rوعن عبد الله بن ثعلبة قال: أسلم عمر بعد خمسةٍ وأربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة.\rويرد هذه الأقوالاإسلام عمر كان بعد الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة؛ وقد تظافرت الروايات ان أهل الهجرة كانوا أكثر من ثمانين رجلأن ولعل إسلامه وقع وفي مكة ممن أسلم هذه العدة التي ذكرت، خلاف من هاجر إلى أرض الحبشة، والله أعلم.\rقال ابن إسحاق: حدثني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهم قال: لما أسلم عمر بن الخطاب قال: أي قريش انقل للحديث ؟ قيل: جميل بن معمر الجمحي، قال: فغدا عليه، قال عبد الله بن عمر: وغدوت معه أتبع أثره وانظر ماذا يفعل وانا غلام أعقل كل ما رأيت، حتى جاءه، فقال: أعلمت يا جميل اني أسلمت ودخلت في دين محمد ؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجز رداءه، واتبعه عمر واتبعت أبي، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش - وهم في انديتهم حول الكعبة - أل ان اابن الخطاب قد صبا فيقول عمر من خلفه: كذبت، ولكني أسلمت، وشهدتالا إله إلا الله، وا محمداً عبده ورسوله، وثاروا إليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم. قال: وطلح - يعني أعيا - وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله لو قد كنا ثلثمائة لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا.","part":4,"page":304},{"id":1805,"text":"فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى، حتى وقف عليهم فقال: ما شانكم ؟ قالوا: صبأ عمر، قال: فمه ! رجل اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا ! خلوا عن الرجل، قال: فوالله لكانما كانوا ثوباً كشط عنه. قال: فقلت لأبي بعداهاجر إلى المدينة: يا أبه، من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك، جزاه الله خيراً ؟ قال: ذاك العاص ابن وائل السهمي، لا جزاه الله خيراً.\rقال عبد الله بن مسعود: ما كنا نقدرانصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشاً وصلى عند الكعبة وصلينا معه. وقال:اإسلام عمر كان فتحا وا هجرته كانت نصرا وا إمارته كانت رحمة.\rوعن صهيب بن سنا قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعى إلى الله علأنية، وجلسنا حول البيت حلقا وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما يأتي به.\rوكا إسلام عمر في ذي الحجة من السنة السادسة من النبوة، وهو ابن ست وعشرين سنة.\rتعاقد قريش على بني هاشم\rوبني المطلب وانحياز بني هاشم وبني المطلب إلى أبي طالب ودخولهم في شعبه قال محمد بن إسحاق وغيره من أهل السير: لما رأت قريش ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلداً أصابوا فيه أمناً وقرارا وا النجاشي قد أكرمهم، ومنع من لجأ إليه منهم، وا عمر قد أسلم قبله حمزة بن عبد المطلب، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمرو ان ايكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب؛ على ألا ينكحوا ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم. فلما اجتمعوا لذلك كتبوا صحيفة، ثم تعاهدوا وتعاقدوا وتوافقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على انفسهم. وكا كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، ويقال: عمه بغيض بن عامر، قاله الزبير وابن الكلبي؛ - ويقال: النضر بن الحارث - فشلت يده.\rقال محمد بن عمر بن واقد: وحصروا بني هاشم في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانحاز بنو المطلب إلى أبي طالب في شعبه مع بني هاشم، وخرج أبو لهب إلى قريش، وظاهرهم على بني هاشم وبني المطلب، وقطعوا عنهم الميرة والمادة، فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى بلغهم الجهد، وسمع أصوات صبيانهم من وراء الشعب، فمن قريشٍ من سره ذلك، ومنهم من ساءه، وقال: انظروا ما أصاب كاتب الصحيفة ! فأقاموا في الشعب ثلاث سنين، ثم أطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على أمر صحيفتهم، وا الأرضة قد أكلت ما فيها من جور وظلم، وبقي ما كان فيها من ذكر الله.\rقال: فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب، فذكر ذلك أبو طالب لإخوته، وخرجوا إلى المسجد، فقال أبو طالب لكفار قريش: ان ابن أخي قد أخبرني - ولم يكذبني قط - الله سلط على صحيفتكم الأرضة فلحست ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم، وبقي فيها ما ذكر به الله، فا كان ابن أخي صادقاً نزعتم عن سوء رأيكم، وا كان كاذباً دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه. قالوا: قد انصفتنا فأرسلوا إلى الصحيفة ففتحوها. فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقط في أيديهم، ونكسوا على رؤوسهم. فقال أبو طالب: علام نحبس ونحصر وقد با الأمر ؟! ثم دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة والكعبة. فقال: اللهم انصرنا على من ظلمنا وقطع أرحامنا واستحل ما يحرم عليه منا. ثم انصرفوا إلى الشعب. وتلاوم رجال من قريش ما صنعوا ببني هاشم: فيهم مطعم بن عدي، وعدي بن قيس، وزمعة ابن الأسود، وأبو البختري بن هشام، وزهير بن أبي أمية. ولبسوا السلاح؛ ثم خرجوا إلى بني هاشم وبني المطلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا وكا خروجهم من الشعب في السنة العاشرة من النبوة، وقيل: كان مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الشعب سنتين.\rوحكى أبو محمد عبد الملك بن هشام، عن أبي عبد الله محمد بن إسحاق - رحمهم الله - في سبب نقض الصحيفة غير ما قدمناه مما حكاه محمد بن سعدٍ عن الواقدي.","part":4,"page":305},{"id":1806,"text":"قال ابن إسحاق بعداذكر من شدة ما لاقاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب من الضائقة ما ذكر: ثم انه قام في نقض الصحيفة - التي تكاتبت فيها قريش على بني هاشم وبني المطلب - نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤي، وذلك انه كان ابن أخي نضلة بن هاشم بن عبد مناف لأمه، وكا هشام لبني هاشمٍ واصلأن وكا ذا شرفٍ في قومه، فكان يأتي بالبعير وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلأن وقد أوقره طعاما حتى إذا أقبله فم الشعب خلع خطامه من رأسه، ثم ضرب على جنبه فيدخل الشعب عليهم، ويأتي به قد أوقره برا فيفعل به مثل ذلك.\rقال: ثم انه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي - وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب - فقال: يا زهير، وقد رضيت انا نأكل الطعام ونلبس الثياب، وننكح الناس، وأخوالك حيث قد علمت لا يبتاعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم، أما اني أحلف باللهالو كانوا أخوال أبي الحكم ابن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا قال: ويحك يا هشام ! فماذا أصنع ؟ انا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى انقضها؛ قال: قد وجدت رجلأن قال: من هو ؟ قال: انا؛ قال له زهير: ابغنا ثالثا فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له: يا مطعم أقد رضيتايهلك بطنا من بني عبد مناف وانت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه ! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا؛ قال: ويحك، فماذا أصنع ؟ انما انا رجل واحد، قال: قد وجدت ثانيا قال: من هو ؟ قال: انا قال: ابغنا ثالثا قال: قد فعلت، قال: من هو ؟ قال: زهير، قال: ابنغ رابعا قال: فذهب إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحواً مما قال لمطعم، فقال: وهل من أحد يعين على هذا ؟ قال: نعم، قال: فمن هو ؟ قال زهير والمطعم وانا معك، قال: ابغنا خامسا فذهب إلى زمعة بن الأسود ابن المطلب، فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال، وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد ؟ قال: نعم، ثم سمى له القوم، فاتعدوا خطم الحجون ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا هناك وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها.\rوقال زهير: انا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم. فلما أصبحوا غدوا إلى انديتهم، وغدا زهير عليه حلة، فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، انأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يتباعون ولا يبتاع منهم ؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. فقال أبو جهل - وكا في ناحية المسجد - : كذبت، والله لا تشق ؟ قال زمعة بن الأسود: انت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حيث كتبت، قال أبو البختري: صدق زمعة، لا نرضي ما كتب فيها ولا نقر به، قال المطعم: صدقتما وكذب من قال غير ذلك؛ نبرأ إلى الله ومما كتب فيها ؟! وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك.\rفقال أبو جهل: هذا أمر قضى بليل، وتشوور فيه بغير هذا المكا - وأبو طالب جالس في ناحية المسجد - وقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا باسمك اللهم.\rثم حكى ابن هشام نحوا مما ذكره الواقدي من خبرها على ما قدمناه، وا أولئك الرهط الذين ذكرناهم صنعوا ما صنعوا مما ذكرناه بعد كلام أبي طالب. والله تعالى أعلم.\rالعائدين من أرض الحبشة\rممن هاجر إليها وكيف دخلوا مكة قال ابن إسحاق رحمهما الله: وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا إلى أرض الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دنوا من مكة بلغهماما كانوا تحدثوا به من إسلامهم كان باطلأن فلم يدخل أحد منهم إلا بحوارٍ أو مستخفياً. فكان من قدم عيه مكة، منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد بدراً وأحدا ومن حبس عنه حتى فاته ذلك.\rومن مات منهم بمكة من بني عبد شم: عثما بن عفا معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، معه امرأته سهلة بنت سهيل.\rومن حلفائهم عبد الله بن جحش بن رناب.\rومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوا حليف لهم.\rومن بني أسد بن عبد العزى الزبير بن العوام.\rومن بني عبد الدار مصعب بن عمير، وسويبط بن سعد.\rومن بني عبد بن قصي طليب بن عمير.","part":4,"page":306},{"id":1807,"text":"ومن بني زهرة بن كلاب عبد الرحمن بن عوف، والمقداد بن عمرو؛ حليف لهم، وعبد الله بن مسعود؛ حليف لهم.\rومن بني مخزوم أبو سلمة بن عبد الأسد؛ معه امرأته أم سلمة، وشماس ابن عثمان، وسلمة بن هشام، حبسه عمه بمكة فلم يهاجر إلا بعد الخندق، وعياش ابن أبي ربيعة بن المغيرة، ومن حلفائهم عمار بن ياسر، ومعتب بن عوف من خزاعة.\rومن بني جمح عثما بن مظعون وابنه السائب بن عثمان، وقدامة وعبد الله ابنا مظعون.\rومن بني سهم خنيس بن حذافة، وهشام بن العاص بن وائل؛ حبس بمكة فلم يهاجر إلا بعد الخندق.\rومن بني عدي بن كعب عامر بن ربيعة حليف لهم، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة.\rومن بني عامر بن لؤي عبد الله بن مخرمة، وعبد الله بن سهيل بن عمرو. حبس بعد الهجرة، فلما كان يوم بدر انحاز من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سبرة بن أبي رهم، معه امرأته أم كلثوم، والسكرا بن عمرو معه امرأته سودة بنت زمعة؛ مات بمكة قبل الهجرة. ومن حلفائهم سعد بن خولة.\rومن بني الحارث بن فهر أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، وعمرو ابن الحارث بن زهير، وسهيل بن بيضاء، وعمرو بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال.\rفجميع من قدم مكة ثلاثة وثلاثون رجلأن فكان من دخل منهم بجوار عثما ابن مظعون دخل بجوار من الوليد بن المغيرة، فلما رأى ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء وهو يغدو ويروح في أما من الوليد، قال: واللهاغدوى ورواحى آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لنقصٌ كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد ابن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، وقد رددت إليك جوارك؛ فقال له: يا بن أخي، لعله آذاك أحد من قومي، قال: لأن ولكني أرضي بجوار الله، ولا أريد ان أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فرد على جواري علأنية كما أجرتك علأنية، فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثما قد جاء يرد على جواري، قال: صدق، وجدته كريماً وفي الجوار، ولكني أحببت ألا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان.\rوأبو سلمة بن عبد الأسد دخل بجوارٍ من أبي طالب بن عبد المطلب، فمشى إليه رجال من بني مخزوم فقالوا: يا أبا طالب، منعت منا ابن أخيك محمدا؛ فمالك ولصاحبنا تمنعه منا ! قال: انه استجار بي؛ وهو ابن أختي، وا انا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي، فقام أبو لهب فقال: يا معشر قريش، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ما تزالون توثبون عليه في جواره من بين قومه، والله لتنهن عنه أو لنقومن معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد، فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة. قال: وأقام بقيتهم بأرض الحبشة إلى سنة سبع من الهجرة، فقدموا بعد فتح خيبر، وقد رأين ان انذكرهم في هذا الموضع؛ لتكون أخبارهم متوالية.\rذكر من قدم من أرض الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر، ومن قدم بعد ذلك ومن هلك منهم هناك\rقال ابن إسحاق: كان من قدم منهم إلى خيبر في سنة سبع من الهجرة مع جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه في السفينتين ستة عشر رجلأن وهم من بني هاشم بن عبد مناف: جعفر بن أبي طالب، معه امرأته اسماء بنت عميس، وابنه عبد الله؛ ولد بأرض الحبشة.\rومن بني عبد شمس خالد بن سعيد بن العاص، معه امرأته أمينة بنت خلف، وابناه سعيد بن خالد، وأمة بنت خالد؛ ولدتهما بأرض الحبشة، وأخوه عمرو بن سعيد، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وأبو موسى الأشعري؛ واسمه عبد الله بن قيس.\rومن بني أسد الأسود بن نوفل بن خويلد.\rومن بني عبدالدار بن قصي جهم بن قيس، معه ابناه عمرو بن جهم، وخزيمة بنت جهم، وكانت معه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود؛ هلكت بأرض الحبشة.\rومن بني زهرة بن كلاب عامر بن أبي وقاص، وعتبة بن مسعود حليف لهم من هذيل.\rومن بني تيم بن مرة الحارث بن خالد بن صخر، هلكت امرأته ريطة بالحبشة.\rومن بني جمح عثما بن ربيعة بن أهبان.\rومن بني سهم محمية بن الجزء حليف لهم من بني زبيد.\rومن بني عدي بن كعب معمر بن عبد الله بن نضلة.\rومن بني عامر بن لؤي أبو حاطب بن عمرو، ومالك بن ربيعة: معه امرأته عمرة بنت السعدى.\rومن بني الحارث بن فهر الحارث بن عبد قيس بن لقيط، وحمل معهم نساء من نساء من هلك هناك.","part":4,"page":307},{"id":1808,"text":"هؤلاء الذين قدموا مع جعفر في السفينتين. وقدم بعد ذلك ستة وعشرون رجلأن وهم: من بني أمية قيس بن عبد الله الأسدي، أسد خزيمة، حليف لهم.\rومن بني أسد يزيد بن زمعة بن الأسود، قتل يوم حنينٍ شهيدا.\rومن بني عبد الدار: أبو الروم بن عمير، وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة.\rومن بني تيم بن مرة عمرو بن عثما بن عمرو.\rومن بني مخزوم هبار بن سفيان، وأخوه عبد الله، وهشام بن أبي حذيفة ابن المغيرة.\rومن بني جمح سفيا بن معمر، وابناه جنادة وجابر، وأمهما حسنة، وأخوهما لأبيهما شرحبيل بن حسنة.\rومن بني سهم قيس بن حذافة بن قيس، وأبو قيس بن الحارث بن قيس، وبشر بن الحارث بن قيس، وأخ له من أمه من بني تميم يقال له: سعيد بن عمرو، وسعيد بن الحارث بن قيس، والسائب بن الحارث بن قيس، وعمير بن رئاب، ابن حذيفة.\rومن بني عامر بن لؤي سليط بن عمرو.\rومن بني الحارث بن فهر عثما بن عبد غنم، وسعيد بن عبد قيس بن لقيط، وعياض بن زهير بن أبي شداد.\rوهلك بأرض الحبشة ممن هاجر إليها ثمانية، وهم: من بني عبد شمس، من حلفائهم عبيد الله بن جحش بن رئاب، تنصر ومات بأرض الحبشة نصرانيا وكانت معه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rومن بني أسد عمرو بن أمية بن الحارث.\rومن بني زهرة بن كلاب المطلب بن أزهر بن عوف، ومعه امرأته رملة بنت أبي عوف، فولدت له هناك عبد الله بن المطلب.\rومن بني جمح حاطب بن الحارث بن معمر، وكا معه امرأته فاطمة بنت المحلل بن عبد الله، وابناه محمد والحارث، فقدمت امرأته وابناه مع جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه في أحد السفينتين، وأخوه حطاب بن الحارث، وكا معه امرأته فكيهة بنت يسار قدمت مع جعفرٍ أيضا.\rومن بني سهم عبد الله بن الحارث بن قيس.\rومن بني عدي بن كعب عروة بن عبد العزى بن حرثان، وكا مع عدي ابنه النعمان، فقدم مع من قدم من المسلمين.\rفهؤلاء الذين ذكرناهم هم الذين ذكرهم ابن إسحاق، وعدهم انهم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة، وحصر عدتهم كما تقدم. وأما من ذكرنا ممن ذكر أبو عمر يوسف بن عبد البر في كتابه انهم ممن هاجر إلى أرض الحبشة فلم نقف على تاريخ عودهم فنذكره.\rمن انزل فيه القرآن\rمن مشركي قريش وما انزل فيهم\rقال أبو محمد عبد الملك بن هشام: ولما حمى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم من قريش ومنعه منها وقام عمه أبو طالب وقومه من بني هاشم وبني عبد المطلب دونه، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به، جعلت قريش يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه، والقرا ينزل فيهم، منهم من سماه الله تعالى، ومنهم من نزل فيه في عامة من ذكر الله من الكفار.\rفكا من سمى ممن نزل فيه القرا أبو لهب بن عبد المطلب، وامرأته أم جميل بنت حرب بن أمية، حمالة الحطب، فانزل الله فيهما قوله: \" تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ. وَأمْرَأتُهُ حَمّاَلَة الْحَطبِ. في جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ \" . قال: وانما سماها الله تعالى حمالة الحطب لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال ابن إسحاق: فذكر لي ان أم جميل حمالة الحطب، حين سمعت ما انزل فيها وفي زوجها من القرا أتت رسول الله وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وفي يدها فهر من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك ؟ قد بلغني انه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله اني لشاعرة:\rمذمّمّا عصينا ... وأمره أبينا\rودينه قلينا\rثم انصرفت.\rقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك ؟ قال: ما رأتني، لقد أخذ الله ببصرها عني.\rوأمية بن خلف بن وهب الجمحي؛ كان إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم همزه ولمزه، فانزل الله تعالى فيه قوله: \" وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ \" ، السورة كلها.\rقال ابن هشام: الهمزة: الذي يشتم الرجل علأنية، ويكسر عينه عليه ويغمز به. واللمزة: الذي يعيب الناس سراً ويؤذيهم.","part":4,"page":308},{"id":1809,"text":"والعاص بن وائل السهمي؛ كان إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعوه فانما هو رجل أبتر لا عقب له، لو قد مات انقطع ذكره واسترحتم منه، فانزل الله تعالى في ذلك قوله: \" انا أعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحَرْ.اشانئَكَ هُوَ الأبْتَرُ \" .\rوالكوثر: ماء هو خير من الدنيا وما فيها؛ وقيل: الكوثر: العظيم، وقيل: الخير الكثير.\rوسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الكوثر الذي أعطاك الله ؟ فقال: نهر في الجنة كما بين صنعاء إلى أيلة، انيته كعدد نجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ أبدا وانزل الله فيه قوله تعالى: \" أفَرأيْتَ الّذِي كَفَرَ بآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنّ مَالاً وَوَلَداً \" ، إلى قوله: \" وَيأْتِيَنا فَرْداً \" ، وكا سبب ذلكاخباب بن الأرت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نشأ بمكة يعمل السيوف، وكا قد باع من العاص بن وائل السهمي سيوفا عملها له؛ حتى كان له عليه مال، فجاءه يتقاضاه، فقال: يا خباب، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي انت على دينهافي الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم ! قال خباب: بلى، قال: فانظرني إلى يوم القيامة حتى أرجع إلى تلك الدار؛ فأقضيك هنالك حقك، فوالله لا تكون انت وأصحابك آثر عند الله مني، ولا أعظم حظاً في ذلك، فانزل الله ذلك فيه.\rوأبو جهل بن هشام؛ لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: والله يا محمد لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك الذي تعبده، فانزل الله في ذلك: \" وَلاَ تَسُبُّوا الّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللَهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ \" ، فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب آلهتهم، وجعل يدعوهم إلى الله.\rولما ذكر الله شجرة الزقوم تخويفا لهم قال أبو جهل: يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد ؟ قالوا: لأن قال: عجوة يثرب بالزبد، والله لئن استمكنا منها لنزقمنها فانزل الله فيه: \" ا شَجَرَتَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ الأثِيم. كَالْمُهْلِ يَغْلي في الْبُطُونِ. كَغَلْي الْحَمِيم \" ، أي ليس كما يقول.\rوالنضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي؛ كان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فدعا فيه إلى الله، وتلا فيه القران، وحذر فيه قريشا ما أصاب الأمم الخالية، خلفه في مجلسه إذا قام فحدثهم عن رستم وملوك الفرس وإسفنديار، ثم يقول: والله ما محمد بأحسن حديثاً مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتها فانزل الله فيه: \" وَقَالُوا أسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأصِيلاً. قُلْ انزَلَهُ الّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّمواتِ والأرضِ انهُ كان غَفُروا رَحِيما \" . وانزل فيه: \" إذَا تُتْلَى عيلان ياتُنا قال أساطِيرُ الأولين \" . ونزل فيه: \" وَيْلٌ لِكُلِّ أفَّاكٍ أثيٍم. يَسْمَعُ آيَاتِ اللهّ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرا كان لَمْ يَسْمَعها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيم \" ، والأفاك، الكذاب.","part":4,"page":309},{"id":1810,"text":"قال: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهما وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعرض له النضر فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: \" انكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ انتُمْ لها وَارِدُونَ. لَوْ كان هَؤُلاَءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خَالِدُونَ. لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وهُمْ فِيها لاَ يَسْمَعُونَ \" ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس، فقال له الوليد بن المغيرة: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب انفا وما قعد، وقد زعم محمد انا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم ! فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، فسألوا محمدا: أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده ؟، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى بن مريم، فعجب الوليد ومن كان حضر معه في المجلس من قول عبد الله، ورأوا انه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كل من أحبايعبد من دون الله فهو مع من عبده، انهم انما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته، فانزل الله تعالى: \" ا الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبعَدُونَ. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِيَما اشْتَهَتْ انفُسُهُمْ خَالِدُونَ \" ، أي عيسى بن مريم، وعزير ومن عبدوا من الأحبار والرهبا الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله.\rونزل فيما ذكروا انهم يعبدون الملائكة، وانها بنات الله قوله تعالى: \" وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وهُمْ بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ \" ، إلى قوله: \" وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ اني إلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ \" .\rونزل فيما ذكر من أمر عيسى عيلان لسلام انه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضر من حجته: \" وَلَمّا ضُرِبَ ابنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إذا قًوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّون \" ، أي يصدون عن أمرك، ثم ذكر عيسى: \" ا هُوَ إلاَّ عَبْدٌ انعَمْنَا عَلَيْهِ وجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَني إسْرَائِيلَ. وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً في الأْرْضِ يَخْلُفُونَ. وًانهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا \" ، أي ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، فكفى به دليلا على علم الساعة، يقول: \" فَلاَ تَمْتَرُنّ بِهَا واتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقيمٌ \" .\rوالأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف بني زهرة، وكا من أشراف القوم، وممن يستمع منه، فكان يصيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرد عليه، فانزل الله فيه: \" ولا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ \" إلى قوله: \" زَنِيمٍ \" ، والزنيم: العديد للقوم.\rوالوليد بن المغيرة قال: أينزل على محمد وأترك ! وانا لبيب قريش وسيدها ! ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف، ونحن عظيما القريتين ! فانزل الله تعالى فيه: \" وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعيشَتَهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا \" ، إلى قوله: \" خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ \" .","part":4,"page":310},{"id":1811,"text":"وأبى بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، وعقبة بن أبي معيط - وكانا متصافيين حسناً ما بينهما - فجلس عقبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه، فبلغ ذلك أبيا فأتى عقبة فقال: ألم يبلغني انك جالست محمدا وسمعت منه ! ثم قال: وجهي من وجهك حرام أكلمك - واستغلظ من اليمين - أنت جلست أو سمعت منه، أو لم تأته فتنفل في وجهه. ففعل عدو الله عقبة بن أبي معيط، فانزل الله فيهما: \" ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَني اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً. يَا وَيْلَتَي لَمْ أتَّخذْ فُلأناً خَلِيلاً. لَقَدْ أضَلَّني عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جَاءَني وكَا الشَّيْطَا لِلأنسا خَذُولاً \" . ومشى أبي بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم بالٍ قد أرفت؛ فقال: يا محمد، انت تزعم أن الله يبعث هذا بعدما أرى ؟ ثم فته بيده ونفخه في الريح نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم انا أقول ذلك، يبعثه الله وإياك بعد ما تكونا هكذا ثم يدخلك النار، فانزل الله تعالى فيه: \" وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيي الْعِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْييهَا الَّذِي انشَأهَا أوّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَاراً فإذَا انتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ \" .\rواعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة الأسود بن المطلب ابن أسد، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل - وكانوا ذوي أسنا في قومهم - فقالوا: يا محمد؛ هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد؛ فنشترك نحن وانت في الأمر، فا كان الذي تعبد خيرا كنا قد أخذنا بحظنا منه، وا كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فانزل الله تعالى فيهم: \" قُلْ يَأيُّهَا الْكَافِرُونَ. لاَ أعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ \" ... السورة.\rودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام، وكلمهم فأبلغ، فقال له زمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، والأسود بن عبد يغوث، وأبي بن خلف، والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس؛ ويرى معك ! فانزل الله تعالى في ذلك: \" وَقَالُوا لَوْلاَ انزِلَ عَلَيهِ مَلَكٌ ولَوْ انزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأْمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ. ولَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً ولَلَبًسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ \" . والله المستعان.\rهجرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى الهجرة وعوده، وجواره ورده الجوار قال: وكا أبو بكر رضي الله عنه كما روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها حين ضاقت عليه مكة، وأصابه فيها ما اصابه من الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما رأى استأذن الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجراً حتى إذا سار من مكة يوماً أو يومين ابن الدغنة، ويقال فيه: الدغينة - أخو بني الحارث بن بكر ابن عبد مناة بن كنانة، والهون بن خزيمة بن مدركة، وبني المصطلق بن خزاعة، تحالفوا جميعاً فسموا الأحابيش للحلف - فقال: أين تريد يا أبا بكر ؟ قال: أخرجني قومي وآذوني وضيقوا علي، قال: ولم ؟ فوالله انك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع وانت في جواري. فرجع معه حتى إذا دخل مكة؛ قام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، اني قد أجرت ابن أبي قحافة فلا يعرضن له أحد إلا بخير؛ فكفوا عنه.\rقال: وكا لأبي بكر مسجد على باب داره في بني جمح، فكان يصلي فيه، وكا رجلاً رقيقاً؛ إذا قرأ القرا استبكى، فتقف عيلان لصبيا والعبيد والنساء فيعجبون لما يرون من هيئته، فمشى من قريش إلى ابن الدغنة رجال فقالوا: انك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا انه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق، ونحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتن ان ايفتنهم، فأته فمرهايدخل بيته فليصنع فيه ما شاء.","part":4,"page":311},{"id":1812,"text":"قالت: فمشى ابن الدغنة إليه فقال: يا أبا بكر، اني لم أجرك لتؤذي قومك، انهم قد كرهوا مكانك الذي انت به، وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت. قال: أو أرد عليك جوارك، وأرضي بجوار الله ؟ قال: فاردد علي جواري، قال: قد رددته عليك، فقام ابن الدغنة فقال: يا معشر قريش، ان ابن أبي قحافة قد رد إلى جواري فشانكم بصاحبكم.\rوفاة أبي طالب بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشي أشراف قريش إليه في مرضه، وما قالوه وانزل فيهم كانت وفاة أبي طالب بعد نقض الصحيفة، وخروج بني هاشم وبني المطلب من الشعب بثمانية أشهر وأحدٍ وعشرين يوما وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام. حكاه الشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي رحمه الله في مختصر السيرة النبوية.\rوقال محمد بن سعد: كان بينهما شهر وخمسة أيام.\rقال محمد بن إسحاق: لما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله، فمشى إليه أشراف قريش وهم: عقبه بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيا بن حرب في رجالٍ من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب، انك منا حيث قد علمت وقد حضرك ما ترى، وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا وخذ لنا منه، ليكف عنا ونكف عنه، وليدعنا وديننا وندعه ودينه.\rفبعث إليه فجاءه فقال له: يا بن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك، ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لهم بها العجم فقال أبو جهل: نعم وأبيك وعشر كلمات، فقال. تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه، قال: فصفقوا بأيديهم، وقالوا: أتريد يا محمداتجعل الآلهة إلهاً واحداً؛ ان أمرك لعجب ! ثم قال بعضهم لبعض: انه والله ما هذا الرجل يعطيكم شيئاً مما تريدون؛ فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا. فقال أبو طالب: والله ما رأيتك سألتهم شططا.\rقال: فلما قالها أبو طالب طمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فجعل يقول له: يا عم فانت فقلها؛ أستحل بها لك الشفاعة يوم القيامة، قال: يا بن أخي لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وا تظن قريش اني قلتها جزعاً من الموت لقلتها لا أقولها إلا لأسرك بها.\rقال ابن عباس: فلما تقارب من أبي طالب الموت، نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بأذنه، فقال: يا بن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرتهايقولها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أسمع، ثم هلك أبو طالب.\rوالذي ورد في الصحيح.اآخر ما سمع من أبي طالب؛ هو على دين عبد المطلب.\rقال ابن إسحاق: وانزل الله في الرهط الذين اجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا ما قالوا قوله تعالى: \" صَ وَالْقُرا ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ. كَمْ أهْلَكْنَا مِن قَبِلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ. وَعَجِبُو ان اجَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ. أجَعَلَ الآلِهةَ إلَهاَ وَاحِد ان اهَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ. وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ ان أمْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْاهَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ. مَا سمِعْنَا بِهَذَا في الْمِلّة الآْخِرَةِاهَذَا إلاَّ اخْتِلاَقٌ \" . قال: يريدون بالملة الآخرة النصارى؛ لقولهم: \" ا اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ \" .\rوفاة خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها كنت وفاة خديجة رضي الله عنها بعد وفاة أبي طالب كما تقدم، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين على ما صححه الشيخ شرف الدين الدمياطي رحمه الله في مختصر السرة النبوية، قال:","part":4,"page":312},{"id":1813,"text":"وبقيت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الوحي خمس عشرة سنة، وبعده تسع سنين وثمانية أشهر، وهي أول من أسلم من النساء بلا خلاف، ولعلها أول من أسلم من الناس، وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزير صدق. روىاآدم عيلان لسلام قال: اني لسيد البشر يوم القيامة إلا رجل من ذريتي فضل علي باثنين؛ كانت زوجته عونا له، وكانت زوجتي عونا علي، وأعانه الله على شيطانه فأسلم، وكفر شيطاني. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: أمرت ان أبشر خديجة ببيتٍ في الجنة من قصبٍ، لا صخب فيه ولا نصب، قالوا: والقصب ها هنا: اللؤلؤ. ودفنت خديجة بالحجون، ولم تكن شرعت الصلاة على الميت بعد. والله أعلم.\rخروج الرسول إلى الطائف وعود إلى مكة قال: لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تكن تناله في حياة عمه.\rقال محمد بن سعد: فبلغ ذلك أبا لهب، فجاءه فقال: يا محمد، امض لما أردت وما كنت صانعاً إذا كان أبو طالب حياً فاصنعه، لا واللات، لا يوصل إليك حتى أموت. قال: وسب ابن الغيطلة النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل عيلان بو لهب فنال منه، فولى وهو يصيح: يا معشر قريش، صبأ أبو عبتة، فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب فقال: ما فارقت دين عبد المطلب، ولكني أمنع ابن أخيايضام، حتى يمضي لما يريد، قالوا: قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك أياما يذهب ويأتي، ولا يعترض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب إلىاجاء عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل ابن هشام إلى أبي لهب فقالا: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك ؟ فقالا له: يا محمد أين مدخل عبد المطلب ؟ قال: مع قومه، فخرج أبو لهب إليهما فقال: قد سألته فقال: مع قومه، فقالا: يزعم انه في النار، فقالا: يا محمد، أيدخل عبد المطلب النار ؟، فقال: نعم، ومن مات على مثل ما مات عليه عبد المطلب دخل النار. فقال أبو لهب: والله لا برحت لك عدوا أبدا وانت تزعماعبد المطلب في النار، فاشتد عليه هو وسائر قريش، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف.\rقال محمد بن سعد: خرج ومعه زيد بن حارثة، وذلك في ليال بقين من شوال سنة عشر من حين النبوة، فأقام بالطائف عشرة أيام لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فلم يجيبوه، وخافوا على أحداثهم، فقالوا: يا محمد، اخرج من بلدنا والحق بمجابك من الأرض. وأغروا به سفهاءهم، فجعلوا يرمونه بالحجارة حتىارجلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم لتدميان، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه. حتى لقد شج في رأسه شجاجا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف راجعاً إلى مكة وهو محزون لم يستجب له رجل واحد ولا امرأة.\rوقال ابن إسحاق: لما أغروا به سفهاءهم؛ لجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فجلس في ظل حبلة، وابنا ربيعة ينظرا إليه، ويريا ما لقي من سفهاء أهل الطائف، فتحركت له رحمتهما فدعوا غلاماً لهما نصرانياً يقال له عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل حتى وضعه بين يديه صلى الله عليه وسلم، وقال له: كل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله فأكل، فنظر عداس إليه ثم قال: واللهاهذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له صلى الله عليه وسلم: ومن أهل أي البلاد انت يا عداس ؟ وما دينك ؟. قال: نصراني، وانا رجل من أهل نينوى، فقال له: أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ فقال عداس: وما يدريك ما يونس ؟ قال: ذاك أخي، كان نبياً وانا نبي، فأقبل عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه وقدميه ويديه، فقال أحد ابني ربيعة لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك ! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ! قال: يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا العبد، لقد أخبرني بأمرٍ ما يعلمه إلا نبي، قالا: ويحك يا عداس ! لا يصرفنك عن دينك، فا دينك خير من دينه.\rقال: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى مكة حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان نخلة أتاه جن نصيبين، على ما نذكر ذلكاشاء الله في أخبار الوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما تقف عليه هناك، وهو في آخر وفادات العرب.","part":4,"page":313},{"id":1814,"text":"قال: وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة أياما فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وهم أخرجوك ؟ فقال: يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجا وان الله ناصر دينه ومظهر نبيه، ثم انتهى إلى حراء، فأرسل رجلاً من خزاعة إلى مطعم بن عدي يقول: أدخل في جوارك ؟ فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه، فقال: تلبسوا السلاح، وكونوا عند أركا البيت؛ فاني قد أجرت محمدا فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام مطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش، اني قد أجرت محمداً؛ فلا يهجه أحد منكم، فانتهى صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، ومطعم وولده مطيفون به، فلذلك قال حسا بن ثابت الأنصاري في رثائه لمطعم من قصيدته:\rفلو كان مجدٌ يخلد الدهر واحداً ... من الناس، أبقى مجده اليوم مطعما\rأجرت رسول الله منهم فأصبحوا ... عبيدك ما لبّى مهلٌّ وأحرما\rوحكى محمد بن إسحاق:ارسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: انا حليف؛ والحليف لا يجير؛ فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال:ابني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه.\rخبر الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى البيت المقدس، وخبر المعراج به صلى الله عليه وسلم إلى السموات العلأن وإلى سدرة المنتهى، وما شاهد في ذلك من الكرامة والأصطفاء والمناجاة، وفرض الصلاة، وغير ذلك مما يراه من آيات ربه الكبرى، صلى الله عليه وسلم وحبر الإٍراء برسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح متفق على صحته بنص الكتاب والأحاديث الصحيحة. أما الكتاب العزيز، فقد قال الله عز وجل: \" سُبْحَا الّذي أسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلىَ الْمَسْجِدِ الأْقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِيُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا انهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ \" . وقال تعالى: \" وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.اهُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَي. ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوَى. وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلَى. ثُمَّ دَنَى فَتَدَلَّى. فكان قَابَ قَوْسَيْنَ أوْ أدْنَى. فَأوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأى. أفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنّةُ الْمَأوَى. إذْ يَغَشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. لَقَدْ رَأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى \" .\rوأما الأحاديث الواردة في ذلك فسنذكرها ان شاء الله تعالى.\rوكا الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة السبت لسبع عشرة خلت من شهر رمضا قبل الهجرة عشر شهرا وقد أتت عيلان حدى وخمسون سنة وتسعة أشهر.\rوقال ابن سعد في طبقاته عن عائشة وأم هانئ وابن عباس قالوا: أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة من شعب أبي طالب إلى بيت المقدس. والله أعلم.\rوالأحاديث الصحيحة بصحة الإسراء قد جاءت من طرق كثيرة، وقد رأينا ان نبدأ منها بأكملها وأجمعها وهو حديث ثابت البناني عن انس بن مالك رضي الله عنه، ثم نذكر زيادات عن غيره يتعين ذكرها.","part":4,"page":314},{"id":1815,"text":"أما حديث ثابت البناني فهو مما رويناه بإسناد متصل عن مسلم بن الحجاج، قال حدثنا شيبا بن فروخ، قال حدثنا حماد بن سلمة، قال حدثنا ثابت البناني عن انس بن مالك رضي الله عنهارسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه. قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل باناء من خمرٍ واناءٍ من لبن، فأخذت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقي: من انت ؟ قال: جبريل، قيل: من معك ؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه ؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا بآدم صلى الله عليه وسلم، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل: من انت ؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك ؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه ؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا انا بابني الخالة عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا صلى الله عليه وسلم، فرحبا بي ودعوا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، وذكر مثل الأول ففتح لنا فإذا انا بيوسف صلى الله عليه وسلم، وإذا هو قد أعطى شطر الحسن، فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فذكر مثله، فإذا انا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فذكر مثله، فإذا انا بهارون فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فإذا انا بموسى فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم عرج بي إلى السماء السابعة، فذكر مثله، فإذا انا بإبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمر، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذا الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال. قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيعاينعتها من حسنها فأوحى الله إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فا أمتك لا يطيقون ذلك، فاني قد بلوت بني إسرائيل. قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتي، فحط عني خمسا فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسا قال: ان أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أراجع بين ربي تعالى، وبين موسى حتى قال: يا محمد، انهن خمس صلوات، كل يوم وليلة بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فا عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا فا عملها كتبت سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه.\rوروى يونس عنابن شهاب عن انس قال: كان أبو ذر يحدثارسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فرج سقف بيتي، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطستٍ من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغها في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء. فذكر القصة.\rوروى قتادة عن انس عن مالك بن صعصعة الحديث بمثله، وفيه تقديم وتأخير، وزيادة ونقص، وخلاف في ترتيب الأنبياء والسموات؛ وحديث ثابت عن انس أتقن وأجود. وهذا الحديثا يدلأن علىارسول الله صلى الله عليه وسلم شق جوفه عند الإسراء، وقد تقدم الخبر انه شق جوفه وهو عند ظئره في حال طفوليته، فيكون على هذا شق جوفه مرتين. والله أعلم بالصواب.","part":4,"page":315},{"id":1816,"text":"ونقل عن الشيخ عبد القادر محمد بن أبي الحسن الصعبي في مختصر السيرة الحديث له قال: روى أبو داود الطيالسي في مسنده، قال: حدثنا حماد بن سلمة قال أخبرني أبو عمرا الجوني عن رجل عن عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف هو وخديجة شهرا فوافق ذلك رمضان، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع: السلام عليكم، قالت: فظننت انه فجئه الحق، فقال: أبشروا فا السلام خير، ثم رأى يوماً آخر جبريل عيلان لسلام على الشمس جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، قالت: فبهت منه، قالت: فانطلق يريد أهله، فإذا هو بجبريل عيلان لسلام بينه وبين الباب، قال: فكلمني حتى انست به ثم وعدني موعدا فجئت لموعده، واحتبس على جبريل، فلما أرادايرجع إذا هو وميكائيل عليهما السلام، فهبط جبريل عيلان لسلام إلى الأرض، وبقي ميكائيل بين السماء والأرض، قال: فأخذني فسلقني لحلاوة القفا وشق عن بطني، فأخرج منه ما شاء الله، ثم غسله في طستٍ من ذهب ثم أعاده، ثم كفاني كما يكفأ الأناء، ثم ختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم، ثم قال لي: \" اقْرَأ بِاسِم ربِّكَ \" ولم أقرأ كتاباً قط، فأخذ بحلقي حتى أجهشت بالبكاء، ثم قال: \" اقرأ بِاسِم رَبك الّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الأنسا مِنْ عَلَقٍ \" إلى قوله: \" مَا لَمْ يَعْلَمْ \" . قال: فما نسيت بعد، فوزنني برجل فوزنته، ثم وزنني بآخر فوزنته، ثم وزنني بمائة، فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة. قال: ثم جئت إلى منزلي، فما يلقاني حجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، حتى دخلت على خديجة فقالت: السلام عليك يا رسول الله.\rفيدل هذا الحديث على انه شق جوفه أيضاً عند الوحي، كافيكون شق جوفه ثلاث مرات؛ مرة وهو عند ظئرة، ومرة عند الوحي في أول النبوة، كما يقتضي هذا الحديث، ومرة ثالثة عند الإسراء؛ كما روى عن أبي ذر، ومالك بن صعصعة. والله أعلم.\rوانما أوردنا حديث الطيالسي في هذا الموضع على سبيل الاستطراد، لأن موضعه يصلحايكون عند ذكر حديث المبعث، وقد أثبتنا هناك الأحاديث الصحيحة؛ فلنرجع إلى ما نحن فيه من حديث الإسراء.\rوأما ما ورد في الأحاديث الأخر من الروايات التي يتعين ذكرها: فمنها حديث ابن شهاب وفيه قول كل نبي: مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح إلا آدم وإبراهيم فقالا له: والابن الصالح.\rوفيه من طريق ابن عباس رضي الله عنهما: ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوًى أسمع فيه صريف الأقلام.\rوعن انس: ثم انطلق بي حتى أتيت سدرة المنتهى، فغشيها ألوا لم أدر ما هي، قال: ثم أدخلت الجنة.\rوفي حديث مالك بن صعصعة: فلما جاوزته - يعني موسى - بكى، فنودي ما يبكيك ؟ قال: رب، هذا غلام بعثته بعدي، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي.\rوفي حديث أبي هريرة: وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فحانت الصلاة فأممتهم فقال قائل: يا محمد، هذا مالك خازن النار فسلم عليه، فالتفت فبداني بالسلام.\rوفي حديث أبي هريرة: ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فنزل فربط فرسه إلى صخرة وصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة، قالوا: يا جبريل من هذا معك ؟ قال: هذا محمد رسول الله خاتم النبيين، قالوا: وقد أرسل إليه ؟ قال: نعم، قالوا: حياه من أخ وخليفة ؟! فنعم الأخ ونعم الخليفة ! ثم لقوا أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم. وذكر كلام كل واحد منهم؛ وهم إبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان. ثم ذكر كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: وا محمداً صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه، فقال: كلكم أثنى على ربه، وانا أثني على ربي؛ الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيراً ونذيرا وانزل علي الفرقا فيه تبيا كل شيء، وجعل أمتي خير أمة، وجعل أمتي أمة وسطا وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عن وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحاً وخاتماً. فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد. ثم ذكر انه عرج به إلى السماء الدنيا ومن سماء إلى سماء؛ نحو ما تقدم.\rوفي حديث ابن مسعود: وانتهى بي إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة؛ إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها. قال تعالى: \" إذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى \" ، قال: فراش من ذهب.","part":4,"page":316},{"id":1817,"text":"وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه، من طريق الربيع بن انس: فقيل لي: هذه سدرة المنتهي، ينتهي إليها كل أحدٍ من أمتك خلا على سبيلك. وهي السدرة المنتهى يخرج من أصلها انهار من ماء غير آسن، وانهار من لبنٍ لم يتغير طعمه، وانهارٌ من خمر لذةٍ للشاربين، وانهار من عسل مصفًى. وهي شجرة يسر الراكب في ظلها سبعين عاما وا ورقة منها مظلة الخلق. فغشيها نور، وغشيتها الملائكة.\rقال: فهو قوله تعالى: \" إذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى \" ؛ فقال تبارك وتعالى له: سل، فقال: انك اتخذت إبراهيم خليلأن وأعطيته ملكاً عظيما وكلمت موسى تكليما وأعطيت داود ملكاً عظيما وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليما ملكاً عظيماً؛ سخرت له الجن والأنس والشياطين والرياح، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والأنجيل، وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص، وأعذته وأمه من الشيطا الرجيم، فلم يكن له عليهما سبيل.\rفقال له ربه: قد اتخذتك حبيباً فهو مكتوب في التوراة: محمد حبيب الرحمن، وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلت أمتك هم الأولون وهم الآخرون، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا انك عبدي ورسولي، وجعلتك أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا وأعطيتك سبعاً من المثاني ولم أعطها نبياً قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنزٍ تحت عرشي، لم أعطها نبياً قبلك، وجعلتك فاتحاً وخاتماً.\rوفي الرواية الأخرى، قال: فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: أعطى الصلوات الخمس، وأعطى خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته المقحمات.\rوقال: \" مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأى \" ؛ الآيتين. قيل: رأى جبريل في صورته له ستمائة بجناح، وفي حديث شريك: انه رأى موسى في السابعة قال: بتفضيل كلام الله، قال: ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلم إلا الله، فقال موسى: لم أظنايرفع على أحد.\rوقد روى عن انس انه صلى الله عليه وسلم صلى بالأنبياء ببيت المقدس. وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينا انا قاعد ذات يوم إذ دخل علي جبريل عيلان لسلام فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة فيها مثل وكري الطائر، فقعد في واحدة، وقعدت في الأخرى فنمت حتى سدت الخافقين، ولو شئت لمسست السماء، وانا أقلب طرفي، ونظرت جبريل كانه حلس الطئ، فعرفت فضل علمه بالله علي؛ وفتح لي باب السماء، ورأيت النور الأعظم، وإذا دوني الحجاب وفرجه الدر والياقوت، ثم أوحى الله إلى ما شاءايوحى.\rوذكر البراز عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه انه قال: لما أراد اللهايعلم رسوله الأذا جاءه جبريل بدابة يقال لها البراق، فذهب يركبها فاستصعبت عليه، فقال لها جبريل: أسكني، فوالله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم؛ فركبها حتى أتى بها إلى الحجاب الذي يلى الرحمن تعالى، فبينا هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل، هذا؟ قال: والذي بعثك بالحق انى لأقرب الخلق مكانا وا هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي؛ انا أكبر انا أكبر، ثم قال الملك: أشهدالا إله إلا الله، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، انا لا إله إلا انا وذكر مثل هذه في بقية الأذان، إلا انه لم يذكر جوابا: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وقال: ثم أخذ الملك بيد محمد فقدمه، فأم أهل السماء فيهم آدم ونوح .\rقال القاضي عياض بن موسى رحمه الله: ما في هذا الحديث من ذكر الحجاب فهو في حق المخلوق لا فى حق الخالق، فهم المحجوبون، والبارى جل اسمه منزه عما يحجبه؛ إذ الحجب انما تحيط بمقدر محسوس، ولكن حجبه على أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم بما شاء وكيف شاء ومتى شاء، كقوله: \" كَلاَّ انهُمْ عنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون \" . قال: فقوله في هذا الحديث: الحجاب يجبايقال: انه حجاب حجب به من وراءه من ملائكته عن الاطلاع على ما دونه من سلطانه وعظمته، وعجائب ملكوته وجبروته. ويدل عليه من الحديث قول جبريل عن الملك الذي خرج من ورائه:اهذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فدل علىاهذا الحجاب لم يختص بالذات.\rويدل عليه قول كعب في تفسيره: سدرة المنتهى، قال: إليها ينتهي علم الملائكة، وعندها يجدون أمر الله لا يجاوزها علمهم.","part":4,"page":317},{"id":1818,"text":"قال: وأما قوله الذي يلي الرحمن، فيحمل على حذف المضاف أي الذي يلي عرش الرحمن، أو أمراً ما من عظيم آياته، أو مبادئ حقائق معارفه مما هو أعلم به، كما قال تعالى: \" واَسْألِ الْقَرْيَةَ \" أي أهلها.\rوقوله: فقيل من وراء الحجاب، صدق عبدي، انا أكبر فظاهره انه سمع في هذا الموطن كلام الله ولكن من وراء حجاب، كما قال تعالى: \" وَمَا كان لِبَشَرٍايُكَلِّمَهُ اللهُ إلاَّ وَحْياً أوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ \" أي وهو لا يراه؛ حجب بصره عن رؤيته، فا صح القول با محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فيحتمل انه في غير هذا الموطن بعد هذا أو قبله رفع الحجاب عن بصره حتى رآه. والله أعلم بالصواب.\rما قيل في الاسراء\rذكر من قال:ان الإسراء كان بالجسد وفي اليقظة قد اختلف العلماء على ثلاث مقالات؛ فذهبت طائفة إلى انه إسراء بالروح، وانه رؤيا منام. وذهبت طائفة إلىان الإسراء كان بالجسد يقظةً إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح. والذي عيلان لأكثرون - وقال به معظم السلف - انه إسراء بالجسد، وفي اليقظة.\rقال القاضي عياض بن موسى بن عياض: وهذا هو الحق، وهو قول ابن عباس، وجابر، وانس، وحذيفة، وعمر، وأبو هريرة، ومالك بن صعصعة، وأبي حبة البدري، وابن مسعود، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن المسيب، وابن شهاب، وابن زيد، والحسن، وإبراهيم، ومسروق، ومجاهد، وعكرمة، وابن جريح؛ وهو قول الطبري، وابن حنبل، وغيرهما وقد أبطلوا حجج من قال خلاف ذلك بأدلة يطول علينا شرحها.\rقال القاضي عياض: والحق من هذا والصحيح ان شاء الله انه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها وعليه تدل الآية، وصحيح الأخبار والأعتبار - ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الأستحالة، وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة، إذ لو كان مناماً لقال: بروح عبده، ولم يقل: \" بِعَبْدِهِ \" - وقوله: \" مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى \" . ولو كان مناماً لما كانت فيه آيةٌ ولا معجزة، ولما استبعده الكفار ولا كذبوه فيه، ولا ارتد به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به، إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر، بل لم يكن ذلك منهم إلا وقد علموا أن اخبره انما كان عن جسمه وحال يقظته إلى ما ذكر في الحديث من ذكر صلاته بالأنبياء بيت المقدس في رواية انس، أو في السماء على ما روى غيره، وذكر مجيء جبريل له بالبراق، وخبر المعراج واستفتاح السماء، فيقال: ومن معك ؟ فيقول: محمد، ولقائه الأنبياء فيها وخبرهم معه، وترحبيهم به، وشانه في فرض الصلاة ومراجعته مع موسى في ذلك، وفي بعض هذه الأخبار: فأخذ - يعني جبريل - بيدي، فعرج بي إلى السماء إلى قوله: ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوىً أسمع فيه صوت الأقلام؛ وانه وصل إلى سدرة المنتهى، وانه دخل الجنة ورأى فيها ما ذكره.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: هي رؤيا عينٍ رآها النبي صلى الله عليه وسلم لا رؤيا منام، والآي في ذلك كثيرة، والأدلة واضحة، فلا نطول بسردها وفيها أوردناه منها فيما قدمنا ذكره كفاية. والله أعلم.\rذكر ما ورد في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه تبارك وتعالى، ومناجاته له، وكلامه ودنوه وقربه من ربه عز وجل، ومن جوز ذلك ومن منعه، وما قيل في مشكل حديث الدنو والقرب أما الرؤية فقد اختلف السلف في رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل، فانكرته عائشة.\rروى عن مسروق انه قال لعائشة رضي الله عنها: يا أم المؤمنين، هل رأى محمد ربه ؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت؛ ثلاث من حدثك بهن فقد كذب، من حدثكامحمداً رأى ربه فقد كذب ثم قرأت لا تدركه الأبصار الآية ثم ذكر الحديث. وقالت جماعة بقول عائشة، وهو المشهور عن ابن مسعود.\rومثله عن أبي هريرة: انما رأى جبريل، واخلف عنه. وقال بانكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعةٌ من المحدثين والفقهاء والمتكلمين.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما انه رآه بعينه. وروى عطاء عنه: رآه بقلبه، وعن أبي العالية عنه رآه بفؤاده مرتين.","part":4,"page":318},{"id":1819,"text":"وذكر ابن إسحاق: ان ابن عمر رضي الله عنهما أرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله: هل رأى محمدٌ ربه ؟ قال: نعم، والأشهر عنه انه رأى ربه بعينيه. وقال: ان الله اختص موسى بالكلام، وإبراهيم بالحلة، ومحمداً بالرؤية. وحجته قوله: \" مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأى. أفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى. ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى \" .\rوقال الماوردي: قيل ان الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد، فرآه محمد مرتين، وكلمه موسى مرتين.\rوحكى أبو الفتح الرازي، وأبو الليث السمرقندي ذكرها عن كعب. وروى عبد الله بن الحارث، قال: اجتمع ابن عباس وكعب، فقال ابن عباس: أما نحن بني هاشم فنقول:امحمداً قد رأى ربه مرتين، فكبر كعب حتى جاوبته الجبال، وقال: ان الله قسم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد، فكلمه موسى، ورآه محمد بقلبه.\rوحكى السمرقندي عن محمد بن كعب القرظي، وربيع بن انس: ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت ربي - وذكر كلمة - فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى. الحديث.\rوحكى عبد الرزاق ان الحسن كان يحلف بالله لقد رأى مجد ربه، وحكاه أبو عمر الطلمنكي عن عكرمة، وحكى بعض المتكلمين هذا المذهب عن ابن مسعود، وحكى ابن إسحاقامروا سأل أبا هريرة: هل رأى محمد ربه ؟ فقال: نعم.\rوحكى النقاش عن أحمد بن حنبل انه قال: انا أقول بحديث ابن عباس، بعينه رآه رآه، حتى انقطع نفس أحمد.\rوقد اختلف في تأويل الآية عن ابن عباس وعكرمة والحسن وابن مسعود، فحكى عن ابن مسعود، وعكرمة: رآه بقلبه.\rوعن الحسن وابن مسعود: رأى جبريل. وعن ابن عطاء في قوله تعالى: \" ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ \" ، قال: شرح صدره للرؤية، وشرح صدر موسى للكلام.\rوقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وجماعة من أصحابه: انه رأى الله ببصره وعيني رأسه وقال: كل آية أوتيها نبي من الأنبياء عليهم السلام فقد أوتي مثلها نبيا وخص من بينهم بتفضيل الرؤية.\rقال القاضي أبو الفضل عياض بن موسى رحمه الله: والحق الذي لا امتراء فيهارؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلأن وليس في العقل ما يحيلها والدليل على جوازها في الدنيا سؤال موسى عيلان لسلام لها ومحالايجهل نبي ما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز عليه، بل لم يسأل إلا جائزاً غير مستحيل، ولكن وقوعه ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه الله، فقال له الله تعالى: \" لَنْ تَراني \" أي لن تطيق ولا تحتمل رؤيتي، ثم ضرب له مثالاً بما هو أقوى من نبيه موسى وأثبت وهو الجبل. قال: وكل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا بل فيه جوازها على الجملة، وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها ولا امتناعها إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة.\rقال: ولا حجة لمن يستدل على منعها بقوله: \" لاَ تُدْرِكُهُ الأْبْصَارُ \" لأختلاف التأويلات في الآية، وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية، وعدم استحالتها على الجملة. وقد قيل: \" لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ \" ، أي لا تحيط به، وهو قول ابن عباس، وقد قيل: \" لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ \" . وانما يدركه المبصرون. قال: وكل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية ولا استحالتها وحيث تتطرق التأويلات وتتسلط الاحتمالات، فليس للقطع سبيل، وكذلك وجوب الرؤية لنبينا صلى الله عليه وسلم، والقول بانه رآه بعينه. فليس فيه قاطع أيضاً ولا نص، إذ المعول فيه على آيتي النجم، والتنازع فيهما مأثور، والاحتمال لهما ممكن، ولا أثر قاطع متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب.","part":4,"page":319},{"id":1820,"text":"وأما المناجاة والكلام والقرب والدنو وما جاء من الكلام على مشكل هذا الحديث؛ فقد اختلف في الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بقوله: \" فَأوْحَى إلى عَبْدِهِ مَا أوْحَى \" ، وهل كان ذلك الوحي بواسطة أو بغير واسطة ؟ فأكثر المفسرين على ان الموحي الله إلى جبريل، وجبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر عن جعفر بن محمد الصادق، قال: أوحى الله إليه بلا واسطة. ونحوه عن الواسطي، وإليه ذهب بعض المتكلمين وحكوه عن ابن مسعود وابن عباس، وانكره آخرون. وحكى النقاش عن ابن عباس عنه عيلان لسلام في قوله تعالى: \" دَنَا فَتَدَلَّى \" ، قال: فارقني جبريل، وانقطعت الأصوات عني فسمعت كلام ربي، وهو يقول: ليهدأ روعك يا محمد، ادن ادن. وقد تقدم ذكر حديث الأذان، وقول الملك: الله أكبر الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، انا أكبر، انا أكبر.\rوقد احتجوا بقوله تعالى: \" وَمَا كان لِبَشَرٍايُكَلِّمَه اللهُ إلاَّ وَحْياً أوْ منْ وَرَاءِ حِجِابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإذْنِهِ مَا يَشَاءُ \" ، فقالوا: هي ثلاثة أقسام؛ من وراء حجاب كتكليم موسى، وبإرسال الملائكة كحال جميع الأنبياء، وأكثر أحوال نبينا صلى الله عليه وسلم، الثالث قوله: وحياً. قالوا: ولم يبق من تقسيم صور الكلام إلا المشافهة مع المشاهدة، قد قيل: الوحي هنا ما يلقيه في قلب النبي صلى الله عليه وسلم دون واسطة، وكلام الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ومن اختصه من انبيائه جائز غير ممتنع.\rوأما قوله تعالى: \" ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فكان قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنَى \" فأكثر المفسرين ان الدنو والتدلي منقسم ما بين محمد وجبريل عليهما السلام، أو مختص بأحدهما من الآخر، أو من سدرة المنتهي. وقال ابن عباس: هو محمد دنا فتدلى من ربه. وقيل: معنى دنا قرب، وتدلى: زاد في القرب، وقيل: هما بمعنى واحد أي قرب. وحكى مكي والماوردي عن ابن عباس، هو الرب دنا من محمد فتدلى إليه، أي أمره وحكمه. وحكى النقاش عن الحسن، قال: دنا من عبده محمد صلى الله عليه وسلم، فقرب منه فأراه ما شاءايريه من قدرته وعظمته. قال وقال ابن عباس: هو مقدم ومؤخر، تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، فجلس عليه، ثم رفع فدنا من ربه. وفي الصحيح عن انس بن مالك: عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهي، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه بما شاء، وأوحى إليه خمسين صلاة. الحديث. وعن محمد بن كعب: هو محمد دنا من ربه، فكان قاب قوسين. وقال جعفر ابن محمد: أدناه ربه منه، حتى كان منه كقاب قوسين، قال جعفر: والدنو من الله لا حد له، ومن العباد بالحدود. وقال أيضاً: انقطعت الكيفية عن الدنو، ألا ترى كيف حجب جبريل عن دنوه، ودنا محمد إلى ما أودع قلبه من المعرفة والإيما فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه، وزال عن قلبه الشك والأرتياب ! وقد تكلموا على مشكل هذا الحديث، فقال القاضي عياض رحمه الله: اعلماما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله وإلى الله فليس بدنو مكا ولا قرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر الصادق ليس بدنو حد، وانما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه، وقربه منه إبانة عظيم منزلته، وتشريف رتبته، وإشراق انوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته، ومن الله تعالى له مسرة وتانيس، وبسط وإكرام، ويتأول فيه ما يتأول في قوله: ينزل ربنا إلى سماء الدنيا على أحد الوجوه، نزول إفضال وإجمال، وقبول وإحسان. وقال الواسطي: من توهم انه بنفسه دنا جعل ثم مسافة، بل كل ما دنا بنفسه من الحق تدلى بعدا يعني عن درك حقيقته، إذ لا دنو للحق ولا بعد.\rوقوله: \" قَابَ قَوْسَيْنَ أوْ أدْنَى \" ، فمن جعل الضمير عائداً إلى الله لا إلى جبريل على هذا كان عبارة عن نهاية القرب، ولطف المحل، وإيضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم، وعبارةً عن إجابة الرغبة، وقضاء المطالب، وإظهار التحفي، وانافة المنزلة والمرتبة من الله له، ويتأول فيه ما يتأول في قوله: من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، قربٌ بالإجابة والقبول، وإتيا بالإحسا وتعجيل المأمول.\rوقد أخذ الكلام في هذا المعنى حقه، فلنذكر ما كان بعد الإسراء من الأخبار.","part":4,"page":320},{"id":1821,"text":"ذكر ما كان بعد الإسراء من انكار قريش لذلك وما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، من وصفه لهم البيت المقدس، وإخباره لهم بخبر عيرهم، وارتداد من ارتد روى الشيخ الإمام أبو بكر أحمد البيهقي بسنده عن شداد بن أوس رضي الله عنه، قال: قلنا يا رسول الله كيف أسرى بك ؟ فذكر نحو ما تقدم من خبر الإسراء، وفيه زيادة ونقص، قال: وفيهاجبريل عيلان لسلام انزله فصلى بيثرب، ثم صلى بمدين عند شجرة موسى عيلان لسلام، ثم صلى ببيت لحم حيث ولد عيسى بن مريم عيلان لسلام، ثم صلى في المسجد الأقصى، وانه صلى الله عليه وسلم مر بعير لقريش بمكا كذا وكذا قد أضلوا بعيراً قد جمعه فلأن، قال: فسلمت عليهم فقال بعضهم هذا صوت محمد. قال: ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة، فأتاني أبو بكر فقال: يا رسول الله، أين كنت الليلة فقد التمستك في مظانك ؟ فقلت: علمت اني أتيت بيت المقدس الليلة ؟ فقال: يا رسول الله، مسيرة شهر ! فصفه لي، قال: ففتح لي صراط كاني انظر إليه، لا يسألني عن شيء إلا انبأته عنه. فقال: أشهد انك رسول الله حقا فقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة يزعم انه أتى بيت المقدس الليلة، فقال:امن آية ما أقول لكم اني مررت بعيرٍ لكم بمكا كذا وكذا ينزلون بكذا وكذا ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود، وغرارتا سوداوا وانهم أشرفوا ينظرون. فأقبلت العير نصف النهار على ما وصف لهم صلى الله عليه وسلم.\rوفي رواية يونس بن بكير في زيادة المغزي: انه صلى الله عليه وسلم لما أخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير، قالوا: متى يجيء؟ قال: يوم الأربعاء. فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون، وقد ولى النهار ولم تجيء، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزيد له في النهار ساعة، وحبست عيلان لشمس.\rوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس، لم أثبتها فكربت كرباً ما كربت مثله قط، فرفعه الله لي انظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا انبأتهم به.\rوعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح الناس يتحدثون بذلك، فأرتد ناس ممن آمنوا به وصدقوه، وسعوا إلى أبي بكر فقالوا: هل لك في صاحبك ؟ يزعم انه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل الصبح ! قال: نعم، اني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك؛ أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمى أبو بكر رضي الله عنه الصديق.\rذكر دعاء الرسول قبائل العرب في المواسم قال محمد بن عمر بن واقد بسند يرفعه إلى غير واحد، قالوا: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين من أول نبوته يدعو مستخفيا ثم أعلن في الرابعة، فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين؛ يوافي المواسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم بعكاظ ومجنة، وذي المجاز يدعوهم؛ حتى بلغ رسالة ربع تعالى، وأبو لهب يمشي وراءه يقول: لا تطيعوه فانه صابئ كاذب، فيقولون: أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك، فيقول: اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا قال الواقدي: فكان من سمى لنا من القبائل الذين أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعبس، وبنو نصر، وبنو البكاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعدرة، والحضارمة؛ فلم يستجب منهم أحد.","part":4,"page":321},{"id":1822,"text":"قال محمد بن إسحاق: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: سمعت ربيعة بن عباد يحدث أي قال: اني لغلام شاب مع أبي بمنًى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول: يا بني فلأن، اني رسول الله إليكم، يأمركماتعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا وا تخلعوا ما يعبد من دونه من هذه الأنداد، وا تؤمنوا بي وتصدقوني وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به، قال: وخلفه رجل أحول وضئ له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بني فلأن؛اهذا انما يدعوكم إلىاتسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش؛ إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه، قال: فقلت لأبي: يا أبت من هذا الرجل الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول ؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب.\rقال ابن إسحاق: حدثني الزهري انه صلى الله عليه وسلم أتى بني عامر ابن صعصعة فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو اني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيتانحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من الفك أيكون لنا الأمر بعدك ؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك؛ فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؛ لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه، فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم، قد كانت أدركته السن، حتى لا يقدرايوافي معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم، فلما قدموا عليه في ذلك العام، سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش؛ ثم أحد بني عبد المطلب، يزعم انه نبي يدعونا إلىانمنعه ونقوم معه، ونخرج به إلى بلادنا قال: فوضع الشيخ يده على رأسه، ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تلافٍ ! هل لذناباها من مطلب ! والذي نفس فلأن بيده، ما تقولها إسماعيلي قط، وانها لحق، فأين رأيكم كان عنكم.\rقال: وحدثني عاصم بن عمر عن قتادة الأنصاري عن أشياخ من قومه قالوا: قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا؛ وكا سويد انما يسميه قومه فيهم: الكامل لجلده وشرفه ونسبه وشعره، فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام، فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما الذي معك ؟ قال: مجلة لقما يعني حكمة لقما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعرضها علي؛ فعرضها عليه، فقال:اهذا لكلام حسن، لكن الذي معي أفضل من هذا؛ قرا انزله الله علي هو هدى ونور. فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم القران، ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه، وقال:اهذا لقول حسن؛ ثم انصرف عنه، فقدم المدينة على قومه، فلم يلبثاقتله الخزرج، قال: فا كان رجال من قومه ليقولون: انا لنراه قد قتل وهو مسلم، وكا قتله قبل بعاث.\rقال ابن إسحاق أيضاً: وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد ابن معاذ عن محمود بن لبيد، قال: لما قدم أبو الحيسر انس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من بني الخزرج، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتاهم فجلس إليهم فقال: هل لكم في خير مما جئتم له ؟، فقالوا: وما ذلك ؟ قال: انا رسول الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلىايعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وانزل علي الكتاب. قال: ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القران، فقال لهم إياس بن معاذ - وكان غلاماً حدثاً - : أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الحيسر حفنة من تراب البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ؛ وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا قال: فصمت إياس، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرفوا إلى المدينة، فكان وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس ابن معاذاهلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه عند موته انهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره، ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون انه قد مات مسلما لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ما سمع. والله أعلم.","part":4,"page":322},{"id":1823,"text":"خبر مفروق بن عمرو وأصحابه وما أجابوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند دعائه قبائل العرب روى الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بسنده عن عبد الله بن عباس، قال: حدثني علي بن أبي طالب رضي الله عنهم من فيه، قال: لما أمر الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلمايعرض نفسه على قبائل العرب خرج وانا معه وأبو بكر رضي الله عنه، فدفعنا إلى مجس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر، وكا مقدماً في كل خير، وكا رجلاً نسابة، فسلم وقال: ممن القوم ؟ قالوا من ربيعة، قال: وأي ربيعة انتم ؟ من هامها أم من لهازمها ؟ فقالوا: بل من الهامة العظمى، فقال أبو بكر: وأي هامتها العظمى انتم ؟ قالوا: من ذهلٍ الأكبر، قال: منكم عوف الذي يقال له: لا حر بوادي عوف ؟ قالوا: لأن قال: فمنكم جساس بن مرة، حامي الذمار، ومانع الجار ؟ قالوا: لأن قال: فمنكم بسطام بن قيس، أبو اللواء، ومنتهى الأحياء ؟ قالوا: لأن قال: فمنكم الحوفزا قاتل الملوك، وسالبها انفسها ؟ قالوا: لأن قال: فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة، قالوا: لا؛ قال: فمنكم أخوال الملوك من كندة ؟ قالوا: لا. قال فمنكم أصهار الملوك من لجم ؟ قالوا: لا. قال أبو بكر: فلستم من ذهل الأكبر، انتم من ذهل الأصغر. قال: فقام إليه غلام من بني شيبا يقال له دغفل حين بقل وجهه، فقال:\rا على سائلن ان انسأله ... والعبء لا نعرفه أو نحمله\rيا هذا انك قد سألتنا فأخبرناك، ولم نكتمك شيئا فممن الرجل ؟ قال أبو بكر: انا من قريش، فقال الفتى: بخٍ بخٍ ! أهل الشرف والرياسة، فمن أي القرشيين انت ؟ قال: من ولد تيم بن مرة. فقال الفتى: أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة، أمنكم قصي الذي جمع القبائل من فهر ؟ فكان يدعى في قريش مجمعاً ؟ قال: لأن قال: فمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه، ورجال مكة مسنتون عجاف ؟ قال: لأن قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب، مطعم طير السماء، الذي كان وجهه القمر يضيء في الليلة الداجية ؟ قال: لأن قال: فمن أهل الإفاضة بالناس انت ؟ قال: لأن قال: فمن أهل الحجابة انت ؟ قال: لأن قال: فمن أهل السقاية انت ؟ قال: لأن قال: فمن أهل الندوة انت ؟ قال: لأن قال: فمن أهل الرفادة انت ؟ قال: لأن واجتذب أبو بكر زمام ناقته راجعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الغلام:\rصادف درّ السيل درءاً يدفعه ... يهيضه حيناً وحيناً يصرعه\rأما والله لو شئت لأخبرتك من قريش، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال علي: فقلت: يا أبا بكر؛ لقد وقعت من الأعراب على باقعة، قال: أجل يا أبا الحسن، ما من طامة إلا وفوقها طامة، والبلاء موكل بالمنطق.","part":4,"page":323},{"id":1824,"text":"قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم وقال: ممن القوم ؟ قالوا: من شيبا بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بأبي وأمي هؤلاء غرر الناس ! وفيهم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعما بن شريك، وكا مفروق قد غلبهم جمالاً ولسانا وكانت له غديرتا تسقطا على تريبتيه، وكا أدنى القوم مجلسا فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم ؟ فقال مفروق: انا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة، فقال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم ؟ قال مفروق: علينا الجهد، ولكل قوم جد؛ فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم ؟ فقال مفروق: انا لأشد ما نكون غضباً حين نلقي، وانا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وانا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله، يديلنا مرة، ويديل علينا أخرى، لعلك أخو قريش ؟ فقال أبو بكر: قد بلغكم انه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا هو ذا قال مفروق: بلغنا انه يذكر ذلك، وإلام تدعو يا أخا قريش ؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس، وقام أبو بكر يظله بثوبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدعوكم إلى شهادةالا إله إلا الله وحده لا شريك له، وا محمداً عبده ورسوله، وإلىاتأووني وتنصروني، فا قريشاً قد ظاهرت على أمر الله، وكذبت رسله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد. فقال مفروق بن عمرو: وإلام تدعونا يا أخا قريش ؟ فوالله ما سمعت كلاماً أحسن من هذا فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" قُلْ تَعَالَوْا أتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ \" إلى قوله: \" وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ \" ، فقال مفروق: وإلام تدعونا يا أخا قريش ؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض، قال: فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ا اللَهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسان \" ، إلى قوله: \" لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ \" ، فقال مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك - وكانه أحبايشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا. قال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، واني أرىاتركنا ديننا واتبعناك على دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر، انه زلل في الرأي، وقلة نظر في العاقبة، وانما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكرهانعقد عليهم عقدا ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر في العاقبة، وكانه أحبايشركه المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومشايعتك على دينك، وانا انما نزلنا بين صيرين: اليمامة والسمامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا الصيرا ؟. فقال: انهار كسرى ومياه العرب، فأما ما كان من انهار كسرى؛ فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وأما ما كان مما يلي مياه العرب، فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وانا انما نزلنا على عهد أخذه علينا؛ انا لا نحدث حدثا ولا نأوى محدثا فاني أرىاهذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما يكره الملوك، فا أحببتانأويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وا دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه. أرأيتمالم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه ؟ فقال النعما بن شريك: اللهم فلك ذاك، قال: فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" انا أرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَدَاعِياً إلى اللهَ بِإذْنِهِ وسِرَاجاً مُنِيرا \" ، ثم نهض قابضاً على يد أبي بكر وهو يقول: يا أبا بكر، أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها ؟! بها يدفع الله عز وجل بأس بعضهم من بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم، قال: فدفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سر بما كان من أبي بكر، ومعرفته بانسابهم.\rبيعة العقبة الأولى","part":4,"page":324},{"id":1825,"text":"قال محمد بن إسحاق: فلما أراد الله تعالى إظهار دينه، وإعزاز نبيه، وانجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيرا فقال لهم: من انتم ؟ قالوا: نفر من الخزرج، قال: أمن موالي يهود ؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القران، قال: وكا يهود معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم؛ فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم:انبياً مبعوث الأن قد ظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عادٍ وإرم، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله انه للنبي الذي توعد به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه، با صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: انا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسىايجمعهم الله بك، فتقدم عليهم فتدعوهم إلى أمرك، وتعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فا يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا.\rقال محمد بن سعد في طبقاته الكبرى: فاختلف علينا في أول من أسلم من الأنصار وأجاب. فذكروا الرجل بعينه، وذكروا الرجلين، وذكروا انه لم يكن أحد أول من السنة. وذكرهم.\rوقال محمد بن عمر بن واقد: هذا عندنا أثبت ما سمعنا فيهم، وهو المجمع عليه، وهم من بني النجار: أسعد بن زرارة بن عدس، وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء. ومن بني زريق: رافع بن مالك. ومن بني سلمة بن سعد: قطبة ابن عامر بن حديدة. ومن بني حرام بن كعب: عقبة بن عامر بن نابي. ومن بني عبيد بن عدي بن ساعدة: جابر بن عبد الله؛ ولم يذكر ابن إسحاق غيرهم.\rقال: ثم قدموا المدينة فدعوا قومهم إلى الإسلام، فأسلم من أسلم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا فيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال الواقدي: وأول مسجد قرئ به القرا بالمدينة مسجد بني زريق. والله أعلم.\rبيعة العقبة الثانية وقد ترجم عليها بعضهم بالأولى قال: فلما كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً.\rقال محمد بن سعد: ليس فيهم عندنا خلاف، فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبلايفرض عليهم الحرب، وكا من هؤلاء خمسة ممن حضر البيعة الأولى من الستة المجمع عليهم، وهم: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وعقبة بن عامر، وقطبة بن عامر بن حديدة، ومنهم من وقع الاختلاف فيه: هل شهد البيعة الأولى أو لم يشهدها ؟ وهم ستة نفر: معاذ بن الحارث وهو ابن عفراء، أخو عوف، وذكوا بن عبد قيس بن خلدة، وعبادة بن الصامت ابن قيس، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم بن التيهان، واسمه مالك، وعويم بن ساعدة، وهما من الأوس.\rوممن لم يشهد البيعة الأولى بلا خلاف: العباس بن عبادة بن نضلة.\rروى محمد بن إسحاق عن عبادة بن الصامت قال: كنت ممن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلأن فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء - وذلك قبلاتفترض الحرب - على ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتا نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، فا وفيتم فلكم الجنة، وا غشيتم من ذلك شيئاً فأخذتهم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وا سترتم عيلان لى يوم القيامة فأمركم إلى الله؛اشاء عذب، وا شاء غفر. قال: فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب ابن عمير بن هاشم بن عبد مناف، وأمرهايقرئهم القران، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمى المقرئ بالمدينة، وكا منزله على أسعد بن زرارة.\rقال محمد بن سعد: ثم انصرفوا إلى المدينة، فأظهر الله الإسلام، وكا أسعد ابن زرارة يجمع بالمدينة بمن أسلم، وروىامصعب كان يجمع بهم. والله أعلم بيعة العقبة الثالثة وهم السبعون وترجم عليها ابن سعد بالثانية","part":4,"page":325},{"id":1826,"text":"قال محمد بن سعد في طبقاته الكبرى، عن محمد بن عمر بن واقد، بإسناد إلى عبادة بن الصامت، وسفيا بن أبي العوجاء، وقتادة، ويزيد بن رومان، قال الواقدي: دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما حضر الحج مشى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا بعضهم إلى بعض يتواعدون المسير إلى الحج، وموافاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإسلام يومئذ فاشٍ بالمدينة، فخرجوا وهم سبعون يزيدون رجلاً أو رجلين في خمر الأوس والخزرج، وهم خمسمائة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فسلموا عليه، ثم وعدهم منى، وسط أيام التشريق ليلة النفر الأول؛ إذا هدأت الرجلايوافوه في الشعب الأيمن إذا انحدروا من منى بأسفل العقبة، وأمرهم ألا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائباً. قال: فخرج القوم بعد هدءة يتسللون، الرجل والرجلأن، وقد سبقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الموضع، معه العباس بن عبد المطلب، ليس معه غيره.\rوقال محمد بن إسحاق: انهم سبقوه إلى الشعب وانتظروه، وهم ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان: نسيبة بنت كعب، والسماء بنت عمرو بن عدي، حتى أقبل ومعه عمه العباس.\rقال ابن سعد: فكان أول من طلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم: رافع ابن مالك الزرق، ثم توافى السبعون، ومعهم امرأتان، فكان أول من تكلم العباس ابن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج، انكم قد دعوتم محمداً إلى ما دعوتموه إليه، ومحمد من أعز الناس في عشيرته، يمنعه والله منا من كان على قوله، ومن لم يكن منا على قوله منعه للحسب والشرف، وقد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فا كنتم أهل قوة وجلد وبصرٍ بالحرب؛ واستقلال بعداوة العرب قاطبة، ترميكم عن قوس واحدة، فارتئوا رأيكم، ولا تفرقوا إلا عن ملأ منكم واجتماع، فا أحسن الحديث أصدقه.\rوقال ابن إسحاق: ان العباس قال: يا معشر الخزرج،امحمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وانه قد أبى إلا الأنحياز إليكم، واللحوق بكم؛ فا كنتم ترون انكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فانتم وما تحملتم من ذلك، وا كنتم ترون انكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الأن فدعوه، فانه في عز ومنعة من قومه وبلده.\rقال ابن سعد: فقال البراء بن معرور: قد سمعنا ما قلت، وانا والله لو كان في انفسنا غير ما ننطق به لقلناه، ولكنا نريد الوفاء والصدق، وبذل مهج انفسنا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال ابن إسحاق - فيما رواه بسنده عن كعب بن مالك: فقلنا له: سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القران، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام ثم قال: أبايعكم علىاتمنعوني فيما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا - يعني نساءنا - فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحروب، وأهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر.","part":4,"page":326},{"id":1827,"text":"قال ابن سعد: ويقال: ان أبا الهيثم بن التيها كان أول من تكلم فأجاب إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: نقبله على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف؛ قال: ولغطوا. فقال العباس وهو آخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخفوا جرسكم فا علينا عيونا وقدموا ذوي أسنانكم فيكونون هم الذين يلون كلامنا منكم، فانا نخاف قومكم عليكم، ثم إذا بايعتم فتفرقوا إلى محالكم. فتكلم البراء بن معرور، فأجاب العباس، ثم قال: ابسط يدك يا رسول الله، وكا أول من ضرب على يد رسول الله البراء بن معرور - ويقال: أبو الهيثم بن التيهان، ويقال: أسعد بن زرارة - ثم ضرب السبعون كلهم على يده وبايعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اموسى أخذ من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً فلا يجدن منكم أحد في نفسهايؤخذ غيره، فانما يختار لي جبريل، ثم قال للنقباء: انتم كفلاء على غيركم، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وانا كفيل على قومي، قالوا: نعم، قال: فلما بايعوا وكملوا صاح الشيطا على العقبة بأبعد صوت سمع: يا أهل الأخاشب، هل لكم في محمد والصبأة معه قد اجتمعوا على حربكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انفضوا إلى رحالكم، فقال العباس ابن عبادة بن نضلة: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لئن أحببت لنميلن على أهل منى بأسيافنا وما أحدٌ عليه سيف تلك الليلة غيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انا لم نؤمر بذلك فانفضوا إلى رحالكم، فتفرقوا إلى رحالهم، فلما أصبح القوم غدت عليهم جلة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار، فقالوا: يا معشر الخزرج، انا بلغنا انكم لقيتم صاحبنا البارحة، وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا وأيم الله ما حي من العرب أبغض إلين ان اشبت بيننا وبينه الحرب منكم، قال: فانبعث من كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم بالله ما كان هذا وما علمنا وجعل ابن أبي يقول: هذا باطل، وما كان هذا وما كان قومي ليفتاتوا علي بمثل هذا لو كنت بيثرب ما صنع هذا قومي حتى يؤامروني، فلما رجعت قريش من عندهم رحل البراء بن معرور؛ فتقدم إلى بطن يأجج، وتلاحق أصحابه من المسلمين، وجعلت قريش تطلبهم في كل وجه، ولا تعدوا طريق المدينة؛ وحزبوا عليهم، فأدركوا سعد بن عبادة، فجعلوا يده إلى عنقه بنسعة، وجعلوا يضربونه ويجرون شعره، وكا ذا جمة حتى دخلوا مكة، فجاءه مطعم بن عدي، والحارث بن أمية بن عبد شمس فخلصاه من أيديهم، وائتمرت الأنصار حين فقدوا سعد بن عبادةايكروا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فرحل القوم جميعاً إلى المدينة.\rمن شهد العقبة\rوبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال محمد بن إسحاق: كانوا ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين، فكان من شهدها من الأوس أحد عشر رجلأن وهم أسيد بن الحضير، وأبو الهيثم بن التيهان، وسلمة ابن سلامة بن وقش، وظهر بن رافع بن عدي، وأبو بردة هانئ بن نيار، ونهير ابن الهيثم بن نابي، وسعد بن خيثمة بن الحارث، ورفاعة بن عبد المنذر، وعبد الله ابن جبير بن النعمان، ومعن بن عدي بن الجد بن عجلأن، وعويم بن ساعدة. وشهدها من الخزرج أحدٌ وستون رجلاً: منهم من بني النجار أحد عشر رجلأن وهم أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب، ومعاذ بن الحارث بن رفاعة، وأخوه عوف ابن الحارث، وأخوه معوذ بن الحارث، وعمارة بن حزم بن زيد، وأسعد بن زرارة ابن عدس، وسهل بن عتيك بن النعمان، وأوس بن ثابت بن المنذر بن حرام، وأبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود، وقيس بن أبي صعصعة، وعمرو بن غزية ابن عمرو بن ثعلبة.\rومن بني الحارث بن الخزرج سبعة نفر، وهم: سعد بن الربيع بن عمرو، وخارجة بن زيد بن أبي زهير، وعبد الله بن رواحة، وبشير بن سعد بن ثعلبة، وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، وخلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو، وعقبة ابن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة.\rومن بني بياضة بن عامر بن زريق ثلاثة نفر، وهم: زياد بن لبيد بن ثعلبة ابن سنان، وفروة بن عمرو بن ودقة، وخالد بن قيس بن مالك بن العجلأن.\rومن بني زريق بن عامر بن زريق ثلاثة نفر: رافع بن مالك بن العجلأن ابن عمرو، وذكوا بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق - وكا خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان معه بمكة فهاجر، فكان يقال له: مهاجري انصاري - وعباد بن قيس بن عامر بن خالد.","part":4,"page":327},{"id":1828,"text":"ومن بني سلمة بن سعد بن علي بن أسد أحد عشر رجلاً: البراء بن معرور ابن صخر، وابنه بشر بن البراء، وسنا بن صيفي بن صخر، والطفيل بن النعما ابن خنساء، ومعقل بن المنذر بن سرح، ويزيد بن المنذر بن سرح، ومسعود ابن يزيد بن سبيع، والضحاك بن حارثة بن زيد، ويزيد بن حرام بن سبيع، وجبار ابن صخر بن امية بن خنساء، والطفيل بن مالك بن خنساء.\rومن بني سواد بن غنم بن كعب بن سلمة: كعب بن مالك بن أبي كعب عمرو بن القين بن كعب بن سواد، وهو الشاعر.\rومن بني غنم بن سواد بن غنم خمسة نفر، وهم: سليم بن حديدة، ويزيد ابن عامر بن حديدة، وهو أبو المنذر، وأبو اليسر، واسمه كعب بن عمرو، وصيفي ابن سواد بن عباد، وقطبة بن عامر بن حديدة، أخو يزيد.\rومن بني نابي بن عمرو بن سواد بن غنم خمسة نفر: ثعلبة بن غنمة بن عدي ابن نابي، وعمرو بن غنمة بن عدي، وعبس بن عامر بن عدي. وعبد الله بن انيس حليف لهم من قضاعة، وخالد بن عمرو بن عدي.\rومن بني حرام بن كعب سبعة نفر، وهم: عبد الله بن عمرو بن حرام، وابنه جابر بن عبد الله، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، وثابت بن الجذع - والجذع ثعلبة ابن زيد - ، وعمير بن الحارث بن ثعلبة، وخديج بن سلامة بن أوس، ومعاذ ابن جبل بن عمرو بن أوس، مات بعمواس عام الطاعون.\rومن بني عوف بن الخزرج أربعة نفر، وهم: عبادة بن الصامت بن قيس، والعباس بن عبادة بن نضلة - وكا ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فأقام فكان يقال له: مهاجري انصاري، قتل يوم أحد - وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة حليف لهم من بني عصية من بلي، وعمرو بن الحارث بن لبدة بن عمرو.\rومن بني سالم بن غنم بن عوف - وهم بنو الحبلى - رجلأن: رفاعة بن عمرو ابن ثعلبة بن مالك، وعقبة بن وهب بن كلدة بن الجعد حليف لهم، وكا ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى مكة، فكان يقال له. مهاجري انصاري.\rومن بني ساعدة بن كعب بن الخزرج رجلأن: سعد بن عبادة بن دليم ابن حارثة، والمنذر بن عمرو بن خنيس، وامرأتان، وهما: نسيبة ابنة كعب ابن عمرو، وهي أم عمارة، وأم منيع، واسمها السماء بنت عمرو بن عدي بن نابي، ولم يصافحهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانه كان لا يصافح النساء، وانما كان يأخذ عليهن، فإذا أقررن قال: اذهبن، وكا النقباء من هؤلاء اثني عشر رجلأن وهم: أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع بن عمرو، وعبد الله بن رواحة ابن امرئ القيس، ورافع بن مالك بن العجلأن، والبراء بن معرور، وعبد الله ابن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت بن قيس، وسعد بن عبادة بن دليم، والمنذر بن عمرو بن حنيس ويقال: ابن خنيس، هؤلاء من الخزرج.\rومن الأوث ثلاثة نفر: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة بن الحارث، ورفاعة بن عبد المنذر.\rقال أبو محمد عبد الملك بن هشام: وأهل العلم يعدون أبا الهيثم بن التيهان، ولا يعدون رفاعة. والله أعلم بالصواب.\rأول آية انزلت في القتال قال محمد بن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة الأولى لم يؤذن له في الحرب، ولم تحلل له الدماء، وانما أمر بالدعاء إلى الله، والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه حتى فتنوهم عن دينهم، وأخرجوهم من بلادهم، فلما عتت قريش على الله؛ أذن الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال، فكانت أول آية انزلت في إذنه تعالى له في الحرب، قوله تعالى: \" أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بانهُمْ ظُلِمُوا وا اللَهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيِرْ حَقٍّ إل ان ايَقُولُوا رَبُّنَا اللَهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِع وبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذكرُ فِيهَا اسْمُ اللَهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنْ اللَهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ان اللهَ لَقَوَيٌّ عَزِيرٌ. الَّذِينَ امَكَّنَّاهُمْ في اْلأرْضِ أقَامُوا الصَّلاَةَ وآتَوُ الزَّكَاةَ وَأمَرُوا بِالْمَعْروفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَللِهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ \" . ثم انزل الله تعالى: \" وَقَاتلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ \" ؛ أي حتى لا يفتن مؤمن عن دينه، \" وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَهِ \" ، أي حتى يعبد الله لا يعبد غيره.","part":4,"page":328},{"id":1829,"text":"الهجرة الى المدينة\rأول من هاجر\rقال محمد بن إسحاق: لما أذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في الحرب، وبايعه الأنصار على الإسلام، والنصرة له ولمن اتبعه وأوى إليهم من المسلمين، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه، ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار؛ وقال: ان الله قد جعل لكم إخوانا وداراً تأمنون بها فخرجوا أرسالأن وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر الإذن من الله في الهجرة إلى المدينة، فكان أول من هاجر من المهاجرين من قريش: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد ابن هلال بن عبد الله المخزومي، وكانت هجرته قبل بيعة العقبة بسنة، وكا قد قدم من أرض الحبشة، فلما آذته قريش، وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار هاجر إلى المدينة، فنزل بقرية بني عمرو بن عوف بقباء على أحمد بن مبشر ابن عبد المنذر، ثم كان أول من قدمها بعد أبي سلمة عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بن غانم، ثم عبد الله بن جحش ابن رئاب، حليف بني أمية ابن عبد شمس، احتمل بأهله وبأخيه عبد بن جحش، وهو أبو أحمد، وكا رجلاً ضرير البصر، وكا يطوف مكة بغير قائد، وكانت عنده الفرعة بنت أبي سفيا بن حرب، نزل هؤلاء كلهم بقباء على أحمد ابن مبشر أيضا ثم قدم المهاجرون أرسالأن ثم خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعياش بن أبي ربيعة في عشرين من المسلمين، منهم: زيد بن الخطاب أخو عمر، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وخنيس ابن حذافة السهمي، وواقد بن عبد الله التميمي حليف بني عدي، وعبد الله وعمرو ابنا سراقة بن المعتمر - ويقال: عمر بدل عمرو - وخولى بن أبي خولى، حليف الخطاب، وأخوه مالك - ويقال: هلال بن أبي خولى بدل مالك - وبنو البكير الأربعة: إياس، وعاقل، وخالد، ويقال: وكا مع عمر ابنه عبد الله ابن عمر.\rقال ابن إسحاق: فنزل عمر بن الخطاب، وعياش بن أبي ربيعة في بني عمرو ابن عوف بقباء، فجاء أبو جهل والحارث ابنا هشام إلى عياش إلى المدينة، وكا ابن عمهما وأخاهما لأمهما فكلماه في الرجوع، وقالا: ان أمك قد نذرتالا يمشط رأسها مشط، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرق لها. قال عمر ابن الخطاب: فقلت له: يا عياش، انه واللهايريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو آذى أمك القمل المتشطت، ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت. فقال: أبر قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه. قال عمر: فقلت له: يا عياش، والله انك لتعلم اني من أكثر قريش مالأن فلك نصف ما لي ولا تذهب معهما. قال: فأبى إل ان ايخرج معهما فقلت: أما إذ فعلت فخذ ناقتي هذه فانها ناقة نجيبة ذلول، فألزم ظهرها فا رابك من القوم ريب فانج عليها فخرج عليها معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال له أبو جهل: يا أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا أفلا تعقبني على ناقتك ؟ قال: بلى، فاناخ وانا خا ليتحول عليها فلما استووا بالأرض أوثقاه رباطا ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن. رواه ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر.\rقال ابن إسحاق: ودخلا به مكة نهاراً موثقا وقالا: يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا. قال ابن عمر في حديثه فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم، وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انزل الله فيهم، وفي قولنا لأنفسهم: \" قُلْ يا عِبِاديَ الذَّيِنَ أسْرَفُوا عَلَى انفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَهِ ان اللَهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً انهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَحِيمُ. وَانيبُوا إلَى رَبِّكُمْ وَأسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِايَأتَيُكُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ. وَاتّبِغُوا أحْسَنَ مَا انزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ مِنْ قَبْلِايَأتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَانتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ \" ، قال عمر: فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاص، فلما قرأها لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة.","part":4,"page":329},{"id":1830,"text":"قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: حدثني من أثق بهارسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بالمدينة: من لي بعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن أبي العاص ؟ فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: انالك يا رسول الله بهما فخرج إلى مكة، فقدمها مستخفيا فلقى امرأى تحمل طعاماً فقال لها: أين تريدين يا أمة الله ؟ قالت: اريد هذين المحبوسين - تعنيهما - فتبعها حتى عرف موضعهما وكانا قد حبسا في بيت لا سقف له، فلما أمسى تسور عليهما ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ثم ضربهما بسيفه فقطعهما ثم حملهما على بعيره وسار بهما فعثر فدميت إصبعه فقال:\rهل انت إلا إصبعٌ دميت ... وفي سبيل اللّه ما لقيت\rنعود إلى تتمة أخبار عمر في هجرته - قال ابن إسحاق: ونزل عمر بن الخطاب حين نزل المدينة ومن لحق بن من أهله وقومه، وأخوه زيد بن الخطاب، وعمرو وعبد الله ابنا سراقة بن المعتمر، وخنيس بن حذافة السهمي - وكا صهره على ابنته حفصة خلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده - وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وواقد بن عبد الله التميمي - حليف لهم، وخولى بن خولى، ومالك بن خولى، حليفا لهم، وبنو البكير الأربعة: إياس، وعاقل، وعامر، وخالد، حلفاؤهم، وهم من بني سعد بن ليث، على رفاعة بن المنذر بقباء، ثم تتابع المهاجرون، فنزل طلحة بن عبيد الله، وصحيب بن سنا على خبيب بن إساف أخى بلحارث بن الخزرج، ويقال: بل نزل طلحة على أسعد بن زرارة، ونزل حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو مرثد كناز بن حصين، وابنه مرثد الغنويا حليفا حمزة ابن عبد المطلب، وانسة وأبو كبشة موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلثوم ابن هدم أخي بني عمرو بن عوف بقباء - ويقال: بل نزلوا على سعد بن خيثمة، ويقال: بل نزل حمزة على أسعد بن زرارة - ونزل عبيدة بن الحارث بن المطلب، وأخواه الطفيل والحصين، ومسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، وسويبط بن سعد بن حريملة، أخو بني عبد الدار، طليب بن عمير أخو بني عبد بن قصي، وخباب مولى عتبة بن غزوا على عبد الله بن سلمة أخي بلعجلأن بقباء، ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع أخي بلحارث ابن الخزرج في دار بلحارث، ونزل الزبر بن العوام، وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى على منذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بالعصبة دار بني جحجي. ونزل مصعب بن عمير بن هاشم أخو بني عبد الدار على سعد بن معاذ ابن النعما في دار بني عبد الأشهل. ونزل أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولى أبي حذيفة، وعتبة بن غزوا بن جابر على عباد بن بشر بن وقش أخي بني عبد الأشهل في دار بني الأشهل. ونزل عثما بن عفا على أوس بن ثابت ابن المنذر أخي حسا بن ثابت في دار بني النجار. وكا يقال: نزل العزاب من المهاجرين على سعد بن خيثمة، وذلك انه كان عزبا.\rاجتماع قريش في دار الندوة\rوتشاورهم في شا النبي صلى الله عليه وسلم، واتفاقهم على قتله، وحماية الله تعالى له، وخبر الشيخ النجدي، وهو إبليس، خزاه الله","part":4,"page":330},{"id":1831,"text":"قال محمد بن إسحاق، يرفعه إلى عبد الله بن عباس وغيره قالوا: لما رأت قريشارسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانت له شيعٌ وأصحاب من غيرهم من غير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا انهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وعرفوا انه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة - وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمراً إلا فيها - يتشاورون ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما اجتمعوا لذلك، واتعدوا له، غدوا في يوم الموعد، وهو اليوم المسمى يوم الزحمة، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بت - قال الواقدي: مشتمل الصماء في بت - قال: فوقف على باب الدار، فلما رأوه قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما نفولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأيا ونصحا قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم، وقد اجتمع أشراف قريش، وهم: عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيا بن حرب، وطعيمة بن عدي، وجبير بن مطعم، والحارث بن عامر بن نوفل، والنضر بن الحارث بن كلدة، وأبو البختري ابن هشام، وزمعة بن الأسود بن المطلب، وحكيم بن حزام، وأبو جهل ابن هشام، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأمية بن خلف، وغيرهم ممن لا يعد من قريش، فقال بعضهم لبعض:اهذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإهنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا ممن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا فتشاوروا ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله: زهير والنابغة، ومن مضى منهم حتى يصيبه ما أصابهم، فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، ولأوشكو ان ايثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره، فتشاوروا ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه، أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، والله لئن فعلتم ذلك ما أمنتمايحل على حي من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم ليسير بهم إليكم حتى يطأكم فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد؛ دبروا فيه رأيا غير هذا. فقال أبو جهل بن هشام:الي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: وما هو يا أبا الحكم ؟ قال: أرىانأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جليداً نسيباً وسيطاً فتيا ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارما ثم يعمدوا إليه فضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه؛ فانهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فرضوا منا بالعقل، فعقلناه لهم. فقال النجدي: القول ما قال الرجل؛ هذا الرأي لا أرى غيره.\rوحكىاهذا الرأي كان رأي الشيخ النجدي، وانه لما أشار به قالوا: كلهم: صدق النجدي، صدق النجدي ! والله أعلم.\rقال: فتفرق القوم وقد أجمعوا على ذلك.\rفأتى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بالخبر، وقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، قال: فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرصدونه حتى ينام، فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: نم على فراشي، وتسج ببردى هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه؛ فانه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم.","part":4,"page":331},{"id":1832,"text":"قال: فقال أبو جهل ومن معه على الباب:امحمداً يزعم انكم إذا تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنا كجنا الأردن، وا لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكمن نار تحرقون فيها. قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: نعم انا أقول ذلك، انت أحدهم، وأخذ الله على أبصارهم فلا يرونه، فجعل ينثر التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من سورة يس: \" يَس. وَالْقُرا الْحَكِيم \" . إلى قوله: \" وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرونَ \" .\rولم يبق منهم رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد، فأتاهم آتٍ ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون ؟ قالوا: محمدا قال: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم ؟ قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا ينظرون فيه فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: واللهاهذا لمحمد نائما عليه برده. فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي عن الفراش؛ فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا.\rقال ابن إسحاق: فكان مما انزل من القرا في ذلك اليوم قوله تعالى: \" وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَهُ وَاللَهُ خَيْرُ الْمَاكِريِن \" وقوله تعالى: \" أمْ يَقُولُونَ شِاعِرٌ نَتَربّصُ بِهِ رَيْبَ الْمنَوُنَ. قُلْ تَرَبّصُوا فَانى مَعَكُمْ مِن الْمُتَرَبِّصِين \" .\rهجرة رسول الله\rصلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه قال محمد بن إسحاق: لما هاجر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أقام هو بمكة بعدهم ينتظر الإذن من الله تعالى في الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة إلا أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ومن حبس أو فتن. وكا أبو بكر يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة كثيرا فيقول له: لا تعجل لعل اللهايجعل لك صاحبا فيطمع أبو بكرايكون رسول الله صلى الله عليه وسلم انما يعني نفسه.\rوروى عن عائشة أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما انها قالت: كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلمايأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله تعالى فيه لرسوله في الهجرة والخروج من مكة أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها. قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا لأمر حدث، فلما دخل تأخر أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس عند أبي بكر إلا انا وأختي اسماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرج عني من عندك قال: يا رسول الله، انما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي ؟ قال: ان الله أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله ؟! قال: الصحبة. قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم ان أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، ثم قال: يا نبي الله،اهاتين راحلتا كنت أعددتهما لهذاز فاستأجر عبد الله بن أرقط - وقيل: الأريقط - الليثي وكا مشركا يدلهما على الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. قال ابن إسحاق: ولم يعلم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج إلا أبو بكر وآل أبي بكر، وعلي بن أبي طالب، أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروجه، وأمرهايتخلف بعده، حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس.\rخبر الغار\rوما قيل فيه","part":4,"page":332},{"id":1833,"text":"قال: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج أتى أبا بكر فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته، ثم عمدا إلى غار بثور - جبلٍ بأسفل مكة - فدخلاه، وأمر أبو بكر ابنه عبد اللهاينسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاهايرعى غنمه نهارة ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار، وكانت اسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما.\rقال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم ان الحسن بن أبي الحسن قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلا دخل أبو بكر قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه.\rقال ابن إسحاقك فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ومعه أبو بكر، وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن يرده عليهم. وكا عبد الله بن أبي بكر يكون في قريش يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شا النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر، وكا عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى في رعاء من أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره الغنم حتى يعفى عليه.\rوقال محمد بن سعد نسنده إلى زيد بن أرقم وانس بن مالك، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم: ان النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فسترته، وأمر العنكبوت فنسجت على وجهه فسترته، وأمر حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار، وأقبل فتيا قريش من كل بطن رجل بأسيافهم وعصيهم وهراواتهم حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه ولم قدر أربعين ذراعا نظر أولهم فرأى الحمامتين فرجع فقال له أصحابه: مالك لم تنظر في الغار ؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار، فعرفتاليس فيه أحد. فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله، فعرف ان الله عز وجل درأ عنه بهما. وقال بعض من حضر في طلبه:اعليه من العنكبوت ما هو قبل ميلاد محمد. وقال أبو بكر رضي الله عنه: فنظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت: يا رسول الله، لو ان أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ! قال: ومكثا في الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر.\rقال محمد بن سعد: قالت عائشة رضي الله عنها: وجهزناهما أحب الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت اسماء قطعة من نطاقها فاوكأت به الجراب، وقطعةً أخرى صيرتها عصاما لفم القربة؛ فلذلك سميت اسماء ذات النطاقين.\rقال محمد بن سعد بسند يرفعه إلى اسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما انها قالت: لما خرجر سول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر معه احتمل ماله كله معه، - خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف - فانطلق بها معه، فدخل علينا جدي أبو قحامة وقد ذهب بصره، فقال: والله اني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قال فقلت: كلا يا أبت، انه ترك لنا خيراً كثيراً. قالت اسماء: فأخذت أحجاراً فوضعتها في كوة البيت حيث كان أبي يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبا ثم أخذت بيده فقلت: ضع يا أبت يدك على هذا المال، فوضع يده عليه وقال: لا بأساكا ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم؛ فلا والله ما ترك لنا شيئا ولكني أردت ان أسكن الشيخ بذلك. والله أعلم.\rذكر خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه من الغار، وتوجههما إلى المدينة، وما كان من أمر سراقة بن مالك، وأم معبد وغير ذلك إلى ان انتهيا إلى المدينة","part":4,"page":333},{"id":1834,"text":"كا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه من الغار ليلة الاثنين لأربعٍ خلون من شهر ربيع الأول، وذلك انه لما مضت الأيام الثلاثة وسكن عنهما الناس أتاهما عبد الله بن الأريقط براحلتيهما وبعيرٍ له، فقرب أبو بكر رضي الله عنه الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم له أفضلهما ثم قال: اركب فداك أبي وأمي يا رسول الله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اني لا أركب بعيراً ليس لي، قال: فهي لك يا رسول الله بأبي انت وأمي ! قال: لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به ؟، قال: كذا وكذاقال: قد أخذتها بذلك.\rقال محمد بن سعد: وكا أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم من نعم بني قشير، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إحداهما وهي القصواء.\rقال ابن إسحاق: فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر رضي الله عنه مولاه عامر بن فهيرة خلفه ليخدمهما في الطريق.\rقال أبو بكر رضي الله عنه: أسرينا ليلتنا ويومنا حتى إذا قام قائم الظهيرة وانقطع الطريق، ولم يمر أحد، رفعت لنا صخرة لها ظل لم تأت عيلان لشمس. قال: فسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكاناً في ظلها وكا معي فرو ففرشته، وقلت للنبي صلى الله عليه وسلم: نم حتى انفض ما حولك، فخرجت فإذا انا براعٍ قد أقبل يريد من الصخرة مثلما أردنا وكا يأتيها قبل ذلك فقلت: يا راعي، لمن انت ؟ قال: لرجل من أهل المدينة يعني مكة، قال: قلت: هل في شائك من لبن ؟ قال: نعم، قال: فجاءني بشاة فجعلت أمسح الغبار عن ضرعها وحلبت في إداوٍ معي كثبة من لبن، وكا معي ماء للنبي صلى الله عليه وسلم في إداوة فصببت على اللبن من الماء لأبرده، فوافيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قام من نومه فشرب وقال: م ان االرحيل ؟ قلت: بلى، قال: فأرسلنا حتى إذا كنا بأرض صلبة جاء سراقة بن مالك بن جعشم، فبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله قد أتينا قال: كلأن ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتطم فرس سراقة - أي احتبس إلى بطنه - فقال: قد أعلماقد دعوتما علي فادعوا لي، ولكما علي ان أرد الناس عنكما ولا أضركما. فدعا له فرجع ووفى وجعل يرد الناس ويقول: قد كفيتم ما ها هنا. وقد روى عن سراقة انه قال لأبي جهل بن هشام:\rأبا حكمٍ والله لو كنت شاهدا ... لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه\rعلمت ولم تشكك با محمدا ... رسولٌ ببرها فمن ذا يقاومه!\rعليك بكف القوم عنه فانني ... أرى أمره يوما ستبدو معالمه\rبأمر يود الناس فيه بأسرهم ... با جميع الناس طرا تسالمه","part":4,"page":334},{"id":1835,"text":"وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام: حدثني الزهرياعبد الرحمن بن مالك ابن جعشم حدثه عن أبيه عن عمه سراقة بن مالك قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً إلى المدينة، جعلت فيه قريش مائة ناقة لمن يرده عليهم، فبينما انا جالسٌ في نادي قومي أقبل رجلٌ منا حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا على انفا اني لأراهم محمداً وأصحابه، قال: فأومأت إليه بعيني ان أسكت، ثم قلت: انما هم بنو فلأن يبتغون ضالة لهم، قال: لعله. ثم قمت فدخلت بيتي وأمرت بفرسي فقيد إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي فأخرج من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي التي أستقسم بها ثم انطلقت فلبست لأمتي، ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره: لا يضره، قال: وكنت أرجو ان أرده على قريش فآخذ المائة، فركبت الفرس في أثره، فبينما فرسي يشتد بي عثر فسقطت عنه، فقلت: ما هذا ؟ ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره لا يضره، قال فأبيت إل ان ان أتبعه فركبت في أثره، فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي فذهبت يداه في الأرض وسقطت عنه، ثم انتزع يده من الأرض وتبعهما دخا كالإعصار، فعرفت حين رأيت ذلك انه قد منع مني وانه ظاهر، فناديت القوم: انا سراقة بن جعشم، انظروني أكلمكم، فوالله لا يأتينكم مني شيء تكرهونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: قل له وما تبتغي منا ؟ فقال لي ذلك أبو بكر، قلت: تكتب لي كتاباً يكون بيني وبينك، قال: اكتب له يا أبا بكر، فكتب لي كتاباً في عظم أو فير قعة أو في خرقة ثم ألقاه إلى فأخذته فجعلته في كنانتي، ثم رجعت فلم أذكر شيئاً مما كان، حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرغ من حنين والطائف، فرحت ومعي الكتاب لألقاه فلقيته بالجعرانة، فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون: إليك إليك ماذا تريد ؟ قال: فدنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته، والله اني لأنظر إلى ساقه في غرزه كانها جمارة، فرفعت يدي بالكتاب ثم قلت: يا رسول الله، هذا كتابك انا سراقة بن جعشم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوم وفاء وبر، ادنه، قال فدنوت منه فأسلمت. والله الهادي للصواب.\rومروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، واسم أم معبد عاتكة بنت خالد بن منقذ ابن ربيعة، ويقال: عاتكة بنت خالد بن خليف، وكانت برزة جلدة تجلس بفناء القبة تسقى وتطعم، فسألوها تمرا ولحما يشترونه منها فلم يصيبوا عندها من ذلك شيئا وكا القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، قال: هل بها من لبن ؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: أتأذنين ان أحلبها ؟ قالت: نعم، بأبي انت وأميارأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها وسمى الله، ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه - أي فتحت ما بين رجليها - وردت، ودعا باناء يربض الرهط - أي يرويهم - فحلب فيه ثجا ثم سقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رووا ثم شرب آخرهم، ثم حلب اناءً حتى ملأه ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا عنها وأصبح صوتٌ بمكة عالٍ يسمعونه، ولا يدرون من صاحبه وهو يقول:\rجزى الله ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد\rهما نزلا بالبّر وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد\rفيا لقصيٍّ ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجاري وسودد\rليهن بني كعبٍ مكا فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد\rسلوا أختكم عن شاتها وانائها ... فانكماتسألوا الشاة تشهد\rدعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد\rفغادرها رهنا لديها لحالب ... تدرّ بها في مصدر ثم مورد","part":4,"page":335},{"id":1836,"text":"قال ابن إسحاق: ولما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقط سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل أسفل من عسفان، ثم سلك بهما أسفل الحج ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد ان أجاز قديد. ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرار، ثم سلك بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا - ويقال لفتا - ثم أجاز بهما مدلجة لقف، ثم استبطن بهما مدلجة مجاح، ثم سلك بهما مرجح مجاج، ثم نبطن بهما مرجح من ذي الغضوين، ويقال: العصو بن، ثم بطن ذي كشر، ثم أخذ بهما على الجداجد، ثم على الأجرد، ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعداء مدلجة تعهن، ثم على العبابيد - ويقال: العبابيب. ويقال: العثيانة - ثم أجاز بهما الفاجة، ويقال: القاحة، ثم هبط بهما العرج، وقد أبطأ عليهم بعض ظهرهم فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ يقال له: أوس بن حجر على جمل له إلى المدينة، وبعث معه غلاماً له يقال له: مسعود بن هنيدة، ثم خرج بهما دليلهما من العرج، فسلك ثنية العائر عن يمين ركوبة - ويقال الغابر - حتى هبط بهما بطن رئمٍ، ثم قدم بهما قباء على بني عمرو بن عوف. قال الشيخ شرف الدين الدمياطي: وكا عبد الله بن الأريقط على كفره، ولم يعلم له إسلامٌ.\rقدوم الرسول إلى المدينة\rقال محمد بن إسحاق: كان مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء يوم الاثنين لأثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين الضحا وكادت الشمس تعتدل، وهو صلى الله عليه وسلم ابن ثلاث وخمسين سنة، وذلك بعدابعثه الله تعالى بثلاث عشرة سنة. وقال الخوارزمي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً يوم الاثنين، وهو اليوم الثامن من شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين من عام الفيل، ويوم عشرين من أيلول، فكان من مبعثه إلى يوم هاجر ودخل المدينة ثلاث عشرة سنة كاملة. قال ابن إسحاق: وكا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا بخروجه من مكة وتوكفوا قدومه، يخرجون إذا صلوا الصبح إلى ظاهر الحرة ينتظرونه، فلا يبرحون حتى تغلبهم الشمس على الظلال فيدخلون، وذلك في أيام حارة، حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا على عادتهم، حتى إذا لم يبق ظل دخلوا بيوتهم، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلوا البيوت، فكان أول من رآه رجل من يهود، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا جدكم قد جاء، قال: فخرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر رضي الله عنه في مثل سنه، وأكثر الأنصار لم يكن يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، فأقبل الناس وما يعرفونه من أبي بكر، حتى إذا زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفوه عند ذلك، قال: فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلثوم بن هدم أخي بني عمرو بن عوف، وهو الأصح، وكا إذا خرج من منزل كلثوم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وذلك انه كان عزبا لا أهل له، وكا منزل العزاب من المهاجرين، ونزل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على خبيب بن إساف أحد بني الحارث بن الخزرج بالسنح. وقيل: بل نزل على خارجة بن زيد. وأقام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ثلاث ليال، حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل معه على كلثوم بن هدم، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء من يوم الاثنين إلى آخر يوم الخميس أربعة أيام.\rخروج الرسول من قباء\rوتحوله إلى المدينة، وصلاته الجمعة، ونزوله على أبي أيوب خالد بن زيد","part":4,"page":336},{"id":1837,"text":"قال محمد بن إسحاق: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة من منزل كلثوم فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وادي رانوناء، وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة. قال محمد بن سعد: صلاها بمن كان معه من المسلمين وهم مائة. قال ابن إسحاق: فأتاه عتبا بن مالك، وعباس بن عبادة بن نضلة، في رجال من بني سالم بن عوف، فقالوا: يا رسول الله، أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة، قال: خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة، اغترضه سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة، فقالوا مثل ذلك، وقال مثل ما قال لأولئك، فخلوا سبيلها فانطلقت، حتى إذا وازنت دار بني الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن رواحة في رجال من بلحارث من الخزرج، فقالوا مثل ذلك، وقال مثل ما قال، فخلوا سبيلها فانطلقت، حتى إذا مرت بدار بني عدي بن النجار وهم أخواله اعترضه سليط بن قيس، وأبو سليط أسيرة بن أبي خارجة في رجال من بني عدي بن النجار، فقالوا: يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة، فقال كما قال لأولئك، فخلوا سبيلها فانطلقت، حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بني النجار، في حجر معاذ بن عفراء وهما سهل وسهيل ابنا عمرو، فلما بركت ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل، فسارت غير بعيد، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته، ونزل عليه سرول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال محمد بن سعد في طبقاته الكبرى. لما بركت الناقة جعل الناس يكلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في النزول عليهم، وجاء أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب فحط رحله فأدخله منزله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء مع رحله، وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته فكانت عنده، قال زيد بن ثابت: فأول هدية دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزل أبي أيوب هديةٌ دخلت بها اناءٌ قصعة مثرود فيها خبز وسمن ولبن، فقلت: أرسلت بهذه القصة أمي، فقال: بارك الله فيك، ودعا أصحابه فأكلوا فلم أرم الباب حتى جاءت قصعة سعد بن عبادة؛ ثريد وعراق، وما كان من ليلة إلا وعلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة والأربعة يحملون الطعام، يتناوبون ذلك حتى تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل أبي أيوب، وكا مقامه فيه سبعة أشهر.\rوقال ابن إسحاق: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة، حتى بنى له فيها مسجده ومساكنه. والله أعلم.","part":4,"page":337},{"id":1838,"text":"وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل أبي أيوب زيد بن حارثة، وأبا رافع، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم، فقدما إلى مكة لفاطمة وأم كلثوم عليهما السلام ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسودة بنت زمعة زوجته، وأسامة بن زيد، وحمل زيد بن حارثة امرأته أم أيمن مع ابنها أسامة بن زيد، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر فيهم عائشة، فقدموا المدينة فانزلهم في بيت حارثة بن النعمان، وكانت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحبشة مع زوجها عثما بن عفان. قال ابن إسحاق بسنده إلى أبي أيوب قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفل، وانا وأم أيوب في العلو، فقلت له: يا بني الله، بأبي انت وأمي، اني أكره وأعظم ان أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر انت وكن في العلو، وننزل نحن ونكون في السفل، فقال: يا أبا أيوب، ان أرفق بنا ومن يغشان ان انكون في سفل البيت، قال: فلقد انكسر حب لنا فيه ماء، فقمت انا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء؛ تخوف ان ايقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيؤذيه، قال: وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا رد علينا فضله تيممت انا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه، نبتغي بذلك البركة حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه، وقد جعلنا له فيه بصلاً أو ثوما قال: فرده ولم أر ليده فيه أثرا فجئته فزعا فقلت: يا رسول الله بأبي انت وأمي، رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك ؟ فكنت إذا رددته علينا تيممت انا وأم أيوب موضع يدك للبركة، قال: فاني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وانا رجل اناجي فأما انتم فكلوه، فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة. والله المستعان.\rبناء مسجد الرسول\rوبيوته بالمدينة قال محمد بن سعد عن محمد بن عمر بن واقد قال: حدثني معمر بن راشد عن الزهري قال: بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع المسجد، وهو يومئذ يصلى فيه رجال من المسلمين، وكا مربدا لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار، وكانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى صلى الله عليه وسلم حتى ابتاعه منهما. قال ابن سعد: وقال غير معمرٍ عن الزهري: فابتاعه بعشرة دنانير، وأمر أبا بكرايعطيهما ذلك، فكان جداراً مجدراً ليس عليه سقف، وقبلته إلى بيت المقدس، وكا أسعد بن زرارة بناه، فكان يصلى بأصحابه فيه، ويجمع بهم فيه الجمعة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل الذي بالحديقة والبغرقد الذي فيهاتقطع، وأمر باللبن فضرب، وكا في المربد قبور جاهلية فأمر بها فنبشت، وبالعظاماتغيب، وكا في المربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب، فأسس رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وأسسوا معه، فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع، ويقال: كان أقل من المائة، وجعلوا الأساس قريباً من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة؛ ثم بنوه باللبن، وبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجعل ينقل الحجارة معهم بنفسه، ويقول: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأغفر للأنصار والمهاجرين، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار قال: وقال قائل من المسلمين يرتجز:\rلئن قعدنا والنبيّ يعمل ... لذاك منّا العمل المضلّل","part":4,"page":338},{"id":1839,"text":"قال: ودخل عمار بن ياسر وقد أثقلوه باللبن فقال: يا رسول الله، قتلوني؛ يحملون علي ما لا يحملون، قالت أم سلمة: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفض وفرته بيده، وكا رجلاً جعداويقول: ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك انما تقتلك الفئة الباغية، قال ابن سعد: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلة المسجد إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: بابا في مؤخره، وبابا يقال له: باب الرحمة، وهو الباب الذي يدعى باب عاتكة، والباب الثالث الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل طول الجدار بسطةً، وعمده الجذوع، وسقفه جريدافقيل له: ألا تسقفه ؟ فقال: عريش كعريش موسى خشيبات وتمام الشا أعجل من ذلك قال: وبنى بيوتاً إلى جنبه باللبن، وسقفها بجذوع النخل والجريد، فلما فرغ من البناء، بنى لعائشة رضي الله عنها في البيت الذي يليه شارع إلى المسجد على ما نذكرهاشاء الله تعالى. وروى عن انس بن مالك رضي الله عنه قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالجرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة، وجعلوا عضادتيه حجارة.\rذكر بناء المسجد الذي أسس على التقوى وهو مسجد قباء\rقال محمد بن سعد في طبقاته الكبرى بسنده إلى سهل بن سعد وأبي غزية وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم قال: لما صرفت القبلة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء فقدم جدار المسجد إلى موضعه اليوم وأسسه، وقال: جبريل يؤم بي البيت، ونقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الحجارة لبنائه، وكا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه كل سبت ماشيا وقال صلى الله عليه وسلم: من توضأ فأسبغ الوضوء ثم جاء مسجد قباء فصلى فيه كان له أجر عمرة، وكا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأتيه يوم الاثنين ويوم الخميس، وقال: لو كان بطرف من الأطراف لضربنا إليه أكباد الإبل. قال: وكا أبو أيوب يقول: هذا المسجد الذي أسس على التقوى. وكا أبي بن كعب وغيره يقولون: بل هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rحمى المدينة\rودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم روى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى، فأصاب أصحابه منها بلاءٌ وسقم، وصرف الله تعالى ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم. قالت: فكان أبو بكر رضي الله عنه، وعامر بن فهيرة بولال، مولياً أبي بكر مع أبي بكر في بيت واحد فأصابتهم الحمى، فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبلايضرب علينا الحجاب وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك، فدنوت من أبي بكر فقلت: كيف تجدك يا أبت ؟ فقال:\rكلّ أمرئ مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله\rقالت: فقلت والله ما يدري أبي ما يقول، ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة، فقلت: كيف تجدك يا عامر ؟ فقال:\rلقد وجدت الموت قبل ذوقه ... ا الجبا حتفه من فوقه\rكلّ أمرئ مجاهد بطوقه ... كالثّور يحمى جلده بروقه\rفقلت: والله ما يدري عامر ما يقول؛ قالت: وكا بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت، ثم يرفع عقيرته فيقول:\rألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً ... بفجٍ وحولي إذخرٌ وجليل\rوهل أردن يوماً مياه مجنّةٍ ... وهل يبدون لي شامةٌ وطفيل\rقالت عائشة: فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت منهم، فقلت: انهم ليهذون، وما يعقلون من شدة الحمى. فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشد، وبارك لنا في مدها وصاعها وانفل وباءها إلى مهيعة؛ وهي الجحفة.\rالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار","part":4,"page":339},{"id":1840,"text":"كا ذلك بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ روى محمد بن سعد عن الزهري وغيره قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أخي بين المهاجرين بعضهم لبعض، وأخي بين المهاجرين والأنصار، أخي بينهم على الحق والمواساة، يتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام، وكانوا تسعين رجلاً؛ خمسة وأربعون من المهاجرين، وخمسة وأربعون من الأنصار، قال ويقال: مائة؛ خمسون من المهاجرين، وخمسون من الأنصار، فلما كانت وقعة بدر وانزل الله تعالى: \" وَأولُوا الأْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أوْلَىْ بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللهِ ان اللهَ بِكُلِّ شْيءٍ عَلِيمٌ \" . فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وانقطعت المؤاخاة في الميراث.\rكتاب الرسول لأهل المدينة\rبين المهاجرين والأنصار، وموادعة يهود، وإقرارهم على دينهم، وما اشترطه فيه عليهم ولهم","part":4,"page":340},{"id":1841,"text":"كا مضمون الكتاب على ما أورده ابن هشام عن ابن إسحاق: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم، انهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وا المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهمايعطوه بالمعروف في فداء أو عقل، وانه لا يحالف مؤمنٌ مولى مؤمن دونه، وا المؤمنين المتقين على من بغي منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين؛ وا أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمنٌ مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن، وا ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وا المؤمنين بعضهم موالي بعضٍ دون الناس، وانه من تبعنا من يهود فا له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، وا سلم المؤمنين واحدةٌ، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله عز وجل إلا على سواء وعدل بينهم، وا كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا وا المؤمنين يبىء بعضهم عن بعض؛ بما نال دماءهم في سبيل الله عز وجل، وا المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وانه لا يجير مشركٌ مالاً لقريش ولا نفساً ولا يحول دونه على مؤمن، وا من اعتبط مؤمناً قتلا عن بينة فانه قودٌ به، إل ان ايرضى ولى المقتول، وا المؤمنين عليه كافةٌ، ولا يحل لهم إلا القيام عليه، وانه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخراينصر محدثاً ولا يؤويه، وا من نصره أو آواه فا عليه لعنى الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرفٌ ولا عدلٌ، وانكم مهما اختلفتم فيه من شيء فا مرده إلى الله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم وا اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وا يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وانفسهم؛ إلا من ظلم وأثم فانه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وا ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وا ليهود بن الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وا ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وا ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وا ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وا ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بن عوف، إلا من ظلم وأثم، فانه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وا جفنة بطن من بني ثعلبة كانفسهم، وا بطانة يهود كانفسهم، وانه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد، وانه لا ينحجز على ثأر جرح، وانه من قتل فبنفسه فتك، وأهل بيته إلا من ظلم، وا الله على أبر هذا وا على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وا بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وا بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وانه لم يأثم امرؤ بحليفه، وا النصر المظلوم، وا اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وا يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وا الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وانه لا تجار حرمةٌ إلا بإذن أهلها وانه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فا مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله، وا الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وانه لاتجار قريش ولا من نصرها وا بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فانهم يصالحونه ويلبسونه، وانهم إذا","part":4,"page":341},{"id":1842,"text":"دعوا إلى مثل ذلك فانه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين، على كل اناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وا يهود الأوس مواليهم وانفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة - ويقال مع البر المحسن - وا البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وا الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وانه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم ولا آثم، وانه من خرج آمنٌ، ومن قعد آمنٌ بالمدينة إلا من ظلم وأثم، وا الله جارٌ لمن بر واتقى ومحمد رسول الله.وا إلى مثل ذلك فانه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين، على كل اناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وا يهود الأوس مواليهم وانفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة - ويقال مع البر المحسن - وا البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وا الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وانه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم ولا آثم، وانه من خرج آمنٌ، ومن قعد آمنٌ بالمدينة إلا من ظلم وأثم، وا الله جارٌ لمن بر واتقى ومحمد رسول الله.\rأخبار المنافقين\rمن الأوس والخزرج وما انزل فيهم من القران وقد رأيت ان أجمع ما فرقه أهل السير من أخبار المنافقين، وأضم بعضه إلى بعض، وأورده جملة واحدة، فا ذلك لم يكن في وقت واحد ولا في سنة بعينها بل أورده أهل السير بحسب ما وقع، وفرقوه في الغزوات وغيرها فآثرت جمعه في هذا الموضع، وما كان قد وقع في غزاة أو حادثة نبهت عليه في موضعه على ما تقف عيلان شاء الله تعالى.\rقال محمد بن إسحاق رحمه الله: كان رجال من الأوس والخزرج ممن أسلم وهو على جاهليته، فكانوا أهل نفاق على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعثة، إل ان االإسلام قهرهم بظهوره، واجتماع قومهم عليه، فظهروا بالإسلام، واتخذوه جنة من القتل، ونافقوا في السر، وكا هواهم مع يهود؛ لتكذيبهم وجحودهم الإسلام، فكان منهم من الأوس من بني عمرو بن عوف، ثم من بني لوذا بن عمرو بن عوف: زوى بن الحارث، ومن بني حبيب بن عمرو: جلاس بن سويد بن صامت، وأخوه الحارث بن سويد، قال: وجلاس هو الذي قال عند تخلفه عن غزوة تبوك: لئن كان هذا الرجل صادقاً لنحن شر من الحمير، فرفع ذلك من قوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمير بن سعد، وكا في حجر جلاس خلف على أمه بعد أبيه، فلما تكلم جلاس بهذا قال له عمير: والله يا جلاس، انك لأحب الناس إلي، وأحسنهم عندي يدا وأعزهم علىايصيبه شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لأفضحنك، ولئن صمت عليها ليهلكن ديني، ولإحداهما أيسر علي من الأخرى، ثم مشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ما قال، فحلف جلاس لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كذب على عمير، وما قلت ما قال، فانزل الله تعالى فيه: \" يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إل ان ان أغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَا يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَا يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَاباً ألِيماً في الدّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ في الأْرْضِ مِنْ وَليٍّ وَلاَ نَصِيرٍ \" ، قال ابن إسحاق: فزعموا انه تاب فحسنت توبته حتى عرف منه الإسلام والخير. والله أعلم بالصواب.","part":4,"page":342},{"id":1843,"text":"وأما أخوه الحارث بن سويد فانه قتل المجذر بن ذيادٍ البلوي، في يوم أحد ولحق بقريش، وكا المجذر قتل سويد بن صامت في بعض الحروب التي كانت بين الاوس والخزرج، فلما كان يوم أحد قتله بأبيه. قال ابن إسحاق: وكا رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقتلهاهو ظفر به ففاته، وكان بمكة ثم بعث إلى أخيه جلاس يطلب التوبة ليرجع إلى قومه، فانزل الله فيه - فيما حكى عن ابن عباس رضي الله عنهما \" كيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إيَمانهِمْ وَشَهِدُو ان االرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُم الْبَيِّناتُ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ \" إلى آخر القصة. وكا من المنافقين من بني ضبيعة ابن يزيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بجاد بن عثما بن عامر. ونبتل ابن الحارث، وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكى: من أحباينظر إلى الشيطا فلينظر إلى نبتل بن الحارث، وكا رجلاً جسيماً أدلم، ثائر شعر الرأس، أحمر العينين، أسفع الخدين، وكا يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتحدث إليه ويسمع منه، ثم ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الذي قال: انما محمد أذنٌ، من حدثه شيئاً صدقه. فانزل الله تعالى فيه: \" ومِنْهُمُ الّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هَوَ أذُنٌ قُلْ أذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِين آمنَوُا مِنْكُمْ، وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ \" ، وأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم به وبصفته فيما حكاه ابن إسحاق. وأبو حبيبة بن الأزعر، وكا ممن بنى مسجد الضرار. وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وهما اللذا عاهدا الله \" لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ \" ، ومعتب هو الذي قال يوم أحد: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا فانزل الله تعالى في ذلك من قوله: \" وَطَائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهُمْ انفُسُهُمْ \" إلى آخر القصة. وهو الذي قال يوم الأحزاب: كان محمد يعدن ان انأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمنايذهب إلى الغائط، فانزل الله فيه: \" وَإذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ غُرُوراً \" . والحارث بن حاطب - وقال ابن هشام: ثعلبة والحارث ابنا حاطب، هما من بني أمية بن زيد من أهل بدر، وليسا من المنافقين - والله أعلم. ومنهم عباد بن حنيف أخو سهل، وبحزج؛ وهو ممن بنى مسجد الضرار، وعمرو بن خذام، وعبد الله بن نبتل، وجارية بن عامر ابن العطاف وابناه زيد ومجمع؛ وهم ممن بنى مسجد الضرار. وكا مجمع غلاماً حدثاً قد جمع من القرا أكثره، فكان يصلي بهم فيه، فلما كان في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلم عمر في مجمع ليصلي ببني عمرو بن عوف في مسجدهم، فقال عمرك لأن أو ليس بإمام المنافقين في مسجد الضرار ! فقال: يا أمير المؤمنين والله الذي لا إله إلا هو ما علمت بشيء من أمرهم إلا على أحسن ما ذكروا؛ فزعمو ان اعمر تركه يصلي بقومه. ومن بني أمية بن زيد بن مالك وديعة بن ثابت وهو ممن بنى مسجد الضرار، وهو الذي قال: انما كنا نخوض ونلعب، فانزل الله فيه وفيمن قال بقوله: \" وَلَئِنْ سَألْتَهُم لَيَقُولُنَّ انمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ \" إلى آخر القصة.","part":4,"page":343},{"id":1844,"text":"ومن بنى عبيد بن زيد بن مالك خذام بن خالد، وهو الذي أخرج مسجد الضرار من داره، وبشر ورافع ابنا زيد. ومن بنى النبيت مربع بن قيظى وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجاز حائطه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عامدٌ إلى أحد: لا أحل لك يا محمداكنت نبي ان اتمر بحائطي، وأخذ في يده حفنة من تراب ثم قال: والله لو أعلم اني لا أصيب بهذا التراب غيرك لرميتك به؛ فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه، فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصيرة، وضربه سعد بن زيد بالقوس فشجه؛ وأخوه أوس بن قيظى، وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق:ابيوتنا عورةٌ، فأذن لن ان انرجع إليها فانزل الله تعالى فيه: \" يَقُولُونَ أن بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَورَةٍايُرِيدُونَ إلاَّ فِرَاراً \" . ومن بني ظفر - واسم ظفر كعب - حاطب بن أمية بن رافع، وبشير بن أبيرق، وهو أبو طعمة سارق الدرعين الذي انزل الله فيه: \" وَلاَ تُجادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتانونَ انفُسَهُمْ ان اللهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كان خَوَّاناً أثِيماً \" . وقزما حليفٌ لهم. قال ابن إسحاق بسنده:ارسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: انه لمن أهل النار، فلما كان يوم أحد قاتل قتالاً شديداً حتى قتل تسعة من المشركين، وأثبتته الجراحة، فحمل إلى دار بني ظفر، فقال له رجال من المسلمين: أبشر يا قزمان، فقد أبليت اليوم، وقد أصابك ما ترى في الله، قال: بماذا أبشر، والله ما قاتلت إلا حمية عن قومي، فلما اشتدت به جراحه أخذ سهماً من كنانته، فقطع به رواهش يده فقتل نفسه. قال ابن إسحاق: ولم يكن في بني عبد الأشهل منافقٌ ولا منافقة إل ان االضحاك بن ثابت أحد بني كعب رهط سعد بن زيد قد كان يتهم بالنفاق وحب يهود. قال ابن إسحاق وكا جلاس ابن سويد قبل توبته، ومعتب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشرٌ، هم الذين دعاهم رجالٌ من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعوهم إلى حكام الجاهلية فانزل الله فيهم: \" ألَمْ تَرَ إلَى الّذِينَ يَزْعُمُونَ انهُمْ آمَنُوا بِمَا انزِلَ إلَيْكَ وَمَا انزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُو ان ايَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَ ان ايَضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً \" إلى آخر القصة. فهؤلاء الذين ذكرناهم من الأوس.","part":4,"page":344},{"id":1845,"text":"ومن الخزرج من بني النجار رافع بن وديعة، وزيد بن عمرو، وعمرو ابن قيس، وقيس بن عمرو بن سهل. ومن بني جشم بن الخزرج الجد بن قيس، وهو الذي يقول: يا محمد ائذن لي ولا تفتني، فانزل الله تعالى فيه: \" وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أئْذَنْ ليِ وَلاَ تَفْتنِّيِ ألاَ في الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَا جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ \" ؛ وكا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال له وهو في جهازه إلى تبوك: يا جد، هل لك العام في جلاد بني الأصفر ؟ قال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني ؟ فوالله لقد عرف قومي انه ما من رجل أشد عجباً بالنساء مني، واني أخشىارأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أذنت لك، فانزل الله تعالى فيه ما انزل. ومن بني عوف بن الخزرج عبد الله بن أبي بن سلول، وكا رأس المنافقين وكانوا يجتمعون إليه. قال محمد بن إسحاق: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وسيد أهلها عبد الله بن أبي بن سلول، لا يختلف عليه في شرفه من قومه اثنان، لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين - حتى جاء الإسلام - غيره؛ قال: ومعه رجل من الأوس هو في قومه شريف مطاع، وهو أبو عامر عبد الله ابن عمرو بن صيفي بن النعمان، أحد بني ضبيعة بن زيد، وهو أخو حنظلة الغسيل وكا قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، وكا يقال له: الراهب، فشقيا بشرفهما. فاما عبد الله بن أبي فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم، فجاءهم الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم وهم على ذلك، فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام ضغن، ورأىارسول الله صلى الله عليه وسلم قد استلبه ملكا فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارهاً مصرا على نفاق. وقد روى عن أسامة ابن زيد بن حارثة قال: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة يعوده من كشوى أصابته، على حمار عيلان كافٌ فوقه قطيفة فدكية مختطمة بحبل من ليف، وأردفني صلى الله عليه وسلم خلفه، قال: فمر بعبد الله بن أبي بن سلول، وهو في ظل مزاحمٍ أطمه، وحوله رجال من قومه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم تذمم منايجاوزه حتى ينزل، فنزل فسلم ثم جلس فتلا القران، ودعا إلى الله عز وجل، وذكر بالله وحذر وبشر وانذر، قال: وهو زام لا يتكلم، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقالته، قال: يا هذا انه لا أحسن من حديثك هذ ان اكا حقا فاجلس في بيتك فمن جاءك له فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغشه به، ولا تأته في مجلسه بما يكره منه. فقال عبد الله بن رواحة في رجال كانوا عنده من المسلمين: بلى فاغشنا به وأتنا في مجالسنا ودورنا وبيوتنا فهو والله ما نحب، وما أكرمنا الله به وهدانا له، فقال عبد الله حين رأى من خلاف قومه ما رأى:\rمتى ما يكن مولاك خصمك لم تزل ... تذل ويصرعك الذين تصارع\rوهل ينهض البازي بغير جناحه ... وا جذّ يوماً ريشه فهو واقع","part":4,"page":345},{"id":1846,"text":"قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على سعد بن عبادة وفي وجهه ما قال عدو الله، فقال سعد: والله يا رسول الله، اني لأرى في وجهك شيئاً؛ لكانك سمعت شيئا تكرهه. قال: أجل، ثم أخبره بما قال ابن أبي، فقال: يا رسول الله ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وانا لننظم له الخرز لنتوجه، فانه ليرى انك قد سلبته ملكا. وكانت مقالة عبد الله بن أبي هذه قبل تلفظه بالإسلام، وسنورداشاء الله تعالى من أخباره في الغزوات، وانحيازه عن المسلمين بثلث الناس يوم أحد، وما قاله في غزوة المريسيع وغيرها ما تقف عليه في مواضعه، مما تستدل به على صحة نفاقه، وإصراره في الباطن على كفره. وأما أبو عامر فانه أبى إلا الإصرار على كفره، وفارق قومه حين اجتمعوا على الإسلام، فخرج إلى مكة ببضعة عشر رجلأن فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، وهو أول من انشب الحرب يوم أحد على ما نذكرهاشاء الله تعالى. قال: وكا أبو عامر قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة فقال: ما هذا الذي جئت به ؟ قال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال: فانا عليها قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: انك لست عليها قال: بلى، انك أدخلت يا محمد في الحنفية ما ليس منها قال: ما فعلت ولكن جئت بها بيضاء نقية، قال: الكاذب أماته الله طريداً غريباً وحيداً - يعرض برسول الله صلى الله عليه وسلم: أي انك ما جئت بها كذلك ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل فمن كذب يفعل الله به ذلك، فكان هو ذاك؛ خرج إلى مكة، فلما افتتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام، فمات به طريداً غريباً وحيداً.\rالمنافقين من أحبار يهود\rممن تعوذ بالإسلام ودخل فيه مع المسلمين وأظهره وهو منافق: سعد ابن حنيف، وزيد بن اللصيت، ونعما بن أوفى، وعثما بن أبي أوفى. وزيد ابن اللصيت هو الذي قاتل عمر بن الخطاب بسوق بني قينقاع، وهو الذي قال حين ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك: يزعم محمد انه يأتيه خبر السماء، ولا يدري أين ناقته ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وجاءه الخبر بما قال ودله الله عليها - :افلأناً قال: يزعم محمد انه يأتيه خبر السماء ولا يدري أين ناقته، واني والله لا آتيكم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عيلان وهي في هذا الشعب، قد حبستها شجرة بزمامهافذهب رجال من المسلمين فوجدوها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما وصف. ومنهم رافع بن حريملة وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات: قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين. ورفاعة بن زيد بن التابوت، وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هبت ريح وهو قافل من غزوة بني المصطلق واشتدت، حتى أشفق منها المسلمون: لا تخافوا فانها هبت لموت عظيم من عظماء الكفار، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وجد رفاعة بن زيد مات ذلك اليوم الذي هبت فيه الريح. وسلسلة بن برهام، وكنانة بن صوريا.","part":4,"page":346},{"id":1847,"text":"وكا هؤلاء يحضرون المسجد يسمعون أحاديث المسلمين، ويسخرون منهم، ويستهزئون بدينهم. قال ابن إسحاق: فاجتمع يوماً منهم في المسجد ناس، فرآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون بينهم بأقصى أصواتهم، قد لصق بعضهم ببعض، فأمر بهم فأخرجوا من المسجد إخراجاً عنيفاً؛ فقام أبو أيوب خالد بن زيد إلى عمرو بن قيس احد بني النجار - وكا صاحب آلهتهم في الجاهلية - فأخذ برجله يسحبه حتى أخرجه من المسجد، وهو يقول: أتخرجني يا أبا أيوب من مربد بني ثعلبة ! ثم أقبل أبو أيوب أيضاً إلى رافع بن وديعة أحد بني النجار فلببه بردائه، ثم نتره نتراً شديدا ولطم وجهه وأخرجه، وهو يقول: أفٍ لك منافقا خبيثا ! أدراجك يا منافق من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقام عمارة ابن حزم إلى زيد بن عمرو - وكا رجلاً طويل اللحية - فأخذ بلحيته فقاده بها قوداً عنيفاً حتى أخرجه، ثم جمع عمارة يديه فلدمه بها في صدره لدمة خر منها فقال: خدشتني يا عمارة، قال: أبعدك الله يا منافق، فما أعد الله لك من العذاب أشد من ذلك، فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقام أبو محمد مسعود ابن أوس من بني النجار إلى قيس بن عمرو بن سهل، وكا قيس غلاماً شاباً ولا يعلم في المنافقين شاب غيره، فجعل يدفع في قفاه حتى أخرجه. وقام عبد الله ابن الحارث من بلخدرة رهط أبي سعيد الخدري إلى الحارث بن عمرو، وكا ذا جمة، فأخذ بجمته فسحبه بها سحباً عنيفاً على ما مر به من الأرض حتى أخرجه، فقال له: لقد أغلظت يا بن الحارث، فقال له: انك أهل لذلك - أي عدو الله - لما انزل فيك، فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فانك نجس. وقام رجل من بني عمرو بن عوف إلى أخيه زوى بن الحارث فأخرجه إخراجاً عنيفاوأفف منه، وقال: غلب عليك الشيطا وأمره.\rقال: فهؤلاء من حضر المسجد يومئذ من المنافقين؛ وفي هؤلاء من المنافقين، وفي أحبار يهود انزل الله تعالى صدر سورة البقرة إلى المائة منها؛ والله أعلم.\rفالذي منها مما يختص بالمنافقين قوله تعالى: \" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين \" إلى قوله: \" وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيانهِمْ يَعْمَهُونَ \" . وقوله: \" في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً \" أي شك فزادهم الله شكا. وقوله: \" وَإذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا في الأْرْضِ انمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ \" لأنهم كانوا يقولون: انما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. وقوله: \" وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ \" أي من تهود \" قَالُوا انا مَعَكُمْ \" أي على مثل ما انتم عليه \" انمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ \" أي انما نستهزئ بالقوم ونلعب بهم. ثم ضرب الله لهم مثلاً فقال: \" مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي استَوْقَدَ نَاراً \" الآية؛ أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق. ثم قال تعالى: \" صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ لاَ يَرْجِعُونَ \" أي عن الخير، لا يرجعون إلى هدى. وقوله: \" أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصَابِعَهُمْ في آذانهِمْ منَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ \" الصيب: المطر. قال ابن إسحاق: أي هم من ظلمة ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل، على الذي هم عليه من الخلاف والتخوف لكم، على مثل ما وصف، من الذي هو في ظلمة الصيب، يجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حذر الموت. \" وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ \" أي منزل ذلك بهم من النقمة. وقوله: \" يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أبْصَارَهُمْ \" أي لشدة ضوء الحق \" كُلّمَا أضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإذَا أظْلَمَ عَلَيْهِم قَامَوا \" أي يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين. \" وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِم وَأبْصَارِهِمْ \" أي لما تركوا الحق بعد معرفته. والله تعالى أعلم بالصواب.\rوحيث ذكرنا ما ذكرنا من أخبار المنافقين، فلنذكر أخبار يهود، ونجمع ما تفرق منها على نحو ما تقدم.","part":4,"page":347},{"id":1848,"text":"ذكر شيء من أخبار يهود الذين نصبوا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما انزل فيهم من القران\rقال لما أظهر الله تعالى دينه، واطما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، اجتمع إليه إخوانه من المهاجرين والأنصار، واستحكم أمر الإسلام، نصبت أحبار يهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغيا وحسدامع تحققهم نبوته، وصحة رسالته، وانه الذي نص الله تعالى عليه في التوارة؛ فكانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعنتونه، وهم من بني النضير: حي بن أخطب، وأخواه أبو ياسر وحدي، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، والربيع ابن الربيع بن أبي الحقيق، وعمرو بن جحاش، وكعب بن الأشرف، والحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وكردم بن قيس حليفه أيضاً. ومن بني ثعلبة بن الفطيون - ويقال فيه الفطيوس - عبد الله بن صوريا الأعور، وهو أعلم أهل زمانه بالحجاز بالتوراة، وابن صلوبا ومخيريق، وكا حبرهم. ومن بني قينقاع: زيد بن الصليت - ويقال فيه اللصيت - وسعد بن حنيف، ومحمود بن سيحان، وعزيز ابن أبي عزيز، وعبد الله بن صيف - ويقال ابن ضيف - وسويد بن الحارث، ورفاعة بن قيس، وفنحاص، وأشيع، ونعما بن أضا وبحرى بن عمرو، وشاس ابن عدي بن قيس، وزيد بن الحارث، ونعما بن عمرو، وسكين بن أبي سكين، وعدي بن زيد، ونعما بن أبي أوفى، أبو انس، ومحمود بن دحية، ومالك بن صيف، وكعب بن راشد، وعازر، ورافع بن أبي رافع، وأزار بن أبي أزار - ويقال فيه: آزر بن أبي آزر - ورافع بن حارثة، ورافع بن خارجة، ومالك بن عوف، ورفاعة بن زيد، وعبد الله بن سلام بن الحارث؛ وكا حبرهم وأعلمهم، وكا اسمه الحصين، فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله.\rومن بني قريظة الزبير بن باطا بن وهب، وعزال بن سموال، وكعب ابن أسد. وشمويل بن زيد، وجبل بن عمرو، والنحام بن زيد، وقردم بن كعب، ووهب بن زيد، ونافع بن أبي نافع، وأبو نافع، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، وكردم بن زيد، وأسامة بن حبيب، ورافع بن رميلة، وجبل بن أبي قشير، ووهب بن يهوذا.\rومن يهود بني زريق لبيد بن أعصم الساحر. ومن يهود بني الحارثة: كنانة ابن صوريا. ومن يهود بني عمرو بن عوف قردم بن عمرو. ومن يهود بني النجار: سلسلة بن برهام؛ هؤلاء أحبار يهود، وأهل العداوة لله تعالى ولرسوله، لم يستثن منهم إلا عبد الله بن سلام ومخيريق، فانهما أسلما. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع.\rعبد الله بن سلام ومخيريق","part":4,"page":348},{"id":1849,"text":"أما عبد الله بن سلام فانه كان عالماً حبراً من أحبار يهود؛ حكى محمد بن إسحاق عن خبر إسلامه رواية عن بعض أهله عنه قال: لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت صفته وإسلامه وزمانه الذي كنا نتوكف له، فكنت مسراً لذلك صامتا عليه، حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلما نزل بقباء في بني عمرو بن عوف أقبل رجلٌ حتى أخبر بقدومه، وانا على رأس نخلةٍ أعمل فيها وعمتي خلدة بنت الحارث تحتي جالسةً، فلما سمعت الخبر كبرت؛ فقالت عمتي حين سمعت تكبيري: خيبك الله ! والله لو كنت سمعت بموسى بن عمرا قادماً ما زدت. قال: قلت لها: أي عمة، هو والله أخو موسى بن عمرا وعلى دينه، بعث بما بعث به؛ قالت: أي ابن أخي، هذا النبي الذي كنا نخبر به انه يبعث مع نفس الساعة ؟ قلت نعم؛ قالت: فذاك إذاً؛ قال: ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت؛ فلما رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا وكتمت إسلامي من يهود، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله،ايهود قوم بهتٌ، واني أحباتدخلني بعض بيوتك فتغيبني عنهم، ثم تسألهم عني حتى يخبروك كيف انا فيهم قبلايعلموا بإسلامي، فانهماعلموا به بهتوني؛ قال: فأدخلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض بيوته، ودخلوا عليه فكلموه وساءلوه ثم قال لهم: أي رجل الحصين بن سلام فيكم ؟ فقالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا؛ فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله انكم لتعلمون انه لرسول الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة باسمه وصفته، فاني أشهد انه رسول الله، وأؤمن به، وأصدقه وأعرفه؛ فقالوا: كذبت، ثم وقعوا بي، فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم أخبرك يا رسول الله انهم قوم بهت، أهل غدر وكذب وفجور؛ ؟ قال: وأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمتي خلدة بنت الحارث فحسن إسلامها.\rوأما مخيريق - قال ابن إسحاق: كان حبراً عالماً وكا غنياً كثير الأموال من النخل، وكا يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته وما يجد في علمه، وغلب عيلان لف دينه، فلم يزل على ذلك، حتى إذا كان يوم أحد وهو يوم السبت، قال: يا معشر يهود، والله انكم لتعلمونانصر محمد عليكم لحق؛ قالوا: ان اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم، ثم أخذ سلاحه فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأحد، وعهد إلى من وراءه من قومه:اقتلت في هذا اليوم فأموالي لمحمد يصنع فيها ما أراه الله؛ فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكى يقول: مخيريق خير يهود، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواله، فعامة صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة منها.\rقال: وكا مما انزل الله تعالى في أمر اليهود صدرا من سورة البقرة، من ذلك قوله تعالى: \" ا الذَّيِنَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أانذَرْتَهُمْ أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ \" أي انهم قد كفروا بما عندك من ذكرٍ لهم، وحجدوا ما أخذ عليهم من الميثاق لك، فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم به غيرك، فكيف يستمعون منك انذاراً أو تحذيراً ! وقوله: \" خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ \" أي عن الهدى لن يصيبوه أبدا \" وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ \" أي بما هم عليه من خلافك.\rوقوله تعالى: \" يَا بَني إسْرَائِيلَ اذُكُرُوا نِعْمَتَيِ الَّتي انعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأوْفُوا بِعَهِدِي أوفِ بَعْهدِكُمْ وَإيَّاي فَارْهَبُونِ. وَآمِنُوا بِمَا انزَلْتُ مُصَدقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أوَلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتي ثَمَناً قَلِيلاً وَإيَّايَ فَاتَّقُوِن. وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَانتُمْ تَعْلَمُونَ \" ، أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به، وانتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم.","part":4,"page":349},{"id":1850,"text":"ثم قال الله تعالى: \" أتَأمُرُونَ النَّاسَ بِالْبرِّ وَتَنْسَوْنَ انفُسَكُمْ وَانتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أفَلاَ تَعْقِلُونَ \" أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من التوراة، وتتركون انفسكم، وانتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، وتجحدون ما تعلمون من كتابي. ثم عدد عليهم أحداثهم فيما سلف، فذكر لهم العجل، وقولهم لموسى: \" أرِنَا اللهَ جَهْرَةً \" وصعقتهم عند ذلك، ثم إحياء الله لهم وإظلالهم بالغمام، وانزاله عليهم المن والسلوى، وقوله لهم: \" ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ \" أي قولوا ما آمركم به أحط به دنو بكم عنكم؛ وتبديلهم ذلك، إلى ما ذكره الله تعالى من أخبارهم مع موسى.","part":4,"page":350},{"id":1851,"text":"ثم قال الله تعالى والخطاب لنبيه صلى الله عليه وسلم ولمن معه من المؤمنين: \" أفَتطْمَعُونَ أن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كان فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ \" قال الفريق الذي أخبر الله عنهم انهم كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه؛ وهم الذين قالوا لموسى صلى الله عليه وسلم: يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية ربنا فأسمعنا كلامه حين يكلمك، فطلب موسى ذلك من ربه لهم، فقال تعالى: مرهم فليتطهروا ويطهروا ثيابهم ويصوموا ففعلوا ثم خرج بهم حتى أتى الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى فوقعوا سجوداً وكلمه ربه، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم، حتى عقلوا ما سمعوا ثم انصرف بهم موسى إلى بني إسرائيل، فلما جاءهم حرف فريق ممن سمع ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: ان الله قد أمركم بكذا وكذا قال ذلك الفريق: انما قال كذا وكذا خلافاً لما قال الله تعالى لهم، فهم الذين عنى الله تعالى. ثم قال: \" وَإذَا لَقُوا الَّذيِنَ آمَنُوا قَالُوا آمَنّا \" أي بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة. وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا فانكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فانزل الله تعالى: \" وإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنّا وإذَا خَلاَ بَعْضُهْم إلَى بَعْضٍ قَالُوا أتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أفَلاَ تَعْقِلُونَ \" أي تقرون بانه نبي، وهو يخبرهم انه النبي الذي كنا ننتظره وبحده في كتابنا احجدوه فلا تقروا لهم به، قال الله تعالى: \" أوَلاَ يَعْلَمُونَ ان اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ. وَمِنْهُمْ أمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكتَابَ إلاَّ أمانيَّ وَا هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ \" أي إلا تلاوة، والأمي هو الذي يقرأ ولا يكتب، معناه انهم لا يعلمون الكتاب فلا يدرون ما فيه، فهم يجحدون نبوتك بالظن. وقوله تعالى: \" وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلاَّ أيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ \" قال ابن عباس رضي الله عنهما: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تقول: انما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وانما يعذب الله تعالى الناس في النار بكل ألف سنةٍ من أيام الدنيا يوماً واحداً في النار من أيام الآخرة، وانما هي سبعة أيام، ثم ينقطع العذاب، فانزل الله تعالى ذلك، ثم قال: \" بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأحَاطَتْ بِهِ خَطِئَتُهُ \" أي من عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط كفره بما له من حسنة \" فَأُولَئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ \" . ثم قال تعالى يذمهم: \" وإذْ أخَذْنَا مِيثَاقَ بَني إسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إلاَّ اللهَ وَبالْوَالِدَينْ إحْساناً وّذِي الْقُرْبَى وَاليَتَاَمى وَالْمَسَاكِينَ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناَ وَأقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَانتُمْ مُعْرِضُونَ \" أي تركتم ذلك كله. \" وَإذْ أخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُون انفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وَانتُمْ تَشْهَدُونَ \" . قال ابن إسحاقك أقررتم علىاهذا حق من ميثاقي عليكم، \" ثُمَّ انتُمْ هَؤلاَءِ تَقْتُلُونَ انفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهمْ بِالإْثْمِ والْعُدْوَان \" ، أي أهل الشرك، حتى يسفكوا دماءهم معهم، ويخرجوهم من ديارهم معهم، \" وا يَأتُوكُمْ أسَارَى تُفَادُوهُمْ \" وقد عرفتماذلك عليكم في دينكم، \" وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إخْرَاجُهُمْ أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتَاب وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ \" أي أتفادونهم مؤمنين بذلك وتخرجونهم كفارا بذلك \" فَما جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلاَّ خزْىٌ في الحيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. أُولَئكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ","part":4,"page":351},{"id":1852,"text":"الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ \" فانبهم بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسرائهم فكانوا فريقين، منهم بنو قينقاع ولفهم حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة، ولفهم حلفاء الأوس، وكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب حرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت بنو النضير وقريظة مع الأوس يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون منها ما عليهم وما لهم، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، لا يعرفون جنة ولا نارا ولا بعثا ولا قيامة، ولا كتابا ولا حلالا ولا حراما فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أساراهم تصديقاً لما في التوراة وأخذاً به، يفتدى بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدى بنو النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلون ما أصابوا من الدماء، وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم؛ يقول الله تعالى: \" أفَتُؤمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتكْفُرُونَ بِبَعْضٍ \" أي تفاديه بحكم التوراة وتقتله، وفي حكم التوراة: ألا تفعل: تقتله، وتخرجه من داره، وتظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثا ابتغاء عرض الدنيا. ثم قال: \" وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الكتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنَا عِيسَى بْنَ مَرْيَم البَيِّنَاتِ \" أي الآيات التي كانت له من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، والخبر بكثيرٍ من الغيوب مما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، ثم ذكر كفرهم بذلك كله، فقال: \" أفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى انفُسُكُمُ اسْتكبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ \" ثم قال: \" وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فقلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ. وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِن عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذَّيِنَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ \" ؛ وذلك انهم كانوا يقولون للأنصار لما كانوا على جاهليتهم:انبيا يبعث الأن قد أظل زمانه، نتبعه، فنقتلكم معه قتل عادٍ وإرم، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم اتبعه الأنصار وكفر به يهود، قال الله تعالى: \" فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ \" ، ثم قال: \" بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ انفُسَهُمْ أن يَكْفُرُوا بِمَا انزَلَ اللهُ بَغي ان ايُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ \" ، غضب الله عليهم فيما صنعوا من مخالفتهم حكم التوراة، وغضب عليهم بكفرهم بهذا النبي الذي أرسل إليهم، ثم انبهم برفع الطور، واتخاذ العجل إلها من دون الله؛ ثم قال تعالى: \" قُلْاكَانتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاس فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَاكُنْتُمْ صَادِقِينَ \" أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك، فأعلمهم انهم لم يتمنوه فقال: \" وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَداً بِمَا قَدّمَتْ أيْدِيهِمْ \" أي بما عندهم من العلم بك والكفر بذلك، فيقال: لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات، ثم ذكر رغبتهم في الحياة فقال: \" وَلَتَجِدَنَهَّمْ أحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَوْ يُعَمِّرُ ألْفَ سَنَةٍ وَمَا هُو بِمُزَحَزِحِهِ مِنَ الْعَذابِايُعَمِّرَ \" أي ما هو بمنجيه؛ وذلك ان المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وا اليهود قد عرف ماله في الآخرة من الخزى بما صنع فيما عنده من العلم. والله تعالى الهادي للصواب، وإليه المرجع والمآب.َذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ \" فانبهم بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسرائهم فكانوا فريقين، منهم بنو قينقاع ولفهم حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة، ولفهم حلفاء الأوس، وكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب حرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت بنو النضير وقريظة مع الأوس يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون منها ما عليهم وما لهم، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، لا يعرفون جنة ولا نارا ولا بعثا ولا قيامة، ولا كتابا ولا حلالا ولا حراما فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أساراهم تصديقاً لما في التوراة وأخذاً به، يفتدى بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدى بنو النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلون ما أصابوا من الدماء، وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم؛ يقول الله تعالى: \" أفَتُؤمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتكْفُرُونَ بِبَعْضٍ \" أي تفاديه بحكم التوراة وتقتله، وفي حكم التوراة: ألا تفعل: تقتله، وتخرجه من داره، وتظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثا ابتغاء عرض الدنيا. ثم قال: \" وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الكتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنَا عِيسَى بْنَ مَرْيَم البَيِّنَاتِ \" أي الآيات التي كانت له من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، والخبر بكثيرٍ من الغيوب مما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، ثم ذكر كفرهم بذلك كله، فقال: \" أفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى انفُسُكُمُ اسْتكبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ \" ثم قال: \" وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فقلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ. وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِن عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذَّيِنَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ \" ؛ وذلك انهم كانوا يقولون للأنصار لما كانوا على جاهليتهم:انبيا يبعث الأن قد أظل زمانه، نتبعه، فنقتلكم معه قتل عادٍ وإرم، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم اتبعه الأنصار وكفر به يهود، قال الله تعالى: \" فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ \" ، ثم قال: \" بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ انفُسَهُمْ أن يَكْفُرُوا بِمَا انزَلَ اللهُ بَغي ان ايُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ \" ، غضب الله عليهم فيما صنعوا من مخالفتهم حكم التوراة، وغضب عليهم بكفرهم بهذا النبي الذي أرسل إليهم، ثم انبهم برفع الطور، واتخاذ العجل إلها من دون الله؛ ثم قال تعالى: \" قُلْاكَانتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاس فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَاكُنْتُمْ صَادِقِينَ \" أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك، فأعلمهم انهم لم يتمنوه فقال: \" وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَداً بِمَا قَدّمَتْ أيْدِيهِمْ \" أي بما عندهم من العلم بك والكفر بذلك، فيقال: لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات، ثم ذكر رغبتهم في الحياة فقال: \" وَلَتَجِدَنَهَّمْ أحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَوْ يُعَمِّرُ ألْفَ سَنَةٍ وَمَا هُو بِمُزَحَزِحِهِ مِنَ الْعَذابِايُعَمِّرَ \" أي ما هو بمنجيه؛ وذلك ان المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وا اليهود قد عرف ماله في الآخرة من الخزى بما صنع فيما عنده من العلم. والله تعالى الهادي للصواب، وإليه المرجع والمآب.","part":4,"page":352},{"id":1853,"text":"ذكر سؤال أحبار يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتراطهم على انفسهم انه ان أجابهم عما سألوه آمنوا به، ورجوعهم عن الشرط\rوذلكانفراً من أحبار يهود جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن أربع نسألك عنهن، فا فعلت اتبعناك وصدقناك وآمنا بك فقال: عليكم بهذا عهد الله وميثاقه ان أخبرتكم بذلك لتصدقنني \" ؟ قالوا: نعم؛ قال: فأسألوا عما بدا لكم قالوا: أخبرنا كيف يشبه الولد أمه، وانما لنطفة من الرجل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعرفونانطفة الرجل بيضاء غليظة، ونطفة المرأة صفراء رقيقة فأيتهما علت صاحبتها كان لها الشبه ؟ قالوا: اللهم نعم، قالوا: فأخبرنا كيف نومك ؟ قال: انشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمونانوم الذي تزعمون اني لست به تنام عينه وقلبه يقظا ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فكذلك نومي، تنام عيني وقلبي يقظا قالوا: فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه ؟ قال: انشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون انه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبا الإبل ولحومها وانه اشتكى شكوى فعافاه الله منها فحرم على نفسه أحب الطعام والشراب إليه شكراً لله تعالى، فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها ؟ قالوا: اللهم نعم؛ قالوا: فأخبرنا عن الروح ؟ قال: انشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمونه جبريل، وهو الذي يأتيني ؟ قالوا: اللهم نعم، ولكنه يا محمد، لنا عدو، وهو ملك، انما يأتي بالشدة وبسفك الدماء، ولولا ذلك لأتبعناك، فانزل الله فيهم: \" قُلْ مَنْ كان عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَانهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْن يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنيِنَ. وَلَقَدْ انزَلْنَا إلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إلاَّ الْفَاسِقُونَ. أوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ. وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب اللهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَانهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. وَاتبَّعَوُا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْما وَمَا كَفَرَ سُلَيْما وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ \" وذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر سليما في المرسلين قاب بعض أحبار يهود: ألا تعجبون من محمد ! يزعماسليما بن داود كان نبيا ووالله ما كان إلا ساحرا فانزل الله تعالى في ذلك من قولهم: \" وَمَا كَفَرَ سُلَيْما وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا \" أي بأتباعهم السحر وعملهم به، \" وَمَا انزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ ومَاَرُوتَ \" ، قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عكرمة، عن ابن عباس انه كان يقول: الذي حرم إسرائيل على نفسه: زائدتا الكبد، والكليتان، والشحم، إلا ما على الظهر، فا ذلك كان يقرب للقربا فتأكله النار. والله أعلم بالصواب.\rكتاب الرسول ليهود خيبر","part":4,"page":353},{"id":1854,"text":"عن ابن عباس رضي الله عنهما: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله صاحب موسى وأخيه، المصدق بما جاء به موسى، أل ان االله قد قال لكم: يا معشر أهل التوراة - وانكم تجدون ذلك في كتابكم: \" مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيَماهُمْ في وُجوهِهِمْ مِنْ أثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ في الأنجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فآزَرَهُ فَأسْتَغْلَظَ فَاَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأجْراً عَظِيماً \" ؛ واني انشدكم بالله، وانشدكم بما انزل عليكم، وانشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسباطكم المن والسلوى، وانشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى انجاهم من فرعون وعمله إلا اخبرتمونا هل تجدون فيما انزل عليكماتؤمنوا بمحمد ؟ فا كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم؛ \" قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغيِّ \" فأدعوكم إلى الله وإلى نبيه.\rما قاله الأحبار في القرآن\rقوله تعالى: \" الَمَ \" ، و \" الَمَصَ \" و \" الَر \" ، و \" الَمَر \" حكى محمد بن إسحاق انا أبا ياسر بن أخطب مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو: \" الَمَ. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ \" ، فأتى أخاه حي بن أخطب في رجالٍ من يهود. فقال: تعلموا والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما انزل عليه: \" الَمَ. ذَلِكَ الْكَتابُ \" ، فقالوا: انت سمعته ؟ قال: نعم، فمشى حي في أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، ألم تذكر لنا انك تتلو فيما انزل عليك: \" الَمَ \" ؟ فقال: بلى، قالوا: أجاءك بها جبريل من عند الله ؟ قال: نعم، فقالوا: لقد بعث الله قبلك انبياء، ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه، وما أكل أمته غيرك. فأقبل حي بن أخطب على من معه، فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون؛ فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين إنما مدة ملكه وأكل أمته احدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، هل مع هذا غيره ؟ قال: نعم قال: ماذا ؟ قال: \" الَمَصَ \" قال: فهذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون؛ والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومائة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم \" الَر \" . قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتان، هل مع هذا غيره يا محمد ؟ قال: نعم \" الَمَر \" قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة، ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً ؟ ثم قاموا عنه؛ فقال أبو ياسر لأخيه حي ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم، لعله قد جمع هذا كله لمحمد؛ سبعمائة وأربع وثلاثون سنة، قالوا: لقد تشابه علينا أمره، فيقال:اقوله تعالى: \" هُوَ الَّذِي انزَلَ عَلَيْكَ الْكتَابَ مِنْهُ آيَاتُ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكتَابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهَاتٌ \" نزلت فيهم، وقيل: انما نزلت في وفد نجران، على ما نذكرهاشاء الله تعالى.\rذكر شيء من مقالات أحبار يهود، وما انزل من القرا في ذلك كا من مقالاتهم ما قاله مالك بن الضيف حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر لهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم فيه، فقال: والله ما عهد إلينا في محمدٍ عهد، وما أخذ له علينا ميثاق، فانزل الله عز وجل فيه: \" أوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقُ مِنْهُمْ بَلْ أكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ \" . وقال ابن صلوبا الفطيوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما انزل عليك من آية بينة فنتبعك بها؛ فانزل الله تعالى: \" وَلَقَدْ انزَلْنَا إلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إلاَّ الْفَاسِقُونَ \" .","part":4,"page":354},{"id":1855,"text":"وقال رافع بن حريملة، ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا انهارا نتبعك ونصدقك، فانزل الله تعالى: \" أمْ تُرِيدُونَاتَسْألُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإْيما فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيِل \" قال: وكا حي بن أخطب وأخوه أبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا؛ فكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا فانزل الله عز وجل فيهما: \" وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أهْلِ الْكتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إيَمانكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ انفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأتيَ اللهُ بِأمْرِه ان اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ \" قال: ولما قدم أهل نجرا من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رافع بن حريملة: ما انتم على شيء، وكفر بعيسى وبالأنجيل، فقال رجل من أهل نجرا من النصارى لليهود: ما انتم على شيء، وجحد نبوة موسى، وكفر بالتوراة، فانزل الله تعالى: \" وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهْم فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيَما كَانوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ \" . وقال رافع لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد،اكنت رسولا من الله كما تقول فقل لله يكلمنا تكليما حتى نسمع كلامه، فانزل الله تعالى في ذلك: \" وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلهمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآْيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ \" . وقال عبد الله بن صوريا الفطيوني الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد؛ وقالت النصارى مثل ذلك، فانزل الله تعالى في أقوالهم: \" وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أوْ نَصَارىَ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كان مِنَ المُشْرِكِينَ \" إلى قوله: \" وَلاَ تُسْألُونَ عَمَّا كَانوا يَعْمَلُونَ \" . وتكلموا عند صرف القبلة بما نذكرهاشاء الله في حوادث السنة الثانية.\rقال: وسأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد، نفرا من أحبار يهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه وأبو ان ايخبروهم، فانزل الله فيهم: \" ا الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَأ انزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ والْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنّاهُ لِلنَّاسِ في الْكَتابِ أُولِئَكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعُنُهُم اللاَّعِنُون \" . ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام ورغبهم فيه، وحذرهم عذاب الله، فقال رافع بن خارجة، ومالك بن عوف: بل نتبع يا محمد ما وجدنا عيلان باءنا فهم كانوا أعلم منا وخيرا منا فانزل الله في ذلك: \" وإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما انزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا ألْفَيْنَا عيلان بَاءَنَا أوَلَوْ كان آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ \" .\rقال: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزاة بدر جمع يهود في سوق بني قينقاع، وقال لهم: يا معشر يهود، أسلموا قبلايصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشا فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك انك قتلت نفرا من قريش، كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، انك والله لو قاتلتنا لعرفت انا نحن الناس، وانك لم تلق مثلها فانزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: \" قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلَى جَهَنَّمَ وبِئْسَ الْمِهَادُ. قَدْ كان لَكُمْ آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَيَتا فِئَةٌ تُقَاتِلُ في سَبِيل الله وَأخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأىَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤيِّدُ بنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُافي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولي الأبْصَار \" .","part":4,"page":355},{"id":1856,"text":"قال: ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله عز وجل، فقال له النعما بن عمرو، والحارث بن زيد: وعلى اي دين انت يا محمد ؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه قالا: فا إبراهيم كان يهوديا؛ فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلم إلى النوارة فهي بيننا وبينكم؛ فانزل الله فيهما: \" ألَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِن الْكتَابِ يُدْعَوْنَ إلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ. ذَلِكَ بانهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلاَّ أيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ في دِينهِمْ مَا كَانوا يَفْتَرُونَ \" . وقال أحبار يهود ونصارى نجرا حين اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنازعوا فقال الأحبار: كان إبراهيم يهوديا وقالت النصارى: كان نصرانيا؛ فانزل الله تعالى: \" يَأهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ في إبْرَاهِيمَ وَمَا انزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالأنجِيلُ إلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أفَلاَ تَعْقِلُونَ. هانتُمْ هَؤُلاَءِ حَاجَجْتُمْ فِيَما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيَما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَانتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ. مَا كان إبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نْصَرانيّاً وَلَكِنْ كان حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كان مِنَ الْمُشِرِكينَ. ان أوْلَى النَّاسِ بِإبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهّذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَليُّ الْمُؤْمِنِينَ \" . وقال عبد الله بن صيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما انزل على محمد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم، فانزل الله تعالى فيهم: \" يَأهْلَ الْكتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَانتُمْ تَعْلَمُونَ. وقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي انزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وَلاَ تُؤْمِنُوا إلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ ان الْهُدَى هُدَى اللهِايُؤْتَى أحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ ان الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَليمٌ \" . وقال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من يهود والنصارى من أهل نجرا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، تريد من ان انعبدك كما يعبد النصارى عيسى بن مريم ؟ وقال رجل من أهل نجرا يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا ؟ أو كما قال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله ان أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ولا أمرني فانزل الله تعالى: \" مَا كان لِبَشَرٍايُؤْتَيه اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لي مِنْ دُونِ اللَهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبانيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّيِنَ أرْباباً أيأمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ انتُمْ مُسْلِمُونَ \" ، والربانيون هم العلماء والفقهاء؛ ثم ذكر تعالى ما أخذ عليهم وعلى انبيائهم من الميثاق بتصديقه إذا هو جاءهم، فقال: \" وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِيِّنَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ \" إلى آخر القصة. والله أعلم.\rفتنة شأس بن قيس\rاليهودي بين الأوس والخزرج ، ورجوعهم إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم","part":4,"page":356},{"id":1857,"text":"قال محمد بن إسحاق: مر شأس بن قيس: وكا شيخا عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفرٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج، قد اجتمعوا في مجلس يتحدثون، فغاظه ما هم عليه من الألفة والجماعة وصلاح ذات البين على الإسلام، بعد ما كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملا بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار؛ فأمر شابا من يهود كان معهايجلس معهم، ثم يذكر يوم بعثا وما كان قبله، وا ينشدهم بعض ما كانوا قالوه من الأشعار يوم بعاث، وهو يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج، فكان الظفر فيه للأوس، وكا عليهم يومئذ حضير بن سماك الأشهلي، أبو أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عمرو ابن النعما البياضي، فقتلا جميعا ففعل الشاب ذلك، فتكلم القوم، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلأن من الحيين على الركب؛ أوس بن قيظي الأوسي، وجبار بن صخر الخزرجي، فتقاولأن ثم قال أحدهما للآخر:اشئتم رددناها الأن جذعة؛ فغضب الفريقا جميعا وقالوا: قد فعلنا موعدكم الظاهرة، وهي الحزة، وقالوا: السلاح السلاح، وخرجوا إليها فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، فقال: يا معشر المسلمين، الله الله ! أبدعوى الجاهلية وانا بين أظهركم بعداهداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع عنكم به أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم ! فعرف القوم انها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانزل الله تعالى في شأس بن قيس: \" قُلْ يَأهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ واللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ. قُلْ يَأهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَانتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ \" وانزل في أوس بن قيظى وجبار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا: \" يَأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو ان اتُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ يَرُدُّكُمْ بَعْدض إيَمانكُمْ كَافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَانتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِىَ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم: يَأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إلاَّ وَانتُمْ مُسْلِمُونَ. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَإذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُم أعْدَاءً فَألّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمء فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَانقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ وَيَأمُرُونَ بِالْمْعرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وأُولئِكَ هُمُ المُفِلِحُونَ. وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرٌّثُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيّنَاتُ وَأُولِئكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ \" .\rفيمن أسلم منهم\rوما انزل الله تعالى في ذلك","part":4,"page":357},{"id":1858,"text":"قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد ابن عبيد، ومن أسلم معهم من يهود وآمنوا وصدقوا قال أهل الكفر من أحبار يهود: ما آمن بمحمد واتبعه إلا شرارنا ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره، فانزل الله تعالى فيهم: \" لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ أمّةٌ قَائِمةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ اناءَ اللّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِر وَيأْمُرُونَ بِالَمعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ويُسارِعونَ في الخَيْراتِ وأولئِكَ مِنَ الصّالِحينَ \" ، قال: وكا رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود، لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فانزل الله تعالى فيهم: \" يَأيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَألُونَكُم خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أفْواهِهِم وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآْياتِاكُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. هانتُم أُولاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ كُلِّهِ \" ، أي تؤمنون بكتابكم وبما مضى من الكتب قبل ذلك وهم يكفرون بكتابكم، فانتم كنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم، \" وإذا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنّا وَإذَا خَلَوا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُم ان اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.اتَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وا تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَا تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا لاَ يَضُرّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئ ان االلهَ بمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ \" ، قال: ودخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى بيت المدراس على يهود، فوجد جماعة كثيرة منهم قد اجتمعوا إلى حبر من أحبارهم يقال له فنحاص، ومعه حبر آخر يقال له أشيع؛ فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك يا فنحاص ؟ اتق الله وأسلم، فوالله انك لتعلمامحمدا لرسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والأنجيل، فقال لأبي بكر: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من فقر، وانه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا وانا عنه لأغنياء، وما هو عنا بغني، ولو كان عنا غنيا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان عنا غنيا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك، أي عدو الله. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت ؟. فقال: يا رسول الله،اعدو الله قال قولاً عظيما - وذكر قوله - فلما قال ذلك غضبت لله وضربت وجهه، فجحد فنحاص ذلك، وقال: ما قلت ذلك، فانزل الله في ذلك تصديقا لأبي بكر رضي الله عنه: \" لَقَدْ سَمِعَ اللَهُ قَوْلَ الّذِين قَالُو ان االلهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأنبيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقوا عَذَابَ الْحَرِيق \" ، وانزل الله تعالى في أبي بكر وغضبه في ذلك: \" وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الّذِين أوتُوا الْكتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ومِنَ الّذينَ أشْرَكُوا أذىً كَثِيراً وَا تَصْبِرُوا وَتتَقُوا فا ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأْمُورِ \" . قال: وكا كردم بن قيس، وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع، وبحرى بن عمرو، وحي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالا من الأنصار يتنصحون لهم فيقولون: لا تنفقوا أموالكم، فانا نخشى عليكم الفقر في ذهابها ولا تسارعوا في النفقة، فانكم لا تدرون علام يكون، فانزل الله تعالى فيهم: \" الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ \" أي من التوراة التي فيها تصديق ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم \" وَأعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً. وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُم رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بالْيَوْمِ الآْخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَا لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً. وَمَاذَا عَلَيْهِم لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوِمْ الآخِرِ","part":4,"page":358},{"id":1859,"text":"وَانفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَهُ وَكَا اللَهُ بِهمْ عَلِيماً \" قال: وكا رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود، إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فانزل الله تعالى فيه: \" ألَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُريدُونَ أن تَضِلُّوا السسّبِيلَ. واللهُ أعْلَمُ بِأعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَليّاً وكَفَى بالله نَصِيراً. مِنَ الَّذينَ هَادُوا يُحرِّفُونَ الْكَلَمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَع غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بألْسِنَتِهمْ وَطَعْناً في الدِّينِ وَلَوْ انهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأطَعْنَا وَاسْمَعْ وانظُرْنَا لَكَا خَيْراً لَهُمْ وَأقْوَمَ وَلَكِن لَعَنَهُمُ اللَهُ بِكُفْرِهمْ فَلاَ يُؤمِنُونَ إلاّ قَلِيلاً \" . قال: وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود، منهم عبد الله بن صوريا الأعور، وكعب ابن أسد، فقال: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا فوالله انكم لتعلمون ان الذي جئتكم به لحق، قالوا: ما نعرف ذلك يا محمد، وأصروا على الكفر، فانزل الله تعالى فيهم: \" يَأيُّها الّذينَ أوتُوا الْكتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكْمْ مِنْ قَبْلِانَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أدْبَارِهَا أوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصْحَابَ السَّبْتِ وَكَا أمْرُ اللهِ مَفْعُولاً \" . قال: وقال سكن، وعدي بن زيد: يا محمد، ما نعلم ان الله انزل على بشر من شيءٍ بعد موسى؛ فانزل الله تعالى: \" انا أوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ والنَّبِييِّنَ مِنْ بَعْدِهِ وَأوْحَيْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأْسْبَاطِ وَعِيسَى وَأيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْما وَآتَيْنَا دَاودَ زَبُوراً. وَرُسُلاً قدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُم عَليْكَ وكَلَّمَ اللَهُ مُوسَى تَكْلِيماً. رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْدّرِينَ لِئلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَا اللَهُ عَزِيزاً حَكِيماً \" . ودخلت طائفة منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: أما والله انكم لتعلمون اني رسول من الله إليكم ! قالوا: ما نعلمه: وما نشهد عليه، فانزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى: \" لَكِنِ اللَهُ يَشْهَدُ بِما انزلَ إليْكَ انزَلَهُ بِعلْمِه والْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهيدا \" . وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعما بن أضا وبحرى بن عمرو، وشأس ابن عدي، فكلموه وكلمهم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فانزل الله تعالى: \" وَقَالتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أبْنَاءُ اللهِ وأحِبَّاؤهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ انتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ويُعذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهِ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالأْرِض وَمَا بَيْنَهُمَا وَإليْهِ الْمَصِير \" . قال: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود إلى الإسلام، ورغبهم فيه، وحذرهم عقوبة الله، فأبوا وكفروا وجحدوا فقال لهم معاذ بن جبل، وسعد ابن عبادة، وعقبة بن وهب: يا معشر يهود، اتقوا الله، فوالله انكم لتعلمون انه رسول الله، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه بصته، فقال رافع ابن حريملة، ووهب بن يهود: ما قلنا هذا لكم، وما انزل الله من كتاب من بعد موسى ولا أرسل بشيراً ولا نذيرا بعده، فانزل الله تعالى: \" يَأهْلَ الكِتابِ قَدْ جَاءَكُم رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِن الرُّسُلاتَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرْ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنّذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ \" .فَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَهُ وَكَا اللَهُ بِهمْ عَلِيماً \" قال: وكا رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهود، إذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال: أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فانزل الله تعالى فيه: \" ألَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُريدُونَ أن تَضِلُّوا السسّبِيلَ. واللهُ أعْلَمُ بِأعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَليّاً وكَفَى بالله نَصِيراً. مِنَ الَّذينَ هَادُوا يُحرِّفُونَ الْكَلَمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَع غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بألْسِنَتِهمْ وَطَعْناً في الدِّينِ وَلَوْ انهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأطَعْنَا وَاسْمَعْ وانظُرْنَا لَكَا خَيْراً لَهُمْ وَأقْوَمَ وَلَكِن لَعَنَهُمُ اللَهُ بِكُفْرِهمْ فَلاَ يُؤمِنُونَ إلاّ قَلِيلاً \" . قال: وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود، منهم عبد الله بن صوريا الأعور، وكعب ابن أسد، فقال: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا فوالله انكم لتعلمون ان الذي جئتكم به لحق، قالوا: ما نعرف ذلك يا محمد، وأصروا على الكفر، فانزل الله تعالى فيهم: \" يَأيُّها الّذينَ أوتُوا الْكتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكْمْ مِنْ قَبْلِانَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أدْبَارِهَا أوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصْحَابَ السَّبْتِ وَكَا أمْرُ اللهِ مَفْعُولاً \" . قال: وقال سكن، وعدي بن زيد: يا محمد، ما نعلم ان الله انزل على بشر من شيءٍ بعد موسى؛ فانزل الله تعالى: \" انا أوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ والنَّبِييِّنَ مِنْ بَعْدِهِ وَأوْحَيْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأْسْبَاطِ وَعِيسَى وَأيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْما وَآتَيْنَا دَاودَ زَبُوراً. وَرُسُلاً قدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُم عَليْكَ وكَلَّمَ اللَهُ مُوسَى تَكْلِيماً. رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْدّرِينَ لِئلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَا اللَهُ عَزِيزاً حَكِيماً \" . ودخلت طائفة منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: أما والله انكم لتعلمون اني رسول من الله إليكم ! قالوا: ما نعلمه: وما نشهد عليه، فانزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى: \" لَكِنِ اللَهُ يَشْهَدُ بِما انزلَ إليْكَ انزَلَهُ بِعلْمِه والْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهيدا \" . وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعما بن أضا وبحرى بن عمرو، وشأس ابن عدي، فكلموه وكلمهم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن والله أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فانزل الله تعالى: \" وَقَالتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أبْنَاءُ اللهِ وأحِبَّاؤهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ انتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ويُعذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهِ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالأْرِض وَمَا بَيْنَهُمَا وَإليْهِ الْمَصِير \" . قال: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود إلى الإسلام، ورغبهم فيه، وحذرهم عقوبة الله، فأبوا وكفروا وجحدوا فقال لهم معاذ بن جبل، وسعد ابن عبادة، وعقبة بن وهب: يا معشر يهود، اتقوا الله، فوالله انكم لتعلمون انه رسول الله، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه بصته، فقال رافع ابن حريملة، ووهب بن يهود: ما قلنا هذا لكم، وما انزل الله من كتاب من بعد موسى ولا أرسل بشيراً ولا نذيرا بعده، فانزل الله تعالى: \" يَأهْلَ الكِتابِ قَدْ جَاءَكُم رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِن الرُّسُلاتَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرْ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنّذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ \" .","part":4,"page":359},{"id":1860,"text":"قصة الرجم\rروى عن أبي هريرة رضي الله عنه انه قال: ان أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وقد زنى رجل بينهم بعد إحصانه بأمرأةٍ من يهود قد أحصنت، فقالوا: ابعثوا بهذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد، فأسألوه كيف الحكم فيهما فقالوا: وولوه الحكم عليهما فا عمل فيهما بعملكم من التجبية - والتجبية: الجلد بحبلٍ من ليفٍ قد طلي بقارٍ، ثم تسود وجوههما ثم يحملأن على حمارين، وتجعل وجوههما من قبل أدبار الحمارين - فاتبعوه فانما هو ملك، وصدقوه، وا هو حكم فيهما بالرجم فانه نبي، فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه، فأتوه فقالوا: يا محمد، هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت، فأحكم فيهما فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى أحبارهم في بيت المدراس، فقال: يا معشر يهود أخرجوا إلى علماءكم، فأخرجوا إليه عبد الله صوريا وأبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهوذا فقالوا: هؤلاء علماؤنا فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قالوا: هذا عبد الله بن صوريا أعلم من بقي بالتوراة: فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكا غلاما شابا من أحدثهم سنا فقال له: يا بن صوريا انشدك الله، وأذكرك بأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلم ان الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة ؟ قال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم انهم ليعرفون انك لنبيٌ مرسل، ولكنهم يحسدونك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر برجمهما فرجما عند باب مسجده، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا وجحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانزل الله تعالى: \" يَأيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ في الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنّا بِأفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ومِنِ الَّذينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحِرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ ان أوتيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَا لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا \" ، أي الرجم، \" وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أولِئكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُايُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ في الدُّنْيَا خزْىٌ وَلَهُمْ في الآْخَرةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَا جَاءُوكَ فَأحْكُمْ بَيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ وَا تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شيَئْاً وَا حَكَمْتَ فأحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقْسِطِ ان اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. وَكَيْفَ يُحكَمِّوُنَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيَها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذّلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ. انا انزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ اسلموا للذين هَادُوا والرَّبانيُّونَ وَالأخْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشضوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا انزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ \" إلى آخر القصة.\rوروى عن ابن عباس رضي الله عنه انه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما فرجما بباب مسجده، فلما وجد اليهودي مس الحجارة قام إلى صاحبته فجنا عليها يقيها مس الحجارة حتى قتلا جميعا.","part":4,"page":360},{"id":1861,"text":"وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: لما حكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما دعاهم بالتوراة، وجلس حبرٌ منهم يتلوها وقد وضع يده على آية الرجم، فضرب عبد الله بن سلام يد الحبر، ثم قال: هذه يا نبي الله آية الرجم، يأبىايتلوها عليك؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحكم يا معشر يهود ! ما دعاكم إلى ترك حكم الله وهو بأيديكم ؟! فقالوا: أما انه كان فينا يعمل به، حتى زنى رجل منا بعد إحصانه من بيوت الملوك وأهل الشرف فمنعه الملك من الرجم، ثم زنى رجل من بعده فأرادايرجمه فقالوا: لا والله، حتى ترجم فلأنا فلما قالوا ذلك اجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التجبية، وأماتوا ذكر الرجم والعمل به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فانا أول من أحيا أمر الله وكتابه وعمل به. ثم أمر بهما فرجما عند باب مسجده، قال عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما: كنت فيمن رجمهما. قال: واجتمع كعب بن أسد وابن صلوبا وعبد الله بن صوريا وشأس بن قيس. وقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى محمد؛ لعلنا نفتنه عن دينه، فانما هو بشر، فأتوه فقالوا: يا محمد، انك قد عرفت انا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وان ان ااتبعناك اتبعك يهود ولم يخالفونا وا بيننا وبين بعض قومنا خصومة، أفنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك ؟ فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؛ فانزل الله فيهم: \" وَا احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا انزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا انزَلَ اللهُ إلَيْكَ فَا تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ انمَا يُرِيدُ اللهُايُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَا كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أفَحُكْمَ الْجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقْومٍ يُوقِنُونَ \" .\rقال: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحبار يهود أبو ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وعازر بن أبي عازر، وخالد بن زيد، وأزار بن أبي أزار، وأشيع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال صلى الله عليه وسلم: نؤمن بالله وما انزل إلينا وما انزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن به، فانزل الله تعالى فيهم: \" قُلْ يَأهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إل ان اآمَنّا بِاللهِ وَمَا انزِلَ إلَيْنَا وَمَا انزِلَ مِنْ قَبْلُ وَا أكْثَركُمْ فَاسِقُونَ \" . قال: وأتاه صلى الله عليه وسلم رافع ابن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الضيف، ورافع بن حريملة فقالوا: يا محمد، ألست تزعم انك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوارة، وتشهد انها من الله حق ؟ قال: بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتماتبينوه للناس، فبرئت من أحداثكم. قالوا: فانا نأخذ بما في أيدينا؛ فانا على الهدى والحق، ولا نؤمن بك ولا نتبعك، فانزل الله تعالى فيهم: \" قُلْ يَأهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالأنجِيلَ وَمَا انزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا انزلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلاَ تَأسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ \" .\rقال: وأتاه صلى الله عليه وسلم النحام بن زيد، وقردم بن كعب، وبحرى ابن عمرو، فقالوا: يا محمد، أما تعلم مع الله إلها غيره ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إله غيره، بذلك بعثت، وإلى ذلك أدعو؛ فانزل الله تعالى فيهم وفي قولهم: \" قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْني وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِىَ إلَىّ هَذَا الْقُرا لأنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَامَعَ اللهِ آلِهَةً أخْرَى قُلْ لاَ أشْهَدُ قُلْ انما هُوَ إلَهٌ واَحِدٌ وَانني بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكتَابَ يَعْرِفُونَهُ كما يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُم الَّذِينَ خَسِرُوا انفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ \" .","part":4,"page":361},{"id":1862,"text":"قال: وكا رفاعة بن زيد بن التابوت، وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ونافقا فكان رجال من المسلمين يوادونهما فانزل الله تعالى فيهم: \" يَأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أوْلِيَاءَ واتَّقُوا اللَهَاكُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ \" إلى قوله: \" وَإذَا جَاؤُكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أعْلَمُ بِمَا كَانوا يَكْتُمُونَ \" . وقال جبل بن أبي قشير، وشمويل بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرنا متى الساعةاكنت نبيا كما تقول ؟ فانزل الله تعالى: \" يَسْألُونَكَ عَن السَّاعَةِ أيا مُرْسَاهَا قُلْ انمَا عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ في السَّمَوَاتِ وَالأْرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إلاَّ بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَانكَ حَفيٌّ عَنْهَا قُلْ انمَا عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ \" .\rوقال محمود بن سيحا ونعما بن أضاء، وبحرى بن عمرو، وعزير بن أبي عزير، وسلام بن مشكم، وفنحاص، وعبد الله بن صوريا وابن صلوبا وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وأشيع، وكعب بن أسد، لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أحق يا محمداهذا الذي جئت به حق من عند الله ؟ فانا لا نراه متسقا كما تسق التوراة ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله انكم لتعرفون انه من عند الله، تجدونه مكتوبا عندكم، ولو اجتمعت الأنس والجن علىايأتوا به ما جاءوا به فقالوا عند ذلك: يا محمد، أما يعلمك هذا انس ولا جنٌ ؟ فقال: أما والله انكم لتعلمون انه من عند الله، وانى لرسول الله؛ تجدون ذلك مكتوبا عندكم في التوراة قالوا: يا محمد، فا الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء، ويقدر منه على ما أراد، فانزل علينا كتابا من السماء نقرؤه ونعرفه، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به. فانزل الله تعالى: \" قُلْ لَئِنَ اجْتَمَعَتِ الأنسُ والجْنُّ عَلَىايَأْتُوا بِمثْلِ هَذَا الْقُرا لاَ يَأْتُونَ بِمثْلِهِ وَلَوْ كان بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً \" ، والظهير: العون.\rقال: وأتى رهط من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا محمد، هذا الله خلق الخلق فمن خلقه ؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه، فجاءه جبريل عيلان لسلام فسكنه، فقال: خفض عليك يا رسول الله، وجاءه من الله بجواب ما سألوه عنه: \" قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ. اللهَ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ \" ، فلما تلاها عليهم قالوا: فصف لنا كيف خلقه ؟ كيف ذراعه ؟ كيف عضده ؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول، فأتاه جبريل فقال له مثل ما قال له أول مرة، وجاءه من الله بجواب ما سألوه فقال: \" وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ \" ، وكانت سؤالات يهود وعنتهم وبغيهم وتحريفهم وتبديلهم كثيرة؛ قد نطق بذلك كله القران، وجاء بالرد عليهم وبتكذيبهم وتفريقهم، ثم سلط الله عليهم المسلمين، وحكم فيهم سيوفهم فقتلوهم وأجلوهم واستأصلوا شأفتهم، وأسروا وسبوا منهم، على ما نذكر ذلكاشاء الله تعالى في الغزوات والسرايا فلما أيسوا وأبلسوا عمدوا إلى تخيلات أخر من السحر والسم.\rالذين سحروا الرسول\rصلى الله عليه وسلم","part":4,"page":362},{"id":1863,"text":"قالوا: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الحديبية سنة ست من مهاجره، ودخل المحرم سنة سبع، جاءت رؤساء يهود الذين بقوا بالمدينة ممن يظهر الإسلام وهو منافق، إلى لبيد بن الأعصم اليهودي حليف بني زريق، وكا ساحرا قد علمت ذلك يهود ان أعلمهم بالسحر وبالسموم، فقالوا له: يا أبا الأعصم انت أسحر منا وقد سحرنا محمدا فسحره منا الرجال والنساء فلم نصنع شيئا وانت ترى أثره فينا وخلافه ديننا ومن قتل منا وأجلى، ونحن نجعل لك على ذلك جعلا علىاتسحره لنا سحرا ينكؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير علىايسحر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعمد إلى مشط وما يمشط من الرأس من الشعر فعقد فيه عقدا وتفل فيه تفلأن وجعله في جف طلعةٍ ذكرٍ، ثم انتهى به حتى جعله تحت أرعوفة البئر، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا انكره، حتى يخيل إليهايفعل الشيء ولا يفعله، وانكر بصره حتى دله الله على ذلك؛ فدعا جبير ابن إياس الزرقي وكا ممن شهد بدرا فدله على موضع في بئر ذروا تحت أرعوفة البئر، فخرج جبير حتى استخرجه، ثم أرسل إلى لبيد بن الأعصم، فقال: ما حملك على ما صنعت، فقد دلني الله على سحرك وأخبرني بما صنعت ؟ فقال: حب الدنانير يا أبا القاسم. قال محمد بن سعد، قال إسحاق بن عبد الله: فأخبرت عبد الرحمن ابن كعب بن مالك بهذا الحديث، فقال: انما سحره بنات أعصم أخوات لبيد، وكن أسحر من لبيد وأخبث، وكا لبيد هو الذي ذهب به فأدخله تحت أرعوفة البئر، قال: فلما عقدوا تلك العقد انكر رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الساعة بصره، ودس بنات أعصم إحداهن، فدخلت على عائشة فخبرتها عائشة - أو سمعت عائشة تذكر ما انكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بصره - ثم خرجت إلى أخواتها وإلى لبيد فأخبرتهم، فقالت إحداهن:ايكن نبيا فسيخبر، وا يك غير ذلك فسوف يدلهه هذا السحر حتى يذهب عقله، فيكون بما نال من قومنا وأهل ديننا. فدله الله عليه: وفي الصحيح عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه ان االنبي صلى الله عليه وسلم سحر، حتى كان يخيل إليه انه يصنع الشيء ولم يصنعه، حتى إذا كان ذات يوم رأيته يدعو، فقال: أشعرت ان الله قد أفتاني فما استفتيته، أتاني رجلأن فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما: ما وجع الرجل ؟ فقال الآخر: مطبوب، فقال: من طبه ؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فيم ؟ قال: في مشط ومشاطة في جف طلعةٍ ذكرٍ، قال: فأين هو ؟ قال: في ذي ذروان، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع أخبر عائشة فقال: كان نخلها رؤوس الشياطين، وكا ماءها نقاعة الحناء، قالت فقلت: يا رسول الله، فأخرجه للناس، قال: أما والله قد شفاني، وخشيت ان أثور على الناس منه شراً.\rوعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عن النساء وعن الطعام والشراب، فهبط عليه ملكا وهو بين النائم واليقظا فجلس أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه؛ فقال: أحدهما لصاحبه: ما شكواه ؟ قال: طب - يعني سحر - قال: ومن فعله ؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي، قال: ففي أي شيء جعله ؟ قال: في طلعة، قال: فأين وضعها ؟ قال: في بئر ذروا تحت صخرة، قال: فما شفاؤه ؟ قال تنزح البئر، وترفع الصخرة وتستخرج الطلعة. وارتفع الملكان؛ فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي وعمار فأمرهم ان ايأتيا الركي فيفعلا الذي سمع، فأتياها وماؤها كانه قد خضب بالحناء فنزحاها ثم رفعا الصخرة فأخرجا طلعة، فإذا فيها إحدى عشرة عقدة، ونزلت هاتا السورتان: \" قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ \" و \" قُلْ أعُوذُ بِرَبّ النّاس \" ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد، وانتشر نبي الله صلى الله عليه وسلم للنساء والطعام والشراب.\rوجاء في حديث آخراجبريل وميكائيل عليهما السلام أخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشا السحر، وانه صلى الله عليه وسلم أخذ لبيدا فاعترف فعفا عنه، روى عفوه عنه عن غير واحد؛ قال عكرمة: ثم كان يراه بعد عفوه فيعرض عنه. وحيث ذكرنا حديث السحر فلا بأسانصله بالكلام على مشكله. والله أعلم بالصواب.\rذكر الكلام على مشكل حديث السحر","part":4,"page":363},{"id":1864,"text":"وقد تكلم القاضي عياض بن موسى بن عياض على هذا الحديث فقال: هذا الحديث صحيح متفق على صحته، وقد طعنت فيه الملحدة، وتذرعت به لسخص عقولها وتلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في الشرع، وقد نزه الله الشرع والنبي صلى الله عليه وسلم عما يدخل في أمره لبسا وانما السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه كانواع الأمراض، مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته، وأما ما ورد انه كان يخيل إليه انه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلةً في شيء من تبليغه وشريعته، ويقدح في صدقه؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا وانما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي يبعث بسببها ولا فضل من أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيدايخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم يتجلى عنه كما كان.\rوأيضاً فقد فسر هذا الحديث الآخر من قوله: حتى يخيل إليه انه يأتي أهله ولا يأتيهن. وقد قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر، ولم يأت في خبر منها انه نقل عنه في ذلك قول، بخلاف ما أخبر انه فعله ولم يفعله، وانما كانت خواطر وحيلات. وقد قيل: ان المراد بالحديث انه كان يتخيل لشيء انه فعله، وما فعله لكنه تخييل لا يعتقد صحته، فتكون اعتقاداته كلها على السداد، وأقواله على الصحة. قال: هذا ما وقفت عليه لأئمتنا من الأجوبة عن هذا الحديث. قال: لكنه قد ظهر لي في هذا الحديث تأويل أجلى وأبعد من مطاعين ذوي الأضاليل يستفاد من نفس الحديث، وهواعبد الرزاق قد روى هذا الحديث عن ابن المسيب، وعروة بن الزبير، وقال فيه عنهما: سحر يهود بني زريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلوه في بئر حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلماينكر بصره. ثم دله الله على ما صنعوا فاستخرجه من البئر.\rفقد استبا لك من مضمون هذه الروايات ان السحر انما يسلط على ظاهره وجوارحه، لا على قلبه واعتقاده وعقله، وانه انما أتى في بصره، وحبسه عن وطء نسائه، ويكون معنى قوله: يخيل إليه انه يأتي أهله ولا يأتيهن، أي يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة على النساء، فإذا دنا منهن أصابته أخذةٌ بالسحر، فلم يقدر على إتيانهن، كما يعترى من أخذ واعترض، قال: ولعله لمثل هذا أشار سفيا بقوله: وهذا أشد ما يكون من السحر. والله أعلم بالصواب.\rالشاة المسمومة\rالتي سم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كا ذلك في غزاة خيبر، بعد ان افتتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك انه لما افتتح خيبر وحصونها واطمان، أهدت إليه زينب ابنة الحارث امرأة سلام بن مشكم وهي ابنة أخي مرحب الذي بارز يوم خيبر، وقتل - على ما نذكرهاشاء الله - شاة مصلية، وقد سألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقيل لها: الذراع، وأكثرت فيها السم، ثم سمت سائرة الشاة، ثم جاءت بها فلما ضوعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول الذراع، فلاك منها مضغة فلم يسغها وكا معه بشر بن البراء بن معرور، فأخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر فأساغها وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها.\rوروى الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في دلائل النبوة انه صلى الله عليه وسلم أساغها ثم قال لأصحابه: ارفعوا أيديكم فا كتف هذه الشاة يخبرني انها قد بغيت فيه، قال بشر بن البراء: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت، فما منعني ان ألفظها إلا اني أعظمت ان انغصك طعامك، فلما أسغت ما في فيك لم أكن لأرغب بنفسي عن نفسك، ثم دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعترفت، فقال: ما حملك على ذلك ؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت:اكا ملكا استرحت منه، وا كان نبياً فسيخبر، فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بشر بن البراء. والصحيحارسول الله صلى الله عليه وسلم قتلها قيل: سلمها لأولياء بشر بن البراء فقتلوها. والله تعالى أعلم.\rوحيث ذكرنا من سيرته صلى الله عليه وسلم ما ذكرناه، فلنذكر هنا حوادث السنين بعد الهجرة خلا الغزوات والسرايا والوفود، فانا نورد ذلكاشاء الله تعالى فيما بعد على ما تقف عليه.\rالحوادث بعد الهجرة\rرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية على حكم السنين؛ من السنة الأولى إلى السنة العاشرة خلا ما استثنيناه، وقدمناه","part":4,"page":364},{"id":1865,"text":"السنة الأولى فيها جعلت صلاة العصر أربع ركعات، وكانت ركعتين وذلك بعد مقدمه صلى الله عليه وسلم بشهر. وفيها صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة حين ارتحل من قباء إلى المدينة، صلاها في طريقه ببني سالم على ما تقدم، وهي أول جمعة صلاها وأول خطبة خطبها في الإسلام. وفيها بنى صلى الله عليه وسلم مسجده ومساكنه، ومسجد قباء على ما تقدم. وفيها آخى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار بعد مقدمه بثمانية أشهر، وقد تقدم ذكر ذلك. وفيها أسلم عبد الله بن سلام. وفيها ولد عبد الله بن الزبير بالمدينة. وفيها مات أبو قيس كلثوم بن الهدهد، وهو أول من مات من المسلمين بالمدينة. ومات سعد بن زرارة أبو أمامة. وفيها أعرس صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها.\rالسنة الثانية في هذه السنة توفيت رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم زوج عثما بن عفان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر، وتوفي عثما بن مظعون بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزاة بدر وشهدها عثمان. وفيها صرفت القبلة.\rصرف القبلة إلى الكعبة\rوما تكلم به اليهود وما انزل الله تعالى في ذلك من القران كا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة يصلي إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا كما ورد في صحيح البخاري وغيره. وكا يعجبهاتكون قبلته قبل البيت، فقال: يا جبريل وددت ان الله تعالى صرف وجهي عن قبلة يهود، فقال جبريل: انما انا عبد فأدع ربك وسله. وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء، فانزل الله تعالى: \" قَدْ نَرَى تَقلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ \" .\rقال محمد بن سعد: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمرايوجه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه، ودار معه المسلمون، قال ويقال: بل زار رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بشر بن البراء ابن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعاما وحانت الظهر، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ركعتين، ثم أمرايوجه إلى الكعبة، فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب فسمى المسجد مسجد القبلتين، وذلك يوم الاثنين للنصف من شهر رجب على رأس سبعة عشر شهراً من مهاجره صلى الله عليه وسلم.\rوروى البخاري ان أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة صلاة العصر، وصلى معه قومٌ، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت.","part":4,"page":365},{"id":1866,"text":"قال ابن إسحاق: ولما صرفت القبلة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة ابن قيس، وقردم بن عمرو، وكعب بن الأشرف، ورافع بن أبي رافع، والحجاج ابن عمرو، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، فقالوا: يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وانت تزعم انك على ملة إبراهيم ودينه ؟! ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك - وانما يريدون فتنته عن دينه - فانزل الله: \" سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهُم الَّتي كَانوا عَلَيْهَا قُلْ لِلِه الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتي كُنْتَ عَلَيْهَا إلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ممنَّ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَا كَانتْ لَكَبِيرَةً إلاَّ عَلَى الَّذينَ هَدَى اللهُ وَمَا كان اللهُ لِيُضِيعَ إيمانكُمْ ان اللهَ بِالنَّاس لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ \" ، أي إيمانكم بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعكم إياه إلى القبلة الأخرى. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: \" قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُم شَطْرَهُ وَا الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ انهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا انتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهْم وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِن اتَّبَعْتَ أهْوَاءَهُمْ منْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ انكَ إذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ. الَّذينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفونَ أبْنَاءَهُمْ وَا فَرِيقاً منْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ \" . والله أعلم.\rخبر الأذان\rقال محمد بن سعد بسنده إلى نافع بن جبير، وعروة بن الزبير، وزيد بن أسلم، وسعيد بن المسيب، قالوا: كان الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبلايؤمر بالاذا ينادي منادي النبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة؛ فيجتمع الناس فلما صرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان، وكا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهمه أمر الأذان، وانهم ذكروا أشياء يجمعون بها الناس للصلاة، فقال بعضهم: البوق، وقال بعضهم: الناقوس؛ فبينما هم على ذلك إذ نام عبد الله ابن زيد الخزرجي، فأرى في المنامارجلا مر وعليه ثوبا أخضرا وفي يده ناقوس، قال فقلت: أتبيع الناقوس ؟ قال: ماذا تريد به ؟ فقلت: أريد ان أبتاعه لكي أضرب به للصلاة لجماعة الناس، قال: فانا أحدثك بخير لكم من ذلك؛ تقول: الله أكبر، أشهدالا إله إلا الله، أشهدامحمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. فأتى عبد الله ابن زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: قم مع بلال فألق عليه ما قيل لك وليؤذن بذلك، ففعل. وجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: لقد رأيت مثل الذي رآه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلله الحمد فذلك أثبت. قالوا: وأذن بالأذا وبقي ينادي في الناس: الصلاة جامعة؛ للأمر يحدث، فيحضرون له يخبرون به، مثل فتحٍ يقرا أو أمر يؤمرون به، فينادي: الصلاة جامعة، وا كان في غير وقت الصلاة. وقد قدمنا خبر الأذا من رواية علي بن أبي طالب في قصة الإسراء. والله أعلم.\rوفي هذه السنة فرض صوم رمضا في شعبا على رأس ثمانية عشر شهراً من الهجرة، وفرضت زكاة الفطر قبل العيد بيومين، وفيها ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين، أحدهما عن أمته، والآخر عن محمد وآله، وفيها ولد النعما بن بشير، وفيها أعرس علي بن أبي طالب بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهما. والله أعلم.\rالسنة الثالثة","part":4,"page":366},{"id":1867,"text":"فيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وفيها توفي عثما بن مظعون عند بعضهم. وفيها تزوج عثما بن عفا رضي الله عنه أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم في جمادى الآخرة. وفيها ولد الحسن بن علي رضي الله عنهما في النصف من رمضان.\rالسنة الرابعة فيها حرمت الخمر في شهر ربيع الأول، وقيل: حرمت في السنة الثالثة. وفيها صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع. وفيها قصرت الصلاة. وفيها ولد الحسين بن علي رضي الله عنهما. وفيها ماتت زينب بنت خزيمة الهلالية أم المؤمنين. وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة في شوال، وتزوج زينب بنت جحش في ذي القعدة على الصحيح. وفيها نزل الحجاب.\rفرض الحجاب على أزواج الرسول\rكا سبب نزول الحجاب ما رواه البخاري عن ابن شهاب قال: أخبرني انس بن مالك، قال: كان أول ما انزل الحجاب في مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش؛ أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عروسا فدعا القوم فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا وبقي منهم رهط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطالوا المكث، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج وخرجت معه كي يخرجوا فمشى صلى الله عليه وسلم ومشيت معه، حتى جاء عتبة حجرة عائشة رضي الله عنها ثم ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم انهم خرجوا فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجعت معه حتى دخل على زينب، فإذا هم جلوس لم يتفرقوا فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعت معه حتى بلغ عتبة حجرة عائشة، فظناقد خرجوا فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا وانزل الله الحجاب، فضرب بيني وبينه سترا وانزل الله تعالى: \" يَأيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبيّ إل ان ايُؤْذَنَ لَكُمْ الي طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ اناهُ وَلَكِنْ إذَا دُعِيتُمْ فَأدْخُلُوا فَإذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلاَ مُسْتانسينَ لِحَديثٍاذَلِكُمْ كان يُؤذِى النَّبيَّ فَيَسْتَحْي منْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْي مِنَ الْحَقِّ وَإذَا سَألْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَأسْألُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ \" الآية. وعن عروة بن الزبيراعائشة رضي الله عنها قالت: كان عمر رضوا الله عليه يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أحجب نساءك يا رسول الله، قالت: فلم يفعل. وكا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يخرجن ليلا إلى ليل قبل المناصع فخرجت سودة بنت زمعة وكانت امرأة طويلة، فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس، فقال: عرفتك يا سودة - حرصا علىاينزل الحجاب - فانزل الله الحجاب. وفي هذه السنة فرضت الزكاة في المال.\rالسنة الخامسة فيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة بنت زيد النضرية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. وفيها زلزلت المدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان الله يستعتبكم فأعتبوه. وفيها سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل. وقد تقدم ذكر ذلك في الباب الأول من القسم الثالث من الفن الثالث في الجزء التاسع من هذه النسخة. وفيها كانت غزوة بني المصطلق بالمريسيع. وحدث في هذه الغزوة وقائع نذكرها في هذا الموضع؛ فيها ما وقع بين المهاجرين والأنصار، وحديث الإفك، وخبر التيمم.\rغزوة المريسيع\rذكر ما وقع بين المهاجرين والأنصار وما قاله عبدالله بن أبي بن سلول المنافق","part":4,"page":367},{"id":1868,"text":"قال محمد بن إسحاق: لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على المريسيع - وهو ماء لبني المصطلق - في نزوله عن غزوته إياهم، وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ له من بني غفار، يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنا بن وبر الجهني - حليف بني عوف بن الخزرج - على الماء، فاقتتلأن فصرخ الجني: يا معشر الأنصار ! وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين ! فغضب عبد الله بن أبي، وعنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم - غلام حدث - فقال: أو قد فعلوها ! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما أعدنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك؛ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضره من قومه وقال: هذا ما فعلتم بانفسكم ! أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم. قال: فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال عمر: مر به عباد بن بشر فليقتله؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف يا عمر إذا تحدث الناسامحمداً يقتل أصحابه ! لأن ولكن أذن بالرحيل، فارتحل الناس في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها وجاء عبدالله بن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف بالله: ما قلت ما قال زيد بن أرقم عني، وما تكلمت به، فقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله، عسىايكون الغلام أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل.\rفلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيه أسيد بن حضير فقال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها. قال: أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟ قال: أي صاحب ؟ قال: عبد الله بن أبي قال: وما قال يا رسول الله ؟ قال: زعم انهارجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل قال: فانت يا رسول الله تخرجهاشئت، هو والله الذليل وانت العزيز. ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاء الله بك وا قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فانه ليرى انك استلبته ملكا. قال: ثم متن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذاك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا إل ان اوجدوا مس الأرض فوقعوا نياما. قال: وانما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان من عبد الله بن أبي.\rقال: ثم هبت ريح شديدة تخوفها الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تخوفوها فانما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار. فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قينقاع - وكا من عظماء يهود، وكهفا للمنافقين - مات ذلك اليوم.\rونزلت السورة التي ذكر الله تعالى فيها المنافقين في ابن أبي ومن قال بقوله، فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم ثم قال: هذا الذي أوفى لله بأذنه. وبلغ عبد الله بن عبدالله بن أبي بن سلول ما كان من أمر أبيه، فقال: يا رسول الله، انه بلغني انك تريد قتل عبدالله بن أبي فيما بلغك عنه، فا كنت فاعلاً فمرني به فانا أحمل إليك رأسه، اني أخشىاتأمر غيري فيقتله فلا تدعني بنفسي انظر إلى قاتل عبد الله يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا وكا بعد ذلك إذا أحدث حدثا كان قومه هم الذين يعاتبونه ويعنفونه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شانهم: كيف ترى يا عمر؛ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له انفٌ لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته، فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري.\rومن الحوادث في هذه الغزوة حديث الإفك.\rحديث الإفك\rوما تكلم به من تكلم من المنافقين وغيرهم فيه وما انزله الله تعالى من براءة عائشة، وفضل أبيها رضوا الله عليهما","part":4,"page":368},{"id":1869,"text":"هذا الحديث قد تداوله الرواة وأهل الأخبار والسير، فمنهم من زاد فيه زيادات كثيرة، وذكر تحامل من تحامل في أمر الإفك، وتعصب من تعصب، فعلمتاإيراد ذلك من أقوالهم يقتضيايصير في نفس من سمعه من أهل السنة شيئاً ممن تكلم عليه بما تكلم، ولعل ذلك لم يقع، فرأيت ان أقتصر منه على ما ثبت في صحيح البخاري، واتصل لنا بالرواية الصحيحة، وذكرت زيادات ذكرها ابن إسحاق - رحمه الله - ويحتاج إلى إيرادها مما لا ضرر فيه، نبهت عليها بعد مساق الحديث على ما تقف عيلان شاء الله تعالى. ولنبدأ بحديث البخاري.","part":4,"page":369},{"id":1870,"text":"حدثنا الشيخا المسندا المعمران؛ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب نعمة الصالحي الحجار، وست الوزراء أم محمد وزيرة بنت القاضي شمس الدين عمر ابن أسعد بن المنجا التنوخية الدمشقيا قراءة عليهما وانا أسمع، بالمدرسة المنصورية التي هي بين القصرين بالقاهرة المعزية، في جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة، قالا: حدثنا الشيخ سراج الدين أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى الزبيدي، في شوال سنة ثلاثين وستمائة، بدمشق بالجامع المظفري بسفح جبل قاسيون، قال: حدثنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي قراءة عليه ونحن نسمع ببغداد، في آخر سنة اثنتين وأول سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، قال: حدثنا الشيخ أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي في شوال وذي القعدة سنة خمس وستين وأربعمائة، قال: اخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد ابن حمويه السرخسي في صفر سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري بفربر سنة ست عشرة وثلثمائة، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري قراءة عليه بتبريز سنة ثما وأربعين ومائتين، ومرة في سنة اثنتين وخمسين، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا وكل حدثني طائفةً من الحديث، وبعض حديثهم يصدق بعضا وا كان بعضهم أوعى له من بعض؛ الذي حدثني عروة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم؛اعائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أرادايخرج أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمى فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما نزل الحجاب، فانا أحمل في هودجي وانزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شاني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت، وهم يحسبون اني فيه، وكا النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم، انما تأكل العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيبٌ، فأممت منزلي الذي كنت به، وظننت انهم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينما انا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكا صفوا بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد انسا نائم، فأتاني فعرفني حين راني، وكا يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما كلمني كلمةً، ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه حتى اناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبته، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين ي نحر الظهيرة، فهلك من هلك - وكا الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول - فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي؛ اني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكى، انما يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم ينصرف، فذلك الذي يريبني، ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت، فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع - وهو متبر زنا - وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبلانتخذ الكنف قريباً من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، فانطلقت انا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن عبد مناف، وأمها بنت صخر ابن عامر خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وابنها مسطح بن أثاثة، فأقبلت انا وأم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شاننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح؛ فقلت لها: بئس ما قلت: أتسبين رجلا قد شهد بدرا ؟! قالت: أي","part":4,"page":370},{"id":1871,"text":"هنتاه، أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت قلت: وما قال ؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فأزددت مرضا على مرضي، قالت: فلما رجعت إلى بيتي، ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلت: أتأذن لياآتي أبوي ؟ قالت: وانا حينئذ أريد ان أستيقن الخبر من قبلهما؛ فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه، ما يتحدث الناس ؟ قالت: يا بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئةً عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها قالت فقلت: سبحا الله ! ولقد تحدث الناس بهذا ؟! قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكى، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله. قالت: فأما أسامة بن زيد، فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال يا رسول الله أهلك وما نعلم إلا خيراً وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وا تسأل الجارية تصدقك: قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك ؟ قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق،ارأيت عليها أمرا أغمصه عليها أكثر من انها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجلٍ قد بلغني أذاه في أهل بيتي ! فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عيلان لا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي. فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله، انا أعذرك منه؛اكا من الأوس ضربت عنقه، وا كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكا قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية. فقال لسعد: كذبت، لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، وقام أسيد بن حضير - وهو ابن عم سعد - فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فانك منافق تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيان: الأوس والخزرج حتى همو ان ايقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، قالت: وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويما لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع، يظن ان االبكاء فالق كبدي، فقالت: فبينما هما جالسا عندي وانا أبكي فآستأذنت علي امرأةٌ من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت: فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها وقد لبث شهراً لا يوحي إليه في شاني، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة، فانه قد بلغني عنك كذا وكذا فا كنت بريئة فسيبرئك الله، وا كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه، فا العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فقلت وانا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القران: اني والله لقد علمت؛ لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في انفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم اني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت بأمرٍ والله يعلم اني بريئة منه لتصدقني، والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف، قال: \" فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعا عَلَى ما تَصِفُونَ \" . قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وانا حينئذ أعلم اني بريئة، وا الله يبرئني ببرائتي ولكن والله ما كنت أظن ان الله منزلٌ في شاني وحياً يتلى، ولشاني في نفسي كان أحقر منايتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجوايرى رسول الله صلى الله","part":4,"page":371},{"id":1872,"text":"عليه وسلم رؤيا يبرئني الله بها. قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى انزل عليه، فأخذه ما يأخذه من البرحاء، حتى انه ليتحدر منه مثل الجما من العرق - وهو في يوم شاتٍ - من ثقل القول الذي ينزل عليه، قالت: فلما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سرى عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: يا عائشة، أما الله فقد براك، فقالت أمي: قومي إليه، قالت فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل، وانزل الله تعالى: \" ا الَّذيِنَ جَاءُوا بِالإْفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَراً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. لَوْلاَ إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بانفُسِهْم خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُبِينٌ. لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإذْ لَمْ يَأتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ. وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ. وَلَوْلاَ إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَ ان انَتَكَلّمَ بِهَذَا سُبْحَانكَ هَذَا بُهْتا عَظِيمٌ. يَعِظُكُمُ اللهُاتَعُودُوا لِمثْلِهِ أبَد ان اكُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَات وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. ان الَّذِينَ يُحِبُّونَاتَشِيعَ الْفَاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ في الدًّنْيَا وَالآخْرَةِ وَاللَهُ يَعْلَمُ وَانتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ. وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَا اللهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ \" ، قالت عائشة: فلما انزل الله تعالى هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكا ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته وفقره: والله انفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة - رضي الله عنها - ما قال، فانزل الله سبحانه وتعالى: \" وَلاَ يَأتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِايُؤْتُوا أولي الْقُرْبى وَالمْسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرينَ في سبٍيل اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ألاَ تُحِبُّونَايَغْفِرَ اللَهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ \" . قال أبو بكر رضي الله عنه: بلى والله اني أحبايغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا انزعها منه أبدا. قالت عائشة: وكا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: يا زينب، ماذا علمت أو رأيت ؟، فقالت: يا رسول الله، أحمى سمعي وبصري، ما رأيت إلا خيرا قالت: وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك. انتهى حديث البخاري.سلم رؤيا يبرئني الله بها. قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى انزل عليه، فأخذه ما يأخذه من البرحاء، حتى انه ليتحدر منه مثل الجما من العرق - وهو في يوم شاتٍ - من ثقل القول الذي ينزل عليه، قالت: فلما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سرى عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: يا عائشة، أما الله فقد براك، فقالت أمي: قومي إليه، قالت فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل، وانزل الله تعالى: \" ا الَّذيِنَ جَاءُوا بِالإْفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَراً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. لَوْلاَ إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بانفُسِهْم خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُبِينٌ. لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإذْ لَمْ يَأتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ. وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ. وَلَوْلاَ إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَ ان انَتَكَلّمَ بِهَذَا سُبْحَانكَ هَذَا بُهْتا عَظِيمٌ. يَعِظُكُمُ اللهُاتَعُودُوا لِمثْلِهِ أبَد ان اكُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَات وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. ان الَّذِينَ يُحِبُّونَاتَشِيعَ الْفَاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ في الدًّنْيَا وَالآخْرَةِ وَاللَهُ يَعْلَمُ وَانتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ. وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَا اللهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ \" ، قالت عائشة: فلما انزل الله تعالى هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكا ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته وفقره: والله انفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة - رضي الله عنها - ما قال، فانزل الله سبحانه وتعالى: \" وَلاَ يَأتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِايُؤْتُوا أولي الْقُرْبى وَالمْسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرينَ في سبٍيل اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ألاَ تُحِبُّونَايَغْفِرَ اللَهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ \" . قال أبو بكر رضي الله عنه: بلى والله اني أحبايغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا انزعها منه أبدا. قالت عائشة: وكا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: يا زينب، ماذا علمت أو رأيت ؟، فقالت: يا رسول الله، أحمى سمعي وبصري، ما رأيت إلا خيرا قالت: وهي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك. انتهى حديث البخاري.","part":4,"page":372},{"id":1873,"text":"وروى أبو محمد عبد الملك بن هشام بسنده إلى عروة بن الزبير، وعبد الله ابن عدب الله بن عتبة، وعبد الله بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، كلهم يحدث عن عائشة - رضي الله عنهم - بنحو هذا الحديث، وزاد فيه من قول أسامة ابن زيد؛ فأثنى خيرا وقاله؛ ثم قال: يا رسول الله، أهلك ولا نعلم إلا خيرا وهذا هو الكذب والباطل. قال: وأما علي بن أبي طالب فانه قال: يا رسول الله، ان النساء لكثير، وانك لقادر علىاتستخلف، وأسأل الجارية فانها ستصدقك. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ليسألها فقام إليها علي بن أبي طالب فضربها ضرباً شديدا وقال: اصدقي رسول الله. وساق نحو ما تقدم. وقال في خبر الوحي: قالت فوالله ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجى بثوبه، ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه، فأما انا حين رأيت ما رأيت فوالله ما فزعت ولا باليت؛ قد عرفت اني منه بريئة، وا الله غير ظالمي، وأما أبواي، فوالذي نفس عائشة بيده، ما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت لتخرجن انفسهما فرقا منايأتي من الله تحقيق ما قال الناس. وساق الحديث بنحو ما تقدم. ثم قال: قالت ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما انزل عليه من القرا في ذلك، ثم أمر بمسطح بن أثاثة، وحسا بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم؛ فقال رجل من المسلمين في ذلك:\rلقد ذاق حسا الذي كان أهله ... وحمنة إذ قالوا هجيراً ومسطح\rتعاطوا برجم الغيب زوج نبيّهم ... وسخطة ذي العرش الكريم فأترحوا\rوآذوا رسول الله فيها فجللّوا ... مخازي تبقى عمّموها وفضّحوا\rوصبّت عليهم محصداتٌ كانها ... شآبيب قطّرٍ من ذرى المزن تسفح\rوحكى أبو عمر بن عبد البر في ترجمة مسطح - وهو عوف بن أثاثة بن عباد ابن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي، وأمه سلمى بنت صخر بن عامر خالة أبو بكر الصديق. قال: وذكر الأموي عن أبيه عن ابن إسحاق قال قال أبو بكر يذكر مسطحا:\rيا عوف ويحك هلاّ قلت عارفةً ... من الكلام ولم تتبع بها طمعا\rوأدركتك حميّا معشرٍ انفٍ ... ولم تكن قاطعاً يا عوف من قطعا\rهلاّ حربت من الأقوام إذ حسدوا ... فلا تقول ولو عاينته قذعا\rلّما رميت حصاناً غير مقرفةٍ ... أمينة الجيب لم نعلم لها خضعا\rفيمن رماها وكنتم معشرا أفكا ... في سيئّ القول من لفظ الخنا شرعا\rفانزل الله وحياً في براءتها ... وبين عوفٍ وبين الله ما صنعا\rفا أعش أجز عوفاً عن مقالته ... شرّ الجزاء إذا ألفيته تبعا\rولعل هذا الشعراصح عن أب بكر فيكون قاله قبل نزول قوله تعالى: \" وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ \" الآية. فانه قد صح ان أبا بكر قال عند نزولها: والله اني أحبايغفر الله لي، ورجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا انزعها عنه أبدا.\rوقال محمد بن إسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار: ان أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أم أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة ؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله؛ قال: فعائشة والله خيرٌ منك. فلما نزل القرا بذكر من قال من أهل الفاحشة ما قال أهل الإفك، ثم قال: \" لَوْلاَ إذْ سَمِعْتُمُوه ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بانفُسِهِمْ خَيْراً \" ، أي فقالوا كما قال أبو أيوب وصاحبته.\rقال ابن إسحاق: وكا حسا بن ثابت قال شعرا يعرض فيه بصفوا بن المعطل، فأعترضه صفوا فضربه بالسيف، ثم قال:\rتلقّ ذباب السيّف عنك فانني ... غلامٌ إذا هوجيت لست بشاعر","part":4,"page":373},{"id":1874,"text":"فوثب ثابت بن قيس بن شماس على صفوا بن المعطل حين ضرب حسا فجمع يديه إلى عنقه بحبل، ثم انطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة فقال: ما هذا ؟ قال: أما أعجبك ! ضرب حسا بالسيف والله ما أراه إلا قد قتله؛ فقال له عبد الله بن رواحة: هل علم رسو الله صلى الله عليه وسلم بشيء مما صنعت ؟ قال: لا والله؛ قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل فأطلقه، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له، فدعا حسا وصفوان، فقال صفوان: يا رسول الله، آذاني وهجاني، فحملني الغضب فضربته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حسان، أتشوهت على قومياهداهم الله للإسلام ؟ ثم قال: أحسن يا حسا في الذي قد أصابك قال هي لك؛ فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوضا عنها بيرحا - وهي قصر بني حديلة - كانت مالا لأبي طلحة وتصدق بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاها حسا في ضربته، وأعطاه سيرين - أمةٌ قبطية - فولدت له عبد الرحمن بن حسان. قال: وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لقد سئل عن ابن المعطل فوجدوه رجلا حصورا ما يأتي النساء، ثم قتل بعد ذلك شهيدا رضي الله عنه.\rوقال حسا بن ثابت يعتذر من الذي كان منه في شا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها:\rحصا رزا ما تزنّ بريبةٍ ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل\rعقيلة حيٍّ من لؤيّ بن غالبٍ ... كرام المساعي مجدهم غير زائل\rمهذّبةٌ قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كلّ سوءٍ وباطل\rفإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم ... فلا رفعت سوطي إلى أناملي\rوكيف وودّى ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل\rله رتبٌ عالٍ على الناس كلّهم ... تقاصر عنها سورة المتطاول\rفا الذين قد قيل ليس بلائطٍ ... ولكنه قول امرئٍ بي ماحل\rوقد روينا عن البخاري رحمه الله بالإستاذ المتقدم، قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيا عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء حسا بن ثابت يستأذن عليها قلت: أتأذنين لهذا ؟ قالت: أو ليس قد أصابه عذاب عظيم ؟ قال سفيان: تعنى ذهاب بصره، فقال:\rحصا رزا ما تزنّ بريبةٍ ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل\rقالت: لكن انت.\rوعن مسروق أيضا قال: دخل حسا على عائشة فشبب فقال: حصا رزا ... ... البيت. قالت: لست كذلك، قلت: تدعين هذا يدخل عليك وقد انزل الله: \" وَالّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ \" ؟ قالت: وأي عذاب أشد من العمى! وقد كان يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rذكر خبر التيمم\rمن أهل العلم من ذهب إلىاآية التيمم انزلت في غزوة المريسيع، ومنهم من ذهب إلى انها انزلت في غيرها. روى أبو عبد الله محمد البخاري رحمه الله بسنده عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة ؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعٌ رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء؟! فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء اللهايقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فانزل الله آية التيمم فتيمموا فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته.\rالسنة السادسة فيها كانت غزوة الحديبية، وبيعة الرضوان، وهدنة قريش، على ما نذكر ذلك كله في الغزواتاشاء الله تعالى، وفيها قحط الناس، فأستسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس في شهر رمضا فسقوا وفيها هاجرت أم كلثوم.\rهجرة أم كلثوم بنت عقبة","part":4,"page":374},{"id":1875,"text":"بن أبي معيط، وما انزل الله تعالى في هجرة النساء لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الحديبية، بعداحلت الهدنة، وتقررت القضية، وكا فيما وقع عيلان لصلح: انه من جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش بغير إذن وليه رده إليهم، ورد من رد من رجال المسلمين، على ما نذكر ذلكاشاء الله في الغزوات. ثم هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المدة، فخرج أخواها عمارة والوليد، ابنا عقبة، حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألأنهايردها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش، فلم يفعل؛ وذلك ان الله عز وجل انزل: \" يَأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمُ الْمُؤمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَأمْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أعْلَمُ بِإيَمانهِنَّ فَا عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرِجْعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا انفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أن تَنْكِحُوهَنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصِمِ الْكَوَافِرِ وأسْألُوا مَأ انفَقْتُمْ وَلْيَسْألُوا مَا انفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَا فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا انفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي انتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ \" ، فمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء لذلك، وأمر برد صدقاتهن إليهماهم ردوا على المسلمين صدقات من حبسوا عنهم من نسائهم.\rقال ابن إسحاق: ولما انزل الله تعالى قوله: \" وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ \" ، كان ممن طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، طلق امرأتيه قريبة ابنة أبي أمية ابن المغيرة، فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان، وأم كلثوم بنت جرول أم عبيد الله ابن عمر الخزاعية، فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم، وكانوا إذ ذاك على شركهم. والله أعلم.\rالسنة السابعة فيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، وصفية بنت حي بن أخطب، وميمونة بنت الحارث الهلالية. وفيها أسلم أبو هريرة - واسمه في الجاهلية عمير بن عامر بن عبد ذي الشرى، وفي الإسلام عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وأسماؤه كثيرة بحسب ما ورد من اختلاف أقوال الرواة، وقد صححوا ما ذكرناه، والله أعلم - وعمرا بن حصين. وفيها حرمت الحمر الأهلية، ومتعة النساء على ما نذكر ذلكاشاء الله في غزوة خيبر. وفيها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسل إلى الملوك، وقدم حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس بمارية بنت شمعون القبطية أم إبراهيم عيلان لسلام وأختها شيرين. وفيها قدم جعفر بن أبي طالب ومن كان قد بقي من المهاجرين بأرض الحبشة، وقد تقدم ذكرهم.\rالسنة الثامنة فيها ولد إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية. وفيها توفيت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيها وهبت سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم يومها لعائشة رضي الله عنها حين أراد طلاقها. وفيها عمل منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخطب عليه.\rاتخاذ الرسول المنبر\rوخطبته عليه","part":4,"page":375},{"id":1876,"text":"روى محمد بن سعد في طبقاته الكبرى بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد قائما فقال: ان القيام قد شق علي، فقال له تميم الداري: ألا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام ؟ فشارو رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين في ذلك، فرأو ان ايتخذه، فقال العباس بن عبد المطلب:الي غلاماً يقال له كلاب أعمل الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مرهايعمله، فأرسله إلى أثلة بالغابة فقطعها ثم عمل منها درجتين ومقعدا ثم جاء به فوضعه في موضعه اليوم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عليه وقال: منبري هذا على ترعة من ترع الجنة، وقوائم منبري رواتب في الجنة. وعن سهل بن سعد وقد سئل عن منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أي عود هو ؟ فقال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلأنة - امرأة سماها - فقال: مري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها فعمل هذه الثلاث درجات من طرفاء الغابة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضعه في هذا الموضع. وقد روى عن باقوم الرومي انه قال: صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم منبرا من طرفاء، ثلاث درجات: القعدة ودرجتيه؛ رواه عنه صالح مولى التوءمة. حكاه أبو عمر في ترجمة باقوم. ولما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه كان من حنين الجذع ما نذكرهاشاء الله تعالى في معجزاته صلى الله عليه وسلم.\rوفي هذه السنة أسلم عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وعثما بن طلحة، على ما نشرح ذلك.\rدخل في الاسلام\rإسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثما بن طلحة كا سبب إسلامهم على ما حكاه محمد بن إسحاق بسنده يرفعه إلى عمرو بن العاص، قال عمرو: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي، ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلموا والله اني أرى أمر محمد يعلو الأمور علواً منكرا واني قد رأيت أمراً فما ترون فيه ؟ قالوا: وماذا رأيت ؟ قال: رأيتانلحق بالنجاشي فنكون عنده، فا ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فان ان انكون تحت يديه أحب إلينا منانكون تحت يدي محمد، وا ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. قالوا:اهذا لرأىٌ، قلت: فاجمعوا ما يهدي له، وكا أحب ما يهدي إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا أدماً كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا عليه. فوالله انا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري، وكا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إليه في شا جعفر وأصحابه، قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، ولو قد دخلت على النجاشي وسألته إياه فأعطانية فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش اني قد أجزأت عنها فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال لي: مرحباً بصديقي، أهديت لي من بلادك شيئا ؟ قلت: نعم أيها الملك، قد أهديت لك أدماً كثيرا ثم قربته إليه فأعجبه، ثم قلت له: أيها الملك، اني قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله، فانه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا قال: فغضب، ثم مد يده فضرب بها انفه ضربة ظننت انه قد كسره، فلو انشقت الأرض لدخلت فيها فرقا منه، ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت انك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألني ان أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى صلى الله عليه وسلم لتقتله ! فقلت: أيها الملك، أكذاك هو ؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعني واتبعه، فانه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خافه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قال: قلت: أفتبايعني له على الإسلام ؟ قال: نعم، فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه، وكتمتهم إسلامي.","part":4,"page":376},{"id":1877,"text":"ثم خرجت عامدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيت خالد بن الوليد وهو مقبل من مكة، فقلت: إلى أين يا أبا سليما ؟ فقال: لقد استقام المنسم، وا الرجل لنبي، أذهب والله فأسلم فحتى متى ! قال قلت: والله ما جئت إلا لأسلم، قال: فقدمنا المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله، اني أبايعك علىايغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر، فقال: يا عمرو: بايع، فا الإسلام يجب ما كان قبله، وا الهجرة تجب ما كان قبلها فبايعت ثم انصرفت.\rقال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهماعثما بن طلحة بن ابي طلحة كان معهما فأسلم حين أسلما.\rالسنة التاسعة فيها آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه، وأقسم ألا يدخل عليهن شهرا. وكا سبب الإيلاء ما رواه البخاري بسنده عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل والحلواء، وكا إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر فأحتبس أكثر ما كان يحتبس فغرت، فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة، فقلت: أما والله لنحتال، له، فقلت لسودة بنت زمعة: انه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي له: أكلت مغافير، سيقول لك: لأن فقولي له: ما هذه الريح التي أجد ؟ فانه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحله العرفط، وسأقول ذلك، وقولي انت يا صفية ذلك، قالت: تقول سودة فوالله ما هو إل ان اقام على الباب فأردت ان أبادئه بما أمرتني به فرقاً منك. ومن رواية مسلم - قالت تقول سودة: فوالذي لا إله إلا هو لقد كدت أبادئه بالذي قلت لي، وانه لعلى الباب فرقاً منك. قال البخاري: فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير ؟ قال: لا قلت: فما هذه الريح التي أجد منك ؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل فقالت: جرست نحله العرفط، فلما دار إلي قلت له نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له: ألا أسقيك منه ؟ قال: لا حاجة لي فيه قالت: تقول سودة والله لقد حرمناه، قلت لها: اسكتي. وفي رواية عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عسلا عند زينب بنت جحش، ويمكث عندها فتواطأت انا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير، اني أجد منك ريح مغافير، قال: لأن ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا فانزل الله تعالى: \" يَأيُّهَا النَّبيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أزْوَاجِكَ وَاَللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ \" .\rوروى مسلم بن الحجاج في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، وكا منزلي في بني أمية بن زيد بالعوالي، فتغضبت يوما على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فانكرتاتراجعني، فقالت: ما تنكر ان أراجعك ؟ فوالله ان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: نعم فقلت: أتهجره إحداكن إلى الليل ؟ قالت: نعم، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أفتأمن إحداكنايغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فإذا هي قد هلكت لا تراجعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئا وسليني ما بدا لك، ولا يغرنكاكانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، يريد عائشة.\rومن رواية البخاري قال: خرجت حتى دخلت على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها فقالت أم سلمة: عجباً لك يا بن الخطاب ؟! دخلت في كل شيء حتى تبتغياتدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه، فأخذتني والله أخذاً كسرتني عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها.","part":4,"page":377},{"id":1878,"text":"رجعنا إلى حديث مسلم - قال عمر: وكا لي جار من الأنصار فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل يوما وانزل يوما فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك، وكنا نتحدثاغسا تنعل الخيل لغزونا فنزل صاحبي، ثم أتاني عشاء فضرب بابي، ثم ناداني فخرجت إليه، فقال: حدث أمرٌ عظيم، فقلت: ماذا أجاءت غسا ؟ قال: لأن بل أعظم من ذلك وأطول، طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، فقلت: قد خابت حفصة وخسرت، وقد كنت أظن هذا كائنا حتى إذا صليت الصبح شددت على ثيابي، ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: لا أدري، ها هو ذا معتزل في هذه المشربة، فأتيت غلاماً له أسود فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى انتهيت إلى المنبر فجلست، فإذا عنده رهطٌ جلوس يبكي بعضهم، فجلست قليلا ثم غلبني ما أجد، ثم أتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلي، فقال: قد ذكرتك له فصمت، فوليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل فقد أذن لك، فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو متكئ على رمل حصير قد أثر في جبنه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك ؟ فرفع رأسه إلي وقال: لا فقلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فتغضبت على امرأتي يوما فإذا هي تراجعني، فانكرتاتراجعني، فقالت: ما تنكر ان أراجعك ؟ فوالله ان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر، أفتأمن إحداهنايغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فإذا هي قد هلكت، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، قد دخلت على حفصة فقلت: لا يغرنكاكانت جارتك هي أوسم منك وأحب إلى رسول الله منك، فتبسم أخرى.\rومن رواية البخاري - قال عمر: فقصصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر التبسم فيما قبلها.\rقال مسلم في حديثه: فقلت أستانس يا رسول الله ؟ قال: نعم فجلست فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أهباً ثلاثة، فقلت: ادع الله يا رسول اللهايوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا ثم قال: أفي شك انت يأبن الخطاب، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا فقلت: استغفر لي يا رسول الله، قال: وكا أقسم ألا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله عز وجل.\rوعن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما مضى تسع وعشرون ليلة دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم - بدأ بي - فقلت: يا رسول الله، انك أقسمت ألا تدخل علينا شهرا وانك دخلت من تسع وعشرين، أعدهن ؟ فقال: ان الشهر تسع وعشرون ثم قال: يا عائشة، اني ذاكر لك أمراً فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك ثم قرأ على الآية: \" يَأيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأِزْوَاجِكَ \" حتى بلغ \" أجْراً عَظِيماً \" فقالت عائشة: قد علم والله ان أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، فقلت: أو في هذا أستأمر أبوي ؟ فاني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وفيها هدم رسول الله مسجد الضرار.\rمسجد الضرار\rوهدمه ومن اتخذه من المنافقين","part":4,"page":378},{"id":1879,"text":"وكا هدم مسجد الضرار عند منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، وكا أصحابه الذين بنوه اثني عشر رجلا: وهم خذام بن خالد ومن داره خرج، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد ابن حنيف، وجارية بن عامر، وابناه مجمع وزيد، ونبتل بن الحارث، وبحزج من بني ضبيعة، وبجاد بن عثما من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وانا نحباتأتينا فتصلى لنا فيه، فقال: اني على جناح سفر وحال شغل - أو كما قال صلى الله عليه وسلم - ولو قد قدمن ان اشاء الله تعالى لأتيناكم فصلينا لكم فيه فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك نزل بذي أوا - بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار - أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي، أو أخاه عاصم بن عدي، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: انظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدا حتى دخلاه وفيه أهله فخرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرا قوله تعالى: \" وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤمِنِينَ وإرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ ان أرَدْنَا إلاّ الْحُسْنَى واللهُ يَشْهَدُ انهُمْ لَكَاذِبُونَ. لاَ تَقُمْ فِيهِ أبَداً لَمسْجِدٌ أُسِّسسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أوَّلِ يَوٍمٍ أحَقُّ أن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ. أفمَنْ أسَّسَ بُنْيانهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَا خَيْرٌ أمْ مَنْ أسَّسَ بُنْيانهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانهارَ بِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ واللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِميَن. لاَ يَزَالُ بُنْيانهُمُ الّذِي بَنَوْا رِيَبةْ في قُلُوبِهِمْ إل ان اتَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ \" .\rوفيها لا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين العجلأني وبين امرأته في مسجده بعد صلاة العصر في شعبان، وكا عويمر قدم من تبوك فوجدها حبلى. وفي شوال منها مات عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يصل بعدها على منافق؛ لقوله تعالى: \" وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِه \" الآية.\rوفيها ماتت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيها نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي في اليوم الذي مات فيه بالحبشة، قيل: في شهر رجب. وفيها أسلم كعب بن زهير. والله أعلم بالصواب.\rإسلام كعب بن زهير\rبن أبي سلمى وامتداحه رسول الله صلى الله عليه وسلم كا سبب إسلامهارسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عن الطائف كتب أخوه بجير بن زهير إليه يخبره ان النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجلا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وا من بقي من شعراء قريش كأبن الزبعري، وهبيرة بن أبي وهب قد هربوا في كل وجه، فا كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانه لا يقتل أحدا جاءه تائبا وا انت لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض. وكا كعب قد كتب إلى أخيه بجير لما بلغه إسلامه:\rألا أبلغا عنّي بجيراً رسالةً ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا؟\rشربت مع المأمون كأساً رويّةً ... فانهلك المأمون منها وعلّكا\rوخالفت أسباب الهدى واتّبعته ... على أيّ شيءٍ ويب غيرك دلّكا\rعلى خلقٍ لم تلف أمّاً ولا أباً ... عليه ولم تدرك عيلان خاً لكا\rويروى:\rعلى خلقٍ لم تلف يوماً أباً له ... عليه وما تلفى عيلان باً لكا\rفا انت لم تفعل فلست بآسفٍ ... ولا قائل إمّا عثرت: لعا لكا؟!","part":4,"page":379},{"id":1880,"text":"وبعث بها إليه، فلما أتت بجيراً كرهايكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع قوله سقاك بها المأمون: صدق وانه لكذوب، انا المأمون ولما سمع قوله على خلقٍ لم تلف أماً ولا أباً عليه قال: أجل لم يلف عيلان باه ولا أمه فكتب بجير إلى كعب:\rمن مبلغٌ كعباً فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلاً وهي أحزم\rإلى الله لا العزّى ولا اللاّت وحدهفتنجو إذا كان النّجاء وتسلم\rلدى يوم لا ينجو وليس بمفلتٍ ... من الناس إلا طاهر القلب مسلم\rفدين زهيرٍ وهو لا شيء دينه ... ودين أبي سلمى علىّ محرّم\rقال: فلما بلغ كعباً كتاب أخيه ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره من عدوه، فقالوا: هو مقتول، فقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر فيا خوفه، وإرجاف الوشاة به من عدوه، وخرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة، فغدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الصبح فصلى معه، ثم أشار الجهني لكعب إلى رسول اله صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا رسول الله فقم إليه فأستأمنه، فقام حتى جلس إليه، فوضع يده في يده، وكا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه، فقال: يا رسول اللهاكعب بن زهير قد جاء ليستأمن مكة تائبا مسلما فهل انت قابل منه ان انا جئتك به ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم فقال: انا يا رسول الله كعب بن زهير، فوثب رجل من الأنصار وقال: يا رسول الله، دعني وعدو الله أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه عنك، فانه قد جاء تائبا نازعا. قال: فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم، وانشد كعب قصيدته؛ وهي:\rبانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّمٌ عندها لم يجز مكبول\rوما سعاد غداة البين إذ برزت ... إلا أغنّ غضيض الطّرف مكحول\rهيفاء مقبلةً عجزاء مدبرةً ... لا يشتكي قصرٌ منها ولا طول\rتجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كانه سهلٌ بالرّاح معلول\rشجّت بذي شمٍ من ماء محنيةٍ ... صافٍ بأبطح أضحى وهو مشمول\rتنفي الرّياح القذى عنه وأفرطه ... من صوب غاديةٍ بيضٌ يعاليل\rويل أمّها خلّةً لو انها صدقت ... بوعدها أو لو ان النّصح مقبول\rلكنها خلّةٌ قد سيط من دمها ... فجعٌ وولعٌ وإخلافٌ وتبديل\rفما تقوم على حالٍ تكون به ... كما تلون في أثوابها الغول\rكانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلاً ... وما مواعيدها إلاّ الأباطيل\rوما تمسّك بالعهد التي زعمت ... إلاّ كما يمسك الماء الغرابيل\rأرجو وآملايعجلن في أبدٍ ... وما لهنّ إخال الدهر تعجيل\rفلا يغرنك ما منّت وما وعدت ... ا الأمانيّ والأحلام تضليل\rأمست سعاد بأرضٍ ما يبلّغها ... إلا العتاق النّجيبات المراسيل\rولا يبلّغها إلا عذافرةٌ ... فيها على الأين إرقالٌ وتبغيل\rمن كل نضّاحة الذّفرى إذا عرقت ... عرضتها طامس الأعلام مجهول\rترمى النّجاد بعيني مفردٍ لهيقٍ ... إذا توقّدت الحزا والميل\rضخم مقلّدها فعمٌ مفيّدها ... في خلقها عن بنات الفحل تفضيل\rحرفٌ أخوها أبوها من مهجّنةٍ ... وعمّها خالها قوداء شمليل\rيمشي القراد عليها ثم يزلقه ... منها لبا وأقرابٌ زهاليل\rعيرانةٌ قذفت بالنّحض عن عرضٍ ... مرفقها عن بنات الزّور مفتول\rقنواء في حرّيتها للبصير بها ... عتقٌ مبينٌ وفي الحدّين تسهيل\rكا ما فات عينيها ومذبحها ... من خطمها ومن اللّحيين برطيل\rتمرّ مثل عسيب النّخل ذا خصلٍ ... في غارزٍ لم تخوّنه الأحاليل","part":4,"page":380},{"id":1881,"text":"تهوى على يسراتٍ وهي لاهيةٌ ... ذوابلٌ وقعهنّ الأرض تحليل\rسمر العجايات يتركن الحصى زيماً ... لم يقهنّ سواد الأكم تنعيل\rيوماً يظلّ به الحرباء مرتبئاً ... كا ضاحيه في النار مملول\rوقال للقوم حاديهم وقد جعلت ... بقع الجنادب يركضن الحصى قيلوا\rكا أوب ذراعيها وقد عرقت ... وقد تلفّع بالقور العساقيل\rأوب يدي فاقدٍ شمطاء معولةٍ ... قامت فجاوبها نكدٌ مثاكيل\rنوّاحةٌ رخوة الضّبعين ليس لها ... لما نعى بكرها الناعون معقول\rتفرى اللّبا بكفّيها ومدرعها ... مشققٌ عن تراقيها رعابيل\rتسعى الوشاة بجنبيها وقولهم ... انك يأبن أبي سلمى لمقتول\rوقال كلّ صديقٍ كنت آمله ... لا ألهينّك اني عنك مشغول\rفقلت خلّوا طريقي لا أبا لكم ... فكلّ ما قدّر الرحمن مفعول\rكلّ ابن انثى وا طالت سلامته ... يوماً على آلةٍ حدباء محمول\rنبّئتارسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول\rمهلاً هداك الذي أعطاك نافلة ال ... قرا فيها مواعيظٌ وتفصّيل\rلا تأخذنّي بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت فيّ الأقاويل\rلقد أقوم مقاماً لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل\rلظلّ ترعد من وجدٍ بوادره ... ا لم يكن من رسول الله تنويل\rحتى وضعت يميني ما انازعها ... في كفّ ذي نقماتٍ قوله القيل\rفلهو أخوف عندي إذ أكلّمه ... وقيل انك منسوبٌ ومسئول\rمن ضيغمٍ بضراء الأرض مخدره ... في بطن عثّر غيلٌ دونه غيل\rيغدو فيلحم ضرغامين عيشهما ... لحمٌ من الناس معفورٌ خراذيل\rإذا يساور قرناً لا يحلّ له ... ا يترك القرن إلاّ وهو مفلول\rمنه تظلّ حمير الجوّ نافرةً ... ولا تمشّي بواديه الأراجيل\rولا يزال بواديه أخو ثقةٍ ... مطّرح البزّ والدّرسين مأكول\rا الرسول لنورٌ يستضاء به ... مهنّدٌ من سيوف الله مسلول\rأغرّ أبلج يستسقى الغمام به ... كا طلعته في الليل قنديل\rفي عصبةٍ من قريشٍ قال قائلهم ... ببطن مكة لمّا أسلموا زولوا\rزالوا فما زال انكاسٌ ولا كشفٌ ... عند اللّقاء ولا ميلٌ معازيل\rيمشون مشى الجمال الزّهر يعصمهم ... ضربٌ إذا عرّد السّود التّنابيل\rشمّ العرانين أبطالٌ لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل\rبيضٌ سوابغ قد شكّت لها حلقٌ ... كانها حلق القفعاء مجدول\rليسوا مفاريحانالت رماحهم ... قوما وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا\rلا يقع الطّعن إلاّ في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل\rقال ابن إسحاق: فلما قال كعب في قصيدته: إذا عرد السود التنابيل، وانما أراد معشر الأنصار، وخص المهاجرين من قريش بمدحته، غضبت الأنصار عليه، فقال بعد ذلك يمتدح الأنصار من قصيدة له:\rمن سرّة كرم الحياة فلا يزل ... في مقنبٍ من صالحي الأنصار\rورثوا المكارم كابراً عن كابرٍ ... ا الخيار هم بنو الأخيار\rالمكرهين السّمهريّ بأذرعٍ ... كسوالف الهنديّ غير قصار\rوالناظرين بأعينٍ محمرّةٍ ... كالجمر غير كليلة الإبصار\rوالبائعين نفوسهم لنبيّهم ... للموت يوم تعانقٍ وكرار\rيتطهّرون يرونه نسكا لهم ... بدماء من علقوا من الكفّار\rدربوا كما دربت ببطن خفيّةٍ ... غلب الرّقاب من الأسود ضواري\rوإذا حللت ليمنعوك إليهم ... أصبحت عند معاقل الأغفار","part":4,"page":381},{"id":1882,"text":"ضربوا علياً يوم بدرٍ ضربةً ... دانت لوقعتها جميع نزار\rلو يعلم الأقوام علمي كلّه ... فيهم لصدّقني الذين أمارى\rقومٌ إذا خوت النجوم فانهم ... للطارقين النازلين مقارى\rقال ابن هشام: ويقال:ارسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين انشد بانت سعاد فقلبي اليوم متبول: لولا ذكرت الأنصار بخير، فا الأنصار لذلك أهل.\rذكر حج أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالناس وأذا علي رضي الله عنه بسورة براءة\rقال: وفي ذي القعدة سنة تسع من الهجرة، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميرا على الحاج ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم، فخرج أبو بكر رضي الله عنه ومن معه من المسلمين، ثم نزلت سورة براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينهم وبينه، ألا يصد عن البيت أحدٌ جاءه ولا يخاف أحدٌ في الشهر الحرام، وكا عهدا عاماً بينه وبين الناس من أهل الشرك، فدعا سول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: اخرج بهذه القصة من صدر براءة، فأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنًى انه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته فخرج علي ابن أبي طالب رضي الله عنه على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق رضي الله عنه بالطريق، فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه قال: أمير أو مأمور؛ قال: بل مأمور، ثم مضيا فأقام أبو بكر رضي الله عنه للناس حجهم، وذلك في ذي القعدة، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأذن في الناس بما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: أيها الناس، انه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته وأجل الناس أربعة أشهرٍ من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فهو له إلى مدته، فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rحوادث السنة العاشرة\rفيها كانت حجة الوداع، سنذكره ان اشاء الله تعالى في حج رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيها نزل في يوم جمعة قوله عز وجل: \" الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإْسْلاَمَ دِيناً \" . وفيها نزلت: \" يَأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ \" الآية. وكانوا لا يفعلونه قبل ذلك. وفيها مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول. وفي كل سنة من هذه السنين العشر غزوات وسرايا ووقائع تذكر إن شاء الله تعالى في مواضعها؛ والله المستعان الهادي.\r///غزوات الرسول","part":4,"page":382},{"id":1883,"text":"وما يتصل بذلك من الوقائع التي لم تذكر في حوادث السنين لتعلقها بالغزوات كانت غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي حضرها بنفسه سبعا وعشرين غزاة، كلها بعد هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة و هي: غزوة الأبواء، وهي غزوة ودان، ثم غزوة بواط، ثم غزوة بدر الأولى، ثم غزوة ذي العشيرة، ثم غزوة بدر الكبرى، ثم غزوة بنى قينقاع، ثم غزوة السويق، ثم غزوة قرقرة الكدر، وهى غزوة بنى سليم، ثم غزوة غطفان إلى نجد، وهى غزوة بنى سليم ببحران، ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بدر الموعد، ثم غزوة ذات الرقاع، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة بنى المصطلق بالمريسيع، ثم غزوة الخندق، وهى غزوة الأحزاب، ثم غزوة بنى قريظة، ثم غزوة بنى لحيان، ثم غزوة الغابة، وهي غزوة ذى قرد، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة الفتح، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك؛ ومنهم من عدّ عمرة القضاء مع الغزوات، وكانت بعد خيبر وقبل الفتح. قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الغزوات في تسع، وهي: بدر الكبرى، وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف؛ وقيل: انه قاتل في بني النضير. والغابة. وسراياه صلى الله عليه وسلم نحو من ستين سرية.\rأول لواء عقده الرسول كان أول لواء عقدة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه حمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجره لواء أبيض، حمله أبو مرثد كازبن الحصين الغنوى، حايف حمزة، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين رجلا من المهاجرين يعترض لعير قريش قد جاءت من الشام تريد مكة، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فالتقوا، وصفّوا للقتال، فمشى مجدىّ بن عمرو الجهنىّ، وكان موادعا للفريقين جميعا، إلى هؤلاء مرة، حتى حجز بينهم.\rسرية عبيدة بن الحارث بن المطلب إلى بطن رابع بعثه رسول الله صلى عليه وسلم في شوال على رأس ثمانية أشهر من مهاجره في ستين رجلا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وعقد له لواء أبيض، حمله مسطح بن أثاثة المطّلب بن عبد مناف. حكاه محمد بن سعد. قال ابن إسحاق: أو ثمانين رجلا من المهاجرين، فسار حتى بلغ ماء يالحجاز بأسفل ثنية المرة، فلقى جمعا عظما من قريش. قال الشيخ شرف الدين الدمياطي رحمه الله: فلقى أبا سفيان بن حرب، وهو في مائتين، على ماء يقال له أحياء، من بطن رابغ على عشرة أميال من الجحفة، فكان بينهم الرمى ولم يسلوا السيوف ولم يصطفوا للقتال، وكان سعد بن أبى وقاص أول من رمى بسهم في سبيل الله، ثم أنصرف الفريقان على حاميتهم؛ وكان على القوم عكرمة بن أبى جهل. وقال أبو محمد بن هشام: كان عليهم مكرز بن حفص ابن الأخيف. قال ابن إسحاق: وفر من المشركين إلى المسلمين بن المقداد بن عمرو البهرانى حليف بنى زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر المازنى حليف بني نوفل بن عبد مناف، وكانا مسلمين، ولكنهما جاءا مع القوم ليتوصلا بهم. وقدم ابن إسحاق هذه السرية حمزة.\r؟؟؟؟سرية سعد بن أبى وقاص إلى الجرار بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من مهاجره في عشرين رجلا من المهاجرين، وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو ابهراني، وساروا يعترضون لغير قريش، وعهد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يجاوز الجرار. قال سعد:فخرجنا على أقدامنا، فكنا نكمن النهار ونسير الليل، حتى صبحناها صبح خمس، فنجد العير قد مرت بالأمس.\rغزوة الأبواء هى غزوة ودان وبينهما ستة أميال وهذه الغزوة أول غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وكانت في صفر على رأس آثنى عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، وآستخلف على المدينة سعد بن عبادة، وخرج في المهاجرين ليس فيهم أنصارى حتى بلغ الأبواء يعترض لعير قريش، فلم يلقى كيدا. وفي هذه الغزاة وادع مخشى بن عمرو اضمريّ، وكان سيدهم في زمانه، على ألاّ يغزوه، ولا يكثروا عليه جمعا، ولا يعينوا عدوا، وكتب بينه وبينهم كتابا. وكانت غيبته صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة.\rغزوة بواط","part":4,"page":383},{"id":1884,"text":"غزاها رسول الله صلى عليه وسلم في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره وحمل لواءه سعد بن أبي وقاص، وكان أبيض، وآستخلف على المدينة سعد بن معاذ. وقال ابن هشام: استعمل عليها السائب بن عثمان بن مظعون. وخرج في مائتين من أصحابه يعترض لعير قريش، فيها أمية بن خلف الجمحى ومائة رجل من قريش وألف وخمسمائة بعير، فبلغ بواطا، وهي من جبال جهينة من ناحية رضوى، وهي قريب من خشب مما يلي الشام، وبين بواط والمدينة نحو من أربعة برد، فلم يلقى كيدا، فرجع صلى الله عليه وسلم.\rغزوة بدر الأولى غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجره، لطلب كرز بن جابر الفهرىّ، وحمل لواءه على بن أبى طالب، وكان أبيض، واستحلف على المدينة زيد بن حارثة، وكان كرز قد أغار على سرح المدينة فاستاقه، وكان يرعى بالجماء، فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز فلم يلحقه، فرجع إلى المدينة.\rغزوة ذي العشيرة العشيرة، بالشين المعجمة، وقيل بالسين المهملة، وقيل: العشيرا بالألف. غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الآخرة، على رأس ستة عشر شهرا من مهاجره، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، وآستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومى. وخرج في خمسين ومائة، ويقال في مائتين من المهاجرين ممن أنتدب، ولم يكره أحدا على الخروج، وخرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها، وخرج يعترض لعير قريش حين ابتدأت إلى الشام، فبلغ ذا العشيرة، وهي لبنى مدلج بناحية ينبع، فوجد العير التي خرج لها قد مضت قبل ذلك بأيام، وهي العير التي خرج أيضا يريدها حين رجعت من الشام، فكانت فيها وقعة بدر الكبرى. وفي هذه الغزاة وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة. وفيها كنّى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضى الله عنه أبا تراب، وقيل في غيرها.\rسرية عبد الله بن جحش الأسدى إلى نخلة","part":4,"page":384},{"id":1885,"text":"بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مهاجره في آثنى عشر رجلا من المهاجرين. كل أثنين يعتقبان بعيرا. قال ابن إسحاق: وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، ويمضي لما أمره به، ولا يستكره أحد من أصحابه. قال: وكان معه أبو حذيفة بن ربيعة، وعكاشة بن محصن، وعتبة ابن غزوان بن جابر، وسعد بن أبى وقاص، وغامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله التميمي، وخالد بن البكير أحد بنى سعد بن ليث، وسهيل بن بيضاء. هؤلاء الذين عدهم آبن إسحاق؛ وكان معهم المقداد بن عمرو، حكاه محمد بن سعد. قال آبن إسحاق: فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فأمض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم. فلما نظر عبد الله في الكتاب قال: سمع وطاعة. ثم ذكر ذلك لأصحابه وقال لهم: قد نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أستكره أحد منكم، فمن كان يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فاما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضوا كلهم، وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران، أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرهما، فتخلفا في طلبه، ومضى عبد الله وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما من تجارة من تجارة قريش - قال آبن سعد: وخمرا - وفيها عمرو بن الحضرمى، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوة نوفل، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة. فلما رآهم القوم هابوهم؛ وكان عكاشة حلق ليطمئن القوم؛ فأمنوا. وقال لهم عثمان: لابأس عليكم منهم. قال: فسرحوا ركابهم، وصنعوا طعاما. قال: فتشاور القوم فيهم، وذلك آخر يوم من شهر رجب، فقالوا: والله لئن تركتموهم في هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم به، وان قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام. فتردد القوم وهانوا الاقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ مامعهم؛ فخرج واقد بن عبد الله يقدم المسلمين، فرمى عمرو بن الحضرمى بسهم فقتله، وآستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كهسان، وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم. وأقبل عبد الله وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قدموا عليه قال: ماأمرتكم بقتال في الشهر الحرام. ووقف الغير والأسيرين، وأبى أن من ذلك شيئا؛ فأسقط في يد القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم المسلمون فيما صنعوا. وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا الرجال؛ وأكثر الناس في ذلك، فأنزل الله تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام واخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم. والفتنة أكبر من القتل؛ أي قد كانوا يفتنون المسلمين في دينهم حتى يردوهم إلى الكفر بعد إيمانهم، فذاك أكبر عند الله من القتل قال: فلما نزلت الآيات قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير ولأسيرين، وبعثت إليه قريش في فدائهما، فقال: لا. حتى يقدم صاحبانا، يعنى سعد ابن أبى وقاص، وعتبة بن غزوان، فانا نخشاكم عليهما، فان تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان فلحق بمكة، فكان بها حتى مات كافرا. قال: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجرا المجاهدين؟ فأنزل الله تعالى فيهم: إن الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم، قال: وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الفيء فجعل أربعة أخماسه لمن أفاءه، وخمسة إلى الله ورسوله. قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون، وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون، وعثمان و الحكم أول من أسر","part":4,"page":385},{"id":1886,"text":"المسلمون. وفي هذه السرية سمى عبد الله بن جحش أمير المؤمنين. وقال عبد الله بن جحش في هذه الواقعة، ويقال إنها لأبى بكر الصديق رضى الله عنه؛ والذي صححه ابن هشام أنها لعبد الله بن جحش، أبياتا يخاطب بها قريشا:مسلمون. وفي هذه السرية سمى عبد الله بن جحش أمير المؤمنين. وقال عبد الله بن جحش في هذه الواقعة، ويقال إنها لأبى بكر الصديق رضى الله عنه؛ والذي صححه ابن هشام أنها لعبد الله بن جحش، أبياتا يخاطب بها قريشا:\rتعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد\rصدودكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد\rوإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد\rفآنا وان عير تمونا بقتله ... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد\rسقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد\rدما وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غل من القد عاند\rغزوة بدر الكبرى ويقال فيها بدر القتال، وما يتصل بها كان سبب هذه الغزوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بإقبال أبى سفيان بن حرب من الشام في العير التي لقريش، وهي التي خرج إليها في غزوة ذي العشيرة، وكان فيها أموال قريش وتجاراتهم، وفيها منهم ثلاثون أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاصي بن وائل، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين إليهم، وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها، فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعض. وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقى من الركبان عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحوفا على ما معه؛ فأخبره بعض الركبان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أستنفر أصحابه لقصده، فحذر عند ذلك، وأستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى؛ فبعثه إلى مكة، وأمره أن يستنفر قريشا إلى أموالهم، ويخبرها أن محمدا قد عرض لها في أصحابه؛ فأسرع ضمضم إلى مكة.\rرؤيا عاتكة بنت عبد المطلب وخرج قريش إلى بدر قال محمد بن إسحاق رحمه الله بسنده إلى عبد الله بن عباس، وعروة بن الزبير رضى الله عنهم. قالا: ورأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس، فقالي له: والله لقد رأيت رؤيا أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر أو مصيبة، فاكتم عنى ما أحدثك به، قال: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير حتى وقف نالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: أل انفروا يا آل غدر! لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر! لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها مكة فلا دار منها إلا دخلتها منها فلقة؛ قال العباس: والله أن هذه لرؤيا! وأنت فاكتميها. ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبه بن ربيعه، وكان صديقا له؛ فذكرها له وأستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة؛ ففشا الحديث","part":4,"page":386},{"id":1887,"text":"حتى تحدثت به قريش. قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت، وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فزعت من طوافك فأت إلينا، فلما فزعت أقبلت حتى جلست معهم؛ فقال لي أبو جهل: يا بنى عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة، فقلت: وما رأت عاتكة، فقلت: وما رأت؟ يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم! فقد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فان بك حقا ما تقول فسيكون، وان تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب؛ قال العباس: فوالله ما كان منى إليه كبير إلا أنى جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئا، قال: ثم تفرقنا. فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا آتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع؛ ثم لم تكن عندك غيرة لشيء مما سمعت! قلت: قد والله فعلت، ما كان منى إليه من كبير؛ وآيم الله لأتعر ضن له، فان عاد لأ كفينكنه. قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه، قد خلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشى نحوه أتعرض له ليعود لبعض ما قال، فأوقع به، إذ خرج نحو باب المسجد يشتد، فقالت في نفسي: ما له لعنة الله! أكل هذا فرق مني أن أشاتمه! وإذ هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيرة، قد جدع بعيرة وحول رحله، وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث! قال العباس:فشغلني عنه، وشغله عنى ما جاء من الأمر. فتجهز الناس سراعا وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير أبن الحضرمي؟ كلا! والله ليعلمن غير ذلك، فكانوا بين رجلين: إما باعث رجلا مكانه، وأوعبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب تخلف، وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، أستأجره بأربعة آلاف درهم كانت لأبى لهب عليه، فخرج عنه. وروى أبو الفرج على بن الحسين الأصفهاني في كتابه المترجم بالأغاني بسند يرفعه إلى مصعب بن عبد الله قال: قامر أبو لهب العاصي بن هشام في عشرة من الإبل فقمره، ثم في عشرة فقمره، ثم في عشرة فقمره، إلى أن خلعه من ماله فلم يبقى له شيئا، فقال له: أني أرى القداح قد حالفتك يآبن عبد المطلب، فهلم أقامرك يابن عبد المطلب، فأينا غلب كان عبدا لصاحبه. قال: افعل، ففعل، فقمره أبو لهب، فكره أن يسترقه فتغضب بنو مخزوم، فمشى إليهم فقال: افتدوه منى بعشرة من الإبل. فقالوا: لا والله ولا أبو برة. فاسترقه، فكان يرعى له ابله إلى أن خرج المشتركون إلى بدر. قال: وقال غير مصعب: فاسترقه وآحتبسه قينا يعمل الحديد. فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجه أبو لهب عنه لأنه كان عليلا، على أنه أن عاد أعتقه، فقبل العاصي. قال ابن إسحاق: وكان أمية بن خلف قد أجمع القعود وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا فأتاه عقبة بن أبى معيط وهو جالس في المسجد بين قومه بمجمرة، فوضعها بين يديه، وقال: يا أبا على، آستجمر، فانما أنت من النساء. فقال: قبحك الله وقبح ما جئت به. ثم تجهز وخرج مع الناس. قال: ولما فرغوا من جهازهم، وأجمعوا المسير، ذكروا ما كان بينهم وبين بنى بكر عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: انا نخشى أن يأتونا من خلفنا. فكادوا ينثنون؛ فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجى، وكان من أشراف كنانة، فقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء مما تكرهونه فخرجوا سراعا. هذا ما كان من أمر قريش.\rبدر","part":4,"page":387},{"id":1888,"text":"قال محمد بن إسحاق: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لثمان خلون من شهر رمضان. وقال محمد بن سعد: خرج يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة من شهر رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا من مها جره، وأستعمل على المدينة عمرو ابن أم مكتوم، وأسمه عبد الله، ليصلى بالناس، ثم رد أبا لبابة من الروحاء وأستعمله على المدينة، وخرج صلى الله عليه وسلم في ثلثمائة رجل وخمسة عشر رجلا، كان من المهاجرين منهم أربعة وسبعون، وسائر هم من الأنصار بعد أن رد من أصحابه من أستصغرهم، ولم يكن غزا بالأنصار قبلها. قال محمد بن سعد: وتخلف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية لعلة، ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهامهم وأجورهم؛ ثلاثة من المهاجرين: وهم عثمان بن عفان، خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على آمرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة، فأقام حتى ماتت، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد، بعثهما يتحسسان خبر العير، وخمسة من الأنصار، وهم: أبو لبابة بن عبد المنذر، خلفه على المدينة، وعاصم بن عدى، خلفه على أهل العالية، والحارث بن حاطب، رده من الروحاء إلى بنى عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم، والحارث بن الصمة، وخوات بن جبير، كسرا بالروحاء. وكانت ابل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعين بعيرا يعتقبونها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى بن آبى طالب رضى الله عنه، ومرثد ابن أبى مرثد الغنوى يعتقبون بعيرا. قال محمد بن سعد يرفعه إلى ابن مسعود قال: كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة، زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا كانت عقبة النبي صلى الله عليه وسلم قالا له: اركب يا رسول الله حتى نمشى عنك، فيقول: \" ما أنتما بأقوى على المشي منى، وما أنا أغنى عن الأجر منكما. \" قال ابن إسحاق: وكان حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو كبشة، وأنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيرا؛ وكان أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف ، يعتقبون بعيرا. قال ابن سعد: وكانت الخيل فرسين: فرس للقداد بن عمرو، وفرس لمرثد ابن أبى مرثد الغنوى. قال ابن إسحاق: وفرس للزبير بن العوم. قال: ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار، وكان أبيض، قال: وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان، إحداهما مع على بن أبى طالب، والأخرى مع الأنصار. قال ابن سعد: وكان لواء الخزرج مع الحباب بن المنذر، ولواء الأوس مع سعد بن معاذ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الساقة قيس بن أبى صعصعة أخا بنى مازن بن النجار. قال: ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من الصفراء بسبس بن عمرو، وعدى بن أبى الزغباء الجهنين إلى بدر يتحسسان له الأخبار عن أبى سفيان وعيره.","part":4,"page":388},{"id":1889,"text":"ثم أرتحل صلى الله عليه وسلم إلى ذفران - واد يسار الصفراء - وأتاه الخبر بمسير قريش ليمنعوا غيرهم، فأستشار الناس وأخبرهم، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله! فنحن معك فوالله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا أنا معكما مقاتلون، فالذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى برك الغماد لجا لدنا معك من تبلغه؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له. ثم قال: أشيروا على أيها الناس - وانما الأنصار لأنهم عدد الناس - فقال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: أجل؛ قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فأمض يا رسول الله لما أردت، فالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، أنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فقال صلى الله عليه وسلم: \" سيروا وأبشروا، فان الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم \" . ثم أرتحل صلى الله عليه وسلم من ذفران حتى نزل قريبا من بدر، فركب هو وأبو بكر الصديق حتى وقفا على شيخ من العرب، فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أخبرتنا أخبرناك. قال: أو ذاك بذاك؟ قال نعم. قال الشيخ: فانه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذي ترك به رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه - وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فان كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذي به قريش - ثم قال: من أنتما؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء. ويقال: أن الشيخ سفيان الضمرى. قال: ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، فلما أمسى بعث على بن أبى طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص، في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون له عليه الخبر، فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم، غلام بنى الحجاج، وعريض أبو يسار، غلام بنى العاصي، فأتوا بهما؛ فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قريش، فقالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما: كم القوم؟ قالا: كثير؛ قالا: لا ندرى. قال كم ينحرون كل يوم؟ قالا: تسعا، ويوما عشرا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القوم ما بين التسعمائة والألف، ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة بن ربيعه، وشيبة بن ربيعه، وأبو البحتري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدى بن نوفل، والنصر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه آبنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: هذه مكة قد ألقت أفلاذ كبدها. قال: وبلغ أبا سفيان الخبر بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ورد ماء بدر، فرجع إلى أصحابه سريعا وصرف وجه عيره عن الطريق، فساحل بها، وترك بدرا يساره، وآنطلق.","part":4,"page":389},{"id":1890,"text":"وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة، رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة آبن عبد المطلب رؤيا فقال: أني فيما يرى النائم، أو إني لبين النائم واليقظان، إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف، ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعه، وشيبة بن ربيعه، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وفلان وفلان، فعدد رجالا ممن كان قتل يوم بدر من أشراف قريش، ورأيته ضرب في لبّة بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما بقى خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه. قال: فبلغت أبا جهل بن هشام فقال: وهذا أيضا نبي أخر من بني عبد المطلب! سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا. قال: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا غيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاها الله فأرجعوا؛ فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا؛ وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم فيه سوق في كل عام، فنقيم عليه ثلاثا، فننحرا لجزور، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها، فامضوا. فمضت قريش حتى نزلوا العدوة القصوى من الوادي، والقلب ببدر في العدوة الدنيا، قال: وبعث الله السماء، وكان الوادي دهسا، فأصاب رسول لله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض، ولم يمنعهم من المسير. وقال آبن سعد: كان المسلمون يومئذ يميدون من النعاس ونزلوا على كثيب أهيل، فمطرت السماء فصار مثل الصفا يسمعون عليه سعيا. وأنزل الله تعالى: إذ يغشاكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام. قال آبن إسحاق: وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماء من ماء بدر نزل به، فأتاه الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا رسول الله ، هذا المنذل منذل أنزلكة الله ، ليس لنا إن نتقدمه، ولا نتأخر عنه،أم هو الرأي الحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله عليه وسلم: بل الرأي والحرب والمكيدة. قال يا رسول الله: فان هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتى أدنى ماء من القوم فتنزله، ثم نعور ما وراءه من القلب، ثم نبتنىعليه حوضا فنملأه ماء، ثم تقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي، فنهض بالناس وسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم، نزل عليه، ثم أمر بالقلب فعورت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه،فملئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية. فقال سعد بن معاذ:يا نبي الله ، نبتني لك عريشا تكون فيه، وتكون عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فان أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا،وان كانت الأخرى جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أن تلقى حربا ما تخلفوا عنك،يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك،فأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه خيرا، ثم بنى لرسول الله عليه وسلم عريش، فكان فيه. قال: وأرتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت، فلما رآها رسول الله صلى الله عله وسلم قال: الهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفجرها، تحاك وتكذب رسولك، الهم فنصرك الذي وعدتني،الهم أحنهم الغداة.","part":4,"page":390},{"id":1891,"text":"قال ابن سعد: كانت قريش تسعمائة وخمسين،وخيلهم مائة فرس، وكان لهم ثلاثة ألوية، لواء مع أبي عزيز بن عمير، ولواء مع النضر بن الحارثن ولواء مع طلحة بن أبي طلحة. قال أبن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار وغيره،عن أشياخ من الأنصار،قال: لما آطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحى فقالوا: أحزر لنا أصحاب محمد، فجال بفرسه حول العسكر،ثم رجع اليهمإليهمل: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه، ولكن أمهلوني حتى أنظر، أللقوم كمين أو مدد؟ قال: فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم يرى شيئا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئا، ولكنى رأيت يا معشر قريش البلايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، أما ترونهم حرصا لا يتكلمون، يتلمظون تلمظ الأفاعي؛ والله أرى أن يقتل رجل منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم، فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم. فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس؛ فأتى عتبة بن ربيعه فقال: يا أبا الوليد انك كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، هل لك ألا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي. قال: قد فعلت، على عقلة؛ فأت أبن الحنظلية، يعنى أبا جهل بن هشام، قال: فأتيته فقلت: يا أبا الحكم، قد أرسلني إليك عتبة بكذا وكذا، فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، ثم بعث إلى عامر الحضرمي فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينيك، فقم فأنشد خفرتك، ومقتل أخيك. فقام عامر فأكتشف ثم صرخ: واعمراه! واعمراه! فحميت الحرب وحقب أمر الناس، وأستو سقوا على ماهم عليه من الشر. قال: فخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومى، وكان رجلا شرسا سيئ الخلق، فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه، أو أموتن دونه، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمرة فأطن قدمه بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره، ثم جاء إلى الحوض يريد أن يبر يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله. ثم خرج بعده عتبة بن ربيعه، بين أخيه شيبة بن ربيعه، وأبنه الوليد بن عتبة، حتى إذا برز من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه ثلاثة من الأنصار، وهم: عوف ومعوذ أبناء الحارث، وعبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار؛ قالوا: مالنا بكم من حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فأخرج لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب، وعلى بن أبى طالب، وعبيد بن الحارث، فلما دنوا منهم قالوا: من أنتم؟ فسمى كل رجل منهم نفسه، قالوا: نعم أكفاء كرام؛ فبارز عبيدة - وكان أسن القوم - عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز على الوليد بن عتبة، فأما حمزة وعلىّ فانهما لم يمهلا مبارزيهما أن قتلاهما، وأختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلىّ بأسيافهما على عتبة فذففا عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه. قال محمد بن سعد: وفي عبيدة وعتبة نزل قوله تعالى: هذان خصمان أختصموا في ربهم. قال: ثم زحف الناس ودنا بعضهم من بعض. وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة. وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف، ورجع إلى العريش، فدخله هو وأبو بكر الصديق ليس معه غيره فيه، وهو صلى الله عليه وسلم يناشد ربهما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: اللهم ان تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، وأبو بكر يقول: يابنى الله، بعض مناشدتك ربك، فان الله منجزك ما وعدك.","part":4,"page":391},{"id":1892,"text":"وخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة ثم أنتبه، فقال: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثنايا النفع. قال ابن إسحاق: ورمى مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل، وكان أول قتيل قتل من المسلمين، ثم رمى حارثة بن سراقة، أحد بنى عدى بن النجار، وهو يشرب في الحوض بسهم، فأصاب نحره، فقتل. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الناس يحرضهم، وقال: والذي نفس محمد بيده ليقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة، فقال عمير بن الحمام أخو بنى سلمة، وفي يده تمرات يأكلهن: نج نج! أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء؟ ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه وقاتل حتى قتل. وقال عوف بن الحارث - وهو ابن عفراء - يا رسول الله: ما يضحك الرب من عبده؟ قال: غمسه يده في العدو حاسرا. فنزع درعا كانت عليه، وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل. قال: ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا، ثم قال: شاهت الوجوه، ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه فقال: شدوا؛ فكانت الهزيمة على قريش، فقتل الله من صناديد قريش من قتل، وأسر من أسر. قال محمد بن سعد: قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لما نزلت: سيهزم الجمع ويولون الدبر، قلت: وأىّ جمع يهزم ومن يغلب؟ فلما كان يوم بدر نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وثبا وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر، فعلمت أن الله تعالى سيهزمهم. قال: ولما وضع القوم أيديهم يأسرون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قريش وسعد بن معاذ قائم على باب العريش، متوشح السيف، في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخافون عليه كرة العدو، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال له: لكأنى بك يا سعد تكره ما يصنع القوم؛ قال: أجل: والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الاثخان في القتل أحب إلى من أستبقاء الرجال. وفي هذا اليوم أنزل الله تعالى الملائكة فقاتلوا مع المسلمين. قال محمد بن سعد: لما صف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وعبأهم للحرب، جاءت ريح لم ير مثلها شدة ثم ذهبت، فجاءت ريح أخرى، فكانت الأولى جبريل عليه السلام في ألف من الملائكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانية ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثالثة أسرا فيل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان سيما الملائكة يومئذ عمائم قد أرخوها بين أكتافهم: خضر وصفر وحمر من نور، والصوف في نواصي خيلهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إن الملائكة قد سومت فسوموا. فأعلموا بالصوف في مغافرهم وقلا نسهم. قال: وكانت الملائكة يوم بدر على خيل بلق. وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبى بكر أنه حدث عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: حدثني رجل من بنى غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننظر الواقعة على من تكون الدائرة، ننتهب مع من ينتهب، فبينما نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم. قال: فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه، فمات مكانه. وأما أنا فكدت أن أهلك، ثم تماسكت. وروى ابن إسحاق عن أبى أسيد مالك بن ربيعة - وكان شهد بدرا - قال - بعد أن ذهب بصره - : لو كنت اليوم ومعي بصرى لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أتمارى. وعن أبى داو ود المازنى، قال: إني لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قتله غيري. وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، قال: كانت سما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمرا، وفي حديث آخر عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، كانت سما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرخوها على ظهورهم، إلا جبريل فانه كانت عليه عمامة صفراء. وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون. قال: وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: أحد أحد. قال","part":4,"page":392},{"id":1893,"text":"ابن إسحاق: وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز وهو يقاتل و يقول:ابن إسحاق: وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز وهو يقاتل و يقول:\rما تنقم الحرب العوان منى ... بأزل عامين حديث سنى\rلمثل هذا ولدتني أمي","part":4,"page":393},{"id":1894,"text":"قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه أمر أن يلتمس أبو جهل بن هشام في القتلى، فمر به عبد الله بن مسعود، قال: فوجدته بآخر رمق فعرفته، فوضعت، رجلي على عنقه، فقال لي: لقد ارتقيت يا رويعى الغنم مرتقى صعبا، ثم قال: أخبرني لمن الدائرة اليوم؟ فقلت: لله ولرسوله؛ ثم آختززت رأسه، ثم جئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبى جهل؛ فقال: الله الذي لا اله غيره؟ قلت: نعم والله الذي لا اله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب، طرحوا فيه إلا أمية بن خلف فانه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليحركوه فتزايل، فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة، قالت: ولما ألقوا في القليب، وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يأهل القليب، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا، فأني قد وجدت ما وعدني ربى حقا قالت: فقال له أصحابه: يا رسول الله، أتكلم قوما موتى؟ فقال لهم: \" لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق \" . وعن أنس رضى الله عنه نحوه، إلا أن فيه: فقال المسلمون: يا رسول الله، أتنادى قوما قد جيفوا؟ قال: \" ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعوا أن يجيبوني \" . قال ابن إسحاق: وكان الفتية الذين قتلوا ببدر - فنزل فيهم قوله تعالى: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا - الحارث بن زمعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه ابن المغيرة، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلى بن أمية بن خلف، والعاص ابن منبه. وذلك أنهم كانوا أسلموا بمكة، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة وفتنوهم فآفتتنوا، ثم خرجوا مع قومهم إلى بدر، فأصيبوا كلهم. قال: ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما في العسكر مما جمع الناس فجمع، وأختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا؛ وقال الذين كانوا يقاتلون العدو: والله لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم؛ وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يخالف إليه العدو: ما أنتم بأحق منا، ما أنتم بأحق منا، لقد رأينا أن نقتل العدو إذ منحنا الله أكتافهم، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو فقمنا دونه، فما أنتم أحق به منا. فأنزل الله تعالى: يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، نزلت السورة بجملتهما في غزوة بدر. قال: ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى الدينة ومعه الأسارى من المشركين والنفل، وجعل على النفل عبد الله بن كعب المازنى، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضيق الصفراء، نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية، يقال له: سير، إلى سرحة به وهو من المدينة على ثلاث ليال، فقسم هناك النفل الذي أفاء الله على المسلمين على السواء. قال ابن سعد: وتنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار، وكان لمنبه بن الحجاج، فكان صفية يومئذ؛ وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمه مع المسلمين، وفيه جمل أبي جهل بن هشام، وكان مهريا، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة بشيرا إلى المدينة، وبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل العالية. قال ابن سعد يرفعه إلى عبد بن عمر رضى الله عنهما، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بثلثمائة وخمسة عشر من المقاتلة، كما خرج طالوت، فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجوا، فقال: \" اللهم انهم حفاة فأحملهم، اللهم انهم عراة فأكسهم، اللهم انهم جياع فأشبعهم \" . ففتح الله يوم بدر فأنقلبوا حين أنقلبوا، وما فيهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين، فأكتسوا وشبعوا. وقال يرفعه إلى عكرمة قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من أهل بدر: عليك بالعير ليس دونها شئ، فناداه العباس: انه لا يصلح ذلك لك، قال: لم؟ : قال: لم؟ : لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين، فقد أعطاك ما وعدك.","part":4,"page":394},{"id":1895,"text":"الخبر بمصاب أهل بدر\rعلى من بمكة من كفار قريش. وهلاك أبى لهب بن عبد المطلب قال ابن إسحاق: كان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعى، فقالوا له: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البحتري، وجعل يعدد أشراف قريش، فقال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر، : والله إن يعقل هذا فاسألوه عنى، قالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: هو ذاك جالس في الحجر، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا. وقال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد داخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه. وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، وبعث مكانه العاص ابن هشام بن المغيرة وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا، فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا، وكنت رجلا ضعيفا،وكنت أنحت الأقداح في حجرة زمزم، فوا لله إني لجالس فيها أنحت أقداحي وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر، حتى جلس على طنب الحجر، وكان ظهري إلى ظهره، فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. فقال أبو لهب: هلم الىّ، فعندك لعمري الخبر. قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يابن أخي، أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا، ويأيروننا كيف شاءوا، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجلا أبيضا، على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شئ. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك والله الملائكة. قال: فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، فثاورته فاحتملني، فضرب بي الأرض، ثم برك على صدري، وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فلقت رأسه شجة منكرة، وقالت: أستضعفه أن غاب عنه سيده؟ فقام موليا ذليلا، فوا لله ما عاش الا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته. وقالت قريش في قتلى بدر مراثي كثيرة ذكرها أبن هشام وغيره، تركنا إيرادها رغبة في الاختصار، ولأنه ليس تحت ذلك كبير فائدة فيما نحن بصدده، إلا أنها تشهد بقتل من قتل ممن نذكره ان شاء الله تعالى.\rمن شهد بدرا\rمن المهاجرين والأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم","part":4,"page":395},{"id":1896,"text":"كان جميع من شهدا بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين ومن ضرب له فيها بسهمه وأجره ثلثمائة رجل وأربعة عشر رجلا، من المهاجرين ثلاثة وثمانون، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مائة وسبعون. فأما من شهد بدرا من المهاجرين، ومن ضرب له بسهمه وأجره، فشهدها من بنى هاشم بن عبد مناف اثنا عشر رجلا، وهم: سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبى طالب، وزيد ابن حارثة، وأنسة الحبشي، وأبو كبشة الفارسي، موالى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو مرثد كناز بن حصين، وأبنه مرثد، حليفا حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وأخوه: الطفيل، والحصين، ومسطح، وأسمه عوف بن أثاثة بن عباد بن المطلب. ومن بني عبد شمس بن عبد مناف وحلفائهم خمسة عشرة رجلا، وهم: أبو حذيقة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولاه. ومن حلفائهم من بني أسد ابن خزيمة عبد الله بن جحش بن رئاب، وعكاشة بن محصن، وشجاع بن وهب ابن ربيعة، وأخوه عقبة، ويزيد بن رقيش بن رئاب، وأبو سنان بن محصن ابن حرثان أخو عكاشة، وأبنه سنان، ومحرز بن نضلة بن عبد الله وربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو. ومن حلفائهم بني كبير بن غنم بن دودان بن أسد: ثقف بن عمرو، وأخواه مالك، ومدلج، وهم من بني حجر آل بني سليم، وأبو مخشى، حليف لهم. ومن بني نوفل بن عبد مناف رجلان، وهما: عتبة بن غزوان، وخباب مولاه. ومن بنى أسد بن عبد العزى ثلاثة نفر، وهم: الزبير بن العوام وحاطب بن أبى بلتعة، وسعد مولاه. ومن بنى عبد الدار رجلان، وهما: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار، وسويبط بن سعد بن حريملة، ويقال: ابن حرملة بن مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار. ومن بنى زهرة بن كلاب وحلفائهم تسعة نفر، وهم: عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وأبو وقاص مالك بن أهيب، وأخوه عمير بن أبى وقاص. ومن حلفائهم: المقداد بن عمرو بن ثعلبة، وعبد الله بن مسعود ابن الحارث، ومسعود بن ربيعة بن عمرو، وذو الشمالين عمير بن عبد عمرو بن نضلة، وخباب بن الأرت. ومن بنى تيم بن مرة ومواليهم أربعة نفر، وهم: أبو بكر الصديق رضى الله عنه، ومواليه، بلال بن رباح، وعامر بن فهيرة، وصهيب بن سنان. ومن بنى مخزوم خمسة نفر، وهم: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد وشماس بن عثمان بن الشريد، وآسم شماس عثمان، والأرقم بن أبى الأرقم، وأبو الأرقم هو عبد مناف بن أسد، وعمار بن ياسر، ومعتب بن عوف بن عامر حليف لهم. ومن بنى عدى بن كعب وحلفائهم أثنا عشر رجلا، وهم: عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وأخوه زيد، ومهجع مولى عمر، وعمر بن سراقة بن المعتمر وأخوه عبد الله، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين، حليف لهم، وعامر ابن البكير، وأخواه خالد، واياس، حلفاء بنى عدى، وخولى، وأخوه مالك، حليفان لهم - ومنهم من عد هلال بن أبى خولى - وعامر بن أبى ربيعة، حليف لهم. ومن بنى جمع خمسة نفر، وهم: عثمان بن مظعون، وأبنه السائب وأخواه قدامة، وعبد الله، أبناء مظعون، ومعمر بن الحارث بن معمر. ومن بنى سهم بن عمرو: خنيس بن حذافة بن قيس. ومن بنى عامر بن لؤى خمسة نفر، وهم: أبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى، وعبد الله بن سهيل بن عمرو - وكان قد خرج مع أبيه سهيل، فلما نزل الناس بدرا فر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدها معه - وعمير بن عوف، مولى سهيل بن عمرو، وسعد ابن خولة، حليف لهم. ومن بنى الحارث بن فهر خمسة نفر، وهم: أبو عبيدة عامر بن عبد الله ابن الجراح، وعمرو بن الحارث بن زهير، وسهيل بن ربيعة بن هلال، وأخوه صفوان بن وهب، وهما أبنا بيضاء، وعمرو بن أبى سرح بن ربيعة. هؤلاء الذين شهدوا بدرا من المهاجرين. وأما من ضرب له بسهمه وأجره، فثلاثة نفر، وهم: عثمان بن عفان - وقد تقدم خبره - وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانا قد بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشام يتحسسان له خبر العير، فقدما بعد غزوة بدر، فضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهميهما، قالا: يا رسول الله، وأجرنا؛ قال: وأجركما.","part":4,"page":396},{"id":1897,"text":"وأما من شهدها من الأوس ومن غاب وضرب له فيها بسهمه وأجره، فهم أحد وستون رجلا، شهدها منهم ستة وخمسون رجلا، وهم: سعد بن معاذ ابن النعمان، وأخوه عمرو بن معاذ، والحارث بن أنس بن رافع، وسعد بن زيد ابن مالك، وسلمة بن سلامة بن وقش، وعباد بن بشر بن وقش، وسلمة بن ثابت بن وقش، ورافع بن يزيد بن كرز، والحارث بن خزمة بن عدى، حليف لهم، ومحمد بن مسلمة بن خالد، حليف لهم، وسلمة بن أسلم بن حر يش، حليف لهم، وأبو الهيثم بن التيهان، وأخوه عبيد بن التيهان - قال أبن هشام: ويقال: عتيك بن التيهان - وعبد الله بن سهيل، وقتادة بن النعمان بن زيد، وعبيد ابن أوس بن مالك - وعبيد هو الذي يقال له: مقرن، لأنه قرن أربعة أسرى في يوم بدر، وهو الذي أسر عقيل بن أبى طالب يومئذ، ونصر بن الحارث بن عبد بن رزاح بن كعب، ومتعب بن عبيد، وعبد الله بن طارق حليف لهما من بلى، ومسعود بن سعد بن عامر، ويقال فيه: مسعود بن عبد سعد، وأبو عبس بن جبر بن عمرو، وأبو بردة بن نيار، وأسمه هانئ، حليف لهم من بلى، وعاصم بن ثابت بن قيس، ومتعب بن قشير، وأبو مليل بن الأزعر بن زيد، وعمرو بن معبد بن الأزعر، وقيل فيه: عمير بن معبد، وسهل بن حنيف بن واهب، ومبشر بن عبد المنذر بن زنبر، وأخوه رقاعة، وسعد بن عبيد بن النعمان، وعويم بن ساعدة، ورافع بن عنجدة، وعبيد ابن أبى عبيد، وثعلبة بن حاطب، وأنيس بن قتادة بن ربيعة. ومعن بن عدى ابن الجد من حلفائهم، وثابت بن ثعلبة، وعبد الله بن سلمة، وزيد بن أسلم بن ثعلبة، وربعى بن رافع بن زيد، هؤلاء الخمسة من حلفائهم من بلى، وعبد الله ابن جبير بن النعمان وعاصم بن قيس بن ثابت، وأبو ضياح ثابت بن النعمان وأخوه أبو حنة - ويقال: أبو حبة - وسالم بن عمير بن ثابت بن النعمان، والحارث ابن النعمان بن أمية، ومنذر بن محمد بن عقبة، وأبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة من حلفائهم، وسعد بن خيثمة بن الحارث، ومنذر بن قدامة، ومالك بن قدامة ابن عرفجة، والحارث بن عرفجة، وتميم مولى بنى غنم، وجبر بن عتيك بن الحارث ومالك بن نميلة، حليف لبنى معاوية من مزينة، والنعمان بن عصر، حليف لبنى معاوية من بلى. هؤلاء الذين شهدوها من الأوس. وأما من ضرب له بسهمه وأجره منهم فخمسة نفر، وهم: أبو لبابة وأسمه بشير بن عبد الله، والحارث بن حاطب، وحاطب بن عمرو بن عبيد وعاصم بن عدى بن الجد بن العجلان، وخوات بن جبير بن النعمان. وأما من شهدها من الخزرج ومواليهم وحلفائهم فمائة وسبعون رجلا: خارجة بن زيد بن أبى زهير، وسعد بن ربيع بن عمرو بن أبى زهير وعبد الله بن رواحة بن أمرئ القيس، وخلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو وبشير بن سعد بن ثعلبة، وأخوه سماك بن سعد، وسبيع بن قيس بن عيشة بن أمية، وأخوه عباد بن قيس، وعبد الله بن عبس، ويزيد بن الحارث بن قيس وخبيب بن اساف بن عتبة، وعبد الله بن زيد بن ثعلبة، وأخوه حريث بن زيد، وسفيان بن نسر بن عمرو بن الحارث، وتميم بن يعار بن قيس، وعبد الله ابن عمير بن عدى، وزيد بن المزين بن قيس، وعبد الله بن عرفطة بن عدى، وعبد الله بن ربيع بن قيس، وعبد الله بن أبى بن مالك، وأوس ابن خولى بن عبد الله بن الحارث، وزيد بن وديعة بن عمرو بن قيس بن جزء وعقبة بن وهب بن كلدة، حليف لهم من بنى عبد الله بن غطفان، ورفاعة بن عمرو بن ثعلبة، وعامر بن سلمة بن عامر، حليف لهم من اليمن، وأبو حميضة عباد بن قشير بن المقدم، وعامر بن البكير، حليف لهم، ونوفل بن عبد الله بن نضلة، وعباد بن الصامت بن قيس بن أصرم، وأخوه أوس بن الصامت والنعمان بن مالك بن ثعلبة بن دعد، وهو الذي يقال له: قوقل؛ وثابت بن هزال ابن عمرو بن قر يوش، ويقال: قريوس، ومالك بن الدخشم بن مالك، وربيع ابن اياس، حليف لبنى لوذان من اليمن، والمجدر بن زياد بن عمرو؛ وأسم المجذر، عبد الله حليف لهم من بلى، وعباد بن الخشخاش بن عمرو، حليف، ونجاب بن ثعلبة بن خزمة ويقال: بحاث، وعبد الله بن ثعلبة بن خرمة، بن ربيعة بن خالد بن معاوية، حليف لهم، وهو من بنى سليم، وأبو دجانة سماك بن خرشة.","part":4,"page":397},{"id":1898,"text":"قال ابن هشام: سماك بن أوس بن خرشة، والمنذر بن عمرو بن خنيش بن حارثة، وأبو أسيد مالك بن ربيعة، ومالك بن مسعود البدى، وعبد ربه بن حق ابن أوس بن وقش بن ثعلبة بن طريف. ومن حلفائهم من جهينة: كعب بن جماز بن ثعلبة - ويقال: حمار، وهو من غبشان - وضمرة، وبسبس، وزياد، بنو عمرو. وعبد الله بن عامر من بلى. وخراش بن الصمة بن عمرو بن الجموح، وتميم مولى خراش بن الصمة، وعبد الله بن عمرو بن حرام،ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ومعوذ بن عمرو بن الجموح، وخلاد بن عمرو بن الجموح، وعقبة بن عامر بن نأبى، وحبيب بن أسود، مولى لهم، وثابت بن ثعلبة بن زيد بن الحارث، وثعلبة الذي يقال له: الجذع، وعمير بن الحارث بن ثعلبة بن الحارث، وبشر بن البراء ابن معرور بن صخر، والطفيل بن مالك بن النعمان، وسنان بن صيفي بن صخر وعبد الله بن الجد بن قيس بن صخر، وخارجة بن حمير، وعبد الله بن حمير، حليفان لهم من أشجع من بنى دهمان، وجبار بن صخرة بن أمية بن خناس، ويزيد بن المنذر ابن سرح، وأخوه معقل بن المنذر، وعبد الله بن النعمان بن بلدمة، ويقال: بلدمة وبلذمة، والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة، وسواد بن زريق بن ثعلبة؛ ومعبد بن قيس بن صخر، وأخوه عبد الله بن قيس، وعبد الله بن عبد مناف بن النعمان، والنعمان بن يسار مولى لبنى النعمان، وأبو المنذر بن يزيد بن عامر بن حديدة، وسليم بن عمرو بن حديدة، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعنترة مولى سليم ابن عمرو، وعبس بن عامر بن عدى، وثعلبة بن غنمة بن عدى، وأبو اليسر، وهو كعب بن عباد بن عمرو، وسهل بن قيس بن أبى كعب، وعمرو بن طلق بن زيد بن أمية، ومعاذ بن جبل بن عمرو، وحارثة بن مالك بن غضب ابن جشم، وقيس بن محصن بن خالد بن مخلد، ويقال: قيس بن حصن، وأبو خالد، وهو الحارث بن قيس بن خالد بن مخلد، وجبير بن اياس بن خالد بن مخلد، وأخوه عقبة بن عثمان بن خلدة بن مخلد، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد، ومسعود ابن خلدة بن عامر بن مخلد، وعباد بن قيس بن عامر بن خالد، وأسعد بن مزيد ابن الفاكه بن زيد بن خلدة، والفاكه بن بشر بن زيد، ومعاذ بن ماعص بن قيس بن خلدة، وأخوه عائذ بن ماعص، ومسعود بن سعد بن قيس ابن خلدة، ورفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان، وأخوه خلاد بن رافع، وعبيد ابن زيد ابن عامر، وزياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان، وفروة بن عمرو بن ودفة ابن عبيد، وخالد بن قيس بن مالك بن العجلان، ورجيلة بن ثعلبة بن خالد بن ثعلبة، وعطية بن نويرة بن عامر بن عطية، ورافع بن المعلى بن لوذان، وأبو أيوب خالد ابن زيد بن كليب بن ثعلبة، وثابت بن خالد بن النعمان، وعمارة بن حزم بن زيد ابن لوذان بن عمرو، وسراقة بن كعب بن عبد العزى بن غزية، وحارثة بن النعمان ابن زيد بن عبيد، وسليم بن قيس بن فهد، وسهيل بن رافع بن أبى عمرو بن عائذ، وعدى بن أبى الزغباء، حليف لبنى عائذ من جهينة، ومسعود بن أوس ابن زيد، وأبو خزيمة بن أوس بن زيد، ورافع بن الحارث بن سواد بن زيد، وعوف، ومعوذ، ومعاذ، بنو الحارث بن رفاعة، وهم بنو عفراء بنت عبيد بن ثعلبة، والنعمان بن عمرو بن رفاعة بن سواد، ويقال: نعمان؛ وعامر بن مخلد بن الحارث ابن سواد، وعبد الله بن قيس بن خلدة بن الحارث بن سواد، وعصيمة، حليف لبنى سواد من أشجع، ووديعة بن عمرو، حليف لهم من جهينة، وثابت بن عمرو بن زيد بن عدى بن سواد - قال ابن هشام: وزعموا أن أبا الحمراء مولى الحارث بن عفراء شهد بدرا - وثعلبة بن عمرو بن محصن بن عمرو بن عتيك، والحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك، كسر بالروحاء، فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه، وأبى بن كعب بن قيس، وأنس بن معاذ بن أنس بن قيس، وأوس بن ثابت بن المنذر بن حرام، وأبو شيخ أبى بن ثابت بن المنذر بن الحرام. قال ابن هشام: أبو شيخ أبى بن ثابت أخو حسان بن ثابت، وأبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، وحارثة بن سراقة بن الحارث بن عدى، وعمرو بن ثعلبة بن وهب بن عدى، وسليط بن قيس بن عمرو بن عتيك بن مالك، وأبو سليط - وهو أسيرة بن عمرو - وثابت بن خنساء بن عمرو بن مالك بن عدى، وعامر بن أمية بن زيد بن الحسحاس بن مالك، ومحرز بن عامر بن مالك بن عدى، وسواد بن غزية بن أهيب، حليف لبنى عدى بن النجار. وأبو زيد قيس بن سكن بن قيس، وأبو الأعور بن الحارث بن ظالم بن عبس","part":4,"page":398},{"id":1899,"text":"ابن حرام، ويقال: أبو الأعور الحارث بن ظالم، وسليم بن ملحان، وأخوه حرام - وأسم ملحان: مالك بن خالد بن زيد - وقيس بن أبى صعصعة - وأسم أبى صعصعة: عمرو بن زيد بن عوف - وعبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف، وعصيمة، حليف لبنى مازن بن النجار من بنى أسد بن خزيمة، وأبو داود عمير ابن عامر بن مالك بن خنساء، وسراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء، وقيس بن مخلد بن ثعلبة بن صخر بن حبيب، ومسعود بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار، وأخواه لأمه الضحاك، والنعمان، أبناء عبد عمرو، وجابر بن خالد بن عبد الأشهل بن حارثة، وسعد بن سهيل بن عبد الأشهل، وكعب بن زيد بن قيس بن مالك، وبجير بن أبى بجير، حليف لبنى قيس بن مالك. هؤلاء الذين عدهم محمد بن اسحاق. قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم يذكرون في الخزرج ممن شهد بدرا عتبان ابن مالك بن عمرو بن العجلان، ومليل بن وبرة بن خالد بن العجلان، وعصمة بن الحصين بن وبرة بن خالد بن العجلان، وهلال بن المعلى بن لوذان بن حارثة.ابن حرام، ويقال: أبو الأعور الحارث بن ظالم، وسليم بن ملحان، وأخوه حرام - وأسم ملحان: مالك بن خالد بن زيد - وقيس بن أبى صعصعة - وأسم أبى صعصعة: عمرو بن زيد بن عوف - وعبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف، وعصيمة، حليف لبنى مازن بن النجار من بنى أسد بن خزيمة، وأبو داود عمير ابن عامر بن مالك بن خنساء، وسراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء، وقيس بن مخلد بن ثعلبة بن صخر بن حبيب، ومسعود بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار، وأخواه لأمه الضحاك، والنعمان، أبناء عبد عمرو، وجابر بن خالد بن عبد الأشهل بن حارثة، وسعد بن سهيل بن عبد الأشهل، وكعب بن زيد بن قيس بن مالك، وبجير بن أبى بجير، حليف لبنى قيس بن مالك. هؤلاء الذين عدهم محمد بن اسحاق. قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم يذكرون في الخزرج ممن شهد بدرا عتبان ابن مالك بن عمرو بن العجلان، ومليل بن وبرة بن خالد بن العجلان، وعصمة بن الحصين بن وبرة بن خالد بن العجلان، وهلال بن المعلى بن لوذان بن حارثة.\rمن استشهد في بدر\rكان من أستشهد من المسلمين في غزاة بدر أربعة عشر رجلا، من المهاجرين ستة نفر، وهم: عبيدة بن الحارث بن المطلب، قتله عتبة بن ربيعة، قطع رجله فمات بالصفراء في قفول رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة، وعمير بن أبى وقاص، وهو أخو سعيد، وذو الشمالين بن عبد عمرو نضلة الخزاعى، حليف لبنى زهرة، وعاقل بن البكير، حليف لبنى عدى بن كعب من بنى سعد بن ليث، ومهجع، مولى عمر بن الخطاب، وصفوان بن بيضاء، من بنى الحارث بن فهر. ومن الأنصار ثمانية وهم: سعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر بن زنبر، ويزيد بن الحارث، وعمير بن الحمام، ورافع بن المعلى، وحارثة بن سراقة بن الحارث، وعوف، ومعوذ، ابنا الحارث بن رفاعة.\rقتلى المشركين في بدر","part":4,"page":399},{"id":1900,"text":"كانت عدة من قتل من المشركين في غزوة بدر سبعين رجلا من بنى عبد شمس ومواليهم وحلفائهم أربعة عشر رجلا، وهم: عقبة ابن أبى معيط، قتل صبرا بعرق الظبية عند قفول رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة وقال - حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله - : فمن للصبية يا محمد؟ قال: النار! فقتله عاصم بن ثابت بن الأقلح، وحنظلة بن أبى سفيان بن حرب، قتله زيد بن حارثة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقال: أشترك فيه حمزة بن عبد المطلب، وعلى بن أبى طالب، وزيد بن حارثة، والحارث بن الحضرمى، وعامر بن الحضرمى، حليفان لهم. قتل عامرا عمار ابن ياسر، وقتل الحارث النعمان بن عصر، حليف الأوس، وعمير بن أبى عمير، وأبنه، موليان لهم. قتل عميرا سالم مولى أبى حذيفة، وعبيدة بن سعيد ابن العاص بن أمية بن عبد شمس، قتله الزبير بن العوم، والعاص بن سعيد بن العاص ابن أمية، قتله عاصم بن ثابت بن الأقلح، صبرا، وقيل: قتله علىّ بن أبى طالب، وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس، اشترك فيه عبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبد المطلب وعلىّ بن أبى طالب؛ وشيبة بن ربيعة بن عبد شمس، قتله حمزة بن عبد المطلب، والوليد بن عتبة بن ربيعة، قتله علىّ بن أبى طالب، وعامر بن عبد الله، حليف لهم من بنى أنمار، قتله علىّ، ووهب بن الحارث، حليف لهم من بنى أنمار، وعامر ابن زيد، حليف لهم من اليمن. ومن بنى نوفل بن عبد مناف رجلان، وهما: الحارث بن عامر ابن نوفل، قتله خبيب بن اساف، وطعيمة بن عدى بن نوفل، قتله على، ويقال: حمزة؛ وروى أبو عمر بن عبد البر بسنده الى عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل طعيمة بن عدى صبرا هو وعقبة بن أبى معيط والنضر بن الحارث. ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصىّ سبعة نفر: زمعة بن الأسود ابن المطلب بن أسد، قتله ثابت بن الجذع، وقيل اشترك فيه حمزة وعلىّ، مع ثابت، والحارث بن زمعة، قتله عمار بن ياسر، وعقيل بن الأسود بن المطلب قتله حمزة، وعلىّ، وأبو البحتري - وهو العاص بن هشام - قال ابن هشام: العاص ابن هاشم بن الحارث بن أسد، قتله المجذر البلوى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتله، لأنه كان أكف الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما كان بمكة، كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شئ يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة كما تقدم، فلما لقيه المجذر قال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك، وكان مع أبى البحتري زميل له قد خرج معه من مكة، وهو جنادة بن مليحة - رجل من بنى ليث - فقال أبو البحتري. وزميلى، فقال المجذر: لا والله ما نحن بتاركى زميلك، ما امرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك. فقال: لا والله إذا لأموتن أنا وهو جميعا! لا تحدث عنى نساء مكة أنى تركت زميلى حرصا على الحياة، وقال يرتجز.\rلن يسلم أبن حرة زميله ... حتى يموت أو يرى سبيله\rثم أقتتلا، فقتل المجذر أبا البحتري، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والذى بعثك بالحق، لقد جهدت عليه أن يستأسر فأتيك به، فأبى إلا أن يقاتلنى، فقاتلته فقتلته. ونوفل بن خويلد بن أسد، قتله علىّ بن أبى طالب، وعقبة بن زيد، حليف لهم من اليمن، مولى لهم. ومن بنى عبد الدار بن قصى أربعة نفروهم: النضر بن الحارث ابن علقمة بن كلدة، قتله علىّ صبرا بالصفراء، ولما أبنته قتيلة بنت النضر خبر مقتله كتبت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرا.\rيا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق\rبلغ به ميتا بأن تحية ... ما إن تزال بها النجائب تخفق\rمنى اليه وعبرة مسفوحة ... جادت لمائحها وأخرى تخنق\rهل يسمعن النضر ان ناديته ... بل كيف يسمع ميت لا ينطق\rظلت سيوف بنى أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق\rقسرا يقاد الى المنية متعبا ... رسف المقيد وهو عان موثق\rأمحمد أو لست ضنء نجيبة ... في قومها والفحل فحل معرق\rما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق\rالنضر أقرب من قتلت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق","part":4,"page":400},{"id":1901,"text":"أو كنت قابل فدية فلينفقن ... بأعز ما يغلو به ما ينفق","part":4,"page":401},{"id":1902,"text":"فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بكى حتى أخضلت لحيته وقال: \" لو بلغنى شعرها قبل أن أقتله لعفوت عنه \" حكاه أبو عمر عن عبد الله ابن إدريس، وحكاه الزبير بن بكار، وقال: فرق لها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دمعت عيناه، وقال لأبى بكر: \" يا أبا بكر لو كنت سمعت شعرها ما قتلت أباها \" وزيد بن مليص، مولى عمير بن هاشم، قتله بلال بن رباح، مولى أبى بكر، ويقال: قتله المقداد بن عمرو. ونبيه بن زيد بن مليص، وعبيد بن سليط حليف لهم من قيس. ومن بنى تيم بن مرة أربعة نفروهم: عمير بن عثمان بن عمرو بن كعب ابن سعد بن تيم، قتله علىّ بن أبى طالب، ويقال: عبد الرحمن بن عوف. وعثمان بن مالك بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب، قتله صهيب بن سنان. ومالك بن عبيد الله بن عثمان، أسر فمات في الإسار، فعد في القتلى. وعمرو بن عبد الله بن جدعان. ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة أربعة وعشرون رجلا: أبو جهل وأسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - ضربه معاذ ابن عمرو بن الجموح فقطع رجله، وضرب أبنه عكرمة يد معاذ فطرحها، ثم ضربه معوذ بن عفراء حتى أثبته، وتركه وبه رمق، ثم وقف عليه عبد الله بن مسعود واحتز رأسه كما تقدم، والعاص بن هشام بن المغيرة، قتله عمر بن الخطاب، وكان خال عمر. ويزيد بن عبد الله، حليف لهم من بنى تميم، قتله عمار بن ياسر. وأبو مسا فع الأشعرى، حليف لهم، قتله أبو دجانة الساعدى. وحرملة بن عمرو حليف لهم، قتله خارجة بن زيد، ويقال: بل علىّ بن أبى طالب. ومسعود ابن أبى أمية بن المغيرة، قتله علىّ بن أبى طالب. وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، قتله حمزة بن عبد المطلب ويقال: علىّ؛ وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، قتله علىّ، ويقال: عمار بن ياسر، ورفاعة بن أبى رفاعة بن عابد بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم، قتله سعد بن الربيع، والمنذر بن أبى رفاعة بن عابد، قتله معن بن عدى، وعبد الله بن المنذر بن أبى رفاعة، قتله علىّ بن أبى طالب، والسائب ابن أبى السائب بن غابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم على ما حكاه ابن إسحاق. وقال ابن هشام بسند يرفعه الى أبن عباس رضى الله عنهما: إن السائب هذا ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش، وأعطاه يوم الجعرانة من غنائم حنين، فقد وقع فيه الخلاف. والأسود بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قتله حمزة، وحاجب، ويقال: حاجز بن السائب بن عويمر بن عمرو بن عائد، قتله علىّ بن أبى طالب. وعويمر بن السائب بن عويمر، قتله النعمان ابن مالك القوقلى مبارزة، وعمرو بن سفيان، وجابر بن سفيان، حليفان لهم من طيء، قتل عمرا يزيد بن رقيش، وقتل جابرا أبو بردة بن نيار. وحذيفة ابن أبى حذيفة بن المغيرة، قتله سعد بن أبى وقاص، وهشام بن أبى حذيقة ابن المغيرة، قتله صهيب بن سنان. وزهير بن أبى رقاعة، قتله أبو أسيد مالك ابن أبى ربيعة. والسائب بن أبى رفاعة، قتله عبد الرحمن بن عوف. وعائذ بن السائب بن عويمر، أسر ثم افتدى فمات في الطريق من جراحة جرحه إياها حمزة ابن عبد المطلب، وعمير، حليف لهم من طيء، وخيار، حليف لهم من القارة. ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى سبعة نفر وهم: منبه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم، قتله أبو اليسر، أخو بن سلمة وأبنه العاص بن منبه، قتله علي. ونبيه بن الحجاج، قتله حمزة بن عبد المطلب، وسعد بن أبي وقاص، اشتركا فيه، وأبو العاص بن بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم، قتله علي، ويقال: النعمان القوقلى، ويقال: أبو دجانة، وعاصم بن أبي عوف بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، قتله أبو اليسر أخو بنى سلمة. والحارث بن منبه بن الحجاج، قتله صهيب بن سنان، وعامر بن أبى عوف بن صبيرة أخو عاصم، قتله عبد الله بن سلمة، ويقال: أبو دجانة. ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى أربعة نفر، وهم: أمية ابن خلف بن حذافة بن جمح، قتله رجل من الأنصار من بنى مازن ويقال: قتله معاذ بن عفراء، وخارجة بن زيد، وخبيب بن اساف، اشتركو فيه. وابنه عاى بن أميةبن خلف، قتله عمار بن ياسر. وأوس بن معير بن لوذان بن سعد بن جمح، قتله على بن ابى طالب، ويقال: قتله الحصين بن الحارث بن المطلب وعثمان بن مظعون، اشتركا فيه، وسبرة بن مالك، حليف لهم. ومن بنى عامر بن لؤى من حلفائهم رجلا","part":4,"page":402},{"id":1903,"text":"وهما: معاوية بن عامر حليف لهم من عبد القيس، قتله علىّ، ويقال: عكاشة بن محصن. ومعبد بن وهب، حليف لهم من بنى كلب، قتله خالد واياس أبنا البكير، ويقال: أبو دجانة. فجميع من أنضبط لنا بالأسماء ممن قتل من المشركين يوم بدر ثمانية وستون على الشك في السائب بن أبى السائب، والذي ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين في يوم بدر أربعين ومائة؛ سبعين أسيرا، وسبعين قتيلا.وهما: معاوية بن عامر حليف لهم من عبد القيس، قتله علىّ، ويقال: عكاشة بن محصن. ومعبد بن وهب، حليف لهم من بنى كلب، قتله خالد واياس أبنا البكير، ويقال: أبو دجانة. فجميع من أنضبط لنا بالأسماء ممن قتل من المشركين يوم بدر ثمانية وستون على الشك في السائب بن أبى السائب، والذي ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين في يوم بدر أربعين ومائة؛ سبعين أسيرا، وسبعين قتيلا.\rأسرى بدر\rكانت عدة من أسر من المشركين في يوم بدر سبعين رجلا على ما ورد في الصحيح ودلت عليه الآية في قوله تعالى: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها يعنى يوم أحد، وكان قد قتل من المسلمين يوم أحد سبعون رجلا، والذي أنضبط لنا بالأسماء من أسرى بدر ستة وستون رجلا. من بنى عبد المطلب بن هاشم أربعة نفر، وهم: العباس بن عبد المطلب بن هاشم، أسره أبوه اليسر كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو الخزرجى، وكان رجلا قصيرا، والعباس رجلا طويلا ضخما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لقد أعانك عليه ملك كريم \" . وعقيل بن أبى طالب بن عبد المطلب، أسره عبيد بن أوس بن مالك الأوس، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعتبة، حليف لهم من بنى فهر، قال: وكان العباس وعقيل خرجا مكرهين. ومن بنى المطلب بن عبد مناف خمسة نفروهم: السائب بن عبيد بن عبد يزيد ابن هاشم بن المطلب، ونعمان بن عمرو بن علقمة بن المطلب، وعقيل بن عمرو حليف لهم، وأخوه تميم بن عمرو، وابنه عمرو بن تميم. ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف تسعة نفر وهم: عمرو بن أبى سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس، والحارث بن أبى وجزة - ويقال: وحرة بن أبى عمرو - ابن أمية، وأبو العاص بن نوفل بن عبد شمس، وأبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، وخالد بن أسيد بن أبى العيص. ومن حلفائهم: أبو ريشة بن أبى عمرو، وعمرو بن الأزرق، وعقبة بن الحارث بن الحضرمى، وأبو العريض يسار، مولى العاص بن أمية. ومن بنى نوفل بن عبد مناف أربعة نفر، وهم: عدى بن الخيار بن نوفل وعثمان بن عبد شمس، حليف لهم من مازن بن منصور، وأبو ثور، حليف لهم ونبهان، مولى لهم. ومن عبد الدار بن قصى ثلاثة نفر وهم: أبو عزيز بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، والأسود بن عامر حليف لهم، وعقيل، حليف لهم من اليمن. ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى أربعة نفر وهم: السائب بن أبى حبيش ابن المطلب بن أسد، والحويرث بن عباد بن أسد. قال ابن هشام: هو الحارث بن عائذ بن عثمان بن أسد، وعبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث، وسالم بن شماخ، حليف لهم. ومن بنى تيم بن مرة رجلان وهما: مسا فع بن عياض بن صخرة بن عامر ابن كعب بن سعد بن تيم، وجابر بن الزبير، حليف لهم. ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة عشرة نفر وهم: خالد بن هشام بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أسره سواد بن غزية، وأمية بن أبى حذيقة ابن المغيرة، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وصيفى ابن أبى رفاعة بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأبو المنذر بن أبى رفاعة ابن عابد، وأبو عطاء عبد الله بن السائب بن عابد، وقيس بن السائب، والمطلب ابن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم، وخالد بن الأعلم، حليف لهم من خزاعة، ويقال: عقيلى. وزعموا أنه أول من فر منهزما، وهو الذي يقول:\rولسنا على الأدبار تدمى كلوا منا ... ولكن على أعقابنا تقطر الدما","part":4,"page":403},{"id":1904,"text":"ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب خمسة نفروهم: أبو وداعة ابن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، وهو أول أسير افتدى من أسرى بدر، افتداه ابنه المطلب بن أبى وداعة، وفروة بن قيس بن عدى بن حذافة بن سعيد ابن سهم، وحنظلة بن قبيصة بن حذاقة بن سعيد بن سهم، والحجاج بن الحارث ابن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم، وأسلم، مولى نبيه بن الحجاج. ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب أحد عشر نفرا وهم: عبد الله بن أبى بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح وأخوه عمرو بن أبى، وأبو عزة عمرو ابن عبد الله بن عثمان بن وهب بن حذافة بن جمح والفاكه، مولى أمية بن خلف ووهب بن عمير بن وهب بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، وربيعة بن دراج بن العنبس بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح، وأبو رهم بن عبد الله حليف لهم، وموليان لأمية بن خلف، أحدهما: نسطاس، وأبو رافع، غلام أمية ابن خلف. قال أبن هشام: وحليف لهم ذهب عنى اسمه. ومن بنى عامر بن لؤي خمسة نفروهم: سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، أسره مالك بن الدخشم أخوه بنى سالم ابن عوف، وعبد بن زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود، وعبد الرحمن بن مشنوء ابن وقدان بن قيس بن عبد ود، وحبيب بن جابر، والسائب ابن مالك. ومن بنى الحارث بن فهر أربعة نفر وهم: الطفيل بن أبى قنيع، وعتبة بن عمرو ابن جحدم، وشافع، وشفيع، حليفان لهم من اليمن.\rذكر خبر أسارى بدر وما كان من فدائهم\rومن من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطلقه منهم، ومن أسلم بسبب ذلك","part":4,"page":404},{"id":1905,"text":"قال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزاة بدر ومعه الأسارى سمع العباس وهو يئن ويتأوه، قد ألمه الوثاق، فقلق رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة لذلك، فاستأذنه أصحابه رضى الله عنهم، في أن ينفسوا عن العباس وثاقه، فقال صلى الله عليه وسلم: إن فعلتم ذلك بجميع الأسرى فنعم وإلا فلا. أو كما قال: فنفسوا عن جميع الأسرى. ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فرق الأسارى بين أصحابه وقال: \" استوصوا بهم خيرا \" . ثم جاءه جبريل عليه السلام في أمر الأسارى فقال: إن شئتم قتلتموهم، وان شئتم أخذتم منهم الفداء، واستشهد قابلا منكم سبعون. قال: فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فجاءوا - أو من جاء منهم - فقال: \" هذا جبريل يخيركم بين أن تقدموهم فتقتلوهم، وبين أن تفادوهم ويستشهد قابلا منكم بعدتهم \" . فقالوا: بل نفاديهم ويدخل قابلا منا الجنة سبعون. ففادوهم. رواه محمد بن سعد. وروى ابن قتيبة عن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس: \" افد نفسك وابنى أخويك: عقيل بن أبى طالب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وحليفك، فانك ذو مال \" . فقال: يا رسول الله، إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهونى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تقول حقا فالله يجزيك به، وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا \" . قال: فانه ليس لي مال. قال: فأين المال الذي وضعته عند أم الفضل بمكة حين خرجت وليس معكما أحد؟ ثم قلت: إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا، ولعبد الله كذا \" . قال: والذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله. ففدى نفسه بمائة أوقية، وكل واحد بأربعين بأوقية، وقال: تركتني أسأل الناس في كفى. قال: وأسلم العباس، وأمر عقيلا فأسلم. وروى محمد بن سعد قال: لما أسر نوفل بن الحارث ببدر قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم \" : افد نفسك \" . قال: مالي شئ أفتدى به. قال. \" افد نفسك بروحك التي بجدة \" . فقال: والله ما علم أحد أن لي بجدة رماحا غيري بعد الله، أشهد أنك رسول الله. ففدى نفسه بها، وكان ألف رمح. وقيل: كان إسلام نوفل وهجرته أيام الخندق. قال ابن إسحاق: وكانت قريش حين ورد عليهم الخبر بمصرع أصحاب بدر ناحوا على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفدا. فقال المطلب ابن أبى وداعة: صدقتم، لا تعجلوا؛ وأنسل من الليل فقدم المدينة، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم، وانطلق به. ثم بعثت قريش في فداء الأسارى، فكان أعلى ما فدى به أسير أربعة آلاف درهم فما دونها إلى ألف درهم. وقال محمد في طبقاته: كان فداء أسارى يوم أربعة آلاف إلى ما دون ذلك، فمن لم يجد عنده شيئا أعطى عشرة من غلمان المدينة، فعلمهم الكتابة، فإذا حذقوا فهم فداؤه. وكان أهل مكة يكتبون، وأهل المدينة لا يكتبون. قال: فكان زيد بن ثابت ممن علم.\rفداء عمرو بن أبى سفيان\rواطلاقه قال محمد خبر بن إسحاق: وكان عمرو بن أبى سفيان في الأسارى، فقيل لأبى سفيان: افد ابنك عمرا، أيجمع على دمى ومالي! قتلوه حنظلة، وأفدى عمرا! دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم. فلم يزل كذلك حتى قدم سعد بن النعمان ابن أكال، أخو بن عوف معتمرا، وكان شيخا مسلما، في غنم له بالبقيع، وقد كانت قريش عهدوا أنهم لا يعرضون لحاج أو معتمر إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بمكة فحسبه بأبنه عمرو، ثم قال أبو سفيان:\rأرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه ... تفاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا\rفان بنى عمرو لئام أذلة ... إذا لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا\rقال: فمشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبر، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبى سفيان فيفتكوا به صاحبهم، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثوا إلى أبى سفيان، فخلى سبيل سعد ابن النعمان.\rفداء أبى العاص بن الربيع","part":4,"page":405},{"id":1906,"text":"وارساله زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة الى المدينة واسلامه بعد ذلك، ورد زينب عليه بغير نكاح جديد قال ابن اسحاق: وكان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى ابن عبد شمس، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج أبنته زينب. أسره خراش بن الصمة، أحد بنى حرام. وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة، وكان لهالة بنت خويلد أخت خديجة، فسألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه زينب، فزوجه بها، وذلك قبل أن ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان معها وهو على شركه وهى مسلمة. فلما بعث أهل مكة في فداء أسرهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبى العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال: ان رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فأفعلوا. قالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوه وردوا عليها الذي بعثت به، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلى سبيل زينب، ولم يظهر ذلك، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، فقال: كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب، فتصبحا حتى تأتياني بها. فخرجا وذلك بعد بدر بشهر، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها، فتجهزت لذلك، وقدم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيرا فركبته، وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهارا يقود بها، وهى في هودج لها، وتحدث بذلك رجال قريش، فخرجوا في طلبها، حتى أدركوها بذي طوى، فكان أول من سبق اليها هبار بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى الفهرى، فروعها بالرمح وهى في هودجها، وكانت حاملا فطرحت، فنثر حموها كنانته ثم قال: والله لا يدنو منى رجلا الا وضعت فيه سهما، فتكركر الناس عنه، ثم جاء أبو سفيان بن حرب في جلة من قريش فقال: أيها الرجل، كف عنا نبلك حتى نكلمك. فكف، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال: انك لم تصب، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس اذا خرجت له ببنته علانية على رؤوس الناس من بين أظهرنا أن ذلك على ذل أصابنا عن مصيبنا التي كانت، وأن ذلك منا ضعف ووهن، ولعمرى مالنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا في ذلك من ثورة، ولكن آرجع بالمرأة حتى اذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها فسلها سرا وألحقها بأبيها. قال: ففعل. فأقامت ليالي اذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها الى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقامت عنده بالمدينة وفرق بينهما الاسلام، حتى اذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجر الى الشام - وكان رجلا مأمون - بمال له وأموال رجال من قريش، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابوا ما معه وأعجزهم هاربا، فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله أقبل العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستجار بها، فأجارته، وجاء في طلب ماله، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الصبح وكبر وكبر الناس معه خرجت زينب من صفة النساء وقالت: أيها الناس، اني قد أجريت أبا العاص ابن الربيع. فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة أقبل على الناس فقال: \" أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت \" ؟ فقالوا: نعم؛ قال: أما والذي نفس محمد بيد ما علمت بشئ حتى سمعت ما سمعتم، انه يجير على المسلمين أدناهم. ثم أنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل على أبنته وقال: \" أي بنية، أكرمى مثواه، ولا يخلص اليك لا تحلين له \" . قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الى السرية الذين أصابوا مال أبى العاص فقال لهم: \" ان هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا، فان تحسنوا وتردوا عليه الذي له فانا نحب ذلك، وان أبيتم فهو فئ الله الذي أفاء عليكم، فأنتم أحق به \" . قالوا: يا رسول الله، بل نرده عليه، حتى ان الرجل ليأتي بالدلو، ويأتي الرجل بالشنة ةالاداوة، حتى ان أحدهم ليأتي بالشظاظ، حتى ردوا عليه ماله بأسره لم يفقد منه شيئا، ثم احتمل الى مكة، فأدى الى كل ذي مال من قريش ماله، ثم قال: يا معشر قريش، هل بقى لأحد منكم عندى","part":4,"page":406},{"id":1907,"text":"مال لم يأخذه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيا كريما؛ قال: فانى أشهد أن لا اله الا الله وأن محمد عبده ورسوله، ما منعنا من الاسلام عنده الا تخوف أن يظنوا أنى انما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله اليكم وفرغت منها أسلمت. ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب على النكاح الأول، ولم يحدث شيئا.ال لم يأخذه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيا كريما؛ قال: فانى أشهد أن لا اله الا الله وأن محمد عبده ورسوله، ما منعنا من الاسلام عنده الا تخوف أن يظنوا أنى انما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله اليكم وفرغت منها أسلمت. ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب على النكاح الأول، ولم يحدث شيئا.\rفداء الوليد بن الوليد بن المغيرة\rقد تقدم أنه كان ممن أسر يوم بدر، وكان الذي أسره عبد الله بن جحش ويقال: أسره سليط بن قيس المازنى الأنصارى، فقد في فدائه أخواه: خالد وهشام، فتمنع عبد الله بن جحش حتى افتكاه بأربعة آلاف درهم. فجعل خالد يريد ألا يبلغ ذلك، فقال هشام لخالد: إنه ليس بابن أمك، والله لو أبى فيه إلا كذا وكذا لفعلت. ويقال: إن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن جحش: لا تقبل في فدائه إلا شكة أبيه الوليد - وكانت درعا فضفاضة وسيفا وبيضة - فأبى ذلك خالد وأطاع هشام لأنه أخوه لأبويه، فأقيمت الشكة بمائة دينار، فطاعا بها وسلماها إلى عبد الله، فلما أفتدى أسلم، فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدى وأنت مع المسلمين؟ قال: كرهت أن تظنوا أنى جزعت من الاسار. فحبسوه بمكة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو له فيمن دعا من مستضعفي المؤمنين، ثم أفلت ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد عمرة القضية. حكاه أبن عبد البر.\rمن منّ عليه الرسول\rمن أسارى بدر وأطلقه بغير فداء قال ابن إسحاق: وكان ممن من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير فداء: أبو العاص بن الربيع هذا الذي تقدم خبره. والمطلب بن حنطب بن الحارث ابن عبيد المخزومي، وكان لبعض بنى الحارث بن الخزرج، فترك في أيديهم حتى خلوا سبيله، فلحق بقومه، وصيفى بن أبى رفاعة المخزومي، ترك في يد أصحابه فلم يأت أحد في فدائه، فأخذوا عليه العهد ليبعثن إليهم بفدائه وخلوا سبيله، فلم يف لهم بشئ، وأبو عزة عمرو بن عبد الله بن عثمان بن وهب بن حذاقة بن جمح كان محتاجا ذا بنات فقال: يا رسول الله، لقد عرفت مالى من مال، وإني لذو حاجة وذو عيال، فامنن عليه وأخذ عليه ألا يظاهر عليه أحد؛ فقال أبو عزة في ذلك:\rمن مبلغ عنى الرسول محمدا ... فإنك حق والمليك حميد\rوأنت آمرؤ تدعو إلى الحق والهدى ... عليك من الله العظيم شهيد\rوأنت آمرؤ بوئت فينا مباءة ... لها درجات سهلة وصعود\rفإنك من حاربته لمحارب ... شقى ومن سالمته لسعيد\rولكن إذا ذكرت بدرا وأهله ... تأوب ما بى حسرة وقعود\rومنهم وهب بن عمير الجمحى، ولإطلاقه سبب نذكره.\rاسلام عمير بن وهب\rوإطلاق ولده وهب بن عمير قال ابن إسحاق في سبب إطلاق وهب بن عمير: إن أباه عمير بن وهب بن خلف بن حذاقة بن جمع بن عمرو بن هصيص بن كعب جلس مع صفوان بن أمية في الحجر بعد مصاب أهل بدر بيسير - قال: وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش، ممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويلقون منه وهو بمكة - فذكر أصحاب القليب ومصابهم. فقال صفوان: والله إن في العيش بعدهم خير، فقال عمير: صدقت والله، أما والله لولا دين علي ليس له عندي قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قبلهم علة؛ ابني أسير في أيديهم. فاغتنمها صفوان فقال: علي دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالى أواسيهم ما بقوا لا يسعني شئ ويعجز عنهم؛ قال له عمير: فاكتم على شأنك؛ قال: أفعل.","part":4,"page":407},{"id":1908,"text":"ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له، ثم سم، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، إذ نظر إلى حين أناخ على باب المسجد متوحشا السيف، فقال عمر: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر، وهذا الذى حرش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر. ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يابني الله، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوحشا بسيفه، قال: فأدخله على، فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده، واحذروا عليه هذا الخبيث، فإنه غير مأمون؛ ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رآه قال: أرسله ياعمر، ادن ياعمر؛ فدنا ثم قال: انعموا صباحا - وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك ياعمير، بالسلام تحية أهل الجنة؛ قال: أما والله إن كنت يا محمد بها لحديث عهد؛ قال: فما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه؛ قال: بال السيف في عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف! وهل أغنت شيئا! قال: اصدقني، ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك؛ بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت: لولا دين علي وعيال عندى لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك. قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحى، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فو الله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هدانى للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسير \" ، ففعلوا.\rثم قال: يا رسول الله، إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الإسلام، لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم. قال: فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلحق بمكة. وكان صفوان بن أمية يقول لقريش: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام، تنسيكم وقعة بدر، وكان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف ألا يكامه أبدا، ولا ينفعه بنفع.\rفلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذي من خالفه أذى شديدا، فأسلم على يديه ناس كثير.\rقال أبن إسحاق: وعمير بن وهب أو الحارث بن هشام، قد ذكر أن أحدهما الذي رأى إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر، كما أخبر الله تعالى عنه في قوله: وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون إنى أخاف الله والله شديد العقاب وكان إبليس قد تشبه لقريش بسراقة بن مالك بن جعشم وقال: أنا جار لكم من بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة، كما قدمنا ذكر ذلك، قال: وكانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة لا ينكرونه. فلما آلتقى الجمعان يوم بدر ورأى إبليس الملائكة نكص على عقبة وقال لهم ما قال.\rوقد أخذت هذه الغزوة حقها من البسيط والإطالة وإن كان ذلك على سبيل الأختصار، فلنذكر غيرها من الغزوات والسرايا. والله المستعان.\rسرية عمير بن عدى بن خرشة الخطمى إلى عصماء بنت مروان من بنى أمية بن زيد","part":4,"page":408},{"id":1909,"text":"قال محمد بن سعد: كانت سرية عمير لخمس ليال بقين من شهر رمضان على رأس تسعة عشرة شهرا من مهاجر رسول الله عليه وسلم، قال: وكانت عصماء عند يزيد بن زيد بن حصن الخطمى، وكانت تعيب الإسلام وتؤذى النبي صلى الله عليه وسلم وتحرص عليه، وتقول الشعر، فجاءها عمير بن عدى في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه في صدرها، فحسها بيده - وكان ضرير البصر - ونحى الصبي عنها، ووضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها، ثم صلى الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم. قتلت بنت مروان؟ قال: نعم، فهل علي في ذلك شئ؟ قال: لا ينتطح فيها عنزان.\rقال محمد بن إسحاق: فرجع عمير بن عدى إلى قومه، وبنو خطمة يومئذ كثير موجهم في شأن أبنة مروان، ولها يومئذ بنون خمسة رجال، فقال: يابنى خطمة، أنا قتلت أبنة مروان، فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون. قال: فذلك اليوم أول ماعز الإسلام في دار بنى خطمة، وكان من أسلم منهم يستخفى بإسلامه، وعمير هو أول من أسلم من بنى خطمة. قال: وأسلم يوم قتلتها رجال من بنى خطمة لما رأوا من عز الإسلام.\rسرية سالم بن عمير العمرى إلى أبى غفك اليهودى قال أبن سعد: كانت سرية سالم في شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة، وكان أبو عفك من بنى عمرو بن عوف شيخا كبيرا قد بلغ عشرين ومائة سنة، وكان يحرص على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول الشعر، فقال سالم ابن عمير - وهو أحد البكائين وقد شهد بدرا - : علىّ أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه؛ فجاء وقد نام أبو عفك بالفناء في ليلة صائفة، فوضع السيف على كبده، ثم أعتمد عليه حتى خش في الفراش، فصاح عدو الله، فثار إليه ناس ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله وقبروه.\rغزوة بنى قينقاع وهي بضم النون وقيل بكسرها غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم السبت النصف من شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجره.\rقال أبن سعد: وكانوا حلفاء عبد الله بن أبى سلول، وكانوا أشجع يهود، وكانو صاغة، فوادعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كانت وقعة بدر أظهروا البغى والحسد، ونبذوا العهد والمدة، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم: وإما تخافن من قوم خيانة فأنبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين.\rوقال أبو عبد الله محمد بن إسحاق في سبب غزوة بنى قينقاع: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق بنى قينقاع ثم قال: يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنى نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم؛ قالوا: يا محمد، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حار بناك لتعلمن أنا نحن الناس.\rفأنزل الله تعالى فيهم: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. قد كان لكم آية في فئتين آلتقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولى الأنصار. حكاه أبن إسحاق بسند يرفعه إلى أبن عباس.\rوقال أبن هشام في سبب هذه الغزاة: إن آمرأة من العرب حلمت بجلب لها، فباعته بسوق بنى قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت آنكشفت سوءتها، فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فأغضبهم، فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع.","part":4,"page":409},{"id":1910,"text":"عدنا إلى مساق حديث أبن سعد؛ قال: فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، وآستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، ثم سار إليهم فحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذى القعدة، وكان أةل من غدر من اليهود، وحاربوا وتحصنوا في حصنهم، فحاصرهم أشد الحصار، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، ونزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أموالهم، وأن لهم النساء والذرية، فأمر بهم فكتفوا، وآستعمل على كتافهم المنذر بن قدامة السلمى. فكلم عبد الله بن أبى فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وألح عليه، فقال: خذهم، لعنهم الله؛ وتركهم من القتل، وأمر بهم أن يجلوا من المدينة، وولى إخراجهم منها عبادة بن الصامت، فلحقوا بأذرعات، فما كان أقل بقاءهم فيها.\rوقال أبن إسحاق في خبر عبد أبى بن سلول: إنه قال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمكنه الله من بنى قينقاع، فقال: يا محمد، أحسن في موالى.\rوكانوا حلفاء الخزرج، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، أحسن في موالى. قال: فأعرض عنه. قال: فأدخل يده في جيب درع النبى صلى الله عليه وسلم: أرسلنى، وغضب حتى ظهر ذلك في وجهه، ثم قال: ويحك! أرسلنى؛ قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في المولى، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دراع، قد منعونى من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إنى والله آمرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم لك.\rوحكى أيضا قال: كان لنبى قينقاع من عبادة بن الصامت من الخلف مثل الذي لهم من عبد الله بن أبى، فمشى عبادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وقال: أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار و ولايتهم. فأنزل الله تعالى فيه وفي عبد الله بن أبى: \" يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين. فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين \" إلى قوله: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون وذلك لعبادة بن الصامت.\rقال محمد بن سعد: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاحهم ثلاث قسى، منها: الكتوم، كسرت بأحد، والروحاء، والبيضاء، وأخذ درعين: الصغدية، وأخرى فضة؛ وأخذ ثلاثة أسياف: سيف قلعى، وسيف يقال له: بتار؛ وسيف آخر؛ وثلاثة أرماح، ووجد في حصنهم سلاحا كثيرا وآلة الصياغة، فأخذ صلى الله عليه وسلم صفيه والخمس، وفض أربعة أخماس على أصحابه، وكان الذي تولى قبض أموالهم محمد بن مسلمة.\rغزوة السويق قال محمد بن سعد: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لخمس خلون من ذى الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا من مهاجره، وآستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، وذلك أن أبا سفيان بن حرب لما رجع المشركون من بدر إلى مكة حرم الدهن حتى يثأر من محمد وأصحابه.\rقال ابن إسحاق: نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى محمدا صلى الله عليه وسلم.\rقال ابن سعد: فخرج في مائتى راكب، وقيل: في أربعين راكبا، فمر بالعريض، - بينه وبين المدينة نحو من ثلاثة أميال - فقتل رجلا من الأنصار، وأجيرا له، وحرق أبياتا هناك وتبنا، ورأى أن يمينه قد حلت، ثم ولى هاربا، وباغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم، فخرج في مائتي رجل من المهاجرين والأنصار في أثرهم، وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخففون حرب السويق وهى عامة أزوادهم، فأخذها المسلمون؛ فسميت غزوة السويق، ولم يلحقهم وانصرف. وكانت غيبته عن المدينة خمسة أيام.\rقال محمد بن إسحاق: بلغ قرقرة الكدر ثم انصرف راجعا، فقال المسلمون حين رجع بهم: يا رسول الله، أتطمع لنا أن تكون غزوة؟ قال: نعم.\rغزوة قرقرة الكدر ويقال قرارة الكدر وهى غزوة بنى سليم","part":4,"page":410},{"id":1911,"text":"غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم للنصف من المحرم على رأس ثلاثة وعشرين شهرا من مهاجره، وهى ناحية معدن بنى سليم، وبينه وبين المدينة ثمانية برد، وآستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وحمل لواءه علي بن أبى طالب، وكان قد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بهذا الموضع جمعا من بنى سليم وغطفان، فسار إليهم فلم يجد في المحال أحدا، ووجد رعاء منهم غلام يقال له: يسار، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ظفر بالنعم فانحدر به إلى المدينة، فاقتسموا غنائمهم بصرار، على ثلاثة أميال من المدينة، وكانت النعم خمسمائة بعير، فأخرج خمسة وقسم أربعة أخماس على المسلمين، فأصاب كل رجل منهم بعيرا، وصار يسار في سهم النبى صلى الله عليه وسلم، فأعتقه حين رآه يصلى. وكانت غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المدينة خمس عشرة ليلة.\rمقتل كعب بن الأشرف اليهودى وخبر سريته قال أبو عبد الله بن إسحاق وأبو محمد عبد الملك بن هشام ومحمد بن سعد - دخل حديث بعصهم في حديث بعض - : كانت سرية قتل كعب بن الأشرف لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أنه كان رجلا شاعرا يهجو النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويحرص عليهم ويؤذيهم، وكان لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين إلى المدينة منالمسلمين بخبر بدر، فقال كعب بن الأشرف - وكان رجلا من طئ، ثم أحد بنى نبهان، وكانت أمه من بنى النضير - : أحق هذا؟ أترون محمدا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان؟ فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.\rفلما تيقن الخبر خرج حتى قدم مكة فنزل على المطلب بن أبى وداعة السهمى، وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الأشعار ويبكى أصحاب القليب من قريش.\rثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اللهم اكفنى أبن الأشرف بما شئت \" ؛ وقال: \" من لى بأبن الأشرف فقد آذانى \" ؟ فقال محمد بن مسلمة، أخو بنى عبد الأشهل: انا لك به يا رسول الله، أنا أقتله؛ قال: \" فأفعل إن قدرت على ذلك \" . فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يمسك رمقه؛ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: \" لم تركت الطعام والشراب \" ؟ فقال: يا رسول الله؛ قلت لك قولا لا أدرى هل أفى لك به أو لا؟ قال: \" إنما عليك الجهد \" قال: يا رسول الله؛ لابد لنا من أن نقول، قال: \" قولوا ما بدا لكم، فأنتم في حل من ذلك \" . فاجتمع على قتله محمد بن مسلمة، وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش - وكان أخا كعب من الرضاعة - وعباد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر، أخو بنى حارثة، فقدموا إليه سلكان بن سلامة، فجاءه فتحدث معه ساعة، وتناشدا شعرا، ثم قال أبو نائلة سلكان: ويحك يا بن الأشرف! إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتم عنى؛ قال: أفعل، قال: قد كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا؛ فقال كعب: أنا أبن الأشرف، والله لقد كنت أخبرك يابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول؛ فقال له سلكان: إنا نريد التنحى منه، ومعى رجال من قومى على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم، فنبتاع منك طعاما وتمرا، ونرهنك ما يكون لك فيه ثقة ووفاء؛ فقال أترهنونى نساءكم؟ قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أشب أهل يثرب وأعطرهم؛ فقال: أترهنونى أبناءكم؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا وأن يعير أبناؤنا؛ فيقال: هذا رهينة وسق، وهذا رهينة وسقين، ولكنا نرهنك سلاحنا وقد علمت حاجتنا إلى السلاح؛ فقال: نعم إن في الحلقة لوفاء، وإنما أراد سلكان ألا ينكر السلاح إذا جاءوا بها، ثم رجع سلكان إلى أصحابه، وأخبرهم الخبر وأمرهم أن يأخذوا السلاح، ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعلوا.","part":4,"page":411},{"id":1912,"text":"ومشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم وقال: انطلقوا على أسم الله، اللهم أعنهم. ورجع صلى الله عليه وسلم إلى بيته، وتوجهوا، وكانت ليلة مقمرة، حتى أنتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان أبن الأشرف حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفته، فأخذت أمرأته بناحيتها وقالت: إنك آمرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة؛ قال: إنه أبو نائلة، لو وجدنى نائما ما أيقظنى؛ فقالت: والله إنى لأعرف في صوته الشر، فقال لها: لو يدعى الفتى لطعنة لأجاب.\rوفي حديث البخارى من رواية سفيان عن عمر عن جابر بن عبد الله قالت: أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم؛ فقال: إنما هو أخى محمد بن مسلمة، ورضيعى أبو نائلة، إن الكريم لو دعى إلى طعنة بليل لأجاب؛ قالوا: ونزل إليهم فتحدثوا معه ساعة ثم قالوا: هل لك يآبن الأشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا. فقال: إن شئتم. فخرجوا يتماشون، ساعة، ثم وضع أبو نائلة يده في فود رأس أبن الأشرف، ثم شم يده فقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط من هذا! فقال: هذا عطر أم فلان، يريد آمرأته، ثم مشى قليلا وعاد لمثلها حتى آطمأن، ثم عاد لمثلها، فأخذ بفود رأسه وقال: اضربوا عدو الله. فضربوه، فآختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا.\rقال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا في سيفى حين رأيت أسيافنا لم تغن، فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار، فوضعته في ثنته، ثم تحاملت عليه حتى آنتهى إلى عانته. ثم حزوا رأسه وحملوه معهم؛ وأصيب الحارث بن أوس، فجرح في رأسه أو رجله، أصابه بعض أسياف أصحابه قال محمد بن مسلمة: فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية بن زيد، ثم على بنى قريظة ثم على بعاث حتى استندنا في حرة العريض، وقد أبطأ علينا الحارث، ونزفه الدم فوقفنا له ساعة حتى أتانا فآحتملناه وجئنا به.\rقال ابن سعد: فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا، وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبر، وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفلحت الوجوه قالوا: وجهك يا رسول الله؛ ورموا برأسه بين يديه، فحمد الله على قتله.\rقال ابن إسحاق، قال محمد بن مسلمة: وتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جرح صاحبنا فبرأ، فرجعنا إلى أهلينا، فأصبحنا وقد يهود لوقعتنا بعدو الله، فليس بها يهودى إلا وهو خائف على نفسه.\rوفي مقتل كعب بن الأشرف يقول عباد بن بشر:\rصرخت به فلم يعرض لصوتى ... وأوفى طالعا من رأس جدر\rفعدت له فقال من المنادى ... فقلت أخوك عباد بن بشر\rوهذى درعنا رهنا فخذها ... لشهر إن وفى أو نصف شهر\rفقال معاشر سغبوا وجاعوا ... وما عدموا الغنى من غير فقير\rفأقبل نحونا يهوى سريعا ... وقال: أما لقد جئتم لأمر\rوفي أيماننا بيض حداد ... مجربة بها الكفار نفرى\rفعانقه أبن مسلمة المردى ... به الكفار كالليث الهزير\rوشد بسيفه صلتا عليه ... فقطره أبو عبس بن جبر\rفكان الله سادسنا فأبنا ... بأنغم نعمة وأعز نصر\rوجاء برأسه نفر كرام ... هم ناهيك من صدق وبر\rغزوة غطفان إلى نجد وهي غزوة ذى أمر؛ ناحية النخيل، وقصة دعثور بن الحارث","part":4,"page":412},{"id":1913,"text":"غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجره، وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من بنى ثعلبة ومحارب بذى أمر تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف رسول الله صلى الله عليه وسلم. جمعهم رجل منهم يقال له: دعثور بن الحارث من بنى محارب، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، وخرج لاثنتى عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في أربعمائة وخمسين رجلا، ومعهم أفراس، وآستخلف على المدينة عثمان بن عفان - رضى الله عنه - فأصابوا رجلا منهم بذى القصة يقال له جبار من بنى ثعلبة، فأدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره من خبرهم وقال: لن يلاقوك، لو سمعوا بمسيرك هربوا في رءوس الجبال، وأنا سائر معك. فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فأسلم وضمه إلى بلال، ولم يلاق صلى الله عليه وسلم أحدا.\rقال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد البيهقى، رحمه الله: وهربت منه الأعراب فوق ذروة من الجبال، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا امر وعسكر به فأصابهم مطر كثير، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته، فأصابه ذلك المطر فبل ثوبه، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وادى ذى أمر بينه وبين أصحابه، ثم نزع ثيابه فنشرها لتجف، وألقاها على شجرة ثم اضطجع تحتها، ولأعراب ينظرون إلى كل ما يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالت الأعراب لدعثور، وكان سيدها وأشجعها: قد آنفرد من أصحابه حيث إن غوث بأصحابه لم يغث حتى تقتله؛ فاختار سيفا من سيوفهم صارما، ثم أقبل مشتملا على السيف حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد، من يمنعك منى اليوم؟ قال: الله. ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام على رأسه، فقال: من يمنعك منى؟ قال: لاأحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لا أكثر عليك جمعا أبدا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه، ثم أدبر، ثم أقبل بوجهه ثم قال: والله لأنت خير منى. قال رسول الله عليه وسلم: وأنا أحق بذلك منك. فأتى قومه، فقالوا: أين ما كنت تقول وقد أمكنك والسيف في يدك؟ قال: قد كان والله ذلك رأيى، ولكن نظرت إلى رجل أبيض طويل فدفع في صدرى فوقعت لظهرى، فعرفت أنه ملك، وشهدت أن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليه؛ وجعل يدعو قومه إلى الإسلام ونزلت هذه الآية: \" يأيها الذين آمنوا آذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم الآية \" .\rثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يلق كيدا، وكانت غيبته إحدى عشرة ليلة.\rغزوة بنى سليم ببحران غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لست خلون من جمادة الأولى على رأس سبعة وعشرين شهرا من مهاجره - وبحران من ناحية الفرع، وبين الفرع وبين المدينة ثمانية برد - وذلك أنه بلغه أن بها جمعا كثيرا من بنى سليم، فخرج في ثلثمائة رجل من أصحابه، وآستحلف على المدينة آبن أم مكتوم وأغد السير حتى ورد بحران فوجدهم قد تفرقوا في مياههم، فرجع ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عشر ليال.\rسرية زيد بن حارثة إلى القردة بالقاف، وضبطه ابن الفرات بالفاء وكسر الراء المهملة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهلال جمادى الآخرة، على رأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة، وهي أول سرية خرج زيد فيها أميرا يعترض لعير قريش فيها صفوان بن أمية، وحو يطب بن عبد العزى، وعبد الله بن أبى ربيعة، ومعه مال كثير، وكان دليلهم فرات بن حيان العجلى، فخرج بهم على ذات عرق، طريق العراق.\rقال ابن إسحاق: وفيها أبو سفيان بن حرب، وكان من حديثها أن قريشا خافوا طريقهم الذي كانوا يسلكون إلى الشام حين وقعة بدر فكانوا يسلكون طريق العراق، فخرج منهم تجار، وفيهم أبو سفيان بن حرب معه فضة كثيرة، وهي أعظم تجارتهم.\rقال ابن سعد: فبلغ النبى صلى الله عليه وسلم ذلك، فوجه زيد بن حارثة في مائة راكب، فآعرضوا لها، فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم، وقدموا بالعير على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخمسها، فبلغ الخمس قيمة عشرين ألف درهم، وقسم ما بقى بين أهل السرية، وأسر فرات بن حيان، فأسلم، فترك من القتل.","part":4,"page":413},{"id":1914,"text":"والقردة: من أرض نجد بين الربذة والغمزة.\rغزوة أحد قال محمد بن سعد في طبقاته: كانت غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا يوم السبت لسبع خلون من شوال، على رأس اثنين وثلاثين شهرا من مهاجره صلى الله عليه وسلم.\rوقال ابن إسحاق: كانت يوم السبت للنصف من شوال.\rوذلك أن قريشا لما أصيبت منهم يوم بدر، ورجع من نجا منهم إلى مكة، وجدوا العير التى قدم بها أبو سفيان بن حرب موقوفة في دار الندوة، فمشت أشراف قريش إلى أبى سفيان، فقالوا: نحن طيبو أنفس أن تجهزوا بربح هذه العير جيشا إلى محمد؛ فقال أبو سفيان: وأنا أول من أجاب إلى ذلك، وبنو عبد مناف معى؛ فباعوها فكانت ألف بعير، والمال خمسين ألف دينار، فسلم إلى أهل العير رؤوس أموالهم وأخرجوا أرباحهم، وكانوا يربحون في تجارتهم للدينار دينارا.\rقال ابن سعد وغيره: وفيهم نزل قوله تعالى: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون وبعثت قريش رسلهم إلى العرب يدعونهم إلى نصرهم فأوعبوا وألبوا.\rقال ابن سعد: وكتب العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر قريش، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن الربيع بكتاب العباس. وأرجف المنافقون واليهود بالمدينة، وخرجت قريش من مكة بحدها وجدها وأحابيشها، ومن تابعها من كنانة وأهل تهامة، وكان عددهم ثلاثة آلاف رجل، فيهم سبعمائة دراع، ومعهم مائتا فرس وثلاثة آلاف بعير، وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة، وألا يفروا، وكان معهم خمس عشرة أمرأة، فخرج أبو سفيان ابن حرب - وهو قائد الناس - معهم بهند بنت عتبة، وخرج عكرمة بن أبى جهل بأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وخرج الحارث بن هشام بفاطمة بنت الوليد بنت المغيرة، وخرج صفوان بن أمية ببرة بنت مسعود بن عمرو ابن عمير الثقفية، وهى أم عبد الله بن صفوان، وخرج عمرو بن العاص بربطة بنت منبه بن الحجاج، وهى أم عبد الله بن عمرو، وخرج طلحة بن أبى طلحة - عبد الله بن عبد عثمان بن عبد الدار - بسلافة بنت سعد بن شهيد الأنصارية، وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب مع آبنها أبى عزيز بن عمير، وخرجت عمرة بنت علقمة إحدى نساء بنى الحارث ابن عبد مناة.\rقال محمد بن إسحاق: ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيا، يقال له: وحشى، يقذف بحربة له قذف الحبشة، قلما يخطئ بها، فقال له: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة عم محمد بعمى طعيمة بن عدى فأنت عتيق.\rفكانت هند بنت عتبة كلما مرت بوحشى أوامر بها، قالت: ويها دسمة؛ اشف واستشف، وكان وحشى يكنى بأبى دسمة.","part":4,"page":414},{"id":1915,"text":"قال ابن سعد: وشاع خبرهم ومسيرهم في الناس حتى نزلوا ذا الحليفة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنسا ابنى فضالة، ليلة الخميس لخمس مضين من شوال عينين له، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم، وأنهم قد خلوا إبلهم وخيلهم في الزرع الذي بالعريض حتى تركوه ليس به خضراء، ثم بعث الحباب ابن المنذر بن الجموح فدخل فيهم فحزرهم، وجاءه بعلمهم، وبات سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وسعد بن عبادة في عدة ليلة الجمعة، عليهم السلاح في المسجد بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرست المدينة حتى أصبحوا، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة كأنه في درع حصينة، وكأن سيفه ذا الفقار قد أنقصم من عند ظبته، وكأن بقرا تذبح، وكأنه مردف كبشا فأخبره بها أصحابه وأولها، فقال: أما الدرع الحصينة فالمدينة، وأما انقصام سيفى فمصيبة في نفسي، وأما البقر التى تذبح فقتل في أصحابي، وأما مردف كبشا، فكبش الكتيبة بقتله الله إن شاء الله: فكان رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يخرج من المدينة لهذه الرؤيا، فأحب أن يوافق على رأيه، فاستشار أصحابه في الخروج، فأشار عبد الله بن أبى بن سلول ألا يخرج، وكان ذلك رأى الأكابر من المهاجرين والأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: امكثوا في المدينة، واجعلوا النساء والذرارى في الآطام. فقام فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا، فطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى عدوهم ورغبوا في الشهادة، وقالوا: اخرج بنا إلى عدونا لا يرون أنا قد جبنا عنهم وضعفنا. فغلبوا على الأمر، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة بالناس ووعظهم وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس بالشخوص، ثم صلى بالناس العصر، وقد حشدوا، وحضر أهل العوالى، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ومعه أبو بكر وعمر، فعماه وألبساه، وصف الناس له ينتظرون خروجه، فقال لهم سعد ابن معاذ وأسيد بن حضير: استكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج، والأمر ينزل عليه من السماء، فردوا الأمر إليه. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لبس لأمته، وأظهر الدرع وحزم وسطها بمنطقة من أدم من حمائل سيفه، واعتم وتقلد السيف، وألقى الترس في ظهره، فندموا جميعا على ما صنعوا، وقالوا: ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك. فقال صلى الله عليه وسلم: لا ينبغى لنبي إذا لبس لأمته يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه، فا نظروا ما آمركم به فا فعلوا وامضوا على اسم الله، فلكم النصر ما صبرتم. ثم دعا بثلاثة أرماح، فعقد ثلاثة ألويه، فدفع لواء المهاجرين إلى علي بن أبى طالب، ويقال: إلى مصعب بن عمير، ودفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير، ودفع لواء الخزرج إلى الحباب بن المنذر، ويقال: إلى سعد بن عبادة، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، ثم ركب فرسه وتنكب القوس وأخذ قناة بيده، والمسلمون عليهم السلاح قد أظهروا الدروع، فيهم مائة دراع، وخرج السعدان أمامه يعدوان، سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، كل منهما دراع، والناس عن يمينه وشماله، فمضى حتى إذا كان بالشيخين - وهما أطمان، كان يهودى ويهودية يقومان عليهما يتحدثان، فلذلك سميا بالشيخين، وهما في طرف المدينة - التفت فنظر إلى كتيبة خشناء لها زجل، فقال: ما هذه؟ قالوا: حلفاء ابن أبى من يهود. فقال صلى الله عليه وسلم: لا تستنصروا بأهل الشرك على أهل الشرك. وعرض من عرض بالشيخين، فرد من رد، وأجاز من أجاز.\rوقال محمد بن إسحاق: أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سمرة بن جندب المزاري، ورافع بن خديج أحد بنى حارثة، وهما ابنا خمس عشرة سنة، وكان قد ردهما، فقيل له: يا رسول الله إن رافعا رام. فأجازه، فقيل له: إن سمرة يصرع رافعا، فأجازه. ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامة بن زيد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب، وعمرو بن حزم، وأسيد بن ظهير، ثم أجازهم يوم الخندق، وهم أبناء خمس عشرة سنة، ورد عرابة ابن أوس وهو الذي يقول فيه الشماخ.\rإذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين","part":4,"page":415},{"id":1916,"text":"قال ابن سعد: وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشيخين، وكان نازلا في بنى النجار، واستعمل على الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة في خمسين رجلا، يطيفون بالعسكر، وأدلج رسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر، ودليله أبو خيثمة، فانتهى إلى أحد، فحانت الصلاى، وهو يرى المشركين، فأمر بلالا فأذن وأقام، فصلى بأصحابه الصبح صفوفا.\rقال ابن إسحاق: ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشوط بين المدينة وأحد، انخزل عنه عبد الله بن أبى بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصانى، ما ندرى علام نقتل أنفسناها هنا أيها الناس! فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق، وآتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، أخو بنى سلمة، يقول: ياقوم، أذكركم الله تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر عدوهم؛ قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكن لا نرى أنه يكون قتال. قال: فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغنى الله عنكم نبيه صلى اللله عليه وسلم.\rقال ابن سعد: انخزل عبد الله بن أبى بثلثمائة، وبقي رسول الله عليه وسلم في سبعمائة ومعه فرسه وفرس لأبى بردة بن نيار. وأقبل يصف أصحابه ويسوى الصفوف على رجليه، وعليه درعان ومغفر وبيضة، وجعل له ميمنة وميسرة، وجعل أحدا وراء ظهره، واستقبل المدينة؛ وجعل عينين - جبلا - عن يساره، وجعل عليه خمسين من الرماة، واستعمل عليهم عبد الله بن جبير، وقال: قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا، لا يأتونا من خلفنا، فإن رأيتمونا قد غنمنا، فلا تشركون، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا.\rوأقبل المشركون، وقد صفوا صفوفهم، واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبى جهل، ولهم مجنبتان مائتا فرس، وجعلوا على الخيل صفوان بن أمية، ويقال: عمرو بن العاص. وعلى الرماة عبد الله بن أبى ربيعة، وكانوا مائة رام، ودفعوا اللواء إلى طلحة - واسم أبى عبد الله ابن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار - فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يحمل لواء المشركين؟ فقيل: عبد الدار. فقال: نحن أحق بالوفاء منهم، أين مصعب ابن عمير؟ قال: هأنذا؛ قال: خذ اللواء؛ فأخذ مصعب، فتقدم به بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقال رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام أبو دجانة سمك بن خرشة أخو بنى ساعدة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: تضرب به في العدو حتى ينحنى؛ قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه. فأعطاه إياه. وكان أبو دجانة إذا اعلم بعصابة له حمراء علم الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج عصابته تلك فعصب بها رأسه، وجعل يتبختر بين الصفين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: إنها لمشية يبغضها الله ورسوله، إلا في هذا الموطن.\rقال ابن هشام: إن الزبير بن العوام قال: وجدت في نفسى حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، فقلت: والله لأنظرن ما يصنع. فأتبعه، فأخرج عصابة حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت. وجعل يقول:\rأنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل\rألا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول\rقال الزبير: فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله. وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلا ذفف عليه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضرتين، فضرب المشرك أبا دجانة، فاتقاه بدرقته، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدله عنها، قال الزبير، فقلت: الله ورسوله أعلم.\rقال أبو دجانة: رأيت إنسانا شيئا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول، فإذا امرأة، واكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة.","part":4,"page":416},{"id":1917,"text":"قالوا: وكان أول من الحرب يوم أحد أبو عامر عبد عمرو بن صيفي ابن مالك بن النعمان، أحد بنى ضبيعة بن زيد، وكان قد خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه خمسون غلاما من الأوس، وكان يعد قريشا أن لو قد لقى قومه لم يختلف عليه منهم رجلان. فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر. قالوا: فلا أنعم الله عينا يا فاسق - وكان في الجاهلية يسمى الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، كما قدمنا من خبره - قال: فلما سمع ردهم عليه، قال: لقد أصاب قومى بعدى شر. ثم قاتلهم قتالا شديدا، ثم راضخهم بالحجارة فراضخوه، حتى ولى هو وأصحابه هاربين.\rقال: وكان أبو سفيان قد قال لأصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرضهم بذلك على القتال: يا بني عبد الدار، إنكم قد وليتم لواء يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه؛ فهموا به وتواعدوه، وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا؟ ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع! وذلك أراد أبو سفيان.\rقال: ولما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم، فقالت هند فيما تقول:\rويها بنى عبد الدار ... ويها حمادة الأدبار\rضربا بكل بتار\rوقالت أيضا:\rنحن بنات طارق ... نمشي على النمارق\rإن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق\rفراق غير وامق\rقال: وكان شعلر المسلمين يوم أحد. أمت، أمت. ودنا القوم بعضهم من بعض، والرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل، فتولى هوارب، فبرز طلحة ابن أبى طلحة، صاحب لواء المشركين، وقال: من يبارز؟ فبرز له على بن أبى طالب، فالتقيا بين الصفين، فبدره علي بضربة على رأسه فلق هامته، فوقع وهو كبش الكتيبة، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وكبر، وكبر المسلمون، وشدوا على كتائب المشركين يضربونهم حتى نغضت صفوفهم، ثم حمل لواء المشركين عثمان بن أبى طلحة، وجعل يرتجز وهو أمام النسوة:\rإن على أهل اللواء حقا ... أن يخضبوا الصعدة أو تندقا\rفحمل عليه حمزة بن عبد المطلب، فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكتفه حتى آنتهى إلى مؤتزره، وبدا سحره، ثم رجع حمزة وهو يقول: أنا ابن ساقى الحجيج. فحمل اللواء أبو سعد بن أبى طلحة، فرماه سعد بن أبى وقاص فأصاب حنجرته، فأدلع لسانه إدلاع الكلب، فقتله. ثم حمله مسافع بن طلحة بن أبى طلحة، فرماه علصم بن ثابت بن أبى الأقلح، فقتله. ثم حمله كلاب بن طلحة ابن أبى طلحة، فقتله الزبير بن العوام. ثم حمله الجلاس بن طلحة بن أبى طلحة فقتله طلحة بن عبيد الله. ثم حمله أرطاة بن شرحبيل، فقتله علي بن أبى طالب.\rثم حمله شريح بن قاسط، فقتل. ثم حمله صؤاب غلامهم، حبشى، فقاتل يومئذ حتى قطعت يده، فاعتنق اللواء حتى قتل عليه، وهو يقول: اللهم هل أعذرت، واختلف في قاتله، فقيل: قتله سعد بن أبى وقاص، وقيل علي بن أبى طالب، وقيل: قتله قزمان على الأصح.\rقال: فلما قتل أصحاب اللواء صار ملقى، حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فدفعته لقريش، فلا ثوابه. ثم انكشف المشركون وانهزموا لا يلوون على شئ، ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون يضعون فيهم السلاح فيهم حيث شاءوا حتى أجهضوهم عن العسكر، ووقعوا ينبهون العسكر، ويأخذون ما فيه من الغنائم.\rقال ابن إسحاق بسند يرفعه إلى الزبير بن العوام، أنه قال: والله لقد رأيتنى أنظر إلى خدم هند وصواحبها مشمرات هوارب، مادون أخذهن قليل ولا كثير.","part":4,"page":417},{"id":1918,"text":"قال ابن سعد: وتكلم الرماة الذين على الجبل واختفوا بينهم، وثبت أميرهم عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة، وقال: لا أجاوزا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعظ أصحابه وذكرهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لم يرد رسول الله هذا، قد انهزم المشركون، فما مقامنا ها هنا؟ فانطلقوا يتبعون العسكر ينتبهون معهم، وتركوا الجبل. فنظر خالد بن الوليد إلى خلو الجبل وقلة أهله، فكر بالخيل، وتبعه عكرمة بن أبى جهل، فحملوا على المسلمين، واستدارت رحاهم، وحالت الريح فصارت دبورا، وكانت قبل ذلك صبا، ونادى إبليس - لعنه الله - إن محمدا قد قتل. واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غير شعار، ويضرب بعضهم بعضا، ما يشعرون به من العجلة والدهش، وقتل مصعب ابن عمير، فأخذ اللواء ملك في صورة مصعب، وحضرت الملائكة يومئذ ولم تقاتل، ونادى المشركون بشعارهم: يا للعزى يا لهبل. فقتل من أكرمه الله بالشهادة من المسلمين، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت صلى الله عليه وسلم معه عصابة من أصحابه أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، فيهم أبو بكر الصديق، رضى الله عنه، وسبعة من الأنصار. ورمى رسول الله عليه وسلم عن قوسه حتى اندقت سيتها، فأخذها قتاة بن النعمان فكانت عنده، ثم ذب بالحجارة. وكسرت يومئذ رباعيته صلى الله عليه وسلم، وكلمت شفته، وشج في وجهه، وجرح في وجنته، وكسرت البيضة على رأسه، فسال الدم على وجهه، فجعل يمسحه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فأنزل الله تعالى في ذلك: ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم، أو يعذبهم فإنهم ظالمون.\rوروى أبو محمد عبد الملك بن هشام بسنده إلى أبى سعيد الجدرى: أن عتبة بن أبى وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهرى شجه في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته، فدخل حلقتان من حلق المغفرة في وجنته، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التى عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون، فأخذ علي بن أبى طالب بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، ومص مالك بن سنان أبو أبى سعيد الخدرى، الدم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ازدرده، فقال صلى الله عليه وسلم: من مس دمه دمى لم تمسه النار.\rقال ابن إسحاق بسند يرفعه إلى محمود بن عمرو: لما غشى القوم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من رجل يشتري لنا نفسه؟ فقام زياد بن السكن في خمسة من الأنصار، وبعضهم يقول: إنما هو عمارة بن يزيد بن السكن.\rفقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة. ثم فاءت فئة المسلمين فأجهضوهم عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدنوه منى. فأدنوه منه، فوسده قدمه، فمات، وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال: وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يومئذ، فحدثت وقد سئلت عن خبرها، فقالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس، ومعى سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أباشر القتال وأذب عنه بالسيف، حتى خلصت الجراحة إلى. وكان على عاتقها جرح أجوف له غور، فقيل لها: من أصابك بهذا؟ فقالت: ابن قمئة، أقماه الله، لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول: دلونى على محمد، فلا نجوت إن نجا، فا عترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربنى هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان.","part":4,"page":418},{"id":1919,"text":"قال ابن إسحاق: وترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النيل. ورمى سعد ابن أبى وقاص دون رسول الله عليه وسلم، قال سعد: فلقد رأيته يناولنى النبل ويقول: ارم فداك أبى وأمي، حتى إنه ليناولنى السهم ما له من نصل، فيقول: ارم به. قال: وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدهما. قال: وانتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار، قد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، فقاتل حتى قتل. قال أنس بن مالك: لقد وجدنا به سبعين ضربى؛ وأصيب عبد الرحمن بن عوف في فمه فهتم، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، فأصابه بعضها في رجله فعرج.\rقال ابن إسحاق: وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة، وقول الناس: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كعب بن مالك، قال كعب: عرفت عينيه تزهر أن تحت المغفرة، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأشار إلي: أن أنصت، قال: فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والحارث بن الصمة، ورهط من المسلمين، فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبى بن خلف، وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا، فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجال منا؟ قال رسول الله: دعوه. فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، قال: فلما أخذها انتفض منا انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها، ثم استقبله فطعنه بها طعنة في عنقه تدأدأ منها عن فرسه مرارا؛ وكان أبى بن خلف قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: إن عندى العود - فرسا - أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه. فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلما رجع إلى قريش، وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير، فاحتقن الدم فيه، فقال: قتلنى والله محمد؛ قالوا: ذهب والله فؤادك! والله إن بك بأس؛ قال: إنه قد قال لى بمكة: أنا أقتلك، والله لو بصق علي لقتلني. فمات عدو الله بسرف وهم قافلون إلى مكة، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت:\rلقد ورث الضلال عن أبيه ... أبى يوم بارزه الرسول\rأتيت إليه تحمل رم عظم ... وتوعده وأنت به جهول\rوقد قتلت بنو النجار منكم ... أمية إذ يغوث: يا عقيل\rوتب ابنا ربيعة إذ أطاعا ... أبا جهل، لأمهما الهبول\rوأفلت حارث لما شغلنا ... بأسر القوم، أسرته قليل\rوقال حسان أيضا فيه:\rألا من مبلغ عنى ابيا ... فقد ألقيت في سحق السعير\rتمنى بالضلالة من بعيد ... وتقسم أن قدرت مع النذور\rتمنيك الأماني من بعيد ... وقول الكفر يرجع في غرور\rفقد لا قيت طعنة ذى حفاظ ... كريم البيت ليس بذى فجور\rله فضل على الأحياء طرا ... إذا نابت ملمات الأمور\rقال: ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج علي بن أبى طالب حتى ملأ درقته من الماء، فجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه، فوجد له ريحا، فعافه وغسل عن وجهه الدم.\rقال: وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعب، معه أولئك النفر من أصحابه، إذ علت عالية من قريش الجبل، وكان على تلك الخيل خالد بن الوليد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا! فقاتل عمر بن الخطاب ورهط من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل. ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلموها، وقد كان بدن وظاهر بين درعين، فلم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به حتى استوى عليها.","part":4,"page":419},{"id":1920,"text":"قال ابن هشام: وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التي أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودا.\rقال ابن إسحاق: ولما أراد القوم الانصراف أشرف أبو سفيان على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت فعال، إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار؛ فقال له أبو سفيان: هلم إلي يا عمر؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: ايته فانظر ما شأنه؛ فأتاه، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندى من ابن قمئة وأبر - لقول ابن قمئة لهم: إني قتلت محمدا - قال: واسم ابن قمئة عبد الله.\rوروى البخارى عن البراء قال: وأشرف أبو سفيان فقال: أفى القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه، قال: أفى القوم ابن أبى قحافة؟ قال: لا تجيبوه، قال: أفى القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر - رضوان الله عليه - نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله لك ما يخزنك. قال أبو سفيان: اعل هبل، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، فقالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل؛ قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم؛ قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤنى.\rقال ابن سعد: ثم نادى أبو سفيان عند انصرافه: إن موعدكم بدر العام القابل.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: قل له: نعم هو بيننا وبينك موعد. ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب فقال: آخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون، وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فهم يريدون المدينة، والذي نفسى بيده لئن أرادوها لأسيرت إليهم فيها، ثم لأناجزنهم. قال علي: فخرجت في آثارهم فرأيتهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، وتوجهوا إلى مكة.\rخبر مقتل حمزة\rبن عبد المطلب رضى الله عنه، وما فعلته هند بنت عتبة، وما قالته من الشعر، وما أجيبت به كان حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه، قد قتل من ذكرنا من المشركين آنفا، ومر به سباع بن عبد العزى الغبشانى، وكان يكنى بأبى نيار، فقال له حمزة: هلم إلى يابن مقطعة البضور - وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمر بن وهب الثقفى، وكانت ختانة بمكة - فلما التقيا ضربه حمزة فقتله. فقال وحشى غلام جبير بن مطعم: والله إني لأنظر إلى حمزة يهذ الناس بسيفه هدا ما يقوم له شئ، فو الله إني لأتهيأ أريده، وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو منى، إذ تقدمنى إليه سباع، فلما رآه حمزة قال له قال، فضربه حمزة فقتله، فهززت حربتى حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت في ثنته، حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوى فغلب، فتركته وإياها حتى مات، ثم أتيته فأخذت حربتى، ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه، فلم يكن لي بغيره حاجة، إنما قتلته لأعتق.\rقال ابن إسحاق: ووقفت هند بنت عتبة والنسوة اللاتى معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجد عن الآذان والآنف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم قلائد وخدما، وأعطت قلائدها وخدمها وفرطها وحشيا، وبقرت عن كبد حمزة فلا كتها فلم تسطع أن تسيغها، فلفظها، ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها، ثم قالت:\rنحن جزينا كم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر\rما كان عن عتبة لي صبر ... ولا أخى وعمه وبكرى\rشفيت نفسى وقضيت وترى ... شفيت وحشى غليل صدرى\rفشكر وحشى على عمرى ... حتى ترم أعظمى في قبرى\rفأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت:\rخزيت في بدر وبعد بدر ... يا بنت وقاع عظيم الكفر\rصبحك الله غداة الفجر ... بالهاشميين الطوال الزهر\rبكل قطاع حسام يفرى ... حمزة ليثى وعلى صقرى\rإذ رام شيب وأبوك غدرى ... فخضبا منه ضواحى النحر\rونذرك السوء فشر نذر","part":4,"page":420},{"id":1921,"text":"قالت هند غير ذلك من الشعر وأجيبت بمثله، وتركنا ذلك اختصارا.\rقال ابن إسحاق: ومر الحليس بن زبان أخو بنى الحارث بن عبد مناة، وهو يومئذ سيد الأحابيش بأبى سفيان، وهو يضرب في شدق حمزة بزج الرمح، ويقول: ذق عقق. فقال الحليس: يا بنى كنانة، هذا سيد قريش يصنع بآبن عمه ما ترون لحما؛ قال: ويحك! اكتمها عنى، فإنها كانت زلة. قال ولما فرغ الناس لقتلاهم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادى قد بقر بطنه عن كبده، وجدع أنفه وأذناه. فقال حين رآه: لولا أن تحزن صفية ويكون سنة من بعدى لتركتك حتى تكون في بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرنى الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم. فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب. فأنزل الله تعالى قوله: \" وإن علقبتم فعلقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين، واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون \" قال: فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر. ونهى عن المثل.\rقال ابن هشام: ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة قال: لن أصاب بمثلك أبدا! ما وقفت موقفا قط أغيظ إلى من هذا! ثم قال: جاء جبريل عليه السلام فأخبر أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله. قال ابن إسحاق يرفعه إلى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجى ببرد، ثم صلى عليه وكبر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة. قالت: وأقبلت ضفية بنت عبد المطلب لتنظر إلى أخيها حمزة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير ابن العوام: القها فارجعها لا ترى ما بأخيها. فقال لها: يا أماه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعى، فقالت: ولم؟ وقد بلغنى أنه قد مثل بأخى، وذلك في الله عز وجل، فما أرضانى أنا بما كان من ذلك! لأحتسبن ولأصبرت إن شاء الله تعالى. فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك قال: خل سبيلها، فأتته، فنظرت إليه، وصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن. قال: واحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة، فدفنوهم بها. ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: ادفنوهم حيث صرعوا.\rمن استشهد يوم أحد\rقال ابن إسحاق: استشهد من المسلمين يوم أحد سبعون رجلا، كان منهم من المهاجرين من بنى عبد المطلب، رضى الله عنه، وقد تقدم خبر مقتله. ومن بنى أمية: عبد الله بن جحش، حليف لهم من بنى أسد بن خزيمة قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق. ومن بنى عبد الدار بن قصى: مصعب ابن عمير، قتله عبد الله بن قمئة الليثى. ومن بنى مخزوم بن يقظة: شماس بن عثمان قتله أبى بن خلف.\rلم يذكر ابن إسحاق غير هؤلاء الأربعة.\rوقال محمد بن سعد في طبقاته الكبرى: وعبد الله، وعبد الرحمن، أبنا الهبيب، من بنى سعد بن ليث، ووهب بن قابوس المزنى، وابن أخيه الحارث بن عقبة ابن قابوس. وزاد الثعلبى سعدا مولى عتبة، ولم يذكر الأربعة الذين ذكرهم ابن سعد، بل عد المهاجرين خمسة.\rواستشهد من الأنصار، من بنى عبد الأشهل اثنا عشر رجلا، وهم: عمرو بن معاذ بن النعمان أخو سعد، والحارث بن أنس بن رافع، وعمارة بن زياد بن السكن، وسلمة بن ثابت بن وقش، وأخوه عمرو بن ثابت، وأبوهما ثابت، ورفاعة بن وقش، واليمان، وأسمه حسيل بن جابر، أصابه المسلمون في المعركة ولا يدرون، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه، فتصدق ابنه حذيقة بديته على المسلمين، وصيفي بن قيظى، وخبا ابن قيظى، وعباد بن سهل، والحارث بن أوس بن معاذ.","part":4,"page":421},{"id":1922,"text":"ومن أهل راتج ثلاثة نفر، وهم: إياس بن أوس بن عتيك، وعبيد بن التيهان، ويقال: عتيك بن التيهان. وحبيب بن زيد بن تيم. ومن بنى ظفر: يزيد بن حاطب بن أمية بن رافع. ومن بنى عمرو بن عوف، رجلان، وهما: أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد، وحنظلة بن أبى عامر بن صيفي بن النعمان، وهو غسيل الملائكة، وكان قد آلتقى هو وأبو سفيان، فلما استعلاه حنظلة رآه شداد بن الأسود فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم لتغسله الملائكة. فسألوا أهله: ما شأنه؟ فسئلت صاحبته فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لذلك غسلته الملائكة. وقال شداد بن الأسود حين قتل حنظلة:\rلأحمين صاحبى ونفسى ... بطعنة مثل شعاع الشمس\rومن بنى عبيد بن زيد: أنيس بن قتادة. ومن بنى ثعلبة بن عمرو ابن عوف رجلان، وهما: أبو حية بن عمرو ثابت، وعبد الله بن جبير ابن النعمان، وهو أمير الرماة. ومن بنى السلم بن امرئ القيس بن مالك: خيثمة أبو سعد بن خيثمة. ومن حلفائهم من بنى العجلان: عبد الله بن سلمة. ومن بنى معاوية بن مالك رجلان، وهما: سبيع بن حاطب بن الحارث، ويقال: سويبق بن الحارث. ومالك بن نميلة، حليف لهم من مزينة.\rومن بنى النجار ثم من بنى سواد بن مالك خمسة نفر، وهم: عمرو بن قيس بن زيد بن سواد، وابنه قيس بن عمرو، وثابت بن عمرو بن زيد، وعامر بن مخلد، ومالك بن إياس. ومن بنى مبذول رجلان، وهما: أبو هبيرة بن الحارث ابن علقمة، وعمرو بن مطرف بن علقمة. ومن بنى عمرو بن مالك بن النجار رجلان، وهما: أوس بن ثابت بن المنذر، وهو أخو حسان، وإياس بن عدى.\rومن بنى عدى بن النجار رجل واحد، وهو: أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد ابن حرام بن جندب بن عامر بن عدى بن النجار، وقد تقدم خبره. ومن بنى مازن بن النجار رجلان، وهما: قيس بن مخلد، وكيسان عبد لهم. ومن بنى دينار بن النجار رجلان، وهما: سليم بن الحارث، ونعمان بن عبد عمرو. ومن بنى الحارث بن الخزرج ثلاثة نفر، وهم: خارجة بن زيد بن أبى زهير، وسعد ابن الربيع بن أبى زهير - حكى محمد بن سعد في طبقاته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد: من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع، أفى الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل، فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق، قال الأنصارى: فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى أن أنظر أفى الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عنى السلام، وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف. قال الأنصارى: ثم لم أبرح حتى مات؛ فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره.\rوأوس بن الأرقم بن زيد. ومن بنى الأبجر، وهم بنو خدرة، ثلاثة نفر، وهم: مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبد بن الأبحر، وهو أبو أبى سعيد الخدرى، وسعيد بن سويد بن قيس بن عامر بن عباد بن الأبجر، وعتبة بن ربيع ابن رافع بن معاوية. ومن بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج رجلان، وهما: ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد، وثقيف بن فروة بن البدى. ومن بنى طريف، رهط سعد بن عبادة رجلان، وهما: عبد الله بن عمرو بن وهب، وضمرة حليف لهم من جهينة. ومن بنى عوف بن الخزرج خمسة نفر، وهم: نوفل ابن عبد الله، وعباس بن عبادة بن نضلة، ونعمان بن مالك بن ثعلبة، والمجذر ابن زياد، حليف لهم من بلى، وعبادة بن الحسحاس. ومن بنى الحبلى، رفاعة ابن عمرو، ومن بنى سلمة ثم من بنى حرام أربعة نفر، وهم: عبد الله بن عمرو ابن حرام، وعمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، وخلاد بن عمرو بن الجموح، وأبو أيمن مولى عمرو بن الجموح. ومن بنى سواد بن غنم ثلاثة نفر، وهم: سليم بن عمرو بن حديدة، ومولاه عنترة، وسهل بن قيس بن أبى كعب بن القين. ومن بنى زريق بن عامر رجلان، وهما: ذكوان بن عبد قيس، وعبيد بن المعلى بن لوذان. ومن بنى خطمة من الأوس: الحارث بن عدى بن خرشة بن أمية. ومن بنى سالم بن عوف: عمرو بن إياس.\rقتلى المشركين يوم أحد","part":4,"page":422},{"id":1923,"text":"قتل من المشركين يوم أحد اثنان وعشرون رجلا: من بنى عبد الدار بن قصى أحد عشر رجلا - وهم أصحاب اللواء - طلحة بن أبى طلحة، قتله علي بن أبى طالب، وأبو سعيد بن أبى طلحة، قتله سعد بن أبى وقاص، ويقال: علي. وعثمان بن أبى طلحة، قتله حمزة بن عبد المطلب، ومسافع بن طلحة، قتله عاصم ابن ثابت بسهم، والجلاس بن طلحة، قتله عاصم أيضا كما تقدم، وكلاب بن طلحة والحارث بن طلحة، قتلهما قزمان حليف لبنى ظفر، وأرطاة بن عبد بن شر حبيل ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، قتله حمزة، ويقال: قتله علي، وأبو زيد ابن عمير بن هاشم، قتله قزمان، وصؤاب غلام لهم حبشى، قتله قزمان، والقاسط ابن شريح بن هاشم، قتله قزمان. ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصي: عبد الله ابن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد: قتله علي بن أبى طالب. ومن بنى زهرة ابن كلاب رجلان، وهما. أبو الحكم بن الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفى، حليف لهم، قتله علي بن أبى طالب، وسباع بن عبد العزى - واسم عبد العزى عمرو بن نضلة بن غبشان - حليف لهم من خزاعة، قتله حمزة كما تقدم.\rومن بنى مخزوم أربعة نفر، وهم: هشام بن أبى أمية بن المغيرة، قتله قزمان، والوليد ابن العاص بن المغيرة، قتله قزمان أيضا، وأبو أمية بن أبى حذيقة بن المغيرة، قتله علي بن أبى طالب، وخالد بن الأعلم حليف لهم، قتله قزمان. ومن بنى جمع رجلان، وهما: عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذاقة بن جمح، وهو أبو عزة، قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرا - وكان قد أسر يوم بدر، فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطلقه كما ذكرنا، فقال: لا أكثر عليك جمعا؛ فلم يف، وخرج يوم أحد مع المشركين فأسر، ولم يؤسر يومئذ غيره، فقال: من علي يا محمد؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن لا يلدغ من حجر مرتين، لا ترجع إلى مكة تسمح عارضيك، تقول: سحرت محمدا مرتين، ثم أمر عاصم بن ثابت ابن الأقلح فضرب عنقه - وأبى بن خلف بن حذاقة بن جمح، قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده كما تقدم. ومن عامر بن لؤى رجلان، وهما: عبيدة بن جابر وشيبة بن مالك بن المضرب، قتلهما قزمان، ويقال: قتل عبيدة بن جابر عبد الله بن مسعود.\rقال محمد بن سعد في طبقاته: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ من أحد، فصلى العري في المدينة، وشمت عبد الله بن أبى بن سلول والمنافقون بما نيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن ينالو منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن. قال: وبكت الأنصار على قتلاهم، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم البكاء فبكى، قال: لكن حمزة لا بواكى له، فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بنى عبد الأشهل أمر انساءهم أن يتحزمن، ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب مسجده يبكين، فقال: ارجعن يرحمكن الله، فقد آسيتن بأنفسكن ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عن النوح.\rوروى عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بنى دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين؛ قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؛ قال: فأشر لها إليه صلى الله عليه وسلم، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل؛ رضى الله عنها.\rولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانت فاطمة - رضى الله عنها - تغسل جرحه؛ وعلي يسكب الماء عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، عمدت إلى قطعة من حصير فأحرقتها، وألصقت ذلك على الجرح فاستمسك الدم، ولم يبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إلا تلك الليلة، ثم أصبح فخرج في طلب العدو إلى حمراء الأسد، على ما نذكره إن شاء الله.\rولنصل غزوة أحد بتفسير ما نزل الله تعالى فيها من القرآن.\rما أنزل من القرآن\rمن القرآن في غزوة أحد، وما ورد في تفسير ذلك","part":4,"page":423},{"id":1924,"text":"قال محمد بن إسحاق، رحمه الله: وكان مما أنزل الله تعالى في غزوة أحد من القرآن ستون آية من سورة آل عمران، أول ذلك قوله تعالى: \" وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم. \" قال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبى النسابورى - رحمه الله - في تفسير المترجم بالكشف والبيان عن تفسير القرآن: إن المشركين أقاموا بأحد يوم الأربعا والخميس والجمعة، وذكر نحو ما قدمناه من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة السبت للنصف من شوال، وأنه صلى الله عليه وسلم جعل يصف أصحابه للقتال كما يقوم القدح، إذا رأى صدرا خارجا قال: تأخر، فذلك قوله تعالى: \" وإذ غدوت من أهلك \" الآية، وقوله تعالى: \" إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون \" تفشلا، أى تجبنا وتضعفا وتتخلفا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما بنو سلمة بن الخزرج، وبنو حارثة بن الأوس، وكانا جناحى العسكر، وذلك أن عبد الله بن أبى بن سلول لما انخزل بثلث الناس كما قدمنا وقال هو ومن وافقه من أصحابه: \" لو نعلم قتالا لاتبعناكم؛ هم بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف معه، فعصمهم الله تعالى فلم ينصرفوا، ومضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرهم الله تعالى عظيم نعمته، فقال: والله وليهما أي ناصرهما وحافظهما \" وعلى الله فليتوكل المؤمنون \" ثم ذكرهم الله منته عليهم إذ نصرهم ببدر، فقال: \" ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة \" إلى قوله: \" وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم \" قوله: \" ليقطع طرفا من الذين كفروا أو بكبتهم فينقلبوا خائبين \" . ليقطع طرفا أي يهلك طائفة أو يكبتهم أي يهزمهم فينقلبوا خائبين أي لم ينالوا شيئا مما كانوا يرجون من الظفر بكم.\rقوله تعالى: \" ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون \" .\rاختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية، فقال عبد الله بن مسعود: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم أحد، وكان عثمان بن عفان منهم، فنهاه الله تعالى عن ذلك، وتاب عليهم، وأنزل هذه الآية. وقال عكرمة، وقتاة، ومقسم: أدمى رجل من هذيل يقال له: عبد الله ابن قمئة وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان حتفه أن سلط الله عليه تيسا فنطحه حتى قتله، وشج عتبة بن أبى وقاص رأسه وكسر رباعيته صلى الله عليه وسلم، فدعا عليه وقال: اللهم لايحل عليه الحول حتى يموت كافرا قال: فما حال الحول حتى مات كافرا فأنزل الله تعالى عليه هذه الآية. وقال الربيع والكلبى: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وقد شج في وجهه وأصيبت رباعيته، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلعن المشركين ويدعو عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، لعلمه فيهم أن كثيرا منهم سيؤمنون.\rقوله تعالى: قد خلت من قبلكم سنن قيل: أمثال. وقيل: أمم.\rوالسنة الأمة، قال الشاعر:\rما عاين الناس من فضل كفضلهم ... ولا رأوا مثلهم في سالف السنن\rوقيل: أهل سنن؛ وقيل: أهل شرائع؛ قال: معنى الآية: قد مضت وسلفت منى فيمن قبلكم من الأمم الماضية المكذبة الكافرة سنن بإمهالى واستدراجى إياهم حتى بلغ الكتاب فيهم أجلى الذى أجلت - لإدالة أنبيائى - وأهلكتهم.\rفسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين أى منهم، فأنا أمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ الكتاب أجلى الذى أجلت في نصرة النبى وأوليائه وهلاك أعدائه.\rقوله تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين قال: هذه الآية تعزية من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين على ما أصابهم من القتل والجرح يوم أحد، وحث منه إياهم على قتال عدوهم، ونهى عن العجز والفشل، فقال تعالى: \" ولا تهنوا \" أي لا تضعفوا ولا تجبنوا من جهاد أعدائكم بما نالكم يوم أحد من القتل والقرح. \" ولا تحزنوا \" على ظهور أعدائكم ولا على أصابكم من الهزيمة والمصيبة \" وأنتم الأعلون \" أي لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر \" إن كنتم مؤمنين \" .","part":4,"page":424},{"id":1925,"text":"قوله تعالى: إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله أي جرح يوم أحد فقد مس القوم جرح مثله يوم بدر. وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين يعنى إنما كانت هذه المداولة ليرى الله الذين آمنوا - يعنى منكم - ممن نافق، فيميز بعضهم من بعض.\rوقيل: المعنى \" وليعلم الله الذين آمنوا \" بأفعالهم موجود كما علمها منهم قبل أن كلفهم.\rويتخذون منكم شهداء يكرم أقواما بالشهادة، وذلك أن المسلمين قالوا: أرنا يوما كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونلتمس الشهادة. فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ الله منهم شهداء.\rقوله تعالى: وليمحص الله الذين امنوا ويمحق الكفرين يعنى يطهر الذين آمنوا من ذنوبهم ويمحق الكافرين يفنيهم ويهلكهم وينقصهم. ثم عزاهم الله تعالى فقال: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلم الصابرين.\rقوله تعالى: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل آنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين وذلك أنه لما قتل عبد الله بن قمئة مصعب بن عمير، وصرخ صارخ - يقال: هو إبليس، لعنه الله - ألا إن محمدا قد قتل. وانهزم الناس، فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبى فيأخذ لنا أمانا من أبى سفيان. وجلس بعض الصحابة وألقوا بأيديهم. وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول. فقال أنس بن النضر: يا قوم، إن كان قتل محمد فإن رب محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه؛ ثم قال: اللهم إنى أعتذر إليك مما قال هؤلاء - يعنى المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعنى المنافقين حتى قتل. ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انطلق إلى الصخرة، وهو يدعو الناس، فانحدر إليه طائفة من أصحابه، فلامهم صلى الله عليه وسلم على الفرار، فقالوا: يا بنى الله، فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر بأنك قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين. فأنزل الله تعالى: \" ومامحمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات \" أي على فراشه \" أو قتل أنقلبتم على أعقابكم أي رجعتم إلى دينكم الأول الكفر ومن ينقلب على عقبيه فيرتد عن دينه فلن يضر الله شيئا بارتداده، وإنما يضر نفسه وسيجزى الله الشاكرين أي المؤمنين.\rقوله تعالى: \" وكأين من بنى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما آستكانوا والله يحب الصابرين قيل: الربيون الألوف والربة الواحدة عشرة آلاف. وقيل: الربيون العلماء والفقهاء. وقيل: الأتباع وقيل: الربانيون الولاة، والربيون الرعية. وقيل: الربيون الذين يعبدون الرب تعالى. قال: ومعنى الآية، فما ضعفوا عن الجهاد لما أصابهم في سبيل الله لما نالهم من الجراح وقتل الأصحاب، وما عجزوا بقتل نبيهم وما ضعفوا وما استكانوا قال قتادة والربيع: يعنى وما آرتدوا عن بصيرتهم ودينهم، ولكنهم قاتلوا على ما قاتل عليه نبيهم حتى لحقوا بالله تعالى. قال السدى: وما ذلوا.\rوقال عطاء: وما تضرعوا. وقال مقاتل: وما آستسلموا وما خضعوا لعدوهم، ولكنهم صبروا على ربهم، وطاعة نبيهم، وجهاد عدوهم والله يحب الصابرين \" .\rقوله تعالى: \" وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا آغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وآنصرنا على القوم الكافرين \" قال: معنى الآية، \" قولهم \" عند قتل نبيهم \" إلا أن قالوا ربنا أغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا \" يعنى خطايانا \" وثبت أقدامنا \" لئلا تزول \" وآنصرنا على القوم الكافرين \" .\rقوله تعالى: \" فأتهم الله ثواب الدنيا \" يعنى النصر والغنيمة \" وحسن ثواب الآخرة \" الجنة \" والله يحب المحسنين \" .\rقوله تعالى: \" يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا \" قال علي، رضى الله عنه: يعنى المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم، وآدخلوا في دينكم. \" يردوكم على أعقابكم أي ترجعوا على أول أمركم الشرك \" فتنقلبوا خاسرين \" أي فتصيروا مغبونين \" بل الله مولاكم \" أي ناصركم وحافظكم على دينكم \" وهو خير الناصرين \" .","part":4,"page":425},{"id":1926,"text":"قوله تعالى: \" سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب \" قال السدى: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق ثم إنهم ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فأستأصلوهم؛ فلما عزموا على ذلك ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب، حتى رجعوا عما هموا به، فأنزل الله تعالى: \" سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب \" يعنى الخوف بما أشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا أي حجة وبيانا وعذرا وبرهانا، ثم أخبروا الله تعالى عن مصيرهم، فقال: ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين أي مقام الكافرين.\rقوله تعالى: ولقد صدفكم الله وعده قال محمد بن كعب القرظى: لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة، وقد أصابهم ما أصابهم بأحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى ولقد صدقكم الله وعده أي الذي وعد بالنصر والظفر، وهو قوله تعالى: بلى إن تصبروا وتتقوا الآية، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للرماة: لا تبرحوا مكانكم فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم وقوله تعالى: إذ تحسونهم بإذنه أي تقتلونهم قتلا ذريعا شديدا، وذلك عند هزيمتهم كما تقدم. قوله: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم: أي جبنتم وضعفتم وتنازعتم أي اختلفتم. وهو ما وقع بين الرماة، ونزول أكثرهم لتحصيل الغنيمة كما تقدم، فكانت الهزيمة بسبب ذلك. قوله: من بعد ما أراكم ما تحبون وهو الظفر والغنيمة. قوله: منكم من يريد الدنيا يعنى الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب ومنكم من يريد الآخرة يعنى الذين ثبتوا مع عبد الله بن جبير أمير الرماة حتى قتلوا. قوله: ثم صرفكم عنهم أي ردكم عنهم بالهزيمة ليبتليكم ولقد عفا عنكم أي فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة والله ذو فضل على المؤمنين.\rقوله تعالى: إذ تصعدون يعنى ولقد عفا عنكم إذ تصعدون هاربين ولا تلوون على أحد. ثم رجع إلى الخطاب، فقال: \" والرسول يدعوكم في أخراكم \" قال يقال: أصعدت إذا مضيت حيال وجهك، وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره، والإصعاد: السير في مستوى الأرض وبطون الأودية والشعاب، والصعود: الارتفاع على الجبال وغيرها. وقال المبرد: أصعد إذا أبعد في الذهاب.\rقال الشاعر:\rألا أيهذا السائلى أين أصعدت ... فإن لها في أهل يثرب موعدا\rوقال الفراء: الإصعاد الابتداء في كل سفر، ولانحدار الرجوع منه. وقوله: ولا تلوون على أحد يعنى ولا تعرجون ولا تقيمون على أحد منكم، ولا يلتفت بعضكم إلى بعض هربا وفرارا، قال الكلبى: على أحد يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم.\rوالرسول يدعوكم في أخراكم يعنى في آخركم ومن ورائكم: إلى عباد الله، إلى عباد الله، فأنا رسول الله، من يكر فله الجنة. فأثابكم أي فجازكم؛ جعل الإثابة بمعنى العقاب، كقوله: فبشروا بعذاب أليم؛ معنى الآية: أي جعل مكان الثواب الذي كنتم ترجون غما بغم قال الحسن: يعنى بغم المشركين يوم بدر. وقال غيره: غما على غم. وقيل: غما متصلا بغم، فالغم الأول ما فاتهم من الغيمة والظفر، والغم الثانى مانالهم من القتل والهزيمة. وقيل: الغم الأول ما أصابهم من القتل والجراح، والغم الثاني ما سمعوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل، فأنساهم الغم الأول. وقيل: غير هذه الأقوال. والله أعلم. قوله تعالى: لكيلا تحزنوا على ما فاتكم أي من الفتح والغنيمة ولا ما أصابكم من القتل والهزيمة؛ هذا أنساكم ذلك الغم، وهمكم ما أنتم فيه عما كان قد أصابكم قبل. وقال المفضل: لا صلة. معناه: لكى تحزنوا على مافاتكم وما أصابكم عقوبة لكم في خلافكم إياه، وترككم المركز والله خبير بما تعملون.\rقوله: \" ثم أنزل عليكم من بعد آلغم أمنة نعاسا يغشى طائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شئ قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا ههنا قل لو كنتم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلى الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور \" .","part":4,"page":426},{"id":1927,"text":"روى عن عبد الله بن الزبير عن أبيه، رضى الله عنهما، قال: لقد رأيتنى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا أرسل الله تعالى علينا النوم، والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشانى ما أسمه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا، فأنزل الله عز وجل الآية. وقال عبد الله ابن عباس رضى الله عنهما. أمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم بعد خوف، وإنما ينبعس من يأمن والخائف لا ينام. وعن أنس عن أبى طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد ما أرى أحدا من القوم إلا وهو يميد تحت حجفيه من النعاس. قال أبو طلحة: وكنت ممن ألقى الله تعالى عليه النعاس يومئذ، فكان السيف يسقط من يدى فآخذه، ثم يسقط السوط من يدي فآخذه من النوم. وطائفة يعنى المنافقين معتب بن قشير وأصحابه قد أهمتهم أنفسهم أي حملتهم على الهم يظنون بالله غير الحق أي لا ينصر محمدا، وقيل: ظنوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل. ظن الجاهلية أي كظن أهل الجاهلية والشرك يقولون هل لنا أي ما لنا، لفظه استفهام ومعناه جحد من الأمر من شئ يعنى التصرف قل إن الأمر كله لله وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كانت لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة، ولم يقتل رؤساؤنا. فذلك قوله تعالى: يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا فقال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - قل لهم: \" لو كنتم في بيوتكم لبرز \" أي لخرج \" الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم \" أي مصارعهم وليبتلى الله أي ليختبر الله ما في صدوركم وليمحص أي يخرج ويظهر ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور أي بما في القلوب من خير أو شر.\rقوله تعالى: إن الذين تولوا منكم أي انهزموا منكم يا معشر المؤمنين يوم آلتقى الجمعان جميع المسلمين وجمع المشركين إنما آستزلهم الشيطان أي حملهم على الزلل. وقال الكلبى: زين لهم أعمالهم ببعض ما كسبوا أي بشؤم ذنوبهم. قال المفسرون: بتركهم المركز. وقال الحسن: بما كسبوا قبولهم من إبليس ما وسوس إليهم من الهزيمة. ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم.\rقوله تعالى: \" يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا \" يعنى المنافقين عبد الله بن أبى وأصحابه وقالوا لإخوانهم في النفاق، وقيل: في النسب.\r\" إذا ضربوا في الأرض \" ساروا وسافروا فيها للتجار أو غيرها فماتوا أو كانوا غزا إزاة فقتلوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك يعنى قولهم وظنهم حسرة وحزنا في قلوبهم والحسرة: الاغتمام على فائت كان يقدر بلوغه.\rقال الشاعر:\rفوا حسرتى لم أقض منك لبانتى ... ولم نتمتع بالجوار وبالقرب\rثم أخبر تعالى أن الموت والحياة إلى الله، سبحانه، لا يتقدمان لسفر ولا يتأخران لحضر فقال عز وجل: \" والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير. \" قوله تعالى: \" ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله \" أي في العاقبة \" ورحمه خير مما يجمعون \" أي من الغنائم \" ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون \" أي في العاقبة.","part":4,"page":427},{"id":1928,"text":"قوله تعالى: \" فبما رحمة من الله لنت لهم \" أي سهلت لهم أخلافك، وكثرة احتمالك فلم تسرع إليهم فيما كان منهم يوم أحد \" ولو كنت فظا \" أي جافيا سيء الخلق قليل الاحتمال. غليظ القلب قال الكلبى: فظا في القول، غليظ القلب في الفعل لانفضوا من حولك أي لتفرقوا عنك، وأصل الفض الكسر، ومنا قولهم: لا يفضض الله فاك. قال أهل الإشارة في هذه الآية: منه العطاء ومنه الثناء. فاعطف عنهم أي عما أتوا يوم أحد وأستغفر لهم حتى أشفعك فيهم وشاورهم في الأمر أي استخرج آراءهم، واعلم ما عندهم، وهو مأخوذ من قول العرب: شرت الدابة وشورتها إذا استخرجت جريها، وعلمت خبرها، قال: ومعنى الآية وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله عهد، ويذل عليه قراءة ابن عباس وشاورهم في بعض الأمر. قال الكلبى: يعنى فأظهرهم في لقاء العدو، ومكايدة الحرب عند الغزوة. روى عن ابن عباس رضى الله عنهما في قوله: وشاورهم في الأمر قال أبو بكر وعمر رضى الله عنهما، وقال مقاتل وقتادة والربيع: كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم في الأمر، فإن ذلك أعطف لهم عليه، وأذهب لأضغانهم، وأطيب لأنفسهم، فإذا شاورهم عليه السلام عرفوا إكرامه لهم. قال: \" فإذا عزمت فتوكل على الله \" أي لا على مشاروتهم. وقرأ جعفر الصادق، وجابر ابن زيد، فإذا عزمت بضم التاء، أي عزمت لك ووفقتك وأرشدتك فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين.\rقوله تعالى: إن ينصركم الله أي يعنكم ويمنعكم من عدوكم فلا غالب لكم مثل يوم بدر وإن يخذلكم أي يترككم ولا ينصركم، والخذلان القعود عن النصر، والإسلام للهلكة والمكروه، قال: وقرأ عبيد بن عمير وإن يخذلكم بضم الياء وكسر الذال، أي يجعلكم مخذولين، ويحملكم على الخذلان والتخاذل، كما فعلتم بأحد فمن ذا الذي ينصركم من بعده أي من بعد خذلانه وعلى الله فليتوكل المؤمنون.\rقوله تعالى: أولما أصابتكم مصيبة أي بأحد قد أصبتم مثلها ببدر، وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين رجلا، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين قتلتم أنى هذا أي من أين لنا هذا القتل والهزيمة، ونحن مسلمون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، والوحى ينزل عليه، وهم مشركون؟ وقد تقدم في قصة أسارى بدر خبر التخيير قتلهم أو مفاداتهم، ويقتل منهم مثلهم في العام القابل، واختبارهم الفداء، وذلك قوله: قل هو من عند أنفسكم أي بأخذكم الفداء واختياركم القتل، إن الله على كل شيء قدير.\rقوله تعالى: \" وما أصابكم يوم آلتقى الجمعان \" أي بأحد من القتل والجرح والهزيمة والمصيبة فبإذن الله أي بقضائه وقدره وعلمه وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا أي ليميز، وقيل: ليرى. وقيل: لتعلموا أنتم أن الله قد علم نفاقهم، وأنتم لم تكونوا تعلمون ذلك. وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أي لأجل دين الله وطاعته أو آدفعوا أي عن أهلكم وبلدكم وحريمكم، وقيل: أي كثروا سواد المسلمين وربطوا إن لم تقاتلوا، ليكون ذلك دفعا وقمعا للعدو قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم وهو قول عبد الله بن أبى وأصحابه الذين آنصرفوا معه، كما تقدم من خبرهم عند آتباع عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بنى سلمة لهم ومناشدته لهم في الرجوع. قال الله تعالى: \" هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم \" وذلك أنهم كانوا يظنون الإيمان ويضمرون الكفر، فبين الله تعالى نفاقهم \" والله أعلم بما يكتمون. \" قوله تعالى: \" الذين قالوا لإخوانكم \" قيل: في النسب لا في الدين، وهم شهداء أحد. وقعدوا يعنى وفعد هؤلاء القائلون عن الجهاد لو أطاعونا وآنصرفوا عن محمد، وقعدوا في بيوتهم ما قتلوا قال تعالى: قل لهم يا محمد فادرءوا أي فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين أن الحذر يغنى عن القدر.","part":4,"page":428},{"id":1929,"text":"قوله تعالى: \" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين \" روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طيور خضر، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتسرح من الجنة حيث شاءت، وتأوى إلى قناديل من ذهب تخت العرش، فلما رأوا طيب مقيلهم ومطعمهم ومشربهم، ورأوا ما أعد الله لهم من الكرامة، قالوا: ياليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم، وما صنع الله عز وجل بنا، كى يرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه. فقال عز وجل: أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم. ففرحوا بذلك وآستبشروا، فأنزل الله تعالى: \" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله \" الآيات، إلى قوله أجر المؤمنين.\rوقال قتادة والربيع: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: ياليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا بأحد؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية.\rوعن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية، فقال: جعل الله تعالى أرواح شهداء أحد في أجواف طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، وتأوى إلى قناديل معلقة بالعرش، فاطلع الله عز وجل إليهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا فأزيد كموه؟ قالوا: ربنا، ألسنا نسرح في الجنة في أيها شئنا؛ ثم اطلع إليهم الثانية، فقال: هل تشتهون من شئ فأزيدكموه؟ فقالوا: ربنا، ألسنا نسرح في الجنة في أيها شئنا؛ ثم آطلع إليهم الثالثة، فقال: هل تشتهون من شئ فأزيدكموه؟ فقالوا: ليس فوق ما أعطيتنا شئ إلا أنا نحب أن تعيدنا أحياء، ونرجع إلى الدنيا فنقاتل في سبيلك، فنقتل مرة أخرى فيك، قال: لا؛ قالوا:فتقرئ نبينا منا السلام، وتخبره بأن قد رضينا، ورضى عنا؛ فأنزل الله، عز وجل هذه الآية.\rوعن جابر بن عبد الأنصارى قال: قتل أبى يوم أحد، وترك علي بنات، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أبشرك يا جابر؟ قلت: بلى يا رسول الله؛ قال: إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله تعالى وكلمه كفاحا؛ فقال: يا عبد الله سلنى ما شئت؛ فقال: أسألك أن تعيدنى إلى الدنيا فأقتل فيك ثانيا؛ فقال: يا عبد الله، إني قضيت ألا أعيد إلى الدنيا خليقة قبضتها؛ قال: يارب، فمن يبلغ قومى ما أنا فيه من الكرامة؟ قال الله تعالى: أنا؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية.\rوقد روى أن هذه الآية نزلت في أصحاب بئر معونة؛ وقيل: في شهداء بدر.\rوالأحاديث الواردة والأخبار تدل على أنها في شهداء أحد، والله أعلم.\rحمراء الأسد عزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند منصرفه من أحد، قال ابن سعد: لثمان خلون من شوال على رأس آثنين وثلاثين شهرا من مهاجره. وقال آبن إسحاق: كانت يوم الأحد لست عشرة خلت من شوال. وهذا الخلاف مرتب على ما تقدم في عزوة أحد.","part":4,"page":429},{"id":1930,"text":"قال ابن سعد وغيره: لما آنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد مساء يوم السبت بات تلك الليلة على بابه ناس من وجوه الأنصار، وبات المسلمون يداوون جراحهم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح يوم الأحد أمر بلالا أن ينادى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس. فقال جابر بن عبد الله: إن أبى خلفنى يوم أحد على أخوات لي، فلم أشهد الحرب، فأذن لي أسير معك؛ فأذن له، فلم يخرج معه أحد ممن لم يشهد أحدا غيره. ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه، وهو معقود لم يحل، فدفعه إلى علي بن أبى طالب، رضى الله عنه، ويقال: إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مجروح، وحشد أهل العوالى حيث أتاهم الصريخ، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه وخرج الناس معه، فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم، فلحق آثنان منهم القوم بحمراء الأسد - وهي من المدينة على عشرة أميال - وهم يأتمرون بالرجوع، وصفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك، فبصروا بالرجلين، فقطعوا عليهما فقتلوهما، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه حتى عسكر بحمراء الأسد، فدفن الرجلين في قبر واحد، وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه، فكبت الله تعالى عدوهم، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة فدخلها يوم الجمعة، وقد غاب خمس ليال، وكان قد استخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم.\rوقال محمد بن إسحاق، ورفع الحديث إلى أبى السائب مولى عائشة بنت عثمان: إن رجلا من بنى عبد الأشهل قال: شهدت أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخى، وقال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ما لنا دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله وكنت أيسر جرحا من أخي، فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.\rقال: وأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم \" الذين آستجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح \" هم الذين ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد، على ما بهم من ألم الجراح، إلى قوله: \" فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء وآتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم \" .\rسرية أبى سلمة بن عبد الأسد المخزومى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قطن - وهو جبل بناحية قيد، به ماء لبنى أسد بن خزيمة - في هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجره.\rوذلك أنه بلغه صلى الله عليه وسلم، أن طليحة وسلمة ابنى خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث أبا مسلمة وعقد له لواء، وبعث معه مائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار، فأصابوا إبلا وشاء، ولم يلقوا كيدا، فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة.\rسرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد الهذلى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج من المدينة يوم الآثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة.\rوذلك أنه بلغ النبى صلى الله عليه وسلم، أن سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي ثم اللحيانى - هكذا سماه محمد بن سعد في طبقاته.\rوقال ابن إسحاق: خالد بن سفيان بن نبيح قد جمع الجموع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث إليه عبد الله بن أنيس وحده فقتله وجاء برأسه. وكانت غيبته عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم. قاله ابن سعد.","part":4,"page":430},{"id":1931,"text":"وقال محمد بن إسحاق: حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير، قال قال عبد الله ابن أنيس: دعانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد بلغنى أن ابن سفيان الهذلى جمع الناس ليغزونى وهو بنخلة أو بعرنة فأنه فاقتله. فقلت يا رسول الله انعته لي حتى أعرفه؛ قال: إنك إذا رأيته أذكرك الشيطان، وآية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة. قال: فخرجت متوحشا بسيفي، حتى دفعت إليه وهو في ظعن يرتاد لهن منزلا، وذلك وقت العصر، فلما رأيته وجدت له ما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأقبلت نحوه، وخشيت أن يكون بينى وبينه مجاولة تشغلنى عن الصلاة، فصليت وأنا أمشى نحوه، أومى برأس، فلما انتهيت إليه، قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك. قال: أجل، أنا في ذلك. قال: فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكننى حملت عليه بالسيف فقتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه منكبات عليه، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أفلح الوجه؛ قلت: قد قتلته؛ قال صدقت.\rثم قام بى فأدخلنى بيته فأعطانى عصا، فقال: أمسك هذه العصا عندك. قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا: ماهذه؟ قلت: أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرنى أن أمسكها عندى؛ فقالوا: أفلا ترجع إليه فتسأله لم ذلك؟ قال: فرجعت إليه فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتنى هذه العصا؟ قال: آية بينى وبينك يوم القيامة، إن أقل الناس المتخضرون يومئذ، قال: فقرنها عبد الله ابن أنيس بسيفه، فلم تزل معه حتى مات، ثم أمر بها فضمت في كفنه، ثم دفنا جميعا.\rقال ابن هشام: وقال عبد الله بن أنيس في ذلك:\rتركت ابن ثور كالحوار وحوله ... نوائح تفرى كل جيب مقدد\rتناولته والظعن خلفى وخلفه ... بأبيض من ماء الحديد مهند\rعجوم لهام الدار عين كأنه ... شهاب غضى من ملهب متوقد\rأقول له والسيف يعجم رأسه ... أنا ابن أنيس فارساغير قعدد\rأنا ابن الذي لم ينزل الدهر قدره ... رحيب فناء الدار غير مزند\rفقلت له خدها بضربة ماجد ... حنيف على دين النبى محمد\rوكنت إذا هم النبى بكافر ... سبقت إليه باللسان وباليد\rسرية المنذر بن عمرو الساعدى إلى بئر معونة كانت في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من مهاجره.\rوذلك أن عامر بن مالك بن جعفر أبو براء ملاعب الأسنة الكلابى وقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهدى له فلم يقبل منه، وعرض عليه الإسلام فلم يسلم، ولم يبعد، وقال: لو بعثت معى نفرا من أصحابك إلى قومى لرجوت أن يجيبوا دعوتك. قال: أخاف عليهم أهل نجد؛ قال: أنا لهم جار. فبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا من الأنصار شببة يسمون القراء، وأمر عليهم المنذر بن عمرو، فساروا حتى نزلوا بئر معونة - وهي بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم، كلا البلدين منها قريب، وهي إلى حرة بنى سليم أقرب - فلما نزلوها سرحوا ظهرهم، وقدموا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى عامر بن الطفيل، فوثب على حرام فقتله؛ واستصرخ عليهم بنى عامر فأبوا، وقالوا: لانخفر جوار أبى براء، فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم، عصية ورعلا وذكوان، فنفروا معه. وأستطأ المسلمون حراما، فأقبلوا في أثره، فلقيهم القوم فأحاطوا بهن، وكاثروهم فاقتتلوا، فقتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم سليم بن ملحان، والحكم بن كيسان.","part":4,"page":431},{"id":1932,"text":"قال ابن إسحاق: فقتلوا من عند آخرهم إلا كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النجار فإنهم تركوه، وبه رمق بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق. قال: وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمرى، ورجل من الأنصار - قال ابن هشام: هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح - فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنا؛ فأقبلا لينظرا، فإذا القوم في دمائهم، والخيل التي أصابتهم واقفة. فقال الأنصارى لعمرو بن أمية: ماترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فنخبره الخبر؛ قال الأنصاري: ماكنت لأرغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو؛ ثم قاتل القوم حتى قتل، وأخذ عمرو بن أمية أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل، وجزنا ناصيته، وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه.\rفخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا معه، وكان معهما عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلم به عمرو، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما بؤرة من بنى عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال محمد بن سعد: وقدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بقتل أصحاب بئر معونة، فقال صلى الله عليه وسلم: أبت من بينهم! ثم أخبره بقتل العامريين، فقال: بئس ما صنعت، قد كان لهما منى أمان وجوار، لأدينهما! وبعث بديتهما إلى قومهما، وقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا في صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان وعصية وبنى لحيان.\rوروى عن أنس بن مالك، رضى الله عنه، قال: بهم قرأنا بهم قرآنا زمانا، ثم إن ذلك رفع أو نسى: بلغوا عنا قومنا أنا لقبنا ربنا فرضى عنا وأوضانا. وقال أنس آبن مالك: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة.\rقال آبن سعد: وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، في تلك الليلة التي وصل إليه فيها خبر أصحاب بئر معونة مصاب خبيب بن عدى ومن معه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلتهم بعد الركعة من الصبح، فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين كسني يوسف، اللهم عليك ببنى لحيان وعضل والقارة وزعب ورعل وذكوان وعصية، فإنهم عصوا الله ورسوله.\rسرية مرثد بن أبى مرثد الغنوى إلى الرجيع كانت في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.","part":4,"page":432},{"id":1933,"text":"وذلك أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، رهط من عضل والقارة، وهم إلى الهون بن خزيمة، فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهونا ويقرئونا القرآن، ويعلمونا شرائع الإسلام. فبعث صلى الله عليه وسلم معهم عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح، ومرثد بن أبى مرثد الغنوى، وخبيب بن عدى؛ وزيد بن الدثنة، وخالد بن البكير الليثى، وعبد الله بن طارق، ومعتب بن عبيد الله لأمه. وأمر عليهم عاصما، وقيل: مرثدا؛ فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع - وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز - غدروا بهم واستصرخوا عليهم هذيلا، فلم يرع القوم، وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا، فقالوا:إنا ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه إلا نقتلكم. فأما مرثد بن أبى مرثد، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت، ومعتب بن عبيد؛ فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا. وقاتلوا حتى قتلوا، رضى الله عنهم. وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدى، وعبد الله بن طارق، فرغبوا في الحياة، فأعطوا بأيديهم فأسرواهم، ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بمر الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران، ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه؛ فقبر هناك. وأما خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة، فأياعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة، فابتاع خبيبا حجر بن أبى إهاب التميمي، حليف بنى نوفل، لعقبة بن الحارث ابن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه. وابتاع زيد بن الدثنة صفوان بن أمية، ليقتله بأبيه أمية بن خلف، وبعثه مع مولى له يقال له: نسطاس؛ إلى التنعيم، فأخرجوه من الحرم ليقتله، واجتمع لذلك رهط من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأنى جالس في أهلى. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا؛ ثم قتله نسطاس.\rوأما خبيب بن عدى فروى عن ماوية مولاة حجر بن أبى إهاب، وكانت قد أسلمت، قالت: كان خبيب قد حبس في بيتى، فلقد اطلعت عليه يوما وإن في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، وما أعلم في أرض الله عنبا يؤكل، قالت: وقال لي حين حضره القتل: ابعثى إلى بحديدة أتطهر بها للقتل؛ فأعطيت غلاما من الحى الموسى، فقلت له: ادخل بها على هذا الرجل؛ قالت: فو الله ما هو إلا أن قد ولى الغلام بها إليه؛ فقلت: ما صنعت! أصاب والله الرجل ثأره بقتل هذا الغلام، فيكون رجلا برجل؛ فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: لعمرك، ما خافت أمك غدرتى حتى بعثتك بهذه الحديدة! ثم خلى سبيله.\rويقال: إن الغلام ابنها.\rقال ابن إسحاق: ثم خرجوا بحبيب، حتى إذا جاءوا به التنعيم ليصلبوه قال: إن رأيتم أن تدعونى حتى أركع ركعتين فافعلوا. قالوا: دونك فاركع ركعتين. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله لولا أن تظنوا أنى إنما طولت جزعا من القتل لا ستكثرت من الصلاة. فكان خبيب أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين. قال: ثم رفعوه على خشبته، فلما آوثقوه، قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يصنع بنا؛ ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا. ثم قتلوه، رحمة الله ورضى عنه.\rقال ابن هشام: أقام خبيب في أيديهم حتى انقضت الأشهر الحرم، ثم قتلوه.\rوروى ابن إسحاق أنه قال حين صلب:\rلقد جمع الأحزاب حولى وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع\rوقد قربوا أبناءهم ونساءهم ... وقربت من جذع طويل ممنع\rوكلهم يبدى العداة جاهدا ... على لأنى في وثاق بمضيع\rإلى الله أشكو غربتى بعد كربتى ... وما جمع الأحزاب لى عند مصرعى\rفذا العرش صبرنى على ما أصابنى ... فقد بضعوا الحمى وقد ضل مطمعى\rوذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع","part":4,"page":433},{"id":1934,"text":"وقد عرضوا بالكفر والموت دونه ... وقد ذرفت عيناي من غير مدمع\rوما بى حذار الموت، إني لميت ... ولكن حذارى حرنار تلفع\rفلست بمبد للعدو تخشعا ... ولا جزعا إنى إلى الله مرجعى\rولست أبالى حين أقتل مسلما ... على أي حال كان في الله مضجعى\rوفي رواية ابن شهاب: على أي جنب كان في الله مصرعى قالوا: وصلب بالتنعيم، وكان الذي تولى صلبه عقبة بن الحارث، وأبو هبيرة العدوى.\rغزوة بنى النضير غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول، سنة أربع، على رأس سبعة وثلاثين شهرا من مهاجره.\rوكان سبب هذه الغزوة على ما حكاه محمد بن سعد، ومحمد بن إسحاق، وعبد الملك بن هشام، دخل حديث بعضهم في بعض، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى بنى النضير يستعينهم في دية الكلابيين أو العامر بين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمرى، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، نعينك بما أحببت. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جلس إلى جنب جدار من بيوتهم، وهو في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر، وعمر، وعلي، رضوان الله عليهم، فخلا بعض بنى النضير إلى بعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن رجل يعلوا هذا البيت، فيلقى عليه صخرة فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش أبن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك؛ فقال سلام بن مشكم: لاتفعلوا، والله ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم، فنهض مسرعا كأنه يريد الحاجة فتوجه إلى المدينة، فلما أبطأ على أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه صلى الله عليه وسلم، فقال: رأيته قد دخل المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتوه، فقالوا: يا رسول الله، قمت ولم نشعر.\rقال: همت يهود بالغدر فأخبرنى الله بذلك فقمت. ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم محمد بن مسلمة: أن اخرجوا من بلدى فلا تساكنونى بها، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشرا أي من الأيام فمن رئى بعد ذلك ضربت عنقه. فمكثوا أياما يتجهزون، وأرسلوا إلى ظهر لهم بذي الجدر وتكاروا إبلا من ناس من أشجع، فأرسل إليهم عبد الله بن أبى: أن أقيموا في حصونكم، ولا تخرجوا من دياركم، فإن معى ألفين من قومى وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم فيموتون من عند آخرهم، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان. ووافقه على ذلك وديعة بن مالك بن أبى قوقل، وسويد وداعس، وقالوا لهم: إن نصرناكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فطمع حي بن أخطب فيما قال آبن أبى، فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك. فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر المسلمون لتكبيره، وقال: حاربت يهود. واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وسار في أصحابه، وعلي بن أبى طالب يحمل لواءه، فصلى العصر بفناء بنى النضير، فلما رأوه تحصنوا بحصونهم، وقاموا عليها معهم النبل والحجارة، واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم، وخذلهم عبد الله بن أبى ومن وافقه فلم ينصروهم، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ست ليال، ثم أمر بقطع النخيل وتحريقها، فنادوه: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها! وكان الله عز وجل أمر رسوله، صلى الله عليه وسلم بذلك، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وقالوا: نخرج من بلادك. فقال: لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا منها، ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة. فنزلوا على ذلك.","part":4,"page":434},{"id":1935,"text":"وكانت مدة حصرهم خمسة عشر يوما، وولى إخراجهم محمد بن مسلمة، فحملوا النساء والصبيان وتحملوا على سبعمائة بعير، وكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وكان من أشرافهم ممن سار إلى خيبر سلام بن أبى الحقيق، وكنانة بن الربيع آبن أبى الحقيق، وحي بن أخطب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء في قومهم بمنزلة بنى المغيرة في قريش. وحزن المنافقون عليهم حزنا شديدا، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم الأموال والحلقة، فوجد من الحلقة خمسين درعا، وخمسين بيضة، وثلثمائة سيف وأربعين سيفا، وكانت بنو النضير صيفا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، خالصة له حبسا لنوائيه، لم يخمسها ولم يسهم منها لأحد، إلا أنه أعطى ناسا من أصحابه، ووسع في الناس، فكان ممن أعطاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم من المهاجرين أبو بكر الصديق رضى الله عنه، أعطاه بئر حجر، وعمر بن الخطاب بئر جرم، وعبد الرحمن بن عوف سوالة، وصهيب بن سنان الصراحة، والزبير بن العوام وأبو سلمة بن عبد الأسد البويلة، وسهل بن حنيف وأبو دجانة مالا، يقال له: مال آبن خرشة. حكاه محمد بن سعد في طبقاته.\rقال: ولما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى النضير، قال: امضوا فإن هذا أول الحشر وإنا على الأثر.\rوأنزل الله عز وجل في بنى النضر سورة الحشر بكمالها.\rيقول الله تعالى: \" وهو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي الؤمنين فأعتبروا يا أولى الأبصار. \" قال الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبى النيسابوري، رحمه الله: أهل الكتاب بنو النضير من ديارهم التى كانت بيئرب لأول الحشر قال الزهرى: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا، قال: وكانوا أول حشر في الدنيا حشر إلى الشام. وقال الكلبى: إنما قال: لأول الحشر لأنهم أول من حشر من أهل الكتاب، ونفروا من الحجاز. وقال مرة الهدانى: كان هذا أول الحشر من المدينة، والحشر الثانى من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من الشام في أيام عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وعلى يديه. وقال قتادة: كان هذا أول الحشر، والحشر الثانى: نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلف.\rما ظننتم أيها المؤمنون أن يخرجوا من المدينة وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله حيث دربوها وحصنوها فأتاهم الله أي أمر الله وعذابه من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب قيل: بقتل سيدهم كعب بن الأشرف.\rيخربون بيوتهم بأيديهم قال ابن إسحاق: وذلك لهدمهم بيوتهم عن نجف أبوابهم. وقال ابن زيد: كانوا يقتلعون العمد، وينقضون السقوف وينقبون الجدران ويقلعون الخشب، حتى الأوتاد، يخربونها لئلا يسكنها المسلمون حسدا منهم وبغضا. وقال ابن عباس: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها لتتسع لهم المقاتل، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارهم فيخرجون إلى التى بعدها، فيتحصنون فيها ويكسرون ما يليهم منها، ويرمون بالتى خرجوا منها أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: كان المسلمون يحربون ما يليهم من ظاهرها، وتخربها اليهود من باطنها، فذلك قوله عز وجل: :يحربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. \" ثم قال تعالى: ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء الآية. الجلاء عن الوطن لعذبهم في الدنيا بالقتل وبالسبى كما فعل ببنى قريظة ولهم في الآخرة عذاب النار. ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله شديد العقاب.\rقوله تعالى: \" ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفاسقين \" قال ابن إسحاق: اللينة: ما خالف العجوة من النخل. وقال ابن هشام: مالم تكن برنية ولا عجوة. وقال عكرمة وزيد بن رومان وقتادة: النخل كله لينة ما خلا العجوة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما، اللينة: النخلة والشجرة.","part":4,"page":435},{"id":1936,"text":"وقال سفيان: هي كرام النخل. وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض. وقال مقاتل: هو ضرب من النخل، يقال لئمرها: اللون، وهو شديد الصفرة، يرى نواه من خارج، يغيب فيه الضرس، وكان من أجود ثمرهم وأعجبها إليهم، وكانت النخلة الواحدة ثمنها ثمن وصيف، وأحب إليهم من وصيف، فلما رأوا ذلك يقطع شق عليهم. قال: وجمع اللينة لين. وقيل: ليان.\rقال الثعلبى: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببنى النضير، وتحصنوا في حصونهم، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخيل، وعقر الشجر؟ وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فشق ذلك على النبى صلى الله عليه وسلم، ووجد المسلمون في أنفسهم من قولهم، وخشوا أن يكون ذلك فسادا، واختلف المسلمون في ذلك، فقال بعضهم: لا تقطعوا، فإنه مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها. فأنزل الله تعالى الآية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذنه تعالى.\rوفي قطع نخيل بنى النضير يقول حسان بن ثابت:\rوهان على سراة بنى لؤي ... حريق بالبويرة مستطير\rوقوله تعالى: وليخزى الفاسقين أي وليذل اليهود ويخزيهم ويغيظهم.\rقوله تعالى: \" وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوحفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير \" أفاه الله أي رد على رسوله ورجع إليه، ومنه فئ الظل منهم أي من بنى النضير من الأموال فما أوجفتم أو ضعتم عليه من خيل ولا ركاب وهي الإبل، يقول: لم تقطعوا إليها مشقة، ولم تكلفوا مؤنة، ولم تلقوا حربا.\rوإنما كانت بالمدينة فمشوا إليها مشيا، ولم يركبوا خيلا ولا إبلا إلا النبى صلى الله عليه وسلم، فإنه ركب حملا فافتتحها صلحا، وأجلاهم عنها وخزن أموالهم فسأل المسلمون النبى صلى الله عليه وسلم القسمة، فأنزل الله عز وجل الآية، فجعل أموال بنى النضير خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم: أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. قال: ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان، أحدهما سفيان ابن عمير بن وهب، والثانى سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها. روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: إن أموال بنى النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينفق على أهله منه نفقة سنته، وما بقى جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله.\rقوله تعالى: \" ما أفاه الله على رسوله من أهل القرى ذلله و للرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وأبن السبيل كى لا يكون دولة بين الأغبياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وآتقوا الله إن الله شديد العقاب \" قال ابن عباس رضى الله عنهما: القرى هي قريظة والنضير، وهما بالمدينة، وفدك، وهي من المدينة على ثلاثة أميال، وخيبر، وقرى عرينة وينبع جعلها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، يحكم فيها ما أراد، فاحتواها كلها، فقال ناس: هلا قسمها؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية. قال: ولقربى قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم بنو هاشم وبنو المطلب. وقوله: كى لا يكون دولة بين الأغبياء منكم أي بين الرؤساء والأغنياء والأقوياء، فيغلبوا عليه الفقراء والضعفاء، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا غنيمة أخذ الرئيس ربعها لنفسه، وهو المرباع، ثم يصطفى منها أيضا بعد المرباع ما شاء، وفيه يقول شاعرهم:\rلك المرباع منها والصفايا ... وحكمتك والنشيطة والفضول\rفجعل الله تعالى هذا لرسوله عليه السلام يقسمه في المواضع التى أمر بها.\rوقوله تعالى: \" وما آتاكم الرسول فخذوه \" أي ما أعطاكم من الفئ و الغنيمة وما نهاكم عنه من الغلول وغيره فانتهوا. \"","part":4,"page":436},{"id":1937,"text":"قوله تعالى: للفقراء يعنى كى لا يكون ما أفاء الله على رسوله دولة بين الأغبياء منكم ولكن يكون للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون أي في إيمانهم.\rقال قتادة: هم المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر، وخرجوا حبا لله ورسوله، واختاروا الإسلام على ما كانت فيه من شديد، حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ماله دثار غيرها.\rوعن سعيد بن جبير، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، قالا: كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة، يحج عليها ويغزو، فنسبهم الله تعالى إلى أنهم فقراء، وجعل لهم سهما في الزكاة.\rقوله تعالى: \" والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون \" قال: تبوءوا توطنوا الدار اتخذوا المدينة دار الإيمان والهجرة، وهم الأنصار، أسلموا في ديارهم وآبتنوا المساجد قبل قدوم النبى صلى الله عليه وسلم، فأحسن الله الثناء عليهم. وقوله: من قبلهم أي من قبل قدوم المهاجرين عليهم، وقد آمنوا يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة أي حزازة وغيظا وحسدا مما أوتوا أي مما أعطى المهاجرين من الفئ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قسم أموال بنى النضير بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا الثلاثة الذين ذكرناهم، فطابت أنفس الأنصار بذلك ويؤثرون على أنفسهم إخوانهم من المهاجرين بأموالهم ومنازلهم ولو كان خصاصة أي فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون، وذلك أنهم قاسموهم ديارهم وآموالهم. وعن آبن عباس رضى الله عنهما، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النضير للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم عليكم شئ من الغنيمة فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة ولم نشاركهم فيها. فأنزل الله عز وجل. \" ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون \" والشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل.\rقوله تعالى: \" والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا آغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم \" قال آبن أبى ليلى: الناس على ثلاث منازل: الفقراء المهاجرين، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجهد ألا تكون خارجا من هذه المنازل.\rوعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: أمر الله عز وجل بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم أنهم سيفتنون. وعن عائشة رضى الله عنها قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد عليه السلام فسببتموهم، سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: \" لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها. \" قوله تعالى: \" ألم إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون. لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون. لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون \" نزلت هذه الآيات في شأن عبد الله بن أبى ومن وافقه في إرسالهم لنبى النضير وقعودهم عنهم، كما تقدم آنفا، وقوله: \" لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله \" يقول: يرهبونكم أشد من رهبتهم الله تعالى. \" ذلك بأنهم قوم لا يفقهون. \"","part":4,"page":437},{"id":1938,"text":"قوله تعالى: \" لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون \" أعلم الله تعالى المؤمنين أن اليهود لا يبرزون لهم بالقتال، ولا يقاتلونهم إلا في قرى محصنة، أو من وراء جدار بأسهم بينهم شديد يعنى بعضهم فظ على بعض، وبعضهم عدو لبعض، وعداوتهم بعضهم بعضا شديدة. وقيل: بأسم فيما بينهم من وراء الحيطان والحصون شديد، فإذا خرجوا لكم فهم أجبن خلق الله. \" تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى \" قال قتادة: أهل الباطل مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق. وقال مجاهد: أراد أن دين المنافقين يخالف دين اليهود. ذلك بأنهم قوم لا يعقلون.\rقوله تعالى: \" كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم \" يعنى مثل هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم وهم مشركو مكة ذاقوا وبال أمرهم يوم بدر. قال مجاهد وقال ابن عباس: يعنى بنى قينقاع؛ وقيل: مثل قريظة كمثل بنى النضير. ثم ضرب مثلا للمنافقين واليهود في تخاذلهم فقال تعالى: \" كمثل الشيطان إذ قال للإنسان آكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين \" وهي قصة برصيصا العابد مع الشيطان.\rقصة برصيصا\rروى أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي بسند يرفعه إلى ابن عباس، رضى الله عنهما، في قوله تعالى: \" كمثل الشيطان إذ قال للإنسان آكفر \" الآية. قال: كان راهب في الفترة يقال له برصيصا، قد تعبد في صومعة له سبعين سنة، لم يعص الله فيها طرفة عين، وإن إبليس أعياه في أمره الحيل، فلم يستطع له بشئ، فجمع ذات يوم مردة الشياطين، فقال: ألا أحد منكم يكفينى أمر برصيصا؟ فقال الأبيض، وهو صاحب الأنبياء، وهو الذي تصدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءه في صورة جبريل ليوسوس إليه على وجه الوحى، فجاء جبريل حتى دخل بينهما، فدفعه بيده دفعة هينة، فوقع من دفعة جبريل إلى أقصى الهند. فقال الأبيض لإبليس: أنا أكفيك. فانطلق فتزين بزينة الرهبان، وحلق وسط رأسه، ثم مضى حتى أتى صومعة برصيصا، فناداه، فلم يجبه برصيصا، وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في عشرة أيام، ولا يفطر إلا في عشرة أيام، فكان يواصل الصوم الأيام العشرة والعشرين والأكثر، فلما رأى الأبيض أنه لايجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته، فلما آنفتل برصيصا اطلع من صومعته، فرأى الأبيض قائما منتصبا يصلى في هيئة حسنة من هيئة الرهبان. فلما رأى ذلك من حاله تدبر في نفسه حين لهى عنه فلم يجبه، فقال له: إنك ناديتنى وكنت مشغولا عنك، فحاجتك؟ قال: حاجتى أني أحببت أن أكون معك فأنادب بك، واقتبس من علمك، ويجتمع على العبادة، فتدعو لي وأدعو لك؛ قال: إني لفى شغل عنك، فإن كنت مؤمنا فإن الله عز وجل سيجعل لك فيما أدعوه للمؤمنين والمؤمنات نصيبا إن آستجاب لي.","part":4,"page":438},{"id":1939,"text":"ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض، فأقبل الأبيض يصلى، فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوما بعدها، فلما انفتل رآه قائما يصلى، فلما رأى برصيصا شدة اجتهاده، وكثر تضرعه وابتهاله إلى الله عز وجل كلمة، وقال له: حاجتك؟ قال: حاجتى أن تأذن لي فأرتفع إليك. فأذن له، فارتفع في صومعته، فأقام الأبيض معه حولا يتعبد، لا يفطر الا في كل أربعين يوما ولا ينفتل عن صلاته إلا في كل أربعين يوما مرة، وربما مد إلى الثمانين؛ فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه، وأعجبه شأنه، فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا: إني منطلق، فإن لي صاحبا غيرك، ظننت أنك أشد اجتهادا مما أرى، وكان يبلغنا عنك غير الذي رأيت. قال:فدخل على برصيصا أمر عظيم، وكره مفارقته للذي رأى من شدة آجتهاده، فلما ودعه قال له الأبيض: إن عندى دعوات أعلمكها تدعو بهن، فهن خير لك مما أنت فيه، يشفى الله بها السقيم، ويعافى بها المبتلى والمجنون؛ قال برصيصا: انى أكره هذه المنزلة، لأن لي في نفسى شغلا، وإنى أخاف إن علم بهذا الناس شغلونى عن العبادة؛ فلم يزل به الأبيض حتى علمه. ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال: قد والله أهلكت الرجل. قال: فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فخنقه، ثم جاءه في صورة رجل متطبب، فقال لأهله: إن بصاحبكم جنونا فاعالجه؟ فقالوا: نعم؛ فقال لهم: إني لا أقوى على جنيته، ولكنى سأرشدكم إلى من يدعو الله فيعافى؛ فقالوا له: دلنا. قال: انطلقوا إلى برصيصا، فإن عنده اسم الذي إذا دعى به أجاب. قال: فانطلقوا إليه فسألوه ذلك، فدعا بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان. وكان يفعل الأبيض بالناس مثل هذا الذي فعل بالرجل، ثم يرشدهم إلى برصيصا فيدعو لهم فيعافون. قال: فانطلق الأبيض فتعرض لجارية من بنات الملوك بين ثلاثة إخواة، وكان أبوهم ملكا فمات فاستخلف أخاه، وكان عمها ملك بنى إسرائيل، فعذبها وخنقها، ثم جاء إليهم ف صورة رجل متطبب، فقال لهم: أعالجها؟ قالوا: نعم. فعالجها فقال: إن الذي عرض لها مارد لا يطاق، ولكن سأرشدكم إلى رجل تثقون به تدعونها عنده، فإذا جاء شيطانها دعا لها، حتى تعلموا أنها قد عوفيت وتردونها صحيحة، قد ذهب عنها شيطانها؛ قالوا: ومن هو؟ قال: برصيصا؛ قالوا: وكيف لنا أن يقبلها منا ويجيبنا إلى هذا؟ هو أعظم شأنا من ذلك. قال: انطلقوا وابتنوا صومعة إلى جانب صومعته حتى تشرفوا عليه، ولتكن هذه الصومعة التي تبنون لزيقة صومعته، فإن قبلها و إلا تضعونها في صومعتها، ثم قولوا له: هي أمانة عندك، فاحتسب فيها. قال: فانطلقوا إليه فسألوه ذلك، فأبى عليهم، فبنوا صومعة على ما أمرهم الأبيض، ثم اطلعوا عليه ووضعوا الجارية في صومعتها، وقالوا له: يا برصيصا، هذه أختنا قد عرض لها عدو من أعداء الله، فهي أمانة عندك فاحتسب فيها. ثم انصرفوا، فلما انفتل برصيصا عن صلاته عاين تلك الجارية وما بها من الجمال، فأسقط في يده، ودخل عليه أمر عظيم، قال: فجاءها الشيطان فخنقها؛ فلما رأى برصيصا ذلك انفتل عن صلاته، فدعا بتلك الدعوات، فذهب عنها الشيطان، ثم أقبل على صلاته، ثم جاءها الشيطان فخنقها، وكان يكشف عن نفسها ويتعرض بها لبرصيصا، وجاءه الشيطان، فقال: ويحك! واقعها فلن تجد مثلها، فستتوب بعد، فتدرك ما تريد من الأمر الذي تريد؛ فلم يزل به حتى واقعها، فا فترشها، فلم يزل على ذلك يأتيها حتى حملت وظهر حملها، فقال له الشيطان: ويحك! قد افتضحت، فهل لك أن تقتل هذه وتتوب؟ فإن سألوك فقل: جاء شيطانها فذهب بها ولم أقو عليه. قال: ففعل. فقتلها ثم انطلق بها فدفنها إلى جانب الجبل، فجاءه الشيطان وهو يدفنها ليلا فأخذ بطرف إزارها، فبقى طرف إزارها خارج التراب، ثم رجع برصيصا إلى صومعته وأقبل على صلاته، فجاء إخوتها يتعاهدون أختهم، وكانوا يجيئون في بعض الأيام يسألون عنها، ويطلبون إلى برصيصا ويوصونه بها، فقالوا: يا برصيصا، ما فعلت أختنا؟ قال: جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه. قال: فصدقوه وآنصرفوا. فلما أمسوا وهم مكروبون، جاء الشيطان إلى كبيرهم في المنام، فقال ويحك! إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا، وإنه دفنها في موضع كذا وكذا من جبل كذا وكذا. فقال الأخ: هذا حلم وهو من عمل الشيطان، برصيصا خير من ذلك. قال: فتتابع عليه ثلاث ليال فلم يكترث، فآنطلق إلى الأوسط بمثل ذلك، فقال الأوسط مثلما قال الأكبر، فلم يخبر به","part":4,"page":439},{"id":1940,"text":"أحدا، فآنطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك، فقال أصغرهم لإخوته: والله لقد رأيت كذا وكذا. فقال الأوسط: وأنا والله لقد رأيت مثله. وقال الأكبر: وأنا والله لقد رأيت كذا وكذا، فآنطلقوا بنا إلى برصيصا؛ فأتوه، فقالوا: يا برصيصا، ما فعلت أختنا؟ قال: أليس قد أعلمتكم بحالها وحال شيطانها! فكأنكم اتهمتموني. فقالوا: لا والله لا نتهمك. فا ستحيوا منه وآنصرفوا عنه، فجاءهم الشيطان فقال، ويحكم! إنها لمدفونة في موضع كذا، وإن طرف إزارها خارج من التراب. قال: فآ نطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوا في نومهم، قال: فمشوا في مواليهم، ومواليهم معهم الفؤس والمساحى، فهدموا صومعته وأنزلوه ثم كتفوه وآنطلقوا به إلى الملك، فأقر على نفسه؛ وذلك أن الشيطان أتاه فقال: تقتلها ثم تكابر، يجتمع عليك أمر ان قتل ومكابرة، اعترف. فلما اعترف أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة، فلما صلب أتاه الأبيض عيانا، وذلك أن إبليس لعنه الله، قال للابيض: ومايغنى عنك ما صنعت؟ إن قتل فهو كفارة لما كان منه. فقال الأبيض: أنا أكفيكه. فأتاه فقال: يا برصيصا، أتعرفنى؟ قال: لا. قال: أنا صاحبك الذي علمك الدعوات فا ستجيب لك، ويحك! أما اتقيت الله في أمانة خنت أهلها، وأنك أعبد بنى إسرائيل! أما راقبت الله في دينك! فلم يزل بعيره ويوبخه، ثم قال له في آخر ذلك: ألم يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحك أشباهك من الناس! فإن مت على هذه الحال لم يفلح أحد من نظرائك بعدك. قال: فكيف أصنع؟ قال: تطيعني في خطة واحدة حتى أنجيك مما أنت فيه، وآخذ بأعينهم، وأخرجك من مكانك.، فآنطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك، فقال أصغرهم لإخوته: والله لقد رأيت كذا وكذا. فقال الأوسط: وأنا والله لقد رأيت مثله. وقال الأكبر: وأنا والله لقد رأيت كذا وكذا، فآنطلقوا بنا إلى برصيصا؛ فأتوه، فقالوا: يا برصيصا، ما فعلت أختنا؟ قال: أليس قد أعلمتكم بحالها وحال شيطانها! فكأنكم اتهمتموني. فقالوا: لا والله لا نتهمك. فا ستحيوا منه وآنصرفوا عنه، فجاءهم الشيطان فقال، ويحكم! إنها لمدفونة في موضع كذا، وإن طرف إزارها خارج من التراب. قال: فآ نطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوا في نومهم، قال: فمشوا في مواليهم، ومواليهم معهم الفؤس والمساحى، فهدموا صومعته وأنزلوه ثم كتفوه وآنطلقوا به إلى الملك، فأقر على نفسه؛ وذلك أن الشيطان أتاه فقال: تقتلها ثم تكابر، يجتمع عليك أمر ان قتل ومكابرة، اعترف. فلما اعترف أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة، فلما صلب أتاه الأبيض عيانا، وذلك أن إبليس لعنه الله، قال للابيض: ومايغنى عنك ما صنعت؟ إن قتل فهو كفارة لما كان منه. فقال الأبيض: أنا أكفيكه. فأتاه فقال: يا برصيصا، أتعرفنى؟ قال: لا. قال: أنا صاحبك الذي علمك الدعوات فا ستجيب لك، ويحك! أما اتقيت الله في أمانة خنت أهلها، وأنك أعبد بنى إسرائيل! أما راقبت الله في دينك! فلم يزل بعيره ويوبخه، ثم قال له في آخر ذلك: ألم يكفك ما صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحك أشباهك من الناس! فإن مت على هذه الحال لم يفلح أحد من نظرائك بعدك. قال: فكيف أصنع؟ قال: تطيعني في خطة واحدة حتى أنجيك مما أنت فيه، وآخذ بأعينهم، وأخرجك من مكانك.\rقال: وما هي؟ قال: تسجد لي. قال: أفعل. فسجد له، فقال: يا برصيصا، هذا الذي أردت منك، صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك، إني برئ منك، إني أخاف الله رب العالمين.\rيقول الله تعالى: فكان عاقبتهما يعنى الشيطان وذلك اإنسان.\r\" أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين. \" قال أبن عباس رضى الله عنهما: فضرب الله هذا المثل ليهود بنى النضير والمنافقين من أهل المدينة، وذلك أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يحل بنى النضير من المدينة، فدس المنافقون إليهم فقالوا: لا تجيبوا محمدا إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلكم كنا معكم، وإن آخرجتم خرجنا معكم.\rقال: فأطاعوكم؛ فدربوا على حصونهم وتحصنوا في ديارهم رجاء نصر المنافقين حتى جاءهم النبى صلى الله عليه وسلم، فناصبوه الحرب، يرجون نصر المنافقين، فخذلوهم وتبرءوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا وخذله.","part":4,"page":440},{"id":1941,"text":"قوله تعالى: \" يأيها الذين أمنوا آتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد وآتقوا الله إن الله خبير بما تفعلون \" قوله: آتقوا الله أي في أداء فرائضه واجتناب معاصيه ولتنظر نفس ما قدمت لغد يعنى يوم القيامة.\rقوله: \" ولاتكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون \" نسوا الله أي نسوا حق الله وتركوا أوامره فأنساهم أنفسهم يعنى حظ أنفسهم أن يقدموا لها خبرا أولئك هم الفاسقون. لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون.\rفقد أتينا - أكرمك الله - على تفسير ما أنزل من القرآن في شأن بنى النضير مما يتعلق بشرح أخبارهم خاصة على حكم الآختصار، ولم نتعرض إلى ما سوى ذلك من التفسير.\rغزوة بدر الموعد غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لهلال ذي القعدة، على رأس خمسة وأربعين شهرا من مهاجره صلى الله عليه وسلم. حكاه محمد بن سعد.\rوقال محمد بن إسحاق: كانت في شعبان. وجعلها بعد غزوة ذات الرقاع، فتكون على رأس اثنتين وأربعين شهرا من الهجرة، والأشبه ما قاله ابن سعد، لأن الميعاد كان على رأس الحول من غزوة أحد، وغزوة أحد كانت في شوال على ما اتفقا عليه، ولم يختلفا في الشهر وإنما في أيام ذكرناها هناك.\rقال محمد بن سعد: لما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج، وقد نعيم بن مسعود الأشجعى مكة، فقال له أبو سفيان: إني قد واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقى ببدر، وقد جاء ذلك الوقت، وهذا عام جدب، وإنما يصلحنا عام خصب غيداق، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج فيجترئ علينا، فنجعل لك عشرين فريضة يضمنها إليك سهيل بن عمرو على أن تقدم المدينة فتخذل أصحاب محمد. قال: نعم.\rفحملوه على بعير، فأسرع السير حتى قدم المدينة، فأخبرهم بجمع أبى سفيان لهم وما معه من العدة والسلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسى بيده لأخرجن وإن لم يخرج معى أحد.\rواستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، وسار بالمسلمين وهم ألف وخمسمائة، والخيل عشرة أفراس، وحمل لواءه علي بن ابى طالب، وخرج المسلمون ببضائع وتجاراتهم لهم، وكانت بدر الصغرى مجتمعا فيه العرب، وسوقا تقوم لهلال ذي القعدة إلى ثمان تخلو منه، ثم يتفرق الناس إلى بلادهم.\rفانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى بدر ليلة هلال ذي القعدة؛ وقامت السوق صبيحة الهلال فأقاموا بها ثمانية أيام، وباعوا ما خرجوا به من التجارات، فربحوا للدرهم درهما، وانصرفوا، وقد سمع بمسيرهم، وخرج أبو سفيان بن حرب من مكة في قريش، وهم ألفا ومعهم خمسون فرسا حتى انتهوا إلى مجنة - وهي مر الظهران - ومنهم من يقول: بلغوا عسفان. ثم قال: ارجعوا فإنه لا يصلحنا إلا عام خصب غيداق، نرعى فيه الشجر ونشرب اللبن، وعامكم هذا عام جدب، وإنى راجع فارجعوا. فسمى أهل مكة هذا الجيش جيش السويق، يقولون: خرجوا يشربون السويق. قال: وقدم معبد أبن أبى معبد الخزاعى مكة بخبر مسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فقال صفوان بن أمية لأبى سفيان: قد نهيتك يومئذ أن تعد القوم وقد اجترءوا علينا ورأوا أن قد أخلفناهم.\rوقال عبد الله بن رواحة:\rوعدنا أبا سفيان وعدا فلم نجد ... لميعاده صدقا وما كان وافيا\rفأقسم لو وافيتنا فلقيتنا ... لأبت ذميما وافتقدت المواليا\rتركنا به أوصال عتبة وابنه ... وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا\rعصيتم رسول الله أف لدينكم ... وأمركم السئ الذي كان غاويا\rفإنى وإن عنفتمونى لقائل ... فدى لرسول الله أهلى وماليا\rأطعناه لم فينا بغيره ... شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا\rوانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، ورجعوا إلى المدينة.\rوأنزل الله عز وجل في شأن هذه الغزوة قوله تعالى: \" الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل.\rفانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم. \"","part":4,"page":441},{"id":1942,"text":"قال السدى: لما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه للمسير إلى بدر لميعاد أبى سفيان أتاهم المنافقون فقالوا: نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم فعصيتمونا، وقد أتوكم في دياركم فقاتلوكم وظفروا، فإن أتيتموهم في ديارهم لا يرجع منكم أحد. فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. فالناس في هذه الاية أولئك المنافقون. وقال أبو معشر: دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة، فسألهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبى سفيان، فقالوا: قد جمعوا لكم جموعا كثيرة فاخشوهم؛ فقالوا: \" حسبنا الله ونعم الوكيل. \" فأنزل الله عز وجل الذين قال لهم الناس إن الناس يعنى أبا سفيان وأصحابه قد جمعوا لكم فاخشوهم فخافوهم واحذروهم فإنه لاطاقة لكم بهم فزادهم إيمانا يعنى تصديقا ويقينا وجرأة وقوة. وقوله: فانقلبوا فانصرفوا ورجعوا بنعمة من الله أي بعافية لم يلقوا بها عدوا، وبرأت جراحتهم وفضل أي ربح وتجارة، وهو ما أصابوا من السوق فربحوا لم يمسسهم سوء لم يصبهم قتل ولا جرح ولم ينلهم أذى ولا مكروه واتبعوا رضوان الله في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا؟ فأعطاهم الله تعالى ثواب الغزو ورضى عنهم. والله ذو فضل عظيم.\rثم قال تعالى: \" إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين \" يعنى ذلك الذي قال لكم: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم؛ من فعل الشيطان ألقى في أفواههم لترهبونهم وتجبنوا عنهم يخوف أولياءه أي يخوفكم بأوليائه، يعنى يخوف المؤمنين بالكافرين، قال السدى: يعظم أولياءه في صدوركم لتخافوهم. وقرأ عبد الله بن مسعود يخوفكم أولياءه قال: وكان أبى بن كعب يقرأ يخوفكم بأوليائه فلا تخافوهم وخافون في ترك أمرى إن كنتم مؤمنين مصدقين بوعدى فإنى متكفل بالنصر والظفر.\rذات الرقاع وخبر صلاة الخوف وقصة غورث بن الحارث المحاربى، وخبر جابر بن عبد الله واختلف في تسمية ذات الرقاع، فقيل: جبل فيه بقع حمر وبيض وسود.\rوقيل: لأنهم رقعوا راياتهم. وقيل: ذات الرقاع، شجرة بذلك الموضع. وفي صحيح البخارى أنهم نقبت أقدامهم، فلفوا عليها الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع.\rوالله أعلم.\rقال محمد بن سعد: كانت في المحرم على رأس سبعة وأربعين شهرا من مهاجره صلى الله عليه وسلم. وقال ابن إسحاق: كانت غزوة ذات الرقاع بعد غزوة بنى النضير في جمادى الأولى، فتكون على رأس تسعة وثلاثين شهرا من الهجرة، واستعمل على المدينة أبا ذو الغفارى، ويقال: عثمان بن عفان. ولم يقل ابن سعد غير عثمان رضى الله عنه.\rوذلك أن قادما قدم المدينة بجلب، فأخبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن أنمارا وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرم في أربعمائة، ويقال: سبعمائة من أصحابه؛ فمضى حتى أتى محالهم بذات الرقاع - وهو جبل فيه بقع فيها حمرة وسواد وبياض - فلم يجد في محالهم أحدا إلا نسوة، فأخذهن وفيهن جارية وضيئة، وهربت الأعرب إلى رءوس الجبال، وحضرت الصلاة، فخاف المسلمون أن يغيروا عليهم، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوف.\rروى أبو محمد عبد الملك بن هشام بسنده إلى جابر بن عبد الله، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة ركعتين، ثم سلم، وطائفة مقبلون على العدو، فجاءوا فصلى بهم ركعتين أخريين، ثم سلم. وروى عنه أيضا من طريق آخر، قال: صفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صفين، فركع بنا جميعا، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسجد الصف الأول، فلما رفعوا سجد الذين يلونهم بأنفسهم، ثم تأخر الصف الأول وتقدم الصف الآخر حتى قاموا مقامهم، ثم ركع النبى صلى الله عليه وسلم بهم جميعا، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد الذين يلونه معه، فلما رفعوا رءوسهم سجد الآخرون بأنفسهم سجدتين، وركع النبى صلى الله عليه وسلم بهم جميعا، وسجد كل واحد منهما بأنفسهم سجدتين. هكذا روى عن جابر في الصلاة الخوف بذات الرقاع.","part":4,"page":442},{"id":1943,"text":"وروى ابن هشام أيضا بسنده إلى عبد الله بن عمر، رضى الله عنهما، في الصلاة الخوف، ولم يذكر ذات الرقاع، قال: يقوم الإمام ونقوم معه طائفة، وطائفة مما يلى عدوهم، فيركع بهم الإمام ويسجد بهم، ثم يتأخرون فيكونون مما بلى العدو، ويتقدم الآخرون فيركع بهم الإمام ركعة ويسجد بهم، ثم تصلى كل طائفة بأنفسهم ركعة، لهم مع الإمام ركعة ركعة وصلوا بأنفسهم ركعة ركعة.\rخبر غورث\rبن الحارث المحاربى لما أراد أن يفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فحماه الله منه وأمكن نبيه صلى الله عليه وسلم من عدوه وعفوه عنه وكان من خبر عورث بن الحارث أنه قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمدا؟ قالوا: بلى، وكيف تقتله؟ قال: أفتك به. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة يقيل تحتها، فأتاه فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك منى؟ فقال: الله. فأرعدت يد غورث، وسقط سيفه، وضرب برأسه الشجرة حتى سال دماغه، فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فرجع إلى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس. ومن رواية الخطابى: أن غورث ابن الحارث المحاربى أراد أن يفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يشعر به إلا وهو قائم على رأسه، منتصبا سيفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفنيه بما شئت. فانكب غورث من وجهه من زلخة زلخها بين كتفيه، وندر سيفه من يده، وقيل: فيه نزل قوله تعالى: \" يأيها الذين آمنوا آذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم \" الآية. وقيل: نزلت في غير هذه القصة.\rخبر جابر\rبن عبد الله في جمله، واستغفار النبى صلى الله عليه وسلم لأبيه روى محمد بن إسحاق بن يسار المطلبى عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذات الرقاع من نخل على جمل لى ضعيف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعلت الرفاق تمضى، وجعلت أتخلف، حتى أدركنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مالك يا جابر؟ قلت: يا رسول الله، أبطأ على جمل هذا؛ قال: أنحه؛ فأنحه، وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أعطنى هذه العصا من يدك، أو آقطع لي عصا من الشجرة؛ قال: ففعلت. فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات، ثم قال: اركب. فركب، فخرج - والذي بعثه بالحق - يواهق ناقته مواهقة.\rقال: وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قلت: يا رسول الله، بل أهبه لك؛ قال: لا، ولكن بعنيه؛ قال: قلت: فسمنيه؛ قال: قد أخذته بدرهم؛ قلت: لا، إذا تغبنى يا رسول الله! قال: فبدرهمين؛ قلت: لا. فلم يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الأوقية؛ قلت: فقد رضيت؟ قال: نعم؛ قلت: هو لك؛ قال: أخذته.\rثم قال: يا جابر، هل تزوجت بعد؟ قلت: نعم يا رسول الله؛ قال: أثيبا أم بكرا؟ قلت: بل ثيبا؛ قال: أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ قلت: يا رسول الله، إن أبي أصيب يوم أحد، وترك بنات له سبعا، فنكحت آمرأة جامعة، تجمع رءوسهن وتقوم عليهن؛ قال: أصبت إن شاء الله، أما إنا لو جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت، وأقمنا عليها يومنا ذلك، وسمعت بنا، فنفضت نمارقها. قلت: يا رسول الله ما لنا من نمارق؛ قال: إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا.\rفلما جئنا صرارا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحرت، وأفمها عليها يومنا ذاك، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا؛ قال: فحدثت المرأة الحديث وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فدونك، فسمع وطاعة. قال: فلما أصبحت أخذت برأس الجمل، فأقبلت به حتى أنحته على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جلست في المسجد قريبا منه، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا جمل جاء به جابر؛ قال: فأين جابر؟ فدعيت له، فقال: يأبن أخى خذ برأس جملك فهو لك ودعا بلالا فقال له: اذهب بجابر فأعطه أوقية. قال: فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا. قال: فو الله ما زال ينمى عندي ونرى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا؛ يعنى يوم الحرة.","part":4,"page":443},{"id":1944,"text":"وقال محمد بن سعد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جابرا عن دين أبيه فأخبره، فاستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة خمسا وعشرين مرة.\rقال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعال بن سراقة بشيرا إلى المدينة بسلامته وسلامة المسلمين، وقدم صرارا يوم الأحد لخمس بقين من المحرم - وصرار على ثلاثة أميال من المدينة، وهي بئر جاهلية على طريق العراق - وغاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة.\rدومة الجندل وهي بضم الدال؛ سميت بدومى بن إسماعيل لأنه كان نزلها، وهي غير دومة التي بفتح الدال.\rغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهرا من مهاجره، وذلك أنه بلغه صلى الله عليه وسلم أن بدومة الجندل جمعا كثيرا، وأنهم يظلمون من مر بهم، وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة - وهي طرف من أفواه الشام، بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أوست عشرة ليلة - فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفارى، وخرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأول في ألف من المسلمين، فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل من بنى عذرة، يقال له: مذكور؛ فلما دنا منهم إذاهم مغربون، وإذا آثار النعم والشاء، فهجم على ما شيتهم ورعائهم، فأصاب من أصاب، وهرب من هرب. وجاء الخبر أهل دومة الجندل، فتفرقوا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم، فلم يجد بها أحدا، فأقام بها أياما، وبث السرايا وفرقها، فرجعت ولم تصب منهم أحدا وأخذ منهم رجل واحد، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، فقال: هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم؛ فعرض عليه الإسلام فأسلم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لعشر بقين من شهر ربيع الآخر، ولم يلق كيدا.\rوفي هذه الغزوة وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن أن يرعى يتغلمين وما والاه إلى المراض، والمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة على طريق لربذة.\rبنى المصطلق وهي غزوة المريسيع غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة خمس من الهجرة. حكاه محمد بن سعد.\rوقال ابن إسحاق: كانت في شعبان سنة ست؛ وجعلها بعد غزوة ذي قرد.","part":4,"page":444},{"id":1945,"text":"وكان سبب هذه الغزوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن الحارث بن أبى ضرار سيد بنى المصطلق سار في قومه ومن قدر عليه من العرب، ودعاهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابوه وتهيئوا للمسير،فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بريدة بن الحصيب الأسلمى للوقوف على حقيقة الخبر، فأتاهم وكلم الحارث ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر، فندب صلى الله عليه وسلم الناس، فأسرعوا في الخروج، وقادوا الخيول، وهي ثلاثون فرسا، عشرة منها للمهاجرين وعشرون للأنصار، وخرج معه خلق كثير من المنافقين، لم يجتمعوا في غزاة قط مثلها، واستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة زيد بن حارثة. وقال ابن هشام: استعمل عليها أبا ذو الغفارى. قال: ويقال: نميلة بن عبد الله الليثى. قال ابن سعد: وكان معه صلى الله عليه وسلم فرسان: لزاز، والظرب، وخرج يوم الآثنين لليلتين خلتا من شعبان، فبلغ الحارث بن أبى ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتفرق عنه من كان معه من العرب وخافوا خوفا شديدا، وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع - وهو ماء لبنى المصطلق بينه وبين الفرع نحو من يوم، وبين الفرع والمدينة ثمانية برد - فنزل به وضرب قبته، ومعه صلى الله عليه وسلم من نسائه أمهات المؤمنين رضى الله عنهن عائشة، وأم سلمة، وتهيئوا للقتال، وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ودفع راية المهاجرين إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، فتراموا بالنبل ساعة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت من القوم إنسان، قتل منهم عشرة، وأسر سائرهم، وسبيت النساء والذرارى، وغنمت النعم والشاء، ولم يستشهد من المسلمين إلا رجل واحد، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسارى فكتفوا، واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب، وأمر بجمع الغنائم فجمعت، واستعمل عليها شقران مولاه، وقسم السى والنعم والشاء، فعدلت الجزور بعشر من الغنم، وبيعت الرثة فيمن يريد، قال: وكانت الإبل ألفى بعير والشاء خمسة آلاف شاة، والسبى مائتى أهل بيت، وصارت جويرية بنت الحارث ابن أبى ضرار في سهم ثابت بن قيس بن شماس وابن عم له، فكاتباها على تسع أواق من ذهب، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابتها، فأدى عنها، وتزوجها على ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخبار أزواجه صلى الله عليه وسلم.\rقال ابن سعد: وكان من السبى من من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير فداء، ومنهم من أفدى، فافتديت المرأة والذرية بست فرائض، وقدموا المدينة ببعض السبى، فقدم عليهم أهلوهم، فلم تبق آمرأة من بنى المصطلق إلا رجعت إلى قومها. وكان شعار المسلمين يوم بنى المصطلق: يا منصور أمت أمت؛ وغاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته هذه ثمانية وعشرين يوما، وقدم المدينة لهلال رمضان.\rوفي هذه الغزاة تكلم عبد الله بن أبى بن سلول المنافق بما تكلم به من قوله: رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ووقع حديث الإفك، وقد قدمنا ذكر ذلك كله في حوادث السنين بعد الهجرة، في حوادث السنة الخامسة.\rالخندق وهي غزوة الأحزاب ذي القعدة سنة خمس من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rحكاه ابن سعد. وقال ابن إسحاق: كانت في شوال.","part":4,"page":445},{"id":1946,"text":"قال محمد بن سعد ومحمد بن إسحاق وعبد الملك بن هشام، رحمهم الله تعالى، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى النضير وساروا إلى خيبر، خرج نفر من أشرافهم ووجوههم، منهم من بن أبى الحقيق، وحي بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وبن قيس الوائلى، وأبو عمار الوائلى، في نفر من بنى النضير، ونفر من بنى وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدموا مكة على قريش، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا ستكون معكم عليه حتى نستأصله؛ فقالت قريش لهم: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ فقالوا: بل عينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. فهم الذين أنزل الله تعالى إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت الذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا. أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا. أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا. قالوا: فلما قالت اليهود ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآجتمعوا لذلك، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان وسليما، ودعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلموهم أن قريشا قد بايعوهم على ذلك، فأجابوهم وأجتمعوا معهم؛ فتجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب، وكانوا أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة، وحمله عثمان بن طلحة بن أبى طلحة، وقادوا معهم ثلثمائة فرس، وكان معهم ألف وخمسمائة بعير، وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب، ووافتهم بنو سليم بمر الظهران، وهم سبعمائة، يقودهم سفيان بن عبد شمس، حليف حرب بن أمية، وهو أبو أبى الأعور السلمى الذي كان مع معاوية بصفين، وخرجت بنو أسد يقودهم طليحة بن خويلد الأسدى، وخرجت غطفان وفزارة، معهما ألف بعير، يقودهم عيينة بن حصن بن حذيفة ابن بدر، وخرجت بنو مرة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى، وخرجت أشجع وهم أربعمائة يقودهم مسعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف، وخرج معهم غيرهم.\rفكان جميع من وافى الخندق عشرة آلاف، وهم الأحزاب، وكانوا ثلاثة عساكر، ومرجع أمرهم إلى أبى سفيان بن حرب، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فصولهم من مكة ندب الناس، وأخبرهم خبر عدوهم، وشاورهم في أمرهم، فأشار عليه سلمان الفارسى بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين، وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سفح سلع، وجعل سلعا خلف ظهره، وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، ثم ضرب الخندق على المدينة، وعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الأجر، فعملوا وجدوا في العمل ودأبوا، وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن المسلمين في ذلك العمل رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل الرجال من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة، ذكرها لرسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنه، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى عمله في الخندق، فأنزل الله تعالى في أولئك من المؤمنين قوله تعالى: \" إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم \" ثم قال في المنافقين: \" لاتجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لو اذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم \" ثم قال تعالى: \" ألا إن لله ما في السموات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شىء عليم. \"","part":4,"page":446},{"id":1947,"text":"قال: وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه. روى محمد بن سعد بسند يرفعه إلى سهل بن سعد قال: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نحفر الخندق وننقل التراب على أكتافنا، فقال صلى الله عليه وسلم: \" لا عيش إلا عيش الآخرة، فأغفر للأنصار والمهاجرة. وعن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ينقل معنا التراب، وقد وارى التراب بياض بطنه، وهو يقول:\rلاهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\rفأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا\rإن الأولى لقد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا\rأبينا يرفع بها صوته صلى الله عليه وسلم.\rوكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حفر الخندق معجزات نذكرها إن شاء الله تعالى عند ذكرنا لمعجزاته، ومنها ما يتعين ذكره هاهنا، وهو ما حكاه محمد بن إسحاق عن جابر بن عبد الله قال: اشتدت على الناس في بعض الخندق كدية، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: فو الذي بعثه بالحق لآنهالت حتى عادت كالكثيب، لاترد فأسا ولا مسحاة.\rقالوا: وفرغوا من حفر الخندق في ستة أيام، وكانوا يعلمون فيه نهارا وينصرفون ليلا، ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان في الآطام، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الآثنين لثمان مضين من ذي القعدة، وكان يحمل لواء المهاجرين زيد بن حارثة، ويحمل لواء الأنصار سعد بن عبادة. وأقبلت قريش ومن شايعها وتابعها، وآجتمع إليها بعد فراغ الخندق، فصار الخندق بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم، وظهور المسلمين إلى سلع، وخرج حي ابن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظى، صاحب عقد بنى قريظة، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه وعاقده، فأغلق كعب دون حي باب حصنه، وأبى أن يفتح له، فناداه حي: ويحك يا كعب! افتح لي. قال: ويحك! إنك آمرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. فعاوده مرارا، وهو يأبى عليه حتى قال له حي: والله إن أغلقت دونى إلا عن جشيشتك أن آكل معك.","part":4,"page":447},{"id":1948,"text":"فأحفظه ذلك، ففتح له، فقال: ويحك ياكعب! جئتك بعز الدهر وببحر طارم، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال، ومن دونه غطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى على جانب أحد، وقد عاهدونى وعاقدونى على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. فقال له كعب: جئتنى والله بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماءه، يرعد ويبرق، ليس فيه شئ، ويحك يا حي! فدعنى وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل به حي حتى سمح له، أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أدخل معك في حصنك حتى يصيبنى ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أنتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين وصح ذلك عنده كبر، وقال: \" حسبنا الله ونعم الوكيل \" قال: ونجم النفاق وفشل الناس، وعظم البلاء، وأشتد الخوف، وخيف على الذرارى والنساء، وكانوا كما قال الله تعالى: \" إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا \" قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث سلمة بن اسلم في مائتى رجل، وزيد بن حارثة في ثلثمائة يحرسون المدينة ويظهرون التكبير، وذلك أنه كان يخاف على الذرارى من بنى قريظة، وكان عباد بن بشر على حرس قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع غيره من الأنصار يحرسونه كل ليلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وجاه العدو لايزولون يعتقبون خندقهم ويحرسونه، والمشركون يتناوبون بينهم، فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوما، ويغدو خالد بن الوليد يوما، ويغدو عمرو بن العاص يوما، ويغدو هبيرة بن أبى وهب يوما، ويغد ضرار بن الخطاب الفهرى يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم، ويجتمعون مرة ويتفرقون أخرى، ويناوشون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقدمون رماتهم فيرمون، فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحلة، فقال: خذها وأنا ابن العرقة. ويقال: رماه أبو أسامة الجشمى.\rقال ابن هشام: ولما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن بن حذيقة بن بدر، وإلى الحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولاعزيمة الصلح، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا: يا رسول الله، أمر تحبه فتصنعه، أم شئ أمرك الله به لابد لنا من العمل به، أم شئ تصنعه لنا؟ قال: بل شئ أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قراء أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا1! والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا.\rقال ابن سعد: ثم اجتمع رؤساؤهم أن يغدوا يوما، فغدوا جميعا ومعهم رؤساء سائر الأحزاب، وطلبوا مضيقا من الخندق يقتحمون خيلهم إلى النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يجدوا ذلك وقالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها؛ فقيل لهم: إن معه رجلا فارسيا، فهو أشار عليه بذلك؛ قالوا: فمن هناك إذا، فصاروا إلى مكان ضيق أغفلة المسلمون، فعبر منه عكرمة بن أبى جهل، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن الخطاب، وهبيرة بن أبى وهب، وعمرو بن عبد ود فجعل عمرو بن عبد ود يدعو إلى البراز، ويقول:\rولقد بححت من الندا ... لجمعهم هل من مبارز","part":4,"page":448},{"id":1949,"text":"وكان ابن تسعين سنة، فبرز إليه علي بن أبي طالب رضى الله عنه، وقال له: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه؛ قال له: أجل. قال له: أجل. قال له: فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام؛ قال: لا حاجة لى بذلك؛ قال: فإني أدعوك إلى النزال؛ قال: يابن أخي، فو الله ما أحب أن أقتلك؛ فقال له علي: ولكنى والله أحب أن أقتلك؛ فحمى عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا، فقتله علي رضى الله عنه، وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق. وألقى عكرمة بن أبى جهل يومئذ رمحه وهو منهزم عن عمرو. فقال حسان بن ثابت:\rفر وألقى لنا رمحه ... لعلك عكرم لم تفعل\rووليت تعدو كعدو الظاي ... م ما إن تجور عن المعدل\rولم تلق ظهرك مستأنسا ... كأن قفاك قفا فرعل\rقال ابن سعد: وحمل الزبير بن العوام على نوفل بن عبد الله بالسيف فضربه فشقه بآثنين، ثم اتعدوا أن يغدوا من الغد، فباتوا يعبئون أصحابهم، وفرقوا كتائبهم، ونحوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة فيها خالد بن الوليد، فقاتلوهم يومهم ذاك إلى هوى من الليل، ما يقدرون أن يزولوا من موضعهم، ولم يصل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ظهرا ولا عصرا ولا مغربا ولا عشاء حتى كشفهم الله تعالى، فرجعوا متفرقين إلى منازلهم وعسكرهم، وانصرف المسلمون إلى قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام أسيد بن حضير على الخندق في مائتين من المسلمين، وكر خالد بن الوليد في خيل من المشركين يطلبون غرة من المسلمين فناوشوهم ساعة ومع المشركين وحشى، فزرق الطفيل بن النعمان بمزراقه فقتله وانكشفوا، وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبته فأمر بلالا فأذن وأقام للظهر فصلى، ثم بعد ذلك لكل صلاة إقامة، وصلى هو وأصحابه ما فاتهم من الصلوات، وقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى - صلاة العصر - ملا الله أجوافهم وقبورهم نارا.\rولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعا حتى انصرفوا، إلا أنهم لا يدعون الطلائع بالليل طمعا في الغرة، قال: وحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة. وقال ابن إسحاق: أقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر.","part":4,"page":449},{"id":1950,"text":"ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن هلال بن حلاوة بن الأشجع ابن ريث بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعملوا بإسلامي، فمرني بما شئت؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة. \" فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بنى قريظة، وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال: يابنى قريظة، قد عرفتم ودى إياكم، وخاصة ما بينى وبينكم؛ قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم؛ فقال: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تجلوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، ليكونوا بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه؛ قالوا: لقد أشرت علينا بالرأى. ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لأبى سفيان ومن معه: قد عرفتم ودى لكم وفراقى محمدا، وإنه قد بلغنى أمر قد رأيت منه علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم، فاكتموا عنى؛ قالوا: نفعل؛ فما هو؟ قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين: قريش وغطفان، رجلا من أشرافهم، ونعطيكم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقى منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أهلى وعشيرتى، وأحب الناس إلى، ولا أراكم تتهمونى؛ قالوا: ما أنت عندنا بمتهم؛ قال: فاكتموا عنى؛ قالواك نفعل. ثم قال لهم مثلما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم. فلما كانت ليلة السبت أرسل أبو سفيان بن حرب ورءوس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل، في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ فيما بيننا وبينه. فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لانعمل فيه شيئا، وقد كان بعضنا أحدث فيه حدثا فأصابه مالم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بنى قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فأخرجوا فقاتلوا؛ فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم ابن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة آنتهزوها، وإن كان غير ذلك آنشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل. فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فأبوا عليهم، وقال أبو سفيان: ألا أرانى أستعين بإخوة القردة والخنازير! فوقع الآختلاف والخذلان بينهم، وبعث الله عز وجل عليهم ريحا في ليلة شتاتية شديدة البرد، فكفأت القدور وطرحت الأبنية.","part":4,"page":450},{"id":1951,"text":"فلما آنتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وقع بينهم من الاختلاف أرسل حذيقة بن اليمان إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا. قال حذيقة: دعانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا حذيقة، اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون ولا تحدثن شيئا. فذهب فدخلت فيهم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء. فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر آمرؤ من جليسه؟ قال حذيقة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبى، فقلت: من أنت؟ فقال: فلان ابن فلان. ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الكراع والخف، وأخلفنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، فآرتحلوا فإني مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ألا أحدث شيئا حتى آتيه، ثم لو شئت، لقتلته بسهم. قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر. وسمعت غطفان ما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف راجعا إلى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح. وكان شعار المسلمين في غزوة الخندق حم لاينصرفون.\rولما آنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن الخندق قال لأصحابه: لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزوهم. فكان كذلك.\rقال آبن سعد: وكانت مدة الحصار خمس عشرة ليلة، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبع ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس. وقد ذكرنا ما قاله غير في ذلك.\rمن استشهد من المسلمين\rفي غزوة الخندق ومن قتل من المشركين قال محمد بن سعد في طبقاته الكبرى: واستشهد من المسلمين في غزوة الخندق أنس بن أوس بن عتيك من بنى عبد الأشهل، قتله خالد بن الوليد؛ وعبد الله بن سهل الأشهلى، وثعلبة بن عنمة بن عدي، قتله هبيرة بن أبى وهب؛ وكعب بن زيد من بنى دينار، قتله ضرار بن الخطاب. وسعد بن معاذ مات من جراحة بعد بنى قريظة، والطفيل بن النعمان بن جشم.\rوقتل من المشركين أربعة نفروهم: عثمان بن أمية بن منبه بن عبيد بن السباق من بنى عبد الدار بن قصى، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة، وعمرو بن عبد ود، ويقال: وابنه حسل بن عمرو، قتلهما علي بن أبى طالب رضى الله عنه.\rما أنزل من القرآن\rفي غزوة الخندق وما ورد في تفسير ذلك أنزل الله عز وجل على رسوله - صلى الله عليه وسلم - في أمر الخندق والأحزاب قوله تعالى: \" يأيها الذين آمنوا آذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا \" قال أبو إسحاق أحمد ابن محمد بن إبراهيم الثعلبى رحمه الله: قوله: \" إذ جاءتكم جنود \" يعنى الأحزاب: قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير. فأرسلنا عليهم ريحا قال: وهي الصبا.\rقال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقى بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الشمال: إن الحرة لا تسرى بالليل؛ وكانت الريح التى أرسلت عليهم الصبا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : \" نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور. \" قوله: \" وجنودا لم تروها \" هي الملائكة، ولم تقاتل يومئذ، قال المفسرون: بعث الله تعالى عليهم بالليل ريحا باردة، وبعث الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بنى فلان، هلم إلى؛ فإذا اجتمعوا عنده قال: النجاء النجاء، أتيتم. لما بعث الله عليهم من الرعب، فانهزموا من غير قتال.","part":4,"page":451},{"id":1952,"text":"قوله تعالى: \" إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا \" قال: قوله: \" إذ جاءوكم من فوقكم \" يعنى من فوق الوادي من قبل المشرق، عليهم مالك بن عوف النصرى، وعيينة آبن حصن الفزارى في ألف من غطفان، ومعهم طليحة بن خويلد الأسدي في بنى أسد، وحي بن أخطب في يهود بنى قريظة. ومن أسفل منكم يعني من بطن الوادي من قبل المغرب، وهو أبو سفيان بن حرب في قريش ومن تبعه، وأبو الأعور السلمى من قبل الخندق. وقال ابن إسحاق: الذين جاءوا من فوقهم بنو قريظة، والذين جاءوا من أسفل منهم قريش وغطفان. وإذ زاغت الأبصار أي مالت وشخصت وبلغت القلوب الحناجر زالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق من الفزع. وتظنون بالله الظنونا قال: أما المنافقون فظنوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه سيغلبون ويستأصلون، وأما المؤمنون فأيقنوا أن ما وعدهم الله حق، وأنه سيظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون.\rقوله تعالى: \" هنالك آبتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا \" قال: أي آختبروا ومحصوا، ليعرف المؤمن من المنافق وزلزلوا: حركوا وخوفوا زلزالا تحريكا شديدا.\rقوله تعالى: \" وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا \" قال: يعنى معتب بن قشير وأصحابه والذين في قلوبهم مرض أي شك وضعف اعتقاد. وقد قدمنا في أخبار المنافقين ما تكلم به معتب بن قشير في هذه الغزوة.\rقوله تعالى: \" وإذ قالت طائفة منهم يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا وبستأذن فريق منهم النبى يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا. \" قالت طائفة منهم أي من المنافقين، وهم أوس بن قيظى وأصحابه، قال مقاتل: هم بنو سالم. قال ابن عباس رضى الله عنهما: قالت اليهود لعبد الله بن أبى وأصحابه من المنافقين: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبى سفيان وأصحابه! فارجعوا إلى المدينة. ويستأذن فريق منهم النبى في الرجوع إلى منازلهم بالمدينة، وهم بنو حارثة بن الحارث يقولون إن بيوتنا عورة أي خالية ضائعة، وهي مما يلي العدو، وإنا لنخشى عليها العدو والسراق، قال: وقرأ ابن عباس وأبو رجاء العطاردي عورة بكسر الواو، يعني قصيرة الجدران فيها خلل وفرجة. وأخبر تعالى أنها ليست بعورة، إن يريدون إلا الفرار.\rقوله تعالى: \" ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا \" قال: يقول: لو دخل عليهم هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم المدينة من أقطارها جوانبها ونواحيها ثم سئلوا الفتنة الشرك لأتوها أي لجاءوها وفصلوها ورجعوا عن الإسلام عن الفتنة إلا يسيرا ولأسرعوا إلى الإجابة إليها طيبة بها أنفسهم، قال: هذا قول أكثر المفسرين.\rوقال الحسن والفراء: وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى هلكوا.\rقوله تعالى: \" ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا \" قال: عاهدوا الله أي من قبل غزوة الخندق لا يولون عدوهم الأدبار قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة هموا يوم أحد أن يفشلوا مع بنى سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله ألا يعودوا لمثلها، فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم.\rوقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن وقعة بدر، ورأوا ما أعطى الله تعالى أهل بدر من الكرامة والفضيلة، فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن. فساق الله تعالى ذلك إليهم في ناحية المدينة.\rوقال مقاتل والكلبى: هم السبعون رجلا الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وقالوا له: اشترط لربك ولنفسك ما شئت؛ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: \" أشترط لربى أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم وأموالكم. \" قالوا: فإذا فعلنا ذلك فمالنا يا رسول الله؟ قال: \" لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة. \" قالوا: قد فعلنا.\rفذلك عهدهم \" وكان عهد الله مسئولا \" أي عنه.\rقوله تعالى: \" قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا \" قال: أي الذي كتب عليكم وإذا لا تمتعون إلا قليلا إلى آجالكم، والدنيا كلها قليل.","part":4,"page":452},{"id":1953,"text":"قوله تعالى: \" قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة \" أي نصرة \" ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا. \" قوله تعالى: \" قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا \" قال: المعوقين المثبطين منكم للناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ودعوا محمدا فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك ولا يأتون البأس الحرب إلا قليلا دفعا وتعذيرا.\rقال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما لآلتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين، وذلك أن اليهود أرسلوا إلى المنافقين وقالوا: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه! فإنهم إن قدروا عليكم هذه المرة لم يستبقوا منكم أحدا، وإنا لنشق عليكم، أنتم إخواننا وجيراننا، هلم إلينا. فأقبل عبد الله بن أبى وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم ويخوفونهم بأبى سفيان ومن معه، وقالوا: ما ترجون من محمد؟ فو الله ما يرفدنا بخير، وما عنده خير، وما هو إلا أن يقتلنا هاهنا، انطلقوا إلى إخواننا وأصحابنا. يعنى اليهود، فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيمانا وآحتسابا.\rوقال ابن زيد: لما كان يوم الأحزاب انطلق رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد أخاه، بين يديه شواء ورغيف ونبيذ، فقال: أنت هاهنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف! فقال: هلم إلى هذا، والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبدا؛ فقال: كذبت والذي يحلف به - وكان أخاه من أبيه وأمه - أما والله لأخبرن النبى صلى الله عليه وسلم أمرك. فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجده قد نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية.\rقوله تعالى: \" أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدورا أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على أولئك لم يؤمنون فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا \" قال: أشحة عليكم بالخبر والنفقة في سبيل الله، وصفهم الله تعالى بالجبن والبخل فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم في رءوسهم من الخوف والجبن، أي كدوران أعين الذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم أي عضوكم ورموكم بألسنة حداد ذربة، وأصل السلق: الضرب قال قتادة: يعنى بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسم الغنيمة، يقولون: أعطونا أعطونا، فإنا قد شهدنا معكم القتال، ولستم بأحق بالغنيمة منا؛ وأما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأ مقاسمة، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق. أشحة على الخير يعنى الغنيمة أولئك لم يؤمنوا.\rقوله تعالى: \" يحسبون الأحزاب لم يذهبوا \" يعنى هؤلاء يحسبون الجماعات لم ينصرفوا عن قتالهم، وقد انصرفوا جبنا منهم وفرقا وإن يأت الأحزاب أي يرجعوا إليهم كرة ثانية يودوا من الخوف والجبن لو أنهم بادون خارجون إلى البادية في الأعراب أي معهم يسألون عن أنبائكم يسأل بعضهم بعضا عن أخباركم، وما آل إليه أمركم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا الإ قليلا يعني رياء من غير حسبة، ولو كان ذلك القليل لله تعالى لكان كثيرا.\rثم قال تعالى مشيرا إلى المؤمنين: \" لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا. ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما \" قال قوله: أسوة حسنة أي سنة صالحة، أن تنصروه وتؤازروه، ولا تتخلفوا عنه، ولا ترغبوا بأنفسكم عن نفسه وعن مكان نصرته كما فعل هو، إذ كسرت رباعيته وجرح، وقتل عمه حمزة، وأوذى بضروب الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه، فافعلوا أنتم أيضا كذلك، واستنوا بسنته لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا أي في الرخاء والبلاء، ثم ذكر المؤمنين بوعود الله تعالى، فقال: ولما رأى المؤمنون الأحزاب الآية، قال: ووعد الله إياهم قوله: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب.","part":4,"page":453},{"id":1954,"text":"قوله تعالى: \" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا \" قال: قوله: صدقوا أي وفوا به.\rفمنهم من قضى نحبه يعنى فرغ من نذره ووفى بعهده وصبر على الجهاد حتى استشهد. والنحب: النذر، والنحب أيضا: الموت، قال ذو الرمة:\rعشية فر الحارثيون بعدما ... قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر\rأي مات، قال مقاتل: قضى نحبه، أي أجله، فقتل على الوفا، يعنى حمزة وأصحابه الذين آستشهدوا بأحد، رضوان الله عليهم. وقيل: قضى نحبه، أي بذل جهده في الوفا بعهده، من قول العرب: نحب فلان في سيره يومه وليلته؛ إذا مد فلم ينزل، قال جرير:\rبطخفة جالدنا الملوك وخيلنا ... عشية بسطام جرين على نحب\rومنهم من ينتظر قال ابن إسحاق: ينتظر ما وعد الله به من نصرة، والشهادة على ما مضى عليه أصحابه. وما بدلوا تبديلا أي ما شكوا وما ترددوا في دينهم، وما آستبدلوا به غيره.\rثم قال تعالى: \" ليجزى الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما. ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا \" يعنى قريشا وغطفان \" وكفى الله المؤمنين القتال \" أي بالملائكة والريح \" وكان الله قويا عزيزا، \" وبيده الفضل والمنة.\rغزوة بنى قريظة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة خمس من مهاجره.\rوقال ابن إسحاق: في شوال منها.\rقال محمد بن إسحاق، ومحمد بن سعد، دخل حديث بعضهما في بعض، قالا: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق إلى المدينة هو والمسلمون، ووضعوا السلاح، فلما كانت الظهر أتى جبريل - عليه السلام - النبى صلى الله عليه وسلم معتجرا بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم؛ قال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت إلا من طلب القوم: إن الله عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن في الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم ألا تصلوا العصر إلا في بنى قريظة. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، فأعطاه لواءه، وقدمه إلى بنى قريظة، فسار علي حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع حتى لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق، فقال: يا رسول الله، لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابث؛ قال: أظنك سمعت منهم لي أذى؛ قال: نعم يا رسول الله؛ قال: لو رأونى لم يقولوا من ذلك شيئا. فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال لهم: يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا. ثم نزل صلى الله عليه وسلم على بئر من آبار بنى قريظة من ناحية أموالهم يقال لها: بئر أنا؛ ويقال: بئر أنى؛ وتلاحق به الناس، فأتى رجال من بعد العشاء الآخرة لم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. لا يصلين أحد العصر إلا ببنى قريظة. فشغلهم ما لم يكن منه بد في حربهم وأبوا أن يصلوا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأتوا بنى قريظة، فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة، وتخوف ناس فوت الصلاة فصلوا، فما عنف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من الفريقين، ولا عابهم الله تعالى في كتابه.\rقال: وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في المسلمين، وهم ثلاثة آلاف والخيل ستة وثلاثون فرسا، فحاصرهم خمسة عشر يوما. قاله ابن سعد.","part":4,"page":454},{"id":1955,"text":"وقال ابن إسحاق: خمسا وعشرين ليلة أشد حصار حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب. وكان حي بن أخطب دخل مع بنى قريظة في حصنهم، حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد، فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد لهم: يا معشر يهود، قد نزل بكم ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيها شئتم؛ قالوا: وماهي؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فو الله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم؛ قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره؛ قال: فإذا أبيتم هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف، لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبينه، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمرى لنجدت النساء والأبناء؛ قالوا: نقتل هؤلاء المساكين! فما خير العيش بعدهم؟ قال: فإذا أبيتم على هذه فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها، فآنزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة؛ قالوا علينا سبتنا، وتحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ؛ قال: ما بات منكم رجل منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما. ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أبعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر لنستشيره في أمرنا؛ فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم وقالوا له: يا أبا لبانة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم. وأشار بيده إلى حلقه، أي إنه الذبح، قال أبو لناتة: فو الله ما زلت قد ماى من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله. ثم آنطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكانى هذا حتى يتوب الله علي. قال: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وكان قد استبطأه قال: أما لو كان جاءني لآستغفرت له، فأما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه. فأنزل الله تعالى فيه: وآخرون اعترفوا بذنو بهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم. قالت أم سلمة رضى الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو يضحك، فقلت: مم تضحك أضحك الله سنك يا رسول الله؟ .\rقال: تيب على أبى لبابة. قالت: فقلت: أفلا أبشره يا رسول الله؟ قال: بلى، إن شئت. فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب، فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار الناس إليه ليطلقوه فقال: لا والله، حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقني بيده؛ فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.\rقال ابن هشام: أقام أبو لبانة مرتبطا في الجذع ست ليال، تأتيه امرأته في كل وقت صلاة، فتحله للصلاة، ثم تعود فتربطه.\rهذا ما كان من أمر أبى لبابة؛ وأما يهود فإن ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، وهم نفر هدل، قال ابن إسحاق: ليسوا من بنى قريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك، هم بنو عم القوم، أسلموا في الليلة التي نزل بنو قريظة في صبيحتها على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظى فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه محمد بن مسلمة، فلما رآه قال: من هذا؟ قال: أنا عمرو بن سعدى - وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: لا أغدر بمحمد أبدا - فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمنى عثرات الكرام؛ ثم خلى سبيله، فخرج على وجهه، فلم يدر أين توجه من الأرض إلى آخر الدهر، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ذاك رجل نجاه الله بوفائه؛ ومنهم من يزعم أنه أوثق. والله أعلم.\rحكم رسول\rنزول بنى قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسؤال الأوس فيهم؛ وتحكيم سعد بن معاذ وحكمه فيهم بحكم الله تعالى وقتلهم","part":4,"page":455},{"id":1956,"text":"قال: ولما أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالى إخواننا بالأمس ما قد علمت. يعنون بنى قينقاع لما أطلقهم صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبى بن سلول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى؛ قال: فذاك سعد بن معاذ. وكان سعد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في خيمة لآمرأة من أسلم يقال لها: رفيدة، كانت تداوى الجرحى محتسبة، فأتاه قومه فحملوه على حمار، ووطئوا له بوسادة من أدم، ثم أتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يقولون له: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم؛ فلما أكثروا عليه قال: لقد أنى لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الأشهل، فنعى لهم رجال بنى قريظة قبل أن يصل إليهم سعد، لكلمته التي سمع منه، فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" قوموا إلى سيدكم. \" فأما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار؛ والأنصار يقولون: قد عم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقاموا إليه، فقالوا: ياأبا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم؛ فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم؛ قال: وعلى من ها هنا؟ في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم؛ قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذرارى والنساء. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.\rأي من فوق سبع سموات، ويقال: إن اليهود سألوا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ.\rوالله تعالى أعلم.\rقال: ثم آنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يوم الخميس لسبع خلون من ذي الحجة، وأمر بهم فأدخلوا المدينة، فحبسهم في دار بنت الحارث امرأة من بنى النجار، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة، فحفر بها خنادق، وجلس هو وأصحابه وبعث إليهم فأخرجوا إليه أرسالا، فضربت أعناقهم، وفيهم حي بن أخطب، وكعب بن أسد، واختلف في عددهم فقيل: كانوا ستمائة أو سبعمائة. وقيل: بين الثمانمائة والتسعمائة؛ قال: وقالوا لكعب بن أسد، وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا: يا كعب، ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفى كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع، وأنه من ذهب به منكم لا يرجع؟ هو والله القتل! قال: وأتى بحبي ابن أخطب، وعليه حلة له فقاحية قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة، لئلا يسلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكن من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبت على بنى إسرائيل. ثم جلس فضربت عنقه، فقال جبل بن جوال الثعلبي:\rاعمرك ما لام آبن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل\rلجاهد حتى أبلغ النفس عذرها ... وقلقل يبغى العز كل مقلقل","part":4,"page":456},{"id":1957,"text":"وروى محمد بن إسحاق بسند يرفعه إلى عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أنها قالت: لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة. قالت: والله إنها لعندي تحدث معي، وتضحك ظهرا وبطنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها في السوق، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله؛ قلت لها: ويلك! مالك؟ قالت: أقتل؛ قلت: لحدث أحدثته؛ قالت: فانطلق بها، فضربت عنقها، فكانت عائشة تقول: والله ما أنسى عجبا منها، طيب نفسها، وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل. قال الواقدي: واسم تلك المرأة: بنانة امرأة الحكم القرظى؛ وكانت قتلت خلاد بن سويد، طرحت عليه رحى، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنقها بخلاد بن سويد. قال: وكان علي بن أبى طالب والزبير بن العوام رضى الله عنهما يضربان أعناق بنى قريظة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس هناك.\rوروى محمد بن إسحاق عن الزهري أن الزبير بن باطا القرظي، وكان يكنى أبا عبد الرحمن - وكان قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بعاث أخذه فجز ناصيته ثم خلى سبيله - فجاءه ثابت يوم قريظة، وهو شيخ كبير فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفني؟ فقال: وهل يجهل مثلي مثلك؛ قال: إني قد آن أن أجزيك بيدك عندي؛ قال: إن الكريم يجزي الكريم؛ ثم أتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، قد كانت الزبير عندي يد، وله علي منة، وقد أحببت أن أجزيه بها، فهب لي دمه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو لك؛ فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك؛ قال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد، فما يصنع بالحياة؟ فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أهله وولده؛ هم لك. فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاني امرأتك وولدك، فهم لك؛ قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، فقال: هو لك؛ فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاني مالك فهو لك؛ قال: أي ثابت، ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صينية يتراءى فيه عذارى الحي، كعب بن أسد؟ قال: قتل؛ قال: فما فعل سيد الحاضر والبادى حي بن أخطب؟ قال: قتل؛ قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا، وحاميتنا إذا كررنا، عزال بن سموءل؟ قال: قتل؛ قال: فما فعل المجلسان؟ يعنى بنى كعب بن قريظة، وبني عمرو بن قريظة؛ قال: ذهبوا وقتلوا؛ قال: فإني أسألك بيدي عندك يا ثابت إلا ألحقتني بالقوم، فو الله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، وما أنا بصابر لله قبلة دلو ناضح حتى ألقى الأحبة. فقدمه ثابت فضرب عنقه. فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله ألقى الأحبة قال: يلقاهم والله في نار جهنم خالدا فيها مخلدا أبدا.\rوفي هذه الواقعة يقول ثابت بن قيس:\rوفت ذمتى أني كريم وأنني ... صبور إذا ما القوم حادوا عن الصبر\rوكان زبير أعظم الناس منة ... علي فلما شد كوعاه بالأسر\rأتيت رسول الله كيما أفكه ... وكان رسول الله بحرا لنا يجري\rقالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل من أنبت منهم؛ فسألته سلمى بنت قيس بن المنذر أخت سليط بن قيس - وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت قد صلت معه القبيلتين، وبايعته بيعة النساء على رفاعة بن سموءل القرظى، وكان رجلا قد بلغ، فلاذ بها، وكان يعرفها، فقالت: يا نبى الله، بأبى أنت وأمي، هب لي رفاعة بن سموءل، فإنه قد زعم أنه سيصلي ويأكل لحم الجمل. فوهبه لها، فاستحيته.\rقال: ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنائم فجمعت، فآصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خنافة إحدى نساء عمرو بن قريظة، ثم أخرج الخمس من المتاع والسبى، ثم أمر بالباقي فبيع فيمن يزيد وقسمه بين المسلمين، وكانت السهمان على ثلاثة آلاف واثنين وسبعين سهما، للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، وصار الخمس إلى محمية بن جزء الزبيدي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتق منه، ويهب، ويخدم منه من أراد، وكذلك صنع بما صار إليه من الرثة، وهي السقط من متاع البيت.","part":4,"page":457},{"id":1958,"text":"وقال محمد بن إسحاق: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري أحد بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد، فآبتاع له بهم خيلا وسلاحا.\rوآستشهد يوم بني قريظة من المسلمين: خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو الأنصاري الخزرحي، طرحت عليه رحى فشدخته شدخا شديدا، ومات أبو سنان ابن محصن بن حرثان، أخو بني أسد بن خزيمة.\rوأنزل الله عز وجل في شأن بنى قريظة قوله تعالى: \" وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شئ قديرا \" قال: قوله: الذين ظاهروهم يعنى قريظة ظاهروا قريشا وغطفان من صياصيهم أي حصونهم ومعاقلهم، واحدتها صيصة وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وهم الرجال وتأسرون فريقا وهم النساء والذرارى وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها قال يزيد بن رومان وابن زيد ومقاتل: يعنى خيبر. وقال قتادة: كنا نحدث أنها مكة. وقال الحسن: فارس والروم. وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم.\rسرية عبد الله بن عتيك إلى أبى رافع سلام آبن أبى الحقيق النضرى بخيبر قال محمد بن سعد في طبقاته: كانت في شهر رمضان سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوقال ابن إسحاق: كانت هذه السرية بعد غزوة بني قريظة. فتكون في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة، وهو الصحيح إن شاء الله، ويدل عليه أن محمد بن سعد لما ذكر عبد الله بن عتيك في الطبقات قال في ترجمته: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في ذي الحجة سنة خمس إلى أبى رافع سلام بن أبى الحقيق بخيبر قال محمد بن إسحاق: لما أصابت الأوس كعب بن الأشرف قالت الخزرج: والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا. فتذا كروا: من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العداوة كابن الأشرف؟ فذ كروا ابن أبى الحقيق، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله، فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج خمسة نفر، وهم: عبد الله آبن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعى، وخزاعى بن أسود، حليف لهم من أسلم.\rقالوا: وكان أبو رافع بن أبى الحقيق قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب، وجعل لهم العظيم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم عبد الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة، فخرجوا حتى قدموا خيبر فكمنوا، فلما هدأت الرجل جاءوا إلى منزله فصعدوا درجة له، وقدموا عبد الله بن عتيك لأنه كان يرطن باليهودية، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية. ففتحت له امرأته، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها بالسيف فسكتت، فدخلوا عليه فعلوه بأسيافهم، قال ابن أنيس: وكنت رجلا أعشى لا أبصر، فاتكأت بسيفي على بطنه حتى سمعت خشه في الفراش، وعرفت أنه قد قضى، وجعل القوم ضربونه جميعا، ثم نزلوا وصاحت امرأته، فتصايح أهل الدار. قال ابن إسحاق: وكان عبد الله بن عتيك سئ البصر، فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا، قال ابن هشام: ويقال: رجله؛ قالوا: فحملناه حتى أتينا منهرا من عيونهم - والمناهر؛ واحدتها منهرة، وهو فضاء يكون بين أفنية القوم يلقون فيها كناستهم - فدخلنا فيه.\rقال محمد بن سعد: وخرج الحارث أبو زينب في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنيران، فلم يروهم، فرجعوا، ومكث القوم في مكانهم يرمين حتى سكن الطلب. قال ابن إسحاق: فقلنا: فكيف لنا أن نعلم بأن عدو الله قد مات؟ فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم. فانطلق حتى دخل في الناس، فوجده ورجال من يهود حوله، وامرأته في يدها مصباح تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم أكذبت نفسي وقلت: ابن عتيك بهذه البلاد! ثم أقبلت تنظر في وجهه وتقول: فاظ وإله يهود. قال: فما سمعت كلمة كانت ألذ في نفسي منها؛ وجاء فأخبرهم بالخبر، قالوا: فاحتملنا صاحبنا، وقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في قتله، كلنا يدعيه، فقال: هاتوا أسيافكم. فجئناه بها، فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله ابن أنيس: هذا أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام.","part":4,"page":458},{"id":1959,"text":"قال الشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي رحمه الله في سيرته: وفي حديث آخر أن الذي قتله عبد الله بن عتيك وحده، قال: وهو الصواب.\rوالله أعلم.\rوقال حسان بن ثابت الأنصاري في سلام بن أبى الحقيق الأشرف:\rلله در عصابة لاقيتهم ... يابن الحقيق وأنت يابن الأشرف\rيسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحا كأسد في عرين مغرف\rحتى أتوكم في محل دياركم ... فسقوكم حتفا ببيض ذفف\rمستنصرين لنصر دين نبيهم ... مستصغرين لكل أمر مجحف\rسرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء، وهم بنو قرط وقريط بن كلاب بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر خلون من المحرم، على رأس تسعة وخمسين شهرا من مهاجره في ثلاثين راكبا إلى القرطاء، وهم ينزلون بناحية ضرية وبين ضرية والمدينة سبع ليال، فقتل نفرا منهم، وهرب سائرهم، واستاق نعما وشاء، ولم يعرض للظعن، وانحدر إلى المدينة، فخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به، وفض ما بقى على أصحابه، فعدلوا الجزور بعشرين من الغنم، وكانت النعم مائة وخمسين بعيرا، والغنم ثلاثة آلاف شاة. وغاب سبع عشرة ليلة، وقدم لليلة بقيت من المحرم.\rغزوة بنى لحيان بناحية عسفان غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجره على ما أورده محمد بن سعد. وقال محمد بن إسحاق: في جمادى الأولى سنة ست.\rوذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على عاصم بن ثابت وأصحابه أصحاب الرجيع - وجدا شديدا، فأظهر أنه يريد الشام.\rقال ابن سعد: وعسكر لغرة هلال شهر ربيع الأول في مائتي رجل، معهم عشرون فرسا، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، ثم أسرع المسير حتى انتهى إلى بطن غران، وبينها وبين عسفان خمسة أميال، حيث كان مصاب أصحابه، فترحم عليهم ودعا لهم، فسمعت بهم بنو لحيان، فهربوا في رءوس الجبال فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوما أو يومين، فبعث السرايا في كل ناحية، فلم يقدروا على أحد، ثم خرج حتى أتى عسفان، ثم انصرف صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وهو يقول: \" آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال. \" وغاب عن المدينة أربع عشرة ليلة.\rغزوة الغابة وهي غزوة ذي قرد وهي على بريد من المدينة في طريق الشام غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجره.\rقالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة ست من أبو ذر فيها، فأغار عيينة بن حصن ليلة الأربعاء في أربعين فارسا فآستاقوها وقتلوا ابن أبى ذر.\rوقال محمد بن إسحاق: وكان فيهم رجل من غفار وامرأة له، فقتلوا الرجل وحملوا المرأة في اللقاح. وجاء الصريخ، فنودى: الفزع الفزع! فنودى: ياخيل الله اركبي وكان أول مانودى بها؛ وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج غداة الأربعاء، فكان أول من أقدم المقداد بن عمرو، وعليه الدرع والمغفرة شاهرا سيفه، فعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء في رمحه، وقال: امض حتى تلحقك الخيول، وأنا على أثرك. واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وخلف سعد بن عبادة في ثلثمائة من قومه يحرسون المدينة. قال المقداد: فخرجت فأدركت أخريات العدو، وقد قتل أبو قتادة الحارث بن ربعى حبيب بن عيينة بن حصن، وغشاه برده، فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، فرأوا حبيبا مسجى ببرد أبى قتادة فاسترجع الناس، وقالوا: قتل أبو قتادة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس بأبى قتادة، ولكنه قتيل لأبى قتادة وضع عليه برده، لتعرفوا أنه صاحبه.\rوقال ابن سعد: إن الذي قتل حبيبا هو المقداد بن عمرو، قتله وقتل قرفة بن مالك بن حذيقة بن بدر؛ وإن أبا قتادة مسعدة، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه وسلاحه، وأدرك عكاشة بن محصن أو بارا وابنه عمرو بن أو بار، وهما على بعير واحد فقتلهما. واستشهد من المسلمين يومئذ محرز بن نضلة، قتله مسعدة، وأدرك سلمة بن الأكوع القوم وهو على رجليه، فجعل يراميهم بالنبل ويقول:\rخذها وآنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع","part":4,"page":459},{"id":1960,"text":"حتى انتهى إلى ذي قرد - وهي ناحية خيبر مما يلي المستناخ - قال سلمة: فلحقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس والخيول عشاء، يا رسول الله، إن القوم عطاش، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما في أيديهم من السرح، وأخذت بأعناق القوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" ملكت فأسجح \" ؛ ثم قال: \" إنهم الآن ليقرون في غطفان. \" وذهب الصريخ إلى بني عمرو بن عوف، فجاءت الأمداد فلم تزل الخيل تأتى والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد، فاستنفذوا عشر لقاح، وأفلت القوم بما بقى، وهي عشرة، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد صلاة الخوف، وأقام يوما وليلة يتحسس الخبر، وقسم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها، وكانوا خمسمائة، وقيل: سبعمائة.\rسرية عكاشة بن محصن إلى الغمر غمر مرزوق، وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فيد قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عكاشة بن محصن إلى الغمر في أربعين رجلا، فخرج سريعا، فنذر به القوم فهربوا، فنزلوا عليا بلادهم، ووجدوا دارهم خلوفا، فبعث عكاشة شجاع بن وهب طليعة، فرأى أثر النعم، فتحملوا فأصابوا ربيئة لهم، فأمنوه، فدلهم على نعم لبنى عم له، فأغاروا عليها فاستاقوا مائتي بعير، وأرسلوا الرجل، وحدروا النعم إلى المدينة، وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلقوا كيدا.\rسرية إلى بني ثعلبة بذي القصة قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة إلى بني ثعلبة، وهم بذي القصة في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجره، وبين ذي القصة وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا، طريق الربذة، بعثه في عشرة نفر فوردوا عليهم ليلا فأحدق به القوم وهم مائة رجل، فتراموا ساعة من الليل، ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح فقتلوهم، ووقع محمد بن مسلمة جريحا، يضرب كعبه فلا يتحرك، وجردوهم من الثياب، ومر رجل من المسلمين بمحمد بن مسلمة فحمله حتى ورد به المدينة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا إلى مصارع القوم فلم يجدوا أحدا، ووجدوا نعما وشاء، فساقه ورجع.\rسرية أبى عبيدة\rبن الجراح إلى ذي القصة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجره في أربعين رجلا من المسلمين، وسبب ذلك أن بلاد بني ثعلبة وأنمار أجدبت، ووقعت سحابة بالمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة، فسارت بنو محارب وثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة، واجتمعوا أن يغيرا على سرح المدينة وهو يرعى بهيفا - موضع على سبعة أميال من المدينة - فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة ومن معه حين صلوا المغرب، فمشوا ليلتهم حتى وافوا ذا القصة مع عماية الصبح - وهي موضع في طريق العراق - فأغاروا عليهم فأعجزوهم هربا في الجبال، وأصاب رجلا واحدا فأسلم فتركه، وأخذ نعما من نعمهم فاستاقه ورثة من متاعهم. وقدم المدينة بذلك، فخمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسم ما بقى عليهم.\rسرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في شهر ربيع الآخر سنة ست من الهجرة إلى بني سليم، فسار هو ومن معه حتى ورد الجموم - ناحية بطن نخل عن يسارها، وبطن نخل من المدينة على أربعة برد - فأصابوا عليه امرأة من مزينة يقال لها: حليمة؛ فدلتهم على محلة من محال بني سليم، فأصابوا فيها نعما وشاء وأسرى، فكان فيهم زوج حليمة المزنية، فلما قفل زيد بن حارثة بما أصاب وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمزينة نفسها وزوجها، فقال بلال ابن الحارث المزنى في ذلك:\rلعمرك ما أخنى المسول ولا ونت حليمة حتى راح ركبهما معا\rسرية إلى العيص لعير قريش","part":4,"page":460},{"id":1961,"text":"بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في جمادى الأولى سنة ست من مهاجره في سبعين ومائة راكب إلى العيص - وبينها وبين المدينة أربع ليال، وبينها وبين ذي المروة ليلة - وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشام، فبعثه ومن معه ليتعرض لها، فأخذوها وما فيها، وأخذ يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية، وأسروا ناسا ممن كان في العير، منهم أبو العاص بن الربيع، وقدم بهم المدينة، فاستجار أبو العاص بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجارته، ونادت في الناس حين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر: إني قد أجرت أبا العاص. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما علمت بشئ من هذا قد أجرنا من أجرت. ورد عليه ما أخذ له لكا تقدم.\rسرية إلى الطرف إلى بني ثعلبة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجره إلى الطرف - وهو ماء قريب من المراض، دون النخيل، على ستة وثلاثين ميلا من المدينة، طريق البقرة على المحجة - فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا فأصاب نعما وشاء، وهربت الأعراب، وصبح زيد بالنعم المدينة، وهي عشرون بعيرا، ولم يلق كيدا، وغاب أربع ليال، شعارهم أمت أمت.\rسرية إلى حسمى وهي وراء وادى القرى.\rقالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى حسمى في جمادى الآخرة أيضا، وذلك أن دحية بن خليفة الكلبى أقبل من عند قيصر صاحب الروم حين بعثه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه، وقد أجازه وكساه، ودحية تجارة له، حتى إذا كان بواد يقال له: شنار أو شنان؛ أغار عليه الهنيد بن عارض، وقيل: ابن عوص؛ وآبنه عارض بن الهنيد، وقيل: عوص ابن الهنيد؛ الضلعيان في ناس من جذام بحسمى، فقطعوا عليه الطريق وأخذوا ما معه، فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب، فسمع بذلك نفر من بنى الضبيب - رهط رفاعة بن زيد ممن كان أسلم وأجاب - فنفروا إلى الهنيد وابنه، وفيهم من بنى الضبيب النعمان بن أبى جعال حتى لقوهم فاقتتلوا، وانتمى يومئذ قرة بن أشقر الضفارى ثم الضلعى، فقال: أنا ابن لبنى؛ ورمى النعمان بسهم فأصاب ركبته، وقال: خذها وأنا ابن لبنى؛ ولبنى أمه، ثم استنفذوا لدحية متاعه، وقدم دحية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فبعث زيد بن حارثة في خمسمائة رجل ورد معه دحية، فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار ومعه دليل من بنى عذرة، فأقبل بهم حتى هجم بهم مع الصبح على القوم، فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم فأوجعوا، وقتلوا الهنيد وابنه، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ونسائهم، فأخذوا ألف بعير وخمسة آلاف شاة ومن النساء والصبيان مائة، فرحل رفاعة بن زيد الجذامى في نفر من قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدفع إليه كتابه الذي كان له كتب له ولقومه ليالي قدم عليه فأسلم، وقال: يا رسول الله، لا تحرم علينا حلالا ولا تحل لنا حراما.\rفقال: كيف أصنع بالقتلى؟ فقال أبو يزيد بن عمرو: يا رسول الله، أطلق لنا من كان حيا، ومن قتل فهو تحت قدمي هاتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق أبو يزيد؛ فبعث معهم عليا إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلى بينهم وبين حرمهم وأموالهم، فتوجه علي رضى الله عنه، فلقى رافع بن مكيث الجهني بشير زيد بن حارثة على ناقة من إبل القوم، فردها علي عليهم، ولقى زيدا بالفحلتين - وهي بين المدينة وذي المروة - فأبلغه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد عليهم كل ما كان أخذ منهم.\rسرية إلى وادي القرى قال محمد بن سعد في طبقاته الكبرى: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد ابن حارثة إلى وادي القرى أميرا في شهر رجب سنة ست من الهجرة. ولم يذكر غير ذلك.\rسرية إلى دومة الجندل","part":4,"page":461},{"id":1962,"text":"قال محمد بن سعد رحمه الله: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه في شعبان سنة ست من مهاجره، فأقعده بين يديه وعممه بيده وقال: اغز بسم الله، وقاتل في سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، لا تغل ولا تغدر، ولا تقتل وليدا. وبعثه إلى كلب بدومة الجندل، وقال: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم. فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبى، وكان نصرانيا وهو رأسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام منهم على إعطاء الجزية، وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ وقدم بها المدينة، وهي أم أبى سلمة بن عبد الرحمن.\rسرية إلى بني سعد بن بكر بفدك قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب رضى الله عنه في شعبان سنة ست من الهجرة إلى بني سعد بن بكر بفدك في مائة رجل، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فسار علي رضى الله عنه بمن معه، فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى انتهى إلى الهمج - وهو ماء بين خيبر وفدك والمدينة ست ليال - فوجدوا به رجلا فسألوه عن القوم فقال: أخبركم على أن تؤمنونى؟ فأمنوه فدلهم، فأغاروا عليهم فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة، وهربت بنو سعد بالظعن ورأسهم وبر بن عليم، فعزل علي رضى الله عنه صفى رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقوحا تدعى الحفدة، ثم عزل الخمس وقسم الغنائم على أصحابه، وقدم المدينة ولم يلق كيدا.\rسرية وادي القرى وقتل أم قرفة كانت هذه السرية في شهر رمضان سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن زيد بن الحارثة خرج في تجارة إلى الشام، ومعه بضائع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان دون وادى القرى لقيه ناس من فزارة من بنى بدر، فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم، ثم استبل زيد بن حارثة، وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم. حكاه محمد في طبقاته.\rوقال محمد بن إسحاق: إن الذي أصاب زيد بن حارثة كان عند غزوة وادي القرى، فإنه أصيب بها ناس من أصحابه، وارتث زيد من بين القتلى، ولعل هذه السرية هي التي كانت في شهر رجب من السنة.\rقال ابن سعد: فخرج زيد بن حارثة بمن معه فكمنوا النهار وساروا الليل، ونذرت بهم بنو بدر، ثم صبحهم زيد وأصحابه وكبروا وأحاطوا بالحاضر، وأخذوا أم قرفة، وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة ابن بدر، فكان الذي أخذ الجارية سلمة بن الأكوع، فوهبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فوهبها صلى الله عليه وسلم لحزن بن أبى وهب، قال: وعمد قيس ابن المحسر إلى أم قرفة، وهي عجوز كبيرة، فربط بين رجليها حبلا، ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما فذهبا فقطعاها، وقتل النعمان وعبد الله ابنا مسعدة بن حكمة بن مالك ابن بدر، وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك، فقرع باب النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه عريانا يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله، وسأله فأخبره بما ظفره الله به.\rسرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن رزام اليهودي بخيبر","part":4,"page":462},{"id":1963,"text":"كانت هذه السرية في شوال سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه لما قتل أبو رافع سلام بن أبى الحقيق كما ذكرنا أمرت يهود عليها أسير بن رزام، فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر من المسلمين في شهر رمضان سرا سأل عن خبره وغرته، فأخبر بذلك، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فانتدب له ثلاثون رجلا، فبعث عليهم عبد الله بن رواحة فقدموا على أسير فقالوا له: نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له؛ قال: نعم، ولي منكم مثل ذلك؛ قالوا: نعم؛ فقالوا له: إن رسول الله صلى الله عله وسلم بعثنا إليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك. فطمع أسير في ذلك، فخرج وخرج معه ثلاثون رجلا من اليهود، مع كل رجل رديف من المسلمين، حتى إذا كانوا بقرقرة ثبار ندم أسير، قال عبد الله ابن أنيس - وكان في السرية: فأهوى بيده إلى سيفي، ففطنت له ودفعت بعيرى فقلت: غدرا أي عدو الله! فعل ذلك مرتين، فنزلت فسبقت القوم حتى انفردت إلى أسير فضربته بالسيف، فأندرت عامة فخذه وساقه، وسقط عن بعيره وبيده محرش من شوحط، فضربنى به فشجنى مأمومة، وملنا على أصحابه فقتلناهم كلهم غير رجل واحد أعجزنا شدا، ولم يصب من المسلمين أحد، ثم أقبلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثناه الحديث، فقال: قد نجاكم الله من القوم الظالمين.\rوتفل صلى الله عليه وسلم على شجة عبد الله بن أنيس فلم تقح ولم تؤذه.\rسرية كرز بن جابر الفهرى إلى العرنيين كانت هذه السرية في شوال سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: قدم نفر من عرينة ثمانية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا واستوبؤا المدينة، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه، وكانت ترعى بذي الجدر - ناحية قباء قريبا من عير، على ستة أميال من المدينة - فكانوا فيها حتى صحوا وسمنوا، فعدوا على اللقاح فاستاقوها، فأدركهم يسار مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر، فقاتلهم، فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فبعث في أثرهم عشرين فارسا، واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهرى، فأدركوهم فأحاطوا بهم وأسروهم وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة، فخرجوا بهم نحوه، فلقوه بالزغابة بمجتمع السيول، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وصلبوا هنالك. وأنزل الله تعالى على رسوله: \" إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. \" فلم يسمل بعد ذلك عينا، وكانت اللقاح خمس عشرة لقحة غزارا فردوها إلى المدينة، ففقد منها لقحة تدعى الحناء، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فقيل: نحررها.\rسرية عمرو بن أمية الضمرى وسلمة بن أسلم إلى أبى سفيان بن حرب بمكة قال محمد بن سعد في طبقاته: وذلك أن أبا سفيان بن حرب قال لنفر من قريش: ألا أحد يغتر محمدا في الأسواق؟ فأتاه رجل من الأعراب فقال: قد وجدت أجمع الرجال قلبا، وأشده بطشا، وأسرعه شدا، فإن أنت قويتني خرجت إليه حتى أغتاله، ومعي خنجر مثل خافية النسر؛ قال: أنت صاحبنا؛ فأعطاه بعيرا ونفقة، وقال: اطو أمرك؛ فخرج ليلا فسار على راحلته خمسا وصبح ظهر الحرة صبح سادسة، ثم أقبل فسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دل عليه، فعقل راحلته، ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد بنى عبد الأشهل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" إن هذا ليريد غدرا. \" فذهب ليجنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجذبه أسيد بن الحضير بداخله إزاره، فإذا بالخنجر، فسقط في يده، وقال: دمى دمى! وأخذ أسيد بلبته فدعته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اصدقني، ما أنت؟ \" قال: وأنا آمن؟ قال: نعم؛ فأخبره بخبره، فخلى عنه صلى الله عليه وسلم.","part":4,"page":463},{"id":1964,"text":"وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمرى، وسلمة بن أسلم ابن أبى حريس إلى أبى سفيان بن حرب، وقال: إن أصبتما منه غرة فاقتلاه؛ فدخلا مكة، ومضى عمرو بن أمية يطوف بالبيت ليلا، فرآه معاوية بن أبى سفيان فعرفه، وأخبر قريشا بمكانه، فخافوه وطلبوه، وكان فاتكا في الجاهلية، وقالوا: لم يأت عمرو لخير؛ فحشد له أهل مكة وتجمعوا، فهرب عمرو وسلمة، فلقى عمرو عبيد الله ابن مالك بن عبد الله التميمي فقتله وقتل آخر من بنى الديل، سمعه يتغنى ويقول:\rولست بمسلم ما دمت حيا ... ولست أدين دين المسلمينا\rولقى رسولين لقريش بعثتهما يتحسسان الخبر، فقتل أحدهما وأسر الآخر فقدم به المدينة فجعل يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله يضحك هكذا حكى محمد بن سعد.\rوقال أبو محمد عبد الملك بن هشام رحمه الله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أمية الضمرى، ومعه جبار بن صخر الأنصاري، وذلك بعد مقتل خبيب بن عدى وأصحابه، قال: فخرجا حتى قدما مكة، وحبسا جمليهما بشعب من شعاب يأجج، ثم دخلا مكة ليلا، فقال جبار بن صخر لعمرو: لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين؛ قال عمرو: فطفنا وصلينا، ثم خرجنا نريد أبا سفيان، فو الله إنا لنمشي بمكة إذ نظر إلى رجل فعرفنى، فقال: عمرو بن أمية، والله إن قدمها إلا لشر؛ فقلت لصاحبى: النجاء؛ فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في جبل، وخرجوا في طلبنا، حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا، فدخلنا كهفا في الجبل فبتنا، وقد رضمنا دوننا حجارة، فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسا له، فغشينا ونحن في الغار، فقلت: إن رآنا صاح بنا فتؤخذ فنقتل؛ قال: فخرجت إليه فضربته على ثدييه بخنجر كنت قد أعددته لأبى سفيان، فصاح صيحة أسمع أهل مكة، ورجعت فدخلت مكانى، وجاءه الناس يشتدون وهو بآخر رمق، فقالوا: من ضربك؟ قال: عمرو بن أمية. ومات لوقته، ولم يدل علينا، فاحتملوه، فقلت لصاحبي لما أمسينا: النجاء؛ فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة، فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب، فقال أحدهم: والله ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية، لولا أنه بالمدينة لقلت هو عمرو؛ قال: فلما حاذى عمرو الخشبة شد عليها واحتملها، خرجا شدا، وخرجوا وراءه، حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج، فرمى بالخشبة في الجرف، فغيبه الله عنهم، فلم يقدروا عليه. قال عمرو: وقلت لصاحبي: النجاء، حتى تأتي بعيرك فتقعد عليه، فإني سأشعل عنك القوم؛ قال: ومضيت حتى خرجت على ضجنان، ثم أويت إلى جبل فدخلت كهفا، فبينا أنا فيه إذ دخل على شيخ من بنى الديل أعور، في غنيمة له؛ فقال: من الرجل؟ قلت: من بنى بكر، فمن أنت؟ قال: من بنى بكر؛ فقلت: مرحبا؛ فاضطجع، ثم رفع عقيرته فقال:\rولست بمسلم ما دمت حيا ... ولست أدين دين المسلمينا\rفقلت في نفسي: ستعلم؛ فأمهلته حتى إذا نام أخذت قوسي فجعلت سيتها في عينه الصحيحة، ثم تحاملت عليها حتى بلغت العظم، ثم خرجت حتى جئت العرج، ثم سلكت ركوبة، حتى إذا هبطت النقيع إذا رجلان من قريش من المشركين، كانت قريش بعثتهما عينا إلى المدينة يتحسسان؛ فقلت: استأسرا؛ فأبيا، فرميت أحدهما بسهم فقتلته، ثم استأسر الآخر فأوثقه رباطا، وقدمت به المدينة.\rولم يذكر أحد منهما تاريخ هذه السرية، في أي شهر كانت، فأذكره.\rغزوة الجديبية وما وقع فيها من بيعة الرضوان ومهادنة قريش وغير ذلك كانت غزوة الحديبية في ذي الحجة سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم.","part":4,"page":464},{"id":1965,"text":"قال محمد بن سعد: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى العمرة، فأسرعوا وتهيئوا، ولبس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبين، وركب راحلته القصواء وخرج، وذلك يوم الثنين لهلال ذي القعدة، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم. وقال ابن إسحاق: استعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي. قال ابن سعد: ولم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه بسلاح إلا سلاح المسافر، السيوف في القرب، وساق بدنا وساق أصحابه بدنا، فصلى الظهر بذي الحليفة: ثم دعا بالبدن التي ساق فجللت، ثم أشعرها في الشق الأيمن وقلدها، وأشعر أصحابه أيضا، وهي موجهات إلى القبلة، وهي سبعون بدنة، فيها جمل أبى جهل الذي غنمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وأحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولبى، وقدم عباد بن بشر أمامه طليعة في عشرين فارسا من خيل المسلمين، وفيهم رجال من المهاجرين والأنصار، وخرج معه صلى الله عليه وسلم من المسلمين ألف وأربعمائة على الصحيح، وقيل: ألف وستمائة؛ ويقال: ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلا؛ وأخرج معه من أزواجه أم سلمة رضى الله عنها، وبلغ المشركين خروجه، فأجمع رأيهم على صده عن المسجد الحرام، وعسكروا ببلدح وقدموا مائتي فارس إلى كراع الغميم، عليهم خالد بن الوليد، ويقال: عكرمة ابن أبى جهل.\rقال محمد بن إسحاق: قال الزهرى: لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبى - قال ابن هشام: ويقال: بسر - فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى، يعاهدون الله ألا ندخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا ويح قريش! لقد أكلتم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بينى وبين سائر العرب؟ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ والله لا أزال أجاهد على الذي بعثى الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة. \" قال محمد بن سعد: ودنا خالد بن الوليد في خيله حتى نظر إلى أصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عباد بن بشر فتقدم في خيلة، فأقام بإزائه وصف أصحابه، وحانت صلاة الظهر، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف، فلما أمسى صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: تيامنوا في هذا الموضع العضل - موضع منعطف في الوادى - فإن عيون قريش بمر الظهران وبضجنان. فسار حتى دنا من الحديبية، وهي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة، فوقفت يدا راحلته على ثنية تهبط على غائظ القوم، فبركت.","part":4,"page":465},{"id":1966,"text":"وقال أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبى في تفسيره: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي، أترون أن نميل على ذرارى هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين، وإن يحبئوا تكن عنقا قطعها الله، أو ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ فقام أبو بكر رضى الله عنه فقال: يا رسول الله، إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فروحوا إذا؛ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، وذكر من قوله ومن جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدمناه إلى قوله: أو تنفرد هذه السالفة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله. فخرج بهم على طريق وعر حزن بين شعاب، فلما خرجوا منه، وقد شق ذلك على المسلمين وأفضى إلى سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه. ففعلوا، فقال: والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل فلم يقبلوها؛ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: اسلكوا ذات اليمين، في طريق يخرجه على ثنية المرار على مهبط من أسفل مكة، فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خالفهم عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش ينذرونهم، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك ثنية المرار بركت به ناقته، فقال الناس: حل حل؛ فقال: ما حل؛ قالوا: خلات القصواء؛ فقال صلى الله عليه وسلم: \" ما خلأت وماذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل؛ ثم قال: والذي نفسي بيده لا تدعونى قريش إلى خطة يعظمون بها حرمات الله، وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها \" ؛ ثم قال للناس: انزلوا فنزلوا بأقصى الحديبية على بئر قليلة الماء، إنما يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشكا الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم العطش، فنزع سهما من كنانته وأعطاه رجلا من أصحابه، يقال له: ناجية بن عمير بن يعمر بن دارم، وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في تلك البئر فغرزه في جوفها فجاش الماء بالري، حتى صدروا عنه؛ ويقال: إن جارية من الأنصار أقبلت بدلوها، وناجية في القليب يميح على الناس، فقالت:\rيأيها المائح دلوى دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا\rيثنون خيرا ويمجدونكا ... أرجوك للخير كما يرجونكا\rفقال ناجية:\rقد علمت جارية يمانية ... أني أنا المائح وآسمي ناجية\rوطعنة ذات رشاش واهية ... طعنتها تحت صدور العادية","part":4,"page":466},{"id":1967,"text":"قال ابن إسحاق: ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي؛ قال: وزعم بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول: أنا الذي نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن إسحاق والثعلبي: روى عن الزهرى عن عروة بن الزبير عن المسور بن محرمة ومروان بن الحكم: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر ابن لؤي قد نزلا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نأت لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددناهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، فو الله لأقاتلنهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره. قال بديل: سنبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا؛ فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشئ؛ وقال ذوو الرأي منهم: هات كما سمعته يقول؛ قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدثهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: إنه يأت لقتال، وإنما جاء زائرا لهذا البيت. فاتهموه وجبهوه وقالوا: إن كان جاء ولا يريد قتالا فو الله لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ولا يحدث بذلك عنا العرب؛ ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بنى عامر ابن لؤي، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال: هذا رجل غادر.","part":4,"page":467},{"id":1968,"text":"وفي رواية: فاجر. فلما انتهى إليه وكلمة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا مما قال لبديل بن ورقاء وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زبان، وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدى في وجهه حتى يراه. فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أو باره من طول الحبس عن محله رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاما لما رأى، فقال لهم ذلك؛ فقالوا له: يا حليس، إنما أنت أعرابي لا علم لك؛ فقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاهدناكم، أيصد عن بيت الله من جاءه معظما له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد؛ فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس، ودعنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به؛ قال: ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفي، فقال لهم: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد - وكان عروة ليبيعة بنت عبد شمس - وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي؛ قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه ثم قال: يا محمد، أجمعت أوشاب الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتلفضها بهم؟ يا محمد، أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب أصله قبلك؟ وإنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا وإني لأرى وجوها وأوشابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك، وايم الله، لكأني بهؤلاء قد انكشفوا غدا عنك. وأبو بكر الصديق رضى الله عنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد، فقال لعروة: امصص بظر اللات، أنحن ننكشف عنه؟ - واللات طاغية ثقيف التي كانوا يعبدونها - فقال: من هذا ابن أبى قحافة؛ قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها. قال: ثم يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه، والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد، فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ألا تصل إليك؛ قال: فيقول عروة: ويحك! ما أفظك وما أغلظك! قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: \" هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة \" قال: أي غدر، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس؟ - وكان المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك من ثقيف، صحبهم فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أما الإسلام فقد قبلناه، وأما المال فإنه مال غدر، ولا حاجة لنا فيه. \" قال: ولما قتلهم المغيرة تهايج الحيان من ثقيف: رهط القتلى ورهط المغيرة، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية، وأصلح ذلك الأمر، فلذلك قال للمغيرة ما قال - قال: ثم كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بنحو ما كلم به أصحابه، فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شئ إلا أخذوه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له. فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، والله لقد وفدت على الملوك؛ وفدت على قيصر في ملكة، وكسرى في ملكة، والنجاشي في ملكة، وإني والله ما رأيت ملكا في قومه قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدون النظر إليه تعظيما له، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشئ أبدا، فروا رأيكم.\rوفي رواية قال: وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها.","part":4,"page":468},{"id":1969,"text":"قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية الخزاعي إلى قريش بمكة، وحمله على بعير يقال له: الثعلب، ليبلغ أشرافهم ما قد جاء له، فعقروا الجمل وأرادوا قتل خراش، فمنعته الأحابيش، فخلوا سبيله. قال: وبعثت قريش أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا، فأخذوا وأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم، وخلى سبيلهم، وكانوا رموا في العسكر بالحجارة والنبل. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليبعثه إلى مكة، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكة من بنى عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه إلى أبى سفيان ابن حرب وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته. فخرج حتى أتى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما فرغ عثمان من الرسالة قال له: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف؛ فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا نبرح حتى نناجز القوم \" . ودعا الناس إلى البيعة.\rبيعة الرضوان\rكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، قال الثعلبى: وكانت سمرة. قال: وكان سبب هذه البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن عثمان بن عفان قتل قال: \" لانبرح حتى نناجز القوم \" ؛ ودعا الناس إلى البيعة، قال: فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت. وقال عبد الله ابن مغفل: كنت قائما على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم وبيدي غصن من السمرة أذب عنه وهو يبايع الناس، فلم يبايعهم على الموت وإنما بايعهم على ألا يفروا. قال جابر بن عبد الله: فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بنى سلمة، لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته، مستترا بها عن الناس.\rوكان أول من بايع بيعة الرضوان رجل من بنى أسد يقال له: أبو سنان ابن وهب. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكروا من أمر عثمان باطل. واختلف في عدد أهل بيعة الرضوان، وهو مبنى على الأختلاف في عدد أصحاب عمرة الحديبية كما تقدم، لم يتخلف منهم إلا الجد بن قيس، قالوا: ولما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بايع لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى. روى أن رجلا جاء إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، فسأله عن عثمان رضى الله عنه، أكان شهد بدرا؟ قال: لا؛ قال: أكان شهد بيعة الرضوان؟ قال: لا؛ قال: فكان من الذين تولوا يوم التقى الجمعان؟ قال: نعم. قال: فانطلق الرجل؛ فقيل لعبد الله بن عمر: إن هذا يرى أنك قد عبته، قال: علي به؛ فأتى به فقال: أما بدر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب له بسهمه وأجره؛ وأما بيعة الرضوان فقد بايع له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من يد عثمان، وأما الذين تولوا يوم آلتقى الجمعان فقد عفا الله عنهم، فاجهد علي جهدك.\rوأنزل الله عز وجل في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه البيعة قوله تعالى: \" إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم. \" قال الكلبي: معناه نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة. وقال ابن كيسان: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم. ثم قال تعالى: \" فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما \" وهو الجنة. وقوله تعالى في السورة أيضا: \" لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم \" من الصدق والوفاء \" فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا. \" قيل: فتح خيبر؛ روى عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" لايدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة. \"","part":4,"page":469},{"id":1970,"text":"هدنة قريش\rوما وقع فيها من الشروط","part":4,"page":470},{"id":1971,"text":"قال: ثم بعثت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو أخا بنى عامر بن لؤي، فقالوا: إيت محمدا فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" قد سهل أمركم، القوم ماتون إليكم بأرحامهم، وسائلوكم الصلح، فابعثوا الهدى وأظهروا التلبية، لعل ذلك يلين قلوبهم. \" فلبوا من نواحي العسكر حتى ارتجت أصواتهم بالتلبية، قال: وانتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم فأطال، وتراجعا، ثم جرى الصلح بينهما، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله صلى الله عليه وسلم حقا؟ قال: بلى؛ قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى؛ قال: أو ليسوا المشركين؟ قال: بلى؛ قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس نعصي رأيه، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فو الله إنه لعلى الحق؛ قال عمر: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت نطوف به؟ قال: بلى؛ أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قال: لا؛ قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: ثم جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألست رسول الله؟ قال: بلى؛ قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى؛ قال: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. \" وفي رواية قال: \" إني عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني. \" قال عمر: ألست تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: \" بلى، هل أخبرتك أنك تأتيه العام؟ \" قال عمر: لا؛ قال: \" فإنك آتيه ومطوف به. \" قال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فما زلت أصوم وأتصدق وأصلي وأعتنق من صنعت يومئذ مخافة كلامى الذي تكلمت به حتى رجوت خيرا. قالوا: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضى الله عنه، فقال: \" اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم؛ \" فقال سهيل: أما الرحمن فلا أدري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب، قال المسلمون: لا والله لا تكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اكتب: باسمك اللهم \" فكتبها، ثم قال: \" اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو. \" فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" والله إني لرسول الله وإن كذبتموني؛ \" ثم قال لعلي: امح رسول الله. فقال: والله لا أمحوك أبدا. فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يحسن يكتب فمحاه؛ ثم قال: \" اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، وعلى أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجا أو معتمرا أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على نفسه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو الشام، يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، وعلى أنه من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه. \" فاشتد ذلك على المسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم ورددناه إليهم فإن علم الله الإسلام من قلبه جعل له مخرجا. \" وأن بيتنا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. \" فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قرش وعهدهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" وعلى أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به. \" فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنك أخذتنا ضغطة، ولكن لك ذلك من العام المقبل؛ فكتب: وعلى أنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، فإذا كان عام قابل خرجنا عنها لك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا، ولا تدخلها بالسلاح إلا السيوف في القرب، وسلاح الراكب، وعلى أن هذا الهدى حيثما حبسناه محله، لا تقدمه علينا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" نحن نسوقه وأنتم تردون وجوهه \" !","part":4,"page":471},{"id":1972,"text":"قال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد انفلت وخرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه، وقال: يا محمد، قد تمت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، وهذا أول من أقاضيك عليه أن ترده إلينا؛ ثم جعل يجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ليفتنوني عن ديني؟ ألا ترون ما قد لقبت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا أبا جندل، احتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عاقدنا بيننا وبين القوم عقدا وصلحا، وأعطيناهم على ذلك عهدا، وإنا لا نغدر. \" قال: فوثب عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى أبى جندل يمشي إلى جنبه، ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب - ويدنى قاتم السيف منه - قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه.ال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد انفلت وخرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه، وقال: يا محمد، قد تمت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، وهذا أول من أقاضيك عليه أن ترده إلينا؛ ثم جعل يجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ليفتنوني عن ديني؟ ألا ترون ما قد لقبت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا أبا جندل، احتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عاقدنا بيننا وبين القوم عقدا وصلحا، وأعطيناهم على ذلك عهدا، وإنا لا نغدر. \" قال: فوثب عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى أبى جندل يمشي إلى جنبه، ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب - ويدنى قاتم السيف منه - قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضن الرجل بأبيه.","part":4,"page":472},{"id":1973,"text":"قال: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ذلك دخل الناس أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، وزادهم أمر أبى جندل شرا إلى ما بهم، قالوا: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب، وفرغت القضية أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين: أبا بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبى وقاص، ومحمود بن مسلمة أخا بني عبد الأشهل، ومكرز بن حفص بن الأخيف، وهو مشرك، وعلي بن أبى طالب، وكان هو كاتب الصحيفة. قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قضيته سار مع الهدى، وسار الناس، فلما كان الهدى دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية عرض له المشركون، فردوا وجوهه، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم حيث حبسوه، وهي الحديبية، وقال لأصحابه: \" قوموا فانحروا، ثم احلقوا. \" قال: فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات؛ فلما لم يقم منهم أحد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقى من الناس؛ فقالت له أم سلمة رضى الله عنها: يا نبي الله، اخرج ولا تكلم منهم أحدا كلمة حتى تنحر بدنتك، وتدعو حلاقك فيحلقك. فقام صلى الله عليه وسلم فخرج فلم يكلم أحدا منهم كلمة حتى نحر بدنته ودعا حلاقه فحلقه، وكان الذي حلقه ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. قال عبد الله آبن عمر وعبد الله بن عباس رضى الله عنهم: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يرحم الله المحلقين. \" قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: \" يرحم الله المحلقين \" ؛ قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: \" يرحم الله المحلقين؛ \" قالوا يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: \" يرحم الله المقصرين \" قالوا: يا رسول الله، فلم ظاهرت الترحم على المحلقين دون المقصرين؟ قال: \" لأنهم لم يشكوا. \" قال ابن عمر: وذلك أنه تربص قوم قالوا: لعلنا نطوف بالبيت.\rرجوع الرسول إلى المدينة\rونزول سورة الفتح قال الزهري: وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهه ذلك قافلا حتى كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح: \" إنا فتحنا لك فتحا مبينا. \" روى قتادة عن أنس قال: لما رجعنا من غزوة الحديبية قد حيل بيننا وبين نسكنا، فنحن بين الحزن والكآبة، فأنزل الله عز وجل: \" إنا فتحنا لك فتحا مبينا. \" الآية كلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لقد أنزلت على آية هي أحب إلى من الدنيا كلها. \" وعن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب رضى الله عنه يسير معه ليلا، فسأله عمر عن شئ فلم يجبه، قال عمر رضى الله عنه: فحركت بعيري حتى تقدمت أمام الناس، وخشيت أن يكون نزل في قرآن، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فقال: \" لقد أنزلت على الليلة آية لهى أحب إلى مما طلعت عليه الشمس. \" ثم قرأ: \" إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأحر. \" وقد اختلف في الفتح، ما هو؟ فقال قتادة عن أنس: فتح مكة، وقال مجاهد والعوفى: فتح خيبر، وقال آخرون: فتح الحديبية، ويدل عليه ما روى عن مجمع بن جارية الأنصاري، - وكان أحد الذين قرءوا القرآن - قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما بال الناس؟ قالوا: أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فخرجنا نوجف، فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم واقفا على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع إليه الناس قرأ: \" إنا فتحنا لك فتحا مبينا \" فقال عمر: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح. وقال الشعبى رحمه الله: فتح الحديبية، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، واطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدى محله، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقال مقاتل بن حيان: يسرنا لك يسرا بينا.\rوقال مقاتل بن سليمان: لما نزل قوله تعالى: \" وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم \" .","part":4,"page":473},{"id":1974,"text":"فرح بذلك المشركون والمنافقون وقالوا: كيف نتبع رجلا لا يدري ما يفعل به وبأصحابه، ما أمرنا وأمره إلا واحد؛ فأنزل الله عز وجل بعد ما رجع من الحديبية: \" إنا فتحنا لك فتحا مبينا \" أي قضينا لك قضاء بينا \" ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر \" فنسخت هذه الآية تلك. قال سفيان الثوري: \" ما تقدم من ذنبك \" ما عملت في الجاهلية وما تأخر كل شئ لم يعمله. وقال عطاء بن أبى مسلم الخراساني: ما تقدم من ذنبك يعني ذنب أبو يك آدم وحواء ببركتك وما تأخر ذنوب أمتك بدعوتك. وقال الزيادي: أي لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه. ويتم نعمته عليك أي بالنبوة والحكمة ويهديك صراطا مستقيما أي ويثبتك عليه، وقيل: يهدى بك، وينصرك الله نصرا عزيزا غالبا، وقيل: معزا.\rقوله تعالى: \" هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، \" قال الثعلبي: أي الرحمة والطمأنينة. قال ابن عباس رضى الله عنهما: بعث الله عز وجل نبيه عليه السلام بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوه زادهم الصلاة، فلما صدقوه زادهم الزكاة، فلما صدقوه زادهم الصيام، فلما صدقوه زادهم الحج، ثم زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم، فذلك قوله عز وجل: \" ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم \" أي تصديقا بشرائع الإيمان مع تصديقهم بالإيمان. وقال الضحاك: يقينا مع يقينهم. وقال الكلبى: هذا في أمر الحديبية. وروى عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرأ على الناس قوله: \" ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأحر \" قالوا: هنيئا مريئا يا رسول الله، قد بين الله ما يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: \" ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما \" ثم قال تعالى \" ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء \" إن لم ينصر محمد والمؤمنون \" عليهم دائرة السوء \" بالذل والعذاب \" وغضب الله عليهم ولعهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا \" إلى قوله: \" وتحسبوه بكرة وأصيلا \" ثم ذكر الله تعالى قصة البيعة، وقد تقدمت.\rثم قال تعالى: \" سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا \" قال ابن عباس ومجاهد: يعنى أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم والديل، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد السير إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي، ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، وأحرم هو صلى الله عليه وسلم بالعمرة وساق معه الهدى، ليعلم الناس أنه لا يريد حربا، فتثاقل عنه كثير من الأعراب وقالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاءوه فقتلوا أصحابه فنقاتلهم؟ فتخلفوا عنه واعتلوا بالشغل، فأنزل الله تعالى: \" سيقول لك المخلفون \" ، أي إذا انصرفت إليهم فعاتبتهم على التخلف عنك شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ثم كذبهم في اعتذارهم واستغفارهم، وأخبر عن إسرارهم وإضمارهم، فقال: يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.\rقوله تعالى: \" بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا \" وذلك أنهم قالوا: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس، فلا يرجعون، فأين تذهبون؟ انتظروا ما يكون من أمرهم. وكنتم قوما بورا أي هالكين فاسدين، لا تصلحون لشئ من الخير. قال تعالى: \" ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا. \"","part":4,"page":474},{"id":1975,"text":"قوله تعالى: \" سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذ لكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا \" قال: المخلفون أي عن الحديبية إذا انطلقتم إلى مغابم يعنى غنائم خيبر ذرونا نتبعكم أي خبير، فنشهد معكم قتال أهلها \" يريدون أن يبدلوا كلام الله \" معناه يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية، وذلك أن الله تعالى جعل لهم غنائم خيبر عوضا عن غنائم أهل مكة، إذ انصرفوا عنها عن صلح ولم يصيبوا منها شيئا. وقال ابن زيد: هو قوله عز وجل: \" فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا \" قال: والأول أصوب، لأن قوله تعالى: \" لن تخرجوا معي أبدا \" نزلت في غزوة تبوك. قال: \" كذ لكم قال الله من قبل \" أي من قبل مرجعنا إليكم: إن غنيمة خيبر لمن شهدا لحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب: \" فسيقولون بل تحسدوننا \" أي نصيب معكم من الغنائم.\rقوله تعالى: \" قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون، \" قال ابن عباس وعطاء بن أبى رباح وعطاء الخراسانى وعبد الرحمن بن أبى ليلى ومجاهد: هم فارس. وقال كعب الأخبار: الروم.\rوقال الحسن: فارس والروم. وقال عكرمة: هوازن. وقال سعيد بن جبير: هوازن وثقيف. وقال قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين. وقال الزهري ومقاتل: بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب. وقال رافع بن خديج: والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى: \" ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد \" ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر رضى الله عنه إلى قتال بنى حنيفة فعلمنا أنهم هم.\rقوله تعالى: \" فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما \" قال آبن عباس رضى الله عنهما: لما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة: فكيف بنا يا رسول؟ فأنزل الله عز وجل: ليس على الأعمى حرج يعني عن التخلف عن الجهاد والقعود عن الغزو ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج يعنى في ذلك ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما.\rثم أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم برضاه عن أهل بيعة الرضوان، فقال تعالى: \" لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحد الشجرة، \" وقد تقدم ذكر ذلك آنفا. ثم قال تعالى: \" وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها. \" وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة فعجل لكم هذه يعني خيبر. وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى عند ذكرنا لغزوة خيبر. ثم قال تعالى: \" وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا \" قال: معناه ووعدكم الله فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها لكم حتى يفتحها عليكم. واختلفوا فيها، فقال ابن عباس وعبد الرحمن بن أبى ليلى والحسن ومقاتل: هي فارس والروم، وقال الضحاك وابن زيد وابن إسحاق: هي خيبر، وعدها الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم قبل أن يصيبها، ولم يكونوا يذكرونها ولا يرجونها حتى أخبرهم الله بها. وهي رواية عطية وباذان عن ابن عباس. وقال قتادة: هي مكة. وقال مجاهد: ما فتحوا حتى اليوم.\rقوله تعالى: \" ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا، \" قال: يعني أسدا وغطفان وأهل خيبر. وقال قتادة: يعنى كفار قريش، \" سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا. \" وقوله تعالى: \" وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا؛ \" واختلفوا في هؤلاء، فقال أنس: إن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر عام الحديبية ليقتلوهم، فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سلما فأعتقهم، فأنزل الله عز وجل الآية. قال عكرمة عن ابن عباس: إن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقد قدمنا ذكرهم.","part":4,"page":475},{"id":1976,"text":"وقال عبد الله بن مغفل: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة، وعلى ظهر غصن من أغصان تلك الشجرة، فرفعته عن ظهره، وعلي بن أبى طالب رضى الله عنه بين يديه يكتب كتاب الصلح وسهيل بن عمرو، فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فحلى عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل الآية. وقيل: غير ذلك. والله تعالى أعلم.\rثم قال تعالى: \" هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله \" الآية. وهي قصة الحديبية وقد تقدم شرحها. وقوله تعالى: \" ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما، \" قال: قوله: أن تطئوهم أي تقتلوهم فتصيبكم منهم معرة بغير عليم، قال ابن زيد: إثم. وقال ابن إسحاق: غرم الدية. وقيل: الكفارة، لأن الله عز وجل إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها ولم يعلم قاتله إيمانه الكفارة دون الدية. وقيل: هو أن المشركين يعيبونكم ويقولون: قتلوا أهل دينهم. والمعرة المشقة، وأصلها من العر وهو الجرب. قال: فلولا ذلك لأذن لكم في دخول مكة، ولكنه حال بينكم وبين ذلك. ليدخل الله في رحمته.\rأي في دين الإسلام من يشاء من أهل مكة قبل أن تدخلوها. قال: وقال بعض العلماء: قوله لعذبنا جواب لكلامين أحدهما ولولا رجال والثاني لو تزيلوا أي تميزوا. وقال قتادة في قوله: ليدخل الله في رحمته أي أن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار كما دفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة.\rوعن علي بن أبى طالب رضى الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: \" لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما \" قال: هم المشركون من أجداد رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن كان بعدهم في عصره، كان في أصلابهم المؤمنون، فلو تزيل المؤمنون عن أصلاب الكافرين لعذب الله الكافرين عذابا أليما. \" قوله تعالى: \" إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية، \" قال ابن إسحاق: يعني سهيل بن عمرو حين حمى أن تكتب بسم الله الرحمن الرحيم.\rوأن محمدا رسول الله. \" فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شئ عليما، \" قال: كلمة التقوى يعنى الإخلاص؛ وقد روى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى: وألزمهم كلمة التقوى: لا إله إلا الله. وهو قول ابن عباس وعمرو بن ميمون ومجاهد وقتادة والضحاك وسلمة بن كهيل وعبيد بن عمير وعكرمة وطلحة بن مصرف والربيع والسدى وابن زيد. وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله.\rوعن علي رضى الله عنه قال: كلمة التقوى: لا إله إلا الله والله أكبر، وهو قول ابن عمر. وقال عطاء بن أبى رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. وعن الزهرى: كلمة التقوى هي بسم الله الرحمن الرحيم.\rقوله تعالى: \" لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا. \" قال: الرؤيا التي أراها إياها في مخرجة إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام. قوله: فعلم ما لم تعملوا أي أن الصلاح كان في الصلح. فجعل من دون ذلك فتحا قريبا قيل: صلح الحديبية.\rثم قال تعالى: \" هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا \" أي أنك نبي صادق فيما تخبر.","part":4,"page":476},{"id":1977,"text":"ثم وصف تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال تعالى: \" محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزرع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما. \" قال الثعلبي رحمه الله تعالى: قوله: محمد رسول الله تم الكلام هاهنا، يعني الكلام الأول، ثم قال مبتدئا: \" والذين معه أشداء على الكفار \" أي غلاظ لا تأخذهم فيهم رأفة. رحماء بينهم أي متعاطفون متوادون بعضهم على بعض. يبتغون فضلا من الله أي يدخلهم جنته.\rورضوانا يرضى عنهم. سماهم علامتهم. في وجوههم من أثر السجود واختلف العلماء في هذه السيماء، فقال قوم: هو نور بياض في وجوههم يوم القيامة، يعرفون بتلك العلامة أنهم سجدوا في الدنيا؛ وهي رواية العوفى عن ابن عباس. وقال عطاء بن أبى رباح والربيع بن أنس: استنارت وجوههم من كثرة ما صلوا. وقال شهر بن حوشب: يكون موضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. وقال آخرون: هو السمت الحسن والخشوع والتواضع. وقال منصور: سألت مجاهدا عن قوله تعالى: سيماهم في وجوههم أهو الأثر يكون بين عيني الرجل؟ قال: لا، ربما يكون بين عيني الرجل مثل ركبة البعير، وهو أقسى قلبا من الحجارة، ولكنه نور في وجوههم من الخشوع. وقال ابن جريح: هو الوقار والبهاء. وقال شمر بن عطية: هو التهيج وصفرة الوجه وأثر السهر. قال الحسن:إذا رأيتم حسبتم مرضى، وما هم بمرضى. وقال عكرمة وسعيد بن جبير: هو أثر التراب في جباههم. وقال عطية الخراساني: دخل في هذه الاية كل من حافظ على الصلوات الخمس. ذلك مثلهم أي ذلك الذي ذكرت مثلهم صفتهم في التوراة قال: وهاهنا تم الكلام. ثم قال: ومثلهم صفتهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه؛ قال أنس: شطأه نباته. وقال ابن عباس: سنبله. وقال مجاهد والضحاك: ما يخرج تحت الحلقة فينمو ويتم. وقال مقاتل: هو نبت واحد، فإذا خرج ما بعده فقد شطأه. وقال السدي: هو أن يخرج معه الطاقة الأخرى. وقال الفراء: الأشطاء: الزرع إذا نبت سبعا أو ثمانيا أو عشرا.\rوقال الأخفش: فراخه، يقال: أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا فرخ، قال الشاعر:\rأخرج الشطء على وجه الثرى ... ومن الأشجار أفنان الثمر\rقال: وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، يعنى أنهم كانوا يكونون قليلا، ثم يزدادون ويكثرون ويقوون. قال قتادة: مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. فآزره قواه وأعانه وشد أزره.\rفاستغلظ، فغلظ وقوى. فاستوى تم وتلاحق نباته وقام. على سوقه أصوله.\rيعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار يعنى أن الله تعالى فعل ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم ليغيظ بهم الكفار. قال الثعلبي بسند يرفعه إلى الحسن ف قوله عز وجل: محمد رسول الله قال: محمد رسول الله. والذين معه، أبو بكر. أشداء على الكفار عمر بن الخطاب. رحماء بينهم عثمان بن عفان.\rتراهم ركعا سجدا على بن أبى طالب. يبتغون فضلا من الله ورضوانا طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة. سيماهم في وجوههم من أثر السجود، قال: هم المبشرون، أولهم أبو بكر وآخرهم أبو عبيدة. ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل قال: نعتهم في التوراة والإنجيل كمثل زرع. قال: الزرع: محمد صلى الله عليه وسلم. أخرج شطأه أبو بكر الصديق. فآزره عمر بن الخطاب.\rفاستغلظ عثمان؛ يعنى استغلظ للإسلام. فاستوى على سوقه على بن أبى طالب، يعني استقام الإسلام بسيفه. يعجب الزراع قال: المؤمنون.\rليغيظ بهم الكفار قال: قول عمر لأهل مكة: لا نعبد الله سرا بعد اليوم.\rرضوان الله عليهم أجمعين.\rخبر أبى بصير\rومن لحق به وانضم إليه","part":4,"page":477},{"id":1978,"text":"قد اختلف في اسمه، فقيل: عبيد بن أسيد بن جارية. وقال ابن إسحاق: عتبة بن أسيد بن جارية. وعن أبى معشر قال: اسمه عتبة بن أسيد بن جارية بن أسيد بن عبد الله بن سلمة بن عبد الله بن غيرة بن عوف بن قسي، وهو ثقيف ابن منبه بن بكر هوازن، حليف لبنى زهرة. وخبره وإن لم يكن داخلا في جملة الغزوات والسرايا فليس هو مناف لها، وموجب إيرادنا إياه في هذا الموضع لتعلقه بغزوة الحديبية، ولأن رده كان من شروط الهدنة. ونحن نورده هاهنا على ما أورده الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى، رحمه الله تعالى، في كتابه المترجم بدلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، وما أورده أبو محمد عبد الملك بن هشام عن محمد ابن إسحاق رحمهم الله تعالى، يدخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة انفلت رجل من أهل الإسلام من ثقيف، يقال له: أبو بصير بن أسيد بن جارية الثقفي من المشركين، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما مهاجرا، وكان ممن حبس بمكة، فكتب فيه أزهر بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثا رجلا من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم، ويقال: كانا من بني منقذ، أحدهما مولى والآخر من أنفسهم، واسمه جحش بن جابر، وكان ذا جلد ورأى في أنفس المشركين، وجعل لهما الأخنس في طلب أبى بصير جعلا، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق إلى قومك. \" فقال: يا رسول الله، أتردني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ قال: \" انطلق، فإن الله سيجعل لك فرجا ومخرجا. \" ودفعه إليهما، فخرجا به، حتى إذا كانا بذي الحليفة سل جحش سيفه، ثم هزه وقال: لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوما إلى الليل، فقال له أبو بصير: أو صارم سيفك هذا؟ قال: نعم؛ قال: ناولته أنظر إليه. فناوله إياه، فلما قبض عليه ضربه به حتى برد، ويقال: بل تناول أبو بصير سيف جحش بفيه، وهو نائم، فقطع به إساره، ثم ضربه به حتى برد؛ وطلب الآخر فجمز مذعورا مستخفيا، حتى دخل المسجد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا؛ فأقبل واستغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ويحك! مالك؟ فقال صاحبكم صاحبي. وجاء أبو بصير يتلوه، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: وفت ذمتك يا رسول الله، وأدى الله عنك، دفعتني إليهما فتعرفت أنهم سيعذبونني ويفتنونني عن ديني، فقتلت المنقذي، وأفلتني هذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال! \" ، وجاء أبو بصير بسلبه فقال: خمس يا رسول الله؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إني إن خمسته لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت. \" فخرج أبو بصير معه خمسة نفر كانوا قدموا مسلمين من مكة حيث قدم، ولم يطلبهم أحد، وساروا حتى نزلوا بين العيص وذي المروة من أرض جهينة، على طريق عيرات قريش مما يلي سيف البحر، لا تمر بهم غير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو - واسم أبى جندل العاص بن سهيل على ما أورده الزبير بن بكار - في سبعين راكبا أسلموا، فلحقوا بأبى بصير حين بلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" ويل امه مسعر حرب لو كان معه رجال، \" فقطعوا مادة قريش من طريق الشام. وكان أبو بصير يصلي لأصحابه، فلما قدم عليه أبو جندل كان هو يؤمهم، واجتمع إلى أبى جندل ناس من بني غفار وأسلم وجهينة وطوائف من الناس، حتى بلغوا ثلثمائة مقاتل، وهم مسلمون، فأقاموا مع أبى جندل وأبى بصير، لا تمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، وقال أبو جندل في ذلك:\rأبلغ قريشا عن أبى جندل ... أنا بذي المروة بالساحل\rفي معشر تخفق راياتهم ... بالبيض فيها والقنا الذبل\rيأبون أن تبقى لهم رفقة ... من بعد إسلامهم الواصل\rأو يجعل الله لهم مخرجا ... والحق لا يغلب بالباطل","part":4,"page":478},{"id":1979,"text":"فيسلم المرء بإسلامه ... أو يقبل المرء ولم يأتل\rفأرسلت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله بأرحامهم إلا آراهم، وقالوا: لا حاجة لنا بهم. قال البيهقي: وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه، فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره. فلما كان ذلك من أمرهم، علم الذين كانوا أشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لهم فيما أحبوا وكرهوا. وحكى البيهقي: أن هؤلاء هم الذين مر بهم أبو العاص بن الربيع فأخذوا ما معه، فلما بلغهم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلقوا من أسروا من أصحاب أبى العاص، وردوا إليهم جميع ما أخذوه حتى العقال، وقد تقدم خبر أبى العاص، وقيل: إنما أخذ في هذه السرية. والله أعلم.\rقال: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا إلى أبى بصير وأبى جندل يأمرهما أن يقدما عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحد مر بهم من قريش وعيراتهم. فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبى جندل وأبى بصير، وأبو بصير قد أشرف على الموت، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدا، وقدم أبو جندل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ناس من أصحابه، ورجع سائرهم إلى أهليهم، وأمنت عيرات قريش.\rغزوة خيبر وفتحها وما يتصل بذلك قال محمد بن سعد: غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الأولى سنة سبع من مهاجره. وقال محمد بن إسحاق وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: في المحرم من السنة. وخيبر على ثمانية برد من المدينة.\rقالوا: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتهيؤ لغزاة خيبر، وأجلب من حوله يريدون الغزاة معه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لايخرجن معنا إلا راغب في الجهاد، \" وشق ذلك على من بقى بالمدينة من اليهود، فخرج واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، قاله ابن سعد والبيهقي. وقال ابن إسحاق: استخلف نميلة بن عبد الله الليثي؛ وأخرج معه من أزواجه أم سلمة رضى الله عنها.\rقال ابن إسحاق: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر قال في مسيره لعامر بن الأكوع - وهو عم سلمة بن الأكوع، واسم الأكوع سنان - \" انزل يآبن الأكوع، فخذ لنا من هناتك، \" فنزل يرتجز برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:\rوالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\rإنا إذا قوم بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا\rفأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا\rفقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحمك ربك. ومن رواية البيهقي: غفر لك ربك. قال: وما خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا قط إلا استشهد. قال ابن إسحاق: فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: وجبت والله يا رسول الله، لو متعتنا بعامر؛ فقتل يوم خيبر شهيدا، رجع سيفه عليه وهو يقاتل، فكلمه كلما شديدا فمات.\rقال: ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة سلك على عصر فبنى له مسجدا، ثم على الصهباء، ثم أقبل بجيشه حتى نزل بواد يقال له: الرجيع، فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما سمعت غطفان بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر جمعوا، ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه، حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا، وظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أهليهم وأموالهم، ودخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين خيبر.\rقال: ولما أشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر قال لأصحابه: قفوا فوقفوا، ثم قال: \" اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله. \"","part":4,"page":479},{"id":1980,"text":"قال: ولما نزل بساحتهم لم يتحركوا تلك الليلة، ولم يصح لهم ديك حتى طلعت الشمس، وأصبحوا وأفئدتهم تخفق، وفتحوا حصونهم، وغدوا إلى أعمالهم، معهم المساحي، والكرازن - وهي الفئوس - والمكاتل - وهي الزنابيل - فلما نظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: محمد والخميس - يعنون الجيش - فولوا هاربين إلى حصونهم، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، \" ووعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، وفرق فيهم الرايات، ولم تكن الرايات إلا يوم خيبر، إنما كانت الألوية، فكانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم السواء من برد لعائشة أم المؤمنين رضى الله عنها تدعى العقاب، ولواؤه أبيض، ودفعه إلى علي بن أبى طالب،وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سعد بن عباد؛ وكان شعارهم: يا منصور أمت، وكانت حصون خيبر حصونا ذوات عدد، منها النطاة، وحصن الصعب ابن معاذ، وحصن ناعم، وحصن قلعة الزبير، هذه حصون النطاة. والشق وبه حصون منها: حصن أبى، وحصن النزار. وحصون الكتيبة منها: القموص، والوطيح، وسلالم. وسنذكر إن شاء الله فتحها حصنا حصنا. قال: وخرج مرحب اليهودي من حصنهم، قد جمع سلاحه وهو يقول:\rقد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب\rأطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الليوث أقبلت تحرب\rإن حماى للحمى لا يقرب\rثم يقول: هل من مبارز؟ فأجابه كعب بن مالك وهو يقول:\rقد علمت خيبر أني كعب ... مفرج الغمى جرئ صلب\rإذ شبت الحرب تليها الحرب ... معي حسام كالعقيق عضب\rنطاكم حتى يذال الصعب ... نعطي الجزاء أو يفئ النهب\rبكف ماض ليس فيه عتب\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، قتل أخي بالأمس؛ قال: فقم إليه، اللهم أعنه عليه. فخرج إليه حتى دنا منه، فحمل مرحب عليه فضربه، فاتقاه بالدرقة، فأمسكت سيفه، وضربه محمد بن مسلمة فقتله. وقد روى أن الذي قتل مرحبا علي بن أبى طالب رضى الله عنه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى اللواء عمر بن الخطاب رضى الله عنه، ونهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجيبه أصحابه ويجبنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، فأخذ أبو بكر رضى الله عنه راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع، فأخذها عمر رضى الله عنه فقاتل قتالا شديدا أشد من القتال الأول، ثم رجع، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال: \" أما والله لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يأخذها عنوة. \" وفي رواية قال: يفتح الله على يديه. فبات الناس يذكرون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين أبى طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه؛ قال: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه سلمة بن الأكوع فدعاه، فجاء على بعير له حتى أناخ قريبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أرمد، قد عصب عينيه بشقة برد قطري، قال سلمة: فجئت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك؟ قال: رمدت؛ فقال: ادن مني فدنا منه فتفل في عينيه، ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، وما وجعهما حتى مضى لسبيله، ثم أعطاه الراية وقال: \" امض حتى يفتح الله عليك \" قال: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله، فو الله لئن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم روى هذا الحديث أو نحوه أهل الصحة.\rومن رواية ابن إسحاق عن سلمة بن الأكوع قال: فنهض علي بالراية وعليه حلة أرجوان حمراء، وقد أخرج حملها، فأتى مدينة خيبر، وخرج مرحب صاحب الحصن، وعليه مغفر معصفر، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز ويقول:","part":4,"page":480},{"id":1981,"text":"قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب\rأطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الحروب أقبلت تلهب\rكان حماى كالحمى لا يقرب\rفبرز له بن أبى طالب فقال:\rأنا الذي سمتنى حيدره ... كليث غابات شديد قسوره\rأكيلكم بالسيف كيل السندره\rفاختلفا ضربتين، فبدره علي رضى الله عنه فضربه، فقد الحجر والمغفرة وفلق رأسه، حتى أخذ السيف في الأضراس. ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر، وهو يرتجز ويقول:\rقد علمت خيبر أني ياسر ... شاكي السلاح بطل مغاور\rإذا الليوث أقبلت تبادر ... إن حماى فيه موت حاضر\rوهو يقول: هل من مبارز؟ فخرج إليه الزبير بن العوام رضى الله عنه، وهو يقول:\rقد علمت خيبر أني زبار ... قرم لقوم غير نكس فرار\rأين حماة المجد؟ أين الأخيار؟ ... ياسر، لا يغررك جمع الكفار\rفجمعهم مثل السراب الختار\rفقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: أيقتل ابني يا رسول الله؟ قال: \" بل ابنك يقتله إن شاء الله \" ثم التقيا، فقتله الزبير. ومن رواية أخرى عن سلمة قال: فخرج علي رضى الله عنه يهرول هرولة وإنا لخلقه نتبع أثره، حتى ركز رايته في رضم حجارة تحت الحصن، فاطلع إليه يهودى من رأس الحصن فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبى طالب؛ فقال اليهودى: علوتم وما أنزل الله على موسى. وقال ابن إسحاق أيضا من رواية أبى رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: خرجنا مع علي رضى الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي بابا كان عند الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر معي سبعة، أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه.","part":4,"page":481},{"id":1982,"text":"قال محمد بن إسحاق وأبو بكر البيهقي وغيرهما: إن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، جهدنا وما بأيدينا من شئ؛ فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يعطيهم إياه؛ فقال: اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدى شئ أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها غناء، وأكثرها طعاما وودكا، فغدا الناس، ففتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر منه طعاما وودكا. قال البيهقي: وافتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم حصن ناعم، فانتقل من كان من يهود بحصن مصعب بن معاذ وحصن ناعم إلى قلعة الزبير، ويقال: حصن ناعم أول ما افتتح من حصونهم، وعنده قتل محمود بن مسلمة، ألقيت عليه رحى منه فمات. قال: وحصن الزبير حصن منيع في رأس قلة، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم به ثلاثة أيام، فجاءه رجل من اليهود يقال له: غزال؛ فقال: يا أبا القاسم، تؤمنني على أن أدلك على ما تستريح به من أهل النطاة، وتخرج إلى أهل الشق؟ فإن أهل الشق قد هلكوا رعبا منك، فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله وماله، فقال اليهودى: إنك لو أقمت شهرا ما بالوا، لهم دبول تحت الأرض، يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإذا قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دبولهم فقطعها، فلما قطع عليهم مشاربهم خرجوا فقاتلوا أشد قتال، وقتل من المسلمين يومئذ نفر، وأصيب من يهود في ذلك اليوم عشرة، وآفتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان آخر حصون النطاة؛ فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من النطاة تحول إلى أهل الشق، وبه حصون، فكان أول حصن بدأ به صلى الله عليه وسلم حصن أبى، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على قلعة يقال لها سموان؛ فقاتل عليها أهل الحصن قتالا شديدا، وخرج رجل من اليهود يقال له غزول؛ فدعا إلى البراز، فبرز له الحباب بن المنذر، فآختلفا ضربات، ثم حمل عليه الحباب فقطع يده اليمنى من نصف الذراع، فسقط السيف من يده وهرب إلى الحصن، فتبعه الحباب فقطع عرقوبيه، فوقع، فذفف عليه، فخرج آخر فصاح: من يبارز؟ فبرز له رجل من المسلمين من آل جحش، فقتل الجحشي، وقام مكانة يدعو إلى البراز، فبرز له أبو دجانة، قد عصب رأسه بعصابة حمراء فوق المغفر، يختال في مشيته، فبدره أبو دجانة فضربه فقطع رجليه، ثم ذفف عليه وأخذ سلبه؛ درعه وسيفه: فنفله رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وأحجموا عن البراز، فكبر المسلمون، ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه، يقدمهم أبو دجانة الأنصاري، فوجدوا فيه أثاثا ومتاعا وغنما وطعاما، وهرب من كان فيه من المقاتلة، وتقحموا الجدار كأنهم الظبي إلى حصن النزار، فغلقوه وامتنعوا فيه، وزحف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه فقاتلهم، فكانوا أشد أهل الشق رميا بالنبل والحجارة، حتى أصاب النبل ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلقت به، فأخذ النبل فجمعها، ثم أخذ كفا من حصباء، فحصب به حصنهم فرجف الحصن بهم، ثم ساخ في الأرض حتى جاء المسلمون، فأخذوا أهله أخذا أهله أخذا، ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الكتيبة، فافتتح القموص، حصن أبى الحقيق، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه بصيفية بنت حي بن أخطب.","part":4,"page":482},{"id":1983,"text":"قالوا: ولما آفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما آفتتح، وحاز من الأموال ما حاز، آنتهوا إلى حصنيهم: الوطيح والسلالم، وكانا آخر حصون أهل خيبر آفتتاحا، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسيرهم، وأن يحقن دماءهم. قال البيهقي: حصرهم أربعة عشر يوما وهم لا يطلعون من حصونهم، حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب المنجنيق عليهم، فلما أيقنوا بالهلكة سألوا الصلح، وأرسل آبن أبى الحقيق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل فأكلمك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فنزل كنانة بن الربيع آبن أبى الحقيق فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة، وترك الذرية لهم، ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم، ويخلون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال وأرض، وعلى الصفراء بيضاء والكراع والحلقة، وعلى البز إلا ثوبا على ظهر إنسان؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا \" فصالحوه على ذلك. وكان عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق كنز بنى النضير، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فجحد أن يكون يعلم مكانه، وقال: نفذ في النفقة والحروب؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كان أكثر من ذلك، \" ثم جاء رجل من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة: \" أرأيت إن وجدناه عندك، أقتلك؟ \" قال: نعم؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقى، فأبى أن يؤديه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام به، فقال: \" عذبه حتى تستأصل ما عنده، \" فكان يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة. ويقال: ذلك بعد فتح حصن القموص، وقبل فتح الوطيح والسلالم.\rقال محمد بن إسحاق: ولما نزل أهل خيبر على الصلح سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الأموال على النصف؛ على أنا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، قال: ولما سمع أهل فدك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آفتتح حصون خيبر بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسألونه أن يسيرهم، وأن يحقن دماءهم، ويخلوا له الأموال، ففعل؛ وكان ممن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك محيصة بن أخو بني حارثة، ثم سألوا أن يعاملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف كما عامل أهل خيبر، فأجابهم إلى ذلك؛ على أنا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم؛ فكانت خيبر فيئا بين المسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب.\rولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر قدم عليه جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه من أرض الحبشة ومن كان بقى بها من المسلمين، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه التزمه، وقال: ما أدرى بايهما أنا أسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر! .\rمن استشهد في خيبر\rقالوا: استشهد من المسلمين في غزوة خيبر تسعة عشر رجلا. من قريش وحلفائهم خمسة نفر، وهم رفاعة بن مسروح، من بني أمية بن عبد شمس، ومن حلفائهم ربيعة بن أكثم بن سخبرة، وثقف بن عمرو بن سميط، ومن حلفاء بني أسد ابن عبد العزى أبو عمير عبد الله بن الهبيب - ويقال ابن الهبيب - بن أهيب الليثي، ومسعود بن ربيعة، حليف لبنى زهرة، من القارة. ومن الأنصار أربعة عشر رجلا، وهم: بشر بن البراء بن معرور، مات من الشاة المسمومة، وفضيل بن النعمان، ومسعود بن سعد بن قيس، ومحمود بن مسلمة، وأبو ضياح النعمان بن ثابت، والحارث بن حاطب، ممن شهد بدرا، وعروة بن مرة بن سراقة، وأوس بن الفائد، وأنيف بن حبيب، وثابت بن إثلة، وطلحة، ومبشر، وعمارة بن عقبة، وعامر بن الأكوع الأسلمى، وكان قد برز له يهودى، فبرز إليه وهو يقول:\rقد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر","part":4,"page":483},{"id":1984,"text":"واختلفا ضربتين، فوقع سيف اليهودي في ترس عامر، ووقع سيف عامر عليه، فأصاب ركبة نفسه وساقه، فمات منها. قال سلمة بن الأكوع: فمررت على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: بطل عمل عامر؛ فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم وأنا شاحب أبكي، فقلت: يا رسول الله، أبطل عمل عامر؟ فقال: ومن قال ذلك؟ قلت: بعض أصحابك؛ قال: كذب من قاله، بل أجره مرتين، إنه لجاهد مجاهد.\rواستشهد الأسود الراعي - واسمه أسلم، وهو من أهل خيبر - وكان من حديثه حكاه محمد بن إسحاق وأبو بكر البيهقي رحمهما الله: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه غنم كان فيها أجيرا لرجل من يهود، فقال: يا رسول الله، اعرض على الإسلام؛ فعرضه عليه، فقال: فماذا لي إن أنا شهدت وآمنت بالله؟ قال: لك الجنة إن أنت مت على ذلك، فأسلم وقال: يا رسول الله، إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أخرجها من عسكرنا، واحصب وجوهها، فإن الله سيؤدي عنك أمانتك، وسترجع إلى ربها. \" ففعل الأسود وقال: ارجعي إلى صاحبك، فو الله لا أصحبك، فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن. ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع خلفه، وسجى بشملة كانت عليه، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعرض عنه، فقالوا: يا رسول الله، لم أعرضت عنه؟ قال: \" إن معه الآن زوجته من الحور العين. \" وقتل من يهود ثلاثة وأربعون، منهم: الحارث أبو زينب، ومرحب، وأسير، وياسر، وعامر، وكنانة بن أبى الحقيق، وأخوه.\rقسم غنائم خيبر\rقال محمد بن سعد: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنائم فجمعت، واستعمل عليها فروة بن عمرو البياضي، وأمر بذلك فجزئ خمسة أجزاء، وكتب في سهم منها لله، وسائر السهمان أغفال، فكان أول ما خرج سهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر ببيع الأربعة أخماس فيمن يزيد، فباعها فروة، وقسم ذلك بين أصحابه؛ وكان الذي ولي إحصاء الناس زيد بن ثابت، فأحصاهم ألفا وأربعمائة رجل، والخيل مائتي فرس، فكانت السهمان على ثمانية عشر سهما، لكل مائة سهم، وكان الخمس الذي صار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي منه على ما أراه الله.\rوقال محمد بن إسحاق: كانت المقاسم على أموال خيبر، على الشق ونطاة والكتيبة، فكانت الكتيبة خمس الله، وسهم النبي صلى الله عليه وسلم وذوى القربى واليتامى والمساكين، وطعم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وطعم رجال مشوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين أهل فدك بالصلح، منهم محيصة بن مسعود، أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ثلاثين وسقا من شعير، وثلاثين وسقا من تمر، وكانت الشق ونطاة في سهمان المسلمين؛ قال: وقسمت خيبر على أهل الحديبية، من شهد منهم ومن غاب، ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم كسهم من حضرها. وقال: وكان وادياها: وادي السرير ووادي خاص، وهما اللذان قسمت عليهما خيبر، فكانت نطاة والشق ثمانية عشر سهما، نطاة خمسة أسهم، والشق ثلاثة عشر سهما، فقسمت الشق ونطاة على ألف سهم وثمانمائة سهم، فكان لكل سهم رأس جمع إليه مائة رجل؛ ثم قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتيبة - وهو وادي خاص - بين قرابته ونسائه ورجال من المسلمين ونساء أعطاهم منها. وروى بشير بن يسار قال: لما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر أخذها عنوة، فقسمها على ستة وثلاثين سهما، فأخذ لنفسه ولنوائبه وما ينزل به ثمانية عشر سهما، وقسم بين الناس ثمانية عشر سهما. والله أعلم.","part":4,"page":484},{"id":1985,"text":"وروى أبو داود في سننه بسنده إلى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم؛ وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانا؟ قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممن شهد الحديبية، وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقا، ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني أعطيتها من صداقها سهمى بخيبر. فأخذت سهما فباعته بمائة ألف.\rتسمية من قسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم\rمن الكتيبة التي خرجت للخمس وما أعطاهم منها قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتيبة - وهو وادي خاص - لفاطمة ابنته رضى الله عنها مائتي وسق، ولعلي بن أبى طالب مائة وسق، ولأسامة بن زيد مائتي وسق، وخمسين وسقا نوى، ولعائشة أم المؤمنين رضى الله عنها مائتي وسق، ولأبى بكر الصديق رضى الله عنه مائة وسق، ولعقيل بن أبى طالب مائة وسق وأربعين وسقا، ولبني جعفر خمسين وسقا، ولربيعة بن الحارث مائة وسق، وللصلت بن مخرمة وابنيه مائة وسق؛ للصلت منها أربعون وسقا. وقال أبو عمر بن عبد البر في ترجمة قاسم بن مخرمة بن المطلب: أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأخيه الصلت مائة وسق من خيبر، ولأبى نبقة خمسين وسقا، ولركانة بن عبد يزيد خمسين وسقا، ولابن القاسم بن مخرمة أربعين وسقا، ولبنات عبيدة بن الحارث وابنه الحصين بن الحارث مائة وسق، ولبني عبيد بن عبد يزيد ستين وسقا، ولابن أوس بن مخرمة ثلاثين وسقا، ولمسطح بن أثاثة وابن إلياس خمسين وسقا، ولأم رميثة أربعين وسقا، ولنعيم بن هند ثلاثين وسقا، ولبحينة بنت الحارث ثلاثين وسقا، ولعجير بن عبد يزيد ثلاثين وسقا، ولأم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب ثلاثين وسقا، ولجمانة بنت أبى طالب ثلاثين وسقا، ولعبد الله بن الأرقم الزهري خمسين وسقا، ولعبد الرحمن بن أبى بكر أربعين وسقا، ولحمنة بنت جحش ثلاثين وسقا، ولام الزبير أربعين وسقا، ولضباعة بنت الزبير أربعين وسقا، ولابن أبى خنيس ثلاثين وسقا، ولأم طالب أربعين وسقا، ولأبى نضرة عشرين وسقا، ولنميلة الكلبى خمسين وسقا، ولعبد الله بن وهب وابنيه تسعين وسقا، لابنيه منها أربعون وسقا، ولأم حبيب بنت جحش ثلاثين وسقا، ولملكو بن عبدة ثلاثين وسقا، ولنسائه صلى الله عليه وسلم سبعمائة وسق.\rوقال ابن إسحاق أيضا: وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسائه من فتح خيبر مائة وسق وثمانين وسقا، ولفاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وثمانين وسقا، ولأسامة بن زيد أربعين وسقا، وللمقداد بن الأسود خمسة عشر وسقا، ولأم رميثة خمسة أوسق.\rشهد عثمان بن عفان وعباس وكتب.\rقال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر خاصا بين المسلمين ويهود فيخرص عليهم، فإذا قالوا: تعديت علينا؛ قال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا؛ فتقول يهود: بهذا قامت السموات والأرض.\rولم يحرص عليهم عبد الله إلا عاما واحدا ومات.","part":4,"page":485},{"id":1986,"text":"وروى أبو داود رحمه الله في سننه بسنده عن جابر بن عبد الله من رواية ابن جريج عن أبى الزبير عنه، قال: خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق، وإن اليهود لما خيرهم ابن رواحة أخذوا التمر وعليهم عشرون ألف وسق؛ ثم خرص عليهم بعده جبار بن صخر بن أمية بن خنساء، أخو بني سلمة، فأقامت يهود على ذلك لا يرى بهم المسلمون بأسا في معاملتهم، حتى عدوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن سهيل، أخي بني حارثة، فقتلوه، وكان قد خرج إليها في أصحاب له يمتار منها تمرا، فوجد في عين قد كسرت عنقه، فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بقتله، وجاء أخوه عبد الرحمن بن سهيل، وابنا عمه حويصة ومحيصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكلم عبد الرحمن - وكان أصغرهم، وهو صاحب الدم - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كبر كبر فسكت، وتكلم حويصة ومحيصة، ثم تكلم بعدهما، فذكروا قتل صاحبهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أتسمعون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يمينا فنسلمه إليكم؟ \" قالوا: يا رسول الله، ما كنا لنحلف على مالا نعلم؛ قال: \" أفيحلفون بالله خمسين يمينا ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلا، ثم يبرءون من دمه؟ \" ، فقالوا: يا رسول الله، ما كنا لنقبل أيمان يهود، ما هم فيه من الكفر أعظم أن يحلفوا على إثم. قال: فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة ناقة.\rقال: واستقرت خيبر بيد يهود على ما عاملهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته، ثم أقرها أبو بكر رضى الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهم على المعاملة، ثم أقرهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه صدرا من خلافته، ثم بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي قبضه الله فيه: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان؛ ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود، فقال: إن الله قد أذن في إجلائكم، قد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان \" فمن كان عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود فليأتنى به أنفذه له، ومن لم يكن له عهد منه فليتجهز للجلاء. فأجلى عمر بن الخطاب من لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rهذا ما كان من أمر خيبر على سبيل الاختصار، فلنذكر ما اتفق بعد فتح خيبر مما يتعين إلحاقه بهذه الغزوة لتعلقه بها، فمن ذلك خبر الشاة التي سم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قدمنا ذكر ذلك في أخبار يهود، وهو في الجزء الرابع عشر من هذه النسخة، ومنه خبر الحجاج بن علاط.\rخبر الحجاج بن علاط\rوما أوصله إلى أهل مكة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استوفى أمواله قالوا: وكان الحجاج بن علاط السلمى ثم البهزي أسلم وشهد خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فتحت خيبر قال: يا رسول الله، ان لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبى طلحة، ومال مفرق في تجار أهل مكة، فأذن لي يا رسول الله.","part":4,"page":486},{"id":1987,"text":"فأذن له، فقال: إنه لابد لي يا رسول الله من أن أقول. قال: قل، قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثينة البيضاء رجالا من قريش يستمعون الأخبار، ويسألون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز؛ ريفا ومنعة ورجالا، فهم يتحسسون الأخبار، ويسألون الركبان، فلما رأوني قالوا: الحجاج بن علاط عنده والله الخبر؛ قال: ولم يكونوا قد علموا بإسلامي، فقالوا: أخبرنا يا أبا محمد، فإنه بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهي بلد يهود وريف الحجاز؛ قال: قلت: قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم؛ فالتبطوا بجنبي ناقتي يقولون: إيه يا حجاج! قال: قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قط، وأسر محمد أسرا، وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة، فيقتلوه بين أظهرهم بمن أصاب من رجالهم. فقالوا وصاحوا بمكة، وقالوا: لقد جاءكم الخبر، وهذا محمد، إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم. قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكة على غرمائي، فإني أريد أن أقدم خيبر، فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك. قال: فقاموا فجمعوا لي مالي كأحث جمع سمعت به. قال: وجئت صاحبتي فقلت: مالي - وقد كان لي عندها مال موضوع - لعلي ألحق بخيبر، فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار؛ قال: فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر وجاءه عني، أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيم التجار، فقال: يا حجاج، ما هذا الخبر الذي جئت به؟ قال: قلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: قلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: نعم؛ قلت: فاستأخر عني حتى أفرغ. قال: فلما فرغت من جمع كل شئ كان لي بمكة، وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت: احفظ علي حديثي يا أبا الفضل، فإني أخشى الطلب ثلاثا، ثم قل ما شئت. قال: أفعل؛ قلت: فإني والله تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم - يعني صفية بنت حي بن أخطب - ولقد افتتح خيبر، وانتثل ما فيها، وصارت له ولأصحابه؛ قال: ما تقول يا حجاج! قلت: إي والله، فاكتم عني، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي فرقا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فأظهر أمرك، فهو والله على ما تحب. قال: وسرت حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له، وتخلق وأخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى الكعبة، فطاف بها، فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل، هذا والله التجلد لحر المصيبة؛ قال: كلا، والله الذي حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على آبنة ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها، فأصبحت له ولأصحابه. قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلما فأخذ ماله، وانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه؛ قالوا: يالعباد الله! انقلت عدو الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن. ولم يلبثوا أن جاءهم الخبر بذلك.\rوادي القرى انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خيبر إلى وادي القرى، ونومهم عن صلاة الصبح قالوا: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر انصرف إلى وادي القرى، فنزل به مع غروب الشمس، ومعه غلام له يقال له: مدعم؛ أهداه إليه رفاعة بن زيد الجذامي، فبينا هو يضع رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه سهم غرب فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كلا والذي نفس محمد بيده إن شملته لتحترق عليه في النار. \" كان غلها من فئ المسلمين يوم خيبر، فسمعها رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أصبت شراكين لنعلين لي؛ فقال: يقد لك مثلهما من النار.","part":4,"page":487},{"id":1988,"text":"قال أبو بكر أحمد البيهقي رحمه الله بسند يرفعه إلى أبى هريرة رضى الله عنه، وساق نحو الحديث في قتل مدعم، ثم قال: وكانت يهود قد ثوى إليها ناس من العرب، فاستقبلونا بالرمى حيث نزلنا، ولم نكن على تعبئة، وهم يصيحون من آطامهم، فعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وصفهم للقتال، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم، وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله. فبرز رجل منهم، فبرز إليه الزبير ابن العوام فقتله، ثم برز آخر، فبرز إليه علي بن أبى طالب رضى الله عنه فقتله ثم برز آخر، فبرز إليه أبو دجانة الأنصاري رضى الله عنه فقتله، حتى قتل منهم اثنا عشر رجلا، كلما قتل رجل منهم دعى من بقى إلى الإسلام. قال: ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذ فيصلي بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله، فقاتلهم صلى الله عليه وسلم حتى أمسى، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها عنوة، وغنم أموالهم، وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام، وقسم ما أصاب على أصحابه، وترك الأرض والنخل بأيدي يهود، وعاملهم عليها، فلما بلغ يهود تيماء ما كان من أمر خيبر وفدك ووادي القرى صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية، وأقاموا بأيديهم أموالهم، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة؛ فلما كان ببعض الطريق قال من آخر الليل: من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام؟ وجاء في الحديث: من رجل يكلأ لنا الليل؟ فقال بلال: أنا يا رسول الله. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل الناس فناموا، وقام بلال يصلي، فصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم استند إلى بعيره واستقبل الفجر يرمقه فغلبته عينه فنام، فلم يوقظهم إلا مس الشمس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول أصحابه استيقاظا، فقال: ماذا صنعت بنا يا بلال؟ فقال: يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك. قال: صدقت. ثم اقتاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيره غير كثير ثم أناخ، فتوضأ وتوضأ الناس، ثم أمر بلالا فأقام الصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فلما سلم أقبل على الناس فقال: إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها، فإن الله عز وجل يقول: \" وأقم الصلاة لذكرى. \" وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استيقظ واستيقظ أصحابه أمرهم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: إن هذا واد به شيطان فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي، ثم أمرهم أن ينزلوا وأن يتوضئوا... الحديث بنحو ما تقدم.\rسرية عمر بن الخطابرضى الله عنه إلى تربة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة سبع من مهاجره في ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن بتربة - وهي ناحية العبلاء على أربع ليال من مكة، طريق صنعاء ونجران - فأتى الخبر هوازن فهربوا، وجاء عمر محالهم فلم يلق بها أحدا.\rفانصرف راجعا إلى المدينة.\rسرية أبى بكر الصديقرضى الله عنه إلى بنى كلاب بنجد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة سبع من مهاجره.","part":4,"page":488},{"id":1989,"text":"روى عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع أبى بكر رضى الله عنه إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فسبى ناسا من المشركين فقتلناهم، وكان شعارنا: أمت أمت. قال: فقلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين. وعنه أيضا قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر إلى فزارة. وهذا الذي صححه مسلم. وعن إياس بن سلمة بن الأكوع قال: حدثني أبى قال: غزونا فزازة وعلينا أبو بكر رضى الله عنه، أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فلما كان بينه وبين القوم ساعة أمرنا أبو بكر فعرسنا، ثم شن الغارة فورد الماء، فقتل من قتل وسبى من سبى. ثم قال سلمة: فرأيت عنقا من الناس فيهم الذرارى، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فجئت بهم أسواقهم، وفيهم امرأة من بني فزازة، معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر رضى الله عنه فنفلنى ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبا، فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق، فقال: يا سلمة، هب لي المرأة. فقلت: يا رسول الله، قد أعجبني وما كشفت لها ثوبا؛ ثم لقيني من الغد في السوق، فقال: يا سلمة، هب لي المرأة، لله أبوك! .\rفقلت: هي لك يا رسول الله؛ فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، ففدى بها ناسا من المسلمين كانوا أسروا بمكة. روى هذا الحديث مسلم.\rسرية بشير بن سعد الأنصاري إلى فدك بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة سبع من مهاجره في ثلاثين رجلا إلى بني مرة بفدك، فخرج فلفى رعاء الشاء، فسأل عن الناس فقيل: في نواديهم؛ فاستاق النعم والشاء، وانحدر إلى المدينة، فخرج الصريخ فأخبرهم فأدركهم الدهم منهم عند الليل، فباتوا يرمونهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير وأصبحوا، فحمل المريون عليهم فأصابوا أصحاب بشير، وقاتل بشير حتى ارتث وضرب كعبه، وقيل: قد مات. ورجعوا بنعمهم وشائهم، وقدم علبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قدم بعده بشير بن سعد.\rسرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان سنة سبع من مهاجره إلى بني عوال، وبنى عبد بن ثعلبة، وهم بالميفعة، وهي وراء بطن نخل إلى النقرة قليلا بناحية نجد، وبينها وبين المدينة ثمانية برد.\rبعثه في مائة وثلاثين رجلا، ودليلهم يسار، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهجموا عليهم جميعا، ووقعوا وسط محالهم، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعما وشاء فحدروه إلى المدينة، ولم يأسروا أحدا. وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال لا إله إلا الله، وهو نهيك بن مرداس بن ظالم من بني ذبيان بن بغيض، وقال ابن إسحاق: مرداس بن نهيك؛ حليف لهم من الحرقة من جهينة.\rونقل أبو عمر بن عبد البر أنه عامر بن الاضبط الأشجعي، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وداه. قال أسامة: أدركته أنا ورجل من الأنصار، فلما شهرنا عليه السلاح قال أشهد أن لا إله إلا الله؛ فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه خبره؛ فقال: يا أسامة، من لك بلا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنه إنما قالها تعوذا من القتل؛ قال: فمن لك بها يا أسامة؟ قال: فو الذي بعثه بالحق إنه مازال يرددها علي حتى لوددت أن ما مضى من إسلامي لم يكن، وكنت أسلمت يومئذ، وأني لم أقتله. قال: قلت: أنظرني يا رسول الله، إني أعاهد الله ألا أقتل رجلا يقول: لا إله إلا الله أبدا. قال: يقول بعدي يا أسامة، قلت: بعدك.\rوفي بعض طرق هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسامة حين قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذا من القتل هلا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب! .\rسرية إلى يمن وجبار كانت هذه السرية في شوال سنة سبع من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم.","part":4,"page":489},{"id":1990,"text":"وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن جمعا من غطفان بالجناب قد واعدهم عيينة بن حصن ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بشير بن سعد فعقد له لواء، وبعث معه ثلثمائة رجل، فساروا حتى أتوا يمن وجبار، وهو نجو الجناب - والجناب يعارض سلاح وخيبر ووادي القرى - فدنوا من القوم فأصابوا لهم نعما كثيرا، وتفرق الرعاء فحذروا الجمع، فتفرقوا ولحقوا بعلياء بلادهم، وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتى أتى محالهم فلم يجد فيها أحدا، فرجع بالنعم، وأصاب منهم رجلين، فأسرهما وقدم بهما المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلهما صلى الله عليه وسلم.\rسرية آبن أبى العوجاء السلمى إلى بني سليم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة سنة سبع من مهاجره في خمسين رجلا إلى بني سليم، وذلك بعد انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة بعد عمرة القضاء، فخرج إليهم وتقدمه عين لهم كان معه، فحذرهم، فتجمعوا، فأتاهم ابن أبى العوجاء وهم معدون له، فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا إليه. فتراموا ساعة بالنبل، وجعلت الأمداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل ناحية، فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم، وأصيب آبن أبى العوجاء جريحا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان من الهجرة.\rسرية إلى بني الملوح بالكديد كانت في صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى عن جندب بن مكيث الجهني قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب ابن عبد الله الليثي، ثم أحد بني كلب بن عوف في سرية، فكنت فيهم، وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملوح بالكديد - وهو من بني ليث - قال: فخرجنا حتى إذا كنا لقينا الحارث بن البرصاء، فأخذناه، فقال: إنما جئت أريد الإسلام. قلنا: إن تكن مسلما لم يضررك رباطنا يوما وليلة. قال: فشددناه وثاقا، وخلفنا عليه رويجلا منا أسود، وسرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس، فكمنا في ناحية الوادي، وبعثني أصحابي ربيئة، فخرجت حتى آتى تلا مشرفا على الحاضر، فاستندت فيه، فعلوت في رأسه، فنظرت إلى الحاضر، فو الله إني لمنبطح على التل إذ خرج رجل منهم من خبائه، فقال لآمرأته: إني لأرى على التل سوادا ما رأيته في أول يومي، فآنظري إلى أوعيتك، هل تفقدين منها شيئا؟ لا تكون الكلاب جرت بعضها قال: فنظرت، فقالت: لا والله ما أفقد شيئا. قال: فناولني قوسي وسهمين. فناولته، فأرسل سهما فو الله ما أخطأ جنبي، فأنزعه فأضعه، وثبت مكاني، ثم أرسل الآخر فوضعه في منكبي، فأنزعه فأضعه، وثبت مكاني، فقال لآمرأته: لو كان ربيئة لقد تحرك، لقد خالطه سهماى لا أبا لك! فإذا أصبحت فآبتغيهما فخذيهما لا تمضغهما الكلاب؛ قال: ثم دخل، وأمهلناهم حتى آطمأنوا - وكان وجه السحر - شننا عليهم الغارة، وآستقنا النعم، فخرج صريخ القوم في قومهم، فجاء ما لا قبل لنا به، فخرجنا بها نحدرها حتى مررنا بابن البرصاء فاحتملناه وآحتملنا صاحبنا، وأدركنا القوم حتى نظروا إلينا، ما بيننا وبينهم إلا الوادي - وادي قديد - فأرسل الله تعالى الوادي بالسيل من حيث شاء تبارك وتعالى من غير سحابة نراها ولا مطر، فجاء بشئ ليس لأحد به قوة، ولا يقدر على أن يجاوزه، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون إلينا، وإنا لنسوق نعمهم ما يستطيع رجل منهم أن يجيز إلينا، ونحن نحدوها سراعا حتى فتناهم، فلم يقدروا على طلبنا، قال: فقدمنا بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال آبن سعد: كانوا بضعة عشر رجلا، وكان شعارهم يومئذ: أمت أمت! سريةإلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك كانت في صفر سنة ثمان من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هيأ الزبير بن العوام رضى الله عنه، قال له: سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد، فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم، وهيأ معه مائتي رجل، وعقد له لواء، فقدم غالب بن عبد الله من الكديد، وقد أظفره الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: آجلس. وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل، فيهم أسامة بن زيد، فسار حتى آنتهى إلى أصحاب بشير، فأصابوا نعما، وقتلوا قتلى.\rسرية شجاع بن وهب","part":4,"page":490},{"id":1991,"text":"الأسدي إلى بني عامر بالسى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة ثمان من الهجرة في أربعة وعشرين رجلا إلى جمع من هوازن بالسى، من ناحية ركبة، من وراء المعدن، وهي من المدينة على خمس ليال، وأمره أن يغير عليهم، فسار حتى صبحهم وهي غارون، فأصابوا نعما كثيرا وشاء، فآستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة، وغابت هذه السرية خمس عشرة ليلة.\rسرية إلى ذات أطلاح بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري في شهر ربيع الأول سنة ثمان من الهجرة في خمسة عشر رجلا، فساروا حتى آنتهوا إلى ذات أطلاح، من أرض الشام، وهي من وراء وادي القرى، فوجدوا جمعا كثيرا من جمعهم، فدعوهم إلى الإسلام.\rفلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوه أشد القتال حتى قتلوا، وأفلت منهم رجل جريح، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فشق ذلك عليه، وهم بالبعث إليهم، فبلغه أنهم قد ساروا إلى مواضع أخر، فتركهم.\rسرية مؤتة ومؤتة بأدنى البلقاء بالقرب من الكرك.\rكانت هذه السرية في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة. وسبب بعث هذه السرية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عمير الأزدى إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، فقتله، ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم غيره، فآشتد ذلك عليه، وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف، وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أمير القوم زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبى طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلا فيجعلوه عليهم، \" وعقد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء أبيض وسلمه إلى زيد بن حارثة، وأوصاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام فإن أجابوا، وإلا فآستعينوا عليهم بالله وقاتلوهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع، فوقف وودعهم وآنصرف عنهم، فقال عبد الله بن رواحة:\rخلف السلام على آمرئ ودعته ... في النخل خير مودع وخليل\rفلما ساروا من معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكم، وردكم صالحين غانمين! .\rفقال آبن رواحة:\rلكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا\rفي أبيات أخر.\rقال: فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فجمعوا لهم، وقام فيهم شر حبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف، وقدم الطلائع أمامه، وقد نزل المسلمون معان من أرض الشام، وبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام والقين، عليهم رجل من بلى ثم أحد إراشة؛ يقال له: مالك بن زافلة، فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشجعهم عبد الله ابن رواحة، وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة. فقال الناس: قد والله صدق آبن رواحة. قال: فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال المشارف، ثم دنا العدو، وآنحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، ووافاهم المشركون، فجاء منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب فعبأ المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له: عباية بن مالك - ويقال: عبادة - ثم آلتقوا وآقتتلوا، فقاتل زيد بن الحارثة رضى الله عنه براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل طعنا بالرماح، ثم أخذ الراية جعفر بن أبى طالب، فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها، فكانت أول فرس عرقبت في الإسلام، وقاتل حتى قتل، ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين فوجد في أحد نصفيه بضعة وثمانون جرحا، ووجدنا فيما أقبل من بدنه آثنتين وسبعين ضربة بسيف وطعنة برمح.","part":4,"page":491},{"id":1992,"text":"وحكى أبو محمد عبد الملك بن هشام أن جعفر بن أبى طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت يده، فأخذه بشماله فقطعت، فآحتضنه بعضديه حتى قتل وهو آبن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله تعالى بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء.\rوقال محمد بن إسحاق: كان جعفر يقاتل وهو يقول:\rيا حبذا الجنة وآقترابها ... طيبة وباردا شرابها\rوالروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها\rعلى إن لاقيتها ضرابها\rقال: ولما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد، ثم قال:\rأقسمت يا نفس لتزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه\rإن أجلب الناس وشدوا الرنة ... مالي أراك تكرهين الجنة\rقد طال ما قد كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شنة\rوقال أيضا رضى الله عنه:\rيا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت\rوما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت\rوإن توليت فقد شقيت\rيريد بقوله: فعلهما صاحبيه زيدا وجعفرا؛ ثم نزل. فأتاه آبن عم له بعرق من لحم: فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة من ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من يده، وأخذ سيفه وتقدم، فقاتل حتى قتل.\rثم أخذ الراية ثابت بن أرقم، يا معشر الناس، اصطلحوا على رجل منكم؛ فقالوا: أنت؛ ما أنا بفاعل. فآصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم، ثم آنحاز وآنحيز عنه، وانكشف، فكانت الهزيمة، فتبعهم المشركون، فقتل من قتل من المسلمين، ورفعت الأرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظر إلى معترك القوم، فلما أخذ خالد بن الوليد اللواء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الآن حمى الوطيس. \" قال محمد بن إسحاق: ولما أصيب القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا، \" ثم صمت حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان في عبد الله ابن رواحة بعض ما يكرهون؛ فقال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا.\rقال آبن إسحاق: وكان قطبة بن قتادة العذرى حمل على مالك بن زافلة فقتله وهو على المائة ألف التي آجتمعت من العرب، فقال في ذلك:\rطعنت آبن زافلة بن الإراش ... برمح مضى فيه ثم آنحطم\rضربت على جيده ضربة ... فمال كما مال غصن السلم\rقال: ولما سمع أهل المدينة بإقبال جيش مؤتة تلقوهم بالجرف، فجعل الناس يحثون في وجوههم التراب ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله؟ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ليسوا يفروا، ولكنهم كرار إن شاء الله. \"\rمن آستشهد يوم مؤتة\rاستشهد من قريش ومواليهم أربعة نفر، وهم: جعفر بن أبى طالب، وزيد ابن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسعود بن الأسود بن حارثة ابن نضلة، ووهب بن سعد بن أبى سرح. وآستشهد من الأنصار: عبد الله ابن رواحة، وعباد بن قيس، والحارث بن النعمان بن إساف، وسراقة بن عمرو وأبو كليب وجابر آبنا عمرو بن زيد، وعمرو وعامر آبنا سعد بن الحارث بن عباد، رضوان الله عليهم أجمعين.\rذات السلاسل","part":4,"page":492},{"id":1993,"text":"وهي وراء وادي القرى، وبينها وبين المدينة عشرة أيام، وكانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة. وسبب بعث هذه السرية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن جمعا من قضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ومعهم ثلاثون فرسا، وأمره أن يستعين بمن به من بلى وعدرة وبلقين، فسار الليل وكمن النهار، فلما قرب من القوم بلغه أن لهم جمعا كثيرا، فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في مائتين، وعقد لواء، وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار، وفيهم أبو بكر وعمر، وأمره أن يلحق بعمرو، وأن يكونا جميعا ولا يختلفا، فلحق بعمرو؛ فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس، فقال عمرو: إنما قدمت على مددا، وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة، وسار حتى وطئ بلاد بلى، ودوخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم وبلاد عدرة وبلقين، ولقى في آخر ذلك جمعا، فحمل عليهم المسلمون، فهربوا في البلاد وتفرقوا، ثم قفل وبعث عوف بن مالك الأشجعي بريدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما غزاتهم.\rسرية الخبط بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في شهر رجب سنة ثمان من الهجرة في ثلثمائة من المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - إلى حي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر، وبينها وبين المدينة خمس ليال، فأصابهم في الطريق جوع شديد، فأكلوا الخبط، وآبتاع قيس بن سعد جزرا ونحرها لهم.\rروى عن عبادة بن الصامت قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى سيف البحر، عليهم أبو عبيدة بن الجراح، وزودهم جرابا من تمر، فجعل يقوتهم إياه حتى صاروا إلى أن يعيده لهم عدا، ثم نفد التمر حتى كان يعطي كل رجل منهم كل يوم تمرة، فقسمها يوما بيننا، فنقصت تمرة عن رجل، قال: فوجدنا فقدها ذلك اليوم، فلما جهدنا الجوع أخرج الله لنا دابة من البحر فأصبنا من لحمها وودكها، فأقمنا عليها عشرين ليلة حتى سمنا وآبتللنا، وأخذ أميرنا ضلعا من أضلاعها فوضعه على طريقه، ثم أمر بأجسم بعير معنا فحمل عليه أجسم رجل منا، فخرج من تحتها وما مست رأسه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه خبرها، وسألناه عما صنعنا في ذلك من أكلنا إياها، فقال: رزق رزقكموه الله.\rقال ابن سعد: وانصرفوا ولم يلقوا كيدا.\rسرية إلى خضرة وهي أرض محارب بنجد قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا قتادة بن ربعي الأنصاري في شعبان سنة ثمان من الهجرة ومعه خمسة عشر رجلا إلى غطفان، وأمره أن يشن عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار، فهجم على حاضر منهم عظيم، فأحاط به، فصرخ رجل منهم: يا خضرة وقاتل منهم رجال، فقتلوا من أشرافهم، وآستاقوا النعم، فكانت الإبل مائتي بعير، والغنم ألفي شاة، وسبوا سبيا كثيرا، وجمعوا الغنائم، فأخرجوا الخمس، وقسموا ما بقى على السرية، فأصاب كل رجل منهم آثنا عشر بعيرا، وعدل البعير بعشرة من الغنم، وصارت في سهم أبى قتادة جارية وضيئة، فآستوهبها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوهبها له، فوهبها صلى الله عليه وسلم لمحمية بن جزء. وغابوا في هذه السرية خمس عشرة ليلة.\rسرية إلى بطن إضم سرية أبى قتادة بن ربعى الأنصاري إلى بطن إضم كانت هذه السرية في أول شهر رمضان سنة ثمان من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.","part":4,"page":493},{"id":1994,"text":"قالوا: لما هم رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو أهل مكة بعث أبا قتادة في ثمانية نفر سرية إلى بطن إضم - وهي فيما بين ذي خشب وذي المروة وبينها وبين المدينة ثلاثة برد - ليظن ظان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه إلى تلك الناحية، ولأن تذهب بذلك الأخبار، وكان في السرية محلم بن جثامة الليثي، فمر عامر بن الأضبط الأشجعي، فسلم بنحية الإسلام، فأمسك عنه القوم، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشئ كان بينهما، وسلبه بعيره ومتاعه، فلما لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم نزل فيهم من القرآن قوله تعالى: \" يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة \" الآية. فمضوا ولم يلقوا جمعا فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خشب، فبلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إلى مكة، فأخذوا على يين حتى لقوا النبي صلى الله عليه وسلم بالسقيا.\rعام الفتح والسبب الذي أوجب نقض العهد وفسخ الهدنة كانت هذه الغزوة في رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى رأس آثنين وعشرين شهرا من صلح الحديبية.\rوسبب ذلك أنه لما دخل شعبان من هذه السنة كلمت بنو نفاثة - وهم من بنى بكر - أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح، وكانت خزاعة قد دخلت في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده يوم الحديبية كما قدمنا ذكر ذلك، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدها، قالوا: فلما سألوهم ذلك وسدوهم ووافوهم بالوتير متنكرين متنقبين، فيهم صفوان بن أمية، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص بن الأخيف، فبيتوا خزاعة ليلا، وهم غارون آمنون فقتلوا منهم عشرين رجلا، ثم ندمت قريش على ما صنعت، وعلموا أن هذا نقض للمدة والعهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه بالذي أصابهم ويستنصرونه.\rقال ابن إسحاق: قدم عمرو بن سالم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فوقف ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد بين ظهراني الناس، فقال:\rيا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا\rقد كنتم ولدا وكنا والدا ... ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا\rفآنصر هداك الله نصرا أبدا ... وآدع عباد الله يأتوا مددا\rفيهم رسول الله قد تجردا ... إن سيم خسفا وجهه تربدا\rفي فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إن قريشا أحلفوك الموعدا\rونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وجعلوا لي في كداء رصدا\rوزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذل وأقل عددا\rهم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا\rيقول: قتلنا وقد أسلمنا، ويروى بدل قوله: قد كنتم ولدا وكنا والدا.\rنحن ولدناك فكنت ولدا قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت يا عمر بن سالم.\rوروى محمد بن سعد في طبقاته، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه ويقول: لا نصرت إن لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي.\rثم عرض له سحاب، فقال: إن هذا السحاب ليستهل بنصر بني كعب.","part":4,"page":494},{"id":1995,"text":"قال محمد بن إسحاق: وقدم بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم آنصرفوا راجعين إلى مكة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: كأنكم بأبى سفيان قد جاءكم ليشد العقد ويزيد في المدة، ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان، قد بعثنه قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشد العقد، ويزيد في المدة، فقال له أبو سفيان: من أين أقبلت يا بديل؟ قال: تسيرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي؛ قال: أو ما جئت محمدا؟ قال: لا، وفارقه، فقال أبو سفيان: لئن كان بديل جاء إلى يثرب لقد علف النوى بها، فأتى مبرك راحلته فأخذ من بعرها ففته، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا؛ ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على محمد صلى الله عليه وسلم، فدخل على آبنته أم حبيبة، وذهب ليجلس على فراش النبي صلى الله عليه وسلم، فطوته، فقال: يا بنية، ما أدرى أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني، قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال. والله لقد أصابك بعدى يا بنية شر، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه، فلم يرد علمه شيئا، ثم ذهب إلى أبى بكر وكلمه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل؛ ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فو الله لو لم أحد إلا الذر لجاهدتكم به؛ ثم دخل على علي بن أبى طالب، وعند فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندها الحسن آبنها غلام يدب بين يديها، فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فآلتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بني ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد آشتدت علي، فانصحني، قال: والله ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة. فقم فأجر بين الناس، ثم آلحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عنى شيئا؟ قال: لا والله، ما أظنه، ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره وآنطلق، فلما قدم مكة على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته، فو الله ما رد علي شيئا، ثم جئت آبن أبى قحافة فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت آبن الخطاب فوجدته أعدى العدو، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم، وقد أشار علي بشئ صنعته، فو الله ما أدرى هل يغني شيئا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا؛ قالوا: ويلك، والله إن زاد الرجل على أن لعب منك، فما يغني عنك ما فعلت، ثم تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخفى مقصده، ثم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وامرهم بالجد والتهيؤ، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها. والله المعين.\rخبر حاطب\rبن أبى بلعتة في كتابه إلى أهل مكة، وإعلام الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، وأخذه الكتاب، وما أنزل الله عز وجل في ذلك من القرآن","part":4,"page":495},{"id":1996,"text":"قال: ولما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة كتب حاطب ابن أبى بلعتة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في المسير إليهم، ثم أعطاه آمرأة يقال إنها من مزينة - وقيل: هي سارة مولاه لبعض بني عبد المطلب - وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها وخرجت به، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبى طالب، والزبير بن العوام رضى الله عنهما، وقال: أدركا آمرأة قد كتب معها حاطب كتابا إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا في أمرهم، فخرجا فأدركاها بالخليقة، خليقة بني أبى أحمد، فآستنزلاها وآلتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها علي: أحلف بالله لتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنفتشنك، فقالت: أعرض عني، فأعرض، فجلت قرون رأسها فآستخرجت الكتاب ودفعته إليه، فأتيا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا حاطبا فقال: ما حملك على هذا؟ . قال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله، ما غيرت وما بدلت، ولكنني آمرؤ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، ولي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم، فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" وما يدريك يا عمر، لعل الله قد آطلع على أصحاب بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. \" هذه رواية محمد بن إسحاق.\rوقال الشيخ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي رحمه الله: إن المرأة سارة مولاة عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف، وإنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسلمة جئت؟ قالت: لا. قال: أمهاجرة جئت؟ قالت: لا؛ قال: فما حاجتك؟ قالت: كنت كثيرة العشيرة والأصل والموالى، وقد ذهبت موالى، وآحتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني. قال لها: فأين أنت من شباب أهل مكة، وكانت مغنية نائحة، قالت: ما طلب مني شئ بعد وقعة بدر: فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب فكسوها وحملوها وأعطوها نفقة؛ فأتاها حاطب بن أبى بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزي، فكتب معها إلى أهل مكة كتابا، وأعطاها عشرة دنانير.","part":4,"page":496},{"id":1997,"text":"قال الثعلبي: هذه رواية زاذان عن آبن عباس رضى الله عنهما، قال: وقال مقاتل بن حيان: أعطاها عشرة دراهم وكساها بردا على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة، وكتب في الكتاب: من حاطب بن أبى بلتعة إلى أهل مكة، إن رسول الله يريدكم، فحذروا حذركم. فخرجت سارة، ونزل جبريل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل حاطب، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا، وعمر، والزبير، وطلحة، وعمارا، والمقداد بن الأسود، وأبا مرثد، وكانوا كلهم فرسانا، وقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبى بلتعة إلى المشركين، فخذوه منها، وخلوا سبيلها، وإن لم تدفعه إليكم فآضربوا عنقها فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها كتاب، فبحثوها، وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا، فهموا بالرجوع، فقال علي رضى الله عنه: والله ما كذبنا ولا كذبنا، وسل سيفه، وقال لها: أخرجي الكتاب وإلا والله لأجردنك، ولأضربن عنقك، فلما رأت الجد أخرجته من ذوائبها قد خبأته في شعرها، فخلوا سبيلها، ولم يتعرضوا لما معها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى حاطب فأتاه، فقال له: هل تعرف الكتاب؟ قال: نعم، قال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته، وكنت غريبا فيهم، وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه، وأن كتابي لا يغنى عنهم شيئا؛ فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذره، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول: دعني أضرب عنق هذا المنافق؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدر بك يا عمر، لعل الله قد آطلع على أهل بدر يوم بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم يوم بدر.\rوأنزل الله عز وجل في شأن حاطب ومكاتبته المشركين قوله تعالى: \" يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم، \" قال: أي من مكة لأن آمنتم بالله ربكم؛ قال: في الكلام تقديم وتأخير، ونظم الآية: \" لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق، \" ثم قال تعالى: \" إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وآبتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل، \" ثم قال تعالى: \" إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون \" قال: يثقفوكم يروكم ويظهروا، ويبسطوا إليكم أيديهم أي بالقتل، وألسنتهم بالسوء أي بالشتم، وودوا لو تكفرون فلا تناصحوهم فإنهم لا يناصحونكم ولا يوادونكم.\rقوله تعالى: \" لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير \" قال: معنى الآية: لا تدعونكم قراباتكم ولا أولادكم التي بمكة إلى خيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وترك مناصحتهم وموالاة أعدائهم، ومظاهرتهم، فلن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم التي عصيتم الله لأجلهم يوم القيامة يفصل بينكم فيدخل أهل طاعته والإيمان به الجنة، ويدخل أهل معصيته والكفر به النار.\rقوله تعالى: \" قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده \" الآية، ثم قال تعالى: \" لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغتي الحميد \" قال: قوله: لقد كان لكم فيهم يعنى في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء؛ قال: فلما نزلت هذه الآية عادى المؤمنون أقرباءهم من المشركين في الله، وأظهروا لهم العداوة والبراءة، فعلم الله تعالى شدة وجد المؤمنين بذلك، فأنزل: \" عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم؛ \" قال: ففعل الله عز وجل ذلك بأن أسلم كثير من مشركي مكة، فصاروا للمؤمنين أولياء وإخوانا، وخالطوهم وناكحوهم.","part":4,"page":497},{"id":1998,"text":"قوله تعالى: \" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين \" معناه: أن تعدلوا فيهم بالإحسان والبر، وآختلف العلماء فيمن نزلت فيهم هذه الآية، فقال آبن عباس: نزلت في خزاعة، منهم هلال بن عويمر، وخزيمة، وسراقة بن مالك ابن جعشم، وبنو مدلج، وكانوا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا.\rوقال عبد الله بن الزبير: نزلت في أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهم، وذلك أن أمها قتيلة بنت عبد العزي بن عبد أسعد من بني مالك بن حسل قدمت عليها المدينة بهدايا وهي مشركة، فقالت أسماء: لا أقبل منك هدية، ولا تدخلي علي بيتي حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فسألت لها عائشة رضى الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخلها منزلها، وتقبل هديتها، وتحسن إليها، وتكرمها.\rوقال مرة الهمذاني وعطية العوفى: نزلت في قوم من بني هاشم، منهم العباس.\rثم قال تعالى: \" إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون \" قال: وهم مشركو مكة. فلنرجع إلى أخبار غزوة الفتح.\rخروج الرسول من المدينة\rإلى مكة، ومن جاءه في طريقه قبل دخوله مكة قال: ولما تهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزاة بعث إلى من حوله من العرب فجلبهم، وهم أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، وسليم، فمنهم من وافاه بالمدينة، ومنهم من لحقه في الطريق، وكان المسلمون في غزوة الفتح عشرة آلاف، وآستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله بن أم مكتوم؛ قاله محمد بن سعد.\rوقال محمد بن إسحاق، وأبو بكر أحمد البيهقي: استخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر، فلما انتهى إلى الصلصل قدم أمامه الزبير بن العوام في مائة من المسلمين، وسام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر، ونادى مناديه: من أحب أن يفطر فليفطر، ومن أحب أن يصوم فليصم.\rقال ابن سعد: فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بقديد عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل.\rقال محمد بن إسحاق: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل مر الظهران وهو في عشرة آلاف من المسلمين، فسبعت سليم، وبعضهم يقول: ألفت مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب معه المهاجرون والأنصار. قال: ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطريق لقبه عمه العباس بن عبد المطلب.\rقال آبن هشام: لفيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وكان قبل ذلك بمكة على سقايته، وقد قدمنا أنه أسلم عند آنصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر،قال: ولقيه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة، لقياه بنيق العقاب بين مكة والمدينة، والتمسا الدخول عليه، وكامته أم سلمة رضى الله عنها فيهما، فقالت: يا رسول الله، ابن عمك، وآبن عمتك وصهرك فقال: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما آبن عمتي وصهري فهو الدي قال لي بمكة ما قال، فلما خرج الخبر بذلك إليهما ومع أبى سفيان بنى له قال: والله لتأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا؛ فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه، فأسلما، وأنشد أبو سفيان بن الحارث يعتذر مما كان قد مضى من فعله، فقال:\rلعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد\rلكا لمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى وأهتدى\rهداني هاد غير نفسي ودلني ... على الحق من طردت كل مطرد\rأصد وأنأى جاهدا عن محمد ... وأدعي وإن لم أنتسب من محمد\rهم ما هم من لم يقل بهواهم ... وإن كان ذارأى يلم ويفند\rأريد لأرضيهم ولست بلائط ... مع القوم ما لم أهد في كل مقعد","part":4,"page":498},{"id":1999,"text":"فقل لثقيف: لا أريد قتالها ... وقل لثقيف تلك: غيري أو عدى\rفما كنت في الجيش الذي نال عامرا ... وما كان عن جرا لساني ولا يدي\rقبائل جاءت من بلاد بعيدة ... نزائع جاءت من سهام وسردد\rقال: ولما بلغ إنشاده قوله: من طردت كل مطرد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: أنت طردتني كل مطرد.\rقال: ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران نزلها عشيا، وأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار، وقد عميت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال العباس بن عبد المطلب: واصاح قريش، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر.\rقال العباس: فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك، فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة.\rمجئ العباس بأبى سفيان\rبن حرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسلام أبى سفيان، وخبر الفتح قال العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه: وكان أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء قد خرجوا في تلك الليالي يتحسسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به، فو الله إني لأسير على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبى سفيان وبديل ابن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا، فيقول له بديل: هذه والله خزاعة قد حمستها الحرب، فيقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال العباس: فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي، فقال: يا أبا الفضل، قلت: نعم، قال: مالك فداك أبى وأمي! قلت: ويحك يا أبا سفيان! هذا رسول الله في الناس، واصباح قريش والله! قال: فما الحيلة فداك أبى وأمي! ، قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فآركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك؛ قال: فركب خلفي، ورجع صاحباه؛ قال: فجئت به، كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، حتى مررت بنار عمر آبن الخطاب.","part":4,"page":499},{"id":2000,"text":"قال آبن سعد: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آستعمل عمر تلك الليلة على الحرس؛ قال العباس: فقال عمر: من هذا؟ قام إلي، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله! الحمد الله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضت البغلة فسبقته، فآقتحمت عن البغلة، ودخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عمر، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن منه بغير عقد ولا عهد، فدعني أضرب عنقه. قال العباس، قلت: يا رسول الله، قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلا يا عمر، فو الله أن لو كان من رجل بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف؛ فقال عمر: مهلا يا عباس، فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به؛ \" قال: فذهب به إلى رحلى، فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله، \" قال: بأبى أنت وأمي! ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن كان مع الله إله غير لقد أغنى شيئا بعد؛ قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ ؛ قال: بأبى أنت وأمي! ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما والله هذه فإن في النفس منها حتى الآن شيئا؛ فقال له العباس: ويحك! أسلم وآشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك؛ قال: فشهد شهادة الحق، فقلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فآجعل له شيئا.\rقال: نعم، من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن؛ فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا عباس، احتبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها. \" قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه؛ قال: ومرت القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: يا عباس، من هذه؟ . فأقول: سليم، فيقول: مالي ولسليم، ثم تمر القبيلة، فيقول: من هذه؟ فأقول: مزينة، فيقول: مالي ولمزينة، حتى مرت القبائل، فما تمر قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته بهم، قال: مالي ولبني فلان! حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار - وإنما سميت بالخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها - وهم لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عباس! من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك آبن أخيك الغداة عظيما. قلت: ويحك! إنها النبوة، قال: فنعم إذا، ثم قلت: النجاء إلى قومك، فسار حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس، قبح من طليعة قوم! قال: ويلكم! لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دارى فهو آمن، قالوا: قاتلك الله! وما تغنى عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. والله يؤيد بنصره من يشاء.\rدخول مكة\rشرفها الله تعالى صلحا، ودخول خالد بن الوليد ومن معه من القبائل عنوة","part":4,"page":500},{"id":2001,"text":"قال: ولما آنتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذي طوى، وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء وإنه ليضع رأسه تواضعا لله تعالى حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسط الرحل، ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش من ذي طوى، وكانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ مع سعد بن عبادة رضى الله عنه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام، وكان على المجنبة اليسرى أن يدخل في بعض الناس من كدى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل ببعض الناس من كداء، فلما وجه سعد للدخول قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، وفي رواية تستحل الكعبة؛ فسمعها عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: يا رسول الله، اسمع ما قال سعد بن عبادة، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبى طالب: أدركه فخذ الراية منه، فآدخل أنت بها. حكاه آبن إسحاق.\rوقال محمد بن سعد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الراية من سعد ودفعها لآبنه قيس بن سعد.\rوذكر يحي بن سعيد الأموي في السير: أن سعد بن عبادة لما أخذ الراية مر على أبى سفيان، فقال سعد إذ نظر إليه. اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة الأنصار حتى إذا حاذى أبا سفيان ناداه: يا رسول الله، أمرت بقتل قومك؟ فإنه زعم سعد ومن معه حين مر بنا أنه قاتلنا، وقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا؛ وإني أنشدك الله في قومك، فأنت أبر الناس وأوصلهم وأرحمهم.\rوقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، والله ما نأمن سعدا أن تكون منه قريش صولة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا أبا سفيان، اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله فيه قريشا. \" وقال ضرار بن الخطاب الفهري يومئذ: يا نبي الهدى إليك لجا حي قريش ولات حين لجاء\rحين ضاقت عليهم سعة الأر ... ض وعاداهم إله السماء\rوآلتقت حلقتا البطان على القو ... م ونودوا بالصيلم الصلعاء\rإن سعدا يريد قاصمة الظه ... ر بأهل الحجون والبطحاء\rخزرجي لو يستطيع من الغي ... ظ رمانا بالنسر والعواء\rوغر الصدر لا يهم بشئ ... غير سفك الدما وهتك النساء\rقد تلظى على البطاح وجاءت ... عنه هند بالسوءة السوآء\rإذ ينادى بذل حي قريش ... وآبن حرب بدا من الشهداء\rفلئن أقحم اللواء ونادى ... يا حماة اللواء أهل اللواء\rثم ثابت إليه من بهم الخز ... رج والأوس أنجم الهيجاء\rلتكونن بالبطاح قريش ... فقعة القاع في أكف الإماء\rفآنهيه فإنه أسد الأس ... د لدى الغاب والغ في الدماء\rإنه مطرق يريد لنا الأم ... ر سكوتا كالحية الصماء\rقال: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة فنزع اللواء من يده، وجعله بيد قيس آبنه، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اللواء لم يخرج عنه إذ صار إلى آبنه، وأبى سعد أن يسلم اللواء إلا بأمارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمامته، فعرفها سعد، فدفع اللواء إلى آبنه قيس.","part":5,"page":1},{"id":2002,"text":"قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، وكان على المجنبة اليمنى، أن يدخل ببعض الناس من الليط أسفل مكة، وكان معه: أسلم، وسليم وغفار، ومزينة، وجهينة، وقبائل من العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر، حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هناك قبة، ونهى عن القتال، وعبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأماكن التي أمرهم صلى الله عليه وسلم أن يدحلوا منها، لم يلقوا كيدا، إلا خالد بن الوليد فإن صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبى جهل، وسهيل بن عمرو جمعوا جمعا من قريش، ووقفوا بالخندمة ليقاتلوا خالد بن الوليد، ويمنعوه من الدخول، وشهروا السلاح ورموا بالنبل، فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم، فقتل أربعة وعشرون رجلا من قريش، وأربعة نفر من هذيل، وانهزموا أقبح هزيمة، فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثنية أذاخر رأى البارقة فقال: ألم أنه عن القتال؟ فقيل: يا رسول الله، إن خالد بن الوليد قوتل فقاتل؛ فقال: قضاء الله خير، وقتل من المسلمين رجلان كانا سلكا طريقا غير طريق خالد فقتلا، وهما كرز بن جابر الفهري، وحبيش بن خالد الخزاعي. قاله محمد بن سعد.\rوقال آبن إسحاق: قتل من المشركين يومئذ آثنا عشر أو ثلاثة عشر رجلا. وقال: وقد كان حماس بن قيس بن خالد أخو بني بكر يعد سلاحا ويصلح منه قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له آمرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شئ؛ قال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال:\rإن يقبلوا اليوم فمالي علة ... هذا سلاح كامل وأله\rوذو غرارين سريع السلة\rثم شهد يوم الخندمة، فلما آنهزم القوم دخل على آمرأته وقال: أغلقي علي بابي؛ قالت: فأين الذي كنت تقول؟ فقال:\rإنك لو شهدت يوم الخندمة ... إذ فر صفوان وفر عكرمة\rوآبو يزيد قائم كالموتمه ... وآستقبلتهم بالسيوف المسلمة\rيقطن كل ساعد وجمجمة ... ضربا فلا تسمع إلا غمغمة\rلهم نهيت خلفنا وهمهمة ... لا تنطقي في اللوم أدنى كلمة\rقال آبن هشام: ويروى للرعاش الهذلي.\rوكان ممن فر يومئذ هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وهو زوج أم هاني بنت أبى طالب أخت علي لأبويه؛ فأسلمت، وهرب هبيرة إلى نجران، وقال معتذرا من فراره:\rلعمرك ما وليت ظهري محمدا ... وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل\rولكنني قلبت أمري فلم أجد ... لسيفي غناء إن ضربت ولا نبلى\rوقفت فلما خفت ضيعة موقفي ... رجعت لعود كالهزبر إلى الشبل\rقال آبن هشام: وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وحنين والطائف: شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله؛ وكان الفتح يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان.\rمن أمر الرسول بقتلهم\rيوم فتح مكة وسبب ذلك، ومن قتل منهم، ومن نجا بإسلامه قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه بقتل ستة نفر وأربع نسوة، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم: عكرمة بن أبى جهل، وهبار ابن الأسود، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح، ومقيس بن صبابة الليثي، والحويرث ابن نقيذ بن وهب، وعبد الله بن هلال بن خطل الأدرمى، وهند بنت عتبة، وسارة مولاة عمرو بن هشام، وفرتنى، وقريبة.\rفأما عكرمة بن أبى جهل فإنه هرب إلى اليمن، وأسلمت آمرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنت له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمنه، فخرجت في طلبه إلى اليمن حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم وحسن إسلامه.","part":5,"page":2},{"id":2003,"text":"حكى الزبير بن بكار قال: لما أسلم عكرمة قال: يا رسول الله، علمني خير شئ تعلمه أقوله؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \" شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، \" فقال عكرمة: أنا أشهد بهذا، واشهد بذلك من حضرني، وأسالك يا رسول الله أن تستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال عكرمة: والله لا أدع نفقة كنت أنفقها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالا قاتلته إلا قاتلت ضعفه؛ ثم آجتهد في الجهاد والعبادة حتى آستشهد رحمه الله في خلافة عمر بن الخطاب بالشام؛ وقيل: استشهد في آخر خلافة أبى بكر، قيل: في يوم اليرموك. وقيل: في يوم مرج الصفر، وقيل: أجنادين. والله أعلم.\rوأما عبد الله بن سعد بن أبى سرح، فإنه كان قد أسلم، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي؛ فارتد ورجع إلى قريش، فلما كان يوم الفتح فر إلى عثمان بن عفان رضى الله عنه، وهو أخوه من الرضاعة، فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأستأمن له بعد أن آطمأن الناس؛ فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صمت طويلا، ثم قال: نعم؛ فلما انصرف عنه عثمان قال لمن حوله من أصحابه: لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي يا رسول الله؟ فقال: إن النبي لا يقتل بالإشارة، ثم أسلم عبد الله بن سعد بعد ذلك.\rوأما مقيس بن صبابة، فإن أخاه هشام بن صبابة كان قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق بالمريسيع، فأصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يرى أنه من العدو، فقتله خطأ، فقدم مقيس هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، وأظهر الإسلام، وقال: يا رسول الله، جئتك مسلما، وجئتك أطلب دية أخي، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية أخيه، فأقام غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدا، فنذر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله لذلك، فقتله نميلة بن عبد الله؛ رجل من قومه.\rوأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبى طالب رضى الله عنه، لأنه كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان العباس بن عبد المطلب حمل بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة وأم كلثوم من مكة يريد بهما المدينة، فرمى بهما الحويرث إلى الأرض.\rوأما عبد الله بن خطل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله لأنه كان مسلما، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه وهو مسلم، فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا، قيصنع له طعاما، فنام وآستيقظ ولم يصنع له شيئا، فقتله ثم آرتد، وكانت فرتنى وقريبة قينتاه تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل آبن خطل سعيد بن حريث المخزومي، وأبو برزة الأسلمي، اشتركا في دمه، وقتلت إحدى قينتيه وهربت الأخرى، حتى آستؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمنها.\rوهند بنت عتبة أسلمت. ولما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة على النساء، ومن الشرط فيها ألا يسرقن ولا يزنين، قالت: وهل تزنى الحرة أو تسرق يا رسول الله؟ فلما قال: ولا تقتلن أولادكن، قالت: قد ربيناهم صغارا، وقتلتهم أنت ببدر كبارا، أو نحو هذا القول، وشكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن زوجها أبا سفيان شحيح لا يعطيها من الطعام ما يكفيها وولدها، فقال: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك أنت وولدك.\rوأما سارة فآستؤمن لها، فأمنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأما هبار فإنه هرب فلم يوجد، ثم أسلم بعد الفتح وحسن إسلامه.\rإسلام أبى قحافة\rعثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب","part":5,"page":3},{"id":2004,"text":"روى محمد بن إسحاق بسنده إلى أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما قالت: لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذي طوى قال أبو قحافة لآبنة له من أصغر ولده: أي بنية، اظهرى بي على جبل أبى قبيس - قالت: وكان قد كف بصره - فأشرفت به عليه فقال لها: أي بنية؛ ماذا تين؟ قالت: أرى سوادا مجتمها، قال: تلك الخيل؛ قالت: وأرى رجلا يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلا ومدبرا؛ قال: أي بنيه، ذلك الوازع، - يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها - ثم قالت: قد والله انتشر السواد؛ فقال: قد والله إذا دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي؛ قالت: فآنحطت به، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته؛ قالت: وفي عنق الجارية طوق من ورق، فتلقاها رجل فاقتطعه من عنقها، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه؟ قال أبو بكر: يا رسول الله، هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت، فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: أسلم، قالت: فأسلم؛ قالت: فدخل به أبو بكر وكأن رأسه ثغامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غيروا هذا من شعره، ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال: أنشد الله والإسلام طوق أختي؛ فلم يجبه أحد؛ قالت: فقال: أي أخية، احتسبي طوقك، فو الله إن الأمانة في الناس اليوم لقليل.\rوأسلم عبد الله بن الزبعري عام الفتح وحسن إسلامه، وكان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الأذى في الجاهلية، فأسلم وآعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل عذره، وكان شاعرا مجيدا، فقال يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: وله في مدحه أشعار كثيرة ينسخ بها ما قد مضى في كفره، منها قوله:\rمنع الرقاد بلابل وهموم ... والليل معتلج الرواق بهيم\rمما أتاني أن أحمد لامنى ... فيه فبت كأنني محموم\rيا خير من حملت على أوصالها ... عيرانة سرح اليدين غشوم\rإني لمعتذر إليك من الذي ... أسديت إذا أنا في الضلال مقيم\rأيام تأمرني بأغوى خطة ... سهم، وتأمرني بها مخزوم\rوأمد أسباب الردى ويقودني ... أمر الغواة، وأمرهم مشؤم\rفاليوم آمن بالنبي محمد ... قلبي ومخطئ هذه محروم\rمضت العداوة وآنقضت أسبابها ... وأتت أواصر بيننا وحلوم\rفآغفر فدى لك والدي كلاهما ... وآرحم فإنك راحم مرحوم\rوعليك من سمة المليك علامة ... نور أغر وخاتم مختوم\rأعطاك بعد محبة برهانه ... شرفا وبرهان الإله عظيم\rدخول الرسول المسجد\r، وطوافة بالبيت ودخوله الكعبة، وما فعل بالأصنام قال: ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وآطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده وطرحها، ثم وقف على باب الكعبة فقال: \" لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج؛ ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا، ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها؛ يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نحوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا قوله تعالى: \" يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير؛ \" ثم قال: يا معشر قريش؛ ما ترون أني فاعل فيكم؟ أخ كريم وآبن أخ كريم؛ قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء؛ ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام إليه علي بن أبى طالب رضى الله عنه ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية؛ فقال: أبن عثمان بن طلحة؟ فدعى له، فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء؟ حكاه محمد بن إسحاق.","part":5,"page":4},{"id":2005,"text":"وقال محمد بن سعد: دفع إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح وقال: \" خذوها يا بني أبى طلحة تالدة خالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم؛ \" ودفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب.\rقال عبد الملك بن هشام: حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم عليه السلام مصورا في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام، ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست.\rقال: ودخل الكعبة ومعه بلال بن رباح، فأمره أن يؤذن، فأذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا فيسمع ما يغيظه؛ فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه محق لآتبعته؛ فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى؛ فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" قد علمت الذي قلتم، \" ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما آطلع على هذا أحد كان معنا فنقول: أخبرك.\rوقال أبو محمد بن هشام بسند يرفعه إلى آبن عباس رضى الله عنهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: \" جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، \" فما أشار صلى الله عليه وسلم إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا لقفاه إلا وقع لوجهه.\rحتى ما بقى منها صنم إلا وقع.\rقال محمد بن سعد: كان حول الكعبة ثلثمائة وستون صنما، وكان أعظمها هبل، وساق الحديث نحو ما تقدم، فقال تميم بن أسد الخزاعي في ذلك:\rوفي الأصنام معتبر وعلم ... لمن يرجو الثواب أو العقابا\rقال: ولما كان من الغد يوم الفتح خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الظهر فقال: \" إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم رجعت لحرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم، ولا يحل لنا من غنائمها شئ، \" وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين ركعتين، وبث السرايا، ثم خرج إلى حنين.\rسرية إلى العزى\rوهدمها قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى ليهدمها، وذلك بعد الفتح، لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان، فخرج في ثلاثين فارسا من أصحابه حتى آنتهوا إليها فهدمها، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: \" هل رأيت شيئا؟ \" قال: لا، قال: فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فآهدمها؛ فرجع خالد وهو متغيظ، فجرد سيفه، فخرجت إليه آمرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها آثنتين، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: نعم، تلك العزى، وقد يئست أن تعبد ببلادكم أبدا، وكانت لقريش وجميع بني كنانة، وكانت أعظم أصنامهم، وكان سدنتها بنو شيبان من بني سليم.\rسرية عمرو\rبن العاص إلى سواع وكسره بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان بعد الفتح أيضا إلى سواع، وهو صنم هذيل ليهدمه؛ قل عمرو: فآنتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ما تريد؟ قلت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه. قال: لا تقدر على ذلك؛ قلت: لم؟ قال: تمنع؛ قلت: حتى الآن أنت في الباطل ويحك! وهل يسمع أو يبصر؟ قال: فدنوت منه فكسرته، وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئا؛ ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.\rسرية سعد بن زيد\rالأشهلي إلى مناة","part":5,"page":5},{"id":2006,"text":"بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان أيضا إلى مناة - وكانت بالمشلل للأوس والخزرج وغسان - ليهدمها، فخرج في عشرين فارسا حتى آنتهى إليها وعليها سادن، فقال له السادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة؛ قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشي إليها، وتخرج إليه آمرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها؛ فقال السادن: مناة دونك بعض غضباتك؛ ويضربها سعد بن زيد فيقتلها، ويقبل إلى الصنم معه أصحابه، ولم يجدوا في خزانتها شيئا، وآنصرف راجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك لست بقين من شهر رمضان.\rسرية إلى بني جذيمة\rبن عامر آبن عبد مناة بن كنانة، وهو يوم الغميصاء قالوا: لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بمكة، بعثه في شوال إلى بني جذيمة بن عامر، وكانوا أسفل مكة على ليلة منها بناحية يلملم؛ داعيا إلى الإسلام، ولم يبعثه مقاتلا، فخرج في ثلثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فآنتهى إليهم خالد بن الوليد، فقال: ما أنتم؟ قالوا: مسلمون، قد صلينا وصدقنا بمحمد، وبنينا المساجد في ساحاتنا، وادنا فيها؛ قال: فما بال السلاح عليكم؟ فقالوا: إن بيننا وبين بعض العرب عداوة، فخفنا أن تكونوا هم، فأخذنا السلاح؛ قال: فضعوا السلاح؛ قال: فوضعوه، فقال لهم: استأسروا؛ فآستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتف بعضا وفرقهم في أصحابه، فلما كان في السحر نادى خالد: من كان معه أسير فليدافه؛ أي فليجهز عليه بالسيف.\rفأما بنو سليم فقتلوا من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أساراهم، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما صنع خالد، فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد؛ وبعث علي بن أبى طالب فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم.\rوقد حكى أبو الفرج على بن الحسين الأصفهاني، خبر هذه السرية في قصة عبد الله بن علقمة أأحذ بن عامر بن عبد مناة بن كنانة وخبر مقتله، وذكر خبره مع حبيشة، فروى بسند رفعه إلى آبن دأب قال: كان من حديث عبد الله بن علقمة أنه خرج مع أمه وهو إذ ذاك يفعة: دون المحتلم، لتزور جارة لها، وكانت لها بنت يقال لها: حبيشة إحدى بنات عامر بن عبد مناة، فلما رآها عبد الله بن علقمة أعجبته ووقعت في نفسه؛ فآنصرف وترك أمه عند جارتها، فبقيت عندها يومين، ثم أتاها ليرجعها إلى منزله، فوجد حبيشة قد زينت لأمر كان في الحي، فازداد بها عجبا، وآنصرف بأمه في غداة تمطر، فمشى معها وجعل يقول:\rفما أدرى بلى إني لأرى ... أصوب القطر أحسن أم حبيش\rحبيشة والذي خلق الهدايا ... وما إن عندها للصب عيش\rقال: فسمعت ذلك حبيشة، فتغافلت عنه، وكرهت قوله، ثم مشى مليا فإذا هو بظبي على ربوة من الأرض، فقال:\rيا أمتا خبريني غير كاذبة ... وما يريد مسول الحق بالكذب\rأأنت أحسن أم ظبي برابية ... لا بل حبيشة في عيني وفي أربى\rقال: فزجرته أمه، وقالت: ما أنت وهذا، أنا مزوجتك بنت عمك، فهى أجمل من تلك، وأتت آمرأة عمه فأخبرتها خبره وقالت: زيني آبنتك له، ففعلت وأدخلتها عليه، فلما رآها أطرق، فقالت له أمه: أيهما الآن أحسن؟ فقال:\rإذا غيبت عني حبيشة مرة ... من الدهر لم أملك عزاء ولا صبرا\rكأن الحشا حر السعير يحشه ... وقود الغضى فالقلب مضطرم جمرا\rقال: وجعل يراسل الجارية وتراسله، حتى علقته كما علقها، وكثر قوله الشعر فيها، فمن ذلك قوله:\rحبيشة هل جدى وجدك جامع ... بشملكم شمل وأهلكم أهلي؟\rوهل أنا ملتف بثوبك مرة ... بصحراء بين الأيكتين إلى النخل؟\rومرتشف من ريق ثغرك مرة ... كراح ومسك خالطا عسل النحل\rفلما بلغ أهلها خبره، حجبوها عنه مدة، وهو يزيد غراما بها، ويكثر قوله الشعر فيها، فأتوها لها: عدية السرحة، فإذا أتاك فقولي له: نشدتك الله إن أحببتني فما على الأرض شئ أبغض إلى منك، ونحن قريب نسمع ما تقولين؛ فواعدته، وجلسوا قريبا يسمعون، وجلست عند السرحة، وأقبل عبد الله لموعدها، فلما دنا منها دمعت عينها، وآلتفتت حيث أهلها جلوس، فعرف أنهم قريب، فرجع، وبلغه ما أمروها به أن تقوله، فأنشأ يقول:","part":5,"page":6},{"id":2007,"text":"فلو قلت ما قالوا لزدت جوى جو ... على أنه لم يبق ستر ولا صبر\rولم يك حبى عن نوال بذلته ... فيسليني عنك التجلد والهجر\rوما أنس م الأشياء لم أنس دمعها ... ونظراتها حتى يغيبني القبر\rقال: وبعث النبي صلى الله عليه وسلم على أثر ذلك خالد بن الوليد إلى بني عامر، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا قاتلهم، فصبحهم خالد بالغميصاء وقد علموا به وخافوه، وكانوا قد قتلوا الفاكه بن الوليد وعمه الفاكه بن المغيرة في الجاهلية، فلما صبحهم خالد ومعه بنو سليم وهم يطلبونهم بمالك آبن خالد بن صخر بن الشريد، وإخوته كرز وعمرو والحارث، وكانوا قتلوهم في موطن واحد. فلما صبحهم خالد ورأوا معه بني سليم زادهم ذلك نفورا، فقال لهم خالد: أسلموا، فقالوا: نحن مسلمون؛ قال: فألقوا سلاحكم وآنزلوا، قالوا: لا والله؛ فقال لهم حذيم بن الحارث أحد بني أقرم: يا قوم، لا تلقوا سلاحكم، فو الله ما بعد وضع السلاح إلا القتل؛ قالوا: والله لا نلقى سلاحنا ولا ننزل، فما نحن لك ولا لمن معك بآمنين؛ قال خالد: فلا أمان لكم؛ فنزلت فرقة منهم فأسروهم، وتفرق بقية القوم فرقتين؛ فأصعدت فرقة وسفلت أخرى.\rقال آبن دأب: فأخبرني من لا أتهم عن عبيد الله بن أبى حدرد الأسلمي قال: كنت يومئذ في جند خالد، فبعثنا في إثر ظعن مصعدة يسوق بها فتية، فقال: أدركوا أولئك؛ فخرجنا في أثرهم حتى أدركناهم، فمضوا، ووقف لنا غلام على الطريق، فلما ىنتهينا إليه جعل يقاتلنا ويرتجز ويقول:\rأرخين أطراف الذيول وآرتعن ... مشى حييان كأن لم يفزعن\rإن يمنع اليوم نساء تمنعن\rفقاتلنا طويلا، فقتلناه ومضينا، حتى لحقنا الظعن، فخرج إلينا غلام كأنه الأول، فجعل يقاتلنا ويقول:\rأقسم ما إن خادر ذو لبده ... يرزم بين أيكة ووهده\rيفرس ثنيان الرجال وحده ... بأصدق الغداة مني نجده\rفقاتلناه حتى قتلناه، وأدركنا الظعن، وإذا فيهن غلام وضئ به صفرة في لونه كالمنهوك، فربطناه بحبل، وقدمناه لنقتله، فقال: هل لكم في خير؟ قلنا: ما هو؟ قال: تدركون بي الظعن أسفل الوادي ثم تقتلونني؛ قلنا: نفعل؛ فخرجنا حتى نعارض الظعن بأسفل الوادي، فلما كان بحيث يسمعون الصوت، نادى بأعلى صوته: اسلمى حبيش، عند فقد العيش؛ فأقبلت إليه جارية بيضاء حسناء؛ فقالت: وأنت فآسلم على كثرة الأعداء، وشدة البلاء؛ قال: سلام عليك دهرا، وإن بقيت عصرا؛ فقالت: وأنت سلام عليك عشرا، وشفعا ووترا، وثلاثة تترى؛ فقال:\rإن يقتلوني يا حبيش فلم يدع ... هواك لهم منى سوى غلة الصدر\rفأنت التي أخليت لحمى من دمي ... وعظمى وأسبلت الدموع على نحرى\rفقالت له:\rونحن بكينا من فراقك مرة ... وأخرى وآسيناك في العسر واليسر\rوأنت فلا تبعد فنعم فتى الهوى ... جميل العفاف والمودة في ستر\rفقال لها:\rأريتك إن طالبتكم فوجدتكم ... بحرة أو أدركتكم بالخوانق\rألم يك حقا أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى والودائق\rفقالت: بلى والله، فقال:\rفلا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرة ... أثيبي بود قبل إحدى الصفائق\rأثيبي بود قبل أن تشحط النوى ... وينأى الخليط بالحبيب المفارق","part":5,"page":7},{"id":2008,"text":"قال ابن أبى حدود: فقدمناه فضربنا عنقه، فآقتحمت الجارية من خدرها حتى أهوت نحوه، فآلتقمت فاه، فنزعنا منها رأسه، وإنها لتتبع نفسها حتى ماتت مكانها، وأفلت من القوم غلام من بني أقرم يقال له السميدع حتى آقتحم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره ما صنع خالد وشكاه. قال ابن دأب: فأخبرني صالح بن كيسان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" هل أنكر عليه أحد ما صنع؟ \" قال: نعم، رجل أصفر ربعة، ورجل طويل أحمر؛ فقال عمر رضى الله عنه: أنا والله يا رسول الله أعرفهما، أما الأول فهو آبني، وأما الآخر فمولى أبى حذيقة، وكان خالد قد أمر كل من أسر أسيرا أن يقتله، فأطلق عبد الله بن عمرو سالم. ولى حذيقة أسيرين كانا معهما، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب بعد فراغه من حنين، وبعث معه بإبل وورق، وأمره أن يديهم، فوداهم، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله، فقال: قدمت عليهم فقلت لهم: هل لكم أن تقبلوا هذا بما أصيب منكم من القتلى والجرحى، وتحللوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مما علم ومما لم يعلم؟ ، فقالوا: نعم، قال: فدفعته إليهم، وجعلت أديهم حتى إني لأدى ميلغ الكلب.\rوفضلت فضلة فدفعتها إليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقبلوها؟ قلت: نعم؛ قال: فو الذي أنا عبده لذاك أحب إلى من حمر النعم.\rوروى أبو الفرج أيضا بسند رفعه إلى عمر بن شبة، قال: قالوا: يروى أن خالدا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسئل عن غزاته بنى جذيمة، فقال: إن أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثت، فقال: تحدث، فقال: لقيناهم بالغميصاء بعد وجه الصبح، فقاتلناهم حتى كاد قرن الشمس يغيب، فمنحنا الله عز وجل أكتاغهم، فاتبعناهم نطلبهم، فإذا غلام له ذوائب على فرس في أخريات الناس، فبوأت له الرمح فوضعته بين كتفيه. فقال: لا إله، فقبضت الرمح، فقال: إلا اللات أحسنت أو أساءت، فهشمته هشمة أرديته بها، ثم أخذته أسيرا، فشدته وثاقا، ثم كلمته فلم يكلمني، وآستخبرته فلم يخبرني؛ فلما كان ببعض الطرق رأى نسوة من بني جذيمة يسوق بهن المسلمون، فقال: يا خالد، فقلت: ما تشاء؟ فقال: هل أنت واقفي على هذه النسوة؟ فآبيت، فآلى على أصحابي، ففعلت، وفيهن جارية تدعى حبيشة، فقال: لها: ناوليني يدك، فناولته يدها في ثوبها، فقال: اسلمى حبيش، قبل نفاد العيش. فقالت: حييت عشرا، وتسعا تترى، وثمانيا أخرى، فقال:\rأريتك إذ طالبتكم فوجدتكم ... بنخلة أو أدركتكم بالخوانق\rألم يك حقا أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى والودائق\rفقالت: بلى، فقال:\rفقد قلت إذ أهلى وأهلك جيرة ... أثيبي بود قبل إحدى الصفائق\rأثيبي بود قبل أن تشحط النوى ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق\rفإني لا ضيعت سر أمانة ولا راق عيني بعد عينك رائق\rقال خالد: فغاظني ما رأيت من غزله وشعره في حاله تلك، فقدمته فضربت عنقه، فأقبلت الجارية تسعى حتى أخذت برأسه فوضعته في حجرها، وجعلت ترشفه وتقول:\rلا تبعدن يا عمرو حيا وهالكا ... ولا يبعدن المدح مثلك من مثلي\rولا تبعدن يا عمر حيا وهالكا ... فقد عشت محمود الثنا ماجد الفعل\rفمن لطراد الخيل تشجر بالقنا ... وللنحر يوما عند قرقرة البزل\rفما زالت تبكي وتردد هذه الأبيات حتى ماتت، وإن رأسه لفى حجرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لقد وقفت لي يا خالد وإن سبعين ملكا لمطيفون بك يحضونك على قتل عمرو حتى قتلته. \" والله أعلم.\rحنين وهي إلى هوازن وثقيف غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة ثمان من مهاجره. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض، وحشدوا وأوعبوا وبغوا، وجمع أمرهم مالك بن عوف النصرى، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة، وأمرهم فجاءوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم حتى نزلوا بأوطاس، وجعلت الأمداد تأتيهم.","part":5,"page":8},{"id":2009,"text":"قال محمد بن إسحاق: اجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، ونصر، وجشم كلها، وسعد بكر، وناس من بني هلال، وهم قليل. قال: ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغابت عنها من هوازن كعب وكلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم؛ قال: وفي بني جشم دريد بن الصمة، وهو شيخ كبير ليس فيه شئ إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب. قال: وفي ثقيف سيدان لهم في الأحلاف: قارب بن الأسود آبن مسعود بن معتب، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث بن مالك، وأخوه.\rوقال أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي: كان على ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقيفي. قال: وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف.\rقال ابن إسحاق: وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف. قال: ولما نزل مالك بأوطاس، اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة، والصمة: معاوية الأصغر بن بكر آبن علقة، وقيل: علقمة بن خزاعة بن غزبة بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن في شجار له يقاد به - والشجار الهودج - فلما نزل دريد قال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، ثم قال: مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك، فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قال: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم، قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، قال: فأنقض به - أي صاح - ثم قال: راعي ضأن والله! وهل يرد المنهزم شئ! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحد والجد؛ ولو كان يوم علاء ورفعه لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم كما فعلت، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، قال: ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران، يا مالك: إنك لم تصنع بتقديم البيضة، بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ادفعهم إلى متمنع بلادهم، وعليا قومهم، ثم آلق الصباء على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك، قد أحرزت أهلك ومالك، قال: لا والله، لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك، والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهرى. وكره أن يكون لدريد بن الصمة فيها ذكر ورأى، قالوا: أطعناك، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتنى.\rياليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع\rأقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع\rثم قال مالك بن عوف للناس: إذا رأيتوهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد؛ قال: وبعث مالك بن عوف عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم من الرعب، فقال: ويلكم! ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالا بيضا، على خيل بلق، فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فلم يرده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.\rقال آبن إسحاق: ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبرهم بعث إليهم عبد الله بن أبى حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، ففعل؛ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فأجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى هزازن لقتالهم، وذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال: أعرنا سلاحك نلق به عدونا؛ فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك؛ قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يوم السبت لست ليال خلون من شوال في آثنى عشر ألفا من المسلمين: عشر آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح بهم مكة، وألفان من أهل مكة.\rقال الثعلبى: قال مقاتل: كانوا أحد عشر ألفا وخمسمائة.\rوقال الكلبى: كانوا عشرة آلاف، وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا قط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن نغلب اليوم من قلة، حكاه آبن إسحاق.","part":5,"page":9},{"id":2010,"text":"وقال محمد بن سعد: قال ذلك أبو بكر الصديق رضى الله عنه. قال الثعلبى: ويقال: بل قال ذلك رجل من المسلمين يقال له: سلمة بن سلامة.\rقال آبن سعد: وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من المشركين كثير، منهم صفوان بن أمية.\rقال محمد بن إسحاق بسند يرفعه إلى الحارث بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حديثو عهد بالجاهلية، وكان لكفار قريش ومن سواهم من العرب سدرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط، يأتونها كل سنة يعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما؛ قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة خضراء عظيمة، فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم، قالوا: وآنتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوال، فلما كان الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادى حنين، وأوعز إليهم أن يحملوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حملة واحدة، وعبأ رسول الله صلى الله عليه وأصحابه في السحر، وصفهم صفوفا، ووضع الألوية والرايات في أهلها مع المهاجرين: لواء يحمله علي بن أبى طالب، وراية يحملها سعد بن أبى وقاص، وراية يحملها عمر بن الخطاب، ولواء الخزرج يحمله حباب بن المنذر - ويقال: سعد بن عبادة - ولواء الأوس مع أسيد بن حضير، وفي كل بطن من الأوس والخزرج لواء وراية يحملها رجل منهم مسمى، وكذلك قبائل العرب فيها الألوية والرايات يحملها قوم منهم مسمون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قدم سليما من يوم خرج من مكة، وآستعمل عليهم خالد بن الوليد، فلم يزل على المقدمة حتى قدم الجعرانة. قال: وآنحدر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وادي حنين على تعبئته، وركب بغلته البيضاء دلدل، ولبس درعين والمغفر والبيضة، فآستقبلهم من هوازن شئ لم يروا مثله قط من السواد والكثرة، وذلك في غبش الصبح وخرجت الكتائب من مضيق الوادي وسعته، فحملوا حملة، وآنكشفت الخيل خيل بني سليم مولية، وتبعهم الناس منهزمين، وآنحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين، وجعل يقول: يا أنصار الله وأنصار رسوله، أنا عبد الله ورسوله، وثبت معه يومئذ أبو بكر، وعمر، والعباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبى طالب، والفضل بن العباس، وأبو سفيان وآسمه المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب، وأخوه ربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن أم أيمن بن عبيد في أناس من أهل بيته وأصحابه.\rقال الكلبى: كان حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلثمائة من المسلمين، وآنهزم سائر الناس عنه، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للعباس: ناد، يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة، فنادى - وكان صيتا - فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت على أولادها يقولون: يالبيك يالبيك! فحملوا على المشركين، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى قتالهم فقال: ألان حمى الوطيس.\rأنا النبي لا كذب ... أنا آبن عبد المطلب\rثم قال للعباس بن عبد المطلب: ناولني حصيات، فناوله حصيات من الأرض، ثم قال: شاهت الوجوه ورمى بها وجوه المشركين، وقال: انهزموا ورب الكعبة وقذف الله في قلوبهم الرعب، وآنهزموا لا يلوى أحد منهم على أحد.\rقال محمد بن إسحاق: لما آنهزم الناس، ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة مكة الهزيمة، تكلم رجال بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام لمعه في كنانته، وصرخ جبلة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية: ألا بطل السحر اليوم! فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك! فو الله لأن يربنى رجل من قريش أحب إلى من أن يربنى رجل من هوازن؛ وقال شيبة بن عثمان بن أبى طلحة: اليوم أدرك ثأرى من محمد - وكان أبوه قتل يوم أحد - اليوم أقتل محمدا. قال: فبادرت لأقتله، فأقبل شئ حتى غشى فؤادى، فلم أطلق ذلك، فعلمت أنه ممنوع منى.","part":5,"page":10},{"id":2011,"text":"وفي رواية أخرى، قال شيبة بن عثمان: استدبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وأنا أريد أن أقتله بطلحة بن عثمان، وعثمان بن طلحة، فأطلع الله رسوله على ما في نفسى، فآلتفت إلى وضرب في صدرى وقال: أعيذك بالله يا شيبة، فأرعدت فرائصى، فنظرت إليه وهو أحب إلى من سمعى وبصرى فقلت: أشهد أنك رسول الله، وأن الله أطلعك على ما في نفسى.\rوروى محمد بن إسحاق بسنده إلى العباس قال: إني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بحكمة بغلته البيضاء وقد شجرتها بها، وكنت آمرأ جسيما شديد الصوت، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى ما رأى من الناس: أين أيها الناس، فلم أر الناس يلوون على شئ، فقال: يا عباس، اصرخ، يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السمرة قال: فأجابوا لبيك لبيك، قال: فيذهب الرجل ليثنى بعيره فلا يقدر على ذلك، ويأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلى سبيله، فيؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا آجتمع إليه منهم مائة آستقبلوا الناس فآقتتلوا؛ فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه، فنظر إلى مجتلد القوم، فقال: ألان حمى الوطيس.\rقال جابر بن عبد الله: فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال ابن إسحاق: وآلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أم سليم ابنة ملحان، وكانت مع زوجها أبى طلحة، وهي حازمة وسطها ببرد لها، وإنها لحامل بعبد الله بن أبى طلحة، ومعها جمل أبى طلحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أم سليم؟ قالت: نعم، بأبي وأمي يا رسول الله! اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك فإنهم لذلك أهل؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يكفي الله يا أم سليم؟ قال: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ قالت: خنجر أخذته إن دنا منى أحد من المشركين بعجته به.\rوقال محمد بن إسحاق: حدثني أبى إسحاق بن يسار أنه حدث عن جبير ابن مطعم قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت، فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشك أنها الملائكة، ولم تكن إلا هزيمة القوم.\rقال ابن إسحاق: ولما آنهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة، وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك في نخلة من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا، فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان - وهو ابن الدغنة - دريد بن الصمة وهو في شجار له أي هودج، فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه آمرأة، فأناخ به، فإذا هو شيخ كبير والغلام لا يعرفه، فقال له دريد: ما تريد بي؟ قال: أقتلك؛ قال: ومن أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمى، ثم ضربه بسيفه فلم يغن فيه شيئا، فقال: بئس ما سلحتك أمك! خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل في الشجار، ثم آضرب به، وآرفع عن العظام، وآخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب والله يوم قد منعت فيه نساءك؛ فقتله. ولما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا.\rقال ابن هشام: ويقال إن الذي قتل دريد بن الصمة هو عبد الله بن قنيع آبن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة؛ قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الآشعرى، فأدرك بعض من آنهزم، فماوشوه القتال، فقتل منهم أبو عامر تسعة مبارزة وهو يدعو كل واحد منهم إلى الإسلام ويقول: اللهم آشهد؛ ثم برز له العاشر معلما بعمامة صفراء، فضرب أبا عامر فقتله. وآستخلف أبو عامر أبا موسى الأشعرى، فقاتلهم حتى فتح الله عليه، وقتل قاتل أبى عامر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اللهم آغفر لأبي عامر وآجعله من أعلى أمتي في الجنة، \" ودعا لأبى موسى.","part":5,"page":11},{"id":2012,"text":"وقال آبن هشام في خبر أبى عامر: إنه قتل تسعة مبارزة يدعو كل واحد منهم إلى الإسلام ويقول: اللهم آشهد عليه، فيقتله أبو عامر، وبقى العاشر، فحمل كل منهما على صاحبه، فدعا أبو عامر إلى الإسلام وقال: اللهم آشهد عليه، فقال الرجل: اللهم لا تشهد علي، فكف عنه أبو عامر، فأفلت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآه قال: \" هذا شريدا أبى عامر، \" ورمى أبا عامر أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث من بني جشم آبن معاوية، فأصاب أحدهما قلبه. والآخر ركبته، فقتلاه، وولى الناس أبو موسى فحمل عليهما فقتلهما.\rوقال أبو الفرج الأصفهاني: إن الذي رمى أبا عامر فأصاب ركبته هو سلمة آبن دريد بن الصمة. وإنه آرتجز فقال:\rإن تسألوا عني فإني سلمه ... ابن سمادير لمن توسمه\rأضرب بالسيف رءوس المسلمه\rقال: وخرج مالك بن عوف عند الهزيمة فوقف في فوارس من قومه على ثنية من الطريق، وقال لأصحابه: قفوا حتى تمضى ضعفاؤكم وتلحق أخراكم، فوقف حتى مضى من لحق بهم من منهزمة الناس.\rقال آبن هشام: وبلغني أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا نرى قوما واصعى رماحهم بين آذان خيلهم، طويلة بوادهم فقال: هؤلاء بنو سليم، ولا بأس عليكم منهم؛ فلما اقبلوا سلكوا بطن الوادي، ثم طلعت خيل أخرى تتبعها، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: نرى قوما عارضى رماحهم أغفالا على خيلهم، فقال: هؤلاء الأوس والخزرج، ولا بأس عليكم منهم؛ فلما آنتهوا إلى أصل الثنية سلكوا طريق بنى سليم، ثم طلع فارس فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: نرى فارسا طويل الباد واضعا رمحه على عاتقه، عاصبا رأسه بملاءة حمراء، فقال: هذا الزبير بن العوام، وأحلف باللات ليخالطنكم، فآثبتوا له، فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية، أبصر القوم فصمد لهم، فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها.\rقالوا: ولما آنهزم القوم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل من قدر عليه، فحنق المسلمون عليهم، فقتلوا الذرية والنساء، فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بآمرأة قد قتلها خالد بن الوليد، فقال: ما هذه؟ قالوا: امرأة قتلها خالد بن الوليد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض من معه: \" أدرك خالد بن الوليد فقل له: إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو آمرأة؛ \" وأنزل الله تعالى في يوم حنين قوله تعالى: \" لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين. ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين \" .\rقال الثعلبي: قال سعيد بن جبير: أمد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين.\rوقال الحسن ومجاهد: كانوا ثمانية آلاف.\rوقال الحسن: كانوا ستة عشر ألفا؛ قال سعيد بن جبير: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقفوا لنا حلبة شاة، فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم، حتى إذا آنتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - فتلقانا رجال بيض الثياب حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، فرجعنا، وركبوا أكتافنا، فكانت إياها. يعني الملائكة.\rقال: وفي الخبر أن رجلا من بني نصر يقال له شجرة قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق، والرجال عليهم ثياب بيض؟ ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة، وما كان قتلنا إلا بأيديهم، فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: تلك الملائكة.\rوقال محمد بن سعد: كان سيما الملائكة يوم حنين عمائم حمر قد أرخوها بين أكتافهم.\rقال آبن إسحاق: وآستشهد من المسلمين يوم حنين من بنى هاشم أيمن بن عبيد، ومن بني أسد يزيد بن زمعة بن الأسود، ومن ألنصار سراقة بن الحارث ابن عدي، ومن الأشعر يين أبو عامر.","part":5,"page":12},{"id":2013,"text":"وقال آبن سعد: ورقيم بن بن زيد بن لوذان، واستحر القتل في بني نصر آبن معاوية، ثم في بني رئاب، فقال عبد الله بن قيس، وكان مسلما. هلكت بنو رئاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اللهم آجبر مصيبتهم. \" قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبايا والأموال فجمعت، وحدرت إلى الجعرانة، وعليها مسعود بن عمرو الغفارى، فوقف بها بالجعرانة حتى آنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الطائف وهو حظائرهم يستظلون بها من الشمس، ثم قسمها صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rسرية الطفيل بن عمرو الدوسى إلى ذي الكفين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة ثمان عند منصرفه من غزوة حنين، وتوجهه إلى الطائف ليهدم ذا الكفين صنم عمرو بن حممة الدوسي، وأمره أن يستمد قومه ويأتيه بالطائف، فخرج سريعا إلى قومه، فهدم ذا الكفين وجعل يحش النار في وجهه ويقول:\rيا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا\rإني حششت النار في فؤادكا\rوآنحدر معه من قومه أربعمائة سراعا، فوافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام، وقدم الطفيل معه بدبابة ومنجنيق.\rغزوة الطائف غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة ثمان من مهاجره، وذلك أنه لما آنهزمت هوازن وثقيف يوم حنين، وجمعت السبايا والغنائم، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين يريد الطائف، وقدم خالد بن الوليد على مقدمته، وقد كانت ثقيف رموا حصنهم، وأدخلوا فيه ما يصلحهم لسنة، فلما آنهزموا من أوطاس، دخلوا حصنهم وأغلقوا عليهم وتهيئوا للقتال، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلك على نحلة اليمانية، ثم على قرن، ثم على المليح، ثم على بحرة الرغاء من لية، فآبتنى بها مسجدا يصلي فيه.\rقال آبن إسحاق: وأقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم، وهو أول دم أقيد به في الإسلام رجل من بني أسد قتل رجلا من هذيل فقتل به؛ قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بلية بحصن مالك آبن عوف، فهدم، ثم سلك في طريق يقال لها: الضيقة، فسأل عن آسمها. فقال: ما آسم هذه الطريق؟ فقالوا: الضيقة، فقال: بل هي اليسرى، ثم خرج منها على نخب حتى نزل تحت سدرة يقال لها: الصادرة، قريبا من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: \" إما أن تخرج وإما أن نخرب عليك حائطك؛ \" فأبى أن يخرج، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخرابه؛ ثم مضى حتى نزل قريبا من حصن الطائف وعسكر هناك، فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم آثنا عشر رجلا.\rقال آبن إسحاق: وهم سعيد بن سعيد بن العاص، وعرفطة بن جناب، حليف لهم من أسد بن الغوث.\rوعبد الله بن أبى بكر الصديق رضى الله عنهما، رمى فاندمل جرحه، ثم انتقض بعد ذلك فمات منه في خلافة أبيه.\rومن بني مخزوم عبد الله بن أبى أمية بن المغيرة.\rومن بني كعب عبد الله بن عامر بن ربيعة، حليف لهم.\rومن بني سعد بن ليث جليحة بن عبد الله.\rومن الأنصار ثابت بن الجذع، والحارث بن سهل بن أبى صعصعة، والمنذر بن عبد الله، ورقيم بن ثابت بن ثعلبة الأوسي.\rقال: فارتفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع مسجد الطائف اليوم، وكان معه صلى الله عليه وسلم من نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما قبتين.\rوحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر يوما، ويقال: خمسة عشر يوما، ونصب عليهم المنجنيق، ورمى عليهم به، وأهل الطائف أول من رمى بالمنجنيق في الإسلام.","part":5,"page":13},{"id":2014,"text":"قال آبن إسحاق: حتى إذا كان يوم الشدخة دخل نفر من المسلمين تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتل منهم رجال، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناقهم وتحريقها، فقطع المسلمون قطعا ذريعا، ثم سألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إني أدعها لله وللرحم، \" ونادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر؛ \" فخرج منهم بضعة عشر رجلا، منهم: أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف، ولم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح الطائف، فاستشار نوفل بن معاوية الديلي، فقال: ما ترى؟ فقال: ثعلب في حجر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضررك.\rقال محمد بن إسحاق: وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبى بكر رضى الله عنه: يا أبا بكر؛ إني رأيت أني أهديت لي قعبة مملوءة زبدا، فنقرها ديك فهراق ما فيها؛ فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" وأنا لا أرى ذلك. \" قال: ثم إن خويلة بنت حكيم بن أمية السلمية، وهي آمرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله، أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية بنت غيلان ابن سلمة، أو حلي الفارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء قريش. قال: فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: \" وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة؟ \" فخرجت خويلة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب رضى الله عنه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما حديث حدثتنيه خويلة فزعمت أنك قد قلته؟؛ قال: قد قلته. قال: أو ما أذن فيهم يا رسول الله؟ قال: لا، قال: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال: بلى قال: فأذن عمر في الناس بالرحيل؛ فضج الناس من ذلك، وقالوا: نرحل ولم تفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فآغدوا على القتال؛ فغدوا، فآصابت المسلمين جراحات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنا قافلون إن شاء الله؛ \" فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرتحلون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، وقال لهم: قولوا لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده؛ فلما آرتحلوا وآستقلوا قال: قولوا آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون؛ وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ادع على ثقيف؛ فقال: اللهم آهد ثقيفا وأت بهم.\rالجعرانة وقسم مغانم حنين، وما أعطاه المؤلفة قال آبن إسحاق: ولما آنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف رجع إلى الجعرانة فآنتهى إليها ليلة الخميس لثلاث خلون من ذي القعدة، فأقام بها ثلاثة عشر يوما، وقسم الفئ.\rقال محمد بن سعد: كان السبي ستة آلاف، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، والورق أربعة آلاف أوقية فضة، فآستأنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبي أن يقدم عليه وفدهم، وبدأ بالأموال فقسمها، وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس.\rقالوا: فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل. قال: وآبني يزيد؟ قال: أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل؛ قال: وابني معاوية؟ فأعطاه أربعين أوقية ومائة من الإبل، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أخرى فأعطاه إياها، وأعطى النضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة مائة من الإبل، وأعطى أسيد بن جارية الثقفي مائة من الإبل، وأعطى العلاء ابن جارية الثقفي خمسين بعيرا، وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعيرا، وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل، وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل، وأعطى صفوان بن أمية مائة من الإبل، وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل، وأعطى عثمان بن وهب خمسين من الإبل، وأعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل، وأعطى حويطب بن عبد العزى مائة من الإبل، وأعطى هشام بن عمرو العامري خمسين من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل، واعطى عيينة ابن حصن مائة من الإبل، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل، وقيل: أربعة، فقال في ذلك:","part":5,"page":14},{"id":2015,"text":"كانت نهابا تلافيتها ... بكرى على المهر في الأجرع\rوإيقاظي القوم أن يرقدوا ... إذا هجع الناس لم أهجع\rفأصبح نهبى ونهب العبي ... د بين عيينة والأقرع\rوقد كنت في الحرب ذاتدرإ ... فلم أعط شيئا ولم أمنع\rإلا أفائل أعطيتها ... عديد قوائمها الأربع\rوما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع\rوما كنت دون آمرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اقطعوا عني لسانه، \" فأعطوه حتى رضى،قيل: أعطاه مائة من الإبل.\rقال آبن سعد: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك كله من الخمس، وهو أثبت الأقاويل عندنا، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت بإحصاء الناس والغنائم، ثم فضها على الناس، فكانت سهامهم لكل رجل أربع من الإبل، وأربعون شاة، فإن كان فارسا أخذ آثني عشر من الإبل، أو عشرين ومائة شاة، وإن كان معه أكثر من فرس لم يسهم للفرس الزائد.\rقدوم وفد هوازن\rعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامهم ورد السبايا إليهم قال: وقدم وفد هوازن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أربعة عشر رجلا، ورأسهم زهير بن صرد، وفيهم أبو برقان عم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فسألوه أن يمن عليهم بالسبى.\rقال آبن إسحاق بسنده إلى عبد الله بن عمرو: إن وفد هوازن وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فآمنن علينا.\rقال: وقام رجل من هوازن، أحد بني سعد بن بكر يقال له: زهير، يكنى بأبى صرد، فقال: يا رسول الله، إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن معك يكفلنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبى شمر أو للنعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين.\rوحكى أبو عمر بن عبد البر أن صرد زهير بن صرد أنشد عند ذلك:\rامنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وننتظر\rامنن على بيضة قد عاقها قدر ... ممزق شملها، في دهرها غير\rيا خير طفل ومولود ومنتجب ... في العالمين إذا ما حصل البشر\rإن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين يختبر\rفآمنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملؤه من محضها درر\rإذ كنت طفلا صغيرا كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر\rلا تجعلنا كمن شالت نعامته ... وآستبق منا فإنا معشر زهر\rيا خبر من مرحت كمت الجياد به ... عند الهياج إذا ما آستوقد الشرر\rإنا لنشكر آلاء وإن كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر\rإنا نؤمل عفوا منك تلبسه ... هذى البرية إذ تعفو وتنتصر\rفآغفر عفا الله عما أنت واهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر","part":5,"page":15},{"id":2016,"text":"قال آبن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ \" فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، فرد إلينا أبناؤنا ونساؤنا فهو أحب إلينا؛ فقال لهم: \" أما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت الظهر فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا؛ فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم، \" ففعلوا ما أمرهم به، فقال: \" أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، \" وقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقالت الأنصار مثل ذلك؛ فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال عباس بن مردس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بلى، ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: يقول عباس لبني سليم: وهنتموني؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن هؤلاء القوم جاءوا مسلمين، وقد كنت آستأنيت بسبهم، وخيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان عنده منهم شئ فطابت نفسه أن يرده فسبيل ذلك، ومن أبى فليرد عليهم، وليكن ذلك قرضا علينا، فله بكل إنسان ست فرائض من أول ما يفئ الله علينا \" قالوا: رضينا وسلمنا، فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، ولم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن، فإنه أبى أن يرد عجوزا صارت في يده منهم، ثم ردها بعد ذلك.\rوقد حكى محمد بن إسحاق سبب تمسك عيينة بها وردها، قال: فقال حين أخذها: أرى عجوزا إني لأحسب لها في الحي نسبا، وعسى أن يعظم فداؤها؛ فلما رد الناس السبايا بست فرائض أبى أن يردها، فقال له زهير بن صرد: خذها عنك، فو الله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواجد ولا درها بماكد؛ فردها بست فرائض حين قال له زهير ما قال. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كسا السبى قبطية قبطية، والقباطي: ثياب بيض تتخذ من الكتان بمصر.\rوحكى محمد بن سعد في طبقاته الكبرى في ترجمة عيينة بن حصن في هذه القصة قال: لما قدم هوازن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد عليهم السبى، كان عيينة قد أخذ رأسا منهم، فنظر إلى عجوز كبيرة فقال: هذه أم الحي، لعلهم أن يغلوا بفدائها، وعسى أن يكون لها في الحي نسب. فجاء آبنها إلى عيينة فقال: هل لك في مائة من الإبل؟ قال: لا، فرجع عنه، فتركه ساعة، وجعلت العجوز تقول لآبنها: ما إربك في بعد مائة ناقة، اتركه فما أسرع ما يتركني بغير فداء؛ فلما سمعها عيينة قال: ما رأيت كاليوم خدعة، والله ما أنا من هذه إلا في غرور؛ ولا جرم والله لأبعدن أثرك مني؛ قال: ثم مر به آبنها فقال له عيينة: هل لك فيما دعوتني إليه؛ فقال: لا أزيدك على خمسين؛ فقال عيينة: لاأفعل؛ ثم لبث ساعة، فمر به وهو معرض عنه، فقال له عيينة: هل لك في الذي بذلت لي؟ ، قال له الفتى: لا أزيدك على خمس وعشرين فريضة؛ قال عيينة: والله لا أفعل، فلما تخوف عيينة أن يتفرق الناس ويرتحلوا قال: هل لك إلى ما دعوتني إليه إن شئت؟ : قال الفتى: هل لك إلى عشر فرائض؟ قال: لا أفعل؛ فلما رحل الناس ناداه عيينة: هل لك إلى ما دعوتني إليه شئت؟ ؛ قال الفتى: أرسلها وأحمدك، قال: لا والله مالي حاجة بحمدك؛ فأقبل عيينة على نفسه لائما لها ويقول: ما رأيت كاليوم أمرا أنكد، قال الفتى: أنت صنعت هذا بنفسك، عمدت إلى عجوز كبيرة، والله ما ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا فوها ببارد، ولا صاحبها بواجد، فأخذتها من بين من ترى؛ فقال له عيينة: خذها لا بارك الله لك فيها؛ قال: فيقول الفتى: يا عيينة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كسا السبى فأخطأها من بينهم الكسوة، فهل أنت كاسيها ثوبا؟ قال: لا، والله مالها ذاك عندي، قال: لا تفعل؛ فما فارقه حتى أخذ منه سمل ثوب. ثم ولى الفتى وهو يقول: إنك لغير بصير بالفرض، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كسا السبى قبطية قبطية، والقباطي: ثياب بيض نتخذ من الكتان بمصر.","part":5,"page":16},{"id":2017,"text":"قال محمد بن إسحاق: وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد هوازن عن مالك بن عوف ما فعل؟ هو بالطائف مع ثقيف؛ فقال: أخبروا مالكا إن هو أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإبل. فأخبر بذلك، فخرج من الطائف فأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة أو بمكة، فرد عليه أهله وماله، وأعطاه مائة من الإبل، وأسلم فحسن إسلامه. وقال حين أسلم منشدا:\rما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... في الناس كلهم بمثل محمد\rأوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ... ومتى تشأ يخبرك عما في غد\rوإذا الكتيبة عردت أنيابها ... بالسمهري وضرب كل مهند\rفكأنه ليث على أشباله ... وسط الهباءة خادر في مرصد\rفآستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وتلك القبائل: ثمالة، وسلمة، وفهم، فكان يقاتل بهم ثقيفا؛ لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه، حتى ضيق عليهم، فقال أبو محجن بن حبيب بن عمرو الثقفي في ذلك:\rهابت الأعداء جانبنا ... ثم تغزونا بنو سلمة\rوأتانا مالك بهم ... ناقضا للعهد والحرمة\rوأتونا في منازلنا ... ولقد كنا أولى نقمة\rمن بايع الرسول من قريش\rوغيرها عند قسم مغانم حنين قال أبو محمد عبد الملك بن هشام رحمه الله: بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش وغيرهم وأعطاهم يوم الجعرانة من غنائم حنين: أبو سفيان ابن حرب، ومعاوية بن أبى سفيان، وطليق بن سفيان بن أمية، وخالد بن أسيد ابن أبى العيص، وشيبة بن عثمان بن أبى طلحة، وأبو السنابل بن بعكك بن الحارث، وعكرمة بن عامر بن هاشم، وزهير بن أبى أمية بن المغيرة، والحارث بن هشام بن المغيرة، وخالد بن هشام بن المغيرة، وهشام بن الوليد بن المغيرة، وسفيان بن عبد الأسد بن عبد الله، والسائب بن أبى السائب بن عائذ، ومطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة، وأبو جهم بن حذيقة بن غانم؛ العدويان، وصفوان بن أمية بن خلف الجمحى، وأحيحة بن أمية بن خلف، وعمير بن وهب بن خلف، وعدي بن قيس ابن حذافة السهمى، وحويطب بن عبد العزى، وهشام بن عمرو بن ربيعة، ونوفل ابن معاوية بن عروة بن صخر الديلي، وعلقمة بن علاثة بن عوف، ولبيد بن ربيعة بن مالك، وخالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر، وحرملة بن هوذة آبن ربيعة، ومالك بن عوف بن سعيد بن يربوع، وعباس بن مرداس السلمى، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، بن حابس بن عقال المجاشعي\rمقالة الأنصار\rفي أمر قسم الفئ، وما أجابهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضاهم به","part":5,"page":17},{"id":2018,"text":"قال ابن إسحاق بسند يرفعه إلى أبى سعيد الخدري رضى الله عنه أنه قال: لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شئ، وجدوا في أنفسهم حتى كثرت بهم القالة، حتى قال قائلهم: لقى والله رسول الله قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا آلفئ الذي أصبت؛ قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شئ. قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي؛ قال: فآجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فخرج سعد فجمعهم فيها، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: \" يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأعانكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم! \" قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل ثم قال: ألا تجيبونني يا معشر الأنصار، قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ ، لله ولرسوله المن والفضل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أما والله لو شئتم لقلتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم من لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم! فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت آمرأ من الأنصار، ولو سلكت الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم آرحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء الأنصار؛ قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا؛ ثم آنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا، وذلك ليلة الأربعاء لثنتي عشرة ليلة مضت من ذي القعدة، فأحرم بعمرة، ودخل مكة، فطاف وسعى وحلق رأسه، ورجع إلى الجعرانة من ليلته.\rآستخلاف عتاب بن أسيد\rعلى مكة ورجوعه إلى المدينة قال محمد بن إسحاق: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرته آستخلف عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن.\rقال آبن هشام: لما آستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما، فقام فخطب الناس فقال: أيها الناس، أجاع الله كبد من جاع على درهم، رزقني رسول الله صلى الله عليه وسلم درهما كل يوم، فليست بي حاجة إلى أحد.\rقال: وحج عتاب بالناس في سنة ثمان على ما كانت العرب تحج عليه.\rقال آبن سعد: ولما آنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سلك في وادي الجعرانة، حتى خرج على سرف، ثم أخذ الطريق إلى مر الظهران، ثم إلى المدينة، فقدمها صلى الله عليه وسلم في بقية ذي القعدة أو في أول ذي الحجة.\rوقال آبن هشام: لست بقين من ذي القعدة. والله أعلم.\rسرية عيينة بن حصن الفزارى إلى بني تميم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحرم سنة تسع من مهاجره إلى بني تميم في خمسين فارسا من العرب، ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري، وكان يسير الليل ويكمن النهار، فهجم عليهم في صحراء - وكانوا فيما بين السقيا وأرض بني تميم، وقد حلوا وسرحوا ما شيتهم، فلما رأوا الجمع ولوا - وأخذ منهم أحد عشر رجلا؛ ووجدوا في المحلة إحدى عشرة آمرأة وثلاثين صبيا، فجلبهم إلى المدينة، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسوا في دار بنت الحارث، فقدم فيهم عدة من رؤسائهم: عطارد بن حاجب، والزبر بن بدر، وقيس بن عاصم، ورباح بن الحارث بن مجاشع، والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم ابن سعد، وعمرو بن الأهتم، وربيعة بن رفيع، وسبرة بن عمرو، والقعقاع بن معبد، ووردان بن محرز، ومالك بن عمرو، وفراس بن حابس، وكان من شأنهم وكلام خطيبهم وشاعرهم ما نذكر ذلك في أخبارهم في وفادات العرب إن شاء الله تعالى، وذلك في السفر السادس عشر من كتابنا هذا من هذه النسخة.\rقال: ورد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسرى والسبى.","part":5,"page":18},{"id":2019,"text":"قال آبن إسحاق: وكان ممن قتل يومئذ من بني العنبر: عبد الله وأخوان له بنو وهب، وشداد بن فراس، وحنظلة بن دارم. وكان ممن سبى يومئذ أسماء بنت مالك، وكأس بنت أرى، ونجوة بنت نهد، وجميعة بنت قيس، وعمرة بنت مطر.\rخبر الوليد بن عقبة\rبن أبى معيط مع بني المصطلق قال محمد بن سعد: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة ابن أبى معيط إلى بالمصطلق من خزاعة يصدقهم، وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد، فلما سمعوا بدنو الوليد خرج منهم عشرون رجلا يتلقونه بالجزور والغنم فرحا به، فلما رآهم ولى راجعا إلى المدينة، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لقوه بالسلاح يحولون بينه وبين الصدقة، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم من يغزوهم، وبلغ ذلك القوم، فقدم الركب الذين لقوا الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر على وجهه، فنزل في ذلك قوله تعالى: \" يأيها الذين آمنوا إن جاءكم ناسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا أن قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين، \" فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، وبعث معهم عباد بن بشر يأخذ صدقات أموالهم، ويعلمهم شرائع الإسلام، ويقرئهم القرآن، ففعل، وأقام عندهم عشرا، ثم آنصرف إلى المدينة.\rسرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفر سنة تسع من مهاجره إلى حي من خثعم بناحية تبالة في عشرين رجلا، وأمره أن يشن الغارة عليهم، فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها، فاخذوا رجلا، فسألوه فآستعجم عليهم، وجعل يصيح باالحاضر ويحذرهم، فضربوا عنقه، ثم امهلوا حتى نام الحاضر، فشنوا عليهم الغارة، فآقتتلوا قتالا شديدا، وساق المسلمون النعم والشاء والنساء إلى المدينة، وجاء سيل فحال بينهم وبين قطبة، فما يجدون إليه سبيلا، وكانت سهامهم بعد الخمس لكل رجل أربعة أبعرة، والبعير يعدل بعشرة من الغنم.\rسرية الضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب كانت في شهر ربيع الأول سنة تسع من الهجرة.\rقالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا إلى القرطاء عليهم الضحاك ابن سفيان بن عوف الكلابي، ومعه الأصيد بن سلمة بن قرط، فلقوهم بالزج، زج لاوة، فدعوهم إلى الإسلام فأبوا، فقاتلوهم فهزموا، فلحق الأصيد أباه سلمة، وسلمة على فرس له في غدير الزج، فدعا أباه إلى الإسلام، وأعطاه الأمان، فسبه وسب دينه، فضرب الأصيد عرقوبى فرس أبيه، فلما وقع الفرس على عرقوبيه آرتكز سلمة رمحه في الماء، ثم آستمسك به، حتى جاءه أحدهم فقتله، ولم يقتله آبنه، وفي هذه السرية وفي الضحاك بن سفيان يقول عباس بن مرداس:\rإن الذين وفوا بما عاهدتهم ... جيش بعثت عليهم الضحاكا\rأمرته ذرب اللسان كأنه ... لما تكنفه العدو يراكا\rطورا يعانق باليدين وتارة ... يفرى الجماجم صارما بتاكا\rسرية علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة كانت هذه السرية في شهر ربيع الآخر سنة تسع من الهجرة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن ناسا من الحبشة تراآهم أهل جدة، فبعث إليهم علقمة بن مجزز في ثلاثمائة، فآنتهى إلى جزيرة في البحر وقد خاض إليهم، فهربوا منه، فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهليهم، فأذن لهم، وفيهم عبد الله بن حذاقة السهمى، فأمره علقمة على من تعجل، وكانت فيه دعابة، فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارا يصطلون عليها، فقال لهم: عزمت عليكم إلا تواثبتم في هذه النار، فقام بعض القوم حتى ظن أنهم واثبون فيها، فقال: اجلسوا، إنما كنت أضحك معكم؛ فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: \" من أمركم بمعصية فلا تطيعوه. \" سريةإلى الفلس","part":5,"page":19},{"id":2020,"text":"صنم طيئ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب رضى الله عنه في شهر ربيع الآخر سنة تسع في خمسين ومائة رجل من الأنصار إلى الفلس صنم طيئ ليهدمه - والفلس بضم الفاء وسكون اللام - بعثهم على مائة بعير وخمسين فرسا، ومعه راية سوداء ولواء أبيض، فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفلس وخربوه وملأوا أيديهم من السبى والنعم والشاء، وفي السبى أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام؛ وكان خيره ما نذكره إن شاء الله في أخبار الوفود. قال: ووجدوا في خزانة الفلس ثلاثة أسياف: رسوب، والمخذم، واليمان؛ وثلاثة أدرع، فلما نزلوا ركك آقتسموا الغنائم، وعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفية: رسوب، والمخذم، ثم صار له بعد السيف الآخر، وعزل الخمس وعزل آل حاتم فلم يقسمهم، حتى قدم بهم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rسرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى الجناب بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الآخر سنة تسع من مهاجره إلى الجناب، أرض عذرة وبلي، ولم يذكر آبن سعد من خبره غير ذلك.\rتبوك كانت غزوة تبوك في شهر رجب سنة تسع من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لخم، وجذام، وعاملة، وغسان، وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخووج، وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك، وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم، وذلك في جر شديد، وأمرهم بالصدقة، فحملوا صدقات كثيرة، وقووا في سبيل الله.\rقال ابن هشام: أنفق عثمان بن عفان رضى الله عنه في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اللهم آرض عن عثمان فإني عنه راض. \" وجاء البكاءون وهم سبعة: سالم بن عمير، وهرمى بن عبد الله أخو بني واقف، وعلبة بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب المازني، وعمرو بن عنمة، وسلمة بن صخر، والعرباض بن سارية الفزاري.\rقال: وفي بعض الرواة من يقول: إن فيهم عبد الله بن مغفل المزني، ومعقل ابن يسار، وبعضهم يقول: البكاءون بنو مقرن السبعة، وهم من مزينة، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه، فقال: \" لا أجد ما أحملكم عليه؛ \" فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون، فعذرهم الله تعالى.\rقال: وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة، فآقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت، فآنكسرت رجله، وآقتحم أصحابه فأفلتوا، فقال الضحاك في ذلك:\rكادت وبيت الله نار محمد ... يشيط بها الضحاك وآبن أبيرق\rفظلت وقد طبقت كبس سويلم ... أنوء على رجلى كسيرا ومرفقى\rسلام عليكم لا أعود لمثلها ... أخاف، ومن تشمل به النار يحرق\rوجاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في التخلف من غير علة، فأذن لهم، وهم بضعة وثمانون رجلا.","part":5,"page":20},{"id":2021,"text":"وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم، فآعتذروا إليه، فلم يعذرهم، وهم آثنان وثمانون رجلا؛ ذكر أنهم نفر من بني غفار، وكان عبد الله بن أبى بن سلول قد عسكر على ثنية الوداع في حلفائه من اليهود والمنافقين، فكان يقال: ليس عسكره بأقل العسكرين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخلف على عسكره أبا بكر الصديق رضى الله عنه، فصلى بالناس، وآستخلف على المدينة محمد بن مسلمة، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عبد الله بن أبى، ومن كان معه، وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا آرتياب، منهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وأبو خيثمة مالك بن قيس السالمي، وأبو ذر الغفاري؛ وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء أو راية، ومضى صلى الله عليه وسلم لوجهه يسير بأصحابه حتى قدم تبوك في ثلاثين ألفا من الناس، والخيل عشرة آلاف فرس، فأقام بها عشرين ليلة يصلي ركعتبن ركعتين، ولحقه بها أبو خيثمة وأبو ذر.\rقال محمد بن إسحاق في سبب مسير أبى خيثمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه جاء يوما إلى أهله بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما في يوم حار، فوجد آمرأتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منها عريشها وبردت له فيه ماء، وهيأت طعاما، فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى آمرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله في الضح والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وآمرأة حسناء، في ماله مقيم، ما هذا بالنصف! ؛ ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيئا لي زادا، ففعلتا، ثم قدم ناضحه فآرتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك.\rقال: ولما دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كن أبا خيثمة، \" قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خثيمة؛ فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: \" أولى لك يا أبا خثيمة! \" ، ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال: خيرا ودعا له.\rوأما أبو ذر الغفاري، فإنه أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء الطريق، وكان بعيره قد أبطأ عليه، فحمل متاعه على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده \" فكان كذلك.\rقال: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك وهرقل يومئذ بحمص، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر.\rسرية إلى أكيدر بن عبد الملك","part":5,"page":21},{"id":2022,"text":"قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بتبوك خالد بن الوليد في أربعمائة وعشرين فارسا سرية إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل، وأكيدر من كندة، قد ملكهم، وكان نصرانيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: :إنك ستجده يصيد البقر. \" فخرج خالد في شهر رجب سنة تسع من الهجرة حتى كان من حصن أكيدر بمنظر العين في ليلة مقمرة وصائفة، وهو على سطح له، ومعه آمرأته، فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له آمرأته: ما رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله؛ قالت: فمن يترك هذا؟ قال: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه فأسرج له، وركب وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخ له يقال له: حسان، وخرجوا لمطاردة البقر، فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشدت عليه، فآستأسر أكيدر، وآمتنع أخوه حسان، وقاتل حتى قتل، وكان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب، فآستلبه خالد، وبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، ويتعجبون منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أتعجبون من هذا؟ فو الذي نفسى بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا. قال: ولما أسر أكيدر وقتل حسان، هرب من كان معهما، فدخل الحصن، وأجار خالد أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يفتح له دومة الجندل، ففعل، وصالحه على ألفى بعير، وثمانمائة فرس، وأربعمائة درع وأربعمائة رمح، فعزل للنبي صلى الله عليه وسلم صيفا خالصا، ثم أخرج الخمس، وقسم ما بقى بين أصحابه، ثم خرج خالد بأكيدر وبأخيه مصاد - وكان في الحصن - وبما صالحه عليه قافلا إلى المدينة، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكيدر، فأهدى له هدية، وصالحه على الجزية، وحقن دمه، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته، فقال بجير بن بجرة:\rتبارك سائق البقرات إني ... رأيت الله يهدي كل هاد\rفمن يك حائدا عن ذي تبوك ... فإنا قد أمرنا بالجهاد\rقال محمد بن إسحاق: ولما آنتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يحنة ابن رؤبة صاحب أيلة، فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح، فأعطوه الجزية، وكتب رسول صلى الله عليه وسلم ليحنة كتابا، وهو: \" بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة؛ سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله ومحمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام، وأهل اليمن، وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر. \" قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آستعمل على حرسه بتبوك عباد ابن بشر، ثم آنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيدا.\rوقدم المدينة في شهر رمضان من السنة، وجاءه من كان قد تخلف عنه، فخلفوا له، فعذرهم، واستغفر لهم، وأرجأ أمر كعب بن مالك وصاحبيه حتى نزلت توبتهم، على نذكر ذلك إن شاء الله في آخر هذه الغزوة.\rقال: وجعل المسلمون يبيعون أسلحتهم ويقولون: قد آنقطع الجهاد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهاهم، وقال: \" لا تزال عصابة من أمتى يجاهدون على الحق حتى يخرج الدجال. \" وكان في غزوة تبوك وقائع غير ما قدمناه، قد رأينا إيرادها في هذا الموضع.\rمنها خبر مرور رسول الله بالحجر.\rومنها ما أنزل في أمر المنافقين.\rومنها خبر الثلاثة الذين خلفوا، وما أنزل من توبتهم.\rمرور الرسول بالحجر\rوما قاله لأصحابه","part":5,"page":22},{"id":2023,"text":"قال محمد بن إسحاق: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره إلى تبوك بالحجر من مدين، نزلها، وآستقى الناس من بئرها، فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. \" لا تشربوا من مائها شيئا، ولا يتوضأ منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه للإبل ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له، \" ففعل الناس ما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه؛ وأما الذي ذهب في طلب بعيره فآحتملته الريح حتى طرحته بجبل طيء، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: \" ألم أنهكم ألا يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحبه! \" ثم دعا للذي أصيب فشفى، وأما الآخر فإن طيئا أهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة.\rقال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر سجى ثوبه على وجهه، وآستحث راحلته، ثم قال: \" لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم مثل ما أصابهم. \" قال آبن إسحاق: لما أصبح الناس ولا ماء معهم شكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا، فأرسل الله تعالى سحابة فأمطرت حتى آرتوى الناس وآحتملوا حاجتهم من الماء.\rوفي هذه الغزوة ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال زيد بن لصيب ما قال، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، فأخبر بشأنها، ووجدت كما وصف صلى الله عليه وسلم على ما قدمنا ذلك في أخبار المنافقين.\rأخبار المنافقين\rوما تكلموا به في غزوة تبوك وما أنزل الله عز وجل فيهم من القرآن كان ممن أنزل الله عز وجل فيه من القرآن ما أنزل في غزوة تبوك الجد ابن قيس، وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: آئذن لي ولا تفتنى؛ وقد تقدم خبره مع أخبار المنافقين.\rوقال قوم منهم: لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد؛ فأنزل الله عز وجل فيهم: وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون. فليضحكوا قليلا وليبكلوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون، وقال رهط من المنافقين: منهم وديعة آبن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، ورجل من أشجع، حليف لبني سلمة يقال له: مخش بن حمير - وقيل: مخش - وغيرهما بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم ببعضا، والله لكأنكم غدا بهم مقرنين في الحبال، يقولون ذلك إرجافا وترهيبا للمؤمنين.\rفقال مخشى: والله لوددت أن أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وأنا ننفلت أو ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر: أدرك القوم فإنهم قد آحترقوا، فآسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل لهم: بلى قد قلتم كذا وكذا، فآنطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب.\rوقال مخشى: يا رسول الله، قعد بي آسمي وأسم أبى، فأنزل الله تعالى قوله: \" ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين. \" فكان مخشى بن حمير ممن عفى عنه، فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة، ولم يوجد له أثر. والله الموفق للصواب.\rالثلاثة الذين خلفوا\rوما أنزل فيهم وفي المعذرين من الأعراب","part":5,"page":23},{"id":2024,"text":"والثلاثة الذين خلفوا لم يتخلفوا عن شك ولا نفاق، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وكان من خبرهم ما حدثنا به الشيخان المعمران المسندان شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبى طالب نعمة الصالحي الحجار، وست الوزراء أم محمد وزيرة بنت القاضي شمس الدين عمر بن أسعد بن المنجى التنوخية الدمشقيان قراءة عليهما، وأنا أسمع في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وسبعمائة بالمدرسة المنصورية بالقاهرة المعزية، قالا: حدثنا الشيخ سراج الدين أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى الزبيدي، قال: حدثنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي قراءة عليه ونحن نسمع، قال: حدثنا الشيخ أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسى، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف ابن مطر الفربري، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن آبن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك، - وكان قائد كعب من بنيه حين عمى - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد؛ ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها.\rكان من خبرى أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما آجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتها في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، وآستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا، فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان.\rقال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى له ذلك، مالم ينزل فيه وحي الله عز وجل، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى شمر بالناس الجد. فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، ولم أفض من جهازي شيئا، فقلت: اتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحق بهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، ورجعت فلم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت، ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفرط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه بالنفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه ونظره في عطفيه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله، ما علمت عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.","part":5,"page":24},{"id":2025,"text":"قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همى، وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا، وآستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما راح عني الباطل، وعرفت أني لم أخرج منه أبدا بشئ فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم يجلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم وآستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشى حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد آبتعت ظهرك؟ فقلت: بلى والله، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبي الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك، \" فقمت وثار رجال من بني سلمة فآتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون آعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما آعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك آستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فو الله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقى هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك؛ فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمرى، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة؛ حين ذكروهما لي.\rونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا - أيها الثلاثة - من بين من تخلف عنه، فآجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي بالتي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.\rفأما صاحباي فآستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا؟ ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة، وهو آبن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فو الله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسلكت، فعدت له فنشدته، فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار.\rقال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ ، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلى كتابا من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فآلحق بنا نواسك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور، فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل آمرأتك.\rفقلت: أطلقها؟ أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل آعتزلها ولا تقربنها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لآمرأتي: الحقى بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.","part":5,"page":25},{"id":2026,"text":"قال كعب: فجاءت آمرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ فقال: لا، ولكن لا يقربنك قالت: إنه والله ما به حركة إلى شئ، والله ما زال يبكي مذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو آستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في آمرأتك، كما أذن لآمرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله، وما يدرني ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أستأذنته فيها وأنا رجل شاب! فلبثت بعد ذلك عسر ليال حتى كملت خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا؛ فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر، قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلى فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت ثوبي فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، وآستعرت ثوبين فلبستهما، وآنطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقانى الناس فوجا يهنئونني بالتوبة، يقولون: ليهنك توبة الله عليك.\rقال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة.\rقال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور: \" أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك؛ \" قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: \" لا ، بل من عند الله، \" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر آستنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، كنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، \" قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا صدقا ما بقيت، فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقى، فأنزل الله تعالى على رسول الله عليه وسلم: \" لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين آتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم. يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. \" قال كعب: فو الله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال تبارك وتعالى: \" سيحلفون بالله لكم إذا آنقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس وماواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين. \" قال كعب: وكنا تخلفنا - أيها الثلاثة - عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا فبايعهم وآستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال: \" وعلى الثلاثة الذين خلفوا. \" وليس الذي ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له وآعتذر إليه فقبل منه.\rانتهت غزوة تبوك، فلنذكر ما سواها من السرايا.\rسرية إلى اليمن","part":5,"page":26},{"id":2027,"text":"يقال: بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب رضى الله عنه مرتين: إحداهما في شهر رمضان سنة عشر من مهاجره صلى الله عليه وسلم، وعقد له لواء، وعممه بيده، وقال: \" امض لا تلتفت، فاذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، \" فخرج في ثلثمائة فارس، وكانت أول خيل دخلت إلى تلك البلاد، وهي بلاد مذحج، ففرق أصحابه، فأتوا بنهب وغنائم ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك، وجعل على الغنائم بريدة بن الحصيب الأسلمي، فجمع إليه ما أصابوا، ثم لقى جمعهم فدعاهم إلى الإسلام، فأبوا ورموا بالنبل، ثم حمل عليهم على رضى الله عنه بأصحابه فقتل منهم عشرين رجلا، فتفرقوا وآنهزموا، فكف عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام، فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام، وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا فخذ منها حق الله، وجمع على الغنائم فخمسها، وقسم على أصحابه بقية المغنم، ثم قفل، فرافى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حين قدمها للحج سنة عشر. حكاه آبن سعد.\rوقال محمد بن إسحاق، لما رجع علي بن أبى طالب رضى الله عنه من اليمن إلى مكة، دخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدها قد حلت فقال: مالك يا بنت رسول الله؟ قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحل بعمرة فحللنا، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من الخبر عن سفره، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" انطلق فطف بالبيت وحل كما حل أصحابك \" قال: يا رسول الله، إني أهللت بما أهللت؛ قال: فآرجع فآحلل كما حل أصحابك قال: يا رسول الله، إني قلت حين أحرمت: اللهم إني أهل بما أهل به نبيك وعبدك ورسولك محمد، قال: فهل معك من هذى؟ قال: لا؛ فأشركه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه، وثبت على إحرامه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فرغا من الحج، ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدى.\rقال: ولما أقبل علي من اليمن تعجل إلى رسول الله، وآستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل؛ قال: ويلك ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجملوا إذا قدموا في الناس؛ قال: أنزعها ويلك! قبل أن تنتهي بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فآنتزع الحلل من الناس فردها في البز، فآشتكى الناس عليا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا، فقال: \" أيها الناس، لا تشتكوا عليا، فو الله إنه لأخشن في ذات الله \" أو في سبيل الله.\rإلى أرض الشراة سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أرض الشراة ناحية البلقاء وهذه السرية هي آخر سرية جهزها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات قبل إنفاذها، وكانت لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيها أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبى وقاص، وسعيد بن زيد، وقتادة بن النعمان، وسلم بن أسلم بن حريش، فتكلم قوم وقالوا: نستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟ ولئن طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وآيم الله إن كان للإمارة لخليقا، وإن آبنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإنهما لمخيلان لكل خير، فآستوصوا به خيرا، فإنه من خياركم، ثم نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من شهر ربيع الأول، وخرج الناس إلى الجرف، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروج هذه السرية، فلما ولى أبو بكر الصديق رضى الله عنه، كان أول ما بدأ به بعث أسامة.\rهذا ما أمكن إيراده من غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه.\rفلنذكر حجه وعمره صلى الله عليه وسلم.\rحج الرسول والوفود","part":5,"page":27},{"id":2028,"text":"قالوا: حج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل هجرته إلى المدينة حجتين، ولم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع، وهي في السنة العاشرة، وكانت فريضة الحج نزلت في السنة السادسة من الهجرة، وفتحت مكة في سنة ثمان، فآستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد، فحج بالناس تلك السنة، وفي السنة التاسعة حج أبو بكر الصديق رضوان الله عليه بالناس كما قدمنا ذكر ذلك في مواضعه، فلما كان في السنة العاشرة أذن في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعمل مثل عمله، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة مغتسلا مدهنا مترجلا متجردا في ثوبين صحاريين: إزار ورداء، وذلك يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي العقدة سنة عشر من مهاجره، وآستعمل على المدينة أبا دجانة الساعدي - ويقال: سباع ابن عرفطة الغفاري - قالوا: وصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين، وأخرج معه نساءه كلهن في الهوادج، وأشعر هديه وقلده، ثم ركب ناقته، فلما آستوى عليها بالبيداء أحرم من يومه، وكان على هديه ناجية بن جندب، وقيل: إنه أهل بالحج مفردا، وقيل: قرنه بعمرة، ومضى صلى الله عليه وسلم يسير المنازل ويؤم أصحابه في الصلاة في مساجد له قد بناها الناس، فكان يوم الاثنين بمر الظهران، فغربت له الشمس بسرف، ثم أصبح فآغتسل ودخل مكة نهارا وهو على راحلته القصواء، وكان تحته صلى الله عليه وسلم رحل رث عليه قطيفة لا تساوى أربعة دراهم، وقال: \" اللهم اجعله حجا لا رياء فيه ولا سمعة، \" فدخل من أعلى مكة من كداء حتى آنتهى إلى باب بني شيبة، فلما رأى البيت رفع يديه فقال: \" اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه وآعتمره تشريفا وتكريما ومهابة وتعظيما وبرا؛ \" ثم بدأ فطاف بالبيت، ورمل ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر، وهو مضطبع بردائه، ثم صلى خلف المقام ركعتين، ثم سعى بين الصفا والمروة على راحلته من فوره ذلك، وكان قد اضطرب بالأبطح، فرجع إلى منزله، فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب بمكة بعد الظهر، ثم خرج يوم التروية إلى منى، فبات بها، ثم غدا إلى عرفات، فوقف بالهضاب منها، وقال: \" كل عرفة موقف إلا بطن عرنة، \" فوقف على راحلته يدعو، فلما غربت الشمس دفع فجعل يسير العنق حتى جاء المزدلفة، فنزل قريبا من الغار، فصلى المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ثم بات بها، فلما برق الفجر صلى الصبح، ثم ركب راحلته، فوقف على قزح وقال: \" كل المزدلفة موقف إلا بطن محسر، \" ثم دفع قبل طلوع الشمس، فلما بلغ إلى محسر أوضع، ولم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، ثم نحر الهدى وحلق رأسه، وأخذ من شاربه وعارضيه، وقلم أظفاره، وأمر بشعره وأظفاره أن تدفن، ثم أصاب الطيب، ولبس القميص، ونادى مناديه بمنى: إنها أيام أكل وشرب وباءة، وجعل يرمي الجمار في كل يوم عند زوال الشمس، ثم خطب الغد من يوم النحر بعد الظهر على ناقته القصواء، ثم صدر يوم الصدر الآخر، وقال: \" إنما هن ثلاث يقيمهن المهاجر بعد الصدر، \" يعنى بمكة، ثم ودع البيت، ثم انصرف راجعا إلى المدينة.\rالخطبة التي خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال محمد بن إسحاق: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبته التي بين فيها ما بين، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \" أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا. أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من آئتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، وإن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وأن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وأن كل دم في الجاهلية موضوع، وأن أول دمائكم أضع دم آبن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - وكان مسترضعا في بني ليث، فقتلته هذيل - فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية. \" \" أما بعد، أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به، مما تحقرون من أعمالكم، فآحذروه على دينكم. \"","part":5,"page":28},{"id":2029,"text":"\" أيها الناس، إن النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد آستدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثناعشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. \" \" أما بعد أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن آنتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وآستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، وآستحللتم فروجهن بكلمات الله، فآعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن آعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا: كتاب الله وسنة نبيه. \" \" أيها الناس، اسمعوا قولي وآعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لآمري من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت، \" فقال الناس: اللهم نعم، فقال: \" اللهم آشهد. \" وقال آبن إسحاق أيضا: حدثني بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال: كان الرجل الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة ربيعة بن أمية بن خلف. قال: يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" قل يأيها الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: هل تدرون أي شهر هذا؟ فيقوله لهم، فيقولون: الشهر الحرام، فيقول لهم: \" إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة شهركم هذا، \" ثم يقول: \" قل يأيها الناس، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هل تدرون أي بلد هذا؟ \" قال: فيصرخ به؛ قال: فيقولون: البلد الحرام، قال: فيقول: \" قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة بلدكم هذا، \" ثم يقول: \" قل يأيها الناس، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هل تدرون أي يوم هذا؟ \" فيقولون: يوم الحج الأكبر؛ قال: فيقول: \" قل لهم: إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا. \" وعن عمرو بن خارجة قال: بعثني عتاب بن أسيد إلى رسةل الله صلى الله عليه وسلم في حاجة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة، فبلغته، ثم وقفت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لغامها ليقع على رأسي، فسمعته وهو يقول: \" أيها الناس؛ إن الله قد أدى إلى كل ذي حق حقه، وإنه لا تجوز وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، ومن آدعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. \" عمرته فقد روى عكرمة عن آبن عباس رضى الله عنهما، قال: اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم أربع عمر: عمرة الحديبية، وهي عمرة الحصر، وعمرة القضاء من قابل، وعمرة الجعرانة، والرابعة التي مع حجته.\rوعن قتادة، قلت لأنس بن مالك: كم ىعتمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعا، عد منها عمرته مع حجته، وقد قدمنا ذكر عمرة الحديبية مع الغزوات، وذكرنا عمرة الجعرانة عند ذكرنا لقسم مغانم حنين، وعمرته مع حجته قد آختلف فيها.\rعمرة القضاء فقد أوردها بعض أهل السير في الغزوات، وترجم عليها: عمرة القضية، وحجة من أوردها في الغزوات أنه صلى الله عليه وسلم خرج معه السلاح، ولم يخرج به صلى الله عليه وسلم لقصد الغزاة، وإنما خرج به آحتياطا. وكان من خبر هذه العمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما آستهل هلال ذي القعدة سنة سبع من مهاجره أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية، وألا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منها إلا من مات أو قتل بخيبر، وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من المسلمين عمارا ممن لم يشهد الحديبية، فكانوا في عمرة القضية ألفين، وآستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا ذر الغفاري، حكاه ابن سعد - وقال ابن إسحاق: عويف بن الأضبط الديلي - وساق صلى الله عليه وسلم ستين بدنة، وجعل على هديه ناجية بن جندب الأسلمي.","part":5,"page":29},{"id":2030,"text":"قال آبن سعد: وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح والبيض والدروع والرماح، وقاد مائة فرس، فلما آنتهى إلى ذي الحليفة، قدم الخيل أمامه، عليها محمد بن مسلمة، وقدم السلاح، وآستعمل عليه بشير بن سعد، وأحرم صلى الله عليه وسلم من باب المسجد، ولبى والمسلمون معه يلبون. ومضى محمد بن مسلمة في الخيل إلى مر الظهران فوجد بها نفرا من قريش، فسألوه، فقال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله، فأتوا قريشا بالخبر، ففزعوا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران، وقدم السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وخلف عليه أوس بن خولي الأنصاري في مائتي رجل، وخرجت قريش من مكة إلى رءوس الجبال، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدى أمامه، فحبس بذي طوى، وخرج على راحلته القصواء والمسلمون متوشحون السيوف، محدقون به صلى الله عليه وسلم يلبون، فدخل على الثنية التي تطلعه على الحجون، وعبد الله بن رواحة آخذ بزمام راحلته وهو يقول:\rخلوا نبي الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله\rيا رب إني مؤمن بقيله ... أعرف حق الله في قبوله\rنحن قتلناكم على تأويله ... كما قتلناكم على تنزيله\rضربا يزيل الهام عن مقبله ... ويذهل الخيل عن خليله\rقال آبن هشام: قوله نحن قتلناكم على تأويله إلى آخر الأبيات، لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم.\rقال آبن سعد: ولما آتجز آبن رواحة قال له عمر بن الخطاب: إيها يآبن رواحة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا عمر، إني أسمع؛ \" فأسكت عمر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إيها يأبن رواحة! ، قل لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، \" فقالها ابن رواحة. لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى استلم الركن بمحجنه مضطبعا بثوبه، وطاف على راحلته، والمسلمون يطوفون معه وقد آضطبعوا بثيابهم، ثم طاف بين الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدى عند المروة قال: \" هذا المنحر، وكل فجاج مكة منحر، \" فنحر عند المروة، وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا منهم أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يأجج فيقيموا على السلاح، ويأتي الآخرون فيقضوا نسكهم؛ ففعلوا، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثا. وتزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية، فلما كان عند الظهر من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى فقالا: قد آنقضى أجلك، فآخرج عنا، فأمر أبا رافع فنادى بالرحيل وقال: لا يمسين بها أحد من المسلمين، وأخرج عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب من مكة، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل سرف وتتام الناس إليه، وأقام أبو رافع بمكة حتى أمسى، فحمل إليه ميمونة، فبنى عليها صلى الله عليه وسلم بسرف، ثم أدلج فسار حتى قدم المدينة، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.\rالسفر الثامن عشر وفادات العرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتّصل به كانت أكثر وفادات العرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة من الهجرة؛ ولذلك سمّيت سنة الوفود. وذلك أن العرب إنما كانوا ينتظرون فتح مكة وإسلام هذا الحيّ من قريش؛ فلما فتح الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة - شرفها الله تعالى - وأسلم من أسلم من قريش، وفدت عند ذلك وفادات العرب من كل قبيلة وجهة، ودخلوا في دين الله أفواجا، كما قال الله تعالى: \" إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً. فسبح بحمد ربّك واستغفره إنّه كان توّاباً \" .","part":5,"page":30},{"id":2031,"text":"وقد رأينا إيراد ذلك على نحو ما أورده أبو عبد الله محمد بن سعد بن منيع في طبقاته الكبرى، ونذكر ما أورده ابن سعد ممّن ذكرهم أبو محمد عبد الملك ابن هشام رحمه الله، إلا أنّا نبدأ من ذلك بذكر من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل هجرته إلى المدينة، ثم نذكر من وفد عليه صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة وقبل فتح مكة، نقدّمهم على حسب السابقة، ثم نذكر من عدا هؤلاء من الوفود الذين وفدوا في سنة تسعٍ وما بعدها؛ نرتّبهم على ما رتّبهم محمد ابن سعد في طبقاته في التقديم والتأخير، ونستثنى منهم من تقدّم ذكره؛ فنقول وبالله التوفيق:\rذكر من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة\rوفد عليه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة غفارٌ، وأزد شنوءة، وهمدان، والطّفيل بن عمرو الدّوسيّ، ونصارى الحبشة.\rوفد غفار\rوقصّة أبي ذرّ الغفاريّ في سبب إسلامه روى الشّيخ الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي رحمه الله في كتابه المترجم بدلائل النبؤة بسنده إلى عبد الله بن الصّامت، قال قال أبو ذرّ رضي الله عنه: خرجنا عن قومنا غفار، وكانوا يحلّون الشّهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمّنا، فانطلقنا حتى نزلنا على خالٍ لنا ذى مال وذى هيئة، فأكرمنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه، فقالوا له: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس، قال: فجاء خالنا فنثا علينا ما قيل له؛ فقلت له: أمّا ما مضى من معروفك فقد كدّرته، ولاجماع لك فيما بعد. قال: فقرّبنا صرمتنا فاحتملنا عليها ويغطّي خالنا ثوبه فجعل يبكي وانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكّة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتينا الكاهن فخبّر أنيسا، فأتانا بصرمتنا ومثلها معها.\rقال أبو ذرّ: وقد صلّيت يابن أخي قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين. قال ابن الصامت: فقلت لمن ؟ قال: لله. قلت: فأين توجّه ؟ قال: أتوجّه حيث وجّهني الله؛ أصلّى عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأنى خفاءٌ - يعني الثوب - حتى تعلوني الشمس. فقال أنيس: إن لي صاحبا بمكة فاكفني حتى آتيك. فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث عليّ، ثم أتاني فقلت: ما حبسك ؟ قال لقيت رجلاً بمكة يزعم أن الله أرسله على دينك. قال: قلت ماذا يقول الناس فيه ؟ قال: يقولون إنه شاعرٌ وساحرٌ وكاهنٌ. قال: وكان أنيس أحد الشعراء - وفي رواية عنه: والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس - لقد ناقض اثنى عشر شاعرا في الجاهلية أنا أحدهم. قال فقال أنيس: لقد سمعت قول الكهانة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشّعر فلم يلتئم، وما يلتئم والله على لسان أحد بعدى أنه شعرٌ، ووالله إنه لصادقٌ وإنهم لكاذبون.","part":5,"page":31},{"id":2032,"text":"قال: قلت له هل أنت كافىّ حتى انطلق فأنظر ؟ فقال: نعم ! وكن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد شنفوا له وتجهّموا. فانطلقت حتى قدمت مكة، فتضعّفت رجلا منهم فقلت: أين هذا الذى تدعونه الصابيء ؟ قال: فأشار إليّ، الصابيء ! فمال عليّ أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا عليّ. قال: فارتفعت حين ارتفعت كأنّي نصبٌ أحمر، فأتيت زمزم فشربت من مائها، وغسلت عنّي الدّم، ودخلت بين الكعبة وأستارها، ولقد لبثت يابن أخي ثلاثين من بين ليلة ويوم ومالي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسّرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع. قال: فبينما أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان، قد ضرب الله على أصمخة أهل مكة فما يطوف بالبيت أحدٌ غير امرأتين وهما تدعوان إسافاً ونائلة، فأتتا عليّ في طوافهما فقلت: أنكحا إحداهما الأخرى، فما ثناهما ذلك عما قالتا. فأتتا عليّ فقلت: هنّ مثل الخشبة غير أنّي لا أكنى، فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان هاهنا أحدٌ من أنفارنا ! قال: فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطان من الجبل، فقال لهما: مالكما ؟ قالتا: الصّابئ بين الكعبة وأستارها. قالا: ما قال لكما ؟ قالتا: قال لنا كلمةً تملأ الفم. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه فاستلم الحجر ثم طاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلّى، فلما قضى صلاته قال أبو ذرّ: فأتيته فكنت أوّل من حيّاه بتحية الإسلام؛ فقال: وعليك ورحمة الله، ثم قال: ممن أنت ؟ قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده فوضع يده على جبينه، فقلت في نفسى: كره أنى انتميت إلى غفار، قال: فأهويت لآخذ بيده، فقد عني صاحبه وكان أعلم به منّي، ثم رفع رأسه فقال: متى كنت هاهنا ؟ قلت: منذ ثلاثين من ليلة ويوم، قال: فمن كان يطعمك ؟ قلت: ما كان لي من طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتّى تكسّرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنها مباركةٌ، إنها طعام طعمٍ، وشفاء سقم \" فقال أبو بكر: يا رسول الله ! إيذن لي في إطعامه الليلة، ففعل، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابه، فجعل يقبض لنا من زينب الطائف، فكان ذاك أوّل طعام أكلته بها، قال: فغبرت ما غبرت، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إني وجّهت إلى أرض ذات نخلٍ لا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عنّي قومك لعل الله أن ينفعهم بك، ويأجرك فيهم \" ؛ قال: فانطلقت حتّى أتيت أخي أنيساً فقال لي: ما صنعت ؟ قلت: أسلمت وصدّقت، قال: فما بي رغبةٌ عن دينك، فإني قد أسلمت وصدّقت.\rثم أتينا أمّنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فإني قد أسلمت وصدقت، قال: ثم احتملنا حتى أتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان يؤمّهم خفاف بن إيماء ابن رحضة الغفاريّ، وكان سيّدهم يومئذ، وقال بقيتهم: إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمنا؛ فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأسلم بقيّتهم؛ وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله ! إخواننا؛ نسلم على الذي أسلموا عليه. فأسلموا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله \" .\rوهذه الرواية فى خبر إسلام أبي ذرّ؛ قد روى مسلم فى صحيحه نحوها، وهي تخالف رواية البخاريّ.\rوروى البيهقيّ عن أبى ذرٍّ قال: كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع؛ أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: السلام عليك يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا عبده ورسوله، فرأيت الاستبشار فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.","part":5,"page":32},{"id":2033,"text":"وروى أبو عمر بن عبد البر بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قال لأخيه أنيس: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذى يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء واسمع من قوله، ثم ايتني؛ فانطلق حتى قدم مكة وسمع من قوله ثم رجع، فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وسمعت منه كلاما ما هو بالشعر. قال: ما شفيتني فيما أردت، فتزوّد وحمل شنّة له فيها ماءٌ حتى قدم مكة فأتى المسجد، فالتمس النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه الليل، فاضطجع فرآه عليّ بن أبي طالب؛ فقال: كأنّ الرجل غريبٌ، قال: نعم، قال انطلق إلى المنزل، قال: فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أسأله، فلما أصبحت من الغد رجعت إلى المسجد، وبقيت يومي حتى أمسيت وصرت إلى مضجعي، فمرّ بي عليّ بن أبي طالب، فقال: أما آن للرّجل أن يعرف منزله ؟ فأقامه وذهب به معه، وما يسأل واحدٌ منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك، فأقامه عليٌّ معه، ثم قال: ألا تحدّثني ما الذي أقدمك هذا البلد ؟ قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني فعلت؛ ففعل؛ فأخبره عليّ أنه نبيٌّ، وأنّ ما جاء به حقٌّ، وأنّه رسول الله، قال: فإذا أصبحت فاتّبعني، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأنّي أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي، قال: فانطلقت أقفوه حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلت معه وحييت رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحيّة الإسلام، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ! فكنت أوّل من حياه بتحية الإسلام، فقال: \" وعليك السلام، من أنت \" ؟ قلت: رجل من غفار، فعرض على الإسلام، فأسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ارجع إلى بلاد قومك، وأخبرهم، واكتم أمرك عن أهل مكة، فإني أخشاهم عليك \" فقلت: والذي نفسي بيده لأصرحنّ بها بين أظهرهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته ! أشهد أن لا إلى إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فثاب القوم إليه فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكبّ عليه وقال: ويلكم ! أولستم تعلمون أنه من غفار، وأنّ طريق تجاركم إلى الشام عليهم ! وأنقذه منهم، ثم عاد إلى مشهد وثاروا إليه فضربوه، فأكب عليه العباس فأنقذه، ثم لحق بقومه. وكان هذا أوّل إسلام أبي ذرٍّ.\rومن رواية اللّيث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب قال: قدم أبو ذرٍّ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فأسلم، ثم رجع إلى قومه، فكان يسخر بآلهتهم، ثم إنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فلما رآه وهم فى اسمه، فقال: أنت أبو نملة ؟ قال: أنا أبو ذرّ، قال: نعم أبو ذرّ.\rأزد شنوءة\rوكيف كان إسلام ضمادٍ روى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقيّ - رحمه الله - بسنده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم، قال: قدم ضماد مكة، وهو رجلٌ من أزد شنوءة، وكان يرقى من هذه الرياح، فسمع سفهاء الناس يقولون: إنّ محمدا مجنونٌ، فقال: آتى هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يديّ، قال: فلقيت محمدا، فقلت: إنى أرقى من هذه الرياح، وإن الله يشفى على يدي من يشاء، فهلمّ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله \" ثلاث مرات، فقال: تالله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السّحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، فهلمّ يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له: وعلى قومك ؟ فقال: وعلى قومي، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرّية فمرّوا بقوم ضماد، فقال صاحب الجيش للسريّة: هل أصبتم من هؤلاء شيئا ؟ فقال رجل منهم: مطهرة، فقال: ردّوها عليهم فإنهم قوم ضماد. رواه مسلم فى صحيحه.\rوروى القاضي عياض بن موسى فى كتابه المترجم بالشّفا، بتعريف حقوق المصطفى: أن ضمادا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعد عليّ كلماتك هؤلاء فلقد بلغن قاموس البحر، هات يديك أبليعك.\rهمدان","part":5,"page":33},{"id":2034,"text":"قال محمد بن سعد رحمه الله تعالى: أخبرنا هشام بن محمد، قال: حدثنا حبّان ابن هانيء بن مسلم بن قيس بن عمرو بن مالك بن لأيٍ الهمدانيّ ثم الأرحبيّ عن أشياخهم، قالوا: قدم قيس بن مالك بن سعد بن مالك بن لأيٍ الأرحبيّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، فقال: يا رسول الله أتيتك لأومن بك وأنصرك؛ فقال له: مرحباً بك، أتأخذوني بما فيّ يا معشر همدان ؟ قال: نعم؛ بأبي أنت وأمّي، قال: فاذهب إلى قومك، فإن فعلوا فارجع أذهب معك، فخرج قيس إلى قومه، فأسلموا واغتسلوا فى جوف المحورة - وهو ماءٌ يغتسلون فيه - وتوجّهوا إلى القبلة، ثم خرج بإسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قد أسلم قومي وأمروني أن آخذك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" نعم وافد القوم قيسٌ \" ، وقال: \" وفّيت وفّي الله بك \" ، ومسح بناصيته، وكتب عهده على قومه همدان: أحمورها وعربها وخلائطها ومواليها أن يسمعوا له ويطيعوا، فإنّ لهم ذمّة الله وذمّة رسوله ما أقمتم الصّلاة وآتيتم الزّكاة؛ وأطعمه ثلثمائة فرق، من خيوان مائتان: زبيبٌ وذرةٌ شطران، ومن عمران الجوف مائة فرق برّ، جاريةً أبداً من مال الله.\rومن طريق آخر له قال: عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه بالموسم على قبائل العرب، فمرّ به رجلٌ من أرحب يقال له: عبد الله بن قيس بن أمّ غزال. فقال: هل عند قومك من منعة ؟ قال: نعم، فعرض عليه الإسلام، فأسلم، ثم إنه خاف أن يخفره قومه فوعده الحجّ من قابل، ثم وجّه الهمدانيّ يريد قومه، فقتله رجلٌ من بني زبيد يقال له ذباب، ثم إن فتية من أرحب قتلوا ذبابا الزّبيديّ بعبد الله بن قيس. هذا قبل الهجرة.\rوأما بعد الهجرة، فقد روى محمد بن إسحاق، رحمه الله، قال: قدم وفد همدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم مالك بن نمط، وأبو ثور وهو ذو المشعار، ومالك بن أيفع، وضمام بن مالك السّلماني، وعميرة بن مالك الخارفيّ، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك، وعليهم مقطّعات الحبرات والعمائم العدنيّة، برحال الميس على المهريّة والأرحبيّة، ومالك بن نمط، ورجل آخر يرتجزان بالقوم؛ يقول أحدهما:\rهمدان خير سوقةٍ وأقيال ... ليس لها في العالمين أمثال\rمحلّها الهضب ومنها الأبطال ... لها إطاباتٌ بها وآكال\rويقول الآخر:\rإليك جاوزن سواد الرّيف ... فى هبوات الصّيف والخريف\rمخطّماتٍ بحبال اللّيف\rفقام مالك بن نمط بين يديه، ثم قال: يا رسول الله ! نصيّةٌ من همدان من كل حاضر و بادٍ، أتوك على قلصٍ نواجٍ، متّصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم فى الله لومة لائم، من مخلاف خارفٍ ويامٍ وشاكر، أهل السّود والقود، أجابوا دعوة الرسول، وفارقوا آلهات الأنصاب، عهدهم لا ينقض ما أقامت لعلع، وما جرى اليعفور بضلع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" نعم الحيّ همدان، ما أسرعها إلى النّصر، وأصبرها على الجهد، ومنهم أبدال، وفيهم أوتاد الإسلام \" ، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا؛ فيه: \" بسم الله الرحمن الرحيم. كتابٌ من محمد رسول الله لمخلاف خارفٍ وأهل جناب الهضب وحقاف الرّمل، مع وافدها ذي المشعار مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراغها و وهاطها وعزازها، يأكلون علافها، ويرعون عافيها، لنا منهم من دفئهم وصرامهم ما سلّموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصّدقة الثّلب والنّاب والفصيل والفارض والدّاجن والكبش الحوريّ، وعليهم فيها الصّالغ والقارح، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزّكاة، لهم بذلك عهد الله وذمام رسول الله عليه السلام، وشاهدهم المهاجرون والأنصار \" .\rوفادة الطّفيل بن عمرو\rالدّوسىّ وإسلامه","part":5,"page":34},{"id":2035,"text":"قال محمد بن إسحق رحمه الله تعالى: كان الطّفيل بن عمرو الدّوسي يحدّث أنه قدم مكّة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فمشى إليه رجالٌ من قريش - وكان الطّفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا - فقالوا له: يا طفيل ! إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذى بين أظهرنا قد أعضل بنا، قد فرّق بين جماعتنا، وشتّت أمرنا، وإنما قوله كالسّحر يفرّق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه، ولا تسمعن منه شيئا. قال الطّفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت على ألاّ أسمع منه شيئا ولا أكلّمه، حتى حشوت فى أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شىء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه ! قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ يصلّي عند الكعبة، فقمت منه قريبا، فأبى الله إلاّ أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا، فقلت في نفسي: واثكل أمّي؛ والله إنّي لرجلٌ لبيبٌ شاعر، وما يخفي عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ؟ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته، قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، فاتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت: يا محمد إنّ قومك قد قالوا لى كذا وكذا - للذى قالوا - فوالله ما برحوا يخوّفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف ألا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعت قولا حسنا، فاعرض عليّ أمرك. قال: فعرض عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، وتلى عليّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قطّ أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت، وشهدت شهادة الحقّ، فقلت: يا نبيّ الله ! إني امرؤ مطاعٌ في قومي، وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال: \" اللهم إجعل له آية \" ، فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بثنيّة تطلعني على الحاضر وقع نورٌ بين عيني مثل المصباح؛ قلت: اللهم في غير وجهي ! إنّي أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، قال: فتحوّل النّور فوقع في رأس سوطي، فجعل الحاضر يتراءون ذلك النّور في سوطي كالقنديل المعلّق، وأنا أهبط إليهم من الثّنية حتى جئتهم، فأصبحت فيهم، قال: فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخا كبيرا، فقلت: إليك عنّي يا أبت، فلست منك ولست منّي، قال: لم يا بنيّ ؟ قلت: أسلمت وتابعت دين محمد، قال: أي بنيّ ! فديني دينك، قلت: فاذهب واغتسل، وطهّر ثيابك، ثم تعال حتى أعلّمك مما علّمت، فذهب فاغتسل وطهّر ثيابه ثم جاء، فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتني صاحبتي، فقلت: إليك عنّي فلست منك ولست منّي، قالت: لما ؟ بأبي أنت وأمّي ! قلت: فرّق بيني وبينك الإسلام، وتابعت دين محمد عليه السلام. قالت: فديني دينك، قلت: فاذهبي إلى حنا ذي الشّرى - قال ابن هشام: ويقال حمى ذي الشّرى - فتطهّري منه.\rقال: وكان ذو الشّرى صنما لدوس، وكان الحنا حمىً حموه له، وبه وشلٌ من ماء يهبط من جبل، قال فقالت: بأبي أنت وأمّي، أتخشى على الصّبيّة من ذي الشّرى شيئا ؟ قلت: لا، أنا ضامن لك، قال: فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت، فعرضت عليها الإسلام فأسلمت، ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطئوا عليّ، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فقلت له: يا نبيّ الله ! إنّه قد غلبني على دوسٍ الزّنى، فادع الله عليهم، فقال: \" اللّهمّ اهد دوسا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم \" ، قال: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم أسلموا بعد ذلك، و وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما نذكر ذلك - إن شاء الله تعالى - فيمن وفد بعد الهجرة.\rنصارى الحبشة\rعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامهم","part":5,"page":35},{"id":2036,"text":"قال محمد بن إسحق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلا أو قريبٌ من ذلك من النّصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلّموه، وسألوه - ورجالٌ من قريش في أنديتهم حول الكعبة - فلما فرغوا من مسألته صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الله، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدّمع، ثم استجابوا لله تعالى وآمنوا به وصدّقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلمّا قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيّبكم الله من ركب ! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرّجل، فلم تطمئنّ مجالسكم عنده حتى فارقكم دينكم، وصدّقتموه بما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم ! فقالوا لهم: سلامٌ عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا. ويقال: إن النّفر من أهل نجران. والله أعلم. فيقال فيهم أنزل الله قوله: \" الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنّا به إنّه الحقّ من ربّنا إنّا كنّا من قبله مسلمين \" . إلى قوله: \" لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلامٌ عليكم لا نبتغي الجاهلين \" : وقيل: إنما نزلت هذه الآيات في النّجاشي وأصحابه، والآيات التي في سورة المائدة قوله تعالى: \" ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهباناً وأنّهم لا يستكبرون \" . إلى \" الشّاهدين \" ، وكان ممّن وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة الأوس والخزرج، وقد تقدم ذكرهم في بيعة العقبة.\rمن وفد بعد الهجرة\rوقبل الفتح وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة وقبل فتح مكّة: عبسٌ، وسعد العشيرة، وجهينة، ومزينة، وسعد بن بكر، وأشجع، وخشين، والأشعرون، وسليم، ودوسٌ، وأسلم، وجذام.\rعبس\rقال محمد بن سعد: وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة رهط من بني عبس فكانوا من المهاجرين الأوّلين، منهم ميسرة بن مسروق، والحارث بن الربيع - وهو الكامل - وقنان بن دارمٍ، وبشر بن الحارث بن عبادة، وهدم بن مسعدة، وسباع بن يزيد، وأبو الحصن بن لقمان، وعبد الله بن مالك، وفروة بن الحصين بن فضالة فأسلموا؛ فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وقال: \" أبلغوني رجلا يعشركم أعقد لكم لواءً \" فدخل طلحة بن عبيد الله فعقد لهم لواء، وجعل شعارهم: يا عشرة.\rوقال من طريق آخر: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عيرا لقريش أقبلت من الشام فبعث بني عبس في سرية وعقد لهم لواء، يا رسول الله ! كيف نقسم غنيمة إن أصبناها ونحن تسعة ؟ قال: أنا عاشركم.\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قدم ثلاثة نفرٍ من بني عبس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنه قدم علينا قوم فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموالٌ ومواشٍ هي معاشنا، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اتقوا الله حيث كنتم، فلن يلتكم من أعمالكم شيئا، ولو كنتم بصمدٍ وجازان \" .\rسعد العشيرة\rقال محمد بن سعد بسنده إلى عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفيّ قال: لمّا سمعت سعد العشيرة بخروج النبي صلى الله عليه وسلم وثب ذباب - رجلٌ من بني أنس الله بن سعد العشيرة - إلى صنم يقال له فرّاص فحطمه، ثم وفد إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأسلم، قال:\rتبعت رسول الله إذ جاء بالهدى ... وخلّفت فرّاصًا بدار هوان\rشددت عليه شدّةً فتركته ... كأن لم يكن والدّهر ذو حدثان\rفلمّا رأيت الله أظهر دينه ... أجبت رسول الله حين دعاني\rفأصبحت للإسلام ما عشت ناصرا ... وألقيت فيها كلكلي وجراني\rفمن مبلغٌ سعد العشيرة أنّني ... شريت الّذي يبقى بآخر فاني\rجهينة","part":5,"page":36},{"id":2037,"text":"قال ابن سعد: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وفد إليه عبد العزّى بن بدر بن زيد بن معاوية الجهنيّ، ومعه أخوه لأمه أبو روعة وهو ابن عم له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد العزّى: \" أنت عبد الله \" وقال لأبي روعة: \" أنت رعت العدوّ إن شاء الله \" وقال: \" من أنتم \" ؟ قالوا: بنو غيّان، قال: \" أنتم بنو رشدان \" وكان اسم واديهم غوى فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم رشدا، وقال لجبلى جهينة الأشعر والأجرد: \" هما من جبال الجنة لا تطؤهما فتنةٌ \" ، وخطّ لهم مسجدهم، وهو أوّل مسجد خطّ بالمدينة، وجاء من جهينة عمرو بن مرّة الجهنيّ. روى عنه محمد بن سعد بسنده إليه قال: كان لنا صنمٌ، وكنا نعظّمه، وكنت سادنه، فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كسرته، وخرجت حتى أقدم المدينة على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقدمت فأسلمت وشهدت شهادة الحقّ، وآمنت بما جاء به من حلال وحرام، فذلك حين أقول:\rشهدت بأنّ الله حقٌّ وأنّني ... لآلهة الأحجار أوّل تارك\rوشمّرت عن ساقي الإزار مهاجراً ... إليك أجوب الوعث بعد الدّكادك\rلأصحب خير النّاس نفساً ووالدا ... رسول مليك النّاس فوق الحبائك\rقال: فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فأجابوه إلاّ رجلا ردّ عليه قوله، فدعا عليه عمرو بن مرّة فسقط فوه، فما كان يقدر على الكلام، وعمي واحتاج.\rمزينة\rوهذا الوفد هو أوّل ما بدأ به محمد بن سعد من الوفود في طبقاته، فقال: كان أول من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضر أربعمائة من مزينة، وذلك في شهر رجب سنة خمسٍ، فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة في دارهم وقال: \" أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوه إلى أموالكم \" فرجعوا إلى بلادهم. وقال محمد بن سعدٍ بسندٍ يرفعه إلى أبي مسكين، وأبي عبد الرحمن العجلانيّ، قالا: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرٌ من مزينة، منهم خزاعيّ بن عبد نهم فبايعه على قومه مزينة، وقدم معه عشرةٌ منهم، فيهم بلال بن الحارث، والنعمان ابن مقرّن، ثم خرج إلى قومه فلم يجدهم كما ظنّ فأقام، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسّان بن ثابت، فقال: \" اذكر خزاعيّاً ولا تهجه \" فقال حسّان:\rألا أبلغ خزاعيّا رسولا ... بأنّ الذّمّ يغسله الوفاء\rوأنّك خير عثمان بن عمرٍو ... وأسناها إذا ذكر السّناء\rوبايعت الرّسول وكان خيرأ ... إلى خير وآداك الثّناء\rفما يعجزك أو ما لا تطقه ... من الأشياء لا تعجز عداء\rقال: و \" عداء \" بطنه الذي هو منه. فقام خزاعيٌّ فقال: يا قوم ! قد خصّكم شاعر الرجل، فأنشدكم الله. قالوا: فإنّا لا ننبو عليك؛ فأسلموا ووفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم. فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء مزينة يوم الفتح إلى خزاعيّ، وكانوا يومئذ ألف رجل.\rسعد بن بكر","part":5,"page":37},{"id":2038,"text":"قال محمد بن إسحق: بعثت بنو سعد بن بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا منهم ضمام بن ثعلبة - قال ابن سعد: في شهر رجب سنة خمس - قال ابن إسحق بسنده إلى ابن عباس: فقدم وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ في أصحابه. قال: وكان ضمام رجلا جلدا أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فقال أيّكم ابن عبد المطلب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أنا ابن عبد المطلب \" . قال: أمحمّدٌ ؟ قال: \" نعم \" . قال: يابن عبد المطلب ! إني سائلك ومغلظٌ عليك في المسئلة، فلا تجد في نفسك. قال: \" لا أجد في نفسي، فاسأل عما بدا لك \" قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائنٌ بعدك، الله بعثك إلينا رسولا ؟ قال: \" اللهم نعم \" قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائنٌ بعدك، الله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده، لا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه ؟ قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، الله أمرك ان نصلي هذه الصلاة الخمس ؟ قال: \" نعم \" . قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضةً فريضةً: الزكاة، والصيام، والحج وشرائع الإسلام كلها، ينشده عن كل فريضة منها كما ينشده في التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لاأزيد ولا أنقص. ثم انصرف إلى بعيره راجعا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة \" قال: فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أوّل ما تكلم به: بئست اللاّت والعزّى ! فقالوا: مه يا ضمام ! اتّق البرص، اتق الجذام، اتّق الجنون ! قال: ويلكم ! إنهما والله لا ينفعان ولا يضران، إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا، فاستنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، ونهاكم عنه، قال: فو الله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجلٌ أو امرأةٌ إلا مسلما.\rقال: يقول عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة.\rأشجع\rقال: وقدمت أشجع على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الخندق، وعام الخندق سنة خمسٍ من الهجرة، وهم مائةٌ، رأسهم مسعود بن رخيلة بن نويرة ابن طريفٍ، فنزلوا شعب سلع، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر لهم بأحمال التمر، فقالوا يا محمد ! لا نعلم أحدا من قومنا أقرب دارا منك منّا، ولا أقل عددا، وقد ضقنا بحربك وبحرب قومك، فجئنا نوادعك، فوادعهم.\rويقال: بل قدمت أشجع بعد ما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني قريظة، وهم سبعمائة فوادعهم. ثم أسلموا بعد ذلك.\rخشين\rقال أبو عبد الله محمد بن سعد: قدم أبو ثعلبة الخشنيّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهّز إلى خيبر، فأسلم وخرج معه فشهد خيبر، ثم قدم بعد ذلك سبعة نفرٍ من خشين فنزلوا على أبي ثعلبة، فأسلموا وبايعوا ورجعوا إلى قومهم.\rالأشعرين\rقالوا: وقدم الأشعرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم خمسون رجلا؛ منهم أبو موسى الأشعري، ومعهم رجلان من عكّ. وقدموا في سفنٍ في البحر، وخرجوا بجدّة، فلما دنوا من المدينة جعلوا يقولون:\rغدًا نلقى الأحبّة ... محمّدًا وحزبه\rثم قدموا فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره بخيبر، فلقوه صلى الله عليه وسلم فبايعوه وأسلموا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الأشعرون في الناس كصرّة فيها مسك \" .\rسليم","part":5,"page":38},{"id":2039,"text":"قالوا: وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من بني سليم، يقال له قيس ابن نسيبة، فسمع كلامه، وسأله عن أشياء فأجابه، ووعى ذلك كله، ودعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فأسلم ورجع إلى قومه، فقال: قد سمعت برجمة الروم، وهينمة فارس، وأشعار العرب، وكهانة الكاهن، وكلام مقاول حمير، فمن يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم، فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه. فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقوه بقديد وهم سبعمائة. ويقال: كانوا ألفا. وفيهم العباس بن مرداس السّلمي، وأنس بن عبّاس بن رعل، وراشد بن عبد ربه، فأسلموا وقالوا: اجعلنا في مقدّمتك، واجعل لواءنا أحمر، وشعارنا مقدّم، ففعل ذلك بهم. وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم راشدا رهاطًا وفيها عينٌ يقال لها عين الرسول. قال: وكان راشدٌ يسدن صنما لبني سليم، فرأى يوما ثعلبين يبولان عليه، فقال:\rأربٌّ يبول الثّعلبان برأسه ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب\rثم شدّ عليه فكسره. وأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: \" ما اسمك \" ؟ قال: غاوي بن عبد العزّى، فقال: \" أنت راشد بن عبد ربّه \" فأسلم حسن إسلامه وشهد الفتح. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: \" خير بني سليم راشد \" وعقد له على قومه.\rوروى محمد بن سعد أيضا، عن هشام بن محمد، قال حدّثني رجلٌ من بني سليم من بني الشّريد، قال: وفد رجل منا يقال له قدد بن عمّار على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعاهده على أن يأتيه بألف من قومه على الخيل؛ وأنشأ يقول:\rشددت يميني إذ أتيت محمّدًا ... بخير يدٍ شدّت بحجزة مئزر\rوذاك امرؤ قاسمته نصف دينه ... وأعطيته كفّ امرىءٍ غير أعسر\rثم أتى قومه فأخبرهم الخبر، فخرج معه تسعمائة، وخلّف في الحيّ مائةً، وأقبل يريد النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزل به الموت، فأوصى إلى ثلاثة رهطٍ من قومه؛ وهم: عباس بن مرداس وأمّره على ثلثمائة، وجبّار بن الحكم وأمّره على ثلثمائة، والأخنس بن يزيد وأمّره على ثلثمائة. وقال: ايتوا هذا الرجل حتى تقضوا العهد الذي في عنقي ثم مات، فمضوا حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: \" أين الرجل الحسن الوجه، الطويل اللسان، الصادق الأيمان \" ؟.\rقالوا: يا رسول الله ! دعاه الله فأجابه، وأخبروه خبره؛ فقال: \" أين تكملة الألف الذين عاهدني عليهم \" ؟. قالوا: خلّف مائةً في الحيّ مخافة حرب كان بيننا وبين بني كنانة، قال: \" ابعثوا إليها فإنه لا يأتيكم في عامكم هذا شيءٌ تكرهونه \" . فبعثوا إليها فأتته بالهدّة وعليها المنقع بن مالك بن أمية، فشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتح وحنين. وللمنقع يقول العباس بن مرداس:\rالقائد المائة التي وفّى بها ... تسع المئين فتمّ ألفٌ أقرع\rوحكى أبو عمر عبد البر في ترجمة خنساء بنت عمرو بن الشّريد السّلميّة الشاعرة - واسمها تماضر بنت عمرو بن الشّريد بن رباح بن ثعلبة بن عصيّة بن خفاف بن امريء القيس بن بهثة بن سليم - أنها قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومها من بني سليم فأسلمت معهم. قال: فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستنشدها، ويعجبه شعرها، فكانت تنشده، وهو يقول: \" هيه يا خناس \" ويوميء بيده. وشهدت الخنساء القادسيّة مع بنيها الأربعة. وسنذكر إن شاء الله خبرها معهم يوم القادسية، و وصيتها لهم في الحرب في خلافة عمر بن الخطاب، عند ذكرنا لفتح القادسية.\rدوسٍ\rقالوا: لمّا أسلم الطّفيل بن عمرو الدّوسيّ - كما تقدم - دعا قومه فأسلموا، وقدم معه منهم المدينة سبعون أو ثمانون أهل بيت. وفيهم أبو هريرة وعبد الله ابن أزيهر الدّوسيّ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فساروا إليه فلقوه هناك، فيقال: إنه قسم لهم من غنائم خيبر، ثم قدموا معه المدينة. فقال الطّفيل ابن عمرو: يا رسول الله ! لا تفرّق بيني وبين قومي، فأنزلهم حرّة الدّجاج، فقال أبو هريرة حين خرج من دار قومه:\rيا طولها من ليلةٍ وعنائها ... على أنّها من بلدة الكفر نجّت","part":5,"page":39},{"id":2040,"text":"وقال عبد الله بن أزيهر: يا رسول الله ! إن لي في قومي سلطة ومكانا فاجعلني عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا أخا دوس، إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً، فمن صدق الله نجا، ومن آل إلى غير ذلك هلك. إن أعظم قومك ثوابا أعظمهم صدقاً، ويوشك الحقّ أن يغلب الباطل \" .\rوروى أبو عمر بسنده إلى محمد بن سيرين أنه قال: بلغني أنّ دوساً إنّما أسلمت فرقا من قول كعب بن مالك الأنصاري الخزرجي:\rقضينا من تهامة كلّ وترٍ ... وخيبر ثم أغمدنا السّيوفا\rنخيّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهنّ: دوساً أو ثقيفا\rفقالت دوسٌ: انطلقوا فخذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف.\rأسلم\rقالوا: قدم عمير بن أفصى في عصابة من أسلم، فقالوا: لقد آمنا بالله ورسوله، واتّبعنا منهاجك، فاجعل لنا عندك منزلة، تعرف العرب فضيلتنا، فإنّا إخوة الأنصار، ولك علينا الوفاء، والنّصر في الشّدّة والرّخاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها \" . وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسلم، ومن أسلم من قبائل العرب ممن يسكن السّيف والسّهل كتابا؛ فيه ذكر الصدقة والفرائض في المواشي. وكتب الصّحيفة ثابت ابن قيس، وشهد أبو عبيدة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم.\rجذام\rقالوا: قدم رفاعة بن زيد بن عمير بن معبد الجذاميّ، ثم أحد بني الضّبيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهدنة قبل خيبر، وأهدى له عبدًا وأسلم، فكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا؛ فيه: \" هذا كتاب من محمد رسول الله، لرفاعة بن زيد إلى قومه، ومن دخل معهم، يدعوهم إلى الله، فمن أقبل ففي حزب الله، ومن أبى فله أمان شهرين \" فأجابه قومه وأسلموا. قال ابن إسحق وغيره: وبعث فروة بن عمرو بن النّافرة الجذاميّ، ثم النّفاثيّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولاً بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، واسم رسوله مسعود بن سعد وهو من قومه، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه، وقبل هديته، وأجاز رسوله باثنتي عشرة أوقيةً ونشً، وكتب إلى فروة جواب كتابه. وكان فروة عاملاً للروم على من يليهم من العرب، وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام، فلما بلغ الروم إسلامه طلبوه فحبسوه عندهم؛ فقال: في محبسه ذلك:\rطرقت سليمى موهنًا أصحابي ... والرّوم بين الباب والقروان\rصدّ الخيال وساءه ما قد رأى ... وهممت أن أغفي وقد أبكاني\rلا تكحلنّ العين بعدى إثمدًا ... سلمى ولا تدننّ للإتيان\rولقد علمت أبا كبيشة أنّني ... وسط الأعزّة لا يحصّ لساني\rفلئن هلكت لتفقدنّ أخاكم ... ولئن بقيت لتعرفنّ مكاني\rولقد جمعت أجلّ ما جمع الفتى ... من جودةٍ وشجاعةٍ وبيان\rقال: ولما قدّموه ليضربوا عنقه قال:\rأبلغ سراة المؤمنين بأنّني ... سلمٌ لربّي أعظمي ومقامي\rفضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء.\rهذا ما تلخص لنا من أخبار من وفد بعد الهجرة وقبل الفتح، فلنذكر من وفد بعد الفتح.\rمن وفد بعد فتح مكة\rشرّفها الله تعالى وعظمها ولنبدأ من ذلك بذكر وفد ثعلبة؛ لأنه أوّل وفد كان بعد الفتح. ثم نذكر من وفد في سنة تسعٍ من الهجرة وما بعدها، ونورده نحو ما أورده أبو عبد الله محمد بن سعد في طبقاته، إلا أنا نستثنى منهم من قدّمنا ذكره بحكم سابقتهم، وتقدّم إسلامهم.\rثعلبة\rقال أبو عبد الله محمد بن سعد رحمه الله: لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة، في سنة ثمانٍ من الهجرة، قدم عليه أربعة نفر، وقالوا: نحن رسل من خلفنا من قومنا، ونحن وهم مقرّون بالإسلام، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضيافةٍ، وأقاموا أياماً ثم جاءوا ليودّعوه فأمر بلالاً أن يجيزهم، كما يجيز الوفد، فجاء بنقرٍ من فضّة فأعطى كل رجل منهم خمس أواقٍ، وقال: \" ليس عندنا دراهم \" وانصرفوا إلى بلادهم.\rأسد","part":5,"page":40},{"id":2041,"text":"قال محمد بن سعد: قدم عشرة رهط من بني أسد بن خزيمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أوّل سنة تسع من الهجرة، فيهم حضرميّ بن عامر، وضرار ابن الأزور، فقال حضرميّ: يا رسول الله ! أتيناك نتدرّع الليل البهيم، في سنة شهباء، ولم تبعث إلينا بعثا، فنزل فيهم قوله عز وجل: \" يمنّون عليك أن أسلموا قل لا تمنّوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين \" .\rقال: وكان معهم قوم من بني الزّنية وهم بنو مالك بن مالك بن ثعلبة بن دودان ابن أسد، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أنتم بنو الرّشدة \" .\rوقال أبو إسحق أحمد بن محمد الثّعلبيّ رحمه الله: إنّ نفرا من بني أسد، ثم من بني الحلاف بن الحارث بن سعيد، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في سنة جدبة، فأظهروا شهادة أن لا إله إلا الله، ولم يكونوا مؤمنين في السّر، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وكانوا يغدون ويروحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون: أتتك العرب بأنفسها، على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والعيال والذّراريّ - يمنّون على رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. ويريدون الصّدقة، ويقولون: أعطنا. فأنزل الله عز وجل فيهم: \" قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا \" الآيات. وقيل: نزلت في الأعراب: مزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار. وكانوا يقولون: آمنّا بالله؛ ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلّفوا، فأنزل الله فيهم: \" قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا \" أي انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسّبي \" ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم \" فأخبر تعالى أن حقيقة الأيمان التصديق بالقلب، وأن الإقرار باللسان، وإظهار شرائعه بالأبدان، لا يكون إيمانا دون الإخلاص الذي محلّه القلب.\rوفد تميم\rقال أبو عبد الله محمد بن سعد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث بشر بن سفيان. ويقال: النّحّام العدويّ على صدقات بني كعب من خزاعة، فجاء وقد حلّ بنواحيهم بنو عمرو بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، فجمعت خزاعة مواشيها للصدقة، فاستنكرت ذلك بنو تميم، وأبوا وابتدروا القسيّ، وشهروا السّيوف، فقدم المصدّق على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره؛ فقال: \" من لهؤلاء القوم \" ؟ فانتدب لهم عيينة بن حصن، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمسين فارسا من العرب، ليس فيهم مهاجريّ ولا أنصاريّ فأغار عليهم، فأخذ منهم أحد عشر رجلا، وإحدى عشرة امرأة، وثلاثين صبيا، فجلبهم إلى المدينة، فقدم فيهم عدّة من رؤساء بني تميم، منهم عطارد بن حاجب، والزّبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، والأقرع بن حابس، ورياح ابن الحارث، وعمرو بن الأهتم، وغيرهم كما ذكرنا ذلك في الغزوات في خبر سريّة عيينة. قال ويقال: كانوا تسعين أو ثمانين رجلا.\rقال ابن إسحق: والحتات بن يزيد أحد بني دارم. قال: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ، قالوا: فدخلوا المسجد وقد أذّن بلالٌ بالظهر؛ والناس ينتظرون خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعجلوا واستبطأوه، فنادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته: يا محمد ! اخرج إلينا. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام بلال، فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، ثم أتوه؛ فقال الأقرع بن حابس: يا محمد، ايذن لي، فوالله إنّ حمدي لزينٌ، وإنّ ذمّي لشينٌ. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كذبت، ذاك الله تبارك وتعالى \" . حكاه ابن سعد.\rوحكى محمد بن إسحق أنهم قالوا: يا محمد، جئناك لنفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: \" لقد أذنت لخطيبكم فليقل \" ، فقام عطارد بن حاجب، فقال الحمد لله الذي له علينا الفضل والمنّ؛ وهو أهله الذي جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق وأكثره عددا، وأيسره عدّة، فمن مثلنا في النّاس ؟ ألسنا برؤوس النّاس وأولى فضلهم ؟ فمن فاخرنا فليعدّد مثل ما عدّدنا، وإنّا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا، وأنّا نعرف بذلك. أقول هذا لأن تأتونا بمثل قولنا، وأمرٍ أفضل من أمرنا. ثم جلس.","part":5,"page":41},{"id":2042,"text":"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن الشّماس أخي بن الحارث ابن الخزرج: \" قم فأجب الرجل في خطبته \" . فقام ثابت فقال: الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه، قضى فيهنّ أمره، ووسع كرسيّه علمه، ولم يك شيء قطّ إلا من فضله، وكان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولاً، أكرمه نسبًا، وأصدقه حديثًا، وأفضله حسبًا، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون من قومه وذوي رحمه؛ أكرم الناس أحسابًا، وأحسن الناس وجوهًا، وخير الناس فعالاً. ثم كان أوّل الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن؛ فنحن أنصار الله، ووزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدًا، وكان قتله علينا يسيرا.\rأقول هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات. والسلام عليكم.\rفقام الزّبرقان بن بدر، فقال:\rنحن الكرام فلا حيٌّ يعادلنا ... منّا الملوك وفينا تنصب البيع\rويروى: وفينا يقسم الرّبع، بدل تنصب البيع.\rوكم قسرنا من الأحياء كلّهم ... عند النّهاب وفضل العزّ يتّبع\rونحن يطعم عند القحط مطعمنا ... من الشّواء إذا لم يؤنس القزع\rبما ترى الناس تأتينا سراتهم ... من كلّ أرضٍ هويًّا ثم نصطنع\rويروى:\rمن كلّ أرضٍ هوانًا ثم نتّبع\rفننحر الكوم عبطًا في أرومتنا ... للنّازلين إذا ما أنزلوا شبعوا\rفلا ترانا إلى حيٍّ نفاخرهم ... إلاّ استقادوا وكانوا الرأس يقتطع\rفمن يفاخرنا في ذاك نعرفه ... فيرجع القوم والأخبار تستمع\rإنّا أبينا ولم يأبى لنا أحدٌ ... إنّا كذلك عند الفخر نرتفع\rقال محمد بن إسحق: وكان حسان بن ثابت غائبا، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال حسان: جاءني رسوله فأخبرني أنه إنما دعاني لأجيب شاعر بني تميم، فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول:\rمنعنا رسول الله إذ حلّ وسطنا ... على أنف راضٍ من معدٍّ وراغم\rمنعناه لمّا حلّ بين بيوتنا ... بأسيافنا من كلّ باغٍ وظالم\rببيتٍ حريدٍ عزّه وثراؤه ... بجابية الجولان وسط الأعاجم\rهل المجد إلاّ السّودد العود والنّدى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم\rقال: فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام شاعر القوم فقال ما قال، عرضت في قوله وقلت على نحو ما قال. قال: ولما فرغ الزّبرقان من إنشاده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسّان بن ثابت: \" قم فأجب الرجل \" فقام حسّان فقال:\rإنّ الذّوائب من فهرٍ وإخوتهم ... قد بيّنوا سنّةً للناس تتّبع\rيرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وكلّ الخير يصطنع\rويروى:\rيرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا\rقومٌ إذا حاربوا ضرّوا عدّوهم ... أو حاولوا النّفع في أشياعهم نفعوا\rسجيّةٌ تلك منهم غير محدثةٍ ... إنّ الخلائق فاعلم شرّها البدع\rإن كان في الناس سبّاقون بعدهم ... فكلّ سبقٍ لأدنى سبقهم تبع\rلا يرقع النّاس ما أوهت أكفّهم ... عند الرّقاع ولا يوهون ما رقعوا\rإن سابقوا الناس يومًا فاز سبقهم ... أو وازنوا أهل مجدٍ بالذّرى متعوا\rأعفّةٌ ذكرت في الوحى عفّتهم ... لا يطبعون ولا يرديهم طمع\rلا يبخلون على جارٍ بفضلهم ... ولا يمسّهم من مطمع طبع\rإذا نصبنا لحيٍّ لا ندبّ لهم ... كما يدبّ إلى الوحشيّة الذّرع\rنسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزّعانف من أظفارها خشعوا","part":5,"page":42},{"id":2043,"text":"لا يفخرون إذا نالوا عدوّهم ... وإن أصيبوا فلا خورٌ ولا هلع\rكأنّهم في الوغى والموت مكتنعٌ ... أسدٌ بحلية في أرساغها فدع\rخذ منهم ما أتى عفوًا إذا غضبوا ... ولا يكن همّك الأمر الذي منعوا\rفإنّ في حربهم فاترك عداوتهم ... شرًّا يخاض عليه السّمّ والسّلع\rأكرم بقومٍ رسول الله شيعتهم ... إذا تفاوتت الأهواء والشّيع\rأهدى لهم مدحتي قلبٌ يؤازره ... فيما أحبّ لسانٌ حائكٌ صنع\rفإنّهم أفضل الأحياء كلّهم ... إن جدّ بالناس جدّ القول أو شمعوا\rوقال أبو محمد عبد الملك بن هشام رحمه الله: حدّثني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم أن الزّبرقان بن بدرٍ لمّا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم، قام فقال:\rأتيناك كيما يعلم الناس فضلنا ... إذا اختلفوا عند احتضار المواسم\rبأنّا فروع الناس في كلّ موطنٍ ... وأن ليس في أرض الحجاز كدارم\rوأنّا نذود المعلمين إذا انتخوا ... ونضرب رأس الأصيد المتفاقم\rوأنّ لنا المرباع في كلّ غارةٍ ... نغير بنجدٍ أو بأرض الأعاجم\rفقام حسان بن ثابت فأجابه، فقال:\rهل المجد إلاّ السّودد العود والنّدى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم\rنصرنا وآوينا النّبيّ محمدًا ... على أنف راضٍ من معدٍّ وراغم\rبحيٍّ حريدٍ أصله وثراؤه ... بجابية الجولان وسط الأعاجم\rنصرناه لمّا حلّ وسط ديارنا ... بأسيافنا من كلّ باغٍ وظالم\rجعلنا بيننا دونه وبناتنا ... وطبنا له نفسًا بفيء المغانم\rونحن ضربنا الناس حتّى تتابعوا ... على دينه بالمرهفات الصّوارم\rونحن ولدنا من قريشٍ عظيمها ... ولدنا نبيّ الخير من آل هاشم\rبني دارمٍ لا تفخروا إنّ فخركم ... يعود وبالاً عند ذكر المكارم\rهبلتم، علينا تفخرون وأنتم ... لنا خولٌ من بين ظئرٍ وخادم\rفإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا في المقاسم\rفلا تجعلوا لله ندًّا وأسلموا ... ولا تلبسوا زيًّا كزيّ الأعاجم\rوأفضل ما نلتم من المجد و العلا ... ردافتنا عند احتضار المواسم\rقالوا: فلما فرغ حسّان من قوله، قال الأقرع بن حابس: وأبي، إنّ هذا الرجل لمؤتًى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، ولهم أحلم منّا. ونزل في وفد بني تميم قوله عز وجل: \" إنّ الّذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. ولو أنّهم صبروا حتّى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم والله غفورٌ رحيمٌ \" .\rقال محمد بن سعد: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيس بن عاصم: \" هذا سيّد أهل الوبر \" وردّ عليهم الأسرى والسّبي، وأمر لهم بالجوائز كما كان يجيز الوفد؛ ثنتي عشرة أوقية ونشًّا، وهي خمسمائة درهم.\rقال ابن إسحق: وكان عمرو بن الأهتم قد خلّفه القوم في ظهرهم، وكان أصغرهم سنًّا، فقال قيس بن عاصم، وكان يبغض عمرو بن الأهتم: يا رسول الله ! إنه قد كان رجلا منّا في رحالنا وهو غلام حدث، وأزرى به، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم، فبلغ عمرو بن الأهتم ما قاله قيس فيه؛ فقال:\rظللت مفترش الهلباء تشتمني ... عند النبيّ فلم تصدق ولم تصب\rإن تنقصونا فإنّ الرّوم أصلكم ... والرّوم لا تملك البغضاء للعرب\rوإنّ سوددنا عودٌ وسوددكم ... مؤخّرٌ عند أصل العجب والذّنب\rوروى أن الزّبرقان فخر يومئذ فقال:","part":5,"page":43},{"id":2044,"text":"يا رسول الله، أنا سيّد تميم، والمطاع فيهم، والمجاب منهم، آخذ لهم بحقوقهم، وأمنعهم من الظّلم، وهذا يعلم ذلك. وأشار إلى عمرو بن الأهتم. فقال عمرو: إنه شديد العارضة، مانعٌ لجانبه، مطاعٌ في أدانيه. فقال الزّبرقان: والله لقد كذب يا رسول الله، وما منعه من أن يتكلم إلا الحسد.\rفقال عمرو: أنا أحسدك ؟ ! فو الله إنّك لئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مبغضٌ في العشيرة، والله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنّ من البيان لسحرا \" .\rفزارة\rواستسقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم قال ابن سعد: لمّارجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، قدم عليه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلا؛ فيهم خارجة بن حصن، والحرّ ابن قيس بن حصن، وهو أصغرهم، على ركابٍ عجافٍ، فجاءوا مقرّين بالإسلام. وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بلادهم، فقالوا: يا رسول الله، أسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا، فادفع لنا ربك. فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر ودعا، فقال: \" اللّهمّ اسبق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، فأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثًا مغيثا، مريئًا مريعًا، مطبقًا واسعًا، عاجلاً غير آجل، نافعًا غير ضارّ. اللهمّ اسقنا سقيا رحمةٍِ، لا سقيا عذابٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ ولا محقٍ. اللهمّ اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء \" فمطرت، فما رأوا السماء ستًّا، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فدعا، فقال: اللّهمّ حوالينا ولا علينا، على الآكام والظّراب، وبطون الأودية، ومنابت الشّجر \" . قال: فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب.\rوفي صحيح البخاريّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أصابت الناس سنةٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة، قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا أن يسقينا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، وما في السماء قزعة سحابٍ، قال فثار سحابٌ أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، قال: فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي - أو رجلٌ غيره - فقال: يا رسول الله، تهدّم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، فقال: \" اللّهم حوالينا ولا علينا \" قال: فما جعل يشير بيديه إلى ناحية من السماء إلاّ تفرّجت، حتى صارت المدينة في مثل الجوبة، حتى سال الوادي وادي قناة شهرا. قال: فلم يأت أحدٌ من جهة إلا حدّث بالجود.\rمرّة\rقال: قدم وفد بني مرّة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مرجعه من تبوك في سنة تسعٍ، وهم ثلاثة عشر رجلا، رأسهم الحارث بن عوف؛ فقالوا: يا رسول الله، إنّا قومك وعشيرتك، ونحن قوم من لؤيّ بن غالب. فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: \" أين تركت أهلك \" ؟ قال: بسلاح وما والاها. قال: \" كيف تركت البلاد \" ؟ قال: والله إنّا لمسنتون، فادع الله لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اللّهمّ اسقهم الغيث \" وأمر بلالاً أن يجيزهم، فأجازهم بعشرة أواقٍ، عشرة أواقٍ فضّة، وفضّل الحارث بن عوف، أعطاه ثنتي عشرة أوقيةً. فرجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rمحارب\rقال: قدم وفد محارب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة عشر، في حجّة الوداع، وهم عشرة نفر، منهم سواء بن الحارث، وابنه خزيمة بن سواء، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث، وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء؛ فأسلم وقالوا: نحن على من وراءنا، ولم يكن أحد في تلك المواسم أفظّ ولا أغلظ على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني محارب. قال: ومسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه خزيمة بن سواء، فصارت له غرّة بيضاء، وأجازهم كما يجيز الوفد، وانصرفوا إلى أهليهم.\rكلاب","part":5,"page":44},{"id":2045,"text":"قال: قدم وفد كلاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة تسعٍ من الهجرة، وهم ثلاثة عشر رجلا، فيهم لبيد بن ربيعة، وجبّار بن سلمى، فأنزلهم دار رملة بنت الحارث، فقالوا: يا رسول الله، إنّ الضحاك بن سفيان سار فينا بكتاب الله وبسنّتك التي أمرته، وأنه دعانا إلى الله فاستجبنا لله ولرسوله، وأنه أخذ الصّدقة من أغنيائنا فردّها على فقرائنا.\rرؤاس بن كلاب\rروي عن أبي نفيع طارق بن علقمة الرؤاسيّ أنه قال: قدم رجلٌ منّا يقال له عمرو بن مالك بن قيس الرّؤاسيّ على النبيّ صلى الله عليه وسلم فأسلم، ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا: حتى نصيب من بني عقيل بن كعب مثل ما أصابوا منّا، فخرجوا يريدونهم، وخرج معهم عمرو بن مالك فأصابوا فيهم، ثم خرجوا يسوقون النّعم، فأدركهم فارسٌ من بني عقيل يقال له ربيعة بن المنتفق بن عامر ابن عقيل، وهو يقول:\rأقسمت لا أطعن إلاّ فارسا ... إذا الكمأة لبسوا القوانسا\rقال أبو نفيع: فقلت نجوتم يا معشر الرّجّالة سائر اليوم، فأدرك العقيليّ رجلاً من بني عبيد بن رؤاس: يقال له المحرّش بن عبد الله بن عمرو بن عبيد بن رؤاس، فطعنه في عضده فأخبلها، فاعتنق المحرّش فرسه، وقال: يا آل رؤاس ! فقال ربيعة: رؤاسٌ خيلٌ أو أناسٌ ؟ ! فعطف على ربيعة عمرو بن مالك فطعنه فقتله. قال: ثم خرجنا نسوق النّعم، وأقبل بنو عقيل في طلبنا حتى انتهينا إلى تربة، فقطع ما بيننا وبينهم وادي تربة، فجعل بنو عقيل ينظرون إلينا فلا يصلون إلى شيء فمضينا. قال عمرو بن مالك: فأسقط في يدي، وقلت: قتلت رجلا، وقد أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم ! فشددت يدي في غلٍّ إلى عنقي، ثم خرجت أريد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بلغه ذلك، فقال: \" لئن أتاني لأضربنّ ما فوق الغلّ من يده \" قال: فأطلقت يدي، ثم أتيته فسلّمت عليه فأعرض عنّي فأتيته عن يمينه فأعرض عنّي، فأتيته عن يساره فأعرض عنّي، فأتيته من قبل وجهه، فقلت: يا رسول الله، إن الربّ ليترضّى فيرضى، فارض عنّي رضي اله عنك. قال: \" قد رضيت عنك \" .\rعقيل بن كعب\rقال محمد بن السّائب: حدّثنا رجل من بني عقيل بن كعب، عن أشياخ قومه، قالوا: وفد منّا من بني عقيل بن كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ربيع ابن معاوية بن خفاجة بن عمرو بن عقيل، ومطرّف بن عبد الله، وأنس بن قيس ابن المنتفق، فبايعوا وأسلموا، وبايعوه على من وراءهم من قومهم، فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم العقيق عقيق بني عقيل، وهي أرض فيها عيون ونخل وكتب لهم بذلك كتابا في أديم أحمر: \" بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى محمد رسول الله ربيعًا ومطرّفا وأنسًا؛ أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وسمعوا وأطاعوا \" . ولم يعطهم حقّا لمسلم، وكان الكتاب في يد مطرّف. ووفد عليه أيضا لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر بن عقيل، فأعطاه ماء يقال له النّظيم وبايعه على قومه.\rقال: وقدم عليه أبو حرب بن خويلد بن عامر بن عقيل، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه القرآن، وعرض عليه الإسلام، فقال: أما وايم الله لقد لقيت الله أو لقيت من لقيه، فإنّك لتقول قولاً لا نحسن مثله، ولكن سوف أضرب بقداحي هذه على ما تدعوني إليه، وعلى ديني الذي أنا عليه، وضرب بالقداح، فخرج على سهم الكفر، ثم أعاد فخرج عليه ثلاث مرّات. فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أبى هذا إلاّ ما ترى، ثم رجع إلى أخيه عقال بن خويلد، فقال له: قلّ خيسك. أي قلّ خيرك. فقال: هل لك في محمد ابن عبد الله ؟ يدعو إلى دين الإسلام، ويقرأ القرآن، وقد أعطاني العقيق إن أنا أسلمت، فقال له عقال: أنا والله أخطّك أكثر مما يخطّك محمد، ثم ركب فرسه وجرّ رمحه على أسفل العقيق، فأخذ أسفله وما فيه من عين، ثم إنّ عقالا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه الإسلام، وجعل يقول له: \" أتشهد أن محمدا رسول الله \" أتشهد أن محمدا رسول الله \" ؟ فيقول: أشهد أن هبيرة بن النّفاضة نعم الفارس يوم قرنى لبان. ثم قال: \" أتشهد أن محمدا رسول الله \" ؟ قال: \" أشهد أنّ الصّريح تحت الرّغوة \" ثم قال له الثالثة: \" أتشهد \" ؟ قال: فشهد وأسلم.","part":5,"page":45},{"id":2046,"text":"قال: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الحصين بن المعلّى بن ربيعة ابن عقيل، وذو الجوشن الضّبابيّ فأسلما.\rجعدة\rقال محمد بن سعد: وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الرّقاد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة بن كعب، فأعطاه صلى الله عليه وسلم بالفلج ضيعة، وكتب له كتابا وهو عندهم.\rقشير بن كعبٍ\rقال: وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرٌ من بني قشير، قبل حجة الوداع وبعد حنين، فيهم ثور بن عزرة بن عبد الله بن سلمة بن قشير فأسلم، فأقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيعةً، وكتب له بها كتابا. وفيهم حيدة بن معاوية ابن قشير، وفيهم قرّة بن هبيرة بن سلمة الخير بن قشير فأسلم، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكساه بردا، وأمره أن يتصدّق على قومه؛ أي يلي الصدقة.\rبني البكّاء\rقال: وفد ثلاثة نفر من بني البكّاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة تسع، فيهم معاوية بن ثور بن عبادة بن البكّاء. وهو يومئذ ابن مائة سنة، ومعه ابن له يقال له بشر، والفجيع بن عبد الله، ومعهم عبد عمرو البكّائي وهو الأصمّ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وكتب له بمائة الذي أسلم عليه \" ذي القصّة \" . وكان عبد الرحمن من أصحاب الصّفّة، فأنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلٍ وضيافة، وأجازهم ورجعوا إلى قومهم.\rوقال معاوية للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أتبرك بمسّك وقد كبرت، وابني هذا برٌّ بي فامسح وجهه، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه بشر بن معاوية، وأعطاه أعنزا عفرا، وبرّك عليهنّ، وكانت السّنة تصيب بني البكّاء ولا تصيبهم، وفي ذلك يقول محمد بن بشر بن معاوية:\rوأبى الذي مسح الرسول برأسه ... ودعا له بالخير والبركات\rأعطاه أحمد إذ أتاه أعنزًا ... عفرًا نواجل لسن باللّجبات\rيملأن رفد الحيّ كلّ عشيّةٍ ... ويعود ذاك الملء بالغدوات\rبوركن من منحٍ وبورك مانحًا ... وعليه منّي ما حييت صلاتي\rكنانة\rوبني عبد بن عديّ قالوا: وفد واثلة بن الأسقع الليثيّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى تبوك، فصلّى معه الصّبح، فقال: \" من أنت ؟ وما جاء بك ؟ وما حاجتك \" ؟ فأخبره عن نسبه، وقال: أتيتك لأومن بالله ورسوله؛ فقال رسول الله: \" فبايع على ما أحببت وكرهت \" . فبايعه ورجع إلى أهله فأخبرهم؛ فقال أبوه: والله لا أكلّمك كلمةً أبدا، وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهّزته، فخرج راجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجده قد سار إلى تبوك. فقال: من يحملني عقبةً وله سهمي ؟ فحمله كعب بن عجرة حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد معه تبوك. وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد بن الوليد إلى أكيدر، فجاء بسهمه إلى كعب بن عجرة، فأبى أن يقبله وسوّغه إياه، وقال: إنما حملتك لله تعالى.\rقال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني عبد بن عدي، وفيهم الحارث بن أهبان، وعويمر بن الأحزم، وحبيب وربيعة ابنا ملّة، ومعهم رهط من قومهم؛ فقالوا: يا محمد، نحن أهل الحرم وساكنوه، وأعزّ من به، ونحن لا نريد قتالك، ولو قاتلت غير قريش قاتلنا معك، ولكنا لا نقاتل قريشا. وإنا لنحبك ومن أنت منه، فإن أصبت منّا أحدا خطأ فعليك ديته، وإن أصبنا أحدا من أصحابك فعلينا ديته. فقال: \" نعم \" فأسلموا.\rباهلة\rقال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مطرّف بن الكاهن الباهليّ بعد الفتح وافدا لقومه، فأسلم وأخذ لقومه أمانًا، وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فيه فرائض الصّدقات.\rثم قدم نهشل بن مالك الوائليّ من باهلة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وافدا لقومه، فأسلم وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمن أسلم من قومه كتابا فيه شرائع الإسلام. كتبه عثمان بن عفّان.\rهلال بن عامر","part":5,"page":46},{"id":2047,"text":"قالوا: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرٌ من بني هلال، فيهم عبد عوف بن أصرم بن عمرو بن شعيثة فأسلم؛ فسمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله. وفيهم قبيصة بن المخارق، فقال: يا رسول الله، إنّي حملت عن قومي حمالة فأعنّي فيها؛ قال: \" هي لك في الصّدقات إذا جاءت \" .\rقالوا: ووفد زياد بن عبد الله بن مالك، فلما دخل المدينة، توجه إلى منزل ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت خالة زياد - أمّه عزّة بنت الحارث، وهو يومئذ شاب - فدخل النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو عندها، فلما رآه غضب ورجع، فقالت: يا رسول الله، هذا ابن أختي، فدخل إليها ثم خرج حتى أتى المسجد ومعه زياد، فصلّى الظهر، ثم أدنى زيادا فدعا له، ووضع يده على رأسه، ثم حدرها على طرف أنفه. فكانت بنو هلال تقول: ما زلنا نتعرّف البركة في وجه زياد. قال الشاعر لعليّ بن زياد:\rيابن الذي مسح النبيّ برأسه ... ودعا له بالخير عند المسجد\rأعني زيادًا لا أريد سواءه ... من غائرٍ أو متهمٍ أو منجد\rما زال ذاك النور في عرنينه ... حتى تبوّأ بيته في الملحد\rعامر بن صعصعة\rوخبر عامر بن الطفيل وأربد بن قيس قال محمد بن سعد: قدم عامر بن الطّفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، وأربد بن ربيعة بن مالك بن جعفر. - قال ابن إسحق: وأبد بن قيس ابن جزء بن خالد بن جعفر، وجبّار بن سلمى بن مالك بن جعفر - على رسول الله صلى الله عليه وسلم - . - قال ابن سعد - فقال عامر بن الطّفيل: يا محمد، مالي إن أسلمت ؟ قال: \" لك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم \" . قال: أتجعل لي الأمر من بعدك ؟ قال: \" ليس ذلك لك ولا لقومك \" قال: أفتجعل لي الوبر ولك المدر ؟ قال: \" لا \" ، ولكنّي أجعل لك أعنّة الخيل، فإنك امرؤ فارس \" . قال: أو ليست لي ؟ لأملأنها عليك خيلاً ورجلا. ثم ولّيا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اللّهم اكفنيهما، اللّهم واهد بني عامر وأغن الإسلام عن عامر \" - يعني ابن الطّفيل.\rوقال ابن إسحق: قدم عامر بن الطّفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يريد الغدر به، وقد قال له قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا فأسلم، فقال: والله لقد كنت آليت ألاّ أنتهي حتّى تتبع العرب عقبي، وأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ! ثم قال لأربد بن قيس: إذا قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطّفيل. يا محمد، خالّني. قال: \" لا والله حتى تؤمن بالله وحده \" ، فجعل يكرر هذا القول ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد عليه مقالته، وهو في ذلك ينتظر من أربد ما أمره به، فلم يصنع أربد شيئا، وكان آخر ما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله لأملأنّها عليك خيلا ورجلا، فلما ولّى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اللهم اكفني عامر ابن الطّفيل \" فلما خرجوا من عنده قال عامر لأربد: ويلك ! أين ما كنت أمرتك به ؟ والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال له أربد: لا أبا لك ! لا تعجل عليّ، والله ما هممت بالذي أمرتني به من أمره إلا دخلت بيني وبين الرجل، حتى لا أرى غيرك ! أفأضربك بالسيف ! قال: وخرجوا راجعين إلى بلادهم، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطّفيل الطاعون في عنقه، فمال إلى بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: يا بني عامر، غدّة كغدّة البكر، وموتٌ في بيت سلوليّة ! قال: ومات فواراه أصحابه، وخرجوا حتى قدموا أرض بني عامر، فأتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أربد ؟ فقال: لا شيء، والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنّبل حتى أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما.","part":5,"page":47},{"id":2048,"text":"وقال أبو إسحق أحمد بن محمد الثعلبيّ في هذه القصة، بسند يرفعه إلى عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أقبل عامر بن الطّفيل وأربد بن ربيعة يريدان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بالمسجد جالس في نفر من أصحابه، فدخلا المسجد فاستشرف الناس لجمال عامر، وكان أعور، وكان من أجمل الناس، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هذا عامر ابن الطّفيل قد أقبل نحوك، فقال: \" دعه فإن يرد الله به خيرا يهده \" فأقبل حتى قام عليه. فقال: يا محمد، ما لي إن أسلمت ؟ فقال: \" لك ما للمسلمين، وعليك ما على المسلمين \" . قال: تجعل لي الأمر بعدك ؟ قال: \" ليس ذلك إليّ، إنما ذلك إلى الله عز وجل، يجعله حيث يشاء \" . قال تجعلني على الوتر وأنت على المدر ؟. قال: \" لا \" . قال: فماذا تجعل لي ؟ قال: \" أجعل لك أعنّة الخيل تغزو عليها \" . قال: أو ليس ذلك لي اليوم ؟ ! قم معي أكلّمك. فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلّمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف؛ فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه، فدار أربد خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم، فاخترط من سيفه شبرا، ثم حبسه الله عزّ وجلّ عنه فلم يقدر على سلّه، وجعل عامر يوميء إليه، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى أربد وما يصنع بسيفه، فقال: \" اللهم اكفنيهما بما شئت \" . فأرسل الله عزّ وجلّ على أربد صاعقة في يوم صائف فأحرقته، وولّى عامرٌ هاربا، وقال: يا محمد، دعوت ربّك فقتل أربد، والله لأملأنّها عليك خيلا جردًا، وفتيانا مردًا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يمنعك الله ذلك وأبناء قيلة \" يعني الأوس والخزرج. فنزل عامر بيت امرأة سلوليّة وأنشأ يقول:\rتخيّر أبيت اللّعن إن شئت ودّنا ... وإن شئت حربًا ذات بأسٍ ومصدق\rوإن شئت فتيانًا بكفّي أمرهم ... يكبّون كبش العارض المتألّق\rفلما أصبح ضمّ عليه سلاحه، وقد تغيّر لونه، وهو يقول:\rلعمري وما عمري عليّ بهيّنٍ ... لقد شان حرّ الوجه طعنة مسهر\rوقد علم المزنوق أنّي أكرّه ... على جمعهم كرّ المنيح المشهّر\rإذا ازورّمن وقع السّنان زجرته ... وأخبرته أنّي امرؤ غير مقصر\rوأخبرته أنّ الفرار خزايةٌ ... على المرء ما لم يبد عذرًا فيعذر\rلقد علمت عليا هوازن أنّني ... أنا الفارس الحامي حقيقة جعفر\rفجعل يركض في الصحراء ويقول: ابرز يا ملك الموت ! ثم أنشأ يقول:\rألا قرّب المزنوق إذ جدّ ما أرى ... لتعريض يومٍ شرّه غير حامد\rألا قرّباه إنّ غاية جرينا ... إذا قرب المزنوق بين الصّفائد\rبنو عامرٍ قومي إذا ما دعوتهم ... أجابوا ولبّى منهم كلّ ماجد\rويقول: والّلات لئن أصحر إليّ وصاحبه - يعني ملك الموت - لأنفذتهما برمحي.\rقال: فلما رأى الله عزّ وجلّ ذلك منه، أرسل ملكا فلطمه بجناحه، فأرداه في التراب، وخرجت على ركبته غدّة عظيمة في الوقت، فعاد إلى بيت السّلوليّة وهو يقول: غدّة كغدّة البعير، وموتٌ في بيت سلولية. ثم دعا بفرسه فركبه، ثم أجراه حتى مات على ظهره.\rقال: فرثى لبيد بن ربيعة أخاه أربد بجملة من المراثي؛ فمنها هذه الأبيات:\rقضّ اللّبانة لا أبا لك واذهب ... والحق بأسرتك الكرام الغيّب\rذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلفٍ كجلد الأجرب\rيتلذّذون ملاذةً ومجانةً ... ويعاب قائلهم وإن لم يشعب\rفتعدّ عن هذا وقل في غيره ... واذكر شمائل من أخٍ لك معجب\rإنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلها ... فقدان كلّ أخٍ كضوء الكوكب\rمن معشرٍ سنّت لهم أباؤهم ... والعزّ لا يأتي بغير تطلّب\rيا أربد الخير الكريم جدوده ... أفردتني أمشي بقرن أعضب\rوقال أيضا فيه:\rما إن تعدّي المنون من أحدٍ ... لا والدٍ مشفقٍ ولا ولد\rأخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السّماك والأسد","part":5,"page":48},{"id":2049,"text":"يا عين هلاّ بكيت أربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد\rفجّعني الرّعد والصّواعق بالفا ... رس يوم الكريهة النّجد\rقال: وأنزل الله عزّ وجلّ في هذه القصّة: \" سواءٌ منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ باللّيل وساربٌ بالنّهار. له معقباتٌ من بين يديه ومن خلفه \" يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم \" يحفظونه \" يعني تلك المعقبات \" من أمر الله \" . ثم قال تعالى مشيرا لهذين: \" إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقومٍ سوءًا فلا مردّ له وما لهم من دونه من والٍ \" . أي ملجإ يلجئون إليه. وقد قيل: \" والٍ \" يلي أمرهم، ويمنع العذاب عنهم. ثم قال تعالى: \" هو الّذي يريكم البرق خوفًا وطمعًا \" . قال: \" خوفًا \" للمسافر يخاف أذاه ومشقّته. \" وطمعًا \" للمقيم يرجو بركته ومنفعته. \" وينشيء السّحاب الثّقال. ويسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصّواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال \" قال الحسن: شديد الحقد.\rقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: شديد الأخذ. وقد روى الثّعلبيّ أيضا، عن إسحق الحنظليّ، عن ريحان بن سعيد الشّامي، عن عبّاد بن منصور، قال سألت الحسن عن قوله عز وجل: \" ويرسل الصّواعق فيصيب بها من يشاء \" الآية.\rقال: كان رجلٌ من طواغيت العرب، فبعث إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم نفرًا ليدعوه إلى الله عز وجل ورسوله أن يؤمن، فقال لهم: أخبروني عن ربّ محمدٍ هذا الذي تدعوني إليه ما هو ؟ وممّ هو ؟ من ذهب أم فضّة أم حديد أم نحاس ؟ فاستعظم القوم مقالته، وانصرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا رجلاً أكفر قلبًا، ولا أعتى على الله منه ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ارجعوا إليه \" فرجعوا إليه فجعل لا يزيدهم على مثل مقالته الأولى وأخبث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ارجعوا إليه \" فرجعوا، فبيناهم عنده ينازعونه ويدعونه ويعظمون عليه، وهو يقول هذه المقالة؛ إذ ارتفعت سحابةٌ فكانت فوق رءوسهم، فرعدت وبرقت فرمت بصاعقة فاحترق الكافر وهم جلوس، فجاءوا يسعون ليخبروا النبيّ صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم قومٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لهم: احترق صاحبكم. قالوا لهم: من أين علمتم ؟ قالوا: أوحي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم الساعة: \" ويرسل الصّواعق فيصيب بها من يشاء \" الآية. والله أعلم في أيهما نزلت.\rولنرجع إلى تتمة خبر وفد عامر بن صعصعة.\rقال محمد بن سعد في طبقاته: وكان في الوفد عبد الله بن الشّخّير، فقال: يا رسول الله، أنت سيدنا، وذو الطّول علينا. قال: \" السيّد الله، لا يستهوينّكم الشيطان \" .\rقالوا: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم علقمة بن علاثة بن عوف، وهوذة بن خالد بن ربيعة وابنه، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه جالسا إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أوسع لعلقمة \" فأوسع له، فجلس إلى جنبه، فقصّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شرائع الإسلام، وقرأ عليه قرآنا، فقال: يا محمد، إن ربّك لكريم، وقد آمنت بك، وبايعت على عكرمة بن خصفة أخى قيس، وأسلم هوذة وابنه وابن أخيه.\rوروى ابن سعد عن عوف بن أبي حجيفة السّوائيّ عن أبيه قال: قدم وفد بني عامر وكنت معهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدناه بالأبطح في قبّة حمراء، فسلّمنا عليه، فقال: \" من أنتم \" ؟ قلنا: بنو عامر بن صعصعة. قال: \" مرحبًا بكم أنتم منّي وأنا منكم \" .\rثقيفٍ\rوإسلامها وهدم الّلات كان قدوم وفد ثقيفٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسلامها في شهر رمضان سنة سبع من مهاجره.","part":5,"page":49},{"id":2050,"text":"قال أبو عبد الله محمد بن إسحق، وأبو محمد عبد الملك بم هشام، وأبو عبد الله محمد بن سعد رحمهم الله، دخل حديث بعضهم في حديث بعض: لمّا حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف لم يحضر عروة بن مسعود، ولا غيلان بن سلمة الحصار، بل كانا بجرش يتعلّمان صنعة العرّادات والمنجنيق والدّبابات، فقدما وقد انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطّائف، فنصبا المنجنيق والعرّدات والدّبابات واعتدّا للقتال، ثم ألقى الله في قلب عروة الإسلام، فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع أثره، حتى أدركه قبل أن يصل المدينة فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنّهم قاتلوك \" فقال عروة: يا رسول الله، أنا أحبّ إليهم من أبكارهم. قال: فكرر عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاثا، فقال: \" إن شئت فاخرج \" فخرج، وكان فيهم كذلك محبّبا مطاعا، فسار إلى الطائف، فسار خمسا فقدم عشاءً، فدخل منزله، فجاء قومه يحيّونه بتحيّة الشّرك، فقال: عليكم بتحية أهل الجنة \" السّلام \" . ودعاهم إلى الإسلام فخرجوا من عنده يأتمرون به، فلمّا طلع الفجر أوفى على غرفة له فأذّن بالصلاة، فخرجت ثقيفٌ من كل ناحية، فرماه رجل يقال له أوس بن عوف أخو بني سالم بن مالك - وقيل: بل هو وهب بن جابر رجلٌ من الأحلاف - بسهم فأصاب أكحله فلم يرقأ دمه، فقام أشراف قومه؛ وهم: غيلان بن سلمة، وكنانة بن عبد ياليل، والحكم بن عمرو ابن وهب، ووجوه الأحلاف، فلبسوا السّلاح وحشدوا، فلما رأى عروة ذلك قال: قد تصدّقت بدمي على صاحبه؛ لأصلح بذلك بينكم، وهي كرامة أكرمني الله بها، وشهادةٌ ساقها الله إليّ. وقال: ادفنوني مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات فدفنوه معهم، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره فقال فيه: \" إنّ مثله في قومه لكمثل صاحب \" يس \" دعا قومه إلى الله فقتلوه \" .\rقالوا: ولحق أبو المليح بن عروة، وقارب بن الأسود بن مسعود برسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" تولّيا من شئتما \" فقالا: نتولّى الله ورسوله؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" وخالكما أبا سفيان بن حرب \" فقالا: وخالنا أبا سفيان.\rقال ابن إسحق: ثم أقامت ثقيف بعدما قتل عروة أشهرًا، ثم أئتمروا بينهم، ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا. وكان مالك بن عوف قد أسلم كما قدّمنا في غزوة حنين، وجعل يغير على سرحهم. قال: وكان عمرو بن أمية أخا بني علاج مهاجرًا لعبد يا ليل بن عمرو، وكان من أدهى العرب، فمشى إلى عبد يا ليل بن عمرو حتى دخل داره، ثم أرسل إليه أن اخرج إليّ، فاستعظم عبد يا ليل مشيه إليه، وقال للرسول الذي جاءه: ويلك ! أعمرو أرسلك إليّ ؟ قال: نعم، وها هو ذا واقفا في دارك، فقال: إن هذا لشيء ما كنت أظنه، لعمرو كان أمنع في نفسه من ذلك، وخرج إليه، فلمّا رآه رحّب به، فقال عمرو له: إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، وقد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا في أمركم. فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها، وقال بعضهم لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سربٌ، ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع. فأجمعوا رأيهم أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا منهم، كما أرسلوا عروة بن مسعود، فعرضوا ذلك على عبد يا ليل بن عمرو بن عمير، فأبى أن يفعل، وخشي أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة، فقال: لست فاعلا حتى يرسلوا معي رجالا، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف، وثلاثة من بني مالك، فبعثوا معه الحكم بن عمرو بن وهب بن معتّب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتّب، ومن بني مالك عثمان بن أبي العاص بن بشر أخا بني يسار، وأوس بن عوف أخا بني سالم، ونمير بن خرشة بن ربيعة أخا بني الحارث، فخرج بهم عبد يا ليل وهو ناب القوم وصاحب أمرهم.\rوقال ابن سعد: كانوا بضعة عشر رجلا، وهو أثبت.","part":5,"page":50},{"id":2051,"text":"وقال ابن إسحق: فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة، ألفوا بها المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت رعيتها نوبًا على أصحابه، فلما رآهم ترك الرًكاب عند الثّقفيين، وخرج يشتدّ ليبشّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر الصديق رضي الله عنه قبل أن يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره عن ركب ثقيف أن قد قدموا يريدون البيعة والإسلام، فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أكون أنا أحدّثه؛ ففعل المغيرة. فدخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة إليهم فعلّمهم كيف يحيّون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية.\rقال: ولما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضرب عليهم قبّة في ناحية مسجده - كما يزعمون - وكان خالد بن سعيد بن العاص يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كتبوا كتابهم، وكتبه خالد بيده، وهو: \" بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبيّ رسول الله، إلى المؤمنين: إنّ عضاه وجٍّ وصيده حرام لا يعضد، ومن وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه، فإن تعدّى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبيّ - محمدا صلى الله عليه وسلم - وأن هذا أمر النبيّ محمدٍ رسول الله. وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعدّه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم \" .\rقال ابن إسحق: وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأكل منه خالد، حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم.\rقال: وقد كان فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطّاغية وهي الّلات؛ لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمًّى. وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون بأن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام. فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فهدماها. وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وألا يكسروا أوثانهم بأيديهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أمّا كسر أوثانهم بأيديهم فسنعفيكم منه، وأما الصّلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه \" . فقالوا: يا محمد، فسنؤتيكما وإن كانت دناءة. فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابهم، أمّر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان من أحدثهم سنًا، وكان أحرصهم على التّفقّه في الإسلام وتعلّم القرآن، فقال أبو بكر الصدّيق ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.\rروى عن عثمان بن أبي العاص قال: كان من آخر ما عهد إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثني على ثقيفٍ أن قال: \" يا عثمان؛ تجاوز في الصلاة واقدر الناس بأضعفهم فإن فيهم الكبير والصّغير والضّعيف وذا الحاجة \" .\rقال ابن إسحق: ولما توجهوا إلى بلادهم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدّم أبا سفيان فأبى ذلك عليه، وقال ادخل أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم، فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه بنو معتّب دونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود، وخرج نساء ثقيف حسّرا يبكين ويقلن:\rلتبكينّ دفّاع ... أسلمها الرّضّاع\rلم يحسنوا المصاع\rقال: ويقول أبو سفيان بن حرب، والمغيرة يضربها بالفأس: واهًا لك! أهلاً لك ! فلما هدمها المغيرة بن شعبة وأخذ مالها وحليّها، أرسل إلى أبي سفيان، وحليّها مجموعٌ، ومالها من الذّهب والجزع.","part":5,"page":51},{"id":2052,"text":"وقد كان أبو مليح بن عروة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقضي عن أبيه عروة بن مسعود دينا كان عليه من مال الطاغية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" نعم \" فقال له قارب بن الأسود: وعن الأسود يا رسول الله فاقضه، - وعروة والأسود أخوان لأبٍ وأمٍّ - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الأسود مات مشركا \" ، فقال قارب: يا رسول الله، لكن يصل مسلمًا ذا قرابة - يعني نفسه - إنّما الدّين عليّ وأنا الذي أطلب به. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان أن يقضي دين عروة والأسود من مال الطّاغية؛ فلمّا جمع المغيرة مالها قال لأبي سفيان: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك أن تقضي عن عروة والأسود دينهما. فقضى عنهما.\rقال المغيرة: فدخل ثقيف في الإسلام، فلا أعلم قوما من العرب بني أبٍ ولا قبيلة كانوا أصحّ إسلاما، ولا أبعد أن يوجد فيهم غشٌّ لله ولكتابه منهم.\rعبد القيس\rقال محمد بن سعد: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل البحرين أن يقدم عليه منهم عشرون رجلا، فقدموا؛ رأسهم عبد الله بن عوف الأشجّ، وفيهم الجارود بن عمرو بن حنش، ومنقذ بن حبّان وهو ابن أخت الأشجّ، وكان قدومهم عام الفتح، فقيل: يا رسول الله هؤلاء وفد عبد القيس، فقال: \" مرحبًا بهم نعم القوم عبد القيس \" . قال: ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأفق صبيحة ليلة قدموا، فقال: \" ليأتينّ ركبٌ من المشرق لم يكرهوا على الإسلام، قد أنضوا الرّكاب، وأفنوا الزاد بصاحبهم علامة، اللّهمّ اغفر لعبد القيس، أتوني لا يسألون مالاً هم خير أهل المشرق \" .\rقال: فجاءوا في ثيابهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسلّموا عليه، فقال: \" أيكم عبد الله الأشجّ \" ؟ فقال: أنا يا رسول الله. وكان رجلا دميما، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: \" إنه لا يستقى في مسوك الرجال، إنما يحتاج من الرّجل إلى أصغريه لسانه وقلبه \" . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" فيك خصلتان يحبّهما الله تعالى \" فقال عبد الله: وما هما ؟ قال: \" الحلم والأناة \" . قال: أشيء حدث أم جبلت عليه ؟. قال: \" بل جبلت عليه \" . قال: وكان الجارود نصرانيا، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ورغّبه فيه.\rقال ابن إسحق: فقال يا محمد، إنّي قد كنت على دين، وإني تاركٌ ديني لدينك: أفتضمن لي ديني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" نعم، أنا ضامنٌ لك أن قد هداك الله إلى ما هو خيرٌ منه \" . فأسلم وأسلم أصحابه.\rقال ابن سعد: وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس في دار رملة بنت الحارث، وأجرى عليهم ضيافة، وأقاموا عشرة أيام، وكان عبد الله الأشجّ يسائل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفقه والقرآن، وأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوائز، وفضّل عليهم عبد الله الأشجّ؛ فأعطاه اثنتي عشرة أوقية ونسًّا، ومسح صلى الله عليه وسلم وجه منقذ بن حبّان.\rبكر بن وائل\rقال ابن سعد: قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في الوفد بشير بن الخصاصيّة، وعبد الله بن مرثد، وحسّان بن خوط؛ ولذلك يقول رجلٌ من ولد حسّان:\rأنا ابن حسّان بن خوط وأبى ... رسول بكرٍ كلّها إلى النّبيّ\rقالوا: وقدم معهم عبد الله بن أسود بن شهاب بن عوف بن عمرو بن الحارث بن سدوس، وكان ينزل اليمامة، فباع ما كان له من مال باليمامة، وهاجر وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجراب من تمر، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة. وحيث ذكرنا وفد بكر بن وائل فلنذكر خبر الأعشى.\rأعشى بن قيس\rوامتداحه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجوعه قبل لقائه قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: حدّثني خلاّد بن قرّة بن خالد السّدوسيّ، وغيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم، أنّ أعشى بني قيس بن ثعلبة بن عكابة ابن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل، خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الإسلام، فقال يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:\rألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبتّ كما بات السّليم مسهّدا\rوما ذاك من عشق النّساء وإنّما ... تناسيت قبل اليوم صحبة مهددا","part":5,"page":52},{"id":2053,"text":"ولكن أرى الدّهر الّذي هو خائنٌ ... إذا أصلحت كفّاي عاد فأفسدا\rكهولاً وشبّانًا فقدت وثروةً ... فلله هذا الدّهر كيف تردّدا\rوما زلت أبغي المال مذ أنا يافعٌ ... وليدًا وكهلاً حين شبت وأمردا\rوأبتذل العيس المراقيل تغتلي ... مسافة ما بين النّجير فصرخدا\rألا أيّهذا السّائلي أين يمّمت ... فإنّ لها في أهل يثرب موعدا\rفإن تسألي عنّي فياربّ سائلٍ ... حفيٍّ عن الأعشى به حيث أصعدا\rأجدّت برجليها النّجاء وراجعت ... يداها خنافًا ليّنًا غير أحردا\rوفيها إذا ما هجّرت عجرفيّةٌ ... إذا خلت حرباء الظّهيرة أصيدا\rوأمّا إذا ما أدلجت فترى لها ... رقيبين جديًا ما يغيب وفرقدا\rفآليت لا آوي لها من كلالةٍ ... ولا من حفًى حتّى تلاقي محمّدًا\rمتى ما تناخي عند باب ابن هاشمٍ ... تراحي وتلقى من فواضله ندا\rنبيٌّ يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا\rله صدقاتٌ ما تغبّ ونائلٌ ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا\rأجدّك لم تسمع وصاة محمدٍ ... نبيّ الإله حيث أوصى وأشهدا\rإذا أنت لم ترحل بزادٍ من التّقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا\rندمت على ألاّ تكون كمثله ... فترصد للأمر الذي كان أرصدا\rفإيّاك والميتات لا تقربنّها ... ولا تأخذن سهمًا حديدًا لتفصدا\rولا النّصب المنصوب لا تنسكنّه ... ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا\rولا تقربنّ جارةً إنّ سرّها ... عليك حرامٌ فانكحن أو تأبّدا\rوذا الرّحم القربى فلا تقطعنّه ... لعاقبةٍ ولا الأسير المقيّدا\rوسبّح على حين العشيّات والضّحى ... ولا تحمد الشّيطان والله فاحمدا\rولا تسخرن من بائسٍ ذي ضرارةٍ ... ولا تحسبنّ المال للمرء مخلدا\rفلما كان بمكة أو قريبا منها، اعترضه بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم، فقال له: يا أبا بصير إنه يحرّم الزّنى. فقال الأعشى له: والله إن ذلك لأمرٌ مالي فيه من أربٍ. فقال: يا أبا بصير فإنه يحرّم الخمر. فقال: أمّا هذه فو الله إنّ في النفس منها لعلالاتٍ، ولكنّي منصرف فأتروّى منها عامي هذا ثم آتيه فأسلم. فانصرف فمات من عامه ذلك، ولم يعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rتغلب\rقال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني تغلب، وهم ستة عشر رجلا مسلمين، ونصارى عليهم صلب الذّهب، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، فصالح صلى الله عليه وسلم النّصارى على أن يقرّهم على ذمّتهم، على ألاّ يصبغوا أولادهم في النّصرانية، وأجاز المسلمين منهم بجوائزهم.\rحنيفة\rقالوا: قدم وفد بني حنيفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بضعة عشر رجلا، فيهم رجّال بن عنفوة، وسلمى بن حنظلة، وطلق بن عليّ بن قيس، وحمران بن جابر، وعليّ بن سنان، والأقعس بن مسلمة، وزيد بن عمرو، ومسيلمة ابن حبيب، وهو الكذّاب. وعلى الوفد سلمى بن حنظلة، فأنزلوا دار رملة بنت الحارث، وأجريت عليهم ضيافة. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسلّموا عليه وشهدوا شهادة الحقّ، وخلّفوا مسيلمة في رحالهم. وأقاموا أياما يختلفون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان رجّال بن عنفوة يتعلّم القرآن من أبي بن كعب، فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم، أمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوائزهم: خمس أواقٍ لكل رجل، فقالوا: يا رسول الله، خلّفنا صاحبًا لنا في رحالنا يبصرها لنا، وفي ركابنا يحفظها علينا، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر لأصحابه. وقال: \" ليس بشرّكم مكانًا لحفظه ركابكم ورحالكم \" . فقيل ذلك لمسيلمة فقال: عرف أنّ الأمر إليّ من بعده.","part":5,"page":53},{"id":2054,"text":"وأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إداوةً من ماء فيها فضل طهوره، فقال: \" إذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوا مكانها مسجدًا \" ففعلوا، وصارت الإداوة عند الأقعس بن مسلمة، وصار المؤذّن طلق بن عليّ، فأذّن فسمعه راهب البيعة، فقال: كلمة حقٍّ. وهرب فكان آخر العهد به.\rثم ادّعى مسيلمة الكذّاب بعد ذلك النبوّة، وشهد له الرّجّال أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أشركه في الأمر، فافتتن الناس به، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى في خلافة أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه.\rشيبان\rقال: وقدم من بني شيبان حريث بن حسّان الشّيبانيّ، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى قومه، وصحبه في مسيرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيلة بنت مخرمة التّميميّة، وهي التي أرعدت من الفرق لمّا أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: \" يا مسكينة عليك السّكينة \" فهدأت.\rروي عن قيلة بنت مخرمة أنها قالت: إنّ حريث بن حسّان قال: يا رسول الله، اكتب بيننا وبين بني تميم بالدّهناء لا يجاوزها إلينا منهم إلاّ مسافر أو مجاور. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا غلام اكتب له بالدّهناء \" ، قالت قيلة: فلما رأيته أمر له بأن يكتب له بها، قلت: يا رسول الله، إنه لم يسألك السويّة من الأرض إذ سألك، إنما هذه الدّهناء عندك؛ مقيّد الجمل، ومرعى الغنم، ونساء تميم وأبناؤها وراء ذلك. فقال رسول الله: \" أمسك يا غلام، صدقت المسكينة، المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتّان \" . فلما رأى حريث أن قد حيل دون كتابه، ضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال: كنت أنا وأنت كما قيل: \" حتفها تحمل ضأنٌ بأظلافها \" فقلت: أما والله أن كنت لدليلاً في الظّلماء، جوادًا بذي الرّحل، عفيفًا عن الرّفيقة، حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لا تلمني على حظّي إذ سألت حظّك. فقال: ومن حظّك في الدّهناء لا أبا لك ؟ ! قلت: مقيّد جملى تسأله لجمل امرأتك ! قال: لا جرم، إنّي أشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّي لك أخٌ ما حييت إذ أثبت هذا عليّ عنده. فقلت: أما إذ بدأتها فلن أضيعها. وحديث قيلة فيه طولٌ ليس هذا موضعه.\rأهل اليمن\rذكر وفد طيّء وخبر زيد الخيل وعديّ بن حاتم قالوا: وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طيّء خمسة عشر رجلا، رأسهم، وسيّدهم زيد الخيل بن مهلهل، من بني نبهان، وفيهم وزر بن جابر بن سدوس النّبهانيّ، وهو قاتل عنترة، وقبيصة بن الأسود بن عامر من جرم طيّء، ومالك بن عبد الله بن خيبري من بني معنٍ، وقعين بن خلف من جديلة، ورجل من بني بولان، فدخلوا المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد، ثم دخلوا فدنوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليهم الإسلام، فأسلموا وأجازهم بخمس أواق فضة لكل رجل منهم، وأعطى زيد الخيل اثنتي عشرة أوقيةً ونشًّا. وقال صلى الله عليه وسلم: \" ما ذكر لي رجلٌ من العرب إلا رأيته دون ما ذكر لي إلاّ ما كان من زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كلّ ما كان فيه \" .\rوسمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم \" زيد الخير \" وقطع له فيد وأرضين معه، وكتب له بذلك كتابا، فخرج مع قومه راجعًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن ينج زيدٌ من حمّى المدينة فإنّه \" ، فلما انتهى زيد من بلد نجد إلى ماء من مياهه يقال له فردة أصابته الحمّى فمات، فعمدت امرأته إلى ما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم كتب له فحرقته بالنار.\rهذا ما كان من خبر زيد الخيل.\rوأمّا عديّ بن حاتم فكان من خبره أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الفلس - صنم طيّء - ليهدمه ويشنّ الغارات، فخرج فأغار على حاضر آل حاتم، وأصابوا ابنة حاتم، كما قدّمنا ذكر ذلك في الغزوات والسّرايا، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا طيّء. وقيل: إنما سباها من خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلٌ كان عليها خالد بن الوليد، وهرب عديّ بن حاتم حتى لحق بالشام.","part":5,"page":54},{"id":2055,"text":"حكى محمد بن إسحق رحمه الله قال: كان عديّ بن حاتم يقول - فيما بلغني - : ما من رجل من العرب كان أشدّ كراهيةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به منّي، أمّا أنا فكنت امرأ شريفا، وكنت نصرانيا، وكنت أسير في قومي بالمرباع، أي آخذ منهم ربع مغانمهم التي يغنمونها، وكنت في نفسي على دين، وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بي، فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته، فقلت لغلام كان لي عربيّ، وكان راعيا لإبلي: لا أبا لك ! أعدد لي من إبلي جمالا ذللاً سمانا فاحتبسها قريبا منّي، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذنّي. ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عديّ، ما كنت صانعًا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإني رأيت راياتٍ فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد. فقلت: فقرّب إليّ أجمالي. فقرّبها فاحتملت بأهلي و ولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النّصارى بالشام، فسلكت الجوشيّة - ويقال الحوشية - وخلّفت بنتا لحاتم في الحاضر، فلمّا قدمت الشام أقمت بها، وتخالفني خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا طيّء، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام، قال: فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السّبايا تحبس فيها، فمرّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة، فقالت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليّ، منّ الله عليك. قال: \" ومن وافدك \" ؟ قالت: عديّ بن حاتم. قال: \" الفارّ من الله ورسوله \" ؟ !. قالت: ثم مضى وتركني، حتى إذا كان من الغد مرّ بي فقلت له مثل ذلك، فقال مثل ما قال بالأمس، قالت: حتى إذا كان بعد الغد مرّ بي وقد يئست، فأشار إليّ رجلٌ من خلفة أن قومي فكلّميه، قالت: فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليّ، منّ الله عليك. فقال: \" قد فعلت فلا تعجلي بخروجٍ حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنيني \" فسألت عن الرجل الذي أشار إليّ أن كلّميه، فقيل عليّ بن أبي طالب، قالت: فأقمت حتى قدم ركب من بليٍّ أو قضاعة، قالت: وإنما أريد أن آتي أخي بالشام، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، قد قدم رهطٌ من قومي، لي فيهم ثقة وبلاغٌ، قالت: فكساني رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملني وأعطاني نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام، قال عديّ: فو الله إنّي لقاعد في أهلي إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إليّ تؤمّنا، قال: قلت ابنة حاتم، فإذا هي هي، فلما وقفت عليّ انسلخت تقول: القاطع الظّالم، احتملت بأهلك و ولدك، وتركت بقيّة والديك عورتك ! قال: قلت: أي أخيّة ! لا تقولي إلاّ خيرا، فو الله ما لي من عذر، لقد صنعت ما ذكرت. قالت: ثم نزلت فأقامت عندي، فقلت لها وكانت امرأة حازمة: ماذا ترين في أمر هذا الرجل ؟ قالت: أرى والله أن نلحق به سريعا، فإن يكن الرّجل نبيا فللسّابق إليه فضله، وإن يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن، وأنت أنت. قال: قلت والله إن هذا الرّأي. فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخلت عليه وهو في مسجده، فسلمت عليه فقال: \" من الرجل \" ؟ فقلت: عدي بن حاتم. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بي إلى بيته، فو الله إنه لعامدٌ بي إليه إذ لقيته امرأةٌ ضعيفة كسيرة فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك. قال: ثم مضى حتى إذا دخل بي بيته تناول وسادة من أدمٍ محشوّة ليفًا فقذفها إليّ فقال: \" اجلس على هذه \" قلت: بل أنت فاجلس عليها، قال: \" بل أنت \" فجلست عليها، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض، فقلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك. ثم قال: \" إيه يا عديّ بن حاتم ألم تك ركوسيا ؟ \" قلت: بلى، قال: \" أولم تك تسير في قومك بالمرباع \" ؟ قلت: بلى؛ قال: \" فإنّ ذلك لم يك يحلّ لك في دينك \" . قال: قلت أجل والله، وعرفت أنه نبيّ مرسل يعلم ما يجهل، ثم قال: \" لعلّك يا عديّ إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدّين ما ترى من حاجتهم، فو الله ليوشكنّ المال يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخولٍ فيه ما ترى من كثرة عدوّهم، وقلّة عددهم، فو الله ليوشكن أن يسمع بالمرأة","part":5,"page":55},{"id":2056,"text":"تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخولٍ فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكنّ أن يسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم \" . قال عديّ: فأسلمت. فكان عديّ يقول: قد مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكوننّ؛ قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وايم الله لتكوننّ الثالثة؛ ليفيضنّ المال حتى لا يوجد من يأخذه.خرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخولٍ فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكنّ أن يسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم \" . قال عديّ: فأسلمت. فكان عديّ يقول: قد مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكوننّ؛ قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم، وقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت، وايم الله لتكوننّ الثالثة؛ ليفيضنّ المال حتى لا يوجد من يأخذه.\rتجيب\rقال ابن سعد: قدم وفد تجيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة تسع من مهاجره، وهم ثلاثة عشر رجلا، وساقوا صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، وقال: \" مرحبًا بكم \" وأكرم منزلهم وحيّاهم، وأمر بلالاً أن يحسن ضيافتهم وجوائزهم، وأعطاهم أكثر مما كان يجيز به الوفد، وقال: \" هل بقي منكم أحد \" قالوا \" غلام خلفناه على رحالنا وهو أحدثنا سنّا. قال: \" أرسلوه إلينا \" ، فأقبل الغلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني امرؤ من بني أبناء الرّهط الذين أتوك آنفًا، فقضيت حوائجهم فاقض حاجتي، قالل: \" وما حاجتك \" ؟ قال: تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني ويجعل غناي في قلبي. فقال: \" اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه \" . ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم، ثم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم بمنًى في سنة عشرٍ، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغلام، فقالوا: ما رأينا مثله أقنع منه بما رزقه الله.\rخولان\rقال: قدم وفد خولان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في شعبان سنة عشر، وهم عشرة نفر، فقالوا: يا رسول الله، نحن مؤمنون بالله مصدّقون برسوله، ونحن على من وراءنا من قومنا، وقد ضربنا إليك آباط الإبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما فعل عمّ أنسٍ \" صنمٌ لهم؛ فقالوا: بشرٍّ وعرٍّ، أبد لنا الله به ما جئت به، ولو قد رجعنا إليه هدمناه. وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء من أمر دينهم، فجعل يخبرهم بها، وأمر من يعلّمهم القرآنم والسّنن، وأنزلوا في دار رملة بنت الحارث، وأجريت عليهم الضيافة، ثم جاءوا بعد أيام يودّعونه، فأمر لهم بجوائز ثنتي عشرة أوقية ونشٍّ، ورجعوا إلى قومهم، فلم يحلّوا عقدة حتى هدموا عمّ أنسٍ. وممن أسلم من خولان أبو مسلم الخولانيّ العابد، واسمه عبد الله بن ثوب، ولم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما قدم المدينة بعد وفاته، وله خبر عجيب مع الأسود العنسيّ، نذكره في أخباره في خلافة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه.\rجعفي\rقال ابن سعد: وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان من جعفيّ، وهما قيس بن سلمة بن شراحيل، وسلمة بن يزيد، وهما أخوان لأم، وأمهما مليكة بنت الحلو بن مالك، فأسلما فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" بلغني أنكم لا تأكلون القلب \" وكانوا يحرّمون أكله، فقالا: نعم، قال: \" فإنه لا يكمل إسلامكم إلا بأكله \" ودعا بقلب فشوي، ثم ناوله سلمة فلما أخذه أرعدت يده فقال له: \" كله \" فأكله، وقال:\rقل إنّي أكلت القلب كرهًا ... وترعد حين مسّته بناني","part":5,"page":56},{"id":2057,"text":"ثم قالا: يا رسول الله، إنّ أمّنا مليكة بنت الحلو كانت تفكّ العاني، وتطعم البائس، وترحم المسكين، وأنها ماتت وقد وأدت بنية لها صغيرة، فما حالها، ؟ قال: \" الوائدة والموءودة في النار \" فقاما مغضبين، فقال: \" إليّ فارجعا \" فقال: \" وأمّي مع أمّكما \" فأبيا ومضيا، وهما يقولان: والله إنّ رجلاً أطعمنا القلب، وزعم أنّ أمّنا في النار لأهل ألاّ يتّبع، فلما كان ببعض الطريق، لقيا رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، معه إبل من إبل الصّدقة، فأوثقاه وطردا الإبل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلعنهما فيمن كان يلعن في قوله: \" لعن الله رعلا وذكوان وعصيّة ولحيان وابنا مليكة \" .\rقال محمد بن سعد: وقدم أبو سبرة وهو يزيد بن مالك بن عبد الله الجعفيّ على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابناه سبرة وعزيز فأسلموا. وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم عزيزًا عبد الرحمن. وقال له أبو سبرة: يا رسول الله: إن بظهر كفّي سلعةً قد منعتني من خطام راحلتي، فدعا بقدح، وجعل يضرب به على السّلعة ويمسحها فذهبت، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ولابنيه فقال: يا رسول الله، أقطعني وادي قومي باليمن، وكان يقال له جردان ففعل، قال: وعبد الرحمن هذا هو أبو خيثمة عبد الرحمن.\rمراد\rقالوا: قدم فروة بن مسيكٍ المراديّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقًا لملوك كندة ومباعدا لهم، وقال في ذلك:\rلمّا رأيت ملوك كندة أعرضت ... كالرّجل خان الرّجل عرق نسائها\rقرّبت راحلتي أؤمّ محمدًا ... أرجو فواضلها وحسن ثرائها\rوبايع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ونزل على سعد بن عبادة، وكان يتعلم القرآن وفرائض الإسلام وشرائعه، فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم باثنتي عشرة أوقية، وحمله على يعير وأعطاه حلّة من نسج عمان، واستعمله على مراد وزبيد ومذحج، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصّدقات، وكتب له كتابا فيه فرائض الصّدقة، فلم يزل على الصّدقة حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rزبيد\rقال ابن سعد: قدم وفد عمرو بن معدي كرب الزّبيديّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، في عشرة نفر من زبيد، فنزل على سعد بن عبادة فأكرمه سعد وراح به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم هو ومن معه، وأقام أياما، ثم أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانصرف إلى بلاده، فأقام مع قومه على الإسلام، وعليهم فروة بن مسيك، فلما توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدّ، ثم رجع إلى الإسلام، وأبلى يوم القادسية وغيرها.\rقال محمد بن إسحق: كان عمرو بن معدي كرب قد قال لقيس بن مكشوح المراديّ حين انتهى إليهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا قيس، إنك سيد قومك، وقد ذكر لنا أنّ رجلا من قريش يقال له محمد خرج بالحجاز، يقال إنه نبي، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيا كما يقول فإنه لن يخفى عليك، إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه قيس، فركب عمرو ابن معدي كرب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وتحطّم عليه، وقال: خالفني وترك رأيي، فقال عمرو في ذلك:\rأمرتك يوم ذي صنعا ... ء أمرا بيّنًا رشده\rأمرتك باتّقاء الله تأتيه وتتّعده\rفكنت كذي الحميّر غرره ممّا به وتده\rتمنّاني على فرسٍ ... عليه جالسًا أسده\rعليّ مفاضةٌ كالنّه ... ى أخلص ماءه حدده\rتردّ الرّمح مثنيّ السّ ... نان عوائرًا قصده\rفلو لاقيتني للقي ... ت ليثًا فوقه لبده\rتلاقي ضيغمًا شثن ال ... براثن ناشزًا كتده\rيسامى القرن إن قرنٌ ... تيمّمه فيعتضده\rفيأخذه فيرفعه ... فيخفضه فيقتصده\rفيدمغه فيخطمه ... فيخضمه فيزدرده\rظلوم الشّرك فيما أح ... رزت أنيابه ويده\rكندة","part":5,"page":57},{"id":2058,"text":"قالوا: قدم الأشعث بن قيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بضعة عشر راكبا من كندة. قاله ابن سعد - وقال ابن إسحق: في ثمانين راكبا - فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، وقد رجّلوا جممهم وتكحّلوا، عليهم جبب الحبرة قد كفّفوها بالحرير، وعليهم الدّيباج ظاهرٌ مخوّص بالذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ألم تسلموا \" ؟ قالوا: بلى، قال: \" فما بال هذا عليكم \" قال: فشقّوه وألقوه، ثم قال له الأشعث بن قيس: يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: \" ناسبوا بهذا النّسب العبّاس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث \" . قال: وكانا تاجرين، وكانا إذا شاعا في بعض العرب، فسئلا ممن هما، قالا: نحن بنو آكل المرار: يتعزّزان بذلك. وآكل المرار هو الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية، وقد تقدم خبره في وقائع العرب. قال: ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا، نحن بنو النّضر بن كنانة، لا نقفو أمّنا ولا ننتفي من أبينا \" فقال الأشعث بن قيس: يا معشر كندة، والله لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين.\rقال محمد بن سعد: فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم أجازهم بعشرة أواقٍ، وأعطى الأشعث ثنتي عشرة أوقية.\rالصّدف\rقال ابن سعد: وفد وفد الصّدف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم بضعة عشر رجلا، على قلائص لهم، في أزر وأردية، فصادفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين بيته وبين المنبر، فجلسوا ولم يسلّموا فقال: \" أمسلمون أنتم \" ؟ قالوا: نعم. قال: \" فهلاّ سلّمتم \" ، فقاموا فقالوا: السّلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله، فقال: \" وعليكم السّلام، اجلسوا \" فجلسوا، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوقات الصلوات فأخبرهم بها.\rسعد هذيم\rقال ابن سعد يرفعه إلى أبي النعمان عن أبيه قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدا في نفر من قومي، فنزلنا ناحية من المدينة، ثم خرجنا نؤمّ المسجد، فنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي على جنازة في المسجد، فانصرف فقال: \" من أنتم \" ؟ قلنا: من بني سعد هذيم، فأسلمنا وبايعنا، ثم انصرف إلى رحالنا، فأمر بنا فأنزلنا وضيّفنا فأقمنا ثلاثا، ثم جئناه نودّعه، فقال: \" أمّروا عليكم أحدكم \" وأمر بلالاً، فأجازنا بأواقٍ من فضّة، ورجعنا إلى قومنا فرزقهم الله الإسلام.\rبليّ\rروي عن رويفع بن ثابت البلويّ قال: قدم وفد قومي في شهر ربيع الأول سنة تسع، فأنزلتهم عليّ في منزلي ببني جديلة، ثم خرجت بهم حتى انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس مع أصحابه في بقية من الغداة، فتقدم شيخ الوفد أبو الضّبيب، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم وأسلم، وأسلم القوم، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضّيافة، وعن أشياء من أمر دينهم فأجابهم، ثم رجعت بهم إلى منزلي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي منزلي يحمل تمرا يقول: \" استعن بهذا التّمر \" فكانوا يأكلون منه ومن غيره، فأقاموا ثلاثا، ثم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يودّعونه، فأمر لهم بجوائز كما كان يجيز الوفد، ثم رجعوا إلى بلادهم.\rبهراء\rقال ابن سعد: قدم وفد بهراء من اليمن، وهم ثلاثة عشر رجلا، فأقبلوا يقودون رواحلهم، حتى انتهوا إلى باب المقداد بن عمرو ببني جديلة فخرج إليهم، فرحّب بهم وأنزلهم، وأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فأسلموا وتعلّموا الفرائض وأقاموا أياما، ثم جاءوا يودّعونه فأمر لهم بجوائزهم، وانصرفوا إلى أهلهم.\rعذرة","part":5,"page":58},{"id":2059,"text":"قالوا: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد عذرة، في صفرٍ سنة تسع من مهاجره، وهم اثنا عشر رجلا، فيهم حمزة بن النعمان العذريّ، وسليم وسعد ابنا مالك، ومالك بن أبي رياح، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، ثم جاءوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فسلّموا بسلام الجاهلية، وقالوا: نحن إخوة قصيّ لأمه، ونحن الذين أخرجوا خزاعة وبني بكرٍ عن مكة، ولنا قرابات وأرحام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" مرحبًا بكم وأهلاً، ما أعرفني بكم، ما منعكم من تحية الإسلام \" ؟ قالوا: قدمنا مرتادين لقومنا. وسألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أشياء من أمر دينهم فأجابهم فيها، فأسلموا وأقاموا أياما، ثم انصرفوا إلى أهليهم، وأمر لهم بجوائز كما كان يجيز الوفد، وكسا أحدهم بردا.\rقال: و وفد زمل بن عمرو العذريّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنشأ يقول حين وفد:\rإليك رسول الله أعملت نصّها ... أكلّفها حزنًا وقوزا من الرّمل\rلأنصر خير النّاس نصرًا مؤزّرًا ... وأعقد حبلاً من حبالك في حبلي\rوأشهد أنّ الله لا شيء غيره ... أدين له ما أثقلت قدمي نعلي\rقال: وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمع من صنمه، فقال: \" ذلك مؤمن الجن \" وعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم لواءً على قومه، فشهد به بعد ذلك صفّين مع معاوية، ثم شهد به المرج فقتل.\rسلامان\rقال ابن سعد: وفد سبعة من سلامان على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوّال سنة عشر، فصادفوه وهو خارج من المسجد إلى جنازة؛ فقالوا: السلام عليك يا رسول الله، قال: \" وعليكم السلام من أنتم \" ؟ قالوا: نحن من سلامان، قدمنا لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا. فأمر ثوبان فأنزلهم حيث ينزل الوفد، فلمّا صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظّهر جلس بين بيته وبين المنبر، فقدموا إليه فسألوه عن أشياء من أمر الصّلاة وشرائع الإسلام، وعن الرّقي فأجابهم وأسلموا، وأجاز كلّ رجلٍ منهم خمس أواقٍ، ورجعوا إلى بلادهم.\rكلبٍ\rقال محمد بن سعد بسنده إلى عبد بن عمرو بن جبلة بن وائل بن الجلاح الكلبيّ، قال: شخصت أنا وعصام - رجلٌ من بني رقاش من بني عامر - حتى أتينا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا.\rوقال بسند آخر إلى ربيعة بن إبراهيم الدمشقي قال: وفد حارثة بن قطن بن زابر بن حصن بن كعب بن عليم الكلبيّ، وحمل بن سعدانة بن حارثة بن مغفّل ابن كعب بن عليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما، فعقد لحمل بن سعدانة لواء، فشهد به صفّين مع معاوية، وكتب لحارثة بن قطن كتابا فيه: \" بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل دومة الجندل وما يليها من طوائف كلب مع حارثة بن قطن، لنا الضّاحية من البعل، ولكم الضّامنة من النّخل؛ على الجارية العشر، وعلى الغائرة نصف العشر، لا يجمع سارحكم، ولا تعدّ فاردتكم، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقّها، ولا يحظر عليكم النّبات، ولا يؤخذ منكم عشر البنات، لكم بذلك العهد والميثاق، ولنا عليكم النّصح والوفاء، وذمّة الله ورسوله، شهد الله ومن حضر من المسلمين \" .\rجرم\rقال ابن سعد: وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان من جرم، يقال لأحدهما: الأسقع بن شريح بن صريم بن عمرو بن رياح بن عوف بن عميرة بن الهون ابن أعجب بن قدامة بن جرم بن ربّان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. والآخر: هوذة بن عمرو بن يزيد بن عمرو بن رياح، فأسلما وكتب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا.\rوروى عن أبي يزيد - وقد قيل فيه بالباء الموحّدة أبو بريد - عمرو بن سلمة الجرميّ أن أباه ونفرا من قومه، وفدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين أسلم الناس، وتعلّموا القرآن وقضوا حوائجهم، فقالوا: يا رسول الله من يصلّي بنا؛ أو لنا ؟ فقال: \" ليصلّ بكم أكثركم جمعا - أو أخذًا - للقرآن \" . قال: فجاءوا إلى قومهم فلم يجدوا فيهم أحدا أكثر أخذا، أو جمع من القرآن ما جمعت، أو أخذت، قال: وأنا يومئذ غلامٌ عليّ شملةٌ، فقدّموني فصلّيت بهم، فما شهدت مجمعا من جرم إلا وأنا إمامهم إلى يومي هذا.","part":5,"page":59},{"id":2060,"text":"وعن عمرو بن سلمة أيضا قال: كنا بحضرة ماءٍ ممرّ الناس عليه، وكنا نسألهم، ما هذا الأمر ؟ فيقولون: رجلٌ يزعم أنه نبيٌّ، وأنّ الله أرسله، وأنّ الله أوحى إليه كذا وكذا، فجعلت يومئذ لا أسمع شيئا من ذلك إلاّ حفظته، كأنما يغرى في صدري بغراء، حتى جمعت فيه قرآنا كثيرا، وكانت العرب تلوّم بإسلامها الفتح، يقولون: انظروا فإن ظهر عليهم فهو صادق، وهو نبيٌّ. فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، فانطلق أبي بإسلام حوائنا ذلك، وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقيم، ثم أقبل فلمّا دنا منّا تلقّيناه، فقال: جئتكم والله من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًّا، ثم قال: إنه يأمركم بكذا وكذا، وينهاكم عن كذا وكذا، وأن تصلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، إذا حضرت الصلاة فليؤذّن أحدكم، وليؤمّكم أكثركم قرآنا. فنظر أهل حوائنا فما وجدوا أحدا أكثر قرآنًا منّي للّذي كنت أحفظه من الرّكبان، فقدّموني بين أيديهم، فكنت أصلّي بهم وأنا ابن ستّ سنين، وكان عليّ بردة كنت إذا سجدت تقلّصت عنّي، فقالت امرأة من الحيّ: ألا تغطون عنّا است قارئكم ؟ فكسوني قميصًا من معقّد البحرين، فما فرحت بشيء أشدّ من فرحي بذلك القميص.\rومن رواية أخرى عنه: فعلّموني الركوع والسجود، فكنت أصلّي بهم.\rالأزد وأهل جرش\rقالوا: قدم صرد بن عبد الله الأزديّ في بضعة عشر رجلا من قومه، وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلوا على فروة بن عمرو، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا، وأقاموا عشرة أيام، وكان صرد أفضلهم، فأمّره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بهم من يليه، من أهل الشّرك من قبائل اليمن؛ فخرج حتى نزل جرش وهي مدينة حصينة مغلقة، وبها قبائل من قبائل اليمن. وقد ضوت إليهم خثغم؛ فدخلوا معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم، فحاصرهم صرد ومن معه فيها شهرا، ثم رجع قافلا، حتى إذا كان إلى جبل لهم يقال له شكر، ظنّ أهل جرش أنه إنما ولّى عنهم منهزما، فخرجوا في طلبه حتى إذا أدركوه صفّ صفوفه، وحمل عليهم هو والمسلمون، ووضعوا سيوفهم فيهم حيث شاءوا، وأخذوا من خيلهم عشرين فرسا، فقاتلوهم عليها نهارا طويلا.\rوكان أهل جرش بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يرتادان وينظران، فبينما هما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيةً بعد العصر؛ إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" بأيّ بلاد الله شكر \" ؟ فقام الجرشيّان فقالا: يا رسول الله، ببلادنا جبل يقال له كشر، وكذلك نسمّيه أهل جرش، فقال: \" إنه ليس بكشر ولكنه شكر \" ، قالا: فما شأنه يا رسول الله ؟ قال: \" إنّ بدن الله لتنحر عنده الآن \" قال: فجلس الرجلان إلى أبي بكر، أو إلى عثمان. فقال لهما: ويحكما ! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآن لينعى لكما قومكما، فقوما إلى رسول الله فسلاه أن يدعو الله أن يرفع عن قومكما. فقاما إليه فسألاه ذلك. فقال: \" اللهم ارفع عنهم \" فخرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى قومهما، فوجدا قومهما قد أصيبوا من صرد في اليوم الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال في تلك الساعة، فقصّا على قومهما القصّة، فخرج وفدهم حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا، فقال: \" مرحباً بكم، أحسن الناس وجوها، وأصدقه لقاء، وأطيبه كلاما، وأعظمه أمانة، أنتم مني وأنا منكم \" وجعل شعارهم مبرورا، وحمى لهم حمًى حول قريتهم، على أعلام معلومة للفرس والراحلة وللمثيرة - بقرة الحرث - فمن رعاه من الناس فماله سحتٌ.\rغسّان\rقال محمد بن سعد بسنده إلى محمد بن بكير الغسّانيّ، عن قومه من غسّان، قالوا قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان سنة عشر، المدينة ونحن ثلاثة نفرٍ، فنزلنا دار رملة بنت الحارث، ثم أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمنا وصدّقنا، فأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوائز وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم فلم يستجيبوا لهم، فكتموا إسلامهم حتى مات منهم رجلان مسلمين، وأدرك الثالث عمر بن الخطاب عام اليرموك، فلقي أبا عبيده فخبّره بإسلامه فأكرمه.\rالحارث بن كعب\rوما كتب به رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم","part":5,"page":60},{"id":2061,"text":"قال ابن سعد: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في أربعمائة من المسلمين، في شهر ربيعٍ الأوّل سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ثلاثا قبل أن يقاتلهم ففعل، فاستجاب له من هناك من بلحارث بن كعب،ودخلوا في الإسلام، ونزل خالد بن الوليد بين أظهرهم، فعلمهم الإسلام وشرائعه، وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد: \" أن بشّرهم وأنذرهم واقدم ومعك وفدهم \" ، فقدم خالد ومعه وفدهم؛ فيهم قيس بن الحصين، ويزيد بن عبد المدان، وعبد الله بن عبد المدان، ويزيد بن المحجّل، وعبد الله بن قرادٍ، وشدّاد بن عبد الله القنانيّ، وعمرو بن عبد الله، وأنزلهم خالد عليه، ثم جاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" من هؤلاء الذين كأنهم رجال الهند \" ؟ فقيل: بنو الحارث بن كعب، فسلّموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فأجازهم بعشر أواق، وأجاز قيس بن الحصين باثنتي عشرة أوقية ونشٍّ، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني الحارث، ثم انصرفوا إلى قومهم في بقية شوّال. هذا ما حكاه ابن سعد في طبقاته.\rوقال ابن إسحق: لما وقفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلّموا عليه، وقالوا: نشهد أنك لرسول الله، وأنه لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أنتم الذين إذا زجروا استقدموا \" ؟ فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد، فأعادها عليهم الثانية والثالثة، فلما أعادها الرابعة قال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله، نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لو أنّ خالدا لم يكتب إليّ أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم \" فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خاالدا، قال: \" فمن حمدتم \" ؟ قالوا: حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله. قال: \" صدقتم \" ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية \" قالوا: لم نكن نغلب أحدا. قال: \" بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم \" قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله أنا كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم، قال: \" صدقتم \" . وأمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني الحارث قيس بن الحصين، وأجازهم بعشر أواقٍ عشر أواقٍ، وأجاز قيس بن الحصين باثنتي عشرة أوقيةً ونشٍّ، ثم انصرفوا إلى قومهم في بقيّة شوّال، أو في صدر ذي القعدة، فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم ليفقّههم في الدّين ويعلّمهم السّنة، ويعلّمهم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم. وكتب له كتابا وهو:","part":5,"page":61},{"id":2062,"text":"\" بسم الله الرحمن الرحيم. هذا بيان من الله ورسوله \" يأيّها الّذين آمنوا أوفوا بالعقود \" عهد من محمد النبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن أمره بتقوى الله في أمره كله \" فإنّ الله مع الّذين اتّقوا والّذين هم محسنون \" ، وأمره أن يأخذ الحق كما أمره الله، وأن يبشّر الناس بالخير ويأمرهم به، ويعلّم الناس القرآن ويفقّههم فيه، وينهى الناس، ولا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهر، ويخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين للناس في الحق، ويشتدّ عليهم في الظّلم، فإنّ الله كره الظّلم، ونهى عنه، فقال: \" ألا لعنة الله على الظّالمين \" ، ويبشّر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الناس حتى يفقّهوا في الدّين، ويعلّم الناس معالم الحج وسنّته وفريضته، وما أمر الله به، والحج الأكبر: الحج الأكبر، والحج الأصغر هو العمرة، وينهى الناس أن يصلّي أحدٌ في ثوب واحد صغير، إلا أن يكون ثوبا يثني طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبيأحد في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء، وينهى أن يعقص أحد شعر رأسه في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر، وليكن دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطفوا بالسّيف، حتى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برءوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والخشوع، يغلّس بالصّبح، ويهجّر بالهاجرة حين تميل الشّمس، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخّر حتّى تبدو النجوم في السماء، والعشاء أوّل الليل، وأمر بالسّعي إلى الجمعة إذا نودي لها، والغسل عند الرّواح إليها، وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين في الصّدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر، وفي كل عشرٍ من الإبل شاتان، وفي كل عشرين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع: جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاةٌ، فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصّدقة، فمن زاد خير له، وأنه من أسلم من يهوديّ أو نصرانيّ إسلاما خالصا من نفسه، ودان بدين الإسلام فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيته أو يهوديته، فإنه لا يردّ عنها، وعلى كل حالمٍ ذكرٍ أو أنثى حرٍّ أو عبدٍ دينارٌ وافٍ، أو عوضه ثيابا، فمن أدّى ذلك فإن له ذمّة الله وذمّة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدوّ لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمة الله وبركاته \" .\rعنسٍ\rقال محمد بن السّائب الكلبيّ: حدّثنا أبو زفر الكلبيّ عن رجل من عنس، قال: كان منّا رجل وفد على النبيّ صلى الله عليه وسلم فأتاه وهو يتعشّى، فدعا به إلى العشاء فجلس، فلما تعشّى أقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله \" فقال العنسيّ: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فقال: \" أراغبًا جئت أم راهبًا \" فقال: أمّا الرّغبة فوالله ما في يديك مالٌ، وأمّا الرّهبة فوالله إني لببلد ما تبلغه جيوشك، ولكنّي خوّفت فخفت، وقيل لي: آمن بالله فآمنت. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، على القوم فقال: \" ربّ خطيبٍ من عنس \" فمكث يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء يودّعه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اخرج \" وبتّته، أي أعطاه شيئا، وقال: \" إن أحسست شيئا فوائل إلى أدنى قرية \" . فخرج فوعك في بعض الطريق، فوأل إلى أدنى قرية فمات رحمه الله، واسمه ربيعة.\rالداريّين\rوما كتب لهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وما اختصّ به تميم الداريّ وإخوته","part":5,"page":62},{"id":2063,"text":"قال محمد بن سعد بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله، وروح بن زنباع الجذاميّ عن أبيه قالا: قدم وفد الدّاريّين على رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك وهم عشرة نفر؛ فيهم تميم ونعيم ابنا أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة ابن ذراع بن عديّ بن الدّار بن هانيء بن حبيب بن نمارة بن لخم، ويزيد بن قيس ابن خارجة، والفاكه بن النّعمان بن جبلة بن صفّارة بن ربيعة بن ذراع بن عديّ ابن الدّار، وجبلة بن مالك بن صفّارة، وأبو هند والطّيّب ابنا ذرٍّ - قال ابن إسحق: برٍّ - وهو عبد الله بن ذرّ بن عمّيت بن ربيعة بن ذراع، وهانيء بن حبيب، وعزيز ومرّة ابنا مالك بن سواد. قال ابن إسحق: عرفة. وقال ابن هشام: عزّة. وقال ابن إسحق في مرّة: مروان.\rقال ابن سعد: فأسلموا وسمّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الطيب عبد الله، وسمّي عزيزًا عبد الرحمن.\rقال: وأهدى هانيء بن حبيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر وأفراسا وقباء مخوّصا بالذهب، فقبل الأفراس والقباء وأعطاه العباس بن عبد المطلب، فقال: ما أصنع به ؟ قال: \" تنزع الذهب فتحليه نساءك، أو تستنفقه، ثم تبيع الدّيباج فتأخذ ثمنه \" ، فباعه العباس من رجل من يهود بثمانية آلاف درهم.\rقال وقال تميم: لنا جيرةٌ من الرّوم، لهم قريتان يقال لأحدهما حبرى والأخرى بيت عينون، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي، قال: \" فهما لك \" فلما قام أبو بكر رضي الله عنه أعطاه ذلك، وكتب له به كتابا، وأقام وفد الدّاريّين حتى توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوصى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجادّ مائة وسقٍ من خيبر، هكذا حكى ابن سعد في طبقاته.\rوشاهدت أنا عند ورثة الصاحب الوزير فخر الدين أبي حفص عمر، ابن القاضي المرحوم الرئيس مجد الدين عبد العزيز المعروف بابن الخليلي التميميّ رحمه الله، كتابا يتوارثونه كابرا عن كابر، يقولون: هو كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لتميم الداريّ وإخوته، وهو في قطعة من أدم مربّعة دون الشّبر قد غلّفت بالأطلس الأبيض، يزعمون أن ذلك من خفٍّ كان لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد بقي بهذه القطعة الأدم آثار أحرف خافية، لا تكاد تبين إلا بعد إمعان التأمل، وتحقيق النظر، وعلى هذه القطعة الأدم من الجلالة ولها من الموقع في النفوس والمهابة ما يقوّي أنها صادرة عن المحل المنيف، وقرين هذه القطعة الأدم قرطاس أبيض قديم، يزعمون أن أسلافهم نقلوا ما فيه من الكتابة من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل أن تزول حروفه. وفيه تسعة أسطر بما في ذلك من البسملة، وقد رأينا أن نضع ذلك في هذا الكتاب على هيئته في العدد، وإن لم يوافق الخط، وهو:\rبسم الله الرحمن الرحيم\rهذا ما انطا محمد رسول الله لتميم الداريّ واخوته حبرون والمرطوم وبيت عينون و بيت ابراهيم وما فيهن نطيه بتٍّ بذمتهم ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم فمن اذاهم اذاه الله فمن اذاهم لعنه الله شهد عتيق ابن أبو قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان وكتب علي بن أبو طالب وشهد.\rهكذا شاهدت تلك الورقة التي هي قرين الكتاب، والكتاب بأيديهم إلى وقتنا هذا؛ وهو العشر الآخر من ذي القعدة سنة ستّ عشرة وسبعمائة. وهذه الضّياع الأربعة المذكورة بأيديهم إلى وقتنا هذا، لا ينازعون فيها. وكان الصاحب الوزير فخر الدين عمر بن الخليلي رحمه الله، إذا نابته نائبة، أو صودر أو أوذي بوجه من وجوه الأذى، توسّل إلى الله تعالى بكتاب نبيه صلى الله عليه وسلم، وأظهره للملوك، فكفوا عن طلبه، وأفرجوا عنه. ولنرجع إلى أخبار الوفود.\rالرّهاويّين\rوالرّهاويّين حيّ من مذحج، قال ابن سعد: وفد خمسة عشر رجلا من مذحج على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشرٍ، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتحدّث عندهم طويلا. وأهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم هدايا؛ منها فرس يقال له المرواح، فأمر به فشوّر بين يديه فأعجبه. فأسلموا وتعلّموا القرآن والفرائض. وأجازهم كما يجيز الوفد؛ أرفعهم ثنتي عشرة أوقيةً ونشًّا، وأخفضهم خمس أواقٍ. ثم رجعوا إلى بلادهم.","part":5,"page":63},{"id":2064,"text":"ثم قدم منهم نفر فحجّوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوصى لهم بجادّ مائة وسقٍ من خيبر في الكتيبة جارية عليهم، وكتب لهم بها كتابا، فباعوا ذلك في زمن معاوية.\rغامد\rقال: قدم غامد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان وهم عشرة، فنزلوا ببقيع الغرقد، ثم لبسوا من صالح ثيابهم، ثم انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلّموا عليه وأقرّوا بالإسلام. وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فيه شرائع الإسلام، وأتوا أبي بن كعب فعلّمهم قرآنا. وأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يجيز الوفد وانصرفوا.\rوفد النّخع\rقالوا: بعث النّخع رجلين منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدين بإسلامهم، وهما أرطأة بن شراحيل بن كعب، من بني حارثة بن سعد بن مالك بن النّخع، والجهيش واسمه الأرقم، من بني بكر بن عوف من النّخع، فخرجا حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليهما الإسلام فقبلاه وبايعا عن قومهما، فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم شأنهما، وحسن هيئتهما؛ فقال: \" هل خلّفتما وراء كما من قومكما مثلكما \" ؟ قالا: يا رسول الله، قد خلّفنا وراءنا من قومنا سبعين رجلا كلهم أفضل منا، وكلهم يقطع الأمر وينفّذ الأشياء، ما يشاركوننا في الأمر إذا كان، فدعا لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقومهما بخير، وقال: \" اللهمّ بارك في النّخع \" . وعقد لأرطأة لواءً على قومه، وكان في يده يوم الفتح، فشهد به القادسيّة فقتل يومئذ، فأخذه أخوه دريد فقتل - رحمهما الله - فأخذه سيف ابن الحارث من بني جذيمة، فدخل به الكوفة.\rقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر الأسلميّ، قال: كان آخر من قدم من الوفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد النّخع، وقدموا من اليمن للنّصف من المحرم، سنة إحدى عشرة، وهم مائتا رجل، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، ثم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرّين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن، وكان فيهم زرارة بن عمرو.\rوحكى أبو عمر بن عبد البرفي ترجمة زرارة بن عمرو، والد عمرو بن زرارة، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد النّخع، فقال: يا رسول الله، إني رأيت في طريقي رؤيا هالتني. قال: \" وما هي \" ؟ قال: رأيت أتانًا خلّفتها في أهلي ولدت جديا أسفع أحوى، ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابنٍ لي - يقال له عمرو - وهي تقول: لظى لظى، بصيرٌ وأعمى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" أخلّفت في أهلك أمةً مسرّة ولدا \" . قال: نعم. قال: \" فإنها قد ولدت غلاما وهو ابنك \" قال: فما باله أسفع أحوى ؟ قال: \" ادن منّي، أبك برص تكتمه \" ؟ قال: والذي بعثك بالحق، ما علمه أحدٌ قبلك. قال: \" فهو ذاك، وأما النار فإنها فتنة تكون بعدي \" . قال: وما الفتنة يا رسول الله ؟ قال: يقتل الناس إمامهم، يشتجرون اشتجار أطباق الرأس - وخالف بين أصابعه - دم المؤمن عند المؤمن أحلى من الماء، يحسب المسيء أنه محسن، إن متّ أدركت ابنك، وإن مات ابنك أدركتك \" . قال: فادع الله لي ألاّ تدركني. فدعا له. قال: وكان قدوم زرارة بن عمرو هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في النّصف من شهر رجب سنة تسع.\rوقال الطبري: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد النّخع وهم مائتا رجل، وفيهم زرارة بن قيس بن الحارث بن عديّ بن الحارث بن عوف بن جشم ابن كعب بن قيس بن منقذ بن مالك بن النّخع فأسلموا.\rبجيلة\rقال ابن سعد: قدم جرير بن عبد الله البجليّ سنة عشرٍ المدينة، ومعه من قومه مائة وخمسون رجلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يطلع عليكم من هذا الفجّ من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك \" فطلع جرير على راحلته ومعه قومه فأسلموا وبايعوا. قال جرير: فبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فبايعني، وقال: \" على أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ثم تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتنصح للمسلم، وتطيع الوالي وإن كان عبدا حبشيا \" فقال: نعم، فبايعه.","part":5,"page":64},{"id":2065,"text":"وقدم قيس بن أبى غرزة الأحمسيّ - وقيل غرزة بن قيس البجليّ - في مائتين وخمسين رجلا من أحمس، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من أنتم \" ؟ فقالوا: نحن أحمس الله. وكان يقال لهم ذاك في الجاهلية. فقال لهم: \" وأنتم اليوم لله \" . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: \" أعط ركب بجيلة وابدأ بالأحمسيّين \" ففعل. وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جرير ابن عبد الله \" ما فعل ذو الخلصة \" ؟ قال: هو على حاله، قد بقي والله، نريح منه إن شاء الله، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هدمه، وعقد له لواءً فقال: إني لا أثبت على الخيل فمسح صدره، وقال: \" اللهم اجعله هاديا مهديا \" فخرج في قومه وهم زهاء مائتين، فما أطال الغيبة حتى رجع؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" هدمته \" ؟ قال: نعم، والذي بعثك بالحقّ، وأخذت ما عليه وأحرقته بالنار، فتركته كما يسوء من يهوى هواه، وما صدّنا عنه أحدٌ. قال فبرّك رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ على خيل أحمس ورجالها.\rخثعم\rقالوا وفد عثعث بن زحر، وأنس بن مدرك، في رجال من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما هدم جرير بن عبد الله ذا الخلصة، وقتل من قتل من خثعم، فقالوا: آمنا بالله ورسوله، وما جاء من عند الله، فاكتب لنا كتابا نتبع ما فيه؛ فكتب لهم كتابا شهد فيه جرير بن عبد الله ومن حضر.\rحضرموت\rقالوا: قدم وفد حضرموت مع وفد كندة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بنو وليعة ملوك حضرموت؛ جمد، ومخوس، ومشرح، وأبضعة، فأسلموا، وقال مخوس: يا رسول الله، ادع الله أن يذهب عني هذه الرّتّة من لساني. فدعا له، وأطعمه طعمة من صدقة حضرموت.\rوقدم وائل بن حجر الحضرميّ وافدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: جئت راغبا في الإسلام والهجرة، فدعا له ومسح رأسه ونودي: \" الصلاة جامعة \" سرورا بقدوم وائل بن حجر. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاوية بن أبي سفيان أن ينزله بالحرّة، فمشى معه، ووائل راكب، فقال له معاوية: ألق إليّ نعليك أتوقّى بهما الرّمضاء. قال: لا، إني لم أكن لألبسهما وقد لبستهما. ومن رواية: لا يبلغ أهل اليمن أن سوقة لبس نعل ملك. قال: فأردفني، قال: لست من أرداف الملوك، قال: إنّ الرمضاء قد أحرقت قدمي، قال: امش في ظلّ ناقتي، كفاك به شرفا.\rويقال: إن وائل بن حجر هذا وفد بعد ذلك إلى معاوية في خلافته فأكرمه معاوية.\rقال: ولما أراد وائل بن حجر الشّخوص إلى بلاده، كتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا وهو: \" بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبي لوائل بن حجر قيل حضرموت، إنك أسلمت وجعلت لك ما في يدك من الأرضين والحصون، وأن يؤخذ منك من كل عشرة واحد. ينظر في ذلك ذوو عدل وجعلت لك ألا تظلم فيها ما قام الدّين. والنبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون عليه أنصار \" .\rقال القاضي عياض بن موسى بن عياض - رحمه الله - وفيه: \" إلى الأقيال العباهلة، والأرواع المشابيب \" . وفيه: \" في التّيعة شاةٌ لا مقوّرة الألياط ولاضناكٌ، وأنطوا الثّبجة، وفي السّيوب الخمس ومن زنى من امبكرٍ فاصقعوه مائةً واستوفضوه عاما، ومن زنى من امثيّب فضرّجوه بالأضاميم، ولا توصيم في الدّين، ولا عمّة في فرائض الله؛ وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفّل على الأقيال \" .\rقال محمد بن سعد بسنده إلى أبي عبيدة من ولد عمّار بن ياسر قال: وفد مخوس ابن معدي كرب بن وليعة فيمن معه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرجوا من عنده فأصاب مخوس اللّقوة فرجع منهم نفر، فقالوا: يا رسول الله، سيّد العرب ضربته اللّقوة، فادللنا على دوائه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" خذوا مخيطا فأحموه في النار، ثم اقلبوا شفر عينيه، ففيها شفاؤه، وإليها مصيره، فالله أعلم ما قلتم حين خرجتم من عندي \" . فصنعوه به فبريء.\rأزدعمان","part":5,"page":65},{"id":2066,"text":"قالوا: أسلم أهل عمان، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرميّ ليعلّمهم شرائع الإسلام، ويصدّق أموالهم، فخرج وفدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم أسد بن بيرح الطاحيّ، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يبعث معهم رجلا يقيم أمرهم، فقال مخرمة العبديّ واسمه مدرك بن خوطٍ: ابعثني إليهم فإن لهم عليّ منّةً؛ أسروني في يوم جنوب فمنّوا عليّ. فوجّهه معهم إلى عمان، وقدم بعدهم سلمة بن عبّادٍ الأزديّ في ناس من قومه، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يعبد وما يدعو إليه، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ادع الله أن يجمع كلمتنا وألفتنا. فدعا لهم، وأسلم سلمة ومن معه.\rغافقٍ\rوقدم جليحة بن شجّار بن صحار الغافقيّ، على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجال من قومه، فقالوا: يا رسول الله، نحن الكواهل من قومنا، وقد أسلمنا وصدقاتنا محبوسةٌ بأفنيتنا. فقال: \" لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم \" فقال عوذ بن سرير الغافقيّ: آمنا بالله واتبعنا رسول الله.\rبارق\rقالوا: قدم وفد بارقٍ، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأسلموا وبايعوا، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" هذا كتاب من محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبارق ألا تجذّ ثمارهم، ولا ترعى بلادهم في مربع ولا مصيفٍ إلا بمسألة من بارق. ومن مرّ بهم من المسلمين في عرك أو جدب فله ضيافة ثلاثة أيام. وإذا أينعت ثمارهم فلابن السّبيل اللّقاط بوسع بطنه من غير أن يقيه \" . ثم شهد أبو عبيدة بن الجرّاح، وحذيفة بنى اليمان، وكتب أبي بن كعب.\rثمالة والحدّان\rقالوا: قدم عبد الله بن غلس الثّماليّ ومسلمة بن هاران الحدّاني على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قومهما بعد فتح مكة، فأسلموا وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومهم، وكنتب لهم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم، كتبه ثابت بن قيس بن شمّاس، وشهد فيه سعد بن عبادة ومحمد ابن مسلمة.\rمهرة\rقالوا: قدم وفد مهرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليهم مهريّ بن الأبيض، فعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلموا، وكتب لهم: \" بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لمهريّ بن الأبيض على من آمن به من مهرة ألاّ يؤكلوا ولا يعركوا. وعليهم إقامة شعائر الإسلام، فمن بدّل فقد حارب، ومن آمن به فله ذمّة الله وذمّة رسوله. الّقطة مؤدّاة، والسّارحة مندّاة، والتّفث السّيّئة، والرّفث الفسوق \" .\rوكتب محمد بن مسلمة الأنصاري.\rقالوا: ووفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من مهرة، يقال له زهير ابن قرضم بن الجعيل من الشّحر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنيه لبعد مسافته، فلما أراد الانصراف بتّته، وحمله، وكتب له كتابا.\rحمير\rقالوا: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن مرارة الرّهاوي، رسول ملوك حمير بكتابهم وإسلامهم، وذلك في شهر رمضان سنة تسع عند مقدمه من تبوك، وهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنّعمان قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان.\rقال ابن إسحق: وبعث إليه زرعة ذو يزنٍ مالك بن مرّة الرّهاويّ فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:","part":5,"page":66},{"id":2067,"text":"\" بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى الحارث بن عبد كلال وإلى نعيم بن عبد كلال، وإلى النعمان قيل ذي رعينٍ ومعافر وهمدان - أما بعد ذلكم - فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو - أما بعد - فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة، فبلّغ ما أرسلتم به، وخبّر ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وأنّ الله قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة وآتيتم الوكاة وأعطيتم من المغانم خمس الله، وسهم النبيّ وصفيّه، وما كتب على المؤمنين من الصّدقة، من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر، و إن في الإبل الأربعين ابنة لبون، وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفي كل خمس من الإبل شاة، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاةٌ، وأنّها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصّدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له، ومن أدّى ذلك، وأشهد على إسلامه، وظاهر المؤمنين على المشركين، فهو من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم وله ذمّة الله وذمّة رسوله، وإنّه من أسلم من يهوديّ أو نصرانيّ فإنّه من المؤمنين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يردّ عنها، وعليه الجزية على كل حالمٍ ذكرٍ أو أنثى، حرٍّ أو عبدٍ دينارٌ وافٍ، من قيمة المعافر أو عوضه ثيابًا، فمن أدّى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن له ذمّة الله وذمّة رسوله، ومن منعه فإنه عدوّ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.\rأما بعد - فإن رسول الله محمدًا النبيّ أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم بهم خيرا: معاذ بن جبل، وعبد الله بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة ابن نمر، ومالك بن مرّة، وأصحابهم، وأن اجمعوا له ما عندكم من الصّدقة، والجزية من مخالفيكم، وأبلغوها رسلي، وأنّ أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبنّ إلا راضيا.\rأما بعد - فإن محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنّه عبده ورسوله، ثم إن مالك ابن مرّة الرّهاويّ قد حدّثني أنك أسلمت من أوّل حمير وقتلت المشركين، فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيرا، ولا تخونوا ولا تخاذلوا، فإنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو مولى غنيّكم وفقيركم، وأنّ الصّدقة لا تحل لمحمدٍ ولا لأهل بيته، إنما هي زكاة يزكّى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وأن مالكا قد بلّغ الخبر، وحفظ الغيب وآمركم به خيرا، وأنّي أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم، وآمركم بهم خيرا، فإنهم منظور إليهم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته \" .\rجيشان\rقال محمد بن سعد: قدم أبو وهب الجّيشانيّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قومه، فسألوه عن أشربة تكون باليمن، فسمّوا له البتع من العسل، والمزر من الشّعير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" هل تسكرون منهما \" قالوا: إن أكثرنا سكرنا، قال: \" فحرامٌ قليل ما أسكر كثيره \" ، وسألوه عن الرجل يتخذ الشراب فيسقيه عمّا له، فقال: \" كلّ مسكرٍ حرام \" .\rسلول\rقال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النّمريّ رحمه الله: قدم قردة بن نفاثة السّلوليّ، من بني عمرو بن مرّة بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة من بني سلولٍ، فأمّره عليهم بعد ما أسلم وأسلموا؛ فأنشأ يقول:\rبان الشّباب فلم أحفل به بالا ... وأقبل الشّيب والإسلام إقبالا\rوقد أروّي نديمي من مشعشعة ... وقد أقلّب أوراكًا وأكفالا\rالحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا\rقال وقد قيل: إن البيت الثالث للبيد، قال أبو عبيدة: لم يقل لبيد في الإسلام غيره، وكان قد عمّر مائة وخمسين سنة.\rقال أبو عمر: وقردة هذا هو الذي يقول:\rأصبحت شيخًا أرى الشّخصين أربعةً ... والشّخص شخصين لمّا مسّني الكبر\rلا أسمع الصّوت حتّى أستدير له ... وحال بالسّمع دوني المنظر القصر\rوكنت أمشي على السّاقين معتدلاً ... فصرت أمشي على ما تنبت الشّجر","part":5,"page":67},{"id":2068,"text":"إذا أقوم عجنت الأرض متّكاً ... على البراجم حتّى يدهب النّفر\rنجران\rوسؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم،وما أنزل الله عزّ وجلّ فيهم من القرآن قال محمد بن إسحق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ستّون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وهم: العاقب عبد المسيح، والسيّد وهو الأيهم، وأبو حارثة ابن علقمة، وأوس، والحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، ونبيه وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويحنّس. ومن هؤلاء الأربعة عشر ثلاثة نفرٍ إليهم يؤول أمرهم، وهم العاقب أمير القوم وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح.\rقال محمد بن سعد: هو رجل من كندة والسيّد ثمالهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة ابن علقمة أحد بكر بن وائل أسقفهم وحبرهم وإمامهم، وصاحب مدراسهم.\rقال ابن سعد: وكان من الأربعة عشر كوز وهو أخو الحارث بن علقمة، وأوس أخو السيّد.\rقال: فتقدمهم كوز وهو يقول:\rإليك تعدو قلقًا وضينها ... معترضًا في بطنها جنينها\rمخالفًا دين النّصارى دينها\rوقدم على الني صلى الله عليه وسلم، ثم قدم الوفد بعده، فدخلوا عليه المسجد، عليهم ثياب الحبرة وأرديةٌ مكفوفة بالحرير، فقاموا يصلّون في المسجد نحو الشّرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" دعوهم \" ، ثم أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأعرض عنهم ولم يكلّمهم، فقال لهم عثمان: ذلك من أجل زيّكم هذا، فانصرفوا يومهم ذلك، ثم غدوا عليه، بزيّ الرّهبان فسلّموا عليه فردّ عليهم.\rقال محمد بن إسحق: وكان أبو حارثة قد شرف فيهم، ودرس كتبهم، حتى حسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الرّوم من أهل النّصرانية قد شرّفوه وموّلوه وأخدموه، وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات؛ لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما وجّهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له، وإلى جنبه أخوه كوز، - ويقال فيه كرز - فعثرت بغلة أبي حارثة، فقال كوز: تعس الأبعد، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. فقال: ولم يا أخي ؟ قال: والله إنّه للنبيّ الذي كنا ننتظره. فقال له كوز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا ؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم؛ شرّفونا وموّلونا وأكرمونا، وقد أبوا إلاّ خلافه، فلو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. فأضمر عليها منه كوز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك، فكان يحدّث عنه هذا الحديث.\rقال أبو محمد عبد الملك بن هشام: وبلغني أنّ رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبًا عندهم، فكلما مات رئيس منهم وأفضت الرياسة إلى غيره، ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التي قبله ولم يكسرها، فخرج الرئيس الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يمشي فعثر، فقال ابنه: تعس الأبعد - يريد النبيّ صلى الله عليه وسلم - فقال له أبوه: لا تفعل فإنه نبيّ واسمه في الوضائع - يعني الكتب - فلما مات لم يكن لابنه همّة إلا أن كسر الخواتم، فوجد في الكتب ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأسلم وحسن إسلامه فحجّ، وهو الذي يقول:\rإليك تعدو قلقًا وضينها\rقال ابن إسحق: ولما قدموا صلّوا في المسجد نحوالشّرق، وكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الثلاثة نفر: العاقب، والسيّد، وأبو حارثة، وهم من النصرانية على دين الملك، مع اختلاف من أمرهم، يقولون في المسيح: هو الله، ويقولون: هو ابن الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، فهم يحتجّون في قولهم: هو الله بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ من الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرا، ويحتجون في قولهم أنه ابن الله بأنهم يقولون: لم يكن له أبٌ يعلم، وقد تكلم في المهد، وهذا شيء لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله. ويحتجون في قولهم أنه ثالث ثلاثة، بقول الله فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، فيقولون: لو كان واحداً ما قال إلا فعلت وقضيت وأمرت وخلقت، ولكنه هو، وعيسى، ومريم.","part":5,"page":68},{"id":2069,"text":"قال: فلما كلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحبران قال لهما \" أسلما \" ، قالا: قد أسلمنا قبلك. قال: \" كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعا كما لله ولدًا، وعبادتكما الصّليب، وأكلكما الخنزير \" قالا: فمن أبوه يا محمد ؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهما، فأنزل الله تعالى عليه في اختلاف أمرهم كلّه صدر سورة آل عمران، إلى بضع وثمانين آية منها.\rفقال تعالى: \" آلم. الله لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم \" قال افتتح السورة بتنزيه نفسه عما قالوا وتوحيده، ليس معه شريك في أمره: \" الحيّ \" أي الذي لا يموت، وقد مات عيسى وصلب في قولكم. القيّوم \" القائم على مكانه من سلطانه في خلقه لا يزول، وقد زال عيسى. ثم قال تعالى: \" نزل عليك الكتالب بالحقّ \" أي بالصدق فيما اختلفوا فيه \" وأنزل التّوارة والإنجيل. من قبل هدًى للنّاس وأنزل الفرقان \" أي الفصل بين الحقّ والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره، ثم قال: \" إنّ الّذين كفروا بآيات الله لهم عذابٌ شديدٌ والله عزيزٌ ذو انتقامٍ \" أي أنّ الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها ومعرفته. \" إنّ الله لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السّماء \" أي قد علم ما يريدون وما يكيدون وما يضاهون بقولهم في عيسى؛ إذ جعلوه إلها وعندهم من علمه غير ذلك. \" هو الّذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء \" أي قد كان عيسى ممن صوّر في الأرحام لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صوّر غيره من ولد آدم، فكيف يكون إلها وقد كان بذلك المنزل.\rثم قال تعالى تنزيها لنفسه وتوحيدا لها: \" لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم \" أي \" العزيز \" في انتصاره ممّن كفر به إذا شاء الحكيم في حجته وعذره إلى عباده. ثم قال: \" هو الّذي أنزل عليك الكتاب منه آياتٌ محكماتٌ هنّ أمّ الكتاب \" أي فيهنّ حجة الربّ وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهنّ تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه. \" وأخر متشابهاتٌ \" أي لهنّ تصريف وتأويل، ابتلى الله فيهنّ العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام، ألا يصرفن إلى الباطل ولا يحرّفن عن الحق.\rقال الله تعالى: \" فأمّا الذين في قلوبهم زيغٌ \" أي ميلٌ من الهدى. \" فيتّبعون ما تشابه منه \" أي ما تصرّف منه؛ ليصدّقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا لتكون لهم حجّة وشبهة على ما قالوا. \" ابتغاء الفتنة \" أي الّلبس \" وابتغاء تأويله \" أي تأويل ذلك على ما ركبوا من الضلالة في قولهم: خلقنا وقضينا. يقول تعالى: \" وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كلٌّ من عند ربّنا \" فكيف يختلف وهو قولٌ واحدٌ، من ربٍّ واحد، يقول: \" وما يذّكر إلاّ أولوا الألباب \" أي في مثل هذا.\rثم قال تعالى: \" ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمةً إنّك أنت الوهّاب \" . ثم قال تعالى: \" شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم \" يشهدون بذلك. قائمًا بالقسط \" أي بالعدل \" لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم. إنّ الدّين عند الله الإسلام \" أي ما أنت عليه يا محمد من التوحيد للربّ والتصديق للرسل. قال تعالى: \" وما اختلف الّذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم \" أي العلم الذي جاءك أنّ الله الواحد الذي ليس له شريك. ثم قال: \" ومن يكفر بآيات الله فإنّ الله سريع الحساب \" يقول تعالى: \" فإن حاجّوك \" أي فيما يأتون به من الباطل من قولهم: خلقنا وفعلنا وأمرنا، فإنما هي شبهة باطلٍ قد عرفوا ما فيها من الحقّ \" فقل أسلمت وجهي لله ومن اتّبعن وقل للّذين أوتوا الكتاب والأمّيّين \" أي الذين لا كتاب لهم \" أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ والله بصيرٌ بالعباد \" .","part":5,"page":69},{"id":2070,"text":"ثم جمع تعالى أهل الكتابين من اليهود والنصارى فيما أحدثوا وابتدعوا، فقال: \" إنّ الّذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيّين بغير حقٍّ ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من النّاس فبشّرهم بعذابٍ أليم \" إلى قوله \" قل الّلهمّ مالك الملك \" أي ربّ العباد والملك الذي لا يقضي فيهم غيره. \" تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير إنّك على كلّ شيءٍ قديرٌ \" أي لايقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك \" تولج الّليل في النّهار وتولج النّهار في الّليل وتخرج الحيّ من الميّت وتخرج الميّت من الحيّ \" أي بتلك القدرة. \" وترزق من تشاء بغير حسابٍ \" أي لا يقدر على ذلك غيرك ولا يصنعه إلاّ أنت، أي إن كنت سلّطت عيسى على الأشياء التي بها يزعمون أنه إلهٌ، من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، والخلق من الطّين، والإخبار عن الغيوب، لأجعله به آيةً للناس، وتصديقًا له في نبوّته التي بعثته بها إلى قومه، فإن من سلطاني وقدرتي ما لم أعطه؛ من إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وإخراج الحيّ من الميّت، وإخراج الميت من الحيّ؛ ورزق من شئت من برٍّ أو فاجرٍ بغير حساب، فكلّ ذلك لم أسلّط عيسى عليه، ولم أملّكه إياه، أفلم بكن لهم في ذلك عبرة وبينة ! أن لو كان إلها لكان ذلك كلّه إليه، وهو في قولهم يهرب من الملوك ويتنقل منهم في البلاد، من بلد إلى بلد.\rثم وعظ المؤمنين وحذّرهم فقال تعالى: \" قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم \" أي ما مضى من كفركم \" والله غفورٌ رحيمٌ. قل أطيعوا الله والرّسول فإن تولّوا فإنّ الله لا يحبّ الكافرين \" يقول: أطيعوا الله والرسول فأنتم تعرفونه وتجدونه في كتابكم، \" فإن تولّوا \" أي على كفرهم.\rثم استقبل أمر عيسى عليه السلام، وكيف كان بدء ما أراد الله تعالى به فقال: \" إنّ الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرّيةً بعضها من بعضٍ والله سميعٌ عليمٌ \" . ثم ذكر أمر امرأة عمران فقال: \" إذا قالت امرأة عمران ربّ إنّي نذرت لك ما في بطني محرّرًا \" أي جعلته عتيقا يعبد الله عزّ وجل، لا ينتفع به لشيء من الدنيا \" فتنقبّل منّي إنّك أنت السّميع العليم. فلمّا وضعتها قالت ربّ إنّي وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذّكر كالأنثى \" أي ليس الذكر كالأنثى لما جعلتها محرّرًا لك نذيرة \" وإنّي سمّيتها مريم وإنّي أعيذها بك وذرّيّتها من الشيطان الرّجيم \" . يقول الله تعالى: فتقبّلها ربّها بقبولٍ حسنٍ وأنبتها نباتًا حسنًا وكفّلها زكريّا \" أي كفلها بعد أبيها وأمها؛ يذكرها باليتم، ثم قصّ خبرها وخبر زكريا، وما دعا به وما أعطاه، إذ وهب له يحيى، ثم ذكر مريم، وقول الملائكة لها، فقال تعالى: \" وإذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين \" قال الثعلبيّ: القائل من الملائكة جبريل وحده، \" اصطفاك \" بولادة عيسى عليه السلام من غير أبٍ، \" وطهّرك \" من مسيس الرجال. وقيل: كانت مريم عليها السلام لا تحيض و \" اصطفاك \" بالتحرير في المسجد \" على نساء العالمين \" قال: على عالمي زمانها، ولم تحرّر أنثى غيرها. \" يا مريم اقتني لربّك واسجدي واركعي مع الرّاكعين \" قال الثعلبي: قوله \" اقنتي \" أطيعي وأطيلي الصلاة لربك، قال: كلّمتها الملائكة شفاهًا. قال الأوزاعيّ: لما قالت لها الملائكة ذلك، قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالتا دمًا وقيحا.\rثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: \" ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيّهم يكفل مريم \" قال ابن إسحق: كفلها هاهنا جريج الراهب رجلٌ من بني إسرائيل نجّار، خرج السّهم عليه فحملها، وكان زكريّا قد كفلها قبل ذلك، فأصابت بني إسرائيل أزمةٌ شديدة، فعجز زكريا عن حملها، فاستهموا عليها، فخرج السّهم على جريج الراهب فكفلها، يقول تعالى: \" وما كنت لديهم إذ يختصمون \" أي ما كنت معهم إذ يختصمون في كفالتها، فخبّره تعالى بخفيّ ما كتموا منه من العلم عندهم؛ لتحقيق نبوّته، والحجة عليهم بما يأتيهم به مما أخفوا منه.","part":5,"page":70},{"id":2071,"text":"ثم قال تعالى: إذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله يبشّرك بكلمةٍ منه اسمه المسيح عيسى بن مريم \" أي هكذا كان أمره، لا كما يقولون فيه. \" وجيهًا في الدّنيا والآخرة ومن المقرّبين \" \" وجيهًا \" أي شريفا ذا جاه وقدر \" ومن المقربين \" عند الله \" ويكلّم النّاس في المهد وكهلاً ومن الصّالحين \" يخبرهم بحالاته التي يتقلب فيها في عمره؛ كتقلب بني آدم في أعمارهم صغارا وكبارا، إلاّ أنّ الله تعالى خصّه بالكلام في مهده آيةً لنبوّته وتنزيهًا لأمّه. وقوله: \" وكهلاً \" قال مقاتل: إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء. وقال الحسين بن الفضل: \" كهلاً \" بعد نزوله من السماء. وقال ابن كيسان: أخبرها أن يبقى حتى يكتهل. وقيل: يكلّم الناس في المهد صبيًّا وكهلا؛ بشّرها بنبوّته، فلأمه في المهد معجزة وفي الكهولة دعوة. وقال مجاهد: \" وكهلاً \" أي حليما.\rقال تعالى إخبارا عن مريم: \" قالت ربّ أنّى يكون لي ولدٌ ولم يمسسني بشرٌ قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرًا فإنّما يقول له كن فيكون \" ثم أخبرها بما يريد به فقال تعالى: \" ويعلّمه الكتاب والحكمة والتّوارة والإنجيل \" قوله \" الكتاب \" أي الكتابة والخطّ. و \" الحكمة والتّوراة \" التي كانت فيهم من عهد موسى قبله \" والإنجيل \" كتابا آخر أنزله الله إليه، لم يكن عندهم إلاّ ذكره أنه كائن. يقول تعالى: \" ورسولاً إلى بني إسرائيل أنّي قد جئتكم بآيةٍ من ربّكم \" أي يحقّق فيها نبوّتي أنّى رسول منه إليكم. \" أنّي أخلق لكم من الطّين كهيئة الطّير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله \" قال الثعلبيّ: قراءة العامة بالجمع؛ لأنه خلق طيرا كثيرة، وقرّاء أهل المدينة \" طائراً \" ذهبوا إلى أنه نوع واحد من الطّير، لأنه لم يخلق غير الخفّاش، قال: وإنما خصّ الخفّاش لأنه أكمل الطير خلقاً، ليكون أبلغ في القدرة؛ لأن لها ثديا وأسنانا وهي تحيض وتطير، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا، ليتميز فعل الخلق من فعل الله عزّ وجل؛ وليعلم أن الكمال لله. \" وأبرئ الأكمه والأبرص \" \" الأكمه \" الذي يولد أعمى وجمعه كمه. وقيل: هو الأعمى وهو المعروف من كلام العرب؛ قال سويد بن أبي كاهل:\rكمهت عيناه حتى ابيضّتا ... فهو يلحى نفسه حتى نزع\rوالأبرض الذي فيه وضحٌ، قال: وإنما خصّ هذين، لأنهما عياءان وكان الغالب على زمن عيسى عليه السلام الطّبّ؛ فأراهم الله تعالى المعجزة من جنس ذلك.\rقال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، وإنما كان يداويهم بالدعاء، على شرط الإيمان. \" وأحيي الموتى بإذن الله \" قال الثعلبيّ: أحيا أربعة أنفسٍ العازر وكان صديقا له، فأرسلت أخته إلى عيسى: إنّ أخاك العازر يموت فأته، وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام، فأتاه هو وأصحابه، فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره. فانطلقت معهم إلى قبره وهو في صخرة مطبقة، فقال عيسى عليه السلام: \" اللّهمّ ربّ السموات السّبع، إنك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك، وأخبرني أني أحيي الموتى بإذنك، فأحي العازر \" ، قال: فقام عازر وودكه يقطر، فخرج من قبره وبقي وولد له. وأحيا ابن العجوز، مرّ به ميتا على عيسى عليه السلام، وهو يحمل على سرير، فدعا الله تعالى عيسى، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل السّرير على عنقه، ورجع إلى أهله، فبقي وولد له، وابنة العاشر قيل له: أتحييها وقد ماتت بالأمس ؟ فدعا الله عزّ وجلّ فعاشت وبقيت وولدت، وسام بن نوح عليهما السلام، ودعا الله باسم الله الأعظم، فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه، فقال: قد قامت القيامة ؟ قال: لا، ولكنّي دعوتك باسم الله الأعظم، ثم قال له: مت، قال: بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت، فدعا الله سبحانه ففعل.\rقال الكلبيّ: كان يحيي الأموات بيا حيّ يا قيّوم.\rقال تعالى: \" وأنبّئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم إنّ في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين \" أي آية لكم أني رسولٌ من الله إليكم.","part":5,"page":71},{"id":2072,"text":"يقول تعالى: \" ومصدّقًا لما بين يديّ من التّوراة \" أي لما سبقني منها. \" ولأحلّ لكم بعض الّذي حرّم عليكم \" أي أخبركم أنه كان عليكم حراما فتركتموه، ثم أحلّه لكم تخفيفاً عنكم فتصيبون يسره وتخرجون من تباعته.\rيقول تعالى: \" وجئتكم بأيةٍ من ربّكم فاتّقوا الله وأطيعون. إنّ الله ربّي وربّكم فاعبدوه هذا صراطٌ مستقيمٌ \" أي هذا الهدى قد حملتكم عليه وجئتكم به. يقول تعالى: \" فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريّون نحن أنصار الله آمنّا بالله وأشهد بأنّا مسلمون. ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين \" أي هكذا كان قولهم وإيمانهم، لا كما يقول هؤلاء الذين يحاجّونك، ثم ذكر تعالى رفعه عيسى إليه حين اجتمعوا لقتله، فقال \" ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين \" قال أهل المعاني: المكر السّعي بالفساد في ستر ومداجاة. وقال الفرّاء: المكر من المخلوقين الحبّ والخديعة والحيلة، وهو من الله استدراجه العباد. ثم أخبرهم تعالى، وردّ عليهم فيما أقرّوا به لليهود من صلبه، وأنّ الله عصمه منهم، ورفعه إليه، فقال تعالى: \" إذ قال الله يا عيسى إنّي متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الّذين كفروا وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة ثمّ إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون. فأمّا الّذين كفروا فأعذّبهم عذابًا شديدًا في الدّنيا والآخرة وما لهم من ناصرين. وأمّا الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات فنوفّيهم أجورهم والله لا يحبّ الظّالمين. ذلك نتلوه عليك من الآيات والذّكر الحكيم \" قال الثعلبيّ: اختلفوا في معنى التوفي هاهنا؛ فقال كعب والحسن والكلبيّ ومطر الورّاق ومحمد بن جعفر بن الزبير وابن جريح وابن زيد: معناه إني قابضك ورافعك من الدنيا إليّ من غير موت. قال: وعلى هذا القول تأويلان: أحدهما - إني رافعك إليّ وافيا لم ينالوا منك شيئا؛ من قولهم توفّيت هذا، واستوفيته أي أخذته تامًّا.\rوالآخر - إني مسلّمك؛ من قولهم توفّيت منه كذا أي تسلّمته. وقال الربيع بن أنس: معناه إني منيمك ورافعك إليّ في نومك؛ ويدل عليه قوله تعالى: \" وهو الّذي يتوفّاكم بالّليل \" أي ينيمكم؛ لأنّ النوم أخو الموت. وقوله تعالى: \" الله يتوفّى الأنفس \" الآية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إني مميتك، ويدل عليه قوله تعالى: \" قل يتوفّاكم ملك الموت \" وقوله: \" أو نتوفّينك \" قال: وله على هذا القول تأويلان: أحدهما - ما قال وهب: توفّى الله تعالى عيسى عليه السلام ثلاث ساعات من النهار ثم رفعه إليه. وقال ابن إسحق: النصارى يزعمون أن الله تعالى توفاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. والآخر - ما قال الضحاك وجماعة من أهل المعاني: إنّ في الكلام تقديما وتأخيرا، معناه إنّي رافعك إليّ ومطهّرك من الذين كفروا، ومتوفّيك بعد أن أنزلك من السماء. وقال أبو بكر بن محمد بن موسى الواسطيّ: معناه \" إنّي متوفّيك \" عن شهواتك وحظوظ نفسك. قال: وذلك أنه لمّا رفع إلى السماء صار حاله حال الملائكة. وقوله: \" ورافعك إليّ \" قال البنانيّ والشّيبانيّ: كان عيسى عليه السلام على طور زيتا فهبّت ريحٌ، فهرول عيسى، فرفعه الله عزّ وجلّ في هرولته، وعليه مدرعة من شعر. وقيل: معناه ورافعك بالدرجة في الجنة، ومقرّبك إليّ بالإكرام.\rوقوله: \" ومطهّرك من الّذين كفروا \" أي مخرجك من بينهم ومنجيك منهم. وقوله: \" وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة \" قال قتادة والربيع والشّعبيّ ومقاتل والكلبيّ: هم أهل الإسلام الذين اتبعوا دينه وسنّته من أمّة محمد صلى الله علسه وسلم، فوالله ما اتبعه من دعاه ربًّا. \" فوق الّذين كفروا \" ظاهرين قاهرين بالعزّ والمنعة والدليل والحجّة. وقال الضحاك وعليّ ومحمد بن أبان: يعني الحواريين فوق الذين كفروا. وقيل: هم الرّوم. وقال ابن زيد: وجاعل النصارى فوق اليهود، فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق اليهود، واليهود مستذلّون مقهورون. قال: وعلى هذين القولين يكون معنى الاتباع: الادّعاء والمحبة لا اتباع الدّين والملّة. \" ثمّ إليّ مرجعكم \" أي في الآخرة. \" فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون \" أي من الدّين وأمر عيسى.","part":5,"page":72},{"id":2073,"text":"قوله: \" فأمّا الّذين كفروا فأعذّبهم عذابًا شديدًا في الدّنيا \" بالقتل والسّبي والجزية والذّلّة. \" والآخرة \" بالنار. \" وما لهم من ناصرين \" . قوله: \" وأمّا الّذين آمنوا \" الآية ظاهرة المعنى. قوله: ذلك نتلوه عليك من الآيات والذّكر الحكيم \" أي هذا الذي ذكرته لك، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: \" هو القرآن \" . وقيل: هو اللّوح المحفوظ، وهو معلّق بالعرش، من درّة بيضاء، و \" الحكيم \" هو المحكم من الباطل؛ قاله مقاتل. وقال ابن إسحق: أي القاطع الفاضل، الحقّ الذي لا يخالطه الباطل، من الخبر عن عيسى، وعما اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلنّ خبرا غيره. فقال: \" إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثمّ قال له كن فيكون. الحقّ من ربّك فلا تكن من الممترين \" أي قد جاءك الحقّ فلا تمترينّ فيه، وإن قالوا خلق عيسى من غير ذكر، فقد خلقت آدم من تراب بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر؛ فكان لحمًا ودمًا وعظمًا وشعرًا وبشرًا، كما كان عيسى، فليس خلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا.\rثم قال تعالى: \" فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم \" أي من بعد ما قصصت عليك من خبره \" فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين \" قوله: \" نبتهل \" أي نتضرع في الدعاء. وقيل: نخلص في الدعاء. وقيل: نجتهد ونبالغ فنقول لعن الله الكاذب منّا ومنكم. قال ابن إسحاق: \" إنّ هذا \" الذي جئت به من الخبر عن عيسى \" لهو القصص الحقّ \" من أمره. \" وما من إلهٍ إلاّ الله وإنّ الله لهو العزيز الحكيم. فإن تولّوا \" أي إن أعرضوا عن الإيمان \" فإنّ الله عليمٌ بالمفسدين \" أي الذين يعبدون غير الله تعالى، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله.\rثم قال تعالى: \" قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتّخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون \" فدعاهم إلى النّصف، وقطع عنهم الحجّة، قال فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله عزّ وجلّ عن عيسى، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمره بما أمره به من ملاعنتهم إن ردّوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك؛ فقالوا، يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، فقالوا: يا عبد المسيح، ما ترى ؟ فقال: والله يا معشر النّصارى لقد عرفتم أنّ محمدًا لنبيٌّ مرسلٌ، لقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لا عن قومٌ نبيًّا قطّ فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وأنه الاستئصال منكم لو فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل، ثم انصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألاّ نلاعنك، وأن نتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك، ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا، فإنكم عندنا رضًا.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ائتوني العشيّة أبعث معكم القويّ الأمين \" فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: ما أحببت الإمارة قطّ حبّي إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحبها، فخرجت إلى الظّهر مهجّرا، فلمّا صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، سلّم ثم نظر عن يمينه ويساره، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح فدعاه له، وذلك قبل الهجرة.\rفقال: \" اخرج فاقض بينهم بالحقّ فيما اختلفوا فيه \" قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة. وهذا ما رواه ابن هشام عن ابن إسحق.\rوقال محمد بن سعد في طبقاته: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرض عليهم المباهلة انصرفوا عنه، ثم أتاه عبد المسيح ورجلان من ذوي رأيهم، فقال: قد بدا لنا ألا نباهلك، فاحكم علينا بما أحببت نعطك ونصالحك. فصالحهم على ألفي حلّة: ألف في شهر رجب، وألف في صفر، أو قيمة كل حلّة من الأواقي، وعلى عارية ثلاثين درعًا، وثلاثين رمحًا وثلاثين بعيرًا، وثلاثين فرسًا: إن كان باليمن كيد.","part":5,"page":73},{"id":2074,"text":"ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبيّ رسول الله، على أنفسهم وملّتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم، لا يغيّر أسقفٌ من سقّيفاه، ولا راهب من رهبانيّته، ولا واقفٌ من وقفانيّته، وفي بعض الروايات لا يغيّر وافهٌ من وفهيّته، ولا قسيس من قسّيسيّته، والوافه: قيّم الكنيسة.\rقال: وأشهد على ذلك شهودا. منهم أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس والمغيرة بن شعبة، ورجعوا إلى بلادهم، فلم يلبث السيّد والعاقب إلاّ يسيرًا حتى رجعا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأسلما وأنزلهما في دار أبي أيوب الأنصاريّ، وأقام أهل نجران على ما كتب لهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله تعالى. ثم ولي أبو بكر فكتب بالوصاة بهم عند وفاته، ثم أصابوا ربًا فأخرجهم عمر بن الخطاب من أرضهم، وكتب لهم: \" هذا ما كتب عمر أمير المؤمنين لنجران. من سار منهم إنه آمنٌ بأمان الله، لا يضرّهم أحدٌ من المسلمين، وفاءً لهم بما كتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر - أما بعد - فمن وقعوا به من أمراء الشام وأمراء العراق فليوسعهم من جريب الأرض، ما اعتملوا من ذلك فهو لهم صدقة، وعقبة لهم بمكان أرضهم، لا سبيل عليهم فيه لأحدٍ ولا مغرم - أمّا بعد - فمن حضرهم بمن رجلٍ مسلم فلينصرهم على من ظلمهم، فإنهم أقوام لهم الذّمّة. وجزيتهم عنهم متروكة أربعةً وعشرين شهراً بعد ان يقدموا، ولا يكلّفوا إلاّ من ضيعتهم، غير مظلومين، ولا معنوف عليهم.\rشهد عثمان بن عفان ومعيقيب بن أبي فاطمة.\rقال: فوقع ناسٌ منهم بالعراق، فنزلوا النّجرانيّة التي هي ناحية الكوفة.\rوحيث ذكرنا وفادات العرب، فلا بأس أن نصل هذا الفصل بما يناسبه من خبر الجنّ في إسلامها، ونلحق ذلك بما يتعلق به من إخبار الجنّ أصحابهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أسلم بسبب ذلك، فإنا عند ذكرنا للمبشّرات برسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكرنا من ذلك طرفا، وأخرنا بقيته لنذكره في هذا الفصل، ونبهنا عليه هناك.\rخبر إسلام الجن\rودعائهم قومهم إلى الإيمان عند سماعهم القرآن قال تعالى: \" وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين. قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه إلى الحق وإلى طريقٍ مستقيم. يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذابٍ أليم. ومن لا يجب داعي الله فليس يمعجزٍ في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلالٍ مبينٍ \" .\rوكان من خبر الجن ما روى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين، قفالوا: مالكم ؟ فقالوا: قد حيل ببينا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما قد حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الأمر الذي قد حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها، ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبرالسماء، وانطلق الذين توجهوا إلى نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحلة وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبرالسماء. فهنالك رجعوا إلى قومهم \" فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً. يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا \" . وأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم: \" قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن \" وإنما أوحي إليه قول الجن، روا البخاري في صحيحه عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\rوذهب محمد بن سعد إلى أن استماع الجن كان بنخلة، عند عود رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف، لما توجه يدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا له، وذلك قبل الهجرة.","part":5,"page":74},{"id":2075,"text":"وقال الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتابه المترجم \" بدلائل النبوة \" ومعرفة أحوال صاحب الشريعة \" بعد أن ساق حديث البخاري قال: وهذا الذي حكاه عبد الله بن عباس إنما هو في أول ما سمعت الجن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلمت بحاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه، ثم أتاه داعي الجن مرةً أخرى، فذهب معه، وقرأ عليهم القرآن، كما حكاه عبد الله بن مسعود.\rوقد روى البيهقي بسنده إلى عبد الله بن مسعود خبر الجن في القصتين: أما الأولى فإنه قال: هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا - قالوا صه - وكانوا سبعة، أحدهم زوبعة، فأنزل الله تعالى: \" وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا \" إلى قوله \" أولئك في ضلالٍ مبينٍ \" . وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم آذنته بالجن شجرةٌ، رواه البخاري ومسلم في الصحيحين.\rوأما القصة الثانية، فرواها عن الشّعبيّ عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود هل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ منكم أحدٌ ؟ فقال: ما صحبه منّا أحدٌ، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فقلنا: اغتيل ؟ استطير ؟ ما فعل ؟ قال: فبتنا بشرّ ليلةٍ بات بها قومٌ، فلما كان في وجه الصّبح أو قال في السّحر، إذا نحن به يجئ من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله، فذكروا الذي كانوا فيه، فقال: \" إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم \" قال: فانطلق فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم، قال: وقال الشعبي فسألوه الزّاد، وقال ابن أبي زائدة: قال عامر سألوه ليلتئذٍ الزاد، وكانوا من جن الجزيرة، فقال: \" كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحماً، وكل بعرةٍ أو روثةٍ علفٌ لدوابكم - قال - فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن \" رواه مسلم في صحيحه. وكان فيما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم: \" الرحمن. علم القرآن \" السورة؛ ويدل على ذلك ما رواه محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم \" الرحمن \" على الناس سكتوا فلم يقولوا شيئاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" للجن كانوا أحسن جواباً منكم لما قرأت عليهم \" فبأي آلاء ربكما تكذبان \" قالوا: لا ولا بشيء من آلاء ربنا نكذب \" . ومن رواية أخرى عنه: \" قالوا ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد \" .\rوعن أبي المليح الهذلي أنه كتب إلى عبيدة بن عبد الله بن مسعود: أين قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ؟ فكتب إليه: إنه قرأ عليهم بشعب يقال لهم الحجون. وروى عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم \" أن نفراً من الجن خمسة عشر بني أخوةٍ وبني عمٍّ يأتونني الليلة فأقرأ عليهم القرآن \" . وقيل: كانوا أكثر من هذا. وقد جاء عنه: أنه ذهب إلى موضعهم، قال: فرأيت موضع مبرك ستين بعيراً. ولما رأى عبد الله بن مسعود رجال الزّطّ قال: ما رأيت شبههم إلا الجن ليلة الجن، وكانوا مستنفرين يتبع بعضهم بعضاً.\rذكر إخبار الجن أصحابهم\rبأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامهم بسبب ذلك روى أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله في صحيحه، بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ما سمعت عمر رضي الله عنه لشيء قطّ يقول، إني لأظنّه كذا إلا كان كما يظن؛ بينا عمر جالس إذ مرّ رجلٌ جميل، فقال: لقد أخطأ ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية، ولقد كان كاهنهم؛ علي الرجل، فدعي له، فقال له عمر: لقد أخطأ ظني أو إنك على دينك في الجاهلية أو لقد كنت كاهنهم، فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجلٌ مسلم. قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنت كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنّيتك ؟ قال: بينا أنا يوماً في سوق جاءتني أعرف فيها الفزع، قالت:\rألم تر الجن وإبلاسها ... ويأسها بعد وإبلاسها\rولحوقها بالقلاص وأحلاسها ... ويأسها بعد من أنساكها","part":5,"page":75},{"id":2076,"text":"قال عمر: صدق، بينا أنا نائمٌ عند آلهتهم، إذا جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ منه صارخٌ لم أسمع صارخاً قط أشد صوتاً منه يقول: يا جليح أمر نجيح، رجل يصيح، يقول لا إله إلا الله، فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمرٌ نجيح، رجلٌ يصيح، يقول لا إله إلا الله. فقمت فما نشبت أن قيل هذا نبيّ.\rقال البيهقيّ: ظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر رضي الله عنه بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح، وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر في إسلامه، وسائر الروايات تدل على أن الكاهن أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه، والله تعالى أعلم.\rخبر سواد بن قاربٍ\rروى البيهقيّ رحمه الله تعالى بسنده عن البراء، قال: بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب الناس على منبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ قال: أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب ؟ قال: فلم يجبه أحدٌ تلك السنة، فلما كانت السنة المقبلة، قال: أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب ؟ قال فقلت: يا أمير المؤمنين، وما سواد ابن قارب ؟ فقال: إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئاً عجيباً ! قال: فبينا نحن كذلك، إذا طلع سواد بن قارب، فقال له عمر: يا سواد، أخبرني ببدء إسلامك كيف كان ؟ قال سواد: فإني كنت نازلاً بالهند وكان لي رئيٌّ من الجن، قال: فبينا أنا ذات ليلة نائم؛ إذ جاءني في منامي ذلك، قال: قم فافهم واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب، ثم أنشأ يقول:\rعجبت للجن وأنجاسها ... وشدّها العيس بأحلاسها\rتهوى إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمنوها مثل أرجاسها\rفانهض إلى الصفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى راسها\rثم أنبهني وأفزعني، وقال: يا سواد بن قارب، إن الله عز وجل بعث نبيا فانهض إليه تهتد وترشد، فلما كان في الليلة الثانية أتاني فأنبهني، ثم أنشأ يقول كذلك:\rعجبت للجن وتطلابها ... وشدّها العيس بأقتابها\rتهوى إلى مكة تبغي الهدى ... ليس قداماها كأذنابها\rفانهض إلى الصفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى نابها\rفلما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني، ثم قال كذلك:\rعجبت للجن وتخبارها ... وشدّها العيس بأكوارها\rتهوى إلى مكة تبغي الهدى ... ليس ذوو الشّرّ كأخيارها\rفانهض إلى الصفوة من هاشم ... ما مؤمنوا الجن ككفارها\rقال: فلما سمعته يكرر ليلةً وقع في قلبي حب الإسلام من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله، فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي، فما حللت نسعةً ولا عقدت أخرى حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو بالمدينة والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني قال: \" مرحباً بك يا سواد بن قارب، قد علمنا ما جاء بك \" قال قلت: \" يا رسول الله قد قلت شعراً فاسمعه مني، قال سواد فقلت:\rأتاني رئّي بعد ليلٍ وهجعة ... ولم يك فيما قد بلوت بكاذب\rثلاث ليالٍ قوله كل ليلةٍ ... أتاك نبيٌّ من لؤي بن غالب\rفشمرت عن ساقي الإزار ووسّطت ... بي الذعلب الوجناء عند السباسب\rفأشهد أن الله لا غيره ... وأنك مأمونٌ على كل غائب\rوأنك أدنى المرسلين شفاعةً ... إلى الله يا بن الأكرمين الأطايب\rفمرنا بما يأتيك يا خير من مشى ... وإن كان فيما جاء سيب الذوائب\rفكن لي شفيعاً يوم لاذو شفاعةٍ ... سواك بمغنٍ عن سواد بن قارب\rقال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. وقال لي: \" أفلحت يا سواد \" فقال عمر: هل يأتيك رئيّك الآن ؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونعم العوض كتاب الله عز وجل من الجن.\rقال البيهقيّ: ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن، الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح، وهو الحديث الذي ذكرناه آنفاً قبل خبر سواد.\rوقد روى أيضاً عن سواد بن قارب، من رواية سعيد بن جبير بنحو هذا، إلا أنه قال: كان سواد في جبل من جبال الشّراة، وقال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، وقد ظهر، فأخبرته الخبر، وبايعته.","part":5,"page":76},{"id":2077,"text":"قال البهيقيّ رحمه الله: وقوله أتيت مكة أقرب إلى الصّحة مما رويناه في الروايتين الأوليتين. والله تعالى أعلم.\rخبر خفاف بن نضلة\rالثّقفيّ روى أبو بكر البيهقيّ رحمه الله بسنده غلى ذابل بن طفيل بن عمرو الدّوسيّ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قعد في مسجده ذات يوم، فقدم عليه خفاف بن نضلة ابن عمرو بن بهدلة الثقفيّ، فأنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم:\rكم تحطمت القلوص بي الدجى ... في مهمةٍ قفرٍ من الفلوات\rفلٍّ من التّوريس ليس بقاعه ... نبتٌ من الإسناتٌ والأزمات\rإني أتاني في المنام مساعدٌ ... من جن وجرة كان لي وموات\rيدعو إليك لياليًا وليالياً ... ثم احزألّ وقال لست بآت\rفركبت ناجية أضرّ بنيها ... جمرٌ تخبّ به على الأكمات\rحتى وردت إلى المدينة جاهداً ... كيما أراك فتفرج الكربات\rقال: فاستحسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: \" إنّ من البيان كالسحر، وإنّ من الشعر كالحكم \" .\rومن ذلك ما روى عن علي بن حسين، قال: أول خبر قدم المدينة، أن امرأة من أهل يثرب تدعى فاطمة، كان لها تابع من الجن فجاءها يوماً فوقع على جدارها، قفالت: مالك لا تدخل ؟ فقال: إنه قد بعث نبي يحرم الزنى، فحدثت بذلك المرأة عن تابعها من الجن، وكان أول خبر يحدث به في المدينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوعن جابر قال: أول خبر قدم المدينة عن النبي الله صلى الله عليه وسلم، أن امرأة من أهل المدينة كان لها تابع، فجاء في صور طائر حتى وقع على حائط دارهم، فقالت له المرأة: انزل نخبرك وتخبرنا، قال: لا، إنه بعث بمكة تبي منع منا القرار، وحرم علينا الزنى.\rومنه ما روى عن محمد بن عمر بن واقد، عن تميم الداري أنه قال: سرت إلى الشام فأدركني الليل، فأتييت وادياً فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة، فلما أخذت مضجعي إذ قائلٌ لا أراه يقول: عذ بالله الأحد، فإن الجن لا تجير على الله أحدا، وأنه قد بعث رسول الأميين، وصلينا خلفه بالحجون، وأسلمنا واتبعناه، وآمنا به وصدقناه، فأسلم تسلم. قال تميم: فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب، فسألت راهبة عما سمعت من الهاتف، فقال: صدق. وكان ذلك سبب إسلام تميم.\rومنه ما روى عن أبي خريم فاتك أنه قال: خرجت في الجاهلية أطلب إبلا أضللتها، فلما بأبرق العزاف، عقلت ناقتي وتوسدت ذارعها، وقلت: أعوذ بعظيم هذا المكان، فسمعت هاتفاً يقول:\rتعوذن بالله ذي الجلال ... ووحد الله ولا تبالي\rما هول الجن من الأهوال\rقال فقلت: بين لي يرحمك الله، فقال:\rهذا رسول الله ذو الخيرات ... يدعو إلى الجنة والنجاة\rيأمر بالصوم وبالصلاة\rقال: فوقع في قلبي الإسلام، فقلت: من أنت أيها الهاتف ؟ فقال: أنا مالك بن مالك، إن أردت الإسلام فأنا أكفيك طلب ضالتك حتى أردها إلى أهلك، قال: فركبت راحلتي وقصدت المدينة، فقدمتها في يوم جمعة، فأتيت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فأنخت بباب المسجد قلت ألبث حتى يفرغ من خطبته، وإذا أبو ذر قد خرج فقال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليك وهو يقول لك: \" مرحباً قد بلغني إسلامك فادخل فصل مع الناس \" قال فتطهرت ودخلت فصليت، ثم دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعني وأخبرني بالخبر قبل أن أذكره له، وقال لي: \" أما إبلك فقد بغت أهلك، وقد وفى لك صاحبك \" فقلت: جزاه الله خيرا ورحمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" آمين \" .","part":5,"page":77},{"id":2078,"text":"ومنه ما روى عن مالك بن نفيع أنه قال: ند بعيرٌ لي، فركبت نجيبة وطبنة، حتى ظفرت به، فأخذته وانكفأت راجعاً إلى أهلي، فأسريت ليلةً حتى كدت أصبح، فأنخت النجيبة والجمل وعقلتهما، واضجعت في ذرى كثيب رملٍ، فلما كحلني الوسن سمعت هاتفاً يقول: يا مالك، يا مالك، لو فحصت عن مبرك العود البارك، لسرك ما هنالك، قال: فثرت وأثرت البعير عن مبركه، واحتفرت، وإذا صنم بصورة امرأة، من صفاةٍ صفراء كالورس، مجلوة كالمرآة، فاستخرجتها ومسحتها بثوبي ونصبتها، فآستوت قائمة، فما تمالكت أن خررت ساجداً لها، ثم قمت فنحرت البعير لها ورششتها بدمه، وسميتها غلاب، ثم حملتها على النجيبة وأتيت بها أهلي، فحسدني كثير من قومي عليها، وسألوني نصبها لهم ليعبدوها معي، فأبيت عليهم، فانفردت بعبادتها، وجعلت لها نفسي كل يوم عتيرة، وكانت لي ثلة من الضأن فأتيت على آخرها، وأصبحت يوماً وليس لي ما أعتره، وكرهت الإخلاف بنذري، فأتيتها فشكوت إليها ذلك، فإذا هاتفٌ من جوفها يقول: يا مال يا مال، لاتأس على المال، سر إلى طوى الأرقم، فخذ الكلبي الأسحم، الوالغ في الدم، ثم صد به نعم. قال مالك: فخرجت من فوري إلى طوى الأرقم، فإذا كلب أسحم هائل المنظر، قد وثب على قرهبٍ - يعني ثورا وحشيا - فصرعه وأنا أنظر إليه، ثم بقر بطنه، وجعل يلغ في دمه، قال فتهيبته، ثم أقدمت عليه وهو مقبل على عقيرته، لم يلتفت إلي، فشددت في عنقه حبلا، ثم جذبته فتبعني، فأتيت راحلتي فأثرتها، وقدتها إلى القرهب، فأنختها وجررته وحملته عليها.\rثم قدتها قاصداً إلى الحي، والكلب يلوذ بي فعنت لي ظبيةٌ، فجعل الكلب يثب ويجاذبني المرس، فترددت في إرساله ثم أرسلته، فمر كالسهم حتى اختطفها فأتيته فجذبته إياها فأرسلها في يدي، فاستفزني السرور، وأتيت أهلي فعترت الظبية لغلاب، ووزعت لحم القرهب، وبت بخير ليلة، ثم باركت به الصيد، فلم يفته حمار، ولا ما طله ثور، ولا اعتصم منه وعل، ولا أعجزه ظبيٌ، فتضاعف سروري به، وبالغت في إكرامه، وسميته سحاما، فلبث بذلك ما شاء الله، فإنى لذات يوم أصيد به، فبصرت بنعامة على أدحيها، وهي قريبة منى، فأرسلته عليها، فأجفلت أمامه، واتبعتها على فرس جواد، فلما كاد الكلب يثب عليها، انقضت عليه عقاب من الجو فكر راجعاً نحوي فصحت به فما كذب، وأمسكت الفرس فجاء سحام حتى دخل بين قوائمها، ونزلت العقاب أمامي على صخرة، وقالت: سحام، قال الكلب: لبيك، قالت: هلكت الأصنام، وظهر الإسلام، فأسلم تنج بسلام، وإلا فليست بدار مقام. ثم طارت العقاب، وتبصرت سحاما فلم أره، وكان آخر عهدي به.\rومنه مما يشبه هذه القصة ما روى عن قتادة عن عبد الله بن أبي ذباب عن أبيه، أنه قال: كنت مولعاً بالصيد، وكان لنا صنم اسمه فراض، كنت كثيرا ما أذبح له، ولم أكن أتخذ جارحاً للصيد إلا رمى بآفة، فلما أدخل الحي صيداً حياً، لأني كنت لا أدركه إلا وقد أشفى على الهلاك، فلما طال بي ذلك أتيت فراضاً، فعترت له عتيرة، ولطخته من دمها، وقلت:\rفراض أشكو نكد الجوارح ... من طائرٍ ذي مخلبٍ ونابح\rوأنت للأمر الشديدي الفادح ... فافتح فقد أسهلت المفاتح\rفأجابني مجيبٌ من الصنم؛ فقال:\rدونك كلباً جارحاً مباركاً ... أعد للوحوش سلاحاً شابكا\rيفر حزون الأرض والد كادكا\rقال: فانقلبت إلى خبائي، فوجدت به كلباً خلاسياً بهيما عظيما؛ أهرت الشدقين، شابك الأنياب، شئن البراثن، أشعر مهول المنظر، فصفرت به فأتاني، فلاذ بي وبصبص، فسميته حياضا، فاتخذت له مربطا بإزاء فراشي وأكرمته، ثم خرجت به إلى الصيد، فإذا هو أبصر بالصيد مني، وكان لا يثبت له شيء من الوحش، فقلت فيه:\rحياض إنك مأمولٌ منافعه ... وقد جعلتك موقوفاً لفراض","part":5,"page":78},{"id":2079,"text":"وكنت أعتر لفراض من صيده، وأقرى الضيف، فلم أزل به من أوسع العرب رحلا، وأكثرها ضيفا، إلى أن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل بي ضيفٌ كان زار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع منه القرآن، فحدثني عنه، ورأيت حياصضاً كأنه ينصت الحديثه، ثم إني غدوت أقتنص بحياض، فجعل يجاذبني، ويأبى أن يتبعني فأجذبه وأمسحه، إلى أن عن لي تولب - يعني جحشا من حمير الوحش - قال: فأرسلته عليه فقصده، حتى إذا قلت قد أخذه حاد عنه، فساءني ذلك، ثم أرسلته على رألٍ - يعني فرخ نعامة - فصع مثل ذلك، ثم أرسلته على بقرة، ثم على خشف، كل ذلك لا يأتي بخير، فقلت:\rألا ما بحياضٍ يحيد كأنما ... رأى الصيد ممنوعاً بزرق اللهاذم\rقال: فأجابني هاتف لا أراه:\rيجيد لأمرٍ لو بدا لك عينه ... لكنت صفوحاً عاذلاً غير لائم\rقال: فأخذت الكالب وانكفأت راجعاً، فإذا شخص إنسانٍ عظيم الخلق، قد ركب حمارا وحشيا، فتربع على ظهره، وهو يساير شخصاً مثله راكباً على قرهب، وخلفهما عبد أسود يقود كلباً عظيما بساجورٍ،فأشار أحد الراكبين إلى حياض وأنشد:\rويلك يا حياض لم تصيد ... اخنس وحد عما حوته البيد\rالله أعلى وله التوحيد ... وعبده محمد السديد\rسحقاً لفراضٍ وما يكيد ... قد ظل لا يبدى ولا يعيد\rقال: فملئت رعباً، وذل الكلب فما يرفع رأسا، وأتيت أهلي مغموماً كاسف البال، فبت أتململ على فراشي، ثم خفت من آخر الليل فإذا نغمة، ففتحت عيني فرأيت الكلب الذي كان الأسود يقوده، وإذا حياض يقول له: أحسب صاحبي يقظان، قال: فتناومت، ثم قصدني فتأملني ورجع إليه، فقال: قد نام، فلا عينٌ ولا سمعٌ، قال: أرأيت العفريتين ؟ وسمعت ما قالا، قال حياض: نعم، قال: إنهما قد أسلما واتبعا محمدا، وقد سلطا على شياطين الأوثان، فما يتركان لوثن شيطانا. وقد عذباني عذاباً شديداً، وأخذا علي موثقا ألا أقرب وثنى، وأنا خارج إلى جزائر الهند، فما رأيك لنفسك ؟ قال حياض: ما أمرنا إلا واحد، وذهبا، فقمت أنظر فلا عين ولا أثر، فلما أصبحت أخبرت قومي بما رأيت وسمعت، وقلت لهم: تخيروا من ينطلق معي إلى هذا النبي من حلمائكم وخطبائكم؛ فقالوا لي: أترغب عن دين آبائك ؟ فقلنت لهم: إذا كرهتم شيئاً كرهته، فما أنا إلا واحد منكم، ثم انسللت منهم فكسرت الصنم، ثم قصدت المدينة فأتيتها ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فجلست بإزاء منبره فعقب خطبته بأن قال: \" بإزاء منبري رجلٌ من سعد العشيرة، قدم علينا راغباً في الإسلام، لم يرني ولم أره إلا ساعتي هذه، ولم أكلمه ولم يكلمني قط، وسيخبركم خبرا عجيبا \" ونزل فصلى، ثم قال: \" أدن يا أخا سعد العشيرة \" فدنوت فقال: \" أخبرنا عن حياض وفراض وما رأيت وما سمعت \" قال: فقمت على قدمي وقصصت القصة، والمسلمون يسمعون، فسر النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاني إلى الإسلام، وتلا علىّ القرآن فأسلمت، وقلت في ذلك:\rتبعت رسول الله إذ جاء بالهدى ... وخلفت فراضاً بدار هوان\rشددت عليه شدةً فتركته ... كأن لم يكن والدهر ذو حدثان\rرأيت له كلباً يقوم بأمره ... فهدد بالتنكيل والرجفان\rولما رأيت الله أظهر دينه ... أجبت رسول الله حين دعاني\rوأصبحت للإسلام ما عشت ناصراً ... وألقيت فيه كلكلي وجراني\rفمن مبلغٌ سعد العشيرة أنني ... شريت الذي يبقى بما هو فاني\rوقد تقدم في خبر وفد سعد العشيرة ذكر هذه الأبيات، وأنه لذبابٍ، وأنه الذي كسر الصنم، إلا أنه لم يذكر البيت الذي فيه ذكر الكلب، والله تعالى أعلم.","part":5,"page":79},{"id":2080,"text":"ومنه ما روى أن ربيعة بن أبي براءٍ، قال أخبرني خالي فقال: لما أظهر الله علينا رسوله صلى الله عليه وسلم بحنين انشعبنا في كل مشعب، لا يلوى حميم على حميم، فبينا أنا في بعض الشعاب، رأيت ثعلبا قد تحوي عليه أرقم، والثعلب يعدو عدوا شديدا، فانتحيت له بحجر فما أخطأه، وانتهيت إليه، فإذا الثعلب قد سبقني بنفسه - اي هلك قبل أن أصل إليه - وإذا الأرقم قد تقطع وهو يضطرب، فقمت لأنظر إليه، فهتف هاتفٌ ما سمعت أفظع من صوته يقول: تعساً لك وبؤسا، فقد قتلت رئيسا، وورثت بئيسا، ثم قال: يا داثر يا داثر، فأجابه مجيب من العدوة الأخرى بلبيك لبيك، فقال: بادر بادر، إلى بني العذافر، وأخبرهم بما صنع الكافر، فناديت: إني لم أشعر، وأنا عائذ بك فأجرني. قال: كلا، والحرم الأمين، لا أجير من قاتل المسلمين، وعبد غير رب العالمين. قال فناديت، إني أسلم، فقال: إن أسلمت سقط عنك القصاص، وألبثك الخلاص، وإلا فلا مناص. قال فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، فقال: نجوت وهديت، لولا ذاك لرديت، فارجع من حيث جيت. قال: فرجعت أقفوا أدراجي، فإذا هو يقول: امتط السمع الأزل، يعل بك التل، فهناك أبو عامر يتبع الفل. قال: فالتفت فإذت سمع كالأسد النهد، فركبته ومر ينسل، حتى انتهى إلى تل عظيم، فتوقل فيه إلى أن تسنمه، فأشرفت منه على خيل المسلمين، فنزلت عنه وصوبت الحدور نحوهم، فلما دنوت منهم خرج إلى فارس، كالفالج الهائج، قفال: ألق سلاحك لا أم لك، فألقيت سلاحي. فقال: ما أنت ؟ قلت: مسلمٌ، قال: فسلام عليك ورحمة الله، قلت: وعليك السلام والرحمة والبركة، من أبو عامر ؟ قال: أنا هو، قلت: الحمد لله، قال لا بأس عليك؛ هؤلاء إخوانك المسلمون، أما رأيتك بأعلى التل فارساً فأين فرسك ؟ قال فقصصت عليه القصة، فأعجبه ما سمع منى: وسرت مع القوم أقفوا بهم آثار هوازن حتى بلغوا من ذلك ما أرادوه.\rوالأخبار في مثل ذلك كثيرة، وقد أتينا منها بما نكتفي به، فلنذكر خلاف ذلك من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rرسائله الى الملوك\rذكر رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم إلى الملوك وغيرهم، وما كتب به إليهم، وما أجابوا به كانت رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما أورده الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي رحمه الله، أحد عشر رجلاً؛ وهم: عمرو بن أمية الضمري، ودحية بن خليفة الكلبي، وعبد الله بن حذافة السهمي، وحاطب بن أبي بلتعة اللخمي، وعمرو بن العاص، وسليط بن عمرو العامري، وشجاع بن وهب الأسدي، والمهاجر بن أبي أمية المخزومي، والعلاء بن الحضرمي، وأبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل. هؤلاء الذين أثبتهم.\rوقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة قتله شرحبيل بن عمرو الغساني، وبسبب قتله بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية مؤتة على ما قدمنا ذكره.\rولعل الشيخ رحمه الله، إنما أثبت من الرسل من بلغ الرسالة، وهذا لم يهمل حتى يبلغها، ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسولٌ غيره. وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غير هؤلاء، ممن نذكرهم إن شاء الله تعالى.\rفكان أول ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسل في المحرم، سنة سبع من مهاجره؛ أرسل ستةً من هؤلاء الرسل إلى ستة ملوك، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة خمس جهز الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليهم كتباً، فقيل له: يا رسول الله، إن الملوك لا يقرءون كتابا إلا مختوما، فاتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ خاتما من فضة فصة منه، نقشه ثلاثة أسطر: \" محمد \" سطر \" رسول \" سطر \" الله \" سطر.\rوختم به الكتب، فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد وذلك في المحرم سنة سبع، وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، حكاه محمد بن سعد في طبقاته بسنده.","part":5,"page":80},{"id":2081,"text":"وقال أبو عبد الله بن محمد بن إسحق بن يسار: حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري أنه وجد كتابا فيه ذكر من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البلدان، وملوك العرب والعجم، وما قال لأصحابه حين بعثهم، قال: فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزهري، فعرفه، وفيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقال لهم: \" إن الله بعثني رحمةً وكافةً، فأدوا عني يرحمكم الله، ولا تختلفوا علىّ كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم \" قالوا: يا رسول الله، وكيف كان اختلافهم ؟ قال: \" دعاهم لمثل ما دعوتكم له، فأما من قرب به فأحب وسلم، وأما من بعد به فكره وأبى، فشكا ذلك عيسى منهم إلى الله، فأصبحوا وكل رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وجه إليهم \" .\rقال أبو محمد عبد الملك بن هشام: حدثني من أثق به عن أبي بكر الهذلي، قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه. وساق نحو الحديث.\rذكر إرسال عمرو بن الأمية الضمري إلى النجاشي\rملك الحبشة وإسلامه\rبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، وكتب معه كتابين، يدعوه في أحدهما إلى الإسلام، ويتلو عليه القرآن،، فأخذ النجاشي كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره فجلس على الأرض، ثم أسلم وشهد شهادة الحق، وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجابته، وتصديقه وإسلامه على يدي جعفر بن أبي طالب لله رب العالمين. وكان جعفر ممن هاجر إلى الحبشة كما قدمنا ذكر ذلك.\rوفي الكتاب الثاني، يأمره أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، وكانت قد هاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش الأسدي، فتنصر هناك ومات، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه من قبله من أصحابه الذين هاجروا إلى الحبشة وأن يحملهم، ففعل، وزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة، وأصدقها أربعمائة دينار، وأمر بجهاز المسلمين وما يصلحهم، وحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية، وجعل كتابي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق من عاجٍ، وقال: لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرها.\rذكر إرسال دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم\rبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وكتب إليه: \" بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله و روسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتبع الهدى - أما بعد - فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم اليريسين، و \" يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ يعضنا بعضا أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون \" .","part":5,"page":81},{"id":2082,"text":"وبإسنادنا المتقدم، إلى أبي عبد الله محمد بن إسمعيل بن إبراهيم البخاري، قال: حدثنا الحكم بن نافع أبو اليمان، قال حدثنا شعيب، عن الزهري، قال أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن أبا سفيان بن حرب أخبره، أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيليا، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسباً، قفال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم أني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علىّ كذباً لكذبت عنه. ثم كان أول ما سألني عنه أنه قال: كيف نسبه فيكم ؟ قلت: هو فينا ذو نسبٍ، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله ؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفائهم ؟ قلت بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت: لا، قال: فهل يغدر ؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعلٌ فيها، قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غيرهذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه ؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه، قال: ماذا يأمركم ؟ قلت: يقول اعبدو الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة، فقال لترجمانه: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول، فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من أبائه من ملك، فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله، وسألتك أأشراف الناس اتبعوه لم ضعفاؤهم، فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر، فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بم يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما يقول حقاً، فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارجٌ، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أنى أعلم أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل فقرأه، فإذا فيه \" بسم الله الرحمن الرحيم \" وذكره كما تقدم.\rقال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات، وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر، فما زلت موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله علىّ الإسلام.","part":5,"page":82},{"id":2083,"text":"قال: وكان ابن الناطور صاحب إيليا وهرقل أسقفا على نصارى الشام يحدث أن هرقل حين قدم إيليا أصبح يوماً خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك، فقال ابن الناطور، وكان هرقل حزاءً، ينظر في النجوم، قفال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلو من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم، إذ أتى هرقل برجل، أرسل به ملك غسان، يخبر عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتنٌ هو أم لا، فنظروا إليه، فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه، يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نبيٌ، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد؟ وأن يثبت ملككم فتبايعوا لهذا النبي، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال: ردوهم عليه، وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل.\rرواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري.\rوقد قدمنا من خبر هرقل في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحقيق نبؤته عنده في فصل من بشر في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقف عليه هناك.\rذكر إرسال عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك الفرس\rبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، يدعوه إلى الإسلام وكتب معه كتابا؛ قال عبد الله: فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرئ عليه ثم أخذه فمزقه، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" اللهم مزق ملكه \" . وكتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز، فليأتيا بخبره. فبعث باذان قهرمانه، ورجلاً آخر وكتب معهما كتاباً، فقدما المدينة، فدفعا كتاب باذان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهما إلى الإسلام وفرائصهما ترعد، وقال: \" ارجعا عني يومكما هذا حتي تأتياني الغد فأخبركما بما أريد \" فجاءاه الغد، فقال لهما: \" أبلغا صاحبكما أن ربي قد قتل ربه كسرى في هذه الليلة لسبع ساعات مضت منها - وهي ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة - وأن الله تعالى سلط عليه ابنه شيرويه فقتله \" فرجعا إلى باذان بذلك فأسلم هو والأبناء الذين في اليمن.\rذكر إرسال حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس\rصاحب الإسكندرية عظيم القبط، واسمه جريج بن مينا بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتاباً فأتاه، وأوصل إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه، وقال خيراً، وجعل الكتاب في حقّ من عاج، وختم عليه ودفعه إلى جاريته، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد علمت أن نبياً قد بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط العظيم، وقد أهديت لك كسوة وبغلة تركبها.\rولم يزد على هذا، ولم يسلم المقوقس، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هديّته، وأخذ الجاريتين، وهما مارية أم إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأختها شيرين، وبغلة بيضاء، لم يكن في العرب يومئذ غيرها، وهي دلدل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المقوقس \" ضنّ الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه \" . قال حاطب: كان المقوقس مكرماً لي في الضيافة وقلة اللبث ببابه، وما أقمت عنده إلا خمسة أيام.\rوقال أبو عمر بن عبد البر: إن المقوقس أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم خصيّا اسمه مأبور، وذكر لك في ترجمة مارية، ويقال: هو ابن عم مارية، والله أعلم.\rوقد ذكرنا في الحجة البالغة، والأجوبة الدامغة، ما كان بينهما من المحاورات، وذلك في الباب الرابع عشر، من القسم الخامس، من الفن الثاني، في السفر الثامن من هذه النسخة.","part":5,"page":83},{"id":2084,"text":"ذكر إرسال شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر\rقالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب الأسدي، إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، ملك البلقاء من أرض الشام، يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتاباً، قال شجاع: فأتيته وهو بغوطة دمشق، وهو مشغول بتهيئة الأنزال والألطاف لقيصر، وهو جاءٍ من حمص إلى إيلياء، فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة، فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فقال: لا تصل غليه حتى يخرج يوم كذا وكذا. وجعل حاجبه - وكان روميّا اسمه مرى - يسألني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنت أحدثه عن صفته، وما يدعو إليه فيرقّ حتى يغلبه البكاء، ويقول: إني قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي بعينه، فأنا أومن به وأصدقه، وأخاف من الحارث أن يقتلني، وكان يكرمني ويحسن ضيافتي، وخرج الحارث يوماً فجلس، ووضع التاج على رأسه، فأذن لي عليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأه ثم رمى به، وقال: من ينتزع مني ملكي ؟ أنا سائر إليه، ولو كان باليمن جئته، عليّ بالناس ! فلم يزل يفرض حتى قام، وأمر بالخيول تنعل، ثم قال: أخبر صاحبك ما ترى. وكتب إلى قيصر يخبره خبري وما عزم عليه، فكتب إليه قيصر: ألا تسير إليه، واله عنه، ووافني بإيلياء، فلما جاءه جواب كتابه دعاني فقال لي: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك ؟ فقلت: غداً، فأمر لي بمائة مثقال ذهب، ووصلني مرى، وأمر لي بنفقة وكسوة، وقال: اقرأ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منّي السلام. فقدمت على رسول الله فأخبرته، فقال: \" باد ملكه \" وأقرأته من مرى السلام، وأخبرته بما قال، فقال صلى الله عليه وسلم: \" صدق \" ومات الحارث بن أبي شمر عام الفتح.\rإرسال سليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن عليّ الحنفي باليمامة\rبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه كتابا، فقدم عليه فأنزله وحباه، وقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتّبعك. وأجاز سليط بن عمرو بجائزة وكساه أثواباً من نسج هجر، فقدم بذلك كله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره عنه بما قال، فقرأ كتابة وقال: \" لو سألني سيابةً من الأرض ما فعلت، باد وباد ما في يديه \" فمات عام الفتح. فهؤلاء الستة الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحرم سنة سبع.\rوبعث صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين.\rقال محمد بن سعد: بعثه عند منصرفه من الجعرانة إليه، يدعوه إلى الإسلام، وكتب إليه كتابا. فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه وتصديقه، و \" أني قرأت كتابك على أهل هجر، فمنهم من أحب الإسلام، وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوسٌ ويهودٌ، فأحدث إليّ في ذلك أمرك \" فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهودتيه أو مجوسيته فعليه الجزية، وبألا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم \" .\rوكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا هريرة مع العلاء بن الحضرمي، وأوصاه به خيراً، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العلاء فرائض الإبل، والبقر والغنم، والثمار والأموال، فقرأ العلاء كتابه على الناس وأخذ صدقاتهم.\rوبعث صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ملكي عمان.","part":5,"page":84},{"id":2085,"text":"قال محمد بن سعد: بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، سنة ثمان من مهاجره، إلى جيفر وعبدٍ ابني الجلندي، وهما من الأزد، والملك منهما جيفر، يدعوهما إلى الإسلام، وكتب معه إليهما كتابا، قال عمرو: لما قدمت عمان عمدت إلى عبدٍ، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا، فقلت: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك وإلى أخيك، فقال: أخي المقدم عليّ بالسن والملك وأنا أوصلك إليه حتى تقرأ كتابك، فمكثت أياماً ببابه، ثم دعاني فدخلت عليه فدفعت إليه الكتاب مختوماً، ففضّ خاتمه وقرأه حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته، إلا أني رأيت أخاه أرق منه، فقال: دعني يومى هذا وارجع إليّ غدا، فلما كان من الغد رجعت إليه، فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي، قلت: فإني خارج غدا، فلما أيقن بمخرجي أصبح فأرسل إلي، فدخلت عليه فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدّقا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وخلّيا بيني وبين الصدقة، وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لي عونا على من خالفني، فأخذت الصدقة من أغنيائهم، فرددتها في فقرائهم، ولم أزل مقيما بينهم حتى بلغنا وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوبعث صلى الله عليه وسلم المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث الحميري، وهو الحارث بن عبد كلال مللك اليمن.\rوبعث صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل إلى اليمن. وكانا جميعا داعيين إلى الإسلام، فأسلم عامة أهل اليمن، ملكوهم وعامتهم طوعا. هؤلاء الرسل الذين ذكرهم الشيخ أبو محمد عبدالمؤمن بن خلف الدمياطي في مختصر السيرة.\rوقد ذكر محمد بن سعد بن منيع في طبقاته الكبرى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الكلاع بن ناكور بن حبيب ابن مالك بن حسان بن تبع، وإلى ذي عمرو يدعوهما إلى الإسلام، فأسلما وأسلمت ضريبة بنت أبرهة بن الصباح. وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجرير عندهم، فأخبره ذو عمرو بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع جرير إلى المدينة.\rولم يذكر محمد بن سعد المهاجر، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى اليمن مع معاذ بن جبل مالك بن مرارة.\rوذكر أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري، في كتابه المترجم بالاستيعاب، في ترجمة بن أبي أمية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى الحارث كما قدمنا.\rقال ابن سعد: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبلة بن الأيهم ملك غسان يدعوه إلى الإسلام فأسلم، وكتب بإسلامه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهدى له هدية، ولم يذكر اسم المرسل إليه، ثم كان من أمر جبلة بن الأيهم، وخبر ارتداده ما نذكره إن شاء الله تعالى، في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.\rوقال محمد بن إسحق رحمه الله: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث أمراءه وعماله على الصدقات، غلى كل ما أوطأ الإسلام من البلدان.\rفبعث المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء، فخرج عليه العنسي وهو بها، وبعث زياد بن لبيد، أخا بني بياضة الأنصاري، إلى حضرموت وعلى صدقاتها. وبعث عدي بن حاتم على طيء وصدقاتها، وعلى بني أسد، وبعث مالك بن نويرة اليربوعي على صدقات بني حنظلة، وفرق صدقات بني سعد على رجلين منهم، فبعث الزبرقان بن بدر على ناحية منها، وقيس بن عاصم على ناحية.\rقال: وكان قد بعث العلاء بن الحضرمي على البحرين، وبعث عليّ بن أبي طالب إلى أهل نجران ليجمع صدقتهم، ويقدم عليه بجزيتهم.\rهذا ما وقفنا عليه من أخبار رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلنذكر من أخباره صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك.\rأزواج الرسول وخواصه","part":5,"page":85},{"id":2086,"text":"وهن: خديجة بنت خويلد، وسودة بنت زمعة، وعائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وزينب بنت خزيمة بن الحارث، وأم سلمة هند بنت أبي أمية، وزينب بنت جحشٍ، وجويرية بت الحارث،، وريحانة بنت زيدٍ، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب، وصفية بنت حيٍّ ابن أخطب، وميمونة بنت الحارث، هؤلاء المدخول بهن، وهن ثنتا عشرة امرأة رضوان الله عليهن، وسنذكر إن شاء الله تعالى، بعد أن نذكر أخبار هؤلاء، من تزوجهن صلى الله عليه وسلم، ولم يدخل بهن، ومن وهبت نفسها له، ومن خيرها فاختارت الدنيا، ومن فارقها صلى الله عليه وسلم، ولنذكر أخبارهن على حسب اتصالهن به صلى الله عليه وسلم.\rفأول امرأة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: خديجة بنت خويلد ابن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشية، رضي الله عنها، وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة، وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم، واسم الأصم جندب ابن هرم بن رواحة بن حجرٍ بن معيص بن عامر بن لؤي. وكانت خديجة عند أبي هالة بن زرارة بن نباشٍ بن عدي بن حبيب بن صردٍ بن سلامة بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم التميمي. قال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر ابن عاصم النمري: هكذا نسبه الزبير، وأما الجرجاني النسابة فقال: كانت خديجة قبل عند أبي هالة هند بن النباش بن زرارة بن وقدان بن حببيب بن سلامة بن عدي ابن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم، فولدت له هندا، قال: ثم اتفقا فقالا: ثم خلف عليها بعد أبي هالة عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ثم خلف عليها بعد عتيق المخزومي رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوقال قتادة: كانت خديجة تحت عتيق بن عابد المخزومي، ثم خلف عليها بعده أبو هالة هند بن زرارة، قال أبو عمر: والأول أصح.\rوقال أبو محمد عبد المؤمن بن خلف: إنها ولدت لعتيق جارية تدعى هند، ثم هلك عنها فخلف عليها أبو هالة فولدت له ابنا وبنتا. وقال ابن إسحق: ولدت هند بن أبي هالة، وزينب بنت أبي هالة، وولدت لعتيق عبد الله وجارية، قال: ثم هلك فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قدمنا ذكر زواجه صلى الله عليه وسلم بها، فلا حاجة إلى إعادته. وولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم جميع أولاده، إلا إبراهيم. وقال أبو عمر: لا ختلفون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتزوج في الجاهلية غير خديجة، ولا تزوج عليها أحدا من نسائه حتى ماتت، وهي أول من آمن بالله عز وجل، وبرسوله صلى الله عليه وسلم على الإطلاق.\rقال ابن إسحق رحمه الله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسمع من المشركين شيئا يكرهه، من ردٍّ عليه وتكذيب له إلا فرّج الله عنه بخديجة، تثبّته وتصدّقه وتخفّف عنه وتهوّن عليه ما يقلى من قومه، وقد تقدم من أخبارها في ابتداء الوحي وامتحانها الأمر، وقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الذي يأتيه ملك، وغير ذلك ما تقف عليه هناك، مما يستدل به على أنها رضي الله عنها أوّل من آمن بالله تعالى وبرسوله، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة المنتشرة، بفضل خديجة رضي الله عنها، فمن ذلك ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم بنت عمران فاطمة وخديجة وآسية امرأة فرعون \" . وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، ولكن ذلك لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، وأن كان ليذبح الشاة فيتتبع بذلك صدائق خديجة يهديها لهن، وعنها رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن عليها الثناء، فذكرها يوماً من الأيام فأدركتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزاً قد أبدلك الله خيراً منها ؟ فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: \" لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء \" قالت عائشة: فقلت في نفسي لا أذكرها بسيئة أبداً.","part":5,"page":86},{"id":2087,"text":"وقد قدمنا من فضلها وما بشّرها به جبريل عليه السلام، وذكر وفاتها عند ذكرنا لزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ما يستغنى عن إيراده في هذا الموضع، وهو في الجزء الرابع عشر من كتابنا هذا من هذه النسخة.\rولما ماتت خديجة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاتها بأيام: سودة بنت زمعة بن قيس ابن عبد شمس بن عبد ودٍ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، ويقال في حسل: حسيل. وأمها الشموس بنت قيس بن زيد بن عمرو بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، بعد موت خديجة، وقبل العقد على عائشة على المشهور، وكانت قبل عند ابن عمٍ لها يقال له السكران بن عمرو، وهو أخو سهيل بن عمرو، من بني عامر بن لؤي، وأسنت سودة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم بطلاقها، فقالت له: لا تطلقني وأنت حلٍ من شاني، فإنما أريد أن أحشر في أزواجك، وإعني قد وهبت يومي لعائشة، وإني ما أريد ما تريد النساء. فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار يقسم لبقية أزواجه دونها، ونوبتها لعائشة، فكانت كذلك حتى توفي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من توفي عنه من أزواجه.\rقال أبو عمر: وفي سودة نزل قوله تعالى: \" وإن امرأةٌ خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير \" . وقيل: \" نزلت في عمرة، ويقال: خولة بنت محمد بن مسلمة، وفي زوجها سعد بن الربيع. ويقال في غيرها. والله أعلم. وكانت وفاة سودة في آخر زمان عمر بن الخطاب، ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سودة: عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وأمها أم رومان ابنة عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، في شوال سنة عشر من النبوة، قبل الهجرة بثلاث سنين، وهي بنت ستٍ أو سبع، وبنى بها بالمدينة على رأس سبعة أشهر من الهجرة، وهي ابنة تسع سنين، وتوفي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي بنت ثمان عشرة سنة، ولم يتزوج صلى الله عليه وسلم بكراً غيرها، وكانت عائشة رضي الله عنها تذكر لجبير ابن مطعم بن عدي وتسمى له، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أري عائشة في المنام في سرقة من حرير متوفى خديجة، فقال: \" إن يكن هذا من عند الله يمضه \" فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وابتنى بها في شوال، فكانت تحب أن تدخل النساء من أهلها وأحبتها في شوال على أزواجهن، وتقول: هل كانت في نسائه عنده أحظى مني، وقد نكحني وابتنى بي في شوال.\rقال أبو عمر: فكان مكثها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين، روي عنها أنها قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بنت سبع سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع، وقبض عني وأنا بنت ثماني عشرة.\rقال أبو عمر: واستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكنية فقال لها: \" اكتني بابنك عبد الله بن الزبير \" يعني ابن أختها، وكان مسروق إذا حدث عن عائشة يقول: حدثتني الصادقة ابنة الصديق، البريئة المبرأة بكذا وكذا، ذكره الشعبي عن مسروق، وقال أبو الضحا عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة، وقال هشام ابن عروة عن أبيه: ما رأيت أحداً أعلم بفقهٍ ولا بطب ولا بشعر من عائشة. وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن ابيه، قال: ما رأيت أحدا أروى لشعر من عروة،فقيل له:: ما أرواك يا أبا عبد الله ! قال: وما روايتي في رواية عائشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا. قال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى جميع علم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل. وروى عن عمرو بن العاص قال: قلت: لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أحب إليك ؟ قال: \" عائشة \" ، قلت: فمن الرجال ؟ قال: \" أبوها \" .","part":5,"page":87},{"id":2088,"text":"ومن حديث أبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام \" . ومن فضل عائشة أن الله عز وجل أنزل في براءهتها ما أنزل، وقد ذكرنا ذلك في حديث الإفك، في حوادث سنة خمسٍ من الهجرة، وهو في الجزء الرابع عشر من كتابنا هذا، من هذه النسخة. وورى عن مالك بن أنس رحمه الله أنه قال: من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل، فقيل له: لم ؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن، لأن الله تعالى يقول: \" يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين \" فمن عاد لمثله فقد كفر. وعن القاضي أبي بكر بن الطيب قال: إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه، كقوله: \" وقالو اتخذ الرحمن ولداً سبحانه \" في أي كثر. وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال: \" لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك \" سبح نفسك في تنزيهها من السوء، كما سبح نفسه في تنزيهه من السوء، وفضائلها رضي الله عنها كثيرة مشهورة.\rوسنذكر إن شاء الله تعالى، عند ذكرنا لوفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خصها به صلى الله عليه وسلم، في مرضه الذي مات فيه، من تمريضه في بيتها، وأنه مات صلى الله عليه وسلم في بيتها وفي نوبتها، وبين سحرها ونحرها، وآخر ما دخل فمه ريقها، وناهيك بها فضيلة وخصوصية، وكانت وفاة عائشة رضي الله عنها بالمدينة، في سنة سبع وخمسين، وقيل: في سنة ثمان وخمسين، ليلة الثلاثاء، لسبع عشر خلت من شهر رمضان، وأمرت أن تدفن ليلا، فدفنت بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، ونزل في قبرها خمسة: عبد الله، وعروة ابنا الزبير، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر، والله أعلم.\rوتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زواج عائشة: حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها وهي أخت عبد الله بن عمر لأبيه وأمه، وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب ابن وهب بن حذافة بن جمح، وكانت حفصة من المهاجرات، وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي، وكان بدريا، فلما مات عنها، وتأيمت، ذكرها عمر لأبي بكر وعرضها عليه، فلم يرجع إليه أبو بكر كلمة، فغضب من ذلك عمر، ثم عرضها على عثمان حين ماتت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عثمان: ما أريد أن أتزوج اليوم، فانطلق عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه عثمان، وأخبره بعرضه حفصة عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة \" ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر فتزوجها، فلقى أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب فقال: لا تجد علىّ في نفسك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذكر حفصة، فمل أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لتزوجتها، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس ثلاثين شهرا من مهاجره. قال أبو عمر: وطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم تطليقة ثم ارتجعها، وذلك أن جبريل عليه السلام قال له: \" راجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وأنها زوجتك في الجنة \" . وروى عن عقبة بن عامر قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر، فبلغ ذلك عمر، فحثى على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعد هذا، فنزل جبيريل من الغد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: \" إن الله يأمرك أن تراجع حفصة بنت عمر رحمة لعمر \" .\rقال أبو عمر: وأوصى عمر بعد موته إلى حفصة، وأوصت حفصة إلى عبد الله ابن عمر بما أوصى به إليها عمر، وبصدقة تصدقت بها بمال وقفته بالغاية. واختلف في وفاتها، فقال الدولابي: عن أحمد بن محمد بن أيوب، توفيت في سنة سبع وعشرين، وقال أبو معشر: توفيت في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وقال غيره: توفيت في شعبان سنة خمس وأربعين بالمدينة، وصلى عليها مروان بن الحكم، وحمل سريرها، وهو إذ ذاك أمير المدينة لمعاوية بن أبي سفيان، وهذا الذي أشار إليه الشيخ أبو محمد الدمياطي في مختصر السيرة، قال: ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زواج حفصة بنت عمر: زينب بنت خزيمة بن الحارث","part":5,"page":88},{"id":2089,"text":"ابن عبد الله عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية ابن أبي بكر بن هوزان القيسية الهوازنية العامرية الهلالية، وكانت تدعى في الجاهلية أم المساكين، وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطفيل بن الحارث ابن عبد المطلب بن عبد مناف فطلقها، فخلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث فقتل عنها بيوم بدر شهيدا، فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان على رأس أحد وثلاثين شهرا من مهاجره. وقيل: كانت تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها يومٍ أحدٍ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى الأول اعتمد الشيخ أبو محمد، قال: ومكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت في آخر شهر ربيع الآخر، وصلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفنها بالبقيع، وقد بلغت ثلاثين سنة أو نحوها، ولم يمت من أزواجه في حياته غيرها، وغير خديجة، قال: وفي ريحانة خلاف، وقال أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني النسابة، كانت زينب بنت خزيمة أخت ميمونة لأمها، قال أبو عمر: ولم أر ذلك لغيره، والله أعلم.\rثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زينب بنت خزيمة: أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة المعروف بزاد التراكب بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة بن كعب بن لؤي القرشية المخزومية. وكان أبوها أحد أجواد قريش المشهورين بالكرم. وأمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك بن خزيمة بن علقمة ابن فراس. وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن برة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولدت له عمر وزينب، فكانا ربيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو عمر: ولدت له عمر وسلمة ودرة وزينب. قال: وكانت هي وزوجها أول من هاجر إلى أرض الحبشة، ويقال أيضاً: أم سلمة أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة، وقيل: بل ليلى بنت أبي حثمة زوج عامر بن ربيعة.\rتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة في ليالٍ بقين من شوال سنة أربع من مهاجره، وقال أبو عمر: تزوجها في سنة اثنتين من الهجرة بعد وقعة بدر، عقد عليها في شوال، وابتنى بها في شوال، وقال لها: إن شئت سبعت عندك، وسبعت لنسائي، وإن شئت ثلثت ودرت \" فقلت: ثلث. قال ابن هشام: زوجه إياها ابنها سلمة بن أبي سلمة، وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فراشا حشوة ليفٌ وقدحا وصحفة ومجشة. وقد اختلف في وفاتها، فقيل: توفيت في سنة ستين من الهجرة، وقيل: في شهر رمضان أو شوال سنة تسع وخمسين، وقال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن: توفيت في سنة اثنتين وستين. قال أبو عمر: وصلى عليها أبو هريرة، وقيل: سعيد بن زيد بوصية منها، ودخل قبرها عمر وسلمة ابنا أبي سلمة، وعبيد الله بن عبد الله بن أبي أمية، وعبد الله بن وهب بن ربيعة، ودفنت بالبقيع رحمها الله، وهي آخر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم موتا، وقيل بل ميمونة آخرهن، والله أعلم.\rثم تزوج صلى الله عليه وسلم بعدها: زينب بنت جحش بن رئاب ابن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير - بالباء الموحدة - ابن غنم بن دودان ابن أسد بن خزيمة.","part":5,"page":89},{"id":2090,"text":"وكان اسم زينب بنت برة، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الشيخ أبو محمد بن عبد المؤمن: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهلال ذي القعدة سنة أربع على الصحيح، وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة، وكانت قبل ذلك عند زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم فارقها، فلما حلت زوجه الله إياها، وهي التي قال الله تعالى فيها: \" فلما قضى زيدٌ منها وطراً زوجناكها \" ولما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم في ذلك المنافقون، وقالوا حرم محمد نساء الولد وقد تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله عز وجل: \" ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم \" . وقال تعالى: \" ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله \" فدعى زيد يومئذٍ زيد بن حارثة، وكان قبل ذلك يدعى زيد بن محمد. قالت عائشة رضي الله عنها: لم يكن أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم يساميني في حسن المنزلة عنده غير زينب بنت جحش، وكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، تقول: إن آباءكن أنكحوكن وأن الله أنكحني إياه من فوق سبع سموات. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لزيد بن حارثة: \" اذكرها علىّ \" قال زيد: فانطلقت فقلت لها: يا زينب، أبشري، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل يذكرك. فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن، وعن عبد الله بن شداد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: \" إن زينب بنت جحش أواهه \" فقال رجل: يا رسول الله، ما الأواه ؟ قال: الخاشع المتضرع، و \" إن إبراهيم لحليم أواهٌ منيبٌ \" . وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها؛ قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما لنسائه: \" أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يدا \" ، قالت: فكن يتطاولن أيهن أطول يدا، قالت: فكانت أطولنا يدا زينب، لأنها كنانت تعمل بيديها وتتصدق. وعن عائشة رضي الله عنها أيضاً، قالت كانت زينب بنت جحش تساميني في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأيت امرأة قط خيرا في الدين من زينب، وأتقى لله وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة. ومن رواية أخرى عنها أنها ذكرت زينب فقالت: ولم تكن امرأة خيرا منها في الدين، وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد تبذلا في نفسها في العمل الذي تتصدق به وتقترب إلى الله عز وجل، وكانت وفاة زينب بالمدينة في سنة عشرين من الهجرة، في خلافة عمر، وقيل: في سنة إحدى وعشرين، ودفنت بالبقيع رضي الله عنها.\rثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد زينب: جويرية بنت الحارث","part":5,"page":90},{"id":2091,"text":"ابن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة، وهو المصطلق بن سعد ابن كعب بن عمرو بن ربيعة، وهو لحى بن حارثة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء، الأزدية الخزاعية المصطلقية. سباها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم المريسيع فوقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس بن شماس، وكاتبها على تسع أواقٍ، فأدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها كتابتها وتزوجها. وقيل: جاء أبوها فافتداها، ثم أنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة ست من الهجرة. وروى عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس - أو لابن عم له - فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوةً ملاحةً لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت، فدخلت عليه، فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس - أو لابن عم له - فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي، قال: فهل لك في خير من ذلك \" ؟ قالت: وما هو يا رسول الله ؟ قال: أقض عنك كتابتك وأتزوجك \" ، قالت: نعم يا رسول الله، قال: \" قد فعلت \" ؛ قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج بجويرية بنت الحارث فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا ما بأيديهم، فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيتٍ من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها.\rقال أبو عمر: وكانت جويرية قبل تحت مسافع بن صفوان المصطلقي، قال: وكان اسمها برة، فغير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمها وسماها جويرية، وحفظت جويرية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروت عنه، وتوفيت في المدينة في شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين، وصلى عليها مروان بن الحكم وهو والي المدينة وقد بلغت سبعين سنة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت عشرين سنة. وقيل: توفيت في سنة خمسين. والله أعلم.\rثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جويرية: ريحانة بنت زيد بن عمر بن خنافة بن شمعون قال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري رحمه الله: هي ريحانة بنت شمعون بن زيد بن خنافة من بني قريظة، وقيل من بني النضير. قال: والأكثر من بني قريظة. قال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن ين خلف رحمه الله: وكانت متزوجة رجلاً من بني قريظة، يقال له الحكم، وكانت قد وقعت في السبي يوم بني قريظة، وذلك في ليال من ذي القعدة سنة خمس من الهجرة، فكانت صفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فخيرها بين الإسلام ودينها فاختارت الإسلام فأعتقها وتزوجها، وأمهرها اثنتي عشرة أوقية ونشا، وأعرس بها في المحرم سنة ست، في بيت أم المنذر سلمى بنت قيس من بني النجار، وضرب عليها الحجاب، فغارت عليه غيرة شديدة، فطلقها تطليقة، فأكثرت البكاء فراجعها، فكانت عنده حتى ماتت بعد رجعته من حجة الوداع، فدفنها بالبقيع. وقيل: إنه لم يتزوجها وكان يطؤها بملك اليمين، وأنه خيرها بين العتق والتزويج، أو تكون في ملكه، فقالت: أكون في ملكك أخف علي وعليك، فكانت في ملكه حتى توفي عنها. قال: والأول أثبت.\rثم تزوج صلى الله عليه وسلم: ؟أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان","part":5,"page":91},{"id":2092,"text":"صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشية الأموية، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية عمة عثمان بن عفان، هاجرت أم حبيبة مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فولدت له حبيبة فكنيت بها، وتنصر عبيد الله زوجها، وارتد عن الإسلام، ومات على ذلك، وثبتت أم حبيبة على دين الإسلام، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، كما قدمنا ذكر ذلك فزوجه إياها، وكان الذي عقد عليها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية على الأصح، وأصدقها النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وجهزها إلى المدينة، وذلك في سنة سبع من الهجرة، وهذا هو المعروف المشهور. وقيل: إن الذي زوجها عثمان بن عفان، وأن العقد كان بالمدينة بعد رجوعها من أرض الحبشة. والأول أثبت.\rوروى الزبير بن بكار قال: حدثني محمد بن حسن عن عبد الله بن عمرو بن زهير، عن إسمعيل بن عمرو أن أم حبيبة قالت: ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشي جارية يقال لها أبرهة، كانت تقوم على ثيابه ودهنه، فاستأذنت عليّ فأذنت لها، فقالت: إن الملك يقول لك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كتب إليّ أن أزوجكه فقلت: بشرك الله بخير، وقالت: يقول لك الملك وكلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن سعيد فوكلته، وأعطيت أبرهة سوارى فضة كانتا عليّ، وخواتم فضة كانت في أصابعي سرورا بما بشرتني، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من المسلمين يحضرون، وخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم - أما بعد - فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليّ أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أصدقتها أربعمائة دينار. ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون - أما بعد - فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسوله. ودفع النجاشي الدنانير إلى خالد بن سعيد فقبضها؛ ثم أرادوا أن يقوموا، قفال النجاشي: اجلسوا في سنة الأنبياء عليهم السلام إذا تزوجوا أن يؤكل طعامٌ على التزويج، فعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا. وماتت أم حبيبة سنة أربع وأربعين. وروى عن علي بن حسين قال: قدمت منزلي في دار علي بن أبي طالب، فحفرنا في ناحية منه فأخرجنا منه حجرا فإذا فيه مكتوب، هذا قبر رملة بنت صخر، فأعدناه مكانه، حكاه أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة أم حبيبة.\rثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أم حبيبة: صفية بنت حي بن أخطب ابن سعية بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بنت الحارث بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن نحوم، من بني إسرائيل من سبط هرون بن عمران عليه السلام.\rكان أبوها سيد بني النضير، وأمها برة بنت سموءل، أخت رفاعة، وكانت صفية عند سلام بن مشكم القرظي الشاعر، ففارقها فخلف عليها كنانة بن الربيع ابن أبي الحقيق النضري الشاعر، فقتل يوم خيبر، ولم تلد لأحد منهما شيئاً، فاصفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، ولم تبلغ يومئذ سبع عشرة سنة.","part":5,"page":92},{"id":2093,"text":"وحكى محمد بن إسحق في مغازية، وأبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في دلائل النبوة، في غزاة خيبر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما افتتح القموص: - حصن ابن أبي الحقيق - أتى بصفية بنت حي بن أخطب، وبأخرى معها، فمر بهما بلال على قتلى من قتلى يهود، فملما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" أغربوا عني هذه الشيطانة \" وأمر بصفية فحيزت خلفه، وألقى عليها رداءه، فعرف المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفاها لنفسه، وكانت صفية قد رأت في المنام، وهي عروس بكنانة بن الربيع، أن قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها، فقال: ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا: فلطم وجهها لطمة خضر عينها منها، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها أثر منه، فسألها ما هو فأخبرته هذا الخبر.\rوروى عن أنس بن مالك من رواية صهيب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمع سبى خيبر جاءه دحية فقال: أعطني جارية، من السبي، قال: \" اذهب فخذ جارية \" فأخذ صفية بنت حي، فقيل: يا رسول الله، إنها سيدة قريظة والنضير، ما تصلح إلا لك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \" خذ جارية من السبي غيرها \" .\rوقال ابن شهاب: كانت مما أفاء الله عليه، حجبها وأولم عليها بتمر وسويق، وقسم لها، وكانت إحدى أمهات المؤمنين، قال أبو عمر: \" روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على صفية وهي تبكي، فقال لها: \" ما يبكيك \" ؟ قالت: بلغني أن عائشة وحفصة تنالان مني، وتقولان نحن خير من صفية، نحن بنات عم رسول الله وأزواجه، قال: \" ألا قلت لهن كيف تكن خيراً مني وأبي هرون، وعمي موسى، وزوجي محمد صلى الله عليه وسلم \" .\rوكانت صفية حليمة عاقلة فاضلة، وروى أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقالت: إن صفية تحب السبت وتصل اليهود، فبعث إليها عمر يسألها، فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أبدلني الله به يوم الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحما فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت ؟ قالت: الشيطان، قالت: فاذهبي فأنت حرة. وتوفيت صفية في شهر رمضان سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين. ودفنت بالبقيع، وورثت مائة ألف درهم بقيمة أرض وعرض، وأوصت لابن أختها بثلثها، وكان يهوديا.\rثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها: ميمونة بنت الحارث ابن حزن بنم بجير بن هزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان بن مطر.\rوأمها هند بنت عوف بنت زهير بن الحارث بن حماطة بن حمير، وقيل: من كنانة، وأن زهير بن الحارث بن كنانة.\rوأخوات ميمونة لأبيها ولأمها: أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث، زوج العباس بن عبد المطلب، ولبابة الصغرى زوج الوليد بن المغيرة، أم خالد بن الوليد. وعصماء بنت الحارث، كانت تحت أبي بن خلف الجمحي. وعزة بنت الحارث، كانت عند زياد بن عبد الله بن مالك الهلالي.\rوأخواتها لأمها: أسماء بنت عميس، كانت تحت جعفر بن أبي طالب، فولدت له عبد الله، وعونا ومحمدا، ثم خلف عليها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فولدت له محمدا، ثم خلف عليها علي بن أبي طالب، فولدت له يحيى، وقيل: إن أسماء كانت تحت حمزة بن عبد المطلب، فولدت له أمة الله بنت حمزة، ثم خلفها عليها بعده شداد بن أسامة بن الهاد الليثي، فولدت له عبد الله، وعبد الرحمن. وسلامة بنت عميس أخت أسماء. وسلمى بنت عميس كانت تحت عبد الله بن كعب بن منبه الخثعمي. وزينب بنت خزيمة أخت ميمونة لأمها.","part":5,"page":93},{"id":2094,"text":"قال أبو عمر بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما: كان اسم ميمونة برة، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة، وقال: لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة معتمرا في سنة سبع، وهي عمرة القضاء، خطب جعفر بن أبي طالب عليه ميمونة بنت الحارث الهلالية، وكانت أختها لأمها أسماء بنت عميس عند جعفر، وسلمى بنت عميس عند حمزة، وأم الفضل عند العباس، فأجابت جعفر ابن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، فأنكحها النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرمٌ، فلما رجع بنى بها بسرفٍ حلالا، وكانت قبله عند أبي رهم بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، ويقال: بل كانت عند سبرة بن أبي رهم.\rحكاه أبو عبيدة، وقال عبد الله بن محمد بن عقيل: كانت ميمونة قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند حويطب بن عبد العزى، وقيل: كانت في الجاهلية عند مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي ففارقها، وخلف عليها أبو رهم أخو حويطب فتوفى عنها، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن شهاب: وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك قال قتادة، قال: وفيها نزلت \" وامرأة مؤمنةً إن وهبت نفسها للنبي \" الآية، وقد قيل: إن الواهبة خولة وقيل: أم شريك. قال قتادة: وكانت ميمونة قبله عند فروة بن عبد العزى بن أسد بن غنم بن دودان، قال أبو عمر: هكذا قال قتادة وهو خطأ، والصواب ما تقدم. والله أعلم. قال الشيخ أبو محمد الدمياطي: وماتت ميمونة بسرف في سنة إحدى وخمسين على الأصح، وقد بلغت ثمانين سنة.\rفهؤلاء نساؤه المدخول بهن، ومات صلى الله عليه وسلم عن تسع منهن، وهن: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث وأم حبيبة بنت أبي سفيان؛ وصفية بنت حي بن أخطب، وميمونة بنت الحارث رضوان الله عليهم أجمعين.\r؟من لم يدخل بهن ذكر من تزوجهن رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء ولم يدخل بهن، ومن دخل بهن وطلقهن، ومن وهبت نفسها له صلى الله عليه وسلم:\rفاطمة\rبنت الضحاك ابن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر، وهو عبيد بن كلاب بن ربيعة ابن عامر الكلابية. تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، سنة ثمان من الهجرة منصرفة من الجعرانة، فلما دنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال: \" لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك \" فكانت إذا استأذنت على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: أنا الشقية إنما خدعت. ودلهت وذهب عقلها، وماتت سنة ستين. وروي عن ابن إسحق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها بعد وفاة ابنته زينب، وخيرها حين أنزلت آية التخيير فاختارت الدنيا ففارقها، فكانت بعد تلقط البعر، وتقول: أنا الشقية اخترت الدنيا. قال أبو عمر بن عبد البر: وهذا عندي غير صحيح؛ لأن ابن شهاب يروى عن أبي سلمة وعروة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خير أزواجه بدأ بها فاختارت الله ورسوله قالت: وتتابع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، قال قتادة وعكرمة: كان عنده حين خيرهن تسعو نسوة وهن اللواتي توفي عنهن، قال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن: وقيل إنما طلقها لبياض كان بها. وقيل: إنما فراقها لأنه كان إذا خرج طلعت إلى المسجد. وقيل: إن الضحاك عرض ابنته فاطمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنها لم تصدع قط فقال: \" لا حاجة لي بها \" .\rوروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم سناء بنت سفيان بن عوف بن كعب ابن أبي بكر بن كلاب. ومنهن:\rعمرة\rبنت يزيد بن الجون الكلابية وقيل: عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رواس بن كلاب الكلابية، وقد أصح. وفي رواية قال أبو عمر: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغه أن بها برصاً فطلقها، ولم يدخل بها.\rوقيل: إنها التي تعوذت منه حين أدخلت عليه وقيل غيرها. ومنهن:\rالعالية\rبنت ظبيان بن الجون","part":5,"page":94},{"id":2095,"text":"ابن عوف بن كعب بن أبي بكر بن عبيد بن كلاب الكلابية. قال أبو عمر: تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت عنده ماشاء الله، ثم طلقها، قال: وقل من ذكرها. هؤلاء اللاتي ذكرن من بني كلاب بن ربيعة بن عامر. قال أبو محمد: ومن الناس من جعل التي تزوجها من بني عامر واحدة، اختلف في اسمها، وأنه لم يتزوج من بني عامر غيرها، قال: ومنهم من جعلهن جمعا، وذكر لكل واحدة منهن قصة، وهؤلاء اللاتي ذكرناهن، هن المشهورات من بني عامر.\rوممن ذكرنا في أزواجه صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت شريح. ذكرها أبو عبيدة في أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنهن:\rأسماء\rبنت النعمان بن أبي الجون ابن الأسود بن الحارث بن شراحيل بن الجون بن آكل المرار الكندي، تزوج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة تسع من الهجرة، زوجه إياها أبوها حين قدم، على اثنتي عشرة أوقية ونش، وبعث معه أبا أسيد؛ فحملها من نجد حتى نزل بها في أطم بني ساعدة، فقالت عائشة: قد وضع يده في الغرائب يوشك أن يصرفن وجهه عنا، وكانت من أجمل النمساء، فقالت حفصة لعائشة، أو عائشة لحفصة: اخضبيها أنت وأنا أمشطها، ففعلتا، ثم قالت لها إحداهما: إنه يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول: أعوذ بالله منك؛ فلما دخلت عليه وأغلق الباب، وأرخى الستر، مدّ يده إليها، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: \" لقد عذت بمعاذ الحقي بأهلك \" وأمر أبا أسيد أن يردها إلى أهلها؛ وقال: \" متعها برازقيتين \" يعني كرباسين، فكانت تقول: ادعوني الشقية، وإنما خدعت؛ لما رؤي من جمالها وهيئتها، وذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حملها على ماقالت، فقال: \" إنهن صواحب يوسف وكيدهن عظيم \" قال: فلما طلع بها أبو أسيد على أهلها تصايحوا؛ وقالوا: إنك لغير مباركة، ما دهاك ؟ فقالت: خدعت، وقيل لي كيت وكيت، فقالوا: لقد جعلتنا في العرب شهرة، فقالت: يا أبا أسيد قد كان ما كان فما الذي أصنع ؟ قال: أقيمي في بيتك واحتجبي إلا من ذي رحم، ولا يطمع فيك طامع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنك من أمهات المؤمنين؛ فأقامت لا يطمع فيها طامع، ولا ترى إلا لذي محرم، حتى توفّيت في خلافة عثمان بن عفان عند أهلها بنجد.\rوقال أبو عمر: أجمعوا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها، واختلفوا في قصة فراقه لها، فقال بعضهم: لما دخلت عليه دعاها فقالت: تعال أنت، وأبت أن تجيء، هذا قول قتادة وأبي عبيدة. وزعم بعضهم أنها قالت: أعوذ بالله منك، فقال: \" لقد عذت بمعاذ، وقد أعاذك الله مني \" فطلقها، قال قتادة: وهذا باطل إنما قال هذا لامرأة جميلة تزوجها من بني سليم. وقال أبو عبيدة: كلتاهما عاذتا بالله عز وجل منه صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. وروى البخاريّ في صحيحه حديث أبي أسيد الساعدي قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم:\rأميمة\rبنت شراحيل فلما دخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين، وفي لفظ آخر، قال أبو أسيد، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجونية، فلما دخل عليها قال: \" هبي لي نفسك \" فقالت: وكيف تهب الملكة نفسها للسوقة ؟ فأهوى بيده إليها ليسكتها فقالت: أعوذ بالله منك، قال: \" قد عذت بمعاذ \" ثم خرج عليه السلام فقال: \" يا أبا أسيد اكسها رازقيتين وألحقها بأهلها \" . وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: خلف عليها المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة؛ فأراد عمر أن يعاقبهما، فقالت: والله ما ضرب عليّ الحجاب ولا سميت بأم المؤمنين، فكف عنهما، وقيل: تزوّجها عكرمة ابن أبي جهل في الرّدة، وقيل: خلف عليها بعد المهاجر قيس بن مكشوح المرادي، وقال ابن أبزى: الجونية التي استعاذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تستعذ منه امرأة غيرها.\rقال أبو عمر رحمه الله: الاختلاف في الكندية كبير جدا، منهم من يقول: هي أسماء بنت النعمان، ومنهم من يقول: أميمة بنت النعمان، ومنهم من يقول: أمامة بنت النعمان، قال: واختلافهم في سبب فراقها على ما رأيت، والاضطراب فيها وفي صواحباتها اللواتي لم يجتمع عليهن من أزواجه صلى الله عليه وسلم عظيم. ومنهن:\rقتيلة\rبنت قيس","part":5,"page":95},{"id":2096,"text":"أخت الأشعث بن قيس بن معد يكرب بن معاوية الكندية. روي عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما استعاذت أسماء بنت النعمان من النبي صلى الله عليه وسلم خرج والغضب يعرف في وجهه، فقال له الأشعث بن قيس: لا يسؤك الله يا رسول الله، ألا أزوجك من ليس دونها في الجمال والحسب ؟ قال: \" من \" ؟ قال: أختي قتيلة، قال: \" قد تزوجتها \" قال: فانصرف الأشعث إلى حضرموت، ثم حملها حتى إذا فصل من اليمن، بلغه وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها إلى بلاده وارتد وارتدت معه فيمن ارتد؛ فلذلك تزوجت؛ لفساد النكاح بالارتداد. قال الشيخ أبو محمد: وكان تزوجها قيس بن مكشوح المرادي، وقيل: تزوجها عكرمة ابن أبي جهل، فوجد أبو بكر من ذلك وجداً شديداً، وقال: لقد هممت أن أحرق عليهما بيتهما. فقال له عمر: يا خليفة رسول الله، إنها والله ما هي من أزواجه، ما خيرها ولا حجبها، ولقد برأها الله منه بالارتداد الذي ارتدت مع قومها. وكان تزوجه إياها سنة عشر، وقيل: قبل موته بشهرين، وقيل: تزوجها في مرضه. وقال قائلون: إنه صلى الله عليه وسلم أوصى أن تخير، فإن شاءت ضرب عليها الحجاب وتحرم على المؤمنين، وإن شاءت طلقها فلتنكح من شاءت، فاختارت النكاح، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل. وكان عروة بن الزبير ينكر ذلك، ويقول: لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم قتيلة بنت قيس، ولا تزوج كندية إلا أخت بني الجون؛ ملكها، وأتى بها فلما نظر إليها طلقها، ولم يبن بها صلى الله عليه وسلم. ومنهن:\rعمرة\rبنت معاوية الكندية تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الشعبي: تزوج امرأة من كندة، فجيء بها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. ذكر ذلك أبو الفرج بن الجوزي في التلقيح. ومنهن:\rأسماء\rبنت الصلت وقيل: سناء بنت الصلت، قال أبو عمر: وهو الصواب؛ قال: وقال عليّ ابن عبد العزيز بن علي بن الحسن الجرجاني النسابة: هي وسناء بنت الصلت ابن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام بن سماك بن عوف بن امرئ القيس ابن بهثة بن سليم السلمية؛ تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فماتت قبل أن تصل إليه. وقال غيره: فلما بشرت بذلك ضحكت، وماتت من الفرح. وقال ابن إسحق: سناء بنت أسماء بن الصلت السلمي، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طلقها. وقال أبو نصر ابن ماكولا: سناء بنت أسماء ماتت قبل أن يدخل بها. وقيل: لما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت أسماء: لو كان نبياً ما مات حبيبه، فخلى سبيلها. وقال عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي: جاء رجل من بني سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي إبنة من جمالها وعقلها ما إني لأحسد الناس عليها غيرك، فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها، ثم قال: وأخرى يا رسول الله، لا والله ما أصابها عندي مرض قط، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \" لا حاجة لنا في ابنتك، تجيئنا نحمل خطاياها ! لا خير في مال لا يرزأ منه، ولا جسم لا ينال منه \" . وقال أبو عمر ابن عبد البر: وفي سبب فراقها اختلاف، ولا يثبت فيها شيء من جهة الإسناد. ومنهن:\rمليكة\rبنت كعب الليثي روى محمد بن عمر الواقدي، عن أبي معشر، قال: تزوج النبي صلى الله عليه وسلم مليكة بنت كعب، وكانت تذكر بجمال بارع، فدخلت عليها عائشة فقالت: أما تستحيين أن تنكحي قاتل أبيك ؟ فاستعاذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلقها، فجاء قومها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إنها صغيرة ولا ولي لها، وأنها خدعت فارتجعها، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذنوه أن يزوجوها قريباً لها من بني عذرة، فأذن لهم فتزوجها العذري، وكان أبوها قتل يوم فتح مكة، قتله خالد بن الوليد بالخندمة. قال محمد بن عمر: مما يضعف هذا الحديث، ذكر عائشة أنها قالت: ألا تستحيين، وعائشة لم تكن مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح، وعن عطاء بن يزيد الجندعي قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم مليكة بنت كعب الليثي في شهر رمضان، سنة ثمان، ودخل بها فماتت عنده، قال محمد بن عمر: وأصحابنا ينكرون ذلك، ويقولون لم يتزوج كنانية قط، وعن الزهري مثل ذلك. ومنهن:\rابنة جندب\rبن ضمرة الجندعي","part":5,"page":96},{"id":2097,"text":"قال أبو محمد الدمياطي رحمه الله: روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ابنة جندب بن ضمرة الجندعي، وأنكر ذلك الواقدي، وقال: لم يتزوج كنانية قط. ومنهن:\rالغفارية\rقال أبو محمد الدمياطي: قال بعضهم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأة من غفار، فأمرها فنزعت ثيابها، فرأى بها بياضاً، فقال: \" الحقي بأهلك \" ويقال: إنما رأى البياض بالكلابية. ومنهن:\rخولة\rبنت الهذيل بن هبيرة ابن قبيصة بن الحارث بن حبيب بن حرفة بن ثعلبة بن بكر بن حبيب بن عمرو ابن غنم بن ثعلبة.\rوأمها خرنق بنت خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس الكلبيّ أخت دحية بن خليفة. تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهلكت في الطريق قبل وصولها إليه. حكاه أبو عمر بن عبد البر عن الجرجاني النسابة. ومنهن:\rشراف\rبنت خليفة بن فروة الكلبية، أخت دحية بن خليفة الكلبي قال أبو محمد الدمياطي: قال ابن الكلبي حدثنا الشرقي بن القطامي قال: لما هلكت خولة بنت الهذيل، تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم شراف بنت خليفة أخت دحية، ثم لم يدخل بها. وقال أبو عمر بن عبد البر: فهلكت قبل دخوله بها. وروي عن عبد الرحمن بن سابط، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من كلب، فبعث عائشة تنظر إليها، فذهبت ثم رجعت، فقال لها: \" ما رأيت \" ؟ فقالت ما رأيت طائلاً. فقال صلى الله عليه وسلم: \" لقد رأيت خالاً بخدها اقشعرت كل شعرة منك \" فقالت: يا رسول الله، ما دونك سرٌّ. ومنهن:\rخولة\rبنت حكيم ابن أمية بن حارثة بن الأوقص بن مرّة بن هلال بن فالح بن ثعلبة بن ذكوان ابن امرئ القيس بن سليم. ويقال فيها: خويلة بنت حكيم، وأمها صفية بنت العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ. قال ابن الكلبيّ: كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم فأرجأها وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت عند عثمان بن مظعون فمات عنها. وعن عروة قال: خولة بنت حكيم ممن وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو عمر بن عبد البر: خولة تكنى أم شريك، وهي التي وهبت نفسها للنبي، في قول بعضهم، وكانت امرأة فاضلة صالحة، روى عنها سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، وهي التي قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فتح الله عليك الطائف فأعطني حلي بادية بنت غيلان، أو حليّ الفارعة بنت عقيل كما تقدم. ومنهن:\rليلى\rبنت الخطيم بن عديّ ابن عمرو بن سواد بن ظفر بن الحارث بن الخزرج بن عمرو، وهو النبيت بن مالك بن الأوس، وهي أخت قيس بن الخطيم، واسم الخطيم ثابت، واسم ظفر كعب.\rقال محمد بن سعد: عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: كانت ليلى بنت الخطيم وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقبلها، وكانت تركب بعولتها ركوباً شديداً، وكانت سيئة الخلق، فقالت: لا والله، لأجعلن محمداً لا يتزوج في هذا الحي من الأنصار، والله لآتينه، ولأهبن نفسي له، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم مع رجل من أصحابه، فما راعه إلا بها واضعة يديها عليه، فقال: \" من هذا ؟ أكله الأسد \" فقالت: أنا ليلى بنت سيد قومها، قد وهبت نفسي لك، قال: \" قد قبلتك؛ ارجعي حتى يأتيك أمري \" فأتت قومها فقالوا: أنت امرأة ليس لك صبر على الضرائر، وقد أحل الله لرسوله أن ينكح ما شاء، فرجعت فقالت: إن الله أحل لك النساء، وأنا امرأة طويلة اللسان لا صبر لي على الضرائر، واستقالته فقال: \" قد أقلتك \" .\rوروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقبلت ليلى بنت الخطيم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مول ظهره إلى الشمس، فضربت على منكبيه، فقال: \" من هذا ؟ أكله الأسد \" وكان كثيراً ما يقولها، فقالت: أنا بنت مطعم الطير ومباري الريح، أنا ليلى بنت الخطيم، جئتك لأعرض عليك نفسي، تزوجني، قال: \" قد فعلت \" فرجعت إلى قومها، فقالت: قد تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: بئس ما صنعت، أنت امرأة غيرى، والنبي صلى الله عليه وسلم صاحب نساء، تغارين عليه فيدعو الله عليك، فاستقيليه نفسك، فرجعت فقالت: يا رسول الله، أقلني، قال: \" قد أقلتك \" قال: فتزوجها مسعود بن أوس بن سواد بن ظفر، فولدت له، فبينا هي في حائط من حيطان المدينة تغتسل، إذ وثب عليها ذئب فأكل بعضها، وأدركت فماتت. ومنهن:","part":5,"page":97},{"id":2098,"text":"ليلى بنت حكيم\rالأنصارية الأوسية التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو عمر بن عبد البر: ذكرها أحمد بن صالح المصري في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولم يذكرها غيره فيما علمت. والله تعالى أعلم. ومنهن:\rأم شريك\rواسمها غزيّة بنت دودان بن عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة بن منقذ بن عمير بن معيص ابن عامر بن لؤي. وقال أبو عمر: غزيلة الأنصارية من بني النجار.\rقال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن رحمه الله: اختلف فيها، فكان محمد بن عمر يقول: هي من بني معيص بن عامر بن لؤي، وكان غيره يقول: هي دوسية من الأزد، وقيل: هي أنصارية. وروى ابن سعد، عن محمد بن عمر، عن موسى بن محمد ابن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: كانت أم شريك امرأة من بني عامر بن لؤي، معيصية وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها، فلم تتزوج حتى ماتت. وروى عن وكيع عن زكريا عن عامر في قوله عز وجل: \" ترجى من تشاء منهن \" ؛ قال: كل نساء وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم، فدخل ببعضهن وأرجأ بعضاً فلم ينكحن بعده، منهن: أم شريك. وعن الشعبي قال: المرأة التي عزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أم شريك الأنصارية. وعن علي بن الحسين: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم شريك الدوسية، ومثله عن عكرمة. وروى محمد بن سعد عن محمد بن عمر قال: حدثني الوليد بن مسلم، عن منير بن عبد الله الدوسي قال: أسلم زوج أم شريك - وهي غزية بنت جابر بن حكيم الدوسية من الأزد - وهو أبو العكر، فهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي هريرة، ومع دوس حين هاجروا، قالت أم شريك: فجاءني أهل أبي العكر فقالوا: لعلك على دينه، قلت: إي والله، إني لعلى دينه، قالوا: لا جرم، والله لنعذبنك عذاباً شديداً، فارتحلوا بنا من دارنا، ونحن كنا بذي الخلصة، فساروا يريدون منزلاً، وحملوني على جمل ثفال، شر ركابهم وأغلظه، يطعموني الخبز بالعسل، ولا يسقوني قطرة من ماء، حتى إذا انتصف النهار وسخنت الشمس، ونحن قائظون، فنزلوا فضربوا أخبيتهم وتركوني في الشمس حتى ذهب عقلي وسمعي وبصري، ففعلوا بي ذلك ثلاثة أيام، فقالوا لي في اليوم الثالث: اتركي ما أنت عليه، قالت: فما دريت ما يقولون إلا الكلمة بعد الكلمة، فأشير بإصبعي إلى السماء بالتوحيد، قالت: فوالله إني لعلى ذلك، وقد بلغني الجهد، إذ وجدت برد دلوٍ على صدري، فأخذته فشربت منه نفساً واحداً، ثم انتزع مني، فذهبت أنظر فإذا هو معلق بين السماء والأرض، فلم أقدر عليه، ثم دلي الثانية فشربت منه نفساً، ثم رفع، فذهبت أنظر، فإذا هو بين السماء والأرض، ثم دلي الثالثة فشربت منه حتى رويت، فأهرقت على رأسي ووجهي وثيابي، قالت: فخرجوا فنظروا، فقالوا: من أين لك هذا يا عدوة الله ؟ قالت فقلت لهم: إن عدو الله غيري؛ من خالف دينه، فأما قولكم من أين هذا فمن عند الله رزقاً رزقنيه الله، قالت: فانطلقوا سراعاً إلى قربهم فوجدوها موكأة لم تحل، فقالوا: نشهد أن ربك هو ربنا، فإن الذي رزقك ما رزقك في هذا الموضع بعد أن فعلنا بك ما فعلنا، هو الذي شرع الإسلام، فأسلموا وهاجروا جميعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يعرفون فضلي عليهم، وما صنع الله إلي، قال: وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت جميلة وقد أسنت، فقالت: إني وهبت نفسي لك، وأتصدق بها عليك، فقبلها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة: ما في امرأةٍ حين تهب نفسها لرجلٍ خيرٌ، قالت أم شريك: فأنا تلك؛ فسماها الله مؤمنة، فقال تعالى: \" وامرأةً مؤمنةً إن وهبت نفسها للنبي \" . فلما نزلت هذه الآية قالت عائشة: إن الله ليسرع لك في هواك يا رسول الله. ومنهن:\rالشنباء\rذكرها الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي رحمه الله، في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر لها ترجمة. فلنذكر من خطبهن صلى الله عليه وسلم.\rخطبهن ولم يتزوجهن منهن:\rأم هانئ\rبنت أبي طالب","part":5,"page":98},{"id":2099,"text":"ابن عبد المطلب بن هاشم، واسمها فاختة، وقال ابن الكلبي: اسمها هند، وهي أخت علي بن أبي طالب، وعقيل وجعفر وطالب، شقيقتهم، وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب ابنته أم هانئ في الجاهلية، وخطبها هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، فزوجها هبيرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" يا عم، زوجت هبيرة وتركتني \" ! فقال: يابن أخي إنا قد صاهرنا إليهم، والكريم يكافئ الكريم. ثم أسلمت ففرق الإسلام بينها وبين هبيرة، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسها فقالت: والله إن كنت لأحبك في الجاهلية، فكيف في الإسلام، ولكني امرأة مصبية وأكره أن يؤذوك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" خير نساء ركبن المطايا نساء قريش، أحناه على ولدٍ في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده \" . ومنهن:\rضباعة\rبنت عامر بن قرط ابن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.\rروى هشام بن محمد الكلبي، عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كانت ضباعة بنت عامر عند هوذة بن علي الحنفي، فهلك عنها فورثها مالاً كثيراً، فتزوجها عبد الله بن جدعان التيمي، وكان لا يولد له فسألته الطلاق فطلقها، فتزوجها هشام بن المغيرة فولدت له سلمة، وكان من خيار المسلمين، فتوفى عنها هشام، وكانت إذا جلست أخذت من الآرض شيئاً كثيراً، وكانت تغطي جسدها بشعرها، فذكر جمالها عند النبي صلى الله عليه وسلم، فخطبها إلى ابنها سلمة بن هشام بن المغيرة، فقال: حتى أستأمرها، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنها قد كبرت فأتاها ابنها فقالت: ما قلت له ؟ قال: قلت حتى أستأمرها، فقالت: وفي النبي صلى الله عليه وسلم يستأمر ! ارجع فزوجه، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسكت عنه. ومنهن:\rصفية بنت بشامة\rبن نضلة العنبري قال أبو محمد: كان أصابها سباءٌ، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن شئت أنا، وإن شئت زوجك \" فقالت: بل زوجي، فأرسلها فلعنتها بنو تميم. ومنهن:\rجمرة\rبنت الحارث بن عوفٍ المزني خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبوها: إن بها سوءاً ولم يكن بها، فرجع إليها أبوها وقد برصت، وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر. ومنهن:\rسودة القرشية\rخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مصبية فقالت: أكره أن تضغو صبيتي عند رأسك، فحمدها ودعا لها، ذكرها والتي قبلها ابن الجوزي في التلقيح. وروى عن مجاهد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب فرد لم يعد، فخطب امرأة، فقالت: حتى أستأمر أبي، فلقيت أباها فأذن لها، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له، فقال: \" قد التحفنا لحافاً غيرك \" ولم يسم مجاهد اسم هذه المرأة.\rوعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم:\rأمامة بنت حمزة\rابن عبد المطلب، وقيل: اسمها عمارة، فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: تلك ابنة أخي من الرضاعة \" . وعرضت عليه أم حبيبة اختها.\rفجميع من ذكر من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم المدخول بهن، وغير المدخول بهن، ومن وهبت نفسها له، أو خطبها ولم يتفق تزويجها، أو عرضت عليه فأباها، نحو أربعين امرأة على ما ذكرناه من الاختلاف، ومن أهل العلم من ينكر بعضهن، ويقول: إنما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة امرأة، ست منهن قرشيات لا شك فيهن، وهن: خديجة، وعائشة، وسودة، وأم سلمة، وأم حبيبة وحفصة.\rومن العرب: زينب بنت جحشٍ، وميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث، وأسماء بنت النعمان، وفاطمة بنت الضحاك، وزينب بنت خزيمة.\rومن غيرهم: ريحانة بنت زيد من بني النضير، وصفية بنت حيي بن أخطب.\rوعن محمد بن يحيى بن حبان قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة امرأة، فسمى هؤلاء، وزاد مليكة بنت كعب الليثية. وقال أبو عبيدة: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة امرأة.\rوقال محمد بن عمر الواقدي: المجمع عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أربع عشرة امرأة، وهن اللائي سمين، وفارق منهن الجونية والكلابية، ومات عنده خديجة، وزينب بنت خزيمة، وريحانة بنت زيد، وقبض عن تسع، وهن المذكورات اللاتي قدمنا ذكرهن.","part":5,"page":99},{"id":2100,"text":"وقال أبو سعيد في شرف النبوة: إن جملة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين امرأة، طلق منهن ستاً، ومات عنده خمسٌ، وتوفي عن عشر، واحدة لم يدخل بها، وكان صداقه لنسائه لكل واحدة خمسمائة درهم، إلا صفية فإنه جعل عتقها صداقها، وأم حبيبة أصدقها عنه النجاشي.\rسراري الرسول وهن:\rمارية بنت شمعون\rالقبطية وهي أم ولده إبراهيم، وكانت من جفن من كورة أنصنا من صعيد مصر، أهداها له المقوقس جريج بن مينا، ولما ولدت مارية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم قال: \" أعتقها ولدها \" . وتوفيت مارية في المحرم سنة ست عشرة، في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان عمر يحشر الناس بنفسه لشهود جنازتها، وصلى عليها عمر، ودفنت بالبقيع.\rوريحانة بنت زيد النضرية، وقد تقدم خبرها في الزوجات، وقال أبو عبيدة: كان له أربع، وهن مارية وريحانة، وأخرى جميلة أصابها في السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش. وقال قتادة: كان للنبي صلى الله عليه وسلم وليدتان مارية وريحانة، وبعضهم يقول: ربيحة القرظية.\rأولاد الرسول روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان أول ولد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل النبوة القاسم وبه كان يكنى، ثم ولدت له زينب، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، ثم ولد له في الإسلام عبد الله فسمي الطيب والطاهر، وأمهم كلهم خديجة رضي الله عنها. وكان أول من مات من ولده القاسم، ثم عبد الله ماتا بمكة، فقال العاصي بن وائل السهمي: قد انقطع ولده فهو أبتر؛ فأنزل الله تعالى: \" إن شانئك هو الأبتر \" وقيل: الطيب والطاهر اثنان سوى عبد الله. وقيل: كان له الطاهر والمطهر ولدا في بطن. وقيل: كان له الطيب والمطيب ولدا أيضاً في بطن. وقيل: إنهم كلهم ماتوا قبل النبوة، وكان بين كل ولدين لها سنة، وكانت تسترضع لهم. وأما البنات فكلهن أدركن الإسلام، وأسلمن وهاجرن، وسنذكر إن شاء الله تعالى أخبارهن ومن تزوجهن، وما ولدن على ما تقف عليه، وهؤلاء كلهم أولاد خديجة ولدوا بمكة، ثم ولدت له مارية القبطية:\rإبراهيم\rبن رسول الله صلى الله عليه وسلم","part":5,"page":100},{"id":2101,"text":"ولد في ذي الحجة، سنة ثمان من الهجرة؛ قال أبو عمر بن عبد البر: ذكر الزبير عن أشياخه، أن أم إبراهيم مارية ولدته بالعالية، في المال الذي يقال له اليوم مشربة إبراهيم بالقف، وكانت قابلتها سلمى مولاة النبي صلى الله عليه وسلم، امرأة أبي رافع، فبشر به أبو رافع النبي صلى الله عليه وسلم، فوهب له عبداً، فلما كان يوم سابعه عق عنه بكبشٍ وحلق رأسه؛ حلقه أبو هند، وسماه يومئذ، وتصدق بوزن شعره ورقاً على المساكين، وأخذوا شعره فدفنوه في الأرض. وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم \" هذا يدل على أنه سماه في وقت ولادته، قال الزبير: ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قينٍ بالمدينة، يقال له: أبو سيف، قال الزبير: وتنافست الأنصار فيمن يرضعه، فجاءت أم بردة بنت المنذر بن زيد الأنصاري، زوجة البراء بن أوسٍ، فكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن ترضعه، فكانت ترضعه بلبن ابنها في بني مازن بن النجار، وترجع به إلى أمه، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بردة قطعة من نخل، فناقلت بها إلى مال عبد الله بن زمعة. وتوفي إبراهيم في شهر ربيع الأول سنة عشر، وقد بلغ ستة عشر شهراً؛ مات في بني مازنٍ عند ظئره أم بردة، وهي خولة بنت المنذر بن لبيد، وغسلته ودفن بالبقيع. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لو عاش لوضعت الجزية عن كل قبطي \" . وقال أيضاً: \" لو عاش إبراهيم ما رق له خالٌ \" . وفي حديث أنس بن مالك تصريح أن إبراهيم إنما مات عند ظئره أم سيف؛ فإنه يقول: فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلقت معه، فصادفنا أبا سيف ينفخ في كيره، وقد امتلأ البيت دخاناً، فأسرعت في المشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى انتهيت إلى أبي سيف فقلت: يا أبا سيف، أمسك، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبي فضمه إليه وقال ما شاء الله أن يقول، قال: فلقد رأيته يكيد بنفسه، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: \" تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون \" وقال أبو عمر بن عبد البر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى على ابنه إبراهيم من غير رفع صوت، وقال: \" تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون \" . وعن عطاء، عن جابر قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد عبد الرحمن بن عوف، فأتى به النخل، فإذا ابنه إبراهيم في حجر أمه وهو يجود بنفسه، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره، ثم قال: \" يا إبراهيم إنا لا نغني عنك من الله شيئاً \" ؛ ثم ذرفت عيناه، ثم قال: \" يا إبراهيم لولا أنه أمرٌ حقٌ ووعد صدقٌ، وأن آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزناً هو أشد من هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب \" . قالوا: ووافق موت إبراهيم كسوف الشمس، فقال قوم: إن الشمس انكسفت لموته، فخطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته؛ فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة \" . وقال صلى الله عليه وسلم حين توفي إبراهيم: \" إن له مرضعاً في الجنة تتم رضاعه \" . وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكبّر أربعاً، قال ابن عبد البر: هذا قول جمهور العلماء، وهو الصحيح، قال: وقد قيل إن الفضل بن عباس غسل إبراهيم، ونزل في قبره مع أسامة بن زيد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على شفير القبر، قال الزبير: ورش قبره، وأعلم فيه بعلامة، وهو أول قبر رش عليه.\rفلنذكر بنات الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن تزوجهن، وما ولدن ووفاتهن، وهن أربع:\rزينب\rبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أسن بناته رضي الله عنهن. قال أبو عمر بن عبد البر: ولدت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة ثلاثين من موالد النبي صلى الله عليه وسلم، حكاه عن محمد بن إسحق السراج عن عبيد الله بن محمد بن سليمان الهاشمي، وتزوج زينب أبو العاص بن ربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، وهو ابن خالتها - أمه هالة بنت خويلد - قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرق بينهما الإسلام.","part":5,"page":101},{"id":2102,"text":"وقد ذكرنا من خبر ابن العاص وأسره في غزوة بدر وإطلاقه، وسقنا ذلك كله هناك، وخبر إسلامه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد زينب عليه بغير مهر جديد، ولا نكاح جديد. وقيل: بل بمهر جديد ونكاح جديد - والله تعالى أعلم - وولدت له علياً مات صغيراً، وأمامة وهي التي حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وعاشت أمامة حتى تزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة، فكانت عنده حتى أصيب، فخلف عليها المغيرة بن يزيد بن الحارث بن عبد المطلب، فتوفيت عنده، وماتت زينب في سنة ثمان من الهجرة.\rقال أبو عمر: وكان سبب موتها أنها لما خرجت من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عمد لها هبار بن الأسود ورجل آخر فدفعها أحدهما فيما ذكروا، فسقطت على صخرة فأسقطت واهراقت الدماء، فلم يزل بها مرضها ذلك حتى ماتت رضي الله عنها.\rرقية\rبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر بن عبد البر: ذكر أبو العباس محمد بن إسحق، قال سمعت عبيد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر بن سليمان الهاشمي يقول: ولدت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، و رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثلاث وثلاثين سنة، وكانت رقية عند عتبة بن أبي لهب، وأختها أم كلثوم عند عتيبة بن أبي لهب؛ فلما أنزل الله تعالى: \" تبت يدا أبي لهب \" - السورة - قال لهما أبوهما أبو لهب وأمهما أم جميل بنت حرب بن أمية، حمالة الحطب: فارقا ابنتي محمد، وقال أبو لهب: رأسي من رأسيكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد، ففارقاهما، فتزوج عثمان بن عفان رقية بمكة، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، وولدت له هناك ابنا فسماه عبد الله، وبه كان يكنى، فبلغ الغلام ست سنين، فنقر عينه ديكٌ وتورم وجهه فمرض ومات. وماتت رقية رضي الله عنها في شهر رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا. من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، و رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر، ودفنت عند وصول زيد بن حارثة بالبشارة بوقعة بدر، وكانت قد أصابتها الحصبة، وتخلف عثمان بن عفان رضي الله عنه عن غزوة بدر بسبب مرضها، بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rفاطمة\rبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم","part":5,"page":102},{"id":2103,"text":"قال أبو عمر بن عبد البر: كانت فاطمة هي وأختها أم كلثوم أصغر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف في الصغرى منهما. وقال ابن السراج: سمعت عبيد الله الهاشمي يقول: ولدت فاطمة رضي الله عنها في سنة إحدى وأربعين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد وقعة أحد. وقيل: إنه تزوجها بعد أن ابنتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها، بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد تزويجه إياها بتسعة أشهر ونصف. وكانت سنها يوم تزوجها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف. قال أبو عمر: واختلف في مهره إياها، فروى أنه مهرها درعه، وأنه لم يكن له ذلك الوقت صفراء ولا بيضاء، وقيل: تزوجها على أربعمائة وثمانين درهما فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل ثلثها في الطيب، قال: وزعم أصحابنا أن الدرع على من أجل الدخول، بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه بذلك، فولدت رضي الله عنها له حسنا وحسينا ومحسنا فذهب محسن صغيرا. وروى أبو عمر بن عبد البربسنده إلى علي رضي الله عنه قال: لما ولد الحسن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" أروني ابني ما سميتموه \" ؟ قلت: سميته حربا، قال: \" بل هو حسن \" فلما ولد الحسين قال: \" أروني ابني ما سميتموه \" ؟ قلت: سميته حربا، قال: \" بل هو حسين \" فلما ولد الثالث جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: \" أروني ابني ما سميتموه \" ؟ قلت سميته حربا، قال: قال: \" بل محسن \" ، ثم قال: إني سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر \" . وولدت له رقية وزينب وأم كلثوم، فهلكت رقية، ولم تبلغ، وتزوج زينب عبد الله بن جعفر فماتت عنده، وولدت له علي بن عبد الله بن جعفر، وتزوج أم كلثوم عمر بن الخطاب فولدت له زيد بن عمر، ثم خلف عليها بعده عون بن جعفر فلم تلد له حتى مات، وخلف عليها بعده محمد بن جعفر فولدت له حارثة ومات عنها. فخلف عليها عبد الله ابن جعفر فلم تلد له شيئا وماتت عنده، وقيل: بل توفي عنها، وماتت فاطمة رضي الله عنها بعد وفاة أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر، وقيل: بستة أشهر، وقيل: بثمانية.\rأم كلثوم\rبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرنا الاختلاف في أيهما أصغر سنا هي أو فاطمة، وكانت عند عتيبة بن أبي لهب، فلما قال له أبواه ولأخيه ما قالا طلقا بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبنيا بهما، وجاء عتيبة حين فارق أم كلثوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: كفرت بدينك وفارقت ابنتك وسطا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أما إني أسأل الله أن يسلط عليك كلباً من كلابه \" وكان خارجا إلى الشام تاجرا مع نفر من قريش، حتى نزلوا مكانا من الشام يقال له الزرقاء ليلا، فأطاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول: يا ويل أمه، هو والله آكله بدعوة محمد، قاتلي ابن أبي كبشة وهو بمكة وأنا بالشام. وقال أبو لهب: يا معشر قريش، أعينونا هذه اللليلة، فإني أخاف دعوة محمد، فجمعوا أحمالهم وفرشوا لعتيبة في أعلاها وناموا حوله، فقيل: إن الأسد انصرف عنهم حتى ناموا وعتيبة في وسطهم، ثم أقبل يتخطاهم ويتشممهم حتى أخذ برأس عتيبة ففدغه.\rقال أبو عمر: ولما ماتت رقية تزوج عثمان بن عفان بأم كلثوم في شهر ربيع الأول من السنة الثالثة من الهجرة، وبنى عليها في جمادى الآخرة من السنة، وتوفيت أم كلثوم رضي الله عنها في السنة التاسعة من الهجرة، ولم تلد لعثمان شيئا، وكانت وفاتها في شعبان، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان: \" لو كانت عندنا ثالثة زوجناكها يا عثمان \" وصلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في حفرتها علي بن أبي طالب، والفضل بن العباس وأسامة بن زيد.\rوقد روى أن أبا طلحة الأنصاري استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل معهم في قبرها فأذن له، وغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب، وهي التي شهدت أم عطية غسلها، وحكت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك \" الحديث. قال: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر أم كلثوم.\rأعمام الرسول كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من العمومة أحد عشر، أولاد عبد المطلب ابن هاشم، وهم:\rالحارث","part":5,"page":103},{"id":2104,"text":"- وبه كان يكنى؛ لأنه أكبر ولده، ومن ولد الحارث وولد ولده جماعة لهم صحبة من النبي صلى الله عليه وسلم، منهم أبو سفيان بن الحارث، أسلم عام الفتح كما ذكرنا في غزوة الفتح وشهد حنيناً، ونوفل بن الحارث هاجر وأسلم أيام الخندق، وعبد شمس وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله.\rقثم\rبن عبد المطلب - وهو أخو الحارث لأبويه؛ مات صغيراً.\rالثالث -\rالزبير\rبن عبد المطلب، وكان من أشراف قريش. وابنه عبد الله بن الزبير شهد حنيناً وثبت يومئذ واستشهد بأجنادين، وضباعة بنت الزبير، لها صحبة، وأم الحكم بنت الزبير، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم.\rحمزة\rبن عبد المطلب كان يقال له: أسد الله وأسد رسوله، يكنى أبا عمارة وأبا يعلى. وهو أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاع. وقد قدمنا في أنباء هذه السيرة خبر إسلامه ومقتله في غزوة أحد. ولم يكن له إلا ابنة واحدة. وقيل: ابنتان. وقد ذكرناهما فيمن عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء فأباهن.\rالعباس\rبن عبد المطلب كان يكنى أبا الفضل بابنه الفضل بن العباس، وكان العباس أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وأمه نتلة، ويقال: نتيلة بنة جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر وهو الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط. وهي أول عربية كست البيت الحرام الحرير والديباج وأصناف الكسوة. وذلك أن العباس ضل وهو صبي، فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرام، فوجدته ففعلت.\rوقد تقدم من خبر العباس في غزوة بدر عند أسره، وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني كنت مسلماً، وإن القوم استكرهوني على الخروج.\rوقال أبو عمر بن عبد البر: أسلم العباس قبل خيبر وكان يكتم إسلامه. قال: ويقال إنه أسلم قبل بدر، وكان يكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخبار المشركين، وكان يحب أن يقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن مقامك بمكة خيرٌ \" فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: \" من لقي منكم العباس فلا يقتله فإنه أخرج كرهاً \" . وكان العباس أنصر الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبي طالب، وولي السقاية بعد أبي طالب وقام بها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرم العباس بعد إسلامه ويعظمه ويجله، ويقول: \" هذا عمي وصنو أبي \" . وكان العباس جواداً مطعماً، وصولاً للرحم، ذا رأي حسن، ودعوة مرجوة.\rوروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس في سنة سبع عشرة وذلك عام الرمادة، وكانت الأرض أجدبت إجداباً شديداً. فقال كعب لعمر: يا أمير المؤمنين، إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء فقال عمر رضي الله عنه؛ هذا عم النبي صلى الله عليه وسلم وصنو أبيه، وسيد بني هاشم. فمشى إليه عمر فشكا إليه ما فيه الناس. ثم قال: اللهم إنا قد توجهنا إليك بعم أبينا وصنو أبيه، فاسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين. ثم قال: يا أبا الفضل قم فادع. فقام العباس فقال بعد حمد الله والثناء عليه: اللهم إن عندك سحاباً وعندك ماء، فانشر السحاب، ثم أنزل الماء منه علينا، فاشدد به الأصل، وأطل به الفرع، اللهم إنك لم تنزل بلاء إلا بذنب، ولم تكشفه إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك فاسقنا الغيث، اللهم شفعنا في أنفسنا وأهلينا، اللهم إنا شفعاء عمن لا ينطق من بهائمنا وأنعامنا، اللهم اسقنا سقياً وادعاً، نافعاً طبقاً سحاً عاماً. اللهم لا نرجو إلا إياك، ولا ندعو غيرك، ولا نرغب إلا إليك. اللهم إليك نشكو جوع كل جائع، وعري كل عارٍ، وخوف كل خائف، وضعف كل ضعيف. في دعاء كثير.\rقال ابن عبد البر: وهذه الألفاظ كلها لم تجئ في حديث واحد، ولكن جاءت في أحاديث جمعتها واختصرتها ولم أخالف شيئاً منها، وفي بعضها، فسقوا والحمد لله. وفي بعضها قال: فأرخت السماء عزاليها فجاءت بأمثال الجيال، حتى استوت الجفر بالآكام، وأخصبت الأرض، وعاش الناس. فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه. وقال حسان بن ثابت في ذلك:\rسأل الإمام وقد تتابع جدبنا ... فسقى الغمام بغرة العباس","part":5,"page":104},{"id":2105,"text":"عم النبي وصنو والده الذي ... ورث النبي بذاك دون الناس\rأحيا الإله به البلاد فأصبحت ... مخضرة الأجناب بعد الياس\rوقال الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب:\rبعمي سقى الله الحجاز وأهله ... عشية يستسقي بشيبته عمر\rتوجه بالعباس في الجدب راغباً ... فما كر حتى جاء بالديمة المطر\rوتوفي العباس - رضي الله عنه - بالمدينة يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رجب. وقيل: من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفان وصلى عليه عثمان، ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل: تسع وثمانين سنة. وقال خليفة بن خياط: كانت وفاة العباس سنة ثلاث وثلاثين، ودخل قبره ابنه عبد الله. وكان للعباس من الولد: الفضل وهو أكبر أولاده وبه كني، وعبد الله، وعبيد الله، وقثم. ولهم صحبةٌ. وعبد الرحمن ومعبد ولدا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم استشهدا بإفريقية في خلافة عثمان بن عفان، وأم حبيب، كلهم من أم الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية، وهي أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، يقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكانت من المنجبات، وفيها يقول عبد الله بن يزيد الهلالي:\rما ولدت نجيبة من فحل ... بجبلٍ نعلمه وسهل\rكستةٍ من بطن أم الفضل ... أكرم بها من كهلةٍ وكهل\rعم النبي المصطفى ذي الفضل ... وخاتم الرسل وخير الرسل\rوكان له من غير أم الفضل أربعة ذكور، وهم: عون، والحارث أمه من هذيل. وكثير وتمام أمهما أم ولدٍ، وكان أصغر أولاد العباس فكان العباس يحمله ويقول:\rتمموا بتمام فصاروا عشره ... يا رب فاجعلهم كراماً برره\rواجعل لهم ذكرأ وأنم الثمرة\rويقال: ما رؤيت قبورٌ أشد تباعداً بعضها من بعض من قبور بني العباس، ولدتهم أمهم أم الفضل في دار واحدة، استشهد الفضل بأجنادين، ومات معبد وعبد الرحمن بإفريقية، وتوفي عبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن، وقثم بسمرقند وكثير بينبع. وتوفي العباس بعد أن كف بصره. ولم يسلم من أعمام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حمزة والعباس رضي الله عنهما.\rوالسادس من عمومته صلى الله عليه وسلم - أبو طالب واسمه عبد مناف وهو أخو عبد الله أبي النبي صلى الله عليه وسلم لأبويه. وعاتكة صاحبة الرؤيا في شأن بدر، أمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وقد تقدم من أخباره ونصرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما نستغني عن إعادته في هذا الموضع. وكان له من الولد طالبٌ مات كافرا، وعقيل وجعفر وعلي وأم هانئ لهم صحبة، وجمانة. وحكى عمر بن عبد البر: كان علي بن أبي طالب أصغر من أخيه جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين، وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين.\rوالسابع من عمومة رسول الله صلى الله عليه وسلم - أبو لهب.\rواسمه عبد العزى كناه أبوه بذلك لحسن وجهه، ومن أولاده عتبة، ومعتب ثبتا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وعتيبة قتله الأسد بالزرقاء، كما تقدم.\rالثامن - عبد الكعبة، وقيل: هو المقوم، ومنهم من جعل المقوم غير عبد الكعبة فجعل عمومته اثني عشر.\rوالتاسع - حجل واسمه المغيرة.\rوالعاشر - ضرار وهو أخو العباس لأبويه.\rوالحادي عشر - الغيداق سمي بذلك لأنه كان أكرم قريش، وأكثرهم إطعاماً. ومنهم من جعل الغيداق حجلا وعدهم عشرة. حكاه ابن عبد البر. وقد عد الزبير ابن بكار أولاد عبد المطلب ثلاثة عشر، وعد المقوم غير عبد الكعبة، وجعله شقيق حمزة وحجل وصفية. والله أعلم بالصواب.\rعمات الرسول كان له من العمات صلى الله عليه وسلم ست: الأولى -\rصفية\rبنت عبد المطلب، وأمها هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وهي شقيقة حمزة والمقوم وحجل، وكانت صفية في الجاهلية تحت الحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس، ثم هلك عنها وتزوجها العوام بن خويلد بن أسد فولدت له الزبير والسائب وعبد الكعبة. وتوفيت في خلافة عمر بن الخطاب سنة عشرين من الهجرة ولها ثلاث وسبعون سنة. ودفنت بالبقيع بفناء دار المغيرة بن شعبة، ولها هجرة.\rعاتكة\rبنت عبد المطلب","part":5,"page":105},{"id":2106,"text":"اختلف في إسلامها، وهي صاحبة الرؤيا، وكانت عند أبي أمية بن المغيرة ابن عبد الله المخزومي، فولدت له عبد الله أسلم وله صحبة، وزهيراً وقريبة الكبرى.\rأروى\rبنت عبد المطلب وقد اختلف أيضاً في إسلامها، وكانت عند عمير بن وهب بن عبد الدار بن قصي، فولدت له طليب بن عمير، وكان من المهاجرين الأولين، شهد بدراً وقتل بأجنادين شهيداً.\rأميمة\rبنت عبد المطلب كانت عند جحش بن رياب، ولدت له عبد الله بن جحش قتل بأحد شهيداً، وأبا أحمد الأعمى الشاعر واسمه عبد، وزينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأم حبيبة وحمنة، كلهم له صحبة، وعبيد الله بن جحش، أسلم ثم تنصر ومات بالحبشة كافراً.\rبرة\rبنت عبد المطلب وكانت عند عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له أبا سلمة واسمه عبد الله، وكان زوج سلمة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rأم حكيم\rالبيضاء بنت عبد المطلب وكانت عند كريزٍ بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، فولدت له أروى بنت كريز، وهي أم عثمان بن عفان.\rهؤلاء أعمامه صلى الله عليه وسلم وعماته؛ أسلم منهم حمزة والعباس وصفية بلا اختلاف، واختلف في عاتكة وأروى، وبقيتهم ماتوا على شركهم. قال أبو عمر ابن عبد البر: كان عبد الله أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طالب والزبير وعبد الكعبة وأم حكيم وأميمة وأروى وعاتكة، أمهم كلهم فاطمة بنت عمرو ابن عائذ بن عمران بن مخزوم، وكان حمزة والمقوم وحجل وصفية أمهم هالة بنت وهيب، وكان العباس وضرار وقثم أمهم نتيلة، وأم الحارث سمراء بنت جنيدب ابن جندب بن حرثان بن سواءة بن عامر بن صعصعة، وقيل: صفية بنت جندب ابن حجير بن رياب بن حبيب بن سواءة، وأم أبي وهب لبنى بنت هاجر بن خزاعة. والله تعالى أعلم.\rفلنذكر خدمه صلى الله عليه وسلم: خدم الرسول الأحرار وهم أحد عشر رجلاً\rأنس بن مالك\rبن النضر ابن ضمضم بن زيد الأنصاري النجاري، كان يكنى أبا حمزة، وأمه أم سليم بنت ملحان الأنصارية. خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشر سنين، عند مقد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة للهجرة، واختلف في وقت وفاته فقيل: مات في سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين. قال خليفة ابن خياط: مات أنس وله مائة وثلاث سنين، وقيل: كان سنه إذ مات مائة وعشر سنين، وقيل غير ذلك. وأما ما قيل فيه مائة سنة إلا سنة، حكى هذه الأقوال أبو عمر بن عبد البر؛ قال: ويقال إنه آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقال: إنه قدم من صلبه وولد ولده نحواً من مائة قبل موته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له فقال: \" اللهم ارزقه مالاً وولداً وبارك له \" قال أنس: فإني أكثر الأنصار مالاً. ويقال: إنه ولد لأنس ثمانون ولداً منهم ثمانية وسبعون ذكراً وأنثيان.\rهند وأسماء\rابنا حارثة ابن هند الأسلميان؛ شهدا بيعة الرضوان في إخوة لهما ستةٍ، وهم: هند وأسماء وخراش وذؤيب وفضالة وسلمة ومالك وحمران، ولم يشهدها أخوةٌ في عددهم غيرهم، ولزم منهم النبي صلى الله عليه وسلم هند وأسماء، وكانا من أهل الصفة، ومات هند بالمدينة في خلافة معاوية، وتوفى أسماء في سنة ست وستين. بالبصرة وهو ابن ثمانين سنة.\rربيعة بن كعب\rالأسلمي وهو ربيعة بن كعب بن مالك بن يعمر الأسلمي أبو فراس، وكان من أهل الصفة، وكان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر، وصحبه قديماً، ومات في سنة ثلاث وستين بعد الحرة.\rعبد الله بن مسعود","part":5,"page":106},{"id":2107,"text":"ابن غافل بن حبيب بن شمخ بن فارٍ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث ابن تميم الهذلي، وكنيته أبو عبد الرحمن، وهو حليف بني زهرة، وأمه: أم عبد بنت عبد ودٍ بن سواء بن قويم بن صاهلة بن كاهل بن هذيل. أسلم عبد الله في أول الإسلام، وكان سبب إسلامه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو يرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط، فأخذ شاة حائلاً من تلك الغنم فدرت عليه لبناً غزيراً فأسلم، ثم ضمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وكان يلبسه نعليه إذا قام، وإذا جلس جعلهما في دراعته حتى يقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يمشي أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشى، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذنك على أن يرفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك \" . وكان يعرف في الصحابة بصاحب السواد والسواك، وهو أحد من شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ومات ابن مسعود المدينة في سنة اثنتين وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان، وقيل: عمار، وقيل: الزبير بن العوام ودفنه بالبقيع ليلاً بإيصائه إليه بذلك، ولم يعلم عثمان فعاتب الزبير، وكان يوم توفى ابن بضع وستين سنة.\rعقبة بن عامر\rبن عبس الجهني من جهينة بن زيد بن سود بن أسلم بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وكان يكنى أبا حماد، وقيل: أبا أسد، وقيل: أبا عمرو، وقيل: أبا سعاد، وقيل: أبا الأسود، وقيل: أبا عمار، وأبا عامر. وكان عقبة بن عامر صاحب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقودها به في الأسفار. قال أبو عمر: سكن عقبة بن عامر مصر، وكان والياً عليها، وابتنى بها داراً، وتوفى في آخر خلافة معاوية.\rبلال\rبن رباح المؤذن مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وكان يكنى أبا عبد الله،، ويقال: أبا عبد الكريم، وقيل: أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا عمرو، وقد تقدم خبره في أول السيرة. وأمه حمامة، وكان خازناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخى بينه وبين عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان بلال رضي الله عنه صادق الإسلام طاهر القلب، وكان من مولدي السراة. مات بدمشق سنة عشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ودفن بمقبرتها عند الباب الصغير، وقيل: مات سنة إحدى وعشرين وهو ابن سبعين سنة.\rسعد\rمولى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي عن الحسن البصري، ويعد في أهل البصرة.\rذو مخمر\rبن أخي النجاشي ويقال: ابن أخته، ويقال فيه: ذو مخبر، خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عبد البر: وقد عده بعضهم في موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم، له أحاديث خرجها أهل الشام وهو معدود فيهم.\rبكير\rبن شداخ الليثي وقيل فيه: بكر، عده الشيخ أبو محمد الدمياطي في خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rأبو ذرٍ الغفاري\rويقال أبو الذر، والأول أشهر. واختلف في اسمه اختلافاً كثيراً، فقيل: جندب بن جنادة، وهو أصح ما قيل فيه إن شاء الله. وذكر أبو عمر بن عبد البر الاختلاف في اسمه، وترجم عليه بعد ذلك: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن الواقفة بن حرام بن غفار بن مليل بن ضمرة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر بن نزار الغفاري، وأمه رملة بنت الوقيعة، من بني غفار، تقدم خبر إسلامه في وفد غفار في أول هذا السفر، وأقام أبو ذر عند قومه بعد إسلامه حتى مضت بدرٌ وأحدٌ والخندق، ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصحبه إلى أن مات. وقد ذكرنا قصة أبي ذر في غزوة تبوك، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده \" وكان من خبره أنه خرج بعد وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى الشام، فلم يزل به حتى كانت خلافة عثمان بن عفان، فاستقدمه عثمان لشكوى معاوية، وأسكنه الربذة، فمات بها وصلى عليه عبد الله بن مسعود، وكان قد أقبل من الكوفة فدعي إلى الصلاة عليه، فقال: من هذا ؟ فقيل: أبو ذر، فبكى طويلاً وقال: أخي وخليل عاش وحده، ومات وحده، ويبعث وحده، طوبى له.","part":5,"page":107},{"id":2108,"text":"وذلك في سنة ست وثلاثين من الهجرة. روى عن أبي ذر جماعة من الصحابة، وكان من أوعية العلم المبرزين في الزهد والورع والقول بالحق؛ سئل علي رضي الله عنه عن أبي ذر فقال: ذاك رجلاً وعى علماً عجز عنه الناس، ثم أوكأ عليه ولم يخرج شيئاً منه. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر \" و \" من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى تواضع أبي ذر \" . وفضائله كثيرة رضي الله عنه.\rوذكر أبو عمر بن عبد البر في خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أسلع بن شريك \" الأعوجي التميمي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب راحلته، وأبو سلام الهاشمي، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاه.\rموالي الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشيخ أبو محمد الدمياطي رحمه الله تعالى: ومواليه من الرجال أحد وثلاثون، وهم: زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي - وكان لخديجة فاستوهبه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأعتقه، وقد تقدمت أخبار ومقتله في مؤتة.\rوأسامة بن زيد بن حارثة - وأمه أم أيمن، بركة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات أسامة في خلافة معاوية، في سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة أربع وخمسين، وصححه أبو عمر. وكان عمره يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة سنة، وقيل: عشرين، وقيل: ثماني عشرة، وسكن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وادي القرى، ثم رجع إلى المدينة فمات بالجرف.\rوثوبان بن بجدد - وكنيته أبو عبد الله على الأصح، وهو من أهل السراة، والسراة موضع بين مكة واليمن، وقيل: من حمير، وقيل: إنه من حكم بن سعد العشيرة، أصابه سباء فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه، ولم يزل معه في السفر والحضر إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إلى الشام فنزل الرملة، ثم انتقل إلى حمص فابتنى بها داراً: وتوفي بها سنة أربع وخمسين، وكان ممن حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدى ما وعى. روى عن جماعة من التابعين.\rوأبو كبشة سليم - شهد بدراً والمشاهد كلها، قيل: هو من فارس، وقيل: من مولدي أرض دوس، وقيل: من مولدي مكة، ابتاعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقه، وتوفي في سنة ثلاث عشرة، في اليوم الذي استخلف فيه عمر بن الخطاب، وقيل: توفي في سنة ثلاث وعشرين، في اليوم الذي ولد فيه عروة بن الزبير. والله تعالى أعلم.\rوأنسة - ويكنى أبا مسرح، ويقال أبو مسروح - وكان من مولدي السراة - اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقه. ذكره موسى بن عقبة فيمن شهد بدراً، وقال ابن إسحاق: كان يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس فيما حكاه مصعب الزبيري، ومات في خلافة أبي بكر رضي الله عنه.\rوشقران - واسمه صالح، وكان حبشياً، قيل: ورثه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيه وأعتقه بعد بدر، قيل: اشتراه من عبد الرحمن بن عوف وأعتقه، وقيل وهبه له فأعتقه وأوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته.\rورباح - وكان أسود نوبياً اشتراه من وفد عبد القيس وأعتقه، قال أبو عمر: وربما أذن على النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً؛ إذا انفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ عليه الإذن.\rويسار - وكان نوبياً أصابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته، وهو الذي قتله العرنيون كما تقدم.\rوأبو رافع - واسمه أسلم، وقيل؛ إبراهيم، وكان عبداً للعباس، فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما أسلم العباس بشر أبو رافع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه، فأعتقه وزوجه سلمى مولاته، فولدت له عبيد الله، وكان عبيد الله كاتباً لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في آخر خلافته كلها، قيل: وخازنا أيضاً. ومات أبو رافع في آخر خلافة عثمان بالمدينة، وقيل: في خلافة علي، قيل: وكان أبو رافع قبطياً.\rوأبو مويهبة - وكان من مولدي مزينة، اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقه.","part":5,"page":108},{"id":2109,"text":"ورافع - قال الشيخ أبو محمد عبد المؤمن رحمه الله: كان مولى لسعيد بن العاص، فورثه ولده، فأعتقه بعضهم وتمسك بعضهم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينه فوهب له، فكان يقول: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد حكى أبو عمر ذلك في أحد القولين عن أبي رافع المقدم ذكره. والله أعلم.\rوفضالة - وهو مذكور في موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال ابن عبد البر: لا أعرفه بغير ذلك، قيل: إنه مات بالشام.\rومدعم - اسود، وهبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة بن زيد الجذامي، وهو الذي قتل بوادي القرى، وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الشملة التي غلها تشعل عليه ناراً \" .\rوكركرة - وكان على بغلة النبي صلى الله عليه وسلم وكان نوبياً أهداه له هوذة بن علي فأعتقه.\rوزيد - وهو جد بلال بن يسار بن زيد.\rوعبيد، وطهمان - موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلف في طهمان، فقيل: طهمان، وقيل: طهوان، وقيل: ذكوان، وأما عبيد فروى عنه سليمان التيمي.\rومابور - أهداه إليه المقوقس، وقيل: كان خصياً.\rوواقد، وأبو واقد، وهشام، وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن امرأتي لا تمنع يد لامس، قال: \" طلقها \" قال: إنها تعجبني. قال: \" فاستمتع بها \" .\rوأبو ضميرة - قيل: اسمه يعد الحميري، قال البخاري: وقيل في اسمه غير ذلك. وكان مما أفاء الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جد حسين بن عبد الله بن ضميرة، وقيل: وكان من العرب فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب له كتابا يوصي به فهو بيد ولده، قال أبو عمر: وقدم حسين بن عبد الله بن ضميرة على المهدي بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيصاء بأبي ضمرة وولده، فوضعه المهدي على عينيه، ووصله بثلثمائة دينار.\rوحنين - قال أبو عمر بن عبد البر: كان عبدا وخادما للنبي صلى الله عليه وسلم، فوهبه لعمه العباس فأعتقه العباس قال: وقد قيل إنه مولى علي بن أبي طالب، وعده الشيخ أبو محمد في موالى رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأبو عسيب - واسمه أحمر.\rوأبو عبيدة سفينة - فكان عبد لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقته، واشترطت عليه أن يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته، فقال: لو لم تشترطي علي ذلك ما فارقته، وكان اسمه رباح، وقيل: عمير: وقيل: رومان. وقيل: مهران. قال الواقدي: وقال أبو عمر: مهران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم غير سفينة.\rسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة بهذا الاسم، لأنه كان معه في سفر؛ فكان كل من أعيا ألقى عليه متاعه سيفا أو ترسا، فمر النبي صلى الله عليه وسلم به، فقال: \" أنت سفينة \" وكان أسود من مولدي الأعراب.\rوأبو هند - وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه زوجوا أبا هند، وتزوجوا إليه، قال أبو محمد: ابتاعه رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من الحديبية وأعتقه.\rوأنجشة - وكان حادياً للجمال، وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: \" يا أنجشة رفقاً بالقوارير \" .\rوأنيسة - وكان حبشياً فصيحاً شهد بدراً، وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة.\rوأبو لبابة - كان لبعض عمات رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه، وهو معدود في موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rورويفع - سباه رسول الله صلى الله عليه وسلم من هوازن فأعتقه.\rوسعد - وهو الذي روى عنه أبو عثمان النهدي. ذكره أبو عمر بن عبد البر.\rهؤلاء المشهورون من موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو محمد عبد المؤمن رحمه الله: وقد قيل إنهم أربعون، وزاد يوسف بن الجوزي: أبا كندير، وسلمان الفارسي، وسالماً، وسابقاً - ذكره أبو عمر - خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزيد بن رصولا، وعبيد الله بن أسلم، ونبيه: وقيل فيه: النبيه، وقيل النبيه، بضم النون وفتحها، ووردان.","part":5,"page":109},{"id":2110,"text":"وذكر أبو عمر بن عبد البر في موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة أخر، منهم أبو الحمراء واسمه هلال بن الحارث، ويقال: هلال بن ظفر، وأفلح، وذكوان، وفي اسمه خلاف، وأبو عبيد، له رواية، وأبو لقيط، وأبو السمح أيادٍ، وقيل: خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضميرة بن أبي ضميرة، قال أبو عمر: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم ضميرة وهي تبكي فقال: \" ما يبكيك أجائعة أنت أم عارية \" ؟ فقالت: يا رسول الله، فرق بيني وبين ابني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا يفرق بين والدة وولدها \" ثم أرسل إلى الذي عنده ضميرة فابتاعه منه.\rوكيسان، أو مهران - واسمه هرمز يسمى أبا كيسان، اختلف فيه على عطاء بن السائب، فقيل: كيسان، وقيل: طهمان، وقيل: ذكوان، وأبو بكرة نفيع بن مسروح، وهو ابن سمية جارية الحارث بن كلدة الثقفي، معدود في موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقه لما نزل إليه من حصن الطائف، وأسلم فكان يقول: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أبى الناس إلا أن ينسبوني فأنا نفيع بن مسروح، وكناه رسول اللله أبا بكرة؛ لأنه تدلى إليه من بكرة من الحصن.\rوأبو سلمى - راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: اسمه حارث، فهؤلاء عشرة أخر لتكملة خمسين. والله أعلم.\rومن النساء: أم عياش، وأميمة، وأم رافع سلمى، وبركة أم أيمن، ومارية، وريحانة، وربيحة، وميمونة بنت أبي عسيب، وخضرة، ورضوى، وأم ضميرة. وذكر أبو عمر بن عبد البر أميمة لها رواية، وميمونة بنت أبي عنبسة غير ميمونة المذكورة آنفاً، والله أعلم.\rحراس الرسول في غزواته، وهم ثمانية: سعد بن معاذ حرسه يوم بدر حين نام بالعريش، وذكوان بن عبد الله بن قيس، ومحمد بن مسلمة الانصاري حرسه بأحد، والزبير بن العوام حرسه يوم الخندق، وعباد بن بشر، وسعد بن أبي وقاص، وأبو أيوب الأنصاري حرسه بخيبر ليلة بني بصفية، وبلال حرسه بوادي القرى. ولما أنزل الله تعالى: \" با أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس \" ترك عند ذلك الحرس.\rكُتّاب الرسول وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وأبي بن كعب، وثابت بت قيس بن شماس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وكان معاوية وزيد يكتبان الوحي. قال الشيخ الإمام الفاضل محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي ثم القرطبي رحمه الله تعالى في كتاب الأعلام له: والعلاء بن الحضرمي، قال: وكان المداويم على الكتابة زيد ومعاوية، قال: ويقال إن معاوية لم يكتب له من الوحي شيئاً، وإنما كان يكتب إلى الأطراف، وكتب له عبد الله بن سرح ثم ارتد، فلما كان يوم الفتح أسلم وحسن إسلامه، وذكر القضاعي: وكان الزبير بن العوام وجهم بن سعد يكتبان أموال الصدقة، وكان حذيفة بن اليمان يكتب خرص النخل، وكان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان المداينات والمعاملات. وذكر الحافظ أبو الخطاب بن دحية: أن كتابه عليه السلام ينتهون إلى ستة وعشرين، والله أعلم.\rقال: وقد قدمنا ذكر رسله صلى الله عليه وسلم رفقاء الرسول النجباء وهم اثنا عشر: أبو بكر، وعمر، وحمزة، وعلي، وجعفر، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان، وحذيفو، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وبلال بن رباح.\rوكان علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومحمد بن سلمة وعاصم بن أبي الأفلح والمقداد، رضوان الله عليهم أجمعين يضربون الأعناق بين يديه صلى الله عليه وسلم، وحين ذكرنا من سيرته صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا، فلنأخذ الآن في ذكر صفاته الذاتية والمعنوية وأحواله صلى الله عليه وسلم.\rصفة الرسول","part":5,"page":110},{"id":2111,"text":"قد وردت الأخبار الصحيحة والمشهورة من حديث علي بن أبي طالب وأنس بن مالك وأبي هريرة والبراء بن عازب وعائشة أم المؤمنين و ابن أبي هالة وأبي جحيفة وجابر بن سمرة وأم معبد وابن عباس، ومعرض بن معيقب وأبي الطفيل، والعداء بن خالد وخريم بن فاتك وحكيم بن حزام، وغيرهم رضوان الله عليهم: أنه كان صلى الله عليه وسلم ربعة من القوم: لا بائنٌ من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، بعيد بين المنكبين، أبيض اللون، مشرب حمرة، وفي رواية أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، له شعر رجل، يبلغ شحمة أذنيه إذا طال، وإذا قصر إلى أنصافهما، لم يبلغ شيبه في رأسه ولحيته عشرين شعره، كأن عنقه جيد دمية، في صفاء الفضة، وظاهر الوضاءة مبلج الوجه، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، حسن الخلق معتدله، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة، وسيماً قسيما، في عينيه دعج، وفي بياضهما عروق رقاق حمر، وفي أشفاره غطف، وفي صوته صهل، وروى صحل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق فصل: لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن، واسع الجبين، أزج الحواجب في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، من لبته إلى سرته شعر يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، أشعر الذراعين والمنكبين، بادن متماسك، سواء الصدر والبطن، سبيح الصدر، ضخم الكراديس، أنور المتجرد عريض الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين، سائل الأطراف، سبط القصب، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعاً، وفي رواية: إذا مشى يقلع - كناية عن قوة الخطو كالذي يمشي في طين - ويخطو تكفياً ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعاً، بين كتفيه خاتم النبوة كأنه زر حجلة أو بيضة حمامة، لونه كلون جسده عليه خيلان، كأن عرقه اللؤلؤ، ولريح عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم، قال البراء: ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو هريرة: ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه، وإذا ضحك يتلألأ في الجذر، وقال جابر بن سمرة، وقد قال له رجل كأن وجهه صلى الله عليه وسلم مثل السيف، فقال: لا، بل مثل الشمس والقمر. وكان مستديراً، وكان عمر بن الخطاب ينشد قول زهير بن أبي سلمى في هرم بن سنان:\rلو كنت من شيءٍ سوى بشرٍ ... كنت المضيء لليلة البدر\rثم يقول عمر وجلساؤه: كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن كذلك غيره، وفيه عليه السلام يقول عمه العباس رضي الله عنه وأرضاه:\rوأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمةٌ للأرامل\rتطيف به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفضائل\rوميزان حق لا يخيس شعيرةً ... ووزان عدلٍ وزنه غير عائل\rخاتم النبوة\rالذي كان بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم روى عن جابر بن سمرة. وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ورأيت خاتمه عند كتفيه مثل بيضة الحمامة يشبه جسمه، وعن أبي رمثة قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا أبا رمثة ادن مني امسح ظهري \" فدنوت منه فمسحت ظهره، ثم وضعت أصابعي على الخاتم فغمزتها، فقيل له: وما الخاتم ؟ فقال: شعر مجتمع عند كتفيه. وعنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتفت فإذا خلف كتفيه مثل النفاخة، قلت: يا رسول الله، إني أداوى فدعني حتى أبطها وأداويها، قال: \" طببها الذي خلقها \" . وعنه من طريق آخر قلت: يا رسول الله إني طبيب من أهل بيت أطباء، وكان أبي طبيباً في الجاهلية، معروفا ذلك لنا فأذن لي في التي بين كتفيك، فإن كانت سلعة بططتها فشفا الله نبيه؛ فقال: \" لا طيبب لها إلا الله \" وهي مثل بيضة الحمامة.\rشعر رسول الله\rصلى الله عليه وسلم وطوله","part":5,"page":111},{"id":2112,"text":"روى عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يصف شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان شعره إلى شحمة أذنيه، وعنه قال: سمعت البارء يقول: ما رأيت أحدا من خلق الله أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن جمته لتضرب قريبا من منكبيه، وفي لفظ، من عاتقيه. وعن قتادة قال: قلت: لأنس بن مالك كيف كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: كان شعرا رجلا ليس بالسبط ولا بالجعد بين أذنيه وعاتقه. وعن أنس: كان لا يجاوز شعره أذنيه، وعنه، كان إلى أنصاف أذنيه. وعن علي رضي الله عنه قال: كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة ودون الجمة. وعن أم هانئ قالت: رأيت في رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ضفائر أربعا، وعنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة وله أربع غدائر. وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير شعر اللحية. وعن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على قصاص شعره.\rعدد شيب\rرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قال إنه خضب روى عن حميد الطويل قال: سئل أنس بن مالك هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: ما شانه الله بالشيب، وما كان فيه من الشيب ما يخضب، إنما كانت شعرات في مقدم لحيته، ولم يبلغ الشيب الذي كان به عشرين شعرة. وفي رواية عن أنس أيضاً: ما كان في رأسه ولحيته إلا سبع عشرة أو ثمان عشرة. وعن جابر بن سمرة، وقد سئل عن شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان إذا دهن رأسه لم يتبين. وعن محمد بن واسع؛ قيل: يا رسول الله، لقد أسرع إليك الشيب، فقال: \" شيبتني \" آلر. كتاب أحكمت آياته ثم فصلت \" وأخواتها \" . وعن أبي سلمة، قيل: يا رسول الله، نرى في رأسك شيباً، قال: \" مالي لا أشيب وأنا أقرأ هوداً وإذا الشمس كورت \" وفي رواية: \" وما فعل بالأمم قبلي \" . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال أبو بكر: أراك قد شبت يا رسول الله، قال: \" شيبتني هودٌ والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت \" ومن رواية \" وأخواتها اقتربت الساعة، والمرسلات وإذا الشمس كورت \" وفي رواية آخرى عن أنس قال قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: بأبي وأمي يا رسول الله، وما أخواتها ؟ قال: \" الواقعة والقارعة وسأل سائل وإذا الشمس كورت \" هذا ما رأيناه مما ورد في شيبه وسببه.\rمن خضب الرسول\rفقد روى عن عبد الله بن موهبة قال:: دخلنا على أم سلمة رضي الله عنها، فأخرجت إلينا صرة فيها شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مخضوا بالحناء، والكتم. وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: رأيت شعراً من شعره - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - فإذا هو أحمر، فسألت عنه فقيل لي: أحمر من الطيب. وعن أبي جعفر قال: شمط عارضا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخضبه بحناء وكتم، وعن أبي رمثة أنه وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذو وفرة وبها ردعٌ من حناء، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يصفر لحيته بالخلوق، ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصفر، وعن عبد الرحمن الثمالي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير لحيته بماء السدر، ويأمر بتغيير الشعر مخالفة للأعاجم.\rهذا ما أمكن إيراده من صفاته الذاتية، وسنذكر إن شاء الله بعد ذكر صفاته المعنوية، حديث هند بن أبي هالة، لجمعه بين صفاته الذاتية والمعنوية.\rصفاته المعنوية\rوما ورد في أكله وشربه، ونومه وضحكه وعبادته ونكاحه، وخلقه وحلمه واحتماله، وعفوه وصبره على ما يكره، وجوده وكرمه. وسخائه وسمحته، وشجاعته ونجدته، وحيائه وإغضائه، وحسن عشرته وأدبه، وبسط خلقه، وشفقته ورأفته ورحمته، ووفائه وحسن عهده، وصلته للرحم، وتواضعه وعدله وأمانته وعفته، وصدق لهجته، ووقاره وصمته وتؤدته، ومروءته، وحسن هديه وزهده وخوفه ربه تعالى، وطاعته له وشدة عبادته صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيرا.\rفأما ما ورد في أكله وشربه ونومه وضحكه وعبادته","part":5,"page":112},{"id":2113,"text":"فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ من الأكل والشرب بالأقل، واعتمد من ذلك على ما يمسك الرمق ويسد الخلة، وقد جاءت الأخبار الصحيحة بذلك، ولم تزل العرب والحكماء تتمادح بقلتهما وتذم بكثرتهما؛ لأن كثرة الأكل والشرب دليل على النهم والحرص والشره، وقلة ذلك دليل على القناعة وملك النفس وقمع الشهوة. وقد روينا بإسناد متصل عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه \" . ولأن كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب. وقد روى عنه عليه السلام أنه كان أحب الطعام إليه ما كان على ضعف؛ أي كثرة الأيدي. وعن عائشة رضي الله عنها قالت:: لم يمتلئ جوف النبي صلى الله عليه وسلم شبعا قط، وإنه كان في أهله ولا يسألهم طعاما ولا يتشهاه، إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سسقوه شرب. قال أهل العلم: ولا يعترض على هذا بحديث بريرة، وقوله صلى الله عليه وسلم: \" ألم أر البرمة فيها لحم \" ؟ إذ لعل سبب سؤاله ظنه اعتقادهم أنه لا يحل له، فأراد بيان سننه، إذ رآهم لم يقدموا إليه مع علمه أنهم لا يستأثرون به عليه، فصدق عليهم ظنه، وبين لهم ما جهلوه من أمره، بقوله: \" هو لها صدقة ولنا هدية \" . وكان جلوسه صلى الله عليه وسلم للأكل جلوس المستوفز، معيقا، وزيقول: \" إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد \" . وفي حديث صحيح قوله صلى الله عليه وسلم: \" أما أنا فلا آكل متكئا \" وليس معنى الأتكاء عند المحققين الميل على شق، وإنما الإتكاء هو التمكن للأكل، والتقعدد في الجلوس، كالمتربع وشبهه من تمكن الجلسات التي يعتد فيها الجالس على ما تحته، والجالس على هذه الهيئة يستدعى الأكل ويستكثر منه، وكان صلى الله عليه وسلم بخلاف ذلك. وكان صلى الله عليه وسلم إذا رفع الطعام من بين يديه قال: \" الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وآوانا وجعلنا مسلمين \" . وفي رواية يقول: \" الحمد لله حمداً كثيرا طيبا مباركا فيه غير مودع ولا مستغنىً عنه ربنا \" . وكن لا يأكل على خوان، ولا يمتنع من مباح، ولا يتأنق في مأكل، يأكل ما وجد، إن وجد تمرا أكله، أو خبزا أكله أو شواء أكله، وإن وجد لبنا أكتفى به، ولم يأكل خبزاً مرققا، وأكل صلى الله عليه وسلم الخبز بالخل وقال: \" نعم الإدام الخل \" وأكل لحم الدجاج ولحم الحبارى.\rوكان يحبب الدباء ويأكله، ويعجبه الذارع من الشاة، وقال: \" إن أطيب اللحم لحم الظهر \" وقال: \" كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة \" وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، وأكل صلى الله عليه وسلم خبز الشعير بالتمر، وقال: \" هذا أدم هذا \" وأكل البطيخ بالرطب والقثاء بالرطب والتمر بالزبد، وكان يحب الحلواء والعسل، وكان يشرب قاعدا، وربما شرب قائما، ويتنفس ثلاثا وإذا فضلت منه فضله وأراد أن يسقيها بدأ بمن عن يمينه، وشرب صلى الله عليه وسلم لبنا، وقال: \" من أطعمه الله طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه، ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه \" وقال: \" ليس شيء يجزي مكان الطعام والشراب غير اللبن \" .\rوأما نومه صلى الله عليه وسلم فكان قليلا، جاءت بذلك الآثار الصحيحة، وقال صلى الله عليه وسلم: \" إن عيني تنامان ولا ينام قلبي \" وكان نومه على جانبه الأيمن استظهارا على قلة النوم لأن النوم على الجانب الأيسر أهنأ، لهدو القلب وما بيتعلق به من الأعضاء الباطنة، لميلها إلى الجانب الأيسر، فيستدعى ذلك الاستثقال فيه والطول، وإذا نام النائم على الجانب الأيمن تعلق القلب وقلق، فأسرع الإفاقة ولم يغمره الاستغراق. وكان صلى الله عليه وسلم ينام أول الليل ثم يقوم من السحر، ثم يوتر ثم يأتي فراشه، فإذا سمع الآذان وثب، وكان إذا نام نفخ، ولا يغط غطيطا، وإذا رأى في منامه ما يروعه قال: \" هو الله لا شريك له \" وإذا أخذ مضجعه وضع كفه اليمنى تحت خده، وقال: \" رب قني عذابك يوم تبعث عبادك \" وكان يقول: \" اللهم باسمك أموت وأحيا \" وإذا استيقظ قال: \" الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور \" .\rوأما ضحكه صلى الله عليه وسلم","part":5,"page":113},{"id":2114,"text":"فكان جله التبسم، وربما ضحك من شيء معجب حتى تبدو نواجذه من غير قهقهة صلى الله عليه وسلم، وأما عبارته صلى الله عليه وسلم فكان أفصح الناس، يخاطب كل أمة بلسانها، ويحاورها بلغتها، يباريها في منزع بلاغتها، وقد تقدم من كلامه في كتبه إلى ملوك اليمن وغيرها ما يدل على ذلك، وإن كان ذلك لا يحتاج فيه إقامة دليل بعد أن أنزل القرآن بلغته. وكان صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بين كلامه حتى يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه، ويخزن لسانه لا يتكلم من غير حاجة، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلٌ لا فضول ولا تقصير، وكان يتمثل بشيء من الشعر ويتمثل بقوله:\rويأتيك بالأخبار من لم تزود\rوبغير ذلك، صلى الله عليه وسلم.\rوأما النكاح وما يتعلق به فهو مما يكثر التمدح بكثرته وذلك، لأنه دليل الكمال وصحة الذكورية، ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة، والتمادح به سيرة ماضية وسنة مأثورة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أفضل هذه الأمة أكثرها نساء. مشيرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: \" تناكحوا فإني مباهٍ فيكم الأمم \" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن أقدره الله تعالى على ذلك وحببه له، فكان صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة، رواه أنس، قال: وكنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين، خرجه النسائي. وعن طاوس: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوة أربعين رجلا في الجماع، ومثله عن صفوان بن سليم.وقالت سلمى مولاته: طاف النبي صلى الله عليه وسلم ليلة على نسائه التسع، ويطهر من كل واحدة قبل أن أتى الأخرى. وقال: \" هذا أطهر وأطيب \" .\rوأما خلقه صلى الله عليه وسلم فقد قال الله عز وجل فيه مخاطبا له صلى الله عليه وسلم: \" وإنك لعلى خلقٍ عظيم \" قالت عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه، وقال صلى الله عليه وسلم: \" بعثت لأتتم مكارم الأخلاق \" قال علي وأنس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا. وكان صلى الله عليه وسلم - فيما ذكره المحققون - مجبولا على ذلك في أصل خلقته وأول فطرته، لم يحصل له ذلك بإكتساب ولا رياضة، إلا بجود إلهي وخصوصية ربانية، ومن طالع سيرته منذ صباه وإلى آخر عمره، حقق ذلك وكذلك سائر الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.\rوأما حلمه واحتماله وعفوه","part":5,"page":114},{"id":2115,"text":"مع القدرة، والصبر على ما يكره، فقد جعلوا بين هذه الألقاب فرقا، فقالوا: الحلم حالة توقير وثبات عند الأسباب المحركات، والاحتمال حبس النفس عند الآلام والمؤذيات، ومثله الصبر، ومعانيها متقاربة، وأما العفو فهو ترك المؤاخذة، وهذا كله مما أدب الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: \" خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين \" روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه الآية سأل جبريل عن تأويلها فقال له: حتى أسأل العالم، ثم ذهب فأتاه فقال: \" يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك \" . وقال تعالى مخاطبا له صلى الله عليه وسلم: \" واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور \" وقال: \" فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل \" . وقد روى في حلمه واحتماله وعفوه وصبره أحاديث كثيرة وقصص مشهورة، قد تقدم منها في أخباره، في أثناء هذه السيرة جملة كافية ونحن نشير الآن في هذا الموضع إليها، وننبه في هذه الترجمة عليها، منها قصة أحدٍ حين ناله من أذى كفار قريش ما ناله مما قدمنا ذكره، فشق ذلك على أصحابه، وقالوا: يا رسول الله، لو دعوت عليهم، فقال: \" إني لم أبعث لعّانا ولكني بعثت داعياً ورحمةً اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون \" روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال في بعض كلامه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: \" رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا \" ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وطيء ظهرك وأدمى وجهك وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقلت: \" اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون \" . ومنها قصتا غورث بن الحارث، ودعثور بن الحارث حين أرادا أن يفتكا به، وأظفره الله بهما، وأمكنه منهما فعفا عنهما، كما تقدم ذكر ذلك في غزوتي غطفان وذات الرقاع، ومنها عفو عن الذين هبطوا عليه في عمرة الحديبية، وأرادوا قتله فأخذوا فأعتقهم صلى الله عليه وسلم، ومنها صفحه عن قريش حين أمكنه الله منهم يوم الفتح، وهم لا يشكون في استئصال شأفتهم وإبادة خضرائهم؛ لما تقدم من أذاهم له، فما زاد على أن عفا وصفح، وقال: \" ما تقولون إني فاعل بكم \" : خيرا؛ أخٌ كريمٌ وابن أخ كريم، فقال: \" أقول كما قال أخي يوسف \" لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين \" . ومما لم نذكره فما أتينا عليه من سيرته صلى الله عليه وسلم ما ورد في الحديث الصحيح من قول الرجل له: اعدل إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. فلم يزده صلى الله عليه وسلم في جوابه إلا أن بين له ما جهله، ووعظ نفسه وذكرها بما قال له، فقال: \" ويحك فمن يعدل إن لم أعدل خبت وخسرت إن لم أعدل \" ونهى ما أراد قتله من أصحابه. ومنه ما روى عن أنس رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد غليظ الحاشية، فجبذه أعرابي بردائه جبذة شديدة حتى أثّرت حاشية البرد في صفحة عاتقه. ثم قال: يا محمد، أحمل لي على بعيريّ هذين من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: \" المال مال الله وأنا عبده \" ثم قال: \" ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي \" ؟ قال: لا، قال \" لم \" ؟ قال: لأنك لا تكافيء بالسيئة السيئة، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعيرٌ وعلى الآخر تمرٌ.","part":5,"page":115},{"id":2116,"text":"ومنه خبر زيد بن سعنة حين أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه، وكان من أحبار اليهود، فجاءه يتقاضاه دينا عليه، فجبذ ثوبه على منكبه وأخذ بمجامع ثيابه وأغلظ له، ثم قال: إنك يا بني عبد المطلب مطل فانتهره عمر بن الخطاب رضي الله عنه وشدد له في القول، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر، تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضي \" ثم قال: \" لقد بقي من أجله ثلاث \" وأمر عمر بقضيه ماله ويزيده عشرين صاعا لما روعه، فكان سبب إسلامه؛ وذلك أنه كان يقول: ما بقي من علامات النبوّة شيء إلا وقد عرفتها في محمد إلا اثنتين ؟ لم أخبرهما؛ يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل إلا حلما؛ فاختبرته بها فوجدته كما وصف. والحديث عن حلمه وصبره وعفوه كثير؛ روى عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله، وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما ضرب خادما ولا امرأة، وجيء إليه برجل فقيل: هذا أراد أن يقتلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لن تراع لن تراع ولو أردت ذلك لم تسلّط عليّ \" صلى الله عليه وسلم.\rوأما جوده وكرمه وسخاؤه وسماحته صلى الله عليه وسلم ومعانيها متقاربة، وقد فرق بعضهم بينها بفروق فجعلوا الكرم: الإنفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه - وسموه أيضا حرية - وهو ضد النذالة. والسماحة: التجافي عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفسه، وهو ضد الشكاسة والسخاء: سهولة الإنفاق وتجنب اكتساب ما لا يحمد، وهو الجود، وهو ضد التقتير؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك بالمحل الأرفع بهذا جاءت الأحاديث الصحيحة، منها ما رويناه في صحيح البخاري عن ابن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال لا. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما كان في شهر رمضان، وكان إذا لقيه جبريل عليهما السلام أجود بالخير من الريح المرسلة. وعن أنس أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى بلده وقال: أسلموا فإن محمد يعطي عطاء من لا يخشى فاقة. وقد ذكرنا ما أعطاه صلى الله عليه وسلم من غنائم هوازن.\rوأخباره صلى الله عليه وسلم في ذلك كثيرة، وعطاياه فاشية، لو استقصيناها لطال بها التأليف، وكان لا يبيت في بيته دينارٌ ولا درهم. فإن فضل ولم يجد من يعطيه وفجئه الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما أتاه الله إلا قوت أهله عاما فقط، من أيسر ما يجد من التّمر والشّعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله، ثم يؤثر من قوت أهله حتى يحتاج قبل انقضاء العام؛ صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.\rوأما شجاعته ونجدته صلى الله عليه وسلم فقد قالوا: الشجاعة فضيلة قوة الغضب، وانقيادها للعقل، والنّجدة: ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها دون خوف؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم منهما بالمكان الذي لا يجهل، قد شهد المواقف الصعبة، وفرّ الكماة والأبطال عنه، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، وقد قدّمنا من أخباره وثباته وحملاته في يومي أحد وحنين ما تقف عليه هناك. وقد روينا بإسناد متّصل عن البراء، وقد سأله رجل: أفررتم يوم حنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرّ، ثم قال: لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: \" أنا النبي لا أكذب \" وزاد غيره \" أنا ابن عبد المطلب \" قيل: فمارئ يومئذ أحدٌ كان أشد منه. وقال غيره: نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن بغلته. وذكر مسلم عن العباس قال: فلما التقى المسلمون والكفار ولّى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفّها إرادة ألا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه، ثم نادى ياللمسلمين.","part":5,"page":116},{"id":2117,"text":"الحديث. وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنا كما إذا حمي البأس - ويروى اشتدّ البأس - واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحدٌ أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر، ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا. وقيل: كان الشجاع الذي يقرب منه صلى الله عليه وسلم إذا دنا العدو لقربه منه.\rوعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس؛ لقد فزع أهل المدينة ليلةً فتانطلق ناسٌ قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً قد سبقهم إلى الصوت واستبراء الخبر، على فرس لأبي طلحة عرى، والسيف في عنقه، وهو يقول: \" لن تراعوا \" . وقال عمران ابن حصين: ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة إلا كان أول من يضرب.\rوأما حياؤه وإغضاؤه صلى الله عليه وسلم والحياء: رقّة تعتري وجه الإنسان عند فعل ما يتوقّع كراهته أو ما يكون تركه خيرا من فعله. والإغضاء: التغافل عما يكره الإنسان بطبيعته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياء، وأكثرهم عن العورات إغضاء، وقد أخبر الله تعالى بحيائه فقال: \" إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم \" وعن أبي سعيد الخدري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه. وكان صلى الله عليه وسلم لا يشافه أحداً بما يكره حياءً وكرم نفس. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن احدٍ ما يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول كذا، ولكن يقول: \" ما بال أقوام يصنعون - أو يقولون - كذا \" ينهى عنه ولا يسمي فاعله.\rوروى أنس رضي الله عنه أنه يدخل عليه رجل به أثر صفرة، فلم يقل له شيئا - وكان لا يواجه أحدا بما يكره - فلما خرج قال: \" لو قلتم له يغسل هذا \" ويروى \" ينزعها \" . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان من حيائه لا يثبت بصره في وجه أحد، وأنه كان يكنى عما اضطره الكلام إليه مما يكره، صلى الله عليه وسلم.\rوأما حسن عشرته وأدبه وبسط خلقه صلى الله عليه وسلم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم الناس عشرة، وأكثرهم أدبا، وأبسطهم خلقا مع أصناف الخلق، انتشرت بذالك الأخبار الصحيحة، منها ما رويناه بسند متصل عن قيس بن سعد قال: زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر قصة في آخرها، فلما أراد الانصراف قرب له سعدٌ حمارا ووطّأ عليه بقطيفة، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال سعد: يا قيس، اصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال قيس: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم \" اركب \" فأبيت، فقال: \" إما أن تركب وأما أن تنصرف \" فانصرفت، وفي رواية أخرى: \" اركب أمامي فصاحب الدابة أولى بمقدّمها \" . وكان صلى الله عليه وسلم لا يدع أحدا يمشي معه وهو راكب حتى يحمله، فإن أبى قال: \" تقدمني إلى المكان الذي تريد \" وركب صلى الله عليه وسلم حمارا عرياً إلى قباء، وأبو هريرة معه، فقال: \" يا أبا هريرة أحملك \" ؟ فقال: ما شئت يا رسول الله، فقال: \" اركب \" وكان في أبي هريرة ثقلٌ، فوثب ليركب فلم يقدر، فاستمسك برسول الله صلى الله عليه وسلم فوقعا جميعا، ثم ركب صلى الله عليه وسلم فقال: \" يا أبا هريرة أحملك \" ؟ فقال: ما شئت يا رسول الله، فقال: \" اركب \" فلم يقدر على ذلك، فتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم فوقعا جميعا، ثم قال: \" يا أبا هريرة أحملك \" ؟ فقال: لا، والذي بعثك بالحق لاصرعتك ثالثا. وكان لا يدع أحداً يمشي خلفه ويقول \" خلوا ظهري للملائكة \" .","part":5,"page":117},{"id":2118,"text":"وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤلّف أصحابه ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قومٍ ويولّيه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره ولا خلقه، يتفقّد أصحابه، ويعطي كلّ جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يردّه إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء، هكذا وصفه ابن أبي هالة، قال: وكان دائم البشر سهل الخلق ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا سخّاب ولا فحّاش، ولا عيّاب ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهى ولا يؤنس منه. وكان صلى الله عليه وسلم يجيب من دعاه، ويقبل الهدية، ولو كانت كراعا، ويكافيء عليها، قال أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍّ قطّ، وما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته، ومن رواية أخرى عنه قال: خدمته نحوا من عشر سنين فوالله ما صحبته في سفر ولا حضر لأخدمه إلا وكانت خدمته لي أكثر من خدمتي له، وما قال لي أفٍّ قطّ، ولا قال لشيء فعلته لم فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا ؟. وكان صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأمر بإصلاح شاة فقال رجل: يا رسول الله، عليّ ذبحها، وقال آخر: عليّ سلخها، وقال آخر: عليّ طبخها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" وعليّ جمع الحطب \" قالوا: يا رسول الله، نحن نكفيك، فقال: \" علمت أنكم تكفوني ولكني أكره أن أتميز عليكم فإن الله يكره من عبده أن يراه مميزا بين أصحابه \" وقام فجمع الحطب. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دعاه أحد من أصحابه ولا أهل بيته إلا قال: \" لبيك \" وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره، ويجيب دعوة الحرّ والعبد والأمة والمسكين، ويعود المرضي في أقصى المدينة ويقبل عذر المعتذر، قال أنس: ما التقم أحد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فينحّي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحيّ رأسه، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ، ولم ير مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له، وكان يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، لم ير قط مادا رجليه بين أصحابه حتى يضيّق بهما على أحد، يكرم من يدخل عليه، وربما بسط له ثوبه، ويؤثره بالوسادة التي تحته، ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى، ويكني أصحابه، ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوز فيقطعه بنهي أو قيام، ويروى: بانتهاء أو قيام، ويروى: أنه كان لا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفّف صلاته وسأله عن حاجته، فإذا فرغ عاد، إلى صلاته، وكان أكثر الناس تبسّماً، وأطيبهم نفساً، ما لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب.\rوأما شفقته ورأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم لجميع الخلق","part":5,"page":118},{"id":2119,"text":"فقد أخبر الله تعالى بذلك ووصفه بهذه الأوصاف؛ فقال تعالى: \" لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رءوفٌ رحيمٌ \" وقال تعالى: \" وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين \" فكان من شفقته على أمته صلى الله عليه وسلم تخفيفه وتسهيله عليهم، وكراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: \" لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسّواك مع كل وضوء \" وخبر صلاة الليل، ونهيهم عن الوصال، وكراهيته دخول الكعبة لئلا يعنت أمته، ورغبته لربه أن يجعل سبّه ولعنه لهم رحمة، وأنه كان يسمع بكاء الصبي فيتجوّز في صلاته. ومن شفقته صلى الله عليه وسلم أن دعا ربه وعاهده فقال: \" أيّما رجلٍ سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة وصلاة وطهورا وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة \" . ومن ذلك أنه لما كذّبه قومه أتاه جبريل عليه السلام فقال له: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداه ملك الجبال وسلم عليه، فقال: مرني بما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً \" . وروى ابن المنكدر: أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله أمر السماء والأرض والجبال أن تطيعك، فقال: \" أؤخر عن أمتي لعل الله يتوب عليهم \" . ومن ذلك ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: \" لا يبلغني أحدٌ منكم عن أحد من أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصّدر \" . وقال ابن مسعود: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة مخافة السّآمة علينا، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.\rوأما وفاؤه وحسن عهده وصلته للرحم صلى الله عليه وسلم فكان صلى الله عليه وسلم قد بلغ من ذلك الغاية التي لا يدرك شأوها، ولا يبلغ مداها، ولا يطمع طامع سواه بالاتصاف بها، جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة، من ذلك ما رويناه بإسناد متصل عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاث، فجئت فإذا هو في مكانه، فقال: \" يا فتى لقد شققت عليّ أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك \" . وعن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بهدية قال: \" اذهبوا بها إلى بيت فلانة فإنها كانت صديقة لخديجة، إنها كانت تحبّ خديجة \" . وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة؛ لما كنت أسمعه يذكرها، وإن كان ليذبح الشاة فيهديها إلى خلائلها، واستأذنت عليه أختها فارتاح إليها، ودخلت عليه امرأة فهش لها، وأحسن السؤال عنها، فلما خرجت قال: \" إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان \" . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء غير أن لهم رحما سأبلها ببلالها \" . وعن أبي قتادة قال: وفد وفدٌ للنجاشي، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يخدمهم، فقال له أصحابه: نكفيك، فقال: \" إنهم لأصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافئهم \" . ولما جيء بالشيماء أخته من الرضاعة في سبايا هوزان وتعرفت له، بسط لها رداءه، وقال لها: \" إن أحببت أقمت عندي مكرمة محبة أو متعتك ورجعت إلى قومك \" فاختارت قومها فمتعها. وقال أبو الطفيل: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلامٌ، إذ أقبلت امرأةٌ حتى دنت منه، فبسط لها رداءه فجلست عليه، فقلت من هذه ؟ قالوا: أمه التي أرضعته. وعن عمرو بن السائب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالساً يوماً فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه. وكان يبعث إلى ثوبيه مولاة أبي لهب مرضعته بصلة وكسوة، فلما ماتت سأل من بقي من قرابتها فقيل: لا أحد. وفي حديث خديجة رضي الله عنها أنها قالت له صلى الله عليه وسلم في ابتداء النبوة: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.","part":5,"page":119},{"id":2120,"text":"وأما تواضعه صلى الله عليه وسلم مع علوّ منصبه ورفعة مرتبته فكان صلى الله عليه وسلم أشد الناس تواضعاً، وأقلهم كبراً، وقد جاء أنه خيّر بين أن يكون نبيّاً ملكاً، أو نبيّاً عبداً، فاختار أن يكون نبياً عبداً، فقال له إسرافيل عند ذلك: فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشق الأرض عنه، وأول شافع. ومما رويناه بسند متصل عن أبي أمامة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئاً على عصاً، فقمنا له فقال: \" لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضاً \" . وقال: \" إنما أنا عبدٌ آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد \" وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، ويعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطاً بهم، حيث ما انتهى به المجلس جلس، وعن أنس: أن امرأة كان في عقلها شيءٌ جاءته فقالت: إن لي إليك حاجة، قال: \" اجلسي يا أم فلان في أي طرق المدينة شئت أجلس إليك حتى أقضي حاجتك \" قال: فجلست فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إليها حتى فرغت من حاجتها. قال أنس: حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رحل رثٍّ وعليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم، فقال: \" اللهم اجعله حجًّا لا رياء فيه ولا سمعة \" . هذا وقد أهدى في حجة ذلك مائة بدنة، ولما فتحت عليه مكة دخلها وقد طأطأ رأسه على رحله حتى كاد يمسّ قادمته تواضعاً لله تعالى.\rومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه لما دخل مكة جاءه أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأبيه ليسلم فقال: \" لم عنّيت الشيخ يا أبا بكر ألا تركته حتى أكون أنا آتيه في منزله \" وقد تقدم ذكر ذلك في الفتح. وعن عائشة والحسن وأبي سعيد وغيرهم رضي الله عنهم، في صفته صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يزيد على بعض، أنه كان صلى الله عليه وسلم في بيته في مهنة أهله، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقّع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويقمّ البيت، ويعقل البعير، ويعلف ناضحه، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها ويحمل بضاعته من السوق. وعن أنس: أن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت حتى يقضي حاجتها. ودخل عليه رجل فأصابته من هيبته رعدة فقال له: \" هوّن عليك فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد \" . وعن أبي هريرة قال: دخلت السوق مع النبي صلى الله عليه وسلم فاشترى سراويل، وقال للوزّان: \" زن وأرجح \" وذكر القصة، قال: فوثب إلى يد النبي صلى الله عليه وسلم يقبّلها فجذب يده، وقال: \" هذا يفعله الأعاجم بملوكها ولست بملك إنما أنا رجل منكم \" ثم أخذ السراويل فذهبت لأحمله فقال: \" صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله \" . وقد ذكر الأمين العاصمي بعض ذلك في قصيدة له فقال:\rيا جاعلاً سنن النبي ... شعاره ودثاره\rمتمسكاً بحديثه ... متتبعاً أخباره\rسنن الشريعة خذ بها ... متوسماً آثاره\rوكذا الطريقة فاقتبس ... في سبلها أنواره\rقد كان يقري ضيفه ... كرماً ويحفظ جاره\rويجالس المسكين يؤ ... ثر قربه وجواره\rالفقر كان رداءه ... والجوع كان شعاره\rيلقي بغرة ضاحك ... مستبشراً زواره\rبسط الرداء كرامةً ... لكريم قوم زاره\rما كان مختالاً ولا ... مرحاً يجر إزاره\rقد كان يركب بالردي ... ف من الخضوع حماره\rمن مهنة هو أو صلا ... ةٍ ليله ونهاره\rفتراه يحلب شاة من ... زله ويوقد ناره\rما زال كهف مهاجري ... ه ومكرماً أنصاره\rبراً بمحسنهم مقي ... لاً للمسيء عثاره\rيهب الذي تحوي يدا ... ه لطالبٍ إيثاره\rزكّى عن الدنيا الدن ... ية ربه مقداره\rجعل الإله صلاته ... أبدا عليه نثاره\rفاختر من الأخلاق ما ... كان الرسول اختاره\rلتعد سنّيًّا وتو ... شك أن تبوّأ داره","part":5,"page":120},{"id":2121,"text":"وأما عدله وأمانته وعفته وصدق لهجته صلى الله عليه وسلم فكان صلى الله عليه وسلم أعدل الناس، وآمن الناس، وأعف الناس، وأصدق الناس لهجة منذ كان، وكان يسمى قبل نبوته الأمين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: \" والله إني لأمينٌ في السماء أمينٌ في الأرض \" وقد صدقه عداه في مواطن كثيرة تقدم ذكرها وقد قدمنا قوله صلى الله عليه وسلم للرجل: \" ويحك إن لم أعدل فمن يعدل خبت وخسرت إن لم أعدل \" . وقال ابن خالويه: جزأ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاره ثلاثة أجزاء: جزءاً لله، وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه، ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فكان يستعين بالخاصة على العامة، ويقول: \" أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع أمّنه الله يوم الفزع الأكبر \" . وعن الحسن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم \" لا يأخذ أحدًا بقرف أحدٍ ولا يصدّق أحداً على أحد \" صلى الله عليه وسلم، ولم تمس يده امرأة قطّ لا يملك رقّها أو نكاحها أو تكون ذات محرم \" .\rوأما وقاره وصمته وتؤدته ومروءته وحسن هديه صلى الله عليه وسلم فقد روينا بإسناد متصل عن خارجة بن زيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المجلس احتبى بيديه، وكذلك كان أكثر جلوسه محتبيا. وعن جابر بن سمرة: أنه تربع، وربما جلس القرفصاء، وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، كان ضحكه تبسماً وكلامه فصلاً لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم توقيراً له واقتداءً به، مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير. وفي صفته: يخطو تكفّؤاً ويمشي هوناً كأنما ينحط من صبب. وفي الحديث الآخر: \" إذا مشى مشى مجتمعا، يعرف في مشيته أنه غير غرضٍ ولا وكل؛ أي غير ضجر ولا كسلان. وقال عبد الله بن مسعود: إنّ أحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. وعن جابر بن عبد الله: كان في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتيل أو ترسيل، قال ابن أبي هالة: كان سكوته على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكر. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث حديثاً لو عدّه العادّ لأحصاه. وكان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب والرائحة الحسنة ويحض عليها ويقول: \" حبّب إليّ من دنياكم النساء، والطّيب وجعلت قرّة عيني في الصلاة \" . ومن مروءته صلى الله عليه وسلم نهيه عن النفخ في الطعام والشراب، والأمر بالأكل مما يلي، والأمر بالسواك، وإنقاء البراجم والرّواجب، واستعمال خصال الفطرة. صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً أبدى دائماً إلى يوم الدين، آمين.\rوأما زهده في الدنيا صلى الله عليه وسلم فحسبك من ذلك أنه صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهوديّ في نفقة عياله، بعد أن فتح الله عليه من الفتوحات ما ذكرناه، وآتاه من الأخماس والصفايا ما قدمناه، فآثر بذلك كله، وكان يقول: \" اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا \" وسنذكر إن شاء الله تعالى في أحواله ما ناله من شدة العيش والجوع ما تقف عليه هناك. قالت عائشة رضي الله عنها: لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفّ لي، وقال لي: \" إنّي عرض عليّ أن تجعل لي بطحاء مكة ذهباً فقلت لا يا رب أجوع يوما وأشبع يوما، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فأحمدك وأثني عليك \" . وفي حديث آخر: \" إن جبريل عليه السلام نزل عليه فقال له: إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أتحب أن أجعل هذه الجبال ذهبًا، وتكون معك حيثما كنت ؟ \" فأطرق ساعة ثم قال: \" يا جبريل، إن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له قد يجمعها من لاعقل له \" فقال له جبريل: ثبتك الله يا محمد بالقول الثابت. صلى الله عليه وسلم.\rوأما خوفه ربّه، وطاعته له، وشدّة عبادته صلى الله عليه وسلم","part":5,"page":121},{"id":2122,"text":"فكان ذلك على قدر علمه بربه تبارك وتعالى؛ ولذلك قال فيما رويناه بسند متصل عن سعيد بن المسيّب: إن أبا هريرة كان يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا \" . ومن رواية عن أبي عيسى الترمذي عن أبي ذرٍّ: \" إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطّت السماء وحقّ لها أن تئطّ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك ساجد لله واضع جبهته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذّذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله، لوددت أني شجرة تعضد \" . روي هذا الكلام: \" وددت أني شجرة تعضد \" من قول أبي ذر نفسه وهو أصح. وفي حديث آخر صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه. وفي رواية: كان يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له أتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟، قال: \" أفلا أكون عبدا شكورا \" .\rوقالت عائشة رضي الله عنها: كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديمةً، وأيكم يطيق ما كان يطيق. وقالت: كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. وكان صلى الله عليه وسلم يصوم الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، ويوم عاشوراء، وقلّ ما كان يفطر يوم الجمعة، وأكثر صيامه في شعبان. وقال عوف بن مالك: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فاستاك ثم توضأ ثم قام فصلى فقمت معه، فبدأ فاستفتح البقرة، فلا يمر بآية رحمة غلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه يقول: \" سبحان ذي الجبروت والملكوت والعظمة \" ثم سجد، وقال مثل ذلك، ثم قرأ آل عمران ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك، وعن حذيفة مثله، وقال: سجد نحوا من قيامه، وجلس بين السجدتين نحوا منه، وقال: حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة. وعن عبد الله بن الشّخّير قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولجوفه أزيزٌ كأزيز المرجل. وقال ابن أبي هالة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة. وقال صلى الله عليه وسلم: إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة، وروى سبعين مرة. وعن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته فقال: \" المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر زادي، والرضا غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة \" . وفي حديث آخر: \" وثمرة فؤادي في ذكره، وغمي لأجل أمتي، وشوقي إلى ربي \" . ولنصل هذه الفصول التي شرحناها في صفاته المعنوية صلى الله عليه وسلم بما ورد من طيب ريحه، وعرقه، وما يجري هذا المجرى.\rذكر نبذة مما ورد في نظافة جسمه، وطيب ريحه، وعرقه ونزاهته عن الأقذار وعورات الجسد صلى الله عليه وسلم","part":5,"page":122},{"id":2123,"text":"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خصه الله عز وجل من ذلك بخصائص لم توجد في غيره، ومنحه منحا لم تكن في سواه؛ من ذلك ما رويناه عن مسلم ابن الحجاج بإسناده، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما شممت عنبراً قط ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن جابر ابن سمرة أنه صلى الله عليه وسلم مسح خدّه، قال: فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرجها من جونة عطار. قال غيره: مسّها بطيب أو لم يمسّها، يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصبيّ فيعرف من بين الصبيان بريحها. وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام في دار أنس فعرق، فجاءت أم أنس بقارورة تجمع فيها عرقه. فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالت: نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب. وذكر البخاري في تاريخه الكبير عن جابر: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمرّ في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيبه. وذكر إسحق بن راهويه: أن تلك كانت رائحته بلا طيبٍ صلى الله عليه وسلم. وروى المزنيّ عن جابر قال: أردفني النبي صلى الله عليه وسلم فالتقمت خاتم النبوة بفمي وكان ينمّ عليّ مسكا. ونقل القاضي عياض بن موسى قال: حكى بعض المعتنين بأخباره وشمائله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد أن يتغوّط انشقت الأرض فابتلعت غائطة وبوله، وفاحت لذلك رائحة طيبة.\rوأسند محمد بن سعد في هذا خبرا عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك تأتي الخلاء ولا يرى منك شيء من الأذى. فقال: \" يا عائشة أو ما علمت أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شيء \" قال القاضي عياض: وهذا الخبر وإن لم يكن مشهورا فقد قال قوم من أهل العلم بطهارة الحدثين منه صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك حديث عليّ بن أبي طالب في الوفاة وسنذكره إن شاء الله تعالى. وقد جاء عن أمه آمنة أنها قالت: ولدتاه نظيفا ما به قذر. صلى الله عليه وسلم. ولختم هذه الفصول بحديث هند بن أبي هالة لجمعه بين صفاته صلى الله عليه وسلم الذاتية والمعنوية. والله أعلم.\rذكر حديث هند بن أبي هالة وما تضمن من أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذاتية والمعنوية حدثنا الشيخان المحدثان شرف الدين أبو يوسف يعقوب بن أحمد بن يعقوب الحلبي، وزين الدين أبو محمد عبد الحق بن قينان بن عبد المجيد القرشي - رحمهما الله - قراءة عليهما وأنا أسمع في شهر رجب عام ثمانية وسبعمائة، قالا: حدثنا الشيخ أبو الحسن محمد بن أبي علي الحسين بن عتيق بن رشيقٍ الربعي المالكي سماعا في شوال سنة ثمان وستين وستمائة بمصر، وبقراءة الشيخ زين الدين الثاني على الشيخ نظام الدين الحسين بن محمد بن الحسن بن الخليلي، وبإجازتهما من الحافظ أبي الحسين يحيى ابن علي بن عبد الله القرشي، وتاج الدين علي بن أحمد بن القسطلاني، قالوا أخبرنا أبو الحسين محمد بن أبي جعفر أحمد بن جبير الكناني، قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن عيسى التميمي إجازة، قال أخبرنا القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي رحمه الله تعالى، قال ابن القسطلاني: وأخبرنا أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء إجازة، قال أخبرنا أبو الفضل عياض إجازة، قال القاضي أبو الفضل حدثنا القاضي أبو علي الحسين بن محمد الحافظ رحمه الله بقراءتي عليه سنة ثمان وخمسمائة، قال حدثا الإمام أبو القاسم عبد الله ابن طاهر التميمي، قال قرأت عليه: أخبركم الفقيه الأديب أبو بكر محمد بن الحسن النيسابوري، والشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن المحمدي، والقاضي أبو علي الحسن بن علي بن جعفر الوخشي، قالوا: حدثنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن الحسن الخزاعي، قال أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، قال أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الحافظ؛ قال حدثنا سفيان بن وكيع، قال جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي، إملاء من كتابه، قال حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها، يكنى أبا عبد الله عن ابن لأبي هالة عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال سألت خالي هند بن أبي هالة.","part":5,"page":123},{"id":2124,"text":"قال القاضي أبو علي رحمه الله: وقرأت على الشيخ أبي طاهر أحمد بن الحسن بن أحمد بن خذاداذ الكرخي الباقلاني، قال وأجاز لنا الشيخ الأجل أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون، قالا أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان بن حرب بن مهران الفارسي، قراءة عليه، فأقر به، قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى ابن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين: أن علي بن أبي طالب المعروف بابن أخي طاهر العلوي، قال حدثنا إسماعيل بن محمد ابن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: حدثني علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أخيه موسى بن جعفر ابن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن علي بن الحسين قال قال الحسن بن علي - واللفظ لهذا السند - : سألت خالي هند بن أبي هالة عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان وصافا، وأنا أرجو أن يصف لي منها شيئا أتعلق به، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إن انفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفر، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ من غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، ويحسبه من لم يتأمله أشم، كثّ اللحية، أدعج، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا متماسكا، سواء البطن والصدر، مشيح الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين، ما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين، سائل الأطراف، أو قال سائن الأطراف، سبط القصب خمصان الأخمصين، مسيح القدمين ينبو عنها الماء، إذا زال زال تقلعاً، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام.\rقلت: صف لي منطقة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائرة الفكرة، وليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلا لا فضول فيه ولا تقصير، دمثا ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئا لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا يتنصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام. قال الحسن: فكتمتها الحسين بن علي زمانا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، فسأل أباه عن مدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخرجه ومجلسه وشكله، فلم يدع منه شيئا، قال الحسين: سألت أبي - عليه السلام - عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك، فكان إذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله تعالى، وجزء لأهله، وجزء لنفسه.\rثم جزأ جزءه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئا، فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، قسمته على قدر فضلهم في الدين، منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: \" ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة \" لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره.","part":5,"page":124},{"id":2125,"text":"قال في حديث سفيان بن وكيع: \" يدخلون روادا، ولا يتفرقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلة \" ، يعني فقهاء، قلت: فأخبرني عن مخرجه كيف كان يصنع فيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعنيهم، ويؤلفهم ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم ويولّيه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد بشره وخلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسّن الحسن ويصوّبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملّوا؛ لكل حال عنده عتادٌ، لا يقصّر عن الحق ولا يجاوزه إلى غيره، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحةً، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساةً ومؤازرة.\rفسألته عن مجلسه عما كان يصنع فيه، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يردّه إلا بها أو بميسورٍ من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين متفاضلين فيه بالتقوى. وفي الرواية الأخرى: صاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته - وهذه الكلمة من غير الروايتين - يتعاطفون، بالتقوى متواضعين، يوقّرون فيه الكبير ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة ويرحمون الغريب.\rفسألته عن سيرته صلى الله عليه وسلم في جلسائه، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخّاب ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يعيّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أوّلهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، ويقول: \" إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه \" ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام.\rهنا انتهى حديث سفيان بن وكيع.\rوزاد الآخر؛ قلت: كيف كان سكوته صلى الله عليه وسلم ؟ قال كان سكوته على أربع، على الحلم والحذر والتقدير والتفكّر، فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم صلى الله عليه وسلم في الصبر، فكان لا يغضبه شيء يستفزه. وجمع له في الحذر أربع: أخذه بالحسن، ليقتدي به، وتركه القبيح لينتهي عنه، واجتهاد الرأي بما أصلح أمته، والقيام لهم بما جمع لهم من أمر الدنيا والآخرة. صلى الله عليه وسلم. فهذه جملة كافية من أوصافه صلى الله عليه وسلم، فلنذكر أحواله.\rذكر أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دنياه، وما ناله من شدة العيش فيها، وما روي من أحواله في تطيبه ولباسه وفراشه، ووسادته، وتختمه وتنعله، وخفّيه. وسواكه، ومشطه، ومكحلته ومرآته وقدحه، وما ورد في حجامته، وما ملكه من السلاح والدواب وغير ذلك.\rصلى الله عليه وسلم أما ما ناله صلى الله عليه وسلم من شدة العيش في دنياه فقد تقدم من صفاته المعنوية زهده في الدنيا وتقلله منها، وأحلنا هناك على ما نورده في هذا الموضع. وسنورد منه ما تقف عليه إن شاء الله.","part":5,"page":125},{"id":2126,"text":"فمن ذلك ما روى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت الليالي المتتابعة طاوياً، وأهله لا يجدون عشاء، وكان عامة خبزهم الشعير. وعن أنس بن مالك أن فاطمة رضي الله عنها جاءت بكسرة خبز إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" ما هذه الكسرة \" ؟ قالت: قرصٌ خبزته فلم تطب نفسي حتى آتيتك بهذه الكسرة. فقال: \" أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام \" . وعن أبي هريرة: \" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشدّ صلبه بالحجر من الغرث \" . وعن مسروق قال: بينما عائشة تحدثني ذات يوم إذ بكت؛ فقلت ما يبكيك يا أم المؤمنين ؟ قالت: ما ملأت بطني من طعام فشئت أن أبكي إلا بكيت؛ أذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان فيه من الجهد. وعنه قال: دخلت على عائشة أم المؤمنين وهي تبكي، فقلت يا أم المؤمنين ما يبكيك ؟ قالت: ما أشبع فأشاء أن أبكي إلا بكيت؛ وذلك أن رسول الله صلىالله عليه وسلم كان يأتي عليه أربعة أشهر ما يشبع من خبز برّ. وعنها رضي الله عنها قالت: ما شبع آل محمد غداءً وعشاءً من خبز الشعير ثلاثة أيام متتابعات حتى لحق بالله. ومن رواية عنها: ما رفع عن مائدته كسرة فضلاً حتى قبض. وعن أبي هريرة قال: كان يمرّ بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم هلالٌ، ثم هلال، ثم هلال، لا يوقد في شيء من بيوته نارٌ، لا لخبز ولا لطبيخ، قالوا، بأي شيء كانوا يعيشون يا أبا هريرة ؟ قال: بالأسودين التمر والماء. قال: وكان له جيران من الأنصار - جزاهم الله خيراً - لهم منائح يرسلون إليه بشيء من لبن. وعن الحسن قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" والله ما أمسى في آل محمد صاع من طعام وإنها لتسعة أبيات \" والله ما قالها استقلالاً لرزق الله، ولكن أراد أن تأسى به أمته. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم مرتين حتى لحق بالله، ولا رفعنا له فضل طعام عن شبع حتى لحق بالله، إلا أن نرفعه لغائب. فقيل لها: ما كانت معيلتكم ؟ فالت: الأسودان الماء و التمر. قالت: وكان لنا جيران من الأنصار لهم ربائب يسقونا من لبنها؛ جزاهم الله خيراً. وعن ابن شهاب: أن أبا هريرة كان يمر بالمغيرة بن الأخنس وهو يطعم الطعام، فقال: ما هذا الطعام ؟ قال خبز النقيّ واللحم السمين، قال: وما النقيّ ؟ قال: الدقيق. فتعجب أبو هريرة ثم قال: عجباً لك يا مغيرة ! رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضه الله عز وجل، وما شبع من الخبز والزيت في يوم مرتين، وأنت وأصحابك تهذرون ها هنا الدنيا بينكم.\rوعن قتادة قال: كنا نأتي أنس بن مالك وخباّزه قائمٌ، فقال يوماً: كلوا فما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رغيفاً مرققاً حتى لحق بربه، ولا شاةً سميطاً قط. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما اجتمع في بطن النبي صلى الله عليه وسلم طعامان في يوم قطّ، إن أكل لحماً لم يزد عليه، وإن أكل تمراً لم يزد عليه، وإن أكل خبزاً لم يزد عليه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أرسل أبو بكر رضي الله عنه قائمة شاة ليلاً فقطعت، وأمسك عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قطع رسول الله صلى لله عليه وسلم وأمسكت عليه، فقيل لها: على غير مصباح ؟ قالت عائشة: لو كان عندنا مصباح لأتدمنا به، كان يأتي على آل محمد شهراً ما يختبزون خبزاً ولا يطبخون قدراً.","part":5,"page":126},{"id":2127,"text":"وعن عمران بن زيد المديني قال: حدثني والدي، قال: دخلنا على عائشة، فقلنا: سلام عليك يا أماه، قالت: وعليك، ثم بكت، فقلنا، ما بكاؤك يا أماه ؟ قالت: بلغني أن الرجل منكم يأكل من ألوان الطعام حتى يلتمس لذلك دواء، فذكرت نبيكم صلى الله عليه وسلم، فذلك الذي أبكاني، خرج من الدنيا ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين، كان إذا شبع من التمر لم يشبع من الخبز، وإن شبع من الخبز لم يشبع من التمر، فذلك الذي أبكاني. وعن أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفّى يوم توفّى، ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود بوسق من شعير. وسئل سهل بن سعد: أكانت المناخل على عهد رسول الله صلىالله عليه وسلم ؟ قال: ما رأيت منخلاً في ذلك الزمان، وما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعير منخولاً حتى فارق الدنيا. فقيل له: كيف كنتم تصنعون ؟ قال: كنا نطحنها ثم ننفخ قشرها، فيطير ما طار ويستمسك ما استمسك. وعن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجوع، قال قلت لأبي هريرة: وكيف ذلك الجوع ؟ قال: لكثرة من يغشاه وأضيافه، وقوم يلزمونه لذلك، فلا يأكل طعاماً أبداً إلا ومعه أصحابه وأهل الحاجة يتتبعون من المسجد، فلما فتح الله تعالى خيبر اتسع الناس بعض الاتساع، وفي الأمر بعض ضيقٌ، والمعاش شديد في بلاد ظلفٍ، ولا زرع فيها، إنما طعام أهلها التمر وعلى ذلك أقاموا. قال مخرمة بن سليمان: وكانت جفنة سعد تدور على رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ يوم نزل المدينة في الهجرة إلى يوم توفي.\rوغير سعد بن عبادة من الأنصار يفعلون ذلك. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً يواسون، ولكن الحقوق تكثر والعدّام يكثرون، والبلاد ضيقة ليس فيها معاش، إنما تخرج ثمرتهم من ماء ثمد يحمله الرجال على أكتافهم، أو على الإبل أقل ذلك، وربما أصاب نخلهم القشّام فتذهب ثمرتهم تلك السنة، والقشّام: شيء يصيب البلح مثل الجدري فينتشر؛ فهذه كانت حاله صلى الله عليه وسلم في عيشه في غالب أوقاته، وهي سنة الأنبياء صلوات الله عليهم.\rوأما تطيبه صلى الله عليه وسلم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الطيب، وكان يتطيب بالغالية وبالمسك، حتى يرى وبيصه في مفارقه، ويتبخر بالعود ويطرح معه الكافور، وكان يعرف في الليلة المظلمة بطيب ريحه صلى الله عليه وسلم.\rوأما لباسه صلى الله عليه وسلم وما روي من ألوانه وأصنافه وطوله وعرضه فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يتجمل لأصحابه، فضلاً عن تجمله لأهله، ويقول: \" إن الله يحب من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيأ لهم ويتجمل \" ولبس صلى الله عليه وسلم من الثياب البياض والحمرة والصفرة والخضرة والسواد.\rأما البياض وما جاء فيه - فقد روى عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" عليكم بالبياض من الثياب فاليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم فإنها من خير ثيابكم \" وفي رواية عنه \" البسوا الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم \" . وعن أبي قلابة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنّ من أحب ثيابكم إلى الله البياض، فصلوا فيها وكفنوا فيها موتاكم \" .\rومن الثياب الحمر - فروى عن البراء قال: ما رأيت أحداً كان أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعنه: ما رأيت من ذي لمة أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح، وهو في قبة حمراء، فخرج عليه جبة له حمراء وحلة عليها حمراء. وعن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة. وعن أبي جعفر محمد بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر؛ ويعتّم يوم العيدين، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيرا.","part":5,"page":127},{"id":2128,"text":"وأما الثياب الصفر - فقد روي عن قيس بن سعد بن عبادة قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعنا له غسلاً فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة ورسية فاشتمل بها، فكأني أنظر إلى أثر الورس على عكنه. وعن بكر بن عبد الله المزني قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ملحفة مورّسة، فإذا دار على نسائه رشها بالماء. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ربما صبغ لرسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه ورداؤه وإزاره بزعفران وورس، ثم يخرج فيها. وعن عبد الله بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ ثيابه بالزعفران: قميصه ورداؤه وعمامته. وعن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه رداءٌ وعمامةٌ مصبوغين بالعبير، والعبير عندهم الزعفران. وعن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ ثيابه كلها بالزعفران حتى العمامة.\rوأما الثياب الخضر - فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الثياب الخضر. وعن أبي رمثة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه بردان أخضران. والله المنعم.\rوأما السواد وما ورد فيه - فقد روي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة، وعليه عمامة سوداء. وعن حريث عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس، وعليه عمامة سوداء. هذا ما وقفنا عليه من ألوان لباسه صلى الله عليه وسلم.\rفأما أصناف لباسه صلى الله عليه وسلم وطولها وعرضها، فإنه عليه الصلاة والسلام لبس الصوف والحبرة والقطن، ولبس السندس والحرير، ثم تركه، وورد في ذلك أخبار نذكر منها ما أمكن.\rأما الصوف وما ورد فيه - فقد روي عن أبي بردة قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها فأخرجت إلينا إزاراً غليظاً مما يصنع باليمن، وكساء من هذه الملبدة، فأقسمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض فيهما. وعنها رضي الله عنها قالت، جعل للنبي صلى الله عليه وسلم بردة سوداء من صوف فلبسها. وعن سهل بن سعد: قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة، فيها حاشيتاها. قال سهل: وتدرون ما البردة ؟ قالوا: الشملة، قال: نعم، هي الشملة، فقالت: يا رسول الله، نسجت هذه البردة بيدي فجئت بها أكسوكها، قال: فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، فخرج علينا وإنها لإزاره، فحسّنها فلان - لرجل من القوم سماه - فقال يا رسول الله، ما أحسن هذه البردة ! أكسينها، فقال: \" نعم \" فجلس ما شاء الله في المجلس ثم رجع، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم طواها ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، كسيها رسول الله صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها ثم سألته إياها، وقد علمت أنه لا يرد سائلاً ! فقال الرجل: والله ما سألنه إياها لألبسها، ولكن لتكون كفني يوم أموت، قال سهل: فكانت كفنه.\rوأما الحبرة وهي من برود اليمن فيها حمرة وبياض فكانت من أحب اللباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي عن قتادة قال قلت لأنس بن مالك: أي اللباس كان أحب وأعجب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: الحبرة. وعن محمد بن هلال قال: رأيت على هشام بن عبد الملك برد النبي صلى الله عليه وسلم من حبرة له حاشيتان.\rوأما السندس والحرير - فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس ذلك ثم تركه. روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أهدى ملك الروم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقة من سندس فلبسها، فكأنى أنظر إلى يديها تذبذبان من طولها. فجعل القوم يقولون: يا رسول الله، أنزلت عليك من السماء ؟ فقال: \" وما تعجبون منها، فوالذي نفسي بيده إن منديلاً من مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها \" ثم بعث بها إلى جعفر بن أبي طالب فلبسها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" إني لك أعطكها لتلبسها \" قال: فما أصنع بها ؟ قال: \" ابعث بها إلى أخيك النجاشي \" . وعن عقبة بن عامر قال: أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرّوجٌ - يعني قباء حرير - فلبسه، ثم صلّى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعاً شديداً كالكاره له، ثم قال: \" لا ينبغي هذا للمتقين \" .","part":5,"page":128},{"id":2129,"text":"وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خميصة له أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما سلّم قال: \" اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي وأتوني بأنبجاني أبي جهم \" .\rوأما القطن وما ورد في أطوال ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرضها فروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت يوماً أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم برد بحراني غليظ الحاشية. وعنه كان قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم قطنياً قصير الطول قصير الكمين. وعن بديل قال: كان كم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرسغ. وعن عروة بن الزبير رضي الله عنهما: أن طول رداء النبي صلى الله عليه وسلم أربع أذرع، وعرضه ذراعان وشبر. وعنه أن ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يخرج فيه إلى الوفد - ورداؤه حضرمي - طوله أربع أذرع، وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خلق، فطووه بثوب يلبسونه يوم الأضحى والفطر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس قميصاً قصير اليدين والطول. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كنت مع عمر، في حديث رواه عنه قال فقال: رأيت أبا القاسم وعليه جبة شامية ضيقة الكمين.\rذكر صفة إزرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان يقوله إذا لبس ثوباً جديداً روى عن يزيد بن أبي حبيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرخي الإزار من بين يديه، ويرفعه من ورائه. وعن عكرمة مولى ابن عباس، قال: رأيت ابن عباس إذا ائتزر أرخى مقدم إزاره، حتى تقع حاشيتاه على ظهر قدميه؛ ويرفع الإزار مما وراءه، فقلت له: لم تأتزر هكذا ؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتزر هذه الإزرة. وعن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوباً سماه باسمه؛ قميصاً أو إزاراً أو عمامةً، ويقول: \" اللهم لك الحمد كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له \" . وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إذا لبس ثوباً - أو قال - إذا لبس أحدكم ثوباً قليقل الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي \" .\rوكان صلى الله عليه وسلم يلبس الكساء الصوف وحده فيصلي فيه، وربما لبس الأزار الواحد ليس عليه غيره، ويعقد طرفيه بين كتفيه يصلي فيه. وكان يلبس القلانس تحت العمائم، ويلبسها دونها \" ويلبس العمائم دونها ويلبس القلانس ذات الآذان في الحرب، وربما نزع قلنسوته، وجعلها سترة بين يديه وصلى إليها، وربما مشي بلا قلنسوة ولا عمامة ولا رداء، راجلاً يعود المرضى كذلك في أقصى المدينة. وكان يعتم ويسدل طرف عمامته بين كتفيه. وعن عليّ قال: عممني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمامة، وسدل طرفها على منكبي، وقال: \" إن العمامة حاجز بين المسلمين والمشركين \" .\rذكر فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ووسادته روى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت دخلت امرأة من الأنصار عليّ فرأت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عباءةً مثنية، فانطلقت فبعثت إليّ بفراش حشوه صوفٌ، فدخل رسول الله صلى لله عليه وسلم عليّ فقال: \" ما هذا \" ؟ قلت: يا رسول الله؛ فلانة الأنصارية، دخلت عليّ فرأت فراشك فذهبت فبعثت هذا. فقال: \" رديه \" فلم أرده، وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فقال: \" والله يا عائشة لو شئت لأجرى الله معي حبال الذهب والفضة \" وعنها: أنها كانت تفرش لرسول الله صلى الله عليه وسلم عباءة باثنتين فجاء ليلة وقد ربعتها فنام عليها، فقال: \" ياعائشة ما لفراشي الليلة ليس كما كان يكون \" ؟ قالت قلت: يا رسول الله، ربعتها، قال \" فأعيديه كما كان \" .","part":5,"page":129},{"id":2130,"text":"وعنها قالت: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادةٌ من أدم محشوة ليفاً، ودخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مرمول بشريط، وتحت رأسه مرفقة من أدم محشوة بليف، وقد أثر الشريط بجنبه، فبكى عمر، فقال: \" ما يبكيك \" ؟ قال: يا رسول الله ذكرت كسرى وقيصر يجلسون على سرر الذهب ويلبسون السندس والإستبرق، فقال: \" أما ترضون أن تكون لكم الآخرة ولهم الدنيا \" . وعن عبد الله بن مسعود قال: اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فأثر الحصير بجلده، فلما استيقظ جعلت أمسح عنه وأقول: يا رسول الله، ألا آذنتنا نبسط لك على هذا الحصير شيئا يقيك منه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" مالي وللدنيا، وما أنا والدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها \" ، وعن المغيرة ابن شعبة قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فروة، وكان يستحب أن تكون له فروة مدبوغة يصلي عليها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الحصير والخمرة، كما روي في الصحيحين.\rذكر ما لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخواتم، ومن قال لم يختتم قد قدمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ الخاتم في سنة سبع من الهجرة عندما بعث رسله إلى الملوك، وختم به الكتب التي سيرها إليهم، فلنذكر هنا ما لبسه من الخواتم وقد روى أنه تختم بالذهب والفضة والحديد الملوى عليه الفضة، على ما نذكر ذلك من أقوالهم.\rروى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب، فكان يجعل فصه في بطن كفه إذا لبسه في يده اليمنى، فصنع الناس خواتيم من ذهب، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فنزعه، وقال: \" إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه من باطن كفي \" فرمى به، وقال: \" والله لا ألبسه أبداً \" ونبذ النبي صلى الله عليه وسلم الخاتم، فنبذ الناس خواتيمهم.\rثم اتخذ خاتماً من فضة فصه منه، ونقش عليه \" محمد رسول الله \" ثلاثة أسطر، كان يختم به الكتب إلى الملوك. وقد روى أن خاتمه كان من حديد، ملوى عليه فضة، وقيل: إنه رآه في يد عمرو بن سعيد بن العاص حين قدم من الحبشة فقال: \" ما هذا الخاتم في يدك يا عمرو \" ؟ قال: هذه حلقة يا رسول الله، قال: \" فما نقشها \" ؟ قال محمد رسول الله، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فتختمه، فكان في يده حتى قبض، ثم في يد أبي بكر حتى قبض، ثم في يد عمر حتى قبض، ثم في يد عثمان ست سنين، وفي السابعة وقع في بئر أريس. قال أنس ابن مالك: فطلبناه من عثمان ثلاثة أيام فلم نقدر عليه.\rورورى عن ابن سيرين: أن نقشه كان \" بسم الله، محمد رسول الله \" .\rوقد روى محمد بن سعد في طبقاته قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، قال حدثنا عطاف بن خالد، عن عبد الأعلى عن عبد الله بن أبي فروة، عن سعيد بن المسيب، قال: ما تختم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقي الله، ولا أبو بكر حتى لقي الله، ولا عمر حتى لقي الله، ولا عثمان حتى لقي الله، هكذا روى. والصحيح أنه تختم صلى الله عليه وسلم، وتختموا رضوان الله عليهم أجمعين كما ذكرنا.\rذكر نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخفيه روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لنعله قبالان. وعن عبد الله بن الحارث قال: كان نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لها رمالان شراكهما مثنى في العقدة. وعن سلمة عن هشام بن عروة قال: رأيت نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصرة معقبة ملسنة لها قبالان. وعن عبيد ابن جريج قال قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، أراك تستحب هذه النعال السبيتية، قال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسهما ويتوضأ فيهما. وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه: أن صاحب الحبشة أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خفين ساذجين فمسح عليهما، وفي رواية: أن النجاشي أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خفين أسودين ساذجين فلبسهما ومسح عليهما.\rذكر سواك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومشطه، ومكحلته، ومرآته، وقدحه، وغير ذلك من أثاثه","part":5,"page":130},{"id":2131,"text":"روى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يرقد ليلا ولا نهارا فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ. وعن قتادة عن عكرمة قال: استاك رسول الله صلى الله عليه وسلم بجريد رطب وهو صائم، فقيل لقتادة: إنا أناسا يكرهونه، فقال: استاك والله رسول الله صلى الله عليه وسلم بجريد رطب وهو صائم. وعن ابن جريج قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مشط عاج يمتشط به. وعن ثور عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافر بالمشط والمرآة والدهن والمكحل والسواك.\rوعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه، ويسرح لحيته بالماء. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثا في كل عين. وعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتحل في عينه اليمنى ثلاث مرات، واليسرى مرتين.\rوعن أبي رافع قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتحل بالإثمد وهو صائم. وعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر، وإنه من خير أكحالكم \" . وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: أهدى المقوقس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدح زجاج، كان يشرب فيه. وعن عطاء قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدح زجاج، فكان يشرب فيه. وعن حميد قال: رأيت قدح النبي صلى الله عليه وسلم عند أنس فيه فضة، أو شد بفضة. وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم وكان له ربعة فيها مرآة ومشط عاج ومكحلة ومقراض وسواك.\rوكان له قدح مضبب بثلاث ضبات من فضة - وقيل من حديد - وفيه حلقة يعلق بها، وهو أكبر من نصف المد و أصغر من المد، وكان له قدح آخر يدعى الريان، وتور من حجارة يدعى المخضب، ومخضب من شبهٍ يكون فيه الحناء والكتم توضع عند رأسه إذا وجد فيه حرا، ومغسل من صفر، وقصعة، وصاع يخرج به فطرته، ومد، وكان له سرير، وقطيفة، وكان له كساء أسود كساه في حياته، وكان له ثوبان للجمعة، غير سائر ثيابه التي يلبسها في سائر الأيام، وكان له منديل يمسح به وجهه من الوضوء، وربما مسح بطرف ردائه صلى الله عليه وسلم.\rذكر ما ورد في حجامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجامه روى عن أنس بن مالك قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحجمه أبو طيبة، وأمر له بصاعين، وأمرهم أن يخففوا عنه من ضريبته، واختلف في اسم أبي طيبة، فقيل: دينار، وقيل: نافع، وقيل: ميسرة، وهو مولى بني حارثة. وعن جابر بن عبد الله قال: أخرج إلينا أبو طيبة المحاجم لثمان عشرة من شهر رمضان نهارا، فقلت: أين كنت؟ قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أحجمه. وعن أنس قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حجمه أبو طيبة مولى كان لبعض الأنصار، فأعطاه صاعين من طعام، وكلم أهله أن يخففوا عنه من ضريبته، وقال: \" الحجامة من أفضل دوائكم \" .\rوعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم، فغشى عليه يومئذ، فلذلك: كرهت الحجامة للصائم، وعن سمرة بن جندب قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا حجامه فحجمه بمحاجم من قرون، وجعل يشرطه بطرف شفرة، فدخل أعرابي فرآه ولم يكن يديري الحجامة، ففزع وقال: يا رسول الله، علام تعطى هذا يقطع جلدك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" هذا الحجم \" قال: يا رسول الله، وما الحجم ؟ قال: \" هو خير ما تداوي به الناس \" . وعن عطاء ابن عباس - رضي الله عنهما - قالا: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم من وجع. وعن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم ثلاثا، على الأخدعين ثنتين، وعلى الكاهل واحدة. وعن سعد بن أبي وقاص: أنه وضع يده على المكان الناتئ من الرأس فوق اليافوخ، فقال: هذا موضع محجم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يحتجم، وجاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسميها المغيثة. وكان خالد بن الوليد يحتجم على هامته وبين كتفيه، فقيل له: ما هذه الحجامة ؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحتجمها، وقال: \" من أهراق منه هذه الدماء فلا يضره ألا يتداوى بشيء لشيء \" .","part":5,"page":131},{"id":2132,"text":"ورورى: أن الأقرع بن حابس دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم في القمحدوة: وهي آخر الرأس، فقال: لم احتجمت وسط رأسك ؟ قال: \" يا ابن حابس إن فيها شفاء ومن وجع الرأس والأضراس والنعاس والمرض \" وشك الراوي في الجنون. وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الحجامة في الرأس هي المغيثة أمرني بها جبريل حين أكلت طعام اليهودية \" . وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ليلة أسرى بي ما مررت بملأ من الملائكة إلا قالوا يا محمد مر أمتك بالحجامة \" . وعن معقل بن يسار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الحجامة يوم الثلاثاء لسبع عشرة في الشهر دواء لداء السنة \" . وقد كان صلى الله عليه وسلم يحتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين. وعن الأوزاعي، عن هرون بن رئاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم، ثم قال لرجل: \" ادفنه لا يبحث عنه كلب \" .\rذكر ما ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم من السلاح كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أسياف: ذو الفقار تنفله يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا في غزوة أحد، وكان قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمنبه بن الحجاج السهمي، وثلاثة أسياف، أصابها من سلاح بني قينقاع، سيف قلعي، وسيف يدعى البتار، وسيف يدعى الحتف، وسيفان أصابهما من الفلس، سيف يدعى المخذم، وآخر يدعى الرسوب، وسيف ورثه عن أبيه، وسيف يقال له العضب، أعطاه إياه سعد بن عبادة، وآخر يدعى القضيب، وهو أول سيف تقلد به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أنس: كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة، وقبيعته فضة، وما بين ذلك حلق الفضة.\rوكان له صلى الله عليه وسلم أربعة أرماح، ثلاثة أصابها من سلاح بني قينقاع، وواحد يقال له المثنى. وكان له عنزةٌ: وهي حربة دون الرمح يمشي بها في يده، وتحمل بين يديه في العيدين، حتى تركز أمامه فيتخذها سترة يصلي إليها. وكان له أربعة قسي: قوس من شوحط تدعى الروحاء، وأخرى من شوحط تدعى البيضاء، وأخرى من نبع تدعى الصفراء، وقوس تدعى الكتوم كسرت يوم بدر. وكان له جعبة تدعى الكافور، وكان له مخصرة تسمى العرجون، وكان له محجن قدر الذارع أو نحوه يتناول به الشيء، وهو الذي استلم به الركن في حجة الوداع، وكان له درعان أصابهما من سلاح بني قينقاع: درع يقال له السعدية، وأخرى يقال له فضة.\rوعن محمد بن مسلمة قال: رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعين، درعه ذات الفضول، ودرعه فضة، ورأيت عليه يوم حنين درعين، ذات الفضول والسعدية، ويقال: كانت عنده درع داود عليه السلام التي لبسها لما قتل جالوت، وكان له مغفر يقال له السبوغ، وكان له صلى الله عليه وسلم ترس، روى محمد بن سعد في طبقاته قال: أخبرنا عتاب بن زياد، قال حدثنا عبد الله بن المبارك، قال أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال سمعت مكحولا يقول: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ترسٌ فيه تمثال رأس كبش، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانه، فأصبح وقد أذهبه الله تعالى.\rوفي رواية أخرى: كان له صلى الله عليه وسلم ترس عليه تمثال عقاب، أهدى له فوضع يده عليه فأذهبه الله، وكان له منطقة من أديم مبشور فيها ثلاث حلق من فضة، والإبزيم من فضة، والطرف من فضة، وكان له راية سوداء مخملة، يقال لها العقاب، ولواء أبيض وربما جعل الألوية من خمر نسائه صلى الله عليه وسلم، ورضى عنهن.\rذكر دواب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخيل والبغال والحمير أما خيله صلى الله عليه وسلم، فقد ذكرنا في الباب الأول من القسم الثالث من الفن الثالث من كتابنا هذا، وهو في السفر التاسع من هذه النسخة، أن خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ملكها، على ما ظهر من مجموع الروايات التي أوردناها هناك تسعة عشر فرسا: وهي السكب، والمرتجز، والبحر، وسبحة، وذو اللّمّة، وذو العقال، واللحيف، ويقال فيه: اللخيف بالخاء المعجمة، وقيل: النحيف بالنون، واللّزاز، والظّرب، والورد، والسجل، والشحا، والسرحان، والمرتجل، والأدهم، وملاوح، والعيسوب، واليعبوب، والمرواح، وقد يكون الأدهم هو السكب أو البحر، فتكون ثمانية عشر فرسا.","part":5,"page":132},{"id":2133,"text":"وذكرنا هناك أخبار هذه الخيل ومن ذكرها. وذهب بعضهم إلى خيله صلى الله عليه وسلم كانت عشرة أفراس: السكب، والمرتجز، ولزاز، واللخيف، والظرب، والورد، والضرس، وملاوح، وسبحة، والبحر، ولم يذكر ما عداها والله عز وجل أعلم.\rوأما بغلات رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمره فقد ذكرنا أيضاً في الباب الثاني من القسم الثالث من الفن الثالث في السفر التاسع من كتابنا هذا، أن بغلات رسول الله صلى الله عليه وسلم اللاتي ملكهن كن سبعا، على ما ظهر من مجموع الروايات التي ذكرناها هناك، وهن دلدل التي أهداها له المقوقس، وفضة التي أهداها له فروة من عمرو، وبغلة أهداها له كسرى، وبغلته الأيلية التي أهداها له ابن العلماء صاحب أيلة، وبغلة بعثها له صاحب دومة الجندل، وبغلة أهداها له يوحنّا بن روزيه، وبغلة أهداها له النجاشي صاحب الحبشة، وفي البغلة الذي ذكر أن كسرى أهداها له صلى الله عليه وسلم نظر، لما قدمناه من أنه مزّق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبه. ومن أهل العلم من ذهب إلا أنهن كن ثلاثة: دلدل التي أهداها له المقوقس، وفضة وهبها لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وبغلة أهداها له صاحب أيلة. وكان له صلى الله عليه وسلم من الحمر: يعفور، وعفير، وقد ذكرناهما في الباب المقدم ذكره في السفر التاسع.\rذكر نعم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون لقحة بالغابة، يراح له منها كل ليلة بقربتين عظيمتين من اللبن، وكانت له لقحة تدعى بردة، أهداها له الضحاك ابن سفيان، كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان، وكانت له مهرية أرسلها إليه سعد بن عبادة من نعم بني عقيل، وكانت له القصواء، وهي التي هاجر عليها، وكان لا يحمله إذا نزل عليه الوحي غيرها، وهي العضباء، والجدعاء، وقيل: العضباء غير القصواء، وقد ذكرنا في الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الثالث نعمه بأبسط من هذا.\rوكان له صلى الله عليه وسلم مائة من الغنم، وكانت له سبع منائح: عجرة، وزمزم، وسقيا، وبركة، وورشة، وأطلال. وأطراف، وكانت أم أيمن ترعاهن، وكانت له شاة يختص بشرب لبنها، تدعى غيثة، وكان له ديكٌ ابيض، هذا ما أمكن إيراده في هذه الفصول، وهو بحسب الاختصار.\rوقد آن أن نأخذ من ذكر معجزاته صلى الله عليه وسلم، وإنما أخرنا ذكر المعجزات إلى هذه الغاية لأمور: منها أن معجزاته صلى الله عليه وسلم كانت في مدة حياته، تقع خلال غزواته، وغالب أوقاته، فلو ذكرناها قبل نهاية ذكر أحواله صلى الله عليه وسلم، لكنا قد قدمنا منها شيئا قبل وقته الذي وقع فيه. ومنها أنا لما ذكرنا صفاته صلى الله عليه وسلم فيما تقدم، استلزم إيراد أحواله تلو صفاته، وصار الكلام يتلو بعضه بعضا، ولو ذكرنا المعجزات في خلال ذلك لانقطع الكلام وانفرط النظام، وأهم الأسباب في تأخير ذكر المعجزات إلى هذه الغاية، أنا أردنا أن تكون معجزاته صلى الله عليه وسلم خاتمةً لهذه السيرة الشريفة، وتالية لهذه المناقب المنيفة لا يجعل بعدها من أخباره صلى الله عليه وسلم إلا أخبار وفاته عليه السلام.\rمعجزاته\rومعنى المعجزة أن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها، ولا تكون معجزة إلا مع وجود التحدي بالنبوة، وأما مع عدم التحدي فهي كرامة، كأحوال الأولياء.\rوالمعجزة على ضربين: ضربٌ هو من نوع قدرة البشر فعجزوا عن الإتيان بمثله، كالقرآن على رأي من رأى أن من قدرة البشر أن يأتوا بمثله، ولكن الله تعالى صرفهم عن ذلك، فعجزوا عنه، وكصرف يهود عن تمني الموت، ونحو ذلك. وضرب هو خارج عن قدرة البشر كإحياء الموتى، وتسبيح الحصى، وانشقاق القمر، ونبع الماء من بين الأصابع، وتكثير الطعام، وحبس الشمس، وردها بعد غروبها.\rوها نحن نورد في هذا الفصل من مشاهير معجزاته، وباهر آياته، ما تقف إن شاء الله تعالى عليه، وقد تقدم من معجزاته صلى الله عليه وسلم في أثناء هذه السيرة ما تقدم، مما ننبه عليه في هذا الفصل، ونحيل عليه في مواضعه، ونشرح ونبين ما أدمجناه قبل إن شاء الله تعالى.","part":5,"page":133},{"id":2134,"text":"ومعجزاته صلى الله عليه وسلم كثيرة: منها القرآن العظيم، وهو أكبرها آية، وأعظمها دلالة على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم، ومنها انشقاق القمر، وحبس الشمس، وردها، وتفجير الماء وانبعاثه ونبعه من بين أصابعه وتكثير الطعام، وكلام الشجر، وسعيها إليه، وحنين الجذع، وتسبيح الطعام والحصى، وكلام الجمادات، وشهادة الحيوانات له صلى الله عليه وسلم بالنبوة، وكلام الموتى، وإبراء المرضى، وإجابة الدعاء، وانقلاب الأعيان، وما أطلعه الله تعالى عليه من علم الغيوب، والإخبار بما كان ويكون، وما جمع له من المعارف والعلوم ومصالح الدنيا والدين، وسياسة العالم، والعصمة من الناس، وغير ذلك مما نشرحه ونبينه إن شاء الله تعالى.\rفأما القرآن العظيم وما انطوى عليه من المعجزات، فمعجزاته كثيرة نحصرها في عشرة أوجه: الوجه الأول - حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته، ووجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة عادة العرب، وذلك أنهم خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأمم، وحسبك أن القرآن أنزل بلغتهم، ومع ذلك فقد قرعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم به، ووبخهم وسفه أحلامهم، وسب آلهتهم، وذكم آباءهم، وشتت نظامهم، وفرق جماعتهم، وأنزل الله تعالى فيهم ما أنزل من قوله عز وجل: \" أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورةٍ مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين \" وقوله تعالى: \" وإن كنتم في ريبٍ مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا \" وقوله تعالى: \" قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً \" وغير ذلك، فنكصوا عن معارضته، وأحجموا عن مماثلته، ورضوا بقولهم \" قلوبنا غلفٌ \" و \" في أكنةٍ مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقرٌ ومن بيننا وبينك حجابٌ \" . و \" لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون \" . واعترف فصحاؤهم عند سماعه أنه ليس من كلام البشر، كالوليد بن المغيرة وعتبة ابن ربيعة، على ما قدمنا ذكر ذلك.\rالوجه الثاني من إعجازه - صورة نظمه العجيب، المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها، وسجعها ورجزها وهزجها وقريضها، ومبسوطها ومقبوضها، كما قال الوليد بن المغيرة لقريش عند اجتماعهم كما قدمناه، ومن ذلك جمعه بين الدليل والمدلول، وذلك أنه احتج بنظم القرآن، وحسن وصفه وإيجازه وبلاغته، وأثناء هذه البلاغة أمره ونهيه ووعده ووعيده، فالتالي له يفهم موضع الحجة والتكليف معاً من كلام واحد.\rالوجه الثالث من إعجازه - ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم يكن ولم يقع فوجد، كما جاء في قوله تعالى: \" لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين \" . وقوله في الروم: \" وهم من بعد غلبهم سيغلبون \" . وقوله: \" ليظهره على الدين كله \" وقوله: \" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض \" الآية. وقوله: \" إذا جاء نصر الله والفتح \" السورة، فكان جميع ذلك: فتح الله مكة، وغلبت الروم فارس، وأظهر الله روسوله، ودخل الناس في دين الله أفواجا، واستخلف الله المؤمنين في الأرض، ومكن دينهم وملكهم أقصى المشارق والمغارب، وما فيه من الإخبار بحال المنافقين واليهود، وكشف أسرارهم، وغير ذلك.\rالوجه الرابع - ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة، والأمم البائدة والشرائع الداثرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا من مارس العلوم من أهل الكتاب، واطلع على الكتب المنزلة القديمة، كقصص النبياء مع قومهم، وخبر موسى والخضر وذي القرنين ولقمان وابنه وبدء الخلق، وغير ذلك مما في كتبهم القديمة مما اعترف بصحته العلماء من أحبار يهود، فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه مع عدم إنكارهم لصحته، قال الله تعالى: \" يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثيرٍ \" .","part":5,"page":134},{"id":2135,"text":"الوجه الخامس - الروعة التي تلحق قلوب سامعيه، وأسماعهم عند سماعه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته؛ قال الله عز وجل: \" تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله \" وقال تعالى: \" لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله \" هذا في حق المؤمنين به، وأما من كذب به فكانوا يستثقلون سماعه، ويودّون انقطاعه، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" القرآن صحب مستصعب على من كرهه وهو الحكم \" وقد تقدم أن عتبة بن ربيعة لما سمع القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ قوله: \" صاعقةً مثل صاعقة عادٍ وثمود \" أمسك على في النبي صلى الله عليه وسلم وناشده الرحم أن يكف.\rالوجه السادس - كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا، وقد تكفل الله تعالى بحفظه فقال: \" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون \" . وقال تعالى \" لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه \" وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها، فلم يبق إلا خبرها، والقرآن العزيز باق منذ أنزله الله تعالى وإلى وقتنا هذا، وما بعد إن شاء الله إلى آخر الدهر، حجته قاهرة، ومعارضته ممتنعة.\rالوجه السابع - أن قارئه لا يمل قراءته، وسامعه لا تمجه مسامعه، بل الإكباب على تلاوته وترديده يزيده حلاوة ومحبة، لا يزال غضا طريا، وغيره من الكلام ولو بلغ ما عساه أن يبلغ من البلاغة والفصاحة يمل مع الترديد، ويسأم إذا أعيد، وكذلك غيره من الكتب لا يوجد فيها ما فيه من ذلك، وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن \" أنه لا يحلق على كثرة الرد ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، هو الفصل ليس بالهزل \" .\rالوجه الثامن - أن الله تعالى يسر حفظه لمتعلميه، وقربه على متحفظيه، قال الله تعالى: \" ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكرٍ \" فلذلك إن سائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحد منها، وإن لازم قراءاتها، وداوم مدارستها، لم يسمع بذلك عن أحد منهم، والقرآن قد يسر الله تعالى حفظه على الغلمان في المدة القريبة والنسوان، وقد رأينا من حفظه على كبر سنه، وهذا من معجزاته.\rالوجه التاسع - مشاكله بعض أجزائه بعضا، وحسن ائتلاف أنواعها، والتئام أقسامها، وحسن التخلص من قصة إلى أخرى، والخروج من باب إلى غيره على اختلاف معانيه، وانقسام السورة الواحدة على أمر ونهي، وخبر واستخبار ووعد ووعيد، وإثبات نبوة وتوحيد، وتقرير وترغيب وترهيب، إلى غير ذلك، دون خلل يتخلل فصوله، والكلام الفصيح إذا اعتوره مثل هذا ضعفت قوته، ولانت جزالته، وقل رونقه، وتقلقلت ألفاظه، وهذا من الأمور الظاهرة التي لا يحتاج عليها إقامة دليل، ولا تقرير حجة، ولا بسط مقال.\rالوجه العاشر - وجمعه لعلوم ومعارف لم تعهدها العرب، ولا علماء أهل الكتاب، ولا اشتمل عليها كتاب من كتبهم، فجمع فيه من بيان علم الشرائع، والتنبيه على طرق الحجج العقليات، والرد على فرق الأمم بالبراهين الواضحة، والأدلة البينة السهلة الألفاظ، الموجزة المقاصد، لقوله تعالى: \" أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادرٍ على أن يخلق مثلهم \" وقوله: \" قل يحيها الذي أنشأها أول مرةٍ \" وقوله: \" لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا \" إلى غير ذلك مما اشتمل عليه من المواعظ والحكم وأخبار الدار الآخرة، ومحاسن الآداب، وغير ذلك مما لا يحصيه واصفٌ، ولا يعده عادٌ، قال الله تعالى: \" ما فرطنا في الكتاب من شيءٍ \" ، وقال تعالى: \" ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثلٍ \" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الله أنزل على القرآن آمراً وزاجراً، وسنةً خالية، ومثلا مضروبا، فيه نبأكم وخبرما كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلقه طول الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الحق ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن قسم به أقسط، ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من غيره أضله الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، وحبل الله المتين، والشفاء النافع، عصمةٌ لمن تمسك به، ونجاةٌ لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد \" .","part":5,"page":135},{"id":2136,"text":"وفي الحديث: \" قال الله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - إني منزلٍ عليك توراةً حديثة تفتح بها أعينا عمياً وآذانا صماً، وقلوباً غلفا، وفيها ينابيع العلم، وفهم الحكمة، وربيع القلوب \" . وقد عدوا في إعجازه وجوها كثيرة غير ما ذكرناه فلا نطول بسردها.\rوأما انشقاق القمر، وحبس الشمس ورجوعها - فكان ذلك من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: \" اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحرٌ مستمرٌ \" .\rوقد رويت قصة انشقاق القمر عن ابن مسعود، وأنس بن مالك وابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وحذيفة، وجبير بن مطعم رضي الله عنهم، قال ابن مسعود: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اشهدوا قال ابن مسعود: حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر وفي بعض طرقه: ومن رواية مسروق عنه أنه كان بمكة وزاد: فقال كفار قريش سحركم ابن أبي كبشة، فقال رجل منهم: إن محمدا إن كان قد سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا ؟ فأتوا فسألوا فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك.\rوحكى السمرقندي عن الضحاك نحوه. وقال: فقال أبو جهل هذا سحرٌ فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى ينظروا أرأوا ذلك أم لا ؟ فأخبر أهل النفاق أنهم رأوه منشقاً، فقالوا: - يعني الكفار - : هذا سحر مستمر. وقال علي رضي الله عنه، من رواية أبي حديفة الأرحبي: انشق القمر، ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم. وعن أنس: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين، حتى رأوا حراء بينهما، وفي رواية معمر، وغيره عن قتادة عن: أراهم القمر مرتين، حتى رأوا حراء بينهما، وفي رواية معمر، وغيره عن قتادة عنه: أراهم القمر مرتين انشقاقه، فنزلت الآية \" اقتربت الساعة وانشق القمر \" .\rوحكى الإمام أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الحليمي الجرجاني في منهاجه قال: رأيت ببخارى الهلال وهو ابن ليلتين منشقاً بنصفين، عرض كل واحد منهما كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، وما زلت أنظر إليهما حتى اتصلا، ثم لم يعودا كما كانا، ولكنهما صارا في شكل أترجة، ولم أمل طرفي عنهما إلى أن غاب، قال: وكان معي ليلتئذ جماعةٌ كثيفة، من بين شريف وفقيه وكاتب وغيرهم من طبقات الناس، وكلٌ رأى ما رأيت. قال: وأخبرني من وثقت به، وكان خبره عندي كعياني أنه رأى الهلال وهو ابن ثلاث منشقاً بنصفين، قال: وإذا كان هكذا، ظهر أن قول الله عز وجل: \" وانشق القمر \" إنما هو على الانشقاق الذي هو من أشراط الساعة، دون الانشقاق الذي جعله الله تعالى آية لرسوله صلى الله عليه وسلم وحجة على أهل مكة. وبالله التوفيق.\rوأما رجوع الشمس - فقد روى عن أسماء بنت عميس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه في حجر عليٍ، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أصليت يا علي \" ؟ قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس \" قالت أسماء: فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت، ووقفت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر. خرجه الطحاوي في مشكل الحديث عن أسماء من طريقين، قال وكان أحمد بن صالح يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء؛ لأنه من علامات النبوة.\rوأما حبسها فقد روى يونس بن بكير في زيادة المغازي عن ابن إسحاق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسرى به، وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير، قالوا: متى تجيء ؟ قال: \" يوم الأربعاء \" فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون، وقد ولى النهار ولم يجيء، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة، وحبست عليه الشمس صلى الله عليه وسلم.\rوأما نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم","part":5,"page":136},{"id":2137,"text":"فقد روى عن أنس بن مالك، وجابر، وعبد الله بن مسعود؛ قال أنسٌ من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضئوا منه، قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم. ورواه أيضاً عن أنس قتادة، وقال: بإناء فيه ماء ما يغمر أصابعه، ولا يكاد يغمر، قال: كم كنتم ؟ قال: زهاء ثلثمائة، وفي رواية عنه: وهو بالزوراء عند السوق.\rوأما ابن مسعود، ففي الصحيح عنه من رواية علقمة: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس معنا ماء، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اطلبوا من معه فضل ماءٍ \" فأتي بإناءٍ فصبه في إناءٍ، ثم وضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الصحيح عن سالم بن أبي الجعد عن جابر قال: \" عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ركوةٌ فتوضأ منها، وأقبل الناس نحوه، وقالوا: ليس عندنا ماءٌ، إلا ما في ركوتك، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، وفيه: فقلت كم كنتم ؟ قالوا: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. وفي صحيح مسلم في ذكر غزوة بواط، قال جابر قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا جابر ناد الوضوء \" وذكر الحديث بطوله: وإنه لم يحد إلا قطرة في عزلاء شجبٍ، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فغمزه، وتكلم بشيء لا أدري ما هو، وقال: \" ناد بجفنة الركب \" فأتيت بها فوضعتها بين يديه، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بسط يده في الجفنة، وفرق أصابعه، وصب جابر عليه وقال: \" بسم الله \" قال: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة، واستدارت حتى امتلأت، وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا، فقلت: هل بقي أحد له حاجة؛ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملأى. هذا مختصر ما روي من تفجير الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم.\rوأما تفجيره وانبعاثه وتكثيره ببركته ودعائه صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما رواه مالك بن أنس رحمه الله في الموطأ، عن معاذ بن جبل في قصة غزوة تبوك وأنهم وردوا العين، وهي تبض بشيء من ماء مثل الشراك، فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويديه، وأعاده فيها فجرت بماء كثير فاستقى الناس.\rوفي حديث ابن إسحاق: فانخرق من الماء ماله حسٌ كحس الصواعق، ثم قال: \" يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا \" . ومنه قصة الحديبية، وقد تقدم ذكرها في الغزوات. ومن ذلك خبر صاحبة المزادتين، وهو مما روى عن عمران بن حصين، قال: أصاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عطشٌ في بعض أسفارهم، فوجه رجلين من أصحابه، وأعلمهما أنهما يجدان امرأة بمكان كذا، معها بعير عليه مزادتان، الحديث. فوجداها وأتيا بها النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل في إناء من مزادتها، وقال فيه ما شاء الله أن يقول، ثم أعاد الماء في المزادتين، ثم فتحت عزاليهما، وأمر الناس فملأوا أسقيتهم حتى لم يدعوا شيئاً إلا ملأوه، قال عمران: ويخيل لي أنهما لم تزدادا إلا امتلاء، ثم أمر فجمع للمرأة من الأزواد حتى ملأ ثوبها، وقال: \" اذهبي فإنا لم نأخذ من مائك شيئاً ولكن الله سقانا \" .","part":5,"page":137},{"id":2138,"text":"وعن عمرو بن شعيب أن أبا طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو رديفه بذي المجاز: عطشت وليس عندي ماء، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم وضرب بقدمه الأرض فخرج الماء فقال: \" اشرب \" . وعن سلمة بن الأكوع؛ قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: \" هل من وضوء ؟ \" فجاء رجل بإداوة فيها نطفةٌ فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا، ندغفقه دغفقة أربع عشرة مائة. وفي حديث غزوة تبوك، وما أصاب الناس من العطش، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى أرسل سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء، وقد تقدم ذكره. ومن طريق آخر في هذه القصة عن عمر: وذكر ما أصابهم من العطش في جيش العسرة، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، فرغب أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فانسكبت فملأوا ما معهم من آنية، ولم يجاوز العسكر. والحديث في هذا الباب كثير.\rوأما تكثير الطعام ببركته ودعائه صلى الله عليه وسلم فقد روينا من ذلك أحاديث كثيرة بأسانيد صحيحة متصلة، رأينا حذفها هاهنا اختصاراً لاشتهارها وانتشارها، منها ما رويناه عن جابر رضي الله عنه: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: \" لو لم تكله لأكلتم منه وقام بكم \" . ومن ذلك حديث أبي طلحة المشهور، وإطعام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانين أو سبعين رجلاً من أقراص من شعير جاء بها أنس تحت يده - إي إبطه - فأمر بها ففتت، وقال فيها ما شاء الله أن يقول. وحديث جابر - رضي الله عنه - في إطعام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير، وعناقٍ، قال جابر: فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق في العجين والبرمة وبارك. ومن ذلك حديث أبي أيوب الأنصاري: أنه صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر رضي الله عنه من الطعام زهاء ما يكفيهما، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \" ادع ثلاثين من أشراف الأنصار \" فدعاهم فأكلوا حتى تركوه، ثم قال: \" ادع ستين \" فكان مثل ذلك، ثم قال: \" ادع سبعين \" فأكلوا حتى تركوا، وما خرج منهم أحدٌ حتى أسلم وبايع، قال أبو أيوب: فأكل من طعامي مائة وثمانون رجلاً.\rوعن سمرة بن جندب قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقصعة فيها لحم فتعاقبوها من غدوة حتى الليل يقوم قوم ويقعد آخرون. ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة، وذكر في الحديث: عجن صاعٌ من طعام، وصنعت شاة فشوي سواد بطنها، قال: وأيم الله ما من الثلاثين والمائة إلا وقد حز له حزة من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتان فأكلنا أجمعون، وفضل في القصعتين فحملته على البعير. ومن ذلك حديث عمر بن الخطاب وأبي هريرة وسلمة بن الأكوع رضي الله عنهم فذكروا مخمصة أصابت الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فدعا ببقية الأزواد، فجاء الرجل بالحثية من الطعام وفوق ذلك وأعلاهم الذي أتى بالصاع من التمر فجمعه على نطع، قال سلمة: فحززته كربضة البعير، ثم دعا الناس بأوعيتهم، فما بقي في الجيش وعاءٌ إلا ملأوه وبقي منه.\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدعو له أهل الصفة فتتبعتهم حتى جمعتهم، فوضعت بين أيدينا صحفة فأكلنا ما شئنا وفرغنا، وهي مثلها حين وضعت، إلا أن فيها أثر الأصابع. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وكانوا أربعين، منهم قوم يأكلون الجذعة ويشربون الفرق فصنع لهم مدا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا وبقى كما هو، ثم دعا بعس فشربوا حتى رووا وبقى كأنه لم يشرب.","part":5,"page":138},{"id":2139,"text":"وقال أنس ابن مالك: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما ابتنى بزينب أمره أن يدعو له قوما سماهم، وكل من لقيت حتى امتلأ البيت والحجرة، وقدم إليهم تورا فيه قدر مد من تمر جعل حيسا، فوضعه قدامه وغنمس ثلاثة أصابعه، وجعل القوم يتغدون ويخرجون، وبقي النور نحوا ما كان، وكان القوم أحدا أو اثنين وسبعين. وفي رواية أخرى في هذه القصة أو مثلها: أن القوم كانوا زهاء ثلثمائة، وأنهم أكلوا حتى شبعوا،؛ وقال لي: \" ارفع \" فلا أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت. وفي حديث جعفر بن محمد عن آله، عن علي رضي الله عنهم أن فاطمة رضي الله عنها طبخت قدرا لغدائها، ووجهت عليا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتغدى معها، فأمرها فغرفت منها لجميع نسائه صحفةً صحفةً، ثم له عليه السلام ولعلي، ثم لها، ثم رفعت القدر، وإنها لتفيض، قالت: فأكلنا منها ما شاء الله.\rومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يزود أربعمائة راكب من أحمس، فقال: يا رسول الله، ما هي إلا أصوع، قال: اذهب فذهب فزودهم منه، وكان قدر الفصيل الرابض من التمر وبقى بحاله. ومن ذلك حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في دين أبيه، وقد كان بذل لغرماء أبيه أصل ماله فلم يقبلوه، ولم يكن في ثمرها سنين كفاف دينهم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بجذها وجعلها بيادر في أصولها، ثم جاءه فمشى فيها ودعا، فأوفى جابر غرماء أبيه من ذلك، وفضل مثل ما كانوا يجذون كل سنة. وفي رواية: مثل ما أعطاهم. قال: وكان الغرماء يهوداً فعجبوا من ذلك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أصاب الناس مخمصة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم \" هل لي شيء \" ؟ قلت: نعم، شيء، من التمر في المزود، قال: \" فأتني به \" فأتيته به فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها، ودعا بالبركة، ثم قال: \" ادع لي عشرة \" فأكلو حتى شبعوا، ثم عشرة كذلك، حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا، قال: \" خذ ما جئت به وأدخل يدك واقبض منه ولا تكبه \" فقبضت على أكثر مما جئت به فأكلت منه وأطعمت منه حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، إلى أن قتل عثمان فانتهب مني فذهب. وفي رواية: فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا ومن وسق في سبيل الله. وذكر مثل هذه الحكاية في غزوة تبوك، وأن التمر كان بضع عشرة تمرة. ومنه أيضاً حديث أبي هريرة رضي الله عنه حين أصابه الجوع، فاستتبعه، النبي صلى الله عليه وسلم فوجد لبنا في قدح قد أهدى إليه، وأمره أن يدعو أهل الصفة، قال فقلت: ما هذا اللبن فيهم ! كنت أحق أن أصيب منه شربة أتقوى بها، فدعوتهم، وذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم له أن يسقيهم، قال: فجعلت أعطى الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يأخذ الآخر حتى روى جميعهم، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم القدح وقال: \" بقيت أنا وأنت اقعد فاشرب \" فشربت ثم قال: \" اشرب \" وما زال يقولها واشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا؛ فأخذ القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة، صلى الله عليه وسلم.\rوأما كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة وانقيادها إليه وإجابتها دعوته صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما رويناه بسند متصل عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فدنا منه أعرابي، فقال: \" يا أعرابي أين تريد \" ؟ قال: إلى أهلي، قال: \" هل لك إلى خير \" ؟ قال: وما هو ؟ قال: \" تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله \" قال: من يشهد لك على ما تقول ؟ قال: \" هذه الشجرة السمرة \" وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا فشهدت له أنه كما قال، ثم رجعت إلى مكانها.\rوعن بريدة قال: سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم آية فقال له: \" قل لتلك الشجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوك \" قال: فمالت الشجروة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها فتقطعت عروقها، ثم جاءت تخد الأرض، تجز عروقها مغيرة حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: السلام عليك يا رسول الله، قال الأعرابي: مرها فلترجع إلى منبتها فاستوت، فقال الأعرابي: إيذن لي أسجد لك، قال: \" لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها \" قال: فأذن لي أقبل يديك ورجليك، فأذن له.","part":5,"page":139},{"id":2140,"text":"ومن ذلك ما روى في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله قال: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فلم يرى شيئاً يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال: \" انقادي علي بإذن الله \" فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قلائده. وذكر أنه فعل بالأخرى مثل ذلك، حتى إذا كان بالمنصف بينهما قال: \" التئما عليّ بإذن الله \" فالتأمتا. وفي رواية أخرى؛ فقال: \" يا جابر قل لهذه الشجرة يقول لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما \" ففعلت فرجعت حتى لحقت بصاحبتها، فجلس خلفهما، فخرجت أحضر، وجلست أحدث نفسي، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل والشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفة فقال برأسه - هكذا - يمينا وشمالا.\rوروى أسامة بن زيد نحوه، قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه: \" هل \" ؟ يعني مكانا لحاجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إن الوادي ما فيه موضع بالناس، فقال: \" هل ترى من نخل أو حجارة \" ؟ قلت: \" أرى نخلات متقاربات، فقال: \" انطلق وقل لهن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركن أن تأتين لمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل للحجارة مثل ذلك \" فقلت ذلك لهن، فوالذي بعثه بالحق لقد رأيت النخلات يتقاربن حتى اجتمعن، والحجارة يتعاقدن حتى صرن ركاما خلفهن، فلما قضى حاجته قال لي: \" قل لهن يفترقن \" فوالذي نفسي بيده لرأيتهن والحجارة يفترقن حتى عدن إلى مواضعن.\rوعن ابن مسعود مثله في غزاة حنين. وعن يعلى بن مرة - وهو ابن سيابة - وذكر أشياء رآها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أن طلحة - أو سمرة - جاءت فأطافت به، ثم رجعت إلى منبتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنها استأذنت أن تسلم علي \" . وفي حديث ابن مسعود: آذنت النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة فاستمعوا له شجرةٌ. وذكر أبو بكر بن فورك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار في غزوة الطائف ليلاً وهو وسنٌ، فاعترضته سدرة فانفرجت له نصفين، حتى جاز بينهما، وبقيت على ساقين إلى وقتنا هذا، وهي هناك معروفة. وقد روى في مثل ذلك أحاديث كثيرة.\rومن ذلك قصة حنين الجذع، والخبر بذلك مشهورٌ منتشر خرجه أهل الصحيح، ورواه جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، قال جابر بن عبد الله: كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم على جذع منها، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، وفي رواية أنس: حتى ارتج المسجد بخواره.\rوفي رواية سهل بن سعد: وكثر بكاء الناس لما رأوا به. وفي رواية المطلب بن أبي وداعة: حتى تصدع وانشق، حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكت. وزاد غيره: فقال النبي صلى الله عليه وسلم \" إن هذا بكى لما فقد من الذكر \" وزاد غيره: \" والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنا على رسول الله \" صلى الله عليه وسلم، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن تحت المنبر، وفي حديث أبي بن كعب: فكان إذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلى إليه، فلما هدم المسجد أخذه أبي فكان عنده إلى أن أكلته ألرض وعاد رفاتا. وذكر الإسفرايني: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى نفسه فجاءه يخرق الأرض فالتزمه، ثم أمره فعاد إلى مكانه. وفي حديث بريدة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" إن شئت أردك إلى الحائط الذي كنت فيه، تنبت لك عروقك، ويكتمل خلقك ويجدد لك خوص وثمرة، وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك \" ، ثم أصغى له النبي صلى الله عليه وسلم يستمع ما يقول فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله وأكون في مكان لا أبلى فيه. فسمعه من يليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" قد فعلت - ثم قال - اختار دار البقاء على دار الفناء \" .\rومن معجزاته صلى الله عليه وسلم نطق الجمادات كتسبيح الطعام في جوفه، وتسبيح الحصى في كفه وكف من صبه في كفه من أصحابه، وسلام الجبال والأحجار والأشجار عليه، وسجودها له، وغير ذلك مما يلتحق به على ما نشرحه إن شاء الله تعالى.","part":5,"page":140},{"id":2141,"text":"فمن ذلك ما رويناه بإسناد متصل عن البخاري بسنده، عن علقمة عن عبد الله قال: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، وفي غير هذه الرواية عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطعام، ونحن نسمع تسبيحه. وقال أنس بن مالك: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم كفاٌ من حصًى فسبحن في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا التسبيح، ثم صبهن في يد أبي بكر فسبحن، ثم في أيدينا فما سبحن. وروى أبو ذر مثله، وذكر أنهن سبحن في كف عمر وعثمان. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كنا بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله.\rوعن جابر بن سمرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي \" قيل: إنه الحجر الأسود. وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" لما استقبلني جبريل بالرسالة جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله \" .\rوعن جابر بن عبد الله قال: لم يكن صلى الله عليه وسلم يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له. وفي حديث العباس بن عبد المطلب إذا اشتمل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بنيه بملاءته فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت آمين آمين. وعن جعفر ابن محمد عن أبيه قال: مرض النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه جبريل بطبق فيه رمان وعنب، فأكل منه صلى الله عليه وسلم فسبح. وعن أنس رضي الله عنه قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان أحداً فرجف بهم فقال: \" أثبت أحد، فإنما عليك نبيٌ وصديق وشهيدان \" ومثله عن أبي هريرة في حراء، وزاد فيه: ومعه علي وطلحة والزبير، وقال: \" إنما عليك نبيٌ أو صديق أو شهيد \" ، والخبر في حراء أيضاً عن عثمان قال: ومعه عشرة من أصحابه أنا فيهم، وزاد عبد الرحمن وسعدا، قال: ونسيت الاثنين. وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم حين طلبته قريش قال له ثبير: اهبط يا رسول الله، فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله، فقال حراء: إلي يا رسول الله. وقد تقدم ذكر خبر الأصنام، وسقوطها عند ما أشار إليها بالقضيب، حين فتح الله تعالى مكة عليه، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا أبداً دائماً.\rومن معجزاته صلى الله عليه وسلم كلام الحيوانات وسكونها وثباتها إذا رأته؛ كقصة الدجن، وكلام الضب والذئب، والطائر والظبية، وسجود الغنم والبعير، وخبر شفينة مولاه مع الأسد، وخبر العنز، وغير ذلك مما نورده إن شاء الله تعالى.\rفمن ذلك ما رويناه بسند متصل عن عائشة قالت: كانت عندنا داجنٌ، فإذا كان عندنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قر وثبت مكانه، فلم يجيء ولم يذهب، فإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء وذهب.\rومنه ما روى عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في خفل من أصحابه إذ جاء أعرابي قد صاد ضبا فقال: من هذا ؟ قالوا: نبي الله، واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن هذا الضب. وطرحه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" يا ضب \" فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم جميعا: لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، قال: \" من تعبد \" ؟ قال: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عقابه، قال: \" فمن أنا ؟ \" قال: رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، وقد أفلح من صدقك، وخاب من كذبك. فأسلم الأعرابي.","part":5,"page":141},{"id":2142,"text":"ومن ذلك قصة كلام الذئب المشهورة عن أبي سعيد الخدري قال: بينا راع يرعى غنما له، عرض الذئب لشاة منها فأخذها الراعي منه، فأقعى الذئب وقال للراعي: ألا تتقي الله، حلت بيني وبين رزقي ! قال الراعي: العجب من ذئب يتكلم بكلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك، رسول الله بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق، فأتى الراعي النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" قم فحدثهم \" ، ثم قال: \" صدق \" . وروى حديث الذئب عن أبي هريرة. وفي بعض الطرق عنه قال الذئب: أنت أعجب ! واقفا على غنمك، وتركت نبيا لم يبعث الله نبيا قط أعظم منه عنده قدراً، قد فتحت له أبواب الجنة، وأشرف أهلها على أصحابه ينتظرون قتالهم، وما بينك وبينه إلا هذا الشعب فتصير في جنود الله، قال الراعي: من لي بغنمي ؟ قال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع، فأسلم الرجل إليه غنمه ومضى، وذكر قصته واسلامه ووجوده النبي صلى الله عليه وسلم يقاتل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \" عد إلى غنمك تجدها بوفرها \" فوجدها كذلك، وذبح للذئب شاة منها.\rوروى أن أهبان بن أوس هو صاحب القصة ومكلم الذئب. وروى أيضا أن صاحب القصة سلمة بن عمرو بن الأكوع، وأنها سبب إسلامه. وحكى أبو عمر بن عبد البر في ترجمة رافع بن عميرة الطائى أنه كلمه الذئب، وهو في ضأنٍ له يرعاها، فدعاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واللحاق به. قال: وزعموا أن رافع بن عميرة قال في كلام الذئب إياه.\rرعيت الضأن أحميها بكلبي ... من الضبع الحفي وكل ذيب\rفلما أن سمعت الذئب نادى ... يبشرني بأحمد من قريب\rسعيت إليه قد شمرت ثوبي ... على الساقين قاصدة الركيب\rفألفيت النبي يقول قولاً ... صدوقا ليس بالقول الكذوب\rيبشرني بدين الحق حتى ... تبينت الشريعة للمنيب\rوأبصرت الضياء يضىء حولي ... أمامي إن سعيت ومن جنوبي\rفي أبيات أخر.\rوروى ابن وهب: أن مثل هذه القصة وقع لأبي سفيان بن حرب، وصفوان ابن أمية مع ذئب وجداه قد أخذ ظبيا، فدخل الظبي الحرم فانصرف الذئب فعجبا من ذلك، فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم الى الجنة وتدعونه الى النار. فقال أبو سفيان: واللات والعزى لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنا خلوفا. وقد روى أيضا مثل هذا الخبر، وأنه جرى لأبي جهل وأصحابه.\rوعن عباس بن مرداس السلمي أنه لما تعجب من كلام صنمه ضمار، وإنشاده الشعر الذي ذكرناه، فإذا طائر سقط، فقال: يا عباس، أنعجب من كلام ضمار، ولا تعجب من نفسك ؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام، وأنت جالس ! وعن أنس رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ورجلٌ من الأنصار حائط أنصاريّ، وفي الحائط غنم، فسجدت له فقال أبو بكر: نحن أحقّ بالسجود لك منها... الحديث. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطاً فجاء بعيرٌ فسجد له، وذكر مثله، ومثله في الجمل عن ثعلبة بن مالك، وجابر بن عبد الله، ويعلى بن مرة، وعبد الله بن جعفر قال: وكان لا يدخل أحد الحائط إلا شد عليه بالجمل، فلما دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم دعاه، فوضع مشفره في الأرض وبرك بين يديه فحطمه؛ وقال: \" ما بين السماء والأرض شيء إلا يعلم أنى رسول الله إلا عاصي الجن والإنس \" . وفي حديث آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن شأنه فأخبروه أنهم أرادوا ذبحه. وفي راوية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: \" إنه اشتكى كثرة العمل وقلة العلف \" .\rوفي رواية: \" إنه شكا إلى أنكم أردتم ذبحه بعد أن استعملتموه في شاق العمل من صغره \" فقالوا: نعم، وقد روى في قصة العضباء وكلامها النبي صلى الله عليه وسلم، وتعريفها له بنفسها، ومبادرة العشب إليها في الرعي، وتجنب الوحوش عنها، وندائهم لها أنك لمحمد، وأنها لم تأكل ولم تشرب بعد موته حتى ماتت، ذكره الإسفرائني. وروى ابن وهب: أن حمام مكة أظلت النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتحها، فدعا لها بالبركة. وقد ذكرنا قصة الغار وخبر الحمامتين والعنكبوت.","part":5,"page":142},{"id":2143,"text":"وعن عبد الله بن قرط قال: قرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنات خمس أو ست أو سبع لينحرها يوم عيد، فازدلفن إليه بأيتهن يبدأ. وعن أم سلمة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم في صحراء فنادته ظبية: يا رسول الله، قال: ما حاجتك \" ؟ قالت: صادني هذا الأعرابي ولي خشفان في ذلك الجبل، فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما وأرجع، قال: \" وتفعلين \" ؟: قالت: نعم، فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها، فانتبه الأعرابي. فقال: يا رسول الله، ألك حاجة ؟ قال: \" تطلق هذه الظبية \" فأطلقها، فخرجت تعدو في الصحراء وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.\rومنه ما روى من تسخير الأسد لسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ وجهه إلى معاذ باليمن، فلقى الأسد فعرفه أنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه كتابه، فهمهم وتنحى عن الطريق، وذكر في منصرفه مثل ذلك.\rوفي رواية أخرى عنه: أن سفينة تكسرت به، فخرج إلى جزيرة فإذا الأسد؛ قال فقلت: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق. وروى أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بإذن شاة لقوم من عبد القيس بين إصبعيه ثم خلاها، فصار لها ميسماً، وبقى ذلك الأثر فيها وفي نسلها. وقد روى عن إبراهيم بن حماد بسنده كلام الحمار الذي أصابه بخيبر، وقال له: ما اسمك قال: اسمي يزيد بن شهاب، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم يعفوراً وأنه كان يوجهه إلى دور أصحابه فيضرب عليهم الباب برأسه ويستدعيهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات، تردى في بئر جزعاً وحزناً فمات. وخبر الناقة التي شهدت عند النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبها أنه ما سرقها وأنها ملكه. وخبر العنز التي أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عسكره، وقد أصابهم عطش ونزلوا على غير ماء وهم زهاء ثلثمائة، فحلبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأروى الجند، ثم قال لرافع: \" املكها وما أراك \" فربطها فوجدها قد انطلقت رواه ابن قانع وغيره، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الذي جاء بها هو الذي ذهب بها \" . وقال عليه السلام لفرسه، وقد قام إلى الصلاة في بعض أسفاره: \" لا تبرح بارك الله فيك حتى نفرغ من صلاتنا \" وجعله قبلته فما حرك عضواً حتى فرغ من صلاته صلى الله عليه وسلم.\rومن معجزاته صلى الله عليه وسلم ما روى من كلام الأموات والأطفال وشهادتهم له بالنبوة.\rفمن ذلك ما روى عن فهد بن عطيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بصبي قد شب لم يتكلم قط، فقال له: \" من أنا \" ؟ فقال: رسول الله. وعن معرض بن معيقب قال: رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم عجبا، جيء بصبى يوم ولد، فذكر مثله، وهو حديث مبارك اليمامة، ويعرف بحديث شاصونة اسم رواية، وفيه؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \" صدقت بارك الله فيك \" ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها حتى شب، فكان يسمى مبارك اليمامة، وكانت هذه القصة بمكة في حجة الوادع.\rوعن الحسن رضي الله عنه: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له أنه طرح بنية له في وادي كذا، فانطلق معه إلى الوادي وناداها باسمها \" يا فلانة احي بإذن الله \" فخرجت وهي تقول: لبيك وسعديك، فقال لها: \" إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أن أردك عليهما \" قالت: لا حاجة لي فيهما، وجدت الله خيرا لي منهم.","part":5,"page":143},{"id":2144,"text":"وعن أنس رضي الله عنه أن شابا من الأنصار توفي وله أم عجوز عمياء قال: فسجيناه وعزيناها فقالت: مات ابني ؟ قلنا: نعم، قالت: اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى نبيك رجاء أن تعينني على كل شدة، فلا تحملن على هذه المصيبة، قال: فما برحنا أن كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا. وروى عن عبد الله بن عبيد الله الأنصاري قال: كنت فيمن دفن ثابت بن قيس ابن شماس - وكان قتل باليمامة - فسمعناه حين أدخلناه القبر يقول: محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الشهيد، وعثمان البر الرحيم، فنظرنا فإذا هو ميت. وذكر عن النعمان بن بشير: أن زيد بن خارجة خر ميتا في بعض أزقة المدينة، فرفع وسجى إذ سمعوه بين العشاءين والنساء يصرخن حوله يقول: أنصتوا، أنصتوا، فحسر عن وجهه، قفال: محمد رسول الله، النبي الأمي، وخاتم النبيين، كان ذلك في الكتاب الأول، ثم قال: صدق صدق، وذكر أبا بكر وعمر وعثمان ثم قال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم عاد ميتا. ومن ذلك قصة الذراع وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة. قد تقدم خبر الذراع. والله منجي المتقين ووليهم.\rومن معجزاته صلى الله عليه وسلم إبراء المرضى وذوي العاهات، كرد عين قتادة، وكشف بصر الضرير، وتفله صلى الله عليه وسلم على جراحات فبرأت، وغير ذلك مما نشرحه إن شاء الله تعالى.\rأما عين قتادة بن النعمان فقد روينا بإسناد متصل عن سعد بن أبي وقاص: أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت أحسن عينيه. وذكر الأصمعي عن أبي معشر المدني قال: أوفد أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، بديوان المدينة إلى عمر بن عبد العزيز رجلاً من ولد قتادة بن النعمان، فلما قدم عليه قال له: ممن الرجل ؟ قال:\rأنا ابن الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن الرد\rفعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عينٍ ويا حسن ما رد\rفقال عمر بن عبد العزيز:\rتلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيبا بماءٍ فعادا بعد أبوالا\rحكاه ابن عبد البر. وروى النسائي عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال: يا رسول الله، ادع الله أن يكشف لي عن بصري. قال: \" فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبي محمدٍ نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن يكشف عن بصري اللهم شفعة في \" قال: فرجع وقد كشف الله عن بصره.\rوروى أن ابن ملاعب الأسنة أصابه استسقاء فبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيده حثوة من الأرض فنفل عليها، ثم أعطاها رسوله، فأخذها متعجبا - يرى أنه قد هزئ به - فأتاه بها وهو على شفا فشربها فشفاه الله. وذكر العقيلي عن حبيب بن فديك - ويقال فويك - أن أباه ابيضت عيناه، فكان لا يبصر بهما شيئا، فنفث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه فأبصر، فرأيته يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين.\rواتته امرأة من خثعم معها صبي به بلاءٌ لا يتكلم، فأتى بماءٍ فمضمض فاه وغسل يديه ثم أعطاها إياه وأمرها بسقيه ومسه به، فبرأ الغلام، وعقل عقلا، يفضل عقول الناس. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة بابن لها به جنونٌ، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره فثع ثعةً فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود فشفى. وكانت في كف شرحبيل الجعفي سلعة، تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة، فشكاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها ولم يبق لها أثرٌ. وسألته جاريةٌ طعاما وهو يأكل، فناولها من بين يديه، وكانت قليلة الحياء، فقالت: إنما أريد من الذي في فيك، فناولها ما في فيه، ولم يكن يسأل شيئا فيمنعه، فلما استقر في جوفها ألقى عليها من الحياء ما لم تكن امرأة بالمدينة أشد حياء منها.\rوأما الجراحات التي تفل عليها فبرأت فكثير","part":5,"page":144},{"id":2145,"text":"منها أنه صلى الله عليه وسلم بصق على أثر سهم في وجه أبي قتادة، في يوم ذي قرد، قال: فما ضرب علي، ولا قاح. ومنها أن كلثوم بن الحصين رمى يوم أحد في نحره، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فبرأ، وتفل على شجة عبد الله بن أنيس فلم تمد. وتفل في رجل زيد بن معاذ حين أصابها السيف إلى الكعب حين قتل أبن الأشرف فبرئت، وعلى ساق علي بن الحكم يوم الخندق، إذا انكسرت فبرئ مكانه وما نزل عن فرسه. وقطع أبو جهل يد معوذ بن عفراء في يوم بدر، فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقها فلصقت. رواه ابن وهب، ومن روايته: أن خبيب ابن يساف أصيب يوم بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربة على عاتقه حتى مال شقه، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونفث عليه حتى صح. ونفث على ضربة بساق سلمة بن الأكوع يوم خيبر فبرئت. وتفل في عيني علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم خيبر وكان رمداً فأصبح بارئاً. واشتكى على مرة فجعل يدعو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" اللهم اشفه أو عافه \" ثم ضربه برجله فما اشتكى ذلك الوجع بعد ذلك.\rومن معجزاته صلى الله عليه وسلم إجابة دعائه وهذا فصل متسع جداً، نذكر منه ما اشتهر وانتشر، وتواترت به الأخبار وتداولته الرواة، ونقله أصحاب السير، ولا شك ولا خلاف بين أحد من الأمة في إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم؛ وقد روي عن حذيفة أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده. روي عن أنس بن مالك قال: قالت أمي يا رسول الله، خادمك أنسٌ ادع الله له؛ قال: \" اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته \" قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليعادون اليوم على نحو المائة، وما أعلم أحداً أصاب من رخاء العيش ما أصبت، ولقد دفنت بيدي هاتين مائة من ولدي، لا أقول سقطاً ولا ولد ولدٍ. ودعا صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف بالبركة، قال عبد الرحمن: فلو رفعت حجر لرجوت أن أصيب تحته ذهباً، ولما مات حفر الذهب من تركته بالفؤس حتى مجلت به الأيدي، وأخذت كل زوجة ثمانين ألفاً، وكن أربعا، وقيل: مائة ألف، وقيل: بل صولحت إحداهن - لأنه طلقها في مرضه - على نيف وثمانين ألفاً، وأوصى بخمسين ألفاً بعد صدقاته الفاشية في حياته. ودعا لمعاوية بالتمكين في البلاد فنال الخلافة. ولسعد بن أبي وقاص أن يجيب الله دعوته، فما دعا على أحد إلا استجيب له. ودعا أن يعز الله الإسلام بعمر أو بأبي جهل فاستجيب له في عمر رضي الله عنه؛ قال ابن مسعود: ما زلنا أعزةً منذ أسلم عمر. وقال لأبي قتادة: \" أفلح وجهك، اللهم بارك له في شعره وبشره \" فمات وهو ابن سبعين سنة وكأنه ابن خمسة عشر. وقال للنابغة: \" لا يفضض الله فاك \" قال: فما سقط له سن، وكان، أحسن الناس ثغراً، إذا سقطت له سن نبتت له أخرى، وعاش عشرين ومائة سنة، وقيل: أكثر.\rودعا لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: \" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل \" فسمى بعد الحبر وترجمان القرآن. ودعا لعبد الله بن جعفر بالبركة في صفقة يمينه؛ فما اشترى شيئاً إلا ربح فيه. ودعا للمقداد بالبركة؛ فكان عنده غرائر من المال. ودعا كذلك لعروة بن أبي الجعد، قال: \" فلقد كنيت أقوم بالكناسة فما أرجع حتى أربح أربعين ألفاً. ودعا لعلي أن يكفى الحر والقر، فكان يلبس في الشتاء ثياب الصيف وفي الصيف ثياب الشتاء، ولا يصيبه حرٌ ولا بردٌ. ودعا على مضر فأقحطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسقوا. وتقدم خبره في دعائه في الاستسقاء والاستضحاء. ودعا على كسر أن يمزق ملكه فلم يبقى له باقيةٌ، ولم تعد لفارس مملكة. وقال لرجل رآه يأكل بشماله: \" كل بيمينك \" قال: لا أستطيع فقال: \" لا استطعت \" فلم يرفعها إلى فيه بعد. وقال في عتبة بن أبي لهب: \" اللهم سلط عليه كلباً من كلابك \" فأكله الأسد كما تقدم. ودعا على محلم بن جثامة، فمات لسبع فلفظته الأرض ثم ووري فلفظته، فألقوه في صدين ورضموا عليه بالحجارة، والصد جانب الوادي. ودعواته صلى الله عليه وسلم كثيرة عليه أفضل الصلاة والسلام.\rومن معجزاته صلى الله عليه وسلم انقلاب الأعيان","part":5,"page":145},{"id":2146,"text":"فيما لمسه أو باشره؛ كسيف عكاشة بن محصن، وعبد الله بن جحش، وغير ذلك، وكان من خبر عكاشة أن سفيه انكسر يوم بدر فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم جذل حطبٍ، وقال: \" اضرب به \" فعاد في يده سيفاً صارماً طويلاً أبيض شديد المتن، فقاتل به، ثم لم يزل عنده يشهد به المواقف إلى أن استشهد في قتال أهل الردة، وكان هذا السيف يسمى العون. ودفع لعبد الله بن جحش - وقد ذهب سفيه يوم أحد - عسيب نخل فرجع في يده سيفاً. ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم مر على ماء فسأل عنه، فقيل له اسمه بيسان وماؤه ملح، فقال: \" بل هو نعمان وماؤه طيب \" فكان كذلك. ومنه أنه صلى الله عليه وسلم أعطى قتادة بن النعمان - وكان قد صلى معه العشاء في ليلة مظلمة مطيرة - عرجوناً، وقال: \" انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشراً، ومن خلفك عشراً فإذا دخلت، بيتك فسترى سواداً فاضربه به حتى يخرج فإنه الشيطان \" فانطلق فأضاء له العرجون، ووجد السواد فضربه حتى خرج. ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم زود أصحابه سقاء من ماء بعد أن أوكأه ودعا فيه، ولما حضرتهم الصلاة نزلوا فحلوه فإذا به لبنٌ طيب وفي فمه زبدة. رواه حماد بن سلمة.\rومما يلتحق بهذا الفصل أنه صلى الله عليه وسلم ركب فرساً لأبي طلحة، كان يقطف - أو - به قطاف، فلما رجع قال: وجدنا فرسك بحراً، فكان بعد لا يجاري. ونخس جمل جابر بن عبد الله، وكان قد أعيا فنشط حتى كان ما يملك زمامه، وقد تقدم خبره. وخفق فرس جعيل الأشجعي بمخفقه معه وبرك عليها فلم يملك رأسها نشاطاً، وباع من بطنها باثنى عشر ألفاً. وركب صلى الله عليه وسلم حماراً قطوفاً لسعد بن عبادة فرده هملاجا لا يساير. ومن ذلك بركة يده صلى الله عليه وسلم فيما لمسه كقصة سلمان في كتابته، وما غرس له صلى الله عليه وسلم من الودي فأطعمت كلها من عامها، والذهب الذي أعطاه وقد تقدم ذكر ذلك في إسلام سلمان. ومنه أنه صلى الله عليه وسلم مسح على رأس عمير بن سعد وبرك فمات وهو ابن ثمانين سنة وما شاب. وكذلك السائب ابن يزيد، ومدلوك، وكان يوجد لعتبة بن فرقد طيبٌ يغلب طيب نسائه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح بيده على بطنه وظهر ومسح على رأس قيس بن زيد الجذامي، ودعا له فهلك وهو ابن مائة سنة ورأسه أبيض وموضع كف النبي صلى الله عليه وسلم وما مرت به يده عليه من شعره أسود، فكان يدعى الأغر. وروي مثل ذلك لعمرو بن ثعلبة الجهني، ومسح وجه آخر فما زال على وجهه نور. ومسح وجه قتادة بن ملحان، فكان لوجهه بريقٌ، حتى كان ينظر فيه كما ينظر في المرآة. ونضح في وجه زينب بنت أم سلمة نضحة من ماء، فما نعرف كان في وجه امرأة من الجمال ما بها. ومسح على رأس صبي به عاهة فبرأ واستوى شعره، وعلى غير واحد من الصبيان المرضى والمجانين فبرءوا. وآتاه رجل به أدرة فأمره أن ينضحها بماء من عين مج فيها ففعل فبرأ. وعن طاوس: لو لم يؤت النبي صلى الله عليه وسلم بأحد به مس فصك في صدره إلا ذهب. والمس: الجنون. ومج في دلوٍ من بئر ثم صب فيها ففاح فيها من ريح المسك. وشكا إليه أبو هريرة النسيان فأمره أن يبسط ثوبه، وغرف بيده فيه ثم أمره بضمه ففعل فما نسى شيئاً بعد. ومن ذلك درور الشياه الحوائل باللبن الكثير؛ كقصة شاة أم معبد، وأعنز معاوية بن ثور، وشاة أنس، وغنم حليمة، وشارفها، وشاة عبد الله بن مسعود، وشاة المقداد، والله أعلم.\rومن معجزاته صلى الله عليه وسلم ما أخبر به من الغيوب، وما يكون قبل وقوعه، فكان كما أخبر به صلى الله عليه وسلم؛ روى عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً، فما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون الشيء فأعرفه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه، وثم قال حذيفة: ما أدرى أنسي أصحابي أم تناسوه، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قائد فتنه إلى أن تنقضي الدنيا، يبلغ من معه ثلثمائة فصاعداً إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته.","part":5,"page":146},{"id":2147,"text":"وقال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً ومما أخبر به صلى الله عليه وسلم مما يكون فكان، ما أخرجه أهل الصحيح والأئمة، مما وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من الظهور على أعدائه، وفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق، وظهور الأمن حتى تظعن المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله، وإن المدينة ستغزى، وتفتح خيبر على يد علي في غد يومه، وما يفتح الله على أمته من الدنيا، وما يؤتون من زهرتها، وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر، وما يحدث بينهم من الفتون والاختلاف والأهواء، وسلوك سبيل من قبلهم وافتراقهم على ثلاث وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة، وأنه ستكون لهم أنماط، ويغدو أحدهم في حلة ويروح في أخرى، وتوضع بين يديه صفحة وترفع أخرى، ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة، ثم قال آخر الحديث: \" وأنتم اليوم خيراً منكم يومئذٍ \" وإنهم إذا مشوا المطيطاء، وخدمتهم بنات فارس والروم، رد الله بأسهم بينهم، وسلط شراراهم على خيارهم، وما أخبر به صلى الله عليه وسلم من قتالهم الترك والخزر والروم، وذهاب كسرى وفارس، حتى لا كسرى ولا فارس بعده، وذهاب قيصر حتى لا قيصر بعده، وأن الروم ذات قرون إلا آخر الدهر، وأخبر بذهاب الأمثل فالأمثل من الناس، وتقارب الزمان، وقبض العلم، وظهور الفتن والهرج، وقوله صلى الله عليه وسلم: \" زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها \" فكان كذلك؛ امتدت في المشارق والمغارب، ما بين أرض الهند أقصى المشرق إلى بحر طنجة، حيث لا عمارة وراءه، ولم تمتد في الجنوب والشمال مثل ذلك. وقوله صلى الله عليه وسلم: \" ويلٌ للعرب من شر قد اقترب \" . وقوله: \" لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة \" ذهب ابن المدني إلى أنهم العرب؛ لأنهم المختصون بالسقي بالغرب وهو الدلو، وقيل: بل هم أهل المغرب، ومن رواية أبي أمامة: \" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق قاهرين لعدوهم حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك \" قيل: يا رسول الله وأين هم ؟ قال: \" ببيت المقدس \" . وأخبر صلى الله عليه وسلم بملك بني أمية، وولاية معاوية، ووصاه، واتخاذ بني أمية مال الله دولا.\rوأخبر بخروج ولد العباس بالرايات السود، وملكهم أضعاف ما ملكوا، وأخبر بقتل علي رضي الله عنه، وأن أشقاها الذي يخضب هذه من هذه، أي لحيته من رأسه. وقال: يقتل عثمان وهو يقرأ المصحف، وأن الله عسى أن يلبسه قميصاً، وأنهم يريدون خلعه، وإنه يسقطر دمه على قوله تعالى: \" فسيكفيكهم الله \" . وإن الفتن لا تظهر ما دام عمر حياً، وأخبر بمحاربته الزبير لعلي، ونباح كلاب الحوأب على بعض أزواجه وإنه يقتل حولها قتلى كثيرة وتنجو بعدما كادت، وإن عماراً تقتله الفئة الباغية، وقال لعبد الله بن الزبير: \" ويلٌ للناس منك، وويل لك من الناس \" وقال في قزمان وقد أبلى بلاء حسناً مع المسلمين: \" إنه من أهل النار \" فقتل نفسه. وقال صلى الله عليه وسلم: \" يكون في ثقيف كذاب ومبير \" فكان الكذاب المختار بن أبي عبيد، والمبير الحجاج بن يوسف. وأخبر بالردة، وإن الخلافة بعده ثلاثون، ثم ملكاً، وقال: \" إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم يكون ملكاً عضوضاً، ثم يكون عتواً وجبروة وفساد في الأئمة \" فكان كل ذلك كما أخبر. وأخبر أن سيكون في أمته ثلاثون كذاباً فيهم أربع نسوة، وفي حديث آخر: \" ثلاثون دجالاً كذاباً آخرهم الدجال الكذاب كلهم يكذب على الله ورسوله \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" يوشك أن يكثر فيكم العجم يأكلون فيئكم، ويضربون رقابكم \" فكان كذلك. وقال: \" لا تقوم الساعة حتى يسوق الناس بعصاه رجل من قحطان \" وقال: \" هلاك أمتي على يد أغلمة من قريش \" قال أبو هريرة راوي الحديث لو شئت سميتهم لكم، بنو فلان وبنو فلان، وأخبر بظهور القدرية والرافضة، وسب آخر هذه الأمة أولها.","part":5,"page":147},{"id":2148,"text":"وأخبر بشأن الخوارج وصفتهم، والمخدج الذي فيهم، وأن سمياهم التحليق. وقال: \" خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يأتي بعد ذلك قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يفون \" . وقال: \" لا يأتي الزمان إلا والذي بعده شرٌّ منه \" . وأخبر صلى الله عليه وسلم بالموتان الذي يكون بعد فتح المقدس. وما وعد من سكنى البصرة وأن أمته يغزون في البحر كالملوك على الأسرة؛ فكان في زمن يزيد بن معاوية. وقال: \" إن الدين لو كان منوطاً بالثريا لناله رجال من ابناء فارس \" . وقال صلى الله عليه وسلم في الحسن بن علي رضي الله عنهما: \" إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين \" . وأخبر بقتل الحسين بالطف، وأخرج بيده تربة، وقال: فيها مضجعه. وقال في زيد بن صوحان: يسبقه عضو منه إلى الجنة، فقطعت يده في الجهاد. وقال لسراقة: \" كيف بك إذا لبست سوار كسرى \" فلما أتى بهما لعمر ألبسهما إياه، وقال: الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة. وقال: \" تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراط تجبى إليها خزائن الأرض يخسف بها \" . فبنيت بغداد. وقال: \" لا تقوم الساعة حتى تقتتل طائفتان دعواهما احدة \" . وقال لعمر في سهيل بن عمرو: \" عسى أن يقوم مقاما يسرك يا عمر \" فقام بمكة مقام أبي بكر يوم بلغهم موت النبي صلى الله عليه وسلم، وخطب بنحو خطبته، وثبت الناس وقوى بصائرهم، وقال لخالد حين وجهه إلى أكيدر: \" إنك بحده يصيد البقر \" فكان كذلك. وقد تقدم خبره. وأخبر صلى الله عليه وسلم بوقائع نحن نترقب وقوعها؛ كقوله: \" عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية \" . وأخبر بغير ذلك من الأمور التي وقعت في حياته في أماكن بعيدة، وأخبر بها حال وقوعها كموت النجاشي، وقتل أمراء مؤتة، وغير ذلك صلى الله عليه وسلم.\rومن معجزاته عصمة الله تعالى له من الناس وكفايته إياه مع كثرة أعدائه وتحزبهم واجتماعهم على أذاه قال الله عز وجل: \" والله يعصمك من الناس \" . وقال تعالى: \" واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا \" . وقال: \" أليس الله بكافٍ عبده \" . وقال: \" إنا كفيناك المستهزئين. الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر فسوف يعلمون \" . وقال تعالى: \" وإذ يمكر بك الذين كفرو ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين \" . روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية: \" والله يعصمك من الناس \" فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة، فقال لهم: \" يأيها الناس انصرفوا فقد عصمني لله ربي عز وجل \" . وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاف قريشا، فلما نزلت هذه الآية استلقى، ثم قال: \" من شاء فليخذلني \" . وقد تقدم من عصمة الله له وكفايته قصتا دعثور وغورث، وخبر حمالة الحطب، وأخذ الله تعالى على بصرها حين أرادته بالفهر، وخبر أبي جهل حين أراده بالحجر، وغير ذلك.","part":5,"page":148},{"id":2149,"text":"وها نحن نورد في هذا الموضع من ذلك خلاف ما قدمناه؛ فمن ذلك ما روى عن الحكم بن العاص أنه قال: تواعدنا على النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا رأيناه سمعنا صوتا خلفنا ما ظننا أنه بقي بتهامة أحد، فوقعنا مغشيا علينا، فما أفقنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله، ثم تواعدنا ليلة أخرى، فخرجنا حتى إذا رأيناه جاءت الصفا والمروة فحالت بيننا وبينه. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: تواعدنا أنا وأبو جهم بن حذيفة ليلةً قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئنا منزله فسمعنا له، فافتتح وقال: \" الحاقّة ما الحاقّة \" إلى: \" فهل ترى لهم من باقيةٍ \" فضرب أبو جهم على عضد عمر وقال: انج، وفرّا هاربين، فكانت من مقدّمات إسلام عمر. ومن ذلك خروجه صلى الله عليه وسلم على قريش حين اجتمعوا لقتله، فأخذ الله على أبصارهم حتى ذرا التراب على رءوسهم وخلص منهم. وقصة الغار، وأخذ الله على أبصارهم، وخبر سراقة بن مالك بن جعشم، وقد تقدم ذكر ذلك. وفي خبر آخر أن راعيا عرف خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حين هاجرا، فخرج يشتد ليعلم قريشا بشأنهما، فلما دخل مكة ضرب على قلبه فما يدري ما يصنع، وأنسي ما خرج له حتى رجع إلى موضعه. وذكر السّمرقندي: أن رجلا من بني المغيرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله، فطمس الله بصره فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم وسمع قوله، فرجع إلى أصحابه ولم يرهم حتى نادوه، وذكر أنّ فيه وفي أبي جهل نزلت: \" إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون. وجعلنا من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون \" . وقد روي عن أبي هريرة أن أبا جهل وعد قريشا: لئن رأى محمدا - صلى الله عليه وسلم - يصلي ليطأن رقبته، فلما صلى الله عليه وسلم أعلموه فأقبل، فلما قرب منه ولى هاربا ناكصا على عقبيه متّفيا بيديه، فسئل فقال: لما دنوت منه أشرفت على خندق مملوء نارا كدت أهوى فيه، وأبصرت هولاً عظيماً، وخفق أجنحة قد ملأت الأرض. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" تلك الملائكة لو دنا لاختطفته عضوا عضوا \" ثم أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كلاّ إن الإنسان ليطغى \" إلى آخر السورة. وقد ذكرنا أيضا قصة شيبة بن عثمان بن أبي طلحة في غزوة حنين. وعن فضالة بن عمرو قال: أردت قتل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو يطوف بالبيت، فلما دنوت منه قال: \" أفضالة \" ؟ قلت: نعم، قال: \" ما كنت تحدّث به نفسك \" ؟ قلت: لا شيء فضحك واستغفر لي ووضع يده على صدري فسكن قلبي، فو الله ما رفعها حتى ما خلق الله شيئا أحبّ إليّ منه. ومنه خبر عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس، وقد تقدم ذكر قصتهما.","part":5,"page":149},{"id":2150,"text":"ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم ما جمعه الله تعالى له من المعارف والعلوم، وخصه به من الاطلاع على جميع مصالح الدنيا والدين، ومعرفته بأمور الشرائع وغير ذلك، كاطلاعه صلى الله عليه وسلم على أخبار من سلف من الأمم، وقصص الأنبياء والرسل، وأخبار الجبابرة والقرون الماضية، وحفظ شرائعهم، وسرد أنبائهم، وأيام الله فيهم، ومعارضة كل فرقة من أهل الكتاب بما في كتبهم، وإعلامهم بأسرارها ومخبآت علومها، وإخبارهم بما كتموه من ذلك وغيّروه، واحتوائه صلى الله عليه وسلم على لغات العرب وغريب ألفاظها، والحفظ لأيامها وأمثالها وحكمها، ومعاني أشعارها، وما خصه الله تعالى به من جوامع الكلم، وما علمه من ضروب العلوم وفنون المعارف؛ كالطبّ والعبارة والفرائض والحساب والأنساب وغير ذلك، مما جعل أهل هذه العلوم كلامه صلى الله عليه وسلم فيها قدوة وحجة وأصولا يرجعون إليها في علومهم؛ كقوله عليه السلام: \" الرؤيا لأول عابر وهي على رجل طائر \" وقوله: \" الرؤيا ثلاث؛ رؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان \" . وقوله: \" إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب \" . وقوله: \" أصل كل داء البردة \" وقوله: \" المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة \" وقوله: \" خير ما تداويتم به السعوط، واللدود، والحجامة، والمشي، وخير الحجامة يوم سبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين، وفي العود الهندي سبعة أشفية \" وقوله: \" ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه \" . وقوله لكاتبه: \" ضع القلم على أذنك فإنه أذكر للمملى \" . وقد وردت آثار بمعرفته حروف الخطّ، وحسن تصويرها؛ كقوله: \" لا تمدوا بسم الله الرحمن الرحيم \" رواه ابن شعبان من طريق ابن عباس، وقوله في الحديث الآخر الذي يروى عن معاوية أنه كان يكتب بين يديه - صلى الله عليه وسلم - فقال له: \" ألق الدواة، وحرف القلم وأقم الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم \" وإن لم تصح الرواية أنه صلى الله عليه وسلم كتب، فلا يبعد أن يكون قد رزق علم الخط، ومنع الكتابة والقراءة. وكذلك حفظه صلى الله عليه وسلم لكثير من لغات الأمم؛ كقوله صلى الله عليه وسلم \" سنه سنه \" وهي حسنة بالحبشية، وقوله: و: يكثر الهرج \" وهو القتل بها، وقوله في حديث أبي هريرة: \" اشكنب دردم \" أي وجع البطن بالفارسية، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا من دارس العلوم، ومارس الكتب، وداوم المطالعة، وعكف على الاشتغال. وكان صلى الله عليه وسلم بخلاف ذلك لا يقرأ ولا يكتب؛ كما أخبر الله تعالى عنه بقوله عز وجل: \" وما كنت تتلو من قبله من كتابٍ ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون \" وفي هذا أكبر آية، وأعظم دلالة، وأبين حجة، وأبهر معجزة له صلى الله عليه وسلم.\rوقد رأينا ان نختم هذه الفصول بذكر القصيدة التي ايتسمت ثغورها بوصف معجزاته، وتحلت نحورها بجواهر صفاته، ورفلت في حلل الفخار من باهر آياته، وسحبت ذيول الافتخار بإشارات إلى غزواته، وفاح أرجها فأخجل المسك الدّاريّ، وأشرقت أنوارها على النيرين فما ظنك بالدراري، وهي قصيدة الشيخ الإمام العلامة أبي محمد عبد الله بن زكريا الشقراطيسي رحمه الله تعالى، وإنما اقتصرنا عليها وصرفنا الرغبة دون غيرها إليها لاشتمالها على جمل من أخباره السنية، ونكت من آثاره التي هي بكل خير ملية، وهي:\rالحمد لله منا باعث الرسل ... هدى بأحمد منا أحمد السبل\rخير البرية من بدوٍ ومن حضرٍ ... وأكرم الخلق من حافٍ ومنتعل\rتوراة موسى أتت عنه فصدقها ... إنجيل عيسى بحق غير مفتعل\rأخبار أحبار أهل الكتب قد وردت ... عما رأوا ورووا في الأعصر الأول\rضاءت لمولده الآفاق وانصلت ... بشرى الهواتف في الإشراق والطفل\rوصرح كسرى تداعى من قواعده ... وانقاض منكسر الأرجاء ذا ميل\rونار فارس لم توقد وما خمدت ... مذ ألف عام ونهر القوم لم يسل\rخرت لمبعثه الأوثان وانبعثت ... ثواقب الشهب ترمي الجن بالشعل\rومنطق الذئب بالتصديق معجزةٌ ... مع الذراع ونطق العير والجمل","part":5,"page":150},{"id":2151,"text":"وفي دعائك بالأشجار حين أتت ... تسعى بأمرك في أغصانها الذلل\rوقلت عودي فعادت في منابتها ... تلك العروق بإذن الله لم تمل\rوالسرح بالشام لما جئتها سجدت ... شم الذوائب في أغصانها الخضل\rوالجذع حن لأن فارقته أسفاً ... حنين ثكلى شجتها لوعة الثكل\rما صبر من صار من عينٍ على أثرٍ ... وحال من حال من حالٍ إلى عطل\rحي فمات سكوناً ثم مات لدن ... حي حنيناً فأضحى غاية المثل\rوالشاة لما مسحت الكف منك على ... جهد الهزال بأوصالٍ لها قحل\rسحت ودرت بشكر الضرع حافلةً ... فروت الركب بعد النهل بالعلل\rوآية الغار إذ وقيت في حجبٍ ... عن كل رجسٍ لرجس الكفر منتحل\rوقال صاحبك الصديق كيف بنا ... ونحن منهم بمرأى الناظر العجل\rفقلت لا تحزن إن الله ثالثنا ... وكنت في حجب ستر منه منسدل\rحمت لديك حمام الوحش جاثمةً ... كيداً لكا غوي القلب مختبل\rوالعنكبوت أجادت حوك حلتها ... فما يخال خلال النسج من خلل\rقالوا: وجاءت إليه سرحةٌ سترت ... وجه النبي بأغصانٍ لها هدل\rوفي سراقة آياتٌ مبينةٌ ... إذ ساخت الحجر في وحلٍ بلا وحل\rعرجت تخترق السبع الطباق إلى ... مقام زلفى كريمٍ قمت فيه عل\rعن قاب قوسين أو أدنى هبطت ولم ... تستكمل الليل بعد المر والقفل\rدعوت للخلق عام المحل مبتهلاً ... افديك بالخلق من داعٍ ومبتهل\rصعدت كفيك إذ كف الغمام فما ... صوبت إلا بصوب الواكف الهطل\rأراق بالأرض ثجاً صوب ريقه ... فحل بالأرض نسجاً رائق الحلل\rزهر من النور حلت روض أرضهم ... زهراً من النور ضافي النبت مكتهل\rمن كل غصنٍ نضيرٍ مورقٍ خضرٍ ... وكل نورٍ نضيدٍ مونقٍ خضل\rتحية أحيت الأحياء من مضرٍ ... بعد المضرة تروي السبل بالسبل\rدامت على الأرض سبعاً غير مقلعةٍ ... لولا دعاؤك بالإقلاع لم تزل\rويوم زورك بالزوراء إذ صدروا ... من يمن كفك عن أعجوبة مثل\rوالماء ينبع جوداً من أناملها ... وسط الإناء بلا نهرٍ ولا وشل\rحتى توضأ منه القوم واغترفوا ... وهم ثلاث مئين جمع محتفل\rأشبعت بالصاع ألفاً مرملين كما ... رويت ألفاً ونصف الألف من سمل\rوعاد ما شبع الألف الجياع به ... كما بدوا فيه لم ينقص ولم يحل\rأعجزت بالوحي أصحاب البلاغة في ... عصر البيان فضلت أوجه الحيل\rسألتهم سورة في مثل حكمته ... فتلهم عنهم حين العجز حين تلي\rورام رجسٌ كذوب أن يعارضه ... بعي غيٍ فلم يحسن ولم يطل\rمثبج بركيك الإفك ملتبسٍ ... ملجلج بزري الزور والخطل\rيمج أول حرفٍ منه سامعه ... ويعتريه كلال العجز والملل\rكأنه منطق الورهاء شذبه ... لبس من الخبل أو مسٌ من الخبل\rأمرت البئر واغورت لمجته ... فيها وأعمى بصير العين بالتفل\rوأيبس الضرع منه شؤم راحته ... من بعد إرساله بالرسل منهمل\rبرئت من دين قوم لا قوام لهم ... عقولهم من وثاق الغي في غلل\rيستخبرون خفي الغيب من حجرٍ ... صلدٍ ويرجون غوث النصر من هبل\rنالوا أذى منك لولا حلم خالقهموحجة الله بالإنذار لم تنل\rواستضعفوا أهل دين الله فاصطبروا ... لكل معضل خطب فادحٍ جلل\rلاقى بلاءً من أمية قد ... أحله الصبر فيه أكرم النزل","part":5,"page":151},{"id":2152,"text":"إذا أجهدوه بضننك الضنك وهو على ... شدائد الأزل ثبت الأزر لم يزل\rألقوه بطحاء برمضاء البطاح وقد ... عالوا عليه الصخور جمة الثقل\rفوحد الله إخلاصا وقد ظهرت ... بظهره كندوب الطل في الطلل\rإن قد ظهر ولي الله من دبرٍ ... قد قد قلب عدو الله من قبل\rنفرت في نفرٍ لم ترض أنفسهم ... إذ نافروا الرجس إلا القدس من نفل\rبأنفسٍ بدلت في الخلد إذ بذلت ... عن صدق بذل ببدرٍ أكرم البدل\rقالوا: محمد قد حلت كتائبه ... كالأسد تزأر في أنيابها العصل\rفويل مكة من آثار وطأته ... وويل أم قريش من جوى الهبل\rفجدت عفوا بفضل العفو منك ولم ... تلملم ولا بأليم اللوم والعذل\rأضربت بالصفح صفحا عن طوائلهم ... طولا أطال مقيل القوم في المقل\rرحمت واشج أرحام أتيح لها ... تحت الوشيج نشيج الروع والوجل\rعاذوا يظل كريم العفو ذي لطفٍ ... مبارك الوجه بالتوفيق مشتمل\rأحبب بخيلٍ من التكوين قد جنبت ... لجانبٍ عن جانب الحق معتزل\rأعميت جيشا بكف من حصى فجثوا ... وعطلوا عن حراك النقل بالنقل\rودعوة بفناء البيت صادقةً ... غدا أمية منها شر مخزل\rغادرت جهل أبي جهل بمجهلة ... وشاب شيبة قبل الموت من وجل\rوعتبة الشر لم يعتب فتعطفه ... منك العواطف قبل الفوت في مهل\rوعقبة الغمر عقباه لشقويه ... قد ظل من غمرات الغي في ظلل\rوكل أشوس عاتي القلب منقلبٍ ... جعلته بقليب البئر كالجعل\rوجاثم بمثار النقع مشتغلٍ ... بجاحم من أوار النار مشتعل\rعقدت بالخزي في عطفه مقلدهم ... طوق الحمامة باق غير منتقل\rأمسى خليل صغارٍ بعد نخوته ... بالأمس في خيلاء الخيل والخول\rدامٍ يديم زفيرا في جوانجه ... جنحٌ من الشك لم يجنح ولم يمل\rيقاد في القد خنقا مشربا حنقا ... يمشي به الذعر مشى الشارب الثمل\rأوصاله من صليل الغل في علل ... وقلبه من غليل الغل في غلل\rيظل يحجل ساجي الطرف خافضه ... بمسكة الحجل لا من مسكة الحجل\rأرحت بالسيف ظهر الأرض من نفرٍ ... أزحت بالصدق منهم كاذب العلل\rتركت بالكفر صدعا غير ملتئم ... وآب منك بقرحٍ غير مندمل\rوأفلت السيف منهم كل ذي أسفٍ ... على الحمام حماه آجل الأجل\rقد أعتقته عتاق الخيل وهو يرى ... به إلى رق موتس رقة الغزل\rفكم بمكة من باكٍ وباكيةٍ ... بفيض سجلٍ من الآماق منسجل\rوكاسف البال بالي الصبر جدت له ... بوابل من وبال الخزي متصل\rفؤاده من سعير الغيظ في غللٍ ... وعينه من غزير الدمع في غلل\rقد أسعرت منه صدرا غير مصطبر ... وحملت منه قلباالغير محتمل\rويوم مكة إذ أشرفت في أممٍ ... يضيق عنها فجاج الوعر والسهل\rخوافق داق ذرع الخافقين بها ... في قاتم من عجاج الخيل والإبل\rوجحفل قذف الأرجاء ذي لجبٍ ... عرمرم كزهاء الليل منسدل\rوأنت صلى عليك الله تقدمهمفي بهو إشراق نورٍ منك مكتمل\rينير فوق أغر الوجه منتجب ... متوج بعزيز النصر مقتبل\rتسمو أمام جنود الله مرتديا ... ثوب الوقار لأمر الله ممتثل\rخشعت تحت لواء العز حين سمت ... بك المهابة فعل الخاضع وجل","part":5,"page":152},{"id":2153,"text":"وقد تباشر أملاك السماء بما ... ملكت إذ نلت منه غاية الأمل\rوالأرض ترجف من زهوٍ ومن فرقٍ ... والجو يزهر إشراقا من الجذل\rوالخيل تختال ملا في أعنتها ... والعيس تنثال رهوا من ثنى الجدل\rلولا الذي خطت الاقلام من قدرٍ ... وسابقٍ من قضاءٍ غير ذي حول\rأهل ثهلان بالتهليل من طربٍ ... وذاب يذبل تكبيرا من الذبل\rالملك لله هذا عز من عقدت ... له النبوة فوق العرش في الأزل\rشعبت صدع قريش بعدما قذفت ... بهم شعوب شعاب السهل والقلل\rمن كل مهتصرٍ لله منتصرٍ ... بالسيف مختصرٍ بالرمح معتقل\rيمشي إلى الموت عالى الكعب معتقلا ... أظمى الكعوب كمشي الكاعب الفضل\rقد قاتلوا دونك الأقيال عن جلدٍ ... وجالدوا بجلاء البيض والجدل\rوصلتهم وقطعت الاقربين معاً ... في الله لولاه لم تقطع ولم تصل\rوجاء جبريل في جند لهم عدد ... لم يبتذلها أكف الخلق بالعمل\rبيضٌ من العون لم تستل من غمدٍ ... خيلٌ من الكون لم تستن في طيل\rأزكى البرية أخلاقا وأطهرها ... وأكثر الناس صفحا عن ذوي الزلل\rزان الخشوع وقارٌ منه في خفرٍ ... أرق من خفر العذراء في الكلل\rوطفت في البيت محبورا وطاف به ... من كان عنه قبيل الفتح في شغل\rوالكفر في ظلمات الرجس مرتكس ... ثاوٍ بمنزلة البهموت من زحل\rحجزت بالأمن أقطار الحجاز معًا ... وملت بالخوف عن خفيفٍ وعن ملل\rوحلّ أمنٌ ويمن منك في يمنٍ ... لما أجابت إلى الإيمان في عجل\rوأصبح الدين قد حفت جوانبه ... بعزة النصر واستعلى على الملل\rقد طاع منحرفٌ منهم لمعترفٍ ... وانقاد معتدلٌ منهم لمعتدل\rأحبب بخلة أهل الحق في الخلل ... وعز دولته الغراء في الدول\rأم اليمامة يومٌ منه مصطلم ... وحلّ بالشام شؤم غير مرتحل\rتعرقت منه أعراق العراق ولم ... يترك من الترك عظما غير منتثل\rلم يبق للفرس ليث غير مفترسٍ ... ولا من الحبش جيش غير منجفل\rولا من الصين صونٌ غير مبتذل ... ولا من الروم مرمى غير منتضل\rولا من النوب جذم غير منجذم ... ولا من الزنج جدل غير منجذل\rونيل بالسيف سيف النيل واتصلت ... دعوى الجنود فكلٌّ بالجلاد صلي\rوسلّ بالغرب غرب السيف إذ شرقت ... بالشرق قبل صدور البيض والأسل\rوعاد كل عدو عزّ جانبه ... قد عاذ منك ببذلٍ منه مبتذل\rبذمة الله والإيمان متصلٌ ... أو من شبا النصل بالأموال منتصل\rيا صفوة الله قد صافيت فيك صفا ... صفو الوداد بلا شوبٍ ولا دخل\rألست أكرم من يمشي على قدمٍ ... من البرية فوق السهل والجبل\rوأزلف الحلق عند الله منزلة ... إذ قيل في مشهد الأشهاد والرسل\rقم يا محمد فاشفع في العباد وقل ... تسمع وسل تعط واشفع عائدا وسل\rوالكوثر الحوض يروي الناس من ظمأ ... برحٍ وينقع منه لاعج الغلل\rأصفى من الثلج إشراقاً مذاقته ... أحلى من اللبن المضروب بالعسل\rنحلتك الودّ عليّ إذ نحلتكه ... أحبى بفضلك منه أفضل النّحل\rفما لجلدي بنضج النار من جلدٍ ... ولا لقلبي بهول الحشر من قبل\rيا خالق الخلق لا تخلق بما اجترمت ... يداي وجهي من حوبٍ ومن زلل\rواصحب وصلّ وواصل كلّ صالحةٍ ... على صفيّك في الإصباح والأصل\rصلى الله عليه وسلم","part":5,"page":153},{"id":2154,"text":"وقد آن أن نأخذ في ذكر أخبار وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونبدأ من ذلك بما أنزل عليه عند اقتراب أجله، ثم نذكر ابتداء وجعه والحوادث التي اتفقت في أثناء مرضه إلى حين وفاته صلى الله عليه وسلم.\rذكر ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند اقتراب أجله، وما كان يقوله مما استدل به على اقترابه كان مما استدل به على اقتراب أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزول سورة الفتح، وتتابع الوحي، وتكرار عرض القرآن على جبريل، واستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل البقيع والشهداء. روى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل عن قول الله عز وجل: \" إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا \" فقال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا الله وفتح علينا. وقال بعضهم: فتح المدائن والقصور. وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً، قال عمر: كذلك تقول يابن عباس ؟ فقلت: لا، قال: فما تقول ؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له؛ قال: \" إذا جاء نصر الله والفتح \" وذاك علامة أجلك \" فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً \" فقال عمر رضي الله عنه، ما أعلم منها إلا ما تقول. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت عليه: \" إذا جاء نصر الله والفتح \" إلا يقول فيها: \" سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي \" . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: \" إذا جاء نصر الله والفتح \" داعٍ من الله ووداعٌ من الدنيا. وعنه رضي الله عنه قال: لما نزلت \" إذا جاء نصر الله والفتح \" دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فقال: \" إنه نعيت إلى نفسي \" قالت فبكيت، فقال: \" لا تبكي فإنك أول أهلي بي لحوقاً \" فضحكت. وروى محمد بن سعد بسنده إلى أنس بن مالك: أن الله تبارك وتعالى تابع الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته حتى توفى، وأكثر ما كان الوحي في يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى ابن سعد أيضاً بسنده إلى عكرمة قال قال العباس: لأعلمن بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، فقال له: يا رسول الله، لو اتخذت عرشاً فإن الناس قد آذوك، قال: \" والله لا أزال بين ظهرانيهم ينازعوني ردائي ويصيبني غبارهم حتى يكون الله يريحني منهم \" قال العباس: فعرفنا أن بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا قليل. وعن وائلة بن الأسقع قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: \" أتزعمون أنى من آخركم وفاة، ألا وإني من اولكم وفاة، وتتبعوني أفناداً يهلك بعضكم بعضا \" . وعن أبي صالح قال: كان جبريل يعرض القرآن كل سنة مرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان العام الذي قبض فيه عرض عليه مرتين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف في شهر رمضان العشر الأواخر، فلما كانت السنة التي قبض فيها اعتكف عشرين يوماً. وعن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم نحوه.\rاستغفاره\rلأهل بقيع الغرقد والشهداء، وما روي بين تخييره بين البقاء ولقاء الله تعالى، واختياره لقاء ربه عز وجل","part":5,"page":154},{"id":2155,"text":"روى عن عائشة رضي الله عنها قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فلبس ثيابه ثم خرج، فأمرت جاريتي بريرة فتبعته، حتى إذا جاء البقيع وقف في أدناه ما شاء الله أن يقف، ثم انصرف فسبقته بريرة فأخبرتني فلم أذكر له شيئاً حتى أصبح، ثم ذكرت ذلك له فقال: \" إني بعثت لأهل البقيع لأصلّى عليهم \" . وعنها رضي الله عنها قالت: افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم من الليل فتبعته فإذا هو بالبقيع فقال: \" السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين أنتم لنا فرطٌ، وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم \" قالت: ثم التفت إليّ فقال: \" ويحها لو تستطيع ما فعلت \" . وعنها رضي الله عنها قالت: وثب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضجعه من جوف الليل، فقلت: إلى أين بأبي أنت وأمي يا رسول الله ؟ قال: \" أمرت أن أستغفر لأهل البقيع \" قالت: فخرج وخرج معه مولاه أبو رافع، وكان أبو رافع يحدّث قال: اسغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم طويلاً ثم انصرف، وجعل يقول: \" يا أبا رافع إني خيرت بين خزائن الدنيا والخلد ثم الجنة، وبين لقاء ربي والجنة فاخترت لقاء ربي \" . وعن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل: \" يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي \" فخرج وخرجت معه حتى جاء البقيع فاستغفر لأهله طويلاً، ثم قال: \" ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضاً، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى \" ثم أقبل عليّ فقال: \" يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة \" فقلت: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فقال: \" لا يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة \" ثم استغفر لأهل البقيع وانصرف. والجمع بين هذه الأحاديث كلها غير مناف؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما استغفر لأهل البقيع ليالي، ويؤيد هذا ويعضده ما رواه عطاء بن يسار عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كانت ليلتها منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: \" السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أتانا وإياكم ما توعدون، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد \" . وعن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي فقيل له: اذهب فصلّ على أهل البقيع، ففعل ذلك ثم رجع فرقد، فقيل له اذهب فصلّ على الشهداء، فذهب إلى أحدٍ فصلّى على قتلى أحد، فرجع معصوب الرأس، فكان بدوّ الوجع الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوعن عقبة بن عامر الجهنيّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: \" إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها \" .\rوفاة الرسول\rوجعه واستئذانه نساءه أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها كان ابتداء وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الأربعاء، قيل: لإحدى عشر بقيت من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة. وقيل: لليلة بقيت من صفر.","part":5,"page":155},{"id":2156,"text":"روى عن ابن شهاب، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود - دخل حديث أحدهما في حديث الآخر - عن عائشة رضي الله عنها قالت: بدا برسول الله صلى الله عليه وسلم شكوه الذي توفي فيه وهو في بيت ميمونة، فخرج في يومه ذلك حتى دخل عليّ، قال ابن مسعود عنها: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، فقال: \" بل أنا يا عائشة وارأساه \" قالت ثم قال: \" وما ضرّك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك \" قالت قلت: والله لكأنى بك لو قد فعلت لرجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك. قالت: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتامّ به وجعه وهو يدور على نسائه، حتى استعزّ به وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيتي فأذنّ له، قالت فخرج يمشي بين رجلين من أهله، أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر، عاصبٌ رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتي، قال عبيد الله: فحدثت بهذا الحديث عبد الله بن عباس فقال: هل تدري من الرجل الآخر ؟ قال قلت: لا، قال: علي بن أبي طالب قالت عائشة: ثم غمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتد به وجعه، فقال: \" هريقوا عليّ من سبع قرب من آبارٍ شتّى \" وفي رواية: \" لم تحلل أو كيتهنّ لعلي أعهد إلى الناس \" قالت فأجلسناه في مخضب لحفصة بنت عمر، ثم طفقنا نصبّ عليه من تلك القرب حتى جعل يشير إلينا بيده أن قد فعلتنّ، ثم خرج إلى الناس وصلى بهم وخطبهم صلى الله عليه وسلم.\rخطبته وما أمر به من سد الأبواب التي تشرع إلى مسجده إلا باب أبو بكر الصديق ووصيته بالأنصار روى عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" إن الله خيّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله \" فبكي أبو بكر فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرنا عن عبدٍ خيّر فاختار ؟ قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا به، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا أبا بكر لا تبك، أيها الناس، إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً كان أبو بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقين في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر \" . وعن قتيبة بن سعيد عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" إن أعظم الناس عليّ منّاً في صحبته وذات يده أبو بكر، فأغلقوا هذه الأبواب الشارعة كلها في المسجد إلا باب أبي بكر \" قال قتيبة: قال الليث بن سعد، قال معاوية ابن الصالح، فقال ناس: أغلق أبوابنا وترك باب خليله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" قد بلغني الذي قلتم في باب أبي بكر، وإني أرى على باب أبي بكر نوراً وأرى على أبوابكم ظلمة \" رواه محمد بن سعد في طبقاته الكبرى. وروى بسنده إلى عكرمة عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسه في خرقة، فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عايه وقال: \" إنه ليس أحد أمنّ عليّ في نفسه وماله من أبي بكر بن قحافة، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدّوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر \" وعن أبي الحويرث قال: لمّا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبواب تسد إلا باب أبي بكر، قال عمر: يا رسول الله، دعني أفتح كوّة أنظر إليك حين تخرج إلى الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا \" .\rوعن أبي البدّاح بن عاصم بن عدي، قال العباس بن عبد المطلب: يا رسول الله، ما بالك فتحت أبواب رجال إلى المسجد، ومالك سددت أبواب رجال ؟ فقال: \" يا عباس، ما فتحت عن أمري ولاسددت عن أمري \" قالت عائشة رضي الله عنها في حديثها: وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنصار، فقال: \" يا معشر المهاجرين، إنكم أصبحتم تزيدون والأنصار لا تزيد على هيئتها التي هي عليها اليوم، هم عيبتي التي أويت إليها، أكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم \" . ومن رواية: \" احفظوني فيهم؛ اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم \" .\rما قاله لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفيه","part":5,"page":156},{"id":2157,"text":"روي عن أبي أمامة،عن كعب بن مالك قال: إنّ أحدث عهدي بنبيكم صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بخمس، فسمعته يقول ويحرك كفه \" إنه لم يكن نبيّ قبلي إلا وقد كان له من أمته خليل، ألا وإن خليلي أبو بكر، إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً \" . وعن أبي مليكة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه: \" ادعوا إليّ أبا بكر \" فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل يغلبه البكاء، ولكن إن شئت دعونا لك ابن الخطاب، قال: \" ادعوا إليّ أبا بكر \" قالت إن أبا بكر يرقّ، ولكن إن شئت دعونا لك ابن الخطاب. فقال: \" إنكن صواحب يوسف، ادعوا إليّ أبا بكر وابنه، فليكتب أن يطمع في أمر أبي بكر طامع أو يتمنّى متمنٍّ \" ثم قال: \" يأبى الله ذلك والمؤمنون، يأبى الله ذلك والمؤمنون \" قالت عائشة: فأبى الله ذلك والمؤمنون، فأبى الله ذلك والمؤمنون. وروى محمد بن سعد بسنده إلى عروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد، كلهم يحدّث عن عائشة رضي الله عنها - دخل حديثهم بعضه في حديث بعض - قالت: بدئ برسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة فدخل عليّ وأنا أقول: وا رأساه، فقال: \" لو كان ذلك وأنا حيٌّ فأستغفر لك وأدعوا لك وأكفنك وأدفنك \" فقلت: واثكلاه، فوالله إنك لتحب موتي، ولو كان ذلك لظللت يومك معرّساً ببعض أزواجك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" بل أنا وارأساه لقد هممت - أو أردت - أن أرسل إلى أبيك وإلى أخيك فأقضي أمري، وأعهد عهدي، فلا يطمع في الأمر، طامع ولا يقول القائلون: أو يتمنى المتمنون \" . وقال بعضهم في حديثه: ويأبى الله إلا أبا بكر \" . وعن محمد بن جبير قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يذاكره في الشيء، فقال: إن جئت فلم أجدك ؟ قال: \" فأت أبا بكر \" . وعن عاصم بن عمرو بن قتادة، قال: ابتاع النبي صلى الله عليه وسلم بعيراً من رجل إلى أجل فقال: يا رسول الله، إن جئت فلم أجدك ؟ يعني بعد الموت، قال: \" فأت أبا بكر \" قال: فإن جئت فلم أجد أبا بكر، بعد الموت ؟ قال: \" فأت عمر \" ، قال فإن جئت ولم أجد عمر ؟ قال: \" إن استطعت أن تموت إذا مات عمر فمت \" .\rذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه،\rوخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كلّم به الناس، وكم صلى أبو بكر بالناس صلاة، وما روى من أن الرسول صلى الله عليه وسلم ائتم بأبي بكر رضي الله عنه","part":5,"page":157},{"id":2158,"text":"عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: \" مروا أبا بكر يصلي بالناس \" فقلت يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، وأنه متى ما يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: \" مروا أبا بكر يصلي بالناس \" فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف، وأنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: \" إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلي بالناس \" فلما دخل أبو بكر في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة فقام يهادي بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسّه ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائماً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعداً؛ يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر. رواه البخاري في صحيحه. وروى محمد ابن سعد بسنده عن عبيد بن عمير الليثي نحوه. وقال: فلما فرغا من الصلاة قال أبو بكر: أي رسول الله، أراك أصبحت بحمد الله صالحاً، وهذا يوم ابنة خارجة - امرأة لأبي بكر من الأنصار - فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصلاّه أو إلى جنب المنبر، فحذّر الناس الفتن، ثم نادى بأعلى صوته، حتى إن صوته ليخرج من باب المسجد، فقال: \" إني والله لا يمسك الناس عليّ بشيء؛ لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرّم الله في كتابه \" ثم قال: \" يا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة رسول الله اعملا لما عند الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً \" ثم قام من مجلسه ذلك، فما انتصف النهار حتى قبضه الله تعالى. وعن سعيد بن المسيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا بني عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئاً، يا عباس ابن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد لا أغنى عنك من الله شيئاً سلوني ما شئتم \" . وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: دخلت على عائشة فقلت لها حدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" أصلّى الناس \" ؟ فقلت: لا هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: \" ضعوا لي ماء في المخضب \" قالت: ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق، فقال: \" أصلى الناس \" ؟ فقلت: لا هم ينتظرونك، فقال: \" ضعوا لي ماء في المخضب \" قالت: \" ففعلنا فذهب فاغتسل فقال: \" أصلى الناس \" ؟ قلت: لا، هم ينتظرونك، والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الاخرة، قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر - وكان رجلاً رقيقاً - : يا عمر، صلّ بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام. ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه خفة في نفسه فخرج بين رجلين أحدهما العباس، فصلى الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، قالت: فلما رآه أبو بكر ذهب ليتاخر، فأوما إليه النبي صلى الله عليه وسلم ألا يتاخر، وقال لهما: \" أجلساني إلى جنبه \" فأجلساه إلى جنب أبي بكر فجعل أبو بكر يصلي، وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد، قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك بما حدثتني به عائشة عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: هات، فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئاً غير أنه قال: سمت لك الرجل الذي كان مع العباس ؟ قلت: لا، قال: هو علي بن أبي طالب.","part":5,"page":158},{"id":2159,"text":"وروى محمد بن سعد، عن محمد بن عمر، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن محمد عن عمارة بن غزية عن محمد بن إبراهيم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض لأبي بكر: \" صلّ بالناس \" فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة فخرج وأبو بكر يصلي بالناس، فلم يشعر حتى وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده بين كتفيه، فنكص أبو بكر، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه، فصلّى أبو بكر وصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاته، فلما انصرف قال: \" لم يقبض نبي قط حتى يؤمه رجل من أمته \" . وروى نحوه عن أبي معشر، عن محمد ابن قيس. وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في وجعه إذا خف عنه ما يجد خرج فصلى بالناس، وإذا وجد ثقله قال: \" مروا الناس فليصلوا \" فصلى بهم ابن أبي قحافة يوماً الصبح فصلى ركعة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إلى جنبه فأتم بأبي بكر، فلما قضى أبو بكر الصلاة أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فاته. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في مرضه بصلاة أبي بكر ركعة من الصبح ثم قض الركعة الباقية. قال الواقدي: ورأيت هذا الثبت عند أصحابنا؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر.\rوروى محمد بن سعد بسنده إلى عبد الله بن زمعة بن الأسود قال: عدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه، فجاءه بلال يؤذنه بالصلاة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم \" مر الناس فليصلوا \" قال عبد الله: فخرجت فلقيت ناساً لا أكلمهم، فلما لقيت عمر بن الخطاب لم أبغ من وراءه، وكان أبو بكر غائباً فقلت له: صل بالناس يا عمر، فقام عمر في المقام وكان عمر رجلاً مجهراً، فلما كبّر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته، فأخرج رأسه حتى أطلعه للناس من حجرته، فقال: \" لا، لا، لا، ليصل بهم ابن أبي قحافة \" قال: يقول ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً، قال: فانصرف عمر فقال لعبد الله بن زمعة: يابن أخي أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأمرني ؟ قال فقلت: لا، ولكني لما رأيتك لم أبغ من وراءك، فقال عمر: ما كنت أظن حين أمرتي إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صليت بالناس، فقال عبد الله: لما لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة. وعن عبد الله بن عباس قال: حضرت الصلاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" مروا أبا بكر يصلي بالناس \" فلما قام أبو بكر مقام النبي صلى الله عليه وسلم اشتد بكاؤه وافتتن، واشتد بكاء من خلفه، لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلما حضرت الصلاة جاء المؤذن إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قولوا للنبي صلى الله عليه وسلم يأمر رجلاً يصلي بالناس، فإن أبا بكر قد افتتن من البكاء والناس خلفه، فقالت حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: مروا عمر يصلي بالناس حتى يرفع الله رسوله، قال: فذهب إلى عمر فصلى بالناس، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم تكبيره قال: \" من هذا الذي أسمع تكبيره \" فقالت له أزواجه: عمر بن الخطاب، وذكروا له ما قاله المؤذن، وما قالت حفصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنكن لصواحب يوسف، قولوا لأبي بكر فليصل بالناس \" قال: فلو لم يستخلفه ما أطاع له الناس.","part":5,"page":159},{"id":2160,"text":"وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه إذا وجد خفة خرج، وإذا ثقل وجاءه المؤذن قال: \" مروا أبا بكر يصلي بالناس \" فخرج من عنده يوماً يأمر بالناس يصلون وابن أبي قحافة غائب، فصلى عمر بن الخطاب بالناس فلما كبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا، لا، أين ابن أبي قحافة \" ؟ قال: فانتقضت الصفوف وانصرف عمر، قال: فما برحنا حتى طلع ابن أبي قحافة وكان بالسبح فتقدم فصلى بالناس. وعن أنس بن مالك: أنا أبا بكر - رضي الله عنهما - كان يصلي بهم في وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفى فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة، كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة ينظر إلينا، وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا ونحن في الصلاة من الفرح. قال: ونكص أبو بكر على عقبيه، فأشار فأشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أن أتموا صلاتكم \" قال: ثم دخل وأرخى الستر، فتوفي في يومه صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال سألت أبا بكر بن عبد الله بن أبي سبرة: كم صلى أبو بكر بالناس ؟ قال: صلى بهم سبع عشرة صلاة، قلت: من حدثك ذلك؟ قال قال: حدثني أيوب بن عبد الرحمن ابن صعصعة، عن عباد بن تميم، عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: صلى بهم أبو بكر ذلك.\rما اتفق في مرضه خلاف ما ذكرناه، من اللدود الذي لد به، والكتاب الذي أراد أن يكتبه، والوصية التي أمر بها، والدنانير التي قسمها، والسواك الذي استن به صلى الله عليه وسلم.\rفأما اللدود الذي لد به صلى الله عليه وسلم وما قال فيه - روى عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: تخوفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات الجنب وثقل فلددناه، فوجد خشونة اللد فأفاق، فقال: \" ما صنعتم بي \" ؟ قالوا: لددناك، قال: \" بماذا \" ؟ قلنا: بالعود الهندي، وشيء من ورس وقطرات زيت، قفال: \" من أمركم بهذا \" ؟ قالوا: أسماء بنت عميس، قال: \" هذا طبٌ أصابته بأرض الحبشة، لا يبقى أحد في البيت إلا التد إلا ما كان من عم رسول الله صلى الله عليه وسلم \" يعني العباس، ثم قال: \" ما الذي كنتم تخافون علي \" ؟ قالوا: ذات الجنب، قال: \" ما كان الله ليسلطها علي \" . وفي رواية عن أم بشر بن البراء، قال: \" ما كان الله ليسلطها على رسوله، إنها همزة من الشيطان، ولكنها من الأكلة التي أكلتها أنا وابنك، هذا أوان قطعت أبهري \" . ومن حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فجعل بعضهم يلد بعضا. وعن هشام قال: كانت أم سلمة وأسماء بنت عميس هما لدتاه، قال: فالتدت يومئذ ميمونة وهي صائمة، لقسم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وكان منه عقوبة لهم.\rالكتاب الذي أراد أن يكتبه ثم تركه لما وقع عنده من التنازع فقد اختلفت الروايات في هذا الحديث عن عبد الله بن عباس وغيره، فمن رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم أنه قال: اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخميس فجعل - يعني ابن عباس - يبكي ويقول: يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه فقال: \" ايتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبداً \" قال فقال بعض من كان عنده: إن نبي الله هجر، قال فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت ؟ قال: \" أو بعد ماذا \" ؟ فلم يدع به. ومن طريق آخر عن سليمان بن أبي مسلم عن سعيد بن جبير قال: فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقالوا: ما شأنه أهجر ؟ استفهموه، فذهبوا يعيدون عليه.","part":5,"page":160},{"id":2161,"text":"فقال: \" دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه \" . قال: وأوصى بثلاث، قال: \" أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم \" وسكت عن الثالثة، فلا أدري قالها فنسيتها، أو سكت عنها عمداً ؟. ومن رواية طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ايتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا \" . قال فقالوا: إنما يهجر رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه الروايات عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما. وروى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: لما حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفاة، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده \" فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما كثر اللغلط والاختلاف وغمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" قوموا عني \" . قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم. وعن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: \" ايتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً \" . فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من لفلانة وفلانة - من مدائن الروم - إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يموت حتى يفتتحها، ولو مات لانتظرناه، كما انتظرت بنو إسرائيل موسى؛ فقالت زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تسمعون للنبي صلى الله عليه وسلم يعهد إليكم ؟ فلغطوا فقال: \" قوموا \" فلما قاموا قبض النبي صلى الله عليه وسلم مكانه، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لما كان في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه، دعا بصحيفة ليكتب فيها لأمته كتابا لا يضلون ولا يضلون، فكان في البيت لغط كلام، وتكلم عمر بن الخطاب، قال: فرفضه النبي صلى الله عليه وسلم.\rوعن محمد بن عمر الواقدي عن هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيننا وبين النساء حجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اغسلوني بسبع قرب وأتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا \" فقال النسوة: ايتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحاجته. قال عمر فقلت: اسكتن فإنكن صواحبه إذا مرض عصرتن أعينكن، وإذا صح أخذتن بعنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" هن خير منكم \" .\rهذا ما وقفنا عليه من الروايات المسندة في هذا الحديث، وقد تذرعت به طائفة من الروافض، وتكلموا فيه وطعنوا على من لغط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى امتنع من الكتابة.","part":5,"page":161},{"id":2162,"text":"وقد تكلم القاضي أبو الفضل عياض بن موسى رحمه الله على هذا الحديث، وذكر أقوال العلماء وما أبدوه من الاعتذار عن عمر رضي الله عنه فيما قال، فقال رحمه الله تعالى، قال أئمتنا في هذا الحديث: النبي صلى الله عليه وسلم غير معصوم من الأمراض، وما يكون من عوارضها من شدة وجع وغشى ونحوه، مما يطرأ على جسمه، معصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما يطعن في معجزته، ويؤدي إلى فساد في شريعته، من هذيان أو اختلال في كلام، وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى في الحديث \" هجر \" إذ معناه هذي يقال: هجر هجر إذا أفحش، وأهجر تعدية هجر، وإنما الأصح والأولى \" أهجر \" ؟ على طريق الإنكار على من قال لا نكتب، قال: وهكذا روايتنا فيه صحيح البخاري من رواية جميع الرواة في حديث الزهري ومحمد بن سلام عن ابن عيينة، قال: وكذا ضبطه الأصيل بخطه في كتابه وغيره من هذه الطرق، وكذا رويناه عن مسلم في حديث سفيان وعن غيره، قال: وقد تحمل عليه رواية من رواه هجر على حذف ألف الاستفهام، والتقدير: أهجر ؟ أو أن يحمل قول القائل: \" هجر \" أو أهجر دهشةً من قائل من ذلك وحيرةً، لعظيم ما شاهد من حال الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة وجعه، وهو المقام الذي اختلف فيه عليه، والأمر الذي هم بالكتاب فيه، حتى لم يضيبط هذا القائل لفظه وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع، لأنه اعتقد أنه يجوز عليه الهجر، كما حملهم الإشفاق على حراسته، والله تعالى يقول: \" والله يعصمك من الناس \" ونحو هذا.\rوأما على رواية \" أهجراً \" ، وهي رواية أبي إسحاق المستملي في الصحيح، في حديث ابن جبير، عن ابن عباس من رواية قتيبة، فقد يكون هذا راجعاً إلى المختلفين عنده صلى الله عليه وسلم، ومخاطبةً لهم من بعضهم، أي جئتم باختلافكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يديه هجرا ومنكراً من القول ! والهجر بضم الهاء الفحش في المنطق.\rوقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، وكيف اختلفوا بعد أمره لهم عليه السلام أن يأتوه بالكتاب، فقال بعضهم: أوامر النبي صلى الله عليه وسلم يفهم إيجابها من ندبها من إباحتها بقرائن، فلعل قد ظهر من قرائن قوله صلى الله عليه وسلم لبعضهم ما فهموا أنه لم يكن منه عزمة، بل أمرٌ رده إلى اختيارهم، وبعضهم لم يفهم ذلك، فقال: استفهموه، فلما اختلفوا كف عنه إذ لم تكن عزمة، ولما روأه من صواب رأي عمر رضي الله عنه. ثم هؤلاء قالوا: ويكون امتناع عمر إما إشفاقا على النبي صلى الله عليه وسلم من تكليفه في تلك الحال، وإما إملاء الكتاب، وأن يدخل عليه مشقة من ذلك كما قال: إن النبي اشتد به الوجع. وقيل: خشى عمر أن يكتب أمورا يعجزون عنها فيحصلون في الحرج بالمخالفة، ورأى أنه الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد، وحكم النظر، وطلب الصواب، فيكون المصيب والمخطئ مأجورا، وقد علم عمر تقرر الشرع وتأسيس الملة، وأن الله تعالى قال: \" اليوم أكملت لكم دينكم \" وقوله صلى الله عليه وسلم: \" أوصيكم بكتاب الله وعزتي \" . وقول عمر: حسبنا كتاب الله، رد على من نازعه، لا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: إن عمر خشى تطرق المنافقين، ومن في قلبه مرض لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة، وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل كادعاء الرافضة والوصية وغير ذلك.\rوقيل: إنه كان من النبي صلى الله عليه وسلم على طريق المشورة والاختبار، هل يتفقون على ذلك أم يختلفون، فلما اختلفوا تركه. وقالت طائفة أخرى: إن معنى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مجيبا في هذا الكتاب لما طلب منه لا أنه ابتداء بالأمر به، بل اقتضاه منه بعض هذه القضية بقول العباس لعلي: انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان الأمر فينا علمناه، وكراهة على هذا وقوله: \" والله لا أفعل \" الحديث.\rواستدل بقوله: \" دعوني فإن الذي أنا فيه خير \" أي الذي أنا فيه خير من إرسال الأمر وترككم، وكتاب الله. وأن تدعون مما طلبتم. وذكر أن الذي طلب كتابه في أمر الخلافة بعده وتعيين ذلك. هذا ما أورده في معنى هذا الحديث.\rوالله تعالى أعلم.\rما وصى به الرسول في مرضه الذي مات فيه","part":5,"page":162},{"id":2163,"text":"فقد روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت \" الصلاة، وما ملكت أيمانكم \" حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرغر بها في صدره، وما يكاد يفيض بها لسانه. وعن أم سلمة نحوه. وعن كعب بن مالك قال: أغمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ثم أفاق، فقال: \" الله الله فيما ملكت أيمانكم، ألبسوا ظهورهم، وأشبعوا بطونهم، وألينوا لهم القول \" .\rوعن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر عهده أوصى ألا يترك بأرض العرب دينان. وعن مالك بن أنس بن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر بن عبد العزيز قال: آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياهم مساجد، لا يبقين دينان بأرض العرب \" . وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه كان آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بالرهاوبين الذين هم من أهل الرهاء، قال: وأعطاهم من خيبر وجعل يقول: \" لئن بقيت لا أدع بجزيرة العرب دينين \" . وعن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أنه قال: أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالداريين وبالرهاويين وبالدوسيين خيرا.\rوعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاث وهو يقول: \" ألا لا يموت أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظن \" . وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نعى لنا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر، بأبي هو وأمي ونفسي له الفداء، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة وتشدد لنا فقال: \" مرحبا بكم، حياكم الله بالسلام رحمكم الله، حفظكم الله، جبركم الله، رزقكم الله، رفعكم الله، نفعكم الله، آداكم الله، وقاكم الله، أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله بكم، وأستخلفه عليكم، وأحذركم الله إني لكم منه نذير مبين ألا تعلوا على الله في عباده وبلاده فإنه قال لي ولكم: \" تلك الدرا الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين \" . وقال: \" أليس في جهنم مثوى للمتكبرين \" قلنا: \" يا رسول الله متى أجلك ؟ قال: \" دنا الفراق، والمنقلب إلى الله، وإلى جنة المأوى، وإلى سدرة المنتهى، وإلى الرفيق الأعلى والكأس الأوفى والحظ والعيش المهنى \" قلنا: يا رسول الله من يغسلك ؟ قال: \" رجال من اهلي الأدنى فالأدنى \" قلنا: يا رسول الله ففيم نكفنك ؟ قال: \" في ثيابي هذه إن شئتم أو في ثياب مصر أو في حلة يمانية \" قال قلنا: يا رسول الله، من يصلي عليك ؟ وبكينا وبكى، فقال: \" مهلا رحمكم الله وجزاكم عن نبيكم خيرا، إذا أنتم غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري هذا على شفة قبري في بيتي هذا، ثم اخرجوا عني ساعة، فإن أول من يصلى علي حبيبي وخليلي جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت معه جنوده من الملائكة بأجمعهم، ثد ادخلوا علي فوجاً فوجاً، فصلوا علي وسلموا تسليما، ولا تؤذوني بتزكية ولا برنة، وليبدأ بالصلاة على رجال من أهلي ثم نساؤهم ثم أنتم بعد، وأقرئوا السلام على من غاب من أصحابي، وأقرئوا السلام على من يتبعني على ديني من قومي إلى يوم القيامة \" . قلنا: يا رسول الله، فمن يدخلك قبرك ؟ قال: \" أهلي كمع ملائكة كثيرة يرونكم من حيث لا ترونهم \" .\rالدنانير التي قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه","part":5,"page":163},{"id":2164,"text":"فقد روى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دنانير فقسمها إلا ستة، فدفع الستة إلى بعض نسائه، فلم يأخذه النوم حتى قال: \" ما فعلت الستة \" ؟ قالوا: دفعتها إلى فلانة، قال: \" ايتوني بها \" ، فقسم منها خمسة في خمسة أبيات من الأنصار، ثم قال: \" استنفقوا هذا الباقي \" وقال: \" الآن استرحت \" فرقد. وعن المطلب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة، وهي مسندته إلى صدرها: \" يا عائشة ما فعلت تلك الذهب \" ؟ قالت: هي عندي، قال: \" فأنفقيها \" ثم غشى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على صدرها، فلما أفاق قال: \" هل أنفقت تلك الذهب يا عائشة \" ؟ قالت: لا والله يا رسول الله، قالت: فدعا بها فوضعها في كفه، فعدها فإذا هي ستة دنانير، فقال: \" ما ظن محمد بربه أن لو لقى الله وهذه عنده \" ! فأنفقها كلها، ومات من ذلك اليوم.\rوأما السواك الذي استن به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته فقد روى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر علي النبي صلى الله عليه وسلم في شكواه، وأنا مسندته إلى صدري، وفي يد عبد الرحمن سواك فأمرها أن تقضمه، فقضمته ثم أعطته رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن حديث آخر عنها قالت: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وهو في يده نظراً عرفت أنه يريده، فقلت: يا رسول الله، تريد أن أعطيك هذا السواك ؟. فقال: \" نعم \" فأخذته فمضغته حتى لينته ثم أعطيته إياه، فاستن به كأشد ما رأيته استن بسواك قبله، ثم وضعه، فكانت عائشة تقول: كان من نعمة الله علي وحسن بلائه عندي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات في بيتي، وفي يومي وبين سحري ونحري، وجمع بين ريقي وريقه عند الموت. فقال لها القاسم بن محمد: قد عرفنا كل الذي تقولين، فكيف جميع بين ريقك وريقه ؟ قالت: دخل عبد الرحمن بن أم رومان أخى على رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، وفي يده سواك رطل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مولعاً بالسواك، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشخص بصره إليه، فقلت: يا عبد الرحمن، اقضم السواك فناولنيه، فمضغته ثم أدخلته في في رسول الله صلى الله عليه وسلم فتسوك به، فجمع بين ريقي وريقه.\rتخييره بين الدنيا والآخرة عند الموت روى عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت سمعت أنه لا يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة، فأصابت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحة شديدة في مرضه، فسمعته يقول: \" مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً \" فظننت أنه خير. وعن عبد المطلب بن عبد الله، قال قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" ما من نبي إلا تقبض نفسه ثم ترد إليه فيخير بين أن ترد إليه إلى أن يلحق \" قالت: \" فكنت قد حفظت ذلك منه، فإني لمسندته إلى صدري فنظرت إليه حتى مالت عنقه، فقلت قد قضى وعرفت الذي قال، فنظرت إليه حتى ارتفع ونظر، قالت: قلت إذاً والله لا تختارنا، فقال: \" مع الرفيق الأعلى في الجنة \" \" مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا \" . وعن سعيد بن أبي المسيب وغيره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورأسه على فخذي غشى عليه ساعة، ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف سقف البيت، ثم قال: \" اللهم الرفيق الأعلى \" قالت: فقلت الآن لا يختارنا، وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا هو صحيح فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبي بردة بن أبي موسى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسندته عائشة إلى صدرها فأفاق وهي تجدعو له بالشفاء فقال: \" لا، بل أسال الله الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل \" .\rما قاله عند نزول الموت به","part":5,"page":164},{"id":2165,"text":"روى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم الموت دعا بقدح من ماءٍ فجعل يمسح به وجهه، ويقول: \" اللهم أعني على سكرات الموت \" وجعل يقول: \" ادن مني يا جبريل، ادن مني يا جبريل، ادن منى يا جبريل \" . وعن عبد الله بن عباس وعائشة رضي الله عنهم قالا: لما نزل بالنبي صلى الله عليه وسلم طفق يلقي خميصته على وجهه، فإذا اغتنم بها ألقاها عن وجهه ويقول: \" لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد \" .\rوفاته روى عن محمد بن جعفر عن أبيه قال: لما بقى من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث نزل عليه جبريل فقال: يا أحمد، إن الله أرسلني إليك إكراماً لك، وتفضيلا لك، وخاصة لك، يسألك عما هو أعلم به منك، يقول لك: كيف تجدك ؟ قال: أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا \" فلما كان في اليوم الثاني هبط إليه جبريل فقال له مثل ذلك، وأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أجابه به بالأمس، فلما كان اليوم الثالث نزل إليه جبريل، وهبط معه ملك الموت، ونزل معه ملك يقال له إسماعيل، يسكن الهواء لم يصعد إلى السماء قط ولم يهبط إلى الأرض منذ يوم كانت الأرض على سبعين ألف ملك، ليس منهم ملك إلا على سبعين ألف ملك، فسبقهم جبريل، فقال: يا أحمد، إن الله أرسلني إليك إكراما لك، وتفضيلا لك، وخاصة لك، يسألك عما هو أعلم به منك، يقول لك: كيف تجدك ؟ قال: \" أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا \" ثم استأذن ملك الموت فقال جبريل \" يا أحمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمي كان قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، قال: \" ائذن له \" فدخل ملك الموت فوقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" يا رسول الله، يا أحمد، إن الله أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك في كل ما تأمرني به، إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها، قال: \" وتفعل يا ملك الموت \" ؟ قال: بذلك أمرت أن أطيعك في كل ما أمرتني، فقال جبريل: يا أحمد، إن الله قد اشتاق إليك، قال: \" فآمض يا ملك الموت لما أمرت به \" قال جبريل: السلام عليك يا رسول الله، هذا آخر موطئي الأرض إنما كنت حاجتي من الدنيا، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءت التعزية يسمعون الصوت والحس، ولا يرون الشخص: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته \" كل نفسٍ ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة \" إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا إنما المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\rوكانت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الأحاديث الصحيحة في حجر عائشة وبين سحرها ونحرها. وقد قيل: إنه توفي في حجر علي، والصحيح الأول. وذلك في يوم الاثنين حين اشتد الضحى، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر بيع الأول، وقيل: لليلتين خلتا منه. ولما مات صلى الله عليه وسلم سجى بثوب حبرة، كما روى عن عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما، ودخل أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: بأبي وأمي ما أطيب محياك ومماتك. وفي لفظ: طبت حيا وميتا. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء أبو بكر فدخل عليه فرفعت الحجاب، فكشف الثوب عن وجهه، فاسترجع فقال: مات والله رسول الله، ثم تحول من قبل رأسه فقال: وانبياه، ثم حدر فمه فقبل وجهه ثم رفع رأسه، فقال: واخيلاه، ثم حدر فمه فقبل جبهته ثم رفع رأسه، فقال: واصفياه، ثم حدر فمه فقبل جبهته، ثم سجاه بالثوب ثم خرج.\rوعن عبد الرحمن بن عوف: أن عائشة أخبرته أن أبا بكر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل، فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مسجى ببرد جبرة فكسف عن وجهه، ثم أكب عليه يقبله وبكى، ثم قال: \" بأبي أنت، والله لا يجمع الله عليك موتتين أبدا، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها.\rما تكلم به الناس حين شكوا في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبة أبي بكر رضي الله عنه","part":5,"page":165},{"id":2166,"text":"روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى الناس فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المسجد خطيبا فقال: لا أسمعن أحدا يقول إن محمدا قد مات ولكنه أرسل إليه كما أرسل إلى موسى ابن عمران، فلبث عن قومه أربعين ليلة، وإني والله لأرجو أن تقطع أيدي رجالٍ وأرجلهم يزعمون أنه مات. وعن عكرمة قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنما عرج بروحه كما عرج بروح موسى، قال: وقام عمر خطيبا فوعد المنافقين، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت، ولكن إنما عرج بروحه كما عرج بروح موسى، لا يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقطع أيدي أقوام وألسنتهم، قال: فما زال عمر يتكلم حتى أزبد شدقاه، فقال العباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأسن كما يأسن البشر، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات فادفنوا صاحبكم، أيميت أحدكم إماتة ويميته إماتتين ؟ هو أكرم على الله من ذلك، فإن كان كما تقولون فليس على الله بعزيز أن يبحث عنه التراب فيخرجه إن شاء الله، ما مات حتى ترك السبيل نهجاً واضحا، أحل الحلال، وحرم الحرام، ونكح وطلق، وحارب وسالم، وما كان راعى غنم يتبع بها صاحبها رءوس الجبال، يخبط عليها العضاة بمخبطه ويمدر حوضها بيده، بأنصب ولا أرأب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيكم. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن عمر والمغيرة بن شعبة فدخلا عليه فكشفا الثوب عن وجهه فقال عمر: أغشيا ؟ ما أشد غشى رسول الله صلى الله عليه وسلم !ثم قاما فلما انتهيا إلى الباب، قال المغيرة: يا عمر، مات والله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: كذبت ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنك رجل تحوسك فتنةٌ، ولن يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يفنى المنافقين، ثم جاء أبو بكر وعمر يخطب الناس فقال له أبو بكر: اسكت؛ فسكت، فصعد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ: \" إنك ميتٌ وإنهم ميتون \" ثم قرأ: \" وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين \" ثم قال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. فقال عمر: هذا في كتاب الله ؟ قال: نعم، قال: أيها الناس، هذا أبو بكر وذو شيبة المسمين فبايعوه فبايعه الناس.\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخل أبو بكر المسجد وعمر بن الخطاب يكلم الناس، فمضى حتى دخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه، وهو بيت عائشة، وكشف عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم برد حبرة، كان مسجى به فنظر إلى وجهه ثم أكب عليه فقبله، فقال: بأبي أنت؛ والله لا يجمع الله عليك موتتين، لقد مت الموتة التي لا تموت بعدها، ثم خرج أبو بكر إلى الناس، وعمر يكلمهم فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فكلمه أبو بكر مرتين أو ثلاثا، فلما أبى عمران يجلس قام أبو بكر فتشهد، فأقبل الناس إليه وتركوا عمرا، فلما قضى أبو بكر تشهده قال: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت، قال الله تبارك وتعالى: \" وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر شيئا وسيجزى الله الشاكرين \" .\rقال: فلكما تلاها أبو بكر أيقن الناس بموت النبي صلى الله عليه وسلم، وتلقاها الناس من أبي بكر تلاها أو كثير منهم، حتى قال قائل من الناس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية أنزلت حتى تلاها أبو بكر. فزعم سعيد ابن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت وأنا قائم حتى خررت إلى الأرض، وأيقنت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات.","part":5,"page":166},{"id":2167,"text":"وعن الحسن قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ائتمر أصحابه فقالوا: تربصوا بنبيكم صلى الله عليه وسلم لعله عرج به، قال: فتربصوا به حتى ربا بطنه، فقال أبو بكر: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه أنه لما شك في موت النبي صلى الله عليه وسلم قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت، وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه، وقالت: قد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد رفع الخاتم من بين كتفيه. وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخرس عن الكلام لما راعه من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما تكلم إلا بعد الغد، وأقعد آخرون، منهم علي بن أبي طالب، ولم يكن فيهم أثبت من أبي بكر والعباس رضي الله عنهما، قالوا: وعزى الناس بعضهم بعضا برسول الله صلى الله عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكر ذلك للناس قبل موته كما روى عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" سيعزى الناس بعضهم بعضا من بعدي التعزية بي \" فكان الناس يقولون ما هذا ؟ فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم لقى الناس بعضهم بعضا يعزى بعضهم بعضا برسول الله صلى الله عليه وسلم.\rغسله وتكفينه وحنوطه روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكروا غسله سمعوا من باب الحجرة: لا تغسلوه فإنه طاهر مطهر، ثم سمعوا صوتاً بعده: اغسلوه فإن ذلك إبليس وأنا الخضر، وعزاهم فقال: إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركاً من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فآرجوا، فإن المصاب من حرم الثواب. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلف الذين يغسلونه، فسمعوا قائلاً لا يدرون من هو، يقول: اغسلوا نبيكم وعليه قميصه، فغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قميصه. وعن عباد بن عبد الله عن عائشة قالت: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبض اختلف أصحابه في غسله، فقال بعضهم: اغسلوه وعليه ثيابه، فبينما هم كذلك إذ أخذتهم نعسةٌ، فوقع لحي كل إنسان منهم على صدره، فقال قائل منهم لا يدري من هو: اغسلوه وعليه ثيابه، قالوا: وكان الذي تولى غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد، وكان علي يغسله ويقول: بأبي أنت وأمي طبت ميتاً وحياً. وقيل: كان علي يغسل النبي صلى الله عليه وسلم والفضل وأسامة يحجبانه، وقيل: غسل والعباس قاعد والفضل محتضنه، وعلي يغسله، وأسامه يختلف، وقيل: ولى غسله العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، والفضل بن العباس وصالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.","part":5,"page":167},{"id":2168,"text":"وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يغسله أحد غيري، فإنه \" لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه \" . قال علي: فكان الفضل وأسامة يناولاني الماء من وراء الستر، وهما معصوبا العين. قال علي: فما تناولت عضواً إلا كأنما يقلبه معي ثلاثون رجلاً حتى فرغت من غسله. وقيل: كان معهم شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن سعيد بن المسيب قال: غسل النبي صلى الله عليه وسلم، وكفنه أربعةٌ علي والعباس والفضل وشقران، وقيل: لم يحضره العباس، بل كان بالباب، وقال: لم يمنعني أن أحضر غسله إلا أني كنت أراه يستحي أن أراه حاسراً. وقيل: حضره عقيل بن أبي طالب، وأوس بن خولي، وذلك أن أوس بن خولي قال: يا علي، أنشدك الله في حظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له علي: ادخل، فدخل فجلس، وقيل: إنما دخل لأن الأنصار قالت: نناشدكم الله في نصيبنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدخلوا رجلاً منهم يقال له أوس بن خولي يحمل جرةً بإحدى يديه، والذي أثبته الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي رحمه الله في مختصر السيرة قال: تولى غسله علي والعباس والفضل وقثم ابنا العباس وأسامة بن وزيد وشقران موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وحضره أوس بن خولي الأنصاري. وعن علي رضي الله عنه قال: لما أخذنا في جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أغلقنا الباب دون الناس جميعا، فنادت الأنصار نحن أخواله، ومكاننا من الإسلام مكاننا، ونادت قريش نحن عصبته، فصاح أبو بكر: يا معشر المسلمين، كل قوم أحق بجنازتهم من غيرهم، فنشدتكم الله فإنكم إن دخلتم أخرتموهم عنه، والله لا يدخل عليه أحد إلا من دعي. وعن أبي جعفر محمد بن علي قال: غسل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث غسلات بماء وسدر، وغسل في قميص، وغسل من بئر يقال لها الغرس لسعد بن خيثمة بقباء، وكان يشرب منها، وولى غسل سفلته علي، والعباس يصب الماء، والفضل محتضنه يقول: أرحني أرحني، قطعت وتيني ! إني أجد شيئاً ينزل علي مرتين. وعن عبد الله بن الحارث: أن عليا غسله، يدخل يده تحت القميص، والفضل يمسك الثوب عليه، والأنصاري ينقل الماء وعلى يد علي خرقةٌ تدخل يده وعليه القميص. وعن عبد الله بن جعفر الزهري عن عبد الواحد بن أبي عون، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" لعلي في مرضه الذي توفي فيه: \" اغسلني ياعلي إذا مت \" فقال: يا رسول الله، ما غسلت ميتاً قط، فقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إنك ستهيأ، أو تيسر \" قال علي: فغسلته فما آخذ عضواً إلا تبعني والفضل أخذ بحضنه يقول: أعجل يا علي انقطع ظهري. وعن سعيد بن المسيب قال: التمس علي من النبي صلى الله عليه وسلم عند غسله ما يلتمس من الميت فلم يجد شيئا، فقال: بأبي أنت وأمي؛ طبت حياً وميتا. هذا ما لخصانه في غسله صلى الله عليه وسلم مما أورده محمد بن سعد في طبقاته على سبيل الاختصار وحذف الأسانيد. والله أعلم.\rأما تكفينه صلى الله عليه وسلم فقد اختلف فيه؛ فقيل: كفن في ثلاثة أثواب بيض كرسف، وقيل: في ثلاثة أثواب أحدها حبرة، وقيل: في ريطتين وبرد نجراني. وقيل: في ثلاثة أثواب برود يمانية غلاظٌ إزارٌ ورداءٌ ولفافة. وقيل: في حلة حمراء وقبطية. وقيل: في حلة يمانية وقميص. وقيل: في حلة حبرة وقميص. وقيل: في سبعة أثواب. والذي ورد في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من ثياب سحول - بلدة باليمن - ليس فيها قميص ولا عمامة، بل لفائف من غير خياطة. وحنط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في حنوطه المسك، وأبقي منه علي بن أبي طالب رضي الله عنه شيئا ادخره لحنوطه إذا مات.\rالصلاة عليه","part":5,"page":168},{"id":2169,"text":"روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أول من صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب، وبنو هاشم، ثم خرجوا، ثم دخل المهاجرون والأنصار، ثم الناس رفقاً رفقاً، فلما انقضى الناس دخل عليه الصبيان صفوفا، ثم النساء، وقيل: النساء والصبيان. وذكر البيهقي عن الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: وجدت هذا في صحيفة بخط أبي، فيها: لما كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع على سريره، دخل أبو بكر وعمر فقالا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ومعهما نفرٌ من المهاجرين والأنصار قدر ما يسع البيت، فسلموا كما سلم أبو بكر وعمر وصفوا صفوفاً لا يؤمهم عليه أحد، فقال أبو بكر وعمر وهما في الصف الأول حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنا نشهد أن قد بلّغ ما أنزل إليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله به دينه، وتمت كلماته، فأومن به وحده لا شريك له، فاجعلنا يا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتى يعرفنا ونعرفه بنا فإنه كان بالمؤمنين رءوفاً رحيما، لا نبتغي بالإيمان بدلا، ولا نشتري به ثمناً أبدا. فيقول الناس آمين آمين، ثم يخرجون ويدخل آخرون حتى صلوا عليه: الرجال والنساء ثم الصبيان. وعن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنهم قال: لما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السرير قال عليٌ: لا يؤم أحدٌ؛ هو إمامكم حياً وميتا، فكان يدخل الناس رسلاً رسلاً، فيصلون عليه صفاً صفا، ليس لهم إمام ويكبّرون، وعلي قائم بحيال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سلامٌ عليك ايها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم إنا نشهد أنه قد بلغ ما انزل إليه ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته، اللهم فاجعلنا ممن يتبع ما أنزل إليه، وثبتنا بعده واجمع بيننا وبينه. فيقول الناس: آمين، آمين. وقد قيل في سبب صلاة الناس عليه أفذاذاً: إن ما فعلوا ذلك ليكون كل منهم في الصلاة أصلاً لا تابعاً لأحد. وقيل: ليطول وقت الصلاة فيلحق من ياتي من حول المدينة.\rقبره ولحده وما فرش تحته ومن فرشه، ومن دخل قبره، ووقت دفنه، ومدة حياته صلى الله عليه وسلم","part":5,"page":169},{"id":2170,"text":"روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته اختلفوا في مكان دفنه؛ فقال بعضهم: ندفنه في مصلاه. وقال بعضهم: عند المنبر. وقال بعضهم: ادفنوه مع أصحابه بالبقيع. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" ما دفن نبي قط إلا في المكان الذي توفي فيه \" . وقيل: قال \" ما مات نبيٌ إلا دفن حيث يقبض \" فرفع فراش النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي عليه وحفر له تحته، وذلك في بيت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. ثم اختلفوا أيلحد له أم لا ؟ وكان في المدينة حفّاران أحدهما يلحد وهو أبو طلحة، والآخر لا يلحد وهو أبو عبيدة. فاتفقوا على أن من جاء منهما أولاً عمل عمله، فجاء الذي يلحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كان بالمدينة رجلان: أبو عبيدة ابن الجراح يضرح حفر أهل مكة، وأبو طاحة الأنصاري هو الذي يحفر لأهل المدينة، وكان يلحد. فدعى العباس رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة، وقال للآخر: اذهب إلى أبي طلحة، وقال: اللهم خر لرسولك، فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد له. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" اللحد لنا والشق لغيرنا \" . وقيل قال: \" والشق لأهل الكتاب \" . قيل: وكان صلى الله عليه وسلم يرى اللحد فيعجبه فألحد له، وأطبق له تسع لبنات وفرش تحته في قبره قطيفة حمراء كان يغطى بها صلى الله عليه وسلم نزل بها شقران. وأما من نزل قبره صلى الله عليه وسلم فالعباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب والفضل وقثم ابنا العباس وشقران مولاه، وقيل: أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف، قيل: وعقيل وأسامة بن زيد، وصالح، وأوس بن خولي. والذي صححه الشيخ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف رحمه الله: العباس وعلي والفضل وقثم وشقران. وزعم المغيرة بن شعبة أنه نزل قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه آخر الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وسلم في قبره. روى عن الشعبي قال: كان المغيرة يحدثنا ها هنا، يعني بالكوفة قال: أنا آخر الناس عهداً بالنبي صلى الله عليه وسلم لما دفن وخرج علي من القبر ألقيت خاتمى فقلت: يا أبا الحسن خاتمي، قال: إنزل فخذ خاتمك، فنزلت فأخذت خاتمي، ووضعت يدي على اللبن ثم خرجت. وعن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: لما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحده، ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه في القبر، ثم قال: خاتمي، خاتمي ! فقالوا: ادخل فخذه، فدخل ثم قال: أهيلوا علي التراب، فأهالوا عليه التراب حتى بلغ أنصاف ساقيه فخرج، فلما سوّي على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اخرجوا عني حتى أغلق الباب، فإني أحدثكم عهداً برسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لعمري لئن كنت أردتها لقد أصبتها. وأنكر علي بن عبد الله بن عباس هذا، وقال: كان آخر الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وسلم قثم بن العباس، كان أصغر من كان في القبر، وكان آخر من صعد. والله أعلم.\rوأما وقت دفنه صلى الله عليه وسلم ومدة مرضه\rفقيل: دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأربعاء، وقيل ليلة الثلاثاء، وقيل: يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس. والله أعلم. وسنّم قبره ورشّ عليه الماء. وكانت مدة مرضه اثني عشر يوما. وقيل: أربعة عشر يوما. وكان مرضه بالصّداع صلى الله عليه وسلم.\rسنه صلى الله عليه وسلم ومدة مقامه بالمدينة من حين هجرته إلى يوم وفاته صلى الله عليه وسلم فقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي، وقد بلغ من السن ثلاثا وستين سنة، وقيل: خمسا وستين، وقيل: ستين. وروى محمد بن سعد قال: أخبرنا هشام بن القاسم، قال حدّثنا أبو معشر عن يزيد بن زياد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة في السنة التي قبض فيها: \" إن جبريل كان يعرض عليّ القرآن في كل سنة مرة، فقد عرض عليّ العام مرتين، وأنه لم يكن نبيّ إلا عاش نصف عمر أخيه الذي كان قبله، عاش عيسى بن مريم مائة وخمسا وعشرين سنة، وهذه اثنتان وستون سنة \" ومات في نصف السنة. والذي نقلناه أوّلاً هو الذي صححه العلماء. والله أعلم.\rوكان مقامه بالمدينة من لدن الهجرة إلى أن توفي صلى الله عليه وسلم عشر سنين.\rميراثه وما روى فيه","part":5,"page":170},{"id":2171,"text":"روى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" إنا لا نورث، ما تركناه صدقة \" . وروى محمد بن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد قال: حدثنا معمر ومالك وأسامة بن زيد عن الزهري عن عروة عن عائشة؛ قال محمد بن عمر: وحدثني معمر وأسامة بن زيد وعبد الرحمن ابن عبد العزيز عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعباس بن عبد المطلب قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا نورث ما تركناه فهو صدقة \" يريد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" لا تقتسم ورثتي دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فإنه صدقة \" . وعن عائشة: غن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنهما أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أفاء الله على رسوله، وفاطمة حينئذ تطلب صدقة النبي صلى الله عليه وسلم التي بالمدينة وفدك، وما بقى من خمس خيبر، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" لا نورث ما تركناه صدقةٌ \" إنما يأكل من آل محمد في هذا المال، وإني والله لا أغير شيئا من صدقات رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا، فوجدت فاطمة على أبي بكر، فهجرته ولم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر. وعن أبي جعفر قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر تطلب ميراثها، وجاء العباس بن عبد المطلب يطلب ميراثه، وجاء معهما علي بن أبي طالب، فقال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" لا نورث، ما تركنا صدقةٌ \" وما كان النبي يعول فعلى، فقال علي: \" وورث سليمان داود \" وقال زكريا: \" يرثي ويرث من آل يعقوب \" قال أبو بكر: هو هذا، والله تعلم مثل ما أعلم. فقال علي: هذا كتاب الله ينطق، فسكتوا وانصرفوا. وعن زيد بن أسلم عن أبيه، قال سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما كان اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بويع لأبي بكر في ذلك اليوم، فلما كان من الغد جاءت فاطمة إلى أبي بكر - رضي الله عنهما - معها علي رضي الله عنه فقالت: ميراثي من رسول الله أبي، صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمن الرثة أو من العقد ؟ قالت: فدك وخيبر وصدقاته بالمدينة أرثها كما ترثك بناتك إذا مت، قفال أبو بكر: أبوك والله خير مني، وأنت والله خير من بناتي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا نورث، ما تركنا صدقةٌ \" يعني هذه الأموال القائمة، فتعلمين أن أباك أعطاكها ؟ فوالله لئن قلت نعم لأقبلن قولك ولأصدقنك. قالت: جاءتني أم أيمن فأخبرتني أنه أعطاني فدك. قال: فسمعته يقول هي لك ؟ فإذا قلت قد سمعته فهي لك، فأنا أصدقك وأقبل قولك. قالت: قد أخبرتك ما عندي، عن عمرو بن الحارث ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخي ميمونة قال: والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ولا دينارا، ولا عبدا ولا أمة، ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضها تركها صدقة. وعن زر بن حبيش: أن إنسانا سأل عائشة رضي الله عنها عن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: عن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم تسألني ؟ لا أبا لك ! توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدع دينارا ولا درهما، ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا. وعن ابن عباس نحوه، قال: وترك درعه رهناً عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير. وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم ترك يوم مات ثوبي حبرة وإزرار عمانيا، وثوبين صحاريين، وقميصا صحاريا، وجبة يمينة، وخميصة وكساء أبيض، وقلانس صغارا لاطئة ثلاثا أو أربعا، وإزارا طوله خمسة أشبار، وملحفة مورسة. صلى الله عليه وسلم. هذا الذي أورده الشيخ محب الدين الطبري في مختصر السيرة.\rذكر ما نال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله من الحزن\rعلى فقده، ونبذه مما رثوه به صلى الله عليه وسلم","part":5,"page":171},{"id":2172,"text":"روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أبتاه، فقال لها صلى الله عليه وسلم: \" ليس على أبيك كرب بعد اليوم \" . فلما مات صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة: يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ينعاه، يا أبتاه من ربه ما أدناه ! قال: فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب ؟. وعن عكرمة قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكت أم أيمن، فقيل لها أتبكين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: أما والله أبكي عليه ألا أكون أعلم أنه ذهب إلى ما هو خير له من الدنيا، ولكن أبكي على خبر السماء انقطع.\rوعن عبد الرحمن ابن سعد بن يربوع قال: جاء علي بن أبي طالب يوما متقنعا متحازنا، فقال أبو بكر: أراك متحازنا، فقال علي: إنه عناني ما لم يعنك، قال يقول أبو بكر: اسمعوا كما يقول ! أنشدكم الله أترون أحدا كان أحزن على رسول الله صلى الله عليه وسلم منى ؟. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحزن عليه رجال من أصحابه حتى كاد بعضهم يوسوس. وعن القاسم بن محمد: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب بصره فدخل عليه أصحابه يعودونه، فقال: إنما كنت أريدهما لأنظر بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما إذ قبض الله نبيه فما يسرني أن ما بهما بظبي من ظباء تبالة. وأما عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فإنها لازمت قبره صلى الله عليه وسلم.\rورثى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعةٌ من أصحابة وعماته رضي الله عنهم فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:\rيا عين فابكي ولا تسأمي ... وحق البكاء على السيد\rعلى خير خندف عن البلا ... ء أمسى يغيب في الملحد\rفصلى المليك ولي العباد ... ورب البلاد على أحمد\rفكيف الحياة لفقد الحبيب ... وزين المعاشر في المشهد\rفليت الممات لنا كلنا ... وكنا جميعاً مع المهتدي\rوقال أيضاً رضوان الله عليه:\rلما رأيت نبينا متجدلاً ... ضاقت علي بعرضهن الدور\rوارتعت روعة مستهامٍ والهٍ ... والعظم مني واهنٌ مكسور\rأعتيق ويحك إن حبك قد ثوى ... وبقيت منفردا وأنت حسير\rياليتني من قبل مهلك صاحبي ... غيبت في جدثٍ علي صخور\rفلتحدثن بدائعٌ من بعده ... تعيا بهن جوانحٌ وصدور\rوقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:\rارقت فبات ليلي لا يزول ... وليل أخي المصيبة فيه طول\rوأسعدني البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل\rلقد عظمت مصيبتنا وجلت ... عشية قيل قد قبض الرسول\rوأضحت أرضنا مصيبتنا مما عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل\rفقدنا الوحي والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرئيل\rوذاك أحق ما سالت عليه ... نفوس الناس أو كربت تسيل\rنبيٌ كان يجلو الشك عنها ... بما يوحى إليه وما يقول\rويهدينا فلا نخشى ضلالا ... علينا والرسول لنا دليل\rأفاطم إن جزعت فذاك عذرٌ ... وإن لم تجزعي ذاك السبيل\rفقبر أبيك سيد كل قبرٍ ... وفيه سيد الناس الرسول\rوقال عبد الله بن أنيس:\rتطاول ليلي واعترتني القوارع ... وخطبٌ جليل للبلية جامع\rغداة نعى الناعي إلينا محمداً ... وتلك التي تستك منها المسامع\rفلو رد ميتاً قتل نفسي قتلتها ... ولكنه لا يدفع الموت دافع\rفآليت لا آسى على هلك هالكٍ ... من الناس ما أوفى ثبيرٌ وفارع\rولكنني باكٍ عليه ومتبعٌ ... مصيبته أني إلى الله راجع\rوقد قبض الله النبيين قبله ... وعادٌ أصيبت بالرزى والتبابع","part":5,"page":172},{"id":2173,"text":"فياليت شعري من يقوم بأمرنا ... وهل في قريش من إمام ينازع\rثلاثة رهط من قريشٍ هم هم ... أزمة هذا الأمر والله صانع\rعليٌ أو الصديق أو عمرٌ لها ... وليس لها بعد الثلاثة رابع\rفإن قال منا قائلٌ غير هذه ... أبينا وقلنا الله راءٍ وسامع\rفيالقريش قلدوا الأمر بعضهم ... فإن صحيح القول للناس نافع\rولا تبطئوا عنها فواقاً فإنها ... إذا قطعت لم تمن فيها المطامع\rوقال حسان بن ثابت الأنصاري:\rآليت حلفة برٍ غير ذي دخل ... مني ألية حقٍ غير إفناد\rتالله ما حملت أنثى ولا وضعت ... مثل النبي نبي الرحمة الهادي\rولا مشى فوق ظهر الأرض من أحد ... أوفى بذمة جارٍ أو بميعاد\rمن الذي كان نوراً يستضاء به ... مبارك الأمر ذا حزم وإرشاد\rمصدقاً للنبيين الألى سلفوا ... وأبذل الناس للمعروف للجادي\rخير البرية إني كنت في نهرٍ ... جارٍ فأصبحت مثل المفرد الصادي\rأمسى نساؤك عطلن البيوت فما ... يضربن خلف قفا سترٍ بأوتاد\rمثل الرواهب يلبسن المسوح وقد ... أيقن بالبؤس بعد النعمة البادي\rوقال أيضاً:\rما بال عينك لا تنام كأنما ... كحلت مآقيها بكحل الأرمد\rجزعاً على المهدي أصبح ثاوياً ... يا خير من وطئ الحصى لا تبعد\rيا ويح أنصار النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد\rجنبي يقيك الترب لهفي ليتني ... غيبت قبلك في بقيع الغرقد\rيا بكر آمنة المبارك ذكره ... ولدته محصنةٌ بسعد الأسعد\rنوراً أضاء على البرية كلها ... من يهد للنور المبارك يهتدي\rأأقيم بعدك بالمدينة بينهم ... يا لهف نفسي ليتني لم أولد\rبأبي وأمي من شهدت وفاته ... في يوم الاثنين النبي المهتد\rوظللت بعد وفاته متبلدا ... يا ليتني صبحت سم الأسود\rأو حل أمر الله فينا عاجلاً ... في روحة من يومنا أو في غد\rفتقوم ساعتنا فنلقى سيداً ... محضاً مضاربه كريم المحتد\rيا رب فاجمعنا معاً ونبينا ... في جنة تفقي عيون الحسد\rفي جنة الفردوس فاكتبها لنا ... يا ذا الجلال وذا العلا والسؤدد\rوالله أسمع ما حييت بهالكٍ ... إلا بكيت على النبي محمد\rضاقت بالانصار البلاد فأصبحوا ... سوداً وجوههم كلون الإثمد\rولقد ولدناه وفينا قبره ... وفضول نعمته بنا لم يجحد\rوالله أهداه لنا وهدى به ... أنصاره في كل ساعة مشهد\rصلى الإله ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد\rووقفت فاطمة الزهراء رضي الله عنها على قبره صلى الله عليه وسلم فقالت:\rما ضر من قد شم تربة أحمد ... ألا يشم مدى الزمان غواليا\rصبت علي مصائبٌ لو أنها ... صبت على الأيام صرنا لياليا\rوقالت رضي الله عنها:\rاغبر آفاق السماء وكورت ... شمس النهار وأظلم العصران\rوالأرض من بعد النبي كئيبةٌ ... أسفاً عليه كثيرة الرجفان\rفلتبكه شرق البلاد وغربها ... ولتبكه مضرٌ وكل يماني\rوليبكه الطود المعظم جوه ... والبيت ذو الأستار والأركان\rيا خاتم الرسل المبارك صنوه ... صلى عليك منزل الفرقان\rنفسي فداؤك ما لرأسك مائلاً ... ما وسدوك وسادة الوسنان\rوقالت صفية بنت عبد المطلب:\rأفاطم بكي ولا تسأمي ... بصبحك ما طلع الكوكب\rهو المرء يبكى وحق البكا ... على الماجد السيد الطيب\rفأوحشت الأرض من فقده ... وأي البرية لا ينكب","part":5,"page":173},{"id":2174,"text":"فمالي بعدك حتى المما ... ت إلا الجوى الداخل المنصب\rفبكي الرسول وحقت له ... شهود المدينة والغيب\rلتبكيك شمطاء مضرورةٌ ... إذا حجب الناس لا تحجب\rليبكيك شيخٌ أبو ولدة ... يطوف بعقوته أشهب\rويبكيك ركبٌ إذا أرملوا ... فلم يلف ما طلب الطلب\rوتبكي الأباطح من فقده ... وتبكيه مكة والأخشب\rفعيني مالك لا تدمعين ... وحق لدمعك يستسكب\rوقالت صفية أيضاً:\rعين جودني بدمعة تسكاب ... للنبي المطهر الأواب\rعين من تندبين بعد نبيٍ ... خصه الله ربنا بالكتاب\rفاتحٌ خاتمٌ رءوفٌ رحيمٌ ... صادث القيل طيب الأثواب\rمشفق ناصح شفيق علينا ... رحمة من إلهنا الوهاب\rرحمة الله والسلام عليه ... وجزاه المليك حسن الثواب\rوقالت أروى بنت عبد المطلب:\rألا يا عين ويحك أسعديني ... بدمعك ما بقيت وطاوعيني\rألا يا عين ويحك واستهلي ... على نور البلاد وأسعديني\rفإن عذلتك عاذلةٌ فقولي ... علام وفيم ويحك تعذليني\rعلى نور البلاد معاً جميعاً ... رسول الله أحمد فاتركيني\rفإلا تقصري بالعذل عني ... فلومي ما بدا لك أو دعيني\rلأمرٍ هدني وأذل ركني ... وشيب بعد جدتها قروني\rوقالت عاتكة بنت عبد المطلب:\rيا عين جودي ما بقيت بعبرة ... سحًّا على خير البرية أحمد\rيا عين فاحتفلي وسحّي واسمحي ... فابكي على نور البلاد محمد\rأنّى لك الويلات مثل محمدٍ ... في كل نائبةٍ تنوب ومشهد\rفابكي المبارك والموفق ذا التقى ... حامي الحقيقة ذا الرشاد المرشد\rمن ذا يفك عن المغلل غله ... بعد المغيب في الضريح الملحد\rأم من لكل مدفع ذي حاجة ... ومسلسلٍ يشكو الحديد مقيد\rأم من لوحي الله ينزل بيننا ... في كل ممسى ليلةٍ أو في غد\rفعليك رحمة ربنا وسلامه ... يا ذا الفواضل والندى والسؤد\rوقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف أخت مسطح:\rأشاب ذوائبي وأذاب ركني ... بكاؤك فاطم الميت الفقيدا\rفأعطيت العطاء فلم تكدر ... وأخدمت الولائد والعبيدا\rوكنت ملاذنا في كل لزبٍ ... إذا هبت شآميةٌ برودا\rوإنك خير من ركب المطايا ... وأكرمهم إذا نسبوا جدودا\rرسول الله فارقنا وكنا ... نرجي أن يكون لنا خلودا\rأفاطم فاصبري فلقد أصابت ... رزيتك التهائم والنجودا\rوأهل البر والأبحار طراً ... فلم تخطئ مصيبته وحيدا\rوكان الخير يصبح في ذراه ... سعيد الجد قد ولد السعودا\rورثاه صلى الله عليه وسلم غير هؤلاء مما لو استقصينا ذلك لطال، واتسع فيه المجال، ومراثيه صلى الله عليه وسلم ومدائحه كثيرةٌ تزداد في كل عصر، وتتضاعف في كل دهر، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيرا دائما أبدا.\rالباب الثاني من القسم الخامس\rالخلفاء الراشدين\rأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلىّ ابن أبى طالب، وأيّام الحسن بن علي رضوان الله عليهم أجمعين أبو بكر الصديق وشيء من أخباره وفضائله هو أبو بكر، واسمه عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب، ومجتمع نسبة مع نسب رسول الله عليه وسلّم عند مرّة بن كعب.\rوأمه سلمى - وكنينها أمّ الخير - بنت صخر بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرّة، وهى بنت عمّ أبيه.\rوكان رضى الله عنه ينعت بعتيق، وقد اختلف في سبب نعته بذلك؛ فقال اللّيث بن سعد، وجماعة معه: إنمّا قيل له عتيق لجماله وعتاقة وجهه.\rوقال مصعب الزّبيريّ وطائفة من أهل النّسب: إنمّا سمّى عتيقا لأنّه لم يكن فى نسبه شىء يعاب.","part":5,"page":174},{"id":2175,"text":"وقال آخرون: كان له أخوان: أحدهما يسمّى عتيقا، والآخر عتيقاّ؛ مات عتيق قبله، فسمّى باسمه.\rوروى عن موسى بن طلحة، قال: سألت أبى طلحة بن عبيد الله، قلت له: يا أبت، بأي شئ سمّى أبو بكر عتيقا؟ قال: كانت أمه لا يعيش لها ولد، فلمّا ولدته استقبلت به البيت، وقالت: اللهمّ إن هذا عتيقك من الموت فهبه لي.\rوقال آخرون: إنّما سمّى عتيقاً لأن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: \" من سرّه أن ينظر إلى عتيق من النّار فلينظر إلى هذا \" فسمّى عتيقاّ بذلك.\rوروى عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، قالت: إني لفى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه بالفناء:؛ وبينهم الستر، إذ أقبل أبو بكر رضى الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من سرّه أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا \" قالت: وإن اسمه الذي سمّاه أهله لعبد الله بن عثمان، وسمّى رضى اله عنه بالصدّيق؛ لمبادرته إلى تصديق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى خبر الإسراء.\rوقال محجن الثقفي في أبى بكر رضى الله عنه:\rوسمّيت صدّيقاّ، وكلّ مهاجر ... سواك تسمّى باسمه غير منكر\rسبقت إلى الإسلام، والله شاهد ... وكنت جليسا بالعريش المشهر\rوبالغار إذ سمّيت بالغار صاحباّ ... وكنت رفيقا للنّبيّ المطهّر\rيعنى بقوله: \" بالعريش \" في يوم بدر؛ لأنه رضى الله عنه كان مع رسول الله صلى الله صلىّ عليه وسلّم في العريش؛ لم يكن معه فيه غيره. وبقوله: \" وبالغار إذ سمّيت بالغار صاحبا \" قوله تعالى: \" ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا \" ولنبدأ من أخباره رضى اله عنه بذكر شيء من فضائله، والله المستعان، وعليه التّكلان.\rفضائله\rومآثره في الجاهلية والإسلام كان رضى الله عنه في الجاهلية وجيهاّ، رئيسا من رؤساء قريش، وإليه كانت الإشناق في الجاهلية - والأشناق الدّيات - فكان إذ حمل شيئا قالت فيه قريش: صدّقوه، وامضوا حمالته وحمالة من قام معه أبو بكر، وإن احتملها غيره خذلوه ولم يصدّقوه.\rوكان رضى الله عنه ممّن حرّم الخمر على نفسه، وتنزّه عنها في الجاهلية، وكانت أشراف قريش تختلف إليه وتزوره، وتستشيره وتقتدي برأيه، وتتربص في الأمور المعضلة إذا غاب إلى أن يقدم، ويدلّ على ذلك ما قدّمناه في أوائل السّيرة النبوّية من خبره مع الشيخ الكبير الأزدىّ في سفره إلى اليمن، وما بشّره الأزدى به من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأنّه يعاونه على أمره، وأنّ أبا بكر رضى الله عنه لمّا رجع إلى مكّة، جاءه شيبة بن ربيعة وأبو جهل ابن هشام وأبو البخترىّ، وعقبة بن أبي معيط، ورجالات قريش مسلمين عليه. وقولهم له: حدث أمر عظيم؛ هذا محمد بن عبد الله يزعم أنه نبىّ أرسله الله إلى الناس، ولولا أنت ما انتظرنا به؛ فإذ جئت فأنت النّهية، وقد تقدم ذكر هذه القصة في المبشرات برسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم.\rومثل ذلك لا ينتظر به إلا من لا يمكن أن يقطع الأمر دونه. وفى هذا أقوى دلالة على فضله وشرفه، ومكانته لديهم. وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما فيها من خير وشر.\rوأما فضائله رضى الله عنه ومناقبه في الإسلام فكثيرة جداً، قد أبانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بفضائل ومناقب، وخصّه بمزايا لم يخص بها غيره، وذكره في مواطن لم يذكر فيها سواه.\rوقد تقدم من ذلك جملة في أثناء السيرة النبوية فنشير الآن إليها، ونذكر ما سواها ممّا تقف عليه إن شاء الله تعالى.\rفمن فضائله التي تقدم ذكرها سابقته في الإسلام، وأنّه رضوان الله عليه أول من أسلم من الذكور، وأول من صلّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rروى أبو عمر بن عبد البرّ بسنده إلى الشعبي، قال: سألت ابن عباس - أو سئل ابن عباس رضى الله عنهما: أي الناس كان أوّل إسلاما؟ فقال: أما سمعت قول حسان بن ثابت.\rإذا تذكّرت شجواً من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا\rخير البرية، أتقاها وأعدلها ... بعد النبىّ، وأوفاها بما حملا\rالثاني التالي المحمود مشهده ... وأوّل الناس حقّا صدّق الرسلا","part":5,"page":175},{"id":2176,"text":"ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لحسان بن ثابت: هل قلت في أبى بكر شيئا؟ قال: نعم؛ وأنشده هذه الأبيات، وفيها بيت رابع، وهو:\rوثاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدوّ به إذ صعّدوا الجبلا\rفسرّر رسول الله عليه وسلم، وقال: \" أحسنت يا حسان \" .\rوروى أنّ فيها بيتا خامسا، وهو:\rوكان حبّ رسول الله إذ علموا ... خير البرية لم يعدل به رجلا\rومما يؤيد أنه رضوان الله عليه أول من أسلم ما رواه الجريرىّ، عن أبى نضرة، قال: قال: أبو بكر لعلىّ رضى الله عنهما: أنا أسملت قبلك...، في حديث ذكره، فلم ينكر عليه.\rومن ذلك أنه رضى الله فدى رسول الله صلى عليه وسلم بنفسه. روى عن أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما: أنها قالت، وقد قيل لها: ما أشدّ ما رأيت المشركين بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان المشركون قعودا فى المسجد الحرام، فتذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يقول فى آلهتهم، فبينما هم كذلك إذ دخل رسول الله عليه وسلم، فقاموا إليه، وكانوا إذا سألوه عن شىء صدقهم، فقالوا: ألست تقول فى آلهتنا كذا وكذا؟ قال: بلى، قال: فتشبثوا به بأجمعهم، فأتى الصريخ إلى بكر، فقيل له: أدرك صاحبك، فخرج أبو بكر حتى دخل المسجد، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس مجتمعون عليه، فقال: ويلكم! \" أتقتلون رجلاً أن يقول ربّى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم \" ! فلهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبلوا يضربونه. قالت: فرجع إلينا فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا جاء معه وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام.\rومنها، أنه رضى الله عنه أنفق على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يملكه، طيّبةً بذلك نفسه.\rروى عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفاً، أنفقها كلّها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وفى سبيل الله. وقال رسول الله عليه وسلم: \" ما نفعني مال مثل ما نفعني مال أبى بكر \" .\rومن رواية أخرى عنه قال: أسلم أبو بكر يوم أسلم وله أربعون ألف دينار، وأعتق سبعة كلّهم يعذّب في الله، أعتق بلالاً، وعامر ابن فهيرة، وزنّيرة، والنّهدية وابنتها، وجارية بنى نوفل، وأم عبيس. قد تقدّم خبرهم في السيرة النبوية.\rومنها، أنه رضى الله عنه أسلم على يديه بدعائه نصف العشرة المشهود لهم بالجنة، وهم: الزّبير بن العّوام، وعثمان بن عفّان، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، رضوان الله عليهم أجمعين.\rوأسلم أبواه، وصحبا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأسلم بنوه كلهم، وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأبوه أبو قحافة، وابنه عبد الرحمن بن أبى بكر، وابن ابنة محمد ابن عبد الرحمن، وليست هذه المنقبة لأحد من الصحابة غيره.\rومن ذلك أنه رضى الله عنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغار، ورفيقه في هجرته، وناهيك بهما، وسمّاه عز وجل في كتابه: \" صاحبه \" . فقال تعالى: \" إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا \" .\rروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج أبو بكر معه؛ لم يأمن على نفسه غيره حتى دخلا الغار.\rوعن حبيب بن أبي ثابت في قوله تعالى: \" فأنزل الله سكينته عليه \" . قال: على أبي بكر؛ فأمّا النبي صلّى الله عليه وسلّم فقد كانت عليه السّكينة.\rوعن أبي هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: \" أنت صاحبي على الحوض، وصاحبي في الغار \" .\rوعن سفيان بن عيينه، قال: عاتب الله عز وجلّ المسلمين كلّهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر، فإنه خرج من العاتبة، قال الله تعالى: \" إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار \" .\rومن فضائله ومزاياه رضى الله عنه، أنّ رسول صلّى الله عليه وسلّم قدمه للصلاة بالمسلمين في حياته، وأمر بسدّ الأبواب الشارعة إلى المسجد، إلا باب أبي بكر، وقد تقدّم ذلك.","part":5,"page":176},{"id":2177,"text":"ومنها ما روى عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: \" رأيت في المنام أني وزنت بأمّتي فرجحت، ثم وزن أبو بكر فرجح، ثمّ وزن عمر فرجح \" . وهذا دليل على أنه رضوان الله عليه أرجح من الأمة أكثر من مرتين، فإنه رجح الأمة، وعمر رضى الله عنه فيهم، ورجح عمر الأمة ورؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق لا محالة وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنه قال ما سابقت أبا بكر إلى خير قط إلا سبقني إليه ولو وددت أني شعرة في صدر أبي بكر وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بالصدقة، قال عمر بن الخطاب وكان عندي مال كثير. فقلت: والله لأفضلنّ أبا بكر هذه المرّة، فأخذت نصف مالي وتركت نصفه، فأتيت به النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: \" هذا مال كثير، فما تركت لأهلك \" ؟ قال: تركت لهم نصفه؛ وجاء أبو بكر بمال كثير، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" ما تركت لأهلك \" ؟ قال: تركت لهم الله ورسوله. وفي رواية: قلت: لا أسابقك إلى شىء أبدا.\rوعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما في قوله عزّ وجلّ: \" فأما من أعطى وأتقى وصدّق بالحسنى \" ؛ نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.\rوعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: كنت عند النبي صلّى الله عليه وسلم، وعنده أبو بكر الصديق، وعليه عباءة قد خلّها في صدره بخلال، فنزل عليه جبريل، فقال: يا محمد، مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلّها في صدره بخلال! فقال: \" يا جبريل، أنفق ماله علىّ قبل الفتح \" ، قال: فإنّ الله عزّ وجل يقرأ عليك السّلام، ويقول: قل له: أراض أنت علىّ في فقرك هذا، أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أسخط على ربّى! أنا عن ربي راض، أنا عن ربي راض.\rوعن ابن عبّاس رضي الله عنهما، عن النبي صلّى الله عليه وسلم، قال: هبط علىّ جبريل وعليه طنفسة، وهو متخلّل بها، فقلت: يا جبريل، لم إلىّ في مثل هذا الزّىّ؟ قال إن الله أمر الملائكة أن تتخلّل في السماء كتخلل أبي بكر في الأرض.\rوعن أبي هريرة رضى الله عنه، قال: قال: رسول الله صلّى الله عليه وسلم: \" من أصبح منكم صائما اليوم؟ \" قال أبو بكر رضى الله عنه: أنا، قال: \" من أطعم اليوم مسكينا؟ \" قال أبو بكر: أنا، قال: \" من عاد اليوم مريضا؟ \" قال أبو بكر: أنا، فقال: \" من شهد اليوم منكم جنازة؟ \" فقال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: \" ما اجتمعت هذه الخصال في رجل قطّ إلاّ دخل الجنة \" .\rوعن ابن أبي أوفى، قال: خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأقبل على أبي بكر وقال: \" إني لأعرف اسم رجل واسم أبيه، واسم أمه؛ إذا دخل الجنّة لم يبق غرفة من غرفها، ولا شرفة من شرفها إلا قال: مرحبا مرحبا! \" ، فقال سلمان: إن هذا لغير خائب \" : فقال: \" ذاك أبو بكر بن أبي قحافة \" .\rوعن سلمان بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أبو بكر وعمر خير الأرض إلا أن يكون نبيا \" .\rقال: وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" الخير ثلثمائة وستون خصلة، إذا أراد الله بعبد خيرا جعل فيه واحدة منهنّ يدخل بها الجنة \" ، قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله، هل في شىء منهنّ؟ قال: \" نعم، جميعا من كلّ \" .\rوعن أبي هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاني جبريل فأخذ بيدي، فأراني باب الجنّة الذي تدخل منه أمّتي، فقال أبو بكر: وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه! فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: \" إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنّة من أمّتي \" .","part":5,"page":177},{"id":2178,"text":"وعن أبي أمامة قال: استطال أبو بكر ذات يوم على عمر، فقام عمر مغضباً، فقام أبو بكر فأخذ بطرف ثوبه، فجعل يقول: ارض عنى، اعف عنّى، عفا الله عنك! حتى دخل عمر الدّار وأغلق الباب دون أبي بكر ولم يكلّمه؛ فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وسلم فغضب لأبي بكر، فلمّا صلّى الظهر جاء عمر، فجلس بين يديه، فصرف النبي صلّى الله عليه وسلم وجهه عنه، فتحوّل يمينّا فصرف وجهه عنه، فلمّا رأى ذلك ارتعد وبكىّ، ثم قال: يا رسول الله، قد أرى إعراضك عنى، وقد علمت أنك لم تفعل هذا إلا لأمر قد بلغك عنى، موجدة علي في نفسك وما خير حياتي وأنت علي ساخط وفي نفسك علىّ شىء! فقال: \" أنت القائل لأبي بكر كذا وكذا، ثم يعتذر إليك فلا تقبل منه! \" ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: \" إنّ الله عز وجل بعثنى إليكم جميعا، فقلتم: كذبت، وقال صاحبي: صدقت؛ فهل أنتم تاركون لي صاحبي! فهل أنتم تاركون لي صاحبي! فهل أنتم تاركون لي صاحبي! \" ثلاثا. فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، رضيت بالله ربّا. وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا. فقام أبو بكر فقال: والله لأنا بدأته، ولأنا كنت أظلم، فأقبل عمر على أبي بكر فقال: ارض عنى رضى الله عنك، فقال أبو بكر: يغفر الله لك! فذهب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبه.\rوعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" لقد هممت أن أبعث رجالاً من أصحابي إلى ملوك الأرض يدعونهم إلى الإسلام كما بعث عيسى بن مريم الحواريين \" .\rقالوا: يا رسول الله، أفلا تبعث أبا بكر وعمر فهما أبلغ! فقال: \" لا غنى لى عنهما؛ إنما منزلتهما من الدّين منزلة السمع والبصر من الجسد \" .\rوعن أنى أروى الدّوسى، قال: كنت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم جالسا، فطلع أبو بكر وعمر، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: \" الحمد لله الذي أيّدنى بكما \" .\rوعن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأبى بكر: \" يا أبا بكر، إن الله أعطاني ثواب من آمن بي منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة، وإن الله أعطاك يأبا بكر ثواب من آمن بي منذ بعثتي إلى يوم تقوم الساعة \" وعن أبي سعيد الخدرىّ رضى الله عنه، قال: قال رسول سول صلى الله عليه وسلّم: \" لي وزيران من أهل السماء: جبريل وميكائيل ولي وزيران من أهل الأرض: أبو بكر وعمر \" .\rوعن ابن عبّاس رضى الله عنهما: أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال لأبى بكر وعمر: \" ألا أخبر كما بمثلكما من الملائكة، ومثلكما في الأنبياء؟ أمّا مثلك أنت يا أبا بكر في الملائكة فمثل ميكائيل ينزل بالرحمة، ومثلك أيضاً في الأنبياء كمثل إبراهيم إذ كذّبه قومه، وصنعوا به ما صنعوا، فقال: \" فمن تبعني فإنّه منّى ومن عصاني فإنك غفور رحيم \" . ومثلك يا عمر في الملائكة كمثل جبريل، ينزل بالبأس والشدّة والنقمة على أعداء الله؛ ومثلك في الأنبياء كمثل نوح إذ قال: \" ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا \" وعن عمّار بن ياسر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" أتاني جبريل آنفّا، فقلت له: يا جبريل آنفّا، فقلت له: يا جبريل، حدثني بفضائل عمر ابن الخطاب في السماء. فقال: يا محمد، لو حدّثتك بفضائل عمر بن الخطاب في السّماء مثل ما لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ما نفدت فضائل عمر، وإنّ عمر حسنة من حسنات أبي بكر \" .\rوعن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: هبط جبريل على النبي صلّى الله عليه وسلّم فوقف ثلاثا يناجيه؛ فمرّ أبو بكر الصديق فقال جبريل: يا محمّد، هذا ابن أبى قحافة؛ قال: يا جبريل، وتعرفونه في السماء؟ قال: إي والذي بعثك بالحقّ؛ لهو أشهر في السماء منه في الأرض، وإن اسمه في السماء للحليم \" .\rوعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه سلم: \" لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح \" .\rوعن عبد الرحمن بن أبي بكر؛ أنّه كان يوم بدر مع المشركين، فلمّا أسلم قال لأبيه: لقد اهتد فت لي يوم بدر، فصرفت، عنك ولم أقتلك؛ فقال أبو بكر: لكنّك لو اهتد فت لي لم أنصرف عنك.\rوعن ابن غنم، أنّ النبي صلّى الله عليه وسلم قال لأبي بكر، وعمر: \" لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما \" .","part":5,"page":178},{"id":2179,"text":"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: \" أتاني جبريل فقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تستشير أبا بكر \" .\rوعن أنس قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج إلى المسجد ومعه المهاجرون والأنصار، ما أحد منهم يرفع رأسه من حبوته إلا أبو بكر وعمر، فإنّه كان يبتسم إليهما ويبتسمان إليه.\rوعن الزّبير بن العوّام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك: \" اللّهمّ بارك لأمتي في أصحابي، فلا تسلبهم البركة، وبارك لأصحابي في بكر، فلا تسلبه البركة، واجمعهم عليه، ولاتشتّت أمره؛ فإنه لم ينزل يؤثر أمرك على أمره. اللهم أعن عمر ابن الخطاب، وصبّر عثمان بن عفّان، ووفّق علي بن أبي طالب، وثبّت الزبير، واغفر لطلحة، وسلّم سعدا، ووقّر عبد الرحمن، وألحق بي السّابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان.\rوقيل: لمّا قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من حجّة الوداع صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \" يأيّها الناس، إنّ أبا بكر لم يسؤني قطّ، فاعرفوا ذلك له. يأيها الناس، إنّي راض عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وطلحة ابن عبيد الله والزّبير بن العوام وسعد بن مالك وعبد الرحمن ابن عوف والمهاجرين الأولين، فاعرفوا ذلك لهم. يأيّها الناس، إنّ الله قد غفر لأهل بدر والحديبية. يأيّها الناس، احفظوني في أحبابي وأصهاري وفي أصحابي، لا يطلبنّكم الله بمظلمة أحد منهم، فإنها ليست فيما يوهب. يأيّها النّاس، ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين، إذا مات الرجل، فلا تقولوا فيه إلا خيرا \" ، ثم نزل صلّى الله عليه وسلّم.\rوعن عمرو بن العاص، أنّه أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال: أيّ الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة، قال: من الرجال، قال: أبوها. قال: ثم من؟ قال: عمر.\rوعن عبد الله بن أبي أوفى، قال: كنّا مع النبي صلّى الله عليه وسلّّم، فقال: \" إني مشتاق إلى إخواني \" ، فقلنا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله! قال: \" كلاّ، أنتم أصحابي وإخواني \" فجاء أبو بكر الصديق، فقال عمر: إنه قال: \" إني لمشتاق إلى إخواني، فقلنا: ألسنا إخوانك؟ فقال: لا، إخواني قوم يؤمنون بي ولم يروني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" ألا تحبّ قوماً بلغهم أنّك تحبني فأحبوك لحبّك إياى، فأحبهم الله \" ! وعنه قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم متّكئاً على على، وإذا أبو بكر وعمر قد أقبلا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" أحبّهما فحبّهما يدخل الجنّة \" .\rوعن أنس بن مالك رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: \" حبّ أبي بكر وشكره واجب على أمتي \" .\rوعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" حبّ أبى بكر وعمر إيمان، وبغضهما كفر \" .\rوعن ابن عمر رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لمّا ولد أبو بكر الصّديق أقبل الله تعالى على جنّة عدن، فقال: وعزتي وجلالى لا أدخلك إلّا من يجبّ هذا المولود \" - يعنى أبا بكر.\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ في السماء الدينا ثمانين ألف ملك يستغفرون الله تعالى لمن أحبّ أبا بكر وعمر \" وعن ابن عمر رضى الله عنهما، قال: دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المسجد بين أبي بكر وعمر، وهو معتمد عليهما، فقال: \" هكذا ندخل الجنة جميعا \" .\rوعن عائشة رضى الله عنها، قالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أول من يعطى كتابة من هذه الأمة أبو بكر؛ الناس كلهم يحاسبون إلا أبا بكر \" .\rوعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" تأتى الملائكة بأبي بكر الصديق مع النبيّين والصّدّيقين تزفّه إلى الجنة زفّّاً \" وعن ثابت، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" أول من يعطى كتابة من هذه الأمّة عمر بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس \" فقيل له: فأين أبوبكر يا رسول الله؟ قال: \" هيهات! زفّته الملائكة إلى الجنة \" .\rوعن أنس بن مالك رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" كأني بك يا أبا بكر على باب الجنّة تشفع لأمتي \" .\rوعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: \" إذا كان يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش:","part":5,"page":179},{"id":2180,"text":"ألا هاتوا أصحاب محمد \" ، قال: فيؤتى بأبي بكر الصديق وعمر ابن الخطاب وعثمان بن عفّان، فيقال لأبى بكر: قف على باب الجنّة، فأدخل الجنة من شئت برحمة الله، ودع من شئت بعلم الله، ويقال لعمر بن الخطاب: قف على الميزان فثقّل من شئت برحمة الله، وخفّف من شئت بعلم الله، ويعطى عثمان بن عفّان عصا آس، التي غرسها الله عزّ وجل في الجنة، ويقال له: ذد النّاس عن الحوض \" .\rوقد ورد في الصحيحين من فضائل أبي بكر رضى الله عنه ما فيه مقنع، وفضائله رضوان الله عليه كثيرة، وقد ذكرنا جملة كافية، فلنذكر صفته.\rصفته\rكان رجلا نحيفا طويلا أبيض، خفيف العارضين أجنأ، لا يستمسك إزاره، يسترخي عن حقويه، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع.\rهكذا وصفته عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها. وكان يخضب بالحنّاء والكتم.\rذكر ما ورد من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر على أمته من بعده وحجة من قال ذلك قال الفقيه الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البرّ النمرىء رحمه الله: استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضى الله عنه على أمته من بعده؛ بما أظهر من الدلائل البينّة على محبته في ذلك، وبالتعريض الذي يقوم مقام التّصريح بذلك لأنّه لم يؤمر فيه بشيء.\rوكان صلى الله عليه وسلم لا يصنع شيئا في دين الله إلا بوحي، والخلافة ركن من أركان الدين.\rقال: ومن الدليل الواضح على ما قلنا، ما حدّثنا سعيد ابن نصر وعبد الوارث بن سيفان، قالا حدّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدّثنا أحمد بن زهير، قال: حدّثنا منصور بن سلمة. وأخبرنا أحمد بن عبد الله، قال: حدّثنا اليمون بن حمزة الحسيني بمصر، قال: حدّثنا الطّحاوىّ؛ قال: حدثنا المزني، قال: حدّثنا الشافعىّ؛ قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد أبي وقّاص عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فسألها عن شىء، فأمرها أن ترجع إليه. فقالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت ولم أجدك تعني الموت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلّم: \" إن لم تجدينى فأت أبا بكر \" .\rقال الشافعي رحمه الله: في هذا الحديث دليل على أّنّ الخليفة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسّلم أبو بكر.\rوقد تقدم في السيرة النبويّة عن عاصم، عن قتادة، قال: اتباع النبي صلى الله عليه وسلّّم بعيراّ من رجل إلى أجل، فقال: يا رسول الله إن جئت فلم أجدك؟ - يعني الموت - ، قال: فائت أبا بكر، قال: فإن جئت فلم أجد أبا بكر يعني بعد الموت قال فأئت عمر قال إن جئت فلم أجد عمر؟ قال: إن استطعت أن تموت إذا مات عمر، فمت.\rوساق أبو عمر بن عبد البرّ في أدلّته على استخلاف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم له أحاديث الصلاة، وكونه استخلفه أن يصلّى بالناس في مرضه.\rوقد قدمنا ذكر ذلك كلّه في خبر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وممّا يؤيد ذلك ويعضّده ما قدّمناه من حديث عائشة رضى الله عنها، وقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لها: \" لقد هممت - أو أردت - أن أرسل إلى أبيك، أو أخيك فأقضى أمري، وأعهد عهدى؛ فلا يطمع في الأمر طامع، ولا يقول القائلون، أو يتمنّى المتمنون \" ثم قال: \" كلا يأبى الله ويدفع المؤمنون \" ، أو \" يدفع الله ويأبى المؤمنون \" .\rوقال بعضهم في حديثه: \" ويأبى الله إلا أبا بكر \" .\rوفي الحديث الآخر عن أبى مليكة، قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في مرضه الذي مات فيه: \" ادعوا إلى أبا بكر \" ، فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل يغلبه البكاء؛ ولكن إن شئت دعونا لك ابن الخطاب، فقال: \" إنكنّ صواحب يوسف، ادعوا أبا بكر وابنه؛ فليكتب؛ أن يطمع في أمر أبى بكر طامع، أو يتمنى متمنّ \" . ثم قال: \" يأبى الله ذلك والمؤمنون، يأبى الله ذلك والمؤمنون! \" .\rوفي هذا الحديث والذي قبله تصريح على أنه الخليفة بعده، ودليل على أن الكتاب الّذي أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يكتبه، وتركه لما كثر عنده التنازع؛ إنما كان المراد به أن ينصّ على أبى بكر في الخلافة. والله تعالى أعلم.\rوروى أبو عمر إلى عبد الله بن مسعود، أنه قال: اجعلوا إمامكم خيركم؛ فإن رسول الله عليه وسلّم جعل إمامنا خيرنا بعده.","part":5,"page":180},{"id":2181,"text":"وروى الحسن البصرىّ، عن قيس بن عباد، قال: قال لي علىّ ابن أبي طالب رضى الله عنه: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرض ليالي وأياما، ينادى بالصلاة فيقول: \" مروا أبا بكر يصلّى بالناس \" ؛ فلما قبض رسول الله عليه وسلّم، نظرت، فإذا الصّلاة علم الإسلام، وقوام الدّين، فرضينا لدنيانا ما رضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لديننا، فبايعنا أبا بكر.\rوكان أبو بكر رضى الله عنه يقول: أنا خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ ولذلك كان يدعى: يا خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.\rوروى عن ابن أبى مليكة، قال: قال رجل لأبى بكر يا خليفة الله، قال: لست خليفة الله؛ ولكن أنا خليفة رسول الله عليه وسلم، وأنا راض بذلك.\rوروى أبو عمر بسنده، عن عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه، أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيّها أبو بكر وعمر رضى الله عنهما وكان علي رضي الله عنه يقول سبق رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وصلّى أبو بكر، وثلّث عمر، ثم خبطتنا فتنة يغفر الله فيها عمّن يشاء. وقال: رحم الله أبا بكر! كان أول من جمع بين اللوحين.\rوقال أبو عمر بن عبد البر: وروينا من وجوه، عن عبد الله ابن جعفر بن أبى طالب، أنه قال: ولينا أبو بكر فخير خليفة، أرحمه بنا؛ وأحناه علينا.\rوقال مسروق: حبّ أبى بكر وعمرو معرفة فضلهما من السنّة. وروى عن علىّ رضى الله أنه قال: لا يفضّلنى أحد على أبى بكر وعمر إلا جلدته جلد المفترى. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.\rبيعة أبى بكر\rالصديق رضى الله عنه وخبر السقفية، وما وقع بين المهاجرين والأنصار من التراجع في الإمارة بويع أبو بكر الصّديق رضى الله عنه بالخلافة في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، سنة إحدى عشرة من الهجرة؛ وهو اليوم الذي مات فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، في سقيفة بنى ساعدة، وذلك قبل أن يشرع في جهاز رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.\rوكان من خبر سقيفة بنى ساعدة، أنّه لمّا توفّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، اجتمعت الأنصار في سقيفة بنى ساعدة، وقالوا: نولّى هذا الأمر بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم سعد ابن عبادة، وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض، فلمّا اجتمعوا قال سعد لأبيه - أو لبعض بنى عمّه: أني لا أقدر أشكو، أي أن أسمع القوم كلهم كلامى؛ ولكن تلقّ منى قولي فأسمعهموه، فكان سعد يتكلّم ويحفظ الرجل قوله، فيرفع به صوته، فيسمع أصحابه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا معشر الأنصار، إن لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب؛ إن محمدا صلّى الله عليه وسلّم لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأوثان، فما آمن به إلا رجال قليل؛ والله ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسوله، ولا أن يعزّوا دينه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم فيما عمّوا به؛ حتى إذا أراد بكم الفضيلة؛ ساق إليكم الكرامة، وخصّكم بالنعمة، ورزقكم الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه. فكنتم طوعا وكرهاً، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا؛ وحتى أثخن الله لرسول بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب. وتوفّاه الله إليه وهو عنكم راض، وبكم قرير العين. استبدّوا بهذا الأمر دون النّاس؛ فإنه لكم دون الناس.\rفأجابوه بأجمعهم، أن قد وفّقت في الرأى، وأصبت شفى القول، ولن نعدو ما رأيت؛ نولّيك هذا الأمر؛ فإنك فينا رفيع، ولصالح المؤمنين رضّا.\rثم إنهم ترادوا الكلام، فقالوا: فإن أبت مهاجرة قريش؟ فقالة: نحن المهاجرون وصحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأولون، ونحن عشيرته وأولياوّه؛ فعلام تنازعوننا الأمر من بعده؟ فقالت طائفة منهم: فإنا نقول إذّا فمنّا أمير ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا أبدا. فقال سعد بن عبادة حين سمعها: هذا أول أول الوهن!","part":5,"page":181},{"id":2182,"text":"وأتى عمر رضى الله عنه الخبر، فأقبل إلى منزل النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأرسل إلى أبى بكر، وأبو بكر في الدار وعلي بن أبي طالب دائب في جهاز النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى أبي بكر أن اخرج إلى؛ فأرسل إليه: أني مشتغل، فأرسل إليه: إنه قد حدث أمر لابدّ لك من حضوره، فخرج إليه، فقال: أما علمت أن الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بنى ساعدة، يريدون أن يولّوا هذا الأمر سعد بن عبادة؛ وأحسنهم مقالة من يقول: منّا أمير ومن قريش أمير! فخرجا مسرعين نحوهم، فلقيا أبا عبيدة بن الجراح، فمّاشوا إليهم ثلاثتهم، فلقيهم عاصم بن عدىّ وعوّيم بن ساعدة، فقالا لهم: أين تريدون؟ قالوا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. قالا: فارجعوا. فاقضوا أمركم بينكم؛ فإنّه لم يكن إلا ما يحبون، فقالوا: لا نفعل.\rقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه في حديثه: فقلت: والله لنّتينّهم! قال: فأتيناهم وهم مجتمعون في سقيفة بنى ساعدة وإذا بين أظهرهم رجل مزمّل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد ابن عبادة. قلت: ما شأنه؟ قالوا: وجع، فقام رجل منهم، فحمد الله وقال: أمّا بعد، فنحن الأنصار، وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر قريش رهطنا، وقد دفّت إلينا من قومكم دافّة.\rقال: فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، ويغصبونا الأمر. وقد كنت زوّرت في نفسي مقالة أقدّمها بين يدي أبى بكر، وكنت أدارى منه بعض الحدّ، وهو كان أوقر منى وأحلم، فلمّا أردت أن أتكلّم قال لي: على رسلك! وكرهت أن أغضبه، فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، فما ترك شيئا زوّرت في نفسي أن أتكلم به لو تكلمت، إلا قد جاء به، أو بأحسن منه.\rوقال: أمّا بعد، يا معشر الأنصار، فإنّكم لا تذكرون منكم فضلاً إلا أنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش؛ هم أوسط العرب دارا ونسبا، وأني قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيّهما شئتم. وأخذ بيدي وبيد أبى عبيدة بن الجراح.\rيقول عمر وهو على المنبر: وإني والله ما كرهت من كلامه شيئا غير هذه الكلمة، أن كنت أقدّم فتضرب عنقي أحبّ إلى من أن أومر على قوم فيهم أبو بكر.\rقال: فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل، فقال: أنا جذيلها المحكّك، وعذيقها المرجّب؛ منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.\rقال عمر: وارتفعت الأصوات، وكثر اللغظ، فلما أشفقت الاختلاف قلت لأبى بكر: ابسط يدك نبايعك، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، وبايعه الأنصار، ثم نزوا على سعد؛ حتى قال قائلهم: قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل الله سعدا! وإنا والله ما وجدنا أمر هو أقوى من مبايعة أبى بكر، إنّا خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نبايعهم على ما نرض، أو نخالفهم فيكون فشل.\rومن رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى عمر الأنصاري، وذكر ما تكلّم به أبو بكر الصديق رضى الله عنه، وما قاله الأنصار، فقال بعد أن ساق ما تقدم أو نحوه، ثم قال: فبدأ أبو بكر، فحمد اله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله بعث محمدا صلّى الله عليه وسلّم رسولاً إلى خلقه، وشهيداً على أمّته؛ ليعبدوا الله ويوحّدوه وهم يعبدون من دونه آلهةً شتى، يزعمون أنّها لهم عنده شافعة، ولهم نافعة، وإنّما هي حجر منحوت، وخشب منجور. ثم قرأ: \" ويعبدون من دون الله مالا يضرّهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاونا عند الله \" ، وقالوا: \" ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى \" فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخصّ الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والإيمان به، والمواساة له والصبر معه، على شدّة أذى قومهم لهم، وتكذيبهم إيّاهم، وكلّ النّاس لهم، وإجماع قومهم عليهم، فهم أوّل من عبد الله في الأرض، وآمن بالله والرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم. وأنتم يا معشر الأنصار، أنتم من لا ينكر فضلهم في الدين، ولا سابقتهم العظيمة فى الإسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله، وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلّة أزواجه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا أحد بمنزلتكم، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء، لا تفاتون بمشورة ولا تقضى دونكم الأمور.","part":5,"page":182},{"id":2183,"text":"قال: فقام الحباب بن المنذر بن الجموح، فقال: يا معشر الأنصار، املكوا على أيديكم. فإنّ الناس في فيئكم وفي ظلّكم، ولن يجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم؛ وأنتّم أهل العز والثروة، وأولو العدد والتجربة، وذوو البأس والنّجدة؛ وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وتنتقض عليكم أموركم، فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم أمير.\rفقال عمر: هيهات! لا يجتمع اثنان في قرن! إنه والله لا يرضى العرب أن يؤمّروكم ونبيّها صلى الله عليه وسلّم من غيركم؛ ولكن العرب لا تمتنع أن تولّى أمورها من كانت النبوّة فيهم، وولىّ أمورهم منهم؛ ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجّة الظاهرة والسلطان المبين. من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته؛ ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل، أومتجانف لإثم أو متوّرط في هلكه! فقام الحباب بن المنذر، فقال: يا معشر الأنصار، املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموه، فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولّوا عليكم هذه الأمور؛ فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم؛ فإنه بأسيافكم دان لهذا الدّين من لم يكن يدين، أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرّجب؛ أما والله لئن شئتم لنعيدنّها جذعةً! فقال له عمر: إذن يقتلك الله! قال: بل إياك يقتل.\rفقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار، إنّكم أوّل من نصر وآزر، فلا تكونوا أوّل من بدّل وغيرّ.\rفقال بشير بن سعد، أبو النعمان بن بشير: يا معشر الأنصار، إنّا والله لئن كنّا أولى فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدّين، ما أردنا به إلا رضا ربّنا، وطاعة نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم، والكدح لأنفسنا؛ ما ينبغى لنا أن نستطيل بذلك على الناس، ولا نبتغى به من الدينا عرضا، فإن الله ولىّ المنة علينا بذلك؛ ألا إن محمدا صلّى الله عليه وسلّم من قريش، وقومه أحقّ به وأولى. وايم الله لا يرانى الله أنازعهم هذا الأمر أبدا! فاتقوا الله ولا تخالفوهم، ولا تنازعوهم.\rفقال أبو بكر رضى الله عنه: هذا عمر وأبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا؛ فقالا: والله لا نتولّى هذا الأمر عليك، وأنت أفضل المهاجرين، وثاني اثين إذهما فى الغار، وخليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الصلاة، والصّلاة أفضل دين المسلمين، فمن ذا ينبغى له أن يتقدّمك أو يتولّى هذا الأمر عليك! ابسط نيابعك فلمّا ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه، فناداه المنذر بن الحباب: يا بشير بن سعد، عققت عقاق! ما أحوجك إلى ما صنعت! أنفست على ابن عمّك الإمارة! قال: لا والله، ولكن كرهت أن أنازع قوماً حقا جعله الله لهم.\rقال: ولّما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وما تدعو إليه قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال عليكم مرّة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضلية، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا فقوموا فبايعوا أبا بكر. فقاموا إليه فبايعوه، وانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا اجتمعوا له من أمرهم.\rقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه: فروى عن أبي بكر بن محمد الخزاعىّ: إن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايقت بها السكك ليبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلا أن رأيت أسلم، فأيقنت بالنصر.\rقال عبد الله بن عبد الرحمن: فأقبل النّاس من كل جانب يبايعون أبا بكر، وكادوا يطئون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعداّ لا تطئوه، فقال عمر: اقتلوه، اقتلوه، قتله الله؟ ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطاك حتى تنذر عضوك؛ فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر، ثم قال: والله لو حصصت منها شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة.\rفقال أبو بكر: مهلاّ يا عمر، الرفق ها هنا أبلغ؟ فأعرض عنه عمر؛ وقال سعد: أما والله لو أن بي من قوتي ما أقوى على النهوض لسمعتم منى في أقطارها وسككها زئيرا يجحرك وأصحابك.","part":5,"page":183},{"id":2184,"text":"أما والله إذا لألحقنّك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع. احملونى عن هذا المكان، فحملوه فأدخلوه داره، وترك أياما ثم بعث إليه أن أقبل فبايع؛ فقد بايع الناس وبايع قومك؛ فقال: أما والله حتّى أرميكم بما في كناني من نبل، وأخضب منكم سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتى ومن أطاعني من قومى، فلا أفعل وايم الله: لو أن الجنّ اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربى وأعلم ما حسابي.\rفلما أتى أبو بكر بذلك قال له عمر: لا تدعه حتى يبايع؛ فقال له بشير بن سعد: إنه قد لجّ وأبى وإنه ليس يبايعكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته. فاتركوه، فليس تركه يضاركم، إنما هو رجل واحد. فتركوه، وقبلوا مشورة بشير بن سعد، واستنصحوه لما بدا لهم منه؛ فكان سعد بن عبادة لا يصلّى بصلاتهم، ولا يجمع معهم، ويحجّ ولا يفيض معهم بإفاضتهم، فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر الصديق رضى الله عنه.\rوعن الضّحاك بن خليفة، أنّ سعد بن عبادة بايع.\rوعن جابر، قال: قال سعد بن عبادة يؤمئذ لأبى بكر: إنّكم يا معشر المهاجرين حسدتموني على الإمارة، وإنّك وقومي أجبرتموني على البيعة؛ فقال أبو بكر: إنّا لو أجبرناك على الفرقة فصرت إلى الجماعة كنت فى سعة، ولكنّا أجبرناك على الجماعة فلا إقالة فيها؛ لئن نزعت يداّ من طاعة، أو فرّقت جماعة لأضربنّ الذي فيه عيناك.\rو حكى أبو عمر بن عبد البرّ رحمه الله؛ أنّ عمر رضى الله عنه قال: نشدتكم الله! هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمر أبا بكر أن يصلّى بالناس! فقالوا: اللهم نعم، قال: فأيّكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ فقالوا: كلنا لا تطيب نفسه، ونستغفر الله. وبايعوه.\rقال: ثم بويع البيعة العامة يوم الثلاثاء من غد ذلك اليوم، وتخلّف عن بيعته سعد بن عبادة، وطائفة من الخزرج، وفرقة من قريش، ثم بايعوه بعد غير سعد.\rوقيل: إنه لم يتخلّف عن بيعته يومئذ أحد من قريش.\rوقيل: تخلّف عنه قريش: علىّ، والزّبير، وطلحة، وخالد ابن سعد بن العاص. ثم بايعوه بعد.\rوقد قيل: إن علىّ بن أبي طالب رضى الله عنه لم يبايعه إلا بعد موت فاطمة رضى الله عنها، ثم لم يزل سامعا مطيعا له، يثنى عليه ويفضّله.\rوقيل: إنه تخلّف علىّ وبنو هاشم والزّبير وطلحة عن البيعة، وقال الزّبير: لا أغمد سيفى حتى يبايع علىّ، فقال عمر: خذوا سيفه، فاضربوا به الحجر؛ ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة.\rوقيل: إنّ عليّا لما سمع ببيعه أبى بكر خرج في قميص، ما عليه إزار ولا رداء، عجلاً حتى بايعه، ثم استدعى إزاره ورداءه.\rوحكى محمد بن إسحاق رحمه الله؛ عن عبد الله بن أبي بكر، أن خالد بن سعيد بن العاص قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فتربّص ببيعته لأبي بكر شهرين، وكان يقول: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولم يعزلنى، ثم بايع أبا بكر. فلمّا بعث أبو بكر الجنود إلى الشام، كان أول من بعث على ربع منها خالد بن سعيد، فلم يزل به عمر حتى عزله، وأمّر يزيد ابن أبى سفيان، وكان عمر رضى الله عنه قد اضطغن عليه تأخره عن بيعة أبى بكر.\rوعن عكرمة، قال: لمّا بويع لأبى بكر تخلّف عن بيعته علىّ، وجلس في بيته، فلقيه عمر، فقال: تخلّفت عن بيعة أبى بكر، فقال: أني أكتب بيمين حين قبض رسول الله عليه وسلّم ألا أرتدي برداء إلا إلى الصلاة المكتوبة؛ حتى أجمع القرآن؛ فأنى خشيت أن ينفلت، ثم خرج فبايع.\rوعن مالك بن مغول، عن ابن أبجر، قال: لما بويع لأبى بكر الصديق جاء أبو سفيان بن حرب إلى علىّ، فقال: غلبكم على هذا الأمر أرذل بيت في قريش؟ أما والله لأملأنّها خيلا ورجلا؟ فقال له علىّ: مازلت عدوّ الإسلام وأهله، فما ضرّ ذلك الإسلام وأهله شيئا.\rإنّا رأينا أبا بكر لها أهلا.ورواه عبد الرزاق، عن ابن المبارك.","part":5,"page":184},{"id":2185,"text":"وروى أبو عمر بن عبد البر بسنده، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عليّا والزبير كان حين بويع لأبى بكر يدخلان على فاطمة فيشاورانها في أمرهم، فبلغ ذلك عمر، فدخل عليها فقال: يا بنت رسول الله، ما كان من الخلق أحد أحبّ إلينا من أبيك، وما أحد أحبّ إلينا بعده منك، وقد بلغني أن هؤلاء النّفر يدخلون عليك، ولئن بلغنى لأفعلنّ ولأفعلن ثم خرج وجاءوها فقالت لهم: إن عمر قد جاءني وحلف إن عدتم ليفعلنّ، وايم الله ليفينّ بها، فانظروا في أمركم، ولا تنظروا إلى؛ فانصرفوا ولم يرجعوا حتى بايعوا لأبى بكر. رضى الله عنهم أجمعين.\rوهذا الحديث يردّ قول من زعم أن علىّ بن أبى طالب لم يبايع إلا بعد وفاة فاطمة رضى الله عنها.\rولما بويع لأبى بكر رضى الله عنه، قال ابن أبى عزّة القرشى الجمحىّ:\rشكراّ لمن هو بالثّناء خليق ... ذهب اللّجاج وبويع الصّدّيق\rمن بعد ما ذهبت بسعد بغله ... ورجا رجاءً دونه العيّوق\rجاءت به الأنصار عاصب رأسه ... فأتى به الصديق والفاروق\rوأبو عبيدة والّذين إليهم ... نفس المؤمل للبقاء تتوق\rكنّا نقول لها علىّ والرضا ... عمر وأولاهم بتلك عتيق\rفدعت قريش باسمه فأجابها ... إنّ المنوّة باسمه الموثوق\rوروى عن سعيد بن المسيّب، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ارتجت مكة فسمع أبو قحافة فقالوا ما هذا فقالوا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أمر جلل، فمن ولى بعده؟ قالوا: ابنك، قال: فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم. قال: لا مانع لما أعطى الله، ولا معطى لما منع الله. والله تعالى أعلم، والحمد لله وحده، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rذكر ما تكلم به أبو بكر الصديق\rبعد بيعته وما قاله عمر بن الخطاب بعد البيعة الأولى وقبل البيعة الثانية العامة روى أنسى بن مالك، قال: لما بويع أبو بكر رضى الله عنه في السّقيفة، وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلّم قبل أبى بكر، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، وقال: أيها الناس، إنّى قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلاّ عن رأيى، وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدا عهده إلينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولكن قد كنت أرى أنّ رسول الله صلّى الله صلّى الله عليه وسلّم سيدبّر أمرنا حتى يكون آخرنا، وإنّ الله قد أبقى فيكم كتابه الّذى هدى به رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإنّ الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وثانى اثنين إذهما في الغار؛ فقوموا فبايعوا. فبايع الناس أبا بكر بيعة العامّة بعد بيعة السقيفة.\rثم تكلّم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: أمّا بعد؛ أيها النّاس، فإنّي قد ولّيت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضّعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي منكم الضعيف عندي، حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله، فإنّه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذلّ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمّهم الله بالبلاء.\rأطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم؛ قوموا إلى صلاتكم، يرحمكم الله.\rيعني بالصّلاة هنا،الصّلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم - فإن خطبته هذه كانت قبل دفنه صلّى الله عليه وسلّم.\rوقول عمر بن الخطاب في كلامه: \" إنى قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة \" إشارة إلى ما كان قد تكلّم به عند وفاة رسول الله عليه وسلّم من إنكاره أنّه مات، على ما قدّمناه ذكره فى خبر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلّم؛ وإنّما أوضحنا هذا الكلام في هذا الموضع لئلا يتبادر إلى ذهن من يسمعه ممنّ لم يطالع ما قبله، ولا علم الواقعة فيتوهّم أن كلامه بذلك رجوع عّما تكلّم به بالأمس في شأن بيعه أبي بكر رضي الله تعالى عنه.","part":5,"page":185},{"id":2186,"text":"وعن عاصم بن عدىّ، أنه قال: وقام أبو بكر رضى الله عنه من بعد الغد - يعني من يوم بيعته - فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: يأيّها الناس؛ إنما أنا مثلكم، وإنّي لا أدري لعلكم ستكلّفوني ما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يطيق، إن الله اصطفى محمدا على العالمين، وعصمه من الآفات، فإنّما أنا متّبع ولست بمبتدع فإن استقمت فاتّبعوني، وإن زغت فقوموني، وإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبض، وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة؛ ضربة سوط فما دونها؛ ألا وإنما لي شيطان يعتريني، فإذا أتاني فاجتنبوني، لا أوثّر في أشعاركم وأبشاركم، وإنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيّب عنكم علمه، فإن استطعتم ألّا يمضى هذا الرجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلاّ بالله. فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال فإن قوماً نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم لغيرهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم. الجدّ الجدّ، والوحي الوحى، والنّجاة النّجاة، وإن وراءكم طالبا حثيثاً، أجلا مرّة سريع. واحذروا الموت، واعتبروا بالآباء والأنباء والإخوان، ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبط به الأموات.\rوقام أيضا رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قام: إن الله لا يقبل من الأعمال إلاّ ما أريد به وجهه فأريدوا الله بأعمالكم، واعلموا أنّ ما أخلصتم لله من أعمالكم، فطاعة أتيتموها، وحظّ ظفرتم به، وضرائب أدّيتموها، وسلف قدمتموه من أيام فانية لأخرى باقية، لحين فقركم وحاجتكم، واعتبروا يا عباد الله بمن مات منكم، وفكّروا فيمن كان قبلكم.\rأين كانوا قبلكم.\rأين كانوا أمس وأين هم اليوم! أين الجبّارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة ومواطن الحروب؟ قد تضعضع بهم الدّهر وصاروا رميما، قد تركت عليهم القالات؛ الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبثيات.\rوأين الملوك الّذين أثاروا الأرض وعمروها، قد بعدوا، ونسى ذكرهم، وصار كلا شىء. ألا إنّ الله قد أبقى عليهم التّبعات، وقطع عنهم الشّهوات، ومضوا والأعمال أعمالهم، والدّنيا دنيا غيرهم، وبقينا خلقاً بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا.\rأين الوضّاء الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم! صاروا تراباّ، وصار ما فرّطوا فيه حسرةً عليهم.\rأين الذين بنوا المدائن؛ وحصّنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعاجيب! قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور، هل تحسن منهم من أحد، أو تسمع لهم ركزا! أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم؟ قد انتهت بهم آجالهم؛ فوردوا على ما قدّموا، فملّوا عليه وأقاموا للشّقوة أو السّعادة فيما بعد الموت؛ ألا إنّ الله لا شريك له، ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيراً، ولا يصرف به عنه شراً إلا بطاعته واتّباع أمره.\rواعلموا أنكم عبيد مذنبون، وأنّ ما عنده لا يدرك إلا بطاعته. ألا وإنّه لا خير بخير بعده النّار، ولا شرّ بشرّ بعده الجنة.\rوالله سبحانه وتعالى أعلم.\rانفاذ جيش أسامة\rقد ذكرنا في السيرة النبوية في الغزوات والسّرايا؛ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان قد جهّز أسامة بن زيد قبل وفاته، وندب معه جماعة من أعيان المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر. وذكرنا أيضا ما تكلّم به من تكلم من الصحابة في شأنه، وما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بلغه ذلك، من الثناء على أسامة ابن زيد وعلى أبيه بن حارثة، واستخلافه للإمارة، وأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبض وجيش أسامة بالجرف.\rفلمّا بويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه، كان أوّل ما بدأ به أن أمر منادى في الناس من بعد الغد من متوفّي رسول الله عليه وسلّم ليتمّم بعث أسامة: ألا لا يبقينّ في المدينة أحد من جند أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف.روى ذلك عن عاصم بن عدي. وعن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه، قال: لما بويع أبو بكر الصديق رصي الله عنه، وجمع الأنصار على الأمر الذي افترقوا عنه، قال: ليتمّ بعث أسامة، وقد ارتدت لعرب، إما خاصة فى كل قبيلة، ونجم النّفاق، واشرأبّت اليهودية والنّصرانية، والمسلمون كالغنم المطيرة، في الليلة الشاتية؛ لفقد نبيهم وقلّتهم، وكثرة عدوهم.","part":5,"page":186},{"id":2187,"text":"فقال له النّاس: إن هؤلاء جلّ المسلمين، والعرب على ما ترى؛ قد انتقضت بك، فليس ينبغى لك أن تفرّق عنك جماعة المسلمين.\rفقال أبو بكر: والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السّباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل ولو لم يبق في القرى غيره لأنفذته وعن الحسن بن أبي الحسن قال ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بعثاّ على أهل المدنية ومن حولهم، وفيهم عمر ابن الخطاب، وأمّر عليهم أسامة بن زيد، فلم يجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فوقف أسامة بالناس، ثم قال لعمر بن الخطاب: ارجع إلى خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فا ستأذته، يأذن لي أن أرجع بالناس، فإن معي وجوه الناس وحدهم، ولا آمن على خليفة رسول الله عليه وسلّم وثقل رسول الله وأثقال المسلمين أن يتخطفهم المشركون. وقالت الأنصار: فإن أبى إلا نمضي؛ فأبلغه عنا، واطلب إليه أن يولى أمرنا رجلاً أقدم سنّا من أسامة.\rفخرج عمر بأمر أسامة، فأتى أبا بكر، فأخبره بما قال أسامة، فقال أبو بكر: لو خطفتني الكلاب أو الذئاب لم قضاء قضي به رسول الله عليه وسلّم، قال: فإنّ الأنصار أمروني أن أبلغك أنّهم يطلبون إليك أن تولّى أمرهم رجلاً أقدم سناً من أسامة. فوثب أبو بكر وكان جالساً. فأخذ بلحية عمر، وقال: ثكلتك أمك وعدمتك يابن الخطاب! استعمله رسول الله صلى اللله عليه وسلم، وتأمرني أن أنزعه! فخرج عمر إلى الناس، فقالفوا: ما صنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمّهاتكم! ما لقيت في سببكم اليوم من خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم! ثم خرج أبو بكر رصي الله عنه حتى أتاهم، فأشخصهم وشيعهم وهو ماش؛ وأسامة راكب، وعبد الرحمن بن عوف يقود دابّة أبي بكر، فقال له أسامة: يا خليفة الله، وما علىّ أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعةً؛ فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة خطيئة؛ حتى إذا انتهى أبو بكر، قال لأسامة: إن رأيت أن تعيني بعمر فافعل، فأذن له، ثم قال: يأيّها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنّي: لا تخونوا ولا تغلّوا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيراً إلا لمأكلةٍ، وسوف تمروت بأقوامٍ قد فرغوا أتفسهم بالصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على أقوام يأتونكم بأنيةٍ فيها ألوان الطعام، فإذا أكلتم منها شيئاً بعد شيءٍ فاذكروا اسم الله عليها. وسوف تلقون أقواماً قد فحصوا اوساط رءوسهم، وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقاً، اندفعوا باسم الله.\rثم أوصى أسامة أن يفعل ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار وأوقع بقبائل قضاعة التي ارتدت، وغنم وعاد، وكانت غيبته أربعين يوماً، وقيل: سبعين يوماً، قيل: أربعين؛ سوى مقامه ومقفله راجعا.\rوكان إنفاذ جيش أسامة من أعظم الأمور نفعاً للمسلمين، فإنّ العرب قالوا: لو لم تكن لهم قوة ما أرسلوا هذا الجيش؛ فكفّوا عن كثير مما كانواعزموا على فعله، وذلك ببركة اتّباع أمر رسول الله لّى الله عليه وسلّم.\rمن ادعى النبوة\rمن الكذابين وما كان من أمرهم، وتجهيز أبي بكر الصديق الجيوش إليهم، وإلى من ارتدّ من قبائل العرب قال المؤرخون: كان ادّعى النبوة في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثلاثة،وهم: الأسود العنسى، وطليحة الأسدي، ومسيلمة الكذّاب، وادّعت النبوّة سجاح بنت الحارث التميمية.\rفأما الأسود العنسي، واسمه عبهلة بن كعب بن عوف العنسى - بالنّون الساكنة، وعنس بطن من مذحج - فكان يلقّب ذا الخمار لأنه كان متخمراً أبدا.\rوقال أحمد بن يحيى بن جابر البلاذريّ: إنه كان له حمار معلم يقول له: اسجد لربك، فيسجد. ويقول له: ابرك فيبرك. فقيل له: ذا الحمار. والله تعالى أعلم.\rوكانت ردّته أول ردّة كانت في الإسلام، وغلب على صنعاء إلى عمان إلى الطائف.","part":5,"page":187},{"id":2188,"text":"وكان من خبره ما روى عن الضحّاك بن فيروز الدّيلى عن أبيه؛ قال: أول ردّة كانت في الأسلام باليمن، ردّة كانت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، على يد ذي الخمار عبهلة بن كعب - وهو الأسود - في عامّة مذحج، خرج بعد الوداع. وكان الاسود كاهنا مشعبذاً، وكان يربهم الأعاجيب، ويسبى قلوب من سمع منطقه، وكان أول ما خرج أن خرج من كهف خبّان - وهي كانت موطنه وداره، وبها ولد ونشأ - فكاتبته مذحج وواعدوه نجران، فوثبوا عليها، وأخرجوا عمرو بن حزم وخالد بن سعيد بن العاص، ثم أنزلوه منزلهما، ووثب قيس بن عبد يغوث على فروة بن مسيك فأجلاه، ونزل منزله، فلم يلبث عبهلة بنجران أن سار إلى صنعاء فأخذها، وكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم جمع لباذام، حين أسلم، وأسلمت اليمن كلها على جميع مخالفيها، فلم يزل عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام حياته لم يعزله عنها ولا عن شيء منها ولا أشرك معه فيها شريكاً حتى مات باذام، ففرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل اليمن على جماعة من أصحابه، وهم: شهر باذام، وعامر بن شهر الهمداني، وعبد الله بن قيس أبو موسى، خالد ابن سعيد بن العاص، والطاهر بن أبي هالة، ويعلى بن أمية، وعمرو ابن حزم. وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد البياضي، وعكّاشة ابن ثور بن أصغر الغوثي؛ على السكاسك والسكون، ومعاوية بن كندة. وبعث معاذ بن جبل معلما لأهل البلدين: اليمن وحضرموت.\rوروى عن عبيد بن صخر، قال: بينما نحن بالجند؛ قد أقمناهم على ما ينبغي، وكتبنا بيننا وبينهم الكتب؛ إذ جاءنا كتاب من الأسود: أيها المتوّردون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم، فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه، فقلنا للرسول: من أين جئت؟ قال: من كهف خبّان؛ ثم كان وجهه إلى نجران حتى أخذها في عشر لمخرجه، وطابقه عوام مذحج؛ فبينا نحن ننتظر في أمرنا ونحن نجمع جمعنا إذ أتينا. فقيل: هذا الأسود بشعوب، وقد خرج إليه شهر بن باذام، وذلك لعشرين ليلة من منجمه؛ فبينا نحن ننتظر الخبر على من تكون الدّبرة؛ إذ أتانا أنه قتل شهر اً، وهزم الأنباء، وغلب على صنعاء، لخمس وعشرين ليلة من منجمه.\rوخرج معاذ هاربا حتى مركز العلا للكمبيوتر بأبي موسى وهو بمأرب، فاقتحما حضرموت، فأما معاذ فإنه نزل في السكون، وأما أبو موسى فإنه نزل في السّكاسك، وانحاز سائر أمراء اليمن إلى الطاهر إلا عمرا وخالداً، فإنهما رجعا إلى المدنية، والطّاهر يومئذ في وسط بلادعكّ بحيال صنعاء؛ وغلب الأسود على ما بين صهيد - مفازة حضرموت - إلى عمل الطائف، إلى الحرين قبل عدن، وطابقت عليه اليمن، وعكّ بتهامة معترضون عليه، وجعل يستطير استطارة الحريق، وكان معه يوم لقى شهر بن باذام سبعمائة فارس سوى الرّكبان، واستغلظ أمره، ودانت له سواحل من السواحل وعدن والجند؛ ثم صنعاء إلى عمل الطائف إلى الأحسية وغيرها.\rوعامله المسلمون بالبقيّة، وعامله أهل الرّدة بالكفر، والرجوع عن الإسلام، وكان خليفته في مذحج عمرو بن عدي كرب، وأسند أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث، وأسند أمر الأنباء إلى فيروز وداذويه. فلمّا أثخت في الأرض استخفّّ بقيس وبفيروز وبداذويه.\rوتزوج امرأة شهر، وهي ابنة عم فيروز.\rقال أبو عبيد بن صخر: فبينا نحن كذلك بحضرموت، ولا نأمن أن يسير إلينا الِأسود، أو أن يبعث إلنيا جيشا، أو يخرج بحضرموت خارج يدّعى بمثل ما أدّعى به الاسود، فنحن على ظهر، فحدبوا لصهره علينا - وكان معاذ بها معجبا - فإن كان يقول فيما يدعو الله به: اللّهم ابعثني يوم القيامة مع السّكون، ويقول أحياناً: اللّهم اغفر للّسكون؛ إذ جاءتنا كتب النبي صلّى الله عليه وسلّم، يأمرنا فيها أن نبعث الرجال لمجاولته ومصاولته، وأن نبلغ كل من رجاء عنده شيئا من ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم.","part":5,"page":188},{"id":2189,"text":"فقام معاذ في ذلك بالّذي أمره به، فعرفنا القوّة ووثقنا بالنصر. وعو جشيش بن الدّيلمىّ، قال: لما قدم علنيا وبر بن يحنس بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا فيه بالقيام على ديننا، والنهوض في الحرب، والعمل في الأسود، إمّا غيلةً، وإما مصادمة، وأن نبلغ عنه من رأينا أنّ عنده نجدة ودينا، فعملنا في ذلك، فرأينا أمرا كثيفا، ورأيناه قد تغيّر لقيس بن عبد يغوث - وكان على جنده - فقلنا: يخاف على دمه فهو لأول دعوة، فدعوناه وأنبأناه الشأن، وأبلغناه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنّما وقعنا عليه من السماء، وكان في غمّ وضيق بأمره، فأجانبا إلى ما أجبنا من ذلك، وكاتبنا النّاس، ودعوناهم. فأخبره الشيطان بشيء، فأرسل إلى قيس وقال: يا قيس، ما يقول هذا؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول: عمّدت إلى قيس فأكرمته؛ حتى إذا دخل منك كل مدخل، وصار في العزّ مثلك؛ مال ميل عدوك، وحاول ملكك، وأضمر على الغدر، إنه يقول: يا أسود يا أسود! يا سوءة، يا سوءة! اقطف قنته، وخذ من قيس أعلاه؛ وإلاّ سلبك، أو قطف قنّتك.\rفقال قيس وحلف به؛ كذب وذي الخمار؛ لأنت أعظم في نفسي، وأرجي عندي من أن أحدث بك نفسي! فقال: ما أجفاك! أتكذب الملك! صدق الملّك، وعرفت الآن أنك تائب مما أطّلع عليه منك، ثم خرج فأتانا فقال: يا جشيش، يا فيروز، يا داذويه! إنه قد قال وقلت: فما الرأي؟ فقلنا: نحن على حذر؛ فإنا في ذلك، إذ أرسل إلنيا؛ فقال: ألم أشرفكم على قومكم! ألم يبلغني عنكم! فقلنا: أقلنا مرّتنا هذه؛ فنجونا، ولم نكد، وهو في ارتباب من أمرنا وأمر قيس، ونحن في ارتياب وعلى خطر عظيم؛ إذ جاءنا اعتراض عامر بن شهر وذي زود وذي مرّان وذي الكلاع وذي ظليم عليه، وكاتبونا وبذلوا لنا النّصر، وكاتبناهم؛ وأمرناهم ألا يحركوا شيئا حتى نبرم الأمر، وإنما اهتاجوا لذلك حين جاء كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليهم. وكتب التبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران، إلى عربهم وساكني الأرض من غير عربهم، فتنحّوا، وانضمّوا إلى مكان واحد. وبلغه ذلك، وأحس بالهلاك، وفرّق لنا الرأي، فدخلت على آزاد - وهي امرأته - فقلت: يابنت عمّ، قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك؛ قتل زوجك، وطأطأ في قومك القتل، وسفل بمن بقي منهم، وفضح النساء، فقالت: أو قتله، قالت: نعم والله ما خلق الله شخصّا أبغض إلىّ منه؛ ما يقوم الله على حقّ، ولا ينتهي له عن حرمه، فإذا عزمتم فأعلموني أخبركم بمأتي هذا الأمر. فأخرج فإذا فيروز وداذويه ينتظراني، وجاء قيس ونحن نريد أن نناهضه، فقال له رجل قبل أن يجلس إلينا: الملك يدعوك، فدخل في عشرة من مذحج وهمذان فلم يقدر على قتله معهم.\rفقال: يا عبهلة بن كعب بن غوث، أمنّى تحصّن بالرجال! ألم أخبرك الحق وتخبرني الكذابة! إنه يقول: يا سوءة، إلا تقطع من قيس يده، يقطع قنّتك العليا، حتى ظنّ أنه قاتله.\rفقال: إنه ليس من الحقّ أن أقتلك وأنت رسول الله؛ فمرني بما أحببت، فأما الخوف والفزع فأنا فيهما مخافة أن تقتلني، وإمّا قتلتني فموته أهون علىّ من موتات أموتها كلّ يوم. فرقّ له وأخرجه؛ فخرج إلينا، فأخبرنا. وقال: اعملوا عملكم، وخرج إلينا في جمع، فقمنا مثولاً له، وبالباب مائة ما بين بقرة وبعير، فقام وخطّ خطّا، وأقيمت من ورائه، وقام من دونها فنحرها غيرها غير محبسّة ولا معقّلة، ثم خلاّها ما يقتحم الخطّ منها شيء، ثم خلاها فجالت إلى أن زهقت.\rفما رأيت أمراً كان أفظع منه، ولا يوماً أوحش منه، ثم قال: أحق ما بلغني عنك يا فيروز؟ - وبوّأ له الحربة - لقد هممت أن أنحرك فأتبعك هذه البهيمة؛ فقال: اخترتنا لصهرك، وفضّلتنا على الأنباء، فلو لم تكن نبياً ما بعنا نصبينا منك بشيء، فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر آخرة ودينا! لا تقبلن علينا أمثال ما يبلغك؛ فإنا بحيث تحبّ؛ فقال: اقسم هذه، فأنت أعلم بمن هنا.","part":5,"page":189},{"id":2190,"text":"فاجتمع إلى أهل صنعاء، وجعلت آمر للرهط بالجزور، ولأهل البيت بالبقرة، ولأهل الحلّة بعدّة، حتى أخذ أهل كلّ ناحية بقسطهم. فلحق به قبل أن يصل إلى داره - وهو واقف علىّ - رجل يسعى إليه بفيروز، فاستمع له، واستمع له فيروز، وهو فيقول: أنا قاتله غداً وأصحابه، فاغد علىّ، ثم التفت فإذا به؛ فقال: مه! فأخبره بالّذي صنع؛ فقال: أحسنت، وضرب دابّته داخلاً، فرجع إلينا فأخبرنا بالخبر، فأرسلنا إلى قيس، فجاءنا، فأجمع ملؤهم أن أعود إلى المرأة؛ فأخبرها بعزيمتنا لتخبرنا بما تأمر، فأتيت المرأة، وقلت: ما عندك؟ قالت: هو متحرز متحرّس، وليس من القصر شيء إلا والحرس محيطون به غير هذا البيت؛ فإن ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطريق، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه، فإنكم من دون الحرس؛ وليس دون قتله شيء. وقالت: إنكم سترون فيه سراجاً وسلاحاً، فخرجت فتلقّاني الأسود خارجاً من بعض منازله؛ فقال: ما أدخلك علىّ؟ ووجأ رأسي حتى سقطت؛ وكان شديداً، وصاحت المرأة فأدهشته عنّي؛ ولولا ذلك لقتلني؛ وقالت: ابن عمي جاءني زائرا؛ فقال: اسكتي لا أبا لك! فقد وهبته لك فتزيّلت عني فأتيت أصحابي فقلت النجاة الهرب وأخبرتهم الخبر، فإنّا على ذلك حيارى إذ جاءني رسولها: لا تدعنّ ما فارقتك عليه، فإني لم أزل به حتى اطمأنّ. فلمّا أمسينا عملنا في أمرنا، وقد واطأنا أشياعنا، وعجلنا عن مراسلة الهمدانيين والحميريين، فنقبنا البيت من خارج، ثم دخلنا وفيه سراج تحت جفنة، والتقينا بفيروز - وكان أنجدنا وأشدنا - فقلنا: انظر ماذا ترى؟ فخرج ونحن بينه وبين الحّرس معه في مقصورته، فلمّا دنا من باب البيت سمع غطيطا شديداً، فإذا المرأة جالسة، فلمّا قام على الباب أجلسه الشيطان، فكلّمه على لسانه وإنه ليغطّ جالساً. وقال أيضاً: مالي ولك يا فيروز! فخشى إن رجع أن يهلك وتهلك المرأة، فعاجله فخالطه وهو مثل الجمل، فأخذ برأسه فقتله، فدقّ عنقه، ووضع ركبتيه في ظهره فدقّه، ثم قام ليخرج، أخذت المرأة بثوبه، وهي ترى أنّه لم يقتله، فقالت: أين تدعني؟ قال: أخبر أصحابي بمقتله؛ فأتانا، فقمنا معه، فأردنا حزّ رأسه، فحرّكه الشيطان فاضطرب فلم يضبطه. فقلت: اجلسوا على صدره، فجلس اثنان على صدره، وأخذت المرأة بشعره، وسمعنا بربرة، فأمرّ الشّفرة على حلقه، فخار كأشدّ خوار ثور سمعته قطّ.\rفابتدر الحرس الباب وهم حول المقصورة، فقالت المرأة: النبي يوحى إليه؛ فخمد، ثم سمرنا ليلتنا ونحن نأتمر كيف نخبر أشياعنا؛ ليس غيرنا ثلاثتنا فيروز وداذويه وقيس، فاجتمعنا على النداء بشعارنا الذي بيننا.\rروى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: أتي الخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم من السماء الليلة التي قتل فيها العنسيّ ليبشّرنا فقال: قتل الأسود البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين قيل: ومن هو؟ قال: فيروز.\rوعن فيروز؛ قال: قتلنا الأسود، وعاد أمرنا كما كان، إلا أنّا أرسلنا إلى معاذ؛ فتراضينا عليه، فكان يصلّى بنا في صنعاء، فو الله ما صلّى بنا إلا ثلاثا ونحن راجعون مؤمّلون، حتى أتي الخبر بوفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فانتقضت الأمور، وأنكرنا كثيرا ممّا كنا نعرف، واضطربت الأرض.\rوكانت مدّة العنسىّ من حين ظهور أمره إلى أن قتل ثلاثة أشهر. وعن الضحاك بن فيروز، قال: كان ما بين خروجه بكهف خبّان إلى مقتله نحوا من أربعة أشهر، وقد كان قبل متسرّاً بأمره حتى نادى بعد.","part":5,"page":190},{"id":2191,"text":"وقال أبو بشر الدّولابي: إنه قتل في خلافه أبي بكر رضي الله عنه. والله أعلم.وقيل: أتي الخير بمقتله إلى المدينة في آخر ربيع الأوّل، سنة إحدى عشرة، بعد إنفاذ جيش أسامة بن زيد، فكان ذلك أول فتح لأبي بكر الصديق رضي الله عنه. روى أبو عمر بن عبد البر بسند يرفعه إلى شرحبيل بن مسلم الخولاني أن الأسود بعث إلى أبي مسلم عبد الله الخولاني، فلما جاءه قال: أتشهد أنّي رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم فردد ذلك عليه كل ذلك يقول، فردّد ذلك يقوم مثل ذلك. قال: فأمر بنار عظيمة فأجّجت، ثم ألقى فيها أبا مسلم، فلم تضرّه شيئاً. فقيل له: انفه عنك والا أفسد عليك من اتبعك، فأمره بالرّحيل، فأتى أبو مسلم المدينة وقد قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واستخلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فأناخ أبو مسلم راحلته بباب المسجد، وقام فصلّى إلى سارية، وبصربه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ممّن الرجل؟ فقال: من أهل اليمن، قال: ما فعل الذي أحرقه الكذّاب بالنار؟ قال: ذاك عبد الله بن ثوب، وقال: أنشدك الله أنت هو! قال: اللّهم نعم، قال: فاعتنقه عمر، وبكى. ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين أبي بكر، ثم قال: الحمد لله الذي لم يمتنى حتى أرى في أمّة محمد صلّى الله عليه وسلّم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله صلّى الله عليه وسلّم. هذا ما كان من أمر العنسىّ، وأمّا بقية الكذّابين؛ فسنذكر أخبارهم عند ذكرنا تجهيز أبي بكر الجيوش إن شاء الله تعالى.\rغزوة أبي بكر\rوقتاله أهل الردة وعبس وذبيان قالوا: لما قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ارتدّت العرب كلّها إلا قريشاّ وثقيفا، وأتت وفود العرب إلى أبي بكر الصّديق رضي الله عنه مرتدّين يقروّن بالصّلاة، ويمنعون الزكاة، فلم يقبل ذلك منهم وردّهم، وقال: والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدّونها إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لقاتلتهم عليها. وخرج في جمادى الآخرة منها، واستخلف على المدينة أسامة بن زيد، وقيل: سنانا الضّمرىّ، وسار فنزل بذى القصّة.\rوكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث نوفل بن معاوية الدّيملىّ على الصّدقة، فلقيه خارجة بن حصين بالشّربّة فأخذ ما في يديه، وردّه على بني فزارة، ورجع نوفل إلى أبي بكر بالمدينة.\rفأوّل حرب كانت في الرّدة بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حرب العنسىّ باليمن، ثم حرب خارجة بن حصين ومنظور بن زبّان بن سيار في غطفان، والمسلمون غارّون، فانحاز أبو بكر إلى أكمة فاستتر بها، ثم هزم الله المشركين.\rوروى أن أوّل غزاة غزاها أبو بكر، كانت إلى بنى عبس وذبيان، وأنه قاتلهم وهزمهم، وأتبعهم حتى نزل بذي القصّة، وكان ذلك أول الفتح، ووضع أبو بكر رضى الله عنه: ليقتلنّ في المشركين بمن قتلوا من المسلمين وزيادة.\rوقدمت رسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من اليمن واليمامة وبلاد بنى أسد، ووفود من كان كاتبه النبي صلى الله عليه وسلم.\rوأمر أمره في الأسود ومسيلمة وطلحة بالأخبار والكتب، فدفعوا كتبهم إلى أبي بكر، وأخبروه الخبر؛ فقال لهم: لا تبرحوا حتى تجىء رسل أمرائكم وغيرهم بأدهى مما وصفتم، وأمرّ بانتقاض الأمور؛ فلم يلبثوا أن قدمت كتب أمراء النبي صلّى الله عليه وسلم الله عليه وسلم من كلّ مكان بانتقاض، عامة أو خاصة، وتبسّط من ارتدّ على المسلمين بأنواع الميل.","part":5,"page":191},{"id":2192,"text":"فحاربهم أبو بكر رضى الله عنه بما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يحاربهم، حاربهم بالرسل، فردّ رسلهم، وأتبع الرسل رسلاً، وانتظر بمصادمتهم قدوم أسامة بن زيد، وطرقت المدينة صدقات نفر كانوا على الصّدقة؛ وهم صفوان بن صفوان، والزّبرقان بن بدر، وعدىّ بن حاتم؛ فازداد المسلمون قوّة، ثم قدم أسامة بن زيد، فاستخلفه أبو بكر على المدينة ومعه جنده ليستريحوا. ثم خرج بمن كان معه، فناشده المسلمون ليقيم، فأبى وقال: لأواسينّكم بنفسى، فسار إلى حسىً وذي القصّّة حتى نزل بالأبرق، فقاتل من به من المشركين فهزمهم، وأخذ الحطيئة أسيراً، وأقام بالأبرق أياماً ثم رجع إلى المدينة، ولحق من انهزم من عبس وذبيان وطليحة. وروى عن هشام بن عروة عن أبيه أنّ أوّل من صادم أبو بكر رضى الله عنه بنى عبس وذبيان، عاجلوه، فقاتلهم قبل رجوع أسامة. ولما قدم أسامة استخلف على المدينة، ومضى حتى انتهى إلى الرّبذة، فتلقّى بنى عبس وذبيان وجماعةً من بنى عبد مناة بن كنانة، فلقيهم بالأبرق، فقاتهلم فهزمهم الله عز وجلّ وفلّهم، ثم رجع إلى المدينة فعقد الألوية.\rوالله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\rعقد أبى بكر\rرضى الله عنه الألوية وتجهيزه الجيوش لقتال أهل الردة وما كاتب به من ارتد وما عهد. قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبرىّ رحمه الله في تاريخه ما مختصره ومعناه: لما رجع أبو بكر رضى الله عنه إلى المدينة، وأراح أسامة وجنده ظهرهم وجمّوا، وقد جاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم، قطع أبو بكر البعوث وعقد الألوية، فعقد أحد عشر لواءً: عقد لخالد بن الوليد، وأمره بطليحة؛ فإذا فرغ سار إلى مالك ابن نويرة بالبطاح إن أقام له. وعقد لعكرمة وأمره بمسيلمة الكذّاب باليمامة. وعقد للمهاجر بن أبي أميّة، وأمره بجنود العنسىّ ومعونة الأنباء على قيس بن المكشوخ، ومن أعانه من أهل اليمن عليهم، ثم يمضى إلى كندة بحضرموت.\rوعقد لخالد بن سعيد بن العاص، وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشام. وعقد لعمرو بن العاص وأرسله إلى جماع قضاعة ووديعة والحارث. وعقد لحذيفة بن محض الغلفانىّ، وأمره بأهل دبا.\rابن هرثمة، وأمره بمهرة وأمرهما أن يجتمع كل واحد منها في عمله. وبعث شرحبيل بن حسنة في أثر عكرمة بن أبي جهل وقال: إذا فرغ من اليمامة فالحق بقضاعة؛ وأنت على خيلك تقاتل أهل الرّدة. وعقد لمعن بن حاجز - ويقال: لطريفة بن حاجز - وأمره ببنى سليم ومن معهم من هوازن وعقد لسويد بن مقرّن؛ وأمره بتهامة اليمن.\rوعقد للعلاء بن الحضرمىّ، وأمره بالبحرين.\rففصلت الأمراء من ذي القصّة، ولحق بكلّ أمير جنده، وعهد إلى كل أمير منهم، وكتب رضى الله عنه إلى سائر من ارتد نسخةً واحدةً، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى من بلغه كتابى هذا من عامّة أو خاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه. سلام على من اتبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضّلالة والعمى، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلاّ هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأقرّ بما جاء به. أما بعد؛ فإنّ الله أرسل محمداً بالحقّ من عنده إلى خلقه بشيراً ونذيراً، ودّاعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً؛ لينذر من كان حيّاً، ويحقّ القول على الكافرين، فهدى الله للحقّ من أجاب إليه وضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بإذنه من أدبر عنه؛ حتى صار الإسلام طوعاً وكرهاً، ثم توفى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد نفذ لأمر الله، ونصح لأمّته، وقضى الذي عليه. وكان الله قد بيّن له ذلك ولأهل الأسلام في الكتاب الذي أنزله؛ فقال: \" إنّك ميت وإنّهم ميّتون \" ، وقال: \" وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن متّ فهم الخالدون \" ، وقال للمؤمنين: \" وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرّسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزى الله الشّاكرين \"","part":5,"page":192},{"id":2193,"text":"فمن كان إنما يعبد محمداً، صلّى الله عليه وسلّم؛ فإنّ محمداً قد مات، ومن كان إنّما يعبد الله وحده لا شريك له، فإنّ الله له بالمرصاد، حىّ قيّوم لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوّه، يجزيه. وإني أوصيكم بتقوى الله، وحظّكم ونصيبكم من الله، وما جاء به نبيكم، وأن تهتدوا بهداه، وحظّكم ونصيبكم من الله، وأنّ كل من لم يهده الله ضالّ، وكل من لم يعافه الله مبتلى، وكل من لم يعنه الله مخذول. فمن هداه الله كان مهتدياً، ومن أضلّه كان ضالاّ، فإنّه قال: \" من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشداً \" ولم يقبل منه في الدّينا عمل حتى يقرّبه، ولم يقبل له في الآخرة صرف ولا عدل.\rوقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أنّ أقرّ بالإسلام، وعمل به اغتراراً بالله وجهالةً بأمره، وإجابه للشيطان. وقال الله جل ثناؤه: \" وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاّ إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه، أفتتّخذونه وذريّته أولياء من دونى وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلاً \" .\rوقال: \" إنّ الشّيطان لكم عدوّ فاتّخذوه عدوّا إنّما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السّعير \" .\rوإنّي بعثت إليكم فلاناً في جيش من المهاجرين والأنصار والتّابعين لهم بإحسان، وأمرته ألاّ يقاتل أحداً ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقرّ وكفّ، وعمل صالحاً قبل منه، وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنيران ويقتلهم كل قتله، ويسبى النساء والذرارىّ، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام.\rفمن اتّبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولى أن يقرأ كتابي في كلّ مجمع لكم.\rوالدّاعية الأذان؛ فإذا أذّن المسلمون فأذّنوا كفّوا عنهم، وإن لم يؤذّنوا عاجلوهم؛ وإن أذّنوا اسألوهم ما علّتهم، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقرّوا قبل منهم وحملهم على ما ينبغى لهم.\rقال: فنفذت الرّسل بالكتب أمام الجنود، وخرجت الأمراء ومعهم العهود.\rبسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلان؛ حين بعثه فيمن بعث لقتال من رجع عن الأسلام؛ عهد إليه أن يتّقى الله ما استطاع في أمره كلّه؛ سّره وعلانيته، وأمره بالجدّ في الله ومجاهدة من تولّى عنه، ورجع عن الإسلام، فإن أجابوه أمسك عنهم، وإن لم يجيبوه شنّ غارته عليهم حتى يقرّوا له، ثم ينبئهم بالّذي عليهم والذي عليهم والذي لهم، ويأخذ ما عليهم ويعطيهم الذي لهم؛ لا ينظرهم، ولا يردّ المسلمين عن قتال عدوّهم، فمن أجاب إلى أمر الله وأقرّ له قبل ذلك منه، وأعانه عليه بالمعروف \" وإنّما يقاتل من كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله \" ، وإذا أجاب الدّعوة لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه فيما استسر به، ومن لم يجب داعية الله قتل وقوتل حيث كان، وحيث كان بلغ مراغمه؛ لا يقبل من أحد شيئاً أعطاه إلاّ الإسلام، فمن أجابه وأقرّ قبل منه وعلّمه، ومن أبي قاتله؛ فإن أظهره الله عليه قتل منهم كلّ قتلة، بالسلاح والنّيران، ثم قسم ما أفاء الله عليه إلاّ الخمس، فإنه يبلّغناه، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وألاّ يدخل \" فيهم حشواً حتى يعرفهم ويعلم ما هو؛ لا يكونوا عيوناً، ولئلاّ يؤتى المسلمون من قبلهم وأن يقتصد \" بالمسلمين، ويرفق بهم في السير والمنزل، ويتفقدهم ولا يعجل بعضهم عن بعض، ويستوصى بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول. والله تعالى أعلم بالصواب، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد.\rطليحة الأسدى\rوما كان من أمره وأمر من اتبعه من قبائل العرب وما آل إليه أمره بعد ذلك","part":5,"page":193},{"id":2194,"text":"كان خبر طليحة بن خويلد الأسدىّ؛ أسد خزيمة، أنّه ارتد في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلم وادّعى النّبوة، فلمّا ظهر أمره وجّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضرار بن الأزور إلى عمّاله على بنى أسد، وأمرهم بالقيام في أمر طليحة ومن ارتدّ معه، ونزل المسلمون بواردات، ونزل المشركون بسميراء. فضعف أمر طليحة، ومازال المسلمون فى نماء، والمشركون في نقصان حتى همّ ضرار بن الأزور أن يسير إلى طليحة، ولم يبق أحد إلاّ أخذه سلما، فأتّفق أنّه ضرب ضربة بسيف فنباعنه، وشاعت تلك الضربة في النّاس، وقالوا: إنّ السلاح لا يعمل في طليحة، فبينما الناس على ذلك إذ ورد الخبر بوفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فما أمسى المسلمون من ذلك اليوم حتّى عرفوا النقصان، وكثر جمع طليحة واستطار أمره، وادّعى أنّ جبريل يأيته، وسجع للناس الأكاذيب فكان مما أتى به قوله: \" والحمام واليمام، والصّوّام، قد ضمن قبلكم بأعوام، ليبلغنّ ملكنا العراق والشام \" . وأمر طليحة الناس بترك السجود في الصّلاة، وتبعه كثير من العرب، وكان أكثر أتباعه أسد وغطفان وطيّىء، ولما انهزمت عبس وذبيان التحقوا به ببزاخة، وأرسل طليحة إلى جديلة والغوث - وهما حيّان من طيّىء - أن ينضموا إليه، فتعجّل إليه أناس من الحيّين، وأمروا قومهم باللّحاق بهم، فقدموا على طليحة وكانوا معه. وبعث أبو بكر رضى الله عنه عدّى بن حاتم الطّائىّ قبل توجيهه خالد بن الوليد إلى قومه، وقال: أدركهم لا يؤكلوا؛ فخرج عدىّ إليهم؛ ففتلهم في الذروة والغارب \" ، وخرج خالد بن الوليد فى أثره، وأمره أبو بكر رضى الله عنه أن يبدأ بطيّىء على الأكناف؛ ثم يكون وجهه إلى البزاخة ثم يثلث بالبطاح ولا يبرح إذا فرغ من قوم حتى يأذن له، وأظهر أبو بكر أنّه خارج إلى خبير ومنصب عليهم منها، حتى يلاقيه بالأكناف، أكناف سلمى.\rقال ابن الكلبيّ: وإنّما قال ذلك أبو بكر مكيدةً حتى يبلغ ذلك عدوّة فيرعبهم، وكان قد أوعب مع خالد الناس، فخرج خالد، فازوارّ عن البزاخة وجنح إلى أجأ، وقدم عدىّ بن حاتم عليهم؛ ودعاهم إلى الإسلام؛ فأجابوه بعد امتناع، وقالوا له: أخر عنّا الجيش حتى نستخرج من ألحق بالبزاخة منّا، فإنّا إن خالفنا طليحة وهم في يديه قتلهم أو ارتهنهم، فاستقبل عدىّ خالداً وهو بالسّنح، فقال: ياخالد، أمسك عنى ثلاثاً؛ تجتمع لك خمسمائة مقاتل تضرب بهم عدوّك؛ خير من أن تعجلهم إلى النّار. وتشاغل بهم، ففعل وعاد إليهم وقد أرسلوا إلى إخوانهم؛ فأتوهم من بزاخة كالمدد، ففعل وعاد إليهم وقد أرسلوا إلى أخوانهم؛ فأتوهم من بزاخة كالمدد، ولولا ذلك لم يتركوا، فعاد عدىّ بإسلامهم إلى خالد، وارتحل خالد يريد جديلة، فقال له عدىّ؛ فلم يزل بهم حتى بايعوه؛ فجاء بإسلامهم، ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب، فكان خير مولود ولد في أرض طيّىء وأعظمه عليهم بركة.","part":5,"page":194},{"id":2195,"text":"قال هشام الكلبى: وسار خالد بن الوليد إلى طليحة، وكان أبو بكر رضى الله عنه قد جعل ثابت بن قيس على الأنصار وأمره إلى خالد، فلمّا دنا خالد من القوم، بعث عكّاشة بن محصن، وثابت ابن أقرم بن ثعلبة العجلانّى البلوىّ حليف الأنصار طليعةً؛ حتى إذا والله كذّاب، فانصرفوا وانهزم الناس فغشوا طليحة، يقولون: ماذا تأمرنا؟ وكان طليحة قد أعدّ فرسه وراحلته عنده، فلمّا غشيه النّاس قام فوثب على فرسه، وحمل امرأته النّوار على الراحلة فنجا بها، وقال للناس: من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فليفعل، ثم سلك الجوشية ولحق بالشام فارفضّ جمعه، وقتل الله من قتل منهم، وأتت قبائل سليم وهوازن وفزارة أسد وغطفان، وتلك القبائل يقولون: ندخل فيما خرجنا منه، ونؤمن بالله وبرسوله ونسلّم لحكمه في أموالنا وأنفسنا. فبايعهم خالد بن الوليد على الإسلام، ثمّ أقبلت بنو عامر بعد هزيمة أهل بزاخة، يقولون: ندخل فيما خرجنا منه، فبايعهم خالد على ما بايع عليه أهل البزاخة من أسد وغطفان وطيّىء قبلهم، وأعطوه بأيديهم الإسلام. قال أبو الحسن علىّ المعروف بابن الأثير: وكانت بيعته: عليكم عهد الله وميثاقه لتؤمننّ بالله ورسوله، ولتقيمنّ الصلاة ولتؤتنّ الزكاة، وتبايعون على ذلك أبناءكم ونساءكم! فيقولون: نعم، ولم يقبل من أحد منهم إلا أن يأتوه بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على المسلمين في حال ردتهم فأتوه بهم فقبل منهم إلا قرة بن هبيرة سيد بني عامر ونفر معه أوثقهم ومثل بالذين عدوا على المسلمين فأحرقهم بالنيران بالحجارة، ورمى بهم من الجبال، ونكّسهم في الآبار وأرسل إلى أبي بكر يعلمه ما فعل، ورضخهم، وبعث بقرّة وبالأسارى إلى أبي بكر رضى الله عنه وكتب إليه: إنّ بنى عامر أقبلت بعد إعراض، ودخلت في الإسلام بعد تربّص، وإنّى لم أقبل من أحد سألنى شيئاً حتى يجيئونى بمن عدا على المسلمين، فقتلتهم كلّ قتلة، وبعثت إليك بقرّة وأصحابه. فكتب أبو بكر إليه: ليزدك ما أنعم لله به عليك خيراً، فاتّق الله في أمرك، فإنّ الله مع الّذين اتقوا والّذين هم محسنون، جدّ في أمر الله ولا تنينّ ولا تظفرنّ بأحد قتل المسلمين إلا قتلته، ونكّلت به غيره.\rوكان عيينة بن حصن ممن أسر، روى عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود. قال: أخبرني من نظر إلى عيينة بن حصن مجموعة يداه إلى عنقه في حبل، ينخسه غلمان المدينة بالجريد يقولون: أي عدوّ الله، أكفرت بالله بعد إيمانك! فيقول: والله ما كنت آمنت بالله قطّ؛ حكاه أبو جعفر الطبرى.\rقال: فتجاوز أبو بكر رضى الله عنه، وحقن له دمه. والله سبحانه وتعالى أعلم. وأمّا طليحة وما آل إليه أمره؛ فإنّه لحق بالشام، ثم نزل على كلب، فأسلم حين بلغه إسلام أسد وغطفان، ولم يزل في بنى كلب حتى مات أبو بكر الصديق رضى الله عنه. وخرج في خلافة أبي بكر إلى مكة معتمرا، ومرّ بجنبات المدينة. فقيل لأبي بكر هذا: طليحة، فقال: ما أصنع به؟ خلّوا عنه، فقد هداه الله للإسلام. فمضى نحو مكة، فقضى عمرته، ثم أتى عمر بن الخطاب رضى الله عنه للبيعة حين استخلف، فقال له عمر: أنت قاتل عكّاشة وثابت! والله لا أحبّك أبدا؛ فقال: يا أمير المؤمنين ما تنقم من رجلين أكرمهما الله بيدىّ، ولم يهنّى بأيديهما! فبايعه عمر ورجع إلى دار قومه فأقام حتى خرج إلى العراق.\rتميمم وسجاح\rابنة الحارث بن سويد كان من خبر بنى تميم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته فرّق عمّاله فيهم، فكان الزّبرقان بن بدر على الرّباب وعوف والأنباء؛ وكان سهم بن منجاب وقيس بن عاصم على مقاعس والبطون، وصفوان بن صفوان وسبرة بن عمرو على بنى عمرو هذا على بهدى وهذا على خضم قبيلتين من بني تميم ووكيع بن مالك ومالك بن نويرة على بنى حنظلة، هذا على بنى مالك، وهذا على بنى يربوع.\rفأمّا صفوان فإنّه لما أتاه الخبر بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب إلى أبي بكر الصّديق رضى الله عنه بصدقات بنى عمرو وما ولى منها وبما ولى سبرة، وأقام سبرة فى قومه لحدث إن ناب. وأمّا قيس بن عاصم فإنه قسّم ما وليه من الصّدقات في مقاعس والبطون؛ وإنّما فعل ذلك مخالفةً للزبرقان. 0.","part":5,"page":195},{"id":2196,"text":"وأمّا الزبرقان فإنّه أتبع صفوان بالصّدقات التي أخذها ممّن كانت تليه، وقدم بها إلى المدينة على أبي بكر وهو يقول ويعرّض بقيس بن عاصم:\rوفيت بأذواد الرّسول وقد أبت ... سعاة فلم يردد بعيراً مجيرها\rثم ندم قيس بن عاصم على ما كان منه، فلما أظلّه العلاء بن الحضرمىّ تلقّاه بالصّدقة، وخرج معه؛ وقال في ذلك:\rأبلغا عنّى قريشاً رسالة ... إذا ما أتتها بيّنات الودائع\rقال: وتشاغل الناس فى تلك الحال بعضهم ببعض، ونشب الشّر، فتشاغلت عوف والأنباء بالبطون والرباب بمقاعس، وتشاغلت عمرو وخضّم بمالك وبهدى بيربوع؛ فبينا الناس في بلاد تميم على ذلك قد شغل بعضهم بعضا، فمسلمهم بإزاء من قدّم رجلاً وأخّر أخرى، وتربّص وارتاب؛ إذ فجئتهم سجاج ابنة الحارث، قد أقبلت من الجزيرة؛ وكانت ورهطها في بنى تغلب، وعقّة بن هلال في النّمر، وزياد بن فلان في إياد، والسّليل بن قيس في بنى شيبان، فأتاهم أمر دهىّ؛ هو أعظم مما فيه الناس؛ لهجومها عليهم، ولما هم فيه من اختلاف الكلمة والتشاغل بما بينهم. وكانت سجاح ابنة الحارث ابن سويد بن عقفان هي وبنو أبيها بنو عقفان في بنى تغلب، فاستجاب لها الهذيل، وترك النّصرانية، فراسلت مالك بن نويرة ودعته إلى الموادعة، فأجابها وحملها على أحياء بنى تميم، فقالت: نعم فشأنك بمن رأيت، فإنما أنا امرأة من بنى يربوع، فإن كان ملك فالملك ملككم. وأرسلت إلى بنى مالك وحنظلة تدعوهم إلى الموادعة. فخرج عطارد بن حاجب، وسروات بنى مالك، حتى نزلوا فى بني العنبر على سبرة بن عمرو هرّابا، وخرج أشباههم من بنى يربوع حتى نزلوا على الحصين بن نيار فى بنى في بنى مازن، وقد كرهوا ما صنع مالك، فلما جاءت رسلها إلى بنى مالك تطلب الموادعة أجابها إلى ذلك وكيع بن مالك فاجتمع وكيع ومالك بن نويرة وسجاح، وقد وادع بعضهم بعضاً، واجتمعوا على قتال الناس، وقالوا: بمن نبدأ؟ بخضّم أم ببهدى، أم بعوف والأنباء، أم بالرّباب؟ وكفّوا عن قيس بن عاصم لما رأوا من تردّده وطمعوا فيه. فقالت سجاح: \" أعدّوا الركاب، واستعدّوا للنّهاب، ثم أغيروا على الرّباب، فليس دونهم حجابّ \" ، وصمدت سجاح للأحفار حتى تنزل بها، وقالت لهم: \" إنّ الدّهناء حجاز بنى تميم، ولن تعدو الرّباب، إذا شدّها المصاب، أن تكون بالدّجانى والدّهانى، فلينزلها بعضكم \" .\rفتوجّه مالك بن نويرة إلى الدّجانى فنزلها، وسمعت بهذا الرّباب، فاجتمعوا لها: ضبّتها وعبد مناتها، فولى وكيع وبشر بنى بكر بن ضبّة، وولى ثعلبة بن سعد عقّة، وولى عبد مناة الهذيل، فالتقى وكيع ويشر وبنو بكر من بني ضبة فهزما وأسر سماعة ووكيع وقعقاع، وقتلت قتلى كثيرة، فاجتمع بعد ذلك رؤساء أهل الجزيرة، وقالوا لسجاح: ماذا تأمريننا؛ فقد صالح مالك ووكيع قومهما فلا ينصروننا؟ فقالت: اليمامة؛ فقالوا: إنّ شوكة أهل اليمامة شديدة، وقد غلظ أمر مسيلمة فقالت: \" عليكم باليمامة، ودفّوا دفيف الحمامة، فإنها غزوة صرّامة، ولا يلحقكم بعدها ملامة \" ، فنهدت لبنى حنيفة، وبلغ ذلك مسيلمة فهابها، وخاف إن هو شغل بها أن يدهمه شرجبيل بن حسنة والقبائل، فأهدى لها، ثم أرسل إليها يستأمنها على نفسه حتى يأتيها.\rفأنزلت الجنود على الأمواه له وأمّنته، فجاءها في أربعين من بنى حنيفة. وكانت سجاح راسخةً في النّصرانية، قد علمت من علم نصارى تغلب، فقال لها مسيلمة: لنا نصف الأرض، وكان لقريش نصفها لو عدلت، وقد ردّ الله عليك النصف الذي ردت قريش، فحباك به، وكان لها لو قبلت؛ فقالت: \" لا تردّ النّصف إلاّ من حنف، فاحمل النّصف إلى خيل تراها كالسّهف \" فقال مسيلمة: \" \" سمع الله لمن سمع، وأطعمه بالخير إذا طمع، ولا زال أمره في كلّ ما سرّ نفسه يجتمع. رآكم ربّكم فحيّاكم، ومن وحشة خلاّكم، ويوم دينه أنجاكم فأحياكم، علينا من صلوت معشر أبرار؛ لا أشقياء ولا فجّار، يقومون الليل ويصومون النهار، لربّكم الكبار، ربّ الغيوم والأمطار \" .","part":5,"page":196},{"id":2197,"text":"وقيل: إنّ مسيلمة لما نزلت به سجاح أغلق الحصن دونها. فقالت له: إنزل. قال: فنحّى عنك أصحابك أصحابك، ففعلت. فقال مسيلمة: اضربوا لها قبّة وجمّروها لعلها تذكر الباه، ففعلوا، فلمّا دخلت القّبّة نزل مسيلمة. فقال لأصحابه: ليقف ها هنا عشرة، ثمّ دارسها. فقالت: ما أوحى إليك؟ فقال: \" ألم تر إلى رّبّك كيف فعلى بالحبلى، أخرج منها نسمةً تسعى، من بين صفاق وحشى \" قالت: وماذا: أيضاً؟ قال: أوحى إلى ّ \" إنّ الله خلق النساء أفراجا، وجعل الرجال لهن أزواجاً، فنولج فيهنّ قعساً إيلاجاً، ثم نخرجها إذا شئنا إخراجاً، فينتجن لنا سخالاً إنتاجاً \" . قالت: أشهد أنّك نبىّ. قال: هل لك أن أتزوّجك، وأذلّ بقومى وقومك العرب؟ قالت: نعم فقال:\rالا قومى إلى الّنيك ... فقد هيّى لك المضجع\rفإن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففى المخدع\rوإن شئت سلقناك ... وإن شئت على أربع\rوإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع\rقالت: بل به أجمع. قال: بذلك أوحى إلىّ، فأقامت عنده ثلاثة أيام، انصرفت إلى قومها. فقالوا لها: ما عندك؟ قالت: كان على حقّ، فاتبعته فتزوّجته، قالوا: هل أصدقك شيئا؟ قالت: لا قالوا: فارجعى إليه، فقبيح على مثلك أن ترجع بغير صداق، فرجعت. فلما رآها مسيلمة أغلق الحصن وقال: مالك؟ قالت: أصدقنى صداقا. قال: من مؤذّنك؟ قالت: شبث بن ربعىّ. قال: علىّ به، فأتاه. فقال: ناد في أصحابك: إن مسيلمة رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمّد: صلاة الفجر، وصلاة العشاء الآخرة.\rقال: وكان من أصحابها الزّبرقان بن بدر وعطارد بن حاجب ونظراوّهم. فقال: إنّ عامّة بنى تميم الرّمل لا يصلّونها، فانصرفت سجاح ومعها أصحابها، فقال عطارد بن حاجب:\rأمست نبيّتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا\rوقيل: إنّها صالحت مسيلمة على أن يحمل لها النّصف من غلاّت اليمامة: وأبت إلا السنة المقبلة يسلفها، فأعطى لها النصف وقال: خلفي على السّلف من يجمعه لك، وانصرفي أنت بنصف العام، فانصرفت بالنصّف إلى الجزيرة وخلفت الهذيل وعقة وزياداً لينجزوا النصف الثاني، فلم يفجأهم إلا دنوّ خالد بن الوليد، فارفضّوا. وكان من أمر مسيلمة وقتله ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى. قال: ولم تزل سجاح بالجزيرة في أخوالها من بنى تغلب حتى نقلهم معاوية بن أبي سفيان عام الجماعة، وجاءت معهم وحسن إسلامها وإسلامهم، وانتقلت إلى البصرة وماتت بها.\rوقيل: بل لمّا قتل مسيلمة سارت إلى أخوالها بالجزيرة، فماتت عندهم، ولم يسمع لها بذكر، والله تعالى أعلم.\rقال أبو جعفر الطبري رحمه الله: وخرج الزّبرقان والأقرع إلى أبى بكر؛ وقالا: اجعل لنا خراج البحرين؛ ونضمن لك ألاّ يرجع من قومنا أحد، ففعل. وكتب الكتاب، وكان الذي يختلف بينهم طلحة بن عبيد الله، وأشهد شهودا، منهم عمر بن الخطاب، فلما أتى عمر بالكتاب فنظر فيه لم يشهد، ثم قال: لا والله لا كرامة! ومزقه ومحاه، فغضب طلحة، وأتى أبا بكر، فقال: أنت الأمير أم عمر؟ فقال: عمر؛ غير أن الطاعة لي، فسكت.\rوشهد الزبرقان والأقرع مع خالد المشاهد كلها حتى اليمامة، ثم مضى الأقرع ومعه شرحبيل إلى دومة الجندل.\rمسير خالد إلى البطاح\rومقتل مالك بن نويرة قال أبو جعفر رحمه الله: لما انصرفت سجاح إلى الجزيرة ارعوى مالك بن نويرة، وندم وتحير في أمره، وعرف وكيع وسماعة قبح ما أتيا، فرجعا رجوعاً حسناً؛ ولم يتجبرا، وأخرجا الصدقات واستقبلابها خالد بن الوليد، فقال خالد: ما حملكما على موادعة هؤلاء القوم؟ فقالا: ثأركنا نطلبه في بني ضبة","part":5,"page":197},{"id":2198,"text":"فسار خالد يريد البطاح دون الحزن، وعليها مالك بن نويرة، وقد ترددت الأنصار على خالد، وتخلفت عنه. وقالوا: ما هذا بعهد الخليفة إلينا، إن الخليفة عهد إلينا إن نحن فرغنا من البزاخة واستبرأنا بلاد القوم أن نقيم حتى يكتب إلينا؛ فقال خالد: إن يك عهد إليكم هذا، فقد عهد إلى أن أمضى، وأنا الأمير، وإلى تنتهي الأخبار، ولو أنه لم يأتني له كتاب ولا أمر، ثم رأيت فرصة فكنت إن أعلمته فاتتنى لم أعلمه حتى أنتهزها، وكذا لو ابتلينا بأمر ليس منه عهد إلينا فيه لم ندع أن نرى أفضل ما بحضرتنا ثم نعمل به، وهذا مالك بن نويرة بحيالنا، وأنا قاصد له ومن معي من المهاجرين والتابعين بإحسان، ولست أكرهكم.\rومضى خالد، وندمت الأنصار وتذامروا، وقالوا: إن أصاب القوم خيراً، إنه لخير حرمتوه، وإن أصابتهم مصيبة ليجتنبنكم الناس، فاجمعوا اللحاق بخالد، وجردوا إليه رسولا، فأقام عليهم حتى لحقوا به، ثم سار ح0تى لحق البطاح، فلم يجدوا به أحداً. ووجد مالك بن نويرة قذفرقهم في أموالهم، ونهاهم عن الاجتماع حين تردد عليه أمره، وقال: يا بني يربوع، إنا قد كنا عصينا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الأمر فوجدت الأمر لا يتأنى لهم بغير سياسة، فإياكم ومناوأة قوم صنع لهم، فتفرقوا إلى دياركم، وادخلوا في هذا الأمر. فتفرقوا على ذلك إلى أموالهم.\rوخرج مالك بن نويرة حتى رجع إلى منزله. فلما قدم خالد البطاح بث السرايا وامرهم بداعية الإسلام أن يأتوه بكل من لم يجب، وإن امتنع أن يقتلوه. فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع، من عاصم وعبيد، وعرين وجعفر، فاختلفت السرية فيهم، وفيهم أبو قتادة - وكان ممن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا - فلما اختلفوا فيهم أمر بهم خالد فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شىء، وجعلت تزداد بردا، فامر خالد منادياً فنادى: أدفئوا أسراكم. وكانت في لغة كنانة إذا قالوا: دثروا الرجل فأدفئوه، كان دفؤه قتله، فظن القوم - وهي لغتهم القتل - أنه أراد القتل، فقتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكاً، وسمع خالد الواعية، فخرج وقد فرغ منهم فقال: إذا أراد الله أمراً أصابه.\rوقد اختلف القوم فيهم؛ فقال أبو قتادة: هذا عملك! فزبره خالد فغضب، ومضى حتى أتى أبا بكر، فغضب عليه أبو بكر حتى كلمه عمر فيه، فلم يرض إلا أن يرجع إلى خالد، فرجع إليه حتى قدم معه المدينة.\rوتزوج خالد أم تميم انبة المنهال، وتركها لينقضى طهرها، وكانت العرب تكره النساء في الحرب، فقال عمر لأبي بكر: إن في سيف خالد رهقاً، فإن لم يكن هذا حقاً حق عليه أن تقيده، وأكثر عليه في ذلك، وكان أبو بكر لا يقيد من عماله - فقال: هبه يا عمر تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد. وودي مالكاً، وكتب إلى خالد أن يقدم ففعل، فأخبره خبره فعذره وقبل منه، وعنفه في التزويج الذي كانت تعيب عليه العرب.\rوقيل: إن عمر بن الخطاب ألح على أبي بكر في عزل خالد. وقال: إن في سيفه رهقاً. فقال: يا عمر، لم أكن أشيم سيفاً سله الله على الكافرين.\rوقيل: ولما أقبل خالد قافلاً دخل المسجد وعليه قباء، عليه صدأ الحديد، معتجراً بعمامة له، قد غرز فيها أسهماً، فقام إليه عمر فانتزع الأسهم من راسه فحطمها، ثم قال: أقتلت أمرأ مسلماً ثم نزوت على امرأته! والله لأرجمنك بأحجارك، وخالد لا يكلمه ولا يظن إلا أن رأى بكر على مثل رأى عمر فيه، حتى دخل على أبي بكر فأخبره الخبر، فاعتذر إليه، فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك.\rوخرج خالد حين رضى عنه أبو بكر وعمر جالس في المسجد، فقال: هلم إلى يا بن أم شملة؛ فعرف عمر أن أبا بكر قد رضى عنه فلم يكلمه، ودخل بيته.\rوالله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبي، ونعم الوكيل.\rمسيلمة الكذاب\rوقومه من أهل اليمامة","part":5,"page":198},{"id":2199,"text":"كان من خبر مسيلمة أنه لما قدم وفد بني حنيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما قدمناه في السيرة النبوية في أخبار الوفود، وكان مسيلمة في رحالهم، فلما أجازهم رسول لله صلى الله عليه وسلم. قالوا: يا رسول الله، خلفنا صاحباً لنا في رحالنا يبصرها لنا، في ركابنا يحفظها علينا؛ فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر لأصحابه، وقال: \" ليس بشركم مكاناً لحفظه ركابكم ورحالكم \" ، فقيل ذلك لمسيلمة، فقال: عرف أن الأمر إلى من بعده.\rثم ادعى النبوة بعد ذلك، وكان الرجال بن عنفوة قد هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،فتعلم القرآن من أبى بن كعب، وفقه في الدين، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم معلماً لأهل اليمامة، وليشغب على مسيلمة؛ ويشدد من أمر المسلمين، وكان أعظم فتنة على نبي حنيفة من مسيلمة، شهد له أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه قد أشرك معه؛ فصدقوه واستجابوا له، وأمروه بمكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم، ووعدوه إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه.\rوقبض رسول اله صلى الله عليه وسلم؛ والأمر على ذلك، فقويت شوكة مسيلمة، واشتد أمره، وكثرت جموعه، وتمكن الرجال بن عنفوة من مسيلمة، وعظم شأنه عنده، فكان لا يخالفه في أمر ولا يقول شيئاً إلا تابعه عليه، وكان مسيلمة يصانع كل أحد ممن اتبعه، ويتابعه على رأيه، ولا يبالي أن يطلع الناس مه على قبيح، وضرب حرماً باليمامة؛ فكان محرماً، فوقع ذلك الحرمن في الأحاليف، أفخاذ من بني أسيد كانت دراهم اليمامة، فصار مكان دراهم الحرم، والأحاليف: سيحان ونمارة، وبنو جروة، فكانوا يغيرون على ثمار أهل اليمامة، فإن نذروا بهم فدخلوا الحرم أحجموا عنهم، وإن لم ينذروا بهم فذاك ما يريدون؛ فكثر ذلك منهم، حتى استعدوا عليهم مسيلمة، فقال: انظروا الذي يأتي من السماء فيكم وفيهم، ثم قال لهم: \" والليل الأطحم، والذئب الأدلم، ما انتهكت أسيد من محرم \" ، ثم عادوا للغارة والعدوى، فقال: انتظروا الذي يأتينى. ثم قال: \" والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت اسيد من رطب ولا يابس \" ؛ فقالوا: أما النخيل فمرطبة وقد جدوها، أما الجدران فيابسة وقد هدموها، فيقال: اذهبوا وارجعوا فلا حق لكم.\rوكان فيما يقرؤه لهم فيهم: إن بني تميم قوم طهر لقاح، لا مركوه عليهم ولا إتارة، نجاورهم ما حيينا بإحسان، نمنعهم من كل إنسان، فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن \" .\rوكان يقول: والشاء وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض؛ إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فما لكم تمجعون!.\rوكان يقول: يا ضفدع انبة ضفدع، نقى ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين.\rوقال أيضاً: والمبذرات زراعاً، والحاصدات حصداً، والزارعات قمحاً، والطاحنات طحناً، والخابزات خبزاً، والثاردات ثرداً، واللاقمات لقماً، إهالة وسمناً، لقد فضلتم على الوبر، وما سبقكم أهل المدر؛ ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والباغي فناوئوه.\rقالوا: وأتته امرأة فقالت: إن نخلنا لسحق، وإن آبارنا لجرز فادعى الله لمائنا ونخلنا، كما جعا محمد لأهل هزمان، ففعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا للنخل، وتمضمض من الماء، ومجه في الآبار، فيبست المخل، وغارت الآبار.\rوقيل: إنه نزل على أولاد بني حنيفة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر بيده على رءوسهم، وحنكهم، فقرع ولثع من فعل به ذلك، وظهر ذلك كله بعد مهلكه.\rقالوا:وجاء طلحة النمري، فقال: أين مسيلمة؟ فقالوا مع رسول الله! فقال: لا، حتى أراه، فلما جاءه قال: أنت مسيلمة؟ قال: نعم، قال: من ياتيك؟ قال: رحمن، قال: أفي نور أو في ظلمة؟ فقال: في ظلمة، فقال: أشهد أنك كذاب، وأن محمداً صادق، ولكم كذاب ربيعة أحب إلى من صادق مضر.\rوالله سبحانه أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\rذكر الحروب الكائنة بين المسلمين وبين مسيلمة وبين أهل اليمامة وقتل مسيلمة\rقد ذكرنا أن أبا بكر الصديق لما عقد الأولوية، عقد لعكرمة ابن أبي جهل، وأمره بمسيلمة، ثم أردفه شرحبيل بن حسنة، فعجل عكرمة، وبادر الحرب ليذهب بصوتها، فواقعهم، فنكبوه، وأقام شرحبيل في الطريق حتى أدركه الخبر.","part":5,"page":199},{"id":2200,"text":"وكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى عكرمة: يا بن أم عكرمة؛ لا أرينك ولا تراني على حالها، ولا ترجع فتوهن الناس، امض على وجهك حتى تساند حذيفة وعرفجة، فقاتل معهما أهل عمان ومهرة، وإن شغلا فامض أنت، ثم يسير ويسير جندك؛ تستبرئون من مررتم به حتى تلتقوا أنتم والمهاجر بن أبي أمية باليمن وحضرموت.\rوكتب إلى شرحبيل يأمره بالمقام حتى يأتيه أمره، ثم كتب إليه قبل ان يوجه خالد بن الوليد بأيام إلى اليمامة: إذا قدم عليك خالد ثم فرغتم - إن شاء الله - فالحق بقضاعة حتى تكون ا،ت وعمرو بن العاص على من أبى منهم وخالف.\rفلما قدم خالد على أبي بكر الصديق رضي الله عنه من البطاح رضي عنه، وقبل عذره كما ذكرنا، ووجهه إلى مسيلمة، وأوعب معه الناس، وجعل على كل قبيلة رجلاً، وجعل على المهاجرين أبا حذيفة بن عتبة، وجعل على الأنصار ثابت بن قيس بن شماس، وتعجل خالد حتى قدم عل أهل العسكر بالبطاح، وانتظر البعث الذي ضرب بالمدينة، فلما قدم عليه نهض حتى أتى اليمامة، وبنو حنيفة يومئذ تزيد عدتهم على أربعين ألف مقاتل. وعجل شرحبيل بن حسنة، وبادر بالقتال قبل وصول خالد كما فعل عكرمة، فنكب كما نكب، فلما قدم خالد لأمه، وسار خالد حتى إذا أطل على بني حنيفة أسند خيولاً لعقة والهذيل وزياد، وقد كانوا أقاموا على خرج أخرجه لهم مسيملة ليلحقوا به سجاح، وإنما أسند خالد تلك الخيول مخافةن أن ياتوه من خلفه، وأمد أبو بكر رضي الله عنه خالداً بسليط بن عمرو بن عبد شمس العامري القرشي ليكون ردءاً له من أن يأتيه أحد من خلفه؛ فخرج.\rفلما دنا من خالد وجد تلك الخيول التي انتابت تلك البلاد قد فرقوا فهربوا، فكان منهم قريباً لهم، وأما مسيلمة فإنه لما بلغه دنو خالد بن الوليد منه عسكر بعقرباء، واستنفر الناس، فجعل الناس يخرجون إليه، وخرج مجاعة بن مرارة بن سلمى الحنفي اليمامى - وكان رئيساً من رؤساء بني حنيفة - في سرية يطلب بثأر له في بني عامر وبني تميم، فلما كان خالد من عسكر مسيلمة على ليلة، إذا مجاعة وأصحابه وقد غلبهم الكرى - وكانوا راجعين من بلاد بني عامر - فعرسوا دون ثنية اليمامة، فوجدوهم نياماً وأرسان خيولهم بأيديهم تحت خدودهم، ولا يشعرون بقرب الجيش منهم، فانبهوهم، وقالوا: من أنتم؟ قالو: مجاعة، وهذه حنيفة، فأوثقوهم، وأقاموا إلى أن جاءهم خالد فأتوه بهم، فظن أنهم جاءوه ليستقبلوه، فقال: متى سمعتم بنا؟ قالوا ما شعرنا بك، إنما خرجنا لثأر لنا فيمن حولنا من بني عامر وتميم، فأمر بهم أن يقتلوا، فقالوا: إن كنت تريد بأهل اليمامة غداً خيراً أو شراً فاستبق هذا، ولا تقتله - يريدون مجاعة - فقتلهم كلهم دونه، وكانوا ثلاثة وعشرين راكباً - وقيل: أربعين. وقيل: ستين - وصبر مجاعة، وسار اليمامة،فخرج مسيلمة وبنو حنيفة، فنزلوا بعقرباء، وهي طرف اليمامة؛ دون الأموال، وريف اليمامة وراء ظهورهم.\rوقال شرحبيل بن مسيلمة: يا بني حنيفة، اليوم يوم الغيرة، اليوم إن هزمتم تستردف النساء سبيات، وينكحن غير حظيات، فقاتلوا عن احسابكم، وامنعوا نساءكم.\rفالتقوا بعقرباء واقتتلوا، وكانت راية المهاجرين يومئذ مع سالم مولى أبي حذيفة. وقيل: بل كانت مع زيد بن الخطاب، فلما قتل أخذها سالم، فقالوا له: تخشى علينا من نفسك شيئاً؟ فقال: بئس حامل القرآن إنا إذاً! وكانت راية الأنصار مع ثابت ابن قيس بن شماس، وكانت العرب على راياتها، وسجاعة في الأسر مع أم تميم زوجة خالد في فسطاطها، واقتتل الناس أشد قتال، ولم يلق المسلمون حرباً مثلها، فانهزم المسلمون وخلص بنو حنيفة إلى خالد، فزال عن الفسطاط، ووصلوا إليه وقطعوه، ودخل أناس من بني حنيفة على أم تميم، فأرادوا قتلها، فمنعها مجاعة. وقال: أنا لها جار، فنعمت الحرة! فدفعهم عنها.\rثم أن المسلمين تداعوا؛ فقال ثابت بن قيس: بئسما دعوتم أنفسكم إليه يا معشر المسلمين، اللهم إني أبرأ إليك مما يعبد هؤلاء - يعني أهل اليمامة - وأعتذر إليك مما يصنع هؤلاء - يعني المسلمين - ثم قاتل حتى قتل، قطعت رجله فرمى بها قاتله فقتله.\rوله رضى الله عنه خبر عجيب نذكره إن شاء الله تعالى في آخر هذه الوقعة - قالوا: وحمل خالد في الناس حتى ردهم أبعد ما كانوا، واشتد القتال، وكانت الحرب يومئذ تارة للمسلمين، وتارة عليهم، وقتل سالم وأبو حذيفة وزيد بن الخطاب وغيرهم.","part":5,"page":200},{"id":2201,"text":"فلما رأى خالد ما الناس فيه، قال: امتازوا اليوم أيها الناس، لنعلم بلاء كل حي، ولنعلم من أين نؤتى! فلما امتازوا قال بعضهم لبعض: اليوم نستحي من الفرار. وقاتل الناس قتالاً عظيماً، وثبت مسيلمة، فعرف خالد أن الفتنة لا تركد إلا بقتل مسيلمة، فبرز ودعا إلى البراز، فما يبرز له أجد إلا قتله، ودعا مسيلمة فأجابه؛ وعرض عليه أشياء، فكان إذا هم بجوابه أعرض بوجهه يستشير شيطانه، فينهاه أن يقبل، فأعرض بوجهه مرة، فركبه خالد وأرهقه فأدبر، وزال أصحابه، فكانت هزيمتهم، وقالوا: لمسيلمة: أين ما كنت تعدنا؟ فقال: قاتلوا عن أحسابكم. نادي المحكم بن الطفيل: يا بني حنيفة، الحديقة الحديقة! فدخلوها، وأغلقوا بابها عليهم.\rقال: وكان البراء بن مالك أخو أنس؛ إذا حضر الحرب أخذته رعده حتى يقعد الرجال عليه، ثم يبول، فإذا بال ثار كما يثور الأسد، فأصابه ذلك، فقال: إلى أيها الناس؛ أنا البراء بن مالك؛ وقاتل قتالاً شديداً، فلما دخل بنو حنيفة الحديقة، قال البراء: يا معشر المسلمين، ألقوني عليهم فيها. فقالوا: لا نفعل، فاحتمل حتى أشرف على الجدار واقتحمها عليهم، وقاتل على الباب، وفتحه المسلمون، ودخلوا عليهم، فاقتتلوا أشد قتال، وكثر القتل بين الفريقين، فلم يزالوا كذلك حتى قتل مسيلمة، واشترك في قتله وحشى، مولى جبير بن مطعم قاتل حمزة بن عبد المطلب، ورجل من الأنصار، فولت حنيفة عند قتله منهزمة، وأخذهم السيف من كل جانب. وقتل محكم اليمامة، قتله عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، رضى الله عنه؛ رماه بسهم في نحره وهو يخطب ويحرض الناس فقتله، وقتل من المهاجرين والأنصار من أهل المدينة ثلثمائة وستون، ومن المهاجرين من غير المدينة ثلثمائة، وقتل من بني حنيفة بعقرباء سبعة آلاف، وفي حديقة الموت مثلها، وفي الطلب نجو منها؛ وخرج خالد بجماعة يرسف في الحديد ليدله على مسيلمة فجعل يكشف القتلى حتى مر بحكم بن الطفيل وكان رجلاً جسيماً فلما رآه خالد قال: هذا صاحبكم؟ قال: لا، هذا والله خير منه وأكرم؛ هذا محكم اليمامة، ثم مضى حتى دخل الحديقة، فقلب له القتلى، فإذا رويجل أصيفر أخنيس. فقال مجاعة: هذا صاحبكم قد فرغتم منه؛ فقال خالد لمجاعة: هذا فعل بكم ما فعل! قال؛ قد كان ذلك يا خالد، وإنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس، وإن جماهير الناس لفى الحصون، فقال: ويلك، ما تقول! قال: هو والله الحق، فهلهم لأصالحكم على قومي.\rوجاء عبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر إلى خالد، فقالا له: ارتحل بالناس، فانزل على الحصون، فقال: دعاني أبث الخيول فألتقط من ليس في الحصون ثم رأى؛ فبث الخيول فحووا ما وجدوا من مال وصبيان، فضموهم إلى العسكر، ونادى بالرحيل لينزل على الحصون، فقال له مجاعة: إنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس، فإن الحصون لمملوءة رجالاً، فهلم إلى الصلح على ما ورائي، فصالحه على كل شئ دون النفوس؛ ثم قال مجاعة: أنطلق إليهم فأشاروهم، وننظر في هذا الأمر، ثم أرجع إليك، فدخل مجاعة الحصون وليس فيها إلا النساء والصبيان ومشيخة فانية، ورجال ضعفى، فظاهر الحديد على النساء، وأمرهن بنشر شعورهن، وأن يشرفن على رءوس الحصون حتى يرجع إليهم، ثم رجع إلى خالد، فقال قد أبوا أن يجيزوا ما ضيعت، وقد أشرف لك بعضهم نقضاً على، وهم مني براء، فنظر خالد إلى رءوس الحصون. وقد اسودت وقد نهكت المسلمين الحرب، وأحبوا أن يرجعوا على الظفر. فقال: مجاعة لخالد: إن شئت صنعت شيئاً، فعزمت على القوم؛ تأخذ منى ربع السبى وتدع ما بقى؛ فقال خالد: قد فعلت. قال: قد صالحتك، فلما فرغا فتحت الحصون، فإذا ليس فيها إلا النساء والصبيان. فقال خالد لمجاعة: ويحك! خدعتني. فقال: قومي، ولم أستطع إلا ما صنعت.\rوقيل: إن خالداً صالح مجاعة على نصف السبى، والصفراء، والبيضاء، والحلقة، والكراع، وحائط من كل قرية يختار خالد، ومزرعة يختارها، فتقاضوا على ذلك، ثم سرحه وقال: أنتم بالخيار ثلاثاً، والله لئن لم تتموا وتقبلوا لأنهدن إليكم، ثم قال: لا أقبل منكم خصلة أبداً إلا القتل، فأتاهم مجاعة،فقال: أما الآن فاقبلوا، فقال سلمة بن عمير الحنفي: لا والله لا نقبل؛ تبعث إلى أهل القرى والعبيد، فنقتل ولا تقاضى خالداً؛ فإن الحصون حصينة، والطعام كثير، والشتاء قد حضر.","part":5,"page":201},{"id":2202,"text":"فقال له مجاعة: إنك امرؤ مشئوم، وغرك أني خدعت القوم حتى أجابوني إلى الصلح، وهل بقى منكم أحد فيه خير وبه دفع! وإنما أنا بادرتكم.\rفخرج مجاعة سابع سبعة حتى أتى خالداً. فقال: يعد شر ما رضوا اكتب كتابك، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قاضى ليه خالد بن الوليد مجاعة بن مرارة وسلمة بن عمير، وفلاناً وفلاناً، قاضاهم على الصفراء والبيضاء ونصف السبى، والحلقة والكراع، وحائط من كل قرية ومزرعة، على أن يسلموا، ثم أنتم آمنون بأمان الله، لكم ذمة خالد بن الوليد، وذمة أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذمم المسلمين على الوفاء.\rووصل كتاب أبي بكر إلى خالد بقتل كل محتلم، وكان قثد صالحهم فوفى لهم. ثم إن خالد بن الوليد قال لمجاعة: زوجني ابنتك، فقال مجاعة: مهلاً، إنك قاطع ظهرك وظهري معك عند صاحبك. قال: أيها الرجل،ن زوجني، فزوجه، فبلغ ذلك أبا بكر فكتب، إليه كتاباً يقطر الدم؛ يقول: يا بن أم خالد؛ إنك لفارغ، تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسليمن لم يجفف بعد! فلما نظر خالد في الكتاب جعل يقول: هذا عمل الأعيسر - يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه.\rوبعث خالد وفداً من بني حنيفة إلى أبي بكر، فقدموا عليه. فقال لهم: ويحكم! ما هذا الذي استنزل منكم ما استنزل؟ قالوا: يا خليفة رسول الله، قد كان الذي بلغك مما أصابنا، كان امراً لم يبارك الله له، ولا لعشيرته فيه. قال. على ذلك، ما الذي دعاكم به؟ قالوأ: كان يقول: يا ضفدع نقى نقى، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون.\rفقال أبو بكر رضي الله عنه: سبحان الله، ويلكم؟ إن هذا الكلان ما خرج من إل ولا بر، فأين يذهب بكم! قال أبو جعفر؛: لما فرغ خالد من اليمامة، وكان منزله الذي به التقى الناس أباض واد من أودية اليمامة؛ ثم تحول إلى واد من أوديتها يقال له: الوبر، فكان منزله بها.\rثابت بن قيس\rبن شماس في مقتله وتنفيذ وصيته للرؤيا التي رئيت بعد مقتله قد أشرنا عند ذكر مقتله أن له خبراً عجيباً نذكره، وراينا إيراده ها هنا توفيه للشرط.\rحكى الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله، قال: لما انكشف المسلمون يوم اليمامة. قال ثابت بن قيس وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حفر كل واحد منهما له حفرة، وثبتا وقاتلاً حتى قتلا. وكان على ثابت يومئذ درع له نفسية، فمر به رجل من المسلمن فأخذها، فبينا رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت في منامه، فقال له: إني أوصيك بوصية، فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه؛ إني لما قتلت أمس مربى رجل من المسلمين، فاخذ درعي، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستن في طوله، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل، فأت خالداً فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني أبا بكر - فقل له: إن على من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقى عتيق.\rفأتى الرجل خالداً فأخبره، فبعث إلى الدرع فأتى بها.\rوحدث أبا بكر برؤياه، فأجاز وصيته من بعد موته. قال: ولا نعلم أحداً أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس رحمه الله تعالى.\rأهل البرحين\rومن ارتد منهم وانضم إلى الحطم وما كان من امرهم والحطم اسمة شريح بن ضبيعة. قال أبو عبيدة في سبب تسميته بالحطم: إنه كان غزا اليمن في جموع جمعها من ربيعة، فغنم وسبى بعد حرب كانت بينه وبين كندة، أسر فيها فرعان ابن مهدي بن معدي كرب عم الأشعث بن قيس، وأخذ على طريق مفازة؛ فضل بهم دليلهم، ثم هرب منهم، ومات فرعانن عطشاً، وهلك منهم ناس كثيرون بالعطش، وجعل شريح يسوق بأصحابه سوقاً حثيثا حتى نجوا، ووردوا الماء؛ فقال فيخ رشيد بن رميض هذه الأبيات:\rبات يقاسيها غلام كالزلم ... نام الحداة وابن هند لم ينم\rهذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم\rخدلج الساقين خفاق القدم ... ليس براعي إبل ولا غنم\rولا بجزار على ظهر وضم\rفقلب يومئذ الحكم لذلك.","part":5,"page":202},{"id":2203,"text":"قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله: كان من حديث أهل البرحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكى هو والمنذر ابن ساوى في شهر واحد، ثم مات المنذر بعد رسول الله حروف بقليل، وارتد بعده أهل البرحين، فأمام عبد القيس ففاءت، وأما بكر فتمت على الردة، وكان الذي ثنى عبد القيس الجارود بن المعلى. وقيل فيه: الجارود بنعمرو بن حبيش بن يعلى، واسمه - فيما يقال - بشر بن عمرو، وإنما قيل له الجارود؛ لأنه أغار في الجاهلية على بكر بن وائل، فأصابهم فجردهم.\r- وهذه الزيادة في اسم الجارود معن غير الطبري - قال أبو جعفر: وكان الجارود قد قدم على رسول الله حروف، وكان نصرانياً فأسلم، ومكث بالمدينة حتى فقه، ثم رجع إلى قومه فكان فيهم؛ فلم يلبث إلا قليلاً حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالت عبد القيس: لو كان محمد عبد القيس؛ إني سائلكم عن أمر فأخبرني به إن علمتموه، ولا تجيبوني إنلم تعلموا؛ قالوأك سل عما بدا لك. قال: تعلمون أنه كان لله تعالى أنبياء فيما مضى؟ قالوا: نعم، قال: ترونه أو تعلمونه؟ قالوا: لا، بل نعلمه. قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا؛ قال: فغن محمداً صلى الله عليه وسلم مات كما ماتوا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله،وأن محمداً عبده ورسوله؛ قالوا: ونحن نشهد أن لا غله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك فسيدنا وأملنا.\rوثبتوا على إسللامهم وخلوا بين سائر ربيعة وبين المنذر بن ساوى، فكان المنذر مشتغلاً بهم حياته، فلما مات حصر أصحابه في مكانين، فكانوا كذلك حتى انقذهم العلاء بن الحضرمي.\rقال: ولما ارتدت ربيعة ومن تابعها. قالوا: نرد الملك في آل المنذر، فملكوا المنذر بن النعمان بن المنذر، وكان يسمى الغرور، فكان يقول بعد ذلك حين أسلم الناس وغلبهم السيف: لست بالغرور، ولكني المغرور.\rقال: ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم خرج الحجطم بن ضبيعة أخو قيس بن ثعلبة فيمن اتبعه من بكر بن وائل على الردة، ومن تأشب إليه من غير المرتدين؛ ممن لم يزل كافراً حتى نزل القطيف وهجر، وبعث بعثاً إلى دارين، فأقاموا به ليجعل عبد القيس بينه وبينهم، وكانوا مخالفين لهم، يمدون المنذر والمسلمين، وأرسل إلى الغرور ابن أخي النعمان بن المنذر، فبعثه إلى جؤاثي، وقال له: اثبت، فإني إن ظفرت ملكتك بالبحرين حتى تكون كالنعمان بالحيرة، وبعث إلى جواثي فحصرهم، وألحوا عليهم، وفي المسلمين المحصورين رجل من صالحي المسلمين. يقال له: عبد الله بن حذف، أحد بني بكر بن كلاب، فاشتد عليه وعليهم الجوع حتى كادوا يهلكوا؛ فقال عبد الله بن حذف في ذلك:\rألا أبلغ أبا بكر رسولاً ... وفتيان المدينة أجمعينا\rفهل لكم إلى قوم كرام ... قعود في جؤاتى محصرينا\rكأن دماءهم في كل فج ... شعاع الشمس يغشى الناظرينا\rتوكلنا على الرحمن إنا ... وجدنا الصبر للمتوكلينا\rوكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه قد عقد للعلاء بن الحضرمي، وأمره بالبحرين كما قدمنا ذكر ذلك، فسار العلاء فيمن معه، فلما كان بحيال اليمامة لحق به ثمامة بن أثال في مسلمة بني حنيفة، وخرج مع العلاء من بني عمرو وسعد والرباب مثل عسكره، وسلك الدهناء فنزل، وأمر الناس بالنزول، فنزلوا، فنفرت الإبل في جوف الليل، فما بقى بعير ولا زاد ولا مزاد ولا بناء إلا ذهب عليها في عرض الرمل، وذلك حين نزل الناس، وقبل أن يحطوا، فما هجم على جمع من الغم ما هجم عليهم، وأوصى بعضهم إلى بعض، ونادى منادي العلاء: اجتمعوا، فاجتمعوا إليه؛ فقال: ما هذا الذي قد ظهر فيكم، وغلب عليكم؟ فقال الناس: وكيف نلام ونحن إن بلغنا غدا لم تحم شمسه حتى نصير حديثاً، فقال: أيها الناس، لا ترعوا، ألستم مسلمين! ألستم في سبيل الله! ألستم أنصار الله! قالوا: بلى. قال: فابشروا فوالله لا يخذل الله منكانفي مثل حالكم.","part":5,"page":203},{"id":2204,"text":"ونادى المنادى بصلاة الصبح حين طلع الفجر، فصلى بهم، منهم المتيم، ومنهم من لم يزل على طهره، فلما قضى صلاته جثا لركبتيه، وجثا الناس، فنصب في الدعاء، ونصبوا معه، فلمع لهم سراب الشمس، فالتفت إلى الصف. فقال: رائد ينظر ما هذا، ففعل، ثم رجع فقال: سراب. فأقيل على الدعاء، ثم لمع لهم آخر، فكذلك، ثم لمع لهم آخر، فقال: ماء، فقام وقام الناس معه، فمشوا حتى نزلوا عليه، فشربوا واغتسلوا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل تكرد من كل وجه، فأناخت عليهم، فأقام كل رجل إلى ظهره، فأخذه.\rقال منجاب بن راشد: فما فقدنا سلكاً؛ فأرويناها وأسقيناها العلل بعد النهل، وتروينا، ثم تروحنا. وكان أبو هريرة رفيقي فلما غبنا عن ذلك المكان. قال لي: كيف علمك بموضع ذلك الماء؟ فقلت: أنا من اهدى العرب بهذه البلاد. قال: فكن معي حتى تقيمنى عليه، فكررت به، فأتيت به على ذلك المكان، فقلت: لولا أني لا أرى الغدير لأخبرتك ان هذا هو المكان، وما رأيت بهذا المكان ماء ناقعاً قبل اليوم، وإذا إداواة مملوءة، فقال: يا أبا سهم، هذا والله المكان، ولهذا رجعت بك، وملأت إدواتي ثم وضعتها على شفيره. فقلت: إن كان منا من المن وكانت آية عرفتها، وإن كان غياثاً عرفته، فإذا من من المن؛ فحمد الله. ثم سرنا حتى ننزل هجر.\rقال: فأرسل العلاء بن الحضرمي إلى الجارود ورجل آخر: أن انضما في عبد القيس حتى تنزلاً على الحكم مما يليكما، وخرج هو فيمن جاء معه، وفيمن قدم عليه حتى ينزل عليه ما يلى هجر، وتجمع المشركون كلهم إلى الحكم إلا أهل دارين، وتجمع المسلمون كلهم إلى العلاء، وخندق المسلمون والمشركون، فكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خندقهم، فكانوا كذلك شهراً.\rفبينا الناس ليلة إذ سمع المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء شديدة، كانها ضوضاء هزيمة أو قتال، فقال العلاء: من يأتينا بخبر القوم؟ فقال عبد الله بن حذف: أنا آتيكم بخبر القوم؛ فخرج حتى إذا دنا من خندقهم أخذوه؛ فقالوا له: من أنت؟ فانتسب لهم، وجعل ينادي: يا أبجراه! فجاء أبجر فعرفه فقال: ما شأنك؟ فقال: لا أصغر بين اللهازم، فقال: والله إني لأظنك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة. فقال: دعني من هذا، وأطعمني؛ فإني قد مت جوعاً؛ فقرب له طعاماً فأكل، ثم قال: زودني واحملني، فحمله على بعير، وخرج عبد الله بن حذف حتى دخل عسكر المسلمين، فأخبرهم أن القوم سكارى، فخرج المسلمون عليهم حتى اقتحموا عسكرهم، فوضعوا السيوف فيهم حيث شاءوا، واقتحوا الخندق هرابا فتمرد وناج، ودهش ومقتول او مأسور، واستولى المسلمون على ما في العسكر، ولم يسلم رجل إلا بما عليه، فأما أبجر فأفلت؛ وأما الحطم فإنه دهش، وطار فؤاده، فقام إلى فرسه - والمسلمون خلالهم - فلما وضع رجله في الركاب انقطع به فمر به، عفيف بن المنذر والحطم يستغيث؛ يقول: ألا رجل يعقلني! فعرف صوته، فقال: أعطنى رجلك، فأعطاه رجله فنفخها فأطنها من الفخذ، وتركه، فقال: أجهز على؛ فقال: لا، إني أحب ألا تموت حتى أمضك. وجعل الحكم لا يمر به أجد من المسليمن في الليل إلا قال: هل لك في الحكم أن تقتله! حتى مر عليه قيس بن عاصم فقتله، فلما رأى فخذه ناردة، قال: واسوأتاه لو علمت الذي به لم أحركه! وخرج المسلمون بعدما أخذوا الخمدق على القوم يطلبونهم، فلحق قيس بن عاصم أبجر، فطعنه قيس في العرقوب فقطعه، فكانت رادة، وأصبح العلاء فقسم الأنفال، ونفل رجالاً من أهل البلاء ثياباً.\rوأما أهل عمان ومهرة واليمن، فإن حذيفة بن محصن الحميري وعرفجة سارا إلى القوم، فاقتتل المسلمون وأهل عمان قتالاً شديداً فهزم المسلمون المرتدين، وقتلوا منهم في المعركة عشرة آلاف، وسبوا الذاررى، وجمعوا الغنائم، وبعثوا الخمس إلى أبي بكر، وقسموا ما بقى، ثم خرجوا نحو مهرة، فكشف الله جنود المرتدين، وقتل رئيسهم، وركبهم المسلمون، فقتلوا منهم من شاءوا، وأصابوا من شاءوا، وخمسوا الغنائم، وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر الصديق رضى الله عنه، وقسموا ما بقى.\rوأما من بقى من بقية الأمراء الذين عقد لهم أبو بكر رضي الله عنه، وبعثهم إلى من ارتد من قبائل العرب، فإن كان أمير سار إلى من بعثه إليه فمن رجع عن الرد، وفاء إلى الإسلام قبل منه ومن أبى قتل، وأطفأ الله تلك النبران.","part":5,"page":204},{"id":2205,"text":"روى عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أنه قال: لقد أقمنا بعد رسول اله صلى الله عليه وسلم مقاماً كدنا نهلك فيه، لولا أن الله تعالى من علينا بأبي بكر، جمعنا على أن نقاتل على ابنة مخاض وابنة لبون، وأن نأكل قرى عرينة، ونعبد الله حتى يأتينا اليقين.\rفعزم الله لأبي بكر على قتالهم، فو الله ما رضى منهم إلا بالخطة المخزية أو الحرب المجلية، فأما الخطة المخزية فأن يقروا بأن من قتل منهم في النار، وأن من قتال منا في الجنة، وأن يدوا قتلانا، ونغنم ما أخذنا مهم، وما أخذوا منا مردود علينا، وأما الحرب المجلية فأن يخرجوا من ديارهم. وكانت هذه الحروب التي ذكرناها.\rوهذه الوقائع كلها في سنة إحدى عشرة، وكان فيها حوادث أخر غير ما ذكرناها، نذكرها إن شاء الله تعالى في حوادث السنين في خلافة أبي بكر رضى الله عنه بعد نهاية الغزوات. والله أعلم.\r؟ذكر مسير خالد بن الوليد إلى العراق ؟وما افتتحه وما صالح عليه وما قرره من الجزية كان إرسال خالد بن الوليد إلى العراق في المحرم سنة ثلاث عشرة من الهجرة.\rقالوا: وكان الذي هاج أبا بكر رضى الله عنه؛ أن المثنى بن حارثة الشيباني كان يغير على أهل فارس بالسواد، فبلغ أبا بكر والسمليمن خبره، فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: من هذا الذي تأتينا وقائعه قبل معرفة نسبه؟ فقال قيس بن عاصم: أما إنه غير خامل الذكر، ولا مجهول النسيب، ولا قليل العدد، ولا ذليل العمارة، ذلك المثنى بن حارثة الشيباني.\rثم قدم المثنى على أبي بكر، فقال: يا خليفة رسول الله، ابعثني على قومي، فإن فيهم إسلاماً، أقاتل بهن أهل فارس، وأكفيك أهل ناحيتي من العدو؛ ففعل أبو بكر رضى الله عنه ذلك.\rوقد المثنى إلى العراق، فقاتل، وأغار على أهل فارس ونواحى السواد حولاً، ثم بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبي بكر يسأله المدد ويقول: إن أمددتني وسمعت بذلك العرب أسرعوا إلى، وأذل اله المشركين، معأني اخبرك يا خليفة رسول الله، ابعث خالد بن الوليد مدداً للمثنى بن حارثة، يكون قريباً من أهل الشام، فإن استغنى عنه أهلالشام ألح على أهل العراق؛ حتى يفتح الله عليه. حكاه أبو عمر بن عبد البر من حديث الأصضمعي عن سلمة بن بلال عن أبي رجاء العطاري.\rقال: كتب أبو بكر الصديق رضى الله عنه إلى المثنى بن حارثة: إني قد وليت خالد بن الوليد، فكن معه؛ وكان المثنى بسواد الكوفة، فخرج خالد فتلقاه، وقدم معه البصرة.\rوحكى أبو الحسن على بن محمد الموصلي المعروف بابن الأثير في تاريخه: الكامل. قال: أرسل أبو بكر رضى الله عنه خالد بن الوليد من اليمامة إلى العراق، وقيل: بل قدم إلى المدينة من اليمامة، فأرسله إلى العراق، وأوصاه أن يبدأ بفرج الهند، وهو الأبله، وأن يتألف أهل فارس، وكل من كان في ملكهم من الأمم، فصار حتى نزل بيانقياً، وبارسما وأليس، فصالحه أهلها على عشرة آلاف دينار سوى جزية كسرى، وكان على كل رأس أربعة دراهم فأخذ منهم الجزية، ثم سار حتى نزل الحيرة، فخرج إليه أشرافها مع قبيضة بن إياس الطائي، وكان أميراً عليها بعد النعمان بن المنذر، فدعاهم إلى الإسلام، أو الجزية، أو المحاربة فاختاروا الجزية، فصالحهم على تسعين ومائة الف درهم، فكانت أول جزية أخذت من الفرس في الإسلام، هي والقريات التي صالح عليها، واشترط على أهل الحيرة ا، يكونوا عيوناً للمسلمين، فاجابوا إلى ذلك.\rثم سار خالد لقتال هرمز، فلما سمع هرمز بهم كتب إلى أردشير الملك بالخبر واستمده والتقيا، وخرج هرمز، ودعا خالداً للبراز ووطأ أصحابه على الغدر به، فبرز إليه خالد، ومشى نحوه راجلا، وبرز هرمز، واقتتلا، فاحتضنه خالد، وحمل اصحاب هرمز، فما شغله ذلك عن قتله، وحمل القعقاع بن عمرو، فأنهى أهل فارس وركبهم المسلون؛ وسميت هذه الوقعة: ذات السلاسل، وكانت عدة أصحاب خالد ثمانية عشر ألفاً، ونجا قباذ وأنوشجان، وأخذ خالد سلب هرمز، وكانت قلنسوته بمائة ألف، وبعث بالفتح والأخماس إلى أبي بكر، وسار حتى نزل بموضع الجسر الأعظم بالبصرة، وبعث المثنى بن حارثة في آثارهم، وبعث مقرن إلى الأبلة ففتحها، وجمع الأموال بها والسبى.\rوقيل: إن الأبله فتحت في خلافة عمر على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وحاصر المثنى حصن المرأة، فافتتحه، وأسلمت المرأة.\rوقعة المثنى","part":5,"page":205},{"id":2206,"text":"قال: ولما وصل كتاب هرمز إلى أردشير بخبر خالد، وأمده بقارن بن قريانس، فلقيه المنهزمون، فرجعوا معه وفيهم قباذ وا،وشجان، فنزلوا الثنى - وهو النهر - وسار إليهم خالد، والتقوا، واقتتلوا، فبرز قارن فقتله معقل بن الأشعى، وقتل عاصم أنوشجان وقتل عدى قباذ، وقتل من الفرس مقتله عظيمة يبلغون ثلاثين ألفاً؛ سوى من غرق في الماء، فقسم خالد الفى، بعد أن خمسه، وأرسل بالأخماس إلى المدينة، وأعطى الأسلاب من سلبها، وكانت غنيمة عظيمة، وأخذ الجزية من الفلاحين، وكانواذمة، وكان في السبى أبو الحسن البصري، وكان نصرايناً.\rوقعة الولجة\rقال: ولما وصل الخبر إلى أردشير بعث الأندرزغر وكان فارساً من مولدي السواد، وأرسل بهمن جازويه في اثره في جيش، وكان من الأندرزغر الفرس والعرب الضاحية والدهاقين، فعسكروا بالولجة، فجاءهم خالد إليها وكمن لهم كميناً، وقاتلهم قتالاً شديداً، وخرج كمين خالد من خلفم فانهزمت الأعاجم، وأخذهم خالد من أمامهم، والكمي من خلفهم، فقتل منهم خلق كثير. ومضى الأندرزغر منهزماً، فمات عطشا.\rوقعة أليس\rقال: لما أصاب خالد بن الوليد يوم الولجة ما أصاب من نصارى بكرين وائل، الذين أعانوا الفرس، غضب لهم نصارى قومهم، فكاتبوا الرس، واجتمعوا على أليس، وعليهم عبد الأسود العجلي، وكتب أردشير إلى بهمن جاذويه، وأمره بالقدم على نصارى العرب، فقدم عليهم بهمن جابان، وأمره بالتوقف عن المحاربة حتى يقدم عليه، وسار بهمن إلى أردشير يشاوره فيما يفعل، فوجده مريضاً فتوقف؛ واجتمع على جابان نصارى عجل، وهم اللات وضبيعة وجابر بن بجير، وعرب الضاحية من أهل الحيرة، فسار إليهم خالد والتقوا، واقتتلوا قتالاً شديداً؛ فقال خالد: اللهم إن هزمتهم فعلى ألا استبقى منهم من قدرت عليه؛ حتى أجرى من دمائهم نهرهم، فانهزمت فارس، فنادى منادي خالد: الأسر الأسر! إلا من امتنع فاقتلوه، فأقبل بهم المسلمون أسراء، ووكل بهم من يضرب أعناقهم، فضرب أعناقهم يوماً وليلة؛ فقال له القعقاع: لو قتلت أهل الأرض لم تجر دماؤهم، فأجرى عليه الماء فسمى ذلك الماء نهر الدم، وبلغ عدد القتلى سبعين ألفاً، وكانت الوقعة في صفر أيضاً.\rثم سار إلى امغيشيا، وأصاب فيها ما لم يصب مثله من الغنائم، وأخر بها، وبعث إلى أبي بكر بالسبى والغنائم؛ فقال أبو بكر: عجز الناسء أن يلدن مثل خالد. رضى الله تعالى عنهما.\rوقعة فرات\rبادقلى وفتح الحيرة قال: ثم سار خالد من أمعغيشيا إلى الحيرة، وحمل الرجال والأثقال في السفن، فخرج مرزبان الحيرة، وهو الأزادبه، فعسكر عند الغريين وأرسل ابنه، فقطع الماء عن السفن، فبقيت على الأرض، فسار خالد نحوه فلقيه لى فرات بادقلي، فقتله، وقتل أصحابه، فلما بلغ الأزاذبة قتل ابنه هرب بغير قتال، ونزل المسلمون على الغريين، وتحصن أهل الحيرة فحصروهم في قصورهم، وافتتح المسلمون الدروب والدور، وأكثروا القتل، فنادى أهل القصور المسلمين: قد قبلنا واحدة من ثلاث: إما الإسلام، أو الجزية، أو المحاربة، فكفوا عنهم، وصالحهم على مائة ألف وتسعين ألفا. وقيل: مائتي ألف وتعسين ألفا.\rوكان فتح الحيرة في شهر ربيع الأول، وكتب لهم خالد كتاباً، فلما كفر أهل السواد ضيعوه، فلما افتتحها المثنى ثانية عاد بشرط آخر، فلما عادوا كفروا، وافتتحها سعد بن أبي وقاص، ووضع عليهم أربعمائة ألف. فقال خالد: ما لقيت قوماً كأهل فارس، وما لقيت من أهل فارس كأهل أليس.\rبعد فتح الحيرة\rقال: وكان الدهاقين يتربصون بخالد، ما يصنع أهل الحيرة، فلما صالحهم واستأمنوا له أتته الدهاقين من تلك النواحى، فصالحوه على ألفى ألف. وقيل: ألف ألف، سوى ما كان لآل كسرى.\rوكتب إلى أهل فارس يدعوهم إلى افسلام أو الجزية فإن أجابواه وإلا حاربهم. وجبى الخراج في خمسين ليلة، وأعطاه للمسلمين، ولم يبق لأهل فارس فيما بين الحيرة ودحلة أمر، لاختلافهم بموت أردشير، إلا أنهم مجمعون على حرب خالد، وهو مقيم بالحيرة.\rفتح الأنبار","part":5,"page":206},{"id":2207,"text":"قال: ثم سار خالد إلى الأنبار، وإنما سميت الأنبار، لأن أهراء الطعام كانت بها أنابير، وكان على من بها من الجند شيرزاد صاحب ساباط، فلما التقوا أمر خالد رامته برشق السهام، وأن يقصد واعيونهم، فرشقوا رشقاً واحداً، ثم تابعوا، فأصابوا ألف عين، فسميت هذه الواقعة ذات العيون، فلما رأى شيرزاد ذلك، أرسل في طلب الصلح، فصالحه خالد على أن سلحقه مأمنه في جريدة، وليس معهم من المتاع شىء.\rوخرج شيرزاد إلى بهمن جاذويه، ثم صالح خالد من حول الأنبار وأهل كلواذى. والله سبحانه وتعالى اعلم والحمد لله وحده.\rفتح عين التمر\rقال: ولما فرغ خالد من الأنبار، استخلف عليها الزبرقان أين بدر، وسار إلى عين التمر، وبها مهران بن بهرام جوبين في جمع عظيم من العجم، وعقة بن أبي عقة في جمع عظيم من العرب؛ من النمر، وتغلب، وإياد؛ وغيرهم. فقال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب منكم، فدعنا وخالدا؛ قال: نعم، وإن احتجتم إلينا أعناكم، فالتقى عقة بخالد، فحمل خالد عليه وهو يقيم صفوفه، فاحتضنه وأسره، فانهزم أصحابه من غير قتال، وأسر أكثرهم. فلما بلغ الخبر مهران، هرب في جنده وترك الحصن، فانتهى المنهزمون إليه وتحصنوا به، فنازلهم خالد، فسألوا الأمان، فأبى، فنزلوا على حكمه، فأخذهم أسرى، وقتل عقة، ثم قتلهم عن آخرهم، وسبى كل من بالحصن وغنم ما فيه، ووجد في بيعتهم أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل، عليهم باب مغلق، فكسره وقال: ما أنتم؟ قالوا: رهن، فقسمهم في أهل البلاد، منهم: أبو زياد مولى ثقيف، وأبو عرمة جد عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر، وسيرين أبو محمد، ونصير أبو موسى، وحمران مولى عثمان بن عفان.\rوأرسل إلى أبي بكر بالخبر والخمس والسبى، فكان أول سبى قدم المدينة من العجم، وجعل خالد عل عين التمر عويمراً السلمى.\rدومة الجندل\rقال: ولما فرغ خالد من عين التمر أتاه كتاب عياض بن غنم؛ يستمده عل من بإزائه من المشركين، فسار إليه، وكان بغزائه بهراء وكلب، وغسان، وتنوخ، والضجاعم، وكانت دومة الجندل على رئيسين: أكيدر بن عبد الملك، والجودى بن ربيعة، فأما أكيدر فأشار بالصلح، ولم ير قتال خالد، فلم يقبلوا منه، فخرج عنهم، وسمع خالد بمسيره، فأرسل إلى طريقه، وأخذه أسيراً وقتله وأخذ ما كان معه، وسار حتى نزل بدومة، وجعلها بينه وبين عياض، وخرج الجودى إلى خالد في جمع ممن عنده من العرب، وأخرج طائفة إلى عياض، فهزمهم عياض، وهزم خالد من يليه، وأسر الجودى، وانخزموا إلى الحصن، فلما امتلأ أغلقوا الباب دون أصحابهم، فبقوا حوله، فقتلهم خالد، وقتل الجودى وقتل السرى إلا أسرى كلب، فإن بنى تميم قالوا: لخالد: قد أمناهم، وكانوا حلفاءهم، فتركهم لهم، ثم أخذ احصن فقتل المقاتلة، وسبى الذرية، فاشترى خالد ابنة الجودى، وكانت موصوفة بالحمال.\rوأقام خالد بدومة الجندل، فطمع الأعاجم، وكاتبهم عرب الجزيرة غضباً لعقة، فكانت وقعة حصيد والخنافس، بين القعقاع بن عمرو، خليفة خالد على الحيرة، وبين روزية وزرمهر. فقتل روزبه بحصيد، وانهزم الأعاجم إلى الخنافس؛ فتبعهم المسلمون، وهربوا إلى المصيخ، إلى الهذيل بن عمران.\rوقعة مصيخ\rقال: ولما انتهى الخبر إلى خالد تب إلى القعقاع وأبي ليلى، وواعدهم في وقت معلوم يجتمعون بالمصيخ لقتال هذيل بن عمران ومن معه، فأغاروا عليه من ثلاثة أوجه وهم نائمون فقتلوهم، وأفلت الهذيل في نفر قليل، وكثر فيهم القتل.\rوقعة الثنى والزميل\rوكان ربيعة بن بجير بالثنى والزميل - وهما شرقي الرصافة - قد خرج غضباً لعقة، فلما أصاب خالد أهل المصيخ سار إلى الثنى وبيتهم من ثلاثة أوجه، وأوقع بهم وقتلهم، فلم يفلت منهم مخبر،ن وسبى وغنم، وبعث بالخبر والخمس إلى أبي بكر الصديق رضى الله عنه، فاشترى علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - بنت ربيعة ابن بجير التغلبي، فولدت له عمر ورقية.\rوقعة الفراض","part":5,"page":207},{"id":2208,"text":"قال: ثم سار خالد إلى الفراض، وهي تخوم الشام والجزيرة، فأفطر فيها شهر رمضان لاتصال الغزوات، وحميت الروم، واستعانوا بمن يليهم من الفرس فأعانوهم، واجتمع معهم تغلب وإياد والنمر، وساروا إلى خالد، وبلغوا الران، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت الروم ومن معهم، وأمر خالد ألا يرفع عنهم السيف، فقتل ف المعركة، وفي الطلب مائة الف، وأقام خالد على الفراض عشراً، ثم أذن بالرجوع إلى الحيرة لخمس بقين من ذى القعدة شنة ثنتى عشرة، وخرج من الفراض سراً، ومعهن عدة من أصحابه يعسف البلاد، حتى أتى مكة فحج ورجع، وكانت غيبته عن الجند يسيرة؛ ولم يعلم بحجة إ من أفضى إليه بذلك.\rفتوح الشام\rقال: وفي سنة ثلاث عشرة وجه أبو بكر رضى الله عنه الجنود إلى الشأم، بعد منصرفه من مكة إلى المدينة، فبعث عمرة بن العاص قبل فلسطين، وبعث يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة، وأمرهم أن يسلجطوا على البلقاء من علياء الشام. وقيل: أول لواء عقده أبو بحكر رضى الله عنه، عند توجديهه الجنود إلى الشام لواء خالد بن سعيد بن العاص، ثم عزله قبل أن يسير، وولى يزيد بن أبي سفيان - وكان عزله عن رأى عمر - وقدم عكرمة ابن أبي جهل على أبي بكر فيمن كان معه من تهامة وعمان والبحرين، فجعل أبو بكر عكرمة ردءاً للناس. وبلغ الروم ذلك، فكتبوا إلى هرقل، فخرج هرقل حتى أتى حمص، فأعد لهم الجنود، وأرسل أخاه إلى عمرة، فخرج نحوه في تسعين ألفاً، فهابهم المسملون، وجميع فرق المسلمين واحد وعشرون ألفاً سوى عكرمة؛ فإنه في ستة آلاف، فكتبوا إلى عمرو بن العاص: ما الرأي؟ فكاتبهم أن الرأى الاجتماع، وذلك أن مثلنا إذا اجتمع لا يغلب من قلة. فاتعدوا اليرموك ليجتمعوزا به وكان المسلمون كتبوا إلى أبي بكر بمثل ما كتبوا به إلى عمرو، فجاءهم كتابه بمثل ما رأى عمرو، وبلغ ذلك هرقل، فكتب إلى بطارقته أن اجتموعا لهم، وانزلوا بالروم منزلاً واسع المطرد ضيق المهرب، ففعلوا، ونزلوا الواقواصة، وهي على ضفة اليرموك، وصار الوادي خندقاً لهم، وأقبل المسلمون، فنزلوا عليهم بحذائهم، فأقاموا صفر وشهري ربيع لا يقدرون من الروم على شىء، حتى إذا انسلخ شهر ربيع الأول، كتبوا إلى أبي بكر يستمدونه، فكتب إلى خالد بن الوليد يلحق بهم، وأن يسير في نصف العسكر، ويستخلف على النصف الآخر المثنى بن حارثة الشيباني، ففعل. والله تعالى أعلم بالصواب.\rذكر مسير خالد بن الوليد إلى الشام\rوما فعل في مسيره إلى أن التقى بجنود المسلمين بالشام لما ورد كتاب أبي بكر الصديق رضى الله عنه إلى خالد بن الوليد، يأمره بالمسير إلى الشام في نصف العسكر سار كما أمره، فلما انتهى إلى سوى أغار على أهله، وهم بهراء، وأتاهم وهم يشربون الخمر، ومغنيهم يقول:\rألا عللاني قبل جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريب وما ندري\rألا عللاني بالزجاج وكررا ... على كميت اللون صافية تجرى\rألا عللاني من سلافة قهوة ... تسلى هموم النفس من جيد الخمر\rأظن خيول المسلمين وخالد ... ستطرفكم قبل الصباح مع النسر\rفهل لكم في السير قبل قتالهم ... وقبل خروج المعصرات من الخدر","part":5,"page":208},{"id":2209,"text":"فقتل المسلمون مغنيهم، وسال الدم في تلك الجفنة، وأخذوا أموالهم، وقتل حرقوص بن النعمان البهراني. ثم سار خالد حتى أتى أرك، فصالحوه، قم أتى تدمر فتحصن أهلها، صم صالحوه، ثم أتى القريتين، فقاتل أهلها وظفر بهم وغنم، وأتى حوارين فقاتل أهلها فهزمهم، وسار حتى نزل ثنية العقاب، وبالقرب من دمشق ناشراً رايته، وهي راية سوداء كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تسمى العقاب، فسميت الثنية بها، ثم سار فأتى مرج راهط، فأغار على غسان، فقتل، وسبى، وأرسل سرية إلى كنيسة بالغوطة، فقتلوا الرجال، وسبوا الناسء، ثم سار حتى وصل إلى بصرى، وعليها أبو عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، فجمع له صاحب بصرى، فسار إليه خالد هو وأبو عبيدة، فلقيهم خالد، فظفر بهم وهزمهم، فدخلوا حصنهم وطلبوا الصلح، فصالحهم على كل رأس دينار في كل عام، وجريب حنطة، فكانت بصرى أول مدينة فتحت بالشام على يد خالد بن الوليد، وأهل العراق. وبعث الأخماس إلى أبي بكر الصديق رضى الله عنه. ثم سار فطلع على المسلمين في شهر ربيع الآخر، وطلع باهان على الروم منذراً هلم. واتفق قدوم خالد وقدوم باهان، ومع باهان القسيسون والشمامسة والرهبان يحرضون الروم على القتال، وخرج باهان، فولى خالد قتاله، وقاتل الأمراء من بإزائهم، ورجع ماهان والروم إلى خندقهم، وقد نال المسملون منهم، فلزموا خندقهم غاية شهرهم. والله سبحانه وتعالى اعلم.\rوقعة أجنادين\rهذه الوقعة قد ذكرها ابن الأثير رحمه الله بعد وقعة اليرموك،ن واعتمد في ذلك على أبي جعفر الطبري رحمه الله، فإنه أوردها على منواله، ويقتضى سياق التاريخ أن تكون مقدمو على وقعة اليرموك؛ وذلك ا، خالد بن الوليد لما قدم بصرى وعليها أبو عبيدة وشرحبيل ابن حسنة ويزيد بن أبي سفيان، وصالح أهلها على الجزية على ما تقدم، ثم ساروا جميعاً إلى فلسطين مددا لعمرو بن العاص، وهو مقيم بالعربات، واجتمعت الروم بأجنادين - وهي بين اليرموك وبيت جبرين من أرض فلسطين - وعليهم تذارق أخو رقل لأبويه. وقيل: كان على الرومن القبقلار. وسار عمرو ب العاص حين سمع بالمسلمين فلقيهم، فنزلوا بأجنادين، فبعث القبقلار عربياً إلى المسلمين يأتيه يخبرهم، فعاد إليه، فقال له: ما وراءك؟ فقال: بالليل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم قعوه، ولو زنى رجموه، لإقامة الحق فيهم، فقالك إن كنت صدقتني فبطن الرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها. ثم التقوا يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وظهر المسلمون عليهم، وانهزام الروم، وقتل القبقلار وتذارق، واستشهد رجال من المسلمين.\rثم جمع هرقل للمسلمين، فالتقوا باليرموك.\rوالله سبحانه أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.\rوقعة اليرموك\rقال: واجتمع السملون باليرموك، وقد تكامل عددهم ستة وثلاثين ألفا، منهم جيش خالد تسعة آلاف، وجيش عكرمة ستة آلاف، وقيل في عددهم غير ذلك. وكان الروم في مائتي ألف وأربعين ألف مقاتل، منهم: ثمانون ألف مقيد، وأربعون ألف مسلسل للموت، وأربعون ألفاً مربطون بالعمائم، وثامنون ألف راجل. وذلك في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وخرجوا للقاء، فلما أحس المسلمون بخروجهم، قام خالد بن الوليد، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه؛ وقال: إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر. أخلصوا بجهادكم، وأريدوا الله بعملكم، وهلموا فلنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غدا، والآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم؛ ودعوني أميركم اليوم. فأمروه، وهم يرون أن الأمر أطول مما صاروا إليه، وخرجت الروم في تعبئة لم ير الراءون مثلها قط، وخرج خالد في تعبئة لم يعبئها العرب قبل ذلك، فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى أربعين، وجعل القلب كراديس، وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس، وجعل عليها عمر بن العاص، وفيها شرحبيل بن حسنة، وجعل الميسرة كراديس، وعليها يزيد بنأبي سفيان، وجعل على كردوس منن كراديس العراق إنساناً، وشهد اليرموك ألف رجل م الصحابة، فيهم من أهل بدر نجو المائة. فقال رجل لخالد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال خالد: ما أكثر المسلمين وأقل الروم! وإنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان، لا بعدد الرجال.","part":5,"page":209},{"id":2210,"text":"ثم أمر خالد عكرمة والقعقاع بنعمرو - وكانا مجنبتى القلب - فأنشبا القتال، فنشب والتحم الناس، وتطارد الفرسان؛ فإنهم على ذلك إذ قدم البريد من المدينة، فسأله الناس عن الخبر، فأخبرهم بسلامة وأمداد تقبل إليهم؛ وإنما كان قد جاء بموت أبي بكر وتأمير أبي عبيدة، فأبلغوه خالداً، فأخبره بوفاة أبي بكر سراً، وأخبره بالذي أخبر به الجند، فشكره وأخذ الكتاب، فجعله في كنانته. وخرج جرجة منعسكر الروم، وكان أحد عظمائهم، فوقف بين الصفين ليخرج إلى خالد، فخرج إليه، وأقام أبا عبيدة مكانه، فواقفه بين الصفين حتى اختلفت أعناق دابتيهما، وقد أمن كل منهما صاحبة.\rفقال جرجة: يا خالد، اصدقني ولا تكذبي، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني، فإن الكريم لا يخادع المسترسل، قد أنزل الله على نبيكم سيفاً، فأعطاه لك، فلا تسله على قوم إلا هزمهم الله! قال: لا، قال:ففيهم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيه صلى الله عليه وسلم، فدعانا، فنفرنا منه، ثم إن بعضنا صدقه وبعضنا باعده وكذبه، فكنت ممن كذبه وقاتله ثم هداني الله فتابعته؛ فقال: أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين، ودعا لي بالنصر، فسميت سيف الله بذلك، فا،ا أشد المسلمين على الكافرين المشركين؛ فقال: صدقت، فأخبرنى، إلام تدعوني؟ قال خالد: إلى الإسلام أو الجزية، أو الحرب. قال: فما منزلة الذي يجيبكم ويدخل فيكم؟ قال: منزلتنا واحدة، قال: فهل له في الأجر والذخر مثلكم؟ قال: نعم، وأفضل؛ لأننا اتبعنا نبينا وهو حي يخبرنا بالغيب، ونرى منه العجائب، وأنتم لم تروا مثلنا، ولم تسمعوا ما سمعنا، فمن دخل بنية وصدق، كان أفضل منه. فقلب جرجة ترسله، ومال مع خالد يعلمه الإسلام، وأسلم، فمال به خالد إلى فسطاطة، فشن عليه قربة من الماء وصلى به ركعتين.\rوحملت الروم مع انقلابه إلى خالد، وهم يرون أنها منه حيلة، فأزالوا السمليمن عن مواقفهم، فقال هكرمة بن أبي جهل: قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل موطن، وأفر منكم! ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا أمام فسطاجط خالد حتى أثبتوا جميعاً جراجا، فمنهم من برى، ومنهم من استشهد.\rوحمل خالد ومعه جرجة - والروم خلال المسلمين - فنادى الناس فثابوا، وتراجعت الروم إلى مواقعهم، وزحف خالد بالمسلمين إليهم حتى تصافحوا بالسيوف، وضرب فيهم خالد من لدن ارتاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب، ثم أصيب جرجة، ولم يصل صلاة سجد فيها إلاالركعيتن مع خالد، وصلى الناس الظهر والعصر إيماء، وتضعضع الروم، ونهد خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم، فانهزم الفرسان، وخرجت خيلهم تشتد في الصحراء.\rولما رأى المسلمون خيل الروم أفرجوا لها، فذهبت، فتفرقت في البلاد، وأقبل خالد ومن معه على الرجل، ففضوهم؛ فكأنما هدم بهم حائط، واقتحموا في خندقهم، فاقتحمه عليهم، فعمدوا إلى الواقوصة، فهوى فيها المقترنون وغيرهم، فتهاوى فيها عشرون ومائة ألف، ثمانون ألف مقترن، وأربعون ألف مطلق، سوى من قتل في المعركو منالفرسان والرجال، وقاتل النساء يومئذ، وكانت هزيمة الروم مع غالليل. وصعد المسلمون العقبة وأصابوا ما في عسكر الروم، قتل الله صناديد الروم ورءوسهم وأخا هرقل؛ وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دون مدينة حمص - أو بحمص - فنادى بالرحيل عنها، وجعلها بينه وبين المسلمين، وأمر عليها أميراً كما أمر على دمشق.\rهذا ما كان من واقعة اليرموك على سبيل الاختصار روى عن عبد الله بن الزبير، قال: كنت مع أبي باليركوك وأنا صبي لا أقاتل؛ فلما اقتتل الناس نظرت إلى أناس على تل لا يقاتلون، فركبت فذهبت إليهم؛ فإذا أبو سفيان بن حرب ومشيخة من قريش من مهاجرة الفتح، فراوني حدثاً فلم يتقوني. قال: فجعلوا إذا مال المسلمون، وركبهمن الروم يقولون: إيه بنى الصفر! وإذا مالت الرومم وركبهم المسملون قاوا: ويح بني الأصفر! فلما هزمت الروم أخبرت أبي بذلك، فضحك وقال. قاتلهم الله! أبوا إلا ضغنا! لنحن خير لهم من الروم.","part":5,"page":210},{"id":2211,"text":"وقد حكى أبو جعفر الطبري رحمه الله، أن أبا سفيان يوم اليرموك كان يسير فيقف على الكراديس فيقول: الله، الله! إنكم ذادة العرب وأنصار افسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك! اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك. والله أعلم.\rهذا ما وقع ف يخلافة أب ي بكر الصديق رضى الله عنه من الغزوات والحروب، والفتوحات، فلنذكر ما هو خلاف ذلك من الحوادث على السنين، إن شاء الله تعالى، والحمد لله وحده.\rما وقع في خلافته\rأبي بكر غير ما ذكرناه\rسنة إحدى عشرة\rفيها كانت وفاة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى عنها، وذلك في ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان، وهي يومئذ ابنة تسع وعشرين سنة، أو نحوها. وقيل: توفيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر؛ قاله أبو جعفر ثم قال: والثبت عندنا أها توفيت بعد ستة أشهر، وغسلها علي بن أبي طالب، وأسماء بنت عميس، وصلى عليها العباس بن عبد المطلب، ودخل قبرها العباس وعلى والفضل بن عباس؛ قاله الواقدي.\rقال ابو عمر: فاطمة أول من غطى نعشها من الناسء في الإسلام؛ وذلك أنها قالت لأسماء بنت عميس: يا أسماء، إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء، إنه يطرح على المرأة الثوب، فيصفها. فقالت أسماء ي بنت رسول الله، ألا أريك شيئاً رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها، ثم طرحت عليها ثوباً. فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله! تعرف به المرأة من الرجل، فإذا أنا مت فاغسليني أنت وعلى، ولا تدخلي على أحداً، فلما توفيت جاءت عائشة تدخل؛ فقالت أسماء: لا تدخخلي، فشكت إلى أبي بكر. فقالت: إن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله، وقد جعلت لها مثل هودج العروس؛ فجاء أبو بكر، فوقف على الباب. فقالت: يا أسماء، ما حملك على أن منعت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ا، يدخلن على نبت رسول الله، وجعلت لها مثل هودج العروس؟. قالت: أمرتني ألا يدخل عليها أحد، وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية،ن فأمرتني أن أصنع ذلك لها. قال أبو بكر: فاصنعى م أمرتك، ثم انصرف.\rوفيها انصرف معاذ بن جبل عن اليمن.\rواستقصى أبو بكر عمر بن الخطاب رضى الله عنهم.\rوفيها أمر أبو بكر رضى الله عنه على الموسم عتاب بن أسيد؛ وقيل: بل حج بالناس عبد الرحمن بن عوف عن تأمير أبي بكر إياه.\rسنة اثنتى عشرة\rفيها مات أبو مرثد الغنوى، واسمه كناز بن حصن - ويقال ابن حصين - حليف حمزة بن عبد المطلب؛ صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ابنه مرثد، وابنه أنيس بن مرثد؛ وشهد بدراً هو وابنه مرثد، وشهد هو المشهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات وهو ابن ست وستين سنة.\rوفيها، في ذي الحجة مات أبو العاص بن الربيع، واختلف في اسمه، فقيل: لقط، وقيل مهشم، وقفيل: هشيم، والأكثر لقط بن الربيع بن عبد العزى بن عبد مناف بن قصى القرشي العبشمى ويسمى جرو البطحاء، وهو صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته زينب، وأمه هالة بنت خويلد، أخت خديحة أم المؤمنين، وأوصى إلى الزبير بن العوام، وتزوج على ابنته.\rوحج بالناس في هذه النسة أبو بكر الصديق رضى الله عنه، واستخلف لى المدينة عثمان بن عفان رضى الله عنه. وقيل: بل حج عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم بالصواب.\rوفاته\rالصديق رضى الله عنه ومدة خلافتة قد اختلف في وقت وفاته رضى الله عنه؛ فقال ابن اسحاق: في يوم الجمعة لتسع من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة.\rوقال غيره: إنه مات عشى يوم الأثنين. وقيل: ليلة الثلاثاء. وقيل: عشى يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآرة.\rقال ابن عبد البر: هذا قول أكثرهم.\rوقيل: مكث في خلافته سنتين وثلاثة أشهر وسبع ليال.\rوقال ابن اسحاق: سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال. وقيل: سنتين وثلاثة أشهر واثنتي عشرة ليلة.\rوقال غيره: وعشرة أيام.\rوقال آخرون: وعشرين يوماً.\rواختلف أيضاً في السبب الذي مات منه، فذكر الواقدى: أنه اغتسل في يوم بارد، فحم. ومرض خمسة عشر يوماً.\rوقال الزبير بن بكار: كان به طرف من السل. وروى عن سلام بن أبي مطيع: أنه سم: وأن اليهود سمته في حريرة، وهي الحسو، فأكل هو والحارث بن كلدة، فكف الحارث، وقال لأبى بكر: أكلنا طعاماً مسموماً، سم سنة، فمات بعد سنة.","part":5,"page":211},{"id":2212,"text":"وقيل: أصل مرضه الغم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوانتهت سنة رضي الله عنه عند وفاته إلى سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثلاثاً وستين سنة.\rقال أبو عمر بن عبد البر: لا يختلفون في أن سنة إلى ذلك، إلا مالا يصح.\rوقد كان آخر ما تكلم به: توفني مسلماً، وألحقني بالصالحين.\rوغسلته زوجته أسماء ببنت عميس بوصية منه وأبنه عبد الرحمن، وأوصى بأن يكفن في ثوبيه، ويشتري معهما ثوب ثالث، وقال: الحي أحوج إلى الجديد من الميت، إنما هو للمهملة والصديد.\rوصلى عليه عمر بن الخطاب في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سرير عائشة رضي الله عنها، وكان من خشبتي ساج منسوجاً بالليف في ميراث عائشة، أربعة آلاف درهم اشتراه مولى لمعاوية، وجعله للمسلمين. ودخل قبره ابنه عبد الرحمن وعمر بن الخطاب وعثمان وطلحة، وجعل رأسه عند كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وألصقوا لحده بلحده، ودفن رضي الله عنه ليلاً.\rمن أخباره وأحواله\rومناقبه رضي الله عنه غير ما تقدم قد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا في هذا السفر وما قبله نبذة من أخباره، ولمعة من آثاره، وطرفاً من مآثره السنية، وجملة من فضائله التي هي بجزيل الخيرات ملية، وأحببنا أن نورد في هذا الموضع نبذة أخرى غير ما قدمنا، ونتم هذا الفصل لشيء من مناقبة كما بدأنا، ولا نشترط الاستيعاب لمناقبه ومآثره لتوفرها، ولا الحصر لفضائله الجزيلة لتعددها وتكررها، بل نورد من كل نوع منها طرفاً يحتوي على خصال منيعة، وأخلاق شريفة، ويتحقق سامعه أنه لو أنفق ملء أحد ذهباً ما بلغ مده ولا نصيفه.\rكان رضي الله تعالى عنه قد تقلل من الدنيا جهد طاقته، واقتصر منها على بعض ما يسد به بعض خلته وفاقته، وتجنب أموال المسلمين جهده، وأنفق في سبيل الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عنده؛ نطق بفضله القرآن، وجاهد في دين الله فأذل الله له وبه أهل الشرك والطغيان، وشمر عن الساعد في قتال أهل الردة حين استذلهم الشيطان، وأقدم على حربهم بنفسه وجيوشه حين اشرأب النفاق ولمعت بوارقه، وناضلهم بكتبه وكتائبه حين ظهر الكفر ونشرت خوافقه، فأخمد الله تعالى به حاكان قد اضطرم من نيران الردة، وأفاء تلك القبائل التي كانت لحرب الإسلام مستعدة؛ إلا من استمر منهم على كفره، وما نزع عن شره ومكره، وأبي إلا جحود هذا الدين وقتال شعبه، ونفر عن الرجوع والانضمام إلى حزبه؛ فإن الله تعالى قتله شر قتلة، وأباح للمسلمين ماله وأهله ونسله.\rروى أنه لما ارتدت العرب، خرج أبو بكر رضي الله عنه شاهراً سيفه إلى ذي القصة، فجاءه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأخذ بذمام راحلته، وقال أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك كما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: شم سيفك لا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام نظام، وكان له رضي الله عنه بيت مال بالسنح، وكان يسكنه إلى أن انتقل إلى المدينة؛ فقيل له: ألا تجعل عليه من يحرسه؟ قال: لا، فكان ينفق جميع ما فيه على المسلمين، فلا يبقى فيه شيء، فلما انتقل إلى المدينة جعل بيت المال معه في داره.\rولما توفي جمع عمر الأمناء، وفتح بيت المال فلم يجد فيه شيئاً غير دينار سقط من غرارة، فترحموا عليه.\rوفي خلافته رضي الله عنه: انفتح معدن بني سليم، فكان يسوي في قسمته بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام، وبين الحر والعبد، والذكر والأنثى. فقيل له: ليقدم أهل السبق على قدر منازلهم. فقال: إنما أسلم لله، ووجب أجرهم عليه، يوفيهم ذلك في الآخرة وإنما هذه الدنيا بلاغ.\rوكان يشتري الأكسية ويفرقها في الأرامل في الشتاء.\rقال أبو صالح الغفاري: كان عمر رضي الله عنه يتعهد امرأة عمياء في المدينة بالليل، فيقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها، ففعل ما أرادت، فرصده عمر، فإذا هو أبو بكر رضي الله عنه، كان يأتيها ويقضي أشغالها سراً وهو خليفة؛ فقال: أنت هو لعمري! وكان منزل أبي بكر رضي الله عنه بالسنح عند زوجته حبيبة بنت خارجة، فأقام هناك ستة أشهر بعدما بويع، وكان يغدو على رجليه إلى المدينة، وربما ركب فرسه، فيصلى بالناس؛ فإذا صلى العشاء رجع إلى السنح.","part":5,"page":212},{"id":2213,"text":"وكان إذا غاب صلى بالناس عمر، وكان يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع، وكانت له قطعة غنم تروح عليه، وربما خرج هو بنفسه فيها، وربما رعيت له.\rوكان يحلب للحى أغنامهم، فلما بويع بالخلافة قالت جارية منهم: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا، فسمعها، فقال: بل لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه، فكان يحلب لهم، ثم تحول إلى المدينة بعد ستة أشهر من خلافته.\rوقال: لا تصلح أمور الناس مع التجارة، وما يصلح إلا التفرغ لهم؛ والنظر في شأنهم، فترك التجارة وأنفق من مال المسلمين، ما يصلحه ويصلح عياله يوماً بيوم، ويحج ويعتمر؛ فكان الذي فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم. فلما حضرته الوفاة قال: ردوا ما عندنا من مال المسلمين، فإني لا أصيب من هذا المال شيئاً، وإن أرضى الذي بكذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم، فدفع ذلك إلى عمر. وقيل: إنه قال: انظروا كم أنفقت منذ وليت من بيت المال؟ اقضوه عني، فوجدوا مبلغة ثمانية آلاف.\rوقيل: إنه قال لعائشة رضي الله عنها: أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم، ولبسنا من خشن ثيابهم، وليس عندنا من فيء المسلمين إلا هذا العبد، وهذا البعير، وهذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بالجميع إلى عمر؛ فما مات بعثته إليه، فلما رآه بكى حتى سالت دموعه على الأرض؛ وجعل يقول: رحم الله أبا بكر! لقد أتعب من بعده، يكرر ذلك، وأمر برفعه. فقال له عبد الرحمن بن عوف: سبحان الله ! تسلب عيال أبي بكر عبداً، وناضحاً، وشق قطيفة ثمنها خمسة دراهم! فلو أمرت بردها عليهم. فقال: لا، والذي بعث محمداً لا يكون هذا في ولايتي، ولاخرج أبو بكر منه وأتقلده أنا.\rوقد قيل: إنه رضي الله عنه، كان يأخذ من بيت المال في كل يوم ثلاثة دراهم أجرة، وإنه قال لعائشة: انظري يا بنية ما زاد في مال أبيك ولي هذا الأمر فرديه على المسلمين.\rفنظرت فإذا بجرد قطيفة لا تساوي خمسة دراهم، ومحشة، فجاء الرسول إلى عمر بذلك والناس حوله، فبكى عمر، وبكى الناس؛ وقال: رحمك الله أبا بكر! لقد كلفت من بعدك تعباً طويلاً! فقال الناسك أردده يا أمير المؤمنين إلى أهله.\rقال: كلا، لا يخرجه من عنقه في حياته، وأرده إلى عنقه بعد وفاته. ثم أمر بذلك، فحمل إلى بيت المال.\rوحكى أن زوجته اشتهت حلواً، فقال: ليس لنا ما نشتري به.\rفقالت: أنا أستفضل من نفقتنا في عدة أيام ما نشتري به؛ قال: افعلي، ففعلت ذلك؛ فاجتمع لها في أيام كثيرة شيء يسير، فلما عرفته ذلك أخذه، فرده في بيت المال. وفال: هذا يفضل عن قوتنا، وأسقط م نفقته بمقدار ما استفضلت في كل يوم، وغرامة لبيت المال في المدة الماضية من ملك كان له.\rقيل: ولما حضرته الوفاة أتته عائشة رضي الله عنها وهو يعالج الموت، فتمثلت:\rلعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر.\rفنظر كالغضبان، ثم قال: ليس كذلك، لكن قولي: \" وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منة تحيد \" .\rإني قد نحلتك حائط كذا، في نفسي منه! فرديه على الميراث؛ وقال: إنما هو أخواك وأختاك! قالت: من الثانية ؟ إنما هي أسماء. قال: ذات بطن بنت خارجه - يعني زوجته - وكانت حاملاً، فولدت أم كلثوم بعد موته.\rوهورضي الله عنه أول وال فرضت له رعيته نفقته، وأول خليفة ولي وأبوه حي، وأول من جمع القرآن بين اللوحين بمشورة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسماه مصحفاً، وهو أول من سمي خليفة؛ رضوان الله عليه.\rأولاده وأزواجه\rتزوج رضي الله عنه في الجاهلية قتلة - ويقال: قتيلة بنت عبد العزيز بن عبد بن أسعد بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، فولدت له عبد الله وأسماء.\rوتزوج أيضاً في الجاهلية أم رومان - بفتح الراء وضمها - واسمها زينب بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة.","part":5,"page":213},{"id":2214,"text":"أسلمت وهاجرت؛ وكانت قبل أبي بكر تحت عبد الله بن الحارث بن سخبرة بن جرثومة الخير بن عادية بن مرة الأزدي، وكان قدم بها مكة، فحالف أبا بكر الإسلام، ثم توفي عن أم رومان، فولدت له الطفيل أخوهما لأمهما، توفيت أم رومان في ذي الحجة سنة أربع، أو سنة مس، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبرها، واستغفر لها. وقال: اللهم لم يخف عليك ما لقيت أم رومان فيك وفي رسولك.\rوروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: \" من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان \" .\rوتزوج رضي الله عنه في الإسلام أسماء بنت عميس الخثعمية؛ وهي أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لأمها، وكانت عند جعفر أبي طالب، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، فولدت له هناك محمد بن أبي بكر، ثم تزوجها بعده على بن أبي طالب، فولدت له يحيى بن علي. وزعم بن الكلبي أن عون بن علي، أمه أسماء، ولم يقله غيره.\rوقيل: كان أسماء بنت عميس تحت حمزة بن عبد المطلب، فولدت له ابنة تسمى أمة الله. وقيل: أمامه، ثم خلف عليها بعد شداد بن الهاد الليثي، ثم العتواري، حليف بني هاشم، فولدت له عبد الله وعبد الرحمن بن شداد، ثم خلف عليها بعد شداد جعفر بن أبي طالب. وقيل: التي كانت تحت حمزة وشداد سلمى بنت عميس أختها أسماء، والله تعالى أعلم بالصواب وتزوج رضي الله عنه في الإسلام أيضا حبيبة بنت خارجه بن زيد بن أبي زهير الأنصارية، من بني الحارث بن الخزرج، فولدت له بعد وفاته أم كلثوم.\rولنصل هذا الفصل بذكر شيء من أولاد أبي بكر رضي الله عنهم. وأما عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، فكان قديم الإسلام إلا أنه لم يسمع له بمشهد إلا شهوده الفتح وحنيناً والطائف.\rورمى بالطائف بسهم؛ قيل: رماه به أبو محجن، فاندمل جرحه، ثم انتقض عليه، فمات في شوال سنة إحدى عشرة.\rوكان قد ابتاع الحلة التي أرادوا دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بسبعة دنانير ليكفن فيها، فلما حضرته الوفاة، قال: لا تكفنوني فيها، فلو كان فيها خير كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ودفن بعد الظهر، وصلى عليه أبوه، ونزل قبره عمر بن الخطاب وطلحة وعبد الرحمن أخوه.\rوكان عبد الله رضي الله عنه زوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل العدوية، أخت سعيد بن زيد، وكانت من المهاجرات، وكانت حسناء جميلة بارعة، فأولع بها، وشغلته عن مغازيه، فأمره أبوه بطلاقها لذلك؛ فقال: هذه الأبيات:\rيقولون طلقها وخيم مكانها ... مقيماً، تمنى النفس أحلام نائم\rإن فراقي لأهل بيت جميعهم ... على كبرة مني لإحدى العظائم\rأراني وأهلي كالعجول تروحت ... إلى بوها قبل العشار الروائم\rفعزم عليه أبوه حتى طلقها، ثم تبعتها نفسه، فهجم عليه أبو بكر رضي الله عنه وهو يقول:\rأعاتك لا أنساك ما ذر شارق ... وما ناح قمري الحمام المطوق\rأعاتك قلبي كل يوم وليلة ... إليك بما تخفي النفوس معلق\rفلم أر مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير جرم تطلق\rلها خلق جزل ورأي ومنصب ... وخلق سوى في الحياء ومصدق\rفرق له أبوه، وأمره بمراجعتها فارتجعها؛ وقال هذه الأبيات:\rأعاتك قد طلقت في غير ريبة ... وروجعت للأمر الذي هو كائن\rكذلك أمر الله غاد ورائح ... على الناس فيه ألفة وتباين\rوما زال قلبي للتفرق طائراً ... وقلبي لما قد قرب الله ساكن\rفإنك مما زين الله وجهه ... وليس لوجه زانه الله شائن\rفلما مات عبد الله صارت عاتكة ترثيه بهذه الأبيات:\rرزئت بخير الناس بعد نبيهم ... وبعد أبي بكر وما كان قصراً\rفآليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك، ولا ينفك جلدي أغبراً\rفلله عينا من رأي مثله فتى ... أكر وأحمى في الهياج وأصبرا\rإذا شرعت فيه الأسنة خاضها ... إلى الموت حتى يترك الرمح أحمراً","part":5,"page":214},{"id":2215,"text":"ثم تزوجت بعده زيد بن الخطاب، على اختلاف في ذلك؛ فقتل عنها يوم اليمامة شهيداً، فتزوجها عمر بن الخطاب في سنة اثنتي عشرة، فأولم عليها، ودعا عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم علي بن أبي طالب؛ فقال له: دعني أكلم عاتكة: قال: نعم، فأخذ بجانب الحذر. ثم قال: ياعدية نفسها، أين قولك:\rفآليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبراً\rفبكت فقال عمر: ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن؟ ! كل النساء يفعلن هذا، ثم قتل عنها عمر، فقالت تبكيه:\rعين جودي بعبرة ونحيب ... لا تملي على الجواد النجيب\rفجعتني المنون بالفارس المع ... لم بوم الهيام والتثويب\rقل لأهل الضراء والبؤس موتوا ... قد سقته المنون كأس شعوب\rوقالت أيضاً ترثيه بهذه الأبيات:\rمع الرقاد فاد عيني عائد ... مما تضمن قلبي المعمود\rياليلة حبست على نجومها ... فسهرتها والشامتون رقود\rقد كان يسهرني حذارك مرة ... فاليوم حق لعيني التسهيد\rأبكى أمير المؤمنين ودونه ... للزائرين صفائح وصعيد\rثم تزوجها الزبير بن العوام فقتل عنها؛ فقالت ترثيه بهذه الأبيات:\rغدر بن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرد\rيا عمرو لو نبهته لوجدته ... لاطائشاً وعش الجنان لااليد\rكم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عنها طرادك يا بن فقع القردد\rثكلتك أمك إن ظفرت بمثله ... فيما مضى ممن يروح ويغتدي\rوالله ربك إن قتلت لمسلماً ... حلت عليك عقوبة المتعمد\rثم خطبها علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد انقضاء عدتها، فأرسلت إليه. إني لأضن بك يابن عم رسول الله صلى عن القتل! وإنما ذكرنا م خبر عاتكة في هذا الموضع على سبيل الله الاستطراد؛ فالشيء بالشيء يذكر، فلنذكر عبد الرحمن بن أبي بكر.\rوأما عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه؛ فهو اسن ولد أبي بكر، وكان يكنى أبا عبد الله. وقيل: أبا محمد، بابنه محمد الذي يقال له: أبو عتيق، والد عبد الله بن أبي عتيق، وأدرك أبو عتيق محمد بن عبد الرحمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأبوه وجده، وجد أبيه؛ أربعتهم، أجمعوا على أن هذه المنقبة ليست لغيرهم، روى البخاري رحمه الله، قال: قال موسى بن عقبة: ما نعلم أحداًُ في الإسلام أدركوا هم وأبناؤهم النبي صلى الله عليه وسلم أربعة إلا هؤلاء الأربعة: أبو قحافة، وابنه أبو بكر، وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر، وابنه عتيق بن عبد الرحمن.\rوعبد الرحمن شقيق عائشة؛ شهد عبد الرحمن بداً واحداً مع قومه، ودعا إلى البراز، فقام إليه أبو بكر ليبارزه، فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" متعني بنفسك \" . ثم أسلم عبد الرحمن، وحسن إسلامه، وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية.\rوكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وكان رضي الله عنه من أشجع رجال قريش وأرماهم بسهم، حضر اليمامة مع خالد بن الوليد، فقتل سبعة من كبارهم، منهم محكم اليمامة طفيل، رماه بسهم في نحره فقتله.\rولما فتحت دمشق نفلة عمر ليلى بنت الجودي، وكان قد رآها قبل ذلك، وكان يتشبب بها. وشهد عبد الرحمن مع عائشة، وكان ابنه محمد يومئذ مع علي.\rقال أبو عمر بن عبد البر: ولما قعد معاوية على المنبر، ودعا إلى بيعة يزيد، كلمه الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فكان كلام عبد الرحمن: أهرقلية! إذا مات كسرى كان كسرى مكانه! لا نفعل والله أبداً. وبعث إليه معاوية بمائة ألف درهم بعد أن أبي البيعة ليزيد فردها عبد الرحمن.\rوقال: أبيع ديني بدنياي! وخرج إلى مكة، فمات قتل أن تتم البيعة ليزيد.\rويقال: إنه مات فجأة بموضع يقال له: الحبشي على نحو عشرة أميال من مكة، وحمل إلى مكة فدفن بها: وقيل: إنه توفي في نومة نامها، وكانت وفاته في سنة ثلاث وخمسين. وقيل: سنة خمس وخمسين، والأول أشهر.\rولما اتصل خبر وفاته بعائشة أم المؤمنين أخته، ظعنت من المدينة حاجة حتى وقفت على قبره، وتمثلت بهذه الأبيات:","part":5,"page":215},{"id":2216,"text":"وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قبل لن يتصدعا\rفلما تفرقنا كأنى ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا\rوقالت: أما والله لو حضرتك لدفنتك حيث مت مكانك، ولو حضرت ما بكيتك! رضي الله عنهما.\rوأما محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما، فإن ولد في عقب ذي الحجة سنة عشر من الهجرة بذي الحليفة، أو بالشجرة، وسمته عائشة محمداً، وكنته أبا القاسم، ثم كان محمد بعد وفاة أبي بكر في حجر على بن أبي طالب لما تزوج أمه أسماء بنت عميس، وكان محمد على رجاله على يوم الجمل، وشهد معه أيام صفين، ثم ولاه مصر، فقتل بها.\rواختلفوا في قتله، فقيل: قتله معاوية بن حديج صبراً، وذلك في سنة ثمان وثلاثين؛ وقيل: إنه لما ولاه على مصر سار إليه عمرو بن العاص من قبل معاوية فاقتتلوا، فانهزم أصحاب محمد وفر هو، دخل خربة فيها حمار ميت، فدخل في جوفه، فأحرق في جوف الحمار؛ وقيل ك بل قتله معاوية بن حديج في المعركة، ثم أحرق في جوف الحمار بعد ذلك، وقيل: إنه أتى عمرو بن العاص فقتله صبرا بعد إلى قال له: هل معك عهد؟ هل معك عقد من أحد؟ فقال: لا، فأمر فقتل.\rوكان علي يثني على محمد خيراً، ويفضله؛ لأنه كانت له عبادة واجتهاد؛ وكان ممن دخل على عثمان حين أرادوا قتله، فقال له عثمان: لو رآك أبوك لم يرض بهذا المقام منك! فخرج عنه وتركه.\rروى محمد بن طلحة، عن كنانة مولى صفية بنت حيي - وكان شهد يوم الدار - أنه لم ينل محمد بن أبي بكر دم عثمان بشيء. قال: محمد بن طلحةك فقلت: لكنانة: فلم قيلك إنه قتله؟ قال: معاذ الله أن يكون قتله! إنما دخل عليه، فقال له عثمان: يابن أخي، لست بصاحبي، وكلمه عثمان بكلام فخرج ولم ينل دمه بشيء. فقلت لكنانة: فمن قتله؟ قال: رجل من أهل مصر يقال له: جبلة بن الأيهم.\rوأما عائشة رضي الله عنها فقد تقدم ذكرها في السيرة النبوية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.\rوأما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه فهي قديمة الإسلام.\rقال بن إسحاق: أسلمت بعد سبعة عشر، وكانت تحت الزبير بن العوام رضي الله عنه، وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير، فوضعته بقباء، وكانت تسمى ذات النطاقين، وقد تقدم الخبر في تسميتها بذلك في سيرة سيدنا رسول الله صلى عليه وسلم عند خروجه من مكة إلى الهجرة.\rتوفيت أسماء بمكة في جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين بعد مقتل ابنها عبد الله، وقد بلغت مائة سنة.\rوأم كلثوم بنت أبي بكر رضي الله عنه، تزوجها طلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما، فولدت له عائشة بنت طلحة، فتزوجها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.\rولعائشة بنت طلحة أخبار تقدم ذكرها، وتزوجت عائشة بعد عبد الله مصعب بن الزبير ن ولم تلد من أحد من أزواجها غير عبد الله، ولدت له عمران، وعبد الرحمن، وأبا بكر، وطلحة، ونفيسة، تزوجها الوليد بن عبد الملك، وكان ابنها طلحة أجود أجواد قريش، وله يقول الحزين الديلي:\rفإن تك با طلح أعطيتني ... عذافرة تستخف الضفارا\rفما كان نفعك مرة ... ولا مرتين ولكن مراراً.\rأبوك الذي صدق المصطفى ... وسار مع المصطفى حيث سارا\rوأمك بيضاء تيمية ... إذا نسب الناس كانت نضارا\rوطلحة هذا، بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.\rوطلحة هذا هو جدي الذي انسب إليه. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\rأسماء قضاته\rوعماله وكتابه وحاجبه وخادمه لما ولى أبو بكر رضي الله عنه، قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك المال. وقال له عمر: أنا أكفيك القضاء، فاستعملهما. فمكث عمر سنة لا يأتيه رجلان في محاكمة، وكان يكتب لابي بكر عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومن حضر، وكان حاجبه شديد مولاه، وكان عامله على مكة عتاب بن أسيد، ومات في اليوم الذي مات فيه أبو بكر. وقيل: مات بعده.\rوكان على الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى صنعاء المهاجر بن أبي أمية، وعلى حضرموت زياد بن لبيد، وعلى خولان يعلى بن أمية، وعلى زبيد أبو موسى الأشعري، وعلى الجند معاذ بن جبل، وعلى البحرين العلاء الحضرمي.","part":5,"page":216},{"id":2217,"text":"وبعث جرير بن عبد الله إلى نجران، وعبد الله بن ثور إلى جرش، وعياض بن غنم إلى دومة الجندل.\rوكان على الشام أبو عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص؛ كل رجل منهم على جند وعليهم خالد بن الوليد رضي الله عنه.\rوكان خاتمة خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الزبير بن البكار: وكان نقش خاتمه: \" نعم القادر الله \" .\rوقال غيره: كان نقش خاتمه: \" عبد ذليل لرب جليل \" وعاش أبو قحافة بعده ستة أشهر وأياماً.\rوفي المعجم الكبير للطبراني، قال: أبو بكر، فورثه أبواه، وكان قد أسلما، وماتت أم أبي بكر قبل أبيه، ومات أبوه وله سبع وتسعون سنة.\rوالحمدلله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلم.\rعمر بن الخطاب هو أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رياح من عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي، ويجتمع نسبه مع نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند كعب بن لؤي. وأمة حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله ب عمر بن مخزوم - على ماصححه أبو عمر بن عبد البر - وخطأ من قال: إنها بنت هشام بن المغيرة، وقال: لو كانت بنت هشام لكانت أخت أبي جهل، وإنما هي بنت عمه لأن هاشماً وهشاماً أخوان، فهاشم والد حنتمة أم عمر، وهشام والد الحارث، وأبي جهل، وهاشم ابن المغيرة جد عمر لأبيه يقال له: ذو الرمحين.\rولد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وروى أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن جده، قال: سمعت عمر يقول: ولدت بعد الفجار الأعظم بأربع سنين.\rقال الزبير بن بكار: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أشرف قريش، وإليه كان السفارة في الجاهلية؛ وذلك أن قريشاً كانت إذا وقعت بينهم حرب، أو بينهم وبين غيرهم سفيراً، وإن نافرهم منافر، أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافراً ومفاخراً، ورضوا به. وقد تقدم خبر إسلامه، وإظهار الله تعالى الإسلام به، وإجابة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه حين قال: \" اللهم أعز الإسلام بأحد الرجلين عمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام \" فاستجيب في عمر.\rقال: بن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.\rولقب بالفاروق لإعلانه الإسلام، ففرق بين الحق والباطل لما أسلم؛ رضي الله عنه.\rفضائله ومناقبه\rوفضائله رضي الله عنه كثيرة، مناقبه جمة مشهورة، قد قدمنا منها في ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ما تقدم، ولنورد في هذا الفصل من مناقبه خلاف ذلك: روى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه \" .\rونزل القرآن بموافقته في أشياء؛ منها ما رآه في أسري بدر، وفي تحريم الخمر، وفي حجاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مقام إبراهيم.\rوروى عن عقبة بن عامر وأبي هريرة رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" لو كان بعدي نبي لكان عمر \" وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن كان في هذه الأمة أحد فعمر بن الخطاب \" وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت منه حتى رأيت الري يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر \" .\rقالوا: فما أولت ذلك يارسول الله؟ قال: العلم.\rوعن جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" دخلت الجنة فرأيت فيها داراً - أو قال: قصراُ - وسمعت فيه ضوضاة، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش، فظننت أني أنا هو؛ فقلتك من هو؟ قالوا: عمر بن الخطاب، فلولا غيرتك يا أبا حفص لدخلته. فبكى عمر وقال: عليك يغار يارسول الله! أو قال عليك أغار \" وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" رأيتني في المنام، والناس يعرضون علي، وعليهم قمص منها إلى كذا، ومنها إلى كذا، ومر على عمر بن الخطاب يجر قميصه، فقيل: يارسول الله، ما أولت ذلك؟ قال: الدين \" ومن رواية الليث بن سعد، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول:","part":5,"page":217},{"id":2218,"text":"\" بينا أنا نائم والناس يعرضون علي، وعليهم قمص، منها يبلغ الثدي ومنها دون ذلك، وعرض على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعليه قميص يجره \" ، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين. \" وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، وقال: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر.\rوقال بن مسعود رضي الله عنه: لو وضع علم أحياء العرب في كفة ميزان، ووضع علم عمر لرجح عليهم عمر. ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم، ولمجلس كنت أجلسه مع عمر أوثق في نفسي من عمل سنة\rصفته\rقد اختلف الناس في صفة عمر رضي الله عنه؛ فقيل: كان شديد الأدمة طوالاً أكث اللحية، أصلع أعسر يسرا، يعمل بيديه جميعاً، ويخضب بالحناء والكتم، هكذا وصفه زربن حبيش وغيره بأنه كان شديد الأدمة.\rقال أبو عمر: وهو الأكثر عند أهل العلم بأيام الناس وسيرهم وأخبارهم.\rقال: ووصفه أبو رجاء العطاردي - وكان مغفلاً - فقال: كان عمر طويلاً جسيماً أصلع شديد الصلع، أبيض شديد حمرة العينين، في عارضيه خفة، سبلته كثيرة الشعر، في اطرافها صهبة.\rوذكر الواقدي من حديث عاصم بن عبيد الله بن عمر بعن، ابيه، قال: إنما جاءتنا الأدمة من قبل أخوالي بني مظعون، قال: وكان أبيض، لا يتزوج إلا لطلب الولد.\rقال أبو عمر: وعاصم بن عبيد الله لا يحتج بحديثه، ولا بأحاديث الواقدي. قال: زعم الواقدي أن سمرة عمر وأدمته إنما جاءت من أكلة الزيت عام الرمادة قال: وهذا منكر من القول.\rوأصح ما في هذا الباب حديث سفيان الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: رأيت عمر شديد الأدمة. قال أنس: كان أبو بكر يخضب بالحناء والكتم، وكان عمر يخضب بالحناء بحتاً.\rوعن مجاهد أن عمر كان لا يغير شيبه.\rوقال هلال بن عبد الله: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، رجلاً آدم ضخماً كأنه من رجال سدوس، في رجليه روح.\rقال بعضهم في صفته: كان طويلاً من الناس كراكب الجمل، أمهق أصلع.\rاستخلفه أبو بكر رضي الله عنه قبل وفاته؛ وذلك أنه لما نزل به الموت دعا عبد الرحمن بن عوف. فقال: أخبرني عن عمر، فقال: إنه أفضل من رأيك فيه إلا أن فيه غلظة؛ فقال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقاً، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه، وقد رمقته، فكنت إذا غضبت على رجل اراني الرضاعنة، وإذا لنت له أراني الشدة عليه. ودعا عثمان فقال له: أخبرني عن عمر، فقال: سريرته خير من علانيته، وليس فينا مثله. فقال أبو بكر لهما: لا تذكرا مما قلت لكما شيئاً، ولو تركته ما عدوت عثمان، ولا أدري لعله تارك، والخيرة له ألا يلي من أموركم شيئاً، لوددت أني كنت من أموركم خلوا، وكنت فيمن مضى من سلفكم.\rودخل طلحة على أبي بكر فقال: استخلفت على الناس عمر، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، فكيف به إذا خلابهم! وأن لاق ربك فسائلك عن رعيتك؛ فقال: أجلسوني؛ فأجلسوه، فقال: بالله تفرقني، أو بالله تخوفني! إذا لقيت ربي فساءلني قلت: استخلفت على أهلك خير أهلك. ثم أحضر أبو بكر عثمان بن عفان خالياً، فقال: أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين؛ أما بعد - ثم أغمي عليه - فكتب عثمان: أما بعد؛ فقد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً، ثم أفاق أبو بكر فقال: أقرأ علي، فقرأ عليه، فكبر أبو بكر وقال: خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي، قال: نعم.\rقال: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله. فلما كتب العهد أمر به أن يقرأ على الناس، فجمعهم، وأرسل الكتاب مع مولي له، ومعه عمر، فكان عمر يقول للناسك انصتوا واسمعوا لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لم يألكم نصحاً، فسكت الناس، فلما قرئ عليهم الكتاب سمعوا وأطاعوا.\rوكان أبو بكر قد أشرف على الناس، وقال: أترضون بمن استخلفت عليكم؟ فإني ما استخلفت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عليكم عمر، فاسمعوا له وأطيعوا، وإني والله ما ألوت من جهد الرأي، فقالوا:","part":5,"page":218},{"id":2219,"text":"سمعنا وأطعنا، ثم أحضر أبو بكر عمر، فقال: قد استخلفتك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوصاه بتقوى الله، ثم قال: يا عمر؛ إن لله حقاً بالليل لا يقبله في النهار، وحقاً في النهار لا يقبله في الليل، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، ألم تر يا عمر إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بأتباعهم الحق وثقله عليهم! وحق الميزان لا يوضع فيه غداً إلا أن يكون ثقيلاً! ألم تر يا عمر إنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة بأتباعهم الباطل، وخفته عليهم، وحق الميزان لا يوضع فيه غداً باطل غلا أن يكون خفيفاً! ألم تر يا عمر إنما نزلت الرخاء مع آية الشدة، وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغباً راهباً؛ لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له، ولا يرهب رهبة يلقى فيها بيديه! ألم تر يا عمر أنتا ذكر الله أهل النار بأسوأ أعمالهم، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو ألا أكون منهم، وأنه إنما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم ماكان من شيء، فإذا ذكرتهم قلت: أين عملي من أعمالهم! فإن حفظت وصيتي، فلا يكون غائب أحب إليك من الموت، ولست بمعجزة.\rوتوفي أبو بكر رضي الله عنه، فلما دفن صعد عمر المنبر، فخطب الناس ثم قال: إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائده، فلينظر قائده حيث يقود. وأما أنا فورب الكعبة لأحملنكم على الطريق.\rوكان أول كتاب كتبه إلى أبي عبيدة بن الجراح بتوليته جند خالد بن الوليد، وبعزل خالد لأنه كان عليه ساخطاً خلافة أبي بكر كلها لوقعته بابن نويرة، وما كان يعمل في حربه، وأول ما تكلم به عزل خالد، وقال: لا يلى لي عملاً أبداً.\rالفتوحات والغزوات\rفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.\rوفي خلافته رضي الله عنه كثرت الفتوحات على المسلمين، ولنبدأ من ذلك بذكر فتوح دمشق، وما والاه من المدن والثغور والحصون، ثم نذكر فتوحات العراق، وما والاه، ثم فتوح مصر، وما والاها، لتكون الفتوحات متوالية، ولا ينقطع خبرها بأخبار غيرها، ولا يتداخل فتوح بفتوح، ثم نذكر الغزوات على ارض الروم، ثم نذكر الوقائع بعد ذلك خلاف الفتوحات والغزوات على حكم السنين على ماستقف عليه، إن شاء الله تعالى على ذلك.\rفتوح دمشق\rقال: لما هزم الله تعالى أهل اليرموك استخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب الحميري، وسار حتى نزل بالصفر؛ فأتاه الخبر أن الذين انهزموا من الروم اجتمعوا بفحل، وأن المدد قد أتى أهل دمشق م حمص؛ فكتب إلى عمر بذلك، فأمره أن يبدأ بدمشق فإنها حصن الشام وبيت المملكة، وأن يشغل أهل فحل بخيل تكون بإزائهم، فإذا فتحت دمشق سار إلى فحل، ثم يسير إلى حمص هو وخالد بن الوليد، ويترك شرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص بالأردن وفلسطين، فارسل أبو عبيدة طائفة من المسلمين، فنزلوا بالقرب منها، وبثق الروم الماء حول فحل، فوحلت الأرض، ونزل عليهم المسلمون، فكان أول محصور بالشام أهل فحل، ثم أهل دمشق.\rوبعث أبو عبيدة أيضاُ جنداً، فنزلوا بين حمص ودمشق، وأرسل جنداً فكانوا بين دمشق وفلسطين وسار هو وخالد بن الوليد، فقدما دمشق، وعليه انسطاس؛ فنزل أبو عبيدة على ناحية، وخالد على ناحية، ويزيد بن أبي سفيان على ناحية، وحصرهم المسلمون سبعين ليلة، وقاتلوهم بالزحف والمجانيق، فكان هرقل بالقرب من حمص، فأمد أهل دمشق بخيل، فمنعتها خيول المسلمين، وخذل أهل دمشق.","part":5,"page":219},{"id":2220,"text":"وولد للبطريق الذي على دمشق مولود، فصنع وليمة، فأكل القوم وشربوا، فعلم خالد بذلك دون غيره، وكان قد اتخذ حبالاً كهيئة السلاليم، فلما أمسى ذلك اليوم نهض بمن معه وتقدمهم هو والقعقاع بن عمرو ومذعورين عدى وأمثاله، وقالوا: إذا سمعتم تكبيرنا على السور فارتقوا إلينا، واقصدوا الباب؛ وارتقى هو وأصحابه على السور في تلك الحبال، ثم انحدر ببعض من معه، وترك بذلك المكان الذي صعد منه من يحيمه، وأمرهم بالتكبير، وجاء المسلمون إلى الباب وإلى الحبال، وقصد خالد الباب، وقتل من دونه، ثم قتل البوابين، وفتح الباب، وقتل من عنده من الروم، ودخل أصحابه المدينة، وثار أهلها لا يدرون ما الخبر، فلما رأوا ذلك قصدوا أبا عبيدة، وبذلو الصلح، فقبله منهم، وفتحوا له الباب، وقالوا: ادخل وامنعنا من أهل ذلك الجانب، ودخل أهل كل باب يصلح ما يليهم، ودخل خالد عنوة، والتقى والقواد وسط المدينة هذا قتلاً ونهباً، وهذا صفحاً وتسكيناً، فأجروا جهة خالد مجرى الصلح، وكان صلحهم على المقاسمة؛ الدينار والعقار ودينار عن كل رأس، واقتسموا الأسلاب.\rوأرسل أبو عبيدة إلى عمر بالفتح، وأنه قسم الغنيمة على من حضر الفتح، وعلى الجنود التي على فحل وحمص وغيرهم، فجاء كتاب عمر إلى أبي عبيدة يأمره بإرسال جند العراق إلى سعد بن أبي وقاص، فأرسلهم، وأمر عليهم هاشم بن عتبة، وسار أبو عبيدة إلى فحل. والله أعلم.\rذكر شيء مما قبل في أمر مدينة دمشق ومن بناها.\rحكى عن كعب الأحبار، قال: أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران ودمشق ثم بابل.\rواختلف فيمن اختط دمشق؛ فقيل: إن نوحاً عليه السلام اختطها بعد حران.\rوقيل: نزل جيرون بن سعد بت عاد بن عوص دمشق، وبنى مدينتهم وسماها جيرون.\rوقيل: هي إرم ذات العماد.\rوقيل: إن جيرون وبريد كانا أخوين، وهما ابنا سعد بن لقمان بن عاد، وهما اللذان يعرف جيرون وباب البريد بدمشق بهما.\rوعن وهب بن منبه، قال: دمشق بناها العازر غلام إبراهيم الخليل، وكان حبشياً، وهبه له نمرود حين خرج إبراهيم من النار، وكان اسم الغلام دمشق، فسماها على اسمه، وكان إبراهيم جعله إلى كل شيء له، وسكنها الروم بعد ذلك بزمان.\rوقيل: إن بيوراسب الملك بنى مدينة بابل، وبنى مدينة صور، وبنى مدينة دمشق.\rوقيل: كان زمن معاوية رجل صالح بدمشق، كان الخضر عليه السلام يأتيه في أوقات، فبلغ ذلك معاوية، فجاء إلى الرجل وسأله أن يجمع بينه وبين الخضر، فذكر الرجل ذلك للخضر، فأبى؛ فقال معاوية: قل له: قد قعدنا مع من هو خير منك؛ وحدثناه، وهو محمد صلى الله عليه وسلم لكن أساله عن ابتداء بناء دمشق كيف كان، فسأله؛ فقال: نعم صرت إليها، فرأيت موضعها بحراً مستجمعاً فيه المياه، ثم غبت عنها خمسمائة سنة، ثم صرت إليها فرأيتها غيضة، ثم غبت عنها خمسمائة سنة، ثم صرت إليها، فرأيتها بحراً كعادتها الأولى، ثم غبت عنها خمسمائة عام، وصرت إليها فرأيتها قد ابتدئ فيها بالبناء ونفر يسير فيها.\rوعن أبي البختري قال: ولد إبراهيم عليه السلام على رأس ثلاثة آلاف ومائة وخمسين سنة من جملة الدهر الذي هو سبعة آلاف سنة، وذلك بعد بنيان دمشق بخمس سنين، وقال: جيرون عند باب مدينة دمشق من بناء سليمان، بنته الشياطين، وكان الشيطان الذي بناه يقال له: جيرون فسمي به. وقيل: إن دمشق بناها دمشقين غلام كان مع الاسكندر.\rوقيل: إن الذي بنى دمشق بناها على الكواكب السبعة، وجعل لها سبعة أبواب، وصور على باب كيسان زحل، وقيل: وجد في كتاب: باب كيسان لزحل، وباب شرقي للشمس، وباب توما للزهرة، وباب الصغير للمشتري، وباب الجابية للمريخ، وباب الفراديس لعطارد، وباب الفراديس الآخر المسدود للقمر.\rوقيل: إن ملك مصر بنى حصن دمشق؛ الذي هو حول المسجد، وداخل المدينة على مساحة مسجد بيت المقدس، وحمل أبواب مسجد بيت المقدس، فوضعها على أبوابه؛ فهذه الأبواب التي على الحصن هي أبواب بيت المقدس.\rحكاه أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي المعروف بابن عساكر في تاريخ دمشق.\rغزوة فحل","part":5,"page":220},{"id":2221,"text":"وفحل بكسر الفاء وسكون الحاء المهملة وبعده لام، وهو بلد معروف بغور الشام. قال: لما فتحت دمشق في سنة ثلاث عشرة استخلف أبو عبيدة عليه يزيد بن أبي سفيان، وسار إلى فحل، وكان أهل فحل قد قصدوا بيسان. وكانت العرب تسمي هذه الغزوة ذات الردغة وبيسان وفحل.\rوكان خالد بن الوليد على المقدمة، وعلى الناس شرحبيل بن حسنة وعلى المجنبتين أبو عبيدة وعمرو بن العاص، وعلى الخيل ضرار بن الأزور، وعلى الرجل عياض بن غنم.\rفنزل شرحبيل بالناس على فحل، وبينهم وبين الروم تلك الأوحال، وكتبوا إلى عمر، وأقاموا ينتظرون جوابه، فخرج عليهم الروم، وعليهم سقلار بن مخراق فأتوهم، والمسلمون حذرون، وكان شرحبيل لا يبيت ولا يصبح إلا على تعبئة؛ فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى الصباح، ويومهم إلى الليل، فانهزم الروم، وقد اظلم الليل عليهم، فحاروا، وأصيب رئيسهم سقلار والذي يليه فيهم نسطورس، وظفر المسلمون بهم، وركبوهم، فلم يعرف الروم ماخذهم، فانتهت بهم الهزيمة إلى تلك الأوحال التي كانوا أعدوها مكيدة للمسلمين، فلحقهم المسلمون، فوخزوهم بالرماح، فكانت الهزيمة بفحل، والقتل بالرداغ، فأصيبت الروم، وهم ثمانون ألفاً، لم يفلت منهم إلا الشريد، فصنع الله للمسلمين وهم كارهون؛ كرهوا البثوق والأوحال، فكانت عونا لهم على عدوهم، وغنموا أموالهم، وانصرف أبو عبيدة وخالد بن الوليد إلى حمص.\rوقد اختلف في فتح فحل ودمشق، وذكروا أن المسلمين لما فرغوا من أجنادين على راي من جعلها بعد اليرموك؛ اجتمع الروم بفحل، فقصدها المسلمون فحاصروها وفتحت، وكانت فحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، وفتح دمشق في شهر رجب سنة أربع عشرة.\rوقيل: كانت وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة، ولم يكن للروم بعدها وقعة. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.\rساحل دمشق\rهذه الفتح أورده ابن الأثير في حوادث سنة ثلاث عشرة، قال: لما استخلف أبو عبيدة يزيد بن أبي سفيان على دمشق، وسار إلى فحل، وسار يزيد إلى مدينة صيداء وبيروت، وجبيل وعرقة، وعلى مقدمته أخوه معاوية، ففتحها فتحاً يسيراً، وجلا كثير من أهلها، وتولى فتح عرقة معاوية بنفسه في ولاية يزيد.\rثم غلب الروم على بعض هذه السواحل في آخر خلافة عمر، وأول خلافة عثمان، وفتحها معاوية، ثم رمها وشحنها بالمقاتلة.\rبيسان وطبرية\rقال: لما قصد أبو عبيدة حمص من فحل، أرسل شرحبيل ومن معه إلى بيسان، فقاتلوا أهلها، وقتلوا منها خلقاً كثيراً، ثم صالحهم من بقي على صلح دمشق، وكان أبو عبيدة قد بعث بالأعور إلى طبرية، فصالحه أهلها على صلح دمشق أيضاً، وأن يشاطروا المسلمين المنازل، فنزلها الناس، وكتبوا بالفتح إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.\rمرج الروم\rكان هذه الوقعة في سنة خمس عشرة؛ وذلك أن أبا عبيدة وخالداً سارا بمن معهما إلى حمص، فنزلا على ذي الكلاع، وبلغ هرقل الخبر فبعث توذر البطريق حتى نزل بمرج الروم غرب دمشق، ونزل أبو عبيدة بالمرج أيضاً، ونازله يوم نزول شنس الرومي في مثل خيل توذر مدداً لتوذر، وردءاَ لأهل حمص، فكان خالد بإزاء توذر، وأبو عبيدة بإزاء شنس، فسار توذر يقصد دمشق، فأتبعه خالد في جريدة وبلغ يزيد بن أبي سفيان الخبر، فاستقبله فاقتتلوا، ولحق بهم خالد فأخذهم من خلفهم، فقتل توذر، ولم يفلت من عسكره إلا الشريد، وغنم المسلمون معهم، فقسمه يزيد في أصحابه وأصحاب خالد، وعاد يزيد إلى دمشق، ورجع خالد إلى عبيدة، فوجده قد قاتل شنس بمرج الروم، فقتلت الروم مقتلة عظيمة، وقتل شنس، وتبعهم المسلمون إلى حمص بالسير إليها، وسار هو إلى الريف، وسار أبو عبيدة إلى حمص.\rفتح بعلبك\rوحمص وحماة وشيرز ومعرة النعمان وسلمية واللاذقية وأنطرسوس قال: وفي سنة خمس عشرة سار أبو عبيدة إلى حمص بعد وقعة ملك الروم، فسلك طريق بعلبك وحصرها، فطلب أهلها الأمان فأمنهم وصالحهم، وسار عنهم ونزل حمص ومعه خالد بن الوليد، فقاتل أهلها، ولقي المسلمون برداً شديداً، وحاصر الروم حصاراً طويلاً، وكان هرقل قد أرسل إليهم يعدهم المدد، وأمر أهل الجزيرة جميعها بالتجهيز إلى حمص، وسير سعد بن أبي وقاص السرايا من العراق إلى هيت فحصرها، وسار بعضهم إلى قرقيسياء فتفرق أهل الجزيرة، وعادوا عن نجدة أهل حمص، وكان أهل حمص يقولون:","part":5,"page":221},{"id":2222,"text":"تمسكوا بالمدينة فإنهم حفاة، فإذا أصابهم البرد تقطعت أقدامهم، فكانت أقدام الروم تسقط ولا يسقط للمسلمين أصبع، فلما خرج الشتاء قام شيخ من الروم، ودعاهم إلى مصالحة المسلمين، فلم يجيبوه، وقام آخر فلم يجيبوه، فكبر المسلمون تكبيرة فانهدم كثير من دور حمص، وتزلزلت حيطانهم، وكبروا الثانية والثالثة، فأصابهم أعظم من ذلك، وخرج أهلها يطلبون الصلح، ولم يعلم المسلمون بما حدث فيهم، فصالحوهم على صلح دمشق.\rوأنزلها أبو عبيدة السمط بن الأسود الكندي في بني معاوية، والاشعث بن ميناس في السكون، والمقداد في بلي؛ وغيرهم، وبعث بالأخماس إلى عمر مع عبد الله بن مسعود.\rثم استخلف أبو عبيدة على حمص عبادة بن الصامت. وسار إلى حماة، فتلقاه أهلها مذعنين، فصالحهم على الجزية عن رءوسهم، والخراج عن ارضهم، ومضى نحو شيزر، فخرجوا إليه فصالحهم على مثل صلح أهل حماة.\rوسار إلى معرة النعمان - وكانت تعرف بمعرة حمص، ونسبت بعد ذلك إلى النعمان بن بشير الأنصاري، فصالحوه على مثل صلح أهل حمص.\rثم اتى اللاذقية فقاتله أهلها، وكان لها باب عظيم يفتحه جمع من الناس، فعسكر المسلمون على بعد منها، ثم أمر فحفر حفائر عظيمة، تستر الحفرة منها الفارسين، ثم أظهروا أنهم عائدون عنها، ورحلوا، فلما أجنهم الليل عادوا، واستتروا في تلك الحفائر، وأصبح أهل اللاذقية وهم يرون أن المسلمين قد انصرفوا، فأخرجوا سرحهم، وانتشروا بظاهر البلد، فلم يرعهم إلا والمسلمون يصيحون بهم، ودخلوا المدينة معهم، وملكت عنوة، وهرب قوم من النصارى، ثم طلبوا الأمان على أن يرجعوا إلى أرضهم على خراج يؤدونه قلوا أو كثروا، فردت لهم كنيستهم، وبنى المسلمون بها مسجداً جامعاً؛ بناه عباده بن الصامت، ثم وسع فيه بعد ذلك.\rولما فتح المسلمون اللاذقية جلا اهل جبلة من الروم عنها، وفتح المسلمون مع عبادة بن الصامت أنطرسوس، وكان حصنا فجلا عنه أهله، وبنى معاوية أنطرسوس ومصرها، وأقطع بها القطائع للمقاتلة، وكذلك فعل ببانياس، وفتحت سلمية؛ وقيل: إنها سميت سلمية لأنه كان بقربها مدينة تدعى المؤتفكة، انقلبت بأهلها، ولم يسلم منها غير مائة نفس، فبنوا لأنفسهم مائة منزل، وسميت \" سل مائة \" ، ثم حرفها الناس.\rفقالوا: سلمية، ثم مصرها صالح بن علي بن عبد الله بن عباس.\rذكر فتح قنسرين ودخول هرقل القسطنطينية وما تكلم به عند ذلك قال: ثم أرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى قنسرين، فلما زحف ونزل الحاضر زحف إليه الروم، وعليهم ميناس، وكان أعظمهم بعد هرقل، فقتل هو ومن معه على دم واحد.\rوسار خالد حتى نزل قنسرين فتحصن أهلها منه، ثم صالحوه على صلح أهل حمص، فأبى خالد إلى إخراب المدينة، ثم صالحوه على صلح أهل حمص، فأبى خالد إلا إخراب المدينة، فأخربها، فلما بلغ ذلك هرقل - وكان بالرها - سار إلى سميساط، ثم منها إلى القسطنطينية، ولما سار علاً نشزاً، ثم التفت إلى الشام.\rفقال: سلام عليك ياسورية، سلام لا اجتماع بعده ولا يعود إليك رومي أبداً إلا خائفاًَ، حتى يولد الولد المشئوم وليته لا يولد، فما أحلى فعله، وأمر فتنته على الروم. ثم سار وأخذ أهل الحصون التي بين إسكندرونة وطرسوس معه لئلا يسير المسلمون في عمارة ما بين إنطاكية وبلاد الروم، وخلت تلك الحصون وشتتها هرقل، فكان المسلمون إذا مروا بها لا يجدون بها أحداً، وربما كمن عندها الروم، فأصابوا غرة ممن يتخلف من المسلمين، فاحتاط المسلمون لذلك.\rوالله تعالى أعلم بالصواب وإليه المآب\rفتح حلب\rوإنطاكية وغيرهما من العواصم وهي سرمين، وقورس، وتل عزاز، ومنبج ودلوك، ورعبان، وبالس، وقاصرين، وجرجومة، ودرب بغراس، ومرعش، وحصن الحدث.\rقال: ولما فرغ أبو عبيدة من قنسرين سار إلى حلب فلبغه أن أهل قنسرين مضوا، وغدروا، فوجه إليهم السمط الكندي فحصرهم وفتحها، ووصل أبو عبيدة إلى حاضر حلب، وهو قريب منها يجمع أصنافاً من العرب، فصالحهم على الجزية، ثم أسلمو بعد ذلك، وأتى حلب وعلى مقدمته عياض بن الفهري، فتحصن أهلها، وحصرهم المسلمون، فلم يلبثوا أن طلبوا الصلح والأمان على أنفسهم وأولادهم ومدينتهم وحصنهم وكنائسهم، فأعطوا ذلك، واستثنى عليهم موضع المسجد.\rوكان عياض بن غنم هو الذي صالح، فأجاز أبو عبيدة ذلك.","part":5,"page":222},{"id":2223,"text":"وقيل: صولحوا على أن يقاسموا منازلهم وكنائسهم، وقد قيل: إن أبا عبيدة لم يصادف بحلب أحداً؛ لأن أهلها انتقلوا إلى انطاكية، وتراسلوا في الصلح، فلما تم الصلح رجعوا، وسار إلى أبو عبيدة من حلب إلى أنطاكية، وقد تحصن بها خلق كثير من قنسرين وغيرها، فلما فارقها لقيها جمع العدو فهزمهم، وألجأهم إلى المدينة، وحصرها من نواحيها، فصالحوه على الجزية أو الجلاء، فجلا بعضهم واقام بعضهم ثم نقضوا، فوجه إليهم عياض بن غنم وحبيب بن مسلمة، ففتحاها على الصلح الأول.\rوكان انطاكية عظيمة الذكر عند المسلمين، فلما فتحت كتب عمر إلى أبي عبيدة أن يرتب جماعة من المسلمين بها مرابطة، ولا يحبس عنهم العطاء.\rوبلغ أبا عبيدة أن جمعاً من الروم بين معرة مصرين وحلب، فسار إليهم فهزمهم، وقتل عدة من البطارقة، وسبى وغنم، وفتح معرة مصرين على مثل صلح حلب، وجالت خيوله، فبلغت بوقة، وفتحت قرى الجومة وسرمين وتبرين، وغلبوا على جميع أرض قنسرين وأنطاكية.\rثم أتى أبو عبيدة حلب، وقد التاث أهلها، فلم يزل بهم حتى أذعنوا وفتحوا المدينة، وسار يريد قورس، وعلى مقدمته عياض بن غنم، فلقيه راهب من أهلها، فسأله الصلح، فبعث به إلى أبي عبيدة، فصالحه على صلح أنطاكية، وبث خيله، فغلبوا على جمع أرض قورس، وفتح تل عزاز.\rوكان سلمان بن ربيعة الباهلي في جيش أبي عبيدة، فنزل من حصن بقورس، يعرف بحصن سلمان، ثم سار أبو عبيدة منبج، وعياض على مقدمته، فلحقه، وقد صالح أهلها على مثل صلح أهل منبج، واشترط عليهم أن يخبروا المسلمين بخبر الروم.\rوولى أبو عبيدة كل كورة فتحها عاملاً، وضم إليه جماعة، وشحن النواحي المخوفة، وسار إلى بالسن وبعث جيشاُ مع حبيب بن مسلمة إلى قاصرين فصالحه أهلها على الجزية والجلاء، فجلا أكثرهم إلى بلاد الروم، وأرض الجزيرة، واستولى المسلمون على الشام من هذه الناحية إلى الفرات، وعاد أبو عبيدة إلى جهة فلسطين وكان بجبل اللكام مدينة يقال لها: جرجومة، ففتحها حبيب من انطاكية صلحاً على أن يكونوا أعوانا للمسلمين، وسير أبو عبيدة جيشاُ مع ميسرة بن مسروق العبسي، فسلكوا درب بغراس من اعمال انطاكية إلى بلاد الروم، وهو أول من سلكه، فلقي جمعاً من الروم، ومعهم عرب من غسان وتنوخ وإياد يريدون اللحاق بهرقل فأوقع مع خالد بن الوليد، ففتحها بالأمان على إجلاء أهلها، فجلاهم وأخربها، وسير جيشاً مع حبيب بن مسلمة إلى حصن الحدث ففتحه؛ وإنما سمى الحدث لأن المسلمين لقوا عليه غلاماً حدثاً، فقاتلهم في أصحابه، فقيل: درب الحدث. وقيل: لأن المسلمين أصيبوا به فسمي بذلك، وكان بنو أمية يسمونه درب السلامة، والله أعلم.\rفتح قيسارية\rوحصن غزة وفي سنة خمس عشرة أيضاً فتحت قيسارية.\rوقيل في سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين، وذلك أن عمر رضي الله عنه كتب إلى يزيد بن أبي سفيان: أن يرسل معاوية أخاه إلى قيسارية، وكتب عمر إلى معاوية يأمره بذلك، فسار معاوية إليها وحصر أهلها، فرجعوا إليه، وقاتلوه، فبلغت قتلاهم في المعركة ثمانين ألفاً، ثم كملت في الهزيمة مائة ألف وفتحها، وكان علقمة بن مجزز قد حصر القيقار بغزة وجعل يراسله فلم يشفه أحد مما يريد، فاتاه كأنه رسول علقمة وكلمه، فأمر القيقار رجلاً أن يقعد له في الطريق، فإذا مر به قتله، ففطن به علقمة، فقال: إن معي نفراُ يشركونني في الرأي فانطلق فآتيك بهم، فبعث القيقار إلى ذلك الرجل ألا يتعرض له.\rفخرج علقمة من عنده، ولم يعد إليه، وفعل كما فعل عمرو بن العاص رضي الله عنه مع الأرطبون.\rبيسان وأجنادين\rوفتح غزة وسبسطية ونابلس وتبني واللد وعمواس وبيت جبرين ويافا قال: لما انصرف أبو عبيدة وخالد بن الوليد بعد فحل إلى حمص - كما قدمنا - نزل عمر بن العاص وشرحبيل بن حسنة على بيسان فافتتحها، وصالحه أهل الأردن، واجتمع عسكر الروم بغزة وأجنادين وبيسان إلى الأرطبون بأجنادين، فسار عمرو وشرحبيل إليهم بها، واستخلف عمرو على الأردن أبا الأعور، وكان الأرطبون أدهىالروم وأبعدها غوراً، وكان قد وضع بالرملة جنداً عظيماً، وبإيلياء كذلك، فلما بلغ عمر بن الخطاب الخبر قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عم تنفرج.","part":5,"page":223},{"id":2224,"text":"وان معاوية قد شغل أهل قيسارية عن عمرو، وجعل عمرو علقمة بن حكيم، مسروقاً العكى على قتال أهل إيلياء، فشغلوا من بهاعنه، وتتابعت الأمداد من عمر رضي الله عنه إلى عمرو، فأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على شيء، ولا تشفيه الرسل، فسار إليه بنفسه، ودخل إليه كأنه رسول، ففطن به أرطبون، وقال: لاشك أن هذا الأمير، أو من يأخذ الأمير برأيه، فأمر إنساناً أن يقعد على طريقه، فإذا مر به يقتله، فأدرك عمرو، فقال له: قد سمعت مني، وسمعت منك، وقد وقع قولك مني بموقع، وأنا واحد من عشرة، بعثنا عمر إلى هذا الوالي لنكاتفه فأرجع وآتيك بهم، فإن رأوا ما رأيت فقد رآه الأمير وأهل العسكر، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم.\rفقال: نعم، ورد الرجل الذي أمره بقتله، فخرج عمرو من عنده، وعلم الرومي بعد مفارقته أن خدعه.\rفقال: هذا أدهى الخلق، وبلغت هذه الواقعة عمر.\rفقال: لله در عمرو! ثم التقوا، واقتتلوا بأجنادين قتالاً شديداً كقتال اليرموك، فانهزم أرطبون إلى إيلياء، ففتح عمرو غزة، وقيل: فتحت غزة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وثم فتح سبسطية ونابلس بأمان على الجزية، وفتح مدينة لدوتبني وعمواس، وبيت جبرين ويافا. وقيل: فتحها معاوية رضي الله عنه، وفتح رفح. والله سبحانه وتعالى أعلم\rفتح بيت المقدس\rوهو إيلياء كان فتح بيت المقدس على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سنة خمس عشرة. وقيل: ست عشرة، وذلك أن عمرو بن العاص لما فتح هذه الجهات التي ذكرناها، أرسل إلى أرطبون رجلاً يتكلم بالرومية. وقال له: اسمع مايقول، وكتب معه كتاباً، فوصل إليه، وأعطاه الكتاب، وعنده وزراءه، فقل لهم: لا يفتح عمرو شيئاً من فلسطين بعد أجنادين. فقالوا له: من أين علمت ذلك؟ فقال: صاحبها صفته كذا وكذا، وذكر صفة عمر، فعاد رسول الله إلى عمرو، وأخبره بذلك، فكتب عمرو رضي الله عنهما، يقول: إني أعالج عدواً شديداً، وبلاداً قد أدخرت لك، فرأيك.\rفعلم عمر أن عمراً لم يقل ذلك إلا لشيء سمعه، فسار عن المدينة وقيل: كان سبب قدوم عمر إلى الشام، أن أبا عبيدة حصر بيت المقدس، فطلب أهله أن يصالحهم على صلح أهل مدن الشام، وأن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب، فكتب إليه بذلك، فسار عن المدينة، واستخلف عليها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكتب عمر إلى امراء الأجناد بموافاته بالجابية ليوم سماه لهم، وأن يستخلفوا على أعمالهم، فوافوه، وكان أول من لقيهم يزيد بن أبي سفيان وأبو عبيدة ثم خالد بن الوليد على الخيول، عليهم الديباج والحرير، فنزل عن فرسه، ورماهم بالحجارة، وقال: ما أسرع ما رجعتم عن رأيكم! إياي تستقبلوني في هذا الزي! وإنما شبعتم منذ سنتين، وتالله لوفعلتم ذلك على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم. فاعتذزوا بالسلاح، ودخل عر الجابية وعمرو وشرحبيل لم يقدما عليه، فبينما عمر بالجابية إذ فزع الناس إلى السلاح. فقال: ماشأنكم؟ قالوا: ألا ترى إلى الخيول والسيوف! فنظر فإذا كردوسة، فقال: مستأمنة فلا تراعوا، فإذا هم أهل إيلياء يصالحونه على الجزية، وكان الذي صالحه العوام، لأن أرطبون والتذارق دخلا مصر لما بلغهما مقدم عمر.\rوأخذوا كتابة على إيلياء وحيزها، والرملة وحيزها. وجعل عمر رضي الله عنه علقمة بن مجزز على نصفها الآخر، وأسكنه إيلياء، وضم عمرو بن العاص وشرحبيل إليه بالجابية، فلقياه راكباً، فقبلا ركبته، فضم كل واحد منهما محتضنا، ثم سار إلى البيت المقدس وركب فرسه، فرأى به عرجاً، فنزل عنه، وأتى ببرذون فركبه، فجعل يتجلجل به، فنزل وضرب وجهه وقال: لا أعلم من علمك الخيلاء؟ ثم لم يركب برذونا بعده، ولا كان ركبه قبله، وفتحت إيلياء على يديه، ولحق أرطبون ومن أبي الصلح بمصر، فلما ملكها المسلمون قتل.\rوقيل: بل لحق بالروم، فكان على صوائفهم، والتقى هو وصاحب صائفة المسلمين، ومع المسلمين رجل من قريش، فقطع أرطبون يده، وقتله القرشي، وفيه يقول:\rفإن يكن أرطبون الروم أفسدها ... فإن فيها بحمد الله منتفعا\rوإن يكن أرطبون الروم قطعها ... فقد تركت بها أوصاله قطعا\rحمص\rحين قصد هرقل من بها من المسلمين","part":5,"page":224},{"id":2225,"text":"قال: وفي سنة سبع عشرة قصد الروم أبا عبيدة بن الجراح، ومن معه من المسلمين بحمص، وكان المهيج للروم على ذلك أن أهل الجزيرة أرسلوا إلى ملكهم، وبعثوه على إرسال الجنود إلى الشام ووعدوه المعونة بأنفسهم. ففعل ذلك. فلما سمع المسلمون باجتماعهم، ضم أبو عبيدة إليه مسالحه، وعسكر بفناء مدينة حمص، وأقبل خالد من قنسرين إليهم، فاستشاره أبو عبيدة في الناجزة أو التحصن، فأشار بالمناجزة، وأشار سائرهم بالتحصين ومكاتبة عمر، فأطاعهم، وكتب إلى عمر بذلك.\rوكان عمر قد اتخذ بكل مصر خيولا على قدره من فضول أموال المسلمين عدة لكون إن كان، فكان بالكوفة أربعة آلاف فرس، والقيم عليها سلمان بن ربيعة الباهلي، وفي كل مصر من الأمصار الثمانية على قدره، فإن كانت ثابتة ركبها المسلمون وساروا إلى أن يتجهز الناس.\rوكتب عمرو إلى سعد بن أبي وقاص: أن أندب الناس مع القعقاع بن عمرو وسرحهم من يومهم؛ فإن أبا عبيدة قد أحيط به.\rوكتب إليه أيضاً: سرح سهيل بن عدي إلى الرقة؛ فإن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص، وأمره أن يسرح عبد الله بن عتبان إلى نصيبين، ثم ليقصدا حران والرها، وأن يسرح عياض بن غنم، فإن كانت حرب فأمرهم إلى عياض. فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومه نحو حمص.\rوخرج عياض بن غنم ومن ندب إلى الجزيرة، وتوجه كل أمير منهم إلى الكورة التي أمر عليها، وخرج عمر من المدينة، وأتى الجابية إعانة لأبي عبيدة، فلما بلغ أهل الجزيرة الذي أعانوا الروم على أهل حمص خبر الجنود الإسلامية تفرقوا إلى بلادهم، فأشار خالد على أبي عبيدة بالخروج إلى الروم، فخرج إليهم وقاتلهم، وفتح الله عليه، وقدم القعقاع بعد ثلاثة أيام، فكتبوا إلى عمر بالفتح وبقدوم المدد عليهم والحكم في ذلك.\rفكتب إليهم: أن أشركوهم في المغنم، فإنهم نفروا إليكم، وانفرق لهم عدوكم، وقال: جزى الله أهل الكوفة خيراً؛ يكفون حوزتهم ويمدون الأمصار؛ فلما فرغوا رجعوا. والله أعلم، حسبنا الله ونعم الوكيل.\rفتح الجزيرة وأرمنية\rقد اختلف أصحاب التواريخ في فتح الجزيرة وأرمينية، فمنهم من يقول: إن ذلك من فتوح أهل العراق، ومنهم من يقول: إنها من فتوح أهل الشام. والأكثر على أنها من فتوح أهل الشام، ونحن نذكر القولين إن شاء الله تعالى: فأما من قال: إنها من فتوح العراق فإنه يقول: إن سعد بن أبي وقاص لما أمره رضي الله عنه أن يبعث الجنود التي ذكرناها آنفاً إلى نصيبين وحران والرها والجزيرة مع من ذكرنا، وإن كان قتال فأمرهم إلى عياض بن غنم، فخرج عياض ومن معه؛ فأرسل سهيل بن عدي إلى الرقة، فصالحوه على الذمة، وخرج عبد الله بن عتبان على الموصل إلى نصيبين، فلقوه وفعلوا كفعل أهل الرقة، وخرج الوليد بن عقبة، فقدم على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ، فنهض معهم مسلمهم وكافرهم إلا إياد بن نزار، فإنهم دخلوا إلى أرض الروم، ولما أخذوا الرقة ونصيبين ضم عياض إليه سهيلاً وعبد الله، وسار بالناس إلى حران، فأجابه أهلها إلى الجزية، فقبل منهم. ثم إن عياضاً سرح سهيلاً وعبد الله إلى الرها، فأجابوهما إلى الجزية، وأجروا كل ماأخذوا من الجزيرة عنوة مجرى الذمة، فكانت الجزيرة أسهل البلدان فتحاً، ورجع سهيل وعبد الله إلى الكوفة.\rقال: ولما بلغ عمر رضي الله عنه أن إياداً دخلت الروم، كتب إلى ملك الروم يتهدده إن لم يخرجهم، فأخرجهم، فخرج منهم اربعة آلاف، وتفرقت بقيتهم ممايلي الشام والجزيرة من أرض الروم، فكل إيادي في أرض العرب من أولئك الأربعة آلاف.\rوفال أبن إسحاق: إن فتح الجزيرة كان في سنة تسع عشرة، وقال: إن عمر كتب إلى سعد بن أبي وقاص: إذا فتح الشام والعراق فابعث جنداً إلى الجزيرة، فبعث عياض بن غنم، وبعث معه جيشاً فيه أبو موسى الأشعري، وعمر بن سعد ليس له في الأمر شيء، فسار عياض ونزل على الرها، فصالحه أهلها وأهل حران، ثم بعث أبا موسى الاشعري إلى نصيبين فافتتحها، وسار عياض إلى دارا فافتتحها. ووجه عثمان بن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة فقاتل أهلها، ثم صالحوه على الجزية، فعلى هذه الأقوال تكون الجزيرة وإرمينية من فتوح العراق.\rوأما من قال إنها من فتوح الشام، فإنه يقول:","part":5,"page":225},{"id":2226,"text":"إن أبا عبيدة سير عياض بن غنم إليها فافتتحها، وكان قد كتب إلى عمر بن الخطاب بعد انصرافه من الجابية يسأله أن يضم إليه عياض بن غنم - إذا أخذ خالد بن الوليد إلى المدينة - فصرفه إليه، فسيره أبو عبيدة إلى المدينة ففتحها، وذلك في سنة سبع عشرة.\rوقيل: إن أبا عبيدة لما توفي استخلف عياضاً فورد عليه كتاب عمر بولاية حمص وقنسرين والجزيرة، فسار إلى الجزيرة في سنة ثماني عشرة للنصف من شعبان في خمسة آلاف، وعلى ميمنته سعيد بن عامر الجمحي، وعلى ميسرته صفوا بن المعطل، وعلى مقدمته ميسرة بن مسروق، فانتهت طليعة عياض إلى الرقة، فأغاروا على الفلاحين، وحصروا المدينة، بث عياض السرايا، فأتوه بالأسرى والأطعمة، وحصرها ستة أيام، فطلب أهلها الصلح، فصالحهم على أنفسهم وذراريهم وأموالهم ومدينتهم. وقال عياض: الأرض لنا، قد وطئناها وملكناها، فأقرها في أيديهم على الخراج، ووضع عنهم الجزية. ثم سار إلى حران فجعل عليها عسكراً، عليهم صفوان وحبيب بن مسلمة، فحصراها، وسار هو إلى الرها، فقاتله أهلها ثم انهزموا، فحصرهم في مدينتهم، فطلبوا الصلح فصالحهم، وعاد إلى حران، فوجد صفوان وحبيباً قد غلبا على حصون وقرى من أعمالها، فصالحه أهل حران على مثل صلح الرها، وفتح سميساط، وأتى سروج وراس كيفا والأرض البيضاء، فصالحه أهلها على مثل صلح الرها، ثم غدر أهل سمسياط، فرجع إليهم وفتحها، ثم أتى قربات الفرات، وهي جسر منبج ومايليها ففتحها، وبعث حبيب بن مسلمة إلى ملطية ففتحها عنوة، على يد حبيب أيضاً، وركب فيها جنداً من المسلمين مع عاملها، قال: وسار عياض إلى راس عين، وهي عين الوردة، فامتنعت عليه، فتركها، وسار إلى تل موزن ففتحها على صلح الرها سنة تسع عشرة. وسار إلى آمد، فصالحه أهلها بعد قتال، وفتح ميافارقين على صلح الرها ثم سار إلى نصيبينن، فقاتله أهلها، ثم صالحوه على مثل ذلك، وفتح طور عبدين، وحصن ماردين. وقصد الموصل، ففتح أحد الحصنين. وقيل: لم يصلها، وأتاه بطريق الزوزان فصالحه، ثم سار إلى أرزن ففتحها، ودخل الدرب إلى بدليس، وبلغ خلاط فصالحه بطريقها، وانتهى إلى العين الحامضة من إرمينية، ثم عاد إلى الرقة ومضى منها إلى مدينة حمص، ومات في سنة عشرين؛ فعلى هذا الخبر يكون ذلك من فتوح أهل الشام.\rوعلى كلا القولين ففتحها على يد عياض بن غنم.\rقال: ولما مات عياض استعمل عمر بن الخطاب سعيد بن عامر بن حذيم، فلم يلبث إلا قليلاً ومات، فاستعمل عمير بن سعد الأنصاري، ففتح رأس عين بعد قتال شديد. وقيل: إن عياضاً أرسل عمير بن سعد إليها ففتحها. وقيل: إن عمر رضي الله عنه أرسل أبا موسى الاشعري إلى رأس عين بعد وفاة عياض، والله سبحانه وتعالى أعلم.\rانتهى فتوح الشام في خلافة عمر رضي الله عنه ؛ فنذكر فتوح العراق، وماوالاه.\rوإذا انتهت الفتوحات إي شاء الله تعالى ذكرنا الغزوات إلى أرض الروم من الشام.؟\rفتوح العراق\rوما والاها من بلاد فارس وغيرها وغزو الترك وفتح خراسان وسجستان وغير ذلك من الوقائع كان ابتداء أمر العراق أن المثنى بن حارثة الشيباني قدم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه، فأوصى أبو بكر عمر بالمبادرة إلى إرسال الجيوش معه إلى العراق، فلما اصبح عمر من الليلة التي مات فيها أبو بكر ندب الناس إلى الخروج مع المثنى بن حارثة، ثم بايع الناس، وندبهم وهو يبايع ثلاثاً، فلم ينتدب أحد إلى فارس، وكانوا أثقل الوجوه على المسلمين، وأكرهها إليهم لشدة سلطانهم وشوكتهم، فلما كان اليوم الرابع ندب الناس إلى العراق، فكان أول منتدب أبو عبيدة بن مسعود الثقفي، وهو والد المختار، وسعد بن عبيدة الأنصاري، وسليط بن قيس، وهو بدري.\rوتتابع الناس، وتكلم المثنى بن حارثة، فقال: أيها الناس، لا يعظمن عليكم هذا الوجه، فإنا قد فتحنا ريف فارس، وغلبناهم على خير شقى السواد، ونلنا منهم، واجترأنا عليهم، ولها إن شاء الله ما بعدها. فاجتمع الناس. وقيل لعمر: أمر عليهم رجلا من التابعين من المهاجرين والأنصار، فقال:","part":5,"page":226},{"id":2227,"text":"والله لا أفعل، إنما رفعهم الله تعالى بسبقهم ومسارعتهم إلى العدو، فإذا فعل قوم، وتثاقلوا هم، وكان الذي ينفرون خفافاً وثقالاُ ويسبقون أولى بالرياسة، والله لاأومر عليهم إلا أولهم انتدابا، ثم دعا أبا عبيد وسعدا وسليطا. وقال لسعد وسليط: لو سبقتماه لوليتكما، وأمر أبا عبيد، وقال له: اسمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشركهم في الأمر، ولم يمنعني أن أومر سليطاً إلا سرعته إلى الحرب، في التسرع إلى الحرب ضياع، وأوصى أبا عبيد بجنده.\rوأمر عمر المثنى بالتقدم حتى يقدم عليه أصحابه، وأمرهم باستنفار من حسن إسلامه من أهل الردة، ففعلوا، وسار المثنى فقدم الحيرة في عشر، وقدم أبو عبيد بعدة أشهر.\rوالله سبحانه وتعالى أعلم. وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rوقعة النمارق\rكانت هذه الوقعة في سنة ثلاث عشرة، وذلك أن بوران كانت يومئذ على الفرس، فأرسلت إلى رستم بن الفرخزاد - وكان على فرج خراسان - فحضر، فتوجته، ودعت مرازبه فارس أن يسمعوا له ويطيعوا، فدانت له فارس، فكتب رستم إلى الدهاقين أن يثوروا بالمسلمين، وبعث في كل رستاق رجلا يثور بأهله، فبعث جابان إلى فرات بادقلي، وبعث نرسي إلى كسكر، وواعدهم يوما، وبعث جنداً لمصادمة المثنى، وبلغ المثنى الخبر فحذر، وعجل جابان ونزل النمارق، وثاروا، وخرج أهل الرساتيق من أعلى الفرات إلى أسفله، وخرج المثنى ن الحيرة، فنزل خفان لئلا يؤتى من خلفه، وأقام حتى قدم عليه أبو عبيد، فلما قدم أقام أياما ليستريح هو وأصحابه، واجتمع إلى جابان بشر كثير بالنمارق، فسار إليه أبو عبيد، وجعل المثنى على الخيل، وكان على مجنبتي جابان جشنس ماه ومردانشاه، فالتقوا واقتتلوا بالنمارق قتالاً شديداً، فهزم الله الفرس، وأسر جابان؛ أسره مطرين فضة التيمي، وأسر مردانشاه، اسره أكتل بن شماخ العكلي فقتله، وأما جابان فإنه خدع مطراً، وقال: هل لك أن تؤمني، وأعطيك غلامين أمردين خفيفتين في عملك، وكذا وكذا؟ فخلى عنه، فأخذه المسلمون، وأتوا به أبا عبيد، وأخبروه أنه جابان، وأشاروا عليه بقتله؛ فقال: إني أخاف الله أن أقتله، وقد أمنه رجل مسلم، والمسلمون كالجسد الواحد، مالزم بعضهم فقد لزم كلهم، وتركه.\rوأرسل في طلب من انهزم حتى أدخلوهم عسكر نرسي وقتلوا منهم، والله سبحانه وتعالى أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rوقعة السقاطية\rبكسكر.\rولما لحق من انهزم من الفرس بكسكر وبها نرسي، وهو ابن خالة الملك، سار إبو عبيد إليهم من النمارق، والمثنى في تعبئته التي قاتل فيها، وكان على مجنبتي نرسي بندويه وتيرويه ابنا بسطام خال الملك، ومعه اهل باروسما والزوابي، وكانت بوران ورستم قد بلغهما خبر هزيمة جابان، فبعثا الجالينوس إلى نرسي مدداً، فعالجهم أبو عبيد، فالتقوا من مكان يدعى السقاطية، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم انهزمت الفرس، وهرب نرسي وغلب المسلمون على عسكره وأرضه، وجمعوا الغنائم.\rوأقام أبو عبيد وبعث المثنى إلى باروسما، وبعث والقاً إلى الزوابي، وعاصما إلى نهر جور، فهزموا من كان قد تجمع هناك وأخربوا، وسبوا أهل زندورد وغيرها، وبذل لهم فروخ وفرونداذ على أهل باروسما والزوابي وكسكر ونهر جوبر الخراج معجلاً، فأجابوه إلى ذلك وصاروا صلحاً.\rوالله سبحانه وتعالى أعلم، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد.\rوقعة الجالينوس\rقال: ولما بعث رستم الجالينو سار فنزل بباقسياثا من باروسما، فسار إليه أبو عبيد، وهو على تعبئته فالتقوا بها واقتتلوا، فهزن الله الفرس، وهرب الجالينوس، وغلب أبو عبيد على تلك النواحي، ثم ارتحل حتى قدم الحيرة.\rوقعة قس الناطف\rويقال لها: وقعة الجسر ووقعة المروجة ومقتل أبي عبيدة وغيره.","part":5,"page":227},{"id":2228,"text":"لما رجع الجالينوس إلى رستم منهزما، قال رستم: أي العجم أشد على العرب؟ قالوا: بهمن جاذوبة المعروف بذي الحاجب - وإنما قيل له ذو الحاجب لأنه كان يعصب حاجبيه بعصابه ليرفعها كبراً - فوجهه ومعه فيله، ورد الجالينوس، وقال لبهمن: إن انهزم الجالينوس مرة ثانية فأضرب عنقه. فأقبل بهمن جاذويه ومعه \" درفس كابيان \" راية كسرى، وكانت من جلود النمور، طولها اثنا عشر ذراعا في عرض ثمانية أذرع، فنزل بقس الناطف، وأقبل أبو عبيد فنزل المروحة، فرأت أمرأته دومة أم المختار أن رجلاً نزل من السماء بإناء في شراب، فشرب أبو عبيد ومعه نفر، فأخبرت أبا عبيد بما رأت؛ فقال: هذه إن شاء الله الشهادة، وعهد إلى الناس وقال: إن قتلت فعلى الناس فلان، فإن قتل ففلان حتى أمر الذين شربوا من الإناء، ثم قال: إن قتل أبو القاسم فعلى الناس المثنى.\rوبعث إليهم بهمن جاذوية يقول: أما أن تعبروا إلينا وندعكم والعبور، وإما أن تدعونا نعبره إليكم؛ فنهاه الناس عن العبور، فأبى وترك الرأي، وقال: لا تكونوا أجرً على الموت منا، فعبر إليهم على جسر عقده ابن صلوبا للفريقين، فالتقوا واقتتلوا، فلما نظرت الخيول إلى الفيلة وإلى خيل الفرس، عليهم التجافيف، رأت شيئاً منكراً لم يكن رأت مثله، فلم تقدم عليهم، فاشتد الأمر على المسلمين، فترجل أبو عبيد والناس، ثم مشوا إليهم فصافحوهم بالسيوف، فجعلت الفيلة لا تحمل واقطعوا بطنها، واقلبوا عنها أهلها؛ ووثب هو على الفيل الأبيض فقطع بطانه ودفع الذي عليه، وفعل القوم مثل ذلك، فما تركوا فيلاً إلا حطوا رحله، وقتلوا أصحابه. وأهوى الفيل لأبي عبيد فضربه أبو عبيد بالسيف، وخبطه الفيل بيده فوقع فوطئه وقام عليه، فلما بصر به الناس تحت الفيل خشعت أنفس بعضهم، ثم أخذ اللواء الذي كان أمره بعده، فقاتل الفيل حتى تنحى عن أبي عبيد، فاجتره المسلمون فأحرزوه، ثم قتل الفيل الأمير الذي بعد أبي عبيد، وتتابع سبعة من ثقيف كلهم يأخذ اللواء ويقاتل حتى يموت، ثم أخذ المثنى اللواء فهرب عنه الناس، فلما رأى عبد الله بن مرثد الثقفي ذلك بادر إلى الجسر فقطعه، وقال: أيها الناس، موتوا على مامات عليه أمراؤكم أو تظفروا. وحاز المشركون المسلمين إلى الجسر، فتواثب بعضهم إلى الفرات فغرق، وحمى المثنى وفرسان من المسلمين الناس، وقاتل أبو زبيد الطائي حمية للعرب، وكان نصرانياً، ثم جاء العلوج وعقدوا الجسر، وعبر الناس، وكان آخر من قتل عند الجسر سليط بن قيس، وعبر المثنى وحمى جانبه، فلما عبر أرفض عنه أهل المدينة، وبقي المثني في قلة، وكان قد جرح وأثبت فيه حلق من درعه. وهلك من المسلمين أربعة آلاف بين قتيل وغريق.\rوهرب ألفان وبقي ثلاثة آلاف، وقتل من الفرس ستة آلافف، وأخبر عمر عمن سار في البلاد استحياء من الهزيمة، فاشتد ذلك عليه، وقال: اللهم إن كل مسلم في حل مني، أنا فئة كل مسلم، يرحم الله أبا عبيد! لو كان انحاز إلى لكنت له فئة.\rقال: وأراد بهمن جاذوية العبور خلف المسلمين فأتاه الخبر باختلاف الفرس، وأنهم قد ثاروا برستم، فرجع إلى المدائن.\rوكانت هذه الوقعة في شعبان سنة ثلاث عشرة. والله سبحانه وتعالى أعلم.\rوقعة أليس الصغرى\rقال: لما عاد ذو الحاجب لم يشعر جابان ومرادنشاه بما جاء به من الخبر، فخرجا إذا أخذا بالطريق، وبلغ المثنى فعلهما، فاستخلف الناس على عاصم بن عمر.وخرج في جريدة خيل يريدهما، فظنا أنه هارب، فاعترضاه، فأخذهما أسيرين. وخرج أهل أليس على أصحابهما فأتوه بهم أسرى، فعقد لهم بها ذمة، وقتلهما وقتل الأسرى. والله تعالى أعلم.\rوقعة البويب","part":5,"page":228},{"id":2229,"text":"ولما بلغ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقعة الجسر، ندب الناس إلى المثنى، وكان فيمن ندب بجيلة، وأمرهم إلى جرير بن عبد الله، فأتوا العراق، وقالوا: لا نكون إلا بالشام، فعزم عليهم عمر ونفلهم ربع الخمس، فأجابوا، وسيرهم إلى المثنى، وبعث عصمة بن عبد الله الضبي فيمن معه، وكتب إلى أهل الردة فلم يأته أحد إلا رمى به المثنى. وبعث الرسل إلى من يليه من العرب، فتوافوا إليه في جمع عظيم، وكان فيمن جاءه أنس بن هلال النمري في جمع عظيم من النمر، نصارى، وقالوا: نقاتل مع قومنا. وبلغ الخبر رستم والفيرزان فبعثا مهران الهرمذاني إلى الحيرة، فسمع المثنى ذلك وهو بين القادسية وخفان. فاستبطن فرات بادقلي، وكتب إلى جرير وعصمة ومن أتاه من الأمداد بالخبر، وأمرهم بقصد البويب، ومهران بإزائه من وراء الفرات، فاجتمع المسلمون بالبويب ممايلي الكوفة اليوم، وأرسل مهران إلى المثنى يقول: إما أن تعبر إلينا، وإما أن نعبر إليك، فقال: المثنى: اعبروا، فعبر مهران فنزل بشاطئ الفرات، وعبى المثنى أصحابه، وكان في شهر رمضان، فأمرهم بالإفطار ليقووا على عدوهم، فأفطروا، وأقبل الفرس في ثلاثة صفوف، ومع كل صف فيل، ورجالتهم أمام فيلهم، ولهم زجل.\rفقال المثنى: إن الذي تسمعون فشل، فالزموا الصمت، ثم التقوا، واقتتلوا أشد القتال وأعظمه، فقتل مهران؛ قتله غلام نصراني من تغلب، واستولى على فرسه، فجعل المثنى سلبه لصاحب خيله، وكان التغلبي قد جلب خيلاً هو وجماعة من تغلب، فلما رأوا القتال قاتلوا مع العرب، وانهزمت الفرس، وسبقهم المثنى إلى الجسر فافترق الأعاجم مصعدين ومنحدرين، وأخذتهم خيول المسلمين، وقتل منهم قتلى كثيرة، فكانوا يحزرون القتلى مائة ألف، وسمي ذلك اليوم يوم الإعشار، وأحصى مائة رجل، قتل كل رجل منهم عشرة، وتبعهم المسلمون إلى الليل، ومن الغد إلى الليل، وارسل المثنى الخيل في طلب العجم، فبلغوا السيب، وغنموا من الغنائم والسبى والبقر شيئاً كثيراً، فقسمه المثنى فيهم، ونفل أهل البلاء، وأعطى بجيلة ربع الخمس.\rوأرسل إليه الذين تبعوا من انهزم يعرفونه بسلامتهم، وأنه لامانع دون القوم، ويستأذنونه في الإقدام، فأذن لهم فأغاروا حتى بلغوا ساباط؛ فتحصن أهله منهم، واستباحوا القرى، رجعت مسالح الفرس إليهم، وسرهم أن يتركوا ماوراء دجلة.\rسوقي الخنافس وبغداد\rقال: ثم خلف المثنى بالحيرة بشير بن الخصاصية، وسار يمخر السواد، وأرسل إلى ميسان ودست ميسان، وأدنى المسالح، ونزل أليس( قرية من قرى الأنبار )، وجاء المثنى رجلان أحدهما أنبارى فدله على سوق الخنافس، والثاني حيري ودله على سوق بغداد، فبدأ بسوق الخنافس؛ لأنها كانت تقوم قبل سوق بغداد، وكان يجتمع بها تجار مدائن كسرى والسواد، وتخفرهم ريبعة وقضاعة، فأغار المثنى على الخنافس يوم سوقها، فانتسف السوق وما فيها، وسلب الخفراء، ثم رجع فأتى الانبار، فنزل أهلها إليه، وأتوه بالأعلاف والزاد، وأخذ منهم الأدلاء على سوق بغداد، وسار ليلاً، فصبحهم في أسواقهم فوضع السيف فيهم، وأخذ ما شاء، وقال لأصحابه: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة والحر من الكل شيء، ثم عاد راجعاً حتى أتى الأنبار، وكان من خلفه من المسلمين يمخرون السواد، ويشنون الغارات ما بين أسفل كسكر واسفل الفرات، وجسور مثقب إلى عبن التمر، ولما رجع المثنى إلى الأنبار بعث المضارب إلى الكباث، وعليه فارس العناب التغلبي، ثم لحقهم المثنى فسار معهم، فوجدوا الكباث وقد سار من كان به عنه، فسار المسلمون خلفهم، فقتلوا في أخريات أصحاب فارس والعناب، وأكثروا القتل ورجعوا إلى الأنبار، وسرح المثنى فرات بن حيان التغلبي وعتيبة بن النهاس، وأمرهما بالغارة على أحياء بني تغلب بصفين، ثم أتبعهما واستخلف على الناس عمرو بن أبي سلمى الهجيمي، فما دنوا من صفين فر من بهان وعبروا الفرات إلى الجزيرة وفنى الزاد الذي كان مع المثنى وأصحابه، فأكلوا رواحلهم إلا مالابد منه حتى جلودها، ثم أدركوا عيراً من أهل دبا وحوران فقتلوا من بها، وأخذوا ثلاثة نفر من تغلب كانوا خفراء، وأخذوا العير فقال لهم المثنى:","part":5,"page":229},{"id":2230,"text":"دلوني؛ فقال: أحدهمك أمنوني على أهلي ومالي، وأدلكم على حي من تغلب، فأمنه المثنى، وسار بهم يومه، فهجم العشي على القوم والنعم صادرة عن الماء، وأصحابها جلوس بأفنية البيوت، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية، واستاق الأموال.\rوأخبر المثنى أن جمهور من سلك البلاد قد انتجع شاطئ دجلة؛ فخرج المثنى وعلى مجنبتيه النعمان بن عوف ومطر الشيبانيان، وعلى مقدمته حذيفة بن محصن الغلفاني، فساروا في طلبهم فأدركوهم بتكريب، فأصابوا ما شاءوا من النعم، وعادو الأنبار.\rومضى عتيبة وفرات ومن معهما حتى أغاروا على صفين، وبها النمر وتغلب متساندين، فأغاروا عليهم حتى رموا ظائفة منهم في الماء، فجعلوا ينادونهم: الغرق الغرق! وجعل عتيبة وفرات يذمران الناس ويناديانهم: تغريق بتحريق! يذكرانهم يوما من أيام الجاهلية، كانوا حرقوا فيه قوما من بكر بن وائل في غيضة من الغياض. ثم رجعوا إلى المثنى وقد غرقوهم. فبلغ ذلك عمر، فبعث إلى عتيبة وفرات، فاستدعاهما وسألهما عن قولهما، فأخبراه أنهما لم يفعلا ذلك على وجه طلب ذحل، إنما هو مثل، فاستحلفهما على ذلك وردهما إلى المثنى.\rوكانت هذه الوقائع التي ذكرناها بالعراق في سنة ثلاث عشرة. ثم كانت وقعة القادسية، والله أعلم.\rالقادسية وأيامها\rكان ابتداء أمر القادسية أن الفرس لما مات ملكها أزدشير تفرقت آراؤها، وكان المسلمون قد فتحوا من بلادهم ما ذكرناه في خلافة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في حياة أزدشير، ثم تابعو الغارات عليهم، فاجتمعت الفرس وقالوا لرستم والفيرزان - وهما أهل فارس - : لازال بكما الاختلاف حتى أوهنتما أهل فارس، وأطمعتما فيهم عدوهم.\rفاجتمعوا واستدعوا نساء كسرى وسراريه، وكشفوا عمن بقي من نسل الملوك الأكاسرة، فدلوهم على يزدجرد، من ولد شهريار بن كسرى، فاستدعوه وملكوه عليهم واطاعوه، فبلغ خبرهم المثنى بن حارثة، فكتب بذلك إلى عمر، فلم يصل الكتاب حتى نقض من كان له عهد من اهل السواد، فخرج المثنى حتى نزل بذي قار، ونزل الناس بألطف في عسكر واحد.\rولما وصل كتاب المثنى إلى عمر قال: والله لاضربن ملوك العجم بملوك العرب؛ وكتب إلى عماله على العرب: ألا يدعوا من له نجدة أو راي، أو فرس، أو سلاح إلا وجهوه إليه، وذلك في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة.\rفاجتمع إليه الناس، ولم يدع رئيساً ولا ذي رأي وشرف، ولا خطيباً ولا شاعراٌ إلا استشارهم في الخروج بنفسه لغزو الفرس، وأجمع رأي وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث رجلاً من المسلمين ويضم إليه الجنود، واتفق رأيهم على سعد بن أبي وقاص، وكان على صدقات هوازن، فكتب إليه عمر يقول: قد انتخبت لك ألف فارس، كلهم له نجدة ورأي؛ إليهم انتهت أحسابهم.\rفأمره بحرب العراق وضم إليه الجيوش، فخرج في أربعة آلاف، وأمده عمر بعد خروجه بألفي يماني، وألفي نجدي، وكان المثنى بن حارثة في ثمانية آلاف، فلما سار سعد توفي المثنى قبل وصوله، واجتمع مع سعد ثمانية آلاف، ثم أتته قبائل العرب، فكان جميع من شهد القادسية بضعة وثلاثين ألفاً، منهم تسعة وتسعون بدرياً، وثلثمائة وبضعة عشر ممن كانت له صحبة فيما بين بيعة الرضوان إلى مافوق ذلك، وثلثمائة ممن كان شهد الفتح، وسبعمائة من أبناء الصحابة، فعبأهم سعد بن أبي وقاص، وأمر الأمراء، وعرف على كل عشرة عريفاً، وجعل أهل السابقة على الرايات؛ وسار بالجيوش حتى نزل القادسية بين العتيق والخندق بحيال القنطرة، وأقام بها شهراُ لم يأته من الفرس أحد، فأرسل عاصم بن عمرة بطلب غنماً أو بقراً، فسأله عن البقر والغنم، فقال: لا اعلم؛ فصاح ثور من الأجمة: كذب عدو الله، هانحن، فدخل عدو الله فاستاق البقر وأتى بها العسكر، فقسمها سعد على الناس. ثم بث الغازات بين كسكر والأنبار، فحووا من الأطعمة ما قام بهم زماناً، فاستغاث أهل السواد إلى يزدجرد وقالوا: إما أن تدفع العرب، وإما أن نعطيهم ما بأيدينا، فأرسل إلى رستم وأمره بالمسير للقاء المسلمين، فاستعفاه من ذلك وسأله أن يجهز الجالينوس، فأبى يزدجرد إلا مسيره، فعسكر بساباط، ثم استعفاه ثانية من المسير، فأبى عليه.","part":5,"page":230},{"id":2231,"text":"واتصلت الأخبار بسعد، فكتب إلى عمر فأجابه: لا تكربنك ما يأتيك عنهم، واستعن الله، وتوكل عليه، وابعث إليه رجالاُ من أهل المناظرة والجلد يدعونه، فإن الله تعالى جاعل دعاءهم توهينا لهم؛ فارسل نفراً، منهم: النعمان بن مقرن، وبسر بن أبي رهم، وحملة بن جؤية، وحنظلة بن الربيع، وفرات بن حيان، وعدي بن سهيل، وعطارد بن حاجب، والمغيرة بن زرارة الأسدي، والأشعث بن قيس، والحارث بن حسان، وعاصم بن عمرو، وعمرو بن معدي كرب، والمغيرة بن شعبة، والمثنى بن حارثة، إلى يزدجرد دعاة، فقدموا عليه، فأحضر وزراءه، وأحضر رستم، واستشارهم فيما يقول لهم، واجتمع الناس ينظرون إليهم، ثم أذن إليهم، وأحضر الترجمان، وقال له: سلهم ما جاء لكم؟ وما دعاكم إلى غزونا، والولوع ببلادنا؟ من اجل أننا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا! فقال النعمان بن مقرن لأصحابه: إن شئتم تكلمت عنكم، ومن شاء آثرته. قالوا: بل تكلم؛ فقال: إن الله رحمنا، فارسل إلينا رسولاً يأمرنا بالخير، وينهانا عن الشر، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة، فلم يدع قبيلة إلى وقاربه منه فرقة، وتباعد عنه فرقة، ثم أمر أن نبتدي إلى من خالفه من العرب فبدأنا بهم، فدخلوا معه على وجهين؛ مكره عليه فاغتبط، وطائع فازداد، فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو بن حسن الحسن، وقبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه، الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة، وإن أجبتم إلى جيننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمنا عليه، على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم. وإن بذلتم الجزية قبلنا ومنعناكم، وإلا قاتلناكم.\rفتكلم يزدجرد فقال: إني لا أعلم أمة في الأرض أشقى ولا أقل عدداً، ولا اسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفوننا أمركم، ولا تطمعوا أن تقوموا لفارس، فإن كان غدر لحقكم فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم. فاسكت القوم.\rفقام المغيرة بن زرارة فقال: أيها الملك؛ إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم، وهم أشراف يستحيون من الأشراف، وليس كل ماأرسلوا له قالوه، ولا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، فجاوبني لأكون الذي ابلغك وهم يشهدون على ذلك. وأما ماذكرت من سوء الحال فهي على ماوصفت أو اشد، ثم ذكر من سوء عيش العرب، وإرسال النبي صلى الله عليه وسلم إليهم نحو قول النعمان، وقتال من خالفهم أو الجزية؛ ثم قال: اختر ماشئت الجزية عن يد وأنت صاغر، وإن شئت السيف، أو تسلم فتنجي نفسك.\rفقال: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، ثم قال: لاشيء لكم عندي؛ واستدعى بوقر من تراب، فقال: احملوه على اشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدينة. ارجعوا إلى صاحبكم فاعملوه أني مرسل إليكم رستم حتى يدفنكم ويدفنه معكم في خندق القادسية، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور.\rفقام عاصم بن عمرو ليأخذ التراب، وقال: أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء؛ فحمله على عنقه وخرج إلى راحلته فركبها وأخذ التراب، وقال لسعد عند عوده: أبشر فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم. وقال يزدجرد لرستم: ماكنت ارى أن في العرب مثل هؤلاء، ما أنتم بأحسن جواباً منهم، ولقد صدقني القوم، لقد وعدوا أمرا ليدركنه أو ليموتن عليه، على أنى وجدت أفضلهم أحمقهم حيث حمل التراب على رأسه.\rفقال رستم: أيها الملك؛ إنه أعقلهم. وخرج رستم وبعث في أثر الوفد، وقال لثقته: إن أدركهم الرسول تلافينا أرضنا، وإن أعزوه سلبكم الله أرضكم. فرجع الرسول من الحيرة بقواتهم، فقال: ذهب القوم بأرضكم من غير شك، وكان منجماً كاهناً.\rولما سار الوفد أغار سواد بن مالك التميمي على النجاف والفراض، فاستاق ثلثمائة دابة من بعير وحمار وثور، وأوقرها سمكا، وصبح العسكر، فقسمه سعد بين الناس؛ فسمي يوم الحيتان. وكانت السرايا تسري إلى طلب اللحوم، فإن الطعام كان كثيراً عندهم، وكانوا يسمون الأيام بها، منها يوم الأباقر ويوم الحيتان. وبعث سعد سرية أخرى، فأغاروا فأصابوا إبلاً لبنى تغلب والنمر فاستاقوها.","part":5,"page":231},{"id":2232,"text":"وسار رستم من ساباط، وبعث على مقدمته الجالينوس في أربعين ألفاً، وخرج هو في ستين ألفاً، وساقته في عشرين ألفاً، وجعل في الميمنة الهرمزان، وفي الميسرة مهران بن بهرام الرازي.\rوأرسل سعد السرايا ورستم بالنجف، والجالينوس بين النجف والسيلحين.\rوطاف في السواد، فبعث سواداً وحميضة كل منهما في مائة، فأغاروا على النهرين، وبلغ رستم الخبر، فارسل إليهم خيلاً، وسمع سعد أن خيله قد وغلت، فأرسل عاصم بن عمرو وجابراً الأزدي في آثارهم، فلحقهم عاصم وخيل فارس تحوشهم ليخلصوا ما بأيديهم، فلما رأته الفرس هربوا، ورجع المسلمون بالغنائم. ارسل سعد عمرو بن معدي كرب وطليحة الأسدي طليعة، فسار في عشرة، فلم يسيروا إلا فرسخاً وبعض آخر حتى رأوا مسالحهم وسرحهم على الطفوف قد ملئوها، فرجع عمرو ومن معه، فهتك أطناب بيت رجل وأقتاد فرسه، ثم هتك على آخر بيته وحل فرسه، ثم فعل لآخر كذلك، ثم خرج يعدو به فرسه، ونذر به الناس، فركبوا في طلبه، فأصبح وقد لحقه فارس من الجند فقتله طليحة، ثم آخر فقتله، ثم ثالث، فرأى مصرع صاحبيه وهما ابنا عمه، فازداد حنقا، فلحق به طليحة، فكر عليه طليحة فأسره ولحق الناس، فرأوا فارسي الجند قد قتلا وأسر الثالث، وقد شارف طليحة عسكره فأحجموا عنه، ودخل طليحة على سعد ومعه الفارس وأخبره الخبر، فسأل الترجمان الفارسي فطلب الأمان، فأمنه سعد، فقال: أخبركم عن صاحبكم هذا قبل أن أخبركم عمن قتل؛ باشرت الحروب منذ أنا غلام إلى الآن، وسمعت بالأبطال، ولم أسمع بمثل هذا، إن رجلاً قطع عسكرين إلى عسكر فيه سبعون ألفاً يخدم الرجل منهم الخمسة والعشرة، فلم يرض أن يخرج كما دخل حتى سلب فرسان الجند، وهتك عليهم البيوت، فلما أدركناه قتل الأول، وهو يعد بألف فارس، ثم الثاني وهو نظيره، ثم أدركته أنا، وما خلفت بعدي من يعدلني، وأنا الثائر بالقتيلين، فرأيت الموت واستؤسرت، ثم أخبره عن الفرس. واسلم ولزم طليحة، وكان من أهل البلاء بالقادسية، وسماه سعد مسلماً.\rثم سار رستم وقد الجالينوس وذا الحاجب حتى وصل إلى القادسية، كان بين مسيره من المدائن ووصوله أربعة أشهر، رجاء أن يضجروا فينصرفوا، ووقف على العتيق بحيال عسكر سعد، وكان معه ثلاثة وثلاثون فيلاً، منها فيل سابور الأبيض، وكانت الفيلة تالفه. وبات رستم ليلته. ثم أصبح وارسل إلى سعد أن أرسل إلينا رجلاً نكلمه ويكلمنا، فارسل إليه ربعي بن عامر، فأظهر رستم زينته، وجلس على سرير من ذهب، وبسط البسط والنمارق والوسائد المنسوجة بالذهب، وأقبل ربعي على فرسه، وسيفه في خرقه، ورمحه مشدود بعصب وقد، فلما انتهى إلى البسط قيل له:انزل، فحمل فرسه عليها، ونزل وسطها بوسادتين شقهما، وأدخل الحبل فيهما، فلم ينهوه وأروه التهاون، وعليه درع؛ وأخذ عباءة بعيره فتدرعها وشدها على وسطه، فقالوا له: ضع سلاحك؛ فقال: لم آتكم فأضع سلاحي بأمركمن أنتم دعوتموني، فأخبروا رستم؛ فقال: ائذنوا له.\rفأقبل يتوكل على رمحه ويقارب خطوة، فلم يدع نمرقة ولا بساطاً إلا أفسده وهتكه، فلما دنا من رستم جلس على الأرض، وأركز رمحه على البسط؛ فقيل له: ما حملك على هذا؟ فقال: إنا لا نستحل القعود على زينتكم، فقال له الترجمان - واسمه عبود من اهل الحيرة - ماجاء بكم؟ قال: الله، وهو بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه، فمن قبل ذلك قبلنا منه، ورجعنا عنهن وتركناه وأرضه، ومن اباه قاتلناه حتى يقضي الله إلى الجنة او الظفر.\rفقال رستم: قد سمعنا قولكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه؟ قال: نعم، وإن مما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نمكن الاعداء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثاً فانظر في أمرك، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: إما الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزية فتقبل فنكف عنك، وإن احتجت إلينا نصرناك؛ أو المنابذة في اليوم الرابع إلا أن تبدأنا، وأنا كفيل بذلك عن أصحابي.\rفقال: أسيد أصحابك أنت؟ قال: لا، ولكنا كالجسد الواحد، بعضنا من بعض، يجير أدنانا على أعلانا.","part":5,"page":232},{"id":2233,"text":"فخلا رستم برؤساء قومه، فقال: هل رأيتم أوسمعتم كلاماً قط أعز وأوضح من كلام هذا الرجل؟ فقالوا: معاذ الله أن نميل إلى دين هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه! فقال: ويحكم! لا تنظروا إلى الثياب، ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة؛ إن العرب تستخف باللباس، وتصون الأحساب؛ ليسوا مثلكم.\rفلما كان من الغد أرسل رستم إلى سعد: أن أبعث إلينا ذلك الرجل، فبعث إليهم حذيفة بن محصن، فأقبل في نحو من ذلك الزي، فلم ينزل عن فرسه حتى وقف على رستم. فقال له: انزل، قال: لا أفعل، فقال: ماجاء بك ولم يأت الأول؟ قال: إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء، وهذه نوبتي. فقال: ماجاء بكم؟ فأجابه نحو الأول. فطلب رستم الموادعة إلى يوم ما.\rفقال: نعم، ثلاثاً من أمس، فرده.\rوأقبل رستم على أصحابه فقال: ويحكم! ألا ترون ما أرى؟ جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا، وحقر مانعظم، وأقام فرسه على زبرجنا؛ وجاء هذا اليوم فوقف علينا وهو في يمن الطائر، يقوم على أرضنا دوننا.\rفلما كان الغد أرسل أن ابعثوا لنا رجلاً، فبعث إليهم المغيرة بن شعبة، فأقبل عليهم، وعليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوة سهم، لا يوصل إلى صاحبهم حتى يمشي عليها، فأقبل المغيرة حتى جلس مع رستم على سريره، فوثبوا عليه وأنزلوه ومعكوه؛ فقال: قد كان يبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوما أسفة منكم؛ إ،ا معشر العرب لا يستعبد بعضنا بعضاً، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، فكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم ولا يصنعه أحد، وأنا لم آتكم ولكن دعوتموني، اليوم علمت أنكم مغلوبون، وأن ملكاً لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول.\rفقالت السفلة: صدق والله الأعرابي.\rقال الدهاقين: والله لقد رمى بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون إليه، قاتل الله أولينا حين كانوا يصغرون أمره هذه الأمة! ثم تكلم رستم، فحمد قوته، وعظم أمرهم، وذكر تمكنهم في البلاد، وقوة سلطانهم، وذكر معيشة العرب وما هو عليه من الفاقة، وقال: كنتم تقصدوننا إذا قحطت بلادكم، فنأمر لكم بشيء من التمر والشعير، ثم نردكم، وقد علمت أنه لم يحملكم على ماصنعتم إلا الجهد في بلادكم، فأنا أمر لأميركم بكسوة وبغل والف درهم، وآمر لكل رجل منكم بوقر تمر وتنصرفون عنا؛ فإنى لست أشتهي أن أقتلكم.\rفتكلم المغيرة، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن الله خلق كل شيء ورزقه، فمن صنع شيئاً فإنما هو بصنعه. فأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك فنحن نعرفه، والله صنعه بكم، ووضعه فيكم، وهو له دونكم؛ وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال والضيق فلسنا ننكره، والله ابتلانا به، والدنيا دول، ولم يزل أهل الرخاء يتوقعون الشدائد حتى تنزل بهم، ولو شكرتم ما آتاكم الله تعالى لكان شكركم يقصر عما أوتيتم، فأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال، ولو كنا فيما ابتلينا به أهل الكفر لكان عظيم ما ابتلينا به مستجلباً من الله رحمة يرده بها عنا؛ إ، الله تبارك وتعالى بعث فينا رسولاً؛ ثم ذكر مثل ما تقدم من ذكر الإسلام، أو الجزية، أو القتال، وقال: إن عيالنا قد ذاقوا طعام بلادكم، فقالوا: لاصبر لنا عنه.\rفقال رستم إذا تموتون دونه! فقال المغيرة: يدخل من قتل منا الجنة، ومن قتل منكم النار، ويظفر من بقي منا بمن بقي منكم.\rفاستشاط رستم غضباً، ثم حلف ألا يرتفع الصبح غداً حتى أقتلكم أجمعين.\rوانصرف المغيرة، وخلا رستم بأهل فارس وقال: أين هؤلاء منكم! هؤلاء والله الرجال، صادقين كانوا أم كاذبين! والله لئن أرادوا منهم، وإن كانوا صادقين فما يقوم لهؤلاء شيء. فلجوا وتجلدوا، فقال: أطيعوني يا أهل فارس؛ إني لأرى لله فيكم نقمة لاتستطيعون ردها.\rثم أرسل إليه سعد ثلاثة من ذوي الرأي، فقالوا له:","part":5,"page":233},{"id":2234,"text":"إن أميرنا يدعوك لما هو خير لنا ولك؛ والعافية أن تقبل ما دعاك إليه، ونرجع إلى ارضنا وترجع إلى أرضك، وداركم أن تقبل ما دعاك إليه، ونرج إلى أرضنا وترجع إلى أرضك، وداركم لكم وأمركم فيكم، وما أصبتم كان زيادة لكم دوننا، وكنا عوناً لكم على من أرادك، فاتق الله ولا يكونن هلاك قومك على يديك، وليس بينك وبين أن نغتبط بهذا الأمر إلا أن تدخل فيه، وتطرد به الشيطان عنك؛ فقال لهم: إن الأمثال أوضح من كثير من الكلام، إنكم كنتم أهل جهد وقشف، لاتنتصفون ولا تمتنعون، فلم نسئ جواركم، وكنا نميركم ونحسن إليكم، فلما طعمتم طعامنا، وشربتم شرابنا، وصفتم لقومكم ذلك، ووعدتموهم ثم أتيتمونا، وإنما مثلكم ومثلنا كمثل رجل كان له كرم، فرأى فيه ثعلباً، فقال: وما ثعلب! فانطلق الثعلب فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم، فلما اجتمعوا إليه شد صاحب الكرم النقب الذي كن يدخلن منه فقتلهن. فقد علمت أن الذي حملكم على هذا الحرص والجهد، فارجعوا ونحن نميركم؛ فإنى لا أشتهي أن أقتلكم. ومثلكم أيضاً كالذباب يرى العسل فيقول: من يوصلني إليه وله درهمان، فإذا دخله غرق ونشب، فيقول من يخرجني وله أربعة دراهم؟ وقال: ما دعاكم إلى ماصنعتم، ولا أرى عدداً ولا عدة ! قال: فتكلم القوم، وذكروا سوء حالهم، وما من الله تعالى عليهم من إرسال رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلافهم أولاً، واجتماعهم على الإسلام، وما أمرهم به من الجهاد، وقالوا: وأما ما ضربت لنا من الأمثال فليس كذلك، ولكن إنما مثلكم كمثل رجل غرس أرضاً وأختار لها الشجر، وأجرى إليها الأنهار وزينها بالقصور، أقام فيها فلاحين يسكنون قصورها ويقومون على جناتها، فخلا الفلاحون القصور على مالا يحب، فأطال إمهالهم فلم يستجيبوا، فدعا إليها غيرهم وأخرجهم منها، فأن ذهبوا عنها يختطفهم الناس، وإن أقاموا فيها صاروا خولاً لهؤلاء، فيسومونهم الخسف أبداً، والله لو لم يكن ما نقول حقاً ولم يكن إلا الدنيا لما صبرنا عن الذي نحن فيه من لذيذ عيشكم، ورأينا من ذبرجكم، ولقارعناكم عليه؛ فقال رستم: أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم؟ فقالوا: بل أعبروا إلينا. ورجعوا من عنده عشياً، وأرسل سعد إلى الناس أن يقفوا مواقفهم، وأرسل إليهم شأنكم والعبور، فأرادوا الجواز على القنطرة فمنعهم المسلمون، وقالوا: أما شيء غلبناكم عليه فلا نرده عليكم، فباتوا يسكرون العتيق بالتراب والقصب والبراذع حتى الصباح، وجعلوا طريقاً، واستتم بعد ما ارتفع النهار. ورأى رستم من الليل كأن ملكاً نزل من السماء، فأخذ قسي أصحابه فختم عليها، ثم صعد بها إلى السماء، فاستيقظ مهموماً، واستدعى خاصته فقصها عليهم، وقال: إن الله ليعظنا لو اتعظنا، ثم ركب، وعبر وعليه درعان ومغفر، وأخذ سلاحه وعبر الفرس العتيق، ثم كانت الحرب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\rيوم أرماث\rكان يوم أرماث يوم الاثنين من المحرم سنة أربع عشرة، وذلك أن الفرس لما عبروا العتيق، جلس رستم على سريره وضرب عليه طياره، وعبى في القلب ثمانية عشر فيلا، وعليها الصناديق والرجال، وفي المجنبتين خمسة عشر؛ ثمانية وسبعة، وأقام الجالينوس بينه وبين ميمنته، والفيرزان بينه وبين ميسرته، وكان يزدجرد قد وضع بينه وبين رستم رجالاً على كل دعوة رجلاً، أولهم على باب إيوانه، وآخرهم مع رستم، فكلما فعل شيئاً قال الذي معه للذي يليه: كان كذا وكذا، ثم يقول الثاني ذلك للثالث، وهكذا إلى أن ينتهي إلى يزدجرد في أسرع وقت.\rقال: وأخذ المسلمون مواقفهم، وكان بسعد دماميل وعرق النساء، فلا يستطيع الجلوس؛ إنما هو مكب على وجهه، وفي صدره وسادة،وهو على سطح القصر يشرف على الناس، فذكر الناس ذلك، وعابه بعضهم فقال في ذلك شعراً:\rنقاتل حتى أنزل الله نصره ... وسعد بباب القادسية معصم\rفأبنا وقد آمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس فيهم أيم\rفبلغت أبياته سعداً فقال:","part":5,"page":234},{"id":2235,"text":"اللهم إن كان كاذباً وقال الذي قاله رياء وسمعه فاقطع عني لسانه، فإنه لواقف في الصف يومئذ أتاه سهم غرب، فأصاب لسانه، فما تكلم بكلمة حتى لحق بالله تعالى. ونزل سعد إلى الناس فاعتذر إليهم، وأراهم ما به من القروح في فخذيه وأليتيه، فعذره الناس وعلموا حاله. ولما عجز عن الركوب استخلف خالد بن عرفطة على الناس، فاختلف عليه، فأخذ نفراً ممن شغب عليه فحبسهم في القصر، منهم أبو محجن الثقفي، وقيل: بل كان قد حبس في الخمر.\rوأعلم سعد الناس أنه قد استخلف خالداً، وإنما يأمرهم خالد بأمره، فسمعوا وأطاعوا. وأرسل سعد نفراً من ذوي الرأي والنجدة، منهم المغيرة، وحذيفة، وعاصم، وطليحة، وقيس الأسدي، وغالب، وعمرو بن معدي كرب وأمثالهم، ومن الشعراء: الشماخ، والحطيئة وأوس بن معراء، وعبد بن الطبيب وغيرهم، وأمرهم بتحريض الناس على القتال ففعلوا، وكان صف المشركين على شفير العتيق، وصف المسلمين على حائط قديس، والخندق من ورائهم، وكان المسلمون والمشركون بين الخندق والعتيق، وأمر سعد الناس فقرءوا سورة الجهاد، وهي الأنفال، فلما فرغ القراء منها قال سعد: الزموا مواقفكم حتى تصلوا الظهر فإذا صليتم فإني مكبر فكبروا واستعدوا، فإذا سمعتم الثانية فكبروا ولتستتم عدتكم، ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا، ولينشط فرسانكم الناس، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا حتى تخالطوا عدوكم، وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله.\rفلما كبر سعد الثالثة برز أهل النجدات فانشبوا القتال، وخرج إليهم من الفرس أمثالهم.\rفبرز غالب بن عبد الله الأسدي، فخرج إليه هرمز، وكان من ملوك الباب، وكان متوجاً، فاسره غالب وأتى به سعداً، وخرج عاصم بن عمر فطارد فارسياً، فانهزم، فاتبعه عاصم حتى خالط صفهم فحموه، فأخذ عاصم رجلاً على بغل وعاد به، فإذا هو خباز الملك ن معه طعام من طعام الملك وخبيصة، فأتى به سعداً فنفله أهل موقفه.\rوخرج فارسي يطلب البراز، فبرز إليه عمرو بن معدي كرب، فأخذه وجلد به الأرض وذبحه، وأخذ سواريه ومنطقته.\rوحملت الفيلة على المسلمين، ففرقت بين الكتائب، فنفرت الخيل، وكانت الفرس قد قصدت بجيلة بسبعة عشر فيلاً، فنفرت خيل بجيلة، فكادت بجيلة تهلك لنفار خيلها عنها وعمن معها. فأرسل سعد إلى بني أسد أن دافعوا عن بجيلة ومن معها، فخرج طليحة بن خويلد، وحمال بن مالك في كتائبهما، فباشروا الفيلة حتى عدلها ركبانها، وخرج إلى طليحة عظيم منهم، فقتله طليحة.\rوقام الأشعث بن قيس في كندةن فأزالوا من بإزائهم من الفرس، ثم حمل الفرس، وفيهم ذو الحاجب والجالينوس، والمسلمون ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد، فاجتمعت الفرس على اسد ومعهم تلك الفيلة فثبتوا لهم، وكبر سعد الرابعة، فزحف المسلمون إليهم، ورحا الحرب تدور على أسد، وحملت الفيول على الميمنة والميسرة، فحادث الخيول عنها، فارسل سعد إلى عاصمبن عمرو، فقال: يا معشر بني تميم، أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة؟ قالوا: بلى والله.\rثم نادى عاصم في رجال من قومه رماة وآخرين، لهم ثقافة، فقال: يا معشر الرماة، ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل، ويا معشر أهل الثقافة؛ استدبروا الفيلة، فقطعوا وضنها.\rوخرج يحميهم وقد جالت الميمنة والميسرة، وأقبل أصحاب عاصم، فأخذوا بأذناب الفيلة فقطعوا وضنها، وارتفع عواوهم، فما بقي فيل إلا عوى، وقتل أصحابها، ونفس عن أسد، ورد الفرس عنهم إلى مواقفهم، ودام القتال حتى غربت الشمس، حتى ذهبت هدأة من الليل، ثم رجع هؤلاء وهؤلاء، وقد أصيب من أسد تلك الليلة خمسمائة، وكانوا ردءاً للناس، وكان عاصم حامية للناس.\rوكان سعد تزوج سلمى امرأة المثنى بن حارثة بعده، فلما جال الناس في هذا اليوم، جعل سعد يتململ جزعاً على الناس وهو لا يطيق الجلوس، فلما رأت ما يصنع الفرس، قالت: وامثناه، ولا مثنى للخيل اليوم! فلطم وجهها وقال: أين المثنى عن هذه الكتيبة التي تدور عليها الرحا؟ يعني أسداً وعاصماً؛ فقالت: أغيره وجبنا! فقال: والله لا يعذرني أح أن لم تعذرني أحد أن لم تعذريني، وأنت لا ترين ما بي...\rوالله تعالى اعلم بالصواب، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\rأغواث","part":5,"page":235},{"id":2236,"text":"قال: لما اصبح سعد وكل بالقتلى من ينقلهم ليدفنوا، وأسلم الجرحى إلى النساء يقمن عليهم، فبينا الناس على ذلك إذ طلعت نواصي الخيل من الشام، وكان عمر لما فتحت دمشق قد كتب إلى أبي عبيدة يأمره بإرسال أهل العراق، فأرسلهم وأمر عليهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص. وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو، فتعجل القعقاع، فقدم على الناس صبيحة هذا اليوم، وقد عهد إلي أصحابه أن يتقطعوا اعشار وهم الف، كلما بلغ عشرة مد البصر سرحوا عشرة، وتقدم هو في عشرة، فأتى الناس فسلم عليهم، وبشرهم الجنود، وحرضهم على القتال، وقال: اصنعوا كما اصنع، وطلب البراز، فخرج إليه ذو الحاجب، فعرفه القعقاع، ونادى: بالثارات أبي عبيد وسليط وأصحاب الجسر!واقتتلا، فقتله القعقاع.\rوجعلت خيله ترد إلى الليل، ونشط الناس، وكأن لم تكن بالأمس مصيبة، وانكسرت الأعاجم لقتل ذي الحاجب، فطلب القعقاع البراز، فخرج إليه الفيرزان والبندوان، فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان، ونادى القعقاع: يامعشر المسلمين، باشروهم بالسيوف، فإنما يحصد الناس بها، فاقتتلوا حتى المساء، فلم ير أهل فارس في هذا اليوم ماي يعجبهم، وأكثر المسلمون فيهم القتل، ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فيلة؛ كانت توابيتها قد تكسرت بالأمس، فاستأنفوا عملها، وحمل بنو عم القعقاع عشرة عشرة على إبل قد أليسوها وجللوها وبرقعوها، وطافت بهم خيولهم تحميهم، وأمرهم القعقاع أن يحملوا على خيل الفرس يتشبهون بالفيلة، ففعلوا في يوم أغواث، كما فعل الفرس في يوم أرماث، فنفرت خيل الفرس من الإبل، فلقوا منها أعظم مالقي المسلمون من الفيلة، وحمل القعقاع يومئذ ثلاثين حملة، كلما طلعت قطعة حمل حملة، وأصاب فيها، وقيل: وكان آخرهم بزرجمهر الهمذاني.\rوكان أبو محجن الثقفي، واسمه مالك بن حبيب، وقيل: عبد الله بن حبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غبرة بن عوف بن قسي، وهو ثقيف، قد حبس في القصر وقيد.\rواختلف في سبب ذلك؛ فقيل: كان قد خالف على خالد بن عرفطة خليفة سعد، وقيل: بل كان عمر قد جلده في الخمر مراراً ثمانية وهو لا يتوب ولا يقلع، فنفاه إلى جزيرة في البحر، وبعث معه رجلا، فهرب منه ولحق بسعد، فكتب إليه عمر بحبسه. وقيل: بل كان مع سعد، فأتى به وهو سكران، فأمر به إلى القيد، فلما التجم القتال قال:\rكفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا ... وأترك مشدوداً على وثاقيا\rإذا قمت عناني الحديد وأغلقت ... مصارع من دوني تقيم المناديا\rوقد كنت ذا مال كثير وأخوه ... فقد تركوني واحدا لا أخاليا\rوقد شف جسمي انني كل شارق ... أعالج كبلا مصمتا قد برانيا\rفلله درى يوم أترك موثقاً ... وتذهل عني أسرتي ورجاليا\rحبيسا عن الحرب العوان وقد بدت ... وإعما غيري يوم ذاك العواليا\rولله عهد لا أخيس بعهده ... لئن فرجت ألا أزور الحوانيا\rثم قال لسلمى انبة خصفة امرأة سعد: ويحك! خليني، ولك عهد الله إن سلمني الله أن اجيء حتى أضع رجلي في القيد، وإن قتلت استرحتم مني، فحلت عنه، فوثب على فرس لسعد يقال لها: البلقاء، ثم أخذ الرمح وانطلق حتى كان بحيال الميمنة كبر، ثم حمل على ميسرة الفرس، ثم رجع من خلف المسلمين وحمل على ميمنتهم، وكان يقصف الناس قصفاً منكراً، فتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه، فقال بعضهم: هو من أصحاب هاشم، أو هاشم نفسه. وقال بعض الناس: هو الخضر. وقال بعضهم: لولا أن الملائكة لا تباشر الحرب لقلنا إنه ملك.\rوجعل سعد يقول حين ينظر إليه وإلى الفرس: الصبر صبر البلقاء، والطعن طعن أبي المحجن. وأبو محجن في القيد، فلما انتصف الليل وتراجع المسلمون والفرس، أقبل أبو محجن فدخل القصر، وأعاد رجليه في القيد، وقال:\rلقد علمت ثقيف غير فخر ... بأنا نحن أكرمهم سيوفاً\rأكثرهم دروعا سابغات ... أصبرهم إذا كرهوا الحتوفا\rوأنا وفدهم في كل يوم ... فإن عميوا فسل بهم عريفا\rوليلة قادس لم يشعروا بي ... ولم أشعر بمخرجي الزحرفا\rفإن أحبس فذلكم بلائي ... وإن أترك اذيقهم الحتوفا\rفقالت له سلمى: في أي شيء حبسك؟ فقال:","part":5,"page":236},{"id":2237,"text":"أما والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته؛ ولكني صاحب شراب في الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني، فقلت مرتجلاً في ذلك أبياتاً:\rإذا مت فادفني إلى أصل كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها\rولا تدفههي بالفلاة فإنني ... أخاف إذا مامت ألا أذوقها\rفلذلك حبسني، فلما اصبحت أتت سعداً فصالحته واخبرته بخبر أبي محجن، فأطلقه، وقال: اذهب، فما أنا بمؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله، قال: لاجرم والله لا اجيب لساني إلا قبيح أبداً.\rوقد قيل: إن سعداً لما أخبر بأمره دعاه وحل قيوده، وقال: لاتجلدن على الخمر ابداً: فقال أبو محجن: وأنا ولله لا أشربها أبداً، فقد كنت آنف أن أدعها من اجل جلدكم.\rوقيل: بل قال: قد كنت أشربها إذ يقام على الحد وأطهر منها، فأما إذا بهرجتني فوالله لا أشربها أبداً.\rيوم عمواس\rوهو اليوم الثالث قال: وأصبح الناس في هذا اليوم وبين الصفين من صرعي المسلمين ألفان من جريح وقتيل، ومن المشركين عشرة آلاف، فنقل المسلمون قتلاهم إلى المقابر، وجرحاهم إلى النساء، وكان النساء والصبيان يحفرون القبور ويداوون الجرحى، وأما قتلى المشركين فبين الصفين لم ينقلوا، وبات القعقاع تلك الليلة بسرب أصحابه إلى المكان الذي كان فارقهم فيه، وقال: إذا طلعت الشمس فاقتلوا مائة مائة، فإن جاء هاشم فذاك، وإلا جددتم للناس رجاء جديداً. ولم يشعر به أحد، وأصبح الناس على مواقفهم.\rفلما بزغت الشمس أقبل أصحاب القعقاع، فحين رآهم كبر وكبر المسلمون، وتقدموا وتكتبت الكتائب، واختلف الطعن والضرب، والمدد متتابع، فما جاء آخر أصحابه حتى انتهى إليهم هاشم، فأخبر بما صنع القعقاع، فعبى أصحابه سبعين سبعين، وكان فيهم قيس بن هبيرة المعروف بابن المكشوح المرادي، فكبر وكبر المسلمون، ثم حمل على الفرس فقاتلهم حتى خرق صفهم إلى العتيق ثم عاد، وكانت الفرس فقاتلهم حتى خرق صفهم إلى العتيق ثم عاد، وكانت الفرس قد أصلحوا توابيتهم وأعادوها على الفيلة، وأقبلت الرجالة حول الفيلة يحمونها أن تقطع وضنها، ومع الرجالة فرسان يحمونهم، فلم تنفر الخيل منهم كما كانت؛ لاختلاط خيل الفرس ورجالها بها.\rقال: ولما رأى سعد الفيول، وقد فرقت الكتائب وعادت لفعلها، أرسل إلى القعقاع وعاصم بني عمرو: أن أكفياني الفيل الأبيض، وكان بإزائهما والفيول كلها آلفة له.\rوقال لحمال والربيل: أكفياني الفيل الأجرب وكان بإزائهما، فحمل القعقاع وعاصم برمحيهما وتقدما في خيل ورجل حتى وضعاهما في عيني الفيل الأبيض، فنفض رأسه، وطرح ساسته، ودلى مشفرة.\rفضربه القعقاع، فرمى به ووقع لجنبه، وقتلوا من كان عليه، وحمل حمال والربيل الأسديان على الفيل الأجرب، فطعنه حمال في عينه فاقعى، ثم استوى، وضربه الربيل فأبان مشفرة، فتحير الفيل؛ إذا جاء إلى صف المسلمين زجروه بالرماح ليرجع، وإذا أتى صف الفرس نخسوه ليتقدم، فولى الفيل وألقى نفسه في العتيق، وتبعته الفيلة فخرقت صفوف الأعاجم. واقتتل الفريقان حتى المساء وهم على السواء، فلما أمسى الناس اشتد القتال، وصبر الفريقان فخرجا على السواء، ثم كانت ليلة الهرير. والله سبحانه وتعالى أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد.\rليلة الهرير\rقيل: وإنما سميت بذلك لتركهم الكلام، وإنما كانوا يهرون هريراً، وهي الليلة التي تلي يوم عماس. قال: وخرج مسعود بن مالك الأسدي، وعاصم بن عمرو، وقيس بن هبيرة وأشباههم، فطاردوا القوم، فإذا هم لا يشدون ولا يريدون غير الزحف، فقدموا صفوفهم، وزاحفهم الناس بغير إذن سعد، فكان أول من زاحفهم القعقاع، فقال سعد: اللهم اغفرها له وانصره، قد أذنت له إذ لم يستأذني، ثم قال: أرى الأمر مافيه هذا، فإذا كبرت ثلاثاً فاحملوا، فكبر واحدة، فحملت اسد ثم النخع، ثم بجيلة، ثم كندة، وسعد يقول عند حملة كل منهم: اللهم اغفرها لهم، وانصرهم، ثم زحف الرؤساء، ورحا الحرب تدور على القعقاع، ولما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضاً، وخالطوا القوم، فاستقبلوا الليل بعد ما صلوا العشاء، واقتتلوا ليلتهم إلى الصباح، فلما كان عند الصبح انتهى الناس، فاستدل سعد بذلك على أنهم الأعلوان.\rيوم القادسية\rوهزيمة الفرس","part":5,"page":237},{"id":2238,"text":"قال: وأصبح الناس من ليلة الهرير - وتسمى ليلة القادسية - وهم حسرى، لم يغمضوا ليلتهم كلها؛ فسار القعقاع فقال: إن الدائرة بعد ساعة لمن بدأ القوم، فاصبروا ساعة واحملوا؛ فإن النصر مع الصبر.\rفاجتمع إليه جماعة من الرؤساء صمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه، فلما رأت ذلك القبائل قام فيهم رؤسائهم، وقالوا: لا يكونن هؤلاء أجد في أمر الله منكم، ولا هؤلاء - يعني الفرس - أجرأ على الموت منكم، وحملوا وخالطوا من بإزائهم، فاقتتلوا حتى قام قائم الظهيرة، فكان أول من زال الفيرزان والهرمزان، فتأخرا وثبتا حيث انتهيا، وانفرج القلب وركد عليهم النقع، وهبت ريح عاصف دبور، فقلعت طيار رستم عن سريره، فهوى في العتيق، ومال الغبار على الفرس، وانتهى القعقاع ومن معه إلى السرير فعثروا به، وقد قام رستم عنه حين أطارت الريح الطيار، واستظل بظل بغل من بغال كانت قد قدمت عليها حمول، فضرب هلال بن علفة حمل البغل الذي تحت رستم، فقطع حباله وسقط عليه، فأزاله رستم عن ظهره، ثم ضربه هلال ضربة، ففر نحو العتيق، وألقى نفسه فيه، فاقتحمه هلال عليه، وأخذ يرجله، ثم خرج به، وضرب جبينه بالسيف حتى قتله، ثم صعد على السرير وقال: قتلت رستم ورب الكعبة؛ إلى إلى! فنفله سعد سلبه، وكان قد أصابه الماء، ولم يظفر بقلنسوته، وكانت بمائة ألف.\rوقبل: عن هلال بن علفة لما قصد رستم رماه بنشابة أثبتت قدمه بالركاب، فحمل عليه هلال فضربه فقتله، ثم احتز رأسه فعلقه ونادى: قتلت رستم! فانهزم قلب المشركين، وقام الجالينوس على الردم، ونادى الفرس إلى العبور، وانهزموا وأخذهم السيف والإسار، وأخذ ضرار بن الخطاب الدرفس، وهو العلم الأكبر الذي كان للفرس، فعوض عنه بثلاثين ألفاً، وكانت قيمته ألف ألف ومائتي، وجعل في بيت المال.\rوقتل في هذه المعركة من الفرس عشرة آلاف سوى من قتل قبلها، وأما المقترنون فما أفلت منهم مخبر، وهم ثلاثون ألفاً.\rوقتل من المسلمين قبل ليلة الهرير ألفان وخمسمائة، وقتل في ليلة الهرير ويوم القادسية ستة آلاف، فدفنوا بالخندق، ودفن من كان قبل ليلة الهرير على مشرق.\rوكان ممن استشهد في حرب القادسية بنو خنساء الأربعة، وكان من خبرهم أن أمهم الخنساء الشاعرة بنت عمرو بن الشريد السلمية حضرت القادسية ومعها بنوها الأربعة، وهم رجال، فقالت لهم من أول الليل: يابني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ماخنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم؛ وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، وأعلموا أن الدار الباقية، خير من الدار الفاتنة؛ يقول الله عز وجل: \" ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون \" فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سباقها، وجللت نارا على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها؛ عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة.\rفخرج بنوها قابلين لنصحها، عازمين على قولها، فلما اضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم، وأنشأ أولهم يقول:\rياأخوتي إن العجوز الناصحة ... قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة\rمقالة ذات تبيان واضحة ... فباكروا الحرب الضروس الكالحة\rوإنما تلقون عند الصائحة ... من آل ساسان كلابا نابحة\rقد أيقنوا منكم بوقع الجائحة ... وأنتم بين حياة صالحة\r\" أو موتة تورث غنما رابحة \" وتقدم فقاتل حتى قتل، ثم حمل الثاني وهو يقول:\rإن العجوز ذات حزم وجلد ... والنظر الأوفق والرأي السدد\rقد أمرتنا بالسداد والرشد ... نصيحة منها وبرا بالولد\rفبادروا الحرب حماة في العدد ... إما لفوز بارد على الكبد\rأو ميتة تورثكم غنم الأبد ... في جنة الفردوس والعيش الرغد\rوقاتل حتى استشهد.\rثم حمل الثالث وهو يقول:\rوالله لا نعصى العجوز حرفا ... قد أمرتنا حدبا وعطفا","part":5,"page":238},{"id":2239,"text":"نصحا وبرا صادقا ولطفا ... فباكروا الحرب الضروس زحفا\rحتى تلفوا آل كسرى لفا ... أو تكشفوهم عن حماكم كشفا\rوقاتل حتى استشهد.\rثم حمل الرابع وهو يقول:\rلست لخنساء ولا للأخرم ... ولا لعمرو ذي السناء الأقدم\rإن لم أرد في الجيش جيش الأعجم ... ماض على الهول خضم خضرم\rإما لفوز عاجل ومغنم ... أو لوفاة في السبيل الأكرم\rوقاتل حتى قتل؛ رحمهم الله.\rفبلغها الخبر، فقالت: الحمدلله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي ان يجمعني بهم في مستقر رحمته.\rفكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة؛ لكل واحد مائتي درهم؛ حتى قبض رضي الله عنه.\rحكاه أبو عمر بن عبد البر في ترجمة الخنساء تعود إلى بقية أخبار القادسية؛ قال: وجمع من الأسلاب والأموال مالم يجمع قبله مثله، وأمر سعد القعقاع وشرحبيل بأتباعهم، وخرج زهرة بن الحوية التميمي في آثارهم في ثلثمائة فارس، فلحق الجالينوس، فقتله زهرة وأخذ سلبه، وقتلوا أكثر الفرس وأسروهم.\rقيل: رثى شاب من النخع وهو يسوق ثمانين أسيراً من الفرس، وكان الرجل يشير إلى الفارسي فياتيه فيقتله؛ وربما أخذ سلاحه فقتله به؛ وربما أمر الرجل فقتل صاحبه.\rولحق سلمان بن ربيعة الباهلي وعبد الرحمن بن ربيعة بطائفة من الفرس قد نصبوا راية وقالا: لا نبرح حتى نموت.\rفقتلهم سلمان ومن معه، وكان قد ثبت بعد الهزيمة بضعة وثلاثون كتيبة من الفرس، استحيوا من الفرار، فقصدهم بضعة وثلاثون من رؤساء المسلمين، لكل كتيبة منها رئيس، فقتلهم المسلمون.\rوكتب سعد إلى عمر بالفتح، وبعده من قتلوا، ومن أصيب من المسلمين، وسمي من يعرف، وبعث ذلك سعد بن عميلة الفزاري، واستأذنه فيما يفعل. وأقام بالقادسية ينتظر جوابه، فأمره بالمسير إلى المدائن، وأن يخلف النساء والصبيان بالعتيق، ويجعل معهم جنداً كثيفاً، ويشركهم في كل مغنم؛ ماداموا يخلفون المسلمين في عيالاتهم؛ ففعل.\rقيل: وكانت وقعة القادسية في سنة ست عشرة. وقيل: في سنة خمس عشرة، أوردها أبو جعفر الطبري في سنة أربع عشرة، وأوردهاا أبو الحسن بن الاثير في تاريخه الكامل، في حوادث سنة أربع عشرة؛ وذكر الخلاف فيهمان والله سبحانه وتعالى أعلم فنذكر ما كان بعد القادسية والله تعالى أعلم.\rماكان بعد القادسية\rمن الحروب والأيام يوم برس، ويوم بابل، ويوم كوثى.\rوهذه الوقائع والأيام التي نذكرها في هذا الموضع تحت هذه الترجمة، قد أوردها أبو الحسن علي بن الأثير - رحمه الله - في تاريخه الكامل في حوادث سنة خمس عشرة، كأنه رجح قول أهل الكوفة: إن وقعة القادسية كانت في سنة خمس عشرة.\rقال: لما فرغ سعد من القادسية أقام بها بعد الفتح شهرين، وكاتب عمر فيما يفعل، فكتب إليه بالمسير إلى المدائن كما قدمنا، فسار من القادسية لأيام بقين من شوال، وكل الناس فارس، قد تقل الله إليهم ما كان في عسكر الفرس، فوصلت مقدمة المسلمين برس عليها عبد الله بن المعتم، وزهرة بن الحوية وشرحبيل بن السمط، فلقيهم بها بصبهري في جمع من الفرس، فهزمهم المسلمون إلى بابل، وبها رؤساء القادسية: النخيرجان، ومهران الرازي، والهرمزان وأشباههم.\rوقد استعملوا عليهم الفيرزان، وقدم عليهم بصبهري منهزما من برس، فوقع في النهر، ومات من طعنة، كان طعنه زهرة، ولما هزم بصبهري أقبل بسطام دهقان برس، فصالح زهرة، وعقد للمسلمين الجسور، وأخبرهم بمن اجتمع ببابل من الفرس، فأرسل زهرة إلى سعد يعرفه بذلك، فقدم سعد إلى برس، وسير زهرة في المقدمة، وأتبعه عبد الله وشرحبيل وهاشماً، فنزلوا على الفيرزان ببابل، واقتتلوا، وانهزم الفرس، وانطلقوا على وجهين: فسار الهرمزان نحو الأهواز، فأخذها، فأخذها، وأخرج الفيرزان نحو نهاوند، فأخذها وبها كنوز كسرى.","part":5,"page":239},{"id":2240,"text":"وسار النخيرجان ومهران إلى المدائن، وقطع الجسر، وأقام سعد ببابل، وقدم زهرة بين يديه بكير بن عبد الله الليثي، وكثير بن شهاب السعدي حين عبرا الصراة، وجاء زهرة فجاز سوراً، وتقدم نحو الفرس وقد نزلوا بين كوثى والدير، وقد استخلف النخيرجان ومهران على جنودهما شهريار، فنازلهم زهرة، فبرزوا لقتاله، وطلب شهريار المبارزة، فخرج إليه أبو نباتة نايل بن جعتم الأعرجي، وكان من شجعان تميم، فظفر به وقتله، وأخذ فرسه وسواريه وسلبه، وانهزم أصحابه، وأقام زهرة بكوثى حتى قدم عليه سعد، فقدم إليه نايلاً وألبسه سلاح وسواريه، وأركبه برذونه، فكان أول عربي سور بالعراق. وأقام سعد بها أياماً.\rوقيل: كانت هذه الوقائع في سنة ست عشرة. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.\rبهرسير\rوهي المدينة الغربية قال: ثم مضى زهرة إلى بهرسير في المقدمات، فتلقاه شيرزاد دهقان ساباط بالصلح، فارسله إلى سعد فصالحه على الجزية، ولقي سعد كتيبة كسرى التي تدعى بوران، وكانوا يحلفون كل يوم ألا يزول ملك فارس ماعشنا، فهزمهم، فقتل هاشم بن عتبة المقرط، وهو أسد كان كسرى قد ألفه، فقبل سعد راس هاشم وبعثه في المقدمة إلى بهرسير، ووصلها سعد والمسلمون، فلما رأوا غيوان كسرى، كبر ضرار بن الخطاب، وقال: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وكبر الناس معه، فكانوا كلما وصلت طائفة كبروا، ثم نزلوا على المدينة، وكان نزولهم في ذي الحجة سنة خمس عشرة والله أعلم\rفتح المدائن\rالغربية وهي بهرسير كان فتحها في صفر سنة ست عشرة. وذلك أن سعد بن أبي وقاص نزل عليها وحاصرها شهرين، ونصب عليها عشرين منجنيقاً، وقاتل أهلها قتالاً شديداً، وأرسل سعد الخيول، فأغازت على من ليس له عهد، فأصابوا مائة الف فلاح، فارسل سعد إلى عمر يستأذنه، فقال: من جاءكم ممن يعين عليكم فهو أمانهم، ومن هرب فأدركتموه فشأنكم به، فخلى سعد عنهم، وأرسل إلى الدهاقين ودعاهم إلى الإسلام أو الجزية ولهم الذمة؛ فتراجعوا.\rقال: واشتد الحصار على أهل المدائن الغربية، حتى أكلوا السنانير والكلاب، فبينما هم يحاصرونهم إذا أشرف عليهم رسول، فقال: يقول لكم الملك: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا مايلينا من دجلة إلى جبلنا، ولكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم! لا أشبع الله بطونكم! فقال: له أبو مفزر الأسود بن قطبة، وقد أنطقه الفرس دجلة إلى المدائن الشرقية التي فيها الإيوان، فقال له من معه: يا أبا مفزر، ماقلت للرسول؟ قال: والله ما أدري، وأرجو أن أكون قد نطقت بالذي هو خير، فنادى سعد في الناس، فنهدوا إليهم، فما ظهر على المدينة أحد ولا خرج إلا رجل ينادي بالأمان، فأمنوه؛ فقال لهم: مابقي في المدينة أحد يمنعكم؛ فدخلوا فما وجدوا فيها غير الاساري وذلك الرجل، فسألوه: لأي شيء هربوا؟ فقال: بعث إليكم الملك بالصلح فأجبتموه: ألا صلح بيننا وبينكم أبدا حتى نأكل عسل أفريدون بأترج كوثى؛ فقال الملك: ياويلتيه، إن الملائكة تكلم على ألسنتهم ترد علينا، فساروا إلى المدينة القصوى، ودخل المسلمون المدينة، وأنزلهم سعد المنازل، واله أعلم.\rالمدائن الشرقية\rالتي فيها إيوان كسرى قال: وأقام سعد ببهرسير أياماً من صفر، ثم قصد المدائن، وقطع دجلة، وهي تقذف بالزبد لكثرة المد؛ وكان سبب عبوره أن علجاً جاءه فقال: ما مقامك ؟ لايأتي عليك ثالث حتى يذهب يزدجرد بكل شيء في المدائن، فهيجه ذلك على العبور، فقام وخطب الناس، وقال: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليه معه، ويخلصون إليكم في سفنهم إذا شاءوا، وليس ورائكم ما تخافون منه، فقد كفاكم الله أهل الأيام، وقد رأيت من الرأي أن تجاهدوا العدو؛ إلا أني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم؛ فقالوا: جميعاً: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل.\rفندب الناس على العبور، وقال:","part":5,"page":240},{"id":2241,"text":"من يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس، لكيلا يمنعوهم من العبور؟ فانتدب له عاصم بن عمرو ذو البأس في ستمائة من أهل النجدات، فاستعمل عليهم عاصماً، فتقدمهم عاصم في ستين فارساً، قد اقتحموا دجلة، فلما رآهم الأعاجم، وما صنعوا أخرجوا للخيل التي تقدمت مثلها فاقتحموا عليهم دجلة، فلقوا عاصماً وقد دنا من الفراض، فقال عاصم: الرماح الرماح! أشرعوها، وتوخوا العيون، فالتقوا، فطعنهم المسلمون في عيونهم، فولوا ولحقهم المسلمون، فقتلوا أكثرهم، ومن نجا صار أعور، وتلاحق الستمائة بالستين.\rولما رأى سعد عاصماً على الفراض قد منعها؛ أذن للناس في الاقتحام، وقال: نستعين بالله، ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم. واقتحم الناس دجلة يتحدثون كما يتحدثون في البر، وطبقوا دجلة حتى ما يرى من الشاطئ شيء.\rقال: ولم يكن بالمدائن أعجب من دخول الماء، وكان يدعى يوم الجراثيم، لا يبقى أحد إلاانتشرت له جرثومة من الأرض يستريح عليها؛ حتى ما يبلغ الماء حزام فرسه، فعبروا سالمين، لم يعدم منهم أحد، ولا عدم لأحد شيء إلا قدح لمالك بن عامر سقط منه فجرى في الماء، ثم ألقته الريح إلى الشاطئ، فأخذه صاحبه، فلما رأى الفرس عبورهم خرجوا هراباً نحو حلوان، وكان يزدجرد قد قدم عياله إليها قبل ذلك.\rولما هرب حمل أصحابه من بيت المال ما قدروا عليه مما خف، ومن النساء والذراري، وتركوا في الخزائن من المتاع والثياب والألطاف مالا تدرك قيمته، وتركوا ما قد أعدوه للحصار من الأطعمة والغنم والبقر، وكان في بيت المال ثلاثة آلاف ألف، أخذ منها رستم عند مسيره إلى القادسية النصف، وبقي النصف.\rوكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال، وهي كتيبة عاصم بن عمرو، ثم كتيبة الخرساء وهي كتيبة القعقاع بن عمرو، فأخذوا في سككها وأحاطوا بالقصر الأبيض وبه من بقي من الفرس، فأجابوا إلى الجزية والذمة، فتراجع إليهم أهل المدائن على مثل عهدهم، ونزل سعد القصر الأبيض، وسرح زهرة في آثارهم إلى النهروان، وسرح مقدار ذلك في كل جهة.\rوكان سلمان الفارسي رائد المسلمين وراعيهم. دعا أهل بهرسير ثلاثاً، وأهل القصر الأبيض ثلاثاً. واتخذ سعد إيوان كسرى مصلى، ولم يغير ما فيه من التماثيل، ولما دخل الإيوان، قرأ: \" كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك أورثناها قوما آخرين \" وصلى فيه صلاة الفتح ثماني ركعات لايفصل بينهن، وأتم الصلاة لأنه نوى الإقامة، وكانت أول جمعة أقيمت بالمدائن في صفر سنة ست عشرة.\rغنائم أهل المدائن\rوقسمتها قال: وجعل سعد على الأقباض عمرو بن مقرن، وعلى القسمة سلمان بن ربيعة الباهلي، فجمع ما في القصر والإيوان والدور، وأحصى مايأتيه به أهل الطلب، ووجدوا بالمدائن قباباً تركية مملؤءة سلالاً مختومة برصاص فيها آنية الذهب والفضة، فكان الرجل يطوف ويبيع الذهب بالفضة مثلاً بمثل، ورأوا كافورا كثيراً فحسبوه ملحاً فعجنوا به وجدوه مراً.\rوأدرك الطلب مع زهرة جماعة من الفرس على جسر النهروان فازدحموا عليهم، فوقع منهم بغل في الماء فأخذه المسلمون وفيه حلية كسرى وثيابه، وخرزاته ووشاحه، ودرعه المجوهر. ولحق بعض المسلمين بغلين مع فارسين فقتلهما، وأخذ البغلين فأوصلهما إلى صاحب الأقباض، وهو يكتب ما يأتيه به الناس، فاستوقفه حتى ينظر ماجاء به؛ فإذا على أحدهما سفطان فيهما تاج كسرى مفسخاً، وكان حمله على اسطوانتين، وفيه الجوهر، وعلى البغل الثاني سفطان فيهما ثياب كسرى من الديباج المنسوج بالذهب المنظوم بالجوهر، وغير الديباج منسوجا منظوماً. وأدرك القعقاع فارسياً فقتله وأخذ منه عيبتين في إحدهما خمسة اسياف، وفي الأخرى ستة أسياف، وأدرع منها درع كسرى، ومغافره وسيفه، ودرع هرقل وسيفه، ودرع شوبين وسيفه، ودرع سياوخش وسيفه، ودرع النعمان وسيفه، وبقية السيوف لهرمز وقباذ وفيروز.\rوكان الفرس قد استلبوا أدراع ملوك الهند والترك والروم وسيوفهم لما غزوهم، فأحضر القعقاع ذلك إلى سعد فخيره في الأسياف فاختار سيف هرقل، وأعطاه درع بهرام، ونفل سائرها إلا بسيف كسرى وسيف النعمان، فبعث بهما إلى عمر بن الخطاب؛ لتسمع العرب بذلك بعد أن حسبهما في الأخماس، وبعث بتاج كسرى وحليته وثيابه إلى عمر ليراه المسلمون.","part":5,"page":241},{"id":2242,"text":"قال: وأدرك عصمة بن خالد الضبي رجلين معهما حماران، فقتل أحدهما وهرب الآخر، وأخذ الحمارين وأتى بهما إلى صاحب الأقباض، فإذا على أحدهما سفطان في أحدهما فرس من ذهب بسرج من فضة على ثفره ولبته الياقوت والزبرجد، ولجام كذلك، وفارس من فضة مكللة بالجوهر، وفي الآخر ناقة من فضة عليها شليل من ذهب، كل ذلك منظوم بالياقوت، وعليها رجل من ذهب مكلل بالجوهر، كان كسرى يصنعها على اسطوانتي التاج.\rوأدى المسلمون الأمانة في المغنم، ولما جمعت الغنائم خمسها سعد، وقسم مابقي من الخمس والنفل بين الناس، وكانوا ستين ألفاً كلهم فارس، أصاب كلا منهم أثنا عشر ألفاً، ونفل من الأخماس في أهل البلاء، وقسم المنازل بين الناس، وأحضر العيالات فأنزلهم في الدور، فاقاموا بالمدائن؛ حتى نزلوا إلى الكوفة بعد فراغهم من جلولاء، وتكريت والموصل.\rقال: وأرسل سعد في الخمس كل شيء يتعجب منه العرب، وأراد أن يخرج خمس القطيف فلم تعتدل قسمته، فقال المسلمين: هل تطيب نفوسكم بأربعة أخماسه، ونبعق به إلى أمير المؤمنين يضعه حيث يشاء؟ قالوا: نعم، فبعث به إلى عمر.\rوالقطيف: بساط واحد طوله ستون دراعاً، وعرضه مثل ذلك مقدار جريب. كانت الأكاسرة إذا دهبت الرياحين بعد الشتاء شربوا عليه، فكأنهم في رياض، فيه طرق كالقصور، وفصوص كالأنهار، أرضه مذهبة، وخلال ذلك فصوص كالدر، وفي حافاته كالأرض المزروعة والمبقلة بالنبات والورق من الحرير على قضبان الذهب، وأزهاره الذهب والفضة، وثماره الجوهر واشباه ذلك.\rفلما وصل إلى عمر استشار المسلمين فيه، فأشاروا بقطعه، فقطعه بينهم، فاصاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه قطعة منه، فباعها بعشرين الفاً، ولم تكن أجود من غيرها.\rوقعة جلولا\rوفتح حلوان كانت وقعة جلولا في اول ذي القعدة سنة ست عشرة، بينها وبين المدائن تسعة اشهر، وسببها ان الفرس لما هربوا من المدائن انتهوا إلى جلولاء، فافترقت الطرق بأهل أذربيجان والباب، وأهل الجبال وفارس، فقالوا: إن افترقتم لم تجتمعوا أبداً، وهذا مكان يفرق بيننا، فهلموا فلنجتمعوا للعرب به، ولنقاتلهم فإن كانت لنا فهو الذي نحب، وإن كانت الأخرى كنا قضينا الذي علينا، وابلينا عذراً. فاجتمعوا واحتفروا خندقاً، واجتمعوا فيه على مهران الرازي، وتقدم يزدجرد إلى حلوان، فبلغ ذلك سعداً، فارسل إلى عمر، فبعث إليه أن سرح هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى جلولاء، وأجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو، إن هزم الله الفرس فاجعل القعقاع بين السواد والجبل، وليكن الجند اثني عشر ألفاً. ففعل سعد ذلك.\rوسار هاشم من المدائن في وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب، فمر ببابل مهروذ، فصالحه دهقانها؛ على أن يفرش له جريب الارض دراهم ففعل، ثم قدم جلولاء فحاصرهم في خنادقهم، وأحاط بهم، وطاولهم الفرس وجعلوا لا يخرجون إلا إذا أرادوا، وراجعهم المسلمون نحو ثمانين يوماً، كل ذلك ينصر المسلمون عليهم، وجعلت الأمداد ترد من يزدجرد إلى مهران، ومن سعد إلى المسلمين.\rوخرج الفرس يوماً فقاتلوا قتالاً شديداً، وأرسل الله عليهم ريحاً حتى أظلمت عليهم البلاد، فسقط فرسانهم في الخندق، فجعلوا فيه طرقاً تصعد منها خيلهم، ففسد الخندق، فنهض المسلمون واقتتلوا قتالاً شديداً لم يقتتلوا مثله، ولا ليلة الهرير، إلا أنه كان أعجل.\rوانتهى القعقاع من الوجه الذي زحف منه إلى باب الخندق، وأمر منادياً فنادى: يامعشر المسلمين، هذا أميركم قد دخل الخندق، فأقبلوا إليه، ولا يمنعكم من بينكم وبينه من دخوله، فحملوا وهم لا يشكون أن هاشماً في الخندق، فإذا هم بالقعقاع، فانهزم الفرس يمنة ويسر، وأتبعهم المسلمون، فلم يفلت منهم إلا القليل، وقتل منهم يومئذ مائة ألف، فجللت القتلى المجال، ومابين يديه وما خلفه فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم، وسار القعقاع في الطلب حتى بلغ خانقين، فأدرك مهران الرازي فقتله، وأدرك الفيرزان، فنزل وتوفل في الجبل فنجا، وأصاب القعقاع سبايا فأرسلهن إلى هاشم فقسمهن، فاستولدهن المسلمون، وممن ينسب إلى ذلك السبي أم الشعبي.","part":5,"page":242},{"id":2243,"text":"قال: ولما بلغت الهزيمة يزدجرد سار من حلوان نحو الري، واستخلف على حلوان خسر شنوم، فلما وصل القعقاع قصر شيرين خرج إليه خسر شنوم، وقدم إليه الزينبي دهقان حلوان، وكان فتحها في ذي القعدة، وبقي القعقاع بها إلى أن تحول سعد إلى الكوفة، فلحقه، واستخلف على حلوان قباذ، وكان أصله خراسانياً، وكتبوا إلى عمر بالفتح، واستأذنوه في العبور فأبى، وقال: لوددت أن بين السواد والجبل سداً لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد، وإني آثرت سلامة المسلمين على الأنفال.\rقال: وجمعت الغنائم وقسمت بعد الخمس، فأصاب كل فارس تسعة آلاف، وتسعة من الدواب، وقسم الفئ على ثلاثين ألفاً.\rوقيل: إن الغنيمة كانت ثلاثين ألف الف، وبعث سعد بالخمس إلى عمر، وستة آلاف ألف، وبعث الحساب مع زياد بن أبيه، فكلمه عمر فيما جاء له، فوصفه له، فقال له عمر: هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل ما كلمتني؟ فقال: والله ما على الأرض شخص أهيب في صدري منك، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك! فقام في الناس فتكلم بما أصابوا وبما صنعوا، وبما يستأنفون من الانسياح في البلاد.\rفقال عمر: هذا الخطيب المصقع، فقال: إن جندنا بالفعال أطلقوا ألسنتنا.\rقال: ولما قدم الخمس على عمر قال: والله لا يجنه سقف حتى أقسمه، فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن الأرقم يحرسانه في المسجد، فلما أصبح عمر جاء في الناس فكشف عنه، فلما جاء ونظر إلى ياقوته وزبر جده وجوهره بكى، فقال عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنينظ فوالله أن هذا لموطن شكر.\rفقال عمر: والله ماذاك يبكيني، وبالله ما أعطى الله هذا قوماً إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا القى الله بأسهم بينهم.\rومنع عمر رضي الله عنه من قسمة السواد لتعذر ذلك بسبب الآجام والغياض، ومفيض المياه، وما كان لبيوت النار، ولسكك البرد، وما كان لكسرى ومن معه، وخاف الفتنة بين المسلمين فلم يقسمه، ومنع من بيعهن فلا يحل بيع شيء من أرض السواد ما بين حلوان والقادسية.\rقال: واشترى جرير ارضاً على شاطئ الفرات، فرد عمر ذلك الشراء وكرهه. والله تعالى أعلم بالصواب، و إليه المرجع والمآب، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rولاية عتبة بن غزوان\rالبصرة وفتحه الأبلة قد اختلف المؤرخون في وقت ولايته البصرة، وهل كانت من قبل عمر بن الخطاب أو قبل سعد بن أبي وقاص بأمر عمر. فأما من يقول: إن ولايته من قبل عمر، فإنه جعلها في سنة أربع عشرة، وأن نزوله البصرة كان في شهر ربيع الأول أو الأخر، بعثه عمر إليها، وكان بالبصرة قطبة بن قتادة السدوسي يغير بتلك النواحي، كما يغير المثنى بالحيرة، فكتب إلى عمر يعلمه مكانه؛ وأنه لو كان معه عدد يسير لظفر بمن قبله من العجم، فنفاهم عن بلادهم. فكتب إليه عمر يأمره بالمقام والحذر، ووجه إليه شريح بن عامر أحد بنى سعد بن بكر، فأقبل إلى البصرة ونزل بها قطبة، ومضى إلى الأهواز حتى انتهى إلى دارس، وفيها مسلحة الأعاجم، فقتلوه.\rفبعث عمر عتبة بن غزوان، وقال له: إني قد استعملتك على ارض الهند وهي حومة من حوامات العدو، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها، ويعينك عليها. وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرمي أن يمدك بعرفجة بن هرثمة، وهو ذو مجاهدة ومكايدة للعدو، فإذا قدم عليك فاستشاره وأدع إلى الله، فمن أجابك فأقبل منه، ومن أبى بالجزية، وإلا فالسيف، وأوصاه ثم قال له: انطلق أنت ومن معك؛ حتى إذا كنتم في أقصى أرض العرب، وأدنى ارض العجم فاقيموا.\rفسار عتبة ومن معه حتى إذا كانوا بالمربد تقدموا حتى بلغوا حيال الجسر، فنزلوا، فبلغ صاحب الفرات خبرهم، فاقبل في اربعة آلاف، فالتقوا فقاتلهم، عتبة بعد الزوال وهو خمسمائة، فقتلهم أجمعين، ولم يبق إلا صاحب الفرات، فأخذ أسيراً.","part":5,"page":243},{"id":2244,"text":"وأما من يقول: إن سعد بن أبي وقاص ارسله، فقال: إن البصرة مصرت في سنة ست عشرة بعد جلولاء وتكريت، فأرسله سعد إليها بأمر عمر، وإن عتبة لما نزل البصرة أقام بها نحو شهر، فخرج إليه أهل الأبلة، وكان بها خمسمائة أسوار يحمونها، وكانت مرفأ السفن من الصين، فقاتلهم عتبة فهزمهم؛ حتى دخلوا المدينة ورجع عتبة إلى عسكره، والقى الله الرعب في قلوب الفرس، فخرجوا عن المدينة وحملوا ماخف، وعبروا الماء، وأخلوا المدينة ودخلها المسلمون وأصابوا متاعاً وسلاحاً وسبياً، فاقتسموه بعد أن خمسة عتبة، وكان المسلمون ثلثمائة، وكان فتحها في شهر رجب إو شعبان، ثم نزل موضع المدينة الرزق، وخط موضع المسجد، وبناه بالقصب.\rوكان أول مولود ولد بالبصرة عبد الرحمن بن أبي بكرة، فلما ولد نحر أبوه جزوراً فكفتهم لقلة الناس ثم جمع الله أهل دستميسان، فلقيهم عتبة فهزمهم وأخذ مرزبانها اسيراً، وأخذ قتادة منطقته فبعث بها إلى عمر مع أنس بن حجية. فقال له عمر: كيف؟ فقال: انهالت عليهم الدينا، فهم يهيلون الذهب والفضة، فرغب الناس في البصرة فأتوها، واستعمل عتبة مجاشع بن مسعود على جماعة وسيرهم إلى الفرات استخلف المغيرة بن شعبة على الصلاة؛ إلى أن يقدم مجاشع فإذا قدم فهو الأمير.\rوسار عتبة إلى عمر، فطفر مجاشع بأهل الفرات. وجمع الفيلكان (عظيم من الفرس)، فخرج إليه المغيرة بن شعبة، فلقيه بالمرغاب فاقتتلوا.\rفقال نساء المسلمين: لو لحقنا بهم، بكنا معهم؛ فاتخذن من خمرهن رايات، وسرن إلى المسلمين.\rوكتب المغيرة إلى عمر بالفتح، فقال عمر لعتبة: من استعملت بالبصرة؟ فقال: مجاشع بن مسعود قال: أتستعمل رجلاً من أهل الوبر على أهل المدر! وأخبره ما كان من المغيرة، وأمره أن يرجع إلى عمله، فمات بالطريق. وقيل في وفاته غير ذلك.\rوكان ممن سبي من ميسان يسار أبو الحسن البصري، وأرطبان جد عبد الله بن عون بن أرطبان. والله سبحانه وتعالى اعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\rتكريت والموصل\rوفي سنة ست عشر في جمادى فتحت تكريت؛ وذلك أن الأنطاق سار من الموصل إلى تكريت، وخندق عليه ليحمي أرضه ومعه الروم وإياد، وتغلب والنمر والشهارجة، فبلغ ذلك سعداً فكتب إلى عمر، فأمرهك أن سرح عبد الله بن المعتم، واستعمل على مقدمته ربعي بن الأفكل، وعلى الخيل عرفجة بن هرثمة.\rفسار عبد الله إلى تكريت، وحصر الأنطاق ومن معه اربعين يوماً، وتزاحفوا في المدة أربعة وعشرين زحفاً، ثم ارسل عبد الله إلى العرب الذين مع الأنطاق يدعونهم إلى الإسلام، فأسلموا، وأعلموا أن الروم قد نقلوا متاعهم إلى السفن، فأرسل إليهم: إذا سمعتم التكبير فاعلموا أنا على أبواب الخندق، فخذوا الأبواب التي تلي دجلة، وكبروا، واقتلوا من قدرتم عليه، ففعلوا ذلك، وأخذت الروم السيوف من كل جانب.\rوارسل عبد الله ربعي بن أفكل إلى الحصنين وهما نينوى وهو الحصن الشرقي، والموصل وهو الحصن الغربي، وقال: اسبق الخبر، وسرح معه تغلب، وإياد، والنمر، فاظهروا الظفر والغنيمة، وبشروهم، ووقفوا بالأبواب.\rوأقبل بن الأفكل فاقتحم الحصن فسألوا الصلح، وصاروا ذمة، وقسمت الغنيمة، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف، وسهم الراجل ألف درهم، وبعثوا بالأخماس إلى عمر، وولى الموصل ربعي بن الأفكل، والخراج عرفجة بن هرثمة.\rوقيل: إن فتح الموصل كان في سنة عشرين لما استعمل عمر عتبة بن فرقد لقصدها، وأنه فتح المرج، وبانهذرا، وباعذرا، وحبتون، وداسن وجميع معاقل الأكراد، وقرى وبازبدي، وجميع أعمال الموصل.\rوقيل: إن عياض بن غنم لما فتح بلد أتى الموصل ففتح أحد الحصنين، وبعث عتبة بن فرقد إلى الحصن الآخر، ففتحه على الجزية والخراج، والله سبحانه وتعالى أعلم.\rفتح ماسيذان\rلما رجع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص من جلولاء إلى المدائن بلغ سعداً أن آذين بن الهرمزان قد جمع جمعاً وخرج بهم إلى السهل، فأرسل إليهم ضرار بن الخطاب في جيش، فالتقوا بسهل ما سبذان واقتتلوا، فأسرع المسلمون في المشركين، وأخذ ضرار آذين أسيراً فقتله، ثم خرج في الطلب حتى انتهى إلى السيروان، فأخذ ماسبذان عنوة، وهرب أهلها في الجبال، فدعاهم فاستجابوا له، وأقام بها حتى تحول سعد إلى الكوفة، فسار إليه، واستخلف على ماسبذان بن الهذيل الأسدي، فكانت أحد فروج الكوفة.","part":5,"page":244},{"id":2245,"text":"وقيل: إن فتحها كان بعد وقعة نهاوند، والله أعلم.\rفتح قرقيسيا\rوفي سنة ست عشرة أيضاً، أرسل سعد بن أبي وقاص عمر بن مالك بن عتبة في جند، وجعل على مقدمته الحارث الحارث بن يزيد العامري، فخرج نحو هيت، فنازل من بها، وقد خندقوا عليهم، وكان أهل الجزيرة لما أمدوا هرقل على أهل حمص كما ذكرنا، بعثوا جنداً إلي. أهل هيت، فلما رأى عمر اعتصامهم بخندقهم، ترك الأخبية على حالها، وخلف عليهم الحارث في نصف الناس، وسار بالنصف الثاني إلى قرقيسيا، فجاءها على غرة فأخذها عنوة، فأجابوا إلى الجزية. وكتب إلى الحارث: إن هم استجابوا فخل عنهم فليخرجوا وإلا خندق على خندقهم خندقاُ، وأجعل أبوابه مما يليك حتى أرى رأيي. فراسلهم، فأجابوا إلى العود إلى بلادهم، فتركهم، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\rفتح الأهواز\rومناذر ونهر تيري وفي سنة سبع عشرة فتحت الأهواز، ومناذر ونهرتيري، وقيل: كان في سنة ست عشرة، وكان سبب هذا الفتح: أن الهرمزان، وهو أحد البيوتات السبعة من أهل فارس لما انهزم يوم القادسية قصد خوزستان فملكها، وكان يغير على أهل بيسان، ودستميسان من مناذر، ونهر تيري، فاستمد عتبة بن غزوان أمير البصرة سعداً، فأمده بنعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود، وأمرهما أن يأتيا أعلى ميسان ودستميسان حتى يكونا بينهم وبين نهري تيري، ووجه عتبة بن غزوان سلمى بن القين، وحرملة بن مريطة - وكان من المهاجرين - فنزلا على حدود ميسان، ودستميسان بينهم وبين مناذر، ودعوا بنى العم، فخرج إليها غالب الوائلى، وكليب ابن وائل والكليبي، تواعدوا في يوم، أن سلمى وحرملة يخرجان إلى الهرمزان، وأن غالباً وكليباً يثور أحدهما بمناذر، والآخر بنهرتيري، فلما كان في ليلة الموعد خرج سلمى وحرملة صبيحتها، وانهضا نعيما ومن معه، والتقوا هم والهم مزان بين دلث ونهر نيري، واقتتلوا؛ فبنما هم على ذلك أقبل المدد من قبل غالب وكليب، وأتى الهرمزان الخبر بأخذ مناذر ونهرتيري، فانهزم بمن معه، فقتل المسلمون منهم ماشاءوا، واتبعوهم حتى وقفوهم على شاطئ دجيل، وأخذوا مادونه، وعسكروا بجبال سوق الاهواز، وصار دجيل، وأخذوا مادونه، وعسكروا بجبال سوق الأهواز، وصار دجيل بين الهرمزان والمسلمين، فعندها طلب الهرمزان الصلح، فاستأمروا عتبة، فأجاب إلى ذلك على الأهواز كلها مهرجان قدق ما خلا نهر تيري مناذر، وما غلبوا عليه من سوق الأهواز؛ فإنه لايرد عليهم، وجعل عتبة سلمى بن القين على مناذر مسلحة، وأمرها إلى غالب، وجعل حرملة على نهر تيري، وأمرها إلى كليب، فكان سلمى وحرملة على مسالح البصرة، ثم وقع بين غالب وكليب وبين الهرمزان اختلاف في حدود الأرضين، فحضر سلمى وحرملة لينظرا فيما بينهم، فوجدا الحق بيد غالب وكليب فحالا بينه وبينهما، فكفر الهرمزان ومنع ما قبله، واستعان بالأكراد وكثف جنده.\rفكتب سلمى ومن معه إلى عتبه بذلك، فكتب إلى عمر فأمره بقصده، وأمد المسلمين بحرقوص بن زهير السعدي، وكانت له صحبة، وأمره على القتال، وما غلب عليه.\rوسار الهرمزان ومن معه، وسار المسلمون إلى جسر سوق الأهواز وأرسلوا إليه: إما أن تعبر إلينا أو تعبر إليك. قال: اعبروا إلينا، فعبروا فوق الجسر، واقتتلوا ممايلي سوق الأهواز، فانهزم الهرمزان وسار إلى رامهرمز، وفتح حرقوص سوق الأهواز ونزل بها، واتسقت له بلادها إلى تستر، ووضع الجزية، وكتب بالفتح إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وبعث إليه بالأخماس.\rصلح الهرمزان\rوأهل تستر مع المسلمين: ولما انهزم الهرمزان من سوق الأهواز، جهز حرقوص جزء ابن معاوية في أثره، فأتبعه وقتل من أصحابه حتى انتهى إلى قرية الشغر، فأعجزه الهرمزان، فمال جزء إلى دورق، وهي مدينة سرق، فأخذها صافية، ودعا من هرب إلى الجزية، فأجابوه.\rوكتب إلى عمر وعتبه بذلك، فكتب عمر إليه وإلى حرقوص بالمقام فيما غلبا عليه حتى يأمرهما بأمره، فعمر جزء البلاد، وشق الأنهار، وأحيا الأموات، وراسلهم الهرمزان في طلب الصلح، فأجاب عمر إلى ذلك، وأن يكون ما أخذه المسلمون بأيديهم، فاصطلحوا على ذلك.","part":5,"page":245},{"id":2246,"text":"ونزل حرقوص جبل الأهواز، فشق على الناس الاختلاف إليه، فبلغ ذلك عمر، فأمره بنزول السهل، وألا يشق على مسلم ولا معاهد، وبقي حرقوص إلى يوم صفين، ثم صار حرورياً وشهد النهروان مع الخوارج. والله تعالى أعلم بالصواب، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rفتح رامهرمز\rقد اختلف الناس في وقت هذا الفتح، فقيل: كان في سنة سبع عشرة. وقيل: سنة تسع عشرة. وقيل: في سنة عشرين.\rوكان سببه أن يزدجرد وهو بمرو لم يزل يثير أهل فارس، أسفاً على ما خرج من ملكهم، فتحركوا وتكاتبوا هم وأهل الأهواز وتعاقدوا على النصرة، فنمى الخبر إلى حرقوص بن زهي، وجزء وسلمى وحرمله، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك.\rفكتب عمر إلى سعد: أن أبعث إلى الأهواز جنداً كثيفاً مع النعمان ابن مقرن وعجل، فلينزلوا بإزاء الهرمزان ويتحققوا أمره.\rوكتب إلى أبو موسى الأشعري، وهو على البصرة: أن أبعث إلى الأهواز جنداً كثيفاً، وأمر عليهم سهل بن عدي، أخا سهيل، وأبعث معه البراء بن مالك، وعرفجة بن هرثمة وغيرهم، وعلى أهل الكوفة والبصرة جميعاً أبو سبرة بن أبي رهم.\rفخرج النعمان بن مقرن في أهل الكوفة، وسار إلى الأهواز على البغال، ويجنبون الخيل، فخلف حرقوصاً وسلمة وحرمله، وسار نحو الهرمزان وهو برامهرمز. فلما سمع الهرمزان بمسير النعمان إليه، بادر رجاء أن يقتطعه، فالتقيا بأربك( موضع الأهواز)، واقتتلوا قتالاً شديداً، فهزم الله عز وجل الهرمزان، فترك رامهرمز، ونزل تستر، وسار النعمان إلى رامهرمز فنزلها وصعد على إيذج فصالحه تيرويه عليها ورجع إلى رامهرمز، وأقام بها،ووصل أهل البصرة فنزلوا سوق الأهواز، وهم يريدون رامهرمز.\rفأتاهم خبر الوقعة ومسير الهرمزان إلى تستر، فسارو نحوه، وسار أيضا النعمان وحرقوص وسلمى وحرمله وجزء، فاجتمعوا على تستر، وبها الهرمزان وجنوده من أهل فارس والجبال والأهواز، وهم في الخنادق، وأمدهم عمر رضي الله عنه بأبي موسى الأشعري، وجعله على أهل البصرة، وعلى جميع الناس أبوسبرة، فحاصروهم أشهراً، وأكثروا فيهم القتل.\rوقتل البراء بن مالك في هذا الحصار مائة مبارز سوى من قتل في غير المبارزة، وقتل مثله مجزأة بن ثور وكعب بن ثور، وزاحفهم المسلمون أيام تستر ثمانين زحفاُ يكون مره لهم ومرة عليهم، فلما كان آخر زحف فيها، واشتد القتال، قال المسلمون: يا براء، أقسم على ربك ليهزمنهم، وكان مجاب الدعوة فقال: اللهم أهزمهم لنا، واستشهدني، فهزموهم حتى أدخلوا خنادقهم، ثم اقتحموها عليهم، فدخلوا مدينتهم، وأحاط بها المسلمون، فضاقت المدينة بهم. فبينما هم كذلك إذ خرج إلى النعمان رجل يستأمنه على أن يدله على مدخل يدخلون منه، ورمى في ناحية أبي موسى بسهم مكتوب عليه: إن أمنتموني دللتكم على مكان تأتون منه المدينة، فأمنوه في سهم، ورمى إليهم بسهم آخر وقال: أسلكوا من قبل مخرج الماء؛ فإنكم ستفتحونها. فندب أبو موسى الناس فانتدبوا، وندب النعمان أصحابه مع الرجل الذي جاءهم، فالتقوا هم وأهل البصرة على مخرج الماء، فدخلوا في السرب، ولما دخلوا المدينة كبروا وكبر المسلمون من خارج، وفتحت الأبواب فاجتلدوا فيها، فأناموا كل مقاتل.\rوقصد الهرمزان القلعة، فتحصن بها، ولحق به جماعة، وطاف به الذين دخلوا البلد، فنزل إليهم على حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأوثقوه واقتسموا ما أفاء الله عليهم، فكان قسم الفارس ثلاثة آلاف، والراجل ألفاً.\rوجاء صاحب السهم والرجل الذي خرج بنفسه فأمنوهما ومن أغلق بابه معهما.\rوخرج أبوسبرة في أثر المنهزمين إلى السوس، فنزل عليها، ومعه النعمان وأبو موسى، وكتبوا إلى عمر، فكتب برد أبي موسى إلى البصرة، فانصرف إليها، وأرسل أبو سبرة وفدا إلى عمر رضي الله عنه، فيهم: أنس بن مالك والأحنف بن قيس، ومعهم الهرمزان فقدموا به المدينة وألبسوه كسوته من الديباج المذهب، وتاجه كان مكللاً بالياقوت وعليه حليته؛ ليراه عمر والمسلمون.\rفوجدوا عمر في المسجد متوسداً برنسه، وكان قد لبسه لوفد قدم عليه من الكوفة، فلما انصرفوا توسده ونام، فجلسوا وهو نائم والدرة في يده.","part":5,"page":246},{"id":2247,"text":"فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا، فقال: أين حرسه وحجابه؟ فقالوا: ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب. فقال: ينبغي أن يكون نبياً، قالوا: بل يعمل الأنبياء وكثر الناس فاستيقظ عمر واستوى جالساً، ثم نظر إليه، وقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم، فقال: الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا واشباهه، فأمر بنزع ما عليه، فنزعوه وألبسوه ثوباً صفيقاً. فقال له عمر: كيف رأيت عاقبة الغدر، وعاقبة أمر الله ! فقال: يا عمر، إنا وإياكم في الجاهلية، كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم، فلما كان الأمر معكم غلبتمونا. ثم قال له عمر: ما حجتك وما عذرك في انتفاضك مرة بعد أخرى؟ قال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك. قال: لا تخف ذلك، واستسقى ماءً، فأتى به في قدح غليظ. فقال: لو مت عطشاً لم أستطع أن أشرب في مثل هذا، فأتى به في إناء يرضاه. فقال: إنى أخاف أن أقتل وأنا أشرب. فقال له عمر: لا بأس عليك حتى تشربه، فأكفاه؛ فقال عمر: أعيدوا عليه ولا تجمعوا عليه بين القتل والعطش. فقال: لا حاجة لي في الماء؛ وإنما أردت أن أستأمن به. قال: فإنى قاتلك، قال: قد أمنتني. قال: كذبت، قال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، قد أمنته. فقال: يا أنسك أنا أؤمن قاتل مجزأه أبن ثور والبراء بن مالك! وكان الهرمزان قتلهما بيده في هذه الوقعة، ثم قال، والله لتأتيني بمخرج أو لأعاقبنك، قال: قد قلت لا بأس عليك حتى تخبرني وحتى تشرب، فقال عمر رضي الله عنه: خدعتني، والله لا أنخدع إلا أن تسلم، فأسلم، ففرض له ألفين في كل سنة، وأنزله المدينة والله أعلم.\rفتح السوس\rولما نزل أبو سبرة على السوس في سنة سبع عشرة بعد فتح تستر كان بها شهريار أخو الهرمزان، فأحاط المسلمون بها وناوشوهم القتال مرات، كل ذلك يصيب أهل السوس في المسلمين، فأشرف عليهم الرهبان والقسيسون، فقالوا: يا معشر العرب، أم مما عهد إلينا علماؤنا أن السوس لا يفتحها إلا الدجال، أو قوم فيهم الدجال، فإن كان فيكم فستفتحونها، وكان صاف بن صياد مع المسلمين في خيل النعمان. ثم ناوش أهلها المسلمين مرة، وصاحوا بهم وغاظوهم، فأتى صاف باب السوس فدقه برجله، فقال: أتفتح، وهو غضبان فتقطعت السلاسل، وتكسرت الأغلاق، وتفتحت الأبواب، ودخل المسلمون،وألقى المشركون بأيديهم، وتنادوا: الصلح الصلح! فأجابهم المسلمون إلى ذلك بعد أن دخلوها عنوة واقتسموا ما أصابوا، ثم افترقوا.\rفسار النعمان حتى أتى أهل نهاوند، وكان كتاب عمر قد ورد بصرفه إليها لما تجمعت الأعاجم بها، وسار المقترب، فنزل على جند يسابور، والله سبحانه تعالى أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rمصالحة جند يسابور\rقال: وسار المسلمون عن السوس في سنة سبع عشرة، فنزلوا جند يسابور وزر بن عبد الله يحاصرهم، فأقاموا بها، فلم يفاجأ الناس إلا وقد فتحت الأبواب، وأخرجوا أسواقهم، وخرج أهلها، فسألهم المسلمون، فقالوا: أرسلتم إلينا بالأمان فقبلناه وأقررنا بالجزية على أن تمنعونا فقالوا: ما فعلنا، فإذا عبد يدعى مكنفاً كان أصله منها، فعل هذا، فقال المسلمون، هو عبد؟ قالوا: نعم، قالوا: نحن لا نعرف العبد من الحر، فإن شئتم فأغدروا، فكتبوا بذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأجاز ذلك، وانصرفوا عنهم، والله تعالى أعلم وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rانسياج الجيوش\rالإسلامية في بلاد فارس:","part":5,"page":247},{"id":2248,"text":"وسنة سبع عشرة أذن عمر رضي الله عنه للمسلمين في الانسياج في بلاد فارس، وكان سبب ذلك أن عمر لما أتى بالهرمزان قال للوفد: لعل المسلمين يؤذون أهل الذمة، فلهذا ينتقضون بكم! قالوا: ما نعلم لا وفاءً. قال: فكيف هذا! فلم يشفه أحد، قال له الأحنف: يا أمير المؤمنين، إنك نهيتنا عن الانسياج في البلاد، وإن ملك فارس بين أظهرهم، ولا يزالون يقاتلوننا مادام ملكهم فيهم، ولم يجتمع ملكان متفقان حتى يخرج أحدهما صاحبه، وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئاً بعد شيء إلا بانبعاثهم وغدرهم، وأن ملكهم هو الذي يبعثهم، ولا يزال هذا دابهم حتى تأذن لنا فنيسح في بلادهم، ونزيل ملكهم، فهناك ينقطع رجاء أهل فارس. فقال: صدقتني والله، ورجع إلى قوله، وانتهى إلى رأيه، وأذن للمسلمين في الانسياح. فأمر أبا موسى الأشعري أن يسير من البصرة إلى منقطع ذمة البصرة، فيكون هنالك حتى يأتيه أمره، وبعث بألوية من ولاة مع سهيل بن عدي، فدفع لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس، ولواء أزدشير خرة وسابور إلى مجاشع بن مسعود السلمي، ولواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي ولواء فساودرا بجرد إلى سارية ابن زنيم الكناني، ولواء كرمان إلى سهيل بن عدي، ولواء سجسنان، إلى عاصم بن عمرو، ولواء مكران إلى الحكم بن عمير التغلبي، فخرجوا ولم يتهيأ مسيرهم إلى سنة ثماني عشرة، وأمدهم عمر بنفر من أهل الكوفة، فأمد سهيل بن عدي بعبد الله بن عبد الله بن عتبان، وأمد الأحنف بعلقمة بن النضر وبعبد الله بن عقيل وبربعي بن عامر، وأمد عاصم بن عمرو بعبد الله بن عمير الأشجعي، وأمد الحكم بن عمير بشهاب بن المخارق.\rوقيل: كان ذلك في سنة إحدى وعشرين. وقيل: في سنة اثنتين وعشرين، وسنذكره إن شاء الله تعالى عند ذكرنا الفتوح هذه الجهات والمسير إليها، والله تعالى أعلم.\rغزوة فارس\rمن البحرين.\rكانت هذه الغزوة في سنة سبع عشرة، وكان عمر رضي الله عنه يقول لما أخذت الأهواز وما يليها: وددت أن بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا نصل إليهم منه، ولا يصلون إلينا.\rوكان العلاء بن الحضرمي على البحرين في خلافة أبي بكر رضي الله عنه فعزله عمر، ثم أعاده، وكان يناوئ سعد بن أبي وقاص، ففاز العلاء في قتال أهل الردة بالفضل، فلما ظفر سعد بأهل القادسية، وأزاح الأكاسرة جاء بأعظم مما فعله العلاء. فأراد العلاء أن يصنع في الفرس شيئاً، فلم ينظر في الطاعة والمعصية بجد، وكان عمر رضي الله عنه نهاه وغيره عن الغزو في البحر.\rفندب العلاء الناس إلى فارسن فأجابوه، وفرقهم جنداً، فجعل على أحدها الجارود بن المعلى، وعلى الآخر سوار بن همام، وعلى الآخر خليد بن المنذر بن ساوي، وخليد على جميع الناس، وحملهم في البحر إلى فارس، فخرجوا من البحر إلى اصطخر، وبإزائهم أهل فارس، وعليهم الهربذ، فحالت الفرس بين المسلمين وبين سفنهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً بمكان يدعى طاوس، فقتل ابن السوار والجارود، وكان خليد أمر أصحابه أن يقاتلوا رجالة، فقتلوا من الفرس مقتلة عظيمة، ثم خرجوا يريدون البصرة، ولم يجدوا في الرجوع إلى البحر سبيلاً، وأخذت الفرس عليهم طريقهم، فعسكروا وامتنعوا.\rفلما بلغ عمر ماصنع العلاء، أرسل إلى عتبة بن غزوان يأمره بإنفاذ جيش كثيف إلى المسلمين بفارس قبل أن يهلكوا، وقال: إنى قد ألقى في روعى كذا وكذا، نحو الذي وقع، وأمر العلاء بأثقل الأشياء عليه، وهو تأمير سعد عليه.\rفشخص العلاء إلى سعد بمن معه، وأرسل عتبة أثني عشر ألف مقاتل، فيهم: عاصم بن عمرو، وعرفجة بن هرثمة والأحنف ابن قيس وغيرهم، فخرجوا على البغال يجنبون الخيل، وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم حتى التقى بخليد، وتوالت الأمداد، ففتح الله على المسلمين، وأصابوا من المشركين ما شاءوا. والله تعالى أعلم.\rوقعة نهاوند\rوفتحها كانت هذه الوقعة في سنة إحدى وعشرين، وقيلك في سنة ثماني عشرة. وقيل: في سنة تسع عشرة.\rوكان الذي هيج أمر نهاوند أن المسلمين لما خلصوا جند العلاء، وفتحوا الأهواز، وكاتب الفرس ملكهم، وهو بمرو، وحركوه، فكاتب الملوك ما بين الباب والسند وخراسان وحلوان، فاجتمعوا بنهاوند، ولما وصلها أوائلهم بلغ سعداً الخبر، فكتب به إلى عمر، وثار بسعد أقوام ووشوا به، والبوا عليه، وسعوا إلى عمر ولم يشغلهم ما نزل بالناس عنه.","part":5,"page":248},{"id":2249,"text":"فقال عمر: والله لا يمنعني ما نزل بكم من النظر فيما لديكم، وكان من عزل سعد مانذكره إن شاء الله تعالى في حوادث السنين.\rوقدم سعد على عمر، وقد استخلف على الكوفة عبد الله بن عبد الله عتبان، فأقره عمر.\rقال: ونفرت ملوك الأعاجم لكتاب يزدجرد، واجتمعوا بنهاوند على الفيرزان في خمسين ومائة ألف مقاتل. وكان سعد قد كاتب عمر بالخبر كما ذكرنا، ثم شافهه به لما قدم عليه، وقال له: إن أهل الكوفة يستأذنونك في الانسياح: وأن يبدءوهم ليكون أهيب لهم على عدوهم.\rفجمع عمر الناس واستشارهم، وقال: هذا يوم له ما بعده، وقد هممت أن أسير فيمن قبلي ومن قدرت عليه، فأنزل منزلاً وسطاً بين هذين المصرين، ثم استنفرهم فأكون لهم ردءاً، حتى يفتح الله عليهم ويقضي ما أحب؛ فإن فتح الله تعالى عليهم صببتهم في بلدانهم.\rفقال له طلحة بن عبيد الله: ياأمير المؤمنين، قد أعلمتك الأمور، وعجمتك البلايا، وأحتنكتك التجارب، وأنت وشأنك، وأنت ورأيك، لا ننبو في يديك، ولا نكل عليك، إليك هذا الأمر، فمرنا نطع، ودعنا نجب، وأحملنا نركب، وقدنا ننقذ؛ فإنك ولي هذا الأمر؛ وقد بلوت وجربت واختبرت، فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيار. ثم عاد.\rفعاد عمر لمقالته، فقام عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال ارى أمير المؤمنين أن تكتب إلى أهل الشام فيسيروا من شامهم، وإلى أهل اليمن فيسيروا من يمنهم، ثم تسير أنت بأهل الحرمين إلى الكوفة والبصرة، فتلقى جمع المشركين بجمع المسلمين؛ فإنك إذا سرت قل عندك ما قد تكاثر من عدد القوم. وقد كنت أعز عزا، وأكثر. ياأمير المؤمنين إنك لا تستبقي بعد نفسك من العرب باقية ولا تمتنع من الدنيا بعزيز، ولا تلوذ منها بحريز. إن هذا يوم له مابعده من الأيام، فأشهده برأيك وأعوانك، ولا تغب عنه. وجلس.\rفعاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمقالته، فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: أما بعد، ياأمير المؤمنين، فإنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم، سارت الروم إلى ذراريهم، وإن أشخصت أهل اليمن من يمنهم، سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من اطرافها، وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات، والعيالات. أقرر هؤلاء في أمصارهم، وأكتب لأهل البصرة أن يتفرقوا ثلاث فرق، فرقة في حرمهم وذراريهم، وفرقة في أهل العهد؛ حتى لا ينتقضوا، ولتسر فرقة إلى أخوانهم بالكوفة مدداً لهم. إن الأعاجم إ، ينظروا إليك قالوا: هذا أمير العرب في أصلها، فكان ذلك أشد لكلبهم عليك. وأما ماذكرت من مسير القوم فالله هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما تكره.\rوأما عددهم، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة؛ ولكن بالنصر فقال عمر: هذا هو الرأي، وكنت أحب أن أتابع عليه.\rوقيل: إن طلحة وعثمان أشارا عليه بالمقام، والله تعالى أعلم.\rثم قال عمر: أشيروا على برجل أوليه ذلك الثغر، وليكن عراقياً. فقالوا: أنت أعلم بجندك، وقد وفدوا عليك. فقال: والله لأولين أمرهم رجلاً ليكون، أول الأسنة إذا لقيها غداً. فقيل من هو؟ قال: النعمان بن مقرن المزني. فقالوا: هو لها.\rوكان النعمان يومئذ معه جمع من أهل الكوفة قد افتتحوا جند يسابور والسوس كما قدمنا، فكتب إليه عمر رضي الله عنه يأمره بالمسير إلى ماه، فيجمع الجيوش عليه، فإذا اجتمعوا سار بهم إلى الفيرزان ومن معه.\rوقيل: بل كان النعمان بكسكر، فسأله أن يعزله ويبعثه إلى جيش من المسلمين، فكتب إليه عمر يأمره بنهاوند، فسار، وكتب عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان أن يستنفر الناس مع النعمان.\rفندب الناس، فخرجوا وعليهم حذيفة بن اليمان، ومعه نعيم ابن مقرن، فقدموا على النعمان، وتقدم عمر إلى الجند الذين كانوا بالأهواز أن يشغلوا الفرس عن المسلمين، وعليهم المقترب، وحرمله، وورقاء، فأقاموا بتخوم أصفهان، وقطعوا أمداد فارس عن أهل نهاوند، واجمع الناس على النعمان، وفيهم حذيفة بن اليمان، وابن عمر، وجرير بن عبد الله البجلي والمغيرة بن شعبة، وغيرهم.\rفرحل النعمان وعبى أصحابه وهم ثلاثون ألفاً، فجعل على مقدمته نعيم بن مقرن، وعلى مجنبته حذيفة وسويد بن مقرن، وعلى المجردة القعقاع بن عمرو، وعلى الساقة مجاشع بن مسعود.","part":5,"page":249},{"id":2250,"text":"وقد توافت إليه أمداد المدينة، فيهم المغيرة بن شعبة، فانتهوا إلى الأسبيذهان، والفرس وقوف على تعبيتهم، وأميرهم الفيرزان، وعلى مجنبته الزردق ويهمن جاذويه، وقد توافى إليه بنهاوند كل من غاب عن القادسية. فلما رآهم النعمان كبر وكبر معه الناس، فتزلزلت الأعاجم، وحطت العرب الاثقال، وضرب فسطاط النعمان، فابتدره أصحاب الكوفة، من كان من أشرافها، فضربوه، منهم: حذيفة ابن اليمان وعقبة بن عمرو، والمغيرة بن شعبة، وبشير بن الخصاصية، وحنظلة الكاتب، وجرير بن عبد الله البجلي، والأشعث بن قيس الكندي وسعيد بن قيس الهمذاني، ووائل ابن حجر وغيرهم، فلي ير بناة فسطاط بالعراق كهؤلاء، وأنشب النعمان القتال بعد حط الأثقال فاقتتلوا يومي الأربعاء والخميس، والحرب بينهم سجال، ثم أنجزوا في خنادقهم يوم الجمعة وحصرهم المسلمون، وأقاموا عليهم ماشاء الله، والفرس بالخيار إن شاءوا خرجوا، وإن شاءوا أقاموا، فخاف المسلمون أن يطول أمرهم؛ حتى إذا كان يوم الجمعة تجمع أهل الرأي من المسلمين، وقالوا: نراهم علينا بالخيار، وأتوا النعمان في ذلك، وهو يروي في الذي رأوا فيه، فأخبروه، فبعث إلى من بقي من أهل النجدات والرأي، فأحضرهم، وقال: قد ترون المشركين واعتصامهم بخنادقهم ومدنهم، وأنهم لا يخرجون إلينا إلا إذا شاءوا، ولا يقدر المسلمن على إخراجهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق، فما الرأي الذي به نستخرجهم إلى المناجزة، وترك التطويل؟ فتكلم عمرو بن ثبى، وكان اكبر الناس يومئذ سناً وكانوا يتكلمون على الاسنان،فقال: التحصن عليهم أشد من المطاولة عليكم، فدعهم وقاتل من أتاك منهم، فردوا عليه رأيه جميعاً.\rوتكلم عمر بن معدي كرب فقال: ناهدهم وكاثرهم ولا تخفهم، فردوا جميعاً عليه رأيه، وقالوا: إنما تناطح بنا الجدران، وهي أعوان علينا.\rفقال طليحة بن خويلد الاسدي: أرى أن تبعث خيلاُ مؤدية لينشبوا القتال، فإذا اختلطوا بهم رجعوا إلينا استطراد، فإنا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم، فإذا رأوا ذلك طمعوا وخرجوا علينا فقاتلناهم حتى يقضي الله فيهم وفينا ماأحب، فأمر النعمان القعقاع بن عمرو، وكان على المجردة، فأنشب القتال، وأخرجهم من خنادقهم كأنهم جبال من حديد، وقد تواثقوا ألا يفروا وقرن بعضهم؛ لئلا ينهزموا، فلما خرجوا نكص القعقاع، فاغتنمها الأعاجم ففعلوا كما ظن طليحة. وقالوا: هي هي.\rولحق القعقاع بالناس، وانقطع الفرس عن حصنهم، وأمر النعمان أصحابه أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم، ففعلوا، واستتروا بالحجف من الرمي، وأقبل المشركون يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراح، والنعمان ينتظر بالقتال أحب الساعات كانت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذلك عند الزوال، فلما كان قريباً من تلك الساعة ركب النعمان فرسه، وسار في الناس يرضهم على القتال، ويذكرهم يمنيهم الظفر، وقال: إنى مكبر ثلاثاً، فإذا كبرت الثالثة فإنى حامل، فأحملوا، فإن قتلت فالأمير بعدي حذيفة، فإن قتل ففلان، حتى عد سبعة أخرهم المغيرة، ثم قال: اللهم أعزز دينك بنصر عبادك. وقيل: بل قال: اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام، وأقبضني شهيداً.\rفبكى الناس ثم رجع إلى موقفه، فكبر ثلاثاً، والناس سامعون مطيعون مستعدون للقتال، وحمل وحمل الناس، وانقضت رايته نحوهم انقضاض العقاب، فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يسمع بوقعة كانت أشد منها، وصبر المسلمون صبراً عظيماً، وانهزم الأعاجم، وقتل منهم ما بين الزوال والإعتام ما طبق أرض المعركة حتى زلق الناس والدواب في الدماء، فلما أقر الله عين النعمان بالفتح استشهد، زلق به فرسه فصرع. وقيل: بل رمي بمسهم في خاصرته فمات، فسجاه أخوه نعيم بن مقرن بثوب، وأخذ الراية وناولها حذيفة، وتقدم إلى موضع النعمان.\rوقال المغيرة: اكتموا مصاب أميركم، لئلا يهن الناس، ودام القتال في الفرس حتى أظلم الليل، فانهزموا، ولزمهم المسلمون وعمي عليهم قصدهم، فأخذوا نحوا اللهب الذي كان دونه، فوقعوا فيه، فكان الواحد منهم يقع عليه ستة، بعضهم على بعض في قياد واحد فيقتلون جميعاً، وعقرهم حسك الحديد، فمان منهم في اللهب مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل منهم في المعركة.","part":5,"page":250},{"id":2251,"text":"وقيل: قتل في اللهب ثمانون ألفاً، وفي المعركة ثلاثون ألفاً سوي ن قتل في الطلب، ولم يفلت إلا الشريد، نجا الفيرزان من الصرعى، فهرن نحو همذان، وأتبعه نعيم بن مقرن، وقدم القعقاع أمامه، فأدركه بثينة همذن، وهي إذ ذاك مشحونة من بغال وحمر موقرة عسلاً.\rفحبسه الدواب فلما لم يجد طريقاً نزل عن دابته، وصعد في الجبل، فأدركه القعقاع، فقتله المسلمون على الثنية، وقالوا:إن لله جنوداً منها العسل، واستاقوا تلك الدواب بأحمالها، وسميت الثنية ثنية العسل، ودخل المنهزمون همذان، والمسلمون في آثارهم، فنزلوا عليها، وأخذوا ما حولها، فلما رأى ذلك خسر شنوم استأمتهم.\rولما تم الظفر للمسمين جعلوا يسألون عن أميرهم النعمان، فقال لهم أخوه معقل: قد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة، فأتبعوا حذيفة، ودخل المسلمون نهاوند يوم الوقعة بعد الهزيمة واحتووا على مافيها من الأمتعة وغيرها وما حولها من الأسلاب والأثاث وجمعوه إلى صاحب الأقباض، وهو السائب بن الأقرع.\rوانتظروا إخوانهم الذي على همذان مع نعيم والقعقاع، فأتاهم الهربذ صاحب بيت النار، وقال لحذيفة، أتؤمنني ومن شئت، على أن أخرج لك ذخيرة لكسرى تركت عندي لنوائب الزمان؟ قال: نعم، فأحضر جوهراً نفيساً في سفطين، فأرسلوهما مع الأخماس إلى عمر رضي الله عنه بعد أن نفل حذيفة منها، وأرسل مابقي مع السائب بن الأقرع الثقفي.\rقال السائب: فلما فرغت القسمة احتملت السفطين، وجئت بهما إلى عمر، فإذا هو قد خرج يتوقع الأخبار، وكان قد رأى الواقعة فبات يتململ، فقال ماوراءك؟ فقلت: فتح الله على المسلمين، واستشهد النعمان بن مقرن، فأعظم الفتح، واسترجع على النعمان وبكى حتى نشج، ثم أخبرته بالسفطين فقال لي: أدخلهما بيت المال حتى ننظر في شأنهما، وألحق بجندك.\rقال: ففعلت، وخرجت مسرعاً إلى الكوفة، وبات عمر، فلما أصبح بعث في أثري رسولاً، فما أدركني حتى دخلت الكوفة، فأنخت بعيري، وأناخ بعيره على عرقوب بعيري، وقال، الحق بأمير المؤمنين.\rقال: فركبت معه، وقدمت على عمر، فلما رآني قال: مالي وللسائب! قلت: وماذا؟ قال: ويحك، والله ماهو إلا نمت الليلة التي خرجت فيها، فأتت الملائكة تستحثني إلى السفطين يشتعلان ناراً، يقولون، لنكوينك بهما، فأقول: إني سأقسمهما بين المسلمين، فخذهما عني فبعهما في أعطية المسلمين وأرزاقهم.\rقال: فخرجت بهما فوضعتهما في مسجد الكوفة، فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف درهم، ثم خرج بهما إلى أرض الأعاج فباعهما بأربعة آلاف ألف، فما زال أكثر أهل الكوفة مالاً.\rقال: وكان سهم الفارس بنهاوند ستة آلاف، والراجل ألفين.\rولما قدم سبي نهاوند المدينة، جعل أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لا يلقى منهم صغيراً إلا مسح رأسه وبكى، وقال: أكل عمر كبدي، وكان من نهاوند، فأسرته الروم، وأسره المسلمون.\rوكان المسلمون يسمون فتح نهاوند فتح الفتوح؛ لأنه لم يكن للفرس بعده اجتماع، وملك المسلمون بلادهم. والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله وحده.\rفتح دينور والصيمرة\rوغيرهما: لما انصرف أبو موسى الأشعري من نهاوند، وكان قد جاء مددا على بعث أهل البصرة، فمر بالدينور، فأقام عليهما خمسة أيام، وصالحه أهلها على الجزية، ومضى، فصالحه أهل الشيروان على مثل صلحهم، وبعث السائب الأقرع إلى الصيمرة وهي مدينة مهرجان قذق ففتحها صلحاً، والحمد لله وحده، وصلى الله علي سيدنا محمد.\rفتح همذان\rوالماهين وغيرهما: لما انهزم المشركون من نهاوند دخل من سلم منهم همذان، فحاصرهم نعيم بن مقرن والقعقاع بن عمرو، فلما رأى ذلك خسرشنوم استأمنهم، وقبل الجزية على أن يضمن همذان ودستي، وألا يؤتي المسلمون منهم، فأجابوه إلى ذلك وأمنوه هو ومن معه من الفرس، وأقبل كل من كان هرب، وبلغ الخبر أهل الماهين، فاقتدوا بخسر شنوم، وراسلوا حذيفة، فأجابهم، ودخل ماه دينار، وبهراذان على مثل ذلك. وكان قد وكل النسير بن ثور بقلعة قد لجأ إليها قوم، فحاصرهم وافتتحها، فنسبت إلى النسير.","part":5,"page":251},{"id":2252,"text":"ولما رجع نعيم والقعقاع، كفر أهل همذان مع خسر شنوم، فخرج نعيم بن مقرن غليها في سنة اثنتين وعشرين، واستولى على جميع بلادها وحاصرها، فسأله أهلها الصلح ففعل، وفتحها الثانية، وقبل منهم الجزية. وقيل إن فتحها كان في سنة اربع وعشرين، بعد وفاة عمر بستة أشهر. والله أعلم.\rقال: وبينما نعيم بهمذان في الفتح الثاني، وهو في أثني عشر ألفاً من الجند، فكاتب الديلم، وأهل الري، وأذربيجان، إذ خرج موتى في الديلم، ونزل بواج الروذ، وأقبل الزيني أبو الفرخان في أهل الري وأقبل إسفنديار أخو رستم في أهل أذربيجان، فاجتمعوا وتحصن منهم أمراء المسالح، وبعثوا إلى نعيم بالخبر، فاستخلف يزيد بن قيس الهمذاني، وخرج إليهم، فاقتتلوا بواج الروذ قتالاً شديداً، وكان وقعة عظيمة تعدل وقعة نهاوند، فانهزم الفرس أقبح هزيمة، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأرسل نعيم إلى عمر بقصد الري، وقتال من بها، والمقام بها بعد فتحها.\rوقيل: إن المغيرة بن شعبة، وهو عامل الكوفة أرسل جرير ابن عبد الله إلى همذان، فقاتله أهلها، وأصيب بسهم في عينه، فقال: أحتسبها عند الله زين بها وجهي.\rوقيل: كان فتحها على يد المغيرة نفسه. وقيل: فتحها قرظة ابن كعب الأنصاري رضي الله عنه، والله تعالى أعلم وهو حسبنا ونعم الوكيل.\rفتح أصبهان وقم وقاشان\rوفي سنة إحدى وعشرين بعث عمر رضي الله عنه عبد الله ابن عبد الله بن عبتان إلى أصبهان، وكان شجاعاً من أشراف الصحابة، ووجوه الأنصار، وأمده بأبي موسى الأشعري، وجعل على مجنبتيه عبد الله بن ورقاء الرياحي وعصمة بن عبد الله، فسار إلى نهاوند ورجع حذيفة إلى عمله على ماسقت دجلة وما وراءها. وسار عبد الله فيمن كان مته ومن تبعه من جند النعمان الذين بنهاوند نحو أصبهان، وعلى جندها الأسبيذان، وعلى مقدمته شهريار بن جاذويه( شيخ كبير) في جمع عظيم، فالتقى المسلمون ومقدمه المشركين برستاق لأصبهان، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فبرز الشيخ ودعا إلى البراز، فبرز له عبد الله بن ورقاء فقتله عبد الله، وانهزم الفرس؛ فسمي ذلك الرستاق برستاق الشيخ، وصالحهم الأسبيذان على الرستاق، وهو أول رستاق أخذ من أصبهان.\rثم سار عبد الله إلى مدينة جي، وهي مدينة أصبهان، والملك بأصبهان الفاذوسفان، فنزل بها، وحاصرها، فصالحه الملك عليها، على الجزية على من أقام، وأن يجزي من أخذت أرضه عنوة مجزاهم ومن أبي ذهب كان أرضه للمسلمين.\rوقدم أبو موسى على عبد الله من ناحية الأهواز، وقد صالح القوم، وفدخل القوم في الذمة إلا ثلاثين رجلاً من أهل أصبهان لحقوا بكرمان، ودخل عبد الله ومن معه المدينة، وكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه: أن سر حتى تقدم على سهيل بن عدي؛ حتى تكون معه على قتال من بكرمان. فاستخلف على أصبهان السائب بن الأقرع، ولحق بسهيل قبل وصوله إلى كرمان، وافتتح أبو موسى قم وقاشان.\rفتح قزوين وأبهروزنجان\rوفي سنة اثنتين وعشرين بعث المغيرة بن شعبة وهو أمير الكوفة البراء بن عازب في جيش إلى قزوين، وأمره فتحها أن يغزو الديلم.\rفسار حتى أتى أبهر، وهو حصن، فقاتلوه، ثم طلبوا الأمان، فأمنهم وصالحهم، ثم غزا قزوين، فأرسل أهلها إلى الديلم يطلبون النصرة منهم، فوعدهوهم، فوصل المسلمون إليهم، فخرجوا لقتالهم الديلم وقوف على الجبل لا يمدون يداً، فلما رأى أهل قزوين ذلك طلبوا الصلح، فصالحهم على مثل صلح أبهر. وغزا الديلم حتى أدوا إليه الأتاوة، وغزا جيلان والطيلسان، وفتح زنجان عنوة.\rولما ولى الوليد بن عقبة الكوفة، غزا الديلم، وجيلان وموقان، والبير والطيلسان، والله سبحانه وتعالى أعلم.\rفتح الري\rقال: وسار نعيم بن مقرن من واج الروذ بأمر عمر حتى قدم الري، وخرج الزيني أبو الفرخان منها، فلقى نعيماً طالباً ومسالماً ومحالفاً لملك الري وهو سياوخش بن مهران بن بهرام بن جوبين، فاستمد سياوخش أهل دنباوند وطبرستان وقومس، وجرجان، فأمدوه، والتقوا مع المسلمين في سفح جبل الري الذي بجانب مدينتها، فاقتتلوا.","part":5,"page":252},{"id":2253,"text":"وكان الزينبي قال لنعيم: إن القوم قد كثروا وأن في قلة، فأبعث معي خيلاً لأدخل بها مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت، فإذا خرجنا نحن عليهم فإنهم لا يثبتون لك. فبعث معه خيلاً من الليل، عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو، فأدخلهم الزيني المدينة، والقوم لا يشعرون، وبيتهم نعيم، فشغلهم عن مدينتهم، واقتتلوا وصبروا حتى سمعوا التكبير من روائهم، فانهزموا، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأفاء الله تعالى على المسلمين بالري نحو مما في المدائن، وصالحهم الزيني على الري، وأخرب نعيم مدينتهم، وهي التي يقال لها: العتيقة. فأمر الزيني فبنى مدينة الري، وكتب نعيم إلى عمر بالفتح، وبعث بالأخماس، وراسله المصمغان في الصلح على شيء يفتدي به منه على دنباوند، فأجابه على ذلك.\rوقد قيل: إن فتح الري كان على يد قرظة بن كعب بن ثعلبة الخزرجي في سنة ثلاث، حكاه أبو عمر عبد البر.\rوقيل: في سنة إحدى وعشرين. وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم. بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\rقومس وجرجان\rوطبرستان: قال: لما ارسل نعيم بن مقرن إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالفتح والأخماس كتب إليه عمر رضي الله عنه بإرسال سريد بن مقرن ومعه هند بن عمرو وغيره إلى قواميس، وفسار سويد نحوها، فلم يقم له احد، فأخذها سلماً، وعسكر بها، وكاتبه الذين لجئوا إلى طبرستان منهم، والذين أخذوا المفاوز، فأجابهم إلى الصلح والجزية، وكتب لهم بذلك.\rثم سار سويد إلى جرجان، فعسكر ببسطام، وكتب إلى ملك جرجان وهو رزبان صول، فصالحه على الجزية وكفاية جرب جرجان، وأن يعينه سويد إن غلب، فأجابه سويد إلى ذلك، وتلقاه رزبان قبل دخوله جرجان، ودخل معه، وعسكر سويد بها حتى جبى الخراج، وسد فروجها بترك دهستان، ورفع الجزية عمن قام معه بمنعها، وأخذها من الباقين.\rوقيل: كان فتحها في سنة ثماني عشرة، وقيل: في سنة ثلاثين في خلافة عثمان.\rقال: وأرسل الإصبهبذ صاحب طبرستا إلى سويد في الصلح، على أن يتوادعا بها ويجعل له شيئاً على غير نصر ولا معونة على أحد، فقبل ذلك منه، وكتب له كتاباً، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\rفتح أذربيجان\rكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بعث بكير بن عبد الله إلى أذربيجان، وأمر نعيم بن مقرن أن يمده بسماك بن خرشة، فأمده به بعد فتح الري، فسار بكير حتى طلع بجبال جرميذان، فطلع عليه إسفنديار بن الفرخزاذ مهزوماً من واج الروذ، فاقتتلوا، فهزم الله الفرس وأخذ إسفنديار اسيراً، فقال له إسفنديار: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ قال: بل الصلح. قال: أمسكني عندك؛ فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم، أو أجئ لهم لم يقوموا لك، وجلوا إلى الجبال التي حولها، ومن كان على التحصين تحصن ليوم مائن فأمسكه عنده وصارت إليه البلاد إلا ما كان من حصن. وقدم عليه سماك بن خرشة، وإسفنديار في أسره، وقد افتتح مايليه، وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه.\rوكتب بكير إلى يستأذنه في التقدم، فأذن له أن يتقدم نحو الباب، وأن يستخلف على ماافتتحه، فاستخلف عتبة بن فرقد، فأقر عتبة سماك بن خرشة على عمل بكير الذي كان افتتحه، وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد. وكان بهرام بن الفرخز إذ قصد طريق عتبة، فاقتتلوا، فانهزم بهرام، فلما بلغ خبره إسفنديار وهو في الإسار عند بكير، قال: الآن تم الصلح، وطفئت نيران الحرب، فصالحه وأجاب أهل اذربيجان إلى ذلك، وعادت سلماً، وكتب بكير وعتبة بذلك إلى عمر، وبعثا بالخمس.\rولم اجمع عمر لعتبة عمل بكير، كتب لأهل أذربيجان كتاباً بالصلح.\rفتح الباب\rكان فتح الباب في اثنتين وعشرين، وكان عمر رضي الله عنه تعالى عنه رد أبا موسى الأشعري إلى البصرة، وبعث سرقة بن عمرو، وكان يدعى ذا النور إلى الباب، وجعل على مقدمته عبد الرحمن ابن ربيعة، وكان يدعى ذا النور أيضاً، وعلى مجنبتيه حذيفة بن أسيد الغفاري وبكير بن عبد الله الليثي وكان بكير قد سبقه إلى الباب عند منصرفه من أذربيجان، وجعل على المقاسم سلمان بن ربيعة الباهلي.","part":5,"page":253},{"id":2254,"text":"وكان عمر قد أمد سراقة بحبيب بن مسلمة من الجزيرة، وجعل مكانه زياد بن حنظلة، فسار سراقة وعبد الرحمن بن أمامه، فلما أطل عبد الرحمن على الباب كاتبه ملكها شهريار، من ولد شهريار الملك، واستأمنه على أ، يأتيه، ففعل فأتاه فقال له: إني نازل بإزاء عدو كلب، وأمم مختلفة ليس لهم أحساب، ولا ينبغي لذى الحسب والعقل أن يعينهم على ذي الحسب، وأنتم قد غلبتم على بلادي وأنا منكم، ويدي في أيديكم، وجزيتي إليكم، والنصر لكم، والقيام مما تحبون، لا تسومونا الجزية، فتوهنونا لعدوكم، فسيره عبد الرحمن إلى سراقة، فلقيه بمثل ذلك، وقال: لا بد من الجزية ممن يقيم ولا يحارب العدو، فاتفقا على ذلك، وأجازه عمر رضي الله عنه وأرضاه واستحسنه.\rفتح موقان\rولما فرغ سراقة من الباب ارسل بكير بن عبد الله، وسلمان ابن ربيعة، وحبيب بن مسلمة وحذيفة بن أسيد إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية، فوجه بكيرا إلى موقان، وحبيبا إلى تفليس، وحذيفة إلى جبال اللان، وسلمان إلى الوجه الآخر، وكتب سراقة بالفتح وبإرسالهم إلى عمر، فسر بذلك.\rثم مات سراقة بعد أن استوثق له الأمر، واستخلف عبد الرحمن ابن ربيعة، ولم يفتح أحد من القواد إلا بكير بن عبد الله؛ فإنه صالح أهل موقان على الجزية؛ على كل محتلم دينار، وذلك بعد أن فض أهل موقان، ثم تراجعوا.\rوقيل: كان الفتح في سنة إحدى وعشرين، وأقر عمر عبد الرحمن على فرج الباب، وأمره بغزو الترك. والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين،وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rغزو الترك\rقال: ولما أمر عمر رضي الله عنه عبد الرحمن بن ربيعة بغزو الترك خرج بالناس حتى قطع الباب فقال له شهريار: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد بلنجر والترك. قال: إنا لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب. قال عبد الرحمن: لكنا لا نرضى حتى نغزوهم في ديارهم، وتالله إن معنا أقواماً لو يأذن لنا أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم. قال: وماهم؟ قال: أقوام صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلوا في هذا الأمر بنية فلا يزال النصر معهم، فغزا بلنجر، فقالوا: مااجترأ علينا غلا ومعه الملائكة تمنعهم من الموت، فهربوا وتحصنوا، ورجع بالغنيمة والظفر. وقد بلغت خيلة البيضاء على رأس مائتي فرسخ من بلنجر، وعاد ولم يقتل منهم أحد، ثم غزاها أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه غزوات، فظفر كما كان يظفر.\rثم غزاهم بعد أن كان من أهل الكوفة في حق عثمان رضي الله عنه ما نذكره، فتذامرت الترك واجتمعوا في الغياض، فرمى رجل منهم رجلاً من المسلمين بسهم وقد قتل خرجوا على عبد الرحمن ومن معه، واقتتلوا أشد القتال، ونادى مناد من الجو: صبراً عبد الرحمن، وموعدكم الجنة ! فقاتل حتى قتل، وانكشف أصحابه، واخذ الراية أخوه سلمان بن ربيعةن فنادى من الجو، صبراً أبا سلمان. فقال سلمان: أوترى جزعاً! وخرج بالناس على جيلان إلى جرجان، ولم تمنعهم هذه الحرب من اتخاذ جسد عبد الرحمن، فهم يستسقون به حتى الآن. والحمد لله وحده، وصلى الله على من لانبي بعده.\rغزو خراسان\rوفي سنة اثنتين وعشرين غزا الأحنف بن قيس خراسان، على قول بعضهم. وقيل: بل كان في سنة ثمان عشرة وسبب ذلك أن يزدجرد لما سار إلى الري بعد هزيمة أهل جلولاء، انتهى إليها، وبها أبان جاذوية، فوثب أبان عليه وأخذه. فقال يزدجرد: يا أبان، تغدر بي! قال: لا؛ ولكن قد تركت ملكك، فصار في يد غيرك، فأحببت أن أكتب على ماكان لي من شيء، وأخذ خاتم يزدجرد وأكتتب الصكاك بكل ما أعجبه، وختم عليها ورد الخاتم، ثم أتى بعد ذلك سعداً فرد عليه كل شيء في كتابه.\rوسار يزدجرد من الري إلى أصبهان، ثم إلى كرمان والنار معه، ثم قصد خراسان والنار معه، فنزل مرو، وبنى للنار بيتاً، واطمأن وأمن أن يؤتى، ودان له من بقي من العجم.\rوكاتب الهرمزان، وأثار أهل الجبال والفيرزان، فنكثوا، فأذن عمر رضي الله عنه للمسلمين فدخلوا بلاد الفرس، فسار الأحنف إلى خراسان فدخلها من الطبسين، فافتتح هراة عنوة، واستخلف عليها صحار بن صخر العبدي. وقيل فيه: صحار بن عباس بن شراحبيل، ثم سار نحو مرو الشاهجان، فأرسل إلى نيسابور مطرف بن عبد الله ابن الشخير، وإلى سرخس الحارث بن حسان.","part":5,"page":254},{"id":2255,"text":"فلما دنا الأحنف من مرو، خرج يزدجرد منها إلى مرو الروذ، ونزل الأحنف مرو الشاهجان.\rوكتب يزدجرد إلى خاقان ملك الترك وإلى ملك الصغد وإلى ملك الصين يستمدهم.\rوخرج الأحنف من مرو الشاهجان، واستخلف عليها خالد ابن النعمان الباهلي بعد أن لحقته أمداد الكوفة. فلما سمع به بزدجرد سار من مرو الروذ إلى بلخ، ونزلها الأحنف، والتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ، فانهزم يزدجرد، وعبر النهر، ولحق الأحنف بأهل الكوفة، قد فتح الله عليهم، وافتتح ما بين نيسابور إلى طخارستان، وعاد إلى مرو الروذ، واستخلف على طخارستان ربعي ابن عامر، وكتب على عمر بالفتح. فقال عمر: وددت أن بيننا وبينها سينقضون منها ثلاث مرات، وكتب إلى الأحنف أن يقتصر على مادون النهر ولا يجوزه.\rقال: ولما عبر يزدجرد مهزوماً، انجده خاقان الترك، وأهل فرغانة والصغد، فرجع يزدجرد وخاقان إلى خراسان، فنزلا بلخ. ورجع أهل الكوفة إلى الأحنف بمرو الروذ، فنزل المشركون عليه بها، وكان الأحنف لما بلغه خبر عبور يزجرد وخاقان النهر إليه، خرج ليلاً يتسمع؛ لعله يسمع برأي ينتفع به، فمر برجلين ينقيان علفاً، وأحدهما يقول لصاحبه: أسندنا الأمير إلى هذا الجبل؛ فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقاً، وكان الجبل في ظهورنا، فلا يأتونا من خلفنا، وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله عز وجل. فرجع، فلما أصبح جمع الناس ورحل بهم إلى سفح الجبل، وكان معه من البصرة عشرة آلاف، ومن الكوفة نحو منهم.\rواقبلت الترك ومن معها فنزلوا بهم، وجعلوا ينادونهم ويراوحونهم وينجحرون في الليل. فخرج الأحنف ليلة طليفة لأصحابه؛ حتى إذا كان قريباً من عسكر خاقان وقف، فلما كان وجه الصبح خرج فارس من الترك وهو مطوق، فضرب بطبلة، ثم وقف، فحمل عليه الأحنف، فاقتتلا، فقتله الأحنف، وأخذ طوقه، ووقف واحد آخر وآخر بعده، ففعل بهما كذلك، ثم انصرف إلى عسكره.\rوكانت عادة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من رجالهم أكفاء، كلهم يضرب بطبله، ثم يخرجون بعدهم، فلما خرجوا وجدوا فرسانهم، فتطير خاقان من ذلك، وقال: قد طال مقامنا، وأصيب فرساننا، وليس لنا في قتال هؤلاء القوم خير، ورجع.\rوارتفع النهار ولم ير المسلمون أحداً، وأتاهم الخبر بانصراف الترك إلى بلخ، وكان يزدجرد ترك خاقان يقاتل بمرو الروذ، وانصرف إلى مرو الشاهجان، فلما وصلها تحصن حارثة بن النعمان ومن معه، فحصرهم، واستخرج خزانته من موضعها.\rوأراد أن يلحق خاقان لما بلغه انصرافه عن مرو الروذ إلى بلخ؛ فأشار عليه أهل فارس بمصالحة المسلمين، فأبى ذلك، فاعتزلوه وقاتلوه، فانهزم، واستولوا على خزائنه، وتوجه هو نحو خاقان وعبر النهر إلى فرغانة، وأقام ببلد الترك مدة خلافة عمر رضي الله عنه إلى أن كفر اهل خراسان في زمن عثمان، فكاتبوه وكاتبهم، ثم قتل على ماسنذكره إن شاء الله تعالى في خلافة عثمان.\rقال: ثم أقبل أهل فارس بعد انهزام يزدجرد على الأحنف، وصالحوه ودفعوا له الخزائن، وتراجعوا إلى بلادهم، واغتبطوا بالمسلمين، فأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهمه يوم القادسية.\rوسار الأحنف إلى بلخ ونزلها، ثم رجع إلى مرو الروذ، وكتب بهذا الفتح إلى عمر.\rقال: ولما عبر خاقان ويزدجرد إلى النهر، لقيا رسول يزدجرد الذي كان ارسله إلى ملك الصين قال له:صف لي هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم، فإنى أراك تذكر قلة منهم، وكثرة منكم، ولا يبلغ امثال هؤلاء القليل منكم مع كثرتكم إلا بخير عندهم وشر فيكم. فقال: سلني عما أحببت. فقال: أيوفون العهد؟ قال: نعم. قال: ومايقولون لكم قبل القتال؟ اقال: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إما دينهم فإن أحببنا أجرونا مجراهم، أو الجزية، أو المنابذة. قال: فكيف طاعتهم في أمرائه؟ قلت: أطوع قوم لرشيدهم. قال: فما يحلون وما يحرمون؟ فأخبره. قال: هل يحلون ما حرم عليهم، أو يحرمون ما أحل لهم؟ قال: لا. قال: هؤلاء القوم لا يزالون على الظفر حتى يحلوا حرامهم ويحرموا حلالهم، ثم قال: أخبرني عن لباسهم، فأخبره، وعن مطاياهم. قال: نعم الحصون! ووصف له الإبل وبركها وقيامها. فقال: هذه صفة دواب طوال الأعناق.","part":5,"page":255},{"id":2256,"text":"وكتب معه إل يزدجرد: أنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجند أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق على، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك لو يحاولون الجبال لهدوها، ولو خلا لهم سربهم أزالوني ما داموا على وصف، فسالمهم وارض منهم بالمسالمة، ولا تهجهم مالم يهيجوك.\rفأقام بزدجرد بفرغانة ومعه آل كسري بعهد من خاقان.\rقال: ولما وصل كتساب الفتح إلى عمر رضي الله عنه، جمع الناس وخطبهم، وقرأه عليهم، وحمد الله على إنجاز وعده، ثم قال: ألا وإن ملك المجوسية قد هلك، فليسوا يملكون من بلادهم شبراً يضر بمسلم، ألا وإن الله تعالى قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم، لينظر كيف تعملون، فلا تبدلوا فيستبدل الله بكم غيركم؛ فإنى لا اخاف على هذا الأمة إلا من قبلكم.\rوقيل: إن فتح خراسان كان في زمن عثمان رضي الله عنه، وسنذكره إن شاء الله سبحانه تعالى في موضعه.\rشهروز والصامغان\rوفي سنة اثنتين وعشرين كان فتح شهرزور؛ فتحها عتبة بن فرقد صلحاً على مثل صلح حلوان بعد قتال، وصالح أهل الصامغان، ودار أباذ على الجزية والخرادج، وقتل خلقاً كثيراً من الأكراد، وكتب إلى عمر: إن فتوحي قد بلغت أذربيجان، فولاه إياها، وولى هرثمة بن عرفجة الموصل، ولم تزل شهرزور وأعماله مضمومة إلى الموصل حتى أفردت عنها في آخر خلافة الرشيد. والله تعالى أعلم وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير، والحمد لله وحده.\rفتح توج\rكان فتحها في سنة ثلاث وعشرين، وذلك أنه لما خرج أهل البصرة الذين توجهوا إلى بلاد فارس أمراء عليها، كان معهم سارية بن زنيم، فساروا، وأهل فارس مجتمعون بتوج، فلم يقصدهم المسلمون، وتوجه كل أمير إلى الجهة التي أمر بها، وبلغ ذلك أهل فارس، فافترقوا إلى بلدانهم، كما افترق المسلمون، فكانت تلك هزيمتهم وتشتت أمورهم، فقصدهم مجاشع بن مسعود بسابور وآذدشير فالتقوا بتوج، واقتتلوا ما شاء الله، ثم انهزم الفرس وقتلهم المسلمون شر قتلة، وغنموا ما في عسكرهم، وحصروا توج فافتتحوها، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وغنموا ما فيها.\rوتوج هي التي استنقذتها جيوش العلاء بن الحضرمي ايام طاوس، ثم دعوا إلى الجزية فرجعواوأقروا بها، وأرسل مجاشع ابن مصعود بالبشارة والأخماس إلى عمر رضي الله عنه، والله تعالى أعلم بالصواب.\rفتح اصطخر\rوجور وكازرون والنوبندجان: ومدينة شيراز وأرجان وسينيزوجنابا وجهرم.\rوفي سنة ثلاث وعشرين قصد عثمان بن أبي العاص إصطخر فالتعقى هو وأهلها بجور، فاقتتلوا، وانهزم الفرس، وفتح المسلمون جور، ثم إصطخر، وقتلوا ما شاء الله، وفر منهم من فر. فدعاهم عثمان إلى الجزية والذمة، فأجابه الهربذ إليهان وتراجعوا.\rوكان عثمان قد جمعالغنائم وخمسها، وبعث الخمس إلى عمر، وفتح كازرون والنوبندجان وغلب على أرضها.\rوفتح هو وأبو موسى مدينة شيراز، وأرجان، وفتحا سينيز على الجزية والخراج. وقصد عثمان أيضاُ جناباً ففتحها، وفتح هو وأبو موسى مدينة شيراز، ولقيه جمع من الناس من الفرس بناحية جهرم فهزمهم وفتحها.\rوقيل إن فتح إصطخر كان في سنة ثمان وعشرين، واله سبحانه وتعالى أعلم.\rفتح فساور رابجرد\rوفي سنة ثلاث وعشرين أيضاً قصد سارية بن زنيم الديلي فساودرا بجرد، وانتهى إلى عسكرهم وحاصرهم ما شاء الله تعالى ثم استمدوا وتجمعوا، وتجمعت إليهم الأكراد من فارس، فدهم المسلمين أمر عظيم، وأتاهم الفرس من كل جانب، فرأى عمر رضي الله عنه فيما يرى النائم تلك الليلة معركتهم وعددهم في السعة التي رأى فيها ما رأى خرج إليهم، وكان قد رآهم والعدو في صحراء، إن أقام المسلمون فيها أحيط بهم، وإن استندوا إلى الجبل لم يؤتوا إلا من وجه واحد.\rفقام عمر فقال: يا أيها الناس، إنى رأيت هذه الجمعين...\rوأخبر بحالهما، وصاح عمر رضي الله عنه وهو يخطب: يا سارية، الجبل الجبل! ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جنوداً؛ ولعل بعضهم أن يبلغ.\rفسمع سارية ومن معه الصوت، فلجئوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم فهزمهم الله. وأصاب المسلمون مغانم، وأصابوا سفطا فيه جوهر، فاستوهبه منهم سارية، وبعث به وبالفتح مع رجل إلى عمر، فقدم عليه، وأخبره، وقصة الجوهر، فصاح به عمر وقال: لا ولا كرامة! أقسمه بين الجند، وطرده، ورد السفط.","part":5,"page":256},{"id":2257,"text":"وسأل أهل المدينة الرسول، هل سمعوا يوم الوقعة شيئاً؟ قال: سمعنا: ياسارية الجبل.\rوقد كدنا نهلك، فلجأنا إليه، ففتح الله سبحانه وتعالى علينا. والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد و على آله وصحبه وسلم.\rفتح كرمان\rوفيها قصد سهيل بن عدي كرمان، ولحقه عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وحشد له أهلها واستعانوا بالقفص، فاقتتلوا في أدنى أرضهم، فقتل النسير بن عمرو العجلي مرزبانها، وفتحها المسلمون.\rوقيل: إن الذي فتحه عبد الله بن بديل بن ورقاءالخزاعي في خلافة عمر، ثم أتر الطبسين من كرمان، ثم قدم على عمر فقال: أقطعني الطبسين، وأراد أن يفعل. فقيل: إنها رستاق، فامتنع.\rسجستان\rفي سنة ثلاث وعشرين أيضاً قصد عاصم بن عمرو سجستان، ولحقه عبد الله بن عمير، فاستقبلهم أهلها فالتقوا في أدنى ارضهم، فهزمهم المسلمون وأتبعوهم حتى حاصروهم بزرنج، فطلبوا الصلح على زرند وما سادوا عليه من الأرضيين، واصطلحوا على الخراج، فكانت سجستان أعظم من خراسان وأبعد فروجاً، يقاتلون القندهار والترك، وأمماً كثيرة.\rوقيل في فتح سجستان غير هذا، وسنذكره إن شاء الله تعالى في موضعه.\rمكران\rوفيها قصد الحكم بن عمرو التغلبي مكران، ولحق به شهاب بن المخارق وسهيل بن عدي وعبد الله بن عبد الله بن عتبان، فانتهوا إلى دوين النهر، وأهل مكران على شاطئه، فاستمد ملكهم ملك السند، فأمده بجيش كثيف، فالتقوا مع المسلمين فهزموا، وقتل منهم في المعركة مقتلة عظيمة، وأتبعهم المسلمون يقتلونهم أياماً؛ حتى انتهوا إلى النهر، ورجع المسلمون إلى مكران فأقاموا بها، وكتب الحكم إلى عمر بالفتح، وبعث إليه بالأخماس مع صحار العبدى.\rفلما قدم المدينة سأله عمر عن مكران، فقال: يا أمير المؤمنين، هي أرض سهلها جبل، وماوها وشل، وتمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير منه قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر منها.\rفقال عمر: أشجاع أنت أم مخبر ! لا والله لا يغزوها لي جيش أبداً، وكتب إلى سهيل والحكم ألا يجوزن مكران أحد من جنود كما، وأمرهما ببيع الفيلة التي غنمها المسلمون، وقسم أثمانها على الغانمين.\rبيروذ\rمن الأهواز وهي بفتح الباء الموحدة، وسكون الياء المثناة من أسفل، وضم الراء وسكون الواو وذال معجمة.\rقال: لما فصلت الخيول إلى الكور اجمع ببيروذ جمع كبير من الأكراد وغيرهم، وكان عمر رضي الله عنه قد عهد إلى أبي موسى أن يسير إلى أقصى ذمة البصرة كما ذكرنا؛ حتى لا يؤتى المسلمون في أعقابهم. فسار أبو موسى والتقى معهم في شهر رمضان، سنة ثلاث وعشرين ببيروز من بين نهر تيري ومناذر، فقام المهاجر ابن زياد وقد تحنط، فقاتل حتى قتل، واشتد جزع الربيع بن زياد على أخيه المهاجر، وعظم عليه فقده، فرق له أبو موسى واستخلفه على جنده.\rوخرج أبو موسى حتى بلغ أصبهان، وكان مع المسلمين بها حتى فتحت ثم رجع إلى البصرة، وفتح الربيع بن زياد بيروذ، وغنم ماكان تجمع بها.\rوأوفد أبو موسى وفدا إلى عمر بالأخماس، وطلب ضبة بن محصن الغنوي أن يكون في الوفد، فلم يجبه أبو موسى، وكان أبو موسى قد اختار من سبي بيروذ ستين غلاماً. فانطلق ضبة إلى عمر شاكياً، وكتب أبو موسى إلى عمر يخبره، فلما قدم ضبة على عمر سلم عليه، فقال: من أنت؟ فأخبرهن فقال: لا مرحبا ولا أهلاً! فقال: إن أبا موسى انتقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه، وله جارية تغدى جفنة، وتعشى جفنة تدعى عقيلة، وله فقيزان، وله خاتمان؛ وفوض إلى زياد بن أبي سفيان أمور البصرة، وأجاز الحطيئة بألف.\rفاستدعى عمر أبا موسى، فلما قدم عليه حجبه أياماً، ثم استدعاه، فسأل عمر ضبة عما قال: فقال أخذ ستين غلاماً لنفسه. فقال أبو موسى: دللت عليهم، وكان لهم فداء، ففديتهم وقسمته بين المسلمين، فقال ضبة: ما كذب ولا كذبت، وقال: له قفيزان، فقال أبو موسى: قفيز لأهلي أقوتهم به، وقفيز للمسلمين في أيديهم يأخذون به أرزاقهم. فقال ضبة: ما كذب ولا كذبت.\rفلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى ولم يعتذر، فعلم أن ضبة قد صدقه. قال: وولي زياد، قال: رأيت له راياً ونبلاً فاسندت إليه عملي. قال: وأجاز الحطيئة بألف، قال: سددت فمه بمالي أن يشتمني، فرده عمر، وأمره أن يرسل غليه زياداً وعقيلة، ففعل.","part":5,"page":257},{"id":2258,"text":"فلما قدم عليه زياد سأله عن حاله وعطائه والفرائض والسنن، والقرآن، فرآه فقيهاً، فرده وأمر أمراء البصرة أن يسيروا برأيه، وحبس عقيلة بالمدينة، وقال عمر: الا إن ضبة غضب على أبي موسى ورده مراغماً، إن فاته أمر من أمر الدنيا يصدق عليه، وكذب فأفسد كذبه صدقه. فإياكم والكذب! فإنه يهدي إلى النار.\rسلمة بن قيس الأشجعي والأكراد\rقال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا اجتمع إليه جيش من المسلمين، أمر عليهم اميراً من أهل العلم، فاجتمع إليه جيش، فبعث عليهم سلمة بن قيس الأشجعي وقال له: سر باسم الله تعالى، وقاتل في سبيل الله من كفر بالله ؛ فإذا لقيتم عدوكم فادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وأقاموا بدارهم فعليهم الزكاة، وليس لهم من الفئ نصيب، وإن ساروا معكم فلهم مثل الذي لكم، وعليهم مثل الذي عليكم، فإن أبوا فأدعوهم إلى الجزية، فإن أجابوا فأقبلوا منهم، وإن أبو فقاتلوهم، وإن تحصنوا منكم وسألوا أن ينزلوا على حكم الله ورسوله، أو ذمة الله ورسوله، فلا تجيبوهم؛ فإنكم لا تدرون ما حكم الله رسوله، وذمتهما، ولاتغدروا، ولا تقتلوا وليداً، ولا تمثلوا.\rفساروا حتى رأوا عدواً من الأكراد المشركين، فدعوهم إلى الإسلام أو الجزية، فأبوا فقاتلوهم وهزموهم، وقتلوا المقاتلة، وسبوا الذرية فقسمها بينهم، ورأى سلمة جوهراً في سفط، فاسترضى عنه المسلمين وبعثه إلى عمر، فغضب ووجأه في عنق رسوله وأعاده، فباعه سلمة، وقسم ثمنه في المسلمين، فكان الفص يباع بخمسة دراهم، وقيمته عشرون ألفاً.\rفتوح مصر\rوما والاها كان فتح مصر على يد عمر بن العاص والزبير بن العوام رضي الله عنهما، وقد اختلف في السنة التي فتحت مصر فيها، فقيل: في سنة عشرين. وقيل: سنة ست عشرة. والصحيح أنها فتحت قبل عام الرمادة، وكان عام الرمادة في سنة ثماني عشرة؛ فإن عمرو بن العاص حمل منها الطعام إلى المدينة في بحر القلزم على مانذكره إن شاء الله تعالى في حوادث السنين.\rوقد اختلف أيضاُ في سبب مسير عمرو إليها، واختلف في كيفية الفتح، وكيف كان.\rوقد روى الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم رحمه الله في فتوح مصر أخباراً بأسانيد متصلة إلى جماعة ممن شهدوا الفتح وغيرهم، اختصرنا ذكرها، مدارها على ابن لهيعة عن عبد الله بن أبي جعفر وعياش بن عباس العتباني وعلى بن يزيد ابن أبي حبيب، والليث بن سعد وغيرهمن دخل حديث بعضهم في حديث بعض.\rوالله سبحاه وتعالى أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله وحده.\rذكر مسير عمرو إلى مصر\rقالوا: لما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الجابية، قام إليه عمرو بن العاص رضي الله عنه، وخلا به فقال: يا امير المؤمنين، أئذن لي أن أسير إلى مصر، وحرضه عليها وقال: إنك إن فتحتها كانت قوة المسلمين وعوناً لهم، وهي أكثر الارض اموالاً، وأعجز عن القتال والحرب. فتخوف عمر على المسلمين وكره ذلك، فلم يزل عمرو يعظم أمرها عنده، ويهون عليه فتحها، حتى ركن لذلك، فعقد له على أربعة آلاف رجل كلهم من عك، ويقال: ثلاثة آلاف وخمسمائة. وقيل: ثلثهم من غافق، وقال له: سر وأنا مستخير الله في مسيرك، وسيأتيك كتابي سريعاً إن شاء الله تعالى، فإذا أدركك كتابي بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها، أوشيئاً من أرضها فانصرف، وإن أنت وصلتها قبل ذلك فامض لوجهك، واستعن بالله واستنصره.\rفسار عمرو من جوف الليل، ولم يشعر به أحد من الناس واستخار عمر الله تعالى، فكأنه تخوف على المسلمين في وجههم ذلك.\rفكتب إلى عمرو أن ينصرف بمن معه، فأدركه الكتاب وهو برفح، فتخوف إن هو اخذ الكتاب، وفتحه أن يجد في الانصراف، فلم يأخذه من الرسول، ودافعه حتى انتهى إلى ثرية فيما بين رفح والعريش، فسأل عنها فقيل: إنها من ارض مصر فأخذ الكتاب وقرأه على المسلمين، وقال لمن معه: الستم تعلمون أن هذه القرية من مصر ؟ قالوا: بلى قال: فإن أمير المؤمنين عهد إلي وأمرني إن لحقني كتابه ولم أدخل مصر أن أرجع ؛ ولم يلحقني كتابه حتى دخلنا ارض مصر، فسيروا وامضوا على بركة الله عز وجل.\rوقد قيل: إن عمرو بن العاص كان بفلسطين فقدم بأصحابه إلى مصر بغير إذن عمر، وكتب إليه يعلمه، فكتب عمر غليه فأتاه كتابه وهو دون العريش، فلم يقرأ كتابه حتى بلغ العريش فقراهن فإذا فيه:","part":5,"page":258},{"id":2259,"text":"من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص: أما بعد، فإنك سرت إلى مصر ومن معك، وبها جموع الروم؛ وإنما معك نفر يسير، ولعمري لو كانوا بكل أمتك ما كانوا لذلك، وماسرت بهم، فإن تم تكن بلغت مصر فارجع.\rفقال عمرو: الحم دلله، أية أرض هذه ؟ قالوا: من مصر فتقدم كما هو. ويقال:بل كان عمرو في جنده بقيساريه، فكتب إلى عمر بن الخطاب، وعمر إذ ذاك بالجابية، وهو يستأذنه على المسير إلى مصر، وأمر أصحابه فتنحوا من منزلتهم كأنهم يريدون أن يتحولوا من منزل إلى منزل، فسار بهم ليلاً، فلما فقده أمراء الأجناد استنكروا فعله، ورأوا أن قد غرر، فرفعوا ذلك إلى عمر، فكتب إليه: إلى العاصي ابن العاص، أما بعد، فإنك قد غررت بمن معك، فإن أدركك كتابي ولم تدخل مصر فارجع، وإن أدركك وقد دخلت فامض، واعلم أني ممدك.\rويقال: إن عمر رضي الله عنه كتب إلى عمرو بعد فتح الشام: أن أندب الناس إلى المسير معك، فمن خف معك فسر به. وبعث بالكتاب مع شريك بن عبدة، فندبهم عمرو، وأسرع في الخروج، ثم دخل عثمان بن عفان رضي الله عنه على عمر، فأخبره عمر بذلك فقال: يا أمير المؤمنين، إن عمراً في إقدام وحب للإمارة، فأخشى أن يخرج في غير ثقة ولا جماعة؛ فيعرض المسلمين للتهلكة رجاء فرصة لا يدري تكون أم لا! فندم عمر على كتابه إلى عمرو، وكتب إليه أن ينصرف إن كان لم يدخل ارض مصر على ما تقدم.\rقالوا: ونفرت راشدة وقبائل من العرب مع عمرو، فسار بهم، فأدركه عيد النحر بالعريش، فضحى هناك. ولما بلغ المقوقس مسير عمرو إلى مصر، توجه إلى الفسطاط، وكان يجهز الجيوش على عمرو، وكان على القصر رجل من الروم، يقال له: الأعيرج والياً تحت يد المقوقس.\rوتقدم عمر فكان أول موضع قوتل به الفرما، قاتله الروم هناك قتالاً شديداُ.\rقال: وكان بالإسكندرية أسقف للقبط يقال له: أبو ميامين، فلما بلغه قدوم عمرو كتب إلى القبط يعلمهم أنه لا يكون للروم دولة، وأن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقي عمرو.\rفيقال: إن القبط الذين كاوا بالفرما كانوا يومئذ لعمرو أعواناً، ثم سار عمرو من الفرما لا يدافع إلا بالأمر الخفيف، حتى نزل بلبيس فقاتلوه بها نحواً من شهر حتى فتح الله عليه، ثم مضى حتى أتى أم دمين فقاتلوه بها قتالاً شديداً، وأبطأ عليه الفتح، فكتب إلى عمر يستمده، فأمده بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف، فقاتلهم، وجاء من لخم - قيل: هو خارجة بن حذافة إلى - عمر، فقال له: اندب معي خيلاً حتى آتى من ورائهم عند القتال، فأخرج معه خمسمائة فارس، فسار بهم من وراء الجبل حاتى دخلوا مغار بني وائل قبيل الصبح، وكانت الروم قد خندقوا خندقاً، وجعلوا له أبواباً، وبثوا في أفنيتها حسك الحديد، فالتقى القوم حين أصبحوا، وخرجت الخيل من ورائهم فانهزموا حتى دخلوا الحصن، وهو القصر الذي يقال له: بابليون.\rذكر حصار القصر\rوما قيل في كيفية الاستيلاء عليه وانتقال الروم و القبط إلى الجزيرة.\rقال: ولما انهزموا إلى القصر حصرهم عمرو بن العاص ومن معه حيناً، وقاتلهم قتالاً شديداً صباحا، ثم كتب إلى عمر يستمده، فأمده بأربعة آلاف رجل، على كل الف منهم رجل وكتب إليه قد أمددتك بأربعة آلاف على كلف ألف رجل: الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، وسلمه بن مخلد، ومنهم من جعل بدل سلمة خارجة بن حذافة.","part":5,"page":259},{"id":2260,"text":"وقال عمر له في كتابه: أعلم أن معك اثني عشر الفاً، ولا يغلب اثنا عشر ألفا من قلة. وقيل: إنه لما أشفق عمر، أرسل الزبير في اثني عشر ألفاً، فلما قدم تلقاه عمرو، ثم أقبلا، فركب الزبير وطاف بالخندق، وفرق الرجال حوله، وألح عمرو إلى القصر، ونصب عليه المنجنيق، وأبطأ الفتح. فقال الزبير: إني أهب نفسي لله وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلما إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام، ثم صعد، وأمرهم أنهم إذا سمعوا التكبير أن يجيبوه جميعاً، فلم يشعر الروم إلا والزبير على الحصن يكبر وبيده السيف، وتحامل الناس على السلم حتى خشي عمرو أن ينكسر بهم، فنهاهم، ولما صاروا بأعلى الحصن كبروا جميعاً، وأجابهم المسلمون من خارج الحصن، فما شك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعاً، فهربوا، فعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه، واقتحمه المسلمون؛ فحينئذ سأل المقوقس الصلح على نفسه ومن معه؛ على أ ن يفرض للعرب على القبط دينارين على كل رجل منهم، فأجابهم عمرو إلى ذلك.\rوكان مكثهم على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر، والله تبارك وتعالى أعلم.\rقال ابن عبد الحكم: وقد سمعت في فتح القصر وجهاً آخر، ورواه بسنده إلى خالد بن يزيد، عن جماعة من البابعين، يزيد حديث بعضهم على حديث بعض، قالوا: لما حصر المسلمون بابليون، وبه جماعة من الروم، وأكابر القبط وعليهم المقوقس، فقاتلهم شهراً، فلما رأى القوم الجد من المسلمين تنحى المقوقس وجماعة من أكابر القبط ورؤسائهم، وخرجوا من باب القصر القبلي، ودونهم جماعة يقاتلون العرب، فلحقوا بالجزيرة.\rقال: وهي موضع الصناعة اليوم، وأمروا بقطع الجسر، وذلك في زمن زيادة النيل، وتخلف الأعيرج بالقصر بعد المقوقس، ثم تحول إلى الجزيرة في السفن. والله أعلم.\rإرسال المقوقس إلى عمرو في طلب الصلحك\rوجواب عمرو له واجتماع المقوقس وعبادة بن الصامت وما وقع بينهما من الكلام وقبول المقوقس الجزية.\rقال: وأرسل المقوقس إلى عمرو يقول: إنكم قد ولجتم بلادنا، وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم في أرضنا؛ وإنما أنتم عصبة يسيرة، وقد أظلتكم الروم ومعهم من العدد والسلاح، وقد أحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم اساري في أيدينا، فابعثوا إلينا رجالاً منكم يسمع منهم؛ فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم؛ فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه، ولعلكم أن تندموا ونحو ذلك من الكلام.\rفلما أتت رسل المقوقس عمراً حبسهم عنده يومين وليلتين؛ حتى خاف عليهم المقوقس وقال لأصحابه: أترون انهم يقتلون الرسل ويحبسونهم، ويستحلون ذلك في دينهم؟ وإنما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين، ثم ردهم عمرو. وأجابه مع رسله: إنه ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال: إما أن دخلتم الإسلام وكنتم إخواننا، وكان لكم مالنا، وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون. وإما أن جاهدنا كم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم؛ وهو خير الحاكمين.\rفلما جاءت رسل المقوقس إليه، قال: كيف رأيتم هؤلاء؟ قالوا: رأينا قوماً، الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة؛ إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على الركب، وأميرهم كواحد منهم، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم. ولا السيد فيهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويتخشعون في صلاتهم.\rفقال المقوقس: والذي يحلف به، لو ان هؤلاء استقبلوا الجبال لازالوها، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد؛ ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل لم يجيبونا بعد اليوم، إذا أمكنتهم الارض وقووا على الخروج من موضعهم. ثم رد رسله إلى المسلمين، أن ابعثوا إلينا رسلاً منكم، تعاملهم وتتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم.\rفبعث عمرو بن العاص عشرة نفر، أحدهم عبادة بن الصامت، وأمره أن يكون متكلم القوم، وألا يجيبهم إلى شيء دعوة إليه إلا إلى أحدى هذه الثلاث خصال.\rفلما دخلوا على المقوقس تقدم عبادة، فهابه المقوقس لسواده، فقال:","part":5,"page":260},{"id":2261,"text":"نحن أعنى هذا الأسود. وقدموا غيره يكلمني. فقالوا جميعاً: إن هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلماً، وهو سيدنا وخيرنا، والمقدم علينا، وإنما نوضع جميعاً إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دونتا بما أمره به، وأمرنا ألا نخالف رايه وقوله، قال: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون دونكم، قالوا: إنه وإن كان أسود كما ترى، فإنه من أفضلنا موضعاً، وأفضلنا سابقة وعقلاً ورأياً، وليس ينكر السواد فينا.\rفقال المقوقس لعباده: تقدم يا أسود وكلمني برفق، فإني أهاب سوادك،و إن اشتد كلامك علي ازددت لذلك هيبة، فتقدم إليه عبادة فقال: قد سمعت مقالك، وإن فيمن خلفت من أصحابي الف رجل كلهم أشد سواداً مني، وأفظع منظراً؛ ولم سمعتهم ورأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي، وأنا قد وليت وأدبر شبابي، وإنى بحمد الله مع ذلك ما أهاب مائة رجل من عدوى لو استقبلوني جميعاً، وكذلك أصحابي، وذلك إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في سبيل الله واتباع رضوانه، وليس غزونا ممن حارب الله لرغبة في دنيا ولا طلبا للاستكثار منها؛ إلا أن الله عز وجل أحل ذلك لنا، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالاً، وما يبالى أحدنا أكان له قنطار من ذهب أم كان لا يملك إلا درهماً؛ لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسد به جوعته لليله أو نهاره، وشملة يلتحفها. فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه؛ وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله تعالى، واقتصر على هذا الذي بيده، وبلغه ما كان في الدنيا؛ لأن الدنيا ليست بنعيم، ورخاؤها ليس برخاء، وإنما النعيم والرخاء في الآخرة؛ وبذلك أمرنا ربنا عز وجل، وأمرنا به نبينا، وعهد ألا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته، ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضا ربه، وجهاد عدوه.\rفلم يسمع المقوقس ذلك منه، قال لمن حوله: هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط؟ لقد هبت منظره، وإن قوله لا هيب عندي من منظره، إن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض، ما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها.\rثم أقبل على عباده فقال: أيها الرجل الصالح، قد سمعت مقالتك، وما ذكرت عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم إلا بما ذكرت، وما ظهرتم على من كان إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم مالا يحصى عدده، قوم معروفون بالنجدة والشدة، لا يبالى أحدهم من لقي ولا من قاتل، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم، وقد أقمتم بين أظهرينا أشهراً، وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم، وقلة مابأيديكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم، على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين، ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار،و تقبضونها تنصرفون إلى بلادكم، قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به.\rفقال عبادة: يا هذا، لا تغرن نفسك ولا أصحابك، أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنا لا نقوى عليهم؛ فلعمري ما هذا بالذي تخوفنا به، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه؛ إن كان ما قلتم حقاً؛ فذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم، وأشد تحريضاً عليهم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه؛ إن قتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما من شيء أقر لا عيننا ولا أحب إلينا من ذلك، وإنا منكم حينئذ لعلى إحدى الحسنيين: إما تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا؛ وإنها لأحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا، وإن الله عز و جل قال لنا في كتاله: ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحا ومساءً أن يرزقه الله الشهادة وألا يرده إلى بلده، ولا إلى أرضه، ولا إلى أهله وولده، ليس لأحد منا هم فيما خلفه، وقد استودع كل منا ربه أهله وولده، و إنما همنا ما أمامنا.\rوأما قولك: أنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا، وفنحن في أوسع السعة؛ لو كانت الدنيا كلها ملك لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه؛ فانظر الذي تريد فبينه لنا؛ فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث، فاختر ايها شئت، ولا تطمع نفسك بالباطل، بذلك أمرني أميري، وبها أمره أمير المؤمنين،و هو عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل إلينا.","part":5,"page":261},{"id":2262,"text":"إما أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله تعالىغيره، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته. أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه؛ حتى يدخل فيه، فإن فعل فإن له مالنا، وعليه ما علينا، وكان أخانا في دين الله. فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك فقد سعدتم في الدنيا والآخرة، ورجعنا عن قتالكم، ولم نستحل أذاكم، ولا التعرض لكم، وإن أبيتم إلا الجزية، فأدوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، نعاملكم على شيئ نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبدا، ما بقينا وبقيتم، ونقاتل من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم وبلادكم وأموالكم، نقوم بذلك إن كنتم في ذمتنا،وكان لكم به عهد الله إلينا، وإ، أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمو بالسيف حتى نموت عن آخرنا، وأة نصيل ما نريد منكم، هذا ديننا الذي ندين الله تعالى له، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره، فانظروا لأنفسكم.\rفقال له القوقوس: هذا مالا يكون أبداً، ما تريدون إلا أن تتخذونا خولاً أو نكون لكم عبيداً ما كانت الدنيا.\rفقال عبادة: هو ذاك، فاختر ماشئت. قال: أفلا تجيبوننا إلى خصلة غير هذه الخصال؟ فرفع عبادة يديه فقال: لا ورب هذه السماء، ورب هذه الأرض، وربنا ورب كل شيء، مالكم عندنا خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم.\rفالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه فقال: قد فرغ القوم، فما تريدون؟ فقالوا: أو يرضى أحد بهذا الذل! أما ماأرادوا من دخولنا في دينهم فهذا مالا يكون أبداً؛ أن تترك دين المسيح بن مريم،وندخل في دين غيره ولا نعرفه. وأما ما أرادوا من أن يسبونا ويجعلونا عبيداً أبداً، فالموت أيسر من ذلك، لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مراراً كان أهون علينا.\rفقال المقوقس لعباده: قد أبى القوم، فما ترى؟ فراجع صاحبك على أن نعطيكم من مرتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفون.\rفقام عبادة وأصحابه، فقال المقوقس لمن حوله: أطيعوني وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث، فوالله ما لكم بهم طاقة، ولئن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ماهو أعظم كارهين.\rقالوا: وأي خصلة تجيبهم إليها؟ قال: إذا أخبركم؛ أما دخولكم في غير دينكم فلا آمركم به، وأما قتالكم فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولن تصبروا صبرهم، ولابد من الثالثة. قالوا: أفنكون لهم، آمنين على أنفسكم، وأموالكم وذراريكم، خيراً لكم من أن تموتوا عن آخركم، وتكونوا عبيداً تباعون وتمزقون في البلاد، مستعبدين أبداً في البلاد. أنتم وأهلوكم وذراريكم.\rقالوا: فالموت أهون علينا. فأمروا بقطع الجسر بين الفسطاط والجيزة، وبالقصر من القبط والروم جمع كثير، فألح عليهم المسلمون عند ذلك بالقتال؛ حتى ظفروا بمن في القصر، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وأسروا من أسروا، وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة.\rهذا والمسلمون قد أحدق بهم الماء من كل وجه، لا يقدرون على أن يتقدموا نحو الصعيد ولا غيره من المدائن والقرى، والمقوقس يقول لأصحابه: ألم أعلمكم هذا وأخافه عليكم؟ ما تنتظرون؟ فوالله لنجيبنهم إلى ما أرادوا طوعاً، أو لنجيبنهم إلى ما هو أعظم منه كرهاً، فأطيعوني من قبل أن تندموا؛ فعند ذلك أذعنوا إلى الجزية ورضوا بها على صلح يكون بينهم يعرفونه.\rفأرسل المقوقس إلى عمرو يقول له: إنى لم أزل حريصاً على إجابتك إلى خصلة من تلك الخصال التي ارسلت إلي بها، فأبى ذلك على من حضرني من الروم والقبط، فلم يكن لي أن أفتات عليهم في أموالهم، وقد عرفوا نصحي لهم، وحبى صلاحهم، ورجعوا إلى قولي، فأعطني أماناً أجتمع أنا وأنت في نقر نم أصحابي وأصحابك؛ فإن استقام الأمر بيننا تم ذلك لنا جميعاً وإن لم يتم رجعنا إنى ما كنا عليه.\rفاستشار عمر و أصحابه في ذلك فقالوا: لا تجبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا، وتصير كلها لنا فيئاً وغنيمة كما صار القصر لنا وما فيه.","part":5,"page":262},{"id":2263,"text":"فقال عمرو: قد علمتم ما عهد إلى أمير المؤمنين في عهده، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إلى فيها أجبتهم إليها، وقبلت منهم مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم. فاجتمعوا على عهد بينهم، واصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها واسفلها من القبط دينارين عن كل نفس: شريفهم ووضيعهم، ومن بلغ الحلم منهم، ليس على الشيخ الفاني، ولا على الصغير الذي لم يبلغ الحلم، ولا النساء شيء، وعلى ان المسلمين عليهم النزل لجماعتهم حيث نزلوا، ومن نزل عليه ضيف واحد من المسلمين، أو أكثر من ذلك كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام، مفترض ذلك عليهم، وأن لهم ارضهم وأموالهم لا يتعرض لهم في شيء منها، فشرط هذا كله على القبط خاصة، وأحصوا عدد القبط يومئذ خاصة من بلغ منهم الجزية، وفرض عليه الديناران، رفع ذلك عرفائهم بالإيمان المؤكدة، فكان جميع من أحصى منهم بمصر أكثر من ستة آلاف ألف نفس، فكانت فريضتهم يومئذ اثني عشر ألف دينار في كل سنة.\rوروى عن يحيى بن ميمون الحضرمي، قال بلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف.\rقال: وشرط المقوقس للروم أن يخيروا، فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا المقام أقام على ذلك لازماً له، مفترضاً عليه ممن أقام بالإسكندرية، وما حولها من أرض مصر كلها، ومن أراد الخروج منها إلى ارض الروم خرج، وعلى أن للمقوقس الخيار في الروم خاصة، حتى يكتب إلى ملك الروم يعلمه ما فعل، فإن قبل ذلك ورضية جاز عليهم، وإلا كانوا جميعاً عليه، وكتبوا به كتاباً، وكتب المقوقس إلى ملك الروم كتاباً يعلمه بالأمر كله. فكتب إليه يقبح رأيه ويعجزه ويرد عليه ما فعل، وأمره بقتال المسلمين بالروم إن إبى القبط القتال، وكتب إلى جماعة الروم بمثل ذلك.\rفجمع المقوقس الروم وقال: أعلموا يا معشر الروم أنى والله لا أخرج مما دخلت فيه، بعد أن ذكر لهم شجاعة العرب وصبرهم وجلدهم وحبهم الموت وغير ذلك من حالهم، ثم قال: والله إنى لأعلم أنكم سترجعون غداً إلى قولي ورأيي، وتتمنون أن لو كنتم أطعتموني؛ وذلك أنى قد عاينت ورأيت، وعرفت ما لم يعاين الملك، ولم يره ولم يعرفه. أما يرضى أحدكم أن يكون آمناً في دهره على نفسه وماله وولده بدينارين في السنة! ثم أقبل المقوقس على عمرو بن العاص فقال له: إن الملك قد كره ما فعلت، وعجزني،و كتب إلى وإلى جماعة الروم ألا نرضى بمصالحتك، وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك، أو تظفر بهم، ولم أكن أخرج مما دخلت فيه، وعاقدتك عليه؛ وإنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني، فقد تم صلح القبط فيما بينك وبينهم، ولم يأت من قبلهم نقض.\rوأما الروم فأنا منهم بريء، وأنا أطلب إليك أن تعطيني ثلاث خصال، قال عمرو: وما هي؟ قال: لا تنقض القبط، وأدخلني معهم، واولزمني ما ألزمتهم، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ماعاهدتك عليه، فهم مقيمون لك على ماتحب.\rوأما الثانية، فإن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئاً وعبيداً؛ فإنهم أهل ذلك؛ فإنى نصحتهم فاستغشوني.\rأما الثالثة: فأطلب إليك إن أنا مت أن تأمرهم يدفنوني في أبي يحنس بالإسكندرية.\rفأجابه عمرو إلى ما طلب على أن يقيموا له الجسرين جميعاً، والجسور ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية، ويقيموا لهم الأنزال والضيافة والأسواق، ففعلوا ذلك، وسارت القبط أعواناً للمسلمين على الروم.\rمسير عمرو لقتال الروم وما كان من الحروب بينهم.\rإلى أن فتحت الإسكندرية: قال: واستعدت الروم واستجاشت، وقدمت عليهم مراكب كثيرة من أرض الروم، فيها جمع من الروم عظيم بالعدة والسلاح، فخرج إليهم عمرو بن العاص، ومن معه، وذلك حين أمكنه الخروج، وخرج معه جماعة من رؤساء القبط وقد أصلحوا لهم الطرق، وأقاموا الجسور والأسواق، وخرج عمرو فلم يلق من الروم أحداً حتى بلغ ترنوط، فلقي بها طائفة من الروم، فقاتلوه قتالاً خفيفاً، فهزمهم، ومضى بمن معه حتى لقي جمع من الروم بكوم شريك، فاقتتلوا به ثلاثة أيام، ثم فتح الله على المسلمين، وانهزم الروم.","part":5,"page":263},{"id":2264,"text":"وقيل: بل لما انهزموا من ترنوط، بعث عمرو بن العاص شريك ابن سمى في آثارهم، وكان على مقدمة عمرو، فأدركهم شريك عند الكوم، فقاتلهم، فمن الناس من يقول: إنه هزمهم، ومنهم من يقول: إنه قاتلهم إلى الكوم، فاعتصم به، وأحاطت به الروم، فأمر شريك أبا ناعمة ملك بن ناعمة الصدفي، وهو صاحب الفرس الأشقر الذي يقال لهك أشقر صدف، وكان لا يجارى، فانحط عليهم من الكوم، وطلبته الروم فلم تدركه، فأنى عمراً فأخبره، فاقبل نحو الروم فانهزموا، وبالفرس الأشقر هذا سميت خوخة الأشقر التي بمصر؛ وذلك أنه نفق فدفنه صاحبه هناك، فسمي المكان به.\rقال: ثم التقى عمرو والروم لسليطس، فاقتتلوا بها قتالاً شديداً، ثم هزمهم الله. ثم التقوا بالكريون فاقتتلوا هناك بضعة عشر يوماً، وكان ابنه عبد الله بن عمرو على المقدمة، ففشت فيه الجراحة وصلى عمرو بالناس صلاة الخوف، بكل طائفة ركعة وسجدتين. ثم فتح الله على المسلمين، وقتلوا من الروم مقتلة عظيمة، وأتبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية فتحصن بها الروم، وكانت عليهم حصون منيعة، حصن دون حصن، فنزل المسلمون ما بين حلوة إلى قصر فارس، إلى ماوراء ذلك، ومعهم رؤساء القبط، يمدونهم بما احتاجوا من الأطعمة والأعلاف.\rهذا ورسل ملك الروم تختلف إلى الإسكندرية في المراكب، والأمداد تأتيهم من قبله. وكان يقول لئن ظهرت العرب على الإسكندرية كان ذلك انقطاع ملك الروم وهلاكهم؛ لأنه ليس للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية، ونجهز الملك ليباشر القتال بنفسه، وأمر ألا يتخلف عليه أحد من الروم. وقال: مابقاء ما بقاء الروم بعد الاسكندرية! فلما فرغ من جهازه أهلكه الله فمات وكفى الله المسلمين مؤنته.\rوكان موته في سنة تسع عشرة، فكسر الله بموته شوكة الروم، ورجع جمع كبير ممن كان توجه لإعانة أهل الإسكندرية، فاستأسدت العرب عند ذلك، وألحت بالقتال، فقاتلوا قتالاً شديداً، فبرز رجل من الروم، وبرز له مسلمة بن مخلد، فصرعه الرومي وألقاه عن فرسه، وأهوى إليه ليقتله حتى حماه رجل من أصحابه، وكان مسلمة لا يقام له، ولكن غلبته المقادير، فشق ذلك على المسلمين.\rوكان مسلمة ثقيل البدن، كثير اللحم، فاشتد غضب عمرو، وقال: مابال الرجل المسته الذي يشبه النساء يتعرض إلى مداخل الرجال ويتشبه بهم ! فغضب مسلمة من ذلك ولم يراجعه، ثم اشتد القتال حتى اقتحم المسلمون حصن الإسكندرية، وقاتلوا فيه، ثم جاشت الروم حتى أخرجوهم جميعاً من الحصن، إلا أربعة، متهم عمرو بن العاص، ومسلمة بن مخلد، فأغلقوا الحصن عليهم، والتجئوا إلى ديماس من حمامات الروم، فأنزل الروم رومياً يتكلم بالعربية، فقال لهم: إنكم قد سرتم أساري في أيدينا، فاستأسروا ولا تقتلوا أنفسكم.\rثم قال لهم: أن في أيدي أصحابكم منا رجالاً أسروهم، ونحن نعطيكم العهود بكم أصحابنا، ولا نقتلكم، فأبوا عليهم.\rثم قال لهم الرومي: فهل لكم إلى خصلة وهي نصف فما بيننا وبينكم، أن تعطونا العهد ونعطيكم مثله؛ على أن يبرز منا رجل، ومنكم رجل، فإن غلب صاحبنا صاحبكم استأسرتم لنا، وأمكنتمونا من أنفسكم، وإن غلب صاحبكم صاحبنا خلينا سبيلكم. فرضوا بذلك وتعاهدوا عليه.\rفبرز رجل من الروم وقد وثقت الروم بنجدته وشدته، فأراد عمرو أن يبرز فمنعه مسلمة وقال: أنا أكفيكإن شاء الله، فقال عمرو: دونك؛ فربما فرجها الله بك. فبرز مسلمة للرومي فتجاولا ساعة، ثم أعان الله مسلمة فقتله، وكبر وكبر اصحابه، ووفى لهم الروم بماء عاهدوهم عليه، ففتحوا لهم باب الحصن، فخرجوا، والروم لا يدرون أم أمير القوم فيهم، ثم بلغهم ذلك، فاسفوا على ما فاتهم منه، وندم عمرو واستحيا من مقاله لمسلمة ما قال، فاستغفر له عمرو.\rقال: ولم أبطأ الفتح على عمر، كتب إلى عمرو:","part":5,"page":264},{"id":2265,"text":"أما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر، وأنكم تقاتلونهم منذ سنتين؛ وما ذاك إلا لما أخذتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم. وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعملتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ماكنت أعرف؛ إلا أن يكونوا غيرهم ما غير غيرهم، فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس وحضهم على قتال عدوهم، ورغبهم في الصبر والنية، وقدم أولئك الاربعة في صدور الناس، ومر الناس جميعاً أن تكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة؛ فإنها ساعة نزول الرحمة، ووقت الإجابة، وليعج الناس إلى الله ويسألوه النصر. ففعلوا ففتح الله عليهم.\rقال: ويقال: إن عمرو بن العاص استشار مسلمة بن مخلد في قتال الروم، فقال له مسلمة: أرى أن تنظر إلى رجل له معرفة وتجارب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعقد له على الناس، فيكون هو الذي يباشر القتال ويكفيكه. فقال عمرو: وما ذاك؟ قال: عبادة بن الصامت. فدعا عمرو عبادة، فأتاه وهو راكب على فرسه، فلما دنا منه أراد النزول، فعزم عمرو عليه ألا يفعل، وقال: ناولني سنان رمحك، فناوله عبادة إياه، فنزع عمرو عمامته عن رأسه وعقد له وولاه قتال الروم.\rفتقدم عبادة فصاف الروم وقاتلهم، ففتح الله على يديه الإسكندرية من يومه ذلك، وكان حصارهم الإسكندرية اربعة عشر شهراً، خمسة أشهر في حياة هرقل، وتسعة أشهر بعد موته، وفتحت يوم الجمعة مستهل المحرم، سنة عشرين، وقتل من المسلمين على الإسكندرية في طول هذه المدة اثنان وعشرون رجلاً.\rذكر الفتح الثاني وما وجد بالإسكندرية\rوعده من ضربت عليه الجزية قال: ولما فتحت، الإسكندرية هرب الروم منها في البر والبحر، فخلف عمرو من أصحابه بها ألف رجل، ومضى في طلب من انهزم من الروم في البر، فرجع من كان هرب منهم في البحر إلى الإسكندرية، فقتلوا من كان بها من المسلمين إلا من هرب منهم وبلغ ذلك عمراً، فكر راجعاً إليها، فأباه رجل يقال له ابن بسامة، كان بواباً بالإسكندرية، فسأل عمراً أن يؤمنه على نفسه وارضه وأهل بيته ويفتح له الباب، فأجابه عمرو إلى ذلك، ففتح له ابن بسامة، فدخل عمرو، وكان مدخله من ناحية القنطرة التي يقال لها قنطرة سليمان، وكان مدخله الأول من باب المدينة الذي من ناحية كنيسة الذهب، ووفي عمرو لابن بسامة.\rوبعث عمرو إلى عمر بن الخطاب معاوية بن حديج بشيراً بالفتح، فقال معاويةك ألا تكتب معي كتاباً؟ فقال عمرو: وما أصنع بالكتاب! ألست رجلاً عربياً تبلغ الرسالة، وما رأيت وحضرت! فقدم على عمر فأخبره الخبر، فخر ساجداً، وجمع الناس وأخبرهم، ثم كتب عمرو بعد ذلك إلى عمر:أما بعد فإنى فتحت مدينة لا أصف ما فيها؛ غير أنى أصبت فيها أربعة آلاف بنية، بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية، وأربعمائة ملهى للملوك.\rقال بان عبد الحكم: لما فتح عمرو الإسكندرية وجد فيها أثني عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر.\rقال: ورحل منها في الليلة التي دخل فيها عمرو بن العاص، او في الليلة التي خافوا فيها دخوله سبعون ألف يهودي.\rقال: وقال حسين بن شفي بن عبيد: كان بالإسكندرية فيما أحصى من الحمامات اثنا عشر ديماساً، أصغر ديماس منها يسع ألف مجلس، كل مجلس منه يسع جماعة نفر. وكان عدة من بالاسكندرية من الروم مائتي ألف من الرجال، فلحق بارض الروم أهل القوة، وركبوا السفن، وكان بها مائة مركب من المراكب الكبار، فحمل فيها ثلاثون ألفاً مع ماقدروا عليه من المال والمتاع والأهل، وبقي من بقي من الأساري ممن بلغ الخراج، فأحصى يومئذ ستمائة ألف سوى النساء والصبيان، فاختلف الناس على عمرو في قسمهم، وكان أكثر الناس يريدون قسمها.\rفكتب عمرو إلى عمر يستأذنه في ذلك، فكتب إليه عمر: لا تقسمها، وذرهم يكون خراجهم فيئاً للمسلمين وقوة لهم على جهاد عدوهم، فأقرها عمرو، وكانت مصر كلها صلحاً بفريضة دينارين على كل رجل لا يزاد على احد منهم في جزية رأسه أكثر من ذلك إلا أنه يلزم بقدر ما يتوسع فيه من الأرض والزرع، إلا الإسكندرية، فإنهم كانوا يؤدون الجزية والخراج على قدر مايرى من وليهم؛ لأن الإسكندرية فتحت عنوة من غير عهد ولا عقد، ولم يكن لهم صلح ولا ذمة.","part":5,"page":265},{"id":2266,"text":"قال: وكانت قرى من مصر قاتلت المسلمين، وظاهروا الروم عليهم، وهي: بلهيب، وقرية الخيس، وسلطيس، وقرسطا، وسخا. فسبوا، وفوقعت سباياهم بالمدينة، فردهم عمر بن الخطاب إلى قراهم، وصيرهم وجماعة القبط ذمة وكتب بردهم.\rوقيل: إنما كتب عمر في أهل سلطيس خاصة يقول: من كان منهم في أيديكم، فخيروه بين الإسلام، فإن أسلم فهو من المسلمين، له مالهم، وعليه ماعليهم، وإن اختار دينه فخلوا بينه وبين قريته، وأن تجعل القرى التي ظاهرت مع الإسكندرية ذمة المسلمين، يضربون فيها الخراج.\rمن قال أن مصر فتحت عنوة.\rقال: وقد ذهب آخرون إلى أن مصر فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد.\rروى عن سفيان بن وهب الخولاني، قال: لما فتحنا مصر بغير عهد قام الزبير بن العوام، فقال: أقسمها يا عمرو، فقال عمرو: والله لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين. فكتب إلى عمر، فأجابه أن أقرها حتى يغزو منه حبل الحبلة.\rوقيل: إن الزبير صولح على شيء أرضى به.\rوروى ابن لهيعة بسنده إلى عمرو بن العاص أنه قال: لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر على عهد، إن شئت قتلت، وإن شئت خمست، وإن شئت بعت إلا أهل انطابلس؛ فإن لهم عهداُ نوفي لهم به.\rوعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن عمرو بن العاص فتح مصر بغير عهد ولا عقد، وأن عمر بن الخطاب حبس درها وضرعها؛ أن يخرج منه شيء نظراً للإسلام وأهله.\rوعن عروة بن الزبير: أن مصر فتحت عنوة.\rوعن عبد الملك بن جنادة قال: كتب حيان بن شريح - وكان من أهل مصر من موالي قريش - إلى عمر بن عبد العزيز يسأله أن يجعل جزية موتى القبط على أحيائهم. فسأل عمر عراك بن مالك، فقال عراك: ما سمعت لهم بعهد ولا عقد.\rفكتب عمر بن عبد العزيز إلى حيان، أن يجعل جزية مولى القبط على أحيائهم.\rوعن عبد الله بن بكير قال: خرج أبو سلمة بن عبد الرحمن يريد الاسكندرية في سفينة، فاحتاج إلى رجل يجذف به، فسخر رجلاً من القبط، فكلم في ذلك فقال: إنهم بمنزلة العبيد إن احتجت إليهم.\rوعن أبن شهاب أنه قال: كان فتح مصر، بعضها بعهد وذمة، وبعضها عنوة، فجعلها عمر بن الخطاب جميعاً ذمة، وحملهم على ذلك، ومضى ذلك فيهم إلى اليوم.\rاخبار الاسكندرية وبنائها وما اتفق في ذلك.\rمن الإعاجيب.","part":5,"page":266},{"id":2267,"text":"لما رأيت جماعة من المؤرخين اقتصروا في أخبار الإسكندرية عند ذكرهم لفتوحها على ماذكرت أو نحوه، ومنهم من اختصر ذلك، واقتصر على مجرد الفتحن ولم يتعرضوا إلى ماسواه من أخبارها، آثرت أن أضم إلى ما شرحته من أخبار فتحها ذكر أخبار بنائها، وسببه وما شاهدوه بأبنيتها من العجائب، وكيف تحيل على وضعها حتى تمت، ودفع ظلمة الضرر عن سكانها لما ادلهمت، لأن مثل هذا الثغر العظيم الذي شاع في الآفاق ذكره واشتهر، وحمد من التجأ إليه ممن نبت به الغربة وعاقبه السفر، وحقق باختياره صدق الخبر وتيقن الخبر، لا يقتصر فيه إلى هذه النبذة التي ذكرناها، واللمعة التي أوردناها؛ بل يتعين بسط القول فيه وأن يتكلم المؤلف إذا انتهى إليه بملء ما فيه. وربما أعترض على معترض لم يطالع مجموع ما ألفت، ولا وقف على جملة ما صنفت، فيقول: كيف اقتصر على فتوح مصر على مجرده وهي أصل بلاده، وقاعدة عباده، وبسط القول في الإسكندرية وهي على الحقيقة من مضاتها، وولاية من جملة ولاياتها! وقد تجول فيه خيل الاعتراض، ويعدل عن الانشراح إلى الانقباض، ويتوهم أن ذلك عن عجز أو قصر، وإن بسط العذر فيقول: عن ملال وضجر. وليس الأمر - ولله الحمد - كذلك؛ لأنا ذكرنا أخبار مصر في كتابنا هذا في اربعة موضع سلفت منه، فذكرنا خصائصها وما فضلت به على غيرهافي الباب الثاني من القسم الخامس من الفن الأول، وكل ذلك في السفر الأول من كتابنا في خصائص البلاد، وذكرنا اخبار نيلها في الباب السابع من القسم الرابع من الفن الأول من الانهار، وذكرنا أخبار ما بها من المباني القديمة والآثار العظيمة، في الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الأول. وذكرنا أخبار من ملكها من ملوك الأمم قبل الطوفان وبعده، وما بنوه بها من المدن، وما أقاموه من المنارات والأهرام والبرابي وغير ذلك من المباني، وما وضعوه بها من العجائب والطلمسات والحكم، وماأثاروا من المعادن وما دبروه من الصنعة وما شقوه وانبطوه من الأنهار، وغير ذلك من أخبارها وعجائبها، وذلك في الباب الثاني من القسم الرابع م الفن الخامس، وهو في السفر الثاني عشر، والثالث عشر من هذا الكتاب، فلا اعتراض بعد ذلك على ولا تقصير تنتسب نسبته إلى.\rولنأخذ الآن في أخبار الإسكندرية، قال أبو الحسن على بن عبد الله المسعودي رحمه الله في كتابه المترجم( بمروج الذهب).\rذكر جماعة من أهل العلم أن الإسكندر المقدوني لما استقام ملكه في بلاده، سار يختار أرضاً صحيحة الهواء، والتربة والماء، فانتهى إلى موضع الإسكندرية، فأصاب في موضعها أثار بنيان وعمداً كثيرة من الرخام، وفي وسطها عمود عظيم مكتوب عليه بالقلم المسند وهو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد: ( إنا شداد بن عاد، شددت بساعدي البلاد، وقطعت عظيم العماد، من الجبال والأطواد، وأنا بنيت إرم ذات العماد، والتي لم يبن مثلها في البلاد، وأردت أن أبني هاهنا كإرم، وأنقل إليها كل ذي قدم وكرم، من جميع العشائر والأمم، وذلك إذ لاخوف ولا هرم، ولا اهتمام ولا سقم، فأصابني ما أعجلني، وعما أردت إليه قطعني مع وقوع ما أطال همي وشجني، وقل نومي وسكني، فارتحلت بالأمس عن داري، لا لقهر ملك جبار، ولا خوف جيش جرار، ولا عن رغبة ولا صغار؛ ولكن لتمام الأقدار، وانقطاع الآثار،وسلطان العزيز الجبار، فمت رأى أثري، وعرف خبري، وطول عمري، ونفاذ بصري، وشدة حذري، فلا يغتر بالدنيا بعدي)...\rوكلام كثير يرى فيه فناء الدنيا، ويمنع من الاغترار بها، والسكون إليها، لم يذكره المسعودي.","part":5,"page":267},{"id":2268,"text":"قال: فنزل الأسكندر مفكراً يتدبر هذا الكلام ويعتبر، ثم بعث بحشر الصناع من البلاد، خط الأساس، وجعل طولها وعرضها أميالاً، وأمر بنقل الرخام والمرمر والأحجار من جزيرة صقلية، وبلاد إفريقية، وأقريطيش، وأقاصي بحر الروم، وجزيرة رودس وغيرها، فنقلت في المراكب، وأمر الصناع والفعلة أن يدوروا بما رسم لهم من أساس المدينة، وعمل على كل قطعة من الأرض خشبة قائمة، وجعل من الخشبة إلى الخشبة حبالاً منوطة بعضها ببعض، وأوصل جميع ذلك بعمود من الرخام كان أمام مضربه، وعلق على العمود جرساً عظيماً مصوتاً،وأمر الناس والقوام على ااصناع والبنائين والفعلة، أنهم إذا سمعوا صوت ذلك الجرس أن يضعوا أساس المدينة دفعة واحدة من سائر أقطارها. وأحب الأسكندر أن يجعله في وقت يختاره، وطالع سعد يأخذه، فخفق الإسكندر يوماً برأسه، فأخذته سنة في حال ارتقابه للوقت.\rفجاء غراب فجلس على حبل الجرس الكبير فحركه، وخرج صوت الجرس، وتحركت الحبال، وخفق ما عليها من الأجراس الصغار، وكان قد عمل ذلك بحركات الحبال، وخفق ما عليها من الأجراس الصغار وكان قد عمل ذلك بحركات فلسفية.\rفلما سمع الصناع حس أصوات الجرس وصنعوا الأساس دفعة واحدة وارتفع الضجيج بالتحميد والتقديس، فاستيقظ الإسكندر من رقدته، وسأل عن الخبر، فأخبر به، فقال: أردت أمرا والله أراد غيره، ويأبى الله إلا مايريده، أردت طول بقائها، وأراد الله سرعة فنائها وخرابها، وتداول الملوك إياها.\rقال: ولما أحكم بناؤها، وثبت أساسها، وجن الليل عليهم، خرجت دواب من البحر أتت على جميع ذلك البنيان، فقال الإسكندر حين أصبح: هذا بدء الخراب في عمرانها، وتحقق مراد الباري في زوالها. وتطير من فعل الدواب، وتكرر ذلك من فعل الدواب في كل يوم، والإسكندر يوكل به من يحرسه، وهو يصبح خراباً، فقلق لذلك، وراعه ما رأى، ففكر ما الذي يصنع! وأي حيلة يعمل في رفع أذى الدواب عن المدينة، فستحت له الفكرة ليلة، فلما اصبح أمر الصناع أن يتخذوا تابوتاً من الخشب طوله عشرة أذرع في عرض خمسة أشبار، وجعل في جامات من الزجاج، وطليت بالقار وغيره من الأطلية التي تمنع الماء أن يدخل التابوت، وجعل فيه مواضع للحبال، ودخل فيه ومعه رجلان من كتابه ممن له علم بإتقان التصوير، وأمر أن يستر عليه، وعليهم باب التابوت، ويطلة بتلط الأطلية، وأمر بمركبين، فعلق التابوت بينهما وجعف في أسفله من الخارج مثقلات الرصاص والحدي، وسد حباله إلى المركبين، وأخرجهما إلىلا اللجة، وسمر بعضها بخشب إلى بعض بئلا يفترقان وارخوا التابوت في البحر، فاستقر تب4قرارة، فنظر من تلك الجامات إلى دواب البحر وحيواناته؛ فإذا بصور شياطين على أمثال الناس، رؤوسهم كرؤوس السباع، وفي أيديهم الفئوس والمقامع والمناشير، يحاكون بذلك صناع المدينة، فأثبت الإسكندر ومن معه تلك الصور، وأحكموها في القراطيس على هيئاتها وأشكالها وقدودها، ثم حرك الحبال، فرفعه من بالمركب.\rفلما خرج أمر المصورين بتصوير تلك الصور، وصنعها من النحاس والحديد والحجارة، فعملت تماثيلها، ثم نصبها على الأعمدة بشاطئ البحر، وأمر بالبناء فبنى، فلما جن الليل، وظهرت تلك الدواب من البحر، نظرت إلى أشكال صورها على العمد فرجعت إلى البحر ولم تعد، فتم بناء الإسكندرية، وشيدت، فأمر أن يكتب على أبوابها ( هذه الاسكندرية، أردت أن ابنيها على الفلاح والنجاح واليمن والسرور، والثبات على الدهور، فلم يرد الباري ملك السموات والأرض ومفنى الأمم أن أبنيها كذلك، فبنيتها وأحكمتها، وشيدت سورها، وآتى بي الله من كل شيء علما وحكماً، وسهل لي وجوه الأسباب، فلم يتعذر على في العالم شيء مما أردته، ولا أمتنع على شيء مما طلبته، لطفاً من الله عز وجل وصنعا لي، وصلاحاً لعباده من أهل عصري، والحمد لله رب العالمين، لا إله إلا الله هو رب كل شيء. ورسم هذه الكتابة كل ما يحدث ن العمران والخراب، وما يؤول أمرها إليه إلا آخر وقت دثور العالم.\rوكان بناؤها طبقات، وتحتها قناطر مقنطرة تدورها، ويسير تحتها الفارس، وبيده رمح لا يطيق به حتى يدور جميع أبراجها وقناطرها، وعمل لتلك العقود والأبرج مخاريق للضياء، ومنافذ للهواء.\rقال:","part":5,"page":268},{"id":2269,"text":"وكان الإسكندرية تضيء بالليل من غير مصباح لشدة بياض الرخام والمرمرن وأسواقها وأزقتها وشوارعها مقنطرة بها لئلا يصيب أهلها المطر.\rقال: وكان عليها سبعة اسوار من أحجار مختلفة الألوان، بينها خنادق، بين كل خندق وسور فصل.\rقال: وبما علق فيها شقاق الحرير الأخضر لاختطاف بياض السور أبصار الناس لشدة بياضه، فلما سكنه أهلها كانت آفات البحر تخطف أهل المدينة بالليل، فيصبحون وقد فقد منهم العدد الكثير، فأهم ذلك الإسكندر، فاتخذ الطلمسات على أعمدة هنالك، تدعى المسال، وهي باقية إلى هذا العصر، فامتنع الدواب من التعرض إلى أهلها بعد ذلك، فأمنوا.\rوأما المنارة فقد ذكرناها في الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الأول من السفر الاول، فلاحاجة إلى إعادة ذكرها ثانياً.\rنعود إلى أخبار فتوح مصر إن شاء الله.\rتحول عمرو بن العاص من الإسكندرية:\rإلى الفسطاط واختطافه قال ابن لهيعة: إن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية ورأى بيوتها وبناءها، قم أن يسكنها، وقال: مساكن قد لقيناها. قكتب إلى عمر يستأذنه في ذلك، فسأل عمر الرسول: هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ إذا جرى النيل.\rفكتب عمر إلى عمرو: إني لاأحب أن ينزل المسلمون منزلاً يحول بيني وبينهم الماء في شتاء ولا صيف. فتحول عمرو من الإسكندرية إلى الفسطاط؛ وإنما سميت الفسطاط لأن عمرو بن العاص لما توجه إلى الإسكندرية، أمر بنزع فسطاطه، فإذا فيه يمام قد فرخ.\rفقال عمرو: لقد تحرم منا بمتحرم، فأمر به فأقر في موضعه، وأوصى به صاحب القصر. فلما قفل المسلمون من الإسكندرية قالوا: أين ننزل؟ قالوا: الفسطاط - يريدون فسطاط عمرو، وكان مضروباً في موضع دار عمرو بن العاص الت عمرت بعد - واختلط عمر والمسجد الجامع العمري، وكان ما حوله حدائق وأعناب، فنصبوا الحبال حتى استقامت لهم، ووضعوا أيديهم، فلم يزل عمرو قائماً حتى وضعوا القبلة، واتخذ عمرو في المسجد منبراً.\rفكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أما بعد، فإنه بلغني أنك اتخذت منبراً ترقى به على رقاب المسلمين، أما يحسبك أن تقوم قائماً، والمسلمون تحت قدميك! فعزمت علك لما كسرته.\rقال: واختلط الناس بعد ذلك. فكتب عمرو إلى عمر: إنا قد أختططنا لك داراً عند المسجد الجامع.\rفكتب إليه عمر: أني لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر! وأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين، ففعل، فكان يباع بها الرقيق.\rقال: ولما اختط المسلمون تزكوا بينهم وبين البحر والحصن فضاء لتغريق دوابهم وإبادتها، فلم يزل كذلك حتى ولي معاوية ابن أبي سفيان، فاشترى دور قوم منهم، وأقطعهم من ذلك الفضاء، فسميت القطائع، وبناها أولئك دورا لهم بدل دورهم.\rقال: واختطت همدان ومن والاها الجيزة، فكتب عمرو إلىعمر يعرفه أمر الخطط.\rفكتب إليه عمر يقول له: كيف رضيت أن تفرق اصحابك! ولم يكن ينبغي لك أن ترضى لأحد من أصحابك، أن يكون بينك وبينه بحر لا تدري ما يفجؤهم. فلعلك لا تقدر على غياثهم حتى ينزل بهم ما تكره، فأجمعهم إليك، فإن أبوا عليك وأعجبتهم موضعهم، فابن عليهم من في المسلمين حصناً.\rفعرض عمرو ذلك عليهم، فأبوا، وأعجبهم موضعهم بالجزيرة، فبنى لهم عمرو بن العاص الحصن الذي بالجيزة، في سنة إحدى وعشرين، وفرغ من بنائه في سنة اثنتين وعشرين. والله سبحانه وتعالى أعلم وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rخبر أصل النيل وكيف كانت عادة القبط.\rوإبطال عمرو تلك العادة قال ابن لما فتح عمرو بن العاص مصر أتاه أهلها حين دخل بؤونة من أشهر القبط، فقالوا: أيها الأمير، إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها، فقال لهم: وما ذاك ؟ قالوا: إذا كان لثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر من أبوابها فأرضيناها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب افضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذ االنيل. فقال لهم عمرو: إن هذا لم يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله.","part":5,"page":269},{"id":2270,"text":"قأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى، لا يجرى كثيراً ولا قليلاً ؛ حتى هموا بالجلاء، فلما رأى عمرو ذلك كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلكن فكتب إليه: قد أصبت، إن الإسلام يهدم ما كان قبله، وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها في داخل النيل إذا أتاك كتابي. فلما قدم الكتاب على عمرو فتح البطاقة؛ فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى نيل أهل مصر: أما بعد، فإن كنت تجري ن قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار الذي يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك.\rفألقى عمرو البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء، فأصبحوا وقد أجرى الله عز وجل النيل ستة عشر ذراعاً في ليلة، وانقطعت تلك السنة السيئة عن أهل مصر.\rما قرر في أمر الجزية من الخراج\rقال: وكانت فريضة مصر لحفر خلجانها، وإقامة جسورها، وعمارة قناطرها، وقطع جزائرها مائة ألف وعشرين ألفاً، معهم الطور والمساحي والأداة يعتقبون ذلك لا يدعونه شتاء ولا صيفاً.\rثم كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو أن يختم على رقام أهل الذمة بالرصاص، ويظهر مناطقهم، ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الأكف عرضاً، وألا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي، ولا يضربوا على النساء، ولا على الولدان، ولا يدعوهم يتشبهون بالمسلمين في لبوسهم.\rقال: ولما استوسق لعمر بن العاص الأمر، وأقر قبط مصر على جباية الروم، وكان جبايتهم بالعدل: إذا عمرت القرية، وكثر أهلها زيد عليهم، فإذا قل أهلها وخربت نقصوا. فكانوا يجمعون خراج كل قرية وما فيها من الأرض العامرة. فيبدرون فيخرجون من الأرض فدادين لكنائسهم وحماماتهم، ثم يخرج منهم عدد لضيافة المسلمين.\rونزول السلطان، فإذا فرغوا، نظروا إلى ما في كل قرية من الصناع والأجراء فقسموا عليهم بقدر احتمالهم؛ فإن كانت فيها جالية قسموا عليها بقدر احتمالها، وقلما كانت تكون إلا للرجل المنتاب أو المتزوج، ثم ينظر ما بقي من الخراج فيقسمونه بينهم على عدد الأرض، ثم يقسمون ذلك بين من يريد الزرع منهم على قدر طاقتهم، فإن عجز عنه على الاحتمال، وإن كان منهم من يريد الزيادة، أعطى ما عجز عنه أهل الضعف فإن تشاحوا قسموا ذلك على عدتهم، وكانت قسمتهم على قراريط، الدينار بأربعة وعشرين قيراطاً، يقسمون هذه الأرض على ذلك.\rقال: وكذلك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( انكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيراً).\rقال: وجعل عليهم لكل فدان نصف إرد قمحاً، وويبتين من شعير إلا القرط فلم تكن عليه ضريبة، والويبة يومئذ ستة أمداد كأنه يريد بذلك البدار.\rقال: وروى عن الليث بن سعد رحمه الله، أن عمرو بن العاص جبى مصر أثني عشر ألف ألف دينار.\rوقال غير الليث: جباها المقوقس قبله بسنة عشرين ألف ألف دينار. قال الليث: وجباها عبد الله بن سعد حين استعمله عليها عثمان أربعة عشر ألف ألف دينار.\rفقال عثمان لعمرو: يا أبا عبد الله: درت بعدك اللقحة بأكثر من درها الأول. فقال عمرو: أضررتم بولدها.\rوكتب عمر إلى عمرو أن يسأل المقوقس عن مصر، من أي شيء تأتي عمارتها وخرابها؟ فسأله عمرو، فقال: تأتي عمارتها وخرابها من وجوه خمسة، أن يستخرج خراجها في أبان واحد، عند فراغ أهلها من زرعهم، ويرفع خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم، وتحفر في كل سنة خلجها، وتسد ترعها وجسورها. ولا يقبل محل أهلها، يريد البغي، فإن فعل هذا فيها عمرت، وإن فعل بخلاف هذا خربت، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.\rخبر المقطم\rروى عن الليث بن سعد، قال:سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين الف دينار، فعجب عمرو من ذلك. وقال أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه، أسأله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزرع ولا يستنبط بها ماء ولا ينتفع به؛ فسأله، فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب، أن فيها غراس الجنة. فكتب بذلك إلى عمر فكتب عمر إلى عمرو: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا للمؤمنين، فأقبر فيها من مات قبلك من المسلمين،ولا تبعه بشيء، فكان أول رجل دفن فيها رجل من المعافر يقال له: عامر.\rقالوا: والمقطم ما بين القصير إلى مقطع الحجارة، وما بعد ذلك فمن اليحموم.","part":5,"page":270},{"id":2271,"text":"وقد اختلف في القصيرن فقال ابن لهيعة: ليس بقصير موسى النبي عليه السلام؛ ولكنه موسى الساحر.\rوقال كعب الأحبار: هو قصير عزيز مصر، كان إذا جرى النيل يترفع فيه. ويقال: بل كان موقداً يوقد فيه لفرعون إذا هو ركب من منف إلى عين شمس، وكان على المقطم موقد آخر؛ فإذا رأوا النار علموا بركوبه، فأعدوا له مايريد، وكذلك إذا انصرف والله تعالى أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rخبر خليج أمير المؤمنين\rوهذا الخليج كانت السفن تسير فيه من مصر إلى بحر القلزم، تحمل الطعام والأصناف إلى مكة والمدينة.\rوكان من خبره على ماروى عن الليث بن سعد أن الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد في خلافة عمر بن الخطاب في عام الرمادة، فكتب إلى عمرو: من عبد الله أمير المؤمنين، إلى العاصي ابن العاص.\rسلام عليك، أما بعد؛ فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك أن أهلك أنا ومن معي، فيا غوثاه، ثم ياغوثاه! يردد قوله.\rفكتب إليه عمرو: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من عمرو بن العاص أما بعد. فيا لبيك ثم يا لبيك، وقد بعثت إليك بعير أولها عنك وآخرها عندي، والسلام عليك ورحمة الله.\rوبعث إليه بعير عظيمة، فكان أولها بالمدينة، وأخرها بمصر يتبع بعضها بعضاً، فلما قدمت على عمر وسع بها على الناس، ودفع إلى أهل كل بيت بالمدينة وماحولها بعيراً بما عليه من الطعام. وبعث عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص أن يقسموها على الناس، ويدفعوا إلى اهل كل بيت بعيراً بما عليه، وأن يأكلوا الطعام، وينحروا البعير فيأكلوا لحمة، ويأتدموا شحمه، ويحتذوا جلده، وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطعام لما أرادوا. فوسع الله بذلك على الناس، فلما رأى ذلك عمر حمد الله، وكتب إلى عمرو أن يقدم عليه، هو وجماعة أهل مصر، فقدموا عليه.\rفقال عمر: يا عمرو، إن الله تعالى قد فتح على المسلمين مصر، وهي كثيرة الخير والطعام، وقد ألقى ف روعي لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين والتوسعة عليهم، أن أحفر خليجاً من نيل مصر حتى يسيل في البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة، فإن حمله على الظهر يتعذر، ولا نبلغ منه ما نريد، فانطلق أنت وأصحابك، فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم، فانطلق عمرو فأخبر من كان معه من اهل مصر، فثقل ذلك عليهم، وقالوا: نتخوف أن يدخل في هذا ضرر على مصر، فنرى أن تعظم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له: إن هذا الأمر لا يعتدل ولا يكون،و لا نجد إليه سبيلاً.\rفرجع عمرو بذلك إلى عمر، فلما ره ضحك وقال: والذي نفسي بيده لكأني أنظر أليك يا عمرو، وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرت به، فثقل ذلك عليهم، وقالوا لك كذا وكذا. للذي كان منهم فقال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، لقد كان الامر على ماذكرت.\rفقال عمرو: يا عمرو، انطلق بعزيمة منى حتى تجد في ذلك، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء الله تعالى.\rفانصرف عمرو، ثم احتفر الخليج الذي كان في حاشية الفسطاط الذي يقال له: خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم، فلم يأت الحول حتى جرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع الله بذلك أهل الحرمين، سمى خليج أمير المؤمنين، ثم لم يزل يحمل فيه الطعام إلى زمن عمر بن عبد العزيز، ثم ضيعه الولاة بعد ذلك فترك وغلب فيه الرمل، فانقطع، فصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية طحا القلزم.\rقال: ويقال: إن عمرو بن العاص قال لعمر بن الخطاب.لما قدم عليه: ياأمير المؤمنين، قد عرفت أنه كانت تأتينا سفن فيها تجار من أهل مصر قبل الإسلام، فلما فتحنا مصر انقطع ذلك الخليج، واستد، وتركته التجار؛ فإن شئت أن تحفره فننشئ به سفنا يحمل فيها الطعام إلى الحجاز فعلته. فقال له عمر: نعم، فافعل.\rفلماذكر عمر ذلك لأصحابه كرهوه على ما تقدم، فعزم عمر على عمرو أن يحفره فحفره.\rويقال: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كتب إلى عمر بما كتب واستغاثه، كتب عمرو إليه: أما بعد، فيالبيك ثم يا لبيك، أتتك عير أولها عند وآخرها عندي، مع أني أرجو أن أجد السبيل إلى أن أحمل إليك في البحر. ثم إن عمر ندم على كتابه في الحمل إلى المدينة، وقال: إن أمكنت عمر من هذا خرب مصر ونقلها إلى المدينة، فكتب إليه:","part":5,"page":271},{"id":2272,"text":"إني نظرت في أمر البحر، فإذا هو عسر لا يلتأم ولا يستطاع. فكتب إليه عمر: إلى العاصي بن العاص: قد بلغني كتابك، تعتل في الذي كنت كتبت إلى به من أمر البحر، وأيم الله لتفعلن أو لأقلعنك بأذنك ولأبعثن من يفعل ذلك.\rفعرف عمرو أنه الجد من عمر، ففعل، فبعث إليه عمر ألا تدع بمصر شيئاً من طعامها وبصلها وعدسها وخلها إلا بعثت إلينا منه.\rويقال: إنما دل عمرو بن العاص على الخليج رجل من قبط مصر، أتاه فقال له: أرأيت إن دللتك على مكان تجري فيه السفن حتى تنتهي إلى المدينة ومكة، أتضع عني الجزية. وعن أهل بيتي؟ قال نعم، وكتب إلى عمر، فقال: افعل. والله سبحانه وتعالى أعلم.\rالخبر عن فتح الفيوم\rروى عن سعيد بن غفير وغيره، قالوا: لما تم الفتح للمسلمين، بعث عمرو بن العاص جرائد الخيل إلى القرى التي حولها، فأقامت بالفيوم سنة لم يعلم المسلمون بمكانها؛ حتى أتاهم رجل فذكرها لهم، فبعث عمرو معه ربيعة بن حبيش بي عرفطة الصدفي، فلما سلكوا في المجابة لم يروا شيئاً، فهموا بالانصراف فقال: لا تعجلوا، سيروا، فلم يسيروا إلا قليلاً حتى طلع لهم سواد الفيوم، فهجموا عليها، فلم يكن عند أهلها قتال، وألقوا بأيديهم. قال: ويقال: بل خرج مالك بن ناعمة الصدفي وهو صاحب الفرس الأشقرعلى فرسه ينفض المجابة، ولا علم له بما خلفها من الفيوم، فلما رأى سوادها رجع إلى عمرو، فأخبره بذلك.\rويقال: بل بعث عمرو بن العاص قيس بن الحارث إلى الصعيد، فسار حتى أتى القيس فنزل بها، وبه سميت، وفذكر ذلك لعمرو.\rفقال ربيعة بن حبيش: كفيت، فركب فرسه، فأجاز عليه البحر، وكانت انثى، فأتاه بالخبر، ويقال: إنه أجاز من ناحية الشرقية حتى انتهى إلى الفيوم. والله تعالى أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rفتح زويلة\rوطرابلس الغرب.وبرقة وحصن سبرت.\rكان فتح زويلة في سنة إحدى وعشرين؛ وذلك أن عمرو بن العاص بعث عقبة بن نافع العقري إليهان فافتتحا صلحاً، وما بين برقة وزويلة سلماً للمسلمين. وقيل: فتحها في سنة عشرين، والله سبحانه وتعالى أعلم، والحمدلله وحده.\rثم سار عمرو بن العاص من مصر في سنة اثنتين وعشرين إلى برقة، فصالح أهلها على الجزية، وأن يبيعوا من أبنائهم من أرادوا بيعه، فلما فرغ من برقة سار إلى طرابلس الغرب، فحاصرها شهراً، فلم يظفر بها، وكان قد نزل شرقيها، فخرج رجل من بني مدلج يتصيد في سبعة نفر فسلكوا غرب المدينة، فلما رجعوا اشتد عليهم الحر، فأخذوا على جانب البحر ولم يكن السور متصلاً بالبحر، وكانت سفن الروم في مرساها تقابل بيوتهم، فرأى المدلجي وأصحابه مسلكاً في البحر إلى البلد، فدخلوا منه، وكبروا، فلجأ الروم إلى سفنهم؛ لأنهم ظنوا أن المسلمين قي دخلوا المدينة، فنظر عمرو ومن معه، فرأى السيوف في المدينة، وسمعوا الصياح، فأقبل الجيش حتى دخل المدينة، فلم يفلت من الروم إلا بما خف حمله في مراكبهم.\rوكان أهل حصن سبرت قد اطمأنوا، فجهز إليهم جيشاً كثيفاً، فصبحوها وقد فتح أهلها الباب، وسرحوا مواشيهم فدخلها المسلمون مغالبة وغنموا ما في الحصن، وعادو إلى عمر.\rثم سار عمرو إلى برقة وبها لواتة، وهم من البربر، فصالحه أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها جزية، وشرطوا أن يبيعوا من أرادوا بيعه من اولادهم في جزيتهم.\rقال المؤرخ: وكان سبب مسير البربر إليها وإلى غيرها من بلاد الغرب؛ أنهم كانوا بنواحي فلسطين، فلما قتل ملكهم جالوت، ساروا نحوا الغرب، وتفرقوا، فسارت زناتة ومغيلة، وهما قبيلتان من البربر، فسكنوا الجبال، وسكنت لواتة برقة، وتعرف قديماً بأنطابلس - وقيل فيها: أنطابلس - وانتشروا فيها حتى بلغوا السوس،و نزلوا ونزلت هوارة مدينة لبدة، ونزلت نفوسة مدينة سبرت، وجلا من كان بها من الروم على صلح يؤدونه لمن غلب على بلادهم.\rانتهت الفتوحات في خلافة عمر رضي الله عنه. والله سبحانه وتعالى أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rغزوات الروم\rكان أول من غزا أرض الروم من المسلمين أبو بحرية عبد الله ابن قيس في سنة عشرين، وقيل: أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي، فسلم وغنم، ثم غزاها معاوية بن أبي سفيان في سنة اثنتين وعشرين، ودخلها في عشرة آلاف فارس من المسلمين.","part":5,"page":272},{"id":2273,"text":"وفي سنة ثلاث وعشرين غزا معاوية الصائفة، ومعه عبادة بن الصامت وأبو أيوب الأنصاري وأبو ذر وشداد بن اوس.\rوفيها فتح معاوية رضي الله عنه عسقلان على صلح.\rما اتفق في خلافته\rغير الفتوحات والغزوات.\rسنة ثلاث عشر: في هذه السنة، توفي الأرقم بن أبي الأرقم يوم مات أبو بكر الصديق رضي الله عنهما، وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفياَ بداره بمكة أول ما أرسل صلى الله عليه وسلم.\rسنة أربع عشرة: في هذه السنة أمر عمر رضي الله عنه بالقيام في شهر رمضان في المساجد، وجمعهم على أبي كعب، وكتب إلى الأمصار بذلك.\rوفيها ضرب عمر رضي الله عنه ابنه عبد الله وأصحابه في شراب شربوه، وضرب أيضاً أبا محجن الثقفي في الشراب.\rوفيها حج عمر رضي الله عنه بالناس.\rوكان العمال على مكة: عتاب بن أسيد وفي قول، وعلى اليمن يعلى ابن منية، وعلى الكوفة سعد بن أبي وقاص، وعلى الشام أبو عبيدة بن الجراح، وعلى البحر عثمان بن أبي العاص، وقيل: العلاء بن الحضرمي، وعلى عمارة حذيفة بن محصن.\rوفيها مات أبو قحافة. والد أبو بكر الصديق رضي الله عنهما، ومات سعد بن عبادة الأنصاري، وكان أسن من أسلم ممن بني هاشم رضي الله عنه.\rفرض العطاء\rوعمل الديوان سنة خمس عشرة: وفي هذه السنة فرض عمر رضي الله عنه للمسلمين الفروض، ودون الدواوين، وأعطى العطايا على السابقة في الإسلام لا على البيوت.\rقال: ولما فرض العطايا أعطى صفوان بن امية والحارث بن عشام وسهيل بن عمرو في أهل الفتح أقل مما أعطى من قبلهم، فامتنعوا من أخذه، وقالوا: لا نعترف أن يكون أحد أكرم منا، فقال: إنى إنما أعطيتهم على السابقة في الإسلام لا في الأحساب، فقالوا: نعم إذن، وأخذوا.\rوخرج الحارث وسهيل بأهليهما نحو الشام، فلم يزالا مجاهدين حتى أصيبا في بعض تلك الدروب. وقيل: ماتا في طاعون عمواس.\rوقيل: لما أراد عمر وضع الديوان، قال له علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهم: أبدأ بنفسك. فقال: لا، بل أبدأ بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الأقرب فالأقرب، ففرض للعباس، وبدأ به، وجعل له خمسة وعشرين ألفاً، وقيل: فرض له اثني عشر ألفاً ثم فرض لأهل بدر لكل منهم خمسة آلاف، وألحق بهم أربعة لم يكونوا منهم وهم: الحسن والحسين. أبو ذر وسلمان رضي الله تعالى عنهم.\rوفرض لمن بعد بدر إلى الحديبية لكل منهم أربعة آلاف، وفرض لمن بعد الحديبية إلى قتال الردة، لكل منهم ثلاثة آلاف، كان منهم من شهد الفتح.\rوفرض لأهل الأيام قبل القادسية، وأهل الشام، في ألفين ألفين. وفرض لأهل البلاء منهم في ألفين وخمسمائة، فقيل له: لو ألحقت أهل القادسية بأهل الأيام ! قال: لم أكن لألحقهم بدرجة من لم يدركوا. وقيل له: قد سويت من بعدت داره بمن قربت داره، وقاتلهم عن فنائه، فقال: من قربت داره أحق بالزيادة، لأنهم كانوا ردءاً للحتوف، وشحى للعدو، فهلا قال المهاجرون مثل قولكم حين سوينا بين السابقين منهم والأنصار! فقد كانت نصرة الأنصار بفنائهم! وهاجر إليهم المهاجرون من بعد. والله أعلم.\rوفرض لمن بعد القادسية واليرموك ألفاً ألفاً.\rوفرض للروادف التي في خمسمائة خمسمائة، وللروادف الثلث في ثلثمائة، سوى كل طبقة في العطاء، قويهم وضعيفهم، عربيهم وعجميهم. وفرض للروادف الربع فيها مائتين وخمسين.\rوفرض لمن بعدهم وهم أهل هجر والعباد على مائتين.\rوأعطى نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن عشرة آلاف عشرة آلاف إلا من جري عليها الملك. فقال نسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضلنا عليهن في القسمة، فسو بيننا؛ ففعل، وفضل عائشة رضي الله عنها بألفين لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، فلم تأخذها.\rوجعل لنساء أهل بدر خمسمائة خمسمائة، ونساء من بعدهم إلى الحديبية أربعمائة أربعمائة، ونساء من بعدهم إلى الأيام ثلثمائة ثلثمائة، ونساء أهل القادسية مائتين مائتين، ثم سوى بين النساء بعد ذلك.\rوجعل الصبيان سواء على مائة مائة، ثم جمع ستين مسكيناً وأطعمهم الخبز، فأحصوا ما أكلوا، فوجدوه يخرج من جريبين، ففرض لكل إنسان منهم ولعياله جريبين في الشهر.","part":5,"page":273},{"id":2274,"text":"وقال عمر رضي الله عنه قبل موته: لقد هممت أن أجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف، ألف يجعلها الرجل في أهله، وألف يتزودها معه، وألف يتجهز بها، وألف يرتفق بها، فمات قبل أن يفعل.\rوقال له رجل عند فرض العطاء: يا أمير المؤمنين، لو كنت تركت في بيوت الأموال عدة لكون إن كان فقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك، فإنى الله شرها، وهي فتنة لمن بعدي، بل أعد لهم ماأعد الله ورسوله، طاعة الله ورسوله، هما عدتنا التي بهما أفضينا إلى ماترون؛ فإذا كان المال ثمن دين أحدكم هلكتم.\rوقال عمر رضي الله عنه للمسلمين: إنى كنت أمرأً تاجراً يغني الله عيالي بتجارتي، وقد شغلتموني بأمركم هذا ما ترون أنه يحل لي في هذا المال؟ فأكثر القوم، وعلي رضي الله عنه ساكت، فقال: ماتقول يا علي؟ فقال: ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف، ليس لك غيره. فقال القوم: القول ما قال علي. فأخذ قوته، واشتدت حاجة عمر رضي الله عنه. فاجتمع نفر من الصحابة منهم عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، فقالوا: لو قلنا لعمر في زيادة يزيدها إياه في رزقه؟ فقال عثمان رضي الله عنه: هلموا فلنستبري ما عنده من وراء وراء. فأتوا حفصة ابنته فأعلموها الحال، واستكتموها ألا تخبر بهم عمر. فلقيت عمر في ذلك، فغضب وقال: من هؤلاء لاسؤنهم؟ قالت: لا سبيل إلى علمهم. قال: أنت بيني وبينهم، ما أفضل ما أقتني رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك من الملبس؟ قالت: ثوبين ممشقين كان يلبسهما للوفد والجمع، قال: فاي الطعام ناله عندك أرفع؟ قالت: خبزنا خبز شعير، فصببنا عليه وهو حار أسفل عكة لنا، فجعلتها دسمة حلوة، فأكل منها، فقال: أي ط كان يبسط عندك كان أوطأ؟ قالت: كساء ثخين كنا نرقعه برقعة في الصيف فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه، وتدثرنا بنصفه. قال: يا حفصة فأبلغيهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فوضع الفضول مواضعها، وتبلغ بالترجية، فوالله لأضعن الفضول مواضعها، ولأتبلغن بالترجية؛ وإنما مثلي ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقاً، فمضى الأول وقد تزود فبلغ المنزل، وتبعه الآخر فسلك طريق فأفضى إليه، ثم أتبعه الثالث؛ فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما، وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما.\rسنة ست عشرة: وفي هذه السنة حج عمر رضي الله عنه بالناس، وفيها غرب عمر رضي الله عنه أبا محجن الثقفي إلى ناصع.\rوفيها حمى الربذة بخيل المسلمين.\rوفيها ماتت مارية أم إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى عليها عمر، ودفنها بالبقيع؛ وذلك في المحرم.\rوفيها كتب عمر التاريخ بمشورة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.\rوفيها حج عمر بالناس، واستخلفعلى المدينة زيد بن ثابت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبي ونعم الوكيل.\rبناء الكوفة والبصرة\rسنة سبع عشرة ك في هذه السنة اختطت الكوفة والبصرة، وتحول سعد بن أبي وقاص من المدائن إلى الكوفة، وكان سبب ذلك أن سعداً أرسل عمر بما فتح الله عليه، فلما رأى الوفد سألهم عن تغير الوانهم وحالهم؛ فقالوا: وخومة البلاد غيرتنا فأمرهم أن يرتادوا منزلاً ينزله الناس.\rوقيل: بل كتب حذيفة إلى عمر: إن العرب قد نزفت بطونه، وخفت أعضاؤها، وتغيرت ألوانها. وكان مع سعد، فكتب عمر إلى سعد: أخبرني ما الذي غير ألوان العرب ولحومهم؟ فكتب إليه: إن الذي غيرهم وخومة البلاد، وأن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان. فكتب إليه أن أبعث سلمان وحذيفة فيرتادوا منزلاً برياً بحرياً، ليس بيني وبينكم بحر ولا جسر، فارسلهما سعد.","part":5,"page":274},{"id":2275,"text":"فخرج سلمان حتى أتى الأنبار، فسار في غربي الفرات لا يرضى شيئاً حتى أتى الكوفة - وخرج حذيفة في شرقي الفرات لا يرضى شيئاً حتى أتى الكوفة - وكل رملة وحصباء مختلطين فهو كوفة - فاتياً عليها وفيها ديرات ثلاثة: دير حرقة، ودير أم عمرو، ودير سلسلة وخصائص خلال ذلك، فأعجبتهما البقعة، فنزلا وصليا، ودعوا الله تعالى أن يجعلها منزلاً مباركاً. فلما رجعا إلى سعد بالخبز، وقدم كتاب عمر أيضاً عليه، كتب سعد إلى القعقاع بن عمرو وعبد الله بن المعتمر، أن يستخلفا على جندهما ويحضرا عنده، ففعلا. فارتحل سعد من المدائن حتى نزل الكوفة في المحرم سنة سبع عشرة، فلما نزلها سعد كتب إلى عمر: إنى قد نزلت بكوفة، منزلاً بين الحيرة والفرات، برياً بحرياً، ينبت الحلفاء والنصى، وخيرت المسلمين بينها وبين المدائن، فمن أعجبه المقام بالمدائن تركته فيها كالمسلحة. ولما استقروا بها عرفوا أنفسهم، ورجع إليهم ما كانوا فقدوا من قوتهم. واستأذن أهل الكوفة في بنيان القصب، واستأذن فيه أهل البصرة، فاستقر منزلهم فيها في الشهر الذي نزل أهل الكوفة بعد ثلاث نزلات فيها قبلها. فكتب إليهم عمر: إن العسكرة أشد لحربكم، وأذكر لكم، وما أحب أن أخالفكم، فابتني أهل المصرين بالقصب.\rثم إن الحريق وقع بالكوفة والبصرة، وكانت الكوفة أشد حريقاً، وكان الحريق في شوال. فبعث سعد نفراً منهم إلى عمر يستأذنه في البنيان باللبن، فقدموا عليه بخبر الحريق، واستأذنوه، فقال: أفعلوا، ولا يزيد بناء أحدكم عن ثلاثة أبيات، ولا تطاولوا بالبنيان، وألزموا السنة تلزمكم الدولة.\rفرجع القوم إلى الكوفة بذلك، وكتب عمر إلى أهل البصرة بمثل ذلك، وكان على تنزيل الكوفة أبو هياج بن مالك، وعلى تنزيل البصرة عاصم بن الدلف أبو الجرباء، وقدر المناهج أربعين ذراعاً، ومابين ذلك عشرين ذراعاً، والأزقة سبعة أذرع، والقطائع سبعين ذراعاً. وأول شيء خط فيهما مسجداهما، وقام في وسطهما رجل شديد النزع، فرمى في كل ناحية بسهم، وأمر أن يبني ماوراء ذلك. وبني ظلة في مقدمة مسجد الكوفة على أساطين رخام من بناء الأكاسرة في الحيرة، وجعلو على الصحن خندقاً لئلا يقتحمه أحد ببنيان، وبنوا لسعد داراً بحياله، وهي قصر الكوفة، بناه روزبه من آجر بنيان الأكاسرة بالحيرة، وجعل الأسواق على سنة المساجد، من سبق إلى مقعد فهو له، حتى يقوم منه إلى بيته، ويفرغ من بيعه.\rقال: وبلغ عمر أن سعداُ قال: وقد سمع أصوات الناس من السوق: سكتوا عنى التصويت، وإن الناس يسمونه قصر السعد. فبعث محمد بن مسلمة إلى الكوفة، وأمره أن يحرق باب القصر، ثم يرجع، ففعل وبلغ سعداً ذلك، فقال: هذا رسول أرسل لهذا ! فاستدعاه، فابى أن يدخل إليه، فخرج إليه سعد، وعرض عليه نفقة، فأبى أن يأخذها، وأبلغه كتاب عمر إليه وفيه: بلغني أنك اتخذت قصراً جعلته حصناً، ويسمى قصر سعد، وبينك وبين الناس باب، فليس بقصرك؛ ولكنه قصر الخيال، أنزل منه مما يلي بيوت الأموال، وأغلقه، ولا تجعل على القصر باباً يمنع الناس من دخوله.\rفحلف له سعد ما قال الذي قالوا، ورجع محمد، وأبلغ عمر قوله، فصدقه.\rوكانت ثغور الكوفة أربعة: حلوان وعليها القعقاع بن عمرو، وما سبذان وعليها ضرار بن الخطاب، قرقيسياء وعليها عمرو بن مالك، أو عمرو بن عقبة بن نوفل، والموصل وعليها عبد الله بن المعتمر.\rوكان بها خلفاؤهم إذا غابوا عنها.\rوولى سعد الكوفة بعدما اختطت ثلاث سنين ونصفاً، سوى ماكان بالمدائن قبلها، والله تعالى أعلم.\rعزل خالد بن الوليد\rوفي هذه السنة عزل خالد بن الوليد عما كان عليه من التقدم على الجيوش، وسبب ذلك أنه أدرب هو وعياض بن غنم، فأصابا أموالاً عظيمة، وكانا توجهها من الجابية بعد رجوع عمر إلى المدينة.\rوقيل: إن مسير خالد مع عياض كان لفتح الجزيرة، فبلغ الناس ما أصاب خالد فانتجعه رجال وكان فيهم الأشعث بن قيس، فأجازه بعشرة آلاف، ودخل خالد الحمام؛ قيل: حمام آمد، فتدلك بغسل فيه خمر، فكتب إليه عمر: بلغني أنك تدلكت بخمر، والله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه منه، فلا تمسها أجسادكم. فكتب إليه: إنا قتلناها فعادت غسولاً غير خمر. فكتب إليه عمر: إن آل المغيرة ابتلوا بالجفاء، فلا أماتكم الله عليه.","part":5,"page":275},{"id":2276,"text":"فلما فرق خالد في الذين انتجعوه الأموال، سمع بها عمر، فكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح مع البريد أن يقيم خالدأً ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلنسوته حتى يعلمكم من أين أجاز الأشعث، أمن ماله أم من إصابة أصابها؟ فإن زعم أنها من ماله فقد أسرف، وإن زعم أنها من إصابة، فقد أقر بخيانة. وأعزله على كل حال، وأضمم إليك عمله.\rوكان خالد على قنسرين من قبل أبي عبيدة، فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه، ثم جمع الناس وجلس على المنبر، وقام البريد قبالة خالد، فسأل خالد من أين أجاز الأشعث؟ فلم يجبه، وأبو عبيدة ساكت لا يتكلم.\rفقال بلال: إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا، ونزع عمامته فلم يمنعه، ووضع قلنسوته، وأقامه وعقله بعمامته، وقال له: أمن مالك أجزت؟ أم من إصابة أصبتها؟ فقال: لا، بل من مالي، فأطلقه، وأعاد قلنسوته، ثم عممه بيده، ثم قالك نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخم ونخدم موالينا.\rقال: فأقام خالد متحيراً لا يدري: أمعزول هو أم غير معزول! ولم يشافهه أبو عبيدة بذلك تكرمه له.\rفلما تأخر قدومه على عمر ظن الذي كان، فكتب إلى خالد بالإقبال إليه، فرجع خالد إلى قنسرين فخطب الناس، وودعهم، ثم رجع إلى حمص ففعل مثل ذلك، ثم سار إلى المدينة. فلما قدم على عمر شكاه وقال: شكوتك إلى المسلمين، وبالله إنك في أمري لغير مجمل، فقال له عمر: من أين هذا الثراء؟ فقال: من الأنفال والسهمان، ما زاد على ستين ألفاً فلك.\rفقوم عمر ماله، فرآه عشرين ألفاً، فجعلهاعمر في بيت المال، ثم قال: يا خالد، والله إنك على لكريم، وإنك إلي لحبيب. وكتب إلى الأمصار: إنى لم أعزل خالداً عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فخموه وفتنوا به، فخفت أن يوكلوا إليه، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع، ولا يكونوا بعرض فتنة، وعوضه عما أخذ منه. والله تعالى أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rبناء المسجد الحرام\rوفي هذه السنة اعتمرعمر بن الخطاب رضي الله عنه وبنى المسجد الحرام، ووسع فيه، وأقام بمكة عشرين ليلة، وهدم على أقوام أبوا أن يبيعوا، ووضع أثمان دورهم في بيت المال حتى اخذوا، وكانت عمرته في شهر رجب، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت، واستأذنه فإذن لهم وشرط عليهم، أن ابن السبيل أحق بالظل والماء.\rعزل المغيرة بن شعبة\rوفي هذه السنة عزل عمر رضي الله عنه المغيرة بن شعبة عن البصرة، واستعمل عليها أبا موسى الأشعري، وكان سبب ذلك أنه كان بينه أو بين أبي بكرة منافرة، وكانا متجاورين بينهما طريق، وكانا في مشربتين، في كل واحدة منهما كوة مقابلة للأخرى، فاجتمع إلى أبي بكرة نفريتحدثون في مشربته، فهبت الريح، ففتحت باب الكوة، فقام أبو بكرة ليرده، فبصر بالمغيرة، وقد فتحت الريح باب كوته، وهو بين رجلي أمرأة، فقال للنفر: قوموا وانظروا، فنظروا، وهم: أبو بكرة ونافع بن كلدة، وزياد بن أبيه، وهو أخو أبي بكرة لأمه، وشبل بن معبد البجلي، فقال لهم: اشهدوا. قالوا: ومن هذه ؟ قال: أم جميل بنت الأفقم، وكانت من بني عامر بن صعصعة، زكانت تغشى المغيرة والأمراء. وكان بعض النساء يفعلن ذلك ف زمانها، فلما قامت عرفوها. فلما خرج المغيرة إلى الصلاة منها أبو بكرة.\rوروى أبو الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني في كتابه يسند رفعه إلى أنس بن مالك وغيره: أن المغيرة بن شعبة كان يخرج من دار الإمارة وسط النهار، وكان أبو بكرة يلقاه فيقول: أين يذهب الأمير؟ فيقول: آتي حاجة. فيقول له: حاجة ماذا! إ، الأمير يزار ولا يزور. قال: وكانت المرأة التي يأتيها جاره لأبي بكرة.\rقال: فبينا أبو بكرة في غرفة له مع أخويه نافع، وزياد ورجل آخر يقال له: شبل بن معبد، وكانت غرفة جارته تحت غرفة أبي بكرة، فضربت الريح باب المرأة ففتحته، فنظر القوم؛ فإذا هم بالمغيرة ينكحها، فقال أبو بكرة: هذه بلية ابتليتم بها، فانظروا، فنظروا؛ فإذا أبو بكرة نزل، فجلس حتى خرج إليه المغيرة من بيت المرأة، فقال له: إنه قد كان من أمرك ما قد علمت، فاعتزلنا.","part":5,"page":276},{"id":2277,"text":"قال: وذهب ليصلي بالناس الظهر، فمنعه أبو بكرة، فقال: والله ما تصلي بنا وقد فعلت ما فعلت. فقال الناس: دعوه فليصل، فإنه الأمير. ثم تقاربوا في الرواية فقاموا: وكتبوا إلى عمر، فبعث أبا موسى أميراً على البصرة، وأمره بلزوم السنة، فقال: أعني بعدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم في هذه الأمة كالملح. قال: خذ من اخترت، فأخذ تسعة وعشرين رجلاً، منهم أنس بن مالك، وعمران بن حصين، وهشام ابن عامر، وخرج بهم فقدم البصرة، ودفع كتاب إمرته إلى المغيرة وفيه: أما بعد: فإنه بلغني نبأ عظيم، فبعثت أبا موسى أميراً، فسلم إلي ما في يدك، والعجل.\rفرحل المغيرة ومعه أبو بكرة والشهود، فقدموا على عمر، فقال له المغيرة: سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني، أمستقبلهم أم مستدبرهم؟ وكيف رأوا المرأة فعرفوها؟ فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر! وإن كانوا مستدبري فبأي شيء استحلوا النظر في منزلي على أمرأتي! والله ما أتيت إلا أمرأتي، وكانت تشبهها.\rفشهد أبو بكرة أنه رآه على أم جميل، يدخله كالميل في المكحلة، وأنه رآهما مستدبرين، وشهد شبل ونافع مثل ذلك.\rوأما زياد فإنه قالك رأيته جالساً بين رجلي أمرأة، فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان، واستين مكشوفتين، وسمعت حفزانا شديداً.\rقال: هل رأيت الميل في المكحلة؟ قال: لا، قال: هل تعرف المرأة ؟ قال: لا، ولكن أشبهها.\rقال: ففتح، وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد، فقال المغيرة: أشفني من الأعبد. قال: اسكت أسكت الله نأمتك، أما والله لو تمت الشهادة لرجمتك بأحجارك.\rوفي هذه السنة تزوج عمر أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وهي بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بها في ذي القعدة.\rوحج عمر رضي الله عنه بالناس في هذه السنة.\rوفي هذه السنة أسلم كعب الأحبار.\rوفيها، في ذي الحجة حول عمر رضي الله عنه المقام إلى موضعه اليوم، وكان ملصقاً بالبيت.\rسنة ثمان عشرة: وفيها استقضى عمر شريح بن الحارث الكندي على الكوفة، وكعب بن سور على البصرة، وكعب هذا ممن اسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وكان لولايته القضاء سبب نذكره.\rولاية كعب بن سور\rقضاء البصرة.\rحكى عن الشعبي، أنه كان جالساً عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجاءت امرأة فقالت: ما رأيت رجلاً قط أفضل من زوجي، إنه ليبيت ليلة قائماً، ونهاره صائماً في اليوم الحار ما يفطر، فاستغفر لهاعمر، وأثنى عليهما، وقال: مثلك اثني بالخير وقاله، فاستحيت المرأة وقامت راجعة.\rفقال كعب بن سور: يا أمير المؤمنين، قال أعدت المرأة على زوجها إذ جاءتك تستعديك ! فقال: أكذلك أرادت؟ قال: نعم، قال: ردوا على المرآة، فردت. فقال لها: لا بأس بالحق أن تقوليه، إن هذا زعم أنك جئت تشتكين أنه يجتنب فراشك، قالت أجل، إني امرأة شابة، وإني أبتغي ما تبتغي النساء، فأرسل زوجها فجاء، فقال لكعب: أقض بينها، فقال: أمير المؤمنين أحق أن يقضي بينها، فقال: عزمت عليك لتقضين بينها؛ فإنك فهمت من أمرهما مالم أفهم! قال: فإني أرى أن لها يوما من أربعة أيام؛ وكان زوجها له أربع نسوة، فإذا لم يكن له غيرها فإنى أقضى لها بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم وليلة.\rفقال عمر: والله جاء رأيك الأول أعجب إلى من الآخر، أذهب فأنت قاض على أهل البصرة. فلم يزل قاضياً على البصرة إلى أن قتل يوم الجمل؛ وذلك أنه لما اصطف الناس للقتال خرج وبيده المصحف فنشره، وجال بين الصفين يناشد الناس في دمائهم، فأتاه سهم غرب فقتله.\rوقد قيل: إن المصحف كان في عنقه، وعليه برنس وبيده عصا وهو آخذ بخطام الجمل، فأتاه فقتله.\rوروى أبو عمر بن عبد البر رحمه الله بسنده إلى محمد بن سيرين، قال: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقالت إن زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل، فقال ما تريدين؟ أتريدين أن أنهاه عن صيام النهار، وقيام الليل! قال ثم رجعت إليه فقالت مثل ذلك، فأجابها بمثل جوابه، ثم جاءت الثالثة فقالت له كما قالت، فأجابها بمثل جوابه. وكان عنده كعب بن سور، فقال كعب: إنها امرأة تشتكي زوجها.\rفقال عمر: أما إذا فطنت لها فاحكم بينهما، فقام كعب: وجاءت يزوجها فقالت:\rياأيها القاضي الفقيه أرشده ... ألهى حليلي عن فراشي مسجده","part":5,"page":277},{"id":2278,"text":"زهده في مضجعي وتعبده ... نهاره وليله ما يرقده\rولست من أمر النساء أحمده ... فامض القضا يا كعب لا تردده\rفقال الزوج:\rإنى امرو قد شفني ما قد نزل ... في سوره النور وفي السبع الطول\rوفي كتاب الله تخويف جلل ... فردها عنى وعن سوء الجدل\rفقال كعب:\rإن السعيد بالقضاء من فصل ... ومن قضى بالحق حقاً وعدل\rإن لها عليك حقاً يا بعل ... من أربع واحدة لمن عقل\rامض لها ذاك ودع عنك العلل\rثم قال: أيها الرجل إن لك أن تتزوج من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ثلاثة أيام، ولأمرأتك هذا اليوم، ومن أربع ليال ليلة، فلا تصل في ليلتها إلا الفريضة.فبعثه عمر قاضياً على البصرة. والله تعالى أعلم.\rعام الرمادة\rوفي هذه السنة أصاب الناس مجاعة شديدة وجدب وقحط، وهو عام الرمادة، وكانت الريح تسفي تراباً كالرماد، فسمى لذلك عام الرمادة، واشتد الجوع حتى كان الوحش يأوى إلى الإنس، وكان الرجل يذبح الشاه فيعافها من فيحها، وأقسم عمر لا يذوق سمناُ ولا لبنأً، ولا لحماً؛ حتى يحيا الناس.وكتب إلى الأمراء المقيمين بالأمصار يستغيثهم لأهل المدينة ومن حولها، فكان أول من قدم عليه أبو عبيدة بن الجراح بأربعة آلاف راحلة من طعام، فولاه عمر قسمتها فيمن حول المدينة، فقسمها وانصرف إلى عمله، وتتابع الناس، واستغنى أهل الحجاز.وأرسل عمرو بن العاص الطعام من مصر في البر والبحر، فصار الطعام في المدينة كسعر مصر.واستسقى عمر رضي الله عنه بالعباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أن أهل البيت من مزينة، قالوا لصاحبهم وهو بلال بن الحارثك قد هلكنا، فاذبح شاة، فقال: ليس فيهن شيء، فلم يزالوا به حتى ذبح فسلخ عن عظم أحمر، فنادى يامحمداه! فأرى ف المنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه، فقال أبشر بالحياة، أنت عمر فأقرأه منى السلام، وقل له: إني عهدتك، وأ،ت في العهد شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر.فجاء بلال حتى أتى باب عمر، فقال لغلامه: استأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى عمر فأخبره ففزع وقال: رأيت مسا؟قال: لا. قال: فأدخله، فأدخله فأخبره الخبر، فخرج عمر فنادى في الناس، وصعد المنبر، قال: نشدتكم الله الذي هداكم للإسلام، هل رأيتم شيئاًتكرهو؟ قالوا: اللهم لا، ولم ذاك؟ فأخبرهم ففطنوا ولم يفطن عمر، فقالوا: إنما استبطأناك في الاستسقاء، فاستسق بناك فنادى في الناسن فخرج وخرج معه العباس ماشياً، فخطب وأوجز، وصلى، ثم جثا لوكبتيه وقال: اللهم عجزت عنا أنصارنا، وعجز عنا حولنا وقوتنا، وعجزت عنا أنفسنا، ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم فاسقنا، وأحي العباد والبلاد.وأخذ بيد العباس، وإن دموع العباس تتحادر على لحيته، فقال: اللهم إننا نتقرب إليك بعم نبيك، وبقية آبائه، وأكبر رجاله، فإنك تقول - وقولك الحق: \" وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة \" فحفظتهما بصلاح أبيهما، فاحفظ اللهم نبيك في عمه، فقد دنونا إليك مستشفعين ومستغفرين، ثم أقبل على الناس؛ فقال: استغفروا ربكم إنه كان غفاراً.والعباس يقول وعيناه تذرفان، ولحيته تجول على صدره: اللهم أنت الراعي فلا تهمل الضالة، ولا تدع الكبير بدار مضيعة؛ فقد ضرع الصغير، ورق الكبير، وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى.اللهم فأغنهم بغناك قبل أن يقنطوا فيهلكوا؛ فإنه لا يبشر إلا القوم الكافرون.فنشأت طريرة من سحاب، فقال الناس: ترون، ترون! ثم مشت فيها ريح، ثم هدرت ودرت، فوالله ما برحوا حتى اعتلقوا الحذاء، وقلصوا المآزر، فطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه، ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين !فقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب في ذلك:\rبعمي سقي الله الحجاز وأهله ... عشية يستسقي بشيبته عمر\rتوجه بالعباس في الجدب راغباً ... إليه، فما إن رام حتى أتى المطر\rومنا رسول الله فينا تراثه ... فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر\rطاعون عمواس\rوتسمية من مات فيه.وفي هذه السنة كان طاعون عمواس بالشام، وعمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس. وقال ابن عبد البر: وقيل:إن ذلك لقولهم: عم واس. قال الأصمعي.","part":5,"page":278},{"id":2279,"text":"مات فيه خمسة وعشرون ألفاً، منهم: أبو عبيدة بن الجارح، وأسمه عامر بن الجراح. وقيل عبد الله بن عامر بن الجراح. قال أبو عمر: والصحيح أن اسمه بن عبد الله ابن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي الفهري. شهد بدراً وما بعدها من المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، وكان نحيفاً معروف الوجه، طوالا أجنأ وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وكان رضي الله عنه من كبار الصحابة وفضلائهم، وأهل السابقة منهم.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.\rوقد تقدم في أثناء السيرة النبوية خبر وفد نجران، وسؤالهم أن يبعث معهم ما يحكم بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ائتوني العشية أبعث معكم القوى الأمين \" ، فبعثه معهم.\rوروى عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أبعث معنا رجلاً يعلمنا. فأخذ بيد أبي عبيدة، وقال: هذا أمين هذه الأمة.\rوقال أبو بكر رضي الله عنه يوم السقيفة: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، يعني عمر وأبا عبيدة.\rوقال له عمر رضي الله عنهما، إذ دخل عليه الشام، وهو أميرها: كلنا غيرته الدنيا غيرك.\rوكانت سنة يوم توف ثمانياً و خمسين سنة، وكانت وفاته رضي الله عنه بالأردن، وصلى عليه معاذ بن جبل، ونزل في قبره هو وعمرو ابن العاص، والضحاك بن قيس.\rوقبر أبي عبيدة بالقرب من قربة عميا من غور الشام معروف هناك، قد زرته أنا غير مرة رضي الله عنه.\rومنهم: معاذ بن جبل، وهو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل ابن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن إدي بن سعد بن علي بن أسد بن شاردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي ثم الجشمي.\rوقد نسبه بعضهم في نسب بني سلمة بن سعد بن علي، قال ابن اسحاق: معاذ بن جبل من بني جشم بن الخزرج، وإنما ادعته بنو سلمة، لأنه كان أخا سهل بن محمد بن الجد بن قيس لأمه.\rقال الواقدي وغيره: كان معاذ بن جبل طوالاً، حسن الشعر عظيم العينين، أبيض، براق الثنايا، لم يولد له قط.\rوقال ابن الكلبي، عن أبيه: إنه ولد له عبد الرحمن بن معاذ. مات بالشام في الطاعون أيضاً، فانقرض بنو إدي بموته.\rوقيل: إن عبد الرحمن قاتل مع أبيه يوم اليرموك. ومعاذ بن جبل أحد السبعين الذين شهدوا بيعة العقبة، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم.بينه وبين عبد الله بن مسعود، قاله الواقدي، وقال: هذا مالاخلاف عندنا فيه.\rوقال ابن اسحاق: آخي رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين جعفر بن أبي طالب.\rشهد معاذ بدراً والمشاهد كلها، وبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضياً إلى الجند من ارض اليمن، يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام، ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قسم اليمن على خمسة رجال: خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أمية على كندة، وزياد بن لبيد على حضرموت، ومعاذ بن جبل على الجند، وأبي موسى الأشعري على زبيد وزمعة وعدن والساحل.\rوقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وجهه إلى اليمن، بم تقضي؟ قال: بما في كتاب الله عز وجل. قال: فإن لم تجده؟ قال بما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجده؟ قال: بما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد برأيي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يحب رسول الله \" وروى أبو عمر بن عبد البر بسنده عن كعب بن مالك، قال: كان معاذ بن جبل شابا جميلاً، من أفضل شباب قومه، سمحاً، لا يمسك؛ فلم يدان حتى أغلق ماله كله من الدين، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فطلب إليه أن يسأل عرماءه أن يضعوا له، فأبوا، ولو تركوا لأحد من أجل أحد لتركوا لمعاذ بن جبل من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماله كله في دينه، حتى قام معاذ بغير شيء، حتى إذا كان عام فتح مكة، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى طائفة من أهل اليمن ليجبره فمكث معاذ باليمن أميراً.","part":5,"page":279},{"id":2280,"text":"وكان أول من أتجر في مال الله هو، فمكث حتى أصاب وحتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قدم قال عمر لابي بكر: أرسل إلى هذا الرجل فدع له مايعيشه، وخذ سائره منه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إنما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجبره، ولست بآخذ منه شيئاً؛ إلا أن يعطيني. فانطلق عمر إليه إذ لم يطعه أبو بكر، فذكر ذلك لمعاذن فقال معاذك إنما أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجبرني، ولست بفاعل، ثم أتى معاذ عمر وقال: قد أطعتك، وأنا فاعل ما أمرتني به، إني رأيت في المنام أني في حومة ماء؛ قد خشيت الغرق فخلصني منه يا عمر.\rفأتى معاذ أبا بكر، فذكر ذلك لهن وحلف له أنه لا يكتمه شيئاً فقال أبو بكر: لا آخذ منك شيئاً، قد وهبته لك، فقال: هذا خير حل، وطاب، فخرج معاذ عند ذلك إلى الشام. قال أبو عمر: كان عمر قد استعمله في الشام حين مات أبو عبيدة ولما ماتأبو عبيدة، استعمل عمر بن الخطاب معاذ بن جبل على الشام، فمات من عامه؛ وذلك في الطاعون، فاستعمل موضعه عمرو بن العاص.\rوقال المدائني: مات معاذ بناحية الأردن في طاعون عمواس في سنة ثماني عشرة، وهو بن ثمان وثلاثين.\rوقال غيره: كان سنة يوم مات ثلاثاً وثلاثين سنة.\rوقبر معاذ بغور الشام، بالقرب من قرية القصير من شرقيها معروف هناك، قد زرته غير مرة، وبينه وبين قبر أبي عبيدة نحو مرحلة.\rومنهم يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف، كان أفضل بني سفيان، وكان يقال له يزيد الخير. أسلم يوم فتح مكة، وشهد حنيناً، واستعمله أبو بكر رضي الله عنه تعالى عنه وأوصاه، وخرج يشيعه راجلاً.\rوروى أبو بشر الدولابي: أنه مات سنة تسع عشرة بعد أن افتتح قيسارية.\rومنهم الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، وهو أخو أبي جهل لأبويه.\rأسلم بوم الفتح، وحسن إسلامه، وشهد حنيناً، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من الإبل، وأعطى المؤلفة قلوبهم، ثم خرج إلى الشام ف خلافة عمر رضي الله عنه راغباً في الرباط والجهاط فتبعه أهل مكة يبكون فراقه، فقال: إنها النقلة إلى الله تعالى، وما كنت لأوثر عليكم أحداً، فلم يزل بالشام يجاهد حتى مات في طاعون عمواس.\rوقال المدائني: إنه قتل يوم اليرموك، في شهر رجب سنة خمس عشرة، والله سبحانه وتعالى أعلم.\rومنهم سهيل بن عبد شمس بن عبد ود بن نضر بن مالك بن جبل بن عامر بم لؤي بن غالب القرشي العامري. يكنى أبا يزيد، وكان أحد الأشراف من قريش وسادتهم، وهو الذي عاقد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية و قاضاه كما تقدم.\rأسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وثال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب في سهيل بن عمرو: \" دعه فعسى أن يقوم مقاماً نحمده \" ، فكان المقام الذي قامه في الإسلام أنه لما ماج أهل مكة عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتد ارتد من العرب، قام سهيل خطيباً فقال: والله إني لأعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس من طلوعها إلى غروبها، فلا يغرنكم هذا عن أنفسكم، - يعني أبا سفيان - فإنه يعلم من هذا الأمر ما أعلم؛ ولكنه قد جثم على صدره بحسد بني هاشم.\rوأتى في خطبته بمثل ما جاء به أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالمدينة. وروى ابن المبارك عن جرير بن حازم، قال: سمعت الحسن يقول: حضر الناس باب عمر بن الخطاب، وفيهم سهيل بن عمرو، وأبو سفيان بن حرب، واولئك الشيوخ من قريش، فخرج آذنه فجعل يأذن لأهل بدر، لصهيب وبلال: فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط؛ إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا! فقال سهيل: أيها القوم: إنى والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضاباًَ فاغضبوا على أنفسكم، دعي القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم.\rأما والله لما سبقوا كم به من الفضل أشد عليكم فوتاً من بابكم هذا الذي تنافسون عليه، ثم قال: أيها القوم، إن هؤلاء القوم قد سبقوكم بما ترون، ولا سبيل إلى ماسبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه، عسى أن الله يرزقكم شهادة ثم. نفض ثوبه فقام ولحق بالشام.\rوقال المدائني: إنه قتل باليرموك، والله تعالى أعلم.\rومنهم: عتبة بن سهيل، وعامر بن غيلان الثقفي، مات وأبوه حي، ومات غير هؤلاء، رحمهم الله تعالى.\rقدومه إلى الشام","part":5,"page":280},{"id":2281,"text":"بعد الطاعون.\rقال: لما هلك الناس بالطاعون، كتب أمراء الأجناد إلى عمر رضي الله عنه بما في أيديهم من المواريث، فجمع الناس واستشارهم وقال لهم: قد بدا لبي أن أطوف على المسلمين في بلدانهم؛ لأنظر في آثارهم، فأشيروا على، وكما أراد أن يبدأ بالعراق، فصرف كعب الأحبار رأيه عن ذلك، فخرج إلى الشام، واستخلف على المدينة على بن أبي طالب، وجعل طريقه على أيله، فلما دنا منها ركب بعيره وعلى رحلة فرو مقلوب، وأعطى غلامه مركبه، فلما تلقاه الناس قالوا: أين أميرا المؤمنين؟ قال: أمامكم - يعن نفسه - فسارو أمامه، وانتهى هو إلى أيله فنزلها.\rوقيل للمتلقين: قد دخل أمير المؤمنين، فرجعوا، وأعطى عمر الأسقف بها قميصه وقد تخرق ظهره؛ ليغسله ويرقعه، ففعل وأخذه ولبسه، وخلط له الأسقف قميصاُ غيره، فلم يأخذه فلما قدم إلى الشام قسم فيها الأرزاق، وسمى الشواتي والصوئف، وسد فروج الشام ومسالحها،وأخذ يدور بها، واستعمل عبيد الله بن قيس على السواحل من كل كورة، واستعمل معاوية على دمشق وخراجها بعد وفاة أخيه يزيد بن أبي سفيان، وعزل شرحبيل بن حسنة، وقام بعذره في الناس، وقال: إني لم أعزله عن سخطة، ولكني أريد رجلاً أقوى من رجل، وكان شرحبيل على خيل الأردن، فضم ذلك إلى معاوية.\rقال: ولما قدم عمر رضي الله عنه تلقاه معاوية في موكب عظيم، فلما رآه عمر قال: هذا كسرى العرب، فلما دنا منها قال: أنت صاحب الموكب العظيم! قال: نعم، يا أمير المؤمنين، قال: مع ما بلغني من وقوف ذي الحاجات ببابك ! قال: مع ما يبلغك م ذلك، قال: ولم تفعل هذا؟ قال: نحن بأرض، جواسيس العدو بها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يرهبهم، فإن أمرتني فعلن، وإن نهيتني أنتهيت. فقال عمر: يا معاوية، ما اسألك عن شيء ألا تركتني في مثل رواجب الفرس، لئن كان ماقلت حقاً، إنه لرأي لبيب، وإن كان باطلاً إنه لخدعة أريب. قال: فمرني يا أمير المؤمنين. قال: لا آمرك ولا أنهاك.\rقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، ما أحسن ما صدر هذا الفتى عما أوردته فيه. قال: لحسن مصادره وموارده جشمنا ما جشمناه.\rوروى أبو عمر بن عبد البر: أن عمر بن الخطاب رزق معاوية على عمله بالشام عشرة آلاف دينار في كل سنة.\rقال المؤرخ: واستعمل عمر رضي الله عنه عمرو بن عنبسة على الأهراء، وقسم مواريث أهل عمواس، فورث بعض الورثة من بعض، وأخرجها إلى الأحياء، من ورثة كل منهم، ورجع عمر إلى المدينة في ذي القعدة من السنة.\rقال: ولما كان بالشام وحضرت الصلاة قال له الناس: لو أمرت بلالاً فأذن ! فأمره، فأذن، فما بقي أحد ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذن إلا بكى حتى بل لحيته، وعمر أشدهم بكاء، وبكى من لم يدركه لبكائهم.\rوحج عمر رضي الله عنه بالناس في هذه السنة.\rسنة تسع عشرة: في هذه السنة سالت حرة ليلى وهي بالقرب من المدينة ناراً، فأمر عمر بالصدقة، فتصدق الناس، فانطفأت. وفيها مات أبي بن كعب. وقيل: مات سنة عشرين وقيل اثنتين وعشرين. وقيل: اثنتين وثلاثين، والله تعالى أعلم.\rوحج عمر رضي الله عنه بالناس في هذه السنة.\rسنة عشرين من الهجرة: في هذه السنة عزل عمر رضي الله عنه قدامة بن مظعون عن البحرين، وولى عثمان بن أبي العاص.\rوقيل: بل استعمل أبا هريرة على البحرين، واليمامة، وقيل: استعمل أبا بكرة على البحرين واليمامة.\rوكان سبب عزل قدامة، أن الجارود بن المعلى سيد عبد القيس قدم على عمر من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قدامة شرب فسكر، وإني رأيت حداً من حدود لله حقاً على أن أرفعه إليك فقال عمر: من يشهد معك؟ فقال: أبو هريرة، فدعا أبا هريرة فقال بم تشهد؟ قال: لم أره يشرب، ولكن رأيته سكران يقئ. فقال عمر: لقد تنطعت في الشهادة.\rثم كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين، فقدم، فقال الجارود: أقم على هذا حد الله فقل عمر: ما أراك إلا خصماً، وما شهد أحد بعد إلا رجلاً واحداً.\rفقال الجارود: إني أنشدك الله! فقال عمر: لتمسكن عني لسانك وإلا سؤتك. فقال: يا عمر، أما والله ماذاك بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني! ثم قال: ياعمر:، إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها، وهي امرأة قدامة.","part":5,"page":281},{"id":2282,"text":"فأرسل عمر إلى هند ابنة الوليد ينشدها، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة: إني حادك، فقال: لو شربت كما يقولون ما كان لكم أن تجدوني، فقال عمر: لم ؟ قال قدامة: قال الله عز وجل: \" ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا \" .\rفقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرمه عليك، ثم أقبل عمر على الناس فقال: ما ترون في جلد قدامة؟ فقالوا: ما نرى أن تجلده ما كان مريضاً، فسكت على ذلك أياما، ثم أصبح يوماً قد عزم على جلده، فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ فقالوا: ما نرى أ، تجلده ما كان وجعاً، فقال عمر: لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلى من أن ألقاه وهو في عنقي. ائتوني بسوط تام، وأمر بقدامة فجلد، فغاضب قدامة عمر وهجره، فلم يزل كذلك حتى حج عمر وقدامة معه، فلما قفلا من حجهما، ونزل عمر بالسقيا نام، فلما استيقظ قال: عجلوا على بقدامة، فوالله لقد أتاني آت في منامي فقال: يالم قدامة فإنه أخوك.\rفلما أتوه أبي أن يأتي، فأمر عمر به إن أبي أن يجروه إليه، فجاءه فاستغفر له عمر وكلمه، فكان ذلك أول صلحهما.\rحكاه أبو عمر: قال: وكان قدامة خال عبدالله وحفصة ابني عمر رضي الله عنهم.\rإجلاء يهود خيبر\rوفي هذه السنة أجلى عمر رضي الله عنه يهود خيبر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح الله عليه خيبر، دعا أهلها فقال لهم: إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها، وتكون ثمارها بيننا وبينكم، وأقركم على ما أقره الله عز وجل. فقبلوا ذلك واشترط عليهم، أنا متى شئنا أن نخرجكم أخرجناكم، وقد تقدم ذكر ذلك مستوفي في السيرة النبوية، في غزاة خيبر.\rفلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرهم أبو بكر رضي الله عنه على ما اقرهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرهم عمر رضي الله عنه بعده إلى هذه السنة.\rثم بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي قبضه الله فيه: \" لا يجتمعه في جزيرة العرب دينان \" ، ففحص عن ذلك حتى أتاه الثبت، فأرسل إلى يهود فقال: إن الله قد أذن لي في إجلائكم، وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان، فمن كان عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فليأتني به أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد فليتجهز للجلاء، فأجلى من لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوقال ابن إسحاق: حدثني نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر قال: خرجت أنا والزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعهدها، فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا.\rقال عبد الله: فعدا على تحت الليل شيء وأنا نائم على فراشي، فنزعت يداي من فرقي، فلما أصبحت استصرخت على صاحباي، فأتياني فسألاني: من صنع بك هذا ؟ فقلت: لا أدري، فأصلحاني ثم قدما بي على عمر، فقال: هذا عمل اليهود.\rثم قام في الناس خطيباً فقال: أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أ،ا نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد الله بن عمر، فقدعوا يديه كما بلغكم، مع عدوتهم على الأنصاري قبله، لا نشك أنهم أصحابه، ليس هناك عدو غيرهم، فمن كان له مال بخيبر فليلحق به، فإني مخرج اليهود، فأخرجهم.\rقال: وركب عمر في المهاجرين والأنصار، واخرج معه جبار ابن صخر بن أمية - وكان خارص أهل المدينة وحاسبهم - وزيد ابن ثابت، وهما قسما خيبر على أهلها على أصل جماعة السهمان التي كانت عليها.\rوفيها أيضاً أجلي نصارى نجران إلى الكوفة.\rوفيها بعت عمر علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة، وكانت تطرفت بلاد الشام، فأصيب المسلمون، فجعل عمر على نفسه ألا يحمل في البحر أحداً أبداً - يعني للغزو.\rوقيل: كان ذلك في سنة إحدى وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه.\rعزل سعد\rبن أبي وقاص عن الكوفة.\rومن ولي بعده في هذه السنة.\rسنة إحدى وعشرين: وفي هذه السنة عزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعد بن أبي وقاص عن الكوفة؛ حين شكاه أهلها، وولى عمار بن ياسر الصلاة، وعبد الله بن مسعود بيت المال، وعثمان ابن حنيف مساحة الأرض، ثم عزل عماراً؛ لأن أهل الكوفة شكوه، فاستعفى.","part":5,"page":282},{"id":2283,"text":"وأعاد سعداً على الكوفة ثانية، ثم عزله، وولى جبير بن مطعم، ثم عزله قبل أن يخرج إليها، وكان سبب عزله أن عمر رضي الله عنه ولاه، وقال له: لا تذكره لأحد، فسمع المغيرة بن شعبة أن عمر خلا بجبير بن مطعم، فأرسل امرأته إلى امرأة جبير لتعرض عليها طعام السفر، فقالت: نعم، جيئيني به.\rفلما علم المغيرة جاء إلى عمر، فقال: بارك الله لك فيمن وليت. وأخبره الخبر، فعزله، وولى المغيرة بن شعبة الكوفة، فلم يزل عليها إلى أن قتل عمر: وقيل: إن عمر رضي الله عنه لما أراد أن يعيد سعداً إلى الكوفة أبى عليه، وقال: أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أنى لا أحسن أن أصلي، فتركه وولى خالد بن الوليد.\rوقيل: في سنة اثنتين وعشرين، قيلك كانت وفابه بحمص، ودفن في قرية على ميل منهما. وقيل: بل توفي بالمدينة.\rولما حضرته الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في جسدي موضع شبر ألا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، ثم هاأنذا أموت على فراشي كما يموت العير! فلا نامت أعين الجبناء. حكى أبو عمر: انه لم تبق امرأة من بني المغيرة إلا وضعت لمتها على قبر خالد بن الوليد، أي حلقت رأسها.\rقال المؤرخ: وكان الأمراء في هذه السنة على الأمصار، عمير بن سعد على دمشق وحوران وحمص وقنسرين والجزيرة. ومعاوية بن أبي سفيان على البلقاء والأردن وفلسطين والسواحل وأنطاكية وقلقية ومعرة مصرين، والعمال على بقية الأمصار من ذكرنا.\rوفيها ولد الحسن البصري والشعبي. وفيها مات العلاء ابن الحضرمي أمير البحرين، فاستعمل عمر رضي الله عنه مكانه أبا هريرة.\rوحج عمر رضي الله عنه بالناس، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت.\rسنة اثنتين وعشرين: في هذه السنة ولد يزيد بن معاوية، وعبد الملك بن مروان، وكان عماله على الأمصار من ذكرنا إلا الكوفة والبصرة؛ فإن عامله على الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة أبو موسى.\rسنة ثلاث وعشرين: وفي هذه السنة حج عمر رضي الله عنه بالناس، وحج معه أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي آخر حجة حجها.\rفيها كان مقتل عمر رضي الله عنه وأرضاه بمنه وكرمه.\rمقتل عمر\rبن الخطاب ومدة خلافته.\rقد اختلف في تاريخ مقتل رضي الله عنه، فقال الواقدي: لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقال الزبير: لأربع بقين من ذي الحجة.\rوروى عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال: قتل عمر بوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة.\rوكانت خلافته رضي الله تعالى عنه عشر سنين ونصفاً وخمس ليال وعمره ثلاث وستون سنة على الصحيح.\rوقتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة؛ وذلك أن عمر رضي الله عنه خرج بوما يطوف في الأسواق، فلقيه أبو لؤلؤة فيروز - وكان نصرانياً، وقيل: مجوسياً - وقد ذكرنا ما كان يقوله لما قدم سبي نهاوند: أكل عمر كبدي، فلما لقيه قال: يا أمير المؤمنين، أعدني على المغيرة بن شعبة ؛ فإنه يكلفني خراجاً كثيراً، قال: كم يحملك؟ قال: مائتي درهم في الشهر:وقيل: إنه قال: درهمان في كل يوم، قال: وما صناعتك؟ قال: نجار نقاش حداد، قال: فما أرى خراجك كثيراً على ما تصنع من الأعمال، وقد بلغني أنك تقول. لو أردت أن أصنع رحا نطحن بالري لفعلت. قال: نعم، قال: فاعمل لي رحا. قال: إن سلمت لأعملن لك رحا يتحدث بها أهل المشرق والمغرب.\rفقال عمر: قد أوعدني العلج الآن، ثم انصرف عمر إلى منزله. فلما كان من الغد جاء كعب الأحبار إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين أعهد فإنك ميت في ثلاث، قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب التوراة، قال عمر: إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا؛ ولكني أجد صفتك وحليتك. قال: وعمر لا يجد وجعاً، ثم جاءه من الغد وقال: بقي يومان، ثم جاءه من غد الغد وقال: قد مضى يومان، وقد بقي يوم.\rفلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة، وكان يوكل بالصفوف رجلاً، فإذا استوت كبر، ودخل أبو لؤلؤة في الناس، وفي يده خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات، إحداهن تحت سرته، وهي التي قتلته، قتل معه كليب بن بكير الليثي وجماعة غيره.","part":5,"page":283},{"id":2284,"text":"روى أنه طعن معه اثنا عشر رجلاً، وقيل: ثلاثة عشر مات منهم ستة، فلما وجد عمر حر السلاح سقط، وأمر عبد الرحمن بن عوف فصلى بالناس وهو طريح، فاحتمل، فأدخل بيته ودعا عبد الرحمن، فقال: إنى أريد أن أعهد إليك، قال: أتشير علي بذلك؟ قال: عمر اللهم لا، فقال: والله لا أدخل فيه أبداً قال: فهبني صمتاً؛ حتى أعهد إلى النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض، ثم دعا علياً، وعثمان، والزبير وسعداً، وقال: انتظروا أخاكم طلحة ثلاثاً، فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم.\rأنشدك الله ياعلي، إن وليت من أمور الناس شيئاً على ألا تحمل بني هاشم على رقاب الناس.\rأنشدك الله يا عثمان، إن وليت من أمور الناس شيئاً ألا تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس.\rأنشدك الله يا عثمان، إن وليت من أمور الناس شيئاً ألا تحمل أقاربك على رقاب الناس.\rقوموا فتشاوروا، ثم أقضوا أمركم، وليصل بالناس صهيب، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فقال: قم على بابهم فلا تدع أحدا يدخل إليهم، وأوص الخليفة من بعدي بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان، أن يحسن إلى محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم، وأوص الخليفة بالعرب؛ فإنهم مادة الإسلام، أن تؤخذ من صدقاتهم حقها، فتوضع في فقرائهم، وأوص الخليفة بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوفي لهم بعهدهم.\rاللهم بلغت! لقد تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الراحة، ثم قال لأبنه عبد الله: أنظرمن قتلني؟ فقال: قتلك أبو لؤلؤة، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد رجل سجد لله سجدة واحدة، وأرسل عبد الله ابنه إلى عائشة، فاستأذنها أن يدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه، ثم قال: يا عبد الله، إن اختلف القوم فكن مع الأكثر، فإن تساووا فكن مع الحزب الذي فيه عبد الرحمن بن عوف.\rيا عبد الله، ائذن للناس، فدخل عليه المهاجرون والأنصار، فجعلوا يسلمون عليه، فيقول لهم: هذا عن ملأ منكم؟ فيقولون: معاذ الله! ودخل كعب الأحبار مع الناس، فلما رآه عمر رضي الله تعالى عنه قال:\rوأوعدني كعب ثلاثاً أعدها ... ولا شك أن القول ما قاله كعب\rومابي حذار الموت إني لميت ... ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب\rقال: ولما طعن أبو لؤلؤة عمر، ومنطكعن معه، رمي عليه رجل من أهل العراق برنساٌ، ثم نزل عليه، فلما رأى أنه لا يستطيع أن يتحرك، وجأ نفسه فقتلها.\rقال أبو عمر بن عبد البر: ومن أحسن شيء يروي في مقتل عمر وأصحه ما رواه بسنده إلى عمرو بن ميمون، قال: شهدت عمر يوم طعن ومات، وما منعني أن أكون في الصف المقدم إلا هيبته - وكان رجلاً مهيباً - فكنت في الصف الذي يليه، فأقبل عمر، فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، ففاجأ عمر قبل أن تستوي الصفوف، ثم طعنه ثلاث طعنات، فسمعت عمر وهو يقول: دونكم الكلب فإنه قد قتلني، وماج الناس وأسرعوا إليه، فجرح ثلاثة عشر رجلاً، فانكفأ عليه رجل من خلفه فأحتضنه، وحمل عمر، فماج الناس بعضهم في بعض حتى قال قائل: الصلاة يا عباد الله، طلعت الشمس.\rفقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بنا بأقصر سورتين في القرآن، \" إذا جاء نصر الله والفتح \" \" و إنا أعطيناك الكوثر \" ، واحتمل عمر، ودخل الناس عليه، فقال: يا عبد الله بن عباس، أخرج فناد في الناس: أعن ملأ منكم هذا ؟ فقالوا: معاذ الله! والله ما علمنا ولا أطلعنا. وقال: أدعوا إلى الطبيب فدعى الطبيب فقال: أي الشراب أحب إليك؟ فقال: النبيذ فسقي نبيذا فخرج من بعض طعناته، فقال الناس: هذا دم، هذا صديد، فقال: اسقوني لبناً، فسقى لبناً، فخرج من الطعنة، فقال له الطبيب: لا أرى أن تمسي، فما كنت فاعلاً فافعل.\rوروى أبو عمر أيضاً بسنده إلى عوف بن عوف بن مالك الأشجعي: أنه رأى في المنام، كأن الناس جمعوا، فإذا فيهم رجل فرعهم فهو فوقهم بثلاثة أذرع.\rقال: فقلت: من هذا ؟ فقالوا: عمر. قلت: ولم ؟ قالوا: لأن فيه ثلاث خصال، لأنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأنه خليفة مستخلف، وأنه شهيد مستشهد.\rقال: فأتى أبو بكر فقصها عليه، فأرسل إلى عمر فدعاه ليبشره، فجاء عمر فقال لي أبو بكرك اقصص، قال ك فلم بلغت خليفة مستخلفن درني عمر وانتهرني، وقال: اسكت، تقول هذا وهو حي!","part":5,"page":284},{"id":2285,"text":"قال: فلما كان هذا بعد، وولى عمر، مررت بالمسجد وهو على المنبر، فدعاني وقال: اقصص علي روياك، فقصصتها، فلما قلت: إنه لا يخاف في الله لومة لائم قال: إني لأرجو أن يجعلني الله منهم، قال: فلما قلت: \" خليفة مستخلف \" قال: قد استخلفني الله، وأسأله أن يعينني على ما ولاني، فلما أن ذكرت: \" شهيد مستشهد \" ، قال: أني لي بالشهادة وأنا بين أظهركم تغزون ولا أغزو! ثم قال: بلى يأتي الله بها إن شاء، يأتي الله بها إن شاء.\rوقد روي معمر عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عمر قميصاً أبيض، فقال: أجديد قميصك هذا، أم غسيل؟ قال: بل غسيل قال: \" ألبس جديداً، وعش حميداً، مت شهيداً، ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة \" ، قال: وإياك يا رسول الله.\rوروى عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ناحت الجن على عمر قبل أن يقتل بثلاث، فقالت:\rأبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتز العضاة بأسوق\rجزي الله خيراً من إمام وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق\rفمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق\rقضيت أموراً ثم غادرت بعدها ... بوائق من أكمامها لم تفتق\rوما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكف سبنتي أزرق العين مطرق\rوالله سبحانه وتعالى أعلم.\rقصة الشورى\rقال: وقيل لعمر: لو استخلفت يا أمير المؤمنين؟ قال: لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته، وقلت لربي إن سألني: سمعتك وسمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الأمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لاستخلفته، وقلت لربي إن سألني: سمعت نبيك يقول: \" إن سالماً شديد الحب لله \" .\rفقال له رجل: أدّلك على عبد الله بن عمر؟ فقال: قاتلك الله ! ما أردت بهذا ويحك! كيف استخلف من عجز عن طلاق امرأته! لاأرب لنا في أموركم، ما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بتي، إن كان خيراً قد أصبنا منه، وإن كان شراً قد صرف عنا، بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد، ويسأل عن أمة محمد! أما لقد جهدت نفسي، وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافاً لا أجر ولا وزر، إني لسعيد. انظر فإن استخلفت، فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مي، ولن يضيع الله دينه.\rفخرجوا، ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو عهدت عهداً! فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي أن أنظر فأولي رجلاً أمركم، وهو أحراكم أن يحملكم على الحق - وأشار إلى علي - فرهقتني غشية، فرأيت رجلاً دخل الجنة، فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه، ويصيره تحته، فعلمت أن الله بالغ أمره، فما أردت أن اتحملها حياً وميتاً.\rعليكم هؤلاء الرهط الذين قالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم من أهل الجنة، وهم: علي وعثمان وعبد الرحمن وسعد، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، فلتختاروا منهم رجلاً، فإذا ولوا والياً فاحسنوا موازرته وأعينوه، وخرجوا.\rفقال العباس لعلي: لا تدخل معهم، إني أكره الخلاف، قال: إذن ترى ما تكره، فلما أصبح عمر دعا علياً، وعثمان، وسعداً، وعبد الرحمن، والزبير، فقال: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنكم راض. إني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم؛ ولكني أخافكم فيما بينكم، فيختلف الناس، فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنها، فتشاوروا فيها. ووضع رأسه وقد نزفه الدم، فدخلوا فتناجوا؛ حتى ارتفعت أصواتهم.\rفقال عبد الله بن عمر: سبحان الله! إن أمير المؤمنين لم يمت بعد، فسمعه عمرك فانتبه، وقال: أعرضوا عن هذا، فإذا أنا مت فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصل بالناس صهيب، ولا يأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيراً، ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر، فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فامضوا لأمركم. ومن لي بطلحةظ فقال سعد بن أبي وقاص: أنا لك به، ولا يخالف إن شاء الله تعالى.\rفقال عمر رضي الله عنه: أرجوا ألا يخالف إن شاء الله، وما أظن أن يلي هذا الأمر إلا أحد هذين الرجلين: علي أو عثمان.","part":5,"page":285},{"id":2286,"text":"فإن ولي عثمان، فرجل فيه لين، وإن ولي علي ففيه دعابة وأحر به أن يحملهم على الحق، وإن تولوا سعداً فأهلها هو وإلا فليستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن ضعف ولا جناية، ونعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف! فاسمعوا منه.\rوقال لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة، إن الله تعالى طالما أعز بكم الإسلام، فاختر خمسين رجلاً من الأنصا، فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلاً منهم.\rوقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي، فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلاً.\rوقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل هؤلاء الرهط. بيتاً، وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة وأبي واحد فأشدخ رأسه بالسيف، وإن أنفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، وإن رضي اثنان رجلاً، واثنان رجلاً، فحكموا عبد الله بن عمر، فإن لم ترضوا بحكمة فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع فيه الناس، فخرجوا، فقال علي لقوم معه من بني هاشم: إن أطع فيكم قومكم لم تؤمروا أبداً، وتلقاه عمه العباس فقال: عدلت عنا، قال: وما علمك؟ قال: قرن بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلاً، ورجلان رجلاً فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن، فسعد لا يخالف ابن عمه، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفان فيوليها أحدهما الآخر، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني.\rفقال له العباس: لم أدفعك في شيء إلا رجعت إلى مستأخراً لما أكره، أشرت عليك عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسأله فيمن هذا الأمر، فأبيت، وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت.\rاحفظ عني واحدة، كلما عرض عليك القوم، فقل: لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط؛ فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا حتى يقوم به لنا غيرنا. وآيم الله لا تناله إلا بشر لا ينفع معه خير.\rفلما مات عمر ودفن، جمع المقداد أهل الشورى في بيت المسور ابن مخرمة، وقيل: في بيت المال. وقيل: في حجرة عائشة بإذنها، وطلحة غائب، وأمروا أبا طلحة أن يحجبهم.\rوجاء عمر بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب، فحصبهما سعد وأقامهما، وقال: تريدان أن تقولا مضنا وكنا في أهل الشورى! فتنافس القوم في الأمر وكثر بينهم الكلام، فقال أبو طلحة: أنا كنت لأن تدفعوها أخوف مني لأن تنافسوها، لا والذي ذهب بنفس عمر لا أزيدكم عل الأيام الثلاثة التي أمر، ثم أجلس في بيتي فأنظر ما تصنعون.\rفقال عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن نوليها أفضلكم، فلم يجبه أحد، فقال: أنا أنخلع منها.\rقال عثمان: أنا أول من رضي، قال:القوم: قد رضينا،وعلي ساكت، فقال: ما تقول أبا الحسن؟ قال: أعطني وثقاً لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى، ولا تخص ذا رحم لرحمه، ولا تألوا الأمة، فقال: أعطوني مواثقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير، وأن ترضوا من اخترت لكم، وعلى ميثاق الله ألا أخص ذا رحم لرحمه ولا آلو المسلمين قال: فأخذ منهم ميثاقاً، وأعطاهم مثله.\rفقال لعلي: تقول: إنى أحق من حضر هذا الأمر، لقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وسابقتك وحسن أثرك في الدين، ولم تبعد؛ ولكن أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك ولم تحضر إلى هؤلاء الرهط، من تراه أحق به؟ قال: عثمان، وخلا بعثمان فقال: تقول: شيخ من بني عبد مناف وصهر رسول الله وابن عمه ولي سابقه وفضل، فأين يصرف هذا الأمر عني؟ ولكن لو لم تحضر، أي هؤلاء أحق به؟ قال علي. ولقي علي سعداً فقال: أتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، أسألك برحم ابني هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرحم عمي حمزة ألا تكون مع عبد الرحمن ظهيراً لعثمان علي. ودار عبد الرحمن ليلقى أصحاب رسول الله ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم؛ حتى إذا كانت الليلة التي صبيحتها يستكمل الأجل، أتى منزل المسور بن مخرمة فأيقظه وقال له: لم أذق غيب هذه االليلة كثير غمض، انطلق فاجع الزبير وسعداً ؛ فدعاهما، فبدأ بالزبير فقال له: خل عبد بني مناف، وهذا الأمر، قال: نصيبي لعلي. وقال لسعد: اجعل نصيبك لي، فقال: إن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي، أيها الجل، بايع لنفسك وارحنا وارفع رؤوسنا.","part":5,"page":286},{"id":2287,"text":"فقال: قد خلعت نفي على أن أختار، ولو لم أفعل لم أردها، إني رأيت روضة خضراء كثيرة العشب، فدخل فحل ما رأيت أكرم منه، فمر كأنه سهم لم يلتفت إلى شيء منها؛ حتى قطعها، لم يعرج. ودخل بعير يتلوه، فاتبع أثره حتى خرج منها، ثم دخل عبقري يجر خطامه ومضى قصد الأولين، ثم دخل بعير رابع فوقع في الروضة، ولا والله لا أكون الراتع الرابع، ولا يقوم مقام أبي بكر وعمر بعدهما أحد فيرضى الناس عنه.\rقال: وأرسل المسور، فاستدعي علياً فناجاه طويلاً وهو لا يشك أنه صاحب الأمر، ثم نهض، ثم أرسل إلى عثمان فتناجيا حتى فرق بينهما الصبح، فلما صلوا الصبح جمع الرهط، وبعث إلى من حضره من المهاجرين واهل السابقة والفضل من الأنصار، وإلى أمراء الأجناد، فاجتمعوا حتى التحم المسجد بأهله، فقال: أيها الناس، إن الناس قد أحبوا أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم، وقد علموا من أميرهم، فأشيروا علي.\rفقال عمار بن ياسر: إذا أردت ألا يختلف المسلمون فبايع علياً.\rفقالع المقداد بن الأسود: صدق عمار إن بايعت علياً، قلنا: سمعنا وأطعنا.\rوقال ابن أبي سرح: إذا أردت ألا تختلف قريش فبايع عثمان.\rفقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدقت، إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا.\rفشتم عمار بن أبي سرح، وقال: متى كنت تنصح المسلمين! فتكلم بنو هاشم وبنو أمية، فقال عمار: أيها الناس، إن الله أكرمنا بنبيه، وأعزنا بدينه، فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم! فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها! فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن، أفرغ قبل أن يفتن الناس، فقال عبد الرحمن: إنى قد نظرت وشاورت، فلا تجعلن فيها أيها الرهط على أنفسكم سبيلاً، ودعا علياً، فقال: عليك عهد الله وميثاقه، لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله، وسيرة الخليفتين من بعده؟ فقال: أرجو أن أفعل، فأعمل بمبلغ علمي وطاقتي.\rودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، فقال: نعم، فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان، فقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان، فبايعه.\rوقيل: وخرج عبد الرحمن بن عوف وعليه عمامته التي عممه رسول الله صلى الله عليه وسلم متقلداً سيفه؛ حتى ركب المنبر.\rفوقف وقوفا طويلاً، ثم دعا دعاء لا يسمعه الناس، ثم تكلم فقال: أيها الناس، إنى قد سألتكم سراً وجهراً عن إمامكم، فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين: إما علي، وإما عثمان.\rفقم إلى يا علي، فقام إليه فوقف تحت المنبر، وأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذاك وطاقتي.\rقال: فأرسل يده ثم نادي: قم إلى يا عثمان، فأخذ بيده، وهو في موقف على الذي كان فيه، فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ فقال: اللهم نعم، قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان، فقال: اللهم اسمع واشهد ثلاثاً، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان، قال: فازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه عند المنبر، فقعد عبد الرحمن مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر، وأقعد عثمان على الدرجة الثانية، فجعل الناس يبايعونه، وتلكأ علي.\rفقال عبد الرحمن: \" فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً \" فرجع علي يشق الناس حتى بايع عثمان وهو يقول: خدعة، وأي خدعة! وقيل لما بايع عبد الرحمن عثمان قال علي: ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون، والله ماوليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك، والله كل يوم هو في شأن.\rفقال عبد الرحمن: يا علي، لا نجعل على نفسك حجة ولا سبيلاً، فخرج علي وهو يقولك سيبلغ الكتاب أجله.\rفقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته، وإنه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.\rفقالع: يا مقداد: ما رأيت مثل ما أتى إلى اهل هذا البيت بعد نبيهم، وإني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلاً، لا أقول ولا أعلم أن رجلاً أقضى بالعدل، ولا أعلم منه، أما والله لو أجد أعوانا عليه! فقال عبد الرحمن: يا مقداد، اتق الله؛ فإنى خائف عليك الفتنة.","part":5,"page":287},{"id":2288,"text":"فقال رجل للمقداد: رحمك الله! من أهل هذا البيت؟ ومن هذا الرجل؟ قال: أهل البيت بنو عبد المطلب، والرجل علي بن أبي طالب.\rفقال علي: إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر بينها: فتقول: إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبداً، وإن كانت في غيرهم تداولتموها بينكم.\rقال: وقدم طلحة في ليوم الرابع الذي بويع فيه عثمان فقيل له: بايعوا لعثمان، فقال: كل قريش راض به؟ قالوا: نعم. فأتى عثمان فقال له عثمان: أنت على رأس أمرك، إن أبيت رددتها.\rقال: أتردها؟ قال: نعم. ثم قال أكل الناس بايعوك؟ قال، نعم قال: قد رضيت، لا أرغب عما أجمعوا عليه، وبايعه.\rحكاه ابن الأثر في تاريخه الكامل، عن عمر وبن ميمون. وفيه زيادة عن الطبري.\rوروى أبو جعفر الطبري رحمه الله في قصة الشورى، عن المسور بن مخرمة محو مات تقدم؛ إلا أنه ذكر زيادات ذكرنا بعضها في أثناء هذه القصة، ونذكر بقيتها الآن.\rقال: لما دفن رضي الله عنه جمعهم عبد الرحمن وخطبهم، وأمرهم بالاجتماع وترك التفرق.\rفتكلم عثمان رضي الله عنه، فقال: الحمد لله الذي اتخذ محمداً نبياً وبعثه رسولاً وصدقه وعده، ووهب له نصره على كل من بعد نسيا، أو قرب رحما، صلى الله عليه، وجعلنا الله تابعين وبأمره مهتدين، فهو لنا نور ونحن بأمره نقوم، عند تفرق الأهواء، ومجادلة الأعداء، جعلنا الله بفضله أئمة، وبطاعته أمراء، لا يخرج أمرنا منا، ولا يدخل علينا غيرنا إلا من سفه الحق، ونكل عن القصد، وأحر بها يابن عوف أن تترك، وأجدربها أن تكون إن خولف أمرك، وترك دعاؤك، فأنا مجيب وداع إليك، وكفيل بما أقول زعيم، واستغفر الله لي ولكم.\rثم تكلم الزبير بعده، فقال: أما بعد، فإن داعي الله لا يجهل ومجيبه لا يخذل، عند تفرق الأهواء، ولي الأعناق، ولن يقصر عما قلت إلا غوي، ولن يترك ما دعوت غليه وإلا شقي، ولولا حدود لله فرضتن وفرائض لله حدت، تراح على أهلها، وتحيا لا تموت؛ لكان الموت من الإمارة نجاه، والفرار من الولاية 2صمة، ولكن لله علينا إجابة الدعوة،و إظهار السنة، لئلا نموت موتة عمية، ولا نعمي عمي جاهلية، فأنا مجيبك إلى مادعوت، ومعينك على ماأمرت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، واستغفر الله لي ولكم.\rثم تكلم سعد فقال. الحمد لله بديئاً، بمحمد صلى الله عليه وسلم أنارت الطرق، واستقامت السبل، وظهر الحق، ومات كل باطل، إياكم أيها النفر وقول الزور، وأمنية أهل الغرور؟ فقد سلبت الأماني قوما قبلكم، ورثوا ما ورثتم، ونالوا ما نلتم، فاتخذوا الله عدوا، ولعنهم لعناً كثيراً، قال، قال الله تعالى: \" لعن الذين كفروا من بني إسرائيل... \" .\rإلى قوله: \" لبئس ما كانوا يفعلون. \" إني نكبت قرني وأخذت سهمي الفالج، وأخذت لطلحة بن ابن عبيد الله ما ارتضيت لنفسي، فأنا كفيل به، وبما أعطيت عنه زعيم، والأمر إليك يا بن عوف، بجهد النفس، وقصد النصح، وعلى الله قصد السبيل وإليه الرجوع، واستغفر الله لي ولكم، وأعوذ بالله في مخالفتكم.\rثم تكلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: الحمد لله الذي بعث محمداً منا نبياً، وبعثه إلينا رسولاً، فنحن بيت النبوة، ومعدن الحكمة، وأمان أهل الأرض، ونجاة لمن طلب؛ لنا حق إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل، ولو طال السري. لو عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً لأنفذنا عهده، ولو قال لنا قولاً لجادلنا عليه حتى نموت، لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق، وصلة رحم، ولا قوة وإلا بالله.\rاسمعوا كلامي، وعوا منطقي، عسى أن تروا هذا الأمر بعد هذا المجتمع تنتضي فيه سيوف، وتخان في العهود، حتى تكونوا جماعة، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة، وشيعة لأهل الجهالة.\rثم قال:\rفإن تك جاسم هلكت فإني ... بما فعلت بنو عبد بن ضخم\rمطيع في الهواجر كل عي ... بصير بالنوى من كل نجم\rفقال عبد الرحمن: أيكم يطيب نفساً أن يخرج نفسه من هذا الأمر، ويوليه غيره؟ قال: فأمسكوا عنه. وذكر نحو ماتقدم.\rفلنرجع إلى بقية أخبار عمر رضي الله عنه.\rقال: ومات عمر لأربع بقين من ذي الحجة، قاله الواقدي.","part":5,"page":288},{"id":2289,"text":"وقال غيره: يوم الأثنين الميلتين بقيتا منه، وقيل: طعن يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد هلال المحرم، سنة أربع وعشرين في حجرة عائشة رضي الله عنها، ورأسه قبالة كتفي أبي بكر رضي الله عنهما، وصلى عليه صهيب الرومي. والله سبحان وتعالى اعلم بالصواب.\rأولاده وأزواجه\rتزوج رضي الله عنه في الجاهلية زينب بنت مظعون بن حبيب ابن وهب بن حذافة بن جمح، فولدت له عبد الله وعبد الرحمن الأكبر وحفصة أم المؤمنين رضي الله عنهم.\rوتزوج مليكة بنت جرول الخزاعي في الجاهلية فولدت له عبيد الله ففارقها في الهدنة، وقيل: كانت أم عبد الله وأم زيد الأصغر أم كلثوم بنت جرول الخزاعي. وكان الإسلام فرق بينها وبين عمر.\rوتزوج قريبة بنت أبي أمية المخزومي في الجاهلية، ففارقها في الهدنة أيضاً، فتزوجها بعده عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وفريبة أخت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.\rوتزوج أم حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومي في الإسلام، فولدت له فاطمة، فطلقها، وقيل: لم يطلقها.\rوتزوج جميلة بنت عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأوسي في الإسلام، فولدت له عاصماً فطلقها، وقيل: لم يطلقها.\rوتزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصدقها أربعين ألفاً فولدت رقية وزيداً.\rوتزوج لهية، امرأة اليمن، فولد له عبد الرحمن الأوسط، وقيل الأصغر. وقيل: كانت أم ولد، وكانت عنده فكيهبة أم ولد فولدت له زينب، وهي أصغر ولد عمر.\rوتزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وقد تقدم خبرها عند ذكر عبد الله بن أبي بكر.\rومن أولاده رضي الله عنه: عبد الرحمن، وكنيته أبو شحمة؛ وقيل: إنه كان له ولد يقال له: مجبر.\rولنفصل هذا الفصل لذكر شيء من أخبار من أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولاد عمر، ومن ولد في حياته أما عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فإنه أسلم مع أبيه، وهو صغير لم يبلغ الحلم وكان أول مشاهده الخندق. وقيل: أحد؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردد يوم بدر لصغر سنه، وشهد الحديبية، وكان رضي الله عنه من أهل الورع والعلم، كثير الاتباع لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، شديد التحري والاحتياط في فتواه. وكان لا يتخلف عن السرايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرالحج. وقال رسول الله صلى الله وسلم لحفصة بنت عمر: \" إن أخاك عبد الله رجل صالح لو كان يقوم من الليل \" ، فما ترك بعدها قيام الليل. وقعد عن حرب علي لما أشكلت عليه لورعه، ثم ندم على ذلك حين حضرته الوفاة، فقال: ما أجد في نفسي من أمر الدنيا شيئاً إلا أنى لم أقاتل مع علي الفئة الباغية.\rقال ميمون بن مهران: ما رأيت أورع من أبن عمر، ولا أعمل من ابن عباس.\rوأفتى من الإسلام ستين سنة، ونشر نافع عنه علماً جماً.\rوروى عن يوسف بن الماجشون، عن أبيه وغيره: أن مروان بن الحكم دخل في نفر على عبد الله بن عمر بعد ما قتل عثمان، فعرضوا عليه أن يبايعوا له، فقال: كيف لي بالناس؟ قال: تقاتلهم ونقاتل معك، قال: والله لو اجتمع على أهل الأرض، إلا أهل فدك ما قاتلتهم فخرجوا من عنده ومروان يقول:\rإني أرى فتنة تغلي مراجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا\rقال: وكانت وفاة عبد الله بمكة سنة ثلاث وسبعين، بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر أو نحوها، وقيل: ستة أشهر، وأوصى أن يدفن في الحل، فلم يقدر على ذلك من أجل الحجاج، فدفن بذي طوى بمقبرة المهاجرين.\rوكان الحجاج قد أمر رجلاً فسم زج رمحه، وزحمه في الطريق، ووضع الزج في ظهر قدمه؛ ذلك أن الحجاج خطب يوماً، وأخر الصلاة، فقال ابن عمر: إن الشمس لا تنتظرك، فقال الحجاج: لقد هممت أن أضرب الذي فيه عيناك. فقال: إن تفعل فإنك سفيه سلط. وقيل: إنه أخفى قوله ذلك عن الحجاج فلم يسمعه.","part":5,"page":289},{"id":2290,"text":"وكان عبد الله يتقدم في المواقف بعرفة وغيرها إلى المواضع التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلام يقف فيها، فكان ذلك يعز على الحجاج، فأمر الحجاج رجلاً معه حزبه مسمومة، فلما دفع الناس من عرفة، لصق به ذلك الرجل، فأمر الحربة على قدمه وهو فيغرز راحلته، فمرض منها إياماً، فدخل عليه الحجاج يعوده، فقال: من فعل ذلك بك يا أبا عبد الرحمن وخرج عنه. وقيل إنه قال للحجاج: إذ قال: من فعل بك؟ قال: أنت الذي أمرت بإدخال السلاح في الحرم، فلبث أياماً ثم مات رضي الله عنه، وصلى عليه الحجاج.\rوأما عبد الرحمن الأكبر، فإنه أدرك لسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يخف عنه. وعبد الرحمن الأوسط وهو أبو شحمة هو؛ الذي ضربه عمرو ابن العاص بمصر في الخمر، ثم حمله إلى المدينة فضربه أبوه أدب الوالد، ثم مرض ومات بعد شهر.\rكذا رواه معمر عن الزهري، عن سالمن عن أبيه، وأهل العراق يقولون: إنه مات تحت سياط عمر.\rقال ابن عبد البر: وذلك غلط. وقال الزبير: أقام عليه عمر حد الشراب، فمرض ومات.\rوعبد الرحمن الأصغر، هو أبو المجبر، واسم المجبر عبد الرحمن ابن عبد الرحمن بن عمر: سمي المجبر لأنه وقع وهو غلام فتكسر، فأتى به إلى عمته حفصة أم المؤمنين، فقيل لها: انظري إلى ابن أخيك المكسر فقالت: ليس بالمكسر ولكنه المجبر.\rوقال الزبير: هلك عبد الرحمن الأصغر و ترك ابناً صغيراً، أو حملاًن فسمته حفصة: عبد الرحمن، ولقبته المجبر، وقالت: لعل الله يجبره.\rوعبيد الله بن عمر ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل أنه روى عنه، ولاسمع منه، وهو الذي حده عمر في شرب الخمر، وهو الذي وثب على الهرمزان فقتله، وقتل معه نصرانياً اسمه جفينة من أهل الحيرة، وقد اتهمهما أنهما أغريا أبا لؤلؤة بقتل عمر. وقتل أيضا ابنة لأبي لؤلؤة طفلة، ولما ضرب الهرمزان بالسيف قال: لا إله إلا الله، فلما قتل هؤلاء أخذه سعد بن أبي وقاص وحبسه في داره، وأحضره عند عثمان. وكان عبيد الله يقول: والله لأقتل: رجالاً ممن شرك في دم أبي، يعرض بالمهاجرين والأنصار.\rقالوا: وإنما قتل هؤلاء، لأن عبد الرحمن أبي بكر قال غداة قتل عمر: رأيت عشية أمس الهرمزان، وأبا لؤلؤة، وجفينة، وهم يتناجون، فلما رأوني ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، وهو الخنجر الذي ضرب به عمر، فقتلهم عبيد الله. فلما أحضره عثمان قال: أشيروا على في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق، فقال علي: أرى أن تقتله. فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس، ونقتل ابنه اليوم! فقال عمرو بن العاص: إن الله قد أعفاك أن يكون لك هذا الحدث، ولك على المسلمين سلطان. فقال عثمان: أنا وليه، وقد جعلها دية، واحتلتها في مالي.\rوقيل في فداء عبيد الله غير ذلك.\rقال القماذيان بن الهرمزان: كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض، فمر فيروز بأبي، ومعه خنجر له رأسان، فتناوله منه، وقال له: ما تصنع به؟ قال: أسن به، فرآه رجل، فلما أصيب عمر قال: رأيت الهرمزان دفعه إلى فيروز، فأقبل عبيد الله فقتله.\rفلما ولي عثمان أمكنني منه، فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي، وإلا أنهم يطلبون إلى فيه، فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم، وسبوا عبيد الله، قلت: أفلكم منعه؟ قالوا: لا وسبوه، فتركته لله ولهم، فحملوني، فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الناس.\rوالأول أصح وأشهر؛ لأعلياً لما ولي الخلافة أراد قتل عبيد الله، فهرب منه إلى معاوية بالشام، ولو كان إطلاقه بأمر ولي الدم لم يعرض له علي رضي الله عنه.\rقال أبو عمر: وكان عبيد الله من أنجاد قريش وفرسانهم، قتل بصفين مع معاوية، وكان يومئذ على الخيل، فرماه أبو زبيد الطائي.\rوقيل: كان قد خرج في اليوم الذي قتل فيه، وجعل امرأتين له بحيث تنظران إلى فعله وهما: أسماء بنت عطارد بن حاجب التميمي، وبحرية بنت هاني بن قبيصة، فلما برز شدت عليه ربيعة فنشب بينهم فقتلوه، وكان على ربيعة يومئذ زياد بن خصفة التميمي، فقيل له: إن هذه بحرية، فسقط عبيد الله ميتاً قرب فسطاطة، وقد بقي طنب في طنبة الفسطاط لا وتد له، فجروه، وشدوا الطنب برجله، وأقبلت امرأتاه حتى وقفتا عليه، فبكتا وصاحتا، فخرج زياد بن خصفة فقيل له: إن هذه بحرية بنت هانئ.","part":5,"page":290},{"id":2291,"text":"فقال: ما حاجتك يا بنت أخي؟ فقالت: زوجي قتل، تدفعه إلي، قال: نعم، فخذيه، فحملته على بغل، فذكر أن يديه ورجليه خطتا على الأرض من فوق البغل والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد.\rعمال عمر\rرضي الله عنهم وعن الأمصار قد ذكرنا عما له في حوادث السنين، ورأينا أن نجمعهم في هذا الموضع فنقول: كان عماله رضي الله عنهم: على مكة عتاب ابن أسيد، وعلى اليمن والطائف يعلى بن منية، وعلى البحرين واليمامة العلاء بن الحضرمي، ثم عثمان بن أبي العاص، ثم دثامة ابن مظعون، ثم أبا بكرة، وعلى عمان حذيفة بن محصن، وعلى البصرة - أول من كان بها - قطبة بن قتادة السدوسي، يغزو بتلك الناحية، كما كان المثني يفعل بناحية الحيرة. ثم كتب إلى عمر بن بكر، فسار إلى الأهواز، فقتله الأعاجم بدارس، فاستعمل عمر عتبة بن غزوان، ففتح الأبلة، ثم سار إلى عمر، فأعاده إلى عمله، فمات في الطريق، فكانت إمارته ستة أشهر، فاستعمل بعده أبا سبرة بن أبي رهم على أحد الأقوال، ثم المغيرة بن شعبة، ثم عزله كما تقدم بيانه، فاستعمل أبا موسى الأشعري، ثم صرفه إلى الكوفة، واستعمل عمر بن سراقة، ثم صرفه إلى الكوفة، وصرف أبا موسى إلى البصرة فعمل عليه ثانية، ثم صرفه و أعاده ثالثة.\rوعلى مضافات البصرة جماعة فكان على مناذر غالب الوائلي، وعلى نهر تيري حرملة بن مريطة، وعلى سوق الأهواز حرقوص بن زهير.\rوعلى الكوفة وما يليها.\rأول من استعمل عليها سعد بن أبي وقاص، فكان عليها إلى سنة عشرين، فعزله لشكاية أهلها، وأقر خليفته على الكوفة، وهو عبد الله بن عبد الله بن عتبان، ثم استعمل عمر عمار بن ياسر بن مسعود كما تقدم، ثم المغيرة بن شعبة.\rوعلى ثغور الكوفة م قدمنا ذكره، وعلى الجزيرة وما يليها عياض بن غنم، ثم ضمه عمر إلى أبي عبيدة، واستعمل حبيب ابن مسلمة على خراج الجزيرة وعجمها، والوليد بن عقبة على عربها، وعلى الموصل من كان على حربها ربعي بن الأفكل، وعلى خراجها عرفجة ابن هرثمة؛ وذلك في سنة ست عشرة.\rوقيل: كان على الحربو الخراج بها عتبة بن فرقد، وقيل كان ذلك إلى عبد الله بن غنم، وعلى الشام أبو عبيدة بن الجراح وكان تحت يده جماعة على الأعمال، فكان خالد بن الوليد على قنسرين وحمص، ويزيد بن أبي سفيان على دمشق ومعاوية على الأردن، وعلقمة بن مجزز على فلسطين وعبد الله بن قيس على السواحل. فلما مات أبو عبيدة استعمل عمر معاذ بن جبل فمات من عامه،فاستعمل يزيد بن أبي سفيان فمات، فاستعمل معاوية على دمشق والاردن، ثم استقر في سنة إحدى وعشرين عمير بن سعد على دمشق وحوران وحمص وقنسرين والجزيرة،ومعاوية بن أبي سفيان على البلقاء والأردن وفلسطين، والسواحل، وانطاكية، وقلقية، ومعرة مصرين.\rوعلى مصر عمرو بن العاص، وكان العمال في سنة وفاته إلى آخر سنة ثلاث وعشرين.\rوعلى مكة نافع بن عبد الحارث الخزاعي، وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثقفي. وعلى صنعاء يعلى بن منية، وقال الجند عبد الله بن أبي ربيعة، وعلى الكوفة المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة أبا موسى الأشعري، وعلى مصر عمرو بن العاص، وعلى حمص: عمير بن سعد، وعلى دمشق معاوية، وعلى البحرين وما والاها عثمان ابن أبي العاص الثقفي.\rكتابه\rعبد الله بن خلف الخزاعي وزيد بن ثابت، وعلى بيت المال زيد ابن أرقم.\rقضاته:\rيزيد بن أخت النمر بالمدينة: وأبو أمية شريح بن الحارث الكندي بالكوفة، ويقال: إن شريحاً أقام قاضياً ستين سنة إلى أيام الحجاج، فعطل ثلاث سنين، وامتنع من الحكم، وذلك في أيام فتنة ابن الزبير. ولما ولى الحجاج استعفاه، فأعفاه، ومات سنة سبع وثمانين وله مائة وعشرون سنة.\rوقيل: مائة سنة، وليس هو في عداد الصحابة رضي الله عنهم، بل من كبار التابعين.\rوعلى قضاء البصرة كعب بن سور.\rوعلى قضاء مصر قيس بن العاص السهمي، ثم كعب بن سيار بن ضبة، ثم عثمان بن أبي العاص.\rوكان حاجبه يرفأ مولاه، وخاتمه خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو عمر بن عبد البر: كان نقش خاتمة: \" كفى بالموت واعظاً يا عمر. \" عثمان بن عفان هو أبو عبد الله، وقيل: أبو عمرو، وقيلك في تكنيته بابي عبد الله.","part":5,"page":291},{"id":2292,"text":"إن رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولدت له ابناً فسماه عبد الله، فاكتنى به، ومات، ثم ولد له عمرو، فاكتنى به إلى أن مات.\rوقيل: أنه كان يكنى أبا ليلى عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ويجتمع مع نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، ولقب بذي النورين، لأنه تزوج ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية وأم كلثوم.\rوقيل للمهلب بن أبي صفرة: لم قيل: عثمان ذو النورين؟ قال: لأنه لا نعلم أن أحداً أرسل ستراً على ابنتي نبي غيره.\rوأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بنت عبد شمس بن عبد مناف، وأمها البيضاء، أم حكيم بنت عبد المطلب، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rولد في السنة السادسة بعد عام الفيل والله سبحانه وتعالى أعلم. بالصواب، وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد.\rصفته وفضائله\rكان رضي الله عنه طويل القامة، حسن الوجه وقيل: كان ربعه، ليس بالقصير ولا بالطويل، حسن الوجه رقيق البشرة، كبير اللحية، عظيماً أسمر اللون، كثير الشعر، ضخم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، وكان يصفر لحيته، ولما كبر شد أسنانه بالذهب، وهو رضي الله عنه أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ومات وهو عنهم راض.\rوله رضى الله عنه فضائل ومآثر وسابقة في الإسلام وقال علي رضي الله عنه: كان عثمان أوصلنا للرحم، وكان من الذين آمنوا واتقوا وأحسنوا، والله يحب المحسنين.\rواشترى رضي الله عنه بئر رومة، وكانت ركية ليهودي، يبيع للمسلمين ماءها،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من يشتري بئر رومة فيجعلها للمسلمين، يضرب بدلوه في دلائهم، وله بها مشرب في الجنة؟ \" فأتى عثمان اليهودي فساومه بها، فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى منه نصفها باثني عشر ألف درهم فجعله للمسلمين، فقال له عثمان: إن شئت جعلت على نصيبي يومين، وإن شئت على يوم ولك يوم، قال:لا، بل لك يوم ولي يوم. فكان إذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين فلما رأى اليهودي ذلك، قال: أفسدت على ركبتي، فاشتر النصف الآخر، فاشتراه بثمانية آلاف.\rقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يزيد في مسجدنا؟ فاشترى عثمان رضي الله عنه موضع خمس سوار، فزاده في المسجد.\rوجهز رضي الله عنه جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيراً، وأتم الألف بخمسين فرساً.\rوعن قتادة رضي الله عنه، قال: حمل عثمان ما في جيش العسرة على ألف بعير، وسبعين فرساً.\rوعن محمد بن بكير: أن عثمان رضي الله عنه، كان يحيى الليل: أن عثمان رضي الله عنه، كان يحيى الليل يركعه يقرأ فيها القرآن. وروى أنه كان يصوم الدهر رضي الله عنه.\rبيعة عثمان\rرضي الله عنه.\rبويع له بالخلافة كما تقدم في قصة الشورى، وقد اختلف في يوم بيعته، وهو مرتب على الخلاف في تاريخ وفاة عمر رضي الله عنهما، فقيل: في يوم السبت غرة المحرم، سنة أربع وعشرين. ولم يذكر أبو عمر بن عبد البر غيره.\rوقيل: يوم الأثنين لليلة بقيت من ذي الحجة، سنة ثلاث وعشرين، فاستقبل بخلافته شهر المحرم، سنة أربع وعشرين، قاله أبو جعفر.\rقال: وقيل: لعشر خلون من المحرم معد مقتل عمر بثلاث ليال.\rقال: استخلف وقد دخل وقت العصر، وقد أذن مؤذن صهيب، واجتمعوا في ذلك بين الأذان والإقامة، فخرج فصلى بالناس، وزادهم مائة مائة، ووفد أهل الأنصار، وهو أول من صنع ذلك.\rقال: وقيل: لما بايع أهل الشورى عثمان رضي الله عنهن خرج وهو أشدهم كآبة، فأتى منبر النبري صلى الله عليه وسلم فخطب فحمد الله واثني عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيها الناس، إنكم في دار قلعة، وفي بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون علي، فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور \" فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور؟ واعتبروا بمن مضى، ثم جدوا ولا تغفلوا؛ فإنه لا يغفل عنكم.\rأين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمروها، ومتعوا بها طويلاً! ألم تلفظهم! رموا بالدنيا حيث رمى الله بها. واطلبوا الآخرة؛ فإن الله عز وجل قد ضرب لها مثلاً والذي هو خير، فقال: \" واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء... \" إلى قوله: \" والباقيات الصالحات خير عن ربك ثوابا وخير أملا \"","part":5,"page":292},{"id":2293,"text":"وكان أول كتاب كتبه إلى عماله: أما بعد؛ فإن الله تعالى أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة، وأن صدر هذه الأمة خلقوا رعاة، ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة، ولا يكونوا رعاة؛ فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء.\rألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين فيما عليهم فتعطوهم مالهم، وتأخذوهم بما عليهم، ثم تثنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوهم بالذي عليهم، ثم العدة الذي تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء.\rكان أول كتاب كتبه إلى أمراء الأجناد في الفروج: أما بعد، فإنكم حماة المسلمين وذادتهم، وقد وضع لكم عمر رضي الله عنه ما لم يغب عنا، بل كان عن ملأ منا، ويستبدل بكم غيركم. فانظروا كيف تكونون، فإنى أنظر فيما ألزمني الله النظر فيه والقيام عليه.\rذكر الفتوحات والغزوات في خلافة عثمان\rأهل الاسكندرية\rوفي سنة خمس وعشرين نقض أهل الاسكندرية الصلح؛ وذلك أن الروم حضروا إليهم من القسطنطينية، ونفذ منهم منويل الخصى، واتفقوا مع من بها من الروم، ولم يوافقهم المقوقس، وثبت على صلحه، فثبت لذلك.\rوسار عمرو بن العاص إليهم، وسار إليه الروم، واقتتلوا أشد قتال، فانهزم الروم وتبعهم المسلمون إلى أن أدخلوهم الإسكندرية، وقتلوا منهم في البلدة مقتلة عظيمة، وقتل منويل الخصى.\rوكان الروم لما خرجوا من الإسكندرية أخذوا أموال أهل تلك القرى، من وافقهم ومن خالفهم، فلما ظفر بهم المسلمون جاء أهل القرى الذين خالفوهم فقالوا لعمرو بن العاص: إن الروم أخذوا اموالنا ودوابنا، ولم نخالف نحن عليكم، وكنا على الطاعة، فردع عليهم ما غرموا من أموالهم بعد إقامة البينة.\rوهدم عمرو سور الإسكندرية\rغزوة أرمينية\rوغيرها وما وقع من الصلح.\rكان عثمان رضي الله عنه قد استعمل سعد بن أبي وقاص على الكوفة، ثم عزله، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط - وهو أخو عثمان لأمه - فعزل الوليد عتبة بن فرقد عن أذربيجان، فنقضوا العهد فغزاهم الوليد في سنة خمس وعشرين، وجعل على مقدمته ابن شبيل الأحمسي، وأغار على أهل موقان وما جاورها، ففتح وغنم وسبى، وطلب أهل كور أذربيجان الصلح، فصالحهم على صلح حذيفة، وهو ثمانمائة ألف درهم، فقبض المال ثم بث سراياه، وبعث سلمان بن ربيعة و الباهلي إلى أهل أرمينية في أثني عشر ألفً فقتل وسبى وغنم، ثم انصرف وقد ملأ يده حتى أتى الوليد.\rوعاد الوليد وجعل طريق إلى الموصل، ثم أتى الحديثة.\rقال: ولما نزل الوليد بن عقبة الحديثة، أتاه كتاب عثمان رضي الله عنه يقول: إن معاوية كتب إلى أن الروم قد أجلبت على المسلمين في جموع كثيرة، وقد رأيت أن يمدهم أخوانهم من أهل الكوفة. فابعث إليهم رجلاً له نجدة وبأس في ثمانية آلاف، أو تسعة آلاف، أو عشرة آلاف من المكان الذي يأتيك كتابي فيه، والسلام.\rفقام الوليد في الناس، وأعلمهم الحال، وندبهم مع سلمان ابن ربيعة الباهلي، فانتدب معه ثمانية آلاف، فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشام إلى أرض الروم، فشنوا الغارات، فأصاب الناس ما شاءوا، وافتتحوا حصونا كثيرة.\rوقيل: إن الذي أمد حبيب بن مسلمة بسلمان بن ربيعة، كان سعيد بن العاص لما كان على الكوفة؛ وكان سبب ذلك أن عثمان كتب إلى معاوية يأمره أن يغزى حبيب بن مسلمة في أهل الشام أرمينية، فوجهه إليها، فأتى قاليقلا فحصرها، وضيق على من كان بها، فطلبوا الأمان على الجلاء أو الجزية، فجلا كثير منهم، فلحقوا ببلاد الروم، وأقام حبيب بها فيمن معه أشهراً، ثم بلغه أن بطريق أرمنياقس - وهي ملطية، وسيواس وقونية، وما ولاها من البلاد إلى خليج القسطنطينية - واسمه الموريان، قد توجه نحوه في ثمانين ألفاًُ من الروم. فكتب إلى معاوية بذلك، فكتب معاوية إلى عثمان، فأرسل عثمان إلى سعيد بن العاص، يأمره بإمداد حبيب، فأمده بسلمان في ستة آلاف، فأجمع حبيب على تبييت الروم، فسمعته امرأته أم عبد الله بنت يزيد الكبيبة، فقالت: أين موعدك؟ فقال: سرادق الموريان، ثم بيتهم، فقتل من وقف له، ثم أتى السرادق فوجد امرأته قد سبقته إليه، ولما انهزمت الروم عاد حبيب إلى قاليقلا، ثم سار فيها فنزل مريالاً، فأتاه بطريق خلاط بكتاب عياض بن غنم بأمانه فأجراه عليه، وحمل إليه البطريق ما عليه من المال.","part":5,"page":293},{"id":2294,"text":"ونزل حبيب خلاط، ثم سار منها، فلقيه صاحب مكس، وهي من البسفرجان، فقاطعه على بلاده، ثم سار منها إلى أزدشاط وهي القرية التي يكون بها القرمز الذي يصبغ به، فنزل على نهر دبيل، وسرح الخيول إليها وحصرها، فتحصن أهلها، فنصب عليهم منجنيقاً، فطلبوا الأمان، فأجابهم إليه، وبث السرايا فبلغت خيله ذات اللجم؛ وإنما سميت ذات اللجم لأن المسلمين أخذوا لجم خيلهم؛ وإنما سميت ذات اللجم لأن المسلمين أخذوا لجم خيلهم، فكبسهم الروم من قبل أن يلجموها، ثم ألجموها وقاتلوهم فظفروا بهم.\rثم وجه سرية إلى سراج طير وبغروند، فصالحه بطريقها على إتاوة، وقدم عليه بطريق البسفرجان، فصالحه على بلاده، وأتى السيسبان فحاربه أهلها فهزمهم، وغلب على حصونهم. وسار جرزان، وفتح عدة حصون ومدن تجاورها صلحاً.\rوسار سلمان بن ربيعة إلى أران، ففتح البيلقان صلحاً، على أن يؤمنهم على دمائهم وأموالهم، وحيطان مدنهم، واشترط عليهم، الجزية والخراج، ثم أتى سلمان مدينة برذعة فعسكر على الثرثور ( نهر بينه وبينها نحو فرسخ) فقاتله أهلها أياماً، وشن الغارات على قراها، فصالحوه على مثل صلح البيلقان، ودخلها، ووجه خيله ففتحت رساتيق الولاية، ودعا أكراد البلاشجان إلى الإسلام، فقاتلوه، فظفر بهم، فأقرهم على الجزية، وأدى بعضهم الصدقة وهم قليل، ووجه سرية إلى شمكور ففتحوها، وهي مدينة قديمة، ولم تزل معمورة حتى أخر به الساوردية، وهم قوم تجمعوا لما انصرف يزيد بن أسيد عن أرمينية، فعظم أمرهم، ثم عمرها بغا في سنة أربعين ومائتين، وسماها المتوكلية، نسبة إلى المتوكل.\rوسار سلمان إلى مجمع الرس والكر، ففتح قبلة، وصالحه صاحب شكى وغيرها على الإتاوة، وصالحه ملك شروان، وسائر ملوك الجبال فأهل مسقط والشابران، ومدينة الباب. والله تعالى أعلم بالصواب.\rغزو معاوية الروم\rوفي سنة خمس وعشرين، غزا معاوية بن أبي سفيان الروم، فبلغ عمورية فوجد الحصون التي بين انطاكية وطرسوس خالية، فجعل عندها جماعة كثيرة من أهل الشام والجزيرة؛ حتى انصرف من غزاته. ثم أغزى بعد ذلك يزيد بن الحر العبسي الصائفة وأمره أن يفعل مثل ذلك، ولما خرج هدم الحصون إلى انطاكية. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.\rفتح كابل\rوفي سنة خمس وعشرين بعث عثمان بن عفان رضي الله عنه عبد الله بن عامر إلى كابل، فبلغها في قول، وكانت أعظم من خراسان ولم يزل إلى أن مات معاوية، فامتنع أهلها. والله سبحانه وتعالى أعلم.\rافريقية وفتحها\rوفيها بعث عمرو بن العاص عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى أطراف إفريقية غازياً بأمر عثمان فغنم وعاد، وكتب إلى عثمان يستأذنه في غزوها، فأذن له، وعزل عمرو بن العاص عن خراج مصر. واستعمل عبد الله بن سعد في سنة ست وعشرين، فتنازعا الأمر.\rفكتب عبد الله إلى عثمان أن عمرا كسر على الخراج، وكتب عمرو إن عبد الله كسر على مكيدة الحرب. فعزل عثمان عمرا واستقدمه، استعمل عبد الله على حرب مصر وخراجها، وأمره أن يغزو إفريقية وقال: إن فتح الله عليك فلك خمس الخمس نفلاً.\rوأمر عثمان عبد الله بن نافع بن عبد القيس وعبد الله بن نافع ابن الحارث على جند، وسرحهما، وأمرهما بالاجتماع مع عبد الله بن سعد على صاحب إفريقية، ثم يقيم عبد الله في عمله فخرجوا ووصلوا إلى أرض إفريقية في عشرة آلاف من شجعان الإسلام، فصالحهم أهل إفريقية على مال يؤدونه، ولم يقدموا على دخول إفريقية والتوغل فيه لكثرة أهلها.\rثم أرسل عبد الله إلى عثمان يستشيره في قصد إفريقية، وفتحها، فجهز إليه عثمان جماعة من أعيان الصحابة، منهم عبد الله بن عباس وغيره، فسار بهم ابن سعد إلى افريقية.\rفكان من أمر فتح إفريقية مانذكره إن شاء الله تعالى في الباب السادس من القسم الخامس من هذا الفن في أخبار إفريقية، وبلاد المغرب بما هو أبسط من هذا القول، وهو السفر الثاني والعشرون من هذه النسخة.\rقال: لما فتحت سبيطلة وهي دار الملك، وجد فيها من الأموال مالم يكن في غيرها، فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، وسهم الراجل ألف دينار.\rوبعث عبد الله بن سعد جيوشه في البلاد، فبلغت قفصة، فسبوا وغنموا، وبعث عسكراً إلى حصن الأجم، وقد احتمى به أهل البلاد، فحصره وفتحه بالأمان، فصالحه أهل إفريقية على الفئ، ألف وخمسمائة ألف دينار.","part":5,"page":294},{"id":2295,"text":"وسار عبد الله بن الزبير إلى عثمان بالبشارة، وتنفل بابنه الملك، ثم عاد عبد الله بن سعد من إفريقية إلى مصر، وكان مقامه بها سنة وثلاثة أشهر، ولم يفقد من المسلمين إلا ثلاثة عشر رجلاً، وحمل خمس إفريقية إلى المدينة، فابتاعه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار، فوضعها عنه عثمان وهو مما أخذ عليه، وأنكره الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقال في ذلك عبد الرحمن بن حنبل أحد الصحابة رضي الله عنهم:\rأحلف بالله اليمين ... ماترك الله أمراً سدى\rولكن جعلت لنا فتنة ... لكي نبتلي بك أو تبتلي\rدعوت الطريد فأدنيته ... خلافاً لما سنه المصطفى\rووليت قرباك أمر العباد ... خلافاً لسنة من قد مضى\rوأعطيت مروان خمس الغنيم ... ة آثرته وحميت الحمى\rومالا أتاني به الأشعري ... من الفئ أعطيته من دنا\rفإن الأمينين قد بينا ... منار الطريق عليه الهدى\rفما أخذا غيلة درهماً ... ولا قسما درهما في هوى\rقال: ولما فتحت إفريقية أمر عثمان عبد الله بن نافع بن عبد القيس أن يسير إلى الأندلس، فأتاها من البحر، ففتح الله تعالى على المسلمين.\rوفي سنة سبع وعشرين فتحت اصطخر، وهو الفتح الثاني، وكان فتحها الآن على يد عثمان بن أبي العاص.\rوقد ذكرنا الأول في خلافة عمر. وفيها غزا معاوية بن سفيان رضي الله عنه تعالى عنه قبرس.\rجزيرة قبرس\rكان فتحها على يد معاوية بن أبي سفيان، واختلف في وقته، فقيل: فتحت في سنة ثمان وعشرين، وقيل: في سنة تسع وعشرين، وقيل: وفي سنة ثلاث وثلاثين وكان قد ألح على عمر رضي الله عنه في غزو البحر، وذكر قرب الروم من حمص، وقال: إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلاب وصياح دجاجهم.\rفكتب عمرو إلى عمرو بن العاص: أن صف لي البحر وراكبه، فكتب إليه عمرو بن العاص: أني رأيت خلقا كثيراً يركبه خلق صغير، ليس إلا السماء والماء، إن ركد خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلة، والشك كثرة، هم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق.\rفلما قرأ كتاب عمرو، كتب إلى معاوية: والذي بعث محمداً بالحق لا أحمل فيه مسلماً أبداً، وقد بلغني أن بحر الشام يشرف على أطول شيء من الأرض، فيستأذن الله كل يوم وليلة في أن يغرق الأرض، فكيف أحمل الجنود على هذا الكافر، لمسلم أحب إلي مما حوت الروم، فإياك أن تعرض علي، فقد علمت ما لقي العلاء مني.\rوترك ملك الروم الغزو، وكاتب عمر وقاربه، فلما كان زمن عثمان كتب معاوية إليه يستأذنه في غزو البحر مراراً، فأجابه إلى ذلك وقال: لا تنتخب الناس ولا تقرع بينهم، خيرهم، فمن اختار الغزو طائعاً، فاحمله وأعنه، ففعل.\rواستعمل عبد الله بن قيس الحارثي حليف بني فزارة، وسار المسلمون إلى قبرس، وسار إليها عبد الله بن سعد من مصر، فاجتمعوا عليه فصالحهم أهلها على جزية، وهي سبعة آلاف دينار في كل سنة، ويؤدون للروم مثلها، لا يمنعهم المسلمون من ذلك، وليس على المسلمين منعهم ممن أرادهم من ورائهم. وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم، ويكون طريق المسلمين إلى العدو عليهم، فقبلوا ذلك منهم، وعادوا عنهم.\rوشهد هذه الغزاة جماعة من الصحابة، منهم: أبو ذر الغفاري، وعبادة بن الصامت، ومعه زوجته أم حرام بنت ملحان، وأبو الدرداء شداد بن أوس.\rوفي هذه الغزاة ماتت أم حرام، ألقتها بغلتها بجزيرة قبرس فاندق عنقها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرها أنها من أول من يغزو في البحر.\rقال: وبقي عبد الله بن قيس على البحر، فغزا خمسين غزاة في البحر، من بي شاتيه، وصائفة، لم ينكب أحد من جنده، وكان يدعوا الله أن يعافيه في جنده، ثم خرج هو في قارب طليعة، فانتهى إلى المرفأ من أرض الروم، وفيه مساكين يسألون، فتصدق عليهم، فرجعت امرأة منهم إلى قريتها، فقالت: هذا عبد الله بن قيس في المرفأ فبادروا إليه، وهجموا عليه، فقتلوه، بعد أن قاتلهم، فأصيب وحده، ونجا الملاح حتى أتى أصحابه فأعلمهم، فجاءوا حتى رسوا بالمرفأ وعليهم سفيان بن عوف الأزدي، فخرج إليهم فقاتلهم.\rوقيل لتلك المرأة بعد ذلك: بأي شيء عرفت عبد الله بن قيس؟","part":5,"page":295},{"id":2296,"text":"قالت: كان كالتاجر، فلما سألته أعطاني كالملك، فعرفته بهذا.\rولما كانت سنة اثنتين وثلاثين أعان أهل قبرس الروم على غزو المسلمين بمراكب أعطوهم إياها، فغزاهم معاوية في سنة ثلاث وثلاثين ففتحها عنوة، فقتل وسبى، ثم أقرهم على صلحهم، وبعث إليهم أثني عشر ألفا فبنوا المساجد، وبنى بها مدينة.\rوقيل: كانت الغزوة الثانية في سنة خمس وثلاثين.\rوفي سنة ثمان وعشرين غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم. والله تعالى أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rنقض أهل فارس\rوغيرهم وفتح اصطخر ودرابجرد وفي سنة تسع وعشرين نقض أهل فارس بعبيد الله بن معمر، فسار إليهم، فالتقوا على باب إصطخر، فقتل عبيد الله، وانهزم المسلمون.\rفبلغ الخبر عبد الله بن عامر أمير البصرة، فاستنفر أهل البصرة وسار إلى فارس، فالتقوا بإصطخر، واشتد القتال، فهزم المسلمون الفرس، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وفتحت إصطخر عنوة، وأتى درابجرد، وقد غدر أهلها، ففتحها وسار إلى مدينة جور، فانتفضت إصطخر، فلم يرجع إليها، وتمم السير إلى جور فحاصرها، وكان هرم بن حيان محاصراً لها، وكان المسلمون يحاصرونها وينصرفون عنها فيأتون إصطخر، ويغزون نواحي كانت تنتفض عليهم، فلم يزل عبد الله بن عامر عليها حتى فتحها.\rوكان سبب فتحها أن بعض المسلمين قام يصلي ذات ليلة، وإلى جانبه جراب له فيه خبز ولحم، فجاء كلب فجره وعدا به حتى دخل المدينة من مدخل خفي، فلزم المسلمون ذلك المدخل حتى دخلوها منه وفتحوها عنوة، فلما فرغ ابن عامر منها عاد إلى اصطخر وفتحها عنوة بعد أن حاصرها ورماها بالمجانيق، وقتل بها خلقاً كثيراً من الأعاجم، وأفنى أكثر أهل البيوتات، ووجوه الأساورة، وكانو قد لجئوا إليها.\rوقيل: إن أهل إصطخر لما نطثوا عاد إليها بن عامر قبل وصوله إلى جور، فملكها عنوة، وعاد إلى جور، وأتى درابجرد فملكها، وكان منتفضة أيضاً، ووطئ أهل فارس وطأة لم يزالوا منها في ذل. وكتب إلى عثمان بالخبر، فكتب إليه أن استعمل على بلاد فارس هرم بن حيان اليشكري، وهرم بن حيان العبدي، والخربت بن راشد، والترجمان الهجيمي.\rوأمره أن يفرق كور خراسان على جماعة، فيجعل الأحنف بن قيس على المروين، وحبيب بن قرة اليربوعي على بلخ، وخارجه بن عبد الله بن زهير على هراة، وأمير بن أحمر على طوس، وقيس ابن هبيرة وقيسا السلمى على نيسابور، والله أعلم.\rطبرستان\rفي سنة ثلاثين غزا سعد وبن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وحذيفة بن اليمان، وابن الزبير وغيرهم، ولم يغزها غيره أحد على أصح الأقوال.\rوقد ذكرنا فيما تقدم في خلافة عمر رضي الله عنه فتحها، والخلاف فيه.\rقال: فأتى سعيد جرجان، فصالحوه على مائتي ألف، ثم أتى طميسة وهي كلها من طبرستان، متاخمة جرجان على البحر، فقاتله أهلها، فصلى صلاة الخوف وحاصرهم، فسألوه الأمان فأعطاهم، على ألا يقتل منهم رجلاً واحداً، واحتوى على مافي الحصن، وفتح سعيد نامية، وليست مدينة، هي صحارى. والله أعلم.\rالصواري\rكانت هذه الغزوة في سنة إحدى وثلاثين، وقيل في سنة أربع وثلاثين، وكان سببها أن المسلمين لما فعلوا بأهل إفريقية ما فعلو عند فتحها، عظم ذلك على قسطنطين ين هرقل، فخرج في جمع لم يجمع الروم مثله مذ كان الإسلام.\rقيل: خرج في خمسمائة مركب، وقيل: في ستمائة، وخرج المسلمون، وعلى أهل الشام معاوية بن سفيان، وعلى البحر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فالتقوا، وقربوا السفن بعضها إلى بعض، فاقتتلوا بالسيوف والخناجر، فأنزل الله نصرة على المسلمين، فانهزم قسطنطين جريحاً، ولم ينج من الروم إلا الشريد، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري بعد الهزيمة أياماً ورجع.\rوأما قسطنطين فإنه وصل في مركبه إلى صقلية، فقال أهلها: أهلكت النصرانية، وأفنيت رجالها، لو أتانا أهل المغرب لم يكن عندنا من يمنعهم، ثم أدخلوه الحمام وقتلوه. والله سبحانه وتعالى أعلم.\rذكر مقتل يزدجرد آخر ملوك بني ساسان قالك لما فتح عبد الله بن عامر بلاد فارس على ماقدمناهن هرب يزدجرد إلى خراسان، فوجه عبد الله في طلبه مجاشع بن مسعود وقيل: غيره، فأتبعه إلى كرمان، وكثر الثلج والبرج، فهلك جيش مجاشع، ورجع هو.","part":5,"page":296},{"id":2297,"text":"واختلف في قتل يزدجرد، فقيلك هرب من كرمان إلى مرو ومعه خرزاذ أخو رستم، فرجع عنه إلى العراق، وأوصى به ما هويه مرزبان مرو، فسأله يزدجرد مالا فمنعه مخافة أهل مرو على أنفسهم فأرسلوا إلى الترك يستنصرونهم عليه، فأتوه فبيتوه وقتلوا أصحابه، فخرج ماشياً إلى وسط المرغاب، فأوى إلى بيت رجل ينقر الأرحاء، فلما نام قتله.\rوقيل: بل قتله أهل مرو، ولم يستنصروا بالترك. وقيل: غير ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو حسبي.\rخراسان\rقال: كان أهل خراسان قد غدروا لما قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ونقضوا، فلما افتتح عبد الله بن عامر بلاد فارس عاد إلى البصرة، واستخلف على إصطخر شريك بن الأعور الحارثي، فبنى شريك مسجد إصطخر، ثم تجهزا بن عامر من البصرة، واستخلف عليها زياد بن أبيه، وسار إلى كرمان واستعمل عليها مجاشع بن مسعود السلمي، وله صحبة، وأمره بمحاربه أهلها، وكانوا قد نكثوا.\rواستعمل عل سجستان الربيع بن زياد الحارثي، وكانوا قد أعدوا له أيضاً، ونقضوا الصلح.\rوسار عبد الله بن عامر إلى نيسابور، وعلى مقدمته الأحنف بن قيس، فأتى الطبسين، وهما حصنان، وهما بابا خراسان، فصالحه أهلها، وسار إلى قوهستان فقاتله أهلها، فقاتلهم حتى ألجأهم إلى حصنه، وقدم عليه ابن عامر، فصالحه أهلها على ستمائة ألف درهم وبث سراياه ففتحت البلاد، وفتح بهق، وبشت وهي بالشين المعجمة، وليست بست المعروفة، ثم فتح نيسابور بعد أن استولى على أعمالها، وبعد أن حاصرها اشهراً.\rوكان لكل ربع منها مرزبان من القرى يحفظه، فطلب أحدهم الأمان والصلح على جميع نيسابور، فصالحه على ألف ألف درهم، وولى نيسابور قيس بن الهيثم السلمي، وسير جيشاً إلى نسا وبيورد ففتحوهما صلحاً، وسير سرية أخرى إلى سرخس، فقاتل أهلها، ثم طلبوا الأمان والصلح على مائة رجل، فصالح مرزبانه على ذلك، فأحبيب إلى ذلك، وسمى مائة رجل، ولم يذكر نفسه، فقتله، ودخل سرخس عتوة، وأتى مرزبان وس إلى عبد الله، فصالحه على ستمائة ألف درهم.\rوبعث جيشاً إلى هراة عليهم عبد الله بن خازم، وقيل غيره، فسار مرزبانها إلى ابن عامر وصالحه على هراة، وباذ غيس وبوشنج على ألفي ألف درهم، ومائتي الف درهم.\rوكانت مرو كلها صلحاً إلا قرية السنج، وهي بكسر السين مهملة، فإنها فتحت عنوة.\rووجه الأحنف بن قيس إلى طخارستان، فمر برستاق يعرف برستاق الأحنف، فصالحوه على ثلثمائة ألف درهم، ومضى إلى مرو الروذ، فقاتله أهلها، فهزمهم، ثم صالحهم مرزبانها على ستمائة ألف درهم.\rفاجتمع أهل طخارستان الجوزجان والطالقان، والفارياب ومن حولهم، فلقوه في خلق كثير، فالتقوا واقتتلوا، وفهزمهم المسلمون وقتلوا منهم قتلاُ ذريعاً، وعاد إلى مرو الروذ، ولحق بعض العدو بالجوزجان، فوجه إليهم الأحنف بن قيس الأقرع بن حابس التميمي في جيش، وقال: يا بني تميم، تحابوا وتبادلوا تعتدل أموركم، وابدءوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم، ولا تغلوا فيسلم لكم جهادكم.\rفسار الأقرع فلقي العدو بالجوزجان، فكانت بالمسلمين جولة، ثم عادوا فهزموا المشركين وفتحوا الجوزجان عنوة، وفتح الأحنف الطالقان صلحاً، وفتح الفارياب،، وقيل بل فتحها أمير بن أحمر.\rثم سار الأحنف إلى بلخ، وهي مدينة طخارستان، فصالحه أهلها على أربعين ألف. وقيل: سبعمائة ألف.\rفاستعمل على بلخ أسيد بن المتشمس، ثم سار إلى خوارزم، وهي على نهر جيحون، فلم يقدر عليها، فعاد إلى بلخ.\rولما تم هذا الفتح لعبد الله بن عامر، قال الناس: ما فتح لأحد ما فتح عليك فارس، وكرمان، وسجستان، وخراسان، فقال: لأجعلن شكري لله على ذلك؛ أن أخرج محرماُ من موقفي هذا.\rفأحرم بعمرة من نيسابور.\rوقدم على عثمان، واستخلف على خراسان قيس بن الهيثم، فسار قيس في ارض طخارستان، فلم يأت بلداً منها إلا صالحه أهلها، وأذعنوا له، إلا سمنجان، فإنه فتحها عنوة والله سبحانه وتعالى أعلم وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rفتح كرمان","part":5,"page":297},{"id":2298,"text":"قال: لما سار عبد الله إلى خراسان استعمل مجاشع بن مسعود السلمي على كرمان كما ذكرنا، وأمره أن يفتتحها، وكان أهلها قد نكثوا غدروا، ففتح هميد عنوة، واستبقى أهلها وأمنهم، وبنى بها قصراً يعرف بقصر مجاشع، وأتى السيرجان، وهي مدينة كرمان فأقام عليها أياما يسرة، وقد تحصن أهلها فقاتلهم وفتحها عنوة، فجلا كثير من أهلها.\rوقتح جيرفت عنوة، وسار في كرمان فدوخ أهلها، وأتى القفص وقد تجمع له خلق كثير من الأعاجم الذين جلوا، فقاتلهم، فظفر بهم وظهر عليهم، وهرب كثير من أهل كرمان، فركبوا البحر ولحق بعضهم بمكران، وبعضهم بسجستان، فأقطعت العرب منازلهم وأراضيهم، وواحتفروا لها القنى في مواضع منعها، وأدوا العشر منها والله تعالى أعلم، وصلى الله على سدنا محمد وصحبه وسلم.\rسجستان\rوكابل وغيرها قد ذكرنا أن عبد الله بن عامر استعمل على سجستان الربيع بن زياد الحارثي، وسجستان من الفتوحات في خلافة عمر، ولما نقض أهلها؛ سار الربيع وقطع المفازة حتى حصن زالق، فأغار على أهلها في يوم مهرجان وأخذ الدهقان، فافتدى نفسه بأن ركز عنزة وغمرها ذهباً وفضة، وصلحه على صلح فارس، ثم أتى بلدة يقال لها: كركوية فصالحه أهلها، وسار إلى زرنج، فنزل على مدينة روشت بقرب زرنج، فقاتله أهلها وأصيب رجال من المسلمين، ثم انهزم المشركون، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأتى الربيع ناشروذ ففتحهان ثم أتى شرواذ فغلب عليها، وسار منها إلى زرنج فنازلها، وقاتله أهلها، وأصيب رجال من المسلمين، ثم انهزم المشركون، وقتل منهم مقتلة عظيمة.\rوأتى الربيع ناشروذ ففتحها، ثم شرواذ فغلب عليها، وسار إلى زرنج فنازله أهلها وحصرهم، فأرسل إليه مرزبا بها ليصالحه واستأمنه ليحضر عنده، فأمنه، وجلس الربيع على جسد من أجساد القتلى، واتكأ على آخر، وامر أصحابه ففعلو مثله، فلما رآهم المرزبان هله ذلك، فصالحه على ألف وصيف مع كل وصيف جام من ذهب ودخل المسلمون المدينة.\rثم سار منها إلى سناروذ، وهو وادٍ، فعبره، وأتى القرية التي بها مربض فرس رستم الشديد، فقاتله أهلها فظفر بهم، ثم عاد إلى زرنج وأقام بها نحو سنة، وعاد إلى ابن عامر، واستخلف عليها عاملاً، فأخرج أهلها العامل، وامتنعوا.\rفكانت ولاية الربيع سنة ونصفاً، سبى فيها أربعين ألف رأس.\rوكان كاتبه الحسن البصري، فاستعمل ابن عامر بعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس على سجستان، فسار إليها، فحصر زرنج، فصالحه مرزبانها على ألفي ألف درهم وألف وصيف.\rوغلب عبد الرحمن على مابين زرنج والكش من ناحية الهند، وغلب من ناحية الرخج على ما بينه وبين الداون، فلما انتهى إلى بلد الداون وحصرهم في جبل الزوز، ثم صالحهم ودخل الزوز، وهو صنم من ذهب عيناه ياقوتتان، فقطع يده وأخذ الياقوتيين وقال للمرزبان: دونك الذهب والجوهر، وإنما أردت أن أعلمك أنه لا يضر ولا ينفع.\rوفتح كابل، وزابلستان، وهي ولاية غزنة، ثم عاد إلى زرنج، فأقام بها حتى اضطرب أمر عثمان، فاستخلف عليها أمير بن أحمر، وانصرف فأخرج أهلها أميراً وامتنعوا وفي سنة اثنتين وثلاثين غزا معاوية بن أبي سفيان وضيق القسطنطينية ومعه زوجته عاتكة بنت قرظة، وقيل: فأخته. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\rخروج قارن\rببلاد خراسان وقتله في سنة اثنتين وثلاثين جمع قارن جمعاُ كثيراًُ من ناحية الطبسين وأهل باذغيس وهراة وقهستان، وأقبل في أربعين ألفا.\rوقال قيس ين الهيثم أمير خراسان من قبل ابن عار لعبد الله بن خازم: ما ترى؟ فقال: أرى أن تخلى البلاد؛ فإنى أميرها، ومعي عهد بن عامر؛ إن كانت حرب بخراسان فأنا أميرها، وأخرج كتاباً كان قد افتعله، فكره قيس منازعته وخلاه والبلاد.\rوأقبل إلى بن عامر فلامه، وقال: تركت البلاد خراباًُ، وأقبلت فقال: جاءني تعهدك.","part":5,"page":298},{"id":2299,"text":"ولما توجه قيس بن خازم إلى قارن في أربعة آلاف، أمرهم أن يحملوا الودك، فلما قربوا من ذلك، وقرب من الودك، أمر الناس أن يدرج كل رجل منهم على زج رمحه خرقة أو قطنا، ثم يكثروا دهنه، ثم سار حتى أمسى، فقدم أمامه ستمائة من أصحابه، ثم أتبعه، وأمر الناس أن يشعلوا النيران في أطراف الرماح، وانتهت مقدمته إلى معسكر قارن نصف الليل فناوشوهم، وهاج الناس على دهش، وكانوا قد أمنوا من البيات، ودنا بن خازم منهم، فرأوا النيران يمنة ويسرة تتقدم وتتأخر، وترتفع وتتخفض، فهالهم ذلك وأهل المقدمة يقاتلونهم ثم غشيهم بن خازم بالمسلمين، فقتل قارن وانهزم المشركون، واتبعوهم يقتلونهم كيف شاءوا، وأصابوا سبياُ كثيراُ.\rوكتب بن خازم بالفتح إلى بن عامر، فرضي وأقره على خراسان، فكان عليها حتى انقضت حرب الجمل.\rوقيل: لما جمع قارن اسشار قيس بن عبد الله عبد بن خازم فيما يصنع؟ فأشار عليه أن يلحق بابن عامر، فيخبره بكثرة العدة، وقال له: إنك لا تطيق كثرة من قد أتاك، فأخرج بنفسك ونقيم نحن بالحصون ونظاولهم حتى يأتينا مددكم.\rفخرج قيس، فلما أبعد أظهر بن خازم عهداً، وقال: قد ولاني بن عامر خراسان، وسار إلى قارن فظفر به كما تقدم.\rوفي سنة ثلاث وثلاثين غزا معاوية حصن المرأة من أرض الروم، بناحية ملطية.\rوفيها سار الأحنف بن قيس إلى خراسان، وفتح المروين: مرو الروذ ومرو الشاهجان.\rانتهت الفتوحات والغزوات والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. وإليه المرجع والمآب، وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد.\rذكر ما وقع في خلافة عثمان\rغير الغزوات والفتوحات على حكم السنين سنة أربع وعشرين في هذه السنة كثر الرعاف بالناس، فسمي\rعام الرعاف\rوفيها استعمل عثمان سعد بن أبي وقاص على الكوفة، وعزل المغيرة بن شعبة عنها، فعمل سعد عليها سنة وبعض أخرى.\rقيل: بل أقر عثمان عمال عمر رضي الله عنه سنة؛ لأن عمر رضي الله عنه أوصى بذلك، ثم عزل المغيرة، واستعمل سعداً وحج عثمان بالناس.\rعزل سعد\rسنة خمس وعشرين في هذه السنة عزل عثمان سعد بن أي وقاص عن الكوفة في قول بعضهم، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس، وهو أخو عثمان لأمه، وسبب ذلك أن سعداً رضي الله عنه اقترض من عبد الله بن مسعود قرضاً، فلما تقاضاه بن مسعود رضي الله عنه لم يتيسر له قضاؤه، فارتفع بينهما الكلام فقال سعد: ما أراك إلا ستلقى شراً، هل أنت إلا ابن مسعود، عبد من هذيل! فقال: أجل، والله إني لابن مسعود، وإنك لابن حمينة وكان هاشم بن عتبة بن أبي وقاص حاضراً فقال: إنكما لصاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينظر إليكما. ثم ولى عبد الله، فخرج واستعان بأناس على استخراج المال من سعد، واستعان سعد بأناس على إنظاره، فافترقوا وبعضهم يلوم بعضا.\rفكان ذلك أول ما نزع به الشيطان بين أهل الكوفة، وأول مصر نزغ الشيطان بين أهله الكوفة.\rوبلغ الخبر عثمان، فغضب وعزل سعداً، وأقر عبد الله، واستعمل الوليد بن عقبة مكان سعد، وكان على عرب الجزيرة عاملاً لعمر، وعثمان بعده، فلما قدم الكوفة قال له سعد: أكست بعدنا أم حمقنا بعدك! قال: لا نجز عن أبا إسحاق، كل ذلك لم يكن؛ وإنما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه قوم آخرون قال سعد: أراكم والله ستجعلونها ملكاً.\rوقيل: لما قدم الوليد أميرا على الكوفة، أتاه ابن مسعود فقال: ما جاء بك؟ فقال: جئت أميراً قال بن مسعود: ما أدري صلحت بعدنا أم فسد الناس! وفيها ولد يزيد ين معاوية، وقيل: في سنة اثنتين وعشرين وقد تقدم.\rوحج بالناس عثمان\rتوسيع المسجد الحرام\rسنة ست وعشرين وفي هذه السنة زاد عثمان بن عفان رضي الله عنه في المسجد الحرام ووسعه، وابتاع أملاك قوم وامتنع آخرون، فهدم عليهم، ووضع الإيراد في بيت المال، فصاحوا بعثمان فحبسهم، وقال: قد فعل بكم عمر هذا فلم تصيحوا! فكلمة فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد فأطلقهم.\rوفيها استعمل عثمان رضي الله عنه عبد الله بن أبي سرح على مصر، وكان أخا عثمان من الرضاعة، وعزل عمرو بن العاص.\rحج عثمان بالناس\rوفي سنة سبع وعشرين من الغزوات ما تقدم بيانه.\rزواجه","part":5,"page":299},{"id":2300,"text":"في سنة ثمان وعشرين تزوج عثمان نائلة بنت القرافصة، وكانت نصرانية فأسلمت قبل أن يدخل بها.\rوفيها بنى عثمان رضي الله عنه الزوراء.\rوحج بالناس عثمان رضي الله عنه في هذه السنة.\rعزل أبي موسى\rالأشعري في سنة تسع وعشرين عن البصرة وعثمان بن العاص عن عمان والبحرين واستعمال عبد الله بن عامر على ذلك قيل: كان عزل أبي موسى الأشعري عن البصرة، وعزل عثمان بن أبي العاص عن عمان والبحرين، واستعمال عبد الله بن عامر على أعمالها في هذه السنة وقيل: كان لثلاث سنين مضت من خلافة عثمان وكان سبب عزل أبي موسى أن أهل إيذج والأكراد كفروا في السنة الثالثة من خلافة عثمان فنادى أبو موسى في الناس وحضهم على الجهاد، وذكر من فضل الماشي للجهاد ما ذكر، فحمل قوم على دوابهم، وأجمعوا على أن يخرجوا رجاله لينالوا فضل الماشي.\rقال آخرون: لا نعجل حتى ننظر مايصنع، فإن أشبه قوله فعله فعلنا كما يفعل، فلما خرج أخرج ثقله على أربعين بغلاً، فعلقوا بعنان دابته، فقالوا: احملنا على بعض هذه الفضول، وارغب في المشي كما رغبتنا، فضربهم بسوط، وتركوا دابته، وأتوا عثمان فاستعفوه منه، وقالوا: ما كل ما نعلم نحب أن تسألنا عنه، فأبدلنا ما سواه، فقال: من تحبون؟ فقال: غيلان بن خرشة، وفي كل أحد عوض من هذا العبد الذي قد أكل أرضنا.\rأما منكم خسيس فترفعونه! أما منكم فقير فتجبرونه. يا معشر قريش حتى متى ياكل هذا الشيخ الأشعري هذه البلاد! فعزل عثمان أبا موسى؛ وأمر عبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي، وهو بن خال عثمان، وممن ولد على النبي صلى الله عليه وسلم. وعزل أيضاً عثمان بن أبي العاص عن عمان والبحرين، واستعمل عبد الله على ذلك كله، وكان إذ ذاك بن خمس وعشرين سنة.\rواستعمل عثمان رضي اللع عنه على خراسان عمير بن عثمان بن سعد، فأثخن في خراسان حتى بلغ فرغانة، فلم يدع دونها كورة إلا أصلحها.\rواستعمل على سجستان عبد الله بن عمير الليثي، فأثخن فيها إلى كابل.\rوبعث إلى مكران عبيد الله بن معمر، فأثخن فيها حتى بلغ النهر وبعث على كرمان عبد الرحمن بن عبيس.\rثم عزل عبد الله بن عمير عن سجستان. واستعمل عبد الله بن عامر فأقره عليها سنة ثم عزله. واستعمل عاصم بن عمرو، وعزل عبد الرحمن بن عبيس، وأعاد عدي بن سهيل، وصرف عبد الله بن معمر إلى فارس، واستعمل مكانه عمير بن عثمان، واستعمل على خراسان أمير بن أحمر اليشكري، واستعمل على سجستان في سنة أربع عمران بن الفضل البرجمي.\rالزيادة في مسجد النبي\rصلى الله عليه وسلم.\rوفي سنة تسع وعشرين أيضاً في شهر ربيع الأول، زاد عثمان رضي الله عنه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراعن وجعل أبوابه على ما كانت أيام عمر ستة أبواب، وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة فيها رصاص، والله تعالى أعلم وهو حسبي.\rأتمام عثمان الصلاة\rوما تكلم الناس به في ذلك وفي هذه السنة حج عثمان رضي الله عنه بالناس، وضرب فسطاطة بمني، وهو أول فسطاط ضرب بمني، وأتم الصلاة بها وبعرفة، فكان أول ماتكلم به الناس في عثمان ظاهراً حين أتمها، فعاب عليه ذلك غير واحد من الصحابةن وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ماحدث أمر، ولا قدم عهد، ولقد عهدت النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر وعمر يصلون ركعتين، وأنت صدراً من خلافتك. فقال: رأى رأيته.\rوبلغ الخبر عبد الرحمن بن عوف، وكان معه، فجاءه وقال:ألم تصل في هذا المكان ركعتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، وصليتهما أنت! قال: بلى؛ ولكني أخبرت من بعض الناس أن بعض من حج من اليمن وجفاة الناس قالوا: إن الصلاة للمقيم ركعتان، واحتجوا بصلاتي، وقد اتخذت بمكة أهلاً ولي بالطائف مال.\rفقال له عبد الرحمن: ما في هذا غدر، أما قولك: اتخذت بها أهلاً، فإن زوجك بالمدينة تخرج إذا شئت، وإنما تسكن بسكناك. أما مالك بالطائف فبينك وبينه مسيرة ثلاث ليال. وأما قولك عن حاج اليمن وغيرهم فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي والإسلام قليل، ثم أبو بكر وعمر، فصلوا ركعتين، وقد ضرب الإسلام بجرانه. فقال عثمان: هذا رأي رأيته.","part":5,"page":300},{"id":2301,"text":"وقيل: كان ذلك سنة ثلاثين، والله أعلم.\rعزل الوليد بن عقبة\rعن الكوفة وولاية سعيد بن العاص في هذه سنة ثلاثين، عل عثمان رضي الله عنه الوليد بن عقبة عن الكوفة، واستعمل عليها سعيد بن العاص، وكان سبب عزله أن أهل الكوفة نسبوه أنه يشرب الخمر، وذكروا ذلك لعثمان، فاستدعاه وطلب من ذكر ذلك عنه، فقال: أتشهدون أنه يشرب الخمر؟ فقالوا لا فكيف قلتم عنه أنه يشربها؟ فقالوا اعتصرناها من لحيته، وهو يقيئ الخمر، فأمر بجلده، فجلده عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أربعين.\rوقيل: إن الوليد سكر وصلى بأهل الصبح أربعاً، ثم التفت إليهم وقال: أزيدكم؟ فقال بن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم، فقال الحطيئة:\rشهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر\rنادى وقد تمت صلاتهم ... أأزيدكم؟ سكراً وما يدري\rفأبوا أبا وهب ولو أذنوا ... لقرنت بين الشفع والوتر\rوقال أيضاً\rتكلم في الصلاة وزاد فيها ... علانية وجاهر بالنفاق\rومج الخمر في سنن المصلى ... ونادى والجميع إلى افتراق\rأزيدكم على أن تحمدوني ... فما لكم وما لي من خلاق!\rقالوا: ولما استعمل سعيد بن العاص، قال بعض شعرائهم:\rفررت من الوليد إلى سعيد ... كأهل الحجر إذ جزعوا فباروا\rيلينا من قريش كل يوم ... أمير محدث أو مستشار\rلنا نار نخوفها فنخشى ... وليس لهم ولا يخشون نار\rقال: واستعمل عثمان سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية وهو والد عمرو بن سعيد الأشدق، فسار إلى الكوفة ومعه من كان قد شخص من أهل الكوفة مع الوليد، فلما وصلها صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره؛ ولكني لم أجد بداً إذ أمرت أن أأتمر.ألا إن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها، والله لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني، وإني لرائد نفسي اليوم. ونزل.\rوسأل عن أهل الكوفة، فعرف حالأ أهلها، فكتب إلى عثمان: إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات والسابقة، والغالب على تلك البلاد روادف قدمت، وأعراب لحقت حتى لا ينظر إلى ذي شرف ولا بلاء من نازلتها ولا نابتتها.\rفكتب إليه عثمان: أما بعد، ففضل أهل السابقة والقدمة، ممن فتح الله عليه تلك البلاد؛ وليكن من نزلها غيرهم تبعاً لهم إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق، وتركوا القيام به، وقام به هؤلاء. واحفظ لكل منزلته، وأعطهم جميعاً بقسطهم من الحق، فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل.\rفأرسل سعيد إلى أهل الأيام والقادسية، فقال: أنتم وجوه الناس، والوجه ينبئ عن الجسد، فأبلغونا حاجة ذي الحاجة. وأدخل معهم من يحتمل من اللواحق والروادف، وجعل القراء في سمره، ففشت القالة في أهل الكوفة.\rفكتب سعيد إلى عثمان بذلك، فجمع الناس وأخبرهم بما كتب، فقالوا له: أصبت لا تطمعهم، هم ليسوا له بأهل؛ فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها بأهل لها لم يحتملها وأفسدها.\rفقال عثمان: يا أهل المدينة، استعدوا واستمسكوا، فقد دبت إليكم الفتن. الله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\rجمع القرآن\rكان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان قد توجه مدداً لعبد الرحمن بن ربيعة لحصار الباب، وكان مع سعيد بن العاصي عامل الكوفة، فخرج معه سعيد بن العاص حتى بلغ أذربيجان، فأقام حتى عاد حذيفة، فلما عادا ورجعا، قال لسعيد بن العاص: لقد رأيت في سفرتي هذه أمراً لئن نزل بالناس ليختلفن في القرآن، ثم لا يقومون عليه أبداً.\rقال: وما ذلك؟ قال: رأيت أناساً من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة غيرهم، وانهم أخذوا القرآن عن المقداد، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك، وأنهم قرءوا على بن مسعود، وأهل البصرة يقولون مثل ذلك، وأنهم قرءوا على أبي موسى، ويسمون مصحفه لباب القلوب.\rفلما وصلوا إلى الكوفة أخبر حذيفة الناس بذلك، وحذرهم مايخاف، فوافقه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثير من التابعين.\rفتفاوض حذيفة، وبن مسعود، فغضب سعيد وقام، وتفرق الناس وسار حذيفة إلى عثمان، وأخبره بما رأى، وقال: أنا النذير العريان، فأدرك الأمة.","part":5,"page":301},{"id":2302,"text":"فجمع عثمان الصحابة أخبرهم الخبر، فأعظموه، فأرسل إلى حفصة بنت عمر رضي الله عنهما: أن أرسلى إلينا بالصحف لننسخها وكانت هذه الصحف هي التي كتبت في أيام أبي بكر رضي الله عنهن وكانت عنده ثم عند عمر، ثم كانت عند حفصة، فأخذها عثمان منها، وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وبن عباس وسعيد بن العاص وبعد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.\rوقال عثمان: إن اختلفتم فاكتبوا بلغة قريش؛ فإنما نزل بلسانها.\rقال زيد: فجعلنا نكتب؛ فإذا اختلفنا في شيء جمعنا في أمرنا على رأي واحد، فاختلفنا في التابوت، فقلتك التابوه. وقال النفر القرشيون التابوت. فأبيت أن أرجع إليهم، وأبو أن يرجعوا إلي فرفعنا ذلك إلى عثمان، فقال: أكتبوا التابوت.\rقال زيد: وذكرت آية كنت سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أجدها عند أحد حتى وجدتها عند خزيمة بن ثابت الأنصاري وهي: ( لقد جاء رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) قال: وكتبت أربع نسخ، فبعث نسخة إلى الكوفة، وأخرى إلى البصرة، وأخرى إلى الشام، وأمسك واحدة لنفسه، وأعاد الصحف إلى حفصة، وأمر أن يحرق ما سوى ذلك.\rوقيل: إن النسخ كانت سبعة، وأنه وجه نسخة إلى مكة، وأخرى إلى اليمن، وأخرى إلى البحرين، والأول أصح.\rقال: فعرف الناس فضل عثمان إلا أهل الكوفة، فإن المصحف لما قدم عليهم فرح به الصحابة، وامتنع عبد الله بن مسعود ومن وافقهم. فقام بن مسعود. فيهم فقال: ولا كل ذلك، فإنكم قد سبقتم سبقاً بيناً، فاربعوا على ظلعكم.\rولما قدم علي رضي الله عنه إلى أهل الكوفة، قام إليه رجل، وعاب عثمان بجمعة الناس على الصحف، فنهاه، وقال: لو وليت منه ما ولى عثمان سلكت سبيله رضي الله عنهما.\rوفيها زاد عثمان رضي الله عنه النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء، الله سبحانه وتعالى أعلم.\rسقوط خاتم النبي\rوفيها سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من يد عثمان في بئر أريس وهي على ميلين من المدينة، وكانت قليلة الماء، فما أدرك قعرها بعد، ولما سقط من يده، نزحوا فيها من الماء فما قدروا عليه، فلما أيس منه صنع خاتماً آخر على مثاله ونقشه، فكان في إصبعه حتى قتل.\rوقيل: إنه نقش عليه: \" آمنت بالذي خلق فسوى \" وقيل: كان عليه \" لتنصرن أو لتندمن \" ، والله تعالى أعلم.\rخبر أبي ذر\rالغفاري في إخراجه إلى الربدة وما تكلم الناس به في ذلك ووفاة أبي ذر رضي الله عنه.\rوفي سنة ثلاثين أخرج عثمان رضي الله عنه أبا ذر الغفاري، وأسمه جندب بن جنادة.\rوقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة، منها ما أورده أبو أحمد يحيى بن جابر البلاذري، في كتاب \" جمل أنساب الأشراف \" وغيره.\rقال البلاذري: لما أعطى عثمان رضي الله عنه مروان بن الحكم ما أعطاه، وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص - وهو أخو مروان - ثلثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم، جعل أبو ذر يقول: بشر الكافرين بعذاب أليم: ويتلو قوله تعالى: \" واللذين يكنزون الذهب والفضة \" الآية.\rفرفع مروان ذلك إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذر، أن انته عما يبلغني عنك، فقال: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله، وعيب من ترك أمر الله ! فوالله لأن أرضى الله بسخط عثمان أحب إلي ن أن أسخط الله برضاه، فأغضب ذلك عثمان، وصبر وكف عنه، ثم قال عثمان يوما: أيجوز للإمام أي يأخذ من المال، فإذا ايسر قضى؟ فقال: كعب الأحبار: لا بأس بذلك.\rفقال: أبو ذر: يا بن اليهوديين أتعلمنا ديننا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟! فقال عثمان: ما أكثر ذاك لي وأولعك بأصحابي الحق بمكتبك، وكان مكتبه بالشام، إلا أنه كان يقدم حاجا، ويسأل عثمان الإذن له في مجاورة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن له في ذلك.","part":5,"page":302},{"id":2303,"text":"وقيل: إنه إنما صار إلى الشام لأنه رأى البناء قد بلغ سلعاً، فقال لعثمان: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول: \" إذا بلغ البناء سلعاً فالهرب \" ، فأذن لي أتى الشام فاغزو هناك. فأذن له، فكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، فبعث إليه معاوية ثلثمائة دينار، فقالك إن كانت صلة فلا حاجة لي فيها. وبنى معاوية الخضراء بدمشق، فقال: يامعاوية إن كان هذه من مال الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهي الإسراف، فسكت معاوية.\rوكان أبو ذر يقول: والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ماهي في كتاب الله، ولا سنة نبيه، والله إني لأرى حقاً يطفأ، وباطلاً يحيا، وصدقا مكذباً وأثره بغير تقى.\rفقال حبيب بن مسلمة لمعاوية: إن أبا ذر مفسد عليك الشام، فتدارك أهله إن كانت لك بهم حاجة.\rفكتب معاوية إلى عثمان فكتب إليه عثمان، فاحمل جندبا إلى على أغلط مركب وأوعره.\rفوجه معاوية مع أبي ذر من سار معه الليل والنهار، فلما قدم المدينة جعل يقول: تستعمل الصبيان، وتحمي الحمى، وتقرب أولاد الطلقاء! فبعث إليه عثمان: الحق بأي أرض شئت. فقال: بمكة؟ فقال: لا، قال: فبيت المقدس؟ قال: لا: فبأحد المصرين؟ قال: لائ، قال: ولكني مسيرك إلى الربذة، فسيره إليها، فلم يزل بها حتى مات.\rوذكر البلاذري فيما حكاه كلاما كثيراً، وقع بين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما بسبب ذلك أغضينا عن ذكره وحكى أن أبا ذر بلغه أن معاوية يقول: إن المال مال الله، ألا إن كل شيء فلله، وأنه يريد أن يحتجبه دون الناس، ويمحوا اسم المسلمين: فأتاه أبو ذر فقال: مايدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله! فقال: يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا عباد الله، والمال ماله قال: فلا تقله قال سأقول مال المسلمين وكان أبو ذر يذهب إلى أن المسلم لا ينبغي أن يكون في ملكه أكثر من قوت يرمه وليلته إلا شيء ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم، ويأخذ بظاهر القرآن: \" والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله \" الآية، وكان يقوم بالشام ويقول: يا معشر الأغنياء، وأسو الفقراء، بشروا الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء.\rوشكا الأغنياء ما يلقون منهم إلى معاوية فأرسل معاوية إليه بألف دينار في جنح الليل، فانفقها، فلما صلى معاوية الصبح دعا معاوية رسوله الذي ارسله إليه، فقال: اذهب إلى أبي ذر، فقل له: أنقذ جسدي من عذاب معاوية، فإنه أرسلني إلى غيرك، وأني أخطأت بك، ففعل ذلك. فقال له أبو ذر يا بني، قل له: والله ما أصبح عندنا من دنانيرك دينار، ولكن أخرنا ثلاثة أيام حتى نجمعها.\rفلما رأى معاوية أن فعله صدق قوله كتب إلى عثمان: إن أباذر قد ضيق علي، وقد كان كذا وكذا، الذي يقوله الفقراء.\rفكتب إليه عثمان: إن الفتنة قد أخرجت خطمها وعينيها، ولم يبق إلا أن تثب، فلا تنكا القرص، وجهز أبا ذر، وابعث معه دليلاً، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت.\rفبعث له بأبي ذر، فلما قدم المدينة ورأى المجالس في أصل جبل سلع قال. بشر أهل المدينة بغارة شعواء، وحرب مذكار ودخل على عثمان فقال له: ما بال أهل الشام يشكون ذرب لسانك فأخبره. فقال: يا أبا ذر،علي أن اقضي ما علي، وأن أدعو الرعية إلى الاجتهاد والاقتصاد، وما على أن أجبرهم على الزهد.\rفقال أبا ذر: لا ترضوا من الأغنياء حتى يبذلوا المعروف، ويحسنوا إلى الجيران والإخوان، ويصلوا القرابات، فقال: كعب الأحبار - وكان حاضراً: من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه، فضربه أبو ذر فشجه، وقال: يا بن اليهودية، ما أنت و ما هاهنا! فاستوهب عثمان كعبا شجته، فوهبه، فقال أبو ذر لعثمان: تأذن لي بالخروج من المدينة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعا؟ فأذن له فبلغ الربذة، وبنى بها مسجداً، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل، وأعطاه مملوكين، وأجرى عليه في كل يوم عطاء، وكذلك أجرى على رافع بن حديج، وكان قد خرج أيضاً من المدينة لشيء سمعه.","part":5,"page":303},{"id":2304,"text":"قال: وكان أبو ذر يتعاهد المدينة مخافة أن يعود أعرابياً، وأخرج معاوية إليه أهله، فخرجوا ومعهم جراب يثقل يد الرجل فقال: انظروا إل هذا الذي يزهد في الدنيا ما عنده؟ فقالت امرأته: والله ماهو دينار ولا درهم ولكنها فلوس كان إذا خرج عطاؤه ابتاع منه فلوسا لحوائجنا.\rوروى البخاري رحمه الله في صحيحه بسنده إلى زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر - رضي الله عنه، فقلت له.\rما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت في الشام، فاختلفت أنا ومعاوية في الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله. قال: معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك كلام، وكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني، فكتب إلى عثمان أن أقدم المدينة،فقدمتها، فكثر على الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان رضي الله عنه فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريباً؛ فذلك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا على حبشياً لسمعت وأطعت.\rوأقام أبو ذر بالربذة إلى سنة اثنتين وثلاثين، فمات به رضي الله عنه، ولما حضرته الوفاة قال لابنته: استشرفي يا بنية، هل ترين أحداً؟ قالت: لا، قال: فما جاءت ساعتي بعد، ثم أمرها فذبحت شاه ثم طبختها، ثم قال: إذا جاءك الذين يدفنوني - فإنه سيشهدني قوم صالحون - فقولي لهم: يقسم عليكم أبو ذر ألا تركبوا حتى تأكلوا؛ فلما نضجت قدرها قال لها: انظري، هل ترين أحداً؟ قالت: نعم، هؤلاء ركب. قال: استقبلي الكعبة، ففعلت.\rفقال: بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات. فخرجت ابنته، فتلقتهم وقالت: رحمكم الله.اشهدوا أبا ذر قالوا: وأين هو ؟ فأشارت إليه، قالوا: نعم، ونعمة عين، لقد أكرمنا الله بذلك.\rوكان فيهم ابن سعود رضي الله عنه فبكى، وقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: \" يموت وحده ويبعث وحده \" .\rفغسلوه وكفنوه، وصلوا عليه ودفنوه، فقالت لهم ابنته: إن أبا ذر يقرأ عليكم السلام، وأقسم ألا تركبوا حتى تأكلوا، ففعلوا، وحملوا أهله معهم حتى أقدموهم مكة، ونعوه إلى عثمان فضم ابنته إلى عياله.\rوقيل: كانت وفاته في سنة إحدى وثلاثين..\rوقيل: إن بن مسعود لم يحمل أهل أبي ذر معه، إنما تركهم حتى قدم على عثمان بمكة فأعلمه بموته، فجعل عثمان طريقه عليهم، فحملهم معه.\rسنة إحدى وثلاثين\rفيها حج عثمان رضي الله عنه بالناس.\rوفيها مات أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وصخر ابن حرب، وهو بن ثمان وثمانين وسنة.\rسنة اثنتين وثلاثين.\rوفي هذه السنة مات العباس بن عبد المطلب، وكان قد كف بصره، وله من العمر ثمان وثمانون سنة.\rومات عبد الله بن مسعود، وصلى عليه عمار بن ياسر، وقيل: عثمان.\rوتوفي عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري أمر الأذان.\rوتوفي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. والله سبحانه وتعالى أعلم.\rوفاة عبد الرحمن بن عوف.\rوشيء من أخباره ونسبه.\rهو أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الزهري.\rوكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن.\rولد بعد عام الفيل بعشر سنين، واسلم قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وكان من المهاجرين الأولين، جمع الهجرتين جميعاً؛ إلى أرض الحبشة، ثم قدم قبل الهجرة مهاجراً إلى المدينة، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر رضي الله عنه الشورى فيهم.\rوشهد عبد الرحمن بدراً، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دومة الجندل، وعممه بيده، وأسدلها بين كتفيه، وقال له: سر باسم الله، وأوصاه بوصايا الأمراء، ثم قال: إن فتح الله عليك فتزوج بنت ملكهم أو شريفهم.","part":5,"page":304},{"id":2305,"text":"وكان الأصبغ بن ثعلبة بن ضمضم الكلبي شريفهم، فتزوج عبد الرحمن ابنته تماضر بنت الأصبغ، فهي أم أبي سلمة الفقيه ابن عبد الرحمن، وكان له من الولد سالم الأكبر، مات قبل الإسلام، وإبراهيم وحميد، وإسماعيل، وعروة قتل بإفريقية،وسالم الأصغر، وأبو بكر، وعبد الله الأكبر قتل بإفريقية، والقاسم، وعبد الله الأصغر، هو أبو سلمة الفقيه، وعبد الرحمن بن عبد الرحمن، ومصعب، وعثمان، ومحمد، ومعن وزيد، وأم القاسم ولدت في الجاهلية، وجويرية، وهم لأمهات أولاد شتى ذكرهن الزبير بن بكار.\rولعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فضائل كثيرة، ومناقب جمة، منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه في سفر.\rوروى عنه صلى الله عليه وسلم. انه قال: \" عبد الرحمن بن عوف سيد من سادات المسلمين \" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" عبد الرحمن بن عوف أمين في السماء، وأمين في الأرض \" .\rكان رضي الله عنه رجلاً طويلاً، أجنأ، أبيض مشرباً بحمرة، حسن الوجه، رقيق البشرة، لا يغير لحيته ولا رأسه.\rوروى عن سهلة بنت عاصم زوجته قالت: كان عبد الرحمن أبيض العينين، أهدب الأشفار، أقنى، طويل النابين الأعليين، وربما أدمياً شفته، له جمة، ضخم الكفين، غليظ الأصابع، جرح يوم أحد إحدى وعشرين جراحة، وجرح في رجله، فكان يعرج منها.\rوقال عمر بن عبد البر: كان عبد الرحمن تاجراً مجدوداً في التجارة وكسب مالاً كثيراً، وخلف ألف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحاً فكان يأخذ من ذلك قوت أهله سنة، وخلف مالاً كثيراً جداً.\rروى عمرو بن دينار، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: صالحنا أمرأة عبد الرحمن بن عوف التي طلقها في مرضه عن ثلث الثمن، بثلاث وثمانين ألفاً.\rوروى غيره أنها صولحت بذلك على ربع الثمن من ميراثه.\rوحكى بن الأثير في تاريخه الكامل: أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أوصى لكل رجل بقي من أهل بدر باربعمائة دينار، وكان عدتهم يومئذ مائة رجل، وقسم ماله على ستة عشر سهماً، فكان كل سهم ثمانين وألف دينار.\rوقال أبو عمر: وروى أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبداً. ولما حضرته الوفاة بكى بكاء شديداً، فسئل عن بكائه فقال: إن مصعب بن عمير كان خيراً مني، توفي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن له ما يكفن فيه، وإن حمزة بن عبد المطلب كان خيراً مني لم نجد له كفناً، وإني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في حياته الدنيا، أو أخاف أن أحتبس عن أصحابي بكثرة مالي.\rوقد تقدم أن هذا المال الذي أكتسبه كان ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوكانت وفاته رضي الله عنه بالمدينة. في هذه السنة.\rوقيل: في سنة إحدى وثلاثين، وصلى عثمان رضي الله عنه عليه بوصية منه، ودفن بالبقيع.\rواختلف في مبلغ سنة، فقيل: توفي وهو بن خمس وسبعين، وقيل: اثنتين وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين. والله أعلم.\rسنة إحدى وثلاثين\rذكر خبر من سار من أهل الكوفة إلى الشام وما كان من أمرهم في هذه السنة سير عثمان رضي الله عنه نفراً من أهل الكوفة إلى الشام، وكان سبب ذلك إن سعيد بن العاص لما ولاه عثمان الكوفة اختار وجوه الناس، وأهل القادسية، وقراء أهل الكوفة، فكان هؤلاء يدخلون عليه منزله، وإذا خرج فكل الناس يدخلون عليه، فدخلوا عليه يوماً، فبينما هم يتحدثون، قال حبيش بن فلان: ما أجود طلحة بن عبيد الله! فقال سعيد: إن من له مثل النشاستج لحقيق أن يكون جواد، والله لو كان لي مثله لأعاشكم الله به عيشاً رغداً","part":5,"page":305},{"id":2306,"text":"فقال عبد الرحمن بن حبيش، وهو حدث: والله لوددت أن هذا الملطاط. لك، وهو ما كان للأكاسرة على جانب الفرات الذي يلي الكوفة، فقالوا: فض الله فاك، والله لقد هممنا بك، فقال أبوه: غلام فلا تجاوزه، فقالوا: يتمنى سوادنا، ويتمنى لكم أضعافه. فثار به الأشتر وجندب وبن ذي الحنكة، وصعصعة، وابن الكواء، وكميل، وعمير بن ضابئ، فأخذوه، فثار أبوه ليمنع عنه، فضربوهما حتى غشي عليها، وجعل سعيد يناشدهم ويأبون، حتى قضوا منهما وطرأ، فسمعت بذلك بنو أسد، فجاءوا وفيم طليحة، فأحاطوا بالقصر، وركبت القبائل فعادوا بسعيد، فخرج سعيد إلى الناس، فقال: أيها الناس، قوم تنازعوا، وقد رزق الله العافية. فردهم، فتراجعوا. وأفاق الرجلان، فقالا: قاتلنا غاشيتك، فقال: لا يغشوني أبداً، فكفأ ألستنكما ولا تجرئا الناس، ففعلا، وقعد أولئك النفر في بيوتهم، وأقبلوا يقعون في عثمان رضي الله عنه.\rوقيل: بل كان السبب في ذلك أنه كان يسمر عند سعيد وجوه أهل الكوفة، منهم: مالك بن كعب الأرحبي، والأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس النخعيان، ومالك بن الأشتر، وغيرهم فقال سعيد: إنما هذا السواد بستان قريش، فقال الأشتر: تزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك! وتكلم القوم معه، فقال عبد الرحمن الأسدي، وكان على شرطة سعيد:أتردون على الأمير مقالته! وأغلظ لهم، فقال الأشتر: من هاهنا لا يفوتنكم الرجل، فوثبوا عليه فوطئوه وطئاً شديداً حتى غشي عليه، ثم جروا برجله فنضح بماء فأفاق، وقال: قتلني من انتخبت، فقال: والله لا يسمر عندي أحد أبداً، فجعلوا يجلسون في مجالسهم يشتمون عثمان وسعيداً، واجتمع إليهم الناس حتى كثروا.\rفكتب سعيد وأشراف أهل الكوفة إلى عثمان في إخراجهم، فكتب إليهم أن يلحقوهم بمعاوية، وكتب إلى معاوية: إن نفراً قد خلقوا للفتنة، فقم عليهم وانههم، فإن آنست منهم رشداً فأقبل منهم وإن أعيوك فارددهم علي.\rفلما قدموا على معاوية أنزلهم كنيسة مريم، وأجرى عليهم ما كان بالعراق بأمر عثمان وكان يتغدى ويتعشى معهم.\rفقال لهم يوماً: إنكم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفاً، وغلبتم الأمم، وحزتم مراتبهم ومواريثهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشاً؛ لو لم تكن قريش كنتم أذلة، إن أئمتكم لكم جنة، فلا تفترقوا عن جنتكم، وإن أئمتكم يصبرون لكم على الجور، ويحملون عنكم المئونة، والله لتنتهن أوليبتلينكم الله بمن يسومكم ولا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد وفاتكم.\rفقال صعصعة: أما ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر الناس، ولا أرفقها، ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا، وأما ما ذكرت من الجنة؛ فإن الجنة إن اخترقت خلص إلينا.\rفقال معاوية: عرفتكم الآن، وعلمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول؛ وأنت خطيبهم، ولا أرى لك عقلاً، أعظم عليك أمر الإسلام وتذكرني الجاهلية؟؟؟؟؟؟! أخزى الله قوماً أعظموا أمركم.\rأفقهوا عني - ولا أظنكم تفقهون - أن قريشاً لم تعز في جاهلية ولا إسلام إلا بالله تعالى، لم تكن بأكثر العرب ولا بأشدهم؛ ولكنهم كانوا أكرمهم أحساباً، وأمحضهم أنساباً، وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في جاهلية - والناس يأكل بعضهم بعضاً - إلا بالله، فبوأهم حرما آمنا، يتخطف الناس من حولهم، هل تعرفون عرباً أو عجماً أو سوداً أو حمراً، إلا وقد أصابه الدهر في بلده وحرمته؛ إلا ماكان من قريش؛ فإنهم لم يردهم أحد من الناس بكيد إلا جعل الله خده الأسفل؛ حتى أراد الله أن يستنقذ من أكرم، واتبع دينه من هو أن الدنيا وسوء مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ارتضى له أصحاباً فكان خيارهم قريشاً، ثم بنى هذا الملك عليهم، وجعل هذه الخلافة فيهم، فلا يصلح ذلك إلا عليهم، فكان الله تعالى يحوطهم في الجاهلية، وهم على كفرهم، افتراه لا يحوطهم وهم على دينه! أف لك ولأصحابك!","part":5,"page":306},{"id":2307,"text":"أما أنت يا صعصعة، فإن قريتك شر القرى، أنتنها نبتاً، وأعمقها وادياً، وأعرفها بالشر وألامها، ألام العرب ألقابا وأصهارا، نزاع الأمم، وأنتم جيران الخط، وفعلة فارس، حتى أصابتكم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. فأنت شر قومك، حتى إذا أبرزك الإسلام وخلطك بالناس أقبلت تبتغي دين الله عوجاً، وتنزع إلى الذلة، ولا يضر ذلك قريشاً، ولا يضعهم ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم، إن الشيطان عنكم غير غافل، قد عرفكم بالشر فأغرى بكم الناس وهو صارعكم، ولا تدركون بالشر أمراً أبداً؛ إلا فتح الله عليكم شراً منه وأخزى.\rثم أقام وتركهم، فتقاصرت إليهم أنفسهم.\rفلما كان بعد ذلك أتاهم وتركهم فقال: إني قد أذنت فاذهبوا حيث شئتم، لا ينفع الله بكم أحداً أبداً ولا يضره، ولا أنتم برجال منفعة ولا مضرة فإن أردتم النجاة فالزموا جماعتكم، ولا يبطر الإنعام، فإن البطر لا يعتري الخيار، فاذهبوا حيث شئتم، فسأكتب إلى أمير المؤمنين فيكم.\rفلما خرجوا دعاهم وكلمهم نحو كلامه الأول، وكتب إلى عثمان أنه قدم على أقوام ليست لهم عقول ولا أديان، أضجرهم العدل، لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة؛ إنما همهم الفتنة، وأموال أهل الذمة، والله متبليهم ومختبرهم، ثم فاضحهم ومخزيهم، وليسوا بالذين ينكئون أحداً إلا مع غيرهم، فإن سعيداً ومن عنده عنهم؛ فإنهم ليسوا لأكبر من شغب أو نكير.\rقال: ولما خرجوا من دمشق قالوا: لا نرجع إلى الكوفة، فإنهم يشمتون بنا، ولكن ميلوا إلى الجزيرة، فسمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكان على حمص، فدعاهم وقال: ياآله الشيطان، لا مرحبا بكم ولا أهلاً! قد رجع الشيطان محسوراً، وأنتم بعد نشاط، خسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم، يا معشر من لا أدري، أعرب أم عجم! لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم قلتم لمعاوية: أنا ابن خالد بن الوليد، انا ابن من عجمته العاجمات، أنا بن فاقي الرده.\rوالله لمن بلغني يا صعصعة أن احداً من معي دق أنفك، ثم أمضك، لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى. وأقامهم شهراً، كلما ركب أمشاهم. فلما مربه صعصعة قال: يا بن الخطيئة، اعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر، مالك لا تقول لما بلغني أنك قلت لسعيد ومعاوية! فيقولون: نتوب إلى الله، أقلنا أقالك الله، فما زالوا به حتى قال: تاب الله عليكم.\rوسرح الأشتر إلى عثمان، فقدم إليه ثانياً، فقال له عثمان؛ أحلل حيث شئت، قال: مع عبد الرحمن بن خالد؟ فقال، ذاك إليك، فرجع إليه.\rوقد حكى بعض المؤرخين من أخبارهم نحو ما تقدم، وزاد فيه: إن معاوية لما عاد إليهم من القابلة وذكرهم، كان مما قال لهم: والله إني لا آمركم بشيء إلا قد بدأت فيه بنفسي، وأهل بيتي، وقد عرفت قريش أن أبا سفيان كان أكرمها، وابن أكرمها؛ إلا ماجعل الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، فإن انتخبه وأكرمه، وإني لأظن أن أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد إلا حازماً.\rقال: صعصعة: كذبت، لقد ولدهم خير من أبي سفيان، من خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له، وكان فيهم البر والفاجر، والأحمق والكيس.\rفخرج تلك الليلة من عندهم، ثم أتاهم من القابلة فتحدث عندهم طويلاً ثم قال: أيها القوم، ردوا خيراً أو اسكتوا، وتفكروا وانظروا فيما ينفعكم وينفع أهاليكم المسلمين فاطلبوه.\rفقال صعصعة: لست بأهل ذلك ولا كرامة، لك أن تطاع في معصية الله عز وجل! فقال: أليس أول ما ابتدأتكم به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعته وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا.\rقالوا: بل أمرت بالفرقة وخلاف ماجاء به النبي صلى الله عليه وسلم.\rقال: فإني آمركم الآن، إن كنت فعلت فإني أتوب إلى الله وآمركم بتقواه وطاعته، وطاعة نبيه، ولزوم الجماعة، وأن توقروا أئمتكم، وتدلوهم على أحسن ما قدرتم عليه.\rفقال صعصعة: فإنا نأمرك أن تعتزل عملك، فإن في المسلمين من هو أحق به منك؛ من كان أبوه أحسن قدماً من أبيك في الإسلام وهو أحسن قدما في الإسلام من أبيك.","part":5,"page":307},{"id":2308,"text":"فقال: والله إن لي في الإسلام قدما، ولغيري كان أحسن قدما مني، ولكن ليس في زماني أحد أقوى على ما أنا فيه مني، ولقد رأى ذلك عمر بن الخطاب، فلو كان غيري أقوى مني لم تكن عند عمر هوادة لي ولالغيري، ولم أحدث من الحدث ما ينبغي أن أعتزل عمل، ولو رأى ذلك أمير المؤمنين لكتب إلى فاعتزلت عمله، فمهلاً فإن في ذلك وأشباهه ما يتمنى الشيطان ويأمر.\rولعمري، لو كانت الأمور تقضي على رأيكم وأمانيكم، مااستقامت لأهل الإسلام يوما وليلة، فعاودوا الخير وقولوه، وإن لله لسطوات وإني لخائف عليكم أن تتابعوا في متابعة الشيطان، ومعصية الرحمن فيحلكم بذلك دار الهوان في العاجل والآجل.\rفوثبوا عليه، وأخذوا رأسه ولحيته. فقال: مه! إن هذه ليست بارض الكوفة، والله لو رأى أهل الشام ما صنعتم في ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم، فلعمري إن صنيعكم ليشبه بعضه بعضاً، ثم قام من عندهم.\rفكتب إلى عثمان نحو ما تقدم، فكتب إليه يأمره أن يردهم إلى سعيد بن العاص إلى الكوفة، فردهم، فأطلقوا ألسنتهم، فضج سعيد منهم إلى عثمان، فكتب إليه أن يسيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بحمص، فسيرهم إليه، فأنزلهم وأجرى عليهم رزقاً. وكانوا: الأشتر، وثابت بن قيس الهمذاني، وكميل بن زياد، وزيد وصعصعة ابنا صوحان، وجندب بن زهير الغامدي، وجندب بن كعب الأزدي، وعروة بن الجعد، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وابن الكواء.\rوفيها مات المقداد بن عمرو، المعروف بابن الأسود، وتوفي الطفيل والحصين ابنا الحارث بن عبد المطلب بن هاشم.\rوحج عثمان بالناس.\rسنة أربع وثلاثين\rذكر خبر يوم الجرعة وعزل سعيد وخروجه عن الكوفة واستعمال أبي موسى الأشعري وفي هذه السنة توجه سعيد بن العاص أمير الكوفة إلى عثمان، وقد استعمل على أعماله قبل مسيرة بسنة وبعض أخرى على أذربيجان الأشعث بن قيس، وعلى الري سعيد بن قيس، وعلى همذان النسير العجلي، وعلى أصبهان السائب بن الأقرع، وعلى ماه مالك بن حبيب، وعلى الموصل حكيم بن سلام الحراني، وعلى قرقيسيا جرير ابن عبد الله، وعلى الباب سليمان بن ربيعة، وعلى حلوان عتيبة ابن النهاس. وجعل القعقاع بن عمرو على الحرب، وخلت الكوفة من الرؤساء.\rفخرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان، ومعه الذين كان ابن السوداء يكاتبهم، فأخذه القعقاع بن عمرو فقال: إنما نستعفي من سعيد.\rفتركه، وكاتب يزيد النفر الذين كانوا سيروا من الكوفة إلى الشام في القدوم عليه، فسار الأشتر. فلم يفجأ الناس بالكوفة يوم جمعة إلا والأشتر على باب المسجد يقول: جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان، وتركت سعيداً يريده على نقصان نسائكم على مائة درهم، ورد أولى البلاء منكم إلى ألفين، ويزعم أن فيكم بستان قريش، فاستخلف الناس، وجعل أهل الرأي ينهونهم فلا يسمعون منهم.\rفخرج يزيد، وأمر منادياً ينادي: من شاء أن يلحق بيزيد لرد سعيد فليفعل، فبقي أشراف الناس وحلماؤهم في المسجد، وعمرو بن حريث يومئذ خليفة سعيد، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وأمر الناس بالاجتماع والطاعة.\rفقال له القعقاع بن عمرو: أترد السيل عن أدراجه؟ هيهات! لا والله لا يسكن الغوغاء إلا المشرفية ويوشك أن تنتضي، ثم يعجون عجيج العدان، ويتمنون ما هم فيه اليوم، فلا يرده الله عليهم أبداً، فاصبر. قال: أصبر، وتحول إلى منزله.\rوخرج يزيد بن قيس فنزل الجرعة، وهي قريب من القادسية، معه الأشتر، ووصل إليهم سعيد بن العاص، فقالوا: لا حاجة لنا بك، فقال: إنما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلاً وإلى رجلاً، وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل. ثم انصرف عنهم، ومضى حتى قدم على عثمان فأخبره الخبر، وأن القوم يريدون البدل، وأنهم يختارون أبا موسى. فولاه عثمان، وكتب إليهم: أما بعد، فقد أمرت عليكم من اخترتم، وأعفيتكم من سعيد، والله لأقرضنكم عرضي، ولأبذلنكم صبري، ولأصلحنكم جهدي، فلا تدعوا شيئاً أحببتموه لا يعصي الله فيه إلا سألتموه، ولا شيئاً كرهتموه لا يعصي الله فيه إلا مااستعفيتم منه. أنزل فيه عندما أحببتم؛ حتى لا تكون لكم على الله حجة، ولنصبرن كما ما أمرنا؛ حتى تبلغوا ما تريدون.","part":5,"page":308},{"id":2309,"text":"ورجع الأمراء من قرب الكوفة، فرجع جرير من قرقيسياء، وعتيبة بن النهاس من حلوان، وخطبهم أبو موسى، وأمرهم بلزوم الجماعة وطاعة عثمان. فأجابوه إلى ذلك، وقالوا: صل بنا. فقال: لا، إلا على السمع والطاعة لعثمان، قالوا: نعم، فصلى بهم، وأتاه ولاته فولاهم. والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو حسبي.\rالخلاف على عثمان\rومن ابتدأ بالجرأة عليه كان أول من ابتدأ بالجرأة عليه عبد الرحمن بن عوف؛ وذلك أن أبلا من إبل الصدقة جيء بها إلى عثمان، فوهبها لبعض بني الحكم، فبلغ ذلك عبد الرحمن، فأخذها وقسمها بين الناس، وعثمان في الدار.\rوكان أول من أجترأ عليه في المنطق جبلة بن عمرو الساعدي، مر به عثمان وهو في نادي وبيده جامعة، فسلم عثمان فرد القوم، فقال جبلة: لم تردون على رجل فعل كذا وكذا! ثم قال لعثمان: والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك،أو لتتركن بطانتك هذه الخبيثة؛ مروان وبن عامر وبن سعد، ومنهم من نزل القرآن بذمة، وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه.\rوحكى أبو جعفر الطبري: أنه مر به وهو بفناء داره ومعه جامعة، فقال يا نعشل والله لأقتلنك ولأحملنك على قلوص جرباء، ولأحملنك إلى حرة النار.\rقال: ثم جاءه مرة أخرى، وعثمان على المنبر، فأنزله عنه قال أبو جعفر وعن أبي حبيبة، قال: خطب عثمان الناس في بعض أيامه، فقال عمرو بن العاص: يا أميرالمؤمنين، إنك قد ركبت نهابير، وركبنا معك، فتب نتب. فاستقبل عثمان القبلة، وشهر يديه قال أبو حبيبة: فلم أر يوماً أكثر باكياً ولا باكية من يومئذ.\rقال: ثم خطب الناس بعد ذلك، فقام إليه جهجاه الغفاري فصاح: ياعثمان، ألا إن هذه شارف، قد جئنا بها، عليها عباءة وجامعة، فأنزل فلندرعك العباءة، ولنطرحك في الجامعة، ولنحملنك على الشارف، ثم نطرحك في جبل الدخان.\rفقال عثمان: قبحك الله، وقبح ما جئت به! قال أبو حبيبة: ولم يكن ذلك منه إلا عن ملإ من الناس، وقام إلى عثمان شيعته من بني أمية، فحملوه فأدخلوه الدار.\rوروى عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه، قال: أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يخطب عليها أبو بكر، فقال له جهجاه: قم يا نعشل، فانزل عن هذا المنبر، وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى، فدخلت شظية منها فيها، فبقي الجرح متى أصابته الأكلة، فرأيتها تدود. ونزل عثمان وحملوه، وأمر بالعصا فشدوها، فكانت مضببة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلى خرجة أو خرجتين حتى حصر، فقتل.\rهذا ما كان من أمر أهل المدينة.\rوأما ما كان من أهل الأمصار، فكان سبب خلافهم أن عبد الله ابن سبأ المعروف بابن السوداء، كان يهودياً، فأسلم أيام عثمان، ثم تنقل في الحجاز، ثم بالبصرة، ثم بالكوفة، ثم بالشام، يريد إضلال الناس، فلم يقدر منهم على ذلك، وأخرجه أهل الشام فأتى مصر، فأقام فيهم، وقال لهم: العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع، ويكذب أن محمداً يرجع، ووضع لهم الرجعة، فقبلوا ذلك معه، ثم قال لهم بعد ذلك إنه كان لكل نبي وصي، وعلى وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله، ووثب على وصية! وإن عثمان أخذها بغير حق، فانهضوا في هذا الأمر، وابدءوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر تستميلوا به الناس. وبث دعاته، وكاتب من استفسد في الأمصار، وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم.\rثم كان أهل الكوفة أول من قام في ذلك، فاجتمع ناس منهم فتذاكروا أعمال عثمان، فاجتمع رأيهم أن يرسلوا إليه عامر بن عبد الله التميمي، ثم العنبري، وهو الذي يدعى عامر بن عبد القيس، فأتاه، فدخل عليه فقال: إن ناسا من المسلمين اجتمعوا ونظروا في أعمالك، فوجدوك قد ارتكبت أموراً عظاماً، فاتق الله وتب إليه.\rفقال عثمان: أنظروا إلى هذا، فإن الناس يزعمون أنه قارئ، ثم هو يجئ فيكلمني في المحقرات، ووالله ما يدري أين الله؟ فقال عامر: بل والله إني لأدري أن الله لبالمرصاد.\rفأرسل عثمان إلى معاوية، وعبد الله بن سعد، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عامر، فجمعهم وشاروهم، وقال لهم: إن لكل أمير وزراء ونصحاء وإنكم وزرائي ونصحائي، وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إلى أن أعزل عمالي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى مايحبون، فاجتهدوا رأيكم.","part":5,"page":309},{"id":2310,"text":"فقال بن عامر: أرى يا أمير المؤمنين أن تشغلهم بالجهاد عنك حتى يذلوا لك، ولاتكون همة أحدهم إلا في نفسه وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته.\rوقال سعيد: أحسم عنك الداء فاقطع عنك الذي تخاف، فإن لكل قوم قادة، متى تهلك تفرقوا ولا يجتمع لهم أمر، فقال عثمان: هذا هو الرأي لولا مافيه.\rوقال معاوية: أشير عليك أن تامر أمراء الاجناد فيكفيك كل رجل منهم ما قبله، وأكفيك أنا أهل الشام.\rوقال أبن سعد: إن الناس أهل طمع، فاعطهم من هذا المال، تعطف عليك قلوبهم.\rثم قام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أنك قد ركبت الناس بمثل بني أمية. فقلت وقالوا، وزغت وزاغوا، فاعتدل أو اعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزماً، وامض قدماً.\rفقال له عثمان: مالك قمل فروك، أهذا الجد منك! فسكت عمرو حتى تفرقوا، فقال: والله يا أمير المؤمنين لأنت أكرم على من ذلك؛ ولكني علمت أن بالباب من يبلغ الناس قول كل رجل منا، فأردت أن يبلغهم قولي، فيثقوا بي، فأقود إليك خيراً، وأدفع عنك شراً.\rثم رد عثمان عماله إلى أعمالهم، وأمرهم بتجهيز الناس في البعوث، ورد سعيد بن العاص إلى الكوفة، فلقيه الناس من الجرعة فردوه كما تقدم، وتكاتب أهل الأمصار، لما أفسد أمرهم بن السوداء، وصار أهل كل مصر يكتب إلى أهل مصر الآخر بعيوب يضعونها لولاتهم، وينالون منهم حتى ذاع ذلك في سائر البلاد، ووصل إلى المدينة.\rفيقول أهل كل مصر:إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء.\rثم تكاتب نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، بعضهم إلى بعض في سنة اربع وثلاثين أن أقدموا فإن الجهاد عندنا، ونال الناس من عثمان، وعظموا عليه، وليس أحد من الصحابة ينهي ولا يذب، إلا نفر، منهم زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، فاجتمع الناس، فكلموا على بن أبي طالب رضي الله وأرضاه وكرم وجهه.\rغلام علي لعثمان\rوجوابه له.\rقال: ولما اجتمع الناس إلى علي رضي الله عنه،وكلموه، دخل إلى عثمان فقال: إن الناس ورائي، وقد كلموني فيك، والله ما أدري ما أقول لك،ولا أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ولا خلونا بشيء فنبلغك، وما خصصنا بأمر دونك، وقد رأيت وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعت منه، ونلت صهره، وما أبنأبي قحافة بأولى بالعمل منك، ولا بن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك وأنت أقرب إلى رسول الله صىل الله عليه وسلم رحماً، ولقد نلت من صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مالم تنالا، ولا سبقاك إلى شيء، فالله، الله في نفسك، فإنك والله ما تبصر عن عمي، وما تعلم من جهالة، وإن الطريق لواضح بين، وإن أعلام الدين لقائمة.\rأعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل؛ هدى وهدى، وأقام سنة معلومة، وأمات بدعة مكروهة، فو الله إن كلا لبين، وإن السنن لقائمة لها أعلام، وإن البدع لقائمة لها أعلام، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وأضل،فأمات سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة، وإني أحذرك الله وسطواته ونقماته، فإن عذابه شديد أليم، أحذرك أن تكون إمام هذه الأمة الذين يقتل فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، وتلبس أمورها وتتركهم شيعاً؛ لا يبصرون الحق لعلو الباطل، يموجون فيها موجاً، ويمرجون فيها مرجاً.\rفقال عثمان: قد علمت والله ليقولن الذي قلت، أما والله لو كنت مكان ما عنفتك ولا أسلمتك، ولا عبت عليك، ولا جئت منكراً، أن وصلت رحماً، وسددت خلة، وآويت ضائعاً، ووليت شبيهاً بمن كان عمر ولي. أنشدك الله يا علي، هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك! قال: نعم، قال: فتعلم أن عمر ولاه؟ قال: نعم، قال: فلم تلومني أن وليت بن عامر في رحمه وقرابته؟ قال علي: إن عمر كان يطأ على صماخ من ولي إن بلغه عنه حرف جلبه، ثم بلغ به أقصى العقوبة، وأنت لا تفعل، ضعفت ورفقت على أقربائك.\rقال عثمان.: وهم أقرباؤك أيضاً. قال: أجل، إن رحمهم مني لقريبة؛ ولكن الفضل في غيرهم.\rقال عثمان: هل تعلم أن عمر ولي معاوية، فقد وليته؟ قال علي: أنشدك الله! هل تعلم أن عمر ولي معاوية، فقد وليته؟ قال علي؟ أنشدك الله! هل تعلم أن معاوية كان أخوف لعمر من يرفأ ( غلام له) ؟","part":5,"page":310},{"id":2311,"text":"قال: نعم، قال: فإن معاوية يقطع الأمور دونك، ويقول للناس: هذا أمر عثمان، وأنت تعلم ذلك، فلا تغير عليه.\rثم خرج علي من عنده، وخرج عثمان على أثره، فجلس على المنبر ثم قال.\rأما بعد، فإن لكل شيء آفة، ولكل عاهة، وإن آفة هذه الأمة، وعاهة هذه النعمة، طعانون يرونكم ما تحبون، يسترون عنكم ما تكرهون، ويقولون لكم ويقولون، أمثال النعام، يتبعون أول ناعق، أحب مواردها إليها البعيد، لا يشربون إلا نغصاً، ولا يردون إلا عكراً، لا يقوم لهم رائد، وقد أعيتهم الأمور، إلا فقد عبتم على والله بما أقررتم لابن الخطاب بمثله؛ لكن وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم، وأوطأتكم كتفي، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم علي. أما والله لأنا أعز نفراً، وأقرب ناصراً، وأكثر عدداً، وأحرى إن قلت هلم أتي إلى، ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولاً، وكشرت لكم عن نابي، وأخرجتم مني خلقاً لم أكن أحسنه، ومنطقاُ لم أنطق به، فكفوا عني ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم، فإني كففت عنكم من لو كان الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا، ألا فما تفقدون من حقكم؟ والله ماقصرت عن بلوغ ما بلغ من كان قبلي، ولم يكونوا يختلفون عليه.\rفقام مروان بن الحكم فقال: إن شئتم حكمنا والله بيننا وبينكم السيف، ونحن والله وأنتم كما قال الشاعر:\rفرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم ... مغارسكم تبنون في دمن الثري\rفقال له عثمانك اسكت لأسكت، دعني وأصحابي، ما منطقك في هذا؟ الم أتقدم إليك ألا تنطق! فسكت مروان، ونزل عثمان\rإرسال عثمان إلى الأمصار\rليأتوه بأخبار عماله وما يقول الناس فيهم قال: لما تكاتب أهل الأمصار بعيوب ولاتهم التي وضعوها، وشاع ذلك، وأتت الأخبار إلى المدينة، أتى أهل المدينة إلى عثمان وقالوا: يا أمير المؤمنين إنا نخبرك عن الناس بما ياتينا، وأخبروه، فاستشارهم فأشاروا أن يبعث رجالاً ممن يثق بهم إلى الأمصار، ليأتوه بأخبار العمال، فارسل محمد بن سلمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعمار بن ياسر إلى مصر، وعبد الله بن عمر إلى الشام.\rوفرق رجالا سواهم، فرجعوا جميعاً قبل عمار، فقالوا: ما أنكرنا شيئاً ولا نكره أعلام الناس ولا عوامهم. وتأخر عمار حتى ظنوا أنه اغتيل، فجاء كتاب عبد الله بن أبي سرح يذكر أن عماراً قد استماله قوم وانقطعوا إليه، منهم عبد الله بن السوداء، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر.\rفكتب عثمان إلى أهل الأمصار: إني آخذ عمالي بموافاتي في كل موسم، وقد رفع إلى أهل المدينة أن أقواماً يضربون ويشتمون، فمن أدعى شيئاً من ذلك فليواف الموسم، ليأخذ بحقه مني أو من عمالي، أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين.\rفلما قرأ كتابه في الأمصار بكى الناس بكاء شديداً، ودعوا عثمان رضي الله عنه. وقدم عمال الامصار إلى مكة في الموسم: عبد الله عامر أمير البصرة، وعبد الله بن سعد أمير مصر، ومعاوية أمير الشام وأدخل معهم في المشورة سعيد بن العاص، وعمرو بن العاص.\rفقال عثمان رضي الله عنه: ويحكم! ماهذه الشكاية وما هذه الإذاعة! إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقاً عليكم، وما يعصب هذا إلا بي، فقالوا: ألم تبعث؟ ألم نرجع إليك الخبرعن القوم؟ ألم ترجع رسلك ولم يشافههم أحد بشيء، والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلاً، ولا يحل الأخذ بهذه الإذاعة. فقال: أشيرواعلي.\rفقال سعيد: هذا أمر مصنوع يلقى في السر فيتحدث به الناس، ودواء ذلك طلب هؤلاء، وقتل الذين يخرج هذا من عندهم.\rوقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم، فإنه خير من أن تدعهم.\rوقال معاوية: قد وليتني فوليت قوما لايأتيك عنهم إلا الخير، والرجلان أعلم بناحيتيهما، والرأي حسن الأدب.\rقال عمر: أرى أنك قد لنت لهم، وتراخيت عليهم، وزدتهم على ماكان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريق صاحبيك، فتشتد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين.\rفقال عثمان: قد سمعت كل ما أشرتم به علي، ولكل أمر باب يؤتى منه.","part":5,"page":311},{"id":2312,"text":"إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن، وإن بابه الذي يغلق عليه فيكفكف بهن اللين والمؤاتاة إلا في حدود الله، فإن فتح فلا يكون لأحد على حجة حق. وقد علم الله أنى لم آل الناس خيراً، وأن رحا الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها. سكنوا الناس، وهيئوا لهم حقوقهم؛ فإذا تعوطيت حقوق الله عز وجل فلا تدهنوا فيها.\rوكان هذا بمكة. فلما قدم عثمان المدينة دعا علياً وطلحة والزبير، وعنده معاوية، فحمد معاوية الله، ثم قال أنتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيرته من خلقه، وولاه أمر هذه الأمة، لايطمع فيه أحد غيركم، اخترتم صاحبكم عن غير غلبة ولا طمع، وقد كبر وولى عمره، ولو انتظرتم به الهرم لكان قريباً؛ مع أني أرجو أن يكون أكرم على الله أن يبلغه ذلك، وقد فشت مقالة أخفتها عليكم، فما عتبتم فيه من شيء فهذه يدي لكم به، ولا تطمعوا الناس في أمركم، فوالله إن طمعوا فيه لرأيتم منها أبداً إدبارا.\rفقال علي بن أبي طالب: مالك وذاك لا أم لك! قال: دع امي فإنها ليست بشر أمهاتكم، قد اسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم، وأجبني عما أقول لك.\rفقال عثمان: صدق ابن أخي، أنا أخبركم عني وعما وليت، إن صاحبي اللذين كانا قبلي أنفسكما، ومن كان منهما بسبيل احتسابا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي قرابته، فأنا في رهط أهل عيلة، وقلة معاش، فبسطت يدي في شيء من ذلك المال لما أقوم به فيه، فإن رأيتم ذلك خطأ فردوه، فأمري لأمركم تبع.\rفقالوا: أصبت وأحسنت، قد أعطيت عبد الله بن خالد بن أسيد خمسين ألفاً، وأعطيت مروان خمسة عشر ألفاً. فأخذ منهما ذلك، فرضوا وخرجوا راضين.\rولما رأى معاوية ما الناس فيه قال لعثمان: أخرج معي إلى الشام فإنهم على الطاعة قبل أن يهجم عليك مالا قبل لك به، فقال: لا أبيع جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وإن كان فيه قطع خيط عنقي، قال: فابعث إليك جنداً منهم يقيمون معك لنائبة إن نابت المدينة، فقال: لا أضيق على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: والله إنك لتغتالن، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل.\rوخرج معاوية فمر بنفر من المهاجرين؛ فيهم علي و طلحة والزبير وعلى معاوية ثياب سفره، فقام عليهم، فقال: إنكم قد علمتم أن هذا الأمر كان الناس يتغالبون فيه حتى بعث الله نبيه، فكانوا متفاضلين بالسابقة والقدمة والاجتهاد، فإن أخذوا بذلك فالأمر أمرهم، والناس لهم تبع، وإن طلبوا الدنيا بالتغلب سلبوا ذلك ورده الله إلى غيرهم، وإن الله على البدل القادر، وإني قد خلفت فيكم شيخاً فاستوصوا به خيراً، وكاتفوه تكونوا أسعد منه بذلك.\rوودعهم ومضى إلى الشام.\rفقال علي رضي الله عنه: كنت أرى في هذا خيراً.\rفقال الزبير: والله ماكان قط أعظم في صدرك وصدورنا منه اليوم. والله سبحانه وتعالى أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rسنة خمس وثلاثين\rذكر مسير من سار إلى عثمان رضي الله عنه من أهل الأمصار قال: ولما فصل الأمراء عن المدينة، وقدموا على أمصارهم وذلك في سنة خمس وثلاثين، وكان المنحرفون عن عثمان قد اتعدوا يوماً يخرجون فيه بالأمصار جميعاً إذا سار عنها الأمراء، فلم يتهيأ لهم ذلك. ولما رجع الأمراء ولم يتم لهم الوثوب تكاتبوا في القدوم إلى المدينة، لينظروا فيما يريدون ويسألوا عثمان عن أشياء، لتطير في الناس.\rفخرج المصريون وفيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي في خمسمائة.\rوقيل: ستمائة، وقيل: في ألف، وفيهم كنانة بن بشر الليثي، وسودان بن حمران السكوني، وعليهم جميعاً الغافقي بن حرب العكي.\rوخرج أهل الكوفة وفيهم زيد بن صوحان العبدي، والأشتر النخعي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم العامري، وهم عداد أهل مصر.\rوخرج أهل البصرة وفيهم حكيم بن جبلة العبدي، وذريج بن عباد العبدي، وبشر بن شريح القيسي، وابن المحترش،وهم بعداد أهل مصر، وأميرهم حرقوص بن زهير السعدي.\rفخرجوا جيمعاً في شوال، وأظهروا أنهم يريدون الحج، فلما كانوا من المدينة على ثلاث، تقدم ناس من أهل البصرة، فنزلوا ذا خشب، وكان هواهم في طلحة، وتقدم ناس من أهل الكوفة فنزلوا على الأعوص وهو أهم في الزبير، وجاءهم ناس من أهل مصر وهواهم في علي، ونزل عامتهم بذي المروة","part":5,"page":312},{"id":2313,"text":"فاجتمع نفر من أهل مصر وأتوا علياً، ونفر من أهل البصرة، وأتوا طلحة، ونفر من أهل الكوفة فأتوا الزبير، واجتمعوا بهم فكل طردهم وأبعدهم، فعادوا إلى أصحابهم.\rوقيل: إن عثمان لما بلغه نزولهم بذي خشب، جاء إلى علي وكلمة في ردهم، فقال علي: على أي شيء أردهم؟ فقال عثمان: على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي.\rفركب علي ومحمد بن مسلمة وأبو المضرس وكلموهم في الرجوع، فرجعوا، فعاد علي إلى عثمان برجوعهم، فسر بذلك.\rفلما فارقه مروان بن الحكم إلى عثمان من الغد فقال له: تكلم أعلم الناس أن أهل مصر رجعوا، وأن ما بلغهم عن أميرهم كان باطلاً قبل أن يأتي الناس من أمصارهم، ويأتيك حالا تستطيع رده، ففعل عثمان، فلما خطب الناس قال عمرو بن العاص: اتق الله يا عثمان، فإنك قدركبت أموراً وركبناها معك، فتب إلى الله نتب.\rفناداه عثمان: وإنك هنالك! قملت والله جبيتك، منذ عزلتك عن العمل.\rفنودي من ناحية أخرى: تب إلى الله، فرفع راسه وقال: الله إني أول تائب. وخرج عمرو بن العاص حتى أتى فلسطين.\rوفي رواية عن علقمة بن وقاص: إن عمرو بن العاص قام إلى عثمان وهو يخطب، فقال: يا عثمان، إنك قد ركبت بالناس النهابير وركبوها، فتب إلى الله وليتوبوا.\rفالتفت إليه عثمان وقال: وإنك لهنا يابن النابغة! ثم رفع يديه واستقبل القبلة وقال: أتوب إلى الله، اللهم أنا أول تائب إليك.\rقال ابن الأثير الجزري: وقيل: إن علياً لما رجع من عند المصريين بعد رجوعهم أتى عثمان، فقال: تكلم كلاماً يسمعه الناس منك، ويشهدون عليك ويشهد الله على مافي قلبك من النزوع والإنابة؛ فإن البلاد قد تمخضت عليك، فلا آمن أن يجيء ركب آخر من الكوفة والبصرة، فتقول: يا علي، أركب إليهم، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك، واستخففت بحقك.\rفخرج عثمان فخطب خطبة نزع فيها، وأعطى الناس من نفسه التوبة، وقال: أنا أول من اتعظ، استغفر الله مما فعلت وأتوب إليه، فمثلي نزع وتاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروا رأيهم، فوالله لئن ردني الحق عبداً لأستن بسنة العبد، ولأذلن ذل العبد، وما عن الله مذهب إلا إليه، فوالله لأعطينكم الرضا، ولأنحين مروان وذويه، ولا أحتجب عنكم.\rفرق الناس وبكوا حتى أخضلت لحاهم، وبكى هو أيضاً، فلما نزل وجد مروان وسعيد ونفراً من بني أمية في منزله، لم يكونوا شهدوا خطبته.\rفلما جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين، أتكلم أم أسكت؟ فقالت: نائلة ابنة الفرافصة أمراة عثمان لا، بل أصمت، فإنهم والله قاتلوه ومؤثموه، إنه قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها.\rفقال لها مروان: ما أنت وداك؟ فوالله لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ، فقالت: مهلا يا مروان عن ذكر الآباء، تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه! وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه. أما والله لولا أنه عمه، وأنه يناله عمه لأخبرتك عنه بما لم أكذب. قال: فاعرض عنها مروان، وقال: يا أمير المؤمنين، أتكلم أم أسكت؟ قال: تكلم فقال: بأبي أنت وأمي! والله لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع، فكنت أول من رضي بها، وأعان عليها؛ ولكنك قلت ما قلت حين قد بلغ الحزام الطبيبين، وبلغ السيل الزبى، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل، والله لإقامة على خطيئة يستغفر منها، أحسن من توبه يخاف عليها، وأنت إن شئت تقر بالتوبة، ولم تقر بالخطيئة، وقد اجتمع بالباب أمثال الجبال من الناس.\rفقال عثمان: فأخرج إليهم وكلمهم، فإنى استحي أن أكلمهم، فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضاً، فقال: ما شأنكم؟ قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب، شاهت الوجوه! إلا من أريد، جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا، أخرجوا عنا، والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم، ولا تحمدوا غب رأيكم، ارجعوا إلى منازلكم، فإنا والله مانحن بمغلوبين على ما في أيدينا.\rفرجع الناس، وأتى بعضهم علياً فأخبره الخبر، فأقبل الناس على عبد الرحمن بن الأسود بن عبد بغوث فقال: أحضرت خطبة عثمان؟ قال: نعم، قال: أفحضرت مقالة مروان للناس؟ قال: نعم، فقال علي: أي عباد الله، ياللمسلمين! إني إن قعدت في بيتي قال لي: تركتني وقرابتي قرابتي وحقي","part":5,"page":313},{"id":2314,"text":"وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان، فصار سيقه له يسرقه حيث يشاء، بعد كبر السن، وصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم. وقام مغضبا حتى دخل على عثمان فقال له: أما رضيت من مروان ولا رضى منك إلا بتحرفك عن دينك، وعن عقلك، مثل جمل الظعينة. يقاد حيث يشاء ربه. والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه، ولا وايم الله إنى لأراه يوردك ثم لا يصدرك، وما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك، وغلبت على رأيك.\rفلما خرج علي دخلت على عثمان امرأته نائلة فقالت: قد سمعت قول علي لك، وليس يعاودك، وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء قال: فما أصنع؟ قالت: تتقي الله، وتتبع سنة صاحبيك؛ فإنك متى أطعت مروان قتلك، ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبة؛ وإنما تركك الناس لمكانه، فأرسل إلى علي فاستصلحه فإن له قرابة منك، وهو لا يعصى.\rفأرسل عثمان إلى علي فلم يأته وقال: قد أعلمته أني غير عائد، فبلغ مروان مقالة نائلة فيه، فجلس بين يدي عثمان فقال: ياابنة الفرافصة، فقال عثمان: لا تذكرنها بحرف، أسوي وجهك، فهي والله انصح لي منك، فكف مروان.\rوأتى عثمان إلى علي بمنزله ليلاً وقال له: إني غير عائد، وإني فاعل، فقال له علي: بعد ما تكلمت على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطيت من نفسك، ثم دخلت بيتك. فخرج مروان إلى الناس يشتمهم على بابك ويؤذيهم! فخرج عثمان من عنده وهو يقول: خذلتني وجرأت الناس علي، فقال له علي: والله إني لأكثر الناس ذنباً عنك؛ ولكني جئت بشيء أظنه لك رضا، جاء مروان بأخرى، فسمعت قوله، وتركت قولي، ولم يعد علي يعمل ما كان يعمل إلى منع عثمان الماء.\rفغضب غضباً شديداً حتى دخلت الروايا على عثمان رضي الله عنه. والله أعلم.\rمقتل عثمان\rولم عاد المصريون وغيرهم، ظن أن الفتنة قد ركدت، والبلية قد سكنت، فلم يفجأ أهل المدينة إلا والتكبير في نواحيها، وقد عاد القوم، فجاءهم أهل المدينة وفيهم علي، فقال: ما ردكم بعد ذهابكم! وقيل: إن الذي سألهم محمد بن مسلمة، فأخرجوا صحيفة في انبوبة رصاص وقالوا: وجدنا غلام عثمان بالبويب على بعير من إبل الصدقة، ففتشنا متاعه، فوجدنا فيه هذه الصحيفة، يأمر فيها عامل مصر بجلد عبد الرحمن بن عديس وغيره، وصلب بعضنا.\rقيل وكان الذي أخذت منها الصحيفة أبو الأعور السلمي فدخل علي محمد بن مسلمة على عثمان وأعلموه بما قال القوم، فأقسم بالله ما كتبه ولا علم به.\rفقال محمد: هذا من فعل مروان، ودخل عليه المصريون، فلم يسلموا عليه بالخلافة، وتكلموا فذكر بن عديس ما فعل بعبد الله بن سعد بالمسلمين وأهل الذمة، وأنه استأثر بالغنائم، فإن قيل له في ذلك قال: هذا كتاب أمير المؤمنين، وذكر أشياء مما أحدثها عثمان بالمدينة.\rوقال: خرجنا من مصر نريد قتلك، فردنا علي ومحمد بن مسلمة، وضمنا لنا النزوع عن كل ما تكلمنا فيه، فرجعنا إلى بلادنا، فرأينا غلامك وكتابك وعليه خاتمك، تامر بجلدنا والمثلة بنا، وطول حبسنا. فحلف أنه ما كتب ولا أمر ولا علم.\rفقال محمد وعلي: صدق عثمان. قال المصريون: فمن كتبه؟ قال: لا أدري قالوا: فيجترأ عليك، ويبعث غلامك وجمل الصدقة، وينقش على خاتمك، ويبعث إلى عاملك بهذه الأمور العظيمة وأنت لا تعلم! قال: نعم.\rقالوا: ما انت إلا صادق أو كاذب فإن كنت كاذبا فقد استحققت الخلع لما أمرت به من قتلنا بغير حق، وإن كنت صادقاً فقد استحققت الخلع. لضعفك عن هذا الأمر، وغفلتك، وخبث بطانتك، ولا نترك هذا الأمر بيد من يقطع الأمر دونه.\rفقال: لا أنزع قميصاً ألبسنيه الله؛ ولكنني أتوب وأنزع.\rقالوا: قد رأيناك تتوب، ثم تعود، ولسنا منصرفين حتى نخلعك، أو نقتلك، أو تلحق أرواحنا بالله، وإن منعك أهلك وأصحابك قاتلناهم.\rفقال: أما أن أتبرأ من خلافة الله فالقتل أحب إلى من ذلك، أما قتالكم من منعني فإني لا آمر بقتل أحد بقتالكم، فمن قاتل فبغير أمري.\rوكثرت الأصوات واللغط، فقام علي وأخرج القوم ومضى إلى منزله.\rقال: لما رجع أهل مصر، رجع أهل الكوفة وأهل البصرة فكأنما كانوا على ميعاد واحد؛ فقال لهم علي رضي الله عنه: كيف علمتم يا أهل الكوفة، ويا أهل مصر بما لقي أهل مصر، وقد سرتم مراحل حتى رجعتم! هذا والله أمر بليل! فقالوا:","part":5,"page":314},{"id":2315,"text":"ضعوه كيف شئتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا.\rقال: ثم أحاط القوم بعثمان، ولم يمنعوه من الصلاة، ولا منعوا من اجتماع الناس به.\rوكتب عثمان إلى أهل الامصار يستنجدهم، ويأمرهم بالحث للمنع عنه، يعرفهم ما الناس فيه، فخرج أهل الأمصار على الصعب والذلول.\rفبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حديج. وخرج من الكوفة القعقاع بن عمرو.\rوقام بالكوفة نفر يحضون على إعانة أهل المدينة، منهم عقبة بن عمرو، وعبد الله بن أبي أوفى، وحنظلة الكاتب وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rومن التابعين مسروق الأسود وشريح وعبد الله بن عليم وغيرهم.\rوقام بالبصرة عمران بن حصين، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر وغيرهم من الصحابة.\rوقام بالشام جماعة من الصحابة والتابعين، وكذلك بمصر.\rقال: ولما جاءت الجمعة التي على اثر دخولهم المدينة، خرج عثمان فصلى بالناس، ثم قام على المنبر وقال: يا هؤلاء، الله الله، فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد، فأمحوا الخطأ بالصواب.\rوقام محمد بن سلمة قال: أنا أشهد بذلك، فأقعده حكيم بن جبلة، وقام زيد بن ثابت، فأقعده محمد بن أبي قتيرة، وثار القوم بأجمعهم: فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد،وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشياً عليه، فأدخل داره، واستقتل نفر من أهل المدينة معه، منهم سعد بن أبي وقاص، والحسن بن علي وزيد بن ثابت وأبو هريرة، فعزم عليهم عثمان بالانصراف، فانصرفوا، وجاءه علي وطلحة والزبير يعودونه، وعنده جماعة من بني امية، منهم مروان بن الحكم، فقالوا:كلهم لعلي: أهلكتنا وصنعت هذا الصنع! والله لئن بلغت الذي تريد لنمرن عليك الدنيا، فقام مغضبا، وعاد هو والجماعة إلى منازلهم.\rقال: وصلى عثمان بالناس في المسجد بعدما نزلوا به ثلاثين يوماً ثم منعوه الصلاة، وصلى بالناس أميرهم الغافقي، وتفرق أهل المدينة في حيطانهم، ولزموا بيوتهم، لا يجلس أحد ولا يخرج إلا بسيفه؛ ليمتنع به.\rقال: وفي أثناء ذلك استشار عثمان نصحاءه في أمره، فأشاروا عليه بالإرسال إلى علي في ردهم، ويعطيهم ما يرضيهم؛ ليطاولهم حتى تأتيه أمداده، فقال: إنهم لا يقبلون التعلل، وقد كان مني في المرة الأولى ماكان.\rفقال مروان: أعطهم ما سألوك، وطاولهم ما طاولوك؛ فإنهم قوم بغوا عليك ولا عهد لهم.\rفدعا عليا وقال له: قد ترى ما كان من أمر الناس، ولا آمنهم على دمي، فأرددهم فإنى أعطيهم ما يريدون من الحق مني ومن غيري.\rفقال علي: الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك، وقد كنت أعطيتهم عهداً فلم تف به فلا تفردني هذه المرة فإنى معطيهم عليك بالحق.\rقال: أعطهم، فوالله لأفين لهم. فخرج على إلى الناس فقال لهم: إنما طلبتم الحق وقد أعطيتموه، وقد زعم أنه منصفكم من نفسه ومن غيره، فقال الناس: قبلنا، فاستوثق منه لنا؛ فإنا لنا نرضى بقول دون فعل، فدخل عليه على فأعلمه، فقال: أضرب بيني وبينهم أجلاً يكون لي فيه مهلة، فإنه لا أقدر على رد ما كرهوا في يوم واحد منك. فقال له علي: أما ما كان بالمدينة فلا أجل لك فيه، وما غاب فأجله وصول أمرك. قال: نعم، فأحلني فيما في المدينة ثلاثة أيام، فأجابه إلى ذلك.\rوكتب بينهم كتاباً على رد كل مظلمة، وعزل كل عامل كرهوه، فكف الناس عنه، فجعل يتأهب للقتال، ويستعد بالسلاح، واتخذ جنداً. فلما مضت الأيام الثلاثة ولم يغير شيئاً ثار به القوم.\rوخرج عمرو بن حزم إلى المصريين فأعلمهم الخبر، وهم بذى خشب، فقدموا المدينة وطلبوا منه عزل عماله، ورد مظالمهم.","part":5,"page":315},{"id":2316,"text":"فقال: إن كنت استعمل من أردتم، وأعزل من كرهتم، فلست في شيء من الأمر، والأمر أمركم. فقالوا: والله لتفعلن أو لتخلعن أو لتقتلن. فأبى عليهم، فحصروه، واشتد الحصار، فأرسل إلى علي وطلحة والزبير فحضروا، فأشرف عليهم وقال يا أيها الناس، أجلسوا، فجلس المحارب والمسالم، ثم قال: يا أهل المدينة، استودعكم الله، واسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي، ثم قال: أنشدكم بالله! هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب عمر أن يختار لكم، وأن يجمعكم على خيركم! أتقولون إن الله لم يستجب لكم، وهنتم عليه، وأنتم أهل حقه! أم تقولون: هان على الله دينه، فلم يبال من ولي، والذين لم يتفرق أهله حينئذ؟ أم تقولون: لم يكن أخذ عن مشورة، إنما كان عن مكابرة فوكل الله الأمة إذ عصته ولم يشاوروا في الإمامة! أم تقولون: إن الله لم يعلم عاقبة أمري وأنشدكم بالله! أتعلمون لي سابقة خير وقدم خير قدم الله لي ما يوجب على كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها، فمهلاً لا تقتلوني فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة رجل زنى بعد أحصانه، أو كفر بعد إيمانه، أوقتل نفساً بغير حق. فإنكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لم يرفع الله عنكم الاختلاف أبداً.\rقالوا: أما ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر، ثم ولوك فإن كل ما صنع الله الخيرة، ولكن الله جعلك بلية ابتلى بها عبادة.\rوأما ما ذكرت من قدمك وسلفك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كنت كذلك، وقد كنت أهلاً للولاية، ولكن أحدثت ما علمته، ولا نترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاماً قابلاً.\rوأما قولك: إنه لا يحل إلا قتل ثلاثة، فإنا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت، قتل من سعى في الأرض فساداً، أو قتل من بغي، ثم قاتل على بغيه، قتل من حال دون شيء من الحق ومنعه وقال دونه وقد بغيت ومنعت الحق وحلت دونه، وكابرت عليه، ولم تقد من نفسكم من ظلمت، وقد تمسكنت الإمارة عليها فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليه فإن الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما يقاتلون لتمسكك بالإمارة، فلو خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال معك.\rفسكت عثمان ولزم الدار، وأمر أهلا المدينة بالرجوع، وأقسم عليهم فرجعوا، إلا الحسن بن علي، ومحمد بن طلحة، وعبد الله بن الزبير وأشباها لهم، واجتمع إليهم ناس كثير، وكانت مدة الحصار أربعين يوما، فلما مضت ثماني عشرة ليلة، قدم ركبان من الأمصار فأخبروا خبر من تهيأ لهم من الجنود، فحالوا بين الناس وبينه، ومنعوه كل شيء حتى الماء، فارسل إلى علي سراً، وإلى طلحة والزبير، و إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لهم: إنهم قد منعوني الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا ماء فافعلوا، فكان أولهم إجابة علي، وأم حبيبة، فجاء علي في الناس فقال: ياأيها الناس، إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين، ولا أمر الكافرين، فلا تقطعوا عن هذا الرجل الماء ولا المادة فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم، وتسقي.\rفقالوا: لا والله ولا نعمة عين، فرمى بعمامته في الدار بأنى قد نهضت ورجع، وجاءت أم حبيبة على بغلة لها إداوة، فضربوا وجه بغلتها فقالت: إن وصايا بني أمية عند هذا الرجل، فأحببت أن أساله عنها لئلا تهلك أموال الأيتام والأرامل، فقالوا: كاذبة، وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فنفرت، وكادت تسقط عنها، فتلقاها الناس، ثم ذهبوا بها إلى منزلها.\rفاشرف عثمان يوماً، فسلم عليهم، ثم قال: أنشدكم الله، هل تعلمون أني اشتريت بئر رومة من مالي ليستعذب بها، فجعلت رشائي فيها كرجل من المسلمين؟ قالوا: نعم، قال: فلم تمنعوني أن اشرب منها حتى أفطر على ماء الملح! ثم قال: أنشدكم الله!هل تعلمون أني اشتريت أرض كذا وكذا فزدتها في المسجد؟ قيل: نعم.\rقال: فهل علمتم أن أحداً منع أن يصلي فيه قبلي؟ ثم قال: أنشدكم الله! هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عني كذا وكذا أشياء في شأنه؟ ففشا في الناس، يقولون: مهلاً عن أمير المؤمنين فقام الأشتر: فقال: لعله قد مكر به وبكم.\rقال: وبلغ طلحة والزبير مالقى على وأم حبيبة، فلزموا بيوتهم، وبقي عثمان يسقيه آل حزم في الغفلات.\rقال: وخرجت عائشة رضي الله عنها إلى الحج، فاستتبعت أخاها محمداً، فأبى، فقالت: والله لئن استطعت أن يحرمهم الله مايحاولون لأفعلن.","part":5,"page":316},{"id":2317,"text":"فقال له حنظلة الكاتب: تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها، وتتبع ذؤبان العرب إلى مالا يحل! وإن هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبتك عليه بنو عبد مناف، ثم رجع حنظلة إلى الكوفة وهو يقول بالله المستعان، وعليه التكلان:\rعجبت لما يخوض الناس فيه ... يرومون الخلافة أن تزولا\rولو زالت لزال الخير عنهم ... ولاقوا بعدها ذلا ذليلاً\rوكانوا كاليهود أو كالنصارى ... سواء كلهم ضلوا السبيلا\rقال: ثم أشرف عثمان على الناس، واستدعى عبد الله بن عباس، فأمره أن يحج بالناس، وكان ممن لزم الباب، فانطلق.\rقال: ولما رأى المصريون أن أهل الموسم يريدون قصدهم بعد الحج مع مايليهم من مسير أهل الأمصار، قالوا: لا يخرجنا من هذا الأمر الذي وقعنا فيه إلا هذا الرجل، فيشتغل الناس عنا. فتقدموا إلى الباب، فمنعهم الحسن، وابن الزبير، ومحمد بن طلحة، ومروان وسعيد بن العاص ومن معهم من أبناء الصحابة، واجتلدوا فزجرهم عثمان، وقال: أنتم في حل من نصرتي، فأبوا، ففتح الباب ليمنعهم، فلما خرج ورآه المصريون رجعوا، فركبهم هؤلاء، واقسم عثمان على الصحابة ليدخلن، فدخلوا، فأغلق الباب دون المصريين فثاروا إلى الباب، وجاءوا بنار، فأحرقوا السقيفة التي على الباب وثار بهم أهل الدار، وعثمان يصلي، قد افتتح طه، فما شغله ماسمع حتى أتى عليها، فلما فرغ جلس إلى المصحف فقرأ: \" الذي قال لهم الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل \" قال: ثم قال عثمان للحسن: إن أباك الآن لفي أمر عظيم من أمرك، فأقسمت عليك لما خرجت عليه، فتقدموا فقاتلوا، ولم يستمعوا قوله، فبرز المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة وكان تعجل الحج في عصابه لينصروا عثمان وهو معه في الدار، وارتجز.\rقد علمت القرون الميل ... والحلى والأنامل الطفول\rلتصدقن بيعتي خليلي ... بصارم ذي رونق مصقول\rلا أستقيل إذ أقلت قيلي وحكى أبو عمر أن المغيرة بن الأخنس قال لعثمان حين أحرقوا بابه: والله لا قال الناس عنا: إنا خذلناك، وخرج بسيفه وهو يقول:\rلما نهدمت الأبواب واحترقت ... تيممت منهن باباً غير محترق\rحقاً أقول لعبد الله آمره ... إن لم تقاتل لدى عثمان فانطلق\rوالله أتركه مادام بي رمق ... حتى يزايل بين الرأس والعنق\rهو الإمام فلست اليوم خاذله ... إن الفرار على اليوم كالسرق\rوحمل على الناس فضربه رجل على ساقه فقطعها، ثم قتله، فقيل إن الذي قتله تقطع جذاماً بالمدينة.\rوقال قتادة: لما أقبل أهل مصر إلى المدينة في شأن عثمان رأى رجل في المنام كأن قائلاً يقول له: بشر قاتل المغيرة بن الأخنس بالنار، وهو لا يعرف المغيرة، رأى ذلك ثلاث ليال، فجعل يحدث أصحابه. فلما كان يوم الدار. خرج المغيرة فقاتل، والرجل ينظر إليه فقتل ثلاثة، فلما قتلهم وثب إليه الرجل فحذفه، فأصاب رجله، ثم ضربه حتى قتله، ثم قال من هذا ؟ فقالوا: المغيرة بن الأخنس، فقال: لا أراني إلا صاحب الرؤيا المبشر بالنار، فلم يزل بشر حال حتى هلك.\rوخرج الحسن بن علي وهو يقول:\rلأدينهم ديني ولا أنا منهم ... حتى يسير إلى طمار شمام\rوخرج محمد بن طلحة وهو يقول:\rأنا ابن من حامي عليه بأحد ... ورد أحزاباً على رغم معد\rوخرج سعيد بن العاص وهو يقول:\rصبرنا غداة الدار والموت واقف ... بأسيافنا دون ابن أروى نضارب\rوكنا غداة الروع في الدار نصرة ... نشافههم بالضرب والموت ثاقب\rوكان آخر من خرج عبد الله بن الزبير، وأقبل أبو هريرة والناس محجمون، فقال: هذا يوم طاب فيه الضرب، ونادى: \" ياقوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار \" وجاء عبد الله بن سلام ينهاهم عن قتله، فقال: يا قوم، لا تسلوا سيف الله فيكم، فوالله إن سللتموه لا تغمدوه، ويلكم! إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرة، فإن قتلتموه لا يقوم إلا بالسيف، ويلكم! مدينتكم محفوفة بالملائكة، فإن قتلتموه ليتركنها.\rفقالوا: يابن اليهودية، ماأنت وهذا! فرجع عنهم.","part":5,"page":317},{"id":2318,"text":"قال: ثم اقتحموا على عثمان داره من دار عمرو بن حازم حتى ملئوها ولم يشعر من بالباب منهم، ففي ذلك يقول الأحوص يهجو آل حزم\rلا ترثين لحزمي رأيت به ... ضراً ولو طرح الحزمي في النار\rالباخسين لمروان بذي خشب ... والمدخلين على عثمان في الدار\rقال: ولما صاروا في الدار ندبوا رجلاً ليقتله، فدخل عليه فقال: اخلعها ونتركك. قال: لست خالعاً قميصك كساينة الله تعالى حتى يكرم الله أهل السعادة، ويهين أهل الشقاوة، فخرج عنه، فأدخلوا عليه رجلاً من بني ليث، فقال: لست بصارحبي لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لك أن تحفظ يوم كذا وكذا، ولن تضيع، فرجع عنه وفارق القوم. ودخل عليه رجل من قريش فقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر لك يوم كذا وكذا فلن تقارب دما حراماً، فرجع وفارق أصحابه.\rودخل عليه جماعة كلهم يرجع، آخرهم محمد بن أبي بكر، فلما خرج ثار قتيرة وسودان بن حمران والغافقي، فضربه الغافقي بحديدة، وضرب المصحف برجله: فدار المصحف، واستقر بين يديه، وجاء سودان ليضربه فأكبت عليه نائلة بنت الفرافصة، واتقت السيف بيدها فقطع أصابعها وشيئاً من الكف، ونصف الإبهام فولت، فغمز أوراكها، وقال: إنها لكبيرة العجز، وضرب عثمان فقتله.\rوقيل: إن الذي قتله كنانة بن بشر التجيبي، وكان عثمان قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة وهو يقول له: إنك تفطر الليلة عندنا.\rولما قتل قطر من دمه على المصحف على قوله تعالى: \" فسيكفيكم الله \" قال: ودخل غلمة لعثمان من القوم لينصروه، فقال عثمان: من كف يده فهو حر، فلما ضربه سودان ضرب بعض الغلمان رقبة سودان فقتله، ووثب قتيرة على الغلام فقتله، وانتهبوا ما في البيت، وخرجوا، وأغلقوا الباب على ثلاثة قتلى.\rفلما خرجوا وثب غلام لعثمان على قتيره فقتله، وثار القوم فأخذوا ما وجدوا حتى أخذوا ما على النساء، وأخذ كلثوم التجيبي ملاءة كانت على نائلة فضربه غلام لعثمان فقتله، وانتهب القوم بيت لمال.\rقال: ووثب عمرو بن الحمق على صدر عثمان وبه رمق، فطعنه تسع طعنات، واراد قطع رأسه، فوقعت نائلة وأم البنين عليه فصحن وضربن الوجوه، فقال ابن عديس اتركوه وأقبل عمير بن ضابئ البرجمي فوثب على عثمان، فكسر ضلعاً من أضلاعه، وقال له: سجنت أبي حتى مات في السجن.\rوكان قتله يوم الجمعة لثماني عشرة، أو سبع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين.\rذكره المدائني عن أبي معشر عن نافع، وعن أبي عثمان النهدي؛ إنه قتل وسط أيام التشريق.\rوقال بن إسحاق: قتل عثمان على رأس إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهراً، واثنتين وعشرين يوماً من مقتل عمر بن الخطابن وعلى رأس خمس وعشرين سنة من متوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوقال الواقدي رحمه الله: قتل يوم الجمعه لثمان ليال خلت من ذي الحجة يوم الترويه.\rوقد قيل:إنه قتل يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة.\rروى هذه الأقوال كلها أبو عمر بن عبد البر.\rواختلف في مدة الحصار: فقال الواقدي: حاصروه تسعة وأربعين يوماً. وقال الزبير بن بكار: حاصروه شهرين وعشرين يوماً؛ وقيل غير ذلك.\rوقد تقدم أنه رضي الله عنه صلى بالناس بعد ان نزلوا به ثلاثين يوماً، ثم منعوه الصلاة، وصلى بالناس أميرهم الغافقي.\rوقد قيل: إنه منع عثمان الصلاة جاء سعد القرظ وهو المؤذن إلى علي بن أبي طالب، فقال: من يصلي بالناس؟ فقام:خالد بن زيد، وهو أبو أيوب الأنصاري، فصلى أياماً ثم صلى بعد ذلك بالناس.\rوقيل: بل أمر علي سهل بن حنيف فصلى بالناس من أول ذي الحجة إلى يوم العيد، ثم صلى علي بالناس العيد، وصلى بهم حتى قتل عثمان. والله أعلم.\rحكى أبو عمر بن عبد البر في مقتل عثمان. قال: كان أول من دخل عليه محمد بن أبي بكر، فأخذ بلحيته فقال: دعها يابن أخي، فوالله لقد كان أبوك يكرمها، فاستحيا وخرج، ثم دخل عليه رومان بن سرحان، رجل أزرق قصير مجدور، عداده في مراد، وهو من ذي أصبح، معه خنجر، فاستقبله به، وقال: على أي دين أنت يا نعثل؟ فقال: لست بنعثل ولكني عثمان بن عفان، وأن على ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين.\rقال: كذبت، وضربه على صدغه فقتله، فخر، فأدخلته امرأته نائلة بينها وبين ثيابها، وكانت امرأة جسيمة.","part":5,"page":318},{"id":2319,"text":"ودخل رجل من أهل مصر معه السيف مصلتا فقال: والله لأقطعن أنفك، فعالج المرآة فكشفت عن ذراعيها، وقبضت على السيف فقطع إبهامها، فقالت لغلام لعثمان يقال له رباح، ومعه سيف عثمانك أعني على هذا، وأخرجه، فضربه الغلام بالسيف فقتله.\rقال: وأقام عثمان يومه ذلك مطروحاً إلى الليل، فحمله رجال على باب ليدفنوه، فعرض لهم ناس ليمنعوهم من دفنه، فوجدوا قبر قد حفر لغيره فدفنوه فيه، وصلى عليه جبير بن مطعم.\rوقال محمد بن طلحة: حدثني كنانة مولى صفية بنت حيى بن أخطب، فقال: شهدت مقتل عثمان، فخرج من الدار أمامي أربعة من شباب قريش مضرجين بالدم، محمولين، كانوا يذودون عثمان وهم الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم.\rقال محمد بن طلحة: فقلت له: هل ندى محمد بن أبي بكر بشيء من دمه؟ فقال: معاذ الله، دخل عليه فقال له عثمان يابن أخي لست بصاحبي وكلمة كلاماً فخرج، ولم يند بشيء من دمه.\rقال: فقلت لكنانة: من قتله؟ قال: رجل من أهل مصر، يقال له: جبلة بن الأيهم، ثم طاف بالمدينة ثلاثاً يقول: أنا قاتل نعثل.\rوروى أبو عمر أيضا بسنده إلى مالك بن أنس، قال: لما قتل عثمان ألقى على المزبلة ثلاثة أيام، فلما كان في الليل أتاه اثنا عشر رجلاً، منهم حويطب بن عبد العزي وحكيم بن حزام، وعبد الله بن الزبير، وجدى بن مالك بن أبي عامر، فاحتملوه، فلما صاروا به إلى المقبرة ليدفنوه ناداهم قوم من بني مازن: والله لئن دفنتموه هاهنا، لنخبرن الناس غداً، فاحتملوه، وكان على باب، وإن راسه كان على الباب يقول: طق طق حتى صاروا به إلى حش كوكب فاحتفروا له، وكانت عائشة بنت عثمان معها مصباح في حق، فلما أخرجوه ليدفنوه صاحت، فقال لها بن الزبير والله لئن لم تسكتي لأضربن الذي في عيناك، فسكتت، فدفن.\rقال مالك: وكان عثمان يمر بحش كوكب فيقول: إنه سيدفن هاهنا رجل صالح.\rوعن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أرادوا أن يصلوا على عثمان رضي الله عنه فمنعوه، فقال أبو جهم بن حذيفة: دعوه، فقد صلى عليه الله ورسوله.\rوقد قيل: إن علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك، وعامر بن نمير من أصحابه شهد واجنازته.\rوقيل: إنه كفن في ثيابه ولم يغسل.\rواختلف في سنة يوم قتل.\rفقال ابن إسحاق: قتل وهو ابن ثمانين سنة. وقال غيره: قتل وهو بن ثمان وثمانين، وقيل: تسعين.\rوقال قتادة: قتل وهو بن ست وثمانين سنة.\rوقال الوافدي لا خلاف عندنا أنه قتل، وهو بن اثنتين وثمانين سنة، وهو قول أبي اليقظان.\rودفن ليلاً بموضع يقال له: حش كوكب، وكوكب رجل من الأنصار ( الحش: البستان)، وكان عثمان قد اشتراه وزاده في البقيع، وهو أول من قبر فيه.\rقال: وقد قيل: إنه صلى عليه عمرو بن عثمان ابنه، وقيل: بل صلى عليه حكيم بن حزام، وقال: بل صلى عليه المسور بن مخرمة. وقيل: بل جبير بن مطعم. وقيل: بل مروان بن الحكم، وقيل: كانوا خمسة أوستة وهم: جبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وأبو جهم بن حذيفة، ونيار بن مكرم، وزوجتاه نائلة وأم البنين بنت عيينة.\rونزل قبره دينار، وأبو جهم، وجيبر، وكان حكيم ونائلة وأم البنين يدلونه، فلما دفنوه غيبوا قبره.\rوروى أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه إلى نائلة بنت الفرافصة: كتبت إلى معاوية، وبعثت بقميص عثمان رضي الله عنه مع النعمان بن بشير وعبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة: من نائلة بنت الفرافصة، إلى معاوية بن أبي سفيان: أما بعد بنت الفرافصة، إلى معاوية بن أبي سفيان: أما بعد، فإني أذكركم بالله الذي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من غواية الكفر، ونصركم على العدو، واسبغ عليكم النعمة، فأنشدكم الله تعالى، وأذكركم حقه وحق خليفته أن تنصروه بعزمة الله عليكم، فإنه قال تعالى: \" وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله \" وإن أمير المؤمنين بغي عليه، ولو لم يكن له عليكم حق إلا حق الولاية ثم أتى لحق على كل مسلم يرجو أيام الله أن ينصره لقدمه في الإسلام، وحسن بلائه؛ فإنه أجاب داعي الله، وصدق كتابه ورسوله، والله أعلم به إذا انتجبه، فأعطاه شرف الدنيا، وشرف الآخرة.","part":5,"page":319},{"id":2320,"text":"وإني أقص عليكم خبره لأنى مشاهدة أمره كله حتى أفضى إليه.\rإن أهل المدينة حصروه في داره يحرسونه ليلهم ونهارهم، قياماً على أبوابه بسلاحهم يمنعونه كل شيء قدروا عليه حتى منعوه الماء يحضرونه الأذى، ويقولون له الإفك. فمكث هو ومن معه خمسين ليلة، وأهل مصر قد أسندوا أمرهم إلى محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر، وكان على مع المحرضين للمصريين في أهل المدينة، ولم يقاتل مع أمير المؤمنين ولم ينصره، ولم يأمر بالعدل الذي امر الله تبارك وتعالى به، فظلت تقاتل خزاعة، وبكر، وسعد بن أبي بكر، وهذيل وطوائف من مزينة، وجهينة، وأنباط يثرب، ولا أرى سائرهم، ولكني قد سميت الذين كانوا أشد الناس عليه في اول أمره وآخره ثم إنه رمي بالنبل والحجارة، فقتل ممن كان في الدار ثلاثة نفر، فأتوه يصرخون إليه ليأذن لهم في القتال، فنهاهم عنه، وأمرهم أن يردوا إليهم نبلهم فردوها إليهم، فلم يزدهم ذلك على القتال جرأة في الأمر وإغراقاً، ثم أحرقوا باب الدار.\rفجاءه نفر من أصحابه وقالوا: إن في المسجد ناساً يريدون أن يأخذوا أمر الناس بالعدل، فأخرج إلى المسجد حتى يأتوك، فانطلق، وقد كان نفر من قريش على عامتهم السلاح، فلبس درعه، وقال لأصحابه: لولا أنتم مالبست درعا، فوثب عليه القوم، فكلمهم الزبير، واخذ عليهم الميثاق في صحيفة، بعث بها إلى عثمان رضي الله عنه: إن عليكم عهد الله وميثاقه ألا تعروه بشيء فكلموه وتخرجوا، فوضع السلاح فلم يكن إلا وضعه حتى دخل عليه القوم يقدمهم بن أبي بكر؛ حتى أخذوه بلحيته ودعوه باللقب، فقال: أنا عبد الله وخليفته، فضربوه في رأسه ثلاث ضربات، وطعنوه في صدره ثلاث طعنات، وضربوه على مقدم الجبين فوق الأنف ضربة أسرعت في العظم، فسقطت عليه، وقد اثخنوه وبه حياة، وهم يريدون قطع رأسه ليذهبوا به فأتتني بنت شيبة بن ربيعة، فألقت بنفسها معي عليه، فوطئنا وطئاً شديداً أو عريباً من ثيابنا، وحرمه أمير المؤمنين أعظم، فقتلوه رحمة الله في بيته، وعلى فراشه.\rوقد أرسلت إليكم بثوبه، وعليه دمه، وإنه والله لئن كان أثم من قتله لا يسلم من خذله، فانظروا اين أنتم من الله عز وجل، فإنا تشتكي مامسنا إليه ونستنفر وليه، وصالح عباده. ورحمة الله على عثمان، ولعن الله من قتله، وصرعهم في الدنيا والآخرة مصارع الخزي والمذلة، وشفى منهم الصدور.\rفحلف رجال من أهل الشام ألا يطئوا النساء حتى يقتلوا قتلة عثمان، أو تذهب ارواحهم، وكان امرهم في القتال ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً، قاله بن إسحاق. وقال غيره: إلا ثمانية أيام. وقيل: إلا ستة عشر يوماً.\rروى عن عائشة ام المؤمنين رضي الله عنها، أنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعوا لي بعض أصحابي، فقلت: أبو بكر؟ قال: لا، فقلت: عثمان؟ قال: نعم.\rفلما جاء قال لي بيده فتنحيت، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يساره ولون عثمان متغير، فلما كان يوم الدار وحصر قيل لهن الا تقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهداً، وأنا صابر نفسي عليه.\rوعن موسى بن طلحة، قال: أتينا عائشة رضي الله عنها لنسألها عن عثمان فقالت: أجلسوا أحدثكم عما جئتم له: إنا عتبنا على عثمان رضي الله عنه في ثلاث خلال - ولم تذكرهن - فعمدوا إليه حتى إذا ماصوه كما يماص الثوب اقتحموا عليه الفقر الثلاثة: حرمة البيت الحرام، والشهر الحرام، وحرمة الخلافة، ولقد قتلوه وإنه لمن أوصلهم للرحم وأتقاهم لربه.\rوعن أبي جعفر الأنصاري قال: دخلت مع المصريين على عثمان، فلما ضربوه خرجت اشتد، حتى ملأت فروجي عدوا، حتى دخلت المسجد؛ فإذا رجل جالس في نحو عشرة، فيه عمامة سوداء، فقال: ويحك؟ ماوراءك؟ قال: قلت: قد والله فرغ من الرجل، قال: تباً لكم آخر الدهر؟ فنظرت، فإذا هو علي رضي الله عنه.\rوروى عن مبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يقول: سمعت عثمان يخطب يقول ياأيها الناس، ما تنتقمون علي، وما من يوم إلا وأنتم تقسمون فيه خيراً؟ قال الحسن: وسمعت منادياً ينادي: ياأيها الناس، اغدوا علي أعطياتكم، فيغدون فيأخذونها وافرة، حتى والله سمعته يقول: اغدوا على كسوتكم فيأخذون الحلل، واغدوا على السمن والعسل.","part":5,"page":320},{"id":2321,"text":"قال الحسن: أرزاق داره، وخير كثير، ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمناً إلا يوده وينصره، فلو صبر الأنصار على الأثرة لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والأرزاق، ولكن لم يصبروا، وسلوا السيف مع من سل، فصار عن الكفار مغمداً، وعلى المسلمين مسلولاً إلى يوم القيامة.\rوعن محمد بن سيرين، قال: كثر المال في زمن عثمان حتى بيعت جارية بوزنها، وفرس بمائة ألف درهم، ونخلة بألف درهم.\rوقد ذكر بعض من ارخ أسباباً كثيرة، جعلها من أقدم على قتل عثمان ذريعة له، وتمسك بها، أغضينا عن ذكرها، وهو رضي الله عنه مبراً من كل سوء ونقص، فلنذكر خلاف ذلك.\rأزواجه وأولاده\rتزوج رضي الله عنه رقية، وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولدت له رقية عبد الله، وتزوج فاخته بنت غزوان، فولدت له رقية عبد الله الأصغر، وتزوج أم عمرو بنت جندب الدوسية، فولدت له عمراً، وخالداً، وأبانا، وعمر، ومريم، وتزوج فاطمة بنت الوليد بن المغيرة المخزومية، ولدت له الوليد، وسعيداً، وأم سعيد، وتزوج ام البنين بنت عيينة بن حصن الفزارية، فولدت له عبد الملك، هل. وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة، ولدت له عائشة وأم أبان، وأم عمرو، وتزوج نائلة بنت الفرافصة الكلبية.\rوقد روى أبو الفرج الأصفهاني في سبب زواج عثمان نائلة سنداً رفعة إلى خالد بن سعيد، عن أبيه، قال: تزوج سعيد بن العاص وهو على الكوفة هنداً بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة، فبلغ ذلك عثمان، فكتب إليه: قد بلغني أنك تزوجت امرأة، فاكتب إلى نسبها وجمالها، فكتب إليه: أما بعد، فإن نسبتها أنها بنت الفرافصة بن الأحوص، وجمالها، فكتب إليه: أما بعد، فإن نسبها أنها بنت الفرافصة بن الأحوص، وجمالها أنها بيضاء مديدة.\rفكتب إليه: إن كان لها أخت فزوجنيها، فكتب سعيد، وبعث إلى الفرافصة يخطب إحدى بناته على عثمان رضي الله عنه، فأمر الفرافصة ابنه ضبا فزوجها إياه، وكان ضب مسلما، والفرفصة نصرانياً، فلما أرادوا حملها، قال لها أبوها: يابني إنك تقدمين على نساء من نساء قريش، هن أقدر على الطيب منك، فاحفظي عني خصلتين: تكحلي وتطيبي بالماء حتى تكون ريحك ريح من أصابه مطر.\rفلما قدمت على عثمان قعد على سريره، ووضع لها سريراً حياله، فجلست عليه، فوضع عثمان قلنسيته فبدأ الصلع، فقال: يا بنت الفرافصة، لا يهولنك ما ترين من صلعي، فإن وراءه ما تحبين، وقال: إما أن تقومي إلي، وإما أن أقوم إليك.\rفقالت: أما ذكرت من الصلع فإني من نساء أحب بعولتهن إليهن السادة الصلع، وأما قولك: إما أن تقومي إلي، وإما أن أقوم إليك، فوالله ما تجشمت من جنبات السماوة أبعد مما بيني وبينك، بل أقوم إليك: فقامت فجلست إلى جنبه، فمسح راسها ودعا لها بالبركة، ثم قال لها: اطرحي عنك رداءك، فطرحته، ثم قال لها: خمارك، فطرحته، ثم قال لها: انزعي درعك. فنزعته، ثم قال لها: حلي إزارك.\rفقالت: ذا إليك، فحل إزارها، وكانت من أحظى النساء عنده.\rولدت مريم. وقيل: ولدت له أم البنين بنت عيينة عبد الملك، وعثمة وولدت له نائلة عنبسة، وكان له منها أيضاً ابنة تدعى أم المؤمنين وأم البنين، كانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي سفيان.\rوقتل عثمان وعنده رملة بنت شيبة، ونائلة أم البنين، وفاخته، غير أنه طلق أم البنين، وهو محصور.\rفهؤلاء أزواجه في الجاهلية والإسلام، وأولاده رضي الله عنه.\rكتابه وقضاته\rوحجابه وأصحاب شرطته.\rكاتبه مروان بن الحكم، وقاضيه كعب بن سور، وحاجبه عمران، مولاه، وصاحب شرطته عبد الله بن قيفذ التميمي، وهو أول من اتخذ صاحب شرطة، وكان على الديوان وبيت المال زيد بن ثابت.\rوالله تعالى أعلم بالصواب، وهو حسبي ونعم الوكيل.\rعماله\rعلى الأمصار في سنة مقتله.","part":5,"page":321},{"id":2322,"text":"كان عماله في هذه السنة على مكة عبد الله بن الحضرمي، وعلى الطائف القاسم بن ربيعة الثقفي، وعلى صنعاء يعلى بن منية، وعلى الجند عبد الله بن ربيعة، وعلى البصرة عبد الله بن عامر، وكان قد خرج منها ولم يول عثمان عليها أحداً، وعلى الكوفة أبو موسى الأشعري، وعلى الصلاة، وعلى خراج السواد جابر بن فلان المزني وسماك الأنصاري، وعلى حربها القعقاع بن عمرو، وعلى قرقيسيا جرير بن عبد الله، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس الكندي، على النسير وعلى حلوان عتيبة بن النهاس وعلى حال مائل بن حبيب وعلى همذان النسير، وعلى الري وأصفهان السائب بن الأقرع، وعلى ماسبذان حبيش، وعلى بيت المال عقبة بن عمرو، وعلى الشام معاوية بن أبي سفيان.\rولمعاوية عمال وهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد على حمص، وحبيب بن مسلمة الفهري على قنسرين، وأبو الأعور السلمي على الأردن، وعلقمة بن حكيم على فلسطين وعبد الله بن قيس الفزاري على البحر، وكان عامل عثمان على مصر عبد الله بن سعد بن أبس سرح، ثم سار إلى عثمان في رجب سنة خمس وثلاثين، واستخلف عنه بمصر عقبة بن عامر، فقام محمد بن أبي حذيفة في شوال، وأخرج عقبة، وتأمر بمصر، وعاد عبد الله بن سعد فلم يمكنه، فتوجه إلى عسقلان، ومات بها.\rوكان القاضي بمصر عمار بن قيس بن أبي العاص، ثم مات بعد مقتل عثمان فلم يكن بمصر قاض إلى أيام معاوية أبي سفيان رضي الله تعالى عنهم. والله تعالى أعلم، وهو حسبي ونعم الوكيل.\rمما رثى به من الشعر\rولما قتل رضي الله عنه رثاه جماعة، منهم: حسان بن ثابت وغيره فكان مماقال حسان بن ثابت:\rإن تمس دار ابن أروى اليوم خالية ... باب صريع وباب مخرق خرب\rفقد يصادف باغي الخير حاجته ... فيها ويأوي إليها الجود والحسب\rوقال أيضاً ممارثاه به في أبيات أخرى:\rمن سره الموت صرفاً لا مزاج له ... فيليأت مأدبة في دار عثمانا\rضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا\rصبراً فدى لكم أمي وما ولدت ... قد ينفع الصبر في المكروه أحيانا.\rلتسمعن وشيكاً في ديارهم ... الله أكبر واثارات عثماناً\rوقد قيل: إن البيت الثاني من هذه الأبياتن \" ضحوا بأشمط \" وليس له، وقال بعضهم: و لعمران بن حطان وقال أبو عمر: وقد زاد أهل الشام فيها أبياتاً لم أر لذكرها وجها وقال أبن الأثير يعني ما فيها من ذكر على رضي الله عنه، وهو:\rياليت شعري وليت الطيرتخبرني ... ماكان شأن على وابن عفاناً\rوقال أيضاً:\rقتلتم ولي الله في جوف داره ... وجئتم بأمر جائر غير مهتد\rفلا ظفرت أيمان قوم تعاونوا ... على قتل عثمان الرشيد المسدد\rوقال كعب بن مالك:\rياللرجال لأمر هاج لي حزناً ... لقد عجبت لمن يبكي على الدمن\rإني رأيت قتيل الله مضطهداً ... عثمان يهدي إلى الأجداث في كفن\rياقاتل الله قوماً كان أمرهم ... قتل الإمام الذكي الطيب الردن\rلم يقتلوه على ذنب ألم به ... إلا الذي نطقوا زوراً ولم يكن\rوقال أيضاً ونسبت لحسان وقيل: للوليد بن عقبة، والله تعالى أعلم:\rوكف يديه ثم أغلق بابه ... وأيقن أن الله ليس بغافل\rوقال لأهل الدار لا تقتلوهم ... عفا الله عن ذنب أمري لم يقاتل\rفكيف رأيت الله ألقى عليهم ال ... عداوة و البغضاء بعد التواصل\rوكيف رأيت الخير أدبر بعده ... عن الناس إدبار السحاب الحوافل\rوقال حميد بن ثور الهلالي:\rإن الخلافة لما ظعنت ... من أهل يثرب إذغير الهدى سلكوا\rصارت إلى أهلها منهم ووارئها ... لما رأى الله في عثمان ما انتهكوا\rوقال قاسم بن أمية بن أبي الصلت:\rلعمري لبئس الذبح ضحيتم به ... وخنتم رسول الله في مقتل صاحبه\rوقالت زينب بنت الزبير بن العوام:\rأعطشتم عثمان في جوف داره ... شربتم كشرب الهيم شرب حميم","part":5,"page":322},{"id":2323,"text":"وكيف بنا أم كيف بالنوم بعدما ... أصيب بن أروى وابن أم حكيم\rوقالت ليلى الأخيلية:\rقتل ابن عفان الإما ... م وضاع أمر المسلمينا\rوتشتت سبل الرشا ... د لصادرين وواردينا\rفانهض معاوي نهضة ... تشفى بها الداء الدفينا\rأنت الذي من بعده ... تدعى أمير المؤمنينا\rوقال أيمن بن خريم:\rضحوا بعثمان في الشهر الحرام ضحى ... فأي ذبح حرام ويلهم ذبحوا\rوأي سنة كفر سن أولهم ... وباب شر على سلطانهم فتحوا\rما أرادوا أضل الله سعيهم ... بسفك ذاك الدم الذاكي الذي سفحوا\rورثاه غيرهم ممن لو ذكرنا شعرهم لانبسط به الخبر.\r////خلافة علي بن أبي طالب\rرضي الله عنه\rهو أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، أسلمت، وهاجرت، وهي أول هاشمية ولدت هاشمياً، وهو أول خليفة أبواه هاشميان، ثم ابنه الحسن، ثم محمد الأمين، رضي الله عنهم.\rصفته\rرضي الله تعالى عنه\rقال ابن الأثير الجزري في تاريخه: كان - رضي الله عنه - شديد الأدمة، قصير القامة، كبير البطن، أصلع الرأس، عريض اللحية.\rوقال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله: أحسن ما رأيت في صفته رضي الله تعالى عنه - أنه حسناً، ضخم البطن عريض المنكبين، شثن الكفين، أغيد، كأن عنقه إبريق فضة، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه، كبير اللحية، لمنكبيه مشاشٌ كمشاش السبع الضاري، لا يبين عضده من ساعده، قد ادمجت ادماجاً إذا مشى تكفأ، وإن أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلا يستطيع أن يتنفس، وهو إلى السمن ما هو، شديد الساعد واليد، إذا مشى إلى الحرب هرول، ثبت الجنان قوي شجاع، منصور على من لاقاه، رضي الله عنه.\rنبذة من فضائله\rرضي الله عنه\rهو - رضي الله عنه - أول من أسلم، عند بعضهم، على ما في ذلك من الاختلاف فيه وفي أبي بكر، رضي الله عنهما، وأيهما سبق إلى الإسلام...\rوقد ذكرنا ذلك كله في ابتداء السيرة النبوية، في السفر الرابع عشر من هذه النسخة، فلا فائدة في إعادته، فلنذكر من فضائله خلاف ذلك: أجمعوا على أنه - رضي الله عنه - صلى إلى القبلتين، وهاجر وشهد جميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا غزوة تبوك، فإن رسول الله عليه الصلاة والسلام خلفه بالمدينة على عياله، وقال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.\rرواه جماعة من الصحابة.\rوروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما آخى بين المهاجرين، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، قال في كل واحدٍ منهما لعلي: \" أنت أخي في الدنيا والآخرة \" ، وآخى بينه وبين نفسه.\rولذلك قال علي لأصحاب الشورى: أنشدكم الله، هل فيكم أحدٌ آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبينه - إذ آخى بين المسلمين - غيري؟ قالوا: اللهم لا وربنا.\rوكان يقول أنا عبد الله وأخو رسول الله، لا يقولها أحدٌ غيري إلا كذاب.\rوروى بريدة وأبو هريرة وجابر والبراء بن عازب وزيد بن أرقم، كل منهم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم غدير خم: \" من كنت مولاه فعلي مولاه \" وفي رواية بعضهم \" اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه \" .\rوقد ذكرنا في غزوة خيبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ليس بفرار، يفتح الله على يديه \" وأنه أعطى الراية لعلي، ففتح الله على يديه.\rوبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وهو شاب، ليقضي بينهم، فقال: يا رسول الله إني لا أدري ما القضاء؟ فضرب رسول الله عليه الصلاة والسلام صدره بيده وقال: \" اللهم اهد قلبه وسدد لسانه \" قال علي فوالله ما شككت بعدها في قضاءٍ بين اثنين.\rولما نزل قوله تعالى: \" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا \" دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة وعليا وحسنا وحسينا في بيت أم سلمة وقال: اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.\rقال أبو عمر: وروت طائفةٌ من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: \" لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق.","part":5,"page":323},{"id":2324,"text":"وقال له رسول الله عليه الصلاة والسلام: \" يهلك فيك رجلان: محبٌ مطر، وكذاب مفترٍ \" وقال له: \" تفترق فيك أمتي كما افترقت بنو إسرائيل في عيسى \" .\rوروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أنا مدينة العلم، وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه \" .\rوقال في أصحابه: \" أقضاهم علي \" وقال عمر رضي الله عنه: \" عليٌ أقضانا \" .\rوكان عمر يتعوذ بالله من معضلةٍ ليس لها أبو حسن! وقال علي في التي وضعت لستة أشهرٍ، فأراد عمر رجمها: إن الله تبارك وتعالى يقول: \" وحمله وفصاله ثلاثون شهراً \" ويقول : \" وفصاله في عامين \" .\rوكان - رضي الله عنه - أعلم الناس بالفرائض، وله في ذلك أخبار.\rمنها ما رواه أبو عمر ابن عبد البر بسنده عن زر بن حبيش قال: جلس رجلان يتغذيان، مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغذاء بين أيديهما مر بهما رجل، فسلم، فقالا له: اجلس للغداء.\rفجلس وأكل معهما، واستوفوا في أكلهم الأرغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال خذا هذه عوضاً مما أكلت لكما ونلته من طعامكما. فتنازعا، وقال صاحب الخمسة أرغفة: لي خمسة دراهم ولك ثلاثة.\rفقال صاحب الأرغفة الثلاثة: لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين.\rفارتفعا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقصا عليه قصتهما، فقال لصاحب الثلاثة الأرغفة: قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزه أكثر من خبزك فارض بالثلاثة.\rفقال: لا والله لا رضيت منه إلا بمر الحق.\rفقال علي: ليس لك في مر الحق إلا درهمٌ واحد وله سبعة.\rفقال الرجل: \" سبحان الله يا أمير المؤمنين! هو يعرض علي ثلاثة فلم أرض وأشرت علي بأخذها فلم أرض، وتقول لي الآن: إنه لا يجب لك إلا درهمٌ واحد! \" فقال له علي: \" عرض عليك صاحبك أن تأخذ الثلاثة صلحاً، فقلت: لا أرضى إلا بمر الحق، ولا يجب لك في مر الحق إلا واحد. \" فقال: \" أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثاً؟ أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا نعلم الأكثر منكم أكلاً ولا الأقل، فتحملون في أكلكم على السواء. \" قال: بلى. قال: فأكلت أنت الثمانية أثلاث، وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث، وله خمسة عشر ثلثا، أكل منها ثمانية وتبقى له سبعة، وأكل لك واحداً من تسعة، فلك واحدٌ بواحدك، وله سبعة بسبعته.\rفقال له الرجل: رضيت الآن! .\rوأتته امرأةٌ وهو على المنبر فقالت: ترك أخي ستمائة دينار وأعطيت ديناراً! وتظلمت من ذلك فقال: لعل أخاك ترك زوجةً وأماً وبنتين واثني عشر أخاً وأنت.\rقالت: نعم. فقال: قد استوفيت حقك.\rوهذه المسألة مشهورة مسطورة في كتب الفقه، وتسمى \" الدينارية \" و \" المنبرية \" .\rوهو - رضي الله عنه ممن جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، هو وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وسالمٌ مولى أبي حذيفة بن عتبة بي ربيعة.\rوعن محمد بن سيرين قال: لما بويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه أبطأ علي عن بيعته وجلس في بيته، فبعث إليه أبو بكر: ما بطأ بك عني؟ أكرهت إمارتي؟ فقال؛: ما كرهت إمارتك، ولكني أليت أن لا أرتدي ردائي - إلا إلى صلاة - حتى أجمع القرآن! :قال ابن سيرين: فبلغني أنه كتبه على تنزيله، ولو وجد ذلك الكتاب لوجد فيع علم كثير.\rوفي علي - رضي الله عنه - يقول إسماعيل بن محمد الحميري من أبيات:\rسائل قريشاً بها إن كنت ذا عمهٍ: ... من كان أثبتها في الدّين أوتادا؟\rمن كان أقدمها سلماً وأكثرها ... علما وأطهرها أهلاً وأولادا؟\rمن وحّد الله إذ كانت مكذّبةً ... تدعو مع الله أوثاناً وأندادا؟\rمن كان يقدم في الهيجاء إن نكلوا ... عنها وإن بخلوا في أزمةٍ جادا؟\rمن كان أعدلها حكماً وأبسطها ... علماً وأصدقها وعداً وإيعاداً؟\rإن يصدقوك فلن يعدوا أبا حسنٍ ... إن أنت لم تلق للأبرار حسّادا!\rإن أنت لم تلق أقواماً ذوي صلفٍ ... ذوي عنادٍ لحقّ الله جحّادا!\rوفضائله - رضي الله عنه - ومآثره كثيرة، وفيما أوردناه منها وما نورده بعد - إن شاء الله - كفايةٌ عن بسط... فلنذكر بيعته رضي الله عنه.\rبيعة علي\rرضي الله تعالى عنه","part":5,"page":324},{"id":2325,"text":"بويع له - رضي الله عنه - بالخلافة يوم قتل عثمان وقيل: بل بويع له يوم الجمعة لخمسٍ بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وقد اختلف في كيفية بيعته: فقيل: إنه لما قتل عثمان - رضي الله عنه - اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من المهاجرين والأنصار، فأتوا علياً، وقالوا له: إنه لا بد للناس من إمام، فقال: لا حاجة لي في أمركم، من اخترتم رضيته.\rقالوا: لا نختار غيرك.\rقال: لا تفعلوا، فإني أكون وزيراً خيراً من أن أكون أميراً.\rفقالوا: والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك.\rقال: ففي المسجد، فإن بيعتي لا تكون خفيا، ولا تكون إلا عن رضى المسلمين.\rوكان في بيته، وقيل: في حائط لبني عمرو بن مبذول، فخرج إلى المسجد يتوكأ على قوس، فبايعه الناس.\rوكان أول من بايعه طلحة بن عبيد الله، فنظر إليه حبيب بن ذؤيب، فقال: \" إنّا لله! أول من بدأ البيعة يدٌ شلاء! لا يتم هذا الأمر \" .\rوبايعه الزبير، فقال لهما: إن أحببتما أن تبايعاني وإن أحببتما بايعتكما.\rفقالا: بل نبايعك. وقالا بعد ذلك: إنما فعلنا ذلك خشية على نفوسنا، وعرفنا أنه لا يبايعنا.\rوبايعه الناس، وجاؤوا، بسعد بن أبي وقاص، فقال له علي: بايع.\rفقال: \" لا، حتى يبايع الناس، والله ما عليك مني باسٌ \" قال: خلوا سبيله.\rوجاؤوا بابن عمر، فقال مثل قوله، فقال: ائتني بكفيل، فقال: لا أرى كفيلاً.\rقال الأشتر: دعني أضرب عنقه! قال علي: \" دعوه أنا كفيله، - إنك - ما علمت - سيء الخلق صغيراً أو كبيراً! \" .\rوبايعه الأنصار إلا نفراً يسيراً، منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة، كانوا عثمانية.\rولم يبايع أيضاً عبد الله بن سلام، وصهيب بن سنان، وسلمة ابن سلامة بن وقشٍ، وأسامة بن زيد، وقدامة بن مظعون، والمغيرة ابن شعبة.\rوأخذ النعمان بن بشير قميص عثمان الذي قتل فيه وأصابع امرأته نائلة، وسار بهم إلى الشام.\rوقيل في بيعته: إن عثمان لما قتل بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب، وهم يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه، فأتى المصريون علياً فباعدهم، وأتى الكوفيون الزبير فباعدهم، وأتى البصريون طلحة فباعدهم؛ وكانوا مجتمعين على قتل عثمان مختلفين فيمن يلي الخلافة، فأرسلوا إلى سعد يطلبونه فقال: إني وابن عمر لا حاجة لنا فيها، وأتوا ابن عمر فلم يجبهم، فبقوا حيارى، وقال بعضهم لبعضٍ: لئن رجع الناس إلى أمصارهم بغير إمام لم نأمن الاختلاف وفساد الأمة، فجمعوا أهل المدينة وقالوا لهم: يا أهل المدينة، أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وحكمكم جائز على الأمة، فانظروا رجلاً تنصبونه، ونحن لكم تبع، وقد أجلناكم يومكم، فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن علياً وطلحة والزبير وأناساً كثيراً.\rفغشي الناس علياً، فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من بين القرى! فقال علي: \" دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمراً له وجوهٌ وله ألوانٌ، لا تقوم به القلوب، ولا تثبت عليه العقول \" فقالوا: \" نشهدك الله! ، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى الإسلام ألا ترى الفتنة؟ ألا تخاف الله؟ \" قال: \" قد أجبتكم، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم إلا أني من أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه \" ... ثم افترقوا على ذلك، واتعدوا الغد.\rوتشاور الناس فيما بينهم، وقالوا إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت، فبعث البصريون إلى الزبير حكيم بن جبلة، ومعه نفر فجاؤوا به يحدوه بالسيف، فبايع.\rوبعثوا إلى طلحة الأشتر في نفر، فأتاه فقال: دعني أنظر ما يصنع الناس.\rفلم يدعه، فجاء به يتله تلاً عنيفاً فبايع... فكان الزبير يقول: جاءني لصٌ من لصوص عبد القيس فبايعت والسيف على عنقي! وأهل مصر فرحون لما اجتمع عليه أهل المدينة، وقد خشع أهل الكوفة والبصرة أن صاروا تبعاً لأهل مصر، وازدادوا بذلك على طلحة والزبير غيظاً.","part":5,"page":325},{"id":2326,"text":"قال:ولما أصبحوا يوم البيعة - وهو يوم الجمعة - حضر الناس المسجد، وجاء عليٌ رضي الله عنه، فصعد المنبر وقال: \" أيها الناس عن ملاءٍ وإذن إن هذا أمركم، ليس لأحد فيه حقٌ إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، وكنت كارهاً لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم، ألا وإنه ليس لي دونكم إلا مفاتيح ما لكم معي وليس لي أن آخذ درهما دونكم، فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أحد على أحد. \" فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس. فقال: اللهم اشهد.\rقال: ولما جاءوا بطلحة ليبايع قال:إنما أبايع كرها. فبايع..\rثم جيء بالزبير، فقال مثل ذلك وبايع، وفي الزبير اختلاف..\rثم جيء بعده بقوم كانوا قد تخلفوا، فقالوا: نبايع على إقامة كتاب الله في القريب والبعيد والعزيز والذليل.\rفبايعهم...ثم قام العامة فبايعوا.. وتفرقوا إلى منازلهم.\rورجع على بيته، فدخل عليه طلحة والزبير في عدد من الصحابة، فقالوا: \" يا عليٌ، إنا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في قتل هذا الرجل. \" فقال \" يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟ هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعاً لقدرة على شيء مما تريدون؟ \" قالوا: لا.\rقال: \" فلا والله لا أرى إلا رأيا ترونه أبداً إلا أن يشاء الله، إن هذا الأمر أمر جاهلية، وإن لهؤلاء القوم مادة.\rإن الناس من هذا الأمر - إن حرك - على أمور: فرقة ترى ما ترون، وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقةٌ لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق. فاهدءوا عني، وانظروا ماذا يإتيكم، ثم عودوا \" .\rواشتد على قريش، وحال بينهم وبين الخروج وتركها على حالها، وإنما هيجه على ذلك هرب بنى أمية وتفرق القوم.\rوحكى أبو عمر ابن عبد البر قال: لما بايع الناس علي بن أبي طالب دخل عليه المغيرة بن شعبة، فقال له: \" يا أمير المؤمنين، إن لك عندي نصيحةٌ \" قال: وما هي؟ قال: إن أردت أن يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة على الكوفة، والزبير على البصرة، وابعث إلى معاوية بعهده على الشام حتى تلزمه طاعتك، فإذا استقرت لك الخلافة فادرأهم كيف شئت برأيك \" فقال علي: \" أما طلحة والزبير فسأرى رأيي فيهما، وأما معاوية فلا يراني الله مستعملاً له ولا مستعيناً به مادام على حاله، ولكني أدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس، فإن أبى حاكمته إلى الله تعالى \" . فانصرف عنه المغيرة مغضباً لما لم يقبل منه نصيحته.. فلما كان الغد أتاه فقال: \" يا أمير المؤمنين، نظرت فيما قلت بالأمس وما جاوبتني به، فرأيت أنك قد وفقت للخير وطلبت الحق \" . ثم خرج عنه، فلقيه الحسن وهو خارجٌ، فقال لأبيه: ما قال هذا الأعور؟ يعني المغيرة، وكان المغيرة قد أصيبت عينه يوم اليرموك قال: أتاني أمس بكذا وأتاني اليوم بكذا.\rقال: نصحك والله أمس وخدعك اليوم. فقال له علي: إن أقررت معاوية على ما في يده كنت متخذ المضلين عضدا.\rوقال المغيرة في ذلك:\rنصحت عليا في ابن هند نصيحةً ... فردّ فلا يسمع الدهر لها ثانيه\rوقلت له: أرسل إليك بعهده ... على الشام حتى يستقرّ معاويه\rويعلم أهل الشام أن قد ملكته ... فأمّ ابن هندٍ بعد ذلك هاويه\rوتحكم فيه ما تريد فإنّهلداهيةٌ فارفق به وابن داهيه\rفلم يقبل النّصح الذي جئته به ... وكانت له تلك النصيحة كافيه\rوروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - نحوه، إلا أنه قال \" أتيت عليا بعد قتل عثمان، عند عودي من مكة، فوجدت المغيرة بن شعبة مستخليا به، فخرج من عنده، فقلت له: ما قال لك هذا؟ فقال: قال لي قبل مرته هذه \" إن لك حق الطاعة والنصيحة، وأنت بقية الناس، وإن الرأي اليوم يحرز به ما في غدٍ، وإن الضياع اليوم يضيع به ما في غدٍ، أقرر معاوية وابن عامرٍ وعما لعثمان على أعمالهم، حتى تأتيك بيعتهم ويسكن الناس ثم اعزل من شئت \" فأبيت عليه ذلك، وقلت: لا أداهن في ديني ولا أعطى الدينة في أمري.\rقال \" فإن كنت أبيت علي فاعزل من شئت واترك معاوية، فإن في معاوية جرأةً، وهو في أهل الشام يستمع منه، ولك حجةٌ في إثباته، فإن عمر بن الخطاب كان قد ولاه الشام \" فقلت؛ لا والله لا أستعمل معاوية يومين.","part":5,"page":326},{"id":2327,"text":"ثم انصرف من عندي وأنا أعرف أنه يرى أني مخطئ، ثم عاد إلى الآن فقال: \" إني أشرت عليك أول مرة بالذي أشرت، وخالفتني فيه، ثم رأيت بعد ذلك أن تصنع الذي رأيت، فتعزلهم وتستعين بمن تثق به، فقد كفى الله ، وهم أهون شوكةً مما كان \" ..\rقال ابن عباس: فقلت لعلي: أما المرة الأولى فقد نصحك، وأما المرة الثانية فقد غشك.\rقال: ولم نصحني؟ قلت: لأن معاوية وأصحابه أهل دنيا، فمتى تثبتهم لا يبالوا من ولي هذا الأمر، ومتى تعزلهم يقولوا \" أخذ هذا الأمر بغير شورى، وهو قتل صاحبنا \" ويؤلبوا عليك، فينتقص عليك أهل الشام وأهل العراق، مع أني لا آمن طلحة والزبير أن يكرا عليك وأنا أشير عليك أن تثبت معاوية، فإن بايع لك فعلي أن أقلعه من منزله.\rقال علي: والله لا أعطيه إلا السيف! ثم تمثل:\rوما ميتةٌ إن متها غير عاجز ... بعارٍ إذا ما غالت النفس غولها\rفقلت: يا أمير المؤمنين، أنت رجل شجاع، لست صاحب رأيٍ في الحرب، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه ويلم يقول: \" الحرب خدعة \" ؟ فقال: بلى. فقلت: أم والله لئن أطعتني لأصدرنهم بعد ورود، ولأنظرنهم ينظرون في دبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها، في غير نقصان عليك ولا إثمٍ لك.\rفقال: يا ابن عباس، لست من هنياتك ولا من هنيات معاوية في شيء، فقلت له: أطعني، والحق بمالك بينبع، وأغلق بابك عليك، فإن العرب تجول جولةً وتضطرب ولا تجد غيرك، فإنك والله لئن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنك الناس دم عثمان غدا!..\rفأبى علي، وقال: تشير علي وأرى فإذا عصيتك فأطعني قال: فقلت \" أفعل، إن أيسر مالك عندى الطاعة \" .\rفقال له علي: تسير إلى الشام فقد وليتكها.\rفقال ابن عباس: \" ما هذا برأي، معاوية رجلٌ من بني أمية، وهو ابن عم عثمان، وعامله، ولست آمن أن يضرب عنقي بعثمان، وإن أدنى ما هو صانع أن يحبسني فيتحكم علي لقرابتي منك. وإن كل ما حمل علي حمل عليك، ولكن اكتب إلى معاوية فمنه وعده \" .\rفقال: لا والله لا كان هذا أبدا! وخرج المغيرة فلحق بمكة.\rتفريق عماله وخلاف معاوية\rرضي الله عنهما\rوفي سنة ست وثلاثين فرق علي - رضي الله عنه - عماله على الأمصار، فبعث عثمان بن حنيف على البصرة، وعمارة بن شهاب على الكوفة، وعبيد الله بن عباس على اليمن، وقيس بن علي مصر، وسهل بن حنيف على الشام.\rفأما سهلٌ فإنه خرج، حتى إذا كان بتبوك لقيته خيلٌ فقالوا: من أنت؟ قال: أميرٌ.\rقالوا: على أي شيء؟ قال: على الشام. قالوا: إن كان عثمان بعثك فحي هلا بك، وإن كان بعثك غيره فارجع. قال: أو ما سمعتم بالذي كان؟ قالوا: بلى... فرجع إلى علي.\rوأما عمارة فلما بلغ زبالة لقيه طليحة بن خويلد، وكان قد خرج يطلب بثأر عثمان، فقال له: ارجع فإن القوم لا يريدون بأميرهم بدلاً، فإن أبيت ضربت عنقك... فرجع إلى علي.\rوأما قيس بن سعد فإنه لما انتهى إلى أيلة لقيته خيل، فقالوا: من أنت؟ قال: قيس بن سعد. قالوا امض. فمضى حتى دخل مصر، فافترق أهل مصر فرقاً: فرقةٌ دخلت في الجماعة فكانوا معه، وفرقةٌ اعتزلت بخرنبا، وقالوا: \" إن قتل قتله عثمان فنحن معكم، وإلا فنحن على جديلتنا حتى نحرك أو نصيب حاجتنا \" ، وفرقةٌ قالت نحن مع علي ما لم يقد من إخواننا وهم في ذلك مع الجماعة... فكتب قيس إلى علي بذلك.\rوأما عثمان بن حنيف فسار حتى دخل البصرة، ولم يرده أحد ولا وجد لابن عامر في ذلك رأيا ولا استقلالاً بحرب، وافترق الناس بها: ففرقة دخلت في الجماعة، وفرقةٌ اتبعت القوم، وقالت فرقة \" ننظر ما يقول أهل المدينة فنصنع ما صنعوا \" .\rوأما عبيد الله بن عباس فانطلق إلى اليمن، فخرج يعلى بن منية بعد أن جمع المال - ولحق بمكة، وأنفق المال في حرب الجمل.\rقال: ولما رجع سهل بن حنيف دعا عليٌ طلحة والزبير فقال \" إن الأمر الذي كنت أحذركم قد وقع، وإن الذي قد وقع لا يدرك إلا بإماتة، وإنها فتنة كالنار كلما سعرت ازدادت اضراما، واستثارت \" . فقالا: - ائذن لنا نخرج من المدينة، فإما أن نكاثر، وإما أن تدعنا. فقال: سأمسك الأمر ما أستمسك، فإذا لم أجد بدا فآخر الداء الكي! .\rوكتب إلى معاوية وإلى أبي موسى، فأجابه أبو موسى بطاعة أهل الكوفة، وبين الكاره منهم للذي كان والراضي ومن بين ذلك، حتى كان علي كأنه يشاهدهم.. وكان رسوله إلى أبي موسى معبد الأسلمي.","part":5,"page":327},{"id":2328,"text":"وكان رسوله إلى معاوية سبرة الجهني، فلم يجبه معاوية بشيء وكلما تنجز جوابه لم يزده على قوله:\rأدم إدامة حصنٍ أو خذاً بيدي ... حرباً ضروساً تشبّ الجزل والضّرما\rفي جاركم وابنكم إذ كان مقتله ... شنعاء شيّبت الأصداغ واللمما\rأعيى المسود بها والسّيّدون فلم ... يوجد لها غيرنا مولىً ولا حكما\rحتى إذا كان الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر دعا معاوية رجلاً من بني عبس، اسمه قبيصة، فدفع إليه طومارا مختوما، عنوانه \" من معاوية إلى علي \" وقال له: إذا دخلت المدينة فاقبض على أسفل الطومار.\rوأوصاه بما يقول، وأعاد رسول علي معه، فقدما المدينة في شهر ربيع الأول، ودخل العبسي كما أمره معاوية، والناس تنظر إلى الطومار، حتى دفعه إلى علي، ففضه، فلم يجد فيه كتاباً فقال للرسول: ما وراءك؟ قال: وأنا آمنٌ؟ قال: نعم، إن الرسل لا تقتل.\rقال تركت قوماً لا يرضون إلا بالقود. قال: ممن؟ قال \" من خيط رقبتك! وتركت ستين ألف شيخ يبكي تحت قميص عثمان، وهو منصوبٌ لهم، قد ألبسوه منبر دمشق! \" قال: \" أمني يطلبون دم عثمان؟ ألست موتوراً بترة عثمان؟ اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان! نجا - والله - قتلة عثمان إلا أن يشاء الله فإنه إذا أراد أمراً أصابه! اخرج. \" قال وأنا آمنٌ؟ قال: وأنت آمن. فخرج العبسي، فقالوا: \" هذا الكلب رسول الكلب! اقتلوه! \" فنادى: يا آل مضر. يا آل قيس، الخيل والنبل، وبالله أقسم ليردنها عليكم أربعة آلاف خصي! فانظروا كم الفحول والركاب؟ \" وتعاووا عليه، فمنعته مضر، وجعلوا يقولون له: \" اسكت \" فيقول: \" لا والله، والله لا يفلح هؤلاء أبداً، أتاهم ما يوعدون، لقد حل بهم ما يحذرون، انتهت والله أعمالهم وذهبت ريحهم.\rقال وأظهر علي العزم على قتال معاوية، وكتب إلى عماله أن ينتدبوا الناس إلى الشام.\rثم استأذنه طلحة والزبير في العمرة، فأذن لهما.\rودعا على ابنه محمد ابن الحنفية، فدفع إليه اللواء، وولى عبد الله بن عباس ميمنته، وعمرو ابن أبي سلمة - أو عمرو بن سفيان بن عبد الأسد - ميسرته، وجعل أبا ليلى بن عمر بن الجراح ابن أخي أبي عبيدة على مقدمته، واستخلف على المدينة قثم بن العباس.\rابتداء وقعة الجمل\rومسير عائشة وطلحة والزبير ومن معهم إلى البصرة وما كان من الحرب إلى أن استقروا بها وإخراج عثمان بن حنيف عامل علي رضي الله عنه كان ابتداء وقعة الجمل أن عائشة رضي الله عنها كانت قد خرجت إلى الحج وعثمان محصورٌ - كما ذكرنا - فلما قضت الحج وعادت أتاها الخبر بقتله وخلافة علي، وهي بسرف، فرجعت إلى مكة وهي تقول: \" قتل - والله - عثمان مظلوماً! والله لأطلبن بدمه! \" وطلبت مكة، فقصدت الحجر، فسمرت فيه، واجتمع الناس إليها، فقالت: \" أيها الناس، إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلماً بالأمس، ونقموا عليه استعمال من حدثت سنه، وقد استعمل أمثالهم من قبله، ومواضع من الحمى حماها لهم، وهي أمور قد سبق بها لا يصلح غيرها، فتابعهم، ونزع لهم عنها استصلاحاً لهم، فلما لم يجدوا حجةً ولا عذراً بادروا بالعدوان، فسفكوا الدم الحرام، واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام، وأخذوا المال الحرام، والله لإصبعٌ من عثمان خيرٌ من طباق الأرض أمثالهم! ووالله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنباً لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثة أو الثوب من درنه إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء! \" فقال عبد الله بن عمرو بن الحضرمي وكان عام لعثمان على مكة: \" ها أنا ذا أول طالب \" ، فكان أول مجيب، وتبعه بنو أمية على ذلك، وكانوا قد هربوا من المدينة إلى مكة بعد قتل عثمان، وتبعهم سعيد بن العاص والوليد ابن عقبة.\rوقدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة بمال كثير ويعلى ابن أمية وهو ابن منية من اليمن ومعه ستمائة بعير وستمائة ألف، فأناخ بالأبطح.","part":5,"page":328},{"id":2329,"text":"وقدم طلحةٌ والزبير من المدينة، فلقيا عائشة: فقالت: ما وراءكما؟ فقالا: \" إنا تحملنا هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب، وفارقنا قوماً حيارى لا يعرفون حقاً ولا ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم \" ، فقالت: انهضما إلى هذه الغوغاء. فقالوا: نأتي الشام. فقال ابن عامر: \" قد كفاكم معاوية الشام، فأتوا البصرة، فإن لي بها صنائع، ولهم في طلحة هوى \" ، قالوا: \" قبحك الله! فوالله ما كنت بالمسالم ولا بالمحارب، فهلا أقمت كما أقام معاوية فنكتفي بك، ثم نأتي الكوفة فنسد على هؤلاء القوم مذاهبهم \" . فلم يجدوا عنده جوابا مقبولا. حتى إذا استقام لهم الرأي على البصرة قالوا: \" يا أم المؤمنين، دعي المدينة، فإن من معنا لا يطيق من بها من الغوغاء، واشخصي معنا إلى البصرة فإنا نأتي بلدا مضيعا، وسيحتجون علينا فيه ببيعة علي فتنهضينهم كما أنهضت أهل مكة، فإن أصلح الله الأمر كان الذي أردنا، وإلا دفعنا عن هذا الأمر بجهدنا، حتى يقضي الله ما أراد \" . فأجابتهم إلى ذلك. ودعوا عبد الله بن عمر ليسير معهم، فأبى، وقال : \" أنا رجل من أهل المدينة، أفعل ما يفعلون \" . فتركوه. وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة على قصد المدينة، فلما تغير رأيها إلى البصرة تركن ذلك. وأجابتها حفصة على المسير معها، فمنعها أخوها عبد الله. وجهزهم يعلى بن منية بستمائة بعير، وجهزهم ابن عامر بمال كثير. ونادى مناديها: \" إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة، فمن أراد إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان وليس له مركب ولا جهاز فليأت \" . فحملوا ستمائة على ستمائة بعير، وساروا في ألف - وقيل في تسعمائة - من لأهل المدينة ومكة، وتلاحقت بهم الناس، فكانوا في ثلاثة آلاف رجل. وأعان يعلى بن منية الزبير بأربعمائة ألف، وحمل سبعين من قريش، وأعطى عائشة جملاً، اسمه \" عسكر \" ، واشتراه بمائتي دينار، وقيل: بثمانين دينارا، وقيل: كان لرجل من عرينة، فابتيع منه بمهرية وأربعمائة درهم أو ستمائة درهم.\rوخرجت عائشة من مكة ومعها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق فبكوا على الإسلام، فلم ير يوم كان أكثر باكياً وباكيةٌ من ذلك اليوم، وكان يسمى \" يوم النحيب \" ...\rوكتبت أم الفضل بنت الحارث أم عبد الله بن عباس إلى علي بالخبر.\rولما خرجت عائشة من مكة أذن مروان بن الحكم، ثم جاء حتى وقف على طلحة والزبير فقال: على أيكم أسلم بالإمرة وأؤذن بالصلاة فقال عبد الله بن الزبير: على أبي عبد الله يعني أباه. وقال محمد ابن طلحة: على أبي محمد يعني أباه. فأرسلت عائشة إلى مروان فقالت: أتريد أن تفرق أمرنا، ليصل بالناس ابن أختي تعني عبد اله بن الزبير. وقيل بل صلى بالناس عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد حتى قتل.\rولما انتهوا إلى ذات عرق لقي سعيد بن العاص مروان بن الحكم وأصحابه فقال: أين تذهبون وتتركون ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم؟ يعني عائشة وطلحة والزبير اقتلوهم ثم ارجعوا إلى منازلكم! فقالوا نسير فعلنا نقتل قتلة عثمان.. فخلا سعيد ابن العاص بطلحة والزبير، فقال: اصدقاني إن ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ قالا نجعله لأحدنا أينا اختاره الناس. قال: بل تجعلونه لولد عثمان فإنكم خرجتم تطلبون بدمه فقالا: ندع شيوج المهاجرين ونجعلها لأبنائهم! قال: فلا أراني أسعى إلا لإخراجها من بني مناف فرجع، ورجع عبد الله بن خالد بن أسيد فقال المغيرة بن شعبة: \" الرأي ما قال سعيد، من كان ها هنا من ثقيف فليرجع \" ، ورجع.","part":5,"page":329},{"id":2330,"text":"ومضى القوم، ومعهم ابان والوليد ابنا عثمان، وكان دليلهم رجلاً من عرينة، وهو الذي ابتيع منه الجمل على أحد الأقوال، قال العرني: فسرت معهم، فلا أمر على وادٍ إلا سألوني عنه، حتى طرقنا الحوأب - وهو ماء - فنبحتنا كلابه فقالوا: أي ماءٍ هذا؟ قلت: هذا ماء الحوأب، فصرخت عائشة بأعلى صوتها، واسترجعت مقالت: إني لهيه! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنسائه: \" ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب! \" ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته، وقالت: \" ردوني! أنا والله صاحبة ماء الحوأب! \" فأناخوا حولها يوماً وليلة، فقال لها عبد الله بن الزبير: \" إنه كذب، وليس هو ماء الحوأب \" ولم يزل بها وهي تمتنع حتى قال لها: النجاء النجاء! قد أدرككم علي بن أبي طالب. \" فارتحلوا نحو البصرة، فلما كانوا بفنائها لقيهم عمير بن عبد الله التميمي فقال: يا أم المؤمنين، أنشدك الله أن تقدمي اليوم على قوم لم تراسلي منهم أحداً، فعجلي ابن عامر فإن له بها صنائع، فليذهب إليهم \" فأرسلته.\rوكتبت عائشة إلى رجال من أهل البصرة، وإلى الأحنف بن قيس وأمثاله، وأقامت بالحفير تنتظر الجواب.\rولما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي وقال: انطلقا إلى عائشة واعلما علمها وعلم من معها، فأتياها وقالا: إن أميرنا بعثنا إليك ليسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: \" والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم الرسول عليه الصلاة والسلام وأحدثوا فيه الأحداث، وآووا فيه المحدثين، فاستوجبوا لعنة الله ولعنة الرسول، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترةٍ، ولا عذر، فاستحلوا الدم الحرام فسفكوه، وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام، ومزقوا الأعراض والجلود، وأقاموا في دار قوم كارهين لمقامهم ضارين مضرين غير نافعين ولا منتفعين، لا يقدرون على امتناع ولا يأمنون، فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء، وما فيه الناس وراءنا، وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذه القصة \" وقرأت: \" لا خير في كثيرٍ من نجواهم إلا من أمر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بين الناس \" ثم قالت: \" نهض في الإصلاح فيمن أمر الله وأمر رسوله الصغير والكبير والذكر والأنثى، فهذا شأننا إلى معروفٍ نأمركم به ونحضكم عليه، ومنكرٍ ننهاكم عنه ونحثكم على تغييره فخرجا من عندها، فأتيا طلحة فقالا له: ما أقدمك؟ قال: الطلب بدم عثمان.\rفقالا: ألم تبايع علياً؟ قال: \" بلى، والسيف على عنقي، وما أستقيل علياً البيعة إن هو لم يحل بيننا وبين قتلة عثمان \" .\rثم أتيا الزبير فقالا له وقال مثل ذلك. فرجعا إلى عائشة فودعاها، فودعت عمران، وقالت يا أبا الأسود، إياك أن يقودك الهوى إلى النار \" كونوا قوامين لله شهداء بالقسط \" الآية وسرحتهما، ونادى مناديها بالرحيل. ومضيا حتى أتيا عثمان بن حنيف، فبدر أبو الأسود عمران فقال:\rيا ابن حنيفٍ قد أتيت فانفر\rوطاعن القوم وجالد واصبر\rوابرز لهم مستلئماً وشمّر\rفاسترجع عثمان، وقال: دارت رحى الإسلام ورب الكعبة! ونادى في الناس، وأمرهم بلبس السلاح. وأقبلت عائشة فيمن معها حتى انتهوا إلى المربد، فدخلوا من أعلاه، ووقفوا حتى خرج عثمان بن حنيف، فيمن معه، وخرج إلى عائشة من أهل البصرة من أراد أن يكون معها، فاجتمع القوم كلهم بالمربد: عائشة ومن معها في ميمنته، وعثمان ومن معه في ميسرته.\rفتكلم طلحة، فأنصتوا له، فحمد الله وأثنى عليه وذكر عثمان وفضله وما استحل منه، ودعا إلى الطلب بدمه، وحثهم عليه. وتكلم الزبير بمثل ذلك. فقال من في ميمنة المربد: صدقا وبرا! وقال من في ميسرته: \" فجرا، وغدرا، وأمرا بالباطل! بايعا علياً ثم جاءا يقولان ما يقولان! \" وتحاثى الناس وتحاصبوا.","part":5,"page":330},{"id":2331,"text":"فتكلمت عائشة فحمدت الله وأثنت عليه، وقالت: كان الناس يتجنون على عثمان، ويزرون على عماله، ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم، ويرون حسناً من كلامنا في إصلاح بينهم، فننظر في ذلك فنجده برياً تقياً وفياً، ونجدهم فجرةً غدرة كذبه، وهم يحولون غير ما يظهرون، فلما قدروا على المكاثرة كاثروه، فاقتحموا عليه داره، واستحلوا الدم الحرام والمال الحرام، والبلد الحرام، بلا ترةٍ ولا عذر، ألا إن فيما ينبغي - لا ينبغي لكم غيره - أخذ قتلة عثمان، وإقامة كتاب الله، \" ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من المتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم \" الآية.\rفافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين: فقالت فرقةٌ: صدقت والله وبرت وجاءت بالمعروف، وقالت فرقة خلاف ذلك.\rفتحاثوا وتحاصبوا وأرهجوا، فلما رأت عائشة ذلك انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين لعثمان بن حنيف، حتى وقفوا في المربد في موضع الدباغين، وبقي أصحاب عثمان على حالهم، يتدافعون حتى تحاجزوا، ومال بعضهم إلى عائشة.\rوأقبل حكيم بن جبلة، وهو على خيل ابن حنيف، فأنشب القتال، فأشرع أصحاب عائشة رماحهم، وأمسكوا اليمسك، فلم ينته ولم ينثن، وأصحاب عائشة كافون إلا ما دافعوا عن أنفسهم ثم اقتتلوا على فم السكة، وأشرف أهل الدور ممن كان له في أحد الفريقين هوىً، فرموا في الأخرى بالحجارة.\rوأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا، حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن، فوقفوا بها ملياً، وثاب إليهم الناس، فحجز الليل بينهم.\rورجع عثمان إلى القصر، ورجع الناس إلى قبائلهم، وأتى أصحاب عائشة إلى ناحية دار الرزق وباتوا يتأهبون، وبات الناس يأتونهم، واجتمعوا بساحة دار الرزق.\rوأصبح عثمان فغاداهم، وخرج حكيم، فاقتتلوا قتالاً شديداً من حين بزغت الشمس إلى أن زالت، وقد كثر القتل في أصحاب ابن حنيف، وفشت الجراحة في الفريقين، ومنادي عائشة يناشدهم ويدعوهم إلى الكف، فيأبون، حتى إذا مسهم الشر وعضتهم الحرب نادوا أصحاب عائشة إلى الصلح، فأجابوهم. وتداعوا وكتبوا بينهم كتاباً على أن يبعثوا رسولاً إلى المدينة يسأل أهلها، فإن كان طلحة والزبير أكرها على مبايعة علي خرج ابن حنيفٍ عن البصرة وأخلاها لهم، وإن كانا لم يكرها على البيعة خرج طلحة والزبير.\rفسار كعب بن سورٍ حتى أتى المدينة، فقدمها يوم جمعة فسأل أهلها هل أكره طلحة والزبير على بيعة علي أم أتيا طائعين؟ فلم يجبه أحدٌ إلا أسامة ابن زيد فإنه قال: اللهم إنهما لم يبايعا إلا وهما مكرهان. فواثبه سهل بن حنيف والناس، وثار صهيبٌ وأبو أيوب في عدةٍ من الصحابة، منهم محمد بن مسلمة، حين خافوا أن يقتل أسامة، فقالوا: اللهم نعم. فتركوه وأخذ صهيبٌ أسامة بيده إلى منزله.\rوبلغ علياً الخبر فكتب إلى عثمان بن حنيف أنهما لم يكرها على البيعة.\rفلما عاد كعب بن سور أمر عثمان بالخروج عن البصرة، فامتنع، واحتج بكتاب عليٍ، فجمع طلحة والزبير الرجال في ليلة مظلمة ذات رياح ومطر، وقصدوا المسجد واقتلوا، فقتل من أصحاب ابن حنيف أربعون رجلاً، ودخل الرجال على ابن حنيفٍ فأخرجوه إليهما، فما وصل وفي وجهه شعرةٌ، فاستعظما ذلك، وأرسلا إلى عائشة في أمره، فأرسلت أن خلوا سبيله، وبقي طلحة والزبير بالبصرة ومعهما بيت المال والحرس، واستتر من لم يكن معهما.\rوبلغ حكيم بن جبلة ما حل بعثمان بن حنيف فقال: لست أخاف الله إن لم أنصره.\rفجاء في جماعة من عبد القيس ومن تبعه من ربيعة - وكان بينه وبين عبد الله بن الزبير محاورات - ثم التقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فكان حكيمٌ بحيال طلحة، وذريح بحيال الزبير، وابن المحرش بحيال عبد الرحمن بن عتاب، وحرقوص بن زهير بحيال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقتل حكيم وابنه وأخوه، وقتل ذريح، وأفلت حرقوص في نفر من أصحابه وجيء إلى طلحة والزبير بمن كان فيهم ممن غزا المدينة، فقتلوا.\rوكانت هذه الوقعة لخمسٍ بقين من شهر ربيع الآخر من السنة وبايع أهل البصرة طلحة والزبير.\r؟مسير علي إلى البصرة\rوما اتفق له في مسيره ومن انضم إليه ومراسلته أهل الكوفة","part":5,"page":331},{"id":2332,"text":"قال: وكان علي رضي الله عنه قد تجهز لقصد الشام لقتال معاوية، لما أظهر الخلاف عليه، كما تقدم، فبينما هو على ذلك أتاه الخبر عن طلحة والزبير وعائشة من مكة بما عزموا عليه، فلما بلغه ذلك وأنهم يريدون البصرة سره ذلك، وقال: إن الكوفة فيها رجال من العرب وبيوتاتهم. فقال له ابن عباس - رضي الله عنهما - : \" إن الذي سرك من ذلك ليسوءني، إن الكوفة فسطاط فيه من أعلام العرب ولا يزال فيها من يسمو إلى أمرٍ لا يناله، فإذا كان كذلك شغب على الذي قد نال ما يريد، حتى يكسر حدته. \" فقال علي: إن الأمر ليشبه ما تقول.\rوتهيأ للخروج إليهم، فندب أهل المدينة للمسير معه، فتثاقلوا فبعت إلى عبد الله بن عمر كميلا النخعي، فجاء به، فدعاه إلى الخروج معه، فقال: \" إنما أنا من أهل المدينة، وقد دخلوا في هذا الأمر، فدخلت معهم، فإن يخرجوا أخرج معهم وإن يقعدوا أقعد. \" قال: فأعطني كفيلا.\rقال: لا أفعل. فقال له علي: لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيراً وكبيراً لأنكرتني! دعوه فأنا كفيله. فرجع ابن عمر إلى أهل المدينة وهم يقولون: \" والله ما ندري كيف نصنع؟ إن الأمر لمشتبه علينا، ونحن مقيمون حتى يضيء! \" فخرج من تحت ليلته، وأخبر أم كلثوم ابنة علي، وهي زوجة عمر بالذي سمع وأنه يخرج معتمراً مقيماً على طاعة علي ما خلا النهوض. فأصبح علي فقيل له: حدث الليلة حدثٌ هو أشد من أمر طلحة والزبير وعائشة ومعاوية! قال: وما ذاك؟ قالوا: خرج ابن عمر إلى الشام! فأتى السوق، وأعد الظهر والرحال، وأعد لكل طريقٍ طلابا، وماج الناس، فسمعت أم كلثوم، فأتت عليا فأخبرته الخبر، فطابت نفسه، وقال: \" انصرفوا، والله ما كذبت ولا كذب، وإنه عندي ثقة \" . فانصرفوا.\rثم أتى عليا الخبر بمسير طلحة والزبير وعائشة من مكة نحو البصرة، فدعا وجوه أهل المدينة وخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه وقال: \" إن آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح أوله، فانصروا الله ينصركم ويصلح لكم أمركم. \" فتثاقلوا، فلما رأى زياد بن حنظله تثاقل الناس انتدب إلى علي رضي الله عنه وقال له: من تثاقل عنك فإنا نخف معك فنقاتل دونك. وقال أبو الهيثم ابن التيهان وخزيمة بن ثابت. قال ابن الأثير: \" قال الحكم: ليس بذي الشهادتين، مات ذو الشهادتين أيام عثمان رضي الله عنه \" .\rوقال أبو عمر ابن عبد البر في ترجمته خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين: إنه شهد مع علي حرب الجمل وصفين فدل على أنه هو، والله أعلم. فأجابا علياً إلى نصرته.\rوقال أبو قتادة الأنصاري لعلي: \" يا أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلدني هذا السيف، وقد أغمدته زماناً، وقد حان تجريده على هؤلاء القوم الظالمين الذين لم يألوا الأمة غشا، وقد أحببت أن تقدمني، فقدمني \" .\rقال: ولما أراد علي المسير إلى البصرة وكان يرجو أن يدرك طلحة والزبير فيردهما قبل وصولهما إلى البصرة، فلما سار استخلف على المدينة تمام ابن العباس، وعلى مكة قثم بن العباس، وقيل: أمر على المدينة سهل بن حنيف، وسار في تعبئته التي كانت لأهل الشام، وذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين.\rوخرج معه من نشط من الكوفيين والبصرين متخففين في تسعمائة، فلقيه عبد الله بن سلام فأخذ بعنانه، وقال: \" يا أمير المؤمنين، لا نخرج منها، فوالله لئن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسمين أبدا! \" فسبوه فقال: \" دعوه، نعم الرجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم \" . وسار حتى انتهى إلى الربذة، فأتاه خبر سبقهم إلى البصرة، فأقام بها يأتمر ما يفعل.\rإرسال علي إلى أهل الكوفة\rوعود رسله وإرسال غيرهم\rوما كان من إخراج أبي موسى الأشعري عن الكوفة وانضمام أهل الكوفة إلى علي وما كان في خلال ذلك من الأخبار قال: ولما أقام علي - رضي الله عنه - بالربذة أرسل منها محمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن جعفر رضي الله عنهم إلى أهل الكوفة، وكتب إليهم: \" إني قد اخترتكم على الأمصار، وفزعت إليكم لما حدث، فكونوا لدين الله أعواناً وأنصاراً، وانهضوا إلينا، فالإصلاح نريد، لتعود هذه الأمة إخواناً \" . فمضيا.\rوأقام بالربذة، وأرسل إلى المدينة، فأتاه ما يريد من دابة وسلاح.","part":5,"page":332},{"id":2333,"text":"ثم قام في الناس فخطبهم وقال: إن الله تبارك وتعالى أعزنا بالإسلام ورفعنا به، وجعلنا إخواناً بعد ذلة وقلة وتباغض وتباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، الإسلام دينهم، والحق فيهم، والكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان، لينزغ بين هذه الأمة، ألا وإن هذه لا بد مفترقة كما افترقت الأممم قبلها، فنعوذ بالله من شر ما هو كائن ثم عاد ثانية فقال: إن لا بد مما هو كائن أن يكون، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقةً، شرها فرقة تنتحلني ولا تعمل بعملي، وقد أدركتم ورأيتم، فالزموا دينكم، واهدوا بهديي، فإنه هدي نبيكم، واتبعوا سنته، وأعرضوا عما أشكل عليكم حتى تعرضوه على القرآن، فما عرفه القرآن فالزموه، وما أنكره فردوه، وارضوا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن حكماً وإماماً.\rقال: ثم أتاه جماعة من طييء، وهو بالربذة، فقيل له: هذه جماعةٌ قد أتتك، منهم من يريد الخروج معك، ومنهم من يريد التسليم عليك. فقال: جزى الله كلاً خيرا \" وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً \" . فلما دخلوا عليه قال لهم: ما شهدتمونا قال به؟ قالوا: شهدناك بكل ما تحب. فقال: \" جزاكم الله خيراً! قد أسلمتم طائعين، وقاتلتم المرتدين، ووافيتم بصدقاتكم المسلمين \" . فنهض سعيد بن عبيد الطائي فقال: \" يا أمير المؤمنين، إن من الناس من يعبر لسانه عن قلبه، وإني - والله - ما كل ما كل ما أجد في قلبي يعبر عنه لساني، وسأجهد وبالله التوفيق، أما أنا فسأنصح لك في السر والعلانية، وأقاتل عدوك في كل موطن، وأرى من الحق لك ما لا أراه لأحد من أهل زمانك لفضلك وقرابتك \" . فقال: \" يرحك الله! قد أدى لسانك عما يجن ضميرك \" .\rقال: ثم سار علي - رضي الله عنه - من الربذة، وعلى مقدمته أبو ليلى بن عمرو بن الجراح، والراية مع ابنه محمد ابن الحنفية، وعلى ناقة حمراء يقود فرساً كميتاً، فلما نزل بفيد أتته أسد وطييء، فعرضوا عليه أنفسهم فقال: في المهاجرين كفاية. وعرضت عليه بكر بن وائل أنفسها، فقال لها كذلك.\rقال: وانتهى إلى ذي قارٍ أتاه عثمان بن حنيفٍ وليس في وجهه شعرة - وقيل: إنه أتاه بالربذة - فقال: يا أمير المؤمنين نعثتني ذا لحية وقد جئتك أمرد! قال: أصبحت أجراً وخيراً! .\rوأقام بذي قار ينتظر جواب أهل الكوفة.\rوكان من خبر محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر أنهما أتيا أبا موسى الأشعري بكتاب علي، وقاما في الناس بأمره، فلم يجابا بشيء، فلما أيسوا دخل ناس من أهل الحجا على أبي موسى فقالوا: ما ترى في الخروج؟ فقال: \" كان الرأي بالأمس ليس اليوم، إن الذي تهاونتم به فيما مضى هو الذي جر عليكم ما ترون، إنما هما أمران القعود سبيل الآخرة، والخروج سبيل الدنيا، فاختاروا \" فلم ينفر إليه أحد، فغضب محمد، فأغلظا لأبي موسى، فقال لهما: \" والله إن بيعة عثمان في عنقي وعنق صاحبكما، فإن لم يكن بدٌ من قتالٍ لا نقاتل أحداً حتى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا \" .\rفانطلقا إلى علي فأخبراه الخبر وهو بذي قار، فقال للأشتر وكان معه: \" أ،ت صاحبنا في أبي موسى والمعترض في كل شيء، اذهب أنت وابن عباس فأصلح ما أفسدت \" .\rفخرجا فقدما الكوفة، فكلما أبا موسى، واستعانا عليه بنفر من أهل الكوفة، فخطبهم أبو موسى فقال \" أيها الناس، إن صحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله ورسوله ممن لم يصحبه، وإن لكم علينا حقاً، وأنا مؤدٍ إليكم نصيحة، كان الرأي أن لا تستخفوا بسلطان الله، وألا تجترئوا على الله، وأن تأخذوا من قدم عليكم من المدينة فتردوهم إليها حتى يجتمعوا فهم أعلم بمن تصلح له الإمامة منكم، وهذه فتنةٌ صماء، النائم فيها خيرٌ من اليقظان، واليقظان خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، والراكب خير من الساعي، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب، فأغمدوا السيوف، وأنصلوا الأسنة، واقطعوا الأوتار، وآووا المظلوم والمضطهد، حتى يلتئم هذا الأمر وتنجلي هذه الفتنة \" .\rفرجع ابن عباس والأشتر إلى علي، فأخبراه الخبر.\rفأرسل ابنه الحسن وعمار ابن ياسر، رضي الله عنهما، وقال لعمار: انطلق فأصلح ما أفسدت.","part":5,"page":333},{"id":2334,"text":"فأقبلا حتى دخلا مسجد الكوفة، فكان أول من رآهما مسروق بن الأجدع، فسلم عليهما، وأقبل على عمار فقال: يا أبا اليقظان علام قتلتم عثمان؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا؟! قال: والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به ولا صبرتم فكان خيراً للصابرين!.\rفخرج أبو موسى فلقي الحسن فضمه إليه، وأقبل على عمارٍ فقال: يا أبا اليقظان أعدوت على أمير المؤمنين فيمن عدا فأحللت نفسك مع الفجار؟ فقال: لم أفعل ولم يسؤني! فقطع الحسن عليهما الكلام، وأقبل على أبي موسى فقال له: \" لم تثبط الناس عنا؟ فو الله ما أردنا إلا الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء! \" قال: صدقت، بأبي أنت وأمي! ولكن \" المستشار مؤتمن، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \" إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خيرٌ من الراكب \" وقد جعلنا الله إخواناً، وحرم علينا دماءنا وأموالنا.\rفغضب عمار، وسبه، وقام فقال: يا أيها الناس إنما قال له وحده \" أنت فيها قاعدا خيرٌ منك قائما \" !.\rفقام رجل من بني تميم، فسب عمارا وقال: أنت أمس مع الغوغاء واليوم تسافه أميرنا! .\rوثار زيد بن صوحان وأمثاله، وثار الناس، وقام زيدٌ على باب المسجد، ومعه كتابٌ من عائشة إليه تأمره بملازمة بيته أو نصرتها، وكتابٌ إلى أهل الكوفة بمعناه، فأخرجهما فقرأهما على الناس، فلما فرغ منهما قال: \" أمرت أن تقر في بيتها، وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فأمرتنا بما أمرت به، وركبت ما أمرنا به! \" . فقال له شبث بن ربعي: يا عماني، سرقت بجلولاء فقطعت يدك! وعصيت أم المؤمنين فقتلك الله!.\rوتهاوى الناس. قام أبو موسى فقال: أيها الناس، أطيعوني، وكونوا جرثومة من جراثيم العرب، يأوي إليكم المظلوم، ويأمن فيكم الخائف إن الفتنة إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت بينت وإن هذه الفتنة باقرة كداء البطن، تجري بها الشمال والجنوب والصبا والدبور، تذر الحكيم وهو حيران كابن أمس، شيموا سيوفكم، واقصدوا رماحكم، وقطعوا أوتاركم والزموا بيوتكم، خلوا قريشاً إذ أبو إلا الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم، استنصحوني ولا تستغشوني، أطيعوني يسلم لكم دينكم، ودنياكم ويشقى بحر هذه الفتنة من جناها.\rفقام زيد، فشال يده المقطوعة، فقال: يا عبد الله بن قيس رد الفرات عن أدراجه، اردده من حيث يجيء حتى يعود كما بدأ فإن قدرت على ذلك فستقدر على ما تريد، فدع عنك ما لست مدركه، سيروا إلى أمير المؤمنين وسيد المسلمين، انفروا إليه أجمعين تصيبوا الحق!.\rفقام القعقاع بن عمرو فقال: \" إني لكم ناصح، وعليكم شفيق، أحب لكم أن ترشدوا، ولأقولن لكم قولاً هو الحق، أما ما قال الأمير فهو الحق لو أن إليه سبيلا، وأما ما قال زيد فزيدٌ عدو هذا الأمير فلا تستنصحوه، والقول الذي هو الحق أنه لا بد من إمارة تنظم الناس، وتزع الظالم، وتعز المظلوم وهذا أمير المؤمنين مليء بما ولي، وقد أنصف في الدعاء، وإنما يدعو إلى الإصلاح، فانفروا وكونوا من هذا الأمر بمرأىً ومسمع \" .\rوقال عبد خيرٍ الخيواني: يا أبا موسى هل بايع طلحة والزبير علياً؟ قال: نعم! قال:هل أحدث عليٌ ما يحل به نقض بيعته؟ قال: لا أدري. قال: \" لا دريت! نحن نتركك حتى تدرك! هل تعلم أحداً خارجاً من هذه الفتنة؟ إنما الناس أربع فرق: عليٌ بظهر الكوفة، وطلحة والزبير بالبصرة، ومعاوية بالشام، وفرقةٌ بالحجاز لا غناء بها ولا يقاتل بها عدو. \" فقال أبو موسى: أولئك خير الناس وهي فتنة! فقال عبد خير: غلب عليك غشك يا أبا موسى! فقال سيحان بن صوحان: إنه لا بد لهذا الأمر وهؤلاء الناس من والٍ، يدفع الظلم ويعز المظلوم، ويجمع الناس، وهذا وليكم وهو يدعوكم لتنظروا فيما بينه وبين صاحبيه، وهو المأمون على الأمة، الفقيه في الدين، فمن نهض إليه فإنا سائرون معه.\rفلما فرغ سيحان قال عمار: \" هذا ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، يستنفركم إلى زوجة رسول الله وإلى طلحة والزبير، وإني أشهد أنها زوجته في الدنيا والآخرة، فانظروا ثم انظروا في الحق، فقاتلوا معه \" . فقال له رجل: أنا مع من شهدت له بالجنة على من لم تشهد له! فقال له الحسن: اكفف عنا يا عمار فإن للإصلاح أهلا!.","part":5,"page":334},{"id":2335,"text":"وقام الحسن رضي الله عنه، فقال: أيها الناس أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر من ينفر غليه، ووالله لأن يليه أولو النهى أمثل في العاجل والآجل، وخيرٌ في العاقبة، أجيبوا دعوتنا، وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم، وإن أمير المؤمنين يقول: \" قد خرجت مخرجي هذا ظالماً أو مظلوماً، وإني أذكر الله رجلاً رعى حق الله إلا نفر، فإن كنت مظلوماً أعانني، وإن كنت ظالماً أخذ منين والله إن طلحة والزبير لأول من بايعني وأول من عذر فهل استأثرت بمال أو بدلت حكماً؟ \" فانفروا، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر.\rفسامح الناس وأجابوا ورضوا، وتكلم عدي بن حاتم، وهند بن عمرو، وحجر بن عدي، وحثوا الناس على اللحاق بعلي وإعانته، فأذعن الناس للمسير.\rفقال الحسن رضي الله عنه: \" أيها الناس، إني غادٍ، فمن شاء منكم أن يخرج على الظهر، ومن شاء في الماء \" ، فنفر معه تسعة آلاف، أخذ في البر ستة آلاف ومائتان، وبقيتهم في الماء.\rوقيل: إن علياً - رضي الله عنه - أرسل الأشتر بعد ابنه الحسن وعمار - إلى الكوفة، فدخلها والناس في المسجد، وأبو موسى يخطبهم ويثبطهم، والحسن وعمار معه في منازعة، وكذلك سائر الناس، كما تقدم، فجعل الأشتر لا يمر في بقبيلة فيها جماعة إلا دعاهم ويقول: اتبعوني إلى القصر، فانتهى إلى القصر في جماعة من الناس، فدخلوا وأبو موسى في المسجد يخطبهم ويثبطهم، والحسن يقول له: اعتزل عملنا لا أم لك وتنح عن منبرنا! وعمار ينازعه فأخرج الأشتر غلمان أبي موسى من القصر، فخرجوا يعدون وينادون: \" يا أبا موسى، الأشتر قد دخل القصر، فضربنا، وأخرجنا \" فنزل أبو موسى، فدخل القصر، فصاح به الأشتر: \" اخرج لا أم لك! أخرج الله نفسك! \" فقال: أجلني هذه العشية. فقال هي لك ولا تبيتن في القصر الليلة. ودخل الناس ينهبون متاع أبي موسى، فمنعهم الأشتر، قال: أنا له جارٌ. فكفوا عنه.\rفنفر الناس في العدد المذكور. وقيل: إن عدد من سار من الكوفة اثنا عشر ألف رجلٍ ورجلٌ، قال أبو الطفيل: سمعت علياً رضي الله عنه يقول ذلك قبل وصولهم، فقعدت فأحصيتهم، فما زادوا رجلاً وما نقصوا رجلاً! .\rوكان على كنانه وأسد وتميم والرباب ومزينة معقل بن يسار الرياحي، وعلى سبع قيس سعد بن مسعود الثقفي عم المختار، وعلى بكر وتغلب وعلى بن محدوج الذهلي، وعلى مذحج والأشعريين حجر بن عدي، وعلى بجيلة وأنمار وخثعم والأزد مخنف بن سليم الأزدى، فقدموا على علي رضي الله عنه بذي قار، فلقيهم في ناس فرحب بهم، وقال: \" يا أهل الكوفة، وليتم ملوك العجم وفضضتم جموعهم، حتى صارت إليكم مواريثهم، فأغنيتم حوزتكم،وأعنتم الناس على عدوهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك الذي نريد، وإن يلجوا داويناهم بالرفق حتى يبدءونا بظلم، ولم ندع أمراً فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد، إن شاء الله تعالى \" .\rقال: وكان رؤساء الجماعة من الكوفيين: القعقاع بن عمرو وسعد بن مالك وهند بن عمرو والهيثم بن شهاب، وكان رؤساء النفار زيد بن صوحان والأشتر وعدي بن حاتم والمسيب بن نجبه ويزيد ابن قيس وأمثال لهم ليسوا دونهم إلا أنهم لم يؤمروا، منهم حجر بن عدي.\rمراسلته طلحة والزبير\rوأهل البصرة في الصلح وإجابتهم إليه وانتظام الصلح وكيف أفسده قتلة عثمان قال: وأقام علي - رضي الله عنه - بذي قار، فأرسل القعقاع بن عمرو إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين وادعهما إلى الألفة والجماعة وعظم فيهما الفرقة. وكان العقعاع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.\rفخرج حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة فسلم عليها وقال: أي أمه، ما أشخصك وما أقدمك على هذا البلد؟ قال: أي بني، الإصلاح بين الناس. قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما، فبعثت إليهما، فجاءا، فقال لهما: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها؟ فقالت الإصلاح، فما تقولان أنتما؟ أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان.\rقال فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح فوالله لئن عرفناه ليصلحن ولئن أنكرناه لا يصلح.","part":5,"page":335},{"id":2336,"text":"قالا: قتلة عثمان، فإن هذا إن ترك كان تركاً للقرآن! قال: \" قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، وأنتما قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم! قتلتم ستمائة رجل فغضبت لهم ستة آلاف واعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف فارس، فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون، وإن قاتلتموهم والذين اعتزلوكم فأديلو عليكم فالذي حذرتم وقويتم به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون، وإن أنتم منعتم مضر وربيعة من هذه البلاد اجتمعوا على حربكم وخذلانكم نصرةً لهؤلاء، كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير! \" قالت عائشة فما تقول أنت قال \" إن هذا الأمر دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلا خير وتباشير رحمة ودرك بثأر، وإن أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر وذهاب هذا الثأر، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح خير كما كنتم، ولا تعرضونا للبلاء فتتعرضوا له فيصرعنا وإياكم، وايم الله إني لأقول هذا القول وأدعوكم إليه وإني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي حدث أمرٌ ليس يقدر، وليس كقتل الرجل الرجل ولا النفر الرجل ولا القبيلة الرجل قالوا: \" قد أصبت وأحسنت، فارجع، فإن قدم عليٌ وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر \" .\rفرجع إلى علي، فأخبره، فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه، ورضيه من رضيه.\rوأقبلت وفود العرب من أهل البصرة نحو علي بذي قار، قبل رجوع القعقاع، لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة، وعلى أي حالٍ نهضوا إليهم، وليعلموهم أن الذي عليه رأيهم الإصلاح، ولا يخطر لهم قتالهم على بال.\rفلما لقوا عشائرهم من أهل الكوفة قال لهم الكوفيون مثل مقالتهم، وأدخلوهم على عليٍ فأخبروه بخبرهم.\rورجعت وفود أهل البصرة برأي أهل الكوفة، ورجع القعقاع من البصرة.\rفقام علي رضي الله عنه خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الجاهلية وشقاءها، والإسلام والسعادة، وإنعام الله على الأمة والجماعة بالخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم حدث هذا الحدث الذي جره على هذه الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا وحسدوا من أفاءها الله عليه وعلى الفضيلة التي من الله بها، وأرادوا رد الإسلام والأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره.\rثم قال: ألا وإني راحل غداً، فارتحلوا، ولا يرتحل معنا أحدٌ أعان على عثمان بشيءٍ من أمور الناس، وليغن السفهاء عني أنفسهم. والله أعلم بالصواب.\rاجتماع قتلة عثمان بذي قار وتشاورهم\rوما اتفقوا عليه من المكيدة التي اقتضت نقض الصلح ووقوع الحرب","part":5,"page":336},{"id":2337,"text":"قال: ولما قال علي رضي الله عنه مقالته بذي قار، وأمر أن لا يرتحل معه أحد ممن أعان على عثمان بشيء اجتمع نفرٌ منهم علباء بن الهيثم وعدي ابن حاتم وسالم بن ثعلبة القيسي وشريح بن أبي أوفي والأشتر، في عدة ممن سار إلى عثمان أو رضي بسير من سار إليه وجاء معهم المصريون وابن السوداء وخالد ابن ملجم، فتشاوروا فقالوا \" ما الرأي؟ هذا علي وهو والله أبصر بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان، وأقرب إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر إليه إلا هم والقليل من غيرهم، فكيف به إذا شام القوم وشاموه ورأوا قلتنا في كثرتهم؟ وأنتم والله ترادون، وما أنتم بالحي من شيء! \" فقال الأشتر: \" قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا، وأما رأي علي فلم نعرف رأيه إلى اليوم، ورأى الناس فينا واحد، فإن يصطلحوا مع علي فعلى دمائنا، فهلموا بنا نثب على علي فنلحقه بعثمان، فتعود فتنه يرضى منا فيها بالسكون. \" فقال عبد الله بن السوداء \" بئس الرأي والله رأيت، أنتم يا قتلة عثمان بذي قار ألفٌ وخمسمائة، أو نحوٌ من ستمائة، وهذا ابن الحنظلية - يعني طلحة - وأصحابه في نحو خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلا! \" فقال علباء بن الهيثم \" انصرفوا بنا عنهم، ودعوهم، فإن قلوا كان لعدوهم عليهم، وإن كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم، ودعوهم فرجعوا فتعلقوا ببلدٍ من البلدان حتى يأتيكم فيه من تقوون به، وامتنعوا من الناس. \" فقال ابن السوداء \" بئس والله ما رأيت، ود والله الناس أنكم انفردتم ولم تكونوا مع أقوام برآء، ولو انفردتم لتخطفكم الناس وكل شيء! \" فقال عدي بن حاتم: \" والله ما رضيت ولا كرهت، ولقد عجبت من تردد من تردد عن قتله في خوض الحديث، فأما إذ وقع ما وقع ونزل من الناس بهذه المنزلة فإن لنا عتاداً من خيولٍ وسلاح، فإن أقدمتم أقدمنا، وأن أمسكتم أمسكنا! \" فقال ابن السوداء: أحسنت! وقال سالم ابن ثعلبة: \" من كان أراد بما أتى الدنيا فإني لم أرد ذلك، ووالله لئن لقيتهم غداً لا أرجع إلى شيء وأحلف بالله إنكم لتفرقون الناس بالسيف فرق قومٍ لا تصير أمورهم إلا إلى السيف! \" فقال ابن السوداء: قد قال قولا.\rوقال شريح بن أبي أوفي: \" أبرموا أمركم قبل أن يخرجوا، ولا تؤخروا أمراً ينبغي لكم تعجيله، ولا تعجلوا أمراً ينبغي لكم تأخيره، فإنا عند الناس بشر المنازل، ولا أدري ما الناس صانعون إذا ما هم التقوا! \" وقال ابن السوداء: \" يا قوم، إن عزكم في خلط الناس، فإذا التقى الناس غداً فأنشبوا القتال، ولا تفرغوهم للنظر، فمن أنتم معه لا يجد بداً من أن يمتنع، ويشغل الله علياً وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عما تكرهون! \" فأبصروا الرأي، وتفرقوا عليه، والناس لا يشعرون.\rمسيره الى البصرة\rومن معه من ذي قار ووقعة الجمل\rقال: ولما أصبح علي رضي الله عنه سار من ذي قار وسار معه الناس حتى نزل على عبد القيس، فانضموا إليه، ثم سار فنزل الزاوية، وسار من الزاوية يريد البصرة، وسار طلحة والزبير وعائشة من الفرضة، فالتقوا عند موضع قصر عبيد الله بن زياد، وذلك في النصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، حكاه ابن الأثير، وقال أبو جعفر: كانت وقعة الجمل في يوم الخميس لعشرٍ خلون من جمادى الآخر سنة ست وثلاثين.\rوسبق علي أصحابه، وهم يتلاحقون به، فلما نزل قال أبو الجرباء للزبير: الرأي أن تبعث الآن ألف فارس إلى علي قبل أن يتوافى إليه أصحابه. فقال: \" إنا لنعرف أمور الحرب، ولكنهم أهل دعوتنا، وهذا أمر حدث لم يكن قبل اليوم، من لم يلق الله فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة! وقد فارقنا وافدهم على أمر، وأنا أرجو أن يتم لنا النصح، فأبشروا، واصبروا. \" .\rوأقبل صبرة بن شيمان وقال لطلحة والزبير: انتهزا بنا هذا الرجل، فإن الرأي في الحرب خير من الشدة! فقالا: \" إنا وهم مسلمون، إن هذا أمر لم يكن قبل اليوم فينزل فيه قرآن أو تكون فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد زعم قوم أنه لا يجوز تحريكه اليوم، وهم علي ومن معه، وقلنا نحن: لا ينبغي لنا أن نتركه اليوم ولا نؤخره، وقد قال علي: ترك هؤلاء القوم شر وهو خير من شر منه، وقد كاد يبين لنا، وقد جاءت الأحكام بين المسلمين بإيثار أعمها منفعةً.\rوقال كعب بن سور: يا قوم اقطعوا هذا العنق من هؤلاء القوم. فأجاباه بنحو ما تقدم.","part":5,"page":337},{"id":2338,"text":"قال: ولما نزل علي ونزل الناس أرسل شقيق بن ثور إلى عمرو بن مرحوم العبدي أن اخرج فإذا خرجت فمل بنا إلى عسكر علي، فخرجا في عبد القيس وبكر بن وائل، فعدلوا إلى عسكر علي، فقال الناس من كان هؤلاء معه غلب. وأقاموا ثلاثة أيام لم يكن بينهم قتال، إنما يرسل علي إليهم يكلمهم ويدعوهم.\rقال: وقام علي فخطب الناس، فقام إليه الأعور بن بنان المنقري فسأله عن إقدامهم على أهل البصرة، فقال له علي: على الإصلاح وإطفاء النار لعل الله يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع حربهم. قال: فإن لم يجيبوا. قال: تركناهم ما تركونا. وقال: فإن لم يتركونا. قال: دفعناهم عن أنفسنا. قال: فهل لهم في هذا مثل الذي عليهم؟ قال: نعم.\rوقام إليه أبو سلام الدالاني فقال: أترى لهؤلاء القوم حجةً فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله بذلك؟ قال: نعم. قال: فترى لك حجةً بتأخيرك ذلك؟ قال: نعم، إن الشيء إذا كان لا يدرك فالحكم فيه أحوط وأعمه نفعا. قال: فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدا؟ قال: إني لأرجو ألا يقتل منا ومنهم أحد نقى قلبه لله إلا أدخله الله الجنة.. وقال في خطبته: \" أيها الناس املكوا أنفسكم، وكفوا عن هؤلاء القوم أيديكم وألسنتكم، وإياكم أن تسبقونا، فإن المخصوم غدا من خصم اليوم \" .\rوبعث إليهم حكيم بن سلام ومالك بن حبيب، يقول: إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر.\rوخرج إليه الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمرين، قد منعوا حرقوص بن زهير وهم معتزلون.\rوكان الأحنف قد بايع علياً بالمدينة بعد قتل عثمان، لأنه كان قد عاد من الحج فبايع، فلما قدم طلحة والزبير اعتزل بالجلحاء ومعه زهاء ستة آلاف والجلحاء من البصرة على فرسخين فقال لعلي: إن قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظفرت عليهم غدا قتلت رجالهم وسبيت نساءهم! قال: \" ما مثلي يخاف هذا منه! وهل يحل هذا إلا لمن تولى وكفر؟ وهم قوم مسلمون. \" قال: اختر مني واحدةً من اثنتين: إما أن أقاتل معك، وإما أن أكف عنك عشرة آلاف سيف.\rقال: اكفف عنا عشرة آلاف سيف. فرجع إلى الناس، فدلهم إلى القعود، ونادى: \" يا آل خندف \" ،فأجابه ناس، ثم نادى: \" يا آل تميم \" فأجابه ناس، ثم نادى: \" يا آل سعد \" ،فلم يبق سعدي إلا أجابه، فاعتزل بهم، ونظر ما يصنع الناس، فلما كان القتال وظفر علي دخلوا فيما دخل فيه الناس وافرين.\rقال: ولما تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس وعليه سلاح، فقيل لعلي: هذا الزبير فقال: أما إنه أحرى الرجلين إن ذكر بالله أن يذكر وخرج طلحة، فخرج إليهما علي، فدنا منهما حتى، اختلفت أعناق دوابهم، فقال لعمري لقد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا، إن كنتما أعددتما عذرا عند الله فاتقيا الله، ولا تكونا \" كالتي نقضت عزلها من بعد قوةٍ أنكاثاً \" ، ألم أكن أخاكما في دينكما تحرمان دمي وأحرم دماءكما؟ فهل من حدثٍ أحل آدمي؟ فقال طلحة: اللبث على دم عثمان. فقال علي رضي الله عنه: \" يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق \" يا طلحة، تطلب بدم عثمان فلعن الله قتلة عثمان! يا طلحة، أتيت بعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم تقاتل بها وخبأت عرسك في البيت! أما بايعتني؟ قال: بايعتك والسيف على عنقي! . ثم قال للزبير: ما أخرجك؟ قال أنت، ولا أراك لهذا الأمر أهلاً ولا أولى به منا. فذكره علي رضي الله عنه بأشياء، ثم قال: أتذكر يوم مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني غنم، فنظر إلي، فضحك وضحكت إليه، فقلت: لا يدعو ابن أبي طالب زهوه! فقال لك رسول الله عليه الصلاة والسلام: \" إنك لتقاتله وأنت ظالم له \" ؟! فقال: اللهم نعم ولقد كنت أنسيتها ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، والله لا أقاتلك أبدا! .\rوقيل إنه قال له كيف أرجع وقد التقت حلقتا البطان؟ هذا والله العار الذي لا يغسله الدهر! قال يا زبير ارجع بالعار خير من أن ترجع بالعار وبالنار.\rفرجع الزبير إلى عائشة فقال لها: يا أماه، ما شهدت موطناً إلا ولي فيه رأيٌ وبصيرة غير موطني هذا! قالت: وما تريد أن تصنع قال: أدعهم وأذهب، ثم قال لابنه عبد الله: عليك بحربك وأما أنا فأرجع إلى بيتي. فقال له: ما يردك؟ قال: ما لو علمته لكسرك.\rفقال له ابنه: بل رأيت عيون بني هاشم تحت المغافر فراعتك، وعلمت أن سيوفهم حدادٌ تحملها فتيةٌ أنجاد.","part":5,"page":338},{"id":2339,"text":"فغضب الزبير ثم قال: أمثلي يفزع بهذا؟ وأحفظه ذلك، وقال إني حلفت إلا أقاتله.\rقال: فكفر عن يمينك وقاتله، فأعتق غلامه مكحولاً، وقيل: أعتق سرجس.\rففي ذلك يقول عبد الرحمن بن سليمان التميمي:\rلم أر كاليوم أخا إخوان ... أعجب من مكفّر الأيمان\rفي أبيات أخر.\rوقيل: إن الزبير نزع سنان رمحه، وحمل على جيش علي، فقال علي لأصحابه: أفرجوا له فإنه قد أغضب، وإنه منصرفٌ عنكم فقالوا: إذن والله لا نبالي بعد رجوعه بجمعهم وما كنا نتقي سواه. وقيل: إنما الزبير عاد عن القتال لما سمع أن عمار بن ياسر مع علي، فخاف أن يقتل عمار، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا عمار تقتلك الفئة الباغية \" فرده ابنه عبد الله.\rوافترق أهل البصرة ثلاثة فرق: فرقة مع طلحة والزبير وفرقة مع علي، وفرقة لا ترى القتال، منهم الأحنف بن قيس وعمران بن حصين.\rوجاءت عائشة فنزلت في مسجد الحدان في الأزد، ورأس الأزد يومئذ صبرة بن شيمان، فقال له كعب بن سور: إن الجموع إذا تراءت لم تستطع، إنما هي بحور تدفق، فأطعني ولا تشهدهم واعتزل بقومك، فإني أخاف أن لا يكون صلح، ودع مضر وربيعة فهما أخوان، فإن اصطلحا فالصلح أردنا، وإن اقتتلا كنا حطاما عليهم غدا.\rوكان كعب في الجاهلية نصرانيا فقال صبرة: أخشى أن يكون فيك شيء من النصرانية! أتأمرني أ، أغيب عن إصلاح بين الناس، وأن أخذل أم المؤمنين وطلحة والزبير إن ردوا عليهم الصلح، وأدع الطلب بدم عثمان، والله لا أفعل هذا أبدا!. فأطبق أهل اليمن على الحضور.\rوحضر مع عائشة المنجاب بن راشد في الرباب وهم تيم وعدي وثور وعكل، بنو عبد منادة بن أد بن طابخة بن إلياس، مضر، وضبة ابن أد بن طابخة، وحضر أيضاً أبو الجرباء في بني عمرو بن تميم، وهلال بن وكيع في بني حنظلة، وصبرة بن شيمان على الأزد، ومجاشع بن مسعود السلمي على سليم، وزفر بن الحارث في بني عامر وأعصر بن النعمان على غطفان، ومالك بن مسمع على بكر، والخريت بن راشد على بني ناجية، وعلى اليمن ذو الأجرة الحميري. قال: ولما خرج طلحة والزبير نزلت مضر جميعها وهم لا يشكون في الصلح، ونزلت ربيعة فوقهم وهم لا يشكون في الصلح، ونزلت اليمن أسفل منهم وهم كذلك، ونزلت عائشة في الحدان، والناس بالزابوقة على رؤسائهم.\rهؤلاء - وهم أصحاب عائشة - ثلاثون ألفاً، وهؤلاء - وهم أصحاب علي - عشرون ألفاً.\rوردوا حكيماً ومالكاً: \" أنا على ما فارقنا عليه القعقاع \" . ونزل علي بحيالهم، ونزلت مضر إلى مضر، وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن، وكان بعضهم يخرج إلى بعض لا يذكرون إلا الصلح ووضع الحرب، فافترقوا على ذلك.\rوبعث علي رضي الله عنه من العشي عبد الله بن عباس إلى طلحة والزبير، وبعثا إليه محمد بن طلحة، وأرسل علي وطلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهم بأمر الصلح، فباتوا بليلةٍ لم يبيتوا بمثلها للعافية التي أشرفوا عليها والصلح، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة، وباتوا يتشاورون، فاجتمعوا على إنشاب الحرب، فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم أحد، فخرجوا متسللين، فقصد مضرهم إلى مضرهم، وربيعتهم إلى ربيعتهم، ويمنهم إلى يمنهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين أتوهم، وذلك في يوم الخميس لعشرٍ خلون من جمادى الآخرة.","part":5,"page":339},{"id":2340,"text":"قال: وبعث طلحة والزبير إلى الميمنة وهم ربيعة أميرا عليها عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وإلى الميسرة عبد الرحمن بن عتاب، وثبتا في القلب، وقالا: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلاً! قالا وقد علمنا أن علياً غير منتهٍ حتى يسفك الدماء وأنه لن يطاوعنا!فرد أهل البصرة أولئك الكوفيين إلى عسكرهم، فسمع علي وأهل الكوفة الصوت - وقد وضع السبيئة رجلاً قريباً منه - فلما قال عليٌ ما هذا قال ذلك الرجل: ما شعرنا إلا وقومٌ منهم قد بيتونا فرددناهم فوجدنا القوم على رجل، فركبوا، وثار الناس، فأرسل علي صاحب الميمنة إلى الميمنة، وصاحب الميسرة إلى الميسرة، وقال: لقد علمت أن طلحة والزبير غير منتهيين حتى يسفكا الدماء وأنهما لن يطاوعانا. والسبيئة لا تفتر، ونادى علي في الناس: كفوا فلا شيء!. وكان من رأيهم جميعاً في تلك الفتنة ألا يقتتلوا حتى يبدءوا يطلبون بذلك الحجة وألا يقتلوا مدبراً، ولا يجهزوا على جريح، ولا يستحلوا سلبا، ولا يرزءوا بالبصرة سلاحا ولا ثيابا ولا متاعا. وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة فقال: \" يا أم المؤمنين، أدركي الناس، فقد أبى القوم إلا القتال، لعل الله يصلح بك \" . فركبت وألبسوا هودجها الأدراع، فلما برزت من البيوت وهي على الجمل وكانت بحيث تسمع الغوغاء وقفت، واقتتل الناس وقاتل الزبير، فحمل عليه عمار بن ياسر، فجعل يحوزه بالرمح والزبير كافٌ عنه، وقال له: أتقتلني يا أبا اليقظان؟ قال: لا يا أبا عبد الله! وإنما كف الزبير عنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم \" تقتل عمار بن ياسر الفئة الباغية \" ، ولولا ذلك لقتله.\rقال: ثم اعتزل الزبير الحرب وانصرف، وصليها طلحة، فأصابه سهم غرب شك رجله بصفحة الفرس، ثم دخل البصرة ومات بها.\rوسنذكر إن شاء الله أخباره وأخبار الزبير بعد نهاية وقعة الجمل.\rوانهزم القوم يريدون البصرة، فلما رأوا الخيل أطافت بالجمل عادوا قلبا كما كانوا حيث التقوا وعادوا في أمر جديد.\rفقالت عائشة لكعب بن سور وهو آخذ بخطام الجمل: خل عن الجمل وتقدم بالمصحف فادعهم إليه. وناولته مصحفاً من هودجها فاستقبل القوم بالمصحف، والسبئية أمامهم يخافون أن يجري الصلح، فرشقوه رشقاً واحداً، فقتلوه ورموا أم المؤمنين في هودجها، فجعلت تنادي: \" البقية البقية يا بني! \" ويعلو صوتها \" الله الله! اذكروا الله والحساب! \" فيأبون إلا إقداما، فكان أول شيء أحدثته حين أبوا أن قالت: \" أيها الناس العنوا قتلة عثمان وأشياعهم \" وأقبلت تدعو، فضج الناس بالدعاء، فسمع علي فقال: ما هذه الضجة؟ قالوا: عائشة تدعو على قتلة عثمان وأشياعهم. فقال: اللهم العن قتلة عثمان! وأرسلت إلى عبد الرحمن بن عتاب وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن اثبتا مكانكما. وحرضت الناس حين رأت القوم يريدونها ولا يكفون، فحملت مضر البصرة حتى قصفت مضر الكوفة، حتى زحم علي، فنخس قفا محمدٍ ابنه، وكانت الراية معه، وقال له: احمل. فتقدم حتى لم يجد متقدماً إلا على سنان رمح، فأخذ علي الراية من يده، وقال: يا بني بين يدي. وحملت مضر الكوفة فاجتلدوا قدام الجمل حتى ضرسوا، والمجنبات على حالها لا تصنع شيئاً، واشتدت الحرب، فأصيب زيد بن صوحان، وأخوه سيحان، وارتث أخوهما صعصعة، فلما رأى علي ذلك بعث إلى ربيعة وإلى اليمن: أن اجمعوا من يليكم.\rفقام رجل من عبد القيس من أصحاب عليٍ فقال: ندعوكم إلى كتاب الله: فقالوا: كيف يدعونا إليه من لا يستقيم ولا يقيم حدود الله؟ وقد قتل كعب بن سور داعي الله ورمته ربيعة رشقاً واحداً فقتلوه! ودعت يمن الكوفة يمن البصرة فرشقوهم، وأبى أهل الكوفة إلا القتال، ولم يريدوا إلا عائشة، فذكرت أصحابها، فاقتتلوا، حتى تنادوا فتحاجزوا، ثم رجعوا فاقتتلوا، وتزاحف الناس، فظهرت يمن البصرة على يمن الكوفة فهزمتهم وربيعة البصرة على ربيعة الكوفة فهزمتهم، ثم عاد يمن الكوفة فقتل على رايتهم عشرة: خمسة من همدان وخمسة من سائر اليمن، فلما رأى ذلك يزيد بن قيس أخذها فثبتت في يده. ورجعت ربيعة الكوفة فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل على رايتهم وهم في الميسرة زيد وعبد الله بن رقبة وأبو عبيدة ابن راشد بن سلمى وهو يقول: \" اللهم أنت هديتنا من الضلالة، واستنقذتنا من الجهالة، وابتليتنا بالفتنة، فكنا في شبهة وعلى ريبة \" حتى قتل.","part":5,"page":340},{"id":2341,"text":"واشتد الأمر حتى لزقت ميمنة أهل الكوفة بقلبهم، وميسرة أهل البصرة بقلبهم، ومنعوا ميمنة أهل الكوفة أن يختلطوا بقلبهم وإن كانوا إلى جنبهم، وفعل مثل ذلك ميسرة أهل الكوفة بميمنة أهل البصرة.\rفلما رأى الشجعان من مضر الكوفة والبصرة الصبر تنادوا: طرفوا إذا فرغ الصبر.\rفجعلوا يقصدون الأطراف الأيدي والأرجل فما رؤى وقعة كانت أعظم منها قبلها ولا بعدها ولا أكثر ذراعا مقطوعة ورجلا مقطوعة! وأصيبت يد عبد الرحمن بن عتاب قبل قتله.\rفنظرت عائشة عن يسارها، فقال: من القوم عن يساري؟ فقال صبرة بن شيمان: بنوك الأزد. قالت: يا آل غسان حافظوا اليوم فجلادكم الذي كنا نسمع به! وتمثلت:\rوجالد من غسّان أهل حفاظها ... وهنبٌ وأوسٌ جالدت وشبيب\rفكانت الأزد يأخذون بعر الجمل فيشمونه ويقولون: بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك!.\rوقال لمن عن يمينها: من القوم عن يميني؟ قالوا بكر بن وائل.\rقالت: لكم يقول القائل:\rوجاءوا إلينا في الحديد كأنّهم ... من العزّة القعساء بكر بن وائل\rإنما بإزائكم عبد القيس. فاقتتلوا أشد من قتالهم قبل ذلك.\rوأقبلت على كتيبة بين يديها فقالت: ويهاً! جمرة الجمرات فلما رقوا خالطهم بنو عدي بن عبد مناه، وكثروا حولها، فقالت: من أنتم؟ قالوا: بنو عدي خالصنا إخواننا، فأقاموا رأس الجمل، وضربوا ضرباً ليس بالتعذير، ولا يعدلون بالتطريف، حتى إذا كثر ذلك وظهر في العسكريين جميعاّ راموا الجمل، وقالوا: لا يزول القوم أو يصرع الجمل.\rوصارت مجنبتا علي إلى القلب، وفعل ذلك أهل البصرة، وكره القوم بعضهم بعضاً.\rوأخذ عميرة ابن يثربي رأس الجمل، وكان قاضي البصرة، فقال علي: من يحمل على الجمل؟ فانتدب له هند بن عمرو الجملي المرادي، فاعترضه ابن يثرب، فاختلفا ضربتين، فقتله ابن يثربي، وقتل سيحان ابن صوحان، وارتث صعصعه، فنادى عمار بن ياسر ابن يثربي: لقد عذت بحريز وما إليك من سبيل فإن كنت صادقاً فاخرج من هذه الكتيبة إلي.\rفترك الزمام في يد رجل من بني عدي وخرج، حتى إذا كان بين الصفين تقدم عمار، وهو ابن تسعين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وعليه فروٌ قد سد وسطه بحبلٍ من ليف، وهو أضعف من بارزه، فاسترجع الناس وقالوا: هذا لاحقٌ بأصحابه! فضربه ابن يثربي، فاتقاه عمار بدرقته، فنشب سيفه فيها، فعالجه فلم يخرج، وأسف عمار لرجليه فضربه فقطعهما، فوقع على استه وأخذ أسيراً، فأتي به إلى علي، فقال: استبقني! فقال: أبعد ثلاثة تقتلهم؟ وأمر به فقتل، وقيل إن المقتول عمرو بن يثربي وإن عميرة بقي حتى ولي قضاء البصرة من قبل معاوية.\rقال: ولما قتل ابن يثربي ترك العدوي الزمام بيد رجل من بني عدي، وبرز، فخرج إليه ربيعة العقيلي، فاقتتلا، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، فماتا جميعا.\rوقام مقام العدوي الحارث الضبي، فما رؤي أشد منه، وجعل يقول:\rنحن بني ضبة أصحاب الجمل\rنبارز القرن إذا القرن نزل\rننعى ابن عفّان بأطراف الأسل\rالموت أحلى عندنا من العسل\rردّوا علينا شيخنا ثمّ بجل\rوارتجز غير ذلك.\rفلم يزل الأمر كذلك حتى قتل على خطام الجمل أربعون رجلاً، قالت عائشة: ما زال جملي معتدلاً حتى فقدت أصوات بني ضبة. قال: وأخذ الخطام سبعون رجلاً من قريش، كلهم يقتل وهو آخذٌ بخطام الجمل.\rوكان محمد بن طلحة ممن أخذ بخطامه، وقال: يا أماه مريني بأمرك. قالت: آمرك أن تكون كخير ابني آدم إن تركت.\rفجعل لا يحمل عليه أحدٌ إلا حمل وقال: \" حم لا ينصرون \" واجتمع عليه نفرٌ كما ادعى قتله، فأنفذه بعضهم بالرمح، ففي ذلك يقول:\rوأشعث قوّامٍ بآيات ربّه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم\rهتكت له بالرمح جيب قميصه ... فخرّ صريعاً لليدين وللفم\rيذكّرني حاميم والرمح شاجرٌ ... فهلاّ تلا حاميم قبل التقدّم\rعلى غير شيءٍ غير أن ليس تابعاً ... علياً، ومن لا يتبع الحقّ يندم\rقال: وأخذ الخطام عمرو بن الأشرف، فجعل لا يدنو منه أحدٌ إلا خبطه بالسيف، فأقبل إليه الحارث بن زهير وهو يقول:\rيا أمّنا يا خير أمّ نعلم\rأما ترين كم شجاعٍ يكلم\rوتختلى هامته والمعصم","part":5,"page":341},{"id":2342,"text":"فاختلفا ضربتين، فقتل كل واحد منهما صاحبه. وأحدق أهل النجدات والشجاعة بعائشة، فكان لا يأخذ الخطام أحدٌ إلا قتل، وكان لا يأخذه والراية إلا معروفٌ، فينتسب: \" أنا فلان بن فلان \" ، فإن كانوا ليقاتلون عليه وإنه للموت لا يوصل إليه إلا بطلبة! وما رامه أحدٌ من أصحاب علي إلا قتل أو أفلت ثم لم يعد، وحمل عدي بن حاتم عليهم ففقئت عينه. وجاء عبد الله بن الزبير ولم يتكلم، فقالت عائشة: من أنت؟ قال ابنك وابن أختك. قالت: واثكل أسماء! فانتهى إليه الأشتر فضربه الأشتر على رأسه، فجرحه جرحاً شديداً، وضربه عبد الله ضربةً خفيفة، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، وسقطا على الأرض يعتركان، فقال عبد الله بن الزبير: \" اقتلوني ومالكاً \" فلو يعلمون من \" مالكٌ \" لقتلوه، إنما كان يعرف بالأشتر، فحمل أصحاب علي وعائشة فخلصوهما.\rقال: وأخذ الخطام الأسود بن أبي البختري القرشي فقتل، وأخذه عمرو بن الأشرف الأزدي فقتل، وقتل معه ثلاثة عشر رجلاً من أهل بيته، وجرح عبد الله بن الزبير سبعاً وثلاثين جراحة من كعنة ورمية وضربة، وجرح مروان بن الحكم.\rفنادى علي: اعقروا الجمل فإنه إن عقر تفرقوا. فضربه رجل، فسقط، فما سمع صوتٌ أشد من عجيجه.\rوقيل في عقر الجمل: إن القعقاع لقي الأشتر وقد عاد من القتال عند الجمل، فقال: هل لك في العود؟ فلم يجبه، فقال: يا أشتر بعضنا أعلن بقتال بعضٍ منك. وحمل القعقاع، والزمام مع زفر بن الحارث الكلابي، وكان آخر من أخذ الخطام، فلم يبق شيخ من بني عامر إلا أصيب قدام الجمل، وزحف القعقاع إلى زفر ن الحارث، وقال لبجير بن دلجه - وهو من أصحاب علي - :يا بجير صح بقولك فليعقروا الجمل قبل أن يصابوا أو تصاب أم المؤمنين.\rفقال بجير: \" يا آل ضبة، يا عمرو بن دلجة، ادع بي إليك \" فدعاه، فقال: أنا آمن حتى أرجع عنكم؟. قالوا: نعم. فاجتث ساق البعير، فرمى بنفسه على شقه وجرجر البعير، قال القعقاع لمن يليه: أنتم آمنون واجتمع هو وزفر على قطع بطان الجمل وجملا الهودج فوضعاه، وإنه كالقنفذ لما فيه من السهام، ثم أطافا به، وفر من وراء ذلك من الناس.\rفلما انهزموا أمر علي منادياً فقال: ألا لا تتبعوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح ولا تدخلوا الدور.\rوأمر علي نفراً أن يحملون الهودج من بين القتلى، وأمر أخاها محمد بن أبي بكر أن يضرب عليها قبة، وقال انظر: هل وصل إليها شيءٌ من جراحة؟ فأدخل رأسه هودجها، فقالت: من أنت؟ فقال: أبغض أهلك إليك.\rقالت ابن الخثعمية؟ قال: نعم.\rوقيل: لما سقط الجمل أقبل محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر إليه، فاحتملا الهودج، فنحياه، فأدخل محمد يده فيه، فقالت: من هذا؟ قال: أخوك البر قالت: عقق! قال: يا أخية هل أصابك شيء؟ قالت: ما أنت وذاك؟ قال: فمن إذاً الضلال؟ قالت: بل الهداة! وقال لها عمار: كيف رأيت بنيك اليوم يا أماه؟ قالت: لست لك بأم! قال: بلى وإن كرهت.\rقالت: فخرتم أن ظفرتم وأتيتم مثل الذي نقمتم هيهات والله لن يظفر من كان هذا دأبه! فأبرزوا هودجها، فوضعوها ليس قربها أحد.\rوأتاها علي فقال: كيف أنت يا أمه؟ قالت: بخير. قال: يغفر الله لك. قالت: ولك.\rوجاء أعين بن ضبيعة المجاشعي حتى اطلع في الهودج، فقالت إليك لعنك الله! فقال: والله ما أرى إلا حميراء. فقالت هتك الله سترك وقطع يدك وأبدى عورتك! فقتل بالبصرة وسلب وقطعت يده ورمي عريانا في خربةٍ من خربات الأزد!.\rثم أتى وجوه الناس إلى عائشة، وفيها القعقاع بن عمرو، فسلم عليها، فقالت: والله لوددت أنى مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة!وكان علي يقول بعد الفراغ من القتال:\rإليك أشكو عجري وبجري\rومعشراً أعشوا عليّ بصري\rقتلت منهم مضري بمضري\rشفيت نفسي وقتلت معشري!\rقال: ولما كان الليل أدخل محمد بن أبي بكر عائشة البصرة، فأنزلها في دار عبد الله بن خلف الخزاعي - وهي أعظم دارٍ في البصرة - على صفية بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى، وهي أم طلحة الطلحات بن عبد الله بن خلف.\rوتسلل الجرحى من بين القتلى فدخلوا البصرة.","part":5,"page":342},{"id":2343,"text":"وأقام علي بظاهر البصرة ثلاثاً، وأذن للناس في دفن موتاهم، فخرجوا إليهم فدفنوهم، وطاف علي في القتلى، فلما أتى كعب بن سور قال: \" أزعمتم أنما خرج معهم السفهاء وهذا الحبر قد ترون! \" وجعل كلما مر برجل فيه خير قال: \" زعم من زعم أنه لم يخرج إلينا إلا الغوغاء وهذا العابد المجتهد فيهم! \" وصلى علي على القتلى من بين الفريقين، وأمر فدفنت الأطراف في قبر عظيم، وجمع ما كان في العسكر من شيء وبعث به إلى مسجد البصرة، وقال: من عرف شيئاً فليأخذه إلا سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان.\rقال: وكان جميع القتلى عشرة آلاف، نصفهم من أصحاب علي، ونصفهم من أصحاب عائشة، حكاه أبو جعفر الطبري، وقال غيره: ثمانية آلاف.\rوقيل: سبعة عشر ألفاً. قال أبو جعفر: وقتل من ضبة ألف رجل، وقتل من عدي حول الجمل سبعون كلهم قد قرأ القرآن سوى الشباب ومن لم يقرأ.\rقال: ولما فرغ علي من الواقعة أتاه الأحنف بن قيس في بني سعد، وكانوا قد اعتزلوا القتال، كما ذكرنا، فقال له عليك لقد تربصت. فقال: ما كنت أراني إلا قد أحسنت، وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين، فارفق، فإن طريقك الذي سلكت بعيد، وأنت إلي غداً أحوج منك أمس، فاعرف إحساني، واستصف مودتي لغدٍ، ولا تقل مثل هذا فإني لم أزل لك ناصحاً.\rثم دخل علي البصرة يوم الاثنين، فبايعه أهلها، حتى الجرحى والمستأمنة، واستعمل علي عبد الله بن عباس على البصرة، وولى زياداً الخراج وبيت المال، وأمر ابن عباس أن يسمع منه ويطيع وكان زياد معتزلا.\rثم راح علي رضي اله عنه إلى عائشة في دار عبد الله بن خلف الخزاعي، فوجد النساء يبكين على عبد الله وعثمان ابني خلف، وكان عبد الله قتل مع عائشة، وعثمان قتل مع علي، وكانت صفية زوجة عبد الله مختمرة تبكي، فلما رأته قالت له: يا علي، يا قاتل الأحبة، يا مفرق الجمع، أيتم الله منك بنيك كما أيتمت ولد عبد الله منه. فلم يرد عليها شيئاً، ودخل على عائشة فسلم عليها وقعد عندها، ثم قال: جبهتنا صفية. أما إني لم أرها منذ كانت جارية! فلما خرج أعادت عليه القول، فكف بغلته، وقال: لقد هممت أن أفتح هذا الباب وأشار إلى باب في الدار وأقتل من فيه وكان فيه ناس من الجرحى فأخبر بمكانهم، فتغافل عنه.\rقال: ولما خرج من عند عائشة قال له رجل من الأزد: والله لا تغلبنا هذه المرأة! فغضب وقال: \" مه لا تهتكن ستراً، ولا تدخلن دارا، ولا تهيجن امرأةً بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسفهن أمراءكم وصلحاءكم، فإن النساء ضعيفات، ولقد كنا نؤمر بالكف عنهن وهن مشركات، فكيف إذا كن مسلمات؟ \" ومضى، فلحقه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، قام رجلان على الباب فتناولا من هو أمض شتيمة لك من صفية. فقال: ويحك لعلها عائشة! قال: نعم، قال أحدهما: \" جزيت عنا أمنا عقوقا \" .\rوقال الآخر: \" يا أمتا توبي فقد خطيت \" .\rفبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب، فأقبل على من كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة، وهما عجلان وسعد ابنا عبد الله فضربهما مائة سوط، وأخرجهما من ثيابهما.\rقال: وسألت عائشة رضي الله عنها عمن قتل من الناس معها وعليها، فكلما نعي واحدٌ من الجميع قالت: رحمه الله! فقيل لها كيف ذلك؟ قالت: كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلان في الجنة وفلان في الجنة.\rثم جهز علي رضي الله عنه عائشة بكل ما ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك، وبعث معها كل من نجا ممن خرج معها إلا من أحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء البصرة المعروفات، وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر رضي الله عنهم. فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه أتاها علي فوقف لها، وحضر الناس، فخرجت وودعوها وودعتهم وقالت: يا بني، لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار. فقال علي رضي الله عنه: صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة. وكان خروجها من البصرة يوم السبت غرة شهر رجب سنة ست وثلاثين، وشيعها علي أميالا، وسرح بنيه معها يوما. وتوجهت إلى مكة، فأقامت إلى الحج، فحجت، ثم رجعت إلى المدينة.","part":5,"page":343},{"id":2344,"text":"قال: ولما فرغ علي من بيعة أهل البصرة نظر في بيت المال، فرأى فيه ستمائة ألف وزيادة، فقسمها على من شهد معه، فأصاب كل رجل منهم خمسمائة درهم، فقال لهمك إن أظفركم الله بالشام فلكم مثلها إلى أعطياتكم، فخاض في ذلك السبئية، وطعنوا على علي من وراء وراء، وطعنوا فيه أيضاً حين نهاهم عن أخذ أموالهم، فقالوا: يحل لنا دماءهم ويحرم علينا أموالهم! قال: وأراد علي رضي الله عنه المقام بالبصرة لإصلاح حالها، فأعجلته السبئية عن المقام، فإنهم ارتحلوا بغير إذنه، فارتحل في آثارهم، ليقطع عليهم أمراً إن أرادوه.\rفلنرجع إلى مقتل طلحة والزبير.\rمقتل طلحة\rرضي الله عنه وشيء من أخباره\rهو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن مسعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي. وهو أقرب العشرة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، يجتمع نسبه مع نسب أبي بكر في عمرو بن كعب بن سعد. ويجتمع نسبه ونسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مرة ابن كعب. وأم طلحة: الحضرمية، وهي الصعية بنت عبد الله بن عباد ابن مالك بن ربيعة بن أكبر بن مالك بن عويف بن مالك بن الخزرج ابن إياد بن الصدف من حضرموت من كندة، يعرف أبوها عبد الله ب \" الحضرمي \" .\rويعرف طلحة ب \" طلحة الخير \" و \" طلحة الفياض \" . قيل سمي بالفياض لأنه اشترى مالاً بموضع يقال له \" بيسان \" ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما أنت إلا فياض \" ، فسمي بذلك من يومئذ.\rوهو رضي الله عنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ.\rوآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين كعب بن مالك حين آخى بين المهاجرين والأنصار، وقسم له سهمه وأجره يوم بدر. وقد تقدم خبره في ذلك.\rثم شهد أحداً وما بعدها، وأبلى يوم أحدٍ بلاءً حسنا،ووقى رسول الله عليه الصلاة والسلام بنفسه، اتقى عنه النبل بيده حتى شلت إصبعه وضرب في رأسه، وحمل رسول الله عليه الصلاة والسلام على ظهره حتى صعد الصخرة، فقال عليه السلام لأبي بكر رضي الله عنه: \" اليوم أوجب طلحة يا أبا بكر \" .\rويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إليه فقال: \" من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة \" .\rوحكى أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله فقال: زعم بعض أهل العلم أن عليا رضي الله عنه دعاه يوم الجمل، فذكره أشياء من سوابقه وفضله، فرجع طلحة عن قتاله، على نحو ما صنع الزبير واعتزل في بعض الصفوف، فرمى بسهم، فقطع من رجله عرق النسا، فلم يزل دمه ينزف حتى مات. ويقال: إن السهم أصاب ثغرة نحره، وغن الذي رماه مروان بن الحكم وقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم. وذلك أن طلحة - فيما زعموا - كان ممن حاصر عثمان واشتد عليه.\rقال ابن عبد البر: ولا يختلف العلماء في أن مروان بن الحكم قتل طلحة يومئذ، واستدل على ذلك بأخبار رواها من قول مروان تدل على أنه قاتله.\rقال: وقد روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: والله لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله تبارك وتعالى فيهم: ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سررٍ متقابلين.\rوروى أبو عمر بسنده إلى قيس بن أبي حازم قال: رمى مروان طلحة يوم الجمل بسهم في ركبته، فجعل الدم يسيل، فإذا أمسكوه استمسك وإذا تركوه سال، فقال: دعوه فإنما هو سهم أرسله الله. قال فمات، فدفناه على شاطئ الكلاء، فرأى بعض أهله أنه أتاه في المنام فقال: \" ألا تريحونني من هذا الماء فإني قد غرقت \" ثلاث مرار يقولها، قال: فنبشوه فإذا هو أخضر كأنه السلق فنزحوا عنه الماء، فاستخرجوه، فإذا ما يلي الأرض من لحيته ووجهه قد أكلته الأرض، فاشتروا له داراً من دور آل أبي بكر بعشرة آلاف، فدفنوه فيها.\rوروى أيضاً بسنده إلى علي بن زيد عن أبيه أن رجلاً رأى فيما يرى النائم أن طلحة بن عبيد الله قال: \" حولوني عن قبري فقد آذاني الماء؟ \" ثم رآه، حتى رآه ثلاث ليال، فأتى ابن عباس فأخبره، فنظروا فإذا شقة الذي يلي الأرض في الماء فحولوه، قال: فكأني أنظر إلى الكافور في عينيه لم يتغير إلا عقيصته فإنها مالت عن موضعها.","part":5,"page":344},{"id":2345,"text":"وقتل رضي الله عنه وهو ابن ستين سنة، وقيل: ابن اثنتين وستين، وذلك يوم الجمل، لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين. وكان رضي الله عنه رجلاً آدم، حسن الوجه، كثير الشعر، ليس بالجعد القطط ولا بالسبط وكان لا يغير شعره.\rوسمع علي رجلاً ينشد:\rفتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى، ويبعده الفقر\rفقال: ذاك أبو محمد طلحة بن عبيد الله.\rوحكى الزبير أنه سمع سفيان بن عيينة يقول: كانت غلة طلحة بن عبيد الله ألفاً وافياً كل يوم ؟؟؟ قال: والوافي وزنه وزن الدينار، وعلى ذلك وزن دراهم فارس التي تعرف بالبغلة.\rمقتل الزبير بن العوام\rرضي الله عنه وشيء من أخباره\rهو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، القرشي الأسدي.\rوأمه صفية بنت عبد المطلب، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وهو قديم الإسلام، واختلف في سنه يوم أسلم، فقيل خمس عشرة سنة، وقيل ست عشرة، وقيل اثنتي عشرة وقيل: ثماني سنين. والأول أصح.\rوآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن مسعود حين آخى بين المهاجرين، ولما آخى بين المهاجرين والأنصار آخى بينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش وكان رضي الله عنه من الولد - فيما حكاه بعضهم - عشرة، وهم: عبد الله وعروة ومصعب والمنذر وعمرو وعبيدة وجعفر وعامر وعمير وحمزة. وكان الزبير رضي الله عنه أول من سل سيفاً في سبيل الله، وذلك أنه نفخت فيه نفخة من الشيطان: \" أخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام \" ، فأقبل يشق الناس بسيفه، والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، فقال له رسول الله: مالك يا زبير؟ قال: أخبرت أنك أخذت؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟! فصلى عليه ودعا له.\rوروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" الزبير ابن عمي وحواريي من أمتي \" . وقال: \" لكل نبي حواري، وحواريي الزبير \" . وسمع ابن عمر رضي الله عنه رجلاً يقول: \" أنا ابن الحواري \" ، فقال إن كنت ابن الزبير وإلا فلا.\rوذكر في معنى \" الحواري \" : الخالص، وقيل الخليل، ولذلك قال جرير:\rأفبعد مقتلهم خليل محمد ... ترجو القيون مع الرسول سبيلا\rوقيل: الحواري: الناصر. وقيل: الصاحب المستخلص.\rوجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه للزبير مرتين: يوم أحد ويوم بني قريظة، فقال: \" ارم فداك أبي وأمي! \" .\rقال أبو عمر ابن عبد البر: وكان الزبير تاجراً! مجدوداً في التجارة، قيل له يوماً: بم أدركت في التجارة ما أدركت؟ فقال: لأني لم أشتر غبنا ولم أردد ربحاً والله يبارك لمن يشاء.\rوروي عن كعب قال: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج فما يدخل بيته منه درهماً واحداً. يعني أنه كان يتصدق بذلك.\rوكان سبب قتله رضي الله عنه أ،ه لما انصرف من وقعة الجمل وفارق الحرب مر بالأحنف فقال: هذا الذي جمع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم بعضاً ثم لحق ببيته! ثم قال للناس: من يأتيني بخبره؟ فقال عمرو بن جرموز: أنا.\rوقيل: إن الزبير لما انصرف نزل بعمرو بن جرموز، فقال له: \" يا أبا عبد الله، جنيت حرباً ظالما أو مظلوما ثم تنصرف! أتائب أم عاجز؟ \" فسكت عنه الزبير، ثم عاوده، فقال: ظن في كل شيء غير الجبن. فانصرف عنه ابن جرموز وهو يقول: \" والهفى على ابن صفية! أضرمها ناراً ثم أراد أن يلحق بأهله! قتلني الله إن لم أقتله! \" ثم رجع إليه كالمتنصح، فقال: \" يا أبا عبد الله دون أهلك فيافٍ، فخذ نجيبي هذا وخل فرسك ودرعك، فإنهما شاهدان عليك بما نكره \" . وأراد بذلك أن يلقاه حاسراً، ولم يزل به حتى تركهما عنده وأخذ نجيبه، وسار معه ابن جرموزٍ كالمشيع له، حتى انتهيا إلى وادي السباع، فاستغفله ابن جرموز وطعنه.\rوقيل: إنه اتبعه إلى الوادي فقتله وهو في الصلاة. وقيل: بل قتله وهو نائم. وفي ذلك تقول عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل العدوية زوجته ترثيه:\rغدر ابن جرموزٍ بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرّد\rيا عمرو لو نبّهته لوجدته ... لا طائشاً رعش الجنان ولا اليد\rكم غمرةٍ قد خاضها لم يثنه ... عنه طرادك يا ابن فقع القردد\rثكلتك أمّك إن ظفرت بمثله ... فيما مضى ممّن يروح ويغتدي","part":5,"page":345},{"id":2346,"text":"والله ربّك إن قتلت لمسلما ... حلّت عليك عقوبة المتعمّد\rقال: فلما رجع برأسه وسلبه قال له رجل من قومه: \" فضحت والله اليمن أولها وآخرها بقتلك الزبير رأس المهاجرين وفارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه وابن عمته! والله لو قتلته في حرب لعز ذلك علينا ولمسنا عارك! فكيف في جوارك وحرمك؟ ! \" قال: وأتى ابن جرموزٍ علياً، فقال لحاجبه: استأذن لقاتل الزبير. فقال علي رضي الله عنه ائذن له وبشره بالنار، قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بشر قاتل ابن صفية بالنار! فقال ابن جرموز:\rأتيت عليّاً برأس الزبي ... ر أرجو لديه به الزّلفه\rفبشّر بالنار إذ جئته ... فبئس بشارة ذي التّحفه\rوسيان عندي قتل الزّبير ... وضرطة عيرٍ بذي الجحفه\rوحكى أبو عمر ابن عبد البر في كتابه المترجم ب \" الاستيعاب \" من رواية عمرو بن جاوان عن الأحنف بن قيس قال: لما بلغ الزبير سفوان موضعاً بالبصرة كمكان القادسية من الكوفة لقيه النعر رجل من بني مجاشع فقال: \" أين تذهب يا حواري رسول الله؟ إلي، فأنت في ذمتي لا يوصل إليك \" ، فأقبل معه، وأتى إنسان الأحنف فقال: هذا الزبير قد لقي بسفوان، فقال الأحنف: \" ما شاء الله كان، قد جمع بين المسلمين حتى ضرب بعضهم حواجب بعضٍ بالسيوف، ثم يلحق ببيته وأهله!! \" فسمعه عميرة بن جرموزٍ وفضالة بن حابس ونفيعٌ في غواة من غواة بني تميم، فركبوا في طلبه، فلقوه مع النعر، فأتاه عميرة بن جرموزٍ من خلفه وهو على فرسٍ له ضعيفة فطعنه طعنةً خفيفة، وحمل عليه الزبير على فرس له يقال له \" ذو الخمار \" ، حتى إذا ظن أنه قاتله نادى صاحبيه: \" يا نفيع يا فضالة \" فحملوا عليه حتى قتلوه... قال: وهذا أصح مما تقدم.\rوكان مقتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين.\rوكانت سنه يوم قتل سبعاً وستين سنة، وقيل ستاً وستين.\rوكان الزبير رضي الله أسمر ربعةً معتدل اللحم خفيف اللحية.\rوقال حسان بن ثابت يمدح الزبير ويفضله:\rأقام على عهد النبيّ وهديه ... حواريّه والقول بالفعل يعدل\rأقام على منهاجه وطريقه ... يوالي وليّ الحقّ والحقّ أعدل\rهو الفارس المشهور والبطل الذي ... يصول إذا ما كان يومٌ محجّل\rوإنّ امرأً كانت صفية أمه ... ومن أسدٌ في بيته لمرفّل\rله من رسول الله قربى قريبةٌ ... ومن نصرة الإسلام مجدٌ مؤثل\rفكم كرّةٍ ذبّ الزّبير بسيفه ... عن المصطفى والله يعطي ويجذل\rإذا كشفت عن ساقها الحرب حشّها ... بأبيض سبّاقٍ إلى الموت يرقل\rفما مثله فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدّهر ما دام يذبل\rوروي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني، فقمت إلى جنبه، فقال: \" يا بني، إنه لا يقتل اليوم إلا ظالمٌ أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوماً، وإن من أكبر همي لديني، أفترى ديننا يبقي من مالنا شيئاً؟ وقال: يا بني بع مالنا واقض ديني. وأوصى بالثلث وثلثه لبنيه يعني بني عبد الله بن الزبير يقول: الثلث إليك فإن فضل من مالنا فضلٌ بعد قضاء الدين فثلثه لولدك. قال هشامٌ وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير: خبيبٌ وعباد، وله يومئذٍ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني إن عجزت عن شيءٍ منه فاستعن عليه مولاي. قال: فوالله ما دريت ما أراد، حتى قلت: يا أبت من مولاك؟ قال: الله تعالى. فوالله ما وقعت في كربةٍ من دينه إلا قلت: \" يا مولى الزبير اقض عنه دينه \" فيقضيه.\rفقتل الزبير رضي الله عنه ولم يدع ديناراً ولا درهماً إلا أرضين منها الغابة وإحدى عشرة داراً بالمدينة ودارين بالبصرة وداراً بالكوفة وداراً بمصر.\rقال: وإنما كان دينه الذي عليه أ، الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير رضي الله عنه لا، ولكنه سلفٌ، فإني أخشى عليه الضيعة.\rوما ولي إمارةً قط ولا جباية خراج ولا شيئاً إلا أن يكون في غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم أو مع أبي بكر أو عمر أو عثمان رضي الله عنهم.","part":5,"page":346},{"id":2347,"text":"قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألفٍ ومائتي ألفٍ.\rقال: فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن أخي كم على أخي من الدين؟ فكتمه وقال: مائة ألف. فقال حكيمٌ: والله ما أرى أموالكم تسه لهذه. فقال له عبد الله: أفرأيتك إن كانت ألفي ألفٍ ومائتي ألفٍ؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي.\rقال: وكان الزبير رضي الله عنه اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألفٍ وستمائة ألف، ثم قام فقال: من كان له على الزبير حقٌ فليوافنا بالغابة. فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزبير أربعمائة ألف، فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم. فقال عبد الله: لاز قال: فاقطعوا لي قطعةً. فقال عبد الله لك من ههنا إلى ههنا. فباع منها فقضى دينه فأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة، فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم بمائة ألف. قال: كم بقي قال: أربة أسهم ونصف. فقال المنذر بن الزبير: قد أخذت سهماً بمائة ألفٍ. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهماً بمائة ألف. فقال معاوية: كم بقي فقال: سهمٌ ونصفٌ. قال: أخذته بخمسين ومائة ألف. قال وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف قال: فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: \" ألا من كان له على الزبير دينٌ فليأتنا فلنقضه \" .\rقال: فجعلى كل سنة ينادي بالموسم، فلما مضى أربع سنين قسم بينهم.\rقال: وكان للزبير أربع نسوةٍ، ورفع الثلث، فأصاب كل امرأةٍ ألف ألفٍ ومائتا ألفٍ، فجميع ماله خمسون ألف ومائتا ألفٍ.\rهكذا أورده البخاري رحمه الله في صحيحه، وعقد جملة المال في آخره على ما ذكرنا.\rوالذي دل عليه الحساب أن جملة المال تسعةٌ وخمسون ألف ألفٍ وثمانمائة ألف، وذلك أن نصيب الزوجات الأربع وهو الثمن بعد وفاء الدين ورفع الثلث الذي أوصى به لبني عبد الله اشتمل على أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف، يضرب في ثمانية فتكون ثمانية وثلاثين ألف ألفٍ وأربعمائة ألفٍ، ويكون ثلث الوصية وهو نصف هذه الجملة تسعة عشر ألف ألفٍ ومائتي ألف، والدين ألفي ألف ومائتي ألف، فتخرج الجملة على ما ذكرناه.\rوقعة صفين\rوابتداء أمرها\rكانت وقعة صفين في أواخر سنة ست وثلاثين وأوائل سنة سبع وثلاثين.\rوذلك أنه لما فرغ على رضي الله عنه من حرب الجمل أقام بالبصرة، ثم انتقل إلى الكوفة، وأرسل إلى جرير بن عبد الله البجلي - وكان عثمان قد استعمله على همذان - وإلى الأشعث بن قيس - وكان على أذربيجان - فأمرهما بأخذ البيعة والحضور إليه، ففعلا ذلك.\rوأراد علي أن يرسل إلى معاوية رسولا، فقال جرير: أرسلني إليه فقال الأشتر لعليك لا تفعل فإن هواه مع معاوية فقال علي دعه حتى ننظر ما يرجع به.\rفبعثه، وكتب معه إلى معاوية يعلهم باجتماع المهاجرين والأنصار عليه، وما كان من نكث طلحة والزبير وحرب الجمل، ودعاه إلى البيعة والدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار.\rفلما قدم جريرٌ على معاوية ماطله بالجواب، واستشار عمرو بن العاص، وكان قد قدم عليه وانضم إليه، على ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخبار معاوية، فأشار عمروٌ عليه أن يجمعه أهل الشام ويلزم علياً دم عثمان، ففعل، فأجمع أهل الشام على حرب علي.\rفعاد جرير إلى علي وأعلمه ذلك، وأن أهل الشام يبكون على عثمان ويقولون: إن عليا قتله، وآوى قتلته، وإنهم لا ينتهون عنه حتى يقتلهم أو يقتلوه. فقال الأشتر لعلي: كنت نهيتك عن إرسال جرير، وأخبرتك بعداوته وغشه، فأبيت إلا إرساله. ثم تقاول الأشتر وجرير مقاولةً أدت إلى مفارقة جرير لعلي ولحاقه بمعاوية.\rقال: وخرج علي رضي الله عنه، فعسكر بالنخيلة، وتخلف عنه نفرٌ من أهل الكوفة، منهم ميسرة الهمداني ومسعود أخذا أعطياتهما وقصدا قزوين.\rوقدم عليه عب الله بن عباس في أهل البصرة.","part":5,"page":347},{"id":2348,"text":"وبلغ ذلك معاوية، فاستشار عمرو بن العاص، فقال له: \" أما إذا سار علي بنفسه في الناس فسر بنفسك، ولا تغب عنه برأيك ومكيدتك. \" فتجهز معاوية بأهل الشام، وقد حرضهم عمرو وضعف علياً وأصحابه، وقال: \" إن أهل العراق قد فرقوا جمعهم ووهنوا شوكتهم، وفلوا حدهم، زأهل البصرة مخالفون لعلي بمن قتل منهم، وقد تفانت صناديدهم وصناديد أهل الكوفة يوم الجمل، وإنما سار على في شرذمة قليلة، وقد قتل خليفتكم، فالله الله في حقكم أن تضيعوه، وفي دمكم أن تطلوه! \" وكتب معاوية في أجناد أهل الشام، وعقد لواءً لعمرو، ولواءً لابنيه: عبد الله ومحمد، ولواءً لغلامه وردان. وسار معاوية وتأنى في مسيره.\rقال: وبعث على رضي الله عنه زياد بن النضر الحارثي في ثمانية آلاف، وبعث شريح بن هانئ في أربعة آلاف، وسار علي من النخيلة، وأخذ معه من بالمدائن من المقاتلة، وولى على المدائن سعد بن مسعود عم المختار بن أبي عبيد الثقفي، ووجه من المدائن معقل ابن قيس في ثلاثة آلاف، وأمره أن يأخذ على الموصل حتى يوافيه على الرقة.\rفلما وصل علي الرقة قال لأهلها ليعملوا جسراً يعبر عليه إلى أهل الشام، فأبوا، وكانوا قد ضموا سفنهم إليهم، فنهض من عندهم ليعبر على جسر منبج، وخلف عليهم الأشتر، فناداهم الأشتر: \" أقسم بالله لئن لم تعملوا جسراً لأمير المؤمنين يعبر عليه لأجردن فيكم السيف، ولأقتلن الرجال ولآخذن الأموال! \" فلقي بعضهم بعضاً وقالوا: \" إنه الأشتر، وإنه قمنٌ أن يفي لكم بما حلف عليه أو يأتي بأكثر منه! \" فنصبوا جسراً فعبر عليه علي وأصحابه.\rقال: ولما بلغ علي الفرات دعا زياد ابن النضر وشريح بن هانئ فيمن معهما فسرحهما أمامه نحو معاوية على حالهما التي خرجا عليها من الكوفة، وكان سبب عودهما أنهما أخذا من الكوفة على شاطئ الفرات مما يلي البر، فلنا بلغا \" عانات \" بلغهما أن معاوية قد أقبل في جنود الشام، فقالا: \" والله ما هذا لنا برأي، أن نسير وبيننا وبين المسلمين وأمير المؤمنين هذا البحر، وما لنا خير أن نلقى جنود الشام بقلة من معنا \" فذهبوا ليعبروا من عانات، فمنعهم أهلها، فرجعوا! حتى عبروا من هيت، فلحقوا عليا دون قرقيسيا، فقال علي: مقدمتي تأتيني من ورائي! فأخبره شريح وزياد بما كان، فقال: سددتما. فلما عبر الفرات سيرهما أمامه.\rفلما انتهيا إلى سور الروم ليقيهما أبو الأعور السلمي في جند من أهل الشام، فأرسلا إلى علي فأعلماه.\rفأرسل علي إلى الأشتر، وأمره بالسرعة، وقال: \" إذا قدمت فأنت عليهم، وإياك أن تبدأ القوم بقتال إلا أن يبدؤوك، حتى تلقاهم فتدعوهم، وتسمع منهم، ولا يحملك بغضهم على قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم مرة بعد مرة، واجعل على ميمنتك زياداً، وعلى ميسرتك شريحاً، ولا تدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب، ولا تباعد تباعد من يهاب البأس، حتى أقدم عليك، فإني حثيث السير في أثرك إن شاء الله تعالى \" . وكتب إلى شريح وزياد بذلك، وأمرهما بطاعة الأشتر..\rفسار الأشتر حتى قدم عليهم، وكف عن القتال، ولم يزالوا متوقفين حتى إذا كان المساء حمل عليهم أبو الأعور، فثبتوا له واضطربوا ساعة، ثم انصرف أهل الشام، وخرج إليهم من الغد هاشم بن عتبة المرقال، وخرج إليه أبو الأعور، فاقتتلوا يومهم، وصبر بعضهم لبعض، ثم انصرفوا، محمل عليهم الأشتر، وقال أروني أبا الأعور! فتراجعوا، ووقف أبو الأعور وراء المكان الذي كان فيه أول مرة، وجاء الأشتر فصف أصحابه مكان أصحاب أبي الأعور بالأمس، وقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي: انطلق إلى أبي الأعور فادعه إلى البراز.","part":5,"page":348},{"id":2349,"text":"فقال: إلى مبارزتي أو مبارزتك؟ فقال: للأشتر لو أمرتك بمبارزته لفعلت. قال: \" نعم والله لو أمرتني أن أعترض صفهم بسيفي لفعلت. فدعا له، وقال: إنما تدعو لمبارزتي. فخرج إليهم فقال: أمنوني فإني رسول. فأمنوه، فانتهى إلى أبي الأعور فقال له: إن الأشتر يدعوك إلى أن تبارزه. فسكت طويلاً ثم قال: إن خفة الأشتر وسوء رأيه حملاه على إجلاء عمال عثمان عن العراق وتقبيح محاسنه، وعلى أن سار إليه في داره حتى قتله وأصبح متعباً بدمه، لا حاجة لي في مبارزته. فقال له سنانٌ: قد قلت فاستمع مني أجبك. قال: لا حاجة لي في جوابك، اذهب عني. فصاح به أصحابه، فانصرف عنه، ورجع إلى الأشتر فأخبره، فقال: لنفسه نظر. فوقفوا حتى حجز الليل بينهم وعاد، الشاميون من الليل.\rوأصبح علي رضي الله عنه غدوةً عند الأشتر، وتقدم الأِشتر ومن معه فانتهى إلى معاوية، فوافقه، ولحق به معلي، فتواقفوا طويلا.\rثم إن عليا طلب لعسكره موضعاً ينزل فيه، فكان معاوية قد سبق فنزل منزلاً اختاره بسيطاً واسعاً أفيح، أخذ شريعة الفرات، وليس في ذلك الموضع شريعة غيرها، وجعل معاوية على الشريعة أبا الأعور.\rفأتى الناس عليا، فأخبروه بفعلهم، وتعطش الناس، فدعا صعصعة بن صوحان، فأرسله إلى معاوية يقول: \" إنا سرنا مسيرنا هذا ونحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، فقدمت إلينا خيلك ورجالك فقاتلنا قبل أن نقاتلك، وبدأتنا بالقتال ونحن ما رأينا الكف حتى ندعوك ونحتج عليك، وهذه أخرى قد فعلتموها، منعتم الناس من الماء، والناس غير منتهين أو يشربوا، فابعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس وبين الماء، وليكفوا لننظر فيما بيننا وبينكم وفيما قدمنا له، فإن أردت أن نترك ما جئنا له ونقتتل على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا \" .\rفجاء صعصعة إلى معاوية وقص عليه الرسالة، فاستشار معاوية أصحابه وقال: ما ترون؟ فقال الوليد بن عقبة وعبد الله بن سعد: امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان، اقتلهم عطشاً قتلهم الله! فقال عمرو بن العاص: \" خل بين القوم وبين الماء فإنهم لن يعطشوا وأنت ريان، ولكن بغير الماء فانظر فيما بينك وبينهم \" . فأعاد الوليد وابن سعد مقالتهما، قالا: \" امنعهم الماء إلى الليل، فإن هم لم يقدروا عليه رجعوا، وكان رجوعهم هزيمة، امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة! قال صعصعة: إنما يمنعه الله الفجرة وشربة الخمر، لعنك الله ولعن هذا الفاسق يعني الوليد ابن عقبة. فشتموه وتهددوه. وقد قيل: إن الوليد وابن أبي سرح لم يشهدا صفين.\rورجع صعصعة فأخبر بما كان... وسير معاوية الخيل إلى أبي الأعور ليمنعهم الماء. فلما سمع علي ذلك قال لأصحابه: قاتلوهم على الماء! .\rفقال الأشعث بن قيس الكندي: أ،ا أسير إليهم. فسار إليهم، فلما دنوا منهم ثاروا إلى وجوههم يرمونهم بالنبل، فتراموا ساعة، ثم تطاعنوا بالرماح، ثم صاروا إلى السيوف فاقتتلوا بها ساعة.\rوأرسل معاوية يزيد بن أسد البجلي القسري جد خالد بن عبد الله في الخيل إلى أبي الأعور، فاقتتلوا.. وأرسل علي شبث بن ربعي الرياحي، فازداد القتال.\rفأرسل معاوية عمرو بن العاص في جند كثير، فأخذ يمد أبا الأعور ويزيد بن أسد.. وأرسل علي الأشتر في جمع عظيم وجعل يمد الأشعث وشبثا..\rفاشتد القتال حتى خلوا بينهم وبين الماء، وصار في أيدي أصحاب علي، فقالوا: والله لا نسقيه أهل الشام، فأرسل علي إلى أصحابه أن خذوا من الماء حاجتكم، وخلوا عنهم، فإن الله تعالى نصركم عليهم ببغيهم وظلمهم.\rومكث علي رضي الله عنه يومين لا يرسل إليهم أحدا ولا يأتيه منهم أحد.\rإرساله إلى معاوية وجوابه\rقال: ثم دعا علي رضي الله عنه أبا عمرة بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري وسعيد بن قيس الهمذاني وشبث بن ربعي التميمي، فقال لهم: ائتوا هذا الرجل وادعوه إلى الله تعالى وإلى الطاعة والجماعة.\rفقال له شبث يا أمير المؤمنين ألا نطمعه في سلطانٍ توليه إياه ومنزلةٍ يكون له بها عندك أثرةً إن هو بايعك؟ قال انطلقوا إليه واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه. وكان ذلك أول ذي الحجة من سنة ست وثلاثين.","part":5,"page":349},{"id":2350,"text":"فأتوه فدخلوا عليه، فابتدأ بشير بن عمرو الأنصاري فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \" يا معاوية إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله محاسبك بعملك ومجازيك عليه، وإني أنشدك الله أن لا تفرق جماعة هذه الأمة وأن لا تسفك دماءها بينها \" .\rفقطع عليه معاوية الكلام وقال: هلا أوصيت بذلك صاحبك؟ فقال: \" صاحبي ليس مثلك، إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا الأمر في الفضل والدين والسابقة في الإسلام والقرابة بالرسول صلى الله عليه وسلم \" قال: فماذا تقول؟ قال نأمرك بتقوى الله وإجابة ابن عمك إلى ما يدعو إليه من الحق فإنه أسلم لك في دنياك وخيرٌ لك في عاقبة أمرك.\rقال معاوية: \" ونترك دم عثمان! لا والله لا أفعل ذلك أبدا! \" قال: فذهب سعيد بن قيس يتكلم، فبادره شبث بن ربعي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \" يا معاوية، قد فهمت ما رددت على ابن محصن، وإنه والله لا يخفى علينا ما تطلب، إنك لم تجد شيئاً تستغوي به الناس، وتستميل به أهواءهم، وتستخلص به طاعتهم، إلا قولك: قتل إمامكم مظلوماً فنحن نطلب بدمه، فاستجاب لك سفهاء طغام، وقد علمنا أنك أبطأت عليه بالنصر، وأحببت له القتل، لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب، ورب متمني أمر وطالبه يحول الله دونه، وربما أوتي المتمني أمنيته وفوق أمنيته، ووالله مالك في واحدة منها خير، والله إن أخطأك ما ترجو إنك لشر العرب حالاً، وإن أصبت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق من ربك صلي النار، فاتق الله يا معاوية، ودع ما أنت عليه، ولا تنازع الأمر أهله \" .\rقال: محمد الله معاوية، ثم قال: \" أما بعد، فإن أول ما عرفت به سفهك وخفة حلمك أ،ك قطعت على هذا الحسيب الشريف سيد قوم منطقه، ثم اعترضت بعد فيما لا علم لك به، فقد كذبت ولؤمت أيها الأعرابي الجلف الجافي في كل ما ذكرت ووصفت!. انصرفوا من عندي فليس بيني وبينكم إلا السيف! \" وغضب، وخرج القوم، فقال له شبث \" أتهول بالسيف؟ أقسم بالله لنعجلنها إليك! \" .\rفأتوا علياً رضي الله عنه فأخبروه بذلك. فكان علي يأمر الرجل ذا الشرف فيخرج ومعه جماعة من أصحابه، ويخرج إليه آخر من أصحاب معاوية ومعه جماعة، فيقتتلان في خيلهما، ثم ينصرفان. وكرهوا أن يلقوا جمع أهل العراق بجمع أهل الشام خشية الاستئصال والهلاك.\rفكان علي يخرج مرةً الأشتر، ومرة حجر بن عدي الكندي، ومرة شبث بن ربعي، ومرة خالد بن المعمر، ومرة زياد بن النضر الحارثي، ومرة زياد بن خصفة التيمي، ومرة سعيد بن قيس الهمداني، ومرة معقل بن قيس الرياحي، ومرة قيس بن سعيد الأنصاري. وكان الأشتر أكثر خروجاً.\rوكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبا الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة الفهري، وابن ذي الكلاع الحميري، وعبيد الله بن عمر بن الخطاب، وشرحبيل بن السمط الكندي، وحمزة بن مالك الهمداني.\rفاقتتلوا أيام ذي الحجة كلها، وربما اقتتلوا في اليوم الواحد مرتين.\rالموادعة بين علي ومعاوية\rفي شهر المحرم وما كان بينهما من المراسلة والأجوبة في الشهر\rقال: وفي شهر محرم سنة سبع وثلاثين جرت موادعة بين علي رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان، توادعا على ترك الحرب بينهما حتى ينقضي الشهر، طمعاً في الصلح.. واختلفت فيه بينهما الرسائل.\rفبعث علي رضي الله عنه عدي بن حاتم ويزيد بن قيس الأرحبي وشبث بن ربعي وزياد بن خصفة.\rفتكلم عدي بن حاتم، فحمد الله، فقال: \" أما بعد، فقد جئناك ندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا، ويحقن به الدماء، ويصلح به ذات البين، إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثراً، وقد استجمع له الناس، ولم يبق أحدٌ غيرك وغير من معك، فاحذر يا معاوية لا يصيبك وأصحابك مثل يوم الجمل \" . فقال له معاوية: \" كأنك جئت مهدداً لم تأت مصلحاً، هيهات يا عدي، كلا! والله إني لابن حرب، ما يقعقع لي بالشنان! وإنك والله لمن المجلبين على عثمان، وإنك من قتلته، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله به \" .\rفقال شبث وزياد بن خفصة جواباً واحداً: أتيناك فيما يصلحنا وإياك، فأقبلت تضرب لنا الأمثال، دع ما لا ينفع، وأجبنا فيما يعم نفعه.","part":5,"page":350},{"id":2351,"text":"وقال يزيد بن قيس: إنا لم نأت إلا لنبلغك ما أرسلنا به إليك ونؤدي عنك ما سمعنا منك، ولم ندع أن ننصح لك، وأن نذكر ما تكون به الحجة عليك، ويرجع إلى الألفة والجماعة، إن صاحبنا من قد عرف المسلمون فضيله، ولا يخفى عليك، فاتق الله يا معاوية ولا تخالفه، فإنا والله ما رأينا في الناس رجلاً قط أعمل بالتقوى ولا أزهد في الدنيا ولا أجمع لخصال الخير كلها منه \" .\rفحمد الله معاوية، ثم قال: أما بعد، فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأما الجماعة التي دعوتم إليها فنعما هي، وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها، لأن صاحبكم قتل خليفتنا، وفرق جماعتنا، وآوى ثأرنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله، فنحن لا نرد عليه ذلك، فليدفع إلينا قتلة صاحبنا لنقتلهم ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.\rفقال شبث بن ربعي: يا معاوية أيسرك أن تقتل عماراً؟ قال \" وما يمنعني من ذلك؟ والله لو تمكنت من ابن سمية لقتلته بمولى عثمان! \" فقال شبث: \" والذي لا إله غيره لا تصل إلى ذلك حتى تندر الهام عن الكواهل وتضيق الأرض الفضاء عليك! \" فقال معاوية: \" لو كان كذلك لكانت عليك أضيق! \" . وتفرق القوم.\rوبعث معاوية إلى زياد بن خفصة، فخلا به، وقال له: \" يا أخا ربيعة، إن علياً قطع أرحامنا، وقتل إمامنا، وآوى قتلة صاحبنا، وإني أسألك النصر عليه بعشيرتك، ثم لك عهد الله وميثاقه أن أوليك إذا ظهرت أي المصرين أحببت \" . فقال زياد: \" أما بعد، فإني على بينة من ربي، وربما أنعم الله علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين! \" وقام فقال معاوية لعمرو بن العاص: ليس نكلم رجلاً منهم فيجيب إلى خير، ما قلوبهم إلا كقلب واحد!.\rوبعث معاوية إلى علي حبيب بن مسلمة الفهري وشرحبيل بن السمط ومعن بن يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه، فحمد الله حبيب وأثنى عليه، ثم قال: \" أما بعد فإن عثمان كان خليفة مهدياً، يعمل بكتاب الله وينيب إلى أمره، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه، فادفع إلينا قتلة عثمان إن زعمت أنك لم تقتله، ثم اعتزل أمر الناس، فيكون أمرهم شورى بينهم، يولونه من أجمعوا عليه \" . فقال له علي رضي الله عنه: \" ما أنت - لا أم لك - والعزل وهذا الأمر؟ اسكت! لست هنالك ولا بأهلٍ له \" . فقال؛: والله لتريني بحيث تكره! فقال علي: \" وما أنت؟ لا أبقى الله عليك إن أبقيت علينا، اذهب فصوب وصعد ما بدا لك! \" وقال شرحبيل؛ \" ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي، فهل عندك جواب غير هذا! \" فقال علي نعم، عندي جواب غيره: ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد، فإن الله تعالى بعث محمداً بالحق، فأنقذ به من الضلالة والهلكة، وجمع به من الفرقة، ثم قبضه الله إليه، فاستخلف الناس أبا بكر، ثم استخلف أبو بكر عمر، فأحسنا السيرة، وعدلا في الأمة، وقد وجدنا عليهما أن توليا الأمور دوننا ونحن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغفرنا لهما ذلك، وولى الناس عثمان، فعمل بأشياء عابها الناس، فساروا إليه فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزلٌ أمورهم، فقالوا لي: بايع. فأبيت، فقالوا: بايع فإن الأمة لا ترضى إلا بك، وإنا نخاف إن لم تفعل أن يتفرق الناس.\rفبايعتهم، فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني! وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله عز وجل له سابقةً في الدين، ولا سلف صدق في الإسلام، طليقٌ ابن طليق، وحزبٌ من الأحزاب، لم يزل حرباً لله ورسوله هو وأبوه حتى خلا في الإسلام كارهين، ولا عجب إلا من خلافكم معه، وانقيادكم له، وتتركون آل بيت نبيكم الذي لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم، ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وإماتة الباطل وإحياء الحق ومعالم الدين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين \" .\rفقالا: تشهد أن عثمان قتل مظلوماً. قال: لا أقول \" إنه قتل ظالماً أو مظلوماً \" . قالا: من لم يزعم أنه قتل مظلوماً فنحن منه براء.\rواصرفا فقال علي رضي الله عنه: \" إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم، إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون \" .\rثم قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء في الجد في ضلالهم أجد منكم في الجد في حقكم.","part":5,"page":351},{"id":2352,"text":"قال: ولما انسلخ شهر الله المحرم وانقضت مدة الموادعة أمر علي رضي الله عنه مناديا فنادى: \" يا أهل الشام، يقول لكم أمير المؤمنين: قد استدمتكم لتراجعوا الحق وتنيبوا إليه، فلم تنتهوا عن الطغيان، ولم تجيبوا إلى الحق، وإني قد نبذت إليكم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين \" .\rقال: واجتمع أهل الشام إلى أمرائهم ورؤسائهم، وخرج معاوية وعمرو بن العاص يكتبان الكتائب ويعبئان الناس، وكذلك فعل علي رضي الله عنه.\rوقال علي للناس: لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم، فأنتم بحمد الله على حجة، وترككم قتالهم حتى يبدءوكم حجة أخرى فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا داراً إلا بإذن، ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيجوا امرأة بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى، والأنفس.\rوحرض أصحابه فقال رضي الله عنه: عباد الله، اتقوا الله، وغضوا الأبصار، واخفضوا الأصوات، وأقلوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجادلة والمزاولة والمناضلة والمعانقة والمكادمة والملازمة، \" فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين \" اللهم ألهمهم الصبر، وأنزل عليهم النصر، وأعظم لهم الأجر.\rوأصبح علي رضي الله عنه فجعل على خيل الكوفة الأشتر، وعلى خيل البصرة سهل بن حنيف، وعلى رجالة الكوفة عمار بن ياسر، وعلى رجالة البصرة قيس بن سعد بن عبادة، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص المعروف بالمرقال وجعل معه الراية، وجعل مسعر بن فدكي على قراء أهل الكوفة وأهل البصرة.\rوبعث معاوية على ميمنته ابن ذي الكلاع الحميري، وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري، وعلى مقدمته أبا الأعور السلمي وكان على خيل دمشق، وعمرو بن العاص على خيول الشام كلها وعلى رجالة دمشق مسلم بن عقبة الفهري، وعلى رجالة الناس كلهم الضحاك بن قيس..وبايع رجالٌ من أهل الشام على الموت، فعلقوا أنفسهم بالعمائم، فكانوا خمسة صفوف.\rوالتقوا أول يوم من صفر سنة سبع وثلاثين، وكان الذي خرج في هذا اليوم الأشتر على أهل الكوفة، وحبيب بن مسلمة على أهل الشام، فاقتتلوا عامة النهار، ثم تراجعوا وقد انتصف بعضهم من بعض.\rثم خرج في اليوم الثاني هاشم بن عتبة في خيل ورجال، وخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السلمي، فاقتتلوا يومهم ذلك، ثم انصرفوا.\rوخرج في اليوم الثالث عمار بن ياسر، وخرج إليه عمرو بن العاص، فاقتتلوا أشد قتال، وقال عمار لزياد بن النضر وهو على الخيل: احمل على أهل الشام، فحمل، وقاتله الناس وصبروا له، وحمل عمار فأزال عمرو بن العاص عن موضعه، وبارز يومئذ زياد بن النضر أخاه لأمه واسمه: عمرو بن معاوية من بني المنتفق، فلما التقيا تعارفا، فانصرف كل واحد منهما عن صاحبه، وتراجع الناس وخرج من الغد في اليوم الرابع محمد بن علي، هو \" لابن الحنفية \" وخرج إليه عبيد الله بن عمر بن الخطاب، في جمعين عظيمين، فاقتتلوا أشد القتال، وأرسل عبيد الله إلى محمد يدعوه للمبارزة، فخرج إليه، فحرك على دابته، ورد ابنه، وبرز عليٌ إلى عبيد الله، فرجع عبيد الله، وتراجع الناس.\rوخرج في اليوم الخامس عبد الله بن عباس، خرج إليه الوليد ابن عقبة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وطلب الوليد ليبارزه فأبى، ثم انصرفا.\rوخرج في اليوم السادس قيس بن سعد الأنصاري وخرج إليه ابن ذي الكلاع الحميري، فاقتتلوا قتالاً شديد، ثم انصرفوا.\rقال: ثم عاد الأشتر يوم الثلاثاء، وخرج إليه حبيب، فاقتتلا قتالاً شديداً، وانصرفا عند الظهر.","part":5,"page":352},{"id":2353,"text":"ثم إن علياً رضي الله عنه قال: حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا؟ فقام في الناس عشية الثلاثاء ليلة الأربعاء خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض، وما أبرم لم ينقضه الناقضون، ولو شاء الله ما اختلف اثنان من خلقه، ولا اختلفت الأمة في شيء، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار، فنحن بمرأى من ربنا ومسمع، فلو شاء عجل النقمة، وكان منه التغيير، حتى يكذب الظالم، ويعلم المحق أين مصيره، ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة دار القرار، \" ليجزى الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى \" ، ألا وإنكم لاقو القوم غدا،ً فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، واسألوا الله النصر والصبر، والقوهم بالجد والحزم، وكونوا صادقين.\rفقام القوم يصلحون سلاحهم، فمر بهم كعب بن جعيل فقال:\rأصبحت الأمّة في أمرٍ عجب ... والملك مجموعٌ غداً لمن غلب\rفقلت قولاً صادقاً غير كذب: ... إن غداً تهلك أعلام العرب!\rالحروب بعد الأيام الستة\rفي يومي الأربعاء والخميس وليلة الهرير ويوم الجمعة إلى أن رفعت المصاحف وتقرر أمر الحكمين.\rقال: وعبأ علي رضي الله عنه الناس ليلته حتى الصباح، وزحف بالناس، وخرج إليه معاوية في أهل الشام، فسأل علي عن القبائل من أهل الشام، فعرف مواقفهم، فقال للأزد: اكفونا الأزد، وقال لخثعم: اكفونا خثعم ،وأمر كل قبيلة أن تكفيه أختها من الشام، إلا أن تكون قبيلة ليس منها أحدٌ فيصرفها إلى قبيلة أخرى ليس بالعراق منهم أحد، مثل بجيلة، لم يكن بالشام منها أحد إلا القليل، فصرفهم إلى لخم.\rفتناهض الناس يوم الأربعاء، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم انصرفوا عند المساء وكلٌ غير غالب.\rفلما كان يوم الخميس صلى عليٌ بغلس، وخرج بالناس إلى أهل الشام، وجعل علي رضي الله عنه على ميمنته عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي وله صحبة، وكان ممن أسلم يوم الفتح، وقيل: قبله، وجعل على ميسرته عبد الله بن عباس، والقراء مع ثلاثة نفر: عمار بن ياسر وقيس بن سعد وعبد الله بن بديل، والناس على راياتهم ومراكزهم، وعلي رضي الله عنه في القلب في أهل المدينة بين أهل الكوفة والبصرة، وأكثر من معه من أهل المدينة الأنصار، ومعه عدد من خزاعة وكنانة وغيرهم من أهل المدينة.\rوزحف علي رضي الله عنه بهم إلى أهل الشام، ورفع معاوية قبة عظيمة، وألقى عليها الثياب، وبايعه أكثر أهل الشام على الموت، وأحاط بقبته خيل دمشق، وزحف عبد الله بن بديل في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة وهو في الميسرة، فلم يزل يحوزهم ويكشف خيلهم حتى اضطرهم إلى قبة معاوية عند الظهر.\rوحرض عبد الله بن بديل أصحابه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي عليه الصلاة والسلام: ألا إن معاوية ادعى ما ليس له، ونازع الحق أهله، وعاند من ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحق، وصال عليكم، بالأعراب والأحزاب الذين زين لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حب الفتنة، ولبس عليهم الأمر، وزادهم رجساً إلى رجسهم، وأنتم والله على الحق، على نور من ربكم وبرهان مبين، فقاتلوا الطغاة الجفاة \" قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين \" ، قاتلوا الفئة الباغية الذين نازعوا الأمر أهله، وقد قاتلتموهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما هم في هذه بأزكى ولا أتقى ولا أبر، قوموا إلى عدو الله وعدوكم رحمكم الله.\rوقال الشعبي: كان عبد الله بن بديل رحمه الله في صفين عليه درعان وسيفان، وكان يضرب أهل الشام ويقول:\rلم يبق إلا الصبر والتوكل ... مع التمشي في الرعيل الأول\rمشى الجمال في حياض المنهل ... والله يقضي ما يشاء ويفعل\rولم يزل يضرب بسيفه حتى انتهى إلى معاوية فأزاله عن موقفه وأزال أصحابه الذين كانوا معه. وسنذكر خبر مقتله في هذا اليوم في موضعه إن شاء الله تعالى.","part":5,"page":353},{"id":2354,"text":"قال: وحرض علي رضي الله عنه أصحابه، فقال رضي الله عنه في كلام له: فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدموا الدراع، وأخروا الحاسر، وعضوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح، فإنه أمور للأسنة، وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش، وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات، فإنه أطرد للفشل، وأولى بالوقار، راياتكم فلا تميلوها ولا تزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، واستعينوا بالصدق والصبر، فإن بعد الصبر ينزل النصر.\rقال: وقام يزيد بن قيس الأرحبي يحرض الناس، فقال: إن المسلم من سلم في دينه ورأيه، وإن هؤلاء القوم والله ما يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا ليكونوا جبارين فيها ملوكا، فلو ظهروا عليكم - لا أراهم الله ظهوراً ولا سروراً - لرموكم بمثل سعيد والوليد وابن عامر السفيه الضال، يجيز أحدهم بمثل ديته ودية أبيه وجده في مجلسه، ثم يقول: \" هذا لي ولا إثم علي \" ، كأنما أعطي تراثه عن أبيه وأمه، وإنما هو مال الله أفاءه الله علينا بأرماحنا وسيوفنا، فقاتلوا عباد الله القوم الظالمين، فإنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم، وهم من قد عرفتم وخبرتم، والله ما ازدادوا إلى يومهم إلا شراً.\rقال: ولما انتهى عبد الله بن بديل ومن معه إلى قبة معاوية، أقبل الذين تبايعوا على الموت إلى معاوية، فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل في الميمنة، وبعث إلى حبيب بن مسلمة فحمل بالميسرة على ميمنة علي فهزمهم، وانكشف أهل العراق من قبل الميمنة حتى لم يبق إلا ابن بديل في مائتين أو ثلاثمائة من القراء، قد استند بعضهم إلى بعض، وانجفل الناس.\rوأمر علي سهل بن حنيف فاستقدم فيمن كان معه من أهل المدينة، فاستقبلتهم جموع عظيمة لأهل الشام فاحتملتهم حتى أوقفتهم في الميمنة، وكان أهل اليمن فيما بين الميمنه إلى موقف علي في القلب، فلما انكشفوا انتهت الهزيمة إلى علي رضي الله عنه، فانصرف يمشي نحو الميسرة، وثبتت ربيعة، ودنا أهل الشام منه فما زاده قربهم إلا سراعا.\rوكان الحسن والحسين ومحمد بنو علي رضي الله عنه معه، والنبل يمر بين عاتقه ومنكبيه، وما من بنيه أحدٌ إلا يقيه بنفسه، فبصر به أحمر مولى أبي سفيان أو عثمان، فأقبل نحوه، فخرج إليه كيسان مولى علي فاختلفا ضربتين، فقتله أحمر، فأخذ علي بجنب درع أحمر فجذبه وحمله على عاتقه ثم ضرب به الأرض فكسر منكبيه وعضديه.\rقال: ولما دنا نمه أهل الشام قال له الحسن رضي الله عنه: ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلى هؤلاء القوم من أصحابك؟ فقال: يا بني إن لأبيك يوماً لا يعدوه ولا يبطئ به عنه السعي، ولا يعجل به إليه المشي، إن أباك والله لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه! قال: ولما وصل إلى ربيعة نادى بصوت عالٍ كغير المكترث لما فيه الناس: لمن هذه الرايات؟ قالوا: رايات ربيعة.\rقال: بل راياتٌ عصم الله أهلها، فصبرهم وثبت أقدامهم... وقال لحضين بن المنذر: يا فتى ألا تدني رايتك هذه ذراعا؟ قال؛ والله عشرة أذرع. فأدناها حتى قال علي رضي الله عنه: حسبك مكانك.\rقال: ولما انتهى علي إلى ربيعة تنادوا بينهم: إن أصيب فيكم أمير المؤمنين وفيكم رجل حي افتضحتم في العرب! فقاتلوا قتالاً شديداً ما قاتلوا مثله، فلذلك قال علي رضي الله عنه:\rلمن رايةٌ سوداء يخفق ظلّها ... إذا قيل \" قدّمها حضين \" تقدّما\rويقدمها في الموت حتّى يزيرها ... حياض المنايا تقطر الموت والدّما\rأذقنا ابن حرب طعننا وضرابنا ... بأسيافنا حتّى تولّى وأحجما\rجز الله قوماً صابروا في لقائهم ... لدى الموت قوماً ما أعفّ وأكرما!\rوأطيب أخباراً وأكرم شيمةً ... إذا كان أصوات الرّجال تغمغما\rربيعة أعني أهل بأسٍ ونجدة ... إذا ما همو لاقوا خميساً عرمرما\rقال: ومر الأشتر بعلي وهو يقصد الميسرة، والأشتر يركض نحو الفزع قبل الميمنة، فقال له علي: إيت هؤلاء القوم فقل لهم \" أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لا تبقى لكم؟ \" .","part":5,"page":354},{"id":2355,"text":"فمضى الأشتر فاستقبل الناس منهزمين، فقال لهم ما قال علي، ثم قال: \" أيها الناس أنا الأشتر، إلي أنا الأشتر، إلي أنا الأشتر \" ، فأقبل إليه بعضهم وذهب البعض، فنادى: \" أيها الناس، ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم! أخلصوا إلي مذحجا \" فأقبلت مذحج إليه، فقال لهم: \" ما أرضيتم ربكم، ولا نصحتم له في عدوكم، وكيف ذلك وأنتم أبناء الحرب، وأصحاب الغارات، وفتيان الصياح، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطعان الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم، ولا تطل دماؤهم، وما تفعلون هذا اليوم فإنه مأثور عنكم بعده، فانصحوا واصدقوا عدوكم اللقاء، فإن الله مع الصادقين، والذي نفسي ما من هؤلاء - وأشار إلى أهل الشام - رجل على مثل جناح بعوضة من محمد، اجلوا سواد وجهي يرجع فيه دمه، عليكم بهذا السواد الأعظم، فإن الله لو قد فضه تبعه من بجانبيه! \" .\rقالوا: تجدنا حيث أحببت. فقصد نحو عظمهم مما يلي الميمنة يزحف إليهم ويردهم.\rواستقبله شباب من همدان، وكانوا ثمانمائة مقاتل يومئذ، وكانوا صبروا في الميمنة حتى أصبب منهم ثمانون ومائة رجل، وقتل منهم أحد عشر رئيساً: كان أولهم ذؤيب بن شريح، ثم شرحبيل، ثم مرثد، ثم هبيرة، ثم يريم، ثم سمير، أولاد شريح قتلوا، ثم أخذ الراية عميرة ثم الحارث ابنا بشير فقتلا، ثم أخذها سفيان وعبد الله وبكر بنو زيد فقتلوا جميعاً، ثم أخذ الراية وهب بن كريب فانصرف هو وقومه وهم يقولون: \" ليت لنا عدتنا من العرب، يحالفوننا على الموت، ثم نرجع، فلا ننصرف أو نقتل أو نظفر! \" ، فسمعهم الأشتر فقال لهم: أنا أحالفكم على ألا نرجع أبداً حتى نظفر أو نهلك جميعاً! فوقفوا معه.\rقال: وزحف الأشتر نحو الميمنة، وثاب إليه الناس وتراجعوا من أهل البصرة وغيرهم، فلم يقصد كتيبة إلا كشفها، ولا جمعاً إلا حازه ورده، وقاتل قتالاً شديداً، ولزمه الحارث بن جمهان الجعفي، فما زال هو ومن رجع إليه يقاتلون حتى كشف أهل الشام، وألحقهم بمعاوية والصف الذي معه، وذلك بين صلاة العصر والمغرب، وانتهى إلى عبد الله بن بديل بن ورقاء وهو في عصابة من القراء نحو المائتين أو الثلاثمائة قد لصقوا بالأرض كأنهم جثاً،فكشف عنهم أهل الشام فأبصروا إخوانهم، فقالوا: ما فعل أمير المؤمنين قال: حيٌ صالح في المسيرة يقاتل الناس أمامه. فقالوا: الحمد لله قد كنا ظننا أن قد هلك وهلكتم.\rثم قال عبد الله بن رحمه الله لأصحابه: استقدموا بنا.\rفقال له الأشتر: \" لا تفعل، واثبت مع الناس، فقاتل، فإن خيرٌ لهم وأبقى لك ولأصحابك \" ، فأبى، ومضى نحو معاوية وحوله كأمثال الجبال، وخرج عبد الله أمام أصحابه فقتل من دنا منه، حتى قتل الجماعة، ودنا من معاوية، فنهض إليه الناس من كل جانب، وأحيط به وبطائفة من أصحابه، فقاتل حتى قتل، وقتل ناسٌ من أصحابه، ورجعت طائفة منهم مجرحين، فبعث الأشتر الحارث بن جهمان الجعفي، فحمل على أهل الشام الذين يتبعون من انهزم من أصحاب عبد الله، حتى نفسوا عنهم، وانتهوا إلى الأشتر.\rوحكى أبو عمر ابن عبد البر عن الشعبي في قتل عبد الله: أنه لما انتهى إلى معاوية أزاله وأزال أصحابه عن مواقفهم، وكان مع معاوية يومئذ عبد الله بن عامر، فأقبل أصحاب معاوية على عبد الله بن بديل يرجمونه بالحجارة حتى أثخنوه، وقتل، فأقبل معاوية وعبد الله بن عامر معه، فألقى عليه ابن عامر عمامته غطى بها وجهه، وترحم عليه، فقال معاوية: اكشفوا وجهه.\rفقال ابن عامر: والله لا تمثل به وفي روح! فقال معاوية: اكشفوا عن وجهه فقد وهبناه لك.\rففعلوا، فقال معاوية: هذا كبش القوم ورب الكعبة، اللهم أظفر بالأشتر والأشعث بن قيس، والله ما مثل هذا إلا كما قال الشاعر:\rأخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها ... وإن شمّرت يوماً به الحرب شمّرا\rكليث هزبرٍ كان يحمي ذماره ... رمته المنايا قصدها فتقطّرا\rثم قال معاوية: إن نساء خزاعة لو قدرت أن تقاتلني فضلاً عن رجالها لفعلت.\rانتهى كلام الشعبي.","part":5,"page":355},{"id":2356,"text":"قال: وزحف الأشتر لعك والأشعريين، وقال لمذحج: اكفونا عكا. ووقف في همدان وقال لكندة: اكفونا الأِشعريين. فاقتتلوا قتالاً شديداً إلى المساء، وقاتلهم الأشتر في همدان وطوائف من الناس، فما زال أهل الشام عن مواضعهم حتى ألحقوهم بالصفوف الخمسة المعلقة بالعمائم حول معاوية، ثم حمل عليهم حملةً أخرى فصرع أربعة صفوف من المعقلين بالعمائم.\rودعا معاوية بفرسه فركبه، وكان يقول: أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن الإطنابة وكان جاهلياً:\rأبت لي عفّتي وأبى بلائي ... وإقدامي على البطل المشيح\rوإعطائي على المكروه مالي ... وأخذي الحمد بالثّمن الرّبيح\rوقولي كلّما جشأت وجاشت: ... مكانك تحمدي أو تستريحي\rقال: فمنعني هذا القول من الفرار، ونظر إلى عمرو فقال له: \" اليوم صبرٌ، وغداً فخر \" . فقال: صدقت.\rقال: وتقدم عقبة بن حديد النميري وهو يقول: \" ألا إن مرعى الدنيا أصبح هشيماً، وشجرها حصيداً، وجديدها سملاً، وحلوها مر المذاق، وإني قد سئمت الدنيا، وإني أتمنى الشهادة وأتعرض لها في كل جيشٍ وغارة، فأبى الله إلا أن يبلغني هذا اليوم، وإني معترض لها من ساعتي هذه، وقد طمعت ألا أحرمها، فما تنتظرون عباد الله بجهاد من عادى الله! في كلام طويل، وقال: يا إخوتي، قد بعت هذه الدار بالتي أمامها، وهذا وجهي إليها! فتبعه إخوته عبيد الله وعوف ومالك، وقالوا: لا نطلب رزق الدنيا بعدك! فقاتلوا حتى قتلوا، وهم من أصحاب علي.\rوكان ممن قتل في هذا اليوم من أصحاب علي أبو شداد قيس بن المكشوح، واسم المكشوح: هبيرة بن هلال عند أكثرهم، وكان قيس يومئذٍ صاحب رايةٍ بجلية، وذلك أن بجلية قالت له: يا أبا شداد خذ رايتنا اليوم. فقال: غيري خيرٌ لكم. قالوا: ما نريد غيرك. قال فوالله لئن أعطيتمونيها لا أنتهي بكم دون صاحب الترس المذهب وكان على رأس معاوية رجل قائم معه ترس مذهب يستر به معاوية من الشمس، قالوا: اصنع ما شئت.\rفأخذ الراية ثم زحف بها، فجعل يطاعنهم حتى انتهى إلى صاحب الترس، وكان في خيل عظيمة، فاقتتل الناس قتالاً شديداً، وشد أبو شداد على صاحب الترس - وقيل: كان صاحب الترس المذهب عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - فاعترضه دونه مولىً رومي لمعاوية، فضرب قدم أبي شداد فقطعها، وضربه أبو شداد فقتله، وأشرعت إليه الرماح فقتلوه، وأخذ الراية عبد الله بن قلع الأحمسي، فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عفيف بن إياس فلم تزل في يده حتى تحاجز الناس.. وقتل غير هؤلاء ممن له صحبة.","part":5,"page":356},{"id":2357,"text":"قال: وخرجت حمير في جمعها ومن انضم إليها من أهل الشام، وتقدمهم ذو الكلاع، ومعهم عبيد الله بن عمر بن الخطاب وهم ميمنة أهل الشام، فقصدوا ربيعة من أهل العراق، وكانت ربيعة ميسرة أهل العراق، وفيهم ابن عباس، فحملوا على ربيعة حملةً شديدة، فتضعضعت راية ربيعة، وكانت الراية مع أبي ساسان حضين بن المنذر، فانصرف أهل الشام عنهم، ثم كر عبيد الله بن عمر وقال: يا أهل الشام، إن هذا الحي من أهل العراق قتلة عثمان وأنصار علي، فشدوا على الناس شدة عظيمة، فثبتت ربيعة وصبرت صبراً حسناً إلا قليلاً من الضعفاء والفشلة، وثبت أهل الرايات وأهل الصبر والحفاظ وقاتلوا قتالاً حسناً، ثم تراجع من انهزم من ربيعة، واشتد القتال حتى كثرت القتلى، فقتل سمير بن الريان العجلي، وكان شديد البأس، وأتى زياد بن خصفة عبد القيس فأعلمهم بما لقيت بكر بن وائل من حمير، وقال: يا عبد القيس لا بكر بعد اليوم! فقاتلوا معهم، فقتل ذوا الكلاع الحميري وعبيد الله بن عمر بن الخطاب، وجرح عمار ابن ياسر فقال: \" اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم أنحني عليها حتى تخرج من ظهري لفعلته! وإني لا أعلم اليوم عملاً هو أرضى إليك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم عملاً هو أرضى لك منه لفعلته! والله إني لأرى قوماً ليضربنكم ضرباً يرتاب منه المبطلون، وايم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أننا على الحق وأنهم على الباطل! \" ثم قال: \" من يبتغي رضوان ربه فلا يرجع إلى مالٍ ولا ولد! \" فأتاه عصابة فقال: \" اقصدوا بنا هؤلاء القوم الذين يطلبون دم عثمان، والله ما أرادوا الطلب بدمه، ولكنهم ذاقوا الدنيا واستحبوها، وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه منها، ولم تكن لهم سابقة يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم، فخدوا أتباعهم أن قالوا: إمامنا قتل مظلوماً، ليكونوا بذلك جبارة ملوكاً، فبلغوا ما ترون، ولولا هذه ما تبعهم من الناس رجلان، اللهم إن تنصرنا فطال ما نصرت، وإن جعلت لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم! \" ثم مضى ومعه تلك العصابة، فكان لا يمر بوادٍ من أودية صفين إلا تبعه من كان هناك من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.\rثم جاء إلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص - وهو المرقال - وكان صاحب راية علي رضي الله عنه، فقال: \" يا هاشم، أعوراً وجبناً \" لا خير في أعور لا يغشىالبأس، اركب يا هاشم \" .\rفركب معه وهو يقول.\rأعور يبغي أهله محلاّ ... قد عالج الحياة حتّى ملاّ\rلا بدّ أن يفلّ أو يفلاّ ... يتلّهم بذي الكعوب تلاّ\rوعمار يقول: \" تقدم يا هاشم، الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسل، وقد فتحت أبواب السماء، وتزينت الحور العين، اليوم ألقى الأحبه، محمداً وحزبه! \" وتقدم حتى دنا من عمرو بن العاص، فقال له: \" يا عمرو، بعت دينك بمصر! تباً لك! تباً لك! \" فقال: لا ولكن أطلب دم عثمان. قال: \" أشهد على علمي فيك إنك لا تطلب بشيء من فعلك وجه الله، وأنك إن لم تقتل اليوم تمت غداً، فانظر إذا أعطي الناس على نياتهم ما نيتك؟ لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الرابعة ما هي بأبر ولا أتقى! \" .\rثم قاتل عمار فلم يرجع، وقتل، وقال قبل أن يقتل: إيتوني بآخر زرقٍ لي من الدنيا! فأتي بضياحٍ من لبنٍ في قدح، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" تقتل عمار الفئة الباغية، وإن آخر رزقه ضياحٌ من لبن \" والضياح؛ الممزوج بالماء من اللبن.\rقال: وقتلة أبو الغادية، واحتز رأسه ابن حوى السكسكي، وقد كان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام لعمار \" تقتلك الفئة الباغية وآخر شربةٍ تشربها ضياحٌ من لبن \" .\rفكان ذو الكلاع يقول لعمرو: ما هذا ويحك يا عمرو! فيقول إنه يرجع إلينا، فقتل ذو الكلاع قبل عمار مع معاوية، وأصيب عمار بعده مع علي، فقال عمرو لمعاوية: \" والله ما أدري بقتل أيهما أنا أِشد فرحاً: بقتل عمار أو بقتل ذي الكلاع، والله لو بقي بعد قتل عمارٍ لمال بعامة أهل الشام إلى علي! \" .","part":5,"page":357},{"id":2358,"text":"فأتى جماعة إلى معاوية، كلهم يقول: \" أنا قتلت عمارا \" فيقول عمرو: فما سمعته يقول؟ فيخلطون، فأتاه ابن حوى فقال: أنا قتلته فسمعته يقول \" اليوم ألقى الأحبة، محمداً وحزبه \" .\rفقال له عمرو: أنت صاحبه. ثم قال \" رويداً، والله ما ظفرت يداك، ولقد أسخطت ربك! \" .\rوقيل: إن أبا الغادية قتل عماراً وعاش إلى زمن الحجاج، فدخل عليه، فأكرمه الحجاج وقال: أنت قتلت ابن سمية؟ يعني عماراً قال: نعم. قال: من سره أن ينظر إلى عظيم الباع يوم القيامة فلينظر إلى هذا الذي قتل ابن سمية.\rثم سأله أبو الغادية حاجةً فلم يجبه إليها، فقال: نوطئ لهم الدنيا ولا يصلونا منها ويزعم أني عظيم الباع يوم القيامة! فقال الحجاج: أجل والله من كان ضرسه مثل أحدٍ، وفخذه مثل جبل ورقان، ومجلسه مثل المدينة والربذة، لعظيم الباع يوم القيامة، والله لو أن عماراً قتله أهل الأرض لدخلوا كلهم النار!.\rوقال أبو عبد الرحمن السلمي: لما قتل عمار دخلت عسكر معاوية لأنظر هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا - وكنا إذا تركنا القتال تحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم - فإذا معاوية وعمرو وأبو الأعور وعبد الله بن عمرو يتسايرون، فأدخلت فرسي بينهم لئلا يفوتني ما يقولون، فقال عبد الله بن عمرو لأبيه: يا أبت قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا وقد قال رسول الله ما قال! قال وما قال؟ قال: ألم يكن المسلمون ينقلون في بناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لبنةً لبنةً وعمار ينقل لبنتين لبنتين؟ فغشي عليه، فأتاه رسول الله عليه الصلاة والسلام، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول \" ويحك يا ابن سمية! الناس ينقلون لبنةً لبنةً، وأنت تنقل لبنتين لبنتين رغبةً في الأجر، وأنت مع ذلك تقتلك الفئة الباغية! \" . فقال عمرو لمعاوية: أما تسمع ما يقول عبد الله؟ قال: وما يقول؟ فأخبره، فقال معاوية: أنحن قتلناه؟ إنما قتله من جاء به! قال فخرج الناس من أخبيتهم وفساطيطهم يقولون. إنما قتله من جاء به. فلا أدري من كان أعجب؟: أهو أم هم؟ .\rقال: ولما قتل عمار قال علي رضي الله عنه لربيعة: أنتم درعي ورمحي.\rفانتدب إليه نحو من اثني عشر ألفاً، وتقدمهم علي على بغلة، فحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صفٌ إلا انتقص، وقتلوا كل من انتهوا إليه، حتى بلغوا معاوية، فناداه علي: فقال علام يقتل الناس بيننا؟ هلم أحاكمك إلى الله، فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور.\rفقال عمرو: أنصفك. فقال معاوية لعمرو: ما أنصفت، إنك لتعلم أنه لم يبرز إليه أحدٌ إلا قتله. فقال عمرو ما يحسن بك ترك مبارزته، فقال معاوية: طمعت فيها بعدي!.\rقال: وكان أصحاب علي قد وكلوا به رجلين يحفظانه، لئلا يقاتل، فكان يحمل إذا غفلا فلا يرجع حتى يخضب سيفه، وإنه حمل مرة فلم يرجع حتى انثنى سيفه، فألقاه إليهم، وقال: لولا أنه انثنى ما رجعت إليكم. فقال الأعمش لأبي عبد الرحمن: هذا والله ضرب غير مرتاب!.\rقال: وأما هاشم بن عتبة بن أبي وقاص فإنه دعا الناس عند المساء وقال: ألا من كان يريد الله والدار الآخرة فإلي. فأقبل إليه الناس، فحمل على أهل الشام مراراً، ويصبرون له، وقاتل قتالاً شديداً وقال لأصحابه: \" لا يهولنكم ما ترون من صبرهم، فوالله ما هو إلا حمية العرب وصبرها تحت راياتها، وإنهم لعلى الضلال وإنكم لعلى الحق \" ثم حرض أصحابه، وحمل في عصابة من القراء وقاتل قتالاً شديداً، فقتل يومئذٍ تسعةً أو عشرة، وحمل عليه الحارث بن المنذر التنوخي، فطعنه فسقط، وأرسل إليه علي: أن قدم لواءك، فقال لرسوله: انظر إلى بطني! فنظر إليه، فإذا هو قد انشق! قال: ومر علي بكتيبة من أهل الشام فرآهم لا يزولون عن موقفهم - وهم غسان - فقال: \" إن هؤلاء لا يزولون إلا بطعن وضرب يفلق الهام ويطيح العظام، وتسقط منه المعاصم والأكف، وحتى تقرع جباههم بعمد الحديد، أين أهل النصر والصبر وطلاب الأجر؟ \" فأتاه عصابة من المسلمين، فدعا ابنه محمداً فقال: \" تقدم نحو هذه الراية مشياً رويداً على هينتك، حتى إذا أشرعت في صدورهم الرماح فأمسك حتى يأتيك مري \" . ففعل وأعد لهم على مثلهم وسيرهم إلى ابنه محمد، وأمره بقتالهم، فحمل عليهم فأزالهم عن مواقفهم، وأصابوا منهم رجالاً.","part":5,"page":358},{"id":2359,"text":"قال: ومر الأسود بن قيس المرادي بعبد الله بن كعب المرادي وهو صريع، فقال له عبد الله: يا أسود. قال: لبيك. وعرفه ونزل إليه وقال: \" عز على مصرعك! إن كان جارك ليأمن بوائقك، وإن كنت لمن الذاكرين له كثيراً! أوصني رحمك الله! \" قال: \" أوصيك بتقوى الله، وأن تناصح أمير المؤمنين، وتقاتل معه المخلين، حتى يظهر أو يلحق بالله، وأبلغه عني السلام وقل له: قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرك، فإنه من أصبح غداً والمعركة خلف ظهره كان العالي \" .\rثم لم يلبث أن مات، فأقبل الأسود إلى علي فأخبره، فقال: \" رحمه الله! جاهد عدونا في الحياة، ونصح لنا في الوفاة! \" .. وقيل: إن الذي أشار على علي بهذا عبد الرحمن بن حنبل الجمحي.\rقال: فاقتتل الناس تلك الليلة كلها إلى الصباح، وهي ليلة الهرير، فتطاعنوا حتى تقصفت الرماح، وتراموا حتى نفذ النبل، وأخذوا السيوف، وعلي يسير بين الميمنة والميسرة، ويأمر كل كتيبة أن تقدم على التي تليها، فلم يزل يفعل ذلك حتى أصبح، والمعركة كلها خلف ظهره، والأشتر في الميمنة، وابن عباس، في الميسرة وعلي في القلب، والناس يقتتلون من كل جانب وذلك يوم الجمعة وأخذ الأشتر يزحف بالميمنة، وكان قد تولاها عشية الخميس وليلة الجمعة إلى ارتفاع الضحى، وهو يقول لأصحابه: ازحفوا قيد هذا الرمح.\rويزحف بهم نحو أهل الشام، فإذا فعل ذلك بهم قال: ازحفوا قيد هذا القوس. فإذا فعلوه سألهم مثل ذلك، حتى مل أكثر الناس الإقدام، فلما رأى الأشتر ذلك دعا بفرسه فركبه وترك رايته مه حيان بن هوذة النخعي، وخرج يسير في الكتائب ويقول: من يشري نفسه ويقاتل مع الأشتر حتى يظهر أو يلحق بالله؟ فاجتمع إليه جمع كثير، فيهم حيان بن هوذة النخعي وغيره، فرجع بهم إلى المكان الذي كان فيه، وقال لهم: \" شدوا شدة - فدىً لكم خالي وعمي - ترضون بها الرب، وتعزون بها الدين \" ثم نزل فضرب وجه دابته، وقال لصاحب رايته: أقدم بها.\rوحمل بالقوم فضرب أهل الشام حتى انتهى بهم إلى عسكرهم، فقاتلوه عند العسكر قتالاً شديداً، وقتل صاحب رايته، فلما رأى علي الظفر من ناحيته أمده بالرجال.\rفقال عمرو لوردان: تدري ما مثلي ومثلك ومثل الأشتر؟ قال: لا. قال \" كالأشقر إن تقدم عقر وإن تأخر عقر؟! لئن تأخرت لأضربن عنقك! \" قال: أما والله يا أبا عبد الله لأوردنك حياض الموت ضع يدك على عاتقي. ثم جعل يتقدم ويتقدم ويقول: والله لأوردنك حياض الموت. واشتد القتال.\rفلما رأى عمرو أن أمر أهل العراق قد اشتد، وخاف الهلاك، قال لمعاوية: هل لك في أمرٍ أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعاً ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم. قال: \" نرفع المصاحف، ثم نقول لما فيها هذا حكم الله بيننا وبينكم، فإن أبى بعضهم أن يقبلها وجدت فيهم من يقول: ينبغي لنا أن نقبل. فتكون فرقة بينهم، فإن قبلوا ما فيها رفعنا القتال عنا إلى أجل \" .\rرفع أهل الشام المصاحف\rوما تقرر من أمر التحكيم وكثاب القضية\rقال: ولما أشار عمرو بن العاص على معاوية برفع المصاحف أمر برفعها، فرفعت بالرماح، وقال: \" هذا كتاب الله بيننا وبينكم، من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟ \" .\rفلما رآها الناس قالوا: نجيب إلى كتاب الله! فقال لهم علي رضي الله عنه: \" عباد الله، امضوا على حقكم وصدقكم قتال عدوكم، فإن معاوية وعمراً وابن أبي معيط وحبيباً وابن أبي سرح والضحاك ليسوا بأصحاب دينٍ ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالاً ثم رجالاً، فكانوا شر أطفالٍ وشر رجال! ويحكم! والله ما رفعوها إلا خديعةً ووهناً ومكيدة! \" فقالوا له: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله! فقال لهم علي رضي الله عنه: \" فإني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الله، فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم، ونسوا عهده، ونبذوا كتابه! \" . فقال معسر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة من القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: \" يا علي، أجب إلى كتاب الله عز وجل إذا دعيت إليه، وإلا دفعناك برمتك إلى القوم أو ونفعل بك كما فعلنا بابن عفان! \" :قال: \" فاحفظوا عني نهيي إياكم، واحفظوا مقالتكم لي، فإن تطيعوني فقاتلوا، وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم! \" .","part":5,"page":359},{"id":2360,"text":"قالوا: ابعث إلى الأشتر فليأتيك. فبعث علي يزيد بن هانئ إلى الأشتر يستدعيه، فقال: \" ليست هذه الساعة بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي، إني رجوت أن يفتح الله لي! \" .\rفرجع يزيد فأخبره، وارتفعت الأصوات، وارتفع الرهج من ناحية الأشتر، فقالوا: والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل! فقال: \" هل رأيتموني ساررته؟ أليس كلمته على رؤوسكم وأنتم تسمعون؟ \" فقالوا: \" ابعث إليه فليأتك، وإلا والله اعتزلناك! \" فقال: \" ويلك يا يزيد! قل له أقبل إلي، فإن الفتنة قد وقعت! \" فأبلغه ذلك، فقال الأشتر ألرفع المصاحف؟ قال: نعم. قال: \" والله لقد ظننت أنها ستوقع اختلافاً وفرقة، إنها مشورة ابن العاص، ألا ترى إلى الفتح؟ ألا ترى ما يلقون؟ ألا ترى ما صنع الله لنا؟ أينبغي أن أدع هؤلاء وأنصرف عنهم؟ \" فقال له يزيد: أتحب أ، تظفر وأمير المؤمنين يسلم إلى عدوه أو يقتل؟ قال: \" لا والله! سبحان الله! \" فأعلمه بقولهم، فأقبل إليهم الأشتر وقال: \" يا أهل العراق، يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟ وهم والله تركوا ما أمر الله به فيها وسنة من أنزلت عليه! فأمهلوني فواقاً فإني قد أحسست بالفتح، قالوا: لا. قال: أمهلوني عدو الفرس فإني قد طمعت في النصر قالوا: إذن ندخل معك في خطيئتك! قال: \" فخبروني عنكم متى كنتم محقين؟ : أحين تقاتلون وخياركم يقتلون؟ فأنتم الآن إذا أمسكتم عن القتال مبطلون! أم أنتم الآن محقون؟ فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم وهم خيرٌ منكم في النار! \" فقالوا: \" دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم لله، وندع قتالهم لله! \" فقال: \" خدعتم فانخدعتم ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب الجباه السود، كنا نظن صلاتكم زهادةً في الدنيا وشوقاً إلى لقاء الله، فلا أرى مرادكم إلا الدنيا، ألا قبحا يا أشباه النيب الجلالة، ما أنتم برائين بعدها عزاً أبداً، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون! \" فسبوه وسبهم، وضربوا وجه دابتهم بسياطهم، وضرب وجوه دوابهم بسوطه، فصاح به وبهم علي رضي الله عنه، فكفوا.\rوقال الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكماً. فجاء الأشعث بن قيس إلى علي فقال له: أرى الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من حكم القرآن، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد. قال: إيته. فأتاه فقال: يا معاوية لأي شيء رفعتم هذه المصاحف؟ قال: \" لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه، تبعثون رجلاً ترضون، ونبعث رجلاً نرضى به، نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله لا يعدوانه، ثم نتبع ما اتفقا عليه \" .\rفقال له الأشعث: \" هذا الحق، هذا الحق \" . فعاد إلى علي فأخبره، فقال الناس: قد رضينا وقبلنا.\rفقال أهل الشام: قد رضينا عمراً. فقال الأشعث وأولئك القوم الذين صاروا خوارج: فإنا قد رضينا بأبي موسى الأشعري. فقال علي رضي الله عنه: \" قد عصيتموني في أول الأمر، فلا تعصوني الآن، لا أرى أن أولى أبا موسى \" . فقال الأشعث وزيد بن حصين ومسعر بن فدكي: لا نرضى إلا به فإنه قد حذرنا ما وقعنا فيه! قال علي \" فإنه ليس لي بثقة، قد فارقني وخذل الناس عني، ثم هرب مني حتى آمنته بعد أشهر، ولكن هذا ابن عباس أوليه ذلك \" . قالوا \" والله ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس، لا نريد إلا رجلاً هو منك ومن معاوية سواء \" . قال علي: فإني أجعل الأشتر. قالوا: وهل سعر الأرض غير الأشتر؟ قال: قد أبيتم إلا أبا موسى. قالوا: نعم: قال: فاصنعوا ما أردتم! فبعثوا إليه وقد اعتزل القتال وهو بغرض فأتاه مولىً له فقال: إن الناس قد اصطلحوا. فقال الحمد لله. قال: قد جعلوك حكماً. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون وجاء أبو موسى حتى دخل في العسكر.\rوجاء الأشتر علياً فقال: ألزني بعمرو بن العاص، فوالله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه!.","part":5,"page":360},{"id":2361,"text":"وجاء الأحنف بن قيس فقال: \" يا أمير المؤمنين، إنك قد رميت بحجر الأرض، وإني قد عجمت أبا موسى وحلبت أشطره، فوجدته كليل الشفرة قريب القعر، وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ويبعد عنهم حتى يصير بمنزلة النجم منهم،فإن أبيت أن تجعلني حكماً فاجعلني ثانياً أو ثالثاً، فإنه لن يعقد عقدة إلا حللتها، ولا يحل عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكم منها! \" . فأبى الناس إلا أبا موسى والرضا بالكتاب، فقال الأحنف بن قيس: إن أبيتم إلا أبا موسى فأدفئوا ظهره بالرجال.\rوحضر عمرو بن العاص عند علي لتكتب القضية بحضوره، فكتبوا \" بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين \" فقال عمرو: هو أميركم أما أميرنا فلا. فقال له الأحنف: لا تمح اسم أمير المؤمنين فإني أتخوف إن محوتها ألا ترجع إليك أبداً، لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضا، فأبى ذلك عليٌ ملياً من النهار، ثم قال الأشعث بن قيس: امح هذا الاسم. فمحي، فقال علي رضي الله عنه: \" الله أكبر! سنة بسنة، والله إني لكاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، فكتبت، \" محمد رسول الله \" فقالوا: لست برسول الله ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فأمرني رسول الله عليه الصلاة والسلام بمحوه، فقلت: لا أستطيع. فقال أرنيه. فأريته فمحاه بيده وقال: إنك ستدعى إلى مثلها فتجيب! \" . فقال عمرو: \" سبحان الله! أنشبه بالكفار ونحن مؤمنون؟ \" فقال عليٌ رضي الله عنه: يا ابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين ولياً وللمؤمنين عدواً؟ فقال عمرو: والله لا يجمع بيني وبينك مجلسٌ أبداً! فقال علي: إني لأرجو أن يطهر الله مجلسي منك ومن أشباهك. وكتب الكتاب: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل الكوفة ومن معهم وقاضى معاوية على أهل الشام ومن معهم، أنا ننزل عند حكم الله وكتابه، وألا يجمع بيننا غيره، وأن كتاب الله بيننا من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا ونميت ما أمات، فما وجد الحكمان في كتاب الله - وهما أبو موسى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص - عملا به، وما لم يجداه في كتاب الله تعالى فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة. وأخذ الحكمان من علي رضي الله عنه ومن معاوية ومن الجند من العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وعلى أهلهما، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة ولا يرداها في حرب ولا فرقةً حتى يعصيا، وأجلا القضاء إلى رمضان، وإن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه، وإن مكان قضيتهما مكان عدل بين أهل الكوفة وأهل الشام.\rوشهد جماعة من الطائفتين. وقيل للأشتر لتكتب فيها. فقال: \" لا صحبتني يميني ولا نفعتني بعدها شمالي إن خط لي في هذه الصحيفة خط! أولست على بينة من ربي من ضلال عدوي؟ أولستم قد رأيتم الظفر؟ \" . فقال له الأشعث: ما رأيت ظفراً هلم إلينا فإنه لا رغبة بك عنا. فقال: \" بلى والله الرغبة عنك في الدنيا للدنيا وفي الآخرة للآخرة! ولقد سفك الله بسيفي دماء رجال ما أنت عندي خير منهم ولا أحرم دماً! \" .\rقال: وخرج الأشعث بالكتاب يقرأه على الناس حتى مر على طائفةٍ من بني تميم، فيهم عروة بن أدية أخو أبي بلال فقرأه عليهم، فقال عروة: تحكمون في أمر الله الرجال، لا حكم إلا لله. ثم شد بسيفه فضرب به عجز دابة الأشعث ضربة خفيفةً، فاندفعت الدابة، فصاح به أصحاب الأشعث فرجع. وكتب الكتاب يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبعٍ وثلاثين.. واتفقوا أن يكون اجتماع الحكمين بدومه الجندل أو بأزرخ، في شهر رمضان.\rقال: وقيل لعلي: إن الأشتر لا يقر بما في الصحيفة ولا يرى إلا قتال القوم. فقال عليٌ رضي الله عنه: \" وأنا والله ما رضيت ولا أحببت أن ترضوا، فإذ أبيتم إلا أن ترضوا فقد رضيت، وإذ رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضى ولا التبديل بعد الإقرار، إلا أن يعصى الله ويتعدى كتابه، فتقاتلوا من ترك أمر الله. وأما الذي ذكرتم من تركه أمري وما أنا عليه فليس من أولئك، ولست أخافه على ذلك، يا ليت فيكم مثله اثنين، يا ليت فيكم مثله واحد يرى في عدوي ما أرى، إذن لخفت على مؤنتكم، ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم، وقد نهيتكم فعصيتموني فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:","part":5,"page":361},{"id":2362,"text":"وهل أنا إلاّ من غزيّة إن غوت ... غويت وإن ترشد غزيّة أرشد\rوالله لقد فعلتم فعلةً ضعضعت قوة، وأسقطت منة، وأورثت وهناً وذلةً، ولما كنتم الأعلين، وخاف عدوكم الاجتياح، واستحر بهم القتل، ووجدوا ألم الجراح، رفعوا المصاحف فدعوكم إلى ما فيها ليفتنوكم عنه، ويقطعوا الحرب، ويتربصوا بكم ريب المنون، خديعةً ومكيدةً، فأعطيتموهم ما سألوا، وأبيتم إلا أن تدهنوا وتحيروا، وايم الله ما أظنكم بعدها توفقون لرشد، ولا تصيبون باب حزم \" .\rقال: ثم تراجع الناس عن صفين. هذا ما أورده أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه، وهو الذي اعتمد عليه عز الدين علي بن محمد بن الأسير الموصلي في تاريخه الكامل، من حرب صفين، وقد أسقطنا بعض ما أورداه، وأتينا بألفاظ لم يأتيا بها نسبناها إلى من حكاها: وأخبار أيام صفين كثيرة، قد بسط أهل التاريخ فيها القول، وذكروا ما اتفق في أيامها يوماً يوماً، رأينا ترك ذلك والإغضاء عنه أولى، وكنا نؤثر ألا نلم بذكر أيام صفين ولا وقعة الجمل، وإنما ضرورة التاريخ دعت إلى ذلك. وحكى أبو عمر بن عبد البر في ترجمة بسر بن أرطاة من كتابه الاستيعاب: أن معاوية أأ أمر بسر بن أرطاة بن أبي أرطاة، وكان معه بصفين على أن يلقى علياً في القتال، وقال له: \" سمعتك تتمنى لقاءه، فلو أظفرك الله فصرعته حصلت على دنيا وآخرة \" ، ولم يزل يشجعه ويمنيه حتى رآه فقصده في الحرب، قال: وكان بسر بن أرطاة من الأبطال الطغاة، فالتقيا، فصرعه عليٌ وعرض له معه مثل ما عرض - فيما ذكر - لعلي مع عمرو بن العاص.\rقال وذكر ابن الكلبي في كتابه في أخبار صفين أن بسر بن أرطاة بارز علياً يوم صفين فطعنه عليٌ فصرعه، فانكشف له، فكف عنه، كما عرض له - فيما ذكروا - مع عمرو بن العاص، ولهم فيها أشعار مذكورة في موضعها من ذلك الكتاب، منها فيما ذكر ابن الكلبي والمدائني قول الحارث بن النضر السهمي - وكان عدواً لعمرو بن العاص وبسر بن أرطاة - :\rأفي كلّ يومٍ فارسٌ ليس ينتهي ... وعورته بين العجاجة باديه\rيكفّ لها عنه عليٌّ سنانه ... ويضحك منه في الخلاء معاويه\rبدت أمس من عمروٍ فقنّع رأسه ... وعورة بسرٍ مثلها حذو حاذيه\rفقولا لعمرو ثم بسرٍ: ألا انظرا ... سبيلكما، لا تلقيا الليث ثانيه\rولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما ... هما كانتا والله للنّفس واقيه\rولولاهما لم تنجوا من سنانه ... وتلك بما فيها عن العود ناهيه\rوكونا بعيداً حيث لا تبلغ القنا ... نحوركما إنّ التجارب كافيه\rقال أبو عمر: إنما كان انصراف علي عنهما وعن أمثالهما من مصروع أو منهزم، بأنه كان لا يرى في قتال الباغين عليه من المسلمين أن يتبع مدبراً ولا يجهز على جريح ولا يقتل أسيراً، وتلك عادته في حروبه في الإسلام، رضي الله عنه.\rوروى أبو عمر ابن عبد البر أيضاً بسند يرفعه إلى يزيد ابن حبيب قال: اصطحب قيس بن خرشة، وكعب الأحبار، حتى إذا بلغا صفين وقف كعبٌ ثم نظر ساعةً فقال: \" لا إله إلا الله، ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيءٌ لم يهرق ببقعة من الأرض \" فغضب قيسٌ وقال: \" وما يدريك يا أبا إسحاق؟ فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله به \" فقال كعب: ما من شبر من الأرض إلا وهو مكتوب في التوراة التي أنزل الله على نبيه موسى بن عمران عليه السلام ما يكون عليه إلى يوم القيامة. واختلف في عدة من شهد صفين، فقيل كان جيش علي رضي الله عنه تسعين ألفاً، وجيش معاوية مائةً وعشرين ألفاً وقيل أقل من ذلك. وقتل من العراق خمسة وعشرون ألفاً منهم عمار بن ياسر وخمسة وعشرون بدرياً، وقتل من عسكر معاوية خمسة وأربعون ألفاً. قال، ولما رجع علي رضي الله عنه إلى الكوفة خالفه الحرورية وأنكروا تحكيم الرجال، وكان من أمرهم ما نذكره إن شاء الله في أخبار الخوارج على علي، وكان فيما بين رجوع علي واجتماع الحكمين ما نذكره إن شاء الله تعالى في حوادث السنين.\rاجتماع الحكمين","part":5,"page":362},{"id":2363,"text":"قال: ولما جاء وقت اجتماع الحكمين أرسل علي رضي الله عنه أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ الحارثي، وأرسل عبد الله بن عباس يصلي بهم ويلي أمورهم، ومعهم أبو موسى الأشعري. وأرسل معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام، حتى توافوا من دومة الجندل بأزرح وكان عمرو إذا أتاه كتاب من معاوية لا يدري أحدٌ ما جاء فيه، ولا يسأله أهل الشام عن شيء، وكان أهل العراق يسألون ابن عباس عن كل كتاب يصل إليه من علي، فإن كتمه ظنوا به الظنون وقالوا: نراه كتب بكذا وكذا، فقال لهم ابن عباس رضي الله عنه: \" أما تعقلون، أما ترون رسول معاوية يجيء فلا يعلم أحد بما جاء به ولا يسمع لهم صياح؟ وأنتم عندي كل يوم تظنون الظنون \" . قال وحضر معه عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن الحارث بن هشام، وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري، وأبو جهم بن حذيفة العدوي، والمغيرة بن شعبة.\rوكان سعد بن أبي وقاص على ماء لبني سليم بالبادية، فأتاه ابنه عمر فقال له: \" إن أبا موسى وعمراً قد شهدهم نفرٌ من قريش فاحضر معهم، فإنك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد أصحاب الشورى، ولم تدخل في شيء كرهته هذه الأمة، وأنت أحق الناس في الخلافة \" فلم يفعل، وقيل: بل حضرهم سعد وندم على حضوره، فأحرم بعمرةٍ من بيت المقدس.\rقال: ولما اجتمع الحكمان قال عمرو بن العاص، يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوما، قال أشهد. قال: ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه؟ قال: بلى.. قال: \" فما يمنعك منه وبيته في قريش كما قد علمت؟ فإن خفت أن يقول الناس ليست له سابقة فقل: وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم، والطالب بدمه، الحسن السياسية والتدبير، وهو أخو أم حبيبة زوج النبي عليه الصلاة والسلام وكاتبه، وقد صحبه \" وعرض له عمرو بسلطان، فقال أبو موسى: \" يا عمرو، اتق الله! أما ما ذكرت من شرف معاوية فإن هذا ليس على الشرف يولاه أهله، ولو كان على الشرف لكان لآل أبرهة بن الصباح، إنما هو لأهل الدين والفضل، مع أني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفاً أعطيته علي بن أبي طالب، وأما قولك إن معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر، فلم أكن لأوليه معاوية وأدع المهاجرين الأولين، وأما تعريضك لي بالسلطان؛ فوالله لو خرج لي معاوية من سلطانه كله ما وليته، وما كنت لأرتشي في حكم الله، ولكنك إن شئت أن تحيي اسم عمر بن الخطاب \" قال له عمرو: فما يمنعك من ابني عبد الله وأنت تعلم فضله وصلاحه؟ فقال له: إن ابنك رجل صدق، ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة.\rفقال عمرو: إن هذا الأمر لا يصلح إلا لرجل يأكل ويطعم. كانت في ابن عمر غفلة، فقال له: ابن الزبير: افطن وانتبه، فقال: والله لا أرشو عليها شيئاً أبداً. وقال: يا ابن العاص إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعدما تقارعوا بالسيوف فلا تردنهم في فتنة.\rوكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في الكلام، يقول له: أنت صاحب رسو الله صلى الله عليه وسلم وأسن مني فتكلم. فتعود ذلك أبو موسى، وأراد عمرو بذلك كله أن يقدمه في خلع علي. فلما أراده عمرو على ابنه وعلى معاوية فأبى، وأراد أبو موسى عمراً على ابن عمر فأبى عمر، قال له عمرو: خبرني ما رأيك؟ قال: \" أرى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى، فيختار المسلمون لأنفسه ممن أحبوا \" . فقال عمرو: الرأي ما رأيت.","part":5,"page":363},{"id":2364,"text":"فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون، فقال عمرو: يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اتفق. فتكلم أبو موسى فقال: إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة. فقال عمرو: صدق وبر، تقدم يا أبا موسى. فتقدم أبو موسى، فقال له ابن عباس: \" ويحك! والله إني لأظنه قد خدعك، إن كنتما قد اتفقتما على أمر فتقدمه فليتكلم به قبلك، فإنه رجل غادر، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضى بينكما، فإذا قمت في الناس خالفك! \" وكان أبو موسى مغفلاً، فقال: إنا قد اتفقنا، فتقدم فقال: \" أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة، فلم نرى أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع علي ومعاوية ويولي الناس أمرهم من أحبوا، وإني خلعت علياً ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه أهلاً \" . ثم تنحى، وأقبل عمر فقام وقال: \" إن هذا قد قال ما سمعتموه، وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي عثمان بن عفان، والطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه \" ، فقال سعد: ما أضعفك يا أبا موسى عن عمرو ومكايده! وقال أبو موسى: فما أصنع؟ وافقني على أمر ثم نزع عنه! فقال ابن عباس: لا ذنب لك يا أبا موسى الذنب لمن قدمك في هذا المقام! قال: غدر فما أصنع؟ قال ابن عمر انظروا إلى ما صار أمر هذه الأمة: إلى رجل لا يبالي ما صنع وآخر ضعيف. وقال عبد الرحمن ابن أبي بكر: لو مات الأشعري قبل هذا اليوم كان خيراً له. وقال أبو موسى لعمرو: \" لا وفقك الله، غدرت وفجرت، إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث \" فقال له عمرو: إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً. قال: والتمس أهل الشام أبا موسى فهرب إلى مكة، ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية فسلموا عليه بالخلافة، ورجع ابن عباس وشريح إلى علي رضي الله عنه، وكان علي إذا صلى الغداة يقنت فيقول، اللهم العن معاوية وعمراً وأبا الأعور وحبيباً وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد. فبلغ ذلك معاوية، فكان إذا قنت لعن علياً وابن عباس والحسن والحسين والأشتر. وقيل: إن معاوية حضر الحكمين، وأنه قام عشية في الناس فقال: أما بعد، من كان متكلماً في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه. قال ابن عمر: فأطلقت حبوتي وأردت أن أقول: \" يتكلم فيه رجال قاتلوك وأباك على الإسلام \" فخشيت أن أقول كلمةً تفرق الجماعة ويسفك بها دمٌ، فكان ما وعد الله في الجنان أحب إلي من ذلك، فلما انصرفت إلى المنزل جاءني حبيب بن مسلمة فقال: ما منعك أن تتكلم حين سمعت هذا الرجل يتكلم؟ قلت: أردت ذلك ثم خشيت. فقال حبيب: وفقت وعصمت. وقد ورد ذلك في الصحيح.\rأخبار الخوارج\rالذين خرجوا على عهد علي وما كان من أمرهم كان أول من خرج على علي رضي الله عنه حسكة بن عتاب الحبطي، وعمران بن فضيل البرجمي، خرجا في صعاليك من العرب بعد الفراغ من وقعة الجمل، حتى نزلوا زالق من سجستان، وقد نكبوا أهلها فأصابوا منها مالاً، ثم أتوا زرنج وقد خافهم مرزبانها فصالحهم ودخلوها، فبعث علي عبد الرحمن ابن جرو الطائي فقتله حسكة، فكتب علي إلى عبد الله بن عباس يأمره أن يولي سجستان رجلا، ويسيره إليها في أربعة آلاف، فوجه ربعي بن كأس العنبري، ومعه الحصين بن أبي الحر العنبري، فلما ورد سجستان قاتلهم حسكة فقتلوه وضبط ربعي البلاد.\rقال ابن الأثير وكان فيروز حصين ينسب إلى الحصين ابن أبي الحر هذا، وهو من سجستان.\rخبرهم بعد صفين","part":5,"page":364},{"id":2365,"text":"قد ذكرنا في وقعة صفين أنه لما رفعت المصاحف، تكلم أولئك القوم مع علي بما ذكرناه، وأبوا إلا ترك الحرب والرجوع إلى كتاب الله، وموافقة علي رضي الله عنه لهم فيما رأوه، على كره منه. فلما رجع علي فن صفين بعد كتابة الصحيفة، خالفت عليه الحرورية وأنكروا تحكيم الرجال، ورجعوا على غير الطريق الذي أقبلوا فيه، أخذوا على طريق البر وعادوا وهم أعداء متباغضون، يقطعون الطريق بالتشاتم والتضارب بالسياط، يقول الخوارج: يا أعداء الله أدهنتم في أمر الله! ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا وفرقتم جماعتنا! فلما انتهى علي إلى الكوفة فارقته الخوارج وأتت حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفاً، ونادى مناديهم: \" إن أمير القتال شبث بن ربعي التميمي، وأمير الصلاة عبد الله بن الكواء اليشكري، والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر \" . فلما سمع علي رضي الله عنه وأصحابه ذلك، قامت إليه الشيعة فقالوا له: \" في أعناقنا بيعة ثابتة نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت \" ز فقالت الخوارج: \" استبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان، بايع أهل الشام معاوية على ما أحب وكرهوا، وبايعتم أنتم علياً أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى \" فقال لهم زياد بن النضر: \" والله ما بسط علي يده فبايعناه قط إلا على كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، ولكنكم لما خالفتموه جاءته شيعته فقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت، ونحن كذلك، وهو على الحق والهدى، ومن خالفه ضال مضل \" . قال: وبعث عليٌ رضي الله عنه عبد الله بن العباس إلى الخوارج، وقال له لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك. فخرج إليهم، فأقبلوا يكلمونه، فلم يصبر حتى راجعهم، فقال، \" ما نقمتم من الحكمين، وقد قال الله عز وجل: إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما فكيف بأمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ \" . فقالت الخوارج: \" أما ما جعل الله حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم، وما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه، حكم في الزاني مائة جلدة، وفي السارق القطع، فليس للعباد أن ينظروا في هذا \" . قال ابن عباس: فإن الله تعالى يقول يحكم به ذوا عدل منكم فقالوا: وتجعل الحكم في الصيد والحدث بين المرأة وزوجها كالحكم في دماء المسلمين؟ وقالوا له: أعدلٌ عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يقاتلنا؟ فإن كان عدلاً فلسنا بعدول، وقد حكمتم في أمر الله الرجال، وقد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا، وقد كتبتم بينكم وبينهم كتاباً وجعلتم بينكم الموادعة، وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت \" براءة \" إلا من أقر بالجزية.\rوبعث علي رضي الله عنه زياد بن النضر فقال: انظر بأي رؤوسهم هم أشد إطافة. فأخبره أنه لم يرهم عند رجل أكثر منهم عند يزيد ابن قيس، فخرج علي رضي الله عنه في الناس حتى أتى فسطاط يزيد ابن قيس، فدخله، فصلى فيه ركعتين، وأمره على أصبهان والري، ثم خرج حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس، فقال له: ألم أنهك عن كلامهم؟ ثم تكلم فقال: اللهم هذا مقام من يفلج فيه كان أولى بالفلج يوم القيامة. ثم: قال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء قال: فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتكم يوم صفين. قال: \" أنشدكم الله، أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف، وقلتم نجيبهم، قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم، إنهم ليسوا بأصحاب دين! \" وذكر ما كان قال لهم، ثم قال \" وقد اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيى القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف، وإن أبيا فنحن من حكمهما براء \" . قالوا: فخبرنا أتراه عدلاً تحكيم الرجال في الدماء؟ فقال: \" إنا لسنا حكمنا الرجال، إنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين، لا ينطق، إنما يتكلم به الرجال \" قالوا: فأخبرنا عن الأجل لم جعلته بينكم؟ قال: \" ليعلم الجاهل، ويثبت العالم، ولعل الله عز وجل يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة، ادخلوا مصركم رحمكم الله \" . فدخلوا من عند آخرهم.\rخبرهم عند توجيه الحكمين","part":5,"page":365},{"id":2366,"text":"قال: لما أراد علي رضي الله عنه أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه رجلان من الخوارج، وهما زرعة بن برج الطائي وحرقوص ابن زهير السعدي، فقالا له: لا حكم إلا لله تعالى، فقال علي رضي الله عنه: لا حكم إلا لله تعالى، قال حرقوص: \" تب من خطيئتك، وارجع عن قضيتك، وارجع بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا \" . فقال علي: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتاباً، وشرطنا شروطاً، وأعطينا عليها عهوداً، وقد قال الله تعالى: \" وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم \" فقال حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه. فقال علي رضي الله عنه: ما هو ذنب ولكنه عجز من الرأي، وقد نهيتكم، فقال زرعة: يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال لأقاتلنك أطلب وجه الله. فقال علي: \" بؤساً لك! ما أشقاك! كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح! \" قال: وددت لو كان ذلك، فخرجا من عنده يحكمان.\rوخطب علي رضي الله عنه يوماً، فحكمت المحكمة في جوانب المسجد، فقال علي: \" الله أكبر! كلمة حق أريد بها باطل إن سكتوا غممناهم، وإن تكلموا حججناهم وإن خرجوا علينا قاتلناهم \" .\rفوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال: \" الحمد لله غير مودع ربنا ولا مستغني عنه، اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا، فإن إعطاء الدنية في الدين إدهان في أمر الله وذل راجع بأهله إلى سخط الله، يا علي أبالقتل تخوفنا؟ أما إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات، ثم لتعلم أينا أولى بها صلياً \" . ثم خرج هو وإخوة له ثلاثة، فأصيبوا مع الخوارج بالنهروان، وأصيب أحدهم بعد ذلك بالنخيلة.\rثم خطب علي رضي الله عنه يوماً آخر، فقام رجل فقال: لا حكم إلا لله، ثم توالى عدة رجال يحكمون، فقال علي: \" الله أكبر كلمة حق أريد بها باطل، أما إن لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تبدأونا، وإنما ننظر فيكم أمر الله \" . ثم رجع إلى مكانه من الخطبة.\rاجتماع الخوارج بعد الحكمين\rوتوليتهم أمرهم عبد الله بن وهب وخروجهم عن الكوفة، وانضمام خوارج البصرة إليهم، وما كاتبهم علي به وجوابهم وغير ذلك قال: ولما كان من أمر الحكمين ما ذكرناه، لقي بعض الخوارج بعضاً واجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، فخطبهم، فزهدهم في الدنيا، وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة، فقال حرقوص بن زهير: \" إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون \" وقال حمزة بن سنان الأسدي: \" يا قوم، إن الرأي ما رأيتم فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد ورايةٍ تحفون بها، وترجعون إليها \" فعرضوها على زيد بن حصين الطائي فأبى، وعرضوها على حرقوص فأبى، وعلى حمزة بن سنان وشريح ابن أوفى العبسي فأبيا، وعرضوها على عبد الله بن وهب فقال: \" هاتوها، وأما لا آخذها رغبةً في الدنيا، ولا أدعها فرقاً من الموت \" فبايعوه لعشر خلون من شوال سنة سبع وثلاثين، وكان يقال: له ذو الثفنات.\rثم اجتمعوا في منزل شريح بن أوفي العبسي، فقال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها لإنفاذ حكم الله فإنكم أهل الحق. قال شريح: \" نخرج إلى المدائن، فننزلها، ونأخذ بأبوابها، ونخرج منها سكانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا \" . فقال زيد بن حصن: \" إنكم إن خرجتم مجتمعين تتبعتم، ولكن اخرجوا واحدنا مستخفين، فأما المدائن فإن بها من يمنعكم، ولكن سيروا حتى تنزلوا من جسر النهروان، وتكاتبوا إخوانكم من أهل البصرة \" . قالوا: هذا الرأي.\rوكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة منهم يعلمهم ما اجتمعوا عليه، ويحثهم على اللحاق بهم، وسير الكتاب إليهم، فأجابوا.","part":5,"page":366},{"id":2367,"text":"قال: ولما غزم من بالكوفة من الخوارج على الخروج، تعبدوا ليلتهم - وكانت ليلة الجمعة - ويوم الجمعة، وساروا يوم السبت، فخرج شريح بن أوفي العبسي وهو يتلو قول الله تعالى: \" فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين، ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني إلى سواء السبيل \" .\rقال: وخرج معهم طرفة بن عدي بن حاتم الطائي، فأتبعه أبوه ليرده فلم يقدر عليه، فانتهى إلى المدائن ثم رجع.\rوأرسل عدي إلى سعد بن مسعود عامل علي على المدائن يحذره أمرهم، فحذر، وأخذ أبواب المدائن، وخرج في الخيل، واستخلف بها أخيه المختار بن أبي عبيد، وسار في طلبهم فأخبر عبد الله ابن وهب خبره، فترك طريقه وسار على بغداد، ولحقهم سعد بن مسعود بالكرج في خمسمائة فارس عند المساء، فانصرف إليهم عبد الله في ثلاثين فارساً، فاقتتلوا ساعة وامتنع القوم منهم، وقال أصحاب سعد لسعد. \" ما تريد من قتال هؤلاء ولم يأتك فيهم أمر، خلهم فليذهبوا، واكتب إلى أمير المؤمنين، فإن أمرك باتباعهم فاتبعهم، وإن كفاكهم غيرك كان في ذلك عافية لك \" فأبى عليهم، فلما جن عليهم الليل عبر عبد الله بن وهب دجلة إلى أرض جوخى، وسار إلى النهروان، فوصل إلى أصحابه وقد أيسوا منه.\rوسار جماعة من أهل الكوفة يريدون الخوارج ليكونوا معهم، فردهم أهلوهم كرهاً، منهم القعقعاع بن قيس الطائي عم الطرماح ابن حكيم، وعبد الله بن حكيم بن عبد الرحمن البكائي.\rقال: ولما خرجت الخوارج من الكوفة أتى علياً أصحابه وشيعته فبايعوه، وقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت. فشرط لهم فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل، وجعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي، فعلم بهم ابن عباس، فأتبعهم أبا الأسود الدؤلي، فلحق بهم بالجسر الأكبر، فتواقفوا حتى حجز بينهم الليل، وأدلج مسعر بأصحابه، وسار حتى لحق بعبد الله بن وهب.\rقال: ولما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى الأشعري إلى مكة، ورد علي ابن عباس رضي الله عنهما إلى البصرة، قام علي بالكوفة خطيباً فقال: \" الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أما بعد، فإن المعصية تورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة أمري، ونحلتكم رأيي، لو كان لقصير أمر، ولكن أبيتم إلا ما أردتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازان:\rأمرتهمو أمري بمنعرج اللّوى ... فلم يستبينوا الرّشيد إلا ضحى الغد\rألا إن هذين الرجلين الذين اخترتموهما حكمين، قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدىً من الله، فحكما بغير حجةٍ بينة ولا سنة ماضية، واختلفا في حكمهما وكلاهما لم يرشد، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، استعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام، وأصبحوا في معسكركم إن شاء الله يوم الإثنين \" . ثم نزل.\rوكتب إلى الخوارج بالنهروان: \" بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زيد بن حصنٍ وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس، أما بعد فإن الرجلين الذين ارتضينا حكمين قد خالفا كتاب الله تعالى، واتبعا أهواءهما بغير هدىً من الله، فلم يعملا بالسنة، ولم ينفذا للقرآن حكماً، فبرئ الله منهما ورسوله والمؤمنون، فإذا بلغكم كتابي هذا فأقبلوا إلينا، فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم، ونحن على الأمر الأول الذي كنا عليه \" .\rفكتبوا إليه: \" أما بعد فإنك لم تغضب لربك، وإنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة، نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء إن الله لا يحب الخائنين \" .","part":5,"page":367},{"id":2368,"text":"فلما قرأ كتابهم أيس منهم، ورأى أن يدعهم ويمضي بالناس حتى يناجز أهل الشام فقام في أهل الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \" أما بعد فإنه من ترك الجهاد في الله وداهن في أمره كان على شفا هلكة، إلا أن يتداركه الله بنعمته، فاتقوا الله تعالى، وقاتلوا من حاد الله، وحاول أن يطفئ نور الله، وقاتلوا الخاطئين الضالين القاسطين، الذين ليسوا بقراء القرآن ولا فقهاء في الدين، ولا علماء بالتأويل، ولا لهذا الأمر بأهل في سابقة الإسلام، والله لو ولوا عليكم لعملوا فيكم بأعمال كسرى وهرقل، تيسروا للمسير إلى عدوكم من أهل المغرب، وقد بعثنا إلى إخوانكم من أهل البصرة ليقدموا عليكم، فإذا اجتمعتم أيس أ شخصنا إن شاء الله تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله \" .\rوكتب إلى ابن عباس رضي الله عنه: \" أما بعد فإنا خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة، وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب، فاشخص إلى الناس حتى يأتيك رسولي، وأقم حتى يأتيك أمري، والسلام عليك \" .\rفقرأ ابن عباس الكتاب على الناس، وندبهم مع الأحنف بن قيس، فشخص ألف وخمسمائة، فخطبهم وقال: \" يا أهل البصرة، أتاني كتاب أمير المؤمنين، فأمرتكم بالنفير إليه، فلم يشخص منكم إلا ألف وخمسمائة، وأنتم ستون ألف مقاتل سوى أبنائكم وعبيدكم. ألا انفروا مع جارية ابن قدامة السعدي، ولا يجعلن رجل على نفسه سبيلا، فإني موقع بكل من وجدته متخلفاً عن دعوته، عاصياً لإمامه، فلا يلومن رجل إلا نفسه \" .\rفخرج جارية واجتمع إليه ألف وسبعمائة، فوافوا علياً وهم ثلاثة آلاف ومائتان.\rفجمع علي رضي الله عنه رؤوس أهل الكوفة ورؤوس الأسباع ووجوه الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \" يا أهل الكوفة، أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق، وأصحابي إلى جهاد المخلين، بكم أضرب المدبر، وأرجو تمام طاعة المقبل، وقد استنفرت أهل البصرة، فأتاني منهم ثلاثة آلاف ومائتان، فليكتب لي رئيس كل قبيلة ما في عشيرته من المقاتلة وأبناء المقاتلة الذين أدركوا القتال، وعبدان عشيرته ومواليهم، ويرفع ذلك إلينا.\rفقام إليه سعيد بن قيس الهمداني فقال: يا أمير المؤمنين، سمعاً وطاعة، أنا أول الناس أجاوب بما طلبت. وقام معقل بن قيس، وعدي بن حاتم، وزياد بن خفصة، وحجر بن عدي، وأشراف الناس والقبائل، فقالوا مثل ذلك، وكتبوا له ما طلب، وأمروا أبناءهم وعبيدهم ومواليهم أن يخرجوا معهم، فرفعوا له أربعين ألف مقاتل وسبعة عشر ألفاً من الأبناء ممن أدرك، وثمانية آلاف من مواليهم وعبيدهم، فكان جميع أهل الكوفة خمسة وستين ألفاً، سوى أهل البصرة وهم ثلاثة آلاف ومائتا رجل.\rوكتب إلى سعد بن مسعود بالمدائن يأمره بإرسال من عنده من المقاتلة، وبلغ علياً رضي الله عنه أن الناس يقولون: \" لو سار بنا إلى قتال هذه الحرورية فإذا فرغنا منهم توجهنا إلى قتال المخلين \" . فقال لهم: \" بلغني أنكم قلتم كيت وكيت! وإن غير هؤلاء الخارجين أهم إلينا، فدعوا ذكرهم، وسيروا إلى قوم يقاتلونكم، كيما يكونوا جبارين ملوكاً، ويتخذوا عباد الله خولاً \" ..\rفناداه الناس أن سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت. وقام إليه صيفي بن نشيل الشيباني فقال: \" يا أمير المؤمنين، نحن حزبك وأنصارك، نعادي من عاداك، ونشايع من أناب إلى طاعتك، فسر بنا إلى عدوك من كانوا وأينما كانوا، فإنك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد، ولا ضعف نية أتباع \" .\rوقام إليه محرز بن شهاب التميمي فقال: \" يا أمير المؤمنين، إن قلب شيعتك كقلب رجل واحد في الاجتماع على نصرتك، والجد في جهاد عدوك، فأبشر بالنصر، وسر بنا إلى أي الفريقين أحببت، فإنا شيعتك الذين نرجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب، ونخاف في خذلانك والتخلف عنك شدة الوبال \" ..\rوأجمع على المسير علي إلى الشام، فشغله عن ذلك أمر الخوارج وقتالهم على ما نذكره.\rقتال الخوارج","part":5,"page":368},{"id":2369,"text":"قيل: كان سبب ذلك أن الخوارج من البصرة لما دنوا من النهروان رأوا رجلاً يسوق بامرأةٍ على حمار، فدعوه وانتهروه فأفزعوه، وقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا له: أفزعناك! قال: نعم قالوا لا روع عليك، حدثنا عن أبيك حديثاً سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفعنا به، فقال: حدثني أبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: تكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه، يمسي فيها مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً، قالوا: لهذا الحديث سألناك، فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيراً. فقالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها؟ قال: إنه كان محقاً في أولها وآخرها، قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال: أقول إنه أعلم بالله منكم، وأشد توقياً على دينه، وأنفذ بصيرة. قالوا: إنك تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحداً، فأخذوه وكتفوه، ثم أقبلوا بامرأته وهي حبلى متم حتى نزلوا تحت نخل مواقر، فسقطت رطبة، فأخذها أحدهم فتركها في فيه، فقال له آخر: أخذتها بغير حلها وبغير ثمن. فألقاها ثم مر بهم خنزير لأهل الذمة، فضربه أحدهم بسيفه، فقالوا له: هذا فساد في الأرض. فلقي صاحب الخنزير فأرضاه. فلما رأى عبد الله بن خباب ذلك منهم قال: \" إن كنتم صادقين فيما أرى فما علي منكم من بأس، إني مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثاً، ولقد أمنتموني، فقلتم: لا روع عليك \" فأضجعوه فذبحوه، وأقبلوا إلى المرأة فقالت: أنا امرأة، ألا تتقون الله. فبقروا بطنها وقتلوا ثلاث نسوة من طيء، وقتلوا أم سنان الصيداوية.\rفلما بلغ علياً رضي الله عنه ذلك بعث إليهم الحارث بن مرة العبدي ليأتيهم، وينظر ما بلغه عنهم، ويكتب به إليه، فلما دنا منهم يسألهم قتلوه. وأتى الخبر إلى علي، فقال له الناس: \" يا أمير المؤمنين علام ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا! سر بنا إلى القوم فإذا فرغنا منهم سر بنا إلى عدونا من أهل الشام \" . فأجمع علي رضي الله عنه على ذلك، وخرج وسار إليهم. فأرسل إليهم أ، ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم أقتلهم بهم، ثم أنا تارككم وكاف عنكم حتى ألقى أهل المغرب، فلعل الله يقبل بقلوبكم، ويردكم إلى خير مما أنتم عليه من أمركم فقالوا: كلنا قتلهم، وكلنا مستحلٌ لدمائكم ودمائهم. فراسلهم مرة بعد أخرى.\rوخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة، فكلمهم ونصحهم، وأشار عليهم بالمراجعة والدخول فيما خرجوا منه، فأبوا. وخطبهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه وحذرهم تعجيل الفتنة. وأتاهم علي رضي الله عنه فكلمهم ووعظهم وذكرهم، فتنادوا: \" لا تخاطبوهم ولا تكلموهم، وتهيئوا للقاء الله، الرواح الرواح إلى الجنة \" .\rفعاد علي عنهم.\rثم إن الخوارج قصدوا الجسر، فقال أصحاب علي له: إنهم عبروا النهر، فقال: لن يعبروه، فأرسلوا طليعة، فعاد. وأخبر أنهم عبروا النهر، وكان بينهم وبينه عطفة من النهر، فلخوف الطليعة منهم لم يقربهم فعاد، فقال: قد عبروا النهر. فقال علي رضي الله عنه: \" والله ما عبروه، وإن مصارعهم لدون الجسر، ووالله لا يقتل منكم عشرة، ولا يسلم منهم عشرة \" . وتقدم علي إليهم فرآهم عند الجسر لم يعبروه، وكان الناس قد شكوا في قوله وارتاب به بعضهم، فلما رأوهم لم يعبروا كبروا وأخبروا علياً رضي الله عنه بحالهم، فقال والله ما كذبت ولا كذبت.\rثم عبأ أصحابه، فجعل على ميمنته حجر بن عدي، وعلى ميسرته شبث بن ربعي أو معقل بن قيس الرياحي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وعلى الرجالة أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه، وعلى أهل المدينة - وهم سبعمائة أو ثمانمائة. قيس ابن سعد ابن عبادة رضي الله عنه.\rوعبأت الخوارج فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصن الطائي، وعلى الميسرة شريح بن أبي أوفى العبسي، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الأسدي، وعلى رجالتهم حرقوص بن زهير السعدي.","part":5,"page":369},{"id":2370,"text":"وأعطى علي رضي الله عنه أبا أيوب الأنصاري راية أمان، فناداهم أبو أيوب فقال: \" من جاء هذه الراية فهو آمن ممن لم يقتل ولم يتعرض، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم \" . فقال فروة بن نوفل الأشجعي: \" والله ما أدري على أي شيء نقاتل علياً؟ : أرى أن أنصرف حتى تتضح لي بصيرتي في قتاله، أو أتابعه \" . فانصرف في خمسمائة فارس، حتى نزل البندنيجين والدسكرة، وخرجت طائفة أخرى متفرقين فنزلوا الكوفة.\rوخرج إلى علي رضي الله عنه نحو مائة،وكان الخوارج في أربعة آلاف؛ فبقي مع عبد الله بن وهب ألف وثمانمائة، فزحفوا إلى علي رضي الله عنه وكان قد قال لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدءوكم. فتنادوا. الرواح إلى الجنة. فحملوا على الناس فافترقت خيل علي فرقتين، فرقة نحو الميمنة، وفرقة نحو الميسرة، فاستقبلت الرماة وجوههم بالنبل، وعطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف فما لبثوا أن أناموهم، فلما رأى حمزة بن سنان الهلاك نادى أصحابه أن انزلوا، فذهبوا لينزلوا فلم يلبثوا حتى حمل عليهم الأسود بن قيس، وجاءتهم الخيل من نحو علي فأهلكوا في ساعة، فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا.\rقال: وأخذ علي ما في عسكرهم من شيء، فأما السلاح والدواب وما شهر عليه فقسمه بين المسلمين، وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه رده على أهله حين قدم.\rوطاف عدي بن حاتم في القتلى على ابنه طرفة، فدفنه ودفن رجال قتلاهم، فقال علي حين بلغه ذلك تقتلونهم ثم تدفنونهم! ارتحلوا. فارتحل الناس ولم يقتل من أصحاب علي إلا سبعة؛ منهم يزيد بن نوبرة وله صحبة وسابقة.\rوهؤلاء الخوارج هم الذين ورد في أمرهم في الصحيح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن قوماً يخرجون يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية علامتهم رجل مخدج اليد \" فالتمسه علي في القتلى فوجده، فنظر في عضده فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة، وحلمة عليها شعرات سود، فإذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الطولى، ثم تترك فتعود إلى منكبه. وكان علي رضي الله عنه يحدث الناس بهذا الحديث قبل وقعة الخوارج.\rوقيل كانت هذه الوقعة في سنة ثمان وثلاثين.\rقال: ولما فرغ علي رضي الله عنه من هذه الوقعة حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله قد أحسن بكم، وأعز نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم. قالوا: : \" يا أمير المؤمنين، نفدت سهامنا، وكلت سيوفنا، ونصلت أسنة رماحنا وعاد أكثرها قصدا، فارجع إلى مصرنا، فلنستعد بأحسن عدتنا ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا فإنه أقوى لنا على عدونا \" . وكان الذي تولى كلامه الأشعث بن قيس، فأقبل حتى نزل النخيلة، فأمر الناس أن يلزموا عسكرهم، ويوطنوا على الجهاد لعدوهم أنفسهم، وأن يقلوا زيارة أبنائهم ونسائهم حتى يسيروا إلى عدوهم. فأقاموا فيه أياماً ثم تسللوا من معسكرهم، فدخلوا رجالاً من وجوه الناس وترك العسكر خالياً. فلما رأى علي ذلك دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيه في المسير. وخطبهم مرة بعد أخرى، وحثهم على الخروج إلى الشام فلم يتهيأ له ذلك، وحيث ذكرنا أخبار الخوارج فلنذكر أخبار من خرج بعد أصحاب النهروان. والله الموفق للصواب.\rأخبار من خرج بعد أصحاب النهروان\rقال: ولما قتل أهل النهروان خرج أشرس بن عوف الشيباني على علي رضي الله عنه بالدسكرة في مائتين، ثم سار إلى الأنبار فوجه إليه علي رضي الله عنه الأبرش بن حسان في ثلثمائة فواقعه، فقتل الأشرس في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين.\rثم خرج هلال بن علقمة من تيم الرباب ومعه أخوه مجالد، فأتى ما سبذان، فوجه إليه علي معقل بن قيس الرياحي فقتله وقتل أصحابه وهم أكثر من مائتين، وكان قتلهم في جمادى الأولى منها.\rثم خرج الأشهب بن بشر، وقيل الأشعث، وهو من بجيلة في مائة وثمانين رجلاً، فأتى المعركة التي أصيب فيها هلال وأصحابه فصلى عليهم، ودفن من قدر عليه منهم، فوجه علي إليه جارية بن قدامة السعدي، وقيل حجر بن عدي؛ فاقتتلوا بجرجرايا من أرض جوخى فقتل الأشهب وأصحابه في جمادى الآخرة منها.","part":5,"page":370},{"id":2371,"text":"ثم خرج سعيد بن قفل التيمي من تيم الله بن ثعلبة في شهر رجب بالبندنيجين ومعه مائتا رجل، فأتى درزيجان وهي من المدائن على فرسخين، فخرج إليهم مجيعد بن مسعود فقتلهم في الشهر المذكور.\rثم خرج أبو مريم السعدي التميمي فأتى شهر ذور وأكثر من معه من الموالي.\rوقيل: لم يكن معه من العرب غير خمسة نفر، واجتمع معه مائتا رجل، وقيل: أربعمائة. وجاء حتى نزل على خمسة فراسخ من الكوفة، فأرسل علي إليه يدعوه إلى بيعته ودخول الكوفة، فلم يفعل، وقال: ليس بيننا غير الحرب فبعث إليه شريح بن هانئ في سبعمائة، فحمل الخوارج على شريح وأصحابه فانكشفوا وبقي شريح في مائتين، فانحاز إلى قرية فرجع إليه بعض أصحابه، ودخل الباقون الكوفة، فخرج علي بنفسه، وقدم بين يديه جارية بن قدامه السعدي، فدعاهم جارية إلى طاعة علي وحذرهم القتل، فلم يجيبوا، ودعاهم علي أيضاً فأبوا عليه، فقتلهم أصحاب علي ولم يسلم منهم غير خمسين رجلاً استأمنهم فأمنهم. وكان في الخوارج أربعون رجلاً جرحى فأمر علي بإدخالهم الكوفة ومداواتهم حتى برئوا. وكان قتلهم في شهر رمضان المعظم سنة ثمان وثلاثين.\rخلافه مع الخريت بن راشد\rالتميمي وبني ناجية على علي رضي الله عنه وما كان من أمرهم قال وفي سنة ثمان وثلاثين أظهر الخريت بن راشد الناجي الخلاف على علي رضي الله عنه، وكان قد شهد مع علي الجمل وصفين في ثلثمائة من بني ناجية خرجوا إليه من البصرة، وأقاموا معه بالكوفة إلى هذه السنة، فجاء إلى علي في ثلاثين راكباً، فقال له: \" يا علي والله لا أطيع لك أمراً، ولا أصلي خلفك، وإني غداً مفارقٌ لك \" . فقال له علي: \" ثكلتك أمك! إذاً تعضي ربك، وتنكث عهدك، ولا تضر إلا نفسك؛ خبرني لم تفعل ذلك؟ \" قال: \" إنك حكمت الرجال، وضعفت عن الحق، وركنت إلى القوم الذين ظلموا، فأنا عليك زار وعليهم ناقم، ولكم جميعاً مباين \" . فقال له علي: \" هلم أدارسك الكتاب، وأناظرك في السنن، وأفاتحك أموراً أنا أعلم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت له الآن منكر \" . قال: فإني عائدٌ إليك. قال: \" لا تستهوينك الشياطين، ولا يستخفنك الجهال، والله لئن استرشدتني وقبلت مني لأهدينك سبيل الرشاد \" . فخرج من عنده منصرفاً إلى أهله، وسار من ليلته هو وأصحابه.\rفقال زياد بن خصفة البكري: \" يا أمير المؤمنين، إنه لم يعظم علينا فقدهم فنأسى عليهم، إنهم قلما يزيدون في عددنا لو أقاموا، ولقلما ينقصون من عددنا بخروجهم عنا، ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يقدمون عليه من أهل طاعتك، فأذن لي في اتباعهم حتى أردهم عليك \" . فقال: تدري أين توجهوا؟ قال: لا، ولكني أسأل وأتبع الأثر، فقال له: اخرج يرحمك الله، وأنزل دير أبي موسى، وأقم حتى يأتيك أمري.\rفخرج زياد فأتى داره وجمع أصحابه من بكر وائل، وأعلمهم الخبر فسار معه منهم مائة وثلاثون رجلاً. فقال: حسبي. ثم سار فأتى دير أبي موسى فنزله ينتظر أمر علي.\rوأتى علياً كتاب من قرظة بن كعب الأنصاري يخبره أنهم توجهوا نحون نفر، وأنهم قتلوا رجلاً من الدهاقين، كان قد أسلم، فأرسل عليٌ رضي الله عنه إلى زياد يأمره باتباعهم ويخبره خبرهم، وأنهم قتلوا رجلاً مسلماً، ويأمره بردهم إليه، فإن أبو يناجزهم. وسير الكتاب مع عبد الله بن وأل، فاستأذنه في المسير مع زياد، فأذن له، وسار بالكتاب إلى زياد.","part":5,"page":371},{"id":2372,"text":"وساروا حتى أتوا نفر، فقيل: إنهم ساروا نحو جرجرايا، فتبعوا آثارهم حتى أدركوهم بالمذاد وهم نزول، قد أقاموا يومهم وليلتهم واستراحوا، فأتاهم زياد وقد تقطع أصحابه وتعبوا، فلما رأوهم ركبوا خيولهم، وقال لهم الخريت: أخبروني ما تريدون؟ فقال له زياد - وكان مجربا رفيقا - : \" قد ترى ما بنا من التعب، والذي جئناك له لا يصلحه الكلام، ولكن ننزل ثم نخلو جميعا، فنتذاكر أمرنا، فإن رأيت ما جئناك به حظا لنفسك قبلته، وإن رأينا فيما نسمع منك أمرا نرجو فيه العافية لم نرده عليك \" .قال: فانزل. فنزل زياد ومن معه على ماء هناك، فأكلوا شيئاً وعلفوا دوابهم، ووقف زياد في خمسة فوارس بين أصحابه وبين القوم وقال: إن عدتنا كعدتهم، وأرى أمرنا يصير إلى القتال فلا تكونوا أعجز الفريقين. وخرج زياد إلى الخريت، فسمعهم يقولون: جاءنا القوم وهم كالون يعبون فتركناهم حتى استراحوا، هذا والله سوء الرأي. فدعاه زياد وقال: ما الذي نقمته على أمير المؤمنين وعلينا حتى فارقتنا؟ \" فقال: \" لم أرض صاحبكم إماما، ولا سيرتكم سيرة، فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى \" . فقال له زياد: \" وهل يجتمع الناس على رجل يداني صاحبك الذي فارقته علما بالله وسنته وكتابه. مع قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسابقته في الإسلام \" ؟ فقال له: \" ذلك ما قال لك \" . فقال له زياد: ففيم قتلت ذلك الرجل المسلم؟ قال: ما أنا قتلته إنما قتله طائفة من أصحابي. وقال فادفعهم إلينا. قال: ما إلى ذلك سبيل. فدعا زياد أصحابه، ودعا الخريت أصحابه، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فتطاعنوا بالرماح حتى لم يبق رمح، وتضاربوا بالسيوف، حتى انحنت، وعقرت عامة خيولهم، وكثرت الجراحة فيهم، وقتل من أصحاب زياد رجلان، ومن أولئك خمسة، وجاء الليل فحجز بينهم، وقد كره بعضهم بعضا، وجرح زياد. فسار الخريت من الليل، وسار زياد إلى البصرة.\rوأتاهم خبر الخريت أنه أتى الأهوز فنزل بجانب منها، وتلاحق به ناس من أصحابه فصاروا نحم مائتين، وكتب زياد إلى علي رضي الله عنه بخبرهم، وأنه مقيم يداوي الجرحى وينتظر أمره. فلما قرأ علي كتابه قام معقل بن قيس فقال: \" يا أمير المؤمنين، كان ينبغي أن يكون مع من يطلب هؤلاء مكان كل واحد عشرة، فإذا لحقوهم استأصلوهم وقطعوا دابرهم، فأما أن يلقاهم عددهم فلعمري ليصبرن لهم، فإن العدة تصبر للعدة \" . فقال على تجهز يا معقل إليهم، وندب معه ألفين من أهل الكوفة منهم يزيد بن معقل الأزدي وكتب علي إلى ابن عباس يأمره أن يبعث من أهل البصرة رجلاً شجاعاً معروفاً بالصلاح في ألفي رجل إلى معقل، وهو أمير أصحابه حتى يأتي معقلا، فإذا لقيه كان معقل الأمير، وكتب زياد بن خصفة يشكره ويأمره بالعود.\rقال: واجتمع عل الخريت علوج كثير من أهل الأهوز أرادوا كسر الخراج، ولصوص وطائفة أخرى من العرب ترى رأيه، وطمع أهل الخراج في كسره، فكسروه، وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس وكان عاملاً لعلي في قول من يزعم أنه لم يمت في سنة سبع وثلاثين. فقال ابن عباس لعلي: أنا أكفيك فارس بزياد، يعني ابن أبيه، فأمره بإرساله إليها، فأرسله في جمع كثير، فوطىء بلاد فارس، فأدوا الخراج واستقاموا.","part":5,"page":372},{"id":2373,"text":"قال: وسار معقل بن قيس، وقدم الأهواز، وأقام ينتظر مدد البصرة، فأبطئوا عليه، فسار يطلب الخريت، فلم يسر يوما حتى أدركه المدد مع خالد بن معدان الطائي، فساروا جميعاً فلحقوهم بقرب جبل من جبال رامهرمز، فصف معقل أصحابهن فجعل على ميمنته يزيد بن المغفل، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبي من أهل البصرة. وصف الخريت أصحابه، فجعل من معه من العرب ميمنة، ومن معه من أهل البلد والعلوج ميسرة ومعهم الأكراد، فحرك معقل دابته مرتين، ثم حمل في الثالثة فصبروا له ساعة ثم انهزموا، فقتل أصحاب معقل منهم سبعين من بني ناجية ومن معهم من العرب، وقتلوا نحواً من ثلاثمائة من العلوج والأكراد. وانهزم الخريت فلحق بأسياف البحر وبها جماعة كبيرة من قومه، فما زال يسير فيهم ويدعوهم إلى خرف علي، ويخبرهم أن الهدى في حربه، حتى اتبعه منهم ناس كثير. وأقام معقل بأرض الأهواز، وكتب إلى علي رضي الله عنه بالفتح فقرأ علي الكتاب على أصحابه واستشارهم، فقالوا كلهم: نرى أن تأمر معقلا يتبع آثار الفاسق حتى يقتله أو ينفيه، فإنا لا نأمن أن يفسد عليك الناس. فكتب إلى معقل يثني عليه وعلى من معه، ويأمره باتباعه وقتله أو نفيه.\rفسأل معقل عنه فأخبر بمكانه بالأسياف، وأنه قد رد قومه عن طاعة علي وأفسد من عنده من عبد القيس وسائر العرب. وكان قومه قد منعوا الصدقة عام صفين وذلك العام، فسار إليهم معقل وأخذ على فارس فانتهى إلى أسياف البحر، فلما سمع الخريت بمسيره قال لمن معه من الخوارج: أنا على رأيكم وإن عليا لم ينبغ له أن يحكم. وقال للآخرين من أصحابه: إن علياً حكم ورضي فخلعه حكمه الذي ارتضاه. وقال سراً للعثمانية: أنا والله على رأيكم، قد والله قتل عثمان مظلوما. فأرضى كل صنف منهم. وقال لمن منع الصدقة: شدوا أيديكم على صدقاتكم، وصلوا بها أرحامكم، وكان فيها نصارى كثير قد أسلموا، فلما اختلف الناس قالوا: والله لديننا الذي خرجنا منه خير من دين هؤلاء الذي لا ينهاهم دينهم عن سفك الدماء، فقال لهم الخريت، ويلكم، لا ينجيكم من القتل إلا قتال هؤلاء القوم والصبر، فإن حكمهم فيمن أسلم ثم ارتد أن يقتل ولا يقبلون منه توبة ولا عذرا. فخدعهم وجمعهم وأتاهم من كان من بني ناجية وغيرهم خلق كثير.\rفلما انتهى معقل إليه نصب راية أمان، وقال: \" من أتاها من الناس فهو آمن إلا الخريت وأصحابه الذين حاربونا أول مرة \" . فتفرق عن الخريت جل من كان معه من غير قومه.\rوعبأ معقل أصحابه وزحف بهم نحو الخريت ومعه أصحابه مسلمهم ونصرانيهم ومانع الزكاة منهم، وحرض كل واحد منهما أصحابه، ثم حمل معقل ومن معه فقاتلوا قتالاً شديداً وصبروا، ثم إن العمان بن صهبان الراسبي بصر بالخريت، فحمل عليه فطعنه، فصرع عن دابته، ثم اختلفا ضربتين، فقتله النعمان، وقتل معه في المعركة سبعون ومائة رجل، وذهب الباقون يمينا وشمالا،وسبى معقل من أدركه من حريمهم ذراريهم، وأخذ رجالاً كثيراً، فأما من كان مسلماً فخلاه وأخذ بيعته وترك له عياله، وأما من كان ارتد فعرض عليهم الإسلام،فرجعوا، فخلى سبيلهم وسبيل عيالهم،إلا شيخاً نصرانياً منهم يقال له الرماحس لم يسلم فقتله.\rوجمع من منع الصدقة،وأخذ منهم صدقة عامين.\rواحتمل الأسارى وعيالهم وأقبل بهم، وشيعهم المسلمون، فلما ودعوهم بكى الرجال والنساء بعضهم إلى بعض حتى رحمهم الناس. ثم مر بهم حتى أقبل على مصقلة بن هبيرة الشيباني، وهو عامل علي على أردشير خره، وهم خمسمائة إنسان، فبكى النساء والصبيان وصاح الرجال: \" يا أبا الفضل، يا حامي الرجال، ومأوى الرجال، ومأوى العضب وفكاك العناة، امنن علينا فاشترنا وأعتقنا \" . فقال مصقلة: أقسم بالله لأتصدقن عليكم إن الله يجزي المتصدقين. فاشتراهم من معقلٍ بخمسمائة ألف، فقال له معقل: عجل المال إلى أمير المؤمنين. فقال أنا باعث الآن بعضه ثم أبعث كذلك حتى لا يبقى منه شيء؛ وأقبلي معقل إلى علي فأخبره بما كان منه فاستحسنه.\rوبلغ علياً أن مصقلة أعتق الأسارى ولم يسألهم أن يعينوه بشيء، فقال: ما أظن مصقلة إلا قد تحمل حمالة سترونه عن قريب منها ملبدا، وكتب إليه بحمل المال أو يحضر عنده، فحضر عنده، وحمل من المال مائتي ألف.","part":5,"page":373},{"id":2374,"text":"قال ذهل ابن الحارث: فاستدعاني مصقلة ليلة فطعمنا، ثم قال: إن أمير المؤمنين يسألني هذا المال ولا أقدر عليه. فقلت: \" والله ما كنت لأحملها قومي؛ أما والله لو كان ابن هند ما طالبني بها، ولو كان ابن عفان لوهبها لي \" . قال فقلت: إن هذا لا يرى ذلك الرأي، لا يترك منها شيئاً. فهرب مصقلة من ليلته فلحق بمعاوية.\rوبلغ علياً ذلك فقال: ما له أقرحه الله! فعل فعل السيد وفر فرار العبد، وخان خيانة الفاجر، أما إنه لو أقام فعجز ما زدنا على دينه، فإن وجدنا له شيئاً أخذناه وإلا تركناه \" . ثم سار علي إلى داره فهدمها، وأجاز عتق السبي، وقال: أعتقهم مبتاعهم وصارت أثمانهم وكان أخوه نعم بن هبيرة شيعة لعلي، فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من نصارى تغلب، اسمه حلوان يقول له: \" إن معاوية قد وعدك الإمارة والكرامة، فأقبل ساعة يلقاك رسولي والسلام عليك فأخذه مالك بن كعب الأرحبي فسرحه إلى علي رضي الله عنه، فقطع على يده، فمات. وكتب نيم إلى أخيه يلومه على لحاقه بالشام، وما فعله من هربه..وأتاه التغلبيون فطلبوا منه دية صاحبهم فوداه لهم. وقال مصقلة:\rلعمري لئن عاب أهل العراق ... عليّ انتعاش بني ناجيه\rلأعظم من عتقهم رقهم ... وكفّي بعتقهمو حاليه\rوزايدت فيهم لإطلاقهم ... وغاليت إن العلا غاليه\rوحيث ذكرنا من أخبار على ما قدمناه، فلنذكر ما وقع في مدة خلافته خلاف ذلك على حكم السنين.\rما اتفق في مدة خلافته\rرضي الله عنه خلاف ما قدمنا ذكره على حكم السنين مما هو متعلق به خاصة، خلاف ما هو مختص بمعاوية فإنا نذكره في أخباره إن شاء الله تعالى\rسنة ست وثلاثين\rذكر ولاية قيس بن سعد مصر وما كان بينه وبين معاوية من المكاتبة وما أشاعه معاوية عنه حتى عزله علي رضي الله عنه عن مصر واستعمل محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.\rقال: وفي سنة ست وثلاثين في ثالث صفر بعث علي رضي الله عنه قيس بن سعد بن عبادة أميراً على مصر، وقال له: \" سر إلى مصر قد وليتكها واخرج إلى رحلك، واجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصبحك حتى تأتيها ومعك جند؛ فإن ذلك أرعب لعدوك وأعز لوليك، وأحسن إلى المحسن، واشدد على المريب، وارفق بالعامة والخاصة، فإن الرفق يمن \" . فقال له قيس: \" أما قولك أخرج إليها بجند فوالله لئن لم أدخلها إلا بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبداً، فأنا فأنا أدع ذلك الجند لك، فإن كنت احتجت إليهم كانوا قريباً منك وإن أردت أن تبعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عدة \" .\rوخرج قيس حتى دخل مصر في سبعة من أصحابه كما ذكرنا ذلك. ولما قدم صعد المنبر وجلس عليه، وأمر بكتاب علي رضي الله عنه فقريء على أهل مصر بإمارته عليهم، ويأمرهم بمتابعته ومساعدته وإعانته على الحق. ثم قام قيس فقال: \" الحمد لله الذي جاء بالحق، وأمات الباطل وكبت الظالمين، أيها الناس: إنا قد بايعنا خير من نعلم بعد نبينا، فقوموا أيها الناس فبايعوه على كتاب الله وسنة رسوله رضي الله عنه، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم \" . فقام الناس فبايعوه.\rواستقامت مصر، وبعث عليها عماله إلا قرية يقال لها خربتا فيها ناس قد أعظموا قتل عثمان، عليهم رجل من بني كنانة ثم من بني مدلج اسمه يزيد بن الحارث. وكان مسلمة بن مخلد أيضاً قد أظهر الطلب بدم عثمان، فأرسل إليه قيس \" : ويحك!. أعلي تثب؟ ! فوالله ما أحب أن لي ملك الشام إلى مصر وأني قتلتك \" . فبعث إليه مسلمة: إني كاف عنك ما دمت أنت والي مصر. وبعث قيس إلى أهل خربتا إني لا أكرهكم على البيعة، وإني أكف عنكم. فهادنم وجبى الخراج، ليس أحد ينازعه.","part":5,"page":374},{"id":2375,"text":"فكان قيس أثقل خلق الله على معاوية، لقربه من الشام ومخافة أن يقبل علي في أهل العراق، وقيس في أهل مصر، فيقع بينهما، فكتب معاوية إلى قيس: \" سلام عليكم؛ أما بعد، فإنكم نقمتم على عثمان ضربةً بسوط، أو شتمة لرجل، أو تسيير آخر، أو استعمال فتى، وقد علمتم أن دمه لا يحل لكم فقد ركبتم عظيماً وجئتم أمراً إداً، فتب إلى الله يا قيس، فإنك من المجلبي على عثمان، فأما صاحبك، فإذا استيقنا أنه أغرى به الناس، وحملهم حتى قتلوه، وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل، وتابعنا على أمرنا، ولك سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت، ولمن أحببت من أهلك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلني ما شئت فإني أعطيكه، واكتب إلي برأيك \" .\rفلما أتاه الكتاب أحب أن يدافعه ولا يبدي له أمره، ولا يتعجل إلى حربه، فكتب إليه: \" أما بعد، فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرته فيه، فأما ما ذكرت من قتل عثمان، فذلك شيء لم أقارفه، وذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى به حتى قتلوه فهذا ما لم أطلع عليه، وذكرت أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فأول الناس كان فيها قياماً عشيرتي، وأما ما عرضته من متابعتك فهذا أمر لي فيه نظر وفكرة، وليس هذا مما يسرع إليه، وأنا كاف عنك، وليس يأتيك من قبلي ما تكرهه حتى ترى ونرى إن شاء الله تعالى \" .\rفلما قرأ معاوية كتابه رآه مقارباً مباعداً، فكتب إليه: \" أما بعد، فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلماً، ولا تتباعد فأعدك حرباً، وليس مثلي يصانع المخادع وبنخدع للمكايد ومعه عدد الرجال وأعنة الخيل، والسلام.\rفلما قرأ قيس كتابه ورأى أنه لا تفيد معه المدافعة والمماطلة أظهر له ما في نفسه، فكتب إليه: \" أما بعد، فالعجب من اغترارك بي وطمعك في، واستسقاطك رأيي، أتسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمارة، وأقولهم بالحق، وأهداهم سبيلاً، وأقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم بالزور، وأضلهم سبيلا، ولد ضالين مضلين، طاغوت من طواغيت إبليس. وأما قولك: إني مالئ عليك مصر خيلاً ورجالاً، فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون أهم إليك إنك لذو وجد، والسلام.\rفلما رأى معاوية كتابه أيس منه، وثقل عليه مكانه، ولم تنجح حيله فيه فكاده، من قبل علي، فقال لأهل الشام: لا تسبوا قيس بن سعد، ولا تدعوا إلى غزوه، فإنه لنا شيعة، تأتينا كتبه ورسله ونصيحته لنا سراً، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا، يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، ويحسن إليهم. وافتعل كتاباً عن قيس بالطلب بدم عثمان، والدخول معه في ذلك، وقرأه على أهل الشام.\rفبلغ ذلك علياً فأعظمه وأكبره، ودعا ابنيه وعبد الله بن جعفر فأعلمهم ذلك، فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اعزل قيساً عن مصر. فقال: والله إني لا أصدق بهذا عنه. فقال عبد الله: اعزله، فإن كان هذا حقا لا يعتزل لك.\rفبينما هم كذلك إذ جاء كتاب قيس يخبر بحال المعتزلين وكفه عن قتالهم، فقال ابن جعفر: ما أخوفني أن يكون ذلك ممالأة منه، فمره بقتالهم، فكتب إليه يأمره بقتالهم، فأجابه: \" أما بعد، فقد عجبت لأمرك! تأمرني بقتال قوم كافين عنك، مفرغيك لعدوك ومتى حاددناهم ساعدوا عليك عدوك؛ فأطعني يا أمير المؤمنين، واكفف عنهم، فإن الرأي تركهم، والسلام.\rفلما قرأ الكتاب قال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين؛ ابعث محمد ابن أبي بكر على مصر واعزل قيساً. فبعث محمداً إلى مصر - وقيل: بعث الأشقر النخعي فمات بالطريق فبعث محمداً - فقدم محمد على قيس بمصر، فقال له قيس: \" ما بال أمير المؤمنين؟ ما غيره؟ أدخل أحد بيني وبينه؟ \" قال: لا، وهذا السلطان سلطانك. قال، لا: والله لا أقيم.\rوخرج إلى المدينة وهو غضبان، فأخافه مروان بن الحكم فخرج من المدينة هو وسهيل بن حنيف إلى علي رضي الله عنه فشهدا معه صفين، فبعث معاوية إلى مروان يتغيظ عليه ويقول له: لو أمددت علياً بمائة ألف مقاتل كان أيسر عندي من قيس بن سعد في رأيه ومكانه.\rولما قدم قيس على علي وأخبره الخبر، علم أنه كان يقاسي أموراً عظاماً من المكايد وعظم محل قيس عنده وأطاعه في الأمر كله.","part":5,"page":375},{"id":2376,"text":"وأما محمد ابن أبي بكر فإنه لما قدم مصر قرأ كتاب علي رضي الله عنه إلى أهل مصر عليهم، ثم قام فقال: \" الحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق، وبصرنا وإياكم كثيراً مما كان عمي عنه الجاهلون، ألا إن أمير المؤمنين ولاني أمركم، وعهد إلي ما سمعتم، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، فإن يكن ما ترون من إمارتي وأعمالي طاعةً لله فاحمدوا الله على ما كان من ذلك، فإنه هو الهادي له، وإن رأيتم عاملاً لي بغير الحق فارفعوه إلي وعاتبوني فيه، فإني بذلك أسعد وأنتم جديرون، وفقنا الله وإياكم لصالح الأعمال برحمته \" . ثم نزل.\rفلم يلبث إلا شهراً حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين الذين كانوا قد وادعهم قيس بن سعد، فقال لهم: إما أن تدخلوا في طاعتنا وإما أن تخرجوا عن بلادنا. فأجابوه: إنا لا نفعل، فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير أمرنا إليه، ولا تعجل بحربنا. فأبى عليهم، فامتنعوا وأخذوا حذرهم، وكانت وقعة صفين وهم هائبون لمحمد، فلما رجع على معاوية وصار الأمر إلى التحكيم طمعوا فيه، وأظهروا له المبارزة، فبعث محمد الحارث بن جهمان الجعفي إلى أهل خربتا فقاتلهم فقتلوه، فبعث إليهم رجلاً من كلب يدعى ابن مضاهم فقتلوه. ثم كان من خبر محمد بن أبي بكر ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوفي هذه السنة قدم أبراز مرزبان مرو إلى علي رضي الله عنه بعد الجمل مقراً بالصلح، فكتب له كتاباً إلى دهاقين مرو والأساورة ومن بمرو، ثم إنهم كفروا وأغلقوا نيسابور، فبعث علي خليد بن قرة - وقيل: ابن طريف - اليربوعي إلى خراسان.\rوفيها مات حذيفة بن اليمان قبل وقعة الجمل.\rوفيها مات سلمان الفارسي في قول بعضهم، وكان عمره مائتين وخمسين سنة هذا أقل ما قيل فيه، وقيل: ثلاثمائة وخمسين سنة، وكان قد أدرك بعض أصحاب المسيح عليه الصلاة والسلام. وفيها استعمل علي رضي الله عنه على الري يزيد بن حجية التيمي تيم اللات فكسر من خراجها ثلاثين ألفاً، فكتب إليه علي يستدعيه، فحضر فسأله عن المال، وقال: أين ما غللته من المال؟ فقال: ما أخذت شيئاً، فخفقه بالدرة خفقات وحبسه، فوكل له سعدا مولاه فهرب منه يريد الشام، فسوغه معاوية المال، فكان ينال من علي، وبقي بالشام إلى أن اجتمع الأمر لمعاوية، فسار معه إلى العراق فولاه الري. وقيل: إنه شهد مع علي الجمل وصفين والنهروان، ثم ولاه بعد ذلك الري وهو الصحيح.\rسنة سبع وثلاثين\rفيها بعث علي رضي الله عنه جعدة بن هبيرة المخزومي إلى خراسان بعد عودته من صفين، فانتهى إلى نيسابور، وقد كفروا وامتنعوا فرجع إلى علي، فبعث خليد بن قرة اليربوعي، فحاصر أهلها حتى صالحوه وصالحه أهل مرو.\rسنة ثمان وثلاثين\rفي هذه السنة ملك عمرو بن العاص مصر، وقتل محمد بن أبي بكر على ما نذكر ذلك عن شاء الله تعالى في أخبار معاوية.\rخبر عبد الله بن الحضرمي\rحين بعثه معاوية إلى الصرة وما كان من أمره إلى أن قتل وفي هذه السنة بعد مقتل محمد بن أبي بكر بعث معاوية عبد الله ابن عمرو الحضرمي إلى البصرة، وقال له: إن جل أهلها يرون رأينا في عثمان، وقد قتلوا في الطلب بدمه، فهم لذلك حنقون يودون أن يأتيهم من يجمعهم، وينهض بهم في الطلب بثأرهم ودم إمامهم، فانزل في مصر وتودد للأزد فإنهم كلهم معك، وادع ربيعة فلن ينحرف عنك أحد سواهم، لأنهم ترابية كلهم وأحذرهم.\rفسار ابن الحضرمي حتى قدم البصرة، وكان ابن عباس قد خرج إلى علي بالكوفة، واستخلف زياد ابن أبيه على البصرة، فنزل ابن الحضرمي في بني تميم،فأتاه العثمانية وحضره غيرهم، فخطبهم وقال: \" إن إمامكم إمام الهدى قتل مظلوما، قتله علي فطلبتم بدمه، فجزاكم الله خيرا \" .\rفقام الضحاك بن قيس الهلالي وكان عل شرطة ابن عباس فقال: قبح الله ما جئتنا به، وما تدعونا إليه، وسبه، وذكر فضل علي رضي الله عنه،.\rفقال عبد الله بن خازم السلمي للضحاك: اسكت، فلست بأهل أن تتكلم، ثم أقبل على ابن الحضرمي فقال: نحن أنصارك ويدك، والقول قولك، اقرأ كتابك. فأخرج كتاب معاوية إليهم يذكرهم فيه آثار عثمان، ويدعوهم إلى الطلب بدمه، ويضمن أنه يعمل فيهم بالسنة، ويعطيهم عطاءين في كل سنة.\rفلما فرغ من قراءته قام الأحنف، فقال: لا ناقتي في هذا ولا جملي. واعتزل القوم.","part":5,"page":376},{"id":2377,"text":"وقام عمرو بن مرجوم العبدي فقال: أيها الناس، الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا تنكثوا بيعتكم فتقع بكم الواقعة.\rوكان العباس بن صحار العيدي مخالفاً لقومه في حب علي، فقام وقال: لننصرنك بأيدينا وألسنتنا. فقال له المثنى بن مخربة العبدي: والله لئن لم ترجع إلى المكان الذي جئتنا منه لنجاهدنك بأسيافنا ورماحنا، ولا يغرنك هذا الذي تكلم. يعني ابن صحار.\rفقال ابن الحضرمي لصبرة بن شيمان: أنت ناب من أنياب العرب فانصرني. فقال: لو نزلت في داري لنصرتك.\rفلما رأى زياد ذلك خاف، فاستدعى حضين بن المنذر ومالك ابن مسمع، وقال: أنتم يا معشر بكر بن وائل أنصار أمير المؤمنين وثقاته، وقد كان من ابن الحضرمي ما ترون، وأتاه من أتاه، فامنعوني حتى يأتي أمر أمير المؤمنين \" . فقال حضين بن المنذر: نعم. وقال مالك - وكان يميل إلى بني أمية - . هذا أمر لي فيه شركاء أستشير فيه وأنظر.\rفلما رأى زياد تثاقل مالك أرسل إلى صبرة بن شيمان الحداني الأزدي يطلب أن يجيره وبيت مال المسلمين، فقال: إن حملته إلى داري أجرتكما، فنقله إلى داره بالحدان ونقل المنبر، فكان يصلي الجمعة بمسجد الحدان.\rوكتب زياد إلى علي رضي الله عنه بالخبر، فأرسل إليه أعين ابن ضبييعة المجاشعي ثم التميمي، ليفرق قومه عن ابن الحضرمي، فإن امتنعوا قاتل بمن أطاعه من عصاه، وكتب إلى زياد يعلمه ذلك.\rفقدم أعين فأتى زيادا فنزل عنده، وجمع رجالاً وأتى قومه، ونهض إلى ابن الحضرمي ومن معه فدعاهم فشتموه، ووافقهم نهاره، ثم انصرف عنهم، فدخل عليه قوم، قيل: إنهم من الخوارج، وقيل: وضعهم ابن الحضرمي على قتله، فقتلوه غيلة، فلما قتل أعين أراد زياد قتالهم، فأرسلت تميم إلى الأزد: إنا لم نتعرض لجاركم فما تريدون إلى جارنا؟ فكرهت الأزد قتالهم، وقالوا إن عرضوا لجارنا منعناه.\rوكتب زياد إلى علي بخبر أعين وقتله، فأرسل علي جارية بن قدامة السعدي وهو من بني سعد من تميم، وبعث معه خمسين رجلاً من تميم، وقيل: خمسمائة رجل، وكتب إلى زياد يأمره بمعونته والإشارة عليه.\rفقدم جارية البصرة، فحذره زياد ما أصاب أعين، فقام جارية في الأزد وجزاهم خيرا، وقال: عرفتم الحق إذ جهله غيركم. وقرأ كتاب علي إلى أهل البصرة يوبخهم ويتهددهم ويعنفهم ويتوعدهم بالمسير إليهم والإيقاع بهم وقعة تكون وقعة الجمل عندها هباءً. فقال صبرة ابن شيمان: سمعاً لأمير المؤمنين وطاعة: نحن حرب لمن حاربه، وسلم لمن سالمه. وصار جارية إلى قومه فقرأ عليهم كتاب علي رضي الله عنه ووعدهم، فأجابه أكثرهم.\rفسار إلى الحضرمي ومعه الأزد ومن تبعه من قومه، وعلى خيل ابن الحضرمي عبد الله بن حازم السلمي، فاقتتلوا ساعة، وأقبل شريك ابن الأعور فصار مع جارية، فانهزم ابن الحضرمي فتحصن بقصر سنبيل ومعه ابن حازم، فأتته أمه عجلى وكانت حبشية، فأمرته بالنزول فأبى، فقالت: والله لتنزلن أو لأنزعن ثيابي، فنزل ونجا، وأحرق جارية القصر بمن فيه، فهلك ابن الحضرمي وسبعون رجلاً منهم معه، وعاد زياد إلى القصر.\rقال وكان قصر سنبيل لفارس وصار لسنبيل السعدي، وحوله خندق. وكان فيمن احترق دراع بن بدر أخو حارثة بن بدر، فقال عمرو بن العرندس:\rرددنا زياداً إلى داره ... وجار تميمٍ دخاناً ذهب\rلحا الله قوماً شووا جارهم ... ولم يدفعوا عنه حرّ اللهب\rوقال جرير:\rغدرتم بالزّبير فما وفيتم ... وفاء الأزد إذ منعوا زيادا\rفأصبح جارهم بنجاة عزٍّ ... وجار مجاشعٍ أمسى رمادا\rفلو عاقدت حبل أبي سعيدٍ ... لذاذ القوم ما حمل النّجادا\rوأدنى الخيل من رهج المنايا ... وأغشاها إلا سنّة والصّعادا\rقال: وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس من قبل علي رضي الله عنهم.\rسنة تسع وثلاثين\rفي هذه السنة بث معاوية سراياه في بلاد علي رضي الله عنه،فكان من خبرهم ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار معاوية.\rوفيها استعمل علي رضي الله عنه زياد بن أبيه على كرمان وفارس فضبطها بعد أن اضطربت أمورها.","part":5,"page":377},{"id":2378,"text":"وحج بالناس في هذه السنة عبيد الله بن عباس من قبل علي، وقيل: قثم بن العباس، وقيل: إن معاوية بعث يزيد بن شجرة الرهاوي ليحج بالناس فاختلف هو وعبيد الله بن عباس، ثم اتفقا على أن يحج بالناس شيبة بن عثمان فحج. والله أعلم.\rوفيها توجه الحارث بن مرة العبدي إلى بلاد السند غازياً متطوعاً بأمر عليٍ رضي الله عنه فغنم وأصاب سبياً كثيراً، وقسم في يوم واحد ألف رأس وبقي غازياً إلى أن قتل بأرض القيقان هو ومن معه إلا قليلاً في سنة اثنتين وأربعين.\rسنة أربعين\rفي هذه السنة بعث معاوية بسر بن أرطاة إلى الحجاز واليمن، ففعل من الأفعال القبيحة وسفك من الدماء المحرمة ما نذكره في أخبار معاوية.\rوفيها جرت مهادنة بين علي ومعاوية بعد مكاتبات طويلة على وضع الحرب، ويكون لعلي العراق ولمعاوية الشام لا يدخل أحدهما بلد الآخر بغارة، واتفقا على ذلك.\rوفيها فارق عبد الله بن عباس البصرة ولحق بمكة في قول أكثر أهل التاريخ، وسبب ذلك أنه مر بأبي الأسود فقال له: \" لو كنت من البهائم لكنت جملاً، ولو كنت راعياً لما بلغت المرعى \" . فكتب أبو الأسود إلى علي رضي الله عنه: \" ...إن ابن عمك قد أكل ما تحت يده بغير علمك، ولم يسعني كتمانك رحمك الله، فانظر فيما هناك واكتب إلي برأيك فيما أحببت والسلام \" .\rفكتب إليه علي: \" أما بعد فمثلك من نصح الإمام والأمة، ووالى على الحق، وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إلي، ولم أعلمه بكتابك فلا تدع إعلامي بما يكون بحضرتك مما النظر فيه للأمة صلاح، فإنك بذلك جدير، وهو حق واجب عليك والسلام.\rوكتب إلى ابن عباس في ذلك، فكتب إليه ابن عباس: \" أما بعد فإن الذي بلغك باطل، وإني لما تحت يدي ضابط، وله حافظ، فلا تصدق الظنين والسلام. فكتب إليه علي: أما بعد، فأعلمني ما أخذت من الجزية، ومن أين أخذت، وفيما وضعت \" .\rفكتب إليه ابن عباس: \" أما بعد، فقد فهمت تعظيمك مرزأة ما بلغك أني رزأته من أهل هذه البلاد، فابعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعن عنه والسلام \" .\rاستدعى أخواله بني هلال بن عامر، فاجتمعت معه قيس كلها، فحمل مالاً وقال: هذه أرزاقنا اجتمعت، فتبعه أهل البصرة، فلحقوه بالطف يريدون أخذ المال فقال قيس: والله لا يوصل إليه وفينا عين تطرف. فقال صبرة بن شيمان الحداني: \" يا معشر الأزد إن قيساً إخواننا وجيراننا وأعواننا على العدو، وإن الذي يصيبكم من هذا المال القليل، وهم لكم خير من المال \" . فأطاعوه، فانصرفوا وانصرف معهم بكر وعبد القيس.. وقاتلهم بنو تميم فنهاهم الأحنف، فلم يسمعوا منه، فاعتزلهم، وقاتلهم بنو تميم فحجز الناس بينهم.. ومضى ابن عباس إلى مكة المشرفة.\rوقيل بل أقام بالبصرة إلى أيام الحسن - رضي الله عنه وأرضاه، وشهد صلح الحسن ومعاوية.\rوالأول أصح، والذي شهد الصلح عبيد الله بن عباس.\rمقتل علي بن أبي طالب\rرضي الله عنه وشيء من سيرته كان مقتله في شهر رمضان سنة أربعين ليلة الجمعة. قيل: لسبع عشر ليلة خلت منه، وقيل: لإحدى عشرة ليلة. وقيل: في شهر ربيع الآخر. والأول أصح.\rوقاتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي ثم التجوبي، وأصله من حمير، ولم يختلفوا في أنه حليفٌ لمراد، وعداده فيهم.\rوكان سبب قتله أن عبد الرحمن هذا، والبرك بن عبد الله التميمي الصريمي واسمه الحجاج، وعمرو بن بكر التميمي السعدي وهم من الخوارج، اجتمعوا فتذاكرو أمر الناس، وعابوا ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهروان، وقالوا: \" ما نصنع بالبقاء بعدهم؟ فلو شرينا نفوسنا، وقتلنا أئمة الضلالة، وأرحنا منهم البلاد! \" . فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علياً. وقال البرك: أنا أكفيكم معاوية وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا على ذلك، وسموا سيوفهم واتعدوا لسبع عشرة من رمضان، وقصد كل منهم الجهة التي يريدها.\rفأما البرك بن عبد الله فإنه توجه إلى معاوية، فلما خرج للصلاة ضربه بالسيف فوقع في إليته، وأخذ فقتل. وقيل: لم يقتله وإنما قطع يده ورجله. وبعث معاوية إلى الساعدي، وكان طبيباً، فقال له: \" اختر إما أن أحمي حديدة فأضعها موضع السيف، وإما أن أسقيك شربة تقطع منك الولد \" . فقال: \" أما النار فلا صبر لي عليها، وأما الولد ففي يزيد وعبد الله ما تقر به عيني. فسقاه شربة فبرئ ولم يولد له بعدها.","part":5,"page":378},{"id":2379,"text":"وأما عمرو بن بكر - فإنه جلس لعمرو بن العاص في تلك الليلة، فما خرج لشكاية نالته في بطنه، فأمر خارجة ابن حبيبة - وكان صاحب شرطته - أن يصلي بالناس، فخرج ليصلي، فشد عليه وهو يرى أنه عمرو بن العاص فقتله. فأتى به إلى عمرو فقال: من هذا؟. قالوا: عمرو. قال ومن قتلت؟ قالوا: خارجة. قال: أما والله ما ظننته غيرك. فقال: أردتني وأراد الله خارجة؛ وقتله عمرو. هكذا نقل ابن الأثير في تاريخه الكامل في هذه الواقعة في القاتل وقال أبو عمر بن عبد البر: إن القاتل اسمه زادويه رجل من بني العنبر بن عمرو بن تميم، قال وقيل: مولى لبني العنبر. وفي المقتول إنه خارجة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد ابن عويج بن عدي بن كعب القرشي العدوي، وأمه فاطمة بن عمرو بن بجرة العدوية. وقال في ترجمته: كان أحد فرسان قريش، يقال: إنه كان يعدل بألف فارس، قال: وذكر بعض أهل النسب والأخبار أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر ليمده بثلاثة آلاف فارس، فأمده بالزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وخارجة بن حذافة هذا، وقال: إنه لما قتل وأدخل القاتل على عمرو فقال: من هذا الذي تدخلوني عليه؟ فقالوا: عمرو بن العاص، فقال: ومن قتلته؟ قيل: خارجة، فقال: أردت عمراً وأراد الله خارجة، وقيل: إن ذلك من كلام عمرو كما تقدم. وفي ذلك يقول عبد الجيد بن عبدون:\rوليتها إذ فدت عمراً بخارجةٍ ... فدت علياً بمن شاءت من البشر\rوأما عبد الرحمن بن ملجم - لعنه الله تعالى آمين - فإنه أتى الكوفة واشترى سيفاً بألف، وسقاه السم حتى لقطه، وكان في خلال ذلك يأتي علياً رضي الله عنه فيسأله فيعطيه، ويستحمله فيحمله، إلى أن وقعت عينه على قطام بنت علقمة، وهي تيم الرباب، وقيل هي من بني عجل بن لجيم، وكانت ترى رأي الخوارج، وكان علي قد قتل أباها وإخوتها بالنهروان، وكانت امرأة رائعة جميلة، فأعجبته وأخذت بمجامع قلبه، فخطبها، فقال: لقد آليت أن لا أتزوج إلا على مهر لا أريد سواه. فقال: وما هو؟ فقالت: ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة وقتل علي بن أبي طالب. فقال: \" والله لقد قصدت لقتل علي بن أبي طالب والفتك به، وما أقدمني إلى هذا المصر غير ذلك، ولكني لما رأيتك آثرت تزويجك \" . فقالت: ليس إلا الذي قلت. فقال لها: \" وما يعنيك أو يعنيني منك قتل علي؟ وأنا أعلم أني إن قتلته لم أفت \" . فقالت: \" إن قتلته ونجوت فهو الذي أردت، تبلغ شفاء نفسي ويهنيك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها \" . فقال لها: لك ما اشترطت ففي ذلك يقول ابن ملجم:\rثلاثة آلا وعبدٌ وقيّنةٌ ... وضرب عليٍّ بالحسام المصمّم\rفلا مهر أغلى من عليٍّ وإن غلا ... ولا فتك إلاّ دون فتك ابن ملجم\rوقد رويت هذه لغيره، وأوولها:\rفلم أر مهراً ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام من فصيح وأعجم\rوقالت قطام له: إني سألتمس لك من يشد ظهرك. فبعثت إلى ابن عم لها يدعى وردان بن مجالد، فأجابها.\rولقي ابن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعي فقال له: يا شبيب هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما هو؟ قال: تساعدني على قتل علي بن أبي طالب، فقال: \" ثكلتك أمك! لقد جئت شيئاً إداً، كيف تقدر على ذلك؟ \" قال: \" إنه رجل لا حرس له، ويخرج إلى المسجد منفرداً دون من يحرسه، فنكمن له في المسجد، فإذا خرج إلى الصلاة قتلناه، فإن نجونا نجونا، وإن قتلنا سعدنا بالذكر في الدنيا وبالجنة في الآخرة \" . فقال: \" ويلك! إن علياً ذو سابقة في الإسلام وفضل، والله ما تنشرح نفسي لقتله \" . قال: \" ويلك! إنه حكم الرجال في دين الله، وقتل إخواننا الصالحين، فنقتله ببعض ما قتل، فلا تشكن في دينك \" . فأجابه، وأقبلا حتى دخلا على قطام، وهي معتكفة في المسجد الأعظم في قبة ضربتها لنفسها، فدعت لهم.\rوأخذوا أسيافهم وجلسوا قبالة السدة التي يخرج منها علي رضي الله عنه، فخرج إلى صلاة الصبح يوم الجمعة، فبدره شبيب فضربه فأخطأه، ووقع سيفه بعضادة الباب، وضربه عبد الرحمن بن ملجم على رأٍه، وقال: الحكم لله يا علي لا لك ولأصحابك. فقال علي رضي الله عنه: فزت ورب الكعبة! لا يفوتنكم الكلب!.","part":5,"page":379},{"id":2380,"text":"وهرب شبيب خارجاً من باب كندة، فلحقه رجل من حضرموت يقال له: عويمر، فصرعه، وأخذ سيفه، وجلس على صدره فصاح الناس: عليكم بصاحب السيف، فخاف عويمر على نفسه فتركه ونجا، فهرب شبيب في غمار الناس.\rوهرب وردان إلى منزله، فأتاه رجل من أهله، فأخبره وردان بما كان، فانصرف وجاء بسيفه وقتل وردان.\rوأما ابن فإنه لما ضرب علياً حمل على الناس، فأفرجوا له، فتلقاه المغيرة بن الحكم بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، فرمى عليه قطيفة واحتمله وصرعه وقعد على صدره.\rواختلفوا: هل ضربه في الصلاة؟ أو قبل الدخول فيها؟ وهل استخلف من أتم بهم الصلاة أو هم أتمها؟ قال أبو عمر ابن عبد البر: والأكثر أنه استخلف جعدة بن هبيرة، فصلى بهم تلك الصلاة.\rقال: ثم قال علي رضي الله عنه لأصحابه حين أخذوا ابن ملجم: احبسوه فإن مت فاقتلوه ولا تمثلوا به، وإن لم أمت فالأمر إلي في العفو أو القصاص.\rوقيل: إنه قال لهم: \" النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه وإن بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبد المطلب لا ألفيتكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن إلا قاتلي \" . وأتت أم كلثوم ابنة علي رضي الله عنهما إلى ابن ملجم وهو مكتوف فقالت: \" أي عدو الله، إنه لا بأس على أبي، والله مخزيك \" . قال: فعلى من تبكين؟ والله لقد شريته بألف وسممته بألف، ولو كانت الضربة بأهل مصر ما بقي منهم أحد.\rقال: ثم أوصى علي رضي الله عنه أولاده بتقوى الله، ولم ينطق إلا بقول \" لا إله إلا الله \" حتى مات رضي الله عنه وأرضاه.\rروي عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: من أشقى الأولين؟ : قال: الذي عقر الناقة. قال: فمن أشقى الآخرين؟ قال؟ لا أدري. قال: \" الذي يضربك على هذا \" يعني يافوخه، \" فيخضب هذه \" يعني لحيته.\rوعن ثعلبة الجماني قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه يعني لحيته من دم هذا يعني رأسه.\rوروى النسائي من حديث عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أشقى الناس الذي عقر الناقة والذي يضربك على هذا - ووضع يده على رأسه - حتى تخضب هذه، يعني لحيته.\rوعن ابن سيرين عن عبيدة قال: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا رأى ابن ملجم قال:\rأريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد\rوكان علي رضي الله عنه كثيراً ما يقول: ما يمنع أشقاها - أو ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا - ويشير إلى لحيته ورأسه - خضاب دمٍ لا خضاب عطر ولا عبير؟.\rوروى عمرو بن شبة عن أبي عاصم النبيل وموسى بن إسماعيل عن سكين بن عبد العزيز العبدي، أنه سمع أباه يقول: جاء عبد الرحمن بن ملجم يستحمل عليا فحمله، ثم قال:\rأريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد\rأما إن هذا قاتلي. قيل: فما يمنعك منه؟ قال: إنه لم يقتلني بعد.\rوأتى علي رضي الله عنه فقيل له: ابن ملجم يسم سيفه، ويقول إنه سيفتك بك فتكةً يتحدث بها العرب. فبعث إليه فقال له: لم تسم سيفك؟ قال لعدوي وعدوك. فخلى عنه.\rوفي كلام علي رضي الله عنه يقول بكر بن حماد:\rوهزّ عليٌّ بالعراقين لحيةً ... مصيبتها حلّت على كلّ مسلم\rفقال: سيأتيها من الله حادث ... ويخضبها أشقى البريّة بالدّم\rفباكره بالسيف شلّت يمينه ... لشؤم قطام عند ذاك ابن ملجم\rفيا ضربةً من خاسرٍ ضلّ سعيه ... تبوّأ منها مقعداً في جهنّم\rففاز أمي المؤمنين بحظّه ... وإن طرقت فيه الخطوب بمعظم\rألا إنّما الدنيا بلاءٌ وفتنةٌ ... حلاوتها شيبت بصابٍ وعلقم\rوحكي عن عثمان بن المغيرة قال: لما دخل رمضان، كان علي رضي الله عنه يتعشى ليلة عند الحسن رضي الله عنه، وليلةً عند الحسين، وليلةً عند ابن جعفر رضي الله عنهم، لا يزيد على ثلاث لقم، ثم يقول رضي الله عنه: يأتيني أمر الله وأنا خميص، وإنما هي ليلة أو ليلتان، فلم يمض قليل حتى قتل.\rوقال الحسن ابن كثير عن أبيه قال: خرج علي رضي الله عنه من الفجر، فأقبل الإوز يصحن في وجهه، فطردوهن عنه، فقال: ذروهن فإنهن نوائح، فضربه ابن ملجم في ليلته.","part":5,"page":380},{"id":2381,"text":"وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما يوم قتل علي: خرجت البارحة وأبي يصلي في مسجد داره، وقال لي: \" يا بني إني بت أوقظ أهلي لأنها ليلة الجمعة صبيحة بدر فملكتني عيناي فنمت، فسنح لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك من الأود واللدد، فقال لي: ادع عليهم، فقلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير منهم وأبدلهم بي من هو شرٌ مني \" فجاء ابن النباح فآذنه بالصلاة فخرج، وخرجت خلفه، فضربه ابن ملجم فقتله.\rوروى أبو عمر ابن عبد البر بسنده إلى عبد الله ابن مالك قال: جمع الأطباء لعلي رضي الله عنه يوم جرح، وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمر السكوني، وكان يقال له: أثير بن عمريا، وكان صاحب كسرى يتطبب له، وهو الذي ينسب إليه صحراء أثير، فأخذ أثير رئة شاة حارة، فتتبع عرقاً منها فاستخرجه فأدخله في جراحة علي، ثم نفخ العرق فاستخرجه فإذا عليه بياض دماغ، وإذا لضربة قد وصلت إلى أم رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين اعهد عهدك فإنك ميت.\rوفي ضربة ابن ملجم يقول عمران بن حطان الخارجي يمدح ابن ملجم:\rلله درّ المرادي الذي سفكت ... كفّاه مهجة شرّ الخلق إنسانا\rأمسى عشيّة غشّاه بضربته ... ممّا جناه من الآثام عريانا\rيا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا\rإنّي لأذكره حيناً فأحسبه ... أوفى البريّة عند الله ميزانا\rفقال بكر بن حماد التاهرتي معارضاً له:\rقل لابن ملجم والأقدار غالبةٌ ... هدمت ويحك للإسلام أركانا\rقتلت أفضل من يمشي على قدمٍ ... وأوّل الناس إسلاماً وإيمانا\rوأعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سنّ الرسول لنا شرعاً وتبيانا\rصهر النبيّ ومولاه وناصره ... أضحت مناقبه نوراً وبرهانا\rوكان منه على رغم الحسود له ... مكان هارون من موسى بن عمران\rوكان في الحرب سيفاً صارماً ذكراً ... ليس إذا لقي الأقران أقرانا\rذكرت قاتله والدمع منحدرٌ ... فقلت: سبحان ربّ الناس سبحانا\rإنّي لأحسبه ما كان من بشرٍ ... يخشى المعاد ولكن كان شيطانا\rأشقى مرادٍ إذا عدّت قبائلها ... وأخسر الناس عند الله ميزانا\rكعاقر الناقة الأولى التي جلبت ... على ثمود بأرض الحجر خسرانا\rقد كان يخبرهم أن سوف يخضبها ... قبل المنيّة أزماناً فأزمانا\rفلا عفا الله عنه ما تحمّله ... ولا سقى قبل عمران بن حطّانا\rلقوله في شقيٍ ظلّ مجترماً ... ونال ما ناله ظلماً وعدوانا:\r\" يا ضربةً من تقيٍّ ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا \"\rبل ضربةٌ من غويٍّ أوردته لظىً ... فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا\rكأنّه لم يرد قصداً بضربته ... إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا\rوقالت أم الهيثم بنت العريان النخعية، ومنهم من يرويها لأبي الأسود الدؤلي:\rألا يا عين ويحك أسعدينا ... ألا تبكي أمير المؤمنينا\rتبكي أمّ كلثومٍ عليه ... بعبرتها فقد رأت اليقينا\rألا قل للخوارج حيث كانوا ... فلا قرّت عيون الشامتينا\rأفي شهر الصيام فجعتمونا ... بخير النّاس ضرّاً أجمعينا\rقتلتم خير من ركب المطايا ... وذلّلها ومن ركب السفينا\rومن لبس النعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمبينا\rوكلّ مناقب الخيرات فيه ... وحب ّرسول ربّ العالمينا\rلقد علمت قريشٌ حين كانت ... بأنّك خيرهم حسباً ودينا\rإذا استقبلت وجه أبي تراب ... رأيت البدر فوق الناظرينا\rوكنّا قبل مقتله بخيرٍ ... ترى مولى رسول الله فينا\rيقيم الحقّ لا يرتاب فيه ... ويعدل في العدا والأقربينا\rوليس بكاتمٍ علماً لدينا ... ولم يخلق من المتجبّرينا","part":5,"page":381},{"id":2382,"text":"كأنّ النّاس إذ فقدوا عليّاً ... نعامٌ حار في بلدٍ سنينا\rفلا تشمت معاوية بن صخرٍ ... فإنّ بقية الخلفاء فينا\rقال ولما مات عليٌ رضي الله عنه غسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وصلى عليه ابنه الحسن وكبر سبع تكبيرات.\rقال: ولما قبض رضي الله عنه بعث الحسن رضي الله عنه إلى ابن ملجم فأحضره، فقال للحسن: \" هل لك في خصلة؟ إني والله أعطيت الله عهداً أن لا أعاهد عهداً إلا وفيت به، وإني عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل علياً ومعاوية أو أموت دونهما، فإن شئت خليت بيني وبينه، ولك عهد الله على أني إن لم أقتله أو قتلته ثم بقيت أن آتيك حتى أضع يدي في يدك \" . فقال له الحسن: لا والله. ثم قدمه فقتله، فأخذه الناس فأدرجوه في بواري وحرقوه بالنار.\rواختلف في موضع قبر علي رضي الله عنه، فقيل: دفن في قصر الإمارة بالكوفة، وقيل: في رحبة الكوفة، وقيل: دفن بنجف الحيرة في موضع بطريق الحيرة، وقيل: عند مسجد الجماعة، وقال الواقدي: دفن ليلاً وأخفي قبره.\rوكانت مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وقيل: أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام، وقيل: وثلاثة أيام، وقيل: وأربعة عشر يوماً.\rوكان عمره ثلاثاً وستين سنة، وقيل: خمساً وستين، وقيل: تسعاً وخمسين، والأول أصح.\rوأما سيرته رضي الله عنه في خلافته فقد تقدم من فضائله ما قدمناه في صدر هذا الفصل.\rوكان من سيرته رضي الله عنه أنه يسير في الفيء بسيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في القسم، وإذا ورد عليه مال لم يبق منه شيئاً إلا قسمه، ولا يترك في بيت المال إلا ما يعجز عن قسمته في يومه ذلك، ويقول: يا دنيا غري غيري، ولم يكن يستأثر من الفيء بشيء، ولا يخص به حميماً ولا قريباً.\rوروى أبو عمر بسنده إلى مجمع التميمي أن علياً رضي الله عنه قسم ما في بيت المال بين المسلمين، ثم أمر به فكنس، ثم صلى فيه رجاء أن يشهد له يوم القيامة.\rوبسنده إلى سفيان بن عاصم بن كليب عن أبيه قال: قدم على علي المال من أصبهان، فقسمه سبعة أسباع، ووجد فيه رغيفاً فقسمه سبع كسر، وجعل على كل جزء كسرة، ثم أقرع بينهم: أيهم يعطي أولاً.\rوعن معاذ بن العلاء عن أبيه عن جده قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: ما أصبت فيكم إلا هذه القارورة أهداها إلى الدهقان، ثم نزل إلى بيت المال ففرق كل ما فيه، ثم جعل يقول:\rأفلح من كانت له قوسره ... يأكل منها كلّ يومٍ تمره\rوعن عنترة الشيباني قال: كان علي رضي الله عنه يأخذ الجزية والخراج من أهل كل صناعة من صناعته وعمل يده، حتى يأخذ من أهل الإبر والمسال والخيوط والحبال، ثم يقسمه بين الناس، ولا يدع في بيت المال مالاً يبيت فيه حتى يقسمه إلا أن يغلبه شغل، فيصبح إليه وهو يقول. يادنيا لا تغريني وغري غيري.\rوكان رضي الله عنه لا يخصص بالولايات إلا أهل الديانات والأمانات، وإذا بلغه عن أحدهم خيانةً كتب إليه: \" قد جاءكم موعظةٌ من ربكم \" \" وأوفوا الكيل والميزان بالقسط \" \" ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين. بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ \" إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى نبعث إليك من يتسلمه منك. ثم يرفع طرفه إلى السماء فيقول: اللهم إنك تعلم أني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك.\rومواعظه رضي الله عنه ووصاياه لعماله إذ كان يخرجهم إلى أعماله كثيرة مشهورة، وقد قدمنا منها في الباب الرابع من القسم الخامس، من الفن الثاني، من كتابنا هذا ما تقف عليه هناك، وهو في السفر السادس من هذه النسخة.\rقال أبو عمر ابن عبد البر: قد ثبت عن الحسن بن علي رضي الله عنهما من وجوه أنه قال: لم يترك أبي إلا ثمانمائة درهم أو سبعمائة درهم فضلت من عطائه، كان يعدها بخادمٍ يشتريها لأهله وأما تقشفه في لباسه ومطعمه، فكان من ذلك على الغاية القصوى.\rروي عن عبد الله ابن أبي الهزيل قال: رأيت علياً رضي الله عنه خرج وعليه قميصٌ غليظ دارس، إذا مد كمه بلغ إلى الظفر، وإذا أرسله صار إلى نصف الساعد.","part":5,"page":382},{"id":2383,"text":"وعن الحسن بن جرموز عن أبيه قال: رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخرج من مسجد الكوفة وعليه قطريتان، مؤتزراً بالواحدة مرتدياً بالأخرى، وإزاره إلى نصف الساق، وهو يطوف في الأسواق، ومعه درة يأمرهم بتقوى الله وصدق الحديث، وحسن البيع، والوفاء بالكيل والميزان.\rوعن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" علي مخشوشن في ذات الله تعالى \" .\rأزواج علي\rرضي الله عنه وأولاده وكاتبه وقاضيه وحاجبه أول زوجة تزوجها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها، ولدت له الحسن والحسين رضي الله عنهما، وقد قيل: إنها أزو ولدت ابناً اسمه محسن توفي صغيراً، وزينب الكبرى، وأم كلثوم الكبرى.\rوتزوج بعدها أم البنين ابنة حرام الكلابية، فولدت له العباس وجعفر وعبد الله وعثمان، قتلوا مع الحسين بالطف.\rوتزوج ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلية التميمية، فولدت عبيد الله وأبا بكر قتلا مع الحسين، وقيل: إن عبيد الله قتله المختار ابن أبي عبيد.\rوتزوج أسماء بنت عميس الخسعمية، فولدت له محمداً الأصغر ويحيى، وقيل: إن محمداً لأم ولد، وقيل إنها ولدت عوناً.\rوله من الصهباء بنت ربيعة التغلبية - وهي من السبي الذي أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التمر في خلافة أبي بكر - عمر ورقية، فعمر عمر هذا حتى بلغ خمساً وثمانين سنة، وحاز نصف ميراث علي رضي الله عنه، ثم مات بينبع.\rوتزوج علي رضي الله عنه أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، وأمها زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم، فولدت له محمداً الأوسط.\rوله محمد الأكبر، وهو ابن الحنفية، أمه خولة بنت جعفر، من بني حنيفة.\rوتزوج أم سعيد ابنة عروة بن مسعود فولدت له أم الحسن ورملة الكبرى.\rوكانت له بنات من أمهات شتى، وهن: أم هانئ وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة ونفيسة، وكلهن لأمهات أولاد.\rوتزوج محياة ابنة امرؤ القيس بن عدي الكلبية، فولدت له جارية هلكت صغيرة.\rفجميع أولاد علي رضي الله عنه خمسة عشر ذكراً، وهم الحسن والحسين ومحسن - على خلافٍ فيه - والعباس وجعفر وعبد الله وعثمان وعبيد الله وأبو بكر ومحمد بن الحنفية ومحمد الأوسط ومحمد الأصغر ويحيى وعون وعمر، والنسل منهم للحسين والحسن ومحمد بن الحنفية والعباس بن الكلابية عمر بن التغلبية.\rومن البنات تسع عشرة، وهن: زينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى ورقية وأم الحسن ورملة الكبرى وأم هانئ وميمونة وزينب الصغرى ورملة الصغرى وأم كلثوم الصغرى وفاطمة وأمامة وخديجة وأم الكرام وأم سلمة وأم جعفر وجمانة ونفيسة وجارية ابنة الكلبية.\rوكان كاتبه عبد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب له سعد بن نمران الهمداني.\rقاضيه شريح بن الحارث.\rصاحب شرطته معقل بن قيس الرياحي، وقيل: سليمان بن صرد الخزاعي.\rحاجبه قنبر مولاه، وكان قبله بشر مولاه.\rنقش خاتمه: \" الملك لله الواحد القهار \" .\rوتقدم ذكر عماله.\rخلافة الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، وأمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوسنذكر إن شاء الله نبذة من فضائله وأخباره عند ذكرنا لوفاته، ونذكر في هذا الموضع ما يختص بالخلافة دون غيره.\rبويع له يوم وفاة أبيه في شهر رمضان سنة أربعين، وأول من بايعه قيس بن سعد بن عبادة، وقال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وقتال المحلين. فقال له الحسن: على كتاب الله وسنة رسوله، فإنهما يأتيان على كل شرط. فبايعه الناس، وكان الحسن يشرط عليهم: \" إنكم سامعون مطيعون، تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت \" . فارتابوا بذلك وقالوا: ما هذا لكم بصاحب وما يريد هذا إلا القتال..\rوكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لما ضربه ابن ملجم دخل عليه جندب بن عبد الله فقال: \" إن فقدناك - ولا نفقدك - أفنبايع الحسن؟ \" فقال علي رضي الله عنه: \" ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر \" . فلما مات بايعه الناس، ولم تطل مدته حتى سلم الأمر لمعاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه؛ لأسباب نذكرها إن شاء الله تعالى.\rتسليم الخلافة لمعاوية\rبن أبي سفيان","part":5,"page":383},{"id":2384,"text":"قال: كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد بايعه أربعون ألفاً من عسكره على الموت، وتجهز لقصد الشام لقتال معاوية فقتل قبل ذلك.\rفلما بايع الناس الحسن تجهز بهذا الجيش، وسار من الكوفة في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وذلك عندما بلغه مسير معاوية إليه في أهل الشام.\rووصل الحسن إلى المدائن، وجعل قيس بن سعد بن عيادة على مقدمته في اثني عشر ألفاً، وقيل: بل كان الحسن قد جعل على مقدمته عبيد الله بن عباس، فجعل عبيد الله على مقدمته في الطلائع قيس بن سعد.\rووصل معاوية مسكن.\rفلما نزل الحسن المدائن نادى منادٍ في العسكر: ألا إن قيس ابن سعد قتل فانفروا. فنفروا. وأتوا سرادق الحسن، وانتهبوا ما فيه، حتى نازعوه بساطاً كان تحته، وأخذوا رداءه من ظهره، ووثب عليه رجل من الخوارج من بني أسد يقال له ابن أقيصر بخنجر مسموم فطعنه به في إليته، ووثب الناس على الأسدي فقتلوه.\rفازداد لهم بغضاً ومنهم ذعراً، ودخل المقصورة البيضاء بالمدائن، وكان الأمير على المدائن سعد بن مسعود الثقفي، عم المختار بن أبي عبيد، فقال له المختار وهو شاب: هل لك في الغنى والشرف؟ قال: وما ذاك؟ قال: تستوثق من الحسن وتستأمن به إلى معاوية. فقال له عمه: \" عليك لعنة الله! أثب على ابن بنت رسول الله وأوثقه؟ بئس الرجل أنت! \" فلما رأى الحسن رضي الله عنه تفرق الناس عنه كتب إلى معاوية وشرط شروطاً، وقال: إن أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع، وعليك أن تفي لي به. وقال لأخيه الحسين وعبد الله ابن جعفر: إنني قد أرسلت إلى معاوية في الصلح. فقال له الحسين: أنشدك الله أن لا تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك! فقال له الحسن: اسكت أنا أعلم بالأمر منك.\rفلما انتهى كتاب الحسن إلى معاوية أمسكه، وكان قد أرسل عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة بن جندب إلى الحسن قبل وصول الكتاب إليه، ومعهما صحيفة، بيضاء مختوم على أسفلها، وكتب إليه: أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك. فلما أتت الصحيفة إلى الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك، وأمسكها عنده.\rفلما سلم الحسن رضي الله عنه الأمر لمعاوية، طلب الحسن أن يعطيه الشروط التي اشترطها في الصحيفة التي ختم عليها معاوية فأبى ذلك، قال: قد أعطيتك ما كتبت تطلب.\rقال: ولما اصطلحا قام الحسن رضي الله عنه في أهل العراق فقال: \" يا أهل العراق إنه سخي بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي وطعنكم إياي وانتهابكم متاعي \" ..\rقال: وكان الذي طلب الحسن من معاوية أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة ومبلغه خمسة آلاف ألف. وقيل: سبعة آلاف ألف وخراج داره بجرد من فارس وأن لا يشتم علي.\rفلم يجبه إلى الكف عن شتم علي، فطلب أن لا يشتم وهو يسمع، فأجابه إلى ذلك، ثم لم يف له به أيضاً. فأما خراج دار بجرد فإن أهل البصرة منعوه منه وقالوا: هو فيئنا، لا نعطيه أحداً. وقيل: كان منعهم بأمر معاوية أيضاً.\rوقيل: إن معاوية أجرى على الحسن رضي الله عنه بعد ذلك في كل سنة ألف ألف درهم.\rوتسلم معاوية الأمر لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين. وقيل: في شهر ربيع الآخر. وقيل: في جمادى الأولى في النصف منه.\rوقيل: إنما سلم الحسن الأمر إلى معاوية؛ لأنه لما راسله معاوية في تسليم الخلافة إليه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: \" إنا والله ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع، وكنتم في مسيركم إلى صفين ودينكم أما دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون ثأره، وأما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائر، ألا وإن معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عزٌ ولا نصفه، فإذا أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبا السيوف، فإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضا \" .\rفناداه الناس من كل جانب: البقية البقية، فأمضى الصلح.","part":5,"page":384},{"id":2385,"text":"فلما عزم على تسليم الأمر إلى معاوية خطب الناس فقال: \" أيها الناس، إنما نحن أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل بيت نبيكم عليه الصلاة والسلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا \" وكرر ذلك حتى ما بقي في المجلس إلا من بكى حتى سمع نشيجه، وأرسل إلى معاوية وسلم إليه الأمر.\rفكانت خلافة الحسن على قول من يقول \" سلم الأمر في ربيع الأول \" خمسة أشهر ونصف شهر، وعلى قول من يقول \" في ربيع الآخر \" ستة أشهر وأياماً، وعلى قول من يقول \" في جمادى الأولى \" سبعة أشهر وأياماً.\rوحكى أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله أن الحسن رضي الله عنه لما قتل أبوه بايعه أكثر من أربعين ألفاً، كلهم قد كانوا بايعوا أباه علياً قبل موته على الموت، ثم خرج لقتال معاوية وخرج معاوية لقتاله، فلما تراءى الجمعان - وذلك في موضع يقال له مسكن من أرض السواد بناحية الأنبار - علم أنه لن تغلب إحدى الفئتين حتى يذهب أكثر الأخرى، فكتب إلى معاوية أنه يصير الأمر إليه، على أن يشترط عليه أن لا يطالب أحداً من أهل المدينة والحجاز ولا أهل العراق بشيء مما كان في أيام أبيه، فأجابه معاوية وكاد يطير فرحاً إلا أنه قال: أما عشرة أنفس فلا أؤمنهم، فراجعه الحسن فيهم، فكتب إليه يقول: إني آليت أني متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده. فراجعه الحسن: أني لا أبايعك أبداً وأنت تطلب قيساً أو غيره، بتبعةٍ قلت أو كثرت، فبعث إليه معاوية يومئذٍ برقٍ أبيض وقال: اكتب ما شئت فيه وأنا ألتزمه.\rفاصطلحا على ذلك، واشترط عليه الحسن رضي الله عنه: أن يكون له الأمر من بعده، فالتزم ذلك كله معاوية، فقال له عمرو بن العاص: إنه قد انفل حدهم وانكسرت شوكتهم.\rفقال له معاوية: \" أما علمت أنه قد بايع علياً أربعون ألفاً على الموت؟ فوالله لا يقتلون حتى يقتل أعدادهم من أهل الشام، ووالله ما في العيش خيرٌ بعد ذلك \" . فاصطلحا على ما ذكرناه.\rوكان الحسن رضي الله عنه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين \" قال: ولما بايع الحسن معاوية كان أصحاب الحسن يقولون له: يا عار المؤمنين. فيقول: العار خير من النار.\rوروى أبو عمر بسنده إلى أبي الغريف قال: كنا في مقدمه الحسن بن علي رضي الله عنهما على اثني عشر ألفاً بمسكن مستميتين، تقطر أسيافنا من الجد والحرص على قتال أهل الشام، وعلينا أبو العمر طه، فلما جاءنا صلح الحسن كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ والحزن، فلما جاء الحسن رضي الله عنه الكوفة أتاه شيخ منا يكنى أبا عامر سيفان بن ليلى، فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين. فقال: \" لا تقل هذا يا أبا عامر، فإني لم أذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أطلبهم في طلب الملك \" .\rقال أبو عمر: ولا خلاف بين العلماء أن الحسن إنما سلم الخلافة لمعاوية حياتة، لا غير، ثم تكون له من بعده، وعلى ذلك انعقد بينهما ما انعقد في ذلك الوقت، ورأى الحسن ذلك خيراً من إراقة الدماء في طلبها، وإن كان عند نفسه أحق بها.\rقال: ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس، فأشار عليه عمرو بن العاص أن يأمر الحسن بن علي فيخطب الناس، فكره ذلك معاوية وقال: لا حاجة لنا بذلك: فقال عمرو: \" ولكني أريد ذلك ليبدو للناس عيه، فإنه لا يدري هذه الأمور ما هي \" ولم يزل بمعاوية حتى أمر الحسن رضي الله عنه أن يخطب، وقال له: يا حسن قم فكلم الناس فيما جرى بيننا. فقام الحسن رضي الله عنه فتشهد وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال في بديهته: أما بعد أيها الناس فإن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة، والدنيا دولٌ، وإن الله عز وجل يقول: \" وإن أدري أقريبٌ أم بعيدٌ ما توعدون. إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين \" .\rفلما قالها، قال له معاوية: أجلس. ثم قام معاوية فخطب الناس،ثم قال لعمرو: هذه من رأيك.\rومن رواية عن الشعبي أن الحسن خطب فقال: \" الحمد لله الذي هدا بنا أولكم وحقن بنا دماء آخركم، ألا إن أكيس الكيس التقى، وأعجز العجز الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إما أن يكون أحق به مني، وإما أن يكون حقي فتركته لله تعالى وإصلاح أمة محمد صلى الله عليه وسلم وحقن دمائهم \" .\rثم التفت إلى معاوية فقال: \" وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حينٍ \" .","part":5,"page":385},{"id":2386,"text":"ثم نزل، فقال معاوية لعمرو: ما أردت إلا هذا. وحقدها معاوية على عمرو.\rولحق الحسن رضي الله عنه بالمدينة، بأهل بيته وحشمه، والناس يبكون عند مسيرهم من الكوفة.\rوالحسن رضي الله عنه آخر الخلفاء حقيقة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الخلافة ثلاثون ثم تكون ملكاً وملوكاً \" فكانت هذه المدة من خلافة أبي بكر رضي الله عنه وإلى آخر أيام الحسن.\rولم يزل الحسن رضي الله عنه مقيماً بالمدينة إلى أن مات على ما نذكره إن شاء الله في حوادث سنة تسع وأربعين.\rوحيث ذكرنا الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وذكرنا أخبار من مات أو استشهد من العشرة، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء أخبار الخلفاء، فلنصل هذا الباب بذكر من بقي من العشرة، وهما: سعد بن أبي وقاص وسعيد بت زيد، ليكمل عدة العشرة في هذا الباب، وإن كانت وفاتهما في غير أيام الخلفاء.\rسعد بن أبي وقاص ووفاته\rهو أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك ابن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري.\rكان رضي الله عنه سابع سبعة في الإسلام، أسلم بعد ستة، وهو ابن تسع عشرة سنة.\rوهو أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر رضي الله عنه الشورى فيهم، وأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وهو عنهم راضٍ.\rوكان رضي الله عنه مجاب الدعوة مشهوراً بذلك، تخاف دعوته وترجى لاشتهار إجابتها، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: \" اللهم سدد سهمه وأجب دعوته \" .\rوهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وذلك في سرية عبيدة بن الحارث، وقد تقدم ذكره في السيرة النبوية في الغزوات والسرايا.\rوجمع رسول الله عليه الصلاة والسلام له بين أبويه في قوله صلى الله عليه وسلم \" ارم فداك أبي وأمي \" ولم يقل ذلك إلا له وللزبير بن العوام.\rوكان أحد الفرسان الشجعان من قريش، وهو الذي كوف الكوفة ونفى الأعاجم وتولى قتال الفرس كما تقدم ذكر ذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.\rوكان أميراً على الكوفة، فشكاه أهلها ورموه بالباطل، فدعا على الذي واجهه بالكذب دعوة ظهرت إجابته فيها.\rولما جعله عمر بن الخطاب في أصحاب الشورى قال: إن وليها سعد فذاك وإلا فليستعن به الوالي فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة.\rوكلمه ابنه عمر بن سعد أن يدعو لنفسه بعد مقتل عثمان فأبى. وكان رضي الله عنه ممن لزم بيته وقعد في الفتنة، وأمر أهله أن لا يخبروه من أخبار الناس بشيء حتى تجتمع الأمة على إمام، فطمع معاوية فيه وفي عبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة، فكتب إليهم يدعوهم إلى عونه على الطلب بدم عثمان، ويقول لهم إنهم لا يكفرون ما أتوه من قتله وخذلانه إلا بذلك، وقال: إن قاتله وخاذله سواء، في نثر ونظم كتب به إليهم، فأجابه كل واحد منهم يرد عليه ما جاء به من ذلك، وينكر عليه مقالته، ويعرفه أنه ليس بأهلٍ لما يطلبه، وكان في جواب سعد:\rمعاوي داؤك الداء العياء ... وليس بما تجيء به دواء\rأيدعوني أبو حسن عليٌّ ... فلم أردد عليه ما يشاء\rوقلت له اعطني سيفاً قصيراً ... تماز به العداوة والولاء\rفإنّ الشرّ أصغره كبيرٌ ... وإنّ الظّهر مثقله الدّماء\rأتطمع في الذي أعيا عليّاً ... على ما قد طمعت به العفاء!\rليومٌ منه خيرٌ منك حيّا ... وميتاً أنت للمرء الفداء\rوأما أمر عثمانٍ فدعه ... فإنّ الرّأي أذهبه البلاء","part":5,"page":386},{"id":2387,"text":"وكانت وفاة سعد رضي الله عنه في قصره بالعقيق، على عشرة أميال من المدينة، وحمل إلى المدينة على رقاب الرجال، ودفن بالبقيع وصلى عليه مروان بن الحكم، واختلف في وقت وفاته، فقال الواقدي: توفي في سنة خمس وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة، وقال أبو نعيم مات سنة ثمان وخمسين، وقال الزبير والحسن بن عثمان وعمرو بن علي الغلاس: توفي في سنة أربع وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين، وذكر أبو زرعة عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال: توفي وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وروي عن ابن شهاب أن سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه: لما حضرته الوفاة دعا بخلق جبة له من صوف، فقال كفنوني فيها فإني كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر وهي علي وإنما كنت أخبؤها لهذا اليوم، رضي الله عنه وأرضاه.\rأخبار سعيد بن زيد\rهو أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي ابن غالب القرشي العدوي. وأمه فاطمة بنت بعجة بن مليح الخزاعية.\rوهو ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصهره، كانت تحته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر، وكانت أخته عاتكة بنت يزيد تحت عمر.\rوكان سعيد رضي الله عنه من المهاجرين الأولين، قديم الإسلام لم يشهد بدراً، وضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره، وقد قدمنا ذكر ذلك في غزوة بدر، وشهد ما بعد بدر من المشاهد، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة.\rوكان أبوه زيد بن عمرو يطلب دين الحنيفية - دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام - قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يذبح للأنصاب، ولا يأكل مما ذبح لها، ولا يأكل الميتة ولا الدم، وخرج في الجاهلية يطلب الدين هو وورقة بن نوفل، فعرضت عليهم اليهود دينهم فتهود ورقة، ثم لقيا النصارى فترك ورقة اليهودية وتنصر، وأبى زيد أن يأتي شيئاً من ذلك، وقال: ما هذا إلا كدين قومنا تشركون ويشركون، ولكنكم عندكم من الله ذكر ولا ذكر عندهم. فقال له راهب: إنك تطلب ديناً ما هو على الأرض اليوم. قال: وما هو؟ قال: دين إبراهيم عليه السلام.\rقال: وما كان عليه إبراهيم؟ قال: كان يعبد الله لا يشرك به شيئاً، ويصلي إلى الكعبة.\rفكان زيد على ذلك حتى مات.\rومن رواية أخرى قال: خرج ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو يطلبان الدين حتى مرا بالشام، فأما ورقة فتنصر، وأما زيد فقيل له: إن الذي تطلب أمامك، فانطلق حتى أتى الموصل فإذا هو براهب فقال: من أين أقبل صاحب الراحلة؟ قال من بيت إبراهيم. قال: ما تطلب؟ قال: الدين. قال: فعرض عليه النصرانية، فقال: لا حاجة لي فيها، وأبى أن يقبل، فقال: إن الذي تطلب سيظهر بأرضك. فأقبل وهو يقول: لبيك حقاً حقاً. تعبد ورقا.\rوقال: مهما تجشمني فإني جاشم. عذت بما عاذ به إبراهيم.\rقال: وأتى سعيد بن زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن زيداً كان كما قد رأيت وبلغك فاستغفر له. قال عليه الصلاة والسلام: \" نعم، فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده \" فاستغفر له.\rقال أبو عمر: وكان عثمان ابن عفان رضي الله عنه قد أقطع سعيد بن زيد أرضاً بالكوفة فنزلها وسكنها إلى أن مات، وسكنها من بعده من بنيه الأسود بن سعيد.\rوكانت وفاة سعيد في سنة خمسين أو سنة إحدى وخمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة رضي الله عنه وأرضاه.\rالباب الثالث من القسم الخامس من الفن الخامس\rالدولة الأموية\rمعاوية بن أبي سفيان أول من ملك من ملوك هذه الدولة معاوية بن أبي سفيان، هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، يجتمع نسبه ونسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف بن قصي.\rوأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف.\rولي معاوية دمشق عاملاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، في سنة ثماني عشرة كما ذكرنا ذلك في خلافة عمر، وأقام بقية أيام عمر وأيام عثمان بن عفان رضي الله عنهما بكمالها إلى أن قتل.\rفلما بويع علي رضي الله عنه امتنع من مبايعته، وكان بينهما من الحروب ما ذكرناه في خلافة علي.","part":5,"page":387},{"id":2388,"text":"وسلم عليه بالإمارة بعد اجتماع الحكمين في سنة سبع وثلاثين، وبويع له بعد وفاة علي رضي الله عنه في ذي الحجة سنة أربعين ببيت المقدس، قاله أبو بشر الدولابي رحمة الله عليه، ثم بويع له البيعة العامة بالكوفة بعد أن خلص له الأمر وتسلمه من الحسن بن علي رضي الله عنهما، على ما تقدم، في سنة إحدى وأربعين، في شهر ربيع الأول لخمس بقين منه وقيل: في ربيع الآخر. وقيل: جمادى الأولى..\rولنبدأ من أخباره بما كان منها في خلافة علي رضي الله عنه، مما لم نذكره هناك ثم نذكر من أخباره بعد أن خلص له الأمر، فنبدأ هناك بما وقع في أيامه من الغزوات والفتوحات، ثم نذكر أخبار الخوارج عليه، ثم حوادث السنين خلاف ذلك على نحو ما قدمناه في أخبار غيره، إن شاء الله تعالى.\rقدوم عمرو بن العاص على معاوية وصلحه معه\rكان عمرو بن العاص قد فارق المدينة وقدم إلى فلسطين في آخر أيام عثمان، فأقام هناك حتى قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد ذكرنا في خلافة عثمان سبب خروج عمرو، فلما أتاه الخبر بقتل عثمان قال: \" أنا أبو عبد الله، أنا قتلته وأنا بوادي السبع إن يل هذا الأمر طلحة فهو فتى العرب سيبا، وإن يله ابن أبي طالب فهو اكره من يليه إلي! \" .\rفأتاه الخبر ببيعة علي، فاشتد عليه، فأقام ينتظر ما يصنع الناس، فأتاه خبر مسير عائشة وطلحة والزبير، فأقام ينتظر ما يصنعون، فأتاه خبر وقعة الجمل، فأرتج عليه.\rفسمع أن معاوية امتنع من بيعة علي رضي الله عنه وأنه يعظم شأن عثمان، فدعا ابنيه، فاستشارهما، وقال: \" ما تريان؟ أما علي فلا خير عنده، وهو يدل بسابقته، وهو غير مشركي في أمره \" . فقال له ابنه عبد الله: \" يا أبت، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وهم عنك راضون، فأرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس \" .\rوقال له محمد: \" يا أبت، أنت نابٌ من أنياب العرب، ولا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس لك فيه صوت \" .\rفقال عمرو: \" أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في ديني، وأما أنت يا محمد فأمرتني بما خير لي في دنياي وشر لي في آخرتي \" .\rثم خرج ومعه ابناه حتى قدم على معاوية وقيل: إنه ارتحل من فلسطين وهو يبكي كما تبكي المرأة، ويقول: واعثماناه! أنعى الحياء والدين، حتى قدم دمشق فوجد أهل الشام يحضون معاوية على الطلب بدم عثمان. فقال لهم: أنتم على الحق اطلبوا بدم الخليفة المظلوم.\rومعاوية لا يلتفت إليه، فقال له ابناه: ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إليك، انصرف إلى غيره، فدخل عليه فقال: \" والله لعجبٌ لك أني أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عني، إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن في النفس ما فيها، حيث تقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته، ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا \" .\rفصالحه معاوية وعطف عليه واقتدى بآرائه، وشهد عمرو معه صفين، وحكمه، وكان من أمره معه ما تقدم، والله أعلم\rمقتل محمد بن أبي حذيفة\rوشيء من أخباره كان أبوه حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، قتل يوم اليمامة وترك ابنه محمداً هذا، فكفله عثمان وأحسن تربيته. وكان فيما قيل قد أصاب شرابا فحده عثمان، ثم تنسك بعد ذلك وأقبل على العبادة.\rوطلب من عثمان أن يوليه عملاً فقال له: لو كنت أهلاً لذلك لوليتك، فقال له: إلي قد رغبت في غزو البحر فأذن لي في إتيان مصر.\rفأذن له وجهزه، فلما قدمها رأى الناس عبادته فلزموه وعظموه.\rوغزا مع عبد الله بن سعد غزوة الصواري، وكان محمد يعيب ابن سعد، ويعيب عثمان بتوليته، ويقول: استعمل رجلاً أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه.\rوكتب عبد الله إلى عثمان: إن محمداً قد أفسد علي البلاد هو ومحمد بن أبي بكر.\rفكتب عثمان رضي الله عنه إليه: أما ابن أبي بكر فإنه يوهب لأبيه وعائشة، وأما ابن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي وتربيتي وهو فرخ قريش.\rفكتب إليه: إن هذا الفرخ قد استوى ريشه ولم يبق إلا أن يطير.\rفبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة ثلاثين ألف درهم ومحملاً عليه كسوة.\rفوضعهما محمد في المسجد وقال: يا معشر المسلمين ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني ويرشوني، عليه.\rفازداد أهل مصر تعظيماً له وطعناً على عثمان، وبايعوه على رئاستهم.","part":5,"page":388},{"id":2389,"text":"فكتب إليه عثمان يذكره بره به وتربيته إياه وقيامه بشأنه، ويقول له: كفرت إحساني أحوج ما كنت إلى شكرك. فلم يرده ذلك عن ذمه وتأليب الناس عليه، وحثهم إلى المسير إلى حصره ومساعدة من يريد ذلك.\rفلما سار المصريون إلى عثمان أقام هو بمصر، وخرج عنها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فاستولى عليها وضبطها ولم يزل مقيماً بها حتى قتل عثمان وبويع علي رضي الله عنه، واتفق معاوية وعمرو بن العاص على خلاف علي فسار عمرو بن العاص إليه وقتله.\rوقد اختلف في قتله، فمن المؤرخين من قال: إن عمرو بن العاص سار إلى مصر هو ومعاوية قبل مقدم قيس بن سعد إليها، وأراد دخول مصر فلم يقدرا على ذلك، فخدعا محمداً حتى خرج إلى العريش في ألف رجل فتحصن بها، فنصبا عليه المنجنيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه فقتل.\rوهذا القول ليس بشيء يعتمد عليه، وهو بعيد جداً، لأن علي بن أبي طالب استعمل قيس بن سعد على مصر أول ما بويع، ولو كان قتل محمد بن أبي حذيفة قبل وصول قيس بن سعد إلى مصر لاستولى معاوية على مصر، ولا خلاف أن استيلاء معاوية على مصر كان بعد صفين، وإنما ذكرنا هذا القول لنبين بطلانه، وقد علله بعض المؤرخين بنحو هذا التعليل، واستدل على بطلانه.\rوقد قيل غير ذلك وهو أن محمد بن أبي حذيفة سير المصريين إلى عثمان، فلما حضروه أخرج محمد عبد الله بن سعيد بن أبي سرح عن مصر وهو عامل عثمان واستولى عليها، فنزل عبد الله على تخوم مصر وانتظر أمر عثمان، فطلع عليه راكب، فسأله، فأخبره بقتل عثمان وببيعة علي رضي الله عنه، فاسترجع، وأخبره بولاية قيس بن سعد على مصر، وأنه قادم بعده فقال عبد الله: \" أبعد الله محمد بن أبي حذيفة! فإنه بغى على ابن عمه وسعى عليه، وقد كفله ورباه وأحسن إليه، فأساء جواره، وجهز إليه الرجال، حتى قتل، ثم ولى علي من هو أبعد منه ومن عثمان، ولم يمتعه بسلطان بلاده شهراً ولم يره لذلك أهلاً \" .\rوخرج عبد الله هارباً حتى قدم على معاوية.\rوقيل: إن عمرو بن العاص سار إلى مصر بعد صفين، فلقيه محمد بن أبي حذيفة في جيش كثير، فلما رأى عمرو كثرة من معه أرسل إليه فاجتمعا، فقال له عمرو: \" إنه قد كان ما ترى، وقد بايعت هذا الرجل - يعني معاوية - وما أنا راض بكثير من أمره، وإني لأعلم أن صاحبك علياً أفضل من معاوية نفساً وقدماً، وأولى بهذا الأمر، فواعدني موعداً ألتقي معك فيه في غير جيش، تأتي في مائة وآتي في مثلها، وليس معنا إلا السيوف في القرب \" .\rفتعاهدا وتعاقدا على ذلك واتعدا العريش، ورجع عمرو إلى معاوية فأخبره الخبر، فلما جاء الأجل سار كل واحد منهما في مائة، وجعل عمرو جيشاً خلفه، فلما التقيا بالعريش، قدم جيش عمرو على أثره فعلم محمد أنه قد غدر به، فدخل قصراً بالعريش فتحصن به، وحصره عمرو، ورماه بالمنجنيق حتى أخذ أسيراً، فبعث به إلى معاوية فسجنه، وكانت ابنة قرظة امرأة معاوية ابنة محمد عمة أبي حذيفة، أمها فاطمة بنت عتبة، فكانت تصنع له طعاماً ترسله إليه، فأرسلت إليه يوماً في الطعام مبارد، فبرد بها قيوده، وهرب، فاختفى في غار، فأخذ وقتل.\rوقيل: إنه بقي محبوساً إلى أن قتل حجر بن عدي، ثم هرب فطلبه مالك بن هبيرة السكوني، فظفر به فقتله غضباً لحجر، وكان مالك قد شفع إلى معاوية في حجر فلم يشفعه.\rوقيل: إن محمد بن أبي حذيفة - لما قتل محمد بن أبي بكر - خرج في جمع كثير على عمرو، فأمنه عمرو، ثم غدر به، وحمله إلى معاوية، فحبسه، ثم إنه هرب، فأظهر معاوية للناس أنه كره هربه، وأمر بطلبه فسار في طلبه عبيد الله بن عمر بن ظلام الخثعمي فأدركه بحوران في غار، وجاءت حمر تدخل الغار، فلما رأت محمداً نفرت منه، وكان هناك ناس يحصدون، فقالوا: والله إن لنفرة هذه الحمر لشأناً، فذهبوا إلى الغار فرأوه، وخرجوا من عنده، فوافقهم عبيد الله فسألهم عنه ووصفه لهم، فقالوا: هو في الغار، فأخرجه، وكره أن يأتي به معاوية فيخلى سبيله، فضرب عنقه. والله أعلم.\rملك عمرو بن العاص مصر\rومقتل محمد بن أبي بكر ووفاة الأشتر وما يتصل بذلك","part":5,"page":389},{"id":2390,"text":"قد ذكرنا في أخبار علي رضي الله عنه استعماله محمد بن أبي بكر على مصر، وما كان بينه وبين أهل خربتا وقتلهم ابن مضاهم، ثم خرج معاوية ابن حديج السكوني، ودعا إلى الطلب بدم عثمان فأجابه ناس وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر، فبلغ ذلك علياً فاستدعى الأشتر، وكان قد توجه إلى نصيبين بعد صفين، فحضر إليه فأخبره خبر أهل مصر، وقال له: \" ليس لها غيرك، فاخرج غليها، فإني لو لم أوصيك اكتفيت برأيك، فاستعن بالله، واخلط الشدة باللين، وارفق ما كان الرفق أبلغ، وتشدد حين لا يغني إلا الشدة \" فخرج الأشتر إلى مصر، فبلغ معاوية ذلك، فعظم عليه، وكان قد طمع في مصر، فعلم أن الأشتر إن قدمها كان عليه أشد من محمد بن أبي بكر رضي الله عنه، فبعث معاوية إلى المقدم على أهل الخراج بالقلزم وهو الجابستار وقال له: إن الأشتر قد ولي مصر فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجاً ما بقيت وبقيت. فخرج الجابستار حتى أتى القلزم وأقام به.\rوخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهى إلى القلزم استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول، فنزل عنده، فأتاه بطعام فأكل وأتاه بشربة من عسل قد جعل فيه سماً فسقاه إياه، فلما شربها وأقبل معاوية يقول لأهل الشام: إن علياً قد وجه الأشتر إلى مصر فادعوا الله عليه فكانوا يدعون عليه.\rوأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر، فقام معاوية خطيباً، ثم قال: أما بعد، فإنه كانت لعلي يمينان، قطعت إحداهما يوم صفين - يعني عمار بن ياسر - وقطعت الأخرى اليوم - يعني الأشتر - .\rفلما بلغ ذلك علياً قال: لليدين وللفم! وكان ثقل عليه لأشياء نقلت عنه، وقيل: إنه لما بلغه قتله استرجع وقال: \" مالك! وما مالك؟ وهو موجود مثل ذلك؟ لو كان من حديدٍ لكان قيداً، أو من حجر لكان صلداً، على مثله فلتبك البواكي! \" .\rثم كتب إلى محمد بن أبي بكر باستقراره على عمله، وأوصاه وقيل: إنه إنما ولى الأشتر بعد قتل محمد بن أبي بكر.\rقال: ولما كان من الحكمين ما كان، وبايع أهل الشام معاوية بالخلافة، لم يكن لهم همٌ إلا مصر، وكان يعاب أهلها لقربهم منه ولشدتهم وما كان من رأيهم في عثمان، وكان يرجو أنه إذا ظهر عليها ظهر على حرب علي رضي الله عنه لعظم خراجها، فدعا معاوية عمرو بن العاص، وحبيب بن أبي سلمة، وبسر بن أرطاة، والضحاك بن قيس، وعبد الرحمن بن خالد، وأبا الأعور والسلمى، وشرحبيل بن السمط الكندي، فقال لهم: أتدرون لم جمعتكم؟ فإني جمعتكم لأمر مهم.\rفقالوا: لم يطلع الله على الغيب أحداً، ولم نعلم ما تريد.\rفقال عمرو بن العاص: لتسألنا عن رأينا في مصر، فإن كنت جمعتنا لذلك، فاعزم واصبر، فنعم الرأي رأيت في افتتاحها، فإن فيه عزك وعز أصحابك، وكبت عدوك، وذل أهل الشقاق عليك.\rفقال معاوية: أهمك يا ابن العاص ما أهمك.\rوذلك أن عمراً صالح معاوية على قتال علي رضي الله عنه على أن له مصر طعمة ما بقي.\rوأقبل معاوية على أصحابه وقال: أصاب أبو عبد الله، فما ترون؟ قالوا: ما نرى إلا ما رأى عمرو.\rثم كتب معاوية إلى مسلمة ابن مخلد ومعاوية بن حديج السكوني - وكانا قد خالفا علياً - يشكرهما على ذلك، ويحثهما على الطلب بدم عثمان، ويعدهما المواساة في سلطانه.\rوبعثه مع مولاه سبيع. فلما وقفا عليه أجاب مسلمة بن مخلد الأنصاري عن نفسه وعن ابن حديج: \" أما بعد، فإن الأمر الذي بذلنا له أنفسنا، واتبعنا أمر الله نرجو به ثواب ربنا، والنصر على من خالفنا، وتعجيل النقمة على من سعى على إمامنا، وأما ما ذكرت من المواساة في سلطانك، فبالله إن ذلك أمرٌ ماله نهضنا، ولا إياه أردنا، فعجل علينا بخيلك ورجالك، فإن عدونا قد أصبحوا لنا هائبين، فإن يأتنا مدد يفتح الله عليك، والسلام.\rفجاءه الكتاب وهو بفلسطين، فدعا أولئك النفر وقال لهم: ما ترون؟ قالوا: نرى أن تبعث جندا.\rفأمر عمرو بن العاص ليتجهز إليها، وبعث معه ستة آلاف رجل، وأوصاه بالتؤدة وترك العجلة.\rوسار عمرو حتى نزل أداني أرض مصر، فاجتمعت العثمانية إليه، فأقام بهم، وكتب إلى محمد بن أبي بكر: \" أما بعد، فتنح عني بدمك يا بن أبي بكر، فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر؛ إن الناس بهذه البلاد قد أجمعوا على خلافك وهم مسلموك فاخرج منها، إني لك من الناصحين \" وبعث إليه بكتاب معاوية في المعنى، ويتهدده بقصده حصار عثمان.","part":5,"page":390},{"id":2391,"text":"فأرسل محمد الكتابين إلى علي رضي الله عنه، ويخبره بنزول عمرو بأرض مصر، وأنه رأى التثاقل ممن عنده، ويستمده.\rفكتب إليه يأمره أ، يضم شيعته إليه، ويعده إنفاذ الجيوش إليه ويأمره بالصبر لعدوه وقتاله.\rوقام محمد في الناس فندبهم إلى الخروج إلى عدوهم مع كنانة بن بشر، فانتدب معه ألفان، وخرج محمد بن أبي بكر بعده في ألفين، وأقبل عمرو نحو كنانة، فلما دنا منه سرح الكتائب كتيبة بعد كتيبة، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة إلا حمل عليها، فألحقها بعمرو، فلما رأى ذلك بعث إلى معاوية بن حديج، فأتاه في مثل الدهم، فأحاطوا بكنانة وأصحابه، واجتمع أهل الشام عليهم من كل جانب، فنزل كنانة عن فرسه ونزل معه أصحابه، فقالت بسيفه حتى قتل، وبلغ قتله محمد بن أبي بكر، فتفرق عنه أصحابه، وأقبل عمرو بجمع، ولم يبق مع محمد أحد.\rفخرج محمد يمشي في الطريق، فانتهى إلى خربة فأوى إليها، وسار عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط، وخرج معاوية بن حديج في طلب محمد بن أبي بكر، فانتهى إلى جماعة على قارعة الطريق فسألهم عنه، فقال أحدهم: دخلت تلك الخربة فرأيت فيها رجلاً جالساً، فقال ابن حديج: هو هو. فدخلوا فاستخرجوه وكاد يموت عطشاً، وأقبلوا به نحو الفسطاط.\rووثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم إلى عمرو وكان في جنده، وقال: أيقتل أخي صبراً؟ ابعث إلى ابن حديج فانهه عنه. فبعث إليه يأمره أن يأتيه بمحمد، فقال: قتلتم كنانة بن بشر وأخلي أنا محمداً \" أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر \" هيهات هيهات! فقال لهم محمد بن أبي بكر رضي الله عنه: اسقوني ماء. فقال ابن حديج: \" لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبداً؛ إنكم منعتم عثمان شرب الماء، والله لأقتلنك حتى يسقيك الله من الحميم والغساق \" .\rفقال له محمد: \" يا ابن اليهودية النساجة، ليس ذلك إليك، لإنما ذلك إلى الله، يسقي أولياءه، ويظمئ أعداءه، أنت وأمثالك، أما والله لو كان سيفي بيدي ما بلغتم مني هذا \" .\rقال له: أتدري ما أصنع بك؟ أدخلك جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار. فقال محمد: \" إن فعلت بي ذلك فطالما فعلتم ذلك بأولياء الله، وإني لأرجو أن يجعلها الله عليك وعلى أوليائك ومعاوية وعمرو ناراً تلظى، كلما خبت زادها الله سعيراً \" .\rفغضب منه وقتله، ثم ألقاه في جيفة حمار، ثم أحرقه بالنار.\rفلما بلغ ذلك عائشة رضي الله عنها جزعت عليه جزعاً شديداً، وقنتت في وتر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو، وأخذت عيال محمد إليها، وامتنعت عائشة بعد ذلك أ، تأكل شواء حتى ماتت. وقد قيل: إن محمد بن أبي بكر قاتل عمراً ومن معه قتالاً شديداً، فقتل كنانة وانهزم محمد، فاختبأ عند جبلة بن مسروق، فدل عليه معاوية ابن حديج، فأحاط به، فخرج إليه محمد فقاتل حتى قتل. وكان ذلك في سنة ثمان وثلاثين.\rقال: وأما علي رضي الله عنه، فإنه لما أتاه كتاب محمد ندب الناس إلى الخروج، فتثاقلوا فخطبهم وحثهم على الخروج ووبخهم على التثاقل، فقام إليه كعب بن مالك الأرحبي فقال: يا أمير المؤمنين: اندب الناس؛ لهذا اليوم كنت أدخر نفسي، ثم قال: أيها الناس، اتقوا الله وأجيبوا إمامكم، وانصروا دعوته، وقاتلوا عدوه وأنا أسير إليه، فخرج معه ألفان. فقال له علي رضي الله عنه: سر فوالله ما أظنك تدركهم حتى ينقضي أمرهم، فسار بهم خمساً.\rثم قدم الحجاج بن غزية من مصر فأخبره بالخبر، وأتاه عبد الرحمن بن شبيب الفرازي من الشام وكان عينه هناك فأخبره أن البشارة من عمرو وردت بقتل محمد وملك مصر وسرور أهل الشام بقتله، فقال علي؛ أما إن حزننا عليه بقدر سرورهم به، لا بل يزيد أضعافاً: وأرسل إلى الجيش فأعادهم.","part":5,"page":391},{"id":2392,"text":"وقام في الناس خطيباً فقال: \" ألا إن مصر قد افتتحتها الفجرة أولو الجور والظلم، الذين صدوا عن سبيل الله، وبغوا الإسلام عوجاً، ألا وإن محمد بن أبي بكر استشهد، فعند الله نحتسبه، أما والله إنه كان - ما علمت - لمن ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحب هدي المؤمن، والله لا ألوم نفسي على تقصير، وإني بمقاساة الحرب لجد خبير، وإني لأقدم على الأمر، وأعرف وجه الحزم، وأقوم فيكم بالرأي المصيب، وأستصرخكم معلنا، وأناديكم نداء المستغيث، فلا تسمعون لي قولا، ولا تطيعون لي أمراً، حتى تصير الأمور إلى عواقب المساءة، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر، ولا تنقص بكم الأوتار، ودعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع مخمسين ليلة، فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليست له نية في جهاد العدو، ولا اكتساب الأجر، ثم خرج إلي منكم جنيد متثائب، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، فأف لكم! \" . ثم نزل رضي الله عنه.\rسرايا معاوية إلى بلاد علي\rبن أبي طالب رضي الله عنه لما كان من أسر الحكمين ما ذكرنا، وملك معاوية مصر، استشرفت نفسه إلى غير ذلك، فلما كان في سنة تسع وثلاثين بث سراياه في أطراف بلاد علي رضي الله عنه.\rفبعث النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر وفيها مالك بن كعب مسلحة لعلي في ألف رجل، وكان مالك قد أذن لأصحابه فأتوا الكوفة، ولم يبق معه إلا مائة رجل، فلما سمع خبر النعمان كتب إلى علي رضي الله عنه يستمده، فندب الناس إلى الخروج، فتثاقلوا، وواقع مالك النعمان، وجعل وراء القرية في ظهر أصحابه، وكتب مالك إلى مخنف بن سليم يستغيثه وهو قريب منه، فوجه مخنف ابنه عبد الرحمن في خمسين رجلاً، فانتهوا إلى مالك وقد كسروا جفون سيوفهم واستقتلوا، وذلك بعد أن قاتلوا قتالاً شديداً، فلما رآهم أهل الشام انهزموا بعد العشاء، وظنوا أن لهم مدداً، وتبعهم مالك فقتل منهم ثلاثة نفر.\rوبعث سفيان بن عوف في ستة آلاف، وأمره أن يأتي هيت فيقطعها، ثم يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها، فأتى هيت فلم يجد بها أحداً، ثم أتى الأنبار وفيها مسلحة لعلي تكون خمسمائة رجل، وقد تفرقوا فلم يبق منهم إلا مائتا رجل، وكان سبب تفرقهم أن أميرهم كميل بن زياد بلغه أن قوماً بقرقيسيا يريدون الغارة على هيت، فسار إليهم، فأتى أصحاب سفيان وكميل غائب، فقاتل سفيان من وجد هناك فصبروا له، ثم قتل صاحبهم وهو أشرس ابن حسان البكري وثلاثون رجلاً، واحتمل أصحاب سفيان ما في الأنبار من أموال أهلها ورجعوا إلى معاوية، وبلغ الخبر علياً فأرسل في طلبهم فلم يدركوا.\rوبعث عبد الله بن مسعدة بن حكيم بن مالك بن بدر الفزاري في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء وأمره أن يأخذ صدقة من مر به من أهل البوادي ويقتل من امتنع، ففعل ذلك، وبلغ مكة والمدينة، واجتمع إليه بشر كثير من قومه.\rوبلغ ذلك علياً فأرسل المسيب بن نجبة الفزاري في ألفي رجل، فلحق عبد الله بتيماء فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى زالت الشمس، وحمل المسيب على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات لا يريد قتله، ويقول له: النجاء النجاء. فدخل ابن مسعدة وجماعة من أصحابه الحصن وهرب الباقون نحو الشام، وانتهب الأعراب إيل الصدقة التي كانت مع ابن مسعدة وحصره ثلاثة أيام، ثم ألقى الحطب في الباب وحرقه، فلما رأوا الهلاك أشرفوا عليه وقالوا: قومك يا مسيب! : فرق لهم وأمر بالنار فأطفئت، وقال لأصحابه: قد جاءني عيون فأخبروني أن جنداً قد أتوكم من الشام.\rوبعث معاوية أيضاً الضحاك بن قيس في ثلاثة آلاف رجل، أمره أن يمر بأسفل واقصة، ويغير على كل من مر به ممن هو في طاعة علي من الأعراب، فسار وقتل الناس وأخذ الأموال، ومضى إلى الثعلبية فأغار على مسلحة علي وانتهى إلى القطقطانة، فلما بلغ ذلك علياً أرسل حجر بن عدي إليه في أربعة آلاف وأعطاهم خمسين درهماً، فلحق الضحاك بتدمر فقتل من أصحابه تسعة عشر رجلاً، وقتل من أصحابه رجلان، وحجز بينهما الليل فهرب الضحاك وأصحابه، ورجع حجر ومن معه.\rوسار معاوية بنفسه حتى شارف دجلة ثم رجع.","part":5,"page":392},{"id":2393,"text":"وبعث معاوية يزيد بن شجرة الرهاوي إلى مكة لأخذ البيعة له، وإقامة الحج بالناس، ومعه ثلاثة آلاف، فسار إلى مكة وبها قثم بن العباس من قبل علي، فأراد مفارقتها، واللحاق ببعض شعابها، فنهاه أبو سعيد الخدري، وكتب قثم إلى علي يستمده، ووصل يزيد إلى مكة قبل التروية بيومين، فما تعرض للقتال، ونادى في الناس، أتم آمنون إلا من قاتلنا ونازعنا. واتفق قثم ويزيد أن يعتزلا الصلاة بالناس، واختارا شيبه بن عثمان، فصلى بالناس وحج بهم، ولما انقضى الحج رجع يزيد إلى الشام، وأقبلت خيل علي مدداً لقثم، وفيهم الريان ابن ضمرة الحنفي، وأبو الطفيل، وعليهم معقل بن قيس، فتبعوه فأدركوه وقد دخل وادي القرى، وظقروا بنفر من أصحابه فأخذوهم أسارى ورجعوا بهم إلى علي، ففادى بهم أسارى كانت لهم عند معاوية.\rوبعث معاوية عبد الرحمن بن قباس بن أشيم إلى بلاد الجزيرة وبها شبيب بن عامر بنصيبين، فكتب إلى كميل بن زياد وهو بهيت يعلمه خبرهم، فسار كميل إليهم نجدة له في ستمائة فارس، فأدركوا عبد الرحمن ومعه معن بن يزيد السلمي فقاتلهما كميل فهزمهما، وغلب على عسكرهما، وأكثر القتل في أهل الشام، وقتل من أصحاب كميل رجلان، وأقبل شبيب بن عامر من نصيبين فرأى كميلاً قد أوقع بالقوم فهنأه بالظفر، واتبع الشاميين فلم يدركهم، فعبر الفرات وبث خيله فأغار على نواحي الرقة، فلم يدع للعثمانية بها ماشية إلا استقاها، ولا خيلاً ولا سلاحاً إلا أخذه، وعاد إلى نصيبين.\rوكتب إلى علي رضي الله عنه فكتب إليه ينهاه عن أخذ أموال الناس إلا الخيل والسلاح الذي يقاتلون به، وقال: رحم الله شبيباً، لقد أبعد الغارة، وعجل الانتصار.\rولما فعل شبيب ذلك وقدم يزيد بن شجرة على معاوية بعث معاوية الحارث بن نمر التنوخي إلى الجزيرة ليأتيه بمن كان في طاعة علي، فأخذ من أهل دارا سبعة نفر من بني تغلب، وكان جماعة من نبي تغلب قد فارقوا علياً إلى معاوية فسألوه في إطلاق أصحابهم فلم يفعل فاعتزلوه أيضاً، وفادى معاوية بهم من كان أسرهم معقل بن قيس من أصحاب ابن شجرة.\rوبعث معاوية زهير بن مكحول العامري إلى السماوة ليأخذ صدقات الناس، فبلغ ذلك علياً فبعث ثلاثة نفر، وهم: جعفر بن عبد الله الأشجعي، وعروة بن عشبة والجلاس بن عمير الكلبيين، ليأخذوا صدقه من في طاعته من كلب وبكر بن وائل، فوافوا زهيراً فاقتتلوا، فانهزم أصحاب علي رضي الله عنه، وقتل جعفر، ولحق ابن العشبة بعلي فعنفه وعلاة بالدرة، فغضب ولحق بمعاوية.\rوأما ابن الجلاس فإنه مر براع فأخذ جبته وأعطاه جبة خز فأدركته الخيل، فقالوا:أين أخذ هؤلاء الترابيون؟ فأشار إليهم: أخذوا هاهنا. ثم أقبل إلى الكوفة.\rوبعث أيضاً مسلم بن عقبة المري إلى دومه الجندل، وكان أهلها قد امتنعوا من بيعة علي ومعاوية جميعاً، فدعاهم إلى طاعة معاوية وبيعته، فامتنعوا، وبلغ ذلك علياً، فبعث مالك بن كعب الهمذاني في جمع إلى دومه الجندل، فلم يشعر مسلم إلا وقد وافاه مالك، فاقتتلوا يوماً ثم انصرف مسلم منهزماً، وقام مالك أياماً يدعو أهل دومه الجندل إلى بيعة علي، فأبوا وقالوا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على إمام، فانصرف عنهم وتركهم.\r؟مسير بسر إلى الحجاز واليمن\rوفي سنة أربعين بعث معاوية بسر بن أرطاة بن أبي أرطاة - واسم أبي أرطاة عمير، وقيل عويمر الشامي من بني عامر بن لؤي - إلى الحجاز واليمن في ثلاثة آلاف فارس، فسار من الشام حتى قدم المدينة، وعامل المدينة يومئذ أبو أيوب الأنصاري من قبل على رضي الله عنهما، ففر أبو أيوب ولحق بعلي، ودخل بسر المدينة ولم يقاتله أحد، فصعد منبرها فنادى: يا دينار، يا نجار، يا زريق وهذه بطون من الأنصار شيخي شيخي، عهدته ههنا بالأمس، فأين هو؟ ! يعني عثمان. ثم قال: والله لولا ما عهد إلى معاوية ما تركت بها محتلماً إلا قتلته.\rثم أمر أهل المدينة بالبيعة لمعاوية، وأرسل إلى بني سلمة فقال: مالكم عندي أمان ولا مبايعة حتى تأتوني بجابر بن عبد الله.","part":5,"page":393},{"id":2394,"text":"فأخبر، فانطلق إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: \" ماذا ترين؟ فإني خشيت أن أقتل، وهذه بيعة ضلالة! \" فقالت: \" أرى أن تبايع، وقد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة وختني بن زمعة أن يبايعا \" ، وكانت ابنتها زينب تحت ابن زمعه، فأتى جابر إلى بسر فبايعه لمعاوية، وهدم بسر دوراً بالمدينة.\rثم انطلق حتى أتى مكة، وفيها أبو موسى الأشعري، فخافه أبو موسى على نفسه أن يقتله، فهرب، فقيل ذلك لبسر، فقال: ما كنت لأطلبه وقد خلع علياً. ولم يطلبه.\rوكتب أبو موسى إلى اليمن: أن خيلاً مبعوثة من عند معاوية تقتل الناس ممن أبى أن يقر بالحكومة.\rثم مضى بسر إلى اليمن، وعامل اليمن من قبل علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس، فلما بلغه أمر بسر فر إلى الكوفة حتى أتى علياً، واستخلف على اليمن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه، ولقي ثقل عبيد الله بن العباس رضي الله عنه وفيه ابنان صغيران لعبيد الله بن العباس فقتلهما، وهما عبد الرحمن وقثم.\rوقيل: إنهما كانا عند رجل من بني كنانة بالبادية، فلما أرادا قتلهما قال له الكناني: \" لم تقتل هذين ولا ذنب لهما؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما! \" ، فقتله، وقتلهما بعده.\rوقيل: إن الكناني أخذ سيفه وقاتل على الغلامين وهو يقول: الليث من يمنع حافات الدار.\rولا يزال مصلتاً دون الجار.\rفقاتل حتى قتل وأخذ بسر الغلامين فذبحهما، فخرج نسوة من بني كنانة، فقالت امرأة منهن: \" ما هذا؟ قتلت الرجال فعلام تقتل الولدان؟ والله ما كانوا يقتلون في جاهلية ولا إسلام! والله إن سلطاناً لا يقوم إلا بقتل الضرع الصغير والشيخ الكبير وبرفع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء! \" فقال لها بسر: والله لقد هممت أن أضع فيكن السيف. فقالت له: تالله إنها لأخت التي صنعت وما أنا لها منك بآمنة! ثم قالت للنساء التي حولها: ويحكن! تفرقن!.\rوقتل بسر في مسيره جماعةً من شيعة علي باليمن.\rوبلغ علياً الخبر، فأرسل جارية بن قدامة في ألفين، ووهب ابن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى أتى نجران، فقتل بها ناساً من شيعة عثمان، وهرب بسرٌ منه، واتبعه جارية إلى مكة، فقال: بايعوا أمير المؤمنين. فقالوا: قد هلك فلمن نبايع؟ قال: لمن بايع له أصحاب علي فبايعوا خوفاً منه.\rثم سار حتى أتى المدينة، وأبو هريرة يصلي بالناس، فهرب منه، فقال جارية: لو وجدت أبا سنور لقتلته. ثم قال لأهل المدينة: بايعوا الحسن بن علي، فبايعوا، وأقام يومه، ثم عاد إلى الكوفة، ورجع أبو هريرة يصلي بهم.\rوكانت أم ابني عبيد الله أم الحكم جويرية بنت خويلد بن قارظ، وقيل: عائشة بنت عبد الله بن عبد المدان، فلما قتل ولداها ولهت عليها، فكانت لا تعقل ولا تصغي، ولا تزال تنشدهما في المواسم وتقول:\rها ما أحسن بنيّيّ اللذين هما ... كالدرّتين تشظّى عنهما الصدف\rها من أحسّ بنيّيّ اللذين هما ... سمعي وعقلي فقلبي اليوم مختطف\rها من أحسّ بنيّيّ اللذين هما ... مخّ العظام فمخّي اليوم مزدهف\rمن ذلّ والهة حيرى مدلّهة ... على صبيّين ذلاّ إذ غدا السّلف\rنبّئت بسراً وما صدّقت ما زعموا ... من قتلهم ومن الإثم الذي اقترفوا\rأحني على ودجي إبنيّ مرهفةً ... مشحوذةً وكذاك الإثم يقترف\rقال: فلما سمع علي بقتلهما جزع جزعاً شديداً، ودعا على بسرٍ فقال: اللهم اسلبه دينه وعقله. فأصابه ذلك، وفقد عقله، فكان يهذي بالسيف فيطلبه، فيؤتى بسيف من خشب، ويجعل بين يديه زق منفوخ، فلا يزال يضربه، فلم يزل كذلك إلى أن مات.\rقال: ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه عبيد الله بن عباس وعنده بسر، فقال لبسر: وددت أن الأرض أنبتتني عندك حين قتلت ولدي. فقال بسر: هاك سيفي. فأهوى عبيد الله ليتناوله، فأخذه معاوية وقال لبسر: \" أخزاك الله شيخاً قد خرفت! والله لو تمكن منه لبدأ بي! \" قال عبيد الله: أجل ثم ثنيت به.\rوقيل: إن مسير بسر إلى الحجاز كان في سنة اثنتين وأربعين، وإنه أقام بالمدينة شهراً يستعرض الناس، لا يقال له عن أحد \" إنه شرك في دم عثمان \" إنه قتله.","part":5,"page":394},{"id":2395,"text":"وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عمرة الشيباني قوله: لما وجه معاوية بن أبي سفيان بسر بن أرطاة الفهري لقتل شيعة علي، قام إليه معن أو عمرو بن يزيد بن الأخنس السلمي وزياد بن الأشهب الجعدي فقالا: \" يا أمير المؤمنين نسألك بالله والرحم ألا تجعل لبسرٍ على قيس سلطاناً، فيقتل قيساً بما قتلت بنو سليم من بني فهر وكنانة يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة \" .\rفقال له معاوية: يا بسر، لا أمر لك على قيس. فسار حتى أتى المدينة فقتل ابني عبيد الله بن عباس، وفر أهل المدينة ودخلوا الحرة: حرة بني سليم.\rهكذا قال السيباني: إنه قتل ابني عبيد الله بالمدينة. والأكثر أنه قتلهما باليمن على ما ذكرنا.\rقال: وفي هذه الخرجة أغار بسرٌ على همدان وقتل وسبى نساءهم، فكن أول مسلماتٍ سبين في الإسلام. وقتل أحياء من بني سعد.\rوروى أبو عمر بسنده عن أبي الرباب وصاحب له أنهما سمعا أبا ذر يدعو ويتعوذ في صلاة صلاها طال قيامها وركوعها وسجودها، قال: فسألناه: مم تعوذت؟ وفيم دعوت؟ فقال: تعوذت بالله من يوم البلاء أن يدركني ويوم العورة أن أدركه. فقلنا: وما ذاك؟ فقال: أما يوم البلاء فتلتقي فئتان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضاً، وأما يوم العورة فإن نساء من المسلمات يسبين فيكشف عن سوقهن فأيتهن كانت أعظم ساقاً اشتريت على عظم ساقها، فدعوت الله ألا يدركني هذا الزمان ولعلكما تدركانه. قال: فقتل عثمان ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن فسبى نساء مسلمات فأقمن في السوق.\rهذا ما كان من أخباره في خلافة علي رضي الله عنه مما يدخل فيما نحن بصدده، فلنذكر الآن ما اتفق له في مدة ولايته بعد أن خلص له الأمر، ونبدأ بالغزوات والفتوحات.\rالغزوات والفتوحات\rفي أيام معاوية بعد أن استقل بالأمر في سنة اثنتين وأربعين كان غزو الروم، فهزموا، وقتل جماعة كبيرة من بطارقتهم.\rوفيها كان غزو اللان.\rوفي سنة ثلاث وأربعين غزا بسر بن أرطاة الروم حتى بلغ القسطنطينية، وشتى بأرضهم، حكاه الواقدي، وأنكره غيره وقال: لم يشت بسر بأرضهم، حكاه الواقدي، وأنكره غيره وقال: لم يشت بسر بأرض الروم قط، وكان بسر إذ ذاك يلي البصرة من قبل معاوية على ما نذكره في حوادث السنين.\rوفيها استعمل عبد الله بن عامر عبد الرحمن بن سمرة على سجستان، فأتاها، فكان يغزو البلد وقد كفر أهله فيفتحه، حتى بلغ كابل، فحصرها أشهراً، ونصب عليها مجانيق فثلمت سورها ثلمة عظيمة، فبات عليها عباد بن الحصين الحبطي ليلة - وكان على الشرطة - فما زال يطاعن المشركين حتى أصبح، فلم يقدروا على سدها وخرجوا من الغد يقاتلون فهزمهم المسلمون، ودخلوا البلد عنوة.\rوساروا إلى زروان، فهرب أهلها، فغلب عليها، ثم سار إلى خشك، فصالحه أهلها.\rثم أتى الرخج، فقاتلوه، فظفر بهم وفتحها، ثم صار إلى زابلستان - وهي غزنة وأعمالها - وكانوا قد نكثوا ففتحها. وعاد إلى كابل، وقد نكث أهلها ففتحها.\rغزوة السند\rقال: وفي سنة ثلاث وأربعين استعمل عبد الله بن عامر - وكان على البصرة وخراسان وسجستان - عبد الله بن سوار العبدي على ثغر السند - ويقال: بل كان ابن سوار من قبل معاوية - فغزا القيقان، فأصاب مغنماً، ووفد على معاوية وأهدى له خيلاً، ثم غزا القيقان مرة ثانية، فاستنجدوا بالترك، فقتلوه وكان كريماً، لم يوقد أحد في عسكره ناراً، فرأى ذات ليلة في عسكره ناراً، فقال: ما هذه؟ قالوا: امرأة نفساء يعمل لها الخنبيص، فأمر أن يطعم الناس الخنبيص ثلاثة أيام.\rوفي سنة أربع وأربعين دخل المسلمون بلاد الروم مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وشتوا بها... وغزا بسر بن أرطاة في البحر.\rوفيها غزا الملهب بن أبي صفرة ثغر السند، وقاتلهم، ولقي المهلب ببلاد القيقان ثمانية عشر فارساً من الترك، فقاتلوه قتالاً شديداً، فقتلوا جميعاً.\rوفي سنة ست وأربعين كان مسشتى مالك بن عبد الله بأرض الروم، وقيل: بل كان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقبل: بل كان مالك بن هبيرة السكوني.\rوفي سنة سبع وأربعين كان مشتى مالك بن هبيرة بأرض الروم ومشتى أبي عبد الرحمن القيني بأنطاكية.","part":5,"page":395},{"id":2396,"text":"وفيها غزا الحكم بن عمرو بعض جبال الترك، ومعه المهلب بن أبي صفرة فغنموا، وأخذ الترك عليهم الشعاب والطرق، فعيي الحكم بالأمر فولى المهلب الحرب، فلم يزل المهلب يحتال حتى أخذ عظيماً من عظماء الترك، فقال له: إما أن تخرجنا من هذا المضيق أو أقتلك، فقال له التركي: \" أوقد النار حيال طريق من هذه الطرق وسير الأثقال نحوه، فإنهم سيجتمعون فيه ويخلون ما سواه من الطرق، فبادرهم إلى طريق آخر، فما يدركونكم حتى تخرجوا منه \" .\rففعل ذلك، فسلم الناس بما معهم من الغنائم.\rوفيها أيضاً سار الحكم أيضاً إلى بلاد الغور فغزا من بها وكانوا قد ارتدوا، فأخذهم عنوة بالسيف، وفتحها، وأصاب منها مغانم كثيرة وسبايا، ولما رجع الحكم من هذه الغزاة مات بمرو، في قول بعضهم، وكان الحكم قد قطع النهر في ولايته ولم يفتح، وكان أول المسلمين شرب من النهر مولى للحكم، اغترف بترسه فشرب، وناول الحكم فشرب وتوضأ وصلى ركعتين، وكان أول المسلمين فعل ذلك.\rوفي سنة ثمان وأربعين كان مشتى عبد الرحمن القيني بأنطاكية وصائفة عبد الله بن قيس الفزاري، وغزوة مالك بن هبيرة السكوني البحر، وغزوة عقبة بن عامر الجهني بأهل مصر في البحر وبأهل المدينة.\rغزوة القسطنطينية\rوفي تسع وأربعين - وقيل: في سنة خمسين - بعث معاوية جيشاً كثيفاً إلى بلاد الروم عليهم سفيان بن عوف وكان في هذا الجيش عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وأبو أيوب الأنصاري، وعبد العزيز بن زرارة الكلابي وغيرهم.\rوأمر معاوية ابنه يزيد بالغزاة معهم، فتثاقل واعتل، فأمسك عنه أبوه، فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد، فقال يزيد:\rما إن أبالي بما لاقت جموعهمو ... بالغذقذونة من حمى ومن موم\rإذا اتكأت على الأنماط مرتفقاً ... بدير مران عندي أم كلثوم\r\" وأم كلثوم: امرأته، وهي ابنة عبد الله بن عامر \" فبلغ معاوية شعره، فأقسم عليه: ليلحقن بسفيان في أرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس. فسار ومعه جمع كثير أضافهم إليه أبوه، فلحق بهم.\rوأوغل المسلمون في بلاد الروم، حتى بلغوا القسطنطينية، والتقوا بالروم، واقتتلوا فاشتدت الحرب بينهم في بعض الأيام فلم يزل عبد العزيز بن زراره يتعرض للشهادة، فلم يقتل، فأنشأ يقول:\rقد عشت في الدهر أطواراً على طرق ... شتى، فصادفت منها اللين والبشعا\rكلا بلوت، فلا النعماء تبطرني ... ولا تخشعت مز لأوائها جزعا\rلا يملأ الأمر صدري قبل موقعه ... ولا أضيق به ذرعاً إذا وقعا\rثم حمل من يليه، فقتل فيهم، وانغمس بينهم، فشجره الروم برماحهم، حتى قتلوه، رحمه الله، فبلغ قتله وعاوية، فقال لأبيه: هلك والله فتى العرب! فقال: ابني أو ابنك!؟ قال ابنك فآجرك الله! فقال:\rفإن يكن الموت أودى به ... وأصبح مخ الكلابي ريرا\rفكل فتى شارب كأسه ... فإما صغيراً وإما كبيرا\rقال: ثم رجعوا إلى الشام، وتوفي أبو أيوب الأنصاري عند القسطنطينية، فدفن بالقرب من سورها، فأهلها يستسقون به.\rوفي سنة خمسين غزا بسر بن أرطاة وسفيان بن عوف الأزدي أرض الروم، وغزا فضالة بن عبيد الأنصاري في البحر.\rوفي سنة إحدى وخمسين كان مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم، وغزوة بسر بن أرطاة الصائفة.\rوفي سنة اثنتين وخمسين غزا سفيان بن عوف الأزدي الروم، وشتي بأرضهم، وتوفي بها في قول، فاستخلف عبد الله بن مسعدة الفزاري، وقيل: إن الذي شتى في هذه السنة بأرض الروم بسر بن أرطاة ومعه سفيان بن عوف. وغزا الصائفة محمد بن عبد الله الثقفي.\rفتح جزيرة أرواد\rوفي سنة أربع وخمسين فتح المسلمون يقدمهم جنادة بن أبي أمية جزيرة أرواد بالقرب من القسطنطينية، وأقاموا بها سبع سنين، فلما مات معاوية وولي ابنه يزيد أمرهم بالعودة فعادوا.\rوفيها استعمل معاوية عبيد الله بن زياد بن أبيه على خراسان، فقطع النهر إلى جبال بخارى على الإبل، فكان أول من قطع جبال بخارى في جيش، ففتح رامني، ونسف، وبيكند. وسنذكر ذلك إن شاء الله في حوادث سنة أربع وخمسين.","part":5,"page":396},{"id":2397,"text":"وفي سنة خمس وخمسين كان مشتى سفيان بن عوف الأزدي بأرض الروم، في قول، وقيل: بل شتى في هذه السنة عمرو بن محرز، وقيل: عبد الله بن قيس الفزاري، وقيل: بل مالك بن عبد الله.\rوفي سنة ست وخمسين كان مشتى جنادة بن أبي أمية بأرض الروم، وقيل: عبد الرحمن بن مسعود، وقيل: غزا فيها في البحر يزيد بن شجرة وفي البر عياض بن الحارث.\rوفيها قطع سعيد بن عثمان بن عفان النهر إلى سمرقند، فخرج إليه أهل الصغد، فقاتلهم، وسنذكر ذلك إن شاء الله في حوادث سنة ست وخمسين.\rوفي سنة سبع وخمسين كان مشتى عبد الله بن قيس بأرض الروم.\rوفي سنة ثمان وخمسين غزا مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم، وعمرو بن زيد الجهني في البحر، وقيل: جنادة بن أبي أمية.\rوفي سنة تسع وخمسين كان مشتى عمرو بن مرة الجهني بأرض الروم في البر، وغزا في البحر جنادة بن أبي أمية، وقيل لم يكن في البحر غزاة في هذه السنة.\rوفيها غزا المسلمون حصن كمخ ومعهم عمير بن الحباب السلمي فصعد عمير السور، ولم يزل يقاتل عليه وحده حتى كشف الروم وصعد المسلمون، ففتحه بعمير.\rوفي سنة ستين كانت غزوة مالك بن عبد الله سورية، ودخول جنادة رودس، وهدمه مدينتها في قول بعضهم.\rفهذه الغزوات والفتوحات التي كانت في أيام معاوية.\rفلنذكر أخبار الخوارج عليه وما كان من أمرهم.\rأخبار الخوارج\rفي أيام معاوية وما كان من أمرهم كان أول من خرج بعد أن استقل معاوية بالأمر فروة بن نوفل الأشجعي، وكان قد اعتزل في خمسمائة من الخوارج، وسار إلى شهرزور، وترك قتال علي والحسن.\rفلما ولي معاوية قال: \" جاء الآن مالا شك فيه، سيروا إلى معاوية فجاهدوه \" . فسار بهم حتى نزل النخيلة عند الكوفة.\rوكان الحسن بن علي قد سار يريد المدينة، فكتب إليه معاوية يدعوه إلى قتال فروة بن نوفل، فلحقه رسوله بالقادسية، أو قريباً منها، فلم يرجع، وكتب إلى معاوية يقول: \" لو آثرت أن أقاتل أحداً من أهل القبلة لبدأت بقتالك، فإني تركته لصلاح الأمة وحقن دمائها \" فأرسل إليهم معاوية جمعاً من أهل الشام، فقاتلوهم، فانهزم أهل الشام.\rفقال معاوية لأهل الكوفة: والله لا أمان لكم عندي حتى تكفونيهم! فخرج أهل الكوفة إليهم، فقاتلوهم، فقالت الخوارج لهم: أليس معاوية عدونا وعدوكم؟ دعونا حتى نقاتله، فإن أصبناه كنا قد كفيناكم عدوكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا. فقالوا: لا بد لنا من قتالكم، فأخذت أشجع صاحبهم فروة، فوعظوه، فلم يرجع، فأدخلوه الكوفة قهراً.\rفاستعمل الخوارج عليهم عبد الله بن أبي الحوساء \" رجل من طيئ \" فقاتلهم أهل الكوفة، فقتلوهم في شهر ربيع الأول، أو ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين. وقتل ابن الحوساء، وكان حين ولي أمر الخوارج قد خوف من السلطان أن يصلبه إذا ظفر بهم، فقال:\rما إن أبالي إذا أرواحنا قبضت ... ماذا فعلتم بأوصال وأبشار\rتجري المجرة والنسران عن قدر ... والشمس والقمر الساري بمقدار\rوقد علمت وخير القول أنفعه ... أن السعيد الذي ينجو من النار\rثم خرج حوثرة بن وداع، وذلك أنه لما قتل ابن أبي الحوساء اجتمع الخوارج فولوا أمرهم حوثرة بن وداع بن مسعود الأسدي، فقام فيهم، فعاب فروة بن نوفل في شكه في قتال علي رضي الله عنه، ودعا الخوارج وسار بهم من براز الروز - وكان بها - حتى قدم النخيلة في مائة وخمسين، وانضم إليهم فل ابن أبي الحوساء، وهم قليل.\rفدعا معاوية أبا حوثرة فقال له: اخرج إلى ابنك لعله يرق إذا رآك، فخرج إليه وكلمه وناشده وقال له: ألا آتيك بابنك لعلك إذا رأيته كرهت فراقه! فقال: أنا إلى طعنة برمح من يد كافر أتقلب فيه ساعة أشوق مني إلى ابني! فرجع أبوه فأخبر معاوية بمقالته. فسير إليه عبد الله بن عوف بن أحمر في ألفين، وخرج أبو حوثرة فيمن خرج، فدعا ابنه إلى البراز، فقال له: يا أبت لك في غيري سعة، فقاتله ابن عوف وقتله مبارزة، وقتل أصحابه إلا خمسين رجلاً دخلوا الكوفة، وذلك في جمادى الآخرة من السنة.\rورأى ابن عوف بوجه حوثرة أثر السجود، وكان صاحب عبادة فندم على قتله، وقال:\rقتلت أخا بني أسد سفاها ... لعمر أبي فما لقيت رشدي\rقتلت مصلياً محياه ليل ... طويل الحزن ذا بر وقصد","part":5,"page":397},{"id":2398,"text":"قتلت أخا تقى لأنال دنيا ... وذاك لشقوتي وعثار جدي\rفهب لي توبة يا رب واغفر ... لما قارفت من خطأ وعمد\rثم خرج فروة بن نوفل الأشجعي على المغيرة بن شعبة، وذلك بعد مسير معاوية، فوجه إليه المغيرة خيلاً عليها شبث بن ربعي، وقيل: معقل بن قيس، فلقيه بشهرزور، وقيل بالسواد.\rوخرج شبيب بن بحرة، وكان شبيب مع ابن ملجم حين قتل علياً، كما ذكرنا، فلما دخل معاوية أتاه شبيب كالمتقرب إليه، فقال: أنا وابن ملجم قتلنا علياً. فوثب معاوية مذعوراً من مجلسه حتى دخل منزله، وبعث إلى أشجع وقال: لئن رأيت شبيباً أو بلغني أنه ببابي لأهلكنكم أخرجوه عن بلدكم! .\rفكان شبيب إذا جن عليه الليل خرج فلم يلق أحداً إلا قتله. فلما ولي المغيرة خرج عليه بالطف بقرب الكوفة، فبعث المغيرة خيلاً عليها خالد بن عرفطة، وقيل: معقل بن قيس، فاقتتلوا، فقتل شبيب وأصحابه.\rوبلغ المغيرة أن معين بن عبد الله - وهو رجل من محارب - يريد الخروج، فأخذه وحبسه وبعث إلى معاوية يخبره، فكتب إليه: إن شهد أني خليفة فخل سبيله، فأحضره المغيرة، فأبى أن يشهد بخلافة معاوية، فقتله.\rثم خرج أبو مريم مولى بني الحارث بن كعب، ومعه امرأتان: قطام وكحيلة، وكان أول من أخرج معه النساء، فعاب عليه ذلك أبو بلال بن أدية، فقال: قد قاتل النساء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين بالشام، وسأردهما فردهما. فوجه إليه المغيرة جابراً البجلي، فقاتله أبو مريم وأصحابه ببادوريا.\rوخرج أبو ليلى - وكان أسود طويلاً - ومعه ثلاثون من الموالي فبعث إليه المغيرة معقل بن قيس الرياحي، فقتله بسواد الكوفة في سنة اثنتين وأربعين.\rوخرج سهم بن غالب الهجيمي في سنة إحدى وأربعين بالبصرة على عبد الله بن عامر، في سبعين رجلاً، منهم الخطيم الباهلي واسمه زياد بن مالك، وإنما قيل له \" الخطيم \" لضربة ضربها على وجهه. فنزلوا بين الجسرين والبصرة، فمر بهم عبادة بن قرص الليثي، وقد انصرف من الغزو ومعه ابنه وابن أخيه، فقال لهم الخوارج: من أنتم؟ قالوا: قوم مسلمون، قالوا: كذبتم. قال عبادة: سبحان الله! اقبلوا منا ما قبل النبي صلى الله عليه وسلم مني، قالوا : أنت كافر، وقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه، فخرج إليهم ابن عامر فقاتلهم، فقتل منهم عدة، وانحاز بقيتهم إلى أجمة، وفيهم سهم والخطيم، فأمنهم ابن عامر ورجعوا، وكتب إلى معاوية، فأمره بقتلهم، فلم يقتلهم، وكتب إلى معاوية: إني جعلت لهم ذمتك.\rفلما أتى زياد بن أبيه البصرة في سنة خمس وأربعين هرب الخطيم إلى الأهواز، واجتمع إلى سهم جماعة، فأقبل بهم إلى البصرة، فتفرق عنه أصحابه، فاختفى وطلب الأمان، فلم يزل يؤمنه زياد، وبحث عنه وأخذه فقتله وصلبه في داره .. وقيل: إنه لم يزل مستخفياً حتى مات زياد، فأخذه عبيد الله بن زياد وصلبه في سنة أربع وخمسين، فقال رجل من الخوارج:\rفإن تكن الأحزاب باءوا بصلبه ... فلا يبعدن الله سهم بن غالب\rوأما الخطيم فإن زياداً سأله عن قتل عبادة، فأنكره، فسيره إلى البحرين، ثم أعاده، بعد ذلك، وقيل: إنه قتله.\rخبر المستورد الخارجي\rوفي سنة اثنتين وأربعين تحرك الخوارج الذين كانوا انحازوا عمن قتل يوم النهروان، واجتمعوا في أربعمائة وأمروا عليهم المستورد بن علفة التيمي، من تيم الرباب، وبايعوه في جمادى الآخرة، واستعدوا للخروج فخرجوا في غرة شعبان سنة ثلاث وأربعين.\rفبلغ أنهم اجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان السلمي وتواعدوا للخروج، فأرسل صاحب شرطته، وهو قبيصه بن الدمون، فأحاط بدار حيان، وإذا عنده معاد بن جوين وهو من رءوس الخوارج ونحو عشرين رجلاً، وثارت امرأته وهي أم ولد كانت له كارهة فأخذت سيوفهم وألقتها تحت الفراش، وقاموا ليأخذوا سيوفهم فلم يجدوها فاستسلموا، فجيء بهم إلى المغيرة، فحبسهم بعد أن قررهم فلم يعترفوا بشيء قالوا: وإنما اجتمعنا لقراءة القرآن، ولم يزالوا في السجن نحو سنة، وسمع إخوانهم فحذروا.\rوخرج صاحبهم المستورد فنزل الحيرة، واختلف الخوارج إليه، ثم تحول إلى دار سليم بن مجدوع العبدي، وهو مهره.","part":5,"page":398},{"id":2399,"text":"وبلغ المغيرة الخبر وأنهم عزموا على الخروج في تلك الأيام، فجمع الرؤساء فخطبهم وقال لهم: ليكفني كل رجل منكم قومه، وإلا والله تحولت عما تعرفون إلى ما تنكرون، وعما تحبون إلى ما تكرهون. فرجعوا إلى قومهم فناشدوهم الله والإسلام إلا دلوهم على من يريد تهييج الفتنة.\rفبلغ المستورد ذلك فخرج من دار سليم بن محدوج، وأرسل إلى أصحابه فأمرهم فخرجوا متفرقين، واجتمعوا في نحو ثلاثمائة رجل وساروا إلى الصراة.\rوبلغ المغيرة بن شعبة خبرهم، فندب معقل بن قيس في ثلاثمائة آلاف فارس اختارهم من الشيعة.\rوأما الخوارج فإنهم ساروا إلى أن بلغوا المذار فأقاموا بها.\rوبلغ ابن عامر بالبصرة خبرهم، فندب شريك بن الأعور الحرثي، وانتخب معه ثلاثة آلاف فارس أكثرهم من ربيعة، فسار بهم إلى المذار.\rوسار معقل وقدم أمامه أبا الرواغ في ثلاثمائة، فأتى بهم إلى المذار وقاتل الخوارج عامة نهاره وهم يهزمونه ويعود إلى القتال، ثم أدركه معقل في سبعمائة من أهل القوة، فجاء وقد غربت الشمس فصلوا المغرب، وحملت الخوارج عليهم فانهزم أصحاب معقل، وثبت هم في نحو مائتين ونزل إلى الأرض فتراجع إليه أصحابه وأتاه بقية الجيش.\rفبينما هم على ذلك بلغ الخوارج أن شريك بن الأعور قد أقبل من البصرة في ثلاثة آلاف، فأشار المستورد على أصحابه بالرجوع من حيث جاءوا، وقال: إنا إذا رجعنا نحو الكوفة لم يتبعنا أهل البصرة، ويرجعوا عنا فنقاتل طائفة أسهل من قتال طائفتين.\rفانحاز بأصحابه إلى البيوت، وخرج من الجانب الآخر وسار ليلته، ولم يعلم الجيش بمسيرهم، وبات معقل وأصحابه يتحارسون إلى الصباح، فأتاهم خبر مسيرهم.\rوجاء شريك، فدعاه معقل أن يسير معه، فأبى أصحاب شريك اتباعهم، فاعتذر إليه لمخالفة أصحابه ورجع.\rودعا معقل أبا الرواغ، وأمره باتباعهم، في ستمائة فارس، فاتبعهم، فأدركهم نحو جرجرايا مع طلوع الشمس، فحمل المستورد على أبي الرواغ، فانهزم أصحابه وثبت في مائة فارس وقاتلهم طويلاً، ثم عطف أصحابه من كل جانب، وصدقوهم القتال، فلما رأى المستورد ذلك علم أن معقلاً إن أتاهم بمن معه هلكوا، فمضى بأصحابه وعبر دجلة إلى بهرسير، وتبعهم أبو الرواغ حتى نزل بهم إلى ساباط، فقال المستورد: هؤلاء حماة معقل وفرسانه ولو علمت أني أسبقهم إليه بساعة لسرت إليهم فواقعته، ثم ركب بأصحابه حتى انتهى إلى جسر ساباط، فقطعه، ووقف أبو الرواغ ينتظرهم للقتال وقد عبأ أصحابه.\rوسار المستورد حتى أتى ديلمان، وبها معقل فلما رآهم نصب رايته ونزل وقال: يا عباد الله الأرض الأرض!، فنزل معه نحو مائتي رجل، فحملت الخوارج عليهم، فاستقبلوهم بالرماح جثاة على الركب، فلم يقدروا عليهم، فتركوهم، وعدلوا إلى خيولهم فحالوا بينهم وبينها وقطعوا أعنتها فذهبت، ثم رجعوا إلى معقل وأصحابه فحملوا عليهم، واشتد الأمر على معقل ومن معه.\rفبينما هم كذلك أقبل أبو الرواغ بمن معه، وكان سبب عوده أنه أقام ينتظر عودة الخوارج إليه، فلما أبطأوا عليه أرسل من يأتيه بخبرهم فرأوا الجسر مقطوعاً ففرحوا بذلك ظناً منهم أن الخوارج فعلوا ذلك هيبة، فرجعوا إلى أبي الرواغ فأخبروه أنهم لم يروهم، وأن الجسر قد قطعوه هيبة لهم، فقال أبو الرواغ: لعمري ما فعلوا هذا إلا مكيدة، وما أراهم إلا قد سبقوكم إلى معقل حيث علموا أن فرسان أصحابه معي، وقد قطعوا الجسر ليشغلوكم به عن لحاقهم، فالنجاء النجاء في الطلب. ثم أمر أهل القرية فعقدوا الجسر، فعبر عليه، واتبع الخوارج، فلقيه أوائل الناس منهزمين، فصاح بهم: إلي إلي، فرجعوا إليه، وأخبروه الخبر وأنهم تركوا معقلاً يقاتلهم، وما يظنونه إلا قتيلاً، فجد في السير، ورد معه من لقيه من المنهزمين، وانتهى إلى العسكر، فرأى راية معقل منصوبة والناس يقتتلون، فحمل أبو الرواغ وأصحابه على الخوارج فأزالهم غير بعيد.","part":5,"page":399},{"id":2400,"text":"ووصل أبو الرواغ إلى معقل فإذا هو متقدم يحرض أصحابه، فشدوا على الخوارج شدة منكرة، ونزل المستورد ومن معه إلى الأرض ونزل أصحاب معقل أيضاً، ثم اقتتلوا طويلاً من النهار بالسيوف أشد قتال، ثم إن المستورد نادى معقلاً ليبرز إليه، فبرز إليه، فمنعه أصحابه، فلم يقبل منهم، وكان معه ومع المستورد رمحه، فقال أصحاب معقل له: خذ رمحك. فأبى، وأقدم على المستورد، فطعنه المستورد برمحه، فخرج السنان من ظهره، وتقدم معقل والرمح فيه إلى المستورد، فضربه بسيفه فخالط دماغه فماتا جميعاً.\rوكان معقل قال لأصحابه: إن قتلت فأميركم عمرو بن محرز بن شهاب التميمي، فلما قتل معقل أخذ عمرو الراية، وحمل هو وأصحابه على الخوارج فقتلوهم، فلم ينج منهم غير خمسة أو ستة، وانكفت الخوارج بعد ذلك مدة ولاية زياد بن أبيه إلى سنة خمسين.\rفخرج قريب الأزدي وزحاف الطائي بالبصرة وهما ابنا خالة، وكان زياد يومئذ بالكوفة، وسمرة بالبصرة فأتى الخوارج بني ضبيعة وهم سبعون رجلاً فقتلوا منهم شيخاً، فاشتد زياد في أمر الخوارج فقتلهم وأمر سمرة بذلك، فقتل منهم بشراً كثيراً، وخطب زياد على المنبر فقال: يا أهل البصرة والله لتكفنني هؤلاء. أو لأبدأن بكم، والله لئن أفلت رجل منهم لا تأخذون العام من عطاياكم درهماً. فسار الناس إليهم فقتلوهم.\rثم خرج زياد بن خراش العجلي في سنة اثنتين وخمسين في ثلاثمائة فأتى مسكن من السواد، فسرح إليه زياد بن أبيه خيلاً عليها سعد بن حذيفة، أو غيره، فقتلوهم وقد صاروا إلى ماه وخرج رجل من طئ اسمه معاذ في ثلاثين رجلاً فبعث إليه زياد من قتله وقتل أصحابه، ويقال بل حل لواءه واستأمن.\rوخرج طواف بن غلاق في سنة ثمان وخمسين بالبصرة، وكان سبب خروجه أن قوماً من الخوارج بالبصرة كانوا يجتمعون إلى رجل اسمه حرار فيتحدثون عنده ويعيبون السلطان، فأخذهم عبيد الله بن زياد فحبسهم، ثم أحضرهم، وعرض عليهم أن يقتل بعضهم بعضاً ويخلى سبيل القاتلين، ففعلوا، فأطلقوا، وكان طواف ممن قتل، فعذلهم أصحابهم وقالوا: قتلتم إخوانكم، قالوا أكرهنا وقد يكره الرجل على الكفر وهو مطمئن بالإيمان، وندم طواف وأصحابه، وقال أما من توبة؟ فكانوا يبكون، وعرضوا على أولياء من قتلوا الدية، فأبوا قبولها، وعرضوا عليهم القود، فأبوا.\rولقي طواف الهثهاث بن ثور السدوسي، فقال له: ما ترى لنا من توبة! فقال: ما أجد لك إلا آية في كتاب الله عز وجل: \" ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم \" . فدعا طواف أصحابه إلى الخروج على أن يفتكوا بابن زياد، فبايعوه في هذه السنة، وهم سبعون رجلاً من عبد القيس بالبصرة، فسعى بهم رجل من أصحابهم إلى ابن زياد، وبلغ ذلك طوافاً فعجل الخروج، فخرجوا من ليلتهم، فقتلوا رجلاً، ومضوا إلى الجلحاء، فندب ابن زياد الشرط والبخارية فقاتلوهم، فانهزم الشرط حتى دخلوا البصرة، واتبعوهم، وذلك يوم الفطر فكاثرهم الناس، فقاتلوا فقتلوا، وبقي طواف في ستة نفر وعطش فرسه، فاقتحم به الماء، فرماه البخارية بالنشاب حتى قتلوه وأخذ فصلب، ثم دفنه أهله.\rعروة بن أدية وأخيه مرداس بن أدية\rوغيرهما من الخوارج قال: وفي سنة ثمان وخمسين اشتد عبيد الله بن زياد على الخوارج، فقتل منهم جماعة كثيرة، منهم عروة بن أدية.\rوكان سبب قتله أن عبيد الله بن زياد خرج في رهان له، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناس إليه، وفيهم عروة بن أدية وهو أخو مرداس بن أدية، وأدية أمهما وأبوهما جدير، وهو تميمي، فأقبل عروة على زياد يعظه، فكان مما قال له: \" أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين \" .\rقال: فلما قال له ذلك ظن ابن زياد أنه لم يقله إلا ومعه جماعة فركب وترك رهانه، فقيل لعروة: ليقتلنك. فاختفى، فطلبه ابن زياد فأتى الكوفة فأخذ وأتي به إلى ابن زياد فقطع يديه ورجليه وقتله وقتل ابنته.\rوأما أخوه أبو بلال مرداس فكان عابداً مجتهداً عظيم القدر في الخوارج وشهد صفين مع علي فأنكر التحكيم. وشهد النهروان مع الخوارج، وكانت الخوارج كلها تتولاه.","part":5,"page":400},{"id":2401,"text":"وكانت البثخاء امرأة من بني يربوع - تحرض على ابن زياد وتذكر تجبره وسوء سيرته، وكانت من المجتهدات، فذكرها ابن زياد، فقال لها أبو بلال: إن التقية لا بأس بها فتغيبي فإن هذا الجبار قد ذكرك. فقالت: أخشى أن يلقى أحد بسببي مكروهاً، فأخذها ابن زياد فقطع يديها ورجليها ورماها في السوق، فمر بها أبو بلال فعض على لحيته وقال: لهذه أطيب نفساً بالموت منك يا مرداس! ما ميتة أموتها أحب إلي من ميتة البثخاء!.\rومر أبو بلال ببعير قد طلي بقطران فغشي عليه، ثم أفاق فتلا: \" سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار \" .\rثم إن ابن زياد ألح في طلب الخوارج حتى ملأ منهم السجون.\rوحبس أبا بلال مرداس بن أدية، فرأى السجان عبادته، فأذن له كل ليلة في إتيان أهله، فكان يأتيهم ليلاً ويعود إلى السجن مع الصبح، وكان لمرداس صديق يسامر ابن زياد، فانطلق صديق مرداس إليه وأعلمه الخبر، وبات السجان بليلة سوء خوفاً أنه لا يرجع، فعاد على عادته، فقال له السجان: أما بلغك ما عزم عليه الأمير؟ قال: بلى، قال: وكيف أتيت؟ قال: لم يكن جزاؤك مع إحسانك أن تعاقب بسببي، وأصبح ابن زياد فقتلهم، فلما أحضر مرداس قام السجان - وكان ظثراً لعبيد الله - فشفع فيه وقص عليه قصته، فوهبه له وخلى سبيله.\rثم خاف من ابن زياد، فخرج في أربعين رجلاً إلى الأهواز، فكان إذا اجتاز به مال لبيت المال أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه، ثم يرد الباقي، فلما سمع ابن زياد خبرهم بعث إليهم أسلم بن زرعة الكلابي، وقيل: أبو الحصين التيمي، وكان الجيش ألفي رجل، وذلك في سنة ستين، فلما أتوه ناشدهم أبو بلال الله أن ينصرفوا عنه، فأبوا ودعاهم أسلم إلى معاودة الجماعة، فقالوا أتردنا إلى ابن زياد الفاسق؟ فرمى أصحاب أسلم رجلاً من الخوارج فقتلوه، فقال أبو بلال: قد بدءوكم بالقتال. فشد الخوارج على أسلم وأصحابه شدة رجل واحد، فهزموهم، فقدموا البصرة، فلامه ابن زياد على ذلك، وقال: هزمك أربعون وأنت في ألفين؟ لا خير فيك!. فقال: لأن تلومني وأنا حي خير من أن تثني علي وأنا ميت وكان الصبيان إذا رأوا أسلم صاحوا به: أبو بلال وراءك. فشكا ذلك إلى ابن زياد، فنهاهم، فانتهوا.\rوقال رجل من الخوارج:\rأألفا مؤمن منكم زعمتم ... ويقتلهم بآسك أربعونا\rكذبتم ليس ذاك كما زعمتم ... ولكن الخوارج مؤمنونا\rهم الفئة القليلة قد علمتم ... على الفئة الكثيرة ينصرونا\rهذا ما كان من أخبار الخوارج، فلنذكر حوادث السنين.\rالحوادث في أيام معاوية\rبن أبي سفيان غير ما تقدم، على حكم السنين منذ خلص له الأمر إلى أن توفى إلى رحمة الله سنة احدى وأربعين في هذه السنة خلص الأمر لمعاوية بن أبي سفيان؛ بمبايعة الحسن ابن علي رضي الله عنهما له كما تقدم، فسمي هذا العام عام الجماعة وذلك لاجتماع الناس على إمام واحد، وهو معاوية.\rوروي أنه لما سار الحسن رضي الله عنه عن الكوفة عرض له رجل فقال: يا مسود وجه المؤمنين. فقال: لا تعذلني فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري بني أمية ينزون على منبره رجلاً رجلاً، فساءه ذلك، فأنزل الله تعالى: \" إنا أعطيناك الكوثر \" وهو نهر في الجنة، و \" إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر \" يملكها بعدك بنو أمية، وقد خرج هذا الحديث أهل الصحة. وكانت دولة بني أمية ألف شهر.\rصلح معاوية وقيس بن سعد\rبن عبادة في هذه السنة تم الصلح بين معاوية وقيس بن سعد، وكان قيس قد خرج على مقدمة الحسن في اثني عشر ألفاً كما ذكرنا.\rوقيل: إن عبيد الله بن عباس كان على مقدمته، وكان قيس بن سعد على مقدمة عبيد الله، فلما علم عبيد الله ما عزم عليه الحسن من تسليم الأمر إلى معاوية كتب إليه يسأل الأمان لنفسه وعلى ما","part":5,"page":401},{"id":2402,"text":"أصاب من مال وغيره، فأجابه إلى ذلك، وفارق عبيد الله جنده وتركهم بغير أمير، فأمروا عليهم قيس بن سعد، وتعاقدوا على قتال معاوية حتى يشترط له ولهم على ما أصابوا من الدماء والأموال، فراسله معاوية في الدخول في طاعته، وأرسل إليه بسجل وختم أسفله، وقال: اكتب فيه ما شئت فهو لك، فاشترط لنفسه ولشيعة على الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يشترط مالاً، فأعطاه ذلك، ودخل قيس في طاعة معاوية.\rاستعمال معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة\rوفي هذه السنة استعمل معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة.\rوكان قد استعمل عليها عبد الله بن عمرو بن العاص، فأتاه المغيرة وقال: \" استعملت عبد الله على الكوفة، وأباه بمصر، فتكون أميراً بين نابي أسد \" . فعزله، واستعمل المغيرة.\rوبلغ عمرو بن العاص ما قاله المغيرة، فدخل على معاوية وقال: \" استعملت المغيرة على الخراج، فيغتال المال، ولا تستطيع أن تأخذه منه، استعمل على الخراج رجلاً يخافك ويتقيك \" فعزله عن الخراج رجلاً يخافك ويتقيك \" فعزله عن الخراج وأقره على الصلاة.\rولما ولي المغيرة استعمل كثير بن شهاب على الري، وكان يكثر سب علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنبر.\rاستعمال بسر بن أرطاة على البصرة وعزله،\rواستعمال عبد الله بن عامر عليها وفي هذه السنة استعمل معاوية بسر بن أرطاة بن أبي أرطاة على البصرة، وكان سبب ذلك أن الحسن لما صالح معاوية وثب حمران بن أبان على البصرة، فأخذها وغلب عليها، فبعث إليه معاوية بسر بن أرطاة؛ وأمر بقتل بني زياد بن أبيه، وكان زياد على فارس، قد أرسله عليها علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما تقدم.\rفلما قدم بسر البصرة خطب على منبرها فشتم علياً، ثم قال: نشدت الله رجلاً يعلم أني صادق إلا صدقني أو كاذب إلا كذبني، فقال أبو بكرة؛ اللهم إنا لا نعلمك إلا كاذباً! فأمر به فخنق، فقام أبو لؤلؤة الضبي فرمى نفسه عليه فمنعه، فأقطعه أبو بكرة مائة جريب، وقيل لأبي بكرة: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يناشدنا الله ثم لا نصدقه.\rوكان معاوية قد كتب إلى زياد: أن في يديك مالا من مال الله فأد ما عندك منه. فكتب إليه زياد: \" أنه لم يبق عندي شيء، وقد صرفت ما كان عندي في وجهه، واستودعت بعضه لنازلة إن نزلت، وحملت ما فضل إلى أمير المؤمنين رحمه الله تعالى \" . فكتب إليه معاوية أن أقبل ننظر فيما وليت، فإن استقام بيننا أمر وإلا رجعت إلى مأمنك. فامتنع زياد.\rفأخذ بسر أولاده الأكابر، منهم عبد الرحمن وعبيد الله وعباد وكتب إليه: لتقدمن على أمير المؤمنين أو لأقتلن بنيك، فكتب إليه زياد: لست بارحاً مكاني حتى يحكم الله بيني وبين صاحبك، وإن قتلت ولدي فالمصير إلى الله تعالى، ومن ورائنا الحساب \" وسيعلم الذين ظلموا إي منقلب ينقلبون \" فأراد بسر قتلهم وأتاه أبو بكرة فقال له: قد أخذت ولد أخي بلا ذنب، وقد صالح الحسن معاوية على ما أصاب أصحاب علي رضي الله عنه حيث كانوا، فليس عليهم ولا على أبيهم سبيل، وأجله أياماً حتى يأتي بكتاب معاوية، فركب أبو بكرة إلى معاوية وهو بالكوفة، فلما أتاه قال له: يا معاوية إن الناس لم يعطوك بيعتهم على قتل الأطفال! قال: وما ذاك يا أبا بكرة؟ قال: بسر يريد قتل بني أخي زياد، فكتب إليه بتخليتهم، فأخذ كتابه وعاد، فوصل البصرة يوم الميعاد، وقد أخرج بسر أولاد زياد مع طلوع الشمس، ينتظر بهم الغروب ليقتلهم، واجتمع الناس لذلك وهم ينتظرون أبا بكرة؛ إذ رفع على نجيب أو برذون يكده، فوقف فنزل عنه وألاح بثوبه، وكبر وكبر الناس معه، وأقبل يسعى على رجليه، فأدرك بسراً قبل أن يقتلهم، فدفع إليه الكتاب، فأطلقهم.\rوكان زياد قد تحصن بالقلعة التي تسمى قلعة زياد.\rوأما بسر فلم يطل مقامه بالبصرة، بل عزله معاوية في بقية سنة إحدى وأربعين، وأراد أن يستعمل عتبة بن أبي سفيان، فكلمه ابن عامر وقال له: إن لي بالبصرة ودائع وأموالاً، فإن لم تولني عليها ذهبت. فولاه البصرة، فقدمها في آخر سنة إحدى وأربعين، وجعل إليه خراسان وسجستان، فجعل على شرطته حبيب بن شهاب وعلى القضاء عميرة بن يثربي أخا عمرو، وقد تقدم في وقعة الجمل أن عميرة قتل فيها، وقيل: المقتول عمرو.","part":5,"page":402},{"id":2403,"text":"واستعمل ابن عامر قيس بن الهيثم على خراسان، وكان أهل باذغيس وهراة وبوشنج قد نكثوا، فسار إلى بلخ، فأخرب نوبهارها، وكان الذي تولى ذلك عطاء بن السائب مولى بني ليث، واتخذ قناطر على ثلاثة أنهار من بلخ على فرسح، فقيل: قناطر عطاء، فسأل أهلها الصلح ومراجعة الطاعة، فصالحهم قيس، وقيل: إنما صالحهم الربيع ابن زياد سنة إحدى وخمسين، ثم قدم قيس على ابن عامر فضربه وحبسه، واستعمل عبد الله بن خازم، فأرسل إليه أهل هراة وباذغيس وبوشنج يطلبون الأمان والصلح، فصالحهم وحمل إلى ابن عامر مالاً.\rوفيها ولد علي بن عبد الله بن العباس، وقيل: ولد سنة أربعين قبل قتل على رضي الله عنه، والأول أصح.\rوحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان، وقيل عنبسة بن أبي سفيان.\rسنة اثنتين وأربعين\rفي هذه السنة ولي معاوية بن الحكم المدينة، وخالد بن العاص بن هشام مكة، فاستقصى مروان عبد الله بن الحارث ابن نوفل.\rقدوم زياد بن أبيه على معاوية بن أبي سفيان\rفي هذه السنة قدم زياد بن أبيه على معاوية، وكان معاوية قد كتب إليه يتهدده، حين قتل علي رضي الله عنه، فقام زياد خطيباً فقال: العجب من ابن آكلة الكبود، وكهف النفاق، ورئيس الأحزاب يتهددني وبيني وبينه ابنا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني ابن عباس والحسن بن علي رضي الله عنهم - في سبعين ألفاً، واضعي سيوفهم على عواتقهم، أما والله لئن خلص إلي ليجدني أحمر ضراباً بالسيف.\rفلما صالح الحسن معاوية اعتصم زياد بقلعته كما تقدم ثم كان من خبر بنيه مع بسر بن أرطأة ما ذكرناه، فأهم معاوية أمره، وكان زياد قد استودع عبد الرحمن بن أبي بكرة ماله، فبلغ معاوية ذلك، فبعث إليه المغيرة بن شعبة لينظر في أموال زياد، فأخذ عبد الرحمن فقال له لئن كان أبوك أساء إلي لقد أحسن عمك - يعني زياداً - فكتب إلى معاوية: إني لم أجد في يد عبد الرحمن مالاً يحل لي أخذه. فكتب إليه معاوية: أن عذب عبد الرحمن. فقال لعبد الرحمن: احتفظ بما في يدك، وألقى على وجهه حريرة ونضحها بالماء فغشي عليه، فعل ذلك ثلاث مرات، ثم خلاه، وكتب إلى معاوية: إني عذبته فلم أجد عنده شيئاً.\rثم دخل المغيرة على معاوية فقال له: ذكرت زياداً واعتصامه بفارس فلم أنم ليلتي. فقال المغيرة: ما زياد هناك؟ فقال معاوية: \" داهية العرب! معه أمول فارس، يدبر الحيل، ما يؤمنني أن يبايع لرجل من أهل هذا البيت، فإذا هم قد أعادوا الحرب جذعة! \" واستكتمه معاوية ذلك، فقال المغيرة: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه؟ قال: نعم وتلطف له، فأتاه المغيرة وقال له: إن معاوية استخفه الوجل حتى بعثني إليك، ولم يكن أحد يمد يده إلى هذا الأمر غير الحسن، وقد بايع فخذ لنفسك قبل التوطين فيستغني معاوية عنك.\rقال: أشر علي وارم الغرض الأقصى فإن المستشار مؤتمن. فقال المغيرة: أرى أن تصل حبلك بحبله وتشخص إليه. قال : أرى ويقضي الله. وكتب إليه معاوية بأمانه بعد عود المغيرة عنه.\rفخرج زياد من فارس نحو معاوية، وعه المنجاب بن الضبي، وحارثة بن بدر، وقدم على معاوية فسأله عن أموال فارس فأخبره بما حمل منها إلى أرض علي رضي الله عنه، وما أنفق منها في الوجوه التي تحتاج إلى النفقة، وما بقي عنده وأنه مودع للمسلمين، فصدقه معاوية فيما أنفق وفيما بقي عنده وقبضه منه، وقيل: إن زياداً لما قال لمعاوية، قد بقيت بقية من المال، وقد أودعتها قوماً فمكث معاوية يروده، فكتب زياد كتباً إلى قوم يقول: قد علمتم مالي عندكم من الأمانة، فتدبروا كتاب الله \" إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال \" الآية فاحتفظوا بما عندكم.\rوسمى في الكتب المال الذي أقر به لمعاوية، وأمر رسوله أن يتعرض لبعض من يبلغ ذلك معاوية، ففعل رسوله، وانتشر ذلك، فقال معاوية لزياد حين وقف على الكتب: أخاف أن تكون مكرت بي فصالحني على ما شئت، فصالحه على ألفي ألف درهم، وحملها زياد إليه، واستأذنه زياد في نزول الكوفة فأذن له، فكان المغيرة يكرمه ويعظمه، وكتب معاوية إلى المغيرة ليلزم زياداً وحجر ابن عدي وسليمان بن صرد وشبيب بن ربعي وابن الكواء وابن الحمق بالصلاة في الجماعة، فكانوا يحضرون معه الصلاة.\rوحج بالناس في هذه السنة عنبسة بن أبي سفيان.\rسنة ثلاث وأربعين","part":5,"page":403},{"id":2404,"text":"فيها استعمل عبد الله بن عامر عبد الرحمن بن سمرة على سجستان واستعمل عبد الله بن خازم على خراسان وعزل قيس بن الهيثم عنها.\rوحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وكان على المدينة.\rوفيها توفي محمد بن مسلمة الأنصاري، وعبد الله بن سلام، وعمرو العاص.\rوفاة عمرو بن العاص وشيء من أخباره\rواستعمال عبد الله ابن عمرو على مصر كانت وفاته بمصر يوم عيد الفطر من هذه السنة على الأصح وكان له يوم مات تسعون سنة، ودفن بالمقطم من ناحية السفح، وصلى عليه ابنه عبد الله، ثم رجع فصلى بالناس صلاة العيد.\rوكان عمرو بن العاص من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية مذكوراً بذلك فيهم.\rوكلن حسن الشعر، فمن شعره يخاطب عمارة بن الوليد بن المغيرة عند النجاشي:\rإذا المرء لم يترك طعاماً يحبه ... ولم ينه قلباً غاوياً حيث يمما\rقضى وطراً منه وغادر سبة ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما\rوكان أحد الدهاة في أمور الدنيا المقدمين في الرأي، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا استضعف رجلاً في رأيه قال: أشهد أن خالقك وخالق عمرو واحد. يريد خالق الأضداد.\rحكي أنه جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص وهو على المنبر عن أمه، فسأله، فقال: أمي سلمى بنت حرملة تلقب النابغة من بني عنزة، ثم أحد بني جلان، أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة، ثم اشتراها منه عبد الله بن جدعان، ثم صارت إلى العاص بن وائل فولدت له، فأنجبت، فإن كان جعل لك شيء فخذه.\rقالوا: ولما حضرته الوفاة قال: \" اللهم أمرتني فلم آتمر، وزجرتني فلم أنزجر \" ووضع يده في موضع الغل ثم قال: \" اللهم لا قوي فأنتصر، ولا بريء فأعتذر، ولا مستكبر بل مستغفر، لا إله إلا أنت \" . فلم يزل يرددها حتى مات.\rوروى أبو عمر ابن عبد البر بسنده إلى الشافعي رضي الله عنه أنه قال: دخل ابن عباس رضي الله عنهما على عمرو بن العاص في مرضه فسلم عليه وقال: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: \" أصبحت وقد أصلحت من دنياي قليلاً، وأفسدت من ديني كثيراً، فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت، والذي أفسدت هو الذي أصلحت لفزت، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت، فصرت كالمنجنيق بين السماء والأرض، لا أرقى بيدين ولا أهبط برجلين، فعظني بعظة أنتفع بها يا بن أخي \" . فقال ابن عباس: \" هيهات يا أبا عبد الله، صار ابن أخيك أخاك، ولا نشاء أن تبكي إلا بكيت، كيف يؤمر برحيل من هو مقيم؟ \" . فقال عمرو على حينها من حين ابن بضع وثمانين سنة تقنطني من رحمة ربي، اللهم إن ابن عباس يقنطني من رحمتك فخذ مني حتى ترضى. فقال ابن عباس: هيهات يا أبا عبد الله أخذت جديداً وتعطي خلقاً، قال: ما لي ولك يا بن عباس ما أرسل كلمة إلا أرسلت نقيضها.\rوروى بسنده إلى يزيد بن أبي حبيب: أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه قال: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى، فقال له ابنه عبد الله: \" لم تبكي؟ أجزعاً من الموت؟ \" قال: لا والله ولكن لما بعده، فقال له: لقد كنت على خير، وجعل يذكره صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتوحه الشام. فقال عمرو: \" تركت أفضل من ذلك كله، شهادة أن لا إله إلا الله، إني كنت على ثلاثة أطباق، ليس منها طبق إلا عرفت نفسي فيه، كنت أول شيء كافراً، فكنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو مت حينئذ وجبت لي النار، فلما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أشد الناس حياء منه، فما ملأت عيني من رسول الله صلى الله عليه وسلم حياء منه، فلو مت يومئذ قال الناس: هنيئاً لعمرو أسلم وكان على خير ومات على خير أحواله فترجى له الجنة، ثم تلبست بعد ذلك بالسلطان وأشياء فلا أدري أعلي أم لي؟ فإذا مت فلا تبكين علي باكية، ولا يتبعني مادح ولا زار، وشدوا علي إزاري فإني مخاصم، وشنوا علي التراب فإن جنبي الأيمن ليس بأحق من جنبي الأيسر، ولا تجعلن في قبري خشبة ولا حجراً، وإذا واريتموني فاقعدوا عندي قدر نحر جزور وتقطيعها بينكم أستأنس بكم!. ولما مات استعمل معاوية بعده على مصر ابنه عبد الله بن عمرو.\rسنة أربع وأربعين\rفي هذه السنة حج معاوية بالناس.","part":5,"page":404},{"id":2405,"text":"وفيها عمل مروان بن الحكم المقصورة، وهو أول من عملها بالمدينة، وكان معاوية قد عملها بالشام لما ضربه الخارجي.\rعزل عبد الله بن عامر عن البصرة\rواستعمال الحارث بن عبد الله في هذه السنة عزل معاوية عبد الله بن عامر عن البصرة، وشبب ذلك أنه كان كريماً حليماً ليناً لا يأخذ على أيدي السفهاء، ففسدت البصرة في أيامه، فشكا ذلك إلى زياد، فقال له: جرد فيهم السيف، قال: إني أكره أن أصلحهم بفساد نفسي.\rفلما علم معاوية حال البصرة أراد عزل ابن عامر، فأرسل إليه يستزيره، فجاء إليه، فرده إلى عمله، فلما ودعه قال له معاوية: \" إني سائلك ثلاثاً فقل: هن لك \" . قال: هن لك وأنا ابن أم حكيم فقال: ترد علي عماي ولا تغضب. قال: قد فعلت. قال: وتهب لي مالك بعرفة. قال: قد فعلت. قال: وتهب لي دورك بمكة. قال: قد فعلت. قال: وصلتك رحم! قال بان عامر: \" يا أمير المؤمنين إني سائلك ثلاثاً، فقل هن لك \" قال هن لك وأنا ابن هند، قال: ترد علي مالي بعرفة. قال: قد فعلت. قال: ولا تحاسب لي عاملاً ولا تتبع لي أثراً. قال: قد فعلت. قال: وتنكحني ابنتك هند. قال: قد فعلت.\rويقال: إن معاوية قال له: \" اختر إما أن أتبع أثرك وأحاسبك بما صار إليك وأردك إلى العمل، أو أعزلك وأسوغك ما أصبت \" .\rفاختار العزل وأن يسوغه ما أصاب، فعزله، واستعمل الحارث ابن عبد الله الأزدي، وكان ابن عامر قد استعمل على خراسان، قبل مقدمه عبد الله ابن أبي شيخ اليشكري، وقيل: بل استعمل عليها طفيل بن عوف اليشكري.\rاستلحاق معاوية بن أبي سفيان زياد بن أبيه وهو ابن سمية\rوفي هذه السنة استلحق معاوية زياد بن أبيه، وقد ذكر عز الدين أبو الحسن علي بن الأثير في تاريخه الكامل سبب ذلك وكيفيته، وابتدأ حال سمية فقال: كانت سمية أم زياد لدهقان زندورد، بكسكر فمض الدهقان، فدعا الحارث بن كلدة الطبيب الثقفي، فعالجه، فبرأ، فوهبه سمية، فولدت عند الحارث أبا بكرة واسمه أبو بكرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين حضر الطائف، قال الحارث لنافع: أنت ولدي، وكان قد زوج سمية من غلام له اسمه عبيد، وهو رومي، فولدت له زياداً.\rقال: وكان أبو سفيان بن حرب سار في الجاهلية إلى الطائف فنزل على خمار يقال له أبو مريم السلولي - وأسلم أبو مريم بعد ذلك، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم - فقال أبو سفيان لأبي مريم: قد اشتهيت النساء فالتمس لي بغياً، فقال هل لك في سمية؟ فقال: هاتها على طول ثدييها وذفر بطنها. فأتاه بها، فوقع عليها، فوقعت بزياد، ثم وضعته سنة إحدى من الهجرة.\rفلما كبر ونشأ استكتبه أبو موسى الأشعري حين ولي البصرة.\rثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استكفى زياداً أمراً، فقام فيه مقاماً مرضياً، فلما عاد إليه حضر وعند عمر المهاجرون والأنصار، فخطب خطبة لم يسمعوا بمثلها، فقال عمرو بن العاص: \" لله در هذا الغلام. لو كان أبوه من قريش لساق العرب الناس بعصاه \" . فقال أبو سفيان وهو حاضر: والله إني لأعرف أباه ومن وضعه في رحم أمه. فقال له علي بن أبي طالب: ومن هو يا أبا سفيان؟ قال: أنا. قال: \" مهلاً يا أبا سفيان، اسكت، فإنك تعلم أن عمر لو سمع هذا القول منك لكان إليك سريعاً \" .\rوروى أبو عمر ابن عبد البر بسنده إلى ابن عباس: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث زياداً في إصلاح فساد وقع باليمن، فرجع من وجهه، وخطب خطبة لم يسمع الناس مثلها \" وذكر كلام عمرو بن العاص ومقالة أبي سفيان وكلام علي رضي الله عنه بنحو ما تقدم \" قال: فقال أبو سفيان:\rأما والله لولا خوف شخص ... يراني يا علي من الأعادي\rلأظهر أمره صخر بن حرب ... ولم يكن المقالة عن زياد\rوقد طالت مجاملتي ثقيفاً ... وتركي فيهمو ثمر الفؤاد\rنعود إلى ما حكاه ابن الأثير قال: فلما ولي علي رضي الله عنه الخلافة استعمل زياداً على فارس فضبطها وحمى قلاعها، واتصل الخبر بمعاوية فساءه ذلك، فكتب إلى زياد يتهدده، ويعرض له بولادة أبي سفيان إياه، فلما قرأ زياد كتابه قام في الناس فقال: \" العجب كل العجب من ابن آكلة الأكباد، ورأس النفاق، يخوفني بقصده إياي وبيني وبينه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار. أما والله لو أذن لي في لقائه لوجدني أحمر مخشياً ضراباً بالسيف \" .","part":5,"page":405},{"id":2406,"text":"وبلغ ذلك علياً رضي الله عنه فكتب إليه: \" إني قد وليتك ما وليتك وأنا أراك له أهلاً، وقد كان من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل وكذب النفس، لا توجب له ميراثاً ولا تحل لك نسباً، وإن معاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلف، وعن يمينه وعن شماله فاحذر ثم احذر، والسلام \" .\rفلما قتل علي رضي الله عنه وكان من أمر زياد ومصالحة معاوية ما ذكرناه، وضع زياد مصقلة بن هبيرة الشيباني، وضمن له عشرين ألف درهم؛ ليقول لمعاوية: \" إن زياداً قد أكل فارس براً وبحراً، وصالحك على ألفي ألف درهم، والله ما أرى الذي يقال إلا حقاً \" فإذا قال لك يقال: وما يقال؟ فقل: إنه ابن أبي سفيان. ففعل مصقل ذلك.\rورأى معاوية أن يستصفي مودته باستلحاقه، فاتفقا على ذلك، وأحضر الناس وحضر من شهد لزياد، وكان فيمن حضر أبو مريم السلولي، فقال له معاوية: بم تشهد يا أبا مريم؟ فقال: أشهد أن أبا سفيان حضر عندي وطلب مني بغياً، فقلت ليس عندي إلا سمية فقال: ايتني بها على قذرها ووضرها. فأتيته بها فخلا معها، ثم خرجت من عنده وإن إسكتيها ليقطران منياً. فقال له زياد: مهلاً أبا مريم إنما بعثت شاهداً ولم تبعث شاتماً. فاستلحقه معاوية.\rوكان استلحاقه أول ما ردت فيه أحكام الشريعة علانية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر.\rقال: وقد اعتذر الناس عن معاوية في استلحاقه إياه، فقالوا: إن أنكحة الجاهلية كانت أنواعاً، منها أن الجماعة يجامعون البغي فإذا حملت وولدت ألحقت الولد بمن شاءت منهم، فلما جاء الإسلام حرم هذا النكاح، إلا أنه أقر نسب كل ولد إلى من كان ينسب إليه من أي نكاح كان، فتوهم معاوية أن ذلك جائز له، ولم يفرق بين ما استلحق في الجاهلية والإسلام.\rقال أبو عمر ابن عبد البر: ولما ادعى معاوية زياداً دخل عليه بنو أمية، وفيهم عبد الرحمن بن الحكم، فقال: يا معاوية لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا قلة وذلة، فأقبل معاوية على مروان، وقال: أخرج عنا هذا الخليع، فقال مروان: والله إنه لخليع ما يطاق. فقال معاوية: \" والله لولا حلمي وتجاوزي لعلمت أنه لا يطاق، ألم يبلغني شعره في وفي زياد؟ \" . ثم قال لمروان أسمعنيه، فقال:\rألا بلغ معاوية بن صخر ... لقد ضاقت بما تأتي اليدان\rأتغضب أن يقال: أبوك عف ... وترضى أن يقال: أبوك زاني\rفأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان\rوأشهد أنها حملت زياداً ... وصخر من سمية غير دان\rقال: وهذه الأبيات تروى ليزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري الشاعر، ومن رواها له جعل أولها:\rألا بلغ معاوية بن صخر ... مغلغلة من الرجل اليماني\rقال أبو عمر: وروى عمر بن شبة وغيره أن ابن مفرغ لما شفعت فيه اليمانية إلى معاوية أو ابنه يزيد، وكان قد لقي من عباد بن زياد وأخيه عبد الله ما لقي من النكال مما يطول شرحه، فلما وصل إلى معاوية بكى وقال: \" يا أمير المؤمنين ركب مني ما لم يركب من مسلم قط، على غير حدث في الإسلام ولا خلع يد من طاعة \" . وكان عبيد الله ابن زياد قد أمر به فسقي دواء، ثم حمل على حمار وطيف به وهو يسلح في ثيابه، فقال معاوية: ألست القائل؟:\rألا بلغ معاوية بن صخر.....وذكر الأبيات.\rفقال ابن مفرغ: \" لا والذي عظم حقك ورفع قدرك يا أمير المؤمنين ما قلتها قط وقد بلغني أن عبد الرحمن بن الحكم قالها ونسبها إلي \" قال ألست القائل؟:\rشهدت بأن أمك لم تتباشر ... أبا سفيان واضعة القناع\rولكن كان أمر فيه لبس ... على وجل شديد وارتياع\rأولست القائل أيضاً؟!:\rإن زياداً ونافعاً وأبا ... بكرة عندي من أعجب العجب\rهمو رجال ثلاثة خلقوا ... في رحم أنثى ما كلهم لأب\rذا قرشي كما يقول وذا ... مولى وهذا بزعمه عربي\rفي أشعار قلتها لزياد وبنيه تهجوهم! أغرب لا عفا الله عنك! فقد عفوت عن جرمك، ولو صحبت زياداً لم يكن شيء مما كان، اذهب فاسكن أي أرض أحببت \" . فاختار الموصل.\rقال أبو عمر: وليزيد بن مغرف في هجو زياد وبنيه - من أجل ما لقي من عباد بن زياد بخراسان - أشعار كثيرة منها:","part":5,"page":406},{"id":2407,"text":"أعباد ما للؤم عنك محول ... وما لك أم في قريش ولا أب\rوقل لعبيد الله ما لك والد ... بحق ولا يدري امرء كيف تنسب\rوقوله في زياد:\rفكر ففي ذاك إن فكرت معتبر ... هل نلت مكرمة إلا بتأمير\rعاشت سمية ما عاشت وما علمت ... أن ابنها من قريش في الجماهير\rقال: وكان أبو بكرة أخا زياد لأمه، فلما بلغه أن معاوية استلحقه وأنه رضي بذلك آلى يميناً لألا يكلمه أبداً، وقال: \" هذا زنى أمه وانتفى من أبيه، لا والله ما علمت سمية رأت أبا سفيان قط؛ ويله! ما يصنع بأم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم؟ أيريد أن يراها؟ فإن حجبته فضحته، وإن رآها يالها مصيبة، يهتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمة عظيمة! \" .\rفلما حج زياد ودخل المدينة أرادوا الدخول على أم حبيبة، ثم ذكر قول أبي بكرة فانصرف عن ذلك. وقيل: إن أم حبيبة حجبته ولم تأذن له في الدخول عليها، قيل: وإنه حج ولم يزرها من أجل قول أبي بكرة، وقال: جزى الله أبا بكرة خيراً لم يدع النصيحة على كل حال.\rقالوا: وكتب زياد إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: من زياد بن أبي سفيان وهو يريد أن تكتب إليه إلى زياد بن أبي سفيان فكتبت إليه من عائشة أم المؤمنين إلى ولدها زياد.\rوكان يقال لزياد قبل الاستلحاق زياد بن أبيه وزياد بن أمه وزياد بن سمية وزياد بن عبيد المثقفي.\rوروى أبو عمر بسنده إلى أبي عثمان النهدي ويقال: اشترى زياد أباه عبيداً بألف درهم فأعتقه.. فكنا نغيظه بذلك.\rسنة خمس وأربعين\rولاية زياد البصرة وخراسان وسجستان\rوما تكلم به زياد عند مقدمه ومن استعمله زياد من العمال وفي هذه السنة عزل معاوية الحارث بن عبد الله الأزدي عن البصرة وكان قد استعمله عليها في أول هذه السنة، ثم عزله، فكانت ولايته أربعة أشهر، واستعمل زياداً على البصرة وخراسان وسجستان، ثم جمع له الهند والبحرين وعمان.\rفقدم زياد البصرة في آخر شهر ربيه الآخر من السنة، فدخلها والفسق فيها ظاهر فاش.\rفخطب خطبة بتراء لم يحمد الله فيها وقيل: بل حمد الله فقال: الحمد لله على إفضاله وإحسانه، ونسأله المزيد من نعمه وإكرامه، اللهم كما زدتنا نعماً فألهمنا شكراً على نعمك فينا. أما بعد فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والفجر الموقد لأهله النار الباقي عليهم سعيرها، ما يأتيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، فيثب فيها الصغير، ولا ينحاش عنها الكبير كأن لم يسمعوا نبي الله، ولم يقرءوا كتاب الله، ولم يعلموا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول، أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات واختار الفانية على الباقية؟ ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه وفي نسخه بعد قوله \" لم تسبقوا إليه \" قال: من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله والضعيفة المسكينة في النهار المبصر والعدد غير قليل! ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار؟ قربتم القرابة وباعدتم الدين! تعتذرون بغير العذر وتغطون على المختلس! كل امرئ منكم يذب عن سفيهه صنع من لا يخاف عاقبة ولا يخشى معاداً! ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء، فلم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الله الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوساً في مكانس الريب!. حرام على الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدماً وإحراقاً! إني رأيت هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله: لين في غير ضعف، وشدة في غير جبرية وعنف. وإني أقسم بالله لأخذن الولي بالولي والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم! إن كذبة المنبر مشهودة، فإذا تعلقم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي! من بيت منكم فأنا ضامن لما ذهب له، إياي ودلج الليل، فإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم فيه ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم. وإياي ودعوى الجاهلية، فإني لا أجد أحداً دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم إحداثاً لم تكن وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرق قوماً","part":5,"page":407},{"id":2408,"text":"غرقناه، ومن حرق قوماً حرقناه، ومن نقب بيتاً نقبت عن قلبه، ومن نبش قبراً دفنته فيه حياً! فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم يدي ولسانس، ولا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه! وقد كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان منكم محسناً فليزدد إحساناً، ومن كان مسيئاً فلينزع عن إساءته، إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعاً ولم أهتك له ستراً حتى يبدي لي صفحته فإذا فعل لم أناظره. فاستأنفوا أموركم، وأعيني على أنفسكم، فرب مبتئس بقدومنا سيسر ومسرور بقدومنا سيبتئس أيها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم زادة، نسسوسكم بسلطان الله الذي أعطاناه، ونزود عنكم بفيء الله الذي خولناه، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا. واعلموا أني مهما قصرت عنكم فإني لا أقصر عن ثلاث: لست محتجباً عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقاً بليل، ولا حابساً رزقاً ولا عطاء عن إبانه، ولا مخمراً لكم بعثاً، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم، فإنهم ساستكم المؤدبون، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتد لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شراً لكم، أسأل الله أن يعين كلاً على كل، فإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على أذلاله. وأيم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي! فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيها الأمير أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب. فقال: \" كذبت، ذاك نبي الله داود عليه الصلاة والسلام \" .\rفقال الأحنف: \" قد قلت فأحسنت، أيها الأمير والثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، إنا لا نثني حتى نبتلى، ولا نحمد حتى نعطى \" . فقال زياد: صدقت.\rفقام أبو بلال مرداس بن أدية وهو يقول: أنبأنا الله بغير ما قلت، قال الله تعالى: \" وإبراهيم الذي وفى، ألا تزر وازرة وزر أخر، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى \" فأوعدنا الله خيراً مما أوعدتنا يا زياد فقال زياد: إنا لا نجد إلى ما نريد منك ومن أصحابك سبيلاً حتى نخوض إليكم الباطل خوضاً! وقيل: إنه قال: حتى نخوض إليها الدماء.\rوقيل: إنه لما قدم العراق خطب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \" إن معاوية غير مخوف على قومه، ولك يكن ليلحق بنسبه من ليس منه، وقد شهدت الشهود بما قد بلغكم، والحق أحق أن يتبع، والله حيث وضع البينات كان أعلم، وقد رحلت عنكم وأنا أعرف صديقي من عدوي، وقد قدمت عليكم، وصار العدو صديقاً مناصحاً، والصديق عدواً مكاشحاً، فاشتمل كل امرئ على ما في صدره، فلا يكونن لسانه شفرة تجري على ودجه، وليعلم أحدكم إذا خلا بنفسه إني قد حملت سيفي بيده، فإن شهره لم أغمده، وإن أغمده لم أشهره \" . ثم نزل.\rواستعمل على شرطته عبد الله بن حصن.. وأجل الناس حتى بلغ الخبر الكوفة وعاد إليه وصول الخبر، وكان يؤخر العشاء الآخرة، ثم يصلي ويأمر رجلاً فيقراً سورة البقرة أو مثلها يرتل القرآن، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن إنساناً يبلغ أقصى البصرة، ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج فيخرج فلا يرى إنساناً إلا قتله.\rفخرج ذات ليلة، فأخذ أعرابياً، فأتى به زياداً، فقال: هل سمعت النداء؟ قال: \" لا والله قدمت بحلوبة لي، وغشيني الليل، فاضطررتها إلى موضع، وأقمت لأصبح ولا علم لي بما كان من الأمير \" . قال: أظنك والله صادقاً ولكن في قتلك صلاح الأمة. ثم أمر به فضربت عنقه.\rوكان زياد أول من شدد أمر السلطان، وأكد الملك لمعاوية، وجرد السيف، وأخذ على الظنة، وعاقب بالشبهة، وخافه الناس خوفاً شديداً، حتى أمن بعضهم بعضاً، وحتى كان الشيء يسقط من الرجل أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتيه صاحبه فيأخذه، ولا يغلق أحد بابه، وأدر العطاء، وبنى مدينة الرزق، وجعل الشرط أربعة آلاف.\rوقيل له، إن السبيل مخوفة فقال: \" لا أعاني شيئاً وراء المصر حتى أصلح المصر، فإن غلبني فغيره أشد غلبة منه \" . فلما ضبط المصر وأصلحه تكلف ما وراء ذلك وأحكمه، وهو أول من سير بين يديه بالحراب والعمد، واتخذ الحرس خمسمائة لا يفارقون المسجد. والله أعلم.\rعمال زياد بن أبيه","part":5,"page":408},{"id":2409,"text":"قال: ولما ولي زياد استعان بعدة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورصي عنهم، منهم عمران بن حصين الخزاعي ولاه قضاء البصرة، وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة وسمرة بن جندب. فأما عمران فاستعفاه من القضاء فأعفاه، واستقضى عبد الله بن فضالة الليثي، ثم أخاه عاصم، ثم زرارة بن أوفة.\rوجعل خراسان أرباعاً، فاستعمل على مرو أمير بن أحمر اليشكري وعلى نيسابور خليد بن عبد الله الحنفي، وعلى مرو الرود والفارياب والطالقان قيس بن الهيثم، وعلى هراة وباذغيس وبوشنج نافع بن خالد الطائي، ثم عزله واستعمل الحكم بن عمرو الغفاري، وكانت له صحبته، وكان زياد قد قال لحاجبه: ادع لي الحكم يريد الحكم بن أبي العاص الثقفي ليوليه خراسان، فجاء بالحكم الغفاري، وقال له زياد: ما أردتك ولكن الله أرادك، فولاه خراسان وجعل معه رجالاً على جباية الخراج، منهم أسلم بن زرعة الكلابي وغيره، وغزا الحكم طخارستان فغنم غنائم كثيرة ثم مات، واستخلف أنس بن أبي أناس بن زنيم فعزله زياد، وكتب إلى خليد بن عبد الله الحنفي لولاية خراسان، ثم بعث الربيع بن زياد الحارثي رضي الله تعالى عنه إلى خراسان في خمسين ألفاً من البصرة والكوفة.\rوحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم، وكان على المدينة.\rسنة ست وأربعين\rوفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد\rوفي هذه السنة مات عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان قد عظم أمره عند أهل الشام ومالوا إليه لغنائه بالروم ولآثار أبيه، فخافه معاوية، فأمر ابن أثال النصراني أن يحتال في قتله، ضمن له أن ويضع عنه خراجه مال عاش، ويوليه خراج حمص.\rفلما قدم عبد الرحمن من الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه، فشربها، فمات بحمص، فوفى له معاوية.\rثم قدم خالد بن عبد الرحمن المدينة، فجلس يوماً إلى عروة بن الزبير فقال له عروة: ما فعل ابن أثال؛ فقام من عنده وسار إلى حمص فقتل ابن أثال، فحمل إلى معاوية فحبسه أياماً وغرمه ديته، ورجع إلى المدينة فأتى عروة فقال له ما فعل ابن أثال؟ فقال: قد كفيتكه ولكن ما فعل ابن جرموز؟ يعني قاتل الزبير فسكت عروة.\rوقد روى في خبر عبد الرحمن بن خالد أن معاوية لما أراد البيعة ليزيد خطب أهل الشام وقال: \" يا أهل الشام، إني قد كبرت سني وقرب أجلي، وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاماً لكم، وإنما أنا رجل منكم، فارتؤا رأيكم \" . فأصفقوا واجتمعوا. وقالوا: رضينا عبد الرحمن بن خالد. فشق ذلك على معاوية وأسرها في نفسه، ثم مرض عبد الرحمن فأمر معاوية طبيباً عنده مكيناً أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها، فأتاه فسقاه فانخرق بطنه فمات. ثم دخل أخوه المهاجر بن خالد دمشق مستخفياً، هو وغلام له، فرصدا ذلك اليهودي، فخرج ليلاً من عند معاوية، ومعه قوم، فهجم عليه المهاجر فهربوا عنه فقتله المهاجر.\rوقد قيل إن الذي قتل ابن أثال أو اليهودي خالد بن المهاجر بن خالد، وأن عروة بن الزبير، كان يعيره بترك الطلب بثأر عمه، فخرج خالد ونافع ملاه من المدينة حتى أتيا دمشق، فرصد الطبيب ليلاً عند مسجد دمشق، وكان يسهر عند معاوية، فلما انتهى إليهما ومعه قوم من حشم معاوية حملا عليه، فانفرجوا، وضرب خالد بن المهاجر اليهودي فقتله، ثم انصرف إلى المدينة، وقال لعروة بن الزبير:\rقضى لابن سيف الله بالحق سيفه ... وعري من حمل الذحول رواحل\rسل ابن أثال هل ثأرت ابن خالد؟ ... فهذا ابن جرموز فهل أنت قاتله؟\rوحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان.\rسنة سبع وأربعين\rفي هذه السنة عزل عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر، واستعمل عليها معاوية ابن حديج وكان عثمانياً، فمر به عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما فقال: \" يا معاوية، قد أخذت جزاءك من معاوية، قد قتلت أخي محمداً لتلي مصر فقد وليتها \" . فقال: ما قتلت محمداً إلا بما صنع بعثمان، فقال عبد الرحمن: فلو كنت إنما تطلب بدم عثمان ما شاركت معاوية فيما صنع، حيث عمل عمرو بالأشعري ما عمل، فوثبت أول الناس فبايعته.\rوحج بالناس في هذه السنة عتبة بن أبي سفيان، وقيل عنبسة ابن أبي سفيان.\rسنة ثمان وأربعين\rفي هذه السنة استعمل زياد غالب ابن فضال الليثي على خراسان وكانت له صحبة.","part":5,"page":409},{"id":2410,"text":"وحج بالناس مروان بن الحكم وهو يتوقع العزل لموجدة كانت من معاوية عليه، وارتجع معاوية منه فدك وكان وهبها له.\rسنة تسع وأربعين\rفي هذه السنة عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة، في شهر ربيع الأول، وأمر سعيد بن العاص، فكانت ولاية مروان المدينة ثماني سنين وشهرين، وكان على قضاء المدينة عبد الله بن الحارث بن نوفل، فعزله سعيد حين ولي، واستقضى أبا سلمة عبد الرحمن.\rوفاة الحسن بن علي\rبن أبي طالب رضي الله عنه قد اختلف في وقت وفاته رضي الله عنه، فقيل: في سنة تسع وأربعين، وقيل: بل مات في شهر ربيع الأول في سنة خمسين، وقيل مات في سنة إحدى وخمسين، ودفن في بقيع الغرقد، وصلى عليه سعيد بن العاص أمير المدينة، قدمه الحسين للصلاة عليه، وقال له لولا أنها سنة ما قدمتك.\rقال أبو عمر بن عبد البر: وقد كانت عائشة رضي الله عنها أباحت له أن يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها، وكان قد سألها ذلك في مرضه، فلما مات منع من ذلك مروان بن الحكم وبنو أمية.\rوروى أبو عمر: أن الحسن لما حضرته الوفاة قال للحسين أخيه: \" يا أخي إن أباك رحمه الله لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم استشرف لهذا الأمر رجاء أن يكون صاحبه، فصرفه الله عنه، وولاها أبا بكر، فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوف لها أيضاً، فصرفت عنه إلى عمر، فلما احتضر عمر جعلها شورى بين ستة هو أحدهم، فلم يشك أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان، فلما هلك عثمان بويع له، ثم نوزع حتى جرد السيف، وطلبها، فما صفا له شيء منها، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا أهل البيت النبوة والخلافة، فلا أعرفن ما استخفك سفهاء أهل الكوفة: فأخرجوك، وإني قد كنت طلبت إلى عائشة إذا مت أن تأذن لي فأدفن في بيتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: نعم، وإني لا أدري لعلها كان ذلك منها حياء، فإن طابت نفسها فادفني في بيتها، وما أظن إلا أن القوم سيمنعونك إذا أردت ذلك، فإن فعلوا فلا تراجعهم في ذلك، وادفني في بقيع الغرقد، فإن لي بمن فيه أشوة، فلما مات الحسن رضي الله عنه أتى الحسين عائشة فطلب ذلك إليها فقالت: نعم وكرامة. فبلغ ذلك مروان بن الحكم فقال: \" كذب وكذبت، والله لا يدفن هناك أبداً، منعوا عثمان من دفنه في المقبرة ويريدون دفن الحسن في بيت عائشة \" . فبلغ ذلك الحسين فدخل هو ومن معه في السلاح، واستلأم مروان في الحديد أيضاً، فبلغ ذلك أبا هريرة رضي الله عنه فقال: \" والله ما هو إلا ظلم، يمنع الحسن أن يدفن مع أبيه! والله إنه لأبن رسول الله صلى الله عليه وسلم \" .\rثم انطلق إلى الحسين فكلمه وناشده الله وقال له: \" أليس قد قال أخوك: إن خفت أن يكون قتال فردني إلى مقبرة المسلمين؟ فلم يزل به حتى فعل، فقدمه الحسين للصلاة، وقال: هي للسنة.\rوشهدها خالد بن الوليد بن عقبة بعد أن ناشد بني أمية أن يخلوه يشهد الجنازة فتركوه فشهد دفنه في المقبرة، ودفن إلى جانب أمه فاطمة رضي الله عنهما.\rقال: وقال أبو قتادة وأبو بكر بن حفص: سم الحسن ابن علي رضي الله عنهما: سمته امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي. قال: وقالت طائفة كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل في لها ذلك، وكان لها ضرائر وأنه وعدها بخمسين ألف درهم، وأن يزوجها من يزيد، فلما فعلت وفى لها بالمال، وقال: حبنا ليزيد يمنعنا من الوفاء لك بالشرط الثاني.\rوروى قتادة قال: دخل الحسين على أخيه الحسن رضي الله عنهما فقال: \" يا أخي إني سقيت السم ثلاث مرات، ولم أسق مثل هذه المرة، إني لأضع كبدي! \" . فقال الحسين: من سقاك يا أخي؟ قال: \" ما سؤالك عن هذا؟ أتريد أن تقاتله؟ أكلهم إلى الله \" .\rفلما مات ورد البريد بموته على معاوية فقال: \" يا عجباً من الحسن! شرب شربة من عسل بماء رومة فقضى نحبه! \" .\rوأتى ابن عباس معاوية فقال له: يا بن عباس احتسب الحسن لا يحزنك الله ولا يسوءك. قال: أما ما أبقاك الله يا أمير المؤمنين فلا يحزنني الله ولا يسوؤني، فأعطاه على كلمته ألف ألف درهم وعروضاً وأشياء. وقال خذها فاقسمها على أهلك.\rومات الحسن رضي الله عنه وله من السن يومئذ سبع وأربعون سنة.\rوقيل: ست وأربعون سنة.","part":5,"page":410},{"id":2411,"text":"وكان رضي الله عنه وأرضاه ورعاً فاضلاً، دعاه ورعه وفضله إلى ترك الخلافة رغبة فيما عند الله، وقال: واله ما أحببت منذ علمت ما ينفعني ويضرني أن لي أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، على أن يراق في ذلك محجمة دم.\rوحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص.\rسنة خمسين\rوفاة المغيرة بن شعبة\rفي هذه السنة توفي المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قيس وهو ثقيف.\rوكان الطاعون قد وقع بالكوفة فهرب المغيرة منه، فلما ارتفع عاد إلى الكوفة وطعن، فمات في شعبان من السنة، وكان طوالاً أعور، ذهب عينه يوم اليرموك، وتوفي وهو ابن سبعين سنة.\rوكان المغيرة من الدهاة، روي عن الشعبي قال: كان دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه، فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللكبيرة والصغيرة.\rوحكى الرياشي عن الأصمعي قال: كان معاوية يقول: أنا للأناة، وعمرو للبديهة، وزياد للصغار والكبار، والمغيرة للأمر العظيم.\rولما دفن وقف على قبره مصقله بن هبيرة الشيباني وقال:\rإن تحت الأحجار حزماً وجوداً ... وخصيماً ألد ذا معلاق\rحية في الوجار أربد لا ين ... فع منه السليم نفث الراقي\rثم قال، أما والله لقد كنت شديد العداوة لمن عاديت، شديد الأخوة لمن آخيت. وكان المغيرة كثير الزواج، قال أبو عمر: قال نافع أحصن المغيرة ثلاثمائة امرأة في الإسلام. قال: وغيره يقول: ألف امرأة.\rولما حضرته الوفاة استخلف على الكوفة ابنه عروة، وقيل: استخلف جريراً، فولى معاوية زياداً.\rولاية زياد الكوفة\rقال: ولما مات المغيرة استعمل معاوية زياداً على الكوفة، وهو أول من جمع له بين الكوفة والبصرة، فسار إلى الكوفة، واستخلف على البصرة سمرة بن جندب، فكان زياد يقيم بالكوفة ستة أشهر، وبالكوفة ستة أشهر.\rولما وصل الكوفة خطبهم، فحصب وهو على المنبر، فجلس حتى أمسكوا، ثم دعا قوماً من خاصته فأمرهم فأخذوا أبواب المسجد ثم قال: ليأخذن كل رجل منكم جليسه، ولا يقولن لا أدري من جليسي.\rثم أمر بكرسي فوضع على باب المسجد، ثم دعاهم أربعة أربعة يحلفون: ما منا من حصبك، فمن حلف خلاه، ومن لم يحلف حبسه، حتى صاروا ثلاثين، وقيل: ثمانين، فقط أيديهم، واتخذ زياد المقصورة حين حصب.\rقال: وأما سمرة فإنه أكثر القتل بالبصرة لما استخلفه زياد عليها، قال ابن سيرين: قتل سمرة في غيبة زياد هذه ثمانية آلاف. فقال زياد: أتخاف أن تكون قتلت بريئاً؟ قال: لو قتلت معهم مثلهم ما خشيت.\rوقال أبو السوار العدوي: قتل سمرة من قومي في غداة واحدة سبعة وأربعين، كلهم قد جمعوا القرآن.\rوركب سمرة يوماً، فلقيت أوائل خيله رجلاً فقتلوه، فمر به سمرة وهو يتشحط في دمه، فقال: ما هذا؟ قيل: أصابه أوائل خيلك، فقال إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا.\rنقل المنبر من المدينة إلى الشام\rومن قصد ذلك بعده من الأمراء في هذه السنة أمر معاوية بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمل إلى الشام، وقال: لا يترك هو وعصا النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهم قتلة عثمان. فطلب العصا، وهي عند سعد القرظ وحرك المنبر، فكسفت الشمس حتى رؤيت النجوم بادية، فأعظم الناس ذلك فتركه.\rوقيل أتاه جابر وأبو هريرة فقالا: يا أمير المؤمنين لا يصلح أن تخرج منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع وضعه، وتنقل عصاه إلى الشام فانقل المسجد، فتركه وزاد فيه ست درجات، واعتذر مما صنع.\rفلما ولي عبد الملك بن مروان هم بالمنبر، فقال قبيصة بن ذؤيب أذكرك الله أن لا تفعل، إن معاوية حركه فكسفت الشمس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من حلف على منبري آثماُ فليتبوأ مقعده من النار \" وهو مقطع الحقوق بينهم بالمدينة. فتركه عبد الملك.\rفلما ولى الوليد ابنه وحج هم بدلك، فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبد العزيز فقال: كلم صاحبك لا يتعرض للمسجد ولا لله والسخط له، فكلمه عمر فتركه.","part":5,"page":411},{"id":2412,"text":"فلما حج سليمان بن عبد الملك أخبره عمر بما كان من الوليد، فقال سليمان: \" ما كنت أحب أن يذكر عن أمير المؤمنين عبد الملك هذا، ولا عن الوليد، ما لنا ولهذا؟ أخذنا الدنيا فهي في أيدينا، ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام يوفد إليه فنحمله، هذا ما لا يصلح! \" .\rوفيها عزل معاوية معاوية بن حديج عن مصر، واستعمل عليها مسلمة بن مخلد مع إفريقية وكان على إفريقية عقبة بن نافع، وكان قد اختط قيروانها، وكان موضعه غيضة لا ترام من السباع والحيات فدعا الله عليها، فلم يبق منها شيء إلا خرج هارباً، حتى إن كانت السباع لتحمل أولادها، وبنى الجامع، فلما عزله معاوية عن إفريقية وأضافها إلى مسلمة بن مخلد استعمل على إفريقية مولى له يقال له: أبو المهاجر، فلم يزل عليها حتى هلك معاوية.\rوقيل: إن عقبة بن نافع ولي إفريقية في هذه السنة وعمر مدينة القيروان، وكانت غيضة على ما تقدم، فدعا الله تعالى، وكان مستجاب الدعوة، ثم نادى: \" أيتها الحيات والسباع، إنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ارحلوا عنا فإنا نازلون، ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه \" .\rفنظر الناس إلى الدواب تحمل أولادها وتنتقل، فأسلم كثير مكن البربر، وقطع الأشجار وأمر ببناء المدينة، فبنيت وبنى المسجد الجامع، وبنى الناس مساجدهم ومساكنهم، وكان دور القيروان ثلاثة آلاف باع وستمائة باع. وسنذكر إن شاء الله تعالى ذلك بما هو أبسط من هذا في أخبار إفريقية وبلاد الغرب.\r؟وفاة الحكم بن عمرو الغفاري\rوفي هذه السنة توفي الحكم بن عمرو الغفاري بمرو، على أحد الأقوال، وله صحبة، وكان زياد قد كتب إليه: \" إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أصطفي له الصفراء والبيضاء، فلا تقسم بين الناس ذهباً ولا فضة \" . فكتب إليه الحكم: \" بلغني ما أمر به أمير المؤمنين، وإني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه والله لو أن السماوات والأرض كانتا رتقاً على عبد ثم اتقى الله لجعل له فرجاً ومخرجاً، والسلام عليك \" . ثم قال للناس: اغدوا على أعطياتكم وما لكم، فقسمه بينهم، ثم قال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك. فمات، واستخلف لما حضرته الوفاة أنس بن أبي أناس.\rوحج بالناس في هذه السنة معاوية، وقيل: بل حج ابنه يزيد.\rوفيها توفي عثمان بن أبي العاص الثقفي، وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، وأبو موسى الأشعري، وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وتوفي غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.\rسنة إحدى وخمسين\rفي هذه السنة استعمل زياد بن أبيه الربيع بن زياد الحارثي على خراسان بعد وفاة الحكم، وكان الحكم قد استخلف أنس بن أبي أناس كما ذكرنا فعزله زياد، وولى خليد بن عبد الله الحنفي، ثم عزله، وولى الربيع في أول سنة إحدى وخمسين، وسير معه خمسين ألفاً بعيالهم من أهل الكوفة والبصرة، منهم بريدة بن الحصيب وأبو برزة، ولهما صحبة، فسكنوا خراسان، فلما قدمها غزا بلخ ففتحها صلحاً، وكانت قد أغلقت بعدما صالحهم الأحنف، وفتح قهستان عنوة وقتل من بناحيتها من الأتراك، وبقي منهم نيزك طرخان فقتله قتيبة بن مسلم في لايته. والله ولي التوفيق.\rوولي زياد، فقام في الناس فخطبهم عند قدومه فترحم على عثمان وأثنى على أصحابه، ولعن قاتليه، فقام حجر ففعل كما كان يفعل بالمغيرة.\rورجع زياد إلى البصرة، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث فبلغه أن حجراً يجتمع إليه شيعة علي رضي الله عنه، ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه، وأنهم حصبوا عمرو بن حريث. فشخص إلى الكوفة، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وحجر جالس، ثم قال: \" أما بعد، لإن غب البغي والغي وخيم، إن هؤلاء جموا فأشروا، وأمنوني فاجترأوا على الله، لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم، ولست بشيء إن لم أمنع الكوفة من حجر وأدعه نكالاً لمن بعده! ويل أمك يا حجر، سقط العشاء بك على سرحان! \" وأرسل إلى حجر يدعوه وهو في ناحية المسجد، فأتاه الرسول يدعوه إليه، فقال أصحابه، لا يأتيه ولا كرامة! فرجع السول فأخبر زياداً، فأمر صاحب شرطته - وهو شداد بن الهيثم الهلالي - أن يبعث إليه جماعة، ففعل، فسبهم أصحاب حجر فرجعوا فأخبروا زياداً.","part":5,"page":412},{"id":2413,"text":"فجمع أهل الكوفة وقال: \" تشجون بيد وتأسون بأخرى، أبدانكم معي وقلوبكم مع حجر الأحمق، هذا والله من دحسكم، والله لتظهرن لي براءتكم، أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم \" . فقالوا: معاذ الله أن يكون لنا رأي إلا طاعتك وما فيه رضاك. قال: فليقم كل رجل منكم فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله. ففعلوا ذلك، وأقاموا أكثر أصحابه عنده.\rوقال زياد لصاحب شرطته: انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتني به، وإلا فشدوا عليهم بالسيوف حتى تأتوني به. فأتاه صاحب الشرطة يدعوه، فمنعه أصحابه من إجابتهم، فحمل عليهم، فقال أبو العمرطة الكندي لحجر: \" إنه ليس معك من معه سيف غيري، وماذا يغني عنك سيفي؟ قم فالحق بأهلك يمنعك قومك \" . وزياد ينظر إليهم وهو على المنبر، فغشيهم أصحاب زياد، وضرب رجل رأس عمرو ابن الحمق بعمود فوقع، وحمله أصحابه إلى الأزد فاختفى عندهم حتى خرج، وانحاز أصحاب حجر إلى أبواب كندة، وضرب بعض الشرطة يد عائد بن حملة التميمي وكسر نابه، فأخذ عموداً من بعض الشرط فقاتل به، وحمى حجراً وأصحابه حتى خرجوا من أبواب كندة، وأتى حجر ببغلته فقال له أبو العمرطة: اركب فقد قتلتنا ونفسك. وحمله حتى أركبه، وركب أبو العمرطة فرسه، ولحقه يزيد بن ظريف المسلي فضرب أبا العمرطة بالعمود على فخده، وأخذ أبو العمرطة سيفه فضرب به رأسه فسقط. فكان ذلك السيف أول سيف يضرب به في الكوفة في اختلاف بين الناس.\rومضى حجر وأبو العمرطة إلى دار حجر، واجتمع واجتمع إليهما ناس كثير، ولم يأته من كندة كثير أحد، ثم اختفى حجر، وتنقل من مكان إلى آخر، والطلب خلفه، حتى أتى الأزد، واختفى عند ربيعة بن ناجد.\rفلما أعياهم طلبه دعا زياد محمد بن الأشعث، وقال له: والله لتأتيني به أو لأقطعن كل نخلة لك، وأهدم دورك، ثم أقطعك إرباً إرباً، فاستمهله، فأمهله ثلاثاً، وأقام حجر ببيت ربيعة يوماً وليلة، فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول له: ليأخذ له أماناً من زياد حتى يبعث به إلى معاوية، فجمع محمد جماعة، منهم جرير ابن عبد الله، وحجر بن يزيد، وعبد الله بن الحارث أخو الأشتر، فدخلوا على زياد فاستأمنوا له أن يرسله إلى معاوية فأجابهم، فأرسلوا إلى حجر فحضر عند زياد، فلما رآه قال: \" مرحباً أبا عبد الرحمن، حرب أيام الحرب، وحرب وقد سالم الناس! على أهلها تجني براقش \" . فقال حجر: \" ما خلعت طاعة، ولا فارقت جماعة، وإن يعلى بيعتي \" . فأمر به إلى السجن، فلما ولي قال زياد: والله لأحرضن على قطع خيط رقبته... وطلب أصحابه.\rفخرج عمرو بن الحمق حتى أتى الموصل ومعه رفاعة بن شداد، فاختفيا بجبل هناك، فرفع خبرهما إلى عامل الموصل، وهو عبد الرحمن ابن عبد الله عثمان الثقفي، ويعرف بابن أم الحكم وهو ابن أخت معاوية؛ فسار إليهما فخرجا إليه، وكان عمرو قد استسقى بطنه، فأمسك، وركب رفاعة فرسه وحمل على القوم، فأفرجوا له، فنجا، وكتب عامل الموصل إلى معاوية بخبر عمرو بن الحمق، فكتب إليه معاوية: \" إنه يزعم أنه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص معه، فاطعنه كما طعن عثمان \" . فطعنه فمات في الأولى منها أو الثانية.\rوجد زياد في طالب أصحاب حجر، فهربوا منه، وأخذ من قدر عليه منهم، فاجتمع له اثنا عشر رجلاً في السجن.\rثم دعا رؤساء الأرباع يومئذ، وهم عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة، وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان، وقيس بن الوليد على ربع ربيعة وكندة، وأبو بردة بن أبي موسى على ربع مذحج وأسد، فشهد هؤلاء أن حجر بن عدي جمع الجموع، وأظهر شتم الخليفة، ودعا إلى حربه، وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب، وأنه وثب بالمصر وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حزبه، وشهدوا أن هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه على مثل رأيه وأمره.\rونظر زياد في شهادة الشهود فقال: إني أحب أن يكونوا أكثر من أربعة، فدعا الماس ليشهدوا فشهد إسحاق وموسى ابنا طلحة ابن عبيد الله، والمنذر بن الزبير، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط، وعمر بن سعد بن أبي وقاص وغيرهم.\rوكتب في الشهود شريح بن الحارث القاضي وشريح بن هانئ، فكان شريح بن هانئ يقول: ما شهدت.","part":5,"page":413},{"id":2414,"text":"ثم دفع زياد حجر بن عدي الكندي وأصحابه وهم الأرقم بن عبد الله الكندي، وشريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، وكريم بن عفيف الخثعمي وعاصم بن عوف البجلي، وورقاء بن سمي البجلي، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان؛ العنزيان التميميان، ومحرز بن شهاب التميمي، وعبد الله بن حوية السعدي التميمي إلى وائل ابن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب، وأمرهما أن يسيرا بهم إلى الشام، فلحقهم شريح بن هانئ بعد مسيرهم، وأعطى وائلاً كتاباً وقال: أبلغه أمير المؤمنين.\rفساروا حتى انتهوا إلى مرج عذراء بالقرب من دمشق، وأبعهم زياد برجلين وهما عتبة بن الأخنس من سعد بن بكر، وسعد بن نمران الهمداني، فكملوا أربعة عشر رجلاً، فلما انتهوا إلى مرج عذراء بعث معاوية إلى وائل بن حجر، وكثير بن شهاب فأدخلهما، وأخذ كتابهما فقرأه، ثم قرأ كتاب شريح فإذا فيه: \" بلغني أن زياداً كتب شهادتي، وإن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه \" .\rفقال معاوية: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم.\rفقام يزيد بن أسد البجلي فاستوهبه ابني عمه وهما عاصم وورقاء، وكان جرير بن عبد الله البجلي قد كتب بتزكيتهما وبراءتهما فأطلقهما معاوية، وشفع وائل بن حجر بالأرقم فتركه له، وشفع ابن الأعور السلمي في عتبة فتركه له، وشفع حمرة بن مالك الهمداني في سعد بن نمران فوهبه له، وشفع حبيب بن مسلمة في عبد الله بن حوية فتركه له، وقام مالك بن هبيرة السكوني، فقال: دع لي ابن عمي حجراً، فقال: \" هو رأس القوم، وأخاف إن خليت سبيله أن يفسد علي مصره، فأحتاج أن أشخصك إليه بالعراق! \" فقال: \" والله ما أنصفتني يا معاوية! قاتلت معك ابن عمك يوم صفين حتى ظفرت وعلا كعبك، ولم تخف الدوائر، ثم سألتك ابن عمي فمنعتني إياه \" . ثم انصرف فجلس في بيته.\rفبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي، والحصين بن عبد الله الكلابي وأبا شريف البدي إلى حجر وأصحابه؛ ليقتلوا من أمروا بقتله، فأتوهم عند المساء، فلما رأى الخثعمي أحدهم أعور قال: يقتل نصفنا ويترك نصفنا! فكان كذلك، وعرضوا عليهم قبل القتل البراءة من علي ولعنه ويتركوهم، فامتنعوا من ذلك، فحفرت القبور وأحضرت الأكفان.\rفقام حجر بن عدي وأصحابه يصلون عامة الليل، فلما كان من الغد قدموا للقتل، فقال لهم حجر: اتركوني حتى أتوضأ وأصلي فإني ما توضأت إلا صليت. فتركوه، فصلى ثم انصرف، وقال: والله ما صليت صلاة قط أخف منها، ولولا أن تظنوا بي جزعاً من الموت لاستكثرت منها. ثم قال: \" اللهم إنا نستعديك على أمتنا، فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشام يقتلوننا، أما والله لئن قتلتموني بها إني لأول فارس من المسلمين هلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها \" . ثم مشى إليه هدبة بن فياض بالسيف، فارتعد، فقالوا له: زعمت أنك لا تجزع من الموت فابرأ من صاحبك وندعك. فقال: \" ومالي لا أجزع وأرى قبراً محفوراً وكفناً منشوراً وسيفاً مشهوراً. وإني والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب \" . فقتلوه وقتلوا خمسة.\rفقال عبد الرحمن بن حسان - وكريم الخثعمي: ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته. فاستأذنوا معاوية فيهما، فأذن بإحضارهما، فلما دخلوا عليه قال كريم: \" الله الله يا معاوية! فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ثم مسئول عما أردت بسفك دمائنا. فقال: ما تقول في علي؟ قال: أقول فيه قولك. قال: أتبرأ من دينه الذي يدين الله به؟ فسكت، وقام شمر ابن عبد الله من بني قحافه بن خثعم، فاستوهبه إياه، فوهبه له على ألا يدخل الكوفة.\rثم قال لعبد الرحمن: ما تقول في علي يا أخا ربيعة؟ قال: دعني لا تسألني فهو خير لك. قال: والله لا أدعك. قال: \" أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيراً، من الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس رضي الله عنه \" . قال: فما تقول في عثمان؟ قال: هو أول من فتح أبواب الظلم، وغلق أبواب الحق. قال: قتلت نفسك. قال: بل إياك قتلت ولا ربيعة بالوادي. يعني ليشفعوا فيه فرده إلى زياد وأمره أن يقتله شر قتلة، فدفنه حياً.","part":5,"page":414},{"id":2415,"text":"وكان عدة من قتل سبعة وهم: حجر بن عدي، وشريك بن شداد، وصيفي بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة، وحرز بن شهاب، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسان الذي دفن حياً.\rقال: وأما مالك بن هبيرة السكوني حين لم يشفعه معاوية في حجر، فإنه جمع قومه وسار بهم إلى عذراء ليخلص حجراً وأصحابه، فلقيه قتلتهم، فلما رأوه علموا أنه جاء ليخلص حجراً، فقال لهم: ما وراءكم؟ قالوا: قد تاب القوم وجئنا لنخبر أمير المؤمنين. فسكت وسار إلى عذراء فلقيه بعض من جاء منها فأخبره بقتل القوم، فأرسل الخيل في قتلهم فلم يدركوهم، ودخلوا على معاوية فأخبروه، فقال لهم: إنما هي حرارة يجدها في نفسه، فكأنها قد طفئت. وعاد مالك إلى بيته ولم يأت معاوية، فلما كان الليل أرسل إليه معاوية مائة ألف درهم، وقال: \" ما منعني أن أشفعك إلا خوف أن تعيدوا لنا حرباً، فيكون ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قتل حجر \" . فأخذها وطابت نفسه.\rقال: ولما بلغ الحسن البصري قتل حجر وأصحابه قال: أصلوا عليهم وكفنوهم ودفنوهم واستقبلوا بهم القبلة؟ قالوا: نعم. قال: حجوهم ورب الكعبة! \" .\rقال: ولما بلغ خبر حجر عائشة رضي الله عنها، أرسلت عبد الرحمن ابن الحارث إلى معاوية فيه وفي أصحابه، فقدم عليه وقد قتلهم، فقال له عبد الرحمن: أين غاب عنك حلم أبي سفيان؟ قال: \" حين غاب عني مثلك من حلماء قومي، وحملني ابن سمية فاحتملت! \" .\rوقالت عائشة: \" لولا إنا لم نغير شيئاً إلا صارت بنا الأمور إلى ما هو أشد منه لغيرنا قتل حجر! أما والله إن كان ما علمت لمسلماً حجاجاً معتمراً! \" .\rوقال الحسن البصري رحمه الله: \" أربع خصال كن في معاوية، لو لم تكن فيه إلا واحدة منهن لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف، حتى أخذ الأمر عن غير مشورة، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر. وقتله حجراً وأصحاب حجر، فيا ويلا له من حجر وأصحاب حجر! \" .\rقيل: وكان الناس يقولون: أول ذل دخل الكوفة موت السن ابن علي، وقتل حجر بن عدي، ودعوة زياد.\rوقالت هند بنت زيد الأنصارية ترثي حجراً وكانت تتشيع.\rترفع أيها القمر المنير ... تبصر هل ترى حجراً يسير\rيسير إلى معاوية بن حرب ... ليقتله كما زعم الأمير\rتجبرت الجبابر بعد حجر ... وطاب لها الخورنق والسدير\rوأصبحت البلاد له محولاً ... كأن لم يحيها مزن مطير\rألا يا حجر حجر بني عدي ... تلقتك السلامة والسرور\rأخاف عليك ما أردى عدياً ... وشيخاً في دمشق له زئير\rفإن يهلك فكل زعيم قوم ... من الدنيا إلى هلك يصير\rوقد قيل في قتل حجر غير ما تقدم، وهو أن زياداً خطب يوم جمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة، فقال له حجر بن عدي: الصلاة. فمضى في خطبته فقال له: الصلاة. فمضى في خطبته، فلما خشي حجر فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من حصى، وقال إلى الصلاة وقام الناس معه، فلما رأى زياد ذلك نزل فصلى بالناس، وكتب إلى معاوية وكبر عليه، فكتب إليه معاوية ليشده في الحديد ويرسله إليه، فلما أراد أخذه قام قومه ليمنعوه، فقال حجر: لا ولكن سمعاً وطاعة. فشد في الحديد، وحمل إلى معاوية، فلما دخل عليه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: \" أأمير المؤمنين أنا؟ والله لأقتلنك ولا أستقيلك أخرجوه فاضربوا عنقه \" .\rفقال حجر للذين يلون أمره: دعوني حتى أصلي ركعتين. فقالوا: فصلى ركعتين خفف فيهما ثم قال: لولا أن تظنوا بي غير الذي أردت لأطلتهما، وقال لمن حضره من قومه: لا تطلقوا عني حديداً ولا تغسلوا عني دماً، فإني ملاق معاوية غداً على الجادة؟ \" . وضربت عنقه.\rفال: فلقيت عائشة معاوية فقالت: أين كان حلمك عن حجر؟ فقال لم يحضرني رشد؟ وقال ابن سيرين: بلغنا أن معاوية لما حضرته الوفاة جعل يقول: يومي منك يا حجر طويل! وحج بالناس في هذه السنة يزيد بن معاوية.\rسنة اثنتين وخمسين\rكان فيها من الغزاة وأمر الخوارج ما قدمن ذكره. وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص.\rسنة ثلاث وخمسين","part":5,"page":415},{"id":2416,"text":"في هذه السنة توفي عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، على أحد الأقوال، وقيل بعد ذلك.\rوفاة زياد بن أبيه\rكانت وفاته بالكوفة يوم الثلاثاء لأربع خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين، واختلف في مولده، فقيل: ولد عام الهجرة، وقيل: قبل الهجرة وقيل ولد يوم بدر. وقال المدائني: ولد عام التاريخ.\rوكان يكنى أبا المغيرة حكاه أبو عمر قال: وليست له صحبة ولا رواية، قال: وكان رجلاً عاقلاً في دنياه، داهية، خطيباً، له قدر وجلالة عند أهل الدنيا.\rقال أبو جعفر الطبري رحمه الله: وكان زياد كتب إلى معاوية: \" إني قد ضبطت لك العراق بشمالي، ويميني فارغة، فأشغلها بالحجاز \" . ففعل. فلما بلغ ذلك أهل الحجاز أتى نفر منهم عبد الله ابن عمر بن الخطاب! فذكروا ذلك له، فقال: ادعوا الله عليه يكفيكموه. فاستقبل القبلة واستقبلوها، فدعوا ودعا، وكان من دعائه أن قال: اللهم اكفنا يمين زياد! فخرجت طاعونة على إصبع يمينه، فمات منها.\rفلما حضرته الوفاة دعا شريحاً القاضي فقال: قد حدث بي ما ترى، وقد أمرت بقطعها فأشر علي. فقال شريح: إني أخشى أن يكون الأجل قد دنا فتلقى الله أجذم، وقد قطعت يدك كراهية لقائه، أو أن يكون في الأجل تأخير، فتعيش أجذم ويعير ولدك \" فقال: لا أبيت والطاعون في سجاف واحد، وخرج شريح من عنده فسأله الناس، فأخبرهم فلاموه، وقالوا: هلا أشرت بقطعها؟ فقال: \" المستشار مؤتمن \" . وقيل أراد زياد قطعها، فلما رأى النار والمكاوي جزع وتركها وقيل: تركها لما أشار عليه شريح.\rولما حضرته الوفاة قال له ابنه: هلا هيأت لك ستين ثوباً أكفنك بها، فقال: يا بني قد دنا من أبيك لباس خير من لباسه أو سلب سريع! فمات ودفن بالثوية إلى جانب الكوفة، وهو موضع فيه مقبرة الكوفة.\rفلما موته ابن عمر قال: \" اذهب ابن سمية! لا الآخرة أدركت، ولا الدنيا أبقيت عليك! \" .\rقال: وكان زياد فيه حمرة، وفي عينه اليمنى انكسار، أبيض اللحية مخروطها، عليه قميص ربما رقعه.\rوفيها مات الربيع بن زياد الحارثي عامل خراسان قبل وفاة زياد، وكان سبب موته أنه سخط قتل حجر بن عدي، حتى إنه قال: \" لا تزال العرب تقتل بعده صبراً! ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبراً، ولكنها أقرت فذلت! \" ثم مكث بعد هذا الكلام جمعة، ثم خرج يوم الجمعة فقال: \" أيها الناس، إني قد مللت الحياة، وإني داع بدعوة فأمنوا \" . ثم رفع يديه بعد الصلاة فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك عاجلاً! وأمن الناس، ثم خرج، فما توارت ثيابه حتى سقط، وحمل إلى بيته، واستخلف ابنه عبد الله، ومات من يومه، ثم مات ابنه بعده بشهرين، واستخلف خليد بن يربوع الحنفي، فأقره زياد، ولما مات زياد كان على البصرة سمرة بن جندب، وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، فأقر معاوية سمرة على البصرة ثمانية عشر شهراً، وقيل ستة أشهر ثم عزله، فقال سمرة: \" لعن الله معاوية! والله لو أطعت الله كما أطعته ما عذبني أبداً! \" .\rوحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص.\rسنة أربع وخمسين\rذكر عزل سعيد بن العاص عن المدينة واستعمال مروان في هذه السنة عزل معاوية سعيد بن العاص عن المدينة، واستعمل مروان بن الحكم.\rوكان سبب ذلك أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص أن يهدم دار مروان، ويقبض أمواله كلها فيجعلها صافية ويقبض منه فدك، وكان وهبها له، فراجعه سعيد في ذلك، فأعاد معاوية الكتاب بذلك، فلم يفعل سعيد، ووضع الكتابين عنده، فعزله معاوية وولى مروان، وكتب إليه يأمره بقبض أموال سعيد وهدم داره فأخذ الفعلة وسار إلى دار سعيد ليهدمها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك أتهدم داري؟ قال: نعم كتب إلي أمير المؤمنين ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت. فقال: ما كنت لأفعل: قال: بلى والله قال: كلا. وقال سعيد لغلامه: ائتني بكتابي معاوية، فجاء بالكتابين، فلما رآهما مروان قال: كتب إليك فلم تفعل، ولم تعلمني! فقال سعيد: ما كنت لأمن عليك وإنما أراد معاوية ليحرض بيننا! فقال مروان: والله أنت خير مني! ولم يهدم داره.","part":5,"page":416},{"id":2417,"text":"وكتب سعيد إلى معاوية: \" العجب لما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا، إنه يضغن بعضنا على بعض، فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأخبثين وعفوه، وإدخاله القطعة بيننا والشحناء، وتوارث الأولاد ذلك، فوالله لو لم نكن بني أب واحد إلا لما جمعنا الله عليه من نصرة الخليفة المظلوم، وباجتماع كلمتنا لكان حقاً عليك أن ترعى ذلك! \" فكتب إليه معاوية يعتذر من ذلك ويتنصل، وأنه عائد إلى أحسن ما يعهده.\rوقدم سعيد على معاوية فسأله عن مروان فأثنى عليه خيراً.\rوفي هذه السنة عزل معاوية سمرة بن جندب عن البصرة، واستعمل عليها عبد الله بن عمرو بن غيلان ستة أشهر.\rاستعمال عبيد الله بن زياد على خراسان\rومسيره إلى جبال بخارى وفي هذه السنة استعمل معاوية عبيد الله بن زياد على خراسان وسبب ذلك أنه قدم عليه بعد وفاة أبيه، فسأله معاوية عن عمال أبيه، فأخبره بهم، فقال: لو استعملك أبوك لاستعملتك. فقال عبيد الله: أنشدك الله أن يقولها لي أحد بعدك \" لو استعملك أبوك وعمك استعملتك \" . فولاه خراسان وكان عمره خمساً وعشرين سنة.\rفسار إليها، وقطع النهر إلى جبال بخارى على الإبل، فكان أول من قطع جبال بخارى في جيش، ففتح رامني ونسف وبيكند، وهي من بخارى، ومن ثم أصاب البخارية وغنم منهم غنائم كثيرة، ولما لقي الترك وهزمهم، كان مع ملكهم زوجته، فأعجلوها عن لبس خفيها، فلبست أحدهما وبقي الآخر، فأخذه المسلمون فقوم بمائتي ألف درهم. وظهر منه بأس شديد.\rوحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وكان على المدينة وكان على الكوفة عبد الله بن خالد، وقيل: الضحاك بن قيس وعلى البصرة عبد الله بن عمرو بن غيلان، والله أعلم.\rسنة خمس وخمسين\rذكر ولاية عبيد الله بن زياد على البصرة في هذه السنة عزل معاوية عبد الله بن عمرو بن غيلان عن البصرة، وولاها عبيد الله بن زياد.\rوسبب ذلك أن عبد الله خطب على منبر البصرة، فحصبه رجل من بني ضبه، فقطع يده، فأتاه بنو ضبة وقالوا: \" إن صاحبنا جنى ما جنى وقد عاقبته، ولا نأمن أن يبلغ خبره أمير المؤمنين فيعاقب عقوبة تعم، فاكتب لنا كتاباً إلى أمير المؤمنين، يخرج به أحدنا إليه، تخبره أنك قطعته على شبهة وأمر لم يصح \" فكتب لهم، فلما كان رأس السنة توجه عبد الله إلى معاوية، ووافاه الضبيون بالكتاب، وادعوا أنه قطع صاحبهم ظلماً، فلما رأى معاوية الكتاب قال: \" أما القود من عمالي فلا سبيل إليه، ولكني أدي صاحبكم من بيت المال \" . وعزل عبد الله عن البصرة، واستعمل ابن زياد عليها، فولى ابن زياد علة خراسان أسلم بن زرعة الكلابي.\rوفيها عزل معاوية عبد الله بن خالد عن الكوفة، وولاها الضحاك بن قيس، وقيل: كان قبل ذلك كما تقدم.\rوحج بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم وهو أمير المدينة.\rسنة ست وخمسين\rذكر البيعة ليزيد بن معاوية بولاية العهد في هذه السنة بايع الناس يزيد بن معاوية لولاية العهد، قال: وكان ابتداء ذلك وأوله أن معاوية لما أراد أن يعزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة، ويستعمل سعيد بن العاص عليها، فبلغه ذلك، فشخص إلى معاوية ليستعفيه حتى تظهر للناس كراهيته للولاية، فجاء إلى يزيد وقال له: \" إنه قد ذهب أعيان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكبراء قريش، وإنما بقي أبناؤهم، وأنت من أفضلهم، وأحسنهم رأياً، وأعلمهم بالسياسة، وإني لا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقل لك البيعة \" .\rقال: أوترى ذلك يتم؟ قال: نعم فدخل يزيد على أبيه وأخبره بما قال المغيرة، فلما حضر المغيرة عند معاوية قال له معاوية: ما يقول يزيد؟ فقال: \" يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء، والاختلاف بعد عثمان، وفي يزيد منك خلف، فاعقد له البيعة، فإن حدث بك حدث كان كهفاً للناس، ولا تسفك الدماء ولا تكون فتنة، قال: ومن لي بهذا؟ قال: \" أنا أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة وليس بعد هذين المصرين من يخالفك \" . قال: \" فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه في ذلك وترى ونرى \" .\rفودعه ورجع إلى أصحابه فقال: لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.","part":5,"page":417},{"id":2418,"text":"ورجع المغيرة، فلما قدم الكوفة ذاكر من يثق إليه من شيعة معاوية فأجابوا إلى بيعته، فأوفد منهم عشرة، ويقال أكثر، وأعطاهم ثلاثين ألف درهم، وجعل عليهم ابنه موسى، فقدموا على معاوية وزينوا له بيعة يزيد، ودعوه إلى عقدها، فقال: لا تعجلوا بإظهار هذا وكونوا على رأيكم، ثم قال لموسى، بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال: بثلاثين ألفاً، فقال: لقد هان عليهم دينهم.\rوقيل: أرسل أربعين، وجعل عليهم ابنه عروة بن المغيرة، فلما دخلوا على معاوية قاموا خطباء فقالوا: إنما أشخصنا إليك النظر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقالوا: \" يا أمير المؤمنين، كبرت سنك، وخفنا انتشار الحبل، فانصب لنا علماً وحد لنا حداً ننهي إليه \" . فقال: أشيروا علي. فقالوا: نشير بيزيد بن أمير المؤمنين، فقال: أوقد رضيتموه؟ قالوا: نعم. قال: وذاك رأيكم؟ قالوا: نعم ورأي من ورائنا. فقال معاوية لعروة سراً عنهم: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال: بأربعمائة دينار. قال: لقد وجد دينهم عندهم رخيصاً، وقال لهم: \" ننظر ما قدمتم له، ويقضي الله تعالى ما أراد، والأناة خير من العجلة \" . فرجعوا وقد قوي عزم معاوية على البيعة ليزيد.\r؟مراسلاته في شأن البيعة\rوما دار بين زياد وبين عبيد بن كعب النميري من الرأي وما اتفقا عليه قال: ولما قوي عزم معاوية على البيعة ليزيد، كتب إلى زياد بن أبيه يستشيره، وزياد إذ ذاك يلي البصرة، فلما ورد عليه كتاب معاوية أحضر عبيد بن كعب النميري وقال له: \" إن لكل مستشير ثقة، ولكل سر مستودع، وإن الناس قد أبع بهم خصلتان: إذاعة السر وإخراج النصيحة إلى غير أهلها، وليس موضع السر إلا أحد رجلين: رجل آخرة يرجو ثواباً، ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه، وقد خبرتهما منك، وقد دعوتك إلى أمر أبهمت عليه بطون الصحف، إن أمير المؤمنين كتب إلي يستشيرني في كذا وكذا، وإنه يتخوف نفرة الناس ويرجو طاعته، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسلة وتهاون، مع ما قد أولع به من حب الصيد فالق أمير المؤمنين وأد إليه عني فعلات يزيد، وقل له رويدك بالأمر وأحرى أن يتم لك، ولا تعجل فإن دركاً في تأخير خير من فوت في عجلة \" . فقال له عبيد: أفلا غير هذا؟ قال: وما هو؟ قال: \" لا تفسد على معاوية رأيه، ولا تبغض إليه ابنه، وألقى أنا يزيد وأخبره أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في البيعة له، وأنك تتخوف خلاف الناس، لهنات ينقمونها عليه، وأنك ترى له ترك ما ينقم عليه، لتستحكم له الحجة على الناس ويتم ما تريد، فتكون قد نصحت أمير المؤمنين، وسلمت مما يخاف من أمر الناس \" . فقال زياد: \" لقد رميت الأمر بحجره! اشخص على بركة الله، فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ فغير مستغش، ونقول ما ترى ويقضي الله بغيب ما يعلم \" .\rفقدم عبيد على يزيد، فذكر ذلك له، فكف عن كثير مما كان يصنع.\rوكب زياد إلى معاوية يشير عليه بالتؤدة وألا يعجل. فتأخر الأمر حتى مات زياد ثم عزم معاوية على البيعة.\rإرسال معاوية إلى مروان بن الحكم وأمر البيعة\rوإنكار أهل المدينة ذلك وما وقع بسببه قال: ولما عزم معاوية على البيعة ليزيد أرسل إلى عبد الله بن عمر بمئة ألف درهم، فقبلها، فلما ذكر البيعة ليزيد قال ابن عمر رضي الله عنه: \" هذا أراد؟ إن ديني إذاً عندي لرخيص! \" وامتنع. ثم كتب معاوية بعد ذلك إلى مروان بن الحكم، وهو على المدينة يومئذ، يقول: \" إني قد كبرت سني، ورق عظمي، وخشيت الاختلاف على الأمة بعدي، وقد رأيت أن أتخير لهم من يقوم بعدي، وكرهت أن أقطع أمراً دون مشورة من عندك، فاعرض ذلك عليهم، وأعلمني بالذي يردون عليك \" .\rفقام مروان في الناس وأخبرهم، فقال الناس: أصاب ووفق، وقد أحببنا أن يتخير لنا فلا يألو. فكتب مروان إلى معاوية بذلك، فأعاد عليه الجواب بذكر يزيد، فقام مروان في الناس فقال: إن أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يأل، وقد استخلف ابنه يزيد بعده.","part":5,"page":418},{"id":2419,"text":"فقام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما فقال: \" كذبت والله يا مروان، وكذب معاوية، ما الخيار أردتما لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنكم أردتم أن تجعلوها هرقلية، كلما مات هرقل قام هرقل! \" . فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه : \" والذي قال لوالديه أف لكما \" الآية. فسمعت عائشة رضي الله عنها مقالته، فقامت من وراء الحجاب وقالت: يا مروان! فأنصت الناس وأقبل مروان بوجهه، فقالت: \" إن القائل لعبد الرحمن إنه نزل فيه القرآن كذب، والله ما هو فيه، ولكنه فلان بن فلان، ولكنك أنت فضض من لعنة نبي الله صلى الله عليه وسلم \" .\rوقام الحسين بن علي رضي الله عنهما فأنكر ذلك، وفعل مثله عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير.\rفكتب مروان إلى معاوية بذلك، فأوجب ذلك مسيره إلى الحجاز بعد أن أخذ بيعة أهل العراق والشام!.\rمن وفد إلى معاوية من أهل الأمصار\rفي شأن البيعة. وما تكلم به بعضهم وبيعة أهل العراق والشام ليزيد قال: وكان معاوية قد كتب إلى عماله بتقريظ يزيد ووصفه، وأن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار، فكان فيمن أتاه محمد بن عمرو بن حزم من المدينة، والأحنف بن قيس في وفد أهل البصرة، فقال محمد بن عمرو لمعاوية: إن كل راع مسئول عن رعيته فانظر من تولى أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فأخذ معاوية يهتز حتى جعل يتنفس في يومٍ شاتٍ، ثم وصله وصرفه.\rوأمر معاوية الأحنف بن قيس أن يدخل على يزيد فدخل عليه، فلما خرج من عنده قال له: كيف رأيت ابن أخيك؟ قال: رأيت شباباً ونشاطاً وجلداً ومزاحاً.\rثم إن معاوية قال للضحاك بن قيس الفهري لما اجتمع الوفود عنده: إني متكلم فإذا سكت فكن أنت الذي تدعو إلى بيعة يزيد وتحثني عليها، فلما جلس معاوية للناس تكلم فعظم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقها، وما أمر الله تعالى به من طاعة ولاة الأمر، ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة، وعرض ببيعته.\rفعارضه الضحاك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \" يا أمير المؤمنين، إنه لابد للناس من وال بعدك وقد بلونا الجماعة والألفة فوجدناهما أحقن للدماء، وأصلح للدهماء، وآمن للسبيل، وخيراً في العافية، والأيام عوج رواجع، والله كل يوم في شأن، ويزيد بن أمير المؤمنين في حسن هديه وقصد سيرته على ما علمت، وهو من أفضلنا علماً وحلما، وأبعدنا رأيا، فوله عهدك، واجعله لنا علماً بعدك، ومفزعاً نلجأ إليه ونسكن إلى ظله \" . وتكلم عمرو ابن سعيد الأشدق بنحو من ذلك.\rثم قام يزيد بن المقنع العذري فقال: هذا أمير المؤمنين - وأشار إلى معاوية - فغن هلك فهذا - وأشار إلى يزيد - ومن أبى فهذا - وأشار إلى سيفه - فقال معاوية: اجلس فأنت سيد الخطباء.\rوتكلم من حضر من الوفود، فقال معاوية للأحنف: ما تقول يا أبا بحر؟ فقال: \" نخافكم إن صدقنا، ونخاف الله إن كذبنا، وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره، وسره وعلانيته ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله تعالى ولهذه الأمة رضىً فلا تشاور فيه، وإن كنت تعلم منه غير ذلك فلا تزوده الدنيا، وأنت صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا \" . وقام رجل من أهل الشام فقال: \" ما ندري ما تقول هذه المعدية العراقية، وإنما عندنا سمع وطاعة وضرب وازدلاف.\rفافترق الناس يحكون قول الأحنف.\rقال: وكان معاوية يعطي المقارب، ويداري المباعد ويلطف به، حتى استوثق له أكثر الناس، وبايعوه، فلما بايعه أهل العراق والشام سار إلى الحجاز.\rمسير معاوية إلى الحجاز\rوكيف أخذ البيعة ليزيد على أهل الحجاز قال: وفي هذه السنة اعتمر معاوية في شهر رجب، وسار إلى الحجاز في ألف فارس، فلما دنا من المدينة لقيه الحسن بن علي رضي الله عنهما أول الناس، فلما نظر إليه معاوية قال: \" لا مرحباً ولا أهلا! بدنةٌ يترقرق دمها والله مهريقه! \" قال: مهلاً فإني لست بأهل لهذه المقالة. قال بلى ولشر منها.\rثم لقيه عبد الله بن الزبير فقال له: \" لا مرحباً ولا أهلا! خب ضب، تلعة يدخل رأسه فيضرب بذنبه، ويوشك والله أن يؤخذ بذنبه ويدق ظهره، نحياه عني \" فضرب وجه راحلته.\rثم لقيه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فقال له معاوية: \" لا مرحباً ولا أهلا! شيخ قد خرف وذهب عقله \" ثم أمر بضرب وجه راحلته: ثم فعل بابن عمر نحو ذلك.","part":5,"page":419},{"id":2420,"text":"فأقبلوا معه لا يتلفت إليهم حتى دخل المدينة، فحضروا بابه فلم يؤذن لهم على منازلهم، ولم يروا منه ما يحبون، فخرجوا إلى مكة، فأقاموا بها.\rوخطب معاوية بالمدينة، فذكر يزيد فمدحه، وقال: \" من أحق منه بالخلافة في فضله وعقله؟ وموضعه؟ وما أظن قوما بمنتهين حتى يصيبهم بوائق تجتث أصولهم، ولقد أنذرت إن أغنت النذر \" ثم أنشأ متمثلا:\rقد كنت حذّرتك آل المصطلق ... وقلت يا عمرو أطعني وانطلق\rإنك إن كلّفتني ما لم أطق ... ساءك ما سرّك منّي من خلق\rدونك ما استسقيته ... فاحس وذق\rثم دخل على عائشة رضي الله عنها وقد بلغها أنه ذكر الحسين وأصحابه، فقال: \" لأقتلنهم إن لم يبايعوا \" فشكاهم إليها، فوعظته عائشة وقالت: بلغني أنك تهددهم بالقتل، فقال: \" يا أم المؤمنين، هم أعز من ذلك، ولكني بايعت ليزيد، وبايعه غيرهم، أفترين أن أنقض قد تمت؟ \" . قالت: فارفق بهم فإنهم يصيرون إلى ما تحب إن شاء الله. قال: أفعل. وكان في قولها له: ما يؤمنك أن أقعد لك رجلاً يقتلك وقد فعلت بأخي ما فعلت؟ تعني محمداً فقال لها: كلا يا أم المؤمنين إني في بيت أمن. قالت: أجل.\rومكث معاوية بالمدينة ما شاء الله، ثم خرج إلى مكة، فلقيه الناس، فقال أولئك النفر: نتلقاه لعله قد ندم على ما كان منه، فلقوه في بطن مرّ، فكان أول من لقيه الحسين رضي الله عنه، فقال له معاوية: مرحباً وأهلاً بابن رسول الله وسيد شباب المسلمين. وأمر له بدابة وركب وسايره، ثم فعل بالباقين مثل ذلك، وأقبل يسايرهم ولا يسير معه غيرهم حتى دخل مكة، فكانوا أول داخل عليه وآخر خارج، ولا يمضي يوم إلا ولهم منه صلة، ولا يذكر لهم شيئاً، حتى قضى نسكه وحمل أثقاله وقرب مسيره، فقال بعضهم لبعض: \" لا تخدعوا فما صنع هذا لحبكم، وما صنعه إلا لما يريد أن يفعل، فأعدوا له جواباً \" فاتفقوا على أن يكون المخاطب له عبد الله ابن الزبير.\rفأحضرهم معاوية وقال: \" قد علمتم سيرتي فيكم، وصلتي لأرحامكم وحملي ما كان منكم، ويزيد أخوكم وابن عمكم، وأردت أن تقدموه باسم الخلافة، وتكونوا أنتم تولون وتعزلون وتؤمرون، وتجبون المال وتقسمونه، ولا يعارضكم في شيء م ذلك \" . فسكتوا، فقال: ألا تجيبون؟ مرتين.\rثم أقبل على عبد الله بن الزبير ثم قال: هات فلعمري إنك خطيبهم. قال: نعم، نخيرك بين ثلاث خصال. قال: اعرضهن. قال: تصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كما صنع أبو بكر، أو كما صنع عمر رضي الله عنهما، قال معاوية: ما صنعوا؟ قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستخلف أحدا، فارتضى الناس أبا بكر. قال: ليس فيكم مثل أبي بكر وأخاف الاختلاف. قالوا: \" صدقت فاصنع كما صنع أبو بكر، فإنه عمد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني تميم فاستخلفه، أو كما صنع عمر، جعل الأمر شورى في ستة نفر، ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه \" . قال معاوية: هل عندك غير هذا؟ قال: لا، قال: فأنتم؟ قالوا: قولنا قوله. قال: \" فإني أحببت أن أتقدم إليكم، إنه قد أعذر من أنذر، إني كنت أخطب، فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح، وإني قائم لمقالة فأقسم بالله لئن رد علي أحدٌ منكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمةٌ غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقين رجل إلا على نفسه! \" .\rثم دعا صاحب حرسه حضرتهم فقال له: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين، ومع كل واحد سيف، فإن ذهب رجل منهم يرد عليّ كلمةً بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفيهما.\rثم خرج وخرجوا معه حتى رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \" إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا يبرم أمر دونهم ولا يقضى إلا عن مشورتهم، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد، فبايعوا على اسم الله \" . فبايع الناس وكانوا يتربصون بيعة هؤلاء النفر، ثم ركب معاوية رواحله وانصرف إلى المدينة.\rفلقى الناس أولئك النفر فقالوا لهم: زعمتم أنكم لا تبايعون فلما أرضيتم وأعطيتم بايعتم! قالوا: والله ما فعلنا. قالوا: فما منعكم أن تردوا على الرجل؟ قالوا: كادنا وخفنا القتل.","part":5,"page":420},{"id":2421,"text":"وبايعه أهل المدينة، ثم انصرف إلى الشام، وجفا بني هاشم، فأتاه ابن عباس فقال له: ما بالك جفوتنا؟ قال: إن صاحبكم لم يبايع ليزيد فلم تنكروا ذلك عليه. فقال: \" يا معاوية، إني لخليق أن أنحاز إلى بعض السواحل، فأقيم، ثم أنطلق بما تعلم حتى أدع الناس كلهم خوارج عليك \" . قال يا أبا العباس تعطون وترضون وترادون!.\rوقيل: إن ابن عمر قال لمعاوية: \" أبايعك على أني داخل فيما تجتمع عليه الأمة، فوالله لو اجتمعت على حبشي لدخلت معها \" . ثم عاد إلى منزله، فأغلق بابه، فلم يأذن لأحد.\rوقد ذكرنا وفاة عبد الرحمن بن أبي بكر في سنة ثلاث وخمسين، والمشهور أنه كان في هذه الحادثة باق، وقد ورد خبره مع مروان ابن الحكم وما قالته عائشة رضي الله عنها في الصحيح.\rاستعمال سعيد بن عثمان\rبن عفان على خراسان وغزوه في هذه السنة استعمل معاوية سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان وعزل ابن زياد عنها، وكان سبب ذلك أنه سأل معاوية أن يستعمله على خراسان، فقال: إن بها عبيد الله بن زياد. فقال: \" والله لقد اصطنعك أبي حتى بلغت باصطناعه المدى الذي لا تجارى إليه ولا تسامى، فما شكرت بلاءه ولا جازيته بآلائه، وقدمت على هذا - يعني يزيد - وبايعت له، والله لأنا خيرٌ أباً وأماً ونفسا! \" فقال معاوية: أما بلاء أبيك فقد يحق على الجزاء به، وقد كان من شكري لذلك أني قد طلبت بدمه، وأما فضل أبيك على أبيه فهو والله خيرٌ مني، وأما فضل أمك على أمه فلعمري امرأة من قريش خير من امرأة من كلب، وأما فضلك عليه فوالله ما أحب أن الغوطة ملئت به رجالاً مثلك! \" فقال له يزيد: \" يا أمير المؤمنين، ابن عمك، وأنت أحق من نظر في أمره، قد عتب عليك فأعتبه \" . فولاه حرب خراسان، وولى إسحاق ابن طلحة خراجها، فمات إسحاق بالري فولى سعيد حربها وخراجها.\rفلما قدم خراسان قطع النهر إلى سمرقند، فخرج إليه أهل الصغد، فتواقفوا يوماً إلى الليل ولم يقتتلوا، ثم اقتتلوا من الغد، فهزمهم سعيد، وحصرهم في مدينتهم، فصالحوه وأعطوه رهناً منهم خمسين غلاماً من أبناء عظمائهم، فسار إلى الترمذ ففتحها صلحاً، ولم يف لأهل سمرقند، وجاء بالغلمان معه إلى المدينة.\rوفي هذه العزوة قتل قثم بن العباس بن عبد المطلب.\rوحج في الناس في هذه السنة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.\rسنة سبع وأربعين\rفي هذه السنة عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة، واستعمل الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. وقيل: لم يعزل مروان في هذه السنة.\rوحج بالناس الوليد بن عتبة.\rسنة ثمان وأربعين\rفي هذه السنة توفيت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وتوفي عميرة بن يثربي قاضي البصرة، فاستقضى مكانه هشام بن هبيرة.\rوحج بالناس الوليد بن عتبة.\rعزل الضحاك عن الكوفة\rواستعمال عبد الرحمن بن أم الحكم وطرده عنها واستعماله على مصر وطرده عنها أيضاً في هذه السنة عزل معاوية الضحاك بن قيس عن الكوفة، واستعمل عليها عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي، وهو ابن أم الحكم، وأم الحكم أخت معاوية، فخرج الخوارج بالكوفة في ولايته على ما قدمناه من خبرهم.\rثم طرد أهل الكوفة عبد الرحمن لسوء سيرته، فلحق بخاله معاوية، فولاه مصر، فاستقبله معاوية بن حديج على مرحلتين من مصر، فقال له: ارجع إلى خالك فلعمري لا تسير فينا سيرتك في إخواننا من أهل الكوفة، فرجع.\rثم وفد معاوية بن حديج إلى معاوية، وكان إذا قدم زينت له الطرق بقباب الريحان تعظيماً لشأنه، فدخل على معاوية وعنده أخته أم الحكم فقالت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: \" بخ بخٍ! هذا معاوية بن حديج! \" فقالت: \" لا مرحبا! تسمع بالمعيدي خير من أن تراه \" . فسمعها ابن حديج، فقال: \" على رسلك يا أم الحكم، والله لقد تزوجت فما أكرمت، وولدت فما أنجبت، أردت أن يلي ابنك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا من أهل الكوفة، ما كان الله ليريه ذلك، ولو فعل لضربناه ضرباً يطأطىء منه ولو كره هذا القاعد! \" يعني معاوية، فالتفت إليها معاوية فقال: كفى. فكفت.\rسنة تسع وخمسين\rفي هذه السنة استعمل معاوية النعمان بن بشير الأنصاري على الكوفة، بعد ابن أم الحكم.","part":5,"page":421},{"id":2422,"text":"واستعمل معاوية عبد الرحمن بن زياد على خراسان فبقي عليها إلى أن قتل الحسين، ثم قدم على يزيد ومعه عشرون ألف ألف درهم، فقال له يزيد: \" إن شئت حاسبناك وأخذنا ما معك ورددناك إلى خمسمائة ألف درهم \" قال بل تعطيني ما معي وتعزلني. ففعل، وأرسل عبد الرحمن إلى ابن جعفر بألف ألف، وقال: هذه خمسمائة ألف من يزيد وخمسمائة ألف مني.\rعزل عبيد الله بن زياد\rعن البصرة وعوده إليها وفي هذه السنة عزل معاوية عبيد الله بن زياد عن البصرة وأعاده إليها ولم يول غيره.\rوسبب ذلك أن ابن زياد وفد على معاوية في وجوه أهل البصرة وفيهم الأحنف بن قيس، وكان ابن زياد لا يكرمه، فلما دخلوا على معاوية رحب بالأحنف وأجلسه معه على سريره، فأحسن الوفد الثناء على عبيد الله بن زياد والأحنف ساكت، فقال له معاوية: ما بالك يا أبا بحر لا تتكلم؟ فقال: إن تكلمت خالفت القوم. فقال معاوية: انهضوا، عزلته عنكم واطلبوا والياً ترضونه، فلم يبق من القوم رجل إلا أتى رجلاً من بني أمية أو من أهل الشام، والأحنف لم يبرح من منزله ولم يأت أحداً، فلبثوا أياماً، ثم جمعهم معاوية، وقال لهم: من اخترتم فاختلفت كلمتهم، والأحنف ساكت، فقال: مالك لا تتكلم؟ فقال: \" إن وليت علينا أحداً من أهل بيتك لم نعدل بعبيد الله أحدا، وإن وليت غيرهم فانظر في ذلك \" . فرده معاوية عليهم، وأوصاه بالأحنف وقبح رأيه في مباعدته.\rوحج بالناسفي هذه السنة عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وفيها توفي سعيد بن العاص.\rسنة ستين\rذكر وفاة معاوية بن أبي سفيان وما أوصى به عند وفاته كانت وفاته بدمشق في شهر رجب من هذه السنة، قيل: في مستهله، وقيل: في النصف منه، وقيل: لأربع بقين منه، وقيل: في يوم الخميس لثمانٍ بقين من شهر رجب سنة تسع وخمسين قال: وكان معاوية قد خطب الناس قبل موته فقال: \" إني لزرع مستحصد وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني، وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي، لن يأتيكم بعدي إلا من أنا خير منه، كما أن من كان قبلي كان خيراً مني، وقد قيل: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، اللهم إني أحببت لقاءك فأحبب لقائي وبارك لي فيه \" . فلم يمض غير قليل حتى ابتدأ به مرضه الذي مات فيه.\rقال ولما مرض دعا ابنه يزيد وقال: \" يا بني إني قد كفيتك الشد والترحال، ووطأت لك الأمور، وذللت الأعداء، وأخضعت، لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد، فانظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب وانظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل، فإن عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام، فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن رابك من عدوك شيء فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغيرها تغيرت أخلاقهم، وإني لست أخاف عليك أن ينازعك هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش: الحسن بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فأما ابن عمر فرجل قد وقذته العبادة، فإذا لم يبق أحد غيره بايعك، وأما الحسين فإنه رجل خفيف، ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه، فإن خرج فظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحماً ماسة وحقاً عظيماً وقرابة من محمد صلى الله عليه وسلم، وأما ابن أبي بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثله ليست له همة إلا في النساء واللهو، وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك مراوغة الثعلب، فإن أمكنته فرصة وثب، فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فظفرت به فقطعه إرباً إرباً، واحقن دماء قومك ما استطعت \" . هكذا في هذه الرواية ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر، والصحيح أنه مات قبل معاوية.\rوقيل إن يزيد كان غائباً في مرض أبيه وموته، وأن معاوية أحضر الضحاك بن قيس ومسلم بن عقبة المري وأمرهما أن يؤديا عنه هذه الرسالة إلى يزيد ابنه. وصححه ابن الأثير.\rقيل: ولما اشتدت علته وأرجف به قال لأهله: احشوا عيني إثمداً وادهنو رأسي، ففعلوا وبرقوا وجهه، ثم مهد له مجلس وأذن للناس، فدخلوا وسلموا قياماً ولم يجلس أحد، فلما خرجوا تمثل بقول الأول وهو الهذلي:\rوتجلّدي للشّامتين أريهمو ... أنّي لريب الدهو لا أتضعضع\rوإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمة لا تنفع\rومات في يومه.","part":5,"page":422},{"id":2423,"text":"وكان يتمثل - وقد احتضر - :\rفهل من خالد إمّا هلكنا؟ ... وهل بالموت للنّاس عار؟\rوروى محمد بن عبد الله بن الحكم قال: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: لما ثقل معاوية كان يزيد غائباً، فكتب إليه بحاله فلما أتاه الرسول أنشأ يقول:\rجاء البريد بقرطاسٍ يخبّ به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعا\rقلنا: لك الويل! ماذا في صحيفتكم ... قال: الخليفة أمسى مثبتاً وجعا\rفمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأنّ ثهلان من أركانه انقلعا\rأودى ابن هند وأودى المجد يتبعه ... كانا جميعا وظلاّ يسريان معا\rلا يرفع الناس ما أوهى وإن جهدوا ... أن يرفعوه، ولا يوهون ما رفعا\rأغرّ أبلج يستسقى الغمام به ... لو قارع الناس عن أحلامهم قرعا\rوالبيتان الأخيران للأعشى.\rقال: فلما وصل إليه وجده مغموراً فأنشأ يقول:\rلو عاش حيٌّ إذاً لعاش إما ... م الناس لا عاجزٌ ولا وكل\rالحوّل القلّب الأريب ولن ... يدفع ريب المنية الحيل\rقال فأفاق معاوية وقال: يا بني إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج لحاجته، فاتبعته بإدواة، فكساني أحد ثوبيه الذي يلي جلده، فخبأته لهذا اليوم، وأخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام من أظافره وشعره ذات يوم، فأخذته وخبأته لهذا اليوم، فإذا أنا مت فاجعل ذلك القميص دون كفني مما يلي جلدي، وخذ ذلك الشعر والأظافر فاجعله في فمي وعلى عيني ومواضع السجود مني، فإن نفع شيء فذاك، وإلا فإن الله غفور رحيم.\rوهذه الرواية تدل على أن يزيد أدركه قبل وفاته، وقد قيل: إنه أوصى فيها غير يزيد والله أعلم.\rقال ابن الأثير: وتمثل معاوية عند موته بشعر الأشهب بن زميلة النهشلي:\rإذا متّ مات الجود وانقطع النّدى ... من الناس إلاّ من قليلٍ مصرّد\rوردّت أكفّ السائلين وأمسكوا ... من الدّين والدنيا بخلف مجدّد\rفقالت إحدى بناته: كلاّ يا أمير المؤمنين بل يدفع الله عنك.\rفقال متمثلاً: وإذا المنية أنشبت أظفارها \" البيت \" وقال لأهله: اتقوا الله فإنه لا واقي لمن لا يتقي الله! ثم قضى.\rوأوصى أن يرد نصف ماله إلى بيت المال.\rوأنشد لما حضرته الوفاة:\rإن تناقش يكن نقاشك يا ربّ ... ب عذاباً، ولا طوق لي بالعذاب\rأو تجاوز فأنت رب صفوحٌ ... عن مسيءٍ ذنوبه كالتراب\rقال: ولمّا مات خرج الضحاك بن قيس حتى صعد المنبر، وأكفان معاوية على يديه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \" إنّ معاوية كان عود العرب، وحد العرب، وجد العرب، قطع الله به الفتنة، وملكه على العباد، وفتح به البلاد، ألا إنه قد مات، وهذه أكفانه ونحن مدرجوه فيها، ومدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين عمله، ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة! فمن كان يريد أن يشهده فعند الأولى \" . قال: وصلى عليه الضحاك لغيبة يزيد، وكان بحوارين فقدم بعد دفنه فصلى على قبره.\rوكان ملكه تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وأياماً تقريباً منذ خلص له الأمر.\rوكان عمره خمساً وسبعين سنة، وقيل: ثلاث وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، وقيل توفي وهو ابن خمس وثمانين سنة.\rوكان أول من اتخذ الخدام الملازمة في الإسلام. وأول من علق الستور واتخذ الحرس وأرباب الشرط. واستخدم الحجاب وركب الهماليج، وقيدت بين يديه الجنائب ولبس الخز والوشي الخفيف، وعمل الطراز بمصر واليمن والرهاو الإسكندرية.\rوأول من قتل مسلما صبرا، قتل حجر بن عدي وأصحابه كما تقدم.\rوهو أول من اقتنى الضياع، وأحدث في أيامه ديوان الخاتم، وكان سبب ذلك أنه أمر لعمرو بن الزبير بمائة ألف درهم، وكتب له بها على زياد، فصير عمرو المائة مائتين، فلما رفع حساب زياد أنكرها معاوية، وأخذ عمراً بردها، فوفاها عنه أخوه عبد الله. ثم أمر معاوية بختم الكتب وحزمها.\rوزاد في منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعله ثماني درجات، وأول من جعل درجات المنبر خمس عشرة مرقاة، واتخذ المقصورة في المسجد.\rوأول خليفة بايع لابنه، وأول من وضع البريد، وأول من سمى الغالية التي يطيب بها \" غالية \" .\rوكان يقول: أنا أول الملوك.\rشيء من سيرته وأخباره","part":5,"page":423},{"id":2424,"text":"كان يضرب بحلم معاوية المثل، ولم يعرف له زلة تنافي الحلم إلا قتل حجر ابن عدي وأصحابه.\rوقد نقل من كلامه ألفاظ، منها أنه قال: إنني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهلٌ أكثر من حلمي، وعورةٌ لا أواريها بستري، أو إساءة أكثر من إحساني.\rوقال: العقل والحلم أفضل ما أعطي العبد، فإذا ذكر ذكر، وإذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا أساء استغفر، وإذا وعد أنجز.\rقال عبد الله بن عمير: أغلظ رجل لمعاوية، فأكثر، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: إني لا أحول بين الناس وألسنتهم. ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا.\rوروى ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن قال: أخبرنا المسور ابن مخرمة أنه وفد على معاوية، قال: فلما دخلت عليه سلمت، فقال: ما فعل طعنك على الأمة يا مسور؟ قلت: دعنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له، قال: والله لتكلمني يذات نفسك. قال فلم أدع شيئاً أعيبه إلا أخبرته به. فقال: \" لا أبرأ من الذنوب! أفمالك يا مسور ذنوب تخاف أن تهلك إن لم يغفرها الله لك؟ فوالله لما أنا ألي من الإصلاح بين الناس وإقامة الحدود والجهاد في سبيل الله والأمور العظام التي ليست أحصيها ولا تحصيها أكثر مما تلي. وإني لعلي دين يتقبل الله فيه الحسنات ويعفو عن السيئات، ووالله لعلي ذلك ما كنت لأخير بين الله وبين ما سواه إلا اخترت الله على ما سواه.\rقال المسور: ففكرت حين قال ما قال فعرفت أنه خصمني! قال: فكان إذا ذكر بعد ذلك دعا له بخير. قال أبو عمر: هذا الخبر من أصح ما يروى عن ابن شهاب.\rوقد نسب معاوية إلى بخلٍ مع كثرة عطاياه، فمن ذلك ما حكي أن عبيد الله بن أبي بكرة دخل على معاوية، ومعه ولد له، فأكثر من الأكل، فلحظه معاوية، وفطن عبيد الله، فأراد أن يغمز ابنه فلم يمكنه فلم يرفع رأسه حتى فرغ من أكله، ثم عاد عبيد الله وليس معه ابنه، فقال معاوية ما فعل ابنك التلقامة؟ قال: اشتكى.\rصفة معاوية وأولاده وأزواجه\rوكتابه وقضاته وحجابه وشرطه وعماله كان معاوية طويلاً أبيض اللون إذا ضحك تقلصت شفته العليا، وكان يخضب بالحناء والكتم.\rوأما نساؤه وولده: فمن نسائه ميسون ابنة بحدل بن أنيف الكلبية، وهي أم يزيد، وقيل، ولدت له بنتا اسمها \" أمة رب المشارق \" فماتت صغيرة.\rومنهن فاختة ابنة قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف، ولدت له عبد الرحمن وعبد الله، وكان عبد الحق أحمق، وعبد الرحمن مات صغيرا.\rومنهن نائلة ابنة عمارة الكلبية، تزوجها وقال لميسون: انظري إليها، فنظرت إليها وقالت: \" رأيتها جميلة، ولكني رأيت تحت سرتها خالاً، ليوضعن رأس زوجها في حجرها \" فطلقها معاوية، فتزوجها حبيب بن مسلمة الفهري، ثم خلف عليها بعده النعمان ابن بشير، فقتل ووضع رأسه في حجرها.\rومنهن كتوة ابنة قرظه، أخت فاختة، غزا قبرص وهي معه فماتت هناك.\rوأما كتابه فكان كاتبه وصاحب أمره سرجون الرومي، وكتب له عبيد الله بن أويس الغساني.\rوقضاته. كان على القضاء فضالة بن عبيد الأنصاري، فمات فاستقضى أبا إدريس الخولاني.\rوكان على ديوان الخاتم عبد الله بن محصن الحميري، ونقش خاتمه \" لكل عمل ثواب \" ، وقيل: كان نقشه \" لا حول ولا قوة إلا بالله \" .\rوحاجبه سعد مولاه، ثم صفوان مولاه.\rوكان على شرطته قيس بن حمزة الهمداني ثم عزله، واستعمل زمل ابن عمرو العذري، وقيل: السكسكي.\rوكان على حرسه رجل من الموالي يقال له الختار، وقيل: أبو المخارق مالك مولى حمير.\rوأما عماله فقد تقدم ذكرهم، وكان العمال عند وفاته: على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، على مكة عمرو بن سعيد الأشدق، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد، وعلى الكوفة النعمان بن بشير، وعلى خراسان عبد الرحمن بن زياد، وعلى سجستان عباد بن زياد، وعلى كرمان شريك بن الأعور، وعلى مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري، وكان القاضي بمصر سليمان بن عمير عشرين سنة.\rبيعة يزيد بن معاوية هو أبو خالد يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأمه ميسون بنت بحدل الكلبية.\rوهو الثاني من ملوك بني أمية، بويع له بعد وفاة أبيه في شهر رجب سنة ستين.","part":5,"page":424},{"id":2425,"text":"فكان أول ما بدأ به يزيد أن كتب إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وهو عامل المدينة، يخبره بموت معاوية، وكتابا آخر صغيراً فيه: \" أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذاً ليس فيه رخصةٌ حتى يبايعوا والسلام \" .\rفلما أتاه نعي معاوية استدعى مروان بن الحكم، وكان قبل ذلك قد صارمه وانقطع عنه، فلما جاءه وقرأ عليه الكتاب بموت معاوية استرجع وترحم عليه، واستشاره الوليد كيف يصنع، قال: \" أرى أن تدعوهم الساعة وتأمرهم بالبيعة، فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم، وإن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فإنهم إن علموا بموته وثب كل رجل بناحية، وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه، أما ابن عمر فلا يرى القتال، ولا يحب أن يلي على الناس إلا أن يدفع إليه هذا الأمر عفوا \" .\rإرسال الوليد الى الحسين\rبن علي وعبد الله بن الزبير، وما كان بينهم في أمر البيعة وخروجهما إلى مكة رضي الله عنهما قال وأرسل الوليد عبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو غلام حدث، إلى الحسين وابن الزبير يدعوهما، فوجدهما في المسجد، فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس، فقال: أجيبا الأمير فقالا: انصرف الآن نأتيه.\rفقال ابن الزبير للحسين: ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها؟ فقال الحسين رضي الله عنه: أظن طاغيتهم هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر. فقال: وأنا ما أظن غيره، فما تريد أن نصنع؟ قال الحسين: أجمع فتياني الساعة ثم أمشي إليه وأجلسهم على الباب وأدخل عليه. قال: فإني أخاف عليك إذا دخلت. قال: لا آتيه إلا وأنا قادر على الامتناع.\rفقام الحسين رضي الله عنه فجمع إليه أصحابه وأهل بيته، ثم أقبل إلى باب الوليد، وقال لأصحابه: \" إني داخل، فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلو علي بأجمعكم، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم \" .\rثم دخل فسلم ومروان عنده، فقال الحسين: \" الصلة خير من القطيعة، والصلح خير من الفساد، وقد آن لكما أن تجتمعا، أصلح الله ذات بينكما \" وجلس، فأقرأه الوليد الكتاب، ونعى إليه معاوية، ودعاه إلى البيعة، فاسترجع الحسين وترحم على معاوية، وقال: \" أما البيعة فغن مثلي لا يبايع سراً، ولا تجتزي بها مني سراً، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم إلى البيعة دعوتنا معهم فكان الأمر واحد \" فقال له الوليد - وكان يحب العافية - انصرف.\rفقال له مروان: \" لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أيدا حتى تكثر القتلى بينك وبينه، احبسه، فإن بايع وإلا ضربت عنقه \" . فوثب الحسين عند ذلك وقال: \" يا ابن الزرقاء أنت، تقتلني أو هو؟ كذبت والله ولؤمت! ثم خرج حتى أتى منزله.\rفقال مروان للوليد: عصيتني! لا والله لا يمكنك من نفسه بمثلها أبدا، فقال الوليد: \" ويح غيرك يا مروان!، والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسيناً إن قال لا أبايع! والله إني لأظن أمراً يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند الله يوم القيامة! \" قال مروان: قد أصبت بقولك هذا يقول وهو غير حامد له على رأيه.\rوأما ابن الزبير فإنه أتى داره وجمع أصحابه واحترز، فألح الوليد في طلبه وهو يقول \" أمهلوني \" . فبعث الوليد إليه مواليه فشتموه، وقالوا له: يا ابن الكاهلية لتأتين الأمير أو ليقتلنك فقال لهم: والله لقد استربت لكثرة الإرسال، فلا تعجلوني حتى أبعث إلى الأمير من يأتيني برأيه. فبعث أخاه جعفر بن الزبير فقال له: \" رحمك الله، كف عن عبد الله فإنك قد أفزعته وذعرته، وهو يأتيك غداً إن شاء الله تعالى، فمر رسلك فلينصرفوا عنا \" فبعث إليهم، فانصرفوا وخرج ابن الزبير من ليلته هو وأخوه جعفر ليس معهما ثالث فسارا نحو مكة فسرح الوليد الرجال في طلبه فلم يدركوه، فرجعوا، وتشاغلوا به عن الحسين يومهم.","part":5,"page":425},{"id":2426,"text":"ثم أرسل الوليد الرجال إلى الحسين فقال لهم: أصبحوا ثم ترون ونرى. فكفوا عنه، فسار من ليلته نحو مكة، وأخذ معه بنيه وإخوته وبني أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية فإنه قال للحسين رضي الله عنهما: \" يا أخي أنت أحب الناس إلي وأعزهم علي، ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك، تنح ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت، وابعث رسلك إلى الناس فادعوهم إلى نفسك فإن بايعوك حمدت الله على ذلك، وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ولا يذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف أن تأتي مصر وجماعةً من الناس فيختلفون عليك، فمنهم طائفة معك، وأخرى عليك، فيقتتلون، فتكون لأول الأسنة، فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا وأباً وأما، أضيعها دماً وأذلها أهلا! \" قال الحسين: فأين أذهب يا أخي؟ قال: \" انزل مكة، فغن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى أخرى، حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس، ويفرق لك الرأي، فإنك أصوب ما تكون رأياً وأخرمه عملا حين تستقبل الأمور استقبالاً، ولا تكون الأمور أبدا أشكل منها حين تستدبرها! \" قال: قد نصحت وأشفقت وأرجو أن يكون رأيك سديداً موفقاً إن شاء الله.\rثم دخل المسجد وهو يتمثل بقول يزيد بن مفرغ:\rلا ذعرت السّوام في شفق الصبح ... مغيرا ولا دعيت يزيدا\rيوم أعطي من المهابة ضيماً ... والمنايا يرصدنني أن أحيدا\rثم خرج نحو مكة وهو يتلو \" فخرج منها خائفاً يترقّب قال ربّ نجّني من القوم الظالمين \" ، ولما دخل مكة قرأ \" ولمّا توجه تلقاء مدين قال عسى ربّي أن يهديني سواء السبيل \" .\rقال: وأما ابن عمر فإن الوليد أرسل إليه ليبايع، فقال: إذا بايع الناس بايعت. فتركوه، وكانوا لا يخافونه.\rوقيل: إن ابن عمر كان بمكة هو وابن عباس، فعاد إلى المدينة، فلقيا الحسين وابن الزبير، فقالا لهما: ما وراءكما؟ قالا: موت معاوية وبيعة يزيد، قال ابن عمر: لا تفرقا جماعة المسلمين. وقدم هو وابن عباس المدينة، فلما بايع الناس بايعا.\rقال: ودخل ابن الزبير مكة وعليها عمرو بن سعيد فقال: أنا عائذ بالبيت. ولم يكن يصلي بصلاتهم، ولا يفيض بإفاضتهم، وكان يقف هو وأصحابه ناحية.\rاستعمال عمرو بن سعيد على المدينة\rوإرسال عمرو ابن الزبير بالجيش إلى مكة لقتال أخيه عبد الله ابن الزبير وهزيمة جيشه، ووفاة عمرو ابن الزبير تحت السياط.\rوفي هذه السنة عزل يزيد بن معاوية الوليد بن عتبة عن المدينة، واستعمل عليها عمرو بن سعيد الأشدق، فقدمها في رمضان، واستعمل على شرطته عمرو ابن الزبير، لما كان بينه وبين أخيه من البغضاء، فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضرباً شديداً: لهواهم في أخيه عبد الله، منهم أخوه المنذر بن الزبير وابنه محمد بن المنذر وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، ومحمد بن عمار بن ياسر، وغيرهم، فضربهم الأربعين إلى الخمسين إلى الستين.\rفاستشار عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير فيمن يرسله إلى أخيه فقال: لا توجه إليه رجلاً أنكأ له مني، فجهز معه سبعمائة فيهم أنيس بن عمرو الأسلمي.\rفجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال له: \" لا تغز مكة، واتق الله ولا تحل حرمة البيت، وخلوا ابن الزبير فقد كبر، له ستون سنة \" فقال عمرو بن الزبير: والله لنغزونه في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم.\rوأتى أبو شريح الخزاعي إلى عمرو فقال له: لا تغز مكة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \" إنما أذن لي في القتال فيها ساعة من نهار ثم عادت كحرمتها بالأمس \" فقال له عمرو: نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ.\rفسار عمرو بن الزبير وسار أنيس في مقدمته.\rوقيل إن يزيد كتب إلى عمرو بن سعيد أن يرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه عبد الله، فأرسله ومعه جيش نحو ألفي رجل، فنزل أنيس بذي طوى، ونزل عمرو بالأبطح، فأرسل عمرو إلى أخيه: بر يمين يزيد - وكان قد حلف أنه لا يقبل بيعته إلا أن يؤتى به في جامعة - تعال حتى أجعل في عنقك جامعة من فضة لا ترى، ولا يضرب الناس بعضهم ببعض، فإنك في بلد حرام.","part":5,"page":426},{"id":2427,"text":"فأرسل عبد الله بن الزبير عبد الله بن صفوان نحو أنيس فيمن معه من أهل مكة ممن اجتمع إليه، فهزمه بذي طوى، وقتل أنيس. وسار مصعب بن عبد الرحمن إلى عمرو بن الزبير، فتفرق عن عمرو أصحابه، فدخل دار ابن علقمة، فأتاه أخوه عبيدة فأجاره، ثم أتى عبد الله فقال: قد أجرت عمرا. فقال: \" أتجير من حقوق الناس هذا مالا يصلح، وما أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحل لحرمات الله! \" . ثم أقاد عمراً من كل من ضربه إلا المنذر وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا، ومات عمرو بن الزبير تحت السياط.\rولنرجع إلى أخبار الحسين رضي الله عنه.\rمقدم الحسين إلى مكة\rوما ورد عليه من كتب أهل الكوفة، وإرساله مسلم بن عقيل إليهم وما كان في خلال ذلك قال: لما خرج الحسين من المدينة إلى مكة لقيه عبد الله بن مطيع، فقال له: جعلت فداك أين تريد؟ قال: أما الآن فمكة وأما بعد فإني أستخير الله. فقال: خار الله لك وجعلنا فداك، فإذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة فإنها بلد مشئومة، بها قتل أبوك وخذل أخوك، واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، الزم فإنك سيد العرب، لا يعدل بك أهل الحجاز أحداً ويتداعى إليك الناس من كل جانب، ولا تفارق الحرم فداك عمي وخالي، فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك!.\rفأقبل حتى نزل مكة، وأهلها يختلفون إليه ويأتونه ون بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزبير يأتي إليه ويشير عليه بالرأي، وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير، لأن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين بمكة.\rقال: ولما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم من البيعة، أرجفوا بيزيد، واجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد، فذكروا مسير الحسين رضي الله عنه إلى مكة، وكتبوا إليه عن نفر منهم: سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظهر: \" بسم الله الرحمن الرحيم، وسلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو،أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضا منها، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها، وإنه ليس علينا إمام، فأقبل، لعل الله يجعلنا بك على حق، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيد، ولو بلغنا إقبالك إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته \" . وسيروا الكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وائل.\rثم كتبوا إليه كتاباً آخر وسيروه بعد ليلتين، فكتب الناس معه نحو من مائة وخمسين صحيفة ثم أرسلوا إليه رسولاً ثالثاً يحثونه على المسير إليهم، ثم كتب إليه شبث بن ربعي وحجار بن أبجر ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعزرة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمير التميمي بذلك.\rفلما اجتمعت كتبهم عنده كتب إليهم: \" أما بعد فقد فهمت كل الذي اقتصصتم، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم، أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله تعالى، فلعمري ما الإمام إلا العالم بالكتاب، والقائم بالقسط والدائن بدين الحق والسلام \" .\rوقدم على الحسين رضي الله عنه من البصرة يزيد بن أبي نبيط وابناه عبد الله وعبيد الله إلى مكة، فكانوا معه حتى قتل وقتلوا معه.\rثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيره إلى الكوفة، وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف فإن رأى الناس مجتمعين له عجل إليه بذلك.","part":5,"page":427},{"id":2428,"text":"فسار مسلم إلى المدينة، فصلى في مسجد رسول النبي صلى الله عليه وسلم وسلم، وودع أهله، وسار حتى بلغ الكوفة، فنزل في دار المختار وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فكلما اجتمع إليه جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين، فيبكون ويعدونه النصرة والقتال، فبلغ النعمان بن بشير أمير الكوفة ذلك، فصعد المنبر فقال: \" أما بعد فلا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فإن فيهما تهلك الرجال وتسفك الماء وتغصب الأموال \" ثم قال: \" إني لا أقاتل من لم يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب علي ولا أنبه نائمكم ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالله الذي لا إله إلا هو لأضربنكم بسيفي ما دام قائمه في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر ولا معين. أما إني لأرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل \" فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال: \" إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم، إن هذا الذي أنت عليه رأى المستضعفين \" . فقال: لأن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله \" . ثم نزل. وكان حليماً ناسكاً يحب العافية. وقيل: إنه لم يقل ذلك، وإنما قال: يا أهل الكوفة إن ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من ابن بنت بحدل.\rاستعمال عبيد الله على الكوفة\rوقدومه إليها وخبره مع هانئ بن عروة قال: ولما تكلم النعمان بن بشير بما تكلم به، كتب عبد الله بن مسلم إلى يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل إلى الكوفة، ومبايعة الناس له، ويقول: \" إن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ أمرك، ويعمل مثل عمل عدوك، فإن النعمان رجل ضعيف أو هو يتضعف \" ثم كتب إليه بعده عمارة بن الوليد بن عقبة وعمر بن سعد بن أبي وقاص بنحو ذلك.\rفلما اجتمعت الكتب عند يزيد دعا سرجون مولى معاوية، فأقرأه الكتب، واستشاره فيمن يوليه أمر الكوفة، وكان يزيد عاتباً على عبيد الله بن زياد، فقال له سرجون: أرأيت لو نشر لك معاوية أكنت تأخذ برأيه؟ قال: نعم. فأخرج له عهد عبيد الله على الكوفة، فقال: هذا رأي معاوية ومات وقد أمر بهذا الكتاب، فأخذ يزيد برأيه، وجمع له بين الكوفة والبصرة، وكتب له بعهده وسيره إليه مع مسلم بن عمرو الباهلي والد قتيبة، وأمره بطلب مسلم بن عقيل وقتله أو نفيه.\rفلما وصل كتابه إلى عبيد الله تجهز ليسير من الغد.\rوكان الحسين قد كتب إلى أشراف البصرة، منهم مالك بن مسمع، والأحنف بن قيس والمنذر بن الجارود، ومسعود بن عمرو وقيس بن الهيثم، وعمر بن عبيد الله بن معمر. يدعوهم إلى كتاب الله وسنة رسوله، فإن السنة قد ماتت، والبدعة قد أحييت، فكلهم كتم كتابه إلا المنذر بن الجارود، فإنه خشي أن يكون دسيساً من ابن زياد، فأتاه بالرسول والكتاب، فضرب عنق الرسول، وخطب الناس ثم قال في آخر كلامه: \" يا أهل البصرة، إن أمير المؤمنين ولا ني الكوفة، وأنا غاد إليها بالغد، وقد استخلفت عليكم أخي عثمان بن زياد، فإياكم والخلاف والإرجاف، فوالله لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تستقيموا ولا يكون فيكم خلاف ولا شقاق إني أنا ابن زياد، أشبهته من بين من وطئ الحصى، فلم ينتزعني شبه خالٍ ولا ابن عم! \" .\rثم خرج من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي وشريك ابن الأعور الحارثي وحشمه وأهل بيته، وكان شريك شيعيا. وقيل: كان معه خمسمائة فتساقطوا عنه، وكان أول من سقط شريك، ورجوا أن يقف عليهم فيسبقه الحسين إلى الكوفة، فلم يقف على أحد منهم حتى دخل الكوفة وحده، فجعل يمر بالمجالس فلا يشكون أنه الحسين بن علي فيقولون: مرحبا بك يا ابن رسول الله، وهو لا يكلمهم، وخرج إليه الناس من دورهم، فساءه ما رأى منهم.\rوسمع به النعمان، فأغلق عليه الباب، وهو لا يشك أنه الحسين، وانتهى إليه عبيد الله ومعه الخلق يصيحون، فقال له النعمان: \" أنشدك الله إلا تنحيت عني، فوالله ما أنا مسلم إليك أمانتي، ومالي في قتالك من حاجة! \" فدنا منه عبيد الله وقال: \" افتح لا فتحت! \" فسمعها إنسان خلفه فرجع إلى الناس فقال: إنه ابن مرجانة! \" ففتح له النعمان فدخل، وأغلقوا الباب وتفرق الناس.","part":5,"page":428},{"id":2429,"text":"وأصبح فجلس على المنبر، وقيل بل خطبهم من يومه، فقال: أما بعد، فإن أمير المؤمنين ولاني مصركم وثغركم وفيئكم وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشدة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متبع فيكم أمره، ومنفذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم كالوالد البر، ولمطيعكم كالأخ الشقيق، وسيفي وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي فليبق امرؤ على نفسه \" . ثم نزل.\rوأخذ العرفاء والناس أخذاً شديداً، وقال: \" اكتبوا إلي الناس الغرباء، ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين، ومن فيكم من الحرورية وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق، فمن كتبهم لي فقد برئ، ومن لم يكتب لنا أحداً فليضمن لنا ما في عرافته لا يخالفنا فيهم مخالف، ولا يبغي علينا منهم باغ، فمن لم يفعل فبرئت منه الذمة، وحلال لنا ماله ودمه، وأيما عريف وجد في عرافته أحد من بغية أمير المؤمنين لم يرفعه إلينا صلب على باب داره، وألغيت تلك العرافية من العطاء وسير إلى موضع بعمان \" . ثم نزل.\rقال: وسمع مسلم بن عقيل بمقالة عبيد الله فخرج من دار المختار وأتى دار هانئ بن عروة المرادي فدخل بابه واستدعاه، فخرج إليه، فلما رآه كره مكانه، فقال له مسلم: أتيتك لتجيرني وتضيفني. فقال هانئ. \" لقد كلفتني شططا، ولولا دخولك داري لأحببت أن تنصرف عني، غير أنه يأخذني من ذلك ذمام، ادخل! \" فآواه، واختلفت الشيعة إليه في دار هانئ.\rقال ومرض هانئ، فأتاه عبيد الله يعوده، فقال له عمارة بن عمير السلولي: دعنا نقتل هذا الطاغية، فقد أمكن الله منه، فقال هانئ ما أحب أن يقتل في داري، وجاء ابن زياد فجلس عنده ثم خرج، فما مكث إلا جمعة حتى مرض شريك بن الأعور، وكان شديد التشيع، فأرسل إليه ابن زياد: إني رائح إليك العشية. فقال لمسلم ابن عقيل: \" إن هذا الفاجر عائدي العشية فإذا جلس فاقتله ثم اقصد القصر ليس أحد يحول بينك وبينه، فإن بريت من وجعي سرت إلى من بالبصرة فكفيتك أمرهم \" . فلما كان من العشي أتاه عبيد الله فقام مسلم بن عقيل ليدخل، فقال له شريك لا يفوتنك إذا جلس. فقال هانئ بن عروة: إني لا أحب أن يقتل في داري. وجاء عبيد الله فجلس عند شريك وأطال، فلما رأى شريك أن مسلما لا يخرج خشي أن يفوته، فأخذ يقول: \" ما تنظرون بسلمى أن تحيوها! اسقونيها وإن كانت فيها نفسي! \" يقول ذلك مرتين أو ثلاثاً، فقال عبيد الله: \" ما شأنه؟ ترونه يخلط! \" فقال هانئ: \" نعم، ما زال هذا دأبه قبيل الصبح حتى ساعته هذه \" . فانصرف.\rوخرج مسلم، فقال له شريك: ما منعك من قتله؟ فقال: \" أمران: أحدهما كراهية هانئ أن يقتل في منزله، والثاني حديثٌ حدثه علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: \" الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن \" . فقال هانئ: لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً كافراً غادراً!.\rومات شريك بعد ذلك بثلاث، فصلى عليه عبيد الله، فلما علم أنه كان يحرض مسلماً على قتله قال: واله لا أصلي على جنازة عراقي أبدا!.\rقال: وكان عبيد الله بن زياد قد أعطى مولىً له ثلاثة آلاف درهم وأمره أن يتلطف في الدخول على مسلم بن عقيل وأصحابه، وقال: أعطهم هذا المال وأعلمهم أنك منهم واعلم أخبارهم. ففعل، وأتى مسلم بن عوسجة الأسدي فقال له: \" يا عبد الله، إني امرؤ من أهل الشام، انعم الله علي بحب أهل البيت، وهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني أتيتك ليقبض المال وتدخلني على صاحبك أبايعه، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه \" . فقال: \" لقد سرني لقاؤك إياي لتنال الذي تحب، وينصر الله بك أهل بيت نبيه وقد ساءني معرفة الناس هذا الأمر من قبل أن يتم، مخافة هذا الطاغية وسطوته \" فأخذ بيعته والمواثيق المعظمة ليناصحن وليكتمن.\rواختلف إليه أياماً، حتى أدخله على مسلم بن عقيل، فأخذ بيعته وقبض ماله، وذلك بعد موت شريك، وجعل يختلف إليهم ويعلم أسرارهم وينقلها إلى ابن زياد.\rوكان هانئ قد انقطع عن عبيد الله بعذر المرض، فدعا عبيد الله محمد بن الأشعث وابن أسماء بن خارجة، وعمر بن الحجاج الزبيدي، فسألهم عن هانئ وانقطاعه، فقالوا إنه مريض. قال: بلغني أنه يجلس على باب داره وقد برئ، فأتوه فمروه لا يدع ما عليه في ذلك من الحق.","part":5,"page":429},{"id":2430,"text":"فاتوه فقالوا له: \" الأمير قد سأل عنك، وقال: لو أعلم أنه شاكٍ لعدته، وقد بلغه أنك تجلس على باب دارك، وقد استبطأك، والجفا لا يحتمله السلطان، أقسمنا عليك لما ركبت معنا \" . ففعل فلما دنا من القصر أحست نفسه بالشر، فقال لحسان بن أسماء بن خارجة: يا ابن أخي إني لهذا الجل لخائف، فما ترى؟ فقال ما أتخوف عليك شيئاً، فلا تجعل على نفسك سبيلاً، ولا يعلم أسماء مما كان شيئاً.\rقال: فدخل القوم على ابن زياد، فلما رأى هانئ بن عروة قال لشريح القاضي: أتتك بحائن رجلاه. فلما دنا منه قال عبيد الله:\rأريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد\rفقال له هانئ وما ذاك؟ فذكر له خبر مسلم بن عقيل، وأنه في داره، فأنكر ذلك، وطال بينهما النزاع، فاستدعى عبيد الله مولاه الذي كان يأتيهم، فجاء فوقف بين يديه، فقال: أتعرف هذا فقال: نعم. وعلم هانئ أنه كان عيناً عليهم، فسقط في يده ساعة، ثم راجعته نفسه فقال: \" اسمع مني وصدقني، فوالله لا أكذبك، والله ما دعوته ولا علمت بشيء من أمره حتى رأيته جالساً على بابي يسألني النزول علي، فاستحييت من رده ودخلني من ذلك ذمام، فأدخلته داري وضفته، وقد كان من أمره الذي بلغك، فإن شئت أعطيتك الآن موثقاً تطمئن إليه، ورهينة تكون في يدك حتى أنطلق وأخرجه من داري وأعود إليك \" . فقال: لا والله لا تفارقني أبداً حتى تأتيني به. قال لا آتيك بضيفي لتقتله أبداً، فقال ابن زياد: والله لتأتيني به أو لأضربن عنقك. قال إذاً والله تكثر البارقة حول دارك. فقال: أبالبارقة تخوفني؟!.\rوقيل إن هانئاً لما رأى ذلك اللعين قال: أيها الأمير إنه قد كان الذي بلغك، ولم أضيع يدك عندي، فأنت آمن وأهلك فسر حيث شئت، فأطرق عبيد الله عند ذلك ومهران قائم على رأسه، فقال واذلاه! هذا الحائك يؤمنك في سلطانك! فقال: خذه، فأخذ مهران ضفيرتي هانئ، وأخذ عبيد الله القضيب ولم يزل يضرب به أنفه وجبينه وخديه حتى كسر أنفه، وسيل الدماء على ثيابه، ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى كسر القضيب، وضرب هانئ يده إلى قائم سيف شرطي وجبذه فمنع منه، فقال عبيد الله: أحروري! أحللت بنفسك وحل لنا قتلك، ثم أمر به فألقي في بيت وأغلق، فقام إليه أسماء بن خارجة وقال: \" يا غادر أرسله، أمرتنا أن نجيئك بالرجل فلما أتيناك به هشمت وجهه، وسيلت دمه، وزعمت أنك تقتله \" . فأمر به عبيد الله فلهز وتعتع ثم ترك فجلس. وأما ابن الأشعث فقال: رضينا بما رأى الأمير، لنا كان أو علينا.\rوبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئاً قد قتل، فأقبل في مذحج حتى أحاطوا بالقصر، ونادى: \" أنا عمرو بن الحجاج، هذه فرسان مذحج ووجوهها، لم نخلع طاعة، ولم نفارق جماعة. فقال ابن زياد لشريح القاضي: \" ادخل على صاحبهم، فانظر إليه، ثم اخرج إليهم فأعلمهم أنه حي لم يقتل وأنك قد رأيته \" فدخل عليه، وخرج إليهم فقال: قد نظرت إلى صاحبكم وأنه حي لم يقتله، فقالوا: إذ لم يقتله فالحمد لله، ثم انصرفوا.\rظهور مسلم بن عقيل\rواجتماع الناس عليه، ومحاصرته عبيد الله بن زياد بالقصر وكيف خذله من اجتمع إليه وتفرقوا عنه وخبر مقتله ومقتل هانئ بن عروة قال: ولما أتى الخبر مسلم بن عقيل خرج من دار هانئ، ونادى في أصحابه: \" يا منصور أمت \" وكان قد بايعه ثمانية عشر ألفاً، وحوله في الدور أربعة آلاف، فاجتمع إليه ناس كثير، فعقد لعبد الله بن عوسجة على ربع مذحج وأسد، وعقد لأبي ثمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان، وعقد لعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة، وأقبل نحو القصر.\rفلما بلغ ابن زياد إقاله تحرز بالقصر وأغلق الباب، وأحاط مسلم بالقصر، وامتلأ المسجد والسوق بالناس، وما زالوا يجتمعون حتى المساء، وضاق بعبد الله أمره، وليس معه في القصر الإثلاثون رجلاً من الشرط، وعشرون من الأشراف وأهل بيته ومواليه، وأقبل أشراف الناس يأتون ابن زياد من قبل الباب الذي يلي دار الروميين، والناس يسبون ابن زياد وأباه.","part":5,"page":430},{"id":2431,"text":"فدعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي، وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج فيخذل الناس عن ابن عقيل ويخوفهم، وأمر محمد بن الأشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كنده وحضرموت فيرفع راية الأمان لمن جاءه من الناس، وقال مثل ذلك للقعقاع بن شور الذهلي، وشبث بن ربعي التيمي، وحجار بن أبحر العجلي، وشمر بن ذي جوشن الضبابي وترك وجوه الناس عنده استئناساً بهم، لقلة من معه.\rوخرج أولئك النفر على الناس من القصر، فمنوا أهل الطاعة، وخوفوا أهل المعصية، فلما سمع الناس مقالة أشرافهم تفرقوا، حتى إن المرأة لتأتي ابنها وأخاها، فتقول: \" انصرف، الناس يكفونك \" ، ويفعل الرجل مثل ذلك.\rفما زالوا يتفرقون حتى بقي مسلم بن عقيل في المسجد في ثلاثين رجلاً، فلما رأى ذلك خرج نحو أبواب كندة، فلما وصل إلى الباب لم يبق معه أحد، فمضى في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب.\rفانتهى إلى باب امرأة من كندة يقال لها طوعة - أم ولد كانت للأشعث، فأعتقها، فتزوجها أسيد الحضرمي، فولدت له بلالاً وكان بلال قد خرج مع الناس، وهي تنتظره - فسلم عليها، وطلب منها ماءً فسقته، فجلس، فقالت: يا عبد الله ألم تشرب؟! قال: بلى، فقالت، فاذهب إلى أهلك، فسكت، فكرت ذلك عليه ثلاثاً فلم يبرح، فقالت: سبحان الله! إني لا أحل لك الجلوس على بابي. فقال: ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة، فهل لك في أجر معروف، ولعلي أكافئك به بعد اليوم. قالت وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم وغروني. قالت: ادخل، فأدخلته بيتاً في دارها غير البيت الذي تكون فيه وعرضت عليه العشاء فلم يتعش، وجاء ابنها فرآها تكثر الدخول في ذلك البيت، فسألها، فلم تخبره، فألح عليها، فأخبرته، واستكتمته وأخذت عليه الأيمان بذلك.\rقال: وأما ابن زياد، فلما سكنت الأصوات قال لأصحابه: انظروا هل ترون منهم أحداً؟ فنظروا فلم يروا أحداً فنزل إلى المسجد قبل العتمة، وأجلس أصحابه حول المنبر، وأمر فنودي: \" برئت الذمة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب والمقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد، فامتلأ المسجد، فصلى بالناس، ثم قام فحمد ثم قال: \" أما بعد، فإن ابن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت الذمة من رجل وجدناه في داره، ومن أتانا به فله ديته \" وأمرهم بالطاعة ولزومها، وأمر الحصين ابن تميم أن يمسك أبواب السكك، ثم يفتش الدور.\rوأصبح ابن زياد فجلس، فأتى بلال إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وأخبره بمكان ابن عقيل، فأتى عبد الرحمن أباه وهو عند ابن زياد فساره بذلك، فأخبر محمد ابن الأشعث ابن زياد، فقال له: قم فأتني به الساعة، وبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين من قيس، فأتوا الدار، فخرج ابن عقيل إليهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، ثم عادوا إليه فحمل عليهم فأخرجهم مراراً، وضربه بكر بن حمران الأحمري فقطع شفته العليا وسقط سنتاه، وضربه مسلم على رأسه وثنى بأخرى على حبل العاتق فكادت تطلع على جوفه، فلما رأوا ذلك أشرفوا على سطح البيت، وجعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في القصب ويلقونها عليه، فلما رأى ذلك خرج عليهم بسيفه فقاتلهم في السكة، فقال له محمد بن الأشعث لك الأمان فلا تقتل نفسك، فأقبل يقاتلهم ويقول:\rأقسمت لا أقتل إلّا حرّاً ... وإن رأيت الموت شياً نكرا\rويخلط البارد سخناً مرا ... رد شعاع النفس مستقرّا\rكلّ امرئ يوماً ملاقٍ شراً ... أخاف أن أكذب أو أغرّا\rفقال له محمد بن الأشعث: إنك لا تكذب ولا تخدع، القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك، وكان قد أثخن بالحجارة، وعجز عن القتال، وأسند ظهره إلى حائط تلك الدار، فأمنه ابن الأشعث والناس غير عمرو بن عبيد الله السلمي فإنه قال: لا ناقتي فيها ولا جملي.","part":5,"page":431},{"id":2432,"text":"وأتى ببغلة فحمل عليها، وانتزعوا سيفه، فكأنه أيس من نفسه فدمعت عيناه وقال: هذا أول الغدر. قال محمد: أرجو ألا يكون عليك بأس. قال: وما هؤلاء إلا الرجاء! أين أمانكم! ثم بكى، فقال له عمرو بن عبيد الله: من يطلب الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك، فقال: ما أبكي لنفسي، ولكن أبكي لأهلي المنقلبين إليكم: أبكي للحسين وآل الحسين. ثم قال لمحمد بن الأشعث: \" إني أراك تعجز عن أماني، فهل تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً يخبر الحسين بحالي، ويقول له عني: ليرجع بأهل بيته ولا يغره أهل الكوفة، فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل؟ \" فقال ابن الأشعث: والله لأفعلن. وفعل وأبى الحسين الرجوع.\rقال: وجاء محمد بمسلم إلى القصر فأجلسه على بابه ودخل هو إلى ابن زياد فأخبره بأمانه، فقال له: ما أنت والأمان! ما أرسلناك لتؤمنه، إنما أرسلناك لتأتينا به.\rقال: ولما جلس مسلم على باب القصر رأى جرة فيها ماء بارد فقال اسقوني من هذا الماء، فقال له مسلم بن عمرو الباهلي: أتراها ما أبردها! والله لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميمفي نار جهنم! فقال له ابن عقيل: من أنت؟ قال: \" أنا من عرف الحق إذ أنكرته، ونصح الأمة وإمامه إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيته، أنا مسلم بن عمرو. فقال له ابن عقيل: لأمك الثكل،ما أجفاك وأفظك وأقسى قلبك وأغلظك! أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني! \" قال: فدعا عمارة بن عقبة بماء بارد فصب له في قدح، فأخذ يشرب فامتلأ القدح دماً: فعل ذلك ثلاثاً، ثم قال: لو كان من الرزق المقسوم لشربته.\rوأدخل على ابن زياد، فلم يسلم عليه بالإمرة، فقال له الحرسي: ألا تسلم على الأمير. فقال إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه! وإن كان لا يريده فليكثرن تسليمي عليه. فقال ابن زياد: لعمري لتقتلن. قال فدعني أوصي إلى بعض قومي. قال: افعل. فقال لعمر بن سعد بن أبي وقاص: \" إن بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة وسر \" . فلم يمكنه من ذكرها، فقال له ابن زياد: لا تمتنع من حاجة ابن عمك. فقام معه، فقال: \" إن علي بالكوفة ديناً استدنته أنفقته: سبعمائة درهم، فاقضها عني، وانظر جثتي فاستوهبها فوارها، وابعث إلى الحسين فاردده \" . فقال عمر لابن زياد أتدري ما سارني؟ فقال: أكثرتم على ابن عمك، فقال: الأمر أكبر من هذا. قال: اكتم على ابن عمك، قال: الأمر أكبر من هذا، وأخبره بما قال. فقال ابن زياد لا يخونك الأمين، ولكن قد يؤتمن الخائن. أما مالك فهو لك تصنع به ما شئت، وأما حسي فإن لم يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه، وأما جثته فإنا لا نشفعك فيها \" وقيل: إنه قال: وأما جثته فإذا قتلناه لا نبالي ما صنع بها.\rثم قال: يا ابن عقيل، أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتيت بينهم، وتفريق كلمتهم. قال: \" كلا ولكن أهل هذا المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل، وندعو إلى حكم الكتاب. فقال وما أنت وذاك؟ ثم كانت بينهما مقاولة قال له ابن زياد في آخرتها: قتلني الله إن لم أقتلك قتلةً لم يقتلها أحدٌ في الإسلام، فقال: \" أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه، أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة لأحدٍ من الناس أحق بها منك! \" فشتمه ابن زياد وشتم حسيناً وعلياً وعقيلاً ولم يكلمه مسلم.\rثم أمر به، فأصعد فوق القصر وهو يستغفر الله تعالى ويسبح، وأشرف به على موضع الحدادين فضربت عنقه، وكان الذي قتله بكير بن حمران ثم أتبع رأسه جسده.\rقال وقام محمد بن الأشعث فكلم ابن زياد في هانئ بن عروة، وقال قد عرفت منزلته من المصر وبيته، وقد علم قومه أني أنا وصاحبي. سقناه إليك، فأنشدك الله لما وهبته، فإني أكره عداوة قومه! \" .\rفوعد أن يفعل، ثم بدا له فأمر به حين قتل مسلم فأخرج إلى السوق فضربت عنقه.\rوبعث عبيد الله بن زياد برأسيهما إلى يزيد، فكتب إليه يزيد يشكره، ويقول له: \" قد بلغني أن الحسين بن علي توجه نحو العراق، فضع المراصد والمسالح واحترس، واحبس على التهمة، وخذ بالظنة، غير ألا تقتل إلا من قاتلك \" .\rقال: وكان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة لثمان ليالٍ مضين من ذي الحجة سنة ستين. وقيل: لتسع مضين منه.","part":5,"page":432},{"id":2433,"text":"وكان فيمن خرج معه المختار بن أبي عبيد، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وطلبهما ابن زياد وحبسهما.\rوكان فيمن قاتل مسلماً محمد بن الأشعث، وشبث بن ربعي - وهو أحد من كتب إلى الحسين - والقعقاع بن شور، وجعل شبث يقول: انتظروا بهم إلى الليل يتفرقوا. فقال له القعقاع: إنك قد سددت عليهم وجه مهربهم، فافرج لهم يتفرقوا.\rوحج بالناس في هذه السنة عمرو بن سعيد الأشدق، وهو عامل مكة والمدينة. وفيها مات أبو أسيد الساعدي، واسمه مالك ابن ربيعة، وهو آخر من مات من البدريين، وقيل: مات سنة خمس وستين. ومات حكيم بن حزام وله مائة وعشرون سنة، ستون في الجاهلية وستون في الإسلام. ومات جماعة ممن لهم صحبة في هذه السنة.\rسنة إحدى وستين\rمسيرة الحسين بن علي\rوخبر من نهاه عن المسير كان مقتله بالطف على شاطئ الفرات من أرض كربلاء، وذلك في يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم من هذه السنة.\rولنبدأ بخبر مسيره من مكة شرفها الله تعالى، وسبب مسيره ومن أشار عليه بالمقام بمكة وترك المسير إلى الكوفة، ثم نذكر ما كان من خبره في مسيره إلى أن قتل رضي الله عنه، فنقول: كان مسيره من مكة لقصد الكوفة يوم التروية، وكان سبب مسيره إلى الكوفة ما ورد عليه من كتب أهلها كما تقدم، ثم أكد ذلك عنده وحمله عليه وقوى عزمه ورود كتاب مسلم بن عقيل بن أبي طالب عليه يخبره أنه بايعه بالكوفة ثمانية عشر ألفاً، ويستحثه على المسير إليها، وكان هذا من مسلم في ابتداء أمره.\rقال: ولما عزم الحسين رضي الله عنه على المسير إلى الكوفة أتاه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له: \" إني أتيتك لحاجة أريد ذكرها نصيحة لك، فإن كنت ترى أنك تستنصحني قلتها وأديت ما علي من الحق فيها، وإن ظننت أنك لا تستنصحني كففت عما أريد! \" فقال له: قل فوالله ما أستغشك ولا أظنك بشيء من الهوى قال: \" قد بلغني أنك تريد العراق، وإني مشفق عليك أنك تأتي بلداً فيه عماله وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال، والناس عبيد الدينار والدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه! \" فقال له الحسين رضي الله عنه: جزاك الله خيراً يا ابن عم، فقد علمت أنك مشيت بنصح، وتكلمت بعقل، ومهما يقض من أمر يكن، أخذت برأيك أو تركته، فأنت عندي أحمد مشير، وأنصح ناصح.\rوأتاه عبد الله بن عباس فقال له: قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع فقال له: قد أجمعت السير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى. فقال له ابن عباس: \" فإني أعيذك بالله من ذلك، خبرني رحمك الله، أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم؟ فإن كانوا قد فعلوا فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم، قاهر لهم، وعماله تجبى بلادهم، فإنما دعوك إلى الحرب، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ويستنفروا إليك، فيكونوا أشد الناس عليك! \" فقال الحسين: فإني أستخير الله وأنظر ما يكون. فخرج ابن عباس.\rوأتاه عبد الله بن الزبير فحدثه ساعة، ثم قال: \" ما أدري ما تركنا هؤلاء القوم، وكفنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين، وولاة هذا الأمر دونهم، خبرني ما تريد أن تصنع؟! \" فقال الحسين: \" لقد حدثت نفسي بإتياني الكوفة، ولقد كتب إلي شيعتي بها، وأشراف الناس وأستخير الله \" . فقال ابن الزبير: أما إنه لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها. ثم خشي أن يتهمه، فقال أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر هاهنا ما خالفنا عليك وساعدناك وبايعناك ونصحناك. فقال له الحسين رضي الله عنه: \" إن أبي حدثني أن لها كبشاً به تستحل حرمتها، فما أحب أن أكون ذلك الكبش! \" قال: فأقم إن شئت وتوليني أنا الأمر فتطاع ولا تعصى، قال: ولا أريد هذا الأمر أيضا. ثم إنهما أخفيا كلامهما، فالتفت الحسين إلى من هناك وقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا قال: فإنه يقول قم في هذا المسجد أجمع لك الناس، ثم قال الحسين: \" والله لأن أقتل خارجاً منها بشبر أحب إلي من أن أقتل فيها، ولأن أقتل خارجاً منها بشبرين أحب إلي من أن أقتل خارجاً منها بشبر، ويم الله، لو كنت في حجر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا في حاجتهم، والله ليعتدن علي كما اعتدت اليهود في السبت! \" فقام ابن الزبير وخرج من عنده.","part":5,"page":433},{"id":2434,"text":"فلما كان من العشي أو من الغد أتاه ابن عباس فقال: \" يا ابن عم، إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق قوم غدر فلا تنفر إليهم، أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم لينفروا عاملهم وعدوهم، ثم قدم عليهم، فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصوناً وشعاباً، وهي أرض عريضة طويلة، ولأبيك بها شيعة، وأنت على الناس في عزلة فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاتك، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية! \" فقال له الحسين: \" يا ابن عم، إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق، وقد أزمعت وأجمعت المسير! \" فقال ابن عباس: \" فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وصبيانك، فإني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه! \" ثم قال له ابن عباس: \" لقد أقررت عين ابن الزبير بالخروج من الحجاز، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك، والله لو أعلم أني إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علينا الناس أطعتني فأقمت لفعلت ذلك! \" . ثم خرج من عنده.\rفمر بابن الزبير فقال: قرت عينك يا ابن الزبير، ثم قال:\rيا لك من قبّرةٍ بعمر ... خلا لك الجوّ فبيضي وأصفري\rونقِّري ما ... شئت أن تنقري\rهذا حسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز.\rقال وخرج حسين من مكة يوم التروية، فاعترضه رسل عمرو بن سعيد مع أخيه يحيى يمنعونه، فأبى عليهم ومضى، وسار فمر بالتنعيم فرأى عيراً قد أقبلت من اليمن، بعث بها بحير بن ريسان الحميري عامل اليمن إلى يزيد، وعليها الورس والحلل، فأخها الحسين ثم سار، فلما انتهى إلى الصفاح لقيه الفرزدق الشاعر فقال له الحسين: بين لي خبر الناس خلفك فقال: \" الخبير سألت، قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء! \" فقال الحسين صدقت، لله الأمر يفعل ما يشاء، وربنا كل يوم في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه، هو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعد من كان الحق نيته، والتقوى سريرته.\rقال وأدرك الحسين كتاب عبد الله بن جعفر مع ابنيه عون ومحمد بقول: \" أما بعد، فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا فإني مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت الآن طفئ نور الأرض فإنك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير، فإني في إثر كتابي، والسلام! \" .\rوقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد وقال: \" اكتب للحسين كتاباً تجعل له فيه الأمان، وتمنيه فيه البر والصلة، وترفق في كتابك، وتسأله الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع. فقال له عمرو اكتب ما شئت،وأتني به حتى أختمه. فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب، ثم أتى به عمر بن سعيد: فقال: اختمه وابعث به مع أخيك يحيى فإنه أحرى أن تطمئن به نفسه، ويعلم أنه الجد منك ففعل. وكان مضمون الكتاب: \" بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي، أما بعد، فإني أسأل الله أن يصرفك عما يوبقك، وأن يهديك لما يرشدك. بلغني أنك قد توجهت إلى العراق، وإني أعيذك بالله من الشقاق، فإني أخاف عليك فيه الهلاك، وقد بعثت إليك عبد الله ابن جعفر ويحيى بن سعيد، فأقبل إلي معهما، فإن لك عندي الأمان والصلة والبر وحسن الجوار، لك الله على بذلك شهيد وكفيل، وراع ووكيل، والسلام عليك \" .\rفأخذا الكتاب ولحقا حسيناً، فأقرأه يحيى الكتاب. وكان مما اعتذر به أن قال: إني رأيت رؤيا، رأيت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرت بأمر أنا ماضٍ له، فقالا له: ما تلك الرؤيا؟ قال: ما حدثت أحداً بها ولا أنا محدث أحداً بها حتى ألقى ربي.\rوكتب الحسين إلى عمرو بن سعيد: \" أما بعد، فإنه لم يشاقق الله ورسوله من دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، وقد دعوت إلى الأمان والبر والصلة، فخير الأمان أمان الله، ولن يؤمن بالله يوم القيامة من لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمانه يوم القيامة، فإن كنت نويت بالكتاب صلتي وبري فجزيت خيراً في الدنيا والآخرة، والسلام \" .","part":5,"page":434},{"id":2435,"text":"قال: ولما بلغ ابن زياد مسير الحسين من مكة بعث الحصين بن نمير التميمي صاحب شرطته، فنزل القادسية، ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان، وما بين القادسية إلى القطقطانة وإلى جبل لعلع.\rوأقبل الحسين حتى إذا بلغ الحاجز من بطن الرمة بعث قيس بن مسهر الأسدي ثم الصيداوي إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم: \" بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملئكم على نصرنا والطلب بحقنا، فنسأل الله أن يحسن لنا الصنع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمانٍ مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدوا، فإني قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله \" .\rوكان مسلم بن عقيل قد كتب إلى الحسين قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة، أما بعد، فإن الرائد لا يكذب أهله، إن جميع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابي والسلام.\rقال: وأقبل قيس بن مسهل بكتاب الحسين إلى أهل الكوفة، فلما بلغ القادسية أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى ابن زياد، فقال له عبيد الله: اصعد القصر فسب الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي. فصعد قيس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \" أيها الناس، إن الحسين بن علي رضي الله عنهما خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحجاز فأجيبوه \" ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي، فأمر به عبيد الله فرمي من فوق القصر فتقطع فمات.\rقال: ثم أقبل الحسين رضي الله عنه يسير نحو الكوفة، فانتهى إلى ماء مياه العرب، فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوي فلما رأى الحسين قام إليه، فقال: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله، ما أقدمك؟ واحتمله فأنزله فقال له الحسين: إنه كان من موت معاوية ما قد بلغك، فكتب إلى أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم. فقال: \" أذكرك بالله يا ابن رسول الله وحرمة الإسلام أن تنتهك، وأنشدك الله في حرمة قريش، أنشدك الله في حرمة العرب، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك، ولئن قتلوك لا يهابون بعد أحداً أبداً، والله إنها لحرمة الإسلام تنتهك، فلا تفعل ولا تأتي الكوفة، ولا تعرض نفسك لبني أمية! \" فأبى إلا أن يمضي.\rفلما نزل بزرود أتاه خبر بقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة، فاسترجع مرارا، فقال له عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديان، وكانا قد لحقاه حين قضيا حجهما: \" ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوف أن يكونوا عليك! \" فوثب بنوا عقيل فقالوا لا: والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا. فقال الحسين رضي الله عنه: لا خير في العيش بعد هؤلاء. فقال له بعض أصحابه: إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع. فانتظر الحسين حتى إذا كان السحر لفتيانه وغلمانه: أكثروا من الماء. فاستقوا فأكثروا، ثم ارتحلوا حتى انتهوا إلى زبالة.\rوقيل: كان الحسين لا يمر بماء إلا اتبعه أهل ذلك الماء، حتى إلى زبالة فأتاه خبر مقتل أخيه من الرضاعة عبد الله بن بقطر، وكان سرحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق، وهو لا يدري أنه أصيب فأخذه الحصين بالقادسية، فبعث به إلى زياد فقال له: اصعد فوق القصر فالعن الكذاب ابن الكذاب ثم انزل حتى أرى فيك رأيي، فصعد فلما أشرف على الناس قال: \" أيها الناس، إني رسول الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم، لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة ابن سمية الدعي! \" فأمر به عبيد الله فألقي من فوق القصر إلى الأرض فتكسرت عظامه وبقي به رمق، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه، فلما عيب عليه ذلك قال: إنما أردت أن أريحه.\rفلما بلغ الحسين الخبر قال لأصحابه: من أحب منكم الإنصراف فلينصرف غير حرج، ليس عليه منا ذمام، فتفرق الناس عنه حتى بقي في أصحابه الذين خرجوا معه من المدينة.\rقال: وإنما فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب ظنت أنه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله، فأراد أن يعلموا علام يقدمون.","part":5,"page":435},{"id":2436,"text":"قال ثم ارتحل الحسين وسار حتى مر ببطن العقبة فنزل بها، فأتاه بعض الأعراب فسأله عن مقصده فأخبره، قال: \" إني أنشدك الله فلما انصرفت، فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف، إن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطئوا لك الأشياء فقدمت عليهم، كان ذلك رأياً، فأما على هذه الحال التي تذكر فإني لا أرى لك أن تفعل! \" فقال الحسين: يا عبد الله، إنه ليس يخفى على ما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره!.\rثم ارتحل منها وقد استهلت إحدى وستين، وسار حتى نزل شراف فلما كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء وأكثروا، ثم ساروا منها صدر يومهم حتى انتصف النهار، فكبر رجل من أصحابه فكبر الحسين، وقال: مما كبرت؟ قال: رأيت النخل، فقال عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديان: والله عن هذا المكان ما رأينا فيه نخلة قط، فقال: فما تريان. قالا: نراه والله رأى هوادي الخيل. فقال الحسين: وأنا والله أرى ذلك، ما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد؟ فقيل له: \" بلى هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك، فإذا سبقت القوم إليه فهو كما تريد، فمال إليه، فما كان بأسرع من أن طلعت هوادي الخيل، فلما رأوهم قد عدلوا عن الطريق عدلوا عنها إلى قصدهم، فسبق الحسين إلى ذي حسم فنزل وأمر بأبنية فضربت، وجاء القوم وهم ألف فارس عليهم الحر بن يزيد التميمي، فجاءوا حتى وقفوا مقابل الحسين رضي الله عنه: وكان مسير الحر ومن معه من القادسية من قبل الحصين بن نمير التميمي.\rفلم يزل الحر مواقفا حسينا حتى حضرت صلاة الظهر فأمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي أن يؤذن، فأذن، فلما حضرت الإقامة خرج الحسين رضي الله عنه، في إزار ورداء ونعلين، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \" أيها الناس، معذرة إلى الله وإليكم إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت على رسلكم أن اقدم علينا فإنه ليس لنا إمام لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق، إن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه إليكم \" فسكتوا عنه، وقال للمؤذن أقم. فأقام الصلاة، فقال الحسين للحر: أتريد أن تصلي بأصحابك؟ فقال: لا، بل صلي أنت ونصلي بصلاتك فصلى بهم الحسين، ثم دخل واجتمع إليه أصحابه.\rوانصرف الحر ودخل خيمة قد ضربت له، واجتمع عليه جماعة من أصحابه، وعاد بعض أصحابه إلى صفهم الذي كانوا فيه، ثم أخذ كل رجل بعنان دابته وجلس في طلبها.\rفلما كان وقت العصر أمر الحسين أصحابه أن يتهيئوا للرحيل ففعلوا، ثم خرج فأمر مناديه فنادى بالعصر وأقامه، وصلى الحسين بالقوم جميعاً، ثم سلم وانصرف إليهم بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \" أما بعد، أيها الناس، فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجوار والعدوان، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم، وقدمت علي به رسلكم، انصرفت عنكم \" ، فقال له الحر: إنا والله لا ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر. فأمر الحسين رضي الله عنه بإخراج كتبهم فأخرجت في خرجين مملوءين، فنثرهما بين أيديهم، فقال الحر: إنا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد. فقال له الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك، ثم قال لقومه: قوموا فاركبوا، وركب نساؤهم.","part":5,"page":436},{"id":2437,"text":"فلما أرادوا الانصراف حال القوم بينهم وبين المسير، فقال الحسين للحر: ثكلتك أمك! ما تريد؟ قال له: \" أما والله لو غيرك من العرب يقولوها وهو على مثل الحال التي عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقوله كائناً من كان، ولكن والله ما إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه \" ، فقال له الحسين: ما تريد؟ قال: أريد أن أنطلق بك إلى عبيد الله بن زياد. فقال له الحسين: إذن والله لا أتبعك، فقال الحر: إذن والله لا أدعك. فترادا القول ثلاث مرات فلما كثر الكلام بينهما قال الحر: \" إني لم أومر بقتالك، إنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة ولا تردك إلى المدينة يكون بيني وبينك نصفا، حتى أكتب إلى ابن زياد وتكتب أنت إلى يزيد بن معاوية إن أردت أن تكتب إليه، أو إلى عبيد الله إن شئت، فلعل الله أن يرزقني العافية من أن أقتل بشيء من أمرك! \" قال: فتياسر عن طريق العذيب والقادسية، وبينه حينئذٍ وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلاً. ثم سار والحر يسايره.\rقال: ثم إن الحسين خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكساً لعهده، مخالفاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله \" .ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهرو الفساد، وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا أحق من غيري، وقد أتتني كتبكم ورسلكم ببيعتكم وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم، وأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهلكم، فلكم بي أسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي وخلعتم بيعتي فلعمري ما هي لكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم، والمغرور من اغتربكم، وحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم، والسلام.\rقال له الحر: إني أذكرك الله في نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن، قال الحسين رضي الله عنه: أبالموت تخوفني؟! وهل يعدوا بكم الخطب أن تقتلوني! وما أدري ما أقول لك؟! ولكني أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه، لقيه وهو يريد نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، له فقال أين تذهب فإنك مقتول؟! فقال:\rسأمضي وما بالموت عار على الفتى ... إذا ما نوى خيراً وجاهد مسلما\rوآسى الرجال الصالحين بنفسه ... وفارق مثبوراً وخالف مجرما\rفإن عشت لم أندم وإن مت لم ألم ... كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما\rقال: فلما سمع الحر ذلك تنحى عنه، فكان يسير ناحية عنه، حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات، فإذا هم بأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرساً لنافع بن هلال يقال له الكامل، ومعهم دليلهم الطرماح وهو يقول:\rيا ناقتاً لا تذعري من زجري ... وشمّري قبل طلوع الفجر\rبخير ركبانٍ وخير سفر ... حتّى تجلّى بكريم النحر\rالماجد الحر رحيب الصّدر ... أتى به الله لخير الأمر\rثمت أبقاه بقاء الدهر\rفلما انتهوا إلى الحسين رضي الله عنه والتحقوا به، فقال الحر: إن هؤلاء النفر الذين من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبلوا معك، وأنا حابسهم أو رادهم، فقال الحسين رضي الله عنه: \" لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي، إنما هؤلاء أعواني وأنصاري وقد كنت أعطيتني أن لا تعرض لي حتى يأتيك كتاب من ابن زياد \" ، قال: أجل ولكن هؤلاء لم يأتوا معك.\rفقال: \" هم أصحابي وهم بمنزلة من جاء معي، فإن تممت علي ما كان بيني وبينك وإلا ناجزتك \" . فكف عنهم الحر.","part":5,"page":437},{"id":2438,"text":"وسألهم الحسين عن خبر أهل الكوفة، فقال له مجمع بن عبد الله العائذي وهو أحد الأربعة: \" أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم، فهم إلبٌ واحد عليك، وأما سائر الناس بعد فإن أفئدتهم تهوى إليك وسيوفهم غداً مشهورة عليك! \" . فقال: هل لكم برسولي إليكم علم؟ فقالوا: من هو؟ قال: قيس بن مسهر الصيداوي. قالوا: نعم، وأخبروه بمقتله، قفترقرقت عينا حسين ولم يملك دمعه، ثم قال: \" فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا \" اللهم اجعل لنا ولهم الجنة نزلاً، واجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمتك ورغائب مذخور ثوابك.\rقال: ودنا الطرماح من الحسين، فقال له: \" والله إني لأنظر فما أرى معك أحدا، ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفواً لهم، وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم ظهر الكوفة وفيه من الناس ما لم تر عيناي في صعيد واحد جمعاً أكثر منه، فسألت عنهم، فقيل: اجتمعوا ليعرضوا ثم يسيروا إلى الحسين، فأنشدك الله إن قدرت على ألا تقدم إليهم شبراً إلا فعلت، وإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به حتى ترى من رأيك ويستبين لك ما أنت صانع فسر حتى أنزلك مناع جبلنا الذي امتنعنا به من ملوك غسان وحمير ومن النعمان بن المنذر ومن الأسود والأحمر، فأسير معك حتى أنزلك القرية، ثم لتبعث إلى الرجال ممن بأجأ وسلمى من طيئ، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتى يأتيك طيئ رجالا وركبانا، ثم أقم فينا ما بدا لك، فإن هاجك هيجٌ فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائيٍ يضربون بين يديك بأسيافهم، ووالله لا يوصل إليك أبدا وفيهم عين تطرف! \" .\rفقال له: جزاك الله وقومك خيرا، إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قولٌ لسنا نقدر معه على الانصراف، ولا ندري علام تتصرف بنا وبهم الأمور!.\rقال الطرماح: فودعته وقلت: \" إني قد امترت لأهلي ميرةً، ومعي نفقة لهم فآتيهم فأصنع ذلك فيهم، ثم أقبل إليك إن شاء الله، فإن ألحقك فوالله لأكونن من أنصارك \" . فقال لي: فإن كنت فاعلاً فعجل رحمك الله.\rقال الطرماح: فلما بلغت إلى أهلي وضعت عندهم ما يصلحهم، وأوصيت، وأخبرتهم بما أريد، وأقبلت حتى دنوت من عذيب الهجانات، فأتاني نعي الحسين هناك!.\rقال المؤرخ: ثم مضى الحسين إلى قصر بني مقاتل، فنزل به. قال عقبة بن سمعان: فلما كان آخر الليل أمر الحسين بالاستقاء من الماء، ثم أمرنا بالرحيل، ففعلنا، فلما سرنا ساعة خفق الحسين برأسه خفقة فقال: \" إنا لله وإنا إليه راجعون. الحمد لله رب العالمين \" يعيدها مرتين أو ثلاثاً، فأقبل عليه ابنه علي بن الحسين، فاسترجع وحمد الله وقال: \" يا أبت، جعلت فداك، مم حمدت الله واسترجعت؟ \" . قال: \" يا بني، إني خفقت برأسي خفقة، فعن لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تسير بهم. فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا! \" قال: يا أبت، ألسنا على الحق؟ قال: بلى والذي إليه مرجع العباد. قال: يا أبت إذن لا نبالي أن نموت محقين. فقال له: جزاك الله خير ما يجزي ولداً عن والده.\rفلما أصبح نزل فصلى الغداة، ثم عجل الركوب، وسار حتى انتهى إلى نينوى، والحر ومن معه يسايرونه فإذا راكب على نجيب عليه السلاح يمسك قوسا مقبل من الكوفة، فوقفوا جميعا ينتظرونه،فلما انتهى إليهم سلم على الحر وأصحابه، ولم يسلم على الحسين، ودفع إلى الحر كتابا من عبيد الله بن زياد: \" أما بعد، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري، والسلام \" .\rفقال الحر: هذا كتاب الأمير عبيد الله بن زياد، يأمرني فيه أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابه، وهذا رسوله، وقد أمره ألا يفارقني حتى أنفذ رأيه وأمره.\rقال: فأخذهم الحر بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا قرية، فقالوا: دعنا ننزل في هذه القرية يعنون نينوي أو هذه القرية يعنون الغاضرية أو هذه الأخرى يعنون شفية. فقال: لا والله ما أستطيع ذلك، هذا رجل بعث عيناً علي.","part":5,"page":438},{"id":2439,"text":"فقال زهير بن القين للحسين: \" يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعدما نرى ما لا قبل لنا به! \" فقال له الحسين: ما كنت لأبدأهم بالقتال. فقال له زهير: \" سربنا إلى هذه القرية حتى ننزلها فإنها حصينة وعلى شاطئ الفرات، فإن منعونا قاتلناهم، فقتالهم أهون علينا من قتال من يجئ بعدهم \" . فقال له الحسين: أية قريةٍ هي؟ قال: العقر. فقال الحسين: اللهم إني أعوذ بك من العقر! ثم نزل، وذلك يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين.\rفلما كان الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكوفة. وكان سبب مسيره لقتال الحسين أن عبيد الله بن زياد كان قد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة، يسير بهم إلى دستبى، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، فكتب ابن زياد له عهده على الري، وأمره بالخروج، فخرج وعسكر بالناس، فلما كان من أمر الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك. فاستعفاه، فقال: نعم، على أن ترد علينا عهدنا. فلما قال له ذلك قال: أمهلني اليوم حتى أنظر. فاستشار عمر نصحاءه، فكلهم نهاه، وأتاه حمزة بن المغيرة بن شعبة - وهو ابن أخته - فقال له: \" أنشدك الله يا خالي ألا تسير إلى الحسين فتأثم بربك وتقطع رحمك! فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلها - لو كان لك - خيرٌ من أن تلقى الله بدم الحسين! \" فقال: أفعل إن شاء الله. وبات ليلته مفكراً في أمره فسمع وهو يقول:\rأأترك ملك الرّيِّ والريُّ رغبتي ... أم ارجع مذموما بقتل حسين\rوفي قتله النار التي ليس دونها ... حجابٌ، وملك الري قرّة عين\rثم أتى ابن زياد فقال له: إنك قد وليتني هذا العمل وسمع الناس به، فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك وتبعث إلي الحسين من أشراف الكوفة من لست أغنى ولا أجزأ عنك في الحرب منه - وسمى له أناساً - ، فقال له ابن زياد: لا تعلمني بأشراف الكوفة، فلست أستأمرك فيمن أريد أن أبعث، فإن سرت بجندنا وإلا فابعث إلينا بعهدنا، قال إني سائر. فأقبل في ذلك الجيش حتى نزل بالحسين فلما نزل به بعث إليه عزرة بن قيس الأحمسي، فقال له: ائته فاسأله: ما الذي جاء بك؟ وماذا تريد؟ وكان عزرة ممن كتب إلى الحسين، فاستحيى منه أن يأتيه، فعرض عمر ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه، فكلهم أباه وكرهه.\rفقام إليه كثير بن عبد الله، وكان فارسا شجاعا، فقال: أنا ذاهب إليه ووالله إن شئت لأفتكن به. فقال عمر: ما أريد أن يفتك به ولكن أن تسأله: ما الذي جاء به؟ فأقبل إليه، فلما رآه أبو ثمامة الصائدي قال للحسين: أصلحك الله، قد جاءك شر أهل الأرض وأجرؤه على دم وأفتكه. فقام إليه، فقال له: ضع سيفك. قال لا والله ولا كرامة، إنما أنا رسول فإن سمعتم أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، وإن أبيتم انصرفت عنكم. فقال له رجل: فإني آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك. قال: لا والله لا تمسه. فقال له: أخبرني ما جئت به وأنا أبلغه عنك ولا أدعك تدنو منه فإنك فاجر. فاستبا، ثم انصرف إلى عمر فأخبره الخبر.\rفدعا عمر قرة بن قيس الحنظلي، فقال له: ويحك يا قرة، الق حسينا فاسأله: ما جاء به؟ وماذا يريد؟ فأتاه فأخبره رسالة ابن سعد، فقال له الحسين: كتب إلى أهل مصركم أن أقدم عليهم، فأما إذ كرهتموني فإني أنصرف عنهم. فانصرف قرة إلى عمر فأخبره الخبر، فقال عمر: إني لأرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله.\rثم كتب إلى عبيد الله بن زياد: \" أما بعد، فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي، فسألته عما أقدمه وماذا يطلب وماذا يسأل، فقال: كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم فسألوني القدوم ففعلت، فأما إذ كرهوني وبدا لهم غير ما أتتني رسلهم فأنا منصرف عنهم \" .\rفلما قرئ الكتاب على ابن زياد قال:\rالآن إذ علقت مخالبنا به ... يرجو النجاة ولات حين مناص\rوكتب إلى عمر بن سعد: \" بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت، فاعرض على الحسين أن يبايع يزيد بن معاوية أمير المؤمنين هو وجميع أصحابه، فإذا هو فعل رأينا والسلام \" فلما قرأ عمر الكتاب قال: قد أحسست ألا يقبل ابن زياد العافية.","part":5,"page":439},{"id":2440,"text":"قال: وكتب ابن زياد إلى عمر بن سعد: \" أما بعد، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، فلا يذوقوا منه قطرة، كما صنع بالتتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان \" .\rفبعث عمر عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة، وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ومنعوهم أن يسقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث.\rوناداه عبد الله بن أبي حصين الأزدي: \" يا حسين، ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء! والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً! \" . فقال الحسين: \" اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا! \" . قال أبو جعفر الطبري في تاريخه: قال حميد بن مسلم \" والله لقد عدته بعد ذلك في مرضه، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى يبغر، ثم يقيء، ثم يعود فيشرب حتى يبغر، فما يروى، فما زال ذلك دأبه حتى لفظ غصته \" يعني نفسه.\rقال: فلما اشتد على الحسين ومن معه العطش دعا أخاه العباس بن علي، فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، وبعث معهم بعشرين قربة، فدنوا من الماء، وقاتلوا عليه، حتى ملئوا القرب وعادوا بها إلى الحسين.\rقال: ثم بعث الحسين إلى عمربن سعد أن القني الليلة بين عسكري وعسكرك. وكان رسوله إليه عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري، فخرج عمر في نحو من عشرين فارساً، وأقبل الحسين في مثل ذلك، فلما التقيا أمر الحسين أصحابه أن يتنحوا عنه، وأمر عمر بمثل ذلك، فتكلما، فأطالا حتى ذهب من الليل جانب، ثم انصرف كل منهما إلى عسكره.\rقال: وتحدث الناس فيما بينهم ظناً يظنونه أن الحسين قال لعمر بن سعد: اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين. فقال له عمر: إذن تهدم داري. قال: إذن أبنيها لك. قال: إذن نؤخذ ضياعي. قال: إذن أعطيك خيراً منها في الحجاز. فكره ذلك عمر بن سعد. فتحدث الناس بذلك من غير أن يكونوا سمعوه.\rقال: وذكر جماعة من المحدثين أن الحسين قال: اختاروا مني خصالا ثلاثا: إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه، وإما أن أسير إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم فأكون رجلا من أهله لي ما لهم وعلي ما عليهم.\rوأنكر عقبة بن سمعان هذه المقالة وقال: \" صحبت الحسين، فخرجت معه من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى العراق، ولم أفارقه حتى قتل، وليس من مخاطبته الناس كلمةٌ إلا وقد سمعتها، ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس ويزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا أن يسيره إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعوني أرجع من المكان الذي أقبلت منه، أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر: إلام يصير أمر الناس؟.\rوقيل: التقى الحسين وعمر بن سعد مراراً ثلاثا أو أربعا، فكتب عمر إلى عبيد الله بن زياد: \" أما بعد، فإن الله قد أطفأ النائرة وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمة، هذا الحسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن نسيره إلى ثغر من الثغور شئنا فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لكم رضىً وللأمة صلاح \" .\rفلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه، نعم، قد قبلت.\rفقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال: \" أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك، والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت فأنت ولي العقوبة، وإن عفوت كان ذلك لك، والله لقد بلغني أن الحسين وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل \" .\rفقال له ابن زياد: \" نعم ما رأيت، اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد، فليعرض على حسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا فليبعث بهم إلى سلما، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن هو أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الناس وثب عليه فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه \" .","part":5,"page":440},{"id":2441,"text":"وكتب ابن زياد إلى عمر بن سعد: \" أما بعد، فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعاً، انظر، فإن نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلى سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم، فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنه عاقٌ مشاقٌ قاطع ظلوم، فإن أنت، مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أنت أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخل بين شمرٍ وبين العسكر، فإنا قد أمرناه بأمرنا، والسلام \" .\rفأقبل شمر بكتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد، فقرأه، فقال له عمر: \" مالك؟ ويلك! لا قرب الله دارك، وقبح الله ما قدمت به علي! والله إني لأظنك أنت الذي ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه، أفسدت علينا أمراً كنا نرجو أن يصلح، لا يستسلم والله حسينٌ أبدا، والله إن نفساً أبيةً لبين جنبيه! \" .\rفأقبل له شمر: أخبرني ما أنت صانع: أتمضي لأمر أميرك وتقاتل عدوه وإلا فخل بيني وبين الجند والعسكر؟ فقال: لا، ولا كرامة لك، ولكن أنا أتولى ذلك.\rفنهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم.\rوكان شمر لما قبض كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد قام هو وعبد الله بن أبي المحل، وكانت عمته أم البنين ابنة حزام عند علي بن أبي طالب فولدت له العباس وعبد الله وجعفرا وعثمان.\rقال عبد الله: \" أصلح الله الأمير، إن بني أختنا مع الحسين، فإن رأيت أن تكتب لهم أماناً فعلت \" . فقال: نعم ونعمة عينٍ فأمر كاتبه فكتب له أماناً.\rفلما نهض عمر إلى الحسين جاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين فقال: أين بنو أختنا؟ فخرج إليه العباس وعبد الله وجعفر وعثمان بنو علي، فقالوا: مالك؟ وما تريد؟ قال: أنتم يا بني أختي آمنون، فقالوا له: لعنك الله ولعن أمانك! لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له! قال: ثم إن عمر بن سعد نادى: يا خيل الله اركبي وأبشري. فركب الناس، ثم زحف بهم نحوهم بعد صلاة العصر، والحسين جالس أمام بيته محتبياً بسيفه، إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت أخته الصيحة. فدنت منه فأيقظته وقالت: أما تسمع الأصوات قد اقتربت! فرفع الحسين رأسه فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: إنك تروح إلينا. فلطمت وجهها وقالت: واويلتاه! فقال: ليس لك الويل يا أخيه، اسكتي رحمك الله! وقال له العباس: يا أخي أتاك القوم. نهض ثم قال: يا عباس أركب بنفسي. فقال له العباس: بل أروح أنا. فقال: اركب أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم: مالكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عما جاء بهم. فأتاهم العباس فاستقبلهم في نحو عشرين فارساً، فقال لهم: ما بدا لكم؟ وما تريدون؟ قالوا: جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم. قال: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم. فوقفوا، وانصرف راجعاً يركض إلى الحسين فأخبره الخبر، فقال له الحسين: ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره. فرجع العباس إليهم فقال: \" يا هؤلاء، إن أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه الليلة، حتى ينظر في هذا الأمر، فإن هذا الأمر لم يجري بينكم وبينه فيه منطق، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله، فإما رضيناه فأتينا الأمر الذي تسألوننا وتسومونناه، أو كرهناه فرددناه \" .\rقال: وإنما أراد الحسين أن يردهم عنه تلك العشية حتى يأمر بأمره ويوصي أهله.\rفاستشار عمر بن سعد شمر بن ذي الجوشن في ذلك، فقال شمر أنت الأمير والرأي رأيك: فأقبل عمر على الناس فقال: ماذا ترون؟ فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي: سبحان الله! والله لو كان من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها.\rوقال قيس بن الأشعث: أجبهم إلى ما سألوك فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوةً. فقال: والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخرتهم العشية. ثم رجع عنهم.","part":5,"page":441},{"id":2442,"text":"قال: وجمع الحسين أصحابه بعد ما رجع عمر بن سعد عنهم فقال: \" أثني على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وعلمتنا القرآن، وفقهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، فاجعلنا لك من الشاكرين، أما بعد، فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيتٍ أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعاً عني خيراً، ألا وإني لأظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا، ألا وإني قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حل، ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثم تفرقوا في البلاد، في سوادكم ومدائنكم، حتى يفرج الله، فإن القوم إنما يطلبونني ولو قد أصابوني لهواً عن طلب غيري! \" .\rفقال له أخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر: \" لم نفعل ذلك؟ لنبق بعدك! لا أرانا الله ذلك أبدا! \" . بدأهم بهذا القول العباس بن علي، ثم تكلموا بهذا ونحوه، فقال الحسين: يا بني عقيل، حسبكم من الفتك بمسلم، فاذهبوا فقد أذنت لكم!.\rقالوا: \" فماذا يقول الناس؟ يقولون: أنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، لم نرمي معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمحٍ، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري، ما صنعوا!لا والله لا نفعل، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك! \" .\rوقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدى، فقال: \" أنحن نتخلى عنك ولم نعذر إلى الله في أداء حقك؟ أما والله لا أفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي واضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي! والله لو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت! \" .\rوقال له سعد بن عبد الله الحنفي: \" والله لا نخليك، حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك، والله لو علمت أني أحيا ثم أحرق حياً ثم أذرى - يفعل بي ذلك سبعين مرة - ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك! فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا! \" .\rوقال زهير بن القين: \" والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت، حتى أقتل هكذا ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك! \" .\rوتكلم جماعة أصحابه بكلامٍ يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد، فقالوا: \" والله لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء! ونقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا وأبداننا! فإذا نحن قتلنا وفينا وقضينا ما علينا! \" .\rوهذا القول من كلام الحسين وكلامهم مروي عن زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهما.\rقال: وسمعته زينب أخته في تلك الليلة وهو في خباء له يقول - وعنده حوى مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه - :\rيا دهر أفٌّ لك من خليل ... كم لك بالإشراق والأصيل\rمن صاحبٍ أو طالبٍ قتيل ... والدهر لا يقنع بالبديل\rوإنّما الأمر إلى الجليل ... وكل حيٍ سالك السبيل\rفأعاد ذلك مرتين أو ثلاثاً، فلما سمعته لم تملك لنفسها أن وثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت: \" واثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة! اليوم ماتت فاطمة أمي وعلي أبي وحسنٌ أخي! يا خليفة الماضي وثمال الباقي! \" . فنظر إليها وقال: يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان. قالت: بأبي وأمي أنت استقتلت نفسي فداؤك! فردد غصته، وترقرقت عيناه، ثم قال: \" لو ترك القطا ليلاً لنام! \" . فقالت: \" يا ويلتاه! أفتغضب نفسك اغتصاباً؟ فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي! \" . ثم لطمت وجهها وأهوت إلى جيبها فشقته، ثم خرت مغشياً عليه، فقام إليها الحسين فصب على وجها الماء وقال لها: \" يا أخيه، اتق الله، وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كل شيءٍ هالك إلا وجهه، الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد وحده، وأبي خيرٌ مني، وأمي خيرٌ مني، وأخي خيرٌ مني، ولي ولهم ولكل مسلم أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم! \" . فعزاها بهذا ونحوه، وقال لها: \" يا أخيه، إني أقسم عليك فأبري قسمي، أن لا تشقي علي جيباً، ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت! \" .","part":5,"page":442},{"id":2443,"text":"ثم خرج إلى أصحابه، فأمرهم أن يقربوا بيوتهم بعضها إلى بعض، وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا هم بين البيوت، فيستقبلوا القوم من وجه واحد، والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم.\rقال: وقاموا الليل كله يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون.\rفلما صلى عمر بن سعد الغداة، وذلك يوم السبت، وهو يوم عاشوراء، وقيل: يوم الجمعة، خرج فيمن معه من الناس.\rوعبأ الحسين أصحابه بالغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً، فجعل زهير بن القين في ميمنته، وحبيب بن مظهر في ميسرته، وأعطا رايته العباس أخاه، وأمر بحطب وقصب فألقي في مكان مخفض من ورائهم كأنه ساقيه كانوا عملوه في ساعة من الليل، وأضرم فيه نارا، لئلا يؤتوا من ورائهم، فنفعهم ذلك.\rوجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجال شبثٌ بن ربعي، وأعطى الراية ذويداً مولاه، وجعل على ربع المدينة عبد الله بن زهير الأزدي، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث بن قيس، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي سبرة الحنفي، وعلى ربع تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي.\rفشهد هؤلاء كلهم مقتل الحسين إلا الحر بن يزيد، فأنه عدل إلى الحسين وقتل على ما نذكره.\rقال: ولما أقبلوا إلى الحسين أمر بفسطاط فضرب، ثم أمر بمسك، فميث في جفنة عظيمة، ثم دخل الحسين ذلك الفسطاط واستعمل النورة، ثم خرج فركب دابته، ودعا بمصحف فوضعه أمامه، ورفع يديه فقال: \" اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته إليك، رغبة مني إليك عمن سواك، ففرجته وكشفته وكفيتنيه، فأنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة! \" .\rوأقبلوا نحو الحسين، فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب، فقال شمر بن ذي الجوشن: يا حسين استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة. فقال له الحسين: يا ابن راعية المعزة أنت أولى بها صلياً!.\rثم ركب الحسين راحلته، وحمل ابنه علياً على فرسه \" لاحق \" .\rما تكلم به الحسين\rقبل إنشاب الحرب وما وعظ به الناس وما أجابوه وما تكلم به أصحابه وما أجيبوا به وخبر مقتله قال: ولما ركب الحسين راحلته نادى بأعلى صوته نداء يسمع جل الناس: أيها الناس، اسمعوا قولي، ولا تعجلوني حتى أعظكم بما يحق لكم، وحتى أعتذر لكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف كنت بذلك أسعد ولم يكن لكم على سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم \" فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون \" ، \" إن - ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين \" .\rثم حمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى ملائكة الله وأنبيائه، ثم قال: أما بعد، فانسبوني وانظروا من أنا؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم، وعاتبوها، فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربه؟ أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أوليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين بعمي؟ أولم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي ولأخي: \" هذان سيدا شباب أهل الجنة \" ؟ فإن صدقتموني بما أقول، وهو الحق، وما تعمدت كذباً مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله ويضر به من اختلقه، وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري أو أبا سعيد الخدري أو سهل بن سعد الساعدي أو زيد بن أرقم أو أنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟!.\rفقال له شمر: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول. فقال له حبيب بن مظهر: \" والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفا، وإني أشهد أنك صادق وأنك لا تدري ما تقول، قد طبع الله على قلبك! \" .","part":5,"page":443},{"id":2444,"text":"ثم قال الحسين: فإن كنتم في شكٍ من هذا القول أفتشكون أني ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غير منكم ولا من غيركم! أخبروني أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مال لكم استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟!.\rفلم يكلموه، فنادى: \" ياشبث بن ربعي، ويا حجار بن أبحر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، أم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وطمت الجماجم، وإنما تقدم على جند لك مجند، فاقبل.؟ \" قالوا: لم نفعل قال: \" سبحان الله! بلى والله لقد فعلتم! \" .\rثم قال: أيها الناس إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض.\rفقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم بني عمك فإنهم لن يروك إلا ما تحب ولن يصل إليك منهم مكروه. فقال له الحسين \" أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنوها هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد! عباد الله، إني عذت بربي وربكم أن ترجمون إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب! \" ثم أناخ راحلته، ونزل عنها، وأمر عقبة بن سمعان فعقلها، وأقبلوا يزحفون نحوه.\rفخرج زهير بن القين على فرس له شاكي السلاح، وقال: \" يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب الله نذار، إن حقاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الآن أخوة، وعلى دين واحد وملة واحدة، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، فأنتم للنصيحة أهل، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية محمد صلى الله عليه وسلم لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلا ن الطاغية ابن الطاغية عبيد الله بن زياد فإنكم لا تذكرون منهما إلا سوءا، يسملان أعينكم، وقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثلان بكم، ويرفعانكم على جذوع النخل ويقتلان أماثلكم وقراءكم، أمثال حجر بن عدي وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه! \" قال: فسبوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد، ودعوا له، وقالوا: والله لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلماً.\rفقال لهم: \" عباد الله، إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية، فإن كنتم لم تنصروه فأعيذكم بالله أن تقتلوه، خلوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية، فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين! \" .\rفرماه شمر بسهم وقال: اسكت، أسكت الله نأمتك، أبرمتنا بكثرة الكلام! فقال له زهير: \" يا ابن البوال على عقبيه، ما إياك أخاطب، إنما أنت بهيمة، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم! \" فقال له شمر: إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة. قال: \" أفبالموت تخوفني؟ فوالله للموت أحب إلي من الخلد معكم! \" ثم رفع صوته وقال: \" عباد الله، لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه فوالله لا تنال شفاعة محمد قوماً هراقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم! \" فأتاه رجل من قبل الحسين فقال له: \" إن أبى عبد الله يقول لك: أقبل، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح قومه وأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع الصلح والإبلاغ! \" .\rقال: ولما زحف عمر بن سعد إلى الحسين أتاه الحر بن يزيد فقال له: \" أصلحك الله، أمقاتل أنت هذا الرجل؟! \" قال: \" إي والله، قتالاً أيسره أن تسقط الرءوس وتتطيح الأيدي! \" قال: أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضىً؟ قال عمر: \" أما والله لو كان الأمر لي لفعلت! ولكن أميرك قد أبى ذلك \" .","part":5,"page":444},{"id":2445,"text":"فأخذ الحر يدنو من الحسين قليلاً قليلا، وأخذته رعدة، فقال له رجل من قومه يقال له \" المهاجر بن أوس \" . ما تريد يا ابن يزيد؟ أتريد أن تحمل؟ فسكت، وأخذه مثل العرواء، فقال له: \" يا ابن يزيد، إن أمرك لمريب! والله ما رأيت منك في موقف قط مثل شيء أراه الآن! ولو قيل لي: من أشجع أهل الكوفة رجلا؟ ما عدوتك! فما هذا الذي أرى منك؟ \" فقال له: \" إني - والله - أخير نفسي بين الجنة والنار، والله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قطعت وحرقت! \" . ثم ضرب فرسه، فلحق بالحسين، فقال له: \" جعلني الله فداك يا ابن رسول الله، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، ووالله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبدا ولا يبلغون منك هذه المنزلة! فقلت في نفسي لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أني خرجت من طاعتهم، وأما هم فسيقبلون من الحسين بعض هذه الخصال التي يعرض عليهم، ووالله لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك! وإني قد جئتك تائباً مما كان مني إلى ربي مواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك! أفترى ذلك لي توبة؟ \" قال: نعم، يتوب الله عليك ويغفر لك.\rقال: فتقدم الحر، ثم قال: \" أيها الأمير، ألا تقبلون من الحسين خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم فيعافيكم الله من حربه وقتاله؟ \" فقال له عمر: \" قد حرصت، لو وجدت إلى ذلك سبيلاً فعلت! \" فقال: \" يا أهل الكوفة، لأمكم الهبل! دعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه! وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه! أمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل ناحية، فمنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة، حتى يأمن ويأمن أهل بيته، فأصبح في أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضرا! ومنعتموه ومن معه من ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والنصراني والمجوسي، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، وهاهم قد صرعهم العطش! بئس ما خلفتم محمداً في ذريته! لا أسقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عن ما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه! \" فرموه بالنبل، فرجع حتى وقف أمام الحسين.\rوزحف عمر بن سعد، ثم نادى: \" يا ذويد، أذن رايتك \" ثم رمى بسهم وقال: اشهدوا أني أول من رمى بسهم.. ثم ارتمى الناس.\rوخرج يسار مولى زياد بن أبيه وسالم مولى عبيد الله بن زياد، فقالا: من يبارز؟ فخرج إليهم عبد الله بن عمير الكلبي، فقالا له: من أنت؟ فانتسب لهما، فقالا له: لا نعرفك، ليخرج إلينا زهير بن القين أو حبيب بن مظهر أو برير بن خضير. وكان يسار أمامك سالم، فقال له الكلبي: \" يا ابن الزانية، أوبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس؟ وهل يخرج إليك أحد من الناس إلا وهو خير منك؟! \" ثم حمل عليه فضربه بسيفه حتى برد، فإنه لمشتغل به يضربه إذا شد عليه سالم فلم يأبى له، حتى غشيه فبدره الضربة، فاتقاه الكلبي بيده اليسرى فأطار أصابع كفه اليسرى، ثم مال عليه الكلبي فضربه حتى قتله.\rوكان الكلبي هذا قد رأى الناس من أهل الكوفة بالنخيلة وهم يعرضون ليسرحوا إلى الحسين، فقال: \" والله لقد كنت على جهاد أهل الشرك حريصاً، وإني لأرجو أن لا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيهم أيسر ثواباً عند الله من ثوابه إياي في جهاد المشركين! \" فدخل على امرأته أم وهب بنت عبد، فأخبرها بما سمع وأعلمها بما يريد، فصوبت رأيه وقالت: أخرجني معك! فخرج بها ليلاً حتى أتى الحسين فأقام معه، فلما قتل العبدين أقبل يرتجز ويقول:\rإن تنكروني فأنا ابن كلب\rحسبي ببيتي في عليمٍ حسبي\rإني امرؤ ذو مرّة وعصب\rولست بالخّوّار عند النّكب\rإنّي زعيمٌ لك أمّ وهب\rبالطعن فيهم مقدماً والضّرب\rضرب غلام مؤمنٍ بالرّبّ\rفأخذت امرأته أم وهب عمودا ثم أقبلت نحوه تقول له: \" فداك أبي وأمي! قاتل دون الطيبين ذرية محمد صلى الله عليه وسلم! \" فأقبل إليها يردها نحو النساء، وأخذت تجاذب ثوبه وقالت: لن أدعك دون أن أموت معك! فناداها الحسين فقال: \" جزيتم من أهل بيت خيرا! ارجعي رحمك الله إلى النساء فاجلسي معهن، فإنه ليس على النساء قتال. \" فانصرفت إليهن.","part":5,"page":445},{"id":2446,"text":"وحمل عمرو بن الحجاج، وهو في الميمنة، فلما دنا من الحسين جثوا له على الركب، وأشرعوا الرماح نحوهم، فلم تقدم خيلهم على الرماح، فذهبت الخيل لترجع، فرشقوهم بالنبل، فصرعوا منهم رجالا وجرحوا آخرين.\rوجاء عبد الله بن حوزة التميمي حتى وقف أمام الحسين، فقال له: يا حسين فقال: ما تشاء؟ قال: أبشر بالنار. قال: \" كلا، إني أقدم على رب رحيم شفيع مطاع! من أنت؟ \" . قال أصحابه: هذا ابن حوزة. قال: رب حزه إلى النار! فاضطرب به فرسه في جدول، فوقع فيه، وتعلقت رجله بالركاب، ونفر الفرس، فمر به يضرب برأسه كل شجرة وحجر حتى مات، وانقطعت فخذه وساقه وقدمه.\rثم برز الناس بعضهم إلى بعض، فصاح عمرو بن الحجاج بالناس: \" يا حمقى، أتدرون من تقاتلون؟ فرسان المصر قوماً مستمتين لا يبرز لهم منكم أحد، فإنهم قليل، فوالله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم! \" فقال عمر: \" صدقت، الرأي ما رأيت \" .\rثم حمل عمرو بن الحجاج على الحسين من نحو الفرات، فاضطربوا ساعة، فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي من أصحاب الحسين، ثم مات، فترحم الحسين عليه ثم قال: \" فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا \" .\rوحمل شمر بن ذي الجوشن بالميسرة على يليه من أصحاب الحسين، فثبتوا له وطاعنوه، فقتل الكلبي، بعد أن قتل رجلين آخرين وقاتل قتالاً شديداً، فكان هو القتيل الثاني من أصحاب الحسين.\rوقاتل أصحاب الحسين قتالاً شديداً، فكانوا لا يحملون على جانب من خيل الكوفة إلا كشفوه، فلما رأى ذلك عزرة بن قيس \" وهو على خيل الكوفة \" بعث إلى عمر بن سعد فقال: \" ألا ترى ما تلقى خيلي منذ اليوم من هذه العدة اليسيرة؟ ابعث إليهم الرجال والرماة! \" . فقال عمر لشبث بن ربعى: تقدم إليهم. فقال: سبحان الله! أتعمد إلى شيخ مضر وأهل المصرعامه تبعثه في الرماة؟ لم تجد من تندب لهذا ويجزى عنك غيري! وكان لا يزالون يرون من شبث الكراهة لقتال الحسين.\rقال: فلما قال شبث ذلك دعا عمر بن سعد الحصين بن نمير وبعث معه المجففة وخمسمائة من المرامية، فلما دنوا من الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل،فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وصاروا رجالة كلهم.\rو قاتل الناس أشد قتال حتى انتصف النهار، وهم لا يقدرون على أن ياتوا الحسين وأصحابه إلا من وجه واحد، لا جتماع أبنيتهم وتقارب بعضها من بعض.\rفأرسل عمر بن سعد رجالاً يقوضونها عن أيمانهم وعن شمائلهم، ليحيطوا بهم،فكان النفر من أصحاب الحسين الثلاثة والأربعة يتخللون البيوت فيقتلون الرجل وهو يقوض وينهب. فأمر بها عمر بن سعد فأحرقت، فقال الحسين: \" دعوهم يحرقوها، فانهم إذا أحرقوها لا يستطيعون أن يجوزوا منكم إليها! \" . فكان ذلك كذلك، وجعلوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد.\rو خرجت أم وهب امرأة الكلبي تمشي إلى زوجها، حتى جلست عند رأسه، فجعلت تمسح التراب عن وجهه وتقول: هنيئاً لك الجنة! فقال شمر لغلام اسمه رستم: اضرب رأسها بالعمود.فضرب رأسها، فشدخه،فماتت مكانها.\rو حمل شمر حتى بلغ فسطاط الحسين ونادى: \" على بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله \" . فصاح النساء وخرجن من الفسطاط.و صاح به الحسين ودعا عليه، فرده شبث بن ربعي عن ذلك، وحمل زهير بن القين عشرة من أصحابه على شمر ومن معه فكشفهم عن البيوت حتى ارتفعوا عنها وقتلوا أبا عزة الضبابي من أصحاب شمر، وعطف الناس عليهم فكثروهم فقال أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي للحسين: \" يا أبا عبد الله، نفسي لك الفداء، اني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك إن شاء الله! وأحب أن ألقى ربي وقد صليت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها! \" فدعا له الحسين وقال: نعم هذا أول وقتها.ثم قال سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي. ففعلوا، فقال لهم الحصين بن نمير: إنها لا تقبل. فسبه حبيب بن مظهر، فحمل عليه الحصين، وخرج إليه حبيب بن مظهر، فضرب وجه فرسه بالسيف، فشب، فسقط عنه الحصين، فاستنقذه أصحابه، وقاتل حبيب قتالاً شديداً، فقتل بديل به صريم التميمي، وحمل عليه آخر من تميم، فطعنه، فوقع، فذهب ليقوم، فضربه الحصين على رأسه بالسيف، فوقع، فنزل إليه التميمي فاحتز رأسه.\rفقال حسين عند ذلك: أحتسب نفسي وحماة أصحابي!! وحمل الحر بن يزيد وزهير بن القين فقاتلا قتالاً شديداً، فقتل الحر، وقتل أبو ثمامة الصائدي ابن عم له كان عدوه.","part":5,"page":446},{"id":2447,"text":"ثم صلى الحسين صلاة الظهر بأصحابه صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعد الظهر، فاشتد قتالهم، ووصل الحسين فاستقدم سعد بن عبد الله الحنفي لأمامه، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل حتى سقط، وقاتل زهير بن القين قتالاً شديداً وجعل يقول:\rأنا زهير وأنا ابن القين\rأزودهم بالسيف عن حسين\rو جعل يضرب على منكب الحسين ويقول:\rأقدم هديت هادياً مهدياً\rفاليوم تلقى جدك النبيا\rو حسناً والمرتضى عليا\rو ذا الجناحين الفتى الكميا\rو أسد الله الشهيد الحيا\rقال: فحمل على زهير الكثير بن عبد الله الشعبي ومهاجر بن أوس فقتلاه.\rقال: وكان نافع بن هلال البجلي قد كتب اسمه على أفواق نبله، وكانت مسمومة، فقتل بها اثنى عشر رجلاً سوى من جرح، فضرب حتى كسرت عضداه، وأخذ أسيراً، فأتى به ِشمر عمر ابن سعد والدم يسيل على لحيته، فقال له عمر: \" ويحك يا نافع! ما حملك على ما صنعت بنفسك؟ \" قال: \" ان ربي يعلم ما أردت! والله قتلت منكم اثنى عشر سوى من جرحت، وما ألوم نفسي، ولو بقي لي عضدٌ وساعدٌ ما أسرتموني! \" فقال له شمر: اقتله أصلحك الله. قال: أنت جئت به ان شئت فاقتله، فانتضى شمر سيفه، فقال له نافع: \" أما والله لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا! فالحمد لله الذي جعل منايانا على يد شرار خلقه! \" فقتله.\rثم حمل شمر على أصحاب الحسين، فلما رأوا أنهم قد كثروا وأنهم لا يقدرون على أن يمنعوا الحسين تنافسوا أن يقتلوا بين يديه،فجاءه عبد الله وعبد الرحمن ابنا عزرة الغفاريان فقالا: قد جازنا العدو إليك فأحببنا أن نقتل بين يديك! فرحب بهما، وقال: ادنوا مني فدنوا منه، فجعلا يقاتلان قريباً منه.\rو جاءه الفتيان الجابريان: سيف بن الحارث بن سريع ومالك ابن عبد بن سريع، وهما ابنا عم وأخوان لأم، وهما يبكيان، فقال: \" ما يبكيكما؟ والله إني لأرجو أن تكونا عن ساعة قريري عين! \" قالا: \" والله ما على أنفسنا نبكي، ولكنا نبكي عليك! نراك قد أحيط بك ولا نقدر أن نمنعك! \" . فقال: جزاكما الله خيراً!.\rو جاء حنظلة بن أسعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين، وجعل ينادي: يا قوم، اني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود واللذين من بعدهم وما الله يريد ظلماً للعباد، ويا قوم اني أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم، ومن يضلل الله فما له من هاد، يا قوم لا تقتلوا الحسين فيسحتكم الله بعذاب \" رحمك الله! انهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق ونهضوا إليك ليستبيحوك، فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين؟! \" . قال:رح إلى خيرٍ من الدنيا وما فيها وإلى ملكٍ لا يبلى. فسلم على الحسين واستقدم فقاتل حتى قتل.\rثم استقدم الفتيان الجابريان، فودعا حسيناً، وقاتلا حتى قتلا.\rو جاء عابس بن أبي شبيب الشاكري وشوذب مولى شاكر إلى الحسين،فسلما عليه، وتقدما فقاتلا، فقتل شوذب، وتقدم عابس نحوهم بالسيف،و به ضربة على جبينه، وكان أشجع الناس، فجعل ينادي: \" ألا رجل لرجل؟ \" . فعرفه ربيع بن تميم الهمداني، فقال: \" أيها الناس، هذا الأسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب، لا يخرجن إليه أحد منكم! \" . فقال عمر بن سعد: ارضخوه بالحجارة. فرموه من كل جانب،فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره ثم شد على الناس، فهزمهم بين يديه، ثم عطفوا عليه من كل جانب، فقتلوه، فادعى قتله جماعةٌ وأتوا ابن سعد، فقال: \" لا تختصموا هذا لم يقتله إنسان واحد! \" . ففرق بينهم بهذا القول.\rو جاء أبو الشعثاء يزيد بن أبي زياد الكندي، وكان رامياً، فجثا على ركبتيه بين يدي الحسين فرمى بمائة سهم ما سقط منها خمسة أسهم، وكان يزيد هذا ممن خرج مع عمر بن سعد، فلما ردوا ما عرض عليهم الحسين عدل إليه، فقاتل حتى قتل.\rو كان آخر من تبقى مع الحسين من أصحابه سويد بن عمرو ابن أبي المطاع الخثعمى.\rو كان أول قتيل من بني أبي طالب يومئذٍ علي الأكبر ابن الحسين، وأمه ليلى ابنة أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفية، وذلك أنه حمل على الناس وهو يقول:\rأنا علي بن الحسين بن علي\rنحن ورب البيت أولى بالنبي\rتا الله لا يحكم فينا ابن الدعي","part":5,"page":447},{"id":2448,"text":"فعل ذلك مراراً وهو يشد على الناس بسيفه، فاعترضه مرة بن منقذ بن النعمان العبدي، وطعنه، فصرع، وقطعه الناس بأسيافهم، فقال الحسين: \" قتل الله قوماً قتلوك يا بني! ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول! على الدنيا بعدك العفاء! \" وأقبل الحسين إليه ومعه فتيانه فقال: احملوا أخاكم. فحملوه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذين كانوا يقاتلون أمامه.\rوشد عثمان بن خالد الجهني وبشر بن سوط الهمذاني على عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فقتلاه، ورمى عبد الله بن عزرة الخثعمي جعفر بن عقيل بن أبي طالب فقتله، ورمى صبيح الصدائي عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفه على جبهته فلم يستطيع أن يحركها ثم رماه بسهم آخر فقتله.\rوحمل الناس عليهم من كل جانب، فحمل عبد الله بن قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر فقتله، وحمل القاسم بن الحسن بن علي فحمل عليه عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي، فضرب رأسه بالسيف فوقع القاسم إلى الأرض لوجهه، وقال: يا عماه! فانقض الحسين إليه كالصقر، ثم شد شدة ليث أغضب، فضرب عمراً بالسيف، فاتقاه بالساعد، فقطع يده من المرفق، فصاح، وحملت خيل الكوفة ليستنقذوا عمراً، فاستقبلته بصدورها، وجالت عليه بفرسانها، فوطئته حتى مات، وانجلت الغبرة والحسين قائم على رأس القاسم وهو يفحص برجليه، والحسين يقول: \" بعداً لقوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك! \" ثم قال: \" عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، وأن يجيبك فلا ينفعك صوتٌ والله كثر واتره وقل ناصره! \" ثم احتمله على صدره حتى القاه مع ابنه علي ومن قتل من أهل بيته.\rقال: ومكث الحسين طويلاً من النهار، كلما انتهى إليه رجل من الناس انصرف عنه وكره أن يتولى قتله وعظيم إثمه، فأتاه رجل من كندة يقال له \" مالك بن النسير \" فضربه على رأسه بالسيف، فقطع البرنس، وأدمى رأسه، وامتلأ البرنس دماً، فقال له الحسين: \" لا أكلت بها ولا شربت! وحشرك الله مع القوم الظالمين! \" وألقى ذلك البرنس، ثم دعا بقلنسوة فلبسها واعتم، وجاء الكندي فأخذ البرنس وكان من خز، فقدم به على امرأته، وأقبل يغسله من الدم، فقالت له: \" أسلب ابن بنت رسول الله يدخل بيتي؟ أخرجه عني! \" فلم يزل ذلك الرجل فقيراً بشرٍ حتى مات.\rقال:ودعا الحسين بابنه عبد الله وهو صغير، فأجلسه لفي حجره فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه، فأخذ الحسين دمه بيده فصبه بالأرض، ثم قال: \" اللهم ربي إن كنت حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير، وانتقم من هؤلاء الظالمين! \" ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا البكر بن الحسين بسهم فقتله، وقتل إخوة الحسين وهم العباس وعبد الله وجعفر وعثمان.\rقال: واشتد عطش الحسين، فدنا من الفرات ليشرب فقال رجل من بني أبان بن درام: \" ويلكم! حولوا بينه وبين الماء \" ، وضرب فرسه، واتبعه الناس حتى حال بينه وبين الفرات، فقال الحسين: اللهم أظمئه! وانتزع الأبانى سهماً فأثبته في حنك الحسين، فانتزع الحسين السهم، ثم بسط كفيه فامتلأ دماً، فقال اللهم إني أشكو إليكما يفعل بابن بنت نبيك، اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، وقيل أن الذي رماه حصينا بن نمير، قال: فما مكث الذي رماه إلا يسيراً، ثم صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى، والماء يبرد له فيه السكر، وعساسٌ فيها لبن، وقلال فيها الماء، وإنه ليقول: ويلكم، اسقوني، قتلني الظمأ، فيعطى القلة والعس فيشربه، فما لبث إلا يسيراً حتى انقد بطنه انقداد بطن البعير.","part":5,"page":448},{"id":2449,"text":"قال: ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نحو عشرة من رجاله أهل الكوفة قبل منزل الحسين الذي فيه أهله وعياله، فمشى نحوهم فحالوا بينه وبين رحله، فقال: ويلكم، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا في دنياكم أحراراً ذوي أحساب، امنعوا رحلي وأهلي من طعامكم وجهالكم.قال شمر: ذلك لك يا ابن فاطمة، وأقدم شمر عليه بالرجالة منهم أبو الجنوب عبد الرحمن الجعفي، وصالح بن وهب اليزني،وسنان بن أنس النخعي، وخولى بن يزيد الأصبحي، وجعل شمر يحرضهم على الحسين، وهو يحمل عليهم فينكشفون عنه، ثم أحاطوا به، وأقبل إلى الحسين غلام من أهله، فأخذته زينب بنت علي لتحبسه، فأبى الغلام، وجاء يشتد حتى قام إلى جنب الحسين، وقد أهوى ابن كعب بن عبيد الله \" من بني تيم الله بن ثعلبة \" إلى الحسين بالسيف، فقال له الغلام: يا ابن الخبيثة أتقتل عمي؟! فضربه بالسيف فاتقاه الغلام بيده، فأطنها إلى الجلدة، فنادى الغلام: يا أمتاه، فضمه الحسين إليه وقال: \" يا ابن أخي اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين، برسول الله صلى عليه وسلم، وعلى حمزة وجعفر والحسن \" ثم قال الحسين: \" اللهم أمسك عنهم قطر السماء، وامنعهم بركات الأرض، اللهم فإن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا، واجعلهم طرائق قددا، ولاترضي عنهم الولاة أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا، فعدوا علينا فقتلونا! \" ثم ضارب الرجالة حتى انكشفوا عنهم.\rقال: ودنا عمر بن سعد من الحسين فخرجت زينب بنت علي أخت الحسين فقالت: يا عمر! أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟ فجعلت دموع عمر تسيل على خديه ولحيته، وصرف وجهه عنها.\rومكث الحسين طويلاً من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنهم كان يتقى بعضهم ببعض، ويحب هؤلاء أن يكفهم هؤلاء، فنادى شمر بن أبي الجوشن في الناس، ويحكم، ما تنتظرون بالرجل؟! اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم! فحملوا عليه من كل جانب، فضرب زرعة بن شريك كفه اليسرى، وضرب على عاتقه ثم انصرفوا عنه وهو يقوم ويكبو، وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس النخعي فطعنه بالرمح فوقع، وقال لخولى بن يزيد الأصبحي احتز رأسه، فأراد أن يفعل فضعف وأرعد، فقال له سنان: فت الله عضدك، وأبان يدك، ونزل إليه فذبحه وأخذ رأسه فدفعه إلى خولى.\rوسلب الحسين ما كان عليه، فأخذ سراويله بحر بن كعب، فكانت يداه في الشتاء تضخان الماء، وفي الصيف تيبسان كأنهما عود، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته وهي من خز، فكان يسمى بعد \" قيس قطيفة \" . وأخذ نعليه الأسود الأودي، وأخذ سيفه رجل من بني نهشل. ومال الناس على الورس والحلل والإبل فانتهبوها، وانتهبوا ثقله ومتاعه وما على النساء، حتى إن كانت المرأة لتنازع ثوبها فيؤخذ منها.\rووجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة، وكان سويد بن أبي المطاع قد صرع، فوقع بين القتلى مثخناً بالجراح، فسمعهم يقولون: قتل الحسين فوجد خفة فوثب ومعه سكين فقاتلهم بها ساعة، ثم قتله عروة بن بطان الثعلبي، فكان آخر قتيل من أصحاب الحسين.\rقال: وانتبهوا إلى علي بن الحسين وهو زين العابدين، فأراد شمر قتله وكان مريضاً فمنعه حميد بن مسلم، وجاء عمر بن سعد فقال: لايدخلن بيت هؤلاء النسوة أحد، ولايعرضن لهذا الغلام المريض، ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليردده عليهم، فما رد أحد شيئاً، فقال الناس لسنان بن أنس: \" قتلت حسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله، قتلت أعظم الناس خطراً، أراد أن يزيل ملك هؤلاء، فأت أمراءك فاطلب منهم، فإنهم لو أعطوك بيوت أموالهم في قتله كان قليلاً \" فأقبل على فرسه حتى وقف على باب فسطاط عمربن سعد، ثم نادى بأعلى صوته:\rأوقر ركابي فضةً وذهبا ... أنا قتلت السيد المحجبا\rقتلت خير الناس أماً وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا\rفقال عمر بن سعد: أشهد أنك مجنون، أدخلوه، فلما دخل حذفه بالقضيب وقال: يا مجنون أتنظم بهذا الكلام؟ لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك. وقيل: أنه قال ذلك لعبد الله بن زياد، فقال: فإن كان خير الناس أماً وأباً فلم قتلته؟ وأمر به فضربت عنقه، خسر الدنيا والآخرة.\rتسمية من قتل مع الحسين بن علي رضي الله عنهما ومن سلم ممن شهد القتال","part":5,"page":449},{"id":2450,"text":"قال: ولما قتل الحسين جاءت كندة بثلاثة عشر رأساً وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأساً، وصاحبهم شمر بن الجوشن، وجاءت بنو تميم بسبعة عشر رأساً، وجاءت بنو أسد بستة، وجاءت مذحج بسبعة، وجاء سائر الجيش بسبعة، فذلك سبعون راساً.\rمنهم أخوة الحسين ستة، وهم: العباس، وجعفر، وعبدالله، وعثمان، ومحمد \" وهو ليس ابن الحنفية \" ، وأبو بكر، أولاد علي بن أبي طالب.\rومن أولاد الحسين: علي، وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة الثقفي، وعبد الله، وأمه الرباب ابنة امرئ القيس الكلبي.\rومن أولاد الحسن بن علي ثلاثة: وهم أبو بكر، وعبد الله، والقاسم.\rومن أولاد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: عون، ومحمد.\rومن أولاد عقيل بن أبي طالب: جعفر، وعبد الرحمن، وعبد الله، ومسلم بالكوفة.\rومن موالي الحسين: سليمان، ومنجح.\rوتكملة من قتل ممن اتبعه، وقد ذكرنا بعضهم بأسمائهم في أثناء هذه القصة.\rوأما من سلم منهم: فالحسن بن الحسن، وعمرو بن الحسن لصغرهما، وعلي بن الحسين لمرضه، والضحاك بن عبد الله المشرقي، وذلك أنه جاء إلى الحسين فقال: \" يا أبن رسول الله، قد أني قلت لك: إني أقاتل عنك ما رأيت مقاتلاً، فإذا لم أر مقاتلاً فأنا في حل من الانصراف \" فقال له الحسين: \" صدقت، وكيف لك بالنجاة؟ إن قدرت عليه فأنت في حل \" وذلك بعد أن فني أصحاب الحسين، قال الضحاك: فأقبلت إلى فرسي وكنت قد تركته في خباءٍ حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر، وقاتلت راجلاً، فقتلت رجلين، وقطعت يد آخر، ودعا لي الحسين مراراً قال: فاستخرجت فرسي واستويت عليه، وحملت على عرض القوم فأفرجوا لي، وتبعني منهم خمسة عشر رجلاً، ففتهم،فسلمت.\rومنهم عقبة بن سمعان مولى الرباب ابنة امرئ القيس الكلبية امرأة الحسين، أخذه عمر بن سعد فقال: ما أنت؟ فقال: أنا عبد مملوك فخلى سبيله، فنجا ومنهم الرقع بن تمامة الأسدي، وكان قد نثر نبله فقاتل فجاءه نفر من قومه فأمنوه، فخرج إليهم فلما أخبر بن زيادة به نفاه إلى الزارة.\rما كان بعد مقتل الحسين\rمما هو متعلق بهذه الحادثة قال ولما قتل الحسين نادى عمر بن سعد في أصحابه: من ينتدب للحسين فيوطئه فرسه، فانتدب له عشرة، منهم إسحاق بن حيوة الحضرمي، وهو الذي سلب قميص الحسين فبرص بعد ذلك، فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره.\rقال: ودفن جثة الحسين وجثث أصحابه أهل الغاضرية من بني أسد بعد ما قتلوا بيوم.\rوقتل من أصحاب بن سعد ثمانية وثمانون رجلاً سوى الجرحى، فصلى عليهم عمر ودفنهم.\rقال: وسرح عمر برأس الحسين من يومه ذلك مع خولي بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد، فأقبل به خولي فوجد باب القصر مغلقاً، فأتى منزله فوضعه تحت إجانة في الدار، ثم دخل البيت فأوى إلى فراشه، فقالت له امرأته وهي النوار بنت مالك الحضرمية: ما الخبر؟ قال: جئتك بغنى الدهر، هذا رأس الحسين معك في الدار، قالت: قلت ويلك! جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لا يجمع رأسي ورأسك بيت أبداً، قالت: فقمت من فراشي فخرجت وجلست أنظر، فو الله ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الإجانة، ورأيت طيراً بيضاً ترفرف عليها، فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله بن زياد.\rوقيل: بل الذي حمل الرأس شمر بن ذي الجوشن، وقيس ابن الأشعث، وعمرو بن بن الحجاج، وعزرة بن قيس، فجلس بن زياد، وأذن للناس فأحضرت الرؤوس بين يديه، فجعل ينكت بقضيب بين ثنيتي الحسين، فلما رآه زيد بن أرقم لا يرفع قضيبه، قال له: اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فو الله الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الشفتين يقبلهما! ثم بكى، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينيك، فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك.","part":5,"page":450},{"id":2451,"text":"فخرج وهو يقول: أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة أمرتم ابن مرجاتة، فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم، فرضيتم بالذل فبعداً لمن رضي بالذل قال: وأقام عمر بن سعد يومه هذا والغد، ثم أذن في الناس بالرحيل إلى الكوفة، وحمل معه بنات الحسين وأخواته، ومن كان معه من الصبيان، لاوعلي بن الحسين مريض، فاجتازوا به على الحسين وأصحابه صرعى، فصاح النساء ولطمن الخدود، وصاحت زينب أخته: \" يا محمداه ! صلى عليك ملائكة السماء، هذا حسين بالعراء مرمل بالدماء مقطع الأعضاء ! يا محمداه ! وبناتك سبايا ! وذريتك مقتلة تسفى عليها الصبى ! \" فأبكت كل عدوٍ وصديق.\rقال: ولما أدخلوا على عبيد الله لبست زينب أرذل ثيابها وتنكرت، وحف بها إماؤها، فقال عبيد الله: من هذه الجالسة ؟ فلم تكلمه حتى قال ذلك ثلاثاً وهي لا تكلمه، فقال بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة، فقال لها ابن زياد: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم، فقالت: الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وطهرنا تطهيراً لا كما تقول، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، قال: فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟ قالت: كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتخاصمون عنده، فغضب ابن زياد واستشاط، ثم قال لها : قد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك، فبكت ثم قالت: لعمري لقد قتلت كهلي وأبرزت أهلي وقطعت فرعي واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت، فقال لها عبيد الله : هذه شجاعة فلعمري لقد كان أبوك شجاعا، قالت: ما للمرأة والشجاعة؟ إن لي عن الشجاعة لشغلاً، ونظر عبيد الله إلى علي بن الحسين فقال له: ما اسمك؟ قال أنا علي بن الحسين، قال : أولم يقتل الله علي بن الحسين،فسكت، فقال له ابن زياد ما لك لا تتكلم؟ قال : قد كان لي أخ يقال له علي فقتله الناس، قال: إن الله قتله، فسكت علي، فقال: مالك لا تتكلم؟ قال : الله يتوفى الأنفس حين موتها. وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله . قال: أنت والله منهم، ثم قال لرجل: والله إني لأحسبه رجلاً، فكشف عنه مري بن معاذ الأحمري فقال: نعم قد أدرك، قال اقتله، فقال علي: من توكل بهؤلاء النسوة، وتعلقت به زينب عمته، فقالت: يا ابن زياد حسبك منا أما رويت من دمائنا؟ وهل أبقيت منا أحدا؟ واعتنقته وقالت: أسألك بالله إن كنت مؤمناً إن قتلته لما قتلتني معه، وقال علي: يا ابن زياد إن كان بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلاً تقياً يصحبهن بصحبة الإسلام.فنظر إليهن ساعة ثم نظر إلى القوم فقال: يا عجبا للرحم والله إني أظنها ودت لو أني قتلته أني قتلتها معه، دعوا الغلام، انطلق مع نسائك.\rثم نودي: \" الصلاة جامعة \" فاجتمع الناس في المسجد الأعظم فصعد ابن زياد المنبر، فقال: الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته، فوثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي، وكان من شيعة علي، وكانت عينه اليسرى ذهبت يوم الجمل مع علي، والأخرى بصفين معه، وكان لا يكاد يفارق المسجد الأعظم، يصلي فيه إلى الليل ثم ينصرف، فقال : يا ابن مرجانة إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك، والذي ولاك وأبوه ، يا ابن مرجانة تقتلون أبناء النبيين، وتكلمون بكلام الصديقين، فقال ابن زياد: علي به، فوثبت عليه الجلاوزة فأخذوه، فنادى بشعار الأزد \" يا مبرور \" فوثبت إليه فئة من الأزد، فانتزعوه، وأتوا به أهله، فأرسل إليه من أتاه به فقتله، ثم أمر بصلبه في السبخة فصلب.\rقال : وأمر ابن زياد برأس الحسين فطيف به في الكوفة.","part":5,"page":451},{"id":2452,"text":"قال : ثم أرسل ابن زياد رأس الحسين ورؤوس أصحابه مع زحر ابن قيس إلى يزيد بن معاوية ومعه جماعة، وقيل: مع شمر وجماعة، وأرسل معهم النساء والصبيان، وفيهم علي بن الحسين، وقد جعل ابن زياد الغل في يديه وعنقه، وحملهم على الأقتاب، فلم يكلمهم عليٌ في الطريق، فدخل زحر بن قيس على يزيد فقال له: ما وراءك ويلك وما عندك؟ قال : أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله عليك ونصره، ورد علينا الحسين بن على مع ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال، فغدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية، حتى أخذت السيوف مأخذها من هام القوم، فجعلوا يهربون إلى غير وزرٍ، ويلوذون منا بالآكام والحفر لواذاً كما لاذ الحمائم من صقر، فو الله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جزر جزور، أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مرملة، وخدودهم معفرة، تصهرهم الشمس وتسفى عليهم الريح، زوارهم العقبان والرخم بقي سبسبٍ . قال: فدمعت عينا يزيد وقال : كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سمية، أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه، فرحم الله الحسين.\rقال : ولما وصل علي بن الحسين ومن معه والرأس إلى دمشق، وقف محفر بن ثعلبة العائذي، وكان عبيد الله قد تركهم معه ومع شمر على باب يزيد بن معاوية، ثم رفع صوته وقال : هذا محفر ابن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة، فأجابه يزيد ما ولدت أم محفر شرٌ وألأم، ولكنه قاطع ظلوم، ثم دخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدثوه، فسمعت الحديث هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وكانت تحت يزيد، فتقنعت بثوبها وخرجت فقالت: يا أمير المؤمنين رأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؟ قال: نعم فأعولي عليه وحدي على ابن بنت رسول الله وصريحة قريش، عجل عليه ابن زياد فقتله، قتله الله، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، والرأس بين يديه، ومعه قضيب وهو بنكت في ثغره، ثم قال : إن هذا وأنا كما قال الحصين بن الحمام:\rأبي قومنا أن ينصفونا فأنصف ... قواضب في أيماننا تقطر الدما\rنفلق هاماً من رجال العزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما\rفقال أبو برزة الأسلمي: \" أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين؟ أما لقد أخذ ٌقضيبك في ثغره مأخذاً لربما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشفه، أما إنك يا يزيد تجئ يوم القيامة وابن زياد شفيعك ويجئ هذا ومحمد شفيعه! \" ثم قام فولى. فقال يزيد : يا حسين والله لو أن صاحبك ما قتلتك، ثم قال: \" أتدرون من أين أتى هذا؟ \" قال : أبي خير من جده، وأمي فاطمة خير من أمه، وجدي رسول الله خير من جده، وأنا خير منه، وأنا أحق بهذا الأمر منه، فأما قوله: أبوه خير من أبي فقد حاج أبي أباه إلى الله وعلم الناس أيهما حكم له، وأما قوله : أمي خير من أمه ، فلعمري فاطمة بنت رسول الله خير من أمي، وأما قوله جدي رسول الله خير من جده، فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلا ولاندا، ولكنه إنما أتى من قبل فقهه، ولم يقرأ \" قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء \" .","part":5,"page":452},{"id":2453,"text":"قال : ثم أدخل نساء الحسين عليه والرأس بين يديه، فجعلت فاطمة وسكينة ابنتا الحسين تتطاولان لتنظرا إلى الرأس، وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس، فلما رأين الرأس صحن، فصاح نساء يزيد وولولن وبنات معاوية، فقالت فاطمة بنت الحسين وكانت أكبر من سكينة : أبنات رسول الله سبايا يا يزيد؟ فقال : يا ابنة أخي أنا لهذا كنت أكره، فقام رجل من أهل الشام فقال : هب لي هذه، يعني فاطمة بنت علي، فأخذت بثياب أختها زينب وكانت أكبر منها، فقالت زينب كذبت ولو مت، ما ذلك لك ولا له، فغضب يزيد وقال : كذبت والله إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلته، قالت: كلا والله ما جعل الله ذلك لك، إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا! فغضب يزيد واستطار، ثم قال: إياي تستقبلين بهذا، إنما خرج من الدين أبوك وأخوك، قالت زينب: بدين الله ودين أبي وأخي اهتديت أنت وأبوك وجدك، قال: كذبت عدوة الله، قالت أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك، فاستحى وسكت، ثم أخرجن وأدخلن دور يزيد فلم تبق امرأة من آل يزيد إلا أتتهن وأقمن المأتم، وسألهن عما أخذ منهن فأضعفه لهن، وكانت سكينة تقول: ما رأيت كافراً بالله خيرا من يزيد بن معاوية.\rقال : ثم أمر بعلي بن الحسين فأدخل مغلولاً، فقال : لو رآنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مغلولين لفك عنا، قال : صدقت، وأمر بفك غله عنه، فقال علي: لو رآنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعد لأحب أن يقربنا، فأمر به فقرب منه، وقال له يزيد: يا علي أبوك الذي قطع رحمي وجهل حقي ونازعني سلطاني فصنع الله به ما رأيت .\rفقال علي: \" ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتابٍ من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور \" فقال يزيد: \" ما أصابكم مصيبة فبما كسبت أيديكم \" ثم سكت عنه، وأمر بإنزاله وإنزال نسائه في دار على حدة، وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا دعا علياً عليه، فدعاه يوماً فجاء ومعه عمرو بن الحسن وهو غلام صغير، فقال يزيد لعمرو : أتقاتل هذا؟ يعني خالداً ابنه، فقال : أعطني سكينا وأعطه سكينا حتى أقاتله، فضمه يزيد إليه وقال : شنشنةٌ أعرفها من أخزم، وهل تلد الحية إلا حية؟ وقيل: لما وصل رأس الحسين إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده، ووصله، وسره ما فعل، ثم لم يلبس إلا يسيرا حتى بلغه بغض الناس له، ولعنهم إياه، وسبهم، فندم على قتل الحسين وكان يقول: \" وما علي لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين معي في داري وحكمته في ما يريد، وإن كان علي من ذلك وهن في سلطاني، حفظاً لرسول الله ورعايةً لحقه وقرابته، لعن الله ابن مرجانة، فإنه اضطره، وقد سأله أن يضع يده في يدي، أو يلحق بثغر حتى يتوفاه الله، فلم يجبه إلى ذلك، وقتله، فبغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع في قلوبهم العداوة، فأبغضني البر والفاجر بما استعظموه من قتلي حسينا، ما لي ولابن مرجانة لعنه الله وغضب عليه! \" .\rقال: ثم ندم ابن زياد أيضاً على قتله الحسين، وقال لعمر بن سعد : يا عمر ائتني بالكتاب الذي كتبته إليك في قتل الحسين؟ قال : مضيت لأمرك وضاع الكتاب، قلب : لتجئ به، قال : ضاع، قال : لتجئ به، قال : ترك ولله يقرأ على عجائز قريش بالمدينة اعتذاراً إليهن، أما والله نصحتك في حسين نصيحةً لو نصحتها أبي سعد ابن أبي وقاص لكنت قد أديت حقه! \" فقال عثمان بن زياد : \" صدق، والله لوددت لو أنه ليس من بني زياد رجل إلا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة، وأن حسينا لم يقتل! \" فما أنكر عبيد الله بن زياد على أخيه.\rذكر ورود الخبر بمقتل الحسين رضي الله عنه إلى المدينة وعود أهله إليها قال : لما قتل الحسين أمر عبيد الله بن زياد عبد الملك بن الحارث السلمي بالمسير إلى المدينة، ليبشر عمرو بن سعيد أمير المدينة بقتل الحسين، فاعتذر عبد الملك، فزجره ابن زياد، فخرج حتى قدم المدينة، فلقيه رجل من قريش فقال : ما الخبر؟ فقال : الخبر عند الأمير، فاسترجع القرشي، وقال : قتل والله الحسين!","part":5,"page":453},{"id":2454,"text":"ودخل عبد الملك على عمرو بن سعيد فأخبره بقتل الحسين، فقال : ناد بقتله، ففعل، قال عبد الملك : فلم أسمع واعية قطٌ، مثل واعية نساء بني هاشم في دورهن على الحسين! فلما سمع عمرو بن سعيد أصواتهن ضحك وقال : واعيةٌ بواعية عثمان وأنشد بيت عمرو بن معدى كرب:\rعجت نساء بني زياد عجةً ... كعجيج نسوتنا غداة الأرنب\rوالأرنب كان لبني زبيد على بني زياد بني الحارث بن كعب ثم صعد عمرو المنبر فأعلم الناس بقتل الحسين.\rقال ولما نودي بقتله خرجت زينب بنت عقيل بن أبي طالب ومعها نساء حاسرة ناشرةً شعرها، وهي تقول :\rماذا تقولون إن قال النبي لكم : ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم؟\rبعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم\rما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي\rوقيل : سمع بعض أهل المدينة يوم قتل الحسين منادياً ينادي:\rأيها القاتلون جهلاً حسينا ... أبشروا بالعذاب والتنكيل\rكل أهل السماء يدعو عليكم ... من نبي وملاك وقبيل\rقد لعنتم على لسان ابن داو ... د وموسى وحامل الإنجيل\rوروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: \" رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في الليلة التي قتل فيها الحسين وبيده قارورة، وهو يجمع فيها دماً، فقلت : يا رسول الله ما هذا؟ قال هذه دماء الحسين وأصحابه أرفعها إلى الله تعالى! \" فأصبح ابن عباس فأعلم الناس بقتل الحسين، وقص رؤياه.\rوروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أم سلمة تراباً من تربة الحسين، حمله إليه جبريل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" إذا صار التراب هذا دماً فقد قتل الحسين \" فحفظت أم سلمة ذلك التراب في قارورة، فلما قتل الحسين صار ذلك التراب دما فأعلمت الناس بقتله، وهذا القول يستقيم على قول عن أم سلمة توفيت بعد الحسين.\rقال : ولما أراد يزيد أن يسير آل الحسين إلى المدينة، أمر النعمان ابن بشير أن يجهزهم بما يصلحهم، ويسير معهم رجلاً أميناً من أهل الشام، ومعه خيل تسير بهم إلى المدينة، ودعا علياً ليودعه وقال : \" لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبداً إلا أعطيته إياها، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت، ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضى الله بذلك ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟، كاتبني بأية حاجة تكون لك \" وأوصى بهم ذلك الرسول.\rفخرج بهم، فكان يسايرهم ليلاً فيكونون أمامه بحيث لا يفوتون طرفه، وإذا نزل تنحى عنهم هو وأصحابه، فكانوا حولهم كهيئة الحرس، وكان يسائلهم عن حوائجهم ويلطف بهم حتى دخلوا المدينة. فقالت فاطمة بنت علي لأختها : لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشيء؟ فقالت : والله ما معنا ما نصله به إلا حلينا، فأخرجتا سوارين ودملجين لهما فبعثتا به إليه، واعتذرتا، فرد الجميع، وقال: لو كان الذي صنعته للدنيا لكان في هذا ما يرضيني، ولكن والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rالاختلاف في مقر رأس الحسين\rوأين دفن قد اختلف المؤرخون في مقر رأسه، فمنهم من قال: إنه دفن بدمشق، ومنهم من زعم أنه نقل إلى مرو، ومنهم من يقول: إنه أعيد إلى الجسد ودفن بالطف، ومنهم من قال: دفن بعسقلان، ثم نقل إلى مصر، ومنهم من قال: دفن في المدينة عند قبر أمه فاطمة رضي الله عنهما. وقد رأينا أن نذكر أقوالهم في ذلك ومستحجهم.\rقال: فأما من قال أنه دفن بدمشق فإنه يقول: إنه لما قتل الحسين رضي الله عنه، وحمل رأسه إلى عبيد الله بن زياد بالكوفة كما تقدم وحمله إلى دمشق، طلب من يقوره فلم يجبه إلا طارق بن المبارك مولى بني أمية وكان حجاماً، ففعل، وقد هجى أبو يعلى الكاتب، وهو أحد أسباط طارق هذا، فقيل فيه:\rشق رأس الحسين جدٌ أبى يع ... لى وساط الدماغ بالإبهام\rثم أرسل ابن زياد به إلى دمشق، فنصبه يزيد بن معاوية فيها ثلاثة أيام، ووضع في مسجد عند باب المسجد الجامع، يعرف بمسجد الرأس، وهو تجاه باب الساعات، كان بابه هناك، ثم سد وفتح من مشهد زين العابدين في سنة ثلاثين وستمائة ونحوها، ثم كان الرأس في خزانة يزيد بن معاوية.","part":5,"page":454},{"id":2455,"text":"واختلف أيضاً القائلون إنه دفن بدمشق في المكان الذي دفن فيه بها. فحكى ابن أبي الدنيا في المقتل عن منصور بن جمهور أنه قال: دخلت خزانة يزيد بن معاوية، فلما فتحت أصبت جونة حمراء فقلت لغلام لي يقال له سليم: احتفظ بهذه الجونة فإنها كنز من كنوز بني أمية، فلما فتحتها وجدت بها رأساً وورقة مكتوب فيها: \" رأس الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم \" ، وإذا هو مخضوب بالسواد، فلفه بثوب ثم دفنه عند باب الفراديس، عند البرج الثالث مما يلي المشرق. وحكى الاستربازي في كتابه \" الداعي إلى وداع الدنيا \" عن أبي سعيد الزاهد أنه قال: قبر الحسين بكربلاء ورأسه بالشام في مسجد دمشق على رأس أسطوانة، وقال غيره: على عمودين يمين القبلة، وقيل أن يزيد دفنه في قبر أبيه معاوية، ومنهم من قال: في مقابر المسلمين. وأما من قال : إنه بمرو فإنه يقول: إن أبا مسلم الخرساني لما استولى على دمشق، أخذ الرأس ونقله إلى مرو، ودفن بها في دار الإمارة، وأن الرأس حشي بالمسك وكفن وصلي عليه مرة بعد أخرى.\rوأما من قال : إنه أعيد إلى الجسد ودفن معه، فمنهم من يقول: إن يزيد أعاده بعد أربعين يوماً، ومنهم من يقول: بل استقر في خزانة السلاح إلى أن ولى سليمان بن عبد الملك فأحضره وقد قحل، وبقي عظم أبيض فجعل عليه ثوب وجعله في سفط وصلى عليه ودفن في مقابر المسلمين، فلما ولى عمر بن عبد العزيز بعث إلى خازن السلاح يطلب منه الرأس، فطالعه بما كان من أمره فأمره بنبشه وأخذه، فالله أعلم بما صنع به، لكنهم استدلوا من ديانة عمر بن عبد العزيز وصلاحه وخيره أنه نقله إلى الجسد ودفن معه.\rوأما من قال: إنه كان بعسقلان ثم نقل إلى مصر فاستنادهم في ذلك إلى رؤيا منام، وذلك أن رجلاً رأى في منامه، وهو بعسقلان أن رأس الحسين في مكان بها، عين له في منامه فنبش ذلك الموضع، وذلك أيام المستنصر بالله العبيدي صاحب مصر، ووزارة بدر الجمالي، فابتنى بدر الجمالي له مشهداً بعسقلان، فلم يزل الأمر على ذلك إلى أن تغلب الفرنج على عسقلان، في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، فحمل إلى القاهرة في البحر.\rوحكى محمد بن القاضي المكين عبد العزيز بن حسين في سيرة الصالح بن رزيك، قال: لما ولي عباس بن أبي الفتوح الوزارة بمصر في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، في مستهل جمادى الآخرة وصل الخبر بتملك الفرنج عسقلان، فنقل رأس الحسين فيها من المشهد الذي أنشأه أمير الجيوش بدر الجمالي، وكمله الأفضل - إلى القاهرة، فكان وصوله إليها في يوم الأحد، ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وكان قد سير أحد الأستاذين الخواص لتلقيه إلى مدينة تنيس، فوصل في عشارى من عشاريات الخدمة، ودخل فيه إلى خليج القاهرة، وأدخل من باب البستان المعروف بالكافوري، في ليلة الاثنين التاسع من الشهر، وسلك به إلى القصر الغربي إلى أن وصل إلى القصر الشرقي، ولم يزل الحال على ذلك إلى أن حدث من عباس وابنه ما حدث، من قبل الظافر وإخوته وابن أخيه، على ما نذكر إن شاء الله في كتابنا هذا، فلما نهض الصالح بن زريك في الطلب بثأرهم، وولي الوزارة، لم يقدم شيئاً على الشروع في بناء المشهد بالقصر، في الموضع المعروف بقبة الخراج من دهاليز باب الديلم وكمل المشهد، فلما كان في ليلة يسفر صباحها عن تاسع المحرم خمس وخمسين وخمسمائة، خرج ابن رزيك من داره راجلاً إلى الإيوان، فأخرج الرأس فحمله خاشعاً مستكيناً إلى أن أحله بالضريح، ومدحه الشعراء، فمن ذلك قول أحدهم:\rأدركت من عباس ثأراً دونه ... ما أدرك السفاح من مروان\rوحقرت ما فخر بن ذي يزنٍ به ... لما أقر الملك في غمدان\rوجمعت أشلاء الحسين وقد غدت ... بدداً فأضحت في أعز مكان\rوعرفت للعضو الشريف محله ... وجليل موضعه من الرحمن\rأكرمت مثواه لديك وقبل في ... آل الطريد غدا بدار هوان\rوقضيت حق المصطفى في حمله ... وحظيت من ذي العرش بالرضوان\rونصبته للمسلمين تزوره ... مهجٌ إليه شديدة الهيمان\rأسكنته في خير مأوىً خطه ... أبناؤه في سالف الأزمان","part":5,"page":455},{"id":2456,"text":"ولو استطعت جعلت قلبك لحده ... في موضع التوحيد والإيمان\rحرم تلوذ به الجناة فتنثني ... محبوةً بالعفو والغفران\rقد كان مغترباً زماناً قبل ذا ... فالآن عدت به إلى الأوطان\rوأما من قال: إنه بالمدينة، فيقول: إنه لما نصب بدمشق وطيف به، أمر يزيد بن معاوية النعمان بن بشير الأنصاري أن يحمله إلى المدينة، ليشاهده الناس، وليرهب به عبد الله بن الزبير، فلما وصل إلى المدينة ودخل به على عمرو بن سعيد الأشدق، قال: وددت أن أمير المؤمنين لم يكن بعث به إلي، فقال له مروان بن الحكم: اسكت لا سكت ولكن قل كما قال:\rضربت دوسي فيهم ضربةً ... أثبتت أوتاد ملك فاستقر\rثم أمر به عمرو بن سعيد فكفن ودفن عند قبر أمه فاطمة رضي الله عنهما.\rوقيل : بل أرسل إلى من بالمدينة من بني هاشم، أن دونكم رأس صاحبكم، فأخذوه، فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه عند قبر أمه رضي الله عنهما، والله تعالى أعلم، وقد تكلم عمر بن أبي المعالي أسعد بن عمار بن سعد بن عمار بن علي رحمه الله تعالى في كتابه الذي ترجمه \" الفاصل بين الصدق والمين في مقر رأس الحسين \" على هذه الأقوال المتقدمة ووهنها وضعفها \" واستدل على ضعفها \" ، ورجح أنه بالمدينة، حتى كاد يبلغ فيه مبلغ القطع، فقال ما معناه: أما قولهم إنه كان في خزائن بني أمية إلى أن ظهرت الخلافة العباسية، وأن أبا مسلم نقله إلى خراسان، فهذا بعيد جداً، وذلك أن أبا مسلم لما فتح الشام كان بخراسان، والذي فتح دمشق عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، فكيف يتصور أن ينقله أو يمكن من نقله إلى مولاه بخراسان؟ ولو ظفر به في خزائن بني أمية لأظهره للناس ليزدادوا لبني أمية بغضاً، وأيضاً فقد ولى العبد الصالح عمر بن عبد العزيز الخلافة، وبعيد أن كان يترك رأس ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خزائن السلاح ولم يواره.\rأما قولهم إنه كان بعسقلان فلم يوجد ذلك في تاريخ من التواريخ أنه نقل إلى عسقلان أو إلى مصر،ويقوي ذلك أن الشام ومصر لم يكن بهما شيعة علوية فينقل إليهم ليروه وتنقطع آمالهم من الحسين وتضعف نفوسهم عن الوثوب مع غيره ولانضمام إليه.\rوأما قولهم إنه بالمدينة عند قبر أمه فقد قاله محمد بن سعد في طبقاته، وابن أبي الدنيا وأبو المؤيد الخوارزمي خطيب خوارزم في إحدى روايتهما، وصححه أبو الفرج ابن الجوزي، والله تعالى أعلم.\rوقد أخذ هذا الفصل حقه، فلنذكر خلاف ذلك من الأخبار التي اتفقت في أيام يزيد بن معاوية على حكم اليقين:\rمقتل أبي بلال مرداس\rبن حدير الحنظلي الخارجي قد ذكرنا في أيام معاوية خروجه وأن ابن زياد بعث إليه أسلم بن زرعة الكلابي في ألفين، فهزمهم بآسك.\rفلما كان في هذه السنة أرسل إليه ابن زياد ثلاثة آلاف، عليهم عباد بن الأخضر التميمي \" والأخضر زوج أمه، نسب إليه وإنما هو عباد بن علقمة بن عباد \" فسار إليه، واتبعه حتى لحقه بتوج، فاقتتلوا حتى دخل وقت العصر، فقال أبو بلال: هذا يوم جمعة، وهو يوم عظيم، دعونا حتى نصلي، فتوادعوا، فعجل عباد الصلاة وقيل: بل قطعها، والخوارج يصلون، فشد عليهم هو وأصحابه، فقتلوهم وهم ما بين قائم وراكع وساجد، لم يتغير منهم أحد عن حاله، فقتلوا عن آخرهم.\rورجع عباد إلى البصرة برأس أبي بلال، فرصده عبيدة بن هلال ومعه ثلاثة نفر، فأقبل عباد يريد قصر الإمارة، فقالوا له: قف حتى نستفتيك، فوقف، فقالوا: نحن أخوة أربعة قتل أخونا فما ترى؟ قال: استعدوا الأمير، قالوا استعديناه فلم يعدنا، قال: فاقتلوه قتله الله، فوثبوا عليه وقتلوه، واجتمع الناس على الخوارج فقتلوا.\rوفيها استعمل يزيد بن معاوية سلم بن زياد على خراسان وسجستان، وعزل عنهما أخويه: عبد الرحمن وعبادا بني زياد، فكتب عبيد الله بن زياد إلى أخيه عباد يخبره بولاية سلم، فقسم عباد ما في بيت المال على عبيدة، وفضل فضلٌ فنادى: من أراد سلفاً فليأخذ، فأسلف كل من أتاه، وخرج عن سجستان، فلما كان بجيرفت بلغه مكان أخوه سلم، وكان بينهما جبل، فعدل عنه، فذهب لعباد تلك الليلة ألف مملوك، أقل ما مع أحدهم عشرة آلاف، وسار عباد حتى قدم على يزيد، فسأله عن المال، فقال: كنت صاحب ثغر فقسمت ما أصبت بين الناس.","part":5,"page":456},{"id":2457,"text":"قال: ولما سار سلم إلى خراسان كتب يزيد إلى عبيد الله بن زياد معه بنخبة ستة آلاف فارس، وقيل ألفين، فكان سلم ينتخب الوجوه والفرسان، فخرج معه عمران بن الفضيل البرجمي والمهلب بن أبي صفرة وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي وغيرهم، وسار حتى قدم خراسان، وعبر النهر غازياً، وكان عمال خراسان قبله يغزون، فإذا دخل الشتاء رجعوا إلى مرو الشاهجان، فإذا انصرف المسلمون اجتمع ملوك خراسان بمدينة مما يلي خوارزم، فيتعاقدون ألا يغزو بعضهم بعضاً ويتشاورون في أمورهم، وكان المسلمون يطلبون إلى أمرائهم غزو تلك المدينة، فيأبون عليهم، فلما قدم سلم غزا فشتى في بعض مغازيه، فسأله المهلب أن يوجهه إلى تلك المدينة، فوجهه في ستة آلاف، وقيل: في أربعة آلاف فحاصرهم، فطلبوا الصلح على نيفٍ وعشرين ألف ألف، فصالحهم، وكان من صلحهم أن يأخذ منهم عروضاً، فكان يأخذ العروض من الرقيق والدواب والمتاع بنصف قيمتها، فبلغ ما أخذ منهم خمسين ألف ألف، فحظي بها المهلب عند سلم، وأخذ سلم من ذلك ما أعجبه وبعث به إلى يزيد.\rوغزا سلم سمرقند، وعبر معه النهر امرأته أم محمد بنت عبد الله ابن عثمان بن أبي العاص الثقفي، وهي أول امرأة من العرب قطع بها النهر، فولدت له ابناً سماه \" صغدي \" واستعارت امرأته من امرأة صاحب الصغد حليها فلم تعده إليها وذهبت به.\rووجه جيش إلى خجندة فيهم أعشى همدان، فهزموا، فقال الأعشى في ذلك:\rليت خيلي يوم الخجندة لم ته ... زم وغودرت في المكر سليبا\rتحضر الطير مصرعي وتروح ... ت إلى الله في الدماء خضيبا\rوفيها عزل يزيد عمرو بن سعيد، واستعمل الوليد بن عتبة ابن أبي سفيان، وسبب ذلك أن الوليد وناساً من بني أمية قالوا ليزيد: لو شاء عمرو لأخذ ابن الزبير وسرح به إليك، فعزله، ولم يكن كذلك، بل كان ابن الزبير كاده. وحج الوليد في هذه السنة بالناس.\rسنة اثنين وستين\rذكر وفد أهل المدينة إلى يزيد بن معاوية وخلعهم له عند عودهم وفي هذه السنة وفد جماعة من أهل المدينة إلى يزيد بن معاوية بالشام، فيهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة وعبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، والمنذر بن الزبير، ورجال كثير من أشراف أهل المدينة.\rوكان ابن الزبير قد كتب إلى يزيد لما استعمل الوليد ابن عتبة على الحجاز يقول: \" إنك بعثت إلينا رجلاً أخرق، لا بتجه لرشد، ولايرعوى لعظة الحكيم، فلو بعثت رجلاً سهل الخلق رجوت أن يسهل الأمور ما استوعر منها، وأن يجتمع ما تفرق \" .\rفعزل يزيد الوليد، واستعمل عثمان ابن محمد بن أبي سفيان، وهو فتىً غر حدث لم تحنكه التجارب، ولا يكاد ينظر في شيء من سلطانه ولا عمله.\rفوفد هذا الوفد إلى يزيد، فقدموا عليه، فأكرمهم وأحسن إليهم وأعظم جوائزهم، فأعطى عبد الله بن حنظلة مائة ألف درهم، وكان معه ثمانية بنين فأعطى كل واحد منهم عشرة آلاف، وأجاز المنذر ابن الزبير بمائة ألف كتب له بها على عبيد الله بن زياد فتوجه إلى العراق فقبضها.\rورجع الوفد إلى المدينة إلا المنذر، فلما قدموا المدينة قاموا في الناس فأظهروا شتم يزيد وعيبه، وقالوا: \" قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، وتعزف عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الحزاب \" وهم اللصوص \" وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه \" .\rوقام عبد الله بن حنظلة فقال: \" جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته، وقد أعطاني وأكرمني، وما قبلت منه عطاءه إلا لأتقوى به \" .\rفخلعه الناس، وبايعوا عبد الله بن حنظلة على خلعه، وولوه عليهم.\rثم قدم المنذر من العراق إلى المدينة، فحرض الناس على يزيد، وقال: \" إنه أجازني بمائة ألف، ولا يمنعني ما صنع بي أن أخبركم خبره، والله إنه ليشرب الخمر، وإنه ليسكر حتى يدع الصلاة! \" وعابه بمثل ما عابه به أصحابه وأشد.\rفبعث يزيد النعمان بن بشير الأنصاري وقال له: \" إن عدد الناس بالمدينة قومك، فأتهم فالفتهم عما يريدون، فإنهم إن لم ينهضوا في هذا الأمر لم يجترئ الناس على خلافي \" . فأتى النعمان قومه، وأمرهم بلزوم الطاعة، وخوفهم الفتنة، فعصوه ولم يرجعوا إلى قوله، فرجع. وبسبب هذه الواقعة كانت وقعة الحرة.","part":5,"page":457},{"id":2458,"text":"وفي هذه السنة كان من الحوادث في بلاد المغرب ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار أفريقية. وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة. وفيها ولد محمد بن عبد الله بن عباس والد السفاح والمنصور.\rسنة ثلاث وستين\rوقعة الحرة\rكان سبب هذه الوقعة ما قدمناه من خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، فلما كان في هذه السنة أخرج أهل المدينة عثمان بن محمد ابن أبي سفيان عامل يزيد، وحصروا بني أمية، فاجتمع بني أمية ومواليهم ومن يرى رأيهم في ألف رجل، ونزلوا دار مروان بن الحكم، وكتبوا إلى يزيد يستغيثون به، فلما قرأ الكتاب بعث إلى عمرو بن الأشدق، فأقرأه الكتاب وأمره بالمسير في الناس، فقال قد كنت ضبطت لك الأمور والبلاد، فأما الآن إذ صارت دماء قريش تهراق بالصعيد فلا أحب أن أتولى ذلك.\rفبعث إلى عبيد الله بن زياد، فأمره بالمسير إلى المدينة ومحاصرة عبد الله بن الزبير بمكة، فقال: \" والله لا أجمعهما للفاسق، قتل ابن بنت رسول الله وغزو الكعبة ! \" ثم أرسل إليه يعتذر.\rفبعث إلى مسلم بن عقبة المري وهو شيخ كبير مريض فأخبره الخبر، فقال: أما يكون بني أمية \" ومواليهم وأنصارهم بالمدينة \" ألف رجل؟ قال بلى، قال: أما استطاعوا أن يقاتلوا ساعة من نهار؟ ليس هؤلاء بأهل أن ينصروا فإنهم أذلاء! دعهم يا أمير المؤمنين حتى يجهدوا أنفسهم في جهاد عدوهم، ويتبين لك من يقاتل على طاعتك ومن يستسلم، قال: ويحك ! إنه لا خير بعدهم فاخرج بالناس.\rوقيل: إن معاوية قال ليزيد: إن لك من أهل المدينة يوما، فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة، فإنه رجل قد عرفت نصيحته، فأمره بالمسير إليهم.\rمنادى في الناس بالتجهيز إلى الحجاز وأن يأخذوا عطاءهم ومعونة مائة دينار لكل رجل، فانتدب لذلك اثنا عشر ألفاً، وساروا مع مسلم، فقال له يزيد: إن حدث بك حدثٌ فاستخلف الحصين بن نمير السكوني، وقال له: \" ادع القوم ثلاثا فإن أجابوا وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا بما فيها من مال أو رقة أو سلاح أو طعام، فهو للجند، فإن انقضت الثلاث فاكفف عن الناس، واكفف عن علي بن حسين، واستوصي به خيراً فإنه لم يدخل مع الناس، وقد أتاني كتابه \" .\rقال: ولمل بلغ أهل المدينة خبر الجيش اشتد حصارهم لبني أمية بدار مروان، وقالوا: \" والله لانكف عنكم حتى نضرب أعناقكم أو تعطونا عهد الله وميثاقه أنكم لاتبغونا غائلة، ولا تدلوا لنا على عورة، ولا تظاهروا علينا عدونا، فنكف عنكم ونخرجكم \" ، فعاهدوهم على ذلك، وأخرجوهم من المدينة، فساروا بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن عقبة بوادي القرى، فدعا عمرو بن عثمان بن عفان أول الناس، فقال: أخبرني ما وراءك وأشر علي، قال: لا أستطيع، قد أخذ علينا العهود والمواثيق ألا ندل على عورة ولا نظاهر عدوا، فانتهره وقال: \" والله لولا أنك ابن عثمان لضربت عنقك، وايم الله لا أقيلها قرشياً بعدك! \" .\rفخرج إلى أصحابه، فأخبرهم خبره، فقال مروان بن الحكم لابنه عبد الملك: ادخل عليه قبلي لعله يجتزئ بك عني، فدخل عبد الملك على مسلم، فقال \" نعم: \" هات ما عندك، فقال \" نعم، أرى أن تسير بمن معك، فإذا انتهيت إلى أدنى نخلها نزلت، فاستظل الناس في ظله وأكلوا من صقره، فإذا أصبحت من الغد مضيت، وتركت المدينة ذات اليسار، ثم دري بها حتى تأتيهم من قبل الحرة مشرقا ثم تستقبل القوم، فإذا استقبلتهم وقد أشرقت عليهم الشمس طلعت من أكناف أصحابك فلا تؤذيهم، ويصيبهم أذاها ويرون من ائتلاق بيضكم وأسنة رماحكم وسيوفكم ودروعكم مالا ترونه أنتم منهم، ثم قاتلهم، واستعن عليهم بالله تعالى \" . فقال له مسلم: \" لله أبوك.! أي أموي! \" ثم دخل عليه مروان فقال له إيه. قال أليس قد دخل عليك عبد الملك؟ قال: \" بلى، وأي رجل عبد الملك! قلما كلمت من رجال قريش رجلاً به شبيه! \" فقال له مروان: إذا لقيت عبد الملك فقد لقيتني.\rثم ارتحل مسلم عن مكانه، وفعل ما أمره به عبد الملك، ثم دعاهم فقال: \" إن أمير المؤمنين يزعم أنكم الأصل، وإني أكره إراقة دمائكم، وإني أؤجلكم ثلاثا، فمن ارعوى وراجع الحق قبلنا به وانصرفت عنكم إلى هذا الملحد الذي بمكة، وإن أبيتم كنا قد أعذرنا إليكم \" .","part":5,"page":458},{"id":2459,"text":"فلما مضت الثلاث قال مسلم: يا أهل المدينة ما تصنعون؟ أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب، فقال لهم: \" لا تفعلوا، بل ادخلوا في الطاعة، ونجعل حدنا وشوكتنا على هذا الملحد الذي قد جمع إليه المراق والفساق من كل أواب \" يعني عبد الله بن الزبير، فقالوا له: يا عدو الله، لو أردتم أن تجوزوا إليه ما تركناكم: أنحن ندعكم أن تأتوا بيت الله الحرام فتخيفوا أهل مكة وتلحدوا فيه وتستحلوا حرمته؟ لا والله لا نفعل! \" .\rقال: وكان أهل المدينة قد اتخذوا خندقا، وعليه جمع منهم، عليهم عبد الرحمن بن أزهر بن عوف وهو ابن عم عبد الرحمن بن عوف وكان عبد الله بن مطيع مع ربع قريش في جانب المدينة، وكان معقل سنان الأشجعي، أحد الصحابة على ربع المهاجرين، وكان أمير جماعتهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري في أعظم تلك الأرباع، وهم الأنصار.\rوصمد مسلم بن عقبة فيمن معه، فأقبل من ناحية الحرة، حتى ضرب فسطاطه على طريق الكوفة، وكان مريضاً، فأمر فوضع له كرسي بين الصفين، فجلس، ثم حرض أهل الشام على القتال، فجعلوا لا يقصدون ربعا من تلك الأرباع إلا هزموه، ثم وجه الخيل نحو ابن الغسيل، فكشفهم، حتى انتهوا إلى مسلم، فنهض في وجوههم بالرجال، وصاح بهم، فقاتلوا قتالاً شديداً.\rثم إن الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب جاء إلى ابن الغسيل، فقاتل معه في نحو عشرين فارساً قتالاً حسناً، ثم قال ابن بن الغسيل : \" مر من معك فارساً فليأتني، فليقف معي، فإذا حملت فليحملوا، فوالله لا أنتهي حتى أبلغ مسلما فأقتله أو أقتل دونه! \" ففعل، وجمع الجند، فحمل بهم الفضل على أهل الشام، فانكشفوا، ثم حمل وحمل أصحابه حملةً أخرى، فانفرجت خيل الشام عن مسلم ومعه خمسمائة راجل جثاة على الركب مشرعي الأسنة نحو القوم، ومضى الفضل نحو راية مسلم فضرب رأس صاحبها فقط المغفر وفلق هامته، فخر ميتا، وقال: خذها وأنا ابن عبد المطلب؟ وظن أنه قتل مسلما، فقال: قتلت طاغية القوم ورب الكعبة؟ فأخذ مسلم رايته، وكان المقتول غلاما روميا شجاعا، وحرض مسلم أهل الشام، وقال: شدوا مع هذه الراية، فمشى برايته، وشدت الرجال أمام الراية، فصرع الفضل وما بينه وبين \" أطناب \" فسطاط مسلم إلا نحو عشرة أذرع، وقتل معه زيد بن عبد الرحمن بن عوف، وأقبلت خيل مسلم ورجالته نحو ابن الغسيل، فحرض ابن الغسيل أصحابه، فنهضوا واقتتلوا أشد قتال، وأخذ ابن الغسيل يقدم بنيه واحداً واحداً، حتى قتلوا بين يديه، ثم قتل وقتل معه أخوه لأمه محمد ابن ثابت بن قيس بن شماس، وعبد الله بن زيد بن عاصم، ومحمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وانهزم الناس.\rوأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثا، يقتلون الناس، ويأخذون المتاع والأموال، فسمي مسلم بعد وقعة الحرة مسرفاً \" .\rوقيل إن مسلماً لما نزل بأهل المدينة خرج إليه أهلها بجموع كثيرة وهيئة حسنة، فهابهم أهل الشام، وكرهوا قتالهم، فلما رآهم مسلم سبهم وذمهم وحرضهم، وكان شديد الوجع، فقاتلوا، فبينما أهل المدينة في قتالهم إذ سمعوا التكبير من خلفهم من جوف المدينة، وكان سببه أن بني حارثة أدخلوا أهل الشام المدينة، فانهزم الناس، فكان من أصيب في الخندق أكثر ممن قتل.\rودعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد على أنهم خول له يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء، فمن امتنع من ذلك قتله.\rوأتى يومئذ بعمرو بن عثمان بن عفان، وكان ممن لم يخرج مع بني أمية، فقال مسلم: يا أهل الشام تعرفون هذا؟ قالوا : لا، قال: هذا الخبيث بن الطيب، هذا عمرو بن عثمان، هي يا عمرو إذا ظهر أهل الشام قلت ابن أمير المؤمنين عثمان \" ، وأمر به فنتف لحيته، ثم خلى سبيله.","part":5,"page":459},{"id":2460,"text":"وكانت وقعة الحرة لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وقتل مسلم جماعة من أهل المدينة صبراً، فكان منهم على ما ذكر ابن إسحاق والواقدي وويثمة وغيرهم: الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بت عبد المطلب، وأبو بكر بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، ويعقوب ابن طلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن زيد بن عاصم، ومعقل ابن سنان الأشجعي، ومحمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، وقتل أيضاً صبرا ابنا زينب بنت أم سلمة ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما ابنا عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد ابن عبد العزي بن قصي، ولما قتلا حملا إلى أمهما فوضعا بين يديها، فاسترجعت وقالت: والله إن المصيبة علي فيهما لكبيرة، وهي علي في هذا أكبر علي في هذا، أما هذا فجلس في بيته وكف يده فدخل عليه فقتل مظلوماً، فأنا أرجو له الجنة، وأما هذا فبسط يده فقاتل حتى قتل، فلا أدري علام هو في ذلك؟ فالمصيبة به أعظم منها علي في هذا! وقتل أيضاً يزيد بن عبد الله بن زمعة.\rوانتهى القتل يومئذ فيما ذكروا إلى ثلاثمائة، كلهم من أبناء المهاجرين والأنصار، ومنهم جماعة ممن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغت قتلى قريش يومئذ نحو مائة، وقتلى الأنصار والحلفاء والموالي نحو مائتين.\rوقيل إن يزيد بن معاوية لما بلغه ما كان من خبر هذه الوقعة قال:\rليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل\rلأهلوا واستهلوا فرحاً ... ثم قالوا يا يزيد لا تشل\rلست من عتبة إن لم أثئر ... من بني أحمد ما كان فعل\rهكذا حكي عن بعض المؤرخين، والذي أعتقده أن هذه الأبيات مفتعلة عنه ومنسوبة إليه، فإنها لا تصدر إلا ممن نزع ربقة الإسلام من عنقة، والله أعلم.\rوحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان يسمى يومئذ \" العائد بالبيت \" .\rسنة أربع وستين\rذكر مسير مسلم بن عقبة إلى مكة لحصار عبد الله بن الزبير، ووفاة مسلم\rإحراق الكعبة\rقال ولما فرغ مسلم من قتال أهل المدينة ونهبها شخص نحو مكة بمن معه لقتال ابن الزبير، واستخلف على المدينة روح ابن زنباع الجذامي. وقيل: عمرو بن محرز الأشجعي. وكان خبر وقعة الحرة قد أتى عبد الله بن الزبير مع المسور بن مخزمة هلال المحرم، فاستعد هو وأصحابه للحرب.\rوسار مسلم حتى انتهى إلى المشلل فمات هناك، ولما حضرته الوفاة أحضر الحصين بن نمير السكوني وقال له يا برذعة الحمار، لو كان الأمر لي ما وليتك هذا الجند، ولكن أمير المؤمنين ولاك، ثم مات.\rوسار الحصين فقدم مكة لأربع بقين من المحرم، وقد بايع أهلها وأهل الحجاز عبد الله بن الزبير ولحق به من انهزم من أهل المدينة وقدم عليه نجدة بن عامر الحنفي من اليمامة في أناس من الخوارج يمنعون البيت.\rفخرج ابن الزبير للقاء أهل الشام ومعه أخوه المنذر، فبارز المنذر رجل من أهل الشام، فضرب كل واحد منهما صاحبه ضربة فماتا جميعا. وقاتل المسور بن مخزمة، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف قتالا شديدا حتى قتلا، وصابرهم ابن الزبير إلى الليل، ثم انصرفوا عنه، ثم أقاموا عليه فقاتلوه بقية محرم وصفر كله، حتى إذا مضت ثلاثة أسابيع من ربيع الأول سنة أربع وستين قذفوا البيت بالمجانيق، وحرقوه بالنار، وهم يرتجزون:\rخطارة مثل الفنيق المزبد ... نرمي بها أعواد هذا المسجد\rواستمروا على القتال والحصار إلى آخر الشهر، فأتاهم نعي يزيد بن معاوية لهلال شهر ربيع الآخر.\rوفاة يزيد بن معاوية\rوشيء من أخباره كانت وفاته بحوارين من قرى حمص لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من سنة أربع وستين، وقيل: في هذا الشهر من سنة ثلاث وستين، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقيل: في هذا الشهر من سنة ثلاث وستين، وهو ابن ثمانٍ وثلاثين سنة، وقيل: تسع وثلاثين؛ وقيل: أقل من ذلك إلى خمس وثلاثين.\rوكانت ولايته ثلاث سنين وتسعة أشهر وأياما، على القول الأول في وفاته.\rوحمل إلى دمشق ودفن بها في مقبرة باب الصغير، وصلى عليه ابنه معاوية.","part":5,"page":460},{"id":2461,"text":"وكان له من الأولاد معاوية وخالد وأبو سفيان عبد الله الأكبر أمهم أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، وله أيضاً عبد الله الأصغر، وأمه أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر، وهو الإسوار وله أيضاً عبد الله أصغر الأصاغر، وعمير وأبو بكر وعتبة وحرب ومحمد لأمهات شتى؛ قيل: وله يزيد والربيع.\rوكاتبه عتبة بن أوس ثم زمل بن عمرو العذري.\rوكان نقش خاتمه: \" ربنا الله \" .\rحاجبه خالد مولاه، وقيل: صفوان.\rقاضيه أبو إدريس الخولاني.\rعماله على الأمصار من تقدم ذكرهم، الأمير بمصر مسلمة بن مخلد، ثم توفي، فولاها يزيد سعيد بن يزيد الأزدي من أهل فلسطين.. القاضي بها من قبل مسلمة ويزيد عابس بن سعيد، وجمع له بين القضاء والشرطة، وكان أمياً لا يكتب ولا يقرأ.\r؟؟بيعة معاوية بن يزيد بن معاوية وكنيته \" أبو عبد الرحمن \" و \" أبو ليلى \" ، وأمه أم هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة، وهو الثالث من ملوك بني أمية، بويع له بالشام في النصف من ربيع الأول سنة أربع وستين.\rقال: ولما كان في آخر إمارته أمر فنودي: \" الصلاة جامعة \" فاجتمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \" أما بعد، فإني ضعفت عن أمركم، فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر رضي الله عنهما فلم أجده، فابتغيت ستة من أهل الشورى فلم أجد، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم \" .\rثم دخل منزله وتغيب حتى مات، فقيل: مات مسموماً، وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ثم طعن الوليد فمات من يومه.\rوقيل إنه لما كبر تكبيرتين مات قبل انقضاء الصلاة، فتقدم مروان بن الحكم فصلى عليه.\rوقيل إنه أوصى أن يصلي بالناس الضحاك بن قيس حتى يقوم لهم خليفة.\rوقيل له عند الموت: ! اعهد إلى خالد بن يزيد، فقال: والله ما ذقت حلاوة خلافتكم، فكيف أتقلد وزرها من بعدي! ولم يكن لمعاوية هذا ولد.\rوكان نقش خاتمه: \" الدنيا غرور \" .\rوكانت وفاته لخمسٍ بقين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين.\rوكانت مدة ولايته إلى حين وفاته أربعين يوماً، وقال المدائني: ثلاثة أشهر، وقال ابن اسحاق: عشرين يوماً.\rومات وله ثلاث وعشرون سنة، وقال العتبي: سبع عشرة سنة. والله تعالى أعلم.\rفلنذكر أخبار من بويع بالعراق وخراسان في زمن هذه الفتن، بعد وفاة يزيد ابن معاوية وابنه معاوية بن يزيد إلى أن خلص الأمر بالحجاز والعراق وخراسان لعبد الله بن الزبير.\rأخبار من بويع بالعراق أو لم يتم أمره إلى أن بويع لعبد الله بن الزبير وما كان بالعراق من الوقائع في خلال ذلك كان أول من بويع بالعراق بعد وفاة يزيد بن معاوية عبيد الله بن زياد بن أبيه، وذلك أنه لما أتاه الخبر بوفاة يزيد، وبلغه ما الناس فيه بالشام من الاختلاف، أمر فنودي: \" الصلاة جامعة \" ، فاجتمع الناس، فصعد المنبر، فنعى يزيد وعرض بثلبه، لأن يزيد كان قد كرهه قبل موته، وصرح بلعنه بسبب قتل الحسين بن علي، حتى خافه عبيد الله على نفسه، ثم قال عبيد الله: \" يا أهل البصرة إن مهاجرنا إليكم، ودارنا فيكم، ومولدي فيكم، ولقد وليتكم وما أحصي ديوان مقاتلتكم إلا سبعين ألف مقاتل، ولقد أحصى اليوم ثمانين ألف مقاتل، وما أحصى ديوان عمالكم إلا تسعين ألفاً، ولقد أحصى اليوم مائة ألف وأربعين ألفاً، وما تركت لكم ذا ظنة أخافه عليكم إلا وهو في سجنكم، وإن يزيد قد توفي، وقد اختلف الناس بالشام، وأنتم اليوم أكثر الناس عدداً، وأعرضه فناء، وأغناه عن الناس، وأوسعهم بلاداً، فاختاروا لأنفسكم رجلاً ترضونه لدينكم وجماعتكم، فأنا أول راضٍ بما رضيتموه لدينكم وجماعتكم، فإن اجتمع أهل الشام على رجل ترضونه دخلتم فيما دخل فيه المسلمون، وإن كرهتم ذلك كنتم على جديلتكم حتى تعطوا حاجتكم، فما بكم إلى أحد من أهل البلدان جاحة، وما يستغني الناس عنكم \" .\rفقام خطباؤكم، وقالوا: قد سمعنا مقالتك، وما نعلم أحداً أقوى عليها منك، فهلم نبايعك، فقال: لا حاجة لي في ذلك. فكرروا عليه وهو يأبى عليهم ثلاثاً، ثم بسط يده فبايعوه ثم انصرفوا ومسحوا أيديهم بالحيطان، وقالوا: أيظن ابن مرجانه إنا ننقاد له في الجماعة والفرقة.","part":5,"page":461},{"id":2462,"text":"قال: ولما بايعوه أرسل إلى أهل الكوفة مع عمرو بن مسمع وسعد بن قرحا التيمي يدعوهم إلى البيعة له، ويعلمهم ما صنع أهل البصرة، فلما وصلا إلى الكوفة وكان خليفة عبيد الله عليها عمرو بن حريث، فجمع الناس، وقام الرسولان فخطبا وذكرا ذلك للناس، فقام يزيد بن الحارث بن يزيد الشيباني وهو ابن رويم، فقال الحمد لله الذي أراحنا من ابن سمية، أنحن نبايعه؟ لا ولا كرامة.\rوحصبهما الناس بعده، فشرفت هذه المقالة يزيد بن رويم بالكوفة ورفعته، ورجع الرسولان إلى عبيد الله، فقال أهل البصرة: أيخلعه أهل الكوفة ونوليه نحن؟! فضعف سلطانه عندهم، فكان يأمر بالأمر فلا يقضى ويرى الرأي فيرد عليه، ويأمر بحبس المخطئ فيحال بين أعوانه وبينه.\rثم جاء البصرة سلمة بن ذؤيب الحنظلي التميمي، فوقف في السوق وبيده لواء، وقال: أيها الناس، هلموا إلي، إني أدعوكم إلى ما لم يدعكم إليه أحد، أدعوكم إلى العائذ بالحرم، يعني عبد الله بن الزبير.\rفاجتمع إليه ناس، وجعلوا يبايعونه، فبلغ الخبر ابن زياد، فجمع الناس فخطبهم وذكرهم بما كان من بيعته وقال: إني بلغني أنكم مسحتم أكفكم بالحيطان وباب المسجد، وقلتم ما قلتم، وإني آمر بالأمر فلا ينفذ، ويرد على رأيي، ويحال بين أعواني وبين طلبتي، ثم هذا سلمة بن ذؤيب يدعوكم إلى الخلاف عليكم، ليفرق جماعتكم، ويضرب بعضكم رقاب بعض! \" .\rفقال الأحنف والناس: نحن نأتيك بسلمة، فأتوه، فإذا جمعه قد كثف والفتق قد اتسع، فقعدوا عن ابن زياد فلم يأتوه، فلما رأى ذلك أرسل إلى الحارث بن قيس بن صهبان الجهضمي الأزدي، فأحضره وسأله الهرب به، فقال: يا حارث إن أبي أوصاني إن احتجت إلى الحرب يوماً ما أن أختاركم، فقال الحارث قد اختبرنا أباك فلم نجد عنده ولا عندك مكافأة، وما أدري كيف أتأتى لك إن أخرجتك نهاراً أخاف أن تقتل أو أقتل، ولكني أقيم معك إلى الليل، ثم أردفك خلفي لئلا نعرف، فقال عبيد الله، نعم ما رأيت، فأقام عنده، فلما كان الليل حمله خلفه، وكان في بيت المال تسعة عشر ألف ففرق ابن زياد بعضها في مواليه، وادخر الباقي لآل زياد.\rقال: وسار الحارث بعبيد الله، فكان يمر به على الناس وهم يتحارسون مخافة الحرورية، حتى انتهوا إلى بني ناجية، فقال بنو ناجية: من أنت؟ قال: الحارث بن قيس.\rوعرف رجل منهم عبيد الله، فقال: ابن مرجانة! وأرسل سهماً فوقع في عمامته ومضى به الحارث حتى أنزله في داره بالجهاضم، فقال له ابن زياد: \" يا حارث، إنك قد أحسنت، فاصنع ما أشير به عليك، قد علمت منزلة مسعود بن عمرو، وشرفه وسنه، وطاعة قومه له، فهل لك أن تذهب بي إليه فأكون في داره، فهي وسط الأزد؟ فإنك إن لم تفعل فرق عليك أمر قومك، فأخذه الحارث فدخلا على مسعود فلم يشعر حتى رآهما، فقال للحارث: أعوذ بالله من شر ما طرقتني به، قال: ما طرقتك إلا بخير، ولم يزل الحارث يلطف بمسعود في أمره حتى قال له: أتخرجه من بيتك بعد ما دخله عليك؟ فأمره مسعود فدخل بيت أخيه عبد الغافر بن عمرو، ثم ركب مسعود من ليلته ومعه الحارث وجماعة من قومه، فطافوا بالأزد فقالوا: إن ابن زياد قد فقد، وإنا لا نأمن أن تلطخوا به، فأصبحوا في السلاح، وفقد الناس ابن زياد فقالوا: ما هو إلا في الأزد.\rوقيل: إن الحارث لم يكلم مسعودا، بل أمر عبيد الله فحمل معه مائة ألف درهم وأتى بها أم بسطام امرأة مسعود وهي بنت عم الحارث ومعه عبيد الله، فاستأذن عليها، فأذنت له.\rفقال: قد اتيتك بأمر تسودين به نساء العرب، وتتعجلين به الغنى، فأخبرها الخبر وأمرها أن تدخل ابن زياد البيت، وتلبسه ثوباً من ثياب مسعود، ففعلت، فلما جاء مسعود أخذ برأسها يضربها، فخرج عبيد الله والحارث عليه، وقال، لقد أجارتني وهذا ثوبك علي، وطعامك في بطني، وشهد الحارث، وتلطفوا به حتى رضي.\rفلم يزل ابن زياد في بيته حتى قتل مسعود، فسار إلى الشام على ما نذكره إن شاء الله.\rقال: ولما فقد ابن زياد بقي أهل البصرة بغير أمير، فاختلفوا فيمن يؤمرونه عليهم، ثم تراضوا بقيس بن الهيثم السلمي، وبنعمان بن سفيان ليختارا من يرتضيان لهم، وكان رأي قيس في بني أمية، ورأي النعمان في بني هاشم، فقال النعمان: ما أرى أحداً أحق بهذا الأمر من فلان، لرجل من بني أمية.","part":5,"page":462},{"id":2463,"text":"وقيل بل ذكر عبد الله بن الأسود الزهري، وكان هوى قيس فيه، وإنما قال النعمان ذلك خديعة ومكراً بقيس، فقال قيس: قد قلدتك أمري ورضيت من رضيت، ثم جاء إلى الناس فقال قيس بن الهيثم: قد رضيت من رضى النعمان.\r؟ولاية عبد الله بن الحارث البصرة\rقال: ولما اتفق قيس والنعمان، ورضي قيس بمن يؤمره النعمان، أشهد عليه النعمان بذلك، وأخذ على قيس وعلى الناس العهود بالرضا.\rثم أتى عبد الله بن الأسود، وأخذ بيده واشترط عليه، حتى ظن الناس أنه يبايعه، ثم تركه.\rوأخذ بيد عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وهو الملقب \" ببه \" واشترط عليه مثل ذلك، ثم حمد الله وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحق أهل بيته وقرابته، ثم قال: \" أيها الناس، ما تنقمون من رجل من بني عم نبيكم وأمه هند بنت أبي سفيان، فإن كان الأمر فيهم فهو ابن أختهم \" ، ثم أخذ بيده وقال، قد رضيت لكم هذا، فنادوا: قد رضينا، وبايعوه، وأقبلوا به إلى دار الإمارة حتى نزلها، وذلك أول جمادى الآخرة سنة أربع وستين.\rمقتل مسعود الأزدي\rوهرب عبيد الله بن زياد إلى الشام قال: ثم إن الأزد وربيعة جددوا الحلف الذي كان بينهم، وأنفق ابن زياد مالاً كثيراً فيهم حتى تم الحلف، وكتبوا بينهم بذلك كتابين، فلما تحالفوا اتفقوا على أن يردوا ابن زياد إلى دار الإمارة، فساروا ورئيسهم مسعود بن عمرو، فقال لابن زياد: سر معنا، فلم يفعل، وأرسل معه مواليه على الخيل، وقال لهم لا يحدثن خير ولا شر إلا أنبأتموني به.\rفجعل مسعود لا يأتي سمة ولا يتجاوز قبيلة إلا أتى بعض أولئك الموالي إلى ابن زياد بالخبر، وسارت ربيعة وعليهم مالك بن مسمع فأخذوا سكة المربد، وجاء مسعود فدخل المسجد وصعد المنبر، وعبد الله بن الحارث في دار الإمارة، فقيل له، إن مسعود وأهل اليمن وربيعة قد ساروا وسيهيج بين الناس شر، فلو أصلحت بينهم وركبت في بني تميم، فقال: أبعدهم الله، والله لا أفسدت نفسي في صلاحهم، وسار مالك بن مسمع نحو دور بني تميم حتى دخل سكة بني العدوية، فحرق دورهم لما في نفسه منهم.\rوجاء بنو تميم إلى الأحنف بن قيس فقالوا: يا أبا بحر، إن ربيعة والأزد قد تحالفوا وقد ساروا إلى الرحبة فدخلوها، فقال، لستم بأحق بالمسجد منهم، فقالوا: قد دخلوا الدار، فقال: لستم بأحق بالدار منهم، فأتته امرأة بمجمر وقالت له: مالك وللرياسة؟! إنما أنت امرأة تتجمر.\rثم أتوه فقالوا: إن امرأة منا قد نزعت خلاخيلها، وقد قتلوا الصباغ الذي على طريقك، وقتلوا المقعد الذي كان على باب المسجد، وقد دخل مالك بن مسمع سكة بني العدوية فحرق،فقال الأحنف: أقيموا البينة على هذا، ففي بعض هذا ما يحل به قتالهم! فشهدوا عنده على ذلك، فقال الأحنف: أجاء عباد بن حصين؟ قالوا لا، ثم قال: أجاء عباد؟ قالوا لا، قال: أها هنا عبس بن طلق قالوا: نعم؛ فدعاه فانتزع معجزاً من رأسه فعقده في رمح ثم دفعه إليه، فقال: سر، فسار وصاح الناس: هاجت زبراء \" وزبراء أمة للأحنف كنوا بها عنه \" .\rفسار عبس إلى المسجد، فقاتل الأزد على أبوابه، ومسعود يخطب على المنبر، ثم أتوه فاستنزلوه وقتلوه، وذلك أول شوال سنة أربع وستين، وانهزم أصحابه.\rوكان ابن زياد قد تهيأ لما صعد مسعود المنبر ليجئ دار الإمارة، فقيل له إن مسعود قد قتل، فركب ولحق بالشام.\rوأما مالك بن مسمع فأتاه ناس من مصر فحصروه في داره وحرقوه، ولما هرب ابن زياد تبعوه فأعجزهم، فنهبوا ما وجدوا له، ففي ذلك يقول واقد بن خليفة التميمي:\rيا رب جبار شديد كلبه ... قد صار فينا تاجه وسلبه\rمنهم عبيد الله حين تسلبه ... جياده وبزه وننهبه\rيوم التقى مقنبنا ومقنبه ... لو لم ينج ابن زياد هربه","part":5,"page":463},{"id":2464,"text":"وقد قيل في قتل مسعود ومسير ابن زياد غير ما قدمناه، وهو أنه لما استجار ابن زياد بمسعود بن عمرو وأجاره، ثم سار ابن زياد إلى الشام وأرسل معه مسعود مائة من الأزد حتى قدموا به إلى الشام، ولما سار من البصرة استخلف مسعوداً عليها، فقال بنو تميم وقيس: لا نرضى إلا رجلاً ترضاه جماعتنا، فقال مسعود: قد استخلفني ولا أدع ذلك أبداً، وخرج حتى انتهى إلى القصر فدخله، واجتمعت تميم إلى الأحنف، فاقالوا له: إن الأزد قد دخلوا المسجد قال: وخرج حتى انتهى إلى القصر فدخله، واجتمعت تميم إلى الأحنف، فاقالوا له: إن الأزد قد دخلوا المسجد قال: إنما هو لهم ولكم، قالوا: قد دخلوا القصر وصعد مسعود المنبر.\rوكانت خوارج قد خرجوا فنزلوا بنهر الأساورة حين خرج عبيد الله إلى الشام، فزعم الناس أن الأحنف بعث إليهم: إن هذا الرجل الذي قد دخل القصر هو لنا ولكم عدو، فما يمنعكم منه! فجاءت عصابة منهم حتى دخلوا المسجد ومسعود على المنبر يبايع من أتاه، فرماه علج يقال له مسلم من أهل فارس، كان قد دخل البصرة وأسلم ثم صار من الخوارج، فأصاب قلبه فقتله، فقال الناس: قتله الخوارج، فخرج الأزد إلى تلك الخوارج، فقتلوا منهم وجرحوا، وطردوهم عن البصرة، ثم قيل للأزد: إن تميماً قتلوا منهم مسعوداً، فأرسلوا يسألون، فإذا ناس من تميم تقوله، فاجتمعت الأزد عند ذلك، فرأسوا عليهم زياد بن عمرو أخا مسعود، ومعهم مالك بن مسمع في ربيعة، فأتته امرأة بمجمر فقالت: اجلس على هذا، \" أي إنما أنت امرأة \" ، فخرج الأحنف في بني تميم ومعهم من بالبصرة من قيس، فالتقوا، فقتل منهم قتلى كثيرة، فقال لهم بنو تميم: \" يا معشر الأزد، الله الله في دمائنا ودمائكم، بيننا وبينكم القرآن، ومن شئتم من أهل الإسلام، فإن كانت لكم علينا بينة فاختاروا أفضل رجل فينا فاقتلوه، وإن لم تكن لكم بينة فإنا نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا ولا نعلم له قاتل، وإن لم تريدوا ذلك فنحن ندي صاحبكم بمائة ألف درهم \" . وسفر بينهم عبيد الله بن معمر وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فطلبوا عشر ديات، فطلبوا عشر ديات، فأجابهم الأحنف إلى ذلك، واصطلحوا عليه.\rقال: وأما عبد الله بن الحارث \" ببه \" فإنه أقام يصلي بالناس حتى قدم عليهم عمر بن عبيد الله أميراً من قبل ابن الزبير.\rوقيل: كتب ابن الزبير إلى عمر بعهده على البصرة، فأتاه الكتاب وهو متوجه إلى العمرة، فكتب عمر إلى أخيه عبيد الله يأمره أن يصلي بالناس، فصلى بهم حتى قدم عمر، فبقي عمر أميراً شهراً، ثم قدم الحارث بن عبيد الله بن أبي ربيعة المخزومي فعزله ووليها الحارث.\rوقيل: بل اعتزل عبد الله بن الحارث \" ببه \" أهل البصرة بعد قتل مسعود، فكتب أهل البصرة بعد قتل مسعود إلى ابن الزبير، وكتب ابن الزبير إلى أنس بن مالك يأمره أن يصلي بالناس، فصلى بهم أربعين يوماً.\rهذا ما كان من أمر البصرة، فلنذكر خبر أهل الكوفة.\rخبر أهل الكوفة\rوما كان من أمرهم بعد ابن زياد إلى أن بويع ابن الزبير كان من خبرهم أنهم لما حصبوا رسل ابن زياد على ما ذكرناه عزلوا خليفته عليهم وهو عمرو بن حريث، واجتمع الناس وقالوا: نؤمر علينا رجلاً إلى أن يجتمع الناس على خليفة، فاجتمعوا عمر بن سعد بن أبي وقاص، فجاءت نساء همذان يبكين الحسين بن علي رضي الله عنهما ورجالهم متقلدو السيوف، فأطافوا بالمنبر، فقال محمد بن الأشعث: جاء أمر غير ماكنا فيه، وكانت كندة تقوم بأمر عمر بن سعد، لأنهم أخواله، فأجمعوا على عامر بن مسعود ابن أمية بن خلف بن وهب الجمحي، فخطب أهل الكوفة فقال: إن لكل قوم أشربة ولذات فاطلبوها في مظانها، وعليكم بما يحل ويحمد، واكسروا شرابكم بالماء، وتواروا عني بهذه الجدران.\rفقال ابن همام:\rاشرب شرابك وانعم غير محسود ... واكسره بالماء لا تعص ابن مسعود\rإن الأمير له في الخمر مأربة ... فاشرب هنيئاً مريئاً غير تصريد\rمن ذا يحرم ماء المزن خالطه ... من قعر خابية ماء العناقيد\rإني لأكره تشديد الرواة لنا ... فيها ويعجبني قول ابن مسعود\rوكثير من الناس يظن أن ابن مسعود المذكور في هذا الشعر هو عبد الله بن أم عبد، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس كذلك.","part":5,"page":464},{"id":2465,"text":"قال: ولما بايعه أهل الكوفة كتبوا بذلك إلى ابن الزبير فأقره عليها، فمكث ثلاثة أشهر من مهلك يزيد بن معاوية، ثم استعمل عبد الله بن الزبير عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة على الخراج، واستعمل محمد بن الأشعت بن قيس على الموصل.\r؟؟؟؟؟؟؟خبر خراسان\rوما كان من أمر سلم بن زياد وبيعته وخبر عبد الله بن خازم كان من خبر خراسان أنه لما بلغ سلم بن زياد وهو العامل عليها موت يزيد بن معاوية كتم ذلك، فقال له ابن عرادة:\rيا أيها الملك المغلق بابه ... حدثت أمور شأنهن عظيم\rقتلى بحرة والذين بكابل ... وزيد أعلن شأنه المكتوم\rأبني أمية إن آخر ملككم ... جسد بجوازين ثم مقيم\rطرقت منيته وعند وساده ... كوب وزق راعف مرثوم\rومرنة تبكي على نشواته ... بالصنج تقعد مرة وتقوم\rفلما ظهر شعره أظهر سلم موت يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد، ودعا الناس إلى البيعة على الرضا حتى تستقيم أمور الناس على خليفة، فبايعوه، ثم نكثوا به بعد شهرين، فلما خلعوه خرج عنهم واستخلف المهلب بن أبي صفرة، فلما كان بسرخس لقيه سليمان بن مرثد أحد بني قيس بن ثعلبة بن ربيعة، فقال له: أضاقت عليك نزار حتى خلفت على خراسان رجلاً من اليمن، يعني المهلب، فولاه مرو الروز، والفارياب والطالقان، والجزجان، وولى أوس بن ثعلبة ابن زفرر \" وهو صاحب قصر أوس بالبصرة \" هراة، فلما وصل سلم إلى نيسابور لقيه عبد الله بن حازم، فقال له: من وليت خراسان؟ فأخبره فقال: أما وجدت من مضر من تستعمله، حتى فرقت خراسان بين بكر بن وائل واليمن! اكتب لي عهداً على خراسان؛ فكتب له وأعطاه مائة ألف درهم.\rوسار ابن خازم إلى مرو، وبلغ خبره المهلب، فأقبل فاستخلف رجلاً من بني جشم بن سعد بن زيد مناه بن تميم، فلما وصلها ابن خازم منعه الجشمي، وجرت بينهما مناوشة، فأصابت الجشمي رمية في جبهته، وتحاجزا، ودخلهما ابن خازم، ومات الجشمي بعد ذلك بيومين.\rثم سار ابن خازم إلى مرو فقاتله سليمان بن مرثد أياماً، فقتل سليمان، ثم سار بن خازم إلى عمرو بن مرثد وهو بالطالقان فاقتتلوا فقتل عمرو بن مرثد، وانهزم أصحابه، فلحقوا بهراة بأوس بن ثعلبة، ورجع ابن خازم إلى مرو.\rوهرب من كان بمرو الروذ من بكر بن وائل إلى هراة، وانضم إليها من كان بكور خراسان من بكر، فكثر جمعهم، وقالوا لأوس ابن ثعلبة: نبايعك على أن تسير إلى ابن خازم وتخرج مضر من خراسان، فأبى عليهم، فهموا بمبايعة غيره، فأجابهم، فبايعوه، فسار إليهم ابن خازم فنزل على واد بينه وبين هراة، فأشار البكريون بالخروج من هراة وعمل خندق، فقال أوس: بل نلزم المدينة فإنها حصينة، وأطاول ابم خازم ليضجر ويعطينا ما نريد، فأبوا عليه، وخرجوا فخندقوا خندقاً، وقاتلهم ابن خازم نحو سنة.\rفنادى هلال الضبي وهو من أصحابه فقال: إنما تقاتل إخوتك وبني أبيك، فإن نلت منهم الذي تريد فما في العيش خير، فلو أعطيتهم شيئاً يرضون به، وأصلحت هذا الأمر؟؟! فقال: والله لو خرجنا إليهم عن خراسان ما رضوا، فقال هلال: لا والله لا أقاتل معك أنا ولا رجل يطيعني حتى تعذر إليهم! قال: فأنت رسولي إليهم فأرضهم.\rفأتى هلال إلى أوس بن ثعلبة، فناشده الله والقرابة في نزار، وأن يحفظ دماءها، فقال: هل لقيت بني صهيب، قال: لا، قال: فالقهم، وبنو صهيب هم موالي بني جحدر، وهم الذين ألزموا أوس بن ثعلبة بالقتال، فخرج هلال من عند أوس فلقي جماعة من رؤساء أصحابه، فأخبرهم ما أتى له، فقالوا له: هل لقيت بني صهيب؟ فقال: لقد عظم أمر بني صهيب عندكم! فأتاهم يكلمهم، فقالوا: والله لولا أنك رسول لقتلناك، قال: فما يرضيكم شئ؟ قالوا: واحد من اثنين؛ إما أن تخرجوا من خراسان، وإما أن تقيموا وتخرجوا لنا كل سلاح وكراع وذهب وفضة، فرجع هلال إلى ابن خازم، فقال: ما عندك؟ فأخبره الخبر فقال: إن ربيعة لم تزل غضاباً على ربها منذ بعث نبيه في مضر!.","part":5,"page":465},{"id":2466,"text":"وأقام ابن خازم يقاتلهم، فلما طال مقامه ناداهم يوماً؛ يا معشر ربيعة، أرضيتم بنى من خراسان بخندقكم؟! فأحفظهم ذلك، فتنادوا للقتال، فنهاهم أوس عن الخروج بجماعتهم، فعصوه، وخرجوا، فقاتلوا ساعة، ثم انهزموا، حتى انتهوا إلى خندقهم، وتفرقوا يميناً وشمالاً، وسقطوا في الخندق، وقتلوا قتلاً ذريعاً، وهرب أوس بن ثعلبة وبه جراحات، وحلف ابن خازم لا يؤتى بأسير يومه ذلك إلا قتله وسار أوس بن ثعلبة إلى سجستان فمات بها أو قريباً منها، وقتل من بكر يومئذ ثمانية آلاف، وغلب ابن حازم على هراة واستعمل عليها ابنه محمداً وضم إليه شماس بن دثار العطاردي، وجعل بكير بن وشاح الثقفي على شرطته، ورجع ابن خازم إلى مرو.\rوفي هذه السنة بعد موت يزيد خالف أهل الري، وكان عليهم الفرخان الرازي، فوجه إليهم عامر بن مسعود وهو أمير الكوفة محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي الدارمي فهزمه أهل الري، فبعث إليهم عامر عتاب بن ورقاء التميمي، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل الفرخان وانهزم المشركون.\rهذا ما كان من أخبار العراق وخراسان بعد وفاة يزيد، فلنذكر أخبار عبد الله بن الزبير، وما تخلل أيامه من أخبار غيره التي حدثت في أعماله.\rبيعة عبد الله بن الزبير\rوما حدث في أيامه من الوقائع والحوادث المتعلقة به والكائن في أعمال ولايته هو أبو خبيب، وقيل: أبو بكر عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يجتمع نسبه ونسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصي، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهي ذات النطاقين، وهو أول مولود ولد بالمدينة من المسلمين بعد الهجرة.\rوكان ابتداء أمره في البيعة له ما قدمناه؛ من خروجه من المدينة لما توفي معاوية بن أبي سفيان، ووصوله إلى مكة، وأنه أقام بالبيت وقال: أنا العائد بهذا البيت.\rفلما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما في سنة إحدى وستين كما ذكرنا، قامعبد الله في الناس فعظم قتله، وعاب أهل العراق عامة، وأهل الكوفة خاصة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إن أهل العراق غدر فجر إلا قليلا، وإن أهل الكوفة شرار أهل العراق، وإنهم دعوا حسيناً لينصروه ويولوه عليهم، فلما قدم عليهم ثاروا عليه،فقالوا له: إما أن تضع يدك في أيدينا فنبعث بك إلى ابن زياد بن سمية فيمضي فيك حكمه، وإما أن تحارب، فرأى والله أنه هو وأصحابه قليل في كثير، وإن كان الله لم يطلع على الغيب أحداً أنه مقتول، ولكنه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله حسيناً، وأخزى قاتله. لعمري لقد كان من خلافهم إياه، وعصيانهم، ما كان في مثله واعظ وناه عنهم، ولكنه قدر نازل، وإذا أراد الله أمراً لم يدفع، أفبعد الحسين يطمأن إلى هؤلاء القوم، ويصدق قولهم، ويقبل لهم عهد؟ لا والله لا نراهم لذلك أهلاً، أم والله لقد قتلوه طويلاً بالليل قيامه، كثيراً في النهار صيامه، أحق بما هم فيه منهم وأولى به في الدين والفضل! أم الله ما كان يبدل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ولا بالمجالس في حلق الذكر الركض في تطلاب الصيد - يعرض بيزيد - \" فسوف يلقون غياً \" .\rفثار إليه أصحابه، وقالوا: أظهر بيعتك، فإنه لم يبق أحد إذ هلك الحسين ينازعك هذا الأمر، وقد كان عبد الله قبل ذلك يبايع سراً، فقال لهم: لا تعجلوا، هذا وعمرو بن سعيد عامل مكة، وهو أشد شئ على عبد الله بن الزبير، وهو مع ذلك يداري ويرفق.\rفلما استقر عند يزيد ما قد جمع ابن الزبير من الجموع بمكة أعطى الله عهداً ليوثقنه في سلسلة، فبعث إليه سلسلة من فضة مع ابن عضادة الأشعري ومسعدة وأصحابهما ليأتوه به فيها، وبعث معهم برنس خز ليلبسه عليها لئلا تظهر للناس.\rفاجتاز أبو عضادة بالمدينة وبها مروان بن الحكم، فأخبره بما قدم له، فأرسل مروان معه ولدين له، أحدهما عبد العزيز، وقال: إذا بلغته رسل يزيد الرسالة فتعرضا له، وليتمثل أحدكما بهذا الشعر:\rفخذها فليست للعزيز بخطة ... وفيها مقال لامرئ متذلل\rأعامر إن القوم ساموك خطة ... وذلك في الجيران عزلاً بمعزل","part":5,"page":466},{"id":2467,"text":"أراك إذا ما كنت للقوم ناصحاً ... يقال له بالدلو أدبر وأقبل\rفلما بلغه الرسل الرسالة أنشد عبد العزيز الأبيات، فقال ابن الزبير: يا بني مروان قد سمعت ما قلتما فأخبرا أباكما:\rإني لمن نبعة صم مكاسرها ... إذا تناوحت القصباء والعشر\rفلا ألين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر\rوامتنع من رسل يزيد.\rفقال الوليد بن عتبة وناس من بني أمية ليزيد: لو شاء عمرو بن سعيد لأخذ ابن الزبير وبعث إليك به، فعزل يزيد عمراً واستعمل الوليد بن عتبة على الحجاز، فأقام الوليد يريد غرة عبد الله فلم يجده إلا متحذراً ممتنعاً.\rوثار نجدة بن عامر الحنفي باليمامة حين قتل الحسين، وكان الوليد يفيض بالناس من المعرف، ويقف ابن الزبير وأصحابه ونجدة وأصحابه، ثم يفيض ابن الزبير وأصحابه، ونجدة بأصحابه، لا يفيض واحد منهم بلإفاضة أحد. وكان نجدة يلقى عبد الله بن الزبير ويكثر حتى ظن الناس أنه سيبايعه.\rثم كتب عبد الله بن الزبير إلى يزيد في شأن الوليد فعزله يزيد كما تقدم، واستعمل عثمان بن محمد بن أبي سفيان.\rوكان من خبر أهل المدينة في خلافهم يزيد، ووقعة الحرة، والحصار الأول ما قدمناه.\rفلما مات يزيد بن معاوية بلغ الخبر عبد الله بن الزبير والحصين بن نمير ومن معه من عسكر الشام يحاصرونه، وقد اشتد حصارهم، فقال لهم عبد الله وأهل مكة: علام تقاتلون وقد هلك طاغيتكم؟ فلم يصدقوهم، فلما بلغ الحصين خبر موت يزيد بعث إلى ابن الزبير فقال: موعد ما بيننا الليلة الأبطح، فالتقيا وتحادثا فراث فرس الحصين، فجاء حمام الحرم يلتقط روث فرس الحصين، فكف الحصين فرسه عن الحمام، وقال: أخاف أن يقتل فرسي حمام الحرم، فقال الزبير : تتحرجون من هذا وأنتم تقاتلون المسلمين في الحرم، فكان فيما قال له الحصين: أنت أحق بهذا الأمر، هلم فلنبايعك، ثم اخرج معي إلى الشام، فإن هذا الجند الذين معي هم وجوه أهل الشام وفرسانهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان، وتؤمن الناس، وتهدر الدماء التي كانت بيننا وبينك، وبين أهل الحرة، فقال له أنه لا أهدر الدماء، والله لا أرضى أن أقتل بكل رجل منهم عشرة. وأخذ الحصين يكلمه سراً وهو يجهر ويقول: والله لا أفعل، فقال الحصين: قبح الله من يعدك بعد هذا داهياً أو أريباً، قد كنت أظن لك رأياً، وأنا أكلمك سراً، وتكلمني جهراً، وأدعوك إلى الخلافة، وتعدني القتل والهلكة، ثم فارقه ورحل هو وأصحابه نحو المدينة.\rوندم ابن الزبير على ما صنع، فأرسل إلى الحصين يقول: أما المسير إلى الشام فلا أفعله، ولكن بايعوا لي هناك، فإني مؤمنكم وعادل فيكم، فقال الحصين: إن لم تقدم بنفسك لا يمشي الأمر، فإن هنالك ناساً من بني أمية يطلبون هذا الأمر، وسار الحصين إلى المدينة فخرج معه بنو أمية إلى الشام.\rوبويع عبد الله بن الزبير بمكة لسبع بقين من رجب سنة أربع وستين، واجتمع لعبد الله بن الزبير الحجاز والكوفة والبصرة والجزيرة وأهل الشام، إلا أهل أردن ومصر.\rثم بويع مروان بن الحكم بالشام، فكان من أمره في وقعة مرج راهط، ومسيره إلى مصر واستيلائه عليها ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره.\rفراق الخوارج عبد الله\rوما كان من أمرهم وفي سنة أربع وستين فارق الخوارج الذين كانوا قدموا مكة عبد الله بن الزبير، وكانوا قد قاتلوا معه أهل الشام.\rوكان سبب قدومهم عليه أنه لما اشتد عليهم عبيد الله بن زياد بعد قتل أبي بلال، اجتمعوا وتذاكروا فأشار عليهم نافع بن الأزرق أن يلحقوا بابن الزبير، وقال: إن كان على رأينا جاهدنا معه، وإن كان على غير رأينا دافعنا عن البيت، فلما قدموا عليه سر بمقدمهم وأخبرهم أنه على مثل رأيهم من غير استفسار، فقاتلوا معه أهل الشام، ثم اجتمعوا بعد وفاة يزيد وقالوا: إن الذي صنعتم بالأمس لغير رأي، تقاتلون مع رجل لا تدرون، لعله ليس على مثل رأيكم، وقد كان أمس يقاتلكم هو وأبوه، وينادي: يا ثارات عثمان فاجتمعوا إليه فسألوه عن عثمان، فنظر فإذا أصحابه حوله قليل فقال: إنكم أتيتموني حين أردت القيام، ولكن ائتوني عشية النهار حتى أعلمكم، فانصرفوا.\rوبعث ابن الزبير إلى أصحابه، فاجتمعوا عنده بأيديهم العهد.","part":5,"page":467},{"id":2468,"text":"فقال ابن الأزرق: إن الرجل قد أزمع خلافكم، فتقدم إليه نافع بن الأزرق وعبيدة بن هلال، فقال عبيدة: بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه عمل بكتاب الله حتى قبضه الله، واستخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو بكر عمر، فكلاهما عمل بكتاب الله وسنة رسوله، ثم إن الناس استخلفوا عثمان، ونقصه، وقبح أفعاله، وتبرأ منه، ووالى قتله، ثم قال: فما تقول أنت يا ابن الزبير؟! فحمد ابن الزبير الله وأثنى عليه، ثم قال: قد فهمت الذي ذكرت به النبي صلى الله عليه وسلم فهو فوق ما ذكرت، وفوق ما وصفت، وفهمت الذي ذكرت به أبا بكر وعمر وقد وفقت وأصبت، وفهمت الذي ذكرت به عثمان، وإني لا أعلم مكان أحد من خلق الله اليوم أعلم بابن عفان وأمره مني، كنت معه حيث نقم القوم عليه واستعتبوه فلم يدع شيئاً إلا أعتبهم منه، ثم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون أنه كتبه يأمر فيه بقتلهم، فقال لهم: ما كتبته، فإن شئتم فهاتوا بينتكم، فإن لم تكن حلفت لكم. فوالله ما جاءوه ببينة، ولا استحلفوه، ووثبوا عليه فقتلوه، وقد سمعت ما عبته فيه، فليس كذلك، بل هو لكل خير أهل، وأنا أشهدكم ومن حضرني أني ولي لابن عفان، وعدو أعدائه، قالوا: فبرئ الله منك، قال: بل برئ الله منكم.\rوتفرق القوم، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلي، وعبد الله بن صفار السعدي، وعبد الله بن إباض، وحنظلة بن بيهس، وبنو الماحوز، عبد الله وعبيد الله والزبير من بني سليط بن يربوع، وكلهم من تميم، حتى أتوا البصرة، وانطلق أبو طالوت من بني بكر بن وائل، وأبو فديك عبد الله بن ثور من قيس بن ثعلبة، وعطية بن الأسود اليشكري، إلى يمامة، فوثبوا بها مع أبي طالوت، ثم اجتمعوا بعد ذلك على نجدة بن عامر الحنفي وتركوا أبا طالوت.\rفأما نافع بن الأزرق ومن معه فإنهم قدموا البصرة فتذاكروا الجهاد وفضيلته، وخرج في ثلثمائة، وذلك عند وثوب الناس بابن زياد، وكسر الخوارج باب السجن وخرجوا، واشتغ الناس عنهم بحرب الأزد وربيعة وتميم، فلما استقر أمر عبد الله بن الحارث بالبصرة تجرد الناس للخوارج وأخافوهم، فلحق نافع بالأهواز في شوال سنة أربع وستين واشتدت شوكته، وكثرت جموعه، وأقام بالأهواز.\rوحيث ذكرنا الخوارج، فلنذكر ما كان من أمرهم في أيام عبد الله بن الزبير إلى نهايته، ثم نذكر ما سوى ذلك.\rمقتل نافع بن الأزرق\rأمير الخوارج وغيره منهم وفي سنة خمس وستين اشتدت شوكة نافع بن الأزرق، وهو الذي تنسب إليه الأزارقة من الخوارج، وكثرت جموعه، وأقبل بهم نحو الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث أمير البصرة مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة، فخرج إليه فدفعه عن أرض البصرة حتى بلغ دولاب من أرض الأهواز، فاقتتلوا هناك فقتل مسلم أمير أهل البصرة ونافع بن الأزرق رئيس الخوارج، وكان مقتلهما في جمادى الآخرة.\rفأمر أهل البصرة عليهم الحجاج بن باب الحميري، وأمرت الخوارج عبد الله بن الماحوز التميمي، فاقتتلوا فقتل الحجاج وعبد الله ، فأمر أهل البصرة ربيعة بن الأجذم التميمي، وأمرت الخوارج عبيد الله بن الماحوز، واقتتلوا حتى أمسوا وقد ملوا القتال، وكره بعضهم بعضاً، فبينما هم كذلك إذ جاءت سرية للخوارج لم تشهد القتال فهزمت جيش البصرة، وقتل أميرهم ربيعة، فأخذ الراية حارث بن بدر فقاتل ساعة بعد أن أذهب الناس عنه، ثم سار ونزل الأهواز، وبعث ابن الزبير الحارث بن أبي ربيعة على البصرة كما ذكرناه، فأقبلت الخوارج نحو البصرة حتى قربوا منها، فأتى أهلها الأحنف بن قيس وسألوه أن يتولى حربهم، فأشار عليهم بالمهلب بن أبي صفرة.\rمحاربة المهلب الخوارج\rوقتل أميرهم عبيد الله بن الماحوز كان المهلب قد قدم من قبل عبد الله بن الزبير لولاية خراسان فخرج إليه أشراف أهل البصرة وكلموه في حرب الخوارج، فأبى عليهم، فكلمه الحارث بن ربيعة، فاعتذر بولاية خراسان، فوضع الحارث وأهل البصرة كتاباً عن ابن الزبير إلى المهلب يأمره بقتال الخوارج، وأتوه به، فلما قرأه، قال: والله ما أسير إليهم إلا أن يجعلوا إلي ما غلبت عليه، ويعطوني من بيت المال ما أقوى به من معي، فأجابوه إلى ذلك.","part":5,"page":468},{"id":2469,"text":"واختار المهلب من أهل البصرة اثني عشر ألفاً، منهم محمد بن واسع، وعبد الله بن رباح الأنصاري، ومعاوية بن قرة المزني، وأبو عمران الجوني وغيرهم. وخرج إلى الخوارج وهم عند الجسر الأصغر فحاربهم ودفعهم عنه، وتبعهم حتى بلغوا الأهواز، واقتتلوا هناك.\rودامت الحرب، وقتل المعارك بن أبي صفرة أخو المهلب، ثم هزم جيش المهلب وثبت هو، فاجتمع عليه جماعة ممن انهزم، ثم عادوا للقتال، وأبلى بلاء حسناً فهزموه، فبلغ بعض من معه البصرة وجاءت أهلها وأسرع المهلب حتى سبق المنهزمين إلى تل عال، ثم نادى: إلى عباد الله؛ فاجتمع إليه ثلاثة آلاف أكثرهم من قومه فعاد إلى الخوارج وقد أمنوا، وسار بعضهم خلف الجيش الذي انهزم، فأوقع بهم المهلب وقتل رئيسهم عبيد الله بن الماحوز، فاستخلفوا الزبير بن الماحوز، وعاد الذين تبعوا المنهزمين، فوجدوا المهلب قد وضع لهم خيلاً فرجعوا منهزمين، وأقام المهلب موضعه حتى قدم مصعب بن الزبير أميراً على البصرة من قبل أخيه عبد الله.\rوقيل: كانت هذه الواقعة في سنة ست وستين، وذلك أن المهلب لما دفع الخوارج عن البصرة إلى ناحية الأهواز أقام بقية سنته يجبي كور دجلة ورزق أصحابه، وأتاه المدد من البصرة حتى بلغ ثلاثين ألفاً.\rقال: ثم استعمل مصعب بن الزبير لما ولى العراق نائبه عمر بن عبيد الله بن معمر على فارس، وولاه حرب الأزارقة بعد أن توجه المهلب إلى الموصل والجزيرة وأرمينية على ما تذكره إن شاء الله.\rفلما بلغ الخوارج ولايته تقدموا إلى إصطخر، وأميرهم يوم ذاك الزبير بن الماحوز، فندب إليهم عمر ابنه عبيد الله في خيل، فاقتتلوا فقتل عبيد الله بن عمر، وقاتل عمر بن عبيد الله الخوارج فقتل من فرسانهم سبعون رجلاً، وانهزم الخوارج وقصدوا نحوأصبهان، فأقاموا حتى قووا واستعدوا وأقبلوا حتى مروا بفارس وبها عمر، فقطعوها من غير الموضع الذي هو به حتى أتوا الأهواز.\rفكتب إليه مصعب يلومه في تمكينهم من قطع جهته، فسار عمر من فارس في أثرهم، وخرج مصعب فعسكر عند الجسر الكبير.\rوبلغ الخوارج وهم بالأهواز إقبال عمر عليهم، فقطعوا أرض جوخى والنهر وأنات وأتوا المدائن، وبها كردم بن مرثد الفزاري، فشنوا الغارة على أهل المدائن، يقتلون الرجال والنساء والولدان، ويشقون أجواف الحوامل، فهرب كردم، وأقبلوا إلى ساباط، ووضعوا السيف، وأفسدوا إفساداً عظيماً.\rوأتوا أرض الكوفة فخرج إليهم الحارث بن أبي ربيعة أميرها، فتوجهوا حتى أتوا المدائن فأتبعهم الحارث عبد الرحمن بن مخنف في ستة آلاف ليخرجهم من أرض الكوفة، فتبعهم حتى وقعوا فيأرض أصبهان، فرجع ولم يقاتلهم.\rوقصدوا الري وعليها يزيد بن الحارث بن رويم الشيباني فقاتلهم، فأعان أهل الري الخوارج، فقتل يزيد وهرب ابنه حوشب.\rولما فرغ الخوارج من الري شخصوا إلى أصبهان فحاصروها وبها عتاب بن ورقاء، فصبر لهم وقاتلهم، فكمن له رجل من الخوارج وضربه بالسيف على حبل عاتقه فصرعه، فاحتمله أصحابه وداووه حتى برئ، وداوم الخوارج حصارهم حتى نفذت أطعمتهم وأصابهم الجهد، فقام عتاب في أصحابه، وحرضهم على أن يصدقوهم القتال، فأجابوه إلى ذلك، وخرج بهم إلى الخوارج وهم آمنون، فقاتلوهم حتى أخرجوهم من معسكرهم، وقتلوا أميرهم الزبير بن الماحوز.\rففرغت الخوارج إلى أبي نعامة قطري بن الفجاءة المازني فبايعوه، وأصاب عتاب ومن معه من عسكره ما شاءوا، وسارت الخوارج عن أصبهان إلى كرمان، فأقاموا بها حتى اجتمع إلى أميرهم قطرى جموع كثيرة، وجبى الأموال وقوي، ثم أقبل إلى أصبهان، ثم أتى أرض الأهواز فأقام بها، فبعث مصعب إلى المهلب فأمره بقتال الخوارج، وبعث إلى عامله بالموصل والجزيرة إبراهيم بن الأشتر، فقدم المهلب البصرة، وانتخب الناس وسار نحو الخوارج، وأقبلوا إليه حتى التقوا بسولاف، فاقتتلوا ثمانية أشهر أشد قتال رآه الناس، وذلك في سنة ثمان وستين.\rهذا ما أمكن إيراده من أخبار الخوارج في أيام ابن الزبير فلنذكر خلاف ذلك.\r؟؟خبر التوابين\rوما كان من أمرهم وأخبارها إلى أن قتلوا","part":5,"page":469},{"id":2470,"text":"وإنما ذكرنا خبر التوابين في هذا الموضع في أخبار عبد الله بن الزبير، لأن ظهورهم ومقتلهم كان في أيامه، ومن بلد داخل تحت حكمه، ونحن نذكر مبدأ أمرهم، وقد ذكرهم ابن الأثير الجزري رحمه الله في تاريخه الكامل في حوادث سنة أربع وستين، وسنة خمس وستين.\rقال: ولما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما كما ذكرنا تلاقت الشيعة بالتلاوم والندم على ما صدر منهم، من استدعائهم الحسين وخذلانه حتى قتل، ورأوا أنهم لا يغسل عنهم العار والإثم الذي ارتكبوه إلا قتل من قتله أو القتل فيه.\rفاجتمعوا بالكوفة إلى خمس نفر من رءوس الشيعة، وهم: سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبة، والمسيب بن نجبة الفزاري وكان من أصحاب علي وخيارهم، وعبد الله بن مسعود بن نفيل الأزدي، وعبد الله بن وال التيمي، تيم بكر بن وائل، ورفاعة بن شداد البجلي، فاجتمعوا في منزل سليمان بن صرد فبدأهم المسيب بن نجبة فقال بعد حمد الله : أما بعد، فإنا ابتلينا بطول العمر، والتعرض لأنواع الفتن، فنرغب إلى ربنا أن لا يجعلنا ممن يقول له غداً: \" أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر \" وإن أمير المؤمنين قال: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة، وليس فينا رجل إلا وقد بلغه، وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا، فوجدنا الله كاذبين في كل موطن من مواطن ابن ابنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وقد بلغنا قبل ذلك كتبه ورسله، وأعذر إلينا فسألنا نصره عوداً وبدءاً، وعلانية وسراً، فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل إلى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا ولا جدلنا عنه بألستنا، ولا قويناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة إلى عشائرنا، فما عذرنا عند ربنا وعند لقاء نبينا، وقد قتل فينا ولده وحبيبه، وذريته ونسله! لا والله لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والموالين عليه أو تقتلوا في طلب ذلك، فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك، وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن، أيها القوم، ولوا عليكم رجلاً منكم، فإنه لا بد لكم من أمير تفزعون إليه، وراية تحفون بها.\rفقام رفاعة بن شداد فقال: أما بعد فإن الله قد هداك لأصوب القول، وبدأت بأرشد الأمور بدعائك إلى جهاد الفاسقين وإلى التوبة من الذنب العظيم، فمسموع منك مستجاب إلى قولك، وقلت: ولوا أمركم رجلاً تفزعون إليه وتحفون برايته، وقد رأينا مثل الذي رأيت، فإن تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضياً وفينا مستنصحاً وفي جماعتنا محباً، وإن رأيت ورأى ذلك أصحابنا ولينا هذا الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذا السابقة والقدم سليمان بن صرد المحمود في بأسه ودينه الموثوق بحزمه.\rوتكلم عبد الله بن وأل وعبد الله بن سعد بنحو ذلك، وأثنيا على سليمان والمسيب، فقال المسيب: قد أصبتم فولوا أمركم سليمان بن صرد.\rفتكلم سليمان بن صرد بكلام كثير حضهم فيه على القيام وطلب ثأر الحسين وقتل قتلته أو القتل دون ذلك.\rوكتب إلى سعد بن حذيفة بن اليمان يعلمه بما عزموا عليه ويدعوه إلى مساعدتهم هو ومن معه من الشيعة بالمدائن، فقرأ سعد الكتاب على من بالمدائن من الشيعة فأجابوا إلى ذلك.\rوكتب سليمان أيضاً إلى المثنى فأجابه: إننا معشر الشيعة حمدنا الله على ما عزمتم عليه، ونحن موافوك إن شاء الله للأجل الذي ضربت.\rقال وكان أول ما ابتدءوا به أمرهم بعد قتل الحسين في سنة إحدى وستين، فما زالوا في جمع آلة الحرب ودعاء الناس، في السر إلى أن هلك يزيد بن معاوية في سنة أربع وستين، فجاء إلى سليمان أصحابه فقالوا: قد مات هذا الطاغية، والأمر ضعيف، فإن شئت وثبنا على عمرو بن حريث - وكان خليفة ابن زياد على الكوفة - ثم أظهرنا الطلب بدم الحسين وتتبعنا قتلته ثم ندعو الناس إلى أهل هذا البيت. فقال لهم سليمان: لا تعجلوا، إني قد نظرت فيما ذكرتم، فرأيت قتلة الحسين هم أشراف الكوفة وفرسان العرب، ومتى علموا ذلك كانوا أشد عليكم، ونظرت فيمن تبعني منكم فعلمت أنهم لو خرجوا لم يدركوا ثأرهم ولم يشفوا نفوسهم وكانوا جزراً لعدوهم ولكن بثوا دعاتكم وادعوا إلى أمركم. ففعلوا فاستجاب لهم ناس كثير.","part":5,"page":470},{"id":2471,"text":"ثم إن أهل الكوفة أخرجوا عمرو بن حريث وبايعوا لابن الزبير، فلما مضت ستة أشهر من وفاة يزيد قدم المختار بن أبي عبيد إلى الكوفة في النصف من شهر رمضان، وقدم عبد الله بن زيد الخطمي الأنصاري أميراً على الكوفة من قبل عبد الله بن الزبير لثمان خلون من شهر رمضان، وقدم إبراهيم بن محمد بن طلحة معه على الخراج.\rفأخذ المختار بن أبي عبيد يدعو الناس إلى قتال قتلة حسين ويقول: جئتكم من عند المهدي محمد بن الحنفية وزيراً أميناً، فرجع إليه طائفة من الشيعة، وكان يقول: إنما يريد سليمان أن يخرج فيقتل نفسه ومن معه، وليس له خبرة بالحرب.\rوبلغ الخبر عبد الله بن يزيد أن سليمان يريد الخروج بالكوفة عليه، وأشير عليه بحبسه، وخوف عاقبة أمره إن تركه، فقال عبد الله إن هم قاتلونا قاتلناهم، وإن تركونا لا نطلبهم، إن هؤلاء القوم يطلبون قتلة الحسين، ولست ممن قتله، لعن الله قاتله، ثم صعد إلى المنبر فقال بلغني أن طائفة منكم أرادوا أن يخرجوا علينا، فسألت عنهم فقيل إنهم يطلبون بدم الحسين، فرحم الله هؤلاء القوم، فقد والله دللت على مكانهم، وأمرت بأخذهم، فأبيت، وقلت إن قاتلوني قاتلتهم، وعلام يقاتلوني؟ فوالله ما أنا قتلت حسيناً، ولقد والله أصبت بمقتله رحمة الله عليه، وإن هؤلاء القوم آمنون، فليخرجوا ظاهرين، وليسيروا إلى من قاتل الحسين، فقد أقبل إليهم - يعني عبيد الله بن زياد - فأنا لهم ظهير، هذا ابن زياد قاتل الحسين، وقاتل خياركم وأمثالكم، فقد توجه إليكم وقد فارقوه على ليلة من جسر منبج، فقتاله والاستعداد له أولى من أن تجعلوا بأسكم بينكم، فيقتل بعضكم بعضاً، فيلقاكم عدوكم وقد رققتم فنهلك، وتلك أمنيته، وقد قدم عليكم أعدى خلق الله لكم، من ولى عليكم هم وأبوه سبع سنين لا يقلعان عن قتل أهل العفاف والدين، هو الذي قتلكم ومن قبله أتيتم، والذي قتل من تنادون بدمه، قد جاءكم فاستقبلوه بحدكم وشوكتكم واجعلوها به ولا تجعلوها بأنفسكم إني لكم ناصح.\rوكان مروان بن الحكم قد بويع بالشام على ما نذكره، وبعث عبيد الله بن زياد إلى الجزيرة، وأمره إذا فرغ منها أن يسير إلى العراق.\rقال: فلما فرغ عبد الله بن يزيد من كلامه قال إبراهيم بن محمد بن طلحة: أيها الناس، لا يغرنكم من السيف والغشم مقالة هذا المداهن، والله لئن خرج علينا خارج لنقتلنه، ولئن استقينا أن قوماً يريدون الخروج علينا لنأخذن الوالد بولده والمولود بوالده والحميم بالحميم والعريف بما في عرافته، حتى يدينوا للحق والطاعة.\rفوثب إليه المسيب بن نجبة فقطع عليه منطقه، ثم قال: يا ابن الناكثين، أنت تهددنا بسيفك وحشمك! أنت والله أذل من ذلك، إنا لا نلومك على بغضنا وقد قتلنا أباك وجدك، وأما أنت أيها الأمير فقد قلت قولاً سديداً، فقال له إبراهيم والله لتقتلن، وقد داهن هذا، يعني عبد الله بن يزيد، فقال عبد الله بن وأل: ما اعتراضك فيما بينا وبين أميرنا؟ ما أنت علينا بأمير إنما أنت أمير هذه الجزية، فأقبل على خراجك، ولئن أفسدت أمر هذه الأمة فقد أفسده والداك، وكانت عليهما دائرة السوء. فشتمهم جماعة ممن مع إبراهيم، ونزل الأمير عن المنبر، وتهدده إبراهيم بأنه يكتب إلى ابن الزبير يشكوه، فجاءه عبد الله في منزله فاعتذر إليه، فقبل عذره.\rثم خرج أصحاب سليمان بن صرد ينشرون السلاح ظاهرين إلى سنة خمس وستين، فعزم سليمان على الشخوص، وبعث إلى رءوس أصحابه وتواعدوا للخروج في مستهل شهر ربيع الآخر، وخرجوا في ليلة الوعد إلى النخيلة، فدار سليمان في الناس، فلم يعجبه عددهم، فأرسل سليمان إلى حكيم بن منقذ الكندي والوليد بن عضين الكناني فناديا في الكوفة يالثارات الحسين! فكانا أول من دعا يا لثارات الحسين.\rفأصبح من الغد وقد أتاه نحو مما في عسكره، ثم نظر في ديوانه فوجدهم ستة عشر ألفاً بايعه، فقال: سبحان الله! ما وافانا من ستة عشر ألفاً إلا أربعة آلاف! فقيل له إن المختار يثبط الناس عنك وقد تبعه ألفان، فقال: بقي عشرة آلاف! ما هؤلاء بمؤمنين!.\rفأقام بالنخيلة ثلاثاً، يبعث إلى من تخلف عنه، فخرج إليه نحو من ألف رجل، فقام المسيب بن نجبة، فقال: رحمك الله، إنه لا ينفعك الكلام، ولا يقاتل معك إلا من أخرجته النية، فلا تنتظرن أحداً، وخذ في أمرك، قال: نعم ما رأيت.","part":5,"page":471},{"id":2472,"text":"ثم قام سليمان في أصحابه فقال: أيها الناس، من كان إنما خرج إرادة وجه الله وثواب الآخرة فذلك منا ونحن منه، فرحمة الله عليه حياً وميتاً، ومن كان يريد الدنيا فوالله ما يأتي فيء نأخذه ولا غنيمة نغنمها، ما خلا رضوان الله، وما معنا من ذهب ولا فضة ولا متاع، ما هو إلا سيوفنا على عواتقنا، وزاد قدر البلغة، فمن كان ينوي غير هذا فلا يصحبنا.\rفتنادى أصحابه من كل جانب: إنا لا نطلب الدنيا، وليس لها خرجنا، إنما خرجنا لنطلب التوبة والطلب بدم ابن بنت نبينا صلى الله عليه وسلم.\rفلما عزم على المسير قال له عبد الله بن سعد بن نفيل: إني قد رأيت رأياً، إن يكن صواباً فالله الموفق، وإن يكن ليس بصواب فالرأي ما تراه، إنا خرجنا نطلب بدم الحسين، وقتلته كلهم بالكوفة، منهم عمرو بن سعد ورءوس الأرباع والقبائل، فأين تذهب من ههنا وتدع الأوتار. فقال أصحابه: هذا هو الرأي.\rفقال سليمان: أنا لا أرى ذلك، إن الذي قتله وعبأ الجنود إليه وقال: لا أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضي فيه حكمي، هذا هو الفاسق ابن الفاسق، عبيد الله بن زياد، فسيروا على بركة الله إليه، فإن يظهركم الله عليه رجونا أن يكون من بعده أهون منه، ورجونا أن يدين لكم أهل مصركم في عافيته، فينظرون إلى كل من شرك في دم الحسين فيقتلونه ولا يغشون، وإن تستشهدوا فإنما قاتلتم المحلين، وما عند الله خير للأبرار، فاستخيروا الله وسيروا.\rوبلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة خروج ابن صرد، فأتياه في أشراف أهل الكوفة، ولم يصحبهم من له شرك في دم الحسين خوفاً منهم، فلما أتياه قال له عبد الله بن يزيد: إن المسلم أخو المسلم، لا يخونه ولا يغشه، وأنتم إخواننا وأهل بلدنا وأحب أهل مصر خلقه الله إلينا، فلا تفجعونا في أنفسكم، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم من جماعتنا، أقيموا معنا حتى نتهيأ فإذا سار عدونا إلينا خرجنا إليه بجماعتنا فقاتلناه. وجعل لسليمان وأصحابه خراج جوخى إن أقاموا، وقال إبراهيم مثل ذلك، فقال سليمان قد محضتما النصيحة واجتهدتما في المشورة فنحن بالله وله، ونسأله العزيمة على الرشد، ولا نرانا إلا سائرين، فقال عبد الله: فأقيموا حتى نعبئ معكم جيشاً كثيراً، فتلقوا عدوكم بجمع كثيف، وكان قد بلغهم إقبال عبيد الله بن زياد من الشام في الجنود.\rفلم يقم سليمان، وسار عشية الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين، فتخلف عنه ناس كثير، فقال ما أحب من تخلف منكم معكم ولو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً إن الله كره انبعاثهم فثبطهم وخصكم بفضل ذلك.\rثم ساروا فانتهوا إلى قبر الحسين، فصاحوا صيحة واحدة، وبكوا بكاء شديداً، وترحموا عليه، وتابوا عنده من خذلانه وترك القتال معه، وأقاموا عنده يوماً وليلة يبكون ويتضرعون.\rثم ساروا وقد ازدادوا حنقاً، وأخذوا صوب الأنبار، وساروا حتى أتوا قرقسيا على تعبئة، وبها زفر بن الحارث الكلابي قد تحصن بها عند فراره من وقعة مرج راهط، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار مروان بن الحكم.\rفبعث إليه سليمان، وعرفه ما هو وأصحابه عليه من قصد ابن زياد، فبعث إليهم بجزور ودقيق وعلف، وخرج إليهم وشيعهم وعرض عليهم أن يقيموا عنده بقرقيسيا، وقال: ابن زياد في عدد كثير، فأبوا المقام، وساروا مجدين، وقال لهم زفران إن ابن زياد قد بعث خمسة أمراء من الرقة فيهم الحصين بن نمير وشرحبيل بن ذي الكلاع وأدهم بن محرز وجبلة بن عبيد الله الخثعمي، فأبوا إلا المسير.\rفانتهوا إلى عين الوردة، فنزلوا غربيها، وأقاموا خمساً، واستراحوا وأراحوا.\rوأقبل أهل الشام في عساكرهم، حتى كانوا من عين الوردة على مسيرة يوم وليلة، فقام سليمان في أصحابه فخطبهم وحرضهم على القتال وذكرهم الآخرة ثم قال: إن أنا قتلت فأمير الناس المسيب ابن نجبة، فإن قتل فالأمير عبد الله بن سعد بن نفيل، فإن قتل فالأمير عبد الله بن وأل، فإن قتل فالأمير رفاعة بن شداد، رحم الله امرأ صدق ما عاهد الله عليه.","part":5,"page":472},{"id":2473,"text":"وبعث المسيب بن نجبة في أربعمائة فارس، وقال: سر حتى تلقى أول عساكرهم، فشن عليهم الغارة، فإن رأيت ما تحب وإلا فارجع. فسار يومه وليلته، ثم نزل، فأتى بأعرابي، فسأله عن أدنى العسكر منه، فقال: أدناها منك عسكر شرحبيل بن ذي الكلاع، وهو على ميل، وقد اختلف هو والحصين، ادعى كل واحد منهما أنه على الجماعة، وهما ينتظران أمر عبيد الله.\rفسار المسيب ومن معه مسرعين، حتى أشرفوا على القوم، وهم على غير أهبة، فحملوا في جانب عسكرهم، فانهزم العسكر، فأصاب المسيب منهم رجالاً وأكثروا فيهم الجراح، وأخذوا دواب، وترك الشاميون معسكرهم وانهزموا، فغنم أصحاب المسيب ما أرادوا، ثم انصرفوا إلى سليمان.\rوبلغ الخبر ابن زياد، فسرح الحصين في اثني عشر ألفاً، فخرج أصحاب سليمان إليه، لأربع بقين من جمادى الأولى، وعلى ميمنتهم عبد الله بن سعد، وعلى ميسرتهم المسيب، وسليمان في القلب. وجعل الحصين على ميمنته جبلة بن عبد الله، وعلى ميسرته ربيعة بن المخارق الغنوي.\rفلما دنا بعضهم من بعض دعاهم أهل الشام إلى الجماعة على مروان بن الحكم، ودعاهم أصحاب سليمان إلى خلع مروان وتسليم عبيد الله بن زياد إليهم وأنهم يخرجون من بالعراق من أصحاب عبد الله بن الزبير ثم يرد الأمر إلى أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى كل منهم، وحمل بعضهم على بعض، فانهزم أهل الشام وكان الظفر لأصحاب سليمان إلى الليل.\rفلما كان الغد صبح الحصين ثمانية آلاف أمده بهم عبيد الله، فقاتلهم أصحاب سليمان عامة النهار قتالاً شديداً لم يحجز بينهم إلا الصلاة حتى حجز بينهم الليل، وقد كثر الجراح في الفريقين.\rفلما أصبح أهل الشام أتاهم أدهم بن محرز الباهلي في نحو من عشرة آلاف من قبل ابن زياد، فاقتتلوا يوم الجمعة إلى ارتفاع الضحى، ثم كثر أهل الشام عليهم، وعطفوا من كل جانب، فنزل سليمان ونادى: عباد الله، من أراد البكور إلى ربه والتوبة من ذنبه فإلي. ثم كسر جفن سيفه، فنزل معه ناس كثير وفعلوا كفعله، وقاتلوا قتالاً شديداً، فقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة وأكثروا فيهم الجراح، فبعث الحصين الرجالة ترميهم بالنبل، واكتنفتهم الخيل، فقتل سليمان بن صرد، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع ثم وثب ثم وقع، ومات وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، وكانوا قد سموه \" أمير التوابين \" .\rفأخذ الراية المسيب بن نجبة، وترحم على سليمان، فتقدم فقاتل حتى قتل بعد أن قتل رجالاً كثيراً.\rفأخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل، وترحم عليهما، وقرأ \" فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا \" وحف به من كان منهم معه من الأزد، فبيناهم في القتال إذ أتاهم فرسان ثلاثة من سعد بن حذيفة، يخبرون بمسيره في سبعين ومائة من أهل المدائن، ويخبرون بمسير أهل البصرة مع المثنى بن مخرمة العبدي في ثلاثمائة، فقال عبد الله بن سعد: لو جاءونا ونحن أحياء؟! وقاتل حتى قتل، قتله ابن أخي ربيعة بن مخارق، وحمل خالد بن سعد بن نفيل على قاتل أخيه يطعنه بالسيف، فخلصه أصحابه، وقتل خالد بن سعد.\rفجيء بالراية إلى عبد الله بن وأل، وقد اصطلى الحرب في عصابة معه، فأخذها، وقاتل ملياً، وذلك وقت العصر، ومازال يقاتل حتى قتل هو وأصحابه رجالاً، ثم إن أهل الشام تعطفوا عليهم من كل جانب، فلما كان عند المساء تولى قتالهم أدهم بن محرز الباهلي، فحمل في خيله ورجله حتى وصل إلى ابن وأل وهو يتلو \" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون \" الآيات، فغاظ ذلك أدهم، فحمل عليه وضربه فأبان يده ثم تنحى عنه، وقال: إني أظنك وددت أنك عند أهلك، قال ابن وأل بئس ما ظننت، والله ما أحب أن يدك مكانها إلا أن يكون لي من الأجر مثل ما في يدي، ليعظم وزرك وأجري، فغاظه ذلك فحمل عليه فطعنه فقتله وهو مقبل ما زال عن مكانه، وكان ابن وأل من الفقهاء العباد.","part":5,"page":473},{"id":2474,"text":"فلما قتل أتوا رفاعة بن شداد البجلي وقالوا خذ الراية، فقال: ارجعوا بنا لعل الله يجمعنا ليوم شر لهم، فقال عبد الله بن عوف ابن الأحمر: هلكنا والله لئن انصرفت ليركبن أكتافنا فلا نبلغ فرسخاً حتى نهلك عن آخرنا، وإن نجا منا ناج أخذته الأعراب فتقربوا به إليهم فيقتل صبراً! هذه الشمس قد قاربت الغروب فنقاتلهم على خيلنا، فإذا غسق الليل ركبنا خيولنا أول الليل، وسرنا حتى نصبح ونسير على مهل، يحمل الرجل صاحبه وحريمه ونعرف الوجه الذي نأخذه.\rفقال رفاعة نعم ما رأيت وأخذ الراية، وقاتلهم قتالاً شديداً وتقدم عبد الله بن عزيز الكناني فقاتل أهل الشام قتالاً شديداً، ومعه ولده محمد وهو صغير، فسلمه لبني كنانة من أهل الشام ليوصلوه إلى الكوفة، فعرضوا عليه الأمان، فأبى، ثم قاتلهم حتى قتل.\rوتقدم كريب بن زيد الحمير عند المساء في مائة من أصحابه فقاتل قتالاً شديداً، فعرض ابن ذي الكلاع عليه وعلى أصحابه الأمان، فقال قد كنا آمنين في الدنيا وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة.\rوتقدم صخير بن هلال المزني في ثلاثين من مزينة، فقاتلوا حتى قتلوا.\rفلما أمسوا رجع أهل الشام إلى معسكرهم، وسار رفاعة بالناس ليلته، وأصبح الحصين فلم يرهم، فما بعث في أثرهم، وساروا حتى أتوا قرقيسيا فأقاموا عند زفر بن الحارث ثلاثاً، ثم زودهم وساروا إلى الكوفة.\rوأما سعد بن حذيفة بن اليمان فإنه سار من المدائن بمن معه حتى بلغ هبت، فأتاه الخبر، فرجع فلقي المثنى بن مخرمة العبدي في أهل البصرة، فأخبره، فأقاموا بصندوداء حتى أتاهم رفاعة، فاستقبلوه، وبكى بعضهم إلى بعض، وأقاموا يوماً وليلة، ثم تفرقوا، فسارت كل طائفة منهم إلى جهتهم.\rقال: ولما بلغ رفاعة الكوفة كان المختار بن أبي عبيد محبوساً، فأرسل إليه المختار: \" أما بعد فإنكم خرجتم بالعصبة الذين عظم الله لهم الأجر حين انصرفوا ورضي فعلهم حتى قتلوا، أما ورب البيت ما خطا خاط منكم خطوة ولا ربا ربوة إلا كان ثواب الله له أعظم من الدنيا، إن سليمان قد قضى ما عليه، وتوفاه الله فجعل روحخ مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الذي به تنتصرون إني أنا الأمير المأمور والأمين المأمون، وقاتل الجبارين، والمنتقم من أعداء الدين، والمقيد من الأوتار، فأعدوا واستعدوا وأبشروا، وأدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، والطلب بدم أهل البيت، والدفع عن الضعفاء، وجهاد المحلين، والسلام \" .\rوكان من أمر المختار ما نذكره إن شاء الله تعالى.\r/////أخبار المختار ابن أبي عبيد بن مسعود الثقفي كان المختار بن أبي عبيد ممن بايع مسلم بن عقيل لما بعثه الحسين علي رضي الله عنهما إلى الكوفة وأنزله في داره، ودعا إليه. فلما ظهر ابن عقيل كان المختار في قرية تدعى لقفا، فأتاه الخبر بظهوره، فأقبل في مواليه إلى باب الفيل بعد المغرب، وقد أجلس عبيد الله بن زياد عمرو بن حريث بالمسجد ومعه راية، فبعث إلى المختار وأمنه، فجاء إليه.\rفلما كان من الغد ذكر عمارة بن عقبة أمره لعبيد الله، فأحضره، وقال له: أنت المقبل في الجموع لتنصر ابن عقيل! قال: لم أفعل، واكني أقبلت ونزلت تحت راية عمرو، فشهد له عمرو بذلك، فضرب ابن زياد وجه المختار بقضيب فشتر عينه وقال: لولا شهادته قتلتك. وحسبه إلى أن قتل الحسين.\rفبعث المختار إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب يسأله أن يشفع له فيه، وكان زوج أخته صفية بنت أبي عبيد، فكتب ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يشفع فيه، فأمر يزيد ابن زياد بإطلاقه، فأطلقه وأمره ألا يقيم غير ثلاث.\rفخرج المختار إلى الحجاز، واجتمع بعبد الله بن الزبير وأخبره خبر العراق، وقال له: ابسط يدك أبايعك، وأعطنا ما يرضينا، وثب على الحجاز، فإن أهله معك، وكان ابن الزبير يدعو لنفسه سراً، فكتم أمره عن المختار ففارقه إلى الطائف، وغاب عنه سنة ثم سأل عنه ابن الزبير، فقيل له: إنه بالطائف، وإنه يزعم أنه صاحب الغضب ومبيد الجبارين، إن يهلك الله الجبارين يكن المختار أولهم.","part":5,"page":474},{"id":2475,"text":"فبينا هو في حديثه إذ دخل المختار، فطاف وصلى ركعتين، وجلس وأتاه معارفه يحدثونه، وما يأت ابن الزبير، فوضع ابن الزبير عليه عباس بن سهل بن سعد، فأتاه، وسأله عن حاله، ثم قال له: مثلك يغيب من الذي قد اجتمع عليه الأشراف من قريش والأنصار وثقيف؟ ولم تبق قبيلة إلا وقد أتاه زعيمها، فبايع هذا الرجل.\rفقال: إني أتيه في العام الماضي فكتم عني خبره، فلما استغنى عني أحببت أن أريه أني مستغنٍ عنه، فقال له العباس: ألقه الليلة وأنا معك، فأجابه إلى ذلك، وحضر عند ابن الزبير بعد العتمة، فقال له المختار: أبايعك على ألا تقضي الأمور دوني، وعلى أن أكون أول داخلٍ عليك، وإذا ظهرت استعنت بي على أفضل عملك.\rفقال ابن الزبير:أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله. فقال: وشر غلماني تبايعه على ذلك، والله لا أبايعك أبداً إلا على ذلك، فبايعه وأقام عنده، وشهد معه قتال الحصين، وكان أشد الناس على أهل الشام، فلما مات يزيد وأطاع أهل العراق عبد الله ابن الزبير، أقام المختار عنده خمسة أشهر، فلما رآه لا يستعمله جعل يسأل من يقدم من الكوفة عن حال الناس، فأخبره هانئ بن أبي حية الوداعي باتفاق أهل الكوفة على طاعة ابن الزبير إلا طائفة من الناس، لو كان لهم من يجمعهم على رأيهم أكل بهم الأرض إلى يوم ما.\rفقال المختار، أنا أبو إسحاق أنا والله لهم، أنا أجمعهم على الحق، وأتقي بهم ركبان الباطل، وأقتل بهم كل جبار عنيد.\rثم ركب دابته وسار نحو الكوفة فوصل إليها.\rو اختلفت الشيعة إليه، وبلغت خبر سليمان بن صرد وأنه على عزم المسير، فقام في الشيعة فحمد الله، ثم قال: إن المهدي وابن الرضا، يعني محمد ابن الحنيفة، بعثني إليكم أمنيناً ووزيراً ومنتخباً وأميرا، وأمرني بقتال الملحدين، والطلب بدم أهل بيته.\rفبايعه إسماعيل بن كثير وأخوه، وعبيدة بن عمرو، وكانوا أول من أجابه، وبعث إلى الشيعة وقد اجتمعوا عند ابن صرد، وقال لهم نحو ذلك، وقال: إن سليمان ليس له تجربة بالحرب ولا بالأمور، إنما يريد أن يخرجكم وفيقتلكم ويقتل نفسه، وأنا أعمل على مثالٍ مثل لي، وأمر بين لي، فيه عز وليكم، وقتل عدوكم، وشفاء صدوركم، فاسمعوا قولي، وأطيعوا أمري، ثم ابشروا.\rفمازال بهذا ونحوه حتى استمال طائفة من الشيعة، فكانوا يختلفون إليه ويعظمونه، وأكثر الشيعة مع ابن صرد، وهو أثقل خلق الله على المختار.\rفلما خرج سليمان بن صرد على ما قدمناه قال عمر بن سعد، وشبث بن ربعي، ويزيد بن الحارث بن رويم لعبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة: إن المختار أشد عليكم من سليمان، إن سليمان إنما خرج يريد قتال عدوكم، والمختار يريد أن يثب عليكم في مصركم، فأتوه، وأخذوه بغتة، وحملوه إلى السجن، فكان يقول في السجن: أما ورب البحار، والنخيل والأشجار، والمهامة، والقفار، والملائكة الأبرار، والمصطفين الأخيار، لأقتلن كل جبار، بكل لدنٍ خطار، ومهند بتار، وجموع الأنصار، وليسوا بميل أغمار، ولا بعزلٍ أشرار، حتى إذا أقمت عمود الدين ، ورأبت شعب صدع المسلمين، وشفيت غليل المؤمنين، وأدركت بثأر النبيين، لم يكبر على زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا أتى.\rو قيل في خروج المختار إلى الكوفة غير ما تقدم، وهو أنه قال لعبد الله بن الزبير وهو عنده: إني لأعلم قوما لو أن لهم رجلاً له علم بما يأتي ويذر لاستخرج لك منهم جنداً يقاتل بهم أهل الشام. قال: من هؤلاء؟ قال: شيعة علي \" رضي الله عنه \" بالكوفة، قال: فكن أنت ذلك الرجل؛ فبعثه إلى الكوفة، فنزل ناحيةً منها يبكي على الحسين ويذكر مصابه حتى ألفه الناس وأحبوه، فنقلوه إلى وسط الكوفة، وأتاه منهم بشر كثير \" والله أعلم \"\rذكر وثوب المختار بالكوفة\rكان وثوب المختار بالكوفة في رابع عشر شهر ربيع الأول سنة \" 66 ه \" ست وستين، وكان سبب ذلك أنه لما قتل سليمان بن صرد قدم من بقي من أصحابه إلى الكوفة، وكان المختار محبوساً كما ذكرنا، فكتب إليهم من السجن يثني عليهم، ويمنيهم الظفر، ويعرفهم أن محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية أمره بطلب الثأر، فقرأ كتابه رفاعة بن شداد والمثنى بن مخربة العبدي، وسعد بن حذيفة بن اليمان، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شميط، وعبد الله بن شداد البجلي، وعبد الله بن كامل.","part":5,"page":475},{"id":2476,"text":"فلما قرؤوا كتابه بعثوا إليه ابن كامل يقولون: إننا بحيث يسرك، فأن شئت أن نأتيك ونخرجك من الحبس فعلنا، فقال: إني أخرج في أيامي هذه. وكان المختار قد أرسل إلى عبد الله ابن عمر يقول: إني حبست مظلوماً، وطلب \" منه \" أن يشفع فيه إلى عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة.\rفكتب ابن عمر إليهما في أمره، فشفعاه فيه، وأخرجاه من السجن، وحلفاه أن لا يبغيهما غائلة، ولا يخرج عليهما مادام لهما سلطان، فإن فعل فعليه ألف بدنة ينحرها عند الكعبة، ومماليكه أحرار.\rفلما خرج نزل بداره، وقال لمن يثق به: قاتلهم الله، ما أحمقهم حين يرون أني أفي لهم، أما حلفي بالله فإنني إذا حلفت على يمين فرأيت خيراً منها أكفر عن يميني، وخروجي عليهم خير من كفي عنهم، وأما هدي البدن، وعتق الممليك، فهو أهون علي من بصقة، وددت أني تم لي أمي، ولا أملك بعده مملوكاً أبداً.\rثم اختلفت إليه الشيعة، واتفقوا على الرضا به، ولم يزل أصحابه يكثرون وأمره يقوى، حتى عزل عبد الله بن الزبير عبد الله ابن يزيد وإبراهيم بن محمد ، واستعمل عبد الله بن مطيع عل عملهما بالكوفة.\rو قدم ابن مطيع الكوفة لخمسٍ بقين من شهر رمضان سنة \" 65 ه \" خمس وستين، ولما قدم صعد النبر،فخطب الناس وقال: أما بعد، فإن أمير المؤمنين بعثني على مصركم وثغوركم، وأمرني بجباية فيئكم وألا أحمل فضلة عنكم إلا برضا منكم، وأن أتبع فيكم وصية عمر بن الخطاب التي أوصى بها عند وفاته، وسيرة عثمان بن عفان رضي الله عنهما، فاتقوا الله واستقيموا، ولا تختلفوا علي، وخذوا على أيدي سفهائكم، فإن لم تفعلوا فلوموا أنفسكم. فقام إليه السائب بن مالك الأشعري، فقال: أما حمل فينا برضانا فإنا نشهد ألا نرضى أن تحمل عنا فضلة وألا تقسم إلا فينا، وألا يسار فينا إلا بسيرة علي بن أبي طالب التي سار بها في بلادنا حتى هلك، ولا حاجة لنا في سيرة عثمان بن عفان في فيئنا ولا في أنفسنا، ولا في أنفسنا ، ولا في سيرة في فيئنا، وإن كانت أهون السيرتين علينا، وقد كان يفعل بالناس خيراً.\rفقال يزيد بن أنس: صدق السائب وبر، فقال ابن مطيع: نسير فيكم بكل سيرة أحببتم ، ثم نزل.\rو جاء إياس بن مضارب إلى مطيع فقال له: إن السائب بن مالك من رءوس أصحاب المختار، فأبعث إلى المختار، فإذا جاءك فاحبسه حتى يستقيم أمر الناس، فإن أمره قد استجمع له، وكأنه قد وثب بالمصر.\rفبعث ابن مطيع إلى المختار زائدة بن وحسين بن علي البرسمي، فقالا له، أجب الأمير، فعزم على الذهاب فقرأ زائدة: \" وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك000 \" الآية. فألقى المختار ثيابه وقال: ألقوا علي قطيفة فإني وعكت، إني لأجد برداً شديداً، ارجعا إلى الأمير فأعلماه حالي، فعادا إليه فأعلماه فتركه.\rو وجه المختار إلى أصحابه، فجمعهم حوله في الدور، وأراد أن يثب في الحرم، فجاء رجل من أصحابه من شبام، وشبام: حي من همدان، وكان شريفاً،و اسمه عبد الرحمن بن شريح، فلقي سعيد بن منقذ الثوري، وسعر بن أبي سعر الحنفي، والأسود بن جراد الكندي، وقدامة بن مالك الجشمي، فقال لهم: إن المختار يريد أن يخرج بنا، ولا ندري أرسله بن حنيفة أم لا؟ فانهضوا بنا إلى محمد ابن الحنيفة نخبره بما قدم به علينا المختار، فإن رخص لنا في اتباعه أتبعناه، وإن نهانا عنه اجتنبناه، فو الله ما ينبغي أن يكون شيء من الدنيا آثر عندنا من سلامة ديننا، فأستصوبوا راية، وخرجوا إلى ابن الحنفية، فلما قدموا عليه سألهم عن حال الناس، فأخبروه وأعلموه حال المختار، فقال: والله لوددت أن الله انتصر لنا من عدونا بمن شاء من خلقه،فعادوا.\rو كان مسيرهم قد شق على المختار، وخاف أن يعودوا بما يخذل الشيعة عنه، فلما قدموا الكوفة دخلوا عليه، فقال: ما وراءكم؟ فقد فتنتم وأربتم، فقالوا: قد أمرنا بنصرك، فقال: الله أكبر، الله أكبر، أجمعوا الشيعة، فجمع من كان قريباً منه، فقال لهم: إن نفراً أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى إمام الهدى، فسألوه عما قدمت به عليكم، فنبأهم أني وزيره وظهيره ورسوله، وآمركم بطاعتي واتباعي فيما دعوتكم إليه من قتال المحلين، والطلب بدماء أهل بيت نبيكم.","part":5,"page":476},{"id":2477,"text":"فقامعبد الحمن بن شريح وأخبرهم بحالهم ومسيرهم، وأن ابن النفية أمرهم بمظاهرته ومؤازرته، وقال لهم: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، واستعدوا وتأهبوا، وقام جماعة من أصحابه فقالوا نحواً من كلامه.\rفاجتمعت له الشيعة، وكان من جملتهم \" الشعبي \" وأبوه شراحيل، فلما تهيأ أبوه للخروج قال له بعض أصحابه: إن أشراف الكوفة مجمعون على قتالك مع ابن مطيع، فإن أجابنا إبراهيم بن الأشتر رجونا القوة على عدونا، فإنه فتى رئيس وابن رجل شريف، وله عشيرة ذات عز وعدد. فقال المختار: فالقوه وادعوه، فخرجوا إليه ومعهم الشعبي، فاعلموه حالهم، وسألوه مساعدتهم، فقال: على أن تولوني الأمر، فقالوا: أنت لذلك أهل، ولكن ليس إلى ذلك سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدي، وهو المأمور بالقتال، وقد أمرنا بطاعته، فلم يجبهم إبراهيم، فانصرفوا عنه.\rو أتوا المختار، فسكت ثلاثاً، ثم صار إلى إبراهيم في بضعة عشر من أصحابه، والشعبي وأبوه فيهم ، فدخلوا عليه، فألقى إليهم الوسائد، فجلسوا عليها، وجلس المختار معه على فراشه، فقال: المختار له: هذا كتاب المهدي إليك، يسألك أن تنصرنا وتآزرنا،فقرأه، فإذا هو: \" من محمد المهدي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإني \" قد \" بعثت إليكم وزيري وأميني الذي ارتضيته لنفسي، وأمرته بقتال عدوي، والطلب بدماء أهل بيتي، فأنهض بنفيك وعشيرتك ومن أطاعك، فإنك إن نصرتني وأجبت دعوتي كانت لك بذلك عندي فضيلة، ولك أعنة الخيل، وكل جيش غازٍ، وكل مصر ومنبر وثغر ظهرت عليه فيما بين الكوفة وأقصى بلاد الشام \" .\rفلما فرغ من قراءته تأخر عن صدر الفراش، وأجلس المختار عليه، وبايعه. وصار يختلف إلى المختار كل عشية يدبرون أمورهم.\rو اجتمع رأيهم على الخروج ليلة الخميس لأربعة عشر ليلةً من شهر ربيع الأول، فلما كان تلك الليلة، صلى إبراهيم بن الأشتر بأصحابه المغرب، ثم خرج يريد المختار، وعليه وعلى أصحابه السلاح، وكأن إياس بن مضارب قد جاء إلى عبد الله بن مطيع وهو على شرطته، فقال: إن المختار خارج عليك إحدى هاتين الليلتين، وقد بعثت بابني إلى الكناسة، فلو بعثت في كل جبانة عظيمة بالكوفة رجلاً من أصحابك في جماعة من أهل الطاعة لهاب المختار وأصحابه الخروج عليك، فبعث ابن مطيع إلى كل جبانة من يحفظها من أهل الطاعة، وأمر على كل طائفة أميراً، وأوصى كلاً منهم ألا يؤتى من قبله، وقال: إذا سمعت صوت القوم فوجه نحوهم، وكان خروجهم إلى الجبابين يوم الاثنين.\rو خرج إبراهيم بن الأشتر ليلة الثلاثاء يريد المختار، وقد بلغه أن الجبابين قد ملئت رجالاً، وأن إياس بن مضارب في الشرطة قد أحاط بالسوق والقصر، فأخذ معه من أصحابه نحو مائة دارع، وقد لبسوا عليهم الأقبية، فقال له \" أصحابه \" : تجنب الطريق، فقال: والله لأمرن وسط السوق بجنب القصر، ولأرعبن عدونا، ولأرينهم هوانهم علينا، فسار على باب الفيل، فلقيهم إياس في الشرط مظهرين السلاح، فقال: من أنتم؟ فقال: أنا إبراهيم بن الأشتر. فقال إياس: ما هذا الجمع الذي معك؟ وإلى أين تريد؟ ولست بتاركك حتى آتي بك الأمير، فقال إبراهيم: خل سبيلنا؛ قال لا أفعل؛ وكان مع إياس رجل من همدان يقال له أبو قطن، وكان يكرمه، وكان صديقاً لأبن الأشتر، فقال له ابن الأشتر: أدن مني يا أبا قطن، فدنا منه وهو يظن أن إبراهيم يستشفع به عند إياس، فلما دنا منه أخذ رمحاً كان معه فطعن به إياس في ثغره، فصرعه، وأمر رجلاً من أصحابه فقطع رأسه، وتفرق أصحاب إياس، ورجعوا إلى ابن مطيع، فبعث مكانه ابنه راشد بن إياس على الشرط، وأقبل إبراهيم إلى المختار وقال له: إنا تعدنا للخروج القابلة، وقد وقع أمر لا بد من الخروج الليلة، وأخبره الخبر، ففرح المختار بقتل إياس وقال: هذا أول الفتح إن شاء الله.\rثم قال لسعيد بن منقذ:قم فأشعل النيران وارفعها، وسر أنت يا عبد الله بن شداد فناد: يا منصور، أمت، وأنت يا سفيان بن ليلى، وأنت يا قدامة بن مالك: ناد يا لثارات الحسين، ثم لبس سلاحه.","part":5,"page":477},{"id":2478,"text":"و كانت الحرب بين أصحابه وبين الذين ندبهم ابن مطيع لحفظ الجبابين في تلك الليلة، فكان الظفر لأصحاب المختار، وخرج المختار في جماعة من أصحابه حتى نزل في ظهر دير هند في السبخة، وانضم إليه ممن تابعه ثلاثة آلاف وثمانمائة من اثني عشر ألفا، واجتمعوا له قبل الفجر، فأصبح وقد فرغ من تعبئته، وصلى بأصحابه بغلس.\rو قد جمع ابن مطيع أهل الطاعة إليه، فبعث شبث بن ربعى في ثلاثة آلاف، وراشد بن إياس في أربعة آلاف من الشرط، لقتال المختار ومن معه، وأردفهم بالعساكر، واقتتلوا؛ فكان الظفر لأصحاب المختار ومن معه، وكان الذي صلي الحرب ودبر الأمر إبراهيم بن الأشتر. فلما رأى بن مطيع أمر المختار وأصحابه قد قوي خرج بنفسه إليهم، فوقف بالكنائس واستخلف شبث بن ربعى على القصر، فبرز إبراهيم بن الأشتر لابن مطيع في أصحابه وحمل عليه، فلم يلبث ابن مطيع أن أنهزم أصحابه، يركب بعضهم بعضاً على أفواه السكك، وابن الأشتر في آثارهم، حتى بلغ المسجد، وحصر ابن مطيع ومن معه في أشراف الكوفة في القصر ثلاثاً، فقال شبث لأبن مطيع: انظر لنفسك ولمن معك؛ فقال: أشيروا علي؛ فقال شبث: الرأي أن تأخذ لنفسك ولنا أماناً، وتخرج ولا تهلك نفسك ومن معك؛ فقال ابن مطيع: إني لأكره أن أخذ منه أماناً، والأمور لأمير المؤمنين مستقيمة بالحجاز والبصرة؛ فتخرج ولا تشعر بك أحداً، فتنزل بالكوفة عند من تثق إليه حتى تلحق بصاحبك. فأقام حتى أمسى، وخرج وأتى دار أبي موسى، وترك القصر، ففتح أصحابه الباب، وقالوا: يا ابن الأشتر، آمنون نحن؟ فقال: أنتم آمنون؛ فخرجوا؛ فبايعوا المختار. ودخل \" المختار \" القصر فبات به، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، وخرج المختار فصعد المنبر وخطب الناس، ثم نزل.\rو دخل أشراف الكوفة فبايعوه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والطلب، بدماء أهل البيت وجهاد المحلين والدفع عن الضعفاء، وقتال من قاتلنا، وسلم من سالمنا.\rو كان ممن بايعه المنذر بن حسان الضبى وابنه حسان، فلما خرجا من عنده استقبلهما سعيد بن منقذ الثوري في جماعة من الشيعة، فقالوا: هذان والله رءوس الجبارين، فقتلوهما، ونهاهم سعيد عن قتلهما إلا بأمر المختار، فلم ينتهوا.\rفلما سمع المختار ذلك كرهه، وأقبل يمني الناس ويود الأشراف، ويحسن السيرة، فبلغه أن ابن مطيع في دار أبي موسى، فسكت، فلما أمسى بعث إليه بمائة ألف درهم، وقال: تجهز بهذه، فقد علمت مكانك، وأنك لم يمنعك الخروج إلا عدم النفقة.\rو وجد المختار في بيت المال \" بالكوفة \" تسعة آلاف وخمسة مائة ألف، فأعطى لكل رجل خمسمائة درهم، وأعطى لستة آلاف من أصحابه أتوه بعد ما أحاط بالقصر، لكل منهم مائتي درهم، واستقبل الناس بخير. واستعمل على شرطته عبد الله بن كامل الشاكري، وعلى حرسه كيسان.\r\" والله أعلم بالصواب \" .\rذكر عمال المختار بن أبي عبيد\rكانت أول راية عقدها المختار لعبد الله بن الحارث أخي الأشتر على أرمينية، وبعث محمد بن عمير بن عطارد على أذربيجان، وبعث عبد الرحمن بن سعيد بن قيس على الموصل، وبعث إسحاق ابن مسعود على المدائن، وأرض جوخى، وبعث قدامة بن أبي عيسى ابن أبي ربيعة النصري حليف ثقيف على بهقاذ الأعلى، وبعث محمد بن كعب بن قرظة على بهقاذ الأوسط، وبعث سعد ابن حذيفة بن اليمان على حلوان، وأمره بقتال الأكراد، وإقامة الطرق. وكان ابن الزبير قد استعمل على الموصل محمد بن الأشعث بن قيس، فلما بعث المختار عبد الرحمن إليها، سار محمد عنها إلى تكريت، ينتظر ما يكون من الناس، ثم سار إلى المختار فبايعه، فلما فرغ من ذلك أقبل يجلس للناس ويقضي بينهم، ثم قال: إن لي فيما أحاول شغلاً عن القضاء، ثم أقام شريحاً يقضي بين الناس، فتمارض، فجعل المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم مرض، فجعل مكانه عبد الله بن مالك الطائي.\rقتل المختار\rقتلة الحسين وخروج أهل الكوفة على المختار وقتالهم إياه ووقعة السبيع","part":5,"page":478},{"id":2479,"text":"كان سبب ذلك أن مروان بن الحكم لما أستتب له الأمر بعث عبيد الله بن زياد إلى العراق، وذكرنا ما كان من أمره مع التوابين. ثم توفي مروان بن الحكم وولى ابن عبد الملك، فأقر ابن زياد على ولايته،و أمر بالجد، فأقبل إلى الموصل، فكتب عبد الرحمن بن سعيد عامل المختار إليه يخبره بدخول ابن زياد أرض الموصل، وأنه قد تنحى له عنها إلى تكريت، فندب المختار يزيد بن أنس الأسدي، فانتخب ثلاثة آلاف، وسار بهم نحو الموصل، وكتب المختار إلى عبد الرحمن: أن خل بين يزيد وبين البلاد، فسار يزيد حتى بلغ أرض الموصل، فنزل بنات تلى، وبلغ خبره ابن زياد، فقال: لأبعثن إلى كل ألف ألفين، فأرسل ربيعة بن المخارق الغنوى في ثلاثة آلاف، وعبد الله بن جملة الخثعمي في ثلاثة آلاف، فسار ربيعة قبل عبد الله بيوم، فنزل بيزيد بن أنس بنات تلى فخرج، وقد اشتد به المرض، وعبأ أصحابه، وقال: إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي، فأن هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العذري، فإن هلك فأميركم سعر الحنفي ثم نزل فوضع على سرير، وقال: قاتلوا عن أميركم إن شئتم أو فروا عنه.\rو اقتتل القوم، فأنهزم أصحاب بن زياد، وقتل ربيعة بن المخارق، قتله عبد الله بن ورقاء، فيا المنهزمون ساعة، ولقيهم عبد الله ابن جملة فردهم معه، فباتوا ليلتهم ببنات تلى يتحارسون، فلما أصبحوا خرجوا إلى القتال فاقتتلوا قتالاً شديداً، وذلك في اليوم الأضحى سنة ست وستين، فانهزم أهل الشام، ونزل ابن جملة في جماعة، فقاتل حتى قتل، وحوى أهل الكوفة عسكرهم، وقتلوا فيهم قتلاً ذريعاً، وأسروا ثلاثمائة، فأمر يزيد بقتلهم، وهو بآخر رمق، فقتلوا، ثم مات آخر النهار، فقال ورقاء بن عازب لأصحابه: إن بلغني أن عبيد الله بن زياد قد أقبل إليكم في ثمانين ألفاً، وأشار إليهم بالرجوع إلى المختار، فصوبوا رأيه، ورجعوا، فبلغ ذلك أهل الكوفة، فأرجفوا بالمختار، وقالوا: إن يزيد قتل ولم يمت، فندب إبراهيم بن الأشتر في سبعة آلاف، وقال له: سر فإذا لقيت جيش يزيد فأنت الأمير عليهم، فأردهم معك حتى تلقى ابن زياد فناجزه.\rفسار إبراهيم لذلك، فأجتمع أشراف الكوفة على شبث بن ربعى وقالوا: والله، إن المختار تأمر بغير رضاً منا، وقد أدنى موالينا، فحملهم على الدواب، وأعطاهم فيئنا.\rفقال: دعوني حتى ألقاه، فذهب إليه فكلمه، فلم يدع شيئاً أنكره إلا ذكره له، والمختار يقول في كل خصلة: أنا أرضيهم في هذا وآتي كل ما أحبوه، فلما ذكر المالي ومشاركتهم في الفيء قال: إن أنا تركت لكم مواليكم وجعلت فيئكم لكم، أتقاتلون معي بني أمية وابن الزبير وتعطوني على هذا الوفاء عهد الله وميثاقه وما أطمئن إليه من الأيمان. فقال شبث: حتى أخرج إلى أصحابي فأذكر ذلك لهم.\rفخرج إليهم ولم يعد إلى المختار، وأجتمع رأيهم على قتله، فأجتمع شبث، ومحمد بن الأشعث، وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وشمر بن ذي الجوشن، ودخلوا على كعب بن أبي كعب الخثعمي، فكلموه في ذلك، فأجابهم إليه، فخرجوا من عنده، ودخلوا على عبد الرحمن بن مخنف الأزدي، فدعوه إلى ذلك، فقال: إن أطعتموني لم تخرجوا، فقالوا: لم؟ إني أخاف أن تتفرقوا وتختلفوا ومع الرجل شجعانكم وفرسانكم مثل فلان وفلان، ثم معه عبيدكم ومواليكم، وكلمة هؤلاء واحدة، ومواليكم أشد حنقاً عليكم من عدوكم، فهم يقاتلوكم بشجاعة العرب وعداوة العجم، وإن انتظرتموه قليلاً كفيتموه بغيركم، ولا تجعلوا بأسكم بينكم؛ فقالوا: ننشدك الله ألا تخالفنا وتفسد علينا رأينا، وما أجمعنا عليه. فقال: إنما أنا رجل منكم، فإذا شئتم فأخرجوه، فوثبوا بالمختار بعد مسير ابن الأشتر، وخرج كل رئس بجبانة، فأرسل المختار إلى ابن الأشتر يأمره بسرعة العودة إليه، وبعث إليهم وهو يلاطفهم ويقول: إني صانع ما أحببتم، وهو يريد بذلك مداهنتهم حتى يقدم إبراهيم ابن الأشتر، فوصل الرسول إليه وهو بساباط، فرجع لوقته، وسار حتى أتى الكوفة ومعه أهل القوة من أصحابه، وأجتمع أهل اليمن بجبانة السبيع، فلما حضرة الصلاة كره كل رأس من أهل اليمن أن يتقدمه صاحبه، فقال ابن مخنف: هذا أول الاختلاف، قدموا الرضى منكم سيد القراء رفاعة بن شداد البجلى، فلم يزل يصلي بهم حتى كانت الواقعة.","part":5,"page":479},{"id":2480,"text":"ثم نزل المختار فعبأ أصحابه وأمر ابن الأشتر فسار إلى مضر وعليهم شعب بن ربعى، ومحمد بن عمير، وهم بالكناسة، وسار المختار نحو أهل اليمن بجبانة السبيع، فاقتتلوا أشد قتال، ثم كانت الغلبة للمختار وأصحابه، وأنهزم أهل اليمن وأخذ من دور الوادعيين خمسمائة أسير، فأتى بهم إلى المختار، فعرضهم، فقتل منهم من شهد مقتل الحسين، فكانوا مائتين وثمانية وأربعين.\rو نادى منادي المختار: من أغلق بابه فهو آمن إلا من شرك في دماء آل محمد صلى الله عليه وسلم، وكان عمر بن الحجاج الزبيدي ممن شهد قتل الحسين، فركب راحلته وأخذ طريق الواقصة، فعدم فقيل: أدركه أصحاب المختار، وقد سقط من شدة العطش، فذبحوه.\rو بعث المختار غلاماً له يدعى زريباً في طلب شمر ابن ذي الجوشن، فأدركه فقتله شمر، وسار حتى نزل قرية يقال لها الكلتانية، فأخذ منها علجاً، فضربه، وقال: امض بكتابي هذا إلى مصعب بن الزبير؛ فمضى العلج حتى دخل قريةً فيها أبو عمرة صاحب المختار، فلقي ذلك العلج علجاً أخر من تلك القرية، فشكا إليه ما لقي من شمر، فبينما هو يكلمه إذ مر رجل من أصحاب أبي عمرة اسمه عبد الرحمن بن أبي الكنود، فرأى الكتاب، عنوانه لمصعب بن شمر، فسألوا العلج عنه، فأخبرهم بمكانه، فإذا هو منهم على مسيرة ثلاثة فراسخ، فساروا إليه وأدركوه، فهرب أصحابه، وأعجله القوم عن لبس سلاحه، فقام وقد أتزر ببرد، وكان أبرص، فظهر بياض برصه، فطاعنهم بالرمح ثم ألقاه، وأخذ السيف فقاتل به حتى قتل، والذي قتله عبد الرحمن ابن أبي الكنود، وألقى جيفته للكلاب.\rقال: وأقبل المختار إلى القصر من جبانة السبيع ومعه سراقة ابن مرادس البارقي أسيراً، فناداه سراقة:\rأمنن على اليوم يا خير معاً ... وخير من حل بشحرٍ والجند\rو خير من لبى وحيى وسجد فأمر به إلى السجن، ثم أحضره من الغد، فأقبل وهو يقول:\rألا أبلغ أبا إسحاق أنا ... نزونا نزوة كانت علينا\rخرجنا نرى الضعفاء شيئا ... وكان خروجنا بطراً وحيناً\rلقينا منهم ضرباً طلحفاً ... وطعناً صائباً حتى أنثنينا\rنصرت على عدوك كل يوم ... نكل كتيبة تنعى حسيناً\rكنصر محمد في يوم بدر ... ويوم الشعب إذ وافى حيناً\rفأسجح إذ ملكت فلو ملكنا ... لجرنا في الحكومة واعتدينا\rتقبل توبة مني فإني ... سأشكر إذ جعلت النقد دينا\rفلما انتهى إلى المختار قال: أصلح الله الأمير، أحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت الملائكة تقاتل معك على الخيول البلق بين السماء والأرض؛ فقال له المختار: اصعد على المنبر فأعلم الناس، فصعد، فأخبرهم بذلك، ثم نزل فخل به فقال له: إني قد علمت أنك لم تر شيئاً، وإنما أردت ما قد عرفت، فأذهب \" عني \" حيث شئت، لا تفسد علي أصحابي.\rفخرج إلى البصرة، فنزل عند مصعب وقال:\rألا أبلغ أبا إسحاق أني ... رأيت الخيل بلقا مصمتات\rكفرت بوحيكم وجعلت نذراً ... على قتالكم حتى الممات\rأرى عيني ما لم تبصراه ... كلانا عالم بالترهات\rو قتل يومئذ عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمذاني، وأدعى قتلة سعر بن أبي سعر، وأبو الزبير الشبامي، وشبام من همذان، وانجلت الوقعة عن سبعمائة وثمانين قتيلاً من قومه، وكانت الوقعة لست ليال بقين من ذي الحجة سنة ست وستين.","part":5,"page":480},{"id":2481,"text":"و خرج أشراف الناس فلحقوا بالبصرة، وتجرد المختار لقتل قتلة الحسين، وقال: ما من ديننا أن نترك قتلة الحسين أحياءً، بئس ناصر آل محمد أنا إذاً \" في الدنيا، أنا إذاً \" الكذاب كما سموني، وإني أستعين بالله تعالى عليهم، فسموهم لي ثم تتبعوهم حتى تقتلوهم، فإني لا يسوغ لي الطعام والشراب حتى أطهر الأرض منهم، فدل على عبد الله بن أسيد الجهني، ومالك بن النسير البدي وحمل بن مالك المحاربي، فبعث المختار إليهم، فأحضرهم من القادسية، فلما رآهم قال: يا أعداء الله ورسوله، أين الحسين ابن علي؟ أدوا إلى الحسين. قتلتم ابن من أمرتم بالصلاة عليهم. فقالوا رحمك الله، بعثنا كارهين، فأمنن علينا واستبقنا، فقال: هلا مننتم على ابن بنت نبيكم واستبقيتموه وسقيتموه؟ فأمر بمالك ابن النسير البدي فقطع يديه ورجليه وتركه يضطرب حتى مات، وقتل الآخرين، وأحضر زياد بن مالك الضبعي، وعمران بن مالك العنزي، وعبد الرحمن بن أبي خشكارة البلجي، وعبد الله بن قيس الخولاني، فلما رآهم قال: يا قتلة الصالحين، وقتلة سيد شباب أهل الجنة، قد أقاد الله منكم اليوم، لقد جاءكم الورس، بيوم نحس، وكانوا نهبوا من الورس الذي كان مع الحسين رضي الله عنه، ثم أمر بهم فقتلوا .\rو قتل عبد الله وعبد الرحمن بن صلحت، وعبد الله بن وهيب الهمداني، وأحضر عثمان بن خالد بن أسيد الدهماني الجهني، وأبا أسماء بشر بن سوط القابضي، وكانا قد اشتركا في قتل عبد الرحمن بن عقيل وفي سلبه، فضرب أعناقهما وأحرقا بالنار.\rو أرسل إلى خولي بن يزيد الأصبحي وهو صاحب رأس الحسين فاختبأ في مخرجه، فدخل أصحاب المختار يطلبونه، فخرجت امرأته، وهي العيوف بنت مالك، وكانت تعاديه منذ جاءها برأس الحسين، فقالت : ما تريدون؟ فقالوا لها: أين زوجك؟ قالت: لا أدري، وأشارت بيدها إلى المخرج، فدخلوا، فوجدوه وعلى رأسه قوصرة، فأخرجوه وقتلوه إلى جانب أهله، وحرقوه بالنار.\rو قتل عمر بن سعد بن أبي وقاص، وكان الذي تولى قتله أبو عمرة، وأحضر رأسه عند المختار، وعنده ابنه حفص ابن عمر فقال له المختار: أتعرف هذا؟ قال: نعم، ولا خير في العيش بعده، فأمر به فقتل، وقال: هذا بحسين، وهذا بعلي ابن حسين، ولا سواء، والله لو قتلت به ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله.\rوأرسل المختار إلى حكيم بن طفيل الطائي - وكان أصاب صلب سلب العباس بن علي، ورمى الحسين بسهم، وكان يقول: تعلق سهمي بسرباله وما ضره، فأتاه أصحاب المختار فأخذوه، وذهب أهله فتشفعوا بعدي بن حاتم، فكلمهم عدي فيه، فقالوا: ذلك إلى المختار يشفع فيه، وكان قد شفعه في نفر من قومه أصابهم يوم جبانة السبيع، فقالت الشيعة: إنا نخاف أن يشفعه فيه، فقتلوه رميا بالسهام كما رمي الحسين حتى صار كالقنفذ، ودخل عدي بن حاتم على المختار، فأجلسه معه، فشفع فيه، وقال: إنه مكذوب عليه، إذاً ندعه لك، فدخل ابن كامل فأخبره المختار بقتله.\rو بعث المختار إلى مرة بن منقذ، وهو قاتل علي بن الحسين، وكان شجاعاً، فأحاطوا بداره، فخرج إليهم على فرسه وبيده رمحه، فطاعنهم، فضرب على يده، فهرب فنجا، ولحق بمصعب بن الزبير، وشلت يده بعد ذلك.\rو بعث المختار إلى زيد بن رقاد الجنبي، وهو قاتل عبد الله ابن مسلم بن عقيل، فخرج إليهم بالسيف، فقال ابن كامل: لا تطعنوه \" برمح \" ، ولا تضربوه بسيف، ولكن أرموه بالنبل والحجارة، ففعلوا ذلك به، فسقط، فأحرقوه حياً.\rو طلب المختار سنان بن أنس الذي كان يدعي قتل الحسين، فهرب إلى البصرة، فهدم داره.\rو طلب عبد الله بن عقبة الغنوي فوجده قد هرب إلى الجزيرة، فهدم داره.\rو طلب رجلاً من خثعم اسمه عبد الله بن عروة فهرب ولحق بمصعب، فهدم داره.\rو طلب عمرو بن صبيح الصدائي، وكان يقول: لقد طعنت فيهم وجرحت وما قتلت، فأحضره إلى المختار، فأمر به فطعن بالرماح حتى مات.\rو أرسل إلى محمد بن الأشعث وهو في قرية إلى جنب القادسية، فهرب إلى مصعب فهدم داره، وبني بلبنها وطينها دار حجر ابن عدي الكندي، وكان زياد قد هدمها.","part":5,"page":481},{"id":2482,"text":"و كان الذي هيج المختار على قتل قتلتة الحسين أن يزيد بن شراحيل الأنصاري أتى محمد ابن الحنيفة فسلم عليه، وجرى الحديث إلى أن تذاكروا أمر المختار، فقال ابن الحنيفة: إنه يزعم أن لنا شيعة، وقتلة الحسين عنده على الكراسي يحدثونه، فلما عاد يزيد أخبر المختار بذلك، فقتل عمر بن سعد، وبعث برأسه ورأس ابنه إلى الحنيفة، وكتب إليه يعلمه أنه قتل من قدر عليه، وأنه في طلب الباقين ممن حضر قتل الحسين، \" رضي الله عنه \" .\rبيعةالمثنى العبدي للمختار بالبصرة\rو إخراجه منها ولحاقه بالمختار بالكوفة و في سنة ست وستين دعا المثنى بن مخربة العبدي بالبصرة لبيعة المختار، وكان قد بايع المختار بعد مقتل سليمان بن صرد، فسيره المختار إلى البصرة يدعو بها إليه، ففعل، فأجابه رجال من قومه وغيرهم.\rثم أتى مدينة الرزق فعسكر عندها، فوجه إليهم الحارث بن أبي ربيعة المعروف بالقباع، وهو أمير البصرة، عباد بن حصين، وهو على شرطته، وقيس بن الهيثم في الشرط والمقاتلة، فخرجوا إلى السبخة، ولزم الناس بيوتهم، فلم يخرج أحد، وأقبل عباد فيمن معه فتواقف هو والمثنى وأنشبوا القتال، فأنهزم المثنى، وأتى قومه عبد القيس، وكف عنه عباد، فأرسل القباع عسكراً إلى عبد القيس ليأتوه بالمثنى ومن معه، فلما رأى زياد بن عمر العتكي ذلك أقبل إلى القباع فقال : لتردن خيلك عن إخواننا أو لنقاتلهم، فأرسل القباع الأحنف بن قيس، وعبد الرحمن المخزومي ليصلحا بين الناس، فأصلح الأحنف الأمر على أن يخرج المثنى وأصحابه عنهم، فأجابوه إلى ذلك وأخرجوهم عنهم، فسار المثنى إلى الكوفة في نفر يسير من أصحابه.\rذكر مخادعة المختار ومكره بعبد الله بن الزبير\rو ظهور ذلك له قال: لما أخرج المختار ابن مطيع عامل ابن الزبير من الكوفة سار إلى البصرة وكره أن يأتي ابن الزبير مهزوماً، فلما أستجمع للمختار أمر الكوفة، أخذ يخادع ابن الزبير، فكتب إليه: \" قد عرفت مناصحتي إياك، وجهدي على أهل عداوتك، وما كنت أعطيتني إن أنا فعلت ذلك، فلما وفيت لك \" وقضيت الذي كان لك على خسة بي ولم تف بما عاهدتني عليه \" ، فإن ترد مراجعتي ومناصحتي، فعلت والسلام \" .\rو إنما قصد المختار بذلك أن يكف ابن الزبير عنه ليتم أمره، ولم تعلم الشيعة بذلك، فأراد ابن الزبير أن يعلم حقيقة ذلك، فدعا عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي فولاه الكوفة، وقال: إن المختار سامع مطيع، فتجهز عمر وسار نحو الكوفة، وأتى الخبر المختار، فدعا زائدة بن قدامة وأعطاه سبعين ألف درهم وقال له: هذه ضعف ما أنفق عمر في طريقه إلينا، وأمره أن يأخذ معه خمسمائة فارس، ويسير حتى يلقاه بالطريق فيعطيه النفقة ويأمره بالعودة ، فإن فعل وإلا فيريه الخيل، فأخذ زائدة المال والخيل وسار حتى لقي عمر، فأعطاه المال، وأمره بالانصراف، فقال: إن أمير المؤمنين قد ولاني الكوفة، ولا بد من إتيانها، فدعا زائدة الخيل، وكان قد أكمنها؛ فلما رآها عمر قد أقبلت أخذ المال وسار نحو البصرة.\rُم أن عبد الملك بن مروان بعث عبد الملك بن الحارث بن الحكم ابن أبي العاص إلى وادي القرى، وكان المختار قد وادع ابن الزبير ليكف عنه ويتفرغ لأهل الشام، فكتب المختار لأبن الزبير: بلغني أن ابن مروان قد بعث إليك جيشاً، فإن أحببت أمددتك بمدد.\rفكتب إليه ابن الزبير: \" إن كنت على طاعتي فبايع لي الناس قبلك، وعجل بإنفاذ الجيش ومرهم فليسيروا إلي من بوادي القرى من جند ابن مروان فليقاتلوهم، والسلام \" .","part":5,"page":482},{"id":2483,"text":"فدعا المختار شرحبيل بن ورس الهمذاني، فسيره في ثلاثة آلاف أكثرهم من الموالي، وليس فيهم إلا سبعمائة من العرب، وقال له: سر حتى تدخل المدينة، فإن دخلتها فاكتب إلي بذلك حتى يأتيك أمري، وهو يريد إذا دخل الجيش المدينة أن يبعث عليهم أميراً لمحاصرة ابن الزبير بمكة، وخشي ابن الزبير أن المختار إنما يكيده، فبعث من مكة \" إلى المدينة \" عباس بن سهل بن سعد في ألفين، وأمره أن يستنفر العرب، وقال له: إن رأيت القوم في طاعتي وإلا فكايدهم حتى تهلكهم، فأقبل عباس حتى لقي ابن ورس بالرقيم وقد عبأ أصحابه، وأتى عباس وقد تقطع أصحابه، فرأى ابن ورس على الماء في تعبئته فدنا وسلم عليهم، ثم قال لأبن ورس سراً: ألستم في طاعة ابن الزبير؟ قال: بلى. وقال: فسر بنا إلى عدوه الذي بوادي القرى، فقال: إنما أمرت أن أتي المدينة وأكتب إلى صاحبي، فيأمره بأمره، فقال عباس: رأيك أفضل، وفطن لما يريد، وقال أما أنا فسائر إلى وادي القرى، ونزل عباس أيضاً، وبعث إلى ابن ورس بجزائر وغنم، وكانوا قد ماتوا جوعاً، فذبحوا واشتغلوا بها، واختلطوا على الماء، وجمع عباس من شجعان أصحابه نحو ألف رجل، وأقبل إلى فسطاط ابن ورس، فلما رآهم نادى في أصحابه، فلم يجتمع إليه مائة رجل، حتى انتهى إليهم عباس، فاقتتلوا يسيراً، فقتل ابن ورس في سبعين من أهل الحفاظ.\rو رفع عباس راية أمان، فأتوها إلا نحو ثلاثمائة مع سليمان بن حمير الهمداني، وعباس بن جعدة الجدلي، فظفر عباس بن سهل منهم بنحو من مائتين فقتلهم، وأفلت الباقون فرجعوا ومات أكثرهم في الطريق.\rو كتب المختار إلى بن حنيفة: \" إني أرسلت إليك جيشاً ليذلوا لك الأعداء، ويحرزوا لك البلاد، فلما قاربوا طيبة فعل بهم كذا وكذا، فإن رأيت أن أبعث إلى المدينة جيشاً كثيفاً وتبعث إليهم من قبلك رجلاً فافعل \" .\rفكتب إليه ابن الحنفية: \" أما بعد، فقد قرأت كتابك، وعرفت تعظيمك لحقي، وما تؤثره من سروري؛ وإن أحب الأمور كلها إلي ما أطيع الله فيه، فأطع الله ما استطعت، وإني لو أردت القتال لوجدت الناس إلي سراعاً، والأعوان لي كثيرة، ولكني أعتز لهم وأصبر حتى يحكم الله \" لي \" وهو خير الحاكمين \" .\rذكر امتناع محمد ابن الحنفية من مبايعة عبد الله بن الزبير\rوما كان من أمره وإرسال المختار الجيش إلى مكة وخبر ابن الحنفية قال: ثم أن عبد الله بن الزبير دعا محمد بن الحنفية ومن معه من أهل بيته، وسبعة عشر رجلاً من وجوه أهل الكوفة منهم أبو الطفيل عامر بن وائلة له صحبة، ليبايعوه فامتنعوا وقالوا: لا نبايع حتى تجتمع الأمة، فأكثر الوقيعة في ابن الحنفية وذمه، فأغلظ له عبد الله بن هانئ الكندي، وقال: لئن لم يضرك إلا تركنا بيعتك لا يضرك شيء، فلم يراجعه ابن الزبير، فلما استولى المختار على الكوفة وصارت الشيعة تدعي لأبن الحنفية، ألح ابن الزبير عليه وعلى أصحابه في البيعة حتى حبسهم بزمزم، وتوعدهم بالقتل والإحراق إن لم يبايعوا، وضرب لهم في ذلك أجلاً.\rفكتب ابن الحنفية إلى المختار يعرفه الحال، ويطلب النجدة.\rفقرأ المختار كتابه على أهل الكوفة، وقال: هذا مهديكم وصريح أهل بيت نبيكم قد تركوا محظوراً عليهم كما يحظر على الغنم ينتظرون القتل والتحريق في الليل والنهار،لست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصراً مؤزراً، وإن لم أسر بالخيل في أثر الخيل، كالسيل يتلوه السيل، حتى يحل بابن الكاهلية الويل، يريد عبد الله بن الزبير.","part":5,"page":483},{"id":2484,"text":"فبكى الناس وقالوا: سرحنا إليه وعجل، فوجه أبا عبد الله الجدلي في سبعين من أهل القوة، ووجه ظبيان بن عمارة أخا بني تميم في أربعمائة، وبعث معه أربعمائة ألف درهم لأبن الحنفية، ووجه أبن المعتمر في مائة، وهانئ بن قيس في مائة، وعمير بن طارق في أربعين،و يونس بن عمران في أربعين،فوصل أبو عبد الله الجدلي إلى ذات عرق، فأقام بها حتى أتاه عمير ويونس في ثمانين، فبلغوا مائة وخمسين راكباً، فساروا حتى دخلوا المسجد الحرام وهم ينادون: يالثارات الحسين، حتى انتهوا إلى زمزم، فكسروا الباب ودخلوا على ابن الحنفية، فقالوا: خل بيننا وبين عدو الله ابن الزبير، فقال إني لا أستحل القتال في الحرم. فقال ابن الزبير: واعجباه لهذه الخشبية ينعون حسيناً كأني أنا قتلته، والله لو قدرت على قتلهم لقتلتهم، وإنما سماهم ابن الزبير الخشبية لأنهم دخلوا مكة وبأيديهم الخشب كراهة إشهار السلاح في الحرم، وقال: أتحسبون أني أخلي سبيلهم، دون أن نبايع ويبايعوا.\rفقال: الجدلي: ورب الركن والمقام لتخلين سبيلنا أو لنجالدنك بأسيافنا جلاداً يرتاب منه المبطلون، فكفهم ابن الحنفية وحذرهم الفتنة.\rثم قدم باقي الجند ومعهم المال، فدخلوا المسجد الحرام فكبروا، وقالوا: يالثارات الحسين، فخافهم ابن الزبير، وخرج ابن الحنفية ومعه أربعة آلاف رجل إلى شعب علي، فعزوا وامتنعوا، فقسم فيهم المال، فلما قتل المختار ضعفوا واحتاجوا، ثم استوثق البلاد لأبن الزبير بعد قتل المختار، فبعث إلى أبن الحنفية أن أدخل في بيعتي، وإلا نابذتك.\rو بلغ الخبر عبد الملك بن مروان، فكتب إلى ابن الحنفية: أنه إن قدم عليه أحسن إليه، وإنه ينزل أي الشام أحب حتى يستقيم أمر الناس.\rفخرج ابن الحنفية ومن معه إلى الشام، فلما وصل إلى مدين بلغه غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد، فندم على إتيانه إلى الشام ونزل أيلة، وتحدث الناس بفضل ابن الحنفية، وكثرة عبادته وزهده، فندم عبد الملك على إذنه في القدوم إلى بلده، فكتب إليه: \" إنه لا يكون في سلطاني من لا يبايعني \" .\rفارتحل إلى مكة، ونزل شعب أبي طالب، فأرسل إليه ابن الزبير يأمره بالرحيل عنه، فسار إلى الطائف وألتحق به عبد الله بن عباس، ومات بن عباس بالطائف، حتى قدم الحجاج لحصار ابن الزبير، فعاد إلى الشعب، فطلبه الحجاج ليبايع عبد الملك، فامتنع حتى يجتمع الناس، ثم بايع بعد قتل ابن الزبير. هذا ما كان من أمره، فلنعد إلى أخبار المختار، \" والله أعلم \" .\rذكر مسيرة إبراهيم بن الأشتر لحرب عبيد الله بن زياد\rو قتل ابن زياد و في سنة ست وستين لثمان بقين من ذي الحجة، سار إبراهيم بن الأشتر لقتال عبيد الله بن زياد، وذلك بعد فراغه من وقعة السبيع بيومين، وأخرج المختار معه فرسان أصحابه ووجوههم وأهل البصائر منهم، وشيعه ووصاه، وخرج معه لتشيعه أصحاب الكرسي بكرسيهم، وهم يدعون الله له بالنصر، وسنذكر خبر الكرسي إن شاء الله تعالى.","part":5,"page":484},{"id":2485,"text":"قال: ولما انتهى إبراهيم إلى أصحاب الكرسي وهم عكوف عليه، \" وقد \" رفعوا أيديهم إلى السماء يدعون الله، فقال إبراهيم: اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، هذه سنة بني إسرائيل، وسار إبراهيم مجداً ليلقى ابن زياد قبل أن يدخل أرض العراق، وكان ابن زياد قد سار في عسكر عظيم وملك الموصل كما ذكرنا، فلما انتهى إبراهيم إلى نهر الخازر من أرض الموصل نزل بقرية باربيثا، وأقبل عبيد الله بن زياد حتى نزل قريباً منهم على شاطئ خازر، وأرسل عمير بن الحباب السلمي إلى ابن الأشتر أن القني؛ وكانت قيس كلها مضطغنة على بني مروان بسبب وقعة مرج راهط، وجند عبد الملك يومئذ كلب، واجتمع عمير وابن الأشتر فأخبره عمير أنه على ميسرة بن زياد، وواعده أن ينهزم بالناس، وأشار عليه بمناجزة القوم، وعاد عمير إلى أصحابه، وصلى بهم صلاة الفجر بغلس، ثم صفهم وسار بهم رويداً حتى أشرف على تل عظيم مشرف على القوم، فإذا هم لم يتحرك منهم أحد،فتقدم ابن الأشتر وهو يحرض أصحابه على القتال، يذكرهم بمقتل الحسين وسبي أهل بيته، فلما تدانى الصفان حمل الحصين بن نمير بميمنة أهل الشام على ميسرة ابن الأشتر، وعليها علي بن مالك الجشمي، فقتل بن مالك، فأخذ الراية ابنه قرة بن علي وقاتل بها فقتل في رجالٍ من أهل البأس، وانهزمت ميسرة إبراهيم، فأخذ الراية عبد الله بن ورقاء بن جنادة السلولي، ورد المنهزمين، وقاتلوا، وحملت ميمنة إبراهيم وعليها سفيان بن يزيد الأزدي على ميسرة بن زياد، وهم يظنون أن عمير بن الحباب ينهزم لهم كما زعم، فقاتلهم أشد قتال، وأنفت نفسه الهزيمة، فلما رأى إبراهيم ذلك قال لأصحابه: اقصدوا أهل السواد الأعظم، فوالله لئن هزمناه لنجعلن من ترون يمنة ويسرة، فتقدم أصحابه وقاتلوا أشد قتال، وصدقهم إبراهيم القتال، فأنهزم أصحاب بن زياد، وبعد أن قتل من الفريقين قتلى كثيرةً.\rوقيل:إن عمير بن الحباب أول من أنهزم، وإنما كان قتاله أولاً تعذيراً.\rفلما انهزموا قال إبراهيم بن الأشتر: إني قتلت رجلاً تحت رايةٍ منفردةٍ على شط نهر خازر، فالتمسوه فإني شممت منه رائحة المسك، شرقت يداه وغربت رجلاه، فالتمسوه، فإذا هو عبيد الله بن زياد، فأخذ رأسه وحرقت جثته.\rو أقام إبراهيم بالموصل، وأنفذ رأس عبيد الله إلى المختار، ورءوس القواد، وكانت هذه الوقعة في سنة سبعٍ وستين.\rو روى الترمذي رحمه الله قال: لما جاءت الرءوس إلى المختار ألقيت في القصر فجاءت حية دقيقة فتخللت الرءوس حتى دخلت فم عبيد الله وخرجت من منخره ودخلت في منخره وخرجت من فمه، فعلت ذلك مراراً.\rذكر ولاية مصعب بن الزبير البصرة\rومسيره إلى الكوفة وقتاله المختار وقتل المختار بن أبي عبيد كانت ولايته البصرة وعزل الحارث بن أبي ربيعة الملقب بالقباع عنها في أول سنة سبع وستين، قال: فقدمها مصعب، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم. \" طسم. تلك آيات الكتاب المبين. نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون. إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح آبائها ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين. \" ، وأشار بيده نحو الشام، \" ونريد أن نمنن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. ونمكن لهم في الأرض \" ، وأشار نحو الحجاز، \" ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون \" ، وأشار نحو الشام، وقال: يا أهل البصرة، بلغني أنكم تلقبون أميركم، وقد لقبت نفسي الجزار.","part":5,"page":485},{"id":2486,"text":"قال: ولما هرب أشراف الكوفة من المختار يوم وقعة السبيع، أتى منهم جماعة إلى مصعب، فكان منهم شبث بن ربيعى، أتاه على بغلة قد قطع ذنبها وطرف أذنها، وشق قباءه وهو ينادي: واغوثاه! وأتاه أشراف الكوفة فدخلوا عليه وسألوه المسير إلى المختار ونصرتهم، وقدم محمد بن الأشعث، واستحثه على المسير فأدناه وأكرمه، وكتب إلى المهلب بن أبي صفرة، وهو عامله على فارس يستدعيه ليشهد معهم قتال المختار، فقدم في جموع كثيرة وأموال عظيمة، فبرز مصعب بالجيوش، وأرسل عبد الرحمن بن مخنف إلى الكوفة، وأمره أن يخرج إليه من قدر عليه، ويثبط الناس عن المختار، ويدعوهم إلى بيعة بن الزبير سراً، فسار ودخل الكوفة مستتراً، وفعل ما أمر به، وسار وقدم أمامه عباد بن الحصين الحبطي التميمي، وجعل عبيد الله بن معمر على ميمنته، والمهلب على ميسرته، ومالك بن مسمع على بكر، ومالك بن المنذر على عبد القيس، والأحنف بن قيس على تميم، وزياد بن عمرو العتكي على الأزد، وقيس بن الهيثم على أهل العالية، وبلغ الخبر المختار فقام في أصحابه فندبهم إلى الخروج مع الأحمر بن شميط، ودعا رءوس الأرباع الذين كانوا مع ابن الأشتر فبعثهم مع ابن شميط، فسار وعلى مقدمته ابن كامل الشاكري، فوصلوا إلى المذار، وأقبل مصعب فعسكر بالقرب منه، وعبأ كل واحد منهما جنده، فتقدم عباد بن الحصين إلى أحمر وأصحابه، وقال: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، وإلى بيعة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، فقال الآخرون: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وإلى بيعة المختار، وأن نجعل هذا الأمر شورى في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع عباد وأخبر مصعباً، فقال: ارجع فأحمل عليهم، فرجع وحمل على ابن شميط وأصحابه، وحمل المهلب على ابن كامل حملة بعد أخرى، فهزمهم، وثبت ابن كامل ساعةً في رجال من همدان، ثم انصرف، وحمل الناس جميعاً على ابن شميط، فقاتل حتى قتل، وانهزم أصحابه، وبعث مصعب عباداً على الخيل ، وقال له: أيما أسير أخذته فأضرب عنقه، وسرح محمد بن الأشعث في خيل عظيمة من أهل الكوفة، وقال: دونكم ثأركم فكانوا \" حيث انهزموا \" أشد على المنهزمين من أهل البصرة، فلم يدركوا منهزماً إلا قتلوه، فلم ينج من ذلك الجيش إلا طائفة من أصحاب الخيل.\rثم أقبل مصعب حتى قطع من تلقاء واسط، \" القصب \" ، ولم تكن \" واسط \" قد بنيت بعد،فأخذ في كسكر، ثم حمل الرجال أثقالهم والضعفاء في السفن، فأخذوا في نهر خرشاذ، ثم خرجوا إلى نهر قوسان، ثم خرجوا إلى نهر الفرات، وأتى المختار خبر الهزيمة والقتلى، فقال: ما من الموت بد، وما من ميتة أموتها أحب إلي من أن أموت مثل ابن شميط.","part":5,"page":486},{"id":2487,"text":"و لما بلغه أن مصعب قد أقبل إليه في البر والبحر سار حتى نزل السيلحين، ونظر إلى مجتمع الأنهار، نهر الخريدة، ونهر السيلحين، ونهر القاددسية، ونهر يوسف، فسكر الفرات، فذهب ماؤها في هذه الأنهار، وبقيت سفن أهل البصرة في الطين، فخرجوا من السفن إلى ذلك السكر فأصلحوه، وقصدوا الكوفة، وسار المختار فنزل حوراء، وحال بينهم وبين الكوفة بعد أن حصن القصر والمسجد، وأقبل مصعب وجعل على ميمنه المهلب، وعلى ميسرته عمر بن عبيد الله، وعلى الخيل عباد بن الحصين، وجعل المختار على ميمنته سليم بن يزيد الكندي، وعلى ميسرته سعيد بن منقذ الهمداني، وعلى الخيل عمر بن عبد الله النهدي، وعلى الرجال مالك بن عبد الله النهدي، وأقبل محمد بن الأشعث فيمن كان قد هرب من أهل الكوفة، فنزل بين مصعب والمختار، فلما رأى المختار ذلك بعث إلى كل خمس من أهل البصرة رجلاً من أصحابه، وتدانى الناس، فحمل سعيد بن المنقذ على بكر وعبد القيس وهم في ميمنة مصعب، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة بن هبير المخزومي، فحمل على من بازائه وهم أهل العالية، فكشفهم \" فانتهوا إلى مصعب فجثا مصعب على ركبتيه ونزل الناس عنده فقاتلوا ساعة وتحاجزوا ثم حمل المهلب على من بازائه فكشفهم \" واشتد القتال، فقتل ابن الأشعث وذلك عند المساء، قاتل المختار على فم سكة شبث عامة ليلته، وقاتل معه رجالٌ من أهل البأس، وقاتلت معه همدان أشد قتال، ثم تفرق الناس عن المختار، فقال له من معه: أيها الأمير، اذهب إلى القصر، فجاء حتى دخله، فقال له بعض أصحابه: ألم تكن وعدتنا الظفر، وأنا سنهزمهم؛ فقال: أما قرأت في كتاب الله: \" يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب \" .\rقال: فلما أصبح مصعب أقبل يسير فيمن معه نحو السبخة، فمر بالمهلب، فقال المهلب، ياله فتحاً ما أهناه لو لم يقتل محمد بن الأشعث، فقال: صدقت؛ ثم قال مصعب للمهلب: إن عبيد الله بن علي بن أبي طالب قد قتل، فاسترجع المهلب، فقال مصعب: إنما قتله من يزعم أنه شيعة لأبيه، ثم نزل مصعب السبخة فقطع عن المختار ومن معه الماء والميرة، وقاتل المختار ومن معه قتالاً ضعيفاً، واجترأ الناس عليهم، فكانوا إذا خرجوا رماهم الناس من فوق البيوت، وصبوا عليهم الماء القذر، وكان أكثر معاشهم من النساء تأتي المرأة متخفية ومعها القليل من الطعام والشراب، ففطن مصعب لذلك، فمنع النساء، فاشتد على المختار وأصحابه العطش، فكانوا يشربون ماء البئر بالعسل، ثم أمر مصعب أصحابه فاقتربوا من القصر، واشتد الحصار، فقال المختار لأصحابه: ويلكم، إن الحصار لا يزيدكم إلا ضعفا، فانزلوا بنا نقاتل حتى نقتل كراماً إن نحن قتلنا، واله ما أنا يائس إن صدقتموهم أن ينصركم الله، فضعفوا ولم يفعلوا، فقال لهم: أما أنا فوالله لا أعطي بيدي ولا أحكمهم في نفسي، ثم تطيب وتحنط وخرج من القصر في تسعة عشر رجلاً منهم السائب بن مالك الأشعري، فتقدم المختار فقاتل حتى قتل، قتله رجلان أخوان من بني حنيفة، وهما طرفة وطراف ابنا عبد الله بن دجاجة، فلما كان الغد من مقتله، دعا بجير بن عبد الله المسلي من معه بالقصر إلى ما دعاهم المختار، فأبوا عليه، وأمكنوا أصحاب مصعب من أنفسهم، ونزلوا على حكمه، فأخرجوا مكتفين، فاستعطفوه، فأراد أن يطلقهم، فقام عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث فقال: أتخلي سبيلهم ؟ اخترنا أو اخترهم. وقال محمد بن عبد الرحمن بن سعيد الهمداني مثله، وقال أشراف الكوفة مثلهما، فأمر بقتلهم، فقالوا: يا ابني الزبير، لا تقتلنا واجعلنا على مقدمتك إلى أهل الشام غداً، فما بكم عنا غداً غنى؛ فإن قتلنا لم نقتل حتى نضعفهم لكم، وإن ظفرنا بهم كان ذلك لكم، فأبى عليهم وقتلهم برأي أهل الكوفة، وأمر مصعب بكف المختار فقطعت وسمرت إلى جانب المسجد فبقيت حتى قدم الحجاج فأمر بنزعها.\rوكتب مصعب إلى إبراهيم بن الأشتر يدعوه إلى طاعته، ويقول: إن أطعتني فلك الشام وأعنه الخيل وما غلبت عليه من أرض المغرب ما دام لآل الزبير سلطان.\rوكتب عبد الملك بن مروان إلى ابن الأشتر أيضاً يدعوه إلى طاعته ويقول: إن أنت أجبتني فلك العراق.","part":5,"page":487},{"id":2488,"text":"فاستشار إبراهيم أصاحبه في ذلك، فاختلفوا، فقال: لو لم أكن أصبت ابن زياد وغيره من أشراف الشام لأجبت عبد الملك، مع أني لا أختار على أهل مصرى وعشيرتي غيرهم، فدخل في طاعة مصعب، وبلغ مصعبا إقباله إليه، فبعث المهلب على عمله بالموصل والجزيرة وإرمينية وأذربيجان.\rقال: ثم دعا مصعب بن الزبير أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار، وعمرة بنت النعمان بن بشير الأنصاري امرأته الأخرى، وسألهما عنه، فقالت أم ثابت: أقول فيه بقولك أنت فيه، فأطلقها؛ وقالت عمرة: رحمة الله عليه، كان عبداً صالحا.\rفكتب إلى أخيه عبد الله: إنها تزعم أنه نبي، فأمره بقتلها، فقتلت ليلا بين الحيرة والكوفة، فقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:\rإن من أعجب العجائب عندي ... قتل بيضاء حرة عطبول\rقتلت هكذا على غير جرم ... إن لله درها من قتيل\rكتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جر الذيول\rوقيل: إن المختار إنما أظهر الخلاف على ابن الزبير عند قدوم مصعب البصرة، وإن مصعباً لما سار إليه فبلغه مسيره أرسل إليه أحمر بن شميط، وأمره أن يواقعه بالمذار، وقال: إن الفتح بالمذار، لأنه بلغه أن رجلاً من ثقيف يفتح عليه بالمذار فتح عظيم، فظن أن هو، وإنما كان الحجاج في فتال عبد الرحمن ابن الأشعث، وأمر مصعب عبادا الحبطي بالمسير إلى جمع المختار، فتقدم وتقدم معه عبيد الله بن علي بن أبي طالب، وبقي مصعب على نهر البصريين، على شط الفرات، وخرج المختار في عشرين ألفا، وزحف مصعب ومن معه فوافوه مع الليل، فقال المختار لأصحابه: لا يبرحن أحد منكم حتى يسمع منادياً ينادي: يا محمد، فإذا سمعتموه فاحملوا، فلما طلع القمر أمر منادياً فنادى: يا محمد؛ فحملوا على أصحاب مصعب فهزموهم وأدخلوهم عسكرهم، فلم يزالوا يقاتلونهم حتى أصبحوا، وأصبح المختار وليس عنده أحد، وقد أوغل أصحابه في أصحاب مصعب، فانصرف المختار منهزماً حتى دخل قصر الكوفة، وجاء أصحابه حين أصبحوا، فوقفوا ملياً، فلم يروا المختار، فقالوا: قد قتل، فهرب منهم من أطاق الهرب، فاختفوا بدور الكوفة، وتوجه منهم نحو القصر ثمانية آلاف، فوجدوا المختار في القصر، فدخلوا معه وكانوا قد قتلوا تلك الليلة من أصحاب مصعب خلقاً كثيراً، منهم محمد بن الأشعث.\rوأقبل مصعب فأحاط بالقصر، وحاصرهم أربعة أشهر يخرج المختار كل يوم فيقاتلهم في سوق الكوفة، فلما قتل المختار بعث من في القصر يطلبون الأمان، فأبى مصعب، فنزلوا على حكمه، فقتل من العرب سبعمائة أو نحو ذلك، وسائرهم من العجم، فكان عدة القتلى ستة آلاف رجل، وقيل: سبعة آلاف، وذلك في سنة سبع وستين، وكان عمر المختار يوم قتل سبعا وستين سنة، وكان تارة يدعو لمحمد ابن الحنفية، وتارة لعبد الله بن الزبير.\rوحكى عبد الملك بن عبدون في كتابه المترجم كمامة الزهر وصدفة الدرر، أن المختار ادعى النبوة وقال: إنه يأتيه الوحي من السماء، وأظهر ذلك في آخر أمره، وكان له كرسي يستنصر به.\rخبر كرسي المختار الذي كان يستنصر به\rويزعم أنه في كتاب بني إسرائيل قال الطفيل بن دعدة بن هبيرة: أضقت إضاقة شديدة، فخرجت يوماً فإذا جار لي زيات وعنده كرسي قد ركبه الوسخ، فقلت في نفسي: لو قلت للمختار في هذا شيئاً، فأخذته من الزيات وغسلته، فخرج عود نضار قد شرب الدهن وهو أبيض، فقلت للمختار: إني كنا أكتمك شيئا، وقد بدا لي أن أذكره لك، إن أبى جعدة كان يجلس عندنا على كرسي، ويرى أن فيه أثراً من علم. قال: سبحان الله، أخرته إلى هذا الوقت ! ابعث به إلي، فأحضرته وقد غشيته، فأمر لي اثنى عشر ألفا، ثم أمر فنودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فقال: إنه لم يكن في الأمم الخالية أمر إلا وهو كائن في هذه الأمة مثله، وإنه كان لبني إسرائيل التابوت، وإن هذا فينا مثله، فكشفوا عنه وقامت السبائية فكبروا، ثم لم يلبث أن أرسل المختار الجيش لقتال ابن زياد، وخرج بالكرسي على بغل وقد غشى، فكان من هزيمة أهل الشام وقتل أشرافهم ما ذكرناه، فزادهم ذلك فتنة حتى تعاطوا الكفر.\rقال الطفيل: فندمت على ما صنعت، فتكلم الناس في ذلك، فغيبه المختار.","part":5,"page":488},{"id":2489,"text":"وقيل: إن المختار قال لآل جعدة بن هبيرة - وكانت أم جعدة هي أم هاني بنت أبي طالب أخت على رضي الله عنه لأبويه - ائتوني بكرسي علي، فقالوا: والله ما هو عندنا، فقال: لا تكونوا حمقى، اذهبوا فائتوني به، فظنوا أنهم لا يأتونه بكرسي إلا قال: هذا هو، فأتوه بكرسي، فأخذه وخرجت شبام وشاكر وفودا، يعني أصحاب المختار، وقد جعلوا عليه الحرير، وكان أول من سدنه موسى ابن أبي موسى الأشعري، فعتب الناس عليه، فتركه فسدنه حوشب البرسمي حتى هلك المختار.\rوقال أعشى همدان فيه:\rشهدت عليكم أنكم سبئية ... وإني بكم يا شرطة الشرك عارف\rفأقسم ما كرسيكم بسكينة ... وإن كان قد لقت عليه اللفائف\rوأن ليس كالتابوت فينا وإن سعت ... شبام حواليه ونهد وخارف\rوإني أمرؤ أحببت آل محمد ... وتابعت وحيا ضمنته المصاحف\rوبايعت عبد الله لما تتابعت ... عليه قريش شمطها والغطارف\rوقال المتوكل الليثي:\rأبلغ أبا إسحاق إن جئته ... أنى بكرسيكم كافر\rتنزو شبام حول أعواده ... ويحمل الوحي له شاكر\rمحمرة أعينهم حوله ... كأنهن الحامض الحازر\rانتهت أخبار المختار بن أبي عبيدة، فلنذكر أخبار نجدة الحنفي، والله ولي التوفيق.\rأخبار نجدة\rبن عامر الحنفي حين وثب باليماية وما كان من أمره كان نجدة بن عامر بن عبد الله بن سيار بن مفرج الحنفي مع نافع بن الأزرق، ففارقه وسار إلى اليمامة، وكان أبو طالوت وهو من بني بكر بن وائل، وأبو فديك عبد الله بن ثور بن قيس ابن ثعلبة، وعجية بن الأسود اليشكري، قد وثبوا بها مع أبي طالوت، فلما قدمها نجدة دعا أبا طالوت إلى نفسه، فأجابه بعد امتناع، ومضى أبو طالوت إلى الخضارم، فنهبها، وكانت لبني حنيفة، فأخذها منهم معاوية بن أبي سفيان، فجعل فيها من الرقيق ما عدتهم وعدة أبنائهم ونسابهم أربعة آلاف، فغنم ذلك وقسمه بين أصحابه، وذلك في سنة خمس وستين، ثم إن عيراً خرجت من البحرين - وقيل من البصرة - تحمل مالاً وغيره يراد بها عبد الله بن الزبير، فاعترضها نجدة، فأخذها وساقها حتى أتى بها أبا طالوت بالخضارم، فقسمها بين أصحابه، وقال: اقتسموا هذا المال - وردوا هذه العبيد، واجعلوهم يعملون بالأرض لكم، فإن ذلك أنفع، فاقتسموا المال، وقالوا: نجدة خير لنا من أبي طالوت، وذلك في سنة ست وستين.\rولما تمت بيعته بينهم سار في جمع إلى بني كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، فلقيهم بذى المجاز فهزمهم وقتل فيهم قتلاً ذريعاً، ثم كثرت جموعه حتى بلغت ثلاثة آلاف، فسار إلى البحرين في سنة سبع وستين، فقالت الأزد: نجدة أحب إلينا من ولاتنا لأنه ينكر الجور، وولاتنا تجور؛ فعزموا على مسالمته، واجتمعت عبد القيس، وقتل منهم جمع كثير، وسبى نجدة من قدر عبيه من أهل القطيف، وأقام بالبحرين.\rفلما قدم مصعب إلى البصرة في سنة تسع وستين بعث إليه عبد الله بن عمير الليثي الأعور في أربعة عشر ألفاً، وقيل: في عشرين ألفاً، فجعل يقول: اثبت نجدة فإنا لا نفر، فقدم ونجدة بالقطيف، فأتى نجدة إلى ابن عمير وهو غافل فقاتل طويلاً، ثم افترقوا، وأصبح ابن عمير فهاله ما رأى في عسكره من القتلى والجرحى، فحمل عليهم نجدة، فلم يثبتوا، وانهزموا، وغنم نجدة ما في عسكرهم.\rوبعث نجدة بعد هزيمة ابن عمير جيشاً إلى عمان، واستعمل عليهم عظية بن الأسود الحنفي، وقد غلب عليها عباد بن عبد الله وابناه سعيد وسليمان، فقاتلوه، فقتل عباد واستولى عظية عليها، فأقام بها أشهراً، ثم خرج عنها، واستخلف رجلاً يكنى أبا القاسم، فقتله سعيد وسليمان ابنا عباد، فعاد إلى عمان فلم يقدر عليها، فركب في البحر وأتى كرمان، وضرب بها دراهم سماها العطوية، فأرسل إليه المهلب جيشاً، فهرب إلى سجستان، ثم أتى السند، فقتلته خيل المهلب بقندابيل.","part":5,"page":489},{"id":2490,"text":"وبعث نجدة إلى البوادي من يأخذ صدقة أهلها، ثم سار نجدة إلى صنعاء في خف من الجيش، فبايعه أهلها، وبعث أبا فديك إلى حضرموت فجبى صدقات أهلها، وحج نجدة سنة ثمان وستين، وقيل في سنة تسع، وهو في ثمانمائة وستين رجلا، وقيل في ألفين وستمائة رجل، فصالح ابن الزبير على أن يصلي كل واحد بأصحابه، ويقف بهم، ويكف بعضهم عن بعض، فلما صدر نجدة عن الحج سار إلى المدينة، فتأهب أهلها لقتاله، وتقلد عبد الله ابن عمر سيفاً، فلما أخبر نجدة أن ابن عمر لبس السلاح رجع إلى الطائف، فلما قرب منها أتاه عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي، فبايعه على قومه، فرجع نجدة إلى البحرين، فقطع الميرة عن أهل الحرمين، فكتب إليه ابن عباس: إن ثمامة بن أثال لما أسلم قطع الميرة عن أهل مكة وهم كفار، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أهل مكة أهل الله، فلا تمنعهم الميرة، فخلاها لهم، وإنك قطعت الميرة عنا ونحن مسلمون، فخلاها لهم نجدة، لم تزل عمال نجدة على النواحي حتى اختلف عليه أصحابه، على ما نذكره. والله أعلم.\rذكر الخلاف على نجدة وقتله وتولية أبي فديك\rقال: ثم إن أصحاب نجدة اختلفوا عليه لأسباب نقموها منه، فخالف عليه عطية بن الأسود، وسبب ذلك أن نجدة بعث سرية براً وبحرا، فأعطى سرية البر أكثر من سرية البحر، فنازعه عطية حتى أغضبه، فشتمه نجدة، فغضب عطية وفارقه، وألب الناس عليه، فخالفوه وانحازوا عنه، وولوا أمرهم أبا فديك عبد الله بن ثور، من بني قيس بن ثعلبة، فاستخفى نجدة، وقيل لأبي فديك: إن لم تقتله تفرق الناس عنك، فألح في طلبه حتى ظفر به أصحابه، فقتلوه، فلما قتل نجدة سخط قتله جماعة من أصحاب أبي فديك، ففارقوه وثار به مسلم بن جبير فضربه اثنتي عشرة ضربة بسكين، فقتل مسلم، وحمل أبو فديك إلى منزله.\rهذا ما كان من أمر الخوارج الذين خرجوا على عبد الله بن الزبير في أيام خلافته، فلنذكر خلاف ذلك مما وقع في أيامه بالأعمال الداخلة في ولايته.\rالحوادث أيام عبد الله بن الزبير\rخلاف ما ذكرناه في الأعمال الداخلة في ولايته على حكم السنين\rسنة أربع وستين\rقد ذكرنا بعض حوادث هذه السنة في أخبار يزيد، فلنذكر من حوادثها خلاف ذلك: فيها حج عبد الله بن الزبير بالناس، وكان عامله على المدينة أخوه عبيدة بن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي، وعلى قضائها سعيد بن نمران، وأبي شريح أن يقضي في الفتنة، وعلى البصرة عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وعلى قضائها هشام بن هبيرة، وعلى خراسان عبد الله بن خازم.\rسنة خمس وستين\rفي هذه السنة عزل عبد الله بن الزبير أخاه عبيدة عن المدينة، واستعمل أخاه مصعباً؛ وسبب ذلك أن عبيدة خطب الناس فقال: قد ترون ما صنع الله بقوم في ناقة قيمتها خمسمائة درهم، فسمى: مقوم الناقة، فبلغ ذلك أخاه فعزله، واستعمل مصعباً،\rبناء ابن الزبير الكعبة\rكان عبد الله بن الزبير لما احترقت الكعبة - حين غزاه أهل الشام في أيام يزيد بن معاوية، قد تركها ليشنع بذلك على أهل الشام وقد اختلف في سبب حرق الكعبة، فقيل: إن ابن الزبير لما حاصره أهل الشام قد وصلوا إليه، وكانت الليلة ظلماء ذات ريح صعبة ورعد وبرق، فرفع ناراً على رأس رمح لينظر إلى الناس، فأطارتها الريح، فوقعت على أستار الكعبة فأحرقتها، وجهد الناس في إطفائها فلم يقدروا، فأصبحت الكعبة تتهافت، وماتت امرأة من قريش، فخرج الناس كلهم مع جنازتها خوفاً من أن ينزل عليهم العذاب؛ وأصبح ابن الزبير ساجداً يدعو ويقول: اللهم إني لم أعتمد ما جرى، فلا تهلك عبادك بذنبي، وهذه ناصيتي بين يديك. فلما تعالى النهار أمن وتراجع الناس. حكاه أبو الفرج الأصفهاني بسند رفعه إلى أبي بكر الهذلي، وقيل في حرقها غير ذلك.","part":5,"page":490},{"id":2491,"text":"فلما مات يزيد واستقر الأمر لابن الزبير، شرع في بنائها، فأمر بهدمها حتى ألحقت بالأرض، وكانت حيطانها قد مالت من حجارة المنجنيق، وجعل الحجر الأسود عنده، وكان الناس يطوفون من وراء الأساس، وضرب عليها الستور، وأدخل فيها الحجر، واحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: لولا حدثان عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأزيد فيها من الحجر، فحفر ابن الزبير رضي الله عنهما، فوجد أساساً أمثال الجمال فحركوا منها صخرة فبرقت بارقة، فقال: أقروها على أساسها، وبناها، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر. وقيل: كانت عمارتها في سنة أربع وستين. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\rحرب عبد الله بن خازم\rوبين بني تميم بخراسان في هذه السنة كانت الحرب والفتنة بني عبد الله بن خازم السلمي وبين بني تميم بخراسان؛ وسبب ذلك أن من كان من بني تميم بخراسان أعانوا ابن خازم على من بها من ربيعة كما تقدم، فلما صفت له خراسان جفا بني تميم، وكان قد جعل ابنه محمداً على هراة، وجعل على شرطته بكير بن وساج، وضم إليه شماس بن دثار العطاردي وكانت أم محمد تميمية، فلما جفاهم ابن خازم أتوا ابنه محمداً بهراة، فكتب إلى أبيه وإلى بكير وشماس، يأمرهم بمنعهم عن هراة، فأما شماس فصار مع بني تميم، وأما بكير فإنه منعهم، فأقاموا ببلاد هراة، فأرسل بكير إلى شماس: إني أعطيك ثلاثين ألفاً، وأعطي كل رجل من تميم ألفا، على أن ينصرفوا، فأبوا وأقاموا يترصدون محمد بن عبد الله حتى خرج إلى الصيد، فأخذوه وشدوه وثاقاً، ثم قتلوه، وولوا عليهم الحريش، فنادى ابن خازم، وقال: لقد طالت الحرب بيننا، فعلام يقتل قومي وقومك، ابرز إلي فأينا قتل صاحبه صارت الأرض له، فقال ابن خازم: لقد أنصفت، فبرز إليه، فالتقيا وتصاولا طويلاً، فغفل ابن خازم، فضربه الحريش على رأسه فألقى فروة رأسه على وجهه، وانقطع ركاباً الحريش، ولزم ابن خازم عنق فرسه، ورجع إلى أصحابه، ثم غاداهم القتال، فمكثوا أياماً بعد الضربة، ثم مل الفريقان، فتفرقوا، فافترقت تميم ثلاث فرق: فرقة إلى نيسابور مع بحير ابن ورقاء، وفرقة إلى ناحية أخرى، وفرقة فيها الحريش إلى مرو الروذ، فاتبعه ابن خازم إلى قرية تسمى الملحمة، والحريش في اثنى عشر رجلاً، وقد تفرق عنه أصحابه وهم في خربة، فلما انتهى إليه قال له الحريش: ما تريد مني وقد خليتك والبلاد، قال: إنك تعود إليها، قال: لا أعود؛ فصالحه على أن يخرج عن خراسان ولا يعود إلى قتاله، فأعطاه ابن خازم وضمن له وفاء دينه.\rوفي هذه السنة سنة 65 وقع طاعون الجارف بالبصرة، وعليها عبيد الله بن عبد اله بن معمر، فهلك خلق كثير، وماتت أم عبيد الله فلم يجدوا لها من يحملها، حتى استأجروا من تولى حملها.\rوحج بالناس عبد الله بن الزبير، وكان على المدينة مصعب ابن الزبير، وعلى الكوفة عبد الله بن مطيع، وعلى البصرة الحارث ابن أبي ربيعة المخزومي، وعلى خراسان عبد الله بن خازم.\rوفيها توفي عبد الله بن عمرو بن العاص بمصر، وكان قد عمي. وقيل: كانت وفاته في سنة ثمان وستين، وقيل سنة تسع، والله أعلم.\rسنة ست وستين\rالفتنة بخراسان","part":5,"page":491},{"id":2492,"text":"في هذه السنة حاصر عبد الله بن خازم من كان بخراسان من بني تميم بسبب قتلهم ابنه محمدا، وذلك أنه لما تفرقت بنو تميم بخراسان على ما تقدم، أتى قصر قرنبا عدة منهم ما بين السبعين إلى الثمانين، فولوا أمرهم عثمان بن بشر بن المحتفز المازني، ومعه شعبة بن ظهير النهشلي، وورد بن الفلق العنبري، وزهير بن ذؤيب العدوي، وجيهان بن مشجعة الضبي، والحجاج بن ناشب العدوي، ورقبة ابن الحر في فرسان بني تميم وشجعانهم، فحاصرهم ابن خازم، فكانوا يخرجون إليه فيقاتلونه، ثم يرجعون إلى القصر، فخرج ابن خازم يوماً في ستة آلاف، وخرج أهل القصر إليه، فقال لهم بشر: ارجعوا فلن تطيقوه، فحلف زهير بن ذويب بالطلاق إنه لا يرجع حتى ينقض صفوفهم، فاستبطن نهراً قد يبس، فلم يشعر به أصحاب ابن خازم حتى حمل عليهم، فحطم أولهم على آخرهم، واستدار وكر راجعاً، واتبعوه يصيحون به، ولم يجسر أحد ينزل إليه حتى رجع إلى موضعه، فحمل عليهم، فأفرجوا له حتى رجع، فقال ابن خازم لأصحابه: إذا طاعنتم زهيراً فاجعلوا في رماحكم كلاليب، ثم علقوها في سلاحه، فخرج إليهم يوماً فطاعنهم، فأعلقوا فيه أربعة رماح بالكلاليب، فالتفت إليهم ليحمل عليهم، فاضطربت أيديهم، وخلوا رماحهم، فعاد يجر أربعة أرماح حتى دخل القصر، فأرسل ابن خازم إلى زهير، فضمن له مائة ألف وميسان طعمة ليناصحه، فلم يجبه، فلما طال الحصار عليهم أرسلوا إلى ابن خازم أن يمكنهم من الخروج ليتفرقوا، فأبى إلا على حكمه، فأجابوه إلى ذلك، فقال زهير: ثكلتكم أمهاتكم، والله ليقتلنكم عن آخركم، فإن طبتم بالموت نفساً فموتوا كراماً، اخرجوا بنا جميعا، فإما أن تموتوا كراماً، وإما أن ينجو بعضكم ويهلك بعضكم، وأيم الله لئن شددتم عليهم شدة صادقة ليفرجن لكم، فإن شئتم كنت أمامكم، وإن شئتم كنت خلفكم، فأبوا عليه، فقال سأريكم؛ ثم خرج هو ورقبة بن الحر وغلام تركي وابن ظهير، فحملوا على القوم حملة منكرة فأفرجوا لهم، فمضوا. فأما زهير فرجع إلى من بالقصر ونجا أصحابه، فقال زهير لمن بالقصر: قد رأيتم، أطيعوني، فقالوا: إنا نضعف عن هذا ونطمع في الحياة، فقال: والله لا أكون أعجزكم عند الموت، فنزلوا على حكم ابن خازم، فأرسل إليهم فقيدهم، وحملوا إليه رجلا رجلا، فأراد أن يمن عليهم، فأبى عليه ابنه موسى، وقال له: إن عفوت عنهم قتلت نفسي، فقتلهم إلا ثلاثة، أحدهم الحجاج ابن ناشب، شفع فيه بعض من معه فأطلقه، والآخر جيهان بن مشجعة الضبي، وكان قد منع القوم من قتل محمد عبد الله، ورمى نفسه عليه، فأبوا، فتركه لذلك، والآخر رجل من بني سعد من تميم، وهو الذي رد الناس عن ابن خازم يوم لحقوه، وقال: انصرفوا عن فارس مضر.\rقال: ولما أرادوا حمل زهير بن ذويب وهو مقيد أبى، واعتمد على رمحه، فوثب الخندق، ثم أقبل إلى ابن خازم يحجل في قيوده؛ فقال له ابن خازم: كيف شكرك إن أطلقتك وأطعمتك ميسان ؟ قال: لو لم تصنع بي إلا حقن دمى لشكرتك، فلم يمكنه ابنه موسى من إطلاقه، فقال له أبوه: ويحك، تقتل مثل زهير، من لقتال عدو المسلمين، من لنساء العرب ؟ فقال: والله لو شركت في دم أخير لقتلتك، فأمر بقتله، فقال زهير: إن لي حاجة، لا تقتلني وتخلط دمي بدماء هؤلاء اللئام، فقد نهيتهم عما صنعوا، وأمرتهم أن يموتوا كراماً ويخرجوا عليكم مصلتين، وأيم الله لو فعلوا لذعروا بنيك هذا. وشغلوه بنفسه عن طلب ثأر أخيه، فأمر به ابن خازم فقتل ناحية.\rسنة سبع وستين\rفي هذه السنة استعمل عبد الله بن الزبير أخاه مصعباً على البصرة، فقتل المختار كما تقدم، قم عزله عن العراق، واستعمل ابنه حمزة بن عبد الله. وكان حمزة جواداً مخلطاً، يجود أحياناً حتى لا يدع شيئاً يملكه، ويمنع أحياناً ما لا يمنع مثله، وظهر منه بالبصرة خفة وضعف، فكتب الأحنف إلى أبيه، وسأله أن يعزله عنهم، ويعيد مصعباً، فعزله، فاحتمل مالاً كثيراً من مال البصرة، فعرض له مالك ابن مسمع، فقال: لا ندعك تخرج بأعطياتنا؛ فضمن له عبيد الله ابن عبد الله العطاء، فكف عنه، وشخص حمزة بالمال إلى المدينة، فأودعه رجالا، فجحدوه، إلا رجلاً واحداً، فوفى له، فبلغ ذلك أباه، فقال: أبعده الله، أردت أن أباهي به بني مروان فنكص.","part":5,"page":492},{"id":2493,"text":"وقيل: إن مصعباً أقام بالكوفة سنة بعد قتل المختار معزولاً عن البصرة، ثم وفد إلى أخيه فرده إلى البصرة، وقيل: بل انصرف مصعب إلى البصرة بعد قتل المختار، واستعمل على الكوفة الحارث بن أبي ربيعة، وكانتا في عمله، فعزله أخوه، واستعمل ابنه حمزة، ثم عزل حمزة بكتاب الأحنف وأهل البصرة، ورد مصعباً، وذلك في سنة ثمان وستين.\rوحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير، وكان العمال من تقدم ذكرهم، وكان على قضاء الكوفة عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة.\rسنة ثمان وستين\rحصار الري وفتحها\rوفي هذه السنة أمر مصعب بن الزبير عتاب بن ورقاء الرياحي عامله على أصفهان بالمسير إلى الري وقتال أهلها، لمساعدتهم الخوارج على يزيد بن الحارث، كما تقدم، وامتناعهم في مدينتهم، فسار إليهم عتاب، وقاتلهم، وعليهم الفرخان ففتحها عنوة، وغنم ما فيها وافتتح سائر قلاعها ونواحيها. والله أعلم.\rمقتل عبيد الله بن الحر\rوفي هذه السنة قتل عبيد الله بن الحر الجعفي، وكان من خيار قومه صلاحاً وفضلاً واجتهاداً، ولما قتل عثمان حضر إلى معاوية وشهد معه صفين وأقام عند معاوية، وكانت زوجته بالكوفة، فلما طالت غيبته عنها زوجها أخوها رجلاً، يقال له عكرمة بن الخنبص، فبلغ ذلك عبيد الله، فأقبل من الشام فخاصمه عكرمة إلى علي رضي الله عنه، فقال له علي رضي الله عنه: ظاهرت علينا عدونا وفعلت وفعلت. فقال له: أيمنعني ذلك من عدلك ؟ قال: لا، فقص عليه قصته فرد عليه امرأته وكانت حبلى، فوضعها عند من يثق إليه حتى وضع فألحق الولد بعكرمة، ودفع المرأة إلى عبيد الله، وعاد إلى الشام فأقام به حتى قتل علي رضي الله عنه، فرجع إلى الكوفة، فلما كان في وقت قتل الحسين تغيب عبيد الله عمداً، فجعل ابن زياد يتفقد أشراف أهل الكوفة، فلم ير ابن الحر ثم جاء بعد ذلك فقال: أين كنت يا ابن الحر ؟ قال: كنت مريضاً. قال: كذبت، ولكنك كنت مع عدونا. قال: لو كنت معه لرئي مكاني. وغفل عنه ابن زياد، فخرج وركب فرسه، ثم طلبه فقيل له: ركب الساعة، فبعث الشرط خلفه فأدركوه فقالوا: أجب الأمير، فقال: بلغوه عني أني لا آتيه طائعاً أبداً، وركض فرسه، وأتى منزل أحمد بن زياد الطائي، فاجتمع إليه أصحابه، ثم خرج حتى أتى كربلاء، فنظر إلى مصارع الحسين رضي الله عنه، ومن قتل معه، فاستغفر لهم ثم مضى إلى المدائن. وقال في ذلك:\rيقول أمير غادر حق غادر ... ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمه\rونفسي على خذلانه واعتزاله ... وبيعة هذا الناكث العهد لائمه\rفياندمى ألا أكون نصرته ... ألا كل نفس لا تسدد نادمه\rوإني لأني لم أكن من حماته ... لذو حسرة ما إن تفارق لازمه\rسقى الله أرواح الذين تآزروا ... على نصره سقيا من الغيث دائمه\rوقفت على أجداثهم ومجالهم ... فكاد الحشى ينقض والعين ساجمه\rلعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى ... سراعاً إلى الهيجا حماة خضارمه\rتأسوا على نصر ابن بنت نبيهم ... بأسيافهم آساد غيل ضراغمه\rفإن يقتلوا فكل نفس تقية ... على الأرض قد أضحت لذلك واجمه\rوما إن رأى الراءون أفضل منهمو ... لدى الموت سادات وزهراً قماقمه\rأتقتلهم ظلماً وترجو ودادنا ... فدع خطة ليست لنا بملائمه\rلعمري لقد راغمتمونا بقتلهم ... فكم ناقم منا عليكم وناقمه\rأهم مراراً أن أسير بجحفل ... إلى فئة زاغت عن الحق ظالمه\rفكفوا وإلا زرتكم في كتائب ... أشد عليكم من زحوف الديالمه","part":5,"page":493},{"id":2494,"text":"قال: وأقام ابن الحر بمنزله على شاطىء الفرات إلى أن مات يزيد، ووقعت الفتنة، فقال: ما أرى قرشياً ينصف، أين أبناء الحرائر ؟ فأتاه كل خليع، ثم خرج إلى المدائن فلم يدع مالاً قدم به للسلطان إلا أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه، ويكتب لصاحب المال بما أخذ منه، ثم جعل يتقصى الكور على مثل ذلك، إلا أنه لم يعترض لمال أحد ولا دمه، فلم يزل كذلك حتى ظهر المختار وسمع ما يعمله ابن الحر في السواد، فأخذ امرأته فحبسها، فأقبل عبيد الله في أصحابه إلى الكوفة، فكسر باب السجن، وأخرجها، وأخرج كل امرأة كانت فيه، ومضى، وجعل يعبث بعمال المختار وأصحابه، فأحرقت داره في همدان، ونهبت ضيعته، فسار إلى ضياع همذان فنهبها جميعاً، وكان يأتي المدائن فيمر بعمال جوخى فيأخذ ما معهم من المال، ثم يميل على الجبل، فلم يزل على ذلك حتى قتل المختار.\rوقيل: إنه بايع المختار بعد امتناع، وسار مع إبراهيم بن الأشتر إلى الموصل، ولم يشهد معه قتال ابن زياد، وتمارض، ثم فارق ابن الأشتر، وأقبل إلى الأنبار في ثلاثمائة، فأغار عليها، وأخذ ما في بيت مالها، فلما فعل ذلك أمر المختار بهدم داره وأخذ امرأته، ففعل ما تقدم ذكره، وحضر مع مصعب قتال المختار، فلما قتل المختار قال الناس لمصعب: إنا لا نأمن أن يثب عبيد الله بن الحر بالسواد كما فعل بابن زياد والمختار، فحبسه، فكلم قوماً من وجوه مذحج ليشفعوا له إلى مصعب، وأرسل إلى فتيان مذحج، فقال: البسوا السلاح واستروه، فإن شفعهم مصعب وإلا فاقصدوا السجن فإنني سأعينكم من داخل.\rفلما شفع أولئك النفر شفعهم مصعب فيه، وأطلقه، فأتى منزله، وأتاه الناس يهنئونه، فكلمهم في الخروج على مصعب، وقال لهم: قاتلوا عن حريمكم؛ فإني قد قلبت ظهر المجن واظهرت العداوة ولا قوة إلا بالله.\rوخرج عن الكوفة، وحارب وأغار، فأرسل إليه مصعب سيف بن هانىء المرادي، فعرض عليه خراج بادرويا وغيرها، ويدخل في الطاعة، فلم يجب إلى ذلك، فندب لقتاله الأبرد بن قرة الرياحي، فقاتله فهزمه عبيد الله وضره على وجهه، فبعث إليه حريث بن زيد فقتله، فبعث إليه الحجاج ابن حارثة الخثعمي، ومسلم بن عمرو، فلقياه بنهر صرصر. فقاتلهما وهزمهما، فأرسل إليه يدعوه إلى الأمان والصلة، وأن يوليه أي بلد شاء؛ فلم يقبل ذلك وأتى نرسا، ففر دهقانها بمال إلى عين التمر وعليها بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني، فالتجأ الدهقان إليه، فتبعه عبيد الله فقاتله بسطام، ووافاه الحجاج ابن حارثة، فأسرهما عبيد الله، وأسر جماعة كثيرة ممن معهما، وأخذ المال الذي مع الدهقان، وأطلق الأسارى وأتى تكريت، فأقام بها يجبي الخراج، فبعث إليه مصعب الأبرد بن قرة الرياحي، والجون ابن كعب الهمداني في ألف، وأمدهم المهلب بيزيد بن المغفل في خمسمائة، فقاتلهم يومين وهو في ثلاثمائة. فلما كان عند المساء من اليوم الثاني تحاجزوا، وخرج عبيد الله من تكريت، وسار نحو كسكر، فأخذ بيت مالها، ثم أتى الكوفة فنزل إلى دير الأعور، فبعث إليه مصعب حجار بن أبجر فانهزم حجار، فشتمه مصعب، وضم إليه الجون بن كعب الهمداني وعمر بن عبيد الله بن معمر، فقاتلوه بأجمعهم، وكثرت الجراحات في أصحاب ابن الحر، وعقرت خيولهم، فانهزم حجار، ثم رجع فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى أمسوا، وخرج ابن الحر من الكوفة، فكتب مصعب إلى يزيد ابن الحارث بن رويم الشيباني وهو بالمدائن يأمره بقتاله، فقدم ابنه حوشباً، فقاتله فهزمه عبيد الله، وأقبل إلى المدائن فتحصنوا منه، فندب إليه الجون بن كعب الهمداني وبشر بن عبد الله الأسدي، فنزل الجون بحولايا، فخرج إليه عبد الرحمن بن عبد الله فقتله ابن الحر وهزم أصحابه، وخرج إليه بشير بن عبد الرحمن ابن بشير العجلي، فقاتله بسورا قتالاً شديدا، فرجع عنه بشير، وأقام ابن الحر بالسواد يغير ويجبى الخراج.","part":5,"page":494},{"id":2495,"text":"ثم لحق بعبد الملك بن مروان، فلما صار إليه أكرمه وأجلسه معه على السرير، وأعطاه مائة ألف درهم، وأعطى لمن معه مالاً، فقال له ابن الحر: وجهني بجند أقاتل بهم مصعبا، فقال له: سر بأصحابك، وادع من قدرات عليه، وأنا ممدك بالرجال، فسار في أصحابه نحو الكوفة إلى أن انتهى إلى الأنبار، فنزل بقرية بجوارها، واستأذنه أصحابه في إتيان الكوفة، فأذن لهم، وأمرهم أن يعلموا أصحابه بمقدمه ليخرجوا إليه، فبلغ ذلك القيسية فأتوا الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة معامل ابن الزبير بالكوفة، فسألوه أن يرسل معهم جيشاً يقاتلون به عبيد الله ويغتنمون الفرصة فيه بتفريق أصحابه، فبعث معهم جيشاً كثيفاً، فساروا إليه، فقال له من بقي معه من أصحابه: نحن في نفر يسير، ولا طاقة لنا بهذا الجيش، فقال: كنت لأدعهم، وحمل علهيم وهو يقول: يالك يوما فات فيه نهبي وغاب عني ثقتي وصحبي فعطفوا عليه فكشفوا أصحابه، وحاولوا أن يأسروه، فلم يقدروا على ذلك، وأذن لأصحابه في الذهاب، فذهبوا فلم يعرض لهم أحد، وجعل يقاتل وحده وهم يرمونه ولا يدنون منه، وهو يقول: أهذه نبل أم مغازل ! فلما أثخنته الجراح خاض إلى معبر فدخله ولم يدخل فرسه، فركب السفينة، ومضى به الملاح حتى توسط الفرات، فأشرفت الخيل عليهم، وكان في السفينة نبط، فقالوا لهم: إن في السفينة طلبة أمير المؤمنين، فإن فاتكم قتلناكم، فوثب ابن الحر ليرمي نفسه في الماء، فوثب إليه رجل عظيم الخلق، فقبض على يديه، وجراحاته تجري دماً، وضربه الباقون بالمجاديف، فقبض على الذي أمسكه، وألقى نفسه في الماء، فغرقا معاً.\rوقيل في قتله: إنه كان يغثى مصعب بن الزبير بالكوفة فرآه يقدم عليه غيره، فكتب إلى عبد الله بن الزبير قصيدة يعاتب فيها مصعبا ويخوفه مسيره إلى عبد الملك بن مروان يقول فيها:\rأبلغ أمير المؤمنين رسالة ... فلست على رأي قبيح أواربه\rأفي الحق أن أجفى ويجعل مصعب ... وزيره من قد كنت فيه أحاربه\rفكيف، وقد أبليتكم حق بيعتي ... وحقي يلوى عندكم وأطالبه\rوأبليتكم مالاً يضيع مثله ... وآسيتكم والأمر صعب مراتبه\rفلما استنار الملك وانقادت العدا ... وأدرك من مال العراق رغائبه\rجفا مصعب عني ولو كان غيره ... لأصبح فيما بيننا لا أعاتبه\rلقد رابني من مصعب أن مصعبا ... أرى كل ذى غش لنا هو صاحبه\rإذا قمت عند الباب أدخل مسلم ... ويمنعني أن أدخل الباب حاجبه\rأشار بقوله: وزيره؛ إلى مسلم بن عمرو والد قتيبة، والمهلب ابن أبي صفرة، ويدل على ذلك قوله أيضاً في غيرها: بأي بلاء أم بأية نعمة تقدم قبلي مسلم والمهلب قال: فحبسه مصعب، وله معه معاتبات من الحبس، وقال في قصيدة يهجو فيها قيس عيلان منها:\rألم تر قيسا قيس عيلان برقعت ... لحاها وباعت نبلها بالمغازل\rفأرسل زفر بن الحارث الكلابي إلى مصعب يقول: قد كفيتك قتال ابن الزرقاء - يعني عبد الملك. وابن الحر يهجو قيسا؛ ثم إن نفراً من بني سليم أسروا عبيد الله بن الحر، فقال: إنما قلت:\rألم تر قيساً قيس عيلان أقبلت ... إلينا وسارت في القنا والقنابل\rفقتله رجل منهم يقال له عياش، والله أعلم.\rوفي هذه السنة سنة وافى عرفات أربعة ألوية: لواء ابن الزبير وأصحابه، ولواء ابن الحنفية وأصحابه، ولواء لبني أمية، ولواء لنجدة الحروري، ولم يجر بينهم حرب ولا فتنة.\rوكان العامل على المدينة جابر بن الأسود بن عوف الزهري، وعلى البصرة والكوفة مصعب بن الزبير، وعلى قضائهما من ذكرنا قبل، وعلى خراسان عبد الله بن خازم.\rوفيها توفي عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، وعدى بن حاتم الطائي. وقيل في سنة ست وستين، وله مائة وعشرون سنة.\rسنة تسع وستين\rفي هذه السنة شخص مصعب بن الزبير إلى مكة ومعه أموال عظيمة ودواب كثيرة، فقسم في قومه وغيرهم، ونحر بدنا كثيرة. وقيل: كان ذلك في سنة سبعين.\rوحج بالناس عبد الله بن الزبير؛ وفيها حكم رجل من الخوارج بمنى، وسل سيفه، وكانوا جماعة، فأمسك الله أيديهم، فقتل ذلك الرجل عند الجمرة. وكان عمال المصار من ذكرنا.","part":5,"page":495},{"id":2496,"text":"سنة سبعين\rيوم الجفرة\rفي هذه السنة سار عبد الملك بن مروان يريد مصعب بن الزبير، فقال له خالد بن عبد الله بن أسيد: إن وجهتني إلى البصرة وأتبعتني خيلا رجوت أن أغلب لك عليها، فوجهه عبد الملك، فقدمها مستخفيا في خاصته حتى نزل على عمرو بن أصمع. وقيل: على علي بن أصمع الباهلي، فأرسل عمرو إلى عباد بن الحصين وهو على شرطة ابن معمر، وابن معمر خليفة مصعب على البصرة، ورجا ابن أصمع أن عباد بن الحصين يتابعه، وقال له: إني قد أجرت خالدا وأحببت أن تعلم ذلك لتكون ظهيراً لي؛ فوافاه الرسول حين نزل عن فرسه؛ فقال عباد: قل له: والله لا أضع لبد فرسي حتى آتيك في الخيل، فقال ابن أصمع لخالد: إن عباداً يأتينا الساعة، ولا أقدر أمنعك منه؛ فعليك بمالك بن مسمع، فخرج خالد يركض فرسه حتى أتى مالكاً فقال: أجرني فأجاره، وأرسل إلى بكر بن وائل والأزد، فأقبلت إليه، وأقبل عباد في الخيل، فتواقفوا ولم يكن بينهم قتال، فلما كان الغد غدوا إلى جفرة نافع بن الحارث، ومع خالد رجال من تميم، منهم صعصعة بن معاوية وعبد الله بن بشر ومرة بن محكان وغيرهم، وكان من أصحاب خالد، عبيد الله بن أبي بكرة، وحمران بن أبان، والمغيرة بن المهلب. ومن أصحاب ابن معمر؛ قيس بن الهيثم السلمي، وأمده مصعب بزحر بن قيس الجعفي في ألف، وأمده عبد الملك خالداً بعبيد الله بن زياد بن ظبيان، فبلغه تفرق الناس، فرجع إلى عبد الملك. والتقى القوم، واقتتلوا أربعة وعشرين يوماً، ومشت بينهم السفراء، فاصطلحوا على أن يخرج خالداً من البصرة، فأخرجه مالك، ولحق مالك بثأج، وجاء مصعب إلى البصرة، وطمع أن يدرك خالداً فوجده قد خرج، فسخط على ابن معمر، وقال لعبيد الله بن أبي بكرة: يا ابن مسروح، إنما أنت ابن كلبة تعاورها الكلاب، فجاءت بأحمر وأصفر وأسود من كل كلب بما يشبهه، وإنما كان أبوك عبداً نزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصن الطائف، ثم ادعيتم أن أبا سفيان زنى بأمكم، ووالله لئن بقيت لألحقنكم بنسبكم.\rثم دعا حمران فقال له: إنما أنت ابن يهودية علج نبطي سبيت من عين التمر. وقال للحكم بن المنذر بن الجارود، ولعبد الله ابن فضالة الزهراني، ولعلي بن أصمع، ولعبد العزيز بن بشر وغيرهم نحو هذا من التوبيخ والتقريع، وضربهم مائة مائة، وحلق رؤسهم ولحاهم وهدم دورهم، وصهرهم في الشمس ثلاثا، وحملهم على طلاق نسابهم، وجهز أولادهم في البعوث، وطاف بهم في أقطار البصرة، وأحلفهم ألا ينكحوا الحرائر، وهدم دار مالك ابن مسمع، وأخذ ما فيها؛ فكان فيما أخذ منها جارية ولدت له عمرو بن مصعب.\rوأقام مصعب بالبصرة، ثم شخص إلى الكوفة فلم يزل بها حتى خرج لحرب عبد الملك.\rوحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير.\rسنة واحد وسبعون\rفي هذه السنة كان مقتل مصعب بن الزبير واستيلاء عبد الملك ابن مروان على العراق على ما نذكر ذلك إن شاء الله مبينا في أخبار عبد الملك.\rوفيها عزل عبد الله بن الزبير جابر بن الأسود عن المدينة، واستعمل عليها طلحة بن عبد الله بن عوف، وهو آخر وال كان له على المدينة حتى أتاه طارق بن عمرو ولي عثمان فهرب.\rسنة اثنان وسبعون\rفي هذه السنة قتل عبد الله بن خازم أمير خراسان، واستولى عبد الملك على خراسان على ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخباره وفيها انتزع عبد الملك المدينة من عبد الله بن الزبير، واستعمل عليها طارق ين عمرو؛ فلم يبق مع ابن الزبير إلا مكة.\rسنة ثلاث وسبعون\rفي هذه السنة كان مقتل عبد الله بن الزبير واستقلال عبد الملك ابن مروان بالأمر، جرياً على القاعدة التي قدمناها أن نذكر الواقعة بجملتها ونحيل عليها في أخبار المغلوب، وعند ذكرنا لمقتل عبد الله ابن الزبير نذكر نبذة من سيرته وأولاده، فلنرجع إلى أخبار الدولة الأموية.\rمروان بن الحكم هو أبو الحكم، وقيل أبو عبد الملك، مروان بن الحكم بن أبي العاص ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، يجتمع نسبه ونسب معاوية في أمية، وهو الرابع من ملوك بني أمية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم طرد أباه إلى بطن وج، فنزل الطائف، وخرج معه ابنه مروان. وقيل: إن مروان ولد بالطف.","part":5,"page":496},{"id":2497,"text":"واختلف في السبب الموجب لنفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم، فقيل: كان يتحيل ويستخفي ويسمع ما يسره رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى كبار أصحابه في مشركي قريش وسائر الكفار والمنافقين، وكان يفشى ذلك عنه، حتى ظهر ذلك عليه؛ وكان يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشيته وبعض حركاته، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا مشى تكفأ، فكان الحكم يحكيه، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فرآه يفعل كذلك، فقال: فكذلك فلتكن. فكان الحكم مخلجا يرتعش من يومئذ، فعيره عبد الرحمن بن حسان، فقال في عبد الرحمن بن الحكم يهجوه:\rإن اللعين أبوك فارم عظامه ... إن ترم ترم مخلجا مجنونا\rيمشي خميص البطن من علم التقي ... ويظل من عمل الخبيث بطينا\rوروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمروان بن الحكم حين قال في أخيها عبد الرحمن ما قال: أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أباك وأنت في صلبه.\rوعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدخل عليكم رجل لعين. قال عبد الله: وكنت قد تركت عمراً يلبس ليقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم أزل مشفقاً أن يكون أول من يدخل، فدخل الحكم بن أبي العاص، فلهذا قال عبد الرحمن بن حسان في شعره: إن اللعين أبوك. ولم يزل الحكم طريدا إلى خلافة عثمان بن عفان فرده إلى المدينة، وقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان أذن في رده.\rوكان إسلام الحكم يوم فتح مكة، ومات في خلافة عثمان قبل القيام عليه بأشهر.\rوولد مروان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل سنة اثنتين من الهجرة، وقيل عام الخندق، وقيل يوم أحد، وقيل ولد بمكة، وقيل بالطائف، ولم ير مروان رسول الله عليه الصلاة والسلام، لأنه خرج إلى الطائف طفلاً لا يعقل، وقدم لمدينة مع أبيه في خلافة عثمان، ثم توفي أبوه فاستكتبه عثمان ابن عفان، وضمه إليه، فاستولى مروان عليه، وغلب على رأيه حتى كان سبب قيام الناس على عثمان وقتله.\rحكى أبو عمر بن عبد البر في كتابه المترجم بالاستيعاب أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتى مروان يوماً، فقال: ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك إذا شابت ذراعاك. وكان مروان يقال له خيط باطل، وضرب يوم الدار على قفاه فخر لفيه. وفيه يقول أخوه عبد الرحمن بن الحكم وكان ماجناً شاعراً، وكان لا يرى رأى مروان:\rفوالله ما أدرى وإني لسائل ... حليلة مضروب القفا كيف يصنع\rلحا الله قوماً أمروا خيط باطل ... على الناس يعطى من يشاء ويمنع\rوقيل: إنه قال ذلك حين ولاه معاوية المدينة، وكان كثيراً ما يهجوه.\rوأم مروان آمنه بنت علقمة بن صفوان، وكان مروان قصيراً رقيقاً أو قص، بويع له بالجابية يوم الخميس لسبع بقين من شهر رجب سنة أربع وستين، وقيل في ذى القعدة منها.\rذكر السبب في بيعة مروان\rكان سبب بيعته أن عبد الله بن الزبير لما بويع له بالحجاز والعراق استعمل أخاه عبيدة بن الزبير على المدينة، فأخرج مروان بن الحكم وابنه منها إلى الشام؛ فلما قدم الحصين بن نمير ومن معه إلى الشام أخبر مروان بما كان بينه وبين ابن الزبير، وقال له ولبني أمية: أقيموا أمركم قبل أن يدخل عليكم شامكم، فتكون فتنة عمياء صماء. وكان من رأى مروان أن يسير إلى عبد الله بن الزبير فيبايعه، فلما قدم عبيد الله بن زياد من العراق قال لمروان: لقد استحييت لك من ذلك، وأنت كبير قريش وسيدها؛ وقبح ذلك عليه، فقال: ما فات شيء بعد، وقام إليه بنو أمية ومواليهم فتجمع إليه أهل اليمن، فسار إلى دمشق فقدمها والضحاك بن قيس الفهري يصلي بالناس قد بايعوه على ذلك إلى أن يتفق رأى الناس على إمام، وهو يدعو إلى ابن الزبير سراً، والنعمان بن بشير الأنصاري بحمص يبايع له أيضاً. وكان حسان بن مالك بن بحدل الكلبي غلاماً لمعاوية وابنه يزيد بفلسطين وهو يريد بني أمية.\rفكتب حسان إلى الضحاك كتاباً يعظم فيه حق بني أمية وحسن بلائهم، ويذم ابن الزبير، وأنه خلع خليفتين، وأمره أن يقرأ كتابه على الناس. وكتب كتاباً آخر، وسلمه إلى رسوله واسمه ناغضة، وقال له: إن قرأ الضحاك كتابي على الناس وإلا فاقرأ هذا الكتاب عليهم.","part":5,"page":497},{"id":2498,"text":"وكتب حسان إلى بني أمية أن يحضروا ذلك، فقدم ناغضة، فدفع كتاب الضحاك إليه وكتاب بني أمية إليهم.\rفلما كان يوم الجمعة صعد الضحاك المنبر، فقال له ناغضة: اقرأ كتاب حسان على الناس. فقال له: اجلس، فجلس، ثم قام الثانية والثالثة وهو يأمره بالجلوس، فأخرج ناغضة الكتاب الذي معه، وقرأه على الناس، فقام يزيد بن أبي النمس الغساني، وسفيان ابن الأبرد الكلبي، فصدقا حسانا، وشتما ابن الزبير، وقام عمرو ابن يزيد الحكمي فشتم حسانا، وأثنى على ابن الزبير، واضطرب الناس، فأمر الضحاك بيزيد وسفيان فحبسا، ووثبت كلب على عمر بن يزيد فضربوه وخرقوا ثيابه، وقام خالد بن يزيد، فسكن الناس، ونزل الضحاك فصلى الجمعة بالناس، ودخل القصر فجاءت كلب فأخرجوا سفيان، وجاءت غسان فأخرجوا يزيد، وكان أهل الشام يسمون ذلك اليوم يوم جيرون الأول.\rثم خرج الضحاك بن قيس إلى المسجد، وذكر يزيد بن معاوية فسبه، فقام إليه شاب من كلب فضربه بعصا، فقام الناس بعضهم إلى بعض فاقتتلوا؛ فقيس تدعو إلى ابن الزبير ونصرة الضحاك، وكلب تدعو إلى بني أمية.\rودخل الضحاك دار الإمارة، ولم يخرج من الغد لصلاة الفجر، وبعث إلى بني أمية فاعتذر إليهم، وأنه لا يريد ما يكرهون، وأمرهم أن يكتبوا إلى حسان، ويكتب معهم ليسير من الأردن إلى الجابية، ويسيرون هم من دمشق إليها فيجتمعون بها ويبايعون لرجل من بني أمية، فرضوا، وكتبوا إلى حسان، وسار الضحاك وبنو أمية نحو الجابية، فأتاه ثور بن معن السلمي، فقال: دعوتنا إلى ابن الزبير فبايعنا على ذلك، وأنت تسير إلى هذا الأعرابي من كلب يستخلف ابن أخته خالد بن يزيد.\rقال الضحاك: فما الرأي ؟ قال: الرأي أن نظهر ما كنا نكتم وندعو إلى ابن الزبير، فرجع الضحاك بمن معه من الناس، فنزل مرج راهط ودمشق بيده، واجتمع بنو أمية وحسان وغيرهم بالجابية، فكان حسان يصلى بهم أربعين يوماً والناس يتشاورون، وكان مالك بن هبيرة السكوني يهوى خالد بن يزيد والحصين بن نمير يميل إلى مروان، فقال مالك للحصين: هلم نبايع هذا الغلام الذي نحن ولدنا أباه وهو ابن أختنا، وقد عرفت منزلتنا من أبيه، فإنه يحملنا على رقاب العرب. يعني خالد بن يزيد. فقال الحصين: لا والله لا تأتينا العرب بشيخ ونأتيها بصبي. فقال مالك: والله لئن استخلفت مروان ليحسدنك على سوطك وشراك نعلك وظل شجرة تستظل بها، إن مروان أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة، فإن بايعتموه كنتم عبيداً لهم، ولكن عليكم بابن أختكم خالد، فقال الحصين: إني رأيت في المنام قنديلا معلقا من السماء وأن من يلي الخلافة يتناوله، فلم ينله إلا مروان؛ والله لنستخلفنه.\rوقام روح بن زنباع الجذامى فقال: أيها الناس، إنكم تذكرون عبد الله بن عمر وصحبته وقدمه في الإسلام، وهو كما تذكرون، ولكنه ضعيف، وليس بصاحب أمة محمد الضعيف، وتذكرون ابن الزبير وهو كما تذكرون، إنه ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه ذات النطاقين، ولكنه منافق قد خلع خليفتين: يزيد، وابنه معاوية، وسفك الدماء، وشق عصا المسلمين، وليس المنافق بصاحب أمة بمحمد وأما مروان بن الحكم فوالله ما كان في الإسلام صدع إلا كان ممن يشعبه، وهو الذي قاتل هم أمير المؤمنين عثمان بن عفان يوم الدار، والذي قاتل علي بن أبي طالب يوم الجمل، وإنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير، ويستشبوا الصغير - يعنى بالكبير مروان، وبالصغير خالد بن يزيد. فأجمع رأيهم على البيعة لمروان، ثم لخالد ابن يزيد، ثم لعمرو بن سعيد بن العاص من بعد خالد، على أن إمرة دمشق لعمرو، وإمرة حمص لخالد.\rفدعا حسان خالداً، فقال: يا بن أختي؛ إن الناس قد أبوك لحداثة سنك، وإني والله ما أريد المر إلا لك ولأهل بيتك، وما أبايع مروان إلا نظرا لكم. فقال خالد: بل عجزت عنا. فقال: والله ما أنا عجزت، ولكن الرأي لك ما رأيت.\rثم بايعوا مروان لثلاث خلون من ذى القعدة سنة أربع وستين، وقال مروان حين بويع له:\rلما رأيت الأمر أمراً نهبا ... يسرت غسان لهم وكلبا\rوالسكسكيين رجالاً غلبا ... وطيئا تأباه إلا ضربا\rوالقين تمشى في الحديد نكبا ... ومن تنوخ مشمخرا صعبا\rلا يأخذون الملك إلا غصبا ... فإن دنت قيس فقل لا قربا\rموقعة مرج راهط","part":5,"page":498},{"id":2499,"text":"وقتل الضحاك بن قيس بن خالد الفهري والنعمان ابن بشير بن سعيد بن تغلب الأنصاري الخزرجي قال: ولما بويع مروان بن الحكم سار من الجابية إلى مرج راهط، وبه الضحاك بن قيس ومن معه؛ وكان الضحاك قد استمد النعمان ابن بشير وهو على حمص؛ فأمده بشر حبيل بن ذي الكلاع، واستمد أيضاً زفر بن الحارث فأمده بأهل قنسرين، وأمده ناتل بأهل فلسطين، وكان ناتل بن قيس قد وثب بفلسطين لما خرج منها حسان بن مالك إلى الأردن، وأخرج خليفته روح بن زنباع، وبايع ناتل لابن الزبير، فاجتمعت هذه الأمداد مع الضحاك.\rواجتمع إلى مروان كلب، وغسان، والسكاسك، والسكون؛ وجعل على ميمنته عمرو بن سعيد، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد، وكان يزيد بن أبي النمس الغساني مختفيا بدمشق لم يحضر الجابية، فغلب على دمشق، وأخرج عنها عامل الضحاك بن قيس، واستولى على الخزائن وبيت المال، وبايع لمروان، وأمده بالأموال والرجال والسلاح، فكان ذلك أول فتح - على بني أمية.\rوتحارب مروان والضحاك بمرج راهط عشرين ليلة؛ واقتتلوا قتالاً شديداً؛ فقتل الضحاك، قتله زحنة بن عبد الله الكلبي، وقتل معه ثمانون رجلاً من أشراف الشام، وقتلت قيس مقتلة عظيمة لم تقتل مثلها في موطن قط، وكان ممن قتل هانىء بن قبيصة النميري سيد قومه، قتله وازع بن ذؤالة الكلبي، فلما سقط جريحاً قال:\rتعست ابن ذات النوف أجهز على فتى ... يرى الموت خيراً من فرار وأكرما\rولا تتركني بالحشاشة إنني ... صبور إذا ما النكس مثلك أحجما\rفعاد إليه وازع فقتله، وكانت هذه الوقعة في المحرم سنة خمس وستين.\rوقيل: كانت في آخر سنة أربع وستين.\rولما أتى مروان برأس الضحاك ساءه ذلك، وقال: الآن حين كبرت سني ودق عظمي أقبلت بالكتائب أضرب بعضها ببعض.\rوقيل: إن الضحاك كان في ستين ألف فارس ومروان في ثلاثة عشر ألفاً.\rحكى المدائني في كتاب المكايد له، قال: لما التقى مروان والضحاك بمرج راهط قال عبيد الله بن زياد لمروان: إن فرسان قيس مع الضحاك فلا ننال منه ما نريد إلا بكيد، فأرسل إليه فاسأله الموادعة حتى ننظر في أمرك، على أنك إن رأيت البيعة لابن الزبير بايعت، ففعل فأجابه الضحاك إلى الموادعة، وأصبح أصحابه قد وضعوا سلاحهم، وكفوا عن القتال، فقال ابن زياد لمروان: دونك. فشد مروان ومن معه على عسكر الضحاك على غفلة منهم وانتشار، فقتلوا من قيس مقتلة عظيمة، وقتل الضحاك يومئذ فلم يضحك رجال من قيس بعد يوم المرج حتى ماتوا.\rوقيل المكيدة كانت من عبيد الله بن زياد، كاد بها الضحاك. وقال له: مالك والدعاء إلى ابن الزبير ! وأنت رجل قرشي ومعك الخيل، وأكثر قيس ؟ فادع لنفسك، فأنت أسن منه وأولى.\rففعل الضحاك ذلك، فاختلف عليه الجند، فقاتله مروان عند ذلك فقتل. والله أعلم.\rقال: ولما انهزم الناس من المرج لحقوا بأجنادهم، فانتهى أهل حمص إليها وعليها النعمان بن بشير، فلما بلغه الخبر خرج هاربا ومعه امرأته نائلة بنت عمارة الكلبية وثقله وأولاده، فتحير ليلته كلها، فأصبح أهل حمص فطلبوه، وكان الذي طلبه عمرو بن الخلي الكلاعي فقتله.\rوقيل: اتبعه خالد بن عدي الكلاعي فيمن خف معه من أهل حمص فلحقه فقتله وبعث برأسه إلى مروان.\rوقال علي بن المديني: قتل النعمان بن بشير بحمص غيلة قتله أهلها.\rوقيل: قتل بقرية من قرى حمص يقال لها تيزين. والنعمان من الصحابة، ولد قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بثماني سنين.\rقال: ولما بلغت الهزيمة زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين هرب منها، فلحق بقرقيسيا وعليها عياض الجرشي، وكان يزيد بن معاوية ولاه إياها، فطلب منه أن يدخل الحمام ويحلف له بالطلاق والعتاق أنه إذا خرج من الحمام لا يقيم بها، فأذن له، فدخلها، فغلب عليها وتحصن بها، ولم يدخل حمامها، واجتمعت إليه قيس. وهرب ناتل بن قيس الجذامي من فلسطين، فلحق بابن الزبير بمكة؛ واستعمل مروان بعده على فلسطين روح بن زنباع، واستوثق الشام لمروان.","part":5,"page":499},{"id":2500,"text":"وقيل: إن عبيد الله بن زياد إنما جاء إلى بني أمية وهم بتدمر، ومروان يريد أن يسير إلى ابن الزبير فيبايعه ويأخذ منه الأمان لبني أمية، فرده عن ذلك، وأمره أن يسير بأهل تدمر إلى الضحاك فيقاتله، وواقفه عمرو بن سعيد، وأشار على مروان أن يتزوج أم خالد ابن يزيد ليسقط من أعين الناس، فتزوجها، وهي فاختة ابنة أبي هاشم ابن عتبة، ثم جمع بني أمية فبايعوه، وبايعه أهل تدمر.\rوسار إلى الضحاك في جمع عظيم، وخرج الضحاك إليه، فاقتتلا، فقتل الضحاك، وسار زفر بن الحارث إلى قرقيسياء، وصحبه في هزيمته شابان من بني سليم؛ فجاءت خيل مروان في طلبه، فقال الشابان له: انج بنفسك، فإنا نحن نقتل. فمضى زفر وتركهما فقتلا، وقال زفر في ذلك:\rأريني سلاحي لا أبالك إنني ... أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا\rأتاني عن مروان بالغيب أنه ... مقيد دمى أو قاطع من لسانيا\rففي العيش منجاة وفي الأرض مهرب ... إذا نحن رفعنا لهن المثانيا\rفلا تحسبوني إن تغيبت غافلاً ... ولا تفرحوا إن جئتكم بلقائيا\rفقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزارات النوس كماهيا\rلعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... لحسان صدعا بيننا متنائيا\rفلم ترمني نبوة قبل هذه ... فرارى وتركى صاحبي ورائيا\rعشية أدعو بالقران فلا أرى ... من الناس إلا من على ولاليا\rأيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامي وحسن بلائيا\rفلا صلح حتى تنحط الخيل بالقنا ... ويثأر من نسوان كلب نسائيا\rفأجابه جواس بن القعطل:\rلعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... على زفرداء من الداء باقيا\rمقيما ثوى بين الضلوع محله ... وبين الحشا أعيا الطبيب المداويا\rتبكي على قتلى سليم وعامر ... وذبيان معذوراً وتبكي البواكيا\rدعا بسلاح ثم أحجم إذ رأى ... سوف جناب والطوال المذايا\rعيها كأسد الغاب فتيان نجدة ... إذا أشرعوا نحو الطعان العواليا\rمسيره إلى مصر\rواستيلائه عليها قال: ولما قتل الضحاك واستقر الشام لمروان سار إلى مصر فقدمها، وعليها عبد الرحمن بن حجدر الفهري يدعو لابن الزبير، فخرج إلى مروان فيمن معه، وبعث مروان عمرو بن سعيد من ورائه، حتى دخل مصر، فقيل ذلك لابن حجدر، فرجع فبايع الناس مروان، وجاء مروان إلى مصر، ودخل الدار البيضاء، ثم سارعنها واستعمل عليها ابنه عبد العزيز ابن مروان، واستقر مروان بدمشق.\rالبيعة لعبد الملك\rوعبد العزيز ابني مروان ابن الحكم بولاية العهد وفي سنة خمس وستين أمر مروان بالبيعة لابنيه: عبد الملك، وعبد العزيز، وكان سبب ذلك أن عمرو بن سعيد كان قد توجه إلى فلسطين، وقاتل مصعب بن الزبير حين وجهه أخوه عبد الله إليها فهزم مصعبا، ورجع إلى مروان وهو بدمشق، وقد غلب على الشام ومصر، فبلغ مروان أن عمرو بن سعيد يقول: إن الأمر لي من بعد مروان، فدعا حسان بن مالك بن بحدل، فأخبره بما بلغه عن عمرو، فقال: أنا أكفيك عمراً. فلما اجتمع الناس عند مروان قام حسان فقال: إنه بلغني أن رجالاً يتمنون أماني، قوموا فبايعوا لعبد الملك وعبد العزيز من بعده، فبايعوا من عند آخرهم.\rوفي هذه السنة بعث مروان بن الحكم بعثين: أحدهما مع عبيد الله بن زياد إلى الجزيرة ومحاربة زفر بن الحارث بقرقيسيا، واستعمله على كل ما يفتتحه، فإذا فرغ من الجزيرة توجه لقصد العراق. فلما كان بالجزيرة بلغه موت مروان، وأتاه عهد عبد الملك بن مروان يستعمله على ما استعمله عليه أبوه ويحثه على المسير إلى العراق.\rوالبعث الثاني مع حبيش بن دلجة القيني، فسار حتى انتهى إلى المدينة وعليها جابر بن الأسود بن عوف ابن أخي عبد الرحمن بن عوف من قبل ابن الزبير، فهرب منه جابر.","part":5,"page":500},{"id":2501,"text":"ثم إن الحارث بن أبي ربيعة وجه جيشاً من البصرة وجعل عليهم الحنتف بن السجف التميمي لحرب حبيش. فلما سمع بهم حبيش سار إليهم من المدينة، وأرسل عبد الله بن الزبير عباس ابن سهل الساعدي إلى المدينة أميرا، وأسره أن يسير في طلب حبيش حتى يوافي جيش البصرة، فأقبل عباس في آثارهم حتى لحقهم بالربذة فقاتلهم حبيش، فرماه يزيد بن سياه بسهم فقتله، وكان معه يومئذ يوسف بن الحكم، وابنه الحجاج بن يوسف، وهما على جمل واحد، وانهزم أصحابه فتحرز منهم خمسمائة بالمدينة، فقال لهم عباس: انزلوا على حكمي، فنزلوا فقتلهم، ورجع فل حبيش إلى الشام.\rوفاة مروان\rبن الحكم كانت وفاته في شهر رمضان سنة خمس وستين. قيل: مات بالطاعون. وقيل: بل كان سبب موته أنه لما بويع بالخلافة أراد حسان بن بحدل أن يجعل الأمر من بعده لخالدبن يزيد بن معاوية، فبايعه على ذلك، فقيل لمروان: الرأي أن تتزوج أم خالد تكفل ابنها حتى يصغر شأنه فلا يطلب الخلافة. فتزوجها.\rوفد ذكرنا ذلك، فدخل خالد يوماً على مروان، وعنده جماعة فنظر إليه وهو يمشي بين الصفين فقال: إنه والله لأحمق، تعال: يا بن الرطبة الاست، يريد بذلك إسقاطه من أعين أهل الشام، فقال له خالد: مؤتمن خائن. فندم مروان، ثم دخل خالد على أمه، فقال: هكذا أردت، يقول لي مروان على رءوس الناس كذا وكذا. فقالت له: لا يعلمن ذلك منك، فأنا أكفيك، فوالله لا ترى بعد منه شيئاً تكرهه، وسأقرب عليك ما بعد.\rثم دخل مروان عليها، فقال لها: قال لك خالد في شيئا ؟ قالت: إنه أشد تعظيماً لك من أن يقول فيك شيئاً. فصدقها، ومكثت أياماً بعد ذلك، فنام مروان عندها في بعض الأيام، فوضعت على وجهه وسادة، وجلست عليها حتى مات. وهو معدود ممن قتله النساء.\rومولده سنة اثنتين من الهجرة، وكان عمره ثلاثا وستين سنة. واختلف فيه إلى نيف وثمانين سنة. وصلى عليه ابنه عبد الملك، وكانت ولايته منذ جددت له البيعة عشرة أشهر تقريباً، وكان سلطانه بالشام ومصر.\rأولاده: عبد الملك، ومعاوية، وعمرو، وعبيد الله، وعبد الله، وأبان، وداود، وعبد العزيز، وعبد الرحمن، وبشر، ومحمد، وأم عمار.\rكاتبه: سفيان الأحول. وقيل: عبيد اله بن أوس.\rقاضيه: أبو إدريس الخولاني.\rحاجبه: أبو سهل مولاه.\rنقش خاتمه: الله ثقتي ورجائي.\rومروان أول من قدم الخطبة قبل صلاة العيد، وكان يقال له ولولده بنو الزرقاء، يقول ذلك من يريد ذمهم وعيبهم، وهي الزرقاء بنت موهب جدة مروان لأبيه، كانت من ذوات الرايات التي يستدل بها على بيوت البغايا؛ فلهذا كانوا يذمون بها، ولعل هذا منها كان قبل أن يتزوجا أبو العاص بن أمية والد الحكم، فإنه كان من أشراف قريش، ولا يكون هذا من امرأة وهي عنده. والله أعلم.\rعبد الملك بن مروان هو أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم، وهو الخامس من ملوك بني أمية.\rوأمه عائشة بنت المغيرة بن أبي العاص، وهو أول من سمي عبد الملك في الإسلام، ولقب رشح الحجر لبخله، ولقب أيضاً بأبي الذبان لبخره. وقيل: إن السبب في بخره أنه كان يتلو القرآن في المصحف، فأفضت الخلافة إليه وهو يتلو، فرد المصحف بعضه على بعض، وقال: هذا فراق بيني وبينك، يشير بهذا الكلام إلى المصحف فبخر لوقته، وعجزت الأطباء عن مداواته، فكان لا يمر ذباب على فيه إلا مات لوقته؛ وكان أفوه مفتوح الفم مشبك الأسنان بالذهب.\rبويع له في شهر رمضان سنة خمس وستين بعد وفاة أبيه، وكان ولي عهده كما تقدم، وأراد عبد الملك أن يقتل أم خالد، فقيل له: يظهر عند الناس أن امرأة قتلت أباك، فتركها، وكان عبد الملك ولد لسبعة أشهر، فكان الناس يذمونه بذلك.\rقيل: إنه اجتمع عنده قوم من الأشراف. فقال لعبيد الله ابن زياد بن ظبيان البكري: بلغني أنك لا تشبه أباك ! فقال: والله إني لأشبه به من الماء بالماء والغراب بالغراب، ولكن إن شئت أخبرتك بمن لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال ولا الأعمام. قال: من ذاك؟ قال: سويد بن منجوف.\rفلما خرج عبيد الله وسويد قال له سويد: والله ما يسرني بمقالتك له حمر النعم. فقال عبيد الله: وما يسرني والله باحتمالك إياي وسكوتك عني سودها.","part":6,"page":1},{"id":2502,"text":"قال: وكان أول ما بدأ به عبد الملك أن كتب إلى عبيد الله بن زياد واستعمله على ما كان مروان قد استعمله عليه، فكان من أخبار ابن زياد في مسيره وحروبه ومقتله ما قدمناه في أخبار عبد الله ابن الزبير، فلا حاجة لنا إلى إعادته ههنا، فلنذكر من أخبار عبد الملك غير ما قدمنا ذكره: في سنة ست وستين أرسل عبد الله بن عباس ابنه علي ابن عبد الله إلى عبد الملك، وقال: لأن يربني بنو عمي أحب إلي من أن يربني رجل من بني أسد - يعني ببني عمه بني أمية، لأنهم كلهم أولاد عبد مناف، ويعني بالرجل من بني أسد عبد الله بن الزبير.\rفلما وصل إلى عبد الملك سأله عن اسمه وكنيته، فقال: الاسم علي، والكنية أبو الحسن. فقال عبد الملك: لا يجتمع هذا الاسم وهذه الكنية في عسكري أنت أبو محمد.\rمقتل عمرو بن سعيد\rالأشدق وشيء من أخباره ونسبه هو عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف، ويسمى عمرو الطيم لميل كان في فمه، فمن أجل ذلك قيل له لطيم الشيطان، ويسمى الأشدق لتشادقه في الكلام، وكان من فصحاء قريش وأهل الخطابة منهم. وقيل في تسميته الأشدق: إنه لما مات سعيد والده دخل عمرو على معاوية فاستنطقه، فقال: إن أول مركب صعب. فقال له معاوية: إلى من أوصى بك أبوك ؟ فقال: إن أبي أوصاني ولم يوصى بي. قال: فبأي شيء أوصاك ؟ قال: ألا يفقد منه أصحابه غير شخصة. فقال معاوية: إن عمراً هذا لأشدق.\rولنذكر سبب مقتله ثم نذكر نبذة من أخبار آبائه: كان سبب مقتله أن عبد الملك بن مروان سار في سنة تسع وستين من دمشق يريد قرقيسياء، يريد زفر بن الحارث الكلابي، وصحبه عمرو بن سعيد في سيره، فلما بلغ بطنان حبيب رجع عمرو ليلا ومعه حميد بن حريث وزهير بن الأبرد الكلبيان، فأتى دمشق وعليها عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفي خليفة عبد الملك بها، فهرب عنها ودخلها عمرو، فغلب عليها وعلى خزائنها، وهدم دار ابن أم الحكم؛ واجتمع الناس إليه، فخطبهم ومناهم ووعدهم، وأصبح عبد الملك وقد فقد عمراً، فسأل عنه فأخبر برجوعه، فرجع إلى دمشق، فقاتله أياماً، ثم اصطلحا، وكتبا بينهما كتابا، وأمنه عبد الملك، فجاءه عمرو واجتمعا، ودخل عبد الملك دمشق.\rفلما كان بعد دخوله بأربعة أيام أرسل إلى عمرو يستدعيه، فأتاه الرسول وعنده عبد الله بن يزيد بن معاوية، فنهاه أن يأتيه، فقال عمرو: ولم ؟ قال: لأن تبيع ابن امرأة كعب الأحبار قال: إن عظيماً من ولد إسماعيل يرجع فيغلق أبواب دمشق، ثم يخرج منها، فلا يلبث أن يقتل. فقال عمرو: والله لو كنت نائماً ما أنبهني ابن الزرقاء ولا اجترأ علي، مع أني رأيت البارحة عثمان في المنام، فألبسني قميصه.\rثم قام فلبس درعاً وغطاها بالقباء، وتقلد سيفاً، وذلك بعد أن صرف رسول عبد الملك، فلما نهض عثر بالبساط، فقال له حميد ابن حريث: والله لو أطعتني لم تأته، وقالت له امرأته الكلبية كذلك، فلم يلتفت، ومضى في مائة من مواليه.\rفلما بلغ باب عبد الملك أذن له فدخل فلم يزل أصحابه يحبسون عند كل باب حتى بلغ قاعة الدار، وليس معه إلا وصيف واحد، فنظر عمرو إلى عبد الملك وإذا حوله بنو مروان، وحسان بن بحدل الكلبي، وقبيصة بن ذويب الخزاعي، فلما رأى جماعتهم أحس بالشر، فالتفت إلى وصيفه، وقال له: انطلق إلى أخي يحيى، وقل له يأتين، فلم يفهم الوصيف عنه، فقال: لبيك ! فقال عمرو: اغرب في حرق الله وناره، وأذن عبد الملك لحسان وقبيصة فقاما، فلقيا عمراً، فقال عمرو لقبيصة: انطلق إلى يحيى فمره أن يأتيني، فقال: لبيك ! فقال: اغرب عني.","part":6,"page":2},{"id":2503,"text":"فلما خرج حسان وقبيصة أغلقت الأبواب، ودخل عمرو فرحب به عبد الملك، وقال: ههنا يا أبا أمية ! فأجلسه معه على السرير، وحدثه طويلاً، ثم قال: يا غلام، خذ السيف عنه. فقال عمرو: إنا لله يا أمير المؤمنين ! فقال عبد الملك: أتطمع أن تجلس معي متقلداً سيفك ؟ فأخذ السيف عنه، ثم تحدثا، ثم قال: له عبد الملك: يا أبا أمية، إنك حيث خلعني آليت بيمين إن أنا ملأت عيني منك وأنا مالك لك أن أجعلك في جامعة، فقال له بنو مروان: ثم تطلقه يا أمير المؤمنين ؟ قال: نعم، وما عسيت أن أصنع بأبي أمية ! فقال بنو مروان: أبر قسم أمير المؤمنين. فقال عمرو: قد أبر الله قسمك يا أمير المؤمنين. فأخرج من تحت فراشه جامعة، ثم قال: يا غلام، قم فاجمعه فيها. فجمعه الغلام فيها، فقال عمرو: أذكرك الله يا أمير المؤمنين أن تخرجني فيها على رءوس الناس؛ فقال عبد الملك: أمكراً وأنت في الحديد ! لا والله ما كنا لنخرجك في جامعة على رءوس الناس، ثم جذبه جذبة أصاب فمه السرير فكسر ثنيتيه، فقال: أذكرك الله يا أمير المؤمنين؛ كسر عظم سني، فلا تركب ما هو أعظم من ذلك. فقال: والله لو أعلم أنك تبقي علي إن أبقيت عليك لأطلقتك، ولكن ما اجتمع رجلان قط في بلدة على ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما صاحبه، وأذن المؤذن، وأقيمت صلاة العصر، فخرج عبد الملك يصلي بالناس، وأمر أخاه عبد العزيز أن يقتله، فقام إليه بالسيف، فقال له عمرو: أذكرك الله والرحم أن تلي قتلي، ليقتلني من هو أبعد رحماً منك؛ فألقى عبد العزيز السف، وجلس. وصلى عبد الملك صلاة خفيفة، ودخل وغلقت الأبواب، ورأى الناس عبد الملك خرج وتأخر عمرو، فذكروا ذلك لأخيه يحيى بن سعيد، فأقبل في الناس ومعه ألف عبد لعمرو، وخلق كثير، فجعلوا يصيحون بباب عبد الملك: أسمعنا صوتك يا أبا أمية ! وأقبل مع يحيى حميد بن حريث وزهير بن الأبرد، فكسروا باب المقصورة، وضربوا الناس بالسيوف وضرب الوليد بن عبد الملك على رأسه، واحتمله إبراهيم بن عربى صاحب الديوان، فأدخله بيت القراطيس، ودخل عبد الملك حين صلى فرأى عمراً بالحياة، فسب أخاه عبد العزيز، ثم أخذ عبد الملك الحربة فطعن بها عمراً، فلم تغن شيئاً، ثم ثنى فلم تجز، فضرب بيده إلى عضده فرأى الدرع، قال: ودارع أيضاً! إن كنت لمعدا، وأخذ الصمصامة وأمر بعمرو فصرع، وجلس على صدره فذبحه، وهو يقول:\rيا عمرو إلا تدع شتمى ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني\rوانتفض عبد الملك برعدة، فحمل عن صدره، ووضع على سريره.\rودخل يحيى بن سعيد ومن معه على بني مروان ومواليهم، فقاتلوهم، وجاء عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفي، فدفع إليه الرأس فألقاه إلى الناس، وقام عبد العزيز بن مروان، فأخذ المال في البدر، فجعل يلقيها إلى الناس، فلما رأى الناس الرأس والأموال انتهبوا وتفرقوا.\rثم أمر عبد الملك بعد ذلك بتلك الأموال فجبيت حتى عادت إلى بيت المال.\rقال: وأخرج عبد الملك سريره إلى المسجد، وخرج، فجلس عليه، وفقد الوليد ابنه، فقال: والله، لئن كانوا قتلوه لقد أدركوا ثأرهم، فأتاه إبراهيم بن عربي الكناني، فقال: الوليد عندي وقد جرح، وليس عليه بأس.\rوأتى عبد الملك بيحيى بن سعيد فأمر أن يقتل؛ فقام إليه عبد العزيز ابن مروان فقال: يا أمير المؤمنين، أتراك قاتل بني أمية في يوم واحد، فأمر بيحيى فحبس، وأراد قتل عنبسه بن سعيد، فشفع فيه عبد العزيز أيضاً، وشفع في عامر بن الأسود الكلبي، وأمر ببني عمرو بن سعيد فحبسوا؛ ثم خرجوا مع عمهم يحيى، فألحقهم بمصعب. ثم بعث عبد الملك إلى امرأة عمرو الكلبية: ابعثي إلى الصلح الذي كتبت لعمرو. فقالت لرسوله: ارجع إليه فأعلمه أن ذلك الصلح معه في أكفانه ليخاصمك به عند ربه.\rقال: ولما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير دخل أولاد عمرو عليه وهم أربعة: أمية، وسعيد، وإسماعيل، ومحمد؛ فلما نظر إليهم عبد الملك قال: إنكم أهل بيت لم تزالوا ترون لكم على جميع قومكم فضلاً لم يجعله الله لكم، وإن الذي كان بيني وبين أبيكم لم يكن حديثاً، بل كان قديماً في أنفس أوليكم على أولينا في الجاهلية.","part":6,"page":3},{"id":2504,"text":"فلم يقدر أمية أن يتكلم. وكان الأكبر من أولاد عمرو، فقام سعيد بن عمرو وكان الأوسط فقال: يا أمير المؤمنين، ما تنعى علينا أمراً في الجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام فهدم ذلك، ووعد جنة، وحذر ناراً، وأما الذي كان بينك وبين عمرو فإنه كان ابن عمك وأنت أعلم وما صنعت. وقد وصل عمرو إلى الله، وكفى بالله حسيباً؛ ولعمري لئن أخذتنا بما كان بينك وبينه لبطن الأرض خير لنا من ظهرها، فرق لهم عبد الملك وقال: إن أباكم خيرني بين أن يقتلني أو أقتله، فاخترت قتله على قتلي، وأما أنتم فما أرغبني فيكم وأوصلني لقرابتكم، وأحسن جائزتهم ووصلهم وقربهم.\rوقد قيل في سبب قتله: إنه قال لعبد الملك حين سار إلى العراق لقتال مصعب: إنك تخرج إلى العراق، وقد كان أبوك جعل لي الأمر بعده، وعلى ذلك قاتلت معه، فاجعل هذا الأمر لي بعدك، فلم يجبه عبد الملك إلى ذلك، فرجع إلى دمشق، وكان من أمره ما تقدم.\rوقيل: بل كان عبد الملك قد استخلفه على دمشق، فوثب بها.\rوقيل: إن عبد الملك لم يقتل عمرو بن سعيد بيده، وإنما أمر غلامه ابن الزعيزعة، فقتله وألقى رأسه إلى الناس ورمى يحيى بصخرة في رأسه، وكان مقتله في سنة تسع وستين. وقيل: في سنة سبعين. والله أعلم.\rذكر نبذة من أخبار عمرو بن سعيد الأشدق في الإسلام والجاهلية كان مولد سعيد بن العاص والد عمرو عام الهجرة. وقيل: سنة إحدى. وقتل جده العاص بن سعيد يوم بدر كافراً، قتله على ابن أبي طالب رضي الله عنه، وكان لجد أبيه سعيد بن العاص ابن أمية ثمانية بنين؛ منهم ثلاثة ماتوا على الكفر، وهم: أحيحة، وبه كان يكنى سعيد بن العاص، وقتل أحيحة يوم الفجار. والعاص، وعبيدة قتلا يوم بدر كافرين، قتل العاص علي، وقتل عبيدة الزبير؛ وخمسة أدركوا الإسلام، وصحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهم: خالد، وعمرو، وسعيد؛ وأبان، والحكم بنو سعيد ابن العاص بن أمية، وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم الحكم، فسماه عبد الله. وجد هؤلاء العاص بن أمية ذو العصابة؛ قيل له ذلك، لأنه كان من شرفه إذا اعتم بعمامة بمكة لا يعتم أحد بلونها إجلالا له، وكان يكنى بأبي أحيحة، وفي ذلك يقول الشاعر:\rأبو أحيحة من يعتم عمته ... يضرب ولو كان ذا مال وذا حسب\rوكان سعيد بن العاص والد عمرو من أشراف قريش ممن جمع له السخاء والفصاحة، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان بن عفان رضي الله عنه، واستعمله عثمان على الكوفة، وغزا بالناس طبرستان فافتتحها. ويقال: إنه افتتح أيضاً جرجان في سنة تسع وعشرين أو سنة ثلاثين، وغز أذربيجان لما انتقضت فافتتحها، ثم عزله عثمان، واستعمل الوليد، فمكث مدة، ثم شكاه أهل الكوفة، فعزله، ورد سعيداً، فرده أهل الكوفة، وكتبوا إلى عثمان: لا حاجة لنا في سعيدك ولا وليدك، وكان في سعيد تجبر وغظ وشدة سلطان.\rولما قتل عثمان بن عفان كان سعيد والد عمرو ممن لزم بيته، واعتزل حرب الجمل وصفين، فلما اجتمع الناس على معاوية ولاه المدينة، ثم عزله وولاها مروان بن الحكم، وكان يعاقب بينه وبين مروان في ولاية المدينة، وفيه يقول الفرزدق:\rترى الغر الجحاجح من قريش ... إذا ما المرء في الحدثان غالا\rقياماً ينظرون إلى سعيد ... كأنهمو يرون به هلالا\rوحكى الزبير بن بكار قال: لما عزل سعيد عن المدينة انصرف عن المسجد وحده، فتبعه رجل، فنظر إليه سعيد رضي الله عنه، وقال: ألك حاجة ! قال: لا، ولكني رأيتك وحدك، فوصلت جناحك. فقال له: وصلك الله يا ابن أخي، اطلب لي دواة وجلداً، وادع لي مولاي فلانا، فأتاه بذلك، فكتب له بعشرين ألف درهم، وقال: إذا جاءت غلتنا دفعنا ذلك إليك، فمات في تلك السنة، فأتى بالكتاب إلى ابنه عمرو، فأعطاه المال.\rوكان لسعيد بن العاص سبعة بنين، وهم: عمرو هذا ومحمد، وعبد الله، ويحيى، وعثمان، وعنبسة، وأبان.\rوكانت وفاة سعيد في سنة تسع وخمسين. ولنرجع إلى أخبار عبد الملك:\rعصيان الجراجمة\rبالشام وما كان من أمرهم","part":6,"page":4},{"id":2505,"text":"هذه الحادثة ذكرها ابن الأثير في سنة تسع وستين، فقال: لما امتنع عمرو بن سعيد على عبد الملك خرج قائد من قواد الضواحي في جبل اللكام واتبعه خلق كثير من الجراجمة والأنباط، وأباق عبيد المسلمين، وغيرهم، وسار إلى لبنان، فلما فرغ عبد الملك من عمرو أرسل إلى هذا الخارج عليه، فبذل له في جمع ألف دينار، فركن إلى ذلك، ولم يفسد في البلاد، ثم وضع عليه عبد الملك سحيم بن المهاجر، فتلطف حتى وصل إليه متنكراً، وأظهر الميل إليه، ووعده أن يدله على عورات عبد الملك، وما هو خير له من الصلح؛ فوثق به، ثم أتاه سحيم في جيش من موالي عبد الملك وبني أمية وجند من ثقات جنده والخارج ومن معه على غير أهبة، فدهمهم، وأمر فنودي: من أتانا من العبيد يعني الذين كانوا معه فهو حر، وثبت في الديوان؛ فالتحق به خلق كثير منهم، وقاتلوا معه، فقتل الخارج ومن أعانه من الروم، وقتل نفر من الجراجمة والأنباط، ونادى بالأمان فيمن بقي منهم فتفرقوا، وعاد إلى عبد الملك ووفى للعبيد.\rوفي سنة تسع اجتمعت الروم واستجاشوا على من بالشام، فصالح عبد الملك ملكهم على أن يؤدى إليه في كل جمعة ألف دينار.\rوفيها كان يوم الجفرة وقد تقدم ذكره في أخبار ابن الزبير رضي الله عنه.\rخبر عمير\rبن الحباب بن جعدة السلمي وما كان بين قيس وتغلب من الحروب إلى أن قتل عمير ابن الحباب وما كان بعد ذلك.\rكان مقتل عمير بن الحباب في سنة سبعين، وكان سبب ذلك أن عمير بن الحباب لما انقضى مرج راهط التحق بزقر بن الحارث الكلابي بقرقيسيا، ثم بايع مروان وفي نفسه ما فيها بسبب قتل قيس بالمرج، فلما سار عبيد الله بن زياد إلى الموصل كان معه، وقد ذكرنا اتفاقه مع إبراهيم بن الأشتر وانهزامه، حتى قتل عبيد الله بن زياد، وانهزمت جيوش الشام، فلما كان ذلك أتى عمير ابن الحباب قرقيسيا، وصار مع زفر بن الحارث، فجعلا يطبان كلباً واليمانية بمن قتلوا من قيس، وكان معهما قوم من تغلب يقاتلون معهما، ويدلونهما، وشغل عبد الملك عنهما بمصعب، وتغلب عمير على نصيبين، ثم مل المقام بقرقيسيا، فاستأ من إلى عبد الملك، فأمنه، ثم غدر به فحبسه عند مولاه الريان، فسقاه عمير ومن معه من الحرس خمراً حتى أسكرهم، وتسلق في سلم من الحبال، وخرج من الحبس، وعاد إلى الجزيرة، ونزل على نهر البليخ بين حران والرقة، فاجتمعت إليه قيس، فكان يغير بهم على كلب واليمانية، وكان من معه يسيئون جوار تغلب، ويسخرون مشايخهم من النصارى، فهاج ذلك بينهم شراً، إلا أنه لم يبلغ الحرب. ثم إن عمير أغار على كلب، ورجع فنزل على الخابور، وكانت منازل تغلب بين الخابور والفرات ودجلة، وكانت بحيث نزل عمير - امرأة من تميم ناكح في تغلب، يقال لها أم ذويل، فأخذ غلام من بني الحريش أصحاب عمير عنزاً من إنهما، فشكت ذلك إلى عمير، فلم يمنع عنها، فأخذوا الباقي، فمانعهم قوم من تغلب، فقتل منهم رجل يقال له مجاشع التغلبي، وجاء ذويل فشكت أمه إليه، وكان من فرسان تغلب، فسار في قومه وجعل يذكرهم ما يصنع بهم قيس، فاجتمع منهم جماعة وأمروا عليهم شعيث ابن مليل التغلبي، فأغاروا على بني الحريش ومعهم قوم من نمير، فقتل فيهم التغلبيون واستاقوا ذوداً لامرأة منهم يقال لها أم الهيثم، فمانعهم القيسيون، فلم يقدروا على منعهم، فكان بينهم أيام مذكورة نن نذكرها على سبيل الاختصار؛ منها: يوم ماكسين: قال: ولما استحكم الشر بين قيس وتغلب؛ وعلى قيس عمير، وعلى تغلب شعيث بن مليل غزا عمير بني تغلب وجماعتهم بماكسين من الخابور فاقتتلوا قتالاً شديداً، وهي أول وقعة كانت بينهم، فقتل من بني تغلب خمسمائة وقتل شعيث، وكانت رجله قد قطعت، فجعل يقاتل حتى قتل، وهو يقول:\rقد علمت قيس ونحن نعلم ... أن الفتى يقتل وهو أجذم\rويوم الثرثار الأول: والثرثار نهر أصل منبعه شرقي مدينة سنجار يفرغ في دجلة.","part":6,"page":5},{"id":2506,"text":"قال: لما قتل من تغلب بماكسين من قتل استمدت تغلب وحشدت واجتمعت إليها النمر بن قاسط، وأتاها المجشر ابن الحارث الشيباني. وكان من ساداتهم بالجزيرة، وأتاها عبيد الله ابن زياد بن ظبيان منجداً لهم، واستنجد عمير تميما وأسداً فلم ينجده منهم أحد، فالتقوا على الثرثار، وقد جعلت تغلب عليها بعد شعيث زياد بن هوبر، ويقال يزيد بن هوبر التغلبي، فاقتتلوا، فانهزمت قيس، وقتلت تغلب منها مقتلة عظيمة، وبقروا بطون ثلاثين امرأة من بني سليم.\rويوم الثرثار الثاني: قال: ثم إن قيساً تجمعت واستمدت، وأتاهم زفر بن الحارث من قرقيسيا، فالتقوا بالثرثار، واقتتلوا قتالاً شديدا، فانهزمت تغلب ومن معها.\rويوم الفدين: قال: وأغار عمير على الفدين، وهي قرية على الخابور فقتل من بها من بني تغلب.\rويوم السكير: وهو على الخابور؛ يسمى سكير العباس؛ قال: ثم اجتمعوا والتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت تغلب والنمر، وهرب عمير ابن جندل، وهو من فرسان تغلب؛ فقال عمير بن الحباب:\rوأفلتنا يوم السكير ابن جندل ... على سابح عوج اللبان مثابر\rونحن كررنا الخيل قبا شوازبا ... دقاق الهوادى داميات الدوابر\rويوم المعارك: والمعارك بين الحضر والعقيق من أرض الموصل، اجتمعت تغلب بهذا المكان فالتقوا هم وقبس، واقتتلوا به، فاشتد قتالهم، فانهزمت تغلب، فيقال: إن يوم المعارك والحضر واحد هزموهم إلى الحضر، وقتلوا منهم بشراً كثيراً، وقيل: هما يومان، كانا لقيس على تغلب. والتقوا أيضاً بلبي فوق تكريت فتناصفوا، فقيس تقول: كان الفضل إلي، وتغلب تقول: كان لنا.\rويوم الشرعبية: ثم التقوا بالشرعبية فكان بينهم قتال شديد كان لتغلب على قيس، قتل يومئذ عمار بن المهزم السلمي. والشرعبية هذه من بلاد تغلب ليست الشرعبية التي ببلاد منبج.\rويوم البليخ: والبليخ: نهر بين حران والرقة اجتمعت تغلب، وسارت إليه، وهناك عمير في قيس، فالتقوا واقتتلوا فانهزمت تغلب، وكثر القتل فيها وبقرت بطون النساء كما فعلوا يوم الثرثار. والله علم.\rيوم الحشاك\rومقتل عمير بن الحباب السلمي وابن هوبر التغلبي قال: ولما رأت تغلب إلحاح عمير بن الحباب عليها جمعت حاضرها وباديها، وساروا إلى الحشاك - وهو نهر قريب من الشرعبية، فأتاهم عمير في قيس، ومعه زفر بن الحارث الكلابي، وابنه الهذيل بن زفر، وعلى تغلب ابن هوبر، فاقتتلوا عند تل الحشاك أشد قتال حتى جن عليهم الليل، ثم تفرقوا واقتتلوا من الغد إلى الليل، ثم تحاجزوا وأصبحت تغلب في اليوم الثالث، فتعاقدوا ألا يفروا، فلما رأى عمير جدهم وأن نساءهم معهم قال لقيس: يا قوم؛ أرى لكم أن تنصرفوا عن هؤلاء فإنهم مستقتلون، فإذا اطمأنوا وساروا وجهنا إلى كل قوم منهم من يغير عليهم. فقال له عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي: قتلت فرسان قيس أمس وأول أمس، ثم ملىء سحرك وجبنت. ويقال: إن الذي قال هذه المقالة عيينة بن أسماء بن خارجة الفزاري، وكان أتاه منجداً، فغضب عليه عمير ونزل وجعل يقاتل راجلاً وهو يقول:\rأنا عمير وأبو المغلس ... قد أحبس القوم بضنك فاحبس\rوانهز زفر بن الحارث في اليوم الثالث، فلحق بقرقيسا، وذلك أنه بلغه أن عبد الملك عزم على الحركة إليه بقرقيسيا، فبارد إليها، وانهزمت قيس، وشد على عمير جميل بن قيس من بني كعب بن زهير فقتله.\rويقال: بل اجتمع على عمير غلمان من بني تغلب فرموه بالحجارة وقد أعيا حتى أثخنوه، وكر عليه ابن هوبر فقتله، وأصابت ابن هوبر جراحة، فلما انقضت الحرب أوصى بني تغلب أن يولوا أمرهم مرار بن علقمة الزهيري. وقيل: إن ابن هوبر جرح في اليوم الثاني من أيامهم هذه، فأوصى أن يولوا مراراً أمرهم، ومات من ليلته، وكان مرار رئيسهم في اليوم الثالث، فعبأهم على راياتهم، وأمر كل بني أب أن يجعلوا نساءهم خلفهم، وكان ما تقدم.\rوكثر القتل يومئذ في بني سليم وغنى خاصة، وقتل من قيس أيضاً بشر كثير، وبعث بنو تغلب رأس عمير إلى عبد الملك بن مروان؛ فأعطى الوفد، وكساهم. فلما صالح عبد الملك زفر بن الحارث اجتمع الناس عليه، فقال الأخطل:\rبني أمية قد ناضلت دونكمو ... أبناء قوم هم آووا وهم نصروا","part":6,"page":6},{"id":2507,"text":"وقيس عيلان حتى أقبلوا رقصا ... فبايعوا لك قسراً بعدما قهروا\rضجوا من الحرب إذ عضت غواربهم ... وقيس عيلان من أخلاقها الضجر\rوكان مقتل عمير بن الحباب في سنة سبعين كما تقدم.\rالحرب بعد مقتل عمير\rبن الحباب السلمي قال: ولما قتل عمير أتى ابنه تميم زفر بن الحارث، فسأله الطلب بثأره، فامتنع فقال له ابنه الهذيل بن زفر: والله لئن ظفرت بهم تغلب إن ذلك لعار عليك، ولئن ظفروا بتغلب وقد خذلتهم إن ذلك لأشد، فاستخلف زفر على قرقيسياء أخاه أوس بن الحارث ووجه زفر خيلاً إلى بني فدوكس، وهم بطن من تغلب، فقتل رجالهم، واستبيحت الأموال والنساء حتى لم يبق منهم غير امرأة واحدة استجارت، فأجارها يزيد بن حمران، ووجه ابنه الهذيل في جيش إلى بني كعب بن زهير، فقتل فيهم قتلاً ذريعاً، وبعث أيضاً مسلم بن ربيعة العقيلي إلى قوم من تغلب وقد اجتمعوا بالعقيق من أرض الموصل، فلما أحسوا به ارتحلوا يريدون عبور دجلة، فلما صاروا بالكحيل وهو من أرض الموصل في جانب دجلة الغربي، فلحقهم زفر بن الحارث به في القيسية، فاقتتلوا قتالاً شديداً؛ وترجل أصحاب زفر كلهم، وبقي زفر على بغلة له فقتلوهم ليلتهم وبقروا بطون نساء منهم، وغرق في دجلة أكثر ممن قتل بالسيف، وأتى فلهم لبي فوجه زفر ابنه الهذيل فأوقع بهم إلا من عبر فنجا، وأسر منهم زفر مائتين فقتلهم صبراً، فقال في ذلك زفر:\rألا يا عين بكى بانسكاب ... وبكى عاصما وابن الحباب\rفإن تك تغلب قتلت عميراً ... ورهطا من إن غنى في الحراب\rفقد أفنى بني جشم بن بكر ... ونمرهم فوارس من كلاب\rقتلنا منهمو مائتين صبراً ... وما عدلوا عمير بن الحباب\rوأسر القطامي التغلبي في يوم من أيامهم، وأخذ ماله، فقام زفر بأمره حتى رد عليه ماله ووصله، فقال فيه:\rإني وإن كان قومي ليس بينهمو ... وبين قومك إلا ضربة الهادي\rمثن عيك بما أوليت من حسن ... وقد تعرض مني مقتل بادي\rيوم البشر\rكان سبب هذا اليوم أن عبد الملك لما استقر له الأمر قدم عليه الأخطل الشاعر التغلبي وعنده الجحاف بن حكيم السلمي، فقال له عبد الملك: أتعرف هذا يا أخطل ؟ قال: نعم، هذا الذي أقول فيه:\rألا سائل الجحاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر\rوأنشد القصيدة حتى فرغ منها، وكان الجحاف يأكل رطبا فجعل النوى يتساقط من يده غيظاً، ثم أجابه فقال:\rبلى سوف نبكيهم بكل مهند ... وننعى عميراً بالرماح الشواجر\rثم قال يا ابن النصرانية؛ ما كنت أظن أن تجترىء علي بمثل هذا. فأرعد من خوفه، ثم قام إلى عبد الملك فأمسك ذيله، وقال: هذا مقام العائذ بك. فقال: أنا لك، ثم قام الجحاف فمشى وهو يجر ثوبه، ولا يعقل، فتلطف لبعض كتاب الديوان حتى اختلف له عهداً على صدقات تغلب وبكر بالجزيرة، وقال لأصحابه: إن أمير المؤمنين ولانى هذه الصدقات، فمن أراد اللحاق بي فليفعل.\rثم سار حتى أتى رصافة هشام، فأعلم أصحابه ما كان من الأخطل إليه، وأنه افتعل كتاباً وأنه ليس له بوال، فمن كان يحب أن يغسل عني العار وعن نفسه فليصحبني، فإني أقسمت ألا أغسل رأسي حتى أوقع ببني تغلب. فرجعوا عنه غير ثلاثمائة قالوا: نموت لموتك ونحيا لحياتك، فسار ليلته حتى أصبح بالرحوب، وهو ماء لبني جشم بن بكر بن تغلب، فصادف عليه جماعة عظيمة منهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر الأخطل وعيه عباءة وسخة، وظن الذي أسره أنه عبد، فسأله عن نفسه، فقال: عبد. فأطلقه فرمى بنفسه في جب، مخافة أن يراه من يعرفه فيقتله، وأسرف الجحاف في القتل، وبقر البطون عن الأجنة؛ وفعل أمراً عظيماً، فلما عاد عنهم قدم الأخطل على عبد الملك فأنشده:\rلقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكي والمعول","part":6,"page":7},{"id":2508,"text":"فطلب عبد الملك الجحاف فهرب إلى الروم، فكان يتردد فيها، ثم بعث إلى بطانة عبد الملك من قيس، فطلبوا له الأمان، فأمنه عبد الملك، فلما جاء ألزمه ديات من قتل، وأخذ منه الكفلاء، فسعى فيها حتى جمعها وأعطاها، ثم تنسك الجحاف بعد، وصلح، ومضى حاجاً فتعلف بأستار الكعبة، وجعل يقول: اللهم اغفر لي، وما أظنك تفعل ! فسمعه محمد ابن الحنفية، فقال: يا شيخ، قنوطك شر من ذنبك.\rوقيل: كان سبب عود الجحاف أن ملك الروم أكرمه وقربه وعرض عليه النصرانية، ويعطيه ما شاء، فامتنع، وقال: ما أتيتك غبة عن الإسلام.\rثم هزم الجحاف صائفة المسلمين، فأخبروا عبد الملك أن الذي هزمهم الجحاف، فأرسل إليه عبد الملك، فأمنه، فسار في بلاد الروم، وقصد البشر وبه حي من تغلب وقد لبس أكفانه، وقال: قد جئت إليكم أعطى القود من نفسي، فأراد شبابهم قتله، فنهاهم شيوخهم، وعفوا عنه، فحج، فسمعه عبد الله بن عمر وهو يطوف ويقول: اللهم اغفر لي وما أظنك تفعل ! فقال ابن عمر رضي الله عنهما: لو كنت الجحاف مازدت على هذا. قال: فأنا الجحاف.\rذكر مسير عبد الملك بن مروان إلى العراق\rقتل مصعب بن الزبير\rواستيلاء عبد الملك على العراق وفي جمادي الآخرة سنة إحدى وسبعين كان مقتل مصعب بن الزبير بن العوام واستيلاء عبد الملك على العراق؛ وسبب ذلك أن عبد الملك بن مروان لما قتل عمروا بن سعيد كما تقدم وضع السيف على من خالفه، فصفا له الشام، فلما لم يبق له بالشام مخالف أجمع المسير إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فاستشار أصحابه في ذلك، فأشار عليه عمه يحيى بن الحكم أن يقنع بالشام ويترك ابن الزبير والعراق، فكان عبد الملك يقول: من أراد صواب الرأي فليخالف يحيى. وأشار بعضهم أن يؤخر السير هذا العام، وأشار محمد بن مروان أن يقيم ويبعث بعض أهله، ويمده بالجنود. فأبى إلا المسير. فلما عزم على المسير ودع زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فبكت فبكى جواريها لبكائها، فقال: قاتل الله كثير عزة، لكأنه يشاهدنا حين يقول:\rإذا ما أراد الغزو لم يثن همه ... حصان عليها عقد در يزينها\rنهته فلما لم تر النهى عاقه ... بكت فبكى مما عناها قطينها\rوسار عبد الملك نحو العراق، فلما بلغ مصعب بن الزبير مسيره وهو بالبصرة أرسل إلى المهلب بن أبي صفرة وهو يقاتل الخوارج يستشيره. وقيل: بل أحضره إليه، فقال لمصعب: اعلم أن أهل العراق قد كاتبوا عبد الملك وكاتبهم فلا تبعدني عنك.\rفقال له مصعب: إن أهل البصرة قد أبوا أن يسيروا حتى أجعلك على قتال الخوارج، وهم قد بلغوا سوق الأهواز، وأنا أكره إذ سار عبد الملك إلي ألا أسير إليه، فاكفني هذا الثغر.\rفعاد إليهم، وسار مصعب إلى الكوفة ومعه الأحنف فتوفي الأحنف بالكوفة، وأحضر مصعب إبراهيم بن الأشتر، وكان على الموصل والجزيرة، فجعله على مقدمته، وسار حتى نزل باجميرا قريب أوانا فعسكر هناك، وسار عبد الملك حتى نزل بمسكن على فرسخين أو ثلاثة من عسكر مصعب.\rوكتب عبد الملك إلى أهل العراق من كاتبه ومن لم يكاتبه، فجميعهم طلب أصفهان طعمة، وأخفوا جميعهم كتبهم عن مصعب إلا ابن الأشتر فإنه أحضر كتابه مختوماً إلى مصعب، فقرأه فإذا هو يدعوه إلى نفسه، ويجعل له ولاية العراق. فقال له مصعب: أتدري ما فيه ؟ قال: لا، قال: إنه يعرض عليك كذا وكذا، وإن هذا لما يرغب فيه. فقال إبراهيم: ما كنت لأتقلد الغدر والخيانة، والله ما عند عبد الملك من أحد من الناس بايأس منه منى، ولقد كتب إلى جميع أصحابك مثل الذي كتب إلي، فأطعني واضرب أعناقهم. فقال: إذاً لا تناصحني عشائرهم.\rقال: فأوقرهم حديداً، وابعث بهم إلى أبيض كسرى، واحبسهم هنالك، ووكل بهم من إن غلبت وتفرقت عشائرهم عنك ضرب رقابهم، وإن ظهرت مننت على عشائرهم بإطلاقهم. فقال: إني لفي شغل عن ذلك.\rولما قرب العسكران بعث عبد الملك إلى مصعب يقول: دع الدعاء لأخيك، وأدع الدعاء إلى نفسي، ونجعل الأمر شورى. فأبى مصعب إلا السيف.","part":6,"page":8},{"id":2509,"text":"فقدم عبد الملك أخاه محمداً. وقدم المصعب إبراهيم بن الأشتر، فالتقيا، فتناوش الفريقان، فقتل صاحب لواء محمد، وجعل مصعب يمد إبراهيم، فأزال محمد بن مروان عن موقفه، فوجه عبد الملك عبد الله بن يزيد إلى أخيه محمد، فاشتد القتال، فقتل مسلم بن عمرو الباهلي والد قتيبة، وهو في أصحاب مصعب، وأمد مصعب إبراهيم بعتاب بن ورقاء؛ فساء ذلك إبراهيم، واسترجع، وقال: قد قلت له: لا يمدني بعتاب وضربائه. وكان عتاب قد كاتب عبد الملك وبايعه، فانهزم عتاب بالناس وصبر ابن الأشتر، وقاتل حتى قتل، قتله عبيد بن ميسرة مولى بني عذرة، وحمل رأسه إلى عبد الملك.\rوتقدم أهل الشام فقاتلهم مصعب، وقال لقطن بن عبد الله الحارثي: قدم خيلك أبا عثمان. فقال: أكره أن تقتل مذحج في غير شيء. فقال لحجار بن أبجر: أبا أسيد: قدم خيلك. فقال: إلى هؤلاء الأنتان ! قال: ما نتأخر إليه أنتن.\rوقال لمحمد بن عبد الرحمن بن سعيد: قدم خيلك. فقال: ما فعل أحد هذا فأفعله. فقال مصعب: يا إبراهيم، ولا إبراهيم لي اليوم ! ثم التفت فرأى عروة بن المغيرة بن شعبة فاستدناه، فقال له: أخبرني عن الحسين بن علي كيف صنع بامتناعه عن النزول على حكم ابن زياد وعزمه على الحرب ؟ فأخبره، فقال:\rإن الألى بالطف من آل هاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التأسيا\rثم دنا محمد بن مروان من مصعب، وناداه: أنا ابن عمك محمد ابن مروان، فاقبل أمان أمير المؤمنين. قال: أمير المؤمنين بمكة، يعنى أخاه عبد الله. قال: فإن القوم خاذلوك، فأبى ما عرض عليه.\rفنادى محمد عيسى بن مصعب إليه، فقال له مصعب: انظر ما يريد، فدنا منه، فقال له: إني لك ولأبيك ناصح، ولكما الأمان. فرجع إلى أبيه فأخبره. فقال: إني أظن القوم يفون لك، فإن أحببت أن تأتيهم، فافعل. قال: لا تتحدث نساء قريش أني خذلتك، ورغبت بنفسي عنك. قال: فاذهب أنت ومن معك إلى عمك بمكة، فأخبره بما صنع أهل العراق ودعني فإني مقتول. فقال: لا أخبر قريشا عنك أبداً، ولكن يا أبت الحق بالبصرة فإنهم على الطاعة، أو الحق بأمير المؤمنين. فقال مصعب: لا تتحدث قريش أني فررت.\rوقال لابنه عيسى: تقدم إذاً أحتسبك. فتقدم ومعه ناس، فقتل، وقتلوا، وجاء رجل من أهل الشام ليحتز رأس عيسى، فحمل عليه مصعب فقتله، وشد على الناس فانفرجوا له، وعاد، ثم حمل ثانية فانفرجوا له، وبذل له عبد الملك الأمان، وقال: إنه يعز علي أن تقتل، فاقبل أماني. ولك حكمك في المال والعمل، فأبى، فقال عبد الملك: هذا والله كما قال القائل:\rومدجج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هرباً ولا مستسلم\rودخل مصعب سرادقه فتحنط ورمى السرداق، وخرج فقاتل، فأتاه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فدعاه إلى المبارزة فقال: يا كلب، اغرب، مثلي يبارز مثلك ! وحمل عليه مصعب فضربه على البيضة فهشمها وجرحه، فذهب يعصب رأسه، وترك الناس مصعباً وخذلوه حتى بقي في سبعة أنفس، وأثخن بالرمي، وكثرت فيه الجراحات، فعاد إليه عبيد الله بن زياد بن ظبيان فضربه مصعب، فلم يصنع شيئاً لضعفه، وضربه ابن ظبيان فقتله. وقيل: بل نظر إليه زائدة بن قدامة الثقفي فحمل عليه، فطعنه فقال: يالثارات المختار ! فصرعه وأخذ عبيد الله بن زياد رأسه وحمله إلى عبد الملك، فألقاه بين يديه وأنشد:\rنعاطى الملوك الحق ما قسطوا لنا ... وليس علينا قتلهم بمحرم\rفلما رأى عبد الملك الرأس سجد، فقال ابن ظبيان: لقد هممت أن أقتل عبد الملك وهو ساجد فأكون قد قتلت ملكي العرب، وأرحت الناس منهما، وفي ذلك يقول:\rهممت ولم أفعل وكدت وليتني ... فعلت فأدمنت البكا لأقاربه\rفأوردتها في النار بكر بن وائل ... وألحقت من قد خر شكراً بصاحبه\rوقال عبد الملك: لقد هممت أن أقتل ابن ظبيان فأكون قد قتلت أفتك الناس بأشجع الناس.\rوأمر عبد الملك لابن ظبيان بألف دينار، فقال: لم أقتله على طاعتك، وإنما قتلته بأخي النابي بن زياد، ولم يأخذ منها شيئاً. وكان النابي قد قطع الطريق فقتله مطرف الباهلي صاحب شرطة مصعب.\rوكان قتل مصعب بدير فقتله مطرف الباهلي صاحب شرطة مصعب.\rوكان قتل مصعب بدير الجاثليق عند نهر دجيل، وأمر عبد الملك به وبابنه عيسى فدفنا، وقال: كانت الحرمة بيننا وبينه قديمة، ولكن هذا الملك عقيم.","part":6,"page":9},{"id":2510,"text":"قال: ثم دعا عبد الملك جند العراق إلى البيعة فبايعوه، وسار حتى دخل الكوفة، فأقام بالنخيلة أربعين يوماً، وخطب الناس بالكوفة، فوعد المحسن وتوعد المسىء، وقال: إن الجامعة التي وضعت في عنق عمرو بن سعيد عندي، ووالله لا أضعها في عنق رجل فأنتزعها إلا صعدا لا أفكها عنه فكا، فلا يبقين امرؤ إلا على نفسه، ولا يوبقني دمه. والسلام.\rقال عبد الملك بن عمير: كنت مع عبد الملك بقصر الكوفة حين جىء برأس مصعب فوضعت بين يديه، فرآني قد ارتعدت، فقال لي: مالك ؟ فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ! كنت بهذا القصر بهذا الموضع مع عبيد الله بن زياد فرأيت رأس الحسين رضي الله عنه بين يديه، ثم كنت فيه مع المختار بن أبي عبيد فرأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يديه، ثم رأيت رأس مصعب فيه بين يديك. فقام عبد الملك من مقامه ذلك، وأمر بهدم ذلك الطاق الذي كنا فيه، وقال عبد الملك ابن مروان: متى تخلف قريش مثل المصعب ! ثم قال: هذا سيد شباب قريش. فقيل له: أكان يشرب الطلا ؟ فقال: لو علم المصعب أن الماء يفسد مروءته ما شربه حتى يموت عطشا.\rقال: وبعث عبد الملك برأس مصعب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر، فلما رآه وقد قطع السيف أنفه قال: رحمك الله، أما والله لقد كنت من أحسنهم خلقا، وأشدهم بأساً، وأسخاهم نفساً.\rثم سيره إلى الشام فنصب بدمشق، وأرادوا أن يطوفوا به في نواحي الشام، فأخذته عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجة عبد الملك بن مروان، فغسلته وطيبته ودفنته، وقالت: أما رضيتم بما صنعتم حتى تطوفوا به المدن ! هذا بغي.\rوكان عمر مصعب حين قتل ستا وثلاثين سنة.\rولما بلغ عبد الله بن خازم مسير مصعب لقتال عبد الملك قال: أمعه عمر بن عبيد الله بن معمر ؟ قيل: لا، استعمله على فارس. قال: أمعه المهلب ؟ قيل: لا، استعمله على الخوارج. قال: أمعه عباد بن الحصين ؟ قيل: لا، استخلفه على البصرة. قال: وأنا بخراسان. وأنشد:\rخذيني فجريني جعار وأبشري ... بلحم امرىء لم يشهد اليوم ناصره\rقال: ولما قتل مصعب كان المهلب يحارب الأزارقة بسولاف ثمانية أشهر، فبلغ الأزارقة قتله قبل أن يبلغ المهلب، فصاحوا بأصحاب المهلب: ما قولكم في مصعب ؟ قالوا: أمير هدى؛ وهو ولينا في الدنيا والآخرة، ونحن أولياؤه. قالوا: فما قولكم في عبد الملك بن مروان ! قالوا: ذلك ابن اللعين، نحن نبرأ إلى الله منه، وهو عندنا حل دماً منكم. قالوا: فإن عبد الملك قتل مصعباً، وسيجعلون غداً عبد الملك إمامكم.\rفلما كان الغد سمع المهلب وأصحابه قتل مصعب، فبايع المهلب الناس لعبد الملك، فصاح بهم الخوارج: يا أعداء الله، ما تقولون في مصعب ؟ قالوا: يا أعداء الله لا نخبركم. وكرهوا أن يكذبوا أنفسهم. قالوا: فما قولكم في عبد الملك ؟ قالوا: خليفتنا. ولم يجدوا بداً إذ بايعوه أن يقولوا ذلك. قالوا: يا أعداء الله؛ أنتم بالأمس تتبرءون منه في الدنيا والآخرة، وهو اليوم إمامكم، وقد قتل أميركم الذي كنتم تتولونه، فأيهما المهتدي ؟ وأيهما المبطل ؟ قالوا: يا أعداء الله، رضينا بذاك إذ كان يتولى أمرنا ونرضى بهذا. قالوا: لا، والله، ولكنكم إخوان الشياطين وعبيد الدنيا.\rفال: ولم يف عبد الملك لأحد بأصبهان، واستعمل قطن بن عبد الله الحارثي على الكوفة، ثم عزله، واستعمل أخاه بشر بن مروان. واستعمل محمد بن عمير على همذان، ويزيد بن ورقاء بن رويم على الري، واستعمل خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد على البصرة. وعاد إلى الشام.\rمع زفر\rذكر خبر عبد الملك بن مروان وزفر بن الحارث وما كان بينهما من القتال وانتظام الصلح بينهما","part":6,"page":10},{"id":2511,"text":"قد ذكرنا أن زفر بن الحارث لما فر من مرج راهط إلى قرقيسياء، واستولى عليها، وتحصن بها، واجتمعت قيس عليه، وكان في بيعة عبد الله بن الزبير وفي طاعته. فلما مات مروان بن الحكم وولي عبد الملك كتب إلى أبان بن عقبة بن ابي معيط، وهو على حمص، يأمره أن يسير إلى زفر، فسار إليه، وعلى مقدمته عبد الله بن زميت الطائي، فواقع عبد الله زفر قبل وصول أبان فقتل من أصحابه ثلاثمائة، فلامه أبان على عجلته، وأقبل أبان فواقع زفر فقتل ابنه وكيع ابن زفر. فلما سار عبد الملك إلى العراق لقتال مصعب بدأ بقرقيسياء، فحضر زفر فيها، ونصب عليها المجانيق، فأمر زفر أن ينادى في عسكر عبد الملك: لم نصبتم المجانيق علينا ؟ فقالوا: لنثلم ثلمة نقاتلكم عليها. فقال زفر: قولوا لهم: فإنا لا نقاتلكم من وراء الحيطان، ولكنا نخرج إليكم. وقاتلهم زفر.\rوكان خالد بن يزيد بن معاوية مجداً في قتال زفر، فقال رجل من أصحابه من بني كلاب: لأقولن لخالد كلاماً لا يعود إلى ما يصنع. فلما كان الغد خرج خالد للمحاربة فقال له الكلابي:\rماذا ابتغاء خالد وهمه ... إذ سلب الملك و... أمه\rفاستحيا وعاد، ولم يعد لقتالهم.\rوقالت كلب لعبد الملك: إنا إذا لقينا زفر انهزمت القيسية الذين معك، فلا تخلطهم معنا. ففعل. فكتبت القيسية على نبلها: إنه ليس يقاتلكم غداً مضرى، ورموا النبل إلى زفر. فلما أصبح دعا ابنه الهذيل فقال: اخرج إليهم، فشد عليهم، ولا ترجع حتى تضرب فسطاط عبد الملك، وأقسم لئن رجع دون أن يفعل ذلك ليقتلنه.\rفجمع الهذيل خيله، وحمل، فصبروا قليلاً ثم انكشفوا، وتبعهم الهذيل بخيله حتى وطئوا أطناب الفسطاط، وقطعوا بعضها، ثم رجعوا. فقبل زفر رأس ابنه الهذيل. فقال: والله لو شئت أن أدخل الفسطاط لفعلت.\rقال: وكان رجل من كلب يقال له الذيال يخرج فيسب زفر فيكثر، فقال للهذيل ابنه أو لبعض أصحابه: أما تكفيني هذا ؟ قال: أنا آتيك به، فدخل عسكر عبد الملك ليلاً، فجعل ينادي من يعرف بغلا من صفته كذا وكذا ؟ حتى انتهى إلى خباء الرجل. فقال الرجل: رد الله عليك ضالتك. فقال: يا عبد الله، إني قد أعييت، فلو أذنت لي فاسترحت قليلاً. قال: ادخل، فدخل، والرجل وحده في خبائه، فرمى بنفسه، ونام صاحب الخباء، فقام إليه فأيقظه، وقال: والله، لئن تكلمت لاقتلنك، قتلت أو سلمت، فماذا ينفعك قتلي إذا قتلت أنت؛ ولئن سكت وجئت معي إلى زفر فلك عهد الله وميثاقه أن أردك إلى عسكرك بعد أن يصلك زفر ويحسن إليك، فخرجا وهو ينادي: من دل على بغل من صفته كذا وكذا حتى أتى زفر. والرجل معه، فأعلمه أنه قد أمنه، فوهبه زفر دنانير وحمله على رحال النساء وألبسه ثيابهن، وبعث معه رجالاً حتى دنوا من عسكر عبد الملك، فنادوا: هذه جارية قد بعث بها زفر إلى عبد الملك، وانصرفوا ! فلما رآه أهل العسكر عرفوه، وأخبروا عبد الملك الخبر فضحك، وقال: لا يبعد الله رجال مضر، والله إن قتلهم لذل، وإن تركهم لحسرة. وكف الرجل فلم يعد يسب زفر.\rوقيل: إنه هرب من العسكر، ثم أمر عبد الملك أخاه محمدا أن يعرض على زفر وابنه الهذيل الأمان على أنفسهما ومن معهما وأن يعطيا ما أحبا. ففعل ذلك، فأجابا على أن لزفر الخيار في بيعته سنة، وأن يترك حيث شاء، وألا يعين عبد الملك على قتال ابن الزبير.\rفبينما الرسل تختلف بينهم إذ جاء رجل من كلب، فقال: قد هدم من المدينة أربعة أبراج، فقال عبد الملك: لا أصالحهم، وزحف إليهم، فهزموا أصحابه حتى أدخلوهم عسكرهم، فقال: أعطوهم ما أرادوا. قال زفر: لو كان قبل هذا لكان أحسن، واستقر الصلح على أمان الجميع، ووضع الدماء والأموال، وألا يبايع عبد الملك حتى يموت اين الزبير للبيعة التي له في عنقه، وأن يعطى مالاً يقسمه في أصحابه، وخاف زفر أن يغدر به عبد الملك كما غدر بعمرو بن سعيد، فلم ينزل إليه، فأرسل إليه بقضيب النبي صلى الله عليه وسلم أماناً له، فنزل إليه، فلما دخل عليه أجلسه معه على سريره، فلم رأى عبد الملك قلة من مع زفر قال: لو لمت بأنه في هذه القلة لحاصرته أبداً حتى نزل على حكمي، فبلغ قوله زفر فقال: إن شئت رجعنا ورجعت. قال: بلى نفي لك يا أبا الهذيل.","part":6,"page":11},{"id":2512,"text":"وأمر زفر ابنه الهذيل أن يسير مع عبد الملك إلى قتال مصعب، وقال: أنت لا عهد عليك، فسار معه، فلما قارب مصعباً هرب إليه، وقاتل مع ابن الأشتر. فلما قتل ابن الأشتر اختفى الهذيل في الكوفة حتى استؤمن له من عبد الملك فأمنه.\rقال: وتزوج مسلمة بن عبد الملك الرباب بنت زفر فكان يؤذن لإخوتها: الهذيل والكوثر في أول الناس.\rوفي هذه السنة، أعني سنة إحدى وسبعين، افتتح عبد الملك قيسارية في قول الواقدي رحمه الله.\rمقتل عبد الله بن خازم\rواستيلاء عبد الملك على خراسان ولما قتل مصعب كان عبد الله بن خازم يقاتل بحير بن ورقاء لصريمي التميمي بنيسابور، فكتب عبد الملك إلى ابن خازم يدعوه إلى البيعة ويطعمه خراسان سبع سنين، وأرسل الكتاب مع سورة ابن أشيم النميري، فقال له ابن خازم: لولا أن أضرب بين بني سليم وبين عامر لقتلتك، ولكن كل كتابه، فأكله. وقيل: بل كان الكتاب مع سوادة بن عبيد الله النميري. وقيل: مع مكمل الغنوى. فقال له ابن خازم: إنما بعثك أبو الذبان لأنك من غنى، وقد علم أني لا أقتل رجلاً من قيس، ولكن كل كتابه وكتب عبد الملك إلى بكير بن وساج، وكان خليفة ابن خازم على مرو، بعهده على خراسان، ووعده ومناه، فخلع بكير عبد الله ابن الزبير ودعا إلى عبد الملك، فأجابه أهل مرو، وبلغ ابن خازم، فخاف أن يأتيه بكير فيجتمع عليه أهل مرو وأهل نيسابور، فترك بحيراً وأقبل إلى مرو، فاتبعه بير فلحقه بقرية على ثمانية فراسخ من مرو، فقاتله، فقتل ابن خازم، وكان الذي قتله وكيع بن عمرو القريعي، اعتوره وكيع وبحير بن ورقاء وعمار بن عبد العزيز، فطعنوه، فصرعوه؛ وقعد وكيع على صدره فقتله، وبعث بشيراً بقتله إلى عبد الملك، ولم يبعث برأسه.\rوأقبل بكير في أهل مرو، فوافاهم حين قتل ابن خازم، فأراد أخذ الرأس وإنفاذه إلى عبد الملك، فمنعه بحير فضربه بعمود وحبسه، وسير الرأس إلى عبد الملك، وذلك في سنة اثنتين وسبعين.\rوقيل: بل كان مقتله بعد قتل عبد الله بن الزبير، وأن عبد الملك أنفذ إليه رأس ابن الزبير، ودعاه إلى نفسه فغسله وكفنه، وبعثه إلى أهله بالمدينة، وأطعم الرسول الكتاب، وقال: لولا أنك رسول لقتلتك.\rوقيل: بل قطع يديه ورجليه وقتله، وحلف ألا يطيع عبد الملك أبداً. والله أعلم.\rمقتل عبد الله بن الزبير\rوشيء من أخباره قال: لما قتل مصعب بن الزبير تقدم الحجاج بن يوسف الثقفي إلى عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت في المنام أني أخذت ابن الزبير وسلخته، فابعثني إليه، وولني حربه، فبعثه في ألفين، وقيل في ثلاثة آلاف، فسار في جمادي الأولى سنة اثنتين وسبعين، ونزل الطائف، وكان يبعث الخيل إلى عرفة في الحل بعد الطائف، ويبعث ابن الزبير الخيل فيقتلون فتنهزم خيل ابن الزبير، وتعود خيل الحجاج بالظفر.\rثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه في دخول الحرم وحصر ابن الزبير، ويخبره بضعفه وتفرق أصحابه، ويستمده، فأمده بطارق بن عمرو مولى عثمان، وكان عبد الملك قد بعثه في جيش إلى وادي القرى ليمنع عمال ابن الزبير من الانتشار، فقدم المدينة في ذى القعدة سنة اثنتين وسبعين، وأخرج عامل ابن الزبير منها، وجعل عليها رجلاً من أهل الشام اسمه ثعلبة، وقدم طارق مكة في ذى الحجة منها في خمسة آلاف، وتقدم الحجاج إلى مكة، فنزل عند بئر ميمون، وحج بالناس في تلك السنة. إلا أنه لم يطف بالبيت، ولا سعى بين الصفا والمروة؛ منعه عبد الله ابن الزبير من ذلك؛ ولم يحج ابن الزبير ولا أصحابه في تلك السنة. ونصب الحجاج المنجنيق على أبي قبيس، ورمى به الكعبة، فقال عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما للحجاج، اتق الله واكفف هذه الحجارة عن الناس، فإنك في شهر حرام في بلد حرام؛ وقد قدمت وفود الله من أقطار الأرض ليؤدوا فريضة الله، وقد منعهم المنجنيق عن الطواف. فكف حتى انقضى الحج، ثم نادى في الناس: انصرفوا إلى بلادكم، فإنا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد.","part":6,"page":12},{"id":2513,"text":"قال: وأول ما رمى الكعبة بالمنجنيق رعدت السماء وبرقت، وعلا صوت الرعد على الحجارة، فأعظم ذلك أهل الشام وأمسكوا أيديهم، فأخذ الحجاج حجر المنجنيق ووضعه بيده ورمى به، فجاءت الصواعق فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلاً، فانكسر أهل الشام، فقال الحجاج: أهل الشام، لا تنكروا هذا، فإني ابن تهامة، وهذه صواعقها، وهذا الفتح قد حضر، فأبشروا.\rفما كان الغد جاءت الصاعقة فأصابت من أصحاب ابن الزبير عدة. فقال الحجاج: ألا ترون أنهم يصابون كما تصابون، وأنتم على الطاعة وهم على خلافها، وكان الحجر يقع بين يدي عبد الله ابن الزبير وهو يصلي، فلا ينصرف عن مكانه.\rوغلت الأسعار عند ابن الزبير حتى ذبح فرسه، وقسم لحمه في أصحابه، وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم والمد الذرة بعشرين درهماً، وكانت بيوت ابن الزبير مملوءة قمحاً وشعيراً وذرة وتمراً، وكان أهل الشام ينتظرون فناء ما عنده، فكان لا ينفق منه إلا ما يمسك الرمق ويقول: نفوس أصحابي قوية ما لم تفن.\rفلما كان قبيل مقتله تفرق الناس عنه، وخرجوا إلى الحجاج بالأمان، فخرج من عنده نحو عشرة آلاف. وكان ممن فارقه ابناه حمزة وخبيب، أخذا لأنفسهما أماناً، فقال عبد الله لابنه الزبير: خذ لنفسك أماناً كما فعل أخواك، فوالله إني لأحب بقاءكم. فقال: ما كنت لأرغب بنفسي عنك، فقتل معه.\rقال: ولما كان في الليلة التي قتل فيها عبد الله في صبيحتها جمع قريشاً فقام لهم: ما ترون ؟ فقال رجل من بني مخزوم: والله، إنا قاتلنا معك حتى ما نجد مقتلاً، والله لئن سرنا معه ما نزيد على أن نموت، وإنما هي إحدى خصلتين: إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا ولك، وإما أن تأذن لنا فنخرج.\rفقال له رجل: اكتب إلى عبد الملك. فقال: كيف أكتب من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الملك بن مروان ؟ فوالله لا يقبل هذا أبداً، أو أكتب لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين. من عبد الله بن الزبير ؟ فوالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أهون علي من ذلك. فقال له عروة وهو جالس معه على السرير: قد جعل الله لك أسوة في الحسن بن علي رضي الله عنهما، خلع نفسه وبايع معاوية، فركضه برجله ورماه عن السرير، وقال: قلبي إذاً مثل قلبك، والله لو قلتها ما عشت إلا قليلاً وإن أضرب بسيف في عز خير من أن ألطم في ذل.\rفلما أصبح دخل على امرأته أم هاشم فقال: اصنعي لي طعاماً. فلما صنعته وأتت به لاك منه لقمة ثم لفظها، وقال: اسقوني لبناً فسقوه، ثم اغتسل وتطيب وتحنط، ودخل على أمه، فقال: يا أماه، قد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ولم يبق معي إلا اليسير، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك ؟ قالت له: أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وأنت تدعو إليه فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من نفسك يتلعب بك غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن قتل معك، وإن قلت: كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، كم خلودك في الدنيا ؟ القتل أحسن ! فقال: يا أماه، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني. فقالت: يا بني، إن الشاة لا تألم السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك، واستعن بالله.\rفقبل رأسها وقال: هذا رأيي، والذي خرجت به داعياً إلى يومي هذا. ما ركنت إلى الدنيا، ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله، وأن تستحل حرماته؛ ولكني أحببت أن أعلم رأيك، فقد زدتني بصيرة، فانظري فإني مقتول في يومي هذا، فلا يشتد حزنك، وسلمي لأمر الله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ولا عملاً بفاحشة، ولم يجر في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم أو معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمالي، فرضيت به؛ بل أنكرته، ولم يكن أي آثر عندي من رضاء ربي. اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي، ولكن أقوله تعزية لأمي حتى تسلو عني.\rفقالت: إني لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلاً، إن تقدمتني احتسبتك، وإن ظفرت سررت بظفرك. اخرج عني حتى أنظر إلى ما يصير أمرك، فقال: جزاك الله خيراً؛ فلا تدعي الدعاء لي. قالت: لا أدعه لك أبداً، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق.","part":6,"page":13},{"id":2514,"text":"ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة، وبره بأبيه وبي. اللهم قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبني فيه ثواب الصابرين الشاكرين.\rفتناول يدها ليقبلها، فقالت: هذا وداع فلا تبعد. فقال لها: جئت مودعاً، لأني أرى هذا آخر أيامي من الدنيا. قالت: امض على بصيرتك، وادن مني حتى أودعك، فدنا منها فعانقها، وقبل بين عينيها، فوقعت يدها على الدرع، فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد ! فقال: ما لبسته إلا لأشد متنك. قالت: فإنه لا يشد متني، فنزعها، ثم درج كميه، وشد أسفل قميصه وجبة خز تحت السراويل، وأدخل أسفلها تحت المنطقة، وأمه تقول: البس ثيابك مشمرة.\rفمخرج من عندها وحمل على أهل الشام حملة منكرة، فقتل منهم، ثم انكشف هو وأصحابه، فقال له بعض أصحابه: لو لحقت بموضع كذا. فقال: بئس الشيخ أنا إذاً في الإسلام أن أوقعت قوماً فقتلوا ثم فررت عن مثل مصارعهم.\rودنا أهل الشام حتى امتلأت منهم الأبواب، وكانوا يصيحون: يابن ذات النطاقين، فيقول: وتلك شكاة ظاهر عنك لؤمها.\rوجعل أهل الشام على أبواب المسجد رجالا، فكان لأهل حمص الباب الذي يواجه باب الكعبة، ولأهل فلسطين باب بني جمح، ولأهل قنسرين باب بني سهم. وكان الحجاج وطارق بناحية الأبطح إلى المروة، وابن الزبير يحمل على هذه الناحية مرة وفي هذه أخرى، وكأنه أسد في أجمة ما تقدم عليه الرجال وهو يعدو في إثر القوم حتى يحرجهم، ثم يصيح يا أبا صفوان، ويل أمه فتحاً، لو كان له رجال. لو كان قرني واحداً كفيته.\rفيقول أبو صفوان عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف: أي والله وألف.\rفقال رجل من أهل الشام اسمه جلبوب: إنما يمكنكم أخذه إذا ولي. قيل: فخذه أنت إذا ولي. قال: نعم، وتقدم ليحضنه من خلفه، فعطف عليه فقط ذراعيه فصاح، فقال: اصبر جلبوب.\rقال: فلما رأى الحجاج أن الناس لا يقدمون على ابن الزبير غضب وترجل يسوق الناس ويصدم بهم، فصدم صاحب علم ابن الزبير وهو بين يديه، فتقدم ابن الزبير على صاحب علمه وقاتلهم حتى انكشفوا، ورجع فصلى ركعتين عند المقام، فحملوا على صاحب علمه، فقتلوه عند باب بني شيبة، وأخذوا العلم. فلما فرغ من صلاته تقدم فقاتل بغير علم، وقتل رجلاً من أهل الشام وآخر، وقاتل معه عبد الله بن مطيع، وهو يقول:\rأنا الذي فررت يوم الحرة ... والحر لا يفر إلا مرة\rواليوم أجزى فرة بكرة\rوقاتل حتى قتل، ويقال: أصابته جراحة فمات منها بعد أيام.\rقال: وقال عبد الله بن الزبير لأصحابه وأهله يوم قتل بعد صلاة الصبح: اكشفوا وجوهكم حتى أنظر إليكم وعليكم المغافر، ففعلوا، فقال: يا آل الزبير، لو طبتم لي نفسا عن أنفسكم كنا أهل بيت من العرب اصطلمنا في الله فلا يرعكم وقع السيوف، فإن ألم الدواء للجراح أشد من ألم وقعها، صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم، غضوا أبصاركم عن البارقة، وليشغل كل امرىء قرنه، ولا تسألوا عني، فمن كان سائلاً عني فإني في الرعيل الأول، احملوا على بركة الله.\rثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون فرمي بآجرة، رماه بها رجل من السكون، فأصابت وجهه فأرعش لها وسال الدم على وجهه، فقال رضي الله عنه وأرضاه:\rفلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أعقابنا تقكر الدما\rوقاتلهم قتالاً شديداً، فتعاونوا عليه، فقتلوه، قتله رجل من مراد، وحمل رأسه إلى الحجاج، فسجد. ووفد السكوني والمرادى إلى عبد الملك بالخبر؛ فأعطى كل واحد منهما خمسمائة دينار.\rوقيل في قتله: إنه جاءه حجر المنجنيق وهو يقاتل فصرعه فاقتحم عليه أهل الشام، وذهبوا به إلى الحجاج فحز رأسه بيده.\rوكان مقتله - رضي الله عنه - في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادي الأولى سنة ثلاث وسبعين وقيل في جمادى الآخرة منها، وله ثلاث وسبعون سنة.\rولما قتل رضي الله عنه كبر أهل الشام فرحاً بقتله؛ فقال عبد الله ابن عمر: انظروا إلى هؤلاء. انظروا إلى هؤلاء. لقد كبر المسلمون فرحاً بولادته، وهؤلاء يكبرون فرحاً بقتله.","part":6,"page":14},{"id":2515,"text":"وبعث الحجاج برأسه ورأس عبد الله بن صفوان ورأس عمارة ابن عمرو بن حزم إلى المدينة. ثم إلى عبد الملك وصلب جثته منكسة على الثنية اليمنى بالحجون، فأرسلت إليه أسماء تقول: قاتلك الله ! على ماذا صلبته ؟ قال: استبقت أنا وهو إلى هذه الخشبة، فكانت له. فاستأذنته في تكفينه ودفنه. فأبى.\rوكتب إلى عبد الملك يخبره بصلبه، فكتب إليه يلومه، ويقول: ألا خليت بينه وبين أمه. فأذن لها الحجاج فدفنته بالجحون.\rوكان قبل مقتله بقي أياماً يستعمل الصبر والمسك لئلا ينتن إن هو صلب، فلما صلب ظهر منه ريح المسك، فقيل: إن الحجاج صلب معه كلباً ميتاً. وقيل، سنوراً، فغلب على ريح المسك.\rولما قتل عبد الله ركب أخوه عروة بن الزبير ناقة لم ير مثلها وسار إلى عبد الملك فسبق رسل الحجاج، فاستأذن على عبد الملك فأذن له، فلما دخل عليه سلم عليه بالخلافة، فرحب به وأجلسه معه على السرير، فقال عروة:\rنمت بأرحام إليك قريبة ... ولا خير في الأرحام ما لم تقرب\rوتحدث حتى جرى ذكر عبد الله، فقال عروة: إنه كان. فقال عبد الملك: وما فعل ؟ قال: قتل؛ فخر ساجداً. فقال عروة: إن الحجاج صلبه. فهب جثته لأمه. قال: نعم.\rوكتب إلى الحجاج فعظم صلبه.\rوكان الحجاج لما فقد عروة كتب إلى عبد الملك: إن عروة كان مع أخيه. فلما قتل عبد الله أخذ مالاً من مال الله وهرب.\rفكتب إليه عبد الملك يقول: إنه لم يهرب، ولكنه أتاني مبايعاً، وقد أمنته وحللته مما كان منه، وهو قادم عليك، فإياك وعروة.\rفعاد عروة إلى مكة فكانت غيبته عنها ثلاثين يوماً. فأنزل الحجاج جثة عبد الله عن الخشبة وبعث بها إلى أمه فغسلته. فلما أصابه الماء تقطع فغسلته عضواً عضواً. وصلى عليه عروة وقيل غيره.\rوقيل: لم يصل عليه أحد؛ منع الحجاج من الصلاة عليه.\rوكانت أيام ولايته منذ مات معاوية بن يزيد إلى أن قتل سبع سنين وأياماً.\rوكان له من الأولاد: عبد الله، وحمزة، وخبيب، وثابت، وعباد، وقيس، وعامر، وموسى.\rوكاتبه زيد بن عمرو.\rوحاجبه سالم مولاه والله الموفق بمنه وكرمه.\rذكر نبذة من سيرته رضي الله عنه وأخباره\rكان كثير العبادة إذا سجد وقعت العصافير على ظهره تظنه حائطاً لسكونه وطول سجوده. وقال بعض السلف: قسم عبد الله الدهر على ثلاث حالات فليلة قائم حتى الصباح، وليلة راكع حتى الصباح، وليلة ساجد حتى الصباح.\rوقيل: أول ما علم من همته أنه كان يلعب ذات يوم مع الصبيان وهو صبي، فمر رجل فصاح عليهم ففروا، ومشى عبد الله القهقري، وقال للصبيان: اجعلوني أميركم، وشدوا بنا عليه.\rومر به عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يلعب مع الصبيان ففروا ووقف هو، فقال له عمر: ما منعك أن لا تفر معهم ؟ فقال: لم أجرم فأخافك، ولم تكن الطريق ضيقة فأوسع لك.\rوقال: هشام بن عروة: كان أول ما أفصح به عمي عبد الله ابن الزبير وهو صغير السيف، فكان لا يضعه من فيه. فكان الزبير رضي الله عنه يقول: والله ليكونن لك منه يوم وأيام.\rوقال ابن سيرين: قال ابن الزبير: ما كان شيء يحدثنا به كعب إلا وقد جاء على ما قال إلا قوله: فتى ثقيف يقتلني وهذا رأسه بين يدي - يعني المختار.\rقال: لم يشعر ابن الزبير أن الحجاج قد خبىء له. ومر به عبد الله بن عمر رضي الله عنهم وهو مصاوب، فقال: يرحمك الله إن كنت لصواماً قواماً، ولقد أفلحت قريش إن كنت شرها.\rوكان الحجاج قد صلبه ثم ألقاه في مقابر اليهود، وأرسل إلى أمه يستحضرها، فلم تحضر، فأرسل إليها لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك، فلم تأته فجاء إليها. فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله ؟ قالت: رأيتك أفسدت على ابني دنياه، وأفسد عليك آخرتك؛ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن في ثقيف كذاباً ومبيراً، فأما الكذاب فقد رأيناه تعني المختار، وأما المبير فأنت.\rوقال قطن بن عبد الله: كان الزبير يفطر من الشهر ثلاثة أيام، ومكث أربعين سنة لم ينزع ثوبه عن ظهره. وقال مجاهد: لم يكن باب من أبوا ب العبادة يعجز عنه الناس إلا تكلفه ابن الزبير، ولقد جاء سيل طبق البيت، فجعل ابن الزبير رضي الله عنه يطوف سباحة. وماتت أسماء رضي الله عنها بعده بقليل.","part":6,"page":15},{"id":2516,"text":"انتهت أخبار عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، فلنذكر غير ذلك من أخبار أيام عبد الملك ونبدأ بتتمة أخبار الحجاج وما فعل بمكة والمدينة والله أعلم.\rمبايعة أهل مكة\rعبد الملك بن مروان وما فعله الحجاج من هدم الكعبة وبنائها ومسيره إلى المدينة وما فعله فيها بالصحابة رضي الله عنهم قال: ولما فرغ الحجاج من أمر عبد الله بن الزبير دخل مكة فبايعه أهلها لعبد الملك بن مروان، وأمر بكنس المسجد الحرام من الحجارة والدم، وهدم الكعبة في المحرم سنة أربع وسبعين، وأعادها إلى البناء الأول وأخرج الحجر منها، وكان عبد الملك يقول: كذب ابن الزبير فيما رواه عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الحجر، وأنه من البيت. فلما قال له غير ابن الزبير: إن عائشة رضي الله عنها روت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وددت أني تركته وما تحمل.\rوالكعبة في وقتنا هذا على بنائها الذي أعاده الحجاج بن يوسف.\rقال: ثم سار الحجاج إلى المدينة في سنة أربع وسبعين، وكان عبد الملك قد عزل طارقاً عنها، واستعمل عليها الحجاج، فصار معه مكة والمدينة واليمن واليمامة، فلما قدم المدينة أقام بها شهراً أو شهرين، فأساء إلى أهلها، واستخف بهم، وقال: أنتم قتلة أمير المؤمنين عثمان، وختم أيدي جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافاً بهم، كما يفعل بأهل الذمة، منهم جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، ثم عاد إلى مكة معتمراً، وقال حين خرج من المدينة: الحمد لله الذي أخرجني من أم نتن، أهلها أخبث أهل بلد، وأغشه لأمير المؤمنين، وأحسدهم له على نعمة الله، والله لولا ما كانت تأتيني كتب أمير المؤمنين فيها لجعلتها مثل جوف الحمار، أعواد يعوذون بها، ورمة قد بليت، يقولون: منبر رسول الله، وقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rفبلغ جابر بن عبد الله قوله، فقال: إن وراءه ما يسوءه. قد قال فرعون ما قال، فأخذ الله بعد أن أنظره.\rوأقام الحجاج بالحجاز إلى أن نقله عبد الملك إلى ولاية العراق، وذلك في سنة خمس وسبعين على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rأخبار الخوارج\rفي أيام عبد الملك بن مروان منذ استقل بالأمر قد ذكرنا أنه لما قتل مصعب بن الزبير كان المهلب بن أبي صفرة يقاتل الخوارج منذ ثمانية أشهر، وذكرنا مقالتهم لأصحابه حين بلغهم قتل مصعب، وتبعه عبد الملك، فلما كان في سنة اثنتين وسبعين استعمل عبد الملك خالد بن عبد الله بن أسيد على البصرة، فلما قدمها استعمل المهلب على خراج الأهواز ومعونتها، وبعث أخاه عبد العزيز بن عبد الله إلى قتال الخوارج، وسير معه مقاتل بن مسمع، فخرجا يطلبان الأزارقة، فأتت الخوارج من ناحية كرمان إلى درابجرد وأرسل قطري بن الفجاءة المازني أمير الحج سبعمائة فارس مع صالح ابن مخراق، فأقبل بهم حتى استقبل عبد العزيز وهو يسير ليلا على غير تعبئة، فانهزم بالناس، ونزل مقاتل بن مسمع، فقاتل حتى قتل.\rولما انهزم عبد العزيز أخذت امرأته ابنة المنذر بن الجارود، فأقيمت فيمن يزيد، فبلغت قيمتها مائة ألف، فجاء رجل من قومها كان من رءوس الخوارج، فقال: تنحو هكذا، ما أرى هذه المشركة إلا قد فتنتكم، فضرب عنقها، ولحق بالبصرة، فرآه آل المنذر، فقالوا: والله ما ندري أنحمدك أم نذمك ؟ فكان يقول: ما فعلته إلا غيرة وحمية.\rوانتهى عبد العزيز إلى رامهرمز، وأتى المهلب خبره، فأرسل إلى أخيه خالد بن عبد الله بخبر هزيمته، فقال للرسول: كذبت فقال: إن كنت كاذباً فاضرب عنقي، وإن كنت صادقاً فأعطني جبتك ومطرفك. قال: ويحك ! قد رضيت من الخطر العظيم بالخطر اليسير، ثم حبسه وأحسن إليه لما صح عنده خبر الهزيمة. وفي هذه الهزيمة وفرار عبد العزيز يقول ابن قيس الرقيات:\rعبد العزيز فضحت جيشك كلهم ... وتركتهم صرعى بكل سبيل\rمن بين ذى عطش يجود بنفسه ... وملحب بين الرجال قتيل\rهلا صبرت مع الشهيد مقاتلا ... إذ رحت منتكث القوى بأصيل\rوتركت جيشك لا أمير عليهمو ... فارجع بعار في الحياة طويل\rونسيت عرسك إذ تقاد سبية ... تبكي العيون برنة وعويل","part":6,"page":16},{"id":2517,"text":"قال: وكتب خالد إلى عبد الملك بالخبر، فكتب إليه يقول: قبح الله رأيك حين تبعث أخاك أعرابيا من أهل مكة على القتال، وتدع المهلب يجبى الخراج، وهو الميمون النقيبة، المقاسي للحرب، ابنها وابن أبنائها. أرسل إلى المهلب يستقبلهم، وقد بعثت إلى بشر بالكوفة أن يمدك بجيش، فسر معهم، ولا تعمل في عدوك برأي حتى يحضره المهلب. والسلام.\rوكتب عبد الملك إلى أخيه بشر، وهو أمير الكوفة، يأمره بإنفاذ خمسة آلاف مع رجل يرضاه لقتال الخوارج، فإذا قضوا غزوتهم ساروا إلى الري، فقاتلوا عدوهم، وكانوا مسلحة، فبعث بشر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فيي خمسة آلاف، وكتب عهده على الرين وخرج خالد بأهل البصرة حتى قدم الأهواز؛ وقدمها عبد الرحمن في أهل الكوفة، وجاءت الأزارقة حتى دنوا من الأهواز؛ فعبأ خالد أصحابه، وجعل المهلب على ميمنته، وداود بن قحذم من بني قيس بن ثعلبة على ميسرته، ثم زحف خالد إليهم بالناس بعد عشرين ليلة، فرأوا من كثرة الناس ما ها لهم، فانصرفوا على حامية، ولم يقاتلوا؛ فأرسل خالد داود بن قحذم في آثارهم، وانصرف عبد الرحمن إلى الري، وأقام المهلب بالأهواز، وانصرف خالد إلى البصرة، وكتب إلى عبد الملك بذلك، فكتب إلى أخيه بشر يأمه أن يبعث أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة مع رجل بصير بالحرب إلى فارس في طلب الأزارقة، ويأمر صاحبه بموافقة داود ابن قحذم إن اجتمعا.\rفبعث بشر عتاب بن ورقاء في أربعة آلاف، فساروا حتى لحقوا داود، فاجتمعوا، ثم اتبعوا الخوارج حتى هلكت خيول عامتهم، وأصابهم الجوع والجهد، ورجع عامة الجيش مشاة إلى الأهواز؛ وذلك في سنة اثنتين وسبعين.\rمقتل أبي فديك الخارجي\rقد ذكرنا في أخبار عبد الله بن الزبير قتل نجدة بن عامر وطاعة أصحابه أبا فديك، فلما كان في سنة اثنتين وسبعين غلب أبو فديك على البحرين؛ فبعث خالد بن عبد الله أمير البصرة أخاه أمية بن عبد الله في جند كثيف، فهزمه أبو فديك، وأخذ جاريةً له، فاتخذها لنفسه، فكتب إلى عبد الملك بذلك، فأمر عبد الملك عمر ابن عبيد الله بن معمر أن يندب الناس من أهل الكوفة والبصرة ويسير إلى قتاله، فانتدب معه عشرة آلاف، وسار بهم، وجعل أهل الكوفة على الميمنة، وعليهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، وأهل البصرة على الميسرة وعليهم عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر، وهو ابن أخي عمر، وجعل خيله في القلب، وساروا حتى انتهوا إلى البحرين، فالتقوا، واصطفوا للقتال، فحمل أبو فديك وأصحابه حملة رجلٍ، فكشفوا ميسرة عمر حتى أبعدوا إلا المغيرة ابن المهلب، ومجاعة بن عبد الرحمن، وفرسان الناس؛ فإنهم مالوا إلى صف أهل الكوفة بالميمنة، ثم رجع أهل الميسرة وقاتلوا واشتد قتالهم حتى دخلوا عسكر الخوارج، وحمل أهل الميمنة حتى استباحوا عسكر الخوارج، وقتلوا أبا فديك، وحصروا أصحابه حتى نزلوا على الحكم، فقتل منهم نحو ستة آلاف، وأسر ثمانمائة؛ ووجدوا جارية أمية بن عبد الله حبلى من أبي فديك، وعادوا إلى البصرة، وذلك في سنة ثلاث وسبعين.\rذكر ولاية المهلب بن أبي صفرة\rحرب الأزارقة\rفي سنة أربع وسبعين أمر عبد الملك أخاه بشرا، وكان قد أضاف إليه ولاية البصرة مع الكوفة، أن يبعث المهلب بن أبي صفرة لحرب الأزارقة في أهل البصرة، وأن ينتخب من أراد منهم، وأن يتركه في الحرب ورأيه، وأمره أن يبعث من أهل الكوفة رجلاً شريفاً معروفاً بالبأس والنجدة في جيش كثيف إلى المهلب، وأن يتتبعوا الخوارج حيث كانوا حتى يستأصلوهم.\rفأرسل المهلب خديج بن سعيد بن قبيصة، وأمره أن ينتخب الناس من الديوان، وشق على بشر أن إمرة المهلب جاءت من قبل عبد الملك، وبعث بشر عبد الرحمن بن مخنف على أهل الكوفة، وأغراه بالمهلب، وأمره أن يستبد بالأمر، وسار المهلب حتى نزل رامهرمز، فلقى بها الخوارج، فخندق عليه، وأقبل أهل الكوفة حتى نزلوا على ميل من المهلب، فلم يلبث العسكر إلا عشراً حتى أتاهم نعي بشر بن مروان فتفرقوا، وعاد أكثر أهل الكوفة والبصرة إلى أن قدم الحجاج إلى الكوفة في سنة خمس وسبعين، فأخرج الناس إلى المهلب وابن مخنف على ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخبار الحجاج حين قدم الكوفة.\rذكر اجلاء الخوارج عن رامهرمز وقتل عبد الرحمن بن مخنف","part":6,"page":17},{"id":2518,"text":"قال: ولما أعاد الحجاج البعوث إلى المهلب كتب إليه وإلى عبد الرحمن بن مخنف يأمرهما بمناهضة الخوارج رجعوا إليهم وقاتلوهم شيئاً من قتال، فانزاحت الخوارج كأنهم على حاميةٍ، وساروا حتى نزلوا بكازرون، وسار المهلب وابن مخنف حتى نزلوا بهم، وخندق المهلب على نفسه، وأشار على ابن مخنف أن يخندق، فقال أصحابه: نحن خندقنا سيوفنا، فأتى الخوارج المهلب ليبيتوه، فوجدوه قد خندق، فمالوا نحو ابن مخنف، فقاتلوه، فانهزم عنه أصحابه، فنزل فقاتل في ناسٍ من أصحابه، فقتل وقتلوا رجاله، فقال شاعرهم:\rلمن العسكر المكلّل بالصّر ... عى فهم بين ميّتٍ وقتيل\rفتراهمو تسفى الرياح عليهمو ... حاصب الرّمل بعد جرّ الذّيول\rهذا قول أهل البصرة في قتل ابن مخنف.\rوأما أهل الكوفة فقالوا: إنه لما وصل كتاب الحجاج لمناهضة الخوارج ناهضهم المهلب وابن مخنف، واقتتلوا قتالاً شديداً؛ فمالت الخوارج إلى المهلب فاضطروه إلى عسكره، فاستنجد عبد الرحمن فأمده بالخيل والرجال، وكان ذلك بعد الظهر لعشرٍ بقين من شهر رمضان سنة خمس وسبعين.\rفلما كان بعد العصر ورأت الخوارج من يأتي من عسكر عبد الرحمن من الرجال علموا أنه قد خف أصحابه، فجعلوا بإزاء المهلب من يشغله، وانصرفوا بحدهم إلى ابن مخنف، فنزل ونزل معه القراء، منهم أبو الأحوص صاحب ابن مسعود، وخزيمة بن نصر أبو نصر بن خزيمة، ونزل معه من قومه واحدٌ وسبعون رجلا، وحملت عليهم الخوارج فقاتلوا قتالاً شديداً، وانكشف الناس عنه، وبقى في عصابةٍ من أهل الصبر، فقاتلوا حتى ذهب نحو ثلثي الليل، ثم قتل في تلك العصابة.\rفلما أصبحوا جاء المهلب فصلى عليه ودفنه، وكتب بذلك إلى الحجاج، فبعث إلى عسكر عبد الرحمن عتاب ابن ورقاء، وأمره أن يسمع إلى المهلب، فساءه ذلك، ولم يجد بداً من طاعته، فجاء وقاتل الخوارج؛ ثم وقع بينه وبين المهلب كلامٌ أغلظ كلٌ منهما لصاحبه، فرفع المهلب القضيب على عتاب، فوثب المغيرة بن المهلب فقبض القضيب من يد أبيه وسكته، وأثنى على عتاب، وافترقا.\rفأرسل عتاب إلى الحجاج يشكو المهلب، ويسأله أن يأمر بالعود، فوافق ذلك حاجةً من الحجاج إليه، فاستقدمه، وأمره أن يترك ذلك الجيش مع المهلب، فجعل المهلب عليهم ابنه حبيباً، وقاتل المهلب الخوارج على سابور، نحو سنةٍ بعد مسير عتاب عنه، وكانت كرمان في يد الخوارج، وفارس في يد المهلب؛ فضاق على الخوارج مكانهم، فخرجوا حتى أتوا كرمان، وتبعهم المهلب حتى نزل بجيرفت، وهي مدينة كرمان، فقاتلهم قتالاً شديداً. ثم أرسل إليه الحجاج البراء بن قبيصة يحثه على قتال الخوارج، ويأمره بالجد، وأنه لا عذر له عنده.\rفخرج المهلب بالعسكر، فقاتل الخوارج من الغداة إلى الظهر، ثم انصرفوا والبراء على تل مشرف يراهم، فأثنى على المهلب وعلى أصحابه، وانصرف إلى الحجاج، وعرفه عذر المهلب، ثم قاتلهم المهلب ثمانية عشر شهراً لا يقدر منهم على شيء إلى أن وقع بينهم الاختلاف.\rذكر الاختلاف بين الأزارقة ومفارقة قطري بن الفجاء\rإياهم ومبايعتهم عبد رب الكبير والحرب بينه وبين المهلب ومقتله وفي سنة سبع وسبعين وقع الاختلاف بين الخوارج، فخلعوا قطري بن الفجاءة، وبايعوا عبد رب الكبير، واختلف في سبب ذلك، فقيل: إن عاملاً لقطري على ناحية كرمان، يدعى المقعطر الضي، قتل رجلاً منهم، فوثبت الخوارج إلى قطري، وطلبوا منه أن يقيدهم من عامله، فلم يفعل، وقال: إنه تأول فأخطأ التأويل، وهو من ذوي السابقة فيكم، ما أرى أن تقتلوه، فاختلفوا.\rوقيل: كان السبب في اختلافهم أن رجلاً كان في عسكرهم يعمل النصول المسمومة، فيرمي بها أصحاب المهلب، فشكا أصحابه منها، فقال: أنا أكفيكموه، فوجه رجلاً من أصحابه ومعه كتابٌ، فأمره أن يلقيه في عسكر قطري ولا يراه أحد، ففعل، ووقع الكتاب؛ إلى قطري، فإذا فيه: أما بعد فإن نصالك وصلت، وقد أنفذت إليك ألف درهم، فأحضر قطريٌ الصانع فسأله. فجحد، فقتله، فأنكر عليه عبد رب الكبير قتله، واختلفوا.","part":6,"page":18},{"id":2519,"text":"ثم وضع المهلب رجلاً نصرانياً، وأمره أن يسجد لقطري. ففعل. فقال الخوارج: إن هذا قد اتخذك إلهاً. ووثب بعضهم على النصراني فقتله، فزاد اختلافهم، ففارق بعضهم قطرياً وخلعوه، وولوا. عبد رب الكبير، وبقي مع قطري منهم نحو ربعهم أو خمسهم، واقتتلوا فيما بينهم نحواً من شهر.\rوكتب المهلب إلى الحجاج بذلك، فكتب إليه الحجاج يأمره بقتالهم على حال اختلافهم قبل أن يجتمعوا.\rفكتب إليه المهلب: إني لست أرى أن أقاتلهم ما دام يقتل بعضهم بعضاً، فإن تموا على ذلك فهو الذي نريد، وفيه هلاكهم. وإن اجتمعوا لم يجتمعوا إلا وقد رقق بعضهم بعضاً فأناهضهم حينئذ، وهم أهون ما كانوا وأضعفهم شوكة إن شاء الله تعالى. والسلام.\rفسكت عنه.\rثم إن قطرياً خرج بمن معه نحو طبرستان، وأقام عند عبد رب الكبير بكرمان، فنهض إليهم المهلب، فقاتلوه قتالاً شديداً وحصرهم بجيرفت، وكرر قتالهم وهو لا يبلغ منهم ما يريد.\rفلما طال عليهم الحصار خرجوا من جيرفت بأموالهم وحرمهم، فقاتلهم المهلب قتالاً شديداً حتى عقرت الخيل وتكسر السلاح، وقتل الفرسان، فتركهم، فساروا؛ ودخل المهلب جيرفت، ثم سار حتى لحقهم على أربعة فراسخ منها، فقاتلهم من بكرة النهار إلى الظهر، ثم كف عنهم، فجمع عبد رب الكبير أصحابه، وقال: يا معشر المهاجرين؛ إن قطرياً ومن معه هربوا، طلب البقاء، ولا سبيل إليه، فألقوا عدوكم، وهبوا أنفسكم لله، ثم عاود القتال، فاقتتلوا قتالاً شديداً أنساهم ما قبله، فتبايع جماعةً من أصحاب المهلب على الموت، وترجلت الخوارج، وعقروا دوابهم، واشتد القتال، وعظم الخطب حتى قال المهلب: ما مر بي يومٌ مثل هذا.\rثم هزم الله الخوارج، وكثر القتل فيهم، فكان عدد القتلى أربعة آلاف، منهم ابن عبد رب الكبير، ولم ينج منهم إلا القليل، وأخذ عسكرهم وما فيه، وبعث المهلب إلى الحجاج مبشراً. فلما دخل البشير إليه أخبره عن الجيش وعن الخوارج وذكر حروبهم، وأخبره عن بني المهلب، فقال: المغيرة فارسهم وسيدهم، وكفى بيزيد فارساً شجاعاً، وجوادهم وشجاعهم قبيصة، ولا يستحي الشجاع أن يفر من مدركه. وعبد الملك سمٌ ناقع، وحبيب موتٌ ذعاف، ومحمد ليث غابٍ، وكفاك بالمفضل نجدة. قال: فأيهم كان أنجد ؟ قال: كانوا كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفها.\rاستحسن قوله: وكتب إلى المهلب يشكره، ويأمره أن يولي كرمان من يثق إليه، ويجعل فيها من يحميها، ويقدم عليه، فاستعمل عليها ابنه يزيد. وسار إلى الحجاج.\rفلما قدم عليه أكرمه وأجلسه إلى جانبه، وقال: يأهل العراق. أنتم عبيد المهلب. ثم قال له: أنت كمال قال لقيط بن يعمر الإيادي في صفة أمير الجيوش:\rفقلّدوا أمركم لله درّكمو ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا\rلا مترفاً إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عضّ مكروهٌ به خشعا\rمسهّد النّوم تعنيه ثغوركمو ... يروم منها إلى الأعداء مطّلعا\rما انفكّ يحلب هذا الدّهر أشطره ... يكون متّبعا طوراً ومتّبعا\rوليس يشغله مالٌ يثمّره ... عنكم ولا ولد يبغي له الرّفعا\rحتى استمرت على شزرٍ مريرته ... مستحكم السنّ لا قحماً ولا ضرعا\rوأحسن الحجاج إلى أهل البلاء من أصحاب المهلب وزادهم والله أعلم.\rمقتل قطري بن الفجاءة\rوعبيدة بن هلال ومن معهما من الأزارقة كان مقتلهم في سنة سبع وسبعين، وذلك أنه لما تشتت أمرهم بسبب الاختلاف الذي ذكرناه، وسار قطري نحو طبرستان ندب الحجاج سفيان بن الأبرد في جيشٍ كثيف، فسار، واجتمع معه إسحاق بن محمد بن الأشعث في جيشٍ لأهل الكوفة بطبرستان، فأقبلا في طلب قطري، فأدركوه في شعبٍ من شعاب طبرستان، فقاتلوه، فتفرق عنه أصحابه، وسقط عن دابته فتدهده إلى أسفل الشعب، وأتاه علجٌ من أهل البلد وهو لا يعرفه فقال له قطري: اسقني الماء. فقال العلج: أعطني شيئاً. فقال: ما معي إلا سلاحي، وإن أتيتني بالماء فهو لك، فانطلق العلج حتى أشرف على قطري ثم حدر عليه حجراً عظيما من فوقه، فأصاب وركه فأوهنه، وصاح بالناس فأقبلوا نحوه.","part":6,"page":19},{"id":2520,"text":"وجاء نفرٌ من أهل الكوفة فقتلوه، منهم سورة بن أبجر التميمي، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف، والصباح بن محمد بن الأشعث، وعمر بن أبي الصلت، وكل هؤلاء ادعى قتله، فجاءهم أبو الجهم ابن كنانة، فقال: ادفعوا رأسه إلي حتى تصطلحوا، فدفعوه إليه، فأقبل به إلى إسحاق بن محمد، وهو على أهل الكوفة، فأرسله معه إلى سفيان بن الأبرد، فبعثه معه إلى الحجاج، فسيره معه إلى عبد الملك، فجعل عطاءه في ألفين؛ ثم سار سفيان إليهم، وأحاط بهم وأميرهم عبيدة بن هلال، فأمر منادياً فنادى: من قتل صاحبه وجاء إلينا فهو آمن، وحصرهم سفيان حتى أكلوا دوابهم، ثم خرجوا إليه، وقاتلوه، فقتلهم، وبعث برؤوسهم إلى الحجاج، وانقرضت الأزارقة بعد مقتل قطري وعبيدة، فكان أولهم نافع ابن الأزرق، وآخرهم قطري وعبيدة. واتصل أمرهم بضعاً وعشرين سنة، ثم دخل سفيان دنباوند وطبرستان، فكان هناك حتى عزله الحجاج قبل الجماجم.\rهذا ما كان من أمر الأزارقة، فلنذكر من سواهم من الخوارج أيام عبد الملك.\rذكر خروج صالح بن مسرح التميمي وشبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني\rقال: كان صالح بن مسرح التميمي رجلاً ناسكاً مصفر الوجه صاحب عبادة، وكان بدارا وأرض الموصل والجزيرة، وله أصحابٌ يقرئهم القرآن والفقه، ويقص عليهم، فدعاهم إلى الخروج وإنكار المظالم وجهاد المخالفين لهم، فأجابوه إلى ذلك، فبينما هم في ذلك إذ ورد عليهم كتاب شبيب يقول له: إنك كنت تريد الخروج، فإن كان ذلك من شأنك اليوم فأنت شيخ المسلمين، ولن نعدل بك أحداً، وإن أردت تأخير ذلك فأعلمني؛ فإن الآجال غاديةٌ ورائحة، ولا آمن أن تختر مني المنية، ولم أجاهد الظالمين.\rفكتب إليه صالح: إنه لم يمنعني من الخروج إلا انتظارك، فاخرج إلينا، فإنك ممن لا يستغنى عن رأيه، ولا تقضي دونه الأمور.\rفلما قرأ شبيب كتابه دعا نفراً من أصحابه؛ منهم أخوه مصاد ابن يزيد، والمحلل بن وائل اليشكري وغيرهم، وخرج بهم حتى قدم على صالح بدارا، فلما لقيه قال: اخرج بنا رحمك الله، فوالله ما تزداد السنة إلا دروساً، ولا يزداد المجرمون إلا طغياناً.\rفبث صالحٌ رسله، وواعد أصحابه للخروج هلال صفر سنة سبت وسبعين، فاجتمعوا عنده ليلة الموعد، فسأله بعض أصحابه عن القتال؛ أيكون قبل الدعاء أو بعده ؟ فقال: بل ندعوهم، فإنه أقطع لحجتهم. فقال: كيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا بهم، ما تقول في دمائهم وأموالهم ؟ فقال: إن قاتلنا فغنمنا فلنا، وإن عفونا فموسعٌ علينا.\rثم وعظ أصحابه وأمرهم بأمره، وقال لهم: إن أكثركم رجالة، وهذه دوابٌ لمحمد بن مروان فابدءوا بها، فاحملوا عليها راجلكم وتقووا بها على عدوكم.\rفخرجوا تلك الليلة فأخذوا الدواب، وأقاموا بأرض دارا ثلاث عشرة ليلة، وتحصن أهلها منهم وأهل نصيبين وسنجار، وكان خروجه في مائة وعشرين، وقيل: وعشرة.\rوبلغ ذلك محمد بن مروان وهو أمير الجزيرة يومئذ، فأرسل إليهم عدي بن عدي الكندي في ألفٍ، فسار من حران، وكأنه يساق إلى الموت، وأرسل عديٌ إلى صالح يسأله أن يخرج من هذه البلد، ويعلمه أنه يكره قتاله. وكان عديٌ ناسكاً، فأعاد صالح إليه: إن كنت ترى رأينا خرجنا عنك. فأرسل إليه: إني لا أرى رأيك، ولكني أكره قتالك وقتال غيرك. فقال صالح لأصحابه: اركبوا، فركبوا، وحبس الرسول عنده ومضى. فأتى عدياً وهو يصلي الضحى، فلم يشعروا إلا والخيل قد طلعت عليهم، وهو على غير تعبئة، فحمل عليهم شبيب وهو على ميمنة صالح، وسويد بن سليم وهو على ميسرته؛ فانهزموا، وأتى عدي بدابته فركبها، وانهزم. وجاء صالح فنزل في معسكره، وأخذ ما فيه، ودخل أصحاب عدي على محمد ابن مروان فغضب على عدي. ثم دعا خالد بن جزء السلمي، فبعثه في ألف وخمسمائة، وبعث الحارث بن جعونة في ألف وخمسمائة، وقال: اخرجا إلى هذه المارقة، وأغذا السير، فأيكما سبق فهو الأمير على صاحبه، فخرجا متساندين يسألان عن صالح؛ فقيل: إنه نحو آمد، فقصداه، فوجه صالح شبيباً في شطر من أصحابه إلى الحارث، وتوجه هو نحو خالد، فالتقيا، واقتتلوا وقت العصر أشد قتال حتى أمسوا، وقد كثر الجراح في الفريقين، فلما حال بينهما الليل خرج صالح وأصحابه، فساروا حتى قطعوا أرض الجزيرة والموصل، وانتهوا إلى الدسكرة.","part":6,"page":20},{"id":2521,"text":"فلما بلغ خبرهم الحجاج سرح إليهم الحارث بن عميرة في ثلاثة آلاف من أهل الكوفة، فلقيهم صالح في تسعين رجلا، وذلك لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، فاقتتلوا. فانهزم سويد بن سليم بميسرة صالح، وثبت صالح، فقاتل حتى قتل، وقاتل شبيب حتى صرع عن فرسه، فحمل عليهم راجلاً فانكشفوا عنه، فنادى: إلي يا معشر المسلمين، فلاذوا به. فقال لأصحابه: ليجعل كل واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه، وليطاعن عدوه حتى ندخل هذا الحصن ونرى رأينا. ففعلوا ذلك، ودخلوا الحصن، وهم سبعون رجلا، وأحاط بهم الحارث، وأحرق عليهم الباب، وقال: إنهم لا يقدرون على الخروج منه. وكانت هذه الوقعة بقرية يقال لها المدبج.\rبيعة شبيب بن يزيد\rالشيباني ومحاربته الحارث بن عميرة وهزيمة الحارث قال: ولما أحرق الحارث الباب على شبيب انصرف إلى عسكره وقال: إنهم لا يقدرون على الخروج منه؛ فنصبحهم غداً فنقتلهم. فقال شبيب لأصحابه: ما تنتظرون ؟ فوالله لئن صبحكم هؤلاء إنه لهلاككم. فقالوا: مرنا بأمرك. فقال: بايعوني أو من شئتم من أصحابكم، واخرجوا بنا إليهم، فإنهم آمنون، فبايعوه، وأتوا باللبود فبلوها وجعلوها على جمر الباب وخرجوا. فلم يشعر الحارث إلا وهم بينهم بالسيوف، فصرع الحارث، فاحتمله أصحابه وانهزموا نحو المدائن، وحوى شبيب عسكرهم، فكان ذلك أول جيش هزمه.\rحروب شبيب وعنزة\rقال: ثم لقي شبيب سلامة بن سيار التيمي، تيم شيبان، بأرض الموصل، فدعاه إلى الخروج معه فشرط عليه سلامة أن ينتخب ثلاثين فارساً ينطلق بهم نحو عنزة ليوقع بهم، فإنهم كانوا قتلوا أخاه فضالة، وكان فضالة قد خرج في ثمانيه عشر رجلا حتى نزل ماءً يقال له الشجرة وبه عنزة نازلون، فنهضت عنزة فقتلوه ومن معه وأتوا برؤوسهم إلى عبد الملك فأنزلهم بانقيا، وفرض لهم، وكان خروج فضالة قبل خروج صالح، فأجابه شبيب فخرج حتى انتهى إلى عنزة، فجعل يقتل المحلة بعد المحلة حتى انتهى إلى فريق منهم فيه خالته قد أكبت على ابنٍ لها وهو غلامٌ حين احتلم، فأخرجت ثديها إليه وقالت: أنشدك ترحم هذا يا سلامة. فقال: لا والله ما رأيت فضالة مذ أناخ بأرض الشجرة. لتقومن عنه أو لأجمعنكما بالرمح، فقامت عنه. فقتله.\rذكر مسيرة شبيب إلى بني شيبان وإيقاعه بهم ودخولهم معه\rقال: ثم أقبل شبيب بخيله نحو راذان فهرب منه طائفةٌ من بني شيبان، ومعهم ناسٌ قليلٌ من غيرهم، فأقبلوا حتى نزلوا ديراً خراباً إلى جنب حولايا، وهم نحو ثلاثة آلاف، وشبيبٌ في سبعين رجلا أو يزيدون قليلا، فنزل بهم فتحصنوا منه فجعل أخاه مصاد بن يزيد يحاصرهم، وتوجه إلى أمه ليأخذها وهو في اثني عشر رجلا؛ فمر في طريقه بجماعة من بني تيم بن شيبان في أموالهم مقيمين؛ لا يرون أن شبيبا يمر بهم. ولا يشعر بمكانهم، فحمل عليهم فقتل ثلاثين شيخا فيهم حوثرة بن أسد، ومضى إلى أمه؛ وأشرف رجلٌ من الدير على أصحاب شبيب، فقال: يا قوم؛ بيننا وبينكم القرآن، قال الله تعالى: \" وإن أحَدٌ مِنَ المشرِكين اسْتَجَاركَ فأجِرْهُ حتى يَسْمَع كلامَ اللهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مأْمَنَهُ \" . فكفوا عنا حتى نخرج إليكم بأمانٍ وتعرضوا علينا أمركم، فإن قبلناه حرمت عليكم دماؤنا وأموالنا، وإن نحن لم نقبله رددتمونا إلى مأمننا، ثم رأيتم رأيكم. فأجابوهم فخرجوا إليهم، فعرض عليهم أصحاب شبيب قولهم، فقبلوه كله، فنزلوا إليهم، وجاء شبيب فأخبر بذلك، فقال: أصبتم ووفقتم.\rشبيب وسفيان الخثعمي","part":6,"page":21},{"id":2522,"text":"قال: ثم ارتحل شبيب، وخرج معه طائفة، وأقامت طائفة؛ فسار في أرض الموصل نحو أذربيجان. وكتب الحجاج إلى سفيان ابن أبي العالية الخثعمي يأمره بالقفول، وكان معه ألف فارس يريد أن يدخل بها طبرستان. فلما أتاه كتاب الحجاج صالح صاحب طبرستان ورجع، فأمره الحجاج أن ينزل الدسكرة حتى يأتيه جيش الحارث بن عميرة الهمداني وتأتيه خيل المناظر، ثم يسير إلى شبب. فأقام بالدسكرة ونودي في جيش الحارث: الحرب بالكوفة والمدائن، فخرجوا حتى أتوا سفيان، وأتته خيل المناظر عليهم سورة ابن أبجر التميمي، وكتب إليه سورة بالتوقف حتى يلحقه، فعجل سفيان في طلب شبيب، فلحقه بخانقين وارتفع شبيب عنهم، وأكمن له أخاه مصاداً في خمسين رجلا، ومضى في سفح الجبل، فقالوا: هرب عدو الله، فاتبعوه، فقال لهم عدي بن عميرة الشيباني: لا تعجلوا حتى تبصروا الأرض لئلا يكون قد أكمن بها كميناً، فلم يلتفتوا واتبعوه، فلما جازوا الكمين عطف عليهم شبيب، وخرج أخوه في الكمين، فانهزم الناس بغير قتال، وثبت سفيان في نحو مائتين؛ فقاتلهم قتالاً شديداً، ثم نجا حتى انتهى إلى بابل مهروذ وكتب إلى الحجاج بالخبر، ويعرفه وصول الجند إلا سورة بن أبجر فإنه لم يشهد معي القتال.\rشبيب وسورة\rقال: ولما وصل كتاب سفيان إلى الحجاج كتب إلى سورة ابن أبجر يلومه ويتهدده، ويأمره أن ينتخب من المدائن خمسمائة فارس ويسير بهم وبمن معه إلى شبيب، فسار سورة بهم نحو شبيب، وشبيب في جوخي، وسورة في طلبه حتى انتهى إلى المدائن، فتحصن منه وأخذ منها دواب وقتل من ظهر له، وخرج حتى انتهى إلى النهروان فصلوا وترحموا على أصحابهم الذين قتلهم علي رضي الله عنه وتبرءوا من علي وأصحابه. وبلغ سورة خبره، فجمع أصحابه وقال: إن شبيبا لا يزيد على مائة رجل، وقد رأيت أن أنتخبكم فأسير في ثلاثمائة من شجعانكم وآتيه، فأجابوه إلى ذلك، فسار في ثلاثمائة نحو النهروان، وأذكى شبيبٌ الحرس، فلما دنا أصحاب سورة علموا بهم، فاستووا على خيولهم، وتعبئوا تعبئتهم للحرب؛ فلما انتهى إليهم سورة رآهم قد حذروا، فحمل عليهم فثبتوا له، وصاح شبيب بأصحابه فحملوا عليهم وشبيب يقول:\rمن ينك العير ينك نيّاكا ... جندلتان اصطكّتا اصطكاكا\rفرجع سورة إلى عسكره وقد هزم الفرسان وأهل القوة، فتحمل بهم، وأقبل نحو المدائن، فتبعه شبيب يرجو أن يدركه، فوصل إليهم، وقد دخل الناس المدائن، فمر على كلواذا، فأصاب بها دواب كثيرة للحجاج، فأخذها ومضى إلى تكريت، وأرجف الناس بالمدائن بوصول شبيب إليهم، فهرب من بها من الجند نحو الكوفة، وحبس الحجاج سورة ثم أطلقه.\rشبيب والجزل\rبن سعيد وقتل سعيد بن مجالد قال: ولما قدم الفل الكوفة سير الحجاج الجزل بن سعيد ابن شرحبيل الكندي، واسمه عثمان، نحو شبيب، وأوصاه بالاحتياط وترك العجلة، وأخرج معه أربعة آلاف ليس فيهم أحدٌ ممن هزم، فقدم الجزل بين يديه عياض بن أبي لينة الكندي، فساروا في طلب شبيب وهو يخرج من رستاقٍ إلى رستاق، يقصد بذلك أن يفرق الجزل أصحابه فيلقاه وهو على غير تعبئة، فجعل الجزل لا يسير إلا على تعبئة، ولا ينزل إلا خندق على نفسه.\rفلما طال ذلك على شبيب دعا أصحابه وكانوا مائةً وستين رجلاً، ففرقهم أربع فرق كل فرقة أربعين، فجعل أخاه مصادا في أربعين، وسويد بن سليم في أربعين، والمحلل بن وائل في أربعين، وبقي هو في أربعين. وأتته عيونه، فأخبروه أن الجزل يريد يزدجرد، فسار شبيب، وأمر كل رأس من أصحابه أن يأتي الجزل من جهة ذكرها له، وقال: إني أريد أن أبيته، فسار أخوه فانتهى إلى دير الخرارة، فرأى للجزل مسلحة مع ابن أبي لينة، فحمل عليهم مصاد فيمن معه، فقاتلوه ساعةً، ثم اندفعوا بين يديه، وقد أدركهم شبيب، فقال: اركبوا أكتافهم لتدخلوا عليهم عسكرهم إن استطعتم.","part":6,"page":22},{"id":2523,"text":"فاتبعوهم فانتهوا إلى عسكرهم، فمنعهم أصحابهم من دخول خندقهم، وكان للجزل مسالح أخرى فرجعت، فمنعهم من دخول الخندق، وجعل شبيب يحمل على المسالح حتى اضطرهم إلى الخندق، ورشقهم أهل العسكر بالنبل. فلما رأى شبيب أنه لا يصل إليهم سار عنهم وتركهم، ثم نزل هو وأصحابه فاستراحوا، ثم أقبل بهم راجعاً إلى الجزل، فأقبلوا وقد أدخل أهل العسكر مسالحهم إليهم وأمنوا، فما شعروا إلا بوقع حوافر الخيل، فانتهوا إليهم قبل الصبح، وأحاطوا بعسكرهم من جهاته الأربع، ثم انصرف شبيب وتركهم، ولم يظفر بهم، فنزل على ميل ونصف، ثم صلى الغداة وسار نحو جرجرايا، وأقبل الجزل في طلبهم على تعبئته، وسار شبيب في أرض الجوخي وغيرها، فطال ذلك على الحجاج، فكتب إلى الجزل ينكر عليه إبطاءه ويأمره بمناهضتهم، فجد في طلبهم وبعث الحجاج سعيد بن المجالد على جيش الجزل، وأمره بالجد في قتال شبيب وترك المطاولة، فوصل سعيد إلى الجزل وهو بالنهروان وقد خندق عليه، فقام في العسكر ووبخهم وعجزهم.\rثم خرج، وأخرج معه الناس، وضم إليه خيول أهل العسكر ليسير بهم جريدة إلى شبيب ويترك الناس مكانهم، فنهاه الجزل عن ذلك، فلم ينته ولم يرجع إليه، وتقدم ومعه الناس، وأخذ شبيب إلى قطيطيا، فدخلها وأغلق الباب، وأمر دهقانها أن يصلح لهم غداء، فلم يتهيأ الغداء حتى أتاه سعيد في ذلك الجيش، فأعلم الدهقان شبيباً، فقال: لاب أس، قرب الغداء، فقربه فأكل وتوضأ وصلى ركعتين، وركب بغلاً، وخرج إلى سعيد وهو على باب المدينة فحمل عليهم، وقال: لا حكم إلا للحكم، فهزمهم وثبت سعيد، ونادى أصحابه، فحمل عليه شبيب، فضربه بالسيف فقتله، فانهزم ذلك الجيش، وقفلوا حتى انتهوا إلى الجزل، وكان قد وقف في بقية العسكر، فناداهم: أيها الناس، إلي إلي، وقاتل قتالاً شديداً حتى حمل جريحاً، وقدم المنهزمون الكوفة.\rوكتب الجزل إلى الحجاج بالخبر، وأقام بالمدائن، فكتب إليه الحجاج يشكره ويثني عليه، وأرسل إليه نفقةً ومن يداوي جراحه، وسار شبيب نحو المدائن فعلم أنه لا سبيل إلى أهلها؛ فأقبل حتى أتى الكرخ، فعبر دجلة إليه، وأرسل إلى أهل سوق بغداد فأمنهم، وكان يوم سوقهم، واشترى أصحابه دواب وغيرها.\rذكر مسير شبيب إلى الكوفة\rقال: ثم سار شبيب إلى الكوفة فنزل عند حمام عمر ابن سعد، فلما بلغ الحجاج مكانه بعث سويد بن عبد الرحمن السعدي في ألفي رجل، وقال له: الق شبيباً فإن استطرد لك فلا تتبعه. فخرج وعسكر بالسبخة، فبلغه أن شبيباً قد أقبل، فسار نحوه وأمر الحجاج عثمان بن قطن فعسكر بالناس في السبخة، فبينا سويد يعبيء أصحابه إذ قيل له: أتاك شبيب؛ فنزل ونزل معه جل أصحابه، ثم أخبر أنه قد عبر الفرات وهو يريد الكوفة من وجهً آخر، فركب هو ومن معه، وساروا في آثارهم، وبلغ من بالسبخة إقبال شبيب فهموا بدخول الكوفة، ثم قيل لهم: إن سويداً في آثارهم قد لحقهم وهو يقاتلهم، فثبتوا، وحمل شبيب على سويد ومن معه حملةً منكرة، ثم أخذ على بيوت الكوفة نحو الحيرة، وذلك عند المساء، وتبعه سويد إلى الحيرة، فرآه قد ترك وذهب، فتركه سويد وأقام حتى أصبح. وأرسل إلى الحجاج يعلمه الخبر.\rمحاربة شبيب أهل البادية\rقال: وكتب الحجاج إلى سويد يأثره باتباعه، فاتبعه، ومضى شبيب حتى أغار أسفل الفرات على من وجد من قومه، وارتفع إلى البر فأصاب رجالاً من بني الورثة، فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا، منهم: حنظلة بن مالك، ومالك بن حنظلة، ومضى حتى أتى بني أمية على اللصف، وعلى ذلك الماء الفزر بن الأسود، وهو أحد بني الصلت، وكان ينهى شبيبا عن رأيه، وكان شبيب يقول: لئن ملكت سبعة أعنة لأغزون الفزر، فلما بلغهم خبر شبيب ركب الفزر فرساً، وخرج من البيوت وانهزم. فرجع شبيب، وقد أخاف أهل البادية، فأخذ على القطقطانة ثم على قصر بني مقاتل، ثم على الأنبار، ومضى حتى دخل دقوقاء، ثم ارتفع إلى أداني أذربيجان، فلما أبعد سار الحجاج إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن شعبة، فأتاه الخبر بإقبال شبيب نحو الكوفة، فكتب إلى الحجاج بذلك، فأقبل من البصرة مجداً نحو الكوفة فسابق شبيباً إليها.\rدخول شبيب الكوفة","part":6,"page":23},{"id":2524,"text":"قال: وأقبل شبيب إلى الكوفة فسابق الحجاج إليها، فطوى الحجاج المنازل، فوصل الكوفة صلاة العصر، ونزل شبيب السبخة صلاة المغرب، فأكلوا شيئا ثم ركبوا خيولهم فدخلوا الكوفة وبلغوا السوق، وضرب شبيب باب القصر بعموده، فأثر فيه أثرا عظيماً، ووقف عند المصطبة، ثم قال:\rعبد دعىّ من ثمودٍ أصله ... لا بل يقال أبو أبيهم يقدم\rيعني الحجاج، فإن بعض الناس يقول: إن ثقيفاً بقايا ثمود، ومنهم من يقول: هم من نسل يقدم الإيادي.\rثم اقتحموا المسجد الأعظم، وكان لا يفارقه قوم يصلون فيه، فقتاوا عقيل بن صعب الوادعي، وعدي بن عمرو الثقفي، وأبا ليث ابن أبي سليم؛ ومروا بدار حوشب وهو على الشرط - فقالوا: إن الأمير يطلبه، فأراد الركوب، ثم أنكرهم فلم يخرج إليهم، فقتلوا غلامه. ثم مروا بمسجد بني ذهل، فرأوا ذهل بن الحارث فقتلوه، ثم خرجوا من الكوفة، فاستقبلهم النضر بن القعقاع بن شور الذهلي، وكان قد أقبل مع الحجاج من البصرة، فتخلف عنه فقتلوه، ثم خرجوا نحو المردمة، وأمر الحجاج منادياً فنادى: يا خيل الله اركبي؛ فأتاه الناس من كل جانب، فبعث بشر بن غالب الأسدي في ألفي رجل، وزائدة بن قدامة الثقفي في ألفي رجل، وأبا الضريس مولى بني تميم في ألفي رجل، وعبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، وزياد ابن عمرو العتكي، وسير معهم محمد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، وكان عبد الملك قد استعمله على سجستان، وكتب إلى الحجاج أن يجهزه، فقال له الحجاج: تلقى شبيباً فتجاهده، فيكون الظفر لك، ويظهر اسمك ثم تمضى إلى عملك.\rوقال الحجاج لهؤلاء الأمراء: إن كان حربٌ فأميركم زائدة ابن قدامة. فساروا فنزلوا أسفل الفرات، فترك شبيب الوجه الذي هم فيه وأخذ نحو القادسية.\rمحاربة شبيب\rزحر بن قيس وهزيمة جيش زحر قال: ووجه الحجاج جريدة خيلٍ اختارهم ألف وثمانمائة فارس مع زحر بن قيس، وقال له: اتبع شبيباً حتى تواقعه أين أدركته إلا أن يكون ذاهباً فاتركه ما لم يعطف عليك؛ فخرج زحر حتى انتهى إلى السيلحين، وأقبل شبيب نحوه فالتقيا، فجمع شبيب خيله، ثم اعترض بهم الصف حتى انتهى إلى زحر، فقاتل زحر حتى صرع، وانهزم أصحابه وظنوا أنهم قتلوه، فلما كان السحر قام يمشي حتى دخل قريةً فبات بها، وحمل منها إلى الكوفة وبوجهه ورأسه بضع عشرة جراحة، فمكث أياماً. ثم أتى الحجاج فأجلسه معه على السرير، وقال: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي في الناس فلينظر إلى هذا.\rذكر محاربته الأمراء الذين ندبهم الحجاج لقتاله وقتال محمد بن موسى بن طلحة وزائدة بن قدامة\rقال: لما هزم شبيب أصحاب زحر قال له أصحابه نصرف بنا الآن وافرين، فقد هزمنا لهم جنداً. فقال: إن هذه الهزيمة قد أرعبت قلوب الأمراء والجنود الذين في طلبكم؛ فاقصدوهم، فوالله لئن قاتلناهم ما دون الحجاج مانع، ونأخذ الكوفة إن شاء الله.\rفقالوا: نحن لرأيك تبع، وسأل عن الأمراء فقيل: إنهم بروذبار على أربعة وعشرين فرسخا من الكوفة؛ فقصدهم فانتهى إليهم وقد تعبئوا للحرب، وأمير الجماعة زائدة بن قدامة، وعلى ميمنته زياد بن عمرو العتكي، وعلى الميسرة بشر بن غالب الأسدي، وكل أمير واقفٌ في أصحابه.\rوأقبل شبيب في ثلاث كتائب: كتيبة فيها سويد بن سليم وقف بإزاء الميمنة، وكتيبة فيها مصاد أخو شبب وقف بإزاء الميسرة، ووقف شبيب مقابل القلب. فحمل سويد على زياد فانكشف أهل الميمنة، وثبت زياد في نحوٍ من نصف أصحابه، ثم ارتفع عنهم سويد قليلاً، ثم حمل ثانية فتطاعنوا ساعةً، واقتتلوا أشد قتال، ثم ارتفع سويد عنهم، فتفرق أصحاب زياد بن عمرو من كل جانب، فحمل عليهم الثالثة فانهزموا وأخذت السيوف زياد بن عمرو من كل جانب فلم تضره للباسه، فانهزم وقد جرح جراحةً يسيرة، وذلك عند المساء، ثم حملوا على عبد الأعلى بن عبد الله ابن عامر، فهزموه، ولم يقاتل كثيراً، ولحق بزياد؛ فمضيا منهزمين.","part":6,"page":24},{"id":2525,"text":"وحملت الخوارج على محمد بن موسى بن طلحة عند المغرب، فقاتلوه قتالاً شديداً، وحمل مصاد على بشر بن غالب، وهو في ميسرة أهل الكوفة، فصبر بشر، ونزل ونزل معه نحو خمسين رجلاً، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، وانهزم أصحابه، وحملت الخوارج على أبي الضريس مولى بني تميم، وهو يلي بشر بن غالب، فهزموه حتى انتهى إلى موقف أعين، ثم حملوا عليه وعلى أعين، فهزموهما حتى انتهوا بهما إلى زائدة بن قدامة، فنادى زائدة: يأهل الإسلام؛ الأرض، الأرض، لا يكونوا على كفرهم أصبر منكم على إيمانكم، فقاتلهم عامة الليل حتى كان السحر، ثم إن شيباً حمل عليه في جماعة من أصحابه، فقتله وقتل أصحابه، فلما قتل دخل أبو الضريس وأعين جوسقاً عظيما، وقال شبيب لأصحابه: ارفعوا السيف عنهم، وادعوهم إلى البيعة، فدعوهم إلى البيعة عند الفجر، فبايعوه وسلموا عليه بإمرة المؤمنين، وكان فيمن بايعه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، فلما طلع الفجر أمر محمد بن موسى بن طلحة مؤذنه فأذن، وكان لم ينهزم. فقال شبيب: ما هذا ؟ قالوا: محمد بن موسى لم يبرح، فقال: قد ظننت أن حمقه وخيلاءه يحمله على هذا. ثم نزل شبيب فأذن هو وصلى بأصحابه الصبح، ثم ركبوا فحملوا على محمد وأصحابه، فانهزمت طائفةٌ منهم، وثبتت معه طائفةٌ، فقاتل حتى قتل، وأخذت الخوارج ما في العسكر، وانهزم الذين كانوا بايعوا شبيباً بجملتهم، ثم أتى شبيب الجوسق الذي فيه أعين وأبو الضريس فتحصنوا منه، فأقام عليهم يومه ذلك، وسار عنهم فأتى خانيجار فأقام بها، وبلغ الحجاج مسيره، فظن أنه يريد المدائن، فهاله ذلك، فبعث عثمان بن قطن أميراً على المدائن وعزل عنها عبيد الله بن أبي عصيفير.\rوقيل في مقتل محمد بن موسى: أنه قتله مبارزةً، وذلك أنه كان شهد مع عمر بن عبيد الله بن معمر قتال أبي فديك، وكان شجاعاً ذا بأس، فزوجه عمر ابنته، وكانت أخته تحت عبد الملك ابن مروان، فولاه سجستان، فمر بالكوفة وفيها الحجاج، فقيل له: صار هذا بسجستان مع صهره لعبد الملك، فلو لجأ إليه أحدٌ ممن يطلب منعك منه. قال: فما الحيلة ؟ قال: تأتي إليه، وتسلم عليه، وتذكر نجدته وبأسه، وأن شبباً في طريقه، وأنه قد أعياك، وترجو أن يريح الله منه على يده، فيكون له ذكره وفخره.\rففعل الحجاج ذلك، فأجابه محمد، وعدل إلى شبيب، فأرسل إليه شبيب إنك مخدوع، وإن الحجاج قد اتقى بك، وأنت جار لك حق، فانطلق لما أمرت به ولك الله أني لا أضرك فأبى إلا محاربته، فواقفه شبيب، وأعاد عليه الرسول، فأبى وطلب البراز فبرز إليه شبيب، وقال له: أنشدك الله في دمك؛ فإن لك جواراً، فأبى. فحمل عليه شبيب فضربه بعمود حديد زنته اثنا عشر رطلا بالشامي، فهشم البيضة ورأسه، فسقط فكفنه شبيب ودفنه، وابتاع ما غنمه من عسكره فبعثه إلى أهله واعتذر شبيب إلى أصحابه، وقال: هو جاري، ولي أن أهب ما غنمت.\rذكر محاربته عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وعثمان بن قطن وقتل ابن قطن\rقال: ثم إن الحجاج أمر عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث أن ينتخب ستة آلاف فارس ويسير بهم في طلب شبيب أين كان، ففعل ذلك، وسار نحوه، فسار شبيب إلى دقوقاء وشهرزور، وعبد الرحمن في طلبه حتى انتهى إلى التخوم، فوقف وقال: هذه أرض الموصل، فليقاتلوا عنها.\rفكتب إليه الحجاج: أما بعد فاطلب شبباً واسلك في أثره أين سلك حتى تدركه فتقتله أو تنفيه، فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين والجند جنده.\rفخرج عبد الرحمن في طلبه، فكان شبيب يدعه حتى يدنو منه فيبيته فيجده قد خندق على نفسه وحذر، فيتركه ويسير فيتبعه عبد الرحمن، فإذا بلغ شبيباً مسيرهم أتاهم وهم سائرون فيجدهم على تبعئةٍ فلا يصيب لهم غرةً، ثم جعل إذا دنا منه عبد الرحمن يسير عشرين فرسخا، ونحوها، وينزل في أرض خشنة غليظة، ويتبعه عبد الرحمن، فإذا دنا منه فعل مثل ذلك حتى أتعب ذلك الجيش، وشق عليهم، وأخفى دوابهم.\rولم يزل عبد الرحمن يتبعه حتى مر به على خانقين وجلولاء وتامرا، ثم أقبل إلى البت، وهي من قرى الموصل ليس بينها وبين سواد الكوفة إلا نهر حولايا، وذلك في عشر ذي الحجة سنة ست وسبعين، فأرسل شبيب إلى عبد الرحمن: إن هذه أيام عيدٍ لنا ولكم يعني عيد النحر، فهل لك في الموادعة حتى تمضي هذه الأيام ؟ فأجابه إلى ذلك، وكان يحب المطاولة.","part":6,"page":25},{"id":2526,"text":"وكتب عثمان بن قطن أمير المدائن إلى الحجاج يقول: أما بعد فإن عبد الرحمن قد حفر جوخي كلها خندقاً واحداً، وكسر خراجها، وخلى شبيباً يأكل أهلها. والسلام.\rفكتب إليه الحجاج يأمره بالمسير إلى الجيش، وأمره عليهم، وعزل عنهم عبد الرحمن، وبعث إلى المدائن مطرف بن المغيرة ابن شعبة، فسار عثمان حتى قدم على العسكر عشية الثلاثاء يوم التروية؛ فنادى لانسا - وهو على بغلةٍ: أيها الناس، اخرجوا إلى عدوكم، فقالوا: هذا المساء قد غشينا والناس لم يوطنوا أنفسهم على لاحرب، فبت الليلة ثم اخرج على تعبئة، فأبى ذلك، ثم نزل وبات ليلته يحرض أصحابه، فلما أصبح يوم الأربعاء خرج بالناس كلهم، فاستقبلتهم ريحٌ شديدة وغبرة، فقال له أصحابه: ننشدك الله أن تخرج بنا والريح علينا. فأقام بهم ذلك اليوم، ثم خرج يوم الخميس، ثم عبأهم، فجعل في الميمنة خالد بن نهيك بن قيس، وعلى الميسرة عقيل بن شداد، ونزل هو في الرجالة، وعبر شبيب إليهم النهر، وهو يومئذ في مائةٍ وأحد وثمانين رجلا، فوقف هو في الميمنة، وجعل أخاه مصاداً في القلب، وجعل سويد بن سليم في الميسرة، وزحف بعضهم إلى بعض، فحمل شبيب على ميسرة عثمان فانهزموا، ونزل عقيل بن شداد فقاتل حتى قتل، وقتل مالك ابن عبد الله الهمداني، ودخل شبيب عسكرهم، وحمل سويد على ميمنة عثمان فهزمها، فقاتل خالد بن نهيك قتالاً شديداً، وحمل شبيب من ورائه فقتله، وتقدم عثمان بن قطن وقد نزل معه العرفاء وأشراف الناس والفرسان نحو القلب وفيه مصاد أخو شبيب في نحوٍ من ستين رجلا، فشد عليهم عثمان فيمن معه فثبتوا له.\rوحمل شبيب بالخيل من روائهم فما شعروا إلا والرماح في أكتافهم تكبهم لوجوههم، وعطف عليهم سويد بن سليم في خيله، وقاتل عثمان بن قطن أحسن قتال، ثم أحاطوا به، وضربه مصاد بن يزيد ضربةً بالسيف استدار لها وقال: وكان أمر الله مفعولا.\rثم قتل، وسقط عبد الرحمن عن فرسه، فأتاه ابن أبي سبرة الجعفي وهو على بغلةٍ فأركبه معه، ونادى في الناس: الحقوا بدير أبي مريم، ثم انطلقا ذاهبين، ثم أتاه واصل بن الحارث السكوني ببرذون فركبه وسار حتى نزل دير البقار، وأمر شبيب أصحابه فرفعوا السيف عن الناس، ودعاهم إلى البيعة فبايعوه، وقتل يومئذ من كندة مائة وعشرون، وبات عبد الرحمن بدير البقار، فأتاه فارسان، فصعدا إليه فخلا به أحدهما طويلاً ثم نزلا؛ فقيل: إن ذلك الرجل كان شبيباً، وكان بينه وبين عبد الرحمن مكاتبةٌ، وسار عبد الرحمن حتى أتى دير أبي مريم، فاجتمع الناس إليه وقالوا له: إن سمع شبيبٌ بمكانك أتاك فكنت له غنيمة.\rفخرج إلى الكوفة واختفى من الحجاج حتى أخذ له الأمان منه، وكانت هذه الوقاع التي ذكرناها كلها من أخبار شبيب في سنة ست وسبعين.\rذكر محاربة عتاب بن ورقاء وزهرة بن حوية وقتلهما\rوفي سنة سبع وسبعين أتى شبيب ماه بهراذان فصيف بها ثلاثة أشهر، وكان حين هزم ذلك الجيش حر شديد، فلما صيف هناك أتاه ناس كثير ممن يطلب الدنيا وممن كان الحجاج يطلبهم بمال أو تبعات.\rفلما ذهب الحر خرج في نحو ثمانمائة رجل، فأقبل نحو المدائن، وعليها مطرف بن المغيرة بن شعبة، فجاء حتى نزل قناطر حذيفة ابن اليمان، فكتب مهروذ عظيم بابل إلى الحجاج بذلك، فقام الحجاج في الناس فقال: أيها الناس، لتقاتلن عن بلادكم وعن بنيكم أو لأبعثن إلى قوم هم أطوع وأصبر على اللأواء والقيظ منكم، فيقاتلون عدوكم ويأكلون فيئكم.\rفقام إليه الناس من كل جانب فقالوا: نحن نقاتلهم فليندبنا الأمير إليهم، وقام زهرة بن حوية - وهو شيخ كبير، فقال: أصلح الله الأمير، إنما تبعث إليهم الناس متقطعين، فاستنفر الناس إليهم كافة، وابعث إليهم رجلاً شجاعاً مجربا ممن يرى الفرار هضما وعاراً، والصبر مجداً وكرماً.\rفقال الحجاج: فأنت ذاك الرجل، فاخرج.\rفقال: أصلح الله الأمير، إنما يصلح رجل يحمل الدرع والرمح، ويهز السيف، ويثبت على الفرس، وأنا لا أطيق شيئاً من هذا، وقد ضعف بصرى، ولكن أخرجني في الناس مع الأمير فأشير عليه برأيي.\rفقال له الحجاج: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله في أول أمرك وآخره.\rثم قال: أيها الناس، سيروا بأجمعكم كافة، فخرج الناس يتجهزون ولا يدرون من أميرهم.","part":6,"page":26},{"id":2527,"text":"وكتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره أن شبيباً قد شارف المدائن؛ وأنه يريد الكوفة، وقد عجز أهلها عن قتاله في مواطن كثيرة، يقتل أمراءهم وبهزم جندهم؛ وسأله أن يبعث جنداً من الشام يقاتلون الخوارج، ويأكلون البلاد. فبعث عبد الملك سفيان بن الأبرد الكلبي في أربعة آلاف، وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي في ألفين، وبعث الحجاج إلى عتاب بن ورقاء يستدعيه، وكان يقاتل الازارفة مع المهلب كما تقدم.\rواشتشار الحجاج أهل الكوفة فيمن يوليه أمر الجيش، فقالوا: رأيك أفضل. فقال: قد بعثت إلى عتاب بن ورقاء وهو قادم عليكم الليلة أو القابلة؛ فقال زهرة: رميتهم بحجرهم، والله لا يردع إليك حتى يظفر أو يقتل. وقال له قبيصة بن والق: إن الناس قد تحدثوا أن جيشاً قد وصل إليك من الشام، وأن أهل الكوفة قد هزموا وهان عليهم الفرار، فقلوبهم كأنها ليست فيهم؛ فإن رأيت أن تبعث إلى أهل الشام ليأخذوا حذرهم، فإنك تحارب حولاً قلباً ظعاناً رحالاً، وقد جهزت إليهم أهل الكوفة ولست واثقاً بهم كل الثقة، فإن شبيباً بينا هو في أرض إذا هو في أخرى، ولا آمن أن يأتي أهل الشام وهم آمنون؛ فإن يهلكوا تهلك ويهلك أهل العراق.\rفقال: لله أبوك، ما أحسن ما أشرت به ! وأرسل إلى أهل الشام يحذرهم ويأمرهم أن يأتوا على عين التمر، ففعلوا، وقدم عتاب بن ورقاء تلك الليلة، فبعثه الحجاج على ذلك الجيش، فعسكر بحمام أعين، وأقبل شبيب حتى انتهى إلى كلواذا فقطع منها دجلة، ثم سار حتى نزل مدينة بهرسير الدنيا، وهي المدائن الغربية، فصار بينه وبين مطرفٍ دجلة، فقطع مطرف الجسر، وبعث إلى شبيب أن ابعث إلي رجالا من وجوه أصحابك أدارسهم القرآن وأنظر فيما يدعون إليه، فبعث إليه بمعتب بن سويد والمحلل وغيرهما، وأخذ منه رهائن على عود أصحابه، فأقاموا عنده أربعة أيام، ثم أعادهم، ولم يتفقوا، فلما لم يتبعه مطرف تهيأ للمسير إلى عتاب. وأقبل عتاب حتى نزل بسوق حكمة وقد خرج معه من المقاتلة أربعون ألفاً، ومن الشباب والأتباع عشرة آلاف، فكانوا خمسين ألفاً. وكان الحداد قد قال لهم حين ساروا: ألا إن للسائر المجد الكرامة والأثرة، وللهارب الهوان والجفوة، والذي لا إله غيره لئن فعلتم في هذا الموطن كفعلكم في غيره من المواطن لأولينكم كنفاً خشناً، ولأعركمكم بكلكل ثقيل.\rوسار شبيب من المدائن وأصحابه ألف رجل، فتخلف عنه بعضهم، فصلى الظهر بساباط، وصلى العصر، وسار حتى أشرف على عتاب وعسكره، فلما رآهم نزل فصلى المغرب؛ وكان عتاب قد عبأ أصحابه، فجعل في الميمنة محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس، وفي الميسرة نعم بن عليم، وبعث حنظلة بن الحارث اليربوعي - وهو ابن عمه على الرجالة، وصفهم ثلاثة صفوف: صف فيهم أصحاب السيوف، وصف فيهم أصحاب الرماح، وصف فيهم الرماة، ثم سار في الناس يحرضهم على القتال، ورجع فجلس في القلب، ومعه زهرة بن حوية جالس، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وأبو بكر ابن محمد بن أبي جهم العدوي.\rوأقبل شبيب وهو في ستمائة، وقد تخلف عنه من أصحابه أربعمائة؛ فجعل سويد بن سليم في الميسرة في مائتين، والمحلل بن وائل في القلب في مائتين، ووقف هو في الميمنة في مائتين، وذلك بين المغرب والعشاء الآخرة حين أضاء القمر، فناداهم: لمن هذه الرايات ؟ قالوا: لربيعة. قال: طالما نصرت الحق، وطالما نصرت الباطل؛ والله لأجاهدنكم محتسباً، أنا شبيب، لا حكم إلا للحكم، اثبتوا إن شئتم.\rثم حمل عليهم ففضهم، فثبت أصحاب رايات قبيصة بن والق، وعبيد بن الحليس، ونعيم بن عليم، فقتلوا، وانهزمت الميسرة كلها، ثم حمل شبيب على عتاب بن ورقاء، وحمل سويد بن سليم على الميمنة وعليها محمد بن عبد الرحمن، فقاتلهم في رجال من تميم وهمدان؛ فما زالوا كذلك حتى قيل لهم: قتل عتاب، فانفضوا. ولم يزل عتاب جالساً على طنفسته في القلب ومعه زهرة بن حوية حتى عشيهم شبيب، فقال عتاب: يا زهرة، هذا يوم كثر فيه العدد وقل فيه الغناء، والهفي على خمسمائة فارس من تميم من جميع الناس","part":6,"page":27},{"id":2528,"text":"ألا صابر لعدوه ! ألا مواس بنفسه ! فانقضوا عنه وتركوه، فلما دنا منه شبيب وثب في عصابة قليلة صبرت معه؛ وقاتل ساعة، فرآه رجل من أصحاب شبيب يقال له عامر بن عمرو التغلبي، فحمل عليه فطعنه، وجاء الفضل بن عامر الشيباني إلى زهرة فقتله، وتمكن شبيب من أهل العسكر والناس، فقال: ارفعوا السيف. ودعاهم إلى البيعة، فبايعه الناس وهربوا من ليلتهم، وحوى ما في العسكر. وأقام شبيب بعد الوقعة ببيت قرة يومين، ثم سار نحو الكوفة فنزل بسورا. وقتل عاملها، وكان سفيان بن الأبرد وعسكر الشام قد دخلوا الكوفة فشدوا ظهر الحجاج، واستعنى بهم عن أهل الكوفة، وقام على المنبر فقال: يا أهل الكوفة، لا أعز الله من أرادبكم العز، ولا نصر من أراد بكم النصر، اخرجوا عنا فلا تشاهدوا معنا قتال عدونا، انزلوا الحيرة مع اليهود والنصارى، ولا يقاتل معنا إلا من لم يشهد قتال عتاب.\rقدوم شبيب الكوفة وانهزامه عنها\rقال: ثم سار شبيب من سورا فنزل حمام أعين، فدعا الحجاج الحارث بن معاوية الثقفي، فوجهه في ناس من الشرط وغيرهم لم يشهدوا يوم عتاب، فخرجوا في ألف فنزلوا زرارة، فبلغ ذلك شبيباً، فعجل إلى الحارث، فلما انتهى إليه حمل عليه فقتله، وانهزم أصحابه، فدخلوا الكوفة، وجاء شبيب فعسكر بنا حية الكوفة فأقام ثلاثا، فنزل السبخة، وابتنى بها مسجداً، وذلك في اليوم الثاني من الأيام الثلاثة.\rفلما كان اليوم الثالث أخرج الحجاج أبا الورد مولاه عليه تجفاف ومعه غلمان له، فقالوا: هذا الحجاج ! فحمل عيه شبيب فقتله، فأخرج إليه غلامه طهمان في مثل تلك العدة والحالة، فقتله شبيب، وقال: إن كان هذا الحجاج فقد أرحتكم منه.\rثم خرج الحجاج عند ارتفاع النهار من القصر، فركب بغلاً ومعه أهل الشام، فلما رأى الحجاج شبيبا وأصحابه نزل وجلس على كرسي، وتقدم إليه شبيب وأصحابه فلقوهم بأطراف الأسنة؛ فكان بينهم قتال شديد عامة النهار، حتى انتهى الحجاج إلى مسجد شبيب، فقال: هذا أول الفتح.\rثم قال خالد بن عتاب للحجاج: ائذن لي في قتالهم، فإني موتور. فأذن له، فخرج مصاداً أخا شبيب، وقتل امرأته غزالة، هذا وشبيب يقاتل الحجاج، وأتى الخبر الحجاج فكبر فعندها ركب شبيب وكان قد نزل فقاتل على الأرض، وقال الحجاج لأصحابه: احملوا عليهم، فإنه قد أتاهم ما أرعبهم؛ فشدوا على أصحاب شبيب فهزموهم، وثبت شبيب في حامية الناس، فبعث الحجاج إلى خيله أن دعوه، فتركوه ورجعوا، ودخل الحجاج الكوفة، وبعث حبيب بن عبد الرحمن الحكمي في ثلاثة آلاف فارس من أهل الشام، فخرج في أثره حتى نزل إلى الأنبار.\rوكان الحجاج قد نادى عند انهزام شبيب: من جاءنا منكم فهو آمن؛ فتفرق عن شبيب ناس كثير من أصحابه. فلما نزل حبيب الأنبار أتاهم شبيب، فلما دنا منهم نزل فصلى المغرب، وكان حبيب قد جعل أصحابه أرباعا، وقال: ليمنع كل ربع منكم جانبه فإن قاتل هذا الربع فلا يعنهم الربع الآخر. وأتاهم شبيب وهو على تعبئته فحمل على ربع، فقاتلهم طويلاً، فما زالت قدم إنسان عن موضعها فتركهم، وأقبل إلى ربع آخر، فكانوا كذلك، وقاتل الربع الثالث والرابع وهم كذلك، فما برح يقاتلهم حتى ذهب ثلاثة أرباع الليل، ثم نازلهم راجلاً، فسقطت بينهم الأيدي وكثرت القتلى، وفقئت الأعين، وقتل من أصحاب شبيب نحو ثلاثين رجلاً، ومن أهل الشام نحو مائة. واستولى التعب والإعياء على الطائفتين حتى إن الرجل ليضرب بسيفه فلا يصنع شيئاً، فلما يئس شبيب منهم تركهم وانصرف عنهم، ثم قطع دجلة وأخذ في أرض جوخى ثم قطع دجلة مرة أخرى عند واسط، وأخذ نحو الأهواز إلى فارس ثم إلى كرمان ليستريح وهو ومن معه.\rمهلك شبيب","part":6,"page":28},{"id":2529,"text":"كان مهلك شبيب في سنة سبع وسبعين، وسبب ذلك أن الحجاج أنفق في أصحاب سفيان بن الأبرد مالاً عظيماً، وأمرهم بقصد شبيب، فساروا نحوه مع سفيان بن الأبرد، وكتب الحجاج إلى الحكم بن أيوب زوج ابنته - وهو عامله على البصرة - أن يرسل أربعة آلاف فارس من أهل البصرة، ففعل وسيرهم مع زياد بن عمرو العتكي، فلم يصل إلى سفيان حتى التقى سفيان مع شبيب. وكان شبيب قد أقام بكرمان حتى استراح وأراح، ثم أقبل راجعاً فالتقى مع سفيان بجسر دجيل الأهواز، فعبر شبيب الجسر إلى سفيان فوجده قد نزل في الرجال، وجعل مهاصر بن سيف على الخيل، وأقبل شبيب في ثلاثة كراديس، فاقتتلوا أشد قتال، ورجع شبيب إلى المكان الذي كان فيه، ثم حمل عليه هو وأصحابه أكثر من ثلاثين حملة، وأهل الشام على حالهم في ثبات القدم، ومازالوا يقاتلون الخوارج حتى اضطروهم إلى الجسر. فلما انتهى شبيب إلى الجسر نزل ونزل معه نحو مائة رجل؛ فقاتلوا حتى المساء، وأوقعوا بأهل الشام من الضرب والطعن ما لم يروا مثله، فأمر سفيان الرماة أن يرموهم فتقدموا، ورموهم ساعة، فحمل شبيب وأصحابه على الرماة، فقتلوا منهم أكثر من ثلاثين رجلاً، ثم عطف على سفيان ومن معه فقاتلهم حتى اختلط الظلام، ثم انصرف، فقال سفيان لأصحابه: لا تتبعوهم.\rفلما انتهى شبيب إلى الجسر قال لأصحابه: اعبروا فإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء الله. فعبروا أمامه، وتخلف في آخرهم، وجاء ليعبر وهو على حصان وبين يديه حجر، فنزا فرسهعليها وهو على الجسر فاضطربت تحته، ونزل حافر رجل حصانه على حرف السفينة، فسقط في الماء، فلما سقط قال: ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. وانغمس في الماء، ثم ارتفع، وقال: ذلك تقدير العزيز العليم. وغرق.\rقال: وكان أهل الشام قد عزموا على الانصراف، فأتاهم صاحب الجسر، فقال لسفيان: إن رجلاً منهم وقع في الماء، فتنادوا بينهم: غرق أمير المؤمنين. ثم انصرفوا راجعين، وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد، فكبر سفيان وكبر أصحابه، وأقبل حتى انتهى إلى الجسر، وبعث إلى المعسكر، وإذا ليس فيه أحد، وإذا هو أكثر العساكر خيراً، ثم استخرجوا شبيباً فشقوا جوفه، وأخرجوا قلبه؛ فكان صلباً كأنه صخرة، فكان يضرب به الصخرة فينبو عنها قامة إنسان.\rقال: وكان شبيب ينعى لأمه فيقال لها: قتل، فلا تقبل ذلك. فلما قيل لها غرق صدقت ذلك، وقالت: إني رأيت حين ولدته أنه خرج مني شهاب نار، فعلمت أنه لا يطفئه إلا الماء، وكانت أمه جارية رومية اشتراها أبوه فأولدها شبيباً سنة خمس عشرين يوم النحر، وقالت: إني رأيت فيما يرى النائم أنه خرج من قبلي شهاب نار، فذهب ساطعاً إلى السماء، وبلغ الآفاق كلها، فبينا هو كذلك إذ وقع في ماء كثير فخبا، وقد ولدته في يومكم الذي تهريقون فيه الدماء، وقد أولت ذلك أن ولدي يكون صاحب دماء وأن أمره سيعلو ويعظم سريعاً.\rخروج مطرف\rبن المغيرة ابن شعبة ومقتله كان خروجه وقتله في سنة سبع وسبعين، وذلك أنه لما قدم الحجاج العراق استعمل أولاد المغيرة على أعماله لشرفهم ومنزلتهم من قومهم، واستعمل عروة بن المغيرة على الكوفة، ومطرفاً على المدائن، وحمزة على همذان، فكانوا على أعمالهم أحسن الناس سيرة، وأشدهم على المريب، وكان المطرف على المدائن لما خرج شبيب، وقد ذكرنا أن المطرف أرسل يستدعي منه أن يسير إليه من أصحابه من يدارسه ويسمع منه، وأنه سير إليه جماعة، ولم يحصل بينهم اتفاق، وكان مما تكلموا فيه أن المطرف سألهم عما يدعون إليه، فقالوا: ندعو إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأن الذي نقمنا على قومنا الاستئثار بالفىء وتعطيل الحدود والتسلط بالجبرية، فقال لهم مطرف: ما دعوتم إلا إلى حق، وما نقمتم إلا جوراً ظاهراً، أنالكم متابع، فبايعوني على ما أدعوكم إليه: أن نقاتل هؤلاء الظلمة على أحداثهم، وندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين، يؤمرون من يرضون على مثل الحال التي تركهم عيها عمر بن الخطاب، فإن العرب إذا علمت أنها إنما يراد بالشورى الرضا من قريش رضوا وكثر تبعكم وأعوانكم.","part":6,"page":29},{"id":2530,"text":"فقالوا: هذا مالا نجيبك إليه، وفارقوه، وأحضر مطرف نصحاءه وثقاته، فذكر لهم ظلم الحجاج وعبد الملك، وأنه ما زال يؤثر مخالفتهم ومناهضتهم، وأنه يرى ذلك ديناً لو وجد عليه أعوانا، وذكر لهم ما جرى بينه وبين أصحاب شبيب، وأنهم لو تابعوه على رأيه لخلع عبد الملك والحجاج، واستشارهم فيما يفعل.\rفقالوا له: أخف هذا الكلام ولا تظهره لأحد. فقال له يزيد ابن أبي زياد مولى أبيه: والله لا يخفى على الحجاج مما كان بينك وبينهم كلمة واحدة وليزادن على كل كلمة عشر أمثالها، ولو كنت في السحاب لالتمسك الحجاج حتى يهلكك، فالنجاء النجاء.\rفوافقه أصحابه على ذلك، فسار عن المدائن نحو الجبال، ثم دعا أصحابه الذين لم يعلموا بحاله إلى ما عزم عليه، فبايعه بعضهم، ورجع عنه بعضهم، وسار نحو حلوان وبها سويد بن عبد الرحمن السعدي من قبل الحجاج، فأراد هو والأكراد منعه ليعذر عند الحجاج، فأوقع مطرف بالأكراد فقتل منهم، وسار.\rفلما دنا من همذان وبها أخوه حمزة بن المغيرة تركها ذات اليسار، وأرسل إلى أخيه حمزة يستمده بالمال والسلاح، فأرسل إليه ما طلب سراً، وسار مطرف حتى بلغ قم وقاشان، وبعث عماله على تلك النواحي، وأتاه الناس.\rوكان ممن أتاه سويد بن سرحان الثقفي، وبكير بن هارون النخعي، من الري في نحو مائة رجل، وكتب البراء بن قبيصة - وهو عامل الحجاج على أصفهان - إليه يعرفه حال المطرف ويستمده، فأمده بالرجال بعد الرجال على دواب البريد.\rوكتب الحجاج إلى عدي بن زياد عامل الري يأمره بقصد مطرف، وأن يجتمع هو والبراء على محاربته، فسار عدي من الري واجتمع هو والبراء وعدي الأمير، واجتمعوا في نحو ستة آلاف مقاتل. وكان حمزة بن المغيرة قد أرسل إلى الحجاج يعتذر، فأظهر قبول عذره، وأراد عزله وخاف أن يمتنع عليه، فكتب إلى قيس بن سعد العجلي، وهو على شرطة حمزة بعهده على همذان، ويأمره أن يقبض على حمزة ابن المغيرة؛ فسار قيس بن سعد إلى حمزة في جماعة من عشيرته فأقرأه العهد بولايته، وكتاب الحجاج بالقبض عليه، فقال: سمعاً وطاعة. فقبض قيس عليه وسجنه، وسار عدي والبراء نحو مطرف فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم أصحاب مطرف وقتل هو وجماعة كثيرة من أصحابه، قتله عمر بن هبيرة الفزاري، وكان الحجاج يقول: إن مطرفاً ليس بولد المغيرة بن شعبة، إنما هو ولد مصقلة بن هبيرة الشيباني، وكان مصقلة والمغيرة بدعيانه، فألحق بالمغيرة، وجلد مصقلة الحد، فلما أظهر ورأى الخوارج قال الحجاج ذلك، لأن كثيراً من ربيعة كانوا خوارج ولم يكن منهم أحد من قيس عيلان.\rانتهت أخبار الخوارج فلنذكر الغزوات في خلافة عبد الملك\rالغزوات والفتوحات\rفي أيام عبد الملك بن مروان على حكم السنين في سنة إحدى وسبعين افتتح عبد الملك قيسارية في قول الواقدي.\rوفي سنة ثلاث وسبعين غزا محمد بن مروان الروم صائفة، فهزمهم، وفيها كانت وقعة عثمان بن الوليد بالروم من ناحية أرمينية، وهو في أربعة آلاف، والروم في ستين ألفاً، فهزمهم وأكثر فيهم القتل.\rوفي سنة أربع وسبعين غزا عبد الله بن أمية رتبيل من سجستان، وكان رتبيل هائباً للمسلمين، فلما وصل عبد الله إلى بس راسله رتبيل في طلب الصلح، وبذل ألف ألف، وبعث إليه بهدايا ورقيق، فأبى عبد الله قبول ذلك، وقال: إن ملأ لي هذا الرواق ذهباً وإلا فلا صلح، وكان غرا، فخلى له رتبيل البلاد حتى أوغل فيها، وأخذ عيه الشعاب والمضايق وطلب أن يخلى عنه وعن المسلمين، ولا يأخذ منه شيئاً، فأبى رتبيل وقال: يأخذ، ثلاثمائة ألف درهم صلحاً، ويكتب لنا بها كتاباً، ولا يغزو بلادنا ما دمت أسيراً، ولا يحرق ولا يخرب.\rففعل، وبلغ ذلك عبد الملك فعزله.\rوفيها غزا محمد بن مروان الروم صائفة، وبلغ أندولية، وغزا أيضاً في سنة خمس وسبعين صائفة حتى خرجت الروم من قبل مرعش، وغزا أيضاً في سنة ست وسبعين من ناحية ملطية.\rوفي سنة سبع وسبعين غزا أمية بن عبد الله ما وراء النهر فبلغ بخارى، وخالف عليه بكير بن وساج، فصالح أهل بخارى على فدية قليلة، ورجع لقتال بكر.\rوفيها غزا أمية أيضاً، وعبر نهر بلخ، فحوصر حتى جهد هو وأصحابه، ثم نجوا بعد ما أشرفوا على الهلاك، ورجعوا إلى مرو.\rوغزا الوليد بن عبد الملك الصائفة.\rذكر غزو عبيد الله بن أبي بكرة رتبيل","part":6,"page":30},{"id":2531,"text":"وفي سنة تسع وسبعين غزا عبيد الله بن أبي بكرة بلاد رتبيل، وكان الحجاج قد استعمله على سجستان، وكان رتبيل يؤدي الخراج، وربما امتنع منه، فبعث الحجاج إلى عبيد الله ابن أبي بكرة يأمره بمناجزته، وألا يرجع حتى يستبيح بلاده، ويهدم قلاعه، ويقتل رجاله.\rفسار عبيد الله في أهل البصرة والكوفة، وعلى أهل الكوفة شريح ابن هانيء؛ فمضى عبيد الله حتى دخل بلاد رتبيل، فأصاب من الغنائم ما شاء، وهدم حصونا، وغلب على أرض من أراضيهم، وأصحاب رتبيل من الترك يخلون للمسلمين أرضاً بعد أرضٍ، حتى أمعنوا في بلادهم، ودنوا من مدينتهم، وكانوا منها على ثمانية عشر فرسخاً، فأخذ الترك عليهم الشعاب والعقاب، فصالحهم عبيد الله على سبعمائة ألف يوصلها إلى رتبيل ليمكن المسلمين من الخروج، فلقيه شريح فقال: إنكم لا تصالحون، على شيء إلا حسبه السلطان من أعطياتكم، ثم قال: يأهل الإسلام، تعاونوا على عدوكم، فقال له ابن أبي بكرة: إنك شيخ قد خرفت. فقال شريح: يأهل الإسلام، من أراد منكم الشهادة فإلي، فاتبعه ناسٌ من المطوعة غير كثير، وفرسان الناس، وأهل الحفاظ، فقاتلوا حتى أصيبوا إلا قليلا، وجعل شريح يرتجز ويقول:\rأصبحت ذابثٍّ أقاسي الكبرا ... قد عشت بين المشركين أعصرا\rثمّث أدركت النبيّ المنذرا ... وبعده صدّيقه وعمرا\rويوم مهران ويوم تسترا ... والجمع في صفّينهم والنّهرا\rهيهات ما أطول هذا العمر\rوقاتل حتى قتل في ناس من أصحابه، ونجا من نجا منهم، وخرجوا مهن بلاد رتبيل، فاستقبلهم الناس بالأطعمة، فكان أحدهم إذا أكل وشبع مات، فحذر الناس وجعلوا يطعمونهم السمن قليلا قليلا حتى استمرءوا.\rوفيها أصاب الروم أهل أنطاكية وظفروا بهم، وكان قد أصاب أهل الشام فلم يغز تلك السنة أحدٌ منهم.\rذكر مسير عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى رتبيل وما ملكه من بلاده\rكان مسيره في سنة ثمانين؛ وذلك أنه لما رجع عبيد الله ابن أبي بكرة ومن معه من بلاد رتبيل على الحال التي ذكرنا كتب الحجاج إلى عبد الملك بخبرهم، ويخبره أنه قد جهز من أهل الكوفة والبصرة جيشاً كثيفاً ويستأذنه في إرساله إلى بلاد رتبيل، فأذن له في ذلك، فجهز من أهل الكوفة عشرين ألف فارس ومن أهل البصرة مثلها، وأنفق فيهم ألفي ألفٍ سوى أعطياتهم، وأعطى كل رجل يوصف بشجاعة وغناء، وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.\rولما أراد أن يبعثه على الجيش أتاه إسماعيل بن الأشعث، فقال: لا تبعثه، والله ما جاز جسر الفرات فرأى لوالٍ عليه طاعة، وإني أخاف خلافه.\rفقال الحجاج: هو أهيب لي من أن يخالف أمري. وسيره على الجيش، فسار حتى قدم سجستان، فجمع أهلها فخطبهم ثم قال: إن الحجاج ولاني ثغركم، وأمرني بجهاد عدوكم الذي استباح بلادكم، فإياكم أن يتخلف منكم أحد فتسمه العقوبة. فعسكروا مع الناس، وساروا بأجمعهم، وبلغ الخبر رتبيل، فأرسل يعتذر ويبذل الخراج، فلم يقبل منه، وسار إليه، ودخل بلاده، فترك له رتبيل أرضاً أرضاً ورستاقاً رستاقاً وحصنا حصناً، وعبد الرحمن يحوي ذلك؛ وكلما حوى بلداً بعث إليه عاملاً، وجعل معه أعواناً، وجعل الأرصاد على العقاب والشعاب، ووضع المسالح بكل مكان مخوف، حتى حاز من أرضه أرضاً عظيمة، وملأ الناس أيديهم من الغنائم العظيمة، ومنع الناس من التوغل، وقال: نكتفي بما قد أصبناه العام من بلادهم حتى نجيئها ونعرفها، ويجترئ المسلمون على طرقها، وفي العام المقبل نأخذ ما رواءها إن شاء الله تعالى حتى نقاتلهم في آخر ذلك على كنوزهم وذراريهم في أقصى بلادهم حتى يهلكهم الله تعالى.\rوكتب إلى الحجاج بما فتح الله عليه وبما يريد. فكتب الحجاج إليه ينكر فعله، ويأمره بالمناجزة، فأدى ذلك إلى خروج عبد الرحمن على الحجاج على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rذكر غزو المهلب بن أبي صفرة ما وراء النهر","part":6,"page":31},{"id":2532,"text":"وفي سنة ثمانين قطع المهلب نهر بلخ ونزل على كش، وكان الحجاج قد استعمله على خراسان حين ضمها عبد الملك إلى عمله، فسار وعلى مقدمته أبو الأدهم الزماني في ثلاثة آلاف، وهم في خمسة آلاف، ولما نزل المهلب على كش أتاه ابن عم ملك الختل فدعاه إلى غزو الختل، فوجه معه ابنه يزيد، وكان اسم ملك الختل السبل، فسار يزيد وابن عم عم الملك حتى نازلوه، ونزل كل واحد منهما ناحية، فبيت الملك ابن عمه، وأخذه فقتله، فحصر يزيد القلعة، فصالحوه على فديةٍ حملت إليه، ورجع يزيد عنهم. ووجه المهلب ابنه حبيباً، فوافى صاحب بخارى في أربعين ألفاً، فنزل جماعة من العدو قريةً، فسار إليهم حبيب في أربعة آلاف فقتلهم وأحرق القرية فسبت المحترقة. ورجع حبيب إلى أبيه، وأقام المهلب بكش سنتين، فقيل له: لو تقدمت إلى ما وراء ذلك ! فقال: ليت حظي من هذه الغزوة سلامة هذا الجند، وعودهم سالمين، ثم صالح أهل كش على فديةٍ يأخذها منهم.\rوفي سنة إحدى وثمانين سير عبد الملك ابنه عبيد الله ففتح قاليقلا.\rذكر دخول الديلم قزوين وقتلهم\rكانت قزوين ثغراً للمسلمين من ناحية الديلم، فكانت العساكر لا تبرح مرابطةً بها، يتحارسون ليلاً ونهاراً، فلما كان في سنة إحدى وثمانين كان في جملة من رابط بها محمد ابن أبي سبرة الجعفي، وكان فارساً شجاعاً، فرأى الناس يتحارسون فلا ينامون الليل، فقال: أتخافون أن يدخل عليكم العدو مدينتكم ؟ قالوا: نعم. قال: لقد أنصفوكم إن فعلوا، افتحوا الأبواب، ولا بأس عليكم. ففتحوها، وبلغ ذلك الديلم، فساروا إليهم وبيتوهم، وهجموا إلى البلد؛ فقال ابن أبي سبرة: أغلقوا أبواب المدينة علينا وعليهم، فقد أنصفونا، وقاتلوهم.\rفغلقوا الأبواب وقاتلوهم، وأبلى ابن أبي سبرة بلاءً عظيماً، وظفر بهم المسلمون، فلم يفلت من الديلم أحدٌ، واشتهر اسمه بذلك، ولم يقدم الديلم بعدها على مفارقة أرضهم، فصار محمد فارس ذلك الثغر المشار إليه. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.\rذكر فتح قلعة نيزك بباذغيس\rوفي سنة أربع وثمانين فتح يزيد بن المهلب قلعة نيزك، فلما بلغه خروجه عن القلعة سار إليها وحاصرها. فملكها وما فيها من الأموال والذخائر، وكانت من أحصن القلاع وأمنعها، وكان نيزك إذا رآها سجد لها تعظيماً، وفيها يقول كعب بن معدان الأشقري:\rوباذغيس التي من حلّ ذروتها ... عزّ الملوك فإن شا جار أو ظلما\rمنيعةٌ لم يكدها قبله ملكٌ ... إلاّ إذا واجهت جيشاً له وجما\rتخال نيرانها من بعد منظرها ... بعض النجوم إذا ماليلها عتما\rوهي أبيات عديدة.\rوقال أيضاً يذكر يزيد رحمه الله وفتحها:\rنفى نيزكاً عن باذغيس ونيزكٌ ... بمنزلةٍ أعيا الملوك اغتصابها\rمحلّقة دون السماء كأنها ... غمامة صيفٍ زلّ عنها سحابها\rولا يبلغ الأروى شماريخها العلا ... ولا الطّير إلاّ نسرها وعقابها\rواخوّفت بالذّئب ولدان أهلها ... ولا نبحت إلاّ النجوم كلابها\rفتح المصيصة\rوفي سنة أربع وثمانين أيضاً غزا عبد الله بن عبد الملك الروم، ففتح المصيصة وبنى حصنها، وجعل فيها ثلاثمائة مقاتل من ذوي البأس، ولم يكن المسلمون سكنوها قبل ذلك، وبنى مسجدها.\rوغزا محمد بن مروان أرمينية.\rوفي سنة خمس وثمانين غزا المفضل بن المهلب باذغيس ففتحها وأصاب مغنماً فقسمه، فأصاب كل رجل ثمانمائة، ثم غزا أخرون وشومان، فغنم وقسم ما أصاب.\rوفيها غزا محمد بن مروان أرمينية، فصاف فيها وشتا. انتهى ذكر الغزوات والفتوحات.\rالحوادث الكائنة في أيام عبد الملك بن مروان منذ استقل بالأمر خلاف ما ذكرناه، وذلك على حكم السنين\rقد ذكرنا حوادث السنين في أخبار عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما إلى أن قتل في سنة ثلاث وسبعين، وذكرنا ما هو متعلقٌ بهذه الدولة الأموية في أثناء أخبار عبد الملك، فلنذكر خلاف ذلك.\rحوادث\rولاية أخيه الجزيرة وأرمينية\rفي هذه السنة استعمل عبد الملك أخاه محمداً على الجزيرة، وكانت بحيرة أرمينية مباحةً لم يعرض لها أحد، بل يأخذ منها من شاء، فمنع من صيدها وجعل عليه من يأخذه ويبيعه ويأخذ ثمنه، ثم صارت بعده لابنه مروان، واستمر ذلك بعده.","part":6,"page":32},{"id":2533,"text":"وفيها عزل عبد الملك خالد بن عبد الله عن البصرة، واستعمل عليها أخاه بشر بن مروان، فاجتمع له المصران: الكوفة، والبصرة، فسار بشر إلى البصرة، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث.\rوحج بالناس في هذه السنة الحجاج وهو على مكة واليمن واليمامة، وكان على قضاء الكوفة شريح بن الحارث، وعلى قضاء البصرة هشام ابن هبيرة، وكان على خراسان بكير بن وساج.\rوفيها مات عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بمكة وكان سبب وفاته أن الحجاج أمر بعض أصحابه، فضرب ظهر قدمه بزج رمحٍ مسموم، فمات منها، وعاده الحجاج في مرضه، فقال: من فعل بك هذا ؟ فقال: أنت، لأنك أمرت بحمل السلاح في بلدٍ لا يحل حمله فيه. وكانت وفاته بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر، وكان عمره سبعاً وثمانين سنة، ومات غيره من الصحابة رضي الله عنهم.\rأربع وسبعون\rفي هذه السنة عزل عبد الملك طارقاً عن المدينة، واستعمل عليها الحجاج، ففعل ما قدمنا ذكره.\rوفيها استقضى عبد الملك أبا إدريس الخولاني.\rوفيها استعمل عبد الملك أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، على خراسان، وعزل عنها بكير بن وساج، فسار أمية إليها، فلقيه بحير بن ورقاء بنيسابور، وأخبره عن خراسان وما يحسن به طاعة أهلها، ورفع على بكير أموالاً أخذها وحذره غدره، وسار معه حتى قدم مرو، وكان أمية كريماً فلم يعرض لبكير ولا لعماله، وعرض عليه شرطته، فأبى فولاها بحير بن ورقاء، ثم خير بكيراً أن يوليه ما شاء من خراسان، فاختار طخارستان.\rقال: فتجهز لها، فأنفق مالاً كثيراً؛ فقال بحير لأمية: إن أتى طخارستان خلعك، وحذره فلم يوله.\rوفيها استعمل عبد الملك حسان بن النعمان الغساني على إفريقية، وسيذكر ذلك إن شاء الله في أخبار إفريقية.\rوحج بالناس في هذه السنة الحجاج بن يوسف.\rوفيها توفي بشر بن مروان بالبصرة، واستخلف قبل وفاته خالد ابن عبد الله بن خالد على البصرة، وكان خليفته على الكوفة عمرو ابن حريث؛ فكانوا على ذلك إلى أن قدم الحجاج بن يوسف الثقفي أميراً سنة خمس وسبعين.\rولاية الحجاج بن يوسف العراق وما فعله عند مقدمه\rوفي هذه السنة استعمل عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق دون خراسان وسجستان، وأرسل إليه بعهده وهو بالمدينة، فسار في اثني عشر راكباً على النجائب حتى دخل الكوفة حين انتشر النهار، فبدأ بالمسجد، فصعد المنبر وهو متلثم بعمامة خزٍ حمراء، فقال: علي بالناس، فحسبوه خارجياً، فهموا به وهو جالس على المنبر ينتظر اجتماعهم، فاجتمع الناس وهو ساكت قد أطال السكوت، فتناول عمير بن ضابيء البرجمي حصىً وقال: ألا أحصبه لكم ! فقالوا: أمهل حتى ننظر. وقيل: إن الذي هم بحصبه محمد بن عمير وقال: قاتله الله ما أعياه وأدمه، والله إني لأحسب خبره كرؤياه.\rفلما تكلم الحجاج جعل الحصى ينتثر من يده وهو لا يعقل، فلما رأى عيون الناس إليه حسر الثام عن وجهه ونهض فقال:\rأنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني\rأما والله إني لأحمل الشر محمله، فآخذه بفعله، وأجزيه بمثله، وإني لأرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحي قد شمرت عن ساقها تشميراه.\rهذا أوان الشدّ فاشتدّى زيم ... قد لفّها الليل بسوّاقٍ حطم\rليس براعي إبلٍ ولا غنم ... ولا بجزّارٍ على ظهر وضم\rمهاجرٍ ليس بأعرابي\rقد شمّرت عن ساقها فشدّوا ... وجدّت الحرب بكم فجدّوا\rوالقوس فيها وترٌ عردّ ... مثل ذراع البكر أو أشدّ\rليس أوان يكره الخلاط ... جاءت به والقلص الأعلاط\rيهوى هوىّ سابق الغطاط","part":6,"page":33},{"id":2534,"text":"إني والله يأهل العراق ما يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي تغماز التين، ولقد فررت عن ذكاءٍ، وفتشت عن تجربةٍ، وجريت إلى الغاية القصوى. ثم قرأ: وضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنة يأيتها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. فأنتم أولئك وأشباه أولئك. إن أمير المؤمنين عبد الملك نثر كنانته فعجم عيدانها عودا عوداً، فوجدني أمرها عوداً، وأصلبها مكسرا، فوجهني إليكم، ورمى بي في نحوركم، فإنكم أهل بغي وخلاف وشقاق ونفاق، طالما أوضعتم في الشر، واضطجعتم في الضلالة، وسننتم سنن الغي، فاستوثقوا واستقيموا، فوالله لأذيقنكم الهوان ولأمرينكم حتى تدروا، ولألحونكم لحو العود، ولأعصبنكم عصب السلم، حتى تذلوا، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل حتى تذروا العصيان وتنقادوا، ولأقرعنكم قرع المروة حتى تلينوا. إني والله ما أعد إلا وفيت، ولا أهم إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت، فإياي وهذه الجماعات، فلا يركبن رجلٌ إلا وحده، أقسم بالله لتقبلن على الإنصاف، ولتدعن الإرجاف، وقيلاً وقالاً، وما يقول فلان، وأخبرني فلان، أو لأدعن لكل رجلٍ منكم شغلا في جسده، فيم أنتم وذاك، والله لتستقيمن على الحق أو لأضربنكم بالسيف ضرباً يدع النساء أيامى والولدان يتامى، وحتى تذروا السمهى وتقلعوا عن هاوها، ألا إنه لو ساغ لأهل المعصية معصيتهم ما جبى فيءٌ ولا قوتل عدو، ولعطلت الثغور، ولولا أنهم يغزون كرهاً ما غزوا طوعاً، ولقد بلغني رفضكم المهلب وإقبالكم على مصركم عاصين مخالفين وإني أقسم بالله لا أجد أحداً من عسكره بعد ثالثةٍ إلا ضربت عنقه، وأنهبت داره.\rثم أمر بكتاب عبد الملك فقريء، فلما قال القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين: سلامٌ عليكم، فإني أحمد الله إليكم - فلم يقل أحد شيئاً، فقال: اكفف، ثم قال: يا عبيد العصا، يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا يرد راد منكم السلام. هذا أدب ابن نهية، أدبكم به، والله لأودبنكم غير هذا الأدب، أو لتستقيمن. ثم قال، للقاريء: اقرأ. فلما بلغ سلام عليكم قالوا بأجمعهم: وعلى أمير المؤمنين السلام ورحمة الله. ثم نزل ودخل منزلة، ودعا العرفاء وقال: ألحقوا الناس بالمهلب، وائتوني بالبراءات بموافاتهم، ولا تغلقن أبواب الجسر ليلاً ولا نهاراً حتى تنقضي هذه المدة.\rقال: فلما كان في اليوم الثالث سمع تكبيراً في السوق، فخرج وجلس على المنبر، فقال: يأهل العراق، يأهل الشقاق والنفاق ومساويء الأخلاق، إني سمعت تكبيراً ليس بالتكبير الذي يراد به وجه الله، ولكنه التكبير الذي يراد به لترهيب، وقد عرفت أنها عجاجةٌ تحتها قصفٌ، يا بني اللكيعة، وعبيد العصا، وأبناء الأيامى، ألا يربع رجل منكم على ظلعه ويحسن حقن دمه، ويعرف موضع قدمه، فأقسم بالله لأوشك أن أوقع بكم وقعةً تكون نكالاً لما قبلها وأدباً لما بعدها.\rفقام إليه عمير بن ضابيء الحنظلي التميمي، فقال: أصلح الله الأمير، أنا في هذا البعث وأنا شيخٌ كبير عليل، وابني هذا هو أقوى مني على الأسفار أفتقبله مني بديلا ؟ فقال: نفعل. ثم قال: ومن أنت ؟ قال: أنا عمير بن ضابيء. قال: أسمعت كلامنا بالأمس ! قال: نعم. قال: ألست الذي غزا عثمان بن عفان ؟ قال: بلى. قال: يا عدو الله، أفلا بعثت بديلا إلى أمير المؤمنين، وما حملك على ذلك ؟ قال: إنه حبس أبي، وكان شيخاً كبيراً. قال: أولست القائل:\rهممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله\rإني لأحسب أن في قتلك صلاح المصرين، وأمر به فضربت رقبته، وأنهب ماله، وأمر منادياً فنادى: ألا إن عمير بن ضابيء أتى بعد ثالثة، وكان قد سمع النداء، فأمرنا بقتله، ألا وإن ذمةٍ الله بريئةٌ ممن بات الليلة من جند المهلب.\rفخرج الناس فازدحموا على الجسر، وخرج العرفاء إلى المهلب وهو برامهرمز، فأخذوا كتبه بالموافاة، فقال المهلب: قدم العراق اليوم رجل ذكر، اليوم فويل العدو.\rوقال: ولما قتل الحجاج عميراً لقى إبراهيم بن عامر الأسدي عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما في السوق، فسأله عن الخبر، فقال:\rأقول لإبراهيم لمّا لقيته ... أرى الأمر أضحى منصبا متشعبا","part":6,"page":34},{"id":2535,"text":"تجهّز فأسرع والحق الجيش لا أرى ... سوى الجيش إلا في المهالك مذهبا\rتخير فإما أن تزور ابن ضابيءٍ ... عميراً وإما أن تزور المهلّبا\rهما خطّتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حولياً من الثلج أشهبا\rفحال ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السّوق أو هي أقربا\rقال: وكان الحجاج أول من عاقب بالقتل على التخلف عن الوجه الذي يكتب إليه.\rقال الشعبي: كان الرجل إذا أخل بوجهه الذي يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم نزعت عمامته ويقام للناس، ويشهر أمره، فلما ولي مصعب قال: ما هذا بشيء، وأضاف إليه حلق الرؤوس واللحي، فلما ولي بشر بن مروان زاد فيه، فصار يرفع الرجل عن الأرض ويسمر في يديه مسماران في حائط، فربما مات، وربما خرق المسمار يده، فسلم.\rفلما ولي الحجاج قال: كلٌ هذا لعب، أضرب عنق من يخل بمكانه من الثغر.\rقال: وكان قدوم الحجاج في شهر رمضان، فوجه الحكم بن أيوب الثقفي على البصرة أميراً، وأمره أن يشتد على خالد بن عبد الله، فبلغ الخبر خالداً فخرج عن البصرة فنزل الجلحاء وشيعه أهل البصرة فقسم فيهم ألف ألف.\rوثوب أهل البصرة بالحجاج\rقال: ثم خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة. فلما قدم البصرة خطبهم بمثل خطبته بالكوفة، وتوعد من رآه منهم بعد ثالثة، ولم يلحق بالمهلب، فأتاه شريك بن عمرو اليشكري وكان به فتق، فقال: أصلح الله الأمير، إن بي فتقاً، وقد رآه بشر بن مروان فعذرني، وهذا عطائي مردودٌ في بيت المال، فأمر به فضربت عنقه، فلم يبق بالبصرة أحدٌ من عسكر المهلب إلا لحق به.\rثم سار الحجاج إلى رستقباذ، وبينها وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا، وقال حين نزل بها: يأهل المصرين، هذا المكان والله مكانكم شهراً بعد شهر، وسنةً بعد سنةٍ، حتى يهلك الله عدوكم، هؤلاء الخوارج المطلين عليكم.\rثم خطب يوماً فقال: إن الزيادة التي زادكم إياها ابن الزبير إنما هي زيادة ملحد فاسقٍ منافقٍ، ولسنا نجيزها - وكان مصعب قد زاد الناس في العطاء مائة مائة - فقال عبد الله بن الجارود: إنها ليست زيادة ابن الزبير، إنما هي زيادة أمير المؤمنين عبد الملك قد أنفذها وأجازها على يد أخيه بشر.\rفقال له الحجاج: ما أنت والكلام ! لتحسنن حمل رأسك أو لأسلبتك إياه. فقال: ولم ؟ إني لك لناصحٌ، وإن هذا لقول من ورائي.\rفنزل الحجاج ومكث أشهراً لا يذكر الزيادة، ثم أعاد القول فيها، فرد عليه ابن الجارود مثل رده الأول، فقام مصقلة بن كرب العبدي، فقال: إنه ليس للرعية أن ترد على راعيها، وقد سمعنا ما قال الأمير، فسمعاً وطاعةً فيما أحب وكرهنا. فسبه ابن الجارود وقام فأتاه وجوه الناس فصوبوا رأيه وقوله، وقال الهذيل بن عمران البرجمي وعبد الله بن حكيم بن زياد المجاشعي وغيرهما: نحن معك وأعوانك، إن هذا الرجل غير كافٍ حتى ينقصنا هذه الزيادة فهلم نبايعك على إخراجه من العراق، ثم نكتب إلى عبد الملك أن يولي علينا غيره، فإن أبى خلعناه، فإنه هائب لنا ما دامت الخوارج.\rفبايعه الناس سراً، وأعطوه المواثيق على الوفاء، وبلغ الحجاج ما هم فيه، فأحرز بيت المال.\rفلما تم لهم أمرهم أظهروه، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين، واجتمع الناس على ابن الجارود حتى لم يبق مع الحجاج إلا خاصته وأهل بيته، وأرسل الحجاج أعين صاحب حمام أعين إلى ابن الجارود يستدعيه، فقال: لا كرامة لابن أبي رغال، ولكن ليخرج عنا مذموماً مدحوراً، وإلا قاتلناه. قال أعين: فإنه يقول لك: أتطيب نفساً بقتلك وقتل بيتك وعشيرتك ! والذي نفسي بيده لئن لم تأت لأدعن قومك وأهلك خاصة حديثاً للغابرين.\rوكان الحجاج قد حمل أعين هذه الرسالة؛ فقال ابن الجارود: لولا أنك رسولٌ لقتلتك يا ابن الخبيثة، وأمر فوجيء في عنقه، وأخرج. وأقبل ابن الجارود بالناس زحفاً نحو الحجاج، وكان رأيهم أن يخرجوه عنهم ولا يقاتلوه. فلما صاروا إليه نهبوا ما في فسطاطه، وأخذوا ما قدروا عليه من متاعه ودوابه، وجاء أهل اليمن فأخذوا امرأته ابنة النعمان بن بشير، وجاءت مضر فأخذوا امرأته الأخرى أم سلمة بنت عبد الرحمن بن عمرو أخي سهيل بن عمرو.","part":6,"page":35},{"id":2536,"text":"ثم إن القوم انصرفوا عن الحجاج وتركوه. فأتاه قومٌ من أهل البصرة فصاروا معه خوفاً من محاربة الخليفة، فجعل الغضبان ابن القبعثري الشيباني يقول لابن الجارود: تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك. أما ترى من قد أتاه منكم ؟ ولئن أصبح ليكثرن ناصره، ولتضعفن منتكم.\rفقال: قد قرب المساء، ولكنا نعاجله بالغداة، وكان مع الحجاج عثمان بن قطن، وزياد بن عمرو العتكي، وكان زياد على شرطته بالبصرة، فقال لهما: ما تريان ؟ فقال زياد: أرى أن آخذ لك من القوم أماناً وتخرج حتى تلحق بأمير المؤمنين، فقد ارفض أكثر الناس عنك، ولا أرى لك أن تقاتل بمن معك.\rفقال عثمان بن قطن الحارثي: لكني لا أرى ذلك، إن أمير المؤمنين قد شركك في أمره، وخلطك بنفسه، واستنصحك وسلطك، فسرت إلى ابن الزبير وهو أعظم الناس خطراً فقتلته، فولاك الله شرف ذلك وسناءه، وولاك أمير المؤمنين العراقين، فحيث جريت إلى المدى وأصبت الغرض الأقصى تخرج على قعودٍ إلى الشام، والله لئن فعلت لا نلت من عبد الملك مثل الذي أنت فيه من السلطان أبداً، ولكني أرى أن نمشي بسيوفنا معك فنقاتل حتى نلقى ظفراً أو نموت كراماً.\rفقال له الحجاج: الرأي ما رأيت، وحفظ هذه لعثمان، وحقدها على زياد، وجاء عامر بن مسمع إلى الحجاج فقال: إني قد أخذت لك أماناً من الناس، فجعل الحجاج يرفع صوته ليسمع الناس ويقول: والله لا أؤمنهم أبداً حتى يأتوا بالهذيل وعبد الله بن حكيم. ومر عباد بن الحصين الحبطي بابن الجارود وابن الهذيل وابن حكيم وهم يتناجون، فقال: أشركونا في نجواكم. فقالوا: هيهات أن يدخل في نجوانا أحد من الحبط، فغضب وسار إلى الحجاج في مائة رجل، فقال له الحجاج: ما أبالي من تخلف بعدك. وأتاه قتيبة بن مسلم في قومه من بني أعصر، وكان الحجاج قد يئس من الحياة، فلما جاءه هؤلاء اطمأن، ثم جاءه سبرة بن علي الكلابي، وسعيد بن أسلم بن زرعة، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف الأزدي، وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع يقول: إن شئت أتيتك، وإن شئت أقمت وثبطت الناس عنك. فقال: أقم وثبط الناس عني.\rفلما اجتمع للحجاج عددٌ يمنع بمثلهم خرج، وعبأ أصحابه، وتلاحق الناس به، فلما أصبح إذا حوله ستة آلاف، فقال ابن الجارود لعبيد الله بن زياد بن ظبيان: ما الرأي ؟ قال: تركت الرأي أمس حين قال لك الغضبان: تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك. وقد ذهب الرأى وبقي الصبر.\rفحرض ابن الجارود الناس، وزحف بهم وعلى ميمنته الهذيل ابن عمران، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد بن ظبيان، وتقدم الحجاج وعلى ميمنته قتيبة بن مسلم، ويقال عباد بن الحصين، وعلى ميسرته سعيد بن أسلم، فحمل ابن الجارود في أصحابه حتى جاوز أصحاب الحجاج، فعطف الحجاج عليه، ثم اقتتلوا ساعةً وعاد ابن الجارود بظفرٍ، فأتاه سهمٌ غربٌ فقتله، ونادى منادي الحجاج بأمان الناس إلا الهذيل وعبد الله بن حكيم، وأمر ألا يتبع المنهزمون. فانهزم عبيد الله بن زياد بن ظبيان، فأتى سعيد ابن عباد الجلندي الأزدي بعمان، فقيل لسعيد: إنه رجل فاتك فاحذره، فلما جاء البطيخ بعث إليه بنصف بطيخة مسمومة، وقال: هذا أول شيء جاءنا منه، وقد أكلت نصف هذه، وبعثت إليك بنصفها؛ فأكلها عبيد الله فأحس بالشر، فقال: أردت أن أقتله فقتلني.\rقال: وحمل رأس ابن الجارود وثمانية عشر من وجوه أصحابه إلى المهلب، فنصبت ليراها الخوارج وييأسوا من الاختلاف.\rوحبس الحجاج عبيد بن كعب النميري ومحمد بن عميرين عطارد، فإنه كان قد بعث إلى كلٍ منهما يقول: هلم إلي فامنعنين فقال: إن أتيتني منعتك. وحبس الغضبان وقال: أنت القائل: تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك ! فقال: ما نفعت من قيلت له ولا ضرت من قيلت فيه ! فكتب عبد الملك إلى الحجاج بإطلاقه.\rما كلم به الحجاج أنس بن مالك رضي الله عنه وشكواه إياه وما كتب به عبد الملك من الإنكار على الحجاج وسبه بسببه\rقال: كان عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه ممن قتل مع ابن الجارود، فلما دخل الحجاج البصرة أخذ ماله، فدخل عليه أنس بن مالك رضي الله عنه، فحين رآه الحجاج قال له: لا مرحباً ولا أهلاً، إيه يا خبثة؛ شيخ ضلالةٍ، جوال في الفتن، مرةً مع أبي تراب، ومرةً مع ابن الزبير، ومرةً مع ابن الجارود؛ أما والله لأجردنك جرد القضيب، ولأعصبنك عصب السلمة، ولأفلعنك قلع الصمغة.","part":6,"page":36},{"id":2537,"text":"فقال أنس: من يعني الأمير ؟ فقال: إياك أعني، أصم الله صداك.\rفرجع أنس، فكتب إلى عبد الملك كتاباً يشكو فيه الحجاج وما صنع به.\rفكتب عبد الملك إلى الحجاج: أما بعد يا بن أم الحجاج فإنك عبدٌ طمت بك الأمور فغلوت فيها حتى عدوت طورك، وتجاوزت قدرك، يا بن المستفرمة بعجم الزبيب لأغمزنك غمزةً كبعض غمزات الليوث الثعالب، ولأخبطنك خبطةً تود لها لو أنك رجعت في مخرجك من بطن أمك. أما تذكر حال آبائك بالطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم، ويحفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومياههم؛ أم نسيت حال آبائك في اللؤم والدناءة في المروءة والخلق.\rوقد بلغ أمير المؤمنين الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداماً، وأظنك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره فتعلم إنكاره ذلك وإضغاءه عنك، فإن سوغك ما كان منك مضيت عليه قدماً، فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين، أصك الرجلين، ممسوح الجاعرتين، ولولا أن أمير المؤمنين ظن أن الكاتب كثر في الكتابة عن الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك لأتاك من يسحبك ظهراً لبطنٍ حتى يأتي بك أنساً فيحكم فيك، فأكرم أنساً وأهل بيته، واعرف له حقه وخدمته رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تقصرن في شيء من حوائجه، ولا يبلغن أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدم فيه إليك من أمر أنس وبره وإكرامه، فيبعث إليك من يضرب ظهرك، ويهتك سترك، ويشمت بك عدوك، والقه في منزله متنصلاً إليه، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك، إن شاء الله. والسلام.\rوبعث بالكتاب مع إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم، فأتى إسماعيل أنساً بكتاب عبد الملك فقرأه، وأتى الحجاج بالكتاب فجعل يقرؤه ووجهه يتغير ويتمعر، وجبينه يرشح عرقاً، ثم قال: يغفر الله لأمير المؤمنين.\rثم اجتمع بأنس فرحب به الحجاج، وأدناه، واعتذر إليه، وقال: أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان وإذ بلغت منك ما بلغت أني إليهم بالعقوبة أسرع.\rفقال أنس: ما شكوت حتى بلغ مني الجهد، وقد زعمت أنا الأشرار، وقد سمانا الله الأنصار، وزعمت أنا أهل النفاق، ونحن الذين تبوءوا الدار والإيمان، وسيحكم الله بيننا وبينك، فهو أقدر على التغيير، لا يشبه الحق عنده الباطل، ولا الصدق الكذب، وزعمت أنك اتخذتني ذريعةً وسلماً إلى مساءة أهل العراق باستحلال ما حرم الله عليك مني، ولم يكن لي عليك قوة، فوكلتك إلى الله ثم إلى أمير المؤمنين، فحفظ من حقي ما لم تحفظ، فوالله لو أن النصارى على كفرهم رأوا رجلا خدم عيسى ابن مريم يوماً واحداً لعرفوا من حقه ما لم تعرف أنت من حقي، وقد خدمت سول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين. وبعد فإن رأينا خيراً حمدنا الله عليه، وأثنينا، وإن رأينا غير ذلك صبرنا. والله المستعان.\rورد عليه الحجاج ما كان أخذ منه.\rولاية سعيد بن أسلم السند وقتله وولاية مجاعة بن سعرٍ التميمي ووفاته\rوفي هذه السنة استعمل الحجاج على السند سعيد بن أسلم ابن زرعة، فخرج عليه معاوية ومحمد ابنا الحارث العراقيان. فقتلاه وغلبا على البلاد، فأرسل الحجاج مجاعة بن سعر التميمي إلى السند، فغلب على ذلك الثغر، وغزا وفتح أماكن من قندابيل، ومات مجاعة بعد سنة بمكران. والله أعلم.\rخبر الزنج\rبالبصرة قال: كان الزنج قد اجتمعوا بفرات البصرة في آخر أيام مصعب، ولم يكونوا بالكثير، فأفسدوا. فلما ولي خالد بن عبد الله البصرة كثروا، فشكا الناس إليه ما ينالهم منهم، فجمع لهم جيشاً، فلما بلغهم ذلك تفرقوا، وأخذ بعضهم فقتلهم وصلبهم، فلما كان من أمر ابن الجارود ما ذكرناه اجتمع من الزنج خلقٌ كثير بالفرات، وجعلوا عليهم رجلاً منهم اسمه رباح ويلقب شيرزنجي يعني أسد الزنج، فأفسدوا، فأمر الحجاج زياد بن عمرو وهو على شرطة البصرة أن يرسل إليهم جيشاً، فندب ابنه حفص بن زياد فقتلوه، وهزموا أصحابه، فسير إليهم جيشاً آخر فهزم الزنج وقتلهم، واستقامت البصرة.\rوفي هذه السنة حج عبد الملك بالناس فخطب الناس بالمدينة، فقال بعد حمد الله والثناء عليه:","part":6,"page":37},{"id":2538,"text":"أما بعد فإني لست بالخليفة المستضعف - يعني عثمان، ولا بالخليفة المداهن - يعني معاوية، ولا بالخليفة المأفون - يعني يزيد، ألا وإني لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم، وإنكم تكلفونا أعمال المهاجرين الأولين ولا تعملون مثل أعمالهم، وإنكم تأمروننا بتقوى الله وتنسون ذلك من أنفسكم، والله لا يأمرني أحدٌ بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه، ثم نزل.\rسنة\rالدنانير والدراهم الاسلامية\rوفي هذه السنة ضرب عبد الملك بن مروان الدنانير والدراهم الإسلامية، وهو أول من أحدث ضربها في الإسلام؛ وكان سبب ذلك أنه كتب في صدور الكتب إلى الروم: قل هو الله أحد. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم مع التاريخ. فكتب إليه ملك الروم: إنكم قد أحدثتم هذا فاتر كوه، وإلا أتاكم في دنانيرنا من ذكر نبيكم ما تكرهون.\rفعظم ذلك على عبد الملك، واستشار خالد بن يزيد بن معاوية، فقال: حرم دنانيرهم، واضرب للناس سكة فيها ذكر الله تعالى. فضرب الدنانير والدراهم ونقش عليها: قل هو الله أحد. فكره الناس ذلك لمكان القرآن؛ لأن الجنب والحائض تمسها، ثم ضربها الحجاج.\rوقد قيل: إن مصعب بن الزبير ضرب دراهم قليلة أيام أخيه عبد الله، ثم كسرت بعد ذلك في أيام عبد الملك. والصحيح أن عبد الملك أول من ضرب الدنانير والدراهم في الإسلام.\rوفيها استعمل عبد الملك أبان بن عثمان على المدينة.\rوفيها ولد مروان بن محمد بن مروان.\rوحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان وهو أمير المدينة، وكان على العرق الحجاج، وعلى خراسان أمية بن عبد الله، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة زرارة بن أوفى.\rسنة سبع وسبعين\rمقتل بكير بن وساج\rوفي هذه السنة قتل أمية بن عبد الله أمير خراسان بكير بن وساج، وسبب ذلك أن أمية أمر بكيراً أن يتجهز لغزو ما وراء النهر، فتجهز وأنفق نفقةً كبيرةً، فقال بحير بن ورقاء لأمية: إن صار بينك وبينه النهر خلع الخليفة. فأرسل إليه أمية يقول: أقم لعلي أغزو فتكون معي، فغضب بكير، وكان قبل ذلك قد ولاه طخارستان، وأنفق نفقةً عظيمة، فحذره بحير منه فمنعه منها، ثم إن أمية تجهز للغزو إلى بخارى وتجهز معه الناس، وفيهم بكير بن وساج، فلما بلغوا النهر وأرادوا قطعه قال أمية لبكير: إني قد استخلفت ابني على خراسان وأخاف أنه لا يضبطها، لأنه غلام حدث، فارجع إلى مرو فاكفنيها، فقد وليتكها، فقم بأمر ابني.\rفانتخب بكير فرساناً كان قد عرفهم ووثق بهم، ورجع. ومضى أمية إلى بخارى فقال عقاب الغداني لبكير: إنا طلبنا أميراً من قريش، فجاءنا أميرٌ يلعب بنا، يحولنا من سجن إلى سجن، وإني أرى أن نحرق هذه السفن، ونمضي إلى مرو، ونخلع أمية ونقيم بمرو، نأكلها إلى يومٍ ما، ووافقه الأحنف بن عبد الله العنبري على هذا، فقال بكير: أخاف أن يهلك هؤلاء الفرسان الذين معي. قال: إن هلك هؤلاء أنا آتيك من أهل مرو بما شئت. قال: يهلك المسلمون. قال: إنما يكفيك أن ينادي منادٍ: من أسلم رفعنا عنه الخراج، فيأتيك خمسون ألفاً أسمع من هؤلاء وأطوع. قال: فيهلك أمية ومن معه. قال: ولم يهلكون ولهم عددٌ وعدة ونجدة وسلاح ظاهر، ليقاتلوا عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين.\rفأحرق بكير السفن، ورجع إلى مرو، فحبس ابن أمية وخلع أمية، وبلغ أمية الخبر، فصالح أهل بخارى على فديةٍ قليلة، ورجع وأمر باتخاذ السفن، وعبر، وذكر للناس إحسانه إلى بكير مرةً بعد أخرى، وأنه كافأه بالعصيان.\rوسار إلى مرو، وأرسل شماس بن دثار في ثمانمائة، فسار بكير إليهم، فانهزم شماس، وأمر أصحابه ألا يقتلوا منهم أحداً، فكانوا يأخذون سلاحهم ويطلقونهم. وقدم أمية فتلقاه شماس، فقدم ثابت ابن قطبة فلقيه بكير فأسره، وفرق جمعه، ثم أطلقه ليدٍ كانت لثابت عنده. وأقبل أمية وقاتله بكير فكان بينهم وقعات في أيامٍ، فانكشف أصحاب بكير في بعضها، فاتبعه حريث بن قطبة حتى بلغ القنطرة وناداه إلى أين يا بكير ! فرجع فضربه حريث على رأسه فقطع المغفر، وعض السيف برأسه فقطع فصرع، واحتمله أصحابه فأدخلوه البلد.\rوكان أصحاب بكير يفدون في الثياب المصبغة فيجلسون يتحدثون. وينادي مناديهم من رمي بسهمٍ رمينا إليه برأس رجل من ولده وأهله، فلا يريهم أحد.","part":6,"page":38},{"id":2539,"text":"وخاف بكير إن طال الحصار أن يخذله الناس، فطلب الصلح؛ وأحب ذلك أيضاً أصحاب أمية، فاصطلحوا على أن يقضي عنه أمية أربعمائة ألف، ويصل أصحابه ويوليه أي كور خراسان شاء، ولا يسمع قول بحير فيه، وإن رابه ريبٌ فهو آمن أربعين يوماً.\rودخل أمية مدينة مرو، ووفى لبكير، وعاد إلى ما كان من الكرامة، وأعطى أمية عقاباً عشرين ألفاً، وكان أمية سهلا ليناً سخياً، وكان مع ذلك ثقيلا على أهل خراسان، وكان فيه زهد.\rوعزل أمية بحيراً عن شرطته وولاها عطاء بن أبي السائب، وطالب أمية الناس بالخراج واشتد عليهم، فجلس بكير في المسجد وعنده الناس، فذكروا شدة أمية فذموه وبحير، وضرار بن حصن، وعبد العزيز بن جارية بن قدامة في المسجد، فنقل بحير ذلك إلى أمية فكذبه، فادعى شهادة هؤلاء، فشهد مزاحم بن أبي المجشر السلمي أنه كان يمزح، فتركه أمية، ثم إن بحيراً أتى أمية وقال: والله إن بكيراً قد دعاني إلى خلعك، وقال: لولا مكانك لقتلت هذا القرشي، وأكلت خراسان. فلم يصدقه أمية، فاستشهد جماعةً ذكر بكيرٌ أنهم أعداؤه. فقبض أمية على بكير وعلى ابني أخيه: بدل، وشمردل، ثم أمر بعض الرؤساء بقتل بكير، فامتنعوا فأمر بحيراً بقتله فقتله، وقتل أمية ابني أخي بكير.\rوحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان.\rوفيها مات جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري.\rسنة ثمان وسبعون\rفي هذه السنة عزل عبد الملك بن مروان أمية بن عبد الله عن خراسان وسجستان؛ وضمهما إلى أعمال الحجاج، فاستعمل الحجاج المهلب بن أبي صفرة على خراسان وعبيد الله بن أبي بكرة على سجستان، فبعث المهلب ابنه حبيباً إلى خراسان، فلما ودع الحجاج أعطاه بغلةً خضراء، فسار عليها وأصحابه على البريد، فوصل خراسان في عشرين يوما، فلما دخل باب مرو لقيه حمل حطب، فنفرت البغلة فعجبوا من نفارها بعد ذلك التعب وشدة السير، ولم يعرض لأمية ولا لعماله، وأقام عشرة أشهر حتى قدم عليه المهلب في سنة تسع وسبعين.\rوحج بالناس في هذه السنة. أبان بن عثمان، وكان العمال من ذكرنا، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة موسى بن أنس.\rسنة تسع وسبعون\rفي هذه السنة استعفى شريح بن الحارث من القضاء فأعفاه الحجاج، واستعمل على القضا، أبا بردة بن أبي موسى.\rوحج بالناس أبان بن عثمان وهو أمير المدينة.\rسنة ثمانون\rفي هذه السنة حج بالناس أبان بن عثمان، وفيها توفي أبو إدريس الخولاني، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وقيل سنة أربع وثمانين، وقيل سنة خمس. وقيل سنة ست. وقيل سنة تسعين. والله أعلم.\rوفيها توفي محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وهو ابن الحنفية، ومات جماعةٌ من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.\rمقتل بحير بن ورقاء\rسنة واحد وثمانون بشر القاتل بالقتل لأنه كان سبباً وباعثاً لقتل بكير بن وساج في هذه السنة قتل بحير بن ورقاء الصريمي. وكان سبب قتله أنه لما قتل بكير بن وساج وكلاهما كان تميميا - قال عثمان بن رجاء ابن جابر أحد بني عوف بن سعد من الأبناء، والأبناء عدة بطون من تميم، يحرض بعض آل بكير من الأبناء على الطلب بثأره:\rالعمري لقد أغضيت عيناً على القذى ... وبتّ بطيناً من رحيق مروّق\rوخلّيت ثأراً طلّ واخترت نومةً ... ومن شرب الصّهباء بالوتر يسبق\rفلو كنت من عوف بن سعد ذؤابةً ... تركت بحيراً في دمٍ مترقرق\rفقل لبحير نم ولا تخش ثائراً ... ببكر فعوف أهل شاءٍ حلبّق\rدع الضّأن يوما قد سبقتم بوتركم ... وصرتم حديثاً بين غربٍ ومشرق\rوهبّوا فلو أمسى بكير كعهده ... لغاداهمو زحفاً بجأواء فيلق\rوقال أيضاً:\rفلو كان بكرٌ بارزا في أداته ... وذي العرش لم يقدم عليه بحير\rففي الدهر إن أبقاني الدّهر مطلب ... وفي الله طلاّب بذاك جدير\rفبلغ بحيراً أن رهط بكير من الأبناء يتوعدونه، فقال:\rتوعّدني الأبناء جهلاً كأنما ... يرون فنائي مقفراً من بني كعب\rرفعت له كفّى بعضبٍ مهنّد ... حسامٍ كلون الملح ذي رونقٍ عضب","part":6,"page":39},{"id":2540,"text":"فتعاقد سبعة عشر من بني عوف على الطلب بدم بكير، فخرج فتىً منهم يقال له شمردل من البادية حتى قدم خراسان، فرأى بحيراً واقفاً، فحمل عليه فطعنه فصرعه، وظن أنه قتله، وركض، فعثر به فرسه فسقط عنه فقتل. وخرج صعصعة بن حرب العوفي من البادية، ومضى إلى سجستان، فجاور قرابةً لبحير مدةً، وادعى أنه من بني حنيفة من اليمامة، وأطال مجالستهم حتى أنسوا به، ثم قال لهم: إن لي بخراسان ميراثاً فاكتبوا لي إلى بحير كتاباً ليعينني على حقي. فكتبوا له، وسار فقدم على بحي فأخبره أنه من من بني حنيفة وأن له مالاً بسجستان وميراثا بمرو، وقدم ليبيعه ويعود إلى اليمامة. فأنزله بحير، وأمر له بنفقة، ووعده المساعدة.\rوكان بحير قد حذر، فلما قال له: إنه من بني حنيفة أمنه، وكان إذ ذاك في الغزو مع المهلب. فقال له: أقيم معك حتى ترجع إلى مرو، فأقام شهراً يحضر معه باب المهلب، فجاء صعصعة يوماً وبحير عند باب المهلب وعليه قميص ورداء، فقعد خلفه، ودنا منه كأنه يكلمه، فوجأه بخنجر معه في خاصرته، فغيبه في جوفه، ونادى يا لثارات بكير ! فأخذ وأتي به المهلب، فقال له: بؤساً لك ! ما أدركت بثأرك، وقتلت نفسك، وما على بحير بأس ! فقال: لقد طعنته طعنةً لو قسمت بين الناس لماتوا. ولقد وجدت ريح بطنه في يدي.\rفحبسه المهلب، ومات بحير من الغد، فقال صعصعة: اصنعوا الآن ما شئتم، أليس قد خلت خدور نساء بني عوف، وأدركت بثأري. والله لقد أمكنني منه ما صنعت. خالياً غير مرة، فكرهت أن أقتله سراً.\rفقال المهلب: ما رأيت رجلا أسخى نفساً بالموت من هذا، وأمر بقتله، فقتل.\rوقيل: إنه بعثه إلى بحير قبل أن يموت فقتله، وغضبت عوف والأبناء وقالوا: علام قتل صاحبنا، وإنما أخذ بثأره، فنازعتهم مقاعس والبطون، وكلهم بطون من تميم، حتى خاف الناس أن يعظم الأمر، فقال أهل الحجا: احملوا دم صعصعة، واجعلوا دم بحير بواءً ببكير، فودوا صعصعة، فقال رجل من الأبناء يمدح صعصعة:\rلله درّ فتىً تجاوز همّه ... دون العراق مفاوزاً وبحورا\rما زال يدئب نفسه وركابه ... حتى تناول في الحزون بحيرا\rذكر خلاف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج وما كان بينهما من الحروب\rكان ابتداء خلافه على الحجاج في هذه السنة، واستمرت الوقائع التي نذكرها بينهما إلى سنة ثلاث وثمانين، وقد رأينا أن نجمع أخباره بجملتها في هذا الموضع، ولا نقطعها بغيرها، ونميز كل وقعةٍ منها بتاريخها.\rوكان سبب خلافه أن الحجاج لما بعثه في الجنود إلى بلاد رتبيل في سنة ثمانين كما ذكرنا في الغزوات، وملك ما ملك من من حصون رتبيل، واستولى على ما استولى عليه من بلاده، وأقام، وكتب إلى الحجاج يعرفه أنه رأى التوغل في بلاد رتبيل حتى يعرفوا طرقها ويجبوا خراجها.\rفلما ورد كتابه على الحجاج كتب إليه: إن كتابك كتاب امريء يحب الهدنة، ويستريح إلى الموادعة، فامض إلى ما أمرتك من الوغول في أرضهم، والهدم لحصونهم، وقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، ثم أردفه كتاباً آخر بنحو ذلك، وفيه: أما بعد فمر من قبلك من المسلمين فليحرثوا ويقيموا بها، فإنها دارهم حتى يفتحها الله عليهم.\rثم كتب إليه كتاباً ثالثاً كذلك، ويقول: إن مضيت إلى ما أمرتك وإلا فأخوك إسحاق بن محمد أمير الناس. فدعا عبد الرحمن الناس وقال لهم: أيها الناس، إني لكم ناصح ولصلاحكم محبٌ، ولكم في كل ما يحيط به نفعكم ناظر، وقد كان رأيي فيما بيني وبين عدوي، مارضيه ذوو أحلامكم وأولو التجربة منكم، وكتبت بذلك إلى أميركم الحجاج، فأتاني كتابه يعجزني ويضعفني ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو، وهي البلاد التي هلك فيها إخوانكم بالأمس، وإنما أنا رجلٌ منكم أمضي إذا مضيتم، وآبى إذا أبيتم.\rفثار إليه الناس وقالوا: بل، نأبى على عدو الله، ولا نسمع له ولا نطيع.","part":6,"page":40},{"id":2541,"text":"فكان أول من تكلم أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني، وله صحبة، فقال - بعد حمد الله: أما بعد فإن الحجاج يرى بكم ما رأى القائل الأول إذ قال لأخيه: احمل عبدك على الفرس، إن هلك هلك، وإن نجا فلك. إن الحجاج لا يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلايا كثيرة، ويغشى بكم اللهوب واللصوب، فإن ظفرتم وغنمتم أكل البلاد وحاز المال، وكان ذلك زيادة في سلطانه؛ وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالي عنتهم، ولا يبقى عليهم، اخلعوا عدو الله الحجاج، وبايعوا الأمير عبد الرحمن، فإني أشهدكم أني أول خالع.\rفنادى الناس من كل جانب: فعلنا فعلنا، قد خلعنا عدو الله.\rوقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعي ثانياً فتكلم، وندب الناس إلى مبايعة عبد الرحمن، فبايعوه على خلع الحجاج ونفيه من العراق، ولم يذكر عبد الملك، فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه على خلع الحجاج ونفيه وعلى النصرة له، فصالح عبد الرحمن رتبيل على أنه إن ظهر فلا خراج على رتبيل أبداً، وإن هزم فأراده منعه.\rثم جعل عبد الرحمن على بست عياض بن هميان الشيباني وعلى زرنج عبد الله بن عامر التميمي، وعلى كرمان خرشة بن عمرو التميمي، ورجع إلى العراق، وجعل على مقدمته عطية بن عمرو العنبري.\rفلما بلغ فارس اجتمع الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا: إذا خلعنا الحجاج عامل عبد الملك فقد خلعنا عبد الملك، فاجتمعوا إلى عبد الرحمن، فكان أول الناس خلع عبد الملك تيجان ابن أبجر بن تيم الله بن ثعلبة، قام فقال: أيها الناس، إني خلعت أبا ذبان كخلعي خاتمي، فخلعه الناس إلا قليلا منهم، وبايعوا عبد الرحمن. وكانت بيعته يبايعون على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلى جهاد أهل الضلالة، وخلعهم، وجهاد المحلين.\rفلما بلغ الحجاج خلعه كتب إلى عبد الملك بالخبر، ويسأله أن يعجل بعثة الجنود إليه. وسار الحجاج حتى بلغ البصرة.\rولما وصل كتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله، ودعا خالد بن يزيد فأقرأه الكتاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كان هذا الحدث من سجستان فلا تخفه، وإن كان من خراسان فإني أتخوف.\rفجهز عبد الملك الجند على البريد، فكانوا يصلون من مائة ومن خمسين وأقل من ذلك وأكثر، وسار الحجاج من البصرة إلى تستر، وقدم مقدمته إلى دجيل، فلقوا خيلاً لعبد الرحمن، فانهزم أصحاب الحجاج بعد قتالٍ، وذلك يوم الأضحى سنة إحدى وثمانين، وقتل منهم جمع كثير.\rفلما أتى خبر الهزيمة إلى الحجاج رجع إلى البصرة وتبعه أصحاب عبد الرحمن، فقتلوا من أصحابه وأصابوا بعض أثقالهم. وأقبل الحجاج حتى نزل الزاوية، وجمع عنده الطعام، وفرق في الناس مائةً وخمسين ألف درهم، وأقبل عبد الرحمن حتى دخل البصرة فبايعه جميع أهلها.\rوكان السبب في سرعة إجابتهم إلى بيعته أن عمال الحجاج كتبوا إليه إن الخراج قد انكسر، وإن أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار.\rفكتب إلى البصرة وغيرها: إن من كان له أصل في قريةٍ فليخرج إليها، فأخرج الناس لتؤخذ منهم الجزية، فجعلوا يبكون وينادون: يا محمداه ؟ يا محمداه ؟! وجعل قراء البصرة يبكون.\rفلما قدم ابن الأشعث إثر ذلك بايعوه على حرب الحجاج، وخلع عبد الملك؛ وخندق الحجاج على نفسه، وخندق عبد الرحمن على البصرة، وكان دخوله البصرة في آخر ذي الحجة.\rذكر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث وانهزام ابن الأشعث من البصرة إلى الكوفة\rوفي المحرم سنة اثنتين وثمانين اقتتل عسكر الحجاج وعسكر ابن الأشعث قتالاً شديداً، وكان بينهم عدة وقعات، فلما كان آخر يومٍ من المحرم اشتد القتال، فانهزم أصحاب الحجاج حتى انتهوا إليه، وقاتلوا على خنادقهم، ثم تزاحفوا فتقوض أصحاب الحجاج، فجثا على ركبتيه، وقال: لله در مصعب ! ما كان أكرمه حين نزل بن ما نزل، وعزم على أنه لا يفر.\rفحمل سفيان بن الأبرد على ميمنة ابن الأشعث فهزمها، وانهزم أهل العراق، وأقبلوا نحو الكوفة مع عبد الرحمن، وقتل منهم خلقٌ كثير، منهم: عقبة بن عبد الغافر الأزدي وجماعة من القراء.","part":6,"page":41},{"id":2542,"text":"ولما بلغ ابن الأشعث الكوفة تبعه أهل القوة وأصحاب الخيل من البصرة، واجتمع من بقي بالبصرة مع عبد الرحمن بن عباس ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فبايعوه، فقاتل بهم الحجاج خمس ليال أشد قتال رآه الناس، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث ومعه طائفة من أهل البصرة، وهذه الوقعة تسمى وقعة الزاوية.\rوقتل الحجاج في هذا اليوم بعد الهزيمة أحد عشر ألفاً خدعهم بالأمان، أمر منادياً فنادى: الأمان لفلان وفلان، سمى رجالاً، فقال العامة: قد أمن الناس، فحضروا عنده، فأمر بهم فقتلوا.\rقال: وكان الحجاج عند مسيره من الكوفة إلى البصرة استعمل عليها عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عامر الحضرمي حليف بني أمية، فقصده مطر بن ناجية اليربوعي، فتحصن منه ابن الحضرمي في القصر، فوثب أهل الكوفة مع مطر، فأخرج ابن الحضرمي ومن معه من أهل الشام، وكانوا أربعة آلافٍ، واستولى مطر على القصر، واجتمع إليه الناس، ففرق فيهم لكل إنسان مائتي درهم.\rفلما وصل ابن الأشعث إلى الكوفة كان مطر بالقصر، فخرج أهل الكوفة يستقبلونه، فدخل الكوفة، وقد سبق إليه همدان فكانوا حوله، فأتى القصر فمنعه مطر بن ناجية ومن معه من بني تميم، فأصعد عبد الرحمن الناس في السلاليم إلى القصر فأخذوه، وأتى عبد الرحمن بمطر فحبسه ثم أطلقه.\rوقعة دير الجماجم\rوانهزام أصحاب ابن الأشعث وعود الحجاج إلى الكوفة كانت وقعة دير الجماجم في شعبان سنة اثنتين وثمانين، وقيل: كانت في سنة ثلاث وثمانين. والذي يقول: إنها في سنة ثلاث يقول: كان نزولهم بدير الجماجم لليلةٍ مضت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، والهزيمة لأربع عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة منها، فكانت مائة يوم وثلاثة أيام. والله أعلم.\rوكان سبب هذه الوقعة أن الحجاج سار من البصرة إلى الكوفة لقتال عبد الرحمن بن الأشعث، ونزل دير قرة، وخرج عبد الرحمن من الكوفة فنزل دير الجماجم، واجتمع لعبد الرحمن أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح والقراء، وكانوا مائة ألفٍ ممن يأخذ العطاء ومعهم مثلهم، وجاءت الحجاج أمداد الشام قبل نزوله بدير قرة، وخندق كلٌ منهما على نفسه، وكان الناس يقتتلون كل يوم، ولا يزال أحدهما يدني خندقه من الآخر.\rفبعث عبد الملك ابنه عبد الله وأخاه محمد بن مروان - وكان محمد بأرض الموصل - في جندٍ كثيف إلى الحجاج، وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق عزل الحجاج، وأن يجري عليهم أعطياتهم، كما يجري على أهل الشام، وأن ينزل عبد الرحمن بن الأشعث أي بلد شاء من العراق، فإذا نزل كان والياً عليها ما دام حيا، وعبد الملك خليفة. فإن أجاب أهل العراق إلى ذلك عزلا الحجاج عنهم، وصار محمد بن مروان أمير العراق، وإن أبى أهل العراق ذلك فالحجاج أمير الجماعة ووالي القتال، ومحمد وعبد الله في طاعته، فلم يأت الحجاج أمرٌ قط كان أشد عليه ولا أوجع لقلبه منه، وخشى أن يقبل أهل العراق عزله فيعزل عنهم، فكتب إلى عبد الملك: والله لو أعطيت أهل العراق عزلي لم يلبثوا إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلا جراءةً عليك، ألم تر ويبلغك وثوب أهل العراق مع الأشتر على عثمان ابن عفان وسؤالهم نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إلى عثمان فقتلوه؛ وإن الحديد بالحديد يفلح.\rفأبى عبد الملك إلا عرض عزله على أهل العراق، وقال: عزله أيسر من حرب أهل العراق، ويحقن الدماء.\rفخرج عبد الله بن عبد الملك وقال: يأهل العراق، أنا ابن أمير المؤمنين، وهو يعطيكم كذا وكذا.\rوخرج محمد بن مروان، وقال: أنا رسول أمير المؤمنين، وهو يعرض عليكم كذا وكذا.\rفقالوا: نرجع للعشية. ورجعوا، واجتمعوا عند ابن الأشعث، فقال لهم: قد أعطيتم أمراً انتهازكم إياه اليوم فرصة، وإنكم اليوم على النصف؛ فإن كانوا اعتدوا عليكم بيوم الزاوية فأنتم تعتدون عليهم بيوم تستر، فاقبلوا ما عرض عليكم، وأنتم أعزاء أقوياء.\rفوثبوا وقالوا: لا والله لا نقبل. وأعادوا خلع عبد الملك ثانياً؛ وكان أول من قام بخلعه بدير الجماجم عبد الله بن ذؤاب السلمي وعمير بن تيحان، وكان اجتماعهم على خلعه بالجماجم أجمع من الخلع بفارس.","part":6,"page":42},{"id":2543,"text":"فقال عبد الله ومحمدٌ للحجاج: شأنك بعسكرك وجندك، واعمل برأيك، فإنا قد أمرنا أن نسمع لك ونطيع، وكانا يسلمان عليه بالإمرة ويسلم عليهما بالإمرة.\rقال: ولما اجتمع أهل العراق على خلع عبد الملك قال ابن الأشعث: ألا إن بني مروان يعيرون بالزرقاء، والله ما لهم نسب أصح منه، إلا أن بني العاص أعلاج من أهل صفورية، فإن يكن هذا الأمر في قريش فعنى تقوبت بيضة قريش، وإن يك في العرب فأنا ابن الأشعث، ومد بها صوته حتى سمعه الناس.\rوبرزوا للقتال، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمين وعلى خيله سفيان ابن الأبرد الكلبي، وعلى رجاله عبد الله بن حبيب الحكمي، وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجاج بن جارية الخثعمي، وعلى ميسرته الأبرد بن قرة التميمي، وعلى خيله عبد الرحمن ابن العباس بن ربيعة الهاشمي، وعلى رجاله محمد بن سعد ابن أي وقاص، وعلى مجنبته عبد الله بن رزام الحارثي، وجعل على القراء زحر بن قيس الجعفي، وفيهم سعيد بن جبير بن هشام الشعبي، واسمه عامر بن شراحيل، وأبو البختري الطائي، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى.\rوأخذوا في القتال في كل يوم، وأهل العراق تأتيهم موادهم من الكوفة وسوادها، وهم في خصبٍ. وأهل الشام في ضيق شديد، قد غلت عندهم الأسعار، وفقد اللحم، حتى كأنهم في حصارٍ، وهم على ذلك يغادون القتال ويراوحون.\rفعبأ الحجاج في بعض الأيام لكتيبة القراء ثلاث كتائب، وبعث عليها الجراح بن عبد الله الحكمي؛ فقام جبلة بن زحر في القراء، وحرضهم على القتال، وذم أهل الشام، وسماهم المحلين المحدثين المبتدعين الذين جهلوا الحق فلا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فلا ينكرونه في كلام كثير قاله. وقال أبو البختري: أيها الناس، قاتلوهم على دينكم ودنياكم.\rوقال الشعبي: أيها الناس قاتلوهم قاتلوهم ولا يأخذكم حرج سن قتالهم: فوالله ما أعلم على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور في حكم منهم.\rوقال سعيد بن جبير نحو ذلك.\rوقال جبلة: احملوا حملةً صادقةً ولا تردوا وجوهكم عنهم.\rفحملوا عليهم فأزالوا الكتائب عن مواقفها وفرقوها وتقدموا حتى واقعوا صفهم، فأزالوه عن مكانه؛ ثم رجعوا فوجدوا جبلة بن زحر قتيلا.\rوكان سبب قتله أن أصحابه لما حملوا على أهل الشام وفرقوهم وقف لأصحابه ليرجعوا إليه، فافترقت فرقة من أهل الشام، فنظروا إليه، فقال بعضهم لبعض: احملوا عليه ما دام أصحابه مشاغيل بالقتال، فحملوا عليه فلم يزل، وحمل عليهم فقتل؛ قتله الوليد ابن نحيت الكلبي، وجيء برأسه إلى الحجاج، فبشر أصحابه بقتله، فلما رجع أصحاب جبلة ورأوه قتيلاً سقط في أيديهم، وظهر الفشل في القراء وناداهم أهل الشام: يا أعداء الله، قد هلكتم وقتل طاغيتكم - وقدم عليهم بسطام بن مصقلة بن هبيرة الشيباني، ففرحوا به، وقالوا: تقوم مقام جبلة، وكان قدومه من الري، فجعله عبد الرحمن على ربيعة، فدخل عسكر الحجاج، فأخذ من نساء أصحابه ثلاثين امرأةً فأطلقهن، فقال الحجاج: منعوا نساءهم لو لم يردوهن لسبيت نساءهم إذا ظهرت عليهم.\rقال: وخرج عبد الله بن رزام الحارثي يطلب المبارزة، فخرج إليه رجل من عسكر الحجاج فقتله عبد الله، فعل ذلك ثلاثة أيام. فلما كان في اليوم الرابع خرج فقالوا: جاء لا جاء الله به ! فقال الحجاج للجراح: اخرج إليه. فخرج، فقال له عبد الله: ما جاء به ؟ ويحك يا جراح ! وكان له صديقاً. فقال: ابتليت بك. قال: فهل لك في خير ؟ قال الجراح: ما هو ؟ قال: أنهزم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وحمدك، وأحتمل أنا مقالة الناس في انهزامي حباً لسلامتك، فإني لا أحب قتل مثلك من قومي. قال: افعل.\rفحمل الجراح عليه فاستطرد له، وحمل عليه الجراح بجد يريد قتله، فصاح بعبد الله غلامه وقال: إن الرجل يريد قتلك. فعطف عبد الله على الجراح فضربه بعمودٍ على رأسه فصرعه، وقال له: يا جراح، بئسما جزيتني ! أردت بك العافية، وأردت قتلي. انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة.","part":6,"page":43},{"id":2544,"text":"قال: ودام القتال بينهم بدير الجماجم إلى آخر المدة التي ذكرناها، فلما كان يوم الهزيمة اقتتلوا أشد قتالٍ، واستظهر أصحاب عبد الرحمن على أصحاب الحجاج، واستعلوا عليهم، وهم آمنون أن ينهزموا، فبينما هم كذلك إذ حمل سفيان بن الأبرد وهو على ميمنة الحجاج على الأبرد بن قرة التميمي، وهو على ميسرة ابن الأشعث، فانهزم الأبرد بالناس من غير قتالٍ، فظن الناس أن الأبرد قد صولح على أن ينهزم بالناس، فلما انهزم تقوضت الصفوف، وركب الناس بعضهم بعضا، وصعد عبد الرحمن بن محمد المنبر ينادي الناس: إلى عباد الله؛ فاجتمع إليه جماعة، فثبت حتى دنا أهل الشام، فقاتل من معه، ودخل أهل الشام العسكر، فأتاه عبد الله بن يزيد بن المغفل الأزدي، فقال له: انزل، فإني أخاف عليك أن تؤسر، ولعلك إذا انصرفت أن يجتمع لك جمعٌ يهلكهم الله به.\rفنزل وانهزم هو ومن معه لا يلوون على شيء. ودخل الحجاج الكوفة، وعاد محمد بن مروان إلى الموصل، وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام، وأخذ الحجاج يبايع الناس، وكان لا يبايع أحدا إلا قال له: أتشهد أنك كفرت، فإن قال نعم بايعه، وإلا قتله. فأتاه رجل من خثعم كان قد اعتزل الناس جميعاً، فسأله عن حاله فأخبره باعتزاله، فقال له: أنت متربص، أتشهد أنك كافر ! فقال: بئس الرجل أنا إذاً؛ أعبد الله ثمانين سنة ثم أشهد على نفسي بالكفر.\rقال: إذاً أقتلك، قال: وإن قتلتني، فقتله. فما بقي أحدٌ من أهل الشام والعراق إلا رحمه.\rوقتل كميل بن زياد وكان خصيصاً بعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وأتي بآخر بعده، فقال الحجاج: أرى رجلا ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر، فقال له الرجل: أتخادعني عن نفسي، أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون. فضحك الحجاج وخلى سبيله.\rقال: وأقام الحجاج بالكوفة شهراً، وأنزل أهل الشام بيوت أهل الكوفة مع أهلها، وهو أول من أنزل الجند في بيوت غيرهم، واستمرت هذه القاعدة بعده.\rقال: وكان الحجاج لما انهزم الناس أمر منادياً فنادى: من لحق بقتيبة بن مسلم فهو أمانه. وكان قد ولاه الري، فلحق به ناسٌ كثير منهم الشعبي، فذكره الحجاج يوماً بعد الفراغ من أمر ابن الأشعث، فقيل له: إنه لحق بقتيبة بالري؛ فكتب إلى قتيبة يأمره بإرساله.\rقال الشعبي: فلما قدمت على الحجاج لقيت يزيد بن أبي مسلم وكان صديقاً لي، فقال: اعتذر مهما استطعت. وأشار بمثل ذلك إخواني ونصحائي.\rفلما دخلت على الحجاج رأيت غير ما ذكروا، فسلمت عليه بالإمرة، وقلت: أيها الأمير، إن الناس قد أمروني أن أعتذر بما يعلم الله أنه غير الحق، وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا الحق: قد والله تمردنا عليك وحرضنا عليك، وجهدنا، فما كنا بالأقوياء الفجرة ولا بالأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا، وأظفرك بنا، فإن سطوت فبذنوبنا، وما جرت إليه أيدينا، وإن عفوت عنا فبحلمك. وبعد فالحجة لك علينا.\rفقال الحجاج: أنت والله أحب إلي قولاً ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول: ما قلت ولا شهدت، قد أمنت يا شعبي. كيف وجدت الناس بعدنا، فقلت: أصلح الله الأمير، اكتحلت بعدك السهر، واستوعرت الجناب، وفقدت صالح الإخوان، ولم أجد من الأمير خلفاً. قال: انصرف يا شعبي. فانصرفت.\rنعود إلى بقية أخبار عبد الرحمن بن الأشعث:\rالوقعة بمسكن\rقال: ولما انهزم عبد الرحمن من دير الجماجم أتى البصرة، فاجتمع إليه من المنهزمين جمعٌ كثير، فاجتمعوا بمسكن، وبايعوه على الموت، وخندق عبد الرحمن على أصحابه، وجعل القتال من وجه واحد، وقدم إليه خالد بن جرير بن عبد الله من خراسان، وأتاه الحجاج، فاقتتلوا خمسة عشر يوماً من شعبان أشد قتال، وبات الحجاج يحرض أصحابه، فلما أصبحوا باكروا القتال، واشتدت الحرب، فانهزم ابن الأشعث ومن معه، وقتل عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه، وأبو البختري الطائي، ومشى بسطام من مصلة بن هبيرة في أربعة آلاف فارس من شجعان أهل الكوفة والبصرة، وكسروا جفون سيوفهم، وحملوا على أهل الشام، فكشفوهم مراراً، فدعا الحجاج الرماة فرموهم، وأحاط بهم الناس، فقتلوهم إلا قليلاً. ومضى ابن الأشعث إلى سجستان.","part":6,"page":44},{"id":2545,"text":"وقد قيل في هزيمة ابن الأشعث بمسكن أنه اجتمع هو والحجاج، وكان العسكران بين دجلة والسيب والكرخ، فاقتتلوا شهراً أو دونه، فأتى شيخ فدل الحجاج على طريقٍ من وراء الكرخ في أجمة وضحضاح من الماء، فأرسل معهم أربعة آلاف، فسار بهم، ثم قاتل الحجاج أصحاب عبد الرحمن، فانهزم الحجاج فعبر السيب، ورجع ابن الأشعث إلى عسكره آمناً بعد أن نهب عسكر الحجاج، فأمن أصحابه، وألقوا السلاح. فلما كان نصف الليل لم يشعروا إلا وقد أخذهم السيف من تلك السرية، فغرق من أصحاب عبد الرحمن أكثر ممن قتل، ورجع الحجاج على الصوت يقتل من وجد، فكان عدة من قتل أربعة آلاف، منهم عبد الله بن شداد ابن الهاد، وبسطام بن مصقلة، وعمر بن ضبيعة الرقاشي، وبشر ابن المنذر بن الجارود، وغيرهم.\rذكر مسير عبد الرحمن إلى رتبيل وما كان من أمره وأمر أصحابه\rقال: ولما انهزم عبد الرحمن من مسكن سار إلى سجستان فأتبعه الحجاج ابنه محمداً وعمارة بن تميم اللخمي، وعمارة على الجيش، فأدركه عمارة بالسوس، فقاتله ساعةً، ثم انهزم عبد الرحمن ومن معه، وساروا حتى بلغوا نيسابور، واجتمع إليه الأكراد، فقاتلهم عمارة قتالاً شديداً على العقبة، فجرح عمارة وكثيرٌ من أصحابه، فانهزم عمارة وترك لهم العقبة، وسار عبد الرحمن حتى أتى كرمان وعمارة يتبعه، فلما وصل عبد الرحمن إليها لقيه عامله وقد هيأ له منزلاً، فنزل. ثم رحل إلى سجستان فأتى زرنج وفيها عامله فأغلق بابها. ومنع عبد الرحمن من دخولها، فأقام عليها أياماً ليفتحها فلم يصل إلى ذلك، فسار إلى بست، وكان قد استعمل عليها عياض بن هميان بن هشام السدوسي الشيباني. فاستقبله فأنزله. فلما غفل عنه أصحابه قبض عليه عياض، وأوثقه، وأراد أن يأمن به عند الحجاج.\rوكان رتبيل ملك الترك قد سمع بمدم عبد الرحمن، فسار إليه ليستقبله لما كان قد تقرر بينهما من العهود والمواثيق كما تقدم.\rفلما بلغه أن عياضا قد قبض عليه نزل على بست، وبعث إلى عياض يتهدده بالقتل إن هو لم يطلقه، فاستأمنه عياض، وأطلق عبد الرحمن، ثم سار عبد الرحمن مع رتبيل إلى بلاده، فأنزله وأكرمه وعظمه، وكان ناسٌ كثير من أصحاب عبد الرحمن ممن انهزم من الرءوس وقادة الجيوش الذين لم يقبلوا أمان الحجاج، ونصبوا له العداوة في كل موطنٍ قد بعثوا يستدعونه ويخبرونه أنهم على قصد خراسان ليقووا بمن بها من عشائرهم، فأتاهم ابن الأشعث. وكان عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب يصلي بهم إلى أن قدم ابن الأشعث. فلما قدم عليهم ساروا كلهم ففتحوا زرنج، وسار نحوهم عمارة بن تميم في أهل الشام؛ فقال أصحاب عبد الرحمن له: اخرج بنا عن سجستان إلى خراسان. فقال: إن بها يزيد بن المهلب، وهو رجلٌ شجاع، ولا يترك لكم سلطانه، ولو دخلناها لقاتلنا وتتبعنا أهل الشام، فيجتمع علينا أهل خراسان وأهل الشام. فقالوا: لو دخلنا خراسان لكان من يتبعنا أكثر ممن يقاتلنا. فسار معهم حتى بلغوا هراة، فهرب من أصحابه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة القرشي في ألفين. فقال لهم عبد الرحمن: إني كنت في مأمن وملجأ، فجاءتني كتبكم أن أقبل، فإن أمرنا واحد، فلعلنا نقاتل عدونا. فأتيتكم فرأيتم أن أمضي إلى خراسان، وزعمتم أنكم مجتمعون لي ولا تتفرقون، وهذا عبيد الله قد صنع ما رأيتم، فاصنعوا ما بدا لكم، أما أنا فمنصرفٌ إلى صاحبي الذي أتيت من عنده.\rفتفرق منهم طائفةٌ وبقي معه طائفة، وبقي عظم العسكر مع عبد الرحمن بن العباس فبايعوه، فأتوا هراة، فلقوا بها الرقاد الأزدي فقتلوه، فسار إليهم يزيد بن المهلب.\rوقيل: لما انهزم ابن الأشعث من مسكن أتى عبيد الله بن عبد الرحمن ابن سمرة هراة، وأتى عبد الرحمن بن عباس سجستان، فاجتمع معه فل ابن الأشعث، فساروا إلى خراسان في عشرين ألفاً، فنزل هراة، ولقى الرقاد بن عبيد العتكي بها فقتلوه، فأرسل إليه يزيد بن المهلب وهو عامل خراسان يقول: قد كان لك في البلاد متسع، من هو أهون مني شوكة؛ فارتحل إلى بلد ليس لي فيه سلطان، فإني أكره قتالك، وإن أردت مالاً أرسلت إليك. فأعاد الجواب: إنا ما نزلنا لمحاربةٍ ولا لمقام، ولكن أردنا أن نريح، ثم نرحل عنك، وليست بنا إلى المال حاجة.","part":6,"page":45},{"id":2546,"text":"ثم أقبل عبد الرحمن بن العباس على الجباية، وبلغ ذلك يزيد ابن المهلب، فقال: من أراد أن يريح ثم يرحل لم يجب الخراج، وسار نحوه، وأعاد مراسلته يقول: إنك قد أرحت وسمنت وجبيت الخراج، فلك ما جبيت وزيادة، فاخرج عني، فإني أكره قتالك، فأبى إلا القتال.\rوكاتب جند يزيد يستميلهم ويدعوهم إلى نفسه، فعلم يزيد بذلك، فقال: جل الأمر عن العتاب، ثم تقدم إليه فقاتله، فلم يكن بينهما كثير قتال، حتى تفرق أصحاب عبد الرحمن عنه، وصبر وصبرت معه طائفةٌ، ثم انهزموا.\rوأمر يزيد أصحابه بالكف عن اتباعهم، وأخذ ما كان في عسكرهم، وأسروا منهم أسرى، منهم محمد بن سعد بن أبي وقاص، وعمر ابن موسى بن عبيد الله بن معمر، وعياش بن الأسود بن عوف الزهري، والهلقام بن نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وفيروز ابن حصين، وأبو العلج مولى عبيد الله بن معمر، وسوار ابن مروان، وعبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وعبد الله بن فضالة الزهراني الأزدي، ولحق عبد الرحمن بن العباس بالسند، وأتى ابن سمرة مرو، وانصرف يزيد بن المهلب إلى مرو، وبعث الأسرى إلى الحجاج مع سبرة بن نجدة إلا عبد الرحمن ابن طلحة فإنه أطلقه.\rوكان سبب إطلاقه أن حبيب بن المهلب قال لأخيه يزيد لما أراد أن يسير الأسرى: بأي وجهٍ تنظر إلى اليمانية، وقد بعثت عبد الرحمن ابن طلحة ؟ فقال يزيد: إنه الحجاج، فلا تتعرض إليه. قال: وطن نفسك على العزل، ولا ترسل به، فإن له عندنا يداً. قال: وما هي ؟ قال: ألزم المهلب في مسجد الجماعة بمائة ألف، فأداها طلحة عنه، فأطلقه يزيد، ولم يرسل أيضاً عبد الله بن فضالة لأنه من الأزد، وأرسل الباقين.\rفلما قدموا على الحجاج أحضر فيروز، فقال له الحجاج: أبا عثمان، ما أخرجك مع هؤلاء ؟ فوالله ما لحمك من لحومهم، ولا دمك من دمائهم. قال: فتنةٌ عمت الناس. قال: اكتب لي أموالك. قال: اكتب يا غلام ألف ألف وألفي ألف، فذكر مالاً كثيراً. فقال الحجاج: أين هذه الأموال ؟ فقال: عندي. قال: فأدها. قال: وأنا آمنٌ على دمي ؟ قال: والله لتؤدينها ثم لأقتلنك. قال: والله لا يجتمع دمي ومالي. فأمر به فنحى، ثم أحضر محمد ابن سعد بن أبي وقاص، فقال: يا ظل الشيطان، أعظم الناس تيها وكبراً، تأبى بيعة يزيد بن معاوية وتتشبه بالحسين وابن عمر، ثم صرت مؤذناً. وجعل يضرب رأسه بعمود في يده حتى أدماه، ثم أمر به فقتل.\rثم دعا بعمر بن موسى، فقال: يا عبد المرأة، تقوم بالعمود على رأس ابن الحائط - يعني ابن الأشعث وتشرب معه في الحمام. فقال: أصلح الله الأمير، كانت فتنة شملت البر والفاجر، فدخلنا فيها، وقد أمكنك الله منا، فإن عفوت فبفضلك وحلمك، وإن عاقبت عاقبت ظلمةً مذنبين.\rفقال الحجاج: إنها شملت الفجار، وعوفي منها الأبرار، أما اعترافك فعسى أن ينفعك، فرجا الناس السلامة. ثم أمر به فقتل.\rثم دعا بالهلقام بن نعيم، فقال له: احسب أن ابن الأشعث طلب ما طلب، ما الذي أملت أنت معه! قال: أملت أن يملك فيوليني العراق كما ولاك عبد الملك إياه، فأمر به فقتل. ودعا عبد الله بن عامر، فلما أتاه قال له: يا حجاج، لا رأت عينك الجنة إن أفلت ابن المهلب بما صنع، قال: وما صنع ؟ قال:\rلأنه كاس في إطلاق أسرته ... وقاد نحوك في أغلالها مضرا\rوقي بقومك ورد الموت أسرته ... وكان قومك أدنى عنده خطرا\rفأطرق الحجاج، ووقرت في قلبه، وقال: ما أنت وذاك ؟ ثم أمر به فقتل.\rثم أمر بفيروز فعذب، فلما أحس بالموت قال للموكلٍ بعذابه: إن الناس لا يكشون أني قد قتلت، ولودائع وأموالٌ عند الناس لا تؤدى إليكم أبدا؛ فأظهرني للناس ليعلموا أني حي، فيؤدوا المال.\rفأعلم الحجاج بقوله، فقال: أظهروه، فأخرج إلى باب المدينة، فصاح في الناس: من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا فيروز بن حصين، إن لي عند أقوامٍ مالا، فمن كان لي عنده شيء فهوله، وهو منه في حل، فلا يؤد أحد درهما، ليبلغ الشاهد الغائب، فأمر به الحجاج فقتل.","part":6,"page":46},{"id":2547,"text":"وأمر بقتل عمر بن قرة الكندي، وكان شريفاً، وقتل أعشى همدن، وأتى بأسيرين فأمر بقتلهما، فقال أحدهما، إن لي عندك يداً. قال: وما هي ؟ قال: ذكر عبد الرحمن يوماً أمك بسوءٍ فنهيته. قال: من يعلم ذلك ؟ قال: هذا الأسير الآخر. فسأله الحجاج فصدقه. فقال له الحجاج: فلم لم تفعل كما فعل ؟ قال: وينفعني الصدق عندك ؟ قال: نعم. قال: منعني البغض لك ولقومك. قال: خلوا عن هذا لفعله. وعن هذا لصدقه.\rوأما ابن الأشعث فإنه سار إلى رتبيل، فأقام عنده، فكتب إليه الحجاج: أن ابعثه إلي وإلا فوالذي لا إله غيره لأوطئن أرضك ألف ألف مقاتل، وكان مع عبد الرحمن رجل من تميم اسمه عبيد ابن سبيع التميمي، وكان رسوله إلى رتبيل. فقال القاسم بن محمد ابن الأشعث لأخيه عبد الرحمن: إني لا آمن غدر هذا التميمي فاقتله. فخافه عبيد على نفسه، فوشي به إلى رتبيل، وخوفه الحجاج، ودعاه إلى الغدر بابن الأشعث، وقال له: أنا آخذ لك من الحجاج عهداً ليكفن عن أرضك سبع سنين، على أن تدفع إليه عبد الرحمن، فأجابه إلى ذلك.\rفخرج عبيد إلى عمارة سراً فذكر ذلك له، فكتب عمارة إلى الحجاج بذلك، فأجابه إليه، وبعث رتبيل برأس عبد الرحمن، وذلك في سنة خمس وثمانين.\rوقيل: إن عبد الرحمن كان قد أصابه السل فمات فقطع رتبيل رأسه.\rوقيل: إن رتبيل لما صالح عمارة بن تميم اللخمي عن ابن الأشعث كتب عمارة إلى الحجاج بذلك، فأطلق له خراج بلاده عشر سنين، فأرسل رتبيل إلى عبد الرحمن وثلاثين من أهل بيته، فحضروا عنده، فقيدهم وأرسلهم إلى عمارة، فألقى عبد الرحمن نفسه من سطح قصرٍ فمات، فاحتز رأسه، وسيره إلى الحجاج، وسيره الحجاج إلى عبد الملك مع عرار بن عمرو بن شأس، وكتب معه كتاباً، فجعل عبد الملك يقرأ كتاب الحجاج، فإذا شك في شيء سأل عرارا عنه فيخبره به، وكان عرار أسود اللون، فعجب عبد الملك من بيانه وفصاحته مع سواده، وهو لا يعرفه فتمثل:\rوإن عراراً إن يكن غير واضح ... فإني أحبّ الجون ذا المنطق العمم\rفضحك عرار، فقال له عبد الملك: مالك تضحك ؟ فقال: أتعرف عراراً يا أمير المؤمنين ؟ قال: لا. قال: فأنا هو. فضحك عبد الملك ثم قال: حظ وافق حكمة. وأحسن جائزته، وسرحه.\rوروى أبو عمر بن عبد البر بسندٍ رفعه إلى العتبي عن أبيه، قال: كتب الحجاج إلى عبد الملك كتاباً يصف له فيه أهل العراق وما ألفاهم عليه من الاختلاف وما يكرهه منهم، وعرفه ما يحتاجون إليه من التقويم والتأديب، ويستأذنه أن يودع قلوبهم من الرهبة ما يخفون به إلى الطاعة، ودعا رجلاً من أصحابه كان يأنس به، فقال له: انطلق بهذا الكتاب، ولا يصلن من يدك إلا إلى يد أمير المؤمنين، فإذا قبضه فتكلم عليه.\rففعل الرجل ذلك، فجعل عبد الملك كلما شك في شيء يستفهمه، فوجده أبلغ من الكاتب، فقال عبد الملك:\rوإن عراراً إن يكن غير واضح ... البيت.\rفقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، أتدري من يخاطبك ؟ قال: لا. قال: أنا عرار، وهذا الشعر لأبي، وذلك أن أمي ماتت وأنا مرضع، فتزوج أبي امرأةً فكانت تسيء ولايتي، فقال أبي:\rفإن كنت مني أو تريدين صحبتي ... فكوني له كالشّمس ربّت به الأدم\rوإلاّ فسيري سير راكب ناقةٍ ... تيمّم خبتاً ليس في سيره أمم\rأرادت عراراً بالهوان ومن يرد ... عراراً لعمري بالهوان لقد ظلم\rوإنّ عراراً إن يكن غير واضح ... فإنّي أحبّ الجون ذا المنطق العمم\rولما جيء بالرأس إلى عبد الملك أرسله إلى أخيه عبد العزيز بمصر، فقال بعض الشعراء:\rهيهات موضع جثّةٍ من رأسها ... رأسٌ بمصر وجثّةٌ بالرخّج\rوقيل: إن هلاك عبد الرحمن كان في سنة أربع وثمانين. ولنرجع إلى تتمة حوادث السنين:\rسنة واحد وثمانون\rحج بالناس سليمان بن عبد الملك.\rسنة اثنان وثمانون\rفي هذه السنة كانت وفاة المغيرة بن المهلب بخراسان في شهر رجب منها، وكان أبوه قد استخلفه على عمله.\rوفاة المهلب بن أبي صفرة ووصيته لبنيه وولاية ابنه يزيد خراسان","part":6,"page":47},{"id":2548,"text":"وفي هذه السنة توفي المهلب بن أبي صفرة بمرو الروذ بالشوصة وقيل بالشوكة، وأوصى إلى حبيب ابنه فصلى عليه، وقال لبنيه: إني قد استخلفت عليكم يزيد فلا تخالفوه. فقال ابنه المفضل: لو لم تقدمه لقدمناه، وأحضر ولده فأوصاهم، وأحضر سهاما محزومة فقال: أتكسرونها مجتمعةً ؟ قالوا: لا. قال: أفتكسرونها متفرقةً ؟ قالوا: نعم. قال: فهكذا الجماعة. ثم قال: أوصيكم بتقوى الله، وصلة الرحم، فإنها تنسيء في الأجل وتثري المال، وتكثر العدد؛ وأنهاكم عن القطيعة؛ فإنها تعقب النار والذلة والقلة، وعليكم بالطاعة والجماعة، ولتكن فعالكم أفضل من مقالكم، واتقوا الجواب وزلة اللسان، فإن الرجل يزل قدمه فينتعش، ويزل لسانه فيهلك، واعرفوا لمن يغشاكم حقه، فكفى بغدو الرجل ورواحه إليكم تذكرةً له، وآثروا الجود على البخل، وأحبوا العرب، واصنعوا المعروف؛ فإن الرجل من العرب تعده العدة فيموت دونك، فكيف بالصنيعة عنده ! وعليكم في الحرب بالتؤدة والمكيدة، فإنهما أنفع من الشجاعة، وإذا كان اللقاء نزل القضاء، فإن أخذ الرجل بالحزم فظفر قيل: أتى الأمر من وجهه فظفر فحمد، فإن لم يظفر بعد الأناة قيل: ما فرط ولا ضيع، ولكن القضاء غالب. وعليكم بقراءة القرآن وتعليم السنن وآداب الصالحين، وإياكم وكثرة الكلام في مجالسكم.\rومات رحمه الله. فكتب ابنه يزيد إلى الحجاج يعلمه بوفاته، فأقره على خراسان.\rوفيها عزل عبد الملك أبان بن عثمان عن المدينة في جمادى الآخرة، واستعمل عليها هشام بن إسماعيل المخزومي.\rوحج بالناس أبان بن عثمان.\rسنة ثلاث وثمانون\rذكر خبر عمر بن أبي الصلت وخلعه الحجاج بالري وما كان من أمره قال: لما ظفر الحجاج بابن الأشعث لحق خلقٌ كثير من المنهزمين بعمر بن أبي الصلت، وكان قد غلب على الري في تلك الفتنة، فلما اجتمعوا بالري أرادوا أن يحظوا عند الحجاج بأمرٍ يمحون به عن أنفسهم عثرة الجماجم، فأشاروا على عمر بخلع الحجاج وقتيبة، فامتنع، فوضعوا عليه أباه؛ أبا الصلت، وكان به باراً، فأشار بذلك عليه وألزمه به، وقال: يا بني، إذا سار هؤلاء تحت لوائك لا أبالي أن تقتل غداً. ففعل. فلما قارب قتيبة الري استعد لقتاله، فالتقوا، واقتتلوا، فغدر أصحاب عمر بن وأكثرهم من تميم، فانهزم ولحق بطبرستان، فآواه الأصبهذ وأكرمه وأحسن نزله، فقال عمر لأبيه: إنك أمرتني بخلع الحجاج وقتيبة فأطعتك وكان خلاف رأيي، ولم أحمد رأيك، وقد نزلنا بهذا الأصبهذ فدعني حتى أثب إليه فأقتله. وأجلس على مملكته، فقد علمت الأعاجم أني أشرف منه. فقال أبوه: ما كن لأفعل هذا برجلٍ أوانا وأكرمنا وأنزلنا. فقال عمر: أنت أعلم، وسترى.\rودخل قتيبة الري، وكتب إلى الحجاج بانهزام عمر إلى طبرستان، فكتب الحجاج إلى الأصبهذ أن ابعث بهم أو برؤوسهم، وإلا فقد برئت منك الذمة، فصنع لهم الأصبهذ طعاماً وأحضرهم، فقتل عمرن وبعث أباه أسيراً. وقيل: قتلهم وبعث برؤوسهم. والله أعمل.\rذكر بناء مدينة واسط\rوفيها بنى الحجاج مدينة واسط، وسبب ذلك أنه ضرب البعث على أهل الكوفة إلى خراسان وعسكر بحمام عمر، وكان فتىً من أهل الكوفة حديث عهد بعرس بابنة عمٍ له، فانصرف من العسكر إلى ابنة عمه، فطرق عليه الباب طرقاً شديداً، فإذا سكران من أهل الشام، فقالت المرأة لبعلها: لقد لقينا من هذا الشامي شراً يفعل بنا كل ليلة ما ترى - يريد المكروه، وقد شكوته إلى مشيخة أصحابه. فقال: ائذني له، فأذنت له. فلما دخل قتله زوجها.\rفلما أذن الفجر خرج إلى العسكر وقال لابنة عمه: إذا صليت الفجر فابعثي إلى الشاميين ليأخذوا صاحبهم، فإذا أحضروك إلى الحجاج فاصدقيه الخبر على وجهه، ففعلت، وأحضرت إلى الحجاج، فأخبرته فصدقها، وقال للشاميين: خذوا صاحبكم لا قود له ولا عقل، فإنه قبيل الله إلى النار. ثم نادى منادٍ: لا ينزلن أحدٌ على أحدٍ، وبعث رواداً يرتادون له منزلا، وأقبل حتى نزل بموضع واسط، وإذا راهبٌ قد أقبل على حمارٍ، فلما كان بموضع واسط بال الحمار، فنزل الراهب فاحتفر ذلك البول ورماه في دجلة والحجاج ينظر إليه، فاستحضره وقال له: ما حملك على ما صنعت ؟ قال: نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد يوحد الله.\rفاختط الحجاج مدينة واسط وبنى المسجد في ذلك الموضع.","part":6,"page":48},{"id":2549,"text":"وحج بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل.\rسنة أربع وثمانون\rفي هذه السنة قتل الحجاج أيوب بن القرية، وكان مع ابن الأشعث، فلما هزم التحق أيوب بحوشب بن يزيد عامل الحجاج على الكوفة، فاستحضره الحجاج وقتله.\rوحج بالناس هشام بن إسماعيل.\rسنة خمس وثمانون\rذكر عزل يزيد بن المهلب عن خراسان وولاية أخيه المفضل وفي هذه السنة عزل الحجاج يزيد بن المهلب عن خراسان، وكان سبب عزله أن الحجاج وفد إلي عبد الملك فمر في طريقه براهبٍ، فقيل له: إن عنده علماً، فأحضره الحجاج، وسأله: هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه ونحن ؟ قال: نعم. قال: فمسمىً أو موصوفاً ؟ قال: كل ذلك نجده موصوفاً بغير اسم ومسمىً بغير صفةٍ. قال: فما تجدون صفة أمير المؤمنين ؟ قال: نجده في زماننا ملك أفرع من يقم لسبيله يصرع. قال: ثم من ؟ قال: اسم رجل يقال له الوليد، ثم رجل اسمه اسم نبي يفتح به على الناس. قال: أتعرفني ؟ قال: قد أخبرت بك. قال: أفتعلم ما ألي ؟ قال: نعم. قال: أفتعلم من يلي بعدي ؟ قال: نعم، رجل يقال له يزيد، قال: أفتعرف صفته ؟ قال: يغدر غدرة، لا أعرف غير هذا.\rفوقع في نفسه أنه يزيد بن المهلب، ثم سار وهو وجل من قول الراهب. فلما عاد كتب إلى عبد الملك يذم يزيد وآل المهلب، ويخبره أنهم زبيرية.\rفكتب إليه عبد الملك: إني أرى طاعتهم لآل الزبير نقصاً لآل المهلب؛ بل وفاؤهم لهم يدعوهم إلى الوفاء لي.\rفكتب إليه الحجاج يخوفه غدره.\rفكتب إليه: إنك قد أكثرت في يزيد وآل المهلب فسم رجلاً يصلح لخراسان. فسمى له قتيبة بن مسلم، فكتب إليه أن وله. فكره الحجاج أن يكتب إليه بعزله، فكتب إليه يأمره أن يستخلف أخاه المفضل ويقبل إليه.\rفاستشار يزيد حضين بن المنذر الرقاشي: فقال له: أقم واعتل، واكتب إلى أمير المؤمنين ليقرك، فإنه حسن الرأيٍ فيك. فقال له يزيد: نحن أهلٌ ق بورك لنا في الطاعة، وأنا أكره الخلاف. وأخذ يتجهز فأبطأ.\rفكتب الحجاج إلى المفضل: إني قد وليتك خراسان، فجعل المفضل يستحث يزيد، فقال له يزيد: إن الحجاج لا يقرك بعدي، وإنما دعاه إلى ما صنع مخافة أن أمتنع عليه، وستعلم.\rوخرج يزيد في شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين، وأقر الحجاج أخاه المفضل تسعة أشهر، ثم عزله، واستعمل قتيبة على ما نذكره، وسار يزيد بن المهلب فكان لا يمر ببلد إلا فرش أهلها الرياحين.\rذكر أخبار موسى بن عبد الله بن خازم واستيلائه على ترمذ وما كان من حروبه مع العرب والترك وخبر مقتله كان موسى بن عبد الله قد استولى على ترمذ، وأخرج ترمذ شاه عنها، وسبب ذلك أن أباه عبد الله لما قتل من قتل من بني تميم بخراسان كما تقدم ذكر ذلك في أثناء أخبار عبد الله ابن الزبير تفرق عنه أكثر من كان معه منهم، فخرج إلى نيسابور، وخاف بني تميم على ثقله بمرو، فقال لابنه موسى: خذ ثقلي واقطع نهر بلخ حتى تلتجيء إلى بعض الملوك أو إلى حصنٍ تكون فيه.\rفرحل موسى عن مرو في عشرين ومائتي فارس، واجتمع إليه. تتمة أربعمائة، وانضوى إليه قوم من بني سليم، فأتى زم، فقاتله أهلها، فظفر بهم، وأصاب مالاً، وقطع النهر. فأتى بخارى فسأله صاحبها أن يلجأ إليه، فأبى وخافه. وقال: رجل فاتك فلا آمنه، ووصله، وسار فلم يأت ملكا يلجأ إليه إلا كره مقامه عنده.\rفأتى سمرقند، فأكرمه ملكها طرخون وأذن له في المقام بها، فأقام بها ما شاء الله. وكان لأهل الصغد مائدة توضع في كل عام مرةً، عليها خبز ولحم وخل وإبريق شراب، يجعلون ذلك لفارس الصغد فلا يقربه غيره، فإن أكل منه بارزه الفارس، فأيهما قتل صاحبه كانت المائدة له، وكان الفارس المشار إليه، فرآها رجلٌ من أصحاب موسى، فقال: ما هذه ؟ فأخبر، فأكل ما عليها. وجاء الفارس مغضباً، فقال: يا أعرابي، بارزني، فبارزه فقتله صاحب موسى، فقال ملك الصغد: أنزلتكم وأكرمتكم فقتلتم فارسي، فلولا أني أمنتك وأصحابك لقتلتك، اخرجوا عن بلدي.","part":6,"page":49},{"id":2550,"text":"فخرجوا، فأتى موسى كش، فضعف صاحبها عنه، فاستنصر طرخون فأتاه، فقاتله موسى وقد اجتمع معه سبعمائة فارس يوماً حتى أمسوا وتحاجزوا، ثم اتفقوا أن يرتحل موسى عن كش؛ فسار فأتى ترمذ وبها حصنٌ يشرف على جانب النهر، فنزل موسى خارج الحصن وسأل ترمذ شاه أن يدخله الحصن فأبى، فأهدى له موسى ولاطفه حتى أنس به، وصارت بينهما مودة، وتصيد معه، وصنع صاحب ترمذ طعاماً، وأحضر موسى ليأكل معه، وشرط ألا يحضر إلا في مائة من أصحابه، فاختار موسى مائة منهم، فدخلوا الحصن وأكلوا، فلما فرغوا قال له ترمذشاه: اخرج. قال: لا أخرج حتى يكون الحصن بيتي أو قبري، وقاتلهم فقتل منهم عدةً وهرب الباقون، واستولى موسى عليها، وأخرج ترمذشاه منها، ولم يعرض له، ولا لأصحابه.\rفأتوا الترك يستنصرونهم على موسى، فلم ينصروهم، وقالوا: لا نقاتل هؤلاء.\rوأقام موسى بترمذ، وأتاه جمعٌ من أصحاب أبيه فقوي بهم، فكان يغير على ما حوله.\rوولى بكير بن وساج خراسان فلم يعرض له، ثم قدم أمية، فسار يريده؛ فخالفه بكير، فرجع على ما تقدم، ثم وجه أمية رجلاً من خزاعة في جمع كثير لقتال موسى، فجاء إلى ترمذ وحصره، فعاد أهل ترمذ إلى الترك، واستنصروهم وأعلموهم أنه قد غزاه قومٌ من العرب وحصروه، فسارت الترك في جمعٍ كثير إلى الخزاعي فأطاف بموسى العرب والترك، فكان يقاتل الخزاعي أول النهار والترك آخر النهار، فقاتلهم شهرين أو ثلاثة.\rثم أراد أن يبيت الخزاعي، فقال له عمرو بن خالد بن حصين الكلابي: بيت العجم، فإن العرب أشد حذراً وأجرأ على الليل، فوافقه.\rوأقام حتى ذهب ثلث الليل، وخرج في أربعمائة، وقال لعمرو ابن خالد: اخرج بعدنا أنت ومن معك منا قريباً، فإذا سمعتم تكبيرنا فكبروا.\rثم سار حتى ارتفع فوق عسكر الترك ورجع إليهم، وجعل أصحابه أرباعاً، وأقبل إليهم، فلما رآهم أصحاب الأرصاد قالوا: من أنتم ؟ قالوا: عابرو سبيل. فلما جاوزوا الرصد حملوا على الترك وكبروا فلم يشعر الترك إلا بوقع السيوف فيهم، فثاروا يقتل بعضهم بعضا وولوا. فحوى موسى ومن معه عسكرهم، وأصابوا سلاحاً كثيراً ومالاً، وأصيب من أصحاب موسى ستة عشر رجلا، وأصبح الخزاعي وأصحابه وقد كسرهم ذلك، وخافوا مثلها، فقال عمرو بن خالد لموسى: إنا لا نظفر إلا بمكيدة، ولهؤلاء أمدادٌ تأتيهم، فدعني آته لعلي أصيب فرصة فأقتل الخزاعي، فاضربني. قال موسى: تتعجل الضرب، وتتعرض للقتل ؟ قال: أما التعرض للقتل فأنا كل يوم متعرض له، وأما الضرب فما أيسره في حب ما أريد. فضربه موسى خمسين سوطاً، فخرج حتى أتى عسكر الخزاعي مستأمناً، وقال: أنا رجلٌ من أهل اليمن كنت مع عبد الله بن خازم، فلما قتل أتيت ابنه فكنت معه، وإنه اتهمني وقال: قد تعصبت لعدونا، وأنت عينٌ له، ولم آمن القتل، فهربت منه.\rفأمنه الخزاعي، وأقام معه، فدخل يوماً فلم ير عنده أحداً ولا معه سلاحاً، فقال له كالناصح: أصلح الله الأمير، إن مثلك في مثل هذا الحال لا ينبغي أن يكون بغير سلاح. قال: إن معي سلاحاً، ورفع طرف فراشه، فإذا سيف منتضى، فأخذه عمرو فضرب به الخزاعي حتى قتله، وخرج فركب فرسه وأتى موسى.\rوتفرق ذلك الجيش، وأتى بعضهم موسى مستأمناً فأمنه، ولم يوجه إليه أمية أحداً.\rوعزل أمية، وقدم المهلب أميرا، فلم يعرض لموسى، وقال لبنيه: إياكم وموسى، فإنكم لا تزالون ولاة خراسان ما دام هذا الثط بمكانه، فإن قتل فأول طالع عليكم أمير خراسان من قيس.\rفلما مات المهلب وولى يزيد لم يعرض إليه أيضاً، وكان المهلب قد ضرب حريث بن قطبة الخزاعي، فخرج هو وأخوه ثابت إلى موسى، فلما ولي يزيد بن المهلب أخذ أموالهما، وقتل أخاهما لأمهما الحارث بن منقذ، فخرج ثابت إلى طرخون، فشكا إليه ما صنع به يزيد، وكان ثابت محبوباً إلى الترك بعيد الصوت فيهم؛ فغضب له طرخون، وجمع له نيزك والسبل وأهل بخارى والصغانيان، فقدموا مع ثابت إلى موسى، واجتمع لموسى أيضاً فل عبد الرحمن ابن العباس من هراة وفل عبد الرحمن بن الأشعث من العراق، ومن ناحية كابل، وقوم من بني تميم ممن كان يقاتل ابن خازم في الفتنة من أهل خراسان، فاجتمع معه ثمانية آلاف.\rفقال له ثابت وحريث: سر بنا حتى نقطع النهر ونخرج يزيد عن خراسان ونوليك.","part":6,"page":50},{"id":2551,"text":"فهم أن يفعل، فقال له أصحابه: إن أخرجت يزيد عن خراسان تولى ثابت وأخوه خراسان وغلبا عيها، فامتنع من المسير، وقال لثابت وحريث: إن أخرجنا يزيد قدم عاملٌ لعبد الملك، ولكنا نخرج عمال يزيد من وراء النهر، وتكون هذه الناحية لنا، فأخرجوا عماله، وجبوا الأموال، قوى أمرهم، وانصرف طرخون ومن معه، واستبد ثابت وحريث بتدبير الأمر، وليس لموسى إلا اسم الإمرة. فقيل لموسى: اقتل ثابتاً وحريثاً، واستقل بالأمر، فإنه ليس لك من الأمر شيء. وألح أصحابه عليه في ذلك حتى هم بقتلهما.\rفبينما هم في ذلك إذ خرج عليهم الهياطلة والتبت والترك في سبعين ألف مقاتل غير الأتباع ومن ليس هو كامل السلاح.\rفخرج موسى وقاتلهم فيمن معه، ووقف ملك الترك على تل في عشرة آلاف في أكمل عدةٍ، وقد اشتد القتال، فقال موسى لأصحابه: إن أزلتم هؤلاء فليس الباقون بشيء، فقصدهم حريث بن قطبة وقاتلهم حتى أزالهم عن التل، ورمى حريث بنشابة في جبهته، وتحاجزوا وبيتهم موسى، فحمل أخوه خازم بن عبد الله بن خازم حتى وصل إلى شمعة ملكهم، فوجأ رجلاً منهم بقبيعة سيفه، فطعن فرسه فاحتمله الفرس فألقاه في نهر بلخ فغرق وقتل من الترك خلقٌ كثير، ونجا من نجا منهم بشرٍ، ومات حريث بيومين ورجع موسى وحمل معه الرؤوس، فبنى منها جوسقين، وقال أصحاب موسى: قد كفينا أمر حريث فاكفنا أمر ثابت، فأبى، وبلغ ثابتاً بعض ذلك فدس محمد بن عبد الله الخزاعي على موسى، وقال: إياك أن تتكلم بالعربية، فإن سألوك فقل: أنا من سبى الباميان، ففعل ذلك، وتلطف حتى اتصل بموسى وصار يخدسه وينقل إلى ثابت خبرهم، فحذر ثابت. وألح القوم على موسى، فقال لهم ليلةً: قد أكثرتم علي؛ وفيما تريدون هلاككم، فعلى أي وجهٍ تقتلونه ولا أغدر به. فقال له أخوه نوح: إذا أتاك غداً عدلنا به إلى بعض الدور فضربنا عنقه قبل أن يصل إليك. فقال: والله إنه لهلاككم، وأنتم أعلم.\rفخرج الغلام فأخبر ثابتاً فخرج من ليلته في عشرين فارساً ومضى، وأصبحوا فلم يجدوه ولا الغلام، فعلموا أنه كان عيناً له، ونزل ثابت بحشورا، واجتمع إليه خلقٌ كثير من العرب والعجم، فأتاه موسى وقاتله فتحصن ثابتٌ بالمدينة، وأتى طرخون معيناً له، فرجع موسى إلى ترمذ، وأقبل ثابت وطرخون ومعهما أهل بخارى، ونسف وكش، فاجتمعوا في ثمانين ألفاً، فحصروا موسى حتى جهد هو وأصحابه، فقال يزيد بن هذيل: والله لأقتلن ثابتاً أو لأموتن، فخرج إلى ثابت فاستأمنه، فقال له ظهير: أنا أعرف بهذا منك، ما أتاك إلا بغدرة، فاحذره. فأخذ ابنيه: قدامة، والضحاك رهنا، فكانا في يد ظهير، وأقام يزيد يلتمس غرة ثابت، فلم يقدر على ما يريد حتى مات ابنٌ لزياد القصير الخزاعي، فخرج ثابت إليه ليعزيه ومعه ظهير ورهط من أصحابه، وفيهم يزيد بن هذيل وهو بغير سلاح، وقد غابت الشمس، فدنا يزيد من ثابت فضربه على رأسه فعض السيف برأسه، فوصل إلى الدماغ وهرب، فسلم. فأخذ طرخون قدامة والضحاك ابني يزيد فقتلهما، وعاش ثابتٌ سبعة أيام، ومات.\rوقام بأمر العجم بعد موت ثابت طرخون، وقام ظهير بأمر أصحاب ثابت فقاما قياما ضعيفا، فانتشر أمرهم، وأجمع موسى على بياتهم، فأخبر طرخون بذلك فضحك، وقال: موسى يعجز أن يدخل متوضأه فكيف يبيتنا، لا يحرس الليلة أحدٌ.\rفخرج موسى في ثمانمائة، وجعلهم أرباعاً، وبيتهم فكانوا لا يمرون بشيء إلا صرعوه من الرجال والدواب وغيرها، فأرسل طرخون إلى موسى: أن كف أصحابك، فإنا نرحل إذا أصبحنا، فرجع موسى وارتحل طرخون والعجم جميعاً.\rفلما عزل يزيد بن المهلب وولي المفضل أراد أن يحظى عند الحجاج بقتال موسى، فسير إليه عثمان بن مسعود في جيش، وكتب إلى أخيه مدرك بن المهلب وهو ببلخ يأمره بالمسير معه، فعبر النهر في خمسة عشر ألفاً، وكتب إلى السبل وإلى طرخون فقدموا عليه، فحصروا موسى وضيقوا عليه، فمكث شهرين في ضيق، وقد خندق عثمان عليه، وحذر البيات، فقال موسى لأصحابه: اخرجوا بنا، حتى متى نصبر ؟ فاجعلوا يومكم معهم إما ظفرتم وإما قتلتم، واقصدوا الترك.","part":6,"page":51},{"id":2552,"text":"فخرجوا وخلف النضر بن سليمان بن عبد الله بن خازم في المدينة، وقال له: إن قتلت فلا تدفعن المدينة إلى عثمان، وادفعها إلى مدرك ابن المهلب، وخرج وجعل ثلث أصحابه بإزاء عثمان، وقال: لا تقاتلوه إلا إن قاتلكم، وقصد طرخون وأصحابه فصدقوهم القتال، فانهزم طرخون، واستولى موسى على عسكره، وزحفت الترك والصغد، فحالوا بين موسى والحصن، فقاتلهم، فعقروا فرسه فسقط، فقال لمولى له: احملني. فقال: الموت كريه، ولكن ارتدف، فإن نجونا نجونا جميعاً، وإن هلكنا هلكنا جميعاً.\rفارتدف، فلما نظر إليه عثمان حيث وتب قال: وثبة موسى ورب الكعبة، وقصده وعقرت فرسه، فسقط هو ومولاه فقتلوه، ونادى منادي عثمان: من لقيتموه فخذوه أسيراً، ولا تقتلوا أحداً، فقتل ذلك اليوم من الأسرى خلقاً كثيراً من العرب خاصةً، فكان يقتل العربي ويضرب المولى ويطلقه، وكان الذي أجهز على موسى واصل ابن طيسلة العنبري، وسلم النضر المدينة إلى مدرك فسلمها مدرك إلى عثمان، وكتب المفضل إلى الحجاج بقتل موسى فلم يسره ذلك، لأنه من قيس.\rوكان مقتل موسى في سنة خمس وثمانين، وكان مقام موسى بالحصن أربع عشرة سنة، وقيل خمس عشرة سنة.\rذكر وفاة عبد العزيز بن مروان وولاية عبد الله بن عبد الملك مصر والبيعة للوليد وسليمان ابني عبد الملك بولاية العهد\rكانت وفاته بمصر في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين، وكان عبد الملك أراد أن يخلعه من ولاية العهد، ويبايع لابنه الوليد، فنهاه قبيصة بن ذؤيب عن ذلك، وقال: لا تفعل، ولعل الموت يأتيه، فكف عنه عبد الملك ونفسه تنازعه إلى خلعه؛ فدخل عليه روح بن زنباع، وكان أجل الناس عند عبد الملك، وقال: يا أمير المؤمنين، لو خلعته ما انتطح فيها عنزان؛ وأنا أول من يجيبك إلى ذلك. قال: نصبح إن شاء الله ونفعل.\rونام روح عنده، فدخل عليهما قبيصة بن ذؤيب وهما نائمان، وكان عبد الملك قد تقدم إلى حجابه ألا يحجبوا قبيصة عنه، وكان إليه الخاتم والسكة، والأخبار تأتيه قبل عبد الملك، فلما دخل سلم عليه، وقال: آجرك الله في عبد العزيز أخيك ! قال: هل توفي ؟ قال: نعم. فاسترجع، ثم أقبل على روح، وقال: كفانا الله ما نريد. وكان هذا مخالفا لك يا قبيصة. وضم عبد الملك عمل عبد العزيز إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك، وأمر بالبيعة لابنيه: الوليد، وسليمان، فبايعهما الناس، وكتب بذلك إلى الأمصار، وكان على المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي، فدعا الناس إلى البيعة، فأجابوا إلا سعيد بن المسيب، فإنه أبى، وقال: لا أبايع وعبد الملك حي، فضربه هشام ضرباً مبرحاً، وطاف به وهو في تبان شعرٍ حتى بلغ رأس الثنية التي يقتلون ويصلبون عندها، ثم رده وحبسه.\rفبلغ ذلك عبد الملك، فقال: قبح الله هشاماً، إنما كان ينبغي له أن يدعوه إلى البيعة، فإن أبى أن يبايع يضرب عنقه أو يكف عنه.\rوكتب إليه يلومه ويقول: إن سعيداً ليس عنده شقاق ولا خلاف؛ وقد كان سعيد امتنع أيضاً من بيعة ابن الزبير، وقال: لا أبايع حتى يجتمع الناس، فضربه جابر بن الأسود عامل ابن الزبير ستين سوطاً.\rفكتب ابن الزبير إلى جابر يلومه، وقال: ما لنا ولسعيد ؟! دعه، لا تعرض له.\rوحج بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل.\rسنة ست وثمانون\rوفاة عبد الملك بن مروان\rكانت وفاته بدمشق في منتصف شوال سنة ست وثمانين، وكان يقول: أخاف الموت في شهر رمضان، فيه ولدت، وفيه فطمت، وفيه جمعت القرآن، وفيه بايع لي الناس، فمات في شوال حين أمن الموت في نفسه، واختلف في عمره من ثلاث وستين سنة إلى سبع وخمسين.\rوصلى عليه ابنه ولي عهده الوليد.\rوكانت مدة خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة عشر يوماً، خلص له الأمر منها بعد مقتل عبد الله بن الزبير ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر إلا سبع ليال، ودفن بدمشق خارج باب الجابية.\rقيل: ولما اشتد مرضه نهاه بعض الأطباء أن يشرب الماء، وقال: إن شرب الماء مات، فاشتد عطشه، فقال: يا وليد، اسقني ماء. قال: لا أعين عليك. فقال لابنته فاطمة: اسقيني، فمنعها الوليد. فقال: لتدعنها أو لأخلعنك. فقال: لم يبق بعد هذا شيء، فسقته فمات.\rودخل عليه الوليد وابنته فاطمة عند رأسه تبكي، فقال: كيف أمير المؤمنين ؟ قال: هو أصلح مما كان. فلما خرج قال عبد الملك:","part":6,"page":52},{"id":2553,"text":"ومستخبر عنا يريد بنا الردّى ... ومستخبراتٍ والدموع سواجم\rذكر وصيته بنيه عند موته\rقال: وأوصى بنيه عند موته، فقال: أوصيكم بتقوى الله، فإنه أزين حلية وأحصن كهف، ليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير حق الكبير، وانظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه، فإنه نابكم الذي تفرون، ومجنكم الذي عنه ترمون، وأكرموا الحجاج فإنه الذي وطأ لكم المنابر ودوخ لكم البلاد، وأذل لكم الأعداء، وكونوا بني أم بررة. لا تدب بينكم العقارب، وكونوا في الحرب أحراراً، فإن القتال لا يقرب ميتة، وكونوا للمعروف مناراً؛ فإن المعروف يبقى أجره وذخره وذكره، وضعوا معروفكم عند ذوي الأحساب، فإنهم أصون له واشكر لما يؤتى إليهم منه، وتغمدوا ذنوب أهل الذنوب، فإن استقالوا فأقيلوا، وإن عادوا فانتقموا.\rأولاده وأزواجه\rكان له: الوليد، وسليمان، ومروان الأكبر - درج، وعائشة؛ أم هؤلاء ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة، ويزيد ومروان ومعاوية درج، وأم كلثوم، أمهم عاتكة ابنة يزيد بن معاوية، وهشام أمه أم هشام بنت هشام ابن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومية، واسمها عائشة، وأبو بكر، وهو بكار، أمه عائشة بنت موسى بن طلحة ابن عبيد الله، والحكم - درج، أمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان، وفاطمة، أمها أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام ابن المغيرة، وعبد الله ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعيد الخير وقبيصة لأمهات أولاد؛ وكان له من النساء سوى من ذكرناه شقراء بنت حلبس الطائي، وأم أبيها ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.\rأخباره وعماله\rقالوا: كان عبد الملك بن مروان عاقلا حازماً أدبياً لبيباً عالماً، قال أبو الزناد: كان فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان. وقال الشعبي رحمه الله: ما ذاكرت أحداً إلا وجدت لي الفضل عليه، إلا عبد الملك، فإني ما ذاكرته حديثاً إلا زادني فيه، ولا شعراً إلا زادني فيه، قالوا: وكان محبا للفخر والبذخ، وكثرت الشعراء على أيامه، وكان من فحول شعرائه جرير والفرزدق والأخطل وكثير.\rوكان عبد الملك مقدماً على سفك الدماء، وكذلك كانت عماله: فكان الحجاج بالعراق، والمهلب بن أبي صفرة بخراسان، وهشام ابن إسماعيل المخزومي بالمدينة، وعبد الله ولده بمصر، وموسى ابن نصير اللخمي بالمغرب، ومحمد بن يوسف أخو الحجاج باليمن، ومحمد بن مروان بالجزيرة؛ وما منهم إلا من هو ظالم غشوم جائر.\rوكان نقش خاتمة: آمن بالله مخلصاً.\rوكتابه: روح بن زنباع، ثم قبيصة بن ذؤيب، وغيرهما.\rقاضيه: أبو بشر الخولاني، وعبد الله بن قيس.\rحاجبه: يوسف مولاه.\rالأمراء بمصر وقضاتها\rأقر عبد الملك أخاه عبد العزيز على إمارة مصر إلى أن مات، فولى ابنه عبد الله. وكان القاضي بمصر عابس إلى أن مات، فولى عبد العزيز بشير بن النضر بن بشير المزني، ثم مات فولاها عبد الرحمن بن حجر الخولاني. ثم صرفه وولى يونس الحضرمي، ثم صرفه وولي عبد الرحمن بن معاوية بن خديج القضاء والشرطة، فلما ولي عبد الله بن عبد الملك أقر عبد الرحمن على القضاء ثم صرفه وولي عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل ابن حسنة ثم عزله، وولي عبد الواحد بن عبد الرحمن بن خديج.\rقال: وعبد الملك أول من غدر في الإسلام: حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق.\rوهو أول من نقل الدواوين من الفارسية والرومية إلى العربية.\rوأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء، وكان الناس من قبله يراجعونهم.\rوهو أول من نهى عن الأمر بالمعروف، فإنه قال في خطبته بعد قتل ابن الزبير: ولا يأمرني أحدٌ بتقوى الله تعالى بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه.\rبيعة الوليد بن عبد الملك","part":6,"page":53},{"id":2554,"text":"هو أبو العباس الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمه ولادة بنت العباس بن جزء، وقد تقدم ذكر نسبها، وهو السادس من ملوك بني أمية. بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه، وذلك في يوم الخميس النصف من شوال سنة ست وثمانين. قال: لوما دفن أبوه عبد الملك انصرف عن قبره فدخل المسجد ورقي المنبر فخطب الناس، وقال: إنا لله، وإنا إليه راجعون، والله المستعان على مصيبتنا بموت أمير المؤمنين، والحمد لله على ما أنعم علينا من الخلافة. قوموا فبايعوا، فكان أول من عزى نفسه وهنأها، وكان أول من قام لبيعته عبد الله بن همام السلولي وهو يقول:\rالله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها\rعنك، ويأبى الله إلاّ سوقها ... إليك حتى قلّدوك طوقها\rوبايعه، وقام الناس للبيعة.\rوقد قيل: إن الوليد لما صعد المنبر حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، لا مقدم لما أخر الله، ولا مؤخر لما قدم، وقد كان من قضاء الله وسابق علمه، وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه الموت، وقد صار إلى منازل الأبرار ولي هذه الأمة بالذي يحق لله عليه في الشدة على المذنب واللين لأهل الحق والفضل، وإقامة ما أقام الله من منار الإسلام وأعلامه؛ من حج البيت، وغزو الثغور، وشن الغارة على أعداء الله، فلم يكن عاجزاً ولا مفرطا.\rأيها الناس، عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، فإن الشيطان مع الفرد.\rأيها الناس، من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه، ثم نزل.\rولنبدأ من أخبار الوليد بالغزوات والفتوحات، ثم نذكر الحوادث على حكم السنين:\rالغزوات والفتوحات\rالتي اتفقت في خلافة الوليد بن عبد الملك ولنبدأ من ذلك بأخبار قتيبة بن مسلم وما فتحه من البلاد: ذكر ولاية قتيبة بن مسلم خراسان وغزواته وفتوحاته فتح قتيبة بن مسلم في مدة ولايته خراسان من بلاد ما وراء النهر: الصغانيان، وأخرون، وكاسان، وأورشت، وهي من فرغانة وأخسيكت، وهي مدينة فرغانة القديمة، وبيكند، وبخارى، والطالقان والفارياب والجوزجان، وشومان وكش، وتسف، ورام جرد، وسمرقند، والشاش وفرغانة، ومدينة كاشغر.\rوكان أول ما بدأ به قتيبة أنه لما قدم خراسان أميراً للحجاج، وذلك في سنة ست وثمانين قدمها والمفضل بن المهلب يحرض الجند لغزاة، فخطب قتيبة الناس، وحثهم على الجهاد، ثم عرضهم، وسار بهم.\rفلما كان بالطالقان تلقاه دهاقين بلخ وساروا معه، وقطع النهر فتلقاه ملك الصغانيان بهدايا ومفتاح من ذهبن ودعاه إلى بلاده، فمضى معه فسلمها إليه، لأن ملك أخرون وشومان كان يسيء جواره، ثم سار قتيبة منها إلى أخرون وشومان وهما من طخارستان، فصالحه ملكها على فديةٍ أداها إليه، فقبلها قتيبة. ثم انصرف إلى مرو، واستخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم ففتح صالح بعد رجوع قتيبة كاشان وأورشت، وهي من فرغانة، وفتح أخسيكت وهي مدينة فرغانة القديمة.\rوقيل: إن قتيبة قدم خراسان في سنة خمس وثمانين فعرض الجند فغزا أخرون وشومان، ثم رجع إلى مرو.\rوقيل: إنه لم يغز في هذه السنة، ولم يقطع النهر بسبب بلخ، فإن بعضها كان منتقضاً عليه، فحاربهم وسبى منهم، ثم صالحوه فأمر برد السبي.\rقتيبة ونيزك\rقال: لما صالح قتيبة ملك شومان كتب إلي نيزك طرخان صاحب باذغيس في إطلاق من عنده من أسرى المسلمين، وكتب إليه يتهدده، فخافه نيزك، فأطلقهم، وبعث بهم إليه، ثم كتب إليه قتيبة مع سليم الناصح مولى عبيد الله بن أبي بكرة يدعوه إلى الصلح وإلى أن يؤمنه، فصالحه نيزك لأهل باذغيس على ألا يدخلها قتيبة.\rغزوة بيكند وفتحها","part":6,"page":54},{"id":2555,"text":"وغزا قتيبة بيكند في سنة سبع وثمانين، وهي أدنى مدائن بخارى إلى النهر، فلما نزل بهم استنصروا الصغد واستمدوا من حولهم، فأتوهم في جمعٍ كثير، وأخذوا الطرق على قتيبة فقاتلهم شهرين في كل يوم، ثم انهزم الكفار إلى المدينة، فتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وتحصن من دخل المدينة منهم بها، فأمر قتيبة بهدم سورها، فسألوه الصلح، فصالحهم، واستعمل عليهم عاملا وارتحل عنهم. فلما سار خمس فراسخ نقضوا الصلح وقتلوا العامل ومن معه فرجع قتيبة فنقب السور فسقط، فسألوه الصلح فأبى، ودخلها عنوةً، وقتل من كان بها من المقاتلة، وكان فيمن أخذ من المدينة رجلٌ أعور، وهو الذي استجاش الترك على المسلمين، فقال لقتيبة: أنا أفدي نفسي بخمسة آلاف حريرة قيمتها ألف ألف، فاستشار قتيبة الناس، فقالوا: هذا زيادة في الغنائم؛ وما عسى أن يبلغ من كيد هذا ؟ قال: والله لا يروع بك مسلم أبداً، وأمر به فقتل؛ وأصابوا فيها من الغنائم والسلاح وآنية الذهب والفضة ما لا يحصى، ولا أصابوا بخراسان مثله.\rولما فرغ قتيبة من فتح بيكند رجع إلى مرو.\rغزو نومشكث وراميثنة وصلح أهلها وقتال الترك والصغد وأهل فرغانة\rوفي سنة ثمان وثمانين غزا قتيبة نومشكث، فتلقاه أهلوها، فصالحهم، ثم سار إلى راميثنة، فصالحه أهلها، وانصرف عنهم وزحف إليه الترك ومعهم الصغد وأهل فرغانة في مائتي ألف، وملكهم كوربغانو ابن أخت ملك الصين، فاعترضوا المسلمين؛ فلحقوا عبد الرحمن بن مسلم أخا قتيبة وهو على الساقة وبينه وبين قتيبة وأوائل العسكر ميل، فقاتلهم عبد الرحمن ومن معه، وأرسل إلى أخيه، فرجع بالمسلمين، وقد أشرف الترك على الظهور على عبد الرحمن ومن معه، فلما رأى المسلمون قتيبة طابت نفوسهم، وقويت، وقاتلوا إلى الظهر، فانهزم الترك ومن معهم وكان نيزك يومئذ مع قتيبة، فأبلى بلاءً حسناً، ورجع قتيبة بعد الهزيمة إلى مرو.\rغزو بخارى وفتحها\rكانت غزوة بخارى في سنة تسع وثمانين، والفتح في سنة تسعين؛ وذلك أن الحجاج بن يوسف كتب إلى قتيبة يأمره بقصد وردان خذاه، فعبر النهر من زم، فلقى الصغد وأهل كس ونسف في طريق المفازة، فقاتلوه، فظفر بهم، ومضى إلى بخارى، فنزل خرقانة السفلى عن يمين وردان، فلقوه في جمع كثير، فقاتلهم يومين وليلتين، فظفر بهم، وغزا وردان خذاه ملك بخارى فلم يظفر منه بشيء، فرجع إلى مرو. وكتب إلى الحجاج يخبره؛ فكتب إليه الحجاج أن صورها. فبعث إليه بصورتها، فكتب إليه أن تب إلى الله جل ثناؤه مما كان منك وأتها من مكان كذا وكذا.\rقيل: وكتب إليه أن كس بكس، وانسف نسفاً، ورد وردان، وإياك والتحويط، ودعني من بنيات الطريق.\rفخرج قتيبة إلى بخارى في سنة تسعين، فاستجاش وردان خذاه الصغد والترك ومن حوله، فأتوه وقد سبق إليها قتيبة وحصرها. فلما جاءتهم أمدادهم خرجوا إلى المسلمين يقاتلونهم، فقالت الأزد: اجعلونا ناحيةً، وخلوا بيننا وبين قتالهم، فقال قتيبة: تقدموا، فتقدموا، وقاتلوا قتالاً شديداً، ثم انهزم الأزد، حتى دخلوا العسكر، وركبهم المشركون حتى حطموهم، وقاتلت مجنبتا المسلمين الترك حتى ردوهم إلى مواقفهم، فوقفت الترك على نشزٍ، فقال قتيبة: من يزيلهم عن هذا الموقف ! فلم يقم لهم أحدٌ من العرب، فأتى بني تميم، فقال لهم: يوم كأيامكم. فأخذ وكيع اللواء، وقال: يا بني تميم، أتسلمونني اليوم ؟ قالوا: لا، يا أبا المطرف، وكان هزيم بن أبي طحمة على خيل تميم، ووكيع رأسهم. فقال: يا هزيم قدم خيلك، ورفع إليه الراية، وتقدم هزيم، وتقدم وكيع في الرجالة، وكان بينهم وبين الترك نهر، فأمر وكيع هزيما بقطعه إليهم، فعبره في الخيل، وانتهى وكيع إلى النهر، فعمل عليه جسراً من خشب، وقال لأصحابه: من وطن نفسه على الموت فليعبر وإلا فليثبت مكانه. فلم يعبر معه إلا ثمانمائة رجل. فلما عبر بهم قال لهزيم: إني مطاعنهم فاشغلهم عنا بالخيل، وحمل عليهم حتى خالطهم، وحمل هيم في الخيل فطاعنهم، وقاتلهم المسلمون حتى حدروهم عن التل، ثم عبر الناس إليهم بعد انهزام الترك، ونادى قتيبة: من أتى برأسٍ فله مائة، فأتى برؤوس كثيرة، وجرح خاقان وابنه، وفتح الله على المسلمين.","part":6,"page":55},{"id":2556,"text":"قال: ولما أوقع قتيبة بأهل بخارى هابه الصغد، فرجع طرخون ملكهم ومعه فارسان، فدنا من عسكر قتيبة، فطلب رجلا يكلمه، فأرسل إليه قتيبة حيان النبطي، فطلب الصلح على فديةٍ يؤديها إليهم، فأجابه قتيةب إلى ما طلب، وصالحه، ورجع طرخون إلى بلاده، ورجع قتيبة ومعه نيزك.\rغدر نيزك وفتح الطالقان\rوما كان من خبر نيزك إلى أن قتل قال: ولما رجع قتيبة عن بخارى ومعه نيزك وقد خاف لما رأى من الفتوح، فقال لأصحابه: أنا مع هذا ولست آمنه، فلو استأذنته ورجعت كان الرأي. قالوا: افعل. فاستأذن قتيبة، فأذن له وهو بآمل، فرجع يريد طخارستان، وأسرع السير حتى أتى النوبهار، وقال لأصحابه: لا شك أن قتيبة قد ندم على إذنه لي، وسيبعث إلى المغيرة بن عبد الله يأمره بحبسي، فكان كما قال: ندم قتيبة، وبعث إلى المغيرة يأمره بحبس نيزك، فتبعه المغيرة، فوجده قد دخل شعب خلم، فرجع المغيرة، وأظهر نيزك الخلع، وكتب إلى أصبهذ بلخ وإلى باذان ملك مرو الروذ وإلى ملك الطالقان وإلى ملك الفارياب وإلى ملك الجوزجان يدعوهم إلى خلع قتيبة، فأجابوه، وواعدهم الربيع أن يجتمعوا ويغزوا قتيبة.\rوكتب إلى كابل شاه يستظهر به، وبعث إليه بثقله وماله، وسأله أن يأذن له إن اضطر أن يأتيه، فأجابه إلى ذلك، وكان خبعويه ملك طخارستان ضعيفاً؛ فأخذه نيزك، فقيده بقيدٍ من ذهب لئلا يخالف عليه، وكان خبعويه هو الملك ونيزك عنده، فاستوثق منه، وأخرج عامل قتيبة من بلاد جبعويه، وبلغ قتيبة خلعه، وقد تفرق الجند، فبعث أخاه عبد الرحمن في اثني عشر ألفاً إلى البروقان، وقال: أقم بها ولا تحدث شيئاً، فإذا انقضى الشتاء فعسكر، وسر نحو طخارستان، فسار؛ فلما كان آخر الشتاء كتب قتيبة إلى نيسابور وغيرها من البلاد لتقدم عليه الجنود، فقدموا. فسار نحو الطالقان، وكان ملكها قد خلع وطابق نيزك على الخلع، فأتاه قتيبة، فأوقع بأهل الطالقان، فقتل من أهلها مقتلةً عظيمة، وصلب منهم سماطين أربعة فراسخ في نظامٍ واحد، واستعمل أخاه عمرو بن مسلم.\rوقيل: إن ملك الطالقان لم يحارب قتيبة، فكف عنه، وكان بها لصوص، فقتلهم قتيبة وصلبهم، ثم سار قتيبة إلى الفارياب في سنة إحدى وتسعين، فخرج إليه ملكها مقراً مذعناً، فقبل منه ولم يقتل بها أحدا، واستعمل عليها رجلا من باهلة، وبلغ ملك الجوزجان خبرهم، فهرب إلى الجبال، وسار قتيبة إلى الجوزجان، فلقيه أهلها سامعين مطيعين، فقبل منهم ولم يقتل بها أحداً، وساتعمل عليها عامر بن مالك الحماني، ثم أتى بلخ فلقيه أهلها، فلم يقم إلا يوماً واحداً، وسار يتبع أخاه عبد الرحمن إلى شعب خلم، ومضى نيزك إلى بغلان، وخلف مقاتلته على فم الشعب ومضايقه يمنعونه، ووضع مقاتلته في قلعةٍ حصينةٍ من وراء الشعب، فأقام قتيبة أياماً لا يقدر على دخوله، ولا يعرف طريقاً يسلكه إلى نيزك إلا الشعب أو مفازةً لا تقدر العساكر على قطعها، فأتاه إنسانٌ فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة التي من وراء الشعب، فأمنه قتيبة، وبعث معه رجالاً، فانتهى بهم إلى القلعة، فطرقوهم وهم آمنون، فقتلوا منهم، وهرب من بقى ومن كان في الشعب، فدخل قتيبة الشعب، فأتى القلعة ومضى إلى سمنجان، فأقام بها أياماً ثم سار إلى نيزك، وقدم أخاه عبد الرحمن فارتحل نيزك من منزله فقطع وادي فرغانة، ووجه ثقله وأمواله إلى كابل شاه، ومضى حتى نزل الكرز، وعبد الرحمن يتبعه، ونزل عبد الرحمن وأخذ بمضايق الكرز، ونزل قتيبة على فرسخين من أخيه، وتحصن نيزك بالكرز، وليس له إلا مسلك من وجهٍ واحد، وهو صعبٌ لا تطيقه الدواب، فحصره قتيبة شهرين حتى قل ما في يد نيزك من الطعام، وأصابهم الجدري. وخاف قتيبة الشتاء، فدعا سليماً الناصح، فقال: انطلق إلى نيزك، واحتل لتأتيني به بغير أمان، فإن أعياك وأبى فأمنه.","part":6,"page":56},{"id":2557,"text":"فخرج إليه، وأخذ معه أطعمةً وأخبصة كثيرة، وأتى نيزك، فقال له: إنك أسأت إلى نفسك وغدرت. قال نيزك: فما الرأي ؟ قال: أرى أن تأتيه، فإنه ليس ببارحٍ، وقد عزم على أن يشتو مكانه، هلك أو سلم. قال نيزك: فكيف آتيه على غير أمانٍ. قال: ما أظنه يؤمنك لما في نفسه عليك، لأنك قد ملأته غيظاً، ولكني أرى ألا يعلم حتى تضع يدك في يده، فإني أرجو أن يستحي ويعفو. قال: إن نفسي تأبى هذا. فقال سليم: ما أتيتك إلا لأشير عليك بهذا، ولو فعلت لرجوت أن تسلم ويعود حالك عنده، فإذا أبيت فإني منصرف. وقدم الطعام الذي معه، ولا عهد لهم بمثله، فانتهبه أصحاب نيزك، فساءه ذلك، فقال له سليم: أنا لك من الناصحين، أرى أصحابك قد جهدوا، وإن طال بهم الحصار لم آمنهم أن يستأمنوا بك. فأت قتيبة. فقال: لا آمنه على نفسي، ولا آتيه إلا بأمان، وإن ظني أنه يقتلني، وإن أمنني؛ ولكن الأمان أعذر لي. فقال سليم: قد أمنك؛ أفتتهمني ؟ قال: لا. وقال له أصحابه: اقبل قول سليم. فخرج معه ومعه خبعويه وصول طرخان خليفة جبعويه، وخنس طرخان صاحب شرطته وشقران ابن أخي نيزك، فلما خرجوا من الشعب حالت خيل قتيبة بين أصحاب نيزك وبين الخروج، فقال نيزك: هذا أول الغدر. فقال سليم: تخلف هؤلاء عنك خيرٌ لك. وأقبل سليم ونيزك ومن معه حتى دخلوا على قتيبة، فحبسهم.\rوكتب إلى الحجاج يستأذنه في قتل نيزك، واستخرج قتيبة ما في الكرز من متاعٍ، وأتاه كتاب الحجاج بعد أربعين يأمره بقتل نيزك، فدعا قتيبة الناس، واستشارهم، فاختلفوا، فقال ضرار ابن حصين: إني سمعتك تقول: أعطيت الله عهداً إن أمكنك منه أن تقتله، فإن لم تفعل فلا ينصرك الله عليه أبداً. فدعا نيزك، فضرب رقبته بيده، وأمر بقتل صول وابن أخي نيزك، وقتل من أصحابه سبعمائة. وقيل اثني عشر ألفاً، وصلب نيزك وابن أخيه، وبعث برأسه إلى الحجاج، وأخذ الزبير مولى عباس الباهلي خفاً لنيزك فيه جوهر، فكان أكثر من في بلاده مالاً وعقاراً من ذلك الجوهر، وأطلق قتيبة جبعويه ومن عليه، وبعث به إلى الوليد، فلم يزل بالشام حتى مات.\rولما قتل نيزك رجع قتيبة إلى مرو، وأرسل ملك الجوزجان يطلب الأمان، فأمنه على أن يأتيه، فطلب رهناً يكونون في يده ويعطى رهائن، فأعطاه قتيبة حبيب بن عبد الله بن حبيب الباهلي، وأعطى ملك الجوزجان رهائن من أهل بيته، وقدم على قتيبة، ثم رجع فمات بالطالقان، فقال أهل الجوزجان: إنهم سموه فقتلوا حبيبا. وقتل قتيبة الرهائن الذين كانوا عنده.\rغزوة شومان وكش ونسف وفتح ذلك\rوفي سنة إحدى وتسعين سار قتيبة إلى شومان فحصرها، وكان سبب ذلك أن ملكها طرد عامل قتيبة من عنده، فأرسل إليه قتيبة رسولين: أحدهما من العرب اسمه عياش، والآخر من أهل خراسان يدعوانه إلى أن يؤدى ما كان صالح عليه، فقدما شومان، فخرج أهلها إليهما، فرموهما. فانصرف الخراساني وقاتلهم عياش فقتلوه، ووجدوا به ستين جراحةً، وبلغ قتيبة قتله، فسار إليهم بنفسه، فلما أتاها أرسل صالح بن مسلم أخو قتيبة إلى ملكها، وكان صديقا له، يأمره بالطاعة، ويضمن له رضا قتيبة إن رجع إلى الصلح، فأبى وقال لرسول صالح: أتخوفني من قتيبة وأنا أمنع الملوك حصناً ؟ فأتاه قتيبة وقد تحصن ببلده فنصب عليه المجانيق، ورمى الحصن فهشمه، فلما خاف الملك أن يظهر قتيبة عليه جمع ما كان بالحصن من مالٍ وجوهر، ورمى به في بئر في القلعة لا يدرك قعرها، ثم فتح القلعة، وخرج، فقاتل حتى قتل، وأخذ قتيبة القلعة عنوةً، فقتل المقاتلة وسبى الذرية، ثم سار إلى كش ونسف، ثم سار إلى بخارى.\rوقيل: إنه سار إلى الصغد، فلما رجع عنهم قالت الصغد لطرخون: إنك قد رضيت بالذل واستطبت الجزية، وأنت شيخٌ كبير، فلا حاجة لنا فيك. فحبسوه وولوا غورك فقتل طرخون نفسه.\rصلح خوارزم شاه وفتح خام جرد\rوفي سنة ثلاث وتسعين صالح قتيةب خوارزم شاه، وسبب ذلك أن ملك خوارزم كان ضعيفاً، فغلبه أخوه خرزاذ على أمره، وكان أصغر منه، فكان إذا بلغه أن عند أحد ممن هو منقطع إلى الملك جاريةً أو مالاً أو دابةً أو بيتاً أو أختاً أو امرأة جميلة أرسل إليه، وأخذه منه، فلا يمتنع عليه أحد، ولا الملك، فإذا قيل للملك قال: لا أقوى عليه.","part":6,"page":57},{"id":2558,"text":"فلما طال عليه ذلك كتب إلى قتيبة يدعوه إلى أرضه ليسلمها إليه، واشترط عليه أن يدفع إليه أخاه وكل من يضاده ليحكم فيه بما يرى، ولم يطلع أحداً من مرازبته على ذلك. فأجابه قتيبة إلى ما طلب، وتجهز للغزو، وأظهر أنه يريد الصغد، وسار من مرو وجمع خوارزم شاه أجناده ودهاقنته. فقال: إن قتيبة يريد الصغد، وليس بغازيكم، فهلموا نتنعم في ربيعنا هذا، فأقبلوا على الشرب والتنعم فلم يشعروا حتى نزل قتيبة في هزارسب، فقال خوارزم شاه لأصحابه: ما ترون ؟ قالوا: نرى أن نقاتله. قال: لكني لا أرى ذلك، لأنه قد عجز عنه من هو أقوى منا وأشد شوكةً، ولكن أصرفه بشيء أخرجه إليه.\rفأجابوه إلى ذلك، فسار خوارزم شاه إلى مدينة الفيل من وراء النهر، وهي أحصن بلاده، وقتيبة لم يعبر النهر، فأرسل إليه خوارزم شاه، فصالحه على عشرة آلاف رأسه، وعينٍ ومتاع وعلى أن يعينه على خام جرد، فقبل قتيبة ذلك.\rوقيل: صالحه على مائة ألف رأس، وبعث قتيبة أخاه عبد الرحمن إلى ملك خام جرد، وكان يغازي خوارزم شاه، فقاتله فقتله عبد الرحمن وغلب على أرضه، وقدم بأربعة آلاف أسير، فقتلهم، وسلم قتيبة إلى خوارزم شاه أخاه ومن كان يخالفهم، فقتلهم، ودفع أموالهم إلى قتيبة. والله أعلم.\rفتح سمرقند\rقال: فلما قبض قتيبة صلح خوارزم قال إليه المجشر بن مزاحم السلمي فقال له: سر الآن إن أردت الصغد يوماً من الدهر، فإنهم آمنون من أن تأتيهم عامك هذا، وإنما بينك وبينهم عشرة أيام. قال: أشار عليك بهذا أحد ؟ قال: لا. قال: فسمعه منك أحد ؟ قال: لا. قال: والله لئن تكلم به أحدٌ لأضربن عنقك.\rفلما كان الغد من يوم كلامه له أمر قتيبة أخاه عبد الرحمن فسار في الفرسان والرماة، وقدم الأثقال إلى مرو، فسار يومه، فلما أمسى كتب إليه قتيبة: إذا أصبحت فوجه الأثقال إلى مرو، وسر في الفرسان والرماة نحو الصغد، واكتم الأخبار، فإني بالأثر.\rففعل عبد الرحمن ما أمره، وخطب قتيبة الناس، وقال لهم: إن الصغد شاغرة برجلها، وقد نقضوا العهد الذي بيننا، وصنعوا ما بلغكم؛ وإني أرجو أن تكون خوارزم والصغد كقريظة والنضير.\rثم سار فأتى الصغد، فبلغها بعد عبد الرحمن بثلاثٍ أو أربع، وقدم معه أهل خوارزم وبخارى، فقاتلوا شهراً من وجهٍ واحد وهم محصورون.\rوخاف أهل الصغد طول الحصار، فكتبوا إلى ملك الشاش وأخشاد وخاقان وفرغانة: إن العرب إن ظفروا بنا أتوكم بمثل ما أتونا به، فانظروا لأنفسكم، ومهما كان عندكم من قوة فابذلوها. فنظروا وقالوا: إنما نؤتى من سفلتنا وإنهم لا يجدون كوجدنا، فانتخبوا من أبناء الملوك وأهل النجدة من أبناء المرازبة والأساورة والأبطال، وأمروهم أن يأتوا عسكر قتيبة؛ فيبيتوه، وولوا عليهم ابناً لخاقان، فساروا.\rوبلغ قتيبة الخبر فانتخب من عسكره مائةً، وقيل ستمائة من أهل النجدة والشجاعة، وأعلمهم الخبر، وأمرهم بالمسير إليهم، فساروا، وعيهم صالح بن مسلم، فنزلوا على فرسخين من العسكر على طريق القوم، فجعل صالح له كمينين. فلما مضى نصف الليل جاءهم عدوهم، فلما رأوا صالحا حملوا عليه، واقتتلوا فشد الكمينان عن يمينٍ وشمال، فقتلهم المسلمون، وأسروا منهم، ولم يفلت منهم إلا الشريد، واحتووا على سلاحهم وأسلابهم. وسئل بعض الأسرى عن القتلى فقالوا: ما قتلتم إلا ابن ملك أو عظيماً أو بطلا، إن كان الرجل ليعد بمائة رجل.\rونصب قتيبة المجانيق على سمرقند، ورماهم فثلمه ثلمة. ثم أمر قتيبة الناس بالجد في القتال، وأن يبلغوا ثلمة المدينة، ففعلوا، وحملوا وقد تترسوا حتى بلغوا الثلمة، ووقفوا عليها، فرماهم الصغد بالنشاب، فلم يبرحوا، فأرسلوا إلى قتيبة أن انصرف عنا اليوم حتى نصالحك غداً. فقال: لا نصالحهم إلا ورجالنا على الثلمة.\rوقيل: بل قال: جزع العبيد ! انصرفوا على ظفركم. فانصرفوا، فصالحهم من الغد على ألفي ألفٍ ومائتي ألف مثقال في كل عام، وأن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس، وأن يخلوا المدينة لقتيبة، فلا يكون لهم فيها مقاتل، فيبنى فيها مسجداً فيصلى فيه ويخطب ويتغدى ويخرج.","part":6,"page":58},{"id":2559,"text":"فلما تم الصلح بنى المسجد ودخلها قتيبة في أربعة آلاف انتخبهم، فدخل المسجد، فصلى فيه، وخطب وأكل طعاماً، ثم أرسل إلى الصغد يقول: من أراد منكم أن يأخذ متاعه فليأخذ، فإني لست خارجاً منها، ولست آخذ منكم إلا ما صالحتكم عليه، غير أن الجند يقيمون فيها.\rوقيل: إنه شرط عليهم في الصلح مائة ألف رأس وبيوت النيران وحلية الأصنام. فقبض ذلك، وأتى بالأصنام، فأخذ ما عليها، وأمر بها فأحرقت، فوجد من بقايا مسامير الذهب خمسين ألف مثقال، وأصاب بالصغد جاريةً من ولد يزدجرد، فأرسلها إلى الحجاج، فأرسلها الحجاج إلى الوليد، فولدت له ابنه يزيد بن الوليد. ثم رجع قتيبة إلى مرو، واستعمل على سمرقند إياس بن عبد الله على الحرب، وجعل على الخراج عبيد الله بن أبي عبيد الله مولى مسلم.\rغزو الشاش وفرغانة\rوفي سنة أربع وتسعين قطع قتيبة النهر وفرض على أهل بخارى وكش ونسف عشرين ألف مقاتل، فساروا معه، فوجهم إلى الشاش، وتوجه إلى فرغانة فأتى خجندة فجمع له أهلها، ولقوه، واقتتلوا مراراً، كل ذلك يكون الظفر للمسلمين. ثم إن قتيبة أتى كاسان مدينة فرغانة، وأتاه الجنود الذين وجههم إلى الشاش وقد فتحوها وأحرقوا أكثرها، وانصرف إلى مرو.\rوقال سحبان يذكر قتالهم بخجندة:\rوسل الفوارس في خجن ... دة تحت مرهفة العوالي\rهل كنت أجمعهم إذا ... هزوا وأقدم في قتالي\rأم كنت أضرب هامة ال ... عاتي وأصبر للعوالي\rهذا وأنت قريع قي ... س كلّها ضخم النّوال\rوفضلت قيساً في النّدى ... وأبوك في الحجج الخوالي\rولقد تبيّن عدل حك ... مك فيهمو في كلّ مال\rتمّت مروءتكم ونا ... غى عزّكم غلب الجبال\rفتح مدينة كاشغر\rوفي سنة ست وتسعين سار قتيبة من مرو وحمل مع الناس عيالاتهم ليضعهم بسمرقند، ومضى إلى فرغانة وبعث جيشاً مع كثير ابن فلان إلى كاشغر، فغنم وسبى سبياً، فختم أعناقهم، وأوغل حتى بلغ قرب الصين، فكتب إليه ملك الصين أن ابعث إلي رجلا شريفاً يخبرني عنكم وعن دينكم، فانتخب قتيبة عشرةً لهم جمالٌ وألسنة وبأس وعقلٌ وصلاح، فأمر لهم بعدةٍ حسنة ومتاعٍ حسن من الخز والوشي وغير ذلك، وخيول حسنة، وكان عليهم هبيرة بن مشمرج الكلابي، وقال لهم قتيبة: إذا دخلتم عليه فأعلموه أني قد حلفت أني لا أنصرف حتى أطأ بلادهم، وأختم ملوكهم، وأجبي خراجهم.\rفساروا وعليهم هبيرة، فلما قدموا دعاهم ملك الصين فلبسوا ثياباً بياضاً تحتها الغلائل، وتطيبوا، ولبسوا النعال والأردية، ودخلوا عليه وعنده عظماء قومه، فجلسوا فلم يكلمهم الملك ولا أحد ممن عنده، فنهضوا.\rفقالالملك لمن حضره: كيف رأيتم هؤلاء ؟ قالوا: رأينا قوما ما هم إلا نساء. ما بقي منا أحدٌ إلا انتشر ما عنده.\rفلما كان الغد دعاهم فلبسوا الوشي وعمائم الخز والمطارف، وغدوا عليه. فلما دخلوا قيل لهم: ارجعوا. وقال لأصحابه: كيف رأيتم هذه الهيئة ؟ قالوا: هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك.\rفلما كان اليوم الثالث دعاهم فلبسوا سلاحهم، ولبسوا البيض والمغافر، وأخذوا السيوف والرماح والقسي، وركبوا. فنظر إليهم ملك الصين، فرأى مثل الخيل؛ فلما دنوا ركزوا رماحهم، وأقبلوا مشمرين. فقيل لهم: ارجعوا، فركبوا خيولهم وأخذوا رماحهم، ودفعوا خيلهم، كأنهم يتطاردون. فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم ؟ قالوا: ما رأينا مثل هؤلاء.","part":6,"page":59},{"id":2560,"text":"فلما أمسى بعث إليهم أن ابعثوا إلي زعيمكم، فبعثوا إليه هبيرة ابن مشمرج، فقال له: قد رأيتم عظم ملكي، وأنه ليس أحدٌ يمنعكم مني، وأنتم في يدي بمنزلة البيضة في كفي. وإني سائلكم عن أمرٍ، فإن لم تصدقوني قتلتكم. قال: سل. قال: لم صنعتم بزيكم الأول والثاني والثالث ما صنعتم ؟ قال: أما زينا الأول فلباسنا في أهلنا. وأما الثاني فزينا إذا أتينا أمراءنا، وأما الثالث فزينا لعدونا. قال: ما أحسن ما دبرتم دهركم، فقولوا لصاحبكم ينصرف، فإني قد عرفت قلة أصحابه، وإلا بعثت إليكم من يهلككم. قال: وكيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون. وأما تخويفك إيانا بالقتل فإن لنا آجالاً إذا حضرت فأكرمها القتل، ولسنا نكرهه ولا نخافه، وقد حلف صاحبنا ألا ينصرف حتى يطأ أرضكم، ويختم ملوككم، وتعطى الجزية. قال: فإنا نخرجه من يمينه، ونبعث له بترابٍ من أرضنا، فيطؤه، ونبعث إليه ببعض أبنائنا فيختمهم، ونبعث إليه بجزيةٍ يرضاها. فبعث إليه بهدية وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم، وبترابٍ من أرضه، وأعادهم وأحسن جوائزهم. فقدموا على قتيبة، فقبل ذلك، ووطيء التراب، وختم الغلمان، وردهم، فقال سوادة بن عبد الملك السلولي:\rلا عيب في الوفد الذين بعثتهم ... للصّين أن سلكوا طريق المنهج\rكسروا الجفون على القذى خوف الرّدى ... حاشا الكريم هبيرة بن مشمرج\rأدّى رسالتك التي استرعيته ... فأتاك من حنث اليمين بمخرج\rهذه غزوات قتيبة وفتوحاته.\rوكان قتيبة إذا رجع من غزاته كل سنة اشترى اثني عشر فرساً من جياد الخيل واثني عشر هجيناً، فتخدم إلى وقت الغزو، فإذا تأهب للغزو ضمرها، وكان يحمل عليها الطلائع، وكان لا يجعل الطلائع إلا فرسان الناس وأشرافهم، ويجعل معه من العجم من يستنصحه. وإذا بعث طليعةً أمر بلوح فنقش ثم شقه نصفين، وجعل شقة عنده، وأعطى نصفه للطليعة، ويأمرهم أن يدفنوه في موضع يصفه لهم من شجرة أو مخاضةٍ أو غيرها، ثم يبعث بعد الطليعة من يستخرجه ليعلم أصدقت الطليعة أم لا.\rولنذكر من الغزوات والفتوحات في أيام الوليد خلاف ما ذكرنا:\rذكر فتح السند وقتل ملكها وما يتصل بذلك من أخبار العمال عليها\rوفي سنة تسع وثمانين قتل محمد بن القاسم بن محمد ابن الحكم بن أبي عقيل الثقفي داهر بن صصة ملك السند، وملك بلاده، وكان الحجاج قد استعمله على ذلك الثغر وسير معه ستة آلاف مقاتل، وجهزه بجميع ما يحتاج إليه حتى المسال والإبر والخيوط، فسار محمد إلى مكران، وأقام بها أياما، ثم أتى قنزبور ففتحها ثم سار إلى أرمائيل فقدمها يوم جمعة، ووافته سفنٌ كان حمل فيها السلاح والرجال والأداة، فأنزل الناس منازلهم وخندق ونصب عليها منجنيقاً يقال له العروس كان يمد به خمسمائة رجل، وكان بالديبل بدٌ عظيم عليه دق عظيم، وعلى الدقل رايةٌ حمراء إذا هبت الريح أطافت بالمدينة، والبد: صنم في بناء عظيم بأعلاه منارةٌ عظيمة مرتفعة، والدقل في رأس المنارة. فرمى الدقل بحجر العروس فكسره فتطير الكفار بذلك وأعظموه، ثم فتحها محمدٌ عنوةً بعد قتال، وقتل فيها ثلاثة أيام، وهرب عامل داهر عنها، وأنزلها محمد أربعة آلاف من المسلمين، وبنى جامعها، وسار إلى البيرون، وكان أهلها قد بعثوا إلى الحجاج وصالحوه، فلقوا محمدا بالميرة، وأدخلوه مدينتهم، ثم سار عنها، وجعل لا يمر بمدينةٍ إلا فتحها حتى عبر نهرا دون مهران فصالحه أهل سربيدس، ووظف عليهم الخراج، وسار إلى سهبان ففتحها، ثم أتى نهر مهران فنزل به، وبلغ خبره داهراً فاستعد لمحاربته. وبعث محمدٌ جيشا إلى سدوسان، فطلب أهلها الأمان والصلح فأمنهم، ووظف عليهم الخراج، ثم عبر نهر مهران مما يلي بلاد راسل الملك على جسر عقده، هذا وداهر مستخفٌ به، فلقيه محمد ومن معه وهو على فيل، والفيلة حوله ومعه الذكاكرة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وترجل داهر، وقاتل فقتل عند المساء، وانهزم الكفار وقاتلهم المسلمون كيف شاءوا، وقال قائلهم:\rالخيل تشهد يوم داهر والقنا ... ومحمد بن القاسم بن محمّد\rأنّى فرجت الجمع غير معرّدٍ ... حتى علوت عظيمهم بمهنّد\rفتركته تحت العجاج مجندلا ... متعفّر الخدّين غير موسّد","part":6,"page":60},{"id":2561,"text":"قال: ولما قتل داهر تغلب محمدٌ على بلاد السند وفتح راور عنوةً، وكان بها امرأة لداهر، فخافت أن تؤخذ فأحرقت نفسها وجواريها وجميع مالها. ثم سار إلى برهمنا باذ العتيقة، وكان المنهزمون من الكفار قد لجئوا إليها، ففتحها عنوة بعد قتال، وقتل بها بشراً كثيراً، وسار يريد الرور وبغرور، فلقيه أهل ساوندرى، فطلبوا الأمان فأمنهم واشترط عليهم ضيافة المسلمين، ثم أسلم أهلها بعد ذلك، ثم تقدم إلى بسمد فصالحه أهلها، وسار إلى الرور، وهي من مدائن السند على جبلٍ، فحاصرهم شهوراً فصالحوه، وسار إلى السكة ففتحها، ثم قطع نهر بياس إلى الملتان، فقاتله أهلها وانهزموا، فحصرهم، وجاء إنسان فدله على قطع الماء الذي يدخل المدينة، فقطعه فعطشوا وألقوا بأيديهم، ونزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة وسبى الذرية وسدنة البد، وهم ستة آلاف، وأصابوا ذهباً كثيراً، فجمع في بيتٍ طوله عشرة أذرع وعرضه ثمانية أذرع يلقى إليه من كوة في وسطه، فسميت الملتان فرج بيت الذهب، والفرج: الثغر، وكان بد الملتان تهدى إليه الأموال من كل مكان ويحج إليه من البلاد، ويحلقون عنده رؤوسهم ولحاهم، ويزعمون أن صنمه هو أيوب النبي عليه الصلاة والسلام.\rوعظمت فتوحاته، فنظر الحجاج في النفقة على ذلك الثغر، فكانت ستين ألف ألف درهم، ونظر إلى الذي حمل إليه منه فكان مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف، فقال: ربحنا ستين ألف ألف، وأدركنا ثأرنا ورأس داهر.\rقال: واستمر محمد بن القاسم بالهند إلى أن مات الحجاج في سنة خمس وتسعين، فأتاه الخبر وهو بالملتان فرجع إلى الرور والبغرور، فأعطى الناس، ووجه إلى البيلمان جيشاً، فأعطوا الطاعة من غير قتال، وسالمه أهل شرشت، ثم أتى محمد الكيرج، فخرج إليه دوهر فقاتله فانهزم دوهر. وقيل: بل قتل، فنزل أهل المدينة على حكم محمد، فقتل المقاتلة، وسبى الذرية؛ فقال شاعرهم:\rنحن قتلنا داهرا ودوهرا ... والخيل تردى منسراً فمنسرا\rقال: ولما مات الوليد بن عبد الملك وولى سليمان عزل محمد بن القاسم عن السند، واستعمل يزيد بن أبي كبشة السكسي على السند، فأخذ محمدا وقيده وحمله إلى العراق، فقال متمثلا:\rأضاعوني وأيّ فتىً أضاعوا ... ليومٍ كريهةٍ وسداد ثغر\rفبكى أهل السند.\rولما وصل إلى العراق حبسه صالح بن عبد الرحمن بواسط فقال:\rفلئن ثويت بواسط وبأرضها ... رهن الحديد مكبّلاً مغلولا\rفلرب قينة فارسٍ قد رعتها ... ولرب قرنٍ قد تركت قتيلا\rقال: فعذبه صالح في رجالٍ من آل أبي عقيل حتى قتلهم، فقال حمزة بن بيض يرثى محمداً:\rإن المروءة والسماحة والندى ... لمحمد بن القاسم بن محمد\rساس الجيوش لسبع عشرة حجةً ... يا قرب ذلك سؤدداً من مولد\rقال: وأما يزيد بن أبي كبشة فإنه مات بعد مقدمه إلى السند بثمانية عشر يوماً، فاستعمل سليمان على السند حبيب بن المهلب، فقدم السند وقد رجع الملوك إلى ممالكهم، ورجع حيسبة بن داهر إلى برهمنا باذ، فنزل حبيب على شاطيء مهران، وحارب قوماً فظفر بهم.\rثم مات سليمان، وولي عمر بن عبد العزيز، فكتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام والطاعة على أن يملكهم، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، فأسلم حيسبة والملوك، وتسموا بأسماء العرب، وكان عمرو بن مسلم الباهلي عامل عمر على ذلك الثغر، فغزا بعض الهند فظفر بهم، ثم ولي الجنيد بن عبد الرحمن السند أيام هشام بن عبد الملك، فأتى شط مهران فمنعه حيسة بن داهر من العبور، وأرسل إليه: إني قد أسلمت وولاني الرجل الصالح بلادي، ولست أمكنك. فأعطاه رهناً، وأخذ منه رهناً على خراج بلاده، ثم تراد الرهون وكفر حيسبة، وحارب.\rوقيل: لم يحارب، وإنما الجنيد تجنى عليه، فأتى الهند، فجمع جموعاً وأعد السفن، واستعد للحرب، فسار إليه الجنيد في السفن، فالتقوا، فأسر حيسبة فقتله الجنيد، وهرب صصة بن داهر، وهو يريد أن يمضي إلى العراق فيشكو غدر الجنيد، فلم يزل الجنيد يؤنسه حتى وضع يده في يده فقتله.\rوغزا الجنيد الكيرج؛ وكانوا قد نقضوا، فظفر ودخل المدينة فغنم وسبى، ووجه العمال إلى المرمد والمندل ودهنج، ووجه جيشاً إلى أزين فأغاروا عليها، وحرقوا ربضها، وفتح الجنيد البيلمان، وحصل عنده سوى ما حمله أربعون ألف ألف، وحمل مثلها.","part":6,"page":61},{"id":2562,"text":"وفي أيامه خرج المسلمون عن بلاد الهند. ثم ولى الحكم بن عوام الكلبي، وقد كفر أهل الهند إلا أهل قصة، فبنى مدينة سماها المحفوظة، وجعلها مأوى للمسلمين، وكان معه عمرو بن محمد بن القاسم فأغزاه من المحفوظة، فقدم عليه وقد ظهر أمره، فبنى مدينةً وسماها المنصورة، واسترجع ما كان غلب عليه العدو، ثم قتل الحكم، فكان العمال يقاتلون العدو، ويفتتحون ما تيسر لهم لضعف الدولة الأموية، ثم جاءت الدولة العباسية فكان من أمر السند ما نذكره إن شاء الله تعالى، وإنما ذكرنا أخبار السند ههنا لتكون متسقةً، فلنرجع إلى تتمة الغزوات في أيام الوليد بن عبد الملك:\rالغزوات إلى بلاد الروم وما فتح منها وغزوات الصوائف على حكم السنين\rفي سنة ست وثمانين غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم. وغزا أيضاً في سنة سبع وثمانين، فقتل منهم عدداً كثيراً بسوسنة من ناحية المصيصة وفتح حصوناً.\rوقيل: إن الذي غزا في هذه السنة هشام بن عبد الملك، ففتح حصن بولق، وحصن الأخرم، وحصن بولس وقمقم، وقتل من المستعربة نحواً من ألف مقاتل، وسبى ذريتهم ونساءهم. والله أعلم.\rفتح طوانة وغيرها من بلد الروم\rوفي سنة ثمانٍ وثمانين غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس ابن الوليد بلد الروم، وكان الوليد قد كتب إلى صاحب أرمينية يأمره أن يكتب إلى ملك الروم يعرفه أن الخزر وغيرهم من ملوك جبال أرمينية قد أجمعوا على قصد بلاده ففعلوا ذلك، وقطع الوليد البعث على أهل الشام إلى أرمينية، فتجهزوا، وساروا نحو الجزيرة، ثم عطفوا منها إلى بلاد الروم فاقتتلوا هم والروم، فانهزم الروم، ثم رجعوا فانهزم المسلمون، وبقي العباس في نفرٍ، فنادى: يأهل القرآن؛ فأقبلوا جميعاً، فهزم الله الروم حتى دخلوا طوانة، وحصرهم المسلمون وفتحوها في جمادى الأولى منها.\rثم غزا مسلمة والعباس الروم في سنة تسع وثمانين، فافتح مسلمة حصن سورية، وافتتح العباس أذرولية، ولقي من الروم جمعاً فهزمهم.\rوقيل: إن مسلمة قصد عمورية، فلقي بها جمعاً كثيراً من الروم فهزمهم وافتتح هرقلية وقمولية. وغزا العباس الصائفة من ناحية البدندون، وغزا مسلمة الترك من ناحية أذربيجان، ففتح حصونا ومدائن هناك، وذلك في سنة تسع وثمانين أيضاً.\rوغزا مسلمة الروم في سنة تسعين، ففتح الحصون الخمسة التي بسورية.\rوغزا العباس حتى بلغ أرزن وبلغ سورية.\rوفي سنة إحدى وتسعين غزا عبد العزيز بن الوليد الصائفة، وكان على ذلك الجيش مسلمة بن عبد الملك.\rوغزا مسلمة الترك في هذه السنة من ناحية أذربيجان حتى بلغ الباب، وفتح مدائن وحصونا، ونصب عليها المجانيق. وغزا مسلمة أرض الروم في سنة اثنتين وتسعين، ففتح حصوناً ثلاثة، وجلا أهل سوسنة إلى بلاد الروم.\rوفيها كان فتح الأندلس على يد طارق بن زياد مولى موسى بن نصير على ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخبار المغرب، وغزيت جزيرة سردانية وسنذكر ذلك أيضاً إن شاء الله.\rوغزا العباس الروم في سنة 93 ثلاث وتسعين، ففتح سبسطية المرزبانيين.\rوغزا مروان بن الوليد الروم فبلغ خنجرة، وغزا مسلمة ففتح ماسية وحصن الحديد. وغزالة من ناحية ملطية.\rوغزا العباس بن الوليد الروم ففتح أنطاكية في سنة أربع وتسعين. وغزا العباس في سنة خمس وتسعين، ففتح هرقلة وغيرها، وفيها قتل الوضاحي بأرض الروم ونحو ألف رجل معه.\rانتهت الغزوات في أيام الوليد بن عبد الملك. فلنذكر خلاف ذلك من الحوادث على حكم السنين:\rالحوادث الكائنة في أيام الوليد بن عبد الملك خلاف ما قدمناه\rسنة ست وثمانون\rفي هذه السنة حبس الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وعزل حبيب بن المهلب عن كرمان وعبد الملك عن شرطته. وحج بالناس هشام بن إسماعيل المخزومي.\rسنة سبع وثمانون\rفي هذه السنة عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن المدينة لسبع ليالٍ خلون من شهر ربيع الأول، واستعمل عمر بن عبد العزيز، فقدمها في الشهر، وثقله على ثلاثين بعيراً، فنزل دار مروان، وأحسن السيرة في الناس، واستعان بفقهاء المدينة، وحرضهم على أني بلغوه ما يبلغهم من أخبار عماله، وأن يعينوه على الحق، وقال: إني أريد ألا أقطع أمراً دونكم.","part":6,"page":62},{"id":2563,"text":"وحج عمر بالناس في هذه السنة، وكان عل قضاء المدينة أبو بكر ابن عمرو بن حزم، وعلى قضاء البصرة عبد الله بن أذينة، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم.\rسنة ثمان وثمانون\rذكر عمارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والزيادة فيه في هذه السنة كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز في شهر ربيع الأول يأمره بإدخال حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، وأن يشتري ما في نواحيه حتى يكون مائتي ذراع، ويقول له: قدم القبلة إن قدرت، وأنت تقدر لمكان أخوالك؛ فإنهم لا يخالفونك، فمن أبى منهم فقوموا ملكه قيمة عدلٍ، واهدم عليهم، وادفع الأثمان إليهم، فإن لك في عمر وعثمان رضي الله عنهما أسوة.\rفأحضرهم عمر وأقرأهم الكتاب، فأجابوا إلى أخذ الثمن؛ فأعطاهم إياه، وهدم الحجر، وأرسل الوليد الفعلة من الشام، وبعث إلى ملك الروم يعلمه أنه قد هدم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ليعمره، فبعث إليه الروم مائة ألف مثقال من ذهبٍ ومائة عامل، وبعث إليه من الفسيفساء بأربعين جملا. فبعث الوليد بذلك إلى عمر بن عبد العزيز، وحضر عمر ومعه الناس، فوضعوا أساسه.\rوكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز في تسهيل البناء وحفر الآبار، وأمره أن يعمل الفوارة بالمدينة، فعملها وأجرى ماءها، وكتب إلى البلدان جميعها بإصلاح الطرق وعمل الآبار.\rوفيها منع الوليد المجذمين من الخروج على الناس، وأجرى لهم الأرزاق.\rوحج بالناس عمر بن عبد العزيز، ووصل جماعةً من قريش، وساق معه بدناً، وأحرم من ذي الحليفة، فلما كان بالتنعيم أخبر أن مكة قليلة الماء، وأنهم يخافون على الحاج العطش. فقال عمرك تعالوا ندعوا الله تعالى؛ فدعا ودعا معه الناس، فما وصلوا إلى البيت إلا مع المطر، وسال الوادي، فخاف أهل مكة من شدته، ومطرت عرفة ومكة، وكثر الخصب. وقيل: إنما حج هذه السنة عمر بن الوليد والله أعلم.\rسنة تسع وثمانون\rذكر ولاية خالد بن عبد الله القسري مكة وما خطب الناس به وقاله وفي هذه السنة ولى خالد بن عبد الله القسري، فخطب أهلها فقال: أيها الناس، أيهما أعظم، أخليفة الرجل على أهله أو رسوله إليهم ؟ والله لو لم تعلموا من فضل الخليفة إلا أن إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام استسقاه فسقاه ملحاً أجاجاً، واستسقاه الخليفة فسقاه عذباً فراتا، يعني بالملح زمزم، وبالماء الفرات بئراً حفرها الوليد بثنية طوى في ثنية الحجون، فكان ماؤها عذباً، وكان ينقل ماءها ويضعه في حوضٍ إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم، فغارت البئر وذهب ماؤها.\rوقيل: كانت ولاية خالد في سنة إحدى وتسعين. وقيل سنة أربع.\rوحج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز.\rسنة تسعون\rذكر هرب يزيد بن المهلب واخوته من سجن الحجاج في هذه السنة هرب يزيد بن المهلب وإخوته، وكان الحجاج قد خرج إلى رستقباذ للبعث، لأن الأكراد كانوا قد غلبوا على فارس، وأخرج معه يزيد بن المهلب وإخوته، وجعل عليهم مثل الخندق، وجعلهم في فسطاطٍ قريبٍ منه، وجعل عليهم الحرس من أهل الشام، وطلب منهم ستة آلاف ألفٍ، وعذبهم؛ فكان يزيد يصبر صبرا حسناً، فكان ذلك مما يغيظ الحجاج، فقيل له: إنه رمى في ساقه بنشابة فثبت نصلها فيه فهو لا يمسها شيء إلا صاح، فأمر أن يعذب في ساقه، فعذب، فصاح، فسمعته أخته هند، وكانت عند الحجاج فصاحت، فطلقها الحجاج، ثم كف عنهم وجعل يستأدى منهم المال، فصنع يزيد للحرس طعاماً كثيراً وأمر لهم بشرابٍ، فسقوا، واشتغلوا، فلبس يزيد ثياب طباخه وخرج، وقد جعل له لحيةً بيضاء، فرآه بعض الحرس، فقال: كأن هذه مشية يزيد، فلحقه فرأى لحيته بيضاء، فتركه، وعاد وخرج المفضل ولم يفطن له، وكذلك عبد الملك، فجاءوا إلى سفن معدة فركبوها، وساروا ليلتهم.\rولما أصبح الحجاج وعلم بهم الحرس رفعوا أمرهم إليه ففزع، وظن أنهم قصدوا خراسان لفتنةٍ، فبعث إلى قتيبة يأمره بالجد والاحتياط.","part":6,"page":63},{"id":2564,"text":"ولما دنا يزيد وإخوته من البطائح استقبلتهم خيلٌ قد ضمرت وأعدت لهم، فركبوها ومعهم دليلٌ من كلب، فأخذوا على السماوة إلى الشام، فأتى الحجاج الخبر، فكتب إلى الوليد يعلمه. وسار يزيد حتى قدم فلسطين، فنزل على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي، وكان كريما على سليمان بن عبد الملك، فجاء وهيب إلى سليمان فأعلمه بحال يزيد وإخوته، وأنهم قد استعاذوا به من الحجاج. قال: فأتني بهم، فإنهم آمنون لا يوصل إليهم وأنا حي. فجاء بهم إليه فكانوا عنده في مكان آمنٍ.\rوكتب الحجاج إلى الوليد: إن آل المهلب خانوا مال الله وهربوا مني، ولحقوا بسليمان.\rفلما علم أنهم عند أخيه سكن بعض مابه، وكتب إليه سليمان: إن يزيد عندي وقد أمنته، وإنما عليه ثلاثة آلاف ألفٍ، لأن الحجاج أغرمه ثلاثة آلاف ألف، والذي بقي عليه أنا أؤديه.\rفكتب الوليد: والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلي....\rفكتب سليمان: لئن بعثت به إليك لأجيئن معه.\rفكتب إليه: والله لئن جئتني لا أؤمنه. فقال يزيد بن المهلب: أرسلني إليه، فوالله ما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة، واكتب معي بألطف ما قدرت عليه. فأرسله، وأرسل معه ابنه أيوب.\rوكان الوليد قد أمره أن يبعث به مقيداً. فقال سليمان لابنه: إذا دخلت على أمير المؤمنين فادخل أنت ويزيد في سلسلةٍ. ففعل ذلك، فلما رأى الوليد ابن أخيه في سلسلةٍ قال: لقد بلغنا من سليمان.\rودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمه، وقال: يا أمير المؤمنين، لا تخفر ذمة أبي، وأنت أحق من منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك.\rفقرأ الوليد كتاب سليمان فإذا هو يستعطفه ويشفع فيه، ويضمن إيصال المال.\rفقال: لقد شققنا على سليمان.\rوتكلم يزيد واعتذر، فأمنه الوليد، ورده إلى سليمان، وكتب إلى الحجاج: إني لم أصل إلى يزيد وأهله لمكانهم من سليمان، فاكفف عنهم، وكان أبو عيينة بن المهلب عند الحجاج عليه ألف ألف، فتركها له، وكف عن حبيب بن المهلب، وكان يعذب بالبصرة، وأقام يزيد عند سليمان في أرغد عيش، وكان لا تصل إليه هديةٌ إلا بعث بنصفها إلى يزيد، ولا تعجبه جارية إلا بعث بها إليه، وكان يزيد إذا أتته هدية بعث بها إلى سليمان.\rوفي هذه السنة استعمل الوليد قرة بن شريك على مصر، وعزل أخاه عبد الله عنه.\rوفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، فأهداه ملكهم إلى الوليد.\rوحج بالناس عمر بن عبد العزيز.\rوفيها مات أنس بن مالك رضي الله عنه الأنصاري. وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وكان عمره ستاً وتسعين سنة، وقيل مائة وست سنين.\rسنة واحد وتسعون\rفي هذه السنة حج الوليد بن عبد الملك بالناس، فلما قدم المدينة دخل المسجد ينظر إلى بنائه، فأخرج الناس منه، ولم يبق غير سعيد بن المسيب، لم يجسر أحد من الحرس أن يخرجه، فقيل له رضي الله عنه: لو قمت. فقال: لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كنت أقوم فيه. قيل له: فلو سلمت على أمير المؤمنين. قال: لا، والله لا أقوم إليه. قال عمر بن عبد العزيز: فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد لئلا يراه، فالتفت الوليد إلى القبلة، فقال: من ذلك الشيخ: أهو سعيد ؟ قلت: نعم. ومن حاله كذا وكذا، ولو علم بمكانك لقام فسلم عليك.\rفقال الوليد: قد علمت حاله، نحن نأتيه، فأتاه فقال: كيف أنت أيها الشيخ ؟ فوالله ما تحرك سعيد. فقال: بخير والحمد لله؛ فكيف أمير المؤمنين ؟ وكيف حاله ؟ فانصرف وهو يقول: هذا بقية الناس. وقسم الوليد بالمدينة رقيقاً كثيراً وآنية من ذهبٍ وفضة وأموالاً، وصلى بالمدينة الجمعة، وخطب الخطبة الأولى جالسا والثانية قائماً.\rوفيها عزل الوليد عامله محمد بن مروان عن الجزيرة وأرمينية، واستعمل عليها أخاه مسلمة بن عبد الملك، فغزا الترك كما تقدم.\rسنة اثنان وتسعون\rفي هذه السنة حج بالناس عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة وكان من الغزوات والفتوحات ما تقدم ذكره.\rسنة ثلاث وتسعون\rذكر عزل عمر بن عبد العزيز في هذه السنة عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن الحجاز والمدينة، وكان سبب ذلك أن عمر كتب إلى الوليد يخبره بعسف الحجاج وظلمه، فبلغ ذلك الحجاج، فكتب إلى الوليد: إن من عندي من المراق وأهل الشقاق قد جلوا عن العراق ولحقوا بالمدينة ومكة، وإن ذلك وهن.","part":6,"page":64},{"id":2565,"text":"فكتب إليه الوليد يستشيره فيمن يوليه المدينة ومكة، فأشار بخالد بن عبد الله القسري وعثمان بن حيان، فولي خالداً مكة وعثمان المدينة، فلما قدم خالدٌ مكة أخرج من بها من أهل العراق كرهاً، وتهدد من أنزل عراقياً أو أجره داراً. وقيل: كان ذلك قبل هذا التاريخ. والله أعلم.\rوفيها كتب الوليد إلى عمر قبل عزله يأمره أن يضرب خبيب ابن عبد الله بن الزبير، ويصب على رأسه ماءً بارداً، فضربه خمسين سوطاً. وصب على رأسه ماءً بارداً في يوم شاتٍ، ووقفه على باب المسجد، فمات من يومه.\rوحج بالناس عبد العزيز بن الوليد.\rسنة أربع وتسعون\rمقتل سعيد بن جبير\rفي هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير، وهو أبو عبد الله سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولى بني والبة: بطنٌ من بني أسد بن خزيمة.\rوكان سبب قتله خروجه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، وكان الحجاج قد جعله على عطاء الجند حين وجه عبد الرحمن لقتال رتبيل، فلما خلع عبد الرحمن الحجاج وعبد الملك كان سعيدٌ ممن خلع؛ فلما هزم عبد الرحمن هرب سعيد إلى أصبهان، فكتب الحجاج إلى عاملها يأمره بإرساله، فتحرج العامل من ذلك، وأرسل إلى سعيد يعرفه أن يفارق البلد، فخرج إلى أذربيجان. ثم خرج إلى مكة، فكان بها حتى قدم خالد بن عبد الله مكة، وأخرج أهل العراق إلى الحجاج، فأخذ سعيد فيمن أخذ، وسيره إلى الحجاج مع حرسيين، فانطلق أحدهما لحاجته في بعض الطريق وبقي الآخر فنام واستيقظ. فقال لسعيد: إني أبرأ إلى الله من دمك، إني رأيت في منامي قائلا يقول لي: ويلك ؟! تبرأ إلى الله من دم سعيد بن جبير، فاذهب حيث شئت، فإني لا أطلبك، فأبى سعيد ذلك، ورأى الحرسي ذلك ثلاث مرات وهو يكرر القول على سعيد في الذهاب فلا يفعل. ثم قدم الكوفة فأدخل على الحجاج، فلما رآه قال: لعن الله ابن النصرانية - يعني خالد بن عبد الله، أما كنت أعرف مكانه، بلى والله والبيت الذي كان فيه بمكة. ثم أقبل عليه وقال: يا سعيد، ألم أشركك في أمانتي ؟ ألم أستعملك ؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك علي ؟ قال: إنما أنا امرؤ من المسلمين يخطيء مرةً ويصيب مرة. فطابت نفس الحجاج، ثم عاوده في شيء، فقال: إنما كانت بيعته في عنقي. فغضب الحجاج وانتفخ. وقال: يا سعيد، ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها، وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك ؟ قال: بلى. قال: ثم قدمت الكوفة والياً فجددت البيعة فأخذت بيعتك ثانياً ؟ قال: بلى. قال: فنكثت بيعتين لأمير المؤمنين، وتوفي بواحدةٍ للحائك ابن الحائك، والله لأقتلنك. قال: إني إذاً لسعيد كما سمتني أمي، فأمر به فضربت رقبته. فلما سقط رأسه هلل ثلاثاً؛ أفصح بمرة ولم يفصح بمرتين، والتبس عقل الحجاج فجعل يقول: قيودنا قيودنا، فظنوا أنه يريد القيود، فعطفوا رجلي سعيد من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود.\rوكان الحجاج إذا نام يراه في منامه يأخذ بمجامع ثوبه، فيقول: يا عدو الله، فيم قتلتني، فيقول: مالي ولسعيد بن جبير ! مالي ولسعيد بن جبير ! يكررها.\rوفيها كانت الزلازل بالشام فدامت أربعين يوما، فخربت البلاد، وكان معظم ذلك بأنطاكية.\rوفاة زين العابدين\rعلي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ونبذة من أخباره كانت وفاته بالمدينة في أول سنة أربع وتسعين. وقيل في سنة اثنتين. وقيل سنة ثلاث. وقيل سنة تسع وتسعين. وقيل سنة مائة. حكى هذا الاختلاف أبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق، واقتصر ابن الأثير الجزري على سنة أربع وتسعين دون غيرها.\rوكان رحمه الله يكنى أبا عبد الله، ويقال أبو محمد، ويقال أبو الحسن، ويقال أبو الحسين زين العابدين. ومولده سنة ثلاث وثلاثين، وأمه أم ولد اسمها غزالة خلف عليها بعد الحسين زييد مولى الحسين، فولدت له عبد الله بن زييد.\rوقال إسماعيل بن موسى السدى: عبد الرحمن بن حبيب أخو علي ابن الحسين لأبيه، وكان رحمه الله ثقة ورعاً مأموناً كثير الحديث من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعةً.","part":6,"page":65},{"id":2566,"text":"حكى أبو القاسم بن عساكر في تاريخه عن الزهري، قال: شهدت على بن الحسين يوم حمله عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام، فأوثقه حديداً، ووكل به حفاظاً فاستأذنتهم في التسليم عليه والتوديع له فأذنوا لي فدخلت عليه، وهو في قبةٍ والقيود في رجليه والغل في يديه، فسكنت وقلت: وددت أني مكانك وأنت سليم. فقال: يا زهري، أو تظن هذا مما ترى علي وفي عنقي. أما إني لو شئت ما كان. ثم أخرج يديه من الغل ورجليه من القيد.\rثم قال: يا زهري، جزت معهم على هذا منزلتين من المدينة. فما لبثنا إلا أربع ليالٍ حتى قدم الموكلون به يطلبونه بالمدينة، فما وجدوه، فكنت فيمن سألهم عنه، فقال لي بعضهم: إنا نراه متبوعاً، إنه لنازلٌ - ونحن حوله لا ننام نرصده - إذ أصبحنا، فما وجدنا إلا حديده.\rقال الزهري: فقدمت بعد ذلك على عبد الملك فسألني عن علي ابن الحسين، فأخبرته، فقال لي: إنه قد جاءني في يوم فقده الأعوان، فدخل علي، فقال: أنا وأنت ! فقلت: أقم عندي. فقال: لا أحب، فخرج، فوالله لقد امتلأ ثوبي منه خيفةً.\rقال الزهري: فقلت: يا أمير المؤمنين، ليس علي بن الحسين حيث تظن، إنه لمشغولٌ بنفسه. فقال: نعم.\rوقيل: وقع حريقٌ بالمدينة في بيتٍ فيه علي بن الحسين، فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله، النار ! فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها ؟ قال: ألهاني عنها النار الأخرى. .\rوقيل: كان إذا مشى لا تجاوز يده فخذيه، ولا يخطر بيده. وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له: مالك ؟ فقال: ما تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي.\rقيل: وكان إذا توضأ اصفر فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء ؟ فيقول: تدرون بين يدي من أريد أقوم ؟ وعن سفيان بن عيينة قال: حج علي بن الحسين، فلما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه وانتفض، ووقع عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبي. فقيل له: مالك لا تلبي ؟ فقال: أخشى أن أقول لبيك، فيقول لي: لا لبيك. فقيل له: لا بد من هذا. فلما لبى غشى عليه، وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه.\rوقيل: كان رضي الله عنه يصلي في كل يوم وليلةٍ ألف ركعة إلى أن مات رضي الله عنه.\rوكان يسمى بالمدينة زين العابدين لعبادته. وقيل: إنه قاسم الله ماله مرتين، وكان يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين في ظلمة الليل، ويقول: إن الصدقة في ظلمة الليل تطفئ غضب الرب.\rوأعتق غلاماً أعطاه به عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم وألف دينار. قيل: وسكبت جاريةٌ عليه الماء ليتهيأ للصلاة، فسقط الإبريق من يدها على وجهه، فشجه، فرفع رأسه إليها، فقالت: إن الله عز وجل يقول: \" والكاظِمِيْنَ القَيْظَ \" . قال: قد كظمت غيظي. قالت: \" والْعَافِين عن الناس \" . قال: قد عفا الله عنك. قالت: والله يحب المحسنين. قال: اذهبي فأنت حرة.\rقيل: وأذنب له غلام ذنباً استحق منه العقوبة، فأخذ السوط. فقال الغلام: قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله، وما أنا كذلك، إني لأرجو رحمة الله، وأخاف عذابه، فألقى السوط، وقال: أنت عتيق.\rوقيل: حج هشام بن عبد الملك في زمن عبد الملك أو في زمن الوليد، فلما طاف جهد أن يستلم الحجر فلم يطق لزحام الناس عليه، فنصب له منبرٌ، وجلس ينظر إلى الناس، إذ أقبل علي بن الحسين رضي الله عنه من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم ريحاً، فطاف بالبيت، فكان كلما بلغ الحجر تنحى الناس له حتى يستلمه. فقال رجلٌ من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه المهابة ؟ فقال هشام: لا أعرفه - مخافة أن يرغب الناس فيه، وكان حوله وجوه أهل الشام، والفرزدق الشاعر، فقال الفرزدق: لكنني أنا أعرفه، فقال أهل الشام: من هذا يا أبا فراس ؟ فزبره هشام، وقال: لا أعرفه. فقال الفرزدق: بل تعرفه، ثم أنشد مشيراً إليه: ؟هذا سليل حسين وابن فاطمة بنت الرسول الذي انجابت به الظّلم\rهذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم\rهذا ابن خير عباد الله كلّهمو ... هذا النّقي التّقي الطاهر العلم\rإذا رأته قريشٌ قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم\rيرقى إلى ذروة العزّ الذي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم","part":6,"page":66},{"id":2567,"text":"يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم\rيغضى حياءً ويغضى من مهابته ... فلا يكلّم إلا حين يبتسم\rبكفّه خيزران ريحها عبقٌ ... من كفّ أروع في عرنينه شمم\rمن جدّه دان فضل الأنبياء له ... وفضل أمته دانت له الأمم\rينشقّ نور الهدى عن نور غرّته ... كالشمس تنجاب عن إشراقها الظّلم\rمشتقة من رسول الله نبعته ... طابت عناصرها والخيم والشّيم\rهذا ابن فاطمةٍ إن كنت جاهله ... بجدّه أنبياء الله قد ختموا\rالله شرّفه قدماً وفضّله ... جرى بذاك له في لوحه القلم\rفليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم\rكلتا يديه غياثٌ عمّ نفعهما ... يستو كفان ولا يعروهما عدم\rحمّال أثقال أقوام إذا فدحوا ... حلو الشمائل تحلو عنده نعم\rلا يخلف الوعد ميمونٌ نقيبته ... رحب الفناء أريب حين يعتزم\rمن معشرٍ حبّهم دين وبغضهمو ... كفرٌ وقربهمومنجىً ومعتصم\rإن عدّ أهل التّقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل همو\rلا يستطيع جوادٌ بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قومٌ وإن كرموا\rهم الغيوث إذا ما أزمةٌ أزمت ... والأسد أسد الشّرى والبأس محتدم\rلا ينقص العسر بسطاً من أكفّهم ... سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا\rيستدفع السوء والبلوى بحبّهمو ... ويستردّ به الإحسان والنعم\rمقدّمٌ بعد ذكر الله ذكرهمو ... في كل أمرٍ ومختومٌ به الكلم\rيأبى لهم أن يحلّ الذّلّ ساحتهم ... خيمٌ كريم وأيدٍ بالندى هضم\rأيّ الخلائق ليست في رقابهمو ... لأوّليّة هذا أو له نعم\rمن يشكر الله يشكر أوليّة ذا ... فالدّين من بيت هذا بابه الأمم\rقال: فغضب هشام لذلك وتنغص عليه يومه، وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة، وبلغ ذلك علي بن الحسين رضي الله عنه، فبعث إليه باثني عشر ألف درهم، وقال: اعذر أبا فراس، لو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك بها، فردها الفرزدق، وقال: ما قلت الذي قلت إلا غضباً لله ولرسوله، وما كنت لأرزأ عليها شيئاً، فردها عليه، وقال: بحقي عليك إلا قبلتها، فقد علمت أنا أهل بيت إذا أنفذنا أمراً لا نرجع فيه، وقد رأى الله مكانك، وعلم نيتك، والجزاء عليه تعالى. فقبلها.\rوجعل الفرزدق يهجو هشاماً، فكان مما هجاه به:\rأتحبسني بين المدينة والتي ... إليها قلوب الناس يهوى منيبها\rيقلّب رأساً لم يكن رأس سيّدٍ ... وعينين حولاوين بادٍ عيوبها\rوكان علي بن الحسين يقول: لقد استرقك بالود من سبقك بالشكر.\rولما حضرته الوفاة أوصى ألا يؤذنوا به أحداً، وأن يكفن في قطن، ولا يجعلوا في حنوطه مسكاً، ودفن بالبقيع رحمه الله ورضي عنه.\rومات أيضاً في هذه السنة عروة بن الزبير رضي الله عنهما، وسعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام.\rوحج بالناس مسلمة بن عبد الملك. وقيل عبد العزيز بن الوليد.\rوفيها استقضى الوليد على الشام سليمان بن حبيب.\rوفاة الحجاج\rبن يوسف الثقفي وشيء من أخباره هو أبو محمد الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن عامر بن مسعود بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف ابن ثقيف، كانت وفاته في شوال سنة خمس وتسعين، وقيل لخمسٍ بقين من شهر رمضان من السنة، وله من العمر أربعٌ وخمسون، وقيل ثلاث وخمسون.","part":6,"page":67},{"id":2568,"text":"روى أن عمر بن عبد العزيز ذكر عنده ظلم الحجاج وغيره من ولاة الأمصار في أيام الوليد بن عبد الملك، فقال عمر بن العزيز: الحجاج بالعراق، والوليد بالشام، وقرة بن شريك بمصر، وعثمان بالمدينة، وخالد بمكة؛ اللهم قد امتلأت ظلماً وجوراً، فأرح الناس. فلم يمض غير قليل حتى توفى الحجاج وقرة في شهر واحد، ثم تبعهم الوليد، وعزل عثمان بن حيان، وخالد بن عبد الله القسري، واستجاب الله لعمر.\rوما أشبه هذه القصة بقصة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما بلغه أن زياد ابن أبيه كتب إلى معاوية يقول: إني قد ضبطت العراق بشمالي ويميني فارغةٌ. فقال ابن عمر: اللهم أرحنا من يمين زياد، وأرح أهل العراق من شماله. فاستجاب الله له.\rوكان من خبر وفاة زياد ما ذكرناه.\rوكانت ولاية الحجاج العراق عشرين سنة، ولما حضرته الوفاة استخلف على الصلاة ابنه عبد الله، وعلى حرب الكوفة والبصرة يزيد بن أبي كبشة، وعلى الخراج يزيد بن أبي مسلم، فأقرهما الوليد بعده.\rوكان الحجاج من أفصح الناس. قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحجاج ومن الحسن، وقد ذكرنا من كلامه عند مقدمه الكوفة ما يدل على فصاحته.\rومن أخباره أن عبد الملك كتب إليه يأمره بقتل أسلم بن عبد الله البكري لشيءٍ بلغه عنه، فأحضره الحجاج، فقال: أمير المؤمنين غائب وأنت حاضر، والله تعالى يقول: \" يأيُّها الذين آمَنُوا إنْ جَاءَكم فاسِقٌ بنبإٍ فتبيَّنُوا... \" الآية. والذي بلغه عني فباطل. فاكتب إلى أمير المؤمنين أني أعول أربعا وعشرين امرأة، وهن بالباب؛ فأحضرهن، وكان في آخرهن جاريةٌ قاربت عشر سنين. فقال لها: من أنت منه ؟ قالت: ابنته، أصلح الله الأمير، ثم أنشأت:\rأحجاج لو تشهد مقام بناته ... وعماته يندبنه الليل أجمعا\rأحجاج لا تقتل به إن قتلته ... ثماناً وعشراً واثنتين وأربعا\rأحجاج من هذا يقوم مقامه ... علينا فمهلا أن تزدنا تضعضعا\rأحجاج إما أن تجود بنعمةٍ ... علينا وإما أن تقتّلنا معا\rفبكى الحجاج، وقال: والله لاأعنت الدهر عليكن ولازدتكن تضعضعاً.\rوكتب إلى عبد الملك بخبره وبخر الجارية، فكتب إليه: إذا كان الأمر كما ذكرت فأحسن صلته وتفقد الجارية، ففعل.\rقال عاصم بن بهدلة: سمعت الحجاج يقول: اتقوا الله ما استطعتم، هذا والله مثنوية، واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ليس فيه مثنوية، والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا لحلت لي دماؤكم، ولا أجد أحداً يقرأ علي قراءة ابن أم عبد - يعني ابن مسعود - إلا ضربت عنقه، ولأحكنها من المصحف ولو بضلع خنزير.\rقال الأوزاعي: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم.\rقال الحسن: سمعت عليا يقول على المنبر: اللهم ائتمنتهم فخانوا، ونصحتهم فغشوني، اللهم فسلط عليهم غلام ثقيف يحكم في دمائهم وأموالهم بحكم الجاهلية، فوصفه. قال الحسن: هذه والله صفة الحجاج.\rقال حبيب بن أبي ثابت: قال علي رضي الله عنه لرجل: لا تموت حتى تدرك فتى ثقيف. قيل: يا أمير المؤمنين؛ ما فتى ثقيف ؟ قال: ليقالن له يوم القيامة: اكفنا زاويةً من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين سنة أو بضعاً وعشرين، فلا يدع لله معصيةً إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة وبينها وبينه بابٌ مغلقٌ لكسره حتى يرتكبها، يقتل من أطاعه بمن عصاه.\rوقيل: أحصى من قتله الحجاج صبراً فكانوا مائة ألف وعشرين ألفاً.\rوقيل: إن الحجاج مر بخالد بن يزيد بن معاوية وهو يخطر في شيته، فقال رجل لخالد: من هذا؟ فقال خالد: بخ بخ ! هذا عمرو ابن العاص. فسمعها الحجاج فرجع، وقال: والله ما يسرني أن العاص والدي، ولكني ابن الأشياخ من ثقيف، والعقائل من قريش، وأنا الذي ضربت بسيفي هذا مائة ألف كلهم يشهد أن أباك كان يشرب الخمر ويضمر الكفر. ثم ولي، وهو يقول: بخٍ بخ عمرو بن العاص ! فقد أقر على نفسه بمائة ألف قتيل على ذنبٍ واحد.\rوحج بالناس في هذه السنة بشر بن الوليد بن عبد الملك.\rوفاة الوليد سنة\rوشيءٍ من أخباره وسيرته وأولاده وعماله","part":6,"page":68},{"id":2569,"text":"كانت وفاته بدير مران في النصف من جمادى الآخرة من هذه السنة. ودير مران كان بجبل قاسيون بظاهر دمشق، وهو الآن مدرسةٌ وتربةٌ منسوبة إلى الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن العادل ابن أيوب. كانت مدة خلافته تسع سنين وثمانية أشهر. ودفن خارج الباب الصغير بدمشق. وقيل في مقابر الفراديس. وصلى عليه عمر بن عبد العزيز. ولما دلى في حفرته جمعت ركبتاه إلى عنقه، فقال ابنه: عاش أبي ؟ فقال له عمر بن عبد العزيز - وكان فيمن دفنه: عوجل والله أبوك. وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وستة أشهر. وقيل سبعاً وأربعين. وقيل ثمانياً وأربعين. والله أعلم.\rوكان أسمر اللون، جميل الوجه، أفطس الأنف. وقيل. كان سائل الأنف جدّاً وبوجهه آثار جدري.\rوكان نقش خاتمه: يا وليد، إنك ميت.\rوكان له من الأولاد تسعة عشر ذكراً، وعدهم بعض المؤرخين عشرين، وهم: يزيد، وإبراهيم - وليا الخلافة، والعباس فارس بني مروان، وعمر فحل بني مروان، وعبد العزيز، وبشرن وصدقة، ومحمد، وتمام، وخالد، وعبد الرحمن، ومبشر، ومسرور، وأبو عبيدة، ومنصور، ومروان، وعنبسة، وعمرو، وروح، ويحيى، هؤلاء الذكور، سوى البنات.\rكتابه: قرة بن شريك، ثم قبيصة بن ذؤيب، ثم الضحاك ابن يزيد، ثم يزيد بن أبي كبشة، ثم عبد الله بن بلال.\rقضاته: عبد الله بن بلال، وسليمان بن حبيب.\rحجابه: خالد، وسعيد مولياه.\rالأمراء بمصر: أخوه عبد الله، ثم قرة بن شريك.\rقاضيها: عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة، ثم صرفه قرة وولي عياض بن عبد الله، ثم وليها عبد الملك بن رفاعة بعد وفاة قرة.\rوكان عماله على الأمصار من ذكرناهم.\rقال: وكان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام من أفضل خلفائهم، وله آثارٌ حسنة ومبان عظيمة، وفتح في أيامه بلاد الأندلس وما وراء النهر وبلاد الهند.\rقال: وكان الوليد يمر بالبقال فيقف عليه، ويأخذ منه حزمة بقلٍ، فيقول: بكم هذه ؟ فيقول: بفلس. فيقول الوليد: زد فيها.\rوبنى جامع دمشق في سنة ست وثمانين، وهدم كنيسة النصارى التي كانت إلى جانبه، وتعرف بماريوحنا، وزادها فيه.\rوقيل: كان في الجامع وهو يبني اثنا عشر ألف مرخم. وتوفي الوليد ولم يتم بناؤه، وكان الفراغ منه في أيام سليمان أخيه.\rوقيل: إن جملة ما أنفق عليه أربعمائة صندوق، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار، وكان فيه ستمائة سلسلةٍ من الذهب للقناديل، ولم تطق الناس الصلاة فيه لكثرة شعاعه، فدخنت حتى اسودت، فلما ولي عمر بن عبد العزيز جعلها في بيت المال، وعوضها بالحديد.\rوأمر الوليد ببناء جامع البيت المقدس في سنة ثمان ثمانين.\rقيل: وحج الوليد بالناس ثلاث حجج: سنة ثمان وثمانين، وسنة إحدى وتسعين، وسنة أربع وتسعين.\rقال: وكان الوليد أراد أن يخلع أخاه سليمان، ويبايع لولده عبد العزيز، فأبى سليمان، فكتب إلى عماله، ودعا الناس إلى خلعه، فلم يجبه إلى ذلك إلا الحجاج وقتيبة وخواص من الناس.\rفكتب الوليد إلى سليمان يأمره بالقدوم عليه، فأبطأ، فعزم على المسير إليه ليخلعه، وأخرج خيمةً فمات قبل أن يسير إليه.\rقال: وكان الوليد لحاناً لا يحسن العربية، فعاتبه أبوه، وقال: إنه لا يلي العرب إلا من يحسن كلامهم؛ فجمع النحاة، ودخل بيتاً فلم يخرج منه ستة أشهر، ثم خرج وهو أجهل منه يوم دخل، فقال عبد الملك: قد أعذر. والله سبحانه وتعالى أعلم.\rبيعة سليمان بن عبد الملك هو أبو أيوب سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمه ولادة أم أخيه الوليد، وهو السابع من ملوك بني أمية. بويع له يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة، وهو يوم وفاة أخيه الوليد، وكان إذ ذاك بالرملة، وكان الوليد قد أراد خلعه من ولاية العهد، فمات قبل أن يتم له ما أراد من ذلك.\rولنذكر الحوادث الكائنة في أيامه على حكم السنين:\rقتل قتيبة بن مسلم\rوفي هذه السنة قتل قتيبة بن مسلم الباهلي بخراسان، وكان سبب ذلك أنه أجاب الوليد إلى خلع سليمان كما ذكرنا، فلما أفضت الخلافة إلى سليمان خشى قتيبة أن سليمان يستعمل يزيد بن المهلب على خراسان، فكتب قتيبة إلى سليمان كتاباً يهنئه بالخلافة ويذكر بلاءه وطاعته لعبد الملك والوليد، وأنه له على مثل ذلك إن لم يعزله عن خراسان.","part":6,"page":69},{"id":2570,"text":"وكتب إليه كتاباً آخر يعلمه فيه بفتوحه ومكانته، وعظم قدره عند ملوك العجم، وهيبته في صدورهم، ويذم آل المهلب، ويحلف بالله لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنه.\rوكتب كتاباً ثالثاً فيه خلعه، وبعث الكتب مع رجل من أهله، وقال له: ادفع الكتاب الأول إليه، فإن كان يزيد حاضراً فقرأه ثم ألقاه إليه فادفع إليه هذا الثاني. فإن قرأه ودفعه إلى يزيد فادفع إليه الثالث، وإن قرأ الأول ولم يدفعه إلى يزيد فاحبس الكتابين عنه.\rفقدم رسول قتيبة، فدخل على سليمان وعنده يزيد بن المهلب، فدفع إليه الكتاب الأول، فقرأه وألقاه إلى يزيد، فدفع إليه الثاني، فقرأه وألقاه إليه، فأعطاه الثالث، فقرأه وتغير لونه وختمه وأمسكه بيده. فقيل: كان فيه: لو لم تقرني على ما كنت عليه وتؤمنني لأخلعنك، ولأملأنها عليك خيلا ورجلا.\rثم أمر سليمان بإنزال رسول قتيبة، ثم أحضره ليلا وأعطاه دنانير وعهد قتيبة على خراسان وسير معه رسولا، فلما كان بحلوان بلغهما خلع قتيبة، فرجع رسول سليمان، وكان قتيبة لما هم بخلع سليمان استشار إخوته فقال عبد الرحمن: اقطع بعثاً فوجه فيه كل من تخافه، ووجه قوماً إلى مرو، وسر حتى تنزل سمرقند، وقل لمن معك: من أحب المقام فله المواساة، ومن أراد الانصراف فغير مستكره، فإنه لا يقيم عندك إلا مناصح. وقال له أخوه عبد الله: اخلعه مكانك فلا يختلف عليك رجلان. فوافقه وخلع سليمان، ودعا الناس إلى خلعه فلم يجبه أحد، فغضب، وقال: لا أعز الله من نصرتم، والله لو اجتمعتم على عنز ما كسرتم قرنها، وسبهم طائفةً طائفةً وقبيلةً قبيلة، وذكر مساويهم ومعايبهم، ونزل؛ فغضب الناس واجتمعوا على خلع قتيبة وخلافه، وكان أول من تكلم في ذلك الأزد، فأتوا حضين بن المنذر، فقالوا: إن هذا قد خلع الخليفة، وفيه فساد الدين والدنيا، وقد شتمنا فما ترى ؟ فأشار عليهم أن يأتوا وكيع بن أبي سود التميمي، ويقدموه لرياسته في قومه، فأتوه وسألوه أن يلي أمرهم، ففعل.\rوكان بخراسان يومئذ من أهل البصرة والعالية من المقاتلة تسعة آلاف، ومن بكر سبعة آلاف، ورئيسهم حضين ابن المنذر، ومن تميم عشرة آلاف وعليهم ضرار بن حصين، ومن عبد القيس أربعة آلاف وعليهم عبد الله بن حوذان، ومن أهل الكوفة سبعة آلاف وعليهم جهم بن زحر. ومن الموالي سبعة آلاف وعليهم حيان النبطي مولى بني شيبان، وهو من الديلم وقيل من خراسان، وإنما قيل له النبطي للكنته.\rفأرسل حيان إلى وكيع يقول: إن أنا كففت عنك وأعنتك تجعل لي الجانب الشرقي من نهر بلخ آخذ خراجه ما دمت حيا، وما دمت أميراً ! قال: نعم. فقال حيان للعجم: هؤلاء يقاتلون على غير دين، فدعوهم يقتل بعضهم بعضا. ففعلوا.\rوقيل لقتيبة: إن وكيعاً يبايع الناس، فدس عليه ضرار بن سنان الضبي، فبايعه سراً، فظهر أمره لقتيبة، فأرسل إليه يدعوه، فوجده قد طلى رجليه بمغرة، وعلق على ساقه خرزاً، وعنده رجلان يرقيان رجله. فقال للرسول: قد ترى ما برجلي. فرجع إليه فأخبر قتيبة، فأعاده إليه يقول: لتأتيني به محمولا، فأتاه فقال: لا أستطيع. فقال قتيبة لصاحب شرطته: انطلق إلى وكيع فأتني به: فإن أبي فاضرب عنقه، ووجه معه خيلا.\rوقيل: أرسل إليه شعبة بن ظهير التميمي. فقال له وكيع: يا ابن ظهير، لبث قليلا تلحق الكتائب. ولبس سلاحه، ونادى في الناس، فأتوه، وركب فرسه، وخرج، فأتاه الناس أرسالاً، واجتمع إلى قتيبة أهل بيته وخواص أصحابه وثقاته، منهم إياس ابن بيهس بن عمرو، وهو ابن عم قتيبة، ودعا قتيبة ببرذون له مدرب ليركبه، فاستعصعب عليه حتى أعياه، فجلس على سريره وقال: دعوه، فإن هذا أمرٌ يراد.","part":6,"page":70},{"id":2571,"text":"وجاء حيان في العجم وقتيبة واجدٌ عليه، فقال عبد الله أخو قتيبة: احمل عليهم. فقال حيان: لم يأت بعد. وقال حيان لابنه: إذا رأيتني قد حولت قلنسوتي وملت نحو عسكر وكيع فمل بمن معك من العجم إلي. فلما حول حيان قلنسوته مالت الأعاجم إلى عسكر وكيع فكبروا وهاجوا، فقتل عبد الرحمن أخو قتيبة، وجاء الناس حتى بلغوا فسطاط قتيبة، فقطعوا أطنابه، وجرح قتيبة جراحات كثيرة، فقال جهم بن زحر بن قيس لسعد: انزل فحز رأسه، فنزل وشق الفسطاط، واحتز رأسه؛ وقتل معه من أهله وإخوته: عبد الرحمن، وعبد الله، وصالح، وحضين، وعبد الكريم: بنو مسلم. وقتل كثير ابنه، وكان عدة من قتل مع قتيبة من أهله أحد عشر رجلا، فأرسل وكيع إلى سليمان برأسه ورؤوس أهله.\rولما قتل قال رجل من خراسان: يا معشر العرب، قتلتم قتيبة، والله لو كان منا فمات لجعلناه في تابوت، فكنا نستفتح به إذا غزونا.\rوقال عبد الرحمن بن جمانة الباهلي يرثي قتيبة:\rكأن أبا حفصٍ قتيبة لم يسر ... بجيشٍ إلى جيش ولم يعل منبرا\rولم تخفق الرايات والجيش حوله ... وقوفٌ ولم تشهد له الناس عسكرا\rدعته المنايا فاستجاب لربّه ... وراح إلى الجنّات عفّاً مطهّرا\rفما رزئ الإسلام بعد محمّد ... بمثل أبي حفصٍ فبكّيه عبهرا\rوعبهر: أم ولد له.\rووصل خبر مقتله إلى الشام في اليوم الثاني من مقتله.\rقال شيوخٌ من غسان: كنا بثنية العقاب إذا نحن برجل معه عصا وجراب، فقلنا: من أين أقبلت؟ قال: من خراسان. قلنا ؟ هل كان بها من خبر ؟ قال: نعم، قتل بها قتيبة بن مسلم أمس، فعجبنا من قوله. فلما رأى إنكارنا قال: أين تروني الليلة من إفريقية ؟ وتركنا ومضى، فاتبعناه على خيولنا فإذا به يسبق الطرف. وثنية العقاب في مرج دمشق على نصف مرحلة منها.\rوفي هذه السنة عزل سليمان بن عبد الملك عثمان بن حيان عن المدينة لسبع بقين من شهر رمضان، واستعمل عليها أبا بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم، وكان عثمان قد عزم على أن يجلد أبا بكر هذا ويحلق لحيته من الغد، فلما كان اليل جاء البريد إلى أبي بكر بتأميره وعزل عثمان وحده وتقييده.\rوعزل سليمان أيضا يزيد بن أبي مسلم عن العراق، واستعمل يزيد بن المهلب، وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج، وأمره ببسط العذاب على آل أبي عقيل؛ وهم أهل الحجاج، فكان يعذبهم، ويلي عذابهم عبد الملك بن المهلب.\rوحج بالناس أبو بكر بن محمد وهو أمير المدينة، وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلب، وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن. وعلى البصرة سفيان بن عبد الله الكندي من قبل يزيد، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أذينة، وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى، وعلى حرب خراسان وكيع بن أبي سود.\rوفيها مات شريح القاضي، وقيل سنة سبع وتسعين. وله مائة وعشرون سنة، ومحمود بن لبيد الأنصاري وله صحبة.\rولاية خراسان\rسنة سبع وتسعين: في هذه السنة استعمل سليمان بن عبد الملك يزيد بن المهلب على خراسان مضافةً إلى العراق، وكان سبب ذلك أن سليمان لما ولي يزيد بن المهلب العراق فوض إليه الحرب والخراج والصلاة بها، فنظر يزيد لنفسه، فرأى أن الحجاج قد أخرب العراق، وأنه إن أخذ الناس بالخراج وعذبهم عليه صار عندهم مثل الحجاج، وأنه متى لم يفعل ذلك ويأت سليمان بمثل ما كان الحجاجي أتي به لم يقبل منه، فأشار على سليمان أن يولي صالح بن عبد الرحمن مولى تميم الخراج، فولاه الخراج وسيره قبل يزيد، فنزل واسطا. ولما قدم يزيد خرج الناس يتلقونه، ولم يخرج صالح حتى قرب يزيد، فخرج وبين يديه أربعمائة من أهل الشام، فلقى يزيد وسايره، ولم يمكنه من شيءٍ، وضيق عليه، فضجر يزيد من ذلك، فدعا عبد الله بن الأهتم، وقال له: إني أريدك لأمرٍ أهمني، وأحب أن تكفينيه. قال: أفعل. قال: أنا فيما ترى من الضيق، وقد ضجرت منه، وخراسان شاغرةٌ فهل من حيلة ؟ قال: نعم، سرحني إلى أمير المؤمنين.","part":6,"page":71},{"id":2572,"text":"فكتب يزيد إلى سليمان وأعلمه بحال العراق، وأثنى على ابن الأهتم وذكر علمه بها، وسيره على البريد؛ فأتى ابن الأهتم سليمان فقال له: إن يزيد كتب إلي يذكر علمك بالعراق، فكيف علمك بخراسان ؟ قال: أنا أعلم الناس بها، ولدت بها ونشأت، ولي بها وبأهلها خبر. قال: فأشر علي برجلٍ أوليه خراسان. قال: أمير المؤمنين أعلم بمن يريد، فإن ذكر منهم أحداً أخبرته برأيي فيه، فسمى رجلاً من قريش، فقال: ليس من رجال خراسان. قال: فعبد الملك بن المهلب. فقال: لا يصح، فإنه يضيق عن هذا، وليس له مكر أبيه ولا شجاعته، حتى ذكر رجالا، وكان آخر من ذكر وكيع ابن أبي سود، فقال: يا أمير المؤمنين، وكيع رجلٌ شجاع صارم رئيس مقدام، وما أحد أوجب شكرا ولا أعظم عندي يداً من وكيع، لقد أدرك بثأري وشفاني من عدوي، ولكن أمير المؤمنين أعظم حقا، والنصيحة له تلزمني، إنه وكيعاً لم يجتمع له مائة عنان قط إلا حدث نفسه بغدرة، خامل في الجماعة، نابه في الفتنة.\rقال: فمن لها ويحك ! قال: رجلٌ أعلمه لم يسمه أمير المؤمنين. قال: فمن هو ؟ قال: لا أذكره حتى يضمن لي أمير المؤمنين ستر ذلك، وأن يجيرني منه إن علم. قال: نعم، قال: يزيد بن المهلب. قال: العراق أحب إليه من خراسان ؟ قال: قد علمت يا أمير المؤمنين، ولكن تكرهه فيستخلف على العراق رجلا ويسير هو إلى خراسان. قال: أصبت الرأي.\rفكتب عهد يزيد على خراسان، وسيره مع ابن الأهتم، فأتى يزيد، فأمر بالجهاز للمسير من ساعته، وقدم ابنه مخلداً إلى خراسان من يومه؛ ثم سار يزيد بعده، واستخلف على واسط الجراح بن عبد الله الحكمي، وعلى البصرة عبد الله بن هلال الكلابي، وجعل أخاه مروان بن المهلب على حوائجه وأموره بالبصرة، واستخلف على الكوفة حرملة بن عمير اللخمي أشهراً، ثم عزله، وولي بشير بن حيان النهدي، وكانت قيس تزعم أن قتيبة لم يخلع، فأمر سليمان يزيداً أن يسأل عن ذلك. فإن أقامت قيس البينة أن قتيبة لم يخلع فنقيد وكيعا به، فلما وصل مخلد بن يزيد مرو أخذه وكيع فحبسه وعذبه، وعذب أصحابه قبل قدوم أبيه، فكانت ولاية وكيع خراسان تسعة أشهر أو عشرة أشهر، ثم قدم يزيد خراسان فآذى أهل الشام وقوما من أهل خراسان، فقال نهار ابن توسعة رحمه الله:\rوما كنّا نؤمّل من أميرٍ ... كما كنّا نؤمّل من يزيد\rفأخطأ ظنّنا فيه وقدماً ... زهدنا في معاشرة الزّهيد\rإذا لم يعطنا نصفاً أميرٌ ... مشينا نحوه مشى الأسود\rفمهلاً يا يزيد أنب إلينا ... ودعنا من معاشرة العبيد\rنجيء ولا نرى إلاّ صدوداً ... على أنّا نسلّم من بعيد\rونرجع خائبين بلا نوال ... فما بال التجهّم والصّدود\rوفي هذه السنة جهز سليمان الجيوش إلى القسطنطينية، واستعمل ابنه داود على الصائفة، فافتتح حصن المرأة.\rوفيها غزا مسلمة أرض الوضاحية، وفتح الحصن الذي فتحه الوضاح.\rوغزا عمر بن هبيرة الروم في البحر فشتابها. وحج سليمان بن عبد الملك بالناس.\rوفيها عزل داود بن طلحة الحضرمي عن مكة، فكان عمله عليها ستة أشهر، وولي عبد العزيز بن عبد الله بن خالد.\rسنة ثمان وتسعين:\rمحاصرة القسطنطينية\rفي هذه السنة بعث سليمان الجيوش إلى القسطنطينية مع أخيه مسلمة بعد أن سار سليمان إلى دابق، وأخبره بوفاته، وضمن له فتح الروم، فبعث معه مسلمة، فسار هو وأليون، فلما دنا من أرض الروم أمر كل فارس أن يحمل معه مدين من طعامٍ، فلما أتاها أمر بإلقاء ذلك، فصار مثل الجبال، وقال مسلمة لمن معه: لا تأكلوا منه شيئاً وأغيروا في أرضهم وازرعوا، وعمل بيوتا من خشب فشتا فيها وصاف وزرع الناس، فلما كثر عندهم الطعام أقام مسلمة قاهرا للروم معه أعيان الناس، فأرسل الروم إلى مسلمة يعطونه عن كل رأسٍ ديناراً فلم يقبل، فقالت الروم لأليون: إن صرفت عنا المسلمين ملكناك، فاستوثق منهم، وأتى مسلمة فقال له: إن الروم قد علموا أنك لا تصدقهم القتال، وأنك تطاولهم ما دام الطعام عندك، فلو أحرقته أعطو ما بأيديهم، فأمر مسلمة بالطعام فحرق، فقوي الروم وضاق المسلمون حتى كادوا يهلكون، وداموا على ذلك حتى مات سليمان.","part":6,"page":72},{"id":2573,"text":"وقيل: إن أليون إنما خدع مسلمة بأن سأله أن يدخل من الطعام إلى الروم ما يعيشون به ليلة واحدة، ليصدقوا أن أمره وأمر مسلمة واحد، وأنهم في أمان من السبي والخروج من بلادهم، فأذن له في ذلك. وكان أليون قد أعد السفن والرجال فنقلوا تلك الليلة الطعام كله، وأصبح أليون محارباً، ولقي الجند ما لم يلقه أحد، حتى أن كان الرجل ليخاف أن يخرج من العسكر وحده، وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق، وسليمان مقيم بدابق ووقع الشتاء فلم يقدر أن يمدهم حتى مات.\rوفي هذه السنة بايع سليمان لابنه أيوب بولاية العهد.\rوفيها فتحت مدينة الصقالبة.\rوفيها غزا الوليد بن هشام وعمرو بن قيس، فأصيب ناسٌ من أهل أنطاكية، وأصاب الوليد ناسا من ضواحي الروم، وأسر بشراً كثيراً.\rجرجان وطبرستان\rفي هذه السنة غزا يزيد بن المهلب جرجان وطبرستان.\rوكان سبب اهتمامه بها أن يزيد لما كان عند سليمان بالشام في حياة الوليد، فكان كلما فتح قتيبة فتحاً يقول سليمان ليزيد: ألا ترى إلى ما يفتح الله على قتيبة ! فيقول يزيدك ما فعلت جرجان التي قطعت الطريق، وأفسدت قومس ونيسابور، ويقول: هذه الفتوح ليست بشيءٍ، الشأن في جرجان.\rوكان سعيد بن العاص قد صالح أهل جرحان، فكانوا يجبون أحياناً مائة ألف، وأحياناً مائتي ألف، وأحياناً ثلاثمائة ألف، وربما منعوا ذلك، ثم أظهروا الامتناع وكفروا فلم يعطوا خراجاً، ولم يأت جرجان بعد سعيد أحد، وقد منعوا ذلك الطريق فلم يكن يسلك أحدٌ طريق خراسان إلا على فارس وكرمان.\rفلما ولي سليمان يزيد خراسان لم يكن له همةٌ غير جرجان، فسار إليها في مائة ألفٍ سوى الموالي والمتطوعة، ولم تكن جرجان يومئذ مدينة، إنما هي جبال ومخارم وأبواب يقوم الرجل على بابٍ منها فلا يقدر عليه أحدٌ، فابتدأ بقهستان فحاصرها، وكان أهلها طائفة من الترك، فقاتلهم قتالاً شديداً، واشتدت الحرب، وقطع عنهم الميرة، فبعث دهقانها، واسمه صول يطلب من يزيد الأمان لنفسه وأهله وماله، ويسلم إليه المدينة بما فيها، فأمنه ووفي له، ودخل المدينة فقتل بها أربعة عشر ألف تركي صبراً، وأخذ ما فيها من الكنوز والسبي وغير ذلك، ثم خرج حتى أتى جرجان فهابه أهلها، وأتوه وصالحوه، فأجابهم إلى ذلك، وصالحهم، فطمع في طبرستان، فسار إليها فصالحه اصبهذها على سبعمائة ألف، وقيل خمسمائة ألف وأربعمائة وقرزعفران، أو قيمته من العين، وأربعمائة رجل على كل رجل منهم ترس وطيلسان، ومع كل رجل جامٌ من فضة وسرقة حرير وكسوة، فأرسل من يقبض ذلك وانصرف إلى جرجان. والله أعلم.\rذكر فتح جرجان الفتح الثاني وانشاء مدينتها قال: ولما سار يزيد إلى طبرستان غدر أهل جرجان، فعاد إليهم وعاهد الله إن ظفر بهم لا يرفع عنهم السيف حتى يطحن بدمائهم ويأكل من ذلك الطحين، فحصرهم سبعة أشهر وهم يخرجون إليه يقاتلونه ويرجعون، فبينما هم على ذلك إذ خرج رجلٌ من عجم خراسان يتصيد، وقيل من طيئ، فأبصر وعلاً في الجبل فتبعه فلم يشعر حتى هجم على عسكرهم، فرجع يريد أصحابه، وجعل يخرق قباءه ويعقد على الشجر علاماتٍ، فأتى يزيد فأخبره فضمن له يزيد ديةً إن دلهم على الحصن؛ فانتخب معه ثلاثمائة رجل، واستعمل عليهم ابنه خالداً، وقال له: إن غلبت على الحياة فلا تغلبن على الموت، وإياك أن أراك عندي مهزوماً، وضم إليه جهم بن زحر، وقال للرجل: متى تصل ؟ قال: غداً العصر. قال يزيد: سأجهد على مناصحتهم عند الظهر.\rفساروا، فلما كان الغد وقت الظهر أحرق يزيد كل حطبٍ كان عندهم، فصار مثل الجبال من النيران، فنظر العدو إلى النار، فها لهم ذلك، فخرجوا إليهم؛ وتقدم يزيد إليهم، ودهمهم ابنه بمن معه قبيل العصر وهم آمنون من ذلك الوجه، ويزيد يقاتلهم من هذا الوجه، فما شعروا إلا والتكبير من ورائهم، فانقطعوا جميعا إلى حصنهم، وركبهم المسلمون؛ فأعطوا بأيديهم، ونزلوا على حكم يزيد، فسبى ذراريهم، وقتل مقاتلتهم، وصلبهم فرسخين عن يمين الطريق ويساره، وقاد منهم اثني عشر ألفا إلى وادي جرجان فقتلهم، وأجرى الماء على الدم، وعليه أرحاء، ليطحن بدمائهم ليبر يمينه، فطحن وخبز وأكل.","part":6,"page":73},{"id":2574,"text":"وقيل: قتل منهم أربعين ألفاً، وبنى مدينة جرجان، ولم تكن بنيت قبل ذلك مدينة، ورجع إلى خراسان، واستعمل على جرجان جهم بن زحر الجعفي، وكتب إلى سليمان بالفتح وعظمه عنده، وأخبره أنه قد حصل عنده من الخمس ستمائة ألف ألف، فقال له كاتبه - المغيرة بن أبي قرة مولى بني تميم: لا تكتب بتسمية المال، فإنك من ذلك بين أمرين: إما استكثره فأمرك بحمله، وإما سخت به نفسه فأعطاكه فتكلفت الهدية؛ فلا يأتيه من قبلك شيء إلا استقله، فكأني بك قد استغرقت ما سميت ولم يقع منه موقعا، ويبقى المال الذي سميت مخلداً في دواوينهم، فإن ولي وال بعده أخذك به، وإن ولي من يتحامل عليك لم يرض بأضعافه، ولكن اكتب سله القدوم وشافهه بما أصبت فهو أسلم.\rفلم يقبل منه، وكتب، فكان من أمره في ذلك ما نذكره في أخبار عمر بن عبد العزيز.\rوقيل: كان المبلغ أربعة آلاف ألف، والله تعالى أعلم.\rوفيها توفي أيوب بن سليمان بن عبد الملك، وهو ولي العهد.\rوفيها غزا داود بن سليمان أرض الروم؛ ففتح حصن المرأة مما يلي ملطية.\rوفيها كانت الزلازل في الدنيا كثيرةً، ودامت ستة أشهر.\rوحج بالناس عبد العزيز بن عبد الله أمير مكة.\rسنة تسع وتسعين:\rوفاة سليمان\rبن عبد الملك وشيءٍ من أخباره وعماله كانت وفاته يوم الجمعة لعشرٍ مضين من صفر من السنة بدابق من أرض قنسرين بذات الجنب، وله خمس وأربعون سنة. وكانت مدة خلافته سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز؛ وكان طويلا أبيض، جميل الوجه، فصيح اللسان، معجباً بنفسه، يتوقى سفك الدماء. وكان أكولاً نكاحا، وكان حسن السيرة، وكان الناس يقولون: سليمان مفتاح الخير؛ ذهب عنهم الحجاج، وولي سليمان، فأطلق الأسارى، وأخلى السجون، وأحسن إلى الناس، واستخلف عمر بن عبد العزيز. ويقال: إنه فعل في يومٍ واحد أكثر مما فعل عمر بن عبد العزيز جميع عمره، وذلك أنه أعتق سبعين ألف مملوك ومملوكة، وكساهم.\rومن أعظم بركاته أنه جعل عمر بن عبد العزيز ولي عهده. وحكى أنه لبس يوما حلةً خضراء وعمامةً خضراء، ونظر في المرآة، فقال: أنا الملك الفتى، فما عاش جمعة.\rوقيل: كانت له جاريةٌ معها مرآة، فدعاها يوما فجاءته بها، فنظر وجهه، ونظرت الجارية إليه، فقال لها: ما تنظرين ؟ قال:\rأنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لابقاء للإنسان\rليس فيما بدا لنا منك عيبٌ ... عابه الناس غير أنك فاني\rوانصرفت، فاستدعاها فجاءت بالمرآة فسألها عن البيتين، فقالت: والله ما جئتك اليوم؛ فعلم أنه نعى.\rوقيل: إنه شهد جنازةً بدابق فدفنت في حقلٍ، فجعل سليمان يأخذ من تلك التربة، ويقول: ما أحسن هذه وأطيبها ! فما أتى عليه جمعة حتى دفن إلى جنب ذلك القبر.\rوقيل: إنه كان له من الأولاد الذكور أربعة عشر.\rوكان نقش خاتمه: آمنت بالله مخلصاً.\rوكتابه: يزيد بن المهلب، ثم المفضل بن المهلب عم عبد العزيز ابن الحارث بن الحكم.\rقاضيه: محمد بن حزم.\rحاجبه: أبو عبيدة مولاه.\rالأمير بمصر: عبد الله بن رفاعة.\rقاضيها من قبله: عبد الله بن عبد الرحمن، وهو متولي بيت المال، ثم رد القضاء إلى عياض بن عبد الله من قبل سليمان بن عبد الملك.\rبيعة عمر بن عبد العزيز هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم؛ وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو الثامن من ملوك بني أمية، بويع له بدابق يوم الجمعة بعد وفاة سليمان لعشرٍ خلون من صفر سنة تسع وتسعين.\rقال: وكان سليمان لما مرض بدابق عهد في كتابٍ كتبه لبعض بنيه وهو غلام لم يبلغ الحلم، فدخل عليه رجاء بن حيوة، فقال له: يا أمير المؤمنين؛ إنه مما يحفظ الخليفة في قبره أن يستخلف على الناس الرجل الصالح. فقال سليمان: أنا أستخير الله، وأنظر. ومكث يوماً أو يومين ثم حرق الكتاب، ودعا رجاء، فقال: ما ترى في ولدي داود ؟ فقال رجاء: هو غائب بالقسطنطينية، ولم يدر أحي هو أم لا ؟ قال: فما ترى في عمر بن عبد العزيز ؟ قال رجاء: أعلمه والله خيراً فاضلاً مسلماً. قال سليمان: هو على ذلك، ولئن وليته ولم أول أحداً سواه لتكونن فتنةٌ ولا يتركونه أبداً عليهم إلا أن أجعل أحدهم بعده.","part":6,"page":74},{"id":2575,"text":"فأمر سليمان أن يجعل يزيد بن عبد الملك بعد عمر. وكان يزيد غائباً في الموسم.\rفكتب سليمان: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز؛ إني قد وليتك الخلافة من بعدي، ومن بعدك يزيد بن عبد الملك؛ فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله، ولا تختلفوا، فيطمع فيكم.\rوختم الكتاب وأرسل إلى كعب بن جابر صاحب شرطته، فقال: ادع أهل بيتي، فجمعهم كعب، ثم قال سليمان لرجاء بعد اجتماعهم: اذهب بكتابي هذا إليهم، ومرهم أن يبايعوا من وليت فيه، ففعل، وبايعوا رجلا رجلا، ولم يعلموا من في الكتاب.\rقال رجاء: فأتاني عمر بن عبد العزيز فقال: أخشى أن يكون هذا أسند إلي من هذا الأمر شيئاً؛ فأنشدك الله إلا أعلمتني إن كان قد وقع حتى أستعفى قبل أن يأتي حالٌ لا أقدر على ذلك فيها. قال رجاء: فقلت: ما أنا مخبرك. فذهب عني غضبان.\rولقيني هشام بن عبد الملك فقال: إن لي حرمةً ومودةً قديمة فأعلمني بهذا الأمر؛ فإن كان إلى غيري تكلمت، ولله علي ألا أذكرك. قال: فأبيت أن أخبره. قال: ودخلت على سليمان عند موته فغمضته وسجيته، وأغلقت الباب، وأرسلت إلى كعب بن جابر، فجمع أهل بيت سليمان في مسجد دابق، فقلت: بايعوا ! فقالوا: قد بايعنا مرةً. قلت: وأخرى، هذا عهدٌ من أمير المؤمنين، فبايعوا الثانية. قال رجاء: فلما بايعوا بعد موته رأيت أني قد أحكمت الأمير فقلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات، فاسترجعوا، وقرأت الكتاب، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز قال هشام: لا نبايعه والله أبداً. قلت: أضرب والله عنقك. قم وبايع. فقام يجر رجليه.\rقال رجاء: وأجلست عمر على المنبر وهو يسترجع لما وقع فيه، وهشام يسترجع لما أخطأه، فبايعوه.\rقال: ولما دفن سليمان أتى عمر بمراكب الخلافة، فقال: دابتي أرفق لي، وركب دابته؛ ثم أقبل سائراً، فقيل له: منازل الخلافة ؟ فقال: فيا عيال سلمان، وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا.\rقال: وبلغ عبد العزيز بن الوليد - وكان غائبا - وفاة سليمان ولم يشعر بعمر، فدعا لنفسه، فبلغه بيعة عمر، فأقبل حتى دخل عليه، فقال له عمر: بلغني أنك بايعت من قبلك، وأردت دخول دمشق. قال: نعم، وذلك أنه بلغني أن سليمان ما عقد لأحد فخفت على الأموال أن تنتهب. فقال له عمر: لو بايعت وقمت بالأمر لم أنازعك فيه. فبايعه عبد العزيز.\rقال: ولما استقرت البيعة لعمر قال لامرأته فاطمة بنت عبد الملك: إن أردتني فردي ما معك من مال وحلي وجوهر إلى بيت المال، فإنه للمسلمين، وإني لا أجتمع أنا وأنت وهو في بيتٍ واحد، فردته جميعه. فلما توفي عمر وولي أخوها يزيد رده عليها فلم تأخذه، وقالت: ما كنت لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً، ففرقه يزيد على أهله.\rقال: وكان من أول ما ابتدأ به عمر بن عبد العزيز أن ترك سب علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنابر، وكان يسب في أيام بني أمية إلى أن ولي عمر فترك ذلك، وأبد له بقول الله عز وجل: \" إنَّ الله يأْمُرُ بالعَدْلِ والإحسان وإيتاء ذي القرْبَى ويَنْهَى عن الفحشاء والْمُنْكَرِ والبغْي يعِظكم لعلكم تذكرون \" . فحل ذلك عند الناس محلاً حسنا، وأكثروا مدح عمر بسببه، فكان ممن مدحه كثير عزة بقوله:\rوليت فلم تشتم عليّا ولم تخف ... بريّاً ولم تتبع مقالة مجرم\rتكلّمت بالحقّ المبين وإنما ... تبيّن آيات الهدى بالتكلم\rفصدقت معروف الذي قلت بالذي ... فعلت فأضحى راضياً كلّ مسلم\rألا إنما يكفى الفتى بعد زيغه ... من الأود البادي ثقاف المقوّم\rوفيها وجه عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة وهو بأرض الروم يأمره بالقفول منها بمن معه من المسلمين، ووجه لهم خيلاً عتاقا وطعاماً كثيراً.\rوفيها أغارت الترك على أذربيجان. فقتلوا من المسلمين جماعة، فوجه عمر حاتم بن النعمان الباهلي فقتل أولئك الترك، ولم يفلت منهم إلا اليسير، وقدم على عمر منهم بخمسين أسيراً.\rوفيها عزل عمر يزيد بن المهلب عن أعماله، ووجه إلى البصرة عدي بن أرطاة الفزاري، وجعل على الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد الخطاب العدوي، وضم إليه أبا الزناد، واستعمل على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي.","part":6,"page":75},{"id":2576,"text":"وحج بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان عامل المدينة، وكان العامل على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد، وعلى الكوفة عبد الحميد، وعلى القضاء بها عامر الشعبي، وكان على البصرة عدي من أرطاة، وعلى القضاء الحسن بن أبي الحسن البصري، ثم استعفى عدياً فأعفاه، واستقضى إياس بن معاوية.\rسنة مائة للهجرة:\rخروج شوذب الخارجي\rفي هذه السنة خرج شوذب واسمه بسطام من بني يشكر في جوخي وكان في ثمانين رجلا، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد عامله بالكوفة ألا يحركهم حتى يسفكوا الدماء أو يفسدوا في الأرض، فإن فعلوا وجه إليهم رجلاً صليبا حازماً في جند.\rفبعث عبد الحميد محمد بن جرير بن عبد الله البجلي في ألفين، وأمره أن يفعل ما كتب به عمرن وكتب عمر إلى بسسطام يسأل عن مخرجه، فقدم كتاب عمر عليه، وقد قدم عليه محمد، فكان في كتاب عمر: بلغني أنك خرجت غضباً لله ولرسوله، ولست بذلك أولى مني، فهلم إلي أناظرك، فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيها دخل فيه الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرك.\rفكتب إليه بسطام: قد أنصفت، وقد بعثت إليك برجلين يدارسانك ويناظرانك. وأرسل إليه مولى حبشياً لبني شيبان اسمه عاصم، ورجلاً من بني يشكر، فقدما على عمر بخناصرة، فقال لهما: ما أخرجكما هذا المخرج ؟ وما الذي نقمتم ؟ قال عاصم: ما نقمنا سيرتك، إنك لتتحرى العدل والإحسان، فأخبرنا عن قيامك بهذا الأمر؛ عن رضاً من الناس ومشورة، أم ابتززتم أمرهم ؟ فقال عمر: ما سألتهم الولاية عليهم، ولا غلبتهم عليها، وعهد إلي رجلٌ كان قبلي، فقمت، ولم ينكر علي أحد، ولم يكرهه غيركم، وأنتم ترون الرضا بكل من عدل وأنصف من كان من الناس، فأنزلوني ذلك الرجل، فإن خالفت الحق وزغت عنه فلا طاعة لي عليكم. قالا: بيننا وبينك أمرٌ واحدٌ. قال: ما هو ؟ قالا: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها مظالم، فإن كنت على هدى وهم على ضلالة فألعنهم وابرأ منهم. فقال عمر: قد علمت أنكم لم تخرجوا طلباً للدنيا، ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم طريقها، إن الله عز وجل لم يبعث رسوله لعاناً. وقال إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه: فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفورٌ رحيم. وقال الله عز وجل: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده. وقد سميت أعمالهم ظلماً، وكفى بذلك ذماً ونقصا، وليس لعن أهل الذنوب فريضةً لا بد منها، فإن قلتم إنها فريضةٌ فأخبرني متى لعنت فرعون ؟ قال: ما أذكر متى لعنته. قال: أفيسعك ألا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق وشرهم، ولا يسعني ألا ألعن أهل بيتي وهم مصلون صائمون ؟ قال عاصم: أما هم كفار بظلمهم ؟ قال: لا، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى الإيمان، فكان من أقربه وبشرائعه قبل منه، فإن أحدث حدثا أقيم عليه الحد. فقال عاصم: إن رسول الله دعا الناس إلى توحيد الله تعالى والإقرار بما أنزل من عنده.\rقال عمر: فليس أحدٌ منهم يقول: لا أعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن القوم أسرفوا على أنفسهم على علمهم أنه محرمٌ عليهم، ولكن غلب عليهم الشقاء.\rقال عاصم: فابرأ مما خالف عملك ورد أحكامهم.","part":6,"page":76},{"id":2577,"text":"قال عمر: أخبراني عن أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما، أليسا على الحق ؟ قالا: بلى. قال: أتعلمان أن أبا بكر حين قاتل أهل الردة سفك دماءهم، وسبى الذراري، وأخذ الأموال ؟ قالا: نعم. قال: أفتعلمان أن عمر رضي الله عنه رد السبايا بعده إلى عشائرهم بفدية ؟ قالا: نعم. قال: فهل برى عمر من أبي بكر ؟ قالا: لا. قال: أفتبرءون أنتم من واحد منهما ؟ قالا: لا. قال: فأخبراني عن أهل النهروان وهم أسلافكم، هل تعلمان أن أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دماً، ولم يأخذوا مالاً، وأن من خرج إليهم من أهل البصرة قتلوا عبد الله بن خباب وجاريته وهي حامل ؟ قالا: نعم. قال: فهل برئ من لم يقتل ممن قتل ؟ قالا: لا. قال: أفتبرءون أنتم من إحدى الطائفتين ؟ قالا: لا. قال: أفيسعكم أن تتولوا أبا بكر وعمر وأهل الكوفة وأهل البصرة وقد علمتم اختلاف أعمالهم، ولا يسعني إلا البراءة من أهل بيتي، والدين واحد ؟ فاتقوا الله، فإنكم جهال تقبلون من الناس ما رد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتردون عليهم ما قبل، ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده، فإنكم يخاف عندكم من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وكان من فعل ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن وحقن دمه وماله، وأنتم تقتلونه ويأمن عندكم سائر أهل الأديان، فتحرمون دماءهم وأموالهم.\rقال اليشكري: أرأيت رجلا ولى قوماً وأموالهم فعدل فيها ثم صيرها بعده إلى رجلٍ غير مأمون، أتراه أدى الحق الذي يلزمه لله عز وجل، وتراه قد سلم ؟ قال عمر: لا. قال: أفتسلم هذا الأمر إلى يزيد من بعدك وأنت تعلم أنه لا يقوم فيه بالحق. قال: إنما ولاه غيري، والمسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدي. قال: أفترى ذلك من صنع من ولاه حقاً ؟ فبكى عمر، وقال: أنظراني ثلاثاً.\rفخرجا من عنده ثم عادا إليه، فقال عاصم: أشهد أنك على حق. فقال عمر لليشكري: ما تقول أنت ؟ قال: ما أحسن ما وصفت، ولكني لا أفتات على المسلمين بأمرٍ، أعرض عليهم ما قلت وأعلم احجتهم. فأما عاصم فأقام عند عمر، فأمر له بالعطاء فتوفي بعد خمسة عشر يوماً، فكان عمر يقول: أهلكني أمر يزيد، وخصمت فيه، فأستغفر الله. فخاف بنو أمية أن يخرج ما بأيديهم وأن يخلع يزيد من ولاية العهد؛ فوضعوا على عمر من سقاه سماً. فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثاً حتى مرض ومات، رحمه الله تعالى.\rهذا ومحمد بن جرير مقابل الخوارج لا يتعرض إليهم ولا يتعرضون إليه، فلما مات عمر وولي يزيد كان ما نذكره في أخبار يزيد.\rوفي هذه السنة عزل عمر يزيد بن المهلب عن خراسان وأحضره وطالبه بالمال الذي كان كتب به إلى سليمان واعتقله بحصن حلب، واستعمل على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي، ثم عزله؛ واستعمل عبد الرحمن بن نعيم القشيري.\rوفيها كان ابتداء خروج شيعة بني العباس على ما نذكره في أخبار الدولة العباسية إن شاء الله تعالى.\rوفيها أمر عمر بن عبد العزيز أهل طرندة بالقفول عنها إلى ملطية، وطرندة أوغل في البلاد الرومية بثلاث مراحل، وكان عبد الله بن عبد الملك قد أسكنها المسلمين بعد أن غزاها سنة ثلاث وثمانين وملطية يومئذ خراب، وكان يأتيهم جند من الجزيرة يقيمون عندهم إلى أن ينزل الثلج ويعودون إلى بلادهم، فلم يزالوا كذلك إلى أن ولي عمر، فأمرهم بالعود إلى ملطية وأخلى طرندة خوفاً على المسلمين من العدو، وأخرب طرندة، واستعمل على ملطية جعونة بن الحارث أحد بني عامر بن صعصعة.\rوفيها كتب عمر إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم من ذكرنا منهم على ما سبق ذكر ذلك.\rوفيها استعمل عمر بن عبد العزيز عمر بن هبيرة الفزاري على الجزيرة.\rوفيها مات أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي بمكة، وهو آخر من مات من الصحابة، ومولده عام أحد.\rوحج بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.\rسنة 1احدى ومائة:","part":6,"page":77},{"id":2578,"text":"في هذه السنة هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز، وذلك أنه لما اشتد مرض عمر بن عبد العزيز عمل يزيد في الهرب مخافة يزيد بن عبد الملك لإساءة كانت صدرت منه في حقه أيام سليمان، فأرسل ابن المهلب إلى مواليه فأعدوا له خيلاً وإبلا، وواعدهم مكاناً يأتيهم فيه، وأرسل إلى عامل حلب وإلى الحراس مالاً، وقال: إن أمير المؤمنين قد ثقل في مرضه، وليس يرجى، وإن ولي يزيد سفك دمي، فأخرجوه، فهرب وقصد البصرة، وكتب إلى عمر كتاباً يقول: إني والله لو وثقت بحياتك لم أخرج من محبسك ولكني خفت أن يلي يزيد فيقتلني شر قتله.\rفورد الكتاب وبه رمقٌ، فقال رضي الله عنه: اللهم إن كان يزيد يريد بالمسلمين سوءاً فألحقه به وهضه فقد هاضني، ثم كان من أمر ابن المهلب ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوفاة عمر\rبن عبد العزيز رضي الله عنه وشيء من أخباره وسيرته رحمه الله تعالى كانت وفاته رحمه الله بخناصرة لستٍ بقين من شهر رجب سنة 1إحدى ومائة، وكانت شكواه عشرين يوماً، وقيل له في مرضه: لو تداويت ! فقال: لو كان دوابي في مسح أذني ما مسحتها، نعم المذهوب إليه ربى. ودفن بدير سمعان من أرض حمص.\rوقيل: به توفي، وكان عمره تسعا وثلاثين سنة وأشهراً وقيل أربعين سنة وأشهراً.\rوكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة عشر يوماً.\rوكان أبيض نحيفاً حسن الوجه، وهو أشج بني أمية، رمحته دابة فشجته، وهو غلام، فدخل على أمه فضمته إليها ولامت أباه حيث لم يجعل معه حاضنا. فقال لها عبد العزيز: اسكتي يا أم عاصم، فطوبى له إن كان أشج بني أمية.\rوكان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يقول: يا ليت شعري، من هذا الذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ الدنيا عدلاً؛ فكان عمر بن عبد العزيز؛ لأن أمه ابنة عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين.\rنبذة من سيرته\rكان رحمه الله ورضي عنه قد بث العدل ونشره في الدنيا واقتصر من دنياه على سد الخلة حتى إن مسلمة بن الملك عاده في مرض موته، فرأى عليه قميصاً دنساً، فقال لأخته فاطمة، وهي زوجة عمر: اغسلوا ثياب أمير المؤمنين. فقالت: نفعل. ثم عاده فرأى الثوب بحاله، فقال: ألم آمركم أن تغسلوا قميصه. فقالت: والله إله غيره، وكانت نفقته في كل يوم درهمين.\rقال: ولما ولي الخلافة أتاه أصحاب مراكب الخلافة يطلبون علفها، فأمر بها فبيعت، وجعل ثمنها في بيت المال، وقال: بغلتي هذه تكفيني.\rقال: ولما ولي صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، من صحبنا فليصحبنا لخمس، وإلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا على ما لا نهتدي إليه من الخير، ولا يغتابن أحداً، ولا يعترض فيما لا يعنيه.\rفانقشع الشعراء والخطباء، وثبت عنده الفقهاء والزهاد، وقالوا: ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف قوله فعله.\rولما ولي أحضر قريشاً ووجوه الناس فقال: إن فدك كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يضعها حيث أراه الله، ثم وليها أبو بكر كذلك، وعمر كذلك، ثم أقطعها مروان. ثم إنها صارت لي، ولم يكن من مالي أعود علي منها، وإن أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال: فيئس الناس من الظلم.\rوأخذ من أهله ما بأيديهم، وسمى ذلك مظالم، ففزع بنو أمية إلى عمته فاطمة بنت مروان فأتته، فقالت له: تكلم أنت يا أمير المؤمنين. قال: إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، ثم اختار له ما عنده، وترك للناس نهراً شربهم سواء، ثم ولى أبو بكر فترك النهر على حاله، ثم ولى عمر فعمل عملهما، ثم لم يزل النهر يستقى منه يزيد ومروان، وعبد الملك ابنه، والوليد وسليمان ابنا عبد الملك، حتى أفضى الأمر إلي، وقد يبس النهر الأعظم، فلن يروى أصحابه حتى يعود إلى ما كان عليه.\rفقالت: حسبك قد أردت كلامك، فأما إذا كانت مقالتك هذه فلا أذكر شيئاً أبداً، ورجعت إليهم فأخبرتهم بكلامه.\rوقد قيل: إنها قالت له: إن بني أمية كذا وكذا - ذكرت إنكارهم لفعله بهم - فلما تكلم بهذا قالت له: إنهم يحذرونك يوما من أيامهم، فغضب وقال: كل يوم أخافه غير يوم القيامة؛ فلا أمنني الله شره.","part":6,"page":78},{"id":2579,"text":"فرجعت إليهم فأخبرتهم وقالت: أنتم فعلتم هذا بأنفسكم، تزوجتم بأولاد عمر بن الخطاب، فجاء يشبه جده، فسكتوا.\rقالت فاطمة امرأة عمر: دخلت عليه في مصلاه ودموعه تجري على لحيته، فقلت: أحدث شيء ؟ قال: إني تقلدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع والعاري والمظلوم والمقهور، والغريب والأسير، والشيخ الكبير وذي العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت ألا تثبت حجتي عند الخصومة، فرحمت نفسي فبكيت.\rوكتب إلى عماله نسخةً واحدة: أما بعد فإن الله عز وجل أكرم بالإسلام أهله، وشرفهم وأعزهم، وضرب الذلة والصغار على من خالفهم، وجعلهم خير أمةٍ أخرجت للناس، فلا تولين أمر المسلمين أحداً من أهل ذمتهم وخراجهم، فتنبسط عليهم أيديهم وألسنتهم فتذلهم بعد أن أعزهم الله، وتهينهم بعد أن أكرمهم الله، وتعرضهم لكيدهم والاستطالة عليهم، ومع هذا فلا يؤمن غشهم إياهم، فإن الله عز وجل يقول: \" يأيها الذين آمنوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً من دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُم خَبَالاً وَدُّوا ما عَنِتُّم \" . وقال تعالى: \" يأيها الذين آمنوا لا تَتَّخِذُوا اليهودَ والنصارَى أولياءَ بعضُهم أولياءُ بَعْض \" . والسلام.\rوكتب لما ولى الخلافة إلى يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وهو إذ ذاك يلي العراق وخراسان: أما بعد فإن سليمان كان عبداً من عبيد الله، أنعم الله عليه ثم قبضه، واستخلفني ويزيد بن عبد الملك من بعدي إن كان، وإن الذي ولاني الله من ذلك وقدر لي ليس علي بهين، ولو كانت رغبتي في اتخاذ أزواجٍ واعتقاد أموال لكان في الذي أعطاني الله من ذلك ما قد بلغ بي أفضل ما بلغ بأحدٍ من خلقه، وأنا أخاف فيما ابتليت به حساباً شديداً ومسألة غليظة إلا ما عافى الله ورحم، وقد بايع من قبلنا فبايع من قبلك.\rفلما قرأ الكتاب قيل له: لست من عماله، لأن كلامه ليس ككلام من مضى من أهله.\rوكتب إلى عبد الرحمن بن نعيم: أما بعد فاعمل عمل من يعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين.\rوكتب إلى سليمان بن أبي السرى: أن اعمل خانات، فمن مر بك من المسلمين فاقروه يوماً وليلة، وتعهدوا دوابهم. ومن كانت به علةٌ فاقروه يومين وليلتين، وإن كان منقطعا به فأبلغه بلده.\rفلما أتاه كتاب عمر قال له أهل سمرقند: إن قتيبة ظلمنا وغدر بنا، وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف فأذن لنا فليقدم منا وفدٌ على أمير المؤمنين، فأذن لهم، فوجهوا وفداً إلى عمر، فكتب إلى سليمان: إن أهل سمرقند شكوا ظلماً وتحاملاً من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي فلينظر في أمرهم، فإن قضى لهم فأخرج العرب إلى معسكرهم كما كانوا قبل أن يظهر عليهم قتيبة.\rفأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر القاضي، فقضى أن تخرج العرب إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء، فيكون صلحا جديداً أو ظفراً عنوةً. فقال أهل الصغد: نرضى بما كان ولا نحدث شيئاً وتواصوا بذلك.\rوكتب إلى عبد الحميد: أما بعد فإن أهل الكوفة أصابهم بلاءٌ وشدةٌ وجورٌ في أحكام الله؛ وسنةٌ خبيثة سنها عليهم عمال السود، وإن قوام الدين العدل والإحسان، فلا يكونن شيء أهم إليك من نفسك؛ فإنه لا قليل من الإثم، ولا تحمل خراباً على عامر، وخذ منه ما أطاق؛ وأصلحه حتى يعمرن ولا يؤخذن من العامر إلا وظيفة الخراج في رفقٍ وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذن أجور الضرابين ولا هدية النوروز والمهرجان؛ ولا ثمن الصحف ولا أجور الفيوج ولا أجور البيوت؛ ولا دراهم النكاح؛ ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض، فاتبع في ذلك أمري، فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني الله، ولا تعجل دوني بقطعٍ ولا صلب حتى تراجعني فيه، وانظر من أراد من الذرية أن يحج فعجل له مائة ليحج بها. والسلام.\rقال محمد بن علي الباقر: إن لكل قومٍ نجيبةً، وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فإنه يبعث يوم القيامة أمةً وحده.\rوقال مجاهد: أتينا عمر نعلمه؛ فلم نبرح حتى تعلمنا منه.\rوقيل لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ما كان بدء إنابتك ؟ قال: أردت ضرب غلام لي، فقال لي: اذكر ليلةً صبيحتها يوم القيامة.\rوقال عمر: ما كذبت منذ علمت أن الكذب يضر أهله.","part":6,"page":79},{"id":2580,"text":"وأخباره رضي الله عنه في الخير والعدل كثيرة لو استقصيناها أو أوردنا ما طالعناه منها لطال ولخرج عن قاعدة هذا التأليف، وناهيك بها سيرةً ضرب بها المثل في العدل والإحسان منذ كانت إلى يومنا هذا.\rوكان له من الأولاد الذكور أربعة عشر وخمس بنات.\rكتابه: رجاء بن حيوة الكندي؛ وابن أبي رقبة.\rقاضيه: عبد الله بن سعد الأبلي.\rحجابه: جيش ومزاحم مولياه.\rالأمير بمصر: أيوب بن شرحبيل.\rوأقر على القضاء عياض بن عبد الله؛ ثم صرفه بأبي مسعود عبد الله بن حذافة.\rوكان نقض خاتمه رضي الله عنه: عمر بن عبد العزيز يؤمن بالله.\rبيعة يزيد بن عبد الملك هو أبو خالد يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وهو التاسع من ملوك بني أمية، بويع له يوم الجمعة لخمس بقين من شهر رجب سنة 1إحدى ومائة بعد وفاة عمر بن عبد العزيز؛ وذلك بعهدٍ من أخيه سليمان بن عبد الملك عل ما تقدم ذكر ذلك.\rقيل: ولما احتضر عمر رضي الله عنه قيل له: اكتب إلى يزيد فأوصه بالأمة. قال: بماذا أوصيه ؟ إنه من بني عبد الملك.\rثم كتب إليه: أما بعد فاتق يا يزيد الصرعة بعد الغفلة، حين لا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة، إنك تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتصير إلى من لا يعذرك. والسلام.\rفلما ولي يزيد نزع أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم عن المدينة، واستعمل عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري عليها؛ فأراد معارضة ابن حزم فلم يجد عليه سبيلا حتى شكا عثمان بن حيان إلى يزيد ابن عبد الملك من ابن حزم، وأنه ضربه حدين، وطلب منه أن يقيده منه.\rفكتب يزيد إلى عبد الرحمن كتابا: أما بعد فانظر فيم ضرب ابن حزم ابن حيان، فإن كان ضربه في أمرٍ بين أو أمرٍ مختلف فيه فلا تلتفت إليه.\rفأرسل ابن الضحاك إلى ابن حزم فأحضره؛ وضربه حدين في مقامٍ واحد، ولم يسأله عن شيء، وعمد يزيد إلى كل ما فعله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مما لم يوافق هواه، فرده، ولم يخف شناعةً عاجلة ولا إثماً آجلا.\rمقتل شوذب\rالخارجي وهزيمته بجيوش يزيد قبل ذلك واسم شوذب بسطام.\rقد ذكرنا خروجه في أيام عمر بن عبد العزيز رحمه الله ووصول رسله إلى عمر، وما كان بينهما من المناظرة، وخروج محمد بن جرير ابن عبد الله البجلي إليهم في ألفين وموادعتهم إلى أن يعود رسولا شوذب من عند عمر؛ فلما مات عمر بن عبد العزيز أحب عبد الحميد ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وهو الأمير على الكوفة، أن يحظى عند يزيد بن عبد الملك؛ فكتب إلى محمد بن جرير يأمره بمناجزة شوذب، فلما رآه يستعد للحرب أرسل إليه يقول: ما أعجلكم قبل انقضاء المدة.\rفأرسل إليه محمد: إنه لا يسعنا ترككم على هذه الحال.\rفقال الخوارج: ما فعل هؤلاء هذا إلا وقد مات الرجل الصالح، فاقتتلوا، فأصيب من الخوارج نفرٌ، وقتل أكثر أهل الكوفة، وانهزم من بقي منهم نحو الكوفة، وتبعهم الخوارج حتى بلغوا الكوفة، ثم رجعوا إلى مكانهم.\rثم وجه يزيد بن عبد الملك تميم بن الحباب في ألفين فقاتلوه، فقتل، وقتل أكثر أصحابه، ولجأ من بقي منهم إلى الكوفة، والتحق بعضهم بيزيد، فأرسل إليهم يزيد نجدة بن الحكم الأزدي في جمع، فقتلوه وهزموا أصحابه.\rوأقام شوذب بمكانه حتى دخل مسلمة بن عبد الملك الكوفة، فشكا إليه أهل الكوفة مكان شوذب وحذروه أمره، فأرسل إليه مسلمة سعيد بن عمرو الحرشي. في عشرة آلاف، فقال شوذب لأصحابه: من كان منكم يريد الشهادة فقد جاءته، ومن كان يريد الدنيا فقد ذهبت. فكسروا أغماد سيوفهم وحملوا فكشفوا سعيداً وأصحابه مراراً حتى خاف سعيد رحمه الله الفضيحة، وكان فارساً شجاعاً، فوبخ أصحابه، وقبح عليهم الفرار، فحملوا فقتلوا بسطاما ومن معه من الخوارج.\rالغزوات والفتوحات في خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان\rغزوة الترك\rوفي سنة 1اثنتين ومائة كانت الحرب بين المسلمين والترك عند قصر الباهلي.","part":6,"page":80},{"id":2581,"text":"وقيل: كان سبب ذلك أن عظيما من عظماء الدهاقين أراد أن يتزوج امرأةً من باهلة كانت في ذلك القصر، فأبت فاستجاش الترك، فجمعهم خاقان ووجههم إلى الصغد، فساروا وعليهم كورصول حتى نزلوا بقصر الباهلي، ورجوا أن يسبوا من فيه، وكان فيه مائة أهل بيتٍ بذراريهم، وكان على سمرقند يومذاك عثمان بن عبد الله بن مطرف بن الشخير من قبل سعيد بن عبد العزيز عامل خراسان، فكتب أهل القصر إليه، وخافوا أن يبطئ عنهم المدد، فصالحوا الترك على أربعين ألفا وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة؛ وانتدب عثمان الناس؛ فانتدب المسيب ابن بشر الرياحي، وانتدب معه أربعة آلاف من جميع القبائل، وعليهم شعبة بن ظهير، وكان على سمرقند قبل عثمان، فلما عسكروا قال لهم المسيب: إنكم تقدمون على حلبة الترك عليهم خاقان، والعوض إن صبرتم الجنة، والعقاب إن فررتم النار؛ فمن أراد الغزو والصبر فليقدم.\rفرجع عنه ألفٌ وثلاثمائة، فلما سار فرسخاً آخر، فقال مثل ذلك؛ فاعتزله ألفٌ، ثم سار فرسخا آخر فقال مثل ذلك، فاعتزله ألفٌ، وبقي في سبعمائة؛ فسار حتى بقي على فرسخين من الترك، فأتاه الخبر أن أهل القصر قد صالحوا الترك على أربعين ألفا، وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة، وأنه لما بلغهم مسير المسلمين قتلوا الرهائن وأنهم اتعدوا القتال غدا.\rفبعث المسيب رجلين إلى أهل القصر يعلمهم بقربه، ويستمهلهم يوما وليلة، فأتيا القصر في ليلة مظلمة وقد أجرت الترك الماء في نواحي القصر، فليس يصل إليه أحدٌ. فلما دنوا من القصر صاح بهم الربيئة فاستنصتاه، وقالا له: ادع لنا عبد الملك بن دثار، فدعاه، فأعلماه قرب المسيب، وأمراه بالصبر غدا، ورجعا إلى المسيب، فبايع أصحابه على الموت، فبايعوه، وسار حتى بقي بينه وبين القصر نصف فرسخ، فلما أمسى أمر أصحابه بالصبر، وقال: ليكن شعاركم: يا محمد، ولا تتبعوا مولياً، وعليكم بالدواب فاعقروها فإنها إذا عقرت كانت أشد عليهم منكم، وسار بهم ليلا فوافى عسكر الترك وقت السحر، فخالطهم المسلمون، وعقروا الدواب، فانهزمت الترك، ونادى منادي المسيب: لا تتبعوهم، فإنهم لا يدرون من الرعب أتبعتوهم أم لا.\rوأمر أصحابه أن يقصدوا القصر ويحملوا ما فيه من المال ومن بالقصر؛ ممن يعجز عن المشي، ففعلوا، ورجع إلى سمرقند، ورجع الترك من الغد، فلم يروا بالقصر أحداً، ورأوا قتلاهم، فقالوا: لم يكن الذين أتونا من الإنس. والله أعلم.\rغزو الصغد\rوفي سنة 1اثنتين ومائة أيضاً عبر سعيد النهر، وغزا الصغد، وكانوا نقضوا العهد، وأعانوا الترك على المسلمين، فلقيه الترك وطائفة من الصغد، فهزمهم المسلمون وساروا حتى انتهوا إلى واد بينهم وبين المرج، فقطعه بعضهم وقد أكمن لهم الترك، فلما جازهم المسلمون خرجوا عليهم، فانهزم المسلمون حتى انتهوا إلى الوادي، ثم جاء الأمير وبقية الجيش فانهزم العدو.\rوفيها غزا عمر بن هبيرة الروم من ناحية أرمينية، وهو على الجزيرة قبل أن يلي العراق، فهزمهم، وأسر منهم خلقاً كثيراً. وقيل سبعمائة أسير.\rوغزا عباس بن الوليد بن عبد الملك الروم، فافتتح دلسة، وغزا أيضاً في سنة ثلاث ومائة، ففتح مدينة يقال لها رسلة.\rذكر الوقعة بين سعيد الحرشي أمير خراسان وبين الصغد\rوفي سنة 1أربع ومائة غزا سعيد الحرشي، فقطع النهر وسار فنزل قصر الريح على فرسخين من الدبوسية، وكان الصغد لما بلغهم عزل سعيد بن عبد العزيز عن خراسان واستعمال الحرشي خافوه على أنفسهم، فأجمع عظماؤهم على الخروج من بلادهم، فقال لهم ملكهم: أقيموا واحملوا له خراج ما مضى، واضمنوا له خراج ما يأتي، وعمارة الأرض، والغزو معه إن أراد ذلك، واعتذروا مما كان منكم، وأعطوه رهائن. قالوا: نخاف ألا يقبل ذلك منا، ولكنا نأتي خجندة فنستجير بملكها، ونرسل إلى الأمير فنسأله الصفح عما كان منا. فوافقهم.\rفخرجوا إلى خجندة، وأرسلوا إلى ملك فرغانة يسألونه أن يمنعهم، وينزلهم مدينته، فأراد أن يفع فنهته أمه، وقالت له: فرغ لهم رستاقاً يكونون فيه؛ فأرسل إليه: سموا رستاقاً تكونون فيه حتى نفرغه لكم، وأجلوني أربعين يوماً.\rفاختاروا شعب عصام بن عب الله الباهلي، فقال: نعم، وليس علي عقد ولا جوار حتى تدخلوه، وإن أتتكم العرب قبل دخوله لم أمنعكم. فرضوا، وفرغ لهم الشعب.","part":6,"page":81},{"id":2582,"text":"فلما انتهى الحرشي إلى قصر الريح أتاه ابن عم ملك فرغانة فقال له: إن أهل الصغد بخجندة، وأخبره خبرهم، وقال: عاجلهم قبل أن يصلوا إلى الشعب، فليس لهم علينا جوار حتى يمضي الأجل.\rفوجه معه عبد الرحمن القشيري أو زياد بن عبد الرحمن في جماعة، ثم ندم بعدما فصلوا، وقال: جاءني علج لا أعلم صدق أم كذب؛ فغررت بجند من المسلمين.\rفارتحل في أثرهم حتى نزل أشرو سنة، فصالحهم بشيء يسير، ثم سار مسرعاً حتى لحق القشيري، وساروا حتى انتهوا إلى خجندة، فنزل عليهم وأخذ في التأهب. وكان الذين بخجندة قد حفروا خندقاً في ربضهم وراء الباب، وغطوه بقصب وتراب، وأرادوا إذا التقوا إن انهرموا دخلوا من الطريق، ويشكل على المسلمين فيسقطون في الخندق. فلما خرجوا قاتلوهم فانهزموا وأخطئوا هم الطريق فسقطوا في الخندق، فأخرج منهم المسلمون أربعين رجلا، وحصرهم الحرشي، ونصب عليهم المجانيق.\rفأرسلوا إلى ملك فرغانة: إنك قد غدرت بنا، وسألوه أن ينصرهم، فقال: قد أتوكم قبل انقضاء الأجل، ولستم في جواري، فطلبوا الصلح، وسألوا الحرشي أن يؤمنهم ويردهم إلى الصغد، فاشترط عليهم أن يردوا ما في أيديهم من نساء العرب وذراريهم، وأن يؤدوا ما كسروا من الخراج، ولا يغتالوا أحداً، ولا يتخلف منهم بخجندة أحد، فإن أحدثوا حدثاً حلت دماؤهم.\rفخرج إليهم الملوك والتجار من الصغد، ونزل عظماء الصغد على الجند الذين يعرفونهم، ونزل كارزنج على أيوب بن حسان، وبلغ الحرشي أنهم قتلوا امرأةً ممن كان في أيديهم، فقال لهم: بلغني أن ثابتاً الإشتيخني قتل امرأةً؛ فجحدوا. فسأل حتى استصح الخبر، فأحضر ثابتاً وقتله، فلما بلغ كارزنج ذلك خاف أن يقتل فأرسل إلى ابن أخيه ليأتيه بسراويل، وكان قد قال لابن أخيه: إذا طلبت سراويل فاعلم أنه القتل. فبعث به إليه، وخرج واعترض الناس فقتل ناساً، وانتهى إلى ثابت بن عثمان بن مسعود فقتله ثابت، وقتل الصغد مائةً وخمسين رجلا كانوا عندهم من أسرى المسلمين، فأمر الحرشي بقتل الصغد بعد عزل التجار عنهم، فقاتلهم الصغد بالخشب، ولم يكن لهم سلاحٌ، فقتلوا عن آخرهم، وكانوا ثلاثة آلاف، وقيل سبعة آلاف، واصطفى الحرشي أموال الصغد وذراريهم، وأخذ من ذلك ما أعجبه، وقسم ما بقي، وفتح المسلمون حصنا يطيف به وادي الصغد من ثلاث جهات صلحاً على ألا يتعرض لنسابهم وذراريهم، ففعلوا.\rوسار الحرشي إلى كس، فصالحوه على عشرة آلاف رأس. وقيل: ستة آلاف رأس، وولي الحرشي نصر بن سيار قبض صلح كس، واستعمل سليمان بن أبي السرى على كس، ونسف - حربها وخراجها. وكانت خزار منيعة، فأرسل الحرشي إليها المسربل بن الخريت الناجي، وكان صديقا لملكها، واسم ملكها سبغري، فأخبر الناجي الملك بما صنع الحرشي بأهل خجندة، وخوفه. قال: فما ترى ؟ قال: أرى أن تنزل بأمانٍ، فصالحهم فأمنوه وبلاده، ورجع الحرشي إلى مرو ومعه سبغريفقتله وصلبه ومعه أمانه.\rظفر الخزر بالمسلمين\rوفي سنة 1أربع ومائة دخل جيش المسلمين إلى بلاد الخزر من أرمينية، وعليهم ثبيت النهراني، فاجتمعت الخزر في جمعٍ كثيف، وأعانهم قفجلق وغيرهم من الترك، فلقوا المسلمين بمكانٍ يعرف بمرج الحجارة، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل من المسلمين خلقٌ كثير، واحتوت الخزر على عسكرهم، وغنموا ما فيه، وأقبل المنهزمون إلى الشام، فقدموا على يزيد، فوبخهم على الهزيمة، فقال ثبيتٌ: يا أمير المؤمنين، ما جبنت ولا نكبت عن لقاء العدو، ولقد لصقت الخيل بالخيل والرجل بالرجل، ولقد طاعنت حتى انقصف رمحي، وضاربت حتى انقطع سيفي، غير أن الله تبارك وتعالى يفعل ما يشاء.\rفتح بلنجر وغيرها\rقال: لما تمت الهزيمة المذكورة على المسلمين طمع الخزر في البلاد. فجمعوا وحشدوا، فاستعمل يزيد بن عبد الملك الجراح بن عبد الله الحكمي على أرمينية، وأمده بجيش كيفٍ، وأمره بغزو الخزر وغيرهم من الأعداء وقصد بلادهم، فسار الجراح وتسامعت به الخزر فعادوا حتى نزلوا بالباب والأبواب، ووصل الجراح إلى بردعة، فأقام بها حتى استراح هو ومن معه، وسار نحو الخزر فعبر نهر الكر، فبلغه أن بعض من معه كتب إلى ملك الخزر يخبره بمسير الجراح إليه، فأمر الجراح منادياً فنادى في الناس: إن الأمير مقيم ها هنا عدة أيام، فاستكثروا من الميرة.","part":6,"page":82},{"id":2583,"text":"فكتب ذلك الرجل إلى ملك الخزر يخبره أن الجراح مقيم، ويشير عليه بترك الحركة لئلا يطمع المسلمون فيه، ثم أمر الجراح بالرحيل ليلا، وسار مجداً حتى انتهى إلى مدينة الباب والأبواب، فلم ير الخزر، فدخل البلد، وبث سراياه للنهب والغارة، فغنموا وعادوا، وسار الخزر إليه، وعليهم ابن ملكهم فالتقوا عند نهر الران، واقتتلوا قتالاً شديداً، فهزمهم المسلمون وتبعوهم يقتلون ويأسرون، فقتل منهم خلق كثير، وغنم المسلمون جميع ما معهم، وساروا حتى نزلوا على حصن يعرف بالحصين، فنزل أهله بالأمان على مالٍ يحملونه، فأجابهم ونقلهم عنه، ثم سار إلى مدينة برغر فأقام عليها ستة أيام، وجد في قتال أهلها، فسألوا الأمان فأمنهم وتسلم حصنهم ونقلهم منه.\rثم سار إلى بلنجر وهو حسنٌ مشهور من حصونهم، فنازله، وقاتل عليه قتالاً شديداً، وملك الحصن عنوة، وغنم المسلمون ما فيه، فأصاب الفارس ثلاثمائة دينار، وكانوا بضعة وثلاثين ألفاً، وأخذ الجراح أولاد صاحب بلنجر وأهله، وأرسل إليه فأحضره ورد إليه أمواله وأهله وحصنه، وجعله عيناً للمسلمين؛ ثم سار عن بلنجر فنزل على حصن الوبندر، وبه نحو أربعين ألف بيت من الترك، فصالحوا الجراح على مالٍ يؤدونه، ثم تجمع أهل تلك البلاد، وأخذوا الطرق على المسلمين، فكتب صاحب بلنجر إلى الجراح يخبره بذلك، فعاد مجداً حتى وصل إلى رستاق سلى، وأدركهم الشتاء، فا قام المسلمون به، وكتب الجراح إلى يزيد بن عبد الملك يخبره بما فتح الله عليه وبجموع الكفار، ويسأله المدد، فوعده بانفاد العساكر، فمات قبل ذلك، فأقر هشام الجراح على عمله، ووعده المدد.\rهذا ما كان من الغزوات والفتوحات في أيام يزيد بن عبد الملك، فلنذكر حوادث السنين في أيامه.\rتتمة سنة 1احدى مائة:\rذكر استيلاء يزيد بن المهلب بن أبي صفرة على البصرة وخلعه يزيد بن عبد الملك\rقد ذكرنا هرب يزيد بن المهلب من حبس عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وأنه إنما هرب خوفاً من يزيد بن عبد الملك لمنافرةٍ كانت بينهما.\rوقيل: كان السبب الذي أوجب كراهة يزيد بن عبد الملك في يزيد بن المهلب أن ابن المهلب خرج يوماً من الحمام في أيام سليمان وقد تضمخ بالغالية، فاجتاز بيزيد بن عبد الملك وهو إلى جانب عمر ابن عبد العزيز، فقال يزيد بن عبد الملك: قبح الله الدنيا ! لوددت أن مثقال الغالية بألف دينار، فلا يناله إلا كل شريف، فقال ابن المهلب: بل وددت أن الغالية في جبهة الأسد فلا ينالها إلا علي. فقال له يزيد بن عبد الملك: والله لئن وليت يوماً لأقتلنك. فقال ابن المهلب: والله لئن وليت هذا الأمر وأنا حي لاضربن وجهك بمائة ألف سيف.\rوقيل: كان السبب أن يزيد بن المهلب كان قد عذب أصهار يزيد بن عبد الملك، وكان سليمان بن عبد الملك لما ولي الخلافة طلب آل عقيل فأخذهم وسلمهم إلى ابن المهلب ليخلص الأموال منهم، فبعث ابن المهلب إلى البلقاء من أعمال دمشق وبها خزائن الحجاج ابن يوسف وعياله، فنقلهم وما معهم إليه، وكان فيمن أتى به أم الحجاج زوجة يزيد بن عبد الملك.\rوقيل: بل أختٌ لها - فعذبها، فأتى يزيد بن عبد الملك إلى ابن المهلب في منزله، فشفع فيها، فلم يشفعه، فقال: الذي قررتم عليها أنا أحمله، فلم يقبل منه، فقال لابن المهلب: أما والله لئن وليت من الأمر شيئاً لأقطعن منك عضواً. فقال ابن المهلب: وأنا والله لئن كان ذلك لأرمينك بمائة ألف سيف.\rفحمل يزيد بن عبد الملك المال عنها، وكان مائة ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك. والله أعلم.","part":6,"page":83},{"id":2584,"text":"قال: فلما ولي يزيد بن عبد الملك كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن، وإلى عدي بن أرطاة، يعرفهما هرب يزيد، ويأمرهما بالتحرز منه، وأمر عديا أن يأخذ من بالبصرة من آل المهلب ويحبسهم، فقبض عليهم وفيهم الفضل وحبيب ومروان بنو المهلب، وأقبل يزيد بن المهلب نحو البصرة، وقد جمع عدي بن أرطاة الجموع، وخندق على البصرة، وندب الناس، وجاء يزيد في أصحابه، والذين معه، فالتقاه أخوه محمد بن المهلب فيمن اجتمع إليه من أهله وقومه ومواليه، فمر بجموع عدي؛ فجعل لا يمر بخيلٍ من خيل عدي إلا تنحوا عن طريقه، وأقبل حتى نزل داره، واختلف الناس إليه، فبعث إلى عدي أن ابعث إلي إخوتي وأنا أصالحك على البصرة وأخليك وإياها حتى آخذ لنفسي من يزيد ما أحب. فلم يقبل منه، وأخذ يزيد بن المهلب يعطى من أتاه قطع الذهب والفضة؛ فمال الناس إليه؛ وكان عدي لا يعطي إلا درهمين درهمين، ويقول: لا يحل أن أعطيكم من بيت المال درهما إلا بأمر يزيد بن عبد الملك، ولكن تبلغوا بهذه حتى يأتي الأمر، فقال الفرزدق:\rأظنّ رجال الدّرهمين تقودهم ... إلى الموت آجالٌ لهم ومصارع\rوأكيسهم من قرّ في قعر بيته ... وأيقن أنّ الموت لا بدّ واقع\rوخرج يزيد حين اجتمع الناس له حتى نزل جبانة بني يشكر وهو المنصف فيما بينه وبين القصر، فلقيه قيس وتميم وأهل الشام، فاقتتلوا هنيهة وانهزموا، فتبعهم يزيد وأصحابه حتى دنا من القصر، وخرج إليهم عدي بنفسه فقتل من أصحابه وانهزم هو، وقصد قتل آل المهلب الذين في حبسه؛ فأغلقوا الباب ومنعوا عن أنفسهم حتى أدركهم يزيد، ونزل في دار سالم ابن زياد بن أبيه، وهي إلى جنب القصر، ونصب السلاليم، وفتح القصر، وأتى بعدي بن أرطاة فحبسه، وقال: لولا حبسك إخوتي لما حبستك، وأخرج إخوته وهرب بوجوه أهل البصرة، فلحقوا بالكوفة، وكان يزيد قد بعث حميد بن عبد الملك بن المهلب إلى يزيد ابن عبد الملك في طلب الأمان، فعاد بما طلب ومعه خالد القسري وعمرو ابن يزيد الحكمي، فوجد المغيرة بن زياد وقد فر من يزيد ابن المهلب، فأخبرهم الخبر، فعادوا إلى يزيد بن عبد الملك ومعهم حميد، وأرسل يزيد بن عبد الملك إلى أهل الكوفة يثنى عليهم ويعدهم الزيادة وأرسل أخاه مسلمة وابن أخيه العباس بن الوليد، في سبعين ألف مقاتل من أهل الشام والجزيرة.\rوقيل: كانوا ثمانين ألفا، فساروا إلى العراق حتى بلغوا الكوفة فنزلوا بالنخيلة، واستوثق أمر البصرة لابن المهلب، وبعث عماله على الأهواز وفارس وكرمان، ثم سار يزيد من البصرة، واستعمل عليها أخاه مروان، وأتى واسطا، وأقام عليها أياما يسيرةً إلى أ، دخلت سنة 1اثنتين ومائة، فسار عنها.\rواستخلف عليها ابنه معاوية، ونزل عنده بيت المال، وقدم أخاه عبد الملك نحو الكوفة، فاستقبله العباس بن الوليد واقتتلوا، فظفر عبد الملك أولا، ثم كانت الهزيمة عليه، فعاد بمن معه إلى أخيه، وأقبل مسلمة يسير على شاطئ الفرات إلى الأنبار، وعقد عليها جسراً فعبر وسار حتى نزل على ابن المهلب، والتحق بابن المهلب ناسٌ كثيرٌ من الكوفة والثغور، وأحصى ديوانه مائة ألف وعشرين ألفاً، فقال: لوددت أن لي بهم من بخراسان من قومي.\rثم قام في أصحابه وحرضهم على القتال، وكان اجتماع ابن المهلب ومسلمة ثمانية أيام، فلما كان يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة مضت من صفر سنة 1اثنتين ومائة خرج مسلمة في جنوده حتى قرب من ابن المهلب، والتقوا واقتتلوا؛ فانهزم أصحاب ابن المهلب، فترجل وبقي في جماعةٍ من أصحابه وقد استقتل وهو يتقدم؛ فكلما مر بخيل كشفها أو جماعةٍ من أهل الشام عدلوا عنه؛ وأقبل نحو مسلمة لا يريد غيره، فلما دنا منه أدنى فرسه ليركب، فعطف عليه أهل الشام، فقتل يزيد والسميدع ومحمد بن المهلب، وكان رجل من كلب يقال له القحل بن عياش لما نظر إلى يزيد قال هذا والله يزيد، والله لأقتلنه أو ليقتلني، فمن يحمل معي يكفيني أصحابه حتى أصل إليه، فحمل معه ناسٌ، فاقتتلوا ساعةً، وانفرج الفريقان عن يزيد قتيلا وعن القحل بآخر رمقٍ، فأومأ إلى أصحابه يريهم مكان يزيد وأنه هو الذي قتله، وأن يزيد قتله، وأتى مولى لبني مرة برأس يزيد إلى مسلمة، فقيل له: أنت قتلته ؟ قال: لا، فبعث مسلمة بالرأس إلى يزيد بن عبد الملك مع خالد بن الوليد ابن عقبة بن أبي معيط.","part":6,"page":84},{"id":2585,"text":"وقيل: بل قتله الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي، ولم ينزل لأخذ رأسه أنفةً.\rقال: ولما قتل يزيد كان المفضل بن المهلب يقاتل أهل الشام وهو لا يدري بقتل أخيه ولا بهزيمة الناس، فأتاه آتٍ وقال له: ما تصنع وقد قتل يزيد وحبيب ومحمد، وانهزم الناس منذ طويل ؟ فتفرق الناس عنه، ومضى المفضل إلى واسط.\rوقيل: بل أتاه أخوه عبد الملك، وكره أن يخبره بقتل يزيد فيستقتل، فقال له: إن الأمير قد انحدر إلى واسط، فانحدر المفضل بمن بقي من ولد المهلب إليها، فلما علم بقتل يزيد حلف أنه لا يكلم عبد الملك أبداً، فما كلمه حتى قتل بقندابيل.\rقال: ولما أتت هزيمة ابن المهلب إلى واسط أخرج ابنه معاوية اثنين وثلاثين إنسانا كانوا عنده، فضرب أعناقهم منهم عدي ابن أرطاة، وابنه محمد، ومالك، وعبد الملك ابنا مسمع وغيرهم، ثم أقبل حتى أتى البصرة بالمال والخزائن، وجاء المفضل بن المهلب واجتمع إلى المهلب بالبصرة، وأعدوا السفن وتجهزوا للركوب. في البحر إلى جبال كرمان، وحملوا عيالهم وأموالهم في السفن البحرية، ولججوا حتى أتوا جبال كرمان، فخرجوا من سفنهم، وحملوا ما معهم على الدواب.\rوكان المقدم عليهم المفضل، وكان بكرمان فلولٌ كثيرة، فاجتمعوا إلى المفضل، وبعث مسلمة مدرك بن ضب الكلبي في طلبهم وفي أثر الفل، فأدرك المفضل ومن اجتمع إليه، فقاتلوه قتالاً شديداً، فقتل من أصحاب المفضل جماعةٌ، وطلب بعض من معه الأمان، ومضى آل المهلب إلى قندابيل، وبعث مسلمة إلى مدرك بن ضب، فرده؛ وسير في أثرهم هلال بن أحوز التميمي فلحقهم بقندابيل، فأراد آل المهلب دخولها فمنعهم أميرها وادع بن حميد، وكان يزيد بن المهلب قد استعمله عليها، وأخذ عليه العهود والمواثيق أنه إن قتل في حربه يلجأ أهله إليها ويتحصنوا بها حتى يأخذوا أمان يزيد بن عبد الملك.\rوقال له: قد اخترتك لهم من بين قومي فكن عند حسن ظني؛ وعاهده ليناصحن أهل بيته إن هم لجئوا إليه.\rفلما أتوه منعهم من الدخول، وكتب إلى هلال بن أحوز، فلما التقوا نصب هلالٌ راية أمان، فتفرق الناس عن آل المهلب، وتقدموا هم بأسيافهم، فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم، وهم المفضل، وعبد الملك، وزياد، ومروان بنو المهلب، ومعاوية بن يزيد بن المهلب، والمنهال بن أبي عيينة بن المهلب، وعمرو والمغيرة ابنا قبيصة ابن المهلب، وحملت رؤوسهم؛ وفي أذن كل واحد رقعةٌ فيها اسمه، ولحق منهم برتبيل أبو عيينة بن المهلب، وعمرو بن يزيد، وعثمان بن المفضل؛ وبعث هلال بالرؤوس والنساء الأسرى من آل المهلب إلى مسلمة بن عبد الملك وهو بالحيرة، فبعثهم إلى يزيد ابن عبد الملك، فبعثهم يزيد إلى العباس بن الوليد وهو على حلب، فنصب الرؤوس، وأراد مسلمة أن يبيع الذرية، فاشتراهم منه الجراح بن عبد الله الحكمي بمائة ألف، وخلى سبيلهم، ولم يأخذ مسلمة بن الجراح شيئاً، وكانت الأسرى من آل المهلب ثلاثة عشر رجلا، فلما جيء بهم إلى يزيد بن عبد الملك كان عنده كثير عزة فقال:\rحليم إذا ما نال عاقب مجملا ... أشدّ العقاب أو عفا لم يثرّب\rفعفواً أمير المؤمنين وحسبةً ... فما تأته من صالح لك يكتب\rأساءوا فإن تصفح فإنك قادر ... وأفضل حلمٍ حسبةً حلم مغضب\rفقال يزيد: هيهات يا أبا صخر؛ أطت بك الرحم، لا سبيل إلى ذلك، إن الله أقاد منهم بأعمالهم الخبيثة، ثم أمر بهم فقتلوا، وبقي غلام صغير. فقال: اقتلوني، فما أنا بصغير. فقال: انظروا، أنبت ؟ فقال: أنا أعلم بنفسي، قد احتملت ووطئت النساء، فأمر به فقتل.\rوالذين قتلوا من آل المهلب بين يدي يزيد بن عبد الملك المعارك وعبد الله، والمغيرة، والمفضل، ومنجاب أولاد يزيد بن المهلب ودوية والحجاج، وغسان، وشبيب، والفضل أولاد المفضل بن المهلب، والمفضل ابن قبيصة بن المهلب.\rقال: وأما أبو عيينة بن المهلب فأرسلت هند بنت المهلب إلى يزيد ابن عبد الملك في أمانه فأمنه، وبقي عمرو وعثمان حتى ولي أسد ابن عبد الله القسري خراسان، فكتب إليهما بأمانهما فقدما خراسان.\rوحج بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، وهو عامل المدينة، وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد ابن أسيد، وعلى الكوفة عبد الحميد، وعلى قضائها الضعبي، وعلى خراسان عبد الرحمن بن نعيم.\r؟سنة اثنتين ومائة:","part":6,"page":85},{"id":2586,"text":"ولاية مسلمة\rبن عبد الملك العراق وخراسان وعزله وولاية عمر بن هبيرة قال: ولما فرغ مسلمة بن عبد الملك من حرب ابن المهلب جمع له أخوه يزيد ولاية الكوفة والبصرة وخراسان، فأقر محمد بن عمرو ابن الوليد على الكوفة، وبعث إلى البصرة عبد الرحمن بن سليم الكلبي، وعلى شرطتها عمرو بن يزيد التميمي، فأراد عبد الرحمن أن يستعرض أهل البصرة ويقتلهم، فنهاه عمرو واستمهله عشرة أيام، وكتب إلى مسلمة بالخبر فعزله، واستعمل على البصرة عبد الملك بن بشر بن مروان، واستعمل على خراسان سعيد بن عبد العزيز ابن الحارث بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، وهو الذي يقال له سعيد خدينة، وإنما لقب بذلك لأنه كان رجلا ليناً متنعما، فدخل عليه بعض ملوك العجم وسعيد في ثياب مصبغة وحوله مرافق مصبغة، فلما خرج من عنده قالوا له: كيف رأيت الأمير. قال: خدينة. فلقب خدينة، وهي الدهقانة ربة البيت.\rوكان سعيد زوج ابنة مسلمة، فلذلك استعمله، فغزا سعيد الصغد كما تقدم.\rقال: ولما ولي مسلمة العراق وخراسان لم يرفع من الخراج شيئا، فأراد يزيد عزله فاستحي من ذلك، فكتب إليه أن استخلف على عملك، وأقبل. فلما قدم لقيه عمر بن هبيرة الفزاي بالطريق على دواب البريد، فسأله عن مقدمه، فقال: وجهني أمير المؤمنين في حيازة أموال بني المهلب. ولم يكن الأمر كذلك، وإنما كان يزيد قد استعمله، فلم يلبث حتى أتاه عزل ابن هبيرة عماله والغلظة عليهم، وكان ابن هبيرة قبل ذلك يلي الجزيرة.\rالبيعة لهشام\rبن عبد الملك والوليد بن يزيد بولاية العهد وفي هذه السنة أراد يزيد أن يأخذ البيعة لابنه الوليد، فقال له مسلمة بن عبد الملك: إن ابنك لم يبلغ الحلم؛ وأشار عليه بالبيعة لهشام، ففعل، وبايع لهشامٍ بولاية العهد، ثم من بعده لابنه الوليد بن يزيد، وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة، ثم عاش يزيد حتى بلغ ابنه الوليد الحلم، فكان يزيد إذا رآه يقول: الله بيني وبين من جعل هشاماً بيني وبينك.\rمقتل يزيد بن أبي مسلم\rكان يزيد بن عبد الملك قد استعمل يزيد بن أبي مسلم على إفريقية في سنة 1إحدى ومائة، فقتل في هذه السنة.\rوكان سبب قتله أنه أراد أن يسر في أهل إفريقية بسيرة الحجاج في أهل الإسلام الذين سكنوا الأمصار ممن كان أصله من السواد من أهل الذمة، فإنه ردهم إلى قراهم، ووضع عليهم الجزية على ما كانوا عليه قبل الإسلام. فلما عزم يزيد بن مسلم على ذلك اجتمع رأي أهل إفريقية على قتله، فقتلوه وولوا عليهم الوالي الذي كان قبله، وهو محمد بن يزيد مولى الأنصار، وكتبوا إلى يزيد ابن عبد الملك: إنا لم نخلع أيدينا من طاعة، ولكن يزيد بن أبي مسلم سامنا ما لا يرضاه الله والمسلمون، فقتلناه، وأعدنا عاملك.\rفكتب إليهم: إنه لم يرض بما صنع. وأقر محمد بن يزيد على عمله.\rوحج بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك، وهو عامل المدينة.\rسنة 1ثلاث ومائة:\rاستعمال سعيد الحرشي\rعلى خراسان وعزل سعيد خدينة عنها في هذه السنة عزل عمر بن هبيرة سعيد خدينة عن خراسان بشكوى المجشر بن مزاحم السلمي، وعبد الله بن عمير الليثي، واستعمل سعيد بن عمرو الحرشي، من بني الحريش بن كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، وكان خدينة بباب سمرقند، فبلغه عزله فرجع وقدم الحرشي خراسان فلم يعرض لعمال خدينة، وقرأ رجلٌ عهده فلحن فيه، فقال: صه؛ مهما سمعتم فهو من الكاتب، والأمير منه بريء.\rوخطب الناس وحثهم على الجهاد، وقال: إنكم لا تقاتلون بكثرة ولا بعدة، ولكن بنصر الله وعز الإسلام، فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله.\rوقال:\rفلست لعامرٍ إن لم تروني ... أمام الخيل أطعن بالعوالي\rوأضرب هامة الجبّار منهم ... بعضب الحدّ حودث بالصّقال\rفما أنا في الحروب بمستكينٍ ... ولا أخشى مصاولة الرّجال\rأبى لي والدي من كلّ ذمّ ... وخالي في الحوادث غير خالي\rفهابه الصغد، وكان من قتاله إياهم وقتلهم ما ذكرناه.\rولما ظفر بهم كتب إلى يزيد بن عبد الملك ولم يكتب إلى ابن هبيرة فوجد عليه.\rوفيها جمعت مكة والمدينة لعبد الرحمن بن الضحاك، وولي عبد الواحد ابن عبد الله النضري الطائف.\rسنة 1أربع ومائة:\rعزل عبد الرحمن عن مكة والمدينة\rوولاية عبد الواحد","part":6,"page":86},{"id":2587,"text":"وفي هذه السنة عزل يزيد بن عبد الملك عبد الرحمن بن الضحاك عن مكة والمدينة.\rوسبب ذلك أن عبد الرحمن خطب فاطمة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهما، فقالت: ما أريد النكاح، ولقد قعدت على بني هؤلاء، فألح عليها، وقال: لئن لم تفعلي لأجلدن أكبر بنيك في الخمر، يعني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، وكان على الديوان بالمدينة ابن هرمز رجل من أهل الشام، وقد رفع حسابه، وهو يريد أن يسير إلى يزيد، فدخل على فاطمة يودعها، فقالت: تخبر أمير المؤمنين بما ألقى من الضحاك.\rوبعثت رسولا بكتابٍ إلى يزيد يخبره بذلك. فقدم ابن هرمز على يزيد، فاستخبره عن المدينة، وقال: هل من مغربةٍ خبر ؟ فلم يذكر شأن فاطمة، فقال الحاجب ليزيد: بالباب رسول من فاطمة بنت الحسين. فقال ابن هرمز: إنها حملتني رسالةً؛ وأخبره الخبر، فنزل عن فراشه، وقال: لا أم لك ! عندك هذا وما تخبر نيه ! فاعتذر بالنسيان، فأذن لرسولها، فأدخل، وقرأ كتابها، وجعل يضرب بخيزران في يده، ويقول: لقد اجترأ ابن الضحاك، هل من رجل يسمعني صوته في العذاب ؟ قيل له: عبد الواحد بن عبد الله النضري. فكتب إليه بيده: قد وليتك المدينة، فاهبط إليها، واعزل عنها ابن الضحاك، وأغرمه أربعين ألف دينار، وعذبه حتى أسمع صوته، وأنا على فراشي.\rوسار البريد بالكتاب، ولم يدخل على ابن الضحاك، فأحس وأحضر البريد، وأعطاه ألف دينار ليخبره الخبر، فأخبره، فسار ابن الضحاك مجداً فنزل على مسلمة بن عبد الملك، فاستجار به، فحضر مسلمة عند يزيد، فطلب إليه حاجةً جاء لها، فقال: كل حاجة هي لك إلا ابن الضحاك. فقال: هي والله ابن الضحاك. فقال: والله لا أعفيه أبداً.\rورده إلى عبد الواحد بالمدينة فعذبه، ولبس جبة صوف، فسأل الناس.\rوكان قدوم النضري في شوال سنة 1أربع ومائة، فأحسن السيرة في الناس، وكان ابن الضحاك قد آذى الأنصار طراً، فأعفاهم الله منه.\rوفيها عزل عمر بن هبيرة سعيدا الحرشي عن خراسان وولاها مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي، وسبب ذلك أن الحرشي كان يستخف بابن هبيرة فعزله وعذبه حتى أدى الأموال.\rوحج بالناس في هذه السنة عبد الواحد النضري.\rسنة 1خمس ومائة:\rأخبار الخوارج\rفي أيام يزيد بن عبد الملك وهؤلاء الخوارج الذين نذكرهم ذكرهم ابن الأثير في حوادث هذه السنة، ولم يذكر أنهم خرجوا فيها، فقال: وفي أيام يزيد خرج حروري اسمه عقفان في ثلاثين رجلاً، فأراد يزيد أن يرسل إليه جنداً يقاتلونه، فقيل له: إن قتل بهذه البلاد اتخذها الخوارج دار هجرةٍ، والرأي أن تبعث إلى كل رجل من أصحابه رجلاً من قومه يكلمه ويرده. ففعل ذلك، فرجعوا وبقي عقفان وحده، فبعث إليه يزيد أخاه فاستعطفه ورده.\rفلما ولي هشام بن عبد الملك ولاه أمر العصاة، فقدم ابنه من خراسان عاصياً، فشده وثاقاً، وبعث به إلى هشام، فأطلقه لأبيه، وقال: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه، واستعمل عقفان على الصدقة فبقي إلى أن توفي هشام.\rوخرج مسعود بن أبي زينب العبدي بالبحرين على الأشعث ابن عبد الله بن الجارود، ففارق الأشعث البحرين، وسار مسعود إلى اليمامة وعليها سفيان بن عمرو العقيلي من قبل ابن هبيرة، فخرج إليه سفيان فاقتتلوا بالخضرمة قتالاً شديداً، فقتل مسعود، وقام بأمر الخوارج بعده هلال بن مدلج، فقاتلهم يومه كله، فلما أمسى تفرق عنه أصحابه، وبقي في نفرٍ يسير، فدخل قصراً فتحصن به، فنصبوا عليه السلاليم، وصعدوا إليه فقتلوه.\rوقيل: إن مسعوداً غلب على البحرين واليمامة تسع عشرة سنة حتى قتله سفيان بن عمرو. والله أعلم.\rوخرج مصعب بن محمد الوالبي، وكان من رؤساء الخوارج، فطلبه عمر بن هبيرة، وطلب معه مالك بن الصعب وجابر بن سعد، فخرجوا واجتمعوا بالخورنق، وأمروا عليهم مصعباً، فاستمر إلى أن ولي خالد القسري العراق في أيام هشام، فبعث إليهم جيشاً، وكانوا قد صاروا بحزة من أعمال الموصل، فالتقوا واقتتلوا، فقتل الخوارج.\rوقيل: كان قتلهم في أيام يزيد. والله أعلم.\rوفاة يزيد\rبن عبد الملك وشيء من أخباره كانت وفاته بحوران لخمس بقين من شعبان سنة 105 خمس ومائة، وله أربعون سنة.\rوقيل خمس وثلاثون. وقيل: غير ذلك.","part":6,"page":87},{"id":2588,"text":"وكانت خلافته أربع سنين وشهراً. وكان جميلاً أبيض جسيما مدور الوجه شديد الكبر عاجز الرأي، وكان صاحب لهو، وهو أول من اتخذ القيان من بني أمية، وكان يهوى جاريتين، وهما حبابة وسلامة، وهي سلامة القس، وقال يوماً - وقد طرب: دعوني أطير. فقالت حبابة: على من تدع الأمة ؟ فقال: عليك. وغنت يوما:\rبين التّراقي واللهاة حرارة ... ما تطمئنّ وما تسوغ فتبرد\rفأهوى ليطير، فقالت: يا أمير المؤمنين، إن لنا فيك حاجة. فقال: والله لأطيرن. فقالت: فعلى من تخلف الأمة والملك ؟ فقال: عليك والله. وقبل يدها.\rوخرجت معه إلى ناحية الأردن للتنزه فرماها بحبة عنب فدخلت حلقها فشرقت ومرضت وماتت، فتركها ثلاثة أيام لا يدفنها حتى أنتنت، وهو يقبلها ويشمها وينظر إليها ويبكي، فكلم في أمرها فدفنها.\rوقيل: إنه نبشها بعد دفنها، وبقي سبعة أيامٍ لا يظهر للناس، وأشار عليه مسلمة بذلك لئلا يظهر منه ما يسفهه عندهم.\rقال: وكان يزيد قد حج أيام أخيه سليما، فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار، وكان اسمها الغالية، فقال سليمان: لقد هممت أن أحجر على يزيد. فردها يزيد فاشتراها رجلٌ من أهل مصر، فلما أفضت الخلافة إلى يزيد قالت له امرأته سعدة يوما: هل بقي من الدنيا شيء تتمناه ؟ قال: نعم، حبابة، فأرسلت فاشترتها، وأتت بها فأجلستها من وراء الستر، وأعادت عليه القول الأول. فقال: قد أعلمتك، فرفعت الستر، وقالت: هذه حبابة، وقامت وتركتها، فحظيت سعدة عنده، وأكرمها.\rوهي سعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان.\rقال: وإنما قيل لسلامة القس، لأن عبد الرحمن بن عبد الله ابن أبي عمار أحد بني جشم بن معاوية بن بكر كان فقيها عابداً مجتهدا في العبادة، وكان يسمى القس لعبادته. مر يوما بمنزل مولاها، فسمع غناءها، فوقف يسمعه فرآه مولاها، فقال له: هل لك أن تنظر وتسمع ! فأبى، فقال: أنا أقعدها بمكانٍ لا تراها وتسمع غناءها. فدخل معه فغنت، فأعجبه غناؤها. ثم أخرجها مولاها إليه فشغف بها وأحبها وأحبته. فقالت له يوما على خلوة: أنا والله أحبك. قال: وأنا والله. قالت: وأحب أن أقبلك. قال: وأنا والله. قالت: وأحب أن أضع بطني على بطنك. قال: وأنا والله. قالت: فما يمنعك ؟ قال: قوله تعالى: \" الإخلاَّءُ يومئذ بعْضُهم لبَعْضٍ عدوٌّ إلاَّ المتَّقِين \" . وأنا أكره أن تئول خلتنا إلى عداوة، ثم قام وانصرف عنها وعاد إلى عبادته. وله فيها أشعار كثيرة منها قوله:\rألم ترها لا يبعد الله دارها ... إذا طرّبت في صوتها كيف تصنع\rتمدّ نظام القول ثم ترده ... إلى صلصلٍ من صوتها يترجع\rوله فيها غير ذلك.\rوأما يزيد فأخباره مع سلامة وحبابة كثيرة مشهورة أضربنا عن ذكر كثير منها.\rفلنذكر خلاف ذلك من أخباره: وكان له من الأولاد الذكور ثمانية، منهم عبد الله، والوليد.\rكتابه: عمر بن هبيرة، ثم إبراهيم بن جبلة، ثم أسامة بن زيد السليحي.\rقاضيه: عبد الرحمن بن الحسحاس وغيره.\rحجا به: سعيد وخالد مولياه.\rنقش خاتمه: قنى السيئات يا عزيز.\rالأمير بمصر: بشر بن صفوان.\rوأقر أبا مسعود على القضاء، ثم ولي إمارة مصر حنظلة بن صفوان أخا بشر، وسار بشر إلى إفريقية. وولي مصر أيضاً في خلافته أسامة ابن زيد، والله أعلم.\rبيعة هشام بن عبد الملك هو أبو الوليد هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمه أم هشام فاطمة، وقيل: عائشة بنت هشام المخزومي، وهو العاشر من ملوك بني أمية.\rبويع له لخمس بقين من شعبان سنة 1خمس ومائة بعد وفاة أخيه. أتته الخلافة وهو بالرصافة، فجاءه البريد بالخاتم والقضيب وسلم عليه بالخلافة، فركب منها، حتى أتى دمشق، وكان من أول ما ابتدأ به أن عزل عمر بن هبيرة عن العراق، واستعمل خالد بن عبد الله القسري، وذلك في شوال من السنة. ولنبدأ بذكر الغزوات والفتوحات في أيامه:\rالغزوات والفتوحات في أيام هشام بن عبد الملك على حكم السنين\rفي سنة 1خمس ومائة غزا الجراح الحكمي اللان حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون وراء بلنجر، ففتح بعض ذلك وأصاب غنائم كثيرة.\rوغزا سعيد بن عبد الملك أرض الروم، فبعث سرية في نحو ألف مقاتل فأصيبوا جميعاً.","part":6,"page":88},{"id":2589,"text":"وغزا مسيلم بن سعيد الكلابي أمير خراسان الترك بما وراء النهر فلم يفتح شيئاً، وقفل فاتبعه الترك فلحقوه، والناس يعبرون جيحون، وعلى اساقة عبيد الله بن زهير بن حيان على خير تميم، فحاموا حتى عبر الناس.\rوغزا مسلم أفشين، فصالح أهلها على ستة آلاف رأس، ودفع إليه القلعة.\rوغزا مروان بن محمد الصائفة اليمنى، فافتتح قونية من أرض الروم، وكمخ. والله سبحانه وتعالى أعلم.\rغزوة مسلم الترك\rوفي سنة 1ست ومائة غزا مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الترك، فقطع النهر، فلما بلغ بخارى أتاه كتاب خالد القسري بولايته العراق، ويأمره بإتمام غزاته، فسار إلى فرغانة، فلما وصلها بلغه أن خاقان قد أقبل إليه، فارتحل، فسار ثلاث مراحل في يومٍ، وأقبل إليهم خاقان، فلقى طائفةً من المسلمين، فقتل جماعةً منهم، وأصاب دواب لمسلم، ورحل مسلم بالناس، فسار ثمانية أيام والترك يطيفون بهم، وأحرق الناس ما ثقل عليهم من أثقالهم، فحرقوا ما قيمته ألف ألف، ونزل مسلم في الليلة التاسعة، وأصبح فسار فورد النهر وأقام يوما ثم قطعه من الغد، واتبعهم ابنٌ لخاقان، فعطف حميد ابن عبد الله وهو على الساقة على طائفةٍ من الترك نحو المائتين فقاتلهم، فأسر أهل الصغد وقائدهم وقائد الترك في سبعة، ومضى البقية. ورجع حميد فرمى بنشابة في ركبته فمات.\rوعطش الناس في هذه الغزوة عطشا شديداً وأتوا خجندة وقد أصابتهم مجاعةٌ وجهد، فانتشر الناس. وجاء عبد الرحمن بن نعيم عهده على خراسان من قبل أسد بن عبد الله أخي خالد القسري، فأقرأه عبد الرحمن مسلما، فقال: سمعاً وطاعة.\rقال بعض من شهد هذه الغزوة، قاتلنا الترك فأحاطوا بنا حتى أيقنا بالهلاك، فحمل حوثرة بن يزيد بن الحر بن الحنيف على الترك في أربعة آلاف، فقاتلهم ساعةً. ثم رجع، وأقبل نصر بن سيرا في ثلاثين فارسا فقاتلهم حتى أزالهم عن مواقفهم، وحمل عليهم الناس؛ فانهزم الترك، وقف عبد الرحمن بالناس ومعه مسلم.\rوغزا سعيد بن عبد الملك الصائفة في هذه السنة.\rوغزا الجراح بن عبد الله اللان، فصالح أهلها وأدوا الجزية.\rغزاة عنبسة\rالفرنج بالأندلس وفي سنة 1سبع ومائة غزا عنبسة بن سحيم الكلبي عامل الأندلس بلد الفرنج في جمعٍ كثير، فنازل مدينة برشلونه، وحصر أهلها، فصالحوه على نصف أعمالها، وعلى جميع ما في المدينة من أسرى المسلمين وأسلابهم، وأن يعطوا الجزية ويلتزموا بأحكام الذمة.\rوفيها غزا أسد بن عبد الله أمير خراسان الغور؛ وهي جبال هراة، فعمد أهلها إلى أثقالهم فصيروها في كهفٍ ليس إليه طريق، فأمر أسد باتخاذ توابيت، ووضع فيها الرجال، ودلاها بالسلاسل فاستخرجوا ما قدروا عليه.\rوفيها غزا الحارث بن عمرو الطائي الترك من جهة أرمينية فافتتح رستاقا من بلد الترك وقرىً كثيرة وأثر أثرا حسنا.\rوفي سنة 1ثمان ومائة قطع أسد بن عبد الله النهر، وأتاه خاقان، فلم يكن بينهما قتال، ثم مضى أسد إلى غوريان، فقاتلهم يوما، ثم اقتتلوا من الغد فانهزم المشركون، وحوى المسلمون عسكرهم، وظهروا على البلاد، وأسروا وسبوا وغنموا.\rوفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الروم مما يلي الجزيرة ففتح قيساية، وهي مدينة مشهورة.\rوغزا إبراهيم بن هشام ففتح حصناً من حصون الروم.\rوفيها سار ابن خاقان ملك الترك إلى أذربيجان، فحصر بعض مدنها، فسار إليه الحارث بن عمرو الطائي، فالتقوا واقتتلوا فانهزم الترك وتبعهم الحارث حتى عبر نهر روس، فعاد إليه ابن خاقان فعاودوا الحرب أيضا، فانهزم ابن خاقان، وقتل من الترك خلق كثير.\rوغزا معاوية بن هشام بن عبد الملك ومعه ميمون بن مهران على أهل الشام فقطعوا البحر إلى قبرس.\rوغزا البر مسلمة بن عبد الملك بن مروان.\rوفي سنة تسع ومائة غزا عبد الله بن عقبة الفهري في البحر، وغزا معاوية بن هشام أرض الروم، ففتح حصنا يقال له طيبة، وغزا مسلمة بن عبد الملك الترك من ناحية أذربيجان فغنم وسبى وعاد.\rوغزا بشر بن صفوان عامل إفريقية جزيرة صقلية، فغنم شيئا كثيرا، ثم رجع إلى القيروان فتوفى من سنته. واستعمل هشام عبيدة بن عبد الرحمن بن أبي الأغر السلمي.\rخبر أشرس\rبن عبد الله السلمي أمير خراسان وأهل سمرقند وغيرها بما وراء النهر وما يتصل بذلك من الحروب","part":6,"page":89},{"id":2590,"text":"في سنة 110 عشرة ومائة أرسل أشرس إلى أهل سمرقند وغيرها مما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام، على أن توضع عنهم الجزية، وأرسل في ذلك ابا الصيداء صالح بن طريق مولى بني ضبة والربيع بن عمران التميمي، فقال أبو الصيداء: إنما أخرج على شريطة أنه من أسلم لا يؤخذ منه الجزية، وإنما خراج خراسان على رؤوس الرجال. فقال أشرس: نعم. فشخص إلى سمرقند وعليها الحسن بن أبي العمرطة الكندي، فدعا أبو الصيداء أهل سمرقند ومن حولها إلى الإسلام، على أن توضع عنهم الجزية، فسارع الناس إلى الإسلام، فكتب إلى أشرس: إن الخراج قد انكسر. فكتب أشرس إلى ابن أبي العمرطة: إن في الخراج قوةً للمسلمين، وقد بلغني أن أهل الصغد وأشباههم إنما أسلموا تعوذاً من الجزية، فانظر من اختتن وأقام الفرائض، وقرأ سورةً من القرآن فارفع خراجه، ثم عزل أشرس ابن أبي العمرطة عن الخراج، وصيره إلى هانيء بن هانيء، فمنعهم أبو الصيداء من أخذ الجزية ممن تلفظ بالإسلام، وكتب هانيء إلى أشرس: إن الناس قد أسلموا وبنوا المساجد.\rفكتب أشرس إليه وإلى العمال: خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه عنه، فأعادوا الجزية على من أسلم، فامتنعوا، واعتزلوا في سبعة آلاف على عدة فراسخ من سمرقند، وخرج إليهم أبو الصيداء وربيع بن عمران، والهيثم الشيباني، وأبو فاطمة الأزدي، وعامر بن قشير، وبشير الخجندي، وبيان العنبري، وإسماعيل بن عقبة لينصروهم، فعزل أشرس ابن أبي العمرطة عن الحرب، واستعمل مكانه المجشر بن مزاحم السلمي؛ فكتب المجشر إلى أبي الصيداء في القدوم عليه هو وأصحابه، فقدم أبو الصيداء وثابت قطنة فحبسهما، واجتمع أصحاب أبي الصيداء وولوا أمرهم أبا فاطمة ليقاتلوا هانئا، فقال لهم: كفوا حتى نكتب إلى أشرس.\rفكتبوا إليه، فكتب أشرس: ضعوا عنهم الخراج. فرجع أصحاب أبي الصيداء وضعف أمرهم، فتتبع الرؤساء فأخذوا وحملوا إلى مرو. وألح هانيء في الخراج، واستخفوا بعظماء العجم والدهاقين، وأخذوا الجزية ممن أسلم، فكفرت الصغد وبخارى، واستجاشوا الترك، وخرج أشرس غازياً، فنزل آمل، فأقام ثلاثة أشهر.\rوقدم قطن بن قتيبة بن مسلم، فعبر النهر في عشرة آلاف، وأقبل أهل الصغد وبخارى معهم خاقان والترك، فحصروا قطنا في خندقه، وأرسل خاقان من أغار على سرح الناس، فأخرج أشرس ثابت قطنة بكفالة عبد الله بن بسطام بن مسعود، فوجهه مع عبد الله بن بسطام في خيل، فقاتلوا الترك بآمل حتى استنقذوا ما كان بأيديهم، ورجع الترك.\rثم عبر أشرس بالناس إلى قطن، وبعث سريةً مع مسعود أحد بني حيان، فلقيهم العدو فقاتلوهم، فقتل رجالٌ من المسلمين، وهزم مسعود. فرجع إلى أشرس.\rوأقبل العدو، فلقيه المسلمون فجالوا جولةً، فقتل رجالٌ من المسلمين.\rثم رجع المسلمون فصبروا، فهزم الله المشركين، وسار أشرس بالناس حتى نزل بيكند، فقطع عنهم العدو الماء، وأقام المسلمون يوما وليلة، وعطشوا؛ فرحلوا إلى المدينة التي قطع العدو بها الماء، وعلى المقدمة قطن بن قتيبة، فلقيهم العدو، فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمائة، وعجز الناس عن القتال؛ فقال الحارث بن سريج للناس: القتل بالسيف أكرم في الدنيا وأعظم أجراً عند الله من الموت عطشا، وتقدم هو وقطن في فوارس من تميم فقاتلوا حتى أزالوا الترك عن الماء، فشرب الناس واستقوا، ثم قاتلوا الترك قتالا شديدا، فقتل ثابت قطنة في جماعة من المسلمين بعد أن أبلوا أعظم بلاءٍ وأحسنه.\rثم اجتمع رجالٌ من المسلمين تبايعوا على الموت مع قطن بن قتيبة، وحملوا على العدو فقاتلوهم فكشفوهم، وركبهم المسلمون يقتلونهم حتى حجز بينهم الليل، وتفرق العدو، وأتى أشرس بخارى، فحصر أهلها فعزل وهو يحاصرها بالجنيد بن عبد الرحمن على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوقعة كمرجة","part":6,"page":90},{"id":2591,"text":"قال: ثم إن خاقان حصر كمرجة، وهي من أعظم بلدان خراسان، وبها جمعٌ من المسلمين، ومع خاقان أهل فرغانه وأفشينة، ونسف، وطوائف من أهل بخارى، فأغلق المسلمون الباب، وقطعوا القنطرة التي على الخندق، فأتاهم ابن خسرو بن يزدجرد، فقال: يا معشر العرب، لم تقتلون أنفسكم ؟ أنا الذي جئت بخاقان ليرد على مملكتي، وأنا آخذ لكم الأمان، فشتموه، وأتاهم بازغري، فقال: إن خاقان يقول لكم: إني أجعل من عطاؤه منكم ستمائة ألفا، ومن عطاؤه ثلاثمائة ستمائة، ويحسن إليكم وتكونون معه، فأبوا ذلك، فأمر خاقان بجمع الحطب الرطب، وأن يلقى في الخندق ليعبروا عليه. فجمع في سبعة أيام، فكانوا يلقون الحطب الرطب، ويلقى المسلمون الحطب اليابس حتى سوى الخندق بالأرض؛ فأشعل المسلمون فيه النيران، وهاجت ريحٌ شديدةٌ، فاحترق الحطب الذي جمع في سبعة أيام في ساعةٍ واحدة، ثم فرق خاقان على الترك أغناما، وأمرهم أن يأكلوها ويحشوا جلودها تراباً، ويلقوها في الخندق، ففعلوا ذلك، فأرسل الله تعالى مطراً شديدا، فاحتمل السيل ما في الخندق، وألقاه في النهر الأعظم.\rورماهم المسلمون بالسهام فقتل بازغرى وكان داهيةً، وكان خاقان لا يخالفه؛ ففرح المسلمون بقتله، وكان عند المشركين مائةٌ من أسرى المسلمين فيهم أبو الحوجاء العتكي والحجاج ابن حميد النضري، وكان عند المسلمين مائتان من أولاد المشركين رهائن فقتلوهم، واستماتوا واشتد القتال.\rثم وقع الاتفاق بينهم وبين الترك على أن خاقان يرحل عن كمرجة، ويرحلوا هم عنها أيضا إلى سمرقند والدبوسية، فأجاب أهل كمرجة إلى ذلك، وأخذ كلٌ منهم من الطائفتين رهائن من الأخرى على الوفاء، وارتحل خاقان، ثم رحلوا بعده، وسير معه كور صول التركي ليمنعهم ممن يتعرض إليهم من الترك، فلما انتهوا إلى الدبوسية، وكان بها عشرة آلاف مقاتل من المسلمين، أمنوا وأطلق كلٌ من الطائفتين ما بيدهم من الرهائن، وكانت مدة حصار كمرجة ثمانية وخمسين يوماً، فيقال: إنهم لم يسقوا إبلهم خمسةً وثلاثين يوما.\rوفي هذه السنة ارتد أهل كردر، فأرسل إليهم أشرس جنداً فظفروا بهم.\rوغزا مسلمة الترك من نحو باب اللان، فلقى خاقان في جموعه، فاقتتلوا قريباً من شهرٍ، وأصابهم مطرٌ شديد، فانهزم خاقان ورجع مسلمة.\rوغزا معاوية الروم ففتح صلم.\rوغزا الصائفة عبد الله بن عقبة الفهري.\rعزل أشرس عن خراسان واستعمال الجنيد بن عبد الرحمن، وقتاله الترك\rوفي سنة 1إحدى عشرة ومائة عزل هشام بن عبد الملك أشرس بن عبد الله عن خراسان، واستعمل الجنيد بن عبد الرحمن ابن عمرو بن الحارث بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة المري، وحمله على ثمانية من البريد، فقدم خراسان في خمسمائة، وسار إلى ما وراء النهر، وسار معه الخطاب بن محرز السلمي خليفة أشرس بخراسان، فقطعا النهر، وأرسل الجنيد إلى أشرس، وهو يقاتل أهل بخارى والصغد: أن أمدني بخيلٍ.\rوخاف أن يقطع دونه، فوجه إليه أشرس عامر بن مالك الحماني، فلما كان عامرٌ ببعض الطريق عرض له الترك والصغد، فدخل حائطا حصينا، وقاتلهم على الثلمة، وكان معه ورد بن زياد بن أدهم بن كلثوم وواصل بن عمرو القيسي، فخرج واصل وعاصم بن عمير السمرقندي وغيرهما، فاستداروا خلف الترك فلم يشعر خاقان إلا والتكبير من ورائه، وحمل المسلمون على الترك، فقاتلوهم، وقتلوا عظيما من عظماء الترك، فانهزم الترك، وسار عامر حتى لقى الجنيد، وأقبل معه وعلى مقدمة الجنيد عمارة ابن خريم، فلما صار على فرسخين من بيكند تلقته خيل الترك، فقاتلوهم، فكاد الجنيد يهلك هو ومن معه، ثم أظهره الله، وسار حتى قدم العسكر، وظفر الجنيد، وقتل من الترك، ثم زحف إليه خاقان، فالتقوا دون زرمان من بلاد سمرقند، وقطن بن قتيبة على ساقة الجنيد، فأسر الجنيد ابن أخي خاقان، فبعث به إلى هشام، ورجع الجنيد بالظفر إلى مرو.\rوفيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وغزا سعيد بن هشام الصائفة اليمنى، حتى أتى قيسارية.\rوغزا عبد الله بن أبي مريم البحر.\rوفيها سارت الترك إلى أذربيجان، فلقيهم الحارث بن عمرو، فهزمهم.\rوفيها استعمل هشام الجراح بن عبد الله الحكمي على أرمينية، وعزل أخاه مسلمة، فدخل بلاد الخزر من ناحية تفليس، ففتح مدينتهم البيضاء، وانصرف سالما.\rمقتل الجراح","part":6,"page":91},{"id":2592,"text":"بن عبد الله الحكمي وولاية سعيد الحرشي وحروبه مع الخزر والترك، وما افتتحه من البلاد وفي سنة 1ثنتي عشرة ومائة قتل الجراح بن عبد الله الحكمي. وسبب ذلك أنه لما هزم الخزر اجتمعوا هم والترك من ناحية اللان، فلقيهم الجراح فيمن معه من أهل الشام، فاقتتلوا أشد قتالٍ رآه الناس، وتكاثر الخزر والترك على المسلمين، فاستشهد الجراح ومن معه بمرج أردبيل، فلما قتل طمع الخزر وأوغلوا في البلاد حتى قاربوا الموصل، وعظم الخطب على المسلمين.\rفبلغ الخبر هشام بن عبد الملك، فاستشار سعيدا الحرشي، فقال: أرى أن تبعثني على أربعين دابة من دواب البريد، ثم تبعث إلي كل يوم بأربعين رجلا، واكتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوني. ففعل ذلك، وسار الحرشي وهو لا يمر بمدينة إلا استنهض أهلها، فيجيبه من يريد الجهاد.\rولم يزل كذلك حتى وصل إلى مدينة أرزن، فلقيه جماعة من أصحاب الجراح، فردهم معه، وسار فبلغ خلاط، فحاصرها أياما وفتحها، وقسم غنائمها في أصحابه، ثم سار عنها وفتح الحصون والقلاع شيئا بعد شيءٍ حتى أتى بردعة، وكان ابن خاقان يومئذ بأذربيجان يغير وينهب ويسبي ويقتل، وهو يحاصر مدينة ورثان، فأرسل الحرشي رجلا من أصحابه إلى أهلها يعرفهم وصوله، ويأمرهم بالصبر، فسار ولقيه بعض الخزر، فأخذوه وسألوه عن الخبر، فأخبرهم وصدقهم، فقالوا له: إن فعلت ما نأمرك به أحسنا إليك، وأطلقناك، وإلا قتلناك. قال: فما الذي تريدون ؟ قالوا: تقول لأهل ورثان: إنكم ليس لكم مدد، ولا من يكشف ما بكم، وتأمرهم بتسليم البلد إلينا. فأجابهم إلى ذلك.\rفلما قارب المدينة وقف بحيث يسمع أهلها كلامه، فقال لهم: أتعرفوني ؟ قالوا: نعم، أنت فلانٌ، قال: فإن الحرشي قد وصل إلى مكان كذا في عساكر كثيرة، وهو يأمركم بحفظ البلد، والصبر، ففي هذين اليومين يصل إليكم.\rفرفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير، وقتلت الخزر ذلك الرجل، ورحلوا عن مدينة ورثان، ووصلها الحرشي، وقد ارتحل الخزر إلى أردبيل، فسبقهم إليها، فساروا عنها، ونزل سعيد باجروان، فأتاه فارسٌ على فرس أبيض، فقال له: أيها الأمير، هل لك في الجهاد والغنيمة ؟ قال: وكيف لي بذلك ؟ قال: هذا عسكر الخزر في عشرة آلاف، ومعهم خمسة آلاف بنت من المسلمين أسارى وسبايا، وهم على أربعة فراسخ.\rفسار الحرشي إليهم ليلاً، فوافاهم آخر الليل، وهم نيامٌ، فكبسهم مع الفجر، ووضع المسلمون فيهم السيف، فما بزغت الشمس حتى قتلوا عن آخرهم غير رجل واحد.\rثم أتاه ذلك الفارس الذي أتاه أولا وقال له: هذا جيش الخزر ومعهم أموال المسلمين وأولادهم، وحرم الجراح وأولاده، وهم بمكان كذا؛ فسار الحرشي إليهم، فما شعروا إلا والمسلمون معهم، فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم كيف شاؤوا، ولم يفلت من الخزر إلا الشريد، واستنقذوا من معهم، وغنموا أموال الخزر، وحمل الأسارى إلى باجروان.\rوبلغ الخبر ابن ملك الخزر، فجمع أصحابه من نواحي أذربيجان، فاجتمع له عساكر كثيرة، فحرضهم، وسار نحو الحرشي، وسار الحرشي إليه، فالتقيا بزرند، واقتتلوا أشد قتال، فانحاز المسلمون يسيراً ثم عادوا إلى القتال، فاشتدت نكايتهم في العدو، فهزموهم، وتبعهم المسلمون حتى بلغوا بهم نهر أوس، وعادوا عنهم وحووا ما في عسكرهم من الأموال والغنائم، وأطلقوا الأسارى والسبايا، وحملوا الجميع إلى باجروان، ثم جمع ابن ملك الخزر من لحق به من عساكره، وعاد بهم نحو الحرشي، فنزل على نهر البيلقان، فسار الحرشي نحوه؛ فوافاهم هناك، والتقوا، فكانت الهزيمة على الخزر، فكان من غرق منهم أكثر ممن قتل، وجمع الحرشي الغنائم، وعاد إلى باجروان وكتب إلى هشام بالفتح، وأرسل إليه الخمس. فكتب إليه هشام يشكره، ويثنى عليه، ويأمره بالمسير إليه، واستعمل هشام أخاه مسلمة على أرمينية وأذربيجان، فوصل إلى البلاد، وسار إلى الترك حتى جاز البلاد في آثارهم.\rوقعة الجنيد بالشعب\rوفي سنة 1ثنتي عشرة ومائة أيضا خرج الجنيد أمير خراسان غازياً يريد طخارستان؛ فوجه عمارة بن خريم إلى طخارستان في ثمانية عشر ألفا، ووجه إبراهيم بن بسام الليثي في عشرة آلاف إلى وجهٍ آخر، وجاشت الترك فأتوا سمرقند، وعليها سورة بن الحر؛ فكتب إلى الجنيد أن خاقان جاش بالترك، فخرجت إليهم، فلم أطق أن أمنع حائط سمرقند، فالغوث الغوث.","part":6,"page":92},{"id":2593,"text":"فعبر الجنيد النهر، وقد فرق عساكره، فسار بمن معه حتى نزل كش، وتأهب للمسير، وبلغ ذلك الترك؛ فغوروا الآبار التي في طريق كش، وسار الجنيد يريد سمرقند، فأخذ طريق العقبة، وارتقى في الجبل، ثم سار حتى صار بينه وبين سمرقند أربعة فراسخ، ودخل الشعب فصبحه خاقان في جمعٍ عظيم؛ فكانت بينهم وقعةٌ عظيمة صبر الناس فيها وقاتلوا حتى كانت السيوف لا تقطع شيئاً، فقطع عبيدهم الخشب يقاتلون به، ثم كانت المعانقة؛ ثم تحاجزوا، فاستشهد من المسلمين جماعةٌ.\rفبينما الناس كذلك إذ أقبل رهج، وطلعت الفرسان، فنادى منادي الجنيد: الأرض الأرض ! وترجل، وترجل الناس، ثم أمر أن يخندق كل قائد على حياله، فخندقوا وتحاجزوا وقد أصيب من الأزد يومئذ مائة وتسعون رجلا، وكان قتالهم يوم الجمعة، فلما كان يوم السبت قصدهم خاقان وقت الظهر، فلم ير موضعا للقتال أسهل من موضع بكر بن وائل، وعليهم زياد ابن الحارث، فقصدهم، فلما قربوا حملت بكرٌ عليهم فافرجوا لهم، واشتد القتال بينهم.\rفلما رأى الجنيد شدة الأمر استشار أصحابه، فقال له عبيد الله بن حبيب: اختر إما أن تهلك أنت أو سورة بن الحر. فقال: هلاك سورة أهون علي. قال: فاكتب إليه فليأتك في أهل سمرقند؛ فإنه إذا بلغ الترك إقباله توجهوا إليه فقاتلوه.\rفكتب إليه الجنيد يأمره بالقدوم، فسار في اثني عشر ألفا، فأصبح على رأس جبلٍ، فتلقاه خاقان، وقد بقي بينه وبين الجنيد نحو فرسخ فقاتلهم فاشتد القتال، وسقط سورة بن الحر، فاندقت فخذه، وقتل وتفرق الناس، وقتلهم الترك، ولم ينج منهم غير ألفين. ويقال: ألف.\rولما استقل خاقان بقتال سورة خرج الجنيد مبادراً يريد سمرقند، فلقيه الترك قبل وصوله إليها، فقاتلهم قتالاً شديدا. وقال الجنيد: أي عبد قاتل فهو حر. فقاتل العبيد قتالا عجبت منه الناس، وهزم الله الترك.\rومضى الجنيد إلى سمرقند، وكتب إلى هشام بن عبد الملك بالخبر. فكتب إليه هشام: قد وجهت إليك عشرة آلاف من أهل البصرة، وعشرة آلاف من أهل الكوفة، ومن السلاح ثلاثين ألف رمح، ومثلها ترسة، فافرض فلا غاية لك في الفريضة لخمسة عشر ألفا.\rقال: وأقام الجنيد بسمرقند، وتوجه خاقان إلى بخارى، وعليها قطن بن قتيبة، فسار الجنيد إليه، وخلف بسمرقند عثمان بن عبد الله ابن الشخير في أربعمائة فارس وأربعمائة راجل.\rولما انتهى الجنيد إلى كرمينية أتاه خاقان وذلك في مستهل رمضان من السنة، فاقتتلوا يومهم؛ ثم ارتحل الجنيد وقد قوى الساقة بالرجال، فجاءت الترك فمالوا على الساقة فاقتتلوا فاشتد القتال بينهم، فقتل مسلم بن أحوز عظيما من عظماء الترك، فتطيروا من ذلك، وانصرفوا. وسار المسلمون فدخلوا بخارى، ثم قدمت الجنود من الكوفة والبصرة فسرح الجنيد معهم حوثرة ابن زيد العنبري فيمن انتدب معه.\rوقيل: إن وقعة الشعب كانت في سنة 1ثلاث عشرة ومائة. والله أعلم.\rوفيها غزا معاوية بن هشام الصائفة، فافتتح خرشنة والله أعلم.\rغزو مسلمة وعوده\rفي هذه السنة فرق مسلمة الجيوش ببلاد خاقان ففتحت مدائن وحصونٌ على يديه، وقتل منهم وسبى وأسر وأحرق، ودان له من وراء جبال بلنجر، وأقبل ابن خاقان وقد اجتمعت عليه الخزر وغيرهم من تلك الأمم، وصار في جموع عظيمة. فلما بلغ مسلمة الخبر أمر أصحابه فأوقدوا النيران، ثم ترك خيامهم وأثقالهم، وعاد بعسكره جريدة، وقدم الضعفة وأخر الشجعان، وطوى المراحل كل مرحلتين في مرحلة حتى وصل الباب والأبواب في آخر رمق.\rوفيها غزا معاوية بن هشام أرض الروم فرابط من ناحية مرعش ثم رجع. والله أعلم.\rذكر غزو مروان بن محمد\rبلاد الترك\rودخوله إلى بلاد ملك السرير وغيرها من بلادهم وما افتتحه وقرره وصالح عليه الملوك","part":6,"page":93},{"id":2594,"text":"وفي سنة 114 أربع عشرة استعمل هشام بن عبد الملك مروان بن محمد بن مروان على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية. وسبب ذلك أنه كان في عسكر مسلمة بن عبد الملك حين غزا الخزر، فلما عاد مسلمة - كما تقدم - سار مروان إلى هشام فلم يشعر به حتى دخل عليه، فسأله عن سبب قدومه، فقال: ضقت ذرعاً بما أذكره، ولم أر من يحمله غيري. قال: وما هو ؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ إنه كان من دخول الخزر إلى بلاد الإسلام وقتل الجراح وغيره ما دخل به الوهن على المسلمين. ثم رأى أمير المؤمنين أن يوجه أخاه مسلمة إليهم، فوالله ما وطيء من بلادهم إلا أدناها، ثم إنه لما رأى كثرة جمعه أعجبه ذلك، فكتب إلى الخزر يؤذنهم بالحرب، وأقام بعد ذلك ثلاثة أشهر، فاستعد القوم وحشدوا، فلما دخل بلادهم لم يكن له فيهم نكايةٌ، فكان قصاراه السلامة، وقد أردت أن تأذن لي في غزوة أذهب بها عنا العار، وأنتقم من العدو. قال: قد أذنت لك. قال: وتمدني بمائة ألف وعشرين ألف مقاتل ؟ قال: قد فعلت. قال: وتكتم هذا الأمر عن كل أحدٍ ؟ قال: قد فعلت. وقد استعملتك على إرمينية.\rفودعه وسار إلى إرمينية والياً عليها وسير إليه هشام الجنود من الشام والعراق والجزيرة، فاجتمع عنده من الجنود والمتطوعة مائة ألف وعشرون ألفا، فأظهر أنه يريد غزو اللان، وأرسل إلى ملك الخزر يطلب منه المهادنة، فأجابه إلى ذلك، وأرسل إليه من يقرر الصلح، فأمسك الرسول عنده إلى أن فرغ من جهازه، وأحضره، ثم أغلظ لهم في القول وآذنهم بالحرب، وسير الرسول إلى صاحبه بذلك، ووكل به من يسير به على طريق فيه بعد، وسار هو في أقرب الطرق، فما وصل الرسول إلى صاحبه إلا ومروان قد وافاهم بالجنود، فاستشار ملك الخزر أصحابه، فقالوا: إن هذا قد جمع ودخل بلادك، فإن أقمت إلى أن تجمع لم يجتمع جندك إلى مدةٍ، فيبلغ منك ما يريد، وإن أنت لقيته على حالك هذه هزمك وظفر بك، والرأي أن تتأخر إلى أقصى بلادك، وتدعه وما يريد.\rفقبل رأيهم وسار ودخل مروان البلاد، وأوغل فيها، وأخربها، وغنم وسبى، وانتهى إلى آخرها، وأقام فيها عدة أيام أذلهم، ودخل بلاد ملك السرير، فأوقع بأهلها، وفتح قلاعاً، ودان له الملك، وصالحه على ألف رأس: خمسمائة غلام، وخمسمائة جارية سود الشعور، ومائة ألف مدىٍ تحمل إلى الباب، وصالح أهل تومان على مائة رأس نصفين وعشرين ألف مدى ثم دخل زديكران، فصالحه ملكها، ثم أتى أرض حمزين، فأبى حمزين أن يصالحه، فحصرهم، وافتتح حصنهم، ثم أتى سغدان، فافتتحها صلحاً، ووظف على طبر سرانشاه عشرة آلاف مدى كل سنة تحمل إلى الباب؛ ثم نزل على قلعة صاحب اللكز وقد امتنع من أداء الوظيفة، فخرج ملك اللكز يريد ملك الخزر، فقتله راعٍ بسهم وهو لا يعرفه، فصالح أهل اللكز مروان، واستعمل عليهم عاملاً وسار إلى قلعة شروان وهي على البحر، فأذعن له بالطاعة، وسار إلى الدوادانية، فأوقع بهم، ثم عاد.\rوغزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، فأصاب ربض أقرن.\rوفيها التقى عبد الله البطال هو وقسطنطين في جموعٍ، فهزمهم البطال وأسر قسطنطين.\rوغزا سليمان بن هشام الصائفة اليمنى، فبلغ قيسارية.\rوفي سنة 1خمس عشرة ومائة غزا معاوية بن هشام أرض الروم.\rوغزا ايضا الصائفة في سنة 1ست عشرة. وفي سنة 1سبع عشرة غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وسليمان بن هشام الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة، وفرق سراياه في أرض الروم.\rوبعث مروان بن محمد، وهو على إرمينية بعثين؛ فافتتح أحدهما حصونا ثلاثةً من اللان، ونزل الآخر على تومان شاه، فنزل أهلها على الصلح.\rوفي سنة 1ثمان عشرة ومائة غزا معاوية وسليمان ابنا هشام بن عبد الملك أرض الروم.\rوغزا مروان بن محمد من إرمينية، ودخل أرض ورتيس من ثلاثة أبواب، فهرب ورتيس إلى الخزر، وترك حصنه، فحصره مروان، ونصب عليه المجانيق، واتفق قتل ورتيس، قتله بعض من اجتاز به، وأرسل رأسه إلى مروان، فنصبه لأهل حصنه، فنزلوا على حكمه، فقتل المقاتلة وسبى الذرية ...\rذكر ظفر المسلمين بالترك وقتل خاقان ملك الترك وفي سنة 1تسع عشرة ومائة كانت الحرب بين أسد ابن عبد الله القسري أمير خراسان وبين خاقان ملك الترك.","part":6,"page":94},{"id":2595,"text":"وسبب ذلك أن الحارث بن مريح كان قد خلع بخراسان على ما نذكره إن شاء الله تعالى في حوادث السنين، وولى أسد خراسان على ما نذكره إن شاء الله، فكتب الحارث إلى خاقان يعلمه بضعف أسد وقلة أصحابه، ويستدعيه لحربه.\rفأقبل خاقان، وقطع النهر إلى بلخ، فلقيه أسد، فاقتتلوا قتالا شديداً، فظفر المسلمون بالترك، وهزموهم أقبح هزيمة، وغنموا أموالهم وخيولهم وأثقالهم، وقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، وأراد خصى لخاقان حمل امرأة خاقان فأعجلوه فقتلها، ومضى خاقان إلى طخارستان ثم إلى بلاده. وحمل الحارث وأصحابه على خمسة آلاف برذون، واستعد لغزو المسلمين، فلاعب خاقان يوما كور صول بالنرد على خطر، فتنازعا، فضرب كور صول يد خاقان فكسرها وتنحى عنه، وجمع جمعاً، وبلغه أن خاقان قد حلف ليكسرن يده؛ فبيت خاقان فقتله، وتفرقت الترك واشتغلوا بأنفسهم، وأرسل أسد إلى هشام بن عبد الملك يخبره بالفتح وبقتل خاقان، فلم يصدق ذلك. وأرسل مبشراً آخر فوقف على باب هشام وكبر، فأجابه هشام بالتكبير. فلما انتهى إليه أخبره بالفتح، فسجد شكراً لله تعالى.\rوفيها غزا أسد بن عبد الله أمير خراسان الختل، فقتل بدر طرخان ملك الختل، وغلب على القلعة العظمى، وفرق عساكره في أودية الختل، فملئوا أيديهم من الغنائم والسبي، وهرب أهلها إلى الصين.\rوغزا الوليد بن القعقاع أرض الروم.\rوغزا مروان بن محمد من إرمينية فدخل بلاد اللان، وسار فيها حتى خرج منها إلى بلاد الخزر، فمر ببلنجر وسمندر، وانتهى إلى البيضاء التي كون فيها خاقان، فهرب خاقان منه.\rوفي سنة 1عشرين ومائة غزا سليمان بن هشام بن عبد الملك الصائفة وافتتح سندرة.\rوغزا إسحاق بن مسلم العقيلي تومان شاه وافتتح قلاعه وخرب أرضه.\rغزوات نصر\rبن سيرا ما وراء النهر وفي سنة 1إحدى وعشرين ومائة غزا نصر بن سيرا ما وراء النهر مرتين: إحداهما من نحو الباب الجديد، فسار من بلخ، ثم رجع إلى مرو، فخطب الناس، وأخبرهم أنه قد أقام منصور بن عمر بن أبي الخرقاء على كشف المظالم، وأنه قد وضع الجزية عمن أسلم، وجعلها على من كان يخفف عنه من المشركين، فلم تمض جمعة حتى أتاه ثلاثون ألف مسلم كانوا يؤدون الجزية عن رؤوسهم، وثمانون ألفا من المشركين كانت الجزية قد وضعت عنهم، فحول ما كان على المسلمين عليهم، ثم صنف الخراج ووضعه مواضعه.\rثم غزا الثانية إلى ورغسر وسمرقند.\rثم غزا الثالثة إلى شاش من مرو، فحال بينه وبين عبور نهر الشاش كورصول في خمسة عشر ألفا، وكان معهم الحارث بن سريج، وعبر كور صول في أربعين رجلا فبيت العسكر في ليلةٍ مظلمة، ومع نصر بخارى خذاه في أهل بخارى، ومعه أهل سمرقند وكش ونسف، وهم عشرون ألفا، فنادى نصر: ألا لا يخرجن أحدٌ، واثبتوا على مواضعكم.\rفخرج عاصم بن عمي - وهو على جند سمرقند - فمرت به خيل الترك، فحمل على رجل في آخرهم فأسره، فإذا هو ملكٌ من ملوكهم صاحب أربعة آلاف قبة، فأتى به إلى نصر، فقال له نصر: من أنت ؟ قال: كور صول. قال: الحمد لله الذي أمكن منك يا عدو الله. قال: ما ترجو من قتل شيخ، وأنا أعطيك أربعة آلاف بعير من إبل الترك وألف برذون تقوى به جندك، وتطلق سبيلي.\rفاستشار نصر الناس، فأشاروا بإطلاقه، فسأله عن عمره قال: لا أدري. قال: كم غزوت ؟ قال: ثنتين وسبعين غزاة. قال: أشهدت يوم العطش ؟ قال: نعم. قال: لو أعطيتني ما طلعت عليه الشمس ما أفلت من يدي بعد ما ذكرت من مشاهدك.\rوقال لعاصم بن عمير السغدي: قم إلى سلبه فخذه. فقال: من أسرني ؟ قال: نصر - وهو يضحك - أسرك يزيد بن قران الحنظلي، وأشار إليه. قال: هذا لا يستطيع أن يغسل استه، أو لا يستطيع أن يتم بوله، فكيف يأسرني ؟ أخبرني من أسرني ؟ قال: أسرك عاصم بن عمير. قال: لست أجد ألم القتل إذا أسرني فارسٌ من فرسان العرب.\rفقتله وصلبه على شاطيء النهر، فلما قتل أحرقت الترك أبنيته، وقطعوا آذانهم وشعورهم وأذناب خيولهم.\rفملا أراد نصر الرجوع أحرقه لئلا يحملوا عظامه، فكان ذلك أشد عليهم من قتله.","part":6,"page":95},{"id":2596,"text":"وارتفع إلى فرغانة فسبى منها ألف رأس. وكتب يوسف ابن عمر الثقفي عاهل العراقين إلى نصر بن سيار يأمره بالمسير إلى الشاش لقتال الحارث بن سريج، فاستعمل نصر يحيى بن حصين على مقدمته، فسار إلى الشاش، فأتاهم الحارث، وأغار الأخرم، وهو فارس الترك، على المسلمين فقتلوه، وألقوا رأسه إلى الترك، فصاحوا وانهزموا، وسار نصر إلى الشاش فتلقاه ملكها بالصلح والهدية والرهن، فاشترط عليه إخراج الحارث بن سريج من بلده، فأخرجه إلى فاراب، واستعمل على الشاش نيزك بن صالح مولى عمرو بن العاص، ثم سار حتى نزل قباء من أرض فرغانة، وكانوا قد علموا بمجيئة، فأحرقوا الحشيش، وقطعوا الميرة، فوجه نصر إلى ولي عهد صاحب فرغانة فحاصره في حصنٍ، فخرج وقد غفل المسلمون فغنم دوابهم، فوجه إليهم نصرٌ رجالا من تميم، ومعهم محمد بن المثنى، فكايدهم المسلمون وأهملوا دوابهم وكمنوا لهم، فخرجوا فاستاقوا بعضها، وخرج عليهم المسلمون فهزموهم، وقتلوا الدهقان وأسروا منهم، فكان فيمن أسر ابن الدهقان، فقتله نصرٌ.\rوأرسل نصرٌ سليمان بن صول بكتاب الصلح إلى صاحب فرغانة، فأمر به فأدخل الخزائن ليراها، ثم رجع إليه، فقال: كيف رأيت الطريق فيما بيننا وبينكم ؟ قال: سهلاً كثير الماء والمرعى، فكره ذلك، وقال: ما أعلمك ؟ فقال سليمان: قد غزوت غرشتان وغور والختل وطبرستان، فكيف لا أعلم ؟ قال: فكيف رأيت ما أعددنا ؟ قال: عدة حسنة، ولكن أما علمت أن المحصور لا يسلم من خصال ؟ قال: وما هن ؟ قال: لا يأمن أقرب الناس إليه، وأوثقهم في نفسه، أو يفنى ما جمع، فيسلم برمته، أو يصيبه داءٌ فيموت.\rفكره ما قاله له، وأمره فأحضر كتاب الصلح، فأجابه إليه، وسير أمه معه، وكانت صاحبة أمره، فقدمت على نصر فكلمها فكلمته، وكان فيما قالت له: كل ملكٍ لا تكون عنده ستة أشياء فليس بملك: وزير يبث إليه ما في نفسه، ويشاوره ويثق بنصيحته. وطباخ إذا لم يشته الطعام اتخذ له ما يشتهى، وزوجة إذا دخل عليها مغتماً فنظر إلى وجهها زال غمه، وحصن إذا فزع أتاه فأنجاه - تعنى البرذون - وسيف إذا قاتل لم يخش خيانته. وذخيرة إذا حملنا عشا بها أين كان من الأرض.\rودخل تميم بن نصر في جماعة، فقالت: من هذا ؟ قالوا: هذا فتى خراسان تميم بن نصر. قالت: ماله نبل الكبير، ولا حلاوة الصغير.\rثم دخل الحجاج بن قتيبة، فقالت: من هذا ؟ قالوا: الحجاج بن قتيبة، فحيته، وسألت عنه، وقالت: يا معشر العرب، ما لكم وفاءٌ، ولا يصلح بعضكم لبعض، قتيبة الذي ذلل لكم ما أرى، وهذا ابنه تقعده دونك، فحقه أن تجلسه أنت هذا المجلس وتجلس أنت مجلسه.\rذكر غزو مروان بن محمد بن مروان وفي سنة 1إحدى وعشرين أيضا غزا مروان بن محمد من إرمينية وهو واليها، فأتى قلعة بيت السرير فقتل وسبى، ثم أتى قلعة ثانية فقتل وسبى، ودخل غرمسك، وهو حصنٌ فيه بيت الملك وسريره، فهرب الملك منه إلى حصن خيزج، وهو الذي فيه السرير الذهب، فسار إليه مروان ونازله صيفةً وشتوةً، فصالحه الملك على ألف رأس في كل سنة، ومائة ألف مدى، وسار مروان فدخل أرض أرزو بطران، فصالحه ملكها. ثم سار في أرض تومان فصالحه وسار حتى أتى حمزين، فأخرب بلاده، وحصر حصناً له شهرا فصالحه.\rثم أتى مروان أرض مسدار، فافتتحها على صلح، ثم نزل كيران فصالحه طبرسران وفيلان، وكل هذه الولايات على شاطيء البحر من أرمينية إلى طبرستان.\rوفيها غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح بها مطامير.\rوفي سنة 1أربع وعشرين غزا سليمان بن هشام الصائفة فلقى أليون ملك الروم فغنم.\rهذا ما أمكن إيراده من الغزوات والفتوحات في أيام هشام فلنذكر حوادث السنين في أيامه.\rسنة 1ست ومائة:\rولاية أسد خراسان\rفي هذه السنة استعمل خالد بن عبد الله القسري أخاه أسداً على خراسان، فقدمها ومسلم بن سعيد بفرغانة، فلما أتى أسدٌ النهر ليقطعه منعه الأشهب بن عبيدٍ التميمي؛ وكان على السفن بامل، وقال: قد نهيت عن ذلك، فأعطاه ولاطفه، فأبى. قال: فإني أمير، فأذن له، فقال أسد: اعرفوا هذا حتى نشركه في أمانتنا.","part":6,"page":96},{"id":2597,"text":"وأتى الصغد فنزل بالمرج، وعلى سمرقند هانيء بن هانيء، فخرج في الناس للقاء أسدٍ، فرآه على حجر، فقال الناس: ما عند هذا خير، أسد على حجر، ودخل سمرقند وعزل هانئاً عنها، واستعمل عليها الحسن بن أبي العمرطة الكندي، ثم كان من عزل أسد ما نذكره إن شاء الله.\rوفيها استعمل هشام الحر بن يوسف بن يحيى بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية على الموصل، وهو الذي عمل النهر الذي كان بالموصل.\rوسبب ذلك أنه رأى امرأةً تحمل جرة فيها ماء، وهي تحملها ساعةً ثم تستريح قليلا لبعد الماء، فكتب بذلك إلى هشام، فأمره أن يحفر نهراً إلى البلد، فحفره، وبقى العمل فيه عدة سنين ومات الحر سنة 1ثلاث عشرة ومائة.\rوفي سنة ست أيضا عزل هشام عبد الواحد النضري عن مكة والمدينة والطائف، وولى ذلك كله إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، فقدم المدينة في جمادى الآخرة.\rوكانت ولاية النضري سنة وثمانية أشهر.\rوفيها استقضى إبراهيم بن هشام على المدينة محمد بن صفوان الجمحي، ثم عزله، واستقضى الصلت الكندين وكان العامل على العراق وخراسان خالد بن عبد الله القسري البجلي، وكان عامل خالد على البصرة عقبة بن عبد الأعلى على الصلاة. وعلى الشرطة مالك بن المنذر بن الجارود، وعلى القضاء ثمامة بن عبد الله بن أنس.\rوحج بالناس في هذه السنة هشام بن عبد الملك.\rسنة 1سبع ومائة: في هذه السنة كان من خبر دعاة بني العباس ما نذكره إن شاء الله في أخبار الدولة العباسية.\rوفيها عزل هشام الجراح بن عبد الله الحكمي عن إرمينية وأذربيجان، واستعمل عليها أخاه مسلمة بن عبد الملك، فاستعمل عليها الحارث بن عمرو الطائي، فافتتح من بلاد الترك رستاقاً وقرىً كثيرة، وأثر أثراً حسناً.\rوفيها نقل أسد من كان بالبروقان إلى بلخ من الجند، وأقطع من كان بالبروقان بقدر مسكنه، ومن لم يكن له مسكن أقطعه مسكنا، وأراد أن ينزلهم على الأخماس، فقيل له: إنهم يتعصبون؛ فخلى بينهم، وتولى بناء مدينة بلخ برمك، وهو أبو خالد بن برمك، وبينها وبين البروقان فرسخان.\rوحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام.\rسنة 1ثمان ومائة: في هذه السنة كان من خبر شيعة بني العباس ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوفيها وقع الحريق بدابق، فاحترق المرعى والدواب والرجال.\rوفيها خرج عباد الرعيني باليمن محكما فقتله أميرها يوسف بن عمرو، وقتل أصحابه وكانوا ثلاثمائة.\rوحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام.\rوفيها مات محمد بن كعب القرظي، وقيل سنة سبع عشرة. وقيل: إنه ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rسنة 1تسع ومائة: في هذه السنة عزل أسد بن عبد الله القسري عن خراسان، وسبب ذلك أنه ضرب نصر بن سيار ونفراً بالسياط، منهم عبد الرحمن بن نعيم وسورة بن الحر والبختري بن أبي درهم، وعامر بن مالك الحماني، وحلقهم وسيرهم هو إلى أخيه، وكتب إليه: إنهم أرادوا الوثوب بي.\rفلما قدموا على خالد لام أسدا وعنفه، وقال: ألا بعث إلي برؤوسهم.\rوخطب أسد يوما، فقال: قبح الله هذه الوجوه وجوه أهل الشقاق والنفاق والشغب والفساد، اللهم فرق بيني وبينهم، وأخرجني إلى مهاجري ووطني.\rفبلغ فعله هشام بن عبد الملك، فكتب إلى خالد: اعزل أخاك، فغزله، فرجع إلى العراق في رمضان من السنة، واستخلف على خراسان الحكم بن عوانة الكلبي، فأقام الحكم صيفيته فلم يغز، ثم استعمل هشام أشرس بن عبد الله السلمي على خراسان، وأمره أن يكاتب خالدا، وكان أشرس فاضلا خيرا، وكانوا يسمونه الكامل لفضله.\rفلما قدم خراسان فرح الناس به، واستقضى أبا المنازل الكندي، ثم عزله واستقضى محمد بن يزيد.\rوحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام، فخطب الناس، فقال: سلوني، فإنكم لا تسألون أحداً أعلم مني، فسأله رجلٌ من أهل العراق عن الأضحية أواجبةٌ هي ؟ فما درى ما يقول: فنزل.\rسنة 1عشرة ومائة: فيها جمع خالد القسري الصلاة والأحداث والشرط والقضاء بالبصرة لبلال بن أبي بردة، وعزل ثمامة عن القضاء.\rوحج بالناس إبراهيم بن إسماعيل.\rوفيها مات الفرزدق الشاعر، وله إحدى وتسعون سنة.\rومات جرير بن الخطفي الشاعر.\rسنة 1احدى عشرة ومائة: في هذه السنة كان عزل أشرس عن خراسان واستعمال الجنيد ابن عبد الرحمن؛ وقد تقدم ذكر ذلك في الغزوات.","part":6,"page":97},{"id":2598,"text":"وفيها استعمل هشام الجراح بن عبد الله الحكمي على إرمينية، وعزل أخاه مسلمة كما تقدم.\rوحج بالناس إبراهيم بن هشام المخزومي.\rسنة 1ثنتي عشرة ومائة: حج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام المخزومي. وقيل. سليمان بن هشام بن عبد الملك. والله أعلم.\rسنة 1ثلاث عشرة ومائة: في هذه السنة قتل عبد الوهاب ابن بخت، وكان قد غزا مع البطال أرض الروم، فانهزم الناس عن البطال، فحمل عبد الوهاب، وهو يقول: ما رأيت فرساً أجبن منك، وسفك الله دمي إن لم أسفك دمك، ثم ألقى بيضته عن رأسه، وصاح: أنا عبد الوهاب ! من الجنة تفرون ! ثم تقدم في نحو العدو، فجاء برجل وهو يقول: واعطشهاه ! فقال: تقدم، الري أمامك، وخالط القوم فقتل وقتل فرسه.\rوحج بالناس في هذه السنة سلميان بن هشام بن عبد الملك، وقيل إبراهيم بن هشام المخزومي، والله أعلم.\rسنة 1أربع عشرة ومائة: في هذه السنة كانت ولاية مروان بن محمد بن مروان إرمينية وأذربيجان، وقد تقدم ذكر ذلك في الغزوات.\rوفيها عزل هشامٌ إبراهيم بن هشام المخزومي عن المدينة، واستعمل عليها خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم في ربيع الأول، فكانت إمرة إبراهيم على المدينة ثماني سنين، وعزله أيضا عن مكة والطائف، واستعمل على ذلك محمد بن هشام المخزومي.\rوحج بالناس خالد بن عبد الملك بن الحارث. وقي: محمد ابن هشام.\rوفيها توفي محمد بن علي بن الحسين الباقر. وقيل سنة خمس عشرة.\rسنة 1خمس عشرة ومائة: حج بالناس في هذه السنة محمد بن هشام المخزومي، وكان الأمير بخراسان الجنيد. وقيل: بل كان قد مات، واستخلف عمارة بن خريم المري. والله أعلم.\rسنة 1ست عشرة ومائة: في هذه السنة عزل الجنيد عن خراسان.\rوسبب ذلك أنه تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب، فغضب هشام؛ واستعمل عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي على خراسان، وكان الجنيد قد سقى بطنه، فقال هشام لعاصم: إن أدركته وبه رمق فأزقه نفسه.\rفقدم عاصم وقد مات الجنيد، واستخلف عمارة بن خريم وهو ابن عمه، فعذبه عاصم، وعذب عمال الجنيد لعداوةٍ كانت بينه وبين الجنيد ...\rخلع الحارث\rبن سريج بخراسان وما كان من أمره وفي هذه السنة خلع الحارث بن سريج وأقبل إلى الفارياب فأرسل إليه عاصم رسلا. منهم مقاتل بن حيان النبطي، والخطاب ابن محرز السلمي، فقالا لمن معهما: لا نلقى الحارث إلا بأمان، فأبى القوم عليهما وأتوه، فأخذهم الحارث وحبسهم، ووكل بهم رجلاً فأوثقوه، وخرجوا من السجن، فركبوا وعادوا إلى عاصم، فأمرهم فخطبوا وذموا الحارث، وذكروا خبث سيرته وغدره، وكان الحارث قد لبس السواد، ودعا إلى كتاب الله وسنة نبيه والبيعة للرضا، فسار من الفارياب، وأتى بلخ، وعليها نصر بن سيرا والتجيبي، فلقياه في عشرة آلاف وهو في أربعة آلاف، فقاتلهما، فانهزم أهل بلخ.\rوتبعهم الحارث، فدخل مدينة بلخ، وخرج نصر بن سيار منها، وأمر الحارث بالكف عنهم، واستعمل عليها رجلاً من ولد عبد الله ابن خازم، وسار إلى الجوزجان فغلب عليها وعلى الطالقان ومرو الروذ. فلما كان بالجوزجان استشار أصحابه في أي بلدٍ يقصد، فقيل له: مرو بيضة خراسان وفرسانهم كثير، ولو لم يلقوك إلا بعبيدهم لانتصفوا منك، فأقم، فإن أتوك فقاتلهم، وإن أقاموا قطعت المادة عنهم.\rقال: لا أرى ذلك؛ وسار إلى مرو، فأقبل إليها يقال في ستين ألفا، ومعه فرسان الأزد وتميم، منهم محمد بن المثنى، وحماد ابن عامر الحماني، وداود الأعسر، وبشر بن أنيف الرياحي، وعطاء الدبوسي.\rومن الدهاقين دهقان الجوزجان، ودهقان الفارياب، وملك الطالقان ودهقان مرو الروذ في اشباههم، وخرج عاصمٌ في أهل مرو وغيرهم، فعسكر وقطع القناطر، وأقبل أصحاب الحارث فأصلحوها، فمال محمد بن المثنى الفراهيدي الأزدي إلى عاصم في ألفين، فأتى الأزد، ومال حماد بن عامر الحماني إليه، فأتى بني تميم، وأتى الحارث وعاصم فاقتتلوا قتالا شديداً، فانهزم أصحاب الحارث، فغرق منهم بشرٌ كثير، في أنهار مرو وفي النهر الأعظم؛ ومضت الدهاقين إلى بلادهم، وغرق خازم بن عبد الله بن خازم، وكان مع الحارث. وقتل أصحاب الحارث قتلاً ذريعاً، وقطع الحارث وادي مرو، فضرب رواقاً عند منازل الدهاقين، وكف عنه عاصم؛ واجتمع إلى الحارث زهاء ثلاثة آلاف، ثم كان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.","part":6,"page":98},{"id":2599,"text":"وفيها عزل هشامٌ عبد الله بن الحبحاب عن ولاية مصر، واستعمله على إفريقية.\rوقيل: كان ذلك في سنة 1سبع عشرة ومائة.\rوحج بالناس في هذه السنة الوليد بن يزيد بن عبد الملك. والله أعلم.\rسنة 1سبع عشرة ومائة:\rعزل عاصم\rعن خراسان وولاية أسد وخبر الحارث بن سريج في هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان، وضمها إلى خالد بن عبد الله القسري أمير العراقين، فاستعمل عليها خالدٌ أخاه أسد بن عبد الله.\rوكان سبب ذلك أن عاصماً كتب إلى هشام: أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله، وإن خراسان لا تصلح إلا أن تضم إلى العراق وتكون معونتها وموادها من قريبٍ، لتباعد أمير المؤمنين عنها وتباطيء غياثه عنها، فضم هشام خراسان إلى خالد بن عبد الله، وكتب إليه: ابعث أخاك يصلح ما أفسد؛ فإن كانت رجية كانت به.\rفسير خالد إليها أخاه أسداً، فلما بلغ عاصمٌ إقبال أسد، وأنه قد بعث على مقدمته محمد بن مالك الهمداني صالح الحارث ابن سريج، وكتبا بينهما كتاباً، على أن ينزل الحارث أي كور خراسان شاء، وأن يكتبا جميعا إلى هشام يسألانه كتاب الله وسنة نبيه، فإن أبى اجتمعا عليه.\rفختم على الكتاب بعض الرؤساء، وأبى يحيى بن حضين بن المنذر أن يختم، وقال: هذا خلعٌ لأمير المؤمنين فانفسح ذلك.\rوكان عاصم بقرية بأعلى مرو، فأتاه الحارث بن سريج التقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم الحارث، وأسر جماعةٌ من أصحابه، منهم: عبد الله بن عمرو المازني رأس أهل مرو الروذ، فقتل عاصمٌ الأسرى، وعظم أهل الشام يحيى بن حضين لما صنع في نقض الكتاب، وكتبوا كتابا بما كان وبهزيمة الحارث وبعثوه إلى أسد، فلقيه بالري وقيل ببيهق.\rفكتب أسد إلى أخيه خالد ينتحل أنه هزم الحاث، ويخبره بأمر يحيى، فأجاز خالد يحيى بعشرة آلاف دينار ومائة حلة، وحبس أسدٌ عاصما وحاسبه وطلب منه مائة ألف درهم، وقال: إنك لم تغز، وأطلق عمال الجنيد، وقدم أسد ولم يكن لعاصمٍ إلا مرو ونيسابور، والحارث بمرو الروذ، وخالد بن عبيد الله الهجري بآمل موافق للحارث، فخاف أسد إن قصد الحارث بمرو الروذ أن يأتي الهجري مرو من قبل آمل، وإن قصد الهجري قصد الحارث مرو من قبل مرو الروذ، فأجمع رأيه على توجيه عبد الرحمن بن نعيم في أهل الكوفة والشام إلى الحارث بمرو الروذ، وسار أسد بالناس إلى آمل، فلقيه خيل آمل؛ عليهم زياد القرشي مولى حيان النبطي وغيره، فهزموا حتى رجعوا إلى المدينة، فحصرهم أسد، ونصب عليهم المجانيق؛ فطلبوا الأمان، وطلبوا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وألا يؤخذ أهل المدن بجنايتهم، فأجابهم أسد إلى ذلك، واستعمل عليهم يحيى ابن نعيم بن هبيرة الشيباني؛ وسار يريد بلخ، فأخبر أن أهلها قد بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم، فسار حتى قدمها، واتخذ سفنا، وسار منها إلى ترمذ، فوجد الحارث محاصراً لها، وبها سنان الأعرابي، فنزل أسد دون النهر، ولم يطق العبور إليهم، ولا أن يمدهم، وخرج أهل ترمذ من المدينة، وقاتلوا الحارث قتالاً شديداً، فاستطرد الحارث لهم، وكان قد وضع كميناً، فلما جاوزوه خرج عليهم، فانهزموا.\rثم ارتحل أسدٌ إلى بلخ، ثم خرج أهل ترمذ إلى الحارث، فهزموه. ثم سار أسد إلى سمرقند في طريق زم، فلما قدم زم بعث إلى الهيثم الشيباني وهو في حصنٍ من حصونها - وهو من أصحاب الحارث - فأمنه، ووعده المواساة والكرامة والأمان لمن معه، وأقسم إنه إن رد ذلك ورمى بسهم ألا يؤمنه أبداً، وإنه إن جعل له ألف ألف أمان لا يفي له.\rفخرج إليه وسار معه إلى سمرقند، ثم ارتفع إلى ورغسر - وماء سمرقند منها - فسكر الوادي، وصرفه عن سمرقند. ثم رجع إلى بلخ، فلما استقر بها سرح جديعاً الكرماني إلى القلعة التي فيها ثقل الحارث وأصحابه، واسمها التبوشكان من طخارستان العليا وفيها بنو برزى التغلبيون أصهار الحارث، فحصرهم الكرماني حتى فتحها، وذلك في سنة 1ثمان عشرة، فقتل مقاتلتهم، وسبى عامة أهلها من العرب والموالي والذراري، وباعهم فيمن يزيد في سوق بلخ.\rقال: ونقم على الحارث أربعمائة وخمسون رجلا من أصحابه، وكان رئيسهم جرير بن ميمون القاضي، فقال لهم الحارث: إن كنتم لا بد مفارقي فاطلبوا الأمان، وأنا شاهدٌ، فإنهم يجيبونكم. وإن ارتحلت قبل ذلك لم يعطوا الأمان. فقالوا: ارتحل أنت عنا، وخلنا.","part":6,"page":99},{"id":2600,"text":"فأرسلوا يطلبون الأمان، فأخبر أسدٌ أن القوم ليس لهم طعام ولا ماء، فسرح إليهم أسدٌ جديعاً الكرماني وستة آلاف، فحصرهم في القلعة وقد عطش أهلها، وجاعوا، فسألوا أن ينزلوا على الحكم، ويترك لهم نساءهم وأولادهم، فأجابهم، فنزلوا على حكم أسد.\rفأرسل أسد إلى الكرماني يأمره أن يحمل إليه خمسون رجلا من وجوههم، فيهم المهاجر بن ميمون، فحملوا إليه فقتلهم، وكتب إلى الكرماني أن يجعل الذين بقوا عنده أثلاثاً، فثلث يقتلهم، وثلث يقطع أيديهم وأرجلهم، وثلث يقطع أيديهم. ففعل ذلك بهم، وأخرج أثقالهم فباعها، واتخذ أسد مدينة بلخ داراً، ونقل إليها الدواوين، ثم غزا طخارستان.\rوحج بالناس في سنة 1سبع عشرة ومائة خالد بن عبد الملك.\rسنة 1ثمان عشرة ومائة: في هذه السنة عزل هشام خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم عن المدينة، واستعمل عليها خالد بن محمد بن هشام بن إسماعيل: وحج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل. وكان أمير المدينة.\rسنة 1تسع عشرة ومائة:\rقتل المغيرة وبيان\rفي هذه السنة خرج المغيرة بن سعيد وبيان في ستة نفر، وكانوا يسمون الوصفاء، وكان المغيرة ساحراً، وكان يقول: لو أردت أن أحيي عاداً وثمود وقرونا بين ذلك كثيراً لفعلت. وبلغ خالد بن عبد الله القسري خروجهم بظهر الكوفة، وهو يخطب، فقال: أطعموني ماء، فقال يحيى بن نوفل في ذلك من أبيات:\rوقلت لما أصابك أطعموني ... شراباً ثم بلت على السرير\rلأعلاج ثمانيةٍ وشيخ ... كبير السنّ ليس بذي نصير\rفأرسل خالد فأخذهم وأمر بسريره فأخرج إلى المسجد الجامع، وأحرقهم بالقصب والنفط.\rوكان مذهب المغيرة التجسيم؛ يقول: إن ربه على صورة رجل على رأسه تاج، وإن أعضاءه على عدد حروف الهجاء، تعالى الله عن ذلك.\rوكان يقول: إن الله تعالى لما أراد أن يخلق الخلق تكلم باسمه الأعظم، فطار فوقع على تاجه، ثم كتب بإصبعه على كفه أعمال عباده من المعاصي والطاعات، فلما رأى المعاصي ارفض عرقاً، فاجتمع من عرقه بحران: أحدهما ملحٌ مظلم، والآخر عذب نير، ثم اطلع في البحر فرأى ظله فذهب ليأخذه، فطار فأدركه فقلع عيني ذلك الظل ومحقه، فخلق من عينيه الشمس وشمسا أخرى. وخلق من البحر الملح الكفار، وخلق من البحر العذب المؤمنين.\rوكان لعنه الله يقول بإلهية علي وتكفير أبي بكر وعمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم إلا من ثبت مع علي رضي الله عنه.\rوكان يقول: إن الأنبياء لم يختلفوا في شيء من الشرائع.\rوكان يقول بتحريم ماء الفرات وكل نهرٍ أو عين أو بئر وقعت فيه نجاسةٌ.\rوكان يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى أمثال الجراد على القبور.\rوأما مذهب بيان فإنه كان يقول بإلهية علي رضي الله عنه، وإن الحسن والحسين إلهان، ومحمد ابن الحنفية بعده، ثم بعده ابنه أبو هاشم بن محمد بنوع من التناسخ.\rوكان يقول: إن الله تعالى يفنى جميعه إلا وجهه، ويحتج بقوله تعالى: \" ويبْقى وجْهُ ربُك \" . تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.\rوادعى النبوة، وزعم أنه المراد بقوله عز وجل: \" هذا بيانٌ للناس \" .\rخبر الخوارج\rوفي هذه السنة خرج بهلول بن بشر الملقب كثارة، وهو من الموصل من شيبان، وكان سبب مخرجه أنه خرج يريد الحج، فأمر غلامه أن يبتاع له خلاً بدرهم، فأتاه بخمرٍ فأمره برده فلم يجبه صاحب الخمر إلى ذلك، فجاء بهلول إلى صاحب القرية وهي من السواد، فكلمه، فقال العامل: الخمر خيرٌ منك ومن قومك.\rفمضى إلى الحج وقد عزم على الخروج، فلقى بمكة من كان على مثل رأيه، فاتعدوا قريةً من قرى الموصل، فاجتمعوا بها - وهم أربعون رجلا - وأمروا عليهم البهلول، وكتموا أمرهم وجعلوا لا ميرون بعامل إلا أخبروه أنهم قدموا من عند هشام على بعض الأعمال، وأخذوا دواب البريد.\rفلما أتوا إلى القرية التي ابتاع الغلام منها الخمر قال بهلول: نبدأ بهذا العامل، فقال أصحابه: نحن نريد قتل خالد، وإن بدأنا بهذا شهر أمرنا، وحذرنا خالدٌ وغيره، فنشدناك الله أن تقتل هذا فيفلت منا خالدٌ الذي يهدم المساجد، ويبني البيع والكنائس، ويولي المجوس على المسلمين، وينكح أهل الذمة المسلمات، لعلنا نقتله.\rقال: والله لا أدع ما يلزمني لما بعده، وأرجو أن أقتل هذا وخالداً، فأتاه فقتله.","part":6,"page":100},{"id":2601,"text":"فعلم الناس أنهم خوارج، وهربوا، وخرجت البرد إلى خالد فأعلموه بهم، فخرج خالد من واسط، فأتى الحيرة، وبها جندٌ قد قدموا من الشام مدداً لعامل الهند، فأمرهم خالدٌ بقتالهم، وقال: من قتل منهم رجلاً أعطيته عطاءً سوى ما أخذ في الشام، وأعفيته من الدخول إلى الهند.\rفسارعوا إلى ذلك، فتوجه مقدمهم، وهو من بني القين، ومعه ستمائة منهم، وضم إليه خالد مائتين من الشرط، فالتقوا على الفرات؛ فقال القيني لمن معه من الشرط: لا تكونوا معنا ليكون الظفر له ولأصحابه.\rوخرج إليهم بهلول، فحمل على القيني فطعنه فأنفذه، وانهزم أهل الشام والشرط، وتبعهم بهلول وأصحابه يقتلونهم، حتى بلغوا الكوفة، ووجد بهلول مع القيني بدرةً فأخذها.\rوكان بالكوفة ستة يرون رأي بهلول، فخرجوا فقتلوا بصريفين، فخرج بهلول فقال: من قتل هؤلاء، حتى أعطيه هذه البدرة ؟ فجاء نفرٌ فقالوا: نحن قتلناهم، وهم يظنونه من عند خالد، وصدقهم أهل القرية، فقتلهم، وترك أهل القرية.\rوبلغ خالداً الخبر، فوجه إليه قائداً من شيبان أحد بني حوشب ابن يزيد بن رويم، فلقيه فيما بين الموصل والكوفة، فانهزم أهل الكوفة، فأتوا خالدا، وارتحل بهلول من يومه يريد الموصل، فكتب عامل الموصل إلى هشام يخبره بهم، ويسأله جنداً، فكتب إليه هشام: وجه إليهم كثارة بن بشر.\rفكتب إليه: إن الخارج هو كثارة.\rثم قال بهلول لأصحابه: إنا والله ما نصنع بابن النصرانية شيئاً - يعني خالداً - فلم لا نطلب الرأس الذي سلط خالداً.\rفسار يريد هشاما بالشام، فخاف عمال هشام من هشام إن تركوه يجوز إلى بلادهم، فسير خالدٌ جنداً من العراق، وسير عامل الجزيرة جنداً من الجزيرة، ووجه هشام جنداً من الشام، فاجتمعوا بديرٍ بين الجزيرة والموصل، وأقبل بهلول إليهم.\rوقيل: التقوا بكحيل دون الموصل، ونزل بهلول على باب الدير، وهو في سبعين، فحمل عليهم فقتل منهم نفراً ستة، وقاتلهم عامة نهاره، وكانوا عشرين ألفا، فأكثر فيهم القتل والجراح.\rثم إن بهلولاً وأصحابه عقروا دوابهم وترجلوا، فقاتلوا قتالا شديداً، فقتل كثير من أصحاب بهلول وطعن فصرع، فقال أصحابه: ول أمرنا، فقال: إن هلكت فأمير المؤمنين دعامة الشيباني، فإن هلك فعمرو اليشكري، ومات بهلول من ليلته، فلما أصبحوا هرب دعامة وتركهم، وخرج عمرو اليشكري فلم يلبث أن قتل.\rوخرج العنزى صاحب الأشهب على خالد في ستين فوجه إليه خالد السمط بن مسلم البجلي في أربعة آلاف، فالتقوا بناحية الفرات، فانهزم الخوارج، فتلقاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم.\rثم خرج وزير السختياني على خالد بالحيرة في نفر، فجعل لا يمر بقرية إلا أحرقها، ولا يلقى أحداً إلا قتله، وغلب على ما هنالك وعلى بيت المال؛ فوجه إليه خالدٌ جنداً، فقتلوا عامة أصحابه، وأثخن بالجراح وأتى به خالد، فأقبل على خالد فوعظه، فأعجب خالدٌ ما سمع منه، فلم يقتله وحبسه عنده. وكان يؤتى به في الليل فيحادثه، فسعى بخالد إلى هشام.\rوقيل: أخذ حروريا قد قتل وحرق وأباح الأموال فجعله سميرا، فغضب هشام، وكتب إليه يأمره بقتله، فأخر قتله، فكتب إليه ثانياً يذمه ويأمره بقتله وإحراقه، فقتله وأحرقه ونفراً معه، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات وهو يقرأ: \" قُلْ نَارُ جهنَّم أشَدُّ حرّاً لو كانوا يفقهون \" .\rوخرج الصحارى بن شبيب بن يزيد بناحية جبل، وكان قد أتى خالدا يسأله الفريضة، فقال له: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة ؟ فمضى وندم خالد، وخاف أن يفتق عليه فتقاً، فطلبه فلم يرجع إليه، وسار حتى أتى جبل، وبها نفرٌ من بني تيم اللات ابن ثعلبة، فأخبرهم خبره، فقالوا: وما كنت ترجو من ابن النصرانية ؟ كنت أولى أن تسير إليه بالسيف فتضربه به. فقال: والله ما أردت الفريضة، وما أردت إلا التوصل إليه لئلا ينكرني، ثم أقتله بفلان - يعني رجلا من الصفرية، كان خالد قتله صبراً.\rثم دعاهم إلى الخروج معه فتبعه منهم ثلاثون رجلاً، فخرج بهم، فبلغ خبره خالدا، فقال: قد كنت خفتها منه ثم وجه إليه جنداً فلقوه بناحية المناذر، فقاتلهم قتالا شديداً، فقتلوه وجميع أصحابه.\rوحج بالناس في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام.\rسنة 1عشرين ومائة:","part":6,"page":101},{"id":2602,"text":"في هذه السنة توفي أسد بن عبد الله القسري أمير خراسان في شهر ربيع الأول بمدينة بلخ، واستخلف جعفر بن حنظلة البهراني فعمل أربعة أشهر، ثم جاء عهد نصر بن سيار في شهر رجب من السنة.\rعزل خالد القسري\rوولاية يوسف بن عمر الثقفي وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك خالداً عن جميع أعماله. وقد اختلف في سبب ذلك، فقيل: إن أبا المثنى فروخ كان على ضياع هشام بنهر الرمان بالعراق فثقل على خالد أمره، فقال خالد لحسان النبطي: اخرج إلى هشام وزد على فروخ. ففعل حسان ذلك وتولاها، فصار حسان أئقل على خالد من فروخ، فجعل يؤذيه، فيقول له حسان: لا تفسدني، وأنا صنيعتك، فأبى إلا أذاه، فلما قدم عليه بثق البثوق على الضياع، ثم خرج حسان إلى هشام، فقال له: إن خالدا بثق البثوق على ضياعك، فوجه هشام من ينظر إليها. وقال حسان لخادم من خدم هشام: إن تكلمت بكلمةٍ أقولها لك حيث يسمع هشام فلك عندي ألف دينارٍ. قال: فعجلها فأعطاه، وقال له: تبكى صبيا من صبيان هشام، فإذا بكى فقل له: اسكت، فكأنك ابن خالد الذي غلته عشرة آلاف ألف.\rففعل الخادم، فسمعها هشام، فسأله حسان عن غلة خالد فقال: ثلاثة عشر ألف ألف، فوقرت في نفس هشام.\rوقيل: بل كانت غلته عشرين ألف ألف، وإنه حفر بالعراق الأنهار، ومنها نهر خالد وناجوى وبارمانا، والمبارك والجامع، وكورة سابور، والصلح، وكان كثيراً ما يقول: إني مظلوم ما تحت قدمي شيء إلا وهو لي يعني أن عمر جعل لبجيلة ربع خمس السواد، وأشار عليه العريان بن الهيثم وبلال بن أبي بردة بعرض أملاكه على هشام ليأخذ منها ما أراد، ويضمنان له الرضا، فإنهما بلغهما تغير هشام عليه، فلم يفعل ولم يجبهم إلى شيء.\rوقيل لهشام: إنخالدا قال لولده: ما أنت بدون مسلمة بن هشام، وقد كان يذكر هشاما، فيقول: ابن الحمقاء.\rوكان خالد يخطب فيقول: زعمتم أني أغلى أسعاركم فعلى من يغليها لعنة الله.\rوكان هشام كتب إليه لا تبيعن من الغلات شيئاً حتى تباع غلات أمير المؤمنين.\rوكان يقول لابنه: كيف أنت إذا احتاج إليك ابن أمير المؤمنين ؟ فبلغ ذلك كله هشاما، فتنكر له، وبلغه أنه يستقل ولاية العراق، فكتب إليه هشام: يا بن أم خالد، بلغني أنك تقول: ما ولاية العراق لي بشرف. يا بن اللخناء، كيف لا تكون ولاية العراق لك شرفا، وأنت من بجيلة القليلة الذليلة ! أما والله إني لأظن أن أول من يأتيك صغير من قريش يشد يديك إلى عنقك.\rولم يزل يبلغه عنه ما يكره، فعزم على عزله وكتم ذلك، وكتب إلى يوسف بن عمر - وهو باليمن يأمره أن يقدم في ثلاثين من أصحابه إلى العراق، فقد ولاه ذلك.\rفسار يوسف إلى الكوفة فعرس قريباً منها، وقد ختن طارقٌ خليفة خالد بالكوفة ولده، فأهدى إليه ألف وصيف ووصيفة سوى الأموال والثياب، فمر بيوسف بعض أهل العراق فسألوه ما أنتم ؟ وأين تريدون ؟ قالوا: بعض المواضع؛ فأتوا طارقاً فأخبروه خبرهم، وأمروه بقتلهم، وقالوا: إنهم خوارج.\rوسار يوسف إلى دور ثقيف. فقيل لهم: ما أنتم ؟ فكتموا حالهم. وأمر يوسف فجمع إليه من هناك من مضر، فلما اجتمعوا دخل المسجد مع الفجر، وأمر المؤذن فأقام الصلاة. فصلى، وأرسل إلى خالد وطارق فأخذهما وإن القدور لتغلى.\rوقيل: لما أراد هشام أن يولي يوسف العراق كتم ذلك، فقدم جندب مولى يوسف بكتاب يوسف إلى هشام، فقرأه ثم قال لسالم مولى عنبسة - وهو على الديوان: أجبه عن لسانك، وأتني بالكتاب.\rوكتب هشام بخطه كتابا صغيرا إلى يوسف يأمره بالمسير إلى العراق.\rفكتب سالم الكتاب وأتاه به، فجعل كتابه في وسطه وختمه، ثم دعا رسول يوسف فأمر به فضرب ومزقت ثيابه، ودفع إليه الكتاب، فسار وارتاب بشير بن أبي ثلجة وكان خليفة سالم، وقال: هذه حيلةٌ، وقد ولى يوسف العراق. فكتب إلى عياض - وهو نائب سالم بالعراق: إن أهلك قد بعثوا إليك بالثوب اليماني: فإذا أتاك فالبسه، واحمد الله تعالى. وأعلم ذلك طارقا. فأعلم عياض طارق بن أبي زيادب الكتاب، ثم ندم بشير على كتابه، فكتب إلى عياض: إن أهلك قد بدا لهم في إمساك الثوب.\rفأتى عياض بالكتاب الثاني إلى طارق، فقال طارق: الخبر في الكتاب الأول، ولكن بشيرا ندم وخاف أن يظهر الخبر.","part":6,"page":102},{"id":2603,"text":"وركب طارقٌ من الكوفة إلى خالد وهو بواسط، فرآه داود، وكان على حجابة خالد وديوانه، فأعلم خالداً فأذن له، فلما رآه قال: ما أقدمك بغير إذن ؟ قال: أمرٌ كنت أخطأت فيه، كنت قد كتبت إلى الأمير أعزيه بأخيه أسد، وإنما كان يجب أن آتيه ماشياً، فرق خالد ودمعت عيناه، فقال: ارجع إلى عملك. فأخبره الخبر لما غاب داود؛ قال: فما الرأي ؟ قال: تركب إلى أمير المؤمنين فتعتذر إليه مما بلغه عنك. قال: لا أفعل ذلك بغير إذن. قال: فترسلني إليه حتى آتيك بإذنه. قال: ولا هذا. قال: فاضمن لأمير المؤمنين جمع ما انكسر في هذه السنين وآتيك بعهده. قال: وكم مبلغه ؟ قال: مائة ألف ألف. قال: ومن أين أجدها ؟ والله ما أجد عشرة آلاف ألف درهم. قال: أتحمل أنا وفلان وفلان. قال: إني إذاً للئيم، أن كنت أعطيتكم شيئاً وأعود فيه. قال طارق: إنما نقيك ونقي أنفسنا بأموالنا، ونستأنف الدنيا وتبقى النعمة عليك وعلينا خيرٌ من أن يجيء من يطالبنا بالأموال. وهي عند أهل الكوفة فيتربصون فنقتل ويأكلون تلك الأموال. فأبى خالد، فودعه طارق وبكى، وقال: هذا آخر ما نلتقي في الدنيا، ومضى إلى الكوفة، وخرج خالد إلى الحمة، وقدم رسول يوسف عليه اليمن، فقال: أمير المؤمنين: ساخط عليك، وقد ضربني، ولم يكتب جواب كتابك، وهذا كتاب سالم صاحب الديوان، فقرأه، فلما انتهى إلى آخره قرأ كتاب هشام بخطه بولاية العراق، ويأمره أن يأخذ ابن النصرانية - يعني خالدا وعماله - فيعذبهم، فأخذه ليلا، وسار من يومه، واستخلف على اليمن ابنه الصلت، فقدم الكوفة في جمادى الآخرة سنة 1عشرين ومائة، فنزل النجف، وأرسل مولاه كيسان، وقال: انطلق فأتني بطارق، فإن قبل فاحمله على إكاف، وإن لم يقبل فأت به سحباً، فأتى كيسان الحيرة فأخذ معه عبد المسيح سيد أهلها إلى طارق، فقال له: إن يوسف قد قدم على العراق وهو يستدعيك. فقال له طارق: إن أراد الأمير المال أعطيته ما شاء.\rوأقبلوا به إلى يوسف بالحيرة، فضربه ضرباً مبرحاً يقال خمسمائة سوط. ودخل الكوفة، وأرسل إلى خالد بالحمة. فأخذه وحبسه وصالحه عنه أبان بن الوليد على سبعة آلاف ألف، فقيل ليوسف: لو لم تفعل لأخذت منه مائة ألف ألف، فندم، وقال: قد رهنت لساني معه، ولا أرجع.\rوأخبر أصحاب خالد خالداً، فقال: قد أخطأتم ولا آمن أن يأخذها ثم يعود. ارجعوا، فرجعوا، فأخبروه أن خالدا لم يرض. فقال: قد رجعتم ؟ قالوا: نعم. قال: والله لا أرضى بمثلها ولا مثيلها، فأخذ أكثر من ذلك.\rوقيل: أخذ مائة ألف ألف، وحبس خالد بن عبد الله بالحيرة ثمانية عشر شهراً مع أخيه إسماعيل وابنه يزيد بن خالد وابن أخيه المنذر بن أسد.\rوكتب يوسف إلى هشام يستأذنه في تعذيبه، فأذن له مرة واحدة، فعذبه ثم رده إلى حبسه.\rوقيل: بل عذبه عذاباً كثيراً، وأمر هشامٌ بإطلاقه في شوال سنة 1إحدى وعشرين ومائة، فأطلقه فأتى القرية التي بإزاء الرصافة، فأقام بها إلى صفر سنة اثنتين وعشرين.\rوخرج زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم على ما نذكره إن شاء الله.\rفكتب يوسف إلى هشام: إن بني هاشم كانوا قد هلكوا جوعاً، فكانت همة أحدهم قوت عياله، فلما ولى خالدٌ العراق أعطاهم الأموال، فطمحت أنفسهم إلى الخلافة، وما خرج زيدٌ إلا عن رأي خالد.\rفقال هشام: كذب يوسف، وضرب رسوله، وقال: لسنا نتهم خالداً في طاعةٍ. وسمع خالد، فسار حتى نزل دمشق، ثم كان من أمره ومقتله ما نذكره إن شاء الله في سنة 1ست وعشرين ومائة في أيام الوليد، وكانت ولاية خالد العراق في شوال سنة 1خمس ومائة، وعزل في جمادى الآخرة سنة عشرين.\rقال: ولما ولي يوسف العراق كان الإسلام ذليلا والحكم إلى أهل الذمة، فقال يحيى بن نوفل فيه:\rأتانا وأهل الشّرك أهل زكاتنا ... وحكامنا فيما نسرّ ونجهر\rفلما أتانا يوسف الخير أشرقت ... له الأرض حتّى كل وادٍ منوّر\rوحتى رأينا العدل في الناس ظاهراً ... وما كان من قبل العقيليّ يظهر\rوحج بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي.\rوقيل: حج بهم سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل: أخوه يزيد بن هشام، والله أعلم.\rسنة 1احدى وعشرين ومائة:","part":6,"page":103},{"id":2604,"text":"في هذه السنة كان ظهور زيد بن علي بن الحين بن علي رضي الله عنهم على ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخبار من نهض في طلب الخلافة من آل أبي طالب، فقتل دونها وهو في السفر الثالث والعشرين من كتابنا هذا.\rوفيها فرغ الوليد بن بكير عامل الموصل من حفر النهر الذي أدخله البلد، وكان مبلغ النفقة عليه ثمانية آلاف ألف درهم، وجعل عليه ثمانين حجراً تطحن. ووقف هشام هذه الأرحاء على عمل النهر.\rوحج بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي سنة 1اثنتين وعشرين ومائة: في هذه السنة كان مقتل زيد بن علي رضي الله عنه على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rقتل البطال\rفي هذه السنة قتل البطال، وهو أبو الحسين عبد الله الأنطاكي، في جماعة من المسلمين. وقيل: كان مقتله في سنة 1ثلاث وعشرين ومائة، وكان كثير الغزاة إلى الروم والإغارة على بلادهم، وله عندهم ذكرٌ عظيم، وله حكاياتٌ في غزواته يطول الشرح بسردها.\rحكى أنه دخل بلاد الروم في بعض غاراته هو وأصحابه، فدخل قريةً لهم ليلا وامرأةٌ تقول لصغير يبكي: تسكت وإلا سلمتك للبطال، ثم رفعته بيدها، وقالت: يا بطال خذه، فتناوله من يدها. وقد وضع الناس له سيرة.\rوحج بالناس محمد بن هشام المخزومي.\rسنة 1ثلاث وعشرين ومائة:\rذكر صلح نصر بن سيار مع الصغد\rفي هذه السنة صالح نصر بن سيار الصغد، وكان خاقان لما قتل تفرقت الترك في غارة بعضها على بعض، فطمع أهل الصغد في الرجعة إليها، وانحاز قومٌ منهم إلى الشاش، فراسلهم نصر بن سيار، ودعاهم إلى الرجوع إلى بلادهم، وأعطاهم ما أرادوا، فاشترطوا شروطا منها ألا يعاقب من كان مسلما وارتد عن الإسلام، ولا يعدى عليهم في دين لأحد من الناس، ولا يؤخذ أسرى المسلمين من أيديهم إلا بقضية قاضٍ وشهادة عدول.\rفعاب الناس ذلك على نصر، فقال: لو عاينتم شوكتهم في المسلمين مثل ما عاينت ما أنكرتم ذلك.\rوأرسل رسولاً إلى هشام في ذلك، فأجابه إليه.\rوحج بالناس في هذه السنة يزيد بن هشام بن عبد الملك.\rسنة 1أربع وعشرين ومائة: في هذه السنة وما قبلها كان من خبر شيعة بني العباس ما نذكره إن شاء الله في أخبارهم.\rوحج بالناس في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل.\rسنة 1خمس وعشرين ومائة:\rوفاة هشام\rبن عبد الملك ونبذة من أخباره كانت وفاته بالرصافة لستٍ خلون من شهر ربيع الآخر منها، وصلى عليه ابنه مسلم وكان عمره ستا وخمسين سنة. وقيل أقل من ذلك إلى اثنتين وخمسين. ومدة خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وأحد عشر يوما، وكان أحول أبيض سميناً منقلب العينين ربعة يخضب بالسواد، وكان حسن السياسة يقظاً يباشر الأمور بنفسه، وكان له من الستور والكسوة ما لم يكن لمن قبله.\rوذكر صاحب العقد: أنه لما حج حملت ثياب لباسه على ستمائة جمل، وكان جماعا للأموال شديد البخل كأبيه.\rقال عقال بن شبة: دخلت على هشام وعليه قباءٌ أخضر، فجعلت أنظر إليه، فقال: مالك ؟ فقلت: رأيت عليك قبل أن تلي الخلافة قباء مثل هذا. فتأملته هل هو هو أم غيره ؟ فقال: هو والله هو. وأما ما ترون من جمع المال فهو لكم.\rقيل: وكتب له بعض عماله: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بسلة دراقن. فكتب إليه: قد وصل وأعجب أمير المؤمنين فزد منه واستوثق من الوعاء.\rوكتب إليه عامل: قد بعثت بكمأةٍ. فأجابه: قد وصلت الكمأة وهي أربعون، وقد تغير بعضها من حشوها، فإذا بعثت شيئاً فأجد الحشو في الظرف التي تجعلها فيه بالرمل حتى لا يضطرب ولا يصيب بعضه بعضاً.\rوقيل له: أتطمع في الخلافة وأنت بخيل جبان ؟ قال: ولم لا أطمع، وأنا عفيف حليم ؟ قالوا: وخلف من العين أربعةً وأربعين ألف ألف دينار، وما لا يحصى من الورق.\rولما مات طلبوا له قمقما من بعض الخزان يسخن له الماء فيه، فمنعه عياض كاتب الوليد، فاستعاروا له قمقماً من بعض الخزان يسخن له فيه.\rوفي أيامه بنى سعيدٌ أخوه قبة بيت المقدس.\rأولاده: كان له عشرة أولاد من الذكور والإناث، منهم: معاوية، وسليمان.\rنقش خاتمه: الحكم للحكم الحكيم.\rكتابه: سعيد بن الوليد، والأبرش الكلبي، ومحمد بن عبد الله ابن حارثة.\rقاضيه: محمد بن صفوان الجمحي.\rحاجبه: غالب مولاه","part":6,"page":104},{"id":2605,"text":"الأمراء بمصر: محمد بن عبد الملك أخوه، ثم استعفاه فولاها بعده أنس بن يوسف بن يحيى بن الحكم بن العاص، ثم استعفى فولاها حفص بن الوليد الحضرمي، ثم صرفه وولاها عبد الملك ابن رفاعة، ثم مات فولاها أخاه الوليد بن رفاعة، ثم مات فولاها عبد الرحمن بن خالد التميمي، ثم صرفه وولاها حنظلة بن صفوان، ثم سيره إلى إفريقية، وولى حفصا.\rوكان على قضائها من قبل هشام يحيى بن ميمون الحضرمي إلى أن وليها الوليد بن رفاعة فصرفه، وولاها أبا نضلة الخيار ابن خالد، ثم مات فولى سعيد بن ربيعة الصدفي، واستعفى، فولى توبة بن يمين الحضرمي، ثم مات فولاها جبر بن نعيم الحضرمي.\rبيعة الوليد بن يزيد هو أبو العباس الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف الثقفي، وهو الحادث عشر من ملوك بني أمية.\rبويع له لستٍ مضين من شهر ربيع الآخر سنة 1خمس وعشرين ومائة.\rقال: وكان يزيد قد جعل ولاية العهد لأخيه هشام من بعده، ثم من بعده للوليد، وكان عمر الوليد إحدى عشرة سنة، ثم عاش يزيد حتى بلغ الوليد خمس عشرة سنة، فكان يزيد يقول: الله بيني وبين من جعل هشاما بيني وبينك.\rفلما ولى هشام أكرم الوليد بن يزيد حتى ظهر من الوليد مجون واشتهر بشرب الشراب، وكان يؤدبه عبد الصمد بن عبد الأعلى يحمله على ذلك، واتخذ له ندماء، فأراد هشام أن يقطعهم عنه، فولاه الحج سنة 1ست عشرة ومائة، فحمل معه كلاباً في صناديق، وعمل قبةً على قدر الكعبة ويشرب فيها الخمر، فخوفه أصحابه، وقالوا: لا نأمن الناس عليك وعلينا معك، فلم يفعل. وظهر للناس منه تهاونٌ بالدين واستخفافٌ، فطمع هشام في البيعة لابنه مسلمة، وخلع الوليد، وأراد الوليد على ذلك فأبى، فقال له: اجعله بعدك، فأبى؛ فتنكر له هشام، وعمل سراً في البيعة لابنه مسلمة، فأجابه قوم، فكان ممن أجابه خالاه: محمد، وإبراهيم ابنا هشام ابن إسماعيل، وبنو القعقاع بن خليد العبسي وغيرهم من خاصته. وأفرط الوليد في الشراب، وطلب اللذات؛ فقال له هشام: يا وليد، والله ما أدرى أعلى الإسلام أنت أم لا ؟ ما تدع شيئاً من المنكر إلا أتيته غير متحاش؛ فكتب إليه الوليد:\rيأيّها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر\rنشربها صرفا وممزوجةً ... بالسّخن أحيانا وبالفاتر\rفغضب هشامٌ على ابنه مسلمة، وكان يكنى أبا شاكر، وقال له: يعيرني الوليد بك، وأنا أرشحك للخلافة. فألزمه الأدب، وأحضره الجماعة، وولاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة، فأظهر النسك واللين، وقسم بمكة والمدينة أموالا، فقال مولى لأهل المدينة:\rيأيّها السائل عن ديننا ... نحن على دين أبي شاكر\rالواهب الجرد بأرسانها ... ليس يزنديقٍ ولا كافر\rيعرض بالوليد.\rوكان هشام ينتقص الوليد ويعيبه، فخرج الوليد معه ناسٌ من خاصته ومواليه، فنزل بالأزرق على ماءٍ يقال له الأغدف، وخلف كاتبه عياض بن مسلم عند هشام ليكاتبه بما عندهم.\rوقطع هشام عن الوليد ما كان يجري عليه، وكاتبه فيه الوليد فلم يجبه إلى رده، وأمره بإخراج عبد الصمد من عنده، فأخرجه وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه، فضرب هشامٌ ابن سهيل وسيره إليه، وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه وحبسه. فقال الوليد: من يثق بالناس، ومن يصنع المعروف ؟ هذا الأحول المشؤوم أبى، قدمه على أهل بيته ولى عهده، ثم يصنع بي ما ترون، لا يعلم أن لي في أحدٍ هوىً إلا عبث به.\rوكتب إلى هشام في ذلك يعاتبه، ويسأله أن يرد عليه كاتبه. فلم يرده، فكتب إليه الوليد:\rرأيتك تبني دائما في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزمٍ لهدّمت ما تبني\rتثير على الباقين مجنى ضغينةٍ ... فويلٌ لهم إن متّ من شرّ ما تجني\rكأني بهم والليت أفضل قولهم ... ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغنى\rكفرت يداً من منعمٍ لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمنّ","part":6,"page":105},{"id":2606,"text":"قال، ولم يزل الوليد مقيماً بتلك البرية حتى مات هشام، فلما كان صبيحة اليوم الذي جاءته فيه الخلافة قال لأبي الزبير المنذر بن أبي عمرو: ما أتت علي ليلة منذ عقلت عقلي أطول من هذه الليلة، عرضت لي أمورٌ، وحدثت نفسي فيها بأمور من أمر هذا الرجل - يعني هشاما - قد أولع بي، فاركب بنا نتنفس، فركبا فسارا ميلين، ووقف على كثيب، فنظر إلى رهج، فقال: هؤلاء رسل هشام، نسأل الله من خيرهم؛ إذ بدا رجلان على البريد: أحدهما مولىً لأبي محمد السفيان، فلما قربنا نزلا يعدوان حتى دنوا منه، فسلما عليه بالخلافة، فوجم، ثم قال: أمات هشام؟ قالا: نعم والكتاب معنا من سالم ابن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل. فقرأه؛ وسأل مولى أبي محمد السفياني عن كاتبه عياض، فقال: لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام الموت، فأرسل إلى الخزان فقال: احتفظوا بما في أيديكم، فأفاق هشام فطلب شيئاً فمنعوه، فقال: إنا لله، كنا خزاناً للوليد، ومات من ساعته.\rوخرج عياض من السجن، فختم أبواب الخزائن، وأنزل هشاماً عن فرشه وما وجدوا له قمقما يسخن فيه الماء حتى استعاروه، ولا وجدوا له كفناً من الخزائن، فكفنه غالب مولاه، فقال الوليد:\rهلك الأحول المشو ... م فقد أرسل المطر\rوملكنا من بعد ذا ... ك، فقد أورق الشجر\rفاشكر الله إنّه ... زائد كلّ من شكر\rوقيل: إن هذا الشعر لغير الوليد.\rقال: ولما سمع الوليد بموته كتب إلى العباس بن عبد الملك ابن مروان أن يأتي الرصافة فيحصى ما فيها من أموال هشام وولده وعماله وحشمه إلا مسلمة بن هشام فإنه كان يكلم أباه في الرفق بالوليد، فقدم العباس الرصافة ففعل ذلك وكتب به إلى الوليد، فقال الوليد:\rليت هشاما كان حيّاً يرى ... محلبه الأوفر قد أترعا\rليت هشاماً عاش حتى يرى ... مكياله الأوفر قد طبّعا\rكلناه بالصّاع الذي كاله ... وما ظلمناه به إصبعا\rوما أتينا ذاك عن بدعةٍ ... أحلّه الفرقان لي أجمعا\rوضيق الوليد على أهل هشام وأصحابه، واستعمل العمال، وكتب إلى الآفاق بأخذ البيعة، فجاءته بيعتهم.\rقال: ولما ولي الوليد أجرى على زمني أهل الشام وعميانهم وكساهم، وأمر لكل إنسان منهم بخادمٍ، وأخرج لعيالات الناس الكسوة والطيب، وزادهم؛ وزاد الناس في العطاء عشرات؛ ثم زاد أهل الشام بعد العشرات عشرةً عشرةً، وزاد الوفود، ولم يقل في شيء يسأله: لا.\rوفي هذه السنة، عقد الوليد البيعة لابنيه: الحكم، وعثمان من بعده، وكتب بذلك إلى الإمصار، وجعل الحكم مقدما والآخر من بعده.\rوفيها استعمل الوليد خالد بن يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي على المدينة ومكة والطائف، ودفع إليه محمداً وإبراهيم ابني هشام ابن إسماعيل المخزومي موثقين في عباءتين؛ فقدم بهما المدينة في شعبان، فأقامهما للناس، ثم حملا إلى الشام، فأحضرا عند الوليد، فأمر، بجلدهما، فقال محمد: نسألك القرابة. قال: وأي قرابة بيننا ! قال: فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب بسوط إلا في حد. قال: ففي حد أضربك وقود، أنت أول من فعل بالعرجى وهو ابن عمي؛ وابن أمير المؤمنين عثمان - وكان محمد قد أخذه وقيده وأقامه للناس وجلده، وسجنه إلى أن مات بعد تسع سنين لهجاء العرجى إياه، ثم أمر به الوليد فجلد هو وأخوه إبراهيم ثم أوثقهما، وبعث بهما إلى يوسف بن عمر، وهو على العراق فعذبهما حتى ماتا.\rوفيها عزل الوليد سعد بن إبراهيم عن قضاء المدينة، وولي القضاء يحيى بن سعيد الأنصاري.\rوفيها خرجت الروم إلى زبطرة وهو حصنٌ قديم كان افتتحه حبيب بن مسلمة الفهري، فأخربه الروم الآن فبنى بناءً غير محكم، فعاد الروم وأخربوه أيام مروان بن محمد ثم بناه الرشيد وشحنه بالرجال.\rفلما كانت خلافة المأمون طرقه الروم فشعثوه، فأمر المأمون بمرمته وتحصينه، ثم قصده الروم بعد ذلك أيام المعتصم.\rوفيها أغزا الوليد أخاه الغمر بن يزيد، وأمر على جيش البحر الأسود بن بلال المحاربي، وسيره إلى قبرس ليخير أهلها بين المسير إلى الشام أو إلى الروم، فاختارت طائفةٌ جوار المسلمين، فسيرهم إلى الشام، واختار آخرون الروم فسيرهم إليهم.","part":6,"page":106},{"id":2607,"text":"وحج بالناس في هذه السنة يوسف بن محمد بن يوسف. وغزا النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة.\rسنة 1ست وعشرين ومائة:\rمقتل خالد القسري\rوشيء من أخباره قد ذكرنا من أخباره في سنة 1عشرين ومائة ما تقدم، وذكرنا أنه لما أفرج عنه سار من الحيرة إلى دمشق.\rقال: ولما قدمها كان العامل عليها يومئذ كلثوم بن عياض القشيري، وكان يبغض خالدا، واتفق أنه ظهر في دور دمشق حريق في كل ليلة، يلقيه رجلٌ من أهل العراق يقال له: أبو العمرس فإذا وقع الحريق يسرقون.\rوكان أولاد خالد وإخوته بالساحل لحدثٍ كان من الروم، فكتب كلثوم إلى هشام: إن موالي خالد يريدون الوثوب على بيت المال، وإنهم يحرقون البلد كل ليلة.\rفكتب هشام إليه يأمره بحبس آل خالد: الصغير منهم والكبير ومواليهم، فأنفذ من أحضر أولاده وإخوته من الساحل في الجوامع، ومعهم مواليهم، وحبس بنات خالد والنساء والصبيان، ثم ظهر على أبي العمرس ومن كان معه.\rفكتب الوليد بن عبد الرحمن عامل الخراج إلى هشام بأخذ أبي العمرس وأصحابه بأسمائهم وقبائلهم، ولم يذكر فيهم أحداً من موالي خالد.\rفكتب هشام إلى كلثوم يسبه ويأمره بإطلاق آل خالد، فأطلقهم وترك الموالي رجاء أن يشفع فيهم خالد إذا قدم من الصائفة.\rثم قدم خالد فنزل منزله بدمشق، وجاءه الناس للسلام عليه، فقال: خرجت مغازيا سميعا مطيعا، فخلفت في عقبي، وأخذ حرمي وأهل بيتي فحبسوا مع أهل الجرائم كما يفعل بالمشركين، فما منع عصابةً منكم أن تقول: علام حبس حرم هذا السامع المطيع ؟ أخفتم أن تقتلوا جميعاً ؟ أخافكم الله.\rثم قال: مالي ولهشام ليكفن عني أو لأدعون إلى عراقي الهوى، شامي الدار، حجازي الأصل - يعني محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. ولقد أذنت لكم أن تبلغوا هشاماً.\rفلما بلغه قال: قد خرف أبو الهيثم، واستمر خالدٌ مدة أيام وهو بدمشق ويوسف بن عمر يطلب ابنه يزيد بن خالد، فلم يظفر به، وبذل فيه لهشام خمسين ألف ألف.\rفلما هلك هشام وقام الوليد بعده كتب إلى خالدٍ: ما حال الخمسين ألف ألف التي تعلم ؟ واستقدمه، فقدم عليه حتى وقف بباب سرادق الوليد، فأرسل إليه الوليد يقول: أين ابنك يزيد ؟ فقال: كان قد هرب من هشام، وكنا نراه عند أمير المؤمنين، فلما لم نره ظنناه ببلاد قومه من الشراة. فرجع الرسول، فقال: لا، ولكنك خلفته طلبا للفتنة. فقال: قد علم أمير المؤمنين أنا أهل بيت طاعة. فرجع الرسول فقال: يقول أمير المؤمنين: لتأتين به أو لأزهقن نفسك. فرفع خالدٌ صوته، وقال: قل له: هذا والله أردت، لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه.\rفأمر الوليد بضربه فضرب، فلم يتكلم، فحبسه حتى قدم يوسف ابن عمر من العراق بالأموال، فاشتراه من الوليد بخمسين ألف ألف، فأرسل إليه الوليد: إن يوسف قد اشتراك بخمسين ألف ألف، فإن كنت تضمنها وإلا دفعتك إليه.\rفقال خالد: ما عهدت العرب تباع، والله لو سألني أن أضمن عوداً ما ضمنته، فدفعه إلى يوسف، فنزع ثيابه، وحمله على بعيرٍ بغير وطاءٍ، وعذبه عذاباً شديداً، وهو لا يكلمه كلمةً واحدة، ثم حمله إلى الكوفة فعذبه، ووضع المضرسة على صدره فقتله، ودفنه من الليل بالحيرة في العباءة التي كان فيها، وذلك في المحرم سنة 1ست وعشرين ومائة.\rوقيل: بل أمر يوسف فوضع على رجليه عود، وقام عليه الرجال حتى تكسرت قدماه، وما تكلم ولا عبس، ثم على ساقيه وفخذيه، ثم على صدره حتى مات.\rوكانت أم خالد نصرانيةً روميةً استلبها أبوه، فأولدها خالداً وأسد، ولم تسلم، وبنى لها خالد بيعة فذمه الناس على ذلك، فقال الفرزدق:\rألا قطع الرحمن ظهر مطيّةٍ ... أتتنا نهادى من دمشق بخالد\rفكيف يؤمّ الناس من كانت امّه ... تدين بأنّ الله ليس بواحد\rبنى بيعةً فيها النصارى لأمّه ... ويهدم من كفرٍ منار المساجد\rوكان خالد قد أمر بهدم منار المساجد؛ لأنه بلغه أن شاعراً قال:\rليتني في المؤذّنين حياتي ... إنهم يبصرون من في السطوح\rويشيرون أو تشير إليهم ... بالهوى كلّ ذات دلٍّ مليح\rفلما بلغ خالداً هذا الشعر أمر بهدمها.\rولما بلغه أن الناس يذمونه لبنائه البعية لأمه قام يعتذر إليهم، فقال: لعن الله دينهم إن كان شراً من دينكم.","part":6,"page":107},{"id":2608,"text":"وحكى عنه أنه كان يقول: إن خليفة الرجل في أهله أفضل من رسوله إليهم - يعني أن هشاما أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، نبرأ إلى الله من ذلك.\rوكان خالدٌ يصل الهاشميين في أيام إمارته، ويبرهم، إلا أنه كان يبالغ في سب علي رضي الله عنه، ويلعنه، فقيل: إنه كان يفعل ذلك نفياً للتهمة، وتقرباً إلى بني أمية، فأتاه مرةً محمد ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان يستميحه، فلم ير منه ما يحب، فقال: أما الصلة فللها شميين، وليس لنا منه إلا أن يلعن عليا، فبلغ خالدا كلامه، فقال: إن أحب نلنا عثمان بشيء؛ يريد بشيء من اللعن أو السب، والله تعالى أعلم.\rمقتل الوليد\rبن يزيد بن عبد الملك بن مروان وشيء من أخباره كان مقتله يوم الخميس الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1ست وعشرين ومائة.\rوكان سبب ذلك ما قدمناه من اشتهاره باللهو واللعب والخلاعة، فلما ولي الخلافة ما زاد إلا تمادياً وإصراراً، واشتهر بمنادمة القيان وشرب النبيذ، فثقل ذلك على رعيته وجنده، وكرهوه؛ فكان من أعظم ما جنى على نفسه إفساد بني عميه: هشام، والوليد؛ فإنه أخذ سليمان بن هشام فضربه مائة سوط، وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان من أرض الشام، فحبسه بها، فلم يزل محبوسا حتى قتل الوليد.\rوأخذ جاريةً كانت لآل الوليد، فكلمه عثمان بن الوليد في ردها، فقال: لا أردها. فقال: إذن تكثر الصواهل حول عسكرك، وحبس الأفقم يزيد بن هشام، وفرق بين روح بن الوليد وبين امرأته، وحبس عدةً من ولد الوليد، فرماه بنوها شم وبنو الوليد بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه، وقالوا: قد اتخذ مائة جامعة لبني أمية، وكان أشد الناس عليه يزيد بن الوليد، وكان الناس إلى قوله أميل؛ لأنه كان يظهر النسك ويتواضع.\rوكان سعيد بن بيهس بن صهيب قد نهاه عن البيعة لابنيه الحكم وعثمان لصغرهما، فحبسه حتى مات، وفعل بخالد القسري ما ذكرناه ففسدت عليه اليمانية وقضاعة، وهم أكثر جند الشام؛ وكان حريث وشبيب بن أبي مالك الغساني، ومنصور بن جمهور الكلبي؛ وابن عمه حبال ابن عمرو، ويعقوب بن عبد الرحمن، وحميد بن نصر اللخمي، والأصبغ ابن ذؤالة والطفيل بن حارثة، والسرى بن زياد، أتوا خالد بن ابن عبد الله القسري، فدعوه إلى أمرهم، فلم يجبهم، وأراد الوليد الحج، فخاف خالد أن يقتلوه، فنهاه عن الحج، فقال: ولم ؟ فلم يخبره، فحبسه، وطالبه بأموال العراق ثم سلمه إلى يوسف ابن عمر كما تقدم، فقال بعض أهل اليمن شعراً على لسان الوليد يحرض عليه اليمانية.\rوقيل: بل قاله الوليد يوبخ اليمن على ترك نصر خالد:\rألم تهتج فتدكر الوصالا ... وحبلاً كان متّصلاً فزالا\rبلى فالدّمع منك إلى انسجام ... كماء المزن ينسجل انسجالا\rفدع عنك ادّكارك آل سعدى ... فنحن الأكثرون حصى ومالاً\rونحن المالكون الناس قسراً ... نسومهم المذلّة والنّكالا\rوطئنا الأشعري بعزّ قيس ... فيالك وطأةً لن تستقالا\rوهذا خالدٌ فينا أسيراً ... ألا منعوه إن كانوا رجالا\rعظيمهم وسيّدهم قديما ... جعلنا المخزيات له ظلالا\rفلو كانت قبائل ذات عزٍّ ... لما ذهبت صنائعه ضلالا\rولا تركوه مسلوبا أسيراً ... يعالج من سلاسلنا الثّقالا\rوكندة والسّكون فما استقاموا ... ولا برحت يخولهم الرّحالا\rبها سمنا البريّة كلّ خسف ... وهدّمنا السهولة والجبالا\rولكنّ الوقائع ضعضعتهم ... وجذّتهم وردّتهم شلالا\rفما زالوا لنا أبداً عبيدا ... نسومهم المذلّة والسفالا\rفأصبحت الغداة عليّ تاجٌ ... لملك الناس لا يبغي انتقالا\rفعظم ذلك عليهم، وسعوا في قتله، وازدادوا حنقاً، وقال حمزة ابن بيض في الوليد:\rوصلت سماء الضّرّ بالضّرّ بعدما ... زعمت سماء الذلّ عنا ستقلع\rفليت هشاما كان حيّاً يسوسنا ... وكنا كما كنّا نرجّى ونطمع\rوقال أيضاً:","part":6,"page":108},{"id":2609,"text":"يا وليد الخنا تركت الطّريقا ... واضحا وارتكبت فجّاً عميقا\rوتماديت واعتديت وأسرف ... ت وأغويت وانبعثت فسوقاً\rأبدا هات ثم هات وهاتي ... ثم هاتي حتى تخرّ صعيقا\rأنت سكران لا تفيق فما تر ... تق فتقاً إلاّ فتقت فتوقا\rفأتت اليمانية يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأرادوه على البيعة، فاستشار عمر بن زيد الحكمي، فقال له: لا يبايعك الناس على هذا، وشاور أخاك العباس؛ فإن بايعك لم يخالفك أحدٌ، وإن أبى كان الناس له أطوع؛ فإن أبيت إلا المضي على رأيك فأظهر أنّ أخاك العباس قد بايعك.\rوكان الشام وبيئاً فخرجوا إلى البوادي، وكان العباس بالقسطل ويزيد بالبادية أيضاً، فأتى يزيد العباس فاستشاره فنهاه عن ذلك، فرجع وبايع الناس سراً، وبث دعاته، فدعوا الناس، ثم عاود أخاه العباس أيضا فاستشاره ودعاه إلى نفسه، فزبره، وقال: إن عدت لمثل هذا لأشدنك وثاقاً، ولأحملنك إلى أمير المؤمنين.\rفخرج من عنده، فقال العباس: إني لأظنه أشأم مولودٍ في بني مروان.\rوبلغ الخبر مروان بن محمد بإرمينية. فكتب إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهي الناس ويكفهم ويحذرهم الفتنة ويخوفهم خروج الأمر عنهم. فأعظم سعيد ذلك، وبعث الكتاب إلى العباس بن الوليد، فاستدعى العباس يزيد وتهدده؛ فكتمه يزيد أمره فصدقه، وقال العباس لأخيه بشر بن الوليد: إني أظن الله قد أذن في هلاككم يا بني أمية، ثم تمثل:\rإني أعيذكم بالله من فتنٍ ... مثل الجبال تسامى ثم تندفع\rإنّ البريّة قد ملّت سياستكم ... فاستمسكوا بعمود الدّين وارتدعوا\rلا تلحمنّ ذئاب الناس أنفسكم ... إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا\rلا تبقرنّ بأيديكم بطونكمو ... فثمّ لا حسرةٌ تغنى ولا جزع\rقال: فلما اجتمع ليزيد أمره وهو بالبادية أقبل إلى دمشق، وكان بينه وبينها أربع ليال، وجاء متنكراً في سبعة نفر على حمير، فنزلوا بجرود - وهي على مرحلة من دمشق، ثم سار فدخل دمشق ليلاً، وقد بايع له أكثر أهلها سراً، وبايع أهل المزة؛ وكان على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج، فخرج منها للوباء، فنزل قطناً، واستخلف على دمشق ابنه، وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمى؛ فأجمع يزيد على الظهور، فقيل للعامل: إن يزيد خارجٌ فلم يصدق، وراسل يزيد أصحابه بعد المغرب ليلة الجمعة، فكمنوا عند باب الفراديس حتى أذن بالعشاء؛ فدخلوا المسجد فصوا، وللمسجد حرس قد وكلوا بإخراج الناس منه بالليل، فلما صلى الناس أخرجهم الحرس وتباطأ أصحاب يزيد حتى لم يبق في المسجد غيرهم، فأخذوا الحرس، ومضى يزيد ابن عنبسة إلى يزيد بن الوليد، فأعلمه، وأخذ بيده، فقال: قم يا أمير المؤمنين، وأبشر بنصر الله وعونه. فقام، وأقبل في اثني عشر رجلا.\rفلما كان عند سوق الحمر لقوا أربعين رجلاً من أصحابهم، ولقيهم زهاء مائتي رجل، فمضوا إلى المسجد فدخلوه وأتوا باب المقصورة فضربوه، وقالوا: رسل الوليد؛ ففتح لهم الباب خادمٌ فدخلوا فأخذوا أبا العاج وهو سكران، وأخذوا خزان بيت المال، وأرسل إلى كل من كان يحذره فأخذ وقبض محمد بن عبيدة وهو على بعلبك، وأرسل إلى محمد بن عبد الملك بن الحجاج فأخذه، وكان بالمسجد سلاحٌ كثير، فأخذوه.\rفلما أصبحوا جاء أهل المزة وتبايع الناس، وجاءت السكاسك، وأقبل أهل داريا ويعقوب بن عمير بن هانيء العبسي.\rوأقبل عيسى بن شبيب التغلبي وأهل دومة وحرستا، وأقبل حميد بن حبيب اللخمي في أهل دير مران والأرزة وسطرا وأقبل أهل جرش وأهل الحديثة وديرزكي.\rوأقبل ربعي بن هاشم الحارثي في الجماعة من بني عذرة وسلامان، وأقبلت جهينة ومن والاهم.\rثم وجه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد في مائتي فارس ليأخذوا عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف من قصره، فأخذوه بأمانٍ، وأصاب عبد الرحمن خرجين في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار، فقيل له: خذ أحد هذين الخرجين، فقال: لا تتحدث العرب عني أني أول من خان في هذا الأمر.","part":6,"page":109},{"id":2610,"text":"ثم جهز يزيد جيشا عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، وسيرهم إلى الوليد. وكان يزيد لما ظهر بدمشق سار مولى للوليد إليه، وأعلمه الخبر وهو بالأغدف من عمان، فضربه الوليد وحبسه، وسير أبا محمد عبد الله بن يزيد بن معاوية إلى دمشق، فسار بعض الطريق، وأقام فأرسل إليه يزيد بن الوليد عبد الرحمن بن مصاد، فبايع يزيد.\rولما أتى الخبر الوليد قال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية: سر حتى تنزل حمص، فإنها حصينة، ووجه الخيول إلى يزيد فيقتل أو يؤسر.\rفقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص: ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل، والله يؤيد أمير المؤمنين بنصره.\rفأخذ بقول ابن عنبسة، وسار حتى أتى البخراء - قصر النعمان بن بشير، وسار معه من ولد الضحاك بن قيس أربعون رجلا، فقالوا له: ليس لنا سلاح، فلو أمرت لنا بسلاح ! فلم يعطهم شيئاً، ونازله عبد العزيز.\rوكتب العباس بن الوليد بن عبد الملك إلى الوليد: إني آتيك؛ فأخرج الوليد سريرا وجلس عليه ينتظر العباس، فقاتلهم عبد العزيز، ومعه منصور بن جمهور، فبعث إليهم عبد العزيز زياد بن حصين الكلبي، يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فقتله أصحاب الوليد واقتتلوا قتالا شديدا.\rوكان الوليد قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذي كان قد عقده بالجابية.\rوبلغ عبد العزيز مسير العباس إلى الوليد، فأرسل منصور بن جمهور إلى طريقه، فأخذه قهراً، وأتى به عبد العزيز، فقال له: بايع لأخيك يزيد، فبايع، ووقف ونصبوا رايةً، فقالوا: هذه راية العباس قد بايع لأمير المؤمنين زيد، فقال العباس: إنا لله ! خدعة من خدع الشيطان، هلك والله بنو مروان.\rفتفرق الناس عن الوليد، وأتوا العباس وعبد العزيز، وأرسل الوليد إلى عبد العزيز يبذل له خمسين ألف دينار وولاية حمص ما بقي، ويؤمنه من كل حدث، على أن ينصرف عن قتاله، فأبى ولم يجبه، فظاهر الوليد من درعين، وأتوه بفرسيه: السندى، والزائد، فقاتلهم قتالاً شديدا، فناداهم رجلٌ: اقتلوا عدو الله قتلة قوم لوط، ارجموه بالحجارة، فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق عليه الباب، وقال:\rدعوا لي سليمي والطّلاء وقينة ... وكأساً، ألا حسبي بذلك مالا\rإذا ما صفا عيشي برملة عالج ... وعانقت سلمى لا أريد بدالا\rخذوا ملككم لا ثبّت الله ملككم ... ثباتا يساوي ما حييت عقالا\rوخلّوا عناني قبل عيرٍ وما جرى ... ولا تحسدوني أن أموت هزالا\rقال: وأحاط عبد العزيز بالقصر، فدنا الوليد من الباب، فقال: أما فيكم رجلٌ شريف له حسبٌ وحياء أكلمه ! وقال يزيد ابن عنبسة السكسكي: كلمني. قال: يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم ! ألم أرفع المؤن عنكم ! ألم أعط فقراءكم؛ ألم أخدم زمناكم ؟ فقال: إنا ننقم عليك في أنفسنا، إنما ننقم عليك فيما حرم الله، وشرب الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله.\rقال: حسبك يا أخا السكاسك، فلعمري لقد أكثرت، وإن فيما أحل الله سعة عما ذكرت.\rورجع وجلس، وأخذ مصحفا، ونشره يقرأ فيه، وقال: يوم كيوم عثمان. فصعدوا على الحائط، وكان أول من علاه يزيد ابن عنبسة، فنزل إليه، وأخذ بيده، وهو يريد أن يحبسه، ويؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة؛ فيهم: منصور بن جمهور، وعبد السلام اللخمي، فضربه عبد السلام على رأسه، وضربه السرى بن زياد بن أبي كبشة على وجهه، واحتزوا رأسه، وبعثوا به إلى يزيد، فأتاه الرأس وهو يتغدى، فسجد وأمر بنصب الرأس. فقال له يزيد بن فروة مولى بني مرة: إنما تنصب رؤوس الخوارج؛ وهذا رأس ابن عمك وخليفة، ولا آمن إن نصبته أن ترق له قلوب الناس، وبغضب له أهل بيته.\rفلم يسمع منه، ونصبه على رمح، وطاف به دمشق؛ ثم أمر به أن يدفع إلى أخيه سليمان بن يزيد، فلما نظر إليه سليمان قال: بعداً له ! أشهد أنه كان شروبا للخمر ماجنا فاسقا، ولقد أرادني على نفسي الفاسق - وكان سليمان ممن سعى في أمره.\rوحكى يزيد بن عنبسة ليزيد بن الوليد أن الوليد قال في آخر كلامه: والله لا يرتق فتقكم، ولا يلم شعثكم، ولا تجتمع كلمتكم.\rوكانت مدة خلافة الوليد سنة وشهرين واثنين وعشرين يوما. وكان عمره اثنتين وأربعين سنة. وقيل: قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة.\rوقيل: إحدى وأربعين.","part":6,"page":110},{"id":2611,"text":"وقيل: ست وأربعين سنة. والله أعلم.\rوكان الوليد من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم، وأجوادهم، جيد الشعر، له أشعارٌ حسنة في الغزل والعتاب ووصف الخمر وغير ذلك، إلا أنه كان كثير الانهماك في اللهو والشرب وسماع الغناء.\rومن كلامه: المحبة للغناء تزيد الشهوة، وتهدم المروءة، وتنوب عن الخمر، وتفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء، فإن الغناء رقية الزنى، وإني لأقول ذلك على أنه أحب إلي من كل لذة، وأشهى إلى نفسي من الماء إلى ذي الغلة، ولكن الحق أحق أن يتبع.\rومما اشتهر عنه أنه استفتح المصحف الكريم، فخرج له قوله تعالى: \" واستَفْتَحُوا وخاب كلُّ جبار عنيد \" . فألقاه ونصبه غرضاً، ورماه بالسهام، وقال:\rتهدّدني بجبّار عنيد ... فهأنا ذاك جبّار عنيد\rإذا ما جئت ربّك يوم حشر ... فقل يا ربّ مزّقي الوليد\rفلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى قتل. هذا هو المشهور عنه.\rوروى أبو الفرج الأصفهاني بسنده إلى العلاء البندار، قال: كان الوليد زنديقا، وكان رجلٌ من كلب من أهل الشام يقول مقالة الثنوية، فدخلت على الوليد يوما وذلك الكلبي عنده، وإذا بينهما سفط. قد رفع رأسه عنه، وإذا ما يبدو لي منه حرير أخضر؛ فقال: ادن يا علاء، فدنوت، فرفع الحريرة فإذا في السفط. صورة إنسان، وإذا الزئبق والنوشادر قد جعلا في جفنه. فجفنه يطرف كأنه يتحرك، فقال: يا علاء، هذا مانين لم يبعث الله نبيا قبله، ولا يبعث نبيا بعده؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، اتق الله ولا يغرنك هذا الذي ترى من دينك. فقال الكلبي: يا أمير المؤمنين، قد قلت لك: إن العلاء لا يحتمل هذا الحديث.\rقال العلاء: ومكثت أياما، ثم جلست مع الوليد على بناء كان قد بناه في عسكره يشرف منه والكلبي عنده إذ نزل من عنده، وقد كان الوليد حمله على برذون هملاج أشقر من أفخر ما سخر، فخرج على برذونه، فمضى في الصحراء حتى غاب عن العسكر، فما شعر إلا وأعراب قد جاؤوا به يحملونه منفسحة عنقه، وبرذونه يقاد، حتى أسلموه.\rفبلغني ذلك، فخرجت حتى أتيت أولئك الأعراب، وكانت لهم أبياتٌ بالقرب من أرض البحر لا حجر فيها ولا مدر، فقلت لهم: كيف كانت قصة هذا الرجل ؟ فقالوا: أقبل علينا على برذون، فوالله لكأنه دهنٌ يسيل على صفاة من فراهيته، فعجبنا لذلك إذ انقض رجلٌ من السماء عليه ثيابٌ بيضٌ، فأخذ بضبعيه، فاحتمله، ثم نكسه، وضرب برأسه الأرض، فدق عنقه، ثم غاب عن عيوننا فاحتملناه فجئنا به.\rوقد نزه قوم الوليد عما قيل، وأنكروه ونفوه عنه، وقالوا: إنه اختلق عليه وألصق به، وليس بصحيح.\rحكى عن شبيب بن شيبة أنه قال: كنا جلوساً عند المهدي، فذكروا الوليد، فقال المهدي: كان زنديقا، فقام ابن علاثة الفقيه، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن الله عز وجل أعدل من أن يولى خلافة النبوة وأمر الأمة زنديقا، لقد أخبرني من كان يشهده في ملاعبه وشربه عنه بمروءة في طهارته؛ فكان إذا حضرت الصلاة يطرح الثياب التي عليه المطيبة المصبغة، ثم يتوضأ فيحسن الوضوء، ويؤتى بثيابٍ نظاف بيض فيلبسها، ويصلى فيها، فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب فلبسها، واشتغل بشربه ولهوه، فهذا فعال من لا يؤمن بالله ! فقال المهدي: بارك الله عليك يا بن علاثة.\rوللوليد كلامٌ حسن؛ فمن أحسن كلامه ما قاله لهشام بن عبد الملك لما مات مسلمة بن عبد الملك وقعد هشامٌ للعزاء، فأتاه الوليد وهو نشوان يجر مطرف خز عليه، فوقف على هشام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عقبي من بقي لحوق من مضى، وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى، واختل الثغر فهوى، وعلى أثر من سلف بمضى من خلف؛ فتزودوا فإن خير الزاد التقوى.\rفأعرض هشام ولم يحر جوابا، وسكت القوم فلم ينطقوا.\rوالوليد أول خليفة عد الشعر وأجاز عن كل بيتٍ ألف درهم، فإن يزيد بن ضبة مولى ثقيف مدحه وهنأه بالخلافة فأمر أن تعد الأبيات ويعطى لكل بيت ألف درهم؛ فعدت فكانت خمسين بيتا فأعطى خمسين ألف درهم.\rقال: ودفن الوليد بباب الفراديس بدمشق. وقيل: إنه قتل بأرض حمص.\rوحكى الدولابي أن رأس الوليد نصب في مسجد دمشق ولم يزل أثر دمه على الجدار إلى أن قدم المأمون دمشق في سنة 2خمس عشرة ومائتين، فأمر بحكه.\rوكان الوليد أبيض ربعة قد وخطه الشيب.\rوكان نقش خاتمه: يا وليد، احذر الموت.","part":6,"page":111},{"id":2612,"text":"وكان له من الأولاد الذكور والإناث ثلاثة عشر.\rكاتبه: العباس بن مسلم.\rقاضيه: محمد بن صفوان الجمحي.\rحاجبه: قطري مولاه.\rالأمير بمصر: حفص بن الوليد الحضرمي، ثم صرفه عن الخراج.\rقاضيها: حسين بن نعيم والله أعلم.\rبيعة يزيد الناقص هو أبو خالد يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان؛ ولقب بالناقض؛ لأنه نقص الزيادات التي كان الوليد زادها في أعطيات الناس، وهي عشرة عشرة، ورد العطاء إلى أيام هشام. وقيل: أول من لقبه بهذا اللقب مروان بن محمد.\rوأم يزيد شاه آفريد بنت فيروز بن يزدجر بن شهريار.\rبويع له لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة 1ست وعشرين ومائة.\rقال: ولما قتل الوليد خطب يزيد الناس فذم الوليد، وذكر إلحاده، وأنه قتله لفعله الخبيث، وقال: أيها الناس، إن لكم علي ألا أضع حجراً على حجر، ولا لبنةً على لبنةٍ، ولا أكرو نهرا، ولا أكنز مالاً، ولا أعطيه زوجةً وولدا، ولا أنقل مالا من بلد حتى أسد ثغره وخصاصة أهله بما يغنيهم، فما فضل نقلته إلى البلد الذي يليه، ولا أجمركم في ثغوركم فأفتنكم، ولا أغلق بابي دونكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم، ولكم أعطياتكم كل سنةٍ وأرزاقكم في كل شهر، حتى يكون أقصاكم كأدناكم؛ فإن وفيت بما قلت فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن لم أوف فلكم أن تخلعوني، إلا أن أتوب، وإن علمتم أحداً ممن يعرف بالصلاح يعطيكم مثل ما أعطيكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه.\rأيها الناس، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. والله الموفق بمنه وكرمه.\rاضطراب أمر بني أمية\rوفي سنة ست وعشرين ومائة في أيام يزيد هذا اضطرب أمر بني أمية، وهاجت الفتنة، فكان من ذلك وثوب سليمان بن هشام ابن عبد الملك بعمان، وكان الوليد قد حبسه بها، فلما قتل خرج من الحبس، وأخذ ما كان بها من الأموال، وأقبل إلى دمشق، وجعل يلعن الوليد ويعيبه بالكفر.\rومن ذلك خلاف أهل حمص وفلسطين: ذكر خلاف أهل حمص قال: ولما قتل الوليد أغلق أهل حمص أبوابها، وأقاموا النوائح والبواكي عليه. وقيل لهم: إن العباس بن الوليد بن عبد الملك أعان عبد العزيز على قتله، فهدموا داره، وانتهبوها، وسلبوا حريمه، وطلبوه؛ فسار إلى أخيه يزيد، وكاتب أهل حمص الأجناد، ودعوهم إلى الطلب بدم الوليد، فأجابوهم واتفقوا على ألا يطيعوا يزيد، وأمروا عليهم معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير، ووافقهم مروان بن عبد الله بن عبد الملك على ذلك، فراسلهم يزيد، فأخرجوا رسله، فسير إليهم أخاه مسرورا في جمع كثير، فنزلوا حوارين، ثم قدم على يزيد سليمان بن هشام، فرد عليه ما كان الوليد أخذه من أموالهم، وسيره إلى أخيه مسرور، وأمرهم بالسمع والطاعة له؛ وكان أهل حمص يريدون السير إلى دمشق، فقال لهم مروان بن عبد الله: أرى أن تسيروا إلى هذا الجيش فتقاتلوهم، فإن ظفرتم بهم كان ما بعدهم أهون عليكم، ولست أرى المسير إلى دمشق وترك هؤلاء خلفكم.\rفقال السمط بن ثابت: إنما يريد خلافكم، وهو مائل ليزيد، فقتلوه وقتلوا ابنه، وولوا عليهم أبا محمد السفياني، وتركوا عسكر سليمان ذات اليسار، وساروا إلى دمشق، فخرج سليمان مجداً في طلبهم، فلحقهم بالسليمانية - مزرعة كانت لسليمان ابن عبد الملك خلف عذراء.\rوأرسل يزيد عبد العزيز بن الحجاج في ثلاثة آلاف إلى ثنية العقاب، وأرسل هشام بن مصاد في ألف وخمسمائة إلى عقبة السلامية. وأمرهم أن يمد بعضهم بعضا، ولحقهم سليمان على تعب مقاتلتهم، فانهزمت ميمنته وميسرته، وثبت هو في القلب، ثم حمل أصحابه على أهل حمص حتى ردوهم إلى موضعهم، وحمل بعضهم على بعض مراراً.\rفبينما هم كذلك إذ أقبل عبد العزيز من ثنية العقاب، فحمل على أهل حمص حتى دخل عسكرهم، وقتل فيه من عرض له، فانهزموا ونادوا: يا يزيد بن خالد بن عبد الله القسري ! الله الله في قومك ! فكف الناس، وأخذ أبو محمد السفياني أسيراً، ويزيد بن خالد بن معاوية، فأتى بهما سليمان فسيرهما إلى يزيد فحبسهما.\rواجتمع أمر أهل دمشق ليزيد، وبايعه أهل حمص، فأعطاهم العطاء، وأجاز الأشراف؛ واستعمل عليهم يزيد بن الوليد ابن معاوية بن يزيد بن الحصين.\rذكر خلاف أهل فلسطين","part":6,"page":112},{"id":2613,"text":"وفي هذه السنة وثب أهل فلسطين على عاملهم سعيد بن عبد الملك فطردوه، وكان الوليد قد استعمله عليهم، فأحضروا يزيد بن سليمان بن عبد الملك فجعلوه عليهم، فدعا الناس إلى قتال يزيد، فأجابوه إلى ذلك؛ وبلغ أهل الأردن أمر أهل فلسطين، فولوا عليهم محمد بن عبد الملك، واجتمعوا معهم على قتال يزيد ابن الوليد، فبعث يزيد إليهم سليمان بن هشام بن عبد الملك في أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السفياني، وعدتهم أربعة آلاف ونيف، فبايع الناس ليزيد، واستعمل ضبعان بن روح على فلسطين وإبراهيم بن الوليد بن عبد الملك على الأردن.\rذكر عزل يوسف بن عمر عن العراق وما كان من أمره، واستعمال منصور بن جمهور وفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق، واستعمل منصور بن جمهور، وقال له لما ولاه العراق: اتق الله واعلم أني إنما قتلت الوليد لفسقه، ولما أظهر من الجور، فلا تركب مثل ما قتلناه عليه. فسار حتى إذا بلغ عين التمر كتب إلى من بالحيرة من قواد أهل الشام يخبرهم بقتل الوليد وتأميره على العراق ويأمرهم بأخذ يوسف وعماله، وبعث بالكتب كلها إلى سليمان بن سليم بن كيسان ليفرقها على القواد، فحبس الكتب؛ وحمل كتابه فأقرأه يوسف بن عمر، فتحير في أمره، وقال: ما الرأي يا سليمان ؟ قال: ليس لك إمامٌ تقاتل معه، ولا يقاتل أهل الشام معك، ولا آمن عليك منصوراً. وما الرأي إلا أن تلحق بشامك.\rقال: فكيف الحيلة ؟ قال: تظهر الطاعة ليزيد وتدعو له في خطبتك؛ فإذا قرب منصور تستخفي عندي وتدعه والعمل.\rثم مضى سليمان إلى عمرو بن محمد بن سعيد بن العاص، فأخبره بالأمر، وسأله أن يؤوى يوسف بن عمر عنده، ففعل، فانتقل يوسف إليه، فلم ير رجلٌ كان مثل عتوه خاف مثل خوفه.\rوقدم منصور الكوفة فحضهم وذم الوليد ويوسف، وقامت الخطباء فذموهما معه، فأتى عمرو بن محمد إلى يوسف، فأخبره؛ فجعل لا يذكر له رجلا ممن ذكره بسوء إلا قال: لله على أن أضربه كذا وكذا سوطاً؛ فجعل عمرو يتعجب من طمعه في الولاية، وتهدده لناس.\rوسار يوسف من الكوفة سراً إلى الشام، فنزل البلقاء، فلما بلغ خبره يزيد بن الوليد وجه إليه خمسين فارساً، فعرض رجلٌ من بني نمير ليوسف، وقال: يا بن عمر، أنت والله مقتولٌ، فأطعني وامتنع.\rقال: لا، فدعني أقتلك أنا ولا تقتلك هذه اليمانية فتغيظنا بقتلك.\rقال: مالي فيما عرضت خيار، فطلبه المسيرون إليه، فلم يروه، فتهددوا ابناً له، فقال لهم: انطلق إلى مزرعة له، فساروا في طلبه، فلما أحس بهم هرب وترك نعليه، ففتشوا عليه فوجدوه بين نسوةٍ قد ألقين عليه قطيفة خز وجلسن على حواشيها حاسرات، فجروا برجله، وأخذوه، وأقبلوا به إلى يزيد، فوثب عليه بعض الحرس، فأخذ بلحيته ونتف بعضها، وكان من أعظم الناس لحيةً، وأصغرهم قامةً.\rفلما أدخل على يزيد قبض على لحية نفسه، وهي إلى سرته، وجعل يقول: يا أمير المؤمنين؛ نتفت والله لحيتي، حتى لم يبق فيها شعرة؛ فأمر به فحبس في الخضراء فأتاه إنسان فقال له: أما تخاف أن يطلع عليك بعض من وترت فيلقى عليك حجراً فيقتلك ؟ قال: ما فطنت لهذا، فأرسل إلى يزيد يطلب منه أن يحول إلى حبس غير الخضراء، وإن كان أضيق منه، فعجبوا من حمقه، فنقله وحبسه مع ابني الوليد، فبقي في الحبس ولاية يزيد وشهرين وعشرة أيام من ولاية إبراهيم.\rفلما قرب مروان من دمشق ولي يزيد بن خالد القسري مولىً لأبيه يقال له أبو الأسد قتلهم، فقتل الحكم وعثمان ويوسف على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى.\rوكان يوسف بن عمر يحمق، وفيه أشياء متباينة متناقضة؛ كان طويل الصلاة، ملازماً للمسجد، ضابطاً لحشمه وأهله عن الناس، لين الكلام، متواضعاً، حسن المملكة كثير التضرع والدعاء، فكان يصلي الصبح، ولا يكلم أحداً حتى يصلي الضحى، وهو فيما بين ذلك يقرأ القرآن ويتضرع، وكان بصيراً بالشعر والأدب، وكان شديد العقوبة، مسرفاً في ضرب الأبشار، وكان يأخذ الثوب الجيد فيمر ظفره عليه فإن تعلق به طاقه ضرب صاحبه، وربما قطع يده.","part":6,"page":113},{"id":2614,"text":"حكى أنه أتى يوما بثوبٍ فقال لكاتبه: ما تقول في هذا الثوب ؟ قال: كان ينبغي أن تكون بيوته أصغر مما هي. فقال للحائك: صدق يا بن اللخناء. فقال الحائك: نحن أعلم بهذا. فقال لكاتبه: صدق يا بن اللخناء. فقال الكاتب: هذا يعمل في السنة ثوبا أو ثوبين وأنا يمر على يدي في السنة مائة ثوب مثل هذا. فقال للحائك: صدق يا بن اللخناء، فلم يزل يكذب هذا مرةً، وهذا مرةً حتى عد أبيات الثوب، فوجدها تنقص بيتاً من أحد جانبي الثوب، فضرب الحائك مائة سوط.\rوقيل: إنه أراد السفر فدعا جواريه، فقال لإحداهن: تخرجين معي ؟ قالت: نعم. قال: يا خبيثة. كل هذا من حب النكاح، يا خادم، اضرب رأسها. وقال لأخرى: ما تقولين ؟ فقالت: أقيم على ولدي. فقال: يا خبيثة، كل هذا زهادة في، اضرب رأسها. وقال لثالثةٍ: ما تقولين ؟ قالت: لا أدري ما أقول، إن قلت ما قالت إحداهما لم آمن عقوبتك. فقال: يا لخناء وتناقضين وتحتجين، اضرب رأسها.\rوكان قصيراً، فكان يحضر الثوب الطويل ليفصله ليلبسه، فإن قال له الخياط: إنه يفضل منه ضرب رأسه، وإن قال: لا يكفي إلا بعد التصرف في التفصيل سره ذلك، فكانوا يفصلون له ويأخذون ما بقي. وكان له في ذلك أشياء كثيرة.\rفلنرجع إلى أخبار منصور بن جمهور.\rقال: وكان دخول منصور الكوفة لأيامٍ خلت من شهر رجب سنة 1ست وعشرين ومائة، فأخذ بيوت الأموال، وأخرج العطاء والأرزاق، وأطلق من كان في السجون من العمال وأهل الخراج، وبايع ليزيد بالعراق، وأقام بقية رجب وشعبان ورمضان، وانصرف لأيامٍ بقين منه.\rوامتنع نصر بن سيار بخراسان من تسليم عمله لعامل منصور، فإن يزيد كان قد ضم خراسان لمنصور مع العراق.\r؟ذكر عزل منصور بن جمهور عن العراق وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وفي هذه السنة عزل يزيد بن الوليد منصور بن جمهور عن العراق، واستعمل عبد الله بن عمر بن عبد العزيز: وقال له: سر إلى العراق فإن أهله يميلون إلى أبيك. وخاف ألا يسلم إليه المنصور العمل، فانقاد له أهل الشام، وسلم إليه منصورٌ الولاية، وانصرف إلى الشام، ففرق عبد الله العمال، وأعطى الناس أرزاقهم وأعطياتهم، فنازعه قواد أهل الشام، وقالوا: تقسم على هؤلاء فيئنا، وهم عدونا ! فقال لأهل العراق: إني أريد أن أرد عليكم فيئكم، وعلمت أنكم أحق به، فنازعني هؤلاء.\rفاجتمع أهل الكوفة بالجبانة، فأرسل إليهم أهل الشام يعتذرون، وثار غوغاء الناس في الفريقين، فأصيب منهم رهطٌ لم يعرفوا، واستعمل عبد الله بن عمر على شرطته عمر بن الغضبان ابن القبعثري، وعلى خراج السواد والمحاسبات أيضاً.\rالاختلاف بين أهل خراسان\rوفي سنة 1ست وعشرين ومائة وقع الاختلاف بخراسان بين النزارية واليمانية، وأظهر الكرماني الخلاف لنصر بن سيار.\rوكان سبب ذلك أن نصراً رأى الفتنة قد ثارت، فرفع حاصل بيت المال، وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورقاً وذهباً، من أوان كان اتخذها للوليد بن يزيد، فطلب الناس منه العطاء، وهو يخطب؛ فقال نصر: إياي والمعصية، عليكم بالطاعة والجماعة. فوثب أهل السوق إلى أسواقهم، فغضب نصر، وقال: مالكم عندي عطاء ثم قال: كأني بكم وقد نبع من تحت أرجلكم شرٌ لا يطاق، وكأني بكم مطرحين في الأسواق كالجزر المنحورة، إنه لم تطل ولاية رجل إلا ملوها، وأنتم يأهل خراسان مسلحةٌ في نحور العدو، فإياكم أن يختلف فيكم سيفان؛ إنكم تريشون أمرا وتريدون به الفتنة، ولا أبقى الله عليكم، لقد نشرتكم وطويتكم، فما عندي منك عشرة. فاتقوا الله، فوالله لئن اختلف فيكم سيفان ليتمنين أحدكم أنه ينخلع من ماله وولده. يأهل خراسان، إنكم قد غمطتم الجماعة، وركنتم إلى الفرقة.\rثم تمثل بقول النابغة:\rإن يغلب شقاؤكمو عليكم ... فإنيّ في صلاحكموا سعيت\rوقدم على نصر عهده على خراسان من قبل عبد الله بن عمر ابن عبد العزيز؛ فقال الكرماني لأصحابه: الناس في فتنة فانظروا لأموركم رجلا.\rوالكرماني اسمه جديع بن علي الأرذي، وإنما سمى الكرماني لأنه ولد بكرمان، فقالوا له: أنت لنا. وقالت المضرية لنصر: إن الكرماني يفسد عليك الأمور، فأرسل إليه فاقتله أو احبسه.\rقال: لا، ولكن لي أولاد ذكور وإناث، فأزوج بني من بناته، وبناتي من بنيه.","part":6,"page":114},{"id":2615,"text":"قالوا: لا. قال: فأبعث إليه بمائة ألف درهم، وهو بخيل، فلا يعطى أصحابه شيئاً منها، فيتفرقون عنه. قالوا: لا، هذه قوةٌ له، ولم يزالوا به حتى قالوا له: إن الكرماني لو لم يقدر على السلطنة والملك إلا بالنصرانية واليهودية لتنصر وتهود.\rوكان نصرٌ والكرماني متصافيين، وكان الكرماني قد أحسن إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله القسري. فلما ولي نصر عزل الكرماني عن الرياسة وولاها غيره، فتباعد ما بينهما، فلما أكثروا على نصر في أمره عزم على حبسه، فأرسل صاحب حرسه ليأتيه به، فأرادت الأزد أن تخلصه من يده، فمنعهم من ذلك، وسار مع صاحب الحرس وهو يضحك.\rفلما دخل على نصر قال له: يا كرماني، ألم يأتني كتاب يوسف ابن عمر بقتلك فراجعت وقلت: شيخ خراسان وفارسها، فحقنت دمك ؟ قال: بلى. قال: ألم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم، وقسمته في أعطيات الناس ؟ قال: بلى. قال: ألم أرؤس ابنك علياً على كرهٍ من قومك ؟ قال: بلى. قال: فبدلت ذلك إجماعا على الفتنة.\rقال الكرماني: لم يقل الأمير شيئاً إلا وقد كان أكثر منه، وأنا لذلك شاكر، وقد كان مني أيام أسد ما قد علمت، ولست أحب الفتنة.\rقال سلم بن أحوز: اضرب عنقه أيها الأمير، وأشار غيره بذلك، فقام المقدام وقد امة ابنا عبد الرحمن بن نعيم العامري: لجلساء فرعون خيرٌ منكم؛ إذ قالوا: أرجه وأخاه والله لا يقتل الكرماني بقولكم، فأمر نصر بحبسه في القهندز. فحبس وذلك لثلاث بقين من شهر رمضان، فتكلمت الأزد فقال نصر: إني حلفت أن أحبسه، ولا يناله مني سوءٌ، فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلا يكون معه فاختاروا يزيد النحوى، فكان معه؛ فجاء رجل من أهل نسف، فقال لآل الكرماني: ما تجعلون لي إن أخرجته ؟ قالوا: كل ما سالت، فأتى مجرى الماء في القهندز فوسعه، وقال لولد الكرماني: اكتبوا لأبيكم يستعد الليلة للخروج.\rفكتبوا إليه، وأدخلوا الكتاب في الطعام، فتعشى الكرماني، ويزيد النحوي، وحصين بن حكيم؛ وخرجا من عنده.\rودخل الكرماني السرب، فانطوت على بطنه حيةٌ فلم تضره؛ وخرج من السرب، وركب فرسه البشير، والقيد في رجله، فأتوا به عبد الملك بن حرملة فأطلق عنه القيد.\rوقيل: إن الذي خلص الكرماني مولى له رأى خرقاً فوسعه وأخرجه منه، فلم يصل الصبح حتى اجتمع معه زهاء ألف، ولم يرتفع النهار حتى بلغوا ثلاثة آلاف.\rوكانت الأزد قد بايعوا عبد الملك بن حرملة. فلما خرج الكرماني قدمه عبد الملك.\rقال: ولما خرج الكرماني عسكر نصرٌ بباب مرو الروذ، وخطب الناس، فنال من الكرماني، ثم ذكر الأزد، فقال: إن يستوسقوا فهم أذل قومٍ، وإن يأبوا فهم كما قال الأخطل:\rضفادع في ظلماء ليلٍ تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر\rثم ندم على ما فرط منه، فقال: اذكروا الله؛ فإنه خيرٌ لا شر فيه.\rواجتمع إلى نصر بشرٌ كثير، فسفر الناس بينه وبين الكرماني، وسألوا نصراً أن يؤمنه، ولا يحبسه؛ وجاء الكرماني، فوضع يده في يد نصر، فأمره بلزوم بيته، ثم بلغ الكرماني عن نصر شيء، فخرج إلى قريةٍ له، وخرج نصرٌ فعسكر بباب مرو، فكلموه فيه، فأمنه.\rفلما عزل ابن جمهور عن العراق وولى عبد الله بن عمر في شوال من السنة خطب نصر، وذكره، وقال: قد علمت أنه لم يكن من عمال العراق، وقد عزله الله، واستعمل الطيب ابن الطيب.\rفغضب الكرماني لابن جمهور، وعاد في جمع الرجال واتخاذ السلاح؛ فكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمائة فيصلي خارج المقصورة، ثم يدخل فيسلم على نصر، ولا يجلس، ثم ترك إتيان نصر وأظهر الخلاف؛ فأرسل إليه مع سلم بن أحوز، يقول: إني والله ما أردت بحبسك سوءاً، ولكن خفت فساد أمر الناس فأتني. فقال: لولا أنك في منزلي لقتلتك، ارجع إلى ابن الأقطع، فأبلغه ما شئت من خيرٍ أو شر.\rفرجع إلى نصر فأخبره، فلم يزل يرسل إليه مرةً بعد أخرى، فكان آخر ما قال له الكرماني: إني لا آمن أن يحملك قوم على غير ما تريد، فتركب منا ما لا بقية بعده، فإن شئت خرجت عنك لا من هيبةٍ لك، ولكن أكره سفك الدماء، فتهيأ للخروج إلى جرجان؛ ثم كان من أمر الكرماني ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rحرب أهل اليمامة\rوعاملهم","part":6,"page":115},{"id":2616,"text":"قال: لما قتل الوليد بن يزيد كان على اليمامة علي بن المهاجر، استعمله عليها يوسف بن عمر، فقال له المهير بن سلمى بن هلال أحد بني الدؤل بن حنيفة: اترك لنا بلادنا، فأبى؛ فجمع له المهير، وسار إليه، وهو بقصره في قاع هجر، فالتقوا بالقاع، فانهزم علي حتى دخل قصره، ثم هرب إلى المدينة، وقتل المهير ناساً من أصحابه، وتأمر المهير على اليمامة، ثم إنه مات، واستخلف على اليمامة عبد الله بن النعمان أحد بني قيس بن ثعلبة بن الدؤل، فاستعمل عبد الله بن النعمان المندلث بن إدريس الحنفي على الفلج - وهي قرية من قرى بني عامر بن صعصعة، فجمع له بنو كعب ابن ربيعة بن عامر ومعهم بنو عقيل، فأتوا الفلج، فلقيهم المندلث، وقاتلهم، فقتل المندلث وأكثر أصحابه، ولم يقتل من بني عامر كثير، وقتل يومئذ يزيد ابن الطثرية وهي أمه، تنسب إلى طثر بن عنز بن وائل، وهو يزيد بن المنتشر.\rفلما بلغ عبد الله بن النعمان قتل المندلث جمع ألفاً من حنيفة وغيرها، وغزا الفلج.\rفلما تصاف الناس انهزم أبو لطيفة بن مسلم العقيلي، وطارق ابن عبد الله القشيري، والجعونيان، وتجللت بنو جعدة البراذع، وولوا، فقتل أكثرهم، وقطعت يد زياد بن حيان الجعدي؛ ثم قتل.\rثم إن بني عقيل وقشيرا وجعدة ونميرا تجمعوا وعليهم أبو سهلة النميري، فقتلوا من لقوا من بني حنيفة بمعدن الصحراء، وسبوا نساءهم، وكفت بنو نمير عن النساء.\rثم إن عمر بن الوازع الحنفي لما رأى ما فعل عبد الله بن النعمان قال: لست بدون عبد الله وغيره ممن يغير، وهذه فترةٌ يؤمن فيها عقوبة السلطان، فجمع خيله وبثها فأغارت وأغار فملأ يده من الغنائم، وأقبل بمن معه حتى أتى النشاش، وأقبلت بنو عامر، وقد حشدت، فلم يشعر عمر بن الوازع إلا برغاء الإبل، فجمع النساء في فسطاط، وجعل عليهن حرسا، ولقي القوم فقاتلهم، فانهزم هو ومن معه، وهرب ابن الوازع، فلحق باليمامة، وكفت قيسٌ يوم النشاش عن السلب، فجاءت عكل فسلبتهم.\rوجمع عبيد الله بن مسلم الحنفي جمعاً، وأغار على ماءٍ لقشير يقال له حلبان، وأغار على عكل فقتل منهم عشرين رجلا.\rثم قدم المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري والياً على اليمامة من قبل أبيه يزيد بن عمر حين ولي العراق لمروان بن محمد، فوردها وهم سلم.\rوسكنت البلاد؛ ولم يزل عبيد الله بن مسلم الحنفي مستخفياً حتى قدم السري بن عبد الله الهاشمي والياً على اليمامة لبني العباس، فدل عليه فقتله.\rوفي هذه السنة أمر يزيد بن الوليد بالبيعة بولاية العهد لأخيه إبراهيم، ومن بعده لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان.\rوفيها خالف مروان بن محمد يزيد بن الوليد وأظهر الخلاف، وتجهز للمسير إلى الشام، وعرض جند الجزيرة في نيفٍ وعشرين ألفا، فكاتبه يزيد ليبايع له ويوليه ما كان عبد الملك ولي أباه محمدا من الجزيرة وإرمينية والموصل وأذربيجان، فبايع له مروان، وأعطاه يزيد ولاية ما شرطه له.\rوفاة يزيد\rبن الوليد بن عبد الملك كانت وفاته بدمشق لعشر بقين من ذي الحجة سنة 1ست وعشرين ومائة؛ فكانت مدة ولايته خمسة أشهر واثنين وعشرين يوما، وقيل ستة أشهر وليلتين، وقيل ستة أشهر؛ وكان عمره ستا وأربعين سنة.\rواختلف فيه إلى ثلاثين سنة.\rوكان أسمر نحيف البدن، ربع القامة، خفيف العارضين، فصيحا شديد العجب.\rوقيل في صفته: أسمر طويلا صغير الرأس جميلا.\rوكان نقش خاتمه: يا يزيد، قم بالحق. وقيل: كان نقش خاتمه: العظمة لله.\rوكان آخر ما تكلم به: واحسرتاه ! وا أسفاه ! وكان له عقب كثير.\rكاتبه: ثابت بن سليمان.\rقاضيه: عثمان بن عمر بن موسى بن معمر التميمي.\rحاجبه: قطري مولاه. وقيل سلام.\rالأمير بمصر: حفص بن الوليد، ولم يزل عليها إلى أن ولي مروان فاستعفى.\rقاضيها: حسين بن نعيم.\rويزيد أول من خرج بالسلاح يوم العيد، خرج بين صفين عليهم السلاح. وقيل: إنه كان قدريا. والله أعلم.\rبيعة ابراهيم بن الوليد","part":6,"page":116},{"id":2617,"text":"هو أبو إسحاق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان وأمه أم ولد اسمها نعمة، وقيل خشف؛ وهو الثالث عشر من ملوك بني أمية، قام بالأمر بعد وفاة أخيه يزيد في ذي الحجة سنة 1ست وعشرين ومائة، وكان يسلم عليه تارةً بالخلافة، وتارة بالإمارة، وتارة لا يسلم عليه بواحدةٍ منهما؛ فمكث أربعة أشهر، وقيل سبعين يوما، ثم سار إليه مروان بن محمد، فخلعه على ما نذكر ذلك إن شاء الله، ثم لم يزل حياً حتى أصيب في سنة 1اثنتين وثلاثين ومائة.\rتتمة حوادث سنة 1ست وعشرين ومائة: فيها عزل يزيد بن الوليد يوسف بن محمد بن يوسف عن المدينة، واستعمل عبد العزيز بن عمرو بن عثمان، فقدمها في ذي القعدة من السنة.\rوحج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وقيل عمر ابن عبد الله بن عبد الملك.\rسنة 1سبع وعشرين ومائة:\rخلع إبراهيم\rبن الوليد وذكر مسير مروان بن محمد إلى الشام في هذه السنة سار مروان بن محمد بن مروان إلى الشام لمحاربة إبراهيم بن الوليد، فانتهى إلى قنسرين، وبها بشر ومسرورٌ، ابنا الوليد أرسلهما أخوه إبراهيم، فتصافوا، ودعاهم مروان إلى بيعته فمال إليه يزيد بن عمر بن هبيرة في القيسية، وأسلموا بشراً وأخاه مسروراً، فحبسهما مروان، وسار معه أهل قنسرين إلى حمص، وكان أهل حمص قد امتنعوا من بيعة إبراهيم وعبد العزيز، فوجه إليهم إبراهيم عبد العزيز في جند أهل دمشق، فحاصرهم في مدينتهم، وأسرع مروان السير، فلما دنا من حمص رحل عبد العزيز عنها، وخرج أهلها إلى مروان فبايعوه، وساروا معه، ووجه إبراهيم الجنود من دمشق مع سليمان بن هشام في مائة وعشرين ألفا ومروان في ثمانين ألفا، فدعاهم مروان إلى الكف عن قتاله وإطلاق الحكم وعثمان ابني الوليد من السجن، وضمن لهم أنه لا يطلب أحداً من قتلة الوليد، فلم يجيبوه وجدوا في قتاله فاقتتلوا ما بين ارتفاع النهار إلى العصر، وكثر القتل بينهم، وكان مروان ذا رأيٍ ومكيدةٍ، فأرسل ثلاثة آلاف فارس، وأمرهم أن يأتوا عسكر سليمان من خلفه، ففعلوا ذلك، فلم يشعر سليمان إلا والقتل في أصحابه من ورائهم، فانهزموا، ووضع أهل حمص السلاح فيهم لحنقهم عليهم، فقتلوا منهم سبعة عشر ألفا، وقيل ثمانية عشر ألفا، وكف أهل الجزيرة وقنسرين عن قتالهم، وأتوا مروان من أسراهم بمثل القتلى، فأخذ مروان عليهم البيعة لولدي الوليد، وخلى عنهم، وهرب يزيد ابن عبد الله بن خالد القسري فيمن هرب إلى دمشق، فاجتمعوا مع إبراهيم وعبد العزيز، واتفقوا على قتل الحكم وعثمان ولدي الوليد، فقتلا؛ وقتل معهما يوسف بن عمر، وأرادوا قتل محمد السفياني، فدخل بيتاً من بيوت السجن وأغلقه، فلم يقدروا على فتحه، وأرادوا إحراقه، فقيل لهم: قد دخلت خيل مروان المدينة، فهربوا، وهرب إبراهيم، واختفى، وانتهب سليمان بن هشام ما في بيت المال، فقسمه في أصحابه، وخرج من المدينة، وعاش إلى سنة 1اثنتين وثلاثين ومائة، ثم قتله ابن عوف يوم الزاب.\rوقيل: إنه غرق في ذلك اليوم.\rوقيل: قتله مروان بن محمد وصلبه. وكان إبراهيم عاجزاً ضعيف الرأي، وكان خفيف العارضين له ضفيرتان.\rوكان نقش خاتمه: توكلت على الحي القيوم.\rكاتبه: بكير بن السراج اللخمي.\rقاضيه: عثمان بن عمر التميمي.\rحاجبه: قطري مولى الوليد، ثم وردان مولاه. والله أعلم.\rبيعة مروان بن محمد هو أبو عبد الله مروان بن محمد بن الحكم بن أبي العاص، وأمه لبابة جارية إبراهيم بن الأشتر، وكانت كردية، أخذها محمد من عسكر إبراهيم، فولدت له مروان وعبد العزيز، ولقب بالجعدي لأن خاله الجعد بن درهم، فنسب إليه. ولقب أيضاً حمار الجزيرة.\rبويع له في صفر في سنة 1سبع وعشرين ومائة، وكان سبب بيعته أنه لما دخل دمشق وهرب إبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام ثار من بدمشق من موالي الوليد بن يزيد بن عبد الملك إلى دار عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فقتلوه ونبشوا قبر يزيد بن الوليد، وأخرجوه فصلبوه على باب الجابية، وأتى مروان بالغلامين، الحكم وعثمان مقتولين، وبيوسف بن عمر، فدفنهم، وأتى بأبي محمد السفياني في قيوده، فسلم على مروان بالخلافة، ومروان يومئذ يسلم عليه بالإمرة، فقال له مروان: مه. فقال: إنهما جعلاها لك بعدهما، وأنشد شعراً قاله الحكم في السجن، وكانا قد بلغا وولد لأحدهما، وهو الحكم، فقال:","part":6,"page":117},{"id":2618,"text":"ألا من مبلغٌ مروان عنّي ... وعمّى الغمر طال به حنينا\rبأنّي قد ظلمت وصار قومي ... على قتل الوليد مشايعينا\rأيذهب كلّهم بدمي ومالي ... فلا غثّاً أصبت ولا سمينا\rومروان بأرض بني نزارٍ ... كليث الغاب مفترش عرينا\rأتنكث بيعتي من أجل أمّي ... فقد بايعتمو قبلي هجينا\rفإن أهلك أنا ووليّ عهدي ... فمروانٌ أمير المؤمنينا\rثم قال: ابسط يدك أبايعك، وسمعه من مع مروان.\rوكان أول من بايعه معاوية بن يزيد بن حصين بن نمير ورؤوس أهل حمص، والناس بعد. فلما استقر له الأمر رجع إلى منزله بحران، وطلب منه الأمان لإبراهيم بن الوليد وسليمان بن هشام فأمنهما فقدما عليه، وبايعاه.\rوفي هذه السنة ظهر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بالكوفة ودعا إلى نفسه؛ وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله في أخبارهم.\rالحارث بن سريج\rوفي هذه السنة كان رجوع الحارث بن سريج إلى مرو؛ وكان قدومه في جمادى الآخرة سنة 1سبع وعشرين ومائة، وكان ببلاد الترك، وكان مقامه عندهم اثنتي عشرة سنة، وقد قدمنا من أخباره طرفاً.\rوكان سبب عوده أن الفتنة لما وقعت بخراسان بين نصر بن سيار والكرماني في سنة 1ست وعشرين في خلافة يزيد ابن الوليد كما ذكرنا - خاف نصرٌ قدوم الحارث عليه في أصحابه، فأرسل مقاتل بن حيان النبطي وغيره ليردوه من بلاد الترك، وسار خالد بن زياد البدي الترمذي وخالد بن عمرو مولى بني عامر إلى يزيد، فأخذوا للحارث منه أماناً فأمنه، وأمر نصر بن سيار أن يرد عليه ما أخذ له، وأمر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بذلك، فلما قدم تلقاه الناس بكشميهن، ولقيه نصرٌ وأنزله، وأجرى عليه كل يوم خمسين درهما، فكان يقتصر على لون واحد، وأطلق نصر أهله وأولاده، وعرض عليه نصر أن يوليه ويعطيه مائة ألف دينار، فلم يقبل.\rوأرسل إلى نصر: إني لست من الدنيا واللذات في شيء، إنما أسأل كتاب الله والعمل بالسنة واستعمال أهل الخير، فإن فعلت ساعدتك على عدوك.\rوأرسل الحارث إلى الكرماني إذا أعطاني نصرٌ العمل بالكتاب وما سألته عضدته وقمت بأمر الله، وإن لم يفعل أعنتك إن ضمنت لي القيام بالعدل والسنة.\rودعا بني تميم إلى نفسه، فأجابه منهم ومن غيرهم جمعٌ كثير، واجتمع إليه ثلاثة آلاف، وقال لنصر: إنما خرجت من هذه البلدة منذ ثلاث عشرة سنة إنكاراً للجور وأنت تريدني عليه.\rانتقاض أهل حمص\rوفي هذه السنة انتقض أهل حمص بعد عود مروان إلى حران بثلاثة أشهر، وكان الذي دعاهم إلى ذلك ثابت بن نعيم وراسل أهل حمص من بتدمر من كلب، فأتاهم الأصبغ بن ذؤالة الكلبي وأولاده، ومعاوية السكسكي، وكان فارس أهل الشام وغيرهما في نحو ألفٍ من فرسانهم، فدخلوا حمص ليلة الفطر، فجد مروان في السير إليهم ومعه إبراهيم بن الوليد المخلوع، وسليمان ابن هشام، فبلغها بعد الفطر بيومين، وقد سد أهلها أبوابها، فأحدق بالمدينة ووقف بإزاء بابٍ من أبوابها، فنادى مناديه: ما دعاكم إلى النكث ؟ قالوا: إنا على طاعتك لم ننكث. قال: فافتحوا. ففتحوا الباب، فدخله عمرو بن الوضاح في الوضاحية في نحو ثلاثة آلاف، فقاتلهم من بالبلد فكسرتهم خيل مروان، فخرج من بها من باب تدمر، فقاتلهم من عليه من أصحاب مروان فقتل عامة من خرج منه، وأفلت الأصبغ وابنه، وقتل مروان جماعةً من أشرافهم، وصلب خمسمائة من القتلى حول المدينة، وهدم من سورها نحو غلوة. وقيل: كان ذلك سنة 1ثمان وعشرين ومائة. والله أعلم.\r؟ذكر خلاف أهل الغوطة وفي هذه السنة خالف أهل الغوطة وولوا عليهم يزيد بن خالد القسري وحصروا دمشق وأميرها زامل بن عمرو، فوجه إليهم مروان من حمص أبا الورد بن الكوثر بن زفر بن الحارث، وعمرو بن الوضاح في عشرة آلاف، فلما دنوا من المدينة حملوا عليهم، وخرج عليهم من بالمدينة؛ فانهزموا، واستباح أصحاب مروان عسكرهم، وأحرقوا المزة وقرىً من قرى اليمانية، وأخذ يزيد بن خالد فقتل، وبعث زامل بأسه إلى مروان بحمص.\rخلاف أهل فلسطين","part":6,"page":118},{"id":2619,"text":"وفيها خرج ثابت بن نعيم بعد هؤلاء في أهل فلسطين، وأتى طبرية فحاصرها، وعليها الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم، فقاتله أهلها أياماً، فكتب مروان بن محمد إلى أبي الورد يأمره بالمسير إليهم، فسار فلما قرب منهم خرج أهل طبرية على ثابت فهزموه واستباحوا عسكره، فانصرف إلى فلسطين منهزماً، فتبعه أبو الورد والتقوا واقتتلوا، فانهزم ثانية وتفرق عنه أصحابه وأسر ثلاثةً من أولاده، وبعث بهم إلى مروان، وتغيب ثابت وولده رفاعة.\rواستعمل مروان على فلسطين الرماحس بن عبد العزيز الكناني، فظفر بثابت، فبعثه إلى مروان موثقاً بعد شهرين، فأمر به وبأولاده الثلاثة، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وحملوا إلى دمشق، فألقوا على باب المسجد ثم صلبوا على أبواب دمشق؛ واستقام أمر الشام لمروان إلا تدمر؛ فسار مروان إليها، فنزل القسطل، وبعث إليهم فأجابوه إلى الطاعة فبايعهم، وهدم سور البلد.\rوفيها بايع مروان لابنيه عبيد الله وعبد الله وزوجهما ابنتي هشام ابن عبد الملك، وجمع لذلك بني أمية.\rوسار مروان إلى الرصافة، وندب يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق لقتال الضحاك الخارجي، وأمر أهل الشام باللحاق به.\rولما سار مروان استأذنه سليمان بن هشام ليقيم أياماً ليقوى من معه وتستريح دوابهم، فأذن له.\rوتقدم مروان إلى قرقيسياء وبها ابن هبيرة ليقدمه إلى الضحاك، فرجع عشرة آلاف ممن كان مروان أخذ من أهل الشام لقتال الضحاك، فأقاموا بالرصافة، ودعوا سليمان إلى خلع مروان فأجابهم.\rخلع مروان\rبن محمد وفي هذه السنة خلع سليمان بن هشام مروان، وذلك أنه لما استأذنه في المقام بعده، وأقام، وقدم عليه الجنود الذين ذكرناهم حسنوا له خلع مروان وقالوا: أنت أرضى عند الناس، وأولى من مروان بالخلافة؛ فأجابهم إلى ذلك، وسار بإخوته ومواليه، فعسكر بقنسرين، وأتاه أهل الشام من كل مكان.\rوبلغ الخبر مروان، فرجع إليه من قرقيسياء، وكتب إلى ابن هبيرة يأمره بالمقام؛ وكان أولاد هشام وجماعةٌ من موالي سليمان بحصن الكامل، فمر عليهم مروان فتحصنوا منه، فأرسل إليهم يحذرهم أن يتعرضوا لأحدٍ ممن يتبعه من جنده، فإن تعرضوا لأحدٍ فلا أمان لهم، فأرسلوا إليه إنهم يكفون عنهم.\rومضى مروان فجعلوا يغيرون على من يتبعه، فاشتد غيظه عليهم.\rقال: واجتمع إلى سليمان نحوٌ من سبعين ألفا من أهل الشام والذكوانية وغيرهم، وعسكر بقرية خساف من أرض قنسرين.\rوأتاه مروان والتقوا؛ واشتد القتال بينهم، فانهزم سليمان ومن معه، واتبعهم مروان، فاستباح عسكره، وأمر مروان بقتل من يؤتى به من الأسرى إلا عبداً مملوكا، فأحصى من قتلاهم يومئذ ما نيف على ثلاثين ألف قتيل. وقتل إبراهيم بن سليمان أكبر ولده، وخالد ابن هشام المخزومي خال هشام بن عبد الملك، وادعى كثيرٌ من الجند الأسرى أنهم عبيد؛ فكف عن قتلهم، وأمر ببيعهم فيمن يزيد.\rومضى سليمان إلى حمص، وانضم إليه من أفلت ممن كان معه، فعسكر بها، وبنى ما كان مروان هدمه من سورها؛ وسار مروان إلى حصن الكامل، فحصر من فيه، وأنزلهم على حكمه، فمثل بهم، وأخذهم أهل الرقة فداووا جراحاتهم، فهلك بعضهم وكانت عدتهم نحو ثلاثمائة.\rثم سار إلى سليمان، فقال بعضهم لبعض: حتى متى ننهزم من مروان، فتبايع تسعمائة من فرسانهم على الموت، وساروا بأجمعهم مجمعين على أن يبيتوه إن أصابوا منه غرةً، وبلغه خبرهم فتحرز منهم، فلم يمكنهم أن يبيتوه، وزحف على احتراز وتعبئة، فكمنوا في زيتون في طريقه، فخرجوا عليه وهو يسير على تعبئته، فوضعوا السلاح فيمن معه، فنادى مروان خيوله، فرجعت إليه، فقاتلوا من لدن ارتفاع النهار إلى بعد العصر، فانهزم أصحاب سليمان وقتل منهم نحو ستة آلاف.\rفلما بلغ سليمان هزيمتهم خلف أخاه سعيداً بحمص، ومضى هو إلى تدمر، فأقام بها، ونزل مروان على حمص، فحاصر أهلها عشرة أشهر، ونصب عليهم نيفاً وثمانين منجنيقاً يرمى بها الليل والنهار، وهم يخرجون إليه في كل يوم فيقاتلونه.","part":6,"page":119},{"id":2620,"text":"فلما تتابع عليهم البلاء طلبوا الأمان على أن يمكنوه من سعيد ابن هشام وابنيه: عثمان ومروان، ومن رجل كان يسمى السكسكي، كان يغير على عسكره، ومن رجلٍ حبشي كان يشتم مروان، فأجابهم إلى ذلك، واستوثق من سعيد وابنيه، وقتل السكسكي، وسلم الحبشي إلى بني سليم، لأنه كان يخصهم بالسب، فقطعوا ذكره وأنفه ومثلوا به.\rولما فرغ مروان من حمص سار نحو الضحاك الخارجي.\rوقيل: إن سليمان لما انهزم بخساف أقبل هاربا حتى التحق بعبد الله ابن عمر بن عبد العزيز بالعراق، فخرج معه إلى الضحاك، فقال بعض شعرائهم:\rألم تر أنّ الله أظهر دينه ... وصلّت قريش خلف بكر بن وائل\rخروج الضحاك\rمحكما وما كان من أمره إلى أن قتل وفي سنة 1سبع وعشرين ومائة خرج الضحاك بن قيس الشيباني محكما ودخل الكوفة.\rوكان سبب ذلك أن الوليد لما قتل خرج بالجزيرة حروري يقال له سعيد بن بهدل الشيباني في مائتين من أهل الجزيرة، فاغتنم سعيد قتل الوليد واشتغال مروان بالشام فخرج بأرض كفر توثا، وخرج بسطام البيهسي، وهو مخالفٌ لرأيه في مثل عدتهم من ربيعة، فسار كل واحدٍ منهما إلى صاحبه.\rفلما تقاربا أرسل سعيدٌ أحد قواده في مائة وخمسين، فقتلوا بسطاما ومن معه إلا أربعة عشر رجلا. ثم مضى سعيد نحو العراق فمات في الطريق، واستخلف الضحاك بن قيس، فأتى أرض الموصل ثم شهرزور، فاجتمعت عليه الصفرية حتى صار في أربعة آلاف، وهلك يزيد بن الوليد وعامله على العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ومروان بالجزيرة. فكتب مروان إلى النضر بن سعيد الحرشي - وهو أحد قواد ابن عمر بولاية العراق - فلم يسلم ابن عمر إليه العمل، فشخص النضر إلى الكوفة وبقي عبد الله بالحية، وتحاربا أربعة أشهر.\rفلما سمع الضحاك باختلافهم أقبل نحوهم، وقصد العراق سنة 1سبع وعشرين، فأرسل ابن عمر إلى النضر في الاجتماع عليه، فتعاقدا واجتمعا بالكوفة؛ وكان كلٌ منهما يصلى بأصحابه.\rوأقبل الضحاك فنزل بالنخيلة في شهر رجب سنة 1سبع وعشرين ومائة، والتقوا، واقتتلوا قتالاً شديدا، فكشفوا ابن عمر، وقتلوا أخاه عاصما وجعفر بن العباس الكندي، ودخل ابن عمر خندقه، وبقي الخوارج عليهم إلى الليل ثم انصرفوا؛ وذلك في يوم الخميس ثم اقتتلوا يوم الجمعة، فانهزم أصحاب ابن عمر.\rفلما كان يوم السبت تسللوا إلى واسط، فلحق بها وجوه الناس، فرحل عند ذلك ابن عمر إليها، فلم يأمنه عبيد الله بن العباس الكندي على نفسه، فسار مع الضحاك وبايعه.\rولما نزل ابن عمر إلى واسط نزل بدار الحجاج بن يوسف، وعادت الحرب بينه وبين النضر إلى ما كانت عليه، وسار الضحاك من الكوفة إلى واسط، ونزل باب المضمار، فترك ابن عمر والنضر الحرب بينهما، واتفقا على قتال الضحاك، فلم يزالوا على ذلك شعبان ورمضان وشوال، والقتال بينهم متواصلٌ. ثم صالحه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وسليمان بن هشام، وبايعاه، ودفعاه إلى مروان.\rقال: وكاتب أهل الموصل الضحاك في القدوم ليمكنوه من البلد، فسار إلى الموصل ففتح أهلها له أبوابها، فدخلها، واستولى عليها وعلى كورها، وذلك في سنة 1ثمان وعشين، فبلغ مروان خبره وهو يحاصر حمص، فكتب إلى ابنه عبد الله - وهو خليفته بالجزيرة - أن يسير إلى نصيبين، ويمنع الضحاك من توسط الجزيرة؛ فسار إليها في سبعة آلاف أو ثمانية آلاف، وسار إليه الضحاك، فحصر عبد الله بن مروان بنصيبين، وكان مع الضحاك ما يزيد على مائة ألف.\rثم سار مروان إليه، والتقوا بنواحي كفر توثا من أعمال ماردين، فقاتله يومه أجمع، فقتل الضحاك ولم يعلم به مروان ولا أصحابه؛ ثم بلغ مروان قتله، فاستخرجه من بيت القتلى وفي وجهه ورأسه أكثر من عشرين ضربة.\rوبعث مروان رأسه إلى مدائن الجزيرة.\rوقيل: إن قتله كان في سنة 1تسع وعشين ومائة والله أعلم.\rوحيث ذكرنا أخبار الضحاك فلنذكر أخبار من خرج بعده في أيام مروان:\rالخيبري الخارجي\rوقتله وقيام شيبان","part":6,"page":120},{"id":2621,"text":"قال: ولما قتل الضحاك أصبح أهل عسكره فبايعوا الخيبري؛ وكان سليمان بن هشام معه، وأصبحوا واقتتلوا، فحمل الخيبري على مروان في نحو أربعمائة فارس من أهل الشراة، فهزم مروان وهو في القلب، وخرج من العسكر منهزماً، ودخل الخيبري ومن معه عسكر مروان ينادون بشعارهم ويقتلون من أدركوه، حتى انتهوا إلى خيم مروان، فدخلها الخيبري وجلس على فرش مروان، هذا وميمنة مروان ثابتة، وعليها ابنه عبد الله؛ وميسرته ثابتة وعليها إسحاق بن مسلم العقيلي.\rفلما رأى أهل العسكر قلة من مع الخيبري ثار إليه عبيدهم بعمد الخيم، فقتلوا الخيبري وأصحابه جميعاً في خيم مروان وحولها، وبلغ مروان الخبر، وقد صار بينه وبين العسكر خمسة أميال أو ستة منهزما، فانصرف إلى عسكره، وبات ليلته تلك، وانصرف الخوارج فولوا عليهم شيبان.\rأخبار شيبان الحروري\rوما كان من أمره إلى أن قتل هو شيبان بن عبد العزيز أبو الدلفاء اليشكري.\rقال: ولما بايعوه بعد قتل الخيبري أقام يقاتل مروان، وتفرق عنه كثير من أصحابه، فبقي في نحو أربعين ألفا، فأشار عليهم سليمان بن هشام أن ينصرفوا إلى الموصل فيجعلوها ظهرهم.\rفارتحلوا وتبعهم مروان حتى انتهوا إلى الموصل فعسكروا شرقي دجلة، وعقدوا عليها جسراً، وخندق مروان بإزائهم، وأهل الموصل يقاتلون مع الخوارج، فأقام مروان ستة أشهرٍ يقاتلهم، وقيل تسعة أشهر.\rوكتب مروان إلى يزيد بن عمر بن هبيرة يأمره بالمسير من قرقيسيا، بجميع من معه إلى العراق وعلى الكوفة المثنى ابن عمران العائذي، وهو خليفة الخوارج بالعراق، فلقي ابن هبيرة بعين التمر، فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت الخوارج، ثم تجمعوا بالكوفة بالنخيلة فهزمهم ابن هبيرة، ثم اجتمعوا بالصراة، فأرسل إليهم شيبان عبيد بن سوارفي خيلٍ عظيمةٍ، فالتقوا بالصراة، فانهزمت الخوارج، وقتل عبيدة ولم يبق لهم بقيةٌ بالعراق، واستولى ابن هبيرة على العراق، وسار إلى واسط، وأخذ عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وحبسه، ووجه نباتة بن حنظلة إلى سليمان بن حبيب وهو على كور الأهواز، فأرسل سليمان إلى نباتة داود بن حاتم، فالتقوا على شاطيء دجيل؛ فانهزم الناس، وقتل داود بن حاتم.\rوكتب مروان إلى ابن هبيرة لما استولى على العراق يأمره بإرسال عامر بن ضبارة المرى إليه، فسيره في سبعة آلاف أو ثمانية، فبلغ شيبان خبره، فأرسل الجون بن كلاب الخارجي في جمع، فالتقوا فهزم عامرٌ؛ فأمده مروان بالجنود، فقاتل الخوارج فهزمهم؛ وقتل الجون، وسار إلى الموصل، فلما بلغ شيبان قتل الجون ومسير عامر نحوه كره أن يقيم بين العسكرين، فارتحل بمن معه، وقدم عامر على مروان بالموصل فسيره في جمعٍ كثير في أثر شيبان، وأمره ألا يبدأه بقتالٍ، فإن قاتله شيبان قاتله، وإن أمسك عنه أمسك، فكان كذلك، حتى مر على الجبل، وخرج على بيضاء فارس، وبها عبد الله بن معاوية بن جعفر، وسار إلى نحو كرمان، فأدركه عامرٌ، فالتقوا واقتتلوا، وانهزم شيبان إلى سجستان فهلك بها، وذلك في سنة 1ثلاثين ومائة.\rوقيل: بل كان قتال شيبان ومروان على الموصل نحو شهر، ثم انهزم شيبان حتى لحق بفارس، وعامرٌ يتبعه، وسار إلى جزيرة ابن كاوان، ثم إلى عمان فقتله جلندي بن مسعود بن جيفر ابن جلندي الأزدي سنة 1أربع وثلاثين ومائة، وسنذكره إن شاء الله في أخبار الدولة العباسية.\rفلنرجع إلى تتمة حوادث سنة 1سبع وعشرين مائة وما بعدها.\rفيها كان من أخبار الأندلس وشيعة بني العباس ما نذكره إن شاء الله في مواضعه.\rوحج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مروان على مكة والمدينة والطائف، وكان العامل على العراق النضر ابن سعيد الحرشي، وكان من أمره وأمر ابن عمر والضحاك ما قدمنا ذكره. وكان بخراسان نصر بن سيار والكرماني، والحارث ابن سريج ينازعانه.\rوفيها مات سويد بن غفلة، وقيل سنة إحدى وثلاثين. وقيل سنة اثنتين وثلاثين، وعمره مائة وعشرون سنة. والله تعالى أعلم.\rسنة 1ثمان وعشرين ومائة:\rمقتل الحارث\rبن سريج وغلبة الكرماني على مرو وفي هذه السنة كان مقتل الحارث بن سريج وغلبة الكرماني على مرو.","part":6,"page":121},{"id":2622,"text":"وكان سبب ذلك أن ابن هبيرة لما ولي العراق كتب إلى نصر ابن سيار بعهد خراسان، فبايع لمروان بن محمد، فقال الحارث: إنما أمنني يزيد ولم يؤمني مروان، ولا يجيز مروان أمان يزيد، فلا آمنه. فخالف نصراً فأرسل إليه نصر يدعوه إلى الجماعة وينهاه عن الفرقة، فلم يجبه إلى ذلك، وخرج فعسكر وأرسل إلى نصر: أن اجعل الأمر شورى، فأبى نصر، وأمر الحارث جهم ابن صفوان رأس الجهمية، وهو مولى راسب، أن يقرأ سيرته وما يدعو إليه على الناس، ففعل، فلما سمعوا ذلك كثروا وكثر جمعه.\rوكان الحارث يظهر أنه صاحب الرايات السود، فأرسل إليه نصر إن كنت كما تزعم وإنكم تهدمون سور دمشق، وتزيلون ملك بني أمية فخذ مني خمسمائة رأس ومائتي بعير، واحتمل من الأموال ما شئت وآلة الحرب، وسر، فلعمري إن كنت صاحب ما ذكرت إني لفي يدك، وإن كنت لست ذاك فقد أهلكت عشيرتك؛ ثم عرض عليه نصر أن يوليه ما وراء النهر ويعطيه ثلاثمائة ألف، فلم يقبل. فقال له نصر: فابدأ بالكرماني فإن قتلته فأنا في طاعتك، فلم يقبل.\rوأمر الحارث أن تقرأ سيرته في الأسواق والمسجد وعلى باب نصر، فقرئت، فأتاه خلق كثير، وقرأها رجلٌ على باب نصر، فضربه غلمان نصر، فنابذهم الحارث وتجهز للحرب، ودله رجلٌ من أهل مرو على نقب في سورها، فمضى إليه الحارث فنقبه، ودخل المدينة من ناحية باب بالين. فقاتله جهم بن مسعود الناجي، فقتل جهم، وانتهبوا منزل سلم بن أحوز، وقتل من كان بحرس باب بالين وذلك لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة يوم الاثنين.\rوركب الحارث في سكة السغد، فرأى أعين مولى حيان فقاتله، فقتل أعين، وركب سلم حين أصبح، وأمر مناديا فنادى: من جاء برأسٍ فله ثلاثمائة. فلم تطلع الشمس حتى انهزم الحارث بعد أن قاتلهم الليل كله.\rوأتى سلم عسكر الحارث فقتل كاتبه يزيد بن داود، وقتل الرجل الذي دل الحارث على النقب، وأرسل نصل إلى الكرماني فأتاه علىعهد، وعنده جماعةٌ، فوقع بين سلم بن أحوز والمقدام بن نعيم كلامٌ، فأغلظ كل واحدٍ منهما لصاحبه، وأعان كل واحدٍ منهما نفرٌ من الحاضرين؛ فخاف الكرماني أن يكون مكراً من نصر، فقام وتعلقوا به، فلم يجلس، وركب فرسه، ورجع، وقال: أراد نصرٌ الغدر بي.\rوأسر يومئذ جهم بن صفوان وكان مع الكرماني فقتل، وأرسل الحارث ابنه حاتما إلى الكرماني، فقال له محمد بن المثنى: هما عدواك، دعهما يضطربان.\rفلما كان الغد ركب الكرماني فقاتل أصحاب نصر، ووجه أصحابه يوم الأربعاء إلى نصر، فتراموا ثم تحاجزوا ولم يكن بينهم يوم الخميس قتالٌ. والتقوا يوم الجمعة فانهزمت الأزد حتى وصلوا إلى الكرماني، فأخذ اللواء بيده، فقاتل به فانهزم أصحاب نصر، وأخذوا لهم ثمانين فرسا، وصرع تميم بن نصر، وسقط سلم ابن أحوز فحمل إلى عسكر نصر.\rفلما كان الليل خرج نصرٌ من مرو، وقتل عصمة بن عبد الله الأسدي، وكان يحمي أصحاب نصر، واقتتلوا ثلاثة أيام، فانهزم أصحاب الكرماني في آخر يوم وهم الأزد وربيعة، فنادى الخليل بن غزوان: يا معشر ربيعة واليمن ! فدخل الحارث السوق ففت في أعضاد المضرية، وهم أصحاب نصر، فانهزموا وترجل تميم بن نصر فقاتل. فلما هزمت اليمانية مضر أرسل الحارث إلى نصر: إن اليمانية يعيرونني بانهزامكم، وأنا كافٌ. فاجعل حماة أصحابك بإزاء الكرماني. فأخذ عليه نصرٌ العهود بذلك، وقدم على نصر عبد الحكم ابن سعيد العوذي وأبو جعفر عيسى بن جرز من مكة: والعوذ: بطنٌ من الأزد، فقال أبو جعفر لنصرٍ: أيها الأمير، حسبك من الولاية وهذه الأمور، فقد أظلك أمرٌ عظيم، سيقوم رجلٌ مجهول النسب يظهر السواد، ويدعو إلى دولة تكون فيغلب على الأمر، وأنتم تنظرون.\rفقال نصر: ما أشبه أن يكون كما تقول لقلة الوفاء وسوء ذات البين.\rفقال: إن الحارث مقتولٌ مصلوب، وما الكرماني من ذلك ببعيد.","part":6,"page":122},{"id":2623,"text":"قال: ولما خرج نصر من مرو وغلب عليها الكرماني خطب الناس فأمنهم ثم هدم الدور ونهب الموال، فأنكر الحارث عليه ذلك، فهم الكرماني به، ثم تركه، واعتزل بشر بن جرموز الضبي في خمسة آلاف، وقال الحارث: إنما قاتلت معك طلباً للعدل، فأما إذ تتبع الكرماني فما تقاتل إلا ليقال غلب الحارث، وهؤلاء يقاتلون عصبية؛ فلست مقاتلا معك، فنحن الفئة العادلة، لا نقاتل إلا من قاتلنا، وأتى الحارث مسجد عياض، وأرسل إلى الكرماني يدعوه إلى أن يكون الأمر شورى، فأبى الكرماني، فانتقل الحارث عنه، وأقاموا أياما.\rثم إن الحارث أتى السور فثلم فيه ثلمة، ودخل البلد، وأتى الكرماني، فاقتتلوا، فانهزم أصحاب الحارث وقتلوا ما بين الثلمة وعسكرهم، والحارث على بغل، فنزل عنه وركب فرسا، وبقي في مائة، فقتل عند شجرة زيتون أو غبيراء، وقتل أخوه سوادة وغيرهما.\rوقيل: كان سبب قتله أن الكرماني خرج إلى بشر بن جرموز عند اعتزاله، ومعه الحارث، فأقام أياما بينه وبين عسكر بشر فرسخان، ثم قرب منه ليقاتله، فندم الحارث على اتباع الكرماني وقال: لا تعجل إلى قتالهم فأنا أردهم عليك.\rفخرج في عشرة فوارس فأتى عسكر بشر، فأقام معهم، وخرج المضرية أصحاب الحارث إليه، فلم يبق مع الكرماني مضري غير سلمة بن أبي عبد الله، فإنه قال: لم أر الحارث إلا غادراً، وغير المهلب بن إياس، فقاتلهم الكرماني مرارا يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم مرةً لهؤلاء ومرةً لهؤلاء.\rثم ارتحل الحارث بعد أيام، فنقب سور مرو ودخلها، وتبعه الكرماني، فدخلها أيضا، فقالت المضرية للحارث: قد فررت غير مرةٍ، فترجل، فقال: أنا لكم فارساً خيرٌ مني لكم راجلاً. فقالوا: لا نرضى إلا أن تترجل، فترجل، فاقتتلوا هم والكرماني، فقتل الحارث وأخواه وبشر بن جرموز، وعدةٌ من فرسان تميم، وانهزم الباقون، وصفت مرو للكرماني واليمن، فهدموا دور المضرية، فقال نصر ابن سيار للحارث حين قتل:\rيا مدخل الذلّ على قومه ... بعداً وسحقاً لك من هالك\rشؤمك أردى مضراً كلّها ... وعضّ من قومك بالحارك\rما كانت الأزد وأشياعها ... تطمع في عمرو ولا مالك\rولا بني سعدٍ إذا ألجموا ... كلّ طمرٍّ لونه حالك\rوفي هذه السنة كان اجتماع أبي حمزة الخارجي وعبد الله بن يحيى المعروف بطالب الحق، واتفقا على الخروج على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوحج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مكة والمدينة، وكان بالعراق عمال الضحاك الخارجي وعبد الله بن عمر ابن عبد العزيز، وبخراسان نصر بن سيار والفتنة قائمةٌ.\rسنة 1تسع وعشرين ومائة:\rمقتل الكرماني\rوهو جديع بن علي الأزدي قال: ولما خلصت مرو للكرماني وتنحى نصرٌ عنها أرسل نصرٌ أصحابه لقتاله مراراً، كل ذلك والظفر لأصحاب الكرماني، ثم خرجوا جميعاً واقتتلوا قتالاً شديداً، وذلك بعد ظهور أمر أبي مسلم الخراساني ودعوته لبني العباس، فكتب أبو مسلم إلى نصر والكرماني: إن الإمام أوصاني بكما. ثم أقبل بمن معه حتى نزل خندقيهما، فهابه الفريقان. وبعث إلى الكرماني: إني معك. فقبل ذلك، وانضم أبو مسلم إليه، فاشتد ذلك على نصر، وأرسل إلى الكرماني يخوفه من أبي مسلم، ويقول له: ادخل إلى مرو، واكتب بيننا كتاباً بالصلح، وهو يريد أن يفرق بينهما، فدخل الكرماني منزله، وأقام أبو مسلم في العسكر، وخرج الكرماني حتى وقف في الرحبة في مائة فارس، وأرسل إلى نصر أن اخرج لنكتب الكتاب.\rفلما نظر نضرٌ إلى غرة الكرماني أرسل إليه ثلاثمائة فارس، فاقتتلوا قتالاً شديداً فطعن الكرماني في خاصرته، فخر عن دابته، وحماه أصحابه حتى جاءهم مالا قبل لهم به. فقتل نصر الكرماني وصلبه، وصلب معه سمكة.\rفأقبل ابنه عليٌ وقد جمع جمعاً كثيرا، وانضم إلى أبي مسلم، وقاتلوا نصر بن سيار حتى أخرجوه من دار الإمارة. ودخل أبو مسلم مرو على ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخبار الدولة العباسية.\rقال: ولما رأى نصرٌ قوة أبي مسلم كتب إلى مروان بن محمد يعلمه حال أبي مسلم وخروجه وكثرة من معه، وأنه يدعو إلى إبراهيم ابن محمد، وكتب إليه بأبيات شعرٍ، وهي:\rأرى بين الرّماد وميض نار ... فأوشك أن يكون له ضرام","part":6,"page":123},{"id":2624,"text":"فإنّ النار بالعودين تذكى ... وإنّ الحرب مبدؤها كلام\rفقلت من التعجّب ليت شعري ... أيقاظٌ أميّة أم نيام\rفكتب إليه مروان: إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فاحسم الثؤلول قبلك.\rفقال نصر: أما صاحبكم فقد أعلمكم أنه لا نصر عنده. وكتب نصر إلى يزيد بن هبيرة بالعراق يستمده. فلما قرأ كتابه قال: لا تكثر، فليس له عندي رجل. ثم قبض مروان على إبراهيم الإمام وحبسه، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله في أخبارهم.\rأبي حمزة المختار\rابن عوف الأزدي البصري مع طالب الحق عبد الله بن محمد ابن يحيى الحضرمي كان المختار من الخوارج الأباضية، وكان يوافي مكة في كل سنة يدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمد، فلم يزل كذلك حتى وافى عبد الله بن محمد بن يحيى الحضرمي المعروف بطالب الحق في آخر سنة 1ثمان وعشرين ومائة، فقال له: يا رجل، أسمع كلاما حسنا، وأراك تدعو إلى حق، فانطلق معي، فإني رجلٌ مطاعٌ في قومي، فخرج حتى ورد حضرموت، فبايعه أبو حمزة على الخلافة، ودعا إلى خلاف مروان، وقد كان أبو حمزة اجتاز مرة بمعدن بني سليم، والعامل عليه كثير بن عبد الله، فسمع كلام أبي حمزة فجلده أربعين سوطاً، فلما ملك أبو حمزة المدينة على ما نذكره تغيب كثير.\rوفي هذه السنة قدم أبو حمزة إلى الحج من قبل عبدالله بن محمد طالب الحق، فبينما الناس بعرفة ما شعروا إلا وقد طلعت عليه أعلامٌ وعمائم سود على رؤوس الرماح، وهم سبعمائة، ففزع الناس، وسألوهم عن حالهم، فأخبروهم بخلافهم مروان وآله، فراسلهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذ على مكة والمدينة، وطلب منهم الهدنة أيام الحج، فقالوا: نحن بحجنا أضن وعليه أشح، فصالحهم على أنهم جميعاً آمنون بعضهم من بعض حتى تنفر الناس النفر الأخير، فوقفوا بعرفة على حدة، ودفع بالناس عبد الواحد، ونزل بمنزل السلطان بمنى، ونزل أبو حمزة بقرين الثعالب. فلما كان النفر الأول نفر عبد الواحد وأخلى مكة فدخلها أبو حمزة بغير قتال، فقال بعضهم في عبد الواحد:\rزار الحجيج عصابةٌ قد خالفوا ... دين الإله ففرّ عبد الواحد\rترك الحلائل والإمارة هارباً ... ومضى يخبّط كالبعير الشارد\rومضى عبد الواحد حتى دخل المدينة، وزاد أهلها في العطاء عشرة عشرة، واستعمل عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فخرجوا حتى وصلوا العقيق، وأتتهم رسل أبي حمزة يقولون: إننا والله مالنا بقتالكم من حاجة، دعونا نمضي إلى عدونا.\rفأتى أهل المدينة وساروا حتى نزلوا قديداً، وكانوا مترفين ليسوا بأصحاب حرب، فلم يشعروا إلا وقد خرج عليهم أصحاب أبي حمزة من الغياض فقتلوهم. وكانت المقتلة في قريش، فأصيب منهم عددٌ كثير، وقدم المنهزمون المدينة، فكانت المرأة تقيم النوائح على حميمها، ومعها النساء فتأتيهم الأخبار عن رجالهم، فيخرجن امرأةً امرأةً كل واحدة تذهب لقتل رجلها فلا يبقى عندها امرأة، وذلك لكثرة من قتل.\rقيل: كان عدد القتلى سبعمائة، وكانت هذه الوقعة لسبع مضين من صفر سنة ثلاثين ومائة. والله أعلم.\rذكر دخول أبي حمزة المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام قال: ودخل أبو حمزة المدينة في ثالث عشر صفر، ومضى عبد الواحد إلى الشام.\rولما دخل أبو حمزة رقي المنبر فخطب، وقال: يأهل المدينة، مررت زمان الأحول - يعني هشام بن عبد الملك - وقد أصاب ثماركم عاهةٌ، فكتبتم إليه تسألونه أ، يضع عنكم خرصكم. ففعل فزاد الغني غنىً والفقير فقراً، فقلتم له: جزاك الله خيراً، فلا جزاكم الله خيراً، ولا جزاه. واعلموا يأهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا أشراً ولا بطراً، ولا عبثاً ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه ولا لثأر قديم نيل منا، ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، وعنف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط - ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعياً يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله، ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجزٍ في الأرض؛ فأقبلنا من قبائل شتى، ونحن قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا وأيدنا بنصره، فأصبحنا بنعمته إخوانا.","part":6,"page":124},{"id":2625,"text":"ثم لقينا رجالكم فدعوناهم إلى طاعة الرحمن، وحكم القرآن، فدعونا إلى طاعة الشيطان وحكم بني مروان، فشتان - لعمر الله - ما بين الغي والرشد. ثم أقبلوا يهرعون قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه، وغلت بدمائهم مراجله، وصدق عليهم ظنه، وأقبل أنصار الله تعالى كتائب بكل مهندٍ ذي رونق، فدارت رحانا، واستدارت رحاهم بضرب يرتاب منه المبطلون.\rوأنتم يأهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، ويشف صدور قومٍ مؤمنين.\rيأهل المدينة؛ أولكم خير أول، وآخركم شر آخر، يأهل المدينة، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله تعالى في كتابه على القوي والضعيف، فجاء تاسعٌ ليس له فيها سهمٌ، فأخذها لنفسه مكابراً محاربا ربه.\rيأهل المدينة، بلغني أنكم تنتقصون أصحابي، قلتم: شبابٌ أحداث، وأعرابٌ جفاة، ويحكم وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شباباً أحداثاً، شباب والله إنهم مكتهلون في شبابهم، غضةٌ عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الحق أقدامهم.\rقال: وأحسن لاسرة مع أهل المدينة، واستمال الناس حتى سمعوه يقول: من زنى فهو كافر، من سرق فهو كافر، ومن شك في كفرهما فهو كافر.\rوأقام أبو حمزة بالمدينة ثلاثة أشهر، ثم ودعهم، وقال: يأهل المدينة، إنا خارجون إلى مروان، فإن نظفر نعدل في أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم، وإن يكن ما تتمنون فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.\rمقتل أبي حمزة\rقال: ثم سار أبو حمزة نحو الشام، وكان مروان قد انتخب من عسكره أربعة آلاف فارس، واستعمل عليهم عبد الملك بن محمد ابن عطية السعدي - سعد هوازن - وأمره أن يجد السير ويقاتل الخوارج، فإن ظفر فيسير حتى يبلغ اليمن ويقاتل عبد الله بن يحيى طالب الحق، فسار ابن عطية، فلقى أبا حمزة بوادي القرى، فقال أبو حمزة لأصحابه: لا تقاتلوهم حتى تختبروهم. فصاحوا بهم: ما تقولون في القرآن والعمل به ؟ فقال ابن عطية: نضعه في جوف الجوالق. قال: فما تقولون في مال اليتيم ؟ قال ابن عطية: نأكل ماله ونفجر بأمه - في أشياء سألوه عنها.\rفلما سمعوا كلامه قاتلوه حتى أمسوا فصاحوا: ويحك يا بن عطية ! إن الله قد جعل الليل سكناً، فاسكن.\rفأبى وقاتلهم، فانهزم الخوارج، وأتوا المدينة فقتلهم أهلها، وسار ابن عطية إلى المدينة، فأقام بها شهرا وسار إلى اليمن، واستخلف على المدينة الوليد بن عروة بن محمد بن عطية، وعلى مكة رجل من أهل الشام.\rمقتل عبد الله بن يحيى\rالمنعوت بطالب الحق وقتل ابن عطية قال: وأقبل ابن عطية إلى اليمن، فبلغ عبد الله خبره وهو بصنعاء، فأقبل إليه بمن معه، والتقوا واقتتلوا، فقتل طالب الحق، وحمل رأسه إلى مروان بالشام، ومضى ابن عطية إلى صنعاء، فدخلها وأقام بها، فكتب إليه مروان يأمره أن يسرع السير ليحج بالناس؛ فسار في اثني عشر رجلا ومعه أربعون ألف دينار، وخلف عسكره وخيله بصنعاء؛ فبينا هو يسير أتاه ابنا جمانة المراديان في جمعٍ كثي، فقالوا له ولأصحابه: أنتم لصوص، فأخرج ابن عطية عهده على الحج، وقال: هذا عهد أمير المؤمنين، وأنا ابن عطية. فقالوا: هذا باطل، وأنتم لصوص، فقاتلهم ابن عطية حتى قتل في سنة 1ثلاثين ومائة.\rنعود إلى تتمة حوادث سنة 1تسع وعشرين ومائة: في هذه السنة كان ظهور الدولة العباسية بخراسان على ما نذكره في أخبار الدولة العباسية.\rوفيها غلب عبد الله بن معاوية على فارس على ما نذكر ذلك في أخبار آل أبي طالب.\rوحج بالناس في هذه السنة عبد الواحد، وكان هو العامل على مكة والمدينة والطائف وعلى العراق ابن هبيرة، وعلى خراسان نصر بن سيار، والفتنة قائمة.\rسنة 1ثلاثين ومائة: في هذه السنة دخل أبو مسلم الخراسان مرو، وبايع الناس لبني العباس على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى.\rوفيها هرب نصر بن سيار عن خراسان.\rوفيها كان من أخبار الدولة العباسية ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوفيها غزا الوليد بن هشام الصائفة، فنزل العمق وبني حصن مرعش.\rوحج بالناس في هذه السنة محمد بن عبد الملك بن مروان، وهو أمير مكة والمدينة والطائف.\rسنة 1احدى وثلاثين ومائة: في هذه السنة مات نصر بن سيار، ودخل قحطبة الري من قبل أبي مسلم الخراساني، ثم دخل أصفهان، وفتحت شهرزور لبني العباس، وسار قحطبة إلى العراق لقتال ابن هبيرة.","part":6,"page":125},{"id":2626,"text":"وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عروة بن محمد بن عطية السعدي، وهو ابن أخي عبد الملك بن محمد، وكان على الحجاز؛ ولما بلغه قتل عمه عبد الملك توجه إلى الذين قتلوه فقتل منهم مقتلةً عظيمة؛ وبقر بطون نسائهم، وقتل الصبيان، وحرق بالنار من قدر عليه منهم، وكان على العراق يزيد بن هبيرة.\rسنة 1اثنتين وثلاثين ومائة: في هذه السنة كانت هزيمة يزيد بن هبيرة عامل العراق.\rوفيها خرج محمد بن خالد بن عبد الله القسري مسوداً بالكوفة، وأخرج عامل ابن هبيرة منها على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى.\rوفيها كان انقضاء الدولة الأموية، وابتداء الدولة العباسية، وبيعة أبي العباس السفاح بالخلافة.\rوسار عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس إلى مروان بن محمد بأمر السفاح، فلقيه بزاب الموصل، واقتتلوا، فانهزم مروان إلى مصر، فلحقه صالح بن علي أخو عبد الله ببوصير، فقتله ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة على ما نذكر ذلك إن شاء الله مبيناً في أخبار الدولة العباسية، جرياً في ذلك على القاعدة التي قدمناها.\rولما قتل مروان بن محمد كان له من العمر تسعٌ وخمسون سنة. وقيل: أقل من ذلك.\rوكانت ولايته إلى أن بويع للسفاح خمس سنين وشهراً، وإلى أن قتل خمس سنين وعشرة أشهر.\rوكان نقش خاتمه: اذكر الموت يا غافل.\rوكان له من الأولاد: عبد الله، وعبيد الله؛ هربا بعد قتله. فأما عبد الله فقتله الحبشة، وعبيد الله أعقب.\rوقيل: إنه أخذ وحبس إلى أيام الرشيد، فمات ببغداد، بعد أن أضر.\rكاتبه: عبد الحميد بن يحيى مولى بني عامر.\rقاضيه: عثمان التيمي.\rحاجبه: مقلار مولاه.\rالأمراء بمصر: منهم حصان بن عتاهية، أقام ستة عشر يوما ثم وليها حفص بن الوليد، ثم عزله مروان وولي جوهر بن سهل العجلاني، ثم بعثه مدداً إلى ابن هبية، وولاها المغيرة بن عيد الله، ثم توفي فولاها عبد الملك بن مروان ابن موسى بن نصير.\rالقاضي بها: عبد الرحمن بن سالم بعد أن صرف حسين بن نعيم، ولم يزل بها قاضيا إلى إمارة عبد الملك بن يزيد.\rأخبار بني أمية\rكانت مدة ولايتهم منذ خلص الأمر لمعاوية بن أبي سفيان وإلى أن قتل مروان بن محمد إحدى وتسعين سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام، منها مدة عبد الله بن الزبير تسع سنين واثنان وعشرون يوما.\rوعدة من ولي منهم أربعة عشر رجلا، وهم: معاوية بن أبي سفيان، يزيد بن معاوية، الوليد بن يزيد بن عبد الملك. معاوية ابن يزيد بن معاوية. مروان بن الحكم. عبد الملك بن مروان. هشام ابن عبد الملك. سليمان بن عبد الملك. عمر بن عبد العزيز. رحمه الله تعالى. يزيد بن عبد الملك. مروان بن محمد بن مروان. الوليد بن يزيد. يزيد ابن الوليد بن عبد الملك. إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك. يزيد ابن معاوية بن عبد الملك، هذا وعليه انقرضت دولتهم بالمشرق، ثم قامت لهم دولة بالأندلس، سنذكرها إن شاء الله تعالى بعد ذكرنا الدولة العباسية، وإنما فصلنا ما بين دولتهم بالمشرق ودولتهم بالمغرب وجعلنا الدولة العباسية بينهما لتكون أخبار الدولتين سياقةً، ولأن بعض أخبار الدولة العباسية متعلقٌ بأخبار الدولة الأموية، فإذا ذكرناها بعد لا ينقطع سياق الأخبار، لأن دولتهم بالأندلس لم تكن تلو دولتهم هذه، بل كانت بعد سنين من قيام الدولة العباسية.\rفصاروا إذاً كالخوارج عليهم، والله تعالى الموفق للصواب والهادي له بمنه وكرمه.\rالباب الرابع من القسم الخامس من الفن الخامس\rأخبار الدولة العباسية\rبالعراق وغيره والديار المصرية وما معها خاصة وابتداء أمر الشيعة وظهورهم وما كان منهم إلى أن أفضى إلى أبي العباس عبد الله السفاح ومن قام بالأمر بعده إلى وقتنا هذا.\rدعوة بني العباس وأمر الشيعة","part":6,"page":126},{"id":2627,"text":"قال ابن الأثير الجزري رحمه الله تعالى في تاريخه الكامل، كان ابتداء ظهور دعوة بني العباس في خلافة عمر بن عبد العزيز، وذلك أن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس - وهو والد أبي العباس السفاح - بث دعاته في الآفاق في سنة مائة من الهجرة، وكان ينزل بأرض الشراة من أعمال البلقاء بالشام، وكان أمر الشيعة بعد قتل الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما صار إلى أخيه محمد بن الحنفية، وقال بعض المؤرخين إنه صار إلى علي بن الحسين، ثم إلى محمد بن علي الباقر، ثم إلى جعفر بن محمد، والذي عليه الأكثر أن محمد بن الحنفية أوصى به إلى ابنه أبي هاشم، فلم يزل قائماً بأمر الشيعة، فلما كان في أيام سليمان بن عبد الملك وفد عليه فأكرمه سليمان، وقال ما ظننت قرشياً قط يشبه هذا وقضى حوائجه، ثم شخص من عنده يريد فلسطين، فلما كان ببلد لخم وجذام ضربت له أبنية في الطريق ومعهم اللبن المسموم، فكلما مر بقوم قالوا: هل لك في الشراب، فيقول جزيتم خيراً، حتى مر بآخرين فعرضوا عليه، وهو يظنهم أنهم من لخم وجذام، فقال هاتوا الشراب، فلما استقر في جوفه أحس السم، فقال لأصحابه إني ميت، فانظروا من القوم؟ فنظروا من القوم فإذا هم قوضوا أبنيتهم ورحلوا، فقال ميلوا بي إلى ابن عمي وأسرعوا، فإني أحسب أني لا ألحقه، وكان محمد بن علي والد أبي العباس السفاح بالحميمية من أرض الشراة بالشام.\rذكر تفويض أمر الشيعة إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وبثه الدعاة قال: فلما وصل أبو هاشم إلى محمد بن علي قال: يا ابن عم، إني ميت وأنت صاحب هذا الأمر، وولدك ابن الحارثية هو القائم به، ثم أخوه من بعده، والله لا يتم هذا الأمر حتى تخرج الرايات السود من خراسان، ثم ليغلبن على ما بين حضرموت وأقصى أفريقية وما بين الهند وأقضى فرغانة، فعليك بهؤلاء الشيعة فهم دعاتك وأنصارك ولتكن دعوتك خراسان، واستبطن هذا الأمر الحي من اليمن، فإن كل ملك لا يقوم بهم، فأمره إلى انتقاض وأمرهم فليجعلوا اثني عشر نقيباً وبعدهم سبعين نقيباً، فإن الله تعالى لم يصلح بني إسرائيل إلا بهم، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا مضت سنة الحمار فوجه رسلك نحو خراسان، فمنهم من يقتل ومنهم من ينجو، حتى يظهر الله دعوتكم، فقال محمد بن علي: أبا هاشم وما سنة الحمار، قال إنه لم تمض مائة سنة من نبوة إلا انتقض أمرها، لقوله تعالى \" أو كالذي مر على قرية \" إلى قوله \" فأماته الله مائة عام \" .\rواعلم أن صاحب هذا الأمر من ولدك عبد الله بن الحارثية، ثم مات أبو هاشم وكان قد أعلم شيعته من أهل خراسان والعراق عند ترددهم إليه، أن الأمر صائر إلى ولده محمد بن علي، وأمرهم بقصده بعده، فلما مات أبو هاشم قصدوا محمداً وبايعوه، وعادوا فدعوا الناس إليه فأجابوهم، وكان الذين سيرهم إلى الآفاق جماعة، فوجه ميسرة إلى العراق، ومحمد بن خنيس وأبا عكرمة السراج - وهو أبو محمد الصادق - وحيان العطار - خال إبراهيم بن سلمة - إلى خراسان، وعليها يوم ذاك الجراح الحكمي، وأمرهم بالدعاء إليه وإلى أهل بيته، فلقوا من لقوا ثم انصرفوا بكتب من استجاب إلى محمد بن علي فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها إلى محمد، واختار أبو محمد الصادق لمحمد بن علي اثني عشر نقيباً، منهم سليمان بن كثير الخزاعي، ولاهز بن قريظ التميمي، وقحطبة بن شبيب الطائي، وموسى ابن كعب التميمي، وخالد بن إبراهيم أبو داود من بني شيبان بن ذهل، والقاسم بن مجاشع التميمي، وعمران بن إسماعيل أبو النجم مولى أبي معيط، ومالك بن الهيثم الخزاعي، وطلحة بن زريق الخزاعي، وعمرو ابن أعين أبو حمزة مولى خزاعة، وشبل بن طهمان أبو علي الهروي مولى لبني حنيفة، وعيسى بن أعين مولى خزاعة، واختار سبعين رجلاً فكتب إليهم محمد بن علي كتاباً، ليكون لهم مثالاً وسيرة يسيرون بها، وذلك في سنة مائة من الهجرة.\rأبي العباس السفاح","part":6,"page":127},{"id":2628,"text":"قال: كان عبد الملك بن مروان قد منع محمد بن علي على أباه من زواج أمه، وهي ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، ثم منعه الوليد وسليمان بعده لأنهم كانوا يرون أن ملكهم يزول على يد رجل من بني العباس يقال له ابن الحارثية، فلما ولي عمر بن عبد العزيز شكى محمد بن علي ذلك، وسأله ألا يمنعه من زواجها وكانت بنت خاله، فقال له عمر: تزوج من شئت فتزوجها، فولدت له أبا العباس السفاح في شهر ربيع الآخر سنة أربع ومائة، ووصل إلى أبيه محمد بن علي أبو محمد الصادق من خراسان في عدة من أصحابه، فأخرج إليهم أبا العباس في خرقة وله خمسة عشر يوماً، وقال لهم هذا صاحبكم الذي يتم الأمر على يديه، فقبلوا أطرافه، وقال لهم: والله ليتمن هذا الأمر حتى تدركوا ثأركم من عدوكم.\rوفي سنة خمس ومائة: قدم بكير بن ماهان من السند وكان بها مع الجنيد بن عبد الرحمن، فلما عزل الجنيد قدم بكير إلى الكوفة، ومعه أربع لبنات من فضة ولبنة من ذهب، فلقي أبا عكرمة الصادق، وميسرة، ومحمد بن خنيس، وسالم الأعين، وأبا يحيى مولى بني مسلمة، فذكروا له أمر دعوة بني هاشم فقبل ذلك، وأنفق ما معه عليهم ودخل إلى محمد بن علي، فأقامه مقامه.\rوفي سنة سبع ومائة: وجه بكير بن ماهان أبا عكرمة ومحمد بن خنيس وعمار العبادي وزيادا - خال الوليد بن الأزرق - في عدة من شيعتهم دعاة إلى خراسان، فجاء رجل من كندة إلى أسد بن عبد الله القسري وهو أمير خراسان، فوشى بهم فأتى بأبي عكرمة ومحمد بن خنيس وعامة أصحابه، ونجا عمار، فقطع أسد أيدي من ظفر به منهم وصلبه، وأقبل عمار إلى بكير ابن ماهان فأخرجه، فكتب إلى محمد بن علي بذلك، فأجابه: الحمد لله الذي صدق دعوتكم ومقالتكم، وقد بقيت منكم قتلى ستقتل. وقيل إن أول من قدم خراسان من دعاة بني العباس زياد أبو محمد مولى همدان.\rوفي سنة تسع ومائة: بعثه محمد بن علي وقال له: انزل اليمن والطف مضر، ونهاه عن رجل من نيسابور يقال له غالب، فلما قدم دعا إلى بني العباس وذكر سيرة بني أمية وظلمهم، وأطعم الناس الطعام، وقدم عليه غالب وتناظرا في تفضيل آل علي وآل العباس، وافترقا وأقام زياد بمرو شتوة يختلف إليه من أهلها يحيى بن عقيل الخزاعي وغيره، فأخبر به أسد فدعاه وقال له: ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: الباطل، إنما قدمت في تجارة وقد فرقت مالي على الناس، فإذا اجتمع خرجت، فقال له أسد: اخرج عن بلادي، فانصرف وعاد إلى أمره، فرفع أمره إلى أسد وخوف جانبه، فأحضره وقتله وقتل معه عشرة من أهل الكوفة، ولم ينج منهم إلا غلامان استصغرهما وقيل - أمر بزياد أن يوسط بالسيف، فضربوه فلم يعمل السيف فيه فكبر الناس، فقال أسد: ما هذا؟ فقالوا نبا السيف عنه، ثم ضرب مرة أخرى فنبا عنه، ثم ضرب الثالثة فقطعه باثنتين، وعرض البراءة منه على أصحابه، فمن تبرأ خلى سبيله، فتبرأ اثنان فتركا، وأبى البراءة ثمانية فقتلوا، فلما كان الغد أقبل أحدهما إلى أسد، فقال أسألك أن تلحقني بأصحابي فقتله، وذلك قبل الأضحى بأربعة أيام من سنة تسع ومائة، ثم قدم بعدهم رجل من أهل الكوفة يسمى كثيرا، فنزل على أبي النجم وكان يأتيه الذين لقوا زياداً، فكان على ذلك سنة أو سنتين وكان أمياً، فقدم عليه خداش واسمه عمارة، فغلب كثيراً على أمره. ويقال إن أول من أتى خراسان بكتاب محمد بن علي حرب بن عثمان مولى بني قيس بن ثعلبة، من أهل بلخ والله تعالى أعلم.","part":6,"page":128},{"id":2629,"text":"وفي سنة ثماني عشرة ومائة: وجه بكير بن ماهان عمار بن يزيد الخزاعي إلى خراسان والياً على شيعة بني العباس، فنزل مرو وغير اسمه وتسمى بخداش، ودعا إلى محمد بن علي فسارع إليه الناس وأطاعوه، ثم غير ما دعاهم إليه وأظهر دين الخرمية، ورخص لبعضهم في نساء بعض، وقال لهم إنه لا صوم ولا صلاة ولا حج، وأن تأويل الصوم أن يصام عن ذكر الإمام فلا يباح باسمه، والصلاة الدعاء له، والحج القصد إليه وكان يتأول من القرآن قوله تعالى \" ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات \" ، قال وكان خداش نصرانياً بالكوفة فأسلم ولحق بخراسان، وكان ممن اتبعه على مقالته: مالك بن الهيثم، والحريش بن سليم الأعجمي وغيرهما، وأخبرهم أن محمد بن علي أمره بذلك، فبلغ خبره أسد بن عبد الله فظفر به، فأغلظ القول لأسد فقطع لسانه وسمل عينيه، وأمر يحيى بن نعيم الشيباني فقتله وصلبه بآمل.\rوفيها مات علي بن عبد الله بن عباس بالحميمية من أرض الشراة بالشام، وهو ابن ثمان أو سبع وسبعين، وهو والد محمد الإمام، وقيل إنه ولد في الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فسماه علياً، وقال سميته باسم أحب الناس إلي، وكناه بأبي الحسن، فلما قدم على عبد الملك بن مروان أكرمه وأجلسه معه على سريره، وسأله عن اسمه وكنيته فأخبره، فقال: لا يجتمع هذا الاسم والكنية لأحد في عسكري، وسأله: هل لك ولد؟ قال: نعم وقد سميته محمداً، قال: فأنت أبو محمد. وقيل إنه خلف اثنين وعشرين ولداً.\rوفي سنة عشرين ومائة: وجهت الشيعة بخراسان إلى محمد الإمام سليمان بن كثير، ليعلمه أمرهم وما هم عليه، وكان محمد قد ترك مكاتبتهم ومراسلتهم، لطاعتهم لخداش وقبولهم منه ما رواه عنه من الكذب، فقدم سليمان على محمد فعنفه محمد في ذلك، ثم صرفه إلى خراسان ومعه كتاب مختوم، فلم يجدوا فيه إلا البسملة، فعلموا مخالفة خداش لأمره، ثم وجه محمد إليهم بكير بن ماهان بعد عود سليمان من عنده، وكتب إليهم يعلمهم كذب خداش فلم يصدقوه واستخفوا به، فانصرف بكير إلى محمد، فبعث معه بعصى مضببة بعضها بحديد وبعضها بنحاس، فجمع بكير النقباء والشيعة ودفع إلى كل واحد منهم عصى، فتابوا ورجعوا.\rأبي مسلم الخراساني وابتداء أمره قال ابن الأثير الجزري في تاريخه الكامل، قد اختلف الناس في أمر أبي مسلم، فقيل كان حراً، وكان اسمه إبراهيم بن عثمان بن بشار بن سدوس بن جود زده من ولد بزرجمهر ويكنى أبا إسحاق، ولد بأصفهان ونشأ بالكوفة، وكان أبوه أوصى إلى عيسى بن موسى السراج فحمله إلى الكوفة وهو ابن سبع سنين، فلما اتصل بإبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله الإمام قال له: غير اسمك فإنه لا يتم لنا الأمر إلا بتغيير اسمك، على ما وجدته في الكتب، فسمى نفسه عبد الرحمن بن مسلم وكان يكنى أبا مسلم، ومضى لشأنه، وله ذؤابة وهو على حمار بإكاف وله تسع عشرة سنة، وزوجه إبراهيم الإمام ابنة عمران بن إسماعيل الطائي المعروف بأبي النجم، هذا نسبه على زعم من يقول إنه حر، ولما تمكن وقوي أمره ادعى أنه من ولد سليط بن عبد الله بن عباس، وكان من حديث سليط هذا أن عبد الله بن عباس كان له جارية مولدة صفراء تخدمه، فواقعها مرة ثم تركها دهراً، فاستنكحت عبداً من أهل المدينة فولدت له غلاماً، فاستعبده عبد الله بن عباس وسماه سليطاً، فنشأ جلداً ظريفاً وخدم ابن عباس، ثم صار له من الوليد بن عبد الملك منزلة، فادعى أنه من ولد عبد الله بن عباس، وأعانه الوليد على ذلك لما كان في نفسه من علي بن عبد الله بن عباس، وأمره بمخاصمته فخاصمه، واحتال في شهود على إقرار عبد الله أنه ولده، فشهدوا بذلك عند قاضي دمشق، واتبع القاضي رأي الوليد في ذلك، فأثبتت نسبه وخاصم علياً في الميراث.","part":6,"page":129},{"id":2630,"text":"وأما من زعم أنه كان عبداً فإنه حكى، أن بكير بن ماهان كان كاتباً لبعض عمال السند، فقدم الكوفة فاجتمع بشيعة بني العباس، فغمز بهم فحبس وخلي عن الباقين، وكان في الحبس أبو عاصم يونس، وعيسى بن معقل العجلي ومعه أبو مسلم يخدمه، فدعاهم بكير إلى رأيه فأجابوه، ثم قال لعيسى بن معقل: ما هذا منك؟ قال: هو مملوك، قال: أتبيعه؟ قال: هو لك، قال: أحب أن تأخذ ثمنه، قال هو لك بما شئت، فأعطاه أربعمائة درهم، ثم خرجوا من السجن، فبعث به بكير إلى إبراهيم الإمام، فدفعه إبراهيم إلى موسى السراج فسمع منه وحفظ، ثم صار يتردد إلى خراسان.\rوقيل إنه كان لبعض أهل هراة بوشنج شيخ، فقدم مولاه على إبراهيم الإمام وأبو مسلم معه، فأعجبه فابتاعه منه وأعتقه، ومكث عنده عدة سنين، وكان يتردد بكتب إلى خراسان على حمار له بإكاف، ثم ولاه إبراهيم أمر الشيعة بخراسان على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوفي سنة أربع وعشرين ومائة: مات محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في قول بعضهم، وأوصى إلى ابنه إبراهيم بالقيام بأمر الدعوة، وقيل بل مات في سنة خمس وعشرين ومائة في ذي القعدة، وهو ابن ثلاث وستين سنة.\rوفي سنة ست وعشرين ومائة: وجه إبراهيم بن محمد الإمام أبا هاشم بكير بن ماهان إلى خراسان، فقدم مرو وجمع النقباء والدعاة ونعى لهم محمد بن علي، ودعاهم إلى ابنه إبراهيم ودفع إليهم كتابه فقبلوه، ودفعوا له ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، فقدم بها بكير على إبراهيم.\rوفي سبع وعشرين ومائة: توجه سليمان بن كثير، ولاهز بن قريظ، وقحطبة إلى مكة فلقوا إبراهيم الإمام بها، وأوصلوا إلى مولى له عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ومسكاً ومتاعاً، وكان معهم أبو مسلم.\rوفيها كتب بكير بن ماهان إلى إبراهيم بن محمد الإمام يخبره أنه في الموت، وأنه قد استخلف أبا سلمة حفص بن ماهان وهو رضىً للأمر، فكتب إبراهيم إلى أبي سلمة يأمره بالقيام بأمر أصحابه، وكتب إلى أهل خراسان يخبرهم أنه قد أسند أمرهم إليه، ومضى أبو سلمة إليهم فقبلوا أمره، ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة وخمس أموالهم.\rولايته أمر الشيعة\rقال وفي سنة ثمان وعشرين ومائة: وجه إبراهيم بن محمد الإمام أبا مسلم الخراساني إلى خراسان وعمره تسع عشرة سنة، وكتب إلى أصحابه: إني قد أمرته بأمري، فاسمعوا له وأطيعوا، فإني قد أمرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك، فأتاهم فلم يقبلوا قوله، وخرجوا فالتقوا بمكة عند إبراهيم الإمام، فأعلمه أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه وأمره، فقال إبراهيم: هل عرضت هذا الأمر على غير واحد فأبوه علي؟ وكان قد عرضه على سليمان بن كثير، فقال: لا ألى على اثنين أبدا، ثم عرضه على إبراهيم بن سلمة فأبى، فأعلمهم أنه قد اجتمع رأيه على أبي مسلم، وأمرهم السمع والطاعة له، ثم قال: إنك رجل منا أهل البيت، فاحفظ وصيتي: انظر هذا الحي من اليمن فالزمهم، واسكن بين أظهرهم فإن الله تعالى لا يتم هذا الأمر إلا بهم، واتهم ربيعة في أمرهم، وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار، واقتل من شككت فيه، وإن استطعت ألا تدع بخراسان من يتكلم العربية فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله، ولا تخالف هذا الشيخ يعني سليمان بن كثير ولا تعصه، وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به مني.\rإظهار الدعوة بخراسان","part":6,"page":130},{"id":2631,"text":"وفي سنة تسع وعشرين ومائة: كتب إبراهيم الإمام إلى أبي مسلم يستدعيه، فسار في النصف من جمادى الآخرة مع سبعين من النقباء، فلما وصل إلى قومس أتاه كتاب إبراهيم، يقول: إني قد بعثت إليك براية النصر، فارجع من حيث لقيك كتابي، ووجه إلى قحطبة بما معك يوافيني به في الموسم، وكتاباً إلى سليمان بن كثير، فانصرف أبو مسلم إلى خراسان، ووجه قحطبة إلى إبراهيم بما معه من الأموال والعروض، وقدم أبو مسلم إلى مرو ودفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير، يأمره بإظهار الدعوة، فنصبوا أبا مسلم وقالوا رجل من أهل البيت، ودعوا إلى طاعة بني العباس، وأرسلوا إلى من قرب منهم وبعد ممن أجابهم بإظهار الدعوة، ونزل أبو مسلم قرية من قرى مرو يقال لها فنين، على أبي الحكم عيسى بن أعين النقيب، ووجه منها أبا داود النقيب ومعه عمرو بن أعين إلى طخارستان فما دون بلخ، وأمرهما بإظهار الدعوة في شهر رمضان، وكان نزوله القرية في شعبان، وبث الدعاة إلى مرو الروذ والطالقان وخوارزم، وأمرهم بإظهار الدعوة في شهر رمضان لخمس بقين منه، وقال لهم فإن أعجلكم عدوكم دون الوقت بالأذى والمكروه فقد حل لكم أن تدفعوا عن أنفسكم، وتجردوا السيوف وتجاهدوا أعداء الله، ومن شغله منكم عدوه عن الوقت فلا حرج عليه أن يظهر بعده، ثم تحرك أبو مسلم فنزل في قرية سفيذنج على كثير بن سليمان الخزاعي لليلتين خلتا من شهر رمضان، والكرماني وشيبان يقاتلان نصر بن سيار، فبث أبو مسلم دعاته في الناس وأظهر أمره، فأتاه في ليلة واحدة نحو ستين قرية، فلما كن ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان عقد اللواء، الذي بعث به الإمام إليه ويعى الظل، على رمح طوله أربعة عشر ذراعاً، وهو يتلو \" أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير \" ، ولبسوا السواد هو وأخوه سليمان بن كثير ومواليه، ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج، وأوقدوا النيران ليلتهم لشيعتهم فكانت علامتهم، فتجمعوا إليه حين أصبحوا معدين، وقدم عليه الدعاة الذين بثهم في الدعوة بمن أجابهم، وذلك بعد ظهوره بيومين، فلما وافى عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلى به وبالشيعة، ونصب له منبراً في العسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، وكان بنو أمية يبدوءن بالخطبة قبل الصلاة بأذان وإقامة، وأمره أيضاً أن يكبر ست تكبيرات تباعاً، ثم يقرأ ويركع بالسابعة، ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعاً ثم يقرأ ويركع بالسادسة، ويفتح الخطبة بالتكبير ويختمها بالقرآن، وكان بنو أمية يكبرون في الأولى أربع تكبيرات وفي الثانية ثلاثاً، فلما قضى سليمان الصلاة انصرف أبو مسلم والشيعة، إلى طعام قد أعده لهم فأكلوا مستبشرين. وكتب أبو مسلم إلى نصر بن سيار وبدأ بنفسه، وكتب إلى نصر ولم يقل إلى الأمير: أما بعد فإن الله تباركت أسماؤه عير أقواماً في القرآن فقال: \" وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً، استكباراً في الأرض ومكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً \" ، فتعاظم نصر الكتاب وكسر له إحدى عينيه، وقال: هذا كتاب له أخوات ثم كان من خبر الكرماني ومقتله ما قدمناه في أيام مروان، فلما قتل انضم ابنه علي إلى أبي مسلم في جموع كثيرة، فاستصحبه معه وقاتلوا نصر بن سيار حتى أخرجوه من دار الإمارة، وأقبل أبو مسلم إلى مرو وأتاه علي بن الكرماني وسلم عليه بالإمارة.\rذكر دخول أبي مسلم مرو والبيعة بها","part":6,"page":131},{"id":2632,"text":"وفي سنة ثلاثين ومائة: دخل أبو مسلم الخراساني مرو ونزل قصر الإمارة في شهر ربيع الآخر وقيل في جمادى الأولى، وكان سبب ذلك وسبب اتفاق ابن الكرماني أن ابن الكرماني ومن معه وسائر القبائل بخراسان كانوا قد تعاقدوا على قتال أبي مسلم، فجمع أصحابه لحربهم، فكان سليمان بن كثير بإزاء ابن الكرماني، فقال له سليمان إن أبا مسلم: يقول لك أما تأنف من مصالحة نصر وقد قتل بالأمس أباك وصلبه! وما كنت أحسبك تجامع نصراً في مسجد تصليان فيه! فرجع ابن الكرماني عن رأيه وانتقض صحل العرب، فبعث نصر بن سيار إلى أبي مسلم يلتمس منه أن يدخل مع مضر، وبعث أصحاب الكرماني وهم ربيعة واليمن إلى أبي مسلم بمثل ذلك، وراسلوه أياماً فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين، حتى يختار أحدهما ففعلوا، فأمر أبو مسلم الشيعة أن يختاروا أصحاب الكرماني، فتقدم الوفدان فأجلسهم أبو مسلم، وجمع عنده من الشيعة سبعين رجلاً، فقال لهم: لتختاروا أحد الفريقين، فقام سليمان بن كثير فتكلم وكان خطيباً مفوهاً، فاختار ابن الكرماني وأصحابه واختارهم السبعون، فقام وفد نصر وعليهم الكآبة والذلة، وأرسل إليه ابن الكرماني أن يدخل إلى مدينة مرو من ناحية، ليدخل هو وعشيرته من الناحية الأخرى، فأرسل إليه أبو مسلم أني لست آمن أن تجمع يدك ويد نصر على محاربتي، ولكن ادخل أنت وانشب الحرب، ففعل ابن الكرماني ودخل أبو مسلم مرو، والفريقان يقتتلان فأمرهما بالكف وتلى قوله تعالى: \" ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه... الآية \" ومضى أبو مسلم إلى قصر الإمارة، وأرسل إلى الفريقين أن ينصرف كل منهما إلى عسكره ففعلوا، وصفت مرو لأبي مسلم وأمر بأخذ البيعة من الجند، وكان الذي يأخذها أبو منصور طلحة بن رزيق وهو أحد النقباء، وكان عالماً بحجج الهاشمية ومعايب الأموية، وكانت البيعة: أبايعكم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، عليك بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق والمشي إلى بيت الله الحرام، وعلى ألا تسألوا رزقاً ولا طمعاً حتى يبدأكم به ولائكم.\rهرب أمير خراسان من مرو\rوكان سبب هربه أن أبا مسلم لما دخل مرو أرسل لاهز بن قريظ في جماعة إلى نصر، يدعوه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والرضا من آل محمد، فلما نظر ما جاءه من اليمانية والربيعية والعجم وأنه لا قبل له بهم أظهر قبول ما أتاه به، وأنه يأتيه ويبايعه واستمهلهم، وأمر أصحابه بالتهيؤ والخروج إلى مكان يأمنون فيه، فأشار عليه سلم بن أحوز بالبيات ليلته تلك والخروج من القابلة، فلما أصبح عبأ أصحابه وكتائبه إلى بعد الظهر، فأعاد أبو مسلم إليه لاهز بن قريظ في جماعة، فقال: ما أسرع ما عدتم، فقال له لاهز: لا بد لك من ذلك، فاستمهله نصر بقدر ما يتوضأ ويصلي، ويرسل إلى أبي مسلم يستأذنه في المضي إليه، فأجابه لاهز، فلما قدم نصر للوضوء تلا لاهز: \" إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين \" ، فدخل نصر منزله وأعلمهم أنه ينتظر عود رسوله من عند أبي مسلم، وأقام حتى جنه الليل فخرج من خلف حجرته، ومعه تميم ابنه، والحكم بن نميلة النميري، وامرأته المرزبانة وانطلقوا هرباً، فلما استبطأه لاهز وأصحابه دخلوا منزله فوجدوه قد هرب، فلما بلغ أبا مسلم هربه سار إلى عسكر نصر، وأخذ ثقات أصحابه وصناديدهم فكتفهم، وفيهم سلم بن أحور صاحب شرطة نصر، والبختري كاتبه، وابنان له، ويونس بن عبد ربه، ومحمد بن قطن، ومجاهد بن يحيى بن حضين وغيرهم، فاستوثق منهم بالحديد وحبسهم، وسار أبو مسلم وابن الكرماني في طلب نصر ليلتهما، فأدركا امرأته قد حلفها، وسار نصر إلى سرخس واجتمع معه ثلاثة آلاف رجل، ورجع أبو مسلم وسأل من كان أرسلهم إلى نصر: ما الذي ارتاب به نصر حتى هرب؟ وهل تكلم أحد منكم بشيء؟ فذكروا له ما تلاه لاهز بن قريظ، فقال هذا الذي دعاه للهرب، ثم قال: يا لاهز تدغل في الدين، وقتله، واستشار أبو مسلم أبا طلحة في أصحاب نصر، فقال: اجعل سوطك السيف، وسجنك القبر، فقتلهم وكانوا أربعة وعشرين رجلاً، وأما نصر فإنه سار من سرخس إلى طوس فأقام بها، ودخل ابن الكرماني مرو مع أبي مسلم وتابعه على رأيه.\rمقتل ابني الكرماني","part":6,"page":132},{"id":2633,"text":"وفي سنة ثلاثين ومائة أيضاً: قتل أبو مسلم علياً وعثمان ابني الكرماني. وكان سبب ذلك أن أبا مسلم كان وجه موسى بن كعب إلى أبيورد فافتتحها. ووجه أبا داود إلى بلخ وفيها زياد بن عبد الرحمن، فلما بلغه قصد أبي داود بلخ خرج في أهلها وأهل الترمذ وغيرهما من كور طخارستان إلى الجوزجان. فلما دنا أبو داود منهم انصرفوا منهزمين إلى ترمذ، ودخل أبو داود مدينة بلخ. فكتب إليه أبو مسلم بالقدوم عليه، ووجه مكانه أبا الميلاء يحيى بن نعيم على بلخ، فلما قدم كاتبه زياد بن عبد الرحمن أن يصير أن أيديهم واحدة فأجابه، فرجع زياد ومسلم بن عبد الرحمن بن مسلم الباهلي وعيسى بن زرعة السلمي وأهل بلخ وترمذ وملوك طخارستان وما وراء النهر ودونه فنزلوا على فرسخ من بلخ، وخرج إليهم يحيى بن نعيم بمن معه، فصارت كلمتهم واحدة - مضر وربيعة واليمن ومن معهم - على قتال المسودة، وجعلوا الولاية عليهم لمقاتل بن حيان النبطي، فأمر مسلم أبا داود بالعود، فأقبل بمن معه حتى اجتعموا على نهر السرجنان، وكان زياد وأصحابه قد وجهوا أبا سعيد القرشي مسلحة، لئلا يأتيهم أصحاب أبي داود من خلفهم، وكانت أعلام أبي سعيد سودا، فلما أقبل أبو سعيد ورأى زياد ومن معه أعلام أبي سعيد وراياته سودا ظنوهم كميناً لأبي داود فوقع عامة أصحاب زياد في النهر، وقتل منهم خلق كثير ممن تخلف، ونزل أبو داود معسكرهم وحوى ما فيه، ومضى زياد ويحيى ومن معهما إلى ترمذ، واستقامت بلخ له فكتب إليه أبو مسلم بالقدوم عليه وقدم أبو داود على أبي مسلم واتفقا على أن يفرقا بين ابني الكرماني، فبعث أبو مسلم عثمان بن الكرماني عاملاً على بلخ، فلما قدمها أقبلت المضرية من ترمذ وعليهم مسلم بن عبد الرحمن الباهلي، فالتقوا واقتتلوا فانهزم أصحاب عثمان وغلب مسلم على بلخ، وكان عثمان بن الكرماني بمرو الروذ لم يشهد هذه الوقعة، فلما بلغه الخبر أقبل هو والنضر بن صبيح المري فهرب أصحاب مسلم من ليلتهم، فلم يمعن النظر في طلبهم، ولقيهم أصحاب عثمان فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم أصحاب عثمان وقتل منهم خلق كثير، ورجع أبو داود من مرو إلى بلخ، وسار أبو مسلم إلى نيسابور ومعه علي بن الكرماني، واتفق رأي أبي مسلم ورأي أبي داود على أن يقتلا ابني الكرماني، فلما قدم أبو داود بلخ بعث عثمان عاملاً على الختل فلما خرج عثمان من بلخ تبعه أبو داود وأخذه هو وأصحابه فحبسهم جميعاً، ثم ضرب أعناقهم صبراً، وقتل أبو مسلم في ذلك اليوم علي بن الكرماني، وكان أبو مسلم أمره قبل ذلك أن يسمى له خاصيته، ليوليهم ويأمر لهم بجوائز وكساوى، فسماهم له فقتلهم جميعاً.\rقدوم قحطبة\rبن شبيب من قبل إبراهيم الإمام علي بن أبي مسلم وكان قدومه سنة ثلاثين ومائة فقدم ومعه لواء عقده له إبراهيم، فوجهه أبو مسلم في مقدمته، وضم إليه الجيوش وجعل إليه العزل والاستعمال، وكتب إلى الجنود بالسمع والطاعة له.\rذكر مسير قحطبة إلى نيسابور واستيلائه عليها ومن استعمله أبو مسلم على الجهات","part":6,"page":133},{"id":2634,"text":"قال: ولما استولى أبو مسلم على خراسان وقتل ابنا الكرماني على ما تقدم بعث العمال على البلاد، فاستعمل سباع بن النعمان الأزدي على سمرقند، وأبا داود خالد بن إبراهيم على طخارستان، ومحمد بن الأشعث على الطبسين، وجعل مالك بن الهيثم على شرطته، ووجه قحطبة إلى طوس ومعه عدة من القواد، منهم أبو عون عبد الملك بن يزيد، وخالد بن برمك، وعثمان بن نهيك، وخازم بن خزيمة وغيرهم، فلقي قحطبة من بطوس فهزمهم، وبلغ عدة القتلى بضعة عشر ألفاً، ووجه أبو مسلم القاسم ابن مجاشع إلى نيسابور على طريق المحجة، وكتب إلى قحطبة يأمره بقتال تميم بن نصر بن سيار والنابي بن سويد ومن لجأ إليهما من أهل خراسان، ووجه أبو مسلم علي بن معقل في عشرة آلاف إلى تميم بن نصر، وأمره أن يكون مع قحطبة، وسار قحطبة إلى السوذقان - وهو معسكر تميم بن نصر والنابي بن سويد، وقد عبأ أصحابه فدعاهم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى الرضا من آل محمد فلم يجيبوه، فقاتلهم قتالاً شديداً، فقتل تميم في المعركة، وقتل من أصحابه خلق كثير، وهرب النابي بن سويد فتحصن بالمدينة، فحصره قحطبة ونقبوا سورها ودخلوا المدينة فقتلوا النابي ومن كان معه، وبلغ الخبر نصر بن سيار فهرب إلى قومس وتفرق عنه أصحابه، فسار إلى نباتة بن حنظلة بجرجان، وقدم قحطبة نيسابور فأقام بها هو ومن معه رمضان وشوال.\rمقتل نباتة\rبن حنظلة عامل يزيد بن هبيرة على جرجان قد ذكرنا هرب نصر بن سيار ولحاقه بنباتة بن حنظلة، فلما كان في ذي القعدة أقبل قحطبة إلى جرجان، وقد نزل نباتة ونصر بن سيار الجورجان، وخندقوا عليهم وهم في عدد وعُدد، فهابهم أهل خراسان حتى تكلموا بذلك وظهر عليهم، فبلغ قحطبة فقام فيهم وقوى عزائمهم وشجعهم، وقال: إن الإمام وعدكم المصر عليهم، وقد عهد إلي أنكم تلقونهم فينصركم الله عليهم، فالتقوا في مستهل ذي الحجة سنة ثلاثين ومائة في يوم الجمعة، وعلى ميمنة قحطبة ابنه الحسن، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل نباتة وعشرة آلاف من أهل الشام، وانهزم من بقي منهم، وسار نصر بن سيار وكان بقومس فنزل خوار الري، وكاتب ابن هبيرة يستمده وهو بواسط مع ناس من وجوه أهل خراسان، وقال له: أمدني بعشرة آلاف قبل أن تمدني بمائة ألف ثم لا تغني شيئاً، فحبس ابن هبيرة رسله، فأرسل إلى مروان بن محمد يعلمه ما فعل ابن هبيرة يأمره أن يمده، فجهز ابن هبيرة جيشاً كثيفاً عليهم ابن عطيف إلى نصر بن سيار، قال: أما قحطبة فإنه بلغه أن أهل جرجان يريدون الخروج عليه، فاستعرضهم وقتل منهم ما يزيد على ثلاثين ألفاً.\rثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائة\rوفاة نصر\rبن سيار ودخول قحطبة الري","part":6,"page":134},{"id":2635,"text":"قال: ثم وجه قحطبة ابنه الحسن لقتال نصر في المحرم من هذه السنة، ووجه أبا كامل وأبا القاسم محرز بن إبراهيم، وأبا العباس المروزي إلى الحسن ابنه، فلما كانوا قريباً منه انحاز أبو كامل وترك عسكره وأتى نصر بن سيار فأعلمه، فصار معه وأعلمه مكان الجند، فوجه إليهم جنداً فهرب جند قحطبة، وخلفوا شيئاً من متاعهم فأخذه أصحاب نصر، فبعث به نصر إلى ابن هبيرة، فعرض له ابن عطيف بالري فأخذ الكتاب والمتاع من رسول نصر، وبعثه إلى ابن هبيرة فغضب نصر، وقال: أما والله لأدعن ابن هبيرة فليعرفن أنه ليس بشيء، وكان ابن عطيف في ثلاثة آلاف، قد بعثه ابن هبيرة مدداً لنصر، فأقام بالري ولم يأت نصراً، فسار نصر حتى نزل الري وعليها حبيب بن بديل النهشلي، فلما قدمها سار ابن عطيف منها إلى همذان، ثم عدل إلى أصفهان إلى عامر بن ضبارة، ولما قدم نصر الري أقام بها يومين ثم مرض، فحمل إلى ساوة فمات بها لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول منها، وعمره خمس وثمانون سنة، ودخل أصحابه همذان، ولما مات نصر بعث الحسن بن قحطبة خازم بن خزيمة إلى سمنان، وأقبل قحطبة من جرجان وقدم أمامه زياد بن زرارة القشيري، وكان قد ندم على اتباع أبي مسلم، فأخذ طريق أصفهان يريد عامر بن ضبارة، فوجه قحطبة، المسيب بن زهير الضبي فلحقه، وقاتله فانهزم زياد وقتل عامة من معه، ورجع المسيب إلى قحطبة، ثم سار قحطبة إلى قومس وبها ابنه الحسن، فقدمه إلى الري، وبلغ حبيب بن بديل النهشلي ومن معه من أهل الشام مسير الحسن، فخرجوا عن الري ودخلها الحسن في صفر، وأقام حتى قدم أبوه، فبعثه بعد مقدمه بثلاث ليال إلى همذان، فسار عنها مالك بن أدهم ومن كان معه من أهل الشام وأهل خراسان إلى نهاوند، فأقام بها وفارقه ناس كثير، ودخل الحسن همذان وسار منها إلى نهاوند، فنزل على أربعة فراسخ منها، وأمده أبوه بأبي الجهم بن عطية مولى باهلة في سبعمائة فحصر المدينة.\rمقتل عامر\rبن ضبارة ودخول قحطبة أصفهان كان عامر بن ضبارة قد بعثه يزيد بن هبيرة لقتال عبد الله بن معاوية، لما خرج ودعا إلى نسه على ما نذكره في أخبار آل أبي طالب إن شاء الله، وبعث معه ابنه داود بن يزيد فهزمه ابن ضبارة، وسار في أثره، فلما بلغ ابن هبيرة مقتل نباتة بن حنظلة بجرجان كتب إلى عامر وإلى ابنه داود، أن يسيرا إلى قحطبة وكانا بكرمان، فسارا في خمسين ألفاً ونزلوا بأصفهان، وكان يقال لعسكر ابن ضبارة عسكر العساكر، فبعث قحطبة إليهم جماعة من القواد عليهم جميعاً مقاتل بن حكيم العكي، فساروا حتى نزلوا قم، وبلغ ابن ضبارة نزول الحسن بن قحطبة نهاوند، فسار ليفتن من بها من أهلها، فأرسل مقاتل إلى قحطبة يعلمه بمسيره، فأقبل قحطبة من الري حتى لحق بمقاتل، ثم ساروا والتقوا بعامر بن ضبارة وداود بن يزيد، وكان عسكر قحطبة عشرين ألفاً فيهم خالد بن برمك، وعسكر ابن ضبارة مائة ألف وقيل خمسون ومائة ألف، فأمر قحطبة بمصحف فوضع على رمح، ونادى يا أهل الشام إنما ندعوكم إلى ما في هذا المصحف، فشتموه وفحشوا في القول، فأمر قحطبة أصحابه بالحملة عليهم، فحمل عليهم العكي وتهايج الناس، ولم يكن بينهم كبير قتال حتى انهزم أهل الشام، وقتلوا قتلاً ذريعاً، فقتل ابن ضبارة وهرب داود، وأخذ أصحاب قحطبة من عسكرهم ما لا يعلم قدره، من السلاح والمتاع والرقيق والخيل، وما رئي عسكر قط كان فيه من أصناف الأشياء ما في هذا العسكر، كان كأنه مدينة، فكان فيه من البرابط والطنابير والمزامير والخمر ما لا يحصى، وحقيق لعسكر فيه مثل ذلك أن ينهزم، وكانت هذه الوقعة بنواحي أصفهان في شهر رجب.\rدخول قحطبة نهاوند","part":6,"page":135},{"id":2636,"text":"قال: ولما قتل ابن ضبارة كان الحسن بن قحطبة يحاصر نهاوند، فكتب إليه أبوه بالخبر، فلما قرأ كتابه كبر هو وجنوده ونادوا بقتله، فقال عاصم بن عمير السعدي: ما نادوا بقتله إلا وهو حق، فاخرجوا إلى الحسن قبل أن يأتي أبوه أو يمده بمدد، فقالت الرجالة: تخرجون وأنتم فرسان وتتركونا! فقال مالك بن أدهم: لا أبرح حتى يقدم قحطبة، وأقام قحطبة بأصفهان عشرين يوماً ثم سار، فقدم على ابنه بنهاوند فحصرهم ثلاثة أشهر آخرها شوال، ونصب عليهم المجانيق، وأرسل إلى من بنهاوند من أهل خراسان يدعوهم إليه، وبذل لهم الأمان فأبوا ذلك، فأرسل إلى من بها من أهل الشام بمثل ذلك فأجابوه، وقبلوا أمانه وبعثوا إليه أن يشغل عنهم أهل البلد بالقتال، ليفتحوا له الباب ففعل ذلك، ففتح أهل الشام الباب الذي يليهم وخرجوا، فلما رأى أهل البلد ذلك سألوهم عن سبب خروجهم، فقالوا: أخذنا لنا ولكم الأمان، فخرج رؤساء خراسان، فدفع قحطبة كل رجل منهم إلى قائد من قواده، ثم أمر فنودي: من كان بيده أسير فليضرب عنقه وليأت برأسه، ففعلوا ذلك، فلم يبق أحد ممن كان قد هرب من أبي مسلم إلا قتل، إلا أهل الشام فإنه وفى لهم وخلى سبيلهم، وأخذ عليهم الأيمان والعهود. قال: ولما حاصر قحطبة نهاوند أرسل ابنه إلى مرج القلعة، فقدم الحسن خازم بن خزيمة إلى حلوان، وعليها عبد الله بن العلاء الكندي، فهرب من حلوان.\rفتح شهرزور\rقال: ثم وجه قحطبة أبا عون عبد الملك بن يزيد الخراساني ومالك بن طواف في أربعة آلاف إلى شهرزور، وبها عثمان بن سفيان على مقدمة عبد الله بن مروان بن محمد، فنزلوا على فرسخين من شهرزور، في العشرين من ذي الحجة، وقاتلوا عثمان بعد يوم وليلة من نزولهم، فانهزم أصحاب عثمان وقتل، وأقام أبو عون في بلاد الموصل وقيل إن عثمان لم يقتل ولكنه هرب إلى عبد الله بن مروان، وغنم أبو عون عسكره، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وسير قحطبة العساكر إلى أبي عون، فاجتمع معه ثلاثون ألفاً، ولما بلغ مروان خبر أبي عون - بحران - سار منها بجنود الشام والجزيرة والموصل وبني أمية، وأقبل نحو أبي عون حتى نزل الزاب الأكبر، وقام أبو عون بشهرزور بقية ذي الحجة والمحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وفرض بها لخمسة آلاف.\rودخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائة ذكر مسير قحطبة لقتال ابن هبيرة بالعراق وهلاك قحطبة وهزيمة ابن هبيرة","part":6,"page":136},{"id":2637,"text":"قال: ولما قدم داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة على أبيه منهزماً، خرج يزيد نحو قحطبة في عدد كثير لا يحصى، ومعه حوثرة بن سهيل الباهلي، وكان مروان قد أمده به، فسار ابن هبيرة حتى نزل جلولاء، واحتفر الخندق الذي كان العجم احتفرته أيام وقعة جلولاء وأقام به، وأقبل قحطبة حتى نزل عكبراء، ودخل دجلة ومضى حتى نزل ما دون الأنبار، وأرسل طائفة من أصحابه إلى الأنبار وغيرها، وأمرهم بإحدار ما فيها من السفن إلى دمما ليعبر الفرات، فحملوا إليه كل سفينة هناك، فقطع الفرات إلى غريبة، وذلك لثمان مضين من المحرم، وارتحل ابن هبيرة منصرفاً مبادراً إلى الكوفة، فعبر دجلة من المدائن، واستعمل على مقدمته حوثرة وأمره بالمسير إلى الكوفة، والفريقان يسيرون على جانبي الفرات، فقال قحطبة: إن الإمام أخبرني أن لي بهذا المكان وقعة، يكون النصر لنا، واستدل على مخاضة فعبر منها، وقاتل حوثرة ومحمد بن نباتة فانهزم أهل الشام، وفقد قحطبة فقال أصحابه: من كان عنده علم من قحطبة فليخبرنا به، فقال مقاتل بن مالك العكي: سمعت قحطبة يقول: إن حدث بي حدث فالحسن ابني أمير الناس، فبايع الناس حميد بن قحطبة لأخيه الحسن، وكان أبوه قد سيره في سرية، فأرسلوا إليه فأحضروه وسلموا الأمر إليه، وكشفوا عن قحطبة فوجدوه في جدول وحرب بن سلم قتيلين، فظنوا أن كل واحد منهما قتل الآخر، وقيل إن معن بن زائدة ضرب قحطبة، لما عبر الفرات على حبل عاتقه فسقط في الماء، فقال: شدوا يدي إذا أنا مت وألقوني في الماء، لئلا يعلم الناس بقتلي، وقاتل أهل خراسان فانهزم محمد بن نباتة وأهل الشام، ومات قحطبة وقال قبل موته: إذا قدمتم الكوفة فوزير آل محمد أبو سلمة الخلال، فسلموا هذا الأمر إليه، وقيل بل غرق قحطبة. ولما انهزم ابن نباتة وحوثرة لحقا بابن هبيرة فانهزم لهزيمتهم، ولحقوا بواسط وتركوا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح وغير ذلك، فأمر الحسن بن قحطبة بجمع ذلك فجمع وغنموه.\rخروج محمد القسري مسوّدا","part":6,"page":137},{"id":2638,"text":"في هذه السنة خرج محمد بن خالد بن عبد الله القسري بالكوفة وسوّد قبل أن يدخلها الحسن بن قحطبة، وأخرج عامل ابن هبيرة، وكان خروجه ليلة عاشوراء سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكان على الكوفة يوم ذاك زياد بن صالح الحارثي، فسار محمد إلى القصر ودخله، وارتحل زياد ومن معه من أهل الشام، وسمع حوثرة الخبر فسار نحو الكوفة، فتفرق عن محمد عامة من معه، فأرسل أبو سلمة الخلال إليه يأمره بالخروج من القصر، خوفاً عليه من حوثرة، هذا ولم يبلغ أحداً من الفريقين بهلاك قحطبة، فأبى محمد أن يخرج وبلغ حوثرة تفرق أصحاب محمد عنه فتهيأ لقصده، فبينما محمد في القصر إذ أتاه بعض طلائعه، فقال له: قد جاءت خيل من أهل الشام، فوجه إليهم عدة من مواليه، فناداهم الشاميون: نحن جئنا لندخل في طاعة الأمير، ودخلوا وفيهم مليح بن خالد البجلي، ثم جاءه جهم بن الأصبح الكناني في خيل أعظم من تلك، ثم جاءت خيل أعظم منها مع رجل من آل بحدل، فلما رأى حوثرة ذلك من صنع أصحابه ارتحل نحو واسط، وكتب محمد بن خالد إلى قحطبة يعلمه أنه قد ظفر بالكوفة، فقدم القاصد على الحسن بن قحطبة، فقرأ الكتاب على الناس وارتحل نحو الكوفة، فوصلها يوم الاثنين، وقد قيل إن الحسن بن قحطبة أقبل نحو الكوفة، بعد هزيمة ابن هبيرة وعليها عبد الرحمن بن بشير العجلي فهرب منها، فسود محمد بن خالد، وخرج في أحد عشر رجلاً وبايع الناس، ودخلها الحسن من الغد ولما دخل الحسن وأصحابه الكوفة أتوا أبا سلمة الخلال وهو في بني سلمة، فاستخرجوه وكان مختفياً، فعسكر بالنخيلة يومين ثم ارتحل إلى حمام أعين، ووجه الحسن بن قحطبة إلى واسط لقتال ابن هبيرة، وبايع أبا سلمة الناس وكان يقال وزير آل محمد، وهو أبو سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع، واستعمل محمد بن خالد على الكوفة، ووجه حميد بن قحطبة إلى المدائن في جماعة من القواد، وبعث المسيب بن زهير وخالد بن برمك إلى ديرقنى، وبعث المهلبي وشرحبيل إلى عين التمر، وبعث بسام بن إبراهيم بن بسام إلى الأهواز وبها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة، فقاتله وأخرجه منها فالتحق عبد الواحد بالبصرة، وبعث إلى البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب عاملاً عليها وعليها سلم، وقد لحق به عبد الواحد فأرسل سفيان إليه، يأمره بالتحول من دار الإمارة فأبى، وقاتل ونادى من جاء برأس فله خمسمائة ومن جاء بأسير فله ألف درهم، فقتل معاوية وأتى برأسه إلى سلم فأعطى قاتله عشرة آلاف، وانكسر سفيان لقتل ابنه فانهزم وذلك في صفر.\rمقتل إبراهيم\rبن محمد الإمام","part":6,"page":138},{"id":2639,"text":"وكان مقتله في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وسبب ذلك أن مروان بن محمد أرسل للقبض عليه بالحميمية، ووصف للرسول صفة أبي العباس السفاح، لأنه كان يجد في الكتب: أن من هذه صفته يقتلهم ويسلبهم ملكهم، وسمى لرسوله إبراهيم بن محمد، فقدم الرسول فأخذ أبا العباس بالصفة، فلما ظهر إبراهيم وأمن قيل للرسول إنما أمرت بإبراهيم وهذا عبد الله، فترك أبا العباس وأخذ إبراهيم، وانطلق به إلى مروان، فلما أتاه به قال: ليس هذه الصفة التي وصفت لك، فقال رسله قد رأينا الصفة وإنما سميت إبراهيم، وهذا إبراهيم فحبسه بحران، وأعاد الرسل في طلب أبي العباس فلم يظفروا به، وكان قد توجه إلى الكوفة على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وقد اختلف في قتل إبراهيم، فقيل إن مروان لما حبسه حبس سعيد بن هشام بن عبد الملك وابنيه عثمان ومروان، وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، والعباس بن الوليد بن بعد الملك، وأبا محمد السفياني، فهلك إبراهيم في السجن في وباء وقع بحران، وهلك العباس بن الوليد، وعبد الله بن عمر، فلما كان قبل هزيمة مروان من الزاب بجمعة خرج سعيد بن هشام ومن معه، وقتلوا صاحب السجن فقتلهم أهل حران، وتخلف أبو محمد بالسجن فلم يخرج فيمن خرج هو وغيره، فلما قدم مروان من الزاب خلى عنهم. وقيل إن مروان هدم على إبراهيم بيتاً فقتله. وقيل بل جعل رأسه في جراب مملوء نورة فمات، وقيل إن شراحيل بن مسلمة بن عبد الملك كان محبوساً مع إبراهيم، فكانا يتزاوران وصار بينهما مودة، فأتى رسول من عند شراحيل إلى إبراهيم يوماً بلبن، فقال: يقول لك أخوك إني شربت من هذا اللبن فاستطبته، فأحببت أن تشرب منه، فشرب منه فشكى من ساعته، وكان يوماً يزور فيه شراحيل فأبطأ عليه، فأرسل إليه شراحيل: إنك قد أبطأت فما حبسك عني؟ فأعاد عليه إني لما شربت اللبن الذي بعثت به إلي فاشتكيت، فأتاه شراحيل - وحلف بالله أنه ما شرب لبناً في يومه، ولا بعث به إليك واسترجع، وقال: احتيل والله عليك، فبات إبراهيم ليلته وأصبح ميتاً. وكان إبراهيم خيراً فاضلاً كريماً، قدم المدينة مرة ففرق في أهلها مالاً جليلاً، فنال بعضهم منه ألف دينار - وخمسمائة دينار - وأربعمائة دينار، وكانت هذه عطاياه وهباته. وكان مولده في سنة اثنتين وثمانين، وأمه أم ولد بربرية اسمها سلمى.\rقال: ولما قبض على إبراهيم بالحميمية نعى نفسه إلى أهل بيته، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي العباس عبد الله بن محمد - وهو السفاح، وأوصاهم بالسمع والطاعة له، وأوصاه وجعله الخليفة من بعده وودعهم، وسار فهلك على ما ذكرنا، وكان من أمر أبي العباس ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rذكر ابتداء الدولة العباسية وانقضاء الدولة الأموية بيعة أبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.","part":6,"page":139},{"id":2640,"text":"وهو ابن الحارثية الذي نص عليه هاشم محمد بن الحنفية، لما فوض أمر الشيعة إلى والده، ووعدهم أنه صاحب الأمر، وكان ذلك قبل مولد أبي العباس على ما قدمنا، وأمه ريطة بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، بويع له بالخلافة يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وذلك أنه لما قبض على أخيه إبراهيم بن محمد الإمام عهد إليه كما ذكرناه، وأمره بالمسير إلى الكوفة، سار من الحميمية ومعه أهل بيته وأخوه أبو جعفر المنصور، وعبد الوهاب ومحمد ابنا أخيه إبراهيم، وعمومته داود، وعيسى، وصالح، وإسماعيل وعبد الله وعبد الصمد - بنو علي بن عبد الله بن عباس، وموسى ابن عمه داود، وابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي، ويحيى بن جعفر بن تمام بن العباس، فقدموا الكوفة في صفر من هذه السنة، وشيعتهم من أهل خراسان بظاهر الكوفة بحمام أعين، فأنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد مولى بني هاشم في بني أود، وكتم أمرهم من جميع القواد نحو أربعين ليلة، وأراد فيما ذكر أن يحول الأمر إلى آل طالب، لما بلغه موت إبراهيم الإمام، فكان أبو الجهم يقول له: ما فعل الإمام، فيقول لم يقدم بعد، وكان أبو سلمة إذا سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا، فلم يزل هذا دأبه حتى دخل أبو حميد محمد بن إبراهيم الحميري من حمام أعين يريد الكناسة، فلقي خادماً لإبراهيم الإمام يقال له سابق الخوارزمي فعرفه، فقال له ما فعل إبراهيم؟ فأخبره أن مروان قتله، وأنه أوصى إلى أخيه أبي العباس من بعده، وأنه قدم الكوفة ومعه عامة أهل بيته، فسأله أبو حميد أن ينطلق به إليهم فقال له سابق: الوعد بيني وبينك غداً في هذا الموضع، وكره سابق أن يأتيهم به إلا بإذنهم، فرجع أبو حميد إلى أبي الجهم وأخبره، وهو في عسكر أبي سلمة، فأمره أن يتلطف للقائهم، فرجع أبو حميد إلى موضع ميعاد سابق، فلقيه وانطلق به إليهم، فلما دخل سأل من الخليفة منهم؟ فقال له داود بن علي: هذا إمامكم وخليفتكم، وأشار إلى أبي العباس، فسلم عليه بالخلافة وقبل يديه ورجليه وعزاه بإبراهيم، وقال: مرنا بأمرك، ثم رجع وصحبه إبراهيم بن سلمة - رجل كان يخدم بني العباس - إلى أبي الجهم، فأخبره عن منزلتهم وأن الإمام بعثه إلى أبي سلمة، يسأله مائة دينار يعطيها أجرة الجمال التي حملتهم، فلم يبعث بها إليهم، فمشى أبو الجهم وأبو حميد وإبراهيم بن سلمة إلى موسى بن كعب، وقصوا عليه القصة، وبعثوا إلى الإمام بمائتي دينار مع إبراهيم بن سلمة، واتفق رأي القواد أن يلقوا الإمام، فمضى موسى بن كعب وأبو الجهم وغيرهم من القواد إلى أبي العباس، وبلغ ذلك أبا سلمة فسأل عنهم، فقيل له إنهم دخلوا الكوفة لحاجة لهم، وأتى القوم إليهم فقالوا: أيكم عبد الله بن محمد بن الحارثية ؟ فقالوا: هذا - فسلموا عليه بالخلافة وعزوه بإبراهيم، ورجع موسى بن كعب وأبو الجهم، وأمر أبو الجهم بقية القواد فتخلفوا عند الإمام، فأرسل أبو سلمة إلى أبي الجهم: أين كنت؟ قال: ركبت إلى إمامي، فركب أبو سلمة إلى الإمام، فأرسل أبو الجهم إلى أبي حميد: أن أبا سلمة قد أتاكم، فلا يدخلن على الإمام إلا وحده، فلما انتهى إليهم أدخلوه وحده ومنعوا حفدته من الدخول، فسلم بالخلافة، فقال له رجل منهم: على رغم أنفك يا ماص بظر أمه، فنهاه أبو العباس وأمر أبا سلمة بالعود إلى معسكره فعاد، وأصبح الناس يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول فلبسوا السلاح، واصطفوا لخروج أبي العباس، وأتوه بالدواب، فركب برذوناً أبلق، وركب معه أهل بيته فدخلوا دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد فخطب وصلى بالناس، ثم صعد المنبر ثانية فقام في أعلاه، وصعد عمه داود فقام دونه، فتكلم أبو العباس فقال:","part":6,"page":140},{"id":2641,"text":"الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه، فكرمه وشرفه وعظمه واختاره لنا، وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه، والقوام به والذابين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها، وخصنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته، وأنشأنا من آبائه، وأنبتنا من شجرته، واشتقنا من نبعته، جعله من أنفسنا عزيزاً عليه ما عننتنا، حريصاً علينا بالمؤمنين رءوفاً رحيماً، ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك كتاباً على أهل الإيمان يتلى عليهم فقال تبارك وتعالى فيما أنزل في محكم كتابه: \" إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً \" وقال تعالى: \" قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى \" وقال: \" وأنذر عشيرتك الأقربين \" وقال: \" ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى \" وقال: \" واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى \" فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا، وأوجب حقنا ومودتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا، تكرمة لنا وفضلاً علينا، والله ذو الفضل العظيم، وزعمت السباية الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا فشاهت وجوههم، ثم ولم أيها الناس؟ وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسداً، ورفع بنا الخسيسة، وتمم بنا النقيصة، وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر ومواساة في دينهم، وإخواناً على سرر متقابلين في آخرتهم، فتح الله ذلك منة ومنحة لمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما قبضه الله قام بالأمر من بعده أصحابه شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها، ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصاً منها، ثم وثب بنو حرب وبنو مروان فابتزوها وتداولوها، فجاروا فيها واستأثروا بها وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حيناً حتى آسفوه، فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا، ورد علينا حقنا، وتدارك بنا أمتنا، وولى نصرنا والقيام بأمرنا، ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وإني لأرجو ألا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يا أهل الكوفة، أنتم أهل محبتنا، ومنزل مودتنا، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم، حتى أدرككم زماننا، وأتاكم الله بدولتنا، وأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح، والثائر المنيح.\rوكان موعكاً فاشتد عليه الوعك، فجلس على المنبر وقام عمه داود على مراقي المنبر، فقال: الحمد لله شكراً الذي أهلك عدونا، وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. أيها الناس: الآن قد قشعت حنادس الدنيا، وانكشف غطاؤها وأشرقت أرضها وسماؤها، وطلعت الشمس من مطالعها، وبزغ القمر من مبزغه، وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى منزعه، ورجع الحق إلى نصابه، في أهل بيت نبيكم أهل الرأفة والرحمة والعطف عليكم.","part":6,"page":141},{"id":2642,"text":"أيها الناس: والله ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكنز لجينا، ولا عقيانا، ولا نحفر نهراً، ولا نبني قصراً، وإنما أخرجتنا الأنفة من ابتزازهم حقنا، والغضب لبني عمنا، وما كرهنا من أموركم، فلقد كانت أموركم ترمضنا، ونحن على فراشنا، وتشتد علينا سوء سيرة بني أمية فيكم واستذلالهم لكم، واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم، لكم ذمة الله تبارك وتعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، تباً تباً لبني حرب وبني أمية، آثروا مدتهم العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، وانتهكوا المحارم، وغشوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد وسنتهم في البلاد، ومرحوا في أعنة المعاصي، وركضوا في ميدان الغي، جهلاً باستدراج الله، وأمناً لمكر الله فأتاهم بأس الله بياتاً وهم نائمون. فأصبحوا أحاديث ومزقوا كل ممزق، فبعداً للقوم الظالمين، وأدالنا الله من مروان وقد غره بالله الغرور، وأرسل لعدو الله في عنانه حتى عثر في فضل خطامه. أظن عدو الله أن لن يقدر عليه. فنادى حزبه، وجمع مكايده. ورمى بكتائبه. فوجد أمامه ووراءه. وعن يمينه وشماله. من مكر الله وبأسه ونقمته. ما أمات باطله. ومحق ضلاله. وجعل دائرة السوء به. وأحيا شرفنا وعزنا. ورد إلينا حقنا وإرثنا.\rأيها الناس: إن أمير المؤمنين - نصره الله نصراً عزيزاً - إنما عاد إلى المنبر بعد الصلاة، لأنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك، فادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان، عدو الرحمن وخليفة الشيطان، المتبع السفلة الذين أفسدوا في الأرض بعد صلاحها الشاب المكتهل المتمهل، المقتدي بسلفه الأبرار الأخيار، الذين أصلحوا الأرض بعد إفسادها بمعالم الهدى ومناهج التقوى. فعج الناس بالدعاء له ثم قال: يا أهل الكوفة: إنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على حقنا، حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان، فأحيا بهم حقنا، وأفلج بهم حجتنا، وأظهر بهم دولتنا، فأراكم الله بهم ما كنتم تنتظرون، وأظهر فيكم الخليفة من هاشم، وبيض به وجوهكم، وأدالكم على أهل الشام، ونقل إليكم السلطان وعز الإسلام، ومن عليكم بإمام منحه العدالة، وأعطاه حسن الإيالة، فخذوا ما أتاكم الله بشكر، والزموا طاعتنا، ولا تخدعوا عن أنفسكم، فإن الأمر أمركم، وإن لكل أهل بيت مصراً، وإنكم مصرنا، ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد - وأشار بيده إلى أبي العباس - . واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا، حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم، والحمد لله على ما أبلانا وأولانا.\rثم نزلا، وداود أمامه حتى دخل القصر، وأجلس أخاه أبا جعفر المنصور يأخذ البيعة على الناس في المسجد، فلم يزل يأخذها عليهم حتى صلى بهم العصر ثم المغرب وجنهم الليل، وخرج أبو العباس فعسكر بحمام أعين في عسكر أبي سلمة، ونزل معه في حجرته بينهما ستر، وحاجب السفاح يومئذ عبد الله بن بسام، واستخلف على الكوفة وأرضها عمه داود بن علي، وبعث عمه عبد الله بن علي إلى أبي عون بن يزيد بشهرزور، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة، وهو يومئذ يحاصر ابن هبيرة بواسط، وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن عباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن بسام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن الطواف. وأقام السفاح بالعسكر أشهراً، ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية بقصر الإمارة، وكان قد تنكر لأبي سلمة قبل تحوله حتى عرف ذلك منه.\rهزيمة مروان بالزاب","part":6,"page":142},{"id":2643,"text":"قد ذكرنا أن قحطبة أرسل أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي إلى شهرزور، وأنه سار إلى ناحية الموصل، وأن مروان سار من حران حتى بلغ الزاب وحفر خندقاً، وكان في عشرين ومائة ألف، وسار أبو عون إلى الزاب، فوجه أبو سلمة إلى أبي عون عيينة بن موسى، والمنهال بن فتان، وإسحاق بن طلحة، كل واحد في ثلاثة آلاف، فلما ظهر أبو العباس بعث سلمة بن محمد في ألفين، وعبد الله الطائي في ألف وخمسمائة، وعبد الحميد ربعي الطائي في ألفين، ووداس بن نضلة في خمسمائة - إلى أبي عون، ثم قال: من يسير إلى مروان من أهل بيتي؟ قال عبد الله بن علي: أنا، فسيره إلى أبي عون فقدم عليه، فتحول أبو عون عن سرادقه له، فلما كان لليلتين خلتا من شهر جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة سأل عبد الله ابن علي عن مخاضة بالزاب فدل عليها، فأمر عيينة بن موسى فعبر في خمسة آلاف، فانتهى إلى عسكر مروان فقاتلهم حتى أمسوا، ورجع إلى عبد الله، وأصبح مروان فعقد جسراً وعبر النهر، وسير ابنه عبد الله فنزل أسفل من عسكر عبد الله، فبعث عبد الله بن علي المخارق بن غفار في أربعة آلاف نحو عبد الله بن مروان، فبعث ابن مروان إليه الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم فالتقيا، فانهزم أصحاب المخارق وثبت هو، فأسر في جماعة وسيروهم إلى مروان، فأمر أن يؤتى برجل من الأسرى، فأتي بالمخارق، فقال له: أنت المخارق، قال: لا بل أنا من عبيد أهل العسكر، قال: أفتعرف المخارق؟ قال: نعم، قال: فانظر هل تراه في هذه الرؤوس؟ فنظر إلى رأس منها فقال: هذا هو المخارق، فخلى سبيله، ولما بلغت الهزيمة عبد الله بن علي أرسل إلى طريق المنهزمين من يمنعهم من دخول العسكر، وأشار عليه أبو عون أن يبادر مروان بالقتال، قبل أن يظهر أمر المخارق، فنادى في الناس بلبس السلاح والخروج إلى الحرب فركبوا، وسار نحو مروان، وكان عسكره عشرين ألفاً وقيل اثنا عشر ألفاً، فلما التقى العسكران قال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا كنا الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم، فإن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون، فأرسل مروان إلى عبد الله يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب، لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله، ثم التقوا واقتتلوا فجعل عبد الله بن علي يقول: يا رب حتى متى نقتل فيك!! ونادى: يا أهل خراسان، يا لثارات يا لثارات إبراهيم واشتد القتال، فأمر مروان بالأموال فأخرجت، وقال للناس: اصبروا وقاتلوا فهذه الأموال لكم، فجعل ناس يصيبون منها، فقيل له: إن الناس قد مالوا على المال، ولا نأمنهم أن يذهبوا به، فأرسل إلى ابنه عبد الله أن يسير فيقتل من أخذ من المال شيئاً، فمال عبد الله برايته وأصحابه، فقال الناس: الهزيمة، الهزيمة، فانهزموا وانهزم مروان وقطع الجسر، وكان من غرق يومئذ أكثر ممن قتل، وكان ممن غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد المخلوع، فاستخرجوه في الغرقى، فقرأ عبد الله: \" وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون \" ، وقيل بل قتله عبد الله بالشام، وحوى عبد الله عسكر مروان بما فيه، فوجد سلاحاً كثيراً وأموالاً وكتب إلى السفاح بالفتح، فلما أتاه الكتاب أمر لكل من شهد الوقعة بخمسمائة خمسمائة، ورفع أرزاقهم، وكانت هزيمة مروان بالزاب يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة.\rمقتل مروان بن محمد\rودخول أهل الشام وغيرهم في الطاعة","part":6,"page":143},{"id":2644,"text":"قال: ولما انهزم مروان أتى مدينة الموصل، وعليها هشام بن عمرو التغلبي وبشر بن خزيمة الأسدي فقطعا الجسر، فناداهم أهل الشام: هذا أمير المؤمنين مروان، فقالوا: كذبتم، لا يفر، وسبه أهل الموصل، وقالوا له: يا جعدي، يا معطل، الحمد لله الذي أزال سلطانكم، وذهب بدولتكم، الحمد لله الذي أتانا بأهل بيت نبينا، فسار إلى حران فأقام بها نيفاً وعشرين يوماً، وسار عبد الله حتى دخل الموصل فعزل هشاماً، واستعمل عليها محمد بن صول، ثم سار في أثر مروان، فلما دنا منه حمل مروان أهله وعياله ومضى منهزماً، وخلف بحران ابن أخيه إبان بن يزيد، فقدم عبد الله حران فلقيه إبان مسوداً مبايعاً، فبايعه وأمنه هو ومن كان معه بحران والجزيرة، ومضى مروان إلى حمص فلقيه أهلها بالطاعة، وأقام يومين أو ثلاثاً وسار، فلما رأوا قلة من معه طمعوا فيه، وقالوا: مرعوب منهزم فاتبعوه، والتقوا فقاتلهم وهزمهم، وأتى مروان دمشق وعليها الوليد بن معاوية بن مروان، فحلفه بها ومضى إلى فلسطين. قال: وكان السفاح قد كتب إلى عبد الله بن علي باتباع مروان، فسار من حران بعد أن هدم الدار التي كان إبراهيم قد حبس بها، ووصل إلى منبج وقد سودوا فأقام بها، وأتته بيعة أهل قنسرين، وقدم عليه أخوه عبد الصمد بن علي مدداً من قبل السفاح في أربعة آلاف، فسار عبد الله إلى قنسرين ثم إلى حمص فبايع أهلها، وأقام بها أياماً ثم سار إلى بعلبك فأقام بها يومين، ثم سار فنزل قرية مزة، ونزل أخوه صالح بن علي مرج عذراء في ثمانية آلاف، وكان السفاح قد بثعه مدداً لعبد الله، ثم تقدم عبد الله فنزل على الباب الشرقي، ونزل صالح على باب الجابية، وأبو عون على باب كيسان، وبسام بن إبراهيم على الباب الصغير، وحميد بن قحطبة على باب توما، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس، وبدمشق يومئذ الوليد بن معاوية فحصروه بها ودخلوها عنوة في يوم الأربعاء لخمس مضين من شهر رمضان منها، فقاتلوا فيها ثلاث ساعات، وقتل الوليد بن معاوية فيمن قتل، وأقام عبد الله بدمشق خمسة عشر يوماً، ثم سار يريد فلسطين فلقيه أهل الأردن وقد سودوا، فأقام بفلسطين، وأتاه كتاب السفاح يأمره بإرسال صالح بن علي في طلب مروان، فسار صالح في ذي القعدة، ومعه ابن فتان، وعامر بن إسماعيل الحارثي، وأبو عون - فبلغوا العريش، وأحرق مروان ما كان حوله من علف وطعام وهرب إلى جهة مصر، وسار صالح فنزل النيل، ثم نزل الفسطاط، ثم سار ونزل موضعاً يقال له ذات الساحل، وهرب مروان إلى الصعيد، وقدم صالح أبا عون، وعامر بن إسماعيل الحارثي وشعبة بن كثير المازني - فساروا، فلقوا خيلاً لمروان فهزموهم وأسروا منهم رجالاً، فسألوهم عن مروان فأخبروهم بمكانه على أن يؤمنوهم فأمنوهم، وساروا فوجدوه نازلاً في كنيسة ببوصير فقاتلوه ليلاً، وكان أصحاب أبي عون قليلاً، فقال لهم عامر بن إسماعيل: إن أصبحنا ورأوا قلتنا أهلكونا، فكسر جفن سيفه وفعل أصحابه مثله، وحملوا على أصحاب مروان فانهزموا، وحمل رجل على مروان فطعنه وهو لا يعرفه فصرعه، وصاح صالح جرح أمير المؤمنين فابتدروه، فسبق إليه رجل من أهل الكوفة - كان يبيع الرمان - فاحتز رأسه، فأخذه عامر بن إسماعيل فبعث به إلى أبي عون، وبعثه أبو عون إلى صالح، فلما وصل إليه أمر أن يقص ويقطع لسانه فأخذته هرة، فقال صالح: لو لم ترنا الأيام من عجائبها إلا لسان مروان في فم هرة لكفانا، وقيل: إن عبد الله بن علي هو الذي قال هذا، قال: وسيره صالح إلى عبد الله فبعثه إلى السفاح، وكان قتله لليلتين من ذى الحجة، ورجع صالح إلى الشام، وخلف أبا عون بمصر. ولما وصل الرأس إلى السفاح كان بالكوفة، فلما رآه سجد ثم رفع رأسه، فقال: الحمد لله الذي أظهرني عليك، وأظفرني بك، ولم يبق ثأري قبلك وقبل رهطك أعداء الدين، ثم تمثل:\rلو يشربون دمي لم يرو شاربهم ... ولا دماؤهم للغيظ ترويني","part":6,"page":144},{"id":2645,"text":"قال: ولما قتل مروان قصد عامر الكنيسة التي فيها حرم مروان، وكان قد وكل بهن خادماً له، وأمره أن يقتلهن بعده، فأخذه عامر وأخذهن، وهن نساء مروان وبناته، فسيرهن إلى صالح بن علي، فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت: يا عم أمير المؤمنين، حفظ الله لك من أمرك ما تحب حفظه، نحن بناتك وبنات أخيك وابن عمك، فليسعنا من عفوك ما وسعكم من جورنا، قال: إذن لا أستبقي منكن واحدة، ألم يقتل أبوك ابن أخي إبراهيم؟! ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي بن الحسين وصلبه في الكوفة؟! ألم يقتل الوليد بن يزيد - يحيى بن زيد وصلبه بخراسان؟! ألم يقتل ابن زياد الدعي مسلم بن عقيل؟! ألم يقتل يزيد بن معاوية - الحسين بن علي وأهل بيته؟! ألم يخرج إليه بحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا فوقفهن موقف السبي؟! ألم يحمل إليه رأس الحسين وقد فرغ دماغه؟! فما الذي يحملني على الإبقاء عليكن؟! قالت: فليسعنا عفوكم، أما هذا فنعم، وإن أحببت زوجتك ابني الفضل، فقالت: بل تحملنا إلى حران، فحملهن إليها.\rمن قتل من بني أمية\rبعد مقتل مروان بن محمد قال: دخل سديف مولى للسفاح عليه وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك وقد أكرمه السفاح، فقال سديف:\rلايغرنك ما ترى من رجال ... إن تحت الضلوع داءً دويا\rفضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أمويا\rفقال سليمان قتلتني يا شيخ ودخل السفاح، وأخذ سليمان فقتل، قال: ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي وعنده من بني أمية نحو تسعين رجلاً على الطعام، فأقبل عليه شبل فقال:\rأصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العباس\rطلبوا وتر هاشم فشفوها ... بعد ميل من الزمان وباس\rلا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس\rذلها أظهر التودد منها ... وبها منكم كحر المواسي\rفلقد غاظني وغاظ سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي\rأنزلوها بحيث أنزلها الل ... ه بذات الهوان والإتعاس\rواذكروا مصرع الحسين وزيداً ... وقتيلاً بجانب المهراس\rوالقتيل الذي بحران أضحى ... ثاوياً بين غربة وتناسي\rفأمر بهم عبد الله فضربوا بالعمد حتى قتلوا، وبسط عليهم الأنطاع فأكل الطعام عليها، وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعاً، وأمر عبد الله بن علي بنبش قبور بني أمية بدمشق، فنبش قبر معاوية بن أبي سفيان فلم يجدوا فيه إلا خيطاً مثل الهباء، ونبش قبر يزيد بن معاوية فوجدوا فيه حطاماً كالرماد، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجدوا فيه جمجمة، وكان يوجد في القبر العضو بعد العضو، غير هشام بن عبد الملك فإنه وجد صحيحاً، لم يبل منه إلا أرنبة أنفه، فضربه بالسياط ثم صلبه ثم حرقه وذراه في الريح، وتتبع بني أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم، فلم يفلت منهم إلا رضيع أو من هرب إلى الأندلس، واستصفى مالهم من أموال وغيرها، فلما فرغ منهم قال:\rبني أمية قد أفنيت جمعكم ... فكيف لي منكم بالأول الماضي\rيطيب النفس إن النار تجمعكم ... عوضتم من لظاها شر معتاض\rإن كان غيظي لفوت منكم فلقد ... رضيت منكم بما ربي به راض","part":6,"page":145},{"id":2646,"text":"وقيل إن سديفاً أفسد الشعر، الذي ذكرناه عنه للسفاح ومعه كانت الحادثة، وقتل سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بالبصرة منهم جماعة، وألقاهم على الطريق فأكلتهم الكلاب، فاختفى من قدر من بني أمية، وتشتت شملهم، وكان ممن اختفى منهم عمرو بن معاوية بن عمرو بن سفيان بن عتبة بن أبي سفيان، قال: فكنت لا آتي مكاناً إلا عرفت فيه، فضاقت علي الأرض فقصدت سليمان بن علي، وهو لا يعرفني، فقلت له: لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك، فإما قتلتني فاسترحت، وإما رددتني سالماً فأمنت، فقال من أنت؟ فعرفته بنفسي فعرفني، فقال: مرحباً بك، حاجتك؟ فقلت: إن الحرم التي أنت أولى الناس بهن، وأقربهم إليهن قد خفن لخوفنا، ومن خاف خيف عليه، فبكى كثيراً ثم قال: بل يحقن الله دمك، ويوفر مالك، ويحفظ حرمك، ثم كتب إلى السفاح: يا أمير المؤمنين، إنه قد وفد وافد بني أمية علينا، وإنا إنما قتلناهم على عقوقهم لا على أرحامهم، فإنا يجمعنا وإياهم عبد مناف، فالرحم تبل ولا تفل، وترفع ولا توضع، فإن رأى أمير المؤمنين أن يهبهم لي فليفعل، وإن فعل فليجعل كتاباً عاماً إلى البلدان، شكراً لله تعالى على نعمه عندنا وإحسانه إلينا، فأجابه إلى ذلك. وكتب لهم أماناً، وكان هذا أول أمان بني أمية.\rذكر الخلاف على أبي العباس السفاح وأخبار من خالف وخلع\rفي هذه السنة: خلع حبيب بن مرة المري، ومعه أهل البثنية وحوران، وكان من قواد مروان، فحمله الخوف على نفسه على الخلاف، فخرج إليه عبد الله بن علي وقاتله دفعات، ثم صالحه عبد الله لما خلع أبو الورد.\rذكر خلع أبي الورد وأهل قنسرين ودمشق\rوفيها خلع أبو الورد مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي، وكان من أصحاب مروان وقواده، وكان قد بايع عبد الله بن علي وأقام بقنسرين، وكان ولد مسلمة بن عبد الملك مجاورين له ببالس والناعورة، فقدم قائد من قواد عبد الله إلى بالس، فبعث بولد مسلمة ونسائهم، فشكى بعضهم ذلك إلى أبي الورد، فقتل ذلك القائد ومن معه وأظهر الخلع لعبد الله، ودعا أهل قنسرين إلى ذلك فبيضوا بأجمعهم، والسفاح يومئذ بالحيرة وعبد الله بن علي يقاتل حبيب بن مرة، فلما بلغ عبد الله ذلك صالح حبيب بن مرة وأمنه، وسار إلى قنسرين للقاء أبي الورد، فمر بدمشق فخلف بها أبا غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي في أربعة آلاف، وكان بدمشق أهل عبد الله وأمهات أولاده وثقله، فلما قدم حمص انتقض أهل دمشق وبيضوا، وقاموا مع عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة الأزدي فلقوا أبا غانم ومن معه فهزموه، وقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، وانتهبوا ثقل عبد الله ولم يتعرضوا لأهله، وأجمعوا على الخلاف، وسار عبد الله وكان قد اجتمع مع أبي الورد جماعة أهل قنسرين، وكاتبوا من يليهم من أهل حمص وتدمر، فقدم منهم ألوف، وقدموا عليهم أبا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية ودعوا إليه، وقالوا هو السفياني، واجتمعوا في نحو أربعين ألفاً فعسكروا بمرج الأخرم، ودنا عبد الله منهم ووجه إليهم عبد الصمد بن علي في عشرة آلاف، وكان أبو الورد هو المدبر لعسكر قنسرين وصاحب القتال، فناهضهم واقتتلوا وكثر القتل بينهم فانكشف عبد الصمد، ولحق بأخيه عبد الله فأقبل عبد الله والتقوا بمرج الأخرم، واقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم أصحاب أبي الورد، وثبت هو في خمسمائة من قومه فقتلوا جميعاً، وهرب أبو محمد ومن معه حتى لحقوا بتدمر، وأمن عبد الله أهل قنسرين وسودوا، وبايعوه ودخلوا في طاعته، ثم انصرف راجعاً إلى دمشق، فلما دنا منها هرب الناس بغير قتال، فأمن عبد الله أهلها ولم يؤاخذهم وبايعوه، وأما أبو محمد السفياني فتغيب إلى أيام المنصور، ولحق بالحجاز، فكان كذلك إلى أن بلغ زياد بن عبد الله الحارثي عامل المنصور مكانه، فبعث إليه خيلاً فقاتلوه فقتلوه. وقيل إن حرب أبي الورد كانت في سلخ ذى الحجة سنة ثلاث وثلاثين.\rأهل الجزيرة وخلعهم","part":6,"page":146},{"id":2647,"text":"قال: وفي هذه السنة بيض أهل الجزيرة وخلعوا السفاح، وساروا إلى حران وبها موسى بن كعب في ثلاثة آلاف من جند السفاح فحاصروه بها، وليس على أهل الجزيرة رأس تجمعهم، فقدم عليهم إسحاق بن مسلم العقيلي من أرمينية فاجتمع عليه أهل الجزيرة، وحاصر موسى بن كعب نحواً من شهر، فوجه أبو العباس السفاح أخاه أبا جعفر فيمن كان معه من الجنود بواسط محاصرين ابن هبيرة فساروا، واجتاز بقرقيسيا والرقة وقد بيض أهلها، فلما انتهى إلى حران رحل إسحاق بن مسلم إلى الرها، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين، وخرج موسى بن كعب إليه، ووجه إسحاق بن مسلم أخاه بكار بن مسلم إلى جماعة ربيعة بدارا وماردين، ورئيس ربيعة يومئذ رجل من الحرورية يقال له بريكة، فعمد إليهم أبو جعفر فقاتلهم قتالاً شديداً، فقتل بريكة في المعركة، وانصرف بكار بن مسلم إلى أخيه بالرها فخلفه إسحاق بها، وسار إلى سميساط فسار حتى نزل بإزاء إسحاق بها، وإسحاق يومئذ في ستين ألفاً وبينهم الفرات، وأقبل أبو جعفر من الرها وحاصر إسحاق بسميساط سبعة أشهر، وكان إسحاق يقول: في عنقي بيعة، فأنا لا أدعها حتى أعلم أن صاحبها مات أو قتل، فلما تيقن قتله طلب الصلح والأمان، فكتبوا بينهم كتاباً بذلك، وخرج إسحاق إلى أبي جعفر وكان عنده من آثر أصحابه، فاستقام أهل الجزيرة والشام، واستعمل أبو العباس السفاح أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، فلم يزل عليها حتى استخلف.\rقتل أبي سلمة الخلال\rوسليمان بن كثير قد ذكرنا ما كان من أمر أبي سلمة مع أبي العباس السفاح في مبتدأ الأمر، وما عامله به عند مقدمه وتنكر السفاح له، فلما فارق العسكر ونزل المدينة الهاشمية كتب إلى أبي مسلم الخراساني، يعلمه بخبره وما كان من أمره، فكتب إليه: إن كان أمير المؤمنين قد اطلع على ذلك فليقتله، فلما قدم عليه كتابه قال داود بن علي: لا تفعل يا أمير المؤمنين فيحتج بها أبو مسلم عليك، وأهل خراسان الذين معك أصحابه، ولكن اكتب إلى أبي مسلم أن يبعث إليه من يقتله، فكتب إليه فبعث أبو مسلم مرار بن أنس الضبي ليقتله، فقدم على السفاح وأعلمه، فأمر السفاح منادياً فنادى: إن أمير المؤمنين قد رضي على أبي سلمة، ودعاه فكساه، ثم دخل بعد ذلك عليه في ليلة فلم يزل عنده حتى ذهب عامة الليل، وانصرف إلى منزله وحده فقتله مرار بن أنس، وقالوا قتله الخوارج، ثم أخرج من الغد فصلى عليه يحيى بن محمد أخو السفاح، ودفن بالمدينة الهاشمية فقال سليمان بن المهاجر البجلي فيه:\rإن الوزير وزير آل محمد ... أودى فمن يشناك صار وزيرا\rوكان يقال لأبي سلمة وزير آل محمد، ولأبي مسلم أمين آل محمد، قال: فلما قتل وجه السفاح أخاه أبا جعفر إلى أبي مسلم، فلما قدم سايره عبيد الله بن الحسن الأعرج وسليمان بن كثير، فقال سليمان لأبي جعفر: يا هذا إنا كنا نرجو أن يتم أمركم، فإذا شئتم فادعونا إلى ما تريدون، فظن عبيد الله أنه دسيس من أبي مسلم، فأتى إلى أبي مسلم وأخبره بمقالة سليمان، فأحضر أبو مسلم سليمان بن كثير وقال له: أتحفظ قول الإمام - من اتهمته فاقتله - قال: نعم، قال فإني قد اتهمتك، قال: أنشدك الله!! قال لا تناشدني فأنت منطو على غش الإمام، وأمر به فضربت عنقه، ورجع أبو جعفر إلى السفاح فقال له: لست خليفة ولا أمرك بشيء إن تركت أبا مسلم ولم تقتله، وقال: وكيف؟ قال: والله ما يصنع إلا ما أراد، قال السفاح: فاكتمها.\rووجه أبو مسلم الخراساني محمد بن الأشعث على فارس، وأمره أن يقتل عمال أبي سلمة ففعل ذلك، فوجه السفاح عمه عيسى بن علي على فارس وعليها محمد بن الأشعث، فأراد محمد قتل عيسى فقيل له: إن هذا لا يسوغ لك، فقال: بلى، أمرني أبو مسلم أن لا يقدم علي أحد يدعي الولاية من غيره إلا قتلته، ثم ترك عيسى خوفاً من عاقبة قتله، واستحلف عيسى الأيمان المغلظة: أن لا يعلو منبراً، ولا يتقلد سيفاً إلا في جهاد، فلم يل عيسى بعدها ولاية، ولا تقلد سيفاً إلا في غزوة، ثم وجه السفاح بعد ذلك إسماعيل بن علي والياً على فارس.\rأخبار ابن هبيرة\rوما كان من أمره","part":6,"page":147},{"id":2648,"text":"قد ذكرنا أنه كان قد تحصن بواسط، وأرسل أبو سلمة الحسن بن قحطبة لحصاره فحصره بواسط، وكانت بينهم وقعات أكثرها على ابن هبيرة، فلما ظهر السفاح بعث أخاه أبا جعفر، لقتال ابن هبيرة بعد رجوعه من خراسان، وكتب إلى الحسن: إن العسكر عسكرك، والقواد قوادك، ولكن أحببت أن يكون أخي حاضراً فاسمع له وأطع، وأحسن مؤازرته، وكتب إلى مالك بن الهيثم بمثل ذلك، فلما قدم تحول الحسن عن خيمته وأنزله فيها، ودام حصاره لابن هبيرة بواسط أحد عشر شهراً، اقتتلوا فيها عدة وقعات، فلما بلغهم مقتل مروان طلبوا الصلح، وكان ابن هبيرة أراد أن يدعو إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، فكتب إليه فأبطأ جوابه، وكاتب السفاح اليمانية من أصحاب ابن هبيرة وأطمعهم، فخرج إليه زياد بن صالح وزياد بن عبيد الله الحارثيان، ووعدا ابن هبيرة أن يصلحا له ناحية السفاح فلم يفعلا، وخرجت السفراء بين أبي جعفر وابن هبيرة، حتى جعل له أماناً وكتب له كتاباً، مكث ابن هبيرة يشاور العلماء فيه أربعين يوماً حتى رضيه، وأمر السفاح بإمضائه، وكان رأي أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه، وكان السفاح لا يقطع أمراً دون أبي مسلم، فكتب السفاح إليه بخبر ابن هبيرة، فكتب أبو مسلم إليه: إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد، لا والله لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة.\rقال: ولما تم الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة، وأراد أن يدخل على دابته، فقام إليه الحاجب سلام بن سليم فقال: مرحباً يا أبا خالد، انزل راشداً فنزل، وقد أطاف بحجرة المنصور عشرة آلاف من أهل خراسان، فأدخل ابن هبيرة وحده فحادثه ساعة، ثم مكث يأتيه يوماً ويتركه يوماً، وكان يأتيه في خمسمائة فارس وثلاثمائة، فقيل لأبي جعفر: إن ابن هبيرة ليأتي فيتضعضع له العسكر، فأنقص من سلطانه شيئاً، فأمره أبو جعفر ألا يأتي إلا في حاشيته، فكان يأتي في ثلاثين ثم صار يأتي ثلاثة أو أربعة، وألح السفاح على أبي جعفر بقتل ابن هبيرة وهو يراجعه، حتى كتب له: والله لتقتلنه أو لأرسلن إليه من يخرجه من حجرتك ويتولى قتله، فبعث أبو جعفر من ختم بيوت الأموال، ثم بعث إلى وجوه من مع ابن هبيرة فأحضرهم، فأقبل محمد بن نباتة، وحوثرة بن سهيل في اثنين وعشرين رجلاً، فأدخل الحاجب حوثرة وابن نباتة فنزعت سيوفهما وكتفا، واستدعى أبو جعفر رجلين رجلين ففعل بهما كذلك، فقال بعضهم: أعطيتمونا عهد الله وغدرتم، إنا لنرجو أن يدرككم الله، وبعث خازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة في مائة إلى ابن هبيرة، فقالوا: نريد حمل المال، فقال لحاجبه دلهم على الخزائن ففعل، فأقاموا عند كل بيت نفراً، وأقبلوا نحوه وعنده ابنه داود وعدة من مواليه وبني له صغير في حجره، فقام حاجبه في وجوههم فضربه الهيثم على حبل عاتقه فصرعه، وقاتل ابنه داود فقتل، وقتل مواليه، ونحى ابنه من حجره وقال: دونكم وهذا الصبي وخر ساجداً فقتل، وحملت رءوسهم إلى أبي جعفر، فأمر فنودي بالأمان للناس إلا الحكم بن عبد الملك وخالد بن سلمة المخزومي، فهرب الحكم وأمن أبو جعفر خالداً فقتله السفاح، ولم يجز أمان أبي جعفر.\rولاية يحيى\rبن محمد الموصل ومن قتله بها","part":6,"page":148},{"id":2649,"text":"وفي هذه السنة استعمل السفاح أخاه يحيى على الموصل، وسبب ذلك أن أهل الموصل امتنعوا من طاعة عاملهم محمد بن صول، وقالوا: لا يلي علينا مولى لخثعم، وأخرجوه عنهم، فكتب بذلك إلى السفاح، فاستعمل عليهم أخاه يحيى وسيره إليها في اثني عشر ألفاً، فنزل قصر الإمارة ولم يظهر لهم ما يكرهونه ولا عارضهم في أمر، ثم دعاهم فقتل منهم اثني عشر رجلاً، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح فأعطاهم الأمان، وأمر فنودي من دخل الجامع فهو آمن، فأتاه الناس يهرعون، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجامع فقتلوا الناس قتلاً ذريعاً، أسرفوا فيه فقيل إنه قتل عشرين ألفاً ممن له خاتم، ومن ليس له خاتم ما شاء الله، فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء يبكين رجالهن، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان، فقتلوا منهم ثلاثة أيام، وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف زنجي، فأخذوا النساء قهراً، فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل ركب في اليوم الرابع، وبين يديه الحراب والسيوف مصلته، فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته، فأراد أصحابه قتلها فنهاهم، فقالت له: ألست من بني هاشم؟! ألست من بني عم رسول الله؟! أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهن الزنج؟!! فأمسك عن جوابها وبعث معها من أبلغها مأمنها، فلما كان الغد جمع الزنج للعطاء فاجتمعوا، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم. وقيل: كان السبب في قتل أهل الموصل ما ظهر منهم من كراهية بني العباس، وأن امرأة غسلت رأسها وألقت الخطمي من السطح، فوقع على رأس بعض الخراسانية فظنها فعلت ذلك تعمداً، فاقتحم الدار وقتل أهلها، فثار أهل البلد وقتلوه وثارت الفتنة، وممن قتل معروف بن أبي معروف، وكان من الزهاد العباد قد أدرك كثيراً من الصحابة رضي الله عنهم وروى عنهم.\rعمال السفاح\rفي هذه السنة كان العامل على مكة والمدينة واليمن واليمامة داود بن علي عم السفاح، وكان قبل ذلك على الكوفة وسوادها فنقله واستعمل على الكوفة وسوادها ابن أخيه عيسى بن موسى، واستقضى على الكوفة ابن أبي ليلى، وكان العامل على البصرة سفيان بن معاوية المهلبي، وعلى قضائها الحجاج بن أرطاة، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى فارس محمد بن الأشعث، وعلى الجزيرة وأرمينية وأذربيجان أبا جعفر عبد الله بن محمد بن علي، وعلى الشام عبد الله بن علي، وعلى مصر أبا عون عبد الملك بن يزيد، وعلى الموصل يحيى بن محمد، وعلى خراسان والجبال أبا مسلم، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك. وحج بالناس في هذه السنة داود بن علي.\rودخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة\rدخول ملك الروم ملطية وقاليقلا\rفي هذه السنة أقبل قسطنطين ملك الروم إلى ملطية وكمخ، فنزل كمخ فاستنجد أهلها بأهل ملطية فسار إليهم منها ثمانمائة مقاتل، فقاتلهم الروم فانهزم المسلمون، ونازل الروم ملطية وحصروها، والجزيرة يومئذ مفتونة بما ذكرناه، وعاملها موسى بن كعب بحران، فأرسل قسطنطين إلى أهل ملطية: إني لم أحصركم إلا على علم من اختلاف المسلمين، فلكم الأمان وتعودون إلى بلاد المسلمين حتى أخرب ملطية، فلم يجيبوه، فنصب المجانيق فأذعنوا وسلموا البلد بالأمان، وانتقلوا إلى بلاد الإسلام، فخربها الروم ورحلوا عنها، وسار ملك الروم إلى قاليقلا فنزل مرج الخصي، وأرسل كوشان الأرمني فحصرها، فنقب أخوان من الأرمن من أهل المدينة سورها، فدخل كوشان ومن معه البلد فغلبوا عليها، وقاتلوا الرجال وسبوا النساء والذرية، وساق الغنائم إلى ملك الروم.\rوفيها وجه السفاح عمه سليمان والياً على البصرة وأعمالها وكور دجلة والبحرين ومهرجا نقذق واستعمل عمه إسماعيل بن علي على الأهواز. وفيها مات داود بن علي في شهر ربيع الأول واستخلف ابنه موسى، فاستعمل السفاح على مكة والمدينة والطائف واليمامة خاله زياد بن عبيد الله بن عبد المدان الحارثي، ووجه محمد بن يزيد بن عبد المدان الحارثي على اليمن. وفيها توجه محمد بن الأشعث إلى أفريقية فقاتل أهلها حتى فتحها.\rوفيها خرج شريك بن شيخ المهري ببخارى على أبي مسلم، ونقم عليه وقال: ما على هذا اتبعنا آل محمد، نسفك الدماء ونعمل بغير الحق، وتبعه أكثر من ثلاثين ألفاً، ووجه إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي فقتله زياد.","part":6,"page":149},{"id":2650,"text":"وفيها عزل يحيى بن محمد عن الموصل واستعمل مكانه إسماعيل بن علي وفيها توجه أبو داود خالد بن إبراهيم إلى الختل فتحصن ملكها منه هو وأناس، فألح عليه أبو داود فخرج هو ومن معه من دهاقينه، فسار حتى انتهى إلى أرض فرغانة، ودخل بلد الترك وانتهى إلى ملك الصين، وأخذ أبو داود من ظفر به منهم، فبعث بهم إلى أبي مسلم.\rوحج بالناس في هذه السنة زياد بن عبيد الله.\rودخلت سنة أربع وثلاثين ومائة.\rخلع بسام\rبن إبراهيم وما كان من أمره وقتل أخوال السفاح في هذه السنة خلع بسام بن إبراهيم، وكان من فرسان أهل خراسان، وسار من عسكر السفاح هو وجماعة على رأيه سراً إلى المدائن، فوجه إليهم السفاح خازم بن خزيمة فاقتتلوا، فانهزم بسام وقتل أكثر من معه واستبيح عسكرهم، وتبعهم خازم إلى أن بلغ ماه، ثم انصرف فمر بذات المطامير، وبها أخوال السفاح من بني عبد المدان وهم خمسة وثلاثون رجلاً، ومن غيرهم ثمانية عشر ومن مواليهم سبعة عشر، فلم يسلم عليهم فلما جاوزهم شتموه، وكان في قلبه منهم، لأنه بلغه أن المغيرة بن الفزع من أصحاب بسام لجأ إليهم، فرجع إليهم فسألهم عن المغيرة، فقالوا: مر بنا رجل مجتاز لا نعرفه، فأقام في قريتنا ليلة ثم خرج منها، فقال لهم: أنتم أخوال أمير المؤمنين يأتيكم عدوه فيأمن في قريتكم!! فهلا اجتمعتم فأخذتموه!! فأغلظوا له في الجواب فأمر بهم فضربت أعناقهم جميعاً، وهدم دورهم ونهب أموالهم ثم انصرف، فبلغ ذلك اليمانية فاجتمعوا، ودخل زياد بن عبيد الله الحارثي معهم على السفاح، فقالوا: إن خازماً اجترأ عليك واستخف بحقك، وقتل أخوالك الذين قطعوا البلاد وأتوك، معتزين بك طالبين معروفك، حتى إذا صاروا في جوارك قتلهم خازم، ونهب أموالهم وهدم دورهم بلا حدث أحدثوه، فهم بقتل خازم، فبلغ ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطية، فدخلا على السفاح وصرفوه عن ذلك، وقالا إن له سابقة وإن كنت لا بد قاتله فابعثه لأمر، إن قتل فيه فقد بلغت الذي تريد، وإن ظفر كان ظفره لك، وأشاروا عليه بتوجيهه إلى من بعمان من الخوارج، وإلى الخوارج الذين بجزيرة ابركاوان مع شيبان بن عبد العزيز اليشكري، وأمر السفاح بتوجيهه مع سبعمائة رجل، وكتب إلى سليمان بن علي وهو بالبصرة بحملهم في السفن إلى جزيرة ابراكاوان وعمان، فسار خازم.\rخبر الخوارج\rوقتل شيبان بن عبد العزيز قال: وسار خازم إلى البصرة وقد انتخب من أهله وعشيرته ومواليه ومن أهل مرو الروذ من يثق به، ثم سار فلما وصل إلى البصرة انضم إليه عدة من بني تميم، فساروا في البحر إلى جزيرة ابراكاوان، فوجه خازم نضلة بن نعيم النهشلي في خمسمائة إلى شيبان، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فركب شيبان وأصحابه في السفن إلى عمان وهم صفرية، فقاتلهم الجلندي وأصحابه وهم أباضية، واشتد القتال بينهم فقتل شيبان ومن معه، وقد ذكرنا في سنة تسع وعشرين ومائة في أخبار مروان بن محمد قتل شيبان هذا، وليس هو شيبان الذي قتل بخراسان، ذاك شيبان بن سلمة، ثم سار خازم في البحر بمن معه حتى أرسلوا بساحل عمان، فخرجوا فلقيهم الجلندي وأصحابه، فاقتتلوا قتالاً شديداً وكثر القتل بينهم، ثم اقتتلوا من الغد فقتل من الخوارج نحو تسعمائة، وأحرقوا منهم نحو تسعين رجلاً، ثم التقوا بعد سبعة أيام من مقدم خازم، وجعلوا النفط على اسنة رماحهم، وأضرموا بيوت أصحاب الجلندي وكانت من خشب فاحترقت، واشتغلوا بها وبمن فيها من أولادهم وأموالهم، فحمل عليهم أصحاب خازم فقتل الجلندي، وبلغ عدة القتلى عشرة آلاف، فبعث برءوسهم إلى البصرة ثم إلى السفاح، واستقدم خازماً بعد ذلك بشهر فقدم عليه.\rوفيها وجه السفاح موسى بن كعب إلى السند لقتال منصور بن جمهور، فسار إليه والتقوا فانهزم منصور ومن معه، فمات عطشاً في الرمال، وقيل أصابته بطنة فمات، وسمع خليفته على السند بهزيمته فرحل بعيال منصور، فدخل بهم بلاد الخزر.\rوفيها توفي محمد بن يزيد وهو على اليمن، فاستعمل السفاح مكانه على ابن الربيع بن عبيد الله. وفيها تحول السفاح من الحيرة إلى الأنبار في ذى الحجة. وفيها ضرب المنار والأميال من الكوفة إلى مكة المشرفة. وحج بالناس عيسى بن موسى وهو على الكوفة.\rودخلت سنة خمس وثلاثين ومائة\rخروج زياد بن صالح","part":6,"page":150},{"id":2651,"text":"في هذه السنة خرج زياد بن صالح وراء النهر، فسار إليه أبو مسلم من مرو، وبعث أبو داود خالد بن إبراهيم - نصر بن راشد إلى ترمذ، مخافة أن يبعث زياد بن صالح إلى الحصن والسفن فيأخذها، ففعل ذلك نصر وأقام بها، فخرج عليه ناس من الطالقان مع رجل يكنى أبا إسحاق فقتلوا نصراً، فبعث أبو داود عيسى بن ماهان فقتل قتلة نصر، ومضى أبو مسلم مسرعاً حتى انتهى إلى آمل ومعه سباع بن النعمان الأزدي، وكان السفاح قد أرسله لقتال زياد بن صالح، وأمره إن رأى فرصة أن يثب على أبي مسلم ويقتله، فأخبر أبا مسلم بذلك فحبس سباعاً بآمل، وغزا أبو مسلم حتى نزل بخارى، فأتاه عدة من قواد زياد قد خلعوا زياداً، وأخبروا أبا مسلم أن سباع بن النعمان أفسد زياداً، فكتب إلى عامله بآمل أن يقتله فقتله، ولجأ زياد إلى دهقان هناك فقتله، وحمل رأسه إلى أبي مسلم، فرجع إلى مرو. وفيها غزا عبد الرحمن بن حبيب جزيرة صقلية فغنم ونهب وسبى بعد أن غزا تلمسان. وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن علي.\rودخلت سنة ست وثلاثين ومائة\rوفاة السفاح\rفي هذه السنة: توفي أبو العباس عبد الله بن محمد السفاح، وكانت وفاته بالأنبار بالمدينة التي بناها وسماها الهاشمية، لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى الحجة - وقيل لاثنتي عشرة ليلة مضت منه - بمرض الجدري، وله ثلاث وثلاثون سنة، وقيل ست وثلاثون، وقيل ثمان وعشرون، وكانت ولايته من لدن قتل مروان إلى أن توفي أربع سنين، ومن لدن بويع بالخلافة أربع سنين وتسعة أشهر، وكان جعداً أبيض طويلاً، أقنى الأنف حسن الوجه واللحية، وقيل إنه سم.\rوحكى: أنه وصل عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بألفي ألف درهم، ولم يعط خليفة هذه الجملة. وكان نقش خاتمه: الله ثقة عبد الله وبه يؤمن. أولاده: محمد مات صغيراً ورايطة تزوجها المهدي. وزراؤه: أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال، وهو أول من لقب بالوزارة، ولم يكن خلالاً وإنما كان منزله بالكوفة بقرب الخلالين، فكان يجلس عندهم فسمى الخلال، ثم قتله على ما قدمناه واستوزر خالد بن برمك وقد قدمنا أنه كان على الخراج. وكانت الدفاتر في الدواوين صحفاً مدرجة، فأول من جعلها دفاتر من جلود خالد بن برمك. قضاته: ابن أبي ليلى الأنصاري ثم يحيى بن سعيد الأنصاري. حاجبه: أبو غسان صالح بن الهيثم مولاه.\rالأمير بمصر: صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم سار عنها واستخلف أبا عون عبد الملك بن يزيد، ثم عاد صالح بن علي وقد جمع له مصر وفلسطين وأفريقية، فسير أبا عون إلى أفريقية. قاضيه بها عبد الرحمن بن سالم إلى أن صرفه أبو عون وأعاد حسين بن نعيم، ثم اعتزل وولى أبو عون - عون بن سليمان.\rقال: ولما مات السفاح صلى عليه عمه عيسى بن علي، ودفنه بالأنبار العتيقة. وخلف تسع جباب وأربعة أقمصة وخمس سراويلات وأربعة طيالسة وثلاث مطارف خز.\rقيل: نظر السفاح يوماً في المرآة فقال: اللهم إني لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك: أنا الملك الشاب، ولكني أقول: اللهم عمرني طويلاً في طاعتك، متمتعاً بالعافية، فما استتم كلامه حتى سمع غلاماً يقول لغلام: الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام، فتطير من كلامه، وقال: حسبي الله ولا قوة إلا بالله عليه توكلت وبه أستعين. فما مضت الأيام حتى أخذته الحمى، ومات بعد شهرين وخمسة أيام.\rخلافة المنصور","part":6,"page":151},{"id":2652,"text":"هو أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأمه سلامة بنت بشر بن يزيد، وهو الثاني من خلفاء بني العباس. وكان أخوه السفاح قبل وفاته قد عقد البيعة له في هذه السنة، وجعله ولي عهد المسلمين من بعده، وجعل من بعده ولد أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي، وجعل العهد في ثوب وختمه بخاتمه وخواتيم أهل بيته ودفعه إلى عيسى بن موسى، فلما توفي السفاح كان أبو جعفر بمكة، فأخذ البيعة له عيسى بن موسى، وكتب إلى أبي جعفر يعلمه بوفاة السفاح والبيعة له، فلقيه الرسول بمنزل صفية، فقال: صفت لنا إن شاء الله، وكتب إلى أبي مسلم يستدعيه، وكان قد حج أيضاً وقد تقدم المنصور فأقبل إليه، فلما جلس ألقى إليه الكتاب فقرأه وبكى واسترجع، ونظر إلى أبي جعفر وقد جزع جزعاً شديداً، فقال: ما هذا الجزع وقد أتتك الخلافة؟ فقال أتخوف شر عمي عبد الله وشيعة علي، فقال: لا تخفه فأنا أكفيكه إن شاء الله تعالى، إنما عامة جنده ومن معه أهل خراسان، وهم لا يعصونني فسرى عنه، وبايع له أبو مسلم، وأقبلا حتى قدما الكوفة، قال: ولما بايع عيسى بن موسى الناس لأبي جعفر أرسل إلى عبد الله بن علي بالشام، يخبره بوفاة السفاح وبيعة المنصور، وأمره أن يأخذ البيعة للمنصور فبايع لنفسه.\rثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة.\rفي هذه السنة قدم أبو جعفر المنصور من مكة إلى الكوفة، فصلى بأهلها الجمعة وخطبهم، وسار إلى الأنبار فأقام بها وجمع أطرافه، وكان عيسى بن موسى قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدواوين حتى قدم فسلم الأمر إليه.\rخروج عبد الله\rبن علي وقتاله وهزيمته","part":6,"page":152},{"id":2653,"text":"كان عبد الله بن علي قدم على السفاح، فجعله على الصائفة وسير معه أهل الشام وخراسان، فسار حتى بلغ دلوك ولم يدرب، فأتاه الخبر بوفاة السفاح وبيعة المنصور، فرجع وبايع لنفسه وأعلم الناس أن السفاح لما وجه الجنود إلى مروان بن محمد دعا أهل بيته، وقال: من انتدب منكم لقتال مروان وسار إليه فهو ولي عهدي، فلم ينتدب غيري وعلى هذا خرجت من عنده، وقتلت من قتلت، وشهد له أبو غانم الطائي وخفاف المروروزي وغيرهما من القواد فبايعوه، ومنهم حميد بن قحطبة وغيره، ثم سار عبد الله حتى أتى حران، وبها مقاتل العكي قد استخلفه أبو جعفر لما سار إلى مكة، فتحصن منه مقاتل فحصره أربعين يوماً، وكان أبو مسلم قد عاد من الحج مع المنصور كما ذكرناه، فقال للمنصور: إن شئت جمعت ثيابي في منطقتي وخدمتك، وإن شئت أتيت خراسان وأمددتك بالجنود، وإن شئت سرت إلى حرب عبد الله بن علي، فأمره بالمسير لحرب عبد الله، فسار نحوه في الجنود ولم يتخلف عنه أحد، فلما بلغ عبد الله إقبال أبي مسلم الخراساني أعطى العكي أماناً، فنزل إليه فيمن معه فوجهه إلى عثمان بن عبد الأعلى الأزدي بالرقة، ومعه ابناه، وكتب معه كتاباً، فلما قدموا على عثمان دفع العكي الكتاب إليه فقتله واحتبس أولاده، قال: وخشى عبد الله ألا يناصحه أهل خراسان فقتل منهم نحواً من سبعة عشر ألفاً، واستعمل حميد بن قحطبة على حلب، وكتب معه كتاباً إلى زفر بن عاصم يأمره بقتل حميد إذا قدم عليه، فلما كان ببعض الطريق قرأه، فإذا فيه قتله، فأعلم خاصته بما فيه وانقلب إلى العراق على الرصافة، فتبعه ناس كثير، وأمر المنصور محمد بن صول بالمسير إلى عبد الله بن علي ليمكر به، فلما أتاه قال له: سمعت أبا العباس يقول: الخليفة بعدي عمي عبد الله، فقال له: كذبت إنما وضعك أبو جعفر وضرب عنقه، ثم أقبل عبد الله حتى نزل نصيبين وخندق عليه، وقدم أبو مسلم ناحية نصيبين وأخذ طريق الشام ولم يعرض لعبد الله، وكتب إليه: لم أومر بقتالك، وإنما أمير المؤمنين ولاني الشام، فأنا أريدها، فقال من كان مع عبد الله من أهل الشام له: كيف نقيم معك؟ وهذا يأتي بلادنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا، ويسبى ذرارينا، ولكنا نخرج إلى بلادنا فنمنعه ونقاتله، فقال لهم عبد الله: والله ما يريد الشام وما توجه إلا لقتالكم، ولئن أقمتم ليأتينكم، فأبوا إلا المسير إلى الشام، فارتحل عبد الله نحو الشام، فنزل أبو مسلم في معسكر عبد الله، وغور ما حوله من المياه، فقال لأصحابه: ألم أقل لكم، ورجع فنزل في مكان عسكر أبي مسلم الذي كان به أولاً، ثم التقوا واقتتلوا خمسة أشهر عدة وقعات، حتى كادت الهزيمة تكون على أصحاب أبي مسلم، وانهزم بعضهم، فكان أبو مسلم يرتجز في ذلك فيقول:\rمن كان ينوي أهله فلا رجع ... فر من الموت وفي الموت وقع\rفلما كان يوم الثلاثاء أو الأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة سبع وثلاثين التقوا واقتتلوا، فانهزم أصحاب عبد الله وتركوا معسكرهم فحواه أبو مسلم، وكتب بذلك إلى المنصور، فأرسل أبا الخصيب مولاه يحصي ما أصابوا من العسكر، فغضب أبو مسلم. قال: ومضى عبد الله وعبد الصمد ابنا علي، فقدم عبد الصمد الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى المنصور، وأما عبد الله فإنه أتى أخاه سليمان بن علي بالبصرة، فأقام عنده زماناً متوارياً.\rمقتل أبي مسلم الخراساني","part":6,"page":153},{"id":2654,"text":"وكان مقتله لخمس بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة، قال: وسبب ذلك أن المنصور كان قد حقد عليه أشياء كثيرة، منها أن أبا مسلم كان قد كتب إلى السفاح يستأذنه فأذن له، وكتب السفاح إلى المنصور - وهو على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان - أن أبا مسلم استأذنني في الحج وأذنت له، وهو يريد أن أوليه الموسم فاستأذني أنت في الحج، فإنك إذا كنت بمكة لا يطمع أن يتقدمك، فكتب المنصور إلى السفاح يستأذنه في الحج فأذن له، فقال أبو مسلم: ما وجد أبو جعفر عاماً يحج فيه غير هذا!! وحجا معاً، فكان أبو مسلم يكسو الأعراب، ويصلح الآبار والطرق، فصار الذكر له، فلما صدر الناس عن الموسم تقدم أبو مسلم في الطريق على المنصور، وأتاه خبر السفاح كما قدمناه، فكتب إلى أبي جعفر يعزيه بالسفاح ولم يهنئه بالولاية، ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع، فغضب المنصور لذلك وكتب كتاباً غليظاً، فلما أتاه الكتاب كتب إليه يهئنه بالخلافة، وتقدم أبو مسلم فأتى الأنبار، فدعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع له، فأبى عيسى وقد قيل في أمره ما قدمناه، ثم جهزه لمحاربة عبد الله بن علي ومعه الحسن بن قحطبة، فأرسل الحسن إلى أبي أيوب وزير المنصور يقول: إني قد ارتبت من أبي مسلم، فإنه يأتيه كتاب أمير المؤمنين فيقرأه ثم يلقيه إلى أبي الهيثم ويضحكان استهزاءً، فقال أبو أيوب: نحن لأبي مسلم أشد تهمة منا لعبد الله.\rفلما انهزم عبد الله وبعث المنصور أبا الخصيب يجمع الأموال، فأراد أبو مسلم قتله فكلم فيه فخلى سبيله، وقال: أنا أمين على الدماء خائن في الأموال، وشتم المنصور فرجع أبو الخصيب وأخبر المنصور، فخاف أن يمضي أبو مسلم إلى خراسان، فكتب إليه: إني قد وليتك مصر والشام، فهي خير لك من خراسان، فوجه إلى مصر من أحببت وأقم بالشام، فتكون بقرب أمير المؤمنين، فإن أحب لقاءك أتيته من قرب، فلما أتاه الكتاب غضب وقال: يوليني مصر والشام وخراسان لي!! فكتب الرسول إلى المنصور بذلك.\rوأقبل أبو مسلم من الجزيرة وقد أجمع على الخلاف، وخرج يريد خراسان، وسار المنصور من الأنبار إلى المدائن، وكتب إلى أبي مسلم في المسير إليه، فكتب إليه أبو مسلم وهو بالزاب: إنه لم يبق لأمير المؤمنين عدو إلا أمكنه الله منه، وقد كنا نروي عن ملوك بني ساسان: إن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء، فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء لك ما وفيت، حريون بالسمع والطاعة، غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإن أرضاك ذلك فأنا كأحسن عبيدك، وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ضناً بنفسي، فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إليه: قد فهمت كتابك، وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغشيشة ملوكهم، الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، وأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر ما أنت به، وليس من الشريطة التي أوجبت منك سمعاً ولا طاعة، وحمل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة، لتسكن إليها أن أصغيت، وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزاغته وبينك، فإنه لم يجد باباً يفسد به ذات بينك أوكد عنده وأقرب من الباب الذي فتحه عليك.","part":6,"page":154},{"id":2655,"text":"وقيل إن مكاتبة أبي مسلم إلى المنصور كانت على خلاف ما قدمناه. وأن المنصور لما سار إلى المدائن أخذ أبو مسلم طريق حلوان. فقال المنصور لعمه عيسى بن علي ولمن حضره من بني هاشم: اكتبوا إلى أبي مسلم، فكتبوا إليه يعظمون أمره ويشكرونه، ويسألونه أن يتم ما كان منه وعليه من الطاعة، ويحذرونه عاقبة البغي، ويأمرونه بالرجوع إلى المنصور، وبعث المنصور الكتب مع أبي حميد المرورذي وقال له: كلم أبا مسلم بالين ما تكلم به أحداً، ومنه وأعلمه أني رافعه وصانع به ما لم أصنع بأحد - إن هو صلح وراجع فله ما أحب، فإن أبى فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: لست للعباس وأنا بريء من محمد إن مضيت مشاقاً ولم تأتني، إن وكلت أمرك إلى أحد سواي، وإن لم آل طلبك وقتالك بنفسى، ولو خضت البحر لخضته، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها، حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك، وأوصاه ألا يقول له هذا القول إلا بعد الإياس منه، فسار أبو حميد وقدم على أبي مسلم بحلوان، فدفع إليه الكتب وقال: إن الناس يبلغونك على أمير المؤمنين ما لم يقله، وخلاف ما عليه رأيه فيك - حسداً وبغياً، يريدون إزال النعمة وتغييرها، فلا تفسد ما كان منك، وقال له: يا أبا مسلم إنك لم تزل أمين آل محمد، يعرفك بذلك الناس وما ذخره الله لك في ذلك من الأجر عنده مما أنت فيه من دنياك، فلا تحبط أجرك ولا يستهونك الشيطان، فقال له: متى كنت تكلمني بهذا الكلام!! فقال أبو حميد: إنك دعوتنا إلى هذا الأمر وإلى طاعة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم في بني العباس، وأمرتنا بقتال من خالف، فدعوتنا من أرضين متفرقة وأسباب مختلفة فجمعنا الله على طاعتهم، وألف بين قلوبنا حتى أتيناهم في بلادهم ببصائر نافذة، وطاعة خالصة، أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أملنا أن يفسد أمرنا وتفرق كلمتنا! وقد قلت لنا: من خالفكم فاقتلوه، وإن خالفتم فاقتلوني، فأقبل أبو مسلم على أبي نصر مالك بن الهيثم، وقال: أما تسمع كلامه لي!! ما هذا بكلامه، فقال مالك: لا تسمع كلامه ولا يهولنك هذا منه، فلعمري ما هذا كلامه، فقال مالك: لا تسمع كلامه ولا يهولنك هذا منه، فلعمري ما هذا كلامه، ولما بعد هذا أشد منه، فامض لأمرك ولا ترجع، فوالله لئن لأتيته ليقتلنك، ولقد وقع في نفسه منك ما لا يأمنك معه أبداً، فأمرهم بالقيام فنهضوا.\rوأرسل أبو مسلم الكتب إلى نيزك فقال: لا أرى أن تأتيه، وأرى أن تأتي الري فتقيم بها، فتصير ما بين خراسان والري لك، وهم جندك لا يخالفونك، فإن استقام لك استقمت له، وإن أبى كنت في جندك، وكانت خراسان من ورائك، وأنت ورأيك.\rفدعا أبا حميد وقال له: ارجع إلى صاحبك فليس من رأيي أن آتيه، قال: قد عزمت على خلافه، قال: لا تفعل، قال لا أعود أبداً، فلما أيس منه أبلغه الرسالة، فوجم طويلاً ثم قال: قم كررها وارتاع لقوله. وكان المنصور قد كتب لأبي داود - خليفة أبي مسلم بخراسان - حين اتهم أبا مسلم: أن لك إمرة خراسان، فكتب أبو داود إلى أبي مسلم: إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا تخالفن إمامك ولا ترجع إلا بأمره، فوافاه كتابه وهو على تلك الحال فزاده رعباً، فأرسل إلى أبي حميد فقال له: إني كنت عازماً على المضي إلى خراسان، ثم رأيت أن أوجه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتيني برأيه، فإنه ممن أثق به فوجهه، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكل ما يحب، وقال له المنصور: اصرفه عن وجهه ولك ولاية خراسان وأجازه، فرجع أبو إسحاق إلى أبي مسلم وقال: ما أنكرت شيئاً، ورأيتهم معظمين لحقك، يرون لك ما يرون لأنفسهم، وأشار عليه أن يرجع إلى المنصور فيعتذر إليه، فقال له نيزك: قد أجمعت على الرجوع؟ قال: نعم، وتمثل:\rما للرجال مع القضاء محالة ... غلب القضاء بحيلة الأقوام\rقال: فإذا عزمت على هذا فخار الله لك، احفظ عني واحدة: إذا دخلت عليه فاقتله، ثم بايع لمن شئت، فإن الناس لا يخالفونك.","part":6,"page":155},{"id":2656,"text":"وكتب أبو مسلم إلى المنصور إنه منصرف إليه، وسار نحوه واستخلف أبا نصر مالك بن الهيثم على عسكره، وقال له: أقم حتى يأتيك كتابي، فإن أتاك مختوماً بنصف خاتم فأنا كتبته، وإن أتاك بخاتمي كله فلم أختمه، وقدم المدائن في ثلاثة آلاف رجل وخلف الناس بحلوان. قال: ولما دنا أبو مسلم من المنصور أمر الناس بتلقيه، فتلقاه بنو هاشم والناس، ثم قدم فدخل على المنصور فقبل يده، فأمره أن ينصرف يستريح ليلته ويدخل الحمام فانصرف.\rفلما كان من الغد دعا المنصور عثمان بن نهيك وأربعة من الحراس، فأمرهم أنه إذا صفق بيده أن يقتلوا أبا مسلم وتركهم خلف الرواق، واستدعى أبا مسلم فدخل عليه، فقال له المنصور: أخبرني عن نصلين أصبتهما مع عبد الله بن علي، قال: هذا أحدهما، قال: أرنيه فانتضاه وناوله إياه، فوضعه المنصور تحت فراشه، وأقبل يعاتبه وقال له: أخبرني عن كتابك إلى السفاح تنهاه عن الموات، أردت أن تعلمنا الدين!؟ قال: ظننت إن أخذه لا يحل، فلما أتاني كتابه علمت أنه وأهل بيته معدن العلم، قال: أخبرني عن تقدمك إياي بطريق مكة، قال: كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس، فتقدمت للرفق، وذكره بذنوبه وما أنكره عليه، وكان من جملة ما ذكر له - ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك، وتخطب عمتي آمنة بنت علي، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس، لقد ارتقيت - لا أم لك - مرتقىً صعباً، ثم قال: وما الذي دعاك إلى قتل سليمان بن كثير؟ مع أثره في دعوتنا وهو أحد نقبائنا قبل أن يدخلك في هذا الأمر! قال: أراد الخلاف علي وعصياني فقتلته، فلما طال عتاب المنصور له قال: لا يقال هذا بعد بلائي وما كان مني! قال: يا ابن الخبيثة، والله لو كانت أمة مكانك لأجزأت، إنما عملت في دولتنا وبريحنا، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلاً، فأخذ أبو مسلم يد المنصور يقبلها ويعتذر إليه، فقال: والله ما رأيت كاليوم، والله ما زدتني إلا غضباً، فقال أبو مسلم: دع هذا، فوالله قد أصبحت ما أخاف إلا الله، فشتمه المنصور وصفق بيده على الأخرى، فخرج إليه الحرس فضربه عثمان بن نهيك فقطع حبائل سيفه، فقال: استبقني لعدوك يا أمير المؤمنين، فقال: لا أبقاني الله إذن، وأي عدو أعدى لي منك؟! وأخذته سيوف الحرس حتى قتلوه، وهو ينادي العفو العفو، فقال المنصور يا ابن اللخناء والسيوف قد اعتورتك!! وأنشد المنصور:\rاشرب بكأس كنت تسقي بها ... أمر في فيك من العلقم\rزعمت أن الدين لا يقتضى ... كذبت والله أبا مجرم\rقال: وكان أبو مسلم قد قتل ستمائة ألف صبراً، قال: ولما قتل قال لأصحابه اجتمعوا، فاجتمعوا فنثرت عليهم بدرة، فلما أكبوا ليلتقطوها طرح عليهم رأس أبي مسلم، فلما رأوه تخاذلوا وتفرقوا، قال: ثم خطب المنصور بعد مقتل أبي مسلم فقال: أيها الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تمشوا في ظلمة الباطل بعد سعيكم في ضياء الحق، إن أبا مسلم أحسن مبتدأً وأساء معقباً، وأخذ من الناس أكثر مما أعطانا، ورجح قبيح باطنه على حسن ظاهره، وعلمنا من خبث سريرته وفساد نيته ما لو علمه اللائم لنا فيه لعذرنا في قتله، وعنفنا في إمهاله، وما زال ينقض بيعته ويخفر ذمته حتى أحل لنا عقوبته، وأباحنا دمه فحكمنا فيه حكمه لنا في غيره، ولم يمنعنا الحق له من إمضاء الحق فيه، وما أحسن ما قال النابغة الذبياني:\rفمن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادلله على الرشد\rومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظلوم ولا تقعد على الصمد\rثم نزل.\rقال: وكان أبو مسلم قد سمع الحديث من عكرمة وأبي الزبير المكي وثابت البناني ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس والسدي وروى عنه إبراهيم بن ميمون الصائغ وعبد الله بن المبارك وغيرهما، وقيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم كان خيراً أو الحجاج؟ قال: لا أقول إن أبا مسلم خير من أحد، ولكن الحجاج كان شراً منه، وكان أبو مسلم فاتكاً شجاعاً ذا رأي وتدبير وحزم وعقل ومروءة.","part":6,"page":156},{"id":2657,"text":"قال: ولما قتل كتب المنصور إلى أبي نصر مالك بن الهيثم عن لسان أبي مسلم يأمره بحمل ثقله، وما خلف عنده، وأن يقدم، وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، فلما رأى الخاتم تاماً علم أن أبا مسلم لم يكتبه، فقال: أفعلتموها، وانحدر إلى همذان وهو يريد خراسان، فكتب المنصور له عهد على شهرزور، وكتب إلى زهير بن التركي وهو على همذان، إن مر بك أبو نصر فاحبسه، فأتاه الكتاب وهو بهمذان، فقال له زهير: قد صنعت لك طعاماً، فلو أكرمتني بدخول منزلي، فحضر عنده فأخذه زهير وحبسه، وقدم صاحب العهد على أبي نصر فخلى زهير سبيله لهواه فيه فخرج، ثم كتب المنصور إلى زهير بقتله، فقال جاءني كتاب بعهده فخليت سبيله، ثم قدم أبو نصر على المنصور فقال: أشت على أبي مسلم بالمضي إلى خراسان، قال: نعم، كانت له عندي أياد فنصحته، وإن اصطنعني أمير المؤمنين نصحت له وشكرت، فعفا عنه، فلما كان يوم الراوندية قام أبو نصر على باب القصر، وقال: أنا البواب اليوم، لا يدخل أحد وأنا حي، فعلم المنصور أنه نصح له، وقيل إن زهيراً سير أبا نصر إلى المنصور مقيداً، فمن عليه واستعمله على الموصل والله أعلم.\rخروج سنباذ بخراسان\rوفي هذه السنة خرج سنباذ بخراسان يطلب بدم أبي مسلم، وكان مجوسياً من قرية من قرى نيسابور يقال اهروانه، وكان من صنائع أبي مسلم فخرج غضباً لقتله، وكثر أتباعه وكان عامتهم من أهل الجبال، فغلب على نيسابور وقومس والري وتسمى فيروز إصبهبذ، فلما صار بالري أخذ خزائن أبي مسلم التي كان خلفها هناك لما حج، وسبى الحرم ونهب الأموال ولم يتعرض للتجار، وأظهر أنه يريد قصد الكعبة ليهدمها، فوجه إليه المنصور جمهور بن مرار العجلي في عشرة آلاف فارس، فالتقوا بين همذان والريي على طرف المفازة، فعزم جمهور على مطاولته فلما التقوا قدم سنباذ النساء من سبايا المسلمات على الجمال في المحامل، فلما رأين عسكر المسلمين قمن في المحامل ونادين: وامحمداه!! ذهب الإسلام، وقعقت الريح في أثوابهن فنفرت الإبل، وعادت على عسكر المجوس فتفرقوا، وكانت الهزيمة عليهم وتبع المسلمون الإبل، فوضعوا السيوف في المجوس ومن معه فقتلوهم كيف شاءوا، وكان عدد القتلى نحواً من ستين ألفاً وسبى ذراريهم ونساءهم، ثم قتل سنباذ بين طبرستان وقومس، وكان بين مخرجه وقتله سبعون ليلة، وكان سبب قتله أنه قصد طبرستان ملتجئاً إلى صاحبها، فأرسل إلى طريقه غلاماً له اسم طوس، فضرب عنق سنباذ وأخذ ما معه من الأموال، وكتب إلى المنصور بقتله، فطلب المنصور الأموال التي كانت معه من صاحب طبرستان فأنكرها، فسير الجنود فهرب إلى بلاد الديلم.\rخروج ملبد الشيباني\rوقتله وفي هذه السنة خرج ملبد بن حرملة الشيباني فحكم بناحية الجزيرة، فسار إليه روابط الجزيرة وهم نحو ألف فارس، فقاتلهم فهزمهم، ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبي فهزمه ملبد، فوجه إليه المنصور مولاه مهلهل بن صفوان في ألفين نخبة الجند فهزمهم، واستباح عسكرهم، ثم وجه إليه نزاراً قائداً من قواد خراسان، فقتله ملبد وهزم أصحابه، ثم وجه إليه زياد بن مشكان في جمع كثير فهزمهم، فوجه إليه صالح بن صبيح في جيش كثيف وخيل كثيرة وعدة فهزمهم، ثم سار إليه حميد بن قحطبة - وهو يومئذ على الجزيرة - فهزمه ملبد، وتحصن منه حميد وأعطاه مائة ألف درهم، على أن يكف عنه، فلما بلغ ذلك المنصور وجه إليه عبد العزيز بن عبد الرحمن، وضم إليه زياد بن مشكان، فأكمن له ملبد مائة فارس، فلما التقوا خرج الكمين عليهم، فانهزم عبد العزيز وقتل عامة أصحابه، فوجه إليه خازم بن خزيمة في نحو ثمانية آلاف من المروروذية، والتقوا واقتتلوا مرة بعد أخرى، فانهزمت ميمنة خازم وميسرته وثبت هو في القلب، فنادى في أصحابه: الأرض، الأرض، فنزلوا وعقروا عامة دوابهم وضربوا بالسيوف حتى تقطعت، وتراجع أصحاب خازم ورشقوا أصحاب ملبد بالسهام، فقتل ملبد في ثمانمائة رجل بالنشاب - وكانوا قد ترجلوا، وقتل منهم قبل ذلك ثلاثمائة، وهرب الباقون فاتبعهم أصحاب خازم، فقتل منهم مائة وخمسون رجلاً، وذلك في سنة ثمان وثلاثين ومائة. وقيل إن خروجه كان فيها.\rوحج بالناس في هذه السنة إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس وهو على الموصل.\rودخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة.\rخلع جمهور بن مرار\rوقتله","part":6,"page":157},{"id":2658,"text":"في هذه السنة خلع جمهور بن مرار العجلي، وسبب ذلك أنه لما هزم سنباذ حوى ما في عسكره، وكان فيه خزائن أبي مسلم فلم يوجهها إلى المنصور، فخاف فخلع، فوجه المنصور لحربه محمد بن الأشعث في جيش عظيم، فسار نحو الري ففارقها جمهور نحو أصفهان فملكها، فأرسل محمد عسكراً وأقام هو بالري، فأشار على جمهور بعض أصحابه أن يسير في نخبة عسكره نحو محمد، فسار إليه فبلغ محمداً الخبر فاحتاط وحذر، وأتاه عسكر من خراسان فقوي بهم، والتقوا بقصر الفيروزان بين الري وأصفهان، واقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم أصحاب جمهور، ولحق بأذربيحان، وقتل من أصحابه خلق كثير، ثم قتله أصحابه باسباذروا وحملوا رأسه إلى المنصور.\rوفي هذه السنة خرج قسطنطين - ملك الروم - إلى بلاد الإسلام، فدخل ملطية عنوة وقهر أهلها وهدم سورها، وعفا عمن فيها من المقاتلة والذرية، ثم بنى صالح بن علي ما هدمه الروم من سورها.\rوفيها بايع عبد الله بن علي للمنصور في المسجد الحرام. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن صالح بن علي.\rودخلت سنة تسع وثلاثين ومائة.\rفي هذه السنة: كان الفداء بين المنصور وملك الروم، فاستنقذ المنصور أسرى قاليقلا وغيرهم من الروم، وعمرها ورد أهلها إليها، وندب إليها جنداً من أهل الجزيرة وغيرهم.\rوفيها استولى عبد الرحمن بن معاوية على بلاد الأندلس، على ما نذكره في أخبار الدولة الأموية بالمغرب. وفيها عزل المنصور سليمان بن علي عن البصرة، فاختفى أخوه عبد الله بن علي ومن معه من أصحابه، خوفاً من المنصور، فأرسل المنصور إلى سليمان وعيسى ابني علي في إحضار عبد الله، وأمنه فأحضراه إليه وقواده ومواليه في ذى الحجة، فحبسه المنصور ومن معه من أصحابه، ثم قتل بعضهم بحضرته، وبعث بقيتهم إلى خالد بن إبراهيم - عامل خراسان - فقتلهم بها، واستعمل على البصرة سفيان بن معاوية. وحج بالناس العباس بن محمد بن علي.\rودخلت سنة أربعين ومائة.\rفي هذه السنة: هلك أبو داود خالد بن إبراهيم الذهلي عامل خراسان، وكان سبب هلاكه أن ناساً من الجند ثاروا به - وهو بكشماهن - ووصلوا إلى المنزل الذي هو فيه، فأشرف عليهم من الحائط ووطيء حرف آجرة، وجعل ينادي أصحابه ليعرفوا صوته، فانكسرت الآجرة به عند الصباح، فسقط على الأرض فانكسر ظهره فمات عند صلاة العصر، فاستعمل المنصور عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، فقدم وأخذ جماعة من القواد الذين أتهمهم بالدعاء لولد علي بن أبي طالب فقتلهم، وحبس جماعة.\rوفيها سير المنصور عبد الوهاب ابن أخيه إبراهيم الإمام، والحسن بن قحطبة، في سبعين ألف مقاتل إلى ملطية، فعمروا ما كان خربه الروم منها في ستة أشهر، وأسكنها أربعة آلاف من الجند، وأكثر فيها السلاح والذخائر، وبنى حصن قلوذية، فعاد إلى ملطية من كان جلا منها.\rوفيها حج المنصور فأحرم من الحيرة، فلما قضى حجه توجه إلى البيت المقدس، ثم سار منه إلى الرقة فقتل بها منصور بن جعونة العامري، وعاد إلى هاشمية الكوفة.\rوفيها أمر المنصور بعمارة مدينة المصيصة على يد جبريل بن يحيى، وكان سورها قد تشعث من الزلازل وأهلها قليل، فبنى السور وسماها المعمورة، وبنى بها مسجداً جامعاً، وفرض فيه لألف رجل، وأسكنها كثيراً من أهلها.\rودخلت سنة إحدى وأربعين ومائة.\rخروج الراوندية\rعلى المنصور وقتلهم","part":6,"page":158},{"id":2659,"text":"والراوندية قوم من أهل خراسان يقولون بتناسخ الأرواح، ويزعمون أن روح آدم حلت في عثمان بن نهيك، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور، وأن جبريل هو الهيثم بن معاوية، فلما ظهروا وأتوا قصر المنصور فقالوا: هذا قصر المنصور، فقالوا هذا قصر ربنا، فأخذ المنصور رؤساءهم فحبس منهم ثمانين رجلاً، فغضب أصحابهم، وأخذوا نعشاً فحملوه وليس فيه أحد، فمروا على باب السجن ورموا النعش، وحملوا على الناس ودخلوا السجن وأخرجوا أصحابهم، وقصدوا المنصور وهم ستمائة رجل، فغلقت أبواب المدينة، وخرج المنصور من القصر ماشياً، ولم يكن في القصر دابة، ثم أتى بدابة فركبها، وأمر بعد ذلك اليوم أن تربط دابة معه في القصر، وخرج المنصور لهم فتكاثروا عليه حتى كادوا يقتلونه، وجاء معن بن زائدة الشيباني - وكان مستخفياً من المنصور لقتاله مع ابن هبيرة، وكان المنصور شديد الطلب له، وقد بذل فيه مالاً كثيراً، فتلثم وترجل وقاتل قتالاً شديداً، وكان المنصور على بغلة ولجامها بيد الربيع حاجبه، فأتاه معن بن زائدة وقال: يا شيخ أنا أحق بهذا اللجام منك في هذا الوقت وأعظم غناء، فقال المنصور: صدق، فدفعه إليه، فلم يزل يقاتل حتى حصل الظفر بالراوندية، فقال له المنصور: من أنت؟ قال: طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة، فقال: قد آمنك الله على نفسك ومالك وأهلك، مثلك يصطنع، وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب المنصور، وقال: أنا البواب كما ذكرنا ذلك، ونودي في أهل السوق فقاتلوهم، وفتح باب المدينة فدخل الناس، فحمل عليهم خازم بن خزيمة حتى ألجأهم إلى حائط، ثم حملوا عليه فكشفوه مرتين، فقال الهيثم بن شعبة: إذا كروا علينا فاسبقهم إلى الحائط، فإذا رجعوا فقاتلهم، ففعل ذلك فقتلوا جميعاً، وكان ذلك بالمدينة الهاشمية، وأصيب يومئذ عثمان بن نهيك بسهم، فمرض أيام ومات فصلى عليه المنصور، وجعل على الحرس أبا العباس الطوسي ثم ولى المنصور معن بن زائدة اليمن.\rخلع عبد الجبار\rبخراسان ومسير المهدي إليه وفي هذه السنة خلع عبد الجبار بن عبد الرحمن - عامل خراسان - المنصور، وكان سبب ذلك أنه لما استعمله المنصور على خراسان عمد إلى القواد، فقتل بعضهم وحبس بعضهم، فبلغ ذلك المنصور، وأتاه كتاب بعضهم يقول: قد نغل الأديم، فقال المنصور لأبي أيوب: إن عبد الجبار قد أفنى شيعتنا، وما فعل ذلك إلا وهو يريد أن يخلع، فقال اكتب إليه: إنك تريد غزو الروم فليوجه إليك الجنود من خراسان، وعليهم فرسانهم ووجوهم، فإذا خرجوا منها فابعث إليه من شئت فلا يمتنع، فكتب إليه المنصور فأجابه أن الترك قد جاشت، وإن فرقت الجند ذهبت خراسان، فألقى الكتاب إلى أبي أيوب وقال: ما ترى، فقال: قد أمكنك من قياده، اكتب إليه: إن خراسان أهم إلي من غيرها، وأنا موجه إليك الجنود، ثم وجه الجنود ليكونوا بخراسان، فإن هم بخلع أخذوا بعنقه، فلما ورد الكتاب على عبد الجبار أجابه: إن خراسان لم تكن أسوأ حالاً منها العام، وإن دخلها الجنود هلكوا لضيق ما هم فيه من الغلاء، فلما أتاه الكتاب ألقاه إلى أبي أيوب، فقال له أبو أيوب: قد أبدى صفحته، وقد خلع فلا تناظره، فوجه المنصور إليه المهدي، وأمره بنزول الري، فسار المهدي ووجه خازم بن خزيمة بين يديه لحرب عبد الجبار، ونزل المهدي نيسابور، فلما بلغ ذلك أهل مرو الروذ ساروا إلى عبد الجبار، وقاتلوه قتالاً شديداً فانهزم منهم، والتجأ إلى مقطنة فتوارى فيها، فعبر إليه المجشر بن مزاحم من أهل مرو الروذ فأخذه أسيراً، فلما قدم خازم أتاه به وألبسه جبة صوف، وحمله على بعير وجعل وجهه مما يلي عجز البعير، وحمله إلى المنصور ومعه ولده وأصحابه، فبسط عليهم العذاب واستخرج منهم الأموال، ثم أمر فقطعت يد عبد الجبار ورجلاه وضربت عنقه، وأمر بتسيير ولده إلى دهلك - جزيرة باليمن، فلم يزالوا بها حتى أغار عليهم الهند فسبوهم فيمن سبوا، ثم فودوا بعد ذلك. وقيل كان أمر عبد الجبار في سنة اثنتين وأربعين في شهر ربيع الأول.\rفتح طبرستان","part":6,"page":159},{"id":2660,"text":"قال: ولما ظفر المهدي بعبد الجبار بغير تعب كره المنصور أن تبطل تلك النفقات التي أنفقت على المهدي، فكتب إليه أن يغزو طبرستان وينزل الري، ويوجه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة والجنود إلى الإصبهبذ، وكان الإصبهبذ يومئذ محارباً المصمغان ملك دنباوند، فبلغه دخول الجند بلاده، ثم قال المصمغان للإصبهبذ متى قهروك صاروا إلي، فاجتمعوا على حرب المسلمين وطالت تلك الحروب، فوجه المنصور عمر بن العلاء إلى طبرستان، وهو الذي يقول فيه بشار:\rإذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمراً ثم نم\rوكان عالماً ببلاد طبرستان، فأخذ الجنود وقصد الرويان ففتحها وأخذ قلعة الطاق وما فيها، وطالت الحرب وألح خازم بالقتال ففتح طبرستان وقتل منهم وأكثر، وصار الإصبهبذ إلى قلعته وطلب الأمان، على أن يسلم القلعة وما فيها من الذخائر، فكتب المهدي بذلك إلى المنصور، فوجه المنصور صالحاً صاحب المصلى فأحصى ما في الحصن وانصرفوا، ودخل الإصبهبذ بلاد جيلان من الديلم، وأخذت ابنته وهي أم إبراهيم بن العباس بن محمد، وقصدت الجنود المصمغان فظفروا به.\rوفيها عزل زياد بن عبيد الله الحارثي عن مكة والمدينة والطائف، واستعمل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري في شهر رجب، وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية العتكي من أهل خراسان. وحج بالناس في هذه السنة صالح بن علي بن عبد الله بن عباس وهو يومئذ على الشام.\rودخلت سنة اثنتين وأربعين ومائة.\rخلع عيينة\rبن موسى في هذه السنة خلع عيينة بن موسى بن كعب بالسند وكان عاملاً عليها، وسبب خلعه أن أباه كان يستخلف المسيب بن زهير على الشرط، فلما مات موسى أقام المسيب على ما كان يلي من الشرط، وخاف أن المنصور يحضر عيينة فيوليه ما كان إلى أبيه، فكتب إليه بيت شعر ولم ينسب الكتاب إلى نفسه:\rفأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومة ليس فيها حلم\rفخلع الطاعة، فلما بلغ المنصور الخبر سار بعسكره حتى نزل جسر البصرة، ووجه عمر بن حفص بن أبي صفرة العتكي عاملاً على السند، وأمره بمحاربة عيينة فسار وغلب على السند.\rنكث الإصبهبذ\rفي هذه السنة: نقض الإصبهبذ بطبرستان العهد بينه وبين المسلمين، وقتل من كان ببلاده منهم، فلما انتهى الخبر إلى المنصور سير مولاه أبا الخصيب، وخازم بن خزيمة، وروح بن حاتم، وأقاموا يحاصرون الحصن وهو فيه، ولما طال عليهم المقام احتال أبو الخصيب في ذلك، فقال لأصحابه: اضربوني واحلقوا رأسي ولحيتي ففعلوا ذلك به، ولحق بالإصبهبذ فقال له: إنهم فعلوا بي هذا لأنهم تهموني أن هواي معك، وقال له: إنما أدلك على عورة عسكرهم، فقبل الإصبهبذ ذلك وجعله في خاصته، وكان باب حصنه من حجر، وكان يوكل بفتحه وغلقه ثقات أصحابه نوباً بينهم، فلما وثق الإصبهبذ بأبي الخصيب وكله بالباب فتولى فتحه وغلقه، فكتب أبو الخصيب إلى روح وخازم وأعلمهم أنه قد ظفر، وأوعدهم ليلة بفتح الباب، فلما كان في تلك الليلة فتح لهم، فدخلوا الحصن فقتلوا من فيه من المقاتلة وسبوا الذرية، وأخذوا شكلة أمر إبراهيم بن المهدي، وكان مع الإصبهبذ سم فشربه فمات، وقيل إن ذلك كان في سنة ثلاث وأربعين.\rوفي هذه السننة مات سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس في جمادى الآخرة وعمره تسع وخمسون سنة، وفيها عزل نوفل بن الفرات عن مصر، ووليها حميد بن قحطبة، وولى المنصور أخاه العباس بن محمد على الجزيرة والثغور والعواصم، وعزل عمه إسماعيل عن الموصل واستعمل عليها مالك بن الهيثم الخزاعي. وحج بالناس إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس.\rودخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة.\rفي هذه السنة: ثار الديلم بالمسلمين فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فندب الناس المنصور إلى قتال الديلم وجهادهم، وفيها عزل الهيثم بن معاوية عن مكة والطائف، واستعمل السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس، وفيها عزل حميد بن قحطبة عن مصر واستعمل عليها يزيد بن حاتم، وحج بالناس في هذه السنة عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله.\rودخلت سنة أربع وأربعين ومائة.","part":6,"page":160},{"id":2661,"text":"في هذه السنة: سير المنصور الناس من أهل الكوفة والبصرة والجزيرة والموصل إلى غزو الديلم، واستعمل عليهم محمد بن أبي العباس السفاح. وفيها عزل المنصور عن المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري، واستعمل عليها رياح بن عثمان المري، وكان سبب ذلك أن المنصور كان يتطلب محمد بن عبد الله بن الحسن وأخاه إبراهيم بن عبد الله، فلما استعمل محمد بن خالد على المدينة أمره بطلبهما، فقدم المدينة وأنفق أأموالاً عظيمة في طلبهما، فلم يظفر بهما فعزله واستعمل رياحاً، وأمره بمطالبة القسري بالأموال وطلب محمد وإبراهيم، فقدم المدينة وطالب محمد بن خالد بالمال وضربه وسجنه، وأخذ كاتبه رزاماً وعاقبه، وألزمه أن يذكر له ما أخذ محمد من الأموال، فلم يجبه إلى ذلك، فلما طال عليه الأمر وشدد عليه العذاب أجابه، فقال له رياح: أحضر الرقيعة وقت اجتماع الناس، فلما اجتمع الناس أحضره، فقال: أيها الناس إن الأمير أمرني أن أرفع على محمد بن خالد، وقد كتبت كتاباً وأنا أشهدكم أن كل ما فيه باطل، فأمر به رياح فضرب مائة سوط ورده إلى السجن.\rوفيها حج المنصور فلما عاد من حجه إلى المدينة لم يدخلها، ونزلل الربذة، وكان قد أمر رياحاً بحبس أولاد الحسن فحبسهم، فلما رجع أمر بحملهم إلى العراق، فأخرجهم من السجن إلى الربذة والأغلال في أعناقهم وأرجلهم، وحملوا بغير وطاء، وحبسهم بقصر ابن هبيرة، وضرب محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان - وكان قد حبسه معهم - خمسين ومائة سوط، فسالت إحدى عينيه بضربة أصابتها، ومحمد هذا هو الذي يسمى الديباج، كل ذلك لخوفه من ظهور محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rودخلت سنة خمس وأربعين ومائة.\rظهور محمد بن عبد الله\rفي هذه السنة: ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة، وأخرج محمد بن خالد القسري من الحبس، واستعمل العمال على المدينة ومكة والطائف واليمن، وكان خروجه لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة منها، وكان بينه وبين المنصور مكاتبات سنذكرها في أخبار محمد بن عبد الله، ولم تغن شيئاً، فندب المنصور لقتاله عيسى بن موسى بن محمد بن عبد الله بن العباس، فالتقوا فقتل محمد في يوم الاثنين بعد العصر لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان منها، وقتل معه جماعة سنذكر ذلك مستوفى في أخباره إن شاء الله.\rوفيها ظهر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن - وهو أخو محمد - بالبصرة، وبايع الناس، وكان ظهوره في أول شهر رمضان، وقتل يوم الاثنين لخمس بقين من ذى القعدة منها. وسنذكر ذلك مستوفى في موضعه إن شاء الله تعالى.\rوثوب السودان بالمدينة\rوفي هذه السنة: ثار السودان بالمدينة على عاملها عبد الله بن الربيع الحارثي فهرب منهم، وسبب ذلك أن المنصور لما استعمله قدم المدينة لخمس بقين من شوال، فنازع جنده التجار في بعض ما يشترونه منهم، فشكوا ذلك إليه فانتهر التجار وشتمهم، فتزايد طمع الجند فعدوا على صيرفي فنازعوه كيسه، فاستعان بالناس فخلصوه منه، وشكا أهل المدينة إلى ابن الربيع فلم ينكره، ثم جاء رجل من الجند إلى جزار، فاشترى منه لحماً في يوم جمعة فلم يعطه الثمن، وشهر عليه السيف فضربه الجزار بشفرة في خاصرته فقتله، واجتمع الجزارون وتنادى السودان فقاتلوهم، ونفخوا في بوق لهم فسمع السودان من العالية والسافلة فاجتمعوا، وكان رؤساؤهم ثلاثة، وهم: وثيق ويعقل وزمعة، فقتلوا في الجند حتى أمسوا، وقصدوا ابن الربيع فهرب منهم، وأتى بطن نخل على ليلتين من المدينة فنزل به، وانتهب السودان طعاماً للمنصور وزيتاً وغيره، فباعوا الحمل الدقيق بدرهمين، والرواية الزيت بأربعة دراهم، ولم يصل الناس في ذلك اليوم جمعة، فذهب محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما إلى العبيد فكلموهم، فقالوا: مرحباً بموالينا، والله ما قمنا إلا أنفة بما عمل بكم، فأمرنا إليكم، فأقبلوا بهم إلى المسجد فخطبهم ابن أبي سبرة، وحثهم على الطاعة فتراجعوا، ثم قال لهم - من الغد إنكم كان منكم ما كان بالأمس - نهبتم طعام أمير المؤمنين. فلا يبقين عند أحد منه شيء إلا رده فردوه، ورجع ابن الربيع إلى المدينة فقطع يد وثيق ويعقل وغيرهما.\rبناء بغداد\rوانتقال أبي جعفر المنصور إليها","part":6,"page":161},{"id":2662,"text":"وفي هذه السنة ابتدأ المنصور في بناء مدينة بغداد، وسبب ذلك أنه كان قد ابتنى المدينة الهاشمية بنواحي الكوفة، فلما ثارت الراوندية فيها كره سكناها لذلك، ولجوار أهل الكوفة فإنه كان لا يأمنهم على نفسه، فخرج يرتاد موضعاً لبنائها، وكان بعض جنده قد تخلف عنه بالمدائن لرمد أصابه، فسأله الطبيب الذي يعالجه عن سبب حركة المنصور فأخبره، فقال الطبيب: إنا نجد في كتاب عندنا أن رجلاً يدعى مقلاصاً يبني مدينة، بين دجلة والصراة تدعى الزوراء، فإذا أسسها وبنى بعضها أتاه فتق من الحجاز، فقطع بناءها وأصلح ذلك الفتق، ثم أتاه فتق من البصرة أعظم منه، فلم يلبث الفتقان أن يلتئما، ثم يعود إلى بناءها فيتمه، ثم يعمر زمناً طويلاً ويبقى الملك في عقبه، فقدم ذلك الجندي على المنصور وأخبره الخبر، فقال: أنا والله كنت أدعى مقلاصاً ثم زال عني، وسار حتى نزل الدير - هو جوار قصره المعروف بالخلد، ودعا صاحب الدير والبطريق وغيرهما، فاتفق رأيهم على عمارتها في موضعها، وابتدأ بعمارتها في سنة خمس وأربعين ومائة، وكتب إلى سائر البلاد في إنفاذ الصناع والفعلة، وأمر أن يختار له من أهل الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة، فكان ممن أحضر لذلك الحجاج بن أرطاة وأبو حنيفة، وأمر فخطت المدينة بالرماد، فشقها ورآها، ثم أمر أن يجعل على الرماد حب القطن ويشعل بالنار، ونظر إليها وهي تشتعل ففهمها، وأمر بحفر أساسها على ذلك الرسم، ووكل بها أربعة من القواد، كل قائد على ربع، ووكل أبا حنيفة بعد الآجر واللبن، وكان قبل ذلك أراده المنصور على ولاية القضاء والمظالم فلم يجب، فحلف المنصور أنه لا بد أن يعمل له، فأجابه أن ينظر في عمارة بغداد، ويعد الآجر واللبن بالقصب - وهو أول من فعل ذلك، وجعل المنصور عرض أساس السور من أسفله خمسين ذراعاً ومن أعلاه عشرين ذراعاً، وجعل في البناء القصب والخشب، ووضع بيده أول لبنة وقال: بسم الله والحمد لله والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، ثم قال: ابنو على بركة الله، فلما بلغ السور قدر قامة جاء الخبر بظهور محمد بن عبد الله فقطع البناء وأقام بالكوفة حتى فرغ من حرب محمد وأخيه إبراهيم، ثم عاد إلى بغداد فأتم بناءها، وكان المنصور قد أعد جميع ما تحتاج إليه المدينة، من آلات البناء والخشب والساج وغيره، واستخلف حين شخص إلى الكوفة على إصلاح ما أعد سلم مولاه، فبلغه أن إبراهيم قد هزم عسكر المنصور فأحرق جميع ذلك.\rقال: ولما انقضى أمر إبراهيم عاد المنصور إلى بغداد في صفر سنة ست وأربعين ومائة، واستشار خالد بن برمك في نقض المدائن وإيوان كسرى، ونقل النقاضة إلى بغداد، فقال: لا أدري ذلك لأنه علم من أعلام الإسلام، فقال له: أبيت إلا الميل إلى أصحابك العجم!! وأمر بنقض القصر الأبيض فنقضت ناحية منه، فلم يوف ما تحصل من النقاضة بما عزم عليه من الكلفة، فاستشار خالد بن برمك فقال: كنت لا أرى ذلك قبل، أما إذ فعلت فأرى أن يهدم لئلا يقال عجزت عن هدم ما بناه غيرك، فأعرض عنه وترك هدمه، ونقل أبواب مدينة واسط فجعلها على بغداد، وباباً جيء به من الشام، وباباً من الكوفة كان عمله خالد القسري، وجعل المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض، وجعل لها سورين، فالسور الداخل أعلى من الخارج، وبنى قصره في وسطها، والمسجد الجامع بجانب القصر، وكان اللبن الذي يبنى به ذراع في ذراع، ووزن بعض اللبن لما نقص فكان مائة رطل وسبعة عشر رطلاً، وكانت الأسواق في المدينة فجاء رسول لملك الروم، فأمر أن يطاف به المدينة، ثم قال له: كيف رأيت؟ فقال: رأيت بناء حسناً إلا أن أعداءك معك، وهم السوقة، فأمر المنصور بإخراجهم إلى الكرخ.\rقال ابن الأثير: وكان مقدار النفقة على بنائها وبناء المسجد والقصر والأسواق والفصلان والخنادق والأبواب أربعة آلاف ألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين درهماً، وكان الأستاذ من البنائين يعمل يومه بقيراط فضة، والروز كاري بجبتين، وحاسب القواد عند الفراغ وأخذ منهم ما بقي عندهم، فبقي عند خالد بن الصلت خمسة عشر درهماً فحبسه عليها وأخذها منه.\rوفي سنة خمس وأربعين خرجت الترك والخزر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة وحج بالناس السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس.","part":6,"page":162},{"id":2663,"text":"ودخلت سنة ست وأربعين ومائة.\rفي هذه السنة كملت عمارة بغداد، وقد تقدم ذكر ذلك. وفيها عزل سلم بن قتيبة عن البصرة واستعمل عليها محمد بن سليمان، وعزل عن المدينة عبد الله بن الربيع، واستعمل عليها جعفر بن سليمان، وعزل عن مكة السري بن عبد الله، ووليها عبد الصمد بن علي. وحج بالناس في هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام.\rودخلت سنة سبع وأربعين ومائة.\rفي هذه السنة أغار استرخان الخوارزمي في جمع من الترك بناحية أرمينية، فسبى من المسلمين وأهل الذمة خلقاً كثيراً، ودخلوا تفليس، وكان حرب بن عبد الله مقيماً بالموصل في ألفين من الجند لمكان الخوارج الذين بالجزيرة، فسير المنصور لمحاربة الترك جبريل بن يحيى وحرب بن عبد الله، فقاتلهم فقتل حرب وهزم جبريل بن يحيى، وقتل خلق من أصحابه.\rالبيعة للمهدي\rوخلع عيسى بن موسى في هذه السنة: كلم المنصور عيسى بن موسى في أن يخلع نفسه من ولاية العهد، وتقدم للمهدي فامتنع من ذلك، فاطرحه المنصور وحط من رتبته، وقدم المهدي عليه في الجلوس، وأذاه بأنواع الأذى وأهانه بأنواع الإهانة، وآخر الأمر إن المنصور أمر الربيع أن يخنق عيسى بحمائل سيفه، فخنقه وهو يستغيث: الله الله في دمي يا أمير المؤمنين، والمنصور يقول: ازهق نفسه، هذا بحضور أبيه موسى، فقام أبوه عند ذلك وبايع للمهدي، ثم جعل عيسى بن موسى بعده، فقال الناس: هذا الذي كان غداً فأصبح بعد غد هذا أحد الأقوال في خلعه، وقيل بل شهد عليه ثلاثون نفراً من شيعة المنصور، أنه خلع نفسه وبايع للمهدي فأنكر ذلك، فلم يسمع منه، وقيل بل اشترى المنصور ولاية العهد منه بأحد عشر ألف ألف درهم، وكانت مدة ولاية عيسى الكوفة ثلاث عشرة سنة، وعزله المنصور واستعمل محمد بن سليمان.\rذكر وفاة عبد الله بن علي وخبر عيسى بن موسى\rقال: كان المنصور قد أحضر عيسى بن موسى بعد أن خلع نفسه، وسلم إليه عمه عبد الله بن علي وأمره بقتله، وقال: إن الخلافة صائرة إليك بعد المهدي، فاضرب عنقه وإياك أن تضعف، فينتقض علي أمري الذي دبرته، ثم مضى المنصور إلى مكة وكتب إلى عيسى من الطريق يستعلم منه: ما فعل في الذي أمره، فكتب إليه عيسى: قد أنفذت ما أمرت به، فلم يشك أنه قتله، وكان عيسى حين أخذ عبد الله من المنصور دعا كاتبه يونس بن أبي فروة، واستشاره في أمره، فقال: إنما أراد المنصور أن يقتله ثم يقتلك به، لأنه أمرك بقتله سراً ثم يدعيه عليك علانية، فلا تقتله ولا تدفعه إليه سراً أبداً، واكتم أمره، ففعل عيسى ذلك، فلما قدم المنصور وضع على أعمامه من حركهم على الشفاعة في أخيهم عبد الله، ففعلوا فشفعهم فيه، وقال لعيسى: إني دفعت إليك عمي وعمك عبد الله ليكون في منزلك، وقد كلمني عمومتك فيه وقد صفحت عنه فإيتنا به، فقال: يا أمير المؤمنين ألم تأمرني بقتله!! قال: ما أمرتك إلا بحبسه، قال: بلى، قد أمرتني، فكذبه، ثم قال لعمومته: إن هذا قد أقر بقتل أخيكم، قالوا: فادفعه لنا نقيده به، فسلمه إليهم فخرجوا به إلى الرحبة واجتمع الناس، وقام أحدهم ليقتله فقال عيسى: أفاعل أنت!! قال: إي والله، فقال: ردوني إلى أمير المؤمنين فردوه إليه، فقال: إنما أردت بقتله أن تقتلني، هذا عمك حي سوي، قال: إيتنا به فأتاه به، فقال المنصور: يدخل حتى أرى فيه رأيي ثم صرفهم، وجعله في بيت أساسه ملح، ثم أجرى الماء على أساسه فسقط عليه البيت فمات، ودفن بمقابر المسلمين بباب الشام وهو أول من دفن فيها، وكان عمره اثنتين وخمسين سنة.\rوحج المنصور في هذه السنة بالناس.\rودخلت سنة ثمان وأربعين ومائة.\rخروج حسان\rبن مجالد بن يحيى بن مالك بن الأجدع الهمداني قال: وكان خروجه بنواحي الموصل بقرية بافخارى - وهي قرب الموصل على دجلة، فخرج إليه عسكر الموصل فهزمهم وعليهم الصقر بن نجدة، ثم سار حسان إلى الرقة ومنها إلى البحر، ودخل بلد السند ثم عاد إلى الموصل، فخرج إليه الصقر أيضاً والحسن بن صالح بن حسان الهمداني وبلال القيسي والتقوا، فانهزم الصقر وأسر الحسن بن صالح وبلال، فقتل حسان بلالاً واستبقى الحسن لأنه من همدان، ففارقه بعض أصحابه لهذا.\rوفي هذه السنة استعمل الأغلب بن سالم بن عقال بن خفاجة التميمي على أفريقية، وبعث بعهده إليه بها، وحج المنصور بالناس في هذه السنة.","part":6,"page":163},{"id":2664,"text":"ودخلت سنة تسع وأربعين ومائة.\rفي هذه السنة غزا العباس بن محمد الصائفة أرض الروم، ومعه الحسن بن قحطبة ومحمد بن الأشعث فمات محمد في الطريق وفيها استتم المنصور بناء سور بغداد وخندقها، وفرغ من جميع أمورها وسار إلى حديثة الموصل وعاد. وحج بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.\rودخلت سنة خمسين ومائة.\rخروج استاذ سيس\rفي هذه السنة خرج استاذ سيس في أهل هراة وباذغيس وسجستان وغيرها من خراسان، فكان - مما قيل - في ثلاثمائة ألف مقاتل فغلبوا على عامة خراسان وسار حتى التقى هو وأهل مرو الروذ وعليهم الأجثم المروروذي، فاقتتلوا فقتل الأجثم، وهزم استاذ سيس عدة من القواد، فوجه المنصور خازم بن خزيمة لحربه وضم إليه القواد، فسار خازم والتقوا واقتتلوا، وكانت بينهم حروب آخرها أن استاذ سيس انهزم، وأكثر المسلمون القتل في أصحابه، فكان عدة من قتل سبعين ألفاً، وأسروا أربعة عشر ألفاً، ونجا استاذ سيس إلى جبل في نفر يسير، فحصرهم خازم وقتل الأسرى، ووافى أبو عون وابن سلم، فنزل استاذ سيس على حكم أبي عون، فحكم أن يوثق هو وبنوه وأهل بيته بالحديد، وأن يعتق الباقون وهم ثلاثون ألفاً، فأمضى خازم حكمه وكسى كل رجل ثوبين، وقيل إن استاذ سيس ادعى النبوة وأظهر أصحابه الفسق وقطع السبيل، وقيل إنه جد المأمون - أبو أمه مراجل.\rوحج بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن علي وهو عامل مكة.\rودخلت سنة إحدى وخمسين ومائة.\rفي هذه السنة عزل المنصور عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبي صفرة عن السند، واستعمل عليها هشام بن عمرو التغلبي، واستعمل عمر بن حفص على أفريقية ثم عزله عنها، واستعمل يزيد بن حاتم بن قبيصة بن أبي صفرة.\rبناء الرصافة\rللمهدي في هذه السنة قدم المهدي من خراسان في شوال، فقدم عليه أهل بيته من الشام والكوفة وغيرها، فهنأوه بقدومه فأجازهم وحملهم وكساهم، وفعل بهم المنصور مثل ذلك، وبنى الرصافة، وكان سبب بنائها أن بعض الجند شغبوا على المنصور وحاربوه على باب الذهب، فدخل عليه قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس، وهو شيخهم وله الحرمة فيهم والتقدم عندهم، فقال له المنصور: أما ترى ما نحن فيه من وثوب الجند علينا، وقد خفت أن تجمع كلمتهم فيخرج هذا الأمر من أيدينا، فما ترى؟ فقال: يا أمير المؤمنين عندي رأي، وإن أظهرته لك فسد وإن تركتني أمضيته وصلحت خلافتك، وهابك الجند، قال: أفتمضي في خلافتي شيئاً لا أعلمه؟ فقال له: إن كنت عندك متهماً فلا تشاورني، وإن كنت مأموناً فدعني أفعل رأيي، فقال له: امضه، فانصرف قثم إلى منزله فدعا غلاماً له فقال له: إذا كان غداً فتقدمني فاجلس في دار أمير المؤمنين، فإذا دخلت وتوسطت أصحاب المراتب فخذ بعنان بغلتي، واستحلفني بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق العباس وحق أمير المؤمنين لما وقفت لك، وسمعت مسألتك وأجبتك عنها، وسأنهرك وأغلظ لك فلا تجب، وعاود المسألة فسأضربك فعاود، وقل لي أي الحيين أشرف: اليمن أو مضر؟ فإذا أجبتك فاترك البغلة وأنت حر، ففعل الغلام ما أمره به، فقال له قثم: مضر أشرف لأن منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها كتاب الله، وفيها بيت الله، ومنها خليفة الله، فامتعضت اليمن إذ لم يذكر لها شيئاً، فقال بعض قوداهم: ليس الأمر كذلك مطلقاً بغير فضيلة!! ثم قال لغلام له: قم إلى بغلة الشيخ فاكبحها، ففعل حتى كاد يقعيها، فامتعضت مضر وقالوا: يفعل هذا بشيخنا!! وأمر بعضهم غلامه فضرب يد ذلك الغلام فقطعها، فتفرق الحيان، ودخل قثم على المنصور، وافترقت الجند، فصارت مضر واليمن فرقة والخراسانية فرقة، فقال قثم للمنصور: قد فرقت بين جندك وجعلتهم أحزاباً، كل حزب منهم يخاف أن تضربه بالآخر، وقد بقي في التدبير بقية، وهي أن تترك ابنك في ذلك الجانب، وتحول معه قطعة من جيشك، فيصير ذلك بلداً وهذا بلداً، فإن فسد عليك أولئك ضربتهم بهؤلاء، وإن فسد هؤلاء ضربتهم بأولئك، فقبل رأيه واستقام ملكه، وبنى الرصافة وتولى ذلك صاحب المصلى.","part":6,"page":164},{"id":2665,"text":"وحج بالناس محمد بن إبراهيم الإمام، وهو عامل مكة والطائف. وفيها قتل معن بن زائدة الشيباني أمير سجستان، بعد منصرفه من غزاة رتبيل وانصرافه إلى بست، فاختفى بعض الخوارج في منزله، ثم دخلوا عليه وهو يحتجم فقتلوه، وشق أحدهم بطنه بخنجر، وقال بعض من ضربه: أنا الغلام الطاقي، والطاق رستاق بقرب زرنج، فقتلهم يزيد بن مزيد فلم ينج منهم أحد، وقام يزيد بأمر سجستان.\rودخلت سنة اثنتين وخمسين ومائة.\rفي هذه السنة غزا حميد بن قحطبة كابل، وكان المنصور استعمله على خراسان سنة إحدى وخمسين ومائة. وغزا الصائفة عبد الوهاب بن إبراهيم، وقيل أخوه محمد.\rوحج بالناس في هذه السنة المنصور.\rودخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة.\rقتل المورياني الوزير\rفي هذه السنة قبض المنصور على أبي أيوب المورياني وعلى أخيه وبني أخيه، وكان قد سعى بهم كاتبه إبان بن صدقة، وقيل: كان سبب قبضه أن المنصور في دولة بني أمية ورد الموصل، وأقام بها مستتراً، وتزوج امرأة من الأزد فحملت منه، ثم فارق الموصل وأعطاها تذكرة، وقال لها إذا سمعت بدولة بني هاشم فأرسلي هذه التذكرة إلى صاحب الأمر فهو يعرفها، فوضعت المرأة ولداً سمته جعفراً، فنشأ وتعلم الكتابة وما يحتاج إليه الكاتب، وولي المنصور الخلافة فقدم جعفر إلى بغداد واتصل بأبي أيوب، فجعله كاتباً - بالديوان فطلب المنصور يوماً من أبي أيوب كاتباً - يكتب له شيئاً، فأرسل إليه جعفراً، فلما رآه المنصور مال إليه وأحبه، فأمره بالكتابة فرآه ماهراً حاذقاً، فسأله: من أين هو؟ ومن أبوه؟ فذكر له الحال وأراه التذكرة فعرفها، فصار يطلبه في كل وقت بحجة الكتابة، فخافه أبو أيوب، ثم إن المنصور أحضره يوماً وأعطاه مالاً، وأمره أن يصعد إلى الموصل ويحضر والدته، وأنه إذا رجع وقارب بغداد لقيه المنصور بالعساكر وغيرها، وأمره أن يكتم حاله ويفارق الديوان مغضباً، فخرج إلى الديوان فقال له أبو أيوب: ما أبطأك؟ قال: كنت في حاجة لأمير المؤمنين، فسأله عما كتب فقال: ما كنت لأذيع سر أمير المؤمنين، فسبه أبو أيوب فأغلق جعفر دواته، وقال: والله لا عدت لهذا الديوان أبداً، وفارقه مغضباً فتوهم منه أبو أيوب، وتعرف أحواله ووضع عليه العيون، فقيل له: إن حاله حسنت، وأنه جدد له مراكيب وسافر، فبعث في أثره من اغتاله، فقتل وأحضر إليه ما كان معه، فرأى في متاعه ما دله على أنه ولد أمير المؤمنين، فسقط في يده وتوقع السوء، ولما أبطأ خبره على المنصور بعث إلى الموصل من يسأل عنه، فقالت أمه: لا علم لي به إلا أنه ببغداد، يكتب في ديوان أمير المؤمنين، فأرسل المنصور من قص أثره، ولم يزل يدقق البحث حتى علم أن قتله من قبل أبي أيوب، فنكبه هو وأهله.\rوفيها غزا الصائفة معيوف بن يحيى، ووصل إلى حصن من حصون الروم ليلاً وأهله نيام، فسبى وأسر من كان فيه، وقصد اللاذقية الخراب فسبى منها ستة آلاف رأس سوى الرجال البالغين.\rوحج في هذه السنة المهدي بن المنصور بالناس.\rودخلت سنة أربع وخمسين ومائة.\rفي هذه السنة سار المنصور إلى الشام وبيت المقدس، وبعث يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة إلى أفريقية في خمسين ألفاً، لحرب الخوارج الذين قتلوا عمر بن حفص.\rوحج بالناس محمد بن إبراهيم.\rودخلت سنة خمس وخمسين ومائة.\rفي هذه السنة سير المنصور المهدي لبناء الرافقة، فسار إليها فبناها على بناء مدينة بغداد، وعمل للكوفة والبصرة سوراً وخندقاً، وجعل ما أنفق فيه من أموال أهلهما.\rقال: وأراد المنصور معرفة عددهم، فأمر أن يقسم فيهم خمسة دراهم خمسة دراهم، فلما انحصرت له عدتهم أمر بجبايتهم أربعين درهماً من كل واحد، فقال شاعرهم:\rيا لقوم ما لقينا ... من أمير المؤمنينا\rقسم الخمسة فينا ... وجبانا الأربعينا\rودخلت سنة ست وخمسين ومائة.\rلم يكن في هذه السنة من الحوادث ما نذكره في هذا الموضع. وحج بالناس العباس بن محمد بن علي.\rودخلت سنة سبع وخمسين ومائة.\rفي هذه السنة بنى المنصور قصره الذي يدعى الخلد. وفيها حول الأسواق إلى الكرخ وتقدم السبب في ذلك وحج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. وفيها مات عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام.\rودخلت سنة ثمان وخمسين ومائة.\rوفاة المنصور","part":6,"page":165},{"id":2666,"text":"كانت وفاته يوم السبت لست خلون من ذى الحجة من هذه السنة ببئر ميمون على أميال من مكة، قال المؤرخ: ورأى المنصور قبل وفاته بيسير أعاجيب كثيرة، ومواعظ مؤذنة بوفاته، منها أنه هتف به هاتف في قصره فسمعه يقول:\rأما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك\rعليك يا نفس إن أسأت وإن ... أحسنت في اليوم كان ذاك لك\rما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في فلك\rإلا لنقل السلطان عن ملك ... قد انقضى ملكه إلى ملك\rحتى يصيرانه إلى ملك ... ما عز سلطانه بمشترك\rذاك بديع السماء والأرض وال ... مرسي الجبال المسخر الفلك\rفلما سمع المنصور ذلك قال: هذا أوان أجلي، قال الطبري - وقد حكى عبد العزيز بن مسلم قال: دخلت على المنصور يوماً عليه، فإذا هو باهت لا يحير جواباً، فوثبت لأنصرف لما أراه منه، فقال بعد ساعة: إني رأيت في المنام كأن رجلاً ينشدني:\rأأخي أخفض من مناكا ... فكأن يومك قد أتاكا\rولقد أراك الدهر من ... تصريفه ما قد أراكا\rفإذا أردت الناقص ال ... عبد الذليل فأنت ذاكا\rملكت ما ملكته ... والأمر فيه إلى سواكا\rفهذا ما ترى من قلقي وغمي، فقلت: خيراً رأيت يا أمير المؤمنين، ولم يلبث أن خرج إلى مكة، ومن ذلك أنه لما نزل آخر منزل نزله من طريق مكة نظر في صدر البيت الذي نزل فيه فإذا فيه مكتوب:\rأبا جعفر حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لا بد واقع\rأبا جعفر هل كاهن أو منجم ... لك اليوم من حر المنية مانع\rفدعا المتولي لإصلاح المواضع فقال: ألم آمرك ألا يدخل أحد من الدعاة هذا البيت؟ ! فحلف أنه لم يدخله أحد، فقال: اقرأ ما في صدر هذا البيت، قال: ما أرى شيئاً، فالتفت إلى حاجبه وقال: اقرأ آية من كتاب الله تعالى تشوقني إلى لقائه، فقرأ \" وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون \" ، فقال له: ما وجدت آية غير هذه الآية، قال: والله لقد محى القرآن من قلبي غيرها.\rوصية المنصور\rلابنه المهدي قال: ولما سار المنصور من بغداد ليحج نزل قصرعبدويه، وأحضر المهدي وكان قد صحبه فوصاه بالمال والسلطان، يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه بكرة وعشية، فلما كان في اليوم الذي ارتحل فيه قال له: إني لم أدع شيئاً إلا وقد تقدمت إليك فيه، وسأوصيك بخصال وما أظنك تفعل منها واحدة - وكان له سفط فيه دفاتر علمه وعليه قفل لا يفتحه غيره، فقال للمهدي: انظر إلى هذا السفط فاحتفظ به، فإن فيه علم آبائك - ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة - فإن أهمك أمر فانظر إلى الدفتر الكبير، فإن أصبت فيه ما تريد وإلا في الثاني والثالث حتى بلغ سبعة، فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة، فإنك واجد فيها ما تريد، وما أظنك تفعل! واقطن هذه المدينة وإياك أن تستبدل بها غيرها، وقد جمعت لك من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كفاك، لأرزاق الجند والنفقات ومصلحة الثغور والذرية ومصلحة البعوث، فاحتفظ به، فإنك لا تزال عزيزاً ما دام بيت مالك عامراً، وما أظنك تفعل! وأوصيك بأهل بيتك أن تظهر كرامتهم، وأن تحسن إليهم وتقدمهم، وتوطيء الناس أعقابهم وتوليهم المنابر، فإن عزك في عزهم وذكرهم لك، وما أظنك تفعل! وانظر إلى مواليك وأحسن إليهم وقربهم واستكثر منهم، فإنهم مادتك لشدة إن نزلت بك، وما أظنك تفعل! وأوصيك بأهل خراسان فإنهم أنصارك، وشيعتك الذين بذلوا أموالهم ودماءهم في دولتك، ومن لا تخرج محبتك من قلوبهم، أن تحسن إليهم وتتجاوز عن مسيئهم وتكافئهم عما كان منهم وتخلف من مات منهم في أهله وولده، وما أظنك تفعل! وإياك أن تبني المدينة الشرقية فإنك لا تتم بناءها، وأظنك ستفعل! وإياك أن تستعين برجل من بني سليم، وأظنك ستفعل! وإياك أن تدخل النساء في أمرك، وأظنك ستفعل! وقيل: إنه قال له إني ولدت في ذى الحجة، ووليت في ذى الحجة، وقد هجس في نفسي أن أموت في ذى الحجة من هذه السنة، فاتق الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي، يجعل الله لك فيما كربك وحزبك فرجاً ومخرجاً، ويرزقك السلامة وحسن العافية من حيث لا تحتسب.","part":6,"page":166},{"id":2667,"text":"يا بني احفظ محمداً صلى الله عليه وسلم في أمته يحفظ الله عليك أمورك. وإياك والدم الحرام فإنه حوب عند الله عظيم. وعار في الدنيا لازم مقيم. والزم الحدود فإن فيها صلاحك في العاجل. ولا تعتد فيها فتبور. فإن الله تعالى لو علم شيئاً أصلح منها لدينه وأزجر عن معاصيه لأمر به في كتابه. واعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب. على من سعى في الأرض فساداً. مع ما ذخره له عنده من العذاب العظيم. فقال تعالى: \" إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض \" الآية. فالسلطان - يا بني - حبل الله المتين وعروته الوثقى ودينه القيم. فاحفظه وحصنه وذب عنه. وأوقع بالملحدين فيه واقمع المارقين منه واقتل الخارجين عنه بالعقاب. ولا تجاوز ما أمر الله به في محكم القرآن. فاحكم بالعدل ولا تشطط. فإن ذلك أقطع للشغب. وأحسم للعدو. وأنجع في الدواء. وعف عن الفيء فليس بك حاجة إليه مع ما أخلفه لك، وافتتح بصلة الرحم وبر القرابة، وإياك والتبذير لأموال الرعية، واشحن الثغور واضبط الأطراف وأمن السبل، وسكن العامة وأدخل المرافق عليهم، وادفع المكاره عنهم، وأعد الأموال واخزنها، وإياك والتبذير فإن النوائب غير مأمونة - وهي من شيم الزمان، وأعد الكراع والرجال والجند ما استطعت، وإياك وتاخير عمل اليوم إلى غد فتتدارك عليك الأمور وتضيع، خذ في إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولاً أولاً وشمر فيها، واعدد رجالاً بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالاً بالنهار لمعرفة ما يكون في الليل، وباشر الأمور بنفسك ولا تضجر ولا تكسل، واستعمل حسن الظن وأسيء بعمالك وكتابك، وخذ نفسك بالتيقظ، وتفقد من أقمته على بابك، وستهل إذنك للناس وانظر في أمر النزاع إليك، ووكل بهم عيناً غير نائمة ونفساً غير لاهية، ولا تنم فإن أباك لم ينم مذ ولي الخلافة، ولا دخل عليه الغمض إلا وقلبه مستيقظ هذه وصيتي إليك، والله خليفتي عليك، ثم ودعه وبكيا.\rثم سار المنصور إلى الكوفة وجمع بين الحج والعمرة، وساق الهدي وأشعره وقلده لأيام خلت من ذى القعدة، فلما سار منازل من الكوفة عرض له وجعه الذي مات به - وهو القيام، ولما اشتد به جعل يقول للربيع: بادر بي حرم ربي هارباً من ذنوبي، وكان الربيع عديله، ووصاه بما أراد، ولما وصل بئر ميمون مات بها في التاريخ الذي قدمناه، ولم يحضر عند موته أحد إلا خدمه والربيع مولاه، فكتم الربيع موته ومنع من البكاء عليه، ثم أصبح فحضر أهل بيته على عادتهم، فأذن الربيع لعمه عيسى فمكث ساعة، ثم أذن لابنه موسى، ثم أذن للأكابر وذوي الأسنان منهم ثم لعامتهم، فبايعهم الربيع للمهدي ولعيسى بن موسى من بعده، ثم بايع القواد وعامة الناس، وسار العباس بن محمد، ومحمد بن سليمان إلى مكة ليبايعا الناس، فبايعوا بين الركن والمقام.","part":6,"page":167},{"id":2668,"text":"وجهزوا المنصور ففرغوا منه العصر، وكفن وغطى وجهه وبدنه وجعل رأسه مكشوفاً لأجل إحرامه، وصلى عليه عيسى بن موسى، وقيل إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس، ودفن في مقبرة المعلاة، وحفر له مائة قبر ليغموه على الناس، ودفن في غيرها، ونزل في قبره عيسى بن علي، وعيسى بن محمد، والعباس بن محمد والربيع والريان مولياه ويقطين، وكان عمره ثلاثاً وستين سنة، وقيل أربعاً وستين سنة، وقيل ثمانياً وستين. وكانت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة إلا سبعة أيام. وكان أسمر نحيفاً خفيف العارضين. أولاده: محمد المهدي وجعفر الأكبر أمهما أروى بنت منصور أخت يزيد بن منصور الحميري، وكانت تكنى أم موسى، ومات جعفر قبل المنصور، ومنهم سليمان وعيسى ويعقوب أمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد الله، وجعفر الأصغر أمه أم ولد كردية، وصالح المسكين وأمه أم ولد رومية، والقاسم مات قبل المنصور وله عشر سنين أمه أم ولد تعرف بأم القاسم والعالية أمها امرأة من بني أمية - هذا ما نقله ابن الأثير، قال غيره وعبد العزيز والعباس. وزراؤه: أبو عطية الباهلي ثم أبو أيوب المورياني ثم الربيع مولاه، ووزر له: خالد بن برمك مدة يسيرة. قضاته: عبد الله بن محمد بن صفوان، وشريك بن عبد الله، والحسن بن عمار، والحجاج بن أرطاة، وقيل إن يحيى بن سعيد وأبا عثمان التميمي قضيا في أيامه. حجابه: الربيع مولاه قبل أن يستوزره، ثم عيسى مولاه، ثم أبو الخصيب مولاه.\rالأمراء بمصر: صالح بن علي واستخلف أبا عون عبد الملك بن يزيد، ثم نقل المنصور صالحاً إلى الجزيرة، وأمر على مصر موسى بن كعب ثم صرفه، وولى محمد بن الأشعث الخزاعي ثم عزله، وولى حميد بن قحطبة، ثم يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، وولى عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج فتوفي، فأمر عليها أخاه محمد بن عبد الرحمن فتوفي فوليها موسى بن علي بن رباح. القضاة بها: في أيام المنصور غوث بن سليمان، ثم سار مع صالح بن علي فولى أبو خالد يزيد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن بلال، ثم عاد غوث إليها، ثم صرفه يزيد بن حاتم وولى أبا خزيمة إبراهيم بن يزيد الرعيني، ثم وليها أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة بن عقبة بن فرعان الحضرمي من قبل المنصور، وهو أول قاض خرج لنظر هلال شهر رمضان.\rمن سيرة المنصور\rقال سلام الأبرش: كنت أخدم المنصور وكان من أحسن الناس خلقاً ما لم يخرج إلى الناس، وأشد احتمالاً لما يكون من عبث الصبيان، فإذا لبس ثوبه أربد لونه واحمرت عيناه. قال: وقال لي يوماً: إذا رأيتني لبست ثيابي أو رجعت من مجلسي فلا يدنون مني أحد، قال: ولم ير في داره لهو ولا شيء يشبه اللهو والعبث إلا مرة واحدة، رأى بعض أولاده قد ركب راحلة - وهو صبي، وتنكب قوساً في هيئة غلام أعرابي، بين جوالقين فيهما مقل وأراك وما يهديه الأعراب، فعجب الناس من ذلك وأنكروه، وعلموا أنه ضرب من عبث الملوك، قال حماد التركي: كنت واقفاً على رأس المنصور فسمع جلبة، فقال: انظر ما هذا؟ فذهبت فإذا خادم له قد جلس وحوله الجواري، وهو يضرب لهن بالطنبور وهن يضحكن فأخبرته، فقال وأي شيء الطنبور!! فوصفته له، فقال: ما يدريك أنت ما الطنبور!! فقلت رأيته بخراسان، فقام المنصور إليهن فلما رأينه تفرقن، فأمر بالخادم فضرب رأسه بالطنبور حتى تكسر الطنبور، وباع الخادم.\rقال بعض المؤرخين كان المنصور يخضب بالسواد، وقيل: كان يغير لون شيبه في كل شهر بألف مثقال مسك. قال: وأمر بتوسعة المسجد الحرام من ناحية باب الندوة سنة تسع وثلاثين ومائة، وبنى مسجد الخيف. وفي أيامه فتحت المولتان والقندهار من أرض السند، وهدم البد وبنى مكانه مسجد.\rوفي أيامه مات أبو حنيفة النعمان بن ثابت في سنة خمس وأربعين ومائة ومات جعفر بن محمد الصادق في سنة ثمان وأربعين ومائة. وقد قدمنا من أخبار أبي جعفر المنصور، ومن الوقائع التي اتفقت في أيامه وما أنشأه من المدن والعمائر ما فيه الكفاية، ولا يورد في التواريخ المختصرة أكثر من هذا فلنذكر أخبار من قام بالأمر بعده والله الموفق.\rخلافة المهدي","part":6,"page":168},{"id":2669,"text":"هو أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر عبد المنصور، وأمه أروى أم موسى بنت منصور بن عبد الله بن يزيد بن شمر الحميري، وهو الثالث من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم السبت لست خلون من ذى الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة على ما قدمناه، وقيل إنه لما مات المنصور خرج الربيع وبيده قرطاس، ففتحه وقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف من بني هاشم وشيعته من أهل خراسان وعامة المسلمين ثم بكى وبكى الناس. ثم قال قد أمكنكم البكاء فانصتوا رحمكم الله ثم قرأ: أما بعد فإني كتبت كتابي وأنا حي، في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، وأقريء عليكم السلام، وأسأل الله ألا يفتنكم من بعدي ولا يلبسكم شيعاً، ولا يذيق بضعكم بأس بعض، ثم أخذ في وصيتهم وإذكارهم البيعة له، وحثهم على الوفاء بعهده. ثم تناول يد الحسن ابن زيد العلوي فقال له: قم فبايع الناس، فقام إلى موسى بن المهدي فبايعه لأبيه، ثم بايع الناس الأول فالأول.\rودخلت سنة تسع وخمسين ومائة.\rظهور المقنع\rبخراسان وهلاكه في هذه السنة ظهر المقنع بخراسان، وكان رجلاً أعور قصيراً من أهل مرو، وكان يسمى حكيماً، وكان اتخذ وجهاً من ذهب، وجعله على وجهه لئلا يرى فسمي المقنع، وادعى الإلهية ولم يظهر ذلك لجميع أصحابه، وكان يقول: إن الله خلق آدم فتحول في صورته، ثم في صورة نوح وهكذا إلى أبي مسلم الخراساني، ثم تحول إلى هاشم، وهاشم في دعواه هو المقنع، ويقول بالتناسخ، فبايعه خلق من ضلال الناس، وكانوا يسجدون له من أي النواحي كانوا، وكانوا يقولون في الحرب: يا هاشم أعنا، واجتمع إليه خلق كثير، وتحصنوا في قلعة سام بزده، وظهرت المبيضة ببخارى والصغد معاونين له، وأعانه كفار الأتراك وأغاروا على أموال المسلمين، واجتمعوا بكش وغلبوا على بعض قصورها فحاربهم أبو النعمان والجنيد وليث بن نصر مرة بعد مرة، ثم اشتغلوا بقتال المبيضة فقاتلوهم أربعة أشهر، وهزموهم فلحق منهزموهم بالمقنع، ثم سير المهدي أبا عون لمحاربة المقنع، فلم يبالغ في قتاله فعزله واستعمل معاذ بن مسلم، فسار معاذ في سنة إحدى وستين ومائة في جماعة من القواد والعساكر، فالتقوا واقتتلوا فهزموا أصحاب المقنع، فقصد المنهزمون المقنع وهو بسام، فأصلح خندقها وحصنها، وأقبل معاذ فحاربهم وكان سعيد الحرشي مع معاذ فنافره، فكتب الحرشي إلى المهدي في معاذ وضمن له أنه إن أفرده بحرب المقنع كفاه، فأجابه إلى ذلك وانفرد الحرشي بحربه، وأمده معاذ بابنه رجاء في جيش وبجميع ما التمس منه، وطال الحصار على المقنع فطلب أصحابه الأمان سراً منه، فأجابهم الحرشي فخرج إليه منهم نحو من ثلاثين ألفاً، وبقي المقنع في ألفين وضايقه العسكر، فلما أيقن بالهلاك جمع نساءه وأهله فسقاهم السم فأتى عليهم وأمر أن يحرق هو بالنار لئلا يقدر على جثته، وقيل بل حرق كل ما قلعته من حيوان وغيره، ثم قال: من أحب أن يرتفع معي في السماء فليلق نفسه معي في هذه النار، وألقى نفسه مع نسائه وأهله وخواصه فاحترقوا، ودخل العسكر القلعة فوجدوها خاوية خالية، وكان ذلك مما زاد في افتتان من بقي من أصحابه، وقيل بل شرب هو من السم فمات وأنفذ الحرشي رأسه إلى المهدي، فوصل إليه وهو بحلب في سنة ثلاث وستين ومائة.\rنعود إلى بقية حوادث سنة تسع وخمسين. وفيها توفي حميد بن قحطبة عامل خراسان واستعمل المهدي أبا عون عبد الملك. وحج بالناس يزيد بن منصور خال المهدي عند قدومه من اليمن.\rودخلت سنة ستين ومائة.\rفي هذه السنة: خرج يوسف بن إبراهيم المعروف بالبرم بخراسان منكراً سيرة المهدي، واجتمع معه بشر كثير، وتوجه إليه يزيد بن مزيد الشيباني وهو ابن أخي معن بن زائدة، فاقتتلا حتى صارا إلى المعانقة فأسره يزيد، وبعث به إلى المهدي وبعث معه بوجوه أصحابه، فقطعت يدا يوسف ورجلاه، وقتل هو وأصحابه وصلبوا على الجسر، وقيل إنه كان حرورياً وأنه تغلب على بوشنج - وعليها مصعب بن زريق فهرب منه، وتغلب أيضاً على مرو الروذ والطالقان والجوزجان.\rخلع عيسى\rبن موسى وبيعة موسى الهادي","part":6,"page":169},{"id":2670,"text":"قال: كان جماعة من بني هاشم وشيعة المهدي خاضوا في خلع عيسى من ولاية العهد، والبيعة لموسى الهادي بن المهدي فسر المهدي بذلك، وكتب إلى عيسى في القدوم عليه وهو بقريته الرحبة من أعمال الكوفة، فأحس بما يراد منه فامتنع من القدوم عليه، فألح المهدي عليه حتى بعث إليه يقول: إنك إن لم تجبني إلى أن تنخلع من ولاية العهد لموسى وهارون استحللت منك بمعصيتك ما يستحل من أهل المعاصي، وإن أجبتني عوضتك منها بما هو أجدى عليك وأعجل نفعاً، فلم يقدم عليه وخيف انتقاضه، فوجه إليه المهدي عمه العباس يستدعيه فلم يجب فلما عاد العباس وجه المهدي أبا هريرة محمد بن فروخ القائد، في ألف من شيعة المهدي فأشخصوه إليه، فلما قدم عيسى نزل دار محمد بن سليمان، وأقام أياماً يختلف إلى المهدي، وهو لا يكلمه بشيء ولا يرى مكروهاً، فحضر الدار يوماً قبل جلوس المهدي فجلس في مقصورة الربيع، وقد اجتمع رؤساء شيعة المهدي على خلعه، فثاروا به وضربوا باب المقصورة بالعمد حتى هشموه، وشتموا عيسى أقبح شتم، وأظهر المهدي إنكاراً لما فعلوه فلم يرجعوا، فبقوا في ذلك أياماً وكان أشدهم عليه محمد بن سليمان، وكاشفه المهدي وألح عليه، فذكر أن عليه أيماناً في أهله وماله، فأفتاه الفقهاء بما رأوا أنه لا يحنث فأجاب إلى خلع نفسه، فأعطاه المهدي عشرة آلاف ألف درهم وضياعاً بالزاب وكسكر، وخلع نفسه لأربع بقين من المحرم وبايع للمهدي ولابنه موسى الهادي، ثم جلس المهدي من الغد وأحضر أهل بيته وأخذ بيعتهم، ثم خرج المهدي إلى الجامع وعيسى معه فخطب الناس، وأعلمهم بخلع عيسى وبيعة الهادي، وبايعهم فسارعوا إلى بيعته، فقال بعض الشعراء:\rكره الموت أبو موسى وقد ... كان في الموت نجاء وكرم\rخلع الملك وأضحى ملبساً ... ثوب لوم ما ترى منه القدم\rوحج المهدي في هذه السنة بالناس، واستخلف على بغداد ابنه موسى وخاله يزيد بن منصور، وفيها نزع المهدي كسوة الكعبة وكساها كسوة جديدة، وكان سبب نزعها أن حجبة الكعبة ذكروا له أنهم يخافون على الكعبة أن تتهدم، لكثرة ما عليها من الكسوة فنزعها، وكانت كسوة هشام بن عبد الملك من الديباج الثخين، وما قبلها من عمل اليمن، قال: وطلى جدرانها بالمسك والعنبر، وكانت الكعبة في جانب المسجد لم تكن متوسطة، فهدم حيطان المسجد وزاد فيه زيادات، واشترى الدور والمنازل حتى صارت الكعبة في الوسط على ما هي عليه الآن، وحمل من مصر إلى المسجد الحرام أربعمائة وثمانين أسطوانة، وصير فيه أربعمائة طاق وثمانية وتسعين طاقاً، وجعل له ثلاثاً وعشرين باباً، وجعل سلاسل قناديله ذهباً، وجعل ذرعه مكسراً مائة ألف وعشرين ألف ذراع، وقسم مالاً عظيماً كان معه من العراق، مبلغه ثلاثون ألف ألف درهم، ووصل إليه من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف درهم، ففرق ذلك كله وفرق مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، ووسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألبس خارج القبر المقدس الرخام، وأخذ خمسمائة من الأنصار يكونون حرساً له بالعراق، وأقطعهم بالعراق وأجرى عليهم الأرزاق. وحمل إليه محمد بن سليمان الثلج إلى مكة، وهو أول خليفة حمل إليه الثلج إلى مكة.\rودخلت سنة إحدى وستين ومائة.\rفي هذه السنة: أمر المهدي ببناء القصور بطريق مكة، وأمر باتخذ المصانع في كل منهل، وبتجديد الأموال والبرك وحفر الركايا، وولى ذلك يقطين بن موسى، وأمر بالزيادة في مسجد البصرة، وأمر بتقصير المنابر في البلاد، وجعلها بمقدار منبر النبي صلى الله عليه وسلم. وحج بالناس في هذه السنة موسى الهادي ولي العهد.\rودخلت سنة اثنتين وستين ومائة.\rقتل عبد السلام الخارجي\rفي هذه السنة: قتل عبد السلام بن هاشم اليشكري بقنسرين، وكان قد خرج بالجزيرة فاشتدت شوكته وكثر أتباعه، فلقيه عدة من قواد المهدي فيهم عيسى بن موسى القائد، فقتله في عدة ممن معه وهزم جماعة من القواد - وفيهم شبيب بن واج المروروذي، فندب المهدي إلى شبيب ألف فارس، وأعطى كل رجل منهم ألف درهم معونة، فوافوا شبيباً فخرج بهم في طلب عبد السلام، فهرب عبد السلام منه فأدركه بقنسرين فقاتله بها فقتله.\rوفيها وضع المهدي ديوان الأزمة، وولى عليها عمر بن بزيع مولاه. وأجرى المهدي على المجذمين وأهل السجون في جميع الآفاق الأرزاق.","part":6,"page":170},{"id":2671,"text":"ودخلت سنة ثلاث وستين ومائة.\rفي هذه السنة: تجهز المهدي لغزو الروم فجمع الأجناد من خراسان وغيرها، وسار على الموصل والجزيرة وعبر الفرات إلى حلب، وأرسل وهو بحلب فجمع الزنادقة بتلك البلاد فقتلهم وقطع كتبهم. وسار عنها مشيعاً لابنه هارون حتى جاز الدرب وبلغ جيحان، وسار هارون بالعساكر فنازل حصن سمالو فحصره ثمانية وثلاثين يوماً، ونصب عليه المجانيق ففتحه بالأمان وفتح فتوحاً كثيرة.\rوفيها ولى المهدي ابنه هارون المغرب كله وأذربيجان وأرمينية، وجعل كاتبه على الخراج ثابت بن موسى، وعلى رسائله يحيى بن خالد بن برمك. وحج بالناس في هذه السنة علي بن المهدي.\rودخلت سنة أربع وستين ومائة.\rفي هذه السنة سار المهدي ليحج فلما بلغ العقبة رأى قلة الماء وحم فرجع، وسير أخاه صالحاً ليحج بالناس، ولحق الناس عطش شديد حتى كادوا يهلكون.\rودخلت سنة خمس وستين ومائة.\rفي هذه السنة: سير المهدي ابنه الرشيد لغزو الروم في خمسة وتسعين ألفاً وتسعمائة وثلاثة وتسعين رجلاً ومعه الربيع، فوعك الرشيد في بلاد الروم، ولقيه عسكر نقيطا قومس القوامسة، فبارزه يزيد بن مزيد الشيباني فأثخنه يزيد، وانهزمت الروم وغلب المسلمون على معسكرهم، وساروا إلى الدمستق وهو صاحب المسالح، فحمل لهم مائة ألف دينار وثلاثة وتسعين ألفاً وأربعمائة وخمسين ديناراً، ومن الورق أحداً وعشرين ألف ألف درهم وأربعة عشر ألفاً وثمانمائة درهم، وسار الرشيد حتى بلغ خليج القسطنطينية، والروم يومئذ بيد أغسطه - امرأة إليون - لصغر ابنها، فجرى الصلح بينها وبين الرشيد على الفدية، وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في الطرق، وذلك لأنه دخل مدخلاً ضيقاً مخوفاً، فأجابته إلى ذلك، ومقدار الفدية سبعون ألف دينار في كل سنة، ورجع عنها، وكانت الفدية ثلاث سنين، وكان مقدار ما غنم المسلمون إلى أن اصطلحوا خمسة آلاف رأس وستمائة وثلاثة وأربعين رأساً، ومن الدواب الذلل بأدواتها عشرين ألف رأس، وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس، وقتل من الروم في الوقائع كلها أربعة وخمسون ألفاً، وقتل من الأسارى صبراً ألفان وتسعون أسيراً.\rوحج بالناس في هذه السنة صالح بن المنصور.\rودخلت سنة ست وستين ومائة.\rفي هذه السنة: أخذ المهدي البيعة لولده هارون بولاية العهد بعد أخيه موسى الهادي، ولقب الرشيد، وفيها سخط المهدي على وزيره يعقوب بن داود وقبض عليه.\rقال: وكان أول أمرهم أن داود بن طهمان وهو أبو يعقوب، وكان يكتب لنصر بن سيار - وهو وإخوته، فلما كان أيام يحيى بن زيد كان داود يعلمه ما يسمع من نصر، فلما طالب أبو مسلم الخراساني بدم يحيى بن زيد أتاه داود فأمنه أبو مسلم في نفسه، وأخذ ماله الذي كان قد استفاده أيام نصر، فلما مات داود خرج أولاده أهل أدب وعلم، ولم تكن لهم عند بني العباس منزلة، ولم يطمعوا في خدمتهم لحال أبيهم من كتابة نصر، وأظهروا مقالة الزيدية ودنوا من آل الحسين وطمعوا أن تكون لهم دولة، وكان داود يصحب إبراهيم بن عبد الله، وخرج معه في عدة من أصحابه، فلما قتل إبراهيم طلبهم المنصور، فأخذ يعقوب وعلياً فحبسهما، فلما ولي المهدي أطلقهما فيمن أطلق، فاتصل يعقوب بالمهدي بالسعاية بآل علي، ولم يزل يرتفع حتى استوزره، وكان المهدي يقول: وصف لي يعقوب في منامي فقيل لي استوزره فلما رأيته رأيت الخلقة التي وصفت لي فاتخذته وزيراً.\rفلما ولي الوزارة أرسل إلى الزيدية فجمعهم وولاهم أمور الخلافة في الشرق والغرب، ولذلك قال بشار:\rبنو أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود\rضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود\rفحسده موالي المهدي وسعوا به، وقالوا: إن الشرق والغرب في يد يعقوب وأصحابه، ولو كتب إليهم لوثبوا في يوم واحد وأخذوا الدنيا، فملأ ذلك قلب المهدي فقبض عليه، بعد القرب منه والاختصاص به والتمكن من دولته.\rوفيها أمر المهدي بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن، ولم يكن قبل ذلك. وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى.\rودخلت سنة سبع وستين ومائة.","part":6,"page":171},{"id":2672,"text":"في هذه السنة: توفي موسى بن عيسى بالكوفة، وفيها أمر المهدي بالزيادة في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلت فيهما دور كثيرة، وكان المتولي للبناء يقطين بن موسى، فبقي البناء إلى أن توفي المهدي.\rوحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس - وهو على المدينة، ثم توفي بعد فراغه من الحج بأيام وتولى مكانه إسحاق بن عيسى بن علي.\rوفيها أفسد العرب في بادية البصرة بين اليمامة والبحرين. وقطعوا الطريق وتركوا الصلاة وانتهكوا المحارم، فأرسل المهدي إليهم جيشاً فقاتلوهم، فكان الظفر للعرب وقتلوا عامة العسكر، فقويت وزاد شرهم.\rودخلت سنة ثمن وستين ومائة.\rفي هذه السنة: خرج بأرض الموصل خارجي اسمه ياسين من بني تميم، فخرج إليه عسكر الموصل فهزمهم، وغلب على أكثر ديار ربيعة والجزيرة، فوجه إليه المهدي أبا هريرة محمد بن فروخ وهرثمة بن أعين مولى بني ضبة فحارباه، فصبر لهما حتى قتل عدة من أصحابه وانهزم الباقون.\rوفيها في شهر رمضان نقض الروم الصلح، الذي كان بينهم وبين المسلمين قبل انقضاء مدة الهدنة بأربعة أشهر، فوجه علي بن سليمان وهو على الجزيرة وقنسرين يزيد بن البطال في خيل فغنموا وظفروا.\rوحج بالناس في هذه السنة علي بن المهدي.\rودخلت سنة تسع وستين ومائة.\rوفاة المهدي\rكانت وفاته في يوم الخميس لثمان بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة بماسبذان، وسبب خروجه إليها أنه كان عزم على خلع ابنه موسى الهادي من ولايه العهد، والبيعة للرشيد وتقديمه على الهادي، فبعث إليه في ذلك وهو بجرجان فلم يفعل، فاستقدمه فضرب الرسول وامتنع، فسار المهدي إليه، فلما بلغ ماسبذان قال لأصحابه: إني أريد النوم فلا توقظوني حتى أكون أنا الذي أنتبه، ونام ونام أصحابه فاستيقظوا ببكائه فأتوه مسرعين، وسألوه عن سبب بكائه فقال: وقف على الباب رجل فقال:\rكأني بهذا القصر قد باد أهله ... وأوحش منه ربعه ومنازله\rوصدر عميد القوم من بعد بهجة ... وملك إلى قبر عليه جنادله\rفلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تنادي عليه معولاتٍ حلائله\rفمات بعد ذلك بعشرة أيام. وقد اختلف في سبب موته، فقيل إنه كان يتصيد فطردت الكلاب ظبياً وتبعته، فدخل باب خربة ودخلت الكلاب خلفه، وتبعها فرس المهدي فدخلها، فدق الباب ظهره فمات من ساعته. وقيل: بل بعثت جارية من جواريه إلى ضرة لها بلبن فيه سم، فشرب منه فمات. وقيل: بل عمدت جاريته حسنة إلى كمثرى، فأهدته إلى طلة جاريته الأخرى، وجعلت السم في أبهى كمثراة فيه، فاجتاز بالمهدي فأخذ تلك الكمثراة المسمومة فأكلها، فلما وصلت إلى جوفه صاح ومات منها، فكانت الجارية تقول في بكائها عليه: أردت أن أنفرد بك فأوحشت نفسي منك، ومات في يومه وصلى عليه ابنه الرشيد، ومات وله من العمر ثمان وأربعون سنة وقيل ثلاث وأربعون، وكانت مدة خلافته عشر سنين وتسعة وأربعين يوماً، ودفن تحت جوزة كان يجلس تحتها.\rوكان أبيض طويلاً وقيل أسمر، حسن الوجه بعينه اليمنى نكتة بياض.\rمن سيرته وأخباره\rكان جواداً حازماً وصولاً يباشر الأمور بنفسه، وكان كثير الولاية والعزل لغير سبب، ورد على الناس الأموال التي أخذها أبوه. وكان إذا جلس للمظالم قال: أدخلوا علي القضاة، فلو لم يكن ردي للمظالم إلا للحياء منهم. وقال الحسن الوصيف: أصابتنا ريح شديدة أيام المهدي حتى ظننا أنها تسوقنا إلى المحشر، فخرجت أطلب المهدي فوجدته قد وضع خده بالأرض، وهو يقول: اللهم احفظ محمداً في أمته، اللهم لا تشمت بنا أعداءنا من الأمم، اللهم إن كنت أخذت هذا العالم بذنبي فهذه ناصيتي بين يديك، قال فما لبثنا إلا يسيراً حتى انكشفت الريح وانجلى ما كنا فيه.\rقال الربيع: رأيت المهدي يصلي في ليلة مقمرة، فقرأ قوله تعالى: \" فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم \" ، قال: فأتم صلاته والتفت إلي وقال: يا ربيع، موسى، فقلت في نفسي ما هو إلا موسى بن جعفر وكان محبوساً عندي فأحضرته، فقطع صلاته ثم قال: يا موسى إني قرأت هذه الآية، فخفت أن أكون قد قطعت رحمك، فوثق لي أنك لا تخرج فوثق له، وخلى المهدي سبيله.\rقال: وبنى المهدي العلمين في المسعى.","part":6,"page":172},{"id":2673,"text":"أولاده: موسى الهادي وهارون الرشيد وعلي وعبد الله ومنصور ويعقوب وإسحاق وإبراهيم والبانوقة وعلية وعباسة وسليمة. ووزراؤه: أبو عبيد الله معاوية بن عبيد الله الأشعري ثم يعقوب بن داود بن طهمان ثم نكبه على ما ذكرناه، واستوزر الفيض بن أبي صالح. قضاته: محمد بن عبد الله بن علاثة، وعافية بن يزيد وكانا يقضيان في مسجد الرصافة. حجابه: سلام الأبرش، وقيل إن الفضل بن الربيع حجبه. الأمراء بمصر: عيسى بن لقمان بن محمد بن حاطب الحميمي ثم صرفه وولى واضحاً مولى أبي جعفر المنصور ثم صرفه وولى أبا صالح يحيى بن داود الحرشي من أهل نيسابور ثم سالم بن سوادة التميمي ثم إبراهيم بن صالح ابن علي بن عبد الله عباس ثم موسى بن مصعب من أهل الموصل ثم الفضل بن صالح الهاشمي. القضاة بها: عبد الله بن لهيعة ثم إسماعيل بن اليسع الكندي الكوفي وهو أول حنفي ولي القضاء بها ثم غوث بن سليمان ثم توفي فولي القضاء المفضل بن فضالة. وكان نقش خاتم المهدي حسبي الله.\rقال بعض المؤرخين: والمهدي أول من مشي بين يديه بالسيوف المصلتة والقسي والنشاب والعمد، وأول من لعب بالصوالجة في الإسلام، وله من الآثار الحسنة في عمارة المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والاهتمام بذلك ما قدمنا ذكره.\rخلافة الهادي هو أبو محمد موسى بن أبي عبد الله محمد المهدي بن أبي جعفر عبد الله المنصور، وأمه الخيزران مولدة وهي بنت عطاء مولى أبيه وهي أم الخلفاء، وهو الرابع من الخلفاء العباسيين، بويع له في يوم وفاة أبيه - وهو يوم الخميس لثمان بقين من المحرم سنة تسع وستين ومائة، وهو إذ ذاك مقيم بجرجان يحارب أهل طبرستان، فبايع الرشيد للهادي وكتب إلى الآفاق بذلك ورد العسكر إلى بغداد، وسار نصير الوصيف إلى الهادي بجرجان بالخبر، فنادى بالرحيل وركب على البريد مجداً فبلغ بغداد في عشرين يوماً، ولما قدم استوزر الربيع فهلك الربيع في هذه السنة، واشتد طلب الهادي للزنادقة في هذه السنة فقتل منهم جماعة، منهم علي بن يقطين وقتل أيضاً يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان سبب قتله أنه أتي به إلى المهدي فأقر بالزندقة، فقال: أم والله، لولا أني جعلت على نفسي ألا أقتل هاشمياً لقتلتك، ثم قال للهادي: أقسمت عليك إن وليت هذا الأمر لتقتلنه، ثم حبسه، فلما مات المهدي قتله الهادي. وكان أيضاً قد عهد إليه بقتل ولد لداود بن علي بن عبد الله بن عباس وكان زنديقاً، فمات في حبس المهدي، قال ابن الأثير: ولما قتل يعقوب أدخل أولاده على الهادي، فأقرت ابنته فاطمة أنها حبلى من أبيها فخوفت فماتت من الفزع.\rظهور الحسين\rبن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب قال: وظهر في هذه السنة في جماعة من الطالبيين، وانتهبوا بيت المال، ثم قصد الحسين مكة فبعث إليه الهادي محمد بن سليمان بن علي، فأدركه بفخ على فرسخ من مكة، فالتقوا واقتتلوا فقتل الحسين، وحمل رأسه إلى الهادي على ما نذكره في أخبارهم إن شاء الله. وحج بالناس في هذه السنة سليمان بن منصور.\rودخلت سنة سبعين ومائة.","part":6,"page":173},{"id":2674,"text":"في هذه السنة عزم الهادي على خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر، فأجابه إلى ذلك يزيد بن مزيد الشيباني وعبد الله بن مالك وعلي بن عيسى وغيرهم، فخلعوا هارون وبايعوا لجعفر، ووضعوا الشيعة فتكلموا في ذلك وتنقصوا الرشيد في مجلس الجماعة، وقالوا: لا نرضى به، وكان يحيى بن خالد يتولى أمر الرشيد، فقيل للهادي: ليس عليك من أخيك خلاف إنما يحيى يفسده، وكان الرشيد قد اطمأن للخلع فمنعه يحيى منه، فطلب الهادي يحيى وتهدده بالقتل ورماه بالكفر، فلم يزل يلطف به حتى سكن غضبه، ثم قال له: يا أمير المؤمنين - إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر بعده كان ذلك أوكد للبيعة، قال: صدقت وسكت عنه، فعاد الذين كانوا بايعوه من القواد والشيعة فحملوه على معاودة الرشيد بالخلع، فأحضر يحيى فكتب إليه: إن عندي نصيحة، فأحضره فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت إن كان الأمر الذي لا تبلغه - ونسأل الله أن يقدمنا قبله - يعني موت الهادي - أتظن أن الناس يسلمون الخلافة لجعفر، وهو لم يبلغ الحلم؟ أو يرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم؟ قال: ما أظن ذلك، قال: يا أمير المؤمنين أفتأمن أن يسمو إليها أكابر أهلك مثل فلان وفلان، ويطمع فيها غيرهم؟ فتكون قد أخرجت الأمر عن ولد أبيك، والله - لو أن هذا الأمر لم يعقده المهدي له كان ينبغي أن تعقده أنت له، فكيف بأن تحله عنه وقد عقده المهدي!! ولكني أرى أن تقر الأمر على أخيك، فإذا بلغ جعفر خلع الرشيد نفسه وبايعه، فقبل قوله وأطلقه، ثم عاد أولئك القواد إلى الهادي وأعادوا القول، فضيق على الرشيد في ذلك، فقال له يحيى: استأذنه في الصيد، فإذا خرجت فأبعد ودافع الأيام، ففعل ذلك فأذن له فمضى إلى قصر مقاتل وأقام أربعين يوماً، فأنكر الهادي أمره وكتب إليه بالعود، فتعلل ثم اعتل الهادي ومات.\rوفاة الهادي\rكانت وفاته ليلة الجمعة للنصف من شهر ربيع الأول، وقيل لأربع عشرة ليلة خلت منه، وقيل بقيت منه سنة سبعين ومائة بعيساباذ، واختلف في سبب وفاته، فقيل كانت بقرحة في جوفه، وقيل مرض بحديثة الموصل وعاد مريضاً فمات، وقيل إن أمه أمرت جواريها بقتله فقتلنه، قال: وكان سبب ذلك أنه لما ولي الخلافة كانت تستبد بالأمور دونه، وتسلك به مسلك المهدي، حتى مضى من خلافته أربعة أشهر، والمواكب تغدو إلى بابها، فكلمته يوماً في أمر لم يجد إلى إجابتها سبيلاً، فقالت: لا بد منه فقد ضمنته لعبد الله بن مالك بن جعفر، فغضب الهادي وقال: والله لا قضيتها، فقالت: إذن والله لا أسألك حاجة أبداً، قال: لا أبالي والله وغضب، وقامت مغضبة، فقال مكانك، والله لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوداي وخاصتي لأضربن عنقه، ولأقبضن ماله، ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك؟؟؟! أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك!! إياك إياك، لا تفتحي بابك لمسلم ولا ذمي، فانصرفت وهي لا تعقل فلم تنطق عنده بعدها، ثم قال لأصحابه: أيما خير، أنا أم أنتم؟ وأمي أم أمهاتكم؟ قالوا: بل أنت وأمك خير، قال: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه، فيقولوا فعلت أم فلان وصنعت؟ قالوا: لا نحب ذلك، قال: فما بالكم تأتون أمي فتتحدثون بحديثها!! فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها، ثم بعث إلى أمه بأرز، وقال: قد استطبتها فكلي منها، فقيل لها: أمسكي حتى تنظري، فجاءوا بكلب وأطعموا منها فتساقط لحمه لوقته، فأرسل إليها كيف رأيت الأرز؟ قالت طيباً، قال: ما أكلت منها ولو أكلت منها لاسترحت منك، متى أفلح خليفة له أم؟! وقيل كان سبب أمرها بقتله أنه لما جد في خلع الرشيد خافت عليه، فوضعت جواريها عليه فقتلنه بالغم والجلوس على وجهه، حتى مات والله أعلم.\rولما مات كان له من العمر ست وعشرون سنة، واختلف فيه إلى ثلاث وعشرين سنة. وكانت مدة خلافته سنة وشهراً وأربعة وعشرين يوماً، وصلى عليه أخوه الرشيد، ودفن بعيساباذ الكبرى في بستانه، وفي ليلة وفاته مات خليفة، وهو الهادي، وولي خليفة، وهو الرشيد، وولد خليفة، وهو المأمون، وكان طويلاً جسيماً أبيض مشرباً بحمرة أفوه مقلص الشفة العليا، وكان المهدي قد وكل به خادماً يقول له: موسى اطبق، فيضم شفته، وكان شجاعاً بطلاً جواداً سخياً أديباً صعب المرام.","part":6,"page":174},{"id":2675,"text":"وكان له من الأولاد: عيسى وإسحاق وجعفر وعبد الله وموسى وإسحاق الأصغر. وذكر ابن الأثير في أولاده العباس وإسماعيل وسليمان ولم يذكر إسحاق الأصغر، وكان ابنه موسى ضريراً، وأم عيسى كانت عند المأمون، وأم العباس وكانت تلقب نونه، وكلهم أولاده أمهات.\rوكان نقش خاتمه: الله ربي. وزراؤه: الربيع بن يونس ثم عمر بن بزيع. حاجبه: الفضل بن الربيع قضاته: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بالجانب الغربي، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي بالجانب الشرقي. الأمير بمصر علي بن سليمان بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس. قاضيها أبو الطاهر عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم والله تعالى أعلم.\rخلافة هارون الرشيد هو أبو محمد هارون وقيل أبو جعفر بن أبي عبد الله محمد المهدي بن أبي جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وأمه الخيزران أم أخيه الهادي، وهو الخامس من الخلفاء العباسيين، بويع له بالخلافة يوم وفاة أخيه الهادي.\rقال: ولما مات الهادي كان يحيى بن خالد بن برمك محبوساً، وقد عزم الهادي على قتله، فجاء هرثمة بن أعين إلى الرشيد وأخرجه وأجلسه للخلافة، فأرسل الرشيد إلى يحيى وأخرجه من الحبس واستوزره، وقيل لما مات الهادي جاء يحيى بن خالد إلى الرشيد وهو نائم في فراشه، فقال له: قم يا أمير المؤمنين، فقال: كم تروعني إعجاباً منك بخلافتي! فكيف يكون حالي مع الهادي إن بلغه هذا؟! فأعلمه بموته وأعطاه خاتمه. وأنشئت الكتب بوفاة الهادي وخلافة الرشيد. قال: ولما مات الهادي هجم خزيمة بن خازم على جعفر بن الهادي، وأخذه من فراشه وقال له: لتخلعنها أو لأضربن عنقك، فأجاب إلى الخلع، وركب خزيمة من الغد وأظهر جعفراً للناس، فأشهدهم بالخلع وأحل الناس من بيعته، فحظى بها خزيمة عند الرشيد.\rوفيها أفرد الرشيد الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين، وجعلها حيزاً واحداً وسميت العواصم، وأمر بعمارة طرسوس على يد فرج الخادم التركي ونزلها الناس، وحج بالناس الرشيد وقسم بالحرمين عطاء كثيراً.\rودخلت سنة إحدى وسبعين ومائة.\rفي هذه السنة خرج الصحصح الخارجي بالجزيرة وهزم عسكرها، وسار إلى الموصل فقاتله عسكرها، فقتل منهم خلقاً كثيراً ورجع إلى الجزيرة، فغلب على ديار ربيعة، وعزل الرشيد أبا هريرة عن الجزيرة وأحضره إلى بغداد وقتله.\rوحج بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس.\rودخلت سنة اثنين وسبعين ومائة.\rكان في هذه السنة من الحوادث ببلاد الأندلس ما نذكره في أخبار بني أمية - ملوك الأندلس، وحج بالناس يعقوب بن المنصور.\rودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة.\rفي هذه السنة توفي محمد بن سليمان بن علي بالبصرة، فأرسل الرشيد من قبض تركته، فحمل منها ما يصلح للخلافة فكان جملة ما أخذ منها ستين ألف ألف. وفيها ماتت الخيزران أم الرشيد، فحمل الرشيد جنازتها ودفنها في مقابر قريش، ولما فرغ من جنازتها أخذ الخاتم من جعفر بن يحيى بن خالد وأعطاه للفضل بن الربيع. وحج الرشيد في هذه السنة بالناس وأحرم من بغداد.\rودخلت سنة أربع وسبعين ومائة.\rفي هذه السنة حج الرشيد فقسم أموالاً كثيرة في الناس. وفيها استقضى الرشيد يوسف بن أبي يوسف في حياة أبيه.\rودخلت سنة خمس وسبعين ومائة.\rفي هذه السنة عقد الرشيد لابنه محمد بن زبيدة بولاية العهد. ولقبه الأمين وعمره خمس سنين. وحج الرشيد في هذه السنة بالناس.\rودخلت سنة ست وسبعين ومائة.\rظهور يحيى\rبن عبد الله","part":6,"page":175},{"id":2676,"text":"في هذه السنة ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالديلم، واشتدت شوكته وكثرت جموعه وأتاه الناس من الأمصار، فأهم الرشيد أمره فندب الفضل بن يحيى في خمسين ألفاً، وولاه جرجان وطبرستان والري وغيرها وحمل معه الأموال. فكتب إلى يحيى بن عبد الله ولاطفه وبسط أمله وحذره. ونزل الفضل بالطالقان ووالى كتبه إلى يحيى، وكاتب صاحب الديلم وبذل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى، فأجاب يحيى إلى الصلح على أن يكتب الرشيد أمانه بخطه، ويشهد عليه فيه القضاة والفقهاء وجلة بني هاشم ومشايخهم. فأجاب الرشيد إلى ذلك وبعث له بالأمان وبعث بهدايا وتحف، فقدم يحيى مع الفضل إلى بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأمر له بمال كثير. ثم حبسه الرشيد فمات في الحبس.\rالفتنة بدمشق\rفي هذه السنة هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية، وكان رأس المضرية أبو الهيذام عامر بن عمارة بن خريم الناعم، وكان سبب الفتنة أن غلاماً للرشيد بسجستان قتل أخاً لأبي الهيذام، فخرج أخوه بالشام غضباً له، وجمع جمعاً عظيماً ورثاه فقال:\rسأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا ... فإن بها ما يدرك الطالب الوترا\rولسنا كمن ينعى أخاه بعبرة ... يعصرها من ماء مقلته عصرا\rوإنا أناس ما تفيض دموعنا ... على هالك منا وإن قصم الظهرا\rولكنني أشفي الفؤاد بغارة ... ألهب في قطرى كتائبها جمرا\rثم إن الرشيد احتال عليه بأخ له. وكتب إليه وأرغبه فشد عليه وكتفه. وأتى به الرشيد فمن عليه وأطلقه. وقيل في هياج هذه الفتنة غير هذا والله أعلم.\rوفيها خرج الفضل الخارجي بنواحي نصيبين. وأخذ من أهلها مالاً. وسار إلى دارا وآمد وأرزن فأخذ منهم مالاً. وفعل كذلك بخلاط ثم عاد إلى نصيبين. وأتى الموصل فخرج إليه عسكرها فهزمهم على الزاب. ثم عادوا لقتاله فقتل الفضل وأصحابه.\rودخلت سنة سبع وسبعين ومائة.\rالفتنة بالموصل\rفي هذه السنة خالف العطاف بن سفيان الأزدي على الرشيد. وكان من فرستم أهل الموصل. واجتمع عليه أربعة آلاف رجل وجبى الخراج. وكان عامل الرشيد على الموصل محمد بن العباس الهاشمي. وقيل عبد الملك بن صالح. والعطاف غالب على الأمر كله وهو يجبي الخراج. وأقام على ذلك سنتين، حتى خرج الرشيد إلى الموصل فهدم سورها بسببه.\rوفيها عزل الرشيد حمزة بن مالك عن خراسان. واستعمل عليها الفضل بن يحيى بن خالد - مضافاً إلى ما كان بيده من الأعمال وهو الري وسجستان وغيرهما. وحج بالناس في هذه السنة الرشيد.\rودخلت سنة ثمان وسبعين ومائة.\rالفتنة بمصر\rفي هذه السنة وثبت الحوفية بمصر بعاملهم إسحاق بن سليمان، وقاتلوه فأمده الرشيد بهرثمة بن أعين - وكان عامل فلسطين. فقاتلوا الحوفية - وهم قيس وقضاعة - فأذعنوا بالطاعة وأدوا ما عليهم للسلطان. فعزل الرشيد إسحاق واستعمل عليها هرثمة. ثم عزله واستعمل عليها عبد الملك بن صالح.\rخروج الوليد بن طريف\rفي هذه السنة خرج الوليد بن طريف التغلبي الخارجي بالجزيرة. ففتك بإبراهيم بن خازم بن خزيمة بنصيبين. ثم قويت شوكة الوليد. فرحل إلى أرمينية وحصر خلاط عشرين يوماً. ففدوا أنفسهم منه بثلاثين ألفاً. ثم سار إلى أذربيحان ثم إلى حلوان وأرض السواد. ثم عبر إلى غربي دجلة وقصد مدينة بلد - فافتدوا منه بمائة ألف. وعاث في أرض الجزيرة. فسير إليه الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة - وهو ابن أخي معن بن زائدة الشيباني. فقال الوليد:\rستعلم يا يزيد إذا التقينا ... بشط الزاب أي فتى يكون\rثم التقوا واقتتلوا قتالاً شديداً فقتل الوليد. فقال بعض الشعراء:\rوائل بعضهم يقتل بعضاً ... لا يفل الحديد إلا الحديد\rقال: ولما قتل الوليد صحبتهم أخته ليلى بنت طريف مستعدة عليها الدرع. فجعلت تحمل على الناس فعرفت. فقال يزيد: دعوها. وخرج إليها فضرب قطاة فرسها بالرمح. ثم قال: اغربي غرب الله عليك!! فقد فضحت العشيرة. فاستحيت وانصرفت. ورثته أخته ليلى بقصيدتها المشهورة التي تقول فيها:\rفيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف","part":6,"page":176},{"id":2677,"text":"فتى لا يريد الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف\rوفيها فوض الرشيد أمر دولته كلها إلى خالد بن يحيى البرمكي. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي.\rودخلت سنة تسع وسبعين ومائة.\rفي هذه السنة اعتمر الرشيد في شهر رمضان شكراً لله تعالى على قتل الوليد بن طريف، وعاد إلى المدينة فأقام بها إلى وقت الحج. وحج بالناس ومشى من مكة إلى عرفات. وشهد المشاعر كلها ماشياً. ورجع على طريق البصرة. وفيها مات الإمام مالك بن أنس الأصبحي رضي الله عنه ورحمه، وكانت وفاته بالمدينة وله تسعون سنة.\rودخلت سنة ثمانين ومائة.\rولاية علي بن عيسى\rخراسان - وخبر حمزة الخارجي في هذه السنة عزل الرشيد منصور بن يزيد عن خراسان. واستعمل عليها جعفر بن يحيى ثم عزله بعد عشرين يوماً. واستعمل عليها علي بن عيسى بن ماهان فوليها عشر سنين. وفي ولايته خرج حمزة بن أترك الخارجي، فجاء إلى بوشنج فخرج إليه عمرويه بن يزيد الأزدي. وكان على هراة في ستة آلاف، فقاتله فهزمه حمزة وقتل من أصحابه جماعة، ومات عمرويه في الزحام، فوجه إليه علي بن عيسى ابنه الحسين في عشرة آلاف، فلم يحارب حمزة فعزله وسير ابنه عيسى بن علي، فقاتل حمزة مرة بعد أخرى، وكان حمزة بنيسابور فانهزم حمزة وقتل أصحابه وبقي في أربعين رجلاً، فقصد قهستان فأرسل عيسى إلى القرى التي كان أهلها يعينون الخوارج، فأحرقها وقتل الخوارج حتى انتهى إلى زرنج، فقتل ثلاثين ألفاً ورجع، وخلف بزرنج عبد الله بن العباس. فجبى الأموال وسار بها فلقيه حمزة وقاتله، فصبر عبد الله وانهزم حمزة، وقتل كثير من أصحابه واختفى هو ومن سلم من أصحابه في الكروم. ثم سار في القرى يقتل ولا يبقي على أحد، وكان علي بن عيسى قد استعمل طاهر بن الحسين على بوشنج، فسار إليه حمزة واتنهى إلى مكتب فيه ثلاثون غلاماً فقتلهم وقتل معلمهم. وبلغ طاهر الخبر فأتى قرية فيها قعد الخوارج. وهم الذين لا يقاتلون ولا ديوان لهم. فقتلهم طاهر وأخذ أموالهم. فكتب العقد إلى حمزة بالكف فكف، ووادعهم وأمن الناس مدة. وكانت بينه وبين أصحاب علي بن عيسى حروب كثيرة.\rوحج بالناس في هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي.\rودخلت سنة إحدى وثمانين ومائة.\rفي هذه السنة غزا الرشيد أرض الروم فافتتح حصن الصفصاف. وغزا عبد الملك بن صالح الروم فبلغ أنقرة. وافتتح مطمورة. وفيها أحدث الرشيد في صدور الكتب الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. وحج بالناس الرشيد.\rودخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة.\rفي هذه السنة بايع الرشيد لابنه عبد الله المأمون بولاية العهد بعد الأمين، وولاه خراسان وما يتصل بها إلى همذان ولقبه المأمون، وسلمه إلى جعفر بن يحيى. وفيها غزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ دفسوس مدينة أصحاب الكهف. وحج بالناس هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى.\rودخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة.\rفي هذه السنة خرج الخزر من باب الأبواب، فأوقعوا بالمسلمين وأهل الذمة وسبوا أكثر من مائة ألف. وانتهكوا أمراً عظيماً لم يسمع مثله، وكان سبب ذلك أن ابنة خاقان ملك الخزر، كانت حملت في سنة اثنتين وثمانين ومائة إلى الفضل بن يحيى، فلما بلغت برذعة ماتت، فرجع من معها إلى أبيها وأخبروه أنها قتلت غيلة فجهز العساكر إلى بلاد الإسلام ففعلوا ذلك، وقيل في سبب خروجهم أن سعيد بن سلم قتل المنجم السلمي، فدخل ابنه الخزر واستجاشهم على سعيد، فخرجوا ودخلوا أرمينية من الثلمة فانهزم سعيد، وأقاموا نحو سبعين يوماً فوجه الرشيد خزيمة بن خازم ويزيد بن مزيد، فأصحلوا ما أفسد سعيد، وأخرجوا الخزر وسدوا الثلمة.\rوفيها خرج بنسا من خراسان أبو الخصيب وهيب بن عبد الله النسائي، فاستقدم الرشيد علي بن عيسى ثم رده من قبل المأمون، وأمره بحرب أبي الخصيب.","part":6,"page":177},{"id":2678,"text":"وفيها توفي موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ببغداد في حبس الرشيد، وكان سبب حبسه أن الرشيد اعتمر في شهر رمضان سنة تسع وسبعين ومائة، فلما عاد إلى مدينة دخل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الناس، فلما انتهى إلى القبر الشريف وقف، فقال: السلام عليك يا رسول الله يا ابن عم، قال ذلك افتخاراً على من حوله، فدنا موسى بن جعفر فقال: السلام عليك يا أبت. فتغير وجه الرشيد وقال: هذا الفخر يا أبا الحسن جدا، ثم أخذه معه إلى العراق فحبسه عند السندي بن شاهك حتى مات. وكان رجلاً صالحاً خيراً ديناً يقوم الليل كله، وهو الملقب بالكاظم - لقب بذلك لإحسانه لمن أساء إليه.\rوحج بالناس في هذه السنة العباس بن الهادي.\rودخلت سنة أربع وثمانين ومائة.\rفي هذه السنة طلب أبو الخصيب النسائي الأمان، فأمنه علي بن عيسى بن ماهان. وحج بالناس إبراهيم بن محمد بن عبد الله.\rودخلت سنة خمس وثمانين ومائة.\rفي هذه السنة قتل أهل طبرستان واليها مهرويه الرازي، فولى الرشيد عبد الله بن سعيد الحرشي.\rوفيها عاث حمزة الخارجي بباذغيس فقتل عيسى بن علي من أصحابه عشرة آلاف. وفيها غدر أبو الخصيب النسائي ثانياً. وغلب على أبيورد وطوس ونيسابور وحصر مرو. ثم انهزم عنها وعاد إلى سرخس وقوى أمره. وحج بالناس في هذه السنة منصور بن محمد بن عبد الله بن علي.\rودخلت سنة ست وثمانين ومائة.\rكتاب العهد\rفي هذه السنة حج الرشيد من الأنبار، فبدأ بالمدينة فأعطى فيها ثلاثة أعطية، أعطى هو عطاءً ومحمد الأمين عطاءً وعبد الله المأمون عطاءً، وسار إلى مكة فأعطى أهلها فبلغ ألف دينار وخمسين ديناراً، وكان الرشيد قد ولى الأمين العراق والشام وإلى آخر المغرب، وضم إلى المأمون من همذان إلى آخر المشرق، ثم بايع لابنه القاسم بولاية العهد بعد المأمون ولقبه المؤتمن، وضم إليه الجزيرة والثغور والعواصم، وكان في حجر عبد الله بن صالح، وجعل خلعه وإثباته إلى المأمون، فلما وصل الرشيد إلى مكة ومعه أولاده والقضاة والفقهاء والقواد كتب كتاباً، أشهد فيه على محمد الأمين، وأشهد من حضر بالوفاء للمأمون، وكتب كتاباً للمأمون أشهد فيه عليه بالوفاء للأمين، وعلق الكتابين في الكعبة، وجدد العهود عليهما في الكعبة، فقال الناس: قد ألقى بينهم شراً وحرباً، وخافوا عاقبة ذلك وكان ما خافوه.\rوفيها سار عيسى بن ماهان من مرو إلى نسا لحرب أبي الخصيب، فحاربه وقتله وسبى نساءه وذراريه واستقامت خراسان.\rودخلت سنة سبع وثمانين ومائة.\rإيقاع الرشيد بالبرامكة\rوقتل جعفر بن يحيى بن خالد","part":6,"page":178},{"id":2679,"text":"في هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة ونكبهم النكبة المشهورة، وقد اختلف في سبب ذلك، فقيل إن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي، وكان يحضرهما إذا جلس للشرب، فقال لجعفر أزوجكها ليحل لك النظر إليها ولا تقربها، فأجابه إلى ذلك، فبقيا على ذلك ما شاء الله، فمالت العباسة إلى جعفر، وراودته فأبى وخاف على نفسه، فلما أعيتها الحيلة في أمره علمت أن النساء أقرب إلى الخديعة، فبعثت إلى عتابة - وهي أم جعفر، وكانت عتابة ترسل إلى ابنها جعفر في كل ليلة جمعة جارية بكراً، فقالت العباسة لها: أرسليني إلى ابنك كأني جارية من جواريك، اللواتي ترسلين إليه فأبت أم جعفر، فقالت لها العباسة: إن لم تفعلي قلت للرشيد كلمتني في كيت وكيت، وإن فعلت ذلك واشتملت منه على ولد زاد في شرف ابنك، وما عسى أن يفعل أخي لو علم، فمالت أم جعفر إلى ذلك، ووعدت ابنها أنها ترسل إليه جارية من صفتها وحسنها. فطالبها بها مرة بعد أخرى وهي تمطله، حتى اشتاق إليها فأرسلتها إليه. فأدخلت عليه - وكان لا يثبت صورتها، لأنه كان إذا جلس عند الرشيد لا يرفع طرفه إليها، فلما دخلت عليه كان قد شرب نبيذاً، فاجتمع بها وقضى وطره، فقالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ وأية ابنة ملك أنت!! قالت: أنا مولاتك العباسة. فتألم لذلك وقال لأمه: بعتني والله رخيصاً، فاشتملت العباسة من ليلتها على حمل، فلما ولدته وكلت به غلاماً يقال له رياش وحاضنة اسمها برة، وبعثت بهم إلى مكة، وكان يحيى بن خالد ينظر على قصر الرشيد وحرمه وخدمه، ويغلق باب القصر بالليل وينصرف بالمفاتيح معه، فضيق على حرم الرشيد، فشكت زبيدة أم الأمين مرة إلى الرشيد، فقال له: يا أبت - وكان يدعوه بذلك - ما بال أم جعفر تشكوك؟ فقال: يا أمير المؤمنين - أمتهم أنا في حرمك وخدمك؟ قال: لا، قال: فلا تقبل قولها، وزاد يحيى في الحجر والتضييق، فدخلت زبيدة على الرشيد وقالت: ما يحمل يحيى على ما يفعل من منعه خدمي ووضعي في غير موضعه؟ فقال: إنه عندي غير متهم في حرمي، فقالت: لو كان كذلك لحفظ ابنه مما ارتكبه!! قال: وما ذلك؟ فأخبرته بخبر العباسة، فقال: وهل على هذا من دليل؟! قالت: وأي شيء أدل من الولد، قال: وأين هو؟ قالت: كان ها هنا فلما خافت ظهوره وجهت به إلى مكة، قال: ويعلم بهذا سواك!! قالت ما في قصرك جارية إلا وقد عرفت ما أخبرتك به، فسكت عنها وأظهر أنه يريد الحج، وأخذ معه جعفراً، فكتبت العباسة إلى الخادم والداية أن يخرجا بالصبي إلى نحو اليمن، فلما وصل الرشيد إلى مكة وكل من يثق به بالبحث عن ذلك، فلم يزل حت تحقق الأمر، فأضمر السوء للبرامكة.\rوقيل إن سبب نكبة البرامكة أن يقطين بن موسى كان من أكابر الشيعة، وممن كان مع إبراهيم الإمام، فقال يوماً للرشيد: حدثني مولاي إبراهيم الإمام أن الخامس من خلفاء بني العباس يغدر به كتابه، فإن لم يقتلهم قتلوه، فقال له الرشيد: الله - يحدثك الإمام بهذا!! قال: نعم.","part":6,"page":179},{"id":2680,"text":"وقيل كان سبب ذلك أن الرشيد دفع يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب إلى جعفر بن يحيى فحبسه، ثم استدعاه وسأله عن بعض أمره، فقال له: اتق الله في أمري، ولا تتعرض غداً أن يكون خصمك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما أحدثت حدثاً ولا آويت محدثاً، فرق له وقال: اذهب حيث شئت من بلاد الله. فقال: كيف أذهب ولا آمن أن أؤخذ؟ فوجه معه من أوصله إلى مأمنه، وبلغ الخبر الفضل بن الربيع فرفعه إلى الرشيد، فقال: ما أنت وهذا - فلعله عن أمري!! ثم أحضر جعفراً وسأله عن يحيى، فقال هو بحاله في الحبس، فقال بحياتي!! ففطن جعفر وقال: لا وحياتك، وقص عليه أمره، وقال: علمت أنه لا مكروه عنده، فقال: نعم ما فعلت، ما عدوت ما في نفسي، فلما قام عنه قال: قتلني الله إن لم أقتلك. وقيل إن الرشيد لما دفعه لجعفر بقي عنده ما شاء الله، وكان جعفر يرى سرور الرشيد بموت من يموت في حبسه من هؤلاء، فشرب جعفر عنده يوماً فقال: يا أمير المؤمنين إن يحيى قد مات، فسر بذلك وقال: الحمد الله الذي كفاني أمره ولم يؤثمني فيه. وانصرف جعفر فأخبر أباه يحيى بن خالد بما كان. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، إن تركناه تلفنا، وإن قتلناه فالنار لنا، ثم كتب يحيى إلى عيسى بن ماهان وإلى خراسان يعرفه ما جرى، وفزع إليه أن يكون عنده موسعاً عليه، إلى أن يقضي الله فيه قضاءه، ولم يكن يحيى يعلم ما كان بين علي بن عيسى وبين الفضل وجعفر من العداوة، فلما وصل الكتاب إلى علي ووصل إليه يحيى قال: هذا من حيل الفضل وجعفر علي، فأجاب يحيى بأنه فعل ما أراد، وأنفذ كتاب يحيى إلى الرشيد، فكتب إليه الرشيد يعرفه بحسن موقع ذلك عنده، وأمره بإنفاذ يحيى بن عبد الله إليه سراً، فلما وصل إليه أوقع بالبرامكة.\rهذا مما قيل في سبب نكبة البرامكة أما كيفية الإيقاع بهم وقتل جعفر فقيل، إن الرشيد لما قضى حجه أرسل السندي بن شاهك، وهو أحد قواده، وأمره أن يمضي إلى مدينة السلام والتوكل بالبرامكة وبدور كتابهم وأقاربهم، وأن يجعل ذلك سراً بحيث لا يعلم به أحد حتى وصل إلى بغداد، ففعل السندي ذلك، وكان الرشيد قد نزل بالأنبار بموضع يقال له العمر ومعه جعفر، فمضى جعفر إلى موضعه في سلخ المحرم، ودعا بأبي زكار الأعمى الطنبوري، ومدت الستارة وجلس جواريه خلفها يضربن ويغنين، وأبو زكار يغنيه:\rما يريد الناس منا ... ما ينام الناس عنا\rإنما همهم أن ... يكشفوا ما قد دفنا\rقال: واستدعى الرشيد من ساعته بياسر، غلام من غلمانه، وقيل بمسرور الخادم، فأرسله في جماعة من الجند إلى جعفر، ليضرب عنقه وليأتيه برأسه، فمضى حتى دخل على جعفر وعنده بختيشوع الطبيب، وأبو زكار يغنيه:\rفلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي\rوكل ذخيرة لا بد يوماً ... وأن بقيت تصير إلى نفاد","part":6,"page":180},{"id":2681,"text":"فقال له جعفر: قد سررتني بإقبالك إلي، وسؤتني بدخولك علي بغير إذن، فقال: الأمر أكبر من ذلك، إن أمير المؤمنين أمرني بكذا وكذا، فأقبل جعفر يقبل يديه ورجليه، ويقول: دعني أدخل وأوصي، فقال: لا سبيل إلى ذلك، ولكن أوص بما شئت، فأوصى بما أراد وأعتق مماليكه، ثم قال: إن لي عندك حقاً ولن تجد مكافأتي إلا في هذه الساعة، فارجع إلى أمير المؤمنين فأعلمه أنك قد نفذت كما أمرك به، فإن أصبح نادماً كانت حياتي على يديك، وكانت لك عندي نعمة، وإن أصبح على مثل مذهبه نفذ ما أمرك به، قال: ولا هذا، قال: فأسير معك إلى مضرب أمير المؤمنين بحيث أسمع كلامه ومراجعتك إياه، فإذا أبليت عذراً ولم يرض إلا بمصيرك إليه برأسي فعلت، قال: أما هذا فنعم، فسارا جميعاً إلى مضرب الرشيد، فلما أتاه الخادم وجده في فراشه، فلما أحس به قال: إيتني برأسه، فعاد إلى جعفر وأخبره، فقال الله الله، والله ما أمرك إلا وهو سكران، فدافع حتى أصبح أو راجعه ثانية، فعاد ليراجعه فقال له: يا ماص بظر أمه، إيتني برأسه، فرجع إلى جعفر وأخبره، فقال ومرة أخرى، فلما رجع إليه حذفه بعمود كان في يده، وقال: نفيت عن المهدي لئن لم تأتني برأسه لأقتلنك، فخرج إلى جعفر وضرب عنقه وأتاه برأسه، قال: من نقل أن الرسول إلى جعفر ياسر، إنه لما وضع الرأس بين يدي الرشيد أقبل عليه ملياً، ثم قال: يا ياسر جئني بفلان وفلان، فلما أتاه بهما قال لهما الرشيد: اضربا عنق ياسر، فإني لا أقدر أن أرى قاتل جعفر.\rوقيل: إنه وجد على قصر علي بن عيسى بن ماهان بخراسان في صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفر كتابة بقلم جليل:\rإن المساكين بني برمكٍ ... صبت عليهم غير الدهر\rإن لنا في أمرهم عبرة ... فليعتبر ساكن ذا القصر\rقال: وكان جعفر من أهل الفصاحة البارعة والفطنة التي لا تحد، إلا أنه كان فيه بخل بالنسبة إلى أبيه وأخيه، قال: ولما قتل جعفر أمر الرشيد بتوجيه من احتاط بيحيى وولده الفضل وجميع أسبابهم، وحبس الفضل في بعض منازل الرشيد، وحبس يحيى في منزله، وأخذ مالهم وما وجد لهم من ضياع ومتاع وغير ذلك، وأرسل من ليلته إلى سائر البلاد بالقبض على وكلائهم وأسبابهم وجميع أموالهم، وأصبح فأرسل جثة جعفر إلى بغداد وأمر بنصب رأسه وأن يقطع بدنه قطعتين، ينصب كل قطعة على جسر، ولم يعرض الرشيد لمحمد بن خالد بن برمك وولده، لأنه علم براءته مما دخل فيه أهله، وقيل كان يسعى بهم، ثم حبس الرشيد يحيى بن خالد وبنيه الفضل ومحمد، ولم يفرق بينهم وبين عدة من خدمهم، ولا ما يحتاجون إليه من جارية وغيرها، ولم تزل حالهم سهلة حتى قبض الرشيد على عبد الملك بن صالح، فعمهم سخطه فضيق عليهم.\rوكان مقتل جعفر في ليلة السبت مستهل صفر سنة سبع وثمانين ومائة، وكان عمره سبعاً وثلاثين سنة، وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة، ولما نكبوا قال الرقاشي: وقيل إن الشعر لأبي نواس:\rألآن استرحنا واستراحت مطينا ... وأمسك من يحدي ومن كان يحتدى\rفقل للمطايا قد أمنت من السرى ... وطي الفيافي فدفداً بعد فدفد\rوقل للمنايا قد ظفرت بجعفر ... ولم تظفري من بعده بمسود\rوقل للعطايا بعد فضل تعطلي ... وقل للرزايا كل يوم تجددي\rودونك سيفاً برمكياً مهندا ... أصيب بسيف هاشمي مهند\rوروى أبو الفرج الأصبهاني أن الرقاشي اجتاز بجعفر وهو مصلوب، فوقف يبكي أحر بكاء، ثم أنشأ يقول:\rأما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام\rلطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام\rفما أبصرت قبلك يا ابن يحيى ... حساماً فله السيف الحسام\rعلى اللذات والدنيا جميعاً ... ودولة آل برمك السلام\rفكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى الرشيد، فأمر بإحضاره فأحضر، وقال: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، كان إلي محسناً، فلما رأيته على الحال التي هو عليها حركني إحسانه، فما ملكت نفسي حتى قلت الذي قلت. قال: فكم كان يجري عليك؟ قال: ألف دينار، قال: فإنا قد أضعفناها لك.","part":6,"page":181},{"id":2682,"text":"وقال يحيى بن خالد لما نكبوا: الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وفينا لمن بعدنا عبرة.\rذكر شيء من أخبار جعفر وتمكنه من الرشيد وما آل أمرهم إليه قيل: كان جعفر قد بلغ من الرشيد ما لم يبلغه وزير من خليفة قبله، كان يجلس معه في حلة واحدة قد اتخذ لها جيبان، وبلغ عنده أن يحكم عليه فيما شاء من أمر ماله وولده، فمن ذلك ما حكاه إبراهيم بن المهدي أخو الرشيد قال: قال لي جعفر يا إبراهيم، إذا كان غداً فبكر لي، فلما كان من الغد مشيت إليه باكراً، فجلسنا نتحدث، فلما ارتفع النهار أحضر حجاماً فحجمنا، ثم قدم لنا الطعام فطعمنا، ثم خلع علينا ثياب المنادمة، وقال جعفر لحاجبه لا يدخل علينا إلا عبد الملك القهرمان، فنسي الحاجب فجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي، وكان رجل بني هاشم فصاحة وملاحة وعلماً وحلماً وجلالة قدر وفخامة ذكر وصيانة وديانة، فظن الحاجب أنه الذي أمره بدخوله فأدخله، فلما رآه جعفر تغير لونه، فعلم عبد الملك أنهم قد احتشموا، فأراد أن يرفع خجله وخجلهم بمشاركته لهم، فقال: اصنعوا بنا ما صنعتموه بأنفسكم، فجاء الخادم وطرح عليه ثياب المنادمة، وجلس يشرب فلما بلغ ثلاثاً قال: ليخفف عنا، فإنه شيء ما شربته قط، فتهلل وجه جعفر ثم قال له: هل من حاجة تبلغها مقدرتي وتحيط بها نعمتي فأقضيها لك، مكافأة لما صنعت؟ قال: إن أمير المؤمنين علي غاضب فتسأله الرضى عني، قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين، قال: وعلي أربعة آلاف دينار، قال: هي حاضرة من مال أمير المؤمنين، قال: وابني إبراهيم أريد أن أشد ظهره بصهر من أمير المؤمنين، قال: قد زوجه أمير المؤمنين ابنته عائشة، قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه، قال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر، قال إبراهيم بن المهدي: فانصرف عبد الملك، وأنا أعجب من إقدام جعفر على قضاء الحوائج من غير استئذان أمير المؤمنين، فلما كان من الغد وقفنا على باب أمير المؤمنين، ودخل جعفر فلم يلبث أن دعى بأبي يوسف القاضي ومحمد بن واسع وإبراهيم بن عبد الملك، فعقد له النكاح وحملت البدر إلى منزل عبد الملك، وكتب سجل إبراهيم على مصر، فأشار إلي فصرت إلى منزله، فقال لي: قلبك معلق بأمر عبد الملك، قلت: بلى، قال: دخلت على أمير المؤمنين فمثلت بين يديه، وابتدأت القصة من أولها إلى آخرها كما كانت، فجعل يقول أحسن والله، ثم قال: ما صنعت؟ فأخبرته بما سأل وبما أجبته، فجعل يقول في ذلك كله أحسنت أحسنت، وفي هذه الحكاية كفاية عما سواها.\rويقال إن علية بنت المهدي قالت للرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة: ما رأيت لك يا سيدي يوم سرور تام، منذ قتلت جعفراً، فلأي شيء قتلته!! فقال لها: يا أختاه لو علمت أن قميصي يعلم السبب لحرقته.\rوأما ما آل أمرهم إليه من الضرورة والفاة والاحتياج والذلة، فمن ذلك ما حكاه عبد الملك بن عبد الله بن عبدون الحضرمي الإشبيلي في كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدر قال: حدث محمد بن غسان أن صاحب صلاة الكوفة وقاضيها قال: دخلت على أمي في يوم أضحى فرأيت عندها عجوزاً في أطمار رثة، وإذا لها بيان ولسان، فقلت لأمي من هذه؟ قالت: خالتك عتابة أم جعفر بن يحيى، فسلمت عليها فسلمت علي، فقلت: أضارك الدهر إلى ما أرى؟؟!! قالت: نعم - يا بني إنما كنا في عوار ارتجعها الدهر منا، فقلت: حدثيني ببعض شأنك، قالت: خذه جملة، لقد مضى علي أضحى مثل هذا مذ ثلاث سنين وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن ابني عاق لي، وقد جئتكم اليوم أطلب جلدي شاة، أجعل أحدهما شعاراً والآخر دثاراً، قال: فغمني ذلك وأبكاني فوهبت لها دنانير كانت عندي. وهذه نهاية الاحتياج والضرورة والفاقة، فنسأل الله تعالى ألا يسلبنا نعمة أنعم بها علينا، ويجعل الموت قبل بلائه ومحنه.","part":6,"page":182},{"id":2683,"text":"وكتب يحيى بن خالد إلى الرشيد: لأمير المؤمنين وإمام المسلمين وخلف المهديين وخليفة رب العالمين، من عبد أسلمته ذنوبه وأوثقته عيوبه، وخذله شقيقه ورفضه صديقه، وزل به الزمان وأناخ عليه الحدثان، فصار إلى الضيق بعد السعة وعالج البؤس بعد الدعة، وافترش السخط بعد الرضا، واكتحل السهر وافتقد الهجوع، فساعته شهر وليلته دهر، قد عاين الموت وشارف الفوت، جزعا. يا أمير المؤمنين، حجب الله عني فقدك لما أصبت به من بعدك، لا لمصيبتي بالحال والمال فإن ذلك كان بك ولك، وكانت عارية في يدي منك، ولا بأس أن تسترد العواري، فأما المحنة في جعفر فبجرمه أخذته وبجريرته عاقبته، وما أخاف عليك زلة في أمره، ولا مجاورة به فوق ما يستحقه، فاذكر يا أمير المؤمنين خدمتي وارحم ضعفي وشيبتي ووهن قوتي، وهب لي رضى عني، فمن مثلي الزلل ومن مثلك الإقالة، ولست أعتذر ولكني أقر، وقد رجوت أن يظهر عند الرضى وضوح عذري، وصدق نيتي، وظاهر طاعتي، وفلج حجتي - ما يكفيني به أمير المؤمنين، ويرى الجلية فيه، ويبلغ المراد منه إن شاء الله، وكتب:\rقل للخليفة ذى الصنا ... يع والعطايا الفاشية\rوابن الخلائف من قري ... ش والملوك الهادية\rملك الملوك وخير من ... ساس الأمور الماضية\rإن البرامكة الذي ... ن رموا لديلك بداهيه\rعمتهم لك سخطة ... لم تبق منهم باقية\rفكأنهم مما بهم ... أعجاز نخل خاوية\rصفر الوجوه عليهم ... خلع المذلة بادية\rمستضعفون مطردو ... ن بكل أرض قاصية\rمن دون ما يلقون من ... عتب يشيب الناصية\rأضحوا وجل مناهم ... منك الرضا والعافية\rبعد الوزارة والإما ... رة والأمور العالية\rانظر إلى الشيخ الكبي ... ر فنفسه لك راجية\rأو ما سمعت مقالتي ... يا ابن الفروع الزاكية\rما زلت أرجو راحة ... فاليوم خاب رجائيه\rواليوم قد سلب الزما ... ن كرامتي وبهائيه\rألقى الزمان جرانه ... متشفياً بعنائيه\rورمى سواد مقاتلي ... فأصاب حين رمانيه\rيا من يود لي الردى ... يكفيك ويحك ما بيه\rيكفيك أني مستبا ... ح عشيرتي ونسائيه\rيكفيك ما أبصرت من ... ذلي وضيق مكانيه\rوذهاب مالي كله ... وفدى الخليفة ماليه\rإن كان لا يكفيك إل ... لا أن أذوق حماميه\rفلقد رأيت الموت من ... قبل الممات علانيه\rوفجعت أعظم فجعة ... وفنيت قبل فنائيه\rوهويت في قعر السجو ... ن على رفيع بنائيه\rانظر بعينك هل ترى ... إلا قصوراً خاليه\rوذخائر موروثة ... قسمن قبل مماتيه\rومصارعاً وفجائعاً ... ومصائباً متواليه\rونوادباً يندبنني ... تحت الدجى بكنائية\rأأبا علي البرمك ... ي فما أجيب الداعيه\rونداؤهن وقد سمع ... ت مقلقل أحشائيه\rأخليفة الله الرضا ... لا تشمتن أعدائيه\rواذكر مقاساتي الأمو ... ر وخدمتي وغَنائيه\rارحم جعلت لك الفدا ... كربي وشدة حاليه\rوارحم أخاك الفضل وال ... باقين من أولاديه\rأخليفة الرحمن إن ... نك لو رأيت بناتيه\rوبكاء فاطمة الصغي ... رة والمدامع جاريه\rومقالها بتوجع ... يا شقوتي وشقائيه\rمن لي وقد غضب الإما ... م على جميع رجاليه\rوعدمت طيب معيشتي ... وتغيرت حالاتيه\rيا نعمة الملك الرضا ... عودي علينا ثانيه","part":6,"page":183},{"id":2684,"text":"ويروى أن الرشيد لما قرأ الأبيات وقع تحت الشعر يقول:\rأجرى القضاء عليكم ... ما جئتموه علانيه\rمن ترك نصح إمامكم ... عند الأمور الباديه\rيا آل برمك إنما ... كنتم ملوكاً عاديه\rفكفرتم وعصيتم ... وجحدتم نعمائيه\rفسلبتموها هكذا ... وكذا ترد العاريه\rهذه عقوبة من عصا ... معبوده وعصانيه\rوكتب تحت الشعر \" وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون \" .\rقال: ولم يزل يحيى في الحبس حتى مات سنة تسعين ومائة في المحرم منها، وهو ابن سبعين سنة، وتوفي الفضل بن يحيى في المحرم سنة ثلاث وتسعين ومائة.\rنعود إلى بقية حوداث سنة سبع وثمانين ومائة من الهجرة.\rذكر القبض على عبد الملك بن صالح\rفي هذه السنة غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله، وكان سبب ذلك أنه كان له ولد اسمه عبد الرحمن وبه كان يكنى، فسعى به إلى الرشيد هو وقمامه كاتب أبيه، وقالا: إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها، فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع، ولم يزل عبد الملك في الحبس إلى أن مات الرشيد، فأخرجه الأمين واستعمله على الشام.\rغزو الروم\rفي هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم في شعبان، فصالحه الروم على ثلاثمائة وعشرين أسيراً من المسلمين، على أن يرحل عنهم فأجاب إلى ذلك ورحل عنهم، وكان يملك الروم يومئذ امرأة اسمها ريني، فخلعها الروم وملكوا عليهم نقفور، ويزعم الروم أنه من أولاد جفنة من غسان، وكان قبل أن يملك يلي الخراج، فلما استوثق الروم لنقفور كتب إلى الرشيد من نقفور - ملك الروم - إلى هارون - ملك العرب - أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أضعافها إليها، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من أموالها، وافتد نفسك بما يقع من المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك، فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب، حتى لم يقدر أحد أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرق جلساؤه، فدعا بداوة وكتب على ظهر الكتاب: من هارون - أمير المؤمنين - إلى نقفور كلب الروم، قد قرأ كتابك يابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام. ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة، ففتح وغنم وأحرق وخرب، فسأله نقفور المصالحة على خراج يحمله إليه في كل سنة، فأجابه إلى ذلك، فلما رجع الرشيد نقض نقفور العهد، وكان البرد قد اشتد فأمن رجعة الرشيد، فجاء الخبر بنقضه وقد بلغ الرشيد الرقة، فأشفق الناس من إعلام الرشيد، وخافوا عوده لشدة البرد، فاحتيل عليه بشاعر قيل هو أبو محمد عبد الله بن يوسف، وقيل هو الحجاج بن يوسف التيمي فقال أبياتاً منها:\rنقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور\rأبشر أمير المؤمنين فإنه ... فتح أتاك به الإله كبير\rفتح يزيد على الفتوح يؤمنا ... بالنصر فيه لواؤك المنصور\rفلما سمع الرشيد ذلك قال: أو فعل ذلك نقفور! ورجع إلى بلاد الروم في أشد زمان، حتى بلغ بلادهم فبلغ ما أراد، وقيل كان ذلك في سنة تسعين ومائة وفتح هرقلة - على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوفيها زلزت المصيصة فانهدم سورها، ونضب ماؤها ساعة من الليل. وحج بالناس عبد الله بن العباس بن محمد بن علي.\rودخلت سنة ثمان وثمانين ومائة.\rفي هذه السنة غزا إبراهيم بن جبريل الصائفة، فدخل أرض الروم من درب الصفصاف فخرج إليه نقفور ملك الروم، فأتاه من ورائه أمر صرفه عنه، فلقي جمعاً من المسلمين فجرح ثلاث جراحات وانهزم، وقتل من الروم أربعون ألفاً وسبعمائة. وحج الرشيد بالناس في هذه السنة.\rودخلت سنة تسع وثمانين ومائة.\rمسيره إلى الري","part":6,"page":184},{"id":2685,"text":"في هذه السنة سار الرشيد إلى الري، وسبب ذلك أن أهل خراسان تظلموا من علي بن عيسى بن ماهان، وشكوا سوء سيرته فيهم، وقيل للرشيد إنه قد أجمع على الخلاف، فسار إلى الري في جمادى الأولى ومعه ابناه المأمون والقاسم المؤتمن، وأحضر القضاة والشهود وأشهدهم أن جميع ما في عسكره من الأموال والخزائن والسلاح والكراع وغير ذلك للمأمون، وليس له فيه شيء، وأقام الرشيد بالري أربعة أشهر، حتى أتاه علي بن عيسى من خراسان فأهدى إليه الهدايا الكثيرة والأموال العظيمة، وأهدى لجميع من معه من أهل بيته وولده وكتابه وقواده من الطرف والجواهر وغير ذلك، فرأى الرشيد خلاف ما كان يظن فرده إلى خراسان، ورجع الرشيد إلى العراق في آخر هذه السنة.\rوفيها كان الفداء بين الروم والمسلمين، فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي به. وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله.\rودخلت سنة تسعين ومائة.\rفتح هرقلة\rفي هذه السنة فتح الرشيد هرقلة وخربها، وكان سبب مسيره إليها ما قدمناه في سنة سبع وثمانين من غدر نقفور، فكان فتحها في شوال وحصرها ثلاثين يوماً. قال: ودخل البلاد في مائة ألف وخمس وثلاثين ألفاً من المرتزقة، سوى الأتباع والمتطوعة ومن لا ديوان لهم، ووجه داود بن عيسى بن موسى في سبعين ألفاً، فسار في أرض الروم يخرب وينهب، وفتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن وديسه، وافتتح يزيد بن محلد الصفصاف وملوقية، واستعمل حميد بن معيوف على ساحل الشام ومصر، فبلغ قبرس فهدم وأحرق وسبى من أهلها سبعة عشر ألفاً، فلما قدم بهم الرافقة بيعوا بها، وبلغ فداء أسقف قبرس ألفي دينار، ثم سار الرشيد إلى طوانة فنزل بها، ثم رحل عنها وخلف عليها عقبة بن جعفر، وبعث نقفور بالخراج والجزية عن رأسه أربعة دنانير، وعن رأس ولده دينارين وعن بطارقته كذلك، وكتب نقفور إلى الرشيد في جارية من سبي هرقلة، كان خطبها لولده فبعثها إليه.\rوقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني عند ذكره ترجمة أشجع بن عمرو السلمي، وما امتدح به الرشيد لما فتح هرقلة، وسياقه أتم من هذا السياق وأكثر تبياناً، فأحببنا أن نشرحه ها هنا ليكون خبرها على توال واتساق، فقال: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال: كان من خبر غزاة الرشيد هرقلة أن الروم كانت ملكت امرأة، لأنه لم يكن في زمانها من أهل المملكة غيرها، وكانت تكتب إلى المهدي والهادي والرشيد - في أول خلافته - بالتعظيم والتبجيل، وتدر عليه الهدايا حتى بلغ ابنها. فحاز الملك دونها وعاث وأفسد وفاسد الرشيد، فخافت على ملك الروم أن يذهب وعلى بلادهم أن تعطب، لعلمها بالرشيد وخوفها من سطوته، فاحتالت على ابنها فسملت عينيه. فبطل من الملك وعاد الملك إليها، فاستكبر ذلك أهل المملكة وأبغضوها من أجله، فخرج عليها نقفور وكان كاتبها، فأعانوه وعضدوه وقام بأمر المملكة وضبط أمر الروم، فلما قوي أمره وتمكن من ملكه كتب إلى الرشيد: من نقفور ملك الروم إلى الرشيد ملك العرب، أما بعد، فإن هذه المرأة كانت وضعتك وأباك وأخاك موضع الملوك، ووضعت نفسها موضع السوقة، وإني واضعك بغير ذلك الموضع، وعامل على تطرق بلادك والهجوم على أمصارك، أو تؤدي إلي ما كانت المرأة تؤديه إليك والسلام.\rفلما ورد الكتاب على الرشيد كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هارون - أمير المؤمنين - إلى نقفور - كلب الروم - أما بعد فقد فهمت كتابك، وجوابك عندي ما تراه عياناً لا ما تسمعه. ثم شخص من شهره ذلك يؤم بلاد الروم، في جمع لم يسمع بمثله، فلما بلغ نقفور ذلك ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وشاور في أمره، وجد الرشيد فجعل يوغل في بلاد الروم، فيقتل ويسبي ويغنم ويعفي الآثار ويخرب الحصون، حتى صار إلى طرق متضايقة دون قسطنطينية، فلما بلغها وجدها وقد أمر نقفور بالشجر فقطع ورمى به في تلك الطرق وأشعلت فيه النيران، فكان الرشيد أول من لبس ثياب النفاطين فخاضها، ثم اتبعه الناس فبعث إليه نقفور بالهدايا، وخضع له أشد الخضوع وأدى له الجزية، عن رأسه فضلاً عن أصحابه، فرجع هارون - لما أطاعه ما أعطاه - إلى الرقة.","part":6,"page":185},{"id":2686,"text":"فلما رجع وأمن نقفور أن يغزى اغتر بالمهلة، ونقض ما كان بينه وبين الرشيد ورجع إلى حالته الأولى، فلم يجتريء يحيى بن خالد فضلاً عن غيره على إخبار الرشيد بغدر نقفور، وبذل هو وبنوه أموالاً للشعراء على أن يقولوا أشعاراً في إعلام الرشيد بذلك، فكلهم أشفق إلا شاعر من أهل جدة يكنى أبا محمد، وكان مجيداً قوي الشعر، فإنه أخذ من يحيى وبنيه مائة ألف درهم، ودخل إلى الرشيد فأنشده:\rنقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور\rأبشر أمير المؤمنين فإنه ... فتح أتاك به الإله كبير\rفتح يزيد على الفتوح يؤمنا ... بالنصر فيه لواؤك المنصور\rفلقد تباشرت الرعية أن أتى ... بالنقض منه وافد وبشير\rدرجت يمينك أن تعجل غزوة ... تشفي النفوس نكالها مذكور\rأعطاك جزيته وطأطأ خده ... حذر الصوارم والردى محذور\rفأجرته من وقعها وكأنها ... بأكفنا شعل الظلام تطير\rوصرفت من طول العساكر قافلاً ... عنه وجارك آمن مسرور\rنقفور إنك حين تغدر إن نأى ... عنك الإمام لجاهل مغرور\rألقاك حينك في زواخر بحره ... فطمت عليك من الإمام بحور\rإن الإمام على اقتسارك قادر ... قربت ديارك أم نأت بك دور\rليس الإمام وإن غفلنا غافلاً ... عما يسوس بحزمه ويدير\rملك تجرد للجهاد بنفسه ... فعدوه أبداً به مقهور\rيا من يريد رضى الإله بسعيه ... والله لا يخفى عليه ضمير\rلا نصح ينفع من يغش إمامه ... والنصح من نصحائه مشكور\rنصح الإمام على الأنام فريضة ... ولأهله كفارة وظهور\rقال: فلما أنشده قال الرشيد: أو قد فعل!! وعلم أن الوزراء قد احتالوا في ذلك، قال: فسار الرشيد قاصداً إليه، وجعل قبل وصوله إلى هرقلة يفتتح الحصون والمدن ويحرقها، حتى أناخ على هرقلة وهي على أوثق حصن وأعزه جانباً وأمنعه ركناً، فتحصن أهلها، وكان بابها على واد ولها خندق يطيف بها، قال: فحدثني شيخ من مشايخ المطوعة وملازمي الثغور، يقال له علي بن عبد الله قال حدثني جماعة من أهل الثغر:","part":6,"page":186},{"id":2687,"text":"أن الرشيد لما حصر أهل هرقلة وألح عليهم بالمجانيق والسهام والعرادات فتح الباب ذات يوم، فاستشرف المسلمون لذلك، فإذا رجل من أهلها كأكمل الرجال، قد خرج في أكمل السلاح فنادى: قد طال مواقفتكم إيانا فليبرز إلي منكم رجلان، ثم لم يزل حتى بلغ عشرين، فلم يجبه أحد، فدخل وأغلق الباب، وكان الرشيد نائماً فلم يعلم بخبره إلا بعد انصرافه، فغضب ولام خدمه وغلمانه على تركهم إنباهه، وتأسف لفوته، فقيل له إن الامتناع منه سيغريه ويطغيه، وأحرى به أن يخرج في غد فيطلب مثل ما طلب، فطالت على الرشيد ليلته وأصبح كالمنتظر له، فإذا بالباب قد فتح وخرج الرجل طالباً للبراز، وذلك في يوم شديد الحر، فجعل يدعو أنه يثبت لعشرين منهم، فقال الرشيد: من له؟ فابتدره جلة القواد كهرثمة ويزيد بن مزيد وعبد الله بن مالك وخزيمة بن خازم وأخيه عبد الله وداود بن يزيد وأخيه، فعزم على إخراج بعضهم، فضج المطوعة حتى سمع ضجيجهم، فأذن لعشرين منهم فقال قائلهم: يا أمير المؤمنين، قوادك مشهورون بالنجدة والبأس وعلو الصوت ومدارسة الحرب، ومتى خرج واحد منهم فقتل هذا العلج لم يكبر ذاك، وإن قتله العلج كان وصمة على العسكر قبيحة وثلمة لا تسد، ونحن عامة لم يرتفع لأحد منا صوت إلا كما يصلح للعامة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخلينا نختار رجلاً فنخرجه إليه، فإن ظفر علم أهل الحصن أن أمير المؤمنين ظفر بأعرفهم، على يد رجل من العامة من أفناء الناس، وإن قتل الرجل فإنما استشهد، ولم يؤثر ذهابه في العسكر ولم يثلمه رجل، وخرج إليه بعده مثله حتى يقضي الله ما شاء، فقال الرشيد: قد استصوبت رأيكم هذا، فاختاروا رجلاً يعرف بابن الجزري، وكان معروفاً في الثغر بالبأس والنجدة، فقال له الرشيد: أتخرج؟ قال نعم وأستعين بالله تعالى، فقال: أعطوه فرساً ورمحاً وسيفاً وترساً، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا بفرسي أوثق، ورمحي بيدي أشد، ولكني قد قبلت السيف والترس، فلبس سلاحه واستدناه الرشيد فودعه وأتبعه الدعاء، وخرج معه عشرون من المطوعة، فلما انقض في الوادي قال لهم العلج - وهو يعدهم واحداً واحداً - إنما كان الشرط عشرين، وقد زدتم رجلاً ولكن لا بأس، فنادوه ليس يخرج إليك إلا رجل واحد، فلما فصل منهم ابن الجزري تأمله الرومي، وقد أشرف أكثر الناس من الحصن يتأملون صاحبهم والقرن، فقال له الرومي: أتصدقني عما أستخبرك؟ قال: نعم، قال: أنت بالله ابن الجزري؟ قال: اللهم نعم، فكفر له ثم أخذا في شأنهما، فتطاعنا حتى طال الأمر بينهما وكاد الفرسان يقومان، وليس يخدش واحد منهما صاحبه، ثم تحاجزا بشيء فزج كل واحد منهما رمحه، وانتضى سيفه فتجالدا ملياً، واشتد عليهما الحر وتبلد الفرسان، وجعل ابن الجزري يضرب الضربة التي يرى أنه قد بلغ بها، فيتقيها الرومي وكان ترسه من حديد، ويضربه الرومي ضربة معذر، فلما يئس كل واحد منهما من الوصول إلى صاحبه انهزم ابن الجزري، فدخلت المسلمين كآبة لم يكتئبوا مثلها قط، وعطعط المشركون اختيالاً وتطاولاً، وإنما كانت هزيمته حيلة منه فاتبعه العلج، وتمكن ابن الجزري منه فرماه بوهق فوقع في عنقه فما أخطأه، وركض فاستلبه عن فرسه ثم عطف عليه، فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه، فكبر المسلمون أعلى تكبير، وانخزل المشركون وبادروا الباب يغلقونه، واتصل الخبر بالرشيد فصاح بالقواد: اجعلوا النار في المجانيق، ففعلوا وجعلوا الكتان والنفط على الحجارة، وأضرموا ناراً ورموا بها السور، فكانت النار تلصق به وتأخذه الحجارة، وقد تصدع فتهافت، فلما أحاطت بهم النيران فتحوا الباب مستأمنين، فقال الشاعر المكي الذي ينزل جدة:\rهوت هرقلة لما أن رأت عجباً ... حوائماً ترتمي بالنفط والنار\rكأن نيراناً في جيب قلعتهم ... مصبغات على أرسان قصار\rقال محمد بن يزيد: وأعظم الرشيد الجائزة للجدى الشاعر، وصب الأموال على ابن الجزري وقود، فلم يقبل التقويد وسأل أن يعفى، ويترك مكانه من الثغر فلم يزل به طول عمره. وحج بالناس عيسى بن موسى الهادي.\rودخلت سنة إحدى وتسعين ومائة.\rفي هذه السنة عزل الرشيد عن خراسان علي بن عيسى بن ماهان، واستعمل عليها هرثمة بن أعين. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن العباس بن محمد بن علي.\rودخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة.","part":6,"page":187},{"id":2688,"text":"في هذه السنة تحركت الخرمية بناحية أذربيجان، فوجه إليهم الرشيد عبد الله بن مالك في عشرة آلاف، فقتل وسبى وأسر، وحج بالناس العباس بن عبد الله بن جعفر.\rودخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة.\rوفاة الرشيد\rكانت وفاته ليلة السبت - الثالث من جمادى الآخرة - من هذه السنة، وكان قد توجه إلى خراسان في سنة اثنتين وتسعين ومائة، فمرض في الطريق بجرجان فسار إلى طوس، فمات بها وصلى عليه ابنه صالح ودفن بطوس. روى أبو الفرج الأصفهاني عن جحظة عن ميمون بن هارون قال: رأى الرشيد فيما يرى النائم كأن امرأة وقفت عليه، وأخذت كف التراب ثم قالت: هذه تربتك عن قليل، فأصبح فزعاً فقص رؤياه، فقال له أصحابه: وما في هذا!! قد يرى النائم أكثر من هذا وأغلظ ثم لا يضره فركب وقال: إني لا أرى الأمر قريباً، فبينا هو يسير إذ نظر إلى امرأة واقفة من وراء شباك حديد تنظر إليه، فقال: هذه والله التربة التي رأيتها، وهذه المرأة بعينها، ثم مات بعد مدة ودفن في ذلك الموضع بعينه، أشتري له ودفن فيه، وأتى نعيه بغداد فقال أشجع يرثيه:\rغربت بالمشرق الشم ... س فقلب للعين تدمع\rما رأينا قط شمساً ... غربت من حيث تطلع\rوكان عمره سبعاً وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، وخلافته ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشر يوماً، وكان جميلاً وسيماً أبيض جعداً قد وخطه الشيب.\rوكان له من الأولاد: محمد الأمين، وعبد الله المأمون، والقاسم المؤتمن، وأبو إسحاق المعتصم، وصالح، وأبو عيسى محمد، وأبو يعقوب محمد، وأبو العباس محمد، وأبو سليمان محمد، وأبو علي محمد، وأبو محمد - وهو اسمه، وأبو أحمد محمد، وكلهم لأمهات أولاد إلا الأمين. وله من البنات سكينة، وأم حبيب، وأروى، وأم الحسن، وأم محمد - وهي حمدونة، وفاطمة، وأم أبيها، وأم سلمة، وخديجة، وأم القاسم، ورملة، وأم جعفر، والغالية، وريطة، كلهن لأمهات أولاد، والواحدة من بناته تعد عشرة من الخلفاء كلهم لها محرم هارون أبوها، والهادي عمها، والمهدي جدها، والمنصور جد أبيها، والسفاح عم جدها، والأمين والمأمون والمعتصم إخوتها، والواثق والمتوكل ابنا أخيها.\rوكان نقش خاتمه: العظمة والقدرة لله، وقيل كن من الله على حذر. وزارؤه: يحيى بن خالد بن برمك ثم ابناه جعفر والفضل، ثم استوزر بعد البرامكة الفضل بن الربيع. قضاته: نوح بن دراج بالجانب الغربي، وحفص بن غياث بالشرقي. حاجبه: بشر مولاه، ثم محمد بن خالد بن برمك، ثم الفضل بن الربيع. الأمراء بمصر: علي بن سليمان الهاشمي، ثم موسى بن عيسى، ثم إبراهيم بن صالح ثم مات فوليها أحمد بن خالد الأعرج، ثم إسحاق بن سليمان بن علي الهاشمي، ثم هرثمة بن أعين ثم ولاه المغرب، وولى عبد الملك بن صالح بن علي الهاشمي ثم عبيد الله بن المهدي، ثم إسماعيل بن صالح بن علي الهاشمي، ثم الليث بن الفضل، ثم أحمد بن إسماعيل بن علي الهاشمي، ثم عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي الهاشمي ويعرف بابن زينب، ثم الحسين بن جميل الأزدي، ثم مالك بن دلهم، ثم الحسن بن البحباح القضاة بها: أبو طاهر عبد الملك، ثم المفضل بن فضالة، ثم محمد بن مسروق الكندي، ثم إسحاق بن الفرات، ثم عبد الرحمن بن عبد الله - من ولد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أول من دون الشهود.\rمن سيرته وأخباره\rقيل: كان الرشيد يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، لا يقطعها إلا في مرض، وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم، وكان إذا حج حج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة التامة والكسوة، وكان يحب الشعر والشعراء، ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء في الدين، وكان يحب المديح لا سيما من شاعر فصيح، ويجزل العطاء عليه، ولما مدحه مروان بن أبي حفصة بقصيدته التي منها:\rوسدت بهارون الثغور فأحكمت ... به من أمور المسلمين المرائر\rأعطاه خمسة آلاف دينار وعشرة من الرقيق الرومي وبرذوناً من خاص مراكبه.","part":6,"page":188},{"id":2689,"text":"وقيل: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره من جد وهزل، ووزراؤه البرامكة لم ير مثلهم في السخاء، وقاضيه أبو يوسف وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه عم أبيه العباس بن محمد، وحاجبه الفضل بن الربيع. إربة الناس، ومغنيه إبراهيم الموصليي، واحد عصره في صناعته، وضاربه زلزل، وزامره برصوماً، وزوجته أم جعفر بنت جعفر، أرغب الناس في خير، وأسرعهم إلى كل بر، وأمه الخيزران أم الخلفاء.\rقال: وبذل الرشيد الأمان للطالبيين، وأخرج الخمس لبني هاشم، وقسم للذكر والأنثى خمسمائة، وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار، وعمر طرسوس وجعل فيها جماعة من الموالي رحمه الله تعالى.\rخلافة الأمين هو أبو عبد الله وقيل أبو موسى وقيل أبو العباس - محمد بن هارون الرشيد، وأمه أمة الواحد وقيل أمة العزيز بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، ولقبت زبيدة، ولم يل الخلافة بعد علي والحسن من أمه هاشمية غيره، وهو السادس من الخلفاء العباسيين، بويع له بالخلافة بطوس في عسكر الرشيد، صبيحة الليلة التي توفي فيها الرشيد، لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وكان المأمون يومئذ بمرو، فكتب حمويه - مولى المهدي وهو صاحب البريد - إلى نائبه ببغداد، وهو أبو مسلم سلام، يعلمه بوفاة الرشيد، فدخل أبو مسلم على الأمين فعزاه بأبيه وهنأه بالخلافة، وكتب صالح بن الرشيد إلى أخيه الأمين بذلك مع رجاء الخادم، وأرسل معه الخاتم والقضيب والبردة، فلما وصل رجاء انتقل الأمين من قصره الخلد إلى قصر الخلافة، وصلى بالناس الجمعة، ثم صعد المنبر فنعى الرشيد وعزى نفسه والناس، ووعدهم الخير وأمن الأبيض والأسود، وفرق في الجند الذين ببغداد رزق أربعة وعشرين شهراً، ودعا إلى البيعة فبايعه جلة أهل بيته، ووكل عم أبيه وأمه سليمان بن المنصور بأخذ البيعة على القواد وغيرهم، وأمر السدي بمبايعة من عداهم، وقدمت العساكر التي كانت مع الرشيد، وقدمت زبيدة امرأة الرشيد أم الأمين من الرقة إلى بغداد، فتلقاها ابنها الأمين بالأنبار، ومعه جميع من ببغداد من الوجوه، وكان معها خزائن الرشيد.\rوفيها ابتدأت الوحشة بين الأمين والمأمون، وظهر الخلاف فيما بعدها وتفاقم الأمر، وسنذكر ذلك كله وأسبابه في آخر أيام الأمين، ليكون خبر ذلك متوالياً لا ينقطع بخروج سنة ودخول أخرى، فلنذكر من أخبار الأمين خلاف ذلك وفيها عزل الأمين أخاه القاسم المؤتمن عن الجزيرة، وأقره علي العواصم، واستعمل على الجزيرة خزيمة بن خازم.\rوحج بالناس في هذه السنة داود بن عيسى بن موسى بن محمد وهو أمير مكة.\rودخلت سنة أربع وتسعين ومائة.\rخلاف أهل حمص\rعلى الأمين في هذه السنة خالف أهل حمص على الأمين، فتحول عاملهم إسحاق بن سليمان إلى سلمية، فعزله الأمين واستعمل مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي، فقتل عدة من وجوههم وحبس عدة، وألقى النار في نواحيها، فسألوه الأمان فأجابهم، ثم هاجوا بعد ذلك فقتل عدة منهم.\rودخلت سنة خمس وتسعين ومائة.\rفي هذه السنة قطع الأمين خطبة المأمون، وأمر بإسقاط ما ضرب باسمه من الدنانير والدراهم بخراسان، وأمر فدعي لابنه موسى ولقبه الناطق بالحق، ولابنه الآخر عبد الله ولقبه القائم بالحق.\rخروج السفياني\rوما كان من أمره","part":6,"page":189},{"id":2690,"text":"في هذه السنة خرج السفياني - وهو علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية، وأمه نفيسة بنت عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، وكان يقول: أنا ابن شيخي صفين - يشير إلى علي ومعاوية، وكان يلقب بأبي العميطر، لأنه قال لأصحابه: أي شيء كنية الحرذون؟ قالوا: لا ندري، قال: هو أبو العميطر، فلقبوه به، ولما خرج دعا لنفسه بالخلافة في ذى الحجة، وقوي على سليمان بن المنصور عامل دمشق، وأخرجه عنها وأعانه الخطاب بن وجه الفلس مولى بني أمية، وكان قد تغلب على صيدا، فبعث الأمين إليه الحسن بن علي بن عيسى بن ماهان، فبلغ الرقة ولم يصل إلى دمشق، قال: وكان عمر السفياني لما خرج تسعين سنة، وكان الناس قد أخذوا عنه علماً كثيراً، وكان حسن السيرة، فلما خرج ظلم وأساء السيرة، فتركوا ما كانوا نقلوه عنه، وكان أكثر أصحابه من كلب، وكتب إلى محمد بن بيهس الكلابي يدعوه إلى طاعته، ويتهدده إن لم يفعل فلم يجبه إلى ذلك، فأقبل السفياني لقصد القيسية فكتبوا إلى محمد بن صالح، فأقبل إليهم في ثلاثمائة فارس ومواليه، فبعث إليه السفياني يزيد بن هشام في اثني عشر ألفاً، فالتقوا فانهزم يزيد ومن معه، وقتل منهم زيادة على ألفين، وأسر ثلاثة آلاف فأطلقهم ابن بيهس، وحلق رءوسهم ولحاهم، فضعف السفياني، ثم جمع جمعاً وجعل عليهم ابنه القاسم، وخرجوا إلى بيهس فالتقوا واقتتلوا فقتل القاسم وانهزم أصحاب السفياني، وبعث رأسه إلى الأمين، ثم جمع جمعاً آخر وبعثهم مع مولاه المعتمر، فلقيهم ابن بيهس فقتل المعتمر وانهزم أصحابه، فوهن أمر السفياني وطمعت فيه قيس، ثم مرض ابن بيهس، فاستخلف مسلمة بن يعقوب بن علي بن محمد بن سعيد بن مسلمة بن عبد الملك، وأمر بني نمير بمبايعته بالخلافة، وعاد ابن بيهس إلى حوران، واجتمعت نمير على مسلمة وبايعوه، فدخل على السفياني وقبض عليه وقيده، وقبض على رؤساء بني أمية فبايعوه، وأدنى القيسية وجعلهم خاصته، فلما عوفي محمد بن بيهس عاد إلى دمشق فحصرها، فسلمها إليه القيسية، وهرب مسلمة والسفياني في زي النساء إلى المزة، وذلك في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وغلب ابن بيهس على دمشق، إلى أن قدم عبد الله بن طاهر دمشق ودخل إلى مصر وعاد إلى دمشق فأخذ ابن بيهس معه إلى العراق فمات بها.\rوحج بالناس عامل مكة داود بن عيسى.\rودخلت سنة ست وتسعين ومائة.\rفي هذه السنة استعمل الأمين على الشام عبد الملك بن صالح بن علي، فسار إليها فتوفي بالرقة قبل وصوله إلى الشام. وفيها خلع الأمين وبويع للمأمون، ثم عاد الأمين إلى الخلافة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rودخلت سنة سبع وسبعين ومائة.\rفي هذه السنة حج بالناس العباس بن موسى بن عيسى. وجهه طاهر بأمر المأمون. وفيها سار المؤتمن بن الرشيد ومنصور بن المهدي إلى المأمون بخراسان، فوجه المأمون أخاه المؤتمن إلى جرجان.\rودخلت سنة ثمان وتسعين ومائة.\rأخبار الأمين والمأمون\rوما كان بينهما من الفتن والاختلاف وما أفضى إليه الأمر من قتل الأمين","part":6,"page":190},{"id":2691,"text":"كان ابتداء الخلف بينهما في سنة ثلاث وتسعين ومائة عند وفاة الرشيد. وكان سبب ذلك أن الرشيد كان قد أشهد عليه في سفرته التي مات فيها: أن جميع ما في عسكره من مال ومتاع ورقيق وكراع وغير ذلك للمأمون، وأخذ له البيعة على جميع من في عسكره، فعظم ذلك على الأمين، ثم بلغه شدة مرض الرشيد، فأرسل بكر بن المعتمر وكتب معه كتباً وجعلها في قوائم صناديق المطبخ، وألبسها جلود البقر، وقال: لا تظهرن أمير المؤمنين ولا غيره عليها، فإذا مات فادفع الكتب إلى أربابها، فقدم بكر إلى طوس فبلغ الرشيد قدومه، فأحضره وسأله عن موجب قدومه، قال: بعثني الأمين لآتيه بخبرك، قال: فهل معك كتاب؟ قال: لا، فأمر بتفتيش ما معه فلم يصيبوا شيئاً، فأمر به فضرب فما أقر، ثم أمر الفضل بن الربيع بتقريره، فإن أقر وإلا ضرب عنقه، ثم مات الرشيد فأخرج بكر الكتب التي معه، وهي كتاب إلى المأمون يأمره بترك الجزع، وأخذ البيعة على الناس لأخيهما المؤتمن، فلم يكن المأمون حاضراً وكان بمرو، وكتاب إلى أخيه صالح يأمره بتسيير العسكر واستصحاب ما فيه، وأن يتصرف هو ومن معه برأي الفضل بن الربيع، وكتاب إلى الفضل بالحفظ والاحتياط على الحرم والأموال وغير ذلك، وأقر كل من كان على عمل من الأعمال على عمله، من صاحب شرط وحجابة وحرس، فلما قرءوا الكتب تشاور القواد في اللحاق بالمأمون أو الأمين، فقال الفضل بن الربيع: لا أدع ملكاً حاضراً لآخر ما أدري ما يكون من أمره، ثم أمر الناس بالرحيل فرحلوا، محبة منهم لأهليهم ووطنهم وتركوا العهود التي كانت أخذت عليهم للمأمون، فلما بلغ المأمون ذلك جمع من كان عنده من القواد، وفيهم ذو الرئاستين الفضل بن سهل، وهو أعظمهم قدراً عنده وأخصهم به، واستشارهم فأشاروا عليه أن يلحقهم جريدة في ألفي فارس ويردهم، فخلى به ذو الرئاستين وقال: إن فعلت ما أشار به هؤلاء جعلوك هدية إلى أخيك ولكن الرأي أن تكتب إليهم كتاباً مع رسول من عندك، تذكرهم البيعة وتسألهم الوفاء وتحذرهم الحنث، ففعل ووجه سهل بن صاعد ونوفلاً الخادم، فلحقا الجند والفضل بنيسابور، فأوصلا الفضل كتابه فقال: إنما أنا واحد من الجند، وشد عبد الرحمن بن جبلة على سهل بالرمح ليطعنه، فأمره على جنبه وقال: قل لصاحبك لو كنت حاضراً لوضعته فيك، وسب المأمون فرجعا إليه بالخير فقال ذو الرئاستين: أعداء استرحت منهم، وقال له: اصبر وأنا أضمن لك الخلافة، فقال المأمون: قد فعلت وجعلت الأمر إليك فقم به، قال ذو الرئاستين: والله لأصدقنك، إن عبد الله بن مالك ومن معه من القواد قاموا لك بالأمر كانوا أنفع لك مني، برياستهم المشهورة وبما عندهم من القوة، فمن قام بالأمر كنت خادماً له حتى تبلغ أملك وترى رأيك، وقام ذو الرئاستين فأتاهم في منازلهم، وذكر لهم البيعة وما يجب عليهم من الوفاء، قال: فكأني جئتهم بجيفة على طبق، فقال بعضهم: هذا لا يحل وأخرجه، وقال بعضهم: ومن الذي يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه؟ قال: فجئت وأخبرته فقال: قم بالأمر، فأشار عليه أن يبعث إلى الفقهاء، ويدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة ورد المظالم، وأن تجلس على الصوف وتكرم القواد، ففعل ذلك ووضع عن خراسان ربع الخراج، فحسن ذلك عند أهلها وقالوا: ابن أختنا وابن عم نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم كتب المأمون إلى الأمين وعظمه.","part":6,"page":191},{"id":2692,"text":"ولما قدم الفضل بن الربيع العراق - وقد نكث عهد المأمون - علم أن المأمون، إن أفضت إليه الخلافة وهو حي، لم يبق عليه، فسعى في إغراء الأمين وحثه على خلع المأمون، والبيعة لابنه موسى بولاية العهد - ولم يكن ذلك في عزم الأمين، فلم يزل الفضل يصغر أمر المأمون عنده ويزين له خلعه، ووافقه على ذلك علي بن عيسى بن ماهان والسندي وغيرهما، فرجع الأمين إلى قولهم وجمع القواد لذلك، فنهاه عبد الله بن خازم وأبى القواد ذلك، وربما ساعده قوم، فلما بلغ إلى خزيمة بن خازم قال له: يا أمير المؤمنين، لم ينصحك من كذبك، ولم يغشك من صدقك، لا تجريء القواد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا عهدك وبيعتك، فإن الغادر مخذول، والناكث مفلول، فأقبل الأمين على علي بن ماهان فتبسم وقال: لكن شيخ هذه الدعوة وناب هذه الدولة لا يخالف على إمامه، ولا يوهن طاعته ثم رفعه إلى موضع لم يرفعه إليه قبلها، وألح الأمين في خلع المأمون، فأول ما فعل أن كتب إلى جميع العمال بالدعاء بالإمرة لابنه موسى بعد الدعاء للمأمون والمؤتمن، فلما بلغ ذلك المأمون، وأن الأمين عزل المؤتمن عما كان بيده، أسقط الأمين من الطرز وقطع البريد عنه، وكان رافع بن الليث بن نصر بن سيار - لما بلغه حسن سيرة المأمون - طلب الأمان منه فأمنه، فحضر عنده.\rقال: ثم كتب الأمين إلى المأمون يستقدمه ويسأله أن يقدم ابنه موسى على نفسه، وأرسل إليه أربعة في الرسالة - منهم العباس بن موسى بن عيسى، فلما أتوه امتنع من ذلك، فقال له العباس بن موسى: ما عليك أيها الأمير من ذلك؟ وقد فعله جدي عيسى بن موسى وخلع فما ضره ذلك، فصاح به ذو الرئاستين: فقال اسكت فإن جدك كان أسيراً بين أيديهم، وهذا بين أخواله وشيعته، ثم قاموا فخلى ذو الرئاستين بالعباس بن موسى، واستماله ووعده إمرة الموسم ومواضع، فأجاب إلى بيعة المأمون وسماه بالإمام، وكان يكتب إليهم بالأخبار من بغداد، ورجع الرسل إلى الأمين وأخبروه بامتناع المأمون، وبعث المأمون ثقة من عنده إلى الحد، يمنع من الدخول إلى بلاده إلا مع ثقة من ناحيته، وضبط الطرق بثقاة أصحابه.\rقال: وألح الفضل بن الربيع في قطع خطبة المأمون، وأغرى الأمين بحربه، فأجابه إلى ذلك وبايع لولده موسى، وجعله في حجر علي بن عيسى بن ماهان، وجعل على شرطه محمد بن عيسى بن نهيك وعلى حرسه عثمان بن عيسى بن نهيك، وعلى رسائله علي بن صالح صاحب المصلى، وأسقط خطبة المأمون في سنة خمس وتسعين ومائة، وبايع لولده موسى في صفر وقيل في ربيع الأول، وأرسل إلى الكعبة فأتى بالكتابين اللذين وضعهما الرشيد ببيعة الأمين والمأمون، فمزقهما الفضل بن الربيع.\rمحاربة علي وطاهر\rقال: ثم أمر الأمين علي بن عيسى بن ماهان بالمسير لحرب المأمون، وكان سبب مسيره دون غيره أن ذا الرئاستين كان له عين عند الفضل بن الربيع، يرجع الفضل إلى قوله ورأيه، فكتب ذو الرئاستين إلى ذلك الرجل أن يشير بإنفاذ ابن ماهان لحربهم، وكان مقصده أن ابن ماهان - لما ولي خراسان أيام الرشيد أساء السيرة في أهلها فظلمهم - فبغضه أهل خراسان، فأراد ذو الرئاستين أن يزداد أهل خراسان جداً في قتال الأمين وأصحابه بسببه، فأشار ذلك الرجل بابن ماهان فأمره الأمين بالمسير، وقيل كان سببه أن علياً قال للأمين: إن أهل خراسان كتبوا إليه يذكرون أنه إن قصدهم أطاعوه وانقادوا له، وإن كان غيره فلا، فأمره بالمسير وأقطعه كور الجبل كلها نهاوند وهمذان وقم وأصفهان وغير ذلك - حربها وخراجها، وأعطاه الأموال وحكمه في الخزائن، وجهز معه خمسين ألف فارس، وكتب إلى أبي دلف القاسم بن عيسى بن إدريس العجلي وهلال بن عبد الله الحضرمي بالانضمام إليه، وأمده بالأموال والرجال شيئاً بعد شيء، وخرج في شعبان سنة خمس وتسعين ومائة، وركب الأمين يشيعه ومعه القواد والجنود، وأوصاه إن قاتله المأمون يحرص على أسره.","part":6,"page":192},{"id":2693,"text":"قال: وكان المأمون - لما بلغه ما فعله الأمين من خلعه وتمزيق كتب البيعة - أرسل طاهر بن الحسين بن مصعب بن رزيق بن أسعد الخزاعي أميراً، وضم إليه جماعة من قواده وأجناده، فسار مجداً نحو الري فنزلها ووضع المسالح والمراصد. قال: وسار ابن ماهان فلقيته القوافل عند جلولاء، فسألهم فقالوا إن طاهراً مقيم بالري، يعرض أصحابه والأمداد تأتيه من خراسان، فجعل يسير وهو لا يعبأ بطاهر ويستقله ولا يستعد له، فقيل له في ذلك فقال: مثل طاهر لا يستعد له، وإن حاله تؤول إلى أمرين: إما أن يتحصن بالري فيسلمه أهلها، وإما أن يرجع ويتركها إذا قربت خيلنا منه، قال: فلما دنا من الري خرج طاهر منها، في أقل من أربعة آلاف فارس وعسكر على خمسة فراسخ، فأتاه أحمد بن هشام وكان على شرطته فقال له: إن أتانا علي بن عيسى؟ فقال: أنا عامل أمير المؤمنين فأقررنا له بذلك، فليس لنا أن نحاربه. فقال طاهر: لم يأتني في ذلك شيء، فقال: دعني وما أريد، فقال: افعل، فصعد المنبر فخلع الأمين ودعا للمأمون بالخلافة، وساروا وأقبل ابن ماهان وقد عبأ أصحابه وعبأ عشر رايات مع كل راية ألف رجل، وقدمها راية راية وجعل بين كل رايتين غلوة سهم، وعبأ طاهر أصحابه كراديس، وسار بهم يحرضهم ويوصيهم، وهرب من أصحاب طاهر نفر إلى علي، فجلد بعضهم وأهان الباقين، فكان ذلك مما ألب من بقي على قتاله، وزحف الناس بعضهم لبعض، فقال أحمد بن هشام لطاهر: ألا تذكر علي بن عيسى البيعة التي أخذها علينا هو للمأمون؟ قال: أفعل - فأخذ البيعة وعلقها على رمح، وقام بين الصفين وطلب الأمان، فأمنه علي بن عيسى، فقال له: ألا تتقي الله!! أليس هذه نسخة البيعة التي أختها أنت خاصة علينا؟؟ اتق الله فقد بلغت باب قبرك! فقال علي: من أتاني به فله ألف درهم، فشتمه أصحاب أحمد ثم وثب أهل الري وأغلقوا باب المدينة، فقال طاهر لأصحابه: اشتغلوا بمن أمامكم عمن خلفكم، فإنه لا ينجيكم إلا الجد والصدق، ثم التقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت ميسرة طاهر هزيمة منكرة، وزالت ميمنته عن موضعها، فقال طاهر: اجعلوا جدكم وبأسكم على القلب، واحملوا حملة خارجية، فحملوا على أول رايات القلب فهزموها، فرجعت الرايات بعضها على بعض وانتهت الهزيمة إلى علي، فجعل ينادي أصحابه: الكرة بعد الفرة، فرماه رجل من أصحاب طاهر بسهم فقتله، وحمل رأسه إلى طاهر، وحملت جثته إليه فألقي في بئر، وأعتق طاهر من كان عنده من غلمانه شكراً لله تعالى، وتمت الهزيمة ووضع أصحاب طاهر فيهم السيوف، وتبعوهم فرسخين وواقفوهم فيها اثنتي عشرة مرة، كل مرة يكسر عسكر الأمين، وأصحاب طاهر يقتلون ويأسرون حتى حال بيهم الليل، وغنموا غنيمة عظيمة، ونادى أصحاب طاهر: من ألقى سلاحه فهو آمن، فطرحوا أسلحتهم ونزلوا عن دوابهم، ورجع طاهر إلى الري، وكتب إلى المأمون.\rبسم الله الرحمن الرحيم كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس علي بن عيسى بين يدي، وخاتمه في أصبعي، وجنده ينصرفون، تحت أمري. والسلام.\rوكتب إلى ذي الرئاستين فورد الكتاب مع البريد في ثلاثة أيام، وبينهما نحو من خمسين ومائتي فرسخ، فدخل ذو الرئاستين على المأمون وهنأه بالفتح وأمر الناس فدخلوا عليه وسلموا بالخلافة، ثم وصل رأس علي بعد الكتاب بيومين، فطيف به في خراسان. ولما وصل الكتاب كان المأمون قد جهز هرثمة في جيش كبير نجدة لطاهر، فأتاه الخبر بالفتح.\rقال: وأما الأمين فإنه أتاه نعي علي بن عيسى - وهو يصطاد السمك، فقال الذي أتاه بالخبر: دعني فإن كوثراً قد اصطاد سمكتين وأنا ما صدت شيئاً، ثم بعث الفضل إلى نوفل الخادم - وهو وكيل المأمون على ملكه بالسواد - وكان للمأمون معه ألف ألف درهم - فأخذها منه وقبض ضياعه وغلاته، وندم الأمين على ما كان منه ومشى القواد بعضهم إلى بعض في النصف من شوال سنة خمس وتسعين واتفقوا على طلب الأرزاق ففرق فيهم مالاً كثيراً.\rذكر توجيه عبد الرحمن بن جبلة إلى طاهر وقتله واستيلاء طاهر على أعمال الجبل","part":6,"page":193},{"id":2694,"text":"قال: ولما اتصل بالأمين قتل علي بن عيسى وهزيمة عسكره وجه عبد الرحمن بن جبلة الأنباري في عشرين ألف رجل، نحو همذان واستعمله عليها وعلى كل ما يفتحه من أرض خراسان، فسار حتى نزل همذان فحصنها ورم سورها، وأتاه طاهر إليها فخرج إليه عبد الرحمن، واقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم عبد الرحمن، ودخل همذان فأقام بها أياماً حتى قوي أصحابه واندملت جراحاتهم، ثم خرج إلى طاهر واقتتلوا وصبر الفريقان، وكثر القتل في أصحاب ابن جبلة وقتل صاحب علمه، فانهزم أصحابه وقتلهم أصحاب طاهر إلى المدينة، وأقام طاهر على بابها محاصراً لها، فأرسل عبد الرحمن إلى طاهر يطلب الأمان لنفسه ولمن معه فأمنه، فخرج عن همذان واستولى طاهر على قزوين وعلى سائر أعمال الجبل. قال: ولما خرج عبد الرحمن بأمان طاهر أقام مسالماً لطاهر، ثم ركب في أصحابه وهجم على طاهر وأصحابه وهم آمنون، فثبت له رجالة طاهر، وقاتلوه حتى أخذت الخيالة أهبتها، واقتتلوا أشد قتال رآه الناس، حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف، فانهزم أصحاب عبد الرحمن وبقي في نفر من أصحابه فقاتل، وأصحابه يقولون له: قد أمكنك الهرب فاهرب، فقال: لا يرى أمير المؤمنين وجهي منهزماً أبداً، ولم يزل يقاتل حتى قتل، وانتهى من انهزم من أصحابه إلى عبد الله وأحمد ابني الحرشي، وكانا في جيش عظيم بقصر اللصوص قد سيرهما الأمين معونة لعبد الرحمن فانهزما في جندهما من غير قتال حتى دخلوا بغداد، وخلت البلاد لطاهر وأقبل يحوزها بلدة بلدة وكورة كورة، حتى انتهى إلى شلاشان من كور حلوان فخندق بها، وحصن عسكره وجمع أصحابه.\rذكر توجيه الأمين الجيوش إلى طاهر وعودهم من غير قتال قال: وفي سنة ست وتسعين ومائة بعث الأمين أحمد بن مزيد وأمر الفضل أن يمكنه من العسكر يأخذ منهم من أراد، وأمره بالجد في السير ودفع طاهر وحربه، فاختار من العسكر عشرين ألف فارس، وسار معه عبد الله ابن حميد بن قحطبة في عشرين ألفاً وسار بهم إلى حلوان، فلم يزل طاهر يحتال في وقوع الاختلاف بينهم حتى اختلفوا، وانتقض أمرهم وقاتل بعضهم بعضاً، ورجعوا من غير قتال، وتقدم طاهر فنزل حلوان، فلما نزلها لم يلبث إلا يسيراً حتى أتاه هرثمة، في جيش من قبل المأمون ومعه كتاب إلى طاهر، يأمره بتسليم ما حوى من المدن والكور إلى هرثمة، ويتوجه إلى الأهواز ففعل ذلك، وأقام هرثمة بحلوان وحصنها وسار طاهر إلى الأهواز.\rوفي هذه السنة خطب للمأمون بإمرة المؤمنين. ورفع منزلة الفضل بن سهل، وعقد له على المشرق من جبل همذان إلى التبت طولاً، ومن بحر فارس إلى بحر الديلم وجرجان عرضاً، وجعل له عمالة ثلاثة آلاف ألف درهم، وعقد له لواء على سنان ذي شعبتين، ولقبه ذا الرئاستين - رئاسة الحرب والقلم - وحمل اللواء علي بن هشام وحمل القلم نعيم بن حازم. وولى الحسن بن سهل ديوان الخراج، وذلك بعد قتل علي بن ماهان وعبد الرحمن بن جبلة.\rقال: وأما طاهر فإنه استولى على الأهواز، ثم سار منها إلى واسط وبها السندي بن يحيى والهيثم بن شعبة، فهربا عنها واستولى طاهر عليها، ووجه قائداً من قواده إلى الكوفة وعليها العباس بن موسى الهادي، فلما بلغه الخبر خلع الأمين وبايع للمأمون، وكتب بذلك إلى المأمون، وغلب طاهر على ما بين واسط والكوفة، وكتب المنصور بن المهدي - وكان عاملاً للأمين على البصرة - إلى طاهر ببيعته وطاعته، وأتته بيعة المطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل. وكان ذلك كله في شهر رجب سنة ست وتسعين ومائة، فأقرهم طاهر على أعمالهم. قال: ثم سار طاهر إلى المدائن وبها جيش كبير للأمين. عليهم البرمكي وقد تحصن بها والمدد يأتيه كل يوم والخلع والصلات، فلما سمع البرمكي بمقدم طاهر وجه قريش بن شبل والحسن ابن علي المأموني، فلما سمع أصحاب البرمكي طبول طاهر سرجوا الخيل ورجعوا، وأخذ البرمكي في التعبئة فكان كلما سوى صفاً اضطرب صف وانتقض، فانضم أولهم إلى آخرهم، فقال: اللهم إنا نعوذ بك من الخذلان، ثم قال لصاحب ساقته: خل سبيل الناس فلا خير عندهم، فركب بعضهم بعضاً نحو بغداد، فنزل طاهر المدائن واستولى على تلك النواحي، ثم سار إلى صرصر فعقد بها جسراً.\rخلع الأمين\rببغداد والبيعة للمأمون وعودة الأمين","part":6,"page":194},{"id":2695,"text":"قد قدمنا إرسال الأمين عبد الملك بن صالح إلى الشام، واستعماله عليها ووفاته بالرقة، وكان معه الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، فلما مات عبد الملك أقبل الحسين بالجند إلى بغداد، فلما قدم لقيه القواد وأهل بغداد وعملت له القباب ودخل منزله، فلما كان في جوف الليل استدعاه الأمين. فقال للرسول: ما أنا بمغن ولا مسامر ولا مضاحك، ولا وليت له عملاً ولا مالاً ولأي شيء يريدني في هذه الساعة؟! انصرف، وإذا أصبحت غدوت عليه إن شاء الله تعالى، فلما أصبح وافى الحسين باب الجسر واجتمع إليه الناس، فحرضهم على الأمين وتنقصه ودعاهم إلى خلعه، ثم أمرهم بعبور الجسر فعبروا وصاروا إلى سكة باب خراسان، وأسرعت خيول الأمين إلى الحسين فقاتلوه قتالاً شديداً، فانهزم أصحاب الأمين، فخلع الحسين الأمين في يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رجب، وأخذ البيعة للمأمون من الغد يوم الإثنين، فلما كان يوم الثلاثاء وثب العباس بن موسى بن عيسى بالأمين، وأخرجه من قصر الخلد وحبسه بقصر المنصور، وأخرج أمه أيضاً معه فجعلها مع ابنها، فلما كان يوم الأربعاء طالب الناس الحسين بالأرزاق، وماجوا بعضهم في بعض، وقام محمد بن أبي خالد وأسد الحربي وغيرهما فقاتلوا الحسين وأسروه، ودخل أسد على الأمين فكسر قيوده وأعاده إلى الخلافة، وحمل إليه الحسين أسيراً فلامه فاعتذر إليه، فأطلقه وأمره بجمع الجند ومحاربة أصحاب المأمون، وخلع عليه وولاه ما وراء بابه وأمره بالمسير إلى حلوان، فوقف الحسين بباب الجسر والناس يهنئونه، فلما خفوا عنه قطع الجسر وهرب، فنادى الأمين في الجند بطلبه فأدركوه بمسجد كوثر على فرسخ من بغداد فقاتلهم فعثر به فرسه فسقط عنه، فقتل وحمل رأسه إلى الأمين، وقيل إن الأمين كان استوزره وسلم إليه خاتمه فلما قتل جدد الجند البيعة للأمين، واختفى الفضل بن الربيع.\rالبيعة للمأمون بمكة والمدينة\rوفي هذه السنة خلع داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي الأمين - وهو عامله على مكة والمدينة وبايع للمأمون، وسبب ذلك أنه لما بلغه ما فعل طاهر، وكان الأمين قد بعث إلى داود وأخذ الكتابين من الكعبة كما تقدم فجمع داود وجوه الناس ومن كان شهد في الكتابين، وقال: قد علمتم ما أخذ الرشيد علينا وعليكم من العهد عند البيت الحرام لابنيه، لنكونن مع المظلوم منهما على الظالم، ومع المغدور منهما على الغادر، وقد رأينا ورأيتم أن محمداً قد بدأ بالظلم والبغي والنكث على أخويه المأمون والمؤتمن، وخلعهما عاصياً لله وبايع لابنه طفل صغير، وأخذ الكتابين من الكعبة فحرقهما، وقد رأيت خلعه والبيعة للمأمون، إذ كان مظلوماً مبغياً عليه، فأجابوه إلى ذلك، فنادى في شعاب مكة فاجتمع الناس فخطبهم بين الركن والمقام، وخلع الأمين وبايع للمأمون، وكتب إلى ابنه سليمان - وهو عامله على المدينة - أن يفعل مثل ما فعل، فخلع وبايع للمأمون وكانت هذه البيعة في شهر رجب سنة ست وتسعين ومائة، وسار داود من مكة على طريق البصرة، ثم إلى فارس وإلى كرمان حتى صار إلى المأمون بمرو فأخبره، فسر المأمون وتيمن ببركة مكة والمدينة، واستعمل داود عليهما وأعطاه خمسمائة ألف درهم، وبعث معه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى وجعله على الموسم، فسارا حتى أتيا طاهراً ببغداد فأكرمهما، ووجه معهما يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري واستعمله على اليمن، وبعث معه خيلاً كثيفة فقدمها، ودعا أهلها إلى خلع الأمين والبيعة للمأمون، فأجابوه وخلعوا وبايعوا للمأمون، فكتب بذلك إلى طاهر والمأمون.\rتجهيز الأمين الجيوش\rوما كان من أمرهم وفي سنة ست وتسعين ومائة عقد محمد الأمين - في رجب وشعبان أربعمائة لواء لقواد شتى، وأمر عليهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك، وأمرهم بالمسير إلى هرثمة بن أعين فساروا إليه فالتقوا بنواحي النهروان في شهر رمضان، فأسر علي بن محمد فسيره هرثمة إلى المأمون، ورحل هرثمة فنزل النهروان.\rوثوب الجند\rبطاهر والأمين","part":6,"page":195},{"id":2696,"text":"قد قدمنا نزول طاهر بصرصر عند استيلائه على المدائن، فأقام بها مشمراً في محاربة الأمين، لا يأتيه جيش إلا هزمه، فبذل الأمين الأموال فسار إليه من أصحاب طاهر خمسة آلاف، فسربهم ووعدهم ومناهم وفرق فيهم مالاً عظيماً، وغلف لحاهم بالغالية فسموا قواد الغالية، وفرق الأمين الجواسيس في أصحاب طاهر، ودس إلى رؤساء الجند وأطمعهم ورغبهم، فشغبوا على طاهر واستأمن كثير منهم إلى الأمين، وانضموا إلى عسكره وساروا حتى أتوا صرصر، فعبأ طاهر أصحابه كراديس، وحرضهم ووعدهم ومناهم وتقدم بهم، فالتقوا واقتتلوا فانهزم أصحاب الأمين وغنم عسكر طاهر ما كان لهم من سلاح ودواب وغير ذلك، فبلغ ذلك الأمين فأخرج الأموال وفرقها، وجمع أهل الأرباض وقود منهم جماعة وفرق فيهم الأموال، وقواهم بالسلاح وأعطى كل قائد قارورة غالية، ولم يعط الأجناد الذين معهم شيئاً، فراسلهم طاهر ووعدهم واستمالهم، وأغرى أصاغرهم بأكابرهم فشغبوا على الأمين في ذى الحجة، فأشار أصحابه عليه باستمالتهم والإحسان إليهم فلم يفعل، وأمر بقتالهم فقاتلهم جماعة من الأجناد، وراسلهم طاهر وراسلوه طاهر وراسلوه وأخذ رهائنهم على بذل الطاعة وأعطاهم الأموال، ثم تقدم إلى باب الأنبار في ذى الحجة، ونقب أهل السجون وخرجوا منها.\rحصار بغداد\rواستيلاء طاهر عليها في سنة سبع وتسعين ومائة حاصر وهرثمة وزهير بن المسيب الأمين ببغداد، وتفرقوا عليها ونصبوا عليها المجانيق والعرادات، وحفروا حول عساكرهم الخنادق، وسور هرثمة حول خندقه سوراً، وكان الأمين قد أنفذ ما في خزائنه من الأموال، فأمر ببيع ما في الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذهب والفضة دنانير ودراهم ليفرقها في أصحابه. قال: واستأمن إلى طاهر - سعيد بن مالك بن قادم، فولاه الأسواق وشاطيء دجلة وما اتصل به، وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان وأمده بالأموال والرجال، وقبض طاهر ضياع من لم يخرج إليه من بني هاشم والقواد وغيرهم، وأخذ أموالهم فذلوا وانكسروا، وضعف أجناد الأمين عن القتال وطاهر لا يفتر عن قتالهم، فاستأمن محمد بن عيسى صاحب شرط الأمين وعلى فراهمرد، ثم كاتب طاهر جماعة القواد والهاشميين وغيرهم بعد أن قبض ضياعهم، فأجابوه إلى البيعة للمأمون، فكان ممن أجابه عبد الله بن حميد بن قحطبة وإخوته، وولد الحسن بن قحطبة، ويحيى بن علي بن ماهان، ومحمد بن أبي العباس الطائي وغيرهم، هذا والأمين مقبل على الأكل والشرب، ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهرش، ثم منع طاهر الأقوات أن تصل إلى بغداد فغلت الأسعار، ودام الحصار والقتال على بغداد إلى سنة ثمان وتسعين ومائة، حتى ضجر الناس وملوا القتال، فلحق خزيمة بن خازم بطاهر وفارق الأمين، ودخل هرثمة إلى الجانب الشرقي لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين في ليلة الأربعاء، فلما كان الغد تقدم طاهر إلى المدينة والكرخ، فقاتل هناك قتالاً شديداً، فهزم الناس ومروا لا يلوون على شيء، فدخلها طاهر بالسيف، وأمر مناديه فنادى: من لزم بيته فهو آمن، وقصد مدينة المنصور وأحاط بها، وبقصر زبيدة وقصر الخلد - من باب الجسر إلى باب خراسان وباب الشام وباب الكوفة وباب الفرات، وشاطيء الفرات إلى مصبها في دجلة، وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش، فنصب طاهر المجانيق بإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد، وأخذ الأمين أمه وأولاده إلى مدينة المنصور، وتفرق عنه عامة جنده وخصيانه وجواريه في الطريق، لا يلوى بعضهم على بعض، وحصره طاهر وأخذ عليه الأبواب.\rمقتل الأمين","part":6,"page":196},{"id":2697,"text":"قال: لما دخل الأمين مدينة المنصور، واستولى طاهر على أسواق الكرخ وغيرها، جاء محمد بن حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الأفريقي وغيرهما، فقالوا للأمين: قد آلت حالنا إلى ما ترى، وقد تفرق عنك الناس، وقد بقي معك من خيلك سبعة آلاف فرس من خيارها، ونرى أن تختار ممن عرفناه بمحبتك من الأبناء سبعة آلاف، فتحملهم على هذه الخيل وتخرج ليلاً، على باب من هذه الأبواب فلا يثبت لنا أحد إن شاء الله تعالى، فلنحق بالجزيرة والشام فنفرض الفروض ونجبي الخراج، ونصير في مملكة واسعة وملك جديد، فتسارع إليك الناس ويحدث الله أموراً، فصوب رأيهم ووافقهم عليه، فنما الخبر إلى طاهر فكتب إلى سليمان بن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك والسندي بن شاهك، وأقسم لئن لم تردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها، ولا تكون لي همة إلا أنفسكم، فدخلوا على الأمين فقالوا: قد بلغنا الذي عزمت عليه، ونحن نذكرك الله في نفسك، إن هؤلاء صعاليك وقد بلغ بهم الحصار إلى ما ترى، وهم يرون أن لا أمان لهم عند أخيك وعند طاهر لجدهم في الحرب. ولسنا نأمن إذا خرجت معهم أن تؤخذ أسيراً. أو ياخذوا رأسك فيتقربوا بك ويجعلوك سبب أمانهم، وصرفوه عن ذلك فرجع إليهم، وأجاب إلى طلب الأمان والخروج، وقالوا له: إنه لا بأس عليك من أخيك، وأنه يجعلك حيث أحببت فركن إلى ذلك، وأجاب إلى الخروج إلى هرثمة بن أعين، فدخل عليه الذين أشاروا عليه بقصد الشام وقالوا له: إذا لم تقبل ما أشرنا به عليك - وهو الصواب - وقبلت من هؤلاء المداهنين، فالخروج إلى طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة، فقال: أنا أكره طاهراً، وهرثمة مولانا وهو بمنزلة الوالد، وأرسل إلى هرثمة في طلب الأمان، فأجابه إليه وحلف له أنه يقاتل دونه - إن هم المأمون بقتله، فلما علم طاهر ذلك اشتد عليه، وأبى أن يدعه يخرج إلى هرثمة وقال: هو في حربي والجانب الذي أنا فيه، وأنا ألجأته إلى بالحصار إلى طلب الأمان، فلا أرضى أن يخرج إلى هرثمة فيكون الفتح له دوني، فاجتمع القواد أصحاب الأمين بطاهر وقالوا: إنه لا يخرج إليك أبداً، وإنه يخرج إلى هرثمة ببدنه ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبردة وهو الخلافة، فاغتنم هذا الأمر ولا تفسده، فرضي بذلك، فأتى الهرش إلى طاهر وأراد التقرب إليه، فأخبره أن الذي جرى بينهم مكر، وأن الخاتم والبردة والقضيب تحمل مع الأمين إلى هرثمة، فاغتاظ منه وجعل حول قصر الأمين قوماً فلما تهيأ الأمين للخروج إلى هرثمة أرسل إليه هرثمة، يقول: وافيت للميعاد لأحملك، ولكني أرى ألا تخرج هذه الليلة، فإني قد رأيت على الشط ما قد رابني، وأخاف أن أغلب وتؤخذ من يدي، وتذهب نفسك ونفسي، فأقم الليلة حتى أستعد وآتيك الليلة القابلة، فإن حوربت حاربت دونك، فقال للرسول: ارجع إليه فقل له لا تبرح، فإني خارج إليك الساعة لا محالة، ولست أقيم إلى غد، وقلق، وقال: قد تفرق عني الناس من الموالي والحرس وغيرهم، ولا آمن إن انتهى الخبر إلى طاهر أن يدخل علي ويأخذني، وخرج بعد العشاء الآخرة ليلة الأحد، لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، إلى صحن الدار وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود، فدعا بابنيه فضمهما إليه وقبلهما وبكى، وقال: استودعكما الله، ثم جاء راكباً إلى الشط فإذا حراقة هرثمة فصعد إليها، فذكر أحمد بن سلام صاحب المظالم قال: كنت مع هرثمة في الحراقة، فلما دخلها الأمين قمت له، وجثى هرثمة على ركبتيه واعتذر له من نقرس به، ثم احتضنه هرثمة وضمه وجعله في حجره وجعل يقبل يديه ورجليه وعينيه، وأمر هرثمة الحراقة أن تدفع، فشد علينا أصحاب طاهر في الزوارق ونقبوا الحراقة، ورموا بالآجر والنشاب فغرقت الحراقة، وسقط هرثمة إلى الماء وسقطنا، فتعلق الملاح بشعر هرثمة فأخرجه، وأما الأمين فإنه شق ثيابه لما سقط في الماء، قال أحمد بن سلام: وخرجت أنا إلى الشط فأخذني رجل من أصحاب طاهر، فأتى بي إلى رجل آخر من أصحابه، وأعلمه أني من الذين خرجوا من الحراقة، فسألني: من أنا؟ فقلت: أنا أحمد بن سلام صاحب المظالم مولي أمير المؤمنين، قال: كذبت، فاصدقني، قلت: قد صدقتك، قال ما فعل المخلوع، قلت: رأيته قد شق ثيابه فركب، وأخذني معه أعدو وفي عنقي حبل فعجزت عن العدو، فأمر بضرب عنقي فاشتريت نفسي منه بعشرة آلاف درهم، فتركني في بيت حتى يقبض المال، وفي","part":6,"page":197},{"id":2698,"text":"البيت بواري وحصر مدرجة ووسادتان، فلما ذهب من الليل ساعة وإذا الباب قد فتح، وأدخل الأمين وهو عريان وعليه سراويل وعمامة، وعلى كتفه خرقة خلقة، فلما رأيته استرجعت وبكيت في نفسي، فسألني عن اسمي فعرفته، فقال: ضمني إليك فإني أجد وحشة شديدة، قال: فضممته وإذا قلبه يخفق، فقال: يا أحمد - ما فعل أخي، قلت: حي، قال: قبح الله بريدهم!! كان يقول قد مات - شبه المعتذر من محاربته، فقلت: بل قبح الله وزراءك، فقال: ما تراهم يصنعون بي؟ أيقتلونني أم يفون بأيمانهم؟ فقلت: يفون لك، وجعل يضم الخرقة على كتفه، فنزعت مبطنة كانت علي وقلت: ألق هذه عليك، فقال: دعني فهذا من الله عز وجل، في هذا الموضع خير كثير، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل، فنظر في وجوهنا فاستثبته، فلما عرفه انصرف - وإذا هو محمد بن حميد الطاهري، فلما رأيته علمت أن الأمين مقتول، فلما انتصف الليل فتح الباب ودخل قوم عجم معهم السيوف مسلولة، فلما رآهم قام قائماً وجعل يسترجع ويقول: ذهبت - والله - نفسي في سبيل الله، أما من مغيث!! أما من أحد من الأبناء!! وجاءوا حتى وقفوا على باب البيت الذي نحن فيه، وجعل بعضهم يقدم بعضاً ويدفعه، وأخذ الأمين بيده وسادة ويقول: ويحكم!! أنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنا ابن هارون - أنا أخو المأمون - الله الله في دمي! فضربه رجل منهم بسيف وقعت في مقدم رأسه، فضربه الأمين على وجهه بالوسادة، وأراد أن يأخذ السيف فصاح: قتلني، قتلني فدخل جماعة منهم فنخسه واحد بالسيف في خاصرته، ورموا نفوسهم عليه فذبحوه من قفاه، وأخذوا رأسه ومضوا به إلى طاهر، فلما كان السحر أخذوا جثته فأدرجوها في جل وحملوها، فنصب طاهر الرأس على برج، وخرج أهل بغداد - وطاهر يقول: هذا رأس المخلوع محمد، ولما قتل ندم جند طاهر وجند بغداد على قتله، لما كانوا يأخذون من الأموال، وبعث طاهر رأسه إلى أخيه المأمون مع ابن عمه محمد بن الحسن بن مصعب، وكتب معه بالفتح، فلما وصل أخذ ذو الرئاستين الرأس وأدخله إلى المأمون على ترس، فلما رآه المأمون سجد، وبعث طاهر معه البردة والقضيب والخاتم. ولما قتل الأمين نودي في الناس كلهم بالأمان، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة وصلى بالناس.البيت بواري وحصر مدرجة ووسادتان، فلما ذهب من الليل ساعة وإذا الباب قد فتح، وأدخل الأمين وهو عريان وعليه سراويل وعمامة، وعلى كتفه خرقة خلقة، فلما رأيته استرجعت وبكيت في نفسي، فسألني عن اسمي فعرفته، فقال: ضمني إليك فإني أجد وحشة شديدة، قال: فضممته وإذا قلبه يخفق، فقال: يا أحمد - ما فعل أخي، قلت: حي، قال: قبح الله بريدهم!! كان يقول قد مات - شبه المعتذر من محاربته، فقلت: بل قبح الله وزراءك، فقال: ما تراهم يصنعون بي؟ أيقتلونني أم يفون بأيمانهم؟ فقلت: يفون لك، وجعل يضم الخرقة على كتفه، فنزعت مبطنة كانت علي وقلت: ألق هذه عليك، فقال: دعني فهذا من الله عز وجل، في هذا الموضع خير كثير، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل، فنظر في وجوهنا فاستثبته، فلما عرفه انصرف - وإذا هو محمد بن حميد الطاهري، فلما رأيته علمت أن الأمين مقتول، فلما انتصف الليل فتح الباب ودخل قوم عجم معهم السيوف مسلولة، فلما رآهم قام قائماً وجعل يسترجع ويقول: ذهبت - والله - نفسي في سبيل الله، أما من مغيث!! أما من أحد من الأبناء!! وجاءوا حتى وقفوا على باب البيت الذي نحن فيه، وجعل بعضهم يقدم بعضاً ويدفعه، وأخذ الأمين بيده وسادة ويقول: ويحكم!! أنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنا ابن هارون - أنا أخو المأمون - الله الله في دمي! فضربه رجل منهم بسيف وقعت في مقدم رأسه، فضربه الأمين على وجهه بالوسادة، وأراد أن يأخذ السيف فصاح: قتلني، قتلني فدخل جماعة منهم فنخسه واحد بالسيف في خاصرته، ورموا نفوسهم عليه فذبحوه من قفاه، وأخذوا رأسه ومضوا به إلى طاهر، فلما كان السحر أخذوا جثته فأدرجوها في جل وحملوها، فنصب طاهر الرأس على برج، وخرج أهل بغداد - وطاهر يقول: هذا رأس المخلوع محمد، ولما قتل ندم جند طاهر وجند بغداد على قتله، لما كانوا يأخذون من الأموال، وبعث طاهر رأسه إلى أخيه المأمون مع ابن عمه محمد بن الحسن بن مصعب، وكتب معه بالفتح، فلما وصل أخذ ذو الرئاستين الرأس وأدخله إلى المأمون على ترس، فلما رآه المأمون سجد، وبعث طاهر معه البردة والقضيب والخاتم. ولما قتل الأمين نودي في الناس كلهم بالأمان، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة وصلى بالناس.","part":6,"page":198},{"id":2699,"text":"وحكى عن إبراهيم بن المهدي قال: كنت مع الأمين لما حصره طاهر، فخرج ليلة يريد الفرجة لما هو فيه من الضيق، فصار إلى قصر بناحية الخلد، ثم أرسل إلي فحضرت عنده، فقال: ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر في السماء وضوءه في الماء - وكان على شاطيء دجلة - فهل لك في الشرب؟ فقلت: شأنك، فشرب رطلاً وسقاني آخر، ثم غنيته ما كنت أعلم أنه يحبه، ثم دعا بجارية اسمها ضعف فتطيرت من اسمها، فقال لها غني فغنت شعر الجعدي:\rكليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر حزماً منك ضرح بالدم\rفتطير من ذلك وقال: غني غير هذا، فغنت:\rأبكي فراقهم عيني فأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء\rما زال يغدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء\rفسبها، وقال: أما تعرفين من الغناء غير هذا، ثم غنته:\rأما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك\rالأبيات الأربعة، فغضب ولعنها فقامت، وكان له قدح من بللور حسن الصنعة، فعثرت به فكسرته، فقال لي ويحك يا إبراهيم! ما ترى إلى ما جاءت به هذه الجارية!! والله ما أظن أمري إلا قد قرب، فقلت: يديم الله ملكك ويعز سلطانك ويكبت عدوك، فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتاً \" قضي الأمر الذي فيه تستفتيان \" ، فقال يا إبراهيم: أما سمعت ما سمعت!! قلت ما سمعت شيئاً، فقتل بعد ليلة أو ليلتين.\rمن أخباره\rكان الأمين طويلاً أبيض سميناً جميلاً صغير العينين أقنى عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين، وكان عمره ثمانياً وعشرين سنة وشهوراً، ومدة خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام وقيل سبعة أشهر وثمانية عشر يوماً، وكان له من الأولاد موسى، وعبد الله، وإبراهيم.\rونقش خاتمه: محمد واثق بالله، وزراؤه: الفضل بن الربيع إلى أن هرب بعد فساد حال الأمين، فوزر له إبراهيم بن صبيح وغيره، حاجبه: العباس بن الفضل بن الربيع، قضاته: وهب بن وهب، ومحمد بن سماعة، الأمراء بمصر الحسن بن البحباح ثم حاتم بن هرثمة بن أعين ثم جابر بن الأشعث، قاضيها هاشم بن أبي بكر بن عبد الرحمن من ولد أبي بكر الصديق رضي الله عنه.\rقال: وكان الأمين ضعيف الرأي شديد القوى، حكى عنه أنه أحضر إليه أسد في قفص حديد، فأمر بفتح القفص فوثب الأسد، فتفرق الغلمان، وانفرد بالأمين فوثب الأسد عليه، فعمد إلى مرفقة تلقاه بها لحمايته، ثم قبض على أصل أذنيه وهزه فسقط الأسد ميتاً، وزاغت أكتاف الأمين فأحضر الأطباء، فأعادوها إلى مكانها، وانفقأت مرارة الأسد في جوفه، وقيل بل حاد عن الأسد حتى تجاوزه، ثم قبض على ذنبه وجذبه جذبة أقعى لها الأسد، وانقطع ظهره فمات، وزاغت أنامل الأمين عن منابتها.\rقال: ولما استقرت للأمين استكثر من الخصيان وغالى في ثمنهم، وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره وسمى البيض منهم الجرادية والحبشان والغرابية حتى رمى بهم، وقيل عنه الأشعار، وأخضر الملهين من جميع البلدان وأجرى عليهم الأرزاق واحتجب عن الناس.\rخلافة المأمون هو أبو العباس - وقيل أبو جعفر - عبد الله بن هارون الرشيد، وأمه مراجل أم ولد، بويع له البيعة العامة صبيحة الليلة التي قتل فيها الأمين، وهو يوم الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وكان هو بمرو. وهو السابع من خلفاء بني العباس وقد تقدم من أخباره وأخبار عساكره، والبيعة له بمكة والمدينة وخراسان وغيرها من الأمصار، ما لا يحتاج إلى إعادته، إلا أن تلك المدة لا تعد خلافة مع بقاء الأمين.\rقال: ولما وصل رأسه إلى المأمون - كما ذكرنا - أذن للقواد، وقرأ ذو الرئاستين الفضل بن سهل الكتاب عليهم فهنأوه بالظفر، وكتب إلى طاهر وهرثمة بخلع القاسم المؤتمن من ولاية العهد فخلعاه في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين ومائة، وعامل المأمون أم جعفر زبيدة بنت جعفر - أم الأمين - بالإكرام والبر والتلطف، ورتب لها في كل سنة مائة ألف درهم جدداً، يحملها إليها ويتعاهد زيارتها.\rحكى أبو الفرج الأصفهاني أن المأمون أغفل حمل المال إليها في بعض السنين، فتقدمت إلى أبي العتاهية أن يعمل أبياتاً تذكره بها فقال:\rزعموا لي أن في ضرب السنه ... جدداً بيضاً وصفراً حسنه\rسككاً قد أحدثت لم أرها ... مثلما كنت أرى كل سنه","part":6,"page":199},{"id":2700,"text":"فلما قرأ المأمون الشعر قال: إنا لله - أغفلناها وتقدم يحمل ذلك إليها، قال: قال مخارق: ظهر لأم جعفر من المأمون جفاء، فبعث إلي بأبيات أمرتني أن أغنيه بها إذا رأيته نشيطاً وأسنت لي الجائزة وكان كاتبها جعفر بن الفضل، قال الأبيات هي:\rألا إن صرف الدهر يدني ويبعد ... ويؤنس بالألاف طوراً ويفقد\rأصابت لريب الدهر مني يدي يدي ... فسلمت للأقدار والله أحمد\rوقلت لريب الدهر إن ذهبت يد ... فقد بقيت والحمد لله لي يد\rإذا بقي المأمون لي فالرشيد لي ... ولي جعفر لم يفقدا ومحمد\rقال مخارق، ففعلت، فسألني المأمون عن الخبر فعرفته فبكى قال مخارق: ففعلت، فسألني المأمون عن الخبر فعرفته فبكى، ورق لها وقام لوقته فدخل عليها، فقبل رأسها وقبلت يده، وقال لها: يا أمه، ما جفوتك تعمداً ولكني شغلت عنك بما لا يمكن إغفاله، فقالت: يا أمير المؤمنين، إذا حسن رأيك لم يوحشني، وأتم عندها بقية يومه. نعود إلى سياق أخبار المأمون على حكم التوالي.\rوثوب الجند بطاهر\rقال: ووثب الجند بطاهر بعد مقتل الأمين بخمسة أيام، وكان سبب ذلك أنهم طلبوا منه مالاً، فلم يمكن معه شيء فثاروا به، فظن أن ذلك بمواطأة الجند وأهل الأرباض، وأنهم معهم عليه فخشي على نفسه وهرب إلى عقرقوف، ونهبوا بعض متاعه، وخرج معهم جماعة من القواد، ثم خرج إليه القواد الذين تخلفوا وأعيان المدينة، واعتذروا إليه وسألوه الصفح عنهم وقبول عذرهم، فقال طاهر: ما خرجت عنكم إلا لوضع السيف فيكم، وأقسم بالله عز وجل لئن عدتم لملثها لأعودن إلى رأيي فيكم، ثم شكرهم وأمر لهم بأرزاق أربعة أشهر ووضعت الحرب أوزارها واستوثق الأمر للمأمون.\rخلاف نصر\rبن شبث العقيلي على المأمون في هذه السنة أظهر نصر الخلاف على المأمون، وكان يسكن كيسوم ناحية شمالي حلب، وكان في عنقه بيعة للأمين وله فيه هوى، فلما قتل الأمين أظهر الغضب وتغلب على ما جاوره من البلاد وملك سميساط، واجتمع عليه خلق كثير من الأعراب، وعبر الفرات إلى الجانب الشرقي وحدثته نفسه بالتغلب عليه، وكثرت جموعه وحصر حران في سنة تسع وتسعين ومائة، فأتاه نفر من شيعة الطالبيين فقالوا: قد وترت بني العباس وقتلت رجالهم وأغلقت عنهم المغرب، فلو تابعت لخليفة كان أقوى، فقال: من أي الناس؟ فقالوا: نبايع لبعض آل علي بن أبي طالب، فقال: أبايع أولاد السوادات!! فقالوا: بايع لبعض بني أمية، فقال: أولئك قد أدبر أمرهم، والمدبر لا يقبل أبداً، وإنما هواي في بني العباس، وإنما حاربتهم محاماة للعرب لأنهم يقدمون عليهم العجم.\rقال: ودام أمره إلى سنة تسع ومائتين، حاصره عبد الله بن طاهر بحصن كيسوم مدة، ثم خرج إليه بالأمان فبعثه إلى المأمون، فوصل إليه في صفر سنة عشر ومائتين، وهدم عبد الله حصن كيسوم.\rولاية الحسن\rبن سهل العراق وغيره من البلاد وفي هذه السنة استعمل المأمون الحسن بن سهل أخا الفضل على ما كان افتتحه طاهر، من كور الجبل والعراق وفارس والأهواز والحجاز واليمن، وكتب إلى طاهر بتسليم ذلك إليه، فقدم الحسن بين يديه علي بن أبي سعيد فدافعه طاهر بتسليم الخراج إليه حتى وفى الجند أرزاقهم، وسلم إليه العمل، وقدم الحسن سنة تسع وتسعين ففرق العمال، وأمر طاهراً أن يسير إلى الرقة لمحاربة نصر بن شبث، وولاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب، فسار طاهر إلى نصر والتقوا بنواحي كيسوم، واقتتلوا قتالاً شديداً كان الظفر فيه لشبث، وعاد طاهر شبه المهزوم إلى الرقة، وكان قصارى أمره حفظ تلك النواحي من نصر.\rوحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى.\rودخلت سنة تسع وتسعين ومائة.\rابن طباطبا العلوي\rووفاته وخبر أبي السرايا","part":6,"page":200},{"id":2701,"text":"في هذه السنة ظهر محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب - وهو المعروف بابن طباطبا - بالكوفة، لعشر خلون من جمادى الآخرة يدعو إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم والعمل بالكتاب والسنة، وكان القيم بأمره في الحرب أبو السرايا السري بن منصور الشيباني، وكان سبب خروجه أن المأمون لما صرف طاهراً ووجه الحسن بن سهل إلى الأعمال التي ذكرناها تحدث الناس بالعراق، أن الفضل بن سهل قد غلب على المأمون، وأنه أنزله قصراً حجبه فيه عن أهل بيته وأولاده وقواده، وأنه يستبد بالأمور دونه، فغضب لذلك بنو هاشم ووجوه الناس، واجترءا على الحسن بن سهل وهاجت الفتن في الأمصار، فكان أول من ظهر ابن طباطبا بالكوفة، وكان سبب اجتماع ابن طباطبا بأبي السرايا أن أبا السرايا كان يكرى الحمير ثم قوي أمره فجمع نفراً فقتل رجلاً من بني تميم بالجزيرة وأخذ ما معه، فطلب فاختفى وعبر الفرات إلى الجانب الشرقي، فكان يقطع الطريق بتلك الناحية، ثم لحق بأسد بن زيد بن مزبد الشيباني بأرمينية ومعه ثلاثون فارساً، فقوده فجعل يقاتل معه الخرمية فأثر فيهم، وقتل وأخذ منهم غلامه أبا الشوك، فلما عزل أسد عن أرمينية صار أبو السرايا إلى أحمد بن مزيد، فوجهه أحمد طليعة إلى عسكر هرثمة في فتنة الأمين، واشتهرت شجاعته فراسله هرثمة واستماله فمال إليه، وانتقل إلى عسكره وقصد العرب بالجزيرة، واستخرج لهم الأرزاق من هرثمة، فصار معه نحو ألفي فارس وراجل، فصار يخاطب بالأمير، فلما قتل الأمين قصر هرثمة في أرزاقه وأرزاق من معه، فاستأذنه في الحج فأذن له وأعطاه عشرين ألف درهم، ففرقها في أصحابه ومضى وقال لهم: اتبعوني متفرقين، ففعلوا واجتمع معه نحو مائتي فارس، فسار بهم إلى عين التمر وحصر عاملها، وأخذ ما عنده من المال فقسمه في أصحابه، وسار فلقي عاملاً آخر ومعه مال على ثلاثة بغال فأخذها، وسار فلحقه عسكر بعثه هرثمة خلفه فقاتلهم وهزمهم، ودخل البرية وقسم المال في أصحابه وانتشر خبره فلحق به من تخلف عنه من أصحابه وغيرهم وكثر جمعه فسار نحو دقوقا وعليها أبو ضرغامة العجلي في سبعمائة فارس، فخرج إليه واقتتلوا فهزمه أبو السرايا وحصره بقصر دقوقا وأخرجه بأمان، وأخذ ما عنده من الأموال وسار إلى الأنبار، وعليها إبراهيم السروي مولى المنصور فقتله وأخذ ما فيها وسار، ثم عاد إليها عند إدراك الغلال فاحتوى عليها، ثم ضجر من طول السرى في البلاد فقصد الرقة، فمر بطوق بن مالك التغلبي وهو يقاتل القيسية، فأعانه وقاتل معه أربعة أشهر حتى ظفر طوق، ثم سار عنه إلى الرقة، فلما وصلها لقيه ابن طباطبا فبايعه، وقال له: انحدر أنت في الماء وأسير أنا على البر حتى نوافي الكوفة فدخلاها، وابتدأ أبو السرايا بقصر العباس بن موسى بن عيسى، وأخذ ما فيه من الأموال والجواهر - وكان عظيماً لا يحصى كثرة، فبايعهم أهل الكوفة واستوثق أمرهما بها، وأتاه الناس من نواحي الكوفة والأعراب فبايعوه - أعني ابن طباطبا، وكان العامل عليها للحسن بن سهل - سليمان بن المنصور، فلامه الحسن ووجه زهير بن المسيب الضبي إلى الكوفة في عشرة آلاف فارس وراجل، فخرج إليه ابن طباطبا وأبو السرايا فهزموه، واستباحوا عسكره وكانت الوقعة في سلخ جمادى الآخرة، فلما كان الغد مستهل رجب مات محمد بن إبراهيم ابن طباطبا فجأة سمه أبو السرايا، وكان الناس له سامعين مطيعين، فعلم أبو السرايا أنه لا حكم له معه، فسمه ونصب مكانه غلاماً أمرد، يقال له محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وصار الحكم لأبي السرايا. ورجع زهير إلى قصر ابن هبيرة ووجه الحسن بن سهل - عبدوس بن محمد بن أبي خالد المزوروذي في أربعة آلاف فارس، فلقيه أبو السرايا لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رجب، فقتل عبدوساً ولم يفلت من أصحابه أحد - كانوا بين قتيل وأسير، وانتشر الطالبيون في البلاد، وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة، وسير جيوشه إلى البصرة وواسط ونواحيها، فولى البصرة العباس بن محمد بن عيسى بن محمد الجعفري، وولى مكة الحسين بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي - الذي يقال له الأفطس - وجعل إليه الموسم، وولى اليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر، وولى فارس إسماعيل بن موسى بن جعفر، وولى الأهواز زيد بن موسى بن جعفر فسار إليه البصرة، وغلب","part":6,"page":201},{"id":2702,"text":"عليها وأخرج عنها العباس بن محمد الجعفري ووليها مع الأهواز، ووجه أبو السرايا - محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب إلى المدائن وأمره أن يأتي بغداد من الجانب الشرقي، فأتى المدائن وأقام بها وهزم أصحاب الحسن إلى بغداد، فلما رأى الحسن بن سهل أن عسكره لا يثبت لعسكر أبي السرايا أرسل إلى هرثمة يستدعيه، وكان قد سار إلى خراسان مغاضباً للحسن، فحضر إليه بعد امتناع وسار إلى الكوفة في شعبان، وسير الحسن إلى المدائن وواسط علي بن أبي سعيد الحرشي، فوجه أبو السرايا إليها جيشاً فدخل جيشه المدائن في شهر رمضان، وتقدم هو حتى نزل بنهر صرصر، وجاء هرثمة فعسكر بإزائه بينهما النهر، وسار علي بن أبي سعيد في شوال إلى المدائن، فقاتل أصحاب أبي السرايا وهزمهم واستولى عليها، فبلغ الخبر أبا السرايا فرجع من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة، وسار هرثمة في طلبه، فوجد جماعة من أصحابه فقتلهم، ووجه برءوسهم إلى الحسن، ونازل هرثمة أبا السرايا وكانت بينهم وقعة. قتل فيها جماعة من أصحاب أبي السرايا. وانحاز إلى الكوفة ووثب من معه من الطالبيين على دور بني العباس ومواليهم وأتباعهم فانتهبوها وهدموها وخربوا ضياعهم، وأخرجوهم من الكوفة وعملوا أعمالاً قبيحة، واستخرجوا الودائع التي كانت لهم عند الناس.عليها وأخرج عنها العباس بن محمد الجعفري ووليها مع الأهواز، ووجه أبو السرايا - محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب إلى المدائن وأمره أن يأتي بغداد من الجانب الشرقي، فأتى المدائن وأقام بها وهزم أصحاب الحسن إلى بغداد، فلما رأى الحسن بن سهل أن عسكره لا يثبت لعسكر أبي السرايا أرسل إلى هرثمة يستدعيه، وكان قد سار إلى خراسان مغاضباً للحسن، فحضر إليه بعد امتناع وسار إلى الكوفة في شعبان، وسير الحسن إلى المدائن وواسط علي بن أبي سعيد الحرشي، فوجه أبو السرايا إليها جيشاً فدخل جيشه المدائن في شهر رمضان، وتقدم هو حتى نزل بنهر صرصر، وجاء هرثمة فعسكر بإزائه بينهما النهر، وسار علي بن أبي سعيد في شوال إلى المدائن، فقاتل أصحاب أبي السرايا وهزمهم واستولى عليها، فبلغ الخبر أبا السرايا فرجع من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة، وسار هرثمة في طلبه، فوجد جماعة من أصحابه فقتلهم، ووجه برءوسهم إلى الحسن، ونازل هرثمة أبا السرايا وكانت بينهم وقعة. قتل فيها جماعة من أصحاب أبي السرايا. وانحاز إلى الكوفة ووثب من معه من الطالبيين على دور بني العباس ومواليهم وأتباعهم فانتهبوها وهدموها وخربوا ضياعهم، وأخرجوهم من الكوفة وعملوا أعمالاً قبيحة، واستخرجوا الودائع التي كانت لهم عند الناس.\rأبي السرايا وقتله\rقال: ولما انحاز أبو السرايا إلى الكوفة حاصره بها هرثمة، وقاتله ولازم قتاله فخرج أبو السرايا من الكوفة في ثمانمائة فارس، ومعه محمد بن محمد بن زيد، ودخلها هرثمة فأمن أهلها ولم يعرض إليهم، وكان هرثمة في سادس عشر المحرم سنة مائتين فأتى القادسية، وسار منها إلى السوس بخوزستان، فلقي مالاً قد حمل من الأهواز فأخذه وقسمه بين أصحابه، فأتاه الحسن بن علي المأموني، فأمره بالخروج من عمله وكره قتاله، فأبى أبو السرايا إلا قتاله فقاتله، فهزمه المأموني وخرج وتفرق أصحابه، وسار هو ومحمد بن محمد وأبو الشوك نحو منزل أبي السرايا برأس عين، فلما انتهوا إلى جلولاء ظفر بهم حماد الكندغوش فأخذهم، وانتهى بهم إلى الحسن بن سهل وهو بالنهروان. فقتل أبا السرايا وبعث رأسه إلى المأمون، ونصب جثته على جسر بغداد. وسير محمد بن محمد إلى المأمون. وأما هرثمة فأقام بالكوفة يوماً واحداً وعاد منها، واستخلف بها غسان بن أبي الفرج، وسار علي بن أبي سعيد إلى البصرة فأخذها من العلويين، وكان بها زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي وهو الذي يسمى زيد النار، وإنما سمي بذلك لما أحرق بالبصرة من دور العباسيين وأتباعهم، وكان إذا أتى برجل من المسودة أحرقه، وأخذ أموالاً كثيرة من التجار، فلما وصل علي إلى البصرة استأمنه زيد فأمنه، وبعث إلى مكة والمدينة جيشاً وأمرهم بمحاربة من بها من العلويين. وكان بين خروج أبي السرايا وقتله عشرة أشهر. نعود لمساق السنين.\rودخلت سنة مائتين.","part":6,"page":202},{"id":2703,"text":"في هذه السنة كان ظهور إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد وكان بمكة، فلما بلغه خبر أبي السرايا وما كان منه سار إلى اليمن، وبها إسحاق بن موسى بن عيسى عاملاً للمأمون، فلما بلغه قرب إبراهيم من صنعاء سار نحو مكة، واستولى إبراهيم على اليمن، وكان يسمى الجزار لكثرة من قتل باليمن وسبى وأخذ الأموال، ثم وجه رجلاً من ولد عقيل بن أبي طالب في جند ليحج بالناس، فسار العقيلي حتى أتى بستان ابن عامر، فبلغه أن أبا إسحاق المعتصم قد حج في جماعة من القواد، وفيهم حمدويه بن علي بن عيسى بن ماهان - وكان الحسن بن سهل قد استعمله على اليمن، فعلم العقيلي أنه لا يقوى لهم فأقام ببستان ابن عامر، فاجتازت قافلة من الحاج ومعهم كسوة الكعبة وطيبها، فأخذوا أموال التجار والكسوة والطيب، وقدم الحجاج مكة عراة منهوبين، فاستشار المعتصم أصحابه فقال الجلودي: أنا أكفيك ذلك، فانتخب مائة رجل وسار بهم إلى العقيلي، وقاتلهم فانهزم أصحاب العقيلي وأسر أكثرهم، وأخذوا كسوة الكعبة وأموال التجار إلا ما كان مع من هرب، وضرب الأسرى كل واحد عشرة أسواط وأطلقهم. فرجعوا إلى اليمن يستطعمون الناس، فهلك أكثرهم في الطريق.\rذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة\rومبايعة محمد بن جعفر وما كان من أمره وخلعه لنفسه","part":6,"page":203},{"id":2704,"text":"قد ذكرنا أن أبا السرايا كان قد بعث الحسين بن الحسن الأفطس إلى مكة في سنة تسع وتسعين ومائة لما ظهر أمره، فدخل مكة فلما كان في المحرم من هذه السنة نزع الحسين كسوة الكعبة، وكساها كسوة أخرى كان قد أنفذها أبو السرايا من الكوفة من القز. قال: وتتبع الحسين ودائع بني العباس وأخذ أموال الناس بحجة الودائع، فهرب الناس منه وتطرق أصحابه إلى قلع شبابيك الحرم، وأخذ ما على الأساطين من الذهب - وهو نزر حقير. وأخذ ما في خزانة الكعبة فقسمه مع كسوتها في أصحابه. فلما بلغه قتل أبي السرايا. ورأى تغير الناس عليه لسوء سيرته وسيرة أصحابه. فأتى هو وأصحابه إلى محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، وكان شيخاً محبباً في الناس مفارقاً لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة. وكان يروى والعلم عن أبيه ويكتبه الناس عنه ويظهر الزهد. فلما أتوه قالوا: تعلم منزلتك من الناس فهلم نبايعك بالخلافة، فإن فعلت لم يختلف عليك رجلان، فامتنع من ذلك فلم يزل به ابنه علي وحسين بن الحسن الأفطس حتى غلباه على رأيه، فأجابهم فأقاموه في شهر ربيع الأول وبايعوه بالخلافة. وجمعوا له الناس فبايعوه طوعاً وكرهاً ونعتوه بأمير المؤمنين. فبقي شهوراً وليس له من الأمر شيء. وابنه علي وحسين بن حسن وجماعتهما أسوأ ما كانوا سيرة وأقبح فعلاً، فوثب حسين بن حسن على امرأة من بني فهر كانت جميلة، وأرادها على نفسها فامتنعت، وخاف زوجها وهو من بني مخزوم حتى توارى عنه، ثم كسر باب دارها وأخذها مدة ثم هربت منه، ووثب علي بن محمد بن جعفر على غلام أمرد - وهو ابن قاضي مكة اسمه إسحاق بن محمد، وكان جميلاً فأخذه قهراً، فاجتمع أهل مكة ومن بها من المجاورين فصاروا في جمع كبير، فأتوا محمد بن جعفر وقالوا: لنخلعنك ولنقتلنك أو لتردن علينا هذا الغلام، فأغلق بابه وكلمهم من شباك، وطلب منهم الأمان ليركب إلى ابنه ويأخذ منه الغلام، وحلف أنه لم يعلم به، فأمنوه فركب إلى ابنه وأخذه منه ورده إلى أبيه، ولم يلبثوا إلا يسيراً حتى قدم إسحاق بن موسى العباسي من اليمن، فنزل المشاش فاجتمع الطالبيون إلى محمد بن جعفر وأعلموه ذلك، وحفروا خندقاً وجمعوا الناس من الأعراب وغيرهم، فقاتلهم إسحاق ثم كره القتال فسار نحو العراق، فلقيهم الجند الذين بعثهم هرثمة إلى مكة، ومعهم الجلودي ورجاء بن جميل فردوه معهم، فقاتلوا الطالبيين فهزموهم، فطلب محمد بن جعفر الأمان فأمنوه، ودخل العباسيون مكة في جمادى الآخرة وتفرق الطالبيون من مكة. وأما محمد بن جعفر فسار نحو الحجفة، فأدركه بعض موالي بني العباس فأخذ جميع ما معه، وأعطاه دريهمات يتوصل بها، فسار نحو بلاد جهينة فجمع بها وقاتل هارون بن المسيب والي المدينة عند الشجرة وغيرها، عدة وقعات فانهزم محمد وفقئت عينه بسهم، وقتل من أصحابه بشر كثير ورجع إلى موضعه، فلما انقضى الموسم طلب الأمان من الجلودي ومن رجاء بن جميل - وهو ابن عم الفضل بن سهل فأمناه، وضمن له رجاء عن المأمون وعن الفضل الوفاء بالأمان، فقبل ذلك وأتى مكة لعشر بقين من ذى الحجة، فخطب الناس وقال إنني كان بلغني أن المأمون مات، وكانت له في عنقي بيعة، وكانت فتنة عمت الأرض، فبايعني الناس، ثم إنه صح عندي أن المأمون حي صحيح وأنا أستغفر الله من البيعة وقد خلعت نفسي من بيعتي التي بايعتموني عليها - كما خلعت خاتمي هذا من أصبعي، فلا بيعة لي في رقابكم.\rثم سار في سنة إحدى ومائتين إلى العراق، فسيره الحسن بن سهل إلى المأمون بمرو، فلما سار المأمون إلى العراق صحبه فمات بجرجان.\rهرثمة\rومسيره إلى المأمون وقتله","part":6,"page":204},{"id":2705,"text":"قال: فلما فرغ هرثمة من أمر أبي السرايا رجع ولم يأت الحسن بن سهل، وسار إلى خراسان فأتته كتب المأمون في غير موضع، أن يأتي إلى الشام والحجاز، فقال: لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين، إدلالاً منه عليه ولما يعرف من نصيحته له ولآبائه وأراد أن يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل بن سهل، وما يكتم عنه من الأخبار، وأنه لا يدع المأمون حتى ينتقل إلى بغداد ليتوسط سلطانه، فعلم الفضل بذلك فعاجله بالتدبير عليه، وقال للمأمون: إن هرثمة قد أنغل عليك البلاد والعباد، ودس أبا السرايا - وهو من جنده - ولو أراد لم يفعل ذلك، وقد كتب إليه عدة كتب ليرجع إلى الشام والحجاز فلم يفعل، وقد جاء مشاقاً وإن أطلق كان هذا مفسدة لغيره، فتغير قلب المأمون وأبطأ هرثمة إلى ذى القعدة، فلما بلغ مرو خشي أن يكتم قدومه عن المأمون، فأمر بالطبول فضربت لكي يسمعها المأمون فسمعها، فقال: ما هذا!!! قال: هرثمة قد أقبل يرعد ويبرق، فأمر المأمون بإدخاله، فلما دخل قال له المأمون: مالأت أهل الكوفة والعلويين، ووضعت أبا السرايا ولو شئت أن تأخذهم جميعاً لفعلت، فذهب هرثمة يتكلم ويعتذر، فلم يقبل قوله وأمر به فديس بطنه، وضرب أنفه وسحب من يديه وحمل إلى الحبس، فمكث أياماً ثم دسوا عليه من قتله وقالوا مات.\rوثوب الحربية ببغداد\rوفي هذه السنة كان الشغب ببغداد بين الحربية والحسن بن سهل، وسبب ذلك أن الحسن بن سهل كان بالمدائن لما شخص هرثمة إلى المأمون، فلما بلغ أهل بغداد ما صنعه المأمون بهرثمة بعث الحسن بن سهل إلى علي بن هشام - وهو والي بغداد من قبله - أن امطل الجند من الحربية أرزاقهم. وكانت الحربية قبل ذلك قد وثبوا وقالوا: لا نرضى حتى نطرد الحسن وعماله عن بغداد فطردوهم، وصيروا إسحاق بن موسى بن المهدي خليفة للمأمون ببغداد. واجتمع أهل الجانبين على ذلك ورضوا به. فدس الحسن إليهم وكاتب قوادهم. حتى شغبوا من جانب عسكر المهدي، فحول الحربية إسحاق إليهم وأنزلوه على دجيل، وجاء زهير بن المسيب فنزل في عسكر المهدي. وبعث الحسن بن سهل علي بن هشام في الجانب الآخر هو ومحمد بن أبي خالد، فدخلوا بغداد في شعبان. وقاتل الحربية ثلاثة أيام على قنطرة الصراة. ثم وعدهم رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلة، فسألوه تعجيل خمسين درهماً لكل رجل منهم ينفقونها في شهر رمضان، فأجابهم إلى ذلك وجعل يعطيهم، ثم هرب علي بن هشام بعد جمعة من الحربية ونزل بصرصر، لأنه لم يف بالعطاء، وقام بأمر الحربية محمد بن أبي خالد لأن علي بن هشام كان يستخف به، فغضب من ذلك وتحول وهزموا علي بن هشام من صرصر، وقيل: كان السبب في شغبهم أن الحسن بن سهل جلد عبد الله بن ماهان الحد، فغضب الحربية وخرجوا.\rوحج بالناس في هذه السنة المعتصم.\rودخلت سنة إحدى ومائتين.\rولاية منصور\rبن المهدي بغداد","part":6,"page":205},{"id":2706,"text":"في هذه السنة أراد أهل بغداد أن يبايعوا المنصور بن المهدي بالخلافة، فامتنع من ذلك فأرادوه على الإمرة عليهم، على أن يدعو للمأمون بالخلافة فأجابهم إلى ذلك، وكان سبب ذلك أن أهل بغداد - لما أخرجوا علي بن هشام من بغداد واتصل حين إخراجه بالحسن سهل سار من المدائن إلى واسط، وذلك في أول هذه السنة، فاتبعه محمد بن أبي خالد مخالفاً له، وقد تولى القيام بأمر الناس، وولى سعيد بن الحسن بن قحطبة بالجانب الغربي ونصر بن حمزة بالجانب الشرقي، وكان ببغداد منصور بن المهدي والفضل بن الربيع وخزيمة بن خازم، وكان الفضل بن الربيع مختفياً كما تقدم إلى الآن، فلما رأى محمداً قد بلغ واسط طلب منه الأمان فأمنه، وظهر الفضل وسار محمد بن أبي خالد إلى الحسن على تعبئة، وقد تحول الحسن عن واسط، فوجه إليه الحسن بن سهل قواده وجنده، فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم أصحاب محمد بعد العصر، وثبت هو حتى جرح جراحات شديدة، وانهزموا هزيمة قبيحة وقتل منهم كثير، وذلك لسبع بقين من شهر ربيع الأول، ثم أتاه الحسن بن سهل واقتتلوا، حتى جنهم الليل فرحل محمد وأصحابه ثم التقوا واقتتلوا مرة ثانية إلى الليل، فاشتدت جراحات محمد فحمله ابنه أبو زنبيل إلى بغداد، وخلف عسكره لست خلون من ربيع الآخر، ومات محمد بن أبي خالد فدفن في داره سراً، وأتى أبو زنبيل خزيمة بن خازم فأعلمه وفاة أبيه، فأعلم خزيمة الناس وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد إليه، أنه قام بأمر الحرب مقام أبيه، ثم كان بين الحسن وبين أولاده محمد بن أبي خالد وقعات، وانتصر فيها أصحاب الحسن عليهم وهزموهم مرة بعد أخرى.\rقال: ولما مات محمد قال بنو هاشم والقواد نصير منا خليفة ونخلع المأمون، ثم أتاهم خبر هزيمة أولاد محمد فجدوا في ذلك، وأرادوا منصور بن المهدي على الخلافة فأبى، فجعلوه خليفة للمأمون ببغداد والعراق، وقالوا: لا نرضى بالمجوسي الحسن بن سهل، وقال المنصور: أنا خليفة أمير المؤمنين حتى يقدم، أو يولي من أحب فرضي به الناس، وعسكر بكلواذى.\rالبيعة لعلي\rبن موسى الرضا في هذه السنة جعل المأمون علي بن موسى الرضا بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب رضي الله عنه ولي عهد المسلمين، والخليفة من بعده ولقبه الرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر جنده بطرح السواد ولبس الخضرة وكتب بذلك إلى سائر الآفاق، وذلك لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، فتكلم بنو العباس في ذلك وقال بعضهم لا نرضاه، وتكلموا في خلع المأمون والبيعة لإبراهيم بن المهدي، فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rفتح جبال طبرستان\rوأسر ملك الديلم في هذه السنة افتتح عبد الله بن خرداذبة - والي طبرستان - البلازر والشيزر من بلاد الديلم، وافتتح طبرستان وأنزل شهريار بن شروين عنها. وأسر أبا ليلى ملك الديلم.\rوحج بالناس في هذه السنة إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي العباسي.\rودخلت سنة اثنتين ومائتين.\rمبايعة ابراهيم\rفي هذه السنة بايع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي ولقبوه المبارك، وخلعوا المأمون وذلك في أول المحرم، وقيل لخمس مضين منه، وبايعه سائر بني هاشم، وكان المتولي لأمر البيعة المطلب بن عبد الله بن مالك، وكان سبب ذلك ما ذكرناه، من إنكار الناس ولاية الحسن بن سهل والبيعة لعلي بن موسى، فوضع العباسيون رجلاً في يوم جمعة يقول: إنا نريد أن ندعو للمأمون ومن بعده لإبراهيم، ووضعوا من يجيبه: إنا لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم بن المهدي ومن بعده لإسحاق بن موسى الهادي وتخلعوا المأمون، ففعلوا ذلك فلم يصل الناس جمعة وتفرقوا لليلتين بقيتا من ذى الحجة، ثم خلعوا المأمون وبايعوا لإبراهيم، وكان الذي سعى في هذا الأمر السندي وصالح صاحب المصلى ونصير الوصيف وغيرهم، فلما فرغوا من البيعة وعد الجند رزق ستة أشهر، ودافعهم بها فشغبوا فأعطاهم لكل رجل مائتي درهم، وكتب لبعضهم على السواد بقيمة مالهم حنطة وشعيراً، فخرجوا في قبضها فانتهبوا الجميع، وأخذوا نصيب السلطان وأهل السواد. واستولى على الكوفة والسواد جميعه وعسكر بالمدائن. واستعمل على الجانب الغربي من بغداد العباس بن موسى الهادي وعلى الجانب الشرقي منها إسحاق بن موسى الهادي.\rأخبار إبراهيم","part":6,"page":206},{"id":2707,"text":"بن المهدي وما استولى عليه من الأماكن وما كان من أمره إلى أن خلع واستتر - ذكر استيلائه على قصر ابن هبيرة والكوفة قال: وكان بقصر ابن هبيرة حميد بن عبد الحميد عاملاً للحسن بن سهل، ومعه من القواد سعيد بن الساجور وأبو البط وغسان بن أبي الفرج ومحمد بن إبراهيم الإفريقي وغيرهم، وكاتبوا إبراهيم على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة، وكانوا قد انحرفوا عن حميد، وكتبوا إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حميداً يكاتب إبراهيم، وكتب حميد فيهم مثل ذلك، فاستقدم الحسن حميد بن عبد الحميد فامتنع، وخاف - إن هو سار إليه - سلم القواد ماله وعسكره إلى إبراهيم، فألح الحسن عليه بالطلب فسار إليه في شهر ربيع الآخر، فكتب القواد إلى إبراهيم لينفذ إليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد، فوجه إليهم عيسى فانتهبوا ما في عسكر حميد، فكان مما أخذوا له مائة بدرة، وأخذ ابن حميد جواري أبيه وسار إليه بعسكر الحسن، ودخل عيسى القصر لعشر خلون من شهر ربيع الآخر، فعاد الحسن إلى الكوفة فأخذ أموالها، واستعمل عليها العباس بن موسى بن جعفر العلوي، وأمره أن يدعو لأخيه علي بن موسى بعد المأمون، وأعانه بمائة ألف درهم وقال له: قاتل عن أخيك وأنا معك، فوجه إبراهيم إلى الكوفة سعيد بن الساجور وأبا البط لقتال العباس بن موسى، وكان العباس قد دعا أهل الكوفة فأجابه بعضهم، وأما الغلاة من الشيعة فقالوا: إن كنت تدعو لأخيك وحده فنحن معك، وأما المأمون فلا حاجة لنا فيه، فقال: إنما أدعو للمأمون وبعده لأخي، فقعدوا عنه، فلما أتاه سعيد وأبو البط نزلوا قرية شاهى، بعث إليهم العباس ابن عمه علي بن محمد بن جعفر - وهو ابن الذي كان قد بويع له بمكة - وبعث معه جماعة، فاقتتلوا ساعة فانهزم العلوي وأهل الكوفة، ونزل سعيد وأصحابه الحيرة، وكان ذلك في ثاني جمادى الآخرة، ثم تقدموا فقاتلوا أهل الكوفة، وخرج إليهم شيعة بني العباس ومواليهم فاقتتلوا إلى الليل، وكان شعارهم: يا إبراهيم يا منصور، لا طاعة للمأمون، وعليهم السواد وعلى أهل الكوفة الخضرة، ثم اقتتلوا من الغد فسأل رؤساء الكوفة سعيد بن الساجور الأمان للعباس وأصحابه فأمنهم، على أن يخرجوا من الكوفة فأجابوا إلى ذلك، وأتوا العباس فأعلموه فقبل منهم وتحول عن داره، ثم شغب أصحابه على من بقي من أصحاب سعيد وقاتلوهم، فانهزم أصحاب سعيد إلى الخندق، ونهب أصحاب العباس دور عيسى بن موسى، وأحرقوا وقتلوا من ظفروا به، فأرسل العباسيون إلى سعيد بالحيرة يخبرونه أن العباس بن موسى قد رجع عن الأمان، فركب سعيد وأصحابه وأتوا الكوفة عتمة فقتلوا من ظفروا به ممن انتهب، ومكثوا عامة الليل، فخرج إليهم رؤساء الكوفة فأعلموهم أن هذا فعل الغوغاء، وأن العباس لم يرجع عن الأمان فانصرفوا عنهم، فلما كان الغد دخلها سعيد وأبو البط ونادوا بالأمان ولم يعرضوا لأحد، وولوا الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكندي، ثم عزلوه لميله إلى أهل بلده، واستعملوا غسان بن أبي الفرج ثم عزلوه، واستعملوا الهول ابن أخي سعيد، فلم يزل عليها حتى قدمها حميد بن عبد الحميد فهرب، ودام أمر إبراهيم بن المهدي إلى سنة ثلاث ومائتين ثم خلع.\rخلع ابراهيم","part":6,"page":207},{"id":2708,"text":"وفي سنة ثلاث ومائتين خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهدي، وكان سبب ذلك أنه قبض على عيسى بن محمد بن أبي خالد، لأنه كان يكاتب حميد بن عبد الحميد والحسن بن سهل، ويظهر لإبراهيم الطاعة، وكان إبراهيم يأمره بالخروج لقتال حميد فيعتذر، أن الجند يطلبون أرزاقهم ومرة يقول حتى تدرك الغلة، إلى أن توثق عيسى من الجيش وفارقهم على أن يدفع إليهم إبراهيم بن المهدي في يوم الجمعة سلخ شوال، فجاء هارون بن محمد أخو عيسى فأعلم إبراهيم بذلك، وجاء عيسى إلى باب الجسر فقال للناس: إني قد سألت حميد بن عبد الحميد أن لا يدخل عملي ولا أدخل عمله، ثم أمر بحفر خندق بباب الجسر وباب الشام، وبلغ إبراهيم قوله وفعله، وكان عيسى قد سأل إبراهيم أن يصلي الجمعة بالمدينة، فأجابه إلى ذلك ثم حذر إبراهيم وأرسل إلى عيسى يستدعيه، فاعتل عليه فتابع رسله إليه فحضر عنده بالرصافة، فلما دخل عليه عاتبه ساعة وعيسى يعتذر وينكر بعض ذلك، ثم أمر به إبراهيم فضرب وحبس، وأخذ عدة من قواده وأهله فحبسهم، ونجا بعضهم ومضى بعض من نجا إلى بعض، وحرضوا الناس على إبراهيم، وكان أشدهم العباس - خليفة عيسى - فاجتمعوا وطردوا عامل إبراهيم على الجسر والكرخ وغيره، وكتب العباس إلى حميد يسأله أن يقدم عليهم، حتى يسلموا إليه بغداد، فسار حميد حتى أتى نهر صرصر، وخرج إليه العباس وقواد بغداد فلقوه، وكانوا قد شرطوا عليه أن يعطي لكل جندي خمسين درهماً، فأجابهم إلى ذلك ووعدهم أن يضع لهم العطاء يوم السبت في الياسرية، على أن يدعوا للمأمون بالخلافة يوم الجمعة ويخلعوا إبراهيم فأجابوه إلى ذلك، ولما بلغ إبراهيم الخبر أخرج عيسى ومن معه من الحبس وسأله أن يرجع إلى منزله ويكفيه هذا الأمر فأبى ذلك، فلما كان يوم الجمعة أحضر العباس - محمد بن أبي رجاء الفقيه - فصلى بالناس الجمعة ودعا للمأمون بالخلافة، وجاء حميد إلى الياسرية فعرض جند بغداد، وأعطاهم الخمسين التي وعدهم بها فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة، لما تشاءموا به من علي بن هشام حين أعطاهم الخمسين وقطع العطاء عنهم، فقال حميد: لا، بل أزيدكم عشرة، فلما بلغ ذلك إبراهيم دعا عيسى وسأله أن يقاتل حميداً، فأجابه إلى ذلك فخلى سبيله، وكلم عيسى الجند ووعدهم أن يعطيهم مثل ما أعطاهم حميد فأبوا ذلك، فعبر إليهم عيسى وقواد الجانب الشرقي، ووعد أولئك الجند أن يزيدهم على الستين فشتموه، وقالوا: لا نريد إبراهيم، فقاتلهم ساعة ثم ألقى نفسه في وسطهم حتى أخذوه شبه الأسير، فأخذه بعض قواده فأتى به منزله ورجع الباقون إلى إبراهيم، فأخبروه بالخبر فاغتم لذلك.\rاختفاء ابراهيم\rكان سبب ذلك أن حميد بن عبد الحميد تحول فنزل عند أرحاء عبد الله بن مالك، فلما رأى أصحاب إبراهيم وقواده ذلك تسللوا فصار عامتهم عنده، فأخرج إبراهيم جميع من بقي عنده فالتقوا واقتتلوا، فهزمهم حميد وتبعهم أصحابه حتى أدخلوهم بغداد، وذلك في سلخ ذى القعدة، فلما كان الأضحى اختفى الفضل بن الربيع ثم تحول إلى حميد، وجعل الهاشميون والقواد يأتون حميداً واحداً بعد واحد، فلما رأى إبراهيم ذلك سقط في يده، وبلغه أن أصحابه يريدون أن يسلموه إليهم فداراهم حتى جنه الليل، واختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، ولم يزل متوارياً حتى ظفر به المأمون في سنة عشر ومائتين على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوكانت أيام إبراهيم سنة وأحد عشر شهراً واثني عشر يوماً، واستقر بعده علي بن هشام على شرقي بغداد، وحميد على غربيها. نعود إلى بقية حوادث سنة اثنتين ومائتين خلاف أخبار إبراهيم بن المهدي.\rقتل ذو الرئاستين\rالفضل بن سهل","part":6,"page":208},{"id":2709,"text":"وفي سنة اثنتين ومائة سار المأمون من مرو إلى العراق، واستخلف على خراسان غسان بن عباد، وكان مسيره أن علي بن موسى الرضا أخبره ما الناس فيه من الفتنة منذ قتل الأمين، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من أخبار الناس وأهل بيته، وأن الناس قد نقموا عليه أشياء، وأنهم يقولون مسحور مجنون، وأنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهدي بالخلافة، فقال له المأمون: لم يبايعوه بالخلافة وإنما صيروه أميراً، يقوم بأمرهم على ما أخبر به الفضل، فأعلمه أن الفضل قد كذبه، وأن الحرب قائمة بين الحسن وإبراهيم، وأن الناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه الفضل ومكاني وبيعتك لي من بعدك، فقال المأمون: ومن يعلم ذلك؟ فقال يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وغيرهم من وجوه العسكر، فأمر بإدخالهم فدخلوا فسألهم عما أخبر به علي بن موسى، فلم يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل أن لا يعرض إليهم، فضمن لهم ذلك وكتب لهم خطه به، فأخبروه بما أخبره به علي بن موسى، وأخبروه أن أهل بغداد يسمون إبراهيم الخليفة السني، وأنهم يتهمون المأمون بالرفض لمكان علي بن موسى، وأعلموه ما الناس فيه وبما موه عليه الفضل من أمر هرثمة، وأن هرثمة إنما جاءه لينصحه فقتله الفضل، وأنه إذا لم يتدارك أمره وإلا خرجت الخلافة من يده، وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما يعلمه، وأخرج من الأمر كله وضعف أمره، وشغبت عليه جنده، وأنه لو كان ببغداد ضبط الملك، وأن الدنيا قد تفتقت من أطرافها وأقطارها، وسألوه أن يخرج إلى بغداد فإن أهلها لو رأوه أطاعوه، فلما تحقق ذلك أمر بالرحيل فعلم الفضل بالحال، فضرب بعضهم وحبس بعضهم ونتف لحى بعضهم، فذكر علي بن موسى ذلك للمأمون، فقال: أنا أداري، ثم أرتحل، فلما أتى سرخس وثب قوم بالفضل بن سهل فقتلوه في الحمام، وكان قتله لليلتين خلتا من شعبان، وكان الذين قتلوه أربعة: أحدهم غالب المسعودي الأسود، وقسطنطين الرومي، وفرج الديلمي، وموفق الصقلبي وكان عمره ستين سنة، وهربوا بعد قتله فجعل المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار، فجاء بهم العباس بن الهيثم الدينوري، فقالوا للمأمون: أنت أمرتنا بقتله، فأمر بهم فضربت رقابهم، ثم أحضر عبد العزيز بن عمران وغيره، وسألهم فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك، فلم يقبل منهم وقتلهم وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة بقتل الفضل، وأنه قد صيره مكانه، ورحل المأمون إلى العراق.\rوفيها تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، وفيها زوج المأمون ابنته أم حبيب من علي بن موسى الرضا، وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن موسى بن جعفر، ودعا لأخيه بعد المأمون بولاية العهد.\rودخلت سنة ثلاث ومائتين.\rوفاة علي الرضا\rولي العهد كانت وفاته في آخر صفر بمدينة طوس، وكان سبب ذلك أنه أكل عنباً فأكثر منه فمات فجأة، وصلى عليه المأمون ودفنه عند قبر أبيه الرشيد، وقيل إن المأمون سمه في عنب، واستبعد ذلك جماعة وأنكروه. قال: ولما مات كتب المأمون إلى الحسن بن سهل يعلمه بموته، وما دخل عليه من المصيبة بموته، وكتب إلى أهل بغداد وبني العباس والموالي يعلمهم بموته، وأنهم إنما نقموا بيعته وقد مات، وسألهم الدخول في طاعته فأغلظوا له في الجواب، وكان مولد علي بن موسى بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة.\rوحج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي، وفيها غلبت السوداء على الحسن بن سهل وتغير عقله حتى شد في الحديد وحبس، فكتب القواد إلى المأمون بذلك فجعل في عسكره دينار بن عبد الله.\rودخلت سنة أربع ومائتين.\rقدوم المأمون بغداد","part":6,"page":209},{"id":2710,"text":"في هذه السنة قدم المأمون بغداد وانقطعت الفتن، وخرج إليه أهل بيته والقواد ووجوه الناس، وكان كتب إلى طاهر وهو بالرقة ليوافيه بالنهروان فأتاه بها، ودخل بغداد في منتصف صفر ولباسه ولباس أصحابه الخضرة، فنزل الرصافة ثم تحول فنزل قصره على شاطيء دجلة، وأمر القواد أن يقيموا في معسكرهم، وكان الناس يحرقون كل ملبوس يرونه من السواد على إنسان، فمكثوا ثمانية أيام كذلك، فتكلم بنو العباس وقواد خراسان، فقيل إنه أمر طاهر بن الحسين أن يسأل حوائجه، فكان أول حاجة سألها أن يلبس السواد، فأجابه إلى ذلك وجلس المأمون للناس وأحضر سواداً فلبسه، ودعا بخلعة سوداء فألبسها طاهراً، وخلع على قواده السواد، وذلك لسبع بقين من صفر منها.\rوفي هذه السنة أمر المأمون بمقاسمة أهل السواد على الخمسين، وكانوا يقاسمون على النصف. وحج بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، واستعمله المأمون على الحرمين، وفي هذه السنة أعني سنة أربع ومائتين مات الإمام محمد بن إدريس الشافعي بمصر، ومولده سنة خمسين ومائة رحمه الله ورضي عنه.\rودخلت سنة خمس ومائتين.\rولاية طاهر\rبن الحسين خراسان في هذه السنة استعمل المأمون طاهر بن الحسين على المشرق - من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق، وكان قبل ذلك يتولى الشرط بجانبي بغداد، فشخص طاهر من يومه وذلك لليلة بقيت من ذى القعدة، وقدم طاهر البلد فأقام شهراً فحمل إليه عشرة آلاف ألف درهم التي تحمل لصاحب خراسان، وجعل المأمون على الشرط عبد الله بن طاهر بعد أبيه وحج بالناس عبيد الله العلوي.\rودخلت سنة ست ومائتين.\rولاية عبد الله بن طاهر الرقة وغيرها\rفي هذه السنة ولى المأمون عبد الله بن طاهر من الرقة إلى مصر، وأمره بحرب نصر بن شبث، وقال له: يا عبد الله إني أستخير الله منذ شهر وأكثر وأرجو أن يكون قد خار لي، وقد وليتك هذه الأعمال ومحاربة نصر بن شبث، فقال: السمع والطاعة، وأرجو أن يجعل الله لأمير المؤمنين الخيرة وللمسلمين، فعقد له، وقيل كانت ولايته سنة خمس ومائتين، لما سار استخلف على الشرط إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب - وهو ابن عمه، وسار عبد الله إلى عمله، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوحج بالناس عبيد الله العلوي.\rودخلت سنة سبع ومائتين.\rفي هذه السنة خرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ببلاد عك من اليمن، يدعو إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم، وكان سبب خروجه أن عمال اليمن أساءوا السيرة في الناس، فبايعوا عبد الرحمن فوجه المأمون إليه دينار بن عبد الله في جيش كثيف، وكتب معه بأمانه، فحضر دينار الموسم وحج بالناس، ثم سار إلى اليمن فبعث إلى عبد الرحمن بأمانه فقبله، ودخل في طاعة المأمون ووضع يده في يد دينار، فخرج به إلى المأمون، فمنع المأمون عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه، وأمرهم بلبس السواد.\rوفاة طاهر بن الحسين أمير خراسان واستعمال ابنه طلحة","part":6,"page":210},{"id":2711,"text":"كانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة، قال كلثوم بن ثابت بن أبي سعيد: كنت على بريد خراسان، فلما كان في سنة سبع ومائتين حضرت الجمعة، فصعد طاهر المنبر فلما بلغ ذكر الخليفة أمسك عن الدعاء له، وقال: اللهم أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك، واكفها مؤونة من بغى عليها وحشد فيها، بلم الشعث وحقن الدماء وإصلاح ذات البين، قال: فقلت في نفسي أنا أول مقتول لأني لا أكتم الخبر، فانصرفت فاغتسلت غسل الموتى وتكفنت، وكتبت إلى المأمون، فلما كان العصر دعاني طاهر، وحدث به حادث في جفن عينيه فسقط ميتاً، فخرج إلي ابنه طلحة فقال: هل كتبت بما كان؟ قلت: نعم، قال: فاكتب بوفاته وبقيام طلحة بأمر الجيش، فوردت الخريطة على المأمون بخلعه، فدعا أحمد بن أبي خالد فقال: سر فإيت بطاهر - كما زعمت وضمنت، وكان هو قد أشار على المأمون بولاية طاهر خراسان وضمنه، فقال: يا أمير المؤمنين أبيت الليلة، قال: لا، فلم يزل به حتى أذن له في المبيت، ووافت الخريطة الأخرى ليلاً بموته، فدعاه فقال: قد مات طاهر فمن ترى؟ قال: ابنه طلحة، قال: اكتب بتوليته فكتب بذلك، ولما ورد الخبر بموت طاهر قال المأمون: لليدين والفم، الحمد لله الذي قدمه وأخرنا. وكان طاهر أعور وفيه يقول بعضهم:\rيا ذا اليمينين وعين واحده ... نقصان عين ويمين زائده\rوكان لقبه ذا اليمينين وكنيته أبا الطيب. وقيل إن المأمون استعمل على أعمال طاهر ابنه عبد الله، فسير إلى خراسان أخاه طلحة، وكان عبد الله بالرقة يحارب ابن شبث، فلما وجه طلحة إلى خراسان سير المأمون إليه أحمد بن أبي خالد ليقوم بأمره، فعبر أحمد إلى ما وراء النهر وافتتح أشروسنة، وأسر كاوس بن خارخره وابنه الفضل وبعث بهما إلى المأمون، ووهب طلحة لأحمد بن أبي خالد ثلاثة آلاف ألف درهم وعروضاً بألفي ألف درهم، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتبه خمسمائة ألف.\rوحج بالناس في هذه السنة أبو عيسى بن الرشيد.\rودخلت سنة ثمان ومائتين.\rفي هذه السنة سار الحسن بن الحسين بن مصعب من خراسان إلى كرمان فعصى بها، فسار إليه أحمد بن أبي خالد فأخذه، وأتى به المأمون فعفا عنه، وحج بالناس في هذه السنة صالح بن الرشيد.\rودخلت سنة تسع ومائتين.\rفي هذه السنة حصل الظفر بنصر بن شبث، وقد قدمناه في أخباره. وحج بالناس صالح بن العباس بن محمد بن علي.\rودخلت سنة عشر ومائتين.\rفي هذه السنة ظفر المأمون إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام المعروف بابن عائشة ومحمد بن إبراهيم الأفريقي ومالك بن شاهي ومن كان معهم ممن سعى في بيعة إبراهيم بن المهدي، فأقيم ابن عائشة على باب دار المأمون ثلاثة أيام في الشمس. ثم ضربه بالسياط وحبسه، وضرب مالك بن شاهي وأصحابهما، ثم قتل ابن عائشة وابن شاهي ورجلين من أصحابهما صبراً، وصلب ابن عائشة - وهو أول عباسي صلب في الإسلام، ثم أنزل وكفن وصلي عليه ودفن بمقابر قريش.\rظفر المأمون بإبراهيم\rبن المهدي","part":6,"page":211},{"id":2712,"text":"في هذه السنة في شهر ربيع الآخر أخذ إبراهيم بن المهدي، وهو متنقب في زي امرأة بين امرأتين، أخذه حارس أسود ليلاً وقال له ولهن: أين تردن في هذا الوقت؟! فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت كان في يده، فاستراب منه الحارس ورفعهن إلى صاحب المسلحة، فأمرهن أن يسفرن عن وجوههن، فامتنع إبراهيم فجذبه فبدت لحيته، فدفعه إلى صاحب الجسر فعرفه، فذهب به إلى المأمون وأعلمه به، فأمره بالاحتفاظ به إلى باكر النهار، فلما كان الغد أقعد إبراهيم في دار المأمون. والمقنعة في عنقه والملحفة على صدره ليراه بنو هاشم والناس ويعلموا كيف أخذ، ثم حوله إلى أحمد بن أبي خالد فحبسه عنده، ثم شفع فيه الحسن بن سهل - وقيل ابنته بوران لما بنى بها المأمون. وقيل إن إبراهيم لما أخذ حمل إلى دار أبي إسحاق المعتصم، وكان المعتصم عند المأمون فحمل رديفاً لفرج التركي، فلما دخل على المأمون قال له: هيه يا إبراهيم، فقال: يا أمير المؤمنين ولي الثأر محكم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومن تناوله الأغترار - بما مد له من أسباب الشقاء - أمكن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب، كما جعل كل ذي ذنب دونك فإن تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك، فقال: بل أعفو يا إبراهيم، فكبر وسجد. وقيل بل كتب إبراهيم هذا الكلام إلى المأمون وهو مختف، فوقع المأمون في رقعته: القدرة تذهب الحفيظة والندم توبة وبينهما عفو الله عز وجل، وهو أكبر ما نسأله، فامتدحه إبراهيم بن المهدي بقصيدته التي هي:\rيا خير من رفلت يمانيه به ... بعد النبي لآيس أو طامع\rوأبر من عبد الإله على التقى ... غيباً وأقوله بحق صادع\rعسل الفوارع ما أطعت فإن تهج ... فالصاب يمزج بالسمام الناقع\rمتيقظاً حذراً وما تخشى العدى ... نبهان من وسنان ليل الهاجع\rملئت قلوب الناس منك مخافة ... وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع\rبأبي وأمي فدية وبنبهما ... من كل معضلة وريب واقع\rمنها:\rنفسي فداؤك إذ تضل معاذري ... وألوذ منك بفضل حلم واسع\rأملاً لفضلك والفواضل شيمة ... دفعت بناءك للمحل اليافع\rفبذلت أفضل ما يضيق ببذله ... وسع النفوس من الفعال البارع\rوعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع\rإلا العلو عن العقوبة بعدما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع\rفرحمت أطفالاً كأفراخ القطا ... وعويل عانسة كقوس النازع\rالله يعلم ما أقول فإنها ... جهد الألية من حنيف راكع\rما إن عصيت والغواة تقودني ... أسبابها إلا بنية طائع\rحتى إذا علقت حبائل شقوتي ... بردىً إلى حفر المهالك هائع\rلم أدر أن لمثل جرمي غافراً ... فوقفت أنظر أي حتف مصارعي\rرد الحياة علي بعد ذهابها ... ورع الإمام القادر المتواضع\rومنها:\rكم من يد لم تحدثني بها ... نفسي إذا آلت إلي مطامعي\rأسديتها عفواً إلي هنيئة ... وشكرت مصطنعاً لأكرم صانع\rإن الذي قسم الخلافة حازها ... من صلب آدم في الإمام السابع\rجمع القلوب عليك جامع أمرها ... وحوى رداؤك كل خير جامع\rقال: فلما أنشدها قال المأمون: أقول كما يوسف لإخوته \" لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين \"","part":6,"page":212},{"id":2713,"text":"وروى أبو الفرج الأصفهاني بسنده عن محمد بن عمرو الأنباري قال: لما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي أحب أن يوبخه على رءوس الناس، فجيء بإبراهيم يحجل في قيوده، فوقف على طرف الإيوان وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال له المأمون: لا سلم الله عليك ولا حفظك ولا كلأك ولا رعاك يا إبراهيم، فقال له: على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد أصبحت ولي ثأري، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مد له الأغترار في الأمل هجمت به الأناة على التلف، وقد أصبح ذنبي فوق كل ذي ذنب، كما أن عفوك فوق كل ذي عفو. ومن رواية أخرى أنه قال: وقد أصبحت فوق كل ذي ذنب، كما أصبح كل ذي عفو دونك، فإن عاقبت فبحقك وإن تعف فبفضلك، قال: فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: إن هذين أشارا علي بقتلك، فالتفت فإذا العباس بن المأمون والمعتصم، فقال: يا أمير المؤمنين أما حقيقة الرأي في معظم تدبير الخلافة والسياسة فقد أشارا عليك به، وما غشاك إذ كان مني ما كان، ولكن الله عودك من العفو عادة جريت عليها، دافعاً ما تخاف بما ترجو، فكفاك الله يا أمير المؤمنين، فتبسم المأمون ثم أقبل على ثمامة فقال: إن من الكلام ما يفوق الدر ويغلب السحر، وإن كلام عمي منه، أطلقوا حديده وردوه إلي مكرماً، فلما رد إليه قال: يا عم، صر إلى المنادمة وارجع إلى الأنس، فلن ترى مني أبداً إلا ما تحب، فلما كان من الغد بعث إليه بدرج فيه هذه القصيدة التي تقدم ذكرها، لكن اختصرها أبو الفرج فذكر بعضها، فلما قرأها المأمون بكى وقال علي به فخلع عليه، وأمر له بخمسة آلاف دينار، ودعا بالفراش فقال له: إذا رأيت عمي مقبلاً فاطرح له متكأً، وكان ينادمه لا ينكر منه شيئاً. قال أبو الفرج: وروى بعض هذا الخبر عن محمد بن الفضل الهاشمي، فقال فيه: لما فرغ المأمون من خطابه دفعه إلى ابن أبي خالد الأحول، وقال: هذا صديقك فخذه إليك، قال: وما تغني صداقتي عنه وأمير المؤمنين ساخط عليه، أما إني - وإن كنت صديقاً له - لا أمتنع عن قول الحق فيه، قال له: قل فإنك غير متهم، فقال - وهو يريد التسلق على العفو عنه: إن قتلته فقد قتلت الملوك قبلك أقل جرماً منه وإن عفوت عنه عفوت عمن لم يعف قبلك عن مثله، فسكت المأمون ساعة ثم تمثل\rقومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي\rفلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي\rخذه إليك يا أحمد مكرماً، فانصرف به ثم كتب إلى المأمون قصيدته المذكورة، فلما قرأها رق له وأمر برده إلى منزله، ورد ما قبض من أملاكه وماله. وفي خبر عن أبي داود أن المأمون تقدم إلى محمد بن يزداد - لما أطلق إبراهيم - أن يمنعه من داري الخاصة والعامة، ووكل به رجلاً من قبله يثق به ليعرفه أخباره وما يتكلم به، فكتب إليه الموكل أن إبراهيم - لما بلغه المنع من داري الخاصة والعامة - تمثل:\rيا سرحة الماء قد سدت مواردها ... أما إليك طريق غير مسدود\rلحائم حام حتى لا حيام به ... محلاً عن طريق الماء مردود\rفلما قرأها المأمون بكى وأمر بإحضاره من وقته مكرماً، وأنزله في مرتبته، فلما دخل على المأمون قبل البساط وقال:\rالبر بي منك وطا العذر عندك لي ... دون اعتذاري فلم تعذر ولم تلم\rوقام علمك بي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم\rرددت مالي ولم تمنن علي به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي\rفبؤت منك وقد كافأتها بيد ... هي الحياتان من موت ومن عدم\rتعفو بعدل وتسطو إن سطوت به ... فلا عدمناك من عارف ومنتقم","part":6,"page":213},{"id":2714,"text":"فقال: اجلس يا عم آمناً مطمئناً. فلن ترى أبداً مني ما تكرهه، إلا أن تحدث حدثاً أو تتغير عن طاعة، وأرجو ألا يكون ذلك إن شاء الله تعالى. وروى الفضل بن مروان قال: لما دخل إبراهيم بن المهدي على المأمون - لما ظفر به - كلمه بكلام كان سعيد بن العاص كلم به معاوية بن أبي سفيان في سخطة سخطها عليه واستعطفه به، وكان المأمون يحفظ الكلام فقال المأمون: هيهات يا إبراهيم، هذا كلام سبقك به فحل بني أمية وقارحهم سعيد بن العاص وخطب به معاوية بن أبي سفيان، فقال له إبراهيم: يا أمير المؤمنين - وأنت أيضاً إن عفوت فقد سبقك فحل بني حرب وقارحهم إلى العفو، فلا تكن حالي عندك في ذلك أبعد من حال سعيد عند معاوية، فإنك أشرف منه وأنا أشرف من سعيد، وأنا أقرب إليك من سعيد إلى معاوية، وإن أعظم الهجنة تسبق أمية هشاماً إلى مكرمة فقال له: صدقت يا عم قد عفوت عنك.\rبناء المأمون ببوران\rابنة الحسن بن سهل","part":6,"page":214},{"id":2715,"text":"في هذه السنة بنى المأمون بها في شهر رمضان، وكان المأمون قد سار من بغداد إلى فم الصلح إلى معسكر الحسن، فنزله وزفت إليه بوران، فلما دخل إليها المأمون كان عندها حمدونة بنت الرشيد وأم جعفر زبيدة والدة الأمين وجدتها - أم الفضل وأم الحسن ابني سهل، فلما دخل نثرت عليه جدتها ألف لؤلؤة من أنفس ما يكون، فأمر المأمون بجمعه وأعطاه لبوران، وقال: سلي حاجتك فأمسكت، فقالت جدتها: سلي سيدك فقد أمرك، فسألته الرضا عن إبراهيم بن المهدي، فقال: قد فعلت، وسألته الإذن لأم جعفر في الحج فأذن لها، وألبستها أم جعفر البدنة اللؤلؤ الأموية، وأوقد المأمون في تلك الليلة شمعة عنبر فيها أربعون مناً، وأقام المأمون عند الحسن سبعة عشر يوماً، يعد له كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه، وخلع الحسن على القواد على مراتبهم وحملهم ووصلهم، وكتب الحسن أسماء ضياعه ونثرها. وحكى عبد الملك بن عبد الله بن عبدون الحضرمي الشبلي، في كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرر، قال حكى إسحاق بن إبراهيم بن ميمون الموصلي قال: قال لي المأمون يوماً: هذا يوم سرور، ثم قال للغلمان: خذوا علينا الباب واحضروا بالشراب، فبقينا بقية يومنا في أنس وشرب، فلما كان الليل قال لي: يا إسحاق إني أريد الصبوح، فكن بمكانك حتى أدخل إلى الحرم وأخرج إليك، فاستبطأت خروجه فقلت: اشتغل وغلب عليه النبيذ ونسيني، وكانت عندي جارية بكر كنت اشتريتها فتطلعت لها نفسي، فنهضت فقال لي العبد: قد انصرف عبدك بدابتك، فمشيت فلما صرت ببعض الطريق أحسست بالبول، فعدلت عن الطريق وقضيت حاجتي، فلما أردت أن أستجمر عدلت إلى حائط، وإذا بزنبيل كبير معلق، قد ألبس بالديباج وفيه أربعة أحبل من الابريسم، فقلت: إن له لأمراً، ثم تجاسرت وجلست فيه فجذب، وإذا أربع جوار يقلن بالسعة: أصديق أم جديد؟ فقلت جديد، فسارت إحداهن بين يدي حتى أدخلتني إلى مجلس لم أر مثله، فجلست في أدنى مجالسه، وإذا بوصائف بأيديهن الشمع والمجامر يتبخر فيها العود، وبينهن جارية كالبدر الطالع ذات دل وشكل، فنهضت لدخولها فقالت مرحباً بالضيف، وسألتني عن دخولي، فقلت: عن غيرما قصد، قالت فما السبب؟ قلت انصرفت من عند بعض أصحابي فلما رأيت الزنبيل حملني النبيذ على الدخول فيه، قالت: فما صناعتك؟ قلت: بزاز، قالت: ومولدك؟ قلت: بغداد، قالت: من أي الناس؟ قلت من أوسطهم، قالت: حياك الله، عل رويت من الأشعار شيئاً؟ قلت: شيء ضعيف، قالت: فذاكرني، قلت: إن للداخل دهشة، ولكن ابدأيني فالشيء بالمذاكرة، قالت: هل تحفظ قصيدة فلان التي يقول فيها كذا وكذا، فأنشدتني لجماعة من الشعراء القدماء والمحدثين، وأنا مستمع أنظر من أي أحوالها أعجب: من حسنها أو من حسن إنشادها أو من حسن أدبها أو ضبطها للغريب من النحو واللغة!! ثم قالت: قد ذهب عنك بعض الحصر، قلت: إن شاء الله لقد كان ذلك، قالت: فأنشدني، فأنشدتها فجعلت تسألني عن أشياء تمر في الشعر كالمختبرة، ثم قالت: والله ما قصرت ولا توهمت أن فيك هذا!! ولا رأيت في أبناء التجار مثلك! فكيف معرفتك بالأخبار وأيام الناس؟! قلت: نظرت في شيء من ذلك، فأمرت بإحضار الطعام فأكلنا، ثم أحضرت نبيذاً فشربت قدحاً، وقالت: هذا أوان المذاكرة، فاندفعت وقلت: بلغني كذا وكذا، وكان رجل من قصته كذا وكذا، فسرت بذلك، وقالت: ليس هذا من أمر التجار، وإنما هي من أحاديث الملوك، قلت: إنه كان لي جار ينادم بعض الملوك فكنت أدعوه في بعض الأوقات إلى منزلي، فما تسمعين مني فمن عنده أخذته، قالت: يمكن هذا!! ثم قالت: لو كان عندك شيء واحد لكنت كاملاً! فحرك بعض الملاهي أو ترنم، قلت: لا أحسن من هذا شيئاً على أني مولع بسماعه، فقالت: يا جارية - عودي، فضربت فأحسنت وغنت غناء بديعاً، ثم قالت: هذا الغناء لإسحاق، فلم تزل على ذلك حتى إذا كان عند الفجر قالت: المجالس بالأمانات، ثم أخذت وأخرجت إلى باب صغير، فانتهيت إلى داري فأرسل المأمون إلي فمشيت إليه، وبقيت عنده إلى وقت البارحة ودخل إلى حرمه، فخرجت إلى ذلك الموضع ودخلت الزنبيل، فقالت: ضيفنا!! قلت: منوا بالصفح، قالت: فعلنا ولا تعد، فلما كان عند الصباح فعلت فعلة البارحة، وخرجت فأتيت المأمون، فقال: أين كنت!! فاعتذرت إليه، فلما كان الليل صنع صنعه وصنعت كذلك، فلما دخلت في الزنبيل قالت: ضيفنا!! قلت: أي","part":6,"page":215},{"id":2716,"text":"ها الله!!، قالت: أجعلتها دار مقام!! قلت: الضيافة ثلاث فإن رجعت فأنت من دمي في حل، فلما كان عند الوقت أفكرت في المأمون، وعلمت أنه لا يخلصني منه إلا أن أخبره، وعلمت من شغفه بالنساء أنه يطالبني بالمشي إليها، فقلت: جلعت فداك - أتأذنين في ذكر شيء حضر؟ قالت: قل، قلت: أراك ممن يحب الغناء ويشغف بالأدب، ولي ابن عم هو من أهل الشعر والأدب والغناء، هو أعرف خلق الله بغناء إسحاق، الذي سمعتك تثنين عليه، فقالت: طفيلي ويقترح، قلت: إنما ذكرت ذلك لك وأنت المحكمة، قالت: فإذا كان كما ذكرت فما نكره أن نعرفه، قلت: فالليلة، قالت: نعم، ثم انصرفت على عادتي فلما وصلت داري أتاني رسول المأمون، فمشيت إليه وهو حنق علي، فقال: يا إسحاق آمرك بشيء فلا تقف عنده، وكان لا يدخل إلى حرمه حتى يأمرني بانتظاره، فأتذكر مجالسة الجارية فأنسى عقوبته، فقلت: لي قصة أحتاج فيها إلى خلوة، فأومأ بيده إلى من كان واقفاً فتنحوا، فذكرت له القصة فلما فرغت من كلامي قال: كيف لي بمشاهدة ذلك الموضع؟ قلت: قد علمت أنك تطالبني بهذا، وقد قلت لها لي ابن عم من صنعته ومن حديثه، ثم جلسنا على عادتنا في الأيام الخوالي - وهو يسألني عن حديثها، فلما جاء الليل صرنا إلى ذلك الموضع، فألفينا فيه زنبيلين فدخل في واحد ودخلت في الآخر، فلما صرنا في البيت جلست في صدره، وجلس المأمون دوني، فلما أتت قالت: حيا الله ضيفينا بالسلام، ثم رفعت مجلسه وقالت: هذا ضيف وأنت من أهل البيت، ولكل جديد لذة، فجلس المأمون في صدر البيت وأقبلت عليه تحدثه، وهو يأخذ معها في كل فن فيسكتها، فالتفتت إلي وقالت: وفيت بوعدك، ثم أحضرت النبيذ وجعلنا نشرب وهي مقبلة عليه، ثم قالت: وابن عمك هذا من أولاد التجار؟! إن حديثكما وأدبكما لمن أدب الملوك، وليس للتجار هذه المنزلة في الأحاديث والآداب، ثم قالت لي: موعدك؟ قلت: إنه ليجيب ولكن حتى يسمع شيئاً، فأخذت العود وغنت فشربنا عليه رطلاً ثم ثانياً وثالثاً، فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال ارتاح وطرب، وكان الصوت الثالث ما يقترحه علي أبداً، فلما سمعه نظر إلي نظر الأسد إلى فريسته، وقال لي: يا إسحاق غن لي هذا الصوت، فلما رأتني وقفت بين يديه علمت أنه المأمون وأنني إسحاق، فنهضت فقال لها: ها هنا وأومأ إلى كلة مضروبة فدخلتها، فلما فرغت من ذلك الصوت قال: يا إسحاق: انظر من صاحب هذه الدار؟ فسألت عجوز فقالت الحسن بن سهل وهذه ابنته بوران، فرجعت فأعلمته فقال: علي به الساعة فأحضرته فوقف بين يديه فقال: لك بنت؟ قال نعم يا أمير المؤمنين، قال: زوجنيها، قال هي أمتك وأمرها إليك، قال: فإني أتزوجها على ثلاثين ألفاً نحملها إليك صبيحة غد، فإذا وصل إليك المال فاحملها إلينا، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ثم نهض وفتح الباب وخرجنا، فلما صرنا إلى الدار قال لي: يا إسحاق لا يقفن أحد على ما وقفت عليه فإن المجالس بالأمانات، فقلت: يا أمير المؤمنين - ومثلي يحتاج إلى وصية! قال: فلما أصبحنا أمر بحمل المال إليه، ونقلت إليه من يومها، قال إسحاق فما فهت بالخبر إلا بعد موت المأمون.ها الله!!، قالت: أجعلتها دار مقام!! قلت: الضيافة ثلاث فإن رجعت فأنت من دمي في حل، فلما كان عند الوقت أفكرت في المأمون، وعلمت أنه لا يخلصني منه إلا أن أخبره، وعلمت من شغفه بالنساء أنه يطالبني بالمشي إليها، فقلت: جلعت فداك - أتأذنين في ذكر شيء حضر؟ قالت: قل، قلت: أراك ممن يحب الغناء ويشغف بالأدب، ولي ابن عم هو من أهل الشعر والأدب والغناء، هو أعرف خلق الله بغناء إسحاق، الذي سمعتك تثنين عليه، فقالت: طفيلي ويقترح، قلت: إنما ذكرت ذلك لك وأنت المحكمة، قالت: فإذا كان كما ذكرت فما نكره أن نعرفه، قلت: فالليلة، قالت: نعم، ثم انصرفت على عادتي فلما وصلت داري أتاني رسول المأمون، فمشيت إليه وهو حنق علي، فقال: يا إسحاق آمرك بشيء فلا تقف عنده، وكان لا يدخل إلى حرمه حتى يأمرني بانتظاره، فأتذكر مجالسة الجارية فأنسى عقوبته، فقلت: لي قصة أحتاج فيها إلى خلوة، فأومأ بيده إلى من كان واقفاً فتنحوا، فذكرت له القصة فلما فرغت من كلامي قال: كيف لي بمشاهدة ذلك الموضع؟ قلت: قد علمت أنك تطالبني بهذا، وقد قلت لها لي ابن عم من صنعته ومن حديثه، ثم جلسنا على عادتنا في الأيام الخوالي - وهو يسألني عن حديثها، فلما جاء الليل صرنا إلى ذلك الموضع، فألفينا فيه زنبيلين فدخل في واحد ودخلت في الآخر، فلما صرنا في البيت جلست في صدره، وجلس المأمون دوني، فلما أتت قالت: حيا الله ضيفينا بالسلام، ثم رفعت مجلسه وقالت: هذا ضيف وأنت من أهل البيت، ولكل جديد لذة، فجلس المأمون في صدر البيت وأقبلت عليه تحدثه، وهو يأخذ معها في كل فن فيسكتها، فالتفتت إلي وقالت: وفيت بوعدك، ثم أحضرت النبيذ وجعلنا نشرب وهي مقبلة عليه، ثم قالت: وابن عمك هذا من أولاد التجار؟! إن حديثكما وأدبكما لمن أدب الملوك، وليس للتجار هذه المنزلة في الأحاديث والآداب، ثم قالت لي: موعدك؟ قلت: إنه ليجيب ولكن حتى يسمع شيئاً، فأخذت العود وغنت فشربنا عليه رطلاً ثم ثانياً وثالثاً، فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال ارتاح وطرب، وكان الصوت الثالث ما يقترحه علي أبداً، فلما سمعه نظر إلي نظر الأسد إلى فريسته، وقال لي: يا إسحاق غن لي هذا الصوت، فلما رأتني وقفت بين يديه علمت أنه المأمون وأنني إسحاق، فنهضت فقال لها: ها هنا وأومأ إلى كلة مضروبة فدخلتها، فلما فرغت من ذلك الصوت قال: يا إسحاق: انظر من صاحب هذه الدار؟ فسألت عجوز فقالت الحسن بن سهل وهذه ابنته بوران، فرجعت فأعلمته فقال: علي به الساعة فأحضرته فوقف بين يديه فقال: لك بنت؟ قال نعم يا أمير المؤمنين، قال: زوجنيها، قال هي أمتك وأمرها إليك، قال: فإني أتزوجها على ثلاثين ألفاً نحملها إليك صبيحة غد، فإذا وصل إليك المال فاحملها إلينا، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ثم نهض وفتح الباب وخرجنا، فلما صرنا إلى الدار قال لي: يا إسحاق لا يقفن أحد على ما وقفت عليه فإن المجالس بالأمانات، فقلت: يا أمير المؤمنين - ومثلي يحتاج إلى وصية! قال: فلما أصبحنا أمر بحمل المال إليه، ونقلت إليه من يومها، قال إسحاق فما فهت بالخبر إلا بعد موت المأمون.","part":6,"page":216},{"id":2717,"text":"قال ابن عبدون: وذكر أنه لما أراد أن يعرس بها أمر بإخراج الفساطيط والقباب، وأن تضرب على ضفة دجلة في موضع منخفض، وخرج وجوه الناس لحضور ذلك وعامة الناس للتنزه، وكانت النفقة من عند الحسن بن سهل على كل من حضر. قال: وكان عدد الملاحين منهم خاصة أرباب الزلاليات والزواريق وما شاكلها - الذين يحملون الناس في مراكبهم إلى موضع العرس - عشرة آلاف، ويقال إنه لما بسطت القبة التي دخل فيها المأمون على بوران خير الحسن الخاصة - ممن حضر ذلك العرس - بين مائة دينار وحلة أو قبضة من أرض تلك القبة، فيقال إن القابض بكفه من أرض القبة كان أرجح ممن أخذ مائة دينار وحلة، فإنه ربما كان يخرج من قبضته حجر ياقوت أو حجر زمرد أو درة نفيسة تساوي أضعاف ذلك القدر.\rفتح الإسكندرية ومصر\rوفي سنة عشر ومائتين سار عبد الله بن طاهر إلى مصر وافتتحها، واستأمن له عبيد الله بن السري، وكان سبب مسيره أن عبيد الله بن السري كان قد تغلب على مصر وخلع الطاعة، وخرج جمع من الأندلس فغلبوا على الإسكندرية، واشتغل عبد الله بن طاهر عنهم بحرب نصر بن شبث، فلما فرغ منه سار نحو مصر، فلما قرب منها قدم قائداً من قواده إليها لينظر موضعاً يعسكر فيه، وكان ابن السري قد خندق على مصر، فاتصل الخبر به فخرج إلى القائد وقاتله قتالاً شديداً، والقائد في قلة فسير بريداً إلى عبد الله بن طاهر يخبره، فحمل عبد الله الرجال على البغال وجنبوا الخيل، وأسرعوا السير فلحقوا القائد وهو يقاتل، فلما رأى ابن السري ذلك لم يثبت بين أيديهم، وانهزم وتساقط أكثر أصحابه في الخندق، فهلك منهم بالسقوط أكثر ممن قتل بالسيف، ودخل ابن السري مصر وأغلق الباب، وحاصره عبد الله فأرسل إليه في الليل ألف وصيف ووصيفة مع كل واحد منهم ألف دينار، فردهم ابن طاهر وكتب إليه: لو قبلت هديتك نهاراً لقبلتها ليلاً. \" بل أنتم بهديتكم تفرحون. ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون \" . فعندها طلب ابن السري الأمان فأمنه. ثم بعث عبد الله بن طاهر إلى الإسكندرية يؤذن الذين تغلبوا عليها بالحرب أو الدخول في الطاعة. وكانوا قد أقبلوا من الأندلس في مراكب، والناس في تلك الفتن التي ذكرناها، فأرسوا بالإسكندرية وتغلبوا عليها، وكان رئيسهم يدعى أبا حفص. فلما أتتهم رسالته سألوا الأمان، على أن يرحلوا عنها إلى بعض أطراف الروم التي ليست من بلاد الإسلام، فأمنهم على ذلك فرحلوا ونزلوا بجزيرة اقريطيش. واستوطنوها وأعقبوا وتناسلوا.\rقال: وبعث ابن طاهر عبيد الله بن السري إلى بغداد، فقدمها في سنة إحدى عشرة ومائتين، وأنزل مدينة المنصور، وأقام ابن طاهر بمصر والياً عليها وعلى الشام وعلى الجزيرة، إلى أن نقل إلى خراسان على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وروى أبو الفرج الأصفهاني أن المأمون أعطى عبد الله بن طاهر مال لسنة خراجها وضياعها، فوهبه كله وفرقه في الناس. ورجع صفراً من ذلك فغاظ المأمون فعله، فدخل إليه يوم مقدمه وأنشد أبياتاً قالها في هذا المعنى يقول منها:\rإليك أقبلت من أرض أقمت بها ... حولين بعدك في شوق وفي ألم\rأقفو مساعيك اللاتي خصصت بها ... حذو الشراك على مثل من الأدم\rوكان فضلي فيها أنني تبع ... لما سننت من الإنعام والنعم\rولو وكلت إلى نفسي غنيت بها ... لكن بدأت فلم أعجز ولم ألم\rفضحك المأمون وقال: والله ما نفست عليك بمكرمة نلتها، ولا أحدوثة حسن عنك ذكرها، ولكن هذا شيء إذا عودته نفسك افتقرت، ولم تقدر على لم شعثك وإصلاح حالك، وزال ما كان في نفسه. قال: وكان المال الذي فرقه عبد الله بن طاهر - وهو على المنبر - ثلاثة آلاف ألف دينار، أجار بها قبل نزوله عن المنبر، قال معلى الطائي - وقد بلغه ما صنع عبد الله بن طاهر - فقال: أصلح الله الأمير، وأنا معلى الطائي وقد بلغ مني ما كان منك إلي من جفاء وغلظ، فلا يغلظن على قلبك، ولا يستخفنك الذي بلغك، فأنا الذي أقول:\rلو يصبح النيل يجري ماؤه ذهباً ... لما أشرت إلى خزن بمثقال\rتغلى بما فيه رق الحمد تملكه ... وليس شيء أعاض الحمد بالغالي","part":6,"page":217},{"id":2718,"text":"في أبيات أخر، قال: فضحك عبد الله وسر بما كان منه، وقال: يا فلان أقرضني عشرة آلاف دينار - فما أمسيت أملكها - فأقرضه، فدفعها إليه.\rخلع أهل قم المأمون\rوما كان من أمرهم في هذه السنة خلع أهل قم المأمون ومنعوا الخراج، وكان سبب ذلك أن المأمون لما سار من خراسان إلى العراق أقام بالري عدة أيام، وأسقط عنهم شيئاً من خراجهم، فطمع أهل قم أن يضع عنهم كذلك، فكتبوا إليه يسألونه الحطيطة، وكان خراجهم ألفي ألف درهم، فلم يجبهم المأمون إلى ما سألوا فامتنعوا من أدائه، فوجه المأمون إليهم علي بن هشام وعجيف بن عنبسة فحاربوهم فظفروا بهم، وقتل يحيى بن عمران وهدم سور المدينة وجباها على سبعة آلاف ألف درهم، وكانوا يتظلمون من ألفي ألف درهم.\rوحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد أمير مكة.\rودخلت سنة إحدى عشرة ومائتين.\rفي هذه السنة قتل السيد بن أنس الأزدي أمير الموصل، وسبب قتله أن زريق بن علي بن صدقة الأزدي الموصلي كان قد تغلب على الجبال ما بين الموصل وأذربيجان، وجرى بينه وبين الرشيد حروب كثيرة، فلما كان في هذه السنة جمع زريق جمعاً كثيراً، قيل كانوا أربعين ألفاً، وبعثهم إلى الموصل لحرب السيد فخرج إليهم في أربعة آلاف، فالتقوا واقتتلوا فحمل السيد بنفسه وكانت عادته، وحمل عليه رجل من أصحاب زريق، فقتل كل منهما صاحبه، ولما بلغ المأمون قتله غضب لذلك، وولى محمد بن حميد الطوسي حرب زريق وبابك الخرمي، واستعمله على الموصل. وفيها قدم عبد الله بن طاهر بغداد، فتلقاه العباس بن المأمون والمعتصم وسائر الناس. وفيها أمر المأمون منادياً برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير أو فضله على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوحج بالناس صالح بن العباس وهو أمير مكة.\rودخلت سنة اثنتي عشرة ومائتين.\rاستيلاء الموصل\rقد قدمنا أن المأمون استعمله على حرب بابك الخرمي، وأمره أن يجعل طريقه على الموصل ليصلح أمرها، ويحارب زريق بن علي، فسار إلى الموصل ومعه جيشه، وجمع فيها الرجال من اليمن وربيعة وسار نحوه، فالتقوا على الزاب فدعاه محمد إلى الطاعة فامتنع، فناجزه واقتتلوا فانهزم زريق وأصحابه، ثم أرسل بطلب الأمان فأمنه محمد، فنزل إليه وسيره إلى المأمون، وكتب المأمون إلى محمد يأمره بأخذ ما لزريق من قرى ورستاق ومال وغيره. يأخذ ذلك لنفسه، فجمع محمد أولاد زريق وإخوته وأهله وأخبرهم بما أمر به المأمون، فأطاعوه لذلك، ثم قال لهم: إن أمير المؤمنين قد أمر لي به، وقد قبلته ورددته عليكم فشكروه، ثم سار إلى أذربيحان واستخلف على الموصل محمد بن السيد، وقصد المخالفين المتغلبين على أذربيجان، فأخذهم وسيرهم إلى المأمون، وسار لمحاربة بابك.\rوفيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن، وتفضيل علي بن أبي طالب على جميع الصحابة رضي الله عنهم، وكان ذلك في شهر ربيع الأول.\rوحج بالناس عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد.\rودخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين.\rفي هذه السنة ولى المأمون ابنه العباس الجزيرة والثغور والعواصم، وولى أخاه أبا إسحاق المعتصم الشام ومصر، وأمر لكل واحد منهما ولعبد الله بن طاهر بخمسمائة ألف درهم.\rوفيها خلع عبد السلام وابن جليس المأمون بمصر في القيسية واليمانية، وظهرا بها ووثبا بعامل المعتصم وهو عمير بن الوليد الباذغيسي، فقتلاه في شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة، فسار المعتصم إلى مصر وقاتلهما فقتلهما وافتتح مصر واستقامت أمورها، واستعمل عليها عماله.\rودخلت سنة أربع عشرة ومائتين.\rفي هذه السنة قتل محمد الطوسي في حرب بابك، فلما بلغ خبر قتله المأمون استعمل عبد الله بن طاهر على قتاله.\rذكر استعمال عبد الله بن طاهر على خراسان في هذه السنة استعمل المأمون عبد الله بن طاهر على خراسان، فسار إليها وكان أخوه طلحة مات بخراسان في سنة ثلاث عشرة، فولي خراسان علي بن طاهر خليفة لأخيه عبد الله، وكان عبد الله بالدينور فجهز العساكر إلى بابك، فأوقع الخوارج بخراسان بأهل قرية الحمراء من نيسابور، فأكثروا فيهم القتل فاتصل ذلك بالمأمون، فأمر عبد الله بالمسير إليها، وحج بالناس في هذه السنة إسحاق بن العباس بن محمد.\rودخلت سنة خمس عشرة ومائتين.\rغزاة المأمون إلى الروم","part":6,"page":218},{"id":2719,"text":"في هذه السنة سار المأمون من بغداد لغزو الروم في المحرم، واستخلف على بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وولاه مع ذلك السواد وحلوان وكور دجلة، وسار المأمون على طريق الموصل إلى منبج، ثم إلى دابق ثم إلى أنطاكية ثم إلى المصيصة وطرسوس، ودخل منها إلى بلاد الروم في جمادى الأولى، ودخل ابنه العباس من ملطية، فأقام المأمون على حصن قرة حتى افتتحه عنوة وهدمه لأربع بقين من جمادى الأولى، وقيل إنه فتحه بالأمان، وفتح قبله حصن ماجدة بالأمان، ووجه إشناس إلى حصن سندس فأتاه برئيسه، ووجه عجيفاً وجعفراً الخياط إلى حصن سنان فسمع وأطاع، وتوجه المأمون بعد خروجه من بلاد الروم إلى دمشق.\rوحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد.\rودخلت سنة ست عشرة ومائتين.\rفتح هرقلة\rفي هذه السنة عاد المأمون إلى بلاد الروم، وسبب ذلك أنه بلغه أن ملك الروم قتل ألفاً وستمائة من أهل طرسوس والمصيصة، فسار حتى دخل أرض الروم في جمادى الأولى، إلى منتصف شعبان، وقيل كان سبب دخوله إليها أن ملك الروم كتب إليه بدأ بنفسه، فسار إليه ولم يقرأ كتابه، وسار إلى هرقلة فخرج أهلها على صلح، ووجه أخاه أبا إسحاق المعتصم فافتتح ثلاثين حصناً ومطمورة ووجه يحيى بن أكثم من طوانة فأغار وقتل وسبى وحرق ورجع، ثم عاد المأمون إلى دمشق.\rوفيها ظهر بمصر عبدوس الفهري، ووثب على عمال المعتصم فقتل بعضهم في شعبان، فسار المأمون من دمشق إلى مصر في منتصف ذى الحجة، فوصل إليها في المحرم سنة سبع عشرة فأتى بعبدوس الفهري فضرب عنقه، وعاد إلى الشام، وفيها قدم الأفشين من برقة إلى مصر، فأقام بها ثم كان من أمره وتمكنه ما نذكره، وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا، فبدلوا بذلك في منتصف شهر رمضان، فقاموا قيامه وكبروا ثلاثاً، ثم فعلوا ذلك في الصلوات المكتوبة، وفيها ماتت أم جعفر زبيدة ابنة جعفر بن المنصور أم الأمين.\rوحج بالناس سليمان بن عبد الله بن سليمان وقيل عبد الله بن عبيد الله.\rودخلت سنة سبع عشرة ومائتين.\rوفي هذه السنة ظفر الأفشين بالفرما من أرض مصر، ونزل أهلها بأمان على حكم المأمون، وفيها قتل المأمون علي بن هشام، وكان قد استعمله على أذربيجان والجبال وقم وأصفهان في سنة أربع عشرة، فبلغ المأمون أنه ظلم وأخذ الأموال وقتل الرجال، فوجه إليه المأمون عجيف بن عنبسة في سنة ست عشرة، فثار به علي بن هشام وأراد قتله واللحاق ببابك، فظفر به عجيف وقدم به على المأمون فقتله، وقتل أخاه حسيناً في جمادى الأولى، وطيف برأس علي في العراق وخراسان والشام ومصر، ثم ألقي في البحر.\rوفيها عاد المأمون إلى بلاد الروم، فأناخ عجيف على لؤلؤة مائة يوم، ثم رحل عنها فخدع أهلها عجيفاً حتى أسروه، وبقي عندهم ثمانية أيام ثم أخرجوه، وجاء توفيل - ملك الروم - فأحاط بعجيف فسير المأمون إليه الجنود فارتحل ملك الروم قبل موافاتهم. وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بأمان.\rوحج بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي.\rودخلت سنة ثماني عشرة ومائتين.\rالمحنة بالقرآن","part":6,"page":219},{"id":2720,"text":"في هذه السنة كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد في امتحان القضاة والفقهاء والمحدثين بالقرآن، فمن أقر أنه مخلوق محدث خلى سبيله، ومن أبى أعلمه به ليأمر فيه برأيه، وطول كتابه بإقامة الدليل على خلق القرآن وكان الكتاب في شهر ربيع الأول، وأمره بإنفاذ سبعة نفر منهم محمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، ويحيى بن معين وأبو خيثمة زهير بن حرب، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد الدورقي. فأشخصوا إليه فامتحنهم وسألهم عن القرآن. فأجابوا جميعاً أن القرآن مخلوق فأعادهم إلى بغداد. وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم داره وشهر قولهم بحضرة المشايخ من أهل الحديث. فأقروا بذلك فخلى سبيلهم. وورد كتاب المأمون بعد ذلك إلى إسحاق بن إبراهيم بامتحان القضاة والفقهاء. فأحضر أبا حسان الزيادي، وبشر بن الوليد الكندي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غانم، والذيال بن الهيثم وسجادة، والقواريري، وأحمد بن حنبل، وقتيبة، وسعدويه الواسطي، وعلي بن الجعد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وابن الهرش، وابن علية الأكبر ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وشيخاً آخر من ولد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه - كان قاضي الرقة، وأبا نصر التمار، وأبا معمر القطيعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون، ومحمد بن نوح المضروب، وابن الفرخان، وجماعة منهم النضر بن شميل، وابن علي بن عاصم، وأبو العوام البزاز، وابن شجاع، وعبد الرحمن بن إسحاق، فأدخلوه جميعاً على إسحاق فقرأ عليهم كتاب المأمون مرتين حتى فهموه، ثم قال لبشر بن الوليد: ما تقول في القرآن؟ فقال: قد عرف أمير المؤمنين مقالتي غير مرة، قال: قد تجدد من كتاب أمير المؤمنين ما ترى، قال: أقول القرآن كلام الله، قال: لم أسألك عن هذا أمخلوق هو؟ قال: الله خالق كل شيء، قال: والقرآن شيء؟ قال: نعم، قال: فمخلوق هو؟ قال: ليس بخالق، قال: ليس عن هذا سألتك - أمخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلت لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا أتكلم فيه، وليس عندي غير ما قلت لك، فأخذ إسحاق رقعة فقرأها عليه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله أحد فرد، لم يكن قبله شيء ولا يشبهه شيء من خلقه، في معنى من المعاني ووجه من الوجوه، قال للكاتب: اكتب ما قال. ثم قال لعلي بن أبي مقاتل: ما تقول؟ قال: قد سمعت كلامي في هذا لأمير المؤمنين غير مرة، وما عندي غيره، فامتحنه بالرقعة فأقر بما فيها، ثم قال له: القرآن مخلوق؟ قال: القرآن كلام الله، قال: لم أسألك عن هذا، قال: القرآن كلام الله، فإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعناه وأطعنا، فقال للكاتب اكتب مقالته، ثم قال للذيال نحواً من مقالته لعلي بن أبي مقاتل، فقال مثل ذلك، ثم قال لأبي حسان الزيادي: ما عندك؟ قال: سل عما شئت، فقرأ عليه الرقعة فأقر بما فيها، قال: ومن لم يقل هذا القول فهو كافر، فقال له: القرآن مخلوق؟ قال: القرآن كلام الله، والله خالق كل شيء، وأمير المؤمنين إمامنا، وبسببه سمعنا عامة العلم، وقد سمع ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، وقلده الله أمرنا فصار يقيم حجتنا وصلواتنا، ونؤدي إليه زكاة أموالنا، ونجاهد معه، ونرى إمامته، فإن أمرنا ائتمرنا وإن نهانا انتهينا، قال: والقرآن مخلوق؟ فأعاد مقالته، قال إسحاق فإن هذا مقالة أمير المؤمنين، فقال: قد تكون مقالته ولا يأمر بها الناس، وإن أخبرتني أن أمير المؤمنين أمرك أن أبلغك شيئاً، فقال أبو حسان: وما عندي إلا السمع والطاعة، فأمرني أأتمر، فقال: ما أمرني أن آمركم، وإنما أمرني أن أمتحنكم، ثم قال لأحمد بن حنبل: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله ما أزيد عليها، فامتحنه بالرقعة، فلما أتى إلى \" ليس كمثله شيء وهو السميع البصير \" وأمسك عن لا يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه فاعترض عليه ابن البكاء الأصغر فقال: أصلحك الله - إنه يقول سميع من أذن، بصير من عين، فقال إسحاق لأحمد: ما معنى قولك سميع بصير؟ قال: كما وصف نفسه، قال: فما معناه؟ قال: لا أدري - كما هو وصف نفسه، ثم دعاهم رجلاً رجلاً - كلهم يقول القرآن كلام الله إلا قتيبة، وعبيد الله بن محمد بن الحسن، وابن عليه الأكبر، وابن البكاء، وعبد المنعم بن إدريس بن بنت وهب بن منبه، والمظفر بن مرجا، ورجلاً من ولد عمر بن الخطاب قاضي الرقة، وابن الأحمر","part":6,"page":220},{"id":2721,"text":"فأما ابن البكاء فإنه قال: القرآن مجعول لقوله عز وجل \" إنا جعلناه قرآناً عربياً \" ، والقرآن محدث لقوله عز وجل \" ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث \" ، قال إسحاق: فالمجعول مخلوق، قال: نعم، قال: والقرآن مخلوق قال: لا أقول مخلوق ولكنه مجعول، فكتب مقالته ومقالات القوم ووجهها إلى المأمون، فأجاب المأمون يذمهم ويذكر كلاً منهم ويعيبه ويقع فيه بشيء، وأمره أن يحضر بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدي ويمتحنهما، فإن أجابا وإلا ضرب أعناقهما، وأما من سواهما فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن، وإلا حملهم موثقين بالحديد إلى عسكره مع نفر يحفظونهم، فأحضرهم إسحاق وأعلمهم بما أمر المأمون فأجاب القوم كلهم إلا أربعة نفر: منهم أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمد بن نوح المضروب، فأمر بهم إسحاق فشدوا في الحديد، فلما كان الغد دعاهم في الحديد وأعاد عليهم المحنة، فأجاب سجادة والقواريري، وأصر أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما، فشدوا في الحديد ووجهما إلى طرسوس، وكتب إلى المأمون بتأويل القوم فيما أجابوه، فأجابه المأمون أنه بلغني عن بشر بن الوليد أنه تناول الآية التي أنزلها الله عز وجل في عمار بن ياسر \" إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان \" فقد أخطأ التأويل، إنما عنى الله تعالى بهذه الآية من كان معتقداً للإيمان مظهراً للشرك، وأما من كان معتقداً للشرك مظهراً للإيمان فليس هذا له، فأشخصهم جميعهم إلى طرسوس ليقيموا بها إلى أن يخرج أمير المؤمنين من بلاد الروم، فأحضرهم إسحاق وسيرهم جميعاً إلى العسكر وهم: أبو حسان الزيادي، وبشر بن الوليد، والفضل بن غانم، وعلي بن أبي مقاتل، والذيال بن الهيثم، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وعلي بن الجعد، وأبو العوام، وسجادة، والقواريري، وابن الحسن بن علي بن عاصم، وإسحاق بن أبي إسرائيل، والنضر بن شميل، وأبو نصر التمار، وسعدويه الواسطي، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وأبو معمر بن الهراش، وابن الفرخان، وأحمد بن شجاع، وأبو هارون بن البكاء، فلما صاروا إلى الرقة بلغهم موت المأمون فرجعوا إلى بغداد.ما ابن البكاء فإنه قال: القرآن مجعول لقوله عز وجل \" إنا جعلناه قرآناً عربياً \" ، والقرآن محدث لقوله عز وجل \" ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث \" ، قال إسحاق: فالمجعول مخلوق، قال: نعم، قال: والقرآن مخلوق قال: لا أقول مخلوق ولكنه مجعول، فكتب مقالته ومقالات القوم ووجهها إلى المأمون، فأجاب المأمون يذمهم ويذكر كلاً منهم ويعيبه ويقع فيه بشيء، وأمره أن يحضر بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدي ويمتحنهما، فإن أجابا وإلا ضرب أعناقهما، وأما من سواهما فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن، وإلا حملهم موثقين بالحديد إلى عسكره مع نفر يحفظونهم، فأحضرهم إسحاق وأعلمهم بما أمر المأمون فأجاب القوم كلهم إلا أربعة نفر: منهم أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمد بن نوح المضروب، فأمر بهم إسحاق فشدوا في الحديد، فلما كان الغد دعاهم في الحديد وأعاد عليهم المحنة، فأجاب سجادة والقواريري، وأصر أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما، فشدوا في الحديد ووجهما إلى طرسوس، وكتب إلى المأمون بتأويل القوم فيما أجابوه، فأجابه المأمون أنه بلغني عن بشر بن الوليد أنه تناول الآية التي أنزلها الله عز وجل في عمار بن ياسر \" إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان \" فقد أخطأ التأويل، إنما عنى الله تعالى بهذه الآية من كان معتقداً للإيمان مظهراً للشرك، وأما من كان معتقداً للشرك مظهراً للإيمان فليس هذا له، فأشخصهم جميعهم إلى طرسوس ليقيموا بها إلى أن يخرج أمير المؤمنين من بلاد الروم، فأحضرهم إسحاق وسيرهم جميعاً إلى العسكر وهم: أبو حسان الزيادي، وبشر بن الوليد، والفضل بن غانم، وعلي بن أبي مقاتل، والذيال بن الهيثم، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وعلي بن الجعد، وأبو العوام، وسجادة، والقواريري، وابن الحسن بن علي بن عاصم، وإسحاق بن أبي إسرائيل، والنضر بن شميل، وأبو نصر التمار، وسعدويه الواسطي، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وأبو معمر بن الهراش، وابن الفرخان، وأحمد بن شجاع، وأبو هارون بن البكاء، فلما صاروا إلى الرقة بلغهم موت المأمون فرجعوا إلى بغداد.\rوفاة المأمون","part":6,"page":221},{"id":2722,"text":"كانت وفاته بالبذندون من أرض الروم لثمان خلون من شهر رجب، وقيل لاثنتي عشرة بقيت منه، سنة ثماني عشرة ومائتين، وكان ابتداء مرضه لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة منها، وكان سبب مرضه ما ذكره سعيد بن العلاف القاريء، قال: دعاني المأمون يوماً فوجدته جالساً على شاطيء البذندون، والمعتصم عن يمينه، وقد دليا أرجلهما في الماء، فأمرني أن أضع رجلي في الماء، وقال: ذقه - هل رأيت أعذب منه! أو أصفى أو أشد برداً؟ ففعلت وقلت ما رأيت قط مثله، فقال: أي شيء أن يؤكل ويشرب عليه هذا الماء؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم، فقال: الرطب الآزاذ، فبينما هو يقول ذلك إذ سمع وقع لجم البريد، فالتفت فإذا بغال البريد عليها الحقائب فيها الألطاف، فقال لخادم: انظر إن كان في هذه الألطاف رطب آزاذ فأت به؟ فمضى وعاد ومعه سلتان فيهما منه، كأنما جني تلك الساعة، فأظهر شكر الله تعالى وتعجبنا جميعاً، وأكلنا وشربنا من ذلك الماء، فما قام منا أحد إلا وهو محموم، ودامت العلة بالمأمون حتى مات، ولما اشتدت عليه قال لأبي إسحاق: يا أبا إسحاق أدن مني واتعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك في القرآن، واعمل في الخلافة - إذا طوقكها الله - عمل المريد لله، الخائف من عذابه وعقابه، ولا تغتر بالله ومهلته، ولا تغفل أمر الرعية الرعية الرعية - العوام العوام فإن الملك بهم وبتعهدك لهم، الله الله فيهم وفي غيرهم من المسلمين، ولا ينتهين إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة إلا قدمته وآثرته على غيره من هواك، وخذ من أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل عليهم في شيء، وانصف بعضهم من بعض بالحق بينهم، وعجل الرحلة عني إلى دار ملكك بالعراق، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم في كل وقت، والخرمية فاغزهم ذا حزامة وصرامة وجلد، واكنفه بالأموال والسلاح والجنود، فإن طالت مدتهم فتجرد لهم فيمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل في ذلك عملاً مقدم النية فيه راجياً ثواب الله عليه، ثم دعاه بعد ساعة حين اشتد وجعه وأحس بمجيء أمر الله، فقال: يا أبا إسحاق عليك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم لتقومن بحق الله في عباده، ولتؤثرن طاعة الله على معصيته، إذ أنا نقلتها من غيرك إليك، قال: اللهم نعم، قال: هؤلاء بنو عمك ولد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه فأحسن صحبتهم وتجاوز عن مسيئهم، واقبل من محسنهم، ولا تغفل صلاتهم في كل سنة عند محلها، فإن حقوقهم تجب من وجوه شتى، اتقوا الله ربكم حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واتقوا الله واعملوا له، اتقوا الله في أموركم كلها، أستودعكم الله ونفسي وأستغفر الله بما سلف مني إنه كان غفاراً، فإنه ليعلم كيف ندمي على ذنوبي فعليه توكلت من عظيمها وإليه أنيب، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، حسبي الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد نبي الهدى والرحمة.\rقال: ولما اشتد مرضه وحضره الموت كان عنده ابن ماسويه، فجاء من يلقنه فعرض عليه الشهادة، فقال الطبيب: دعه فإنه لا يفرق في هذه الحال بين ربه وماني، ففتح المأمون عينيه وأراد أن يبطش به فعجز، وأراد الكلام فعجز عنه، ثم قال: يا من لا يموت ارحم من يموت، ومات من ساعته. ولما توفي حمله ابنه العباس وأخوه المعتصم إلى طرسوس، فدفناه بها بدار خاقان خادم الرشيد، وصلى عليه المعتصم ووكلوا به حرساً من أبناء طرسوس وغيرهم - مائة رجل، وأجرى لكل منهم تسعين درهماً. وكان مولده للنصف من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، ومدة خلافته عشرون سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرون يوماً، سوى تلك المدة التي كان فيها الاختلاف بينه وبين أخيه الأمين محصور.\rأخباره وسيرته","part":6,"page":222},{"id":2723,"text":"كان المأمون ربعة أبيض طويل اللحية دقيقها قد وخطه الشيب، وقيل كان أسمر تعلوه صفرة أجنى أعين ضيق الجبهة بخده خال أسود، وهو أول من اتخذ الأتراك للخدمة وتغالى في أثمانهم، فكان يشتري الواحد منهم بمائة ألف ومائتي ألف درهم، وكان يحب سماع أخبار الناس، حتى جعل برسم الأخبار ببغداد ألف عجوز وسبعمائة عجوز، وكان كريماً وقع في يوم واحد بثلاثمائة ألف دينار، وكان يقول: لو علم الناس ما عندي من حلاوة العفو لما تقربوا إلي إلا بالذنوب. وقال العتبي صاحب إسحاق بن إبراهيم كنت مع المأمون بدمشق، وكان المأمون قد قل عنده المال حتى ضاق وشكى ذلك إلى المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين، كأنك بالمال وقد وافاك بعد جمعة، وكان قد حمل إليه من خراج ما يتولاه ثلاثون ألف ألف ألف درهم، فلما ورد عليه المال قال ليحيى بن أكثم: اخرج بنا ننظر إلى هذا المال، فخرجا ينظرانه وكان قد هييء بأحسن هيئة وحليت أباعره، فنظر المأمون إليه واستكثره واستبشر به الناس، فقال المأمون: يا أبا محمد - ننصرف بالمال ويرجع أصحابنا خائبين!! إن هذا للؤم، ودعا محمد بن يزداد فقال له: وقع لآل فلان بألف ألف ولآل فلان بمثلها ولآل فلان بمثلها، فما زال كذلك حتى فرق أربعة وعشرين ألف ألف ألف - ورجله في الركاب، ثم قال: ادفع الباقي إلى المعلى يعطيه جندنا، قال: فقمت نصب عينيه فلما رآني وقع لي بخمسين ألفاً فقبضتها.\rوكان أمر المأمون نافذاً من أفريقية المغرب إلى أقصى خراسان وما وراء النهر وولاية السند، وقدم ملك التبت ومعه صنم من ذهب على سرير من ذهب مرصع بالجوهر فأسلم الملك، وأخذ المأمون الصنم وأرسله إلى الكعبة وكتب إليه ملك الهند مع هدية نفيسة أهداها إليه، من دهمى - ملك الهند وعظيم أركان المشرق، وصاحب بيت الذهب وأبواب الياقوت وفرش الدر - الذي قصره مبني من العود الذي يختم عليه، فيقبل الصورة قبول الشمع، والذي تؤخذ رائحة قصره من عشرة فراسخ - والذي يسجد أمام البد، الذي وزنه ألف ألف مثقال من ذهب، عليه مائة ألف حجر من الياقوت الأحمر والدر الأبيض - الذي كان يركب في ألف مركب وألف راية مكللة بالدر، تحت كل راية ألف فارس معلمين بالذهب والحرير - والذي في مربطه ألف فيل، حزائمها أعنة الذهب - والذي يأكل في صحاف الذهب على موائد الدر، والذي في خزانته ألف تاج وألف حلة جوهر لألف ملك من آبائه، والذي يستحيي من الله أن يراه خائناً في رعيته، إذ خصه بالأمانة عليهم والرياسة فيهم - إلى عبد الله ذي الشرف والرياسة على أهل مملكته، في كلام طويل في آخره - وقد افتتحنا إهدائك بأن وجهنا إليك كتاباً، ترجمته صفوة الأذهان، وكانت الهدية جم ياقوت أحمر، فتحه شبر في غلظ الأصبع مملوءًا دراً، وزن كل درة مثقال - والعدد مائة، وفراشاً من جلد حية بوادي الدهراج تبلغ الفيل، ووشي جلدها دارات سود كالدراهم، في أوساطها نقط بيض، لا يتخوف من جلس عليه مرض السل، وإن كان به سل وجلس عليه سبعة أيام بريء، وثلاث مصليات من جلد السمندل فراوزها در، ومائة مثقال من العود الهندي يختم عليه فيقبل الصورة، وثلاثة آلاف منّ من الكافور المحبب، كل حبة أكبر من اللوزة، وجارية طولها سبعة أذرع تسحب شعرها، طول كل شفر من أشفار عينيها أصبع، تبلغ إذا أطرقت نصف خدها، ناهداً لها ثمان عكن، في نهاية الحسن والجمال ونقاء البشرة، وكان الكتاب من لحاء شجر الكادي، لونه إلى الصفرة والخط باللازورد مفتح بالذهب. فأجابه المأمون من عبد الله الإمام أمير المؤمنين - الذي وهب الله له ولآبائه الشرف بابن عمه النبي المرسل صلى الله عليه وسلم وأعلى ذكره، والمصدق بالكتاب المنزل - إلى ملك الهند وعظيم من تحت يده من أركان المشرق، سلام عليك - وأهدى له هدية وهي فرس بفارسه، وجميع ما آلاته عقيق، ومائدة جزع فيها خطوط سود وحمر وخضر على أرض بيضاء، فتحها ثلاثة أشبار وغلظها أصبعان، قوائمها ذهب، وثمانية أصناف من بياض مصر وخز السوس ووشي اليمن وملحم خراسان، والديباج الخرسواني، وفرش سوسنجرد، ووشي تستر، من كل صنف مائة قطعة، ومائة طنفسه جنوية بوسائدها، وجام زجاج فرعوني فتحه شبر، في وسطه صورة أسد أمامه رجل قد برك على ركبتيه. وفوق السهم نحو الأسد في قوس، وكان الكتاب في طومار ذي وجهين.","part":6,"page":223},{"id":2724,"text":"وكان للمأمون من الأولاد: محمد الأكبر وعبد الله ومحمد الأصغر والعباس وعلي والحسن وإسماعيل والفضل وموسى وإبراهيم ويعقوب والحسين وسليمان وجعفر وإسحاق وأحمد وعيسى وهارون وعشر بنات نقش خاتمه: سل الله يعطك وزراؤه: ذو الرئاستين الفضل بن سهل ثم أخوه الحسن بن سهل ثم أحمد بن أبي خالد الأحوال ثم أحمد بن يوسف وجماعة، قيل إنه ما استوزر بعد الفضل أحداً، وإنما كانوا كتاباً. حجابه: عبد الحميد بن شبث ثم محمد وعلي ابنا صالح مولى المنصور ثم إسماعيل بن محمد بن صالح. قضاته: محمد بن عمر الواقدي ثم محمد بن عبد الرحمن المخزومي ثم بشر بن الوليد ثم يحيى بن أكثم. الأمراء بمصر: عباد بن محمد البلخي ثم المطلب بن عبد الله بن مالك بن الهيثم ثم العباس بن موسى بن عيسى الهاشمي ثم عاد المطلب ثم السري ثم الحكم مولى بني ضبة من أهل بلخ - باجتماع من الجند عليه - ثم سليمان بن غالب ثم السري بعهد من المأمون ثم مات فوليها أبو نصر محمد بن السري ثم مات فوليها أخوه عبيد الله بن السري - بايعه الجند - ثم عبد الله بن طاهر بن الحسين مضافة للشام وغيره، فلما سار إلى العراق استخلف عيسى بن يزيد الجلودي، ثم أبو إسحاق المعتصم مضافة إلى الشام فأقر الجلودي، ثم صرفه بعمير بن الوليد التميمي ثم أعاد الجلودي ثم عبدويه بن جبلة ثم عيسى بن منصور، فلما قدم المأمون مصر عزل عيسى وولى نصر بن عبد الله الصغدي ويعرف بكيدر. القضاة بها: لهيعة بن عيسى الحضرمي ثم الفضل بن غانم ثم عاد لهيعة ثم إبراهيم بن إسحاق القاري ثم إبراهيم بن الجراح ثم عيسى بن المنكدر ثم عاد إلى بغداد، ووصل المأمون إلى مصر وليس بها قاض، فأمر يحيى بن أكثم أن يحكم بين الناس إلى أن سار عنها، وولى هارون بن عبد الله من ولد عبد الرحمن بن عوف.\rخلافة المعتصم بالله هو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد وأمه ماردة أم ولد، وهو الثامن من الخلفاء العباسيين، وهو أول من أضاف إلى لقبه اسم الله تعالى من الخلفاء فقيل المعتصم بالله وتداوله من بعده، بويع يوم وفاة المأمون بطرسوس لثمان خلون من شهر رجب أو لاثنتي عشرة بقيت منه سنة ثماني عشرة ومائتين، ولم يقل ابن الأثير في تاريخه غيره.\rقال: ولما بويع له شغب الجند ونادوا باسم العباس بن المأمون فأرسل إليه المعتصم فأحضره فبايعه، ثم خرج العباس إلى الجند فقال: ما هذا الحب البارد! قد بايعت عمي فسكتوا، وكان المأمون قد وجه ابنه العباس إلى طوانة، وأمره ببنائها في هذه السنة، وجعلها ميلاً في ميل وجعل سورها على مسافة ثلاثة فراسخ، وجعل لها أربعة أبواب على كل باب حصن، فأول ما بدأ به المعتصم أن أمر بإخراب ما كان قد بنى منها، وحمل ما أطاق من السلاح والآلة التي بها، وأحرق الباقي وانصرف إلى بغداد ومعه العباس بن المأمون، فقدمها في مستهل شهر رمضان من هذه السنة.\rوفيها دخل كثير من أهل الجبال وهمذان وأصبهان وماسبذان وغيرها في دين الخرمية، وتجمعوا فعسكروا في عمل همذان، فوجه إليهم المعتصم العساكر، وكان منهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وعقد له على الجبال في شوال، فسار إليهم فأوقع بهم في أعمال همذان، فقتل منهم ستين ألفاً وهرب الباقون إلى بلد الروم.\rوحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد.\rودخلت سنة تسع عشرة ومائتين.\rخلاف محمد العلوي","part":6,"page":224},{"id":2725,"text":"في هذه السنة ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالطالقان من خراسان، يدعو إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم، وكان ابتداء أمره أنه كان ملازماً لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم حسن السيرة، فأتاه إنسان من خراسان اسمه أبو محمد كان مجاوراً، فلما رآه أحبه وأعجبته طريقته، فقال له: أنت أحق بالإمامة من كل أحد، وحسن له ذلك وبايعه، وصار الخراساني يأتيه بالنفر بعد النفر من حجاج خراسان يبايعونه، فلما رضي بكثرة من بايعه من خراسان سارا جميعاً إلى الجوزجان، واختفى هناك وجعل أبو محمد يدعو الناس إليه فعظم أصحابه، وحمله أبو محمد على إظهار أمره فأظهره بالطالقان، وكان بينه وبين قواد عبدالله بن طاهر وقعات، فانهزم هو وأصحابه وخرج هارباً، يريد بعض كور خراسان كان أهلها كاتبوه، فلما صار بنساً وبها والد لبعض من معه، فمضى الرجل الذي معه يسلم على أبيه فسلم عليه، فسأله أبوه عن الخبر فأخبره به، فمضى الأب إلى عامل نسا وأخبره بأمر محمد بن القاسم، فأعطاه العامل عشرة آلاف درهم، وجاء العامل إلى محمد فأخذه وبعثه إلى عبد الله بن طاهر، فسيره إلى المعتصم فوصل إليه في منتصف شهر ربيع الأول فحبس عند مسرور الكبير، فلما كان ليلة الفطر اشتغل الناس بالعيد، فدلى إليه حبل من كوة فخرج منها، فأتوه بالطعام في يوم الفطر فلم يجدوه، وبذل لمن أتى به مائة ألف درهم فلم يعرف له خبر بعد ذلك.\rمحاربة الزط\rفي هذه السنة وجه المعتصم عجيف بن عنبسة في جمادى الأولى لحرب الزط، وكانوا قد غلبوا على طريق البصرة، وعاثوا وأخذوا الغلات من البيادر بكسكر وما يليها من البصرة، وأخافوا السبل، فسار عجيف حتى نزل واسط على نهر يقال له بردودا فسده وسد أنهاراً أخر، كانوا يخرجون منها ويدخلون وأخذ عليهم الطرق، ثم حاربهم فقتل في معركة واحدة ثلاثمائة وأسر خمسمائة، فضرب أعناقهم وبعث الرءوس إلى باب المعتصم، وأقام عجيف بإزائهم خمسة عشر يوماً، فظفر منهم بخلق كثير، وكان رئيس الزط يقال له محمد بن عثمان، وصاحب أمره رجل يقال له سملق، ثم استوطن عجيف وأقام بإزاء الزط ستة أشهر، وقاتلهم فطلبوا الأمان وخرجوا إليه في ذى الحجة، وكان عدتهم بالنساء والصبيان سبعة وعشرين ألفاً، المقاتلة منهم اثنا عشر ألفاً، فجعلهم عجيف في السفن وعبأهم على تعبئتهم في الحرب ومعهم البوقات، فأدخلهم بغداد يوم عاشوراء سنة عشرين ومائتين، فخرج المعتصم إلى الشماسية في سفينة حتى مرت به سفن الزط وهم ينفخون في البوقات، وأقاموا في سفنهم ثلاثة أيام ثم نقلوا إلى الجانب الشرقي، فسلموا إلى بشر بن السميدع فذهب بهم إلى خانقين، ثم نقلوا إلى الثغر إلى عين زربة، فأغارت الروم عليهم فلم يفلت منهم أحد.\rوفي هذه السنة أحضر المعتصم أحمد بن حنبل وامتحنه بالقرآن فلم يجب إلى القول بخلقه، فأمر به فجلد جلداً شديداً حتى غاب عقله، وتقطع جلده وحبس مقيداً.\rودخلت سنة عشرين ومائتين.\rفي هذه السنة عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاووس على الجبال، ووجهه لحرب بابك الخرمي فسار لذلك، فكان بينهما من الحروب ما نذكره في سنة اثنتين وعشرين، عند الظفر ببابك ونذكر أخباره هناك إن شاء الله تعالى.\rبناء سامرا\rوهي سرمن رأى في هذه السنة خرج المعتصم إلى سامرا، وكان سبب ذلك أنه قال: إني هاهنا أتخوف الحربية أن يصيحوا صيحة فيقتلوا غلماني، فأريد أن أكون فوقهم فإن رابني منهم شيء قاتلتهم في البر والماء حتى آتي عليهم، وقيل كان سبب ذلك أن المعتصم كان قد أكثر من الغلمان الأتراك، وكانوا لا يزالون يرون الواحد منهم بعد الواحد قتيلاً، وذلك أنهم كانوا جفاة يركبون الدواب فيركضونها في الشوارع، فيصدمون الرجل والمرأة والصبي فيأخذهم الأبناء عن دوابهم فيضربونهم، وربما هلك أحدهم، ثم إن المعتصم ركب يوم عيد فقام إليه شيخ، فقال له: يا أبا إسحاق لا جزاك الله عن الجوار خيراً، جاورتنا وجئت بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك، فأسكنتهم بيننا فأيتمت بهم صبياننا، وأرملت نساءنا وقتلت رجالنا - والمعتصم يسمع كلامه، ولم ير راكباً بعدها أبداً بل صلى العيد وسار إلى ناحية القاطول ولم يرجع إلى بغداد.","part":6,"page":225},{"id":2726,"text":"قال: ولما خرج المعتصم من بغداد استخلف بها ابنه الواثق، وكان المعتصم قد اصطنع قوماً من أهل الحوف بمصر واستخدمهم وسماهم المغاربة، وجمع خلقاً من سمرقند وأشرو سنة وفرغانة وسماهم الفراغنة، وكانوا من ثقاته فتركهم بعده بها.\rوكان ابتداء العمارة بسامرا في سنة إحدى وعشرين ومائتين، وبنيت في أسرع مدة وهي على شاطيء دجلة، وقيل إنه أنفق على جامعها خمسمائة ألف دينار، وانتقل إليها وجعلها مقر خلافته، وقيل إنه سماها بهذا الاسم لأنه لما انتقل إليها بعساكره سر كل منهم برؤيتها، فسماها سر من رأى، ولما خرج المعتصم من بغداد نزل القاطول.\rذكر القبض على الفضل بن مروان بن أحمد بن عمارة الوزير\rكان الفضل من البردان وكان حسن الخط، فاتصل بيحيى الجرمقاني كاتب المعتصم قبل خلافته، فلما هلك الجرمقاني صار الفضل مكانه، وتوجه مع المعتصم إلى الشام ومصر فحصل أموالاً كثيرة، فلما صار المعتصم خليفة صار له اسمها وللفضل معناها، واستولى على الدواوين كلها وكنز الأموال.\rوكان المعتصم يأمره بإعطاء المغني والنديم فلا ينفذ الفضل ذلك، فثقل على المعتصم، وكان له مضحك اسمه إبراهيم، فأمر له المعتصم بمال فلم يعطه الفضل، فداعب المعتصم يوماً إبراهيم فقال له إبراهيم: والله لا أفلحت، فضحك وقال: وهل بقي من الفلاح شيء لم أدركه بعد الخلافة؟ فقال: أتظن أنك أفلحت؟! لا والله - ما لك من الخلافة إلا اسمها، والله ما يجاوز أمرك أذنيك - إنما الخلافة الفضل، فقال: وأي أمر لي لم ينفذ؟ فقال: أمرت لي من شهرين بكذا وكذا فلم أعط حبة، فحقدها المعتصم على الفضل ثم نكبه هو وأهل بيته في صفر من هذه السنة، وصير مكانه محمد بن عبد الملك الزيات فصار وزيراً وكاتباً.\rوحج بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد.\rودخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين.\rحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى، وكان فيها من محاربة بغا الكبير وبابك ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rودخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين.\rبابك الخرمي\rوفتح البذ وأسر بابك وقتله","part":6,"page":226},{"id":2727,"text":"كان ابتداء أمر بابك في سنة إحدى ومائتين في خلافة المأمون، وتحرك في الجاويدانية - أصحاب جاويدان بن سهل صاحب البذ، وادعى أن روح جاويدان حلت فيه، وتفسير جاويدان: الدائم الباقي، ومعنى خرم: الفرج، والرجل منهم ينكح أمه وأخته وابنته - ولهذا يسمونه دين الفرج، ويعتقدون التناسخ وأن الأرواح تنتقل من حيوان إلى غيره، وكان لبابك في أيام المأمون حروب مع جيشو المأمون، كان الظفر فيها لبابك وأصحابه، وقتل محمد الطوسي عامل المأمون على الموصل، في سنة أربع عشرة ومائتين في حرب كانت بينهم ولما حضرت المأمون الوفاة كان من جملة وصيته للمعتصم غزو الخرمية كما ذكرنا ذلك، فلما أفضت الخلافة إلى المعتصم عقد للأفشين حيدر بن كاووس على الجبال، ووجهه لحرب بابك في سنة عشرين ومائتين، وكان قبل ذلك قد وجه المعتصم - أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل، وأمره أن يبني الحصون التي خربها بابك فيما بين زنجان وأردبيل، ويجعل فيها الرجال لحفظ الطريق لمن يجلب الميرة إلى أردبيل، فتوجه أبو سعيد لذلك وبنى الحصون، ووجه بابك سرية في بعض غاراته فأغارت ورجعت، فبلغ ذلك أبا سعيد فخرج في طلب السرية، فاعترضها في بعض الطريق فظفر بهم وقتل وأسر منهم، وبعث بالرءوس والأسرى إلى المعتصم، وكانت هذه أول هزيمة على أصحاب بابك، ثم كانت الأخرى لمحمد بن البعيث، وذلك أن محمداً كان في قلعة له حصينة تسمى شاهي من أذربيجان، وله حصن آخر في أذربيجان يسمى تبريز، وكان مصالحاً لبابك تنزل سراياه عنده فيضيفهم حتى أنسوا به، ثم وجه بابك قائداً من قواده اسمه عصمة في سرية، فنزل بمحمد بن البعيث فأنزل له الضيافة على عادته، واستدعاه إليه في خاصته ووجوه أصحابه فصعدوا إليه، فغذاهم وسقاهم الخمر حتى سكروا، ثم وثب على عصمة فاستوثق منه وقتل من كان معه من أصحابه، وأمره أن يسمي له رجلاً رجلاً من أصحابه، فكان يدعو الرجل باسمه فيصعد فيضرب عنقه حتى علموا بذلك، وسير عصمة إلى المعتصم، فسأله عن بلاد بابك فأعلمه طرقها ووجوه القتال فيها، ثم حبسه فبقي إلى أيام الواثق، ثم سار الأفشين بعد ذلك إلى بلاد بابك، فنزل برزند وعسكر بها وضبط الطرق والحصون فيما بينه وبين أردبيل، ثم سار الأفشين والتقى ببابك واقتتلوا قتالاً شديداً، وكانت وقعة عظيمة في سنة عشرين ومائتين، قتل فيها كثير من أصحاب بابك الذين كانوا معه، وأفلت هو في نفر يسير، واستمرت الحرب بينه وبين بابك المرة بعد المرة إلى سنة اثنتين وعشرين ومائتين، ففتح الأفشين البذ - مدينة بابك - وأسر بابك، وخرب المسلمون المدينة واستباحوها وذلك لعشر بقين من شهر رمضان في هذه السنة، وكانت حروب يطول شرحها انجلت عن ظفر المسلمين.\rقال: وكان الأفشين قد قصر في الحصار، فرأى رجل من أصحابه في منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: قل للأفشين - إن أنت حاربت هذا الرجل وجددت في أمره وإلا أمرت الجبال أن ترجمك بالحجارة، وشاعت هذه الرؤيا فثار المتطوعة وصمموا على الحصار، وحاصروا وكانت حروب عظيمة انجلت عن الفتح في التاريخ المذكور، وهرب بابك ثم أحضر هو وأخوه عبد الله لعشر خلون من شوال، وكان وصولهما إلى المعتصم بسامرا في صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين. ولما وصل إلى سامرا أمر المعتصم أن يركب فيلاً والناس ينظرونه، وأدخل دار المعتصم فأمر بإحضار سياف، وأمره أن يقطع يديه ورجليه فقطعهما فسقط، ثم أمر به فذبح وشق بطنه، وأنفذ رأسه إلى خراسان وصلب بدنه بسامرا، وأمر بحمل أخيه عبد الله إلى بغداد، وأن يفعل له كما فعل ببابك، ففعل به ذلك وصلب في الجانب الشرقي بين الجسرين، وكان من قتله بابك في عشرين سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفاً وخمسمائة إنسان، هذا ما كان أمره على سبيل الاختصار.\rثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين.\rقدوم الأفشين\rإلى سامرا وما عامله به المعتصم","part":6,"page":227},{"id":2728,"text":"في هذه السنة قدم الأفشين ببابك إلى سامرا، فكان من أمر بابك وأخيه ما ذكرناه، وأما الأفشين فإن المعتصم كان يوجه إليه في كل يوم من حين سار من برزند إلى أن وافى سامرا خلعة وفرساً، فلما صار الأفشين بقناطر حذيفة تلقاه هارون الواثق بن المعتصم وأهل بيته، فلما وصل إليه توجه المعتصم وألبسه وشاحين، ووصله بعشرين ألف ألف درهم وعشرة آلاف ألف درهم ففرقها في عسكره، وعقد له على السند وأدخل عليه الشعراء يمدحونه.\rقال: وكان الذي أخرج الأفشين من المال مدة مقامه بإزاء بابك - سوى الأرزاق والأنزال والمعاون في كل يوم يركب فيه - عشرة آلاف، وفي غيره خمسة آلاف. قال: وأسر مع بابك ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة نفر، واستنقذ ممن في يده من المسلمات وأولادهن سبعة آلاف وستمائة، وصار في يد الأفشين من بني بابك سبعة عشر رجلاً ومن البنات والكنات ثلاث وعشرون امرأة.\rخروج الروم إلى زبطرة\rفي هذه السنة خرج توفيل بن ميخائيل - ملك الروم - إلى بلاد الإسلام، وأوقع بأهل زبطرة وغيرها، وكان سبب ذلك أن بابك لما ضيق عليه الأفشين كتب إلى ملك الروم، يعلمه أن المعتصم قد وجه عساكره إليه، وجمع مقاتلته حتى وجه خياطه وطباخه يعني جعفر بن دينار الخياط ويعني بالطباخ إيتاخ، ولم يبق على بابه أحد، فإن أردت الخروج إليه فليس في وجهك أحد يمنع، فخرج توفيل في مائة ألف - وقيل أكثر من ذلك، فبلغ زبطرة فقتل من بها من الرجال وسبى الذرية والنساء، وأغار على أهل ملطية وغيرها من حصون الإسلام، وسبى المسلمات ومثل بمن صار في يده من المسلمين، وسمل أعينهم وقطع أنوفهم وآذانهم، فخرج أهل الثغور من الشام والجزيرة إلا من لم يكن له دابة ولا سلاح.\rفتح عمورية","part":6,"page":228},{"id":2729,"text":"قال: لما فعل توفيل ما فعل واتصل الخبر بالمعتصم كبر لديه واستعظمه، وبلغه أن امرأة هاشمية صاحت وهي في أيدي الروم - وامعتصماه!! فأجابها - وهو على سريره - لبيك لبيك، ونهض من ساعته وصاح في قصره: النفير النفير، ثم ركب دابته وسمط خلفه شكالاً وسكة حديد وحقيبة فيها زاده، ولم يمكنه المسير إلا بعد التعبئة وجمع العساكر، ثم جلس في دار العامة وأحضر قاضيي بغداد عبد الرحمن بن إسحاق وشعيب بن سهل، ومعهما ثلاثمائة وثمانية وعشرون رجلاً من أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الضياع، فجعل ثلثاً لولده وثلثاً لله تعالى وثلثاً لمواليه، ثم سار فعسكر بغربي دجلة لليلتين خلتا من جمادى الأولى، ووجه عجيف بن عنبسة وعمرو الفرغاني وجماعة من القواد إلى زبطرة معونة لأهلها، فوجدوا ملك الروم قد انصرف إلى بلاده بعد أن فعل ما ذكرناه، فوقفوا حتى تراجع الناس إلى قراهم واطمأنوا، ثم سار المعتصم وسأل: أي بلاد الروم أمنع وأحصن؟ فقيل عمورية لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهي عين النصرانية وأشرف عندهم من قسطنطينية، فسار المعتصم من سامرا - وقيل كان مسيره في سنة اثنتين وعشرين، وقيل سنة أربع وعشرين ومائتين وتجهز جهازاً لم يتجهزه خليفة قبله قط من سلاح وآلات وعدد وغير ذلك، وبث سراياه فيها وجيوشه - يغير ويقتل ويأسر ويغنم، ثم نزل بعمورية لست خلون من شهر رمضان وحاصرها ونصب عليها المجانيق، ووالى الزحف والقتال ودام عليها خمسة وخمسين يوماً وكان بطارقة الروم قد اقتسموا الأبراج، وكان وندوا موكل ببعضها ومعناه بالعربية ثور، فقاتل قتالاً شديداً وكثرت الجراحات في أصحابه، فمشى إلى الروم وقال: إن الحرب علي وعلى أصحابي، ولم يبق معي أحد إلا جراح، فإما أن تمدوني وإلا ذهبت المدينة فلم يمدوه، وكان المسلمون قد هدموا ثلمة من السور مما يلي جهة وندوا، فعزم هو وأصحابه على الخروج إلى المعتصم، يسألونه الأمان على الذرية ويسلمون إليه الحصن بما فيه، فلما أصبح أوقف أصحابه بجانبي الثلمة وأمرهم ألا يحاربوا، فخرج إلى المعتصم فصار بين يديه، والناس يتقدمون إلى الثلمة وقد أمسك الروم عن القتال، ووصل المسلمون إلى الثلمة ووندوا بين يدي المعتصم، والناس يتقدمون حتى دخلوا المدينة، فالتفت وندوا وضرب بيده على لحيته، فقال له المعتصم: مالك؟! قال: جئت أسمع كلامك فغدرت بي، فقال له المعتصم: كل شيء تريده فهو لك. قال: ولما دخل المسلمون المدينة صارت طائفة من الروم إلى كنيسة كبيرة، فأحرقها المسلمون عليهم فهلكوا بأجمعهم، وجاء ناطس - وهو من البطارقة - فوقف بين يدي المعتصم، فضربه المعتصم سوطاً وأخذ الروم السيف، وأقبل الناس بالأسرى والسبي من كل وجه، وكثرت الغنائم حتى كان ينادى الرقيق خمسة خمسة وعشرة عشرة، لا ينادى على الشيء أكثر من ثلاث أصوات طلباً للسرعة، وأمر المعتصم بعمورية فهدمت وأحرقت، وفرق الأسرى على القواد وسار نحو طرسوس.\rذكر القبض على العباس بن المأمون وحبسه والأمر بلعنه ووفاته\rوفي هذه السنة حبس المعتصم - العباس بن المأمون وأمر بلعنه، وسبب ذلك أن عجيف بن عنبسة اجتمع به ووبخه، كونه بايع المعتصم وكونه لم يطلب الأمر لنفسه، وحثه على طلب الأمر لنفسه، فقبل العباس قوله وأخذ يدبر في قتل المعتصم، وشرع في طلب البيعة ووافقه جماعة من القواد، فنمى الخبر إلى المعتصم فأحضر العباس وسقاه حتى سكر ولطف به واستعلم الخبر منه فذكر له الحال على غرة، فقيده وسلمه للأفشين فحبسه، فلما نزل منبج طلب العباس الطعام فقدم إليه طعام كثير، فأكل ومنع الماء وأدرج في مسح، فمات بمنبج وصلى عليه بعض إخوته، وتتبع المعتصم من كان قد وافقه على ذلك من القواد، فمنهم من فعل به مثل ذلك ومنهم من دفنه حياً، وعاد المعتصم إلى سامرا وأمسك أولاد المأمون فحبسهم في داره حتى ماتوا.\rودخلت سنة أربع وعشرين ومائتين.\rمخالفة مازيار\rبطبرستان وأسره","part":6,"page":229},{"id":2730,"text":"في هذه السنة أظهر مازيار بن قارن بن ونداهرمز الخلاف على المعتصم، وعصى وقاتل عساكره، وسبب ذلك أنه كان منافراً لعبد الله بن طاهر لا يحمل إليه خراجه، فكاتبه المعتصم في ذلك فقال: لا أحمله إلا إليك، وكان المعتصم يأمر بأخذه من أصحاب مازيار بهمذان، ويسلمه لوكيل عبد الله بن طاهر، فلما ظفر الأفشين ببابك وعظم محله طمع في ولاية خراسان، فراسل الأفشين مازيار في الخلاف والخروج، على أنه إذا خرج احتاج المعتصم إلى إرسال الأفشين لحربه، فينتقل من ذلك إلى ولاية خراسان، فخالف مازيار فكتب المعتصم لعبد الله بن طاهر بحربه، فأرسل ابن طاهر عمه الحسن بن الحسين في جيش كثيف لحفظ جرجان، فنزل مقابل سرخاستان، وقد بنى سرخاستان سوراً على طميس وجعل له خندقاً، ومقدار السور ثلاثة أميال ليمنع من الدخول إلى طبرستان، وكانت الأكاسرة تبنيه لتمنع الترك من الدخول إليها، ووجه حيان بن جبلة في أربعة آلاف إلى قومس، فعسكر على حد جبال شروين، ووجه المعتصم من عنده محمد بن إبراهيم بن مصعب ومعه الحسن بن قارن الطبري، ووجه منصور بن الحسن صاحب دنباوند إلى الري ليدخل طبرستان من ناحية الري، ووجه أبا الساج إلى اللازر ودنباوند، فلما أحدقت الخيل بالمازيار من كل جانب وكان أصحاب سرخاستان يتحدثون مع أصحاب الحسن بن الحسين على غفلة من الحسن - ونظر الناس بعضهم إلى بعض فثاروا - وبلغ الحسن الخبر فجعل يصيح بالقوم ويمنعهم خوفاً عليهم فلم يقفوا - ونصبوا علمه على معسكر سرخاستان وهو في الحمام - فهرب في غلالة، ودخل أصحاب الحسن السور وهو يقول: اللهم إنهم عصوني وأطاعوك فانصرهم، واستولوا على عسكر سرخاستان وأسر أخوه شهريار فقتله الحسن، وسار سرخاستان حتى أجهده العطش، فنزل عن دابته وشدها، فضربه غلام له اسمه جعفر وجماعة من أصحابه، فسألهم الماء فأمسكوه وقالوا: نتقرب به إلى السلطان، فرجعوا به نحو العسكر فلقيتهم خيل الحسن بن الحسين فأخذوه منهم، وأتوا به الحسن فقتله ووجه برأسه إلى عبد الله بن طاهر.","part":6,"page":230},{"id":2731,"text":"وأما حيان بن جبلة - مولى ابن طاهر - فإنه كاتب قارن بن شهريار - وهو ابن أخي مازيار، ورغبه في الملك وضمنه له، وكان قارن من قواد مازيار وقد أنفذه مازيار مع أخيه عبد الله بن قارن ومعه عدة من القواد فضمن له قارن عند ذلك أن تسلم إليه الجبال ومدينة سارية واتخذ قارن طعاماً ودعا عمه عبد الله والقواد فأتوه، ووضعوا سلاحهم فأحدق بهم أصحابه وقبضوا عليهم ووجه بهم إلى حيان فاستوثق منهم، وركب في أصحابه ودخل جبال قارن، وبلغ الخبر مازيار فاغتم له، قال: ولما بلغ الخبر أهل سارية أخذ سرخاستان ودخول حيان جبال شروين وثبوا على عامل مازيار بها فهرب منهم، وأتى حيان المدينة، وبلغ قوهيار أخو مازيار الخبر، فأرسل إلى حيان يطلب منه الأمان، وأن يملك على جبال أبيه وجده ويسلم إليه مازيار، ثم مات حيان قبل الاتفاق فوجه عبد الله مكانه عمه محمد بن الحسين، ثم صار الحسن بن الحسين إلى خرماباذ، فأتته رسل قوهيار ثم جاءه بنفسه فأكرمه وأجابه إلى جميع ما طلب، وتواعدوا يوماً فحضر مازيار عنده، ورجع قوهيار إلى أخيه مازيار فأعلمه أنه أخذ له الأمان واستوثق له، فركب الحسن يوم الميعاد ومعه ثلاثة غلمان أتراك - وإبراهيم بن مهران يدله على الطريق، حتى أتيا هرمز أباذ فأتاه المازيار مع القوهيار، فأخذه ووجهه إلى سارية، وسار الحسن إلى هرمز أباذ فأحرق قصر المازيار وانتهب ماله، وسار إلى خرماباذ إخوة المازيار وحبسهم، وسار إلى مدينة سارية فأقام بها، وأمره عبد الله بن طاهر بإرسال المازيار إلى المعتصم وأهله معه، وأن يسلمه إلى محمد بن إبراهيم ليسير به ففعل ذلك، وأمره أن يستصفي أمواله ويحرزها، فأحضره وسأله عن أمواله فذكر أنها عند خزانة فضمن القوهيار ذلك، وقال المازيار: اشهدوا على أن جميع ما أخذت من أموالي ستة وتسعون ألف دينار وسبع عشرة قطعة زمرد، وست عشرة قطعة ياقوت، وثمانية أحمال من ألوان الثياب، وتاج وسيف مجوهر، وخنجر من ذهب مكلل بالجوهر، وحق كبير مملوء جوهراً - قيمته ثمانية عشر ألف ألف درهم، وقد سلمت ذلك إلى خازن عبد الله بن طاهر وصاحب خبره على عسكره، وكان المازيار قد أخذ هذا ليوصله إلى الحسن بن الحسين ليظهر للناس أنه أمنه على نفسه وماله وولده، وأنه جعل له جبال أبيه فامتنع الحسن من قبوله - وكان من أعف الناس، ثم أمر الحسن قوهيار أن يتوجه لحمل مال المازيار، وأعطاه من البغال ما يحملها عليها، وأراد أن ينفذ معه جيشاً فقال: لا حاجة لي بهم، وسار في غلمانه ففتح الخزائن وأخذ الأموال، فلما عبأها وثب عليه مماليك المازيار - وكانوا ديالم، فقالوا: إنك غدرت بصاحبنا وأسلمته إلى العرب، وجئت لتحمل أمواله!! وكانوا ألفاً ومائتين فأخذوه وقيدوه، فلما جنهم الليل قتلوه وانتهبوا المال، وانتهى الخبر إلى الحسن فوجه جيشاً ووجه قارن جيشاً، وبلغ محمد بن إبراهيم الخبر فأرسل في أثرهم فأخذوا، وبعثهم إلى مدينة سارية قال: وقد قيل إن سبب أسر المازيار أنه كان له ابن عم اسمه قوهيار، كان له جبال طبرستان وللمازيار السهل، فألزمه مازيار بابه وولى الجبال غيره، فلما خالف مازيار دعا قوهيار ابن عمه - وقيل كان أخاه، وقال له: أنت أعرف بجبلك من غيرك، واظهره على أمر الأفشين وكتبه، وأمره بالعود إلى جبله وحفظه، وأمر الذي ولاه بعده على الجبل واسمه دري وأمره بالانضمام إليه بالعساكر، ووجهه إلى محاربة الحسن بن الحسين، وبقي المازيار في مدينته في نفر يسير، فدعا قوهيار الحقد الذي في قلبه أن كاتب الحسن وكاتبه الحسن، وضمن له ما يريد وأن يعيد إليه جبله وما كان في يده لا ينازع فيه، فرضي بذلك ووعده بتسليم الجبل، فلما جاء الميعاد تقدم الحسن فحارب دري، وكان دري قد انفرد بالمواضع المخوفة، وأرسل عبد الله بن طاهر جيشاً كثيفاً فوافوا قوهيار، فسلم إليهم الجبل فدخلوه، ودري يحارب الحسن ومازيار في قصره، فلم يشعر إلا والخيل على باب قصره فأخذوه أسيراً، وقيل أخذ وهو يتصيد، وقصدوا به نحو دري وهو يقاتل، فلم يشعر هو وأصحابه إلا والخيل من ورائهم ومعهم مازيار، فانهزم دري فأدركوه وقتلوه وحملوا رأسه إلى عبد الله بن طاهر، وحملوا المازيار فأوعده عبد الله - إن هو أظهره على كتب الأفشين - أن يسأل فيه المعتصم ليصفح عنه، فأقر المازيار بذلك وأحضر الكتب فسيرها إلى المعتصم، فلما توجه","part":6,"page":231},{"id":2732,"text":"مازيار إلى المعتصم سأله عن الكتب فأنكرها، فضربه حتى مات وصلبه إلى جانب بابك، وقيل إنه اعترف للمعتصم بالكتب والله أعلم، وكان قتله في سنة خمس وعشرين. إلى المعتصم سأله عن الكتب فأنكرها، فضربه حتى مات وصلبه إلى جانب بابك، وقيل إنه اعترف للمعتصم بالكتب والله أعلم، وكان قتله في سنة خمس وعشرين.\rعصيان منكجور\rقرابة الأفشين والظفر به قال: وكان الأفشين قد استعمل منكجور - وهو من أقاربه - على أذربيجان، فوجد في بعض قرى بابك مالاً عظيماً فأخذه، ولم يطالع به المعتصم ولا الأفشين، فكتب صاحب البريد بذلك إلى المعتصم، فطولب بالمال فأنكره وكذب صاحب البريد وهم بقتله، فمنعه أهل أردبيل منه فقاتلهم منكجور، فأمر المعتصم الأفشين بعزله فعزله، ووجه قائداً من القواد إليه فخلع منكجور يده من الطاعة، وجمع إليه الصعاليك وخرج من أردبيل، والتجأ إلى حصن من حصون بابك الذي كان قد خربها بابك فعمره وأقام به، فبقي شهراً ثم وثب عليه أصحابه فسلموه للقائد، فقدم به إلى سامرا في سنة خمس وعشرين. وقيل إن القائد كان بغا الكبير وأن منكجور خرج إليه بأمان، واتهم الأفشين بمباطنته.\rوحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود.\rودخلت سنة خمس وعشرين ومائتين.\rذكر القبض على الأفشين وحبسه ووفاته وصلبه\rفي هذه السنة غضب المعتصم على الأفشين وحبسه، وذلك لما ظهر عنه من مباطنة المازيار وغيره، فأحضره وقوبل على ذلك وحوقق على ما كان قد قصده من الخلاف، وحبس إلى أن مات في سنة ست وعشرين ومائتين، وقيل منه عنه الطعام حتى مات، ولما مات أمر المعتصم بإخراجه وصلبه على باب العامة، ووجد بقلفته، ثم ألقى وأحرق وأخذ ماله، ووجد في داره أصناماً وكتاباً من كتب المجوس، ورتب المعتصم بعده على الحرس إسحاق بن يحيى بن معاذ. وفيها استعمل إيتاخ على اليمن وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود.\rودخلت سنة ست وعشرين ومائتين.\rفي هذه السنة حج بالناس محمد بن داود بأمر إشناس، وكان إشناس حاجاً وقد جعل إليه ولاية كل بلد يدخله، وخطب له على منابر مكة والمدينة وغيرها من البلاد التي اجتاز بها إلى مدينة سامرا.\rودخلت سنة سبع وعشرين ومائتين.\rخروج المبرقع بفلسطين\rوفي هذه السنة خرج أبو حرب اليماني المبرقع بفلسطين على المعتصم، وكان سبب خروجه أن بعض الجند أراد النزول في داره وهو غائب، فمنعه بعض نسائه فضربها الجندي بسوط فأصاب ذراعها، فلما رجع أبو حرب إلى داره اشتكت إليه ما فعل بها الجندي، فقتله أبو حرب وهرب وتبرقع، وقصد بعض جبال الأردن فأقام به، وكان يظهر بالنهار متبرقعاً فإذا جاءه أحد أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، ويذكر الخليفة ويعيبه فاستجاب إليه قوم من فلاحي تلك الناحية، وكان يزعم أنه أموي فقال أصحابه هذا السفياني، فلما كثر أتباعه من هذه الطبقة، دعا أهل البيوتات فاستجاب له جماعة من رؤساء اليمانية، منهم رجل يقال له ابن بيهس - كان مطاعاً في أهل اليمن، ورجلان من أهل دمشق، فاتصل خبره بالمعتصم في مرضه الذي مات فيه، فسير لحربه رجاء بن أيوب الحضاري في زهاء ألف رجل من الجند فرآه في عالم كثير يبلغون مائة ألف رجل، فكره رجاء مواقعته وعسكر في مقابلته، حتى كان أوان الزراعة وعمل الأرضين فانصرف من كان مع المبرقع إلى عملهم، وبقي في زهاء ألف أو ألفين، وتوفي المعتصم وولي الواثق وثارت الفتنة بدمشق على ما نذكره فأمر الواثق رجاء بقتال من أثار الفتنة، والعود إلى المبرقع ففعل ذلك، وعاد والتقى العسكران، فقال رجاء لأصحابه: ما أرى في عسكره رجلاً له شجاعة غيره، وأنه سيظهر لأصحابه بعض ما عنده، فإذا حمل فأفرجوا له، فما لبث أن حمل المبرقع فأفرجوا له فجاوزهم ورجع إلى أصحابه، ثم حمل الثانية فلما أراد الرجوع أحاطوا به وأخذوه أسيراً. وقيل إن خروجه كان في سنة ست وعشرين بنواحي الرملة، وصار في خمسين ألفاً، فوجه المعتصم إليه رجاء الحضاري فقاتله وأخذ ابن بيهس أسيراً، وقتل من أصحاب المبرقع نحواً من عشرين ألفاً، وأسر المبرقع فيمن أسر، وحمل إلى سامرا والله تعالى أعلم.\rوفاة المعتصم\rوشيء من أخباره","part":6,"page":232},{"id":2733,"text":"كانت وفاته في يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان بدء علته أنه احتجم في أول يوم من المحرم فاعتل ومات، وكان أبيض أصهب اللحية طويلها، مربوعاً مشرب اللون بحمرة حسن العينين وكان شديد القوة، قيل إنه كان يرفع بيده ألف رطل ويمشي بها خطوات، وكان من أشجع الناس، وقيل إنه كان أمياً لا يكتب، ومن العجب أن الرشيد أخرجه من الخلافة وعهد إلى الأمين والمأمون والمؤتمن، فساق الله الخلافة إليه، وجعل الخلافة في ولده ولم يكن من نسل أولئك خليفة، والمعتصم هو المثمن من اثني عشر وجهاً: هو الثامن من ولد العباس، الثامن من الخلفاء منهم، وولي سنة ثماني عشرة ومائتين، وكانت خلافته ثماني سنين، وثمانية أشهر، ومات وهو ابن ثمان وأربعين سنة، وولد في شعبان وهو الشهر الثامن من الشهور، وخلف ثمانية ذكور: منهم هارون الواثق وجعفر المتوكل ومحمد المستعين، وثماني بنات، وغزا ثماني غزوات، وخلف ثمانية آلاف ألف دينار ومثلها من الدراهم.\rقال بعض المؤرخين: كان له من المماليك سبعون ألفاً سوى الأحرار، وكان نقش خاتمه: الله ثقة أبي إسحاق بن الرشيد وبه يؤمن، وزراؤه: الفضل بن مروان بن أحمد بن عمارة إلى أن نكبه كما ذكرنا، ثم محمد بن عبد الملك الزيات، وهو الذي رثاه بقوله:\rقد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيد بالترب والطين\rاذهب فنعم المعين كنت على ال ... دنيا ونعم الظهير للدين\rلن يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون\rحجابه: وصيف مولاه ثم محمد بن حماد. قضاته: شعيب بن سهل ثم محمد بن سماعة ثم عبد الله بن غالب، وقيل إن أحمد بن أبي دؤاد الإيادي كان قاضي القضاة، وأن جعفر بن عيسى من ولد الحسن البصري كان من قضاته، الأمراء بمصر: كيدر ثم ولده المظفر، ثم ردت مصر إلى اشناس فاستخلف عليها موسى بن ثابت الحنفي من أهل الشاش، ثم مالك بن كيدر ثم علي بن يحيى الأرمني. القضاة بها: هارون الزهري ثم محمد بن أبي الليث الخوارزمي.\rقال: ومن أخبار المعتصم الدالة على كرمه ومكارم أخلاقه أنه بينما هو يسير وحده - وقد انفرد عن أصحابه - إذ مر بشيخ معه حمار عليه شوك. وقد زلق الحمار من المطر وسقط حمله، فسأله المعتصم عن حاله، فأخبره أنه ينتظر من يعينه على رفع الشوك على ظهر الحمار، فنزل المعتصم عن دابته وخلص الحمار من الوحل، ورفع عليه الحمل - والشيخ يقول: بأبي أنت وأمي - لا تهلك ثيابك، فيقول: لا عليك ثم غسل يديه وركب، فقال له الشيخ: غفر الله لك يا شاب، ثم لحقه أصحابه فأمر للشيخ بأربعة آلاف درهم، ووكل به من يوصله إلى بيته، وقال ابن أبي دؤاد: تصدق المعتصم ووهب على يدي مائة ألف ألف درهم، هذا على يد رجل واحد فما ظنك بغيره!! قال بعض المؤرخين: إنه لما فتح عمورية امتدحه أبو تمام حبيب بن أوس الطائي بقصيدته التي أولها:\rالسيف أصدق إنباء من الكتب\rفأعطاه عن كل بيت بها ألف درهم، وقيل إنه أقطعه مدينة الموصل رحمه الله تعالى.\rخلافة الواثق بالله هو أبو جعفر هارون بن المعتصم بن الرشيد هارون بن المهدي بن المنصور، وأمه أم ولد اسمها قراطيس، وهو التاسع من الخلفاء العباسيين، بويع له في يوم وفاة أبيه لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين ومائتين.\rالفتنة بدمشق\rقال: لما توفي المعتصم ثارت القيسية بدمشق وعاثوا وأفسدوا وحصروا أميرهم، فبعث الواثق إلى رجاء بن أيوب الحضاري، وكان قد توجه لحرب المبرقع بفلسطين كما قدمناه، فرجع إليهم فنزل بدير مران، وكانوا معسكرين بمرج راهط فدعاهم إلى الطاعة، فلم يرجعوا وتوعدوا الحرب بدومة يوم الإثنين، فلما كان يوم الأحد تفرقت القيسية، وسار رجاء إلى دومة الجندل وبعضهم في حوائجه، فقاتلهم فهزمهم وقتل منهم ألفاً وخمسمائة، وقتل من أصحابه ثلاثمائة، وهرب مقدمهم وهو ابن بيهس، وصلح أمر دمشق وعاد رجاء إلى حرب المبرقع فأسره كما ذكرناه.\rوحج بالناس في هذه السنة جعفر بن المعتصم.\rودخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين.","part":6,"page":233},{"id":2734,"text":"في هذه السنة أعطى الواثق لإشناس تاجاً ووشاحين. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود، وغلا السعر بطريق مكة، فبلغ رطل خبز بدرهم ورواية ماء بأربعين درهماً، وأصاب الناس في الموقف حر شديد، ثم أصابهم مطرفية برد، فاشتد البرد عليهم بعد ساعة من ذلك الحر الشديد، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة فقتلت عدة من الحجاج.\rودخلت سنة تسع وعشرين ومائتين.\rفي هذه السنة حبس الواثق الكتاب وألزمهم أموالاً عظيمة، فأخذ من أحمد بن إسرائيل ثمانين ألف دينار بعد أن ضربه، ومن سليمان بن وهب - كاتب إيتاخ - أربعمائة ألف دينار، ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار، ومن إبراهيم بن رباح وكتابه مائة ألف دينار، ومن أحمد بن الخصيب وكتابه ألف ألف دينار، ومن نجاح ستين ألف دينار ومن أبي الوزير مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار. وكان سبب ذلك أنه ذكر عنده نكبة البرامكة، وما حصل الرشيد من أموالهم، فنكبهم بعد جمعة وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود.\rودخلت سنة ثلاثين ومائتين.\rمسير بغا إلى الأعراب\rبالمدينة وما كان من أمرهم في هذه السنة وجه الواثق بغا الكبير إلى الأعراب، الذين أغاروا بنواحي المدينة، وكان سبب ذلك أن بني سليم كانت تفسد جول المدينة، ثم قويت شوكتهم واغتصبوا أموال الناس، وأوقعوا بقوم من كنانة وباهلة وقتلوا بعضهم في جمادى الآخرة من هذه السنة، فوجه إليهم محمد بن صالح - عامل المدينة - حماد بن جرير الطبري في جيش فقاتلوه، واشتد القتال فقتل حماد وعامة أصحابه، وأخذ بنو سليم الكراع والسلاح والثياب، فزاد طمعهم ونهبوا القرى والمناهل ما بين مكة والمدينة، فوجه إليهم الواثق بغا الكبير في جمع من الجند، فقدم المدينة في شعبان فلقيهم ببعض مياه الحرة - من وراء السوارقية وهي قريتهم، التي يأوون إليها وبها حصون، فقتل بغا منهم نحواً من خمسين رجلاً، وأسر مثلهم وانهزم الباقون، وأقام بغا بالسوارقية ودعاهم إلى الأمان على حكم الواثق، فأتوه متفرقين فنزل عنده من يعرف منهم بالفساد وهم زهاء ألف رجل، وخلى سبيل الباقين وعاد بالأسرى إلى المدينة في ذى القعدة، فحبسهم بها ثم سار إلى مكة، فلما قضى حجه سار إلى ذات عرق، وعرض على بني هلال مثل الذي عرض على بني سليم فقبلوه، فأخذ من مفسديهم نحو ثلاثمائة رجل إلى المدينة فحبسهم، ثم سار إلى بني مرة فنقب الأعراب السجن ليخرجوا، فرأت امرأة النقب فصاحت يا أهل المدينة! فجاءوا فوجدوهم قد قتلوا الموكلين وأخذوا سلاحهم، فاجتمع أهل المدينة وقاتلوهم، فقتل سودان المدينة كل من وجدوه منهم، وكان مقتلهم في سنة إحدى وثلاثين ومائتين.\rوفيها - أعني سنة ثلاثين ومائتين - مات عبد الله بن طاهر بنيسابور، وهو أمير خراسان والسواد والري وطبرستان وكرمان وما يتصل بها، وكان خراج هذه الأعمال يوم وفاته ثمانية وأربعين ألف ألف درهم، فاستعمل الواثق على أعماله كلها ولده طاهر بن عبد الله بن طاهر. مات أشناس التركي بعد موت ابن طاهر بسبعة أيام.\rودخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين.\rأحمد بن نصر\rبن مالك الخزاعي وما كان من أمره","part":6,"page":234},{"id":2735,"text":"في هذه السنة تحرك ببغداد قوم مع أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي، وجده مالك أحد نقباء بني العباس، وكان سبب هذه الحركة أن أحمد بن نصر كان يغشاه أصحاب الحديث كابن معين وابن الدورقي وأبي زهير، وكان يخالف من يقول بخلق القرآن ويطلق لسانه فيه، مع غلظة الواثق، وكان يقول إذا ذكر الواثق: فعل هذا الخنزير، وقال: هذا الكافر، وفشا ذلك، وكان يغشاه رجل يعرف بأبي هارون السراج وآخر يقال له طالب وغيرهما، فدعوا الناس إليه فبايعوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفرق أبو هارون وطالب في الناس مالاً، فأعطيا كل رجل ديناراً، واتعدوا ليلة الخميس لثلاث خلون من شعبان، ليضربوا بالطبل ويثوروا على السلطان، وكان أحدهما في الجانب الشرقي من بغداد والآخر بالغربي، فاتفق أن رجلين ممن بايعهم من بني الأشرس شربا نبيذاً ليلة الأربعاء قبل الموعد بليلة، فلما أخذ منهم ضربوا الطبل فلم يجبهم أحد، فسمع صاحب الشرطة الطبل فسأل عن الخبر، فدل على رجل يكون في الحمام مصاب العين يعرف بعيسى الأعور، فأخذه وقرره فقر على بني الأشرس وأحمد بن نصر وغيرهم، فأخذ بعض من سمى وفيهم طالب وأبو هارون، ورأى في منزل بني الأشرس علمين أخضرين، ثم أخذ خادماً لأحمد بن نصر فقرره فأقر بمثل ما قال عيسى، فأرسل إلى أحمد فأخذه وهو في الحمام، وفتش بيته فلم يجد فيه سلاحاً ولا شيئاً من الآلات، فسيرهم إلى الواثق مقيدين على بغال بأكف بغير وطاء إلى سامرا، فجلس الواثق مجلساً عاماً فيه أحمد بن أبي دؤاد، فلما حضر أحمد بن نصر عند الواثق لم يذكر له شيئاً من فعله والخروج عليه، بل قال له: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال: كلام الله، قال: فما تقول في ربك - أتراه يوم القيامة؟ قال: يا أمير المؤمنين - جاءت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال \" ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر - لا تضامون في رؤيته \" ، وحدثني سفيان بحديث رفعه \" أن قلب ابن آدم المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه \" ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون فيه؟! فقال عبد الرحمن بن إسحاق: هو حلال الدم، وقال بعض أصحاب ابن أبي دؤاد: اسقني دمه، وقال ابن أبي دؤاد: هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل، وكان كارهاً لقتله، فقال الواثق: إذا رأيتموني قد قمت إليه فلا يقومن أحد، فإني أحتسب خطاي إليه، ودعا بالصمصامة ومشى إليه وهو في وسط الدار على نطع، فضربه على حبل عاتقه ثم ضربه على رأسه، ثم ضرب سيما الدمشقي عنقه وطعنه الواثق بطرف الصمصامة في بطنه، وصلب عند بابك وحمل رأسه إلى بغداد فنصب بها، وكتب في أذنه رقعة: هذا رأس الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر، وتتبع أصحابه فجعلوا في الحبوس هذا ما حكاه ابن الأثير في تاريخه الكامل.\rوقد حكى الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت خبر مقتله، فذكر ما تقدم وذكر زيادات أخرى بأسانيد رفعها، قد رأينا أن نثبت منها طرفاً، فقال بسند رفعه إلى محمد بن يحيى الصولي: إنه لما حمل أحمد بن نصر وأصحابه إلى الواثق بسر من رأى جلس لهم الواثق، وقال لأحمد بن نصر: دع ما أخذت له - قال: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال: كلام الله، قال: أفترى ربك في يوم القيامة؟ قال: كذا جاءت الرواية، قال: ويحك!! كما يرى المحدود المتجسم ويحويه مكان ويحصره الناظر!! أنا أكفر برب هذه صفته، ما تقولون فيه؟ فذكر من كلام عبد الرحمن بن إسحاق ما تقدم، وقال جماعة من الفقهاء كما قال، فأظهر ابن أبي دؤاد أنه كاره لقتله فقال للواثق: يا أمير المؤمنين - شيخ مختل لعله به عاهة أو تغير عقل، يؤخر أمره ويستتاب، فقال الواثق: ما أراه إلا مؤدياً لكفره، قائماً بما يعتقد منه، وذكر من قيام الواثق إليه نحو ما تقدم، إلا أنه قال إن الواثق ضرب عنقه.\rثم قال بسند آخر رفعه إلى جعفر بن محمد الصائغ أنه قال: بصر عيناي - وإلا فعميتا - وسمع أذناي - وإلا فصمتا - أحمد بن نصر الخزاعي حيث ضربت عنقه يقول رأسه: لا إله إلا الله.","part":6,"page":235},{"id":2736,"text":"وقال بسند آخر إلى العباس بن سعيد: نسخة الرقعة المعلقة في أذن أحمد بن نصر - بسم الله الرحمن الرحيم هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبد الله الإمام هارون - وهو الواثق بالله أمير المؤمنين - إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلا المعاندة، فجعله الله إلى ناره.\rوكتب محمد بن عبد الملك الزيات قال: ولما جلس المتوكل دخل عليه عبد العزيز بن يحيى المكي فقال: يا أمير المؤمنين - ما رئي أعجب من أمر الواثق قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ القرآن إلى أن دفن، قال: فوجد المتوكل من ذلك وساءه ما سمعه في أخيه، إذ دخل عليه محمد بن عبد الملك الزيات، فقال له: يا ابن عبد الملك - في قلبي من قتل أحمد بن نصر، فقال له: يا أمير المؤمنين - أحرقني الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافراً، ودخل عليه هرثمة فقال: يا هرثمة - في قلبي من قتل أحمد بن نصر، فقال: يا أمير المؤمنين - قطعني الله إرباً إرباً إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافراً، قال: ودخل عليه أحمد بن أبي دؤاد، فقال: يا أحمد - في قلبي من قتل أحمد بن نصر، فقال: يا أمير المؤمنين - ضربني الله بالفالج إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافراً، قال المتوكل: فأما ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار، وأما هرثمة فإنه هرب وتبدى، واجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل في الحي فقال: يا معشر خزاعة - هذا الذي قتل ابن عمكم أحمد بن نصر، فقطعوه إرباً إرباً، وأما ابن دؤاد فقد سجنه الله في جلده.\rوقال أحمد بن كامل القاضي عن أبيه أنه وكل برأس أحمد بن نصر من يحفظه بعد أن نصب برأس الجسر ببغداد، وأن الموكل به ذكر أنه يراه بالليل يستدير إلى القبلة بوجهه، فيقرأ سورة يس بلسان طلق، وأنه لما أخبر بذلك طلب فخاف على نفسه فهرب. وقال بسند آخر إلى إبراهيم بن إسماعيل بن خلف: كان أحمد بن نصر خلي، فلما قتل في المحنة وصلب رأسه أخبرت أن الرأس يقرأ القرآن، فمضيت فبت بقرب من الرأس مشرفاً عليه، وكان عنده رجالة وفرسان يحفظونه، فلما هدأت العيون سمعت الرأس يقرأ \" الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون \" فاقشعر جلدي، ثم رأيته بعد ذلك في المنام وعليه السندس والاستبرق وعلى رأسه تاج، فقلت: ما فعل الله بك يا أخي ؟ قال: غفر لي وأدخلني الجنة، إلا أني كنت مغموماً ثلاثة أيام، قلت: ولم؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بي فلما بلغ خشبتي حول وجهه عني، فقلت له بعد ذلك: يا رسول الله - قتلت على الحق أو على الباطل؟ فقال: أنت على الحق ولكن قتلك رجل من أهل بيتي، فإذا بلغت إليك أستحيي منك. وقال بسند إلى أبي جعفر الأنصاري: سمعت محمد بن عبيد - وكان من خيار الناس - يقول: رأيت أحمد بن نصر في منامي فقلت يا أبا عبد الله ما صنع بك ربك؟ قال: غضبت له فأباحني النظر إلى وجهه تعالى.\rقال: وكان مقتله يوم السبت غرة رمضان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وأنزل رأسه يوم الثلاثاء لثلاث خلون من شوال سنة سبع وثلاثين ومائتين، وجمع رأسه وبدنه ودفن بالجانب الشرقي في المقبرة المعروفة بالمالكية.\rالفداء مع الروم\rفي هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والروم، فاجتمع المسلمون على نهر اللامس على مسيرة يوم من طرسوس، واشترى الواثق من ببغداد وغيرها من الروم، وعقد الواثق لأحمد بن سلم بن قتيبة الباهلي على الثغور والعواصم، وأمره بحضور الفداء هو وخاقان الخادم، وأمرهما أن يمتحنا أسرى المسلمين، فمن قال: القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة - فودي به وأعطي ديناراً، ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم، فلما كان في عاشوراء سنة إحدى وثلاثين اجتمع المسلمون ومن معهم من الأسرى على نهر، وأتت الروم ومن معهم من الأسرى، وكان النهر بين الطائفتين، فكان المسلمون يطلقون أسيراً فيطلق الروم أسيراً ويلتقيان في وسط النهر، ويأتي هذا لأصحابه وهذا لأصحابه حتى فرغوا، وكان عدة أسرى المسلمين أربعة آلاف وأربعة وستين نفساً، والنساء والصبيان ثمانمائة، وأهل الذمة مائة نفس.\rودخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.\rوفاة الواثق\rوشيء من أخباره كانت وفاته بسامرا في يوم الأربعاء لست بقين من ذى الحجة منها.","part":6,"page":236},{"id":2737,"text":"وكانت علته الاستسقاء فعولج بالإقعاد في تنور مسخن، فوجد لذلك خفة فأمرهم من الغد بالزيادة في إسخانه، ففعل ذلك وجلس فيه أكثر من اليوم الأول، فحمي عليه فأخرج منه ووضع في محفة فمات فيها، ولم يشعر به حتى ضرب وجهه المحفة، وقيل إن أحمد بن أبي دؤاد حضر وفاته وغمضه، وقيل إنه لما حضرته الوفاة جعل يردد هذين البيتين:\rالموت فيه جميع الخلق مشترك ... لا سوقة منهم تبقى ولا ملك\rما ضر أهل قليل في تفاقرهم ... وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا\rوأمر بالبسط فطويت وألصق خده بالأرض، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه. وقال أحمد بن محمد الواثقي: كنت فيمن يمرض الواثق، فلحقته غثية وأنا وجماعة من أصحابه قيام، فقلنا لو عرفنا خبره! فتقدمت إليه فلما صرت عند رأسه فتح عينيه فكدت أموت خوفاً، فرجعت إلى خلفي وتعلقت قنبعة سيفي بعتبة المجلس، فاندقت وسلمت من جراحه، ووقفت في موقفي ثم مات الواثق وسحبناه، وجاء الفراشون فأخذوا ما تحته في المجلس ورفعوه لأنه مكتوب عليهم، واشتغل الناس بأخذ البيعة وجلست على باب المجلس لحفظ الميت، ورددت الباب فسمعت حساً ففتحت الباب، فإذا جرذ قد دخل من بستان هناك فأكل إحدى عيني الواثق، فقلت: لا إله إلا الله - هذه العين التي فتحها من ساعة، فاندق سيفي هيبة لها، صارت طعمة لدابة ضعيفة، فسألني ابن أبي دؤاد عن عينه فذكرت له القصة فعجب منها، وصلى عليه ابن أبي دؤاد وأنزله في قبره، وقيل صلى عليه أخوه المتوكل، ودفن بالهاروني، وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة، وقيل ستاً وثلاثين سنة وشهوراً، وقيل سبعاً وثلاثين، ومدة خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وستة أيام. وكان أبيض مشرباً بحمرة جميلاً ربع القامة حسن الجسم بعينه اليمنى وقيل اليسرى نكته بياض.\rوقد وقفت في أثناء مطالعتي على حكاية غريبة اتفقت للواثق، أحببت أن أضمها إلى أخباره، وهي ما رواه أبو الفرج الأصبهاني بسنده إلى محمد بن الحارث، قال: كانت لي نوبة في خدمة الواثق في كل جمعة. إذا حضرت ركبت إلى الدار، فإن نشط إلى الشرب أقمت عنده، وإن لم ينشط انصرفت، وكان رسمنا ألا يحضر أحد منا إلا يوم نوبته، فإني لفي منزلي في يوم غير يوم نوبتي إذا برسل قد هجموا علي، وقالوا لي: احضر، فقلت خيراً، قالوا: خير، فقلت: إن هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قط، ولعلكم غلطتم، قالوا: الله المستعان - لا تطل وبادر، فقد أمرنا ألا ندعك تستقر على الأرض، فدخلني فزع شديد وخفت أن يكون سعى بي ساع، أو بلية قد حدثت في رأي الخليفة علي، فتقدمت بما أردت وركبت حتى وافيت الدار، فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل فمنعت، وأخذ بيدي الخدم فعدلوا بي إلى ممرات لا أعرفها، فزاد ذلك في جزعي وغمي، ثم لم يزل الخدم يسلمونني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة بالصخر، ملبسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواق أرضه وحيطانه ملبسة بمثل ذلك.\rقال: وإذا الواثق في صدره على سرير مرصع بالجوهر، وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة جاريته عليها مثل ثيابه وفي حجرها عود، فلما رآني قال: جودت والله يا محمد - إلينا إلينا، فقبلت الأرض ثم قلت: يا أمير المؤمنين - خيراً! قال: خير - ما ترانا طلبت والله ثالثاً يؤنسنا! فلم أر أحق بذلك منك، فبحياتي بادر فكل شيئاً وبادر إلينا، والله - يا سيدي - قد أكلت وشربت أيضاً، قال: اجلس فجلست. قال: هاتوا لمحمد رطلاً في قدح فأحضرت ذلك، واندفعت فريدة تغني:\rأهابك إجلالاً وما بك قدرة ... علي ولكن ملء عين حبيبها\rوما هجرتك النفس يا ليل أنها ... قلتك ولا أن قل منك نصيبها","part":6,"page":237},{"id":2738,"text":"فجاءت والله بالسحر، وجعل الواثق يجاذبها وفي خلال ذلك تغني الصوت بعد الصوت، وأغني في خلال غنائها، فمر لنا أحسن ما مر لأحد، فإنا لكذلك إذ رفع رجله فضرب بها صدر فريدة، ضربة تدحرجت منها من أعلى السرير إلى الأرض، وتفتت عودها، ومرت تعدو وتصيح وبقيت كالمنزوع الروح، فلم أشك في أن عينه وقعت علي - وقد نظرت إلي ونظرت إليها، فأطرق ساعة إلى الأرض متحيراً، وأطرقت أتوقع ضرب العنق، فإني لكذلك إذ قال لي: يا محمد - فوثبت، فقال: ويحك أرأيت أعجب مما تهيأ علينا!! فقلت: يا سيدي الساعة تخرج روحي، فعلى من أصابنا بعين لعنة الله، فما كان السبب والذنب؟ قال: لا والله، ولكني ذكرت في أن جعفراً يقعد غداً هذا المقعد، وتقعد معه كما هي قاعدة معي، فلم أطق الصبر وخامرني ما أخرجني إلى ما رأيت، فسري عني وقلت: بل يقتل الله جعفراً ويحيا أمير المؤمنين أبداً، وقبلت الأرض وقلت: يا سيدي إرحمها ومر بردها، فقال لبعض الخدم الوقوف مر وجيء بها، فلم يكن بأسرع من أن خرجت وفي يدها عود، وعليها غير الثياب التي كانت عليها، فلما رآها جذبها إليه وعانقها، فبكت وجعل هو يبكي واندفعت أنا في البكاء، فقالت: ما ذنبي يا مولاي؟ وبأي شيء استوجبت هذا؟ فأعاد عليها ما قال لي وهو يبكي، فقالت سألتك بالله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقي الساعة، وأرحتني من الفكر في هذا وأرحت قلبك من الهم، وجعلت تبكي ويبكي ثم مسحا أعينهما، ثم رجعت إلى الغناء، وأومأ إلى خدم وقوف بشيء لا أعرفه، فمضوا وأحضروا أكياساً فيها عين وورق، ورزماً فيها ثياب كثيرة، وجاء خادم بدرج ففتحه وأخرج منه عقداً ما رأيت مثل جوهر كان فيه، فألبسه إياها، وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف فجعلت بين يدي، وخمسة تخوت فيها ثياب، وعدنا إلى أمرنا إلى أحسن ما كنا فيه، فلم نزل كذلك إلى الليل ثم تفرقنا، وضرب الدهر ضربة وتولى المتوكل، فوالله إني لفي منزلي بعد يوم نوبتي، إذ هجم علي رسل الخليفة فلم يمهلوني حتى ركبت وصرت إلى الدار، فأدخلت - والله - الحجرة بعينها، وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق على السرير بعينه وإلى جانبه فريدة، فلما رآني قال: ويحك ما ترى ما أنا فيه من هذه - منذ غدوة!! أطالبها أن تغني فتأبى ذلك، فقلت لها: يا سبحان الله تخالفين سيدك وسيدنا وسيد البشر!! بحياته غني فضربت والله ثم اندفعت تغني:\rمقيم بالمجازة من قنونا ... وأهلك بالأجيفر والثماد\rفلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي\rثم ضربت بالعود الأرض ورمت بنفسها عن السرير، ومرت تعدو وهي تصيح واسيداه، فقال لي: ويحك ما هذا فقلت: لا أدري والله - يا سيدي، قال: ما ترى؟ قلت أرى أن تحضر هذه ومعها غيرها فإن الأمر يؤول إلى ما يريد أمير المؤمنين، قال: فانصرف في حفظ الله، فلم أدر ما كانت القصة.\rقال: وكان الواثق قد ذهب في أموره مذهب المأمون، وشغل نفسه بمحنة الناس في الدين وأفسد قلوبهم، ولما ولي الخلافة أحسن إلى العلويين واشتمل عليهم وبالغ في إكرامهم وتعاهدهم بالأموال، وفرق في أهل الحرمين أموالاً لا تحصى، حتى إنه لم يوجد في أيامه بالحرمين سائل، حتى إنه - لما توفي - كان أهل المدينة تخرج من نسائهم كل ليلة إلى البقيع فيبكين عليه ويندبنه، يفعلن ذلك بينهن مناوبة حزناً عليه لإحسانه لهم، وأطلق في خلافته أعشار سفن البحر وكانت مالاً عظيماً.\rوكان نقش خاتمه: الله ثقة الواثق. أولاده: محمد المهتدي بالله، وعبد الله، وإبراهيم، ومحمد وعائشة. وزيره: محمد بن عبد الملك الزيات. حجابه إيتاخ ثم وصيف مولاه ثم أحمد بن عمار. قاضيه: أحمد بن أبي دؤاد. الأمراء بمصر: علي بن يحيى الأرمني ثم عيسى بن منصور من قبل إشناس، فلما توفي إشناس ردت مصر إلى إيتاخ فأقر عيسى بن منصور عليها. قاضيها: محمد بن أبي الليث.\rخلافة المتوكل","part":6,"page":238},{"id":2739,"text":"هو أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، وأمه تركية اسمها شجاع، وهو العاشر من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم وفاة أخيه الواثق لست بقين من ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، قال: ولما توفي الواثق حضر الدار أحمد بن أبي دؤاد وإيتاخ ووصيف وعمر بن فرج وابن الزيات وأبو الوزير أحمد بن خالد، وعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق وهو غلام أمرد قصير، فألبسوه دراعة سوداء وقلنسوة فإذا هو قصير، فقال وصيف: أما تتقون الله - تولون مثل هذا الخلافة!! فتناظروا فيمن يولونه فذكروا عدة ثم أحضروا المتوكل، فألبسه أحمد بن أبي دؤاد الطويلة وعممه وقبله بين عينيه، وقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، وكان عمر المتوكل يوم ذاك ستاً وعشرين سنة، ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر. قال: وأراد ابن الزيات أن يلقبه، فقال أحمد بن أبي دؤاد: قد رأيت لقباً أرجو أن يكون موافقاً - وهو المتوكل على الله، فأمر بإمضائه فكتب به الآفاق. وقيل بل رأى المتوكل في منامه قبل أن يستخلف كأن سكراً ينزل من السماء - مكتوب عليه المتوكل على الله، فقصها على أصحابه فقالوا: هي الخلافة، فبلغ ذلك الواثق فحبسه وضيق عليه.\rودخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.\rالقبض على محمد الزيات\rوفي هذه السنة لسبع خلون من صفر قبض المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات، واكن سبب ذلك أن الواثق كان قد استوزره وفوض إليه الأمور كلها، وكان قد غضب على أخيه جعفر المتوكل، ووكل عليه من يأتيه بأخباره كلها، فجاء المتوكل إلى ابن الزيات فسأله أن يكلم الواثق ليرضى عنه، فوقف بين يديه وهو لا يكلمه، ثم أشار إليه بالقعود فجلس، فلما فرغ من الكتب التي بين يديه التفت إليه كالمتهدد، وقال: ما جاء بك؟ قال: جئت لتسأل أمير المؤمنين الرضا عني، فالتفت إلى من حوله وقال: انظروا يغضب أخاه ثم يسألني أن أسترضيه له، اذهب فإنك - إذا صلحت - رضي عنك، فقام من عنده حزيناً وأتى أحمد بن أبي دؤاد، فقام إليه واستقبله على باب البيت وقبل يده، وقال: ما حاجتك؟ جعلت فداك، قال: جئت لتسترضي عني أمير المؤمنين، قال: أفعل ونعمة عين وكرامة، وكلم أحمد الواثق فيه فوعده - ولم يرض عنه، ثم كلمه ثانية فرضي عنه وكساه.\rقال: ولما خرج المتوكل من عند ابن الزيات، كتب أن جعفراً أتاني في زي المخنثين له شعرقفا، يسألني أن أسأل أمير المؤمنين الرضا عنه، فكتب إليه الواثق: ابعث إليه وأحضره، ومر بجز شعر قفاه، قال المتوكل: لما أتاني رسوله لبست سواداً جديداً، وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضا عني، فاستدعى حجاماً وأخذ شعري على السواد الجديد، ثم ضرب به وجهي، فلما ولي المتوكل الخلافة أمهله إلى صفر، وأمر إيتاخ بأخذ ابن الزيات وتعذيبه، فاستدعاه وأدخله حجرة ووكل به، وأرسل من أصحابه من هجم منازله وأخذ كل ما فيها، واستصفى أمواله وأملاكه في جميع البلاد، ثم جعله في تنور كان قد عمله هو وعذب به ابن أسباط وأخذ ماله، وكان التنور من خشب فيه مسامير من حديد، أطرافها إلى داخل التنور، يمنع من يكون فيه من الحركة، وكان ضيقاً بحيث إن الإنسان إذا دخل فيه يمد يديه إلى رأسه ليقدر على دخوله لضيقه، فبقي أياماً ومات لإحدي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول منها، وقيل: بل ضرب فمات وهو يضرب، وقيل مات بغير ضرب، وقد تقدم أن المتوكل حرقه بالنار والله أعلم.\rولما مات ألقي على الباب بقميص فغسل ودفن، فقيل إن الكلاب نبشته وأكلت لحمه. قال: وسمع قبل موته يخاطب نفسه ويقول: يا محمد لم تقنعك النعمة والدواب والدار النظيفة والكسوة وأنت في عافية، حتى طلبت الوزارة - ذق ما عملت بنفسك ثم سكت، وكان لا يزيد على التشهد وذكر الله عز وجل.\rوفيها حبس عمر بن الفرج الرخجي، وكان سبب ذلك أن المتوكل أتاه لما كان أخوه الواثق ساخطاً عليه، ومعه صك ليختمه عمر له ليقبض أرزاقه من بيت المال، فأخذ عمر صكه فرمى به إلى صحن المسجد، فحقدها المتوكل ثم حبسه في شهر رمضان، وأخذ ماله وأثاث بيته وأصحابه، ثم صولح على أحد عشر ألف ألف على أن يرد إليه ضياع الأهواز.","part":6,"page":239},{"id":2740,"text":"وفيها غضب المتوكل على إبراهيم بن الجنيد النصراني، وأخذ ماله ومال أخيه وكاتبه. وفيها عزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولاه يحيى بن خاقان الخراساني مولى الأزد، وولى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول ديوان زمام النفقات.\rوحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود.\rودخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين.\rإيتاخ وقتله\rكان إيتاخ غلاماً خزرياً، وكان طباخاً لسلام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم في سنة تسع وتسعين ومائة، وكان فيه شجاعة فرفعه المعتصم والواثق وضم إليه أعمالاً كثيرة، منها المعونة بسامرا مع إسحاق بن إبراهيم، فلما صار الأمر إلى المتوكل كان معه على أكثر من ذلك، وجعل إليه الجيش والمغاربة والأتراك والأموال والبريد والحجابة ودار الخلافة، فلما تمكن المتوكل من الخلافة شرب ليلة، وعربد على إيتاخ فهم بقتله، فلما أصبح المتوكل قيل له فاعتذر إليه، وقال: أنت ربيتني وأنت بمنزلة الوالد وما يناسب ذلك، ثم وضع عليه من يحسن له الحج، فاستأذن فيه المتوكل فأذن له، وصيره أمير كل بلد يدخله وخلع عليه وسار العسكر جميعه بين يديه، فلما فارق جعلت الحجابة إلى وصيف الخادم في ذى القعدة. قال: فلما عاد إيتاخ من مكة كتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد يأمره بحبسه، فلما قرب إيتاخ من بغداد خرج إسحاق بن إبراهيم إلى لقائه، وكان إيتاخ أراد المسير على الأنبار إلى سامرا، فكتب إليه إسحاق: إن أمير المؤمنين قد أمر أن تدخل بغداد، وأن يلقاك بنو هاشم ووجوه الناس، وأن تقعد لهم في دار خزيمة بن خازم وتأمر لهم بالجوائز، فجاء إلى بغداد فلما لقيه إسحاق أراد النزول له، فحلف إيتاخ عليه ألا يفعل - وكان في ثلاثمائة من غلمانه، فلما حصل بباب دار خزيمة وقف إسحاق، وقال له: يدخل الأمير أصلحه الله، فدخل إيتاخ ومنع إسحاق أصحاب إيتاخ من الدخول، ووكل بالأبواب وأقام عليها الحرس، فحين رأى إيتاخ ذلك قال: قد فعلوها!! ولو لم يفعلوا ذلك ببغداد ما قدروا عليه، وأخذوا معه ولديه منصوراً ومظفراً وكاتبه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد فحبسوا، وقيد إيتاخ وجعل في عنقه ثمانون رطلاً، فمات في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأشهد إسحاق جماعة من الأعيان أنه لا ضرب به ولا أثر، قيل إنهم أطعموه ومنعوه الماء فمات عطشاً.\rوحج بالناس محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.\rودخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين.\rفي هذه السنة عقد المتوكل البيعة بولاية العهد لبنيه الثلاثة، وهم محمد ولقبه المنتصر، وأبو عبد الله محمد وقيل طلحة وقيل الزبير ولقبه المعتز بالله، وإبراهيم ولقبه المؤيد بالله، وعقد لكل واحد منهم لواءين - أحدهما أسود وهو لواء العهد والآخر أبيض وهو لواء العمل، وأعطى كل واحد منهم ما نذكره: فأما المنتصر فأقطعه أفريقية والمغرب كله والعواصم وقنسرين والثغور جميعها الشامية والجزرية وديار مضر وربيعة وهيت والموصل وعانات والخابور وكورباجرمى وكور دجلة وطساسيج السواد جميعها والحرمين واليمن وحضرموت واليمامة والبحرين والسند ومكران وقندابيل وفرج بيت الذهب وكور الأهواز والمستغلات بسامرا وماه الكوفة وماه البصرة وماسبذان ومهرجانقذق وشهرزور والصامغان وأصبهان وقم وقاشان والجبل جميعه وصدقات العرب بالبصرة.\rوأما المعتز بالله فأقطعه كورخراسان وما ينضاف إليها، وطبرستان، والري، وأرمينية، وأذربيحان وكور فارس، ثم أضاف إليه في سنة أربعين خزن الأموال في جميع الآفاق، ودور الضرب، وأمر أن تختم الدراهم باسمه.\rوأما المؤيد بالله فإنه أقطعه جند حمص، وجند دمشق، وجند فلسطين.\rرجل يدعي النبوة\rوفيها ظهر رجل بسامرا يقال له محمود بن الفرج النيسابوري، وزعم أنه نبي وأنه ذو القرنين، وتبعه سبعة وعشرون رجلاً، وخرج من أصحابه ببغداد رجلان بباب العامة واثنان بالجانب الغربي، فأتى به وبأصحابه إلى المتوكل فضرب ضرباً شديداً، وحمل إلى باب العامة فأكذب نفسه، وأمر أصحابه أن يصفعه كل واحد عشر صفعات ففعلوا، وأخذوا له كتاباً فيه كلام قد جمعه وذكر أنه قرآن، وأن جبريل نزل به عليه، ثم مات من الضرب في ذى الحجة وحبس أصحابه، وكان فيهم شيخ يزعم أنه نبي وأن الوحي يأتيه.","part":6,"page":240},{"id":2741,"text":"وفيها أمر المتوكل أهل الذمة بلبس الطيالسة العسلية، وشد الزنانير وركوب السروج بالركب الخشب، وعمل كرتين في مؤخر السرج، وعمل رقعتين على لباس مماليكهم مخالفتين لون الثياب، قدر كل رقعة منهما أربع أصابع، ولون كل واحدة منهما غير لون الأخرى، ومن خرج من نسائهم تلبس إزاراً عسلياً، ومنعهم من لباس المناطق، وأمر بهدم بيعهم المستحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب، ونهى أن يستعان بهم في أعمال السلطان - ولا يعلمهم مسلم، ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليباً، وأن يشعلوا في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، وكتب بذلك إلى الآفاق.\rوحج بالناس محمد بن داود.\rودخلت سنة ست وثلاثين ومائتين.\rمشهد الحسين\rبن علي رضي الله عنهما في هذه السنة أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي رضي الله عنهما، وهدم ما حوله من المنازل والدور ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه، فنادى في الناس في تلك الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثالثة حبسناه في المطبق، فهرب الناس وتركوا زيارته وحرث وزرع، وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه - ولأهل بيته، وكان يقصد من يتولى علياً وأهل بيته بأخذ المال والروح، وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث، وكان أصلع فيشد تحت ثيابه مخدة ويكشف رأسه ويرقص، والمغنون يغنون قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين، يحكي بذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والمتوكل يشرب ويضحك، فرآه المنتصر فتهدده فسكت خوفاً منه، فقال له المتوكل: ما حالك! فأخبره، فقال المنتصر: يا أمير المؤمنين - إن هذا الذي يحكيه - هذا الكلب - ويضحك منه الناس هو ابن عمك وشيخ أهل بيتك وبه فخرك، فكل أنت لحمه إذا شئت، ولا تطمع هذا الكلب وأمثاله فيه، فقال المتوكل للمغنين غنوا:\rغار الفتى لابن عمه ... راس الفتى في حرامه\rوكان هذا من الأسباب التي استحل بها المنتصر قتل المتوكل.\rوفيها غزا علي بن يحيى الأرمني الصائفة، فلقي صاحب الروم في ثلاثين ألفاً، وكان علي في نحو ثلاثة آلاف، فهزم الرومي وقتل أكثر من عشرين ألفاً، ثم مضى إلى عمورية فافتتحها وغنم ما فيها، وأخرج منها أسارى المسلمين وكانوا خلقاً كثيراً، وخرب كنائسها، وفتح أيضاً حصناً يقال له الفرطس، فأخرج عشرين ألف رأس من السبي، وغنم غنيمة بلغت مائة ألف وعشرين ألفاً - حكاه أبو الفرج الجوزي في تاريخه \" المنتظم في أخبار الملوك والأمم \" وفيها استكتب المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان. وحج المنتصر في هذه السنة بالناس.\rودخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين.\rوثوب أهل أرمينية بعاملهم","part":6,"page":241},{"id":2742,"text":"في هذه السنة وثب أهل أرمينية بعاملهم يوسف بن محمد فقتلوه، وكان سبب ذلك أنه لما صار إلى أرمينية خرج إليه بطريق يقال له بقراط بن أشوط - ويقال له بطريق البطارقة، فطلب الأمان فأخذه يوسف وابنه معه وسيرهما إلى باب الخليفة، فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخي بقراط بن أشوط، وتحالفوا على قتله ووافقهم على ذلك موسى بن زراره - وهو صهر بقراط، فأتى الخبر يوسف ونهاه أصحابه عن المقام بمكانه فلم يقبل، فلما جاء الشتاء ونزل الثلج أتوه وهو بمدينة طرون، فحصروه بها فخرج إليهم وقاتلهم فقتلوه وقتلوا من قاتل معه، وأما من لم يقاتل معه فقالوا له: انزع ثيابك وانج بنفسك عرياناً، فخرجوا حفاة عراة فهلك أكثرهم من البرد، وكان ذلك في شهر رمضان، وكان يوسف قبل ذلك قد فرق أصحابه في رساتيق عمله، فتوجه إلى كل طائفة منهم طائفة من البطارقة فقتلوهم في يوم واحد، فلما بلغ المتوكل الخبر وجه بغا الكبير إليهم، فسار على الموصل والجزيرة فبدأ بأرزن، وبها موسى بن زراره وإخوته عيسى وإسماعيل وأحمد ومحمد وهارون فحملهم إلى المتوكل، وأناخ على قتله يوسف فقتل منهم زهاء ثلاثين ألفاً، وسبى منهم خلقاً كثيراً فباعهم، وسار إلى بلاد الباق فأسر أشوط بن حمزة صاحب الباق من كور السفرجان، ثم سار إلى مدينة دبيل من أرمينية فأقام بها شهراً، ثم سار إلى تفليس فحصرها، وبها إسحاق بن إسماعيل مولى بني أمية فخرج وقاتل أصحاب بغا، فأمر بغا بإحراق المدينة بالنفط فأحرقت - وكانت من خشب الصنوبر، وأسر إسحاق بن إسماعيل وأتي به إلى بغا فضرب عنقه وصلب جثته، واحترق بالمدينة نحو خمسين ألف إنسان وأسر من سلم من النار، وفرق بغا جيوشه فيما يجاور تفليس من الحصون ففتحها، وكان أمر تفليس في سنة ثمان وثلاثين ومائتين.\rغضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد وولاية يحيى بن أكثم القضاء\rوفي سنة سبع وثلاثين غضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد، وقبض ضياعه وأملاكه وحبس ابنه أبا الوليد وسائر أولاده، فحمل أبو الوليد مائة ألف وعشرين ألف دينار وجواهر بقيمة عشرين ألف دينار، ثم صولح بعد ذلك على ستة عشر ألف ألف درهم، وأشهد عليهم جميعاً ببيع أملاكهم، وكان أبوهم أحمد قد فلج فأحضر المتوكل يحيى بن أكثم من بغداد إلى سامرا، ورضي عنه وولاه قضاءالقضاة ثم ولاه المظالم، فولى يحيى بن أكثم قضاء الجانب الشرقي حيان بن بشر والجانب الغربي سوار بن عبد الله العنبري، وكلاهما أعور فقال الجماز:\rرأيت من الكبائر قاضيين ... هما أحدوثة في الخافقين\rهما اقتسما العما نصفين قدراً ... كما اقتسما قضاء الجانبين\rوتحسب منهما من هز رأساً ... لينظر في مواريث ودين\rكأنك قد وضعت عليه دناً ... فتحت بزاله من فرد عين\rهما فأل الزمان بهلك يحيى ... إذا افتتح القضاء بأعورين\rوفيها أمر المتوكل بإنزال خشبة أحمد بن نصر ودفعه إلى أوليائه، فحمل إلى بغداد وضم رأسه إلى بدنه وغسل وكفن ودفن، ونهى المتوكل عن الجدال في القرآن وغيره وكتب بذلك إلى الآفاق.\rوحج بالناس في هذه السنة علي بن عيسى بن جعفر بن المنصور.\rودخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين.\rمسير الروم إلى مصر\rفي هذه السنة جاء الروم في ثلاثمائة مركب مع ثلاثة رؤساء، فأناخ أحدهم في مائة مركب بدمياط، وكان على معونة مصر عنبسة بن إسحاق الضبي، وكان قد أمر جند الثغر أن يحضروا إلى مصر للعيد فحضروا، فاتفق وصول الروم وهي خالية من الجند، فخرج من له قوة منا والتحق بمصر، وطلع الروم إليها فنهبوا وأحرقوا الجامع، وأخذوا ما بها من سلاح ومتاع وغير ذلك، وسبوا من النساء المسلمات والذميات نحو ستمائة امرأة، وأوقروا سفنهم وسارت الروم إلى شتوم تنيس، وكان عليه سور له بابان من حديد، فأخذوهما ونهبوا ما فيه من السلاح ورجعوا.\rودخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين.\rفي هذه السنة أمر المتوكل بأخذ أهل الذمة بلبس دراعتين عسليتين على الدراريع والأقبية، وبالاقتصار في مراكبهم على البغال والحمير دون الخيل والبراذين. قال ابن الجوزي وفيها غزا علي بن يحيى الأرمني الصائفة، فوصل بلاد الروم فقتل عشرة آلاف علج، وسبى سبعة عشر ألف رأس، وأخذ سبعة آلاف دابة، وحرق أكثر من ألف قرية.","part":6,"page":242},{"id":2743,"text":"وحج بالناس عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى - وهو والي مكة.\rودخلت سنة أربعين ومائتين.\rوثوب أهل حمص بعاملهم\rفي هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم أبي المغيث موسى بن إبراهيم، وكان قد قتل رجلاً من رؤسائهم فقتلوا جماعة من أصحابه وأخرجوه، فكتب إلى المتوكل فبعث عتاب بن عتاب ومحمد بن عبدويه الأنباري، وقال لعتاب: قل لهم إن أمير المؤمنين قد أبدلكم بعاملكم، فإن أطاعوا فول عليهم محمد بن عبدويه، فإن أبوا فأقم واعلمني لأمدك بالجنود، فساروا إليهم فوصلوا في شهر ربيع الآخر فرضوا بمحمد بن عبدويه، فشرع في أذاهم وعمل بهم الأعاجيب، فوثبوا به في سنة إحدى وأربعين وأعانهم عليه قوم من نصارى حمص، فكتب إلى المتوكل فأمره بمناهضتهم، وأمده بجند من دمشق والرملة، فناجزهم وظفر بهم فضرب رجلين من رؤسائهم حتى ماتا وصلبهما على باب حمص، وبعث ثمانية من أشرافهم إلى المتوكل، وظفر بعد ذلك بعشرة رجال فضرب أعناقهم، وأمره المتوكل بإخراج النصارى وبهدم كنائسهم، وبإدخال البيعة التي بجانب الجامع فيه ففعل ذلك. وفيها عزل يحيى بن أكثم عن القضاء، وقبض منه ما مبلغه خمسة وسبعون ألف دينار، وأربعة آلاف جريب بالبصرة، وولى جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي قضاء القضاة.\rوفيها أخذ أهل الذمة بتعليم أولادهم العبرانية ومنعوا من العربية، فأسلم منهم خلق كثير، حكاه أبو الفرج بن الجوزي.\rوفيها سمع أهل خلاط من السماء صيحة فمات خلق كثير - وكانت ثلاثة أيام، وخسف بثلاث عشرة قرية من قرى أفريقية، فلم ينج منها إلا اثنان وأربعون رجلاً سود الوجوه، فأتوا القيروان فأخرجهم أهلها، وقالوا: أنتم مسخوط عليكم فبنى لهم العامل حظيرة خارج المدينة فنزلوها. وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود.\rودخلت سنة إحدى وأربعين ومائتين.\rالفداء بين المسلمين والروم\rقال: وفي هذه السنة عرضت تدورة ملكة الروم على أسرى المسلمين النصرانية، فمن تنصر جعلته أسوة من قبله من المتنصرة، ومن أبى قتلته - حتى قتلت من أسرى المسلمين اثني عشر ألفاً، ثم أرسلت تطلب المفاداة لمن بقي منهم، فأرسل المتوكل شنيفاً الخادم على الفداء، وطلب قاضي القضاة جعفر بن عبد الواحد أن يحضر الفداء ويستخلف على القضاء، فأذن له المتوكل واستخلف على القضاء ابن أبي الشوارب - وهو شاب، ووقع الفداء على نهر اللامس، فكان أسرى المسلمين من الرجال سبعمائة وخمسة وثلاثين رجلاً، ومن النساء مائة وخمساً وعشرين امرأة.\rغارة البجاة بمصر","part":6,"page":243},{"id":2744,"text":"في هذه السنة غارت البجاة على أرض مصر، وكانت قبل ذلك لا تغير لهدنة قديمة، وكانوا يؤدون إلى عمال مصر الخمس مما في بلادهم من معادن الذهب، فامتنعوا من ذلك فكتب صاحب البريد إلى المتوكل بخبرهم، وأنهم قتلوا عدة من المسلمين ممن يعمل في المعادن، وزاد شرهم حتى خاف أهل الصعيد منهم على أنفسهم، فولى المتوكل محمد بن عبد الله القمي حربهم، واستعمله على معونة قفط والأقصر وأرمنت وإسنا وأسوان، وأمره بمحاربة البجاة، وكتب إلى عنبسة بن إسحاق الضبي - عامل حرب مصر - بإزاحة علته وإعطائه من الجند ما يحتاج إليه ففعل، وسار محمد إلى أرض البجاة وتبعه من المتطوعة وعمال المعادن خلق كثير، فبلغت عدتهم نحواً من عشرين ألفاً من فارس وراجل، وحمل له في بحر القلزم سبع مراكب موقورة بالدقيق والزيت والتمر والشعير والسويق، وسارت لتوافيه على ساحل البحر ببلاد البجاة، وسار هو إلى بلادهم في البر حتى بلغ حصونهم، فخرج إليه ملكهم - واسمه علي بابا - في جموع عظيمة أضعاف المسلمين وهم على المهاري، فلم يصدقهم القتال وأراد مطاولتهم حتى تفنى أزوادهم، فيأخذهم باليد من غير حرب، فأقبلت المراكب التي فيها الأقوات ففرقها محمد - على من معه، فعندها صدقهم علي بابا القتال وقاتلهم قتالاً شديداً، وكانت إبلهم زعرة تنفر من كل شيء، فجمع القمي الأجراس وجعلها في أعناق خيله، وحمل عليهم فنفرت إبل البجاة لأصواتها وتفرقت، وسارت على الجبال والأودية وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون إلى الليل، ولم يقدروا على إحصاء القتلى لكثرتهم، ثم طلب ملكهم الأمان على أن يرد عليه مملكته وبلاده، ويؤدي الخراج للمدة التي منعها وهي أربع سنين، فأمنه محمد وسار به إلى المتوكل، فخلع عليه وعلى أصحابه وكساهم الحلل المدبجة وأعاده مع القمي فرجع إلى بلاده وهو على دينه، وكان معه صنم من حجر يسجد له وهو كهيئة الصبي.\rوفي جمادى الآخرة منها ماجت النجوم في السماء، وجعلت تتطاير شرقاً وغرباً ويتناثر بعضها خلف بعض كالجراد من قبل غروب الشفق إلى وقت الفجر، ولم يكن مثل هذا إلا لظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوفيها مات الإمام أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني ببغداد، يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول وله سبع وسبعون سنة وأيام، وقيل في هذا التاريخ من شهر ربيع الآخر والله أعلم.\rوحج بالناس عبد الله بن محمد بن داود.\rودخلت سنة اثنتين وأربعين ومائتين.\rفي هذه السنة خرجت الروم من شمشاط بعد خروج علي بن يحيى الأرمني من الصائفة حتى قاربوا آمد، وخرجوا من الثغور الجزرية فانتهبوا وأسروا نحواً من عشرة آلاف، فكتب المتوكل إلى علي بن يحيى الأرمني أن يسير إلى بلادهم شاتيا.\rقال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله في المنتظم وفيها في شعبان زلزلت الدامغان، فسقط نصفها على أهلها وعلى الوالي فقتلهم، ويذكر أن الهالكين كانوا خمسة وأربعين ألفاً، وكانت بقومس ورساتيقها في هذا الشهر زلازل فهدمت منها الدور، وسقطت بذش كلها على أهلها، وسقط نحو من ثلثي بسطام، وزلزلت الري وجرجان وطبرستان ونيسابور وأصفهان وقم وقاشان، وذلك كله في وقت واحد، وتقطعت جبال ودنا بعضها من بعض، ورجفت أسدأباذ رجفة أصيب فيها الناس كلهم، وسمع للسماء والأرض أصوات عالية، وانشقت الأرض بقدر ما تدخل الرجل فيها، قال: ورجمت السويداء من أرض مصر بخمسة أحجار، فوقع حجر منها على خيمة أعرابي فاحترقت، ووزن منها حجر فكان فيه عشرة أرطال، فحمل منها أربعة إلى الفسطاط وواحد إلى تنيس، قال: وذكروا أن جبلاً باليمن كان عليه مزارع لأهله سار حتى أتى مزارع قوم فصار فيها، فكتب بذلك إلى المتوكل. قال ابن حبيب: وذكر علي بن الوضاح أن طائراً دون الرخمة وفوق الغراب أبيض وقع على ذنبه بحلب لسبع مضين من شهر رمضان، فصاح يا معشر الناس: اتقوا الله الله الله، حتى صاح أربعين صوتاً ثم طار، وجاء من الغد فصاح أربعين صوتاً، فكتب بذلك صاحب البريد وأشهد خمسمائة إنسان سمعوه، ومات رجل في بعض كور الأهواز في شوال، فسقط طائر أبيض على جنازته فصاح بالفارسية والخوزية: إن الله قد غفر لهذا الميت ولمن شهده.\rوحج بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم.\rودخلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين.","part":6,"page":244},{"id":2745,"text":"في هذه السنة سار المتوكل إلى دمشق وعزم على المقام بها، فوصل إليها في صفر سنة أربع وأربعين ومائتين، ونقل دواوين الملك إليها وأمر بالبناء، ثم استوبأ البلد فرجع إلى سامرا، وكان مقامه بدمشق شهرين وأياماً.\rوحج بالناس عبد الصمد.\rودخلت سنة أربع وأربعين ومائتين.\rفي هذه السنة وجه المتوكل بغا الكبير لغزو الروم، وكان مسيره من دمشق لما كان المتوكل بها، فسار وفتح صملة، وفيها أتى المتوكل بحربة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم تسمى العنزة، وكانت للنجاشي فأهداها للزبير بن العوام فأهداها للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي كانت تركز بين يديه صلى الله عليه وسلم في صلاة العيدين، فكان يحملها بين يدي المتوكل صاحب الشرطة.\rوحج بالناس عبد الصمد بن موسى. وفيها اتفق عيد الأضحى والشعانين للنصارى وعيد الفطر لليهود في يوم واحد.\rودخلت سنة خمس وأربعين ومائتين.\rفي هذه السنة أمر المتوكل ببناء الماخورة وسماها الجعفري، وأقطع القواد وأصحابه فيها وجد في بنائها، وأنفق عليها - فيما قيل - ألف ألف دينار، وجمع فيها القراء فقرءوا وأحضر أصحاب الملاهي، فوهب أكثر من ألفي ألف درهم، وكان يسميها هو وخاصته المتوكلية، وبنى فيها قصراً سماه لؤلؤة لم ير مثله، وحفر لها نهراً يسقي ما حولها، فقتل المتوكل قبل كمال حفره فبطل الحفر وأخربت الجعفرية.\rوفيها زلزت بلاد المغرب فتهدمت الحصون والمنازل والقناطر، ففرق المتوكل ثلاثة آلاف ألف درهم فيمن أصيب منزله، وزلزلت المدائن وأنطاكية فقتل بها خلق كثير وسقط منها ألف وخمسمائة دار، وسقط من سورها نيف وتسعون برجاً، وسمعوا أصواتاً هائلة لا يحسنون وصفها، وتقطع جبلها الأقرع وسقط في البحر، وهاج البحر ذلك اليوم وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار منها نهر على فرسخ ما علم أين ذهب، وسمع أهل تنيس صيحة هائلة فمات منها خلق كثير، وزلزلت ديار الجزيرة والثغور وطرسوس وأذنة والشام، وهلك أهل اللاذقية وجبلة إلا اليسير.\rوحج بالناس محمد بن سليمان.\rودخلت سنة ست وأربعين ومائتين.\rفي هذه السنة كانت للمسلمين غزوات في الروم براً وبحراً، فغزا الفضل بن قارن في البحر في عشرين مركباً، فافتتح حصن أنطاكية، وفيها كان الفداء على يد علي بن يحيى الأرمني، ففودي بألفين وثلاثمائة وسبعة وستين نفساً. وفيها ورد الخبر أن سكة بناحية بلخ تعرف بسكة الدهاقين مطرت دماً عبيطاً.\rوحج بالناس في هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي.\rودخلت سنة سبع وأربعين ومائتين.\rمقتل المتوكل\rكان مقتله في ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال من هذه السنة، وكان سبب مقتله أنه أمر بإنشاء الكتب بقبض ضياع بأصفهان والجبل، وأقطعها للفتح بن خاقان فكتبت وصارت إلى الخاتم، فبلغ ذلك وصيفاً، وكان المتوكل أراد أن يصلي بالناس أول جمعة في شهر رمضان، وشاع ذلك وخرج بنو هاشم من بغداد لرفع القصص وكلامه إذا ركب، فلما أراد الركوب للصلاة قال له عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان: يا أمير المؤمنين - إن الناس قد كثروا من أهل بيتك وغيرهم، فبعض متظلم وبعض يطلب حاجة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بعض ولاة العهد بالصلاة فليفعل - فأمر المنتصر، فلما نهض للركوب قالا له: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأمر المعتز بالصلاة لتشرفه بذلك، فأمر المعتز فصلى بالناس، فلما فرغ من الصلاة قاما إليه فقبلا يديه ورجليه، وانصرف المعتز في موكب الخلافة حتى دخل على أبيه، فأثنوا عليه خيراً فسره ذلك، ووجد المنتصر له أمراً عظيماً، فلما كان عيد الفطر قال المتوكل مروا المنتصر فليصل بالناس، فقال له عبيد الله: قد كان الناس يتطلعون إلى رؤية أمير المؤمنين واجتمعوا لذلك، ولا نأمن إن هو لم يركب اليوم أن يرجف الناس بعلته، فإن رأى أمير المؤمنين أن يسر الأولياء ويكبت الأعداء بركوبه فعل - فركب، وقد صف له الناس نحو أربعة أميال وترجلوا بين يديه، فصلى ورجع وأخذ حفنة من تراب فوضعها على رأسه، وقال: إني رأيت كثرة هذا الجمع وأنهم تحت يدي فأحببت أن أتواضع لله، فلما كان اليوم الثالث افتصد واشتهى لحم جزور فأكله، وسر في ذلك اليوم، ودعا الندماء والمغنين فحضروا، وأخذ في الشرب واللهو، ولهج بأن يقول: أنا - والله - مفارقكم عن قليل، ولم يزل في سروره ولهوه إلى الليل.","part":6,"page":245},{"id":2746,"text":"وعزم المتوكل والفتح أن يفتكا بكرة غد بالمنتصر ووصيف وبغا وغيرهم من قواد الأتراك، هذا والمنتصر قد واعد الأتراك على قتل أبيه المتوكل، وكان ذلك لأمور: منها أن المتوكل قد عبث بالمنتصر مرة يشتمه ومرة يسقيه فوق طاقته، ومرة يأمر بصفعه، ومرة يتهدده بالقتل، ثم قال للفتح: برئت من الله ومن قرابتي من رسول الله إن لم تلطمه، فقام إليه فلطمه مرتين: يمر بيده على قفاه، ثم قال لمن حضره: اشهدوا علي جميعاً أني خلعت المستعجل يعني المنتصر، والتفت إليه وقال: سميتك المنتصر فسماك الناس - لحمقك - المنتظر، ثم صرت الآن المستعجل، فقال المنتصر: لو أمرت بضرب عنقي لكان أسهل علي مما تفعل بي، فقال: اسقوه، ثم بالعشاء فأحضر في جوف الليل فخرج المنتصر من عنده، وأخذ بيد زرافة الحاجب وقال له: امض معي، فقال: إن أمير المؤمنين لم يقم، فقال: إنه أخذ منه الشراب، والساعة يخرج بغا والندماء، وأخذ المنتصر يشغل زرافة بالحديث حتى انتهى به إلى حجرة، وأكلوا طعاماً، فما لبث أن سمعا صيحة وصراخاً فقاما، فإذا بغا قد لقي المنتصر فقال له: عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، قد مات أمير المؤمنين المتوكل، فجلس المنتصر وأمر بالباب الذي فيه المتوكل فأغلق وأغلقت الأبواب، وبعث إلى وصيف يأمره بإحضار المعتز والمؤيد عن رسالة المتوكل.\rوأما كيفية قتل المتوكل فإنه لما خرج المنتصر وأحضرت المائدة وأكل المتوكل والندماء ورفعت المائدة دخل بغا الصغير الشرابي إلى المجلس، وأمر الندماء بالانصراف إلى حجرهم، فقال له الفتح: ليس هذا وقت انصرافهم، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني إذا جاوز السبعة ألا أترك أحداً - وقد شرب أربعة عشر رطلاً، وحرم أمير المؤمنين خلف الستارة، فأخرجهم ولم يبق إلا الفتح وعثعث وأربعة من خدم الخاصة وأبو أحمد بن المتوكل، وكان بغا قد أغلق سائر الأبواب إلا باب الشط، ومنه دخل القوم الذين قتلوه، فلما دخلوا بصر بهم أبو أحمد فقال: ما هذا يا سفل!! وإذا سيوف مسللة، فرفع المتوكل رأسه فرآهم فقال: يا بغا ما هذا؟ قال: هؤلاء رجال النوبة فرجعوا إلى ورائهم، فقال لهم بغا: يا سفل أنتم مقتولون لا محالة فموتوا كراماً فرجعوا، فابتدره بغلون وضربه على كتفه وأذنه فقده، فقال: مهلاً - قطع الله يديك، وأراد الوثوب به، واستقبله بيده فضربها فأبانها، وشركه باغر، فقال الفتح: ويلكم!! أمير المؤمنين، ورمى بنفسه على المتوكل فبعجوه بسيوفهم، فصاح الموت وتنحى فقتلوه، وكان معهم خمسة من ولد وصيف.\rقال: ولما قتلوا المتوكل والفتح خرجوا إلى المنتصر فسلموا عليه بالخلافة، وقاموا على رأس زرافة وقالوا: تبايع فبايع، وأرسل المنتصر إلى وصيف أن الفتح قتل أبي فقتلته، فأحضر في وجوه أصحابك فحضروا وبايعوه، وكان عبيد الله بن يحيى في حجرته وبين يديه جعفر بن حامد، فلما علم بقتل المتوكل خرج فيمن معه وكسر ثلاثة أبواب، وخرج إلى الشط وركب في زورق فأتى منزل المعتز فسأل عنه فلم يصادفه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون - قتل نفسه وقتلني، واجتمع إلى عبيد الله أصحابه في غداة يوم الأربعاء، فكانوا زهاء عشرة آلاف وقيل ثلاثة عشر ألفاً، فقالوا: إنما اصطنعتنا لمثل هذا اليوم، فمرنا بأمرك واذن لنا أن نميل على القوم فنقتل المنتصر ومن معه، فأبى ذلك وقال: إن المعتز في أيديهم.\rوحكى عن علي بن يحيى قال: كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله بأيام كتاباً من كتب الملاحم، فوقفت على موضع فيه أن الخليفة العاشر من بني العباس يقتل في مجلسه فتوقفت عن القراءة فقال: مالك؟ قلت خير، قال: لا بد أن تقرأ فقرأت فوجم لذلك، وقال: يا ليت شعري من هذا الشقي المقتول؟! فقلت: أخوك الواثق هو العاشر وما كل هذا يصح، قال: وكيف يكون العاشر؟ فذكرت الخلفاء وعددت منهم إبراهيم بن المهدي فطابت نفسه.\rقال: وفسر علي يوماً مناماً فقال: رأيت دابة تكلمني والله لو كانت بين ألف دابة ميزتها، فجرى على خاطري قوله تعالى \" وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم \" ، ثم قلت: الدابة عجماء لا تتكلم، يدل على أن الله يفتح عليك ما لم يقدر غيرك على فتحه، فلما كان بعد شهر أهديت له هدايا فرأى فيها دابة، فقال لي: هذه والله تلك الدابة، فقتل بعد أيام.\rوقال أبو الوارث قاضي نصيبين: رأيت في النوم قائلاً يقول:","part":6,"page":246},{"id":2747,"text":"يا نائم العين في جثمان يقظان ... ما بال عينك لا تبكي بتهتان\rأما رأيت صروف الدهر ما فعلت ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان\rفأتى البريد بعد ثلاثة أيام بقتلهما. قال وكان عمره نحواً من أربعين سنة، ومدة خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر تسعة أيام، ولما مات دفن بالقصر الجعفري، وصلى عليه ابنه المنتصر. وكان مربوعاً أسمر خفيف العارضين نحيفاً، ونقش خاتمه: على إلاهي اتكالي. أولاده: المنتصر وموسى الأحدب والمعز والمعتز والمؤيد وطلحة الموفق وإسماعيل والمعتمد وغيرهم. وزراؤه: محمد بن عبد الملك الزيات ثم محمد بن الفضل الجرجرائي ثم عبيد الله بن يحيى بن خاقان. حجابه: وصيف التركي ثم محمد بن عاصم ثم يعقوب بن قوصرة ثم المرزبان ثم إبراهيم بن الحسن بن سهل وغيره. قضاته: أحمد بن أبي دؤاد ثم يحيى بن أكثم ثم جعفر بن عبد الواحد العباسي. الأمراء بمصر: هرثمة بن النضر من قبل إيتاخ ثم ابنه حاتم ثم علي بن يحيى الأرمني ثم ردت مصر إلى محمد المنتصر، فاستخلف إسحاق بن يحيى بن معاذ ثم عبد الواحد بن يحيى ابن عم طاهر بن الحسين ثم عنبسة بن إسحاق الضبي ثم يزيد بن عبد الله. القضاة بها: محمد بن أبي الليث ثم الحارث بن مسكين ثم القاضي بكار بن قتيبة.\rخلافة المنتصر بالله هو أبو جعفر محمد بن المتوكل أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، وأمه أم ولد رومية اسمها حبشية، وهو الحادي عشر من الخلفاء العباسيين بويع له على ما ذكرناه في ليلة قتل المتوكل، قال: ولما أصبح في يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين حضر الناس من القواد والكتاب والوجوه والشاكرية والجند وغيرهم إلى الجعفرية، فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتاباً عن المنتصر، أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل فقتلته به فبايع الناس، وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان فبايع.\rوحج بالناس في هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي.\rودخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين.\rخلع المعتز والمؤيد\rقال: ولما استقامت الأمور للمنتصر قال أحمد بن الخصيب لوصيف وبغا إنا لا نأمن الحدثان، وأن يموت أمير المؤمنين فيلي المعتز الخلافة فلا يبقى منا باقية، والرأي أن نعمل في خلع المعتز والمؤيد، فجد الأتراك في ذلك وألحوا على المنتصر، وقالوا نخلعهما من الخلافة ونبايع لابنك عبد الوهاب فأجابهم، وأحضر المعتز والمؤيد بعد أربعين يوماً من خلافته، وجعلا في دار وجاءت الرسل إليهما بالخلع، فأجاب المؤيد وامتنع المعتز وقال: إن أردتم القتل فشأنكم، فأخبروا المنتصر بقوله ثم عادوا بغلظة وشدة وأخذوا المعتز بعنف، وأدخلوه بيتاً فدخل إليه المؤيد، وقال له: ويلك يا جاهل، إنهم نالوا من أبيك - وهو هو - ما نالوا، ثم تمتنع عليهم؟ اخلع ولا تراجعهم وإن كان في سابق علم الله أن تلي لتلين، فقال أفعل، فخرج المؤيد وقال: قد أجاب إلى الخلع، فمضوا وأعلموا المنتصر وعادوا ومعهم كاتب، فجلس وقال للمعتز: اكتب بخطك خلعك، فقال المؤيد: هات قرطاسك - إمل ما شئت، فأملى عليه كتاباً إلى المنتصر يعلمه فيه ضعفه عن هذا الأمر، وأنه لا يحل له أن يأثم المتوكل بسببه، إذ لم يكن موضعاً له، ويسأله الخلع ويعلمه أنه قد خلع نفسه وأحل الناس من بيعته - فكتب ذلك، وقال للمعتز: اكتب فأبى فأعاد عليه فكتب، وخرج الكاتب عنهما ثم دعاهما المنتصر، فدخلا عليه فأجلسهما، وقال: هذا كتابكما؟ قالا: نعم يا أمير المؤمنين، فقال لهما - والأتراك قيام - أترياني خلعتكما طمعاً في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له؟ لا - والله - ما طمعت في ذلك ساعة قط، وإذ لم يكن لي في ذلك طمع فوالله لئن يليها بنو أبي أحب إلي من أن يليها بنو عمي، ولكن هؤلاء - وأومأ إلى سائر الموالي ممن هو قائم عنده وقاعد - وقد ألحوا في خلعكما - فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة، فيأتي عليكما فما ترياني صانعاً؟ أقتله فوالله ما تفي دماؤهم كلهم بدم بعضكم، فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسهل فقبلا يده وضمهما، ثم أشهدا على أنفسهما القضاة وبني هاشم والقواد ووجوه الناس بالخلع، وكتب بذلك المنتصر إلى محمد بن طاهر وغيره.\rوفاة المنتصر بالله","part":6,"page":247},{"id":2748,"text":"كانت وفاته يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، وقيل يوم الأحد وهو لخمس خلون منه. وكانت علته الذبحة في حلقه، أخذته يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الأول، وقيل كانت علته من ورم في معدته ثم صعد إلى فؤاده فمات، وقيل إنه وجد حرارة فدعا بعض أطبائه، فقصده بمبضع مسموم فمات، وانصرف الطبيب إلى منزله وقد وجد حرارة، فدعا تلميذاً له ليفصده، ووضع مباضعه بين يديه ليتخير أجودها، فأخذ ذلك المبضع المسموم - وقد نسيه الطبيب - ففصده به، فلما فرغ نظر إليه فعرفه، فأيقن الهلاك ووصى من ساعته ومات، وقيل غير ذلك.\rقال: ولما أفضت الخلافة إليه كان كثير من الناس يقولون: إنما مدة خلافته ستة أشهر - مدة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه، يقولها الخاصة والعامة. وقيل إن المنتصر رأى في منامه رؤيا فانتبه وهو يبكي وينتحب، فسمعه عبد الله بن عمر البازيار فأتاه، فسأله عن سبب بكائه فقال: رأيت فيما يرى النائم المتوكل قد جاءني وهو يقول: ويحك يا محمد: قتلتني وظلمتني وغبنتني خلافتي، والله لا متعت بها أبداً إلا أياماً يسيرة، ثم مصيرك إلى النار، فقال له عبد الله: هذه رؤيا وهي تصدق وتكذب، بل يعمرك الله ويسرك، ادع بالنبيذ وخذ في اللهو ولا تعبأ بها، ففعل ذلك ولم يزل منكسراً حتى مات. وروى أبو الفرج بن الجوزي بسنده عن علي بن يحيى المنجم قال: جلس المنتصر بالله في مجلس كان أمر أن يفرش له، وكان في بعض البسط دائرة كبيرة، فيها مثال فرس وعليه راكب وعلى رأسه تاج، وحوالي الدائرة كتابة بالفارسية، فلما جلس المنتصر وجلس الندماء ووقف على رأسه وجوه الموالي والقواد نظر إلى تلك الدائرة وإلى الكتابة التي حولها، فقال لبغا: إيش هذا الكتاب؟ فقال: لا أعلم يا سيدي، فسأل من حضر من الندماء، فلم يحسن أحد أن يقرأه، فالتفت إلى وصيف وقال: أحضر لي من يقرأه، فأحضر رجلاً فقرأ الكتابة وقطب، فقال له المنتصر: ما هو؟ فقال له: يا أمير المؤمنين ليس له معنى، فألح عليه وغضب، فقال: يقول - أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز قتلت أبي فلم أمتع بالملك إلا ستة أشهر، فتغير وجه المنتصر وقام عن مجلسه إلى النساء، فلم يمكث إلا ستة أشهر ومات، وكانت خلافته ستة أشهر ويومين، وقيل ستة أشهر سواء، وعمره خمس وعشرون سنة وستة أشهر، وقيل أربع وعشرون سنة، ووفاته بسامرا. ولما حضرته الوفاة أنشد:\rفما فرحت نفسي بدنيا أخذتها ... ولكن إلى الرب الكريم أصير\rوصلى عليه أحمد بن المعتصم. وكان مربوعاً أسمر أعين حسن الوجه ذا شهامة وشدة. وكان له أربعة أولاد ذكور. وزيره: أحمد بن الخصيب. حجابه: وصيف ثم بغا ثم ابن المرزبان ثم أوتامش. قاضيه: جعفر العباسي. أمير مصر: يزيد بن عبد الله. قاضيها: بكار.\rخلافة المستعين بالله هو أبو العباس أحمد بن محمد بن المعتصم بن الرشيد، وأمه أم ولد اسمها مخارق، وهو الثاني عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم الإثنين لأربع وقيل لست خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، وكان سبب بيعته أنه لما مات المنتصر اجتمع الموالي في الهاروني من الغد، وفيهم بغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش وغيرهم، واستحلفوا قواد الأتراك والمغاربة والأشروسنية على أن يرضوا بمن رضي به بغا الكبير وبغا الصغير وأوتامش، وذلك برأي أحمد بن الخصيب فحلفوا، وتشاوروا فأجمعوا على أحمد بن محمد بن المعتصم فبايعوه، وهو ابن ثمان وعشرين سنة، وكان ذلك في ليلة الإثنين، فلما أصبح صار إلى دار العامة في زي الخلفاء، وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يديه الحربة قبل طلوع الشمس، واستوزر أوتامش، واستكتب أحمد بن الخصيب.","part":6,"page":248},{"id":2749,"text":"وحضر أصحاب المراتب من العباسيين والطالبيين وغيرهم، فبينما هو كذلك إذ جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق، وإذا نحو خمسين فارساً ذكروا أنهم أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر، ومعهم غيرهم من أخلاط الناس والغوغاء والسوقة، فشهروا السلاح وصاحوا: معتز يا منصور، وتحرك من على باب العامة من المبيضة والشاكرية وكثروا، فحمل عليهم المغاربة وبعض الأشروسنية فهزموهم حتى أدخلوهم درب زرافة، ثم نشبت الحرب بينهم فقتل جماعة، وانصرف الأتراك بعد ثلاث ساعات وقد بايعوا المستعين هم ومن حضر من الهاشميين وغيرهم. قال: ولما دخل الغوغاء والمنتهبة دار العامة انتهبوا الخزانة التي فيها السلاح، فأتاهم بغا الصغير في جماعة فأجلوهم عن الخزانة، وقتلوا منهم عدة وكثر القتل من الفريقين، وتحرك أهل السجن بسامرا فهرب منهم جماعة، ثم وضع العطاء على البيعة وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، فبايع له هو والناس ببغداد.\rوفي هذه السنة ورد على المستعين الخبر بوفاة طاهر بن عبد الله بن طاهر أمير خراسان في شهر رجب، فعقد لابنه محمد بن طاهر على خراسان ولمحمد بن عبد الله بن طاهر على العراق، وجعل إليه الحرمين والشرطة ومعاون السواد وأفرده به، وفيها مات بغا الكبير فعقد لابنه موسى بن بغا على أعمال أبيه كلها، وفيها خرج عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحج، فوجه خلفه ينفيه إلى برقة ومنعه من الحج، وفيها ابتاع المستعين من المعتز والمؤيد جميع مالهما، وأشهد عليهما القضاة والفقهاء، وترك للمعتز ما يتحصل منه في السنة عشرين ألف دينار وللمؤيد ما يتحصل منه في السنة خمسة آلاف دينار، وجعلا في حجرة في الجوسق ووكل بهما، وكان الأتراك أرادوا قتلهما حين شغب الغوغاء، فمنعهم أحمد بن الخصيب وأشار بحبسهما فحبسوهما. وفيها غضب الموالي على أحمد بن الخصيب في جماودى الآخرة، واستصفوا ماله ومال ولده ونفى إلى إقريطش. وفيها شغب أهل حمص على عاملهم كيدر فأخرجوه، فوجه إليهم الفضل بن قارن فقتل منهم خلقاً كثيراً، وحمل مائة من أعيانهم إلى سامرا. وفيها عقد المستعين لأوتامش على مصر والمغرب واتخذه وزيراً، وعقد لبغا الشرابي على حلوان وماسبذان ومهرجا نقذق. وجعل المستعين شاهك الخادم على داره وكراعه وحرمه وخاصة أموره. وقدمه هو وأوتامش على جميع الناس.\rوحج بالناس محمدبن سليمان.\rودخلت سنة تسع وأربعين ومائتين.\rالفتنة ببغداد\rفي هذه السنة شغب الجند الشاكرية ببغداد غضبا على الأتراك، لتمكنهم وقتلهم المتوكل واستيلائهم على أمور المسلمين، يقتلون من شاءوا من الخلفاء ويستخلفون من أحبوا من غير نظر للمسلمين. فاجتمعت العامة بالصراخ ببغداد والنداء بالنفير، وانضم الأبناء والشاكرية تظهر أنها تطلب الأرزاق وذلك في أول صفر، ففتحوا السجون وأخرجوا من فيها وأحرقوا أحد الجسرين وقطعوا الآخر، وانتهبوا دار بشر وإبراهيم ابني هارون كاتبي محمد بن عبد الله، ثم أخرج أهل اليسار من بغداد وسامرا أموالاً كثيرة وفرقوها فيمن نهض إلى الثغور، وأقبلت العامة من نواحي الجبال وفارس والأهواز وغيرها لغزو الروم، فلم يأمر الخليفة في ذلك بشيء ولا بتوجيه عسكر، وكان قيام هؤلاء غضباً لقتل عمر بن عبيد الله وعلي بن يحيى الأرمني، وكانا قتلا في غزو الروم.\rوفيها في شهر ربيع الأول وثب نفر من الناس بسامرا لا يدري من هم، ففتحوا السجن وأخرجوا من فيه فبعث في طلبهم جماعة من الموالي، فوثب العامة بهم فهزموهم، فركب بغا وأوتامش ووصيف وعامة الأتراك فقتلوا من العامة جماعة، فرمى وصيف بحجر فأمر بإحراق ذلك المكان، وانتهبت المغاربة منازل جماعة من العامة ثم سكن ذلك في آخر النهار.\rقتل أوتامش الوزير","part":6,"page":249},{"id":2750,"text":"كان مقتله في هذه السنة، وسبب ذلك أن المستعين كان أطلق يد والدته ويد أوتامش ويد شاهك في بيوت الأموال، وأباحهم فعل ما أرادوا فكانوا يقتسمون ما يرد من الآفاق من الأموال، وأخذ أوتامش أكثر ما في بيوت الأموال، وكان العباس بن المستعين في حجره فكان يأخذ له ما فضل عن هؤلاء الثلاثة من الأموال يصرفه في نفقاته، ووصيف وبغا بمعزل عن ذلك فغضبا، وأغريا الموالي بأوتامش وأحكما أمره، فاجتمعت الأتراك والفراغنة عليه وعسكروا في شهر ربيع الآخر، وأتوا الجوسق - وهو فيه مع المستعين - فأراد الهرب فلم يمكنه، واستجار بالمستعين فلم يجره، وأقاموا على ذلك يومين، ثم دخلوا الجوسق فأخذوه وقتلوه، وقتلوا كاتبه ابن القاسم. ونهبت دور أوتامش فأخذوا منها أموالاً جمة ومتاعاً وغير ذلك.\rواستوزر المستعين بعده أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولاه عيسى بن فرخانشاه، وولى وصيفاً الأهواز، وبغا الصغير فلسطين، ثم غضب بغا على أبي صالح فهرب إلى بغداد، واستوزر المستعين محمد بن الفضل الجرجرائي.\rوحج بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام.\rودخلت سنة خمسين ومائتين.\rفي هذه السنة ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالكوفة، وفتح السجون وأخرج من فيها وكثر جمعه، وكان من أخباره وقتله ما نذكره في أخبار آل أبي طالب، وفيها كان ابتداء الدولة العلوية بطبرستان، بظهور الحسن بن زيد العلوي على ما نذكره في أخبارهم أيضاً إن شاء الله تعالى.\rوفيها وثب أهل حمص وقوم من كلب على عاملهم - الفضل بن قارن أخي مازيار بن قارن فقتلوه، فوجه المستعين موسى بن بغا الكبير، فلقيه أهلها فيما بين حمص والرستن وحاربوه، فهزمهم وافتتح حمص وقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وأحرقها وأسر جماعة من أعيانها.\rوحج بالناس في هذه السنة جعفر بن الفضل والي مكة.\rودخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين.\rقتل باغر التركي\rفي هذه السنة قتل باغر التركي، قتله بغا ووصيف، وسبب ذلك أنه أحد قتلة المتوكل على ما ذكرناه، فزيد في أرزاقه فكان مما أقطع قرى بسواد الكوفة، فتضمنها رجل من أهل باروسما بألفي دينار، فوثب رجل من أهل تلك الناحية يقال له ابن مارمة بوكيل لباغر، فتناوله فحبس ابن مارمة وقيد، ثم تخلص وسار إلى سامرا فلقي دليل بن يعقوب النصراني وهو يومئذ صاحب أمر بغا الشرابي، وكان صديقاً له وكان باغر أحد قواد بغا، فمنعه دليل من ظلم أحمد بن مارمة وانتصف له منه، فغضب باغر وباين دليلاً، وكان باغر شجاعاً يتقيه بغا وغيره، فحضر عند بغا في ذى الحجة سنة خمسين وهو سكران، وبغا في الحمام فدخل عليه وقال: ما من قتل دليل بد، فقال له بغا: لو أردت ولدي ما منعتك منه ولكن اصبر فإن أمور الخلافة بيد دليل، فإذا أقمت غيره افعل ما تريد، وأمر بغا دليلاً ألا يركب وأقام في كتابته غيره، يوهم باغر أنه قد عزله فسكن باغر، ثم أصلح بغا بينهما وباغر يتهدده. قال: ولزم باغر خدمة المستعين فثقل عليه، فلما كان نوبة بغا في منزله قال المستعين: أي شيء كان إلى إيتاخ من الخدمة، فأخبره وصيف، فقال: ينبغي أن يجعل ذلك إلى باغر، فسمع دليل ذلك فركب إلى بغا، فقال له: أنت في بيتك وهو في تدبير غيرك - وإذا عزلت قتلت، فركب بغا إلى دار الخليفة في يومه، وقال لوصيف: أردت أن تعزلني، فحلف أنه ما علم ما أراد الخليفة، واتفقا على إخراج باغر من الدار وحلفا على ذلك، ودبرا في الحيلة عليه - فأرجفوا له أنه يؤمر ويخلع عليه، ويكون في موضع بغا ووصيف، فأحس باغر بالشر فجمع إليه الجماعة الذين كانوا وافقوه على قتل المتوكل وغيرهم، فجدد العهد عليهم في قتل المستعين وبغا ووصيف، وقال: نبايع علي بن المعتصم أو ابن الواثق ويكون الأمر لنا كما هو لهذين، فأجابوه إلى ذلك وانتهى الخبر إلى المستعين، فبعث إلى بغا ووصيف وقال لهما: أنتما جعلتماني خليفة ثم تريدان قتلي، فحلفا أنهما ما علما بشيء فأعلمهما الخبر، فاتفق رأيهم على أخذ باغر ورجلين من الأتراك وحبسهم، وطلبوه فأقبل في عدة فعدل به إلى حمام وحبس فيه، فبلغ الأتراك الخبر فوثبوا على اسطبل الخليفة فانتهبوه، وركبوا ما فيه وحضروا إلى باب الجوسق بالسلاح، فأمر بغا ووصيف بقتل باغر فقتل.","part":6,"page":250},{"id":2751,"text":"مسيره إلى بغداد\rقال: ولما قتل باغر وانتهى خبر قتله إلى الأتراك أقاموا على ما هم عليه، فانحدر المستعين وبغا ووصيف وشاهك الخادم وأحمد بن صالح ودليل إلى بغداد في حراقة، وركب جماعة من قواد الأتراك إلى أصحاب باغر، فسألوهم الانصراف فلم يفعلوا، فلما علموا بانحدار المستعين ومن معه ندموا، ثم قصدوا دار الدليل ودور أهله وجيرانه فنهبوها، حتى صاروا إلى أخذ الخشب. قال: ومنع الناس الأتراك من الانحدار إلى بغداد، فأخذوا ملاحاً قد أكرى سفينته فصلبوه على دقلها، فامتنع أصحاب السفن، ووصل المستعين إلى بغداد لخمس خلون من المحرم من هذه السنة، فنزل على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره، ثم وافى القواد بغداد سوى جعفر الخياط وسليمان بن يحيى بن معاذ، وقدمها جلة الكتاب والعمال وبنو هاشم وجماعة من أصحاب بغا ووصيف، وبايع أولئك للمعتز وحاصروا بغداد، وكان من خلع المستعين وقتله ما نذكره في أخبار المعتز إن شاء الله تعالى.\rالبيعة للمعتز بالله\rهو أبو عبد الله محمد بن جعفر المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، وأمه أم ولد اسمها قبيحة، وهو الثالث عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له البيعة الأولى في هذه السنة ثم بويع له البيعة العامة ببغداد لأربع خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين، بعد خلع المستعين على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rقال: وكان سبب البيعة له أن المستعين لما استقر ببغداد أتاه جماعة من قواد الأتراك، ودخلوا عليه وألقوا نفوسهم بين يديه، وجعلوا مناطقهم في أعناقهم وسألوه الصفح عنهم، فوبخهم وسبهم ثم عادوا سألوه وتضرعوا له، فقال: قد رضيت عنكم وعفوت، فقال له أحدهم - واسمه بايكباك - : إن كنت قد رضيت فقم فاركب كعنا إلى سامرا، فإن الأتراك ينتظرونك، فأمر محمد بن عبد الله بعض أصحابه فضربه، وقال له محمد: هكذا يقال لأمير المؤمنين - قم فاركب معنا!! فضحك المستعين وقال: هؤلاء قوم عجم لا يعرفون حدود الكلام، ثم قال لهم المستعين: ارجعوا إلى سامرا فإن أرزاقكم دارة عليكم، وأنظر أنا في أمري فرجعوا آيسين منه، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله، وأخبروا من وراءهم خبرهم وزادوا وحرفوا فأجمعوا على إخراج المعتز وكان هو والمؤيد في حبس الجوسق، وعليهم من يحفظهم، فأخرجوا المعتز من الحبس وأخذوا من شعره - وكان قد كثر، وبايعوا له بالخلافة، فأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة، فلم يوف المال فأعطوا شهرين لقلة المال عندهم، وكان المستعين خلف بسامرا في بيت المال خمسمائة ألف دينار، وفي بيت مال أم المستعين ما قيمته ألف ألف دينار، وفي بيت مال العباس بن المستعين ستمائة ألف دينار، قال: وكان فيمن أحضر للبيعة أبو أحمد بن الرشيد وبه النقرس، فجيء به في محفة فامتنع من البيعة، وقال للمعتز: خرجت إلينا طائعاً فخلعتها، وزعمت أنك لا تقوم بها، فقال المعتز: أكرهت على ذلك وخفت السيف، فقال: ما علمنا بإكراهك، وقد بايعنا هذا الرجل فتريد أن نطلق نساءنا ونخرج من أموالنا؟! ولا ندري ما يكون، إن تركتني حتى يجتمع الناس وإلا فهذا السيف، فتركه المعتز، وكان ممن بايع إبراهيم بن الديرج وعتاب بن عتاب، فأما عتاب فهرب إلى بغداد، وأما الديرج فأقر على الشرطة واستعمل على الدواوين وبيت المال وعلى الكتابة وغير ذلك.","part":6,"page":251},{"id":2752,"text":"قال: ولما وصل خبر بيعة المعتز إلى محمد بن عبد الله أمر بقطع الميرة عن أهل سامرا، وكتب إلى مالك بن طوق في المسير إلى بغداد هو وأهل بيته وجنده، وكتب إلى نجوبة بن قيس وهو على الأنبار في الاحتشاد والجمع، وإلى سليمان بن عمران الموصلي في منع السفن والميرة عن سامرا، وأمر المستعين محمد بن عبد الله بتحصين بغداد، فتقدم في ذلك فأدير عليها السور، وأمر بحفر الخنادق من الجانبين، وجعل على كل باب قائداً، فبلغت النفقة على ذلك ثلاثمائة ألف وثلاثين ألف دينار، ونصبت المجانيق والعرادات على الأبواب وشحن الأسوار، وفرض فرضاً للعيارين ببغداد وجعل عليهم عريفاً، وعمل لهم تراساً من البواري المقيرة، وأعطاهم المخالي ليجعلوا فيها الحجارة للرمي، وفرض أيضاً لقوم من خراسان قدموا حجاجاً، وكتب المستعين إلى أعمال الخراج بكل بلد وموضع أن يحملوا الخراج إلى بغداد، وكتب إلى الجند والأتراك الذين بسامرا بنقض بيعة المعتز - مراجعة الوفاء له، وذكر أياديه عندهم ونهاهم عن النكث، وجرت بين المعتز ومحمد بن عبد الله مكاتبات ومراسلات، فالمعتز يدعوه إلى بيعته ويذكره بما كان المتوكل أخذ عليه من البيعة بعد المنتصر، ومحمد يدعو المعتز إلى الرجوع إلى طاعة المستعين، واحتج كل منهما على صاحبه. قال: وكتب كل من المعتز والمستعين إلى موسى بن بغا يدعوه إلى نفسه، وكان بأطراف الشام فانصرف إلى المعتز وصار معه، وقدم عبد الله بن بغا الصغير من سامرا إلى المستعين وكان قد تخلف بعد أبيه، فاعتذر وقال لأبيه: إنما جئت لأموت تحت ركابك، فأقام ببغداد أياماً ثم هرب إلى سامرا، واعتذر إلى المعتز وقال: إنما صرت إلى بغداد لأعلم أخبارهم وآتيك بها، فقبل عذره ورده إلى خدمته، وورد الحسن بن الأفشين بغداد فخلع عليه المستعين، وضم إليه جماعة من الأشروسنية وغيرهم.\rحصار المستعين ببغداد\rقال: ثم عقد المعتز لأخيه أبي أحمد بن المتوكل وهو الموفق لسبع بقين من المحرم على حرب المستعين ومحمد بن عبد الله، وضم إليه الجيش وجعل إليه الأمور كلها، وجعل التدبير إلى كلباتكين التركي، فسار في خمسين ألفاً من الأتراك والفراعنة وألفين من المغاربة، ونزل بباب الشماسية لسبع خلون من صفر، فراسله المستعين في الكف عن القتال، وبذل له الأموال وأن يكون المعتز ولي عهده، فأبى أبو أحمد ذلك فأمر المستعين عساكره ألا يبدأوا بقتال. قال: وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم بل ادفعوهم. قال: ثم تقدم الأتراك إلى باب الشماسية، فخرج إليهم الحسين بن إسماعيل فاقتتلوا من الفريقين وجرح - وانهزم أهل بغداد، وسير الأتراك رءوس القتلى إلى سامرا، ووجه المعتز عسكراً من الجانب الغربي فساروا إلى قطربل لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول فاخرج إليهم محمد بن عبد الله بن طاهر جيشاً فاقتتلوا قتالاً شديداً كان الظفر لأصحاب المعتز، وكان بين الفريقين عدة وقائع يطول شرحها.","part":6,"page":252},{"id":2753,"text":"قال: وكان محمد بن عبد الله بن طاهر قائماً في خدمة المستعين أحسن قيام، فغيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وقال له: إن هذا الذي تنصره وتجد في أمره هو أشد الناس نفاقاً، وأبدى للمستعين مساويء كثيرة، فتغير محمد بن عبد الله بن طاهر، فلما كان يوم الأضحى صلى المستعين بالناس، ثم حضر محمد إليه وعنده الفقهاء والقضاة، فقال له: لقد كنت فارقتني على أن تنفذ أمري في كل ما أعزم عليه، وخطك عندي بذلك، فقال المستعين: أحضر الرقعة فأحضرها، فإذا فيها ذكر الصلح، وليس فيها ذكر الخلع فقال: نعم امض الصلح، فخرج محمد بن عبد الله بن طاهر إلى ظاهر باب الشماسية، فضرب له مضرب كبير فنزل فيه ومعه جماعة من أصحابه، وجاء أبو أحمد في سمارية فصعد إليه، وتناظرا طويلاً ثم خرجا، فجاء ابن طاهر إلى المستعين فأخبره أنه بذل له خمسين ألف دينار ويقطع عليه ثلاثين ألف دينار، وعلى أن يكون مقامه بالمدينة يتردد منها إلى مكة ويخلع نفسه من الخلافة، وأن يعطى بغا ولاية الحجاز جميعه، ويولى وصيف الجبل وما والاه، ويكون ثلث ما يجبى من المال لمحمد بن عبد الله وجند بغداد، والثلثان للموالي والأتراك، فامتنع المستعين من الإجابة إلى الخلع، وظن أن وصيفاً وبغا معه فكاشفاه، فقال: النطع والسيف، فقال له ابن طاهر: لا بد من خلعهما طائعاً أو مكرهاً، فأجاب إلى الخلع وكتب بما أراد لنفسه من الشروط، وذلك لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة، وجمع محمد الفقهاء والقضاة وأدخلهم على المستعين وأشهدهم عليه، أنه صير أمره إلى محمد بن عبد الله، ثم أخذ منه جوهر الخلافة، وبعث ابن طاهر إلى قواده ليوافوه، ومع كل قائد عشرة نفر من أصحابه، فأتوه فمناهم، وقال: ما أردت بما فعلت إلا صلاحكم وحقن الدماء، وأمرهم بالخروج إلى المعتز بالشروط التي شرطها للمستعين ولنفسه وقواده، ليوقع المعتز عليها بخطه فتوجهوا إلى المعتز فأجاب إلى ما طلبوا، ووقع عليه بخطه وشهدوا على إقراره، وخلع عليهم ووجه معهم من يأخذ البيعة له على المستعين، وحمل إلى المستعين أمه وعياله بعد أن فتشوا وأخذ ما معهم.\rودخلت سنة اثنتين وخمسين ومائتين.\rخلع المستعين خلافة المعتز بالله قال: وخلع المستعين نفسه من الخلافة وبايع للمعتز بالله بن المتوكل وهي البيعة العامة للمعتز، وخطب له ببغداد يوم الجمعة لأربع خلون من المحرم، وأخذ له البيعة على كل من بها. وقال: ولما كتب كتاب الشروط دخل محمد بن عبد الله بن طاهر إلى المستعين ومعه سعيد بن حميد وقد كتب شروط الأمان، فقال: يا أمير المؤمنين - قد كتب سعيد كتاب الشروط فأكده غاية التأكيد، فقرأه عليه ليسمعه، فقال المستعين: لا حاجة لي إلى توكيدها، فما القوم بأعلم بالله منك، ولقد أكدت على نفسك قبلهم فكان ما علمت، فما رد محمد شيئاً.\rأخبار المستعين\rبعد خلعه وما كان من أمره إلى أن قتل وذكر أولاده وعماله ومدة عمره وخلافته قال: ولما أشهد المستعين على نفسه بالخلع نقل من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل، ومعه عياله وجميع أهله، وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم وسيروا إلى المعتز مع عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، ومنع من الخروج إلى مكة فاختار المقام بالبصرة، فقيل له إن البصرة وبية، فقال: أهي أوبأ أو ترك الخلافة؟! وقال بعض الشعراء في خلع المستعين:\rخلع الخليفة أحمد بن محمد ... وسيقتل التالي له أو يخلع\rويزول ملك بني أبيه ولا يرى ... أحد بملك منهم يستمتع\rإيهاً بني العباس إن سبيلكم ... في قتل أعبدكم سبيل مهيع\rرقعتم دنياكم فتمزقت ... بكم الحياة تمزقاً لا يرقع","part":6,"page":253},{"id":2754,"text":"قال: وسير المستعين إلى واسط، ثم كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بتسليمه إلى سيما الخادم، فكتب محمد إلى الموكلين به بذلك، ثم أرسل أحمد بن طولون في تسليمه فأخذه أحمد، وسار به إلى القاطول فسلمه إلى سعيد بن صالح، فأدخله سعيد منزله وضربه حتى مات. وقيل بل جعل في رجله حجراً وألقاه في دجلة، وقيل كان قد حمل معه داية له، فلما أخذه سعيد وضربه صاح وصاحت دايته، فقتل وقتلت معه وحمل رأسه إلى المعتز وهو يلعب الشطرنج، فقيل له: هذا رأس المخلوع، فقال: ضعوه حتى أفرغ من الدست، فلما فرغ نظر إليه وأمر به فدفن، وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم وولاه معونة البصرة.\rقال: وكان مقتل المستعين في آخر شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وعمره إحدى وثلاثون سنة وثلاثة أشهر إلا أياماً وقيل أكثر، ومدة خلافته إلى أن خلع نفسه ثلاث سنين وسبعة أشهر. ونقش خاتمه: في الاعتبار غنى عن الاختبار. وكان سميناً صغير العينين كبير اللحية أسودها بوجنته خال أسود، وكان فيه لين وانقياد لأتباعه، قال: وسبب تلقيبه بالمستعين أنه لما بويع له بالخلافة قال: أستعين بالله وأفعل. قال: ولم يل الخلافة من لدن المنصور إلى هذا الوقت من لم يكن أبوه خليفة غيره. وذكر ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم: أن المستعين أخو المتوكل لأبيه، والصحيح أنه ولد أخيه محمد بن المعتصم، وكان له من الأولاد الذكور ستة. وقد ذكرنا وزراءه أثناء دولته. حجابه: أوتامش ثم وصيف ثم بغا. قاضيه: الحسن بن أبي الشوارب الأموي وقيل جعفر بن محمد بن عمار البرجمي. الأمراء بمصر: يزيد بن عبد الله. قاضيها بكار بن قتيبة.\rنعود إلى الحديث في أيام المعتز بالله في بقية شهور سنة اثنتين وخمسين.\rحال وصيف وبغا\rقال: وفيها كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله بن طاهر في إسقاط اسم بغا ووصيف ومن معهما من الدواوين، فوجه وصيف أخته سعاد إلى المؤيد وكان في حجرها، فكلم المؤيد المعتز في الرضى عن وصيف فرضي عنه، وتكلم أبو أحمد ابن المتوكل في بغا فرضي عنه، وعاد إلى سامرا وأعادهما المعتز إلى منزلهما من الخدمة، وخلع عليهما وعقد لهما على أعمالهما، وجعل البريد إلى موسى بن بغا الكبير، واستوزر أحمد بن أبي إسرائيل. وفيها شغب الجند ببغداد على محمد بن عبد الله في طلب أرزاقهم، ففرق فيهم ألفي دينار، ثم شغبوا مرة ثانية وعسكروا بباب الشماسية وباب حرب، وكانت بينهم وبين أصحاب محمد وقعات، ثم تفرقوا ورجعوا إلى منازلهم.\rخلع المؤيد وموته\rوفي شهر رجب من هذه السنة خلع المعتز أخاه المؤيد من ولاية العهد بعده، وحبسه هو وأبا أحمد وقيد المؤيد وقيل أنه ضرب أربعين مقرعة، وأخذ خطه بخلع نفسه، ثم بلغه أن الأتراك يريدون إخراجه فأخرجه من الغد ميتاً، وأوقف القضاة والفقهاء والوجوه عليه، وأنه لا أثر به ولا جراحة، وحمل إلى أمه ومعه كفنه وأمرت بدفنه، فقيل إنه أدرج في لحاف سمور وأمسك طرفاه حتى مات، وقيل إنه أقعد في الثلج وجعل على رأسه منه فمات من البرد، وكان ذلك في شهر رجب.\rالفتنة بين الأتراك والمغاربة\rوفي مستهل شهر رجب كانت الفتنة بين الطائفتين، وسببها أن الأتراك وثبوا بعيسى بن فرخانشاه فضربوه وأخذوا دابته، فاجتمعت المغاربة مع محمد بن راشد ونصر بن سعيد وأخرجوا الأتراك من الجوسق، وقالوا لهم: كل يوم تقتلون خليفة وتخلعون آخر وتقيمون وزيراً، وصار الجوسق وبيت المال في أيدي المغاربة وأخذوا دواب الأتراك، والتقوا هم والمغاربة وأعان الغوغاء والشاكرية المغاربة، فضعف الأتراك وانقادوا، فأصلح جعفر بن عبد الواحد بينهم على أن لا يحدثوا شيئاً، فمكثوا مدة ثم اجتمع الأتراك فقتلوا محمد بن راشد ونصر بن سعيد.\rوفيها خرج مساور بن عبد الحميد البجلي الموصلي بالموصل بالبوازيج، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها عقد لعيسى بن الشيخ - وهو من ولد جساس بن مرة - على الرملة، فأنفذ خليفته أبا المغراء إليها فاستولى على فلسطين جميعها، فلما كان من أمر الأتراك بالعراق ما كان تغلب على دمشق وأعمالها، وقطع ما كان يحمل من الشام إلى الخليفة واستبد بالأموال.\rوحج بالناس محمد بن عيسى.\rودخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين.\rقتل وصيف","part":6,"page":254},{"id":2755,"text":"وفيها قتل وصيف وسبب ذلك أن الأتراك والفراغنة والأشروسنية شغبوا وطلبوا أرزاقهم لأربعة أشهر، فخرج إليهم بغا ووصيف وسيما فكلمهم فقال لهم: خذوا التراب، ليس عندنا مال، وقال لهم بغا: نعم نسأل أمير المؤمنين، ودخلوا دار إشناس، ومضى سيما وبغا إلى المعتز وبقى وصيف في أيديهم، فقتلوه ونصبوا رأسه على محراك تنور، فجعل المعتز ما كان لوصيف إلى بغا الشرابي الصغير، وألبسه التاج والوشاحين.\rوفاة محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعي\rكانت وفاته في الليلة الرابعة عشر من ذى القعدة، وكانت علته قروحاً أصابته في حلقه ورأسه فذبحته، ولما اشتد مرضه كتب إلى عماله وأصحابه بتفويض ما إليه من الولاية إلى أخيه عبيد الله بن عبد الله، فلما مات تنازع ابنه طاهر وأخوه عبيد الله الصلاة عليه، فصلى عليه ابنه، ثم وجه المعتز بعد ذلك الخلع إلى عبيد الله.\rوفيها نفى أبو أحمد بن المتوكل إلى البصرة ثم رد إلى بغداد، ونفى علي بن المعتصم إلى واسط ثم رد إلى بغداد.\rوحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن محمد ن سليمان.\rوفيها كان ابتداء دولة يعقوب بن الليث الصفار وملك هراة وبوشنج على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره.\rودخلت سنة أربع وخمسين ومائتين.\rمقتل بغا الصغير\rالشرابي كان سبب قتله أنه كان يحرض المعتز على المسير إلى بغداد، والمعتز لا يوافقه على ذلك ويكرهه، واتفق أن بغا اشتغل بتزويج ابنته من صالح بن وصيف، فركب المعتز ومعه أحمد بن إسرائيل إلى كرخ سامرا إلى بايكباك التركي ومن معه، وهم من المنحرفين عن بغا، وبايكباك قد شرب مع بغا فعربد أحدهما على الآخر، فاختفى بايكباك، فلما أتاه المعتز اجتمع معه أهل الكرخ وأهل الدور، وأقبلوا مع المعتز إلى الجوسق بسامرا فبلغ ذلك بغا، فخرج في ألف فارس من غلمانه وقواده، فصار إلى السن فلما جنه الليل ركب في زورق، ومعه خادمان وشيء من المال الذي صحبه، وكان قد صحبه تسع عشرة بدرة من الدنانير ومائة بدرة من الدراهم، ولم يحمل معه سلاحاً ولا سكيناً ولم يعلم به أحد من عسكره، فصار إلى الجسر في الثلث الأول من الليل، وخرج إلى البستان الخاقاني فلحقه عدة من الموكلين بالجسر، فوقف وعرفهم نفسه وقال: إما أن تذهبوا معي إلى صالح بن وصيف، وإما أن تصيروا معي حتى أحسن إليكم، فتوكل به بعضهم وأرسلوا إلى المعتز بخبره فأمر بقتله فقتل وحمل رأسه إلى المعتز، فنصب بسامرا وببغداد وأحرقت المغاربة جثته. قال: وكان أراد أن يختفي عند صالح بن وصيف، فإذا اشتغل الناس بالعيد - وكان قد قرب - خرج هو وصالح ووثبا بالمعتز، فلم يمهله القدر.\rوحج بالناس علي بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد.\rودخلت سنة خمس وخمسين ومائتين.\rخلع المعتز بالله وموته\rوشيء من أخباره","part":6,"page":255},{"id":2756,"text":"وفي يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر رجب منها خلع المعتز، وكان سبب ذلك أن الأتراك شغبوا في طلب أرزاقهم، وصاروا إلى المعتز وقالوا: أعطنا أرزاقنا حتى نقتل صالح بن وصيف - وكان صالح قد دبر عليه، فلم يجد ما يعطيهم فنزلوا معه إلى خمسين ألف دينار، فأرسل المعتز إلى أمه يسألها أن تعطيه ما لا يعطيه لهم، فقالت: ما عندي شيء، فلما رأى الأتراك أنهم لا يحصل لهم من المعتز وأمه شيء اتفقت كلمتهم وكلمة المغاربة والفراغنة على خلع المعتز، فصاروا إليه وصاحوا به، ودخل صالح بن وصيف ومحمد بن بغا وبايكباك في السلاح وجلسوا على بابه، وبعثوا إليه أن أخرج إلينا، فقال: قد شربت دواءاً بالأمس وأفرط في العمل، وإن كان أمر لا بد منه فليدخل بعضكم، فدخل إليه جماعة فجروا برجله إلى باب الحجرة، وضربوه بالدبابيس وخرقوا قميصه وأقاموه في الشمس في الدار، فكان يرفع رجلاً ويضع أخرى لشدة الحر، وبعضهم يلطمه وهو يتقي بيده، ثم أدخلوه حجرة وأحضروا ابن أبي الشوارب وجماعة فشهدوا على خلعه، وشهدوا على صالح بن وصيف أن للمعتز وأمه أخته الأمان، وكانت أمه قد اتخذت في دارها سرداباً فخرجت منه هي وأخت المعتز. قال: وسلموا المعتز إلى من يعذبه، فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيام، فطلب حسوة من ماء البئر فمنعوه، ثم أدخلوه سرداباً وجصصوه عليه فمات، فأخرجوه لليلتين خلتا من شعبان وأشهدوا على موته بني هاشم والقواد، وأنه لا أثر به ودفنوه بسامرا مع المنتصر، وصلى عليه المهتدي بالله، وكان عمره ثلاثاً وعشرين سنة وثلاثة أشهر إلا أياماً، وقيل أربعاً وعشرين سنة وثلاثة وعشرين ويوماً.\rومدة خلافته من لدن بويع له بسامرا إلى أن خلع أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرون يوماً، وكان أبيض أكحل أسود الشعر كثيفه حسن العينين - وكان يوثر اللذات. وكان نقش خاتمه: الحمد لله رب كل شيء وخالقه. ولده: عبد الله صاحب التشبيهات والشعر الرائق. وزراؤه: جعفر بن محمود الإسكافي ثم عيسى بن فرخانشاه ثم أبو جعفر أحمد بن إسرائيل الأنباري. قاضيه: الحسن بن أبي الشوارب. حاجبه: صالح بن وصيف وكان غالباً على أمره. الأمراء بمصر: يزيد بن عبد الله ثم مزاحم بن خاقان أخو الفتح ثم ابنه أحمد ثم أرخوز التركي ثم أحمد بن طولون. قاضيها: بكار بن قتيبة.\rخلافة المهتدي بالله هو أبو عبد الله محمد بن هارون الواثق بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، وأمه رومية اسمها قرب، وهو الرابع عشر من الخلفاء العباسيين بويع له يوم الأربعاء لليلة بقيت من شهر رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، ولقب بالمهتدي ولم يقبل بيعته أحد حتى أتى بالمعتز فخلع نفسه، وأقر بالعجز عما أسند إليه وبالرغبة في تسليمها إلى محمد بن الواثق وبايعه، فبايعه الخاصة والعامة بسامرا، قال: وكتب إلى سليمان بن عبد الله أن يأخذ له البيعة ببغداد، فورد كتابه في سلخ شهر رجب، وكان أبو أحمد بن المتوكل ببغداد فأرسل سليمان إليه فأخذه إلى داره، فثار من ببغداد من الجند والعامة لما بلغهم خبر المعتز، وأتوا باب سليمان فقاتلهم أصحابه، فقيل لهم ما ورد علينا من سامرا خبر فانصرفوا ورجعوا من الغد، وهجموا دار سليمان في اليوم الثالث ونادوا باسم أبي أحمد ودعوا إلى بيعته، وسألوا سليمان أن يريهم أبا أحمد فأظهره لهم ووعدهم الخير ثم أرسل إليهم من سامرا مال ففرق فيهم، فرضوا وبايعوا للمهتدي وذلك لسبع خلون من شعبان.\rقبيحة أم المعتز بالله","part":6,"page":256},{"id":2757,"text":"كانت قد خرجت من السرداب الذي صنعته في دارها واستترت، وكان سبب هربها أنها كانت واطأت بعض الكتاب على الفتك بصالح بن وصيف، فأوقع بهم صالح وعذبهم فعلمت أنهم لا يكتمون عنه أمرها، فخرجت وأخرجت ما في الخزائن إلى خارج الجوسق، فلما جرت الحادثة على ابنها علمت أن حالها لا يخفى، وأن الذي تختفي عنده يطمع في مالها وفي نفسها ويتقرب إلى صالح، فأرسلت امرأة عطارة إلى صالح بن وصيف فتوسطت الحال بينهما، وظهرت في شهر رمضان وأحضرت أموالها من بغداد وهي خمسمائة ألف دينار، وظفروا لها بخزائن تحت الأرض فيها أموال كثيرة، من جملتها دار وجد فيها ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار، ووجدوا في سفط مقدار مكوك من الزمرد لم ير الناس مثله وفي سفط آخر مكوك من اللؤلؤ الكبار، وفي سفط آخر مقدار كليجة من الياقوت الأحمر الذي لا يوجد مثله، فحمل الجميع إلى صالح، فسبها وقال: عرضت ابنها للقتل في خمسين ألف دينار - وعندها هذا المال جميعه!! ثم سارت قبيحة إلى مكة فسمعت تدعو على صالح بصوت عال تقول: اللهم اخز صالحاً كما هتك ستري، وقتل ولدي، وبدد شملي وأخذ مالي، وغربني عن بلدي، وركب الفاشحة مني، وكان المتوكل سماها قبيحة لجمالها - فهو من أسماء الأضداد.\rوفيها استولى مساور الخارجي على الموصل، وفيها خرج صاحب الزنج في فرات البصرة، وكان منه ما نذكره إن شاء الله في أخباره. وفيها ولى سليمان بن عبد الله بن طاهر بغداد والسواد في شهر ربيع الأول في أيام المعتز، وكان قد فر من الحسن بن زيد العلوي فاستعمله المعتز على بغداد، فقال ابن الرومي:\rمن عذيري من الخلايف ضلوا ... في سليمان عن سواء السبيل\rنقلوه على الهزيمة بغدا ... د كأن قد أتى بفتح جليل\rمن يخوض الردى إذا كان من ف ... ر أثابوه الجزاء الجليل\rوحج بالناس: علي بن الحسين بن العباس العباسي.\rودخلت سنة ست وخمسين ومائتين.\rاختفاء صالح بن وصيف\rوفي ثاني عشر شهر المحرم دخل موسى بن بغا إلى سامرا، وقد عبأ أصحابه فاختفى صالح بن وصيف وجاء موسى إلى الجوسق، والمهتدي جالس للمظالم فأعلم به، فأمسك ساعة عن الأذن ثم أذن له ولمن معه فدخلوا وتناظروا وأقاموا المهتدي من مجلسه وحملوه على دابة من دواب الشاكرية، وانتهبوا ما كان في الجوسق وأدخلوا المهتدي دار ياجور، وكان سبب أخذه أن بعضهم قال: إنما هذه المطاولة حيلة عليكم حتى يكبسكم صالح بجيشه، فخافوا من ذلك فأخذوه، فقال لموسى: ويحك!! اتق الله فإنك ركبت أمراً عظيماً، فقال له موسى: وتربة المتوكل ما نريد إلا خيراً - ولو أراد به خيراً لقال وتربة المعتصم أو الواثق، ثم أخذوا عليه العهود ألا يميل مع صالح، ولا يضمر إلا مثل ما يظهر، ثم أخذوا عليه العهود ألا يميل مع صالح، ولا يضمر إلا مثل ما يظهر، ثم جددوا له البيعة، وطلبوا صالح بن وصيف ليحضر ويطالبوه بدم الكتاب الذين قتلهم - وهم أحمد بن إسرائيل وأبو نوح، ويطالبوه بأموال المعتز فوعدهم بالحضور، فلما كان الليل رأى أصحابه قد تفرقوا عنه فهرب واختفى.\rقتل صالح بن وصيف\rكان صالح قد اختفى وقام الأتراك في طلبه، واتهموا الخليفة أنه يعرف مكانه وراسلوه مراسلات وعزموا على خلعه، فحلف لهم أنه لا يعلم أين هو، وثارت الفتن بسببه، فجاء غلام إلى دار يطلب ماء فسمع قائلاً يقول: أيها الأمير تنح فهذا غلام يطلب ماء، فسمع الغلام فجاء إلى عيار فأخبره، فأخذ معه ثلاثة نفر وجاء إلى صالح وبيده مرآة ومشط وهو يسرح لحيته، فأخذه فتضرع إليه فقال: لا يمكنني تركك، ولكني أمر بك على أبواب أهلك وقوادك وأصحابك، فإن اعترضك منهم اثنان أطلقتك، فأخرج حافياً وليس على رأسه شيء، والعامة تعدو خلفه وهو على برذون بإكاف، فأتوا به نحو الجوسق فقتلوه، وذلك لثمان بقين من صفر منها، وأخذوا رأسه وحمل وطيف به على قناة ونادوا عليه: هذا جزاء من قتل مولاه، ولما قتل أنزل رأس بغا الصغير ودفع إلى أهله ليدفنوه.\rخلع المهتدي وموته","part":6,"page":257},{"id":2758,"text":"قال: وكان خلعه في منتصف شهر رجب سنة ست وخمسين ومائتين، وتوفي لاثنتي عشرة ليلة بقيت منه، وسبب ذلك أن أهل الكرخ والدورمن الأتراك تحركوا في طلب أرزاقهم أول شهر رجب، فسكنهم المهتدي فرجعوا، فبلغ أبا نصر محمد بن بغا أن المهتدي قال: إن المال عند محمد وموسى ابني بغا، فهرب إلى أخيه وهو يقاتل مساور الخارجي، فكتب المهدي إليه أربع كتب يعطيه الأمان، فرجع هو وأخوه حبشون فحبسهما ومعهما كيغلغ، وطولب أبو نصر محمد بن بغا بالمال، فقبض من وكيله خمسة عشر ألف دينار، وقتل لثلاث خلون من شهر رجب ورمي في بئر فأنتن، وأخرجوه إلى منزله وصلى عليه الحسن بن المأمون، وكتب المهتدي إلى موسى بن بغا لما حبس أخاه يأمره بتسليم العسكر إلى بايكباك والرجوع إليه، وكتب إلى بايكباك أن يتسلم العسكر ويقوم بحرب مساور، فصار بايكباك بالكتاب إلى موسى فقرأه عليه، وقال: لست أفرح بهذا فإنه تدبير علينا جميعاً - فما ترى؟ قال موسى: أرى أن تصير إلى سامرا وتخبره أنك في طاعته، وناصره علي وعلى مفلح فإنه يطمئن إليك ثم تدبر في قتله، فأقبل إلى سامرا ومعه يارجوخ وأسارتكين وسيما الطويل وغيرهم، فدخلوا دار الخلافة لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر رجب، فحبس بايكباك وصرف الباقون، فاجتمع أصحاب بايكباك وغيرهم من الأتراك وقالوا: لم حبس قائدنا؟ ولم قتل محمد بن بغا؟ وكان عند المهتدي صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور فشاوره فيه، فقال: إنه لم يبلغ أحد من آبائك ما بلغته من الشجاعة، وقد كان أبو مسلم أعظم شأناً عند أهل خراسان من هذا عند أصحابه، وقد كان فيهم من يعبده، فما كان إلا أن طرح رأسه حتى سكنوا، فلو فعلت مثل ذلك سكنوا، فركب المهتدي وقد جمعوا له جميع المغاربة والأتراك والفراغنة، فصير في الميمنة مسروراً البلخي - وفي الميسرة يارجوخ - ووقف هو في القلب مع أسارتكين وطبايغو وغيرهما من القواد، وأمر بقتل بايكباك فقتل وألقى رأسه إليهم عتاب بن عتاب فقتلوه، وعطفت ميمنة المهتدي وميسرته بمن فيها من الأتراك فصاروا مع إخوانهم الأتراك، فانهزم الباقون عن المهتدي وقتل جماعة من الفريقين، فانهزم المهتدي وبيده السيف وهو ينادي: يا معشر الناس - أنا أمير المؤمنين، قاتلوا عن خليفتكم فلم يجبه أحد من العامة، فصار إلى السجن وأطلق من فيه وهو يظن أنهم يعينونه فهربوا، فصار إلى دار أحمد بن جميل صاحب الشرطة فدخلها وهم في أثره، فدخلوا عليه وأخرجوه وساروا به إلى الجوسق وهو على بغل، فحبس عند أحمد بن خاقان وقبل المهتدي يده - فيما قيل - مراراً كثيرة، وأرادوه على الخلع فأبى واستسلم للقتل، فداسوا خصيتيه فمات وأشهدوا على موته أنه سليم ليس فيه أثر، قال: وكانوا قد خلعوا أصابع يديه ورجليه من كعبيه، وقيل إن ابن عم بايكباك وجأه بسكين فقتله وشرب من دمه، قال: وطلبوا محمد بن بغا فوجدوه ميتاً فكسروا على قبره ألف سيف.\rوكانت خلافة المهتدي أحد عشر شهراً وخمسة عشر يوماً، وكان عمره ثمانياً وثلاثين سنة، وقيل أكثر إلى أربعين سنة وقيل أقل إلى سبع وثلاثين. وكان مربوعاً أسمر واسع الجبهة رقيقاً أشهل طويل اللحية عظيم البطن، وكان حسن الطريقة. قال: وصلى عليه القاضي جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، ودفن بسامرا وكان مولده بالقاطول. وكان نقش خاتمه: من تعدى الحق ضاق مذهبه. وكان له من الأولاد خمسة عشر ذكراً. وزراؤه أبو أيوب سليمان بن وهب وجعفر بن محمود الإسكافي وأبو صالح عبد الله بن محمد وغيرهم، قاضيه: الحسن بن أبي الشوارب ثم عبد الرحمن بن نائل البصري. حجابه: صالح بن وصيف وبايكباك وموسى بن بغا. الأمير بمصر: أحمد بن طولون. قاضيها بكار.\rمن سيرة المهتدي\rكان رحمه الله من أحسن الخلفاء طريقة، وأكثرهم ورعاً وعبادة، قال عبد الله بن إبراهيم الإسكافي: جلس المهتدي يوماً للمظالم فاستعداه رجل على ابن له، فأمر بإحضاره فأحضر وأقامه إلى جانب خصمه، فقال الرجل للمهتدي: والله ما أنت - يا أمير المؤمنين - إلا كما قال القائل:\rحكمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر\rلا يقبل رشوة في حكمه ... ولا يبالي عنت الخاسر","part":6,"page":258},{"id":2759,"text":"فقال المهتدي: أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك، وأما أنا فما جلست حتى قرأت \" ونضع الموازين القسط ليوم القيامة \" الآية، فما رأيت باكياً أكثر من ذلك اليوم. وقال أبو العباس هاشم بن القاسم الهاشمي: كنت عند المهتدي في بعض عشايا رمضان، فقمت لأنصرف فأمرني بالجلوس فجلست حتى صلى بنا المغرب، ثم أمر بالطعام فأحضر: طبق خلاف عليه رغيفان وفي إناء ملح وفي آخر زيت وفي آخر خل، فدعاني إلى الأكل فأكل وأكلت مقصراً، ظناً مني أنه يحضر طعاماً جيداً، فلما رأى أكلي كذلك قال: أما كنت صائماً؟! قلت: بلى، ولست تريد الصوم غداً؟ قلت: وكيف لا وهو شهر رمضان! فقال: كل واستوف عشاك فليس هناك غير ما ترى، فعجبت من قوله وقلت: لم - يا أمير المؤمنين؟ أسبغ الله عليك النعمة ووسع رزقه، فقال: إن الأمر على ما ذكرت والحمد لله، ولكني فكرت أنه كان من بني أمية عمر بن عبد العزيز فغرت على بني هاشم ألا يكون في خلفائهم مثله، فأخذت نفسي بما رأيت، قال إبراهيم بن مخلد عن بعض الهاشميين: إنهم وجدوا للمهتدي سفطاً فيه جبة صوف وكساء وبرنس، وكان يلبس ذلك بالليل ويصلي، ويقول: أما يستحي بنو العباس ألا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز، ولما قتله الأتراك تضاربوا على السفط وقدروا أن فيه ذخائره، فلما اطلعوا على ما فيه أظهروا الندم على قتله. وكان قد اطرح الملاهي وحرم الغناء والشراب، ومنع أصحاب السلطان عن الظلم.\rقال ابن الجوزي: وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين والخراج، يحبس نفسه في الحسابات، وكان يجلس في يوم الخميس والإثنين والكتاب بين يديه رحمه الله تعالى.\rخلافة المعتمد على الله\rهو أبو العباس أحمد - وقيل أبو جعفر - بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، وأمه أم ولد اسمها فتيان، وهو الخامس عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له في منتصف شهر رجب سنة ست وخمسين ومائتين، وذلك أنه لما أخذ المهتدي وحبس حضر أبو العباس وكان محبوساً بالجوسق، فبايعه الأتراك وكتب إلى موسى بن بغا بذلك وكان بخانقين، فحضر إلى سامرا وبايعه، واستوزر عبيد الله بن يحيى بن خاقان.\rعزل عيسى\rبن الشيخ عن الشام وولايته أرمينية قد ذكرنا أن ابن الشيخ كان قد استولى على دمشق وقطع الحمل عن بغداد، واتفق أن ابن المدبر حمل من مصر إلى بغداد سبعمائة ألف دينار، فأخذها عيسى بن الشيخ، فأرسل إليه من بغداد حسين الخادم فطالبه بالمال، فذكر أنه أخرجه على الجند، فأعطاه حسين عهده على أرمينية ليقيم الدعوة للمعتمد، وكان قد امتنع من ذلك فأخذ العهد، وأقام الدعوة، ولبس السواد ظناً منه أن الشام يكون بيده، فأنفذ المعتمد أماجور وقلده دمشق وأعمالها، فسار إليها في ألف رجل، فلما قرب منها أنهض عيسى إليه ولده منصوراً في عشرين ألف مقاتل، واقتتلوا فانهزم عسكر منصور وقتل هو، فوهن عيسى وسار إلى أرمينية على طريق الساحل.\rوفيها ظهر علي بن زيد العلوي بالكوفة، واستولى عليها وأخرج عامل الخليفة منها، وكان من أمره ما نذكره - إن شاء الله - في أخبارهم.\rودخلت سنة سبع وخمسين ومائتين.\rذكر ورود أبي أحمد الموفق من مكة وما عقد له المعتمد من الأعمال كان سبب وروده أن أمر الزنج كان قد اشتد وعظم شرهم وفسادهم في البلاد، فأرسل المعتمد على الله إلى أخيه أبي أحمد الموفق وأحضره من مكة، فلما حضر عقد له على الكوفة وطريق مكة والحرمين واليمن، ثم عقد له على بغداد والسواد وواسط وكور دجلة والبصرة والأهواز، وكان بين الزنج وعمال المعتمد وقائع كثيرة نذكرها إن شاء الله في أخبارهم.\rوحج بالناس في هذه السنة الفضل بن إسحاق بن العباس العباسي.\rودخلت سنة ثمان وخمسين ومائتين.\rفي هذه السنة في شهر ربيع الأول عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد الموفق على ديار مضر وقنسرين والعواصم، وخلع على مفلح في شهر ربيع الآخر وسيرهما لحرب الزنج بالبصرة، فقتل مفلح بسهم أصابه.\rوفيها مات يارجوخ التركي في شهر رمضان وكان صاحب مصر ومقطعها ويدعى له فيها، فلما توفي استقل أحمد بن طولون بالأمر، وكان قبل ذلك نائبه بها.\rوحج بالناس في هذه السنة الفضل بن إسحاق بن الحسن.\rودخلت سنة تسع وخمسين ومائتين.","part":6,"page":259},{"id":2760,"text":"في هذه السنة دخلت الزنج الأهواز، وسار موسى بن بغا لحربهم. وفيها ملك يعقوب بن الليث نيسابور على ما نذكره. وفيها قتل كنجور، وسبب قتله أنه كان على الكوفة، فسار عنها إلى سامرا بغير إذن، فأمر بالرجوع فأبي فحمل إليه مال ليفرقه في أصحابه فلم يقنع به، وسار حتى أتى عكبرا فوجه إليه من سامرا عدة من القواد فقتلوه، وحملوا رأسه إلى سامرا.\rوحج بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان العباسي.\rودخلت سنة ستين ومائتين.\rالفتنة بالموصل\rوإخراج عاملهم كان المعتمد قد استعمل على الموصل أساتكين وهو من أكابر قواد الأتراك فسير إليها ابنه اذكوتكين في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين ومائتين، فلما كان يوم النوروز من هذه السنة دعا وجوه أهل الموصل إلى قبة في الميدان، وأحضر أنواع الملاهي وتجاهر بالشرب والفسوق وفعل المنكرات، وأساء السيرة، ثم طالب أهل الموصل بالخراج عن غلات كانت قد هلكت من البرد، فاشتد ذلك على الناس، وكان لا يسمع بفرس جيد إلا أخذه من صاحبه، وأهل الموصل صابرون على ذلك كله منه، إلى أن وثب رجل من أصحابه على امرأة فأخذها من الطريق، فامتنعت واستغاثت، فقام رجل من أهل القرآن والصلاح اسمه إدريس الحميري فخلصها من يده، فعاد الجندي إلى ابن اساتكين فشكا من إدريس. فأحضره وضربه ضرباً شديداً من غير أن يكشف عن الأمر، فاجتمع وجوه أهل الموصل بالجامع وقالوا: قد صبرنا على أخذ الأموال وشتم الأعراض وإبطال السنن وإظهار البدع فلا نصبر على أخذ الحريم، واتفقوا على أن يشكوه إلى الخليفة، فبلغه الخبر فركب في جنده ومعه النفاطون، فخرجوا إليه ولقوه وقاتلوه قتالاً شديداً حتى أخرجوه عن الموصل، ونهبوا داره وأصابه حجر فشجه، ومضى من يومه إلى سامرا، فاجتمع أهل الموصل إلى يحيى بن سليمان وقلدوه أمرهم، فبقي كذلك إلى أن انقضت سنة ستين ودخلت إحدى وستين، فكتب اساتكين إلى الهيثم بن عبد الله بن المعمر التغلبي ثم العدوي في أن يتقلد الموصل، وأرسل إليه الخلع واللواء وكان بديار ربيعة، فجمع جموعاً كثيرة وسار إلى الموصل، فنزل بالجانب الشرقي وبينه وبين البلد دجلة فقاتلوه، فعبر إلى الجانب الغربي وزحف إلى باب البلد، فخرج إليه يحيى بن سليمان في أهل الموصل فقاتلوه، فقتل منهم قتلى كثيرة وكثرت الجراحات، وعاد الهيثم عنهم فاستعمل اساتكين على الموصل إسحاق بن أيوب التغلبي، فخرج في عشرين ألفاً منهم حمدان بن حمدون التغلبي وغيره، فنزل عند الدير الأعلى فقاتله أهل الموصل، ومنعوه وداموا على ذلك مدة، ومرض يحيى بن سليمان فطمع إسحاق في البلد وجد في الحرب، فانكشف الناس بين يديه فدخل البلد، ووصل إلى سوق الأربعاء وأحرق سوق الحشيش، فخرج بعض العدول واسمه زياد بن عبد الواحد وعلق في عنقه مصحفاً، واستغاث بالمسلمين فأجابوه وعادت الحرب، فأخرجوا إسحاق وأصحابه عن المدينة، وبلغ سليمان الخبر فأمر أن يحمل في محفة ويجعل أمام الصف، فلما رآه أهل الموصل قويت نفوسهم واشتد قتالهم، فلم يزل الأمر على ذلك وإسحاق يراسلهم ويبذل لهم الإحسان وحسن السيرة، فأجابوه إلى أن يدخل البلد ويقيم بالربض الأعلى، فدخل وأقام سبعة أيام، ثم وقع بين بعض أصحابه وبين قوم من أهل الموصل شرور، فرجعوا إلى الحرب وأخرجوه عنها واستولى يحيى بن سليمان على الموصل، إلى أن استعمل المعتمد الخضر بن أحمد بن عمر بن الخطاب التغلبي الموصلي في سنة إحدى وستين.\rوحج بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل وهو أمير مكة.\rودخلت سنة إحدى وستين ومائتين.\rذكر البيعة بولاية العهد للمفوض جعفر بن المعتمد وللموفق الناصر لدين الله أبي أحمد أخي المعتمد","part":6,"page":260},{"id":2761,"text":"قال: وفي شوال من هذه السنة جلس المعتمد على الله في دار العامة، وولى ابنه جعفراً العهد ولقبه المفوض إلى الله وضم إليه موسى بن بغا، فولاه أفريقية ومصر والشام والجزيرة والموصل وأرمينية وطريق خراسان ومهرجا نقذق، وولى أخاه أبا أحمد العهد بعد جعفر ولقبه الناصر لدين الله الموفق، وولاه المشرق وسواد الكوفة وطريق مكة والمدينة واليمن وكسكر وكور دجلة والأهواز وفارس وأصبهان وقم وكرج ودينور والري وزنجان والسند، وعقد لكل واحد منهما لواءين أبيض وأسود، وشرط إن حدث به أمر وجعفر لم يبلغ أن يكون الأمر للموفق ثم لجعفر بعده، وأخذت البيعة بذلك، فعقد جعفر لموسى على المغرب وأمر الموفق بالمسير لحرب الزنج، فولى الموفق الأهواز والبصرة وكور دجلة مسروراً البلخي، وسيره في مقدمته في ذى الحجة، وعزم على المسير بعده، ثم شغله حرب يعقوب الصفار على ما نذكره إن شاء الله.\rوفيها كان ابتدء الدولة السامانية بولاية نصر بن أحمد الساماني ما وراء النهر على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة السامانية.\rوحج بالناس في هذه السنة الفضل بن إسحاق العباسي.\rودخلت سنة اثنتين وستين ومائتين.\rفي هذه السنة كانت الحرب بين الموفق ويعقوب بن الليث الصفار على ما نذكره في أخباره. وفيها وقعت الوحشة بين الموفق وبين أحمد بن طولون أمير مصر واستحكمت، فطلب الموفق من يتولى الديار المصرية فلم يجد أحداً، لأن ابن طولون كانت هداياه وخدمه متصلة إلى القواد وأرباب المناصب بالعراق، فكتب إلى أحمد بن طولون يتهدده بالعزل، فأجابه بجواب فيه بعض الغلظة، فسير الموفق إليه موسى بن بغا في جيش كثيف، فسار إلى الرقة فبلغ الخبر ابن طولون فحصن الديار المصرية، وأقام ابن بغا بالرقة عشرة أشهر لم يمكنه المسير لقلة الأموال معه، وطالبه الأجناد بالعطاء فلم يكن معه ما يعطيهم، فاختلفوا عليه وثاروا بوزيره عبد الله بن سليمان فاستتر، فاضطر موسى إلى العود إلى العراق فعاد، وتصدق ابن طولون بأموال كثيرة.\rوحكى ابن الجوزي بسند رفعه إلى أبي عون الفرايضي قال: خرجت إلى مجلس أحمد بن منصور الزيادي سنة اثنتين وستين ومائتين، فلما صرت بطاق الحراني رأيت رجلاً قد أمر بالقبض على امرأة، وأمر بجرها فقالت له: اتق الله، فأمر أن تجر فلم تزل تناشده الله وهو يأمر بجرها، إلى أن بلغت إلى باب القنطرة، فلما يئست من نفسها رفعت رأسها إلى السماء، ثم قالت: قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، إن هذا الرجل يظلمني فخذه، قال أبو عون: فوقع الرجل على ظهره ميتاً وأنا أراه، فحمل على جنازة وانصرفت المرأة.\rوحج بالناس الفضل بن إسحاق العباسي.\rودخلت سنة ثلاث وستين ومائتين.\rفي هذه السنة استولى يعقوب بن الليث على الأهواز. وفيها سلمت قلعة الصقالبة إلى الروم. وفيها مات الشاري الخارجي فبايع أصحابه أيوب بن حيان الوارقي، فقتل فبايعوا محمد بن عبد الله بن يحيى الوارقي المعروف بالغلام، فقتل أيضاً فبايعوا هارون بن عبد الله البجلي، وكان من أخباره ما نذكره. وفيها مات عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المعتمد على الله، صدمه خادم بالميدان فسقط فسال دماغه من منخريه وأذنيه فمات لوقته، واستوزر من الغد الحسن بن مخلد، وقدم موسى بن بغا فاختفى الحسن فاستوزر سليمان بن وهب.\rودخلت سنة أربع وستين ومائتين.\rفي هذه السنة أسرت الروم عبد الله بن رشيد بن كاووس، وكان سبب ذلك أنه دخل بلد الروم في أربعين ألف مقاتل من أهل الثغور الشامية فغنم وقتل فلما رحل عن البذندون خرج عليه بطريق سلوقية وبطريق قرة وكوكب وخرشنة وأحدقوا بالمسلمين، فنزل المسلمون وعرقبوا دوابهم وقاتلوا، إلا خمسمائة منهم فإنهم حملوا حملة رجل واحد ونجوا على دوابهم، وقتل الروم من قتلوا وأسر عبد الله بن رشيد بعد ضربات أصابته وحمل إلى ملك الروم. وفيها دخلت الزنج إلى واسط.\rأخبار الوزراء","part":6,"page":261},{"id":2762,"text":"في هذه السنة خرج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامرا، وشيعه الموفق والقواد، فلما صار إلى سامرا غضب عليه المعتمد وحبسه وقيده وانتهب داره، واستوزر الحسن بن مخلد في ذى القعدة، فسار الموفق إلى سامرا ومعه عبد الله بن سليمان بن وهب، فلما قرب من سامرا تحول المعتمد إلى الجانب الغربي مغاضباً للموفق، واختلفت الرسل بينهما فاتفقا، وخلع على الموفق ومسرور وكيغلغ وأحمد بن موسى بن بغا وأطلق سليمان بن وهب، وعاد إلى الجوسق وهرب الحسن بن مخلد ومحمد بن صالح بن شيرزاد، فكتب في قبض أموالهما، وهرب القواد الذين كانوا بسامرا مع المعتمد خوفاً من الموفق، ووصلوا إلى الموصل وجبوا الخراج.\rوفيها مات أماجور وملك أحمد بن طولون الشام وطرسوس على ما نذكره إن شاء الله في أخبار الدولة الطولونية وفيها ملك المسلمون مدينة سرقوسة، وهي من أعظم بلاد صقلية وذلك في رابع عشر شهر رمضان.\rوحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى الهاشمي.\rودخلت سنة خمس وستين ومائتين.\rفي هذه السنة استعمل الموفق مسروراً البلخي على أعمال الأهواز، وكانت له وقعة مع الزنج فهزمهم، وفيها كانت وفاة يعقوب بن الليث الصفار بجند يسابور في تاسع عشر شوال، وقام بالأمر بعده أخوه عمرو بن الليث. وفيها حبس الموفق سليمان بن وهب وابنه عبد الله وعدة من أصحابهما، وقبض أموالهم وضياعهم خلا أحمد بن سليمان، ثم صالح سليمان وابنه عبد الله على تسعمائة ألف دينار، وجعلا في موضع يصل إليهما من أراد. وفيها عسكر موسى بن أوتامش وإسحاق بن كنداجق والفضل بن موسى بن بغا وعبروا جسر دجلة، فأتبعهم الموفق صاعد بن مخلد فردهم من صرصر وخلع عليهم. وفيها خرج خمسة من بطارقة الروم إلى أذنه فقتلوا وأسروا نحواً من أربعمائة وقتلوا نحواً من ألف وأربعمائة وذلك في جمادى الأولى.\rوحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي.\rودخلت سنة ست وستين ومائتين.\rفي هذه السنة غلب أساتكين على الري وأخرج عاملها، ومضى إلى قزوين وعليها أخو كيغلغ فصالحه فعاد إلى الري وفيها كانت وقائع بين المتغلبين على الأطراف لا فائدة من ذكرها.\rوحج بالناس هارون الهاشمي.\rودخلت سنة سبع وستين ومائتين.\rفي هذه السنة كان بين الموفق والزنج حروب طويلة، ضعف بسببها أمرهم، ولم يكن من أحوال الخلافة ما نذكره، لتغلب العمال على الأطراف واشتغال بعضهم ببعض، على ما نورد ذلك كله في مواضعه إن شاء الله تعالى.\rوحج بالناس هارون.\rودخلت سنة ثمان وستين ومائتين.\rلم تكن في هذه السنة إلا أخبار الزنج وحروبهم والخوارج، ويرد ذلك في موضعه.\rوحج بالناس هارون.\rودخلت سنة تسع وستين ومائتين.\rفي هذه السنة حارب الموفق أيضاً صاحب الزنج، واستولى الموفق على مدينتي صاحب الزنج الغربية ثم الشرقية، وهدم قصره في حروب طويلة لا فائدة في ذكرها.\rمسيره إلى مصر\rوعوده قبل الوصول إليها","part":6,"page":262},{"id":2763,"text":"في هذه السنة سار المعتمد نحو مصر، وكان سبب ذلك أنه لم يكن له من الخلافة إلا اسمها، ولا ينفذ له توقيع في قليل ولا كثير، وكان الحكم كله للموفق والأموال تجبى إليه، فأنف وضجر المعتمد من ذلك، وكتب إلى أحمد بن طولون يشكو إليه من أخيه في السر، فأشار عليه باللحاق به بمصر ووعده النصر، وسير عسكراً إلى الرقة ينتظرون وصول المعتمد إليهم، فاغتنم المعتمد غيبة الموفق عنه، وسار في جمادى الأولى ومعه جماعة من القواد، فأقام بالكحيل يتصيد ثم سار حتى صار إلى عمل إسحاق بن كنداجق - وهو عامل الموصل وعامة الجزيرة، فوثب إسحاق بمن مع المعتمد من القواد فقبضهم، وهم نيزك وأحمد بن خاقان وخطارمش وقيدهم وأخذ أموالهم ودوابهم، وكان صاعد بن مخلد وزير الموفق قد كتب إليه بذلك عن الموفق، وكان سبب تمكنه منهم ووصوله إلى قبضهم أنه أظهر أنه معهم في طاعة المعتمد - إذ هو الخليفة، ولقيهم لما صاروا إلى عمله وسار معهم عدة مراحل، فلما قارب عمل أحمد بن طولون ارتحل الأتباع والغلمان الذين مع المعتمد ومع قواده، ولم يترك إسحاق أصحابه يرتحلون ثم قال للقواد وهم عند المعتمد: إنكم قد قاربتم عمل ابن طولون والأمر أمره، وتصيرون جنده وتحت يده، أفترضون ذلك؟ وقد علمتم أنه كواحد منكم، وتناظروا في ذلك حتى ارتفع النهار ولم يرتحل المعتمد، ثم قال لهم: قوموا بنا إلى حتى نتناظر في غير حضرة أمير المؤمنين، فأخذ بأيديهم إلى خيمة له فلما دخلوا الخيمة قبض عليهم وقيدهم وأخذ سائر من مع المعتمد من القواد، ثم مضى إلى المعتمد فعذله في مسيره عن دار ملكه وملك آبائه وفراق أخيه الموفق وهو على الحال التي هوبها من الحرب، ثم حمله ابن كنداجق ومن معه حتى أدخلهم سامراً. وفيها لعن المعتمد أحمد بن طولون في دار العامة، وأمر بلعنه على المنابر، وولى إسحاق بن كنداجق على أعمال ابن طولون، وفوض إليه من باب الشماسية إلى أفريقية، وولاه شرطة الخاصة، وكان سبب تغيره على ابن طولون أنه قطع خطبة الموفق، وأسقط اسمه عن الطرز، فتقدم الموفق إلى المعتمد بلعنه فلعنه مكرهاً، وكان المعتمد في الباطن مع ابن طولون.\rودخلت سنة سبعين ومائتين.\rفي هذه السنة قتل صاحب الزنج. وفيها كانت وفاة الحسن بن زيد العلوي صاحب طبرستان في شهر رجب. وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام، وولى بعده أخوه محمد بن زيد. وفيها كانت وفاة أحمد بن طولون وولاية ابنه خمارويه، ومسير ابن كنداجق إلى الشام على ما نذكر ذلك كله إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الطولونية.\rقال أبو الفرج بن الجوزي في حوادث سنة سبعين ومائتين: إن الروم نزلت ناحية قلمية على ستة أميال من طرسوس وهم زهاء مائة ألف مع بطريق البطارقة اندرياس، فبيتهم يا زمان الخادم ليلاً، فقتل رئيسهم وخلقاً كثيراً من أصحابه يقال إنهم بلغوا سبعين ألفاً، وأخذ لهم سبعة صلبان من ذهب وفضة فيها صليبهم الأعظم مكلل بالجوهر، وأخذ خمسة عشر ألف دابة وبغل ومن السروج مثلها وسيوفاً محلاة بذهب وفضة ومناطق وأربع كراسي من ذهب ومائتي طوق من ذهب وآنية كثيرة، ونحواً من عشرة آلاف علم، وذلك في يوم الثلاثاء لسبع خلون من شعر ربيع الأول.\rودخلت سنة إحدى وسبعين ومائتين.\rخلاف محمد وعلي\rالعلويين بالمدينة في هذه السنة دخل محمد وعلي ابنا الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بالمدينة وقتلا جماعة من أهلها وأخذا من قوم مالاً، ولم يصل أهل المدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جمع، لا جمعة ولا جماعة. وفيها كانت وقعة الطواحين بين المعتضد بن الموفق وخمارويه بن أحمد بن طولون، كان الظفر فيها لعسكر خمارويه، وهرب المعتضد إلى دمشق فمنع من دخولها.\rودخلت سنة اثنتين وسبعين ومائتين.","part":6,"page":263},{"id":2764,"text":"في هذه السنة قدم صاعد بن مخلد وزير الموفق من فارس إلى واسط، فأمر الموفق جميع القواد أن يستقبلوه، فاستقبلوه وترجلوا له وقبلوا يده وهو لا يكلمهم كبراً وتيهاً، ثم قبض الموفق عليه وعلى جميع أهله وأصحابه ونهب منازلهم بعد أيام، وكان قبضه في شهر رجب، وقبض على ابنيه أبو عيسى وصالح وأخيه عبدون ببغداد، واستكتب مكانه أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، واقتصر على الكتابة دون الوزارة. وفيها صلح أمر مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتراجع الناس إليها.\rوحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي.\rودخلت سنة ثلاث وسبعين ومائتين.\rفي هذه السنة وقع الخلاف بين أبي الساج وإسحاق بن كنداجق، وخطب لابن طولون بالجزيرة.\rوحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق.\rودخلت سنة أربع وسبعين ومائتين.\rفي هذه السنة كانت الحرب بين الموفق وعسكر عمرو بن الليث الصفار على ما نذكره في أخبار الدولة الصفارية. وحج بالناس في هذه السنة هارون.\rودخلت سنة خمس وسبعين ومائتين.\rقبضه على ابنه المعتضد\rفي هذه السنة قبض الموفق على ابنه أبي العباس أحمد المعتضد، وسبب ذلك أن الموفق دخل إلى واسط ثم عاد إلى بغداد، وأمر ابنه المعتصد أن يسير إلى بعض الوجوه، فقال: لا أخرج إلا إلى الشام، لأنها الولاية التي ولانيها أمير المؤمنين. فغضب الموفق وقبض عليه وجعله في حجرة ووكل به، فثار القواد من أصحابه ومن تبعهم وركبوا، واضطربت بغداد فركب الموفق إلى الميدان، وقال لهم: ما شأنكم!! أترون أنكم أشفق على ولدي مني؟ وقد احتجت إلى تقويمه فانصرفوا.\rودخلت سنة ست وسبعين ومائتين.\rفي هذه السنة جعلت شرطة بغداد إلى عمرو بن الليث، وكتب اسمه على الأعلام والأترسة وذلك في شوال، ثم ترتب في الشرطة عبيد الله بن عبد الله بن طاهر من قبل عمرو، ثم أمر بطرح اسم عمرو عن الأعلام وغيرها في الشهر. وفيها ورد الخبر بانفراج تل بنهر البصرة يعرف بتل بني شقيق عن سبعة أقبر شبه الأحواض، من حجر في لون المسن عليها كتابة لا يدرى ما هي، وفيها سبعة أبدان صحيحة عليها أكفان جدد يفوح منها رائحة المسك، أحدهم شاب له جمة وعلى شفتيه بلل كأنه قد شرب ماء وكأنه كحل، وبه ضربة في خاصرته.\rوحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد.\rودخلت سنة سبع وسبعين ومائتين.\rفي هذه السنة دعي بطرسوس لخمارويه بن أحمد. وفيها ولي يوسف بن يعقوب المظالم، وأمر أن ينادى من كان له مظلمة قبل الأمير الناصر لدين الله الموفق أو أحد من الناس فليحضر.\rوحج بالناس هارون.\rودخلت سنة ثمان وسبعين ومائتين.\rفي هذه السنة كانت الحرب ببغداد بين أصحاب وصيف الخادم والبربر وأصحاب موسى بن أخت مفلح أربعة أيام من المحرم، ثم اصطلحوا وقد قتل بينهم جماعة، ووقع بالجانب الشرقي وقعة بين النصريين وأصحاب يونس قتل فيها رجل ثم انصرفوا.\rوفاة الموفق","part":6,"page":264},{"id":2765,"text":"في هذه السنة توفي أبو أحمد الموفق بن المتوكل في يوم الأربعاء لثمان بقين من صفر، ودفن ليلة الخميس بالرصافة، وكان قد مرض في بلاد الجبل فانصرف وقد اشتد به وجع النقرس، فلم يقدر على الركوب فحمل على سرير فيه قبة، وكان يجلس فيه هو وخادم له يبرد رجليه بالأشياء الباردة، ثم صار به داء الفيل، وكان يحمل سريره أربعون رجلاً بالنوبة، فقال لهم يوماً وقد ضجر: أود أن أكون كواحد منكم أحمل على رأسي وآكل وأنا في عافية، وقال في مرضه: أطبق ديواني على مائة ألف مرتزق، ما أصبح فيهم أسوأ حالاً مني، ووصل إلى داره لليلتين خلتا من صفر، وشاع موته بعد انصراف أبي الصقر من داره، وكان قد تقدم بحفظ أبي العباس فأغلقت عليه الأبواب. قال: ووجه أبو الصقر إلى المدائن فحمل منها المعتمد وأولاده وجيء بهم، فلما رأى غلمان الموفق ما نزل بمولاهم كسروا الأبواب المغلقة على أبي العباس، فظن أنهم يريدون قتله فأخذ سيفه في يده، وقال: والله لا يصلون إلي وفي شيء من الروح، فلما وصلوا إليه رأى غلامه وصيفاً فألقى السيف من يده، وعلم أنهم لا يريدون إلا الخير، وأخرجوه وأقعدوه عند أبيه وكان قد اعترته غشية، فلما أفاق ورآه قربه وأدناه إليه، وأما الصقر فإنه لما حصل الإرجاف بموت الموفق جمع القواد والجند وقطع الجسرين، وحاربه قوم من الجانب الشرقي فقتل منهم قتلى، فلما ظهر أن الموفق حي حضر عنده محمد بن أبي الساج وفارق أبا الصقر، وتسلل القواد والناس عن أبي الصقر، فلما رأى ذلك أبو الصقر حضر هو وابنه دار الموفق، وذكر أن أبا الصقر أراد أن يقترب إلى المعتمد بمال الموفق وأسبابه، وأشاعوا ذلك عنه عند أصحاب الموفق، فنهبوا دار أبي الصقر وما يجاوره من الدور، وأخرجوا نساءه حفاة بغير أزر، وكسرت أبواب السجون وخرج من فيها. قال: وخلع الموفق عند إفاقته على ابنه أبي العباس وعلى أبي الصقر، وركبا جميعاً فمضى أبو العباس إلى منزله وجاء أبو الصقر إلى منزله وقد نهب، فطلب له حصيرة يجلس عليها عارية، ثم مات الموفق في التاريخ الذي ذكرناه، وجلس ابنه أبو العباس للتعزية، وكان الموفق عاد لأحسن السيرة يجلس للمظالم وعنده القضاة والفقهاء وغيرهم، فينصف الناس بعضهم من بعض، وكان عالماً بالأدب والنسب والفقه وسياسة الملك.\rالبيعة للمعتضد بالله\rبولاية العهد قال: ولما مات الموفق اجتمع القواد وبايعوا ابنه أبا العباس بولاية العهد بعد المفوض إلى الله ابن المعتمد ولقب المعتضد بالله، وخطب له في يوم الجمعة بعد المفوض وذلك لسبع بقين من صفر، واجتمع عليه أصحاب أبيه وتولى ما كان أبوه يتولاه.\rوفيها قبض المعتضد على أبي الصقر وأصحابه وانتهبت منازلهم، وطلب بني الفرات فاختفوا، واستوزر عبيد الله بن سليمان بن وهب. وفيها كان ابتداء أمر القرامطة على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبارهم.\rقال ابن الجوزي: وفي هذه السنة غار ماء النيل، وكان ذلك شيئاً لم يعهد مثله ولا سمع في الأخبار السالفة.\rوحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد.\rودخلت سنة تسع وسبعين ومائتين.\rذكر خلع المفوض إلى الله جعفر بن المعتمد وولاية أبي العباس المعتضد بالله بن الموفق في المحرم من هذه السنة خرج المعتمد على الله وجلس للقواد والقضاة ووجوه الناس، وأعلمهم أنه خلع ابنه المفوض إلى الله جعفراً من ولاية العهد، وجعلها للمعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق، وشهدوا على المفوض أنه قد تبرأ من العهد، وأسقط اسمه من الخطبة والسكة والطرز وغير ذلك، وخطب للمعتضد وكان يوماً مشهوداً.\rوفيها نودي بمدينة السلام ألا يقعد على الطريق ولا بالمسجد الجامع قاض ولا منجم ولا زاجر، وحلف الوراقون ألا يبيعوا كتب الكلام والجدل.\rوفاة المعتمد على الله\rوشيء من أخباره كانت وفاته ببغداد ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة ستع وسبعين ومائتين، وكان قد شرب على الشط بالجسر يوم الأحد شراباً كثيراً فمات ليلاً، وأحضر المعتضد القضاة وأعيان الناس، فنظروا إليه وحمل إلى سامرا فدفن بها، وكان عمره خمسين سنة وستة أشهر، وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وستة أيام، وكان في خلافته محكوماً عليه، ضيق عليه أخوه الموفق حتى إنه احتاج في بعض الأوقات إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها، فقال:","part":6,"page":265},{"id":2766,"text":"أليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما قل ممتنعاً عليه\rوتؤخذ باسمه الدنيا جميعاً ... وما من ذاك شيء في يديه\rإليه تحمل الأموال طرا ... ويمنع بعض ما يجبى إليه\rوهو أول من انتقل من الخلفاء من سامرا، ولم يعد إليها بعده خليفة. وكان طويل القد واللحية واسع العينين مقبلاً على اللذات، مشغولاً عن الرعية مضطرب الأحوال. وكان نقش خاتمه: السعيد من وعظ بغيره. أولاده: عبد العزيز وجعفر ومحمد وإسحاق. وزارؤه: عبيد الله بن يحيى بن خاقان ثم سليمان بن وهب ثم الحسن بن مخلد ثم صاعد بن مخلد أخوه ثم أبو الصقر إسماعيل بن بلبل. حجابه: موسى بن بغا ثم جعفر بن غانم بن علي الجهشاري. قضاته: الحسن بن أبي الشوارب ثم أخوه علي بن محمد. الأمراء بمصر: أحمد بن طولون ثم ابنه خمارويه. قضاتها: بكار بن قتيبة إلى أن توفي في سنة سبعين ومائتين بعد وفاة أحمد بن طولون بأربعين يوماً، وكانت ولايته أربعاً وعشرين سنة ونصف سنة، وبقيت مصر بغير قاض، ثم وليها أبو عبدة محمد بن عبدة واستخلف أبا جعفر الطحاوي واستكتبه وأعفاه. وقد قيل في وفاة المعتمد على الله أنه مات مسموماً والله عز وجل أعلم.\rخلافة المعتضد بالله هو أبو العباس أحمد بن الموفق طلحة الملقب الناصر لدين الله بن جعفر المتوكل بن المعتصم بالله بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، وأمه أم ولد اسمها ضرار وقيل اسمها خفيرة، وهو السادس عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة تسع وسبعين ومائتين بعد وفاة عمه المعتمد على الله.\rقال: ولما ولي استعمل غلاماً بدراً على الشرطة، واستوزر عبيد الله بن سليمان بن وهب وجعل على حرسه محمد بن الشاه بن ميكال، ووصله في شوال رسول عمرو بن الليث ومعه هدايا كثيرة، وسأله أن يوليه خراسان فعقد له عليها، وسير إليه الخلع واللواء والعهد، فنصب اللواء في داره ثلاثة أيام. وفيها كانت وفاة نصر الساماني بما وراء النهر، فقام بعمله أخوه إسماعيل بن أحمد. وفيها قدم الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصاص من مصر بهدايا عظيمة من خمارويه، فتزوج المعتضد ابنة خمارويه وهي قطر الندى، وأصدقها المعتضد ألف ألف درهم، وفيها ملك أحمد بن عيسى بن الشيخ قلعة ماردين - وكانت بيد إسحاق بن كنداجق.\rوحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد العباسي، وهي آخر حجة حجها وأول سنة حج بالناس سنة أربع وستين ومائتين.\rودخلت سنة ثمانين ومائتين.\rذكر حبس عبد الله بن المهتدي وقتل محمد بن الحسن\rفي هذه السنة أخذ المعتضد عبد الله بن المهتدي ومحمد بن الحسن المعروف بشيلمة وحبسهما، وكان شيلمة هذا المعتضد بالله صاحب الزنج إلى آخر أيامه، ثم لحق بالموفق بأمان، وكان سبب أخذهما أن بعض المستأمنة سعى به إلى المعتضد، وأنه يدعو لرجل لا يعرف اسمه، وأنه قد أفسد جماعة من الجند وغيرهم، فقرره المعتضد فلم يقر بشيء وقال: لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه، فأمر به فشد في خشبة من خشب الخيم، ثم أوقد ناراً عظيمة وأدير عليها حتى تقطع جلده، ثم ضربت عنقه وصلب عند الجسر. وحبس ابن المهتدي إلى أن علم براءته فأطلقه.\rذكر قصد المعتضد بني شيبان وصلحه معهم وإغارته على الأعراب\rفي أول صفر سار المعتضد من بغداد يريد بني شيبان بالمكان الذي يحتمون به من أرض الجزيرة، فلما بلغهم قصده جمعوا أموالهم، وأغار المعتضد على أعراب عند السن، فنهب أموالهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم في الزاب مثل ذلك، وعجز الناس عن حمل ما غنموه، فبيعت الشاة بدرهم والجمل بخمسة دراهم، وسار إلى الموصل وبلد فلقيه بنو شيبان يسألون العفو، وبذلوا له رهائن فأجابهم إلى ما طلبوا، وعاد إلى بغداد، وأرسل إلى أحمد بن عيسى بن الشيخ يطالبه بما أخذ من أموال ابن كنداجق، فبعثها إليه ومعها هدايا كثيرة.","part":6,"page":266},{"id":2767,"text":"وفيها غارت المياه بالري وطبرستان حتى بلغ الماء ثلاثة أرطال بدرهم، وفي شوال منها انخسف القمر وأصبح أهل دبيل وقد أظلمت الدنيا عليهم، ودامت الدنيا مظلمة عليهم، فلما كان عند العصر هبت ريح سوداء ودامت إلى ثلث الليل، ثم زلزلوا في الثلث فخربت المدينة، ولم يبق من دورها إلا قدر مائة دار، وزلزلوا بعد ذلك خمس مرات، وكان جملة من أخرج من تحت الردم مائة ألف وخمسين ألف كلهم موتى.\rوحج بالناس أبو بكر محمد بن هارون.\rودخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين.\rمسيره إلى ماردين\rوملكها في هذه السنة توجه المعتضد بالله - وهي الخرجة الثانية إلى الموصل - قاصداً حمدان بن حمدون، لأنه بلغه أنه مايل هارون الخارجي ودعا له، فلما بلغ الأعراب مسير المعتضد تحالفوا أنهم يقتلون على دم واحد، واجتمعوا وعبئوا عساكرهم، فسار المعتضد إليهم في خيل جريدة، فأوقع بهم وقتل منهم وغرّق في الزاب، وسار إلى الموصل يريد قلعة ماردين وكانت لحمدان، فهرب حمدان منها وخلف ابنه بها فنازله المعتضد، وقاتل من فيها يومه ذلك فلما كان الغد ركب المعتضد، وصعد إلى باب القلعة وصاح لابن حمدان فأجابه، فقال: افتح الباب ففتحه، فجلس المعتضد في باب القلعة وأمر بنقل ما فيها وهدمها، ثم وجه خلف حمدان وطلبه أشد الطلب وأخذت أمواله، ثم ظفر به المعتضد بعد عوده من بغداد، وفي عوده قصد الحسنية وبها رجل كردي يقال له شداد، في جيش كثيف قيل كانوا عشرة آلاف، فظفر به وهدم قلعته. وفيها سار المعتضد إلى ناحية الجبل وقصد الدينور وولى ابنه علياً - وهو المكتفي - الري وقزوين وزنجان وأبهر وقم وهمذان والدينور، وجعل كتابته لأحمد بن الأصبغ، وقلد عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف أصفهان ونهاوند والكرخ، وعاد إلى بغداد.\rودخلت سنة اثنتين وثمانين ومائتين.\rذكر قصد حمدان وانهزامه وعوده إلى الطاعة في هذه السنة كتب المعتضد إلى إسحاق بن أيوب وحمدان بن حمدون بالمصير إليه وهو بالموصل، فبادر إسحاق وتحصن حمدان بقلاعه وأودع أمواله وحرمه، فبعث المعتضد الجيوش نحوه مع وصيف موشكير ونصر القشوري وغيره فساروا إلى حمدان فواقعوه، فقتل من أصحابه جماعة وانهزم، واتبعه الجند حتى ضاقت عليه الأرض، فقصد من أصحابه جماعة وانهزم، واتبعه الجند حتى ضاقت عليه الأرض، فقصد خيمة إسحاق بن أيوب وهو مع المعتضد فاستجار به، فأحضره إلى المعتضد فأمر بالاحتفاظ به وتتابع رؤساء الأكراد في طلب الأمان.\rوفيها انهزم هارون الخارجي من عسكر الموصل على ما نذكره في أخباره. وفيها في ربيع الأول قبض على بكتمر بن طاشتمر وقيد وكان أميراً على الموصل، واستعمل عليها الحسن بن علي الخراساني ويعرف بكوره. وفيها قدم ابن الجصاص بابنة خمارويه زوجة المعتضد ومعها أحد عمومتها، وكان المعتضد بالموصل وعاد إلى الجبل وبلغ الكرج، وفيها قتل خمارويه بن أحمد بن طولون على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rودخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين.\rفي هذه السنة سار المعتضد إلى الموصل بسبب هارون الخارجي، وأحضر الحسين بن حمدان وسيره في طلب هارون في جماعة من الفرسان والرجال، فقال له الحسين: إن أنا جئت به فلي ثلاث حوائج إلى أمير المؤمنين، أولها إطلاق أبي وحاجتان أذكرهما إذا جئت به، فقال: لك ذلك، فانتخب ثلاثمائة فارس وسار بهم نحوه، فظفر به وأحضره إلى المعتضد فانصرف إلى بغداد، فوصلها لثمان بقين من شهر ربيع الأول وخلع على الحسين بن حمدان وطوقه، وخلع على إخوته وأمر بفك قيود حمدان والتوسعة عليه ووعد بإطلاقه، وأدخل هارون على فيل وصلبه.\rوفيها كانت الفداء بين الروم والمسلمين، وكان جملة من فودي به ألفين وخمسمائة وأربعة أنفس. وفيها أمر المعتضد بالكتب إلى جميع البلدان أن يرد الفاضل من سهام المواريث إلى ذوي الأرحام وبطل ديوان المواريث.\rوفيها قتل رافع بن الليث وجيء برأسه إلى المعتضد، فوصل في سنة أربع وثمانين فأمر بنصبه ببغداد، وكان الذي قتله أصحاب عمرو بن الليث.\rودخلت سنة أربع وثمانين ومائتين.\rفي هذه السنة في شهر ربيع الأول ظهر بمصر ظلمة شديدة وحمرة في السماء، حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الآخر فيراه أحمر، ومكثوا كذلك من العصر إلى العشاء الآخرة، وخرج الناس من منازلهم يدعون ويتضرعون إلى الله.","part":6,"page":267},{"id":2768,"text":"وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على المنابر، وذكر في الكتاب يزيد وغيره من بني أمية، وعملت بالكتاب نسخ قرئت في جانبي بغداد، ومنع القصاص والعامة من القعود في الجامعين، ونهى عن الاجتماع على قاض أو مناظرة وجدل في أمر الدين، ونهى الذين يسقون في الجامعين ألا يترحموا على معاوية ولا يذكروه، فقال له عبيد الله بن سليمان: إنا نخاف إضطراب العامة وإثارة فتنة، فلم يرجع إليه، فقال عبيد الله للقاضي يوسف بن يعقوب ليحتال في منعه، وكلم يوسف المعتضد وحذره اضطراب العامة فلم يلتفت، فقال: يا أمير المؤمنين فما تصنع بالطالبيين الذين يخرجون من كل ناحية، ويميل إليهم خلق كثير من الناس؟ فإذا سمع الناس ما في هذا الكتاب مالوا إليهم، وصاروا هم أبسط السنة وأثبت حجة منهم اليوم، فأمسك المعتضد ولم يأمر في الكتاب بشيء بعد ذلك.\rوفيها ظهر بدار المعتضد إنسان بيده سيف، فمضى إليه بعض الخدم لينظر ما هو، فضربه بالسيف فجرحه فهرب الخادم، ودخل الشخص في زرع البستان فتوارى فيه، وطلب فلم يعرف له خبر واستوحش المعتضد، وكثر الناس القول حتى قالوا إنه من الجن، وظهر مراراً كثيرة فوكل المعتضد بسور داره وأحكمه، ثم أحضر المجانين والمعزمين بسبب الشخص، فقال المعزمون: نحن نعزم على بعض المجانين فإذا صرع سئل الجني فيخبر بخبره، فعزموا على امرأة مجنونة فصرعت والمعتضد ينظر إليهم، فلما صرعت أمرهم بالانصراف.\rوحج بالناس في هذه السنة محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي المعروف بأترجة.\rودخلت سنة خمس وثمانين ومائتين.\rفي هذه السنة كان بالكوفة ريح صفراء فبقيت إلى المغرب ثم اسودت، ثم وقع مطر شديد برعود هائلة وبروق متصلة، ثم سقط بعد ساعة بقرية تعرف بأحمد أباذ أحجار بيض وسود مختلفة الألوان، في أوساطها ضيق. وفيها كان بالبصرة ريح صفراء ثم عادت خضراء ثم سوداء، ثم تتابعت الأمطار بما لم ير مثله، ثم برد كبار الوزن البردة مائة وخمسون درهماً. وفيها غزا راغب مولى الموفق في البحر، فغنم مراكب كثيرة من الروم فضرب أعناق ثلاثة آلاف منهم كانوا فيها، وأحرق المراكب وفتح حصوناً كثيرة وعاد سالماً. وفيها توفي أحمد بن عيسى بن الشيخ، وقام بعده ابنه محمد بآمد وما يليها على سبيل التغلب، فسار المعتضد إلى آمد فوصلها في ذى الحجة، وحصرها إلى شهر ربيع الآخر سنة ست وثمانين ونصب عليها المجانيق، فطلب محمد الأمان لنفسه ولمن معه فأمنهم المعتضد، فخرج إليه وسلم البلد فخلع عليه المعتضد وأكرمه وهدم سور البلد، ثم بلغه أن محمداً يريد الهرب فقبض عليه وعلى أهله.\rوحكى أبو الفرج بن الجوزي في المنتظم عن أبي بكر الصولي أنه قال: كان مع المعتضد رجل أعرابي فصيح يقال له شعلة بن شهاب اليشكري وكان يأنس به، فأرسله إلى محمد بن عيسى بن شيخ ليرغبه في الطاعة ويحذره العصيان، قال: فصرت إليه فخاطبته فلم يجبني، فتوجهت إلى عمته فصرت إليها، فقالت: يا أبا شهاب كيف خلفت أمير المؤمنين؟ فقلت: خلفته أماراً بالمعروف فعالاً للخير، فقالت، أهل لذلك ومستحقه، وكيف لا! وهو ظل الله الممدود على بلاده، وخليفته المؤتمن على عباده، فكيف رأيت صاحبنا؟ قلت: رأيت غلاماً حدثاً معجباً قد استحوذ عليه السفهاء، واستبد بآرائهم، يزخرفون له الكذب، فقالت: هل لك أن ترجع إليه بكتابي قبل لقاء أمير المؤمنين؟ قلت: أفعل، فكتبت إليه كتاباً لطيفاً أجزلت فيه الموعظة، وكتبت في آخره:\rاقبل نصيحة أم قلبها وجع ... خوفاً عليك وإشفاقاً وقل سددا\rواستعمل الفكر في قولي فإنك إن ... فكرت ألفيت في قولي لك الرشدا\rولا تثق برجال في قلوبهم ... ضغائن تبعث الشنآن والحسدا\rمثل النعاج خمولاً في بيوتهم ... حتى إذا أمنوا ألفيتهم أسدا\rوداو داءك والأدواء ممكنة ... وإذ طبيبك قد ألقى عليك يدا\rأعط الخليفة ما يرضيه منك ولا ... تمنعه مالاً ولا أهلاً ولا ولدا\rواردد أخا يشكرٍ رداً يكون له ... رداً من السوء لا تشمت به أحدا","part":6,"page":268},{"id":2769,"text":"قال: فأخذ الكتاب وصرت إليه فلما نظر إليه رمى به إلي ثم قال: يا أخا يشكر ما بآراء النساء تتم الدول، ولا بعقولهن يستأمن الملك، ارجع إلى صاحبك، ورجعت إلى المعتضد بالله فأخبرته الخبر، فأخذ الكتاب فقرأه فأعجبه شعرها وعقلها، ثم قال: إني لأرجو أن أشفعها في كثير من القوم، فلما كان من فتح ما كان أرسل إلي المعتضد، فقال: هل عندك علم من تلك المرأة، قلت: لا، قال: فامض مع الخادم فإنك ستجدها في جملة نسائها، فمضيت فلما بصرت بي من بعيد كشفت عن وجهها، وجعلت تقول:\rريب الزمان وصرفه ... وعثاره كشف القناعا\rوأذل بعد العز م ... نا الصعب والبطل الشجاعا\rولكم نصحت فما أطع ... ت وكم صرخت بأن أطاعا\rفأبى بنا المقدور إل ... لا أن نقسم أو نباعا\rيا ليت شعري هل نرى ... أبداً لفرقتنا اجتماعا\rثم بكت حتى علا صوتها وضربت بيدها على الأخرى، وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، كأني والله كنت أرى ما أرى، فقلت لها: إن أمير المؤمنين وجه بي إليك، وما ذاك إلا لجميل رأيه فيك، قالت: فهل لك أن توصل لي رقعة إليه؟ قلت: أفعل، فدفعت إلي رقعة فيها:\rقل للخليفة والإمام المرتضى ... وابن الخلائف من قريش الأبطح\rعلم الهدى ومناره وسراجه ... مفتاح كل عظيمة لم تفتح\rبك أصلح الله البلاد وأهلها ... بعد الفساد وطال ما لم تصلح\rوتزحزحت بك هضبة العرب التي لولاك بعد الله لم تتزحزح\rأعطاك ربك ما تحب فأعطه ... ما قد يحب وجد بعفو واصفح\rيا بهجة الدنيا وبدر ملوكها ... هب ظالمي ومفسدي لمصلح\rقال: فصرت بها إلى المعتضد بالله، فلما قرأها ضحك وقال: لقد نصحت لو قبل منها، وأمر أن يحمل إليها خمسون ألف درهم وخمسون تختاً من الثياب، وأمر أن يحمل إلى ابن عيسى.\rوفيها وصل رسول هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون إلى المعتضد على أن يقاطع على ما في يده ويد نوابه من مصر والشام، ويسلم أعمال قنسرين إلى المعتضد، ويحمل في كل سنة أربعمائة ألف دينار وخمسين ألف دينار، فأجابه المعتضد إلى ذلك، وسار من آمد واستخلف ابنه المكتفي، فوصل إلى قنسرين والعواصم فتسلمها من أصحاب هارون بن خمارويه، وذلك في سنة ست وثمانين - حكاه ابن الأثير في تاريخه الكامل.\rوقال ابن الجوزي في المنتظم: إن هارون بذل هذا المال على أن يسلم له أعمال قنسرين والعواصم، وأن تجدد له ولاية مصر والشام فأجيب إلى ذلك، والصواب ما حكاه ابن الأثير.\rوحج بالناس: محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي.\rودخلت سنة ست وثمانين ومائتين.\rفي هذه السنة وجه محمد بن أبي الساج - المعروف بأبي المسافر - رهينة بما ضمن من الطاعة والمناصحة، ومعه هدايا جليلة، وكان المعتضد قد ولاه في سنة خمس وثمانين أعمال أذربيجان وأرمينية وبعث إليه الخلع فقبلها بعد أن كان تغلب على ذلك. وفيها أرسل عمرو بن الليث هدية من نيسابور إلى المعتضد، قيمتها أربعة آلاف درهم - قال ابن الجوزي: كان مبلغ المال الذي وجهه أربعة آلاف ألف درهم وعشرين من الدواب بسروج ولجم محلاة، ومائة وعشرين دابة بجلال مشهرة، وكسوة وطيب وبزاة وطرف.\rوفيها كان ابتداء أمر القرامطة بالبحرين على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبارهم. وفيها ولى المعتضد بالله ابنه علياً المكتفي قنسرين والعواصم والجزيرة، وكان كاتبه الحسين بن عمرو النصراني ينظر في الأمور.","part":6,"page":269},{"id":2770,"text":"قال أبو الفرج بن الجوزي في حوادث هذه السنة رفعه إلى محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي بالري سنة ست وثمانين ومائتين يقول: تقدمت امرأة فادعى وليها على زوجها خمسمائة ديناراً مهراً فأنكر، فقال القاضي: شهودك، قال: قد أحضرتهم، فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته، فقام الشاهد وقال للمرأة: قومي، فقال الزوج: تفعلون ماذا؟ قال الوكيل ينظرون إلى امرأتك وهي مسفرة، لتصح عندهم معرفتها، فقال الزوج: فإني أشهد القاضي أن لها علي هذا المهر الذي تدعيه ولا تسفر عن وجهها، فقالت المرأة: فإني أشهد القاضي أني قد وهبت له هذا المهر، وأبرأته منه في الدنيا والآخرة، فقال القاضي: يكتب هذا في مكارم الأخلاق.\rودخلت سنة سبع وثمانين ومائتين.\rفي هذه السنة في شهر ربيع الأول أسر عمرو بن الليث الصفار، وملك إسماعيل بن أحمد الساماني خراسان على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبارهم وفيها قتل محمد بن زيد العلوي صاحب طبرستان والديلم على ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخبار الدولة العلوية.\rوحج بالناس في هذه السنة: محمد بن عبد الله بن داود. وفيها توفيت قطر الندى بنت خمارويه زوجة المعتضد لسبع خلون من شهر رجب، ودفنت داخل قصر الرصافة.\rودخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين.\rفي هذه السنة توفي عبيد الله بن سليمان الوزير، فعظم موته على المعتضد وفوض الوزارة إلى ابنه القاسم بن عبيد الله. وكان من أخبار المتغلبين على الأطراف على ما نذكره إن شاء الله في أخبارهم.\rوحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد.\rودخلت سنة تسع وثمانين ومائتين.\rفي هذه السنة لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول أخرج من كان له دار أو حانوت بباب الشماسية عن داره وحانوته، وقيل لهم: خذوا أنقاضكم واخرجوا، وسبب ذلك أن المعتضد بالله كان قد عزم أن يبتني لنفسه داراً يسكنها هنالك، فخط موضع السور وحفر بعضه، وابتدأ في دكة على دجلة لينتقل إليها فيقيم بها، إلى أن يفرغ من بناء الدار والقصر، فمرض المعتضد ومات قبل ذلك.\rوفاة المعتضد\rبالله وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته ليلة الإثنين لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، قال: ولما اشتد مرضه اجتمع يونس الخادم وغيره من القواد إلى الوزير القاسم ليجدد البيعة للمكتفي، وقالوا: إنا لا نأمن الفتنة، فقال: أخاف أن أطلق المال فيبرأ أمير المؤمنين من علته فينكر ذلك، فقالوا: إن بريء فنحن المحتجون والمناظرون، وإن صار الأمر إلى ولده فلا يلومنا ونحن نطلب الأمر له، فأطلق المال وجدد البيعة للمكتفي بالله، وأحضر أولاد المعتمد ووكل بهم، ثم توفي المعتضد وكانت علته فساد الجوف والمزاج والجفاف من كثرة الجماع، وكان يؤمر بأن يقل الغذاء ويرطب معدته ولا يتعب نفسه، فيستعمل ضد ذلك ويريهم أنه يحتمي، فإذا خرجوا من عنده دعا بالجبن والزيتون والسمك فأكل، فسقطت لذلك قوته واشتدت علته، ومات رحمه الله وتولى غسله محمد بن يوسف القاضي، وصلى عليه الوزير - حكاه ابن الأثير. وقال أبو الفرج بن الجوزي: غسله أحمد بن شيبة عند زوال الشمس، وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي. ودفن ليلاً في دار محمد بن عبد الله بن طاهر بوصية منه، وجلس الوزير في دار الخلافة للعزاء وجدد البيعة للمكتفي، ومات المعتضد وله من العمر ست وأربعون سنة وقيل إلا شهرين، وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، وقيل وثلاثة وعشرين يوماً. وكان نحيفاً خفيف العارضين يخضب بالسواد، ولما حضرته الوفاة أنشد:\rتمتع من الدنيا فإنك لا تبقى ... وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا\rولا تأمنن الدهر إني أمنته ... فلم يبق لي حالاً ولم يرع لي حقا\rقتلت صناديد الرجال ولم أدع ... عدواً ولم أمهل على ظنة خلقا\rوأخليت دار الملك من كل نازع ... فشردتهم غرباً وشردتهم شرقا\rفلما بلغت النجم عزاً ورفعة ... وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا\rرماني الردى سهماً فأخمد جمرتي ... فهأنذا في حفرتي عاجلاً ألقى\rفياليت شعري بعد موتي ما ألقى ... إلى نعم الرحمن أم ناره ألقى","part":6,"page":270},{"id":2771,"text":"قال: وكان المعتضد ذا عزم وشهامة ونهضة، بصيراً بالأمور حسن السياسة والسيرة، ولما ولي وضع عن الناس البواقي وأسقط المكوس بالحرمين، وبث العدل في الآفاق وبذل الأموال، وغزا وجالس المحدثين وأهل الفضل والدين. قال ثابت بن قرة الحراني: ولي المعتضد الخلافة وليس في بيت المال إلا قراريط لا تبلغ الدينار، والحضرة مطلوبة والأعمال منهوبة والأعراب والأكراد عائثون والأعداء متسلطون، فأصلح الأمور وأحسن التدبير وقمع الخوارج وبالغ في العمارة وأنصف في المعاملة ورفق بالرعية، حتى استفضل من ارتفاعه في سني خلافته تسع عشر ألف ألف دينار، وتقدم إلى أجناده وأتباعه بلزوم الطريقة الحميدة، وعرفهم أنه متى أفسد غلام أحد منهم كان المأخوذ به مولاه، فسمع يوماً صوتاً من بعض الكروم مما يلي دجلة فأمر باستعلام الحال، فأخبر أن غلام بعض الأمراء أخذ حصرماً من الكرم فأمر بإحضار الأمير، وتقدم بضرب عنقه، فلم يجسر أحد من الجند بعد ذلك على الفساد، ثم قال المعتضد بعد ذلك لوزيره عبيد الله بن سليمان: لعلك أنكرت ما جرى من قتلي هذا الأمير بجرم جناه غيره، فقال: هو ذاك يا أمير المؤمنين، قال: كنت في خلافة المعتمد فرأيت هذا الأمير قتل رجلاً عمداً بغير ذنب، ولم يكن له وارث فنذرت لله تعالى إن ولاني الله أن أقتله به، فلما وليت كنت أتطلب له العورات حتى جرى ما جرى من غلامه، فقتلته بذلك الرجل وأقمت السياسة بقتله. قال: وكان المعتضد يسمى السفاح الثاني لأنه جدد ملك بني العباس، ووطده بعد أن كانت الأتراك قد أخلقته، وفي ذلك يقول ابن الرومي:\rهنيئاً بني العباس إن إمامكم ... إمام الهدى والجود والباس أحمد\rكما بأبي العباس أسس ملككم ... كذا بأبي العباس أيضاً تجدد\rوحكى أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في المنتظم في تاريخ الملوك والأمم بسند رفعه إلى أبي محمد عبد الله بن حمدون: قال: كان المعتضد بالله في بعض متصيداته مجتازاً بعسكره وأنا معه، فصاح ناظور في قراح قثاء فاستدعاه، وسأله عن سبب صياحه فقال: أخذ بعض الجيش من القثاء شيئاً، فقال: اطلبوهم، فجاءوا بثلاثة نفر، فقال: هؤلاء الذين أخذوا القثاء؟ فقال الناظور: نعم، فقيدهم في الحال وأمر بحبسهم، فلما كان من الغد أنفذهم إلى القراح وضرب أعناقهم فيه، وسار فأنكر الناس ذلك وتحدثوا به، ومضت على ذلك مدة طويلة، فجلست أحادثه ليلة فقال لي: يا أبا عبد الله - هل يعيب الناس علي شيئاً؟ عرفني حتى أزيله، فقلت: كلا يا أمير المؤمنين، فقال: أقسمت عليك بحياتي إلا صدقتني، قلت: يا أمير المؤمنين - وأنا آمن؟ قال: نعم، قلت: سفك الدماء، قال: والله ما هرقت دماً منذ وليت إلا بحقه، قال: فأمسكت إمساك من ينكر عليه، فقال: بحياتي ما تقول؟ فقلت: يقولون إنك قتلت أحمد بن الطيب - وكان خادمك، ولم تكن له جناية ظاهرة، قال: دعاني إلى الإلحاد - قلت له يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلم، وأنا الآن منتصب منصبه فألحد - حتى أكون من؟! فسكت سكوت من يريد الكلام، فقال: في وجهك كلام؟ فقلت: الناس ينقمون عليك أمر الثلاثة الذين قتلتهم في قراح القثاء، فقال: والله ما كان أولئك الذين أخذوا القثاء، وإنما كانوا لصوصاً حملوا من موضع كذا وكذا، ووافق ذلك أمر القثاء، وأردت أن أهول على الجيش بأن من عاث في عسكري وأفسد في هذا القدر كانت عقوبتي له هكذا ليكفوا عما فوقه، ولو أردت قتلهم لقتلتهم في الحال، وإنما حبستهم وأمرت بإخراج اللصوص من غد مغطين الوجوه ليقال إنهم أصحاب القثاء، فقلت: فكيف تعلم العامة هذا؟ قال: بإخراج القوم الذين أخذوا القثاء وإطلاقهم في هذه الساعة، ثم قال: هاتوا القوم، فجاءوا بهم وقد تغيرت حالهم من الحبس والضرب، فقال: ما قصتكم؟ فقصوا عليه قصة القثاء، قال: أفتتوبون من مثل هذا الفعل حتى أطلقكم؟ قالوا نعم، فأخذ عليهم التوبة وخلع عليهم وأمر بإطلاقهم ورد أرزاقهم عليهم، فاشتهرت الحكاية وزالت عنه التهمة.\rوحكى عبد الله بن عبدون في كتابه المترجم بكمامة الزهر وصدفة الدرر:","part":6,"page":271},{"id":2772,"text":"أن أحد كبراء دولته ووزرائه كان قد بنى بناءً عالياً مشرفاً على جيرانه، فلم يعارضه أحد منهم لمكانه من الخليفة، وكان يجلس فيه فنظر يوماً إلى دار من دور جيرانه، فرأى جارية بارعة الجمال فأولع بها، وسأل عنها وإذا هي ابنة أحد التجار، فخطبها من أبيها فامتنع من زواجه - وكان من أهل اليسار، وقال: لا أزوج ابنتي إلا من تاجر مثلي، فإنه إن ظلمها قدرت على الانتصاف منه، وأنت إن ظلمتها لم أقدر لها على حيلة، فأرغبه بالأموال وهو يأتي، فلما أيس منه شكى ذلك إلى أحد خواصه، فقال: ألف مثقال تقوم لك بهذا الأمر، فقال: والله لو علمت أني أنفق عليها مائة ألف دينار وأنالها لفعلت، قال له: لا عليك تحضر لي ألف دينار، وأمر بألف دينار فأحضرت فأخذها الرجل، ومشى بها إلى عشرة من العدول، وذكر لهم الأمر وسهله عليهم، وقال: إنكم تحيون نفساً قد أشرفت على الهلاك، وقال: إنه قد بذل لها كذا وكذا من المهر وأعلى لهم، وأبوها إنما هو عاضل لها وإلا فما يمنعه، وقد خطبها مثل فلان في جلالة قدره، وقد أعطاها صداقاً لا يعطى إلا لبنت ملك، ثم هو يتأبى - هل هذا إلا عضل بين؟ ولكم ألف مثقال لكل منكم مائة، وتشهدون أنه زوجها منه على صداق مبلغه كذا وكذا، ورفع قدر الصداق إلى غاية، وقال: إن أباها إذا علم أنكم قد شهدتم عليه رجع إلى هذا، وليس فيه إلا الخير والعز، فأجابوه إلى ذلك وأخذوا الذهب، وشهدوا أن أباها زوجها منه على صداق كبير، فلما علم أبوها بذلك زاد نفاره، فمشى الوزير إلى القاضي وقال: إني تزوجت ابنة فلان على هذا الصداق وهؤلاء الشهود على أبيها، وقد أنكر ذلك، فأمر القاضي بإحضار أبيها فحضر، فشهد الشهود عليه، وأحضر الوزير مال النقد بين يدي القاضي - والرجل متماد على الإنكار، فحكم القاضي عليه وأمر بحمال المال إليه، وأن تؤخذ ابنته أحب أم كره، فأخذت منه ونقلت إلى الوزير، فأعمل أبوها الحيلة في الوصول إلى المعتضد، وكان المعتضد غليظ الحجاب لا يصل إليه غير الخاصة، فقيل للرجل: إنه يحضر ساعة في كل يوم لبنيان بني له بقصره، فإن استطعت أن تكون في جملة رجال الخدمة فإنك تصل إليه، فغير الرجل شكله ودخل في جملة رجال الخدمة للبناء، فلما جاء المعتضد ترامى الرجل إلى الأرض ونثر التراب على رأسه، فسأله المعتضد عن شأنه فقص عليه القصة، فأحضر الوزير وأغلظ له في القول، فحملته هيبة المعتضد على أن ذكر له الوقعة كما وقعت، ثم أحضر الشهود فقالوا كما قال، كل ذلك إجلالاً له أن يقعوا في الكذب بين يديه، وهم يظنون أنه لا يؤاخذهم لتمكن ذلك الوزير منه، فلما تبين له الأمر أمر أن يصلب كل شاهد منهم على باب داره، وأن يجعل ذلك الوزير في جلد ثور طري السلخ، ويضرب حتى يختلط عظمه ولحمه بدمه، فصنع به ذلك، ثم أمر أن يفرغ بين يدي نمور كانت عنده، فلعقته تلك النمور، وأمر بتسليم الجارية إلى أبيها، وأن تعطى ما أقر الوزير لها به من الصداق من عقار وغيره.\rوحكى أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي:","part":6,"page":272},{"id":2773,"text":"أن شيخاً من التجار كان له على أحد من القواد في أيام المعتضد بالله مال، قال التاجر: فمطلني وكان يحجبني إذا حضرت إلى بابه، ويضع غلمانه على الاستخفاف بي والاستطالة علي إذا رمت لقاءه وخطابه، وتظلمت إلى عبيد الله بن سليمان الوزير منه، فما نفعني ذاك، فعزمت على الظلامة إلى المعتضد بالله، فبينما أنا مترو في أمري قال لي بعض أصدقائي: علي أن آخذ لك مالك من غير حاجة إلى ظلامة - فاستبعدت هذا، فقمت معه فجئنا إلى خياط شيخ في سوق الثلاثاء، يقرأ القرآن في مسجد هناك ويخيط بأجرة، فقص عليه قصتي وشرح له الصورة، وسأله أن يقصد القائد ويخاطبه في الخروج إلي من حقي، وكانت دار القائد قريبة من مسجد الخياط، فنهض معنا فلما مشينا خفت بادرة القائد وسطوته، وتصورت أن قول الخياط لا ينفع مع مثله مع محله وبسطته، فتأخرت قلت لصديقي: قد عرضنا هذا الشيخ ونفوسنا لمكروه عظيم، وما هو إلا أن يراه غلمانه وقد أوقعوا به، وإن كان لم يقبل أمر الوزير فأولى ألا يقبل منه ولا يفكر فيه، فضحك وقال: لا عليك، وجئنا إلى باب القائد، فحين رأى غلمانه الخياط تلقوه وأعظموه، وأهووا ليقبلوا يده، فمنعهم منها، وقالوا: ما جاء بك أيها الشيخ فإن قائدنا راكب، فإن كان لك أمر تقدم بذكره لنا ونحن نخبره به، وإن أردت الجلوس وانتظاره فالدار بين يديك، فلما سمعت ذلك قويت نفسي ودخلنا وجلسنا، ووافى القائد فلما رآه أكرمه إكراماً شديداً، وقال له: لست أنزع ثيابي حتى تأمر بأمرك، فخاطبه في أمري، فقال: والله ما معي إلا خمسة آلاف درهم، فتسأله أن يأخذها ويأخذ رهوناً من مراكبي الذهب والفضة بقيمة ما بقي من ماله لأعطيه إياه بهد شهر، فبادرت أنا إلى الإجابة وأحضر الدراهم والمراكب بقيمة الباقي، وأشهدت الخياط وصديقي: أن الرهن عندي إلى مدة شهر، فإن جاز كنت وكيله في بيعه وأخذ مالي من ثمنه، وخرجنا فلما بلغنا مسجد الخياط ودخله طرحت الدراهم بين يديه، وقلت: قد رد الله مالي بك وعلى يديك فخذ ما تريده منه على طيب نفس مني، فقال: يا هذا - ما أسرع ما قابلتني بالقبيح على الجميل، انصرف بمالك بارك الله لك فيه، قلت: قد بقيت لي حاجة، قال: ما هي؟ قلت: أحب أن تخبرني عن سبب طاعة هذا القائد لك، مع إقلاله الفكر بأكابر الدولة، فقال: قد بلغت غرضك فلا تقطعني عن شغلي بحديث لا فائدة لك فيه، فألححت عليه فقال: أنا رجل أقرأ وأؤم وأقريء في هذا المسجد منذ أربعين سنة، لا أعرف كسباً إلا من الخياطة، وكنت صليت المغرب منذ مدة وخرجت أريد منزلي، فاجتزت على تركي كان في هذه الدار، وأومأ إلى دار بالقرب منه، وإذا امرأة جميلة الوجه قد اجتازت عليه، فعلق بها وهو سكران وطالبها بالدخول إلى داره، وهي تمتنع وتستغيث وتقول في جملة كلامها: إن زوجي قد حلف بالطلاق لا أبيت عنه، وإن أخذني هذا وغصبني وبيتني عن منزلي خرب بيتي ولحقني من العار ما لا تدحضه الأيام عني، وما أحد يغيثها ولا يمنع منها، فجئت إلى التركي ورفقت به في أن يخلي عنها فلم يفعل، وضرب رأسي بدبوس كان في يده فشجه، وأدخل المرأة، فصرت إلى منزلي وغسلت الدم عن وجهي وشددت رأسي، وخرجت لصلاة العشاء الآخرة، فلما فرغنا منها قلت لمن حضر: قوموا معي إلى هذا التركي عدو الله، لننكر عليه ونخرج المرأة من عنده، فقاموا فجئنا وصحنا على بابه، فخرج إلينا في عدة من غلمانه فأوقع بنا، وقصدني من بين الجماعة بالضرب الشديد الذي كاد يتلفني، وحملت إلى منزلي وأنا لا أعقل أمري، فنمت قليلاً للوجع ثم طار النوم عن عيني، وسهرت متقلباً على فراشي ومفكراً في أمر المرأة، فإنها متى أصبحت طلقت، ثم قلت: هذا رجل شرب طول ليلته ولا يعرف الأوقات، فلو أذنت لوقع له أن الفجر قد طلع، فربما أخرج المرأة فمضت إلى بيتها وبقيت في حبال زوجها، فتكون قد تخلصت من أحد المكروهين، فخرجت متحاملاً إلى المسجد وصعدت المنارة وأذنت، وجلست أطلع إلى الطريق فأرتقب خروج المرأة من الدار، فما مضت ساعة حتى امتلأ الشارع خيلاً ورجلاً ومشاعل، وهم يقولون من ذا الذي أذن؟ ففزعت وسكت ثم قلت أخاطبهم وأصدقهم عن أمري لعلهم يعينوني على خروج المرأة، فصحت من المنارة: أنا أذنت، فقالوا: أنزل وأجب أمير المؤمنين، فنزلت ومضيت معهم فإذا هم غلمان بدر، فأدخلني على المعتضد بالله فلما رأيته هبته وأخذتني رعدة شديدة","part":6,"page":273},{"id":2774,"text":"فقال لي: اسكن - ما حملك على الآذان في غير وقته؟ وأن تغر الناس فيخرج ذو الحاجة في غير حينه، ويمسك المريد للصوم وقت قد أبيح له الأكل والشرب، قلت: يؤمنني أمير المؤمنين لأصدقه، قال: أنت آمن، فقصصت عليه قصة التركي، وأريته الآثار الي في رأسي ووجهي، فقال: يا بدر - علي بالغلام والمرأة، فجيء بهما فسألهما المعتضد عن أمرها فذكرت له مثل ما ذكرت له، فأمر بإنفاذها إلى زوجها مع ثقة يدخلها دارها، ويشرح له خبرها، ويأمره بالتمسك بها والإحسان إليها ثم استدعاني فوقفت بين يديه وجعل يخاطب الغلام ويسمعني، ويقول له: كم رزقك؟ وكم عطاؤك؟ فيقول كذا وكذا قال: فما كان لك في هذه النعمة وفي هذه السعة وفي هؤلاء الجواري ما يكفيك ويكفك عن محارم الله؟ وخرق سياسة السلطان والجرأة عليه؟ وما كان عذرك في الوثوب بمن أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر؟ فأسقط في يد الغلام ولم يكن له جواب يورده، ثم قال: يحضر جوالق ومداق الجص وقيود وغل. فأحضر جميع ذلك فقيده وغله وأدخله الجوالق، وأمر فدقوه بمداق الجص وهو يصيح إلى أن خفت صوته وانقطع حسه، وأمر به فطرح إلى دجلة وتقدم إلى بدر بتحويل ما في داره، ثم قال لي: - وقد شاهدت ذلك كله - متى رأيت يا شيخ منكراً كبيراً أو صغيراً فأنكره ولو على هذا - وأشار إلى بدر، ومن تقاعس عن القبول منك فالعلامة بيننا أن تؤذن في مثل هذا الوقت لأسمع صوتك وأستدعيك، قال الشيخ: فدعوت له وانصرفت، وشاع الخبر بين الجند والغلمان، فما سألت أحداً منهم بعدها إنصافاً أو كفاً عن قبيح إلا أطاعني فما رأيت خوفاً من المعتضد، وما احتجت أن أؤذن في مثل ذلك الوقت إلى الآن. لي: اسكن - ما حملك على الآذان في غير وقته؟ وأن تغر الناس فيخرج ذو الحاجة في غير حينه، ويمسك المريد للصوم وقت قد أبيح له الأكل والشرب، قلت: يؤمنني أمير المؤمنين لأصدقه، قال: أنت آمن، فقصصت عليه قصة التركي، وأريته الآثار الي في رأسي ووجهي، فقال: يا بدر - علي بالغلام والمرأة، فجيء بهما فسألهما المعتضد عن أمرها فذكرت له مثل ما ذكرت له، فأمر بإنفاذها إلى زوجها مع ثقة يدخلها دارها، ويشرح له خبرها، ويأمره بالتمسك بها والإحسان إليها ثم استدعاني فوقفت بين يديه وجعل يخاطب الغلام ويسمعني، ويقول له: كم رزقك؟ وكم عطاؤك؟ فيقول كذا وكذا قال: فما كان لك في هذه النعمة وفي هذه السعة وفي هؤلاء الجواري ما يكفيك ويكفك عن محارم الله؟ وخرق سياسة السلطان والجرأة عليه؟ وما كان عذرك في الوثوب بمن أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر؟ فأسقط في يد الغلام ولم يكن له جواب يورده، ثم قال: يحضر جوالق ومداق الجص وقيود وغل. فأحضر جميع ذلك فقيده وغله وأدخله الجوالق، وأمر فدقوه بمداق الجص وهو يصيح إلى أن خفت صوته وانقطع حسه، وأمر به فطرح إلى دجلة وتقدم إلى بدر بتحويل ما في داره، ثم قال لي: - وقد شاهدت ذلك كله - متى رأيت يا شيخ منكراً كبيراً أو صغيراً فأنكره ولو على هذا - وأشار إلى بدر، ومن تقاعس عن القبول منك فالعلامة بيننا أن تؤذن في مثل هذا الوقت لأسمع صوتك وأستدعيك، قال الشيخ: فدعوت له وانصرفت، وشاع الخبر بين الجند والغلمان، فما سألت أحداً منهم بعدها إنصافاً أو كفاً عن قبيح إلا أطاعني فما رأيت خوفاً من المعتضد، وما احتجت أن أؤذن في مثل ذلك الوقت إلى الآن.\rوحكى أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي أيضاً بسند رفعه إلى أبي بكر بن حوري - وكان يصحب أبا عبد الله بن أبي عوف قال:","part":6,"page":274},{"id":2775,"text":"كنت ألزم ابن أبي عوف سنين بيننا جوار ومودة، وكان رسمي كل ليلة أن أجيء بعد العتمة، فحين يراني يمد رجله في حجري فأغمزها، وأحادثه ويسألني عن الحوادث ببغداد وكتب استقريها له، فإذا أراد أن ينام قبض رجله فقمت إلى بيتي، وقد مضى ثلث الليل أو نصفه أو أقل، فلما كان ذات يوم جاءني رجل كان يعاملني، فقال: قد دفعت إلى أمر إن تم علي افتقرت، قلت وما هو؟ قال: رجل كنت أعامله فاجتمع لي عليه ألف دينار، فطالبته فرهنني عقد جوهر قوم بألف دينار إلى أن يفتكه بعد شهور أو أبيعه، وأذن لي في ذلك، فلما كان أمس وجه يونس صاحب الشرطة من كبس دكاني، وفتح صندوقي وأخذ العقد، فقلت: أنا أخاطب ابن أبي عوف فيلزمه برده، قال: وأنا مدل بابن أبي عوف لمكاني منه ومكانته من المعتضد، فلما كانت تلك الليلة جئته وحادثته على رسمي، وذكرت له في جملة حديثي العقد، فلما سمع نحى رجله من حجري وقال: ما لي ولهذا!! أعادى خادماً صاحب شرطة الخليفة؟! فورد علي أمر عظيم وخرجت من بيته ألا أعود، فلما صليت العتمة من الليلة المقبلة جاءني خادم لابن أبي عوف، وقال: يقول لك لم تأخرت الليلة؟ إن كنت مشتكياً جئناك، فاستحييت وقلت أمضي الليلة، فلما رآني مد رجله وأقبلت أحدثه بحديث متكلف، فصبر علي ساعة ثم قبض رجله فقمت، فقال: يا أبا بكر انظر أي شيء تحت المصلى فخذه، فرفعت المصلى فإذا برقعة فأخذتها، وتقدمت إلى الشمعة فإذا فيها: يا يونس جسرت على قصد دكان رجل تاجر، وفتحت صندوقه وأخذت منه عقد جوهر - وأنا في الدنيا، والله لولا أنها أول غلطة غلطتها ما جرى في ذلك مناظرة، اركب بنفسك إلى دكان الرجل حتى ترد العقد في الصندوق بيدك ظاهراً، فقلت لأبي عبد الله: ما هذا؟ فقال: خط المعتضد - مثلت بين وجدك وبين يونس فاخترتك عليه، فأخذت خط أمير المؤمنين بما تراه، وامض وأرسله إليه، فقبلت رأسه وجئت إلى الرجل، فأخذت بيده ومضينا إلى يونس وسلمت التوقيع إليه، فلما رآه اسود وجهه وارتعد، حتى سقطت الرقعة من يده، ثم قال: يا هذا - الله بيني وبينك - هذا شيء ما علمت به، فألا تظلمتم فإن لم أنصفكم فإلى الوزير - بلغتم الأمر أمير المؤمنين من أول وهلة! قال فقلت: بعملك جرى والعقد معك فأحضره، فقال: خذ الألف دينار التي عليه، واكتبوا على الرجل ببطلان ما ادعاه، فقلت: خذ الألف دينار التي عليه، واكتبوا على الرجل ببطلان ما ادعاه، فقلت: لا نفعل، فقال: ألف وخمسمائة، فقلت: والله لا نرضى حتى تركب بنفسك إلى الدكان فترد العقد، فركب ورد العقد إلى مكانه.\rوحكى عبد الرحمن أبو الفرج بن الجوزي أيضاً بسند رفعه إلى أبي محمد عبد الله بن حمدون قال:","part":6,"page":275},{"id":2776,"text":"قال لي المعتضد ليلة - وقد قدم له العشاء - لقمني، وكان الذي قدم فراريج ودراريج، فلقمته من صدر فروج، قال: لا، لقمني من فخذه فلقمته لقماً، ثم قال: هات من الدراريج فلقمته من أفخاذها، فقال: ويلك - هوذا أتتنادر علي، هات من صدورها، فقلت: يا مولاي ركبت القياس، فضحك، فقلت: إلى كم أضحكك ولا تضحكني، فقال: شل المطرح وخذ ما تحته، قال: فشلته فإذا دينار واحد، فقلت آخذ هذا؟ قال نعم، فقلت: بالله هوذا تتنادر أنت الساعة علي، خليفة يجيز نديمه بدينار!! فقال: ويلك - لا أجد لك في بيت المال حقاً أكثر من هذا، ولا تسمح نفسي أن أعطيك من مالي شيئاً، ولكن هوذا احتال لك بحيلة تأخذ فيها خمسة آلاف دينار، فقبلت يده فقال: إذا كان غداً وجاء القاسم - يعني ابن عبيد الله - فهوذا أسارك حتى تقع عيني عليه سراراً طويلاً، ألتفت فيه إليه كالمغضب وانظر أنت إليه في خلال ذلك كالمخالس لي نظر المترثي، فإذا انقطع السرار فاخرج ولا تبرح من الدهاليز، فإذا خرج خاطبك بجميل وأخذك إلى دعوته وسألك عن حالك، فاشك الفقر والخلة وقلة حظك معي وثقل ظهرك بالدين والعيال، وخذ ما يعطيك واطلب كل ما تقع عليه عينك، فإنه لا يمنعك حتى تستوفي خمسة آلاف دينار، فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى فاصدقه وإياك أن تكذبه، وعرفه أن ذلك حيلة مني عليه حتى وصل إليك هذا وحدثه بالحديث كله على شرحه، وليكن إخبارك إياه بذلك بعد امتناع شديد، وإحلاف لك منه بالطلاق والعتاق أن تصدقه وبعد أن تخرج من داره كل ما يعطيك إياه ويصير في بيتك. قال: فلما كان من غد حضر القاسم فحين رآه بدأ يساررني، وفعل وفعلت كما تقرر، ثم خرجت فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني، فقال: يا أبا محمد - ما هذا الجفاء! لا تجيئني ولا تزورني ولا تسألني حاجة! فاعتذرت إليه باتصال الخدمة علي، فقال: لا يقنعني إلا أن تزورني اليوم ونتفرج، فقلت: أنا خادم الوزير - فأخذني إلى طيارة وجعل يسألني عن حالي وأخباري فأشكو إليه الخلة والإضافة والبنات وجفاء الخليفة وإمساكه يده، فيسترجع ويقول: يا هذا مالي لك ولم تضيق عليك ما يتسع علي؟ أو تتجاوز نعمة خلصت لي؟ أو يتخطاك حظ نازل في فنائي؟ ولو عرفتني لعاونتك على إزالة هذا كله فشكرته، وبلغنا داره فصعد ولم ينظر في شيء، وقال: هذا يوم أحتاج أن أختص فيه بالسرور بأبي محمد، ولا يقطعني أحد عنه، وأمر كتابه بالتشاغل بالأعمال، وخلاني في دار الخلوة وجعل يحادثني ويبسطني، وقدمت الفاكهة فجعل يلقمني بيده، وجاء الطعام وكانت هذه سبيله، ووقع لي بثلاثة آلاف دينار فأخذتها للوقت، وأحضر لي ثياباً وطيباً ومركوباً فأخذت ذلك، وكان بين يدي صينية فضة فيها مغسل فضة فأخذتها، وخرداذى بللور وكوز وقدح بللور فأمر بحمله إلى طيارى، وأقبلت كلما رأيت شيئاً حسناً له قيمة طلبته، فحمل إلي فرشاً وقال: هذا للبنات، فلما تقوض المجلس خلا بي وقال لي: يا أبا محمد - أنت عالم بحقوق أبي عليك ومودتي لك، فقلت: أنا خادم الوزير، فقال: أريد أن أسألك عن شيء وتحلف لي أنك تصدقني عنه، فقلت: السمع والطاعة - فأحلفني بالله وبالطلاق وبالعتاق على الصدق، ثم قال: بأي شيء سارك الخليفة اليوم في أمري؟ فصدقته عن كل ما جرى حرفاً بحرف، فقال: فرجت عني، ولكون هذا هكذا مع سلامة نيته لي أسهل علي فشكرته وودعته وانصرفت إلى منزلي، فلما كان من غد بكرت إلى المعتضد فقال: هات حديثك فسقته عليه، فقال: احفظ الدنانير ولا يقع لك أنى أعمل مثلها معك بسرعة.\rوحكى عبد الرحمن أبو الفرج بن الجوزي أيضاً بسند رفعه إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: دخلت على المعتضد بالله وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فنظرت إليهم فرآني المعتضد بالله، فلما أردت القيام أشار إلي فمكثت ساعة، فلما خلا بي قال: أيها القاضي - والله ما حللت سراويلي على حرام قط.\rوحكى أيضاً بسند رفعه إلى أبي محمد الحسن بن محمد الطلحي قال:","part":6,"page":276},{"id":2777,"text":"حدثني أحد خدم المعتضد المختص بخدمته، قال: كنا حوالي سرير المعتضد ذات يوم نصف النهار وقد نام بعد أن أكل، وكان رسمنا أن نكون حول سريره أوقات منامه من ليل أو نهار، فانتبه منزعجاً وقال: يا خدم - فأسرعنا الجواب، فقال: ويلكم أغيثوني والحقوا الشط، وأول ملاح ترونه منحدراً في سفينة فارغة فاقبضوا عليه، وجيئوني به ووكلوا بسفينته، فأسرعنا فوجدنا ملاحاً في سميرية منحدراً - وهي فارغة - فقبضنا عليه، ووكلنا بسميريته وأصعدناه إليه، فحين رآه الملاح تلف، فصاح عليه صيحة عظيمة كادت روحه تخرج معها، وقال: اصدقني يا ملعون عن قصتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا ضربت عنقك، قال: فتلعثم وقال: نعم، كنت اليوم من سحر في مشرعتي فنزلت امرأة وعليها ثياب فاخرة وحلى كثير وجوهر، فطمعت فيها فاحتلت عليها حتى سددت فاها وغرقتها، وأخذت جميع ما كان عليها، ولم أجسر على حمل سلبها إلى بيتي كيلا يفشو الخبر، فعملت على الهرب وانحدرت الساعة لأمضي إلى واسط، فعلقني هؤلاء الخدم وحملوني، فقال له: أين الحلى والسلب؟ قال: في السفينة تحت البواري، فقال المعتضد للخدم: جيئوني به، فمضوا وأحضروه، فقال: خذوا الملاح فغرقوه ففعلوا، ثم أمر أن ينادى ببغداد على امرأة خرجت إلى المشرعة الفلانية سحراً وعليها الثياب والحلي فليحضر من يعرفها، ويعطي صفة ما كان عليها ويأخذه فقد تلفت المرأة، فحضر في اليوم الثاني أو الثالث أهل المرأة، وأعطوا صفة ما كان عليها فسلم ذلك إليهم، قال: فقلنا يا مولانا أوحي إليك، فقال: رأيت في منامي كأن رجلاً شيخاً أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادي بالأخذ لأول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه، وقرره عن خبر امرأة قتلها اليوم وسلبها، وأقم عليه الحد - فكان ما شاهدتم.\rوكان المعتضد بالله رحمه الله شجاعاً مقداماً، فمما حكي عن شجاعته ما حكاه أبو الفرج بسند رفعه إلى خفيف السمرقندي قال: كنت مع مولاي المعتضد في بعض متصيداته، وقد انقطع عن العسكر وليس معه غيري، فخرج علينا أسد فقصدنا، فقال لي المعتضد: يا خفيف - أفيك خير؟ فقلت: لا يا مولاي، قال: ولا حتى تمسك فرسي وأنزل أنا إلى الأسد، فقلت: بلى، فنزل وأعطاني فرسه وشد أطراف ثيابه في منطقته، واستل السيف ورمى بالقراب إلي، فأقبل يمشي إلى الأسد، فحين قرب منه وثب الأسد عليه فتلقاه المعتضد فضربه، فإذا يده طارت فتشاغل الأسد بالضربة، فغشيه بأخرى ففلق هامته فخر صريعاً، فدنا منه - وقد تلف - فمسح السيف في صوفه، فرجع إلي فأغمد السيف وركب، ثم عدنا إلى العسكر، فإلى أن مات ما سمعته تحدث بحديث الأسد، ولا علمت أنه لفظ منه بلفظة، فلم أدر من أي شيء أعجب: من شجاعته وشدته أو من قلة احتفاله بما صنع حتى كتمه أو من عفوه عني، فما عاتبني على ضني بنفسي.\rوكان رحمه الله حسن الفراسة صادقاً، فمن ذلك ما حكاه خفيف السمرقندي قال:","part":6,"page":277},{"id":2778,"text":"كنت واقفاً بحضرة المعتضد إذ دخل بدر وهو يبكي، وقد ارتفع الصراخ من دار عبيد الله بن سليمان الوزير عند موته، فأعلم المعتضد بالله الخبر، فقال: أو قد صح الخبر؟ أو هي غشية؟ قال: بل توفي وشد لحينه، فرأيت المعتضد بالله وقد سجد فأطال السجود، فلما رفع رأسه قال له بدر: والله يا أمير المؤمنين لقد كان صحيح الموالاة مجتهداً في خدمتك عفيفاً عن الأموال، قال: يا بدر - أظننت أني سجدت سروراً بموته؟ إنما سجدت شكراً لله عز وجل إذ وقفني فلم أصرفه ولم أوحشه، ورفهت على ورثته ما خلفه لهم من كسبه معي ما يجاوز قيمته ألفي ألف دينار، وقد كنت عزمت على أخذ ذلك منهم، وأن استوزر أحد الرجلين: إما جرادة - وهو أقوى الرجلين في نفسي لهيبته في قلوب الجيش، والآخر أحمد بن محمد بن الفرات وهو أعرف بمواقع الأموال، فقال له بدر: يا مولاي - غرست غرساً حتى إذا أثمر قلعته، أنت ربيب القاسم وقد ألف خدمتك عشر سنين، وعرف ما يرضى حاشيتك، وجرادة رجل متكبر ويخرج من الجيش جائعاً، وابن الفرات لا هيبة له في النفوس، وإنما يصلح أن يكون بحضرة وزير ليحفظ المال، ومال القاسم وورثته لك أي وقت أردته أخذته، فراجعه المعتضد وبين له فساد هذا الرأي، فعدل عن المناظرة إلى تقبيل الأرض مرات، فقال له المعتضد: قد أجبتك فامض إلى القاسم فعزه بأبيه، وبشره بتقرير رأيي على استيزاره، وليسلو عن مصابه، ومره بالبكور إلى الجامع، قال خفيف: فولى بدر وخرجت معه فدعاني المعتضد فعدت، فقال: أرأيت ما جرى؟ قلت: نعم، قال: والله ليقتلن بدراً القاسم - وكان الأمر كذلك، قتله في خلافة المكتفي بالله على ما نذكره إن شاء الله، فقال خفيف: رحم الله المعتضد كأنه نظر إلى هذا من وراء ستر.\rوكان المعتضد رحمه الله جيد الشعر، فمن شعره ما قاله عند موت جارية كان يحبها وتحبه غاية المحبة، فلما ماتت جزع لموتها جزعاً منعه عن الطعام والشراب فقال:\rيا حبيباً لم يكن يع ... دله عندي حبيب\rأنت عن عيني بعيد ... ومن القلب قريب\rليس لي بعدك في شي ... ء من اللهو نصيب\rلك من قلبي على قل ... بي وإن بنت رقيب\rوخيالي منك مذ غب ... ت خيال لا يغيب\rلو تراني كيف لي بع ... دك عول ونحيب\rوفؤادي حشوه من ... حرق الحزن لهيب\rلتيقنت بأني ... بك محزون كئيب\rما أرى نفسي وإن طب ... بتها عنك تطيب\rلي دمع ليس يعصي ... ني وصبر ما يجيب\rوقال أيضاً:\rلم أبك للدار ولكن بما ... قد كان فيها مرة ساكنا\rفخانني الدهر بفقدانه ... وكنت من قبل له آمنا\rودعت صبري يوم توديعه ... وبان قلبي معه ظاعنا\rفقال له عبيد الله بن سليمان: يا أمير المؤمنين - مثلك تهون عليه المصائب، لأنه يجد من كل فقيد خلفاً، ويقدر على ما يريد، والعوض منك لا يوجد، فلا ابتلى الله الإسلام بفقدك، وعمره ببقائك. وقد قال الشاعر في المعنى الذي ذكرته.\rيبكي علينا ولا نبكي على أحد ... ونحن أغلظ أكبادا من الإبل\rفضحك المعتضد وعاد عادته.\rوقال عبد الله بن المعتز يعزي المعتضد عن هذه الجارية:\rيا إمام الهدى بنا لا بك اله ... م وأفنيتنا وعشت سليما\rأنت علمتنا على النعم الشك ... ر وعند المصائب التسليما\rفاسل عما مضى فإن التي كا ... نت سروراً صارت ثواباً عظيما\rقد رضينا بأن نموت وتحيا ... إن عندي في ذاك خطاً جسيما\rمن يمت طائعاً لديك فقد أع ... طى نوراً ومات موتاً كريما\rوأخبار المعتضد بالله كثيرة، قد أشرنا إلى ما فيه كفاية.\rوكان له من الأولاد علي - وهو المكتفي بالله، وجعفر - وهو المقتدر بالله، وهارون، ومحمد - وهو القاهر بالله، ومن البنات إحدى عشرة وقيل تسع عشرة.","part":6,"page":278},{"id":2779,"text":"وكان نقش خاتمه: الاضطرار يزيل الاختيار. ووزراؤه: عبيد الله بن سليمان بن وهب ثم ابنه القاسم بن عبيد الله. قضاته: إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد، ثم أبو العباس أحمد بن محمد البرتي، ثم أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز السكوني، ثم يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد، ثم علي بن أبي الشوارب، ثم أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب. حاجبه: صالح الأمير.\rالأمراء بمصر: خمارويه بن أحمد بن طولون، ثم ابنه جيش بن خمارويه، ثم هارون بن خمارويه. القضاة بها: أبو عبدة إلى أن خلع جيش ابن خمارويه فاستتر في داره، وولي بعده أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقي من قبل هارون بن خمارويه.\r9 - خلافة المكتفي بالله هو أبو محمد علي بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق بالله أبي أحمد بن المهدي - وهو الملقب بالناصر لدين الله - بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن هارون الرشيد أبي محمد بن علي ابن عبد الله ابن عباس، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وأمه خاضع أم ولد وتلقب جيجك، وقيل اسمها جنجورا، وهو الخليفة السابع عشر من الخلفاء العباسيين. بويع له يوم الاثنين لثمانٍ بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين - وكان إذ ذاك بالرقة - فبايع له الوزير القاسم بن عبيد الله بن سليمان ابن وهب، وكتب له يعلمه بوفاة أبيه وأخذ البيعة له.\rفلما وصله الخبر، أخذ البيعة على من عنده من الأجناد، ووضع لهم العطاء، وسار إلى بغداد، ووجه إلى النواحي بديار ربيعة ومضر ونواحي العرب ومن يضبطها. ودخل بغداد لثمان خلون من جمادى الأولى، فلما صار إلى منزله أمر بهدم المطامير التي كان أبوه اتخذها لأهل الجرائم.\rقتل غلام المعتضد بالله\rوكان سبب قتله أن القاسم الوزير - كان قد هم بنقل الخلافة إلى غير ولد المعتضد بعده، فقال لبدرٍ ذلك في حياة المعتضد بعد أن استحلفه أن يكتم عليه فقال بدر: ما كنت لأصرفها عن ولد مولاي وولي نعمتي! فلم يمكنه مخالفته لأنه صاحب الجيش،وحقها عليه فلما مات المعتضد كان بدر بفارس فعقد القاسم البيعة للمكتفي، وعمل على هلاك بدر خوفاً على نفسه أن يذكر للمكتفي ما كان منه.\rوكان المكتفي مباعداً لبدر في حياة المعتضد، فوجه إلى القواد الذين مع بدر يأمرهم بمفارقته والمصير إليه، ففارقه جماعة وأقبلوا إلى المكتفي فأحسن إليهم.\rوسار بدر إلى الموصل وواسط. فوكل المكتفي بداره، وقبض على أصحابه وقواده فحبسهم، وأمر بمحو اسمه من الأعلام والتراس. وسير الحسن بن علي إلى كورة واسط في جيش، وأرسل بدر يعرض عليه أي النواحي شاء، فأبى ذلك وقال: لا بد من المصير إلى باب مولاي! فوجد القاسم مساغاً للقول، وخوف المكتفي غائلته.\rوبلغ بدراً ما فعل بأصحابه فأرسل من يأتيه بولده هلال سراً، فعلم الوزير بذلك فاحتاط. عليه ودعا قاضي الجانب الشرقي وأمر بالمسير إلى بدر وأن يطيب قلبه عن المكتفي ويعطيه الأمان على نفسه وولده وماله، فقال القاضي أبو حازم: أحتاج إلى سماع ذلك من أمير المؤمنين! فصرفه ودعا أبا عمر القاضي، وأمره بمثل ذلك فأجابه، وسار بكتاب الأمان. فسار بدر عن واسط إلى بغداد فأرسل إليه الوزير من قتله، فلما أيقن بالقتل سأله المهلة إلى أن يصلي ركعتين، فأمهل حتى صلاهما. وضربت عنقه يوم الجمعة لست خلون من رمضان، وأخذ رأسه وتركت جثته هنالك، فوجه عياله من أخذها سراً وجعلوها في تابوت، فلما كان وقت الحج حملوها إلى مكة فدفنوها بها - وكان أوصي بذلك - وأعتق كل مملوك له. ورجع أبو عمر إلى داره كئيباً لما كان منه، وقال الناس فيه الشعر، فمن ذلك قول بعضهم:\rقل لقاضي المدينة المنصور ... كيف أحللت أخذ رأس الأمير\rعند إعطائه المواثيق والعه ... د وعقد الأيمان في منشور\rأين أيمانك التي شهد الل ... ه على أنها يمين فجور\rإن كفيك لا تفارق كفي ... ه إلى أن ترى مليك السرير\rيا قليل الحياء يا أكذب الأم ... مة.. يا شاهداً شهادة زور\rليس هذا فعل القضاة ولا يح ... سن أمثاله ولاة الجسور\rأي أمر ركبت في الجمعة الزه ... راء منه في خير هذي الشهور","part":6,"page":279},{"id":2780,"text":"قد مضى من قتلت في رمضان ... صائماً بعد سجدة التغفير\rيا بني يوسف بن يعقوب أضحى ... أهل بغداد منكم في غرور\rبدد الله شملكم وأراني ... ذلكم في حياة هذا الوزير\rفاعدوا الجواب للحكم العا ... دل من بعد منكر ونكير\rأنتم كلكم فداء أبي حا ... زم المستقيم كل الأمور\rوفيها لحق إسحاق الفرغاني ... وهو من أصحاب بدرٍ\rبالبادية وأظهر الخلاف على الخليفة المكتفي، فحاربه أو الأغر فهزمه إسحاق وقتل جماعة من أصحابه.\rوفيها خلع المكتفي على هلال بن بدرٍ وغيره من أصحاب أبيه في جمادى الأولى.\rوفيها فصل الصيف هبت ريح باردة بحمص وبغداد من جهة الشمال. فبرد الوقت واشتد البردُ حتى جمد الماء، واحتاج الناس إلى النار. وفيها هبت ريح عاصفة بالبصرة قلعت كثيراً من نخلها، وخسف بموضع هلك فيه. ستون ألف نفس. وزلزلت بغداد في شهر رجب عشر مرات فتضرع الناس في الجامع فسكنت. وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي.\rودخلت سنة تسعني ومائتين: في هذه السنة اشتد أمر القرامطة، فجاء أهل الشام ومصر إلى المكتفي يشكون ما يلقون من القرمطي من الأسر والسبي والتخريب، فأمر الجند بالتأهب، وخرج من بغداد في شهر رمضان، وقدم بين يديه أبا الأغر في عشرة آلاف، وسار إلى الشام. وجعل طريقه على الموصل.\rفنزل أبو الأغر بالقرب من حلب، فكبسهم القرمطي صاحب الشامة فقتل منهم خلقاً كثيراً. ودخل أبو الأغر حلب في ألف رجل وذلك في شهر رمضان، وسار القرمطي إلى باب حلب فحاربه أبو الأعز بمن بقي معه وأهل البلد، فرجع عنهم. وسار المكتفي حتى نزل الرقة، وسير الجيوش إليه وجعل أمرهم إلى محمد بن سليمان الكاتب، وكان للقرامطة حروب كثيرة ووقائع نذكرها - إن شاء الله تعالى - في أخبارهم.\rوفيها أراد المكتفي البناء بسامراء، وخرج إليها ومعه الصناع فقدروا ما تحتاج إليه فكان ما لا جزيلاً، فعظم الوزير ذلك عليه وصرفه عنها، ورجع إلى بغداد... وحج بالناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن عبيد الله العباسي.\rودخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين: في هذه السنة سار من طرسوس غلام زرافة نحو بلد الروم ففتح مدينة أنطاكية عنوة بالسيف، فقتل خمسة آلاف وأسر نحوهم، واستنقذ من الأساري خمسة آلاف، وأخذ لهم ستين مركباً حملها ما غنم من الأموال، وقدر نصيب كل رجل فكان ألف دينار.\rوفيها مات الوزير القاسم بن عبيد الله بن سليمان. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك.\rودخلت سنة اثنتين وتسعين ومائتين: في هذه السنة انقرضت الدولة الطولونية، واستولى المكتفي بالله على ما بأيديهم بمصر والشام.\rوأرسل محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر بمواطأة قواد هارون بن خماروية فتوجه، وقاتله هارون فقتل هارون، واستولى ابن سليمان على مصر، على ما نذكر ذلك مبيناً - إن شاء الله تعالى - في أخبار الدولة الطولونية.\rقال: وكتب ابن سليمان بالفتح إلى المكتفي بالله، فأمر بأشخاص آل طولون إلى بغداد ففعل ذلك، وولى معونة مصر عيسى النوشري. ثم ظهر بمصر رجل يعرف بالخليجي - وهو من قواد الدولة الطولونية - فخالف على الخليفة وكثر جمعه، وعجز النوشري عنه فتوجه إلى الإسكندرية، ودخل إبراهيم الخليجي مصر. فسير إليه المكتفي الجنود مع فاتك - مولى المكتفي - وبدر الحماص، فساروا في شوال فوصلوا حدود مصر في صفر سنة ثلاث وتسعين. وتقدم أحمد بن كيغلغ في جماعة من القواد، فلقيهم الخليجي فهزمهم بالقرب من العريش أقبح هزيمة. فندب من بغداد جماعة من القواد فيهم إبراهيم بن كيغلغ، فخرجوا في شهر ربيع الأول. وبرز المكتفي إلى باب الشماسية يريد المسير لحرب الخليجي لما، بلغه من قوته - وكان ذلك في شعبان - فورد كتابُ فاتك في شعبان أن القواد رجعوا إلى الخليجي وقاتلوه أشد قتال، وكانت بينهم حروب آخرها أنه انهزم ودخل فسطاط مصر واستتربها، ودخل عسكر الخليفة المدينة وظفروا به، وحبس هو ومن استتر عنده.\rفكتب المكتفي إلى فاتك بحمله ومن معه إلى بغداد، فوصلوا بغداد في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين، ودخل المكتفي بغداد وأمر برد خزائنه وكانت قد بلغت تكريت.","part":6,"page":280},{"id":2781,"text":"وفيها - أغنى سنة اثنتين وتسعين أخذ بالبصرة رجل ذكر أنه أراد الخروج، وأخذ معه ولده وتسعة وثلاثون رجل، وحملوا إلى بغداد وهم يستغيثون ويحلفون أنهم براء، فأمر المكتفي بحبسهم.\rوفيها أغار أندرونقس الرومي على مرعش ونواحيها، فنفر أهل المصيصة وطرسوس فأصيب أبو الرجال بن أبي بكار في جماعة من المسلمين. فعزل الخليفة أبا العشائر عن الثغور واستعمل عليهم رستم بن بدر، وافتدى رستم فكان جملة من فودى به المسلمون ألف نفس ومائتي نفس. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله.\rوفيها كان ابتداء إمارة بني حمدان بالموصل، وذلك أن المكتفي بالله ولي على الموصل وأعمالها أبا الهجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي العدوي، فقدمها في المحرم، وخرج في اليوم الثاني من مقدمه لقتال الأكراد على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الحمدانية.\rودخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين: في هذه السنة كان الظفر بإبراهيم الخليجي المغلب على ديار مصر، وقد ذكرنا ذلك في سنة اثنتين وتسعين ومائتين.\rوفيها أغارت الروم على قورس - من أعمال حلب - فقاتلهم أهلها قتالاً شديداً، ثم انهزموا وقتل كثير منهم... ودخل الروم قورس، وأحرقوا جامعها، وأخذوا من بقي من أهلها. وحج بالناس في هذه السنة محمد بن عبد الملك الهاشمي.\rودخلت سنة أربع وتسعين ومائتين: في هذه السنة قتل زكرويه رئيس القرامطة على ما نذكره إن شاء الله تعالى - في أخبارهم.\rوفيها غزا ابن كيغلغ من طرسوس، فأصاب من الروم أربعة آلاف رأس سبياً، ودواب ومتاعاً، ودخل بطريق من بطارقة الروم في الأمان فأسلم. وغزا كيغلغ أيضاً فبلغ شلندوا.\rوافتتح الليس فغنم نحواً من خمسين ألف رأس، وقتل مقتله عظيمة، وانصرف ومن معه سالمين. وكاتب اندرونقس البطريق المكتفي بالله في طلب الأمان فأعطاه ما طلب - وكان على حرب الثغور من قبل ملك الروم - فخرج ومعه نحو من مائتي ألف أسير من المسلمين في السلاح، فقبضوا على بطريق كان ملك الروم أرسله ليقبض على أندرونقس - ليحاربوه - فسار إليه جمع من المسلمين لإغاثته، فبلغوا قونية انصرف الروم عنه. وسار جماعة من المسلمين إلى أندرونقس وهو في حصنه، فخرج إليهم ومعه أهله، وسار معهم إلى بغداد. وخرب المسلمون قونية، فأرسل ملك الروم إلى الخليفة يطلب الفداء. وحج بالناس الفضل بن عبد الملك.\rودخلت سنة خمس وتسعين ومائتين: في هذه السنة كانت وفاة إسماعيل بن أحمد الساماني أمير خرسان وما وراء النهر وقام بعده ابنه أحمد على ما نذكره - إن شاء الله تعالى - في أخبارهم.\rوفاة المكتفي بالله\rكانت وفاة المكتفي ببغداد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين، وطالت مرضته عدة شهور، ولما مات دفن بدار محمد بن عبد الله بن طاهر. وكان عمره ثلاثاً وثلاثين سنة، واختلف فيه إلى إحدى وثلاثين سنة وشهورٍ، وكانت مدة خلافته ست سين وستة أشهر وعشرين يوماً. وكان أسمر أعين، قصيراً، حسن اللحية والوجه. وهو الذي بنى جامع القصر بمدينة السلام - وكان موضعه مطامير فغطاها - وبنى تاج دار الخلافة على دجلة. وأنفق الأموال العظيمة في حرب القرامطة، وكان نقش خاتمه بالله يثق علي بن أحمد.\rأولاده: المستكفي بالله، وثمانية ذكور.\rوزراؤه: القاسم بن عبيد الله، ثم أبو العباس بن الحسن بن أيوب بن سواد جرجرايا، وهو أول وزير منع أصحاب الدواوين الوصول إلى الخليفة.\rقضاته: أبو حازم، ثم يوسف بن يعقوب، ثم أبو عمر بن علي بن أبي الشوارب.\rحاجبه: خفيف السمر قندي.\rالأمراء بمصر: هارون بن خماروية، ثم سنان بن أحمد بن طولون بمبايعة الجند له، ثم محمد بن سليمان الكاتب دبرها إلى أن قدم - بأمر المكتفي - عليها عيسى بن محمد النوشري.\rالقضاة بها: أبو زرعة وأبو عبيدة مستتر إلى أن قدم محمد بن سليمان، فظهر أبو عبيدة بعد استتاره عشر سنين، وعاد إلى القضاء والله أعلم! خلافة المقتدر بالله هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد - وقد تقدم ذكر نسبه - وأمه أم ولد اسمها شغب! وهو الثامن عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين وعمره يومذاك ثلاث عشرة سنة.","part":6,"page":281},{"id":2782,"text":"قال ابن الأثير: كان سبب ولاية المقتدر أن المكتفي لما ثقل مرضه فكر الوزير أبو العباس بن الحسن فيمن يصلح للخلافة، فاستشار محمد بن داود الجراح في ذلك فأشار بعبد الله بن المعز ووصفه بالعقل والرأي والأدب، واستشار بعده أبا الحسن بن الفرات فامتنع، وقال: هذا شيء ما جرت عادتي أشير به، وإنما أشاور في العمال لا في الخلفاء! فغضب الوزير وقال: هذه مقاطعة وليس يخفى عليك الصحيح! وألح عليه فقال: إن كان رأي الوزير قد استقر على أحد فليفعل.\rفعلم أنه عنى ابن المعتز لاشتهار خبره، فقال الوزير: لا أقنع إلا أن تمحضني النصيحة! وألح عليه فقال ابن الفرات: فليتق الله الوزير ولا ينصب إلا من قد عرفه واطلع على جميع أحواله، ولا ينصبُ بخيلاً فيضيق على الناس ويقطع أرزاقهم، ولا طامعاً فيشره في أموالهم فيصادرهم ويأخذ أملاكهم وأموالهم، ولا قليل الدين فلا يخاف العقوبة والآثام ويرجو الثواب فيما يفعله، ولا من قد عرف دار هذا ونعمة هذا وبستان هذا وضيعة هذا وفرس هذا، ومن قد لقي الناس ولقوه وعاملهم وتحنك وحسب حساب الناس وعرف وجوه دخلهم وخرجهم! فقال الوزير: صدقت ونصحت، فيمن تشير؟ قال أصلح الموجودين جعفر بن المعتضد بالله. قال: ويحك هو صبي! قال: إلا أنه ابن المعتضد، ولم نأتي برجلٍ يباشر الأمور بنفسه غير محتاجٍ إلينا؟ فمالت نفسُ الوزير إلى ذلك، وانضاف إليه وصية المكتفي له بالأمر. فلما مات المكتفي بالله أرسل الوزير صافياً الحرمي ليحدر المقتدر من داره الغربي.\rفركب في الحراقة وانحدر. فلما صارت الحراقة مقابل دار الوزير صاح غلمان الوزير بالملاح ليدخل إلى دار الوزير، فظن صافي الحرمي أنه يريد القبض على جعفر وينصب في الخلافة غيره، فمنع الملاح من ذلك. وسار إلى دار الخلافة وأخذ له صافي البيعة على جميع الخدم وحاشية الدار، ولقب نفسه المقتدر بالله ولحق الوزير به وجماعة الكتاب فبايعوه ثم جهزوا - جماعة الكتاب - المكتفي ودفنوه.\rقال: وكان في بيت المال حين بويع خمسة عشر ألف ألف دينار، فأطلق يد الوزير في بيت المال فأخرج حق البيعة! قال: ثم استصغر الوزير المقتدر، فعزم على خلعه وتقليد الخلافة أبا عبد الله بن المعتمد على الله. فراسله في ذلك واستقرت الحال، وانتظر الوزير قدوم بارس حاجب إسماعيل صاحب خراسان، وكان قد أذن له في القدوم وأراد أن يستعين به على ذلك ويتقوى به على غلمان المعتضد بالله، فتأخر بارس.\rواتفق أنه وقع بني أبي عبد الله بن المعتمد وبين ابن عمروية - صاحب الشرطة - منازعة في ضيعة مشتركة بينهما، فأغلظ له ابن عمروية، فغضب ابن المعتمد غضباً شديداً وأغمي عليه، وفلج في المجلس فحمل إلى بيته في محفة فمات في اليوم الثاني.\rفأراد الوزير البيعة لأبي الحسن بن المتوكل فمات أيضاً بعد خمسة أيام، وتم أمر المقتدر. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الله الهاشمي.\rودخلت سنة ست وتسعين ومائتين:\rخلع المقتدر\rوولاية ابن المعتز وانتفاض ذلك وعودة المقتدر ووفاة عبد الله بن المعتز قال: وفي هذه السنة اجتمع القواد والقضاة والكتاب مع الوزير على خلع المقتدر والبيعة لابن المعتز فأجابهم إلى ذلك على أن لا يكون فيه سفك دم ولا حرب، فأخبروه أن كلمتهم اجتمعت عليه، وأنه ليس له منازع ولا محارب. وكان القائم في ذلك الوزير المذكور ومحمد ابن دواد الجراح وأبوا المثنى أحمد بن يعقوب القاضي، ومن القواد الحسين بن حمدان وبدر الأعجمي ووصيف بن صوار تكين ثم إن الوزير رأى أمره صالحاً مع المقتدر، وأنه على ما يجب، فبدا له في ذلك فوثب به الآخرون فقتلوه، وكان الذي تولى قتله منهم الحسين بن حمدان وبدر الأعجمي ووصيف لحقوه وهو سائر إلى بستانٍ له فقتلوه، وقتلوا معه فانكا المعتضدي، وذلك في العشرين من شهر ربيع الأول، وخلع المقتدر من الغد، وبايع الناس لابن المعتز.","part":6,"page":282},{"id":2783,"text":"وركض الحسين بن حمدان إلى الحلبة ظناً منه أن المقتدر يلعب هناك بالكرة فيقتله، فلم يصادفه لأنه لما بلغه قتل الوزير ركض دابته ودخل الدار. وغلقتِ الأبواب، فندم الحسينُ حيث لم يبدأ بالمقتدر! وأحضروا ابن المعتز وبايعوه بالخلافة، وتولى أخذ البيعة له محمد بن سعيد الأزرق، وحضر الناس والقواد وأصحاب الدواوين سوى أبي الحسن بن الفرات وخواص المقتدر فإنهم لم يحضروا. ولقب ابن المعتز المرتضي بالله أبا العباس عبد الله بن المعتز.\rووجه إلى المقتدر يأمره بالانتقال إلى دار ابن طاهر - التي كان بها قبل الخلافة - لينتقل هو إلى دار الخلافة، فأجابه بالسمع والطاعة، وسأل الإمهال إلى الليل. وعاد الحسين بن حمدان بكرة غدٍ إلى دار الخلافة فقاتله الخدم والعلمان والرجالة من وراء السور عامة النهار، فانصرف عنهم آخر النهار. فلما جنه الليل سار عن بغداد بأهله وماله إلى الموصل لا يدري لم فعل ذلك؟ ولم يكن قد بقي مع المقتدر من القواد غير مؤنس الخادم ومؤنس وغريبٍ الخال وحاشية الدار. فلما هم المقتدر بالانتقال من الدار قال بعضهم لبعض: لا نسلم الخلافة من غير أن نبلى عدواً ونجتهد في دفع ما أصابنا! فاجتمع رأيهم على أن يصعدوا في الماء إلى الدار التي فيها ابن المعتز يقاتلونه، فأخرج لهم المقتدر السلاح والزرديات وركبوا السميريات. فلما رآهم من عند ابن المعتز هالهم كثرتهم، واضطربوا، وهربوا على وجوههم من قبل أن يصلوا إليهم، وقال بعضهم لبعض: إن الحسين بن حمدان ما يريد يجري، فلهذا هرب من الليل،وهذه مواطأة بينه وبين المقتدر. ولما رأى عبد الله بن المعتز ذلك ركب ومعه وزيره محمد بن داود وهربا، وغلام له ينادي: يا معشر العامة ادعوا لخليفتكم السني البربهاري! وإنما نسبة لذلك لأن الحسين بن القاسم بن عبيد الله البربهاري كان مقدم الحنابلة والسنة من العامة ولهم فيها اعتقادٌ عظيم، فأراد استمالتهم بهذا القول.\rثم إن ابن المعتز ومن معه ساروا نحو الصحراء ظناً منهم أن من بايعه من الجند يتبعونه، فلم يلحقه منهم أحد، فرجعوا، واختفى محمد بن داود في داره، ونزل ابن المعتز عن دابته ومعه غلامه يمن، وانحدرا إلى دار عبد الله بن الجصاص، فاستجارا به. واستتر أكثر من بايع ابن المعتز، ووقعت الفتنة والنهب والقتل ببغداد، وثار العيارون السفلة ينهبون الدور.\rوكان ابن عمرويه - صاحب الشرطة - ممن بايع ابن المعتز، فلما هرب جمع ابن عمروية أصحابه ونادى بشعار المقتدر يدلس بذلك فناداه العامة: يا مراء يا كذاب! وقاتلوه، فهرب واستتر وتفرق أصحابه.\rوقلد المقتدر في تلك الساعة الشرطة مؤنساً الخازن، وخرج بالعسكر وقبض على... وصيف بن صوار تكين وغيره، فقتلهم.\rوقبض على القاضي أبي المثنى أحمد بن يعقوب فقتله لأنه قيل له بايع المقتدر فقال: لا أبايع صبياً! فذبح، وأرسل المقتدر إلى أبي الحسن علي بن الفرات - وكان مختفياً - فأحضره، واستوزره، وخلع عليه.\rوكان في هذه الحادثة عجائب منها أن الناس كلهم أجمعوا على جعل المقتدر والبيعة لابن المعتز، فلم يتم ذلك، بل كان بالعكس. ومنها أن ابن حمدان على شدة تشيعه يسعى في البيعة لابن المعتز على غلوه في النصب.\rثم إن خادماً لابن الجصاص - يعرف بسوسن - أخبر صافياً الحرمي أن ابن المعتز عند مولاه ومعه جماعة، فكبست داره وأخذ ابن المعتز منها وحبس إلى الليل، ثم عصرت خصيتاه حتى مات وسلم إلى أهله. وصودر ابن الجصاص على مالٍ كثيرٍ، وأخذ محمد بن داود وزير المعتز فقتل، ونفي على بن عيسى إلى واسط، وصودر القاضي أبو عمرو على مائة ألف دينار، وسيرت العساكر من بغداد في طلب الحسين بن حمدان، فتبعوه إلى الموصل ثم إلى بلده، فلم يظفروا بهن فعادوا إلى بغداد. وأخذ الوزير الجرائد التي كان فيها أسماء من أعان على المقتدر فغرقها في دجلة، وبسط ابن الفرات العدل والإحسان وأخرج الإدرارات للطالبيين والعباسيين. وأرضى القواد بالأموال، ففرق معظم ما كان في بيوت الأموال.\rوفي هذه السنة كان ابتداء ظهور العبيدية المنسوبة للعلوية بأفريقية على ما نذكره - إن شاء الله تعالى - في أخبارهم.","part":6,"page":283},{"id":2784,"text":"وفيها سير المقتدرُ القاسم بن سيما وجماعة من القواد في طلب الحسين بن حمدان، فساروا حتى بلغوا قرقيسيا فلم يظفروا به، فكتب المقتدر إلى أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان - وهو الأمير على الموصل - يأمره بطلب أخيه الحسين. فسار هو والقاسم بن سيما، فالتقوا عند تكريت فانهزم الحسين، و أرسل أخاه إبراهيم بن حمدان يطلب له الأمان فأجيب إلى ذلك، ودخل بغداد وخلع عليه وعقد له على قم وقاجان فسار إليهما.\rوفيها وصل بارس غلام إسماعيل الساماني، وقلد ديار ربيعة وفيها خلع على المظفر مؤنس الخادم، وأمر بالمسير إلى غزو الروم. فسار في جمع كثيف فغزا من ناحية ملطية ومعه أبو الأغر السلمي، فظفر وغنم، وأسر منهم جماعة، وعاد.\rوفيها قلد يوسف بن أبي الساج أعمال أرمينية وأذربيجان، وضمنها بمائة ألف وعشرين ألف دينار.\rوفيها أمر المقتدر أن لا يستعان بأحد من اليهود والنصارى، فألزموا بيوتهم، وأخذوا بلبس العسلي وتعليق الرقاع من خلف ومن قدام، وأن يكون ركبهم خشناً. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك.\rودخلت سنة سبع وتسعين ومائتين: في هذه السنة وجه المقتدر القاسم بن سيما لغزو الصائفة، وحج بالناس، الفضل بن عبد الملك.\rوفيها مات عيسى النوشري - أمير مصر - واستعمل المقتدرُ تكين الخادم، وخلع عليه في منتصف رمضان. وقال أبو الفرج بن الجوزي في حوادث هذه السنة قال ثابت بن سنان رأيت في صدر أيام المقتدر ببغداد امرأة بلا ذراعين ولا عضدين، وكان لها كفان بأصابع تامةٍ متعلقةٍ في رأس كتفيها لا تعمل بهما شيئاً وكانت تعمل أعمال اليدين برجليهما، ورأيناها تغزل برجليها وتمد الطاقة وتسويها - قال - ورأيت امرأة أخرى بعضدين وذراعين وكفين إلا أن كل واحد من الكفين ينخرط. ويدق إذا فارق النهدين حتى ينتهي إلى رأس دقيق يمتد ويصير إصبعاً واحدة، وكذلك رجلها على هذه الصورة، ومعها ابن لها على مثل صورتها! ودخلت سنة ثمانٍ وتسعين ومائتين: في هذه السنة جعلت أم موسى الهاشمية قهر مانة دار المقتدر بالله، فكانت تؤدي الرسائل عن المقتدر بالله وأمه إلى الوزراء. ثم صار لها أن تحكم كثيراً من الدولة على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وحج الناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمي ودخلت سنة تسع وتسعين ومائتين.\rالقبض على ابن الفرات\rووزارة الخاقاني في هذه السنة قبض المقتدر بالله على وزيره ابن الفرات، ووكل بداره، وهتك حرمه، ونهب أمواله ودور أصحابه ومن يتعلق به فافتتنت بغداد لقبضه، وكانت مدة وزارته - وهي الأولى ثلاث سنين وثمانية أشهر، وثلاثة عشر يوماً. وقلد أبو علي محمد بن يحيى بن عبيد الله بن خاقان الوزارة، فرتب أصحاب الدواوين، وتولى مناظرة ابن الفرات. ثم انجلت أمور الخاقاني لأنه كان ضجوراً ضيق الصدر، مهملاً لقراءة كتب العمال، وجباية الأموال، وكان يتقرب إلى الخاصة والعامة، فكان إذا رأى جماعة من الملاحين والعامة يصلون - جماعة - ينزل ويصلي معهم، وإذا سأله أحد حاجة دق صدره وقال: نعم وكرامةً! فسمي دق صدره إلا أنه قصر في إطلاق الأموال للقواد والفرسان فنفروا عنه. وكان أولاده قد تحكموا عليه وكل منهم يسعى لمن يرتشي منه، فكان يولي في الأيام القليلة عدة العمال حتى إنه ولي ماه الكوفة في مدة عشرة أيام سبعة من العمال، فاجتمعوا في الطريق فعرضوا توقيعاتهم، فسار الأخير وعاد الباقون يطلبون ما خدموا به أولاده، فقيل في ذلك:\rوزير قد تكامل في الرقاعة ... يولي ثم يعزل بعد ساعة\rإذا أهل الرشا اجتمعوا لديه ... فخير القوم أوفرهم بضاعة\rوليس يُلام في هذا بحالٍ ... لأن الشيخ أفلت من مجاعة\rقال: ثم زاد الأمر حتى تحكم أصحابه، فكانوا يطلقون الأموال ويفسدون الأحوال، فانحلت القواعد، وخبثت النيات واشتغل الخليفة بعزل وزرائه والقبض عليهم والرجوع إلى قول النساء والخدم والتصرف على مقتضى إرادتهم، فخرجت الممالك وطمع العمال في الأطراف، فصار مآل الأمر إلى ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rقال: ثم أحضر المقتدر الوزير ابن الفرات من محبسه وجعله في حجرةٍ - من ضمن الحجر - مكرماً، فكان يعرض عليه مطالعات العمال وغير ذلك باراً به بعد أن أخذ أمواله.","part":6,"page":284},{"id":2785,"text":"وفي هذه السنة غزا رستم أمير الثغور الصائفة من ناحية طرسوس ومعه دميانة، فحصر حصن مليح الأرمني، ثم دخل بلده وأحرقه.\rقال ابن الجوزي: وفي هذه السنة ورد من مصر أربعة أحمال مال، وقيل إنه وجد هناك كنز قديم.وكان معه ضلع إنسان طوله أربعة عشر شبراً في عرض شبرٍ، وزعموا أنه من قوم عاد... وكان مبلغ المال خمسمائة ألف دينار، وكان مع ذلك هدايا عجيبة - قال - وذكر الصولي أنه كان في الهدايا تيس له ضرع يحلب اللبن ووردت رسل أحمد بن إسماعيل بهدايا فيها بدنة مرصعة بفاخر الجوهر، وتاج من ذهب مرصع بجوهر له قيمة كبيرة، ومناطق ذهبٍ مرصعه، وخلع سلطانية فاخرة، وربعة ذهب مرصعة فيها شمامات مسك وعنبر كله مرصع، وعشر أفراس بسروجها ولإحداها سرج ذهب. ووردت هدايا ابن أبي الساج وهي أربعمائة دابة وثمانون ألف دينار وفرش أرمني لم ير مثله، فيه بساط طوله سبعون ذراعاً في عرض ستين، لا قيمة له! وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي.\rودخلت سنة ثلاثمائة من الهجرة النبوية\rعزل الخاقاني\rعن الوزارة وزارة علي بن عيسى في هذه السنة ظهر للمقتدر بالله تخليط الخاقاني وعجزه عن الوزارة، فأراد عزله وإعادة أبي الحسن بن الفرات، فمنعه مؤنس الخادم وقال له: متى أعدته ظن الناس أنك إنما قبضت عليه شرها في ماله! وأشار عليه باستدعاء علي بن عيسى من مكة وتقليده الوزارة وشكره مؤنس الخادم وأثنى عليه.\rفأمر المقتدر بإحضاره، فوصل إلى بغداد في أول سنة إحدى وثلاثمائة، فجلس في الوزارة وسلم إليه الخاقاني فأحسن إليه ووسع عليه. ولما تولى علي بن عيسى لازم العلم والنظر في الأمور ورد المظالم، وأطلق من المكوس شيئاً كثيراً، وأسقط زيادات كان الخاقاني قد زادها للجند، فأسقط الزيادات. وأمر بعمارة المساجد والجوامع وتبييضها وبسطها بالحصر وإشعال الأضواء فيها. وأمر بإصلاح البيمارستانات وعمل ما تحتاج إليه، وغير ذلك من وجوه البر والقربات.\rقال: ولما عزل الخاقاني أكثر الناس التزوير على خط الخاقاني بصلاتٍ وإدرارات، فنظر علي بن عيسى في ذلك فأنكر الخطوط وأراد إسقاطها، فخاف ذم الناس، فأنفذها للخاقاني فقال: كلها خطى وأنا أمرت بها فلما عاد الرسول إلى علي بن عيسى قال: والله لقد كذب، وقد علم المزور من غيره ولكنه اعترف بها لتحمده الناس ويذموني! وأمر بإحراقها، وقال الخاقاني لولده: يا بني، هذه ليست خطى ولكنه أنفذها إلي وقد عرف الصحيح من السقيم وأراد أن نأخذ الشوك بأيدينا ويبغضنا إلى الناس،وقد علمت مقصودة، وعكسته عليه! قال ابن الجوزي: وفيها لاثني عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر ورد الخبر بانخساف جبل بالدينور يعرف بالتل وخرج من تحته ماء كثير أغرق عدة من القرى، ووصل الخبر بانخساف قطعة عظيمة من جبل لبنان وسقوطها في البحر.\rوفي هذه السنة خرج أهل صقلية عن طاعة المهدي صاحب أفريقية، وخطب للمقتدر بالله بها. وكان الذي قام بهذه الدعوة أحمد بن قرهب، فسير إليه الخلع السود والألوية، ثم خرج أهل الجزيرة عليه وقبضوه وبعثوه للمهدي فقتله. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك.\rودخلت سنة إحدى وثلاثمائة: وفي هذه السنة خلع المقتدر بالله على ابنه أبي العباس وقلده أعمال مصر والمغرب وعمره أربع سنوات، واستخلف له على مصر مؤنس الخادم. وهذا أبو العباس الذي ولي الخلافة بعد القاهر ولقب الراضي بالله على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وخلع أيضاً على ابنه على وولاه الري ودنباوند وقزوين وزنجان وأبهر.\rوفيها خالف أبو الهيجاء بن حمدان بالموصل على المقتدر بالله، فسير إليه المظفر مؤنساً، فأتاه ابن حمدان مستأمناً، وورد مؤنس معه إلى بغداد فخلع المقتدر عليهما.\rوفيها استولى الحسن بن علي بن عمر بن الحسين بن علي على برسنان، وتلقب بالناصر على ما نذكره - إن شاء الله تعالى - في أخبار الطالبيين.\rوفيها جهز المهدي - صاحب أفريقية - العساكر مع ابنه القائد إلى الديار المصرية، فسار إلى برقة واستولى عليها، وسار إلى مصر فملك الإسكندرية والفيوم، وصار في يده أكثر البلاد فسير المقتدر لحربه مؤنساً الخادم في جيش كثيف، فحارب عساكر المهدي وأجلاهم عن الديار المصرية، فعادوا إلى المغرب منهزمين وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك أيضاً.","part":6,"page":285},{"id":2786,"text":"ودخلت سنة اثنتين وثلاثمائة: في هذه السنة أمر المقتدر بالقبض على أبي عبد الله الحسين بن عبد الله الجوهري المعروف بابن الجصاص وأخذ ما في بيته من صنوف الأموال، فأخذ منه ما قيمته أربعة آلاف ألف دينار، وكان هو يدعي أن ما أخذ منه عشرون ألف ألف دينار وأكثر من ذلك.\rوفيها أنفذ الملقب بالمهدي - صاحب أفريقية - جيشاً إلى الديار المصرية مع قائد من قواده يقال له حباسة في البحر، فغلب على الإسكندرية ثم سار منها إلى مصر. فأرسل المقتدر لحربه مؤنساً الخادم في عسكر فالتقوا في جمادى الأولى واقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل من الفريقين وجرح خلق كثير، ثم كانت بينهم وقعة ثانية، ثم وقعة ثالثة ورابعة انهزم فيها المغاربة وقتل منهم وأسر سبعة آلاف وذلك في سلخ جمادى الآخرة. وعاد من بقي إلى المهدي فقتل حباسة.\rوفيها غزا بشر الخادم والي طرسوس بلاد الروم، ففتح فيها وغزا وسبى وأسر مائة وخمسين بطريقاً، وكان السبي نحوا من ألفي رأس.\rوفيها قلد أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان الموصل والجزيرة.\rقال ابن الجوزي: وفيها جمادى الأولى ختن المقتدر خمسة أولاد له، ونشر عليهم خمسة آلاف دينار ومائة ألف درهم ورقاً - قال - ويقال إنه بلغت النفقة في هذا الختان ستمائة ألف دينار، وختن قبل ذلك جماعة من الأيتام وفرقت فيهم دراهم كثيرة. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمي.\rودخلت سنة ثلاث وثلاثمائة:\rخروج الحسين\rبن حمدان عن طاعة المقتدر في هذه السنة خرج الحسين بن حمدان بالجزيرة عن الطاعة، وسبب ذلك أن الوزير علي بن عيسى طالبه بمال عليه من ديار ربيعة - وهو يتولاها - فدافعه فأمر بتسليم البلاد إلى العمال، فامتنع. فجهز الوزير رائقاً الكبير في جيش لمحاربته، وكتب إلى مؤنس الخادم - وهو بمصر - يأمره بالمسير إلى الجزيرة لقتال ابن حمدان بعد فراغه من أصحاب المهدي. فسار رائق إلى الحسين بن حمدان فالتقيا واقتتلا قتالاً شديداً، فانهزم رائق، وضم الحسين سواده، وسار رائق إلى مؤنس فأمره بالمقام بالموصل، وجد مؤنس في السير في طلب الحسين. فلما قارب منه راسله الحسين واعتذر وتكررت الرسائل بينهما، فلم يستقر حال. فرحل مؤنس نحو الحسين. فلما قارب منه راسله الحسين واعتذر وتكررت الرسائل بينهما، فلم يستقر حال. فرحل مؤنس نحو الحسين، فسار إلى أرمينية بثقله وأولاده، وتفرق عسكر الحسين عنه، وصاروا إلى مؤنس.\rثم جهز مؤنس جيشاً في أثره مقدمهم يلبق فتبعوه إلى تل فاقان، فإذا هي خاوية على عروشها قد قتل أهلها، وأحرقها فجدوا في أتباعه، فأدركوه فقاتلوه، فانهزم من بقي معه من أصحابه، وأسر هو وابنه عبد الوهاب وجميع أهله وأكثر من صحبه وقبض أملاكهم. وعاد مؤنس إلى بغداد على طريق الموصل والحسين معه، فاركتب على جمل هو وانبه وعليهما اللبود الطوال وقمصان من شعر أحمر وحبس الحسين وابنه عند زيدان القهرمانة، وقبض المقتدر على أبي الهيجاء بن حمدان وعلي جميع إخوته وحبسوا. وكان بعض أولاد الحسين بن حمدان قد هرب فجمع جمعاً ومضى نحو آمد، فأوقع بهم مستحفظها وقتل ابن الحسين وأنفذ رأسه إلى بغداد.\rوفيها خرج مليح الأرمني إلى مرعش، فعاث في بلدها، وأسر جماعة ممن حولها. وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك.\rودخلت سنة أربع وثلاثمائة:\rوزارة ابن الفرات\rالثانية وعزل علي بن عيسى في هذه السنة في ذي الحجة عزل علي بن عيسى عن الوزارة وأعيد إليها أبو الحسن علي بن الفرات. وكان سبب ذلك أن أبا الحسن بن الفرات كان محبوساً، وكان المقتدر بالله يشاوره في الأمور وهو في محبسه، ويرجع إلى قوله. وكان علي بن عيسى يمشي أمر الوزارة ولم يتبع أصحاب ابن الفرات ولا أسبابه ولا غيره وكان جميل المحضر قليل الشر، فبلغه أن ابن الفرات قد تحدث له جماعة من أصحاب الخليفة في إعادته إلى الوزارة، فاستعفى من الوزارة، وسأل في ذلك فأنكر المقتدرُ عليه ومنعه في ذلك.","part":6,"page":286},{"id":2787,"text":"فلما كان في آخر ذي القعدة جاءت أم موسى القهرمانة لتتفق معه على ما يحتاج إليه حرم الدار والحاشية التي للدار من الكسوات والنفقات فوصلت إليه وهو نائم فقال له حاجبه: إنه نائم ولا أجسر أن أوقظه فاجلسي في الدار حتى يستيقظ؟ فغضبت من هذا وعادت، واستيقظ الوزير في الحال فأرسل إليها حاجبه وولده يعتذر فلم تقبل منه، ودخلت إلى المقتدر وخاطبته في عزله وحرضته على ذلك فعزله عن الوزارة وقبض عليه في ثامن ذي الحجة.\rوأعيد ابن الفرات إلى الوزارة وضمن على نفسه أن يحمل في كل يوم ألف دينار إلى بيت المال وخمسمائة دينار، فقبض على أصحاب الوزير علي بن عيسى وعاد فقبض على الخاقاني الوزير وأصحابه، واعترض العمال وغيرهم وعاد عليهم بأموال عظيمة.\rوكان أبو علي بن مقلة قد استخفى منذ قبض على ابن الفرات إلى الآن، فلما عاد ابن الفرات إلى الوزارة ظهر فأشخصه ابن الفرات الوزير وقربه وأحسن إليه.\rوحكى عبد الرحمن أبو الفرج بن الجوزي في تاريخه المنتظم أنه لما قلد الوزارة خلع عليه سبع خلع وحمل إليه من دار السلطان ثلاثمائة ألف درهم، وعشرون خادماً، وثلاثون دابة لرحلة، وخمسون دابة لغلمانه، وخمسون بغلاً لنقله، وبغلان للعمارية بقبابها وثلاثون جملاً، وعشر تخوت ثيابٍ وأنه ركب معه مؤنس الخادم، وغلمان المقتدر، وصار إلى داره بسوق العطش، وردت إليه ضياعه، وأقطع الجار التي بالمخرم فسكنها. وأنه سقى الناس في ذلك اليوم وتلك الليلة أربعين ألف رطل ثلج، وزاد ثمن الشمع والكاغد وكانت هذه عادته! قال: وكانت مدة اعتقاله إلى أن رجع إلى الوزارة خمس سنين وأربعة أيام. قال: وسمع بعض العوام يقول يوم خلع على ابن الفرات: والله خذلونا، أخذوا منا مصحفاً وأعطونا طنبوراً! فبلغ ذلك إلى الخليفة، فكان ذلك سبباً للإحسان إلى علي بن عيسى وحسن النية فيه إلى أن خرج من الحبس والله تعالى أعلم.\rيوسف بن أبي الساج\rكان يوسف بن أبي الساج على أذربيجان وأرمينة قد ولي الحرب والصلاة والأحكام وغيرها منذ أول وزارة ابن الفرات الأولى، فلما عزل ابن الفرات وتولي الخاقاني طمع فأخر حمل بعض المال، فاجتمع له من المال ما قويت به نفسه على الامتناع، وبقي كذلك إلى هذه السنة. فلما بلغه القبض على الوزير علي بن عيسى أظهر أن الخليفة أنفذ إليه عهد الري وأن الوزير علي بن عيسى سعى له في ذلك، وجمع العساكر وسار إلى الري وبها محمد بن صعلوك يتولى أمرها لصاحب خراسان نصر بن أحمد الساماني. وكان ابن صعلوك قد تغلب على الري وما يليها أيام وزارة علي بن عيسى، ثم أرسل إلى ديوان الخلافة يقاطع عليها بمال يحمله، فلما بلغه مسير يوسف نحوه سار إلى خراسان، فدخل يوسف الري واستولى عليها وعلى قزوين وزنجان وأبهر، فلما اتصل فعله بالمقتدر بالله أنكره.\rوكتب يوسف إلى الوزير ابن الفرات يعرفه أن علي بن عيسى أنفذ إليه بالعهد واللواء وأنه افتتح هذه الأماكن وطرد عنها المتغلبين عليها وأعتد بذلك، وذكر كثرة ما أخرج عليه من الأموال، فعظم ذلك على المقتدر وأمر ابن الفرات أن يسأل علي بن عيسى عن الذي ذكره يوسف فأحضره وسأله فأنكر ذلك فصدقه. وكتب ابن الفرات إلى ابن أبي الساج ينكر عليه تعرضه إلى هذه البلاد وكذبه على الوزير وجهز العساكر لمحاربته. فسارت في سنة خمسٍ وثلاثمائة وعليها خاقان المفلحي ومعه جماعة من القواد، فساروا ولقوا يوسف واقتتلوا، فهزمهم يوسف وأسر منهم جماعة وأدخلهم الري مشهرين على الجمال.","part":6,"page":287},{"id":2788,"text":"فسير الخليفة مؤنساً الخادم في جيش كثيف لمحاربته، فسار وانضم إليه من كان مع خاقان، فصرف خاقان عن أعمال الجبل ووليها نحرير الصغير وسار مؤنس وأتاه أحمد بن علي - وهو أخو محمد بن صعلوك - مستأمناً فأكرمه، ووصلت كتب ابن أبي الساج يسأل الرضى عنه وأن يقاطع على أعمال الري وما يليها على سبعمائة ألف دينار لبيت المال سوى ما تحتاج إليه الجند وغيرهم، فلم يجبه المقتدر إلى ذلك وقال: لو بذل ملك الأرض لما أقررته على الري يوماً واحداً لإقدامه على التزوير! فلما عرف ابن أبي الساج ذلك سار عن الري بعد أن أخربها وجبى خراجها في عشرة أيام. وقلد المقتدر الري وقزوين وأبهر وصيفاً البكتمري..، وطلب يوسف بن أبي الساج أن يقاطع على ما كان بيده من الولاية فأشار ابن الفرات بإجابته إلى ذلك، فعارضه نصر الحاجب وابن الحواري وقالا: لا يجاب إلى ذلك إلا بعد أن يطأ البساط! ونسب الوزير ابن الفرات إلى مواطأته والميل معه. فامتنع المقتدر بالله من إجابته إلا أن يحضر إلى الخدمة بنفسه.\rفلما رأى يوسف ذلك حارب مؤنساً فانهزم مؤنس إلى زنجان، وقتل من قواده جماعة وأسر جماعة منهم هلال بن بدر، فأدخلهم أردبيل مشهرين على الجمال.\rوأقام مؤنس بزنجان بجمع من العساكر ويستمد الخليفة، وكاتبه يوسف في الصلح وراسله فيه فكتب مؤنس إلى الخليفة فلم يجبه إليه. فلما كان في المحرم سنة تسع وثلاثمائة اجتمع لمؤنس خلق كثير فسار نحو يوسف، فتواقعا على باب أردبيل، فانهزم عسكر يوسف، وأسر هو وجماعة من أصحابه فعاد بهم مؤنس إلى بغداد فدخلها في المحرم.\rوأدخل يوسف مشهراً على جمل وعليه برنس بأذناب الثعالب فأدخل على المقتدر، ثم حبس عند زيدان القهرمانة.\rوفي سنة أربع وثلاثمائة توفي الناصر العلوي صاحب طبرستان. وفيها خالف أبو يزيد خالد بن محمد على المقتدر بكرمان - وكان يتولى الخراج - وسار منها إلى شيراز يريد التغلب على فارس، فحاربه بدر الحمامي وقتله وحمل رأسه إلى بغداد.\rوفيها سار مؤنس المظفر إلى بلاد الروم للغزاة، فسار إلى ملطية وغزا منها، وكتب إلى أبي القاسم علي بن أحمد بن بسطام.\rأن يغزو من طرسوس في أهلها، ففعل وفتح مؤنس حصوناً كثيرة من الروم وأثر آثاراً جميلة وعاد إلى بغداد فأكرمه الخليفة وخلع عليه.\rقال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي وفيها ورد الخبر من خراسان أنه وجد بالقند هار في أبراج سورها أزج متصل بها، فيه ألف رأس في سلاسل، من هذه الرؤوس تسعة وعشرون رأساً في أذن كل رأس رقعة مشدودة بخيط إبربسم مكتوب فيها اسم الرجل. قال وكان من الأسماء شريح بن حيان وخباب بن الزبير والخليل بن موسى وطلق ابن معاد، وحاتم بن حسنة، وهانئ بن عروة، وفي الرقاع تاريخ من سنة سبعين من الهجرة، ووجدوا على حالهم لم يتغير شعرهم إلا أن جلودهم قد جفت.\rودخلت سنة خمس وثلاثمائة: قال أبو الفرج: في هذه السنة ورد على السلطان هدايا جليلة من أحمد بن هلال صاحب عمان، وفيها أنواع من الطيب وطرائف من طرائف البحر وطائر أسود يتكلم بالفارسية والهندية أفصح من الببغاء وظباء سود.\rقال: ابن الأثير: وفي هذه السنة من المحرم وصل رسولان من ملك الروم إلى المقتدر يطلبان المهادنة والفداء فأجاب المقتدر إلى ما طلب ملك الروم من الفداء، وسير مؤنساً الخادم ليحضر الفداء، وجعله أميراً على كل بلد يدخله، يتصرف فيه على ما يريد إلى أن يخرج عنه، وأرسل معه مائة ألف وعشرين ألف دينار لفداء أساري المسلمين.\rقال أبو الفرج بن الجوزي في خبر الرسل إنهما أدخلا وقد عبئ العسكر بالأسلحة التامة وكانوا مائة ألف وستين ألفاً، وكانوا من أعلى باب الشماسية إلى الدار، وبعدهم الغلمان الحجرية والخدم الخوص بالبزة الظاهرة والمناطق المحلاة، وكانوا سبعة آلاف خادم منهم أربعة آلاف بيض وثلاثة آلاف سود، وكان الحجابُ سبعمائة حاجب، وفي دجلة الطيارات والزبارب والسميريات بأفضل زينة. فسار الرسولان فمرا على دار نصر القشوري الحاجب، فرأيا منظراً عجيباً فظناه الخليفة وهاباه حتى قيل إنه الحاجب، ثم حملا إلى دار الوزير فرأيا أكثر من ذلك ولم يشكا أنه الخليفة فقيل إنه الوزير.","part":6,"page":288},{"id":2789,"text":"قال: وزينت دار الخلافة، وطيف بهما فيها فشاهدا ما هالهما، وكانت الستور ثمانية وثلاثين ألف ستر من الديباج، المذهبة منها اثنا عشر ألفاً وخمسمائة، وكانت البسط والنخاخ اثنين وعشرين ألفاً وكان في الدار من الوحش قطعان تأنس بالناس وتأكل من أيديهم، وكان هناك مائة سبع كل سبع بيد سباع.\rثم أخرجا إلى دار الشجرة، وكانت شجرة في وسط بركة فيها ماء صافٍ، والشجرة ثمانية عشر غصناً لكل غصن منها شاخات كثيرة عليها الطيور والعصافير من كل نوع مذهبة مفضضة.\rوأكثر قضبان الشجرة فضه وبعضها مذهبة وهي تتمايل، وبها ورق مختلف الألوان، وكل من هذه الطيور تصفر. ثم أدخلا إلى الفردوس، وكان فيها الفراش والآلات مالا يحصى، وفي دهاليزه عشرة آلاف جوشن مذهبة معلقة.\rقال: ويطول شرح ما شاهدا من العجائب إلى أن وصلا إلى المقتدر وهو جالس على سرير أبنوس قد فرش بالديبقى المطرز وعن يمنة السرير تسعة عقود معلقة وعن يسرته تسعة أخرى من أفخر الجواهر يضيء ضوئها على ضوء النهار.\rقال: فلما وصل الرسولان إلى الخليفة، وقفا على نحو مائة ذراع وابن الفرات قائم بين يديه والترجمان قائم يخاطب الخليفة. ثم أخرجا وطيف بهما في الدار حتى أخرجا إلى دجلة وقد أقيمت على الشطوط. الفيلة والسباع والفهود! قال: ثم خلع عليهما وحمل إليهما خمسون بدرة ورقاً في كل بدرة خمسة آلاف درهم.\rقال: وفيها ورد كتاب من مرو أن نفراً عثروا على نقب في سور المدينة فكشفوا عنه فوصلوا إلى أزج فأصابوا فيه ألف رأس، وفي أذن كل رأس رقعة قد أثبت فيها اسم صاحبها.\rوفيها أطلق أبو الهيجاء بن حمدان وإخوته وأهل بيته من الحبس، وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك.\rودخلت سنة ست وثلاثمائة:\rعزل ابن الفرات\rعن الوزارة وزارة حامد بن العباس في هذه السنة في جمادى الآخرة قبض على الوزير أبي الحسن ابن الفرات، وكانت مدة وزارته هذه - وهي الثانية - سنة وخمسة أشهر وسبعة عشر يوماً وكان سبب ذلك أنه أخر إطلاق أرزاق الفرسان، واحتج عليهم بضيق الأموال وأنها خرجت في محاربة ابن أبي الساج وأن الارتفاع نقص بأخذ يوسف أموال الري، فشغب الجند شعباً عظيماً وخرجوا إلى المصلى فالتمس الوزير من المقتدر إطلاق مائتي ألف دينار من بيت مال الخاصة ليضيف إليها مائتي ألف دينار يحصلها ويصرف الجميع في أرزاق الجند، فاشتد ذلك على المقتدر وأرسل إليه: إنك ضمنت أن ترضى جميع الأجناد وتقوم بجميع النفقات وتحمل بعد ذلك ما ضمنت حمله يوم بيوم وأراك الآن تطلب من بيت مال الخاصة! فاحتج بقلة الارتفاع وما أخذه! ابن أبي الساج منه وما خرج على محاربته، فلم يسمع المقتدر حجته وتنكر له. وقيل كان سبب قبضه أن المقتدر قيل له إن ابن الفرات يريد إرسال الحسين بن حمدان لمحاربة ابن أبي الساج فإذا صار عنده اتفقا عليك. ثم إن ابن الفرات قال للمقتدر أن يرسل ابن حمدان لحربه فقتل ابن حمدان في جمادى الأولى، وقبض ابن الفرات في جمادى الآخرة.\rقال: وكان بعض العمال قد ذكر لابن الفرات ما يتحصل لحامد بن العباس من أعمال واسط. زيادة على ضمانه فاستكثره، وكاتبه في ذلك، فخاف حامد أن يؤخذ ويطالب بالمال، فكتب إلى نصر الحاجب وإلى والده المقتدر وضمن لهما مالاً ليتحدثا له في الوزارة. فذكر المقتدر حاله وسعة نفسه وكثرة أتباعه وأن له أربعمائة مملوك يحملون السلاح، ووافق ذلك نفرة المقتدر عن ابن الفرات فأمره بالحضور من واسط، فحضر وقبض على ابن الفرات وولده المحسن وأصحابهما وأبنائهما.\rولما وصل حامد إلى بغداد أقام ثلاثة أيام في دار الخلافة، فكان يتحدث مع الناس وضاحكهم يقوم لهم، مبان للخدم وحاشية الدار قلة معرفته بالوزارة، وقال له حاجبه يا مولانا... الوزير يحتاجُ إلى لبسة وجلسة وعبسة! فقال له: تعني أنه يلبس ويقوم ويعقد ولا يقوم لأحد ولا يضحك في وجه أحد؟ قال نعم! قال حامد: إن الله تعالى أعطاني وجهاً طلقاً وخلقاً حسناً وما كنت بالذي أعبس وجهي وأقبح خلقي لأجل الوزارة فأمر المقتدر بإطلاق علي بن عيسى من محبسه، وجعله يتولى الدواوين شبه النائب عن حامد فكان يراجعه في الأمور ويصدر عن رأيه.\rثم إنه استبد بالأمور دون حامد، ولم يبق لحامد غير اسم الوزارة ومعناها لعلي حتى قيل فيهما:","part":6,"page":289},{"id":2790,"text":"أعجب من كل ما تراه ... أن وزيرين في بلاد\rهذا سواد بلا وزير ... وذا وزير بلا سواد\rقال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي: وفي هذه السنة أمرت السيدة أم المقتدر. قهرمانة لها تعرف بثمل أن تجلس بالتربة التي بنتها بالرصافة للمظالم وتنظر في رقاع الناس في كل جمعة، فجلست وأحضرت القاضي أبا الحسين الإشناني وخرجت التوقيعات على السداد - قال - وقال أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ: قعدت ثمل القهرمانة في أيام المقتدر بالله للمظالم، وحضر مجلسها القضاة والفقهاء.\rوفيها غزا يسر الأفشيني بلاد الروم فافتتح عدة حصون وغنم وسلم، وغزا ثمال في بحر الروم فغنم وسبى وعاد. وفيها أمر المقتدر ببناء بمارستان فبنى وأجرى عليه النفقات الكثيرة، وكان يسمى المقتدري، وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي.\rودخلت سنة سبع وثلاثمائة: في هذه السنة وصل القائم بن المهدي من أفريقية من قبل أبيه بجيش كثيف فكان وصوله إلى الإسكندرية في شهر ربيع الآخر، فخرج عنها عامل المقتدر ودخل القائم، وثم رحل إلى مصر فدخل الجيزة وملك الأشمونين وأكثر الصعيد. وكتب إلى أهل مكة يدعوهم إلى الدخول في طاعته فلم يجيبوه، فبعث المقتدر بالله مؤنساً الخادم في شعبان وجد في السير فوصل إلى مصر وكان بينه وبين القائم عدة وقعات.\rووصل من أفريقية ثمانون مركباً نجدة للقائم، فأمر المقتدر بالله أن تسير مراكب طرسوس إليهم، فسارت خمسة وعشرون مركباً وفيها النفط والعدد ومقدمها أبو اليمن، فالتفت المراكب بالمراكب واقتتلوا على الرشيد فظفر أصحاب مراكب المقتدر بالله وأحرقوا كثيراً من مراكب أفريقية وأسر منهم كثير. وكان ممن أسر سليمان الخادم ويعقوب الكتامي وهما مقدما المراكب فمات سليمان في الحبس بمصر، وحمل يعقوب إلى بغداد ثم هرب منها وعاد إلى أفريقية.\rوفيها ضمن حامد بن العباس الوزير أعمال الخراج والضياع الخاصة والعامة المستحدثة والفراتية بسواد بغداد والكوفة والبصرة وواسط والأهواز وأصبهان. وسبب ذلك أنه رأى أنه قد تعطل عن الأمر والنهي وتفرد به على بن عيسى، فشرع في هذا ليصير له حديث وأمر ونهي، ثم استأذن المقتدر في الانحدار إلى واسط ليدبر أمر ضمانه الأول فأذن له فانحدر إليها، واسم الوزارة عليه، وعلي يدبر الأمور! وأظهر حامد زيادة عظيمة ظاهرة في الأموال، فسر المقتدر بذلك وبسط يد حامد في الأعمال حتى خافه علي بن عيسى.\rثم تحرك السعر ببغداد فثارت العامة والخاصة، لذلك، واستغاثوا وكسروا المنابر، وكان حامد يخزن الغلال، وكذلك غيره من القواد، فأمر المقتدر بإحضار حامد فحضر من الأهواز، فعاد الناس إلى شغبهم. فأنفذ حامد جماعة لمنعهم، فقاتلهم العامة، وأحرقوا الجسرين وأخرجوا المحبسين من السجن ونهبوا دار صاحب الشرطة، فأنفذ المقتدر جيشاً مع غريب الخال فقاتل العامة، فانهزموا بين يديه ودخلوا الجامع بباب الطاق، فأخذوا وحبسوا، ثم ضرب بعضهم وقطعت أيدي من عرف بالفساد.\rثم أمر المقتدر من الغد فنودي في الناس بالأمان فسكنت الفتنة، ثم ركب حامد إلى دار المقتدر في الطيار فرجمه العامة، فأمر الخليفة بفتح مخازن الحنطة والشعير التي لحامد ولأم المقتدر وغيرهما، وبيع ما فيها فرخصت الأسعار وسكنت الناس، فقال علي بن عيسى للمقتدر: إن سبب غلاء الأسعار ضمان حامد، فإنه منع بيع الغلال في البيادر وخزنها! فأمر المقتدر بفسخ الضمان عن حامد وصرف عماله عن السواد، وأمر علي بن عيسى أن يتولى ذلك، فسكن الناس واطمأنوا.\rوفيها قلد ابراهيم بن حمدان ديار ربيعة، وحج بالناس في هذه السنة أحمد بن العباس أخو أم موسى القهرمانة.\rودخلت سنة ثمان وثلاثمائة: في هذه السنة خلع المقتدر بالله على أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، وقلده طريق خراسان والدينور، وخلع على إخوته أبي العلاء وأبي السرايا.\rوفيها توفي ابراهيم بن حمدان في المحرم، وحج بالناس في هذه السنة أحمد بن العباس.\rودخلت سنة تسع وثلاثمائة:\rمقتل الحلاج\rوشيء من أخباره","part":6,"page":290},{"id":2791,"text":"وفي هذه السنة قتل الحسين بن منصور الحلاج الصوفي، وأحرق بالنار وكان ابتداء حاله أنه كان يظهر الزهد والتصوف، ويظهر الكرامات ويخرج للناس فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. ويمد يده في الهواء فيعيدها مملوءة دراهم وعليها مكتوب \" قل هو الله أحد \" ويسميها دراهم القدرة. ويخبر الناس بما أكلوه وما صنعوه في بيوتهم، ويتكلم بما في ضمائرهم. فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول، واختلفت فيه اعتقاداتهم، فمن قائل إنه حل فيه جزء إلهي ويدعى فيه الربوبية، ومن قائل إنه ولي الله تعالى وإن الذي يظهر منه من جملة كرامات الصلحاء، ومن قائل إنه مشعبذ وممخرق وساحر كذاب ومتكهن وإن الجن تطيعه فتأتيه بالفاكهة في غير أوانها.\rوكان قدم من خراسان إلى العراق وسار إلى مكة وأقام بها سنة في الحجر لا يستظل تحت سقف صيفاً ولا شتاء، وكان يصوم الدهر فإذا جاء وقت العشاء أحضر له القوم كوز من ماء وقرصاً فيشرب ويعض من القرص ثلاث عضات من جوانبها فيأكلها ويترك الباقي فيأخذونه، ولا يأكل شيئاً آخر إلى وقت الفطر من الليلة الثانية. وكان شيخ الصوفية يومئذ بمكة عبد الله المغربي فأخذ أصحابه وجاء لزيارة الحلاج فلم يجده في الحجر، وقيل قد صعد إلى جبل أبي قبيس، فصعد إليه فوجده على صخرة حافياً مكشوف الرأس، والعرق يجري منه إلى الأرض، فأخذ أصحابه وعاد ولم يكلمه وقال: هذا يتصبر على قضاء الله وسوف يبتليه الله بما يعجز عنه صبره وقدرته! وعاد الحسين إلى بغداد.\rوأما سبب قتله فإنه نقل عنه عند عوده إلى بغداد إلى الوزير حامد بن العباس أنه أحيا جماعة وأنه يحي الموتى وأن الجن يخدمونه فيحضرون عنده بما يشتهي، وإنه قدموه على جماعة من حاشية الخليفة، وإن نصراً الحاجب قد مال إليه هو وغيره. فالتمس حامد من المقتدر أن يسلم إليه الحلاج وأصحابه فدفع عنه نصر الحاجب وألح الوزير في طلبه، فأمر المقتدر بتسليمه إليه، فأخذ وأخذ معه إنسان يعرف بالشميري وغيره - قيل أنهم كانوا يعتقدون أنه إله - فقررهم حامد فاعترفوا أنهم قد صح عندهم أنه إله وأنه يحي الموتى، وقابلوا الحلاج على ذلك، فأنكره وقال: أعوذ بالله أن أدعي الربوبية والنبوة وإنما أنا رجل أعبد الله عز وجل! فأحضر الوزير القاضي أبا عمر والقاضي أبا جعفر بن البهلول وجماعة من وجوه الفقهاء والشهود واستفتاهم فقالوا: لا نفتي في أمره بشيء إلا أن يصح عندنا ما يوجب قتله، ولا يجوز قبول قول من يدعي عليه ما ادعاه إلا ببينة أو إقرار! وكان حامد يخرج الحلاج إلى مجلسه ويستنطقه فلا يظهر منه ما تكرهه الشريعة، وطال الأمر وحامد مجد له في أمره، وجرى له معه قصص يطول شرحها. وفي آخرها أن الوزير رأى له كتاباً حكى فيه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه أفرد من داره بيتاً لا يلحقه شيء من النجاسات ولا يدخله أحد، فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله وفعل ما يفعله الحاج بمكة، ثم يجمع ثلاثين يتيماً ويعمل أجود طعام يمكنه ويطعمهم في ذلك البيت ويتولى خدمتهم بنفسه، فإذا فرغوا كساهم وأعطى كل منهم تسعة دراهم، فإذا فعل ذلك كان كمن حج فلما قرئ هذا على الوزير قال القاضي أبو عمر للحلاج: من أين لك هذا؟ قال من كتاب الإخلاص للحسن البصري. قال له القاضي: كذبت يا حلال الدم قد سمعناه بمكة وليس فيه هذا. فلما قال له يا حلال الدم وسمعها الوزير قال: له: اكتب بهذا رقعة، فدافعه أبو عمر فألزمه حامد فكتب بإباحة دمه وكتب بعده من حضر المجلس. قال: ولما سمع الحلاج ذلك قال: ما يحل لكم دمي واعتقادي الإسلام ومذهبي السنة ولي فيها كتب موجودة فالله الله في دمي! وتفرق الناس، وكتب الوزير إلى الخليفة يستأذنه في قتله وأرسل إليه الفتاوي فأذن في قتله فسلمه الوزير إلى صاحب الشرطة فضربه ألف سوط. فما تأوه ثم قطع يده ثم رجله ثم يده ثم رجله ثم قتل وأحرق بالنار فلما صار رماداً ألقي في دجلة ونصب رأسه ببغداد وأرسل إلى خراسان لأنه كان له بها أصحاب، وأقبل بعض أصحابه يقولون: إنه لم يقتل وإنما ألقي شبهه على دابة وإنه يعود بعد أربعين يوماً! وبعضهم يقول: لقيته على حمار بطريق النهروان وإنه قال لهم لا تكونوا مثل هؤلاء النفر الذين يظنون أني ضربت وقتلت!","part":6,"page":291},{"id":2792,"text":"وفيها استعمل المقتدر على حرب الموصل ومعونتها محمد بن نصر الحاجب، فسار إليها وأوقع بمن خالفه من الأكراد فقتل وأسر، وأرسل إلى بغداد نيفاً وثمانين أسيراً فشهروا، وفيها قلد داود بن حمدان ديار ربيعة.\rودخلت سنة عشر وثلاثمائة: في هذه السنة أطلق يوسف بن أبي الساج من الحبس بشفاعة مؤنس الخادم، ودخل إلى المقتدر وخلع عليه، ثم عقد له على الري وقزوين وزنجان وأبهر. وقرر عليه خمسمائة ألف دينار محمولة إلى بيت المال في كل سنة سوى أرزاق العساكر الذين بهذه البلاد.\rوفيها وصلت هدية أبي زنبورٍ الحسين الماذرائي من مصر، وفيها بغلة معها فلو يتبعها ويرضع منها وغلام طويل اللسان يلحق لسانه أرنبة أنفه! وفيها قبض المقتدر على أم موسى القهرمانة وكان سبب ذلك أنها زوجت ابنة أخيها من أبي العباس أحمد بن محمد بن إسحاق بن المتوكل على الله وكان يرشح للخلافة، فلما صاهرته أكثرت من النثار والدعوات وخسرت أموالاً جليلة، فتكلم أعداؤها وسعوا بها إلى المقتدر وقالوا: إنها قد سعت لأبي العباس في الخلافة، وحلفت له القواد، وكثر القول فيها، فقبض عليها وأخذ منها أموالاً جليلة وجواهر نفيسة، قال ابن الجوزيك صح منها لبيت المال ألف ألف دينار.\rودخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمائة:\rعزل حامد بن العباس\rوولاية ابن الفرات في هذه السنة في شهر ربيع الآخر عزل المقتدر حامد بن العباس عن الوزارة، وعلي بن عيسى عن الدواوين، وخلع على أبي العباس بن الفرات وأعيد إلى الوزارة. وكان سبب ذلك أن المقتدر ضجر من استغاثة الأولاد والحرم والخدم والحاشية من تأخير أرزاقهم، فإن علي بن عيسى كان يؤخرها، فإذا اجتمع لهم عدة شهور أعطاهم البعض، وحط من أرزاق العمال في كل سنة شهرين وكذلك من أرزاق من له رزق فزادت عداوة الناس له. وكان حامد بن العباس قد ضجر في المقام ببغداد وليس له من الأمر شيء غير لبس السواد، وأنف من إطراح علي بن عيسى لجانبه، فإنه كان يهينه في توقيعاته بالإطلاق عليه لضمانه بعض الأعمال، فكان يكتب ليطلق جند الوزير أعزه الله، وليبادر نائب الوزير، وكان إذا شكا إليه بعض نواب حامد يكتب على القصة إنما عقد الضمان على النائب الوزيري عن الحقوق الواجبة السلطانية فليتقدم إلى عماله بكف الظلم عن الرعية.\rفاستأذن حامد وسار إلى واسط لينظر في ضمانه فأذن له، وجرى بين مفلح الأسود وبين حامد كلام فقال له حامد: لقد هممت أن أشتري مائة خادم أسود أسميهم مفلحاً وأهبهم لغلماني فحقدها مفلح - وكان خصيصاً بالمقتدر - فسعى معه المحسن بن الفرات لوالده بالوزارة وضمن أموالاً جليلة، وكتب على يده رقعة يقول إن سلم إليه الوزير وعلي بن عيسى وابن الحواري وشفيع اللؤلؤي ونصر الحاجب وأم موسى القهرمانة والماذرائيون استخرج منهم سبعة آلاف ألف دينار! وكان المحسن مطلقا، وكان يواصل السعاية بهؤلاء الجماعة، وذكر ابن الفرات للمقتدر ما كان يأخذه ابن الحواري في كل سنةٍ من المال فاستكثره.\rفقبض على علي بن عيسى في شهر ربيع الآخر وسلم إلى زيدان القهرمانة فحبسته في الحجرة التي كان ابن الفرات محبوساً فيها، وأطلق ابن الفرات وخلع عليه، وتولى الوزارة وخلع على ابنه المحسن، وهذه الوزارة الثالثة لابن الفرات.\rقال: وسير ابن الفرات إلى واسط من يقبض على حامد فهرب واختفى ببغداد، ثم إن حامداً لبس زي راهب وخرج من مكانه الذي كان فيه ومشى إلى نصر الحاجب ودخل عليه وسأله إيصال حاله إلى الخليفة إذا كان عند حرمه، فاستدعى نصر مفلحاً الخادم فلما رآه قال: أهلاً بمولانا الوزير أين مماليك السودان الذين سميت كل واحدٍ منهم مفلحاً! فسأله نصر أن لا يؤاخذه وقال له: حامد يسأل أن يكون محبسه في دار الخلافة ولا يسلم إلى ابن الفرات.","part":6,"page":292},{"id":2793,"text":"فدخل مفلح وقال ضد ما قيل له فأمر المقتدر بتسليمه إلى ابن الفرات، فأرسل إليه فحبسه في دارٍ حسنةٍ وأجري له من الطعام والكسوة والطيب وغير ذلك ما كان له وهو وزير، ثم أحضره وأحضر الفقهاء والعمال وناظره على ما وصل إليه من المال وطالبه به، فأقر بجهاتٍ تقارب ألف ألف دينار، وضمنه المحسن بن أبي الحسن بن الفرات الوزير من المقتدر بخمسمائة ألف دينار فسلمه إليه فعذبه بأنواع العذاب، وأنفذه إلى واسط مع بعض أصحابه ليبيع ماله هناك، وأمرهم أن يسقوه سماً فسقوه سماً في بيض مشوي كان طلبه، فأصابه إسهال فلما وصل إلى واسط أفرط القيام به. وكان قد تسلمه محمد بن علي البروجري فلما رأى حاله أحضر القاضي والشهود ليشهدوا عليه أنه ليس له في أمره صنع! فلما حضروا عند حامد قال لهم: إن أصحاب المحسن سقوني سماً في بيض مشوي فأنا أموت منه وليس لمحمد في أمري صنع، لكنه أخذ قطعة من أموالي وأمتعي وجعل يحشوها في المساور وتباع المسورة بمحضر من أمين السلطان بخمسة دراهم فبضع من يشتريها ويحملها إليه فيكون فيها أمتعة تساوي ثلاثة آلاف درهم، فاشهدوا على ذلك! وكان صاحب الخبر حاضراً فكتب بذاك، ثم مات حامد في شهر رمضان من هذه السنة.\rوصودر علي بن عيسى بثلاثمائة ألف دينار وعذبه المحسن بن الفرات وصفعه فأنكر عليه أبوه لأن علياً كان محسناً إليهم في أيام ولايته وأعطى المحسن في أيام نكبته عشرة آلاف درهم، فلم يرع له حق إحسانه. قال: ولما أدى علي بن عيسى مال المصادرة سيره ابن الفرات إلى مكة وكتب إلى أميرها أن يسيره إلى صنعاء، ثم قبض ابن الفرات على أبي علي بن مقلة لأنه بلغه أن سعى به أيام نكبته وتقلد بعض الأعمال في أيام حامد ثم أطلقه ابن الفرات.\rوقبض أيضاً على ابن الحواري وكان خصيصاً بالمقتدر وسلمه إلى ابنه المحسن فعذبه عذاباً شديداً - وكان المحسن وقحاً ظالماً سيء الأدب ذا قسوة شديدة، وكان الناس يسمونه الخبيث بن الطيب، وسير ابن الحواري إلى الأهواز ليستخرج منه الأموال فضربه الموكل به حتى مات. وقبض أيضاً على الحسين بن أحمد ومحمد بن علي الماذرائيين فصادرهما على ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار، ثم صادر جماعة من الكتاب ونكبهم. ثم إن ابن الفرات - خوف المقتدر من مؤنس الخادم وأشار عليه أن يسيره إلى الشام فأخرجه عن الحضرة في يوم شديد المطر، ثم سعى بنصر الحاجب وأطمع المقتدر في ماله وكثرته فالتجأ نصر إلى أم المقتدر فحمته من ابن الفرات.\rوفيها غزا مؤنس المظفر بلاد الروم فغنم وفتح حصوناً وغزا ثمال في البحر فغنم من السبي ألف رأس، ومن الغنم ألف رأس، ومن الذهب والفضة شيئاً كثيراً.\rوفيها دخل القرمطي البصرة وقتل عاملها وأقام بها سبعة عشر يوماً يقتل وينهب ويأسر.\rودخلت سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة: في هذه السنة ظهر في دار الخليفة إنسان أعجمي عليه ثياب فاخرة وتحته مما يلي بدنه قميص صوفٍ ومعه قداحةً وكبريت ودواة وأقلام وسكين وكاغد، وفي كيس سويق وسكر وحبل طويل من القنب، فأحضر إلى ابن الفرات الوزير فسأله عن حاله فقال: لا أخبر إلا صاحب الدار! فأمر بضربة ليقر فقال: بسم الله بدأتم بالشر! ولزم هذا القول ثم جعل يقول بالفارسية ما معناه لا أدري ثم أمر به فأحرق، وأنكر ابن الفرات على نصر الحاجب هذا الحال وعظم الأمر بين يدي المقتدر ونسبه إلى أنه أخفاه ليقتل المقتدر، وتفاوضاً فقال الحاجب: لم أسعى في قتل أمير المؤمنين وقد رفعني من الثرى إلى الثريا؟ إنما يسعى في قتله من صادره وأخذ أمواله وضياعه وأطال حبسه! وفيها أخذ القرمطي الحاج بعد عودتهم من الحجاز - وكان لأبي الهيجاء طريق مكة - فسار إلى القرمطي فأوقع به، وأسر أبو الهيجاء وأحمد بن كشمرد ونحرير وأحمد بن بدر عم والدة المقتدر وغيرهم، وأخذ القرمطي جمال الحاج جمعيها وما أراد من الأمتعة والأموال والنساء والصبيان، وعاد إلى هجر وترك الحاج في مواضعهم فمات أكثرهم جوعاً وعطشاً، فاجتمع حرم المأخوذين إلى حرم المنكوبين الذين نكبهم ابن الفرات وجعلن ينادين: القرمطي الصغير قتل المسلمين بطريق مكة والقرمطي الكبير قتل المسلمين ببغداد! وشنعوا عليه وكسر العامة منابر الجوامع وسدوا المحاريب يوم الجمعة لست خلون من صفر، فضعفت نفس ابن الفرات وحضر عند المقتدر ليأخذ أمره فيما يصنع.","part":6,"page":293},{"id":2794,"text":"وحضر نصر الحاجب المشورة فانبسط لسانه على ابن الفرات وقال: الساعة تقول: أي شيء نصنع وما هو الرأي بعد أن زعزعت أركان الدولة وعرضتها للزوال، في الباطن بالميل مع كل عدو يظهر ومكاتبته ومهاداته، وفي الظاهر بإبعادك مؤنساً ومن معه إلى الرقة وهم سيوف الدولة، فمن يدفع الآن هذا الرجل إذا قصد الحضرة أنت أم ولدك؟ وقد ظهر الآن مقصودك بإبعاد مؤنس وبالقبض علي وعلى غيري، أن تستضعف الدولة وتقوي أعداءها لتشفي غيظك ممن صادرك وأخذ أموالك! ومن الذي سلم الناس إلى القرمطي غيرك لما يجمع بينكما من التشيع والرفض؟ وقد ظهر أيضاً أن ذلك العجمي من أصحاب القرمطي وأنت أوصلته! فحلف ابن الفرات أنه ما كاتب القرمطي ولا هاداه ولا رأى ذلك الأعجمي إلا تلك الساعة، والمقتدر معرض عنه. وأشار نصر على المقتدر بالله أن يحضر مؤنساً ومن معه ففعل ذلك، وكتب إليه بالحضور ففعل وسارع، وقام ابن الفرات فركب فرجمه العامة، ثم وصل مؤنس المظفر إلى بغداد، ولما رأى المحسن. ابن الفرات انحلال أمورهم أخذ كل من كان محبوساً فقتله، لأنه كان قد أخذ منهم أموالاً جليلية ولم يوصلها إلى المقتدر فخاف أن يقروا عليه بما أخذه منهم.\rالقبض على ابن الفرات\rالوزير وولده المحسن قال: ثم كثر الإرجاف على ابن الفرات فكتب إلى المقتدر يعرفه بذلك، وأن الناس إنما عادوه لشفقته ونصحه وأخذ حقوقه منهم فأنقذ المقتدر إليه يسكنه ويطيب قلبه فركب هو وولده إلى المقتدر فطيب قلوبهما، وخرجا من عنده فمنعهما نصر الحاجب ووكل بهما، فدخل مفلح على المقتدر وأشار عليه بتأخير عزله فأمر بإطلاقهما فخرجا، فأما المحسن فإنه اختفى، وأما الوزير فإنه جلس عامة نهاره يقضي الأشغال إلى الليل ثم بات مفكراً، فلما أصبح سمع بعض خدمه ينشد:\rوأصبح لا يدري وإن كان حازماً ... أقدامه خير له أم وراءه\rفلما ارتفع النهار وهو الثامن من شهر ربيع الأول أتاه نازوك ويلبق في عدة من الجند فدخلوا عليه وهو عند حرمه فأخرجوه حافياً مكشوف الرأس فألقى عليه يلبق طيلساناً غطى به رأسه وحمل إلى طيار فيه مؤنس المظفر ومعه هلال بن بدر فاعتذر إليه ابن الفرات وألان كلامه له فقال له: أنا الآن الأستاذ وكنت بالأمس الخائن الساعي في فساد الدولة وأخرجتني والمطر على رأسي ورؤوس أصحابي ولم تمهلني! وسلم إلى شفيع اللؤلؤي فحبس عنده، وكانت مدة وزارته هذه عشرة أشهر وثمانية عشر يوماً، وأخذ أصحابه وأولاده ولم ينج منهم إلا المحسن، وصودر ابن الفرات على ألف ألف دينار.\rوزارة أبي القاسم الخاقاني\rقال: ولما تغير حال ابن الفرات سعى عبد الله بن أبي علي محمد بن عبد الله بن يحيى بن خاقان في الوزارة، وكتب خطه أنه يتكفل ابن الفرات وأصحابه بمصادرة ألفي ألف دينار.\rوسعى له مؤنس الخادم وهارون بن غريب الخال ونصر الحاجب فتولى أبو القاسم الوزارة في تاسع شهر ربيع الأول، وكان المقتدر يكرهه فلما سمع ابن الفرات وهو محبوس بولايته قال: الخليفة هو الذي نكب لا أنا! يعني أن الوزير عاجز لا يعرف أمر الوزارة، ولما ولي الخاقاني شفع إليه مؤنس الخادم في إعادة علي بن عيسى من صنعاء إلى مكة فكتب بإعادته وأذن له في الإطلاع على أعمال مصر والشام.\rمقتل ابن الفرات وولده\rقال كان المحسن بن الوزير أبي الحسن بن الفرات مختفياً كما ذكرنا، وكان عند حماته خنزابة - وهي والدة الفضل بن جعفر بن الفرات - وكانت تأخذه كل يوم وتتوجه به إلى المقبرة في زي النساء وتعود به إلى المنازل التي تثق بها، فمضت به يوماً إلى مقابر قريش. وأدركها الليل فبعدت عليها الطريق وأشارت عليها امرأة معها أن تقصد امرأة صالحة تعرفها بالخير، فأخذته وقصدت به تلك المرأة وقالت لها: معنا صبية بنت بكر نريد منك بيتاً تكون فيه! فأمرتهم بالدخول إلى بيتها وسلمت إليهم قبة في الدار، فأدخلوا المحسن إليها، وجلس النساء الذين معه في صفه أمام القبة، فجاءت جارية سوداء فرأت المحسن فأخبرت مولاتها أن في الدار رجلاً، فجاءت المرأة صاحبة الدار فرأته وعرفته - وكان المحسن قد أخذ زوجها ليصادره فلما رأى الناس يعذبون في داره مات فجأة - فلما رأت المرأة المحسن ركبت في سفينة وقصدت دار الخليفة وقالت عندي نصيحة.","part":6,"page":294},{"id":2795,"text":"فأحضرها نصر الحاجب فأخبرته الخبر فطالع به المقتدر، فأمر صاحب الشرطة أن يسير معها فسار معها إلى منزلها وأخذ المحسن وجاء به إلى المقتدر، فبعث به إلى دار الوزارة فعذب بأنواع العذاب ليجيب إلى مال يحمله فقال: لا أجمع بين الروح والمال! فأمر المقتدر بحمله مع أبيه إلى دار الخلافة فقال الوزير أبو القاسم لمؤنس وهارون بن غريب الخال ونصر الحاجب: إن نقل ابن الفرات إلى دار الخلافة بذل أمواله وأطمع المقتدر في أموالنا وضمنناً منه وتسلمنا فأهلكنا! فوضعوا القواد والجند وقالوا: لا بد من قتل ابن الفرات وولده فإننا لا نأمن على أنفسنا ما داما في الحياة! فأمر المقتدر نازوك بقتلهما فبدأ بقتل المحسن فذبحه كما تذبح الشاة وحمل رأسه إلى أبيه فارتاع لذلك، ثم عرض أبوه على السيف فقال: راجعوا في أمري فإن عندي أولاً جمة وجواهر كثيرة، فقبل له جل الأمر عن ذلك. ثم ذبح في يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الآخر منها، وكان عمره إحدى وسبعين سنة وعمر ولده ثلاثاً وثلاثين سنة وحمل رأساهما إلى المقتدر فأمر بتفريقها.\rولما قتلا ركب هارون بن غريب الخال مسرعاً إلى الوزير الخاقاني وهنأه بقتلهما فأغمي عليه حتى ظن هارون ومن هناك أنه مات، وصرخ عليه أهله، ثم أفاق من غشيته وأعطى هارون ألفي دينار. وشفع مؤنس في ابني ابن الفرات عبد الله وأبي نصر فأطلقا له، فخلع عليهما ووصلهما بعشرين ألف دينار من ماله.\rقال: وكان ابن الفرات كريماً ذا رياسة وكفاية في عمله، حسن السؤال والجواب، وكان مصطنعاً للناس، فإن جميع كتابه الذين اصطنعهم صاروا وزراء. وكان يستغل من ضياعه في كل سنة ألفي ألف دينار وينفقها، وكان إذا وزر غلا الشمع والكاغد والسكر والكافور لكثرة استعماله لذلك! وكان يجري على خمسة آلاف من أهل العلم والدين والبيوتات والفقراء، قال الصولي: ومن فضائله التي لم يسبق إليها أنه كان إذا رفعت له قضية فيها سعاية بأحد خرج من حضرته غلام فينادي ابن فلان بن فلانٍ الساعي! فامتنع الناس من السعاية بأحد، ولم يكن فيه ما يعاب إلا أن أصحابه كانوا يفعلون ما يريدون ويظلمون فلا يمنعهم، فمن ذلك أن بعضهم ظلم امرأة في ملك لها فكتبت إليه تشكو غير مرة ولا يرد لها جواباً فلقيته يوماً فقالت: أسألك بالله أن تسمع كلامي! فوقف لها فقالت: قد كتبت إليك في ظلامتي غير مرة فلم تجبني وقد تركتك وكتبتها إلى الله تعالى! فلما رأى تغير حاله قال لمن معه: قد خرج جواب رقعة تلك المظلومة.\rوفي هذه السنة دخل أبو طاهر القرمطي الكوفة وأقام بها ستة أيام يقيم بالجامع نهاراً فإذا أمسى خرج إلى عسكره وحمل منها ما قدر على حمله من الأموال وغيرها وعاد إلى هجر، ولم يحج في هذه السنة أحد.\rوفيها ظهر عند الكوفة رجل ادعى أنه محمد بن إسماعيل ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - وهو رئيس الإسماعيلية وجمع جمعاً عظيماً من الأعراب وأهل السواد واستفحل أمره في شوال، فسير إلى جيش من بغداد، فقاتلوه وظفروا به وانهزم وقتل كثير ممن معه.\rودخلت سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة:\rوزارة أبي العباس\rالخصيبي وعزل الخاقاني عن الوزارة في هذه السنة في شهر رمضان، عزل أبو القاسم الخاقاني عن الوزارة، وكان سبب ذلك أن أبا العباس الخصبي علم مكان امرأة المحسن بن الفرات فسأل أن يتولى النظر في أرمها فأذن له المقتدر في ذلك، فاستخلص منها سبعمائة ألف دينار إلى المقتدر، وصار له معه حديث. فخافه الخاقاني فوضع من وقع عيه وسعى به فلم يصغ المقتدر إلى ذلك، فلما علم الخصيبي بالحال كتب إلى المقتدر يذكر معائب الخاقاني وابنه عبد الوهاب وعجزهما وضياع الأموال وطمع العمال. ثم مرض الخاقاني مرضاً شديداً وطال به، فوقفت الأحوال وطلب الجند أرزاقهم وشغبوا فأرسل المقتدر إليه في ذلك فلم يقدر على شيء فعزله، واستوزر أبا العباس وخلع عليه. وكان يكتب لأم المقتدر قبل ذلك، ولما ولي أقر على بن عيسى على الإشراف على أعمال مصر والشام فكان يتردد من مكة إليهما في الأوقات.","part":6,"page":295},{"id":2796,"text":"وفيها كتب ملك الروم إلى أهل الثغور يأمرهم بحمل الخراج إليه فإن فعلوا وإلا قصدهم فقتل الرجال وسبى الذرية، وقال: إنني صح عندي ضعف ولاتكم فلم يفعلوا ذلك، فسار إليهم وأخرب البلاد، ودخل ملطية في سنة أربع عشرة وثلاثمائة، فأخرجها وسبى ونهب، وأقام بها ستة عشر يوماً.\rودخلت سنة أربع عشرة وثلاثمائة:\rعزل أبي العباس\rالخصيبي ووزارة علي بن عيسى في هذه السنة في ذي القعدة عزل المقتدر أبا العباس الخصيبي عن الوزارة، وسبب ذلك أنه أضاق إضاقة شديدة. ووقفت أمور السلطان، واضطرب أمر الخصيبي، وكان حين ولى الوزارة قد اشتغل بالشرب كل ليلة ويصبح وهو سكران لا فضل فيه لعمل. وكان يترك الكتب الواردة عليه من العمال، فلا يقرؤها إلا بعد مدة ويهمل الأجوبة عنها فضاعت الأموال وفاتت المصالح، ثم وكل الأمور إلى نوابه وأهمل الإطلاع عليهم فباعوا مصلحته بمصلحة نفوسهم.\rفلما صار الأمر إلى هذه الصورة أشار مؤنس المظفر بعزله وتولية علي بن عيسى، فقبض عليه، فكانت وزارته سنة وشهرين، وأخذ ابنه وأصحابه فحبسوا. وأرسل المقتدر يستدعي علي بن عيسى، وأمر أبا القاسم عبيد الله بن محمد الكلوذاني بالنيابة عن علي إلى أن يحضر وقدم على بغداد أوائل سنة خمس عشرة، واشتغل بأمور الوزارة، ولازم النظر فيها. فمشت الأمور واستقامت الأحوال. وكان قد اجتمع عند الخصيبي عدة من رقاع المصادرين وكفالات من كفل منهم وضمانات العمال بما ضمنوا من الأموال بالسواد وفارس والأهواز والمغرب، فنظر فيها وأرسل في طلب الأموال فأتته شيئاً بعد شيء فأدر الأرزاق وأخرج العطاء، وأسقط. من الجند من لا يحمل السلاح، ومن أولاد المرتزقة من هو في المهد.. فإن آباءهم أثبتوا أسماءهم! ومن أرزاق المغنين والمساخرة والصغاغنة والندماء. وتولى الأعمال بنفسه ليلاًً ونهاراً، فاختار الكفاة من العمال واستعملهم في الولايات. وأمره المقتدر بالله بمناظرة أبي العباس الخصيبي، فأحضره، وأحضر الفقهاء والقضاة والكتاب وغيرهم فسأله عما صح من الأموال والمصادرات والبواقي القديمة وغير ذلك فقال: لا أعلم! وما أجاب عن شيء. فأنكر عليه كونه دخل في الوزارة وهو لا يعرفها، ووبخه توبيخاً كثيراً.\rوفيها في شهر ربيع الأول خرجت الروم إلى ملطية وما يليها مع الدمستق ومعه مليح الأرمني صاحب الدروب، فحصروا ملطية ودخلوا الربض فقاتلهم أهله وأخرجوهم منه، فلم يظفروا من المدينة بشيء، وخربوا قرى كثيرة من قراها، ونبشوا الأموات ومثلوا بهم ثم رحلوا، وقصد أهل ملطية بغداد مستغيثين فلم يغاثوا، فعادوا إلى بلدهم بغير مقصود! ودخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة:\rالمقتدر ومؤنس\rفي هذه السنة هاجت الروم وقصدوا الثغور ودخلوا سمشاط وغنموا جميع ما فيها من مال وسلاح وغير ذلك، ودقوا الناقوس في الجامع ثم خرج المسلمون في أثر الروم فقاتلوهم وغنموا منهم غنيمة عظيمة، فأمر المقتدر بالله بتجهيز العساكر مع مؤنس المظفر، وخلع عليه في شهر ربيع الآخر ولم يبق غير الوداع، فامتنع مؤنس من الدخول إلى دار الخليفة واستوحش من المقتدر بالله وظهر ذلك. وكان قد أتاه بعض خدام المقتدر وقال له: إن الخليفة أمر خواص خدمه أن يحفروا جباً في دار الشجرة ويغطوه ببراية وتراب فإذا حضرت ألقيت فيه وخنقت! فامتنع وركب إليه جميع الأجناد وفيهم عبد الله بن حمدان وإخوته وخلت دار المقتدر بالله، وقالوا لمؤنس: نحن نقاتل بين يديك حتى تنتب لك لحية! فوجه المقتدر رقعة بخطه يحلف أنه ما أراد به سوءاً، فصرف مؤنس الجيش وكتب الجواب أنه العبد المملوك، وأن الذي أبلغه ذلك قد كان وضعه من يريد إيحاشه من مولانا وأنه ما استدعى الجند وإنما هم حضروا وقد فرقهم! ثم قصد دار الخليفة في جميع القواد ودخل إليه وقبل يده وحلف له المقتدر على صفاء نيته له وودعه وسار إلى الثغر وخرج لوداعه أبو العباس بن المقتدر والوزير على بن عيسى.\rوفيها قتل أبو طاهر القرمطي يوسف بن أبي الساج في وقعة كانت بينهما. وكان يوسف قد ندب لقتال القرامطة فأسره القرمطي، ثم قتله.","part":6,"page":296},{"id":2797,"text":"وفيها سار الدمستق في جيش عظيم من بلاد الروم إلى مدينة دبيل وبها نصر السبكي في عسكر يحميها وكان مع الدمستق دبابات ومجانيق، فحاصروا المدينة ونقبوا السور ودخلوها فقاتلهم أهلها ومن فيها قتالاً شديداً، فانتصر المسلمون وأخرجوا الروم منها وقتلوا منهم نحو عشرة آلاف رجل.\rودخلت سنة ست عشرة وثلاثمائة:\rعزل علي بن عيسى\rعن الوزارة ووزارة أبي علي بن مقلة في هذه السنة عزل علي بن عيسى عن وزارة الخليفة ورتب فيها علي بن مقلة، وكان سبب ذلك أن علياً لما رأى نقص الارتفاع واختلال الأعمال بوزارة الخاقاني والخصيبي وزيادة النفقات استعفى من الوزارة واحتج بالشيخوخة وقلة النهضة، فأمره المقتدر بالصبر وقال له: أنت عندي بمنزلة والدي المعتضد! فألح في الاستعفاء، فشاور المقتدر مؤنساً في ذلك فأشار بمداراته وإبقائه. ثم لقي مؤنس الوزير ولاطفه وسكنه فأبى إلا العزل، وبلغ الخبر ابن مقلة فسعى وضمن الضمانات الكثيرة وواصل بالهدايا واستمال نصراً الحاجب، فساعده عند المقتدر، فأمر في نصف شهر ربيع الأول بالقبض على علي بن عيسى وأخيه عبد الرحمن، وخلع على أبي علي بن مقلة واستوزره وأعانه عليها أبو عبد الله البريدي لمودة كانت بينهما.\rالحرب بين نازوك وهارون\rبن غريب الخال واستيحاش مؤنس في هذه السنة وقعت الفتنة بين نازوك - صاحب الشرطة - وهارون بن غريب، وأدت إلى خلع المقتدر. وسبب ذلك أن ساسة دواب هارون وساسة دواب نازوك تغايروا على غلام أمرد وتضاربوا بالعصي، فضرب نازوك ساسة هارون وحبسهم. فسار أصحاب هارون إلى مجلس الشرطة، ووثبوا على نائب نازوك وانتزعوا أصحابهم من الحبس، فركب نازوك وشكا إلى المقتدر بالله فقال: كلاكما عزيز ولست أدخل بينكما! فعاد وجمع رجاله وجمع هارون رجاله، وزحف أصحاب نازوك إلى دار هارون فأغلق بابه،وبقي بعض أصحابه خارج الدار فقتل فيهم أصحابُ نازوك وجرحوا. ففتح هارون الباب، وخرج أصحابهُ فوضعوا السلاح في أصحاب نازوك، فقتلوا منهم وجرحوا، واشتبكت الحربُ بينهم. وأرسل المقتدر ينكر عليهما ذلك فكفا، وسكنت الفتنة، واستوحش نازوك. ثم ركب إليه هارون وصالحه، وخرج بأصحابه ونزل بالبستان النجمي ليبعد عن نازوك، فأكثر الناس الأراجيف وقالوا: قد صار هارون أمير الأمراء! فعظم ذلك على أصحاب مؤنس وكتبوا له بذلك وهو بالرقة، فأسرع العود إلى بغداد، ونزل بالشماسية في أعلى بغداد. ولم يلق المقتدر فصعد إليه أبو العباس بن المقتدر والوزير ابن مقلة فأبلغاه سلام المقتدر واستيحاشه له ثم عادا واستشعر كل من المقتدر ومؤنس من صاحبه فأحضر المقتدر هارون بن غريب الخال - وهو ابن خاله - فجعله معه في داره. فلما علم مؤنس بذلك ازداد نفوراً واستيحاشاً وأقبل أبو الهيجاء بن حمدان من بلاد الجبل في عسكر كبير فنزل عند مؤنس وترددت المراسلات من الخليفة إلى مؤنس، وانقضت السنة وهم على ذلك.\rودخلت سنة سبع عشرة وثلاثمائة:\rخلع المقتدر بالله\rوبيعة القاهرة في هذه السنة خلع المقتدر بالله من الخلافة وبويع أخوه القاهر بالله محمد بن المعتضد، فبقي يومين ثم أعيد المقتدر بالله. قال: ولما نزل مؤنس باب الشماسية وانظم إليه ابن حمدان ونازوك صاحب الشرطة وغيرهما جمع المقتدر عنده هارون بن غريب وأحمد بن كيغلغ والغلمان الحجرية والرجالة المصافية وغيرهم. فلما كان آخر النهار مستهل المحرم انفض أكثر من عند المقتدر، وخرجوا إلى مؤنس ثم كتب إلى المقتدر رقعة يذكر أن الجيش عاتب منكر للسرف فيما يطلق باسم الحزم والحرم من الأموال والضياع، ولدخولهم في الرأي وتدبير المملكة، ويطالبون بخروجهم من الدار وأخذ ما في أيديهم من الأموال والأملاك، وإخراج هارون بن غريب من الدار. فأجابه المقتدر أنه يفعل من ذلك ما يمكنه ويقتصر على ما لا بد له منه، واستعطفه وذكره ومن معه بيعته التي في أعناقهم مرة بعد أخرى وخوفهم عاقبة النكث. وأمر هارون أن يخرج من بغداد وأقطعه الثغور الشامية والجزيرية فخرج في تاسع المحرم، فعندها دخل مؤنس وابن حمدان ونازوك إلى بغداد، وأرجف الناس أن مؤنساً ومن معه قد عزموا على خلع المقتدر.","part":6,"page":297},{"id":2798,"text":"فلما كان في الثاني عشر من المحرم خرج مؤنس بالجيش إلى باب الشماسية فتشاوروا ساعة ثم زحفوا بأسرهم إلى دار الخلفية، فلما قربوا منها هرب المظفر بن ياقوت الحاجب وسائر الحجاب والخدم والوزير ابن مقلة، ودخل مؤنس والجيش إلى دار الخليفة وأخرج المقتدر ووالدته وخالته وخواص جواريه وأولاده من دار الخلافة، وحملوا إلى دار مؤنس واعتقلوا بها. وبلغ الخبر هارون وهو بقطربل فدخل بغداد واستتر، ومضى ابن حمدان إلى دار ابن طاهر فأحضر محمد بن المعتضد وبايعوه بالخلافة ولقبوه القاهر بالله، وأحضروا القاضي أبا عمر عند المقتدر ليشهدوا عليه بالخلع وعنده مؤنس ونازوك وابن حمدان وبنى بن يعيش فقال مؤنس للمقتدر ليخلع نفسه من الخلافة فأجاب وأشهد عليه القاضي بالخلع. فقام ابن حمدان للمقتدر: يا سيدي يعز عليّ أن أراك على هذه الحال وقد كنتُ أخاف عليك وأحذرها وأنصح لك وأحذرك عاقبة القبول من الخدم والنساء فتؤثر أقوالهم على قولي، وكأني كنت أرى هذا، وبعد فنحن عبيدك وخدمك ودمعت عيناه وعينا المقتدر وشهد الجماعة على المقتدر بالخلع وأودعوا الكتاب عند القاضي أبي عمر فكتمه ولم يظهر عليه غيره. فلما عاد المقتدر إلى الخلافة سلمه إليه وأعلمه أنه ما أطلع عليه أحداً، فاستحسن ذلك منه، وولاه قضاة القضاة.\rقال: ولما استقر أمر القاهر بالله أخرج مؤنس المظفر علي بن عيسى من الحبس وأقر أبا علي بن مقلة على وزارته، وأضاف نازوك مع الشرطة حجبة الخليفة وأقطع ابن حمدان مضافاً إلى ما بيده من أعمال طريق خرسان حلوان والدينور وهمذان وكنكور وكرمان شاهان والراذانات ودقوقا وخانيجار ونهاوند والصيمرة والسيروان وما سبذان وغيرها. ونهبت دار الخليفة ومضى بنى بن يعيش إلى برية لوالدة المقتدر فأخرج من قبر فيها ستمائة ألف دينار وحملها إلى دار الخليفة. وكان خلع المقتدر للنصف من المحرم منها، ثم سكن النهب وانقطعت الفتنة.\rقال: ولما تقلد نازوك حجبة الخليفة أمر الرجال المصافية بقلع خيامهم من دار الخليفة وأن لا يعبر الدار إلا من له وطر، وأمر رجاله وأصحابه أن يقيموا مقام المصافية، فعظم ذلك عليهم وتقدم إلى خلفاء الحجاب أن لا يمكنوا أحداً أن يدخل إلى دار الخليفة إلا من كانت له مرتبة، فاضطرب الحجرية من ذلك.\rعودة المقتدر إلى الخلافة\rوقتل نازوك وابن حمدان","part":6,"page":298},{"id":2799,"text":"قال: ولما كان في يوم الاثنين سابع عشر المحرم بكر الناس إلى دار الخلافة لأنه يوم موكبٍ ودولةٍ جديدةٍ، فامتلأت الممرات والرحاب وشاطئ دجلة من الناس، وحضر الرجالة المصافية في السلاح يطالبون بحق البيعة ورزق سنةٍ وهم حنقون لما فعل بهم نازوك، ولم يحضر مؤنس المظفر ذلك اليوم. وارتفعت الأصواتُ وزعقاتُ الرجال، فسمعها نازوك فأشفق أن يقع بينهم و بين أصحابه فتنة وقتال. فأمر أصحابه أن لا يتعرضوا لهم ولا يقاتلوهم، فزاد شغب الرجالة وهجموا يريدون الصحن التسعيني، فلم يمنعهم أصحابُ نازوك. ودخل من كان على الشط بالسلاح، وقويت زعقاتهم من مجلس القاهر بالله وعنده الوزير ابن مقلة ونازوك وأبو الهيجاء ابن حمدان، فقال القاهر لنازوك: أخرج إليهم فسكنهم وطيب قلوبهم! فخرج إليهم نازوك وهو مخمور قد شرب طول ليلته، فلما رآه الرجالة تقدموا إليه ليشكوا إليه حالهم بسبب أرزاقهم فخافهم على نفسه وهرب منهم، فطمعوا فيه وتبعوه، فانتهى به الهرب إلى باب كان هو سده بالأمس فقتلوه عنده، وقتلوا خادمه عجيباً وصاحوا: مقتدر يا منصور! فهرب كل من كان في الدار من الوزير والحجاب وسائر الطبقات وبقيت الدار فارغة. وصلبوا نازوك وعجيباً بحيث يراهما من على شاطئ دجلة، ثم صار الرجالة إلى دار مؤنس يصيحون ويطالبونه بالمقتدر بالله. وبادر الخدم فأغلقوا أبواب دار الخلافة وكانوا جميعاً خدم المقتدر ومماليكه وصنائعه وأراد ابن حمدان الخروج من الدار فتعلق به القاهر وقال: أنا في ذمامك فقال: والله لا أسلمك أبداً! وأخذ بيده وقال: قم بنا نخرج جميعاً، وأدعو أصحابي وعشيرتي فيقاتلون دونك! فقاما ليخرجا فوجدا الأبواب مغلقة ومعها فائق المعروف بوجه القصعة، فأشرف القاهر من سطح فرأى كثرة الجمع، فنزل هو وابن حمدان وفائق فقال ابن حمدان للقاهر: قف حتى أعود إليك! ونزع سواده وثيابه وأخذ جبة صوف لغلام هناك فلبسها ومشى نحو باب النوبى فرآه مغلقاً والناس حوله. فعاد إلى القاهر وتأخر عنهما وجه القصعة، وأمر من معه من الخدم بقتلهما وأخذ بثأر المقتدر وما صنعا به، فعاد إليهما عشرة من الخدم بالسلاح، فعاد إليهم أبو الهيجاء وسيفه بيده فقاتلهم فقتلوه، وهرب القاهر إلى آخر البستان واختفى.\rوأما الرجالة فإنهم لما انتهوا إلى دار مؤنس وسمع زعقاتهم قال: ما الذي تريدون؟ قالوا: نريد المقتدر! فأمر بتسليمه إليه فامتنع المقتدر من ذلك وخاف أن تكون حيلة، فحمل وأخرج إليهم فحملوه على أعناقهم حتى أدخلوه دار الخلافة. فلما حصل في الصحن التسعيني اطمأن وجلس وسأل عن أخيه القاهر وعن ابن حمدان فقيل إنهما حياة فأمنهما بخطه، وأمر خادماً بالسرعة بكتاب الأمان لئلا يحدث على أبي الهيجاء حادث، فمضى بالخط إليه فلقيه خادم ومعه رأسه فرجع به إلى المقتدر، فلما رآه استرجع وقال: ما كان يدخل إلى ويسليني ويطهر لي الغم غيره! ثم أخذ القاهر واحضر إلى المقتدر فأجلسه إلى جانبه وقبل جبينه وقال: قد علمت أنك لا ذنب لك وأنك قهرت ولو لقبوك بالمقهور كان أولى بك من القاهر! والقاهر يبكي ويقول: يا أمير المؤمنين نفسي نفسي اذكرن الرحم التي بيني وبينك! فحلف له أنه لا يناله أبداً، فسكن.\rقال: ثم أخرج رأس نازوك ورأس أبي الهيجاء وشهرا، ونودي عليهما هذا جزاء من عصى مولاه وأما بني بن يعيش فإنه كان من أشد القوم على المقتدر بالله، فهرب عن بغداد وغير زيه وسار حتى بلغ الموصل ومنها إلى أرمينية، وسار حتى دخل القسطنطينة وتنصر. وهرب أبو السرايا نصر بن حمدان أخو أبي الهيجاء إلى الموصل وسكنت الفتنة. وعاد الوزير ابن مقلة إلى وزارته، وكتب إلى البلاد بهذه الحادثة، وأطلق للجند أرزاقهم وزادهم وباع ما في الخزائن من الأمتعة والجواهر، وأذن في بيع الأملاك من الناس فبيع ذلك بأرخص الأثمان لتتم أعطياتُ الجند. وقيل إن مؤنساً المظفر لم يكن مؤثر لما جرى على المقتدر من الخلع، وإنما وافق الجماعة مغلوباً على رأيه ولعلمه أنه إن خالفهم لم ينتفع به المقتدر فوافقهم ليأمنوه وسعى مع الغلمان المصافية والحجرية ووضع قوادهم على أن عملوا ما عملوا، فلهاذا أمنه المقتدر. وأما القاهر فإن المقتدر حبسه عند والدته فأحسنت إليه وأكرمته ووسعت عليه النفقة واشترت له السراري والجواري للخدمة وبالغت في إكرامه","part":6,"page":299},{"id":2800,"text":"نعود إلى بقية حوادث سنة ست عشرة وثلاثمائة فيها وصل الدمستق في جيش كبير من الروم إلى أرمينية فحصروا خلاط فصالحه أهلها، وأخرج المنبر من الجامع وجعل مكانه صليباً و رحل إلى بدليس ففعل بها مثل ذلك وخافه أهل أرزن الروم وغيرهم، ففارقوا بلادهم، وانحدر أعيانهم إلى بغداد فلم يغاثوا.\rوفيها وصل سبعمائة رجل من الروم والأرمن إلى ملطية ومعهم الفؤوس والمعاول وأظهروا أنهم يتكسبون بالعمل، ثم ظهر أن مليحاً الأرمني صاحب الدروب وضعهم ليكونوا بها، فإذا حضر سلموها إليه، فعلم بهم أهل ملطية فقتلوهم عن آخرهم.\rوفي سنة سبع عشرة جاء أبو طاهر القرمطي إلى مكة يوم التروية فنهب أموال الحجاج، وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت، وقلع الحجر الأسود، وفعل ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره.\rودخلت سنة ثماني عشرة وثلاثمائة:\rهلاك الرجالة المصافية\rفي هذه السنة هلك الرجالة المصافية في المحرم. وسب ذلك أنهم لما أعادوا المقتدر إلى الخلافة - كما ذكرنا - زاد إدلالهم واستطالتهم، وصاروا يقولون أشياء لا يحتملها الخلفاء، منها أنهم يقولون: من أعان ظالماً سلط عليه، ومن يصعد الحمار إلى السطح يقدر أن يحطه وإن لم يفعل المقتدر معنا ما نستحقه قابلناه بما يستحق! إلى غير ذلك، وكثر شغبهم ومطاولتهم وأدخلوا في الأرزاق أولادهم وأهليهم ومعارفهم وأثبتوا أسماءهم، فصار لهم في الشهر مائة ألف وثلاثون ألف دينار.\rواتفق أن الفرسان شغبوا في طلب أرزاقهم فقيل لهم إن بيت المال فارغ وقد انصرفت الأموال إلى الرجالة، فثار بهم الفرسان واقتتلوا فقتل من الفرسان جماعة فاحتج المقتدر على الرجالة بقتلهم وأمر محمد ابن ياقوت صاحب الشرطة فطرد الرجالة من دار المقتدر ونودي فيهم بخروجهم عن بغداد ومن أقام حبس، وهدمت دور عرفائهم وقبضت أملاكهم، وظفر بعد النداء بجماعة منهم فضربهم وحلق لحاهم وشعورهم وشهرهم. وهاج السودان تعصباً للرجالة فركب محمد أيضاً في الحجرية وأوقع بهم وأحرق منازلهم، فاحترق فيها جماعة منهم ومن أولادهم ونسائهم، فخرجوا إلى واسط. واجتمع منهم جمع كبير وتغلبوا عليها وطردوا عامل الخليفة، فسار إليهم مؤنس فأوقع بهم وأكثر القتل فيهم، فلم يقم لهم بعدها قائمة.\rعزل ابن مقلة\rووزارة سليمان في هذه السنة عزل أبو علي محمد بن مقلة عن وزارة الخليفة. وكان سبب عزله أن المقتدر كان يتهمه بالميل إلى مؤنس المظفر وكان المقتدر مستوحشاً من مؤنس ويظهر له الجميل، فاتفق أن مؤنساً خرج إلى أواناً و عكبراً، فركب ابن مقلة إلى دار المقتدر آخر جمادى الأولى فقبض عليه وكان بين ابن مقلة وبين محمد بن ياقوت عداوة فأنفذ إلى داره من حرقها ليلاً.\rقال: وأراد المقتدر أن يستوزر الحسين بن القاسم بن عبد الله وكان مؤنس قد عاد، فأنفذ إلى المقتدر يسأل أن يعاد ابن مقلة فلم يجبه إلى ذلك وأراد قتله، فرده علي بن عيسى عن ذلك فسأله مؤنس أن لا يستوزر الحسين، فتركه واستوزر سليمان بن الحسن في منتصف جمادى الآخرة، وأمر المقتدر علي بن عيسى بالإطلاع على الدواوين وأن لا ينفرد سليمان عنه بشيء. وصودر ابن مقلة بمائتي ألف دينار، وكانت مدة وزارته سنتين وأربعة أشهر وثلاثة أيام.\rوفيها أمر المقتدر بالقبض على أولاد البريدي. وكان ابن مقلة لما ولي الوزارة قلدهم الأعمال، فقلد أبا عبد الله الأهواز جميعها سوى السوس وجند يسابور وقلد أخاه الحسين الفراتية، وقلد أخاهما يوسف الخاصة والأسافل، وارتشى منهم على ذلك عشرين ألف دينار من أبي عبد الله. فلما قبض على ابن مقلة كتب المقتدر بخطه إلى أحمد بن نصر القشوري الحاجب يأمره بالقبض عليهم ثم استحضرهم إلى بغداد، وصودروا على أربعمائة ألف دينار، وكان لا يطمع منهم بهذا المبلغ وإنما طلب منهم ليجيبوا إلى بعضه فأجابوا إلى الجميع.\rخروج صالح والأغر","part":6,"page":300},{"id":2801,"text":"في هذه السنة في جمادى الأولى خرج خارجي من بجيلة من أهل البوازيج بها اسمه صالح بن محمود وعبر إلى البرية، واجتمع إلى جماعة من بني مالك. وسار إلى سنجار فأخذ من أهلها مالاً وخطب بها، فذكر بأمر الله وحذر وأطال في هذا ثم قال: نتولى الشيخين ونبرأ من الخبيثين ولا نرى المسح على الخفين! وسار منها إلى الشجاجية من أرض الموصل فطالب أهلا بالعشر ثم انحدر إلى الحديثة تحت الموصل وطالب المسلمين بزكاة أموالهم والنصارى بجزية رؤوسهم فجرى بينهم حرب فقتل من أصحابه جماعة، فعبر إلى الجانب الغربي فأسر أهل الحديثة ابناً له اسمه محمد فأدخلوه الموصل. ثم صار صالح إلى السن فصالحه أهلها على مال أخذه، وانحدر إلى تكريت فحاربه أهلها فقتل منهم جماعة ثم صالحوه على مال أخذه منهم، وانصرف إلى البوازيج وتنقل في بلاد الموصل فسار إليه نصر بن حمدان لخمس خلون من شعبان من السنة فقاتله قتالاً شديداً فقتل من رجال صالح نحو مائة رجل، وأسر صالح وابنان له فأدخلوا إلى الموصل، وحملوا إلى بغداد فأدخلوا مشهرين.\rوخرج في شعبان خارجي بأرض الموصل اسمه الأغر بن مطر الثعلبي، وسار من رأس عين إلى كفر توثا واجتمع عليه ألف رجل فدخلها ونهبها وقتل فيها، وسار إلى نصيبين فنزل بالقرب منها فقاتله أهلها ومعهم جمع من الجند فقتل منهم مائة رجل وأسر ألف رجل فباعهم نفوسهم، وصادر أهلها على أربعمائة ألف درهم. وبلغ خبره ناصر الدولة بن حمدان - وهو أمير ديار ربيعة - فسير إليه جيشاً فقاتلوه فظفروا به وأسروه فسيره ناصر الدولة إلى بغداد.\rوفيها خلع المقتدر بالله على ابنه هارون، وركب معه الوزير والجيش وأعطاه ولاية فارس وكرمان وسجستان ومكران. وفيها أيضاً خلع على ابنه أبي العباس الراضي واقطعه بلاد المغرب ومصر والشام وجعل مؤنساً المظفر يخلفه فيها، وحج بالناس عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز الهاشمي.\rودخلت سنة تسع عشرة وثلاثمائة:\rعزل سليمان\rعن الوزارة وتوليه أبي القاسم الكلوذاني الوزارة في هذه السنة قبض المقتدر على وزيره سليمان. وسبب ذلك أن الأموال ضاقت عليه، وكثرت المطالبات من الجند وغيرهم بأرزاقهم، واتصلت رقاع من يرشح للوزارة بالسعاية فيه والضمان بالقيام بأرزاق الجند وأرباب الوظائف، فأمر المقتدر بالقبض عليه وكان المقتدر يميل إلى وزارة الحسين بن القاسم، فامتنع مؤنس من الموافقة عليه وأشار بتوليه أبي القاسم الكلوذاني فاستوزره المقتدر بالله لثلاث بقين من شهر رجب، فكانت وزارة سليمان سنة واحدة وشهرين، ولم يستمر الكلوذاني في الوزارة غير شهرين وثلاثة أيام.\rعزل الكلوذاني\rووزارة الحسين في هذه السنة عزل أبو القاسم الكلوذاني عن وزارة الخليفة، ووزر الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب. وكان سبب ذلك أنه كان ببغداد إنسان يعرف بالدانيالي وكان زرافاً ذكياً محتالاً، فكان يعتق الكاغد ويكتب فيه أشياء قد وقعت فيما مضى من الزمان وأشياء تقع في المستقبل ويرى ذلك للناس. واتصل بهذا الدانيالي بمفلح الخادم وأظهره على أشياء استماله بها. فتوصل الحسين لهذا الرجل حتى جعل اسمه في جملة كتابٍ وضعه وعتقه، وذكر فيه علامة في وجهه وما فيه من الآثار ويقول إنه يزر للخليفة الثامن عشر من الخلفاء العباسيين وتستقيم الأمور على يديه ويقهر الأعادي وذكر في هذا الكتاب حوادث وقعت وحوادث تقع في المستقبل، ونسب ذلك إلى دانيال. وقرأ الكتاب على مفلح فأخذه منه وأوقف المقتدر عليه فقال له: أتعرف في الكتاب من هو بهذه الصفة؟ فقال: ما أعرف إلا الحسين بن القاسم قال: صدقت، قلبي يميل إليه، فإن جاءتك رقعة منه فاعرضها على واكتم حاله.\rفخرج مفلح إلى الدانيالي وقال: هل تعرف في الكتاب من هو بهذه الصفة؟ قال: لا! قال: فمن أين لك هذا الكتاب؟ قال: ورثته عن أبي، وورثه أبي عن آبائه،وهو من ملاحم دانيال عليه السلام! فأعاد ذلك إلى المقتدر بالله فقبله. فكتب الحسين رقعة إلى مفلح وهو يطلب الوزارة فكان ذلك من أعظم الأسباب لوزارته مع كثرة الكارهين له.","part":6,"page":301},{"id":2802,"text":"ثم اتفق أن الكلوذاني عمل حسبة بما يحتاج إليه من النفقات وما لهم من الأموال وعليها خطوط الدواوين فبقي يحتاج إلى سبعمائة ألف دينار لا جهة لها، فعرضها على المقتدر وقال: ليس لهذه جهة إلا ما يطلقه أمير المؤمنين من بيت المال الخاصة! فعظم ذلك على المقتدر، وكتب الحسين رقعة عندما بلغه ذلك سأل فيها الوزارة وأنه يضمن جميع النفقات ويستخرج سوى ذلك ألف ألف دينار تكون في بيت المال، فاستقال الكلوذاني، فعزل لليلتين بقيتا من شهر رمضان، واستوزر المقتدر بالله الحسين بن القاسم في هذا التاريخ.\rذكر تأكيد الوحشة بين مؤنس والمقتدر\rفي هذه السنة في ذي الحجة تجددت الوحشة بينهما وسبب ذلك أن مؤنساً بلغه أن الوزير قد وافق جماعة من القواد في التدبير عليه فتنكر له مؤنس. وبلغ الوزير أن مؤنساً يريد أن يكبس داره ليلاً ويقبض عليه، فتنقل في عدة مواضع ثم انتقل إلى دار الخلافة. وطلب مؤنس من المقتدر عزل الحسين ومصادرته فأجابه إلى عزله ولم يصادره، وأمر الحسين بلزوم داره فلم يقنع مؤنس بذلك فبقي في وزارته، فأوقع الحسين عند المقتدر أن مؤنساً يريد أخذ ولده أبي العباس ويسيره إلى الشام ويبايع له، فرده المقتدر إلى دار الخلافة فعلم ذلك أبو العباس، فلما أفضت إليه الخلافة فعل بالحسين ما نذكره إن شاء الله تعالى. وكتب الحسين إلى هارون - وهو يريد العاقول - بعد انصرافه من حرب مرداويج وانهزامه وهو بالمقدمة إلى بغداد، وكتب إلى محمد بن ياقوت - وهو بالأهواز - يأمره بالإسراع إلى بغداد، فصح عند مؤنس أن الوزير يدبر عليه وزاد مؤنساً نفاراً.\rودخلت سنة عشرين وثلاثمائة:\rذكر مسير مؤنس إلى الموصل\rفي هذه السنة في المحرم سار مؤنس المظفر إلى الموصل مغاضباً، للمقتدر لما صح عنده إرسال الوزير إلى هارون بن غريب الخال ومحمد بن ياقوت يستحضرهما. قال: وسير مؤنس خادمه بشرى برسالة إلى المقتدر، فسأله الحسين عن الرسالة فقال: لا أذكرها إلا أمير المؤمنين. فأنفذ إليه المقتدر يأمره بذكر رسالته للوزير فامتنع وقال: ما أمرني صاحبي بهذا! فسبه الوزير وشتم صاحبه وأمر بضربه وصادره بثلاثمائة ألف دينار وأخذ خطه بها وحبسه ونهب داره. فلما بلغ مؤنساً ما جرى على خادمه وكان ينتظر أن المقتدر يطيب قلبه ويعيده، سار ومعه جميع قواده ومماليكه، ومعه من الساجية ثمانمائة رجل. فتقدم الوزير بقبض إقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك من معه، فحصل من ذلك أموالاً عظيمة فزاد ذلك في محله عند المقتدر ولقبه عميد الدولة وضرب اسمه على الدنانير والدراهم وتمكن من الوزارة وولي وعزل ثم أخذ في التهوير فعزله المقتدر بالله.\rعزل الحسين\rعن الوزارة ووزارة ابن الفرات كان سبب عزله أنه ضاقت عليه الأموال وكثر الخرج فاستسلف جملة من مال هذه السنة وأخرجها من مال هذه السنة وأخرجها في سنة تسعة عشر. فأنهى هارون بن غريب ذلك إلى المقتدر، فرتب معه الخصيبي. فلما تولى معه نظر في أعماله فرآه قد عمل حسبة للمقتدر ليس فيه عليه وجه فأظهر ذلك للمقتدر، فأمر بجمع الكتاب وكشف الحال. فاعترفوا بصدق الخصيبي وقابلوا الوزير، فقبض عليه في شهر ربيع الآخر فكانت وزارته سبعة أشهر إلا أياماً. واستوزر المقتدر بالله الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات، وسلم إليه الحسين بن القاسم فلم يؤاخذه بإساءته.\rاستيلاء مؤنس على الموصل","part":6,"page":302},{"id":2803,"text":"قال: ولما سار مؤنس إلى الموصل كتب الحسين الوزير إلى سعيد وداود ابني حمدان وإلى ابن أخيهما ناصر الدولة الحسن ابن عبد الله بن حمدان بمحاربته وصده عن الموصل، فاجتمع بنو حمدان على محاربته إلا داود فإنه امتنع لإحسان مؤنس إليه، فإنه قد كان رباه في حجره بعد أبيه فما زال به إخوته حتى وافقهم، ولما أجابهم قال لهم: إنكم لتحملوني على البغي وكفران النعمة والإحسان وما آمن أن يجيئني سهم عاثر فيقع في نحري فيقتلني! فلما التقوا أتاه سهم كما وصف فقتله، ولما قرب مؤنس من الموصل كان في ثمانمائة فارس. واجتمع بنو حمدان في ثلاثين ألفاً فالتقوا واقتتلوا فانهزم بنو حمدان ودخل مؤنس الموصل واستولى على أموال بني حمدان وديارهم، فخرج إليه كثير من العساكر من بغداد والشام ومصر وعاد إليه ناصر الدولة بن حمدان فصار معه وكان دخول مؤنس إلى الموصل في ثالث صفر، وأقام بها سبعة أشهر، وعزم على الانحدار إلى بغداد.\rمقتل المقتدر بالله\rقال: ولما اجتمعت العساكر إلى مؤنس بالموصل قالوا له: اذهب بنا إلى الخليفة فإن أنصفنا وأجرى أرزاقنا وإلا قاتلناه فانحدر مؤنس من الموصل في شوال، وبلغ خبره جند بغداد فشغبوا وطلبوا أرزاقهن ففرق المقتدر فيهم أموالاً كثيرة إلا أنها لم تسعهم وأنفذ المقتدر أبا العلاء سعيد بن حمدان وصافيا البصري في خيل عظيمة إلى سامراء وأنفذ أبا بكر محمد بن ياقوت في ألفي فارس ومعه الغلمان الحجرية إلى المعشوق. فلما وصل مؤنس إلى تكريت جعل العسكر الذين مع ابن ياقوت يتسللون ويهربون إلى بغداد، ونزل مؤنس بباب الشماسية، فلما رأى ذلك رجع ابن ياقوت إلى عكبرا، وسار مؤنس فتأخر ابن ياقوت وغيره وعادوا إلى بغداد. ونزول مؤنس بباب الشماسية، ونزل ابن ياقوت وغيره مقابلهم واجتهد المقتدر بخاله هارون بن غريب فلم يفعل وقال أخاف من عسكري فإن بعضهم أصحاب ليخرج مؤنس وبعضهم قد انهزم أمس من مرداويج فأخاف أن يسلموني وينهزموا عني! فلم يزل به حتى أخرجه، وأشار الناس على المقتدر بإخراج المال منه ومن أمه ليرضى الجند وقالوا: إنه متى سمع أصحاب مؤنس بتفريق الأموال تفرقوا عنه، فاضطر إلى الهرب فقال: لم يبقى لي ولا لوالدتي شيء! وأراد المقتدر أن ينحدر إلى واسط ويكاتب العساكر من البصرة والأهواز وفارس وكرمان وغيرها ويترك بغداد لمؤنس إلى أن يجتمع إليه العساكر ويعود إلى قتاله، فرده ابن ياقوت عن ذلك، وزين له اللقاء وقوى نفسه أن القوم متى رأوه عادوا بأجمعهم إليه فرجع إلى قوله وهو كاره، ثم أشار عليه بحضور الحرب فخرج وهو كاره وبين يديه الفقهاء ومعهم المصاحف منشورة وعليه البردة والناس حوله، فوقف على تل بعيد من المعركة فأرسل إليه قواده يسألونه التقدم مرة بعد أخرى، فلما ألحوا عليه تقدم من موضعه فانهزم أصحابه قبل وصوله إليهم. وكان قد أمر فنودي. من جاء بأسير فله عشرة دنانير ومن جاء برأس فله خمسة. فلما انهزم أصحابه لقيه علي بن يلبق - وهو من أصحاب مؤنس - فترجل وقبل الأرض وقال له: أين تمضي؟ ارجع، فلعن الله من أشار عليك بالحضور! فأراد الرجوع، فلحقه قوم من المغاربة والبربر، فتركه علي وسار، فشهروا سيوفهم فقال: ويحكم أنا الخليفة! فقالوا: قد عرفناك يا سفلة، أنت خليفة إبليس، تبذل في كل رأس خمسة دنانير وفي كل أسير عشرة دنانير. وضربه أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض، وذبحه بعضهم - وقيل إن علي بن يلبق رمز إلى بعضهم فقتله - وذلك في يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال سنة عشرين وثلاثمائة.\rقال: ولما قتل رفعوا رأسه على خشبة وهم يكبرون ويلعنونه، وأخذوا جميع ما عليه حتى سراويله، وتركوه مكشوف العورة إلى أن مر به رجل أكار فستره بحشيش، ثم حفر له في موضعه ودفن، وعفا قبره. وهذا ومؤنس في الراشدية لم يشهد الحرب، فلما حمل رأس المقتدر إليه بكى ولطم وجهه ورأسه وقال: يا مفسدون ما هكذا أوصيتكم، والله لنقتلن كلنا، وأقل ما في الأمر أن تظهروا أنكم قتلتموه خطأ ولم تعرفوه!","part":6,"page":303},{"id":2804,"text":"وتقدم مؤنس إلى الشماسية، وأنفذ إلى دار الخلافة من يمنعها من النهب. ومضى عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب ومحمد بن ياقوت وابنا رائق إلى المدائن. وكان ما فعله مؤنس سبباً لجرأة أصحاب الأطراف على الخلفاء وطمعهم واستبدادهم، وانحرفت حرمة الخلافة لقتل المقتدر، وضعف أمرها حتى انتهى إلى ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rقال: وقتل وعمره ثمان وثلاثون سنة وخمسة أيام، وكان مدة خلافته أربعاً وعشرين سنة وأحد عشر شهراً وستة عشر يوماً، وكان ربع القامة دري اللون أحور أصهب، وكان نقش خاتمه \" الحمد لله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع خالق كل شيء \" ويقال إن المقتدر بذر من الأموال تضييعاً في غير وجهها نيفاً وتسعين ألف ألف دينارٍ سوى ما أنفقه في الوجوه، وكان يصرف إلى الحرمين وفي طريقهما في كل سنة ثلاثمائة ألف وخمسة عشر ألف دينار وأربعمائة وستة وعشرين ديناراً وإلى الثغور وأربعمائة ألف وواحد ألف وأربعمائة وست وخمسين ديناراً وكان يجري على القضاة في كل الممالك ستة وخمسين ألفاً وخمسمائة وواحداً وأربعين ديناراً، وعلى الفقهاء بالحضرة ثلاثة عشر ألفاً وخمسمائة وتسعة وستين ديناراً، وعلى من يتولى الحسبة والمظالم في جميع البلاد أربعة وثلاثين ألفاً وأربعمائة وتسعة وثلاثين ديناراً، وعلى أصحاب البريد تسعة وسبعين ألفاً وأربعمائة دينار، وغير ذلك من الجرايات على أصناف الناس وطبقاتهم. وعجز ارتفاع ممالكه عن نفقاته ألفي ألف وتسعة وثمانين ألفاً وثمانمائة وأربعة وسبعين ديناراً، ولم ينقص أحداً شيئاً فأنفق ما كان في بيوت الأموال قبله.\rقال: ومات في أيامه خمسة عشر ألف أمير ومقدم مذكور فكانت والدته تطوي عنه الرزايا والفجائع وتقول: إظهارها يؤلم قلبه! فأدى ذلك إلى انتشار الفساد في ممالكه.\rوكان الناس قد ملوا أيامه لطولها، حتى إذا تصرمت تمنوا ساعة منها، فأعوزتهم، وشملتهم الحوادث والطوارق. وكان له من الأولاد الراضي والمتقي والمطيع وعبد الواحد وعباس وهارون وعلي وإسماعيل وعيسى وموسى وأبو العباس.\rووزر له من ذكرنا وهم: العباس بن الحسن، وأبو الحسن بن الفرات ثلاث دفعات وقد ذ كرنا أخباره، ومحمد بن عبد الله بن خاقان. وعلي بن عيسى دفعتين، وكان موصوفاً بالعلم والدين والعقل، وساس الدنيا السياسة التي عمرت البلاد، وكان يستغل ضياعه في السنة سبعمائة ألف دينار يخرج منها في وجوه البر ستمائة ألف دينار وينفق أربعين ألف دينار على خاصته، وكان يصوم نهاره ويقوم ليله، ولما حبس كان يلبس ثيابه ويتوضأ ويقوم ليخرج إلى صلاة الجمعة فيرده الموكلون به فيقول: اللهم أشهد! وكانت له آثار حسنة ومآثر جميلة منها أنه أشار على المقتدر أن يوقف المستغلات ببغداد على الحرس والثغور - وغلتها في كل شهر ثلاثة عشر ألف دينار - والضياع الموروثة بالسواد وارتفاعها نيف وثمانون ألف دينار سوى الغلة، ففعل ذلك وأفرد لهذا الموقف ديواناً سماه ديوان البر، وكان يجري على خمسة وأربعين ألف إنسانٍ جراياتٍ تكفيهم، وخدم السلطان سبعين سنةً لم يزل فيها نعمة أحد ولم يقتل أحداً، ولم يسع في ذمة ولم يهتك حرمة أحد، ومات في آخر ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وله تسع وثمانون سنة وستة أشهر ويوم واحد، رحمه الله! ووزر له حامد بن العباس، وأبو القاسم الخاقاني، وأحمد بن عبد الله الخصيبي، وأبو علي بن مقلة، وسليمان بن الحسين بن مخلد، وعبد الله الكلوذاني، والحسين بن القاسم بن عبيد الله، والفضل بن جعفر بن الفرات.\rقضاته: يوسف بن يعقوب ثم ابنه محمد بن يوسف، ثم أبو عمر، ثم عبد الله بن أبي الشوارب، ثم ابنه محمد، ثم أحمد بن إسحاق بن البهلول، ثم عمر بن محمد بن يوسف، والحسن بن عبد الله، وعمر بن الحسن بن أبي الشوارب.\rحجابه: سوسن مولى المكتفي، ونصر القشوري، وياقوت مولى المعتضد، وغيرهم.\rالأمراء بمصر: عيسى النوشري، ثم تكين الخزري، ثم وصل مؤنس إلى مصر فصرف تكين وولاها ذكاء الأعور ثم مات فأعيد تكين، ثم هلال بن بدر، ثم أحمد كيغلغ، ثم تكين مرة ثالثة.","part":6,"page":304},{"id":2805,"text":"القضاة بها: أبو عبيد الله بن علي بن الحسين البزاز إلى أن ورد كتاب ابن الفرات بصرفه ورد القضاء إلى عبد الله بن مكرم شاب من شهود أبي عمر، فاستخلف له أبو الذكر بن يحيى التمار، ثم ورد إبراهيم بن محمد الطبري خليفة لعبد الله، ثم صرف عبد الله وولي إبراهيم بن حماد فاستخلف أبا علي عبد الرحمن بن إسحاق، ثم صرف هارون وولي أبو محمد عبد الله بن أحمد بن رزين، وولي تكين أبا هاشم إسماعيل بن عبد الواحد الربعي.\rخلافة القاهر بالله هو أبو منصور محمد بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد وقد تقدم ذكر نسبه، وأمه أم ولد اسمها قبول. وهو التاسع عشر من الخلفاء العباسيين، بويع له بعد مقتل أخيه المقتدر في يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلاثمائة. قال: ولما قتل المقتدر بالله عظم قتله على مؤنس كما ذكرناه فقال: الرأي ننصب ولده أبا العباس في الخلافة فإنه تربيتي، وهو صبي عاقل فيه دين وكرم ووفاء بما يقول، فإذا جلس في الخلافة سمحت نفس جدته والدة المقتدر وإخوته وغلمان أبيه ببذل الأموال ولم ينتطح في قتل المقتدر عنزان فعارضه أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختي وقال: بعد الكد استرحنا من خليفة له أم وخالة وخدم يدبرونه فنعود إلى تلك الحالة، لا والله لا نرضى إلا برجل كامخل يدبر نفسه ويدبرنا! وما زال حتى رد مؤنساً عن رأيه، وذكر له أبا منصور محمد فأجابه مؤنس إلى ذلك. وكان النونجتي في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه! فإن القاهر قتله كما نذكر إن شاء الله تعالى، فأمر مؤنس بإحضاره فبايعوه بالخلافة، ولقبوه القاهر بالله. كان مؤنس كارهاً لخلافته والبيعة له يقول: أنا عارف بشره وسوء نيته ولكن لا حيلة! قال: ولما بويع استحلفه مؤنس لنفسه ولحاجبه على بن يلبق، وأخذ خطه بذلك.\rولما استقرت الخلافة له وبايعه الناس استوزر أبا علي بن مقلة وكان بفارس فاستقدمه، واستحجب على بن يلبق. وشرع القاهر في البحث عمن استتر من أولاد أخيه المقتدر وحرمه، وأحضر والدته - وكانت مريضة بالاستسقاء - وسألها عن المال فاعترفت له بما عندها من المصوغ والثياب ولم تعترف بشيء من المال والجوهر، فضربها أشد ما يكون من الضرب وعلقها برجلها وضرب المواضع المستورة من بدنها فحلفت أنها لا تملك غير ما أطلعته عليه وقالت: لو كان عندي مال لما سلمت ولدي للقتل! ولم تعترف بشيء.\rوصادر جميع حاشية المقتدر بالله وأصحابه، وأخرج والدته لتشهد على نفسها القضاة والعدول بأنها قد حلت أوقافها ووكلت في بيعها، فامتنعت من ذلك وقالت: قد أوقفتها على أبواب البر والقربات بمكة والمدين والثغور وعلى الضعفاء والمساكين ولا أستحل حلها ولا بيعها، وإنما أوكل في بيع أملاكي! فلما علم القاهر بذلك أحضر القاضي والشهود وأشهدهم على نفسه أنه قد حل وقوفها جميعها ووكل في بيعها، فبيع ذلك كله واشتراه الجند من أرزاقهم.\rوتقدم القاهر بكبس الدار التي سعى إليه أن أولاد المقتدر اختفوا بها، فلم يزل كذلك إلى أن وجد منهم أبا العباس الراضي وعلياً والعباس وهارون وإبراهيم والفضل فحملوا إلى دار الخلافة فصودروا على مال كثير، وسلمهم علي بن يلبق لكاتبه الحسن بن هارون، فأحسن صحبتهم وخدمهم. قال: وقبض الوزير على جماعة من العمال وعزل بني البريدي وصادرهم.\rودخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة:\rخبر عبد الواحد\rبن المقتدر ومن معه كان عبد الواحد بن المقتدر بالله قد هرب عند قتل أبيه ومعه هارون بن غريب ومفلح ومحمد بن ياقوت وابنا رائق إلى المدائن كما قدمنا، ثم انحدروا منها إلى واسط، فخافهم الناس.\rفأما هارون بن غريبٍ فإنه كتب إلى بغداد في طلب الأمان لنفسه ويبذل مصادرة ثلاثمائة ألف دينار على أن يطلق له أملاكه وينزل عن الأملاك التي استأجرها، ويؤدي من أملاكه حقوق بيت المال القديمة. فأجابه القاهر ومؤنس إلى ذلك،وكتب له كتاب أمان. وقلد أعمال ماه الكوفة وما سبذان ومهر جانقذق، وسار إلى بغداد.","part":6,"page":305},{"id":2806,"text":"وأما عبد الواحد فإنه خرج من واسط فيمن بقي معه ومضوا إلى السوس وسوق الأهواز فجنوا المال وطردوا العمال، وأقاموا بالأهواز، فجهز مؤنس إليهم جيشاً كثيفاً وجعل عليه يلبق. وكان الذي حرضهم على إيفاد الجيش أبو عبد الله البريدي وبذل مساعدته معجلة خمسين ألف دينار على أن يولي الأهواز وعند استقراره في الولاية يعجل ما بقي. فسار الجيش وفيهم أبو عبد الله، وكان محمد بن ياقوت قد استبد بالأموال والأمر، فنفرت قلوب من معه من القواد لذلك. فلما قرب يلبق من واسط. أظهروا ما في نفوسهم وفارقوه. ولما وصل إلى السوس فارق عبد الواحد ومحمد بن ياقوت الأهواز وسار إلى تستر، وفارقهما من معهما من القواد إلى يلبق بأمان.\rوبقي مفلح وسرور الخادم مع عبد الواحد فقالا لمحمد بن ياقوت: أنت معتصم بهذه المدينة وبمالك ورجالك ونحن لا مال معنا ولا رجال ومقامنا يضرك ولا ينفعك وقد عزمنا على أخذ الأمان لنا ولعبد الواحد بن المقتدر، فأذن لهما في ذلك فكتب إلى يلبق فأمنهم، فعبروا إليه. وبقي محمد بن ياقوت منفرداً فتحير وضعفت نفسه فترأس هو يُلبق واستقر بينهما أن يلبق يؤمنه ويضمن له أمان مؤنس والقاهر، ففعل. وخرج محمد بن ياقوت معه إلى بغداد ولما وصلوا وفى لهم القاهر بالله، وأطلق لعبد الواحد أملاكه وترك لوالدته المصادرة التي كان صادرها بها، واستولى أبو عبد الله البريدي على البلاد، وعسف أهلها، وأخذ أموال التجار وعمل بأهل البلاد ما لا تعمله الفرنج ولم يمنعه أحد عما يريد وأعاد إخوانه إلى أعمالهم.\rذكر استيحاش مؤنس وأصحابه من القاهر\rفي هذه السنة استوحش مؤنس المظفر ويلبق الحاجب وولده علي والوزير أبو علي بن مقلة من القاهر بالله وضيقوا عليه وعلى أسبابه. وكان سبب ذلك أن محمد بن ياقوت تقدم عند القاهر وعلت منزلته وصار يخلو به ويشاوره فعظم ذلك على ابن مقلة لعداوة كانت بينه وبني ابن ياقوت، فألقى إلى مؤنس أن محمداً يسعى به عند القاهر وأن عيسى الطبيب يسفر بينهما في التدبير عليه، فوجه مؤنس علي بن يلبق لإحضار عيسى الطبيب فوجده بين يدي القاهر، فأخذ وأحضره عند مؤنس فسيرته من ساعته إلى الموصل، واجتمعوا على الإيقاع بمحمد بن ياقوت وكان في الخيام. فركب على ابن يلبق في جند ليكبسه، فوجده قد اختفى فنهب أصحابه، واستتر محمد بن ياقوت.\rووكل علي بن يلبق على دار الخليفة أحمد بن زيزك وأمره بالتضييق على القاهر بالله وتفتيش كل من يدخل الدار ويخرج منها، وأن يكشف وجوه النساء، وإن وجد رقعة رفعها إلى مؤنس ففعل ذلك وزاد عليه حتى إنه حمل إلى دار القاهر لبن فادخل يده فيه. ونقل يلبق من كان بدار القاهر محبوساً إلى داره كوالدة المقتدر وغيرها، وقطع أرزاق حاشيته. فعلم القاهر أن العتاب لا يفيد وأن ذلك برأي مؤنس وابن مقلة، فأخذ في الحيلة والتدبير على جماعتهم. وكان قد عرف فساد قلب طريف السبكري وبشرى خادم مؤنس وحسدهما ليلبق وولده على مراتبهما، فشرع في إغرائهما بيلبق وانبه. وعلم أيضاً أن مؤنساً ويلبق أكثر اعتمادهما على الساجية أصحاب يوسف بن أبي الساج وغلمان المنتقلين إليهما بعده، وكان قد وعداهم بالموصل مواعد أخلفاها فأرسل القاهر إليهم وأغراهم بهما وحلف لهم على الوفاء بما أخلفاه، فتغيرت قلوبُ الساجية. ثم أرسل أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله وكان صاحب مشورة ابن مقلة، ووعده بالوزارة فكان يطالعه بالأخبار.\rالقبض على مؤنس\rالمظفر ويلبق الحاجب وابنه وسبب ذلك أنه صح عندهم أن القاهر يدبر عليهم فخافوه، وحملهم الخوف على الجد في خلعه، واتفق رأيهم على البيعة لأبي أحمد بن المكتفي، فاستخلفوه وعقدوا له البيعة سراً، وحلف له يلبق وابنه علي والوزير ابن مقلة والحسن بن هارون ثم كشفوا الأمر لمؤنس فقال: لست أشك في شر القاهر وخبثه، ولقد كانت كارهاً لخلافته وأشرتُ بابن المقتدر بالله فخالفتم رأي، وقد بالغتم في الاستهانة به وما صبر على الهوان إلا من خبث طويته ليدبر عليكم، فلا تعجلوا حتى تؤنسوه وينبسط إليكم ثم تعرفوا من وطأة من القواد والساجية والحجرية واعملوا بعد ذلك! فقال علي بن يلبق والحسنُ بن هارون: ما يحتاج إلى هذا التطويل فإن الحجبة لنا والدار في أيدينا وما نحتاج إلى أن نستعين في القبض عليه بأحد لأنه بمنزلة طائر في قفص! وعملوا على معالجته.","part":6,"page":306},{"id":2807,"text":"فاتفق أن سقط يلبق من الدابة فاعتل ولزم بيته، فاتفق علي وابن مقفلة وحسناً لمؤنس خلع القاهر وهونا عليه أمره، فأذن لهما فاتفق رأيهما على أن يظهرا أن أبا طاهر القرمطي دخل الكوفة وأن علي بن يلبق سائر لقتاله ومنعه من بغداد، فإذا دخل لوداع القاهر بالله قبض عليه، فأشاعا ذلك، وكتب ابن مقلة رقعة إلى الخليفة يعرفه ذلك ويقول: إنني قد جهزت علي بن بلبق ليسير في هذا اليوم وأن يحضر العصر للخدمة ليأمره مولانا بما يراه فكتب القاهر في جوابه يشكره ويأذن في حضور ابن يلبق. فجاء جواب الخليفة وابن مقلة نائم فتركوه ولم يوصلوه إليه. فلما استيقظ كتب رقعة أخرى في المعنى، فأنكر القاهر الحال.\rفهو في هذا إذا وصلته رقعة طريف السبكري يذكر أن عنده نصيحة وأنه قد حضر في زي النساء لينهيها إليه، فاجتمع به القاهر، فذكر له جميع ما عزموا عليه وما هم فيه وما فعلوه من التدبير. فأنفذ القاهرُ إلى الساجية فأحضرهم متفرقين وكمنهم في الدهاليز والممرات والرواقات، وحضر علي بن يلبق بعد العصر وفي رأسه نبيذ ومعه عدد يسير من أصحابه في طيار له. وأمر جماعة من أصحابه بالركوب إلى الأبواب وصعد من الطيار وطلب إذن القاهر فلم يأذن له فغضب وأساء أدبه وقال: لا بد من لقائه شاء أو أبى! فأمر القاهر الساجية بردة، فخرجوا إليه وشتموه أباه، وشهروا سلاحهم وتقدموا إليه، ففر أصحابه عنه وألقى نفسه من الطيار وعبر إلى الجانب الغربي واختفى من ساعته.\rوبلغ ابن مقلة الخبر فاستتر، واستتر الحسن بن هارون، فلما سمع طريف الخبر ركب في أصحابه بالسلاح، وحضر إلى دار الخليفة ووقف عند القاهر بالله. فعظم الأمر حينئذ على ابن يلبق وجماعتهم وأنكر يلبق ما جرى على ابنه، وسب الساجية وركب إلى دار الخليفة في جميع القواد الذين بدار مؤنس، فلم يصل إلى القاهر وقبض عليه وعلى أحمد بن زيرك صاحب الشرطة وحبسهما وحصل الجيش كلهم في الدار فأنفذ القاهر إليهم وطيب قلوبهم ووعدهم الزيادة، وأنه يوقف هؤلاء على ذنوبهم ثم يطلقهم ويحسن إليهم فعادوا.\rوراسل القاهر مؤنساً في الحضور عنده ليعرض عليه ما وقع عليهم ليفعل ما يراه وقال: إنه عندي بمنزلة الوالد، وما أحب أن أعمل إلا إن رأيه! فاعتذر مؤنس عن الحركة، ونهاد أصحابه عن الحضور إليه فلما كان من الغد أحضر القاهر طريفاً السبكري وناوله خاتمه وقال له: قد فوضت إلى ولدي عبد الصمد ما كان المقتدر فوضه إلى ابنه محمد وقلدتك خلافته ورئاسة الجيش وإمارة الأمراء وبيوت الأموال كما كان ذلك إلى مؤنس فامض إليه واحمله إلى الدار فإنه مادام في منزله يجتمع إليه من يريد الشر ولا نأمن أمره! فمضى إلى دار مؤنس وعنده أصحابه في السلاح فسأله أصحاب مؤنس عن الحال فذكر سوء صنيع يلبق وابنه فكلهم سبهما، وعرفهم ما أخذ لهم من الأمان والعهود فسكنوا. ودخل إلى مؤنس وقد استولى عليه الكبر والضعف وأشار عليه بالحضور عند القاهر وقال: إن تأخرت طمع ولو رآك نائماً ما تجاسر أن يوقظك! فسار إليه، فلما دخل الدار قبض عليه وحبسه، وذلك في مستهل شهر شعبان.\rوأمر القاهر بالختم على دور من قبض عليهم ونقل دوابهم ووكل بحريمهم، وأمر بنقل ما في دار ابن مقلة وحرقها، ونهبت دور المعتقلين بها. وظهر محمد بن ياقوت وقام بالحجبة، ثم رأى كراهة طريف والساجية له فاختفى وهرب إلى ابنه بفارس، فكاتبه القاهر يلومه على عجلته بالهرب وقلده كور الأهواز، واستقدم القاهر عيسى الطبيب من الموصل، وجد القاهر بالله في طلب أحمد بن المكتفي، فظفر به، فبنى عليه حائطاً وهو حي فمات. وظفر بعلي بن يلبق، واستعمل على الحجية سلامة الطواوني وعلى الشرطة أحمد بن خاقان.\rمقتل مؤنس\rويلبق وابنه علي والنجونجتي كان مقتل هؤلاء في شعبان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. وسبب ذلك أن أصحاب مؤنس شغبوا وثاروا، وتبعهم سائر الجند، ونادوا بشعار مؤنس، وقالوا لا نرضى إلا بإطلاقه. وكان القاهر قد ظفر بعلي بن يلبق، وأفرد كل واحد منهم في بيت، فلما شغب الجند دخل القاهر إلى علي بن يلبق فأمر به فذبح وجعل رأسه في طست. ومضى والطست بين يديه حتى دخل على يلبق، فلما رأى رأس ابنه بكى وقبله، فأمر به القاهر فذبح وجعل رأسه في طست. وحملا بني يديه، ومضى حتى دخل على مؤنس فوضعهما بين يديه.","part":6,"page":307},{"id":2808,"text":"فلما رآهما تشهد واسترجع ولعن قاتلهما، فقال القاهر: جروا برجل الكلب الملعون! فجروا برجله وذبحوه، وجعلوا رأسه في طست. وطيف بالرؤوس في جانبي بغداد ونودي عليها هذا جزاء من يخون الإمام ويسعى في فساد دولته ثم أعيدت فنظفت وجعلت في خزانة الرؤوس على العادة. ولما قتلهم القاهر بالله اشتد أمره، وقويت نفسه، وخافه من حوله ممن وافقه وباطنه على قتلهم. وقتل أبا يعقوب النوبختي، ولقب نفسه بعد ذ لك القاهر بالله المنتقم من أعداء الله لدين الله. وضرب ذلك على الدنانير والدراهم.\rوزارة أبي جعفر\rمحمد بن القاسم وعزله وولاية الخصيبي قال: ولما قبض القاهر بالله على من ذكرناه وهرب ابن مقلة سأل: من يصلح للوزارة؟ فدل على أبي جعفر ابن القاسم بن عبيد الله، فاستوزره في شعبان فبقي وزيراً إلى يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة من السنة، فقبض القاهر بالله عليه وعلى أولاده وأخيه عبيد الله وحرمه، وكان مريضاً بقولنج، فبقي محبوساً ثمانية عشر يوماً ومات، فحمل إلى منزله وأطلق أولاده. واستوزر أبا العباس أحمد بن عبيد الله بن سليمان الخصيبي فكانت وزارة أبي جعفر ثلاثة أشهر واثني عشر يوماً والله تعالى أعلم.\rالقبض على طريف\rالسبكري كان طريف كما ذكرناه قد أعان القاهر بالله على القبض على من ذكرنا، وثبت قواعد دولته. فلما قوي القاهر بالله لم يقف عند أيمانه لطريف وبقي يسمعه ما يكره، ويستخف به، ويعرض له بالأذى. فلما رأى ذلك خافه وتيقن السوء، فلما قبض القاهر على الوزير أبي جعفر أحضر طريفاً وقبض عليه، فبقي محبوساً يتوقع القتل صباحاً ومساءً إلى أن خلع القاهر بالله.\rوفي هذه السنة أمر القاهر بتحريم الخمرة والغناء وسائر الأنبذة، ونفي بعض من كان يعرف بذلك إلى البصرة والكوفة وأمر ببيع الجواري والمغنيات على أنهن سواذج لا يعرفن الغناء، ثم وضع من يشتري له كل حاذقة في صنعة الغناء، فاشترى له منهن ما أراد بأبخس الأثمان. وكان القاهر مشتهراً بالغناء والسماع، فجعل ذلك طريقاً إلى تحصيل غرضه، وهذه نهاية في الخسة والشح، نعوض بالله من ذلك! وفيها كان ابتداء الدولة الديلمية البويهية، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. وفيها أمر علي بن يلبق - قبل القبض عليه - بلعن معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد على المنابر.\rودخلت سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة:\rخلع القاهر\rوسمله وشيء من أخباره كان خلع القاهر وسمله في يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى من هذه السنة، وسبب ذلك أن أبا علي بن مقلة والحسن بن هارون كانا قد استترا من القاهر، وجد في طلبهما فلم يظفر بهما فكانا يراسلان قواد الساجية والحجرية ويخوفانهم من شره ويذكران غدره، وأنه لا يتمسك بأيمانه، وأنه قبض على طريف بعد نصحه له، إلى غير ذلك. وكان ابن مقلة يجتمع بالقواد ليلاً - تارة في زي أعمى وتارة في زي مكدٍ وتارة في زي امرأة - ويغريهم بالقاهر. ثم إنه أعطى منجماً كان لسيما رئيس الساجية ومقدمهم مائتي دينار، وأعطاه الحسن مائة دينار فكان يذكر لسيما أن طالعه يقتضي أن القاهر ينكبه ويقتله. وأعطى ابن مقلة. أيضاً شيئاً لمعبر كان لسيما، فكان يحذره من القاهر بالله فازداد نفوراً ونقل إلى سيما أن القاهر يريد القبض عليه، فجمع الساجية وأعطاهم السلاح، وأنفذ إلى الحجرية فاجتمعوا وتحالفوا على اجتماع الكلمة وقتل من خالف منهم. فاتصل ذلك بالقاهر وبوزيره الخصيبي فأرسل إليهم ما الذي حملكم على هذا؟ فقالوا: قد صح عندنا أنا القاهر يريد القبض على سيما وقد عمل مطامير ليحبس قوادنا فيها!.","part":6,"page":308},{"id":2809,"text":"فلما كان في يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى اجتمع الساجية والحجرية عند سيما وتحالفوا على القبض على القاهر فقال سيما: قوموا بنا الساعة حتى نمضي العزم، فإنه إن تأخر علم به واحترز وأهلكنا! وبلغ ذلك الوزير فأرسل سلاماً الحاجب وعيسى الحاجب وعيسى الطبيب ليعلماه بذلك، فوجداه نائماً قد شرب أكثر ليلته، فلم يقدر على إعلامه بذلك، وزحف الحجرية والساجية إلى دار الخلافة، ووكل سيما بأبوابها من يحفظها، وبقي هو على باب العامة وهاجموا الدار من سائر الأبواب. فلما سمع القاهر الأصوات والجلبة استيقظ وهو مخمور، وطلب باباً يهرب منه، فقيل له إن الأبواب جميعها مشحونة بالرجال فهرب إلى سطح حمام ودخل القوم فلم يجدوه، فدلهم خادم صغير على موضعه فقصدوه. فإذا بيده سيف فألانوا له واجتهدوا به، فلم ينزل وقال: من صعد إلي قتلته! فأخذ بعضهم سهماً وقال: إن نزلت وإلا وضعته في نحرك! فنزل حينئذ إليهم وساروا إلى الموضع الذي فيه طريف السبكري فأخرجوه وحبسوا القاهر مكانه واستدعوا في تلك الليلة أحمد بن أبي الحسين الصابي فكحل القاهر بعد أن أقيم بين يدي الراضي بالله، وسلم عليه بالإمارة.\rوقيل في سبب خلعه إنه لما تمكن من الخلافة تنقص الساجية والحجرية على مر الأيام حتى كان لا يقضي لأكابرهم حاجة، ويلزمهم النوبة في داره، ويؤخر أعطياتهم ويغلظ لمن يخاطبه منهم في أمر، فاقبل بعضهم ينذر بعضاً ويتشاكون، ثم كان يقول لسلامة حاجبه: أنت بين يدي كنز مال يمشي فأي شيء يتبين في مالك لو أعطيتني ألف ألف دينار؟ فيحمل ذلك على الهزل، وكان وزيره الخصيبي خائفاً لما يرى منه.\rثم إنه حفر في الدار نحو خمسين مطمورة وأحكم أبوابها، فقيل إنها لمقدمي الساجية والحجرية، فازدادوا نفوراً، ثم إن جماعة من القرامطة أخذوا من فارس وأرسلوا إلى بغداد فحبسوا في تلك المطامير، فتقدم القاهر سراً بفتح الأبواب عليهم والإحسان إليهم، وعزم على أن يتقوى بهم بالقبض على مقدمي الساجية والحجرية. فأنكروا حال القرامطة وكونهم معه في داره وهو يحسن إليهم، وذكروا ذلك لوزيره وحاجبه فقالا له، فأخرجهم من دار الخلافة وسلمهم إلى محمد بن ياقوت وهو على شرطة بغداد فأنزلهم في دارٍ وأحسن إليهم. ثم صار القاهر يذم الساجية والحجرية في مجلسه ويظهر كراهتهم، فلما تبينوا ذلك من وجهه وحركاته أظهروا أن لبعض قوادهم عرسا، فاجتمعوا بحجبته وقرروا بينهم ما أرادوا وافترقوا. وأرسلوا إلى سابور خادم والدة المقتدر وكان قد اختص به فقالوا له: قد علمت ما فعل القاهر بمولاتك وقد ركبت في موافقته كل عظيم فإن وافقتنا على ما نحن عليه وتقدمت إلى الخدم بحفظه فعفا الله عما سلف منك وإلا فنحن نبدأ بك! فأعلمهم ما عنده من الخوف والكراهة للقاهر، وأنه موافقهم. هذا وابن مقلة يسعى كما ذكرنا.\rقال: ولما قبض على القاهر هرب وزيره الخصيبي وحاجبه سلامة، فكانت خلافة القاهر بالله سنة واحدة وستة أشره وثمانية أيام وهو أول خليفة سمل، ولم يزل في دار السلطان إلى أن أخرجه المستكفي بالله في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين. وثلاثمائة ورده إلى داره فأقام مدة ثم خرج إلى جامع المنصور في يوم الجمعة، وقام فعرف الناس نفسه وتصدق منهم وقال: أنا خليفتكم بالأمس وسائلكم اليوم! فأعطاه ابن أبي موسى ألف درهم وورده إلى داره وتوفي في خلافة المطيع في يوم الجمعة ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين، ودفن في دار طاهر وله اثنتان وخمسون سنة. وكان أبيض يعلوه حمرة مربوعاً أعين وافر اللحية ألثغ شديد الإقدام على سفك الدماء، أهوج محباً لجمع المال قبيح السياسة. وقد تقدم من أفعاله وضربه لوالدة أخيه المقتدر ومصادرتها ومصادرة أولاد أخيه وأمهات أولاده ما يستدل به على قبح أفعاله وسوء طويته وعدم تمسكه بما يبذله من الأيمان المغلظة والعهود المؤكدة ثم لا يقف عند ذلك. وكان نقش خاتمه محمد رسول الله وكان له من الأولاد أبو الفضل عبد الصمد وأبو القاسم عبد العزيز وهو ولي عهده.\rوزراؤه: أبو علي بن مقلة، ثم محمد بن القاسم، ثم أحمد بن عبد الله الخصيبي.\rحجابه: علي بن يلبق، ثم سلامة الطولوني.\rقاضية: عمر بن محمد بن يوسف.","part":6,"page":309},{"id":2810,"text":"الأمراء بمصر: تكين ثم محمد بن طغج الفرغاني المعروف بالإخشيد، ثم أحمد بن كيغلغ، وتغلب محمد بن تكين في أيامه ثم عاد الأمر إلى ابن كيغلغ.\rالقضاة بها ولي القاهر محمد بن الحسين بن أبي الشوارب فاستخلف أبا جعفر أحمد بن عبد الله بن قتيبة فشغب الرعية عليه ولم يزل إلى أن صرف ابن أبي الشوارب، ورد القضاء إلى أبي عثمان أحمد ابن إبراهيم بن حماد وإلى عبد الله بن موسى السرخسي.\rخلافة الراضي بالله هو أبو العباس أحمد بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله، وأمه أم ولد اسمها ظلوم،. وهو الخليفة العشرون من الخلفاء العباسيين بويع له بعد خلع عمه القاهر في يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وذلك أنه لما قبض القاهر كما ذكرناه سألوا الخدم عن المكان الذي هو فيه وكان محبوساً هو ووالدته، فدلوهم عليه فقصدوه وفتحوا عليه وسلموا عليه بالخلافة وأخرجوه وأجلسوه على سرير القاهر بالله ولقبوه الراضي بالله، وبايعه القواد والناس، وأقيم القاهر بين يديه وسلم عليه بالإمارة...\rقال: ولما ولى أمر بإحضار علي بن عيسى وزير المقتدر بالله وأخيه عبد الرحمن وصدر عن رأيهما فيما يفعله. وأراد علي بن عيسى على الوزارة فامتنع، لكبره وضعفه، وأشار بابن مقلة ثم قال سيما للراضي بالله: إن الوقت لا يحتمل أخلاق علي وابن مقلة أليق، فكتب له أماناً فحضر واستوزره.\rفلما وزر أحسن إلى كل من أساء إليه وقال عاهدت الله عند استتاري بذلك! وأرسل إلى الخصيي وعيسى الطبيب بالأمان فظهرا، فأحسن ابن مقلة إليهما، فاستعمل الخصيبي واستعمل أبا الفضل بن جعفر بن الفرات نائباً عنه على سائر الأعمال بالموصل والجزيرة وديار بكر وطريق الفرات والثغور الجزيرية والشامية، وأجناد الشام ومصر. واستعمل الراضي بالله على الشرطة بدراً الخرشني واستعمل محمد بن ياقوت على الحجبة ورئاسة الجيش، وأدخل يده في أمر الدواوين، وتقدم إليهم بأن لا يقبلوا توقيعاً بولاية وعزل وإطلاق إلا إذا خطه عليه، وأمرهم بحضور مجلسه فصبر ابن مقلة على ذلك وألزم نفسه بالمصير إلى دار ابن ياقوت في بعض الأوقات كالمتعطل.\rمقتل هارون\rبن غريب في هذه السنة قتل هارون بن غريب الخال، وسبب ذلك أن القاهر بالله كان استعمله على ماه الكوفة واسبذان وغير ذلك كما ذكرناه. فلما استخلف الراضي بالله رأى هارون أنه أحق بالدولة من غيره لقرابته من الراضي بالله. وكاتب القواد ببغداد يعدهم الإحسان والزيادة في الأرزاق، ثم سار من الدينور إلى خانقين، فعظم ذلك على ابن مقلة وابن ياقوت والحجرية والساجية، وشكوا ذلك إلى الراضي بالله فأعلمهم أنه كاره له وأذن لهم في منعه. فراسلوا له وبذلوا طريق خراسان زيادة على ما بيده، فلم يقنع وتقدم إلى النهروان وشرع في جباية الأموال، وظلم الناس، وسفهم وقويت شوكته. فخرج إليه محمد بن ياقوت في سائر جيوش بغداد ونزل قريباً منه، فهرب بعض أصحاب محمد ابن ياقوت إلى هارون. فراسله ابن ياقوت يستميله، ويبذل له فقال: لا بد من دخول بغداد! فلما كان في يوم الثلاثاء لست بقين من جمادى الآخرة تزاحف العسكران واشتد القتال فاستظهر أصحاب هارون لكثرتهم، وانهزم أكثر من مع ابن ياقوت ونهب أكثر سوادهم وكثر فيهم القتل والجراح، فسار محمد حتى قطع قنطرة نهر هناك. فبلغ ذلك هارون، فسار نحو القنطرة منفرداً عن أصحابه طمعاً في أسر محمد بن ياقوت وقتله، فتقنطر به فرسه فسقط عنه في ساقية فلحقه غلام له اسمه يمن فضربه بالطبرزين حتى أثخنه وكسر عظامه ثم نزل إليه فذبحه، ثم رفع رأسه وكبر فانهزم أصحابه وتفرقوا ودخل بعضهم بغداد سراً. ونهب سوادُ هارون، وقتل جماعة قواده، وأسر جماعة، وسار محمد إلى موضع جثة هارون فأمر بحملها إلى مضربه وأمر بغسله وتكفينه وصلى عليه ودفنه، ودخل بغداد وراس هارون بين يديه ورؤوس جماعة من قواد هارون فنصبت ببغداد!\rمقتل ابن الشلمغاني\rومذهبه","part":6,"page":310},{"id":2811,"text":"في هذه السنة قتل أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي العراقيد، وشلمغان التي ينسب إليها قرية بنواحي واسط، وكان سبب ذلك أنه قد أحدث مذهباً غالياً في التشيع والتناسخ وحلول الإلهية فيه، وإلى غير ذلك، وكان ظهوره في مبدأ وزارة حامد بن العباس أحد وزراء المقتدر بالله، ثم اتصل الشلمغاني بالمحسن بن الفرات في وزارة أبيه الثالثة، ثم طلب في وزارة الخاقاني فاستتر وهرب إلى الموصل. وبقي سنين عند ناصر الدولة بن حمدان، ثم انحدر إلى بغداد واستتر، ثم ظهر عنه أنه يدعي الربوبية لنفسه. وقيل إنه اتبعه على ذلك الحسين ابن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب الذي وزر للمقتدر بالله، وأبو جعفر، وأبو علي ابنا بسطام، وإبراهيم ابن محمد بن أبي عون، وابن شبيب ويزيد وأحمد بن محمد بن عبدوس.. كانوا يعتقدون ذلك فيه وظهر ذلك عنهم، وطلبوا في وزارة بن مقلة للمقتدر فلم يوجدوا.\rفلما كان في شوال سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة ظهر ابن الشلمغاني فقبض عليه الوزير ابن مقلة وسجنه وكبس داره فوجد فيها رقاعاً وكتباً ممن يدعي فيه الربوبية يخاطبونه بما لا تخاطب به البشر بعضهم بعضاً. وفيها خط الحسين بن القاسم، فعرضت الخطوط عليه فأقر أنها خطوطهم وأنكر مذهبه، وأظهر الإسلام وتبرأ مما يقال فيه. فأخذ ابن أبي عون وابن عبدوس فأحضرا معه عند الخليفة وأمرا بصفعه فامتنعا، فلما أكرها صفعه ابن عبدوس، ومد ابن أبي عون يده إلى لحيته ورأسه فارتعدت يده فقبل لحيته ورأسه وقال: إلهي وسيدي ورازقي! فقال له الراضي: قد زعمت أنك لا تدعي الإلهية فما هذا؟ فقال: و ما علي من قول ابن أبي عون، والله يعلم أنني ما قلت له إني إله قط! فقال ابن عبدوس: إنه لم يدع الإلهية وإنما ادعى أنه الباب إلى الإمام المنتظر مكان الحسين بن روح! ثم أحضروا عدة مرات ومعهم القضاةُ والفقهاء وغيرهم، وفي آخر الأمر أفتى الفقهاء بإباحة دمه فصلب هو وابن أبي عون، وأحرقا بالنار في ذي القعدة. وكان الحسين بن القاسم بالرقة فأرسل الراضي بالله إليه فقتل في ذي القعدة، وحمل رأسه إلى بغداد.\rوكان مذهب الشلمغاني أنه إله الآلهة بحق الحق، وأنه الأول القديم، الظاهر الباطن، الرازق التام، المومأ إليه بكل معنى. وكان يقول: إن الله سبحانه وتعالى يحل في كل شيء على قدر ما يحتمل، وإنه خلق الضد ليدل على المضدود، فمن ذلك أنه حل في آدم عليه السلام لما خلقه، وفي إبليس لما خلقه وكلاهما ضد لصاحبه لمضادته إياه في معناه، وأن الدليل على الحق أفضل من الحق، وأن الضد أقرب إلى الشيء من شبيبهه، وأن الله عز وجل إذا حل في جسد ناسوتي أظهر من المقدرة المعجزة ما يدل على أنه هو، وأنه لما غاب آدم ظهر اللاهوت في خمسة ناسوتية كلما غاب منهم واحد ظهر مكانه آخر في خمسة أبالسة أضداد لتلك الخمسة، ثم اجتمعت اللاهوتية في إدريس وإبليسه وتفرقت بعدهما كما تفرقت بعد آدم، واجتمعت في نوح عليه السلام وإبليسه وتفرقت بعدهما، واجتمعت في صالح وإبليسه عاقر الناقة وتفرقت بعدهما واجتمعت في إبراهيم عليه السلام وإبليسه نمرود وتفرقت لما غابا واجتمعت في موسى وإبليسه فرعون وتفرقت بعدهما، واجتمعت في سليمان وإبليسه وتفرقت بعدهما، واجتمعت في عيسى وإبليسه فلما غابا تفرقت في تلاميذ عيسى وأبالستهم، ثم اجتمعت في علي بن أبي طالب وإبليسه.\rوإن الله يظهر في كل شيء وكل معنى، وإنه في كل أحد بالخاطر الذي يخطر في قلبه فيتصور له ما يغيب عنه حتى كأنه يشاهده. وإن الله اسم لمعنى، وإن من احتاج الناس إليه فهو إله، ولهذا المعنى يستوجب كل أحد أن يسمى إلهاً، وأن كل أحد من أشياعه لعنه الله يقول: إنه رب لمن هو في دون درجته. وأن الرجل منهم يقول أنا رب لفلان وفلان رب ربي حتى يقع الانتهاء إلى ابن الشلمغاني فيقول: أنا رب الأرباب لا ربوبية بعده! ولا ينسبون الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما إلى علي، لأن من اجتمعت له الربوبية لا يكون له ولد ولا والد.\rوكان يسمون موسى ومحمداً صلوات الله عليهما الخائنين، لأنهم يدعون أن هارون أرسل موسى وعلياً أرسل محمداً فخاناهما.\rويزعمون أن علياً أمهل محمداً عدة سنين أصحاب الكهف فإذا انقضت العدة وهي ثلاثمائة وخمسون سنة انتقلت الشريعة.","part":6,"page":311},{"id":2812,"text":"ويقولون: إن الملائكة كل من ملك نفسه وعرف الحق، وإن الجنة معرفتهم وانتحال مذهبهم والنار الجهل بهم والعدول عن مذهبهم ويعتقدون ترك الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات، ولا يتناكحون بعقد ويبيحون الفروج، ويقولون: إن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث إلى كبراء قريش وجهابذة العرب ونفوسهم أبية فأمرهم بالسجود، وإن من الحكمة الآن أن يمتحن الناس بإباحة فروج نسائهم، وإنه يجوز أن يجامع الإنسان من شاء من ذوي رحمه وحرم صديقه وابنه بعد أن يكون على مذهبه، وإنه لا بد للفاضل منهم أن ينكح المفضول ليولج النور فيه، ومن امتنع من ذلك قلب في الدور الذي يأتي بعد هذا العالم امرأة، وإذ كان مذهبهم التناسخ.\rوكانوا يعتقدون إهلاك الطالبيين والعباسيين، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً! وهذه المقالة شبيهة بالمقالة النصيرية، فإنهم يعتقدون في ابن الفرات، ويجعلونه رأساً في مذهبهم.\rرجل ادعى النبوة\rوفي هذه السنة ظهر بباسند من أعمال الصغانيان رجل ادعى النبوة فقصده فوج بعد فوج واتبعه خلق كثير وحارب من خالفه، فقتل خلقاً كثيراً ممن كذبه، وكثر أتباعه خصوصاً من أهل الشاش. وكان صاحب حيل ومخاريق، وكان يدخل يده في حوض ماء فيخرجها مملوءة دنانير إلى غير ذلك من المخاريق، فكثر جمعه. فأنفذ إليه، أبو علي بن المظفر، جيشاً فحاربوه وضيقوا عليه - وهو فوق جبلٍ عالٍ - حتى قبضوا عليه، وقتلوه وحملوا رأسه إلى أبي علي، وقتلوا خلقاً كثيراً ممن ابتعه وآمن به. وكان يدعي أنه متى مات عاد إلى الدنيا، فبقي جماعة كبيرة بتلك الناحية مدة طويلة على ما دعاهم إليه ثم اضمحلوا وفنوا.\rوفيها سار الدمستق قرقاش في خمسين ألف من الروم فنازل ملطية وحصرها مدة طويلة حتى هلك أهلها بالجوع،وضرب خيمتين على إحداهما صليب وقال: من أراد النصرانية انحاز إلى خيمة الصليب ليرد عليه أهله وماله، ومن أراد الإسلام انحاز إلى الخيمة الأخرى وله الأمان على نفسه ونبلغه مأمنه، فانحاز أكثر المسلمين إلى خيمة الصليب طمعاً في أهلهم ومالهم. وسير مع الباقين بطريقاً يبلغهم مأمنهم، وفتحها بالأمان في مستهل جمادى الآخرة، وملكوا شمشاط وخربوا الأعمال، وأكثروا القتل، وفعلوا الأفاعيل الشنيعة، وصار أكثر البلاد في أيديهم.\rودخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة:\rالقبض على ابني ياقوت\rفي هذه السنة في جمادى الأولى قبض الراضي بالله على محمد والمظفر ابن ياقوت، وكان سبب ذلك أن الوزير أبا علي بن مقلة كان قد قلق لتحكم محمد بن ياقوت في الدولة بأسرها، وأنه هو ليس له حكم في شيء، فسعى به إلى الراضي وأدام السعاية. فلما كان في الخامس الشهر ركب جميع القواد إلى دار الخليفة على عادتهم، وحضر الوزير وأظهر الراضي أنه يريد يقلد جماعة من القواد أعمالاً، وحضر محمد بن ياقوت للحجبة ومعه كاتبه أبو إسحاق القراريطي. فخرج الخدم واستدعوا محمد بن ياقوت إلى الخليفة فدخل مبادراً، فعدلوا به إلى حجرة هناك فحبسوه، ثم استدعوا القراريطي فدخل فعدلوا به إلى حجرة، ثم استدعوا المظفر من بيته وكان مخموراً فحبسوه أيضاً، وأنفذ الوزير ابن مقلة إلى دار محمد من يحفظها من النهب، وكان ياقوت حينئذ مقيماً بواسط، فلما بلغه القبض على ابنيه انحدر يطلب فارس ليحارب ابن بويه وكتب إلى الراضي بالله يستعطفه ويسأل إيفاد ولديه ليساعداه على حربه.\rالبريدي وتقدمه\rفي هذه السنة قوي أمر أبي عبد الله البريدي وعظم شأنه، وسبب ذلك أنه ضامناً لأعمال الأهواز، ثم استولى عليها عسكر مرداويج الديلمي، وهزم ياقوت، فجاء إلى البصرة وصار يتصرف في أسافل أعمال الأهواز مضافاً إلى كتابه ياقوت. وادعى أخواه - وكان إليهما ضمان السوس وجند يسابور أن دخل البلاد لسنة اثنتين وعشرين أخذه عسكر مرداويج وأن دخل البلاد لسنة ثلاث وعشرين لا يحصل منه شيء، لأن نواب مرداويج ظلموا الناس فلم يبق لهم ما يزرعونه. وكان الأمر بضد ذلك في السنتين، فبلغ ذلك الوزير ابن مقلة فأنفذ نائباً له ليحقق الحال فواطأ ابني البريدي وكتب بصدقهما فحصل لهما بذلك مالاً عظيماً وقويت نفوسهما وكان مبلغ ما أخذاه أربعة آلاف ألف دينار.","part":6,"page":312},{"id":2813,"text":"وفيها قتل ناصر الدولة بن حمدان عمه أبا العلاء بن حمدان، وسبب ذلك أن أبا العلاء سعيداً ضمن الموصل وديار ربيعة سراً، وكان بها ناصر الدولة أميراً. فلما وصل إلى الموصل خرج ابن أخيه للقائه فخالفه في الطريق قصداً منه، فوصل أبو العلاء ودخل دار ابن أخيه وقعد ينتظره، فأنفذ ناصر الدولة جماعة غلمانه فقبضوا عليه ثم أنفذ جماعة غيرهم فقتلوه.\rابن مقلة وناصر الدولة\rقال: لما قتل ناصر الدولة عمه أبا العلاء واتصل خبره بالراضي بالله عظم ذلك عليه وأنكره، وأمر الوزير ابن مقلة بالمسير إلى الموصل، فسار إليها في شعبان بالعساكر. فلما قاربها رحل عنها ناصر الدولة ودخل الزوزان، وتبعه الوزير إلى جبل التنين ثم عاد عنه، وأقام بالموصل يجبي أموالها. فلما طال مقامه بالموصل احتال بعض أصحاب ابن حمدان على ولد الوزير - وكان ينوب عنه في الوزارة ببغداد - فبذل له عشرة آلاف دينارٍ ليكتب إلى أبيه يستدعيه فكتب إليه يقول: إن الأمور بالحضرة قد اختلت وإن تأخره لم يؤمن معه حدوث ما يبطل أمرهم. فانزعج الوزير لذلك، واستعمل على الموصل علي بن خلف بن طباب وماكرد الديلمي - وهو من الساجية - وانحدر إلى بغداد في منتصف شوال. فلما فارق الموصل عاد إليها ناصر الدولة بن حمدان فاققتل هو وما كرد الديلمي، فانهمز ابن حمدان. ثم عاد وجمع عسكرا آخر، والتقوا على نصيبين في ذي الحجة فانهزم ما كرد إلى الرقة ثم إلى بغداد، و انحدر ابن طباب أيضاً، واستولى ابن حمدان على الموصل والبلاد وكتب إلى الخليفة يسأله الصلح وأن يضمن البلاد فأجيب إلى ذلك. وفيها في المحرم قلد الراضي بالله ولديه أبا جعفر وأبا الفضل ناحيتي المشرق والمغرب مما بيده، وكتب بذلك إلى البلاد.\rوفيها في ليلة الثاني عشر من ذي القعدة انقضت الكواكب انقضاضاً دائماً مستمراً من أول الليل إلى آخره، وهي الليلة التي أوقع القرمطي فيها بالحجاج.\rوفيها مات محمد ياقوت في الحبس، واتهم ابن مقلة أنه سمه وأطلق أخوه المظفر من الحبس بشفاعة ابن مقلة، وحلف للوزير أنه يواليه ولا ينحرف عنه ولا يسعى له ولا لوالده بمكروه فلم يف له.\rوفهيا أرسل الوزير ابن مقلة رسولاً إلى محمد بن رائق بواسط. وكان قطع الحمل عن الخليفة فطالبه بارتفاع أموال واسط. والبصرة وما بينهما فأحسن إلى رسوله ورده برسالة ظاهرة إلى ابن مقلة يغالطه، وأخرى باطنة إلى الخليفة الراضي بالله مضمونها أنه إن استدعي إلى الحضور وفوضت إليه الأمور وتدبير الدولة، قام بجميع ما يحتاج إليه من نفقات الخليفة وأرزاق الجند. ولما سمع الخليفة، لم يعد إليه جوابها.\rودخلت سنة أربعٍ وعشرين وثلاثمائة:\rالقبض على ابن مقلة\rووزارة عبد الرحمن بن عيسى وغيره في هذه السنة عزم الوزير على المسير إلى ابن رائق لما عاد رسوله بغير مال، وحضر إلى دار الراضي في منتصف جمادى الأولى. فلما حضر الدار قبض عليه المظفر بن ياقوت والحجرية وأعلموا الراضي بذلك، فوافق رأيه فيه، واستحسن فعلهم. واختفى أبو الحسين بن أبي علي بن مقلة الوزير، وسائر أولاده، وحرمه وأصحابه. وطلب الحجرية والساجية من الخليفة أن يشير بوزير فرد الاختيار إليهم، فأشاروا على ابن عيسى، فاحضره الراضي بالله، فامتنع وأشار بأخيه الرحمن فاستوزره. وسلم إليه ابن مقلة فصادره، ثم عجز عبد الرحمن عن تمشية الأمور وضاق عليه المال فاستعفى من الوزارة وقبض عليه وعلى أخيه على في سابع شهر رجب، واستوزر أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي، وخلع عليه وسلم إليه علي بن عيسى فصادره على مائة ألف دينار، وصادر أخاه عبد الرحمن بسبعين ألف دينار.\rوفيها قتل ياقوت، وعظم البريدي وإخوته، وكان من أمر ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rعزل أبي جعفر\rووزارة سليمان بن الحسن قال: ولما تولى أبو جعفر الكرخي الوزارة رأى قلة الأموال وانقطاع المواد فعجز عن تدبير الحال، وضاق الأمر عليه، وقطع ابن رائقٍ حمل واسط والبصرة، وقطع البريدي حمل الأهواز وأعمالها. وكان ا بن بريه قد تغلب على فارس، فتحير أبو جعفر وكثرت المطالبات عليه ونقضت هيبته، فاستتر بعد ثلاثة أشهر ونصف من وزارته، فاستوزر الراضي أبا القاسم سليمان بن الحسن فكان في الوزارة كأبي جعفر في وقوف الحال وقلة المال!","part":6,"page":313},{"id":2814,"text":"ذكر استيلاء ابن رائق على العراق وتغلب الملوك على الأعمال وخروجهم عن الطاعة وتغير أحوال الوزارة وإبطال الدواوين.\rقال: لما رأى الراضي بالله وقوف الحال بالحضرة ألجأته الضرورة إلى أن راسل أبا بكر محمد بن رائق وهو بواسط. يعرض عليه إجابته إلى ما كان ما كان بذله من القيام بالنفقات وأرزاق الجند ببغداد، فأنفذ إليه الراضي بالله الساجية وقلده إمارة الجيش وجعله أمير الأمراء وولاه الخراج والمعاون في جميع البلاد والدواوين. وأمر أن يخطب له على جميع المنابر، وأنفذ إليه الخلع وانحدر إليه أصحاب الدواوين والكتاب والحجاب وتأخر الحجرية. فلما استقر الذين نزلوا إلى واسط. بها قبض على الساجية في ذي الحجة ونهب أموالهم ودوابهم، وأظهر أنه إنما فعل ذلك لتتوفر أرزاقهم على الحجرية، فاستوحش الحجرية من ذلك وقالوا: اليوم لهؤلاء وغد لنا وخيموا بدار الخلافة. وصعد ابن رائق إلى بغداد ومعه بجكم، فخلع الخليفة عليه في أواخر ذي الحجة، وأتاه الحجرية يسلمون عليه فأمرهم بقلع خيامهم فقلعوها وعادوا إلى منازلهم.\rوبطلت الدواوينُ من ذلك الوقت، فلم يكن الوزير ينظر في شيء من الأمور، إنما كان ابن رائق وكاتبه ينظران في الأمور جميعها، وكذلك كل من تولى إمرة الأمراء بعده، وصارت الأموال تحمل إلى خزائنهم فيتصرفون فيها كما يريدون، وبطلت بيوتُ الأموال. وتغلب أصحاب الأطراف وخلعوا الطاعة، ولم يبق بيد الخليفة غير بغداد وأعمالها، والحكم في جميعها لابن رائق ليس للخليفة حكم. وأما باقي الأطراف فكانت البصرة بيد ابن رائق، وخوزستان والأهواز في يد البريدي، وفارس في يد عماد الدولة ابن بويه، وكرمان في يد أبي محمد على بن إلياس، والري وأصفهان والجبل في يد ركن الدولة بن بويه ويد وشمكير أخي مرداويج يتنازعان عليها، والموصل وديار بكر ربيعة ومضر في يد بني حمدان، ومصر والشام في يد إلاخشيد أبي بكر محمد بن طغج والمغرب وأفريقية في يد أبي القاسم القائم بأمر الله بن المهدي، والأندلس في يد عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر الأموي، وخرسان وما وراء النهر في يد نصر بن أحمد الساماني، وطبرستان وجرجان في يد الديلم، والبحرين واليمامة في يد أبي طاهر القرمطي.\rوزارة الفضل\rبن جعفر بن الفرات قال: ولما ولي ابن رائق كتب كتاباً عن الراضي بالله إلى أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات يستقدمه للوزارة. وكان يتولى الخراج بمصر والشام، فظن ابن رائق أنه إن استوزر جبي له أموال الشام ومصر، فنفذت إليه الخلع قبل وصوله فلقيته بهيت، فلبسها ودخل بغداد وتولى وزارة الخليفة ووزارة ابن رائق جميعاً.\rودخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة:\rحرب البريدي\rفي هذه السنة أشار ابن رائق على الراضي بالله بالانحدار معه إلى واسط ليقرب من الأهواز ويراسل أبا عبد الله البريدي فإن أجاب إلى ما يطلب منه وإلا قرب قصده عليه، فأجاب الراضي بالله إلى ذلك. وانحدر أول المحرم فخالف الحجرية وقالوا: هذه حيلة علينا ليعمل بنا مثل ما عمل بالساجية! فلم يلتفت ابن رائق إليهم، وانحدر ومعه بعضهم، ثم انحدروا بعده. فلما صاروا بواسط اعترضهم ابن رائق فأسقط أكثرهم، فاضطربوا وثاروا فقاتلهم قتالاً شديداً، فانهزم الحجرية وقتل منهم جماعة. ولما وصل المنهزمون إلى بغداد ركب لؤلؤ صاحب الشرطة ببغداد، ولقيهم وأوقع بهم، فاستتروا، فنهبت دورهم وقبضت أملاكهم، وقطعت أرزاقهم.\rولما فرغ ابن رائق منهم قتل من كان قد اعتقله من الساجية سوى صافي الخازن وهارون بن موسى، ثم أخرج مضاربه ومضارب الراضي بالله نحو الأهواز في كل سنة بثلاثمائة ألف وستين ألف دينار يحمل كل شهر بقسطه وأجاب إلى تسليم الجيش إلى من يؤمر بتسليمه إليه، ممن يسير بهم إلى قتال ابن بويه إذ كانوا كارهين للعود إلى بغداد لضين الأموال بها واختلاف الكلمة. فعقد عليه الضمان وعاد الراضي وابن رائق إلى بغداد فدخلاها في ثامن صفر، وكان هذا القول من البريدي خديعة ومكراً، فإنه ما حمل من المال درهماً واحداً ولا سلم الجيش.","part":6,"page":314},{"id":2815,"text":"قال: ثم سعى ابن مقاتل عند ابن رائق في عزل وزيره الحسين بن علي النوبختي، وأشار عليه بالاعتضاد بالبريدي وأن يجعله وزيراً، وبذلك له ثلاثين ألف ديناراً، فأجاب ابن رائق إلى ذلك بعد امتناعٍ شديد وأمر ابن مقاتل أن يكتب إلى البريدي أن يرسل من ينوب عنه في وزارته فكتب إليه أن يكتب إليه بإنفاذ أحمد الكوفي لينوب عنه في وزارة محمد بن رائق فخدعاه حتى أجاب إليه، وكان نائب ابن رائق بالبصرة محمد بن يزداد، وقد أساء السيرة وظلم أهلها، فوعدهم يوسف ومناهم وذم ابن رائق عنده بما كان يفعله ابن يزداد، فدعوا له. ثم أنفذ أبو عبد الله البريدي غلامه إقبالاً في ألفي رجل وأمرهم بالمقام بحصن مهدي إلى أن يأمرهم بأمره، فلما علم ابن يزداد بهم علم أن البريدي يريد التغلب على البصرة، وأمر البريدي بإسقاط بعض ما كان ابن يزداد يأخذه من أهل البصرة، فاطمأنوا وقاتلوا معه عسكر ابن رائق، ثم عطف عليهم بعد ذلك وعمل بهم أعمالاً تمنوا أيام ابن رائق وعدوها أعياداً!\rابن رائق والبريدي\rوالحرب بينهما في هذه السنة ظهرت الوحشة بينهما، وكان لذلك أسباب منها أن ابن رائق لما عاد إلى بغداد أمر بظهور من اختفى من الحجرية، واستخدم منهم نحو ألفي رجلٍ، وأمر من بقي بطلب أرزاقهم، فخرجوا من بغداد والتحقوا بأبي عبد الله البريدي فأكرمهم وأحسن إليهم وذم ابن رائق وعابه، وكتب إلى بغداد يقول: خفتهم فلهذا قبلتهم! وجعلهم طريقاً إلى قطع ما استقر عليه من المال، وذكر أنهم اتفقوا مع الجيش الذي عنده ومنعوه من حمل المال، فأنفذ إليه ابن رائق يلزمه بإيفادهم فاعتذر ولم يفعل. ومنها أنه بلغه ما ذمه به عند أهل البصرة فساءه ذلك وبلغه مقام إقبال في جيشه بحصن مهدي فعظم عليه، فأمر بالكوفي أن يكتب إلى البريدي يعاتبه على هذه الأشياء ويأمره بإعادة عسكره من حصن مهدي، فكتب إليه في ذلك فأجاب أن أهل البصرة يخافون القرامطة وأن ابن يزداد عاجز عن حمايتهم وقد تمسكوا لخوفهم بأصحابي فسار ابن رائق إلى واسط فبلغ البريدي، فكتب إلى عسكره بحصن مهدي يأمرهم بدخول البصرة وقتال من منعهم، وأنفذ إليهم جماعة من الحجرية فقدموا وقاتلوا ابن يزاداد مرة بعد أخرى وهزموا إلى الكوفة، فكتب ابن رائق إلى البريدي يأمره بإعادة أصحابه من البصرة وتهدده إن لم يفعل، فاعتذر إليه وغالطه!\rاستيلاء بجكم على الأهواز\rوخروج ابن البريدي منها قال: ولما وصل جوابُ رسالة ابن البريدي إلى محمد بن رائق بالمعالطة عن إعادة جُنده من البصرة استدعى بدرا الخرشني وخلع عليه وعلى بجكم وسيّرهما في جيش وأمرهما أن يقيما بالجامدة، فبادر بُجكم ولم يتوقف على بدر وسار إلى السوس، فأخرج إليه البريديُّ جيشاً مع غلامه المعروف بالحمال عدته ثلاثة آلاف مقاتل، فالتقوا واقتتلوا بظاهر السوس. وكان مع بُجكم مائتان وسبعون رجلاً من الأتراك فانهزم أصحاب البريدي وعادوا إلى صاحبهم فضرب الحمال وسبّه ووبّخه على انهزامه ثم ردّد وأضاف إليه من لم يشهدوا الواقعة فبلغوا ستة آلاف رجل.\rفلما التقوا انهزموا من غير قتال، فلما رآهم البريدي ركب هو وإخوته ومن يلزمه في سفينة ومعه ما بقي عنده من المال وهو ثلاثمائة ألف دينار فغرقت السفينة بهم، فأخرجهم الغواصون وقد كادوا يهلكون، وأخرج الغواصون باقي المال لبجكم ووصل أولاد البريدي إلى البصرة وأقاموا بالأبلة وأعدوا المراكب للهرب إن هزم إقبال، وسير أبو عبد الله البريدي غلامه إقبالاً إلى مطاراً فالتقوا مع أصحاب ابن رائق فانهزمت الرائقية وأسر منهم جماعة فأطلقهم البريدي، وكتب إلى ابن رائق يستعطفه، وأرسل إليه جماعة من أعيان البصرة فلم يجبهم وطلبوا منه أن يحلف لأهل البصرة ليكونوا معه، فامتنع وحلف لئن ظفر بها ليحرقنها ويقتل كل من فيها فازدادوا بصيرة في قتاله واطمأن البريدي وأقام بالبصرة.","part":6,"page":315},{"id":2816,"text":"ثم جهز ابن رائق جيشاً آخر وسيره في البر وفي لاماء، فالتقى عسكره الذي في البر مع عسكر البريدي فانهزم الرائقية، وأما عسكر الماء فإنهم استولوا على الكلاء فلما رأى أبو عبد الله البريدي ذلك ركب في السفن وهرب إلى جزيرة أوال، وترك أخاه أبا الحسين بالبصرة في عسكر يحميها. فخرج أهل البصرة مع أبي الحسين لدفع عسكر ابن رائق عن الكلاء فقاتلوهم وأجلوهم عنه فسار ابن رائق بنفسه من واسط إلى البصرة على الظهر وكتب إلى بجكم ليلحق به فأتاه فيمن عنده من الجند، فتقدموا وقاتلوا أهل البصرة فاشتد القتال. فرجع ابن رائق وبجكم إلى معسكرهم، وأما أبو عبد الله البريدي فإنه سار إلى عماد الدولة بن بويه واستجار به وأطمعه في العراق وهون عليه أمر الخليفة وابن رائق، فنفذ معه أخاه معز الدولة وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوقال: ولما سمع ابن رائق إقبالهم من فارس إلى الأهواز سير بجكم إليها، ثم قصد جماعة من أصحاب البريدي عسكر ابن رائق ليلاً فصاحوا في جوانبه، فانهزموا. فلما رأى ابن رائق ذلك أمر بإحراق سواده وآلاته لئلا يغنمه البريديون. وسار إلى الأهواز جريدة وأقام بها أياماً، وعاد إلى واسط. وكان باقي عسكره قد سبقه إليها.\rودخلت سنة ست وعشرين وثلاثمائة:\rاستيلاء معز الدولة على الأهواز\rفي هذه السنة سار معز الدولة أبو الحسين بن بويه إلى الأهواز وتلك النواحي فملكها، وسبب ذلك ما ذكرناه من مسير أبي عبد الله البريدي إلى عماد الدولة بن بويه وترك البريدي ولديه أبا الحسن محمداً وأبا جعفر الفياض عند عماد الدولة رهينة. وساروا فبلغ الخبر بجكم بنزولهم أرجان، فسار لحربهم فانهزم من بين أيديهم إلى الأهواز، ثم إلى واسط. وأرسل إلى ابن رائق يعلمه الخبر ويقول له أن العسكر يحتاج إلى المال فإن كان معك مائتا ألف درهم فأقم بواسط حتى نصل إليك وتنفق فيهم المال وإلا فالرأي أن تعود إلى بغداد فعاد ابن رائق من و اسط إلى بغداد،ووصل بجكم إلى واسط.\rقال: ودخل معز الدولة بن بويه الأهواز فأقام بها خمسة وثلاثين يوماً، ثم هرب البريدي خوفاً منه على نفسه، وأمر جيشه الذين بالسوس فصاروا إلى البصرة، وكاتب معز الدولة أن يفرج له عن الأهواز حتى يتمكن من ضمانه، فإنه كان قد ضمن الأهواز والبصرة من عماد الدولة في كل سنة بثمانية عشر ألف ألف درهم، فرحل عنها عسكر مكرم وأنفذ البريدي خليفته إلى الأهوازت وأنفذ إلى معز الدولة بذكر خوفه ويطلب منه أن ينتقل إلى السوس ليبعد عنه ويأمن بالأهواز فامتنع معز الدولة من ذلك وعلم بجكم بذلك فأنفذ جماعة من أصحابه واستولوا على السوس وجنديسابور وبقيت الأهواز بيد البريدي، ولم يبق مع معز الدولة من كور الأهواز إلا عسكر مكرم فاشتد الحال عليه وفارقه بعض جنده وأرلاد الرجوع إلى فارس فكتب إلى أخيه عماد الدولة يعرفه الحال فأنفذ إليه جيشاً تقوى بهم، وعاد واستولى على الأهواز، وهرب البريدي إلى البصرة. واستقر ابن بويه بالأهواز، وبجكم بواسط طامعاً في الاستيلاء على بغداد ومكان ابن رائق، وهو لا يظهر ذلك.\rقال: ولما رأى أبو الفتح الوزير ببغداد إدبار الأمور أطمع ابن رائق في مصر والشام، وصاهره وعقد بينه وبين ابن طغج عهداً وصهراً وقال لابن رائق: أنا أجبي لك مال مصر والشام إن سيرتني إليهما! فسيره إلى الشام في شهر ربيع الآخر.\rالحرب بين بجكم والبريدي\rوالصلح بعد ذلك","part":6,"page":316},{"id":2817,"text":"قال: ولما أقام بجكم بواسط وعظم شأنه خافه ابن رائق أن يتغلب على العراق، فراسل عبد الله البريدي وطلب منه الصلح على بجكم، فإذا انهزم تسلم البريدي واسطاً وضمنها بستمائة ألف دينار في السنة. فسمع بجكم بذلك فاستشار أصحابه فيما يفعله فأشاروا عليه أن يبتدي بأبي عبد الله البريدي وأن لا يهجم إلى حضرة الخلافة ولا يكاشف ابن رائق إلا بعد الفراغ من البريدي. فجمع عسكره وسار إلى البصرة يريد البريدي، فسير أبو عبد الله البريدي جيشاً بلغت عدتهم عشرة آلاف رجل عليهم علامة أبو جعفر محمد الحمال، فالتقوا واقتتلوا فانهزم عسكر البريدي فلم يتبعهم بجكم وكف عنه. ثم أرسل إلى البريدي في ثاني يوم الهزيمة يعتذر إليه مما جرى ويقول له: أنت بدأت وتعرضت لي وقد عفوت عنك وعن أصحابك ولو تبعتهم لقتلت أكثرهم، وأنا أصالحك على أن أقلدك واسطاً إن ملكت الحضرة وأصاهرك! فسجد البريدي شكر الله تعالى وحلف لبجكم وتصالحاً، وعاد إلى واسط وأخذ في التدبير على ابن رائق.\rقطع يد ابن مقلة ولسانه\rفي هذه السنة في منتصف شوال قطعت يد الوزير أبي على مقلة وكان سبب ذلك أن الوزير أبا الفتح بن جعفر بن الفرات لما عجز عن الوزارة وسار إلى الشام استوزر الراضي بالله أبا علي بن مقلة وليس له من الأمر شيء، وإنما الأمر والنهي لمحمد بن رائق. وكان ابن رائق قد قبض على أموال ابن مقلة وأملاكه وأملاك ابنه، فخاطبه في ردها فلم يفعل، فاستمال أصحابه وسألهم مخاطبته في ردها فوعدوه ولم يفعلوا. فلما رأى ذلك سعي بابن رائق فكاتب بجكم يطمعه في موضع ابن رائق، وكتب إلى وشمكير مثل ذلك، وكتب إلى الراضي بالله يشير عليه بالقبض على ابن رائق وأصحابه ويضمن أنه يستخرج منهم ثلاثة آلاف ألف دينار، وأشار باستدعاء بجكم وإقامته مقام ابن رائق فأطمعه الراضي وهو كاره لما قاله، فعجل ابن مقلة وكتب إلى بجكم يعرفه إجابة الراضي ويستحثه على الحركة والمجيء إلى بغداد. وطلب ابن مقلة من الراضي بالله أن ينتقل ويقيم عنده بدار الخلافة إلى أن يتم على ابن رائق ما اتفقا عليه، فأذن له في ذلك فحضر متنكراً في آخر ليلة من شهر رمضان. فلما حضر إلى درا الخلافة لم يصل إلى الراضي وأمر باعتقاله فاعتقل في حجرة.\rفلما كان من الغد أرسل الراضي إلى ابن رائق يعرفه الحال، وعرض عليه خط ابن مقلة، وما زالت الراسل تتردد بينهما في المعنى إلى منتصف شوال، فأخرج ابن مقلة من محبسه وقطعت يده، وعولج فبرأ.\rثم كاتب الراضي يخطب الوزارة ويذكر أن قطع يده لم يمنعه من عمله، وكان يشد القلم على يده المقطوعة ويكتب، فلما قرب بجكم من بغداد سمع الخدم يتحدثون بذلك فقال: إن وصل بجكم فهو يستخلصني وأكافى ابن رائق! وصار يدعو على من ظلمه وقطع يده، فوصل خبره إلى الراضي باللهت وابن رائق فأمر بقطع لسانه، ثم نقل في محبس ضيقٍ ولم يكن عنده من يخدمه، فآلت به الحال إلى أن كان يستقي الماء من البئر بيده اليسرى ويمسك الحبل بفيه وناله شقاء شديد إلى أن مات في حادي عشر شوال سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ودفن بدار الخلافة.\rثم إن أهله سألوا فنبش وسلم إليهم فد فنوه، ثم نبشته زوجته ودفنته في دارها. ومن العجب أنه ولي الوزارة ثلاث دفعات، ووزر لثلاثة خلفاء وسافر ثلاث سفرات اثنتين منفياً إلى شيراز وواحدة إلى الموصل في وزراته، ودفن بعد موته ثلاث مرات وخص به من خدمه ثلاثة، وكان في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة في شهر ربيع الآخر ضرب ابن شنبوذ سبع درر لقراءات أنكرت عليه، فدعا عليه بقطع اليد وتشتيت الشمل، فاستجاب الله له!\rاستيلاء بجكم على بغداد","part":6,"page":317},{"id":2818,"text":"وشيء من أخباره وكيف تنقلت به الحال إلى أن بلغ هذه الرتبة. قال ابن الأثير الجزري في تاريخه الكامل: كان بجكم هذا من غلمان أبي العارض وزير ما كان بن كالي الديلمي فطلبه ما كان منه فوهبه له، ثم فارق ما كان مع من فارقه. من أصحابه، والتحق بمرداويج، وكان من جملة من قتله، وسار إلى العراق والتحق بمحمد بن رائق. وكان من أمره ما ذكرناه، فلما استقر بواسط تعلقت همته بالاستيلاء على حضرة الخليفة، وهو مع ذلك يظهر التبعية لابن رائق، وكان على أعلامه وتراسه بجكم الرائقي. فلما وصلته كتب الوزير ابن مقلة تذكر أنه استقر مع الراضي أن يقلده إمرة الأمراء زاد طعمه في ذلك وكاشف ابن رائق وقلع نسبته إليه من أعلامه، وسار من واسط نحو بغداد في غرة ذي القعدة. واستعد ابن رائق لحربه وسأل الراضي أن يكتب إلى بجكم يأمره بالعود إلى واسط، فكتب إليه فملا قرأ الكتاب ألقاه من يده وسار حتى نزل شرقي نهر ديالي. وكان أصحاب ابن رائق على غيره تعبئة، فألقى أصحاب بجكم نفوسهم في الماء فانهزم ابن رائق، وعبر أصحاب بجكم وساروا إلى بغداد، وخرج ابن رائق عنها إلى عكبرا. وكان دخول بجكم بغداد في ثالث عشر ذي القعدة، ولقي الراضي من الغد وخلع عليه وجعله أمير الأمراء، وكتب كتاباً عن الراضي إلى القواد الذين كانوا مع إبن رائق بالرجوع إلى بغداد، ففارقوه جميعهم وعادوا. فلما رأى ابن رائق ذلك عاد إلى بغداد واستتر، فكانت مدة إمارته سنةً واحدةً وعشرة أشهر وستة عشر يوماً.\rودخلت سنة سبع وعشرين وثلاثمائة:\rذكر مسير الراضي بالله وبجكم إلى الموصل وظهور ابن رائق ومسيره إلى الشام\rفي هذه السنة في المحرم سار الراضي وبجكم إلى الموصل وديار ربيعة لقصد ناصر الدولة ابن حمدان، فإنه كان قد أخر الملا المقرر عليه من ضمان البلاد، فلما بلغا تكريت أقام الراضي بها وسار بجكم، فلقيه ناصر الدولة بن حمدان على ستة فراسخ من الموصل، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم ابن حمدان إلى نصيبين وتبعه بجكم إليها، فسار إلى آمد ثم وقع الصلح بينهما على أن يحمل ابن حمدان خمسمائة ألف درهم معجلة فأجابه إلى ذلك.\rقال: وفي هذه الغيبة ظهر ابن رائق ببغداد واستولى عليها ولم يتعرض لدار الخليفة فعاد الراضي وبجكم إليها فراسلهما ابن رائق في طلب الصلح فأجابا إلى ذلك، فعقد له الخليفة على طريق الفرات، وديار مضر حران والرها وما جاورنهما، وجند قنسرين والعواصم، فأجاب ابن رائق أيضاً وسار عن بغداد إلى ولايته، دخل الراضي وبجكم بغداد في تاسع شهر ربيع الآخر، ثم استولى ابن رائق على الشام وملك مدينة حمص ثم سار إلى دمشق وبها بدر بن عبد ا لله الإخشيدي المعروف ببدير والياً عليها من قبل الإخشيد، فأخرجه ابن رائق وملكها. وسار إلى الرملة وإلى عريش مصر يريد الديار المصرية، فلقيه الإخشيد وحاربه فانهزم الأخشيد، فخرج عليهم أصحاب ابن رائق بالنهب ونزلوا في خيم الإخشيدية، فخرج عليهم كمين للإخشيد فأوقع بهم وهزمهم، فنجا ابن رائق في سبعين رجلاً ووصل إلى دمشق في أقبح صورة.\rفسير إليه الإخشيد أخانه أبا نصر بن طغج في جيش كثيف، فالتقوا في رابع ذي الحجة سنة ثمان وعشرين فانهزم الإخشيديون وقتل أبو نصر فأخذه ابن رائق وكفنه وحمله إلى أخيه بمصر، وأنفذ معه ابنه مزاحماً، وكتب إلى الإخشيد يعزيه بأخيه ويعتذر مما جرى ويحلف أنه ما أراد قتله، وأنه قد أنقذ ابنه ليقيده به إن أحب ذلك، فلقي الإخشيد مزاحم بن محمد بن رائق بالجميل وخلع عليه ورده إلى أبيه واصطلحاً، وعلى أن تكون الرملة وما وراءها إلى مصر للإخشيد وباقي الشام لمحمد بن رائق، ويحمل إليه الإخشيد عن الرملة في كل سنة مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار.\rنعود إلى أخبار الراضي وبجكم.\rوزارة البريدي\rللخليفة الراضي بالله وفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة سعى أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد وزير بجكم في الصلح بين بجكم والبريدي حتى تم وضمن البريدي أعمال واسط بستمائة ألف دينار في كل سنة. ثم شرع ابن شيرزاد في تقليد البريدي الوزارة، فأرسل إليه الراضي في ذلك فأجاب إليه، وذلك في شهر رجب واستناب بالحضرة عبد الله بن علي النقري.","part":6,"page":318},{"id":2819,"text":"قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي: كان الحج قد بطل من سنة سبع عشرة وثلاثمائة. فلم يحج أحد من العراق، فلما كان في هذه السنة كاتب أبو علي عمر بن يحيى العلوي القرامطة وسألهم أن يؤمنوا الحاج ليسير بعم يعطيه عن كل جمل خمسة دنانير ومن المحمل سبعة دنانير، فأذنوا له في الحج فحج الناس. وهي أول سنة مكس فيها الحاج. وخرج في تلك السنة القاضي أبو علي بن أبي هريرة الشافعي فلما طولب بالخفارة لوى راحلته ورجع وقال: لم أرجع شحاً على الدراهم ولكن قد سقط الحج بهذا المكس! ودخلت سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة: في هذه السنة سار ركن الدولة أبو علي الحسن بن بويه إلى واسط فنزل بالجانب الشرقي، وكان البريدي بالجانب الغربي فاستأمن من أصحاب ابن بويه مائة إلى البريدي. ثم سار الراضي وبجكم من بغداد نحو واسط. يريد أن حرب ابن بويه فعاد إلى الأهواز ثم إلى رامهرمز.\rوفيها استولى بتجكم على واسط. في ذي الحجة، وسار إليها ففارقها ابن البريدي إلى البصرة، وأسقط. بجكم اسم البريدي من الوزارة، وجعل مكانه أبا القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد. ودخلت سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.\rوفاة الراضي بالله\rوشيء من أخباره كانت وفاته في منتصف شهر ربيع الأول من هذه السنة، وكانت مدة خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، وعمره اثنتان وثلاثون سنة وأشهراً، وكانت علته الاستسقاء، وكان أديباً شاعراً، فمن شعره:\rيصفر وجهي إذا ما تأمله ... طرفي ويحمر وجهه خجلاً\rحتى كان الذي بوجنته ... من دم جسمي إليه قدنقلاً\rوقال يرثي أباه المقتدر بالله:\rولو أنا حياً كان قبراً لميت ... لصيرت أحشائي لأعظمه قبراً\rولو أن عمري كان طوع مشيئتي ... وساعدني التقدير قاسمته العمرا\rبنفس ثرى ضاجعت في تربة البلى ... لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا\rوكان سمحاً سخياً، يحب محادثة الأدباء والفضلاء. وكان الراضي بالله أسمر أعين، خفيف العارضين. وختم الخلفاء في عدة أشياء فمنها أنه آخر خليفة له شعر يدون، وآخر خليفة خطب على المنبر كثيراً - وإن كان غيره خطب نادراً - وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل الندماء، وآخر خليفة كانت له نفقاته وجوائزه وعطاياه وخزائنه ومطابخه وجراياته وخدامه وحجابه وأموره على ترتيب الخلفاء المتقدمين. وكان له من الأولاد أبو جعفر أحمد، وأبو الفضل عبد الله.\rوزراؤه: أبو علي بن مقلة، وابنه الحسن، ثم عبد الرحمن بن عيسى، ثم محمد بن القاسم الكرخي، ثم سليمان بن الحسين بن مخلد، ثم الفضل بن جعفر بن الفرات، ثم أبو عبد الله البريدي قضائه: عمر بن محمد بن يوسف، ثم ابنه يوسف بن عمر حجابه: محمد بن ياقوت، وذكا مولاه.\rالأمير بمصر: الإخشيد محمد بن طعج بن جف الفرغاني القضاة بها: محمد بن الحسن بن أبي الشوارب من قبل الراضي واستخلف أبا بكر محمد بن بدر، ثم صرفه بعبد الرحمن بن أحمد بن الزين، ثم ولي الإخشيد الحسين بن محمد بن أبي زرعة القضاء، واستخلف له أبا بكر محمد بن أحمد بن الحداد الشافعي، ثم ورد العهد للحسين بن محمد بن أبي زرعة من قبل محمد بن أبي الشوارب، ثم صرفه محمد بأبي نصر يوسف بن عمر بن أبي عمر القاضي، وأقر الحسين بن أحمد إلى أن توفي وأبو بكر بن الحداد خليفته، ثم صرف يوسف بن عمر عن قضائها بمحمد بن أبي الشوارب واستخلف أحمد بن بدر ثانية، ثم صرف ابن أبي الشوارب بالحسين بن عيسى بن هارون فأقر محمد بن بدر، ثم عاد ابن أبي الشوارب فاستخلف عبيد الله بن أحمد بن رزين، ثم استخلف عبد الله بن الوليد من قبل الحسين بن علي.\rخلافة المتقي لله هو أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله، وأمه أم ولد اسمها خلوب. وهو الخليفة الحادي والعشرون من الخلفاء العباسيين، بويع له يوم الأربعاء لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.","part":6,"page":319},{"id":2820,"text":"قال: ولما مات الراضي بالله بقي الأمر في الخلافة موقوفاً انتظاراً لورود خبر من بجكم، فإنه كان بواسط واحتيط على دار الخلافة. وفورد كتاب بجكم مع كاتبه أبي العباس عبد الله الكوفي يأمر فيه بأن يجتمع مع أبي القاسم سليمان بن الحسن وزير الراضي وكل من تقلد الوزارة وأصحابُ الدواوين والعلويون والعباسيون والقضاة ووجوه البلد ويشاورهم الكوفي فيمن ينصبُ للخلافة ممن يرضى مذهبه وطريقه. فجمعهم الكوفي واستشارهم، فذكر بعضهم إبراهيم بن المقتدر وتفرقوا على هذا، فلما كان الغد اتفق الناس عليه فأحضروه إلى دار الخلافة وبويع له في التاريخ الذي تقدم، وعرضت عليه ألقاب فاختار منها المتقي لله. وبايعه الناس كافة وسير الخلع واللواء إلى بجكم بواسط وكان بجكم بعد موت الراضي وقبل استخلاف المتقي أرسل إلى دار الخلافة أخذ منها فرشاً وآلات كان يستحسنها، وجعل سلامة الطولوني حاجبه، وأقر سليمان بن الحسين على وزارته وليس له من الوزارة إلا اسمها والتدبير كله للكوفي كاتب بجكم.\rمقتل بجكم\rكان سبب قتله أن أبا عبد الله البريدي أنفذ جيشاً من البصرة إلى المذار، فأنفذ بجكم جيشاً إليهم عليه توزون فاقتتلوا قتالاً شديداً. كانت الحرب أولاً على توزون فكتب إلى بجكم أن يلحق به فسار من واسط في منتصف شهر رجب، فلقيه كتاب توزون (أنه ظفر بهم وهزمهم) فأراد الرجوع إلى واسط، فأشار عليه بعض أصحابه أن يتصيد فقبل منه وتصيد حتى بلغ نهر جور، فسمع أن هناك أكراداً لهم مال وثروة فشرهت نفسه في أمولهم فقصدهم في قلة من أصحابه وهو بغير جُنّة تقيه، فهرب الأكراد من بين يديه فأتاه غلام من الأكراد من خلفه وطعنه في خاصرته فقتله وهو لا يعرفه، وذلك لأربع بقين من شهر رجب واختلف عسكره فمضى الديلم خاصة نحو البريدي - وكانوا ألفاً وخمسمائة - فأحسن إليهم وأضعف أرزاقهم وأوصلها إليهم دفعة واحدة، وعاد الأتراك إلى واسط. وكان تكينك محبوساً بها - حبسه بجكم - فأخرجوه فسار بهم إلى بغداد وأظهروا طاعة المتقي. وصار أبو الحسين أحمد بن ميمون يدبر الأمور.\rقال: واستولى المتقي لله على دار بجكم وأخذ ما فيها، وكان مبلغ ما أخذه من دفائنه ألف ألف ومائتي ألف دينار، وكانت مدة إمارة بجكم سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام.\rذكر إصعاد أبي عبد الله البريدي إلى بغداد\rقال: لما قتل بجكم وسارت الديلم إلى أبي عبد الله البريدي تقوى بهم وعظمت شوكته، فأصعدوا من البصرة إلى واسط. في شعبان، فأرسل المتقي إليهم يأمرهم أن لا يصعدوا فقالوا: نحن محتاجون إلى مال! فأنفذ إليهم مائة ألف وخمسين ألف دينار، فقال الأتراك للمتقي: نحن نقاتل بنى البريد فأطلق لنا مالاً وانصب لنا مقدماً! فأنفق فيهم وفي جند بغداد القدماء أربعمائة ألف دينار وجعل عليهم سلامة الطولوني، وبرزوا مع المتقي لله إلى نهر ديالي يوم الجمعة لثمان بقين من شعبان. وسار البريدي من واسط إلى بغداد، فلما قرب منها اختلفت الأتراك البجكمية، واستأمن بعضهم إلى البريدي، وبعضهم استتر وسار إلى الموصل، واستتر سلامة الطولوني وأبو عبد الله الكوفي، ولم يحصل الخليفة إلا على أخراج المال. وهم أرباب النعم والأموال بالانتقال من بغداد خوفاً من ظلم البريدي وتهوره.\rودخل أبو عبد الله البريدي إلى بغداد في ثاني شهر رمضان ونزل بالشفيعي، ولقيه الوزير أبو الحسين والقضاة والكتاب وأعيان الناس. وأنفذ إليه المتقي يهنئه بالسلامة، وأنفذ له طعاماً وغيره عدة ليالٍ،وكان يخاطب بالوزير، وكذلك أبو الحسين بن ميمون وزير الخليفة، ثم عزل أبو الحسين، وكانت مدة وزارته ثلاثة وثلاثين يوماً، وقبض عليه وسيره إلى البصرة فحبسه بها إلى أن مات في صفر سنة ثلاثين.\rقال: ثم أنفذ البريدي إلى المتقي لله يطلب منه خمسمائة ألف دينار ليفرقها في الجند، فامتنع فأرسل إليه يتهدده ويذكره بما جرى على المعتز والمستعين والمهتدي، وترددت الرسائل حتى أنفذ إليه تمام خمسمائة ألف دينار، ولم يلق أبو عبد الله البريدي المتقي مدة مقامه ببغداد.\rعود البريدي إلى واسط\rهارباً","part":6,"page":320},{"id":2821,"text":"قال: كان البريدي يأمر الجند بطلب الأموال من الخليفة، فلما أنفذ إليه الخليفة المال انصرفت أطماعُ الجند عن الخليفة إلى البريديين فشغب الجند عليه. وكان الديلم قد قدموا على أنفسهم كورتكين الديلمي، وقدم الأتراك عليهم تكينك التركي غلام بجكم. وسار الديلم إلى دار البريدي فأحرقوا دار أخيه أبي الحسين التي كان ينزلها، وانضاق تكنيك التركي إليهم واتفقوا على قصد البريدي ونهب ما عنده. فساروا إلى النجمي ووافقهم العامة، فقطع البريدي الجسر ووقعت الحرب في الماء ووثب العامة بالجانب العربي على أصحاب البريدي، فهرب هو وإخوته وابنه وانحدروا في الماء إلى واسط، ونهبت داره ودور قواده، وكان هربه في سلخ شهر رمضان من السنة.\rإمارة كورتكين الديلمي\rلما هرب البريدي استولى كروتكين الديلمي على الأمور ببغداد، رحل إلى المتقي لله فقلده إمارة الأمراء، وخلع عليه. واستدعى المتقي علي بن عيسى وأخاه عبد الرحمن، فأمر عبد الرحمن فدبر الأمر من غير تسميته بوزارة، ثم قبض كورتكين على تكينك التركي في خامس شهر شوال وغرقه وتفرد بالأمر. ثم اجتمع العامة يوم الجمعة سادس شوال وتظلموا من الديلم ونزولهم في دورهم فلم ينكر ذلك، فمنعوا الخطيب من الصلاة واقتتلوا هم والديلم فقبل من الفريقين جماعة.\rذكر عود محمد بن رائق إلى بغداد وولايته إمرة الأمراء\rكان سبب عوده أن الأتراك البجكمية لما ساروا إلى الموصل لم يروا عند ابن حمدان ما يريدون، فساروا نحو الشام إلى ابن رائقن وكان فيهم من القواد توزون وجخجخ ونوشتكين وصيغون. فلما وصلوا إليه أطمعوه في العود إلى العراق، ثم وصل إليه كتب المتقي تستدعيه، فسار من دمشق في العشرين من شهر رمضان واستخلف على الشام أبا الحسن أحمد بن علي بن مقاتل، وسار حتى وصل إلى الموصل فتنحى عن طريقه ناصر الدولة. ابن حمدان، ثم تراسلا وتصالحا على مائة ألف دينار يحملها ناصر الدولة ابن حمدان إليه.\rوسار ابن رائق إلى بغداد، وخرج كورتكين إلى عكبرا، ووصل إليه ابن رائق فوقعت الحرب بينهما عدة أيام. فلما كان ليلة الخميس لتسع بقين من ذي الحجة سار ابن رائق ليلاً من عكبرا هو وجيشه فأصبح ببغداد، فدخلها من الجانب الغربي، ونزل في النجمي، وعبر من الغد إلى الخليفة فلقيه، وركب المتقي معه.\rووصل في هذا اليوم بعد الظهر كورتكين من الجانب الشرقي بجميع جيشه وهم يستهزئون بأصحاب ابن رائق ويقولون: أين نزلت هذه القافلة الواصلة من الشام؟ ولما تدخل كورتكين بغداد أيس ابن رائق من ولايتها وعزم على العود، وأمر بحمل أثقاله فرفعت، ثم عزم على أن يناوشهم شيئاً من قتال قبل مسيره، فأمر طائفة من عسكره أن يعبروا دجلة ويأتوا الأتراك من ورائهم، ثم ركب هو في سميرية وركب مع عدة من أصحابه في عشرين سميرية ووقفوا يترامون بالنشاب، ووصل أصحابه وصاحوا من خلفهم، واجتمعت العامة وصاحوا على أصحاب كورتكين فانهزم هو وأصحابه واختفى هو. ورجمتهم العامة بالآجر وغيره، وقوي أمر ابن رائق، وقتل من أساء إليه من الديلم وكانوا نحو أربعمائة، وقتل من قوادهم بضعة عشر رجلاً، وخلع عليه المتقي وجعله أمير الأمراء، ثم ظفر بكورتكين فحبسه بدار الخليفة.\rووفي هذه السنة في شوال استوزر المتقي لله أبا إسحاق محمد ابن أحمد الإسكافي المعروف بالقراريطي بعد عود البريدي، وجعل بدراً الخرشني حاجبه، فبقي وزيراً إلى الخامس والعشرين من ذي القعدة فقبض عليه كورتكين واستوزر بعده أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي، فبقي وزيراً إلى الثامن والعشرين من ذي الحجة منها فعزله ابن رائق، ودبر الأمور أبو عبد الله أحمد الكوفي كاتب ابن رائق من غير تسمية بوزارة.\rوفيها انقطع الغيث بالعراق فاستسقى الناس في شهور ربيع الأول فسقوا مطراً قليلاً لم يجر منه ميزاب، فاشتد الغلاء والوباء وكثر الموت حتى دفن الجماعة في القبر الواحد من غير غسل ولا صلاة عليهم، ورخص العقار والأثاث ببغداد حتى بيع ما ثمنه دينار بدرهم، وانقضى تشرين الأول وتشرين الثاني وكانون الأول وكانون الثاني وشباط. الأول ولم يمطر الناس غير المطرة التي كانت عند الاستسقاء، ثم جاء المطر في آذار ونيسان.","part":6,"page":321},{"id":2822,"text":"قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في سبب هذا المطر بسند رفعه إلى أبي محمد الصليحي الكاتب أنه قال: لما نادى المتقي في زمن خلافته في الأسواق أن أمير المؤمنين يقول لكم معشر رعيته: إن امرأة صالحة رأت النبي صلى الله عليه وسلم في منامها فشكت احتباس المطر فقال لها: قولي للناس يخرجون في يوم الثلاثاء الأدنى ويستسقون ويدعون فإنه يسقيهم في يومهم وإن أمير المؤمنين يأمركم كما أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تدعوا وتستسقوا بإصلاح من نياتكم وإقلاع عن ذنوبكم - قال - فأخبرني الجم الغفير أنهم لما سمعوا النداء ضجت الأسواق بالبكاء والدعاء، فشق ذلك علي وقلت: منام امرأة لا ندري ما تأويله، هل يصح أم لا، ينادى به في الأسواق في مدينة السلام، فإن لم يسقوا كيف يكون حالنا مع الكفار؟ فليته أمر الناس بالخروج ولم يذكر هذا وما زلت قلقاً حتى أتى يوم الثلاثاء فقيل لي: إن الناس قد خرجوا إلى المصلى مع أبي الحسين أحمد بن الفضل بن عبد الملك إمام الجامع، وخرج أكثر أصحاب السلطان والفقهاء والأشراف، فلما كان قبل الظهر ارتفعت سحابة ثم طبقت الآفاق ثم أسلمت غزالتها بمطر جود، فرجع الناس حفاة من الوحل.\rودخلت سنة ثلاثين وثلاثمائة\rوزارة البريدي\rفي هذه السنة وزر أبو عبد الله البريدي للخليفة لمتقي لله، وسبب ذلك أن ابن رائق استوحش منه لأنه أخر حمل المال وانحدر إلى واسط. عاشر المحرم، فهرب البريدي إلى البصرة وسعى أبو عبد الله الكوفي للبريدي وإخوته حتى عادوا وضمنوا بقايا وساط بمائة وتسعين ألف دينار، وضمنوها كل سنة بستمائة ألف دينار، وعاد ابن رائق إلى بغداد فشغب الجند عليه ثاني شهر ربيع الآخر وفيهم توزون وغيره من القواد، وتوجهوا إلى البريدي في العشر الآخر من شهر ربيع الآخر بواسط، فقوي بهم فاحتاج ابن رائق إلى مداراته فكاتبه بالوزارة، وأنفذ إليه الخلع واستخلف أبا عبد الله بن شيرزاد. ثم وردت الأخبار إلى بغداد فعزم البريدي على الإصعاد إلى بغداد، فأزال ابن رائق اسم الوزارة عنه، وأعاد أبا إسحاق القراريطي ولعن بنو البريدي على المنابر بجانبي بغداد.\rاستيلاء البريدي على بغداد\rوإصعاد المتقي لله إلى الموصل قال: وسير أبو عبد الله البريدي أخاه أبا الحسن إلى بغداد في جميع الجيش من الأتراك والديلم، فعزم ابن رائق على أن يتحصن بدار الخلافة، فأصلح سورها ونصب عليها العرادات والمجانيق وعلى دجلة، وأنهض العامة وجند بعضهم، فثاروا في بغداد وأحرقوا ونهبوا، وأخذوا الناس ليلاً ونهاراً. وخرج المتقي لله وابن رائق إلى نهر ديالي في منتصف جمادى الآخرة، ووافاهم أبو الحسين في الماء والبر، واقتتل الناس فانهزم أهل بغداد، واستولى أصحاب البريدي على دار الخلافة ودخلوا إليها من الماء، وذلك لتسع بقين من جمادى الآخرة. وهرب المتقي وابنه الأمير أبو منصور في نحو عشرين فارساً، ولحق بهما ابن رائق في جيشه، وساروا جميعاً إلى الموصل.\rوقتل أصحاب البريدي من وجدوه في دار الخليفة من الحاشية، ونهبوا دور الحرم، وكثر النهب في بغداد ليلاً ونهاراً، وأخرجوا كورتكين من محبسه، فأنفذه أبو الحسين إلى أخيه بواسط، فكان آخر العهد به. ونزل أبو الحسين بدار مؤنس التي يسكنها ابن رائق، وأقام أبو الحسين توزون على الشرطة الجانب الغربي فسكن الناس، وأخذ أبو الحسين رهائن القواد فسيرهم إلى أخيه أبي عبد الله بواسط.","part":6,"page":322},{"id":2823,"text":"قال: وعسف أهل العراق وظلمهم ظلماً لم يسمع بمثله قط، ذكر ابن الأثير رحمه الله ذلك في تاريخه الكامل وأفرده بترجمة وهي ذكر ما فعله البريدي ببغداد، ولما انتهى كلامه قال وإنما ذكرنا هذا الفصل ليعلم الظلمة أن أخبارهم تنقل وتبقى على وجه الدهر، فربما تركوا الظلم لهذا إذا لم يتركوه لله سبحانه وتعالى وأظنه رحمه الله تعالى قال هذا لما علمه من حال الظلمة في عصره، وأنهم يستقبحون الظلم. ويتركونه خشية أن ينقل عنهم. وإنما تركت أن أشرح ما قاله من ظلم البريدي خوفاً أن يسمعه ظلمة هذا العصر فيقتدون بأفعاله ويحملون الناس على مثاله، فإن فيهم من يتحلى بالظلم ولا يتحاشى من فعله ويرد فرع كل مظلمة إلى أصله ويقول: قد فعله فلان وفلان وجرت عليه القاعدة في كل عصر وأوان! ويبرز بالظلم بروز الليث من غابه، وتصدر عنه الحوادث كصدور الغيث من سحابه، ويرى أن ذلك فرصة يغتنمها وكعبة يستلمها، ثم لا يقنعه ذلك إن يسمي المظالم بالحقوق الواجبة، ويرى الملازمة عليها من السنن الراتبة. لا جرم أن الله تعالى يأخذه من مأمنه، ويسلبه ما حوله من نعمة ومنه، لأن ملك هذا العصر - خلد الله سلطانه وثبت أركانه ونصر جيوشه وأعوانه - ينكر المظالم إذا أنهيت إليه ويزيل اسمها، ويمحو من دواوين دولته رسمها، ويكف الأكف العادية إذا عدت، ويقبض الأيدي الجارية إذا انبسطت في العالم واعتدت.\rقتل ابن رائق\rوولاية ابن حمدان إمرة الأمراء كان المتقي لله قد أنفذ إلى ناصر الدولة بن حمدان يستمده على البريدي، فأرسل أخاه سيف الدولة نجدة في جيش كثيف، فلقي المتقي لله وابن رائق بتكريت قد انهزما، فخدم سيف الدولة المتقي خدمة عظيمة، وسار معه إلى الموصل ففارقها ناصر الدولة إلى الجانب الشرقي وتوجه نحو معلثايا وترددت الرسائل بينه وبين ابن رائق. ثم تعاهدا واتفقا فحضر ناصر الدولة على دجلة بالجانب الشرقي، فعبر إليه الأمير أبو منصور بن المتقي وابن رائق يسلمان عليه، فنثر الدنانير والدراهم على ولد المتقي. فلما أراد الانصراف من عنده ركب ولد المتقي وأراد ابن رائق الركوب فقال له ناصر الدولة: أقم اليوم عندي لنتحدث فيما تفعله! فاعتذر ابن المتقي، فألح عليه ابن حمدان فاستراب به وجذب كمه من يده فقطعه، وأراد الركوب فشجب به فرسه فسقط، فصاح ابن حمدان أن اقتلوه فقتلوه وألقوه في دجلة. وأرسل ابن حمدان إلى المتقي يقول: إنه علم أن ابن رائق أراد أن يغتاله ففعل ما فعل، فرد عليه المتقي رداً جميلاً وأمره بالمسير إليه فسار ناصر الدولة إليه فخلع المتقي عليه ولقبه ناصر الدولة وجعله أمير الأمراء، وذلك في مستهل شعبان، وخلع على أخيه أبي الحسين ولقبه سيف الدولة، وكان قتل ابن رائق يوم الاثنين لسبعٍ بقين من شهر رجب، ولما قتل سار الإخشيد من مصر إلى الشام فتسلمها.\rعود المتقي لله إلى بغداد\rوهرب البريدي عنها قال: ولما قتل ابن رائق سارع الجند إلى الهرب من البريدي لسوء سيرته فهرب جخجخ وتوزون إلى المتقي في جماعة من الأتراك، فأتوا الموصل في خامس شهر رمضان فقوي بهم ابن حمدان، وسار هو المتقي لله إلى بغداد. فلما قارباها هرب أبو الحسين البريدي منها إلى واسط، وكان مقامه ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوماً. ودخل المتقي إلى بغداد ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة، واستوزر المتقي أبا إسحاق القراريطي وقلد توزون جانبي بغداد وذلك في شوال.\rالحرب بين ابن حمدان والبريدي\rقال: ثم خرج بنو حمدان نحو واسط لقتال البريدي، وسار أبو الحسين البريدي من واسط. أيضاً لقتالهم. فأقام ناصر الدولة بالمدائن وسير أخاه سيف الدولة وابن عمه الحسين بن سعيد في الجيش لقتاله، فالتقوا تحت المدائن بفرسخين واقتتلوا عدة أيام آخرها رابع ذي الحجة فانهزم سيف الدولة إلى أخيه، فأضاف إليه جماعة ورده، فقاتل وهزم أبا الحسين البريدي وأسر جماعة من أصحابه وقتل جماعة. وعاد ناصر الدولة إلى بغداد، فدخلها في ثالث عشر ذي الحجة، وانحدر سيف الدولة من موضع المعركة إلى واسط. فرأى البريدي قد انحدر منها إلى البصرة. فأقام سيف الدولة بها.\rودخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.\rما اتفق لسيف الدولة بواسط\rورجوع ناصر الدولة إلى الموصل","part":6,"page":323},{"id":2824,"text":"قال: ولما أقام سيف الدولة بواسط، قصد الانحدار إلى البصرة ليأخذها من البريديين، فلم يمكنه لقلة المال عنده. فكتب إلى أخيه ناصر الدولة مرة بعد أخرى فأنفذ إليه مالاً مع أبي عبد الله الكوفي ليفرقه في الأتراك فأسمعه توزون وجخجخ المكروه وثارا به فغيبه سيف الدولة عنهما، وسيره إلى بغداد. وأمر توزون أن يسير إلى الجامدة ويأخذها وينفرد بحاصلها، وأمر جخجخ أن يسير إلى المذار ويأخذ حاصلها.\rوكان سيف الدولة يزهد الأتراك في العراق ويحسن لهم قصد الشام معه والاستيلاء عليه وعلى مصر ويقع في أخيه عندهم، فكانوا يصدقونه في أخيه ولا يجيبونه إلى الشام ويتجنون عليه، ثم ثاروا به في سلخ شعبان وكبسوه ليلاً، فهرب من معسكره إلى بغداد ونهب سواده وقتل جماعة من أصحابه.\rوأما ناصر الدولة فإنه لما وصل إليه الكوفي وأخبره الخبر برز للمسير إلى الموصل، فركب المتقي إليه وسأله التوقف عن المسير، فأظهر له الإجابة إلى أن عاد ثم سار إلى الموصل، ونهبت داره، ودبر الأمر أبو إسحاق القراريطي من غير تسمية بوزارة، وكانت إمارة ناصر الدولة ببغداد ثلاثة عشر شهراً وخمسة أيام، ووصل سيف الدولة إلى بغداد!\rحال الأتراك\rبعد إصعاد سيف الدولة من واسط قال: ولما هرب سيف الدولة عاد الأتراك إلى معسكرهم، فوقع الخلاف بين توزون وجخجخ وتنازعا الإمارة، ثم استقرت الحال أن يكون توزون أميراً وجخجخ صاحب الجيش، وتصاهرا. وطمع البريدي في و اسط فأصعد إليها، وتراسل هو وتوزون ولم يتفقا، ثم بلغ توزون أن جخجخ يريد الانتقال إلى البريدي فكبسه في فراشه في ليلة الثاني عشر من شهر رمضان وسلمه.\rعود سيف الدولة إلى بغداد\rوهربه منها قال: ولما هرب سيف الدولة من واسط قصد بغداد، وأرسل إلى المتقي لله يطلب منه مالاً ليقاتل توزون إن قصد بغداد، فأنفذ إليه أربعمائة ألف درهم ففرقها في أصحابه. وكان وصوله في ثالث عشر شهر رمضان، ولما بلغ توزون وصول ابن حمدان سيف الدولة إلى بغداد ترك كيغلغ بواسط في ثلاثمائة رجل وأصعد إلى بغداد، فلما سمع سيف الدولة بإصعاده رحل من بغداد.\rإمارة توزون\rقال: ولما فارق سيف الدولة بغداد دخلها توزون، وكان دخوله في الخامس والعشرين من شهر رمضان، فخلع عليه المتقي لله وجعله أمير الأمراء، وصار أبو جعفر الكرخي ينظر في الأمور كما كان الكوفي ينظر فيها. ولما سار توزون عن واسط أصعد إليها البريدي، فهرب من بها من أصحاب توزون إلى بغداد، فلم يمكنه المبادرة إلى واسط، حتى استقرت الأمور ببغداد، ثم انحدر إلى واسط. في ذي القعدة، فأتاه أبو جعفر بن شيرزاد هارباً من البريدي، ففرح توزون به وقلده جميع أموره.\rالمتقي وتوزون\rقال: كان محمد بن ينال الترجمان أكبر قواد توزون - وهو خليفته ببغداد - فلما انحدر واسط سعى بمحمد إليه وقبح ابن مقلة ضمن القرى المختصة بتوزون ببغداد فخسر فيها جملةً، فخاف أن يطالب بها، وانضاف إلى ذلك اتصال ابن شيرزاد بتوزون فخافه الوزير وغيره، وظنوا أن مسيره إلى توزون باتفاق من البريدي، فاتفق الترجمان وابن مقلة، وكتبا إلى ابن حمدان لينفذ عسكراً يسير صحبة المتقي لله، وقالا للمتقي: قد رأيت ما فعل البريدي معك بالأمس، أخذ منك خمسمائة ألف دينار وأخرجت على الأجناد مثلها، وقد ضمنك البريدي من توزون بخمسمائة ألف دينار أخرى رغم أنها في يدك من تركة بجكم، وابن شيرزاد واصل ليتسلمك ويخلعك ويسلمك إلى البريدي! فانزعج لذلك، وعزم على الإصعاد إلى ابن حمدان، وورد ابن شيرزاد جريدة في ثلاثمائة رجل، فوصل في خامس المحرم.\rوفيها تزوج الأمير أبو منصور بن المتقي لله بابنه ناصر الدولة بن حمدان، وكان الصداق ألف ألف درهم، والحمل مائة ألف دينار.\rوفيها صرف ناصر الدولة أبا إسحاق القراريطي عن الوزارة وقبض عليه، واستوزر أبا العباس، أحمد بن عبد الله الأصفهاني في شهر رجب، ثم استوزر المتقي لله بعد إصعاد ناصر الدولة من بغداد إلى الموصل أبا الحسين بن مقلة في ثامن شهر رمضان.","part":6,"page":324},{"id":2825,"text":"وفيها أرسل ملك الروم إلى المتقي لله يطلب منديلاً زعم أن المسيح مسح به وجهه فصارت صورة وجهه فيه، وأنه في بيعة الرها، وذكر أنه إن أرسل إليه أطلق عدداً كبيراً من أساري المسلمين، فأحضر المتقي لله الفقهاء والقضاة واستفتاهم فاختلفوا فيه، فقال بعضهم إن في تسليمه غضاضةً على الإسلام، وبعضهم رأى تسليمه وفكاك الأسرى أولى من بقائه، فقال علي ابن عيسى الوزير: إن خلاص المسلمين من الأسر والضر والضنك الذي هم فيه أولى من حفظ هذا المنديل! فأمر الخليفة المتقي لله بتسليمه إليهم وإطلاق الأسرى من بلاد الروم، فأطلقوا! ودخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة\rمسير المتقي إلى الموصل\rفي هذه السنة أصعد المتقي لله إلى الموصل، وسبب ذلك ما ذكرناه من إغراء من أغراه بتوزون وخوفه منه ووصول ابن شيرزاد إلى بغداد في خامس المحرم جريدة، فازداد خوف المتقي لله. وأقام ابن شيرزاد ببغداد يأمر وينهي ولا يراجع المتقي في شيء، وكان المتقي قد أنفذ في طلب جيشٍ من ناصر الدولة ليصحبه إلى الموصل، فأنفذهم مع ابن عمه الحسين بن سعيد، فوصلوا إلى بغداد ونزلوا بباب حرب. فاستتر ابن شيرزاد وخرج المتقي لله إليهم ونزلوا بباب حرب. فاستتر ابن شيرزاد وخرج المتقي لله إليهم في حرمه وأهله ووزيره وأعيان بغداد، ولما سار المتقي لله من بغداد ظلم ابن شيرزاد الناس وعسفهم وصادرهم، وأرسل إلى توزون وهو بواسط يخبره بذلك. فلما بلغه الخبر عقد ضمان واسط على البريدي وزوجه ابنته وسار إلى بغداد، وسار ناصر الدولة للقاء المتقي إلى تكريت فوصل في الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر وركب إليه الخليفة وأكرمه وأصعد الخليفة إلى الموصل، وأقام ناصر الدولة بتكريت، وسار توزون نحو تكريت فالتقى هو وسيف الدولة بن حمدان تحت تكريت بفرسخين فاقتتلوا ثلاثة أيام ثم انهزم سيف الدولة لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر، وغنم توزون سواده وسواد أخيه ناصر الدولة. وعادا من تكريت إلى الموصل ثم التقوا مرة ثانية فانهزم سيف الدولة وتبعه توزون، فسار المتقي لله وبنو حمدان إلى نصيبين ودخل توزون الموصل وسار المتقي إلى الرقة، ولحقه سيف الدولة.\rوأرسل المتقي لله إلى توزون يذكر أنه استوحش منه لاتصاله بالبريدي، فإن آثر رضاه يصالح ناصر الدولة وسيف الدولة ليعود إلى بغداد، وترددت الرسائل بين المتقي وتوزون حتى تم الصلح، وعقد الضمان على ناصر الدولة عما بيده من البلاد ثلاث سنين كل سنة بثلاثة آلاف ألف وستمائة ألف درهم، وعاد توزون إلى بغداد وأقام المتقي لله عند بني حمدان.\rقتل أبي يوسف البريدي\rفي هذه السنة قتل أبو عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف، وسبب ذلك أن أبا عبد الله كان نفذ ما عنده من المال في محاربة بني حمدان ومقامهم بواسط ومحاربة توزون، فلما رأى جنده قلة ماله مالوا إلى أخيه أبي يوسف لكثرة أمواله، فاستقرض أبو عبد الله منه المال مرة بعد أخرى فكان يعطيه القليل من المال ويعيبه ويذكر تضييعه وهوجه وتهوره، فبلغ ذلك أبا عبد الله. ثم صح عنده أنه يريد القبض عليه والاستبداد بالأمر وحده، واستوحش كل منهما من صاحبه، فدبر أبو عبد الله عليه وأقام غلمانه في ذلك الطريق مسقف بين داره والشط، فدخل أبو يوسف في ذلك الطريق فثار به الغلمان فقتلوه وهو يستغيث: يا أخي قتلوني! وهو يقول: إلى لعنة الله! ولما قتل دفنه فثار الجند وشغبوا ظناً منهم أنه حي، فأمر به فنبش وألقاه على الطريق، فلما رأوه سكتوا فأمر بدفنه. وانتقل أبو عبد الله إلى دار أبي يوسف، فأخذ ما فيها ولم يحصل من مال أخيه على طائل فإن أكثره انكسر عند الناس!\rوفاة أبي عبد الله البريدي\rومن قام بعده بالأمر وفي هذه السنة من شوال مات أبو عبد الله البريدي بعد أن قتل أخاه بثمانية أشهر واستقر الأمر بعده لأخيه أبي الحسين، فأساء السيرة في الجند، فثاروا به ليقتلوه فهرب إلى هجر واستجار بالقرامطة، ونصب الجند أبا القاسم بن أبي عبد الله.\rقال: وسار أخوان لأبي طاهر مع أبي الحسين في جيش إلى البصرة، فرأوا أبا القاسم قد حفظها فأصلحوا بينه وبين ابن أخيه، وعادوا ودخل أبو الحسن البصرة، فتجهز منها وسار إلى توزون ببغداد، واستقام أمر أبي القاسم بن أبي عبد الله البريدي.\rودخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة\rخلع المتقي وسمله","part":6,"page":325},{"id":2831,"text":"وكان نقفور ملك الروم قد بنى بقيسارية مدينة وأقام بها بأهله ليقرب من بلاد الإسلام، فلما كان في سنة أربع وخمسين أرسل أهل طرسوس والمصيصة إليه يبذلون الطاعة ويطلبون منه أن ينفذ إليهم بعض أصحابه ليقيم عندهم، فعزم على إجابتهم إلى ذلك فأتاه الخبر أنهم قد ضعفوا وعجزوا وأنهم لا ناصر لهم وأن الغلاء قد اشتد عندهم وعدموا القوت وأكلوا الكلاب والميتة وكثر فيهم الوباء فيموت منهم في اليوم ثلاثمائة نفس، فرجع نقفور عن إجابتهم وأحضر الرسول وأحرق الكتاب على رأسه فاحترقت لحيته وقال لهم: أنتم كالحية في الشتاء تخدر وتذبل حتى تكاد تموت، فإن أخذها إنسان وأحسن إليها وأدفأها انتعشت ونهشته، وأنتم إنما أطعتم لضعفكم، وإن تركتم حتى تستقيم أحوالكم تأذيت بكم! وأعاد الرسول وجمع جيوش الروم إلى المصيصة بنفسه، فحاصرها وفتحها عنوة يوم السبت ثالث عشر شهر رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، ووضع السيف في أهلها فقتل منهم مقتلة عظيمة. ثم أمر برفع السيف عنهم، ونقل كل من بقي منهم إلى بلد الروم، وكانوا نحو مائتي ألف إنسان. ثم سار إلى طرسوس فحاصرها فأذعن أهلها بالطاعة وطلبوا الأمان فأمنهم، وفتحوا له البلد فلقيهم بالجميل وأمرهم أن يحملوا من سلاحهم وأموالهم ما يطيقون حمله ففعلوا ذلك براً وبحراً، وسير معهم من يحميهم حتى بلغوا أنطاكية.\rوجعل الملك المسجد الجامع إسطبلاً لدوابه، وأحرق المنبر، وعمر طرسوس وحصنها، وجلب إليها الميرة حتى رخصت الأسعار ورجع إليها كثير من أهلها ودخلوا في طاعة الملك وتنصر بعضهم، وأراد المقام بها ليقرب من بلاد الإسلام ثم عاد إلى القسطنطينية. وأراد الدمستق وهو ابن الشمشقيق أن يقصد ميافارقين وبها سيف الدولة بن حمدان فأمره الملك باتباعه إلى القسطنطينية فمضى إليه.\rثم فتح نقفور أذنه.\rوفي سنة أربعة وخمسين أيضاً قتل المتنبي الشاعر واسمه أحمد بن الحسين الجعفي بالقرب من النعمانية وقتل معه ابنه، وكان قد عاد من عند عضد الدولة بفارس فقتله الأعراب وأخذوا ما معه.\rوفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة كانت وفاة معز الدولة بن بويه وولاية ابنه عز الدين بختيار على ما نذكره في أخباره. ومات شميكر بن زيار، والحسن بن الفيرزا","part":6,"page":326},{"id":2832,"text":"في هذه السنة دخل ملك الروم الشام فلم يمنعه أحد ولا قاتله، فسار في البلاد إلى طرابلس وأحرق بلدها، وملك قلعة عرقة، وكان صاحب طرابلس قد أخرجه الروم لشدة ظلمه، فقصد عرقة فأخذه الروم وجميع ماله، وقصد ملك الروم حمص وكان أهلها انتقلوا عنها وأخلوها، فأحرقها الروم ورجع إلى بلد الساحل، فأتى عليها نهباً وتخريباً وملك ثمانية عشر شهراً وما لا يحصى من القرى، وأقام بالشام شهرين يقصد أي موضع شاء ويخرب ما شاء فلا يمنعه أحد، وعاد إلى بلاده ومعه من السبي نحو مائة ألف رأس ولم يأخذ إلا الصبيان والصبايا والشباب، وأما الكهول والشيوخ والعجائز فمنهم من قتله ومنهم من أطلقه، وسير سرية إلى بلد الجزيرة فبلغوا كفر توثا وتعصبوا وسبوا وأحرقوا وعادوا.\rملك الروم مدينة أنطاكية\rوفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ملك الروم مدينة أنطاكية، وسبب ذلك أنهم حصروا حصناً بالقرب منها يقال له حصن لوقا، فوافقوا أهله وهم نصارى على أن يرتحلوا منه إلى أنطاكية، ويظهر أنهم انتقلوا منه خوماً من الروم فإذا صاروا بأنطاكية أعانوهم على فتحها. وانصرف الروم عنهم بعد هذا التقرير، وانتقل أهل الحصن ونزلوا بأنطاكية بالقرب من الجبل الذي بها. فلما كان بعد انتقالهم بشهرين وافى الروم مع أخي نقفور وكانوا نحو أربعين ألف رجل، فأحاطوا بالسور وصعدوا الجبل إلى الناحية التي بها أهل الحصن فأخلوا لهم السور، فملكه الروم وملكوا البلد ووضعوا السيف في أهله، ثم أخرجوا العجائز والأطفال والمشايخ من البلد وقالوا لهم: اذهبوا حيث شئتم! وأخذوا الشباب من الرجال والنساء والصبيان والصبايا فحملوهم إلى بلاد الروم سبياً، وكانوا يزيدون على عشرين ألف إنسان.\rقال: وأنفذ الروم جيشاً كثيفاً إلى حلب وبها قرعوية غلام سيف الدولة بن حمدان قد تغلب عليها ونزع يده من طاعة أبي المعالي بن سيف الدولة، فملك الروم المدينة دون القلعة وحصروا القلعة، وترددت الوسائط والرسائل بينهم وبين قرعوية، فاستقر الأمر على هدنة مؤبدة على مال يحمله قرعوية إليهم وأن يكون الروم إذا أرادوا الغزو لا يمكن قرعوية أهل القرى عن الجلاء عنها ليبتاع الروم ما يحتاجون إليه منهم. وكان مع حلب في الهدنة حماه وحمص وكفر طاب والمعرة وأفامية وشيزر وما بين ذلك من الحصون والقلاع والقرى، وسلموا الرهائن إلى الروم، وعادوا عن حلب.\rملك الروم ملازكرد\rوفيها أرسل الروم جيشاً إلى ملازكرد من أعمال أرمينية، فملكهم عنوة وقهراً من المسلمين، وعظمت شوكتهم، وخافهم المسلمون في أقطار البلاد.\rمقتل ملك الروم نقفور\rوفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة قتل نقفور ولم يكن من أهل بيت المملكة، وإنما كان دمستقا والدمستق عندهم الذي يلي بلاد الروم التي هي شرقي خليج قسطنطينية. وكان نقفور هذا شديداً على المسلمين، وهو الذي فتح طرسوس والمصيصة وأذنه وعين زربة وغيرها، ولم يكن نصراني الأصل وإنما هو من ولد رجل مسلم من أهل طرسوس يعرف بابن الفقاس تنصر وكان ابنه هذا شهماً شجاعاً حسن التدبير لما يتولاه. فلما عظم أمره وصار دمستقاً قتل الملك الذي كان قبله وملك الروم بعده. وتزوج امرأة الملك المقتول على كرهٍ منها وكان لها ابنان من الملك، فعزم على أن يخصيهما ليقطع نسلهما ويبقى الملك فيه وفي ذريته. فلما علمت أمهما ذلك احتالت في قتله، فأرسلت إليه ابن الشمشقيق - وهو الدمستق حينئذ - ووافقته على أن يسير إليها في زي النساء ومعه جماعة وقالت لزوجها: إن نسوة من أهلها قد زرنها! فلما سار إليها وهو ومن معه جعلتهم في بيعة تتصل بدار الملك. فلما كان في ليلة الميلاد نام نقفور واستثقل في نومه، ففتحت امرأته الباب وأدخلتهم إليه فقتلوه، وثار بهم جماعة من خاصته وأهله فقتل منهم نيف وسبعون رجلاً، وأجلس في الملك الأكبر من ولدي الملك المقتول، وصار المدبر له ابن الشمشقيق، ويقال: إن نقفور ما بات قط بغير سلاح إلا في تلك الليلة التي قتل فيها.\rالفتنة ببغداد\rومصادرة الخليفة المطيع لله","part":6,"page":327},{"id":2833,"text":"وفي سنة إحدى وستين وثلاثمائة وقعت ببغداد فتنة عظيمة، وكان سببها أن الروم استطالوا على أهل بلاد الجزيرة وامتدوا في البلاد وعظم أمرهم وقويت شوكتهم، فسار جماعة من أهل تلك البلاد إلى بغداد مستنفرين، وقاموا في المساجد والمشاهد واستنفروا المسلمين وذكروا ما فعله الروم من النهب والأسر والسبي. فاستعظمه الناس واجتمع أهل بغداد وقصدوا دار الخليفة، وأرادوا أن يهجموا عليه فمنعوا وأغلقت الأبواب فأسمعوه القبيح، ثم تجمعوا وثاروا في البلد، ونهبت الأموال وقتلت الرجال، وأحرقت الدور، وفي جملة ما أحرق محلة الكرخ وكانت معدن التجار والشيعة.\rفأنفذ عز الدولة بختيار إلى الطيع لله يطلب منه مالا يخرجه على الغزاة فقال المطيع: إن النفقة على الغزاة وغيرها من مصالح المسلمين تلزمني إذا كانت الدنيا في يدي والأموال تجبى إلي، وأما إذا كانت حالي هذه فلا يلزمني شيء من ذلك، وإنما يلزم من البلاد في يده وأنا ليس لي إلا الخطبة، فإن شئتم أن أعتزل فعلت! وترددت الرسائل بينهما حتى بلغا إلى التهديد، فبذل المطيع لله أربعمائة ألف درهم فاحتاج إلى بيع ثيابه وإنقاص داره وغيره ذلك. وشاع عند الناس من أهل العراق وحجاج خرسان وغيرهم أن الخليفة قد صودر فلما قبض بختيار المال صرفه في مصالح نفسه بطل حديث الغزاة، ولم يسمع بمثل هذا فيما مضى.\rوفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وقعت الفتنة بين بختيار وسبكتكين التركي الحاجب، فانتصر الحاجبُ عليه واستولى على بغداد، وأخرج من فيها من أهل بختيار وأصحابه، وترك الأتراك في دور الديلم وأخذوا أموالهم على ما نذكر ذلك مبيناً في أخبار الدولة البويهية إن شاء الله تعالى.\rخلع المطيع لله نفسه\rمن الخلافة وخلافة ابنه الطائع لله وفي منتصف ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وقيل في الثالث عشر منه خلع المطيع لله نفسه من الخلافة. وكان سبب ذلك أنه أصابه مرض الفالج وثقل لسانه وتعذرت الحركة عليه، وكان يستر ذلك، فانكشف حاله لسبكتكين فدعاه إلى خلع نفسه وتسليمها لولده ففعل ذلك وأشهد عليه به. فكانت مدة خلافته تسعاً وعشرين سنة وأربعة أشهر وعشرين يوماً، وكان له من الأولاد أبو بكر وهو الطائع وعبد العزيز وجعفر.\rوزراؤه: أبو الحسن محمد بن علي بن مقلة، وأبو الفضل أحمد الشيرازي. قضاته: محمد بن الحسين بن أبي الشوارب، ومحمد بن أم شيبان الهاشمي، وأبو السائب، وأبو بشر عمر بن أكثم. حجابه: بختيار بن معز الدولة ويخلفه عبد الواحد بن أبي عمر الشرابي. الأمير بمصر: الإخشيد إلى أن مات، ثم ابنه أنوجور، ثم أخوه، ثم كافور الإخشيدي إلى أن مات، ثم عقد الأمر لأحمد بن علي بن الإخشيد وهو ابن إحدى عشرة سنة، ثم خرجت مصر عن الدولة العباسية باستيلاء المغاربة عليها. القضاة بمصر: أبو الوليد، ثم عمر بن الحسن بن عبد العزيز العباسي من قبل أخيه محمد، واستخلف ابن الحداد، ثم وليها أبو بكر عبد الله بن محمد بن الخصيب، ثم ابنه محمد، ثم أبو طاهر محمد بن نصر.\rخلافة الطائع لله هو أبو بكر عبد الكريم بن المطيع لله الفضل بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر، وأمه أم ولد اسمها عتب. وهو الخليفة الرابع والعشرون من الخلفاء العباسيين، وبويع له في يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وسنة يوم ذلك ثمان وأربعون سنة، ولم يل الخلافة أكبر منه سناً من بني العباسي، ولم يتقلد الخلافة من له أب حتى بعد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه غيره!.\rالحوادث في أيام خلافته\rفي هذه السنة خطب للمعز صاحب مصر بمكة والمدينة. وفي سنة أربع وستين وثلاثمائة استولى عضد الدولة على العراق وقبض على بختيار، ثم عاد بختيار إلى ملكه على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوفي سنة خمس وستين وثلاثمائة توفي المعز لدين الله صاحب مصر، وقام بعده ابنه العزيز.\rوفي سنة ست وستين وثلاثمائة توفي ركن الدولة بن بويه، وملك ابنه عضد الدولة وفيها كان ابتداء الدولة الغزنوية وأول من ملك منهم بغزنة سبكتكين، وسنذكر أخباره في دولتهم إن شاء الله تعالى.\rوفيها في جمادى الأولى نقلت ابنة عز الدولة بختيار إلى الطائع لله، وكان قد تزوجها.","part":6,"page":328},{"id":2834,"text":"وفي سنة سبع وستين وثلاثمائة استولى عضد الدولة على العراق وأخرج بختيار عنه ثم قتله، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبارهم.\rوفي سنة تسع وستين وثلاثمائة تزوج الطائع ابنة عضد الدولة، وكان عضد الدولة قد زوجه بها، وقال: لعلها تلد منه ولداً ذكراً فنجعله ولي عهد فتكون الخلافة في ولدهم! وكان الصداق مائة ألف دينار، وزفت إليه في سنة سبعين وكان معها من الجواهر والجهاز ما لا يحصى.\rوفي سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة توفي عضد الدولة بن بويه وولي صمصام الدولة ولده.\rوفي سنة خمس وسبعين وثلاثمائة خرج طائر من البحر بعمان وهو أكبر من الفيل، ووقف على تل هناك وصاح بصوت عالٍ ولسان فصيح: قد قرب قد قرب قد قرب! ثلاثاً، ثم غاص في البحر، فعل ذلك ثلاثة أيام ثم غاب ولم ير بعد ذلك.\rوفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة ملك شرف الدولة العراق، وقبض على أخيه صمصام الدولة سلمه في سنةٍ تسع وسبعين، ومات شرف الدولة في السنة، وملك بعده أخوه بهاء الدولة وله إخوة.\rالقبض على الطائع\rوشيء من أخباره وفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة في يوم السبت لثمان من شعبان قبض بهاء الدولة بن بويه على الخليفة الطائع لله، وكان سبب ذلك أن بهاء الدولة قلت عنده الأموال وكثر شغب الجند عليه، فقبض على وزيره سابور فلم يغن عنه شيئاً. وكان أبو الحسن بن المعلم قد غلب على بهاء الدولة وحكم في مملكته فحسن له القبض على الطائع وأطمعه في ماله، وهون ذلك عليه وسهله. فأقدم عليه بهاء الدولة وأرسل إلى الطائع لله وسأله الإذن في الحضور إليه ليجدد العهد بخدمته، فأذن له بذلك، وجلس له كما جرت العادة، فدخل بهاء الدولة ومعه جمع كبير فلما دخل قبل الأرض. فأجلس على كرسي، فدخل بعض الديلم كأنه يريد تقبيل يد الخليفة، فجذبه وأنزله عن سريره والخليفة يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ونهب الناس بعضهم بعضاً. وكان في جملتهم الشريف الرضي فبادر بالخروج فسلم وقال أبياتاً من جملتها:\rمن بعد ما كان رب المال مبتسماً ... إلي أدنوه في النجوى ويدنيني\rأمسيت أرحم من قد كنت أغبطه ... لقد تقارب بني العز والهوان\rومنظر كان بالسراء يضحكني ... يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني\rهيهات اعتز بالسلطان ثانية ... قد ضل ولاج أبواب السلاطين\rقال: ولما حمل الطائع إلى دار بهاء الدولة أشهد عليه بالخلع، فكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وتسع أشهر وثمانية أيام، وبقي في حبس القادر بالله إلى أن توفي في يوم الثلاثاء سلخ شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وصلى عليه القادر بالله في دار الخلافة وكبر خمساً، وتحدث الناس في ذلك فقال: هكذا يصلى على الخلفاء! ودفن بالرصافة، ويقال: إن القادر بالله شيع جنازته إليها ورثاه الشريف الرضي بقصيدته التي أولها:\rما بعد يومك ما يسلو به السالي ... ومثل يومك لم يخطر على بالي\rوكان مولده في سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وكان أبيض مربوعاً حسن الجسم، وكان أنفه كبيراً جداً، وكان شديد القوة كثير الإقدام، ولم يكن له من الحكم في ولايته ما يعرف به حاله ويستدل على سيرته.\rخلافة القادر بالله هو أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي أحمد بن الموفق، وأمه أم ولد اسمها دمنة وقيل تمنى، وهو الخليفة الخامس والعشرون من الخلفاء العباسيين وبويع له في يوم خلع الطائع لثمان بقين من شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وكان يوم ذاك بالبطيحة عند مهذب الدولة أميرها.\rوكان سبب توجهه إليها أن إسحاق بن المقتدر والد القادر لما توفي جرى بين القادر وبين أخيه منازعة في ضيعة، وطال الأمر بينهما. ثم إن الطائع لله مرض مرضاً شديداً أشفي منه ثم أبل فسعت إليه بأخيها القادر وقالت: إنه شرع في طلب الخلافة عند مرضك! فتغير رأيه فيه، وأنفذ أبا السحن ابن حاجب النعمان وغيره للقبض عليه وكان بالحريم الطاهري، فأصعدوا في الماء إليه.\rوكان القادر قد رأى في منامه كأن رجلاً يقرأ عليه.. \" الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل \" فهو يحكي هذا المنام لأهله ويقول: أنا خائف من طلب يطلبني!","part":6,"page":329},{"id":2835,"text":"ووصل أصحاب الطائع لله وقبضوا عليه، فأراد لبس ثيابه فمنعوه ولم يمكنوه من مفارقتهم ، فأخذه النساء منهم قهراً وخرج من داره واستتر وذلك في سنة تسع وسبعين. ثم سار إلى البطيحة فسار فنزل على مهذب الدولة، فأكرم نزله ووسع وبالغ في خدمته، ولم يزل عنده حتى أفضي إليه الأمر فجعل علامته \" حسبنا الله نعم الوكيل \" .\rقال: ولما قبض على الطائع ذكر بهاء الدولة من يصلح للخلافة فاتفقوا على القادر بالله، فأرسل بهاء الدولة خواص أصحابه ليحضروه إلى بغداد.\rوشغب الجند والديلم ببغداد، ومنعوا من الخطبة له، فقيل على المنبر: اللهم أصلح عبدك وخليفتك القادر بالله! ولم يذكر اسمه، ثم أرضاهم بهاء الدولة.\rقال: ولما وصل الرسول إلى القادر بالله كان في تلك الساعة يحكي مناماً رآه في تلك الليلة هو ما حكاه عبد الله بن عيسى كاتب مهذب الدولة قال: كنت أحضر عند القادر بالله كل أسبوع مرتين، فكان يكرمني، فدخلت عليه يوم فوجدته قد تأهب لم تجر به عادته، ولم أر منه ما ألفت من كرامته فاختلفت بي الظنون، فسألته عن سبب ذلك فإن كان لزلة مني اعتذرت عن نفسي فقال: بل رأيت البارحة في منامي كأن نهركم هذا الصليق قد اتسع فصار مثل دجلة دمغات على جانبه متعجباً منه، ورأيت عليه قنطرة عظيمة فقلت من قد حدث نفسه بعمل هذه القنطرة على هذا البحر العظيم؟ ثم صعدتها - وهي محكمة - فبينا أنا عليها أتعجب منها إذا رأيت شخصاً يتأملني من ذلك الجانب فقال: أتريد أن تعبر؟ قلت: نعم، فمد يده حتى وصلت إلي فأخذني وعبر بي فهالني، وتعاظمني فعله، فقلت: من أنت؟ قال: علي بن أبي طالب وهذا الأمر صائر إليك ويطول عمرك فيه فأحسن إلى ولدي وشيعتي! قال: فما انتهى القادر إلى هذا القول حتى سمعنا صياح الملاحين وغيرهم فسألنا عن ذلك فإذا هم الواردون إليه لإصعاده ليتولى الخلافة، فخاطبته \" يا أمير المؤمنين \" وقال مهذب الدولة بخدمته أحسن قيام، وحمل إليه من المال وغيره ما يحمله كبار الملوك إلى الخلفاء وشيعه، فسار القادر إلى بغداد، فلما وصل جبل انحدر بهاء الدولة وأعيان الناس إليه واستقبلوه وساروا في خدمته، فدخل دار الخلافة في ثاني عشر شهر رمضان وبايعه بهاء الدولة والناس، وخطب له في ثالث عشر الشهر المذكور.\rوجدد أمر الخلافة وعظم ناموسها وحمل إليه ما نهب من دار الخلافة، ولم يخطب له في جميع خراسان بل كانت الخطبة فيها للطائع لله وحلف له بهاء الدولة على الطاعة والقيام بشروط البيعة، وحلف القادر له بالوفاء والخلوص، وأشهد عليه أنه قلده ما وراء بابه.\rتسليم الطائع\rلله إلى القادر وما يفعله معه وفي شهر رجب سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة سلم بهاء الدولة الطائع لله إلى الخليفة القادر بالله، فأنزله في حجرةٍ من خاص حجره، ووكل به من ثقات خدمه من يقوم بخدمته وبالغ في الإحسان إليه، وكان الطائع يطلب الزيادة في الخدمة كما كان أيام الخلافة فيؤمر له بذلك. حكي عنه أن القادر أرسل إليه طبيباً فقال: من هذا يتطيب أبو العباس؟ يعني القادر فقالوا: نعم! فقال: قولوا له عني: في الموضع الفلاني كندوج فيه طيب مما كنت أستعمله، فليرسل إلى بعضه ويأخذ الباقي لنفسه! ففعل ذلك، وأرسل إليه القادر يوما عدسية فقال: ما هذا؟ قالوا: عدس وسلق! فقال: أو قد أكل أبو العباس من هذا؟ قال: نعم! قال: قولوا له عني: كلما أردت أن تأكل عدسية لم اختفيت فما كانت العدسية تعوزك، ولم تقلدت هذا الأمر؟ فأمر حينئذ القادر أن تفرد له جارية من طباخاته تحضر له ما يلتمسه في كل يوم، فأقام على هذا إلى أن توفي.\rوفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة عقد نكاح القادر بالله على بنت بهاء الدولة على صداق مبلغه مائة ألف دينار، وماتت قبل النقلة إليه.\rوفيها اشتد الغلاء بالعراق وبيعت الكارة الدقيق بمائتين وستين درهماً، والكر الحنطة بستة آلاف وستمائة درهم غياثية.\rوفي سنة ست وثمانين وثلاثمائة توفي العزيز بالله صاحب مصر، وولي بعده ابنه الحاكم.\rوفي سنة تسع وثمانين انقرضت الدولة السامانية وملك الترك ما وراء النهر.","part":6,"page":330},{"id":2836,"text":"وفيها عمل أهل باب البصرة ببغداد يوم السادس والعشرين من ذي الحجة زينة عظيمة وفرحاً كثيراً، وعملوا في ثامن عشر المحرم مثل ما تعمل الشيعة في يوم عاشوراء. وسبب ذلك أن الشيعة بالكرخ كانوا ينصبون القباب ويعلقون الثياب للزينة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وهو يوم الغدير. وكانوا يعملون - يوم عاشوراء - المآثم والنوح، ويظهرون الحزن لمقتل الحسين، فعلم أهل باب البصرة مقابل ذلك بعد يوم الغدير بثمانية أيام مثلهم وقالوا: يوم دخول النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله تعالى عنه الغار! وعملوا بعد عاشوراء بثمانية أيام مثل عمل الشيعة يوم عاشوراء وقالوا: هذا يوم قتل مصعب بن الزبير رضي الله عنهما.\rوفي سنة تسعين وثلاثمائة ظهر في سجستان معدن الذهب الأحمر.\rالبيعة لولي العهد\rوفي شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة أمر القادر بالله بالبيعة لولده أبي الفضل بولاية العهد، ولقبه الغالب بالله. وكان سبب ذلك أن أبا عبد اله بن عثمان الواثقي من ولد الواثق بالله كان من أهل نصيبين، فقصد بغداد ثم سار إلى خراسان وعبر النهر إلى هارون بن أيلك بغراخان، وصحبه الفقيه أبو الفضل التميمي وأظهر أنه رسول من الخليفة إلى هارون يأمره بالبيعة لهذا الواثقي وأنه ولي عهده. فأجاب بغراخان إلى ذلك وبايع له وخطب له ببلاده، فبلغ ذلك القادر فعظم عليه وأرسل إلى بغراخان في معناه فلم يصغ إلى رسالته. فملا توفي هارون وولي بعده أحمد بغراخان كاتبه الخليفة في معناه، فأمر بإبعاده فحينئذ بايع القادر لولده، وأحضر حجاج خراسان وأعلمهم ذلك.\rوأما الواثقي فإنه خرج من عند أحمد بغراخان وقصد بغداد فعرف بها، فطلب منها فهرب إلى البصرة ثم إلى فارس وكرمان، ثم إلى بلاد الترك، فلم يتم له ما أراد، وأرسل الخلفية إلى الملوك يطلبه فضاقت عليه الأرض، فسار إلى خوارزم فأقام بها ثم فارقها، فأخذه يمين الدولة محمود بن سبكتكين فحبسه إلى أن مات.\rوفي سنة إحدى وأربعمائة خطب قرواش بن المقلد أمير بني عقيل للحاكم العلوي صاحب مصر بالكوفة والموصل والأنبار والمدائن وغيرها من أعماله ثم قطعت في السنة.\rوفي سنة إحدى عشرة وأربعمائة مات الحاكم صاحب مصر وولي بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين الله.\rوفي سنة اثنتي عشرة وأربعمائة توفي علي بن هلال المعروف بابن البواب، وإليه انتهى الخط، ونقل عنه إلى وقتنا هذا، ودفن بجوار أحمد بن حنبل، وكان يقص بجامع بغداد، وقيل إنه مات في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ورثاه المرتضى.\rالفتنة بمكة\rوفي سنة أربع عشرة وأربعمائة في يوم النفر الأول وكان يوم الجمعة، قام رجل من أهل مصر بإحدى يديه سيف مسلول والأخرى دبوس، بعد فراغ الإمام من الصلاة فقصد الحجر الأسود فضربه ثلاث ضربات بالدبوس وقال: إلى متى يعبد الحجر الأسود ومحمد وعلي؟ فليمنعني مانع من هذا، فإني أريد هدم هذا البيت! فخاف أكثر من حضر وتراجعوا عنه وكاد يفلت، فثار به رجل فضربه بخنجره فقتله، وقطعه الناس وأحرقوه، وقتل ممن اتهم بمصاحبته جماعة وأحرقوا، وثارت الفتنة، وكان الظاهر من القتلى أكثر من عشرين رجلاً غير ما أخفى منهم.\rوألح الناس في ذلك اليوم على المغاربة والمصريين بالنهب والسلب، فلما كان الغد ماج الناس واضطربوا وأخذوا أربعة من أصحاب ذلك الرجل فقالوا: نحن مائة رجل! فضربت أعناق الأربعة. وتقشر بعض وجه الحجر من الضربات، فأخذ ذلك الفتات وعجن بلك وأعيد إلى موضعه.\rوفي سنة ثماني عشرة وأربعمائة سقط بالعراق جميعه برد كبار وزن الواحدة رطل ورطلان، وأصغره كالبيضة، فأهلك الغلات ولم يصح منها إلى القليل، هكذا حكاه ابن الأثير في تاريخه الكامل.\rوفيها في آخر تشرين الثاني هبت ريح باردة بالعراق جمد منها الماء والخل، وبطل دوران الدواليب التي على دجلة.\rوفي سنة تسع عشرة وأربعمائة انقطع الحج من العراق، فمضى بعض حجاج خراسان إلى كرمان وركبوا في البحر إلى جدة وحجوا!.\rذكر البيعة لولي العهد","part":6,"page":331},{"id":2837,"text":"كان القادر بالله قد جعل ولاية العهد لولده أبي الفضل كما قدمناه فمات فلما كان في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة مرض القادر وأرجف بموته، فجلس جلوساً عاماً وأذن للخاصة والعامة فدخلوا عليه. فلما اجتمعوا قام الصاحب أبو الغنائم فقال: خدم مولانا أمير المؤمنين داعون له بالبقاء وشاكرون لما بلغهم من نظره لهم وللمسلمين باختيار الأمير أبي جعفر لولاية العهد! فقال القادر للناس: قد أذنا لكم في العهد له! وكان أراد أن يبايع له قبل ذلك فنهاه عنه الحسن ابن حاجب النعمان، فلما عينه القادر الآن جلس على السرير الذي كان قائماً عليه. وألقيت الستارة التي على القادر، فتقدم الحاضرون وخدموا ولي العهد وهنئوه، وتقدم أبو الحسن ابن \" حاجب النعمان فقبل يده وهنأه فقال له أبو جعفر: ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال \" يعرض له بإفساده رأي القادر فيه فأكب على تقبيل قدميه وتعفير خده بين يديه، فقبل عذره. ودعي لأبي جعفر على المنابر يوم الجمعة لست بقين من جمادى الأولى، ومات أبو الحسن ابن حاجب النعمان في نفس السنة.\rملك الروم مدينة الرها\rوفي سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة ملك الروم مدينة الرها وكانت بيد نصير الدولة بن مروان صاحب ديار بكر، ملكها من صاحبها عطير في سنة ست عشرة وأربعمائة ثم مات عطير فشفع صالح بن مرادس صاحب حلب إلى نصير الدولة في إعادتها إلى ابن عطير وإلى ابن شبل بينهما، فقبل شفاعته وسلمها إليهما. وكان في الرها برجان حصينان أحدهما أكبر من الآخر فتسلم ابن عطير الكبير وابن شبل الصغير، وبقيت المدينة معهما إلى هذه السنة. فراسل ابن عطير أرمانوس ملك الروم وباعه حصنه من الرها بعشرين ألف دينار وعدة قرى من جملتها القرية التي عرفت بسن ابن عطير، وتسلموا البرج الذي له ودخلوا البلد فملكوه وهرب منه أصحاب ابن شبل. وقتل الروم المسلمين، وخربوا المساجد، فسمع نصير الدولة الخبر فسير جيشاً كثيفاً إلى الرها فحصرها وفتحها عنوة، واعتصم من بها من الروم بالبرجين واحتمى النصارى بالبيعة التي لهم، فحصرهم المسلمون بها وأخرجوهم وقتلوا أكثرهم ونهبوا البلد، وبقي الروم بالبرجين. فسير إليهم ملكهم عسكراً نحو عشرة آلاف مقاتل، فانهزم أصحاب ابن مروان من بين أيديهم، ودخل الروم البلد ونهبوا ما جاورهم من بلاد المسلمين وصالحهم ابن وثاب النميري على حران وسروج وحمل إليهم خراجاً.\rوفاة القادر بالله\rوشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته رحمه الله في اليوم الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وعمره ست وثمانون سنة وعشرة أشهر. وكانت مدة خلافته إحدى وأربعين سنة وأربعة أشهر إلا أياماً. وكان حليماً كريماً خيراً يحب الخير وأهله ويأمر به، وينهى عن الشر ويبغض أهله.و كان حسن الاعتقاد، وصنف كتاباً على مذهب السنة. وكان يخرج من داره في زي العامة ويزور قبور الصالحين كقبر معروف الكرخي وغيره.\rقال القاضي الحسين بن هارون: كان بالكرخ ملك ليتيم وكان له قيمة جيدة، فأرسل إلى ابن حاجب النعمان - وهو حاجب القادر بالله - يأمرني أفك الحجر عنه ليشتري بعض أصحابه ذلك الملك فلم أفعل فأرسل إلي يستدعيني فقلت لغلامه: تقدمني حتى ألحقك وخفته وقصدت قبر معروف الكرخي فدعوت الله أن يكفيني شره وهناك شيخ فقال: على من تدعو؟ فذكرت له الخبر ووصلت إلى الحاجب فأغلظ لي في القول ولم يقبل عذري، فأتاه خادم برقعة ففتحها فقرأها فتغير لونه واعتذر إلي ثم قال: كتبت إلى الخليفة رقعة؟ قلت لا وعلمت أن ذلك الشيخ كان الخليفة! وقيل إنه كان يقسم إفطاره كل ليلة ثلاثة أقسام، فقسم يتركه بين يديه، وقسم يرسله إلى جامع الرصافة، وقسم يرسله إلى جامع المدينة يفرقه على المقيمين فيهما. فاتفق أن الفراش حمل الطعام ليلة إلى جامع المدينة ففرقه على الجماعة، فأخذوا إلا شاباً فإنه رده، فلما صلوا المغرب خرج الشاب وتبعه الفراش فوقف على باب فاستطعم فأطعموه كسيرات فأخذها وعاد إلى الجامع فقال له الفراش: ويحك أما تستحي.. ينفذ إليك الخليفة الله بطعام حلال فترده وترجع فتأخذه من الأبواب؟ فقال: والله فلما احتجت طلبت! فعاد الفراش وأخبر القادر بالله فبكى وقال له: راع مثل هذا واغتنم أجره وأقم إلى وقت الإفطار.","part":6,"page":332},{"id":2838,"text":"ومناقبه كثيرة مشهورة وكان أبيض نقي الجسم كث اللحية طويلها يخضب. ودبر الملك في أيامه بهاء الدولة إلى أن مات، ثم ابنه سلطان الدولة أبو شجاع إلى أن مات، ثم أخوه أبو علي شرف الدولة إلى أن مات، ثم أخوه أبو طاهر جلال الدولة.\rوكان القادر بالله من الأولاد أبو الفضل الغالب بالله مات في حياته، وأبو جعفر عبد الله القائم، وأبو القاسم ومات في حياته أيضاً.\rوزراؤه: محمد بن أحمد الشيرازي الصاحب، وسعيد بن نصر بن علي الفيروزابادي، وسعيد بن الحسن بن برتك البصري، وعلي بن عبد العزيز ابن حاجب النعمان، ثم ابنه أبو الفضل محمد بن علي.\rحجابه: أبو الفتح محمد بن الحسين السعيدي، ثم أبو القاسم بكران، ثم ولده أبو منصور وغيرهم، نقش خاتمه \" لا إله إلا الله محمد رسول الله \" وقيل \" حسبي الله ونعم الوكيل \" خلافة القائم بأمر الله هو أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن إسحاق ابن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر، وقد تقدم ذكر نسبه. وأمه أم ولد اسمها بدر الدجى، وقيل: قطر الندى وقيل: علم، وكانت أرمنية وقيل: رومية. وهو الخليفة السادس والعشرون من الخلفاء العباسيين، بويع له البيعة العامة بعد وفاة أبيه في الحادي والعشرين من ذي الحجة في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. وصلى بالناس عشاء المغرب في صحن السلام من دار الخلافة، وكان أبوه قد بايع له بولاية العهد سنة إحدى وعشرين كما ذكرناه، وأول من بايعه الآن الشريف أبو القاسم المرتضى، وأنشد:\rفإما مضى جبل وانقضى ... فمنك لنا جبل قد رسى\rوإما فجعنا ببدر التمام ... فقد بقيت منه شمس الضحى\rفكم حزن في محل السرور ... وكم ضحك في خلال البكى\rفيما صارماً أغمدته يد ... لنا بعدك الصارم المنتضى\rوأرسل القائم بأمر الله قاضي القضاة أبا الحسن الماوردي إلى الملك أبي كاليجار ليأخذ عليه البيعة،ويخطب له في بلاده، فأجاب وبايع وخطب له في بلاده، وأرسل إليه الهدايا جليلة وأمواله كثيرة.\rذكر الحوادث في أيام القائم\rفي منتصف شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة توفي الظاهر صاحب مصر، وولي بعده ابنه المستنصر.\rوفي سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة كان ابتداء الدولة السلجقية على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبارهم.\rوفي ستة خمس وثلاثين وأربعمائة أظهر المعز بن باديس الدعوة للدولة العباسية، وخطب ببلاده للخليفة القائم بأمر الله فسيرت إليه الخلع والتقليد.\rوفي سنة إحدى وأربعين أربعمائة في ذي القعدة ارتفعت سحابة سوداء مظلمة ليلاً فزادت ظلمتها على ظلمة الليل، وظهر في جوانب السماء كالنار المضطرمة، وهب ريح قلعت روشن دار الخليفة، ثم انكشف ذلك في بقية الليل.\rوفي سنة ثلاثٍ وأربعين وأربعمائة في يوم الأربعاء سابع صفر وقت العصر ظهر ببغداد كوكب غلب نوره على نور الشمس له ذؤابة نحو ذراعين، وسار سيراً بطيئاً، ثم انقض والناس يشاهدونه.\rوفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة زلزلت الأرض نحورستان وأرجان وغيرها زلازل كثيرة كان معظمها بأرجان فخرب كثير من بلادها، وانفرج جبل كبير بالقرب من أرجان فانصدع فظهر في وسطه درجة بالآجر والجص وقد خفيت في الجبل، فعجب الناس من ذلك! وفي سنة سبع وأربعين وأربعمائة وصل طغرلبك السلجقي إلى بغداد وخطب له بها، وانقرضت الدولة البويهية.\rوفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة تزوج الخليفة القائم بأمر الله بأرسلان خاتون واسمها خديجة ابنة داود أخي السلطان طغرلبك، وقبل الخليفة النكاح لنفسه.\rوفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة في العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السحر في السماء ذؤابة بيضاء طولها نحو عشرة أذرع في رأي العين وعرضها ذراع، وبقيت كذلك إلى نصف شهر رجب واضمحلت.\rوفيها أمر الخليفة القائم بأمر الله أن يؤذن بالكرخ والمشهد وغيرهما الصلاة خير من النوم وأن يتركوا حيي على خير العمل ففعلوا ذلك.\rوفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة اشتد الغلاء ببغداد والعراق حتى بيعت الكارة الدقيق السميذ بثلاثة عشر ديناراً والكارة الشعير والذرة بثمانية دنانير، ومقدار الكارة وأكل الناس الميتة والكلاب وغيرها وكثر الوباء، حتى عجز الناس عن دفن الموتى فكانوا يجعلون الجماعة في الحفيرة.","part":6,"page":333},{"id":2839,"text":"وفيها كثر الوباء ببخارى حتى قيل: إنه مات في يوم واحد ثمانية عشر ألف إنسان من أعمال بخارى، وهلك في هذه الولاية في مدة الوباء ألف ألف وستمائة ألف وخمسون ألفاً، وكان بسمرقند مثل ذلك، ووجد ميت وقد دخل عليه تركي يأخذ لحافاً عليه فمات التركي وطرف اللحاف بيده، وبقيت أموال الناس سائبة لا تجد من يجمعها!\rأرسلان البساسيري\rوابتداء حاله وما كان منه إلى أن تغلب على بغداد وقطع خطبة القائم بأمر الله وخَطَب للمستنصر العلوي صاحب مصر كان أبو الحارث البساسيري مملوكاً تركياً من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة البويهي، وهو منسوب إلى مدينة بساسير من بلاد فارس، كان سيده الأول منها فقيل له: البساسيري لذلك. وأما ما وَلِيه من المناصب التي ترقّى منها إلى أن صار منه ما صار، فإنه ولِي في سنة خمس وعشرين وأربعمائة حماية الجانب الغربي ببغداد، لأن العيارين كان قد اشتد أمرهم وعظم فسادُهم وعجز عنهم نواب السلطان فاستعمل لكفاءته ونهضته وذلك في سلطنة جلال الدولة أبي طاهر بهاء الدولة في حروبه وأبلى بين يديه بلاء حسناً، فعظم شأنه وارتفع محلّه وعلت رتبته وتقدّم على الجيوش، وكان بينه وبين العرب الذين خالفوا جلال الدولة وخرجوا عن طاعته وكاشفوه بالعداوة حروب كان النصر في أكثرها له، ثم صار يخلف الملك الرحيم ببغداد. واستولى على الأنبار في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وملكها من قرواش بن المقلَّد، واستولى على الدار، وملكها من سعيد بن أبي الشول. ولما استولى الملك الرحيم على البصرة في سنة أربع وأربعين وأربعمائة وأخذها من أخيه أبي علي بن أبي كاليجار سلَّمها إلى البساسيري فنهض فيها وضبطها وأوقع بالأكراد والأعراب في سنة خمس وأربعين وأربعمائة - وكانوا قد أفسدوا في البلاد - فقتل منهم خلْقاً كثيراً وغنم أموالهم وأجلاهم عن البلاد. ثم أتى بغداد ووقع بينه وبين الخليفة القائم بأمر الله وحشةٌ عظيمةٌ في سنة ست وأربعين وأربعمائة لأسباب يطول شرحها أدّت إلى إسقاطه مشاهرات الخليفة ومشاهرات رئيس الرؤساء الوزير وحواشي الدار، ودام ذلك من شهر رمضان إلى ذي الحجة! ثم سار إلى الأنبار فمنعه أبو الغنائم بن المحلبان من دخولها فحاصرها ونصب عليها المجانيق، وفتحها عنْوةً ونهبها وأسر من أهلها خمسمائة رجل ومائة من بني خفاجة وأُسر أبو الغنائم. وعاد إلى بغداد وهو بين يديه على جمل وعليه قميصٌ أحمر وعلى رأسه برنس وهو مقيّد، وأتى إلى مقابل التاج وقبّل الأرض وعاد إلى منزله وهو يجعل الذَّنْب كله لرئيس الرؤساء وزير الخليفة - ويقول لست أشكو إلا منه فإنه أخرب البلاد.\rوكاتب السلجوقية وأطمعهم في البلاد، ثم توجه البساسيري إلى واسط، فلما كان في سنة سبع وأربعين وضع رئيس الرؤساء الأتراك البغداديين على البساسيري وسلبه ونسب ما يقع من النقص إليه، ففعلوا ذلك وزادوا عليه حتى حضروا إلى دار الخلافة في شهر رمضان واستأذنوا في قصد دور البساسيري ونهبها فأذن لهم في ذلك، فنهبوا دوره وأحرقوها، ووكلوا بنسائه وأهله ونوابه، ونهبوا دوابه وجميع ما يملكه ببغداد. وأطلق رئيس الرؤساء لسانه في البساسيري وذمة ونسبه إلى مكاتبة المستنصر صاحب مصر، وأرسل الخليفة إلى الملك الرحيم يأمره بإبعاد البساسيري فأبعده، وكانت هذه الحالة من أعظم الأسباب في ملك السلطان طغرلبك العراق.","part":6,"page":334},{"id":2840,"text":"ووصل السلطان طغرلبك إلى بغداد إثر هذه الحادثة وملكها، وانقرضت الدولة البويهية، فعند ذلك أظهر البساسيري الخلاف وجاهر بالعصيان، وانضم إليه نور الدولة دبيس بن مزيد. التقوا هم وقريش بن بدران صاحب الموصل وكان مع قريش قتلمش السلجوقي - وهو ابن عم طغرلبك - واقتتلوا فكانت الهزيمة على قريش وقتلمش، وكانت هذه الواقعة عند سنجار في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. ثم صار قريش بن بدران مع البساسيري ونور الدين دبيس، فساروا إلى الموصل وخطبوا بها للمستنصر بالله العلوي صاحب مصر - وكانوا قد كاتبوه بطاعتهم فأرسل إليهم الخلع عن مصر - فلما بلغ ذلك السلطان طغرلبك سار إلى الموصل وديار بكر لإخلائها من البساسيري وغيره من المفسدين، فاستولى على الموصل وأعمالها وسلمها إلى أخيه إبراهيم ينال وعاد إلى بغداد في سنة تسع وأربعين وأربعمائة فأقام بها إلى سنة خمسين وأربعمائة. ثم فارقها وتوجه نحو بلاد الجبل فعاد البساسيري إلى الموصل واستولى عليها وحصر قلعتها أربعة أشهر، وملكها فهدمها وعفى أثرها، وكان السلطان قد فرق عساكره فكتب إلى أخيه إبراهيم واستدعاه، فحضر إليه إلى بلاد الجبل فسار أخيه إبراهيم واستدعاه، فحضر إليه إلى بلاد الجبل فسار السلطان جريدة في ألفي فارس إلى الموصل فوجد البساسيري وقريش بن بدران قد فارقاها.\rفسار إلى نصيبين ليتبع آثارهم ويخرجهم من البلاد، ففارقه أخوه إبراهيم ينال إلى همذان فكاتبه البساسيري وأطمعه في السلطنة، فأظهر إبراهيم العصيان على السلطان طغرلبك فسار طغرلبك إلى همذان في منتصف شهر رمضان سنة خمسين وأربعمائة، واشتغل بحرب أخيه حتى ظفر به، ثم عرض له ما شغله عن العود إلى بغداد.\rذكر استيلاء أبي الحارث البساسيري على العراق\rوخروج الخليفة القائم بأمر الله من بغداد والخطبة للمستنصر بالله العلوي صاحب مصر وقطع الدعوة العباسية قال: ولما اشتغل السلطان طغرلبك بحرب أخيه قصد البساسيري بغداد، فلما وصل إلى هيت أمر الخليفة الناس بالعبور إلى الجانب الشرقي، وكان الأتراك كلهم قد التحقوا بالسلطان إلى همذان.وكان الخليفة قد كتب إلى نور الدولة دبيس يأمره بالوصول إلى بغداد فورد إليهم في مائة فارس، فلما قوي الإرجاف بوصول البساسيري أرسل دبيس بن مزيد إلى الخليفة وإلى رئيس الرؤساء الوزير يقول: الرأي عندي خروجكما من البلد معي، فإنني أجتمع أنا وهزارسب بواسط على دفع عدوكما. فأتاه الجواب أن يقيم حتى يقع الفكر في ذلك، فقال: العرب لا تطيعني على المقام، وأنا أتقدم إلى ديالي فإذا انحدرتم سرت في خدمتكم! وسار وأقام يديالي ينتظرهما فلم ير لذلك أثراً، فسار إلى بلده.\rثم وصل البساسيري إلى بغداد في يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه أربعمائة غلام في غاية الضر والفقر، فنزل مشرعة باب البصرة. وركب عميدُ العراق ومعه العسكر والعوام وأقاموا بإزاء عسكر البساسيري وعادوا، وخطب البساسيري بجامع المنصور للمستنصر العلوي صاحب مصر فأذن حي على خير العمل وعقد الجسر وعبر عسكره إلى الثانية للمصري بجامع الرصافة، وجرى بين الطائفتين حروب في أثناء الأسبوع.\rوكان عميدُ العراق يشير على رئيس الرؤساء وزير الخليفة بالتوقف عن المناجزة، ويرى المناجزة ومطاولة الأيام انتظار لقدوم طغرلبك، ولما يراه من ميل العوام للبساسيري. فاتفق في بعض الأيام مع القاضي الهمذاني حضر إلى رئيس الرؤساء واستأذنه في الحرب وضمن له قتل البساسيري فأذن له من غير علم عميد الدولة، فخرج ومعه الخدم والهاشميون والعجم والعوام إلى الخليفة فاستخرجهم البساسيري حتى أبعدوا، ثم حمل عليهم فعادوا منهزمين، وقتل جماعة منهم، ومات في الزحمة جماعة، ونهب باب الأزج. وكان رئيس الرؤساء واقفاً دون الباب فدخل الدار وهرب كل من في الحريم، ورجع البساسيري إلى معسكره.\rواستدعي الخليفة عميد العراق وأمره بالقتال على سور الحريم فلم يرعهم إلا والزعقات قد علت ونهب الحريم، ودخلوا الباب النوبى. فركب الخليفة لابساً السواد وعلى كتفه البردة وبيده سيف على رأسه اللواء، وحوله زمرة من العباسيين والخدم بالسيوف المسلولة، فرأى النهب قد وصل إلى باب الفردوس من داره، فرجع إلى ورائه ومضى نحو عميد العراق. فوجده قد استأمن إلى قريش فعاد وصعد إلى المنظرة.","part":6,"page":335},{"id":2841,"text":"وصاح رئيس الدولة يا علم الدين يعني قريشاً أمير المؤمنين يستدنيك فدنا منه فقال له رئيس الرؤساء: قد أنالك الله منزلة لم ينلها أمثالك، وأمير المؤمنين يستذم منك على نفسه وأهله وأصحابه بذمام الله تعالى وذمام رسوله صلى الله عليه وسلم وذمام العربية. قال: أذم الله تعالى! قال: ولي ولمن معه؟ قال نعم! وخلع قلنسوته وأعطاها الخليفة، وأعطى رئيس الرؤساء ذماماً. فنزل إليه الخليفة ورئيس الرؤساء وسارا معه فأرسل إليه اليساسيري: أتخالف ما استقر بيننا وتنقض ما تعاهدنا عليه؟ فقال قريش لا! وكانا قد تعاهدا على المشاركة في الذي يحصل لهما وأن لا يستبد أحدهما دون الآخر بشيء، فاتفقا على أن يسلم قريش رئيس الرؤساء إلى البساسيري لأنه عدوه ويترك الخليفة عنده!\rمقتل رئيس الوزراء\rوعميد العراق قال ولما أرسل قريش رئيس الرؤساء إلى البساسيري قال له: مرحباً بمهلك الدول ومخرب البلاد! فقال: العفو عند المقدرة! فقال له البساسيري قدرت فما عفوت وأنت صاحب طيلسان، وركتب الأفعال الشنيعة مع حرمي وأطفالي، فكيف أعفوا أنا وأنا صاحب السيف؟ وأمر به فحبس إلى آخر ذي الحجة، ثم أخرجه من محبسه مقيداً وعليه جبة صوف وطرطور من لبد أحمر وفي رقبته - مخنقة جلد بعير وهو يقرأ قل الله مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء الآية... وطيف به محال بغداد وهو على جمل وراءه من يصفعه.\rفلما اجتاز بالكرخ بصق أهل الكرخ في وجهه لأنه كان يتعصب عليهم! وجيء به إلى البساسيري وقد نصبت له خشبة فأنزل من على الجمل وألبس جلد ثور قد سلخ في ذلك اليوم، وجعلت قرونه على رأسه وعلق بكلو بين من حديد، فلم يزل يضطرب إلى آخر النهار ومات، فقال بعض الشعراء في هذه الواقعة:\rأقبلت الرايات مبيضة ... يقدمهن الأسد الباسل\rوولت السوداء منكوسة ... ليس لها من ذلة سائل\rانطر إلى الباغي على جدعه ... والدم من أوداجه سائل\rيعني رئيس الرؤساء، قال: ودخل البساسيري داره ونهب ما فيها وشهر حرمه وأمر بنقض داره وقال عند ذلك: فواحدة بواحدة جزاءُ! قال: وكان رئيس الرؤساء حسن التلاوة جيد المعرفة بالنحو.\rوقتل البساسيري عميد العراق وكان فيه شجاعة وله فتوة، وهو الذي بنى رباط شيخ الشيوخ. وأما الخليفة فإن قريشاً نقله إلى معسكره راكباً وعليه السوادُ والبردة وبيده السيف وعلى رأسه اللواء وأنزله في خيمه، وأخذ أرسلان خاتون ابنة أخي السلطان طغرلبك فسلمها إلى أبي عبد الله بن جردة ليقوم بخدمتها.\rونهبت دار الخلافة وحريمها أياماً، ثم سلم قريش الخليفة إلى ابن عمه مهارش بن المجليى وهو رجل فيه دين وله مروءة فحمله في هودج وسار به إلى حديثة عانة فنزل بها، و لما وصل إلى الأنبار شكا البرد، فأنفذ إلى مقدمها يطلب منه شيئاً يلبسه فأرسل إليه جبة فيها قطن ولحافاً.\rقال وركب البساسيري يوم عيد النحر عبر إلى المصلى بالجانب الشرقي وعلى رأسه الألوية المصرية، فأحسن إلى الناس وأجرى الجرايات على المتفقهة ولم يتعصب لمذهب، وأقام بالعراق إلى ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة.\rواشتغل السلطان طغرلبك في هذا لمدة بأمر أخيه إبراهيم حتى ظفر به وقتله، ومات أخوه داود بخراسان فاحتاج طغرلبك إليه في المقام حتى قرر القواعد بعده لإلب أرسلان ابن أخيه داود ثم عاد إلى العراق.\rعود الخليفة إلى بغداد\rوخروج البساسيري منها وقتله قال: ولما فرغ السلطان طغرلبك من أخيه إبراهيم ينال وقتله، وقتل ابنيه معه - وكان قد خرج عليه مراراً فعفا عنه، وإنما قتله في هذه الوقعة لأنه علم أن الذي جرى على الخليفة كان بسببه فلهذا لم يعف عنه - عاد إلى العراق وليس له هم إلا إعادة الخليفة القائم بأمر الله إلى داره. فأرسل إلى البساسيري وقريش في إعادة الخليفة إلى داره على أن لا يدخل طغرلبك إلى العراق، فلما وصلت مقدمته إلى قصر شيرين خرج حرم البساسيري وأولاده، ورحل أهل الكرخ بنسائهم وأولادهم في دجلة وعلى الظهر.","part":6,"page":336},{"id":2842,"text":"وكان دخول البساسيري بغداد في سادس ذي القعدة سنة خمسين وأربعمائة، وخروجه منها في سادس ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ووصل طغرلبك إلى بغداد وقد أرسل من الطريق الإمام أبا بكر أحمد المعروف بابن فورك إلى قريش ابن بدران يشكره على فعله بالخليفة وحفظه وصيانته ابنة أخيه امرأة الخليفة، ويعرفه أنه أرسل أبا بكر بن فورك لإحضارهما. ولما سمع قريش بقصد طغرلبك العراق أرسل إلى مهارش يقول له: إنا أودعنا الخليفة عندك ثقة بأمانتك لينكشف بلاء الغز عنا والآن فقد عادوا وهم عازمون على قصدك، فارحل بأهلك إلى البرية فإنهم إذا عملوا أن الخليفة عندنا في البرية لم يقصدوا العراق ونتحكم عليهم بما نريد فقال مهارش: إن الخليفة قد استحلفني بعهود لا أخلص منها.\rوسار مهارش ومعه الخليفة في حادي عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين إلى العراق فوافيا ابن فورك في الطريق، وأرسل إلى طغرلبك الخيام العظيمة والسرادقات والخيل بمراكب الذهب وغير ذلك من التحف فلقوه.\rووصل الخليفة إلى النهروان في الرابع العشرين من ذي القعدة، وخرج السلطان إلى خدمته وقبل الأرض بين يديه وهنأه بالسلامة واعتذر من تأخره. فشكر له ذلك وقلده سيفاً وقال: لم يبق مع أمير المؤمنين من داره سواه وقد تبرك أمير المؤمنين به!.\rقال: ولم يبق ببغداد من أعيانها من يستقبل الخليفة غير القاضي أبي عبد الله بن الدامغاني وثلاثة نفر من الشهود.\rوتقدم السلطان في المسير ووصل إلى بغداد، وجلس إلى الباب النوبي مكان الحاجب، ووصل القائم بأمر الله فقام طغرلبك وأخذ بلجام بغلته حتى صار إلى حجرته. وكان وصوله يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة، وكانت السنة مجدبة، ولم ير الناس فيها مطراً فجاء المطر في تلك الليلة.\rقال: ولما استقر الخليفة القائم بأمر الله أنفذ السلطان جيشاً عليهم خمار تكين الطغرائي في ألفي فارس نحو الكوفة، وسار في أثرهم فلم يشعر دبيس والبساسيري إلا والسرية قد وصلت إليهم في ثامن ذي الحجة من طريق الكوفة، فجعل أصحاب دبيس ابن مزيد يرتحلون بأهليهم فيتبعهم الأتراك فيتقدم دبيس ليرد العرب إلى القتال فلا يرجعون! فمضي، ووقف البساسيري وقاتل فسقط عن فرسه ووقع في وجهه ضربة، ودل عليه بعض الجرحى فأخذه كمشتكين، وأتى عميد الملك الكندري وزير السلطان وقتله، وحمل رأسه إلى السلطان فأمر بحمله إلى دار الخليفة، فطيف به على قناة في نصف ذي الحجة، ومضى، ومضى نور الدولة دبيس إلى البطيحة.\rوفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة رتب الخليفة أبا تراب الاثيري في الأنهار وحضور المواكب ولقبه حاجب الحجاب، واستوزر أبا الفتح منصور بن أحمد بن دارست، بعد أن شرط على نفسه أن يخدم بغير إقطاع ويحمل مالاً.\rوفي سنة أربعٍ وخمسين وأربعمائة عقد السلطان طغرلبك على ابنة الخليفة القائم بأمر الله وحمل مائة ألف دينار، ولم يقع مثل هذا فيما تقدم، وامتنع الخليفة من ذلك ثم أجاب إليه.\rوفي هذه السنة عزل ابن دارست عن الوزارة ووليها أبو نصر ابن جهير.\rوفيها عم الرخص جميع الأصقاع، فبيع بالبصرة ألف رطل من الثمر بثمانية قراريط.\rوفي سنة خمس وخمسين وأربعمائة وصل السلطان بابنة الخليفة في شهر المحرم، وسار من بغداد في شهر ربيع الأول إلى الري فمرض بها وتوفي لثمان خلون من شهر رمضان..\rوفيها ملك ألب أرسلان بعد عمه طغرلبك.\rوفي سنة ست وخمسين وأربعمائة عادت ابنة الخليفة زوجة السلطان طغرلبك وسير السلطان في خدمتها الأمير إيتكين السليماني وجعله شحنةً على بغداد وسأل ألب أرسلان أن يخطب له ببغداد واقترح أن يخاطب بالوالد المؤيد فأجيب إلى ذلك، ولقب ضياء الدين عضد الدولة وجلس الخليفة جلوساً عاماً وشافه الرسل بتقديم ألب أرسلان في السلطنة وسير إليه الخلع.\rوفيها في شهر ربيع الأول ظهر ببغداد والعراق وخوزستان وكثير من البلاد أن جماعة من الأكراد خرجوا يتصيدون فرأوا في البرية خيماً سوداً، وسمعوا فيها لطماً شديداً وسمعوا فيها قائلاً يقول: قد مات سيدوك ملك الجن وأي بلد لم يلطم أهله عليه ويعملون له المأتم قلع أصله وأهلك أهله! فخرج كثير من النساء في البلاد إلى المقابر يلطمن وينحن وينشرن شعورهن، وخرج رجال من سفلة الناس يفعلون ذلك.","part":6,"page":337},{"id":2843,"text":"قال ابن الأثير: وقد جرى في أيامنا نحن في الموصل وما والاها إلى العراق وغيره من الناس فظهر أن امرأة من الجن يقال لها أم عنقود مات ابنها عنقود وأن كل من لا يعمل له مأتماً أصابه هذا المرض! فكثر فعل ذلك، وكانوا يقولون:\rيا أم عنقودٍ اعذرينا ... قد مات عنقود وما درينا\rوكان النساء يلطمن وكذلك الأوباش! وفي سنة سبع وخمسين وأربعمائة ابتدى بعمارة المدرسة النظامية ببغداد، وكملت عمارتها في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وأربعمائة.\rوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة في العشر الأوسط من جمادى ظهر كوكب كبير له ذؤابة طويلة ممتدة إلى وسط السماء عرضها نحو ثلاثة أذرع في رأي العين وهو بناحية المشرق، وبقي إلى السابع والعشرين من الشهر وغاب.\rوفيها في جمادى الآخرة كان بخراسان والجبال زلزلة عظيمة بقيت تتردد أياماً تصدعت منها الجبال زلزلة عظيمة بقيت تتردد أياماً تصدعت منها الجبال وأهلكت خلقاً كثيراً، وانخسفت منها عدة قرى، وخرج الناس إلى الصحراء.\rوفيها ولدت صبية بباب الأزج لها رأسان ورقبتان ووجهان وأربع أيد على بدن واحد.\rوفي سنة تسع وخمسين وأربعمائة في ذي القعدة قتل الصليحي صاحب اليمن وخطب بها للدولة العباسية.\rوفي سنة ستين وأربعمائة كانت زلزلة عظيمة بمصر وفلسطين خرجت الرملة، وطلع الماء من رؤوس الآبار، وهلك من أهلها خمسة وعشرون ألف نسمة، وانشقت صخرة بيت المقدس ثم عادت بإذن الله تعالى، وانحسر البحر عن الساحل مسيرة يوم فنزل ا لناس إلى أرضه يلتقطون منه فرجع الماء عليهم فأهلك منهم خلقاً كثيراً.\rوفيها عزل فخر الدولة بن جهير عن الوزارة ثم أعيد في سنة إحدى وستين بشفاعة نور الدولة دبيس بن مزيد فمدحه أبو الفضل فقال:\rقد رجع الحق إلى نصابه ... وأنت من دون الورى أولى به\rما كنت إلا السيف سلته يد ... ثم أعادته إلى قرابه\rوهي قصدية طويلة.\rوفيها في شعبان احترق جامع دمشق، وكان سبب ذلك أنه وقع بين المغاربة والمشارقة حرب فاحرقوا داراً مجاورة للجامع فاتصل الحريق بالجامع، فدثرت محاسنه وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة.\rوفي سنة اثنتين وستين ورد رسول صاحب مكة محمد بن أبي هاشم بإقامة للخطبة الخليفة القائم بأمر الله والسلطان ألب أرسلان بمكة إسقاط خطبة صاحب مصر وترك الأذان بحي على خير العمل فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعا نفيسة وأجرى له في كل سنة عشرة آلاف دينار. وخطب محمود بن صالح بن مرداس صاحب حلب لهما أيضاً في سنة ثلاث وستين على ما نشرحه في أخبار الدولة السلجقية فقال أبو عبد الله بن عطية بمدح الخليفة:\rكم طائعٍ لك لم تجلب عليه ولم ... تعرف لطاعته غير التقى سببا\rهذا البشير بإذعان الحجاز وذا ... داعي دمشق وذا المبعوث من حلبا\rوفيها خرج أرمانوس ملك الروم في مائتي ألف إلى خلاط وأسر على ما نذكره - إن شاء الله - في أيام ألب أرسلان.\rوفي سنة أربع وستين وأربعمائة عزل إيتكين السليماني من شحنكية بغداد واستعمل عليها سعد الدولة كوهر آيين، وكان سبب عزل السليماني أنه كان قد سار إلى السلطان ألب أرسلان واستخلف ابنه شحنة بغداد فقتل أحد مماليك الدارية فأنفذ قميصه من الديوان إلى السلطان ووقع الخطاب في عزله، فورد إلى بغداد في ربيع الأول من هذه السنة وقصد صدار الخلافة وسأل العفو عنه وأقام أياماً فلم يجب إلى ذلك، وكان نظام الملك يعتني بالسليماني فأضاف إلى إقطاعة تكريت، فكوتب واليها من ديوان الخلافة بالتوقف عن تسليمها. فملا رأى السلطان ونظام الملك إصرار الخليفة على الغضب على السليماني عزلاه، وسيرا سعد الدولة إليها، فتلقاه الناس وجلس له الخليفة.\rوفي سنة خمس وستين وأربعمائة قتل السلطان ألب أرسلان وملك بعده ابنه السلطان ملكشاه. وفيها أقيمت الدعوة العباسية ببيت المقدس قدسه الله...\rغرق بغداد","part":6,"page":338},{"id":2844,"text":"وفي سنة ست وستين وأربعمائة غرق الجانب الشرقي وبعض الغربي من بغداد، وسبب ذلك أن دجلة زادت زيادة عظيمة وطفح الماء من البرية مع ريح شديدة، وجاء الماء إلى المنازل ونبع من البلاليع والآبار بالجانب الشرقي، وهلك خلق كثير تحت الهدم،وشدت الزواريق تحت التاج خوف الغرق. وقام الخليفة يتضرع ويصلي وعليه البردة وبيده القضيب، وغرق من الجانب الغربي مقبرة أحمد بن حنبل ومشهد باب التنين وتهدم سوره، ودخل الماء من شبابيك البيمارستان العضدي.\rوفاة القائم بأمر ال\rله وشيء من سيرته كانت وفاته في ليلة الخميس ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وكان سب بوفاته أنه كان قد أصابه مأشر فافتصد ونام فانتفخ فصاده وخرج منه دم كثير ولم يشعر، فاستيقظ وقد ضعف وسقطت قوته. فأيقن بالموت وأحضر ولي عهده ووصاه وأحضر نقيب العباسيين ونقيب الطالبيين وقاضي القضاة وغيرهم مع الوزير ابن جهير وأشهدهم على نفسه أنه جعل ابن ابنه أبا القاسم ولي عهده.\rولما توفي غسله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي، وصل عليه المقتدي بأمر الله. ومات وله من العمر ست وسبعون سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام، ومدة خلافته أربع وأربعون سنة وثمانية أشهر إلا أياماً. وقيل هذا يكون عمره ستاً وسبعين سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام.\rوكان جميلاً أبيض مشرباً بحمرة، حسن الوجه والجسم، ورعا ديناً زاهداً قوي اليقين بالله تعالى، وله عناية بالأدب ومعرفة حسنةٌ بالكتابة، ولم يكن يرضى عن أكثر ما يكتب من الديوان ويُصلح أشياء منه. وكان مؤثراً للعدل والإحسان؛ مريداً لقضاء حوائج الناس؛ لا يرى أن يمنع ما يطلب منه، حُكي عن محمد بن علي بن عامر الوكيل قال: \" دخلتُ يوماً إلى المخزن فلم يبقَ أحدٌ إلا وأعطاني قصةً فامتلأت أكمامي فقلت في نفسي لو كان الخليفة أخي لأَعرض عن هذه كلها فألقيتها في البِرْكة والقائم ينظر ولا أشعر، فلما دخلت عليه أمر الخدم بإخراج الرِّقاع من البِركة فأُخرجت ووقف عليها، ووقّع بأغراض أصحابها ثم قال لي: يا عامي ما حملك على هذا؟ فقلت: خوف الضجر منها! فقال: لا تعود إلى مثلها فإنا ما أعطيناهم من أموالنا شيئاً.\rومما يُحكى من جملة كرمه أن أحد السلاطين في أيامه سأله أن يتقدّم باعتقال وزرائه وذكر أنهم استولوا على أمواله فخرج توقيعه \" ليست دارنا دار حبْسٍ وسجنٍ بل هي دار طُمأنينة وأمن \" وكان له شعر رائق فمنه قوله:\rقالوا: الرحيل، فأنشبت أظفارها ... في خدّها وقد اعتقلن خِضابا\rواخضرّ تحت بَنانها فكأنما ... غَرست بأرض بنفسجٍ عِنّابا\rوفي أيامه أسلم من كفار الأتراك ألف خركاه وضَحّوا بثلاثين ألفَ رأسٍ من الغنم وقيل: أكثر من ذلك.\rولم يخلف ولداً لأن ابنه ذخيرةَ الدين توفي في ذي القعدة سنة سبع وأربعين وعمره خمس عشرة سنةً.\rوزراؤه وكتابه: كتب له عميد الرؤساء أبو طالب محمد بن أيوب، ثم رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن الحسن بن مسلمة - وزر له ولقّبه بهذا اللقب وبجمال الورى - ووَزَرَ له بعده أبو الفتح منصور بن أحمد بن دارست، ثم فخر الدين أبو نصر محمد بن محمد بن جُهير. قضاته: قاضي القضاة أبو عبد الله الحسن بن علي بن ماكولا البصري إلى أن مات، فولّى أبا عبد الله محمد بن علي الدامغاني شيخ أصحاب أبي حنيفة. حُجّابه: أبو منصور بن بكران ثم أبو عبد الله الحسن بن علي المردوسي.\rخلافة المقتدي بأمر الله هو أبو القاسم عبد الله بن ذَخيرة الدين أبي العباس أحمد بن القائم بأمر الله، وأُمّه أمّ ولدٍ اسمها أَرجوان وقيل شراب، وتدْعى قرة العين. وهو الخليفة السابع والعشرون من الخلفاء العباسيين، بويع له بعد وفاة جدّه بأمر الله في يوم وفاته وهو يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة. وكان القائم جده قد عهد له كما ذكرنا، فلما مات القائم حضر مؤيد الملك بن نظام الملك والوزير فخر الدولة بن جهير وابنه عميد الدولة والشيخ أبو إسحاق وأبو نصر الصباغ ونقيب النقباء طرّاد والنقيب المعمر بن محمد وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني وغيرهم من الأعيان والأتابكة فبايعوه، وكان أول من بايعه الشريف أبو جعفر محمد بن أبي موسى الهاشمي بعد فراغه من غسل القائم وأنشد:\rإذا سيد منا مضى قام سيدٌ","part":6,"page":339},{"id":2845,"text":"وأُرْتج عليه فقال المقتدي:\rقؤول بما قال الكرام فعول\rولما فرغوا من البيعة صلى المقتدى بأمر الله بهم العصر.\rذكر الحوادث في أيام المقتدي\rفي ذي القعدة ملك الأقسيس دمشق وخطب بها للمقتدي بأمر الله، وكان آخر من خَطَب بها للمصريين.\rوفيها ملك نصر بن محمود بن مرداس مدينة منبج من الروم. وفيها قدم سعد الدولة بن كوهر آيين شحنةً إلى بغداد من قِبَل السلطان ملكشاه ومعه العميد أبو نصر ناظراً على أعمال بغداد.\rوفي سنة تسعٍ وستين وأربعمائة قدِم أبو نصر ابن الأستاذ أبي القاسم القُشيْريّ حاجّاً، وجلس في المدرسة النظامية يعِظ الناس، وفي رباط شيخ الشيوخ، وجرى له مع الحنابلة فتنٌ لأنه كلّم على مذهب الأشعري ونصَره. وكثر أتباعه والمتعصبون له، فثار الحنابلة ومن تبعهم من سوق المدرسة النظامية وقتلوا جماعةً من المتعصبين للقشيري كالشيخ أبي إسحاق وشيخ الشيوخ وغيرهما من الأعيان، فجرى بين الطائفتين أمور عظيمة. فنسب أصحاب نظام الملك ذلك إلى الوزير فخر الدولة بن جُهير وكتب أبو الحسين محمد بن علي بن أبي القصر الواسطي الفقيه الشافعي إلى نظام الملك:\rيا نظام المُلك قد حلّ ببغداد النظامُ\rوابنك القاطن فيها مستلانٌ مستضام\rوبها أودى له قتلى غلام فغلام\rوالذي منهم تبقّى سالماً فيه سهام\rيا قوام الدين لم يبق ببغداد قوامُ\rعظُم الخَطْب فللحرب اتصالٌ ودوام\rفمتى لم يحسم الداء بأيديك الحسام\rويكفّ القوم في بغداد قتلٌ وانتقام\rفعلى مدرسة فيها ومنْ فيها السلام\rواعتصام بحريمٍ لك من بعْد حرام\rفلما اتصل ذلك بنظام الملك عظم عليه فأعاد سعد الدولة كوهر آيين شحنةً إلى العراق في سنة إحدى وسبعين، وحمله رسالةً إلى الخليفة تتضمن الشكوى من بني جهير ويسأل عَزْل فخر الدولة عن الوزارة، فلما وصل إلى بغداد وأبلغ الخليفة الرسالة أمر فخر الدولة بلزوم داره واستوزره بعده أبا شجاعٍ محمد بن الحُسين! قال: ولما بلغ ابن جهير تغيّر نظام الملك عليه أرسل ابنه عميد الدولة إليه يستعطفه، فسار إليه قبل وصول كوهر آيين إلى بغداد، ولم يزل يتعطفه حتى عاد إلى ما ألفه منه وزوّجه بابنته. فعاد إلى بغداد فلم يردّ الخليفة أباه إلى الوزارة وأمرهما بملازمة منازلهما فأرسل نظام الملك إلى الخليفة في إعادة بني جهير إلى الوزارة فأعيد عميد الدولة إليها وأذن لأبيه فخر الدولة بفتح بابه، وذلك في صفر سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة.\rوفي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة ملك تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان دمشق على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة السُّلجقية.\rوفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة في شوال توفي نور الدولة أبو الأغرّ دُبيس بن علي مَزيد الأسدي، وولى بعده أبو كامل منصور ولقِّب بهاء الدولة.\rوفيها أرسل الخليفة الوزير فخر الدولة إلى السلطان ملكشاه بأَصبهان يخطب ابنته للخليفة فسار إليه وخطبها، فتقررت القاعدة على أن يكون الحِمل المعجل خمسين ألف دينارٍ وأن لا يبقى الخليفة سرولاً زوجة غيرها فأجيب إلى ذلك.\rالفتنة ببغداد بين الشافعية والحنابلة\rوفي سنة خمس وسبعين كانت الفتنة بين الطائفيين، وسببها أنه ورد إلى بغداد الشريف أبو القاسم البكري المقرئ الواعظ وكان أشعريّ المذهب، وكان قد قصد نظام الملك فأحبّه ومال إليه وسيّره إلى بغداد، وأحرى عليه الجراية الوافرة. وكان يعِظ بالمدرسة النظامية، ويذكر الحنابلة ويعيبهم ويقول \" وما كفر سُليمان ولكن الشياطين كفروا \" وما كفر أحمد ولكن أصحابه كفروا ثم قصد يوماً دار قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني فجرى بينه وبين قومٍ من الحنابلة مشاجرة أدّت إلى الفتنة. وكثر جمعه فكبس دور بني الفرّاء وأخذ كتبهم ومنها كتاب الصفات لأبي يعلى فكان يقرأه بين يديه وهو جالس على الكرسي للوعظ، وشنّع عليهم وجرى له معهم خصومات وفتن. ولقّب البكريّ من الديوان بعَلَم السُّنّة، ومات ببغداد ودفن عند قبر أبي الحسن الأشعري رحمهما الله تعالى.\rرسالة إلى السلطان ملكشاه","part":6,"page":340},{"id":2846,"text":"وفي ذي الحجة سنة خمسٍ وسبعين وأربعمائة أرسل الخليفة المقتدي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي برسالة إلى السلطان تتضمن الشكوى من العميد أبي الفتح بن أبي الليث عميد العراق، وأمره أن يُنهي إليه وإلى نظام ما يجري على أهل البلاد من النُّظّار. فسار الشيخ، فكان الشيخ كلما وصل إلى مدينةٍ من بلاد العجم يخرج أهلها إليه بنسائهم وأولادهم يتمسحون برِكابه ويأخذون من تراب بغلته للتبرك، وكن في صُحبته جماعةٌ من أعيان أصحابه فلما وصل إلى ساوة خرج إليه جميع أهلها وسأله كل من فقهائها أن يدخل بيته فلم يفعل. ولقيَه أرباب الصناعات ومعهم ما ينشرونه على محفته، فخرج الخبازون ينثرون الخبز وهو ينهاهم فلم ينتهوا، وكذلك أصحاب الفاكهة والحلوى وغيرهم، وخرج إليه الأساكفة وقد عملوا مداساتٍ لطافاً تصلح لأرجل الأطفال ونثروها فكانت تسقط على رؤوس الناس فكان الشيخ يتعجب ويذكر ذلك لأصحابه بعد رجوعه ويقول: ما كان حظكم من ذلك النثار؟ فقال بعضهم: ما كان حظ سيدنا منه! فقال الشيخ: أما أنا فتغطيت بالمحفة! يقول ذلك وهو يضحك.\rقال: ولما وصل الشيخ إلى السلطان وإلى نظام الملك أكرماه، وأجيب إلى جميع ما التمسه من الخليفة. ولما عاد أهين عميد العراق، ورفعت يده عن جميع ما يتعلق بحواشي الخليفة.\rوفيها قدم مؤيد الملك بن نظام الملك إلى بغداد من أصفهان ونزل بالمدرسة النظامية، وضرب على بابه الطبول في أوقات الصلوات الخمس، فأُعطيَ مالاً جزيلاً حتى قطع ذلك، فأرسل الطبول إلى تكريت والله تعالى أعلم.\rعزل عميد الدولة\rعن الوزارة وميسر والده إلى ديار بكر وفي سنة ست وسبعين وأربعمائة في صفر عزل عميد الدولة فخر الدولة بن جهير عن الوزارة، ووصل في يوم عزله له رسول من السلطان ومن نظام الملك إلى الخليفة يطلبان معه أن يرسل إليهما بني جهير فأذن لهم. فساروا بجميع أهلهم ونسائهم، فصادفوا من السلطان ومن نظام الملك الإكرام والاحترام، وعقد السلطان لفخر الدولة بن جهير على ديار بكر وخلع عليه وأعطاه الكوسات وسيّر معه العساكر وأمره أن يأخذها من بني مروان، وأن يخطب لنفسه ويذكر اسمه على السكة، فسار إليها.\rقال: ولما فارق بنو جهير بغداد رتّب الديوان أبو الفتح المظفر ابن رئيس الرؤساء، ثم عزله في السنة وولى أبا شجاع محمد بن الحسين وخلع عليه خلع الوزراء.\rوفي سنة سبع وسبعين وأربعمائة استولى عميد الدولة على الموصل.\rوفيها فتح سليمان بن قُتُلمِش السُّلجقي صاحب الروم أنطاكية وكانت بيد الروم من سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمائة.\rوفي شهر صفرٍ انقضّ كوكبٌ من الشرق إلى الغرب كان حجمه وضوؤه كالقمر، وسار مدىً بعيداً على مهْلٍ في نحو ساعة.\rوفي سنة ثمانٍ وسبعين وأربعمائة استولى الفَرنج على مدينة طُليطلة وأخذوها من المسلمين على ما نذكره - إن شاء الله تعالى - في أخبار الأندلس.\rوفيها في شهر ربيع الأول هاجت ريح عظيمة سوداء بعد العشاء، وكثرُ الرَّعْدُ والبرق وسقط على الأرض رملٌ أحمر وترابٌ كثيرٌ، وكانت النيران تضطرم في أطراف السماء، وكان أكثر ذلك بالعراق والمَوْصل، فألقت النخل، وسقط معها صواعق في كثير من البلاد ثم انجلى ذلك نصف الليل.\rوفيها في شهر ربيع الأول توفي أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني إمام الحرمين، ومولده سنة سبع عشرة وأربعمائة.\rوفي سنة تسع وسبعين وأربعمائة ملك السلطان ملكشاه مدينة حلب واللاذقية وكفر طاب وأفامية.\rوفيها من شهر ربيع الأول توفي بهاء الدولة أبو كامل منصور بن دُبيس بن علي بن مزيد الأسدي صاحب الحلة والنيل وولى ابنه سيف الدولة صدقة.\rوفيها أُسقط اسم العلويّ صاحب مصر من الحرْمين الشريفين وذُكر اسم الخليفة المقتدي بأمر الله.\rوفيها أُسقطت المكوس من العراق.","part":6,"page":341},{"id":2847,"text":"وفي سنة ثمانين وأربعمائة في المحرم زُفّت ابنة السلطان ملكشاه إلى الخليفة، ونُقل جهازُها على مائةٍ وثلاثين جملاً مجللة بالديباج الرومي، وكان أكثر الأحمال الذهب والفضة، وثلاث عماريات، وعلى أربعةٍ وسبعين بغلاً مجللة بأنواع الديباج الملكي وأجراسها وقلائدها من الذهب، وعلى ستة منها اثنا عشر صندوقاً من فضة فيها من الجواهر والحلي ما لا تقدر قيمته، وأما البغال ثلاث وثلاثون فرساً من الخيول السوابق عليها مراكب الذهب. وسار أمام الجهاز سعد الدولة والأمير برسق وغيرهما؛ وكانت ليلة مشهورة، فلما كان من الغد أحضر الخليفة أمراء السلطان لِسِماط أمر بعمله حُكي أنه عُمل فيه أربعون ألف منٍّ من السكر. وخلع الخليفة على جميع أمراء السلطان ومن له ذكرٌ في العسكر وأرسل الخلع إلى جميع الخواتير وولدت في هذه السنة من الخليفة ولداً وهو أبو الفضل جعفر.\rوفي سنة إحدى وثمانين وأربعمائة في شهر ربيع الآخر أمر الخليفة بإخراج الأتراك الذين مع الخاتون زوجته من حريم دار الخلافة، وكان سبب ذلك أن تركياً منهم اشترى فاكهة من طواف فتكالما فشتمه الطواف فضربه التركي فشجّه، فاجتمعت العامة وشنّعوا أو استغاثوا، فأمر الخليفة بإخراج الأتراك فأُخرجوا على أقبح صورة.\rوفي سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة أرسل السلطان ملكشاه إلى الخليفة يطلب ابنته طلباً لا بد منه، وسبب ذلك أنها كانت قد أرسلت إليه تشكو من إطراح الخليفة لها وإعراضه عنها فأذن لها في المسير، فسارت في شهر ربيع الأول ومعها ابنها من الخليفة فوصلت إلى أصفهان فأقامت إلى ذي القعدة وتوفيت.\rوفي سنة أربع وثمانين وأربعمائة في شهر ربيع الأول عُزل الوزير أبو شجاع، وكان عزله في يوم الخميس فقال:\rتولاها وليس له عدوٌّ ... وفارقها وليس له صديق\rفلما كان من الغد يوم الجمعة خرج من داره إلى الجامع ماشياً فاجتمع عليه خلق كثير، فأُمر أن لا يخرج من بيته، واستنيب في الوزارة أبو سعد بن موصلايا كاتب الإنشاء وأرسل الخليفة إلى السلطان يستدعي منه عميد الدولة بن جهير يستوزره، فسُيِّر إليه فاستوزره في ذي الحجة من السنة.\rوفيها ملك الفرنج جزيرة صِقِلية.\rوفيها في تاسع شعبان كان بالشام وكثيرٍ من البلاد زلازل، ففارق الناس مساكنهم وانهدم بأنطاكية كثير من المساكن والدور، وهلك تحتها خلق كثير، وخُرّب من بروجها تسعون برجاً.\rوفي سنة خمسٍ وثمانين وأربعمائة قُتل نظام الملك في عاشر شهر رمضان.\rوفيها توفي السلطان ملكشاه وملك بعده ابنه محمود.\rوفي سنة سبع وثمانين وأربعمائة خطب للسلطان بركيارق بن ملكشاه ببغداد في يوم الجمعة رابع المحرم.\rوفاة المقتدي\rبأمر الله وشيء من أخباره كانت وفاته في يوم السبت خامس عشر المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة فجأة، وكان قد أُحضر إليه تقليد السلطان بركيارق ليعلّم عليه فقرأه ثم قُدِّم فأمل منه وغسل يديه وعنده قهرمانتُه شمس النهار فقال لها: ما هذه الأشخاص التي قد دخلت علي بغير إذن - قالت - فالتفتَّ فلم أر شيئاً فرأيته قد تغيّرت حالته واسترخت يداه ورجلاه وانحلت قوّته فسقط إلى الأرض، فظننتها غشيةً لحقته، فحللت أزرار ثوبه فوجدته قد ظهرت عليه أمارات الموت، فتماسكت وقلت لجارية عندي: ليس هذا وقت إظهار الجزع والبكاء! وأحضرت الوزير وأعلمته الحال فشرعوا في البيعة لولي العهد، وجهّزوا المقتدي وصلى عليه ابنه المستظهر بالله ودُفن.\rوكان عمره ثمانياً وثلاثين سنة وثمانية أشهرٍ وسبعة أيام، وخلافته تسع عشرة سنة وخمسة أشهر ويومين، وكان عظيم الهمة شديد العزمة، ولم يكن له أعوان على ذلك تذبُّ عنه بل كانت له دعوة مجابة، وكانت أيامه كثيرة الخير واسعة الرزق. وعظُمت الخلافة فيها أكثر ممن كان قبله، وعُمّر عدة محال في خلافته منها البصلية والقطيعية والحلبية والمعيدية والأجمة ودرب القبار وخزانة الهراس والخانونتين.\rقال: وأمر بنفي المغنّيات والمفسدات من بغداد، وأمر ببيع دورهن ومنع دخول الحمام إلا بمئزر، وقلع الهرادي والأبراج التي للطيور، ومنع من اللعب بها لأجل الاطلاع على حرم الناس، ومنع من إجراء ماء الحمامات إلى دجلة، وألزم أربابها بحفر آبار للمياه، ومنع الملاحين من حمل النساء والرجال مجتمعين.","part":6,"page":342},{"id":2848,"text":"ووزر له: من ذكرناهم. قضاته: أبو عبد الله الدامغاني إلى أن مات، ثم أبو بكر محمد بن المظفر الشامي الشافعي حجابه: أبو عبد الله بن دوشتى ثم أبو منصور بن محمد محمد.\rخلافة المستظهر بالله هو أبو العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين أبي العباس أحمد بن القائم بأمر الله، وهو الخليفة الثامن والعشرون من الخلفاء العباسيين قال: ولما مات المقتدي بأمر الله أُحضر ولده المستظهر بالله وأُعلم بموته فبايعه الوزير، وركب إلى السلطان بركيارق فأعلمه الحال، وأخذ بيعته للمستظهر بالله. فلما كان في اليوم الثالث من وفاة المقتدي أظهر موته، وحضر عِزُّ المُلْك بن نظام الملك وزير بركيارق، وأمر السلطان جميع أرباب المناصب بالجلوس للعزاء والبيعة للمستظهر بالله. فبويع له البيعة العامة في السادس عشر من المحرم سنة سبعٍ وثمانين وأربعمائة، وله من العمر ستة عشر سنة وشهران.\rذكر الحوادث في أيام المستظهر بالله\rفي سنة ثمانٍ وثمانين وأربعمائة كان بين الملوك السلاجقة وبين بعضهم حروبٌ كثيرة تذكرها إن شاء الله تعالى في أخبارهم.\rوفيها شَرَع الخليفة في عمل سورٍ على الحريم، وأمر الوزير عميد الملك بالجدّ في عمارته.\rوفيها في شهر ربيع الأول خُطب لولي العهد أبي الفضل منصور بن المستظهر بالله.\rوفي سنة تسعٍ وثمانين وأربعمائة اجتمع ستة كواكب في برج الحوت، وهي الشمس والقمر والمشتري والزهرة والمريخ وعطارد فحكم المنجمون بطوفانٍ يكون في الناس، وأحضر الخليفة ابن عسون المنجم فسأله فقال: إن في طوفان نوح اجتمعت الكواكب السبعة في برج الحوت والآن فقد اجتمع منها فيه ستة وليس فيها زحل، فلو كان فيها لكان مثل طوفان نوح، ولكن أقول إن مدينة أو بقعة من الأرض يجتمع فيها عالم كثير من بلاد كثيرة فيغرقون، فخافوا على بغداد لكثرة من يجتمع فيها! فأُحكمت المواضع التي يُخشى منها الانفجار والغَرق. واتفق أن الحجاج نزلوا في المناقب فأتاهم سيل عظيم فأغرق أكثرهم، ونجا من تعلّق بالجبال، وذهب المال والدواب والأزواد وغير ذلك، فخلع الخليفة على المنجم! وفي سنة تسعين وأربعمائة كان ابتداء الدولة الخوارزمية وفيها خطب الملك رضوان بولايته بالشام للمستعلى صاحب مصر، ثم رجع عن ذلك وأعاد الخطبة للدولة العباسية.\rوفي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة كان ابتداء استيلاء الفَرنج على بلاد السواحل الشامية، وملكوا مدينة أنطاكية ومعرة النعمان وبيت المقدس، وغير ذلك على ما نذكره في أخبار العلويين ملوك مصر، فإن أكثر ذلك كان في ولايتهم.\rوفي سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة قُتل أبو القاسم ابن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني بنيسابور - وكان خطيبها - فاتهم العامة أبا البركات الثعلبي أنه هو الذي سعى في قتله، فوثبوا به فقتلوه وأكلوا لحمه.\rوفي سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة في شهر رمضان عُزل عميد الدولة من وزارة الخلافة وأُخذ من ماله خمسة وعشرون ألف دينارٍ، وتوفي في سادس عشر شوال.\rوفي سنة أربع وتسعين وأربعمائة ملك الفرنج مدينة سروج من ديار الجزيرة، وقتلوا كثيراً من أهلها، ونهبوا أموالهم وسبوا حريمهم، ولم يسلم إلا من انهزم، وملكوا مدينة حيفا وهي بقرب عكا، وملكوا أرسوف بالأمان وأخرجوا منها أهلها، وملكوا قَيْسارية بالسيف وقتلوا أهلها.\rوفيها تقدم أمر الخليفة المستظهر بالله بفتح جامع القصر وأن يُصلّى فيه التراويح ولم تَجْزِ بذلك عادة، وأمر الخليفة بالجهْر بالبسملة وبالقنوات على مذهب الإمام الشافعي.\rوفي سنة خمسٍ وتسعين وأربعمائة في شهر رمضان استوزر الخليفة سديد الملك أبا المعالي بن عبد الرزاق ولقبه عَضُد الدولة.\rوفيها بنى سيف الدولة صدقة بن مزيد الحلّة بالجامعين وسكنها وإنما كان يسكن وهو وآباؤه في البيوت العربية.\rوفي سنة ست وتسعين وأربعمائة في منتصف شهر رجب قُبض على الوزير سديد الملك وحُبس بدار الخليفة، وأعيد أمين الدولة أبو سعيد بن موصلايا إلى الوزارة، ثم استوزر في شعبان زعيم الرؤساء أبا القاسم بن جهير واستقدمه من الحلة، وكان عند سيف الدولة صدقة، ولما حضر خلع عليه وجلس في الديوان ولُقّب قوام الدين.\rوفي سنة سبع وتسعين وأربعمائة توفي السلطان بركيارق بأصفهان وخُطب لابنه ملكشاه بالجوامع ببغداد.","part":6,"page":343},{"id":2849,"text":"وفي سنة خمسمائة في صفر عُزل الوزير أبو القاسم ابن جُهير فقصد دار سيف الدولة صدقة ببغداد ملتجئاً إليها فأرسل من أخذه وحمله إليه، فأمر الخليفة بنقْض داره، وكان في ذلك عبرة لمن يعتبر، فإن أباه أبا نصرٍ كان قد بناها بأنقاض دور الناس فخُربت عن قريب، ولما عزل استنيب في الوزارة قاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني، ثم تقررت الوزارة في المحرم سنة إحدى وخمسمائة لأبي المعالي هبة الله بن محمد عبد المطلب وخلع عليه.\rوفي سنة إحدى وخمسمائة في شهر رجب قُتل الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن دُبيس بن مزيد الأسدي أمير العرب، وهو الذي بني الحلة السيفية بالعراق وكان قد عظُم شأنه واتَّسع جاهه واستجار به كبار الناس وصغارهم.\rوفيها في شهر رمضان ورد القاضي فخر المُلك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس الشام إلى بغداد مستنفراً على الفَرَنج، فأنزله الخليفة وأكرمه وأجرى عليه الجِرايات العظيمة، وأحضر معه من التقدمة والهدية من الأعلاق النفيسة والخيل العربية، وغير ذلك ما لم يوجد مثله عند ملك، وأقام ببغداد إلى أن رحل السلطان محمد عن بغداد في شوال. فتقدم إلى الأمير حسين بن أتابك قتلغتكين أن يسيّر معه العساكر التي سيّرها إلى المَوْصل مع أولاد مودود، وخلع عليه السلطان خِلَعاً سنية وأعطاه شيئاً كثيراً وودعه: وسار مع الأمير حسين فلم يُجْدِ ذلك نفعاً.\rوفيها عَزلَ الخليفة وزيره مجد الدين هبة الله بن المطلب برسالة من السلطان، ثم أُعيد إلى الوزارة بإذن السلطان محمد، وشَرَط عليه شروطاًُ منها العدل وحُسن السيرة وأن لا يستعمل أحداً من أهل الذمة.\rوفي سنة اثنتين وخمسمائة في نيسان زادت دجلة زيادة عظيمة انقطعت منها الطرق، وغرقت الغلال الشتوية والصيفية، وحدث غلاءٌ عظيم بالعراق، وعدم الخيرُ، وأكل الناس التمر والباقلاء الأخضر، وأما أهل السَّواد فإنهم لم يأكلوا في شهر رمضان ونصف شوال إلا الحشيش والتوت.\rوفيها في شهر رجب عُزل وزير الخليفة أبو المعالي هبة الله بن المطلب، ووَزَر أبو القاسم علي بن نصر بن جهير.\rوفيها في شعبان تزوّج الخليفة المستظهر بالله ابنة السلطان ملكشاه وهي أخت السلطان محمد، وتولّى قبول العقد بوكالة الخليفة نظامُ الملك وزير السلطان، والصداق مائة ألف دينار، ونثرت الجواهر والدنانير، وكان العقد بأصفهان، وخَطَب خُطبه النكاح القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد النيسابوري الحنفي.\rوفيها تولى مجاهد الدين بهروز شَحْنكية بغداد.\rوفي سنة ثلاث وخمسمائة في حادي عشر ذي الحجة ملك الفَرَنْج طرابلس وجبيل وبيروت وبانياس.\rوفي سنة أربع وخمسمائة ملوا صيداً في شهر ربيع الأول، وفيها في شهر رمضان المبارك زُفّت ابنة السلطان ملكشاه إلى الخليفة المستظهر بالله فزُيّنت بغداد لذلك.\rوفي سنة خمسٍ وخمسمائة تُوفي الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله.\rوفي سنة سبع وخمسمائة توفي أبو القاسم علي بن جهير وزير الخليفة، ووزر بعده الربيب أبو منصور ابن الوزير أبي شجاع محمد بن الحسين وزير السلطان.\rوفي سنة ثمانٍ وخمسمائة في جُمادى الآخرة كانت زلزلةٌ شديدة بديار الجزيرة والشام وغيرها، فخَرَّبتْ كثيراً من الرُّها وحران وسميساط ويالس وغيرها، وهلك كثيرٌ من الخَلْق تحت الرَّدم.\rوفي سنة إحدى عشرة وخمسمائة تُوفي السلطان محمد بن ملكشاه وملك اينه محمود بن محمد.\rوفيها غرقت مدينة سنجار وكان سبب ذلك أن المطر دام فيها ليلاً ونهاراً واشتد، وجاء السيل في واديها وأفسد الشباك الذي يجري فيه الماء في سورها، فاجتمع الماء وعظم على السور حتى ألقاه، وهجم على المدينة بشدةٍ وقوة فلم يطقِ الناس ينتقلون عنه، فخرب كل ما مرّ به من البلد، وغرق جمعٌ كثيرٌ من الناس. ومن عجيب ما حكي أن الماء حَمَل مهْداً فيه مولود فتعلّق النهد بشجرة زيتون، ثم نقُص الماء والمهد معلّق بالشجرة، فسلِم المولود.\rوفيها تناثرت النجوم بديار الجزيرة جميعها - الموصل وغيرها - وكثير من البلاد، وكانت الكواكب تنزل حتى تقْرُب من الأرض ثم تضمحل فلا يوجد لها أثر.\rوفيها في يوم عرفة كانت زلزلةٌ بالعراق والجزيرة وكثير من البلاد، وخرّبت ببغداد دواراً كثيرةً بالجانب الغربي.\rوفاة المستظهر\rبالله وشيء من أخباره وسيرته","part":6,"page":344},{"id":2850,"text":"كانت وفاته في سادس عشر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وكان عمره إحدى وأربعين سنةً وستة أشهرٍ. خلافته خمْسٌ وعشرون سنةً وثلاثة أشهر، وكانت دعوتُه قائمة بالمغرب، قام بها أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ولم تزل إلى أن ظهر محمد بن تومرت على ما نذكره في أخبار ملوك المغرب إن شاء الله تعالى.\rوكان المستظهر بالله - رحمه الله - لَيِّن الجانب كريم الأخلاق مشكور السعي، يحب اصطناع المعروف وفِعْل الخير ويسارع إلى أعمال البرّ والمثوبات، لا يردّ مكرمة تُطلب منه. وكان كثير الوثوق بمن يُولِّيه، غير مصغٍ إلى سعاية ساعٍ ولا راجعٍ إلى قوله. وكانت أيامه أيام سرور للرعية، وكان يسره ذلك، وكان حسن الحظ جيّد التوقيعات. ولما توفي صلى عليه ابنه المسترشد بالله، كبّر أربعاً، ودُفن في حجرة له كان يألفها.\rأولاده: أبو منصور الفضل المسترشد، وأبو عبد الله محمد المقتفي، وأبو طالب، وأبو الحسن. وكان له من الوزراء مَنْ قدّمنا ذِكرهم في أخباره، ومضى في أيامه ثلاثة سلاطين خطب لهم بالحضْرة وهم: تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان، وبركيارق ومحمد بن ملكشاه. ومن عجب الاتفاق أنه لما توفي السلطان ألب أرسلان توفي معه القائم بأمر الله، ولما توفي السلطان ملكشاة توفي بعده المقتدي بأمر الله، ولما توفي السلطان محمد توفي بعده الخليفة المستظهر بالله.\rخلافة المسترشد هو أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد، وهو الخليفة التاسع والعشرون من الخلفاء العباسيين، بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه في سادس عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. وكان وليّ عهد أبيه الخليفة المستظهر وخُطِب له في خلافة أبيه ثلاثاً وعشرين سنة.\rقال: وبايعه أخَزاه أبو عبد الله محمد - وهو المقتفي لأمر الله - وأبو طالب العباسي، وعمومته بنو المقتدي بأمر الله، وغيرُهم من الأمراء والقضاة والأئمة والأعيان. وكان المتولي لأخْذ البيعة القاضي أبو الحسن الدامغاني - وكان نائباً عن الوزارة - فأقر المسترشد عليها، ثم عزله واستوزر أبا شجاع محمد بن الربيب أبي منصور وزير السلطان محمود.\rهرب أبي الحسن\rأخي المسترشد بالله وعوده قال: ولما اشتغل الناس ببيعة المسترشد ركب أخوه الأمير أبو الحسن بن المستظهر بالله سفينةً ومعه ثلاثة نفرٍ وانحدروا إلى المدائن، وسار منها إلى دُبيس بن صَبدَقة بالحلة فأكرمه دُبيس ورتّب له الإقامات الكثيرة. فلما علم المسترشد بالله خبره أهمّه ذلك وأقلقه، وأرسل إلى دبيس يطلب منه إعادته فأجاب \" إنني عبد الخليفة وواقفٌ عند أمره وقد استذمّ بي ودخل منزلي ولا أكرِهه على أمرٍ أبداً \" . وكان الرسول نقيب النقباء شرف الدين علي بن طرّاد الزيني، فقصد الأمير أبا الحسن وتحدّث معه في العَوْد وضمن له كل ما يريد، فأجاب إلى ذلك وقال: إنني لم أفارق خِدمة أخي لشرٍّ أريده، وإنما الخوف حملني على ذلك، فإذا أمّنني قصدته! وتكفّل له دبيس إصلاح الحال والمسير معه إلى بغداد، فعاد النقيب وأعلم الخليفة فأجاب إلى ما طلب ثم تأخّر بعد ذلك ولم يحضر وأقام عند دبيس إلى ثاني عشر صفر سنة ثلاث عشرة. وسارعن الحلة إلى واسط وكثر جمعه وقوي الإرجاف بأمره، وملك مدينة واسط وخيف جانبه، فتقدم الخليفة المسترشد بالله بالخطبة لولد أبي جعفر المنصور وجعله وليّ عهده وعمرُه اثنتا عشرة سنةً. فخطب له في ثاني شهر ربيع الأول ببغداد وكتب إلى البلاد بذلك، وأرسل إلى دُبيس في معنى الأمير أبي الحسن وأنه الآن فارق جِواره ومدَّ يده إلى بلاد الخليفة وأمره بقصده ومُعاجَلته قبل فوْته. فأرسل دُبيس العساكر إليه ففارق واسط وقد تحيّر هو وأصحابه فضلوا الطريق، وصادفتْهم عساكر دُبّيس فنهبوا أثقاله وهرب الأكراد من أصحابه والأتراك، وعاد الباقون.","part":6,"page":345},{"id":2851,"text":"وبقي الأمير أبو الحسن في عشرةٍ من أصحابه وهو عطشان وبينه وبين الماء خمسة فراسخ، وكان الزمان قيظاً فأيقن بالتلف. وكان معه بدويان فأراد الهرب منهما فلم يقدر، وأخذاه وقد اشتد به العطش فسقياه الماء وحملاه إلى دُبيس فسيره إلى بغداد وسلمه إلى الخليفة بعد أن بذل له عشرة آلاف دينار. وكان بين خروجه وعوده أحدَ عَشَر شهراً، ولما دخل على المسترشد بالله قبّل وقدَمه وقبّله المسترشد وبكيا، وأنزله في دار حسنة كان يسكنها قبل أن يلي الخلافة، وحمل إليه الخَلَع والتحف وأمّنه.\rوفيها نُقل الخليفة المسترشد بالله من دار الخلافة إلى الرصاقة، ونُقل كل من كان مدفوناً بها.\rظهور قبور الأنبياء\rقال: ابن الأثير وأحال على حمرة بن أسد بن علي بن محمد التميمي أنه ذكر في تاريخه: وفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ظهر قبر إبراهيم الخليل وقبرا ولديْه إسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم بالقرب من المقدس، ورآهم الناس ولم تَبْلَ أجسادهم، وعندهم قناديل من ذهب وفضة.\rوفيها توفي قاضي القُضاة أبو الحسن علي بن محمد الدامغاني، مولده في شهر رجب سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وولى القضاء بباب الطَّاقِ من بغداد إلى المَوْصل وعمره شت عشرة سنة ولم يكن ذلك لغيره. ولما ولي القضاء بعده الأكمل أبو القاسم علي بن طراد بن محمد الزيني، وخُلع عليه في ثالث صفر.\rوفي سنة أربع عشرة وخمسمائة خرج الكرج - وهم الخزر - إلى دار الإسلام ومعهم القفجاق وغيرهم من الأمم، وحاصروا مدينة تفليس، ودام الحصار إلى سنة خمس عشرة فملكوها عَنوةً.\rوفي سنة خمس عشرة كانت زلزلة تضعضع منها الركن اليماني في البيت الحرام - زاده الله شرفاً - وانهدم بعضُه وتشعّث بعض حرم النبي صلى الله عليه وسلم.\rوفيها ظهر بمكة إنسان علويٌّ أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وكثر جمعه ونازع أمير مكة ابن أبي هاشم وقَوِي أمرُه، وعزم على أن يخطُب لنفسه، ثم ظفر به ابن أبي هاشم ونفاه عن الحجاز إلى البحرين، وكان هذا العلوي من فقهاء المدرسة النظامية ببغداد.\rوفي سنة ست عشرة وخمسمائة قبض الخليفة المسترشد بالله على وزيره جلال الدولة صدقة وأقيم نقيب النقباء علي بن طراد في نيابة الوزارة، فأرسل السلطان إلى الخليفة أن يستوزر نظام الدين أحمد بن نصر بن نظام الملك فاستوزره وخلع عليه.\rوفيها ظهر بديار بكر بالقرب من قلعة ذي القرنين معدن نحاس.\rحرب دبيس بن صدقة\rوفي سنة سبع عشرة وخمسمائة كانت الحرب بين دُبَيس بن صدقة وبين الخليفة، وكان سبب ذلك أن دُبيساً كان عنده عفيف خادم الخليفة مأسوراً، فأطلقه وحمّله رسالة فيها تهديدٌ للخليفة، وبالغ في وعيده ولبس السواد وجزَّ شعره، وحلف لينهبنّ بغداد ويخربها فاغتاظ الخليفة لهذه الرسالة وغضب، وتقدم إلى البرسقيّ بالتبريز إلى حرب دُبَيس، فبرز في شهر رمضان سنة ست عشرة.\rوتجهز الخليقة وبرز من بغداد، واستدعى العساكر فأتاه سليمان بن مهارش صاحب الحديثة، وأتاه قِرواش بن مسلم وغيرهما. وأُرسل دُبَيسٌ إلى نهر الملك فنبهه وعمل أصحابه كلّ عظيم من الفساد فوصل أهل نهر الملك إلى بغداد، فأَمر الخليفة فنودي ببغداد \" لا يتخلّف من الجند أحدٌ ومن أحبّ الجندية فليحضرْ \" فجاء خلق كثير ففرّق فيهم الأموال والسلاح فلما علم دُبَيس الحال كتب إلى الخليفة يستعطفه ويسأله الرِّضى عنه، فلن يُجب إلى ذلك. وأُخرجت خيام الخليفة في العشرين من ذي الحجة سنة عشرة فنادى أهل بغداد: النفير النفير الغراة الغراة! وكثر الضجيج من الناس وخرج عالَم كثيرٌ لا يُحصَون كثرةً وبرز الخليفة لست بقين من ذي الحجة سنة ست عشرة، وعبر دجلة وعليه قباءٌ أُسود وطرحة، وعلى كتفه البردة وفي يده القضيب وفي وسطه منطقة حديد صينيّ.","part":6,"page":346},{"id":2852,"text":"وسار في سنة سبع عشرة إلى النيل ونزل بالمباركة، وعبأ البرسقيّ أصحابه ووقف الخليفة وراء الجمْع في خاصّته وجعل دُبَيس أصحابه صفّاً واحداً وجعل الرَّجّالة أمام الخيّالة بالسلاح وكان قد وعد أصحابه بنهب وسبي النساء. فلما تراءت الفئتان بادر أصحاب دبيس وبين أيديهم الإماء يضربن بالدفوف والمخانيث بالملاهي، ولم يُرَ في عسكر الخليفة غير قارئٍ ومسبّحٍ وداعٍ. فقامت الحرب على ساق، فلما رأى الخليفة ذلك جرّد سيفه وكبّر وتقدم للقتال، فانهزم دُبَيسٌ وحُملت الأسرى بين يدي الخليفة فأمر بقتلهم فضربت أعناقهم صَبراً.\rوكان عسكر دبيس عشرة آلاف فارسٍ واثني عشر ألفَ راجلٍ، وعسكر البرسقي ثمانية آلاف فارسٍ وخمسة آلاف راجلٍ، ولم يُقتل من أصحاب الخليفة غير عشرة وجُعلت نساء دُبَيسٍ وسراريه تحت الأسر.\rوعاد الخليفة إلى بغداد فدخلها في يوم عاشوراء من السنة وأما دُبَيسٌ بن صدقة فإنه لما انهزم نجا بفرسه وسلاحه واتبعه الخيل ففاتها. وعبر الفرات فرأته عجوز فقالت له: دبير جئت؟ فقال دبير من لم يجيء! واختفى خبره بعد ذلك وأُرجِف بقتله ثم ظهر أنه قصد غُزَيَّة من عرب نجد، وطلب منهم أن يحالفوه فامتنعوا عن ذلك وقالوا لا نُسْخِط الخليفة والسلطان! ثم رحل إلى طائفة من الأعراب واتفق معهم على قصد البصرة وأخذها، فساروا إليها ودخلوها ونهبوها وقُتل مقدّم عسكرها فتجهر البرسقي لقتاله. فسمع دبيس ذلك ففارق البصرة وسار على البرّ إلى قلعة جعبر والتحق بالفرنج وحضر معهم حصار حلب وأطمعهم في أخْذها فلم يظفروا وعادوا عنها في سنة ثماني عشرة ثم فارقهم والتحق بالملك طغرل ابن السلطان محمد، وأقام معه وحسّن له قصد العراق.\rوفيها في صفرٍ أًمر المسترشد ببناء بغداد وأن يجيء ما يخرج عليه من البلد فشقّ ذلك على الناس، وجُمع منه مال كثير. فلما علم كراهة الناس لذلك أمر بإعادة ما أُخذ منهم فسروا بذلك، وقيل إن الوزير أحمد بن نظام الملك بذَل من ماله خمسة عشر ألف دينار وقال: \" نقسط الباقي على أرباب الدولة \" وكان أهل بغداد يعملون بأنفسهم فيه ويتناوبون العمل.\rوفي سنة ثماني عشرة وخمسمائةٍ ملك الفرنج مدينة صور من نواب العلوي المصري.\rالإختلاف مع السلطان محمود\rوفي سنة عشرين وخمسمائة وقع الاختلاف بينهما وسببه أن يرنقش شحنة بغداد جرى بينه وبين نواب الخليفة منافرةٌ فهدده الخليفة بسببها فخاف على نفسه، فسار عن بغداد إلى السلطان وشكا إليه حذره جانب الخليفة، وأعلمه أنه قاد العساكر وباشر الحرب وقويت نفسه ومتى لم تعالجه بقصد العراق ودخول بغداد ازداد قوة وجمعاً ومنعك عنها، فتوجه السلطان نحو العراق، فأرسل إليه الخليفة يعرّفه البلاد وما أهلها عليه من الضعف والرهن بسبب دبيس بن صدقة وأن الغلاء قد اشتدّ لعدم الغلاّت والأقوات، وطلب أن تتأخّر هذه الدفعة إلى أن ينصلح الحال ثم يعود إلى البلاد ولا مانع له عنها وبذل له على ذلك مالاً عظيماً.\rفلما سمع السلطان هذه الرسالة قوي عنده ما ذكر برنقش وصمّم على العزم وجدّ في السير فلما بلغ الخليفة عبر هو وأهله وجيوشه ومن عنده من أولاد الخلفاء إلى الجانب الغربي في ذي القعدة مظهِراً الغضب والانتزاح عن بغداد إن قصدها السلطان، فبكى الناس بكاءً شديداً لخروجه من داره فبلغ ذلك من السلطان كل مبلغ واشتدّ عليه، وأرسل إلى الخليفة يستعطفه ويسأله العوْد إلى داره فأعاد الجواب \" أنه لا بد من عودة هذه الدفعة فإن الناس هلكى لشدة الغلاءِ وخراب البلاد \" وأنه لا يرى في دينه أن يُزاد ما بهم! فغضب السلطان ورحل نحو بغداد، وأقام الخليفة بالجانب الغربي وأرسل عفيفاً نُوّاب السلطان، وكان بها عماد الدين زنكي فقاتله فانهزم عسكر الخليفة وقُتل منهم جماعةٌ وأٌسِر مثلهم، وتغافل زنكي عن عفيف حتى نجا لمودةٍ كانت بينهما.\rثم إن الخليفة جمع السفن وسدّ أبواب دار الخلافة سوى باب النوبي، وأمر صاحب الباب بالمقام فيه لحفظ الدار ولم يبقَ من حواشي الخليفة بالجانب الغربي سواه. ووصل السلطان إلى بغداد ونزلوا في دور الناس، فشكا الناس إليه ذلك، وأمر بإخراجهم، وبقي بها من له دار. وبقي السلطان يراسل الخليفة في العَوْد ويطلب الصُلح وهو يمتنع، وكان يجري بين العسكرين مناوشةٌ والعامة من الجانب الشرقي يسبّون السلطان أقبح سبٍّ وأفحشه.","part":6,"page":347},{"id":2853,"text":"ثم دخل جماعةٌ من عسكر السلطان إلى دار الخلافة ونهبوا التاج، فضجّ الناس ونادوا: الغزاة الغزاة! وأقبلوا من كل ناحية، وخرج الخليفة من السرادق والشمسية على رأسه والوزير بين يديه، وأمر بضرب الكوسات والبوقات ونادى بأعلى صوته: يا آل هاشم! وأمر بتقديم السفن، ونصب الجسر وعبر الناس دفعة واحدة وكان له في الدار ألف رجلٍ قد أخفاهم في السرداب، فظهروا وعسكر السلطان قد اشتغل بالنهب فأسر منهم جماعة من الأمراء، ونهب العامّة دار وزير السلطان ودور جماعةٍ من الأمراء ودار عز الدين المستوفي ودار الحكم أوحد الزمان، وقُتل خلق كثيرٌ ممن في الدروب.\rثم عبر الخليفة إلى الجانب الشرقي ومعه ثلاثون ألف مقاتلٍ من أهل بغداد والسواد وأمر بحفْر الخنادق فحُفرت بالليل وحُفظت بغداد من عسكر السلطان، ووقع الغلاء عند العسكر واشتد الأمر عليهم وكان القتال كل يوم عند أبواب البلد وعلى شاطئ دجلة. وعزم عسكر الخليفة أن يكبسوا عسكر السلطان فغدر بهم الأمير أبو الهيجاء الكردي صاحب إربل وخرج كأنه يريد القتال فالتحق بالسلطان! وكان السلطان قد أرسل إلى عماد الدين زنكي وهو بواسطٍ يأمره بالحضور بنفسه ومعه المقاتلة في السفن وعلى الظهر، فجمع كل سفينة بالبصرة وقد شحنها بالرجال المقاتلة. وسار إلى بغداد فلما قاربها أمر من معه بلبْس السلاح وإظهار ما عندهم من الجلَد والنهضة وسارت السفن في الماء والعسكر في البر على شاطئ دجلة وقد انتشروا وملأوا الأرض. فرأى الناس ما ملأ قلوبهم هيبةً، وعزم السلطان على الجد في القتال، فعندها أجاب الخليفة المسترشد بالله إلى الصلح، وترددت الرسائل بينهما فاصطلحا.\rوأقام السلطان ببغداد إلى عاشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين، وحمل الخليفة إليه من المال ما استقرت القاعدة عليه، وأهدى إليه سلاحاً وخيلاً وغير ذلك. ومرض السلطان ببغداد فأشار عليه الأطباء بمفارقتها فرحل إلى هَمَذان فلما وصلها عوقى من مرضه، ودام في الملك إلى سنة خمس وعشرين فتوفي. وملك بعده ابنه داود بن محمود بن محمد بن ملكشاه على ما نذكره.\rوفي سنة شت وعشرين وخمسمائة قبض المسترشد بالله على وزير شرف الدين علي بن الزينبي واستوزر أنوشران بن خالد بعد الامتناع منه.\rحصار الموصل\rوفي سنة سبع وعشرين وخمسمائة حاصر الخليفة المسترشد بالله الموْصل في العشرين من شهر رمضان المبارك، وسبب ذلك أنها كانت قد صارت في مملكة عماد الدين زنكي وكان قد حضر إلى بغداد لما وقعت الحرب بين السلطان مسعود السُّلجقي وبين أخيه سُلجوق شاه على ما نذكره في أخبار السلجقية وظهر منه مباينة للخليفة المسترشد بالله، فلما كانت هذه السنة واشتغل الملوك السلجقية بقتال بعضهم بعضاً قصد جماعةٌ من الأمراء السلجقية باب المسترشد بالله وصاروا معه.\rواتفق أن الخليفة المسترشد بالله أرسل الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح الواعظ الإسفرايني برسالة إلى عماد الدين زنكي فيها خشونة فأداها أبو الفتوح وزاد عليها ثقةً منه بقوة الخليفة وناموس الخلافة فقبض عليه زنكي وأهانه ولقيه بما يكره. فأرسل الخليفة إلى السلطان مسعود بن محمد يعرّفه ذلك وأنه على قصد الموْصل وحصْرها، وتمادتِ الأيام إلى شعبان فسار الخليفة في النصف منه في ثلاثين ألف مقاتل. فلما قارب الموصل فارقها زنكي في بعض عساكره إلى سنجار ونزل بقية العسكر بها مع نائبه نصير الدين جقر ذِردارها فنازلها الخليفة وضيّق على من بها.\rوكان عماد الدين يركب كل ليلة ويقطع الميرة عن العسكر ويأخذ من ظفر به من عسكر الخليفة، ودام الحصار ثلاثة أشهر فتضايقت الأمور بالعسكر الخليفي ولم يبلغه عمّن بها أنهم احتاجوا إلى ميرة ولا وهنوا، فعاد إلى بغداد في الماء في شبارة فوصل يوم عرفة من السنة.\rوفي سنة سبع وعشرين أيضاً اشترى الإسماعيلية بالشام حصن القدموس من صاحبه ابن عمرون، وصعدوا إليه، وقاموا بحرْب من يحاربهم من المسلمين والفَرنْج.\rوفي سنة ثمانٍ وعشرين وخمسمائة عَزَل الخليفة أنوشروان بن خالد، وأُلزم داره، وأُعيد إلى الوزارة شرف الدين على ابن طرّاد الزيني.\rحرب السلطان مسعود\rبن محمد وأسره","part":6,"page":348},{"id":2854,"text":"وفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة كانت الحرب بين الخليفة والسلطان في شهر رمضان. وكان سبب ذلك أن السلطان مسعود توفي أخوه الملك طغرل في المحرم من هذه السنة بهَمَذان، وكان بينهما من العداوة والحروب ما نذكره في أخبارهم إن الله. وكان الخليفة يُعين السلطان مسعود على أخيه ويساعده ويُقوّيه، وكان السلطان مسعودٌ قد انهزم من أخيه طغرل ورحل إلى بغداد، فأعانه الخليفة لجميع ما يحتاج إليه وأمره بالمسير إلى همذان ووعده أن يسير معه ويعينه على حرب أخيه. وكان البقش السلاحي وغيْرُه من الأمراء قد التحقوا بالخليفة وصاروا معه واتفق أن إنساناً أُخِذ فوُجد معه ملطفاتٌ من طغرل إلى بعض الأمراء وخاتمه بإقطاع لهم فلما رأى الخليفة ذلك قبض على أمير منهم اسمه غلبك ونهب ماله فاستشعر غيره من الأمراء الذين مع الخليفة، فهربوا إلى عسكر السلطان مسعود؛ فأرسل الخليفة إليه في إعادتهم فلم يفعل، فعظم ذلك على الخليفة وحدث بينهما نفرةٌ ووحشةٌ أوجبت تأخّره عن المسير معه فأرسل إليه يأمره بالمسير معه حتماً.\rفبينما هم في ذلك إذ ورد الخبر بوفاة طغرل، فسار مسعود من يوْمه واحتوى على مملكة الجبل، فلما استقرّ بهمذان فارقه جماعةٌ من أعيان الأمراء خَوفاً منهم على أنفسهم. منهم برنقش البازدار، وقزل، وسنقر الخمارتكين والي همذان وعبد الرحمن بن طغايرك ومعهم دبيس، وأرسلوا إلى الخليفة يطلبون أمانة ليحضروا إلى خدمته فقيل للخليفة إنها مكيدة لأن دبيس بن صدقة معهم. فساروا نحو خوزستان واتفقوا مع برسق بن برسق، فأرسل الخليفة إلى الأمراء سديد الدولة بن الأنباري بتوقيعات يطيِّب قلوبهم، وأمرهم بالحضور فعزموا على قبْض دبيس بن صدقة ليتقربوا به إلى الخليفة، فهرب إلى السلطان مسعود.\rوسار الأمراء إلى بغداد في شهر رجب فأكرمهم وقطع خطبة السلطان مسعود من بغداد. وبرز الخليفة في العشرين من شهر رجب على عزم المسير لحرب مسعود، وأقام بالشفيعي، فهرب منه بكبه صاحب البصرة إليها، فراسله وبذل له الأمان فلم يعُد. فتوقف الخليفة عن المسير، فحسّن له الأمراء الرحيل، وضعّفوا أمر السلطان مسعود، فسيّر مقدّمته إلى حلوان فنهبوا البلاد وأفسدوا فلم يُنكر عليهم. ثم سار في ثامن شعبان والتحق به الأمير برسق بن برسق فبلغت عِدّته سبعة آلاف فارسٍ، وتخلّف بالعراق مع إقبال الخادم ثلاثة آلاف فارس وكان السلطان في ألفٍ وخمسمائة فارسٍ.\rوكان أكثر أصحاب الأطراف يكاتبون الخليفة ويبذلون له الطاعة فاستصلح السلطان أكثرهم، فعادوا إليه، فصار في نحو خمسة عشر ألف فارس، فأرسل الملك داود بن السلطان محمود إلى الخليفة يشير عليه بالميل إلى الدينوري ليحصّن نفسه ومَنْ معه فلم يفعل المسترشد بالله. وسار حتى بلغ دايمرج، وعبأ أصحابه.\rوسار السلطان مسعودٌ إليهم فوافاهم في عشر رمضان، فانحازت ميْسرة الخليفة إلى السلطان وقاتلت الميمنة قتالاً ضعيفاً، ودارت عساكر السلطان حول عسكر الخليفة وهو ثابت لم يتحرك من مكانه، فانهزم عسكره وأُخذ هو أسيراً ومعه جمع كثير من أصحابه منهم: شرف الدين علي بن طرّاد الزينبي وقاضي القضاة، وصاحب المخزن ابن طلحة، وابن الأنباري، والخطباء، والفقهاء والشهود وغيرهم. وأُنزل الخليفة في خيمةٍ وأخذ ما في عسكره، وحُمل الأعيان إلى قلعة سرجهان ولم يقتل في هذه المعركة أحد البتة.\rوعاد السلطان إلى همذان، وأمر فنُودي \" من تبعنا من البغداديين إلى همذان قتلناه \" فرجع الناس كلهم على أقبح صورة وسير السلطان الأمير بكبه المحمودي شحنةً إلى بغداد فوصلها في رمضان. فقبض جميع أملاك الخليفة وأخذ غلاّتها، وثار جماعةٌ من عامة بغداد فكسروا المنبر والشباك، ومنعوا من الخطبة وخرجوا إلى الأسواق يحثون التراب على رؤوسهم ويصيحون ويبكون، وخرج النساء حاسراتٍ في الأسواق يلطمن ويبكين، واقتتل أصحاب الشحنة والعامة فقُتل من العامة ما يزيد على مائة وخمسين رجلاً.\rمقتل المسترشد بالله","part":6,"page":349},{"id":2855,"text":"كان مقتله في يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة على باب مراغة، وذلك أن السلطان سار في شوال من همذان إلى مراغة لقتال الملك داود ابن أخيه محمود، وكان قد عصى عليه، فنزل على فرسخين منها والمسترشد معه وقد وكل به من يحفظه. وترددت الرسائل بينهما في تقرير قواعد الصلح على مال يؤديه الخليفة للسلطان وأنه لا يعود يجمع العساكر ولا يخرج من داره فأجاب السلطان إلى ذلك. وركب الخليفة وحمل الغاشية ولم يبق إلا عَوْد الخليفة إلى بغداد، فوصل الخير أن الأمير قرآن خوان قد ورد رسولاً من السلطان سنجر فتأخّر مسير المسترشد لذلك وخرج الناس إلى لقائه مع السلطان. وفارق الخليفة بعض الموكلين به وكانت خيمته منفردةً عن العسكر فقصده أربعةٌ وعشرون رجلاً من الباطنية فدخلوا عليه فقتلوه وجرحوه ما يزيد على عشرين جراحة، ومثلوا به فجدعوا أنْفة وأُذنيه وتركوه عريان وقُتل نفَرٌ من أصحابه، منهم: أبو عبد الله بن سكينه وبقي الخليفة حتى دفنه أهل مراغة. وقُتل من الباطنية عشرة وقيل بل قُتلوا كلهم، وقد قيل إن السلطان سنجر أرسلهم لقتله.\rوقُتل رحمه الله تعالى وله ثلاث وأربعون سنة وثلاثة أشهر. ومدة خلافته سبع عشرة سنة وسبعة أشهرٍ ويومٌ واحد وكان رحمه الله شهماً شجاعاً كبير الإقدام بعيد الهِمّة وكان فصيحاً بليغاً حسن الخط.\rقال: ولما قُتل حُمل إلى باب مراغة وخرج أهلها حفاة حاسرين رؤوسهم فبلغوا جنازته وكسروا المنابر. وقال: وصل الخبر إلى بغداد في يوم الجمعة لست بقين من ذي القعدة فاجتمع الرجال والنساء وناحوا عليه في الطرقات وكسروا منابر الجوامع وأكثروا الشناعات وسبّوا السلطان سنجر ومسعوداً أقبح سبٍّ من غير مراقبة ولا حِشمة: ولما قتل ولي بعده ابنه الخليفة الراشد بالله.\rخلافة الراشد بالله هو أبو جعفر منصور بن المسترشد بالله أبي منصور الفضل بن المستظهر بالله وهو الخليفة الثلاثون من الخلفاء العباسيين بويع له عند وصول الخبر بمقتل أبيه في يوم الاثنين السابع والعشرين من ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وكتب السلطان مسعود بن محمد السلجقي إلى بكبه الشحنة ببغداد، فبايع له، وحضر الناس البيعة. وحضر بيعته واحد وعشرون رجلاً من أولاد الخلفاء وبايع له الشيخ أبو النجيب ووعظه وبالغ في الموعظة.\rذكر الحرب بين عسكر الخليفة الراشد بالله وعسكر السلطان مسعود\rوفي سنة ثلاثين وخمسمائة وصل يرنقش الزكوي من عند السلطان مسعود يطالب الخليفة بما كان استقر على أبيه المسترشد بالله من المال وهو أربعمائة ألف دينار فقال الخليفة: لا شيء عندي والمال جميعه كان مع المسترشد فنُهب! ثم بلغ الراشد بالله أن يرنقش يريد الهجْم على دار الخليفة وتفتيشها ليأخذ المال، فيجمع العساكر وأعاد عمل السور. فلما علم يرنقش بذلك اتفق هو وشحنة بغداد على أن يهجموا على دار الخليفة يوم الجمعة فبلغ ذلك الراشد فاستعد لمنْعهم وركب يرنقش ومعه الأمراء البكجية والعسكر، واجتمعوا في نحو خمسة آلاف فارس ولقيهم عسكر الخليفة فاقتتلوا، وأعان العامة عسكر الخليفة فأخرجوا عسكر السلطان ونهبت العامة دار السلطنة.","part":6,"page":350},{"id":2856,"text":"ثم حضر الملك داود بن محمود بعسكر أذربيجان واجتمع الأطراف ببغداد على الخروج عن طاعة السلطان مسعود وفيهم عماد الدين زنكي وغيره، وولى الملك داود يرنقش بازدار شحنكية بغداد. واتفق أن الخليفة قبض على ناصح الدولة أبي عبد الله الحسن ابن جهير أستاذ الدار وكان هو السبب في ولايته، وقبض على جمال الدولة إقبال المسترشدي وعلى غيرهما من أعيان الدولة، فتفرقت نيّات أصحابه عليه فشفع أتابك زنكي في إقبال. وخرج موكب الخليفة مع وزيره جلال الدين أبي الرضي بن صدقة إلى عماد الدين زنكي يهنئه بالقدوم، فأقام الوزير عنده وسأله أن يمنعه من الخليفة فأجابه إلى ذلك. وعاد الموكب بغير وزير، وأرسل زنكي منْ حرس دار الوزير ثم أصلح حاله مع الخليفة وأعاده إلى وزارته. ثم جدّ الخليفة في عمارة السور فأرسل الملك داود من قلع أبوابه وخرّب قطعةً منه، فانزعج الناس ببغداد ونقلوا أموالهم إلى دار الخلافة، وقُطعت خطبة السلطان، وخُطب للملك داود، وجرت الأيمان بين الخليفة والملك داود وعماد الديكي زنكي. ووصلت الأخبار بمسير السلطان مسعود إلى بغداد لقتال ابن أخيه داود وزنكي. ثم وصلت رسل السلطان إلى الخليفة بالبذْل من نفسه الطاعة والموافقة والتهديد لمن اجتمع عنده، فعرض الخليفة الرسالة عليهم وكلمهم في قتاله، فكلٌّ رأى ذلك ووافقهم الخليفة!\rمسير الراشد إلى الموصل\rوخلعه كان سبب ذلك أن السلطان مسعوداً لما بلغه اجتماع العساكر والملوك والأمراء ببغداد على خلافه والخُطبة للملك داود ابن أخيه جمع العساكر وسار إلى بغداد ونزل بالملكية، فسار بعض العسكر وطاردوا عسكره وعادوا، ونزل السلطان على بغداد وحصرها نيِّفاً وخمسين يوماً، فلم يظفرْ منها بشيء. ثم عاد إلى النهروان عازماً على العوْد إلى همذان فوصل إليه طرنطاي صاحب واسط ومعه سفنٌ كثيرةٌ، فعاد إلى بغداد وعبر إلى غرب بدجلة واختلفت كلمة العسكر البغدادي فعاد الملك داود إلى بلاده في ذي القعدة وتفرق الأمراء.\rوكان زنكي بالجانب الغربي فعبر إلى الخليفة وسار إلى الموصل. ودخل السلطان بغداد واستقر بها، وذلك في نصف ذي القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة.\rقال وأمر السلطان فجمع القضاة والشهود والفقهاء وعُرض عليهم اليمين التي حلف بها الراشد وفيها بخط يده \" إنني متى جندت أو خرجت أو لقيت أحداً من أصحاب السلطان بالسيف فقد خلعت نفسي من الأمر \" فأفتوا بخروجه من الخلافة، وقيل إن الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي وكاتب الإنشاء ابن الأنباري وصاحب المخزن كمال الدين طلحة كانوا منذ أسرهم مع المسترشد، فحضروا الآن معه، واجتمعوا في يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة ثلاثين، وكتبوا محضراً شهد فيه جماعةٌ من العُدول بما صدر من الراشد من الظُّلم وأخذ الأموال بغير حقها وسفْك الدماء وشُرب الخمور وارتكاب المحارم، واستفتوا الفقهاء فيمن فعل ذلك هل تصِح معه إمامة أم لا؟ وهل يجوز للسلطان أن يخلعه ويستبدل به من أهل بيت من هو خير منه طريقةً وديناً؟ فأفتى الفقهاء بخلعه وفسْخ عهده والاستبدال به غيره، وعُرضت الفُتيا والمحضر على السلطان فقال: هذا أمر قلدتكم إياه وأنا بريء منه عند الله! ثم خُلع وقُطعت خطبته من بغداد وسائر البلاد في ذي القعدة وبويع بعده للمقتفي.\rوكانت خلافته أحد عشر شهراً وأياماً، وكتب السلطان إلى أتابك زنكي في القبض عليه وإرساله إلى بغداد فمنع من ذلك فارس الإسلام زين الدين علي بن بكتكين صاحب إرْبِل رحمه الله وقال: والله لا سلّمناه حتى تُراق دماؤنا! واعتذر إلى السلطان وقال: أنا أخرجه من ولايتي؟ فأرسل أنت عسكراً للقبض عليه من غير جهتنا!","part":6,"page":351},{"id":2857,"text":"وأعد زين الدين جماعة من الأكراد فساروا بين يديه على طريق لا يعرفها كثيرٌ من الناس فوصل إلى مراغة أذربيجان ونزل ببريّة أبيه وتلقّاه أهلها وولّوه أمرهم فأقام بها يسيراً ثم ارتحل إلى الري فلما قرب من بلاد الباطنية جرّد عسكره لقتل من وجد منهم فقتل منهم جماعة ثم تنقّلت به الحال وكابد الغربة ووصل إلى همذان وسار منها يريد إصفهان. فلما كان في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وثب عليه نفر من الباطنية - وكانوا في خدمته علي زِي الخراسانية - فقتلوه وهو يريد القيْلولة وكان قد بلّ من أثر مرض قد برأ منه ودفن في شهرستان على فرسخ من إصفهان، وقتل أصحابه الباطنية الذين قتلوه. ولما ورد الخبر بمقتل الراشد بغداد جلسوا للعزاء في دار النوبة يوماً واحداً. وكان الراشد بالله أشقر اللون حسن الصورة، مهيباً شديد القوة والبطش.\rخلافة المقتفي لأمر الله هو أبو عبد الله محمد وقيل الحسين بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله، وأمه أم ولد تدعى ياعي. وهو الخليفة الحادي والثلاثون من الخلفاء العباسيين بويع له بعد خلع ابن أخيه الراشد بالله في ثامن عشر ذي الحجة سنة ثلاثين وخمسمائة. وذلك أنه لما خُلع الراشد بالله استشار السلطان مسعود بن محمد السُّلجقي جماعة من أعيان بغداد فيهم الوزير شرف الدين علي بن طرّاد الزينبي وكمال الدين صاحب المخزن وغيرهما فيمن يصلح أن يلي الخلافة فقال الوزير: أحد عمومة الراشد بالله وهو رجل صالح! قال: من هو؟ قال: لا أقدر أن أفصح باسمه لئلا يُقتل: فتقدّم إليهم بعمل محضرٍ فعُمل المحضر على ما نذكره فلما كمُل المحضر أُحضر القاضي أبو طاهرٍ الكرخي وشهدوا عنده بما تضمّنه المحضر فحكم بفِسق الراشد وخلعه وحكم بعده غيره. ولم يكن قاضي القضاة بغداد ليحكم فإنه كان بالموْصل عند أتابك زنكي فلما كمل ذلك ذكره الوزير للسلطان وذكر دينه وعفّته ولين جانبه، فحضر السلطان إلى دار الخلافة ومعه الوزير وصاحب المخزن وغيرهما وأمر بإحضار الأمير أبي عبد الله بن المستظهر من المكان الذي كان يسكن فيه، فأُحضر وأُجلس في الميمنة ودخل السلطان وتحالفا وقررا القواعد بينهما. وخرج السلطان من عنده وحضر الأمراء وأرباب المناصب والقضاة والفقهاء. ولُقّب المقتفي بأمر الله.\rوقيل في سبب هذا اللقب أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يليَ الخلافة بستة أيام وهو يقول: إن هذا الأمر يصير إليك فاقتف بي فلقِّب بذلك ولما بويع له سُيِّرت الكتب الحكيمة بخلافته إلى سائر الأمصار واستوزر شرف الدين علي بن طراد الزينبي، وأرسل إلى الموصل فأحضر قاضي القضاة علي بن حسين الرينبي - وهو بن عم الوزير - وأعاده إلى منصبه، وأقر كمال الدين صاحب المخزن على منصبه، وأجرى الأمور على أحسن نظام.\rقال: وأرسل السلطان مسعود إلى الخليفة في تقرير إقطاع يكون لخاصته فكان جوابه \" إن في الدار ثمانين بغلاً تنقل الماء من دجلة، فلينظر السلطان ما يحتاج إليه مَنْ يشرب هذا الماء فتقرّرت القاعدة على أن يجعل له ما كان للمستظهر فأجاب إلى ذلك وقال السلطان لما بلغه قوله: \" لقد جعلنا في الخلافة رجلاً عظيماً نسأل الله تعالى أن يكفينا أمره \" قال: وخُطب له على سائر المنابر إلا في الموصل، فإنه لم يُخطب له فيها إلا في شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.\rوفي سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة تزوج الخليفة المقتفي فاطمة أخت السلطان مسعود وكان الصداق مائة ألف دينار، والوكيل في قبول النكاح وزير الخليفة علي بن طراد، ووكيل السلطان في العقد وزيره الكمال الدَّركزيني.\rوفيها في الرابع والعشرين من آيار ظهر بالشام سحاب أسود وأظلمت له الدنيا، وصار الجو كالليل المظلم، ثم طلع بعد ذلك سحاب أحمر كأنه نار أضاءت له الدنيا، وهبّ ريح عاصف ألقت كثيراً من الشجر، وكان أشد ذلك بحوران ودمشق وجاء بعد ذلك مطر كثير وبَرَدٌ كِبار.\rوفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة وصل ملك الروم صاحب القسطنطينية إلى الشام وملك بزاغه بالأمان لخمس بقين من شهر رجب ثم غدر بأهلها فقتل منهم وسبى على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الأتابكية في أيام زنكي.","part":6,"page":352},{"id":2858,"text":"وفيها انقطعت كسوة الكعبة للاختلاف الواقع بين الملوك السلجقية فقام بكسوتها رامشت الفارسي التاجر، وكان من التجار المسافرين إلى الهند - وهو كثير المال - فكساها من الثياب الحَبرة وبكل ما وجد إليه السبيل، فبلغ ثمن الكسوة ثمانية آلاف دينار مصرية.\rوفيها كانت زلزلة عظيمة بالشام والجزيرة وديار بكر والموصل والعراق وغير ذلك من البلاد فخُرِّب كثير منها، وهلك عالم كثير تحت الردم. ثم كانت زلازل كثيرة هائلة بالشام والجزيرة وكثير من البلاد في سنة ثلاث وثلاثين، وكانت متوالية عدة أيام كل ليلة عدة دفعات وكان أشدها بالشام، فعدّوا في ليلة واحدة ثمانين مرةً. ففارق الناس مساكنهم، ولم تزل تتعاهد من أربع صفر إلى تاسع عشر، وكان معها صوت وهدة شديدة.\rوفي سنة أربع وثلاثين وخمسمائة جرى بين الخليفة المقتفي وبين الوزير علي بن طراد منافرةٌ، وسببها أن الوزير كان يعارض الخليفة في جميع ما يأمر به فنفر الخليفة من ذلك، فغضب الوزير ثم خاف فقصد دار السلطان واحتمى بها، فأَرسل الخليفة إليه في العَوْد إلى منصبه فامتنع. فاستناب قاضي القضاة الزينبي، وأرسل الخليفة رسلاً إلى السلطان مسعود في معنى الوزير فأرخص السلطان للخليفة في عزله فعزله، ثم عزل الزينبي من النيابة، وناب سديد الدولة بن الأنباري.\rوفيها كانت زلزلة عظيمة بكنجة وغيرها من أعمال أذربيجان وأرّان، وكان أشدها بكنجة فخُرِّب منها كثيرٌ، وهلك عالم قيل كانوا مائتي ألف وثلاثين ألفاً وتهدّمت قلعةٌ هناك.\rوفيها ابتنى الخليفة بفاطمة أخت السلطان مسعود وكان يوم حمْلها إلى دار الخلافة يوماً مشهوداً. وغُلِّقت بغداد عدة أيام، وتزوج السلطان مسعود بابنة الخليفة.\rوفي سنة خمسٍ وثلاثين وخمسمائة وصل رسول السلطان سنجر ملكشاه إلى المقتفي ومعه بُردة النبي صلى الله عليه وسلم والقضيب، وكان أخذهما من المسترشد لما قُتل.\rوفيها ملك الإسماعيلية حصن مصافٍ بالشام وكان واليه مملوكاً لبني مُنْقذ أصحاب شيزر، فاحتالوا عليه ومكّروا به حتى صعدوا إليه فقتلوه وملكوا الحصن.\rوفيها توفي سديد الدولة بن الأنباري فاستوزر الخليفة بعده نظام الدين أبا نصرٍ محمد بن الأنباري وكان قبل ذلك أستاذ الدار.\rوفيها بنيت المدرسة الكمالية ببغداد بناها كمال الدين أبو الفتوح حمزة بن علي صاحب المخزن ولما فرغت درّس فيها الشيخ أبو الحسن بن الخل.\rوفي سنة أربعين وخمسمائة اتصل بالخليفة عن أخيه أبي طالب ما كرهه فضيّق عليه وعلى غيره من أقاربه.\rوفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة في جمادى الأولى خُطب للمستنجد بالله يوسف بن المقتفي بولاية العهد.\rوفي سنة أربع وأربعين استوزر الخليفة أبا المظفر يحيى ابن هُبيرة وكان قبل ذلك ديوان الزِّمام فظهرت منه كفاءة عظيمة، فرغب الخليفة فيه واستوزره يوم الأربعاء لأربع خلون من شهر ربيع الآخر.\rوفيها كانت زلزلةٌ عظيمة، فيقال إن جبلاً بالقرب من حلوان ساخ في الأرض.\rوفي سنة سبع وأربعين مات السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه بهمذان فلما وصل الخبر إلى بغداد بموته هرب شحنتها مسعود بلال إلى تكريت فاستظهر الخليفة المقتفي على داره ودور أصحاب السلطان ببغداد وأخذ أموالهم وودائعهم، واستبدّ الخليفة بالأمر وقطع خطبة الملوك السلجقية وفوّض الأمر إلى الوزير ابن هبيرة! ذكر تفويض أمور الدولة والوزارة إلى الوزير\rعون الدين بن هبيرة\rوما أقطعه الخليفة من الإقطاعات كان الخليفة المقتفي لأمر الله لما استخلف خاف أن لا يملِّك تركياً لما جرى على أخيه المسترشد ولم يمكنه المبادرة بذلك فلما تمكّن وقوي أمره ومات السلطان مسعود فوّض الأمور إلى الوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن هبيرة، ولقّبه بتاج الملوك ملك الجيوش وأقطعه إقطاعاً عظيماً وهو: واسط وبطائحها والبصرة والحلّة، والنيل، والنعمانية، وقرسان ونهر الملك، ونهر عيسى ودجيل والراذان، وطريق خراسان، والقرايا، والنجف، والبندنيجَيْن وبادَرايا، وباكسايا، وهيت والأنبار، وعين التمر، وشفاثاً. وأقطعه إقطاع وزير السلطان وأعانه على الاستعداد للحرب وجهزه بالجيوش فاستولى على الحلة والكوفة وواسط ثم عاد إلى بغداد وكانت غيبته خمسة وعشرين يوماً.\rحصر تكريت\rوعود عسكر الخليفة عنها وأسر ابن الوزير","part":6,"page":353},{"id":2859,"text":"وفي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة سيّر الخليفة المقتفي لأمر الله عسكراً إلى تكريت وأرسل عليهم مقدّماً أبا المنذر بن الوزير عون الدين والأمير ترشك وهو من خواص الخليفة وغيرهما، فجري بين أبي المنذر وبين ترشك منافرة اقتضت أن كتب ابن الوزير يشكو منه، فأمر الخليفة بالقبض على ترشك فعرف ذلك فأرسل إلى مسعود صاحب تكريت وصالحه وقبض على أبي المنذر ومَنْ معه من المقدمين، وسلّمهم إلى مسعود بلال فانهزم العسكر وسار مسعود وترشك من تكريت إلى طريق خراسان فنهباها وأفسدا. فسار الخليفة لدفعهما، فهربا من بين يديه فقصد تكريت وحصرها أياماً، ثم عاد بعد أن جرى بينه وبين أهلها قتالٌ من وراء السور وقُتل من عسكر الخليفة جماعة بالنِّشاب.\rووقعة بكمزا\rوفي سنة تسع وأربعين وخمسمائة أرسل الخليفة رسولاً إلى صاحب تكريت بسبب مَنْ عنده من المأسورين فقبض على الرسول. فسيّر المقتفي عسكراً فخرج أهل تكريت فقاتلوا عسكر الخليفة، فسير عسكراً آخر، فمانعوه. فسار الخليفة بنفسه ونَزَل على البلد فهرب أهله، فدخل عسكر الخليفة فشغبوا ونهبوا بعضه، ونصب على القلعة ثلاثة عشر منجنيقاً فسقط من أسوارها برجٌ، وبقي الجيش كذلك إلى الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول فأمر الخليفة بالقتال والزحف، فاشتد القتال، وكثرت القتلى، ولم يبلغ منها غَرَضاً، فعاد إلى بغداد ودخلها في آخر الشهر.\rثم أمر الوزير عون الدين بالعَوْد إليها والاستعداد والاستكثار من آلات الحصار، فسار إليها في شهر ربيع الآخر وضيق عليها، فبلغه الخبر أن مسعود بلال وصل إلى شهرابان ومعه البغوش كون خر وترشك في عسكر كبير ونهبوا البلاد فعاد الوزير إلى بغداد وكان سبب تحَوّل هذا العسكر أنهم حثّوا الملك محمداً على قصد العراق فلم يتهيأ له ذلك، فسير إليه هذا العسكر وانضاف إليهم خلقٌ كثير من التركمان.\rفخرج الخليفة إليهم فأرسل مسعود بلال إلى تكريت وأخرج منها الملك أرسلان ابن السلطان طغرل بن محمد وكان محبوساً بها وقال: هذا سلطان نقاتل بين يديه بإزاء الخليفة! والتقى العسكران عند بكمزا بالقرب من بعقوبا، ودامت الحرب بينهم والمناوشة ثمانية عشر يوماً، ثم التقوا في آخر شهر رجب واقتتلوا فانهزمت ميمنة عسكر الخليفة وبعض القلب حتى بلغت الهزيمة بغداد، ونُهبت خزائنه وقتل خازنه، فحمل الخليفة بنفسه هو وولي عهده وصاح: يا آل هاشم كذب الشيطان! وقرأ \" وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً \" وحمل هو وبقية العسكر فانهزم مسعود ومن معه، وظفر الخليفة، وغنم العسكر جميع ما هو للتركمان من دواب وغنم وغير ذلك. وكانوا قد أحضروا نساءهم وأولادهم وخركاهاتهم فأُخذ جميع ذلك، فبيع كل كبْش بدانقِ وأخذ كون خر الملك أرسلان وانهزم به إلى بلد النجف وقلعة الماهكي.\rورجع الخليفة إلى بغداد فدخلها في أوائل شعبان المبارك، فأتاه الخبر أن مسعود بلال وترشك قصدا مدينة واسط فنهبا وخربا فسيّر إليهم الوزير في عسكره، فانهزم العجم، ولحقهم عسكر الخليفة ونهب شيئاً كثيراً، وعاد إلى بغداد فلُقّب الوزير سلطان العراق ملك الجيوش، وسيّر الخليفة عسكراً إلى بلد النجف فاحتوى عليه.\rوفي سنة خمسين وخمسمائة سار الخليفة إلى دقوقاً فحصرها وقاتل من بها، ثم رحل عنها ولم يبلغ غرضاً.\rوفيها استولى شملة التركماني على خوزستان وصاحبها حينئذ ملكشاه محمود، فسيّر إليه عسكراً فقاتلهم شملة وهزمهم وأسر وجوههم، ثم أحسن إليهم وأطلقهم، وأرسل إلى الخليفة المقتفي لأمر الله يعتذر منه فقبل عذره.\rوفي سنة إحدى وخمسين وخمسمائة حصر السلطان محمد بن محمود السلجقي بغداد، وكان قد راسل الخليفة في الخطبة له ببغداد والعراق، فامتنع الخليفة من إجابته، فسار من همذان وواعده قطب الدين صاحب المَوصل أن يرسل إليه العسكر، فقدم في ذي الحجة ودام الحصار والقتال إلى شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين، فبلغ السلطان محمد أن أخاه ملكشاه وإيلدكَر وأرسلان طغرل دخلوا همذان واستولوا عليها، فرجع عن بغداد ولم يبلغ رضا، وتفرقت العساكر.\rوفي شهر ربيع الأول سنة إحدى وخمسين أطلق ابن الوزير ابن هبيرة من حبس تكريت فتلقته المواكب وكان يوماً مشهوداً.\rوفيها في شهر ربيع الآخر احترق أكثر بغداد، واحترقت دار الخلافة.","part":6,"page":354},{"id":2860,"text":"وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة كان بالشام زلازل كثيرةٌ خربت كثيراً من البلاد والقلاع والأسوار، وهلك من العالم ما لا يحصى كثرةً. ومما يدل على ذلك ما حكاه ابن الأثير في تاريخه الكامل \" أن معلماً كان بمدينة حماه يعلِّم الصبيان، ففارق المكتب لحاجة عرضت له فجاءت الزلزلة فخرّبت البلد وسقط المكتب على الصبيان فهلكوا عن آخرهم - قال - فقال المعلم: فلم يأت أحد يسألني عن صبيٍّ كان له! فيدل على موت جميع أهليهم.\rوفيها قلع الخليفة المقتفي لأمر الله باب الكعبة وعمل عوضة باباً مصفحاً بالفضة المذهبة، وعمل لنفسه من الباب الأول تابوتاً يدفن فيه إذا مات! وفي سنة أربع وخمسين وخمسمائة في ثامن عشر ربيع الأول كثرت الزيادة في دجلة فغرقت بغداد، وتهدّمت الدور وسور المدينة وكثر الخراب ولم يعرف الناس حدودهم على التحرير، بل بالتخمين.\rوفيها مات السلطان محمد الذي حاصر بغداد بمرض السُّلّ.\rوفيها عاد ترشك إلى بغداد ولم يعرفه أحد ولا شعر به إلا وقد ألقى نفسه تحت التاج ومعه سيف وكفن. فرضي عنه الخليفة، وأذِن له في دخول الدار وأنعم عليه بمال!\rوفاة المقتفي\rلأمر الله وشيء من أخباره كانت وفاة المقتفي لأمر الله في شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وقيل لليلتين خَلَتا من شهر رجب. ومولده في ثاني عشر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وكان عمره ستاً وستين سنة تقريباً، ومدة خلافته أربعاً وعشرين سنة وشهوراً. وكان شيخاً أبيض الرأٍس واللحية طويلها، وكان حليماً كريماً عادلاً حسن السيرة جميل الرأي وافر العقل، شجاعاً مقداماً يباشر الحروب بنفسه، وكان يحب جمْع المال. وفي أول خلافته ولّى القضاء بمدينة السلام لرجل يعرف بابن المرخم، وجعله يتولى عقوبة عماله ووجوه دولته وأخذ أموالهم، فقال بعض الشعراء في ذلك:\rضخِّمي ويْكِ والطُّمِي ... وَلِيَ ابن المرخم\rوآه على الحكم والقضا ... وعلى كلِّ مُسلم\rوأرى المقتفي الإما ... م عن الحق قد عَمِي\rفبلغ المقتفي ذلك فأخذ الشاعر بنكاله وعذبه وما زاده ذلك إلا تمادياً في حاله. وهو أول من استبد بالعراق منفرداً عن سلطان يكون معه من أول أيام الدَّيلم وإلى هذا الوقت، وأول خليفة تمكن من عسكره وأصحابه وحكم على الخلافة منذ تحكم المماليك على الخلفاء في خلافة المستنصر بالله وإلى الآن، إلا أن يكون المعتضد بالله. وكان المقتفي يبذل الأموال العظيمة لأصحاب الأخبار في جميع البلاد حتى لا يفوتَه منها شيءٌ، وكانت دعوته بالعراق والحجاز والشام وخراسان.\rخلافة المستنجد بالله هو أبو المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله، وأمه أم ولد تدعى طاوُس وقيل نرجس، رومية. وهو الخليفة الثاني والثلاثون من الخلفاء بويع له بعد وفاة أبيه في شهر ربيع الأول في سنة خمس وخمسين وخمسمائة وقبل لليلتين خَلَتا من شهر رجب منها والله تعالى أعلم.\rقال: وكان للمقتفي حظية وهم أم ولده أبي علي. فلما اشتدّ مرضه وأيست منه، أرسلت إلى جماعة من الأمراء وبذلت لهم الإقطاعات الكثيرة والأموال الجزيلة ليساعدوها على أن يكون ولدها الأمير أبو علي خليفةً فقالوا: كيف الحيلة مع ولي العهد؟ فقررت أنها تقبض عليه إذا دخل، وكان يدخل على أبيه في كل يوم فقالوا: لا بد لنا من أحد أرباب الدولة فوقع اختيارهم على أبي المعالي بن الكيال الهراس فدعوْه إلى ذلك فأجابهم على أن يكون وزيراً، فبذلوا له ما طلب. فلما استقرت القاعدة بينهم أحضرت عدّة من الجواري وأعطتهن السكاكين وأمرتهن بقتل ولي العهد المستنجد بالله. كان له خصيٌّ صغيرٌ يرسله في كل وقت يتعرف أخبار والده فرأى الجواري وبأيديهن السكاكين وبيد أبي علي وأمه سيفين، فعاد إلى المستنجد وأخبره.\rوأرسلت هي إلى المستنجد تقول: \" إن والدك قد حضرته الوفاة فاحضر لتشاهده \" فاستدعى أستاذ الدار عضُد الدين، وأخذ معه جماعةً من الفراشيين، ودخل الدار وقد لبس الدِّرع والسيف في يده، فلما دخل ثار به الجواري فضرب واحدةً منهن فجرحها وجرح أخرى وصاح فدخل أستاذ الدار والفراشون فهرب الجواري وأخذ أخاه أبا علي وأمه فسجنهما، وقتل من الجواري وغرَّق وجلس للمبايعة فبايعه أهله وأقاربه.","part":6,"page":355},{"id":2861,"text":"وأول من بايعه عمه أبو طالب ثم أخوه أبو جعفر بن المقتفي وكان أكبر من المستنجد، ثم بايعه الوزير ابن هبيرة، وقاضي القضاة، وأرباب الدولة والعلماء. وخُطب له في يوم الجمعة، ونُثرت الدنانير والدراهم.\rوقال ابن هبيرة الوزير عنه: إنه قال \" رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام منذ خمس عشرة سنة فقال لي: يبقى أبوك في الخلافة خمس عشرة سنة فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام \" ثم قال \" رأيته قبل موت المقتفي بأربعة أشهر، فدخل في باب كبير ثم ارُنقَى إلى رأس جبل وصلّى بي ركعتين وألبسني قميصاً ثم قال لي: قل \" اللهم اهدني فيمن هديت \" وذكر دعاء القنوت \" .\rقال: ولما ولي المستنجد بالله أقر ابن هبيرة على وزارته، وأصحاب الولايات على ولاياتهم، وأزال المكوس والضرائب، وقبض على ابن المرخّم وأخذ منه مالاً كثيراً وأخذ كتُبه فأحرق منها ما كان من علوم الفلاسفة. وقدم عضد الدين ابن رئيس الرؤساء - وكان أستاذ الدار - فمكّنه وتقدّم إلى الوزير بأن يقوم له، وعزل قاضي القضاة علي بن أحمد الدامغاني، ورتّب مكانه أبا جعفر عبد الواحد الثقفي وخلع عليه.\rملك قلعة الماهكي\rوفي شهر رجب سنة سبعٍ وخمسين وخمسمائة ملك الخليفة قلعة الماهكي، وسبب ذلك أن صاحبها سنقر الهمذاني سلّمها إلى أحد ممالكيه ومضى إلى همذان فضعف مملوكه عن حفظها ومقاومة من حولها من الأكراد والتركمان فأُشير عليه ببيعها من الخلية فراسل في ذلك؛ فاستقرّ بينهما خمسة عشر ألف دينارٍ وسلاحٌ ومتاع وعدةٌ من القرى فسلّمها وتسلّم ما استقر له وأقام ببغداد، ولم تزل هذه القلعة من أيام المقتدر بالله بيد التركمان إلى الآن.\rإجلاء بني أسد من العراق\rوفي سنة ثمانٍ وخمسين وخمسمائة أمر الخليفة بإهلاك بني أسد أهل الحلة المزيدية لما ظهر من فسادهم ولما كان في نفسه منهم من مساعدتهم للسلطان محمد في حِصار بغداد، فأمر يزدن بن قماج بقتالهم وإخراجهم من البلاد، وكانوا منبسطين في البلاد في البطائح. فتوجّه إليهم وجمع العساكر الكثيرة، وأرسل إلى ابن معروف مقدم المقتفي. وهو بأرض البصرة فجاء في خلْقٍ كثير وحصرهم وسكَّ عنهم الماء وضيّق عليهم فاستسلموا، فقتل منهم أربعة آلافٍ ونادى فيمن بقي \" من وُجد في الحلة المزيدية بعد هذا فقد حل دمه فتفرقوا في البلاد، ولم يبق في العراق منهم من يُعرف، وسُلِّمت بطائحهم وبلادهم إلى ابن معروف.\rوفي سنة ستين وخمسمائة في صفر قبض المستنجد بالله على الأمير ثوبة بن العقيلي وكان قد قرُب منه قُرْباً عظيماً حتى كان يخلو معه، وأحبّه محبة عظيمة، فحسده الوزير ابن هبيرة، فوضع كُتُباً من العجم مع قوم وأمرهم أن يتعرضوا ليؤخَذوا ففعلوا ذلك، وأُخذوا وأُحضروا عند الخليفة.\rوأظهروا الكتب بعد الامتناع الشديد فلما وقف الخليفة عليها خرج إلى نهر الملك يتصيّد وكانت حلل ثوبة على الفرات، فحضر عنده فأمر بالقبض عليه، فقبض عليه وأُدخل بغداد ليلاً وحبس فكان آخر العهد بعده بالحياة، ومات بعد ثلاثة أشهر، وكان ثوبة من أكمل العرب مروءة وسخاء وعقلاً وإجادة، واجتمع فيه من الكمال ما تفرق في غيره.\rوفيها في جمادى الأولى توفي الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة ومولده سنة تسعين وأربعمائة ودفن بمدرسته التي هو بناها للحنابلة بباب البصرة، ولما مات قبض على أولاده وأهله! وفي سنة ثلاث وستين وخمسمائة استوزر الخليفة المستنجد بالله شرف الدين أبا جعفر أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن البلدي، وكان ناظراً بواسط، وظهر عن كفاءةٍ عظيمةٍ، فأحضره الخليفة واستوزره وكان عضد الدين أستاذ الدار قد تحكم تحكماً عظيماً، فتقدّم أمر الخليفة إلى وزيره بكفّ يده وأيدي أصحابه ففعل ذلك، ووكل بأخيه تاج الدين وطالبه بحساب نهر الملك وكان يتولاه أيام المقتفي، وكذلك فعل بغيره، فحصّل أموالاً جمّةً وخافه أستاذ الدار على نفسه فحمل مالاً كثيراً وأعطاه الورقة التي بخط الخليفة فقال له: تعود إليه وتقول قد أوصلت الخطّ إلى الوزير! ففعل ذلك وأحضر أستاذ الدار قطب الدين ويزدن وأخاه تنامش وعرض عليهم الخط فاتفقوا على قتل الخليفة. فدخل عليه يزدن وقابماز فحملاه إلى الحمام وهو يستغيث وألقياه وأغلقا الباب علي وهو يصيح حتى مات.","part":6,"page":356},{"id":2862,"text":"وقبض على الحسين بن محمد المعروف بابن البستي وعلى أخيه الصغير، وكانا ابنيْ عمِّ عضد الدين. وكان الصغير عامل البيمارستان فقطع يده ورجله؛ فقيل إنه كان يستخرج المال بصنوج كبار ويحمله إلى الديوان بصنجة صحيحة وقيل غير ذلك، وجمل إلى البيمارستان فمات.\rوفاة المستنجد\rبالله وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته في تاسع شهر ربيع الآخر سنة وست وستين وخمسمائة ومولده في مستهل شهر ربيع الآخر سنة عشرة وخمسمائة. وكان عمره ستاً وخمسين سنة وثمانية أيام، ومدة خلافته أحد عشر سنة وشهراً واحداً وستة أيام على القول الأول. وكان أسمر، تامّ القامة؛ طويل اللحية.\rوكان سبب موته أنه مرض واشتد مرضه؛ وكان بجانبه أستاذ الدار عضد الدين أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء وقطب الدين قليماز المقتفوي - وهما من الأمراء ببغداد - فوصيا الطبيب على أن يصف له ما يقتله فوصف له دخول الحمام فامتنع لضعفه، فأدخله وأغلق عليه بابه فمات. وقيل إنه كتب إلى الوزير... النصراني ابن صفية يأمره بالقبض على أستاذ الدار.\rوكان رحمه الله من أحسن الخلفاء سيرةً، عادلاً في الرعية كثير الرفق بهم، وأطلق كثيراً من المكوس حتى لم يترك بالعراق شيئاً منها. وكان شديداً على أهل العبث والفساد والسعاية قال ابن الأثير الجزري في تاريخه الكامل \" بلغني أن المستنجد قبض على إنسان كان يسعى بالناس فأطال حبسه، فشفع فيه بعض خواصه، وبذل عنه عشرة آلاف دينارٍ فقال: \" أنا أعطيك عشرة آلاف دينار وتحضر لي آخر أحبسه لأكف سره عن الناس! \" ولم يطلقه وردّ كثيراً من الأموال على أصحابها رحمه الله.\rخلافة المستضيء بأمر الله هو أبو محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف ابن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله، وأمّه أم ولد أرمينية تدعى غضّة وهو الخليفة الثالث والثلاثون من الخلفاء العباسيين، بويع له بالخلافة يوم وفاة أبيه في التاسع من شهر ربيع الآخر في سنة ست وستين وخمسمائة.\rقال: ولما مات المستنجد بالله كان بين الوزير أبي جعفر ابن البلدي وبين أستاذ الدار عضد الدين وقطب الدين عداوة شديدة لأن المستنجد كان يأمره بأشياء تتعلق بهما فيفعلها فيظنان أنه هو الذي يسعى بهما فلما أُرجف بموت المستنجد ركب الوزير ومعه الأمراء والأجناد وغيرهم بالعُدوة ولم يتحققوا موت الخليفة. فأرسل إليه أستاذ الدار يقول: إن أمير المؤمنين قد خفّ ما به من المرض وأقبلت العافية إليه! فخاف الوزير أن يدخل دار الخلافة بالجُند فربما أنكر عليه ذلك، فعاد إلى داره وتفرّق الناس عنه.\rوكان عضد الدين وقطب الدين قد استعدا للهرب لما ركب الوزير خَوفاً أن يدخل الدار فيأخذهما، فلما عاد أغلق أستاذ الدار أبواب دار الخلافة وأظهر موت الخليفة، وأحضر ولده أبا الحسن محمداً وبايعه هو وقطب الدين بالخلافة، ولقباه بالمستضيء بأمر الله، وشرطوا عليه شروطاً منها: أن يكون عضد الدين وزيراً، وابنه جمال الدين أستاذ الدار، وقطب الدين أمير العسكر، فأجابهم إلى ذلك، وبايعه أهل بيته البيعة الخاصة في يوم وفاة أبيه، وبايعه الناس من الغد في التاج بيعةً عامة، وأظهر العدل وفرق أموالاً جليلة المقدار.\rمقتل الوزير أبي جعفر\rبن محمد المعروف بابن البلدي قال: ولما علم الوزير بوفاة الخليفة سقط في يده وقرع سنّه ندماً على عوْده، وأتاه من يستدعيه للجُلوس للعزاء والبيعة للمستضيء، فمضى إلى دار الخلافة فلما دخلها صُرف إلى موضع وقتل وقُطِّع وأُلقي في دجلة، وأخذا جميع ما في داره، فرأيا خطوط المستنجد بالله بأمره بالقبض عليهما، وخطُّ الوزير وقد راجعه في ذلك وصرفه عنه، فندما على قتله.\rوفي سنة سبع وستين وخمسمائة أُقيمت الدعوة العباسية بالديار المصرية وخطب للخليفة بها، وانقرضت الدولة العُبَيدية المنسوبة إلى العلوية بخلْع العاضد لدين الله، وكان ذلك على يد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله على ما نذكر ذلك مبيّناً - إن شاء الله تعالى - في أخبار الدولة العُبَيدية.","part":6,"page":357},{"id":2863,"text":"وفيها عزل الخليفة وزيره عضد الدين من الوزارة لأن قطب الدين قايماز ألزمه ذلك فلم يمكنه مخالفة، ثم قصد الخليفة إعادته في جُمادى الأولى سنة تسع وستين فثارت الفتنة بين الخليفة وقايماز، وأغلق قايماز باب النوبي وباب العامة وبقيت دار الخلافة محاصرةً. فأجاب الخليفة إلى ترك وزارته فقال قايماز: لا أقنع إلا بخروج عضد الدين من بغداد! فأمر بإخراجه منها فالتجأ إلى صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل وهو شيخ الشيوخ وصار في رباطه فأجاره، ثم عاد إلى داره في جمادى الآخرة.\rوفي سنة تسع وستين وخمسمائة زادت دجلة فتجاوزت كل زيادة كانت ببغداد منذ بنيت إلى الآن بذراع وكسر. وخاف الناس الغرق وفارقوا البلد ونبع الماء من البلاليع، وخُرِّب كثير من الدور وغرق البيمارستان العضدي، ودخلت المراكب من شبابكيه وكانت قد تقلعت.\rوفيها سقط الأمير أبو العباس أحمد - وهو الذي صار خليفة ولُقِّب الناصر لدين الله - من قبة عالية إلى أرض التاج ومعه غلام له اسمه نجاح، فألقى نفسه بعده وسلِما جميعاً فقيل لنجاح: لم ألقيت بنفسك؟ فقال: ما كنت أريد البقاء بعد مولاي! فرعى له الأمير أبو العباس ذلك فلما صار خليفة جعله شرابيا وحكّمه في الدولة ولقبه الملك الرحيم عز الدين وخدمه جميع أمراء العراق.\rوفيها في شهر رمضان وقع ببغداد بَرَدٌ كبار ما رأى الناس مثله فهدم الدور وقتل جماعةً من الناس والمواشي، فوُزنت بردةٌ منه فكانت سبعة أرطال، وكان عامته كالنارنج يكسر الأغصان، قال ابن الأثير هكذا ذكره أبو الفرج بن الجوزي في تاريخه والعهدة عليه فيه.\rهرب قطب الدين قايماز\rمن بغداد وعود عضد الدين إلى الوزارة كان سبب ذلك وابتداؤه أن علاء الدين تنامش - وهو من أكابر الأمراء ببغداد - وقطب الدين قايماز زوج أخته سيّرا عسكراً إلى العراق في شوال سنة سبعين وخمسمائة فنهبوا الناس وبالغوا في أذاهم، فجاء جماعة منهم إلى بغداد واستغاثوا فلم يُغاثوا لضعف الخلافة وتحكم قايماز وتنامش على الدولة، فقصدوا جامع القصر واستغاثوا ومنعوا الخطيب من الخطبة فأنكر الخليفة ما جرى، فلم يلتفت قايماز وتنامش إلى قوله.\rفلما كان في خامس ذي القعدة قصد قايماز دار ظهير الدين بن العطار صاحب المخزن - وللخليفة به عناية تامة وبينهما صُحبة - فلم يراع قايماز الخليفة فيه، واستدعاه فهرب، فأحرق قطب الدين قايماز داره وحالف الأمراء على المساعدة والمعاضدة له، وجمعهم وقصد دار الخلافة لعلمه أن ابن العطار فيها.\rفلما علم الخليفة ذلك صعد إلى سطح داره وظهر للعامة وأمر خادماً فصاح وقال للعامة: مال قطب الدين لكم ودمه لي! فقصد الخلْق كلهم دار قطب الدين للنهب، فلم يمكنه المُقام لضيق الشوارع، وغلبت العامة، فهرب من داره من باب فتحه من ظهرها لكثرة مَنْ على بابها من الخلْق. وخرج من بغداد، ونهبت داره وسلبت نعمته في ساعة واحدة وتبعه وتنامش وجماعة من الأمراء، فنهبت دورهم وأحرق بعضها، وأخذت أموالهم.\rوسار قطب الدين إلى الحلة ومعه من التحق من الأمراء، فسيّر الخليفة إليه شيخ الشيوخ صدر الدين فخدعه حتى سار عن الحلة نحو الموصل على البر فلحقه هو ومن معه عطش عظيم فهلك أكثرهم ومات قايماز قبل وصوله إلى الموصل، ودُفن بظاهر باب العمادي وكانت وفاته في ذي الحجة. ووصل تنامش إلى الموصل فأقام مدة ثم أمره الخليفة بالقدوم إلى بغداد فسار إليها وبقي بغير إقطاع! قال: ولما هرب قايماز أُعيد عضد الدين إلى الوزارة وقال بعض الشعراء في قطب الدين قايماز وتنامش بن قماج:\rإن كنت معتبراً بمُلكٍ زائلٍ ... وحوادث عنقية الإدلاج\rفدعِ العجائب والتواريخ الأُلى ... وانظر إلى قَيْماز وابن قماج\rعطف الزمان عليهما فسقاهما ... من صرفه كأساً بغير مزاج\rفتبدّلوا بعد القصور وظِلّها ... ونعيمها بمهامه وفِجاج\rفليحذر الباقون من أمثالها ... نكبات دهرٍ خائنٍ مِزعاج\rقال: وكان قطب الدين كريماً طلْق الوجه، محباً للعدل والإحسان، كثير البذل للمال؛ وإنما كان يحمله على ما يقع منه تنامش بغير إرادته.","part":6,"page":358},{"id":2864,"text":"وفي سنة إحدى وسبعين وخمسمائة ولّى الخليفة المستضيء حَجَبة الباب أبا نصر علي بن الناقد وكان الناس تلقبه في صغره قنبراً، فصار الناس يصيحون به بهذا اللقب إذا ركب. فأمر أن يركب معه جماعة من الأتراك يمنعون الناس من ذلك، فامتنعوا فلما كان قبل العيد بثلاثة أيام خلع عليه ليركب في الموكب، فاشترى جماعة من أهل بغداد شيئاً كثيراً من القنابر وعزموا على إرسالها في الموكب فأُنهِي ذلك إلى الخليفة فعزله وولى ابن المعوج.\rوفيها قبض الخليفة على عماد الدين صندل المقتفوي أستاذ الدار ورتّب مكانه أبا الفضل هبة الله بن علي بن هبة الله بن الصاحب.\rمقتل الوزير عضد الدولة\rوولاية ظهير الدين بن العطار كان مقتله رحمه الله في رابع ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وهو أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة وسبب مقتله أنه عزم على الحج وعبر دجلة للمسير ومعه أرباب المناصب وهو في موكب عظيم، وتقدم إلى أصحابه أن لا يمنعوا عنه أحداً، فلقيه إنسان كهل وقال: أنا مظلوم! وتقدم إليه يسمع كلامه فضربه بسكين في خاصرته، فصاح الوزير: قتلني! ووقع إلى الأرض وسقطت عمامته، فغطّى رأسه بكمه وضرب الباطني بسيف، وعاد إلى الوزير فضربه بسكين وأقبل صاحب الباب ابن المعوج لينصر الوزير، فضربه الباطني بسكين، وقيل بل ضربه رفيق له، وكان له رفيق ثالث فصاح وبيده سكين فقُتل ولم يصنع شيئاً. وأُحرق الثلاثة، وحمُل الوزير إلى دارٍ له هناك، وحُمل الحاجب إلى بيته فمات هو والوزير.\rوكان الوزير قد رأى في منامه أنه يعانق عثمان بن عفان، قال ابن الأثير: وحكى عنه ولده أنه اغتسل قبل خروجه وقال: هذا غسل الإسلام وأنا مقتول بلا شك! وكان له معروف كثير وكانت داره مجمعاً للعلماء وسمع الحديث، وختمت أعماله بالشهادة وهو على قصد الحج رحمه الله. ولما قتل حكم في الدولة ظهير الدين أبو بكر ابن منصور المعروف بابن العطاء، وكان حسن السيرة وتمكن تمكّناً عظيماً.\rفتنة ببغداد وهدْم بيعة اليهود\rوفي سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة كانت الفتنة ببغداد، وسببها أن قوماً من مسلمي المدائن حضروا إلى بغداد وشكَوا من يهود المدائن وقالوا: لنا مسجد نؤذّن فيه ونصلي وهو مجاور لبيعة اليهود، فقال لنا اليهود آذيتمونا بكثرة الآذان وأنهم اختصموا هم والمؤذن، وكانت فتنة استظهر فيها اليهود. فلما شكوا أمرَ ابن العطار بحبْسهم فحُبسوا، ثم خرجوا فقصدوا جامع القصر واستغاثوا قبل صلاة الجمعة فخفّف الخطيب الخطبة والصلاة، فعادوا يستغيثون فأتاهم جماعةٌ من الجند ومنعوهم، فغضب عامة بغداد لذلك واستغاثوا، وخلعوا طوابيق الجامع ورجموا الجند بها، ثم قصدوا دكاكين المخلطين لأن أكثرهم يهود فنهبوها. فأراد حاجب الباب منعهم فرجموه فهرب منهم، وضربوا الكنيسة التي عند دار البساسيري، وأحرقوا الورق الذي فيها يزعم اليهود أنه التوراة. واختفى اليهود فأمر الخليفة بنقض الكنيسة التي بالمدائن وتُبنى مسجداً ونُصب بالرحبة أخشاب ليصلب عليها أقوام من المفسدين فظنها العامة تخويفاً لهم لجل ما فعلوه باليهود، فجعلوا عليها جرذاناً ميتة، فأخرج جماعة من الحبس من اللصوص فصلبوا عليها وسكنت الفتنة!\rوفاة المستضيء بأمر الله\rكانت وفاته لليلتين خلنا من ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ومولده في سنة ست وثلاثين، وكان عمره أربعين سنة تقريباً، ومدة خلافته تسع سنين وسبعة أشهر إلا أياماً. وكان رحمه عادلاً حسن السيرة في الرعية، كثير البذل للأموال، حليماً، قليل المعاقبة على الذنوب، محباً للعفو والصفح عن المذنبين، وأولاده أبو العباس أحمد وأبو منصور هاشم.\rخلافة الناصر لدين الله هو أبو العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله وأمه أم ولدٍ تركية اسمها زمُرّد وهو الخليفة الرابع والثلاثون من الخلفاء العباسيين، بويع له بالبيعة العامة في يوم الأحد ثاني ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وقام له بالبيعة ظهير الدين بن العطار وبايع له، فلما تمّت البيعة صار الحاكم في الدولة أستاذ الدار مجد الدين الصاحب، وسيّر الرسل إلى الآفاق يأخذ البيعة له.\rالقبض على ابن العطار\rوموته","part":6,"page":359},{"id":2865,"text":"وفي سابع ذي القعدة قبض على ظهير الدين بن العطار الوزير ووُكل به في داره، ثم نقل إلى التاج وقُيّد وأُخذت أمواله وطُلبت ودائعه وأخرج ميتاً في ليلة الأربعاء ثاني عشر الشهر على رأس حمّال. فغمز به بعض الناس فثار به العامة وألقوه عن رأس الحمال وكشفوا عن سَوأته، وشدّوا في ذكره حَبْلاً وسحبوه في البلد وكانوا يضعون بيده مغرفة ويقولون: وقع لنا مولانا! إلى غير ذلك من الأفعال الشنيعة، ثم خلص منهم ودفن.\rقال: وفعلوا به هذه الأفعال القبيحة مع حُسن سيرته فيهم وكفّه هم أموالهم وأعراضهم.\rوفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة كثرت المنكرات ببغداد فأقام حاجب الباب جماعة لإراقة الخمور وأخذ المفسدات، فبينما امرأة منهن في موضع علمت بمجيء الحاجب فاضطجعت وأظهرت أنها مريضة وارتفع أنينها، فرأوها على ذلك فانصرفوا عنها، فهمت بالقيام فلم تستطع وعجزت وجعلت تصيح: الكرب الكرب! إلى أن ماتت.\rوفي سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة قبض الخليفة على أستاذ الدار مجد الدين أبي الفضل بن الصاحب وقتله، وكان قد تحكّم في الدولة ليس للخليفة معه حُكْم. وكان الذي سعى به عند الخليفة وقبّح آثاره رجلٌ من صنائعه وأصحابه يقال له عبيد الله بن يونس فقبض عليه الخليفة وقتله، وأخذ أمواله وكانت عظيمة. وكان رحمه الله حسن السيرة، واستوزر الخليفة بعده أبا المظفر عبيد الله بن يونس في شوال، ولقبه جلال الدين، ومشى أكابر الدولة في ركابه حتى قاضي القضاة، وكان ابن يونس هذا من شهوده، فكان يمشي ويقول: لعن الله طول العمر!\rانهزام عسكر الخليفة من طغرل\rكان طغرل السلجقي قد قوي أمره في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وكثر جمعه، وأرسل إلى بغداد يقول: أريد أن يتقدم إليّ الديوان بعمارة دار السلطنة لأنزل فيها إذا قدمت! فرد الخليفة رسوله بغير جواب، وأمر بنقض دار السلطنة فهدِّمت إلى الأرض وعفي أثرها ووصل رسول قزل - وهو صاحب أران وأذربيجان وهمذان وإصفهان والري وما بينهما - ببذل الطاعة والخدمة ويستنجد الخليفة على طغرل، فأكرم الخليفة رسوله ووعده بتجهيز العساكر إليه، وجهّزها في سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وقدم عليها الوزير جلال الدين عبيد الله بن يونس وسيرهم لمساعدة قزل وكف السلطان طغرل عن البلاد، فسار العسكر في ثالث صفر إلى أن قارب همذان، فلم يصل قزل إليهم، وأقبل طغرل في عساكره، والتقوا في ثامن شهر ربيع الأول بمرج عند همذان، فلم تثبت عساكر الخليفة وانهزمت، وبقي الوزير قائماً ومعه مصحف وسيف، فأُسر وأُخذ ما معه من خزانة وسلاح وغيره، وعاد العسكر إلى بغداد متفرقين.\rوفي سنة خمس وثمانين وخمسمائة خُطب لولي العهد أبي نصر محمد بن الخليفة الناصر لدين الله ببغداد، ونثرت الدنانير والدراهم، وأُرسل إلى البلاد في إقامة الخطبة له.\rوفيها في شوال ملك الخليفة تكريت، وسبب ذلك أن صاحبها الأمير عيسى قتله إخوته وملكوا القلعة بعده، فسير الخليفة إليهم عسكراً فحصروها وتسلموها، ودخل أصحابها إلى بغداد فأُعطوا إقطاعاً.\rوفي سنة ست وثمانين وخمسمائة في شهر ربيع الأول ملك الخليفة الناصر لدين الله حديثة عانة، وكان قد سيّر إليها جيشاً في سنة خمس وثمانين وخمسمائة فحاصروها وقاتلوا عليها شديداً، وقتل من الفريقين خلْقٌ كثير، ودام الحصار فضاقت الأقوات على أهلها، فسلموها على إقطاع عيّنوه، ووصل صاحبها وأهلها بغداد وأُعطوا إقطاعاً ثم تفرّقوا في البلاد، واشتدت بهم الحاجة حتى تعرّض بعضهم للسؤال وبعضهم خدم الناس.\rوفي سنة تسع وثمانين وخمسمائة أمر الخليفة الناصر لدين الله بعمارة خزانة الكتب بالمدرسة النظامية ببغداد، ونقل إليها من الكتب النفيسة ألوفاً لا يُقدَر على مثلها.\rوفيها في شهر ربيع الأول كملت عمارة الرباط الذي أمر الخليفة بإنشائه بالحريم الظاهري غربي بغداد على دجلة.\rوفيها ملك الخليفة قلعة من بلاد خوزستان، وسبب ذلك أن صاحبها سوسيان بن شملة جعل عليها ذِرداراً فأساء السيرة مع جندا فغدر به بعضهم فقتله وأرسل إلى الخليفة، وأرسل إليها وملكها.\rوفيها انقضّ كوكبان عظيمان بعد طلوع الفجر واصطدما وسمع صوت هدّة عظيمة وغلب ضوؤهما ضوء القمر والنهار.\rوفي سنة تسعين وخمسمائة قتل السلطان طغرل السلجقي في حرب كانت بينه وبين خوارزم شاه البلاد.\rملك الخليفة خوزستان","part":6,"page":360},{"id":2866,"text":"وفي سنة تسعين أيضاً خلع الخليفة الناصر لدين الله على نائب الوزارة مؤيد الدين أبي عبد الله محمد بن علي المعروف بابن القصاب خلع الوزارة، وسار في شهر رمضان من السنة إلى بلاد خوزستان بالعساكر. وقد كان قد خدم بها أولاً وعرفها، فلما ولي نيابة الوزارة ببغداد أشار على الخليفة الناصر لدين الله أن يرسله بعسكر ليملكها. واتفق وفاة صاحبها ابن شملة التركماني واختلاف أولاده، فأرسل بعضهم إلى مؤيد الدين يستنجده، فقوي طمعه فيها، فسار إليها ودخلها في سنة إحدى وتسعين، وملكها في المحرم منها، وملك غيرها من البلاد والقلاع: منها قلعة الناظر، وقلعة كاكرد، وقلعة لاموج، وغيرها من القلاع والحصون، وأنقذ بني شملة التركماني أصحاب خوزستان إلى بغداد فوصلوا في ربيع الأول.\rملك الوزير همذان\rوغيرها من بلاد العجم قال: ثم ملك الوزير مؤيد الدين المذكور همذان في شوال سنة إحدى وتسعين وخمسمائة من عسكر خوارزم شاه وولده، فتوجه الخوارزميون إلى الري فتبعهم الوزير ففارقوها من غير قتال وتوجهوا إلى دامغان وبسطام وجرجان. فعاد عسكر الخليفة إلى الري فأقاموا بها، ثم رحل الوزير إلى همذان فأقام بها نحو ثلاثة أشهر وأتته رسل خوارزم شاه بطلب إعادة البلاد وتقرير قواعد الصلح فلم يُجب الوزير إلى ذلك. فسار خوارزم شاه محمد بن تكش إلى همذان فوجد الوزير قد توفي في شعبان، فوقع بينه وبين عسكر الخليفة الناصر لدين الله مصافُّ في نصف شعبان سنة اثنتين وتسعين، فقُتل من العسكرَيْن خلقٌ كثير، وانهزم عسكر الخليفة، وغنم الخوارزميون منهم شيئاً كثيراً، وملك خوارزم شاه همذان ونبش الوزير وقطع رأسه وسيره إلى خوارزم وأظهر أنه قتله في المعركة، ثم رجع خوارزم شاه إلى خراسان لموجب عرض له .\rملك أصفهان\rوفي سنة إحدى وتسعين جهّز الخليفة جيشاً وسيّره إلى أصفهان، ومقدم الجيش سيف الدين طغرل فقطع بلد اللحف من العراق، وكان بإصفهان عسكر الخوارزم شاه مع ولده، وأهل إصفهان يكرهونهم. فكاتب صدر الدين الخحندي رئيس الشافعية الديوان العزيز ببغداد يبذل من نفسه تسليم البلد إلى من يصل إلى الديوان العزيز بالعسكر. فلما وصلت العساكر ظاهر إصفهان فار قها العسكر الخوارزمي إلى خراسان وتبعهم عسكر الخليفة، فأخذوا من قدروا عليه من ساقِةِ العسكر، ودخل عسكر الخليفة إلى إصفهان وملكوها.\rقال: واجتمع مماليك ابن البهلوان وقدّموا على أنفسهم كوكجة وهو من أعيان البهلوانية، واستولوا على الري وما حولها من البلاد، وساروا إلى إصفهان لإخراج الخوارزمية منها، فسمعوا بوصول عسكر الخليفة إليها. فأرسل إلى طغرل مملوك الخليفة يعرض نفسه على خدمة الديوان وأظهر العبودية وأنه إنما قصد إصفهان في طلب العسكر الخوارزمي، وأنه ساق في طلبهم فلم يدركهم.\rقال: ثم سار عسكر الخليفة من أصفهان إلى همذان، وساق كوكجه خلْف العسكر الخوارزمي إلى بلاد الإسماعيلية، وعاد فقصد إصفهان وملكها. فأرسل إلى بغداد يسأل أن تكون له الريّ وجواره وساوة وقم وقاجان وما ينضم إليها، وتكون إصفهان وهمذان وزنجان وقزوين لديوان الخليفة. فأجيب إلى ذلك، وكتب منشوره بما طلب، وأُرسلت إليه الخلع، فعظم شأنه وقوِي أمره وكثُرت عساكره.\rوفي سنة إحدى وستمائة يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة قُطعت الخطبة وليّ العهد أبي نصر بن الخليفة الناصر لدين الله، وذلك أنه أظهر خطّه بدار الوزير نصير الدين الرازي إلى أبيه يتضمن العجز عن القيام بولاية العهد، ويطلب الإقالة، وشهد عدلان أنه خطه وأن الخليفة أقاله، وعُمل بذلك محضر شهد فيه القضاة والعلماء والعدول والفقهاء.","part":6,"page":361},{"id":2867,"text":"وفي سنة أربع وستمائة عُزل وزير الخليفة نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي، وكان من أهل الدين. قدم إلى بغداد لما ملك الوزير ابن القصّاب الرَّيَّ، فلقِيَ نصير الدين من الخليفة قبولاً فجعله نائب الوزارة، ثم استوزره وجعل ابنه صاحب المخزن. فلما كان في الثاني والعشرين من جُمادى الآخرة، عُزل وأُغلق بابه. وسبب عزله أنه ساعات سيرته مع أكابر مماليك الخليفة حتى هرب من يده أمير الحج مظفر الدين سنقر المعروف بوجه السبع إلى الشام في سنة ثلاثٍ وستمائة وكتب إلى الخليفة أن هذا الوزير لا يُبقى في خدمة الخليفة أحداً من مماليكه، ولا شك أنه يريد أن يدّعي الخلافة، وأكثر الناس القوْل في ذلك وقالوا فيه الشعر، فمنه قول بعضهم:\rألا مبلغٌ عني الخليفة أحمداً ... تَوَقَّ وُفيت السوء ما أنت صانع\rوزيرك هذا بين أمرين فيهما ... فَعالُك يا خير البريّة ضائغُ\rفإن كان حقّاً من سُلالة أحمدٍ ... فهذا وزير في الخلافة طامع\rوإن كان فيما يدّعي غير صادقٍ ... فأضْيَع ما كانت لديه الصنائع\rفعزله، وقيل في سبب عزله غير ذلك. ولما عزل عاد أمير الحج من مصر وعاد قشتمر، وأُقيم في نيابة الوزارة فخر الدين أبو المنذر محمد بن أمسنا الواسط، إلا أنه لم يكن متحكماً.\rوفيها أطلق الخليفة جميع حق البيع، وما يؤخذ من أرباب الأمتعة أن ابنه عز الدين نجاح الشرابي توفيت فاشترى بقرةً لتذبح ويتصدق بلحمها، فرفعوا في حسابها مؤونة البقرة - وكانت كثيرة - فوقف الخليفة على ذلك، فأمر بإطلاق المؤونة جميعاً.\rوفيها في شهر رمضان أمر الخليفة ببناء دور بمحال بغداد يفطر فيها الفقراء وسُميِّت دور الخلافة.\rوفي سنة ستٍّ وستمائة في شهر ربيع الأول عُزل فخر الدين بن أمسينا عن نيابة الوزارة، وأُلزم بيته، ثم نُقل إلى المخزن، وولى بعد لنيابة الوزارة مكين الدين محمد بن محمد بن القمي كاتب الإنشاء ولقب مؤيد الدين، ونقل إلى دار الوزارة.\rوفي سنة اثنتي عشرة وستمائة في العشرين من ذي القعدة توفي الملك المعظم أبو الحسن على ولد الخليفة الناصر لدين الله - وهو الولد الصغير - فحصل للخليفة عليه ألم عظيم لم يسمع بمثله، وأمر الخليفة أن لا يعزّوه به وكانت له جنازة عظيمة لم يُسمع بمثلها، ولم يبق ببغداد منزل إلا وفيه نَعيٌ.\rوفاة الناصر\rلدين الله وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته في أخر ليلة من شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وكانت علّته عشرين يوماً إصابة دوسنطاريا. وكانت مدة خلافته ستاً وأربعين سنة وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يوماً، قال ابن الأثير: وكان قبيح السيرة في رعيته ظالماً، فخُرِّب في أيامه العراق وتفرّق أهله في البلاد، فأخذ أموالهم وأملاكهم. وكان كثير التلوّن بفعل الشيء وضده، فمن ذلك أنه عمل دور الضيافة ببغداد ثم قطعها، ثم عمل داراً لضيافة الحج وأبطلها، وأطلق بعض المكوس التي جددها ببغداد ثم أعادها، وجعل جُلّ همه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة، وبطل الفتوة من البلاد أجمع إلا من لبس منه، ومنع الطيور المناسيب لغيره إلا ما يؤخذ من طيوره، ومنع من الرمي بالبندق إلا من ادّعى له وانتسب إليه. فأجابه الناس إلى ذلك إلا رجلاً واحداً يقال له ابن السفت فإنه فارق العراق والتحق بالشام فأرسل إليه يرغبه بالمال الجزيل ليرمي عنه وينتسب إليه فأبى. فأنكر عليه بعض أصحابه ذلك فقال: يكفيني افتخاراً أن كل رام في الدنيا رمى الخليفة إلا أنا! والعجم ينسبون إلى الناصر أنه هو الذي راسل التتار وجرّأهم على البلاد، وهذه المصيبة العظمى إن كانت! خلافة الظاهر بأمر الله هو أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله، وهو الخليفة الخامس والثلاثون من الخلفاء العباسيين. بويع له البيعة العامة بعد وفاة والده الناصر لدين الله في شوال سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وكان قد خلع من ولاية العهد وقطعت خطبته كما تقدم، وإنما فعل ذلك أبوه لميله إلى ولده الصغير، فلما مات اضطر إلى إعادته لولاية العهد.","part":6,"page":362},{"id":2868,"text":"قال: ولما ولِيَ الخلافة أظهر العدل والإحسان وأمر بإبطال المظالم وكف الأيدي عن الناس، وأعاد على الناس ما كان أبوه قد اغتصبه من أموالهم وأملاكهم، وأبطل المكوس والحوادث. فمن ذلك أن المخزن كان له صنجة للذهب تزيد على صنجة البلد نصف قيراط في الدينار، فيقبضون بها المال ويصرفون بصنجة البلد، فسمع بذل فخرج خطه للوزير أوله: \" ويل للمطففين \" إلى قوله \" ليوم عظيم \" قد بلغنا الأمر كذا وكذا فتعاد صنجة المخزن إلى الصحيحة المتعامل بها. فكتب إليه بعض النواب يقول: \" إن هذا نبلغ كبير وقد حسبناه فكان في السنة الماضية خمسة وثلاثين ألف دينار \" فأعاد عليه الجواب بالإنكار ويقول: لو كان ثلاثمائة ألف دينار وخمسين ألفاً يطلق،! وأطلق زيادة صنجة الديوان وهي في كل دينار حبة، وتقدم إلى القاضي أن كل من عرض كتاباً قديماً بمِلْكٍ صحيح يعيده إليه من غير إذنه. وأقام رجلاً صالحاً لولاية الحشري وبيت المال وكان حنبلياً فقال: إن مذهبي أن أُورث ذي الأرحام فإن أذن أمير المؤمنين أن أفعل ذلك وليِتُ وإلا فلا! فقال أعط كل ذي حق حقه واتّق الله ولا تتّق سواه! وأبطل مطالعات حراس الدروب ببغداد بأخبار الناس وقال \" لا يُكتب إلينا إلا فيما يتعلق بمصالح دولتنا \" .\rومنه أنه لما ولي الخلافة وصل صاحب الديوان من واسط وكان وُجّه في خلافة الناصر لتحصيل الأموال، فأحضر ما يزيد على مائة ألف دينارٍ وطالع بذلك، فأعاد الخليفة الظاهر الجواب بإعادة المال إلى أربابه، فأُعيد إليهم. وأطلق مَنْ كان في السجون وأمر أن يُحمل إلى القاضي عشرة آلاف دينار يوفي بها دين مَنْ هو في سجن الحاكم على شيء يعجز عنه. وتصدّق في ليلة عيد الفطر وفرّق في العلماء وأهل الدين مائة ألف دينار، ولم تطُل مدّته في الخلافة.\rوكانت وفاته في رابع عشر رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة، فكانت مدة خلافته منذ أفضى إليه الأمر تسعة أشهر وأربعة عشر يوماً. قال: وأخرج قبل وفاته توقيعاً بخطه إلى الوزير ليقرأه على أرباب الدولة مقال الرسول. إن أمير المؤمنين يقول ليس غرضاً أن يقال برز موسومٌ أو نفذ مثال لا يبين له أثر، بل أنتم إلى أمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوّال! فقرأ المرسوم فإذا فيه بعد البسملة \" اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالاً ولا إغضاؤنا إغفالاً ولكن نبلوكم أيكم أحسن عملاً، وقد غفرنا لكم ما سلف من إخراب البلاد وتسريد الرعايا وتقبيح الشنعة وإظهار الباطل الجليّ في البلاد وتشريد الحَسَن الخفيّ حيلة ومكيدة، وتسمية الاستئصال والاحتياج استيفاءً واستدراكاً لأغراض انتهزتم فرصتها مختلسة من براثن ليثٍ باسل وأنياب أسد مهيب، تتفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحدٍ، وأنتم أمناؤه وثقاته فتميلون إلى هواكم، وتمزجون باطلكم بحقّه فيطيعكم وأنتم له عاصون، ويوافقون وأنتم له مخالفون. والآن فقد بدل الله سبحانه بخوفكم أمناً، وبفقركم غنىً، وبباطلكم حقاً. ورزقكم سلطاناً يُقيل العَثرة ولا يؤاخذ إلا من أصرّ، ولا ينتقم إلا ممن استمر، يأمركم بالعدل وهو يريده منكم وينهاكم عن الجَور وهو يكرهه لكم، يخاف الله تعالى فيخوفكم مكْره ويرجو الله تعالى ويرغبكم في طاعته فإن سلكتم مسالك نواب خلفاء الله في أرضه وأمنائه على خلقه وإلا هلكتم، والسلام \" قال: ووجد في داره رقاع مختومة لم يفتحها فقيل له: ما عليك لو فتحتها! فقال: لا حاجة لنا فيها كلها سعايات! خلافة المستنصر بالله هو أبو جعفر المنصور ولُقّب في خلافته بالمستنصر بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد، وهو الخليفة السادس والثلاثون من الخلفاء العباسيين. بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه الظاهر بأمر الله في رابع عشر شهر رجب ثلاثٍ وعشرين وستمائة، فسلك من العدل والخير والإحسان مسلك والده، ونادى بإفاضة العدل وأن يطالع الناس بحوائجهم. ولما كان أول جمعة أتت في خلافته أراد أن يصلي الجمعة في المقصورة التي يصلي فيها الخلفاء فقيل له إن المطبق الذي يسلُك إليها فيه خَراب لا يُسلك فركب فرساً وسار إلى الجامع ظاهراً للناس بخادم وركاب دار وعليه قميص أبيض وعمامة بيضاء بسكاكين حرير، ولم يترك أحداً يمشي في خدمته. وكذلك فعل في الجمعة الثانية حتى صلح المطبق!","part":6,"page":363},{"id":2869,"text":"وفي سنة خمس وثلاثين وستمائة كانت وقعةٌ بين التتار وعساكر الخليفة، وكان مقدم العسكر الحليفتي جمال الدين بكلك الناصري. وقتل من الطائفتين خلق كثير، فانهزم عسكر الخليفة وهو أول مصاف كان بين التتار وعسكر الخليفة، ودامت أيام المنتصر إلى سنة أربعين وستمائة.\rوكانت وفاته بكرة يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة منها، وكان سبب وفاته أنه فُصِد بمبضعٍ مسموم فتُوفي. وكانت مُدّة خلافته سبع عشرة سنة إلا ثلاثة وثلاثين يوماً، وكان الناس في زمن خلافته في شُغلٍ شاغلٍ عن ضبط أيامه بالتاريخ، لما دهمهم من حادثة التتار. فلذلك اختصرنا أيامه وسترد أخبار التتار وخروجهم وما استولوا عليه من الممالك وما فعلوه بأهل البلاد مبيّناً عند ذكرنا للدولة الخوارزمية والجنكزخانية - إن شاء الله تعالى.\rخلافة المستعصم بالله هو أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله أبي جعفر المنصور بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله أبي محمدٍ الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين أبي العباس أحمد بن القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق بالله أبي أحمد طلحة وهو الملقّب بالناصر - ولم يلِ الخلافة - بن المتوكل علي الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن الرشيد أبي محمد هارون بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور بن محمدين علي بن عبد الله بن العباس - رضي الله عنه - بن عبد المطلب، وهو الخليفة السابع والثلاثون من الخلفاء العباسيين، بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه المستنصر بالله في يوم الجمعة لعشر خلون من جُمادى الآخرة سنة أربعين وستمائة.\rوكان متديّناً متمسكاً بمذهب السُّنّة والجماعة، وحسّن له أصحابه جمْع الأموال والاقتصار على بعض مَنْ ببغداد من الجُند، وقطْع الباقي، ومسالمة التتار وحمْل القطيعة إليهم ليكفّوا عنهم، وقالوا له: هؤلاء ملكوا معظم بلاد الإسلام ولم يقف أحدٌ من الملوك أمامهم \" ! فأذعن إلى ذلك.\rوفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة قصد التتار بغداد، حتى انتهوا إلى ظاهرها ونهبوا ما مرّوا عليه من البلاد، فخرجت إليهم العساكر الخليفتية فأجّجوا النيران بالليل ورحلوا، ودامت أيام المستعصم بالله إلى أن ملك التتار بغداد.\rمقتل المستعصم بالله\rوانقراض الدولة العباسية واستيلاء هولاكو على بغداد كان مقتله في العشرين من المحرم سنة ستٍّ وخمسين وستمائة عندما استولى هولاكو على بغداد على ما نذكره إن شاء الله في أخبار التتار. ولما ملك هولاكو بغداد أحضر الخليفة المستعصم بالله وأمر أن يُجعل في عِدلٍ ويُداس بأرجل الخيل حتى يموت، ففعل به ذلك ومن عادة التتار أن لا يسفكوا دماء الملوك والأكابر، وسبَى كل من حواه قصر الخلافة من الحريم، واستولى على ذخائر الخلفاء، ونُهبت بغداد، وبذلوا السيف فيها سبعة أيام متوالية ثم رُفع في اليوم الثامن. وكانت خلافة المستعصم بالله خمسة عشر سنة، وسبعة أشهر، وعشرة أيام. وكان الذي بعث هولاكو على قصد بغداد أن الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي كان شيعياً والشيعة يسكنون بالكرخ وهي محلة مشهورة بالجانب الغربي من بغداد، فأحدث أهلها حدَثاً فأمر الخليفة ينهبِهم فنهبهم العَوام، فوجِد الوزير لذلك وكاتب هولاكو، وأخذ في التدبير على الخليفة وقطع أرزاق الجند، وأضعفَهم حتى تمكّن التتار من أخذ البلاد.\rقال: ولما فتح هولاكو بغداد وأحضر الوزير المذكور فقال: كيف كانت حالك مع الخليفة؟ فذكر ما كان عليه من التقدّم ونفاذ الكلمة وكثرة الأتباع وأنه كان يركب في جمعٍ عظيم، فقال: إذا كان هذا فعلك في حق من قدمك وأحسن إليك كيف يكون منك معنا؟ وأمر بقتله. وقيل استبقاه وأنّ امرأته رأته في يوم وهو على برذون ليس معه أحد فنظرت إليه وقالت: يا ابن العلقمي هكذا كنت في أيام أمير المؤمنين؟ أخبار خلفاء الدولة العباسية بالعراق ومن ولى منهم ومدة خلافتهم","part":6,"page":364},{"id":2870,"text":"ولي منهم بالعراق سبعة وثلاثون خليفةً وهم: أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وهو السفاح، ثم المنصور أبو جعفر عبد الله أخوه، ثم المهدي أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور، ثم ابنه الهادي أبو محمد موسى، ثم أخوه الرشيد أبو محمد هارون، ثم ابنه الأمين أبو عبد الله محمد، ثم أخوه المأمون أبو العباس عبد الله، ثم أخوه المعتصم بالله أبو إسحاق محمد بن الرشيد وهو أول مَنْ أضاف إلى لقبه اسم الله عز وجل، ثم ابنه الواثق بالله أبو جعفر هارون، ثم أخوه المتوكل على الله أبو الفضل جعفر، ثم ابنه المنتصر بالله أبو جعفر محمد، ثم المستعين بالله أبو العباس أحمد بن المعتصم بالله، ثم المعتز بالله أبو عبد الله محمد بن المتوكل، ثم المهتدي بالله أبو عبد الله محمد بن الواثق، ثم المعتمد على الله أبو العباس أحمد بن المتوكل على الله، ثم المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفق طلحة بن المتوكل، ثم المكتفي بالله أبو محمد علي بن المعتضد، ثم المقتدر بالله أبو الفضل جعفر بن المعتضد وخلع مرتين فالأولى بويع لابن المعتز والثانية بويع للقاهرة، ثم القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد، ثم الراضي بالله أبو العباس أحمد بن المقتدر، ثم المتقي لله أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر، ثم المستكفي بالله أبو القاسم عبد الله بن المكتفي، ثم المطيع لله أبو القاسم الفضل بن المقتدر، ثم الطائع لله أبو بكر عبد الكريم بن المطيع، ثم القادر بالله أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر، ثم القائم بأمر الله أبو جعفر عبد الله بن القادر، ثم المقتدي بأمر الله أبو القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين أبي العباس أحمد بن القائم، ثم المستظهر بالله أبو العباس أحمد بن المقتدي، ثم المسترشد بالله أبو منصور الفضل بن المستظهر، ثم الراشد بالله أبو العباس جعفر المنصور بن المسترشد، ثم المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر، ثم المستنجد بالله أبو المظفر بن المقتفي ثم ابنه المستضيء بأمر الله أبو محمد الحسن، ثم ابنه الناصر لدين أبو العباس أحمد، ثم ابنه الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد، ثم ابنه المستنصر بالله أبو جعفر المنصور، ثم ابنه المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله.\rوكانت مدة خلافتهم منذ بويع أبو العباس السفاح وإلى أن قتل المستعصم بالله خمسمائة وثلاثاً وعشرين سنة وعشرة أشهُرٍ وستة أيامٍ وانقرضت الدولة العباسية وانقطعت دعوتهم من سائر أقطار الدنيا ثلاث سنين وخمسة أشهرٍ وعشرين يوماً إلى أن عادت بالديار المصرية المحروسة في الدولة الظاهرية.\rذكر عود الدولة العباسية وقيامها بالديار المصرية المحروسة خلافة المستنصر بالله هو أبو العباس أحمد بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد، بويع له بالخلافة بالديار المصرية في التاسع من شهر رجب سنة تسع وخمسين وستمائة. وذلك أنه وصل إلى الديار المصرية في هذا اليوم، فركب السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس للقائه في موكب مشهودٍ، وأنزله بقلعة الجبل وأمر بإثبات نسبه. وحضر الأمراء والوزير وقاضي القُضاة ونوّاب الحُكم والفقهاء والصلحاء وأكابر المشايخ وأعيان الصوفية واجتمعوا بقاعة العمد بقلعة الجبل وأمر السلطان بإحضار العُربان الذين حضروا مع الخليفة فحضروا وحضر خادم من البغاددة فسئلوا عنه هل هو أحمد بن الظاهر قالوا أنه هو! فشهد جماعة من القضاة الأكابر بالاستفاضة وهم: جمال الدين يحيى نائب الحكم بمصر والفقيه علم الدين ابن رشيق صدر الدين مرهوب الجزري ونجيب الدين الحراني، وسديد الدين التزمنتي نائب الحكم بالقاهرة أنه هو فأَسجل قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن الأغر وحلف على نفسه بثبوت نسبه وهو قائم على قدميه، ولقّب المستنصر بالله على اسم أخيه. وبايعه السلطان على كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وأخذِ الأموال بحقها وصرفها في مستحقها، ثم بايعه الناس على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم.","part":6,"page":365},{"id":2871,"text":"ولما تمّت بيعته قلّد السلطان البلاد الإسلامية وما يضاف إليها وما يفتحه الله تعالى على يديه من البلاد، وكتب السلطان إلى سائر الأعمال بأخذ البيعة له، وأن يُخطب باسمه على المنابر، وتُنقَش السكّة باسمه واسم السلطان. وخطب الخليفة بالناس في يوم الجمعة السابع عشر من شهر رجب بجامع القلعة، ونُثرت عليه الدنانير والدراهم، وخلع على السلطان وطوقه يوم الاثنين.\rواستخدم السلطان للخليفة من يحتاج إليه من أرباب الوظائف فجعل الأمير سابق الدين بوزبا أتابك العسكر، وكتب له بألف فارس وجعل الطواشي بهاء الدين صندل شرابيا وكتب له بخمسمائة فارس والأمير ناصر الدين محمد بن صريم خزندارا وكتب له بمائتي فارس، والأمير نجم الدين أستاذ الدار وكتب له بخمسمائة فارس، والأمير سيف الدين بلبان الشمسي دواداراً وكتب له بخمسمائة فارس. وأمر جماعة من العربان بالطبلخانات واشترى للخليفة مائة مملوك جعلهم جمدارية وسلحدارية وأعطى كلاً منهم ثلاثة أرؤس خيل وجملاً لعدته. واستخدم له صاحب ديوان وكُتّاب إنشاء وأئمة ومؤذنين وحكماء وجرائحية، وغلماناً. وكمّل له البيونات وجهّوه وجهّز معه ملوك الشرق الذين كانوا قد وصلوا إلى السلطان وهم: الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك الرحيم صاحب الموصل، وكتب له بالموصل وولاياتها ورساتقها ونصيبين وولاياتها، وداراً وأعمالها، والقلاع العمادية وبلادها، وغير ذلك مما جاوره. وكتب للملك المجاهد سيف الدين إسحاق أخيه بلاد الجزيرة، وكتب للملك المظفر علاء الدين على سنجار وأعمالها التي كانت بيده. وأرسل إليهم الطبلخانات والسناجق، وتقدم إليهم بسفرهم صُحْبته إلى الشام ليُجَهِزَهم إلى مستقرهم صحبة الخليفة.\rمسيره إلى بلاد الشرق\rوقتله قال: وتوجه الخليفة والسلطان والملوك إلى الشام في سادس شوال من السنة، وكان مبلغ النفقة على الخليفة والملوك ألف ألف دينارٍ وستين ألف عيناً، ووصلوا إلى دمشق. ونزل الخليفة بجبل الصالحية في برية الملك الناصر، وجرد السلطان عسكراً صحبه الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي وشمس الدين سنقر الرومي وودع السلطان الخليفة والملوك وسفرهم وأوصى الرشيدي والرومي ومن معهما أن يقيموا بجهة حلب وبر الفرات ومتى طلبهم الخليفة ساروا إليه.\rوسار الخليفة إلى دمشق وعبر الفرات - ولم يتأنّ في أمره - فوصل عانة والحديثة. فخرج عليه مقدم من مقدمي التتار اسمه أورداي ومعه تمانا، فالتقوا واقتتلوا فاستشهد الخليفة، وقتل أكثر من كان معه.\rوأما عن الملك الصالح فإنه دخل الموصل وملكها واستقرّ بها، فسار إليه أورداي المذكور وحاصره، وملك البلد، وصلَبه هو وابنه على باب الموصل، وانهزم أخواه الملك المجاهد والمظفر عليّ إلى الديار المصرية، فأقاما بها إلى أن ماتا في الدولة المنصورية السيفية، رحمهما الله.\rوانقضت الخلافة، وانقرضت الدولة العباسية ثانية من سائر الأرض، وتعطّلت المنابر من ذكر دعوتهم إلى أن عادت بالديار المصرية أيضاً ببيعة الخليفة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد.\rخلافة الحاكم بأمر الله هو أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسن بن أبي بكر بن الحسن بن علي الفتى بن الحسن بن الخليفة الراشد بالله بن جعفر المنصور بن المسترشد بالله وقد تقدم نسبه مستوفى. بويع له بالخلافة بالديار المصرية في يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين وستمائة. وذلك أنه وصل إلى الديار المصرية في سنة ستين وستمائة، فلما كان في هذا اليوم جلس السلطان الملك الظاهر مجلساً عاماً، وحضر الخليفة راكباً إلى الإيوان الكبير بقلعة الجبل. وجلس إلى جانب السلطان. وبايعه بعد ثبوت نسبه كما بايع المستنصر، ثم قلّد السلطان أمور البلاد والجيوش. وبايعه الناس على اختلاف طبقاتهم، وكان ذك بحضور الرسل ومن وفد من التتار.\rوخطب يوم الجمعة بجامع القلعة، ثم خطب مرةً ثانية في ثامن عشر شعبان بحضور رسل بركة، ودعا للسلطان وللملك بركة وصلى بالناس. وحُجب السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري من البرج وأسكنه بالمناظر الصالحية المعروفة بالكبش ووسّع عليه في رزقه ورزق أولاده.","part":6,"page":366},{"id":2872,"text":"وحجّ في هذه السنة ورجع، فكان بالمناظر إلى أن مات. وكانت وفاته في الثامن عشر من جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة في دولة السلطان الملك الناصر الثانية وصلى عليه الشيخ كريم الدين عبد الكريم الأبُلِّي الصوفي - شيخ الصوفية بمشهد السيدة نفيسة - ودفن بجوار المشهد. وكانت مدة خلافته أربعين سنة وأربعة أشهر، وستة عشر يوماً. وهو أول خليفة دُفن بمصر من الخلفاء العباسيين، رحمه الله.\rخلافة المستكفي بالله هو أبو الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله وهو الثالث من خلفاء بني العباس بمصر، والخليفة الأربعون من خلفائهم. بويع له يوم وفاة والده الحاكم بأمر الله في الثامن عشر من جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة وخُطب له على المنابر وحضر مع السلطان الملك الناصر مصافّ مرْج الصُّفر الذي انهزم فيه التتار في ثاني شهر رمضان سنة اثنتين وسبعمائةٍ.\rواستمر في صحبة السلطان، يركب معه إلى الصيد وإلى الميدان، ويلعب الكرة. وسكن بمناظر الكبش وغيرها من المساكن الحسنة المُتْرفة على نهر النيل، ورتّب له من النفقات والكساوي وغير ذلك ما يحتاج إليه هو ومن عنده. وكذلك رتّب لابن أخيه إبراهيم، ولم يحجر السلطان عليهما، بل يركب كل منهما متى شاء ويزور من شاء.\rالباب الخامس من القسم الخامس من الفن الخامس\rالدولة الأموية ببلاد الأندلس\rكان ابتداء هذه الدولة في سنة ثمانٍ وثلاثين، وقيل تسع وثلاثين ومائةٍ، في خلافة أبي جعفر المنصور الثاني من الخلفاء العباسيين، وأول من ملك بلاد الأندلس من بني أمية أبو المظفر عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان. وقيل كنيته أبو المطرّف، وقيل أبو سليمان، وقيل أبو زيد، وأمه بربرية من سبْي أفريقية واسمها راح ولقّب عبد الرحمن بالداخل عند دخوله. وكان استيلاء عبد الرحمن على الأندلس في سنة ثمانٍ وثلاثين ومائة. وقيل تسع وثلاثين. وكان سبب دخوله إليها واستيلائه عليها أنه لما قتل مروان بن محمد، وانقرضت الدولة الأموية، وقتل من قتل من بني أمية، وتشتتوا في البلاد.. .. كان عبد الرحمن هذا بذات الزيتون ففرّ منها إلى فلسطين، فأقام بها هو ومولاه بدرٌ يتجسّس له الأخبار، فحكى عنه أنه قال: \" لما أُعطينا الأمان ثم نُكث بنا بنهر أبي فُطرس أتاني الخبر وكنت منتبذاً عن الناس. فرجعت إلى منزلي آيساً ونظرت فيما يصلحني وأهلي، وخرجت خائفاً حتى صرت إلى قرية على الفرات ذات شجر وغياض. فبينا أنا ذات يوم فيها وولدي سليمان يلعب بين يدي - وهو يومئذ ابن أربع سنين - فخرج عني ثم دخل ليَّ باكياً فزعاً، فتعلق بي وجعلت أدفعه، وخرجت لأنظر فإذا بالخوف قد نزل بالقرية والرايات السود منحطة عليها وأخٌ لي حَدَثٌ يقول لي: النجاة النجاة! فأخذت دنانير معي ونجوت بنفسي وأخي وأعلمت أخواتي بمقصدي وأمرتهن أن يُلحقنني مولاي بدراً - قال - وأحاطت الخيل بالقرية فلو يجدوا لي أثراً. فأتيت رجُلاً من معارفي وأمرته فاشترى لي دوابّ وما يصلحني فدلّ عليّ عبدٌ له العاملَ، فأقبل خيله يطلبني فخرجنا على أرجلنا والخيل تبصرنا، فدخلنا الفرات فسبحنا فنجوت أنا والخيل ينادون بالأمان وأنا لا أرجع وأما أخي فإنه عجز عن السباحة في نصف الفرات فرجع إليهم بالأمان، فقتلوه وأنا أنظر إليه وهو ابن ثلاث عشرة سنة فاحتملت ثُكله ومضيت وتواريت في غَيضة حتى انقطع الطلب عني. وخرجت فقصدت المغرب فبلغت أفريقية، ثم ألحقتني أختي أم الإصبع مولاي بدراً بنفقةٍ وجوهرٍ.\rقال المؤرخ: ولما بلغ أفريقية كان بها عبد الرحمن بن حبيب الفهري عاملاً لمروان بن محمد، فظنّ عبد الرحمن بن معاوية أن ابن حبيب يرعاهم ويحوطهم ويحسن مجاورتهم. فلما علم ابن حبيب أن مروان قد قتل وأن أهله وولده قد تفرقوا وأن رجاله قد استأمنوا إلى أعمال أبي العباس السفاح طلب لنفسه السلامة، وكتب بالسمع والطاعة، وأراد قتل عبد الرحمن بن معاوية ومن معه والتقرب بهم إلى عمال السفاح. وأرسل في طلبه فهرب منه وأتى مكناسة وهي قبيلة من البربر وعندهم شدة، ثم هرب منهم وأتى نفراوة وهم أخواله. وقيل أتى قوماً من الزناتيين فأحسنوا قبوله فيهم وأخذوا في التدبير والمكاتبة إلى الأمويين من أهل الأندلس يعلموهم بقدومه ويدعونهم إلى عبد الرحمن.","part":6,"page":367},{"id":2873,"text":"ووجه بدراً مولاه إليهم، وكان أمير الأندلس يومذاك يوسف بن عبد الرحمن الفِهْري فسار بدر إليهم وأعلمهم حال عبد الرحمن ودعاهم إليه فأجابوه، ووجّهوا إليه مركباً فيه تمّام بن علقمة ووهب بن الأصفر وشاكر بن أبي الأسمط، فوصلوا إليه وأبلغوه طاعتهم، وأخذوه ورجعوا به إلى الأندلس فأرسى بالمركب بالجزيرة في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائة. فأتاه جماعة من رؤسائهم من أهل إشبيلية، ثم انتقل إلى كورة ريّة فبايعه إبراهيم بن شجرة عاملها. ثم سار إلى إشبيلية فبايعه أبو صالح يحيى بن يحيى، ونهض إلى قرطبة فبلغ خبره يوسف بن عبد الرحمن وكان غائباً عن قرطبة بنواحي طليطلة، فأتاه الخبر وهو راجعٌ إلى قرطبة فتراسل هو ويوسف في الصلح فخادعه، فلم يشك أصحاب يوسف في انتظام الصُّلح وذلك في يومين أحدهما يوم عرفة، فأقبل يوسف في إعداد الطعام ليأكله الناس في يوم الأضحى وعبد الرحمن يرتّب خيله ورجله وعبر النهر في أصحابه.\rوأنشب القتال ليلة الأضحى، وصبر الفريقان حتى ارتفع النهار، وركب عبد الرحمن على بغلة وأسرع في القتْل في أصحاب يوسف فانهزم وظفر عبد الرحمن بن معاوية. ولما انهزم يوسف أتى مارِدة وأتى عبد الرحمن قرطبة، وأخرج حشَم يوسف وأهله من القصر على تؤدة ورفق، ودخله بعد ذلك. ثم سار في طلب يوسف، فلما أحس به يوسف سار إلى قرطبة فدخلها وملك قصرها، وأخذ جميع أهله وماله، ولحق بمدينة إلْبيرة. ورجع عبد الرحمن إلى قرطبة فلم يجده فسار إلى إلبيرة، وتراسلا في الصلح فاصطلحا على أن ينزل يوسف هو ومن معه بأمانٍ وأن يسكن مع عبد الرحمن بقرطبة ويرهنه يوسف ابنه أبا الأسود محمداً وسار يوسف مع عبد الرحمن إلى قرطبة فلما دخل قرطبة تمثل:\rفبينا نسوس الناسَ والأمْر أمرُنا ... إذا نحن فيهم سُوقة تتنصّف\rقال: واستقر عبد الرحمن بقرطبة وبني القصر والمسجد الجامع، وأنفق فيه ثمانين ألف دينارٍ، ومات قبل تمامه.\rمقتل عبد الرحمن بن يوسف الفهري قال: وفي سنة إحدى وأربعين ومائة نكث يوسف عبد الرحمن الفهري، وكان سبب ذلك أن عبد الرحمن كان يضع عليه مَنْ يُهينه وينازع في أملاكه، فإذا اظهر حُجّته الشرعية لا يُعمل بها، ففطن لما يراد منه. فقصد مارِدة واجتمع عليه عشرون ألفاً فسار نحو عبد الرحمن، وخرج عبد الرحمن من قرطبة نحوه إلى حصن المدور ثم رأى يوسف أن يسير إلى عبد الملك ابن عمر بن مروان - وكان والياً على إشبيلية وإلى ابنه عمر بن عبد الملك وكان على المُدوَّر - فسار نحوهما فخرجا إليه واقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم أصحاب يوسف، وبقيَ متردّداً في البلاد فقتله بعض أصحابه في شهر رجب سنة اثنتين وأربعين ومائة بنواحي طليطلة وحُمل رأسه إلى عبد الرحمن بن معاوية فنصبه بقرطبة وقتل ابنه عبد الرحمن بن يوسف الذي كان عنده رهينةً ونصب رأسه مع رأس أبيه وبقي ابنه الأسود عند عبد الرحمن.\rوفي سنة ثلاث وأربعين ومائة ثار رِزق بن النعمان الغَسَّاني وكان على الجزيرة الخضراء. فاجتمع إليه خلق كثير، فسار إلى شَذُونة فملكها ودخل مدينة إشبيلية. وعاجله عبد الرحمن بها وضيّق على مَنْ فيها، فتقربوا إليه بتسليمه له. وأمَّنهم ورجع عنهم.\rوفي سنة أربع وأربعين ومائة ثار هشام بن عذرة الفهري وهو من بني عمِّ يوسف بن عبد الرحمن الفهري بطليطلة فحاصره الأمير عبد الرحمن وشدّد عليه الحصار فمال إلى الصلح وأعطاه ابنه أفلحَ رهينةً فأخذه عبد الرحمن ورجع إلى قرطبة. ثم عاد هشام وخلع عبد الرحمن، فعاد إليه وحاصره ونصب المجانيق عليها إلى على طليطلة فلم يؤثر فيها لحصانتها فقَتَلَ ابنه أفلح ورمى برأسه إلى أبيه في المنجنيق ورحل إلى قرطبة. ولم يظفر بهشام في هذه السنة واستمر إلى سنة سبع وأربعين ومائة فبعث عبد الرحمن مولاه برداً وتمام بن علقمة فحصرا طليطلة وضيّقا على هشام ثم أسراه هو وحيوة بن الوليد اليحصُبي وعثمان بن حمزة بن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأتى بهم إلى عبد الرحمن بن معاوية في جباب صوف وقد حلقت رؤوسهم ولحاهم، وركبوا الحمير وهم في السلاسل، فصلبهم بقرطبة! خروج العلاء وقتله","part":6,"page":368},{"id":2874,"text":"وفي سنة ست وأربعين ومائة سار العلاء بن مغيث اليحصُبي من أفريقية إلى مدينة باجة من الأندلس، وليس السواد وقام بالدعوة العباسية. وخطب لأبي جعفر المنصور، واجتمع إليه خلْقٌ كثير. فخرج إليه الأمير عبد الرحمن فالتقيا بنواحي إشبيلية وتحاربا زماناً، فانهزم العلاء وأصحابه، وقُتل في المعركة سبعة آلاف فارس وقُتل العلاء، فأمر عبد الرحمن بعض التجار بحمل رأسه ورؤوس أصحابه إلى القيروان وإلقائها في السوق سِراً ففعل ذلك. ثم حُمل منها إلى مكة ومعه أسود فوصلت والمنصور بمكة ومعه كتاب كان المنصور قد كتبه إلى العلاء.\rوفي سنة سبع وأربعين ومائة قدم رسول عبد الرحمن الذي أرسله إلى الشام في إحضار ولده الأكبر سليمان، وحضر معه سليمان.\rخروج سعيد اليحصبي المعروف بالمطري وقتله قال: وكان خروجه في سنة ثمانٍ وأربعين ومائة بمدينة لبلة من الأندلس وسبب ذلك أنه سكر يوماً، فتذكّر من قتل من قومه اليمانية مع العلاء، فعقد لواء فلما صحا رآه معقوداً، فسأل عنه فأخبروه فأراد حلّه ثم قال: ما كنت لأعقد لواءً ثم أحلّه بغير شيء وشرع في خلاف، فاجتمعت اليمانية إليه وقصد إشبيلية وتغلّب عليها وكثُر جمعه، فبادره عبد الرحمن في جموعه. فامتنع المطري في قلعة زعواق لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول فحصره بها وضيق عليه، ومنه أهل الخلاف من الوصول إليه.\rوكان قد وافقه على الخلاف علقمة اللخمي وكان بمدينة شَذُونة وقد انضاف إليه جماعة من رؤساء القبائل وهم يريدون إمداد المطريّ في جمْع كثيرٍ. فلما سمع عبد الرحمن بذلك سيّر إليهم بدْراً مولاه في جيشٍ فحال بينهم وبين المطريّ، وطال الحصار وقلّت رجاله بالقتل، وفارقه بعضهم. فخرج يوماً من القلعة فقاتل فقُتل وحُمل رأسه إلى عبد الرحمن، فقدّم أهل القلعة عليهم خليفة بن مروان، فدام الحصار عليها. فأرسل أهلها يطلبون الأمان من عبد الرحمن على أن يسلموا إليه خليفة فأجابهم إلى ذلك، وتسلّم الحِصْن وخرّبه وقتل خليفة وخلْقاً كثيراً ممّن معه ثم انتقل إلى غِياثٍ الأزدي وكان مِمّن وافق المطريّ على الخلاف فحصره ومِنْ معه وضيّق عليهم فطلبوا الأمان فأمّنهم إلا نفراً فقبض عليهم، وعاد إلى قرطبة فلما عاد إليها خرج عليه عبد الله بن خراشة الأسدي بكورة جيّان واجتمع إليه جموع فأغار على قرطبة فسيّر إليه عبد الرحمن جيشاً فتفرق جمعه، فطال الأمان فأمّنه ووفى له.\rوفي سنة تسع وأربعين ومائة أغزى عبد الرحمن مولاه بدراً إلى بلاد العدو فأخذ الجِزية منهم.\rوفيها عزل عبد الرحمن أبا الصباح حَيّ بن يحيى عن إشبيلية فدعاه إلى الخلاف، فخدعه عبد الرحمن حتى حضر عنده فقتله.\rوفيها خرج غياث بن المسيّر الأزدي، فخرج إليه عامل عبد الرحمن وقاتله فانهزم غياثٌ ومنْ معه، وقُتل وحُمل رأسه إلى عبد الرحمن بقرطبة.\rوفيها أمر عبد الرحمن ببناء سور مدينة قرطبة.\rأخبار شقنا بن عبد الواحد وخروجه بالأندلس كان خروجه بشرق الأندلس في سنة إحدى وخمسين ومائة وكان من بربر مكناسة يعلّم الصبيان وكانت أمّه تُدعى فاطمة فادّعى أنه من ولد فاطمة رضي الله تعالى عنها وأنه من ولد الحسين، وتُسمّى بعبد الله بن محمد وسكن شنتبرية واجتمع عليه خلق كثير من البربر وعظُم أمرُهُ فسار إليه عبد الرحمن فلم يقف له وزاغ في الجبال، فكان إذا أمن انبسط وإذا خاف صعد الجبال حيث يصعُب طلبه. فاستعمل عبد الرحمن على طليطلة حبيب بن عبد الملك، واستعمل حبيب على شنتبرية سليمان بن عفان بن مروان بن أبان بن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وأمر بطلب شقنا فنزل شقنا إلى سليمان فقتله. واشتدّ ذِكر شقنا وطار اسمه، وغلب على ناحية قورية. وأفسد في الأرض، فعاد عبد الرحمن وغزاه في سنة اثنتين وخمسين ومائة بنفسه، فلم يثبت له شقنا، فأعياه أمره فعاد عنه، وسير إليه في سنة ثلاثٍ وخمسين بدراً مولاه، فهرب شقنا وأخلى حصنه شيطران، ثم غزاه عبد الرحمن بنفسه في سنة أربع وخمسين فلم يثبت له، فعاد عنه وبعث لحرْبه أبا عثمان عبد الله بن عثمان فخدعه شقنا وأفسد عليه جنده. فهرب عبد الله وغنم شقنا عسكره، وقتل جماعة من بني أمية كانوا في العسكر وذلك في سنة خمس وخمسين ومائة.","part":6,"page":369},{"id":2875,"text":"وسار شقنا إلى حصن الهواريين وبه عامل لعبد الرحمن فمكر به شقنا حتى خرج إليه، فقتله وأخذ خيله وسلاحه وما كان معه. ولم يزل شقنا كذلك وعبد الرحمن يغزوه تارة بنفسه وتارة بجيوشه إلى سنة ستين ومائة فاغتاله أبو معْن وأبو خرَيم وهما من أصحابه، فقتلاه وأخذا رأسه ولحقا بعبد الرحمن واستراح الناس من شره! عصيان أهل إشبيلية على الأمير عبد الرحمن قال: وفي سنة خمس وخمسين ومائة خرج أهل إشبيلية عن الطاعة مع عبد الغفار وحيوة بن مُلابِس، وكان عبد الرحمن قد خرج من قرطبة لحرب شنقا واستخلف عليها ابنه سليمان فأتاه كتابه بخروجهم عن طاعته وعصيانهم عليه واتّفاق من بها من اليمانية على ذلك. فرجع عبد الرحمن إليها ولم يدخل قرطبة، وهاله ما سمع من اجتماعهم وكثرتهم، فقدّم ابن عمه عبد الملك بن عمر، فلما قارب عبد الملك إشبيلية قدّم ابنه أُمية ليُعلِمه حالهم، فرآهم متيقظين فرجع إلى أبيه فلامه أبوه على رجوعه وإظهار الوهن، فضرب عنقه وجميع بنيه وخاصّته وقال: طردنا من المشرق إلى الأقصى هذا الصُّقْع ونُحسد على لقمة تبْقِي الرمق، اكسروا جُفون سيوفكم فالموت أولى أو الظفر! ففعلوا، وحمل أمامهم فهزم اليمانية وأهل إشبيلية قلم يَقُم بعدها لليمانية قائمةٌ.\rوجُرح عبد الملك وبلغ الخبر عبد الرحمن فأتاه وجُرحه يجري دماً وسيفُه يقطر وقد لصقت يده بقائمة سيفه، فقبَّل بين عينيه وجزاه خيراً وقال له: يا ابن عم قد أنكحتُ ابني وليَّ عهدي هشاماً ابنتك فلانة وأعطيتها كذا وكذا، وأعطيتك كذا وكذا، وأولادك كذا وكذا، وأقطعتُك وإياهم كذا وكذا، ووليتك الوزارة! وعبد الملك هذا هو الذي ألزم عبد الرحمن بقطْع خطبة المنصور وقال له: تقطعها وإلا قتلت نفسي! وكان قد خطب له عشرة أشهر وقطعها.\rقال: وفي سنة سبع وخمسين ومائة سار عبد الرحمن إلى إشبيلية وقتل خلْقاً كثيراً مِمّن كان مع عبد الغفار، وبسبب هذه الوقعة وغِشّ العرب مال عبد الرحمن إلى اقتناء العبيد.\rوفي سنة ست وخمسين سخط الأمير عبد الرحمن على مولاه بدر لفرط إدلاله عليه، وأخذ ماله وسلب نعمته ونفاه إلى الثغور ولم يًرْع له حقوق الخدمة.\rوفي سنة ثمان وخمسين ومائة غزا الأمير عبد الرحمن مدينة قورية وقصد البربر الذين كانوا أسلموا إلى شقنا فقتل منهم خلقاً كثيراً من أعيانهم! عبور الصقلبي إلى الأندلس وما كان من أمره إلى أن قتل وفي سنة إحدى وستين ومائة وقيل سنة ستين عبر عبد الرحمن ابن حبيب الفهري المعروف بالصقلبي - ولم يكن صقلبياً وإنما سُمّي بذلك لطوله ورقته وشقرته - من أفريقية إلى الأندلس ليحارب عبد الرحمن ويدعوه إلى طاعة المهدي بن أبي جعفر المنصور. وكان عبوره في ساحل تُدمير، وكانت سليمان بن يقظان بالدخول معه، فيمن معه من البربر. فقصد سليمان والتقوا واقتتلوا، فهزمه سليمان، فعاد الصقلبي إلى تدمير، وجاء عبد الرحمن نحوه وأحرق السفن ليمنعه من الهرب، فقصد الصقلبي جبلاً منيعاً بناحية بَلَنْسِية. فبذل عبد الرحمن ألف دينار لمن يأتيه برأسه فاغتاله رجل من البربر وحمل رأسه إلى عبد الرحمن، فأعطاه ألف دينار، وكان قتله في سنة اثنتين وستين ومائة.\rوفي سنة اثنتين وستين ومائة أرسل عبد الرحمن شهيد بن عيسى إلى دُحَيّة الغساني وكان عاصياً في بعض حصون إلبيرة، فقتله وسير بدراً مولاه إلى إبراهيم بن شجرة وكان قد عصى عليه فقتله. وسير تمّام بن علقمة إلى العباس البربري - وهو في جمع البربر وأظهر العصيان - فقتله وفرق جموعه.\rوفيها سيّر جيشاً مع حبيب بن عبد الملك القرشي إلى القائد السُّلمي، وكان حسن المنزلة عند عبد الرحمن. فشرب ليلة وقصد باب القنطرة ليفتحه على سُكْرٍ، فمنعه الحرس فعاد. فلما صحا من سُكره خاف فهرب إلى طليطلة واجتمع إليه كثير ممن يريد الخلاف والثَّرّ فعاجله عبد الرحمن بإنفاذ الجيوش، فحصره في مكان كان قد تحصّن به، فطلب السلُّمي البراز فبرز إليه عبد أسود فاختلفا ضربتين فوقعا صريعين وماتا جميعاً.\rوفي سنة ثلاث وستين ومائة ظهر الأمير عبد الرحمن التَّجَهُّزَ إلى الخروج لقصد الشام لطلب الثأر من بني العباس فعصى عليه سليمان بن يقظان والحسين بن يحيى بن سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري بسرقُسْطة واشتدّ أمرهما فرجع عن ذلك وترك ما كان أظهره منه.","part":6,"page":370},{"id":2876,"text":"وفي سنة خمس وستين ومائة غدر الحسين بن يحيى بسرقسطة ونكث، فسيّر إليه عبد الرحمن غالب بن تمام بن علقمة في جُندٍ كثيف فاقتتلوا، فأسر جماعة من أصحاب الحسين فيهم ابنه عيسى، فسيّرهم إلى عبد الرحمن فقتلهم، وأقام غالب بن تمام بن علقمة يحاصر الحسين. ثم سار عبد الرحمن في سنة ست وستين إلى سرقسطة فحصرها وضايقها ونصب عليها ستة وثلاثين منجنيقاً، فملكها عَنوةً قتل الحسين أقبح قتلة، ونفى أهل سرقسطة منها ليمينٍ كانت تقدّمت منه، ثم ردّهم إليها.\rوفي سنة ست وستين ومائة قتل عبد الرحمن ابن أخته المغيرة ابن الوليد بن هشام وهذيل بن الصُّمَيْل وسمرة بن جبلة لاجتماعهم على خلْعه مع العلاء.\rمخالفة أبي الأسود محمد بن يوسف الفهري وفي سنة ثمان وستين ومائة ثار أبو الأسود محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الفهري ببلاد الأندلس. وكان من خبره أنه كان في السجن بقرطبة منذ هرب أبوه على ما تقدّم، فأظهر أنه عَميَ وصار لا يطرف عينه لشيء، وبقي دهراً طويلاً حتى صح عند عبد الرحمن ذلك. وكان في أقصى السجن سرداب يُفضي إلى النهر الأعظم يخرج منه المسجونون يقضون حوائجهم من غسل وغيره، وكان الموكلون يهملون أبا الأسود لعماه فإذا خرج من النهر يقول: من يدل الأعمى إلى موضعه! وكان مولى له بحادثه على شاطئ النهر فلا ينكر عليه.\rفواعده أن يأتيه بخيلٍ يحمله عليها فخرج يوماً ومولاه ينتظره فعبر النهر سباحة وركب الخيل ولحق بطليطلة فاجتمع إليه خلق كثير فرجع بهم إلى قتال عبد الرحمن. فالتقيا على الوادي الأحمر بقسطلونة واشتدّ القتال فانهزم ابن الفهري، وقتل من أصحابه أربعة آلاف سوى من تردّى في النهر. وأتبعه عبد الرحمن فقتل منْ لحق حتى جاوز قلعة رباح، ثم جمع أبو الأسود الرجال وعاد إلى قتال عبد الرحمن سنة تسع وستين ومائة فهلك بقرية من أعمال طليطلة. وقام بعده أخوه قاسم وجمع جمعاً فغزاه عبد الرحمن إليه بغير أمان فقتله.\rوفي سنة سبعين ومائة أمر عبد الرحمن ببناء جامع قرطبة - وكان موضعه كنيسة - وأخرج عليه مائة ألف دينار، ولم يتم بناؤه في حياته فأتمه ابنه بعده.\rوفاة عبد الرحمن وصفته وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته بقرطبة في يوم الثلاثاء لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين ومائة، وقيل توفي في غرة جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين ومائة، وهو الصحيح وصلى عليه ابنه عبد الله، وكان قد عهد إلى ابنه هشام بمدينة مارِدة والياً عليها، وابنه سليمان بطليطلة والياً عليها، فلم يحضرا موت أبيهما.\rوكان مولد عبد الرحمن بدير حنا من عمل دمشق، وقيل العلياء من ناحية تدمُر في سنة ثلاث عشرة ومائة فكان عمره تسعاً وخمسين سنة، ومدة ولايته بالأندلس ثلاثاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأربعة عشر يوماً. وكان أصهب خفيف العارضين طويل القامة نحيف الجسم أعور، وكان فصيحاً لَسِناً شاعراً حليماً عالماً حازماً، سريع النهضة في طلب الخارجين عليه. لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، ولا يكبل أموره إلى غيره، ولا ينفرد في إبرامها برأيه. وكان يُشبَّه بأبي جعفر المنصور في حزمه وشدّته وضبطه لملكه. وبنى الرصافة بقرطبة تشبهاً بجده هشام حيث بنى الرصافة بالشام، فقال: وكان عبد الرحمن من ذوي الآداب، وله شعر حسن، فمن شعره ما قاله بالأندلس يتشوق معاهده بالشام:\rأيها الراكب المُيَمَّم أرضي ... أقْرِ من بعضي السلام لبعضي\rإن جسمي كما علمْتَ بأرض ... وفؤادي كما عملت بأرض\rقُدِّر البيْن بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوني غُمضي\rقد قضى الله بالفراق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضي\rومن شعره ما قاله لما عمّر الرصافة بقرطبة، وقد رأى فيها نخلة منفردة، فقال:\rتَبدّت لنا بين الرَّصافة نخلةٌ ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل\rفقلت شبيهي في التغرُّب مثلها ... وطول اكتئابي عن بنيَّ وعن أهلي\rنشأت بأرضٍ أنت فيه غريبةٌ ... فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي\rسقتك غوادي المُزن من صوْبها الذي ... يسِحّ ويستمري السِّماكين بالوبل","part":6,"page":371},{"id":2877,"text":"وله غير ذلك من الشعر، وسار أحسن سيرة وكان نقش خاتمه \" بالله يثق عبد الرحمن ويعتصم \" . وكان له من الأولاد الذكور أحد عشر ولداً وهم أيوب الشامي ولد بالشام، وسليمان وهشام ولي عهده وهو الوالي بعده وُلد بالأندلس، وعبد الله وله ببلنسية وعرب بالبلنسي ومسلمة المعروف بكليب وأمية، ويحيى، والمنذر، وسعيد الخير، ومحمد، والمغيرة، وتسع بنات.\rحاجبه: تمام بن علقمة وغيره.\rكتّابه: أبو عثمان، وعبد الله بن خالد، وغيرهما.\rقضاته: يحيى بن يزيد التجيبي ومعاوية بن يوسف الحضرمي، وعمر بن شراحيل، وعبد الرحمن ابن طريف اليحصبي.\rإمارة هشام هو أبو الوليد هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان وأمه أم ولد واسمها حوراء وهو الثاني من ملوك بني أمية بالأندلس. بويع له في جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين ومائة عند وفاة أبيه، وقيل في يوم الثلاثاء لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين ومائة والله أعلم. وكان بمارِدة متولياً عليها - كما ذكرنا - وكان أبوه قد عهد إليه قبل وفاته، وقدّمه على سليمان وهو أكبر منه لأنه كان يتوسّم فيه الشهامة، فلذلك عهد إليه فبايع له أخوه عبد الله وكتب إليه بنعي أبيه ويعزيه به ويعرفه أنه بايع الناس له فلما وصل إليه الكتاب سار من ساعته إلى قرطبة فدخلها في ستة أيام، واستولى على المُلْك، وخرج عبد الله إلى داره مُظهراً الطاعة وفي نفسه خلاف ذلك!\rخروج سليمان وعبد الله\rابني عبد الرحمن على أخيهما هشام وفي سنة ثلاث وسبعين ومائة خرجا على أخيهما، وكان عبد الله عند أخيه هشام وهو يؤثره ويبرّه ويقدمه، فلم يُرضه ذلك ولا قنع إلا بمشاركته في الأمر، ثم خاف فهرب إلى أخيه سليمان وهو بطليطلة. فأرسل هشام في أثره جماعةً ليردوه، فلم يدركوه، فجمع هشام عساكره وسار إلى طليطلة فحصر أخويه بها.\rوكان سليمان قد حشد وجمع جمْعاً كبيراً فلما حصرها هشام سار سليمان من طليطلة وترك ابنه وأخاه عبد الله يحفظان البلاد، وسار هو إلى قرطبة ليملكها، فعلم هشام به فلم يفارق الحصار.\rوسار سليمان فوصل إلى شقندة فدخلها، وخرج إليه أهل قرطبة مقاتلين له، ودافعوه هم المدينة. وبعث هشام في أثر سليمان عبد الملك في قطعة من الجيش، فلما قاربه هرب سليمان وقصد مدينة مارِدة، فحاربه واليها، فانهزم سليمان. وبقي هشام على طليطلة شهرين وأياماً محاصراً لها، ثم عاد منها وقد قطع أشجارها، وسار إلى قرطبة، وأتاه أخوه عبد الله بغير أمان فأكرمه وأحسن إليه.\rثم سيّر هشام ابنه معاوية في جيش كثيف في سنة أربع وسبعين إلى تُدمير وبها سليمان فحاربه، وخرّب أعمال تُدمير، فهرب سليمان منها، فلجأ إلى البربر بناحية بَلَنسية، فاعتصم بتلك الناحية الوعرة المسالك. وعاد معاوية إلى قرطبة، ثم استقرت الحال بين هشام وسليمان أن يأخذ سليمان أهله وأمواله ويفارق الأندلس، وأعطاه هشام ستين ألف دينار مصالحة عن ميراث أبيه عبد الرحمن وسار إلى بلد البربر فأقام به.\rخروج جماعة أخر\rعلى الأمير هشام وفي سنة اثنتين وسبعين خرج عليه أيضاً سعيد بن الحسين بن يحيى الأنصاري بشاغنت - من أقاليم طرطوشة في شرق الأندلس - وكان قد التجأ إليها حين قُتل أبوه، ودعا إلى اليمانية وتعصّب لهم، فاجتمع له خلق كثير، فملك مدينة طرطوشة فأخرج عاملها يوسف القيْسيّ. فعارضه موسى بن فرتون وقام بدعوة هشام، ووافقته مُضر، فاقتتلا فانهزم سعيد وقُتل، وسار موسى إلى سرقسطة فملكها فخرج عليه مولى الحسين بن يحيى واسمه جحدر في جمع كثير فقاتله فقُتل موسى.","part":6,"page":372},{"id":2878,"text":"وخرج أيضاً مطروح بن سليمان بن يقظان بمدينة برشلونة، وخرج معه جمع كثير، فملك مدينة سرقسطة ومدينة وشْفة وتغلب على تلك الناحية وقَوِي أمره، وكان هشام إذ ذاك في حرب أخويه سليمان وعبد الله، فلما خلا وجهه من أمر أخويه انتدب لمطروح جيشاً كثيفاً وجعل عليهم أبا عثمان. فسار إليه وهو بسرقسطة فحصروه بها فلم يظفروا به، فرجع عنه أبو عثمان ونزل بحصن طرسونة بالقرب من سرقسطة ورتّب سراياه يغيرون على أهل سرقسطة ويمنعون عنهم الميرة. ثم خرج مطروح إلى الصيد في بعض الأيام، فلما كان آخر النهار أرسل البازي على طائر فاقتنصه فنزل مطروح ليذبحه بيده ومعه صاحبان له قد انفرد بهما عن أصحابه فقتلاه وأتيت برأسه إلى أبي عثمان، فسار إلى سرقسطة فكاتبه أهلها فقبل منهم وأرسل الرأس إلى هشام.\rقال: وأخذ أبو عثمان الجيش وسار بهم إلى بلاد الفرنج فأوقع بهم وظفر وقتل منهم خلقاً كثيراً، وبعث هشام يوسف بن بخت في جيش إلى جليقية فلقِيَ ملكهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزمت الجلالقة وقتل منهم خلق كثير.\rوفيها أيضاً سجن هشامٌ ابنه عبد الملك لشيء بلغه عنه، فبقي في السجن مدة حياة أبيه وبعض ولاية أخيه إلى أن توفي سنة ثمان وتسعين ومائة.\rوفي سنة ست وسبعين ومائة غزا عبد الملك بن عبد الواحد بلاد الفرنج فغنم وظفر.\rوفيها استعمل هشام ابنه الحكَم على طليطلة وسيّره إليها يضبطها، وأقام بها، ووُلد له بها ابنه عبد الرحمن.\rغزو الفرنج\rوفي سنة سبع وسبعين ومائة أغزى هشام عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث في جيش، فدخلوا بلاد الفرنج فبلغوا أربونة وجرندة، فبدأ بجرندة وبها حامية الفرنج فقتل رجالها وهدم أسوارها وأشرف على فتحها. ورحل عنها إلى أربونة ففعل مثل ذلك وأوْغل في بلادهم ووطئ برطانية واستباح حريمها وقتل مقاتلتها وجاس البلاد شهوراً يُخرِّب الحصون ويحرق ويغنم. وجفل العدو بين يديه، وأوغل في بلادهم ورجع ومعه الغنائم وما لا يُحصى كثرة، وهي أشهر مغازي المسلمين بالأندلس.\rوفي سنة ثمان وسبعين ومائة بعث هشام جيشاً مع عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث إلى بلاد الفرنج فغزا ألبة والقلاع فغنم وسلم. وسيّر جيشاً آخر مع أخيه عبد الملك بن عبد الواحد إلى بلاد الجلالقة فخرّب دار ملكهم وكنائسه وغنم، فلما قفل المسلمون ضلّ الدليل بهم فنالهم مشقة شديدة ومات منهم خلق كثير، ونفقت دوابُّهم وتلفت آلاتهم، وعاد من سلم منهم.\rثم بعثه في سنة تسع وسبعين في جيش كثيف فساروا حتى انتهزوا إلى أسْتُرقة وكان ملك الجلالقة قد جمع وحشد واستمد جيرانه من الملوك، وصار في جمع عظيم. فلما قدم عبد الملك رجع ملك الجلالقة هيبة له، وتبعهم عبد الملك يقفو أثرهم ويخرب، وهتك حريم ملك الجلالقة! وبلغه أنه احتمى بواد فسار إليه وواقعه يوم الجمعة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة فهزمه، وقتل من قمامصتهم ورؤسائهم كثيراً، ورجع سالماً.\rوكان هشام قد سيّر جيشاً آخر من ناحية أُخرى، فدخلوا البلاد أيضاً على ميعاد من عبد الملك، فأخرجوا ونهبوا وغنموا فلما أرادوا الخروج من بلاد العدو عارضهم عسكر الفرَنج، فنال منهم، وقتل من المسلمين، ثم تخلصوا وعادوا.\rفتنة تاكرتا\rوفي سنة ثمان وسبعين ومائة هاجمته فتنة تاكرتا بالأندلس، وخلع البربر الطاعة وأظهروا الفساد، وأغاروا على البلاد وقطعوا الطريق، فسيّر هشام إليهم جيشاً كثيفاً عليهم عبد القادر بن أبان بن عبد الله مولى معاوية بن أبي سفيان، فقصدوها وتابعوا قتال من فيها، إلى أن أبادوهم قتلاً وسَبياً، وفرّ من بقي منهم فدخل في سائر القبائل، وبقيت كورة تاكرتا خالية سبع سنين!\rوفاة هشام\rبن عبد الرحمن وشيء من أخباره وسيرته","part":6,"page":373},{"id":2879,"text":"كانت وفاته في ليلة الخميس لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثمانين ومائة بقصر قرطبة وكان عمره تسعاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر، ومدة ولايته على القول الأول سبع سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوماً. وكان أبيض مشرباً بحمرة أشهل، بعينيه حوَل وكان عاقلاً حازماً ذا رأي وشجاعة وعدل، محباً لأهل الخير والصلاح، راغباً في الجهاد. وكان يعود المرضى ويشهد الجنائز، ومن محاسن أعماله أنه أخرج متصدقاً يأخذ الصدقة على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وهو الذي تمّم بناء جامع قرطبة وبنى عدّة مساجد، وبلغ من عز الإسلام في ولايته وذل الكفر أن رجلاً مات وأوصى بفكّ أسيرٍ من المسلمين من تركته، فطُلب ذلك فلم يوجد في دار الكفار أسير من المسلمين يُشترى ويفَكُّ لضعف العدو! وله مناقب كثيرة بالغ أهل الأندلس فيها حتى قالوا كان يُشبَّه بعمر بن عبد العزيز، وكان نقش خاتمه \" بالله يثق هشام ويعتصم \" .\rوكان له من الأولاد الذكور عبد الملك الأكبر، والحكم الوالي بعده، ومعاوية، والوليد، وعبد العزيز، وخمس بنات.\rوزراؤه: أبو عثمان صاحب الأرض، ويوسف بن بخت وشهيد بن عيسى وغيرهم. حجّابه: عبد الواحد بن مغيث إلى أن توفي، ثم ولده عبد الملك وهو رجل الأندلس جمع الحِجابة والوزارة والكتابة والتقدُّم على الجيوش مع حسن الأدب والعفاف والدين والتواضع والكرم والمروءة. كتابه: فطيس بن سلمة، وخطّاب بن يزيد. قاضيه: المصعب بن عمران الهمذاني. أصحاب شرطته: الحسن بن بسام، ثم علي بن خريم المزني، ثم سعيد بن عياض اليحصبي.\rإمارة الحكم بن هشام الملقب بالمرتضى هو أبو العاص الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، وأمّه أم ولد اسمها زخرف، وهو الثالث من ملوك بني أُمية بالأندلس. بويع له يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثمانين ومائة، وتولّى أخْذ البيعة له عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، ولما وليَ الحكم كان أول ما بدأ به الغزو في سبيل الله تعالى.\rغزو الفرنج\rفي هذه السنة أعني - سنة ثمانين ومائة - بعث الحكم جيشاً مع عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث إلى بلاد الفرنج، فدخل البلاد وبثّ السرايا. وسيّر سرية، فجازوا خليجاً من البحر كان الماء قد جزر عنه، وكان الكفار قد جعلوا أموالهم وأهلهم وراء ذلك الخليج ظناً منهم أن أحداً لا يقدر أن يعبر إليهم. فجاءهم ما لم يكن في حسبانهم، فغنم المسلمون جميع أموالهم، وأسروا الرجال وقتلوا منهم فأكثروا القتل، وسبوا الحريم والذُّريّة، وعادوا سالمين.\rوما أشبه هذه الواقعة بفتح طرابلس الشام! فإنه لما فتحها السلطان الشهيد الملك المنصور سيف الدين قلاون الصالحي - قدّس الله روحه - في سنة ثمان وثمانين وستمائة جزر البحر ساعة الفتح وانطرد عنها حتى دخل المسلمون بخيلهم إلى جزيرة النحلة وهي بعيدة عن الميناء، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه.\rقال: وعاد المسلمون إلى عبد الكريم وقد ملأوا أيديهم من الغنائم. وسير طائفة أُخرى فخربوا كثيراً من بلاد فرنسية وغنموا الأموال وأسروا الرجال فأخبرهم بعض الأسرى أن جماعة من ملوك الفرنج قد سبقوا المسلمين إلى وادٍ وعْر المسلك على طريقهم وبلغ ذلك عبد الكريم فجمع عساكره وسار على بغيته وجدّ السير، فلم يشعر الكفّار إلا وقد خالطهم المسلمون ووضعوا السيف فيهم فانهزموا، وغنم المسلمون ما معهم وعادوا بالظفر والغنيمة والسلامة.\rخلافة بهلول\rبن مرزوق وغيره وفي سنة إحدى وثمانين ومائة خالف بهلول بن مرزوق المعروف بأبي الحجاج في ناحية الثغر، ودخل مدينة سرقسطة فملكها. وقد على بهلول بها عبد الرحمن عم الحكم - وهو المعروف بالبلنسي - وكان متوجهاً إلى الفرنج، ثم سار إلى مدينة طلبيرة فنزل بها مع عمروس بن يوسف. فسار إليهم بهلول وحاصرهم فتفرق العرب عنهم، ودخل بهلول مدينة طلبيرة وسار عبد الله إلى مدينة بلنسيبة فأقام بها وذلك في سنة أربع وثمانين.","part":6,"page":374},{"id":2880,"text":"وخالف عبيدة بن حسير بطليطلة، فأمر الحكم القائد عمروس بن يوسف وهو بمدينة طلبيرة أن يحارب أهل طليطلة ففعل، وضيّق عليهم، وكاتب رجالاً من أهلها يُعرفون ببني مخشي وأسمالهم، فوثبوا علي عبيدة، فقتلوه وحملوا رأسه إلى عمروس فأنزلهم عنده - وكان بينهم وبين البربر الذين بمدينة طلبيرة دخول - فتسوّره البربر عليهم، فقتلوهم، فسيّر عمروس رؤوسهم مع رأس عبيدة إلى الحكم وأخبره الخبر.\rمسير سليمان لقتال الحكم\rوقتل سليمان وفي سنة اثنتين وثمانين ومائة جاز سليمان بن عبد الرحمن إلى بلاد الأندلس من الشرق لحرب ابن أخيه الحكم، فسار إليه الحكم في جيوش كثيرة من أهل الشقاق ومَن يريد الفتنة، والتقيا واقتتلا، واشتدت الحرب فانهزم سليمان وأتبعه عسكر الحكم. وعادت الحرب بينهما ثانية في ذي الحجة، فانهزم سليمان واعتصم بالأوعار والجبال، فعاد الحكم، ثم عاد سليمان فجمع بربراً وأقبل إلى جانب إستجة. فسار إليه الحكم فالتقوا واقتتلوا في سنة ثلاث وثمانين، واشتد القتال فانهزم سليمان وقصد جهة ماردة فتبعه طائفة من عسكر الحكم فأسروه، وأحضروه إلى الحكم فقتله، وبعث برأسه إلى قرطبة، وكتب إلى أولاد سليمان وهم بسرقسطة كتاب أمانٍ واستدعاهم فحضروا عنده بقرطبة.\rاستيلاء الفرنج على برشلونة\rوفي سنة خمس وثمانين ومائة ملَك الفرنج - لعنهم الله تعالى - مدينة برشلونة بالأندلس، وأخذوها من المسلمين، ونقلوا حماة ثغورهم إليها، وتأخر المسلمون إلى ورائهم وكان سبب ذلك اشتغال الحكم بمحاربة عمه سليمان بن عبد الرحمن.\rذكر الاتفاق بين الحكم وبين عمه عبد الله البلنسي وفي سنة ست وثمانين حصل الاتفاق بين الأمير الحكم بن هشام وبين عمّه عبد الله بن عبد الرحمن بن معاوية، وذلك أن عبد الله لما سمع بقتل أخيه سليمان عظم عليه وفُتَّ في عضده، وخاف على نفسه، ولزم بلنسية ولم يتحرك لإثارة فتنة. وأرسل إلى الحكم يطلب المسالمة والدخول في الطاعة، وقيل بل الحكم راسله في ذلك وبذل له الأرزاق الواسعة له ولأولاده، فأجاب إلى ذلك، واستقر الصلح بينهما على يد يحيى بن يحيى صاحب الإمام مالك بن أنس. وزوّج الحكم أخواته من أولاد عمه عبد الله، وأكرم عمّه وأجزى له ولأولاده الأرزاق الواسعة والصلات السنية. وقيل كانت المراسلة في هذه السنة، واستقر الصلح في سنة سبع وثمانين.\rاستيلاء الفرنج على مدينة تطيله\rوفي سنة سبع وثمانين ومائة ملك الفرنج - لعنهم الله - مدينة تُطَيلة. وسبب ذلك أن الحكم بن هشام استعمل على ثغور الأندلس قائداً كبيراً من قواده وهو عمروس بن يوسف. فاستعمل عمروس ابنه يوسف على تطيلة. وكان قد انهزم من الحكم أهل بيت من بيوت الأندلس أولو قُوّة وبأسٍ، وخرجوا عن طاعته، والتحقوا بالمشركين فقيَ أمرهم، واشتدت شوكتهم، وتقدموا إلى تُطيلة فحصروها وملكوها من المسلمين، وأسروا أميرها يوسف بن عمروس وسجنوه وتقدموا بصخرة قيس. واستقرّ عمروس بمدينة سرقسطة ليحفظها من الكفار، وجمع العساكر وسيرها مع ابن عم له، فلقي المشركين فقاتلهم وفَضّ جمْعهم، وقتل أكثرهم، وسار إلى صخرة قيس بالجيش فحصرها وافتتحها وخلّص يوسف منها.\rإيقاع الحكم بأهل قرطبة","part":6,"page":375},{"id":2881,"text":"كان ذلك في سنة سبع وثمانين ومائة، وسببه أن الحكم في صدْر ولايته كان قد تظاهر بشُرب الخمر والانهماك على الملذات. وكانت قرطبة دار علم وبها فضلاء أهل علم وورع، منهم يحيى بن يحيى الليثي راوي موطأ مالك بن أنس وغيره. فثار أهل قرطبة وأنكروا فعل الحكم وروموه بالحجارة وأرادوا قتْله، فامتنع منهم ثم سكن الحال واجتمع بعد ذلك بأيام وجوه أهل قرطبة وفقهاؤها وحضروا عند محمد بن القاسم القرشي المرواني - عم هشام بن حمزة - وأخذوا له البيعة على أهل البلد وعرّفوه أن الناس قد ارتضوه كافّةً. فاستظهرهم ليلة ليرى رأيه، ويستخير الله تعالى فانصرفوا، وحضر هو عند الحكم وأعلمه الحال وأنه على بيعته له لم يتغير، فطلب الحكم تصحيح ذلك عنده وسيّر مع محمد بن القاسم بعض ثقاته فأجلسه محمد في قبة في داره وأخفى أمره، وحضر عنده القوم يستعلمون منه هل يتقلد أمرهم أم لا. فأراهم المخافة على نفسه وعظّم عليهم الخطْب وسألهم تعداد أسمائهم ومن معهم، فذكروا له جميع من معهم من أعيان البلد وصاحب الحكم يكتب أسماءهم، فقال لهم محمد بن القاسم: يكون هذا الأمر يوم الجمعة إن شاء الله تعالى في المسجد الجامع! فانصرفوا ومشى إلى الحكم مع صاحبه فأعلمه جلية الحال. وكان ذلك يوم الخميس، فما جاء الليل حتى حَبَسَ الجماعة عن آخرهم، ثم أمر بهم بعد أيام فصُلِبوا عند قصره وكانوا اثنين وسبعين رجلاً، وكان يوماً شنيعاً ثم كانت وقعة الرَّبض بعد ذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rإيقاع الحكم بأهل طليطلة\rوهي وقعة الحُفرة قال: وفي سنة إحدى وتسعين ومائة أوقع الحكم بأهل طليطلة، فقتل منهم ما يزيد على خمسة آلاف رجل من أعيان أهلها. وكان سبب ذلك أن أهل طليطلة كانوا قد طمعوا في الأمراء وخلعوهم مرة بعد أخرى، وقوِيت نفوسهم؛ ولحصانة بلدهم وكثرة أموالهم، فلم يكونوا يطيعون أمراءهم طاعةً مُرْضِيةً. فلما أعيا الحكم شأنُهم أعمل الفكرة، فاستعان بعمروس بن يوسف المعروف بالمولد، وكان قد ظهر في هذا الوقت بالثَّغر الأعلى، وأظهر طاعة الحكم ودعا إليه فاطمأنّ إليه لهدا السبب. واستقدمه فقدِم عليه، فبالغ الحكم في إكرامه وأطلعه على عزْمه في أهل طليطلة فوافقه عليه.\rوكتب إلى أهلها يقول \" إنني قد اخترت لكم فلاناً وهو منكم لتطمئنّ قلوبكم إليه وأعفيتكم ممّن تكرهون من عُمّالنا وموالينا، ولتعرفوا جميل رأينا فيكم \" ومضى عمروس ودخل طليطلة فأنس أهلها به واطمأنوا إليه وأحسن عشرتهم.\rوكان أول ما احتال به عليهم أن أظهر موافقتهم على بُغض بني أمية وخلْع طاعتهم، فمالوا إليه ووثقوا به ورضوا بفعله ثم قال لهم: إن سبب الشر بينكم وبيم أصحاب الأمراء اختلاطهم بكم، وقد رأيت أن أبني بناء أعتزل فيه أنا وأصحاب السلطان رفقاً بكم! فأجابوه إلى ذلك، فبنى في وسط البلد ما أراد.\rفلما مضى لذلك مدة كتب الحكم إلى عامل له على الثغر الأعلى سراً يأمره أن يرسل إليه يستغيث من جيوش الكفرة، وطلب النجدة والعساكر، ففعل ذلك، فحشد الحكم الجيوش واستعمل عليهم ابنه عبد الرحمن، وجهّز معه القواد والوزراء، فسار الجيش حتى اجتاز مدينة طليطلة فلم يتعرض عبد الرحمن لدخوله إليهما. وأتاه وهو عندها خبر العامل على الثغر الأعلى يقول \" إن عساكر الكفرة قد تفرّقت وكفى الله شرها \" فوقف العسكر وعزم عبد الرحمن على العوْد إلى قرطبة فقال عمروس عند ذلك لأهل طليطلة: قد ترون نزول ولد الحكم إلى جانبي، وأنه يلزمني الخروج إليه وقضاء حقه، فإن نشطتم إلى ذلك وإلا سرت إليه وحدي! فقالوا: بل نكون معك.","part":6,"page":376},{"id":2882,"text":"فخرج ومعه وجوه أهل طليطلة فأكرمهم عبد الرحمن وأحسن إليهم، وكان الحكم قد أرسل مع ولده خادماً له ومعه كتاب لطيف إلى عمروس فلقيه الخادم وصافحه وسلّم الكتاب إليه من غير أن يحادثه. فلما قرأ عمروس الكتاب رأى فيه كيف تكون الحيلة على أهل طليطلة، فأشار إلى عيون أهلها أن يسألوا عبد الرحمن الدخول إليه ليرى هو وأهل عسكره كثرتهم وقوتهم ومتعَتهم فظنوا أنه ينصحهم، ففعلوا ذلك. وأدخلوا عبد الرحمن البلد، فنزل مع عمروس في داره، وأتاه أهل طليطلة أرسالاً يسلمون عليه، وأشاع عمروس أن عبد الرحمن يريد أن يتخذ لهم وليمة عظيمة. وشرع في الاستعداد لذلك وواعدهم يوماً ذكره لهم، وقرر أنهم يدخلون من باب ويخرجون من آخر ليقلّ الزحام ففعلوا ذلك! وأتى الناس أفواجاً عند الميعاد، فكان إذا دخل فوجٌ أُخذوا وحُملوا إلى جماعة من الجند على حُفرة كبيرة في القصر فتضرب رقابهم. فمل تعالى النهار أتى بعضهم فلم ير أحداً فقال: أين الناس؟ فقيل له: إنهم يدخلون من هذا الباب ويخرجون من الآخر! فقال: لم ألق منهم أحداً! وعلم الحال فعاد وصاح بالناس وأعلمهم هلاك أصحابه، فكان سبب نجاة من بقي منهم، ودانوا وحسنت طاعتهم بقية أيام الحكم وأيام ولده عبد الرحمن ثم كان منهم بعد ذلك ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rعصيان أهل ماردة\rعلى الحكم وما فعله بأهل قرطبة وفي سنة إحدى وتسعين عصى أصبغ بن عبد الله على الحكم ووافقه أهل ماردة وأخرجوا عامله عنها، فاتّصل الخبر بالحكم، فسار إليها وحصرها. فبينما هو في ذلك أتاه الخبر عن أهل قرطبة أنهم أعلنوا العصيان له، فرجع إلى قرطبة مبادراً، فوصلها في ثلاثة أيام وكشف عن الذين أثاروا الفتنة فصلبهم منكَّسين، وضرب أعناق جماعة. فارتدع الباقون بذلك واشتدت كراهتهم للحكم، ولم يزل أهل ماردة تارة يطيعون وتارة يعصون إلى سنة اثنتين وتسعين، فضعُف أمر أصبغ بن عبد الله لأن الحكم تابع إرسال الجيوش واستمال جماعة من أهل ماردة وثقات أصحابه فمالوا إلى الحكم وفارقوا أصبغ حتى أخوه، فضعفت نفسه فطلب الأمان فأمّنه الحكم، ففارق ماردة، وحضر إلى الحكم وأقام بقرطبة.\rغزو الفرنج\rوفي هذه السنة تجهز لُذَريق ملك الفرنج وجمع جموعه ليسير إلى مدينة طرطوشة ليحصرها، فبلغ ذلك الحكم فجمع العساكر وسيّرها مع ولده عبد الرحمن، فاجتمعوا في جيش عظيم وتبعهم كثير من المتطوعة، فساروا حتى لقوا الفرنج في أطراف بلادهم قبل أن ينالوا من بلاد الإسلام شيئاً، فاقتتلوا وبذل كل من الطائفتين جهده واستنفد وسعه فأنزل الله تعالى نصره على المسلمين، وهزم الكفار وكثُر القتل فيهم والإسار، وانتُهبت أموالهم، ورجع المسلمون بالظفر.\rعصيان حزم على الحكم\rوفي هذه السنة خالف حزم بن وهب بناحية باجة ووافقه غيره، وقصدوا لشبونة. فلما بلغ الحكم الخبر، سار إليه الحكم في جمع كبير، فنازله وقطع الأشجار وضيّق عليهم حتى أذعنوا إلى طلب الأمان، فأمّنه وأخذ رهائنه على المصالحة والطاعة، وعاد عنه الحكم إلى قرطبة.\rعودة أهل ماردة\rإلى العصيان وغزو الحكم بلاد الفرنج قال: ثم عاد أهل ماردة إلى العصيان والخلاف على الحكم في سنة أربع وتسعين، فسار الحكم بنفسه إليهم وقابلهم. ولم تزل سراياه وجيوشه تتردد وتقاتلهم إلى سنة ست وتسعين ومائة، فطمع الفرنج في ثغور المسلمين وقصدوها بالغارات والقتل والنهب والسبْي. وقد شغل الحكم بأهل ماردة عنهم حتى أتاه الخبر بشدة الأمر على أهل الثغور وما نال العدو منهم، وسمع أن امرأة أُخذت أسيرة فقالت: واغوثاه يا حكم فعظُم عليه الأمر وجمع العساكر واستعد وحشد، وسار إلى بلاد الفرنج في سنة ست وتسعين ومائة فأثخن في بلادهم، وافتتح عدّة حصون وخرّب وقتل الرجال وسبى الحريم ونهب الأموال، وقصد الناحية التي بها تلك المرأة فأسر لهم من الأسرى ما يفادون به أسراهم، وبالغ في الوصية في تخليص تلك المرأة فخلصت من الأسر وقتل بقية الأسرى.\rفلما فرغ من غزاته قال لأهل الثغور: أغاثكم الحكم؟ قالوا: نعم! وأثنوا عليه خيْراً، وعاد إلى قرطبة مظفراً منصوراً.\rوفي سنة سبع وتسعين ومائة اشتد الغلاء بالأندلس وعمّ البلاد، ومات كثير من الخلق، وكان أكثر الناس يطوون للعدم.\rوقعة الربض بقرطبة","part":6,"page":377},{"id":2883,"text":"وفي سنة ثمان وتسعين ومائة كانت وقعة الربض بقرطبة، وسببها أن الحكم كان كثير التشاغل بالشرب واللهو والصيد وغير ذلك مما يُجانسه، وقد قدّمنا ما كان قد فعله بأهل قرطبة لما أرادوا خلْعه ومَنْ صلب منهم. فزادت كراهة أهلها فيه، وصاروا يتعرّضون لجُنده بالأذى والسبّ، وبالغوا حتى إنهم كانوا ينادون عند انقضاء الأذان الصلاة يا مخمور الصلاة! وشافهه بعضهم بالقول وصفقوا عليه بالأكف. فشرع في تحصين قرطبة وعمارة أسوارها، وحفر خنادقها، وارتبط الخيل على بابه، واستكثر من المماليك، ورتب جمْعاً لا يفارقون باب قصره بالسلاح. فزاد ذلك في حقد أهل قرطبة، وتحققوا أنه يفعل ذلك للانتقام منهم، ثم وضع عليهم عُشر الأطعمة في كل سنة من غير حِرْص فكرهوا ذلك.\rثم عمد إلى عشرة من رؤسائهم وصلبهم، فهاج لذلك أهل الربض، وانضاف إلى ذلك أن مملوكاً له سلّم إلى صيْقل سيفاً ليصقله له فمطله الصقيل، فأخذ ذلك المملوك السيف ولم يزل يضرب به ذلك الصقيل إلى أن مات وذلك في شهر رمضان من هذه السنة، فكان أول من شهر السلاح أهل الرَّبض القبلي، واجتمع أهل الأرباض جميعهم بالسلاح، واجتمع الجُند والأمويون والعبيد بالقصر. وفرق الحكم الخيل والسلاح، وجعل أصحابه كتائب.\rووقع القتال بين الطائفتين، فغلبهم أهل الربض وأحاطوا بالقصر، فنزل الحكم من أعلى القصر ولبس سلاحَه وحرّض الناس على القتال، فقاتلوا قتالاً شديداً. ثم أمر ابن عمّه عبيد الله فثلم من السور ثلمة، وخرج منها بقطعة من الجيش وأتى أهل الربض من وراء ظهورهم فلم يشعروا به، وأضرم الناس في الربض. فانهزم أهله وقتلوا قتلاً ذريعاً وأُسِر من وجد في المنازل والدور فانتقى الحكم ثلاثمائة من وجوه الأسرى فصلبهم منكسين، ودام النهب والقتل والحريق في أرباض قرطبة ثلاثة أيام.\rثم استشار الحكم فيهم عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، فأشار عليه بالصفح عنهم والعفو، وأشار غيره بالقتل، فقبل عبد الكريم. وأمر فنُودي بالأمان على أنه من بقِيَ من أهل الربض بعد ثلاثة أيام قتل وصُلب، فخرج من بقي منهم بعد ذلك مستخفياً، وتحملوا على الصعب والذلول وخرجوا من حضرة قرطبة بنسائهم وأولادهم وما خفّ من أموالهم. وقعد لهم الجند والسفلة بالمرصاد، ينهبون أموالهم، ومن امتنع عليهم قتلوه!.\rفلما انقضت الأيام الثلاثة أمر الحكم بكفِّ الأذى عن حرم الناس، وجمعهن إلى مكان واحد، وأمر بهدْم الربض القبلي. وكان بزيع مولى أمية بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية محبوساً في حبْس الدم وفي رجله قيدٌ ثقيل، فلما رأى أهل قرطبة قد غلبوا الجُند سأل الحرس أن يُفرجوا عنه فأخذوا عليه العهد أن يعود فأطلقوه، فخرج فقاتل قتالاً شديداً لم يكن في الجيش من قاتل مثله، فلما انهزم أهل الربض عاد إلى السجن، فانتهى خبره إلى الحكم فأطلقه وأحسن إليه. وقيل إن هذه الوقعة كانت في سنة اثنتين ومائتين والله أعلم. قال بعض المؤرخين: اجتمع في الربض أربعة آلاف فقيه وطالب! وكان ممّن خرج عليه يحيى بن يحيى الليثي، فهرب ونزل على حيٍّ من البربر، ثم أمّنه الحكم بعد ذلك وحظي عنده. ومنهم الفقيه طالوت بن عبد الجبار، ففرّ واستتر عند رجل يهوديّ عاماً كاملاً. وكان بينه وبين أبي البسام صداقة، فقصده فأخبر الحكم به، وأحضره إليه فعنّفه الحكم على خروجه عليه، ثم أمّنه وصرفه إلى منزله وسأله أين استتر فأخبره باليهودي وبأبي البسّام، فاغتاظ على أبي البسام وعزله عن وزارته وكتب عهداً أن لا يخدمه أبداً. ومنهم عبد الملك بن حبيب، وغيرهم.\rغزو الفرنج","part":6,"page":378},{"id":2884,"text":"وفي سنة مائتين جهّز الحكم جيشاً مع عبد الكريم بن مغيث إلى بلاد الفرنج، فسار حتى توسّط بلادهم، فخربها ونهبها وهدم عدةً من حصونهم، واستنفذ خزائن ملوكهم. فلما رأى ملكهم ذلك كاتب جميع ملوك تلك النواحي، واستنصر بهم فاجتمعت بهم فاجتمعت إليه أهل النصرانية من كل مكان. وأقبل في جموع عظيمة ونزل بإزاء عسكر المسلمين وبينهم نهر، فاقتتلوا عدة أيام والمسلمون يريدون عبور النهر إليهم وهم يمنعونهم من ذلك. فلما رأى المسلمون ذلك تأخروا عن النهر فعبر المشركون واقتتلوا أعظم قتال، فانهزم الكفار إلى النهر وأخذهم السيف والأسر، فأُسر جماعة من ملوكهم وكنودهم وقمامصتهم. وعاد الفرنج لزموا جانب النهر يمنعون المسلمين من عبوره فأقاموا ثلاثة عشر يوماً يقتتلون في كل يوم، فجاءت الأمطار وزاد النهر فتعذر جوازه، فقفل عبد الكريم عنهم في سابع ذي الحجة من السنة.\rغزو البربر بناحية مورور\rوفيها خرج خارجيّ من البربر من ناحية مورور ومعه جماعةٌ، فوصل كتاب العامل بها إلى الحكم بخبره، فأعفى الحكم أمره واستدعى من ساعته قائداً من قواده فأخبره بذلك سراً وقال له: سر من ساعتك إلى هذا الخارج وائتني برأسه وإلا فرأسك عوضه وأنا قاعد في مكاني هذا إلى أن تعود! فسار القائد إلى الخارج، فلما قاربه سأل عنه أنه في احتياط كثير واحتراز شديد، فعجز عنه ثم تذكر قول الحكم فأعمل الحيلة حتى دخل عليه وقتله وأتى برأسه إلى الحكم، فرآه بمكانه ذلك لن يتغير، وكانت غيبته أربعة أيام، فأحسن إلى القائد وأكرمه ووصله وأعلى محلّه.\rوفاة الحكم\rكانت وفاته يوم الخميس بعد الظهر لأربع بقين من ذي الحجة سنة ست ومائتين، وكان عمره اثنتين وخمسين سنة وقيل ثلاثاً وخمسين سنة وقيل أقل من ذلك إلى تسع وأربعين سنة، ومدة إمارته ستاً وعشرين سنة وعشرة أشهر وثلاثة عشر يوما. وكان طويلاً أسمر نحيفاً، وله شِعر جيِّدٌ، وهو أول من جَنَّد الجنود المرتزقة بالأندلس وجمع الأسلحة والعدد واستكثر من الحَشم والحواشي، وارتبط الخيول على بابه، واتخذ المماليك وجعلهم في المرتزقة فبلغت عدّتهم خمسة آلاف. وكانوا يسمون الخرس لعُجْمةِ ألسنتهم، وكانوا نواباً على باب قصره.\rوكان يطّلع على الأمور بنفسه ما قرُب منها وما بعُد، وكان له نفر من ثقاة أصحابه يطالعونه بأحوال الناس، فيردع الظالم، وينصف المظلوم. وكان شجاعاً مقداماً مهيمِناً وكان يُقرِّب الفقهاء وأهل العلم. وكان له من الأولاد أبو مطرف عبد الرحمن وثمانية عشر ولداً ذكراً. كاتبه: الوزير أبو البسام.\rإمارة عبد الرحمن بن الحكم هو أبو المطرف وقيل أبو المظفر عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وأمه أم ولد يقال لها حلاوة، وهو الرابع من ملوك بني أمية بالأندلس. بويع له بعد وفاة أبيه في يوم الخميس لأربع بقين من ذي الحجة سنة ستٍّ ومائتين وذلك في خلافة المأمون بن الرشيد العباسي.\rقال: ولما ولى خرج عليه عم أبيه عبد الله البلنسي - من بلنسية - وطمع في المُلك، فوصل إلى تُدمير يريد قرطبة، فتجهر له عبد الرحمن، فلما بلغ ذلك عبد الله خاف وضعُفت نفسه فرجع إلى بلنسية.\rإيقاعه بأهل إلبيرة\rوجندها كان ذلك في سنة سبع ومائتين وسبب ذلك أن الحكم كان قد بلغه عن عامل اسمه ربيع أنه ظلم أبناء أهل الذمة فقبض عليه وصلبه، فلما توفي الحكم وولي ولده عبد الرحمن وسمع الناسُ بصلب ربيع أقبلوا إلى قرطبة من النواحي يطلبون الأموال التي كان ظلمهم ربيعٌ فيها ظنّاً منهم أنها ستُردّ إليهم. وكان جنْد إلبيرة أشدهم وأكثرهم إلحاحاً وتألّباً، فأرسل عبد الرحمن من يسكنهم، فلم يقبلوا ودفعوا من أتاهم، فخرج إليهم جمْعٌ من الجند من أصحاب عبد الرحمن فقاتلوهم فانهزم جند إلبيرة ومن معهم وقتلوا قتلاً ذريعاً، ونجا من بقي منهم، وأدركهم الطلب فقتل كثيراً منهم.\rوفيها ثارت بمدينة تُدمير فتنة بين المضرية واليمانية فاقتتلوا بلورْقَة فكان بينهم وقعة تعرف بيوم المصابرة قتل بينهم ثلاثة آلاف رجل، ودامت الحرب بين الفريقين سبع سنين، ووكّل عبد الرحمن بكفِّهم ومنْعهم يحيى بن عبد الله ابن خالد وسيّره في جمع من الجيش، فكانوا إذا أحسوا بقرب يحيى افترقوا وتركوا القتال وإذا عاد رجعوا إلى الفتنة حتى أعياه أمرهم.","part":6,"page":379},{"id":2885,"text":"وفيها كان بالأندلس مجاعةٌ شديدة ذهب فيها خلق كثير وبلغ المُد في بعض المدن ثلاثين ديناراً.\rوفي سنة ثمانٍ ومائتين جهز عبد الرحمن جيشاً إلى بلاد المشركين، واستعمل عليهم عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، فساروا إلى بلاد ألبة والقلاع فنهبوا بلاد ألبة وخرّبوها وأحرقوها، وفتحوا حصوناً وصالحهم أهل حصون أُخر على مالٍ وإطلاق أسرى المسلمين، وذلك في جُمادى الآخرة.\rوفيها توفي عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بالبلنسي.\rوفي سنة عشر ومائتين سيّر عبد الرحمن سَرِيّة كبيرة إلى بلاد الفرنج واستعمل عليهم عبيد الله بن عبد الله البلنسي، فسار ودخل بلادهم وتردّد فيها بالغارات والسبْي والقتل والأسْر ولقي جيوش الأعداء فهزمهم وأكثر القتل فيهم، وكان فتحاً عظيماً.\rوفيها افتتح عسكر سيّر عبد الرحمن أيضاً حِصْن القلعة من أرض العدو في شهر رمضان المبارك.\rوفيها أمر ببناء المسجد الجامع بجيان.\rوفيها أخذ عبد الرحمن مقدم اليمانية بتُدمير وهو رجاء بن الشماخ لتسكن الفتنة بين اليمانية والمضرية فلم تسكن ودامت، فأمر العامل بتُدمير أن ينتقل منها ويجعل مرسية قاعدة تلك البلاد.\rوفي سنة اثنتي عشرة ومائتين سيّر عبد الرحمن جيشاً إلى برشلونة من بلاد العدة فأقام الجيش شهرين يحرقون وينهبون.\rوفيها كانت سيول عظيمة وأمطار متتابعة، فخربت أكثر أسوار مدن الأندلس وخربت قنطرة سرقسطة، ثم جددت عمارتها.\rوفي سنة ثلاث عشرة ومائتين قتل أهل ماردة عاملهم فثارت الفتنة عندهم فسيّر إليهم عبد الرحمن فحصرهم وأفسد زرْعهم وأشجارهم فعادوا للطاعة وأعطَوا رهائنهم، وعاد الجيش عنهم بعد أن خربوا سور المدينة، ثم أرسل إليهم من ينقل أحجار السور إلى النهر لئلا يطمع أهلها في عمارته، فلما رأوا ذلك عادوا إلى العصيان وأسروا العامل عليهم وبنوا السور وأتقنوه. فسار عبد الرحمن بجيوشه إليهم في سنة عشرة ومائتين ومعه رهائن أهلها فراسله أهلها وافتدوا رهائنهم بالعامل الذي أسروه وغيره وحصرهم وأفسد بلدهم ثم رحل عنهم. ثم سيّر إليهم جيشاً في سنة سبع عشرة فحصروها وضيقوا على أهلها، ودام الحصار ثم رحلوا عنهم. وسيّر إليهم جيشاً في سنة ثماني عشرة ومائتين ففتحها وفارقها أهل الشر والفساد. وكان من أهلها رجل اسمه محمود بن عبد الجبار الماردي في جماعة من الجند، فمضى بمن سلم من أصحابه إلى مُنْت سالوط فسيّر إليه عبد الرحمن جيشاً في سنة عشرين ومائتين فهرب بمن معه إلى جليقية فأرسل سرية في طلبهم، فقاتلهم محمود وهزمهم وغنم ما معهم، وقتل عدة منهم ثم مضى لوَجْهه فلقيه جمعٌ من أصحاب عبد الرحمن مصادفة فقاتلوهم، ثم كف بعضهم عن بعض وساروا فلقيته سرية أخرى فانهزمت السرية وغنم محمود ما معهم ووصل إلى بلاد المشركين فاستولى على قلعة لهم فأقام بها خمسة أعوام وثلاثة أشهر فحصره أذفونس ملك الفرنج فملك الحصن وقتل محموداً ومن معه وذلك في سنة خمس وعشرين في شهر رجب.\rوفي سنة أربع عشرة ومائتين سار عبد الرحمن إلى مدينة باجة وكانت عاصية عليه فملكها عَنْوَةً.\rوفيها خالف هاشم الضراب بمدينة طليطلة، وكان هاشم ممن خرج من طليطلة لما أوقع الحكم بأهلها، وسار إلى قرطبة، فلما كان الآن سار إلى طليطلة فاجتمع إليه أهل الشر والفساد فسار إلى وادي جونيه وأغار على البربر وغيرهم فطار اسمه واشتدّت شوكته وكثر جمعه فأوقع بأهل سنت بريّه. وكان بينه وبين البربر وقعات كثيرة، فسيّر إليه عبد الرحمن جيشاً فقاتلوه فلم تستظهر إحدى الطائفتين على الأخرى، وغلب هاشم على عِدّة مواضع وجاوز بركة العجوز وأبعدت غارة خَيله. فسيّر إليه عبد الرحمن جيشاً في سنة ست عشرة ومائتين فلقيهم هاشم بالقرب من حصن سمسطا المجاور لرورية فدامت الحرب بينهم عدة أيام ثم انهزم هاشم وقُتل هو وكثير ممن معه.\rمحاصرة طليطلة وفتحها","part":6,"page":380},{"id":2886,"text":"وفي سنة تسع عشرة ومائتين جهز عبد الرحمن جيشاً مع ابنه أمية إلى مدينة طليطلة فحصرها - وكانوا قد خالفوا وخرجوا عن الطاعة - فاشتد في حصارهم وقطع أشجارهم وأهلك زرعهم، فلم يذعنوا إلى الطاعة فرحل عنهم وترك بقلعة رباح جيشاً عليهم ميسرة المعروف بفتى أبي أيوب. فلما أبعد أمية خرج جمع كثير من أهل مدينة طليطلة لعلّهم يجدون فرصةً وغفلةً فينالون منه ومن أصحابه غَرَضاً، وكان قد بلغه الخبر فكمن في عدة مواضع. فلما وصلوا إلى قلعة رباح خرج الكمين عليهم من جوانبهم ووضعوا السيف فيهم فأكثروا القتل وعاد من سلم منهزماً إلى طليطلة، وجمعت رؤوس القتلى وحملت إلى ميسرة فلما رأى كثرتها عظم عليه وارتاع لذلك، ووجد في نفسه غمّاً شديداً، فمات بعد أيام يسيرة! ثم سيّر عبد الرحمن جيشاً في سنة عشرين ومائتين فقاتلوا ولم يظفروا منها بشيء. فلما كان في سنة إحدى وعشرين ومائتين خرج جماعةٌ من أهلها إلى قلعة رباح بها عسكر لعبد الرحمن فاجتمعوا كلهم على حصار طليطلة وضيّقوا على أهلها واشتدوا في حصارهم إلى سنة اثنتين وعشرين ومائتين، فسيّر عبد الرحمن أخاه الوليد بن الحكم فرأى أهلها وقد بلغ بهم الجَهْد كلّ مبلغ واشتدّ عليهم طول الحصار وضعفوا عن القتال والدفع، ففتحها عَنوةً يوم السبت لثمان خلون من شهر رجب منها، وأمر بتجديد القصر على باب الجسر الذي كان هُدم أيام الحكم، وأقام بها آخر شعبان سنة ثلاث وعشرين حتى استقرّت قواعد أهلها.\rوفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين سيّر عبد الرحمن جيشاً إلى ألبة والقلاع فنازلوا حِصْن الفرات، وقتلوا أهله، وغنموا ما فيه وسبوا النساء والذُّريّة وعادوا.\rوفي سنة أربع وعشرين سيّر جيشاً عليهم عبيد الله بن عبد الله البلنسي إلى بلاد العدو، فوصلوا ألبة والقلاع فالتقَوا هم والمشركون، وكانت بينهم حروب شديدة وقتالٌ عظيم انهزم أهل الشرك، وقتِل منهم ما لا يُحصى كثرةً، وجمعت الرؤوس حتى كان الفارس لا يرى من يقاتله! ثم سار عبد الرحمن في سنة خمسٍ وعشرين في جيش كثيفٍ إلى بلاد المشركين فدخل بلاد جليقية وافتتح عِدّة حصونٍ منها، وغنم وسبى وقتل وخرّب ثم عاد إلى قرطبة ولم تطل مدة هذه الغزاة.\rوفي سنة أربع وعشرين ومائتين سيّر الأمير عبد الرحمن جيشاً إلى أرض العدو، فلما كانوا بين أوشنة وشرطانية تجمعت الروم عليهم وأحاطوا بهم وقاتلوهم الليل كله، فلما أصبحوا أنزل الله نصره على المسلمين وهزم عدوّهم وأبلى موسى بن موسى في هذه الغزاة بلاء حسناً، وكان على مقدمة العسكر وهو العامل على تطيلة، وجري بينه وبين جرير بن موفّق - وهو من أكابر الدولة - أيضاً شر فخرج موسى عن طاعته.\rالحرب بين موسى والحارث\rبن بزيع وما كان من أمره قال: ولما بلغ عبد الرحمن خروج موسى عن الطاعة سيّر إليه جيشاً، واستعمل عليهم الحارث بن بزيع فسار إليه والتقوا عند بَرْحَة واقتتلوا فقُتل أكثر أصحاب موسى، وقتل ابن عم له، وعاد الحرث إلى سرقسطة. فسيّر موسى ابنه إلى بَرْجَة فعاد الحارث إليها فحصرها وملكها وقَتَل ابن موسى وتقدم إلى مدينة تطيلة فحصرها فصالحه موسى على أن يخرج عنها فانتقل موسى إلى أرنيط وبقي الحارث بتطيلة أياماً ثم سار إلى موسى ليحاصره. فأرسل موسى إلى غرسية وهو من ملوك الأندلس واتّفقا على الحرب واجتمعا وجعلا للحارث كمائن في طريقه وأعدا له الخيل والرجل بموضع يقال له ثلمة على نهرٍ هناك، فلما جاوز الحارث النهر خرج إليه الكمناء وأحدقوا به وكانت وقعة عظيمة وأصابه ضربةٌ في جبهته قلعت عينيه ثم أُسر، وذلك في سنة ثمان وعشرين.\rفلما بلغ خبره عبد الرحمن عظُم عليه وجهّز جيشاً عظيماً وجع عليه ابنه محمداً وسيره لقتال موسى في شهر رمضان سنة تسع وعشرين، فوصل إلى تطيلة وحصرها وضيّق على أهلها، وأهلك زرعها فصالحه موسى. وتقدم محمد إلى ينبلونة فأوقع عندها يجمع كثير من المشركين وقُتل غرسية فيمن قُتل، ثم عاد موسى إلى الخلاف على عبد الرحمن فجهز جيشاً كثيراً وسيّرهم إلى موسى فطلب المسالمة فأُجيب إليها، وأعطى ابنه إسماعيل رهينةً وولاّه عبد الرحمن مدينة تطيلة فسار موسى إليها وأخرج منها من يخافه واستقرّ بها.\rخروج المشركين إلى الأندلس","part":6,"page":381},{"id":2887,"text":"قال: في سنة ثلاثين ومائتين خرج المجوس في أقاصي بلاد الأندلس إلى بلاد المسلمين، وكان أول ظهورهم في ذي الحجة سنة تسع وعشرين ومائتين وعند أشبونة فأقاموا بها ثلاثة عشر يوماً كان بينهم وبين المسلمين فيها وقائع، ثم ساروا إلى قادس ثم إلى شذونة وكان بينهم وبين المسلمين وقعة عظيمة، ثم قصدوا إشبيلية في ثامن المحرم فنزلوا على اثني عشر فرسخاً منها، فخرج إليهم المسلمون فهزمهم العدوُّ في ثاني عشر المحرّم وقُتل كثير منهم، ثم نزلوا على ميلين منها فخرج أهلها إليهم وقاتلوهم فانهزموا في رابع عشر المحرم وكثر القتلُ والأسر فيهم. ولم يرفع المجوسُ السيف عن أحد ولا عن دابّة، ودخلوا حاضر إشبيلية وأقاموا بها يوماً وليلة وعادوا إلى مراكبهم، فوافاهم عسكر عبد الرحمن فبادر إليهم المجوس فثبت المسلمون وقاتلوهم فقتل من المشركين سبعون رجلاً وانهزموا ودخلوا مراكبهم، وأحجم المسلمون عنهم، فسيّر عبد الرحمن جيشاً آخر فقاتلهم المجوس قتالاً شديداً ورجعوا عنهم فتبعهم العسكر في ثاني شهر ربيع الأول وقاتلوهم، وأتاهم المدد من كل ناحية فنهضوا لقتال المجوس من كل جانب فانهزم المجوس وقتل نحو خمسمائة رجل وأخذوا منهم أربعة مراكب فأخذوا ما فيها وأحرقوها.\rثم خرج المجوس إلى لَبْلَة فأصابوا سبياً ونزلوا جزيرة بالقرب من قوويس فقسموا ما كان معهم مما غنموه، فدخل المسلمون إليهم في النهر فقتلوا رجلين ثم رحل المجوس فطرقوا شَذَونة فغنموا أطعمةً وسبياً وأقاموا يومين، فوصلت مراكب عبد الرحمن إلى إشبيلية. فلما أحس بها المجوس لحقوا بلبلة فأغاروا وسَبوا ثم لحقوا بأشبونة ثم مضوا إلى باجة، ثم قفلوا إلى مدينة أشبونة، ثم سار فانقطع خبرهم عن البلاد فسكن الناس.\rوفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين سار جيش للمسلمين بقرطبة إلى بلاد المشرطين وقصدوا جلِّيقية فغنموا وقتلوا وأسروا وسبَوا وواصلوا إلى مدينة ليون فحصروها ونصبوا عليها المجانيق، فخاف أهلها وخرجوا هاربين وتركوها بما فيها، فغنم المسلمون منها ما أرادوا وأحرقوا الباقي، ولم يقدروا على هدْم سورها لأن عَرْضَه سبعة ذراعاً، فمضَوا وقد ثلموا فيه ثلمة كبيرة.\rوفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين غدر موسى بن موسى، فسيّر إليه عبد الرحمن جيشاً مع ابنه محمدٍ.\rوفيها كان بالأندلس مجاعةٌ شديدة، فهلك خلقٌ كثير من الناس والدوابّ، ويبست الأشجار فاستسقى الناس فسُقوا وزال القحْط.\rوفي سنة خمس وثلاثين ومائتين سيّر عبد الرحمن ابنه المنذر في جيش كثيف إلى غزو الروم فبلغوا ألبة والقلاع.\rوفيها كان سيلٌ عظيم بالأندلس فخرب جسر إستجة والأرجاء وعرٌَّ نهر إشبيلية ست عشرة قريةً، وخرّب نهر باجة ثماني عشرة قرية، وعرُض حتى صار عَرْضُه ثلاثون ميلاً وكان هذا حدثاً عظيماً وقع في جميع البلاد في شهر واحد.\rوفي سنة سبعٍ وثلاثين ومائتين سارت جيوش المسلمين إلى بلاد العدو وكانت بينهم وقعةٌ عظيمة كان الظفر فيها للمسلمين وهي وقعة البيضاء.\rوفاة عبد الرحمن\rوشيء من أخباره كانت وفاته في ليلة الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وقيل في شهر ربيع الآخر منها. وكان مولده في شعبان سنة ست وسبعين ومائة. فكان عمره اثنتين وستين سنة ومدة ولايته إحدى وثلاثين سنة وشهرين وستة أيام. وكان أسمر طويلاً أغَرَّ أقنى عظيم الجبهة يخضب بالحناء. وكان له من صلبه من الأولاد الذكور والإناث سبعةٌ وثمانون ولداً منهم خمسةٌ وأربعون ذكراً. وكان عالماً أديباً شاعراً، يعرف علوم الفلاسفة. وفي أيامه دخل زرياب المغنّي إلى الأندلس فحضر يوماً عند عبد الرحمن وغنّى وعبيد الله بن قزمان الشاعر حاضر فقال زرياب:\rقالت ظلوم سميّة الظلم ... ما لي رأيتك ناحل الجسم\rيا من رأى قلبي فأقصده ... أنت العليم بموضع السهم\rفقال عبد الرحمن: البيت الثاني منقطع عن الأول غير متصل به! فقال ابن قزمان بديهة بعد البيت الأول:\rفأجبتها والدمع منحدرٌ ... مثل الجُمان زها على النظْم\rفكساه عبد الرحمن وحباه.","part":6,"page":382},{"id":2888,"text":"وهو أول من رتّب اختلاف الفقهاء إلى قصره، وأمرهم بالكلام بين يديه. وكان عبد الرحمن بعيد الهمة، اخترع قصوراً ومستنزهات كثيرة، وزاد في الجامع بقرطبة رواقيْن. وكانت أيامه عافية وسكونٍ، وكثُرت الأموال عنده وأقام أبّهة المملكة ورتّب رسومها وكان يُشبّه بالوليد بن عبد الملك في أبّهته. وهو أول من اجتلب الماء العذب إلى قرطبة وأدخله قصوره وجعل لفصل الماء مصنعاً كبيراً يردُه الناس إذا خرج من قصوره رحمه الله تعالى.\rإمارة الأمين هو أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ابن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك ابن مروان، وأمه أم ولد اسمها تهتز. وهو الخامس من أمراء بني أمية بالأندلس، قام بالأمر بعد أبيه في يوم الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وقيل في شهر ربيع الآخر منها، وكانت ولايته في خلافة المتوكل إلى بعض أيام المعتمد قال: ولما ولي جرى في العدل على سيرة أبيه، وتمّم زيادة بناء أبيه في جامع قرطبة.\rالحرب بين المسلمين والفرنج\rوفي سنة أربعين ومائتين كان بين المسلمين والفرنج حربٌ شديدةٌ، وسببها أن أهل طليطلة كانوا على ما ذكرناه من الخلاف على الملوك فلما ولِي محمدٌ هذا سار بجيوشه إليها، فراسل أهلها ملك جليقية يستمدونه، فأمدّهم بالعساكر الكثيرة، فبلغ محمد ذلك وقد قارب طليطلة فعبّأ أصحابه وكمن الكمناء بناحية وادي سليط، وتقدم إليهم في قلّةٍ من العسكر فطمع فيه أهل طليطلة والفرنج، وأسرعوا إليه فلما نشبت الحرب خرجت الكمناء من كل جهة فقُتل من المشركين ومن أهل طليطلة ما لا يُحصى، وجُمع من الرؤوس ثمانية آلاف رأسٍ، وذكر أهل طليطلة أن عدة القتلى عشرون ألفاً.\rوقال: وفي سنة إحدى وسبعين وأربعين ومائتين استكثر محمد الرجال بقلعة رباح ليُضيِّق على أهل طليطلة، وسيّر الجيوش إلى غزو الفرنج مع موسى بن موسى، فدخلوا بلادَهم ووصلوا إلى ألبة والقلاع، فافتتحوا بعض حصونها وعادوا.\rوفي سنة ثلاث وأربعين خرج أهل طليطلة واقتتلوا هم ومسعود ابن عبد الله العرّيف فانهزم أهل طليطلة وقُتل أكثرهم وحُمل إلى قرطبة سبعمائة رأس.\rخروج المجوس إلى الأندلس\rوفي سنة خمسٍ وأربعين ومائتين خرج المجوسُ في المراكب إلى بلاد الأندلس، فوصلوا إلى إشبيلية وحلُّوا بالحاضر وأحرقوا الجامع، ثم جازوا إلى العَدوة، ثم عادوا إلى الأندلس فانهزم أهل تُدمير، ودخلوا حصن أريوله ثم تقدموا إلى خليط أفرنجه فأغاروا وأصابوا من النهب والسبي كثيراً، ثم انصرفوا فلقيهم مراكب الأمير محمدٍ فقاتلوهم وأحرقوا مركبيْن من مراكب المجوس، وأخذوا مركبين وغنموا ما فيهما، فجَدَّ المجوس عند ذلك في القتال واستشهد جماعةٌ من المسلمين، ومضت مراكب المجوس حتى وصلوا إلى مدينة بنبلونة فأصابوا صاحبها غرسية الفرنجي ففدى نفسه بتسعين ألف دينارٍ.\rوفي سنة ست وأربعين ومائتين سار محمدٌ في جيوش عظيمةٍ إلى بلد بنبلونة فوطئ بلادها ودوّخها وخرّب ونهب وقتل، وافتتح حصوناً وأصاب في بعضها فرتون بن غرسية فحبسه بقرطبة عشرين سنة ثم أطلقه إلى بلده، وأقام محمد بأرض بنبلونة اثنين وثلاثين يوماً.\rوفي سنة سبع وأربعين سار جيش المسلمين إلى بلد برشلونة وهي للفرنج فأوقعوا بأهلها، فأرسل صاحبها إلى ملك الفرنج يستمدُّه فأرسل إليه جيشاً كثيفاً، وأرسل المسلمون يستمدون فأتاهم المَدَد فنازلوا برشلونة وقاتلوا قتالاً شديداً، فملكوا أرباضها وبرجَيْن من أبراج المدينة، وقُتل من المشركين ما لا يُحصى كثرة وعاد المسلمون بالظفر والغنيمة.\rوفي سنة تسع وأربعين ومائتين جهّز محمدٌ جيشاً مع ابنه إلى مدينة ألبة والقلاع من بلد الفرنج فغنموا وافتتحوا حصوناً منيعة.","part":6,"page":383},{"id":2889,"text":"وفي سنة إحدى وخمسين ومائتين سيّر محمدٌ جيشاً إلى بلاد المشركين في جُمادى الآخرة وقصدوا المِلاحة، وكانت أموال لُذَريق بناحية ألَبَة والقلاع. فلما عمّ المسلمون بلدهم بالخراب والنهب جمع لذريق عسكره وسار إليهم فالتقوا بموضع يقال له فج المركون، به تعرف هذه الغزاة، واقتتلوا فكانت الهزيمة على المشركين ثم اجتمعوا بهضبة بالقرب من موضع المعركة فتبعهم المسلمون وحملوا عليهم واشتد القتال فانهزم الفرنج لا يلوون على شيء، وتبعهم المسلمون يقتلون منهم ويأسرون، وكانت هذه الوقعة في ثاني عشر شهر رجب، وكان عدد ما أُخذ من رؤوس القتلى ألفين وأربعمائة رأس وتسعين رأساً، وكان فتحاً عظيماً.\rوفي سنة تسع وخمسين ومائتين سار محمد إلى طليطلة وحصرها - وكان أهلها قد خالفوا عليه - فطلبوا الأمان فأمّنهم وأخذ رهائنهم.\rوفيها خرج أهل طليطلة إلى حصن سكيان وفيه سبعمائة من البربر وأهل طليطلة في عشرة آلاف، فلما التحمت الحرب بينهم انهزم مطرّف بن عبد الرحمن بن حبيب وهو أحد مقدّمي أهل طليطلة فتبعه أهلها في الهزيمة، وإنما انهزم لعداوة كانت بينه وبين مقدم آخر اسمه طريشة فأراد أن يوهنه بذلك فقُتلوا أعظم قتلٍ.\rوفيها عاد عمروس بن عمر بن عمروس الأندلسي إلى طاعة الأمير محمد، وكان مخالفاً عليه عدة سنين، فولاّه محمد مدينة أشقة.\rوفي سنة ست وستين ومائتين أمر محمد بإنشاء مراكب بنهر قرطبة وحملها إلى البحر وسيّرها إلى البحر المحيط ليسير منه إلى بلاد جليقية فلما دخلته تقطعت، فلم يجتمع منها مركبان، ولم يرجع منها إلا اليسير!.\rوفي سنة سبع وستين ومائتين خالف عمر بن حفصون على الأمير محمد بن عبد الرحمن فخرج إليه جيش تلك الناحية وعاملها، فقاتلوه فهزمهم. وقويَ أمرُه وشاع ذكره، وأتاه من يُريد الشّرّ والفساد، فسيّر إليه محمد عاملاً آخر في جيش فصالحه عمر، وطلب العامل كلّ من كان له مساعدةٌ لعمر، فأهلكه، ومنهم من أبعده، واستقامت تلك الناحية.\rوفي سنة ثمان وستين سيّر محمد جيشاً إلى المخالفين مع ابنه المنذر فقصد مدينة سرقسطة فأهلك زرْعها وخرّب بلدها. وافتتح حصن روطة، وأخذ منه عبد الواحد الروطيّ - وهو من أشجع أهل زمانه - وتقدّم إلى دير تروجة وهتكها بالغارة، وقصد مدينة لاردة وقرطاجنة وأخذ رهائنهم، ثم قصد مدينة ألبة والقلاع فافتتح بهما حصوناً، وعاد بالظفر والنصر والسلامة.\rوفاة الأمير محمد\rبن عبد الرحمن كانت وفاته في سلْخ صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين وقيل في يوم الأحد غُرّة شهر ربيع الأول منها، وأنه خرج يوم الأحد إلى الرصافة متنزهاً ومعه هشام بن عبد العزيز فقال له: يا سيدي ما أطيب الدنيا لولا الموت! فقال له: يا ابن اللخناء وهل ملكنا هذا الذي نحن فيه إلا الموت؟ ولو بقي من كان قبلنا فمن أين كان يصل إلينا؟ ورجع من نزهته فحُمَّ ومات في بقية يومه، نقله ابن الرقيق في تاريخ أفريقية وكان مولد محمد في ذي القعدة سنة سبع ومائتين وعمره خمساً وستين سنة وثلاثة أشهر وأياماً. وكانت ولايته أربعاً وثلاثين سنة وأحد عشر شهراً.\rوكان أبيض مشرباُ بحمرة، ربع القامة أوقص، يخضب بالحناء والكتم ووُلد له مائة ولد ذكور، مات عن ثلاثة وثلاثين منهم. وكان ذكياً فطناً بالأمور المستبهمة، محباً للعلوم، مؤثراً لأهل الحديث، عارفاً حَسَن السيرة. قال ابن مخلد الفقيه: ما كلمت أحداً من الملوك أكمل عقلاً ولا أبلغ من الأمير محمد بن عبد الرحمن، رحمه الله تعالى. وكانت وفاة محمد في خلافة المعتمد على الله العباسي.\rإمارة المنذر بن محمد","part":6,"page":384},{"id":2890,"text":"هو أبو الحكم المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وأمه أم ولد اسمها إيل، وهو السادس من أمراء بني أمية بالأندلس. قام بالأمر في يوم وفاة أبيه في غُرّة شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وقيل بويع له بعد وفاة أبيه بثلاث ليال وخالف عليه ابن حفصون - وقد ذكرنا خلافه على أبيه - وتحصن عمر بن حفصون بطليطلة، فسار المنذر إليها وأحدق بها؛ فأعمل ابن حفصون الحيلة وسلك طريق المكر والخديعة، وسأل الأمان، وأظهر الرغبة في سكن قرطبة بأهله وولده. فأمنه المنذر وكتب له بما أراد، وفصّل لأولاده الثياب. ثم سأل مائة بغل يحمل عليها أثقاله وعياله إلى قرطبة، فأمر له المنذر وسُلِّمت إليه وعليها عشرة من العرفاء.\rوارتحل العسكر، فأخذ ابن حفصون البغال وقتل العرفاء، وعاد إلى سيرته الأولى. فعقد المنذر على نفسه أنه لا أعطاه صلحاً ولا عهداً إلا أن يُلفَى بيده وينزل على حكمه، وأمر بالسكنى، وأن تردّ أسواق قرطبة إلى طليطلة. ودام الحصار، فمات وهو يحاصره.\rوأن تردّ أسواق قرطبة إلى طليطلة. ودام الحصار، فمات وهو يحاصره.\rوكانت وفاته في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، وقيل في نصف صفر. وعمره نحواً من ست وأربعين سنة وولايته سنة واحدة وأحد عشر شهراً، وأيام.\rوكان أسمر طويلاً، جعداً كثَّ اللحية، بوجهه أثر جدري، وخلف ستة أولاد ذكوراً. وقيل لم يعقب فولى بعده أخوه! إمارة عبد الله بن محمد هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وأمه أم ولد اسمها عشار، وهو السابع من أمراء بني أمية ببلاد الأندلس. بويع له بعد وفاة أخيه المنذر في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة خمسٍ وسبعين ومائتين، وقيل في منتصف صفر منها، وذلك في خلافة المعتمد على الله العباسي.\rولما بويع له كان بالمعسكر على طليطلة فرحل نحو قرطبة، ودخل القصر بها لثلاث بقين من صفر المؤرَّخ. قال إبراهيم بن الرقيق: ولما تولّى ألّب ابن حفصون عليه، وحشد كور الأندلس حتى لم يبق منهل إلا قرطبة، وأقبل فيمن أطاعه من أهل الكور. وخرج إليه الأمير عبد الله في أربعة عشر ألفاً من أهل قرطبة خاصة، وأربعة آلاف من حشمه ومواليه. فبرز إليه ابن حفصون في سفح الجبل وسار له، فلم تكن إلا صدمة صادقةٌ حتى أزالوهم عن مراكزهم. ودخل ابن حفصون الحصن كأنه يخرج من بقي فيه، فثلم فيه ثلمة أخرج منها أهله وما كان له. فلما انتهى ذلك إلى عسكره ولَّوا مدبرين لا يلوي أحد منهم على أحد فقتلوا قتلاً ذريعاً ودخل منهم جماعةٌ في عسكره فأمر بالتقاطهم وجلس لهم في مظلة فقتِل بين يديه ألفٌ صبْراً.\rوكانت في أيامه فتنٌ عظيمة، وكثُر قيام الثوّار عليه حتى لم يبق في يده إلا مدينة قرطبة وحدها. وخالف عليه أهل إشبيلية وشَذُونة، ولم تبق مدينة إلا خالفت عليه. وعزموا على الدعاء على منابر الأندلس للمعتضد بالله العباسي، فكتبوا إلى إبراهيم بن أحمد الأغلب يسألونه أن يبعث إليهم رجلاً من قٍبله، فتثاقل عنهم إبراهيم وشغله أيضاً اضطراب أهل أفريقية عليه، فأمسكوا عن ذلك! وقلّت رجال عبد الله بن محمد، وذهب من كان يصول له - هو وآباؤه - من مواليهم وأصحابهم، وقلّت الأموال في يده لخروج أهل المدن وامتناعهم من أداء الخراج إليه. وكان خَراج الأندلس الذي يُؤدَّى إلى آبائه ثلاثمائة ألف دينار في كل سنة، فكانوا يعطون رجالهم وخدمهم مائة ألف دينار، وينفقون في أمورهم ونُوَّابهم وجميع ما يعرض لهم مائة ألف، ويدّخرون مائة ألف. فلما امتنع أهل مدن الأندلس من أداء الخراج إليهم رجعوا إلى تلك الذخائر ينفقونها، واتصلت عليهم الحروب خمس عشرة سنة فنفدت ذخائرهم واحتاجوا للقروض!","part":6,"page":385},{"id":2891,"text":"وكانت أيامه على هذه الحال إلى أن توفي، وكانت وفاته في يوم الثلاثاء غُرة شهر ربيع الأول سنة ثلاثمائة، وعمره سبعون سنة إلا شهوراً، ومدة ولايته خمس وعشرون سنة ونصف شهر وكان مستبداً بآرائه، مخالفاً لنصائحه، ليّن الجانب جداً. بلغ من لينه أن ابنه مطرّفاً قتل أخاه محمد بن عبد الله والد الناصر فلم ينكر عليه ذلك، بل قال له: قد سوّغتك قتل أخيك فالله الله في ابن أمية يعني وزيره فإنك إن قتلته قتلتك به! ثم حذّر ابن أمية بن مطرّف، وكان مطرّف قد عزم على خلعه فلم يمكنه ذلك لمكان ابن أمية، فعمل عليه حتى قتله. ولما مات عبد الله ولِي بعده ابن ابنه عبد الرحمن.\rإمارة عبد الرحمن بن محمد هو أبو المطرّف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وأمه أم ولد اسمها مزنة، وهو الثامن من أمراء بني أمية بالأندلس. بويع له بعد وفاة جدّه، في مستهل شهر ربيع الأول سنة ثلاثمائة. وقال ابن الرقيق إنه أخ لعبد الله بن محمد، وليس بصحيح! وينقض ذلك عليه أنه قال فيه: ولي وهو ابن أربع وعشرين سنة ووفاة محمد بن عبد الرحمن قبل مولد عبد الرحمن هذا بأربع سنين، وأظنه أُشكِل عليه أمره، والتبس عليه محمد بن عبد الله بجدّه محمد بن عبد الرحمن، والله تعالى أعلم.\rقال: ولما ولي عبد الرحمن هذا تلقّب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله، وهو أوّل منْ لُقِّب بأمير المؤمنين ببلاد الأندلس. وكان منْ قَبله يُسمَّون ببني الخلائف، ويُسلَّم عليهم ويُخطب لهم بالإمرة فقط. وإنما تسمّى هذا بأمير المؤمنين لما بلغه ضعْف الخلافة بالعراق في أيام المقتدر بالله، وظهور الشيعة بالقَيْروان، ودعاؤهم للمهدي. فكان في ذلك ثلاثة خلائف تَلَقَّب كل منهم بأمير المؤمنين؛ فالمقتدر بالعراق، والمهدي بالقيروان، وهذا الناصر بالأندلس.\rقال: وولي والأندلس نار تضطرم، وجمرةٌ تتَّقد شقاقاً ونفاقاً، فأخمد نيرانها وسكّن زلازلها، وغزا غَزوات كثيرة، وكان يُشبّه بعبد الرحمن الداخل. ولم يجد من المال ما يستعين به على مصالح جيشه، فاتفق أن صاحب الدُّوجَر أغار على قرطبة في نحو ثلاثمائة فارس فهزمه عبد الرحمن وأسره. فسّم إليه الحصن بجميع ما فيه فتقوّى به، ثم التقى مع ابن حفصون في وادي التفاح بجيّان - وكان ابن حفصون في عشرين ألف فارس - فهزمه عبد الرحمن وأفنى أكثر من معه قتلاً وأسْراً.\rوبعث إلى المغرب الأوسط، فملك سبتة وفاس وسجلماسة وعمّرها وغزا الروم بعد ذلك اثنتي عشرة غزوة حتى دوّخ بلادها، ووضع عليهم جزية يؤدونها. وكان فيما شرط عليهم اثنا عشر ألف صانع يصنعون له في مدينته التي بناها وسمّاها الزهراء، وهي على ثلاثة أميال من قرطبة، أسندها إلى سفح الجبل وساق المياه إليها. وقسمها أثلاثاً، فالثلث الذي يلي الجبل لقصوره ومنازله، والثلث فيه دور خدَمه وكانوا اثني عشر ألفاً بمناطق الذهب والسيوف المحلاة يركبون لركوبه وينزلون لنزوله، والثلث بساتين تحت مناظره وقصوره. وجلب إليها أنواع الفواكه، قال: ومن غريب ما بناه فيها مجلسٌ مشرفٌ على البساتين مرفوعٌ على العمد مبنيٌ بالرخام المجزَّع، مصفَّح بالذهب، مرصَّع باليواقيت والجواهر. وصنع أمام المجلس بحراً ملأه بالزئبق فكان النور ينعكس منه إلى المجلس، فحضر إليه القاضي بقرطبة الفقيه منذر بن سعيد البلّوطي فقرأ \" ولولا أن يكون الناس أمّةً واحدةً لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سُقُفاً من فضّةٍ ومعارجَ عليها يظهرون \" إلى قوله تعالى \" والآخرة عند ربك للمتّقين \" فقال له وعظت فأحسنت! وأمر بنزع الصفائح.\rقال: وكمل بناء الزهراء في اثنتي عشرة سنة، بألف بنّاء في كل يوم، مع كل بنّاء اثنا عشر رقاصاً، وسكنها خمساً وعشرين سنةً.\rوطالت أيام الناصر، وتمكن، واتسعت مملكته. وكانت وفاته في ليلة الأربعاء لليلتين، وقيل لثلاثٍ خلت من شهر رمضان المعظم سنة خمسين وثلاثمائة بالزهراء. وحُمل إلى مدينة قرطبة، فدُفن بها مع أسلافه من بني أميّة. ومولده في يوم الخميس لتسع بقين من شهر رمضان سنة سبع وسبعين ومائتين، وكان عمره ثلاثاً وسبعين سنة، ومدّة ولايته خمسين سنة وستة أشهر وأياماً.","part":6,"page":386},{"id":2892,"text":"وكان شهماً صارماً، لم يزل ولي يستذل المتغلبين حتى خلصت له جميع الأندلس في خمس وعشرين سنة من ولايته. وكان له من الأولاد الحكم ولي عهده، وعبد الجبار، وسليمان، وعبد الملك، وعبيد الله، والمغيرة، ولما مات ولي بعده ابنه الحكم.\rإمارة الحكم المستنصر بالله هو أبو العاص الحكم بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وأمه أم ولد اسمها مرجان، وهو التاسع من أمراء بني أمية ببلاد الأندلس. بويع له في شهر رمضان سنة خمس وثلاثمائة في جميع مدن الأندلس وثغورها، فأحسن إلى الرعية، وعدل فيهم وضبط الثغر، وغزا الروم في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، ففتح مدناً جليلة، وسبى وغنم وانصرف غانماً.\rثم أصابه الفالج فتغيَّب عن الناس، فلما كان في يوم السبت لعشر خلون من المحرم سنة ست وستين وثلاثمائة أظهر موته، وقيل توفي فجأة ليلة الأحد لأربع خلون من صفر منها. ومولده في يوم الجمعة مستهل شهر رجب سنة اثنتين وثلاثمائة، فمات وله من العمر ثلاث وسبعون وستة أشهر وعشرة أيام، ومدة ولايته خمس عشرة سنة وأربعة أشهر وأيام.\rوكان حسن السيرة، جامعاً للعلوم مكرماً لأهلها، وجمع من الكتب على اختلاف أنواعها ما لم يجمعه غيره من الملوك قبله، واشتراها من سائر الأقطار، وغالى في أثمانها، فحملت إليه من كل جهة. وكان قد رام قطْع الخمر، من الأندلس، وأمر بإراقتها وشدّد في استئصال شجرة العنب من جميع أعماله. فقيل له إنها تعمل من التين وغيره، فتوقف في ذلك. وهو الذي رحل إليه أبو علي القالي البغدادي الأمالي، وأبو بكر الزبيدي مختصر كتاب العين. وكان منذر بن سعيد البلوطي قاضية وقاضي أبيه، فلما توفي، ولي القضاء ابن بشير الفقيه، فاشترط على المستنصر نفوذ الحكم فيه ممن دونه.\rفكان من أخباره أن امرأة منقطعة كان لها أريضة تجاور بعض قصور الأمير، فاحتاج إليها ليبني فيها شيئاً مما أراد بناءه، فساومها الوكيل في البيع فامتنعت، فأخذها الوكيل قهراً وبنى فيها منظرة بديعة وأنفق عليها جملة وافرة. فوقفت المرأة لابن بشير القاضي وقصّت عليه قصّتها، فركب حماره وجعل عليه خرجاً كبيراً لا يطيق حمله إلا جماعة من الرجال. وقصد الزهراء والمستنصر في تلك المنظرة، فدخل عليه فقال: ما جاء بالقاضي في هذا الوقت؟ فقال: أُريد ملءَ هذا الخرج من تراب هذا الموضع! فتعجَّب منه الحكم وأمر فمُلِئَ الخرج ثم خلا القاضي به فقال: أدل عليك إدلال العلماء على الملوك الحلماء أن لا ينقل هذا الخرج على الحمار إلا أنا وأنت! فضحك الحكم وقال: كيف نطيق ذلك أيها القاضي؟ فبكى ابن بشير وقال: فكيف نطيق أن نطوق هذا المكان أجمعه من سبع أرضين في حلقي وحلقك يوم القيامة وأنا شريكك في الإثم إن رضيت هذا الحكم؟ وقصّ عليه القصة، فبكى الحكم وقال: وعظْت فأبلغت أيها القاضي! ثم خرج عن المكان وسلّمه إلى المرأة ما بُني فيه وغُرس.\rقال: وكتب إليه العزيز بن المعز صاحب مصر كتاباً يشتمه فيه ويسبه، فكتب إليه \" أما بعد فإنك عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لهجوناك، والسلام \" وكتب إليه قصيدة يفتخر فيها منها:\rألسنا بني مروان كيف تبدّلت ... بنا الحال أو دارت علينا الدوائر\rإذا وُلد المولود منا تهلّلت ... له الأرض واهتزت إليه المنابر\rوكان للحكم من الأولاد هشام، وسليمان، وعبد الله. وحاجبه جعفر الصقلي، المعروف بالفتى! إمارة هشام المؤيد بالله وهو العاشر من أمراء بني أمية بلاد الأندلس. بويع له بولاية العهد في حياة أبيه في غُرّة جمادى الأولى سنة خمس وستين وثلاثمائة. وقيل في يوم الاثنين لخمس خلون من صفر منها، وهو ابن اثنتي عشرة سنة باتفاق الوزراء. وعلموا أن معه المغيرة بن عبد الرحمن ينازعه في الأمر ويتطاول إلى بعض ما عُقد له ويرى أنه أحقّ بذلك منه لصغر سنه، فهُجم عليه في منزله فذُبح. وكان الذي تولّى قتْله محمد بن أبي عامر الوزير، فصعّب الأمور لهشام.","part":6,"page":387},{"id":2893,"text":"ولما ولي احتيج إلى مدبرٍ للمملكة، فوقع الاختيار على جعفر بن عثمان المصحفي، فقلّده هشام حجابته وتدبير أمره، وأشرك معه في الحجابة غالب بن عبد الرحمن. وقلّد المنصور بن أبي عامر الوزارة - وكان على الشرط والسكة - فانحط المصحفي وارتفع ابن أبي عامر، ثم عزل المصحفي عن الحجابة في يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان سنة سبع وستين وحوقق وطولب بمائة ألف دينار، وتوفي في المطبق بعد خمسة أعوام، فكانت مدة ولايته سنة أشهر وثلاثة أيام.\rأخبار المنصور\rمحمد بن أبي عامر قال: ولما عزل المصحفي اتفق الرأي على تقديم محمد بن أبي عامر المعافري، فولى الحجابة في يوم الاثنين المؤرّخ، وبقي غالبٌ شريكه إلى أن قُتل وتفرّد المنصور بالأمر.\rقال بعض المؤرخين: كان محمد بن أبي عامر من الجزيرة الخضراء، وله بها قدْرٌ وهو شابٌّ إلى قرطبة واشتغل بالعلم والأدب، وسمع الحديث وتميّز. وكانت له همة يحدِّث بها نفسه بإدراك معالي الأمور، وكان يحدّث من يختص به بما يقع له من ذلك. وله أخبار كثيرة أورد منها أبو عبد الله الحميدي - في كتابه المترجم بالأماني الصادقة - كثيراً قال: ثم علت حاله، وتعلّق بوكالة صُبْحٍ أم هشام المؤيد، والنظر في أموالها؛ فزاد أمره في التَّرقِّي إلى أن مات وولى ابنه هشام، فخافت اضطراب الأمر عليه، فضمن لها سكون الحال وزوال الخوف واستقرار الملك لابنها. فساعدته المقادير، وأمدّته بالأموال فاستمال العساكر إليه، فصار صاحب التدبير والمتغلِّب على الأمر.\rوحجب هشاماً وتلقَّب بالمنصور وأقام الهيبة، فدانت له أقطار الأندلس كلها، ولم يضطرب عليه شيء منها لعظم هيبته وحُسْن سياسته. وكان يدخل إلى القصر ويخرج فيقول: أمر أمير المؤمنين بكذا ونهى عن كذا! فلا يُعترَض عليه في مقال ولا يُنازع في أفعال.\rوكان إذا غزا بلد الروم وكل بهشام من يمنعه من التصرف والظهور والإذْن في دخول أحدٍ من الناس إلى أن يعود من سفره، فإذا كان بعد سنين أركبه وجعل عليه بُرنساً وألبس جواريه البرانس حتى لا يُعرف منهم، ويوكل بالطرقات من يطرد الناس عنها حتى ينتهي إلى الزهراء وغيرها من المتنزهات، ثم يعيده على مثل ذلك. وليس له من الملك إلا الدعاء على المنابر، وإثبات اسمه على السكة والطرر، والمنصور على أتمّ ما يكون من الحزم وسدّ الثغور وإقامة العدل وشمول الناس بالإحسان والفضل. فلم ثُر في الضبط وحُسْن السياسة وأمْن السبيل وتوفية حقوق الرياسة بجزيرة الأندلس كأيامه! ودامت له هذه الحال بضعاً وعشرين سنة إلى أن توفي، وكانت وفاته في أقصى الثغور بمدينة سالم في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة في طريق الغزو.\rقال: وكان رحمه الله تعالى له مجلس في الأسبوع يجتمع فيه أهل العلم للكلام بحضرته مدة بقائه بقرطبة، قال وختن أولاده فختن معهم من أولاد أهل دولته خمسمائة صبي ومن أولاد الضعفاء ما لم تُحص عدتهم، وأنفق فيه خمسمائة ألف دينار.\rوكان ذا همة عالية في الجهاد، مواصلاً لغزو الروم، وربما خرج لصلاة العيد فيقع له فيه الجهاد، فلا يرجع إلى قصده ويركب من فوره بعد انصرافه من الصلاة، فلا يصل إلى أوائل الدروب إلا وقد لحقه كل من أراد من العساكر. وغزا ستاً وخمسين غزاة ذكرت في المآثر العامرية بأوقاتها، وفتح فتوحاً كثيرةً، ووصل إلى معاقل جمَّةٍ امتنعت على من كان قبله. وملأ الأندلس بالغنائم والسبي.\rقال: وكان إذا انصرف من قتال العدو إلى سُرادقه يأمر بنفض غبار ثيابه التي شهد فيها الحرب، ويُجمع ويُحتفظ به. فلما حضرته الوفاة أمر أن ينشر على كفنه ما جمع من ذلك إذا وضع في قبره.\rقال: وبنى مدينة الزاهرة بقرب قرطبة، وانتقل إليها بأهله وولده وحواشيه. وكان قد يُخَوَّف من بني أمية أن يثوروا به، فأخذ في تقتيلهم صغاراً وكباراً، عملاً في الباطن لنفسه وفي الظاهر إشفاقاً على المؤيد منهم، حتى أفنى من يصلح منهم للولاية، وفرّق في البلاد. فكان ممن هرب الوليد بن هشام الخارج على الحاكم بمصر، الملقب بأبي زكوة.\rوأخبار المنصور طويلة مشهورة لو استقصيناها لطال الكتاب، وفيما نبّهنا عليه من أخباره وذكرناه من آثاره كفاية. وأخبرني بعض أهل الأندلس أن على قبره مكتوباً:\rآثاره تُنْبيك عن أخباره ... حتى كأنك بالعيان تراه","part":6,"page":388},{"id":2894,"text":"تالله لا يأتي الزمان بمثله ... أبداً ولا يحمي الثغور سواه\rولما مات رحمه الله - قام بالأمر بعده ولده.\rالمظفر\rأبو مروان عبد الملك قال: وكان الناس قد تجمعوا وقصدوا الزهراء وقالوا: لا بُدّ من طهور المؤيد وولايته الأمر بنفسه! فلما بلغه ذلك آثر الراحة والدعة، وأحضر عبد الملك وخلع عليه وقلّده ما كان بيد أبيه من الولاية، ونعته بالحاجب المظفر سيف الدولة. وأُمر فاتن الصغير الخادم أن يخرج إلى المجتمعين فيصرفهم ويخبرهم برضائه بحِجبة المظفر، فأخبرهم، فأبوا! وخرج المظفر فقابلته الفئة المجتمعة فهزمهم، وأقام في الحجبة إلى أن توفي اثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر سنة تسع وتسعين وثلاثمائة بموضع يقال له القبران في غزوته، فحمل في تابوت ودفن بالزاهرة وعمره ست وثلاثون سنة. ومدة ولايته ستة أعوام وأربعة أشهر وأيام وغزا الروم ثماني غزوات وبأيامه تضرب المثل بالأندلس عدلاً وأمناً.\rولما مات ولِيَ الحجْبة عبد الرحمن بن المنصور محمد بن أبي عامر وهو أخو المظفر ونُعت بالحاجب المأمون ناصر الدولة، ويلقب بشنشول فافتتح أموره بالخلاعة والمجانة، وكان يخرج من منية إلى منية ومن متنزه إلى متنزه بالملاهي والمضحكين، ويجاهر بشرب الخمر والتهتُّك. ثم طلب من المؤيد أن يدعو له يوليه العهد بعده، وهدّده بالفتْك به إن لم يفعل، وكثر الإرجاف بذلك.\rثم ركب شنشول من الزاهرة ومعه سائر أهل الخدمة بسلاحهم، والوزير وقاضي الجماعة، والفقهاء والعدول، وأصحاب الشُّرط، ووجوه الناس على طبقاتهم. وسار إلى باب القصر بقرطبة، وحضر المؤيد هشام، وأخرج كتاباً قُرئ بحضرته وهو بخط الوزير أبي عمر، وفيه:","part":6,"page":389},{"id":2895,"text":"\" بسم الله الرحمن الرحيم.. هذا ما عهد به هشام المؤيد بالله أمير المؤمنين إلى الناس عامة، وعاهد الله - عز وجل - عليه من نفسه خاصة، وأعطى به صفقة يمينه بيعة تامة، بعد أن أمعن النظر وأطال الاستخارة، وأهمه ما جعل الله إليه من الإمامة وعصب به من أمره، واتقى حلول القدر بما لا يؤمن، وخاف نزول القضاء بما لا يُصرف، وخشي إن هجم محتوم ونزل مقدور به ولم يرفع لهذه الأمة علماً تأوي إليه وملجأ تنعطف عليه.. أن يكون بلقاء ربه - تبارك وتعالى - مفَرطاً فيها ساهياً عن أداء الحقِّ إليها ونقض عند ذلك من طبقات الناس من أحياء قريش غيرها ممن يستوجبه بدينه وأمانته وهديه وصيانته، بعد اطِّراح الهوى والتحرِّي للحق والتزلُّف إلى الله - جل جلاله - بما يرضيه. بعد أن قطع الأواصر وأسخط الأقارب فلم يجد أحداً هو أجدر أن يقلده عهده ويفوِّض إليه الخلافة بعده، بفضل نفسه وكرم خيمه وشرف مركبه وعلو منصبه، مع تقواه وعفافه، ومعرفته وإشرافه، وحزمه وتقاته.. من المأمون الغَيْب الناصح الجيْب، أبي المطرِّف عبد الرحمن بن محمد المنصور أبي عامر، وفقه الله إذ كان أمير المؤمنين - أيده الله - قد ابتلاه واختبره، ونظر في شأنه واعتبره، فرآه مسارعاً في الخيرات سابقاً في الحلبات مستولياً على الغايات جامعاً للمأثرات! ومن كان المنصور أباه، والمظفر أخاه.. فلا غرْوَ أن يبلغ من سُبُل البرّ مداه، ويحوي من سبيل الخير ما حواه. مع أن أمير المؤمنين - أكرمه الله - بما طالع من مكنون العلم، ودعاه من مخزون الأمر، أمَّل أن يكون قد ولَّى عهده القحطاني الذي حدَّث عنه عبد الله بن عمرو بن العاص وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى يخرج رجلٌ من قحطان يسوق الناس بعصاه. فلما استوى منه الاختيار، وتقابلت عنده فيه الآثار، ولم يجد عنه مهرباً، ولا إلى غيره معدلاً.. خرج إليه من تدبير الأُمور في حياته، وفوّض إليه الخلافة بعد وفاته، طائعاً راضياً مستخيراً مجتهداً. وأمضى أمير المؤمنين عهده هذا وأجازه وأنفذه، ولم يشترط فيه مثْنوية ولا خياراً، وأعطى على الوفاء به في سره وجَهره وقوله وفِعله عهد الله وميثاقه ودمه وذِمّة نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وذِمة الخلفاء الراشدين من آله وآبائه، وذمة نفسه.. أن لا يبدَّل، ولا يغيَّر ولا يحوَّل، ولا يزول، وأشهد الله تعالى وملائكته على ذلك، وكفى بالله شهيداً.. وأشهد من وقع اسمه في هذا وهو جائز الأمر، ماضي القول والفعل بمحضرٍ من ولى عهده المأمون أبي المطرف عبد الرحمن بن المنصور - وفقه الله - وقبوله ما قلّده، وإلزامه نفسه ما ألزمه، وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة \" .\rثم كتب الوزراء والقضاة والفقهاء شهاداتهم بذلك، فلما تمّ له ما أراد من ولاية العهد ودُعي على المنابر، أخذ في التخليط وارتكاب المحرّمات. ثم عزم على الغزاة، وتقدّم إليه هشام أن يتعمّم هو وسائر الجند ففعل، وخرجوا في العمائم - وكانوا بها في أقبح زي لمخالفة العادة - وذلك في يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من جمادى الأولى.\rوسار للغزاة وعي المعروفة بغزوة الطين، وقيل إنه انتهى إلى طليطلة، فأتاه الخبر بقيام محمد بن هشام بن عبد الجبار وخلعه للمؤيد، وأنه أخرب الزاهرة، فخلف الناس لنفسه، ثم تفرقوا عنه، والتحقوا بمحمد بن هشام وكان من أمره وأمر المؤيد ما نذكره في أيام محمد بن هشام بن عبد الجبار! إمارة محمد المهدي هو أبو الوليد محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، وهو الحادي عشر من ملوك بني أمية بالأندلس استولى على الأمر في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، ونحن نذكر سبب ذلك وكيف كان خروجه وكيف استولى على الأمر، لأن في ذلك من الغرائب والحوادث ما يتعين إيراده بسببه ويفيد تجرُّبه، ويعتبر به مَنْ يتأمله، ويعلم أن المقادير تجري على غير قياس، وإذا أراد الله أمراً هيّأ أسبابه.","part":6,"page":390},{"id":2896,"text":"وكان ابتداء هذا الأمر أن هشام بن عبد الجبار والد محمد المهدي هذا قد ترشّح لطلب هذا الأمر لنفسه، وعزم على خلع هشام المؤيد، فبلغ ذلك المظفر عبد الملك فقتل هشام بن عبد الجبار قبل أن يستحكم أمره في سنة تسع وتسعين. وكان محمد بن هشام جسوراً مقداماً شجاعاً، ولم يتهيأ له أمرٌ لهيبة عبد الملك واجتماع جنده، فلم يزل محمد يترصّد الأمر حتى مات عبد الملك وولى عبد الرحمن. وتطاول لولاية العهد ونالها، وخرج للغزاة - على ما قدّمنا - فخلا البلد من الجند. وقّوِّي عزم محمد رجلان وهما حسن بن حيّ الفقيه ومطرف بن ثعلبة. وكان محمد يعاشر في مدة استتاره قوماً من الصعاليك لهم على كل عظيمة، فدسّ بعضهم إلى بعض وأعطاهم من خمسة مثاقيل إلى عشرة وأكثر من ذلك، فاجتمع له منهم نحو أربعمائة رجل. وطاوعه على ذلك جماعة من المروانيين لخروج الأمر عنهم وصَرْفِهِ إلى أبي عامر.\rوكان عبد الرحمن قد رتّب أمور البلد قبل مسيره، وجعل النظر في الأموال وتدبير البلد إلى قبل مسيره، وجعل النظر في الأموال وتدبير البلد إلى أحمد بن حزم وعبد الله بن سلمة المعروف بابن الشرس، وجعل على المدينة عبد الله بن عمرو المعروف بابن عُسفلاجة وهو أحد بني أبي عامر. وظن شنشول أن الأمور لا تتغير وأن دولتهم قد استحكم أمرُها، هذا ومحمد في تقرير حاله، فشنع الناس أن قائماً يقوم على بني الأغلب، فبلغ ابن عسفلاجة الخبر فأظهر البحث وبالغ في الكشف فلم يتبيّن له شيء وهجم دوراً كثيرة فلم يقف على أمر واضح.\rفلما كان في يوم الثلاثاء النصف من جمادى الآخرة مات ابن عبد الجبار بقرطبة، ونقدم إلى ثلاثين رجلاً من كُفاة أصحابه أن يشتملوا على سيوفهم ويدخلوا من باب القنطرة متفرقين حتى يقفوا على السترة التي تشرف على الرصيف والوادي، كما يفعل من يريد التفرّج بذلك المكان. وأمرهم أن لا يحدثوا حدثاً حتى يأمرهم وأنذر سفهاءه وواعدهم ساعة قبل زوال الشمس، ففعل أولئك النفر ما أمرهم به، وكان من سواهم على انتظار الوقت الذي حدّده لهم. وركب محمد بغلته وعبر القنطرة وحده حتى انتهى إلى باب الشكال ومعه نفرٌ من أصحابه كانوا قياماً على باب القنطرة فاقتحموا باب الشكال فأنكرهم حرس الباب وأرادوا منعهم، فبادر محمد ودخل. وسلّ أولئك النفر سيوفهم وقصدوه، فقصدهم صاحب المدينة ابن عسفلاجة، فيقال إنه كان يشرب مع حارسين له، فأتاه محمد وهو على أهبة فقتله واحتزّوا رأسه. وتتابع أصحاب محمد من جهاتهم إليه.\rواتصل الخبر بأهل الزاهرة عند العصر وقد عظم جمع محمد من أصحابه ومَنِ اجتمع إليه من العوام وأهل البادية، فنُقب القصر من ناحية السباع ومن ناحية باب الجنان، ولم يقدر حرس القصر على مقاومته.. ووصل إلى القصر من جهة باب السدة وأهل الزاهرة غير مصدّقين بالأمر، وظنوا أنه أمر يدفعه صاحب المدينة إلى أن قوي عندهم الخبر بدخول محمد القصر، فكان حسبهم اعتصامهم بالزاهرة في ليلتهم.\rفلما صار محمد داخل القصر أرسل إليه المؤيد هشام يقول له: تؤمنني على نفسي وأنخلع لك من الأمر! فقال \" سبحان الله أتراني إنما قمت في هذا الأمر لأقتل أهل بيتي، وإنما قمت غضباً له ولنفسي وبني عمي، فإن خلع نفسه طائعاً قبلت ذلك، وليس له عندي إلا ما يحب.\rوأرسل محمد إلى الفقهاء ووجوه الناس فأحضرهم، وكتب كتاب الخلع والبيعة لمحمد، وبات تلك الليلة في القصر وأهل بالس وهي الزهراء لم يتحرك منهم أحد، وكانوا جمعاً كبيراً منهم أبو عمرو بن حزم وعبد الله بن سلمة وابن أبي عبيدة وابن جهور، وجماعة من الفقهاء والوزراء والقالبة - وهم الخصيان - ونفر من الجند والخزان والكتاب.","part":6,"page":391},{"id":2897,"text":"وأصبح محمد فجعل حجابته إلى ابن عمه محمد بن المعيرة، وجعل على المدينة ابن عمه أُميّة بن إسحاق. وأمرهما بإثبات كل من جاءهما في الديوان، فلم يبق أحد حتى أثبت نفسه حتى الزهاد والعباد وأئمة المساجد وغيرهم وقبضوا العطاء، وكذلك التجار الأغنياء. واتّبعه سائر أهل البوادي والأطراف، وأرسل حاجبه محمد بن المغيرة في خلْق من العامة لمحاربة أهل بالس فردّوه أقبح ردٍّ وهزموه إلى داخل قرطبة. ثم كثر العامة فهزموهم إلى بالس، ودخلها الحاجب ونُهبت، فسأل الوزراء والصقالبة الأمان فأمّنهم محمد، فساروا إليه فوبخهم ثم عفا عنهم ورد ابن الشرس مع الحاجب لنقل ما ببالس من الأموال والأمتعة والأثاث وقد نُهب منه ما لا يُحصى، ونُهبت ليلة الأربعاء دورٌ كثيرةٌ للعامرية، ونهب ما جاوز بالس من دور الوزراء، وانتُهبت ما في الزاهرة حتى قُلعت الأبواب والأخشاب، والحاجب مع ذلك ينقل.\rثم أمر محمد بعد أربعة أيام بكفّ أيدي العامة عن النهب فمنعوا، وتفرّد بنقل ما يريد، فيقال إن الذي وصل إليه من الزاهرة في ثلاثة أيام ألف ألف وخمسمائة ألف دينار، ومن الدراهم الأندلسية ألفاً ألف ومائة ألف، ووجد بعد ذلك خَوابيٌّ فيها نحوٌ من مائتي ألف دينار، وأطلقت النار في الزاهرة لعشر بقين من جمادى الآخرة.\rوخُطب لمحمد بالخلافة وقطعت خطبة هشام وشنشول، وقُرِئ بعد صلاة الجمعة كتابٌ بلعن شنشول وذكر مساوئه، وقُرِئ كتابٌ آخر من محمد بإسقاط رسوم جارية وقبالات محدثة. وصلّى محمد بالناس الجمعة لأربع من جمادى الآخرة ودعا لنفسه وتلقّب بالمهديّ، وقُرِئ بعد نزوله كتاب على المنبر بالنفير لقتال شنشول. ووصل أهل الأقاليم من أقصى الأندلس مظهرين عُدّة الرحب، وولّى محمد جنده قواداً من طبيب وحائك وجزار وسرّاج، وخرج بهم ونزل بفحص السرادق، وأمر أهل النواحي بالنزول حول سرادقه.\rأخبار شنشول ومقتله\rقال: وأما شنشول فإنه لما بلغه الخبر - وكان قد انتهى إلى طليطلة - عاد إلى قلعة رباح وقد تخاذل عنه الناس؛ فعزم على استجلاب الناس لنفسه فامتنعوا وقالوا: قد خلفنا مرة ولا يخلف أُخرى! فعلم أنهم خاذلوه، فدعا محمد بن يعلى الزناتي وكان عزم على خذلانه فقال له: ما ترى فيما نحن فيه؟ فقال له: أصدقك عن نفسي وعن الجند ليس والله يقاتل معك أحدٌ منهم! قال ما الدليل على ذلك. قال: تأمر بتقديم مطبخك إلى طريق طليطلة وتظهر الرحيل إليها فتعلم مَنْ يتبعك ومن يتخّف عنك! قال: صدقت.\rوكان ابن عومس القومس مع شنشول يريد قرطبة معاقداً له يستنصر به على مَنْ يناوئه من القمامسة. فلما رأى اضطراب حال شنشول أشار عليه أن يرحل معه إلى بلده، ويكونوا يداً واحدة، ويلجأوا إلى مكان، فأبى ذلك وقال: لا بُدّ من الإشراف على قرطبة فإني أرجو أنني إذا طلعت عليا اختلفت كلمة محمدٍ، ولي أنصارٌ يميلون إلى سلطاني ويحبون ظهوري! فقال له القومس: خذ باليقين ودع الظن، أمرك والله مختلٌّ وجندك عليك لا لك! فقال: لا بد من المسير إلى قرطبة! فقال: أنا معك على كراهية لرأُيك وعلم بخطاياك.\rوسار شنشول من قلعة رباح والأخبار تتواتر بتظاهر أهل قرطبة مع ابن عبد الجبار، فلما بلغ منزل هانئٍ فارقه عامة البربر ليلاً، وذلك في سلخ جمادى الآخرة، ثم فارقه الناس بعد ذلك وبقي في نفر يسيرٍ من خدمه، وابن عومس في مفر من النصارى، فقال له: سر بنا من هنا قبل أن يدهمنا ما يمنعنا من ذلك! فأبى شنشول وقال: قد بعثت القاضي في طلب الأمان لي. ثم تجبر في أمره وسار إلى دير يعرف بدير شَوْس ليلة الجمعة لثلاث خلون من شهر رجب.\rوبلغ خبره محمد، فأرسل إليه حاجبه في مائتي فارس، فأرسل الحاجب ابن ذري مولى الحكم فسبقه إلى الدير فصبحه في يوم الجمعة، فقال شنشول لما عاينه ومن معه: ما لكم عليّ سبيل، أنا في طاعة المهدي! فاستنزلوه من الدير ومعه ابن عومس ومن تبعهما، وأخذ نساء شنشول - وهن سبعون جارية - فبعث بهن إلى قرطبة، ولحق الحاجب بابن ذري قبل العصر من يوم الجمعة. فلما أقبل عليهم نزل شنشول فقبّل الأرض بين يدي الحاجب مراراً، فقيل له: قَبِّل حافر فرسه! ففعل وقبّل رجله ويده، ثم حُمل على غير فرسه وابن عومس ساكت لم ينطق، وأشار إلى الحاجب بانتزاع قلنسوة شنشول عن رأس فانتزعت.","part":6,"page":392},{"id":2898,"text":"ورجع يريد قرطبة، فسار إلى أن غربت الشمس، فنزل وأمر أن يكتف شنشول فعطفت يده عطفاً شديداً فقال: نفِّسوا عني وأطلِقوا يدي لأستريح ساعة! فنفسوا عن يده، فأخرج من خُفّه سكيناً كالبرق فعوجل قبل أن يصنع شيئاً، ثم أضجعه الحاجب وذبحه. وقتل ابن عومس وأخذ رأسيهما، وحمل جثة شنشول، وسار بها إلى القصر بقرطبة. فأمر محمد بشق بطنه ونزع ما فيه وحُشي بعقاقير تحفظه، ثم نصب رأسه على قناة ووقف به على باب السدة ثم رُكِّب على جسده، وكُسي قميصاً وسراويل، وأخرج فسُمّر على خشبة على باب السدة. وأمر الرّسّان صاحب شرطه شنشول أن ينادي: هذا شنشول المأمون! ثم يلعنه ويلعن نفسه، وذلك في يوم السبت لأربع خلون من شهر رجب.\rوكانت مدة ولاية شنشول أربعة أشهر وأياماً، وكان قبيح الفعال كثير التخليط متجاهراً بالفِسْق، شُهد عليه بأشياء لا تصدر عن مسلم، منها أنه سمع المؤذن يقول \" حيّ علي الصلاة \" فقال: لو قال حيّ على الكبير لكان خيراً له! وكثيرٍ من هذا القول وما يناسبه، وانقرضت الدولة العامرية بمقتل شنشول.\rقال إبراهيم بن الرقيق: ومن أعجب ما رأيناه أنه كان من نصف نهار يوم الثلاثاء لأربع عشرة بقيت من جمادى الآخرة إلى نصف نهار الأربعاء الذي يليه، فُتحت مدينة قرطبة وهُدِمت مدينة الزاهرة، وخُلع خليفة وهو هشام بن الحكم، وولى خليفةٌ وهو محمد بن هشام بن عبد الجبار، وزالت دولة بني عامر، وحدثت دولة بني أمية، وقُتل وزيرٌ وهو ابن عُسفلاجة، وأُقيمت جيوش من العامة، ونُكب خلْقٌ من الوزراء، وولى الوزارة آخرون، وكان ذلك على أيدي عشرة رجال حجّامين وجزارين وحاكة وزبالين، وهم جند ابن عبد الجبار! قال: وفي يوم الخميس لسبعٍ خلون من شهر رجب وصل كتابُ واضحٍ من مدينة سالم إلى محمد وطاعته وإظهار الاستبشار بمقت شنشول، فسُرّ به محمدٌ وشكر ذلك لواضح، وحمل إليه مالاً كثيراً وكساء وفُرشاً وطرائف، وولاّه سائر الثغر.\rقال: ولما استوثق الأمر لمحمد أسقط من جنده نحواً من سبعة آلاف وعادوا إلى بنيهم فانتفع بهم الناس، ثم نفى جماعةٌ من الصقالبة العامرية، ثم أخرج بعد ذلك صقالبة القصر وسدّ أبوابه. وأظهر محمدٌ من الخلاعة واللهو والشُّرب ما كان بفعله شنشول، واستعمل مائة عود ومائة بوق. وفي شعبان توفي رجل يهوديٌّ فأخذه محمد وأوقف عليه رجالاً من أصحابه، وكان يشبه بهشام فشهدوا عند العامة أنهم وقفوا على هشام ميتاً لا جُرحٌ به ولا أثرٌ وأنه مات حتف أنفه. وحضر الفقهاء والعدول وخلْقٌ من العامة إلى القصر وصلّوا عليه يوم الاثنين لأربع بقين من شعبان وأخفاه عند وزيره الحسن بن حيّ.\rوفي شهر رمضان سجن محمد سليمان بن عبد الرحمن - وكان قد جعله وليّ عهده - وسجن جماعةً من قريش، وأظهر بُغْض البربر فكان يسبّهم في مجلسه.\rقيام هشام على محمد\rوما كان من أمره إلى أن قُتل قال: ولما شرع محمد بن عبد الجبار في اطّراح البربر ودبّر في قتل عشرة منهم، سعى هشام بن سليمان بن عبد الرحمن في خلْع محمد ووافقه جماعةٌ من الجند واحتفل أمره، وخرج إلى فحص السرداق وانضمّ إليه الذين أسقطهم محمد من جنده، فراسله محمدٌ وقبَّح عليه فِعله فقال: سُجن والدي على غير شيء ولا أدري ما صُنع بهّ فأطلقه محمد فسلم يرجع هشام عن رأيه، وتحرّك بالجند وأحرق سوق السرّاجين. ثم خذله جنده وأخذوه أسيراً هو وأخوه أبو بكر وأبوه سليمان، فسلموهم إلى محمد؛ فقتل هشاماً وأبا بكر صبراً، وذلك لأربعٍ بقين من شوال. ونُهبت دور البربر، ونودي في البلد \" من أتى برأس بربري فله كذا وكذا \" فشرع أهل قرطبة في قتل من قدروا عليه منهم، وسُبيت نساؤهم، وهرب من سلم من البربر إلى أزملاط ثم جلَوا إلى الثغر. وكان من فرّ بعد قتل هشام سليمان بن الحكم بن سليمان بن الناصر، فنصبه البربر خليفة.\rقيام سليمان\rبن الحكم المستعين بالله","part":6,"page":393},{"id":2899,"text":"قال: لما نصبه البربر خليفة نعت نفسه المستعين بالله، واستوزر أحمد بن سعيد، ونهض بمن معه إلى وادي الحجارة فدخلوه عنوةً، وعرضوا أنفسهم على واضح العامريّ غلام المنصور ابن أبي عامر صاحب مدينة سالم، فلم يقبلهم، وبعث إليه محمد ابن هشام المهدي قيصر الفتى في جيش ليُعينه على سليمان، فالتقوا واقتتلوا، وانهزم واضحٌ وقتل قيصر. ولحق واضح بمدينة سالم فتحصن بها، ومنع الميرة عن البربر، فأقاموا خمسة عشر يوماً يأكلون الحشيش. فلما اشتد ذلك عليهم أرسلوا إلى ابن مادويه الرومي واستُنجد به، وسأله سليمان أن يدخل بينهم وبين ابن عبد الجبار وواضح في الصلح وقال: يخرج معنا إلى واضح ويرغب إليه في الإصلاح بيننا وبين صاحبه، فإن أبي ذلك سرنا إلى قرطبة وناجزنا ابن عبد الجبار.\rفسارت الرسل إليه فوجدوا رُسل ابن عبد الجبار وواضح عنده يسألونه الصلح معهما على أن يعطياه ما اشترط من مدائن الثغر، وأتوه بخيلٍ وبغالٍ وكساءٍ وجوهرٍ وطيبٍ وتحفٍ كثيرةٍ. فأجاب البربر إلى ما أرادوه من الصلح أو الاتفاق معهم على أن يعطوه ما بذل واضحٍ والمهديُّ من مدائن الثغور إذا ظفروا. فقبلوا ذلك منه، وردّ رُسُل واضحٍ وابن عبد الجبار، ثم أرسل إلى البربر ألْف عجلةٍ تحمل الدقيق والشعير وأنواع المأكل وألف ثور وخمسة آلاف شاة وجميع ما يصلحهم من الملبس وغير ذلك. فقويت البربر بذلك، وسار إليهم في جموعه وساروا إلى مدينة سالم، وأرسلوا واضحاً في الصلح فأبى، فساروا إلى قرطبة في المحرم سنة أربعمائة. وابتعهم واضح بمن معه وقابلهم، فانهزم وقُتل خلْقٌ كثير من أصحابه، ووصل المنهزمون من أصحابه إلى قرطبة، وملك البربر جميع ما كان عسْكر واضح، هذا وابن عبد الجبار في لهْوه واستهتاره، ثم خرج إلى فحص السرداق وخندق عليه، وأتاه واضحٌ في أربعمائة فارس من أهل مدينة سالم، ووصل غلامه يلبق في مائتي فارس.\rوأقبل سليمان بالبربر فنادى ابن عبد الجبار أن يُخرج كل من بلغ به الحُلُمُ من سائر الناس، فلم يتخلف أحدٌ فلا ترى شيخاً ضعيفاً أو حَدَثاً غِرّاً وبقّالاً ونسّاجاً. فلما كان في يوم السبت منتصف شهر ربيع الأول التقى البربر وأهل قرطبة فحمل عليهم من البربر نحو ثلاثين فارساً فلم يقفوا لهم وانهزموا، وسقط بعضهم على بعض. ومضى واضحٌ من فَوْره إلى الثغر لم يعرج على شيء.. ووضع البربر السيف في أهل قرطبة فقتلوا خلقاً كثيراً، وغرق في وادي قرطبة ما لا يُحصى.\rوسار ابن عبد الجبار إلى القصر وأظهر هشاماً المؤيد وأقعده حيث يراه الناس في مكان يشرف على باب الشكال والقنطرة، وأرسل القاضي ابن ذكوان إلى البربر يقول: إنما أنا قائم دون هشام ونائبٌ عنه كما يحجبه الحاجب والأمر له، وهو أمير المؤمنين! فلما أبلغهم القاضي الرسالة قالوا: بالأمس يموت هشامٌ وتصلِّي عليه أنت وأميرك، واليوم تعيش وتُرجع الخلافة إليه! فاعتذر القاضي من ذلك.\rثم خرج أهل قرطبة بأجمعهم إلى سليمان فأكرمهم، وأحسن لقاءهم. ودخل سليمان القصر، وهرب ابن عبد الجبار فكانت مدة ولايته تسعة أشهر. واستنجز ابن مادوية البربر أن يعطوه الحصون التي شرطوها له فقالوا: ليست الآن بأيدينا فإذا عهد سلطاننا أنجزنا لك ما وافقناك عليه! ورحل يوم الاثنين لسبع بقين من شهر ربيع الأول.\rقال: ثم فرّق سليمان العمال في الولايات، وأنزل البربر بالزهراء، وأعاد المؤيد إلى السجن، وأنزل شنشول عن خشبته وأمر بغسْله والصلاة عليه ودفنه، فدفن في دار أبيه.\rوأما المهدي محمد بن هشام فإنه هرب إلى طليطلة بعد اختفائه بقرطبة، فوصل في أول جمادى الأُولى فقبله أهلها أحسن قُبولٍ، وخالفوا هشام بن سليمان. فتأهب لقصد طليطلة. ورحل يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من جُمادى الآخرة. فلما قرب منها أرسل الفقهاء إلى أهلها ليعذر إليهم فرجعوا بخلافهم، فسار إليهم وكان رجلٌ يعرف بالقرشي الحرّاني قد جمع جموعاً عظيمةً ودعا لنفسه، فسرح إليه سليمان عليَّ بن وداعة في جيش كثيف فهزم جموع القرشي وأسره وأحضره إلى سليمان، فاعتقله ثم قتله.","part":6,"page":394},{"id":2900,"text":"قال: وتجاوز سليمان طليطلة رجاء أن يرجعوا إلى الطاعة، ورحل إلى الثغر على مدينة سالم. ثم التحق بمحمد بن عبد الجبار في جماعة من العبيد، وانضم إليه ابن مسلمة صاحب الشرطة. وخرج واضحٌ من مدينة سالم إلى طرطوشة وكتب إلى سليمان يرغب في المعافاة من الخدمة ويكون في ميورقة مرابطاً وينقطع عن الناس، وإنما يفعل ذلك تطميناً لسليمان حتى يحكم أمره. فأرسل سليمان إليه بالنظر في سائر الثغر وجهاد العدوّ، فأخذ واضح في الاتفاق مع الفرنج وشرط لهم ما أرادوه، واجتمعوا كلهم مع المهدي بطليطلة. وبلغ سليمان ذلك فاستنفر الناس فاستعفاه أهل قرطبة، وذكروا عجزهم عن القتال فأعفاهم بشفاعة البربر. وخرج لقتال القوم، فالتقوا عند عقبة الثغر في العُشر الأخير من شوّال، فجعل البربر سليمان في ساقتهم وجعلوا معه خيلاً من المغاربة وقالوا له: لا تبرح موضعك ولو وطئتك الخيل! ثم تقدموا فحملت الفرنج عليهم حملة منكرة فأخرجوا لهم ليتمكنوا منهم، فرأى سليمان خيل الفرنج وقد خرقت صفوف البربر فلم يشك أن البربر قد اصطلموا، فانهزم فيمن معه. ثم عطف البربر على الفرنج فقتلوا ملكهم أرمغند، وستين من وجوههم. ورأى البربر هزيمة سليمان فانحازوا إلى الزهراء، ثم خرجوا منها ليلاً. ومضى سليمان إلى مدينة شاطِبة، فكانت مدة ولاية سليمان سبعة أشهر.\rدولة المهدي محمد الثانية قال: ولما انهزم سليمان دخل محمد بن هشام بن عبد الجبار قرطبة ومعه الفرنج فأفسدوا غاية الفساد، ونهبوا الأموال، واستطالوا على الناس ثم سألهم المهديُّ وواضحٌ المسير معهما لقتال البربر فخرجوا كلهم، والتقوا بالبربر بوادي لدة لست خلون من ذي القعدة، واقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم واضح وابن عبد الجبار والفرنج أقبح هزيمة، وقتل في المعركة يلبق غلام واضح ومؤمن الصقلبي، وتخلّف ابن زُرزور مولى الحكم وغيرهم. وقتل من الفرنج أكثر من ثلاثة آلاف وغرق في البحر كثيرٌ، واحتوى البربر على ما في معسكرهم، ووصل المنهزمون إلى قرطبة في اليوم الثاني من الوَقْعة فزاد حنق الفرنج وعاثوا بقرطبة وقتلوا كل من يُشبّه بالبربر بها. فسألهم محمد وواضحٌ، ورغبا إليهم في الرجوع معهم لقتال البربر، فأبَوا عليهما وقالوا: قد قُتل ملكُنا وخيارُنا ووجوهنا! وفارقوا مدينة قرطبة وعادوا إلى بلادهم، وكان رحيلهم عنها لشدة خوفهم من البربر، حتى كان الرجل من أهلها يلقى الآخر فيعزيه كما يعزى من فقد أهله وماله! ثم فرض محمد بن عبد الجبار على أهل قرطبة مالاً فأدوه، وتهيأ للخروج وخرج بواضحٍ وأهل قرطبة والعبيد لقصد البربر. فلما ساروا ثلاثين ميلا كروا راجعين إلى قرطبة، وأقام من ورائه سوراً وتحصن به. هذا والبربر يغيرون في نواحي قرطبة، وأخذوا الجبل المعروف بابن حفصون - وهو كثير الماء والمرعى والثمر والزرع - فزاد ذلك في قوتهم. وابن عبد الجبار وجنده في انهماك على اللهو وارتكاب المحارم وإظهار الفسق، وإفساد ما قدروا عليه، والنزول على الناس في دورهم، وقتل من دافعهم، فكرة واضح ذلك منه - وكان قد حقد عليه ما أتاه إلى بني أبي عامر - فأخذ في التدبير عليه.\rوبلغ ذلك محمد فجمع ما في القصر من النفائس وسلمها إلى ابن رافع رأْسِه - رجل من أهل طليلطة - وأمره بالخروج إليها، وتحيّل في الخروج في أثره. فلما كان في يوم الأحد الحادي عشر من ذي الحجة سنة أربعمائة - وقيل لثمان خلون منه - ركب واضح والعبيد وأهل الثغر وصاحوا: لا طاعة إلا طاعة المؤيد! ثم قصدوا القصر وأخرجوا المؤيد، وأجلسوه على منبر الخلافة وألبسوه لباسها. وكان محمد بن عبد الجبار في الحمام، فدخل عليه ابن وداعة وأخبره الخبر، فخرج وجاء إلى هشام وأراد أن يجلس إلى جانبه، فأخذ عنبرٌ الخادم بيده ورمى به من على المنبر وأجلسه بين يدي المؤيد. فسبّه المؤيد ووبّخه وعدّد عليه ما أتاه وما فعله معه، فأخذ عنبر بيده وأقامه وأصعده إلى السطح وأراد ضرْب عُنُقه فتعلق به، فتعاورته سيوف العبيد والخدم والصقالبة فقتلوه، وأخذوا رأسه ورموا بجثته، فسقطت في الموضع الذي كانت فيه جثة ابن عُسفلاجة لما قتله. فكانت مودة ولايته هذه نحو شهر، ومدة مملكته الأولى والثانية عشرة أشهر، وعمره خمساً وثلاثين سنة! دولة المؤيد هشام الثانية","part":6,"page":395},{"id":2901,"text":"قال: وبايع الأجناد هشاماً في يوم الأحد الحادي عشر من ذي الحجة سنة أربعمائة وأُحضر بين يديه رأس محمد المهدي، فأمر بإرساله إلى البربر وهم يومئذ بوادي شوش في خدمة المستعين بالله سليمان بن الحكم، طمعاً أن البربر يفعلون به كما فعل هو بالمهدي، ويعودون إلى طاعته فيتم أمره وتستقيم دولته. فلما وصل إليهم مع جماعة من أهل قرطبة كادوا يقتلونهم، فمنعهم المستعين بالله بعد أن أفرط في توبيخهم، فعادوا إلى قرطبة.\rوتولى واضحٌ العامري حجابة المؤيد، وأمره بحفر الخندق على قرطبة فحفره، وحصنها، قال: وكان لمحمد بن عبد الجبار ولدٌ بقرطبة عمره ست عشرة سنة فاحتال له شيعة أبيه حتى أوصلوه إلى مدينة طليطلة، فقبله أهلها، وأمّروه عليهم. فأغار على بعض ما كان لواضح، فلقيه محارب التجيبي فقهره وأسره وأرسل به إلى واضح، فقتله.\rقال: ثم قصد المستعين قرطبة في جموعه من البربر، فلم يتمكن منها، فقصد الزهراء فاستوى عليها في يوم السبت لست بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعمائة، وقتل منْ بها من الجند، وأخذ في قتال أهل قرطبة، وواضحٌ يتولى حربه. ثم رحل البربر من الزهراء لخمس بقين من شعبان، وجعلوا يغيرون على البلاد ويخرّبون، فانضم أهل البوادي إلى قرطبة خوفاً منهم، فصاروا أكثر من أهلها، وغلت الأسعار فمات أكثرهم جوعاً. وقطع البربر الميرة عن قرطبة، فاشتد بها الغلاء فبيع مُدُّ القمح - وهو قفيزان ونصف بالقروي - بثلاثمائة دينار دراهم وهي مائة مثقال عيناً. وجاءت رسل ابن مادويه يستنجزون تسليم الحصون إليه على أن لا يغزوهم ولا يتعرض لشيء من ثغورهم، فرضوا بهدنة وسلّموا إليه مدناً كثيرة وأكثر من مائتي حصن مما افتتحه الحكم بن عبد الرحمن ومحمد بن أبي عامر. وسمع ابن شالوس بما تسلّم ابن مادويه من الحصون، فكاتب على حصون أخرى وتوعّد وتهدّد، فأُجيب إلى ما سأل وسُلّمت إليه.\rوأخرب البربر مدناً جليلة، وقتلوا أكثر أهلها، ولم تسلم منهم إلا طليطلة ومدينة سالم، وبلغت خيلهم أندراوه وما وراءها حتى إن الراكب يسير شهوراً لا يرى أحداً في قرية ولا طريق. قال: واستخف جند قرطبة بواضح حتى صاروا يصرحون بسبّه، فعزم على مراسلة البربر في الصلح لما رأى من اضطراب الجند عليه وطمعهم فيه، وأظهر أن ذلك عن رأي هشام لما فيه من الصلاح للعامة والخاصة. فبعث واضحٌ إلى البربر رجلاً يعرف بابن بكر فاجتمع بسليمان وعاد بجوابه فقتله الجند في المجلس - ولم يقدر هشام لا واضح على منعهم - واحتزُّوا رأسه، وطافوا به البلد. فعزم واضح على الهرب إلى البربر، وكان ابن أبي وداعة يعاديه فزحف إلى داره في عدّة من الجند فأخرجوه حاسراً وعاتبوه على ما أتلف من الأموال وما عزم عليه من مصالحة البربر. وضربه ابن أبي وداعة بسيفه وحمل عليه القوم فقتلوه، واحتزوا رأسه وطافوا به، وألقوا جثته في الرصيف بالموضع الذي أُلقِي فيه ابن عُسقلاجة وابن عبد الجبار، ونُهبت دور أصحابه.\rوولّى هشام ابن أبي وداعة المدينة، فاشتدّ على أهل الريب وهاب الجند وغيرهم، وكان مقتل واضح في يوم الثلاثاء للنصف من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعمائة.\rثم قدم البربر وسليمان، ونازلوا قرطبة وظاهرها وقد امتلأت أيديهم بالغنائم، وقلّت الأقوات على أهل قرطبة، وعظم عليهم الخطب، واشتد الأمر، وكان بين أهلها والبربر مراسلات وأمور يطول شرحها. كان آخر ذلك أن سليمان ملك قرطبة في يوم الأحد لثلاث خلون من شوّال سنة ثلاثٍ وأربعمائة، وكانت مدة ولاية المؤيد الثانية سنتين وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوماً وفُقِد المؤيد لخمس خلون من شوال سنة ثلاث وأربعمائة.\rدولة المستعين بالله الثانية","part":6,"page":396},{"id":2902,"text":"قال: ولما فتح سليمان بن الحكم المستعين قرطبة دخل القصر لخمس خلون من شوّال وتلقّب بالظافر بحول الله، وأحضر هشاماً ووبخه وقال: قد كنت تبرأت لي من الخلافة فأعطيت صفقة يمينك فما حملك على نقْض عهدك؟ فاعتذر أنه مغلوب عليه، وتبرأ له، وسلّم الأمر إليه. وضرب سرادق سليمان بشقنده، ونزل البربر حوله، وهرب كثير من موالي بني أمية فاحتوى البربر عليها واقتسموا البلد بينهم. وطالب سليمان الناس بالأموال فغرمهم فوق طاقتهم، واشتد أمر البربر على الناس فاستباحوا الأموال والحريم وسليمان لا يمكنه دفعهم وليس في يده مع قرطبة غير إشبيلية ولبلة والشنبة وباجة.\rوكان في عسكره رجلان من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب وهما القاسم وعلي ابنا حمّود بن ميمون فقوّدهما على المغاربة، ثم ولّى علياً الأصغر منهما سبتة وطنجة، وولى القاسم الجزيرة الخضراء، وبين الموضعين المجاز المعروف بالزقاق، وسعة البحر هناك ثمانية عشرة ميلاً.\rوكانت العبيد لما خرجوا من قرطبة عند دخول البربر إليها ملكوا مدناً عظيمة وتحصّنوا فيها، فراسلهم علي بن حمّود وذكر أن هشام بن الحكم لما كان محاصَراً بقرطبة كتب إليه يوليه عهده فاستجاب له العبيد وبايعوه. فزحف من سبتة إلى مالقة وفيها عامر بن فتوح الفائقي مولى فائق - مولى المستنصر - فأطاعه وأدخله مالقة. فملكها عليُّ بن حمود وأخرج عنها عامر بن فتوح ثم زحف بمن معه من البربر وجمهور العبيد إلى قرطبة، فأخرج له المستعين ولده - ولي عهده محمد بن سليمان - في عساكر البربر، ومعه أحمد بن سعيد الوزير. فانهزموا، ورجع محمد بن عبد الله الزناتي إلى قرطبة، وأخرج المستعين بالله وضمن له أن يقاتل بين يديه. فلما قربوا من عسكر علي بن حمود قادوه بلجام بغلته وسلموه لعلي، فلما حصل في يده دخل القصر في يوم الأحد لسبع بقين من المحرم سنة سبع وأربعمائة، وضرب عنق سليمان بيده وقتل أباه الحكم - وهو شيخ كبير له اثنتان وسبعون سنة - فكانت مدة ولاية سليمان ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأياماً. وكان مولده سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وكان أديباً شاعراً، فمن شعره:\rعجباً يهاب الليث حدّ سِناني ... وأهاب لحْظ فَواتِر الأجفان\rوهي أبيات عارض بها العباس بن الأحنف في أبياته التي أنشدها على لسان الرشيد التي أولها:\rملّكّ الثلاثُ الآنسات عناني ... وحللْن من قلبي بكلّ مكان\rوقد ذكرنا ذلك في باب الغزل والنسيب، قال: ولما قتل سليمان بن الحكم هذا انقطعت دعوة بني أمية من سائر أقطار الأندلس وقامت دعوة الفاطميين بها. وولى منهم ثلاثة ملوك وهم علي بن حمود، والقاسم بن حمود أخوه، ويحيى بن علي، ثم عادت بعد ذلك الدعوة الأموية على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rإمارة الناصر علي بن حمود ابن ميمون بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ملك قرطبة لسبع بقين من المحرم سنة سبع وأربعمائة على ما ذكرناه، وخوطب بأمير المؤمنين، وتلقّب بالناصر. ولما دخل قرطبة أحضر الفقهاء والوزراء وسأل سليمان بحضرتهم عن المؤيد فقال \" مات \" فألزمه أن يُريَه قبره وأخرجه دفينا لا أثر فيه فأمر بتكفينه ودفنه في الروضة. ثم استفتى الفقهاء في قتْل سليمان، فقتله هو وأباه الحكم عبد الله وولده سليمان في وقت واحدٍ، وتمّ لعلي ما أراد واستقامت أموره.\rوفي سنة ثمان وأربعمائة خالف عليه العبيد الذين كانوا بايعوه، وقدّموا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر أخا المهدي وسمّوه المرتضي وزحفوا به إلى قرطبة، ثم ندموا على إقامته لِما رأوه من صرامته، وخافوا عواقب تمكُّنه فانهزموا عنه ودسّوا عليه من قتله غيلةً. وبقي عليّ بن حمود بقرطبة إلى آخر سنة ثمان وأربعمائة فقتله صقالبته في الحمام، فكانت مدة ولايته سنة واحدة وعشرة أشهر، وكان له من الوالد يحيى وإدريس.\rولاية المأمون القاسم بن حمود بن ميمون الفاطميّ","part":6,"page":397},{"id":2903,"text":"ولي بعد مقْتل الناصر في أواخر سنة ثمان وأربعمائة، وكان أسنّ من الناصر بعشرة أعوام، ونعت نسفه بالمأمون وكان يحبّ الموادعة، فأمن الناس معه. وكان يذكر عنه أنه يتشيع ولم يُظهر ذلك، ولا غَيَّر للناس عادة ولا مذهباً، وكذلك سائر من ولي منهم الأندلس. فبقي القاسم إلى شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، فقام عليه ابن أخيه يحيى بن علي بن حمود بمالقة، فهرب القاسم عن قرطبة بغير قتال، وصار إلى إشبيلية.\rوزحف ابن أخيه المذكور من مالقة بالعساكر، فدخل قرطبة دون مانع، وتسمَّى بالخلافة وتلقَّب، فبقي كذلك إلى أن اجتمع للقاسم أمره واستمال البربر، وزحف بهم إلى قرطبة فدخلها في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. وهرب يحيى بن علي إلى مالقة، فبقي القاسم بقرطبة شهوراً.. ثم اضطرب أمره، وغلب ابن أخيه يحيى على الجزيرة الخضراء وكانت معقل القاسم وبها كانت امرأته وذخائره. وغلب ابن أخيه إدريس بن علي شقيق يحيى صاحب سبتة على طنجة، وكانت عدة القاسم يلجأ إليها إن رأى ما يخاف. وقام عليه جماعة أهل قرطبة في المدينة، وأغلقوا أبوابه دونه، فحاصرها نَيِّفاً وخمسين يوماً، ثم زحف أهل قرطبةَ فانهزموا عن القاسم. ولحقت كلُّ طائفةٍ ببلدٍ فغلبت عليه، وذلك في شعبان سنة أربع عشرة وأربعمائة وأعاد أهل قرطبة الدولة الأموية على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rقال: وأما القاسم فقصد إشبيلية وبها ابناه محمد والحسن فلما عرف أهل إشبيلية خروجه عن قرطبة ومجيئه إليهم طردوا ابنيْهِ ومن كان معهما، وضبطوا بلدهم وقدَّموا على أنفسهم ثلاثة رجال؛ منهم القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عبّاد اللخمي، ومحمد بن مرثم الإهابي، ومحمد بن محمد بن الحسن الزبيدي، ومكثوا كذلك أياماً مشتركين في سياسة البلد وتدبيره، ثم انفرد القاضي أبو القاسم بن عباد على ما نذكره إن شاء الله.\rولحق القاسم بشريش، واجتمع البربر على تقديم ابن أخيه يحيى، وحصروا القاسم حتى صار في قبضة ابن أخيه. وانفرد بولاية البربر، وبقي القاسم أسيراً عنده وعند أخيه إدريس إلى أن مات إدريس، فقُتل القاسم خنْقاً في سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وحُمِل إلى ابنه محمد بن القاسم بالجزيرة فدفنه هناك.\rوكانت ولاية القاسم تَّسمَّى بالخلافة بقرطبة إلى أن أسره ابن أخيه ستة أعوام، ثم كان مقبوضاً عليه ستَّ عشرة سنةً عند ابنَيْ أخيه إلى أن مات - قيل ومات وهو ابن ثمانين سنة - وله من الولد محمد والحسن وأمهما أميرة بنت الحسن بن فنون بن إبراهيم العلوي.\rولاية المعتلي يحيى بن علي وكنيته أبو إسحاق، وقيل أبو محمد تَسمَّى بالخلافة بقرطبة في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، ثم هرب منها إلى مالقة في سنة أربع عشرة. ثم سعى قومٌ من المفسدين لأي إعادة دعوته بقرطبة في سنة ست عشرةَ ولم يدخلها، واستخلف عليها عبد الرحمن بن عطاف، ثم قطعت خطبته من قرطبة في سنة سبع عشرة. وبقي يتردد إليها بالعساكر إلى أن اتفق جماعة البربر على طاعته، وسلموا إليه الحصون والقلاع والمدن، وعظم أمره فصار بقرمونة ليحاصر مدينة إشبيلية. فخرج يوماً وهو سكران إلى خَيْلٍ ظهرت من إشبيلية بقرب قرمونة، فلقيها وقد كمن له كمناء، فلم يكن بأسرع من أن قتل، وذلك في يوم الأحد لسبعٍ خلون من المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وكان له من الولد الحسن وإدريس.\rعود الدولة الأموية بمدينة قرطبة\rومن ولى منهم إمارة المستظهر بالله هو أبو المطرّف عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار - أخو المهدي - بويع له بالخلافة بقرطبة لثلاث عشرة من شهر رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة. وذلك أن أهل قرطبة لما هزموا البربر وأخرجوا القاسم - كما قدمنا - اتفق رأيُهُم على ردِّ الأمرِ إلى بني أمية. فاختاروا منهم ثلاثة، وهم عبد الرحمن هذا، وسليمان بن المرتضى، ومحمد بن عبد الرحمن. فاتفق رأيهم على إمارة عبد الرحمن فبايعوه، وتلقب بالمستظهر، وكان مولده في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. وقام عليه محمد بن عبد الرحمن مع طائفة من أرذال العوام فقتل عبد الرحمن لثلاث بقين من ذي القعدة منها، وقيل لثلاث خلون منه. وكان في غاية الأدب، وله شعر. وزيره الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن حزم.\rإمارة المستكفي بالله","part":6,"page":398},{"id":2904,"text":"هو أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر بن هشام المستظهر، وأمه أم ولد اسمها حوراء ولي بعد قتل المستظهر لثلاث خلون أو بقين من ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة، وله ثمان وأربعون سنةً. وكان أبوه ممن قتله الوزير محمد بن أبي عامر في أوَّل دولة المؤيد هشام لِسعْيه في القيام وطلبه الأمر، فولي محمد هذا عشرة أشهرٍ وأياماً، وخُلع. وقيل بل خلع في يوم الثلاثاء لخمسٍ بقين من شهر ربيع الأول سنة ستَّ عشرة، وخرج من قرطبة يريد الثَّغْرَ فمات بقريةٍ من قُرى شنت مرية في أول شهر ربيع الآخر منها، فكانت مدة مملكته بقرطبة على هذا القول سنةً وأربعة أشهر. وكان الحاكم في أيامه صاحب المظالم محمد بن عبد الرؤوف.\rوكان محمد بن عبد الرحمن في نهاية التخلف، صاحب أكلٍ وشربٍ ونكاح، ولم يزل مُتَغَلباَ عليه طولَ ولايته لا ينفذ له أمر، ولا عقب له. وقيل في وفاته إنه لما هرب من قرطبة سار حتى انتهى إلى قرية يقال لها سمّونت من أعمال مدينة سالم، فجلس ليأكل وكان معه عبد الرحمن بن محمد بن سليم - من ولد سعيد بن المنذر - فكره التمادي معه، فَسمَّه في دجاجة فمات لوقته، فَقَبْرهُ هناك. ولما خلع أَعيدت خطبة يحيى بن علي الفاطمي، ثم قطعت وأُعيدت الخطبة للدولة الأموية.\rولاية المعتمد على الله هو أبو بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر، وهو أخو المرتضى، بويع له في شهر ربيع الأول سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وقيل في يوم الجمعة سلخ شهر ربيع الآخر منها. وذلك أنه لما قُطِعت خطبة يحيى بن علي في سنة سبع عشرة وأربعمائةٍ اجتمع رأي أهل قرطبة على ردِّ الأمر إلى بني أمية، وكان عميدهم في ذلك الوزير أبو الحزم جهْور بن محمد بن جهور. فراسل أهل الثغور في ذلك فاتفقوا عليه بعد مدةٍ، فبايعوا لأبي بكرٍ وهو بالثغر في حصن البونت عند أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن قاسم.\rفبقي يتردّد في الثغور سنتين وعشرة أشهر - وقيل سبعة أشهر وثارت هناك فتنٌ كثيرةٌ يطول شرحها، واضطرابٌ شديدٌ من الرؤساء بها، إلى أن اتفق رأيهم على أن يسير إلى قرطبة الملكُ. فسار إليها، ودخلها في يوم من ثامن ذي الحجة سنة عشرين وأربعمائة. ولم يُقم إلا يسيراً حتى قامت عليه فرقةٌ من الجند، فخلع! قال بعض المؤرخين: كان سبب خلعه أنَّ وزيره ومدَّبر أمره أبا العاص الحكم بن سعيد كان فاسدَ الطريقة، ولم يكن له سابقة رئاسة. فكرهه الناس فدسُّوا عليه في بعض الطرق من قال نصيحة تقربه منه - وكان أطروشاً - فأصغى إليه ليقولها في أذنه، فجرَّه عن دابته فقتل.\rوخلع المعتمد، وخرج إلى الثغر لينتزعه من يد المنذر بن يحيى، فمات بِلارِدَةَ - وهي في مملكة سليمان بن هود - في يوم الجمعة لأربع بقين من صفر سنة ثمانٍ وعشرين وأربعمائة.\rقال: وولي قرطبة بعده قريب من ستَّةٍ، ثم دُعي للمؤيد هشام - وذكر أنه حيٌّ - في يوم الخميس لليلتين خلتا من المحرم سنة سبعٍ وعشرين وأربعمائة إلى أن أُشيع موت هشامٍ هذا. فتغلب على قرطبة أبو الحزم بن جهور - على ما سنورده - وانقطعت دعوة بني أمية من سائر البلاد إلى هلم. وكانت مدة ملك بني أمية ببلاد الأندلس - من سنة ثمانٍ وثلاثين ومائة وإلى هذا التاريخ - مائتي ستةٍ وتسعين، وعدة من ملك منهم خمسة عشر ملكاً وهم: عبد الرحمن بن معاوية الداخل، هشام بن عبد الرحمن، الحكم بن هشام المرتضى، عبد الرحمن بن الحكم، محمد بن عبد الرحمن الأمين، المنذر بن محمد بن عبد الرحمن، عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، الحكم المستنصر بالله بن عبد الرحمن، هشام المؤيد بالله دفعتين، محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدي دفعتين، سليمان بن الحكم المستعين بالله دفعتين. ثم انقطعت دعوتهم بقيام العلويين سبع سنين، وعادت بقرطبة بإمارة المستظهر بالله عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار، ثم المستكفي بالله محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، ثم المعتمد على الله أبو بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم.\rأخبار الأندلس ومن ملكها بعد انقطاع الدعوة الأموية","part":6,"page":399},{"id":2905,"text":"قال: ولما انقطعت دعوة بني أمية بعد خلع هشام تغلَّب كلُّ رئيسٍ على بلدٍ، واستولى عليها، ونحن نذكر ذلك على سبيل الاختصار. فأما قرطبة فاستولى عليها الوزير أبو الحزم جهْور بن محمد بن جهور بن عبد الله بن محمد بن العمر بن يحيى بن عبد الغافر بن أبي عبيدة. قال: وكان من وزراء الدولة العامرية قديم الرئاسة موصوفاً بالدهاء والعقل، لم يدخل في شيء من الفِتن قبل ذلك. فلما خلا له الجوُّ وأمكنته الفرصة وثب عليها، فتولَّى الأمر واستقلَّ به، ولم ينتقل عن رتبة الوزارة إلى الإمارة ظاهراً، بل دبَّر تدبيراً حسناً لم يُسبق إليه. وجعل نفسه مُمسِكاً للوضع إلى أن يجيء مستحقٌّ يتفق عليه الناس فيسلمه إليه، ورتَّب البوابين والحشم على أبواب تلك القصور - على ما كانت عليه أيام الدولة - ولم يتحول عن داره إليها. وجعل ما يُرفَعُ من الأموال السلطانية بأيدي رجالٍ رتَّبهم لذلك وهو المشرف عليهم، وصيّر أهل الأسواق جنداً وجعل أرزاقهم رؤوس أموالٍ تكون بأيديهم يأخذون ربحها خاصةً ورؤوس الأموال باقية، يؤخذون ويراعون في الوقت بعد الوقت كيف حِفظهم لها. وفرق السلاح عليهم وأمرهم أن يجعلوه في الدكاكين والبيوت، حتى إذا دهم أمر ليلاً أو نهاراً كان سلاح كلِّ واحدٍ معه، وكان يشهد الجنائز ويعود المرضى.\rوكانت قرطبة في أيامه حرماً يأمن فيه كلُّ خائف، ولم تزل أيامه على أحسن نظام وأكمل اتِّساق إلى أن توفي في صفر سنة خمسٍ وثلاثين وأربعمائة، وتولى بعده ابنه محمد.\rولاية محمد بن جهور ولي بعده أبيه فجرى على سُنَّتهِ في تدبير الأمور ورعاية قلوب الرعية إلى أن مات، وغلب عليها الأمير المُلَقَّب بالمأمون صاحب طليطلة إلى أن مات، ثم استولى ابن عباد على قرطبة على ما نذكره.\rأخبار مدينة طليطلة\rومن ملكها بعد بني أمية وكيف كان استيلاء الفرنج عليها أول من تغلَّب عليها بعد بني أمية مع بقائهم بقرطبة رجل يقال له ابن يعيش، وذلك أن أهلها لما خلعوا طاعة بني أمية قدَّموه على أنفسهم وولَّوه أمرهم، فلم تطل مدته. وصارت رئاسته إلى إسماعيل بن عبد الرحمن بن عامر بن مطرف بن ذي النون الهواري، فتغلب على طليطلة. ولم تزل بيده إلى أن توفي في سنة خمسٍ وثلاثين وأربعمائة، فقام بعده ابنه.\rولاية المأمون\rيحيى بن إسماعيل وليَ طليطلة بعد أبيه، ولما وليَ أراد أن يستعين بالفرنج على ما حوله من المدائن والحصون لينتزعها ممن هي بيده. فكتب إلى ملك من ملوك الفرنج - كان قريباً منه وبينهما مودةٌ ومراسلةٌ - يقال له شنشكند وقال له \" اخرج إليَّ في مائة من فرسانك وإنني في مكان كذا لأجتمع بك في أمرٍ لك فيه راحة \" فخرج إليه شنشكند في ستة آلاف فارس، وخرج ابن ذي النون في مائتي فارس من عسكر طليطلة.\rوكمّن الفرنجيُّ أصحابه خلف جبل بالقرب من الموضع وقال لهم: إذا رأيتمونا قد اجتمعنا فاخرجوا إلينا بأجمكم! فلما فعلوا ذلك ورآهم المأمون سُقِط في يده، وحيل بينه وبين عقله فقال له شنشكند: يا يحيى وحقِّ الإنجيل ما كنت أظنُّك إلا عاقلاً وإذا بك أحمق خلق الله، خرجت إليَّ في هذا العدد القليل وسلَّمت إليَّ مُهجتك بغير عهدٍ كان بيني وبينك قبل خروجك ولا دين يجمعنا وقد أمكنني الله منك، وحقِّ الإنجيل لا نجوت مني حتى تعطيني الحصن الفلاني والحصن الفلاني - وسمَّى حصوناً من حصون المسلمين بين طليطلة وبينه - وتجعل لي عليك مآلاً في كل سنة!.\rفأجابه يحيى إلى ما طلب، وسلَّمَّ إليه الحصون، ورجع إلى طليطلة شر رجوع. وتواتر الخِذلانُ عليه إلى أن مات في سنة ستين وأربعمائة، وصارت ولايته إلى ابنه القادر يحيى، فدام بطليطلة إلى أن ملكها الفرنج.\rقال: ولما ملك امتدت يده إلى أموال الرعية، واستعمل السفلة وأهل الثغور، ولم تزل النصارى تطوى حصونه حصناً بعد حصن حتى استولوا على طليطلة في سنة ثمانٍ وسبعين بعد أن حاصرها ألفونش سبع سنين وملكها، واتخذها دار ملكٍ، وغيَّر جامعها كنيسة وردَّ المسلمين إلى مسجدٍ غيره وعوَّضهم مالاً وقال: هذه كنيسةٌ كانت لنا فردّها الله علينا! وانتقل القادر بالله إلى بلنسية فقبله القاضي الأحنف بن حجاب.\rأخبار دولة بني العباد وابتداء أمرهم ومن ملك منهم إلى أن انقضت مُدُّتهم وانقرضت دولتهم","part":6,"page":400},{"id":2906,"text":"أول من قام منهم القاضي محمد بن إسماعيل بن قريش بن عبّاد بن عمرو بن عطاف بن نعيم - ونعيم وابنه عطاف هما دخلا إلى الأندلس من المشرق - وهم من لخم من بني المنذر بن المنذر، وفيهم يقول الشاعر:\rمن بني المنذر وهو انتسابٌ ... زاد في فخره بنو عبّاد\rفيه لما تلد سواها المعالي ... والمعالي قليلة الأولاد\rوكان محمد بن إسماعيل هذا قد تقدّم بإشبيلية إلى أن ولي القضاء، فأحسن السياسة مع الرعية والملاطفة بهم؛ فرمقته العيون، ومالت إليه القلوب. فلما كان في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة ولي يحيى بن علي الفاطمي قرطبة، وكان من أمره وأمر عمِّه القاسم ما ذكرناه. ثم إنَّ أهل قرطبة أخرجوا القاسم بن حمود فقصد مدينة إشبيلية ثم فارقها، وقصدها بعد ذلك يحيى بن علي المعتلي ونزل بقرمونة لحصار مدينة إشبيلية وكانت الرئاسة بها بين ثلاثة - كما ذكرنا ذلك - فاجتمع وجوده المدينة وفيهم حبيب ابن عامر القرشي ومحمد بن مرثم الإهابي ومحمد الزبيدي وغيرهم. وأتوا إلى أبي القاسم محمد بن إسماعيل وقالوا: ما ترى ما نحن فيه وما حلَّ بنا من هذا الكافر وما أفسد من أموال الناس، فقم بنا نخرج إليه ونملكك ونجعل الأمر لك وننتصر لهشام! ففعل، وخرجوا لقتال يحيى بن علي المعتلي، فركب إليهم وهو سكران فقتل كما قدَّمنا. وملك محمد بن إسماعيل إشبيلية، وقالوا له: نخرج إلى قرمونة من قبل أن يسبقك إليها إسحاق بن عبد الله البرزالي! فهمَّ محمد بذلك فسبقه إسحاق وملكها، فكتب محمد إلى يحيى بن ذي النون الهواري صاحب طليطلة يقول له: اخرج بعسكرك أو ابعث إليَّ بعسكر مع قائدٍ من عندك حتى أخرج إسحاق بن عبد الله من قرمونة، وأنا أعينك على أخذ قرطبة وأجعلها لك ملكاً! فلما وصل كتابه إلى المأمون خرج إليه بنفسه في عسكرٍ كبير، فاجتمعا ونزلا على قرمونة، وحاصراها وأخرجها عنها إسحاق. وأخذها محمد بن إسماعيل وأدخل ولده إليها، وسارا إلى قرطبة وحاصراها.\rفلما رأى أهلها ما حلَّ بهم كاتبوا محمد بن إسماعيل وقالوا أنت أولى من المأمون بالبلد وأحبُّ إلينا منه! فاستوثق منهم ودخلها ليلاً ويحيى لا علم له بذلك. فلما أصبح وعلم الحال رجع بعسكره إلى طليطلة وكتب إلى ابن عكاشة - وهو رجل شجاع كان بيده بعض حصون الأندلس، يقطع حوله السبيل ويقتل التجار ويأخذ الأموال، وهو يظهر ليحيى طاعةً مشوبةً بمعصية - فأمره أن يجمع أصحابه وعضَّده بعسكر كبير ووجههم إلى قرطبة، فتوجهوا إليها وقد فارقها محمد بن إسماعيل إلى إشبيلية وترك ولده بها.\rفدخلها ابن عكاشة ليلاً، ودخل القصر، وقتل كلَّ من وجد من الحرس، وذبح ولد محمد بن إسماعيل بيده. فلما بلغ ذلك محمد جمع العساكر وخرج إلى قرطبة، فحصر ابن عكاشة وضيق عليه، فخرج هارباً. واستوثق من الرعية وعاد إلى إشبيلية، فوصل إليها يحيى بن ذي النون وتغلَّب عليها. فدسَّ عليه محمد بن إسماعيل طبيبه، فسمَّه، فمات! فعندها خلص الأمر لمحمد بن إسماعيل، وذلك في سنة أربع وعشرين.. هكذا نقل عز الدين عبد العزيز بن شداد بن تميم بن المعز بن باديس في كتابه المترجم بالجمع والبيان، وذكر أيضاً في هذا الكتاب أنَّ يحيى توفي في سنة ستين وأربعمائة، وهذا فيه تنافٍ والله تعالى أعلم.\rأخبار خلف الحصري\rالمشبّه بالمؤيد هشام وقيام دعوته بمملكة محمد ابن إسماعيل، وما قيل في ذلك فأما قيام دعوته فإن محمد بن إسماعيل لما استولى على الأمر في سنة أربعٍ وعشرين وأربعمائة وتعاظم أمره، حسده أمثاله وكثر الكلام فيه وقالوا \" قتل يحيى بن علي الحسني من أهل البيت وقتل يحيى بن ذي النون ظلما \" واتَّسع القول فيه فبقي يفكر فيما يفعله. فبينما هو كذلك إذ جاءه رجل من أهل قرطبة فقال له: إني رأيت - هشاماً في قلعة رباح! فقال له محمد: انظر ما تقول! فقال! لأني والله رأيته وهو هشام بلا شك!","part":6,"page":401},{"id":2907,"text":"وكان عند محمد بن إسماعيل عبد من عبيد هشام يسمى تومرت، - وهو الذي كان يقوم على رأس هشام - فقال له محمد: إذا رأيت مولاك تعرفه؟ فقال: نعم ولي فيه علامات فأرسل محمد رجلين من الذين ذكروا أنهم رأوا هشاماً وقال: توجَّها إلى قلعة رباح وائتياني بهشام! وأسرعا، فتوجَّها فوجداه في مسجد في قلعة رباح، فدخلا عليه وأعلماه أنهما رسولا القاضي محمد بن إسماعيل إليه. فسار معهما إلى إشبيلية. فلما دخل على القاضي قام إليه وسلم عليه وأنزله ووكل بخدمته تومرت مولاه. فلما رآه تومرت قيَّل يديه ورجليه وقال للقاضي: هو والله مولاي هشام ابن الحكم.\rفعند ذلك قام إليه القاضي محمد بن إسماعيل وقبَّل رأسه ويديه، وأمر بنيه فدخلوا عليه وفعلوا كفعله، وسلَّموا عليه بالخلافة. وأخرجه محمد بن إسماعيل في يوم الجمعة إلى الجامع بمدينة إشبيلية، ومشى هو وبنوه بين يديه رجّالةً حتى أتى المسجد، فخطب الناس وصلى بهم الجمعة. وبايعه محمد بن إسماعيل وبنوه وجميع أهل البلد ورجع إلى موضعه، وتولَّى محمد بن إسماعيل الخدمة بين يديه وجرى في ذلك على طريقة ابن أبي عامر، غير أنه يخرج إلى الجمعة والأعياد ويصلي طول مدته، ومحمد في رتبة الوزارة آمراً وناهياً عنه، واستقام لمحمد أكثر مدن الأندلس، فهذا كان سبب قيام دعوته.\rوأما ما نقل من أخباره فقد ذكرنا في أخبار بني أمية أن المستعين بالله سليمان بن الحكم لما فتح قرطبة المرة الثانية في شوّال سنة ثلاث وأربعمائة أحضره ووبَّخه، وأن المؤيد فُقِد لخمسٍ خلون من شوال. وذكرنا أيضاً أنَّ الناصر عليّ بن حمّود الفاطميّ لما ملك قرطبة أحضر المستعين وسأله بحضرة الفقهاء والوزراء عن المؤيد هشام فقال \" مات فألزمه أن يريه قبره فأخرجه دفيناً لا أثر فيه فأمر الناصر بتكفينه ودفنه في الروضة \" .\rوقيل بل هرب بنفسه إلى المشرق مستخفياً حتى وصل مكة - شرَّفها الله - وكان معه كيسٌ فيه جوهر وياقوت ونفقة، فشعر به حرَّابة مكة، فأخذوه منه، فمال إلى جهةٍ من الحرم وأقام يومين لم يُطعم طعاماً. فمضى إلى المروة فأتاه رجل فقال له تُحسن عمل الطين؟ قال: نعم! فمضى به إلى تراب ليعجنه ووافقه على درهم وقرصة، فقال له: عجِّل القرصة فإني جائع! فأتاه بها فأكلها، ثم عمد إلى التراب فكان مرةً يعجن ومرةً يجلس، فلما طال عليه ذلك تركه ومضى هارباً على وجهه.\rوخرج مع القافلة إلى الشام على أسوأ حالٍ، فوصل إلى بيت المقدس، فمشى في السوق فرأى رجلاً يعمل الحصر الحلفاء فنظر إليه فقال له الحصري: كأنَّك تحسن هذه الصناعة! قال: لا! قال: فتقيم عندي تناولني الحلفاء وأجعل لك أجرة على ذلك. قال: أفعل، فأقام عنده يناوله ويعاونه على ما يأمره به من أمور صناعته، فتعلم هشام صناعة الحصر، فصار يعلمها ويتقوّت منها. وأقام ببيت المقدس أعواماً كثيرةً لم يعلم به أحدٌ، ثم رجع إلى الأندلس في سنة أربع وعشرين وأربعمائة.. هكذا روى جماعة من مشايخ الأندلس! وقال الإمام الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم في كتابه المسمى \" نقط العروس في هذه الحكاية: أخلوقة لم يقع في الدهر مثلها، وإنما ظهر رجل يقال له خلف الحصري بعد نيف وعشرين سنة من موت هشام بن الحكم المؤيد وادَّعى أنه هشام، وبويع له على جميع منابر الأندلس في أوقات شتى، وسفك الدماء وتصادمت الجيوش في أمره.\rوقال أبو محمد بن حزم: وفضيحة لم يقع في الدهر مثلها، أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام في مثلها يُسمَّى كلُّ واحدٍ منهم يا أمير المؤمنين، ويخطب لهم في زمن واحد، أحدهم خلف الحصريّ المذكور بإشبيلية على أنه هشام بن الحكم المؤيد، والثاني محمد بن القاسم بن حمّود بالجزيرة الخضراء، والثالث محمد بن إدريس بن علي بن حمّود بمدينة مالقه، والرابع إدريس بن يحيى بن علي بشنترين.","part":6,"page":402},{"id":2908,"text":"وأقام المدَّعى أنه هشام بن الحكم نيِّفاً وعشرين سنةً والقاضي محمد بن إسماعيل في رتبة الوزير بين يديه، والأمر إليه. وقد استقام لمحمدٍ أكثر بلاد الأندلس، ودفع به كلام الحسّاد وأهل العناد، إلى أن توفي هشام المذكور. فاستبد القاضي بالأمر بعده وملك أكثر مدن الأندلس وحصونها. ولم ينتقل عن مدينة إشبيلية بل جعلها دار ملكه، واستقامت له الأمور، وأطاعته المدن والثغور، واجتهد في جهاد الفرنج. وكان له في ذلك القدم المشهور، ومات محمد في عشر الخمسين وأربعمائة، وولي بعده ابنه عبّاد.\rولاية عباد بن محمد ولي بعد أبيه وتلقَّب المعتضد بالله، وكان فيه كرم وبأس. فطابت أيامه، وحسنت أفعاله، واستقامت له الأحوال، ورُفعت له من بلاد الأندلس الأموال. قال: واتفق له واقعة غريبة في سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وهي أنه شرب ليلةً مع رجاله وندمائه فلما عملت فيه الخمر صرفهم وخرج في الليل ومعه رجلٌ واحدٌ من عبيده. وسار نحو قرمونة وهي تبعد عن مدينة إشبيلية ثمانية عشر ميلاً، وكان صاحب قرمونة إسحاق بن سليمان البرازلي وقد م جرت بينه وبينه حروب. فسار عباد حتى أتى قرمونة، وكان إسحاق تلك الليلة في جماعةٍ من أهل بيته يشربون، فدخل عليه بعض خُدَّامه فقال: إن صاحب الحرس ذكر أنَّ المعتضد عبّاداً قائم على باب المدينة ليس معه إلا رجلٌ واحدٌ وهو يستأذن عليك! فعجب القوم من ذلك غاية العجب، وخرج إسحاق ومن عنده إلى باب المدينة فسلَّم على عباد وأدخله إلى القصر، وأمر بتجديد الطعام والشراب. فلما شرع في الأكل تذكر ما فعل فسقط في يده ولم يطق أن يسفه، وندم على ما صنع لما يعلم بينه وبين برزال من الحرب وسفك الدماء، فأظهر التجلُّد والانشراح ثم قال لإسحاق: أريد أن أنام! فرفعه على الفراش، فأراهم عبّاد أنه نائم، فقال بعض القوم لبعض: هذا كبشٌ سمينٌ حصل لكم، والله لو أنفقتم عليه مُلك الأندلس ما قدرتم على حصوله في أيديكم، وهو شيطان الأندلس وإذا قتل خلصت لكم البلاد! فقام معاذ بن أبي قرَّة وكان من كبرائهم فقال: والله لا فعلنا هذا ولا رضينا به، رجلٌ قصدنا ونزل بنا، ولو علم أنَّا نرضى فيه بقبيح لما أتانا مستأمنا إلينا، كيف تتحدث القبائل عنَّا أننا قتلنا ضيفنا وخَفَرنا ذِمَّتنا، فعلى من يرضى هذا لعنة الله! وهو يسمع فنزل عن السرير فقام القوم بأجمعهم فقبّلوا رأسه وجددوا السلام عليه فقال لحاجبه: أين نحن؟ قال: في منزلك وبين أهلك وإخوانك! قال: إئتوني بدواة وقرطاس.\rفأتوه بهما، فكتب أسماء القوم، وكتب لكلِّ واحدٍ بخلعةٍ ودنانير وأفراسٍ وعبيد وجوارٍ، وأمر أن يرسل كلُّ واحدٍ منهم رسولاً ليقبض ذلك. ثم ركب وخرج القوم يشيِّعونه إلى قرب إشبيلية، فصرفهم ودخل. وأرسلوا من قبض لهم ما كتب به، ثم أغفلهم ستَّة أشهر وكتب إليهم يستدعيهم لوليمةٍ، فجاءه سبعون رجلاً منهم فأنزلهم عند رجاله، وأنزل معاذاً عنده. وأمر بهم فأُدخِلوا حماماً، وبنى عليهم بابه، فماتوا جميعاً، فعزَّ ذلك على معاذ بن أبي قرة فقال له عبّاد: لا تُرع فإنهم قد حضرت آجالهم وقد أرادوا قتلى، ولولاك ما كنت ناجياً منهم، وإنما جعل الله صيانة دمي بك، فإن أردت الرجوع إلى بلدك رددتك على أجمل الوجوه وأحسنها وأسرِّها! فقال له معاذ: بأيِّ وجه أرجع أنا دونهم؟ فأمر له المعتضد بألف دينارة وعشرة أفراس وثلاثين جارية وعشرة أعبدٍ، وأنزله في قصرٍ من أعظم قصوره، وأقطعه في كلِّ عام أثنى عشر ألف دينار، وكان ينفذ إليه في كل يوم التُّحف والطرف. ولم يكن يحضر مجلسه أحدٌ قبله إلى أن مات عبّاد فأوصى ولده بمعاذ وقال: يا بني احفظني فيه! فجرى فيه على عادة أبيه، ودام بإشبيلية حتى انقرضت دولة بني عبّاد.\rقال بعض أهل إشبيلية: رأيت معاذ بن أبي قرة يوم دخل يوسف بن تاشفين إشبيلية أوَّل النهار وعليه ثوب ديباج مخرطم بالذهب وأمامه نحو ثلاثين عبداً، ورأيته آخر النهار عليه مليسٌ مشتمل به فسبحان من لا يزول ملكه، نسأل الله تعالى أن لا يلبسنا ثوب نعمةٍ أنعمها علينا بمنِّه وكرمه.","part":6,"page":403},{"id":2909,"text":"وفي أيام عبّاد توفي الإمام الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن سعدان بن سفيان بن يزيد الفارسي مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية. أصل آبائه من قرية مُنت ليسم من عمل الولبة من كور غرب الأندلس، وسكن هو وآباؤه قرطبة ونالوا بها جاهاً عريضاً ومالاً وممدوداً. وولَّى ابن أبي عامر جدَّه سعيداً الوزارة، وولى أبو محمدٍ هذا الوزارة في أيام المستظهر بالله عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار الأموي. وكان مولده يوم الأربعاء ساخ شهر رمضان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، ووفاته في سلخ شعبان سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وكانت مدة حياته اثنتين وسبعين سنة وأحد عشر شهراً. وله كثير من المصنَّفات، ذكر أنه اجتمع مع الإمام أبي الوليد سليمان بن خلف بن سعيد بن أيوب الباجي صاحب التواليف - وقيل بل الفقيه إبراهيم الخفاجي - فجرت بينهما مناظرة، فلما انقضت قال الفقيه أبو الوليد: تعذرني فإن أكثر مطالعتي كانت على سرج الحرَّاس! فقال له ابن حزم: وتعذرني أيضاً فإن أكثر مطالعتي كانت على منابر الذهب والفضة! وفي سنة ستين وأربعمائة توفي المعتضد بالله عبّاد بن محمد، وحكي أنه استحضر مغنياً يغنيه ليجعل أوَّل ما يبدأ به فألاً فكان أول شعر قاله:\rنطوي الليالي علماً أن ستطوينا ... فشعشعينا بماءٍ المزن واسقينا\rفمات بعد خمسة أيام رحمه الله، ولما مات ولي بعده ابنه محمد.\rولاية المعتمد على الله محمد بن عباد ابن محمد بن إسماعيل بن قريش بن عبّاد، وكنيته أبو القاسم. ولي بعد وفاة أبيه في سنة ستين وأربعمائة، وقيل في سنة إحدى وستين، وكان مولده بباجة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، فكان عمره حين ولي ثلاثين سنة. وكان فيه أدب وشعر وكرم وتواضع وشجاعة، قال أبو بكر محمد بن عيسى المعروف بابن اللبانة كاتبه يصف الدولة العبادية \" كانت الدولة العبادية تشبه العباسية، بها وسعة ملك ووثاق عهد وانتظام عقد، وعدل أئمة واعتدال أمة، كان أربابها يتنافسون في المكارم ويتغايرون على الشرف المتقادم.\rمن حلبة السَّبق لا برقٌ يخاطفها ... إلى مداها ولا ريحٌ يجاريها\rتردُّهم نسبةٌ نحو السماء فهم ... من مائها، وعلاهم من دراريها\rيشير إلى المنذر بن ماء السماء، ثم قال \" جمعوا كرم الأخلاق إلى شرف الأعراق، وحملوا حلى الآداب على الأحساب، وعضَّدوا البأس بالكرم وأيَّدوا بالسيف والقلم.\rنفرٌ إلى ماءٍ السماء نماهم ... نسبٌ على أوج النجوم مخيَّم\rبالبيض والبيضات والخلق اكتسوا ... فتوشَّحوا وتتوَّجوا وتعممَّوا\rوكان بهذا البيت سرير الفلك الدائر وغريبه البحر الزاخر المعتمد على الله المؤيد بنصر الله أبو القاسم محمد \" وذكر نسبه، ثم قال: من بني المنذر وهو انتساب.. البيتين، وقد ذكرناهما آنفاً، وقال تلوهما: وكذلك يطَّرد النَّسب إطراد الشآبيب، ويتَّسق اتساق الأنابيب، فهو كما قيل:\rشرفٌ يُنقَّلُ كابراً عن كابر ... كالرُّمح أنبوبٌ على أنبوب\rإلى مركز الدائرة من لخم وواسطة المنتخبين من يعرب وقحطان! ثم ذكر مولده وولايته على ما قدمنا وذكر خلعه في سنة أربع وثمانين على ما نذكره إن شاء الله.\rوكان سبب خلعه وانقراض دولته أن الفرنج - لعنهم الله - استولوا على طليطلة وملكها الأذفونش - وهو ألفنش - في سنة ثمانٍ وسبعن وأربعمائة على ما قدمناه. وكان المعتمد. يؤدِّي إليه ضريبةً في كلِّ سنة، فلما سيّرها إليه بعد استيلائه على طليطلة لم يقبلها وأعادها، وأرسل إليه يتوعده ويقول له: أنا آخذ مدينة قرطبة كما أخذت طليطلة إلا أن ترفع يدك عن جميع الحصون وتسلِّمها إلينا ويكون لك السَّهل من البلاد! وكان الرسول شلبيب اليهوديَّ ومعه خمسمائة فارس، وطلب منه اثني عشر ألف دينار، فأمر المعتمد بإنزال الخيالة على أهل العسكر متفرقين وأمر كلَّ من عنده فارس منهم أن يقتله. ولما جنَّ الليل أحضر اليهوديَّ وكشف رأسه، وأمر بضربه بالنعال المسمرة، حتى خرجت عيناه من رأسه. وهرب من الخيالة ثلاثة، فوصلوا إلى الأذفوشن وأعلموه بقتل أصحابه وكان متوجهاً إلى قرطبة يريد حصارها - فلما جاءه الخبر رجع إلى طليطلة ليستعد ويهيِّئ آلات الحصار.","part":6,"page":404},{"id":2910,"text":"فلما سمع المعتمد برحيله إلى طليطلة سار هو إلى إشبيلية فبلغَّ مشايخ قرطبة ما جرى، فاجتمعوا بالفقهاء وقالوا: هذه مدائن الأندلس قد غلب عليها الفرنج ولم يبق منها إلا القليل، وإن استمرّت الأحوال على ما نرى عادت نصرانيةً كما كانت! ثم ساروا إلى القاضي عبد الله بن محمد بن أدهم فقالوا له: ألا تنظر إلى ما فيه المسلمون من الصّغار والذلة وإعطائهم الجزية إلى الفرنج بعد أن كانوا يأخذونها منهم، وابن عباد هو الذي حمل الفرنج على المسلمين حتى جرى ما جرى وطلب منه ما طلب، وقد دبَّرنا رأياً نعرضه عليك! قال: وما هو؟ قالوا: نكتب إلى عرب أفريقية ونعلمهم أنهم إن وصلوا إلينا قاسمناهم في أموالنا وخرجنا معهم مجاهدين في سبيل الله تعالى! قال: أخاف أن يخرجوا الأندلس كما فعلوا بأفريقية ويتركوا الفرنج ويبدأوا بكم والمرابطون أقرب إلينا وأصلح حالاً. قالوا: فكاتب يوسف بن تاشفين ورغِّب إليه أن يدخل إلينا بنفسه أو يرسل إلينا قائداً من قوّاده. قال: أمَّا الآن فقد أشرتم برأي فيه السّداد! وقدم المعتمد إلى قرطبة في أثر ذلك، فدخل عليه القاضي وأعلمه بما دار بينه وبين أهل قرطبة وما اتفقوا عليه، فقال المعتمد: نِعمَ ما أشاروا به وأنت رسولي إليه! فامتنع القاضي واستعفاه وإنما أراد أن يقوِّى عزمه على إرساله فقال: لا أجد لها غيرك.\rفسار القاضي، وصحبه أبو بكر بن القصيرة الكاتب إلى أمير المسلمين، فوجداه بسبتة، فأبلغاه الرسالة. وأعلماه بحال المسلمين وما هم عليه من الخوف والجزع من الأذفونش، وأنهم يستنصرون بالله ثم به؛ وأن المعتمد يستنجد عليه. فأمر يوسف في الحال بإدخال العساكر إلى الجزيرة الخضراء، وأقام بسبتة وأنفذ إلى مراكش في طلب من بقي، ودخل في آخر العساكر..هذا ما نقله أهل التاريخ، أن القاضي وابن القصيرة كانا رسولين إليه، وقيل إن المعتمد بن عبّاد سار بنفسه بغير واسطةٍ وتلطَّف في الدخول عليه إلى أن انتهى إلى آخر بواب فقال له: قل لأمير المسلمين إن ابن عبّاد بالباب! فلما أعلمه بذلك ارتاع وظن أنه قدم بعساكره، وسأله عن حقيقة الحال فقال: هو ببابك وحده فأذن له، فدخل عليه، فأكرمه ووعده النصر. وعاد ابن عباد ولحقه أمير المسلمين.\rوقعة الزلاقة\rوانهزام الفرنج لعنهم الله قال: وجمع المعتمد العساكر وأقبل أمير المسلمين بعساكره، واجتمعوا كلهم بإشبيلية، وخرج من أهل قرطبة - من المتطوعين - أربعة آلاف فارس وراجل. وجاء المسلمون من بلاد الأندلس، من كل بلد وحصن. واتصلت الأخبار بالأذفونش، فخرج من طليطلة في أربعين فارس غير من أنضاف إليها، وكتب إلى يوسف كتاباً كتبه عنه رجل من أدباء المسلمين يغلظ فيه القول ويصف ما عنده من القوة والعُدد والعَدد، ووسّع وأطال وبالغ. ووصل الكتاب إلى يوسف بن تاشفين فأمر الكاتب أبا بكر بن القصيرة أن يجاوبه. وكان كاتباً مجيداً - فكتب وأطال وبالغ، فلما قرأه على يوسف استطاله وكتب على ظهر كتابه \" الذي يكون ستراه \"\rولا كتب إلى المشرفيَّة والقنا ... ولا رسل إلا بالخميس العرمرم\rوردّه إليه، فلما قرأ الجواب ارتاع وقال: هذا رجلٌ له عزم! قال: ولما استعد الأذفونش للِّقاء رأى في منامه كأنه راكبٌ فيلاً وبين يديه طبل صغير ينقر فيه، فقصَّ ذلك على القسيسين فلم يعرفوا تأويله، فاستحضر رجلاً مسلماً عالماً ديِّناً فاستعفاه من القول فأمَّنه وعزم عليه، فقال: تأويل هذه الرؤيا في آيتين من كتاب الله عزَّ وجلَّ! وقرأ سورة الفيل، وقوله تعالى \" فإذا نُقر في الناقور فذلك يومئذٍ يومٌ عسيرٌ على الكافرين غير يسيرٍ \" . وذلك يقتضي هلاك الجيش الذي تجمعه.\rفلما اجتمع الجيش وعبأه أعجبته كثرته، فاستحضر المُعبر وقال له: هذا الجيش الذي ترى ألقى به محمداً صاحب كتابكم! فانصرف المُعبِّر عنه وقال: هذا الملك هالك لا محالة وكلُّ من معه فإنه قد أُعجب بجمعه.. وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم \" ثلاث مهلكات \" الحديث...\rقال: وسار المعتمد بن عبّاد وأمير المسلمين بالعساكر حتى أتوا موضعاً يقال له الزلاَّقة من بلد بطليموس وأتى الأذفونش فنزل موضعاً بينه وبينهم - ثمانية عشر ميلاً، فقيل ليوسف بن تاشفين إنَّ ابن عبّاد ربما لم يُنصح لا يبذل نفسه دونك، فأرسل تقول له \" كن في المقدمة ونكون نحن في أثرك \" . فتقدم ابن عباد.","part":6,"page":405},{"id":2911,"text":"وضرب الأذفونش خيامه في سفح جبل والمعتمد بن عبّاد في سفح جبل آخر بحيث يتراءان، ونزل يوسف بن تاشفين في جبل من وراء الجبل الذي فيه المعتمد. وظنَّ الأذفونش أن عسكر المسلمين ليس إلاَّ ذاك الذي يظهر له مع المعتمد والأذفونش في زهاء خمسين ألف فارس، فما شكَّ أنه الغالب واستعمل الخدعة. وأرسل ابن عباد في ميقات اللقاء يوم الخميس، وقال: نحن قد وصلنا على حال تعبٍ وأمامكم الجمعة وأمامنا الأحد فيكون اللقاء يوم الاثنين بعد أهبةٍ! فاستقر الأمر بينهما على ذلك.\rثم ركب الأذفونش صبيحة الجمعة ليلاً، وصبَّح بجيشه جيش المعتمد، فوقع القتال بينهم، فصبر المسلمون وقتل منهم خلقٌ كثيرٌ، وأشرفوا على الانهزام. وقد كان المعتمد أرسل إلى ابن تاشفين فقال للأدلَّة: احملوني إلى مضارب الأذفونش! فما شعر الفرنج إلا وقد نُهبت خيامهم وخزائن الأذفونش وعُدده، والقتل يُعمل فيهم من وراء ظهورهم. فلم يتمالك الفرنج أن انهزموا وأخذهم السيف من كلِّ مكان، فقتلوا عن آخرهم، فما سلم إلا آحاد! وهرب الأذفونش في نفر يسير ودخل طليطلة في سبعة فوارس، ولم يرجع من الفرنج إلى بلادهم غير ثلاثمائة نفرٍ أكثرهم رجّالة.\rوكانت هذه الوقعة في يوم الجمعة في العشر الأول من شهر رمضان سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وأصاب المعتمد جراحاً في وجهه، ووصف في ذلك اليوم بالشجاعة. وغنم المسلمون من أموال الفرنج وأسلحتهم مالا يُحصى كثرةً، وجعل المسلمون رؤوس القتلى كوماً كبيراً وصعدوا عليه وأذَّنوا إلى أن جافت فأحرقوها!.\rوعاد المعتمد إلى إشبيلية، ورجع أمير المسلمين إلى الجزيرة الخضراء وعدّى إلى سبته وسار إلى مراكش. وعاد في السنة الثانية إلى جزيرة الأندلس وحاصر طليطلة هو وابن عبّاد وصاحب غرناطة، فلم يتهيأ لهم فتحه، فرجع وأخذ غرناطة من صاحبها عبد الله بن بلكمين، وهي أول ما ملكك من بلاد الأندلس على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rانقراض الدولة العبادية\rوشيء من أخبار المعتمد وشعره في سنة أربع وثمانين وأربعمائة أتى يوسف بن تاشفين إلى سبتة ودخل العساكر إلى الأندلس مع سيرين بن أبي بكر، فقصدوا مدينة إشبيلية، فحصروا المعتمد وضيقوا عليه. فقاتل قتالاً شديداً، وظهر من شجاعته وشدَّة بأسه وحُسن دفاعه عن بلده ما لم يُشاهد من غيره فسمع الفرنج بقصد عساكر المرابطين بلاد الأندلس، فخافوا أن يملكوها ثم يقصدوا بلادهم، فجمعوا وأكثروا وساروا لمساعدة المعتمد وإغاثته على المرابطين. فلما سمع بمسيرهم فارق إشبيلية وتوجّه إلى لقاء الفرنج، وقابلهم وهزمهم، ورجع إلى إشبيلية. وداوم الحصار والقتال إلى العشرين من شهر رجب من السنة، فعظم الخطب واشتد الأمر على أهل البلد. ودخله المرابطون من واديه ونهبوا الأموال، ولم يبقوا على شيء حتى سلبوا الناس ثيابهم، وخرجوا من مساكنهم يسترون عوراتهم بأيديهم.\rوأُسر المعتمد ومعه أولاده الذكور والإناث، بعد أن استأصلوا جميع أموالهم. وقيل إن المعتمد سلَّم البلد بأمان، وكتب نسخة الأمان والعهد، واستحلفهم على نفسه وأهله وماله وعبيده وجميع ما يتعلق به. فلما سلَّم إليهم إشبيلية لم يفوا له، وسيِّر المعتمد إلى مدينة أغمات، فحُبسوا بها، وفعل أمير المسلمين أفعالاً قبيحةً لم يفعلها أحد قبله. وذلك أنه سجنهم ولم يُجر عليهم ما يقوم بهم، حتى كان بنات المعتمد يغزلن للناس بأجرة ينفقونها على أنفسهم، فأبان أمير المسلمين في ذلك عن لؤم طباع وضيق نفس.\rقال: وبقي المعتمد في حبسه بأغمات إلى سنة ثمانٍ وثمانين وأربعمائة، فتوفي فيها، وقبره بأغمات. فكان من بني عبّاد ثلاثة؛ القاضي محمد بن إسماعيل، وابنه عباد، ومحمد بن عبّاد هذا، ومدة مُلكهم ستون سنةً، وكان له من الأولاد الذكور والإناث.\rوكان رحمه الله من محاسن الزمان كرماً وعلماً ورئاسةً وأخباره مشهورة وآثاره مدوَّنة. وقد ذكره ابن خاقان في \" قلائد العقيان \" ، وذكر شيئاً من نظمه ونثره. وكان شاعره أبا بكر محمد بن عيسى الداني المعروف بابن اللبَّانة يأتيه في سجنه فيمدحه لإحسانه القديم إليه وبرِّه الذي بقيت آثاره مع طول الزمن عليه، قال ابن اللبَّانة: فأمضيت عزيمتي بعد انقضاء الدولة في زيارته، فوصلت إليه بأغمات، فقلت في ذلك أبياتاً عند دخولي عليه.","part":6,"page":406},{"id":2912,"text":"لم أقل في النِّقاف كان نفاقاً ... كنت قلباً له وكان شغافا\rيمكث الزَّهر في الكمام ولكن ... بعد مُكث الكمام يدنو قطافا\rوإذا ما الهلال غاب بغيمٍ ... لم يكن ذلك المغيب انكسافا\rإنما أنت درّةٌ للمعالي ... ركَّب الدَّهر فوقها أصدافا\rحجب البيت منك شخصاً كريماً ... مثل ما يحجب الدِّنان السلافا\rأنت للفضل كعبةٌ ولو أنِّي ... كنت أستطيع لالتزمت الطَّوافا\rقال: وجرت بيني وبينه مخاطباتٌ ألذُّ من غفلات الرقيب، وأشهى من رشفات الحبيب، وأدلُّ على السماح، من فجرٍ على صياح - قال - فلما قاربت الصدر وأزمعت السفر، صرف حبله واستنفذ ما قبله، وبعث إليّ شرف الدولة ابنه - وكان من أحسن الناس سمتاً وأكثرهم صمتاً، تخجله اللفظة وتجرحه اللحظة، حريصاً على طلب الأدب مسارعاً في اقتناء الكتب، مثابراً على نسخ الدواوين ففتَّح من خطِّه فيها زهر البساتين - بعشرين مثقالاً مرابطية وثوبين غير مخيطين، وكتب مع ذلك أبياتاً منها:\rإليك النَّزر من كفِّ الأسير ... وإن تَقنع نكن عين الشَّكور\rتَقبَّل ما ندوت به جباءً ... وإن غدرته حالات الفقير\rقال ابن اللبَّانة فأجبته:\rحاش لله أن أُحيج كريماً ... يتشكَّى فقراً وكم سدَّ فقرا\rوكفاني كلامك الرطب نيلاً ... كيف ألقى دُرَّاً وأطلب تِبرا\rلم تمت إنما المكارم ماتت ... لا سقى الله بعدك الأرض قطرا\rمما قاله المعتمد من شعره في مدة أسره - فمن ذلك - قوله:\rسلَّت على يد الخُطوب سيوفها ... فجررن من جسدي الخصيف الأمتنا\rضربت بها أيدي الضروب وإنما ... ضربت رقاب الآمنين بها المنى\rيا آملي العادات من نفحاتنا ... كفُّوا فإن الدهر كفَّ أكُفَّنا\rوقال في قصيدة يصف القيد في رجليه:\rتعطَّف من ساقي تعطُّف أرقمٍ ... يساورها عضَّا بأنياب ضيغم\rوإنِّي من كان الرجال بسيبه ... من سيفه في جنَّةٍ وجهنم\rوقال في يوم عيدٍ:\rفيما مضى كنت بالأعياد مسروراً ... فصرت كالعبد في أغمات مأسورا\rقد كان دهرك إن يأمره ممتثلاً ... فردَّك الدَّهر منهياً ومأمورا\rمن بات بعدك في مُلكٍ يُسرُّ به ... فإنما بات بالأحلام مغرورا\rوتعرَّض له أهل الكُدية وهو في الحبس فقال:\rسألوا اليسير من الأسير وإنه ... بسؤالهم لأحق منهم فاعجب\rلولا الحياء وعزَّة لخميةٌ ... طيُّ الحشا لحكاهم في المطلب\rورثا ولديه وقد ذُبحا بين يديه فقال:\rيقولون صبراً..لا سبيل إلى الصَّبر ... سأبكي وأبكي ما تطاول من عمري\rأفتح..لقد فتَّحت لي باب رحمةٍ ... كما بيزيد الله قد زاد في أجري\rهوى بكما المقدار عنِّي ولم أمت ... فأُدعى وفياً قد نكصت إلى الغدر\rولو عُدتما لاخترتما العود في الثَّرى ... إذا أنتما أبصرتماني في الأسر\rأبا خالدٍ أورثتني البثَّ خالداً ... أبا النَّصر مُذ ودَّعت ودَّعني نصري\rقال: وكان الشيخ عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس توجه من المغرب إلى الأندلس في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، فقصد المعتمد، وأقام عنده إلى أن خلع، فكتب إليه المعتمد بعد أن عاد إلى المهدية:\rغريبٌ بأقصى المغربين أسير ... يُبكِّى عليه منبرٌ وسرير\rأذلَّ بني ماء السماء زمانهم ... وذلُّ بني ماء السماء كثير\rفما ماؤها إلا بكاءٌ عليهم ... يفيض على الآفاق منه بحور\rفأجابه محمد بن حمديس:\rجرى لك جدٌّ بالكرام عثور ... وجار زمانٌ كنت منه تجير\rلقد أصبحت بيض الظُّبا في غمودها ... إناثاً بترك الضَّرب وهي ذكور\rولما رحلتم بالنَّى في أكفِّكم ... وقُلقل رضوى منكم وثبير\rرفعت لساني بالقيامة قد دنت ... ألا فانظروا كيف الجبال تسير؟","part":6,"page":407},{"id":2913,"text":"قال ولما توفي المعتمد وقف ابن اللبانة على قبره في يوم عيدٍ - والناس عند قبور أهاليهم - وأنشد بصوتٍ عال:\rملك الملوك أسامعٌ فأنادي ... أم قد عداك عن الجواب عواد\rلما خلت منك القصور ولم تكن ... فيها كما قد كنت في الأعياد\rقبَّلت في هذا الثرى لك خاضعاً ... واتخذت قبرك موضع الإنشاد\rوأخذ في إتمام القصيدة، فاجتمع الناس كلُّهم عليه يبكون لبكائه وإنشاده. وحكى بعض المعتنين بأخبارهم أن فخر الدولة ابن المعتمد على الله مرَّ يوماً في بعض شوارع مدينة إشبيلية، فطمحت عينه إلى روشنٍ قرأى وجهاً حسناً فتعلَّق قلبه به، ولم يمكنه الوصول، فخامره الهوى ومرض من ذلك. فاتصل خبره بأبيه، فسأل عن المرأة فقيل إنها ابنة رجلٍ خبازٍ، فأمر الوزير أن ينفذ إلى أبيها ويخطبها منه. فأرسل إليه الوزير فعلم ما يراد به، فامتنع من الوصول إليه وقال: هو أحقُّ بالوصول إليّ في هذه الحالة! فأعلم المقتدر بذلك فقال: تصل إليه وتخطبها. فلما وصل إليه وخطبها قال الخباز للوزير: أله صنعةٌ؟ فقال الوزير: ابن المعتمد يطلب منه صنعة وهو سلطان الأندلس؟ فقال له: أمها طالق إن زوجتها إلا من له صناعةٌ يستر حاله وحالها بها إن احتاج إليها.\rفأعلم الوزير المعتمد فقال: هذا رجل عاقل! فأمر بإحضار الصاغة إلى القصر وعلَّم فخر الدولة الصياغة وحذق فيها فلما جرى عليهم ما جرى دخل حوانيت الصاغة، وصاغ بالأجرة فرآه ابن اللبّانة وهو ينفخ في بعض الحوانيت فقال:\rأذكى القلوب أسىً، أبكى العيون دماً ... خطب وجودك فيه يشبه العدما\rصرَّفت في آلة الصيّاغ أنملةً ... لم تدر إلا الندى والسيف والقلما\rيا صائغاً كانت الدنيا تُصاغ له ... حلياً وكان عليه الحلى منتظما\rالنَّفخ في الصور هول ما حكاه سوى ... هولٌ رأيتك فيه تنفخ الفحما\rقال: ولما انقرضت الدولة العبادية صار ملك بلاد المسلمين إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين صاحب مراكش والمغرب، وسنذكر ذلك إن شاء الله في أخباره.\rممالك الأندلس الأخرى وأما سرقسطة والثغر الأعلى فكان ذلك بيد منذر بن يحيى إلى أن توفي وولي بعده ابنه يحيى، ثم ولي بعده سليمان بن أحمد بن محمد بن هود الجذامي، وكان يُلقَّب بالمستعين، وكان من قواد منذر على مدينة لاردة، وله وقعة مشهورة مع الفرنج في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة. ثم توفي وولي بعده ابنه أحمد المقتدر بالله، وولي بعده يوسف المؤتمن، ثم ولي بعده أحمد المستعين على لقب جدِّه، ثم ولي ابنه عماد الدولة. ثم ابنه أحمد المستنصر بالله، وعليه انقرضت دولتهم على رأس الخمسمائة، وصارت للملثمين.\rوأما طرطوشة فوليها الفتى العامري.\rوأما بلنسية فكان بها المنصور أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن محمد بن منصور بن أبي عامر، ثم انضاف إليه إلمرية، وما كان إليها. وبعده ابنه محمد، ودام فيها إلى أن غدر به صهره المأمون بن إسماعيل بن ذي النون في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة.\rوأما السَّهلة فملكها عبُّود بن رزين، وأصله بربري، ومولده بالأندلس. فلما هلك ولي بعده ابنه عبد الملك، ثم ابنه عزُّ الدولة، ثم الملثمون.\rوأما دانية والجزائر فكانتا بيد الموفق أبي الجيش مجاهد العامري، وسار إليه من قرطبة الفقيه أبو محمد عبد الله المعيطي ومعه خلقٌ كثير. فأقامه مجاهدٌ شبه خليفةٍ يصدر عن رأيه، وبايعه في جمادى الآخرة سنة خمسٍ وأربعمائة. وأقام المعيطي معه بدانية نحو ثلاثة أشهر، ثم سار هو ومجاهد في البحر إلى الجزائر وهي ميورقة ومنورقة ويابسة. ثم بعث المعيطي بعد ذلك مجاهداً إلى سردانية في مائة وعشرين فارساً ومعه ألف فرسٍ، ففتحها في شهر ربيع الأول سنة ستٍّ وأربعين وأربعمائة وقتل بها خلقاً كثيراً من النصارى، وسبي. فسار إليه الفرنج والروم في آخر السنة فأخرجوه منها، فرجع إلى الأندلس فوجد المعيطي قد مات. وبقي مجاهد إلى أم مات، وولي بعده ابنه علي بن مجاهد ثم مات، فولي بعده ابنه أبو عامر. ثم صارت دانية وسائر بلاده إلى المقتدر بالله أحمد بن سليمان بن هود، في شهر رمضان سنة ثمانٍ وسبعين وأربعمائة.","part":6,"page":408},{"id":2914,"text":"وأما مرسية فوليها بنو طاهر، واستقامت رئاستها لأبي عبد الرحمن المدعو بالرئيس إلى أن أخذها منه المعتمد بن عباد على يد وزيره أبي بكر بن عمّار الفهري، فلما ملكها عصي على المعتمد فيها، فوجَّه إليه عسكراً مقدِّمهم أبو محمد عبد الرحمن بن رشيق العشيري وملكها فعصى فيها على المعتمد بن عبّاد إلى أن دخل في طاعة الملثمين، وبقي بها إلى أن مات في سنة سبعٍ وخمسمائة.\rوأما إلمرية فملكها خيران العامريّ إلى أن توفي، وملكها زهير العامري واتسع ملكه إلى شاطبة إلى ما يجاور عمل طليطلة. ودام إلى أن قتل وصارت مملكته إلى المنصور أبي الحسن بن أبي عامر - صاحب بلنسية، فوليّ عليها محمداً ابنه، فأقام بها مدةً في حياة أبيه وبعد وفاته إلى أن أخذها منه صهره ذو الوزارتين أبو الأحوص معن بن محمد بن صمادح التجيبي. ودانت له لورقة وبيّاسه وجيّان وغيرها، إلى أن توفي في سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، وولي بعده ابنه أبو يحيى محمد بن معن - وهو ابن أربع عشرة سنة - فكفَّله عمه أبو عتبة بن محمد إلى أن توفي في سنة ستٍّ وأربعين وأربعمائة. فبقي أبو يحيى مستضألاً لصغره، وأخذ ما بعد من بلاده عنه، ولم يبق له غير إلمرية وما جاورها. فلما كبر أخذ نفسه بالاشتغال بالعلوم ومكارم الأخلاق، فامتد صيته واشتهر ذكره وعظم سلطانه والتحق بأكابر الملوك. ودام بها إلى أن نازله جيش الملثمين فمرض في أثناء ذلك، وكان القتال تحت قصره فسمع يوماً صياحاً وجلبه فقال: يغصّ علينا كلُّ شيءٍ حتى الموت! وتوفي في مرضه ذلك لثمانٍ بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وملك الملثمون إلمرية. ودخل أولاده وأهله في البحر إلى بجاية، والتحقوا ببني حمّاد.\rوأما مالقة فملكها بنو علي بن حمود، فلم تزل في مملكة العلويين يخطب لهم فيها بالخلافة إلى أن أخذها منهم باديس بن حبّوس صاحب غرناطة.\rوأما غرناطة فملكها حيوس بن ماكسني الصنهاجي، ثم مات في سنة تسع وعشرين وأربعمائة وولي بعده ابنه باديس إلى أن توفي وولي بعده ابن أخيه عبد الله بن بُلكِّين. وبقي إلى أن ملكها منه الملثمون في شهر رجب سنة أربع وثمانين وأربعمائة.\rوانقرضت جميع هذه الدول، وصارت الأندلس جميعها للملثمين على ما نذكره إن شاء الله - عزَّ وجل - في أخبارهم أيام أمير المسلمين. يوسف بن تاشفين. ولما كانت جزيرة الأندلس بيد هؤلاء الملوك الذين ذكرناهم، كانوا يُسمَّون بملوك الطوائف وبسبب انفراد كلِّ ملكٍ منهم بجهةٍ استولى الفرنج على طليطلة كما ذكرنا.\rالباب السادس من القسم الخامس من الفن الخامس\rأفريقية وبلاد المغرب\rومن وليها من العمال، ومَن استقل منهم بالمُلك وسُميت أيامُهم بالدولة الفُلانية قد ذكرنا فتوح إفريقية في خلافة عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - في ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، في سنة ست وعشرين من الهجرة النبوية. وأوردنا ذلك هناك على سبيل الاختصار والإجمال. ونحن الآن نذكره في هذا الباب مبيناً.\rولم نقدم ذكر أخبار المغرب وملوكه على أخبار ملوك المشرق، إِلا أنا لما ذكرنا أخبار الدولة الأَموية بالأّندلس ومن ملك الأَندلس بعد بني أمية، احتجنا إلى ذكر إفريقية وبلاد المغرب، لتكون الأخبار يتلو بعضها بعضاً. ولم نقدم أيضاً ذكر الأندلس على إفريقية، مع كون إفريقية فتحت قبل الأندلس إلا للضرورة التي دعت إلى ذكر أخبار الدولة الأموية بالأندلس تلو الدولة العباسية. ولا ضرر في التقديم والتأخير، لأنا لم نجعل التاريخ على حكم مساق السنين بل على الدول. وأول دولة قامت على الدولة العباسية الدولة الأموية بالأندلس. ولنذكر الآن فتوح إفريقية، ومن وليها.\rفتوح إفريقية كان فتوحها في سنة سبع وعشرين، وذلك أن عثمان ابن عفان - رضي الله عنه - لما ولي الخلافة عزل عمرو بن العاص عن مصر، واستعمل عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو أخو عثمان لأمه. فكان عبد الله يبعث المسلمين في جرائد الخيل فيصيبون من إفريقية. ويكتب بذلك إلى عثمان.","part":6,"page":409},{"id":2915,"text":"فلما أراد عثمان أن يغزي إفريقية استشار الصحابة، فكلَهم أشار عليه بإنفاذ الجيش إليها إلا أبا الأعور سعيد بن أبي يزيد فإنه كره ذلك. فقال له عثمان: ما كرهت يا أبا الأعور من بعثة الجيش؟ قال: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: لا أغزيها أحداً من المسلمين ما حملت عيني الماء ولا أرى لك خلاف عمر وقام. ثم دعا عثمان زيد بن ثابت ومحمد ابن مسلمة واستشارهما. فأشارا بإنفاذ الجيش.\rفندب الناس إلى الغزو. فكان هذا الجيش يسمى جيش العبادلة. خرج فيه من بني هاشم: عبد الله بن عباس وكان والياً على المسلمين وعبيد الله بن عباس؛ ومن بني تيم: عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما، وعبد الرحمن بن صبيحة في عدّة من قومه، ومن بني عدي: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وعبيد الله بن عمر، وعاصم بن عمر في عدة منهم؛ ومن بني أسد ابن عبد العزى: عبد الله بن الزّبير في عدة من قومه؛ ومن بني سهم: عبد الله بن عمرو بن العاص والمطّلب بن السّائب بن أبي وداعة، في عدة منهم. وخرج في الجيش مروان بن الحكم، وأخوه الحارث، وجماعة من بني أميّة، والمسور بن مخرمة ابن نوفل، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعدة من بني زهرة؛ ومن بني عامر بن لؤي بن غالب: السائب بن عامر ابن هشام، وبسر بن أرطاة؛ وعدة من بني هذيل، منهم أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي - وتوفي بإفريقية وواراه في قبره عبد الله بن الزبير - وعبد الله بن أنيس وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن عمرو البهراني، وبلال بن الحارث المزني، وعاصم، ومعاوية بن حديج، وفضالة بن عبيد، ورويفع بن ثابت، وجرهد بن خويلد وأبو زمعة البلوى، والمسيب بن حزن، وجبلة بن عمرو الساعدي، زياد بن الحارث الصّدائي، وسفيان بن وهب، وقيس بن يسار بن مسلمة وزهير بن قيس، وعبد الرحمن بن صخر، وعمرو بن عوف وعقبة بن نافع الفهري. وخرج من جهينة ستمائة رجل، ومن أسلم حمزة بن عمرو الأسلمي، وسلمة بن الأكوع في ثلاثمائة رجل، ومن مزينة ثمانمائة رجل، ومن بني سليم أربعمائة رجل، ومن بني الدّيل وضمرة وغفار خمسمائة رجل، ومن غطفان وأشجع وفزارة سبعمائة رجل، ومن كعب ابن عمرو أربعمائة رجل، وكانوا آخر من قدم على عثمان، والناس معرّسون بالجرف، والجرف على ثلاثة أميال من المدينة.\rوأعان عثمان الجيش بألف بعير من ماله، فحمل عليها ضعفاء الناس، وحمل على خيل، وفرق السلاح، وأمر للناس بأعطياتهم. وذلك في المحرم سنة سبع وعشرين.\rوخطب عثمان الناس ورغّبهم في الجهاد. وقال لهم: قد استعملت عليكم الحارث بن الحكم إلى أن تقدموا على عبد الله بن سعد، فيكون الأمر إليه. واستودعتكم الله. وساروا حتى أتوا مصر.\rفجمع عبد الله بن سعد جيشاً عرمرماً، وضمه إليه. فبلغ عسكر المسلمين عشرين ألفاً. واستخلف على مصر عقبة بن نافع، وتوجّه.\rوحكى الزّهري عن ربيعة بن عباد الدّيلي قال: لما وصلنا قدّم عبد الله الطّلائع والمقدمات أمامه. وكنت أنا أكثر ما أكون في الطلائع فو الله إنا لبطرابلس قد أصبنا من بها من الروم قد تحصنوا منا فحاصرناهم، ثم كره عبد الله أن يشتغل بذلك عما قصد إليه، فأمر الناس بالرحيل. فنحن على ذلك إذا مراكب قد أرست إلى الساحل فشددنا عليها، فترامى من بها إلى الماء. فأقاموا ساعة ثم أستأسروا فكتفناهم، وكانوا مائة. حتى لحق بنا عبد الله فضرب أعناقهم، وأخذنا ما في السفن. فكانت هذه أول غنيمة أصبناها.","part":6,"page":410},{"id":2916,"text":"ومضى حتى نزل بمدينة قابس فحاصرناها. فأشار عليه، الصحابة أن لا يشتغل بها عن إفريقية، فسار وبثّ السرايا في كل وجه. وكان يؤتى بالبقر والشاء والعلف. قال: وكان ملكهم يدعى جرجير، وسلطانه من طرابلس إلى طنجة وولايته من قبل هرقل. فلما بلغه الخبر بورود الجيوش الإسلامية، جمع وتأهب للّقاء، فبلغ عسكره عشرين ومائة ألف قال: ثم ذهبنا قاصدين عسكره على تعبئة، فأقمنا أياماً تجري بيننا وبينهم الرسل: ندعوه إلى الإسلام، وهو يستطيل ويتجبر وقال: لا أقبل هذا أبداً. فقلنا له فخراج تخرجه كل عام. فقال: لو سألتموني درهماً واحداً لم أفعل. فتأهبنا للقتال بعد الإعذار منا. فعبأ عبد الله بن سعد ميمنته وميسرته والقلب، وفعل الروم مثل ذلك. وتلاقى الجمعان في فحص متسع يسمى بعقوبة، بينه وبين دار ملك الروم مسيرة يوم وليلة، وهي المدينة المسماة سبيطلة، وكذلك مدينة قرطاجنّة، وهي مدينة عظيمة، شامخة البناء، أسوارها من الرخام الأبيض، وفيها العمد والرخام الملون ما لا يحصى.\rقال: ودامت الحرب بين الفريقين وطالت، وانقطع خبر المسلمين عن عثمان. فأنفذ عبد الله بن الزبير وصحبته اثنا عشر فارساً من قومه. فسار يجد السير حتى قدم على المسلمين فوصل ليلاً. فسروا به ووقع في العسكر ضجة، خافت الروم منها، وظنوا أنهم يحملون عليهم، فباتوا بشر ليلة. وأرسل ملكهم جاسوساً يستعلم الخبر. فأعلمه أن نجدة وصلت إلى المسلمين. وكان المسلمون يقاتلون الروم في كل يوم إلى الظهر، ثم ترجع كل طائفة إلى معسكرها وتضع الحرب أوزارها. فلما أصبح عبد الله بن الزبير، صلى الصبح وزحف مع المسلمين وقاتل. فلقي الروم في يومهم أشد نكال. ولم ير ابن الزبير عبد الله بن سعد في الحرب فسأل عنه. فقالوا: هو في خبائه وله أيام ما خرج منه. ولم يكن ابن الزبير اجتمع به، فمضى إليه، وسلم عليه، وبلغه وصية عثمان وسأله عن سبب تأخره. فقال: إن ملك الروم أمر منادياً فنادى باللغة الرومية والعربية: معاشر الروم والمسلمين: من قتل عبد الله بن سعد زوّجته ابنتي، ووهبت له مائة ألف دينار وكانت ابنته بارعة الجمال، تركب معه في الحرب، وعليها أفخر ثياب، وتحمل على رأسها مظلة من ريش الطاووس وغير خاف عنك من معي، وأكثرهم حديثوا عهد بالإسلام، ولا آمن أن يرغّبهم ما بذل لهم جرجير فيقتلوني، فهذا سبب تأخري. فقال له ابن الزبير: أزل هذا من نفسك، وأمر من ينادي في عسكرك ويسمع الروم: معاشر المسلمين والروم: من قتل الملك فله ابنته ومائة ألف دينار، وواحدة بواحدة. ففعل ذلك. فلما سمع ملك الروم النداء، انتقل ما كان عبد الله يجده من الخوف إليه. وبقي القتال على ما كان عليه.\rفعنّ لعبد الله بن الزبير رأي. فأتى بعد الله بن سعد ليلاً وقال له: إني فكّرت فيما نحن فيه فرأيت أمراً يطول والقوم في بلادهم والزيادة فيهم والنقصان فينا. وقد اتصل بي نفّذ إلى جميع نواحيه بالحشد والجمع. وقد رأيت أصحابه إذا سمعوا الأذان أغمدوا سيوفهم ورجعوا إلى مضاربهم، وكذلك المسلمون، جرياً على العادة. والرأي عندي أن تترك غدا إن شاء الله أبطال المسلمين في خيامهم بخيلهم وعددهم، وتقاتل ببقايا الناس على العادة، وتطوّل في القتال حتى تتعب القوم. فإذا انصرفوا ورجع كلّ إلى مضربه وأزال لأمه حربه، يركب المسلمون ويحملون عليهم والقوم على غرة. فعسى الله سبحانه أن يظفرنا بهم وينصرنا عليهم، وما النصر إلا من عند الله. فلما سمع عبد الله بن سعد ذلك، أحضر عبد الله بن عباس وإخوته والصحابة ورؤوس القبائل، وعرض عليهم ما أشار به ابن الزبير فاستصوبوا رأيه واستخاروا الله. وكتموا أمرهم وباتوا على تعبئة. ولجئوا إلى الله تعالى وسمحوا بنفوسهم في إعزاز دين الله وإظهار كلمته.","part":6,"page":411},{"id":2917,"text":"وأصبح أبطال الإسلام في خيامهم، وخيولهم قائمة معهم في الخيام. وخرج لفيف الناس إلى القتال، ومعهم عبد الله بن سعد وابن الزبير، فقاتلوا أشد قتال وكان يوماً حاراً فلقي الفريقان فيه التعب العظيم. وركب ملك الروم ومعه الصليب، وكان متوجاً عندهم، عظيم القدر فيهم. وحرض أصحابه على القتال. فاشتد الأمر في القتال حتى أذّن الظهر فهم الروم بالانصراف جرياً على العادة. فداوم ابن الزبير القتال ساعة أخرى. فاشتد الحر وعظم الخطب حتى لم يبق لأحد من الفريقين طاقة بحمل السلاح فضلاً عن القتال به. فعند ذلك رجعوا إلى خيامهم، ووضعوا أسلحتهم، وسيّبوا خيولهم وألقوا أنفسهم على فرشهم.\rفاستنهض عبد الله أبطال المسلمين. فلبسوا دروعهم وركبوا خيولهم في خيامهم. وتقدم عبد الله بن الزبير في زي رسول، وقد لبس ثوباً فوق درعه. وقال: إذا رأيتموني قد قربت من خيام الروم فاحملوا حملة رجل واحد. فلما قرب من الخيام كبر المسلمون وهلّلوا، وحملوا فأعجلوا الروم عن لبس دروعهم أو ركوب خيولهم. فانهزمت الروم، وقتل ملكهم، وقتل منهم ما الإسلام يحصى كثرة وهرب من سلم منهم إلى المدينة، وغنم المسلمون ما في معسكرهم. وأسرت ابنة الملك وأتي بها إلى عبد الله بن سعد. فسألها عن أبيها. قالت: قتل. قال: أتعرفين قاتله؟ قالت: نعم، إذا رأتيه عرفته. وكان كثير من المسلمين ادعوا قتله. فعرض عليها من ادعى قتله. فقالت: ما من هؤلاء من قتله. فأحضر ابن الزبير. فلما أقبل، قالت: هذا قاتل أبي. فقال له ابن سعد: ما منعك أن تعلمنا بذلك لنفي لك بما شرطناه؟ فقال أصلحك الله! ما قتلته لما شرطت، والذي قتلته له يعلم ويجازى عليه أفضل من جزائك، ولا حاجة لي في غير ذلك. فنفّله ابن سعد ابنة الملك، فيقال إن ابن الزبير اتخذها أم ولد.\rثم نزل المسلمون على المدينة، وحاصروها حصاراً شديداً حتى فتحها الله عليهم. فأصابوا فيها خلقاً كثيراً، وأكثر أموالهم الذهب والفضة. فجمع عبد الله بن سعد الغنائم وقسمها بعد أن خمسها. فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار وسهم الراجل ألف دينار.\rوبثّ السرايا والغارات من مدينة سبيلطة فبلغت خيوله إلى قصور قفصة. فسبوا وغنموا. وجازوا إلى مرمجنة. فأذلت تلك الوقعة من بقي من الروم. وأصابهم رعب شديد فلجئوا إلى الحصون والقلاع. واجتمع أكثرهم بفحص الأجم حول الحصن، وهو من أعظم حصون إفريقية. وراسلوا عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم ثلاثمائة قنطار ذهباً على أن يكفّ عنهم ويخرج من بلادهم. فقبل ذلك منهم بعد امتناع. وقيل: إنه صالحهم على ألفي ألف وخمسمائة ألف. وقبض المال. وكان في شرط صلحهم أن ما أصاب المسلمون قبل الصلح فهو لهم، وما أصابوه بعد التّرداد ردوه عليهم.\rودعا عبد الله بن سعد عبد الله بن الزبير وقال: ما أحد أحقّ بالبشارة منك، فامض وبشّر عثمان والمسلمين بما أفاء الله تعالى عليهم. فتوجه عبد الله يجدّ المسير. فبعض الناس يقول: دخل المدينة من سبيطلة في عشرين ليلة، وبعضهم يقول: وافى المدينة يوم أربعة وعشرين، ولا يستغرب ذلك من مثله. فلما وصل المدينة أمره عثمان أن يصعد المنبر فيعلم الناس بما فتح الله عليهم. فبلغ الزبير. فجاء إلى المسجد ونال من عثمان بكلمات، وقال: بلغ من عبد الله بن الزبير أن يرقى موضعاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطأه بقدمه! وددت والله أنيّ متّ قبل هذا! وقيل: إنّ عبد الله لم يرق المنبر، وإنما وقف بإزائه وخطب، وعثمان على المنبر جالساً.\rقال: وكان فعل عبد الله بن الزبير في القتال بإفريقية كفعل خالد ابن الوليد بالشام، وعمرو بن العاص بمصر، رضي الله عنهم أجمعين.\rقال: ثم انصرف عبد الله بن سعد إلى مصر إثر سفر ابن الزبير.\rقال: وكان مقام الجيش بإفريقية خمسة عشر شهراً، ولم يفقد من المسلمين إلا ناس قلائل. ثم كان بعد ذلك من مقتل عثمان وخلاف عليّ ومعاوية ما قدمنا ذكره، إلى أن استقر أمر معاوية فاستعمل معاوية بن حديج.\rولاية معاوية بن حديج الكندي وفتح إفريقية ثانياً","part":6,"page":412},{"id":2918,"text":"كانت ولايته في سنة خمس وأربعين من الهجرة. وسبب ذلك أن هرقل صاحب القسطنطينية كان يؤدّي إليه من كل ملك من ملوك البر والبحر إتاوة معلومة في كل سنة. فلما بلغه ما صالح عليه أهل إفريقية عبد الله بن سعد بن أبي سرح، بعث بطريقاً إلى إفريقية يقال له أوليمة وأمره أن يأخذ من أهلها ثلاثمائة قنطار ذهباً كما أخذ منهم ابن أبي سرح. فنزل البطريق قرطاجنّة وأخبرهم بأمر الملك. فأبوا عليه ونابذوه وقالوا: الذي كان بأيدينا من الأموال فدينا به أنفسنا، والملك فهو سيدنا يأخذ منا كما كنا نعطيه في كل سنة. وكان القائم بأمر إفريقية بعد جرجير رجل يقال له جناحة، فطرد أوليمة البطريق.\rثم اجتمع أهل إفريقية وولوا على أنفسهم رجلاً يقال له الأطريون وقيل فيه: الأطيلون. فسار جناحة إلى الشام إلى معاوية بن أبي سفيان. فذكر له حال إفريقية وسأله أن يبعث معه جيشاً من العرب. فوجه معه معاوية بن حديج في جيش كثيف. فلما انتهى إلى الإسكندرية هلك جناحة.\rومضى ابن حديج حتى انتهى إلى إفريقية، وهي حرب، وقد صارت ناراً. وكان في عسكره عبد الملك بن مروان، ويحيى بن الحكم، وكريب بن إبراهيم بن الصباح، وخالد بن ثابت الفهمي. وقيل: كان معه عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله ابن الزبير، وأشراف من جند الشام ومصر. فقدم ولا يشك أهل إفريقية أن جناحة معه. فنزل معاوية غربي قمونية في سفح جبل على عدة فراسخ منها. فأصابه فيه نوء شديد فقال: إن جبلنا هذا للممطور فسمّى الجبل ممطوراً إلى اليوم. ثم قال: اذهبوا بنا إلى ذلك القرن فسمي أيضاً القرن.\rوبعث ملك الروم بطريقاً يقال له نجفور في ثلاثين ألف مقاتل. فنزل على ساحل البحر بسنطبرية. فبعث ابن حديج إليه خيلاً. فقاتلوه فانهزم وأقلع في البحر.\rوقاتل معاوية أهل جلّولاء على باب المدينة. فكان يقاتلهم صدر النهار، فإذا مال الفيء انصرف إلى معسكره بالقرن. فقاتلهم ذات يوم. فلما انصرف نسي عبد الملك بن مروان قوساً له معلقة بشجرة. فانصرف ليأخذها، وإذا جانب المدينة قد انهدم. فصاح في أثر الناس فرجعوا. وكانت بينهم حرب شديدة وقتال عظيم حتى دخلوا المدينة عنوة، واحتووا على جميع ما فيها، وقتلوا المقاتلة، وسبوا الذرية. وقيل: بل كان معاوية بن حديج مقيماً بالقرن وبعث عبد الملك بن مروان إلى جلولاء، في ألف فارس. فحاصرها أياماً فلم يظفر بها. وانصرف الناس منكسرين فلم يسر إلا يسيراً حتى رأى في ساقه الناس غباراً كثيراً، فظنوا أن العدو قد اتبعهم. فرجعوا فإذا مدينة جلولاء قد وقع حائطها من جهة واحدة. فانصرف المسلمون إليها فقتلوا من فيها وغنموا وسبوا. وانصرف عبد الملك إلى معاوية وهو معسكر بالقرن ينتظره. فلما أتاه بالغنائم اختلفوا فيها. فقال عبد الملك: هي لأصحابي خاصة. وقال ابن حديج: بل لجماعة المسلمين. وكتب إلى معاوية بن أبي سفيان. فعاد جوابه: العسكر ردء السّرية، فأقسم بين الناس جميعهم فوقع سهم الفارس ثلاثمائة دينار.\rقال البلاذري. أول من غزا صقلية معاوية بن حديج، بعث إليها عبد الله بن قيس، وسنذكر ذلك في أخبارها إن شاء الله تعالى.\rقال: ثم انصرف معاوية بن حديج إلى مصر. فأقره معاوية بن أبي سفيان عليها، وعزله عن إفريقية، وأفردها عن مصر، واستعمل عليها من قبله.\rولاية عقبة بن نافع الفهري وفتح إفريقية الفتح الثالث وبناء القيروان قال: ثم أرسل معاوية بن أبي سفيان عقبة بن نافع إلى إفريقية في سنة خمسين، وكان مقيماً ببرقة وزويلة من أيام عمرو بن العاص فجمع من أسلم من البربر وضمه إلى الجيش الوارد عليه. وكان جملة الجيش الوارد من معاوية عشرة آلاف فارس من المسلمين. فسار عقبة إلى إفريقية فاتتحها، ووضع السيف حتى أفنى من بها من النصارى.\rثم قال: إن إفريقية إذا دخلها إمام تحرّموا بالإسلام، فإذا خرج منها رجع من كان أسلم منهم وارتد إلى الكفر. وأرى لكم - يا معشر المسلمين - أن تتخذوا بها مدينة نجعل بها عسكراً وتكون عزّ الإسلام إلى آخر الدهر. فأجابه الناس إلى ذلك.\rبناء مدينة القيروان","part":6,"page":413},{"id":2919,"text":"قال المؤرخون: لما أرد عقبة بن نافع بناء مدينة القيروان وأجابه المسلمون إلى ذلك، أتى بهم إلى موضعها، وهو إذ ذاك شعارى لا تسلك وقال: شأنكم. فقالوا له: إنك أمرتنا بالبناء في شعارى وغياض لا تسلك ولا ترام، ونحن نخاف من السباع والحيات وغير ذلك من خشاش الأرض. وكان عقبة مستجاب الدعوة، فدعا الله عز وجل. وجعل أصحابه يؤمّنون على دعائه. وكان في عسكره ثمانية عشر رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجمعهم ونادى: أيتها الحيات والسباع، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ارحلوا عنّا إنا نازلون. ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه. فنظر الناس في ذلك اليوم إلى السباع تحمل أشبالها، والذئاب تحمل أجراءها، والحيات تحمل أولادها. فأسلم كثير من البربر. ونادى عقبة في الناس كفّوا عنهم حتى يرتحلوا عنا. فلما خرج ما فيها من ذلك، جمع عقبة وجوه أصحابه ودار بهم حول المكان وأقبل يدعو الله ويقول: اللهم املأها علماً وفقهاً، واعمرها بالمطيعين والعابدين، وامنعها من جبابرة الأرض. ثم نزل عقبة الوادي. وأمر الناس أن يختطوا ويقلعوا الشجر. قال: فأقام أهل إفريقية بعد ذلك أربعين سنة لا يرون بها حية ولا عقربا.\rقال: واختط دار الإمار والمسجد الأعظم، ولم يحدث فيه بناء، وكان يصلي فيه وهو كذلك. فاختلف الناس في القبلة وقالوا: إن أهل الغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد، فاجهد نفسك في أمرها. فأقاموا مدة ينظرون إلى مطالع الشتاء والصيف من النجوم ومشارق الشمس. فلما رأى عقبة الاختلاف اهتم لذلك وسأل الله تعالى، فأتاه آت في منامه فقال له: يا وليّ رب العالمين، إذا أصبحت فخذ اللواء واجعله على عنقك، فإنك تسمع بين يديك تكبيراً لا يسمعه غيرك. الموضع الذي ينقطع عنك التكبير فهو قبلتك ومحرابه مسجدك. وقد رضي الله عز وجل أمر هذه المدينة وهذا المسجد. وسوف يعزّ بها دينه ويذل بها من كفره إلى آخر الدهر. فاستيقظ من منامه وقد جزع جزعاً شديداً. فتوضأ وأخذ في الصلاة في المسجد وهو لم يبن بعد، ومعه أشراف الناس. فلما طلع الفجر وركع عقبة سمع التكبير بين يديه. فقال لمن حوله: ألا تسمعون؟ قالوا: لا نسمع شيئاً. فقال: إن الأمر من عند الله عز وجل. وأخذ اللواء ووضعه على عاتقه. وأقبل يتتبع التكبير بين يديه حتى انتهى إلى محراب المسجد. فانقطع التكبير فركز لواءه وقال: هذا محرابكم. ثم أخذ الناس في بنيان الدور والمساكن والمساجد فعمرت. وكان دورها ثلاثة آلاف باع وستمائة باع. فكملت في سنة خمس وخمسين. وسكنها الناس وعظم قدرها. وكان في موضع القيروان حصن لطيف للروم يسمى قمونية.\rقال: ودبر عقبة أمر إفريقية أحسن تدبير إلى أن عزل معاوية ابن أبي سفيان معاوية بن حديج عن مصر وولي مسلمة بن مخلّد الأنصاري مصر وإفريقية.\rولاية مسلمة بن مخلد قال: ولما وصل مسلمة إلى مصر، استعمل إلى إفريقية مولى له يقال له ديناراً ويكنى أبا المهاجر، وذلك في سنة خمس وخمسين وعزل عقبة. فلما وصل كره أن ينزل بالموضع الذي اختطه عقبة، فنزل عنه بمسافة ميلين. واختط مدينة وأراد أن يكون له ذكرها ويفسد ما عمله عقبة. فسماها البربر تيكيروان. فأخذ في عمارتها. وأمر الناس أن يخربوا القيروان ويعمروا مدينته.\rوتوجه عقبة مغضبا إلى معاوية بن أبي سفيان. فقال له: إني فتحت البلاد، ودانت لي، وبنيت المساجد، واتخذت المنازل، وأسكنت الناس. ثم أرسلت عبد الأنصار فأساء عزلي فاعتذر إليه معاوية وقال: قد رددتك إلى عملك والياً. وتراخى الأمر حتى توفي معاوية وولي يزيد ابنه. فلما علم حال عقبة غضب وقال: أدركها قبل أن تهلك وتفسد. ورده والياً على إفريقية.\rولاية عقبة بن نافع ثانية قال: وكانت ولايته في سنة اثنتين وستين، فسار من الشام. فلما مر على مصر، ركب إليه مسلمة بن مخلد وسلم عليه، واعتذر من فعل أبي المهاجر، وأقسم بالله لقد خالفه فيما صنع. فقبل عقبة عذره. ومضى مسرعاً حتى قدم إفريقية. فأوثق أبا المهاجر في الحديد، وأمر بخراب مدينته، ورد الناس إلى القيروان.","part":6,"page":414},{"id":2920,"text":"ثم عزم على الغزو وترك بالقيروان جنداً وعليهم زهير بن قيس ودعا أولاده فقال لهم: إني بعت نفسي من الله تعالى بيعاً مربحاً أن أجاهد من كفر حتى ألحق بالله. ولست أدري أتروني بعدها أو أراكم، لأن أملي الموت في سبيل الله. ثم قال: عليكم سلام الله، اللهم تقبل مني نفسي في رضاك.\rومضى في عسكر عظيم حتى أشرف على مدينة باغاية، وقاتل أهلها قتالاً شديداً، وأخذ لهم خيلاً لم ير المسلمون في مغازيهم أصلب منها. ودخل الروم حصنهم.\rفكره عقبة أن يقيم عليه. فمضى إلى لميش، وهي من أعظم مدن الروم. فلجأ إليها من كان حولها منهم. وخرجوا إليه وقاتلوه قتالاً شديداً حتى ظن الناس أنه الفناء. فهزمهم وتبعهم إلى باب حصنهم وأصاب غنائم كثيرة.\rوكره المقام عليها فرحل إلى بلاد الزاب. فسأل عن أعظم مدائنهم قدراً فقالوا: مدينة يقال لها أربة فيها الملك، وهي مجمع ملوك الزاب، وحولها ثلاثمائة قرية وستون قرية كلها عامرة. فلما بلغهم أمره لجئوا إلى حصنهم، وهرب بعضهم إلى الجبال والوعر. فنزل عليها وقت المساء. فلما أصبح أمر بالقتال فكانت بينهم حروب حتى يئس المسلمون من الحياة. فأعطاه الله الظفر. فانهزم القوم وقتل أكثر فرسان الروم. وذهب عزهم من الزاب وذلوا آخر الدهر.\rورحل حتى نزل تاهرت. فلما بلغ الروم خبره، استعانوا بالبربر فأجابوهم ونصروهم. فقام عقبة وخطب الناس وحرضهم على القتال والتقوا واقتتلوا فلم يكن للروم والبربر طاقة بقتالهم. فقتلهم قتلاً ذريعاً وفرق جموع الروم عن المدينة.\rثم رحل حتى نزل طنجة. فلقيه رجل من الروم يقال له إيليان وكان شريفاً في قومه. فأهدى إليه هدية حسنة ولاطفه ونزل على حكمه. فسأله عن بحر الأندلس. فقال: إنه محفوظ لا يرام. فقال: دلني على رجال البربر والروم. فقال: قد تركت الروم خلفك وليس أمامك إلا البربر. وفرسانهم في عدد لا يعلمه إلا الله تعالى وهم أنجاد البربر وفرسانهم. فقال عقبة: فأين موضعهم؟ قال: في السوس الأدنى، وهم قوم ليس لهم دين، يأكلون الميتة، ويشربون الدم من أنعامهم. وهم أمثال البهائم، يكفرون بالله ولا يعرفونه. فقال عقبة لأصحابه: ارحلوا على بركة الله. فرحل من طنجة إلى السّوس الأدنى. وهو في جنوب مدينة طنجة التي تسمى تارودانت. فانتهى إلى أوائلهم فقتلهم قتلاً ذريعاً. وهرب من بقي منهم، وتفرقت خيله في طلبهم.\rومضى حتى دخل السّوس الأقصى فاجتمع البربر في عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى. فقاتلهم قتالاً لم يسمع بمثله. فقتل خلقاً كثيراً منهم. وأصاب نساء لم ير الناس مثلهن. فقيل: إن الجارية كانت تساوي بالمشرق ألف مثقال وأكثر وأقل.\rوسار حتى بلغ البحر المحيط لا يدافعه أحد ولا يقوم له. فدخل فيه حتى بلغ الماء لبان فرسه. ورفع يده إلى السماء وقال: يا رب، لولا هذا البحر لمضيت في البلاد إلى ملك ذي القرنين مدافعاً عن دينك، ومقاتلاً من كفر بك وعبد غيرك.\rثم قال لأصحابه: انصرفوا على بركة الله وعونه. فخلا الناس عن طريق عساكره هاربين. وخاف المشركون منه أشد مخافة. وانصرف إلى إفريقية. فلما انتهى إلى ماء اسمه اليوم ماء فرس ولم يكن به ماء، فأصابهم عطش أشفى منه عقبة ومن معه على الموت. فصلى ركعتين ودعا الله عز وجل. فجعل فرسه يبحث الأرض بيديه حتى كشف عن صفاة. فانفرج منها الماء. وجعل الفرس يمص ذلك الماء فنادى عقبة في الناس أن احتفروا فحفروا سبعين حساً فشربوا وأسقوا. فسمى ماء فرس.\rوسار حتى انتهى إلى مدينة طبنة، وبينها وبين القيروان ثمانية أيام. فأمر أصحابه أن يتقدموا فوجاً بعد فوج إلى إفريقية ثقة منه بما دوخ من البلاد، وأنه لم يبق أحد يخشاه. وسار يريد تهوذة لينظر إليها وإلى بادس، ويعرف ما يسدهما من الفرسان، فيترك فيهما بقدر الحاجة. فلما نظر الروم إلى قلة ما معه، طمعوا فيه وأغلقوا أبواب حصونهم دونه، وشتموه، ورموه بالنبل والحجارة، وهو يدعوهم إلى الله عز وجل. فلما توسط البلاد بعث الروم إلى كسيلة ابن بهرم الأوربي وكان في عسكر عقبة.\rخروج كسيلة\rوقتل عقبة بن نافع واستيلائه على القيروان","part":6,"page":415},{"id":2921,"text":"كان كسيلة هذا من أكابر البربر. وكان قد أسلم في ولاية أبي المهاجر وحسن إسلامه. وقدم عقبة فعرّفه أبو المهاجر بحال كسيلة وعظمه في البربر وانقيادهم إليه. فلم يعبأ به عقبة واستخف به وأهانه. فكان من إهانته له أنه أتي بغنم فأمر بذبحها، وأمر كسيلة أن يسلخ منها شاة. فقال: أصلح الله الأمير! هؤلاء فتياني وغلماني يكفونني المؤونة. فسبه عقبة وأمره بالقيام. فقام مغضباً وذبح الشاة. وجعل يمسح لحيته بما على يديه من دمها. فجعلت العرب يمرون به ويقولون له: يا بربري، ما هذا الذي تصنع؟. فيقول: هذا جيد للشعر. حتى مر به شيخ من العرب فقال: كلا، إن البربري يتواعدكم. فقال أبو المهاجر لعقبة: ما صنعت؟ أتيت إلى رجل جبار في قومه وبدار عزه، وهو قريب عهد بالشّرك، فأفسدت قلبه. أرى أن توثقه كتافاً، فإني أخاف عليك من فتكه. فتهاون به عقبة.\rفلما رأى كسيلة الروم قد راسلوه ورأى فرصة، وثب وقام في بني عمه وأهله ومن اجتمع إليه من الروم. فقال أبو المهاجر لعقبة: عاجله قبل أن يجتمع أمره. وأبو المهاجر مع ذلك كله صحبة عقبة وهو في الحديد. فزحف عقبة إلى كسيلة فتنحى عنه. فقال البربر له: لم تنحيت من بين يديه ونحن في خمسة آلاف؟ فقال: إنكم كل يوم في زيادة وهو في نقصان، ومدد الرجل قد افترق عنه. فإذا طلب إفريقية زحفت إليه. وأما أبو المهاجر فإنه تمثل بقول أبي محجن الثقفي:\rكفى حزناً أن تمزع الخيل بالقنا ... وأترك مشدوداً عليّ وثاقيا\rإذا قمتُ غنائي الحديد وأُغلقت ... مصارع من دوني تصم المناديا\rفبلغ ذلك عقبة بن نافع. فأطلقه وقال له: الحق بالمسلمين فقم بأمرهم وأنا أغتنم الشهادة. فقال أبو المهاجر: وأنا أغتنم ما اغتنمت. فصلى عقبة ركعتين وكسر جفن سيفه. وفعل أبو المهاجر كفعله. وكسر المسلمون أغماد سيوفهم. وأمر عقبة أن ينزلوا عن خيلهم، ففعلوا وقاتلوا قتالاً شديداً. وكثر عليهم العدو فقتلوا عن آخرهم ولم يفلت منهم أحد.\rفعزم زهير بن قيس على قتال البربر فخالفه بعض أصحابه ففارق القيروان، وسار إلى برقة وأقام بها. وتبعه أكثر الناس. وأما كسيلة فاجتمع إليه جمع كبير فقصد القيروان وبها أصحاب الأثقال والذراري من المسلمين. فطلبوا الأمان من كسيلة فأمنّهم. ودخل القيروان واستولى على إفريقية. وأقام بها إلى أن قوي أمر عبد الملك بن مروان. فذكر عنده أمر القيروان ومن بها من المسلمين. فأشار عليه أصحابه بإنفاذ الجيوش إليها. ليستنقذها من يد كسيلة. فاستعمل عليها زهير بن قيس.\rولاية زهير البلوى وقتل كسيلة البربري قال: ولما أشير على عبد الملك بن مروان بإرسال الجيش إلى إفريقية، قال: لا يصلح للطلب بثأر عقبة بن نافع من المشركين إلا من هو مثله في دين الله عز وجل. فاتفق رأيهم على زهير بن قيس، وقالوا: هو صاحب عقبة وأعرف الناس بسيرته وأولادهم بطلب ثأره. وكان زهير ببرقة مرابطاً منذ قفل من إفريقية. فكتب إليه عبد الملك بالخروج على أعنّة الخيل إلى إفريقية. فكتب إليه زهير يستمده بالرجال بالرجال والأموال. فوجه إليه بالأموال ووجوه أهل الشام.\rفلما وصل ذلك إليه أقبل إلى إفريقية في عسكر عظيم، وذلك في سنة تسع وستين. فبلغ خبره كسيلة فجمع البربر وتحول عن القيروان إلى ممش. وجاء زهير فأقام بظاهر القيروان ثلاثة أيام حتى استراح وأراح. ثم رحل إلى كسيلة. والتقيا واشتد القتال وكثر القتل في الفريقين. فأجلت الحرب عن قتل كسيلة وجماعة من أصحابه. وانهزم من بقي منهم. فتبعهم الجيش فقتلوا من أدركوه.\rوعاذ زهير إلى القيروان. فرأى ملك إفريقية ملكاً عظيماً، فقال: إنما أحببت الجهاد، وأخاف أن أميل إلى الدنيا فأهلك. وكان عابداً زاهداً. فترك بالقيروان عسكراً ورحل في جمع كبير يريد المشرق. وكان قد بلغ الروم بالقسطنطينية مسيره من برقة إلى إفريقية وخلوها، فخرجوا إليها في مراكب كثيرة من جزيرة صقلية.\rفأغاروا على برقة وقتلوا ونهبوا. ووافق ذلك قدوم زهير من إفريقية فقاتلهم بمن معه أشدّ قتال. وترجل هو ومن معه وقاتلوا فعظم الخطب. وتكاثر الروم عليهم فقتل زهير وأصحابه، ولم ينج منهم أحد. وعاد الروم بما غنموه إلى القسطنطينية.","part":6,"page":416},{"id":2922,"text":"ولما بلغ عبد الملك قتل زهير عظم ذلك عليه، وكانت المصيبة به كالمصيبة بعقبة. وشغل عبد الملك عن القيروان ما كان بينه وبين عبد الله بن الزبير، فلما قتل ابن الزبير جهز عبد الملك حسان ابن النعمان إليها.\rولاية حسان بن النعمان الغساني إفريقية قال: كان عبد الملك قد أمر حسان بن النعمان بالمقام بمصر في عسكر عدته أربعون ألفاً. وتكره بها عدة لما يحدث. فكتب إليه بالنهوض إلى إفريقية ويقول: إني قد أطلقت يدك في أموال مصر، فاعط من معك ومن ورد عليك من الناس، واخرج إلى جهاد إفريقية على بركة الله. قال ابن الأثير في تاريخه الكامل: إنه استعمله في سنة أربع وسبعين بعد مقتل عبد الله بن الزبير. وقال ابن الرّقيق إنه ندبه إلى إفريقية في سنة تسع وستين. قال: فدخل إفريقية بجيش عظيم ما دخلها مثله قط. فدخل القيروان وتجهز منها إلى قرطاجنّة.\rفتح قرطاجنة وتخريبها\rقال: ولما دخل حسان إلى القيروان سأل عن أعظم ملك بقي بإفريقية. فقيل له: صاحب قرطاجنة، وهي بلدة عظيمة، ولم تفتح بعد، ولا قدر عليها عقبة. فسار إليها. وقاتل من بها من الروم والبربر أشد قتال. فانهزموا وركبوا في البحر. وسار بعضهم إلى صقلية وبعضهم إلى الأندلس. ودخل حسان قرطاجنة بالسيف فقتل وسبي ونهب. وأرسل الجيوش إلى ما حولها. ثم أمر بهدمها فهدم المسلمون منها ما أمكنهم. ثم بلغه أن الروم والبربر قد اجتمعوا في صطفورة وبنزرت. فسار إليهم وقاتلهم، فهزمهم وأكثر القتل فيهم. واستولى المسلمون على بلادهم. ولم يترك موضعاً منها حتى وطئه. فخافه أهل إفريقية خوفاً شديداً. ولجأ المهزمون من الروم إلى مدينة باجة فتحصنوا بها. وتحصن البربر بمدينة بونة. وعاد حسان إلى القيروان فأقام بها حتى أراح واستراح.\rحروب حسان والكاهنة\rوتخريب إفريقية وقتل الكاهنة قال: ثم قال حسّان للناس: دلوني على أعظم من بقي من ملوك إفريقية. فدلوه على امرأة تملك البربر تعرف بالكاهنة، وقالوا: إنها بجبل أوراس، وهي بربرية اجتمع البربر عليها بعد قتل كسيلة. وكانت تخبر بأشياء فتقع كما أخبرت عنها. وعظّموا محلّها عند حسان وقالوا: إن قتلتها لم تختلف البربر بعدها عليك. فسار إليها. فلما قاربها هدمت حصن باغاية، ظنّا منها أنه يريد الحصون. فلم يعرج حسان على ذلك وسار إليها. فالتقوا على نهر نيني واقتتلوا أشد قتال. فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير وأسرت جماعة من أصحابه. فأكرمتهم الكاهنة وأطلقتهم إلا خالد بن يزيد القيسي، وكان شريفاً شجاعاً فاتخذته ولداً.\rوسار حسان منهزماً وفارق إفريقية. وكتب إلى عبد الملك بما كان من أمره. فأمره بالمقام إلى أن يأتيه أمره. فأقام بعمل برقة خمس سنين فسمّي ذلك المكان قصور حسان. وملكت الكاهنة إفريقية كلها وأساءت السيرة في أهلها.\rثم بعث عبد الملك إلى حسان بالأموال والجيوش. وأمره بالمسير إلى إفريقية وقتال الكاهنة. فسار إليها. فقالت الكاهنة لقومها: إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعي، ولا أرى إلا خراب إفريقية حتى ييأسوا منها. وفرقت أصحابها ليخربوا البلاد فخربوها، وهدموا الحصون، وقطعوا الأشجار ونهبوا الأموال. قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: وكانت إفريقية من طرابلس إلى طنجة ظلاً واحداً وقرى متصلة، فأخربت ذلك. فلما قرب حسان من البلاد، لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون به من الكاهنة. فسره ذلك. وسار إلى قابس. فلقيه أهلها بالأموال والطاعة، وكانوا قبل ذلك يتحصنون من الأمراء. فجعل فيها غلاماً. وسار على قفصة. فأطاعه من بها. واستولى عليها وعلى قسطيلية ونفزاوة.\rوبلغ مقدمه الكاهنة، فأحضرت ولدين لها وخالد بن يزيد وقالت لهم: إنني مقتولة، فامضوا إلى حسان وخذوا لأنفسكم منه أماناً. فساروا إليه. فوكل بولديها من يحفظهما. وقدم خالد بن يزيد على أعنة الخيل.\rوسار حسان نحو الكاهنة فالتقوا واقتتلوا، واشتد القتال وكثر القتل حتى ظن الناس أنه الفناء. ثم نصر الله المسلمين. وانهزم البربر وقتلوا قتلاً ذريعاً. وانهزمت الكاهنة ثم أدركت فقتلت. ثم استأمن البربر إلى حسان فأمنهم. وقرر عليهم أن يكون منهم عسكر مع المسلمين عدتهم اثنا عشر ألفاً يجاهدون العدو. وقدم عليهم ابني الكاهنة ثم فشا الإسلام في البربر.","part":6,"page":417},{"id":2923,"text":"وعاد حسان إلى القيروان وبطل النزاع واستقامت إفريقية له، فلما مات عبد الملك وولي الوليد - وكان على مصر وإفريقية عبد العزيز بن مروان - فعزل حسان واستقدمه. وبعث إليه بأربعين رجلاً من أشراف أصحابه، وأمرهم أن يحتفظوا بجميع ما معه. فعلم حسان ما يراد منه، فعمد إلى الجوهر واللؤلؤ والذهب. فجعله في قرب الماء وطرحها في المعسكر، وأظهر ما وراء ذلك. فلما قدم على عبد العزيز بن مروان بمصر أهدي إليه مائتي جارية ووصيف من خيار ما كان معه ويقال: إن حسان كان معه من السبي خمسة وثلاثون ألف رأس. فانتخب منها عبد العزيز ما أراد وأخذ منه خيلاً كثيرة. ورحل حسان بما بقي معه حتى قدم على الوليد بن عبد الملك فشكا إليه ما صنع به عبد العزيز. فغضب الوليد وأنكره. فقال حسان لمن معه: ائتوني بالقرب. فأتي بها فأفرغها بين يدي الوليد. فرأى ما أذهله من أصناف الجوهر واللؤلؤ والذهب. فقال حسان: يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهداً في سبيل الله، ولم أخن الله تعالى ولا الخليفة. فقال له الوليد: أردك إلى عملك وأحسن إليك. فحلف حسان أنه لا ولي لبني أمية ولاية أبداً. فغضب الوليد على عمه عبد العزيز لما عامل به حساناً. وكان حسان يسمى الشيخ الأمين لثقته وأمانته ثم ولي بعده موسى بن نصير.\rولاية موسى بن نصير إفريقية وما كان من حروبه وآثاره كانت ولايته في سنة تسع وثمانين، وذلك أن حسان بن النعمان لما امتنع من إجابة الوليد إلى رجوعه إليها، كتب الوليد إلى عمه عبد العزيز أن يوجه موسى بن نصير إلى إفريقية وأن تكون ولايته من قبل الوليد. وأفرد إفريقية عن مصر. فسار موسى حتى قدم إفريقية وعزل عنها صالحاً خليفة حسان بها.\rفبلغه أن بأطراف إفريقية قوماً خارجين عن الطاعة. فوجه إليهم ابنه عبد الله فقاتلهم وظفر بهم. وأتاه بمائة ألف رأس من سبيهم. ثم وجه ولده مروان إلى جهة أخرى، فأتاه بمائة ألف رأس. ثم توجه هو بنفسه إلى جهة أخرى فأتي بمائة ألف رأس. قال الليث بن سعد: فبلغ الخمس يومئذ ستين ألف رأس ولم يسمع بمثل هذا في الإسلام.\rثم خرج غازياً إلى طنجة يريد من بقي من البربر. فهربوا منه فاتبعهم يقتل فيهم حتى بلغ السوس الأدنى لا يدافعه أحد. فاستأمن البربر إليه وأطاعوه. فقبل طاعتهم وولي عليهم والياً. ثم استعمل على طنجة وبلادها مولاه طارق بن زياد. وتركه بها في تسعة عشر ألف فارس من البربر وطائفة يسيرة من العرب لتعلّم البربر القرآن وفرائض الإسلام.\rورجع إلى إفريقية فمر بقلعة مجّانة. فتحصن أهله منه فترك عليها من يحاصرها مع بسر بن فلان ففتحها، فسميّت قلعة بسر. ولم يبق بإفريقية من ينازعه من البربر ولا من الروم.\rفتح جزيرة الأندلس وشيء من أخبارها\rكان فتح الأندلس في سنة اثنتين وتسعين على يد طارق ابن زياد مولى بن نصير. وقد ذكر ابن الأثير في تاريخه الكامل أخبار الأندلس وابتداء أمرها. فاخترنا إيراد ذلك لأنها من أعظم الفتوحات الإسلامية.\rقال ابن الأثير: قالوا: أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالاندلس - بشين معجمة - ثم عرّب بعد ذلك بسين مهملة، والنصارى تسميها إشبانية باسم رجل صلب فيها يقال له إشبانش، وقيل: باسم ملك كان لها في الزمان الأول اسمه إشبان بن طيطش. وهذا هو اسمها عند بطليموس. وقيل: سميت بأندلس بن يافث بن نوح، وهو أول من عمرها.\rوقيل: أول من سكنها بعد الطوفان قوم يعرفون بالأندلس فعمروها وتداولوا ملكها دهراً طويلاً، وكانوا مجوساً. ثم حبس الله عنهم المطر وتوالى عليهم القحط. فهلك أكثرهم، وفر منها من أطاق الفرار. فخلت مائة سنة.\rثم ابتعث الله لعمارتها الأفارقة. فدخل إليها قوم منهم أجلاهم ملك إفريقية لقحط توالى على بلاده حتى كاد يفنى أهلها. فحملهم في السفن مع أمير من عنده. فأرسوا بجزية قادس. فرأوا الأندلس وقد أخصبت بلادها وجرت أنهارها. فسكنوها وعمروها. ونصبوا لهم ملوكاً ضبطوا أمرهم. وكانت دار مملكتهم طائفة الخراب من أرض إشبيلية، بنوها وسكنوها. وأقاموا مدة تزيد على مائة وخمسين سنة، ملك منهم فيها أحد عشر ملكاً.","part":6,"page":418},{"id":2924,"text":"ثم أرسل الله عليهم عجم رومة، وملكهم إشبان بن طيطش فغزاهم ومزقهم وقتل منهم وحاصرهم بطالقة، وقد تحصنوا بها، فابتني عليها إشبانية - وهي إشبيلية - واتخذها دار مملكته. وكثرت جموعه وعتا وتجبر. وغزا بيت المقدس وغنم ما فيه، وقتل منه مائة ألف، ونقل المرمر منه إلى إشبيلية وغيرها. وغنم منه مائدة سليمان بن داوود عليهما السلام، وهي التي غنمها طارق لما فتح طليطلة، وغنم قليلة الذهب والحجر الذي لقي بماردة.\rوكان هذا إشبان قد وقف عليه الخضر، هو يحرث الأرض فقال له: يا إشبان، سوف تحظى وتعلوا وتملك. فإذا ملكت إيليا فارفق بذرية الأنبياء. فقال له: أتسخر بي وكيف ينال مثلي الملك؟. فقال له: قد جعله فيك من جعل عصاك هذه كما ترى فنظر إليها، فإذا هي قد أورقت. فارتاع وذهب عنه الخضر وقد وثق بقوله. فداخل الناس وارتقى حتى ملك ملكاً عظيماً. وكان ملكه عشرين سنة ودام ملك الإشبانية إلى أن ملك منهم خمسة وخمسون ملكاً.\rثم دخل عليها من عجم رومة أمة يدعون البشتولقات، وملكهم طلوبش بن بيطة، وذلك حين بعث الله المسيح عليه السلام. فغلبوا عليها، واستولوا على ملكها، وقتلوا ملكها. وملك منهم سبعة وعشرون ملكاً. وكانت مدينة ماردة دار ملكهم.\rثم دخلت عليهم أمة القوط مع ملك لهم. فغلبوا على الأندلس واقتطعوها من صاحب رومة. وكان ظهورهم من ناحية أنطالية شرق الأندلس، فأغارت على بلاد مجدونية من تلك الناحية في أيام قليوديوس قيصر، ثالث القياصرة. فخرج إليهم وهزمهم وقتل فيهم. ولم يظهروا بعدها إلى أيام قسطنطين الأكبر. وأعادوا الغارة. فسير إليهم جيشاً فلم يثبتوا له. وانقطع خبرهم إلى دولة ثالث ملك بعد قسطنيطين، فقدموا على أنفسهم أميراً اسمه لذريق، وكان يعبد الأوثان. فسار إلى رومة ليحمل النصارى على السجود لأوثانه وظهر منه سوء سيرة، فتخاذل أصحابه عنه ومالوا إلى أخيه وحاربوه. فاستعان بصاحب رومة. فبعث إليه جيشاً فهزم أخاه ودان بدين النصارى. وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة. ثم ولي بعده أقريط، وبعده أمريق وبعده وغديش. وكانوا قد عادوا إلى عبادة الأوثان. فجمع من أصحابه مائة ألف وسار إلى رومة. فسير إليه ملك الروم جيشاً فهزموه وقتلوه. ثم ملك بعده الريق.\rثم تداولها عدة ملوك ذكرهم ابن الأثير: منهم من عبد الأوثان ومنهم من دان بدين النصرانية، إلى أن انتهى الملك إلى غيطشة، وكانت ولايته سنة سبع وسبعين للهجرة. ثم توفي وخلف ولدين. فلم يرض بهما أهل الأندلس ورضوا برجل يقال له رذريق، وكان شجاعاً وليس من بيت الملك.\rوكانت عادة ملوك الأندلس أنهم يبعثون أولادهم الذكور والإناث إلى مدينة طليطلة يكونون في خدمة الملك لا يخدمه غيرهم، يتأدبون بذلك. فإذا بلغوا الحلم أنكح بعضهم بعضاً وتولى تجهيزهم. فلما ولي رذريق، أرسل إليه يليان - وهو صاحب الجزيرة الخضراء وسبتة وغيرهما - ابنته فاستحسنها رذريق فاقتضها. فكتبت إلى أبيها بذلك. فأغضبه فكتب إلى موسى بن نصير عامل إفريقية بالسمع والطاعة. واستدعاه فسار إليه. فأدخله يليان مدائنه. وأخذ عليه العهود له ولأصحابه بما يرضى به. ثم وصف له الأندلس ودعاه إليها، وذلك في آخر سنة تسعين. فكتب موسى إلى الوليد بذلك، واستأذنه في غزوها. فأذن له إذا لم يكن الوصول إلهاً في بحر متسع.\rفبعث موسى مولى من مواليه، يقال له طريف، في أربعمائة رجل ومعهم مائة فارس. فساروا في أربع سفن. فخرجوا في جزيرة بالأندلس فسميت جزيرة طريف. ثم أغار على الجزيرة الخضراء فأصاب غنائم كثيرة ورجع سالماً، في شهر رمضان سنة إحدى وتسعين. فلما رأى الناس ذلك، تسرعوا إلى الغزو.\rثم إن موسى دعا مولاه طارق بن زياد، وكان على مقدمات جيوشه، فبعثه في سبعة آلاف من المسلمين أكثرهم البربر والموالي وأقلهم العرب. فساروا في البحر. وقصدوا جبلاً منيفاً في البحر، وهو متصل بالبر. فنزله فسمّى الجبل جبل طارق. ولما ملك عبد المؤمن البلاد أمر ببناء مدينة على هذا الجبل وسماه جبل الفتح، فلم يثبت له هذا الاسم، وجرت الألسن على الاسم الأول. وكان حلول طارق به في شهر رجب سنة اثنتين وتسعين.","part":6,"page":419},{"id":2925,"text":"قال: ولما ركب طارق البحر غلبته عينه، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون والأنصار وقد تقلدوا السيوف وتنكبوا القسى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: يا طارق تقدم لشأنك. وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد. ونظر طارق فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه. فاستيقظ من نومه، وبشر أصحابه، وقويت نفسه، وأيقن بالظفر.\rفلما تكامل أصحاب طارق بالجبل نزل إلى الصحراء، وفتح الجزيرة الخضراء فأصاب بها عجوزاً. فقالت له: إنّي كان لي زوج، وكان عالماً بالحوادث، وكان يحدثهم عن أمير يدخل بلدهم ويغلب عليه، ووصف من صفته أنه صخم الهامة وأن في كتفه الأيسر شامة عليها شعر. فكشف طارق ثوبه فإذا الشامة كما ذكرت فاستبشر.\rقال: ولما فتح الجزيرة الخضراء وفارق الحصن الذي في الجبل، بلغ رذريق خبره. فأعظم ذلك، وكان غائباً في غزاة فرجع منها، وقد دخل طارق بلاده. فجمع له جمعاً يقال بلغ مائة ألف. فكتب طارق إلى موسى يستمده ويخبره بما فتح. فأمده بخمسة آلاف، فتكامل المسلمون اثني عشر ألفاً، ومعهم يليان يدلّهم على عورة البلاد ويتجسس لهم الأخبار. وأتاهم رذريق في جنده فالتقوا على نهر بكّة من أعمال شذونة لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين. واتصلت الحرب بينهم ثمانية أيام. وكان على ميمنة رذريق وميسرته ولدا الملك الذي كان قبله وغيرهما من أبناء الملوك. فاتفقوا على الهزيمة بغضاً لرذريق وقالوا: إنّ المسلمين إذا امتلأت أيديهم من الغنيمة عادوا إلى بلادهم وبقي الملك لنا. فانهزموا. وهزم الله رذريق ومن معه وغرق في النهر.\rوسار طارق إلى مدينة إستجة في اتباعهم. فلقيه أهلا ومعهم من المنهزمين خلق كثير. فقاتلوه قتالاً شديداً ثم انهزم أهل الأندلس. ونزل طارق على عين بينها وبين مدينة إستجة أربعة أميال فسميت عين طارق.\rقال: ولما سمع القوط بهاتين الخزيمتين، قذف الله في قلوبهم الرعب، وهربوا إلى طليطلة، وأخلوا مدائن من الأندلس فقال له يليان: قد فرغت من الأندلس، ففرّق جيوشك، وسر أنت إلى طليطلة. ففرق جيوشه من مدينة إستجة: فبعث جيشاً إلى قرطبة، وجيشاً إلى أغرناطة، وجيشاً إلى مالقة، وجيشاً إلى تدمير.\rوسار هو ومعظم الجيش إلى طليلطة. فلما بلغها وجدها خالية وقد لحق من بها بمدينة خلف الجبل يقال لها ماية. قال: وفتح سائر الجيوش الذين بعثهم ما قصدوه من البلاد. قال: ولما رأى طارق طليلطلة خالية، ضم إليها اليهود وترك معهم رجالاً من أصحابه.\rوسار هو إلى وادي الحجارة. وقطع الجبل من فج فيه فسمّى بفج طارق. وانتهى إلى مدينة خلف الجبل تسمى مدينة المائدة، وفيها مائدة سليمان بن داوود عليهما السلام، وهي من زبر جدة خضراء، حافاتها وأرجلها منها مكللة باللؤلؤ والمرجان والياقوت وغير ذلك، وكان لها ثلاثمائة وستون رجلاً.\rثم مضى إلى مدينة ماية فغنم منها. ورجع إلى طليلطة في سنة ثلاث وتسعين. وقيل: إنه اقتحم أرض جلّيقية فاخترقها حتى انتهى إلى مدينة استرقة، وانصرف إلى طليطلة. ووافته جيوشه التي وجهها من إستجة بعد فراغهم من فتح تلك المدائن التي سيرهم إليها.","part":6,"page":420},{"id":2926,"text":"ودخل موسى بن نصير الأندلس في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين في جمع كثير، وقد بلغه ما صنع طارق فحسده. فلما نزل الجزيرة الخضراء قيل له: تسلك طريق طارق؟ فأبى. فقال له الأدلاء: نحن ندلّك على طرق أشرف من طريقه ومدائن لم تفتح بعد. ووعده يليان بفتح عظيم، فسر بذلك. فساروا به إلى مدينة ابن السليم فافتتحها عنوة. ثم سار إلى مدينة قرمونة، وهي أحصن مدن الأندلس. فتقدم إليها يليان وخاصته على حال المنهزمين فأدخلوهم مدينتهم. وأرسل موسى إليهم الخيل ففتحوها لهم ليلاً. فدخلها المسلمون وملكوها. ثم سار موسى إلى إشبيلية، وهي من أعظم مدائن الأندلس بنياناً وأغربها آثاراً فحصرها أشهراً وفتحها، وهرب من بها. فأنزلها موسى اليهود. وسار إلى مدينة ماردة فحصرها، وقد كان أهلها خرجوا إليه فقاتلوه قتالاً شديداً. فكمن لهم موسى ليلاً في مقاطع الصخر، فلم يرهم الكفار. فلما أصبحوا زحف إليهم. فخرجوا إلى المسلمين على عادتهم. فخرج عليهم الكمين، وأحدقوا بهم، وحالوا بينهم وبين البلد، وقتلوهم قتلاً ذريعاً. ونجا من سلم منهم فدخل المدينة، وكانت حصينة. فحصرهم بها أشهراً. وزحف إليهم بدبابة عملها ونقبوا سورها. فخرج أهلها على المسلمين فقتلوهم عند البرج فسمّى برج الشهداء. ثم افتتحها آخر شهر رمضان سنة أربع وتسعين صلحاً، على أن جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى جليلقية وأموال الكنائس وحليها للمسلمين.\rثم إن أهل إشبيلية اجتمعوا وقصدوها، فقتلوا من بها من المسلمين. فسير موسى إليها ابنه عبد العزيز بجيش فحصرها وقتل من بها من أهلها.\rوسار عنها إلى لبلة وباجة فملكهما وعاد إلى إشبيليلة.\rقال: وسار موسى من مدينة ماردة في شوال يريد طليلطة. فخرج طارق إليه فلقيه. فلما أبصره نزل إليه، فضربه موسى بالسوط. على رأسه، ووبخه على ما كان من خلافه. ثم سار به إلى مدينة طليطلة وطلب منه ما غنم والمائدة. فأتاه بها وقد انتزع رجلاً من أرجلها. فسأله عنها فقال: لا علم لي بها. كذلك وجدتها. فعمل عوضها من ذهب.\rوسار موسى إلى مدينة سرقسطة ومدائنها فافتتحها.\rوأوغل في بلاد الفرنج. فانتهى إلى مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار فأصاب فيها صنماً قائماً، فيه مكتوب: يا بني إسماعيل، إلى ها هنا منتهاكم، فارجعوا. وإن سألتم إلى ماذا ترجعون، أخبركم أنكم ترجعون إلى الاختلاف فيما بينكم حتى يضرب بعضكم أعناق بعض، وقد فعلتم. فرجع ووافاه رسول الوليد في أثناء ذلك يأمره بالخروج عن الأندلس والقفول إليه. فساءه ذلك ومطل الرسول، وهو يقصد بلاد العدو في غير ناحية الصنم، يقتل ويسبي ويهدم الكنائس ويكسر النواقيس، حتى بلغ صخرة بلاي على البحر الأخضر، وهو في قوة وظهور. فقدم عليه رسول آخر من الوليد يستحثه، وأخذ بعنان بغلته وأخرجه. وكان موافاة الرسول له بمدينة لك بجليقية. وخرج على الفج المعروف بفج موسى. ووافاه طارق من الثغر الأعلى فأقفله معه، ومضيا جميعاً.\rواستخلف موسى على الأندلس ابنه عبد العزيز بن موسى. فلما عبر موسى البحر إلى سبتة عليها وعلى طنجة وما والاهما ابنه عبد الملك. واستخلف على إفريقية وأعمالها ابنه الكبير عبد الله.\rوسار إلى الشام. وحمل الأموال التي غنمت من الأندلس والذخائر والمائدة، ومعه ثلاثون ألف بكر من بنات ملوك القوط وأعيانهم، ومن نفيس الجوهر والأمتعة ما لا يحصى. فورد الشام، وقد مات الوليد واستخلف سليمان بن عبد الملك، وكان منحرفاً عن موسى بن نصير. فعزله عن جميع أعماله وأقصاه وأغرمه غرماً حتى احتاج أن يسأل العرب في معونته.\rوقيل: إنه قدم إلى الشام والوليد حيّ. وكان قد كتب إليه، وادعى أنه هو الذي فتح الأندلس وأخبره خبر المائدة. فلما حضر عنده عرض عليه ما معه وعرض المائدة، ومعه طارق. فقال طارق: أنا غنمتها. فكذبه موسى. فقال طارق للوليد: سله عن رجلها المعدومة. فسأله عنها، فلم يكن عنده منها علم. فأظهرها طارق وذكر أنه أخفاها لهذا السبب. فعلم الوليد صدق طارق. وإنما فعل هذا لأن موسى كان قد ضربه وحبسه حتى أرسل الوليد أخرجه وقيل: لم يحبسه.","part":6,"page":421},{"id":2927,"text":"قالوا: ولما دخلت الروم بلاد الأندلس، كان في مملكتهم بيت إذا ولي ملك منهم أقفل عليه قفلاً. فلما ملكت القوط فعلوا كفعلهم. فلما ملك رذريق فتح الأقفال فرأى في البيت صور العرب، عليهم العمائم الحمر على خيول شهب، وفيه كتاب: إذا فتح هذا البيت دخل هؤلاء القوم هذا البلد. ففتحت الأندلس في تلك السنة.\rغزو جزيرة سردانية\rقال: ولما فتح موسى بلاد الأندلس سير طائفة من عسكره إلى هذه الجزيرة، وهي في بحر الروم كثيرة الفواكه. فدخلوها في سنة اثنتين وتسعين. فعمد النصارى إلى ما يملكونه من آنية الذهب والفضة فألقوا الجميع في الماء. وجعلوا أموالهم في سقف البيعة الكبرى التي تحت السقف الأول. وغنم المسلمون منها ما لا يحد ولا يوصف، وأكثروا الغلول. واتفق أن رجلاً من المسلمين اغتسل في الماء فعلق في رجله شيء. فأخرجه، فإذا هو صحفة من فضة. فأخرج المسلمون جميع ما فيه. ودخل رجل من المسلمين إلى تلك الكنيسة فنظر إلى حمام. فرماه بسهم فأخطأه ووقع في السقف. فانكسر لوح ونزل منه شيء من الدنانير. فأخذوا الجميع. وزادوا في الغلول، فكان بعضهم يذبح الهرّ، ويرمي ما في جوفه، ويملأه دنانير، ويخيط عليها، ويلقيه في الطريق. فإذا خرج أخذه. وكان يضع قائم سيفه على الجفن ويملأه ذهباً. فلما ركبوا في البحر سمعوا قائلاً يقول: اللهم غرّقهم. فغرقوا عن آخرهم.\rولاية محمد بن يزيد مولى قريش ومقتل عبد العزيز بن موسى بن نصير قال: ثم استعمل سليمان بن عبد الملك محمد بن يزيد، مولى قريش. وقال له عند ولايته: يا محمد، اتق الله وحده لا شريك له، وقم فيما وليتك بالحق والعدل. اللهم اشهد. فخرج محمد وهو يقول: مالي عذر إن أعدل. وكانت ولايته في سنة تسع وتسعين. فولي سنتين وشهوراً. وكتب إليه سليمان يأمره أن يأخذ آل موسى ابن نصير وكل من انتسب إليه حتى يقوموا بما بقي عليه وهو ثلاثمائة ألف دينار ولا يرفع عنهم العذاب. فقبض على عبد الله والي القيروان فحبسه في السجن. ثم وصل البريد من قبل سليمان يأمر بضرب عنقه.\rوأما عبد العزيز فإنه لما استخلفه أبوه موسى على الأندلس سد ثغورها، وضبط بلادها، وافتتح مدائن كانت بقيت بعد أبيه، وكان خيراً فاضلاً. فتزوج امرأة الملك لذريق. فحظيت عنده، وغلبت على رأيه. فحملته على أن يأخذ أصحابه بالسجود له إذا دخلوا عليه كما كان يفعل بزوجها. فقال: إن ذلك ليس من ديننا. فلم تزل به حتى أمر بفتح باب قصير لمجلسه الذي كان يجلس فيه. فكان أحدهم إذا دخل عليه من الباب طأطأ رأسه فيصير كالراكع. فرضيت ببذلك وقالت: الآن لحقت بالملوك. وبقي أن أعمل لك تاجاً مما عندي من الذهب واللؤلؤ. فأبى. فلم تزل به حتى فعل. فانكشف للمسلمين، فقالوا: تنصر. وفطنوا للباب. فثارثوا عليه، فقتلوه في آخر سنة تسع وتسعين في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك. ثم مكثوا بعد ذلك سنة لا يجمعهم إمام.\rوحكى الواقدي قال: لما بلغ عبد العزيز بن موسى ما نزل بأبيه وأخيه وأهل بيته، خلع الطاعة وخالف. فأرسل إليه سليمان رسولاً، فلم يرجع. فكتب سليمان إلى حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع ووجوه العرب سرّاً بقتله. فلما خرج عبد العزيز إلى صلاة الصبح، قرأ فاتحة الكتاب ثم قرأ الحاقة. فقال له حبيب: حقت عليك يا ابن الفاعلة. وعلاه بالسيف فقتله فحمل رأس عبد الله ورأس عبد العزيز ابني موسى حتى وضعا بين يدي أبيهما، وعذّب حتى مات.\rوأضيفت ولاية الأندلس إلى إفريقية. فاستعمل عليها محمد الحر بن عبد الرحمن القيسي. ولم يزل محمد بإفريقية إلى أن مات سليمان وولى عمر بن عبد العزيز، فعزله واستعمل إسماعيل بن عبد الله.\rولاية اسماعيل بن عبد الله ابن أبي المهاجر مولى بني مخزوم قال: ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة استعمل إسماعيل على إفريقية، وكان خيروال. فدعا إسماعيل من بقي من البربر إلى دين الإسلام. فأسلموا وغلب الإسلام على المغرب جميعه. ودامت ولايته إلى سنة إحدى ومائة، إلى أن توفى عمر بن عبد العزيز وولي يزيد بن عبد الملك، فاستعمل على إفريقية يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج فقدمها في سنة اثنتين ومائة وقتل. وقد ذكرنا سبب مقتله في أخبار يزيد بن عبد الملك.","part":6,"page":422},{"id":2928,"text":"ثم ولي بعده بشر بن صفوان الكلبي، فقدمها في سنة ثلاث ومائة. فلما قدم استعمل على الأندلس عنبسة الكلبي وعزل الحر بن عبد الرحمن القيسي. ثم غزا بشر جزيرة صقلية بنفسه فأصاب سبباً كثيراً. ثم رجع من غزوته فتوفى بالقيروان في سنة تسع ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك.\rعبيدة بن عبد الرحمن السلمي فلما اتصلت وفاته بهشام استعمل على إفريقية: عبيدة بن عبد الرحمن السّلمي وهو ابن أخي أبي الأعور السّلمي، صاحب خيل معاوية. فأخذ عمال بشر بن صفوان فحبسهم وأغرمهم وتحامل عليهم وعذب بعضهم. وكان فيهم أبو الخطّار بن ضرار الكلبي، وكان قائداً جليلاً، فقال:\rأفأتم بني مروان قيسا دماءناوفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل\rكأنكم لم تشهدوا لي وقعة ... ولم تعلموا من كان قبل له الفضل\rوقيناكم حرّ القنا بصدورنا ... وليس لكم خيل سوانا ولا رجل\rفلما بلغتم نيل ما قد أردتم ... وطاب لكم فينا المشارب والأكل\rتغافلتم عنا كأن لم تكن لكم ... صديقا وأنتم ما علمتم لنا وصل\rوبعث بها إلى هشام. فلما قرئت عليه غضب وأمر بعزل عبيدة. فقفل عنها، واستخلف على إفريقية عقبة بن قدامة التّجيبي، وترك بها عبد الله بن المغيرة بن بردة القرشي قاضياً، وذلك في شوال سنة أربع عشرة ومائة.\rعبيد الله بن الحبحاب\rمولى بني سلول ثم استعمل هشام عبيد الله بن الحبحاب مولى بني سلول، وكان رئيساً كاتباً بليغاً، حافظاً لأيام العرب وأشعارها ووقائعها. وهو الذي بنى الجامع ودار الصناعة بمدينة تونس. وكانت ولايته في شهر بيع الأول سنة ست عشرة ومائة.\rفاستعمل على طنجة وما والاها عمر بن عبد الله المرادي. فأساء السيرة وتعدى في الصدقات والقسم. وأراد أن يخمس البربر وزعم أنهم فيء للمسلمين، وذلك ما لم يرتكبه عامل قبله. وإنما كانت الولاة يخمسون من لم يجب منهم إلى الإسلام. فانتقضت البربر بطنجة على عبيد الله وتداعت عليه بأسرها، وذلك في سنة اثنتين وعشرين ومائة. وهي أول فتنة كانت بإفريقية في الإسلام.\rوخرج ميسرة المدغري وقتل عمر المرادي. وظهر بالمغرب في ذلك الوقت قوم جرت منهم دعوة الخوارج، وصار منهم عدد كبير وشوكة قوية. قال: فبعث عبيد الله الجيوش من أشراف العرب لقتال المدغري، وجعل عليهم خالد بن أبي حبيب الفهري. وأردفه بحبيب بن أبي عبيدة. فسار خالد حتى أتى ميسرة دون طنجة. فالتقوا واقتتلوا قتالاً لم يسمع بمثله. ثم انصرف ميسرة إلى طنجة. فأنكرت عليه البربر سوء سيرته، وتغيروا عما كانوا بايعوه عليه، وكان قد بويع بالخلافة فقتلوه وولوا أمرهم خالد بن حميد الزّناتي.\rثم التقى خالد بن أبي حبيب بالبربر، وكان بينهم قتال شديد. فبينما هم كذلك إذ غشيهم خالد بن حميد الزناتي بعسكر عظيم. فانهزم أصحاب خالد بن أبي حبيب. وكره هو أن ينهزم فألقى بنفسه هو وأصحابه فقتل هو ومن كان معه، ولم يسلم منهم أحد. وقتل في هذه الوقعة حماة العرب وفرسانها فسميت وقعة الأشراف.\rوانتقضت البلاد ومرج الناس واختلفت الأمور على عبيد الله. فاجتمع الناس وعزلوه عن أنفسهم وبلغ ذلك هشام ابن عبد الملك فقال: أقتل أولئك الرجال الذين كانوا يقدمون علينا من العرب؟. قيل: نعم فقال: والله، لأغضبن لهم غضبة عربية، ولأبعثن إليهم جيشاً أوله عندهم وآخره عندي. ثم لا تركت حصن بربري إلا جعلت إلى جانبه خيمة قيسي أو يمني.\rوكتب وكتب إلى عبيد الله بن الحبحاب يستقدمه. فخرج في جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين ومائة.","part":6,"page":423},{"id":2929,"text":"قال: وكان عبيد الله لما قدم إفريقية استعمل على الأندلس عقبة ابن الحجاج وعزل عنبسة. فلما بلغ أهل الأندلس ثورة البربر وثبوا على عقبة فعزلوه. وولوا عليهم عبد الملك بن قطن الفهري. قال: ثم استعمل هشام بن عبد الملك على إفريقية كلثوم بن عياض القشيري، فقدم في شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقد عقد له على اثني عشر ألف فارس من أهل الشام. وكتب إلى والي كل بلد أن يخرج معه، فسار معه عمال مصر وبرقة وطرابلس. فلما قدم إفريقية نكّب عن القيروان وسار إلى سبتة. واستخلف على القيروان عبد الرحمن بن عقبة الغفاري، وهو إذ ذاك قاضي إفريقية وكان حبيب بن أبي عبيدة مواقف البربر. فسار كلثوم ومن معه حتى وافى البربر، وهم على وادي طنجة، وهم في ثلاثين ألفاً.\rوتوجه إليهم خالد بن حميد الزناتي فصاروا في جميع كبير.\rفالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً فقتل كلثوم بن عياض وحبيب ابن أبي عبيدة، وسليمان بن أبي المهاجر، ووجوه العرب. وانهزمت العرب، وكانت هزيمة أهل الشام إلى الأندلس، وعبروا في المراكب، وهزيمة أهل مصر وأهل إفريقية إلى إفريقية.\rقال: ولما بلغ أهل إفريقية قتل كلثوم، كأن بها هرج. فثار عكاشة بن أيوب الفزاري مخالفاً على الناس بمدينة قابس، وكان صفرياً، وهو الذي قدم على طليعة أهل الشام مع عبيد الله بن الحبحاب فسار إليه بعد الرحمن بن عقبة فقاتله. فانهزم عكاشة، وقتل كثير من أصحابه، وتفرق من بقي منهم.\rحنظلة بن صفوان\rالكلبي ولما بلغ هشام بن عبد الملك ذلك، بعث إلى إفريقية حنظلة بن صفوان الكلبي، وكان عامله على مصر ولاه عليها في سنة تسع عشرة ومائة، فأقام بها إلى أن بعثه إلى إفريقية. فقدمها في شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة. فلم يمكث بالقيروان إلا يسيرا حتى زحف عكاشة الصّفري الخارجي في جمع عظيم من البربر، لم ير أهل إفريقية مثله ولا أكثر منه، وكان لما انهزم جمع قبائل البربر. وزحف إلى حنظلة أيضاً عبد الواحد بن يزيد الهواري في عدد عظيم وكانا قد افترقا من الزاب: فأخذ عكاشة على طريق مجانة فنزل القرن، وأخذ عبد الواحد على طريق الجبال فنزل طبيناس، وعلى مقدمته أبو قرة المغيلي. فرأى حنظلة أن يعجل قتال عكاشة قبل أن يجتمعا عليه، فزحف إليه بجماعة أهل القيروان. والتقوا بالقرن وكان بينهم قتال شديد فني فيه خلق كثير. وهزم الله عكاشة ومن معه. وقتل من البربر ما لا يحصى كثرة. وانصرف حنظلة إلى القيروان خوفاً أن يخالفه عبد الواحد إليها.\rوقيل: إن عبد الواحد لما وصل إلى باجة، أخرج إليه حنظلة رجلاً من لخم في أربعين ألف فارس. فقاتلوه بباجة شهراً في الخنادق والوعر. ثم انهزم اللخمي إلى القيروان، وفقد ممن معه عشرين ألفاً.\rونزل عبد الواحد بالأصنام من جراوة ثلاثة أميال عن القيروان، وكان في ثلاثمائة ألف. فأخرج حنظلة جميع ما في الخزائن من السلاح، ونادى في الناس. فكان يعطي لكل منهم درعاً وخمسين ديناراً. فلم يزل يفعل ذلك حتى كثر عليه الناس، فرد العطاء إلى أربعين ثم إلى ثلاثين. ولم يقدم إلا شاباً قويّاً. فعبأ الناس طول ليلته والشمع حوله وبين يديه. فعبأ في تلك الليلة خمسة آلاف دارع وخمسة آلاف نابل. وأصبح وقدّم للقتال. وكسرت العرب جفون سيوفها. والتقوا واقتتلوا. ولزم الرجال الأرض وجثوا على الرّكب فانكسرت ميسرة العرب وميسرة البربر ثم كرت ميسرة العرب على ميمنة البربر. فكانت الهزيمة على البربر. وقتل عبد الواحد وأتي حنظلة برأسه فخر ساجداً لله. وقيل: إنه ما علم في الأرض مقتلة أعظم منها قتل فيها من البربر مائة وثمانون ألفاً. وكانوا صفرية يستحلون الدماء وسبي النساء. ثم أتي بعكاشة أسيراً فقتله حنظلة. وكتب بذلك إلى هشام. فكان الليث بن سعد يقول: ما غزوة كنت أحب أن أشهدها بعد غزوة بدر أحب إلى من غزوة القرن والأصنام.\rأخبار عبد الرحمن بن حبيب\rوتغلبه على إفريقية ورجوع حنظلة إلى المشرق","part":6,"page":424},{"id":2930,"text":"كان عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الهري قد هرب إلى الأندلس عند هزيمة كلثوم. فلم يزل يحاول أن يغلب على الأندلس، وهو لا يمكنه ذلك، إلى أن وجّه حنظلة بن صفوان أبا الخطار بن ضرار الكلبي إلى الأندلس وأطاعه الناس ودانت له البلاد. فخاف عبد الرحمن على نفسه. فخرج مستتراً وركب في البحر إلى تونس. فنزل بها في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين ومائة. ودعا الناس إلى نفسه فأجابوه.\rوسار حتى نزل سمنجة. فأراد أصحاب حنظلة الخروج لقتاله فمنعهم حنظلة كراهة لهراقة دماء المسلمين، وكان رجلاً ورعاً زاهداً لا يرى بذل السيف إلا في الكفرة والصّفرية الذي يستبيحون دماء المسلمين. فوجه حنظلة إلى عبد الرحمن جماعة من وجوه أهل إفريقية يدعوه إلى مراجعة الطاعة والرجوع عما هو عليه. فلما قدموا عليه أوثقهم في الحديد. وقال: إن رماني أحد من أوليائهم بحجر قتلتهم فبلغ ذلك من الناس كل مبلغ. فلما رأى حنظلة ذلك دعا القاضي وجماعة من أهل الدين والفضل. وفتح بيت المال بحضرتهم وأخذ منه ألف دينار وترك الباقي. وقال: ما آخذ منه إلا بقدر ما يكفيني يبلغني ثم شخص عن إفريقية في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة.\rوأقبل عبد الرحمن بن حبيب ودخل القيروان ونادى مناديه ألا يخرج أحد إلى حنظلة ولا يشيعه. وكان حنظلة مجاب الدعوة فقال: اللهم لا تهنّ عبد الرحمن بن حبيب هذا الملك ولا أهله، واسفك دماءهم بأيديهم، وابعث عليهم شرار خلقك. ودعا على أهل إفريقية. فوقع الوباء والطاعون بها سبع سنين لا يكاد يرتفع إلا وقتاً في الشتاء ووقتاً في الصيف.\rقال: ولما ولي عبد الرحمن، ثار عليه جماعة من العرب والبربر ثم ثار عليه عروة بن الوليد الصّدفي واستولى على تونس. ثم ثار عليه عرب الساحل. وقام ابن عطّاف الأزدي حتى نزل بطبيناس. وثارت البربر من الجبال. وثار ثبات الصنهاجي بباجة فأخذها. وخرج بناحية طرابلس رجلان يقال لأحدهما عبد الجبار والآخر الحارث، وهما من البربر على دين الخوارج. فقاتل كل من خرج عليه، طائفة بعد أخرى بنفسه وبجيوشه، حتى دوّخ المغرب كله، وأذلّ من به من القبائل. ولم ينهزم له عسكر ولاردّت له راية. وخافه جميع أهل المغرب.\rوكتب إلى مروان بن محمد، وأهدى له هدية، وتقوّل على حنظلة ، ونسب إليه ما لم يقع منه. فكتب إليه مروان بولاية إفريقية والمغرب كله والأندلس.\rثم قتل مروان وانقرضت الدولة الأموية وقامت الدولة العباسية. فكتب عبد بالرحمن إلى أبي العباس السفاح بطاعته، وأقام الدعوة العباسية. فلما صار الأمر إلى أبي جعفر المنصور كتب إلى عبد الرحمن يدعوه إلى الطاعة. فأجابه وكتب بطاعته، وأرسل إليه بهدية نزرة كان فيها بزاة وكلاب. وكتب إليه: إن إفريقية اليوم إسلامية كلها، وقد انقطع السبي منها. فلا تسألني ما ليس قبلي. فغضب أبو جعفر المنصور وكتب إليه يتوعده. فلما وصل كتابه إليه غضب غضباً شديداً. ثم نادى: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس في المسجد الجامع. ثم خرج عبد الرحمن في مطرف خزّ، وفي رجليه نعلان. فصعد المنبر. فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد نبيه صلى الله عليه وسلم. ثم أخذ في سب أبي جعفر. ثم قال: إني ظننت هذا الخائر يدعو إلى الحق ويقوم به، حتى تبين لي منه خلاف ما بايعته عليه من إقامة الحق والعدل. وأنا الآن قد خلعته كما خلعت نعلي هاتين. وقذفهما وهو على المنبر. ثم دعا بخلعة أبي جعفر التي كان أرسلها إليه، وفيها سواده - وكان قد لبسها قبل ذلك ودعا فيها لأبي جعفر، وهو أول سواد لبس بإفريقية - فأمر بتخريقها وحرقها. وأمر كاتبه خالد بن ربيعة أن يكتب كتاباً بخلعه، ويقرأ على المنابر في سائر بلاد المغرب، ففعل ذلك.\rمقتل عبد الرحمن\rبن حبيب وولاية أخيه الياس بن حبيب وقتله وولاية حبيب بن عبد الرحمن وقتله","part":6,"page":425},{"id":2931,"text":"كان سبب قتل عبد الرحمن أنه لما قتل مروان بن محمد الحمار هرب جماعة من بني أمية ومعهم حريمهم نحو إفريقية، فتزوج عبد الرحمن وإخوته منهم. وكان ممن قدم عليه ابنان للوليد بن يزيد ابن عبد الملك، يقال لأحدهما العاص والآخر عبد المؤمن. وكانت ابنة عمهما تحت إلياس بن حبيب. فأنزلهما عبد الرحمن بدار شيبة بن حسان. وتسلك عليهما ليسمع كلامهما وكانا على نبيذ، وغلامهما يسقيهما. فقال العاص: ما أغفل عبد الرحمن! أيظن أنه يتهنى معنا بولاية ونحن أولاد الخلفاء؟. فنزل وانصرف ولم يعلما به ثم أمر بقتلهما. فقالت ابنة عمهما لزوجها إلياس: إنه قتل أختانك تهاوناً بك، وجعل العهد من بعده لابنه حبيب وأنت صاحب حربه وسيفه الذي يصول به! ولم تزل تغريه به. وكان عبد الرحمن إذا ثار عليه ثائر أو خرج عليه خارجي يرسل أخاه إلياس لقتاله. فإذا ظفر، نسب الظفر لابنه حبيب وجعل العهد فيه. فاجتمع رأي إلياس بن حبيب وعبد الوارث أخيه على قتل عبد الرحمن أخيهما. ووالاهما على ذلك جماعة من أهل القيروان والعرب وغيرهم، على أن يكون الأمر لإلياس، والدعاء لأبي جعفر المنصور. فأتاه إلياس ليلاً فاستأذن عليه بعد العشاء الآخرة. فقال: ما جاء به وقد ودعني؟ وكان إلياس قد عزم على الخروج إلى تونس. وأذن له، فدخل عليه وهو في غلالة وردية وابن له صغير في حجره. فقعد طويلاً وعبد الوارث يغمز. فلما قام يودعه، أكب عليه يعانقه، فوضع السكين بين كتفيه حتى صارت إلى صدره. فصاح عبد الرحمن وقال: فعلتها يا ابن للخناء؟. ثم ضربه إلياس بالسيف. فاتقاه بمرفقه، فأبان يده. وضربه حتى اثخنه. ودهش إلياس وخرج هارباً. فقال له أصحابه: ما فعلت؟. قال: قتلته. فقالوا: ارجع وحزّ رأسه، وإلا قتلنا عن آخرنا. ففعل. وثارث الصيحة. وأخذ إلياس أبواب دار الإمارة.\rويسمع حبيب بن عبد الرحمن الصيحة فهرب من القيروان. وأصبح بقرب تونس فدخلها، واجتمع مع عمه عمران بن حبيب ولحق بهما موالي عبد الرحمن من كل ناحية. فخرج إليهما إلياس إلى سمنجة. فوافياه بمن معهما. وهموا بالقتال. ثم اصطلحوا على أن يعود عمران إلى ولاية تونس وصطفورة والجزيرة، ويكون حبيب على قفصة وقصيطلة ونفزاوة، ولإلياس سائر إفريقية والمغرب.\rومضى إلياس مع عمران إلى تونس، وانصرف حبيب إلى القيروان. فوثب إلياس على أخيه عمران، وعلى عمر بن نافع بن أبي عبيدة الفهري، وعلى الأسود بن موسى بن عبد الرحمن بن عقبة وعلى ابن قطن، فشدهم وثاقاً، ووجههم في سفينة إلى الأندلس إلى يوسف بن عبد الرحمن بن عقبة.\rوانصرف إلى القيروان فبلغه عن حبيب أخبار كرهها. فأغرى إلياس به، وأرسل إليه من زين له الخروج إلى الأندلس، ففعل. وجهزه إلياس في سفينة. فتعذّرت عليهم الريح. فكتب إلى إلياس أن الريح قد ردته، وأن المسير بن زياد الرّعيني يحذره أمره.\rفاجتمع إلى حبيب موالي أبيه، فأسروا سليمان بن زياد وشدوه وثاقاً وكان معسكراً يحارس حبيباً. وأخرجوا حبيباً إلى البر وأظهروا أمره. فتوجه إلى الأربس فأخذها.\rوبلغ خبره إلياس فتوجه إليه. واجتمع لكل واحد منهما جماعة. فلما التقيا، قال حبيب لعمه إلياس: لم نقتل موالينا وصنائعنا بيننا وهم لنا حصن؟ ولكن أبرز أنت وأنا، فأينا قتل صاحبه استراح منه: إن قتلتني ألحقتني بأبي، وإن قتلتك أدركت ثأري منك. فارتاب إلياس ساعة. فنادى الناس: قد أنصفك فلا تجبن، فإن ذلك سبّة عليك وعلى ولدك من بعدك. فخرج كل منهما إلى صاحبه والتقيا ساعة. فضرب إلياس حبيباً فأعمل السيف في ثيابه ودرعه ووصل إلى جسمه، فعطف حبيب عليه وضربه بالسيف ضربة سقط بها عن فرسه إلى الأرض. فألقى حبيب نفسه عليه فحز رأسه ثم أمر برفعه على رمح. وهرب عبد الوارث بن حبيب ومن كان معه إلى بطن من البربر يقال لهم ورفجومة ودخل حبيب القيروان وبين يديه رأس إلياس، ورأس محمد بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع عم أبيه، ورأس محمد بن المغيرة بن عبد الرحمن القرشي. وجاءه محمد بن عمرو بن مصعب الفزاري وهو زوج عمة أبيه مهنئاً له، فضرب عنقه. وكان ذلك كله في شهر رجب سنة ثمان وثلاثين ومائة.","part":6,"page":426},{"id":2932,"text":"قال: ولما وصل عبد الوارث بن حبيب ومن معه إلى ورفجومة نزلوا على عاصم بن جميل الورفجومي. فكتب إليه حبيب يأمره أن يوجه بهم إليه، فلم يفعل، فنهد إليه حبيب. ولقيه عاصم واقتتلوا فانهزم حبيب. وكان قد استخلف على القيروان أبا كريب جميل بن كريب القاضي. فقوي أمر ورفجومة، وكاتبهم بعض وجوه القيروان خوفاً منهم على أنفسهم. فزحف عاصم بن جميل وأخوه مكرّم بالبربر وبمن لجأ إليهم وصاروا بناحية قابس. فلما قربوا من القيروان، خرج إليهم أبو كريب القاضي بأهل القيروان.. حتى إذا دنوا من بعضهم، خرج من عسكر عاصم جماعة من أهل القيروان، فخذلوا الناس ودعوهم إلى عاصم. فافترق أكثر الناس عن أبي كريب ورجعوا إلى القيروان. وثبت أبو كريب في نحو ألف رجل من وجوه الناس، وأهل البصائر والخشية والدين. وقاتلوا فقتل أبو كريب. وقاتل من معه حتى قتلوا. ودخلت ورفجومة القيروان. فاستحلوا المحارم وارتكبوا العظائم. ونزل عاصم بعسكره بالموضع الذي يسمى مصلى روح.\rواستخلف على القيروان عبد الملك بن أبي جعدة النّفزي. وسار إلى حبيب وهو بقابس. فقاتله فانهزم حبيب ولحق بجبل أوراس وهم أخوال أبيه. فسار عاصم في طلبه إلى أوراس، والتقوا واقتتلوا، فهزم عاصم وقتل هو وأكثر أصحابه. وأقبل حبيب إلى القيروان. فخرج إليه بعد الملك بن أبي جعدة والتقوا. فقتل حبيب في المحرم سنة أربعين ومائة. فكانت ولاية عبد الرحمن بن حبيب عشر سنين وأشهراً، وولاية إلياس ستة أشهر، وولاية حبيب بن عبد الرحمن سنة واحدة وستة أشهر.\rتغلب ورفجومة\rعلى إفريقية وما كان منهم ومن ولي بعدهم إلى أن ولي محمد بن الأشعث قال: ولما حكمت ورفجومة على القيروان، قتلوا من بها من قريش وساموهم سوء العذاب، وربطوا دوابهم في المسجد الجامع. وندم الذي أعانوهم أشد ندامة.\rقال: ثم دخل رجل من الإباضية القيروان فرأى ناساً من الورفحوميين قد أخذوا امرأة وأرادواها على نفسها، والناس ينظرون. فترك حاجته التي أتي فيها، وخرج إلى أبي الخطاب عبد الأعلى بن السّمح المعافري، فأعلمه بالذي رأى. فخرج وهو يقول: لبيك اللهم لبيك. فاجتمع إليه أصحابه من كل مكان. وتوجهوا نحو طرابلس فأخرجوا منها عمر بن عثمان القرشي، واستولى عليها أبو الخطاب.\rثم سار إلى القيروان فخرج إليه عبد الملك بن أبي جعدة بجماعة ورفجومة. والتقوا فقتل عبد الملك وأصحابه، وذلك في صفر سنة إحدى وأربعين. فكان تغلّب ورفجومة على القيروان سنة وشهرين. وتبع أبو الخطاب من انهزم منهم فقتلهم. ثم انصرف إلى القيروان فولى عليها عبد الرحمن بن رستم القاضي، ومضى إلى طرابلس. فصارت طرابلس وما يليها وإفريقية كلها في يده، إلى أن وجه أبو جعفر المنصور محمد ابن الأشعث في سنة أربع وأربعين.\rولاية محمد بن الأشعث الخزاعي قال: لما غلبت الصّفرية على إفريقية بعد أن قتلت ورفجومة من قتلت من عربها، خرج جماعة إلى أبي جعفر المنصور، منهم عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم، ونافع بن عبد الرحمن السّلمي، وأبو البهلول بن عبيدة، وأبو العرباض. فأتوا المنصور يستنصرون به على البربر، ووصفوا عظيم ما لقوه منهم. فولى المنصور أبو جعفر محمد بن الأشعث مصر. فوجه أبا الأحوص عمرو بن الأحوص العجلي إلى إفريقية. فهزمه أبو الخطاب في سنة اثنتين وأربعين.\rفكتب أبو جعفر المنصور إلى محمد بن الأشعث يأمره بالمسير بنفسه، ووجه إليه الجيوش. فخرج في أربعين ألفاً: ثلاثين ألف فارس من أهل خراسان، وعشرة آلاف من أهل الشام. ووجه معه الأغلب بن سالم التّميمي والمحارب بن هلال الفارسي، والمخارق بن غفار الطائي، وأمرهم بالسمع والطاعة له. فإن حدث به حدث كان أميرهم الأغلب، فإن حدث به حدث فالمخارق، فإن حدث به حدث فالمحارب بن هلال. فمات المحارب قبل وصلوهم إلى إفريقية. وبلغ أبا الخطاب خروج محمد بن الأشعث إليه، فجمع أصحابه من كل ناحية. ومضى في عدد عظيم فوصل إلى سرت. واستقدم عبد الرحمن بن رستم من القيروان، فقدم بمن معه.","part":6,"page":427},{"id":2933,"text":"فضاق ابن الأشعث ذرعاً بلقاء أبي الخطاب لما بلغه من كثرة جموعه. فاتفق تنازع زناته وهوارة فيما بينهم. فقتلت هوارة رجلاً من زناته. فاتهمت زناتة أبا الخطاب في ميله مع هوارة، ففارقه جماعة منهم. فبلغ ذلك ابن الأشعث فسر به. وضبط أفواه السكك حتى انقطع خبره عن أبي الخطاب. فرجع إلى طرابلس.\rووصل ابن الأشعث إلى سرت. فخرج إليه أبو الخطاب حتى صار بورداسة. فلما قرب منه ذكر ابن الأشعث لأصحابه أن خبراً أتاه من المنصور بالرجوع إلى المشرق. وأظهر لهم المسرة بالرجوع. فشاع ذلك في الناس. وسار منصرفاً ميلاً من نزل. فانتهى ذلك إلى أبي الخطاب وسمع به من معه، فتفرق كثير منهم. ثم أصبح ابن الأشعث فسار أميالاً متثاقلاً في سيره. وفعل ذلك في اليوم الثالث. ثم اختار أهل الجلد والقوة من جيشه، وسار بهم ليله كله. فصبح أبا الخطاب وقد اختل عسكره. فلما التقوا ترجّل جماعة من أصحاب ابن الأشعث وقاتلوا. فانهزم البربر وقتل أبو الخطاب وعامة من معه، وذلك في شهر ربيع الأول من سنة أربع وأربعين ومائة. فكانت عدة من قتل من البربر أربعين ألفاً.\rولما انتهى الخبر إلى عبد الرحمن بن رستم هرب إلى تيهرت واختطها وبلغ أهل القيروان خبر أبي الخطاب، فأوثقوا عامل ابن رستم وولوا عليهم عمرو بن عثمان القرشي إلى أن قدم محمد بن الأشعث.\rووصل ابن الأشعث إلى طرابلس فاستعمل عليها المخارق بن غفار الطائي.\rووجه إسماعيل بن عكرمة الخزاعي إلى زويلة وما والاها، ففتح تلك النواحي وقتل من بها من الخوارج.\rوتوجه محمد إلى القيروان، وأمر ببناء سورها، وذلك في يوم السبت غرة جمادى الأولى. فبنى في ذي القعدة، وكان تمامه في شهر رجب سنة ست وأربعين. وضبط إفريقية وأعمالها. وأمعن في قتل كل من خالفه من البربر فخافوه خوفاً شديداً وأذعنوا له بالطاعة.\rثم فسد عليه جنده بعد ذلك، وتحدثوا أن المنصور كتب إليه يأمره أن يقدم عليه وأنه أبى ذلك. فاجتمع رأيهم إلى إخراجه وتولية عيسى بن موسى الخراساني. فلما رأى ذلك علم أنه لا طاقة له بهم. فخرج في شهر ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة. وقام بأمر الناس عيسى بن موسى من غير أمر أبي جعفر ولا رضا العامة إلا أن قواد المضرية تراضوا به.\rولاية الأغلب بن سالم ابن عقال بن خفاجة التميمي قال: ولما بلغ المنصور ما كان من المضرية وصرفهم محمد بن الأشعث، بعث إلى الأغلب عهده بولاية إفريقية، وكان بطبنة. فقدم إلى القيروان وأخرج عيسى بن موسى في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين. وأخرج جماعة من قواد المضرية واستقامت له الحال.\rثم خرج عليه أبو قرّة في جمع كثير من البربر. فسار إليه الأغلب في جميع قواده، فهرب منه. وقدم الأغلب الزاب، وعزم على الرحيل إلى تلمسان ثم إلى طنجة. فاشتد ذلك على الجند، وجعلوا يتسللون عنه ويخرجون ليلاً إلى القيروان، حتى بقي في نفر يسير من وجوههم.\rوكان الحسن بن حرب الكندي بتونس. فلما خرج الأغلب يريد أبا قرة، كاتب جماعة من القواد. فلحق به بعضهم الذين فارقوا الأغلب من الزاب. فأقبل إلى القيروان، ووازره على ذلك بسطام بن الهذيل القائد والفضل بن محمد وغيرهما، فدخل القيروان من غير ممانعة. وحبس سالم بن سوادة التّميمي، وهو الذي استخلفه الأغلب على القيروان عند رحيله منها. وبلغ الخبر الأغلب فأقبل في عدة يسيرة ممن صبر على طاعته. وكتب إلى الحسن بن حرب يعرفه فضل الطاعة وعقبى المعصية. فأعاد جوابه وكتب في آخره:\rألا قولا لأغلب غير سر ... مغلغلة من الحسن بن حرب\rبأنّ البغي مرتعه وخيم ... عليك وقربه لك شرّ قرب\rوإن لم تدعني لتنال سلمى ... وإلا فادن من طعني وضربي\rفأقبل الأغلب نحوه يجد السير. فأشار عليه أصحابه الذين معه بالمصير إلى قابس. وأن يلطف بالناس حتى يرجعوا عن الحسن إليه. ففعل ذلك. وقدم رسول المنصور إلى الأغلب، وإلى الحسن بن حرب يدعوه إلى الطاعة فلم يفعل. فزحف إليه الأغلب واقتتلوا قتالاً شديداً. فانهزم الحسن وقتل من أصحابه خلق كثير. فرجع إلى تونس. وأقبل الأغلب إلى القيروان.","part":6,"page":428},{"id":2934,"text":"وحشد الحسن بن حرب وسار في عدة عظيمة إلى القيروان. فجمع الأغلب أهل بيته وخاصته وأعلمهم أنه يلاقي الحسن وحده إن لم يعمنه أحد. فلما قرب، خرج إليه الأغلب فشد هو وأصحابه على الميمنة فكشفهم. ثم انصرف وهو يقول:\rلم يبق إلا القلب أو أموت ... إن تحم لي الحرب فقد حميت\rوإن تولّيت فلا بقيت\rثم حمل على القلب فلم يثن حدّه حتى قتل بسهم أصابه، وذلك في شعبان سنة خمسين ومائة. قال: ولما سقط الأغلب صاح الناس: قتل الأمير. وارتفعت الأصوات بذلك. قال: وكان سالم بن سوادة في الميمنة هو وأبو العنبس. فقال سالم لأبي العنبس: لا أنظر إلى الدنيا بعد اليوم. ودفع في عسكر الحسن بن حرب، فقتل من أصحاب الحسن مقتلة عظيمة. ووجد الحسن بن حرب مقتولاً.\rولاية عمر بن حفص هزارمرد وتفسيره بالفارسية ألف رجل، ويكنى أبا جعفر. وكان شجاعاً بطلاً. وهو من ولد قبيصة بن أبي صفرة أخي المهلّب. استعمله المنصور على إفريقية لما بلغه قتل الأغلب. فقدمها في صفر سنة إحدى وخمسين ومائة في خمسمائة فارس. فاجتمع إليه وجوه الناس، فوصلهم وأحسن إليهم. فاستقامت له الأمور ثلاث سنين وأشهراً من ولايته.\rثم سار إلى الزاب فنزل طبنة. واستخلف على القيروان حبيب ابن حبيب بن يزيد بن المهلب، وكان كتاب المنصور قدم عليه بالشخوص إلى الزاب لبناء طبنة. فخلت إفريقية من الجند فثار بها البربر. فخرج إليهم حبيب وقاتلهم فقتل. واجتمع البربر بطرابلس وولوا عليهم أبا حاتم يعقوب بن حبيب مولى كندة، وهو الذي يسمى أبا قادم. وكان عامل عمر على طرابلس الجنيد بن سيار الأزدي، فبعث إليهم الجنيد خيلاً عليهم مخازم بن سليمان. فالتقوا واقتتلوا، فانهزم خازم وأصحابه ولحقوا بالجنيد بطرابلس.\rفكتب الجنيد إلى عمر يستمده. فبعث إليه خالد بن يزيد المهلبي في أربعمائة فارس. فاجتمع هو والجنيد والتقيا مع البربر. فانهزم خالد والجنيد إلى قابس.\rفبعث عمر بن حفص سليمان بن عباد المهلبي في جماعة من الجند. فلقي أبا قادم بقابس، فقاتله. فانهزم سليمان إلى القيروان. فسار إليها وحصرها، وعمر مقيم بطبنة، وقد صارت إفريقية وأعمالها ناراً تتقد.\rوأتى البربر من كل مكان، ومضوا إلى طبنة فأحاطوا بها وهم في اثني عشر عسكراً: أبو قرّة الصّفري في أربعين ألف فارس، وعبد الرحمن بن رستم الإباضي في خمسة عشر ألف فارس، وأبو حاتم في عدد كثير، وكان إباضيا، وعاصم السّدراتي الإباضي في ستة آلاف، والمسور الزّناتي الإباضي في عشرة آلاف فارس، وعبد الملك بن سكرديد الصنهاجي الصّفري في ألفي فارس، وجماعة غير هؤلاء، وليس مع عمر إلا خمسة آلاف وخمسمائة.\rفلما رأى ما حل به جمع قواده فاستشارهم في مناجزتهم. فأشراروا عليه ألا يخرج من المدينة. فأعمل الحيلة في صرف الصّفرية، ووجه إليهم رجلاً من أهل مكناسة يقال له إسماعيل بن يعقوب. ودفع إليه أربعين ألف درهم وكساً كثيرة، وأمره بدفع ذلك إلى أبي قرة على أن ينصرف عنهم. فقدم عليه وعرض المال والكسا. فقال له: أبعد أربعين سنة يسلّم علي بالإمامة أبيع حربكم بعرض قليل من الدنيا؟ لا حاجة لي به. فانصرف إلى ابنه وقيل إلى أخيه. ودفع إليه أربعة آلاف درهم وأثواباً على أن يعمل في صرف أبيه ورد الصفرية إلى بلدهم فعمل ذلك من ليلته. فلم يشعر أبو قرة حتى ارتحل العسكر منصرفين إلى بلدهم. فلم يجد بداً من اتباعهم.\rفلما انصرف الصفرية وجه عمر معمر بن عيسى السّعدي في ألف وخمسمائة إلى ابن رستم، وهو بتهوذا في خمسة عشر ألف فارس. فالتقوا فانهزم ابن رستم ووصل إلى تيهرت.\rثم أقبل عمر بن حفص يريد القيروان. واستخلف على طبنة المهنا بن المخارق بن غفار الطائي. فلما بلغ أبا قرة مسيره، أقبل بجموعه وحصر المهنا بطبنة. فخرج إليه وقاتله. فانهزم أبو قرة واستباحوا عسكره.","part":6,"page":429},{"id":2935,"text":"وكان أبو حاتم لما حصار القيروان أقام عليها ثمانية أشهر، وليس في بيت مالها درهم واحد ولا في أهرائها شيء من الطعام. وكان الجند في تلك المدة يقاتلون البربر طرفي النهار حتى جهدهم الجوع، وأكلوا دوابهم وكلابهم. فجعل الناس يخرجون فيلحقون بالبربر. فبلغ ذلك عمر فأقبل يريد القيروان في نحو سبعمائة من الجند حتى نزل مدينة الأربس فبلغ البربر إقباله، فرجعوا إليه بأجمعهم ورحلوا عن القيروان. فلما بلغه إقبالهم توجه إلى ناحية تونس، وأغذّ السير. ومضى البربر حتى صاروا بناحية سمنجة. وسار عمر من تونس وخرج جميل بن صخر من القيروان، فالتقوا في بئر السلامة. ثم أقبل حتى دخل القيروان. فبث خيوله حول القيروان وجعل يدخل إليها ما يصلحه من الطعام والحطب وغير ذلك. واستعد للحصار، وخندق خندقاً على باب أبي الربيع فعسكر فيه الجند.\rثم قدم أبو حاتم في جنوده وقد بلغوا مائة ألف وثلاثين ألفاً.\rفقاتله عمر بمن معه أشد قتال. فانكشف حتى صار إلى الفسطاط. ثم اقتتلوا بالفسطاط واشتد قتالهم وكاثروه حتى انحاز إلى الخندق بباب أبي الربيع. وكان عمر يخرج إليهم في كل يوم ويقاتلهم فما زالوا على ذلك حتى فنيت أقواتهم وأكلوا دوابهم والسنانير. فاضطرب على عمر أمره وضجر أصحابه وساءت آراؤهم. فقال لمن معه من الجند: قد كان أصابكم من الجهد أمر عظيم حتى قدمت عليكم ففرج الله عنكم بعض ما كنتم فيه. وقد ترون ما أنتم الآن فيه. فإن شئتم خرجت أنا على ذراريهم وبلادهم. وجعلت عليكم أي الرجلين شئتم: جميلاً أو المخارق. وأخرج في ناس من الجند فأغير على نواحيهم وآتيكم بالميرة. فقالوا: قد رضيا. وكان قد اجتمع حول القيروان من الإباضية مع أبي حاتم ثلاثمائة ألف وخمسين ألفاً: الخيل منها خمسة وثلاثون ألفاً. فلما هم بالخروج، اختلفوا عليه وقالوا: تحب أن تخرج ونبقى نحن في الحصار، لا تخرج وأقم معنا. قال: نعم، أقيم معكم وأخرج جميلاً والمخارق ومن أحببتم. قالوا: نعم. فلما جاءوا إلى باب المدينة قالوا: تقيم أنت في الراحة ونخرج نحن! لا والله لا نفعل. فغضب عمر وقال: والله لأوردنّكم حياض الموت.\rوجاءه وهو محصور كتاب خليدة بنت المعارك امرأته تخبره فيه: إن أمير المؤمنين قد استطأك فبعث يزيد بن حاتم إلى إفريقية، وهو قادم في ستين ألفاً، ولا خير في الحياة بعد هذا. قال خراش ابن عجلان: فأرسل إلى فجئته، وقد ثار عرق بين عينيه وكان علامة غضبه. فأقرأني الكتاب فدمعت عنياي. فقال: مالك؟. فقلت: وما عليك أن يقدم رجل من أهلك فتخرج من هذا الحصار؟. فقال: إنما هي رقدة حتى نبعث إلى الحساب فاحفظ وصتي.\rقال خراش: فأوصي بما أحب. وخرج كالبعير الهائج. فلم يزل يطعن ويضرب حتى قتل، وذلك في يوم السبت للنصف من ذي الحجة سنة أربع وخمسين ومائة.\rفلما قتل بايع الناس جميل بن صخر، وهو أخو عمر لأمه. فلما طال عليه الحصار دعاه ذلك إلى موادعة أبي حاتم. فصالحه على أن جميلاً وأصحابه لا يخلعون طاعة سلطانهم ولا ينزعون سوادهم، وعلى أن كل دم أصابه الجند من البربر فهو هدر، وعلى أن لا يكرهوا أحداً من الجند على بيع سلاحهم ودوابهم. فأجابهم إلى ذلك أبو حاتم. ففتح جميل أبواب المدينة وخرج أكثر الجند إلى طبنة. وأحرق أبو حاتم أبواب المدينة وأثّر في سورها.\rوبلغه قدوم يزيد بن حاتم فتوجه إلى طرابلس، واستخلف على القيروان عبد لعزيز بن السّمح المعافري. ثم بعث إليه أبو حاتم يأمره بأخذ سلاح الجند، وألا يجتمع منهم اثنان في مكان واحد، وأن يوجه إليه بهم واحداً بعد واحد. فاجتمعوا واستوثق بعضهم من بعض بالأيمان المؤكدة أن لا يرضوا بهذا. وقويت قلوبهم بيزيد بن حاتم. فلقوا عمر بن عثمان الفهري واتفقوا معه وولوه أمرهم. فقبله وقام على أصحاب أبي حاتم فقتلهم. واتصل ذلك بأبي حاتم فزحف من طرابلس. فلقي عمر بن عثمان ومن معه. فاقتتلوا فقتل من البربر خلق كثير. ومضى عمر بن عثمان وأصحابه نحو تونس. ومضى جميل بن صخر والجنيد ابن سيار هاربين نحو المشرق.","part":6,"page":430},{"id":2936,"text":"وخرج أبو حاتم في طلب عمر بن عثمان. ووجه قائداً من قواده يقال له جرير بن مسعود المديوني على مقدمته. فأدركه بجيجل من ناحية كتامة. فقاتلوه فقتل جرير بن مسعود وأصحابه. وانصرف عمر والمخارق فدخلا تونس، ومضى أبو حاتم إلى طرابلس حين بلغه قدوم يزيد بن حاتم. ولحق جميل بن صخر بيزيد وهو بسرت. فأقام إلى أن لقي أبا حاتم.\rفيقال: إنه كان بين الجند والبربر من لدن قتالهم عمر بن حفص إلى انقضاء أمرهم ثلاثمائة وخمس وسبعون وقعة.\rولاية يزيد بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب بن أبي صفرة قال: ولما اتصل بأبي جعفر المنصور حال عمر بن حفص وحصره ثم بلغه أنه قتل، غمّه ذلك وساءه. فوجه يزيد بن حاتم في ثلاثين ألفاً من أهل خراسان، وستين ألفاً من أهل البصرة والكوفة والشام. فأقبل حتى صار إلى سرت. فاجتمع بجميل ابن صخر وبمن معه من الجند القادمين عليه من القيروان، وسار نحو طرابلس. فسار أبو حاتم إلى جبال نفوسة. وجعل يزيد على مقدمته سالم بن سوادة التّميمي. فالتقى سالم هو وأبو حاتم، واقتتلوا قتالاً شديداً. فانهزم سالم وأصحابه، ورجعوا إلى عسكر يزيد.\rوهال أبو حاتم أمر يزيد فطلب أوعر المنازل وأمنعها، فعسكر فيها، وخندق على عسكره. فأتاه يزيد من ناحية الخندق، والتقوا واقتتلوا. فقتل أبو حاتم وأهل البصائر من أصحابه، وانهزم الباقون. وطلبهم يزيد فقتلهم قتلاً ذريعاً. وبعث خيله في طلبهم بكل ناحية. فكان عدة من قتل منهم ثلاثين ألفاً. ويقال: إنه لم يقتل من الجند إلا ثلاثة. وذلك في يوم الاثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين ومائة. وأقام يزيد بمكانه ذلك نحواً من شهر. وبث خيله في طلب الخوارج فقتلهم في كل سهل وجبل.\rثم رحل حتى نزل قابس فدخلها لعشر بقين من جمادى الآخرة. واستقامت له الأمور بعد أن قتل البربر بكل ناحية. وبنى يزيد المسجد الأعظم بالقيروان، وجدده في سنة سبع وخمسين. ورتب أسواق القيروان، وجعل كل صناعة في مكانها، حتى لو قيل: إنه الذي مصّرها، لم يبعد من الحق.\rولم تزل البلاد مستقيمة والأمور ساكنة مدة حياته إلى أن توفي في شهر رمضان سنة سبعين ومائة في خلافة الرشيد. وكان كريماً شجاعاً نافذ الرأي، بعيد الصيت، غاية في الجود. وهو القائل:\rلا يألف الدرهم المضروب خرقتنا ... إلا لماماً قليلاً ثم ينطلق\rيمر مرا عليها وهي تلفظه ... إني امرؤ لم يحالف خرقتي الورق\rوله أخبار بإفريقية تدل على كرمه وبعد همته. فمن مشهورها أن بعض وكلائه أتاه يوماً فقال: أعز الله الأمير! أعطيت في الفول الذي زرعناه بفحص القيروان كذا وكذا!. وذكر ما لا جليلاً. فسكت وأمر قهرمانه وطباخه أن يخرجا إلى ذلك الموضع. وأمر فراشيه أن يضربوا قبة، فضربوا مضارب كثيرة. وخرج مع أصحابه فتنزه فيه وأطعم. فلما أراد الانصراف دعا بالوكيل وأمر بأدبه وقال له: يا ابن اللّخناء، أردت أن أعيّر بالبصرة فيقال: يزيد بن حاتم باقلاني! أمثلي يبيع الفول ، لا أمّ لك؟. ثم أمر بإباحته. فخرج الناس إليه من بين آكل وشارب ومتنزه حتى أتوا على جميعه.\rومن أخباره المشهورة أنه خرج متنزهاً إلى منية الخيل، فنظر في طريقه إلى غنم كثيرة. فقال: لمن هذه؟ قالوا: لابنك إسحاق. فدعا به فقال له: ألك هذه الغنم؟. قال: نعم. قال: لم أردتها؟. قال: آكل من خرافها وأشرب من ألبانها وأنتفع بأصوافها. قال: فإذا كنت أنت تفعل هذا، فما بينك وبين الغنامين والجزارين فرق. وأمر أن تذبح وتباح للناس. فانتهبوها وذبحوها وأكلوا لحومها. وجعلوا جلودها على كدية، فهي تعرف بكدية الجلود.\rوله مكارم يطول شرحها رحمه الله تعالى.\rولاية داود بن يزيد بن حاتم قال: ولما مرض يزيد استخلف ابنه داود، فاستقل بالأمر بعده فانتقض عليه البربر بجبال باجة، وخرج صالح بن نصير النّفري في الإباضية. فلقيه المهلّب بن يزيد بباجة. فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة. فوجه إليهم داود سليمان بن الصّمّة بن يزيد بن حبيب ابن المهلب في عشرة آلاف فارس. فهزم البربر وتبعهم وقتل منهم أكثر من عشرة آلاف، وسلم الجند. قال: وانضم إلى صالح ابن نصير جماعة من مشيخة البربر. فزحف إليهم سليمان بن الصمة فقتل من أهل البصائر منهم وانصرف إلى القيروان.","part":6,"page":431},{"id":2937,"text":"وأقام داود على إفريقية حتى قدم عمه روح بن حاتم أميراً. فكانت ولاية داوود تسعة أشهر ونصف شهر. وسار إلى المشرق فأكرمه الرشيد وولاه مصر، ثم ولي السند فمات بها.\rولاية روح بن حاتم بن قبيصة ابن المهلب بن أبي صفرة قال: ولما بلغ الرشيد وفاة يزيد بن حاتم استعمل روح بن حاتم على المغرب، وكان أكبر من يزيد سنا. فوصل إلى القيروان في شهر رجب سنة إحدى وسبعين ومائة في خمسمائة فارس من الجند. ثم لحق به ابنه قبيصة في ألف وخمسمائة فارس. ولم تزل البلاد معه هادئة والسبل آمنة. وملىء البربر منه رعباً. ورغب في موادعة عبد الوهاب بن رستم الإباضي صاحب تيهرت، وهو الذي تنسب إليه الوهبية. فلم تزل الأحوال مستقيمة مدة ولايته إلى أن توفي لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربع وسبعين ومائة.\rولاية نصر بن حبيب المهلبي قال المؤرخ: كان روح بن حاتم قد أسنّ وكبر، وإذا جلس للناس غلبه النوم من الضعف. فكتب أبو العنبر القائد وصاحب البريد إلى الرشيد بضعفه وكبره، وأنهما لا يأمنان موته، وهو ثغر لا يقوم بغير سلطان، وذكرا نصر بن حبيب، وحسن سيرته، ومحبة الناس له. وقالا: إن رأى أمير المؤمنين ولايته في السر إن حدث بروح حادث حتى يرى أمير المؤمنين رأيه. فكتب الرشيد عهده سراً.\rفلما مات روح فرش لابنه قبيصة في الجامع فجلس واجتمع الناس للبيعة له. فركب أبو العنبر وصاحب البريد إلى نصر ومعهما عهده. فأوصلاه العهد وسلما عليه بالإمرة، وأركباه إلى المسجد فيمن معهما. فأقاما قبيصة وأجلسا نصراً. وقريء كتاب الرشيد على الناس فسمعوا وأطاعوا. فبسط العدل وأحسن إلى الناس. وأقام والياً على المغرب سنتين وثلاثة أشهر.\rوكان الفضل بن روح لما مات أبوه عاملاً على الزاب، فلما ظهر كتاب الرشيد بولاية نصر سار إلى الرشيد، ولزم بابه حتى ولاه المغرب.\rولاية الفضل بن روح قال: ولما ولاه الرشيد كتب إلى إفريقية بعزل نصر، وأن يقوم بإفريقية المهلب بن يزيد إلى أن يقدم. ثم قدم في المحرم سنة سبع وسبعين ومائة.\rوولى على تونس ابن أخيه المغيرة بن بشر بن روح، وكان غرا فاستخف بالجند، وسار فيهم بغير سيرة من تقدمه، ووثق أن عمه لا يعزله. فاجتمعوا وكتبوا إلى الفضل كتاباً يخبرونه بسوء صنيع المغيرة فيهم وقبيح سيرته. فتثاقل الفضل عن جوابهم. فانضاف هذا إلى أمور كانوا قد كره وما من الفضل منها استبداده برأيه دونهم. فاجتمعوا وولوا أمرهم عبد الله ابن الجارود وهو المعروف بعبدويه وبايعوه بعد أن استوثق منهم.\rثم انصرفوا إلى دار المغيرة فحصروه. فبعث إليهم يسألهم ما الذي يريدون. فقالوا: ترحل عنا وتلحق بصاحبك أنت ومن معك. وكتب عبدويه إلى الأمير الفضل: من عبد الله بن الجارود.\rأما بعد، فإنا لم نخرج المغيرة إخراج خلاف عن طاعة، ولكن لأحداث أحدثها فيها فساد الدولة. لولّ علينا من نرضاه وإلا نظرنا لأنفسنا، ولا طاعة لك علينا والسلام.\rفكتب إليه: من الفضل بن روح إلى عبد الله بن الجارود.\rأما بعد، فإن الله عز وجل يجري قضاياه فيما أحب الناس أو كرهوا، وليس اختياري والياً اخترته لكم أو اخترتموه بحائل دون شيء أراد الله عز وجل بلوغه فيكم. وقد وليت عليكم عاملاً، فإن دفعتموه فهو آية النّكث منكم. والسلام.\rوبعث عبد الله بن يزيد المهلّبي عاملاً على تونس. وضم إليه النّضر بن حفص، وأبا العنبر، والجنيد بن سيار. فلما وصل ظاهر تونس، أشار أصحاب عبدويه عليه بقبضه هو ومن معه وحبسهم. فخرج أصحاب عبدويه إلى عبد الله ابن يزيد، فحملوا عليه وقتلوه وأسروا من معه. فقال عبدويه: ما لهذا بعثتكم، فأما إذا وقع فما رأيكم؟ فأجمعوا على الخلاف.","part":6,"page":432},{"id":2938,"text":"وأخذوا في المكائد. وتولى أمر عبدويه محمد بن الفارسي، وهو الذي أصار هذه الفتنة. وشرع في مكاتبة القواد وإفسادهم، ووعد كل واحد منهم أنه يوليه الأمر. ففسد الحال على الفضل. وكانت أمور يطول شرحها، وحرب آخرها أن ابن الجارود سار فيمن معه إلى القيروان، وقاتل الفضل وهزمه، واستولى على البلد وأخرجه منها. ثم قبض عليه وأراد أن يحبسه. فقال أصحابه: لا نزال في حرب ما دام الفضل حياً. فدافع عنه محمد بن الفارسي وأشار أن لا يقتلوه. فقاموا إليه وقتلوه. فعند ذلك أمر عبدويه المهلب بن يزيد ونصر بن حبيب وخالداً وعبد الله بن يزيد بالخروج من إفريقية، فخرجوا كلهم.\rأخبار عبد الله بن الجارود\rقال: ولما قتل الفضل واستولى عبد الله على القيروان، سمع شمدون القائد ما صنع بالفضل، فقام غضباً له. واجتمع في الأربس هو وفرح بن عبد الرحمن الكلاعي القائد، والمغيرة، وغيرهم. وأقبل عليهم أبو عبد الله مال بن المنذر الكلبي من ميلة، وكان والياً عليها في عدد كثير، فقدموه على أنفسهم. واجتمع إليهم الناس. والتقوا بابن الجارود واقتتلوا. فقتل مالك بن المنذر، وانهزم أصحابه حتى صاروا إلى الأربس.\rفكتب شمدون إلى العلاء بن سعيد - وهو بالزاب - أن يقدم عليه. فأقبل إلى الأربس واجتمع بالمغيرة وشمدون وفلاح وغيرهم. وأقبل العلاء يريد القيروان فصادف ابن الجارود وقد خرج منها يريد يحيى بن موسى خليفة هرثمة بن أعين، وذلك أن الرشيد لما اتصل به وثوب ابن الجارود على الفضل وإفساده إفريقية، وجّه يقطين بن موسى لمحله من دعوتهم، ومكانه من دولتهم، وكبر سنه، وحاله عند أهل خراسان. وأمر بالتطلف بابن الجارود وإخراجه من البلد. ووجه معه المهلب بن رافع. ثم وجه منصور بن زياد، وهرثمة بن أعين أميراً على المغرب. فأقام ببرقة.\rوقدم يقطين القيروان فجرى بينه وبين ابن الجارود كلام كثير. ودفع إليه كتاب الرشيد، فقال ليقيطين: قد قرأت كتاب أمير المؤمينين، وأنا على السمع والطاعة. وفي كتاب أمير المؤمنين أنه ولي هرثمة بن أعي، وهو ببرقة يصل بعدكم. ومع العلاء البربر، فإن تركت الثغر وثب البربر فأخذوه وقتلوا العلاء ولا يدخله وال لأمير المؤمنين أبداً، فأكون أشأم الخلق على هذا الثغر. ولكن أخرج إلى العلاء، فإن ظفر بي فشأنكم بالثغر، وإن ظفرت به انتظرت قدوم هرثمة. ثم أخرج إلى أمير المؤمنين فاجتمع يقطين مع محمد بن يزيد الفارسي - وهو صاحب ابن الجارود - ووعده التقدم وقيادة ألف فارس وصلة وقطيعة في أي المواضع شاء، على أن يفسد حال عبد الله بن الجارود. ففعل ذلك وسعى في إفساد الخواطر على ابن الجارود، ورغب الناس في الطاعة. فمالوا إليه وانضموا له. وخرج على ابن الجارود أن اخرج إلي حتى لا يسمع كلامي وكلامك غيرنا. فخرج إليه فحدثه وشاغله بالكلام، وكان قد وضع على قتله رجلاً من أصحابه يقال له أبو طالب فخرج إليه - وهو مشغول بحديث عبد الله - فما شعر حتى حمل عليه وضربه فدق صلبه، فانهزم أصحابه.\rوقدم يحيى بن موسى خليفة هرثمة إلى طرابلس. فصلى عيد الأضحى بالناس وخطبهم. وقدم عليه جماعة من القواد واستفحل أمره.\rوأقبل العلاء بن سعيد يريد القيروان. فعلم ابن الجارود أنه لا طاقة له بالعلاء. فكتب إلى يحيى أن اقدم إلى القيروان فإني مسلم إليك سلطانها. وأجاب إلى الطاعة. فخرج يحيى بن موسى بمن معه من طرابلس في المحرم سنة تسع وسبعين ومائة. فلما بلغ قابس تلقاه بها عامة الجند الذي بالقيروان. وخرج ابن الجارود من القيروان في مستهل صفر، واستخلف عليها عبد الملك بن عباس. وكانت أيام ابن الجارود سبعة أشهر. وأقبل العلاء بن سعيد ويحيى بن موسى متسابقين إلى القيروان، فسبقه العلاء إليها. فقتل منها جماعة من أصحاب ابن الجارود. فبعث إليه يحيى: إن كنت على الطاعة ففرّق جموعك. فأمر من معه بالانصراف إلى مواضعهم. وسار في نحو ثلاثمائة من خاصته إلى طرابلس. وكان ابن الجارود قد وصل إليها قبل وصوله وخرج مع يقطين بن موسى نحو المشرق حتى وصل إلى هارون الرشيد.\rقال: وكتب العلاء إلى منصور وهرثمة أنه الذي أخرج ابن الجارود من إفريقية. فكتب إليه هرثمة بالقدوم، وأجازه بجائزة سنية. وبلغ خبره هارون، فكتب إليه بمائة ألف درهم صلة سوى الكسا، فلم يلبث إلا يسيراً حتى توفي بمصر.","part":6,"page":433},{"id":2939,"text":"ولاية هرثمة بن أعين قال: وقدم هرثمة القيروان في مستهل شهر ربيع الآخر سنة تسع وسبعين ومائة فأمن الناس وسكنهم وأحسن إليهم. وهو الذي بني القصر الكبير بالمنستير في سنة ثمانين ومائة. وبني أيضاً سور مدينة طرابلس مما يلي البحر. وواتر الكتب إلى الرشيد أن يعفيه من إفريقية لما رأى الاختلاف بها وسوء طاعة أهلها. فكتب إليه بالقدوم إلى المشرق. فرجع في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة.\rولاية محمد بن مقاتل بن حكيم العكي قال: ولما كتب هرثمة إلى هارون يسأله الإعفاء وجه محمد بن مقاتل أميراً للمغرب، وكان رضيع هارون. فقدم القيروان في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة. ولم يكن بالمحمود السيرة، فاضطربت عليه أحواله واختلف جنده، وكان سبب الاضطراب عليه أنه اقتطع من أرزاق الجند وأساء السيرة فيهم وفي الرعية. فقام فلاح القائد، ومشى في أهل الشام وخراسان حتى اجتمع رأيهم على تقديم مرة بن مخلد الأزدي.\rوخرج عليه بتونس تمام بن تميم التّميمي - وكان عامله عليها - فبايعه جماعة من القواد وأهل الشام وأهل خراسان. فخرج في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائة إلى القيروان. وخرج إليه ابن العكي فيمن معه، فقاتله قتالاً شديداً في منية الخيل، فانهزم ابن العكي ودخل القيروان، وتحصن في دار كان قد بناها، وجلا عن دار الإمارة. وأقبل تمام ودخل القيروان في يوم الأربعاء لخمس بقين من شهر رمضان. فأمّنه تمام على دمه وماله، على أنه يخرج عنه.\rفخرج تلك الليلة وسار حتى وصل إلى طرابلس ثم مضى إلى سرت. وعاد إلى طرابلس بمكاتبة بعض أهل خراسان.\rفنهض إبراهيم بن الأغلب من الزاب على تمام غضبا للعكي. فلما بلغ تماماً إقباله جلا عن القيروان، ودخلها إبراهيم بن الأغلب، فخطب الناس وأعلمهم أن أميرهم محمد بن مقاتل. وكتب إليه بالرجوع، فرجع.\rثم أخذ تمام في مراسلة الناس وإفسادهم على العكي فمالوا إليه. فكثر جمعه وطاب نفساً بقتال العكي. وكتب إليه: أما بعد. فإن إبراهيم بن الأغلب لم يبعث إليك فيردك من كرامتك عليه ولا للطاعة التي يظهرها، ولكنه كره أن يبلغك أنه أخذ البلاد فترجع إليه. فإن منعك كان مخالفاً، وإن دفعها إليك كان كارهاً. فبعث إليك لترجع ثم يسلمك إلى القتل. وغدا تعرف ما جربت من وقعتنا أمس. وفي آخره:\rوما كان إبراهيم من فضل طاعة ... يرد عليك الثّغر إلا لتقتلا\rفلو كنت ذا عقل وعلم بكيده ... لما كنت منه يا بن عك لتقبلا\rفلما وصل كتابه، قرأه العكي ودفعه إلى إبراهيم بن الأغلب. فقرأه وضحك وقال: قاتله الله! ضعف عقله زيّن له ما كتب به فكتب إليه ابن العكي: من محمد بن مقاتل إلى الناكث تمام.\rأما بعد، فقد بلغني كتابك، ودلني ما فيه على قلة رأيك. وفهمت قولك في إبراهيم. فإن كنت كتبت نصيحة، فليس من خان الله ورسوله وكان من المفسدين بمقبول منه ما يتنصّح به. وإن كانت خديعة فأقبح الخدائع ما فطن له. وأما ما ذكرت من إسلام إبراهيم إذا التقينا، فلعمر أبيك ما يلقاك أحد غيره. وأما قولك: إنا جربنا من وقعتك أمس ما سنعرفه غداً، فإن الحرب سجال: فلنا يا تمام عليك العقبى إن شاء الله وفي أسفله:\rوإني لأرجو إن لقيت ابن أغلب ... غداة المنايا أن تفل وتقتلا\rتلاقى فتى يستصحب الموت في الوغى ... ويحمى بصدر الرمح مجداً مؤئلا\rفأقبل تمام من تونس في جمع عظيم. وأمر ابن العكي من كان معه من أهل الطاعة بالخروج إليه وتقدمة إبراهيم بن الأغلب. والتقوا واقتتلوا فانهزم تمام إلى تونس، وقتل جماعة من أصحابه.\rوانصرف العكي إلى القيروان ثم أمر إبراهيم بالمسير إلى تمام بتونس، وذلك في شهر المحرم سنة أربع وثمانين ومائة. فلما بلغ تماماً إقباله كتب إليه يسأله الأمان، فأمنه. وأقبل به إلى القيروان يوم الجمعة لثمان خلون من الشهر. فلما صار الأمر إلى إبراهيم بن الأغلب بعث تمام بن تميم وغيره من وجوه الجند الذين شأنهم الوثوب على الأمراء إلى بغداد، فحبسوا في المطبق.\rقال: ودام محمد بن مقاتل في القيروان إلى أن عزله الرشيد واستعمل إبراهيم بن الأغلب، على ما نذكره في أخبار دولة بني الأغلب إن شاء الله تعالى.\rابتداء دولة بني الأغلب","part":6,"page":434},{"id":2940,"text":"هذه الدولة أول دولة قامت بإفريقية وجرى عليها اسم الدولة. وكان من قبلهم عمالاً إذا مات أحد منهم أو صدر منه ما يوجب العزل، عزله من يكون أمر المسلمين إليه من الخلفاء في الدولة الأموية والعباسية. فلما قامت هذه الدولة كانت كالمستقلة بالأمر. وإنما كانت ملوكها تراعى أوامر الدولة العباسية، وتعرف لها حق الفضل والأمر، وتظهر طاعة مشوبة بمعصية. ولو أرادوا عزل واحد منهم والاستبدال به من غير البيت لخالفوهم. وصار ملوك هذه الدولة يوصون بالملك بعدهم لمن يرونه من أولادهم وإخوتهم، فلا يخالفه قوادهم ولا يراعون أهلية من يوصى إليه بل يقدمونه على أي صفة كان مستحقاً أو غير مستحق. وسنذكر من أخبارهم ما يدل على ذلك. وكان عدة من ملك منهم أحد عشر ملكاً. ومدة أيامهم مائة سنة واثنتي عشرة وأياماً. وأول من ملك منهم إبراهيم بن الأغلب.\rولاية إبراهيم بن الأغلب بن سالم ابن عقال بن خفاجة التميمي قال: لما كان من أمر إبراهيم بن الأغلب ما ذكرناه، من نصرته لابن المكي وإخراجه تمام بن تميم وإعادة العكي، كتب يحيى بن زياد صاحب البريد بالخبر إلى هارون الرشيد. فقرأ الكتاب على أصحابه، وقال لهرثمة بن أعين: أنت قريب العهد. فقال: يا أمير المؤمنين، قد سألتني في مقدمي منها عن طاعة أهلها، وأخبرتك أنه ليس بها أحد أفضل طاعة ولا أبعد صيتا ولا أرضى عند الناس من إبراهيم. ثم صدق قولي قيامه بطاعتك. فأمر الرشيد بكتابة عهده على إفريقية. فلما وصل إليه العهد، أرسل إلى ابن العكي: أقم ما شئت حتى تتجهز.\rفأقام أياماً ثم رحل إلى طرابلس. فوافاه حماد السعودي بكتابين قدم بهما إلى إفريقية على العادة. فافترى ابن العكي كتاباً ثالثاً بعزل إبراهيم وولايته وبعث به إلى القيروان. فلما قريء على الناس قالوا لإبراهيم: أقم بمكانك واكتب إلى أمير المؤمنين، فإن ابن العكي اختلق هذا زوراً، ولم يكافئك على نصرتك له وحقنك دمه. فقال: والله لقد ظننت ظنكم وإنما اجترأ ابن العكي على الثغر لموضعه من جعفر بن يحيى. ثم عسكر إبراهيم يريد الخروج إلى الزاب وأتى كتاب محمد بن مقاتل إلى سهل ابن حاجب يستخلفه إلى أن يقدم. فكتب صاحب البريد إلى الرشيد. فغضب وكتب إلى ابن العكي: أما بعد، فلم يكن آخر أمرك يشبه إلا أوله. فلأيّ مناقبك أوثرك على إبراهيم بولاية الثغر: ألفرارك وإقدامه أم لجزعك وصبره أم لخلافك وطاعته؟ فإذا نظرت في كتابي، فاقدم غير محمود الفعال. وكتب إلى إبراهيم بتجديد ولايته. فوصل الرسول إلى القيروان وإبراهيم بالزاب فمضى إليه. وكانت ولايته الثانية التي استقر بها ملكه وملك بنيه من بعده، لاثنتي عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين ومائة. وقف ابن العكي إلى المشرق.\rقال: ولما ولي إبراهيم قمع أهل الشر بإفريقية، وضبط البلاد، وأحسن إلى من بها. وبعث بأهل الشر الذين جرت عادتهم بمخالفة الأمراء والوثوب عليهم إلى بغداد كما ذكرنا.\rوابتنى إبراهيم قصراً وجعله متنزهاً. ثم جعل ينقل غليه السلاح والأموال سراً. وهو مع ذلك يراعي أمور أجناده ويصلح طاعتهم ويصبر على جفائهم. وأخذ في شراء العبيد وأظهر أنه يحب أن يتخذ من كل صناعة من يغنيه عن استعمال الرعية في كل شيء. ثم اشترى عبيداً لحمل سلاحه وأظهر للجند أنه أراد بذلك إكرامهم عن حمله. لوما تهيأ له من ذلك ما أراده انتقل من دار الإمارة وصار إلى قصره بعبيده وحشمه وأهل بيته؛ وكان انتقاله ليلاً. وأسكن معه من يثق به من الجند. وكان يتولى الصلاة بنفسه في المسجد الجامع بالقيروان والمسجد الذي بناه بالقصر.\rوفي أيامه خرج حمديس بن عبد الرحمن الكندي فخلع السواد. وجمع جموعاً كثيرة وأتى بعرب أهل البلد وبربرها، وكثرت جموعه بمدينة تونس. فبعث إليه إبراهيم عمران بن مجالد ومعه وجوه القواد. فالتقوا بسبخة تونس واقتتلوا قتالاً شديداً، وكثر بينهم القتل. وجعل أصحاب حمديس يقولون: بغداد بغداد، فلا والله لا اتخذت لكم طاعة بعد اليوم أبداً. ثم قتل حمديس وانهزم أصحابه. ودخل عمران تونس ونتبع من كان مع حمديس وقتلهم حتى أفناهم. وكان خروجه في سنة ست وثمانين ومائة.","part":6,"page":435},{"id":2941,"text":"وفي أيامه جمع إدريس بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب جموعاً كثيرة، وأطاعه من حوله من القبائل. فكره إبراهيم قتاله وعلم في إفساد أصحابه عليه. وكتب إلى بهلول بن عبد الواحد المدغري، وكان رئيساً مطاعاً في قومه، وهو القائم بأمر إدريس وصاحب سره، ولم يزل به حتى فارقه وعاد إلى الطاعة. فلما فعل ذلك كتب إدريس إلى إبراهيم كتاباً يستعطفه ويسأله الكف عنه ويذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يجر بينهما حرب.\rوخرج عن طاعة إبراهيم أيضاً عمران بن مجالد. وكان سبب خروجه أن إبراهيم لما بني قصره المعروف القديم ركب يوماً وهو يفكر في الانتقال إليه ومعه عمران بن مجالد. فجعل عمران يحادثه من حيث ركبا إلى أن بلغا مصلى روح، فلم يفقه إبراهيم من حديثه شيئاً. فقال لعمران: ألم تعلم أني لم أسمع من حديثك شيئاً. فقال لعمران: ألم تعلم أني لم أسمع من حديثك شيئاً. أعده علي. فغضب عمران وقال: أحدثك من حيث خرجت وأنت لاه عني. وتغير ن ذلك اليوم وألب على إبراهيم. فلما انتقل إبراهيم إلى قصره وأقام مدة، ثار عمران في جيشه. واستولى على القيروان وقوي أمره وكثرت أتباعه. ودامت الحرب بينه وبين إبراهيم سنة كاملة، كانت خيل إبراهيم تضرب إلى القيروان فتقتل من قدرت عليه، وخيل عمران تفعل مثل ذلك.\rثم وصل إلى إبراهيم رسول أمير المؤمنين بأرزاق الجند فوجه ابنه عبد الله إلى طرابلس، فقبض أرزاق الجند ووصل بها إلى أبيه. فلما صرا المال إليه، تطلعت أنفس الجند إلى أرزاقهم وهموا بإسلام عمران. وتبين ذلك له. فركب إبراهيم في خيله ورجله وعبيده، وعبأ عساكره تعبئة الحرب، وتوجه إلى القيروان. حتى إذا قرب منها أمر مناديه فنادى: من كان له اسم في ديوان أمير المؤمنين فليقدم لقبض عطائه. ثم انصرف إلى قصره ولم يحدث شيئاً. فلما أمسى عمران أيقن أن الجند تسلمه. فركب وسار إلى الزاب ليلاً ومعه عمرو بن معاوية وعامر بن المعتمر. فخلع إبراهيم أبواب القيروان وثلم في سورها. وقوي عند ذلك أمره. وزاد في بناء القصر القديم. وأقطع فيه الدور لأهل بيته وأنصاره ومواليه.\rوبقي عمران بالزاب إلى أن توفي إبراهيم وصار الأمر إلى ابنه أبي العباس. فمكتب إليه يسأله الأمان فأمنه. وقدم إليه وأسنه القصر. ثم سعى به فقتله.\rواستمرت أيام إبراهيم إلى سنة ست وتسعين ومائة، فتوفى لثمان بقين من شوال منها، وهو ابن ست وخمسين سنة. وكانت مدة ولايته اثنتي عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام.\rوكان فقيهاً، عالماً، خطيباً، شاعراً، ذا رأي وبأس، وحزم، وعلم بالحروب ومكائدها، جرىء الجنان، طويل اللسان، حسن السيرة. قال ابن الرقيق: لم يل إفريقية قبله أحد من الأمراء أعدل منه سيرة ولا أحسن سياسة، ولا أرفق برعية، ولا أضبط للأمر. وكان كثير الطلب للعلم، والاختلاف إلى الليث بن سعد. وله أخبار حسنة وآثار جميلة، رحمه الله تعالى.\rولاية أبي العباس عبد الله ابن إبراهيم بن الأغلب قال: لما مات إبراهيم بن الأغلب، صار الأمر بعده إلى ابنه أبي العباس عبد الله، وكان إذ ذاك بطرابلس، فقام له أخوه زيادة الله بالأمر، وأخذ له البيعة على نفسه وأهل بيته وجميع رجاله. وقدم عبد الله من طرابلس في صفر سنة سبع وتسعين ومائة. فتلقاه الله وسلم إليه الأمر.\rقال: فحمل عبد الله في ولايته على أخيه زيادة الله حملاً شديداً وتنقصه، وأمر بإطلاق من كان في حبسه. وزيادة الله مع ذلك يظهر له التعظيم والتبجيل.","part":6,"page":436},{"id":2942,"text":"وأراد عبد الله أن يحدث جوراً عظيماً على الرعية فأهلكه الله عز وجل قبل ذلك. وكان قد أمر صاحب خراجه أن لا يأخذ من الناس العشر، ولكن يجعل على كل زوج تحرث ثمانية دنانير أصاب أم لم يصب. فاشتد ذلك على الرعية وسألوه فلم يجب سؤالهم. وقدم حفص بن حميد الجزري، ومعه قوم صالحون من أهل الجزيرة وغيرها. فأستأذنوا على أبي العباس فأذن لهم. فدخلوا عليه - وكان من أجمل الناس - فكلمه حفص ابن حميد فكان فيما قال له: أيها الأمير، اتق الله في شبابك، وارحم جمالك وأشفق على بدنك من النار. ترى على كل زوج بحرث به ثمانية دنانير. فأزل ذلك عن رعيتك، وخذ فيهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فإن الدنيا زائلة عنك كما زالت عن غيرك. فلم يجبه إلى شيء مما أراد. وتمادى على سوء فعله وأظهر الاستخفاف بهم. فخرج حفص بن حميد ومن معه فتوجهوا نحو القيروان. فلما صاروا بوادي القصارين قال لهم حفص: قد يئسنا من المخلوقين فلا نيأس من الخالق. فسألوا الله وتضرعوا إليه، فدعوا الله على أبي العباس أن يمنعه مما أراده بالمسلمين ويكف جوره عنهم. ثم دخلوا مدينة القيروان، فخرجت لأبي العباس قرحة تحت أذنه فقتلته في اليوم السابع من دعائهم واسود لونه. وكانت وفاته ليلة الجمعة لست خلون من ذي الحجة سنة إحدى ومائتين. فكانت مدة ولايته خمس سنين وشهراً واحداً وأربعة عشر يوماً.\rولاية زيادة الله ابن إبراهيم بن الأغلب قال: ولما توفي أخوه أبو العباس صار الأمر إليه بعده. وهو أول من سمّى زيادة الله. وكذلك هبة الله بن إبراهيم بن المهدي، هو أول من سمى هبة الله.\rقال: ولما ولي زيادة الله أغلظ على الجند، وأمعن في سفك دمائهم، واستخف بهم، وحمله على ذلك سوء ظنه بهم لتوثّبهم على الأمراء قبله وخلافهم على أبيه مع عمران بن مجالد. وكان أبوه أغضى عن كثير من زلاتهم وصفح عن إساآتهم فسلك زيادة الله فيهم غير سبيل أبيه. وكان أكثر سفكه وسوء فعله إذا شرب وسكر. فخرجوا عليه. وكان الذي هاجهم على الخروج عليه أنه ولي عمر بن معاوية القيسي، وكان من شجعان الجند ورؤسائهم وأهل الشرف منهم، على القصرين وما يليهما. فتغلب على تلك الناحية وأظهر الخلاف عليه. وكان له ولدان يقال لأحدهما حباب والآخر سكنان. فوجه إليه زيادة الله موسى مولى إبراهيم المعروف بأبي هارون، وكان قد ولاه القيروان. فخرج إليه وحاصره أياماً. فلما ضاق به الأمر ألقى بيده ونزل معه. وسار إلى زيادة الله هو وولداه. فلما قدموا عليه حبسهم عند غلبون ابن عمه. ثم نقلهم إلى حبسه من يومه وقتلهم.\rفلما بلغ منصور بن نصر الطّنبذي وهو من ولد دريد ابن الصّمّة ذلك ساءه، وكان على طرابلس. فقال: يا بني تميم، لو أن لي بكم بوة أو آوي إلى ركن شديد. فكتب صاحب الخبر بكلامه إلى زيادة الله. فعزله واستقدمه، فقدم. وكان غلبون معتنياً به فأصلح أمره عند الأمير زيادة الله، فخلى عنه. فأقام أياماً يتردد إلى زيادة الله حتى ذهب ما بقلبه عليه. ثم استأذنه في الوصول إلى منزله فأذن له. فخرج إلى تونس، وكان له بأقيم المحمدية قصر يقال له طنبذة، وبه لقب الطنبذي، فنزل به. وجعل يراسل الجند ويذكر لهم ما يلقون من زيادة الله وما فعل بعمر بن معاوية وابنيه، ويخوفهم أن يفعل بهم وبأولادهم كفعله بعمر.\rفبلغ ذلك زيادة الله فعرض الجند على عادته. ثم دعا محمد ابن حمزة فأخرجه في خمسمائة فارس بالسلاح كما عرضوا بين يديه. وقال له: امض إلى تونس فلا يشعر منصور إلا وقد أخذته ومن معه، واقدم به موثقاً. فخرج ابن حموة حتى أتى تونس فلقي منصوراً غائباً بقصره، فنزل في دار الصناعة. ووجه إلى منصور شجرة بن عيسى القاضي وأربعين شيخاً من أهل تونس، يرغبه في الطاعة ويدعوه إلى إتيانه. فمضوا إليه وأبلغوه رسالة محمد بن حمزة فقال: ما خلعت يدا من طاعة، ولا أحدثت حدثاً، وأنا صائر إليه معكم. ولكن أقيموا عليّ يومي هذا حتى أعدّ لهؤلاء القوم ما يصلحهم.\rفأقاموا. فوجه إلى ابن حمزة ببقر وغنم وعلف وأحمال نبيذ. وكتب إليه: إني قادم بالغداة مع القاضي. فركن إلى قوله، وأخذ هو ومن معه في الأكل والشرب.","part":6,"page":437},{"id":2943,"text":"فلما أمسى منصور قبض على القاضي ومن معه، وحبسهم في قصره. وجمع خيله ورجله ومضى إلى تونس. فما شعر به محمد بن حمزة حتى ضرب طبلوه على باب دار الصناعة. فقام ابن حمزة وأصحابه لأخذ سلاحهم وقد عمل الشراب فيهم. فأوقع بهم منصور وأصحابه فقتلهم. ولم يسلم منهم إلا من ألقى نفسه في البحر فسبح. وأصبح منصور، فاجتمع إليه الجند. وكان عامل زيادة الله على تونس إسماعيل بن سفيان ابن سالم من أهل بيت زيادة الله، فقتله منصور وقتل ابنه.\rفلما اتصل بزيادة الله قتل ابن عمه وولده ورجاله، جمع صناديد الجند، ووجّههم مع غلبون. وركب بنفسه مشيّعاً له. فلما ودع الجند قال لهم زيادة الله: انظروا كيف تكونون وكيف تناصحون. فبا الله أقسم إن انصرف إليّ أحد منكم منهزماً لا جعلت عقوبته إلا السيف. فكان ذلك مما ساءت به نفوس القوم حتى هموا بالوثوب على غلبون. فمنعهم من ذلك جعفر بن معبد وقال: لا تحملكم إساءة زيادة الله فيكم أن تغدروا بمن أحسن إليكم وفك رقابكم. وكان غلبون يعتني بأمر القواد عند زيادة الله. فانصرفوا عن رأيهم فيه ومضوا حتى صاروا بسبخة تونس. فكاتب القواد الذين مع غلبون منصوراً وأصحابه وأعلموهم أنهم منهزمون عنه. فلما التقوا حمل منصور وأصحابه عليهم فانهزموا بأجمعهم. ثم اجتمعوا بعد الهزيمة إلى غلبون واعتذروا وحلفوا أنهم ناصحون واجتهدوا. وقالوا: نحن لا نأمن على أنفسنا. وإن أصبت لنا ما نأمن به قدمنا إن شاء الله. وتفرقوا عنه. وسار كل منهم إلى جهة فتغلب عليها. واضطربت إفريقية فصارت ناراً تتّقد.\rوصار الجند كلهم إلى منصور الطنبذي، وأعطوه أزمة أمورهم، وولوه على أنفسهم. وقدم غلبون على زيادة الله فأعلمه الخبر. فكتب الأمانات وبعث بها إلى الجند والقواد. فلم يقبلوها وخلعوا الطاعة.\rثم جمعوا جمعاً ووجه عليهم منصور عامر بن نافع. فعقد زيادة الله لمحمد بن عبد الله بن الأغلب، ووجه معه جيشاً كثيفاً وأوعب فيه من رجاله ومواليه. فالتقوا واقتتلوا، فانهزم محمد ابن عبد الله وقتل جماعة من وجوه أصحابه، منهم محمد بن غلبون، وعبد الله بن الأغلب، ومحمد بن حموة الرازي، وغيرهم، وقتلت الرّجالة عن آخرهم، وتتبع الجند أصحاب زيادة الله فقتلوهم.\rفعند ذلك زحف زيادة الله بنفسه ونزل بين القيروان والقصر وخندق هناك. وكانت بينهم وقعات كثيرة تارة لهؤلاء وتارة لأولئك. ثم انهزم منصور ومن معه حتى لحقوا بتونس. وكان أهل القيروان أعانوا منصوراً على قتال زيادة الله، فقال له أصحابه أبدأ بها واقتل من فيها. فقال: إني عاهدت الله تعالى إن ظفرت أن أعفو وأصفح. فعفا عنهم إلا أنه هدم سور القيروان ونزع أبوابها.\rقال: ثم اجتمع لمنصور أصحابه وقوي أمره. ولم يبق في يد زيادة الله من إفريقية كلها إلا الساحل وقابس. فكتب الجند إلى زيادة الله: أن ارحل حيث شئت وخلّ عن إفريقية، ولك الأمان في نفسك ومالك وما ضمه قصرك. فاستشار أصحابه في ذلك. فقال له سفيان بن سوادة: أيها الأمير، أمكنّي من ديوان رجالك حتى أنتقي مائتي فارس ممن أثق به. فدفع إليه الديوان فاختار منه مائتي فارس، وأعطاهم وأفضل عليهم ثم خرج حتى أتي نفزاوة وعليها من الجند عبد الصمد بن جناح الباهلي. فدعا سفيا بربر ذلك الموضع فأجابوه. فاجتمع إليه خلق كثير من زناتة وغيرهم وسائر القبائل. ففتح البلاد بلداً بلداً حتى بلغ قسطيلية. ثم قدم على زيادة الله في سنة ثماني عشرة ومائتين. فكان سعيد يقول: والله، ما رأيت أعظم بركة من تلك المائتي فارس.","part":6,"page":438},{"id":2944,"text":"ووقع الشتات والحسد بن الجند. ووقع الخلاف بين منصور وعامر بن نافع. فحاصره عامر بقصره بطنبذة. فجرت بينهما السفراء على أن يؤمن منصوراً على نفسه وماله وحشمه، ويركب سفينة فيتوجه فيها إلى المشرق، فاجابه عامر إلى ذلك. فقال له بعض أصحابه: تفعل ذلك بنفسك ويسومك الضيم؟ انهض إلى الأربس فإنهم سامعون مطيعون. فوافق على ذلك وخرج من القصر ليلاً وسار إلى الأربس. فلما أصبح عامر لم يره بقصره، فسار إلى إثره إلى الأربس وحاصره. وآخر الأمر أنه عاد سأل الأمان على أن يتوجه إلى المشرق ويركب في سفينة من تونس. وخرج إلىعامر فوجه معه خيلاً. وأمر صاحب الخيل أن ياخذ به على طريق قرنة وأن يصيره في سجنها. ففعل ذلك وحبسه بها عند حمديس بن عامر. ثم كتب عامر إلى ابنه أن يضرب عنقه ففعل. وضرب عامر عنق أخي منصور.\rوصار أمر الجند إلى عامر بن نافع فظن أن الأمور تستقيم له. فكتب إله زيادة الله كتاباً يدعوه فيه إلى الطاعة ويبذل له الأمان. فكتب إليه عامر يعدد عليه مساويء أفعاله، ويقول في آخره: ما بيني وبينك موادّة حتى تضع الحرب أوزارها ويحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. ثم اختلف الجند على عامر، وانتقض عليه أمره، ووجد عليه قواد المضري، لما صنع بمنصور وأخيه، فنافروه وحاربوه. وخالفه عبد السلام بن المفرّج، وكان قد استولى على باجة وبايع له جماعة من الجند. وزحف إلى عام فاقتتلوا، فانهزم عامر، ومضى إلى قرنة، وتفرق شمل الجند وأمر زيادة الله يعلو.\rثم اعتل عامر فلما أيقن بالموت استدعى بنيه وقال لهم: يا بني، ما رأيت في الخلاف خيراً. فإذا أنا مت ودفنتموني فلا تعرّجوا على شيء حتى تلحقوا بزيادة الله، فهو من أهل بيت عفو. وأرجو أن يسركم ويقبلكم أحسن قبول. فلما مات، فعلوا ذلك وأتوا زيادة الله. وجعل الجند يتسللون إلى زيادة الله ويستأمنون، وهو يؤمنهم ويحسن إليهم.\rوأما عبد السلام فقاتلته عساكر زيادة الله وحصروه وضايقوه فوجد ميتاً فقيل مات عطشاً. فبعثوا برأسه إلى زيادة الله.\rواستقامت إفريقية وصفت بعد أن دامت الفتنة ثلاث عشرة سنة.\rقال: ثم أمر زيادة الله ببناء المسجد الجامع بالقيروان وهدم ما كان بناه يزيد بن حاتم، وذلك في جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين ومائتين. وذكر أن زيادة الله قال يوماً لخاصته إني لأرجو رحمة الله، وما أراني إلا أفوز بها إذا قدمت عليه يوم القيامة وقد عملت أربعة أشياء: بنيت المسجد الجامع بالقيروان وأنفقت عليه ستة وثمانين ألف دينار، وبنيت قنطرة باب أبي الربيع، وقصر المرابطين بسوسة، ووليت القضاء أحمد بن أبي محرز.\rوفي أيام زيادة الله فتحت صقلية، وذلك أنه وجه إليها أسد ابن الفرات القاضي في عشرة آلاف. فزحف إليه ملكها في مائة وخمسين ألفاً. فهزمه وفتحها. واستعمل عليها زيادة الله محمد ابن عبد الله بن الأغلب.\rوكانت وفاة زيادة الله في يوم الثلاثاء لأربع عشرة خلت من شهر رجب سنة ثلاثة وعشرين ومائتين، وهو ابن إحدى وخمسين سنة. وكانت ولايته على إفريقية إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر وثمانية أيام.\rوكان من أفصح أهل بيته لساناً وأكثرهم بياناً، وكان يعرب كلامه ولا يلحن من غير تشادق ولا تقعير. وكان يقول الشعر الحسن الجيد.\rحكى أن رسولاً أتاه من أبي عبد الله المأمون بغير يحب. فكتب جواب الكتاب وهو سكران، وفي آخره أبياتاً، وهي:\rأنا النار في أحجارها مستكنّة ... فإن كنت ممن يقدح الزّند فاقدح\rأنا الليث يحمى غليه بزئيره ... فإن كنت كلباً حان يومك فانبح\rأنا البحر في أمواجه وعبابه ... فإن كنت ممن يسبح البحر فاسبح\rفلما صحا بعث في طلب الرسول ففاته. فكتب كتاباً آخر فيه تلطف. فوصل الكتاب الأول والثاني. فأعرض المأمون عن الأول وأجاب عن الثاني بكل ما أحب.","part":6,"page":439},{"id":2945,"text":"وله حكايات حسنة تدل على عفوه وصفحه وحلمه. فمن ذلك أنه بلغ أمّه جلاجل أن أخت عامر بن نافع قالت: والله لأجعلنّ جلاجل تطبخ لي الفول بيصارا. فلما ظفر بأنها زيادة الله بالقيروان، أمرت جلاجل بفول فطبخ بيصارا وبعثت منه إليها مع بعض خدمها، فوضع بين يديها، وقالت الجارية التي أحضرته إليها: سيدتي تسلم عليك وتقول لك: قد طبخت هذا لك لأبر قسمك. فأوحشها ذلك وقالت: قولي لها: قد قدرت فافعلي ما شئت. فبلغ ذلك زيادة الله فقال لأمه: قد ساءني ما فعلت يا أم، إن الاستطالة مع القدرة لؤم ودناءة، وقد كان أولى بك أن تفعلي غير هذا. قالت: نعم، سأفعل ما يرضيك ويحسن الأحدوثة عنا. وبعثت إليها بكسوة وصلة وألطاف. ورفقت بها حتى قبلت ذلك وطابت نفسها.\rولاية أبي عقال الأغلب ابن إبراهيم بن الأغلب قال:ولما توفي زيادة الله ولي أخوه أبو عقال، وهو الملقب بخزر. وكان في مبدإ ولاية أخيه زيادة الله قد خافه على نفسه لأن الأغلب كان شقيق عبد الله. فخشي أن يطالبه زيادة الله بفعل أخيه فاستأذنه على الحج، فأذن له. فخرج وأخرج معه ابني أخيه عبد الله، وهما محمد وإبراهيم. فحج وأقام بمصر. ثم كتب إلى زيادة الله يستعطفه ويستميله. فقدم إليه، فأكرمه وأحسن إليه. وجعل أمور دولته بيده.\rفلما مات زيادة الله وصار الأمر إليه، لم يكن في أيامه حروب فأمن الجند وأحسن إليهم. وغير أحداثاً كثيرة كانت للعمال، وأجرى على العمال الأرزاق الواسعة والعطايا الجزيلة. وقبض أيديهم عن أموال الناس، وكفّهم عن أشياء كانوا يتطاولون إليها. وقطع النبيذ من القيروان.\rوتوفي في يوم الخميس لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وعشرين ومائتين. فكانت ولايته سنتين وتسعة أشهر وتسعة أيام. وكان شبيهاً بجده الأغلب في الخلق والخلق.\rولاية محمد بن الأغلب ابن إبراهيم بن الأغلب قال: ولي بعد أبيه، وكان من أجهل الناس، لكنه أعطي في إمارته ظفراً على من ناوأه. وقلّد أخاه كثيراً من أعماله. وكان قد غلب عليه وتولى أموره ووزارته ابنا على بن حميد، وهما أبو عبد الله وأبو حميد. فساء ذلك أبا جعفر أخاه، وعظم عليه وعلى أصحابه، وحسدوهما على مكانهما من الأمير محمد وكان المقدم عند أبي جعفر أحمد بن الأغلب نصر بن حمزة الجروي. فأخذ أبو جعفر في التدبير على أخيه الأمير محمد. وصانع رجالاً من مواليه، ومحمد في غفلة عن ذلك قد اشتغل باللهو واللعب وانهمك على الملاذّ. فلما اجتمع لأحمد من أصحابه ما علم أنه يقوم بهم ركب في وقت الظهيرة - وقد خلا باب محمد من الرجال - فهجم على أبي عبد الله بن علي بن حميد فقتله، وعلا الصياح. فبلغ الخبر محمداً فقصد قبة عمه زيادة الله. ووقع القتال بين رجال الأمير محمد ورجال أخيه أحمد. فجعل أصحاب أحمد يقولون لأصحاب محمد: مالكم تقاتلون؟ لا طاعة إلا طاعة محمد. إنما قمنا على أولاد على بن حميد الذين قهروكم واستأثروا بمال مولاكم دونكم. وأما نحن ففي الطاعة ما خلعنا منها يداً. فلما سمعوا ذلك فشلوا عن القتال.\rولما رأى محمد ما دهمه - وهو على غير استعداد - جلس في مجلس العامة. وأذن لأخيه أحمد والذين معه من الرجال بالدخول، فدخلوا عليه. فعاتب أخاه أحمد فقال له: إن أولاد علي بن حميد كادوا الدولة وأرادوا زوال ملكك، فقمت غضباً لك وحذراً على أيامك. فلم يجد محمد بداً من مداراته والأغضاء عما فعل. فتحالفا أن لا يغدر أحد منهما بصاحبه. واصطلحا على أني دفع محمد لأخيه أحمد أبا حميد بن علي، وكان قد لجأ إليه في وقت قتل أخيه. فدفعه إليه على أن أحمد لا يقتله ولا يصله بمكروه. فانصرف إلى منزله.\rوعظم قدر أحمد، واشتد سلطانه، وجعل الدواوين إلى نفسه. وصار الأمر كله له، ولم يبق لمحمد من الإمارة إلا مجرد الاسم وعزل أحمد حجاب محمد، وجعل على بابه حجاباً من قبله. ووكل خمسمائة من عبيده ومواليه ببابه. وعذب أبا حميد، وأخذ أمواله ووجه به مع أبي نصر مولى إبراهيم بن الأغلب، وأمره أن يسير به إلى طرابلس ويبعثه إلى مصر. وأسرّ إليه أنه إذا صار بقلشانة يقتله. ففعله ذلك وخنقه حتى مات. وحمله على نعش إلى قلشانة. وأحضر من شهد أنه لا أثر فيه ولا جرح وقال: إنه سقط عن الدابة فمات.","part":6,"page":440},{"id":2946,"text":"قال: ولما صارت الأمور إلى أحمد مقدم نصر بن أحمد الجروي واستوزره. وكان داود بن حمزة الرادري يظن أن يكون المقدم عليه لأنه كان المدبر لهذا الأمر. ففسدت نيته وأخذ في العمل على أحمد ومكاتبة محمد، وكان محمد قد ترك اللهو وأخذ في الحيلة والتدبير على أخيه أحمد. وكان محمد قد ولى سالم ابن غلبون الزاب. فلما كان من أمر أحمد ما كان، خالف سالم على أحمد، ولم يطعه وجعل محمد يبعث إلى وجوه قرابته وجنده وعبيده ويسألهم نصرته ويعدهم ويمنّيهم. فكان ممن سعى في نصرة محمد وأتقن له الأمور وأحسن التدبير أحمد بن سفيان بن سوادة. وكان يقال لأحمد: إن أخاك يعمل عليك. فلا يصدق، وعنده أنه قد أتقن التدبير. وكان من حال محمد أنه إذا جاءه رسول من أخيه أحمد يستدعي كأساً كبيراً ويمسكه بيده، ويحضر الرسول فيتوهم أنه يشرب. فإذا انصرف رد الكأس فلا يشربه.\rفلما كان في اليوم الذي عزم محمد فيه على الوثوب على أخيه، بعث إلى أحمد بن سفيان. فجعل يسلك من واعده من العبيد والموالي وغيرهم حتى أدخلهم من أبواب المدينة في الأكسية. وجعلهم يحملون على رؤوسهم جرار الماء حتى اجتمع منهم قبل الزّوال ثلاثمائة رجل. فصيّرهم أحمد بن سفيان في داره وأعطاهم السلاح وكان أحمد إذا قيل له: إنك تراد ويعمل عليك. غضب على من يقول ذلك. واشتغل بالشراب كما كان أخوه في أول أمره. وكان جماعة ممن نصر محمداً واعدوه أن ينزلوا بقصر الماء، والأمارة بينهم أن يسمعوا الطبل ويروا الشمع في أعلى القبة. وكان أحمد قد دخل الحمام في ذلك اليوم وأطال اللّبث فيه. وأتاه عثمان بن الربيع بعد الظهر؛ فأخبره أن أخاه بريده تلك الليلة، وأنه أعد رجالاً بقصر الماء. فلم يصدق ذلك، ووجه خيلاً إلى قصر الماء فلم يجدوا به أحداً. وكان الموعد المغرب، فازداد أحمد تكذيباً للأخبار وقلة الاكتراث بما يراد به.\rفلما قربت صلاة المغرب، وجه محمد خادماً له إلى جماعة رجال أخيه الذين كان قد جعلهم ببابه، فقال: يقول لكم الأمير: إني أحببت برّكم وإكرامكم، فاجتمعوا حتى أبعث إليكم طعاماً وشراباً. فاجتمعوا، وبعث إليهم بطعام وشراب، فأكلوا وشربوا حتى إذا ظنّ أن الشراب قد عمل فيهم، أرسل الخادم إليهم وقال: يقول لكم الأمير: إني قد أحببت أن أحلّى لكم سيوفكم، فمن كان عنده سيف فليأت به. فجعلوا يتسابقون بسيوفهم طمعاً في ذلك. فلما كان وقت المغرب وغلّقت أبواب القصر، أتاهم عامر بن عمرون القرشي فيمن معه. فوضعوا فيهم السيوف فقتلوهم عن آخرهم.\rثم أمر بالطبل فضرب، والشموع فأوقدت، فأقبل أصحابه من كل ناحية إلى نصرته. وخرج أحمد بن سفيان بن سوادة فجعل يقتل من علم أنه من ناحية أحمد. وأقام القتال بين أحمد بن سفيان وأصحاب أحمد بن الأغلب بقية ليلتهم كلها. وبعث أحمد ابن سفيان إلى القيروان يستنصر بأهلها. فأقبلوا إليه في جموع عظيمة وهم ينادون بطاعة محمد. فانهزم أصحاب أحمد بن الأغلب ووضعت السيوف فيهم، وهرب أحمد إلى داره.\rوكان في حبسه خفاجة بن سفيان بن سوادة، فأخرجه وقال له: الله الله في دمي وحرمي، فإنها حرمك. فقال له خفاجة: حبستني ظلماً منذ سبعة أشهر. فقال: ليس هذا وقت العتاب فأغثني فقال له خافجة: أعطني فرساً وسلاحاً ففعل فركب خفاجة. وصاح به الناس: يا خفاجة، يا ابن شيخنا ومن نكرمه ونحفظه، إنما أخرجك هذا المعلون من حبسه الساعة بعد سبعة أشهر، فما هذه النصيحة له؟ فانصرف إلى أحمد فقال له: أما إنه لا طاقة لك بالقوم، فاستأمن إلى أخيك من قبل أن تهلك قال: وكيف لي بذلك؟ فكن أنت رسولي إليه. فسار إليه واستأمن له. فأمنه محمد وأتاه.\rفأمر محمد بالخلع على أهل القيروان ومن نصره. فخلع عليهم جميع ما كان في خزائنه، ورجع إلى ثياب حرمه. وأمر أهل القيروان بالانصراف. ولما صار أحمد إلى أخيه محمد عدّد عليه ما فعل ثم أخرجه إلى مصر، وسار إلى العراق.\rقال: وبني محمد بن الأغلب القصر الذي بسوسة في سنة ثلاثين.\rوفي أيامه توفى سحنون بن سعيد في سنة أربعين ومائتين، ودفن بباب نافع. وكان يتولى المظالم بمدينة القيروان.\rقال: واعتل محمد بن الأغلب فأقام بعلته أربعة أشهر. ثم توفى في يوم الاثنين لليلتين خلتا من المحرم سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وله ست وثلاثون سنة وولايته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام.","part":6,"page":441},{"id":2947,"text":"ولاية أحمد بن محمد ابن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب قال: ولما مات محمد، ولي بعده ابنه أحمد. وكانت أيامه كلها ساكنة، لم يحدث فيها إلا ما كان بناحية طرابلس. وذلك أن قبائل البربر تجمعت، فكان بينهم وبين عاملها عبد الله ابن محمد بن الأغلب حروب كثيرة. فكتب إلى أبي إبراهيم بذلك فأرسل إليهم العساكر، فكانت بينهم وبين البربر حروب شديدة. ثم انهزم البربر وقتلوا قتلاً ذريعاً. ولأبي إبراهيم آثار عظيمة في المباني بإفريقية. فمن ذلك بنيان بالمأجل الكبير بباب تونس. وهو بمعنى الصهريج عندنا. وزاد في جامع القيروان البهو والمجنّبات والبقية. وبني المأجل الذي بباب أبي الربيع والمأجل الكبير الذي بالقصر القديم، وبين المسجد الجامع بمدينة تونس. وبني سور مدينة سوسة. وكان آخر ما عمل المأجل الذي بالقصر القديم. فلما فرغ اعتل أبو إبراهيم فكان يسأل: هل دخله الماء إلى أن دخله، فعرفوه فسر به وأمرهم أن يأتوه بكأس مملوءة منه، فشربها وقال: الحمد لله، الذي لم أمت حتني كمل أمره. ثم مات إثر ذلك. ولم يزل أهل القيروان ومن دخلها يترحمون عليه.\rوفي أيامه فتحت قصريانة، وهي من أعظم مدن الروم بصقلية. وكانت وفاة أبي إبراهيم يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين وله تسع وعشرون سنة. ومدة ولايته سبع سنين وعشرة أشهر وخمسة عشر يوماً.\rوكان رحمه الله تعالى محسن السيرة، جميل الأثر، كريم الأخلاق والأفعال، من أجود الملوك وأسمحهم وأرفقهم برعيته، مع دين وإنصاف للمظلوم، هذا مع حداثة سنه. وكان يركب ليالي شعبان وشهر رمضان، وبين يديه الشمع. فيخرج من القصر القديم حتى يدخل من باب أبي الربيع، ومعه دواب محملة دراهم. فيأمر بإعطاء من لقيه حتى ينتهي إلى المسجد الجامع بالقيروان. ويقصد دور العلماء والصالحين فيأمر بقرع أبوابهم. فإذا خرجوا إليه أمر بإعطائهم من ذلك المال.\rولاية زيادة الله بن محمد ابن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب ولي بعد أخيه. ولم تطل أيامه حتى توفى. وكانت وفاته ليلة السبت لعشر بقين من ذي القعدة سنة خمسين ومائتين فكانت ولايته سن واحدة وسبعة أيام. وكان عالماً، عاقلاً جميلاً، حسن السيرة، جميل الأفعال، ذا رأي ونجدة وجود وشجاعة، رحمه الله تعالى.\rولاية أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد ابن الأغلب المكني بأبي الغرانيق ولي بعد عمه زيادة الله.\rوكان مشغوفاً بالصيد، فلقب أبا الغرانيق، وذلك أنه بني قصراً في السهلين لصيد الغرانيق، أنفق فيه ثلاثين ألف دينار.\rولقّب في آخر أيامه بالميت، وذلك أنه اعتل وطالت علته، فكان يشنّع عليه بالموت في كثير من الأيام.\rوكان في أيامه حروب منها اضطراب ثغر الزاب عليه. فأخرج إليه أبا خفاجة محمد بن إسماعيل في عسكر عظيم. ففتح فتوحات عظيمة في طريقه. وخافه جميع البربر ولم يقم أحد له إلى أن وصل تهودة وبسكرة. وأعطاه أهل تلك النواحي أزمة أمورهم.\rثم نهض إلى طبنة، وأتى حي بن مالك البلوى في خليل بلزمة، فصار في عسكره.\rثم نهض إلى مدينة أبّة بجميع عساكره فنزلها. فخافه البربر وسمعوا له وأطاعوا بوذلوا له الرهائن والخراج والعشور والصدقات فلم يقبل منهم.\rومضى يريد بني كملان من هوارة، وكبيرهم في ذلك الوقت مهلب بن صولات فتحرزوا منه، وأرسلوا إليه يطلبون الأمان، ويبذلون له كل ما طلب، فلم يقبل وقاتلهم. فلما نشبت الحرب بينهم، جرّ الهزيمة عليه حي بن مالك من أهل بلزمة. فقتل أبا خفاجة في جماعة من القواد وكثير من الناس. ووصلت الهزيمة إلى طبنة.\rوفي أيامه فتحت مالطة، وهي جزية في البحر على يد أحمد بن عمر بن عبد الله بن الأغلب.\rوتوفى أبو عبد الله محمد في يوم الأربعاء لست خلون من جمادة الأولى سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن أربع وعشرين سنة. وكانت مدة ولايته عشر سنين وخمسة أشهر وستة عشر يوماً.","part":6,"page":442},{"id":2949,"text":"ثم تجمعت لواتة بأجمعها وحاصروا مدينة قرنة أياماً وانتهبوا ما كان فيها. ومضوا إلى باجة وقصر الإفريقي. فأخرج إليهم إبراهيم محمد بن قرهب. فالتقوا واقتتلوا فانهزم أصحاب ابن قرهب وكبابه فرسه فأدركوه، وهرب من كان معه. وذلك في ذي الحجة سنة ثمان وستين ومائتين. فاشتد ذلك على إبراهيم، وأمر بحشد الجند والأنصار والموالي. وأخرجهم مع ابنه أبي العباس عبد الله في سنة تسع وستين. فانتهى الخبر إلى لواتة فهربوا بين يديه فلحقهم بباجة وقتلهم قتلاً ذريعاً. وافترق من سلم منهم في كل ناحية.\rوفي سنة ثمان وسبعين ومائتين بلغ إبراهيم أن جماعة من الخدام والصالبة يريدون قتله وقتل أمه، فقتلهم عن آخرهم. وقتل بناته بعد ذلك.\rوفي هذه السنة قتل رجال بلزمة بمدينة رقادة. وكان قبل ذلك قد زحف إليهم وبادرهم بنفسه فلم يتمكن منهم. فأظهر العفو عنهم ورجع. ثم وفد عليه وفدهم ووفد أهل الزاب. فأنزلهم في رقاد في دار عظيمة كالفندق، وأجرى عليهم نزلاً واسعاً، وخلع عليهم وأكرمهم، حتى اجتمع نحو ألف رجل. فأحاط بهم فامتنعوا وقاتلوا، فقتلهم عن آخرهم. وكان قتلهم سبب انقطاع دولة بني الأغلب، لأن أهل بلزمة كانوا قد أذلوا كتامة واتخذوهم خولاً وعبيداً، وفرضوا عليهم العشور والصدقات وأن يحملوا ذلك على أعناقهم. فكان الذي صنع إبراهيم بأهل بلزمة مما أنقذ كتامة من تلك الذة وأوجدهم السبيل إلى القيام مع الشيعي.\rوفي هذه السنة أمر إبراهيم بشراء العبيد السودان، فبلغت عدتهم مائة ألف. فكساهم وألزمهم بابه. وجعل عليهم ميموناً وراشداً. وقتل حاجبه ابن الصمصامة وإخوته وقرابته.\rوولي حجابته الحسن بن ناقد، وأضاف إليه عدة ولايات، منها إمارة صقلية.\rوفي سنة ثمان وسبعين أيضاً اضطربت إفريقية على إبراهيم. فخالفه أهل تونس والجزيرة وصطفورة وباجة وقمودة والأربس، وذلك في شهر رجب ولم يجتمع أهل هذه الكور بمكان واحد بل أقام كل رئيس بمكانه. ولم يبق بيد إبراهيم من إفريقية وكورها إلا الساحل الشرقي. فأمر إبراهيم بحفر الخندق على رقادة وجمع ثقاته على نفسه. وقرب السودان من قصره. وأحضر شيخاً من بني عامر ابن نافع فشاوره في أمره. فقال له: إن عاجلوك قبل أن تختلف كلمتهم خفت أن ينالوا منك. وإن صبروا أمكنك منهم ما تريد. فلما خرج من عنده، قال إبراهيم لابنه أبي العباس: احبسه عندك لئلا يتكلم بهذا الرأي فيصل إليهم. فحبسه حتى ظفر بهم. وكان سبب ظفره أنه بعث عسكره إلى الجزيرة فقتل منهم خلقاً كثيراً. وأخذ رئيسها المعروف بابن أبي أحمد أسيراً. وجيء به إلى إبراهيم فقتله وصلبه. ووجه صالحاً الخادم إلى قمودة فهزمهم. وبعث إلى تونس عسكراً عظيماً عليهم ميمون الخادم والحسن بن ناقد حاجبه. فانهزم أهل تونس وقتلوا قتلاً ذريعاً بعد قتال شديد. ودخل العسكر إلى مدينة تونس فانتهبوا الأموال واستباحوا الحرم وسبوهم. وبعثوا إلى إبراهيم بألف ومائتي أسير، وهم أكابر القوم ورؤساؤهم. وذلك في شهر رمضان من السنة. ووصل الخبر إلى إبراهيم في وقته على جناح طائر. فبعث إلى قائده ألا يقطع رأس قتيل. ووجه العجل فحملت القتلى وشق بها سماط القيروان.\rانتقال إبراهيم إلى تونس\rوفي سنة إحدى وثمانين ومائتين، أمر إبراهيم أن تبنى له بتونس قصوره ومساكنه، فبنيت. ثم انتقل إليها يوم الأربعاء لستّ بقين من جمادى الأولى. وانتقل أهل بيته وجميع قواده ومواليه.\rوفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين، تحرك إبراهيم يريد محاربة ابن طولون بمصر. وحشد وخرج من تونس لعشر خلون من المحرم. فأقام برقادة إلى سبع بقين من صفر. ثم خرج بعساكره، فاعترضه أهل نفوسة بجمع عظيم في النصف من شهر ربيع الأول. فكان بينهم قتال عظيم، فقتل ميمون الخادم وجماعة ممن معه. ثم انهزم أهل نفوسة، وتبعهم إبراهيم فقتلهم قتلاً ذريعاً. وتطارح منهم خلق كثير في البحر فقتلوا حتى احمر لون الماء من دمائهم. فقال إبراهيم لو كان هذا القتل لله لكان إسرافاً. فقال له بعض رجاله: ليدع الأمير بعض من أحب من مشايخهم ويسأله عن اعتقاده.","part":6,"page":443},{"id":2950,"text":"فإذا سأله علم أن ذلك لله. فأحضر بعضهم، فقال: ما تقولون في علي بن أبي طالب؟ فقال: نقول: إنه كان كافراً، في النار من لم يكفره. فقال إبراهيم: فجميعكم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم. قال: الآن طابت نفسي على قتلكم. وجلس على كرسي وبيده حربة. فكان يقدّم إليه الرجل منهم فيقد أضلاعه من تحت منكبيه ثم يطعنه فيصيب قلبه حتى قتل منهم خمسمائة رجل بيده في وقت واحد.\rثم تمادى إبراهيم بعد فراغه من أهل فوسة إلى طرابلس. وكان محمد بن زيادة الله عامله عليها، وكان إبراهيم كثير الحسد له من صغره على علمه وأدبه. فتله إبراهيم وصلبه.\rثم سار من طرابلس حتى بلغ عين تاورغا. فرجع كثير ممن معه إلى إفريقية، ولم يبق معه إلا أقل من النصف. فلما رأى ذلك انصرف إلى رقادة ثم إلى تونس.\rوفي سنة أربع وثمانين، جهز إبراهيم ابنه أبا العباس إلى صقلية لقتال أهلها. فسار إليها في جمادى الآخرة. فقاتله أهلها قتالاً شديداً ثم انهزموا. ودخل المدينة بالسيف فقتل خلقاً عظيماً. ثم عفا عن الناس وأمنهم. ثم ركب حتى جاز المجاز، وأوقع بالروم فقتل المقاتلة وسبي الذرية. ورجع إلى صقلية وقد أثخن في الروم.\rاعتزال إبراهيم الملك\rوزهده وغزوه ووفاته وكان سبب ذلك أن رسول الخليفة المعتضد بالله العباسي قدم عليه في سنة تسع وثمانين ومائتين من بغداد إلى تونس. فخرج إبراهيم إليه وضربت له فازة سوداء في سبخة تونس. فخلا بالرسول وكان بينهما محاورة ولم يأته بكتاب. وكان المعتضد قد أرسله على غضب وسخط لشكوى أهل تونس منه، وصياحهم على المعتضد، ووصفهم له ما صنع بهم إبراهيم، وقالوا: أهدي إليك نساءنا وبناتنا. فغضب المعتضد، وأمره باللحاق به وأن يعتزل عن إفريقية. وولى عليها ابنه أبا العباس.\rفكره إبراهيم المسير إلى المعتضد. وأظهر التوبة، ورفض الملك، ولبس الخشن من الثياب. وأمر بإخراج من في سجونه. وقطع القبالات. وبعث إلى ابنه أبي العباس وهو بصقلية ليصير إليه الملك، ويخرج له من الأمر. فقدم عليه في شهر ربيع الأول فسلم إليه الأمر وخرج من تونس. وأظهر أنه يريد الحج. ووصل إلى سوسة، ووجه رسله إلى بغداد بذلك. ثم بعث من يذكر رجوعه عن الحج وخروجه إلى الجهاد خشية من بني طولون لئلا تسفك بينهما الدماء. واستقر الناس، وداعهم إلى الجهاد، ووسع على من أتاه.\rوخرج من سوسة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخرة. فنزل نوبة ففرق الخيل والسلاح على أصحابه وأمر بالعطاء. فأعطي الفارس عشرين ديناراً والراجل عشرة.\rوخرج من نوية إلى طرابنش في البحر. فأقام بها سبعة عشر يوماُ يعطى الأرزاق لمن معه.\rثم رحل فدخل مدينة بلرم لليلتين بقيتا من شهر رجب. وأمر برد المظالم. وأقام بصقلية أربعة عشر يوماُ يعطى أهلها ومن بها من البحريين الأرزاق.\rوارتحل لتسع خلون من شعبان. فنزل على طبرمين وحاصرها. وكان بينه وبين أهلها قتال شديد حتى أثخنت الجراح في الفريقين. وهمّ المسلمون بالانحياز فقرأ قارىء: هذا خصمان اختصموا في ربهم. الآية فحمل حماة العسكر وأهل البصائر بنيات صادقة. فانهزم الكفرة هاربين. فتلهم المسلمون أبرح قتل، وقفوا آثارهم في بطون الأودية ورؤوس الجبال. ودخل إبراهيم ومن معه طبرمين فقتل وسبي.\rوبعث زيادة الله ابن ابنه أبي العباس إلى قلعة ميقش.\rوبعث أبا الأغلب ولده بعسكر إلى دمنيش. فوجد أهلها قد هربوا على وجوههم. فأخذ جميع ما كان بها.\rوبعث ابنه أبا حجر إلى رمطة. فطلب القوم الأمان. وأجابوا إلى الجزية.\rوبعث سعدون الجلوى بطائفة إلى لياج فدعوا القوم جميعاً.\rفأجابوا إلى أداء الجزية. فلم يجبهم ولم يرضه إلا نزلوهم عن الحصون، فنزلوا. وهدم جميع القلاع ورمى حجارتها إلى بالبحر.\rثم تمادى بالعساكر إلى مسّيني فأقام بها يومين.\rوأمر الناس بالتعدية إلى قّورية لأربع بقين من شهر رمضان وتمادي في رحيله إلى أن قرب من مدينة كسنتة. فجاءته الرسل يطلبون الأمان فلم يجبهم. وسار إلى أن وصل كسنتة وقدم العساكر وبقي في الساقة لضعف أصابه. فنزلت العساكر بالوادي. وأمر الناس بالزحف لخمس بقين من شوال. وفرق أولاده وخاصته على أبوابها، فقاتلوا من كل ناحية، ونصبوا المجانيق.","part":6,"page":444},{"id":2951,"text":"واشتدت علة إبراهيم، وكانت علته البطن. وعرض له الفواق فأيس أصحابه منه. فقلدوا الأمر إلى زيادة الله بن ابنه أبي العباس سراً. وكانت وفاة الأمير إبراهيم في ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة تسع وثمانين ومائتين. فركب القواد إلى أبي مضر زيادة الله، وهو أكبر أولاد أبي العباس بن إبراهيم، فقالوا له: تول هذا الأمر حتى تصل إلى أبيك. فقال لعمه أبي الأغلب: أنت أحق بحق أخيك. فلم يتقدم على زيادة الله، وكان يحب السلامة.\rثم طلب أهل كسنتة الأمان، وهم لا يعلمون بوفاة الأمير، فأمّنوا. وأقام المسلمون حتى قدم عليهم من كان توجه إلى الجهات. فلما قدموا ارتحلوا بأجمعهم وعادوا إلى مدينة بلرم. ونقلوا إبراهيم معهم فدفنوه بها. وبُنى على قبره قصر. وعادوا إلى إفريقية بأجمعهم.\rوكان مولد إبراهيم يوم الأضحى سنة خمس وثلاثين ومائتين. فكان عمره ثلاثاً وخمسين سنة وأحد عشر شهراً وأياماً. ومدة ولايته إلى حين وفاته ثماني وعشرين سنة وستة أشهر واثني عشر يوماً.\rوكان لإبراهيم محاسن ومساوىء ذكرها ابن الرقيق، ونحن نذكر لمعة من محاسن أفعاله ومساوئها، تدل على ما كان عليه. ونترك الإطالة جرياً على القاعدة في الاختصار.\rقال: كان على حالة محمودة من الحزم والضبط للأمور. وأقام سبع سنين من ولايته، وهو على ما كان عليه أسلافه من حسن السيرة وجميل الأفعال، إلى أن خرج لمحاربة العباس بن طولون. فلما كُفيَ مؤنته تغيرت حاله وحرص على جمع الأموال. ثم اشتد أمره فأخذ في قتل أصحابه وكفاته وحجابه. ثم قتل ابنه وبناته وأتى بأمور لم يأت غيره بمثلها.\rفمن محاسن أعماله أنه كان أنصف الملوك للرعية، لا يرد عنه متظلم يأتيه. وكان يجلس بعد صلاة الجمعة، وينادى مناديه: من له مظلمة فربما لم يأته أحد لكفّ بعض الناس عن بعض. وكان يقصد ذوي الأقدار والأموال فيقمعهم ويقول: لا ينبغي أن يظلم إلا الملك، لأن هؤلاء إذا أحسوا من أنفسهم قوة بما عندهم من الأموال لم يؤمن شرّهم وبطرهم. فإذا كف الملك عنهم وأمنوا دعاهم ذلك إلى منازعته وإعمال الحيلة عليه. وأما الرعية فهم مادة الملك، فإن أباح ظلمهم لم يصل إليه نفعهم، ولحقه الضرر، وصار النفع لغيره.\rووقف له رجلان من أهل القيروان، وهو بالمقصورة في جامع رقادة فأدناهما إليه وسألهما عن حالهما فقالا له: كنا شريكين للسيدة. يعنيان أمه في جمال وغيرها. فاحتبست لنا ستمائة دينار. فأرسل إليها خادماً فقالت: نعم هو كما ذكرا إلا أن بيني وبينهما حساباً. وإنما احتسبت هذا المال حتى أحاسبهما. فإن بقي عليهما شيء وإلا دفعت مالهما إليهما. فقال للخادم: ارجع إليها وقل لها: والله لئن لم توجهي بالمال وإلا أوقفتك الساعة معهما بين يدي عيسى بن مسكين. فوجهت بالمال إليه. فدفعه إليهما وقال: أما أنا فقد أنصفتكما فيما ادعيتما، فاذهبا واقطعا حسابها وإلا فأنتما أعلم.\rوكان إذا تبين له الظلم قبل أحد من أهل بيته وولده بالغ في عقوبته والإنصاف منه. فكان ولده ورجاله يوم الخميس يأمرون عبيدهم ورجالهم أن يطوفوا في الأزقة والفنادق، ويسألوا: هل أتي شاك أو متظلّم من عبد أو وكيل؟ فإذا وجدوا أحداً أتوا به إلى دار ودل الأمير أو قرابته فينصفه.\rومن مساوىء أفعاله أنه أسرف في سفك دماء أصحابه وحجابه حتى يقال إنه افتقد منديلاً كان يمسح به فمه من شرب النبيذ - وكان قد سقط من يد بعض جواريه فأصابه خادم - فقتله وقتل بسببه ثلاثمائة خادم. وهذا غاية في الجور ونهاية في الظلم.\rوقتل ابنه المكني بأبي الأغلب لظنّ ظنّه به، فضرب عنقه بين يديه صبراً. وقتل ثمانية إخوة كانوا له رجالاً، ضربت أعناقهم بين يديه صبراً. وكان أحدهم ثقيل البدن فسأله واسترحمه. فقال: لا يجوز أن تخرج عن حكم الجماعة. وقتله. ثم قتل بناته.","part":6,"page":445},{"id":2952,"text":"وأتي بأمور لم يأت بها أحد قبله ولم يتقدمه إلى مثلها ملك ولا أمير. فكانت أمه إذا ولد له بانة من أحد جواريه أخفتها عنه وربتها حتى اجتمع عندها منهن ست عشرة جارية. فقالت له ذات يوم، وقد رأت منه طيب نفس: يا سيدي، قد ربيت لك وصائف ملاحاً، وأحب أن تراهن. فقال: نعم، قرّبيهن مني. فأدخلتهن إليه فاستحسنهن. فقالت: هذه ابنتك من جاريتك فلانة، وهذه من فلانة. حتى عدّتهن عليه. فلما خرج قال لخادم له أسود كان سيافاً يقال له ميمون: امض فجئني برؤوسهن. فتوقف استعظاماً منه لذلك. فسبّه وقال: امض وإلا قدمتك قبلهن. فمضى إليهن. فجعلن يصحن ويبكين ويسترحمن، فلم يغن ذلك عنهن شيئاً. وأخذ رؤوسهن وجاء بهن معلقة بشعورهن، فطرحها بين يديه.\rومن قبيح أفعاله ما كان عليه من أمر الأحداث، وكان له نيّف وستون حدثاً. وقد رتب لكل واحد منهم مرقداً ولحافاً. فإذا جاء وقت النوم، طاف عليهم الموكل بهم فسقى كل واحد منهم ثلاثة أرطال، وينام كل واحد منهم في مكانه. فبلغه أن بعضهم يمشي في الليل إلى بعض. فجلس بباب القصر على كرسي وأمر بإحضارهم.\rفبعضهم أقر وبعضهم جحد، حتى مر به صبي كان يحبه فقال: والله يا مولاي ما كان من هذا شيء. فضربه بعمود من حديد فطار دماغه. وأمر بتنور فأحمى. فكان يطرح فيه كل يوم خمسة أو ستة حتى أفناهم. وأدخل عدداً منهم الحمام وأغلق عليهم البيت السخن، فماتوا من ساعتهم.\rوقتل بناته وجواريه بأنواع من العذاب: منهن من بني عليها البناء حتى ماتت جوعاً وعطشاً، ومنهن من أمر بخنقها، ومنهن من ذبحها، حتى لم يبق في قصره أحد. فدخل على أمه في بعض الأيام فقامت إليه ورحبت به.. فقال لها: إني أحب طعامك. فسرت بذلك وأحضرت الطعام. فأكل وشرب وانبسط. فلما رأت سروره قالت له: إن عندي وصيفتين ربيتهما لك وادخرتهما لمسرتك. وقد طال عهدك بالأنس بعد قتل الجواري وهما يحسنان القراءة بالألحان. فهل لك أن أحضرهما للقراءة بين يديك؟. قال: افعلي. فأمرت بإحضارهما فأحضرتا. وأمرتهما بالقراءة فقرأتا أحسن قراءة. ثم قالت له أمه: هل لك أن ينشداك الشعر؟ قال: نعم. فغنتا بالعود والطنبور أبدع غناء حتى عمل فيه الشراب وأرد الأنصراف. فقالت له: هل لك أن تمشيا خلفك حتى تصل إلى مكانك ويقفا على رأسك ويؤنساك، فقد طال عهدك بالأنس. قال: نعم فمضى وهما خلفه. فلم يكن إلا أقل من ساعة حتى أقبل خادم وعلى رأسه بطبق وعليه منديل. فظنت أنه وجه إليها بهدية. فوضع الخادم الطبق بين يديها ورفع المنديل، وإذا برأسيهما. فصرخت أمه وغشي عليها. وأفاقت بعد ساعة طويلة، وهي تدعو عليه وتلعنه. وأخباره في أمثال هذا طويلة.\rوفي أيامه ظهر أبو عبد الله الشيعي الداعي، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله عز وجل.\rولاية عبد الله بن إبراهيم ابن أحمد بن محمد بن الأغلب ولي الأمر كما قدمناه في حياة أبيه ثم استقل بالأمر بعد وفاته. وكان على خوف شديد من أبيه لسوء أخلاقه وجرأته على قتل من قرب منه أو بعد. فكان يظهر له من الطاعة والتذلل أمراً عظيماً. فكان إيراهيم يكرمه ويفضله على سائر أولاده.\rوكانت ولايته بعد أبيه في يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة تسع وثمانين ومائتين. فجلس للناس للمظالم. ولبس الصوف، وأظهر العدل والإحسان والإنصاف. ولم يسكن قصر أبيه. ولكنه اشترى داراً مبنية بالطوب فسكنها إلى أن اشترى داره التي عرف بها.\rوخاف من قيام ابنه زيادة الله عليه فحبسه هو وخلقاً من رجاله.\rوولي أبا العباس محمد بن الأسود الصديني قضاء القيروان والأحكام والنظر في العمال وجباة الأموال. فكان يأمر بالمعروف وينهي عن المكر. وكان قوياً في قضائه، شديداً على رجال السلطان، رفيقاً بالضعفاء والمظلومين. ولم يكن واسع العلم، فكان يشاور العلماء، فلا يقطع حكماً إلا برأي ابن عبدون القاضي. وكان يظهر القول بخلق القرآن فكرهه العامة.","part":6,"page":446},{"id":2953,"text":"ولم تطل أيام أبي العباس حتى وثب به ثلاثة من خدمه كان زيادة الله قد وضعهم عليه، فقتلوه وهو نائم. وأتوا بحداد إلى زيادة الله ليقطعوا قيده ويسلموا عليه بالإمارة. فخاف أن يكونوا دسيساً عليه من أبيه، فأبى ذلك. فمضوا إلى أبيه فقطعوا رأسه وأتوا به في الليل. فلما رأى ذلك أمر بقطع قيوده وخرج. وكان مقتل أبي العباس في ليلة الأربعاء آخر شعبان سنة تسعين ومائتين. فكانت إمارته من حين خروج أبيه وإلى أن قتل سنة واحدة واثنين وخمسين يوماً، ومنذ استقل بالأمر بعد أبيه تسعة أشهر وثلاثة عشر يوماً.\rوكان رحمه الله شجاعاً بطلاً عالماً بالحرب، حسن النظر في الجدل. وأستاذه في ذلك عبد الله بن الأشج.\rولاية أبي مضر زيادة الله بن أبي العباس عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب قال: ولا أفضى إليه الأمر بعد مقتل أبيه، كان أول ما بدأ به أنه أمر بقتل الخصيان الذين قتلوا أباه وصلبهم، وأظهر الكراهة لفعلهم.\rوأرسل من إخوته وبني عمه تسعة وعشرين رجلاً إلى جزيرة في البحر يقال لها جزيرة الكراث فقتلوا في شهر رمضان من هذه السنة.\rوبعث زيادة الله خمسين فارساً مع فتوح الرومي إلى أخيه الأحول بكتاب على لسان أبيه أبي العباس يأمره فيه بالقدوم عليه ولا يتخلف - وكان أبو العباس قد أخرجه لقتال أبي عبد الله الشيعي - فرجع. فلما وصل أمر زيادة الله بقتله فقتل. فكان ذلك أعظم فتح عند الشيعي. قال: وأمر زيادة الله بالعطاء.\rوولي الوزارة والبريد عبد الله بن الصائغ. وولي الخراج أبا مسلم. وعزل القاضي الصديني لرأيه بخلق القرآن. وكتب كتاباً إلى القيروان: \" إني قد عزلت عنكم الجافي الجلف، المتبدع المعسف، ووليت القضاء حماس بن مروان لرأفته ورحمته وطهارته وعلمه بالكتاب والسنة \" .\rوفي أيامه قوي أمر أبي عبد الله الشيعي، وكان قد ظهر في أيام جده إبراهيم بن أحمد، فاستفحل الآن أمره. وكثرت أتباعه، واشتدت وطأته. ففارق زيادة الله تونس إلى رقادة ونزلها خوفاً من الشيعي أن يخالفه إليها. ولما نزلها زيادة الله عمر سورها، فلم يغن ذلك عنه شيئاً لأن الشيعي لما قوي أمره بكتامة، انضمت إليه القبائل واجتمعت له الرجال وهزم جيوش زيادة الله مرة بعد أخرى وقتل جموعه. واستولى على البلاد: فبدأ يميلة ثم بمدينة سطيف ثم غلب على البلاد والمدن بلداً بلداً ومدينة مدينة، إلى أن غلب على مدينة الأربس، وهزم إبراهيم بن أبي الأغلب. وكان زيادة الله قد جهزه لقتاله في جيوش عظيمة، وهو آخر جيش جهزه زيادة الله. فهزمه الشيعي، وذلك في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ومائتين، على ما نذكره إن شاء الله مبيناً في أخبار الدولة العبيدية المنسوبة للعلوية.\rانهزام زيادة الله\rإلى المشرق وانقراض دولة بن الأغلب قال: ولما بلغت هزيمة إبراهيم بن الأغلب زيادة الله - وكان هذا الجمع آخر جمع جمعه - فتّ ذلك في عضده. وكان برقادة فأظهر أنه أتاه الفتح وأرسل إلى السجون فأتى برجال منها. فضرب أعناقهم وأمر أن يطاف برؤوسهم في القيروان والقصر القديم.\rوأخذ في حمل أثقاله وأمواله. وأرسل إلى خصاة رجاله وأهل بيته يعرّفهم الحال وأنذرهم بالخروج معه. فأشار عليه وزيره ابن الصائغ بالمقام. وقال له: \" العساكر تجتمع إليك، فأخرج العطاء يأتيك الناس. والشيعي لا يجسر أن يقدم عليك \" . وشجعه وقواه وذكّره بحروب جده زيادة الله، فلم يرجع إلى قوله. فلما ألح عليه ابن الصائع، قال له زيادة الله: هذا يصدق ما قيل عنك: إنك كاتبت الشيعي وأردت أن تمكنه مني \" . فتبرأ من ذلك وأمسك عنه.\rوأخذ زيادة الله في شد الأموال والجواهر والسلاح وما خف من الأمتعة النفيسة، وفعل رجاله كذلك واتعدوا إلى الليل. ثم انتخب زيادة الله من عبيده الصقالبة ألف خادم وجعل على وسط كل خادم ألف دينار. وحمل من يعز عليه من جواريه وأمهات أولاده.\rولما عزم على الرحيل، قامت إليه جارية من قيانه، وأخذت العود واندفعت تغني:\rلم أنس يوم الرحيل موقفها ... وجفنها في دموعها غرق\rوقولها، والركاب سائرة ... تتركني سيدي وتنطلق\rفدمعت عيناه وأمر بحط حمل مال عن بغل وحملها عليه.","part":6,"page":447},{"id":2954,"text":"وكانت الهزيمة بلغته بعد صلاة العصر، فما أذن مؤذن العشاء الآخرة إلا وقد رحل من رقادة. واتبعه الناس قوماً بعد قوم يهتدون بالمشاعل. وأخذ بطريق مصر.\rوخرج عبد الله بن الصائغ بعده بثقله وحشمه وأمواله. فقصد جهة لمطة، وقد كان أعد هناك مركباً لنفسه، ليركب فيه إلى صقلية ويفارق زيادة الله خوفاً على نفسه من رجاله أن يحملوه على قتله، لأنه كان معادياً لأكثرهم ورموه بمكاتبة الشيعي؛ ولم يكن كذلك.\rقال: ولما علم الناس بهروب زيادة الله، أسرعوا إلى رقادة، وانتهبوا ما فيها، واحتووا على قصور زيادة الله، حتى صاروا إلى البحث عن المطامير وانتزاع حدي الأبواب وحمل الأسرّة ونقل الماعنة. وأقاموا على ذلك ستة أيام، حتى تراءت خيل الشيعي. وتخلف عن زيادة الله كثير من رجاله وعبيده وأصحاب الدواوين، فاقترقوا في البلدان.\rوأما إبراهيم بن أبي الأغلب، فإنه وافى القيروان في جماعة من انضم إليه. فلما علموا بهروب زيادة الله، تفرقوا عنه وقصد كل قوم إلى ناحيتهم. وقصد إبراهيم دار الإمارة فنزل بها. ونادى مناديه بالأمان، وسكّن الناس. وأرسل إلى الفقهاء ووجوه أهل القيروان، فاجتمع على بابه خلق كثير وسلموا عليه بالإمارة. فذكر لهم أحوال زيادة الله، وما كان عليه من سوء الحال، وأن ذلك أخل بدولته وأجلب عدوه وسلبه ملكه. وذكر الشيعي وكتامة وشنّع عليهم أقبح الأشانيع. وطلب من الناس الإعانة. وقال: إنما قصدت المجاهدة عن حريمكم ودمائكم وأموالكم، فأعينوني على ذلك بالسمع والطاعة، وأمدوني بأموالكم ورجالكم، وادفعوا عن حريمكم ومهجكم. فقالوا: أما السمع والطاعة فهما لك ولكل من ولينا. وأما إعانتك بأموالنا فهي لا تبلغ ما تريده. والقتال فمالنا به قوة ولا معرفة. وأنت فقد ناصبت هؤلاء ومعك صناديد الحرب ووجوه الرجال ووراءك بيت الأموال، فلم تظفر بهم. وتروم الآن ذلك منا نحن وبأموالنا. فراجعهم في ذلك وراجعوه، حتى قال لهم: فانظروا ما كان في أيديكم من أموال الأحباس والودائع فأعطوني ذلك سلفاً، فأنادي بالعطاء فيجتمع إلى الناس. قالوا: وما يغني عنك ذلك، ولو مددت يدك إليها لأنكر الناس عليك.\rفلما يئس منهم صرفهم والناس مجتمعون حول دار الإمارة لا يعلمون ما كان الكلام. فلما خرجوا أخبروهم بما كانوا فيه. فصاحوا به: اخرج عنا، فما لنا بك من حاجة، ولا نسمع ولا نطيع لك. وجلب الغوغاء وصاحوا به وشتموه. فلما سمع ذلك، وثب من كان معه في سلاحهم واقتحموا الباب. فهرب من كان على الباب. ومضوا يركضون دوابهم. والناس يركضون وراءهم ويرجمونهم بالحجارة. وانضم إلى ابن الأغلب من كان قد بقي بعد زيادة الله من رجاله ممن خاف على نفسه، ولحقوا زيادة الله.\rثم دخل الشيعي رقادة وانقرضت دولة بني الأغلب.\rما كان من أخبار زيادة الله\rوقتله عبد الله ابن الصائغ ومسيره إلى بلاد الشرق ووفاته قال: ولما خرج زيادة الله من رقادة، ولحق به إبراهيم بن أبي الأغلب فيمن انضم إليه، فاجتمع معه خلق كثير. فسار بهم إلى طرابلس فدخلها ونزل دار الإمارة. وافتقد ابن الصائغ فلم يره، فتحقق ما كان يرمى به من مكاتبة الشيعي. وأكثر أصحابه القول فيه. وكان قد ركب في مركب له يريد صقلية، فصرفته الريح إلى طرابلس. فدخل على زيادة الله فعاتبه على تخلّفه. فاعتذر أنه كانت معه أثقال لم يطق حملها في البر. فلما علم أصحاب زيادة الله أنه قرب ابن الصائغ ساءهم ذلك وغمهم. فأتوه وقالوا: إنه كذبك وإنما كان يريد صقلية. واجتمعوا كلهم وقالوا: \" هذا الذي أخرجك من ملكك، وعمل في ذهاب دولتك، وكاتب الشيعي عليك \" . فنقم عليه وأمر بتسليمه إلى راشد - وهو أحد المتعصبين عليه - فضربي عنقه بيده. وتلاعب الصبيان برأسه حتى وقع في قناة حمام. وحكي عن الشيعي أنه قال: \" والله ما كاتبني قط \" .","part":6,"page":448},{"id":2955,"text":"قال: وأقام زيادة الله بطرابلس سبعة عشر يوماً وخرج منها يريد مصر. وكان قد نقم على إبراهيم بن أبي الأغلب لما أراده من العقد لنفسه بمدينة القيروان، فاطرحه وأعرض عنه وعن أبي المصعب بن زرارة. وسعي بهما عنده أنهما يقعان فيه وينالان منه، وقيل له: هذا قولهما فيك وهما معك وفي قبضتك، فكيف إذا وصلا إلى مصر؟ فعزم على قتلهما. فهربا إلى الإسكندرية واستجارا بعاملها. فأجارهما ووجه بهما إلى مصر. فدخلا قبل زيادة الله، واجتمعا بعيسى النوشري عاملها، ووقعا عنده في زيادة الله، وذكروا سوء فعله وأنه يطمع نفسه بمصر. فهم النوشري أن يصد زيادة الله عن مصر إلى أن يكتب إلى بغداد. فأتي زيادة الله الخبر من عيون كانت له بمصر، فأرسل ابن القديم بكتاب إلى النوشري، يبجّله فيه ويسأله أن ينظر له داراً ينزل فيها، ويخبره أنه يقيم إلى أن يصل إليه الرسول. ثم سار زيادة الله في أثر ابن القديم وجاء إلى مصر. فأنزله النوشري في دار ابن الجصاص، وأنزل رجاله في دور كثيرة.\rوأقام بمصر ثمانية أيام ثم خرج يريد بغداد. فتخلف عنه بمصر جماعة ممن كان معه، فسار حتى وصل إلى الرملة ففقد وجوه رجاله، فوجدهم هربوا عنه. وهرب له غلام بمائة ألف دينار، وصار إلى النوشري والتحق بغلمانه. فكتب زيادة الله إلى بغداد بذلك. فورد الجواب إليه، وإلى النوشري يؤمر فيه أن يبعث إليه بكل من تخلف عنه. ففعل النوشري ورد غلمانه وأصحابه إليه.\rوسار زيادة الله حتى وصل إلى الرقة. وكتب إلى ابن الفرات الوزير أن يستأذن له المقتدر بالله في الدخول إلى الحضرة. فأتاه كتاب يؤمر فيه بالإقامة في الرقة حتى يأتيه رأي المقتدر. فأقام بها سنة فتفرق عنه رجاله وتشتت أمره. وباع عليه قاضي الرقة بعض خصيانه، وذلك أنه كان معه خصيان لهم وضاءة وجمال. فلما أقام بالرقة أدمن شرب الخمر وسماع الملاهي. فاحتسب عليه محتسب عند القاضي، وأقام بينة شهدت عليه أنه يفجر بأولئك الصقالية. فباعهم عليه. وتلطف زيادة الله في الدخول على المقتدر بالله فلم يؤذن له. وصرفه إلى النوشري وابن بسطام بمصر. وكتب المقتدر إليهما بتقويته بالرجال وأن يعطي من خراج مصر ما يقيم أود عسكره حتى يعود إلى المغرب ويطلب بثأره ويسترجع دولته.\rفلما وصل إلى مصر شقها متقلداً بسيفين. فأخرجه النوشري إلى ظاهرها وقال له: \" تكون متبرّزاً حتى تأتيك الرجال والأموال \" . وجعل يمطله ويسوّف به ويتحفه بالهدايا والخمور. فأقام على اتباع شهواته والانهماك على لذاته حتى أنفق ما كان معه وباع السلاح والعدة. ثم اعتل فيقال إن بعض عبيده سمع في طعام فسقط شعر لحيته ورأسه. فانصرف إلى البيت المقدس فمات هناك. وتفرق آل الأغلب وانقرضت دولتهم بخروج زيادة الله من الملك.\rوكانت مدة ولاية زيادة الله منذ أفضى إليه الأمر بعد أبيه وإلى أن هرب إلى رقادة خمس سنين وعشرة أشهر. وانقرضت دولتهم كأن لم تكن. فسبحان من لا يزول ملكه ولا ينقضي دوامه. وبانقراض دولة بني الأغلب زال ملك بني مدرار بسجلماسة، وكان له مائة سنة وستون سنة، وزال ملك بني رستم من تيهرت، وله مائة سنة وثلاثون سنة.\rمن ملك المغرب بعد الأغلبة إلى أن قامت دولة بني زيري بن مناد نحن نذكر ذلك في هذا الموضع على سبيل التنبيه عليه لا الاستيعاب له. وسنذكره إن شاء الله تعالى مبيّناً مستوفى في أخبار الدولة العبيدية مع ملوك مصر.\rفنقول ها هنا: لما قام أبو عبد الله الشيعي على دولة بني الأغلب، وهزم جيوشهم، واستولى على بلاد المغرب وانتزعها من زيادة الله بن أبي العباس، وظهر أبو محمد عبيد الله المنعوت بالمهدي - وهو الذي كان الشيعي يدعو له - فانخلع له الشيعي من الأمر كله، وسلمه إليه في سنة ست وتسعين ومائتين. فلما استقامت الأمور للمهدي، وتوطّد ملكه، واشتدت شوكته، قتل أبا عبد الله الشيعي وأخاه، واستقل بالأمر. وبني مدينة المهدية وانتقل إليها. ودامت أيامه إلى أن توفي النصف من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.\rثم قام بالأمر بعده ولده أبو القاسم محمد المنعوت بالقائم بأمر الله. فملك إلى أن توفي في يوم الأحد الثالث عشر من شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.","part":6,"page":449},{"id":2956,"text":"ثم قام بالأمر بعده ابنه أبو الطاهر إسماعيل المنعوت بالمنصور بنصر الله. وبني المنصورية. ودامت أيامه إلى أن توفي في يوم الجمعة آخر شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.\rثم قام بالأمر بعده ابنه أبو تميم معد المنعوت بالمعز لدين الله. ودامت ولايته ببلاد المغرب إلى أن جهز القائد جوهراً إلى الديار المصرية فملكها بعد انقراض الدولة الإخشيدية. وأنشأ القاهرة المعزية، ثم كتب إلى مولاه المعز لدين الله بذلك. فتوجه المعز إلى الديار المصرية، وكان رحيله من المنصورية ووصوله إلى سردانية في يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة. وسلم إفريقية وبرد المغر كلها ليوسف بن زيري بن مناد في يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة من السنة. وأمر سائر الناس بالسمع والطاعة له. ثم رحل المعز لدين الله من سردانية لخمس خلون من صفر سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. ثم سار منها إلى طرابلس وأقام بها أياماً. ورحل منها يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر منها. ووصل ثغر الإسكندرية لست خلون من شعبان منها. فكانت مدة مقامهم ببلاد المغرب خمساً وستين سنة وشهوراً. وصار أمر المغرب بعده ليوسف بن زيري ثم لبنيه من بعده، على ما نذكره إن شاء الله عز وجل. وكانوا في مبدإ الأمر كالنواب لملوك الدولة العبيدية بمصر. ثم استقلوا بعد ذلك بالأمر على ما يأتي من أخبارهم.\rابتداء دولة بني زيري بن مناد ونسبهم ومبدأ أمرهم ومن ملك منهم إلى انقضاء دولتهم أول من ملك منهم أبو الفتوح بكلّين يوسف بن زيري. ولنبدأ بذكر نسبه وأخبار آبائه ومبدإ أمرهم.\rفأما نسبه فهو أبو الفتوح يوسف بن زيري بن مناد بن منقوش بن زناك بن زيد الأصغر بن واشفاك بن وزعفي ابن سري بن وتلكي بن سليمان بن الحارث بن عدي الأصغر - وهو المثنى بن المسور بن يحصب بن مالك بن زيد \" بن الغوث \" الأصغر - بن سعد - وهو عبد الله بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد ابن شداد بن زرعة - وهو حمير \" الأصغر \" بن سبأ الأصغر بن كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عوف بن عريب بن زهير بن أبيمن بن الهميسع بن عمرو بن حمير - وهو العرنجج - ابن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عامر - وهو هود.\rهكذا قال عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن شداد بن الأمير تميم ابن المعز بن باديس في تاريخه المترجم \" بالجمع والبيان في أخبار المغرب والقيروان \" . وهم المقول فيهم:\rذوو الملك والتّيجان والغرر التي ... حقيق بها التيجان أن تتباهى\rلها معجز التّأسيس في سدّ مأرب ... وإن كان قد أوهاه فيض نداها\rلها ركن بيت الله غير مدافع ... وميقات حجّ الله غير مضاهي\rلها اللغة العليا التي نزلت بها ... فواتح ياسين وميدأ طه\rلها يوم بدر والنّضير وخيبر ... وأيّ مناد في حنين دعاها\rقال: وأول من دخل منهم بلاد المغرب المثنى بن المسور. وكان سبب دخوله أنه لما رأي الحبشة قد غلبت على اليمن وأخرجت حمير عن ملكها، سار إلى الشّحر فوجد به كاهن من حمير. فلما رأى المثنى، سلم عليه وسأله عن خبره وما الذي أتى به. فأعلمه أن الحبشة غلبتهم على ملكهم. فقال له الكاهن: \" اذهب إلى المغرب واتخذه قراراً. فو الله، ليكونن لولدك فيه شأن، وليملكن منهم جماعة، ويتوارثونه، ويطول ملكهم \" . فهاج ذلك المثنى على دخول المغرب فدخله. وأعلم المثنى بنيه بذلك وأعلم بنوه بنيهم.\rفما زالوا يتوقعون الملك إلى أن ولد مناد بن منقوش ونشأ، فجاء شديد القوة كثير المال والبنين. فأخذ في الإفضال على من يمر به. فاشتهر ذكره وشاع خبره في الناس. وكان له مسجد يطرقه كل من يأتي إليه. فإذا خرج إلى الصلاة، سلم على من ينزل المسجد من الأضياف وحمله إلى داره، ويضيفه ويكرمه. ويقيم عنده ما شاء الله أن يقيم. فإذا أراد الانصراف، زوده وكساه ووصله وصرفه.","part":6,"page":450},{"id":2957,"text":"فإنه على ذلك، إذ أتاه آت فقال له: \" إن في المسجد رجلاً وصل في هذه الساعة، وهو يذكر أنه جاء من الحج \" . وكان وقت صلاة الظهر. فخرج مناد إلى المسجد، فصلى وسلم على الرجل، وسأله عن حاله ومن يكون ومن أين أقبل فقال: \" إنه من أهل المغرب، وإنه انصرف من الحج فخرج عليه لصوص، وأخذوا ما كان معه فانقطع عن أصحابه، ووصل إلى إفريقية فسمع بمناد وما يفعل مع أبناء السبيل، فقصده ليعينه على الوصول إلى أهله \" . فقال له مناد: قد وصلت فأبشر بالخير إن شاء الله. ومضى به مناد إلى منزله، فأكل ونام. وأمر مناد بشاة فذبحت وعمل طعام ثان. وأيقظ الرجل وأتي بالطعام فأكل منه. ونظر إلى كتف الشاة فأخذه وقلبه ونظر فيه وإلى مناد، وأقبل يتعجب. فقال له مناد: لأي شيء تنظر في الكتف وتنظر إلي؟. قال: لا لشيء فعزم مناد عليه أن يخبره ممّ تعجّبه. فقال: ألك امرأة حامل؟. قال: بلى. قال: فلك منها أولاد؟ قال: لا ولكن من غيرها. قال: فاعرضهم علي. فعرضهم مناد عليه، فقال: ألك غير هؤلاء؟. قال: ليس لي ذكر إلا من رأيت. قال: احتفظ بالمرأة الحامل. فو الله، لتلدنّ ولداً يملك المغرب جميعه، ويملك بنوه من بعده. فقال له مناد: والله، ما زلنا نتوكّف زمان هذا القائم منا، رواية عندنا عن أسلافنا. وكنا لا نعلم من أي فخذ من أفخاذنا يكون. والآن فقد أنبأتني بنبأ ما كنا ننتظر من هذا القائم. قال: وأكرم مناد الرجل وصرفه.\rأخبار زيري بن مناد\rقال: ووضعت زوجة مناد حملها، فجاء ذكراً فسماه أبوه زيري. فخرج من أجمل مولود رآه الناس، وكذلك كان أولاده يضرب بجمالهم المثل في المغرب فيقال: \" لو أنك من بني مناد \" .\rفلما صار له من العمر عشر سنين، كان من رآه يظنه أنه ابن عشرين سنة لبهائه. وكانت الصبيان يدورون حوله، ويدعونه بالسلطان، ويركبون العيدان يتشبهون بالعساكر. ويأمرهم بالقتال بين يديه، يغري بعضهم ببعض. ويأتي بهم إلى أمه فتصنع لهم الطعام. فيقف على رؤوسهم ويطعمهم ولا يأكل.\rفلما تكامل شبابه وقوي أمره، جمع إليه جماعة من بني عمه ومن كان له نجدة. فكان يشن بهم الغارات على القبائل من زناتة فيقتل ويسبي ويقسم على أصحابه فلا يؤثر نفسه بشيء. فحسده كثير من قبائل صنهاجة لأن كل قبيل كان يطمع أن يكون القائم منهم. فلما تحققوا أنه القائم اجتمعت القبائل من صنهاجة على زيري وحاربوه. وطالت الحرب بينهم فظفر بهم وقتل وسبي ورجع بالغنائم إلى الجبل.\rفلما سمعت بذلك زنانة، اجتمعوا وتحالفوا وكاتبوا من كان خلافه من صنهاجة وحالفوهم على حرب زيري. فاتصل ذلك به فخرج إليهم وضرب على زناتة بأرض مغيلة في الليل وهم مطمئنون، فقتلهم وسباهم، وقطع منهم رؤوساً كثيرة.\rوخرج إلى جبي تطيري وقد امتلأت أيدي أصحابه من الغنائم، وأخذ من خيلهم ثلاثمائة فرس فحمل أصحابه عليها. وشاع خبره في سائر أقطار المغرب وتسامع الناس به، فعظموا أمره واستهالوه. واجتمع غليه كل من فيه منعة. فكثر أصحابه وضاق بهم المتسع. فقالوا له: \" لو رأيت مكاناً أوسع من مكاننا هذا \" . فأتي إلى موض آشير، وهو إذ ذاك ليس فيه ساكن وفي عيون، فاستحسنه.\rبناء مدينة آشير\rقال: ولما نظر زيري إلى موضعها قال لأصحابه: \" هذا موضعكم الذي يصلح أن تسكنوه \" وعزم على بنائها، وذلك في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة أيام القائم بأمر الله بن المهدي. قال: وأمر زيري بإحضار البنائين والنجارين من حمزة والمسيلة وطبنة. وبعث إلى القائم بأمر الله في طلب صناع. فبعث إليه برجل لم يكن بإفريقية أعلم منه. وأعانه بعدة كثيرة من الحديد وغيره.\rوشرع زيري في البناء إلى أن كملت المدينة.","part":6,"page":451},{"id":2959,"text":"كان مقتله في شهر رمضان سنة ستين وثلاثمائة في أيام المعز لدين الله المنصور بن القائم بن المهدي. وسبب ذلك أن جعفر بن علي صاحب المسيلة كان أميراً على الزاب كله، وأبوه هو الذي بني المسيلة. وكبر جعفر وشمخ فكان ملكاً جليلاً. وكان في طاعة المعز بن المنصور، وبينه وبين زيري ضغائن في النفوس وعداوة في الصدور. ثم انفق أن المعز لدين الله أمر ببناء دار ابن رباح، وهي المعروفة في القيروان بدار الإمارة. فشاع عند الناس أنها بنيت لجعفر بن علي، وأنه يعطي ولاية إفريقية، وأن المغرب كله يعطي لزيري. فعظم ذلك على جعفر بن علي وأراد أن لا يكون لأحد معه في المغرب ولاية. فأنفذ المعز لدين الله إليه يستدعيه، فلم يأت ولم يمتنع. فأرسل إليه ثانية فرجاً الصلبي. فلما بقي بين فرج وجعفر مقدار مرحلة، وكان في المسيلة فخرج منها وأظهر المسير إلى المعز. ثم مال بعسكره ومعه السلاح والأموال ومضى إلى زناتة. وخلع الطاعة، وأظهر أن الذي حمله على ذلك عداوة زيري بن مناد لأنه كان يؤذيه في أعماله. ووصل فرج الصلبي إلى المسيلة، فأخبروه بخبر جعفر.\rقال: ولما وصل جعفر إلى زناتة، قبلوه أحسن قبول، وقدموه على أنفسهم. فبلغ الخبر زيري، فبادر بالخروج إلى جعفر. وزحف إليه في عسكر عظيم من صنهاجة وغيرها، وذلك في شهر رمضان من السنة. وزحف جعفر قال: يزناتة والتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً. فكبا بزيري فرسه فسقط إلى الأرض. وكانت جولة عظيمة، وقطعت قدامه خمسمائة يمين ثم قتل. وبعث جعفر بن علي أخا يحيى إلى الحكم صاحب الأندلس يبشره بقتل زيري. ثم أحسن جعفر أن زناتة يريدون الغدر به وأنهم ندموا على قتل زيري، فاحتال لنفسه ودخل الأندلس.\rقال: وكان زيري حسن السيرة في الرعية والتجار. وكان له آشير التي بناها، وأعطاه لمنصور تاهرت وأعمالها وباغاية وأعمالها. وكان شديداً على البربر. وأقام على ذلك ستا وعشرين سنة. ورزق من الأولاد ما يزيد على المائة، كلهم أنجاد فرسان كرماء كان يكتفي بهم قال: يبعض حروبه.\rأخبار يوسف بلكين\rابن زيري بن مناد ولي الرئاسة على صنهاجة بعد مقتل أبيه. فكان أول ما بدأ به أنه - لما جاءه الخبر بقتل أبيه وهو بآشير - جمع وحشد. ونهض لطلب دم أبيه، فاجتمع له خلق كثير. فقال: \" لا يخرج معي أحد ممن حضر مقتل واليد \" فلم يخرج معه منهم غير ثلاثة رجال. ومضى مسرعاً حتى لحق بزناتة. فجرت بينه وبينهم حروب صبرت فيها صنهاجة صبراً جميلاً. ثم انهزمت زناتة، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وسبي جميع نسائهم، ونهب أموالهم. وهرب من بقي منهم. ونزل في موضع المعركة ثلاثة أيام. فشكا صنهاجة ريح القتلى. فنادى أن لا يطبخ في العسكر قدر إلا على ثلاثة رؤوس من رؤوس القتلى. وجل الجثي أكواماً. وصعد المؤذنون فأذنوا عليها. ثم رجع إلى آشير.\rفلما اتصل بالمعز لدين الله ما فعل يوسف بزناتة، أعجبه ذلك وسر بقتلهم. فزاده على ما كان لأبيه المسيلة وأعمالها التي كانت لجعفر بن علي.\rثم كتب المعز إلى يوسف في المحرم سنة إحدى وستين وثلاثمائة في القدوم عليه وأن لا يتشاغل بقتال أحد. وأمره أن لا يعترض زناتة ولا غيرها في هذا الوقت، وأن يستعمل اللين والرفق بزناتة، ويرد عليهم ما سبي من نسائهم وأولادهم. فامتثل يوسف ما أمره المعز به. ورد على زناتة سباياهم. وتجهز للمسير إليه. واستعمل على تاهرت وآشير والمسيلة وبسكرة وطبنة وباغاية ومجانة عمالاً من عبيده. وسار حتى قدم على المعز. فلما دخل عليه، أكرمه وأثنى عليه وحمد أفعال، وذكر فراسته فيه واختياره له. وخلع عليه خلعته التي كانت عليه. ونزع سيفه فقلده إياه بيده. وأمر أن يحمل بين يديه عند خروجه من عنده أربعون تختاً من فاخر الكسا ومعها رزم مما يخلع على أصحابه. وقادوا بين يديه أربعين فرساً بالسروج المحلاة المثقلة. فشق ذلك على الكتاميين وحسدوه وتكلموا عليه عند المعز وعابوه، فلم يضره ذلك. ولما عزم المعز على الرحيل إلى مصر. أتاه بلكين بألفي جمل لحمل أمواله من إبل زناتة.\rولاية يوسف بلكين المغرب","part":6,"page":452},{"id":2960,"text":"وهو أول ملوك بني زيري. وذلك أن المعز لدين الله أبا تميم معد بن المنصور بنصر الله بن القائم بأمر الله بن المهدي لما توجه من المنصورية إلى ديار مصر في سنة إحدى وستين وثلاثمائة بعد أن فتحها القائد جوهر له توجه بجميع من كان في قصره وأهل بيته. ورحل معه يوسف إلى سردانية، فسلم إليه إفريقية وأعمالها وسائر أعمال المغرب، وذلك في يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة سنة إحدى وستين وثلاثمائة. وأمر سائر الناس بالسمع والطاعة له. وفوض إليه جميع الأعمال إلا جزيرة صقلية فإنها كانت بيد أبي القاسم على بن حسن بن علي ابن أبي الحسين، وكذلك طرابلس فإن المعز جعل عليها عند وصوله إليها عبد الله بن يخلف الكتامي فلم تزل بيده إلى أن توفى المعز. ثم سلمها ابنه نزار إلى يوسف هي وسرت وما والاهما في سنة سبع وستين وثلاثمائة، بسؤال يوسف لذلك.\rقال: ولما ولي المعز يوسف، ولي أيضاً أبا مضر زيادة الله بن عبيد الله بن القديم نظر الدواوين بسائر كور إفريقية. وقال ليوسف عند وداعه: \" إني تركت زيادة الله بن القديم عوناً لك على جميع الأموال بإفريقية، كبّره \" . وأوصاه وصايا كثيرة كان آخرها أن قال له: يا يوسف، إن نسيت مما أوصيتك به فلا تنس ثلاثة أشياء: لا ترفع الجباية عن أهل البلاد، ولا ترفع السيف عن البربر، ولا تولّ أحداً من إخوتك فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك، واستوص بأبي مضر خيراً.\rثم ودعه يوسف ورجع. فكان دخوله إلى المنصورية في يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. فنزل بقصر السلطان وخرج إليه أهل القيروان وتلقوه، وأظهروا الفرح بمقدمة والبشر والسرور. فأخرج العمال وجبار الأموال إلى سائر البلدان، وعقد الولايات للعمال. فاستقامت الأمور بحسن تدبيره.\rولما رتب ذلك كله رحل إلى المغرب في شعبان من السنة. فوصل إلى باغاية فولى عليها عاملاً، وأمره أن يلطف بأهلها. ففعل. فدخلوا في الطاعة. ثم خالفوا فقاتلهم العامل، فتحصنوا بمدينتهم. فهم يوسف أن يرجع إليهم، فوافاه رسول خلوف بن محمد عامله على تيهرت يذكر أن أهلها خالفوا. فسار إليهم وقاتلهم. ودخل البلد بالسيف في شهر رمضان، فقتل وسبي ونهب وأحرق البلد.\rوأراد الرجوع إلى باغاية، فأتاه الخبر أن زناتة قد نزلوا على تلمسان. فرحل إليهم فهربوا بين يديه. فحصر تلمسان مدة فنزلوا على حكمه. فعفا عنهم من القتل، ونقلهم إلى آشير، فبنوا بقربها مدينة سموها بلنسان.\rولاية عبد الله بن محمد الكاتب كان سبب ولايته أن يوسف كان قد ولي جعفر بن يموت مدينة القيروان وصبرة، وجعل معه خيلاً كثيرة، عند مسيره إلى بلاد المغرب في شهر ربيع الأول. فمات في جمادى الآخرة. فكتب ابن القديم إلى أبي الفتوح بموته، ويسأله أن يرسل إليه بدلاً منه يعاونه على أمور البلد. فاستعمل عبد الله على ذلك. فأبى عليه وامتنع واستعفى مرة بعد أخرى. فجمع يوسف حبوس بن زيري، وكرامة بن إبراهيم، وكباب بن زيري، وخلوف بن أبي محمد. وأحضر عبد الله وقال لأولئك: \" ما جزاء من عاند أمري، وخالف رأيي ومرادي، ولم يعبأ بما كلفته؟ قالوا: القتل، ونحن نتولى قتله \" . فقال: كاتبي هذا أمرته بالرجوع إلى إفريقية إذ لا ينوب عني أحد غيره فامتنع. فقالوا له: إن لم ترجع وإلا قتلناك. فرجع كارهاً. وعبد الله هذا من بني الأغلب، كان أبوه محمد قد هرب إلى نفزاوة فولد بها عبد الله. فرباه خاله صالح وتعلم الخط والترسّل. فاستكتبه زيري وهو صبي شاب. ثم استكتبه بعده أبو الفتوح، فحظي عنده. وكان فصيحاً بليغاً، عالماً بلغة العرب ولسان البربر.\rقال: فلما وصل عبد الله إلى القيروان، تلقاه ابن القديم، وترجّل كل منهما لصاحبه، وتعانقا، واتفقا وصارت كلمتهما واحدة. ثم وقع بينهما بعد ذلك، وكانت فتنة عظيمة بالقيروان يطول شرحها، انتصر فيها عبد الله وقبض على ابن القديم، وأرسله إلى الأمير أبي الفتوح، فحبسه حتى مات.\rوكانت ولاية ابن القديم سنتين وشهراً ونصفاً. ثم توفي في الاعتقال يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وستين وثلاثمائة. واستقل عبد الله بن محمد الكاتب وحده لثمان مضين من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وثلاثمائة.\rأخبار خلف بن خير","part":6,"page":453},{"id":2961,"text":"قال: وفي سنة أربع وستين وثلاثمائة صعد خلف بن خير من بني هراش إلى قلعة منيعة من ناحية بلده. واجتمع إليه خلق عظيم من سائر قبائل البربر. وخرج إليه كل من كان قد خالف مع ابن القديم. فكتب عبد الله إلى أبي الفتوح كتاباً يذكر فيه أن إفريقية قد استوت كلها له، وأنه لا خوف بها إلا من الذين اجتمعوا مع ابن خير في القلعة. فرحل يوسف إلى القلعة ونازلها، في عساكر عظيمة. فظفر بها في اليوم الرابع من منازلتها، وهرب خلف، وقتل في القلعة ما لا يحصى. وبعث منها سبعة آلاف رأس طوفها عبد الله في القيروان ثم بعثت إلى مصر. ونفى أكثر ممن قتل. وغنم جميع ما فيها. وسار خلف بن خير إلى بلد كتامة. فبعث إليهم يوسف يقول: \" برئت الذمة ممن دفع عنه وآواه، ومن فعل جازيته \" . فأخذه القوم الذين انتهى إليهم ومعه ابنه وأخوه وخمسة من بني عمه، وأتوا بهم إلى يوسف. فأحسن صلة من جاء بهم. وبعثهم إلى عبد الله الكاتب وأمره أن يشهرهم ويطوف بهم على الجمال. ففعل ذلك بهم ثم صلبهم وضرب أعناقهم، وبعث برؤوسهم إلى مصر.\rقال: ولما فتح أبو الفتوح هذه القلعة، اختار من عبيدهم أربعة آلاف من الشجعان فشح بقتلهم لشجاعتهم وقربهم، وأراد أن يجعلهم في جملة عبيده. فاتفق أن أحدهم سأل عن أبي الفتوح وقال: \" عندي نصيحة \" . فأشاروا إليه إي ابن عم لأبي الفتوح ولا يشك الذي أشار إليه أنه هو. فأتاه وقال له: \" إني أريد أن أخبرك بنصيحة \" . فلما دنا منه، ضربه بسكين كانت معه فشق بطنه وأخرج أمعاءه فسقط من ساعته ميتاً. وكان ذلك الغلام لرجل ممن قتله أبو الفتوح في تلك القلعة. فعندها أمر بقتل أولئك فقتلوا في ساعة واحدة.\rثم بعث عشرة من أهل القيروان إلى باغاية يحذرهم المخالفة ويطلب منهم النزول على حكمه، وإلا فعل بهم ما فعل بأهل القلعة فأجابوه إلى الطاعة ونزلوا على حكمه. فحكم أن يسلموا إليه المدينة ويمضوا حيث شاؤوا. ففعلوا ذلك ووفى لهم. وأخرب المدينة القديمة التي عليها السور، وترك الربض ثم أتى إفريقية.\rوأتاه الخبر بوفاة المعد لدين الله وولاية ابنه نزار بن معد فكتب إليه يوسف في سنة سبع وستين، يسأله في طرابلس وسرت وأجدابية، فأجابه ودفع ذلك إليه.\rوفي سنة تسع وستين، رحل أبو الفتوح إلى فاس، وسجلماسة وأرض الهبط. فملك ذلك كله وطرد منه عمال بني أمية.\rثم بعث إلى سبتة في طلب من لجأ إليها من زناتة. فلقي فيما قرب منها جبالاً شامخة وشعاري غامضة فأمر بقطعها وإطلاق النيران فيها حتى وجد العسكر فيها مسلكاً. وأمر عساكره بالوقوف. ومضى هو بنفسه وخواص أصحابه حتى أشرف على سبتة من جبل عال مطل عليها. فخاف أهل سبتة منه وغلقوا أبوابهم. فنظر إليها ورأى منعتها، فعلم أنه لا يستطيعها إلا بالمراكب، فرجع عنها.\rومضى يريد البصرة، بصرة المغرب. فلما علمت به زناتة رحلوا بأجمعهم إلى الرمال والصحاري هاربين منه. ودخل البصرة وكانت قد عمرت عمارة عظيمة مع بني الأغلب. فأمر بنهبها وهدمها، فهدمّت وحرقت.\rورحل بعساكره إلى بلد برغواطة، وكان ملكهم عيسى بن أبي الأنصار شعوذياً ساحراً، فسحر من عقولهم حتى جعلوه نبياً وأطاعوه في كل ما أمرهم به، وشرع لهم شريعة، وأتاهم بغير دين الإسلام. فاتبعوه فضلّ وأضلّهم. فغزاهم أبو الفتوح، وكانت بينهم حرب شديدة لم ير مثلها، كان الظفر للمسلمين. وقتل عيسى الكافر وتفرقت عساكره، فقتلوا قتلاً ذريعاً. وسبي من نسائهم وذراريهم ما لا يحصى كثرة، وأرسل بسبيهم إلى إفريقية.\rورجع أبو الفتوح وملك فاس وسجلماسة وبلد الهبط والبصرة وجميع بلدان المغرب. وأقام في تلك النواحي من سنة تسع وستين وثلاثمائة إلى سنة ثلاث وسبعين.\rوفاة أبي الفتوح يوسف\rكانت وفاته رحمه الله في يوم الأحد لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، عند قفوله من برغواطة وقد فصل من سلجلماسة، بموضع يقال له واركنين، ويقال فيه أتركلان، بعلة القول نح، وقيل بحبة خرجت في يده فمات منعا.\rحكى الشيخ أبو محمد بن حزم في كتابه المترجم \" بنقط العروس \" أن بلكن بن زيري كان له في موضع ألف امرأة لا يحل له نكاح واحدة منهن، كلهن من نسل أخوته وأخواته، ومن الرجال مثل هذا العدد.","part":6,"page":454},{"id":2963,"text":"فاستراب المنصور به وأراد إبقاءه مع التحرز منه، فقال له: اعتزل عمل إفريقية واقتصر على الخاتم والكتابة، وكل من تولى فهو متصرف تحت أمرك ونهيك. فكان جوابه أن قال: \" القتلة ولا العزلة \" . فلما كان يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رجب سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، ركب المنصور فركب عبد الله وهو يقول:\rومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع\rفلما نزل المنصور، نزل عبد الله فقبل يده. ثم وقف ودار بينهما كلام كثير لم يقف أحد علة صحته. فطعنه المنصور برمحه. فجعل أكمامه على وجهه وقال: \" على ملة الله وملة رسوله \" . ولم يسمع منه غير ذلك. وطعنه عبد الله أخو المنصور برمحه بين كتفيه فأخرجه من بين ثدييه. فسقط إلى الأرض. ثم أتي بابنه يوسف. فصارح واستغاث وقال: \" العفو \" . فضربه المنصور برمحه، وضربه ماكسن ابن زيري، وضربه سائر من حضر. فماتا جميعاً.\rولما قتلا جاء القاضي وشيوخ القيروان واجتمعوا بالمنصور. فقال لهم \" ما قتلت عبد الله على مال ولا شيء اغتنمه وإنما خفته على نفسي فتقلته \" . فدعوا له بطول البقاء ثم انصرفوا. ودفن عبد الله وابنه بغير غسل ولا كفن وإنما رد عليهما التراب في اسطبل كان للمنصور تحت الحنايا بالقرب من قصره.\rقال: وولي المنصور بعده إفريقية يوسف بن أبي محمد، وكان على قفصة. فأتي يوم الخميس لخمس خلون من شعبان. فأعطاه المنصور الطبول والبنود، وخلع عليه ثيابه وأنزله في دار القائد جوهر. فولى إلى سنة اثنتين وثمانين: ثم عزله يوم الأحد لسبع بقين من شهر ربيع الأول، وولي أبا عبد الله محمد بن أبي العرب الكاتب.\rأخبار أبي الفهم\rحسن بن نصرويه الخرساني كان أبو الفهم رجلاً خراسانيّاً قدم في سنة ست وسبعين وثلاثمائة من مصر من قبل نزار داعياً. فأنزله يوسف بن عبد الله وأجري عليه جرايات جليلة. وأعطاه أموالاً سنية وبره وأكرمه. فطلب أبو الفهم الخروج إلى بلد كتامة يدعوهم وينتهي إلى ما أمره به نزار ووجهه إليه، فكاتب يوسف أباه. فكتب إليه عبد الله أن أعطه ما أراد واتركه يذهب حيث يشاء. فأعطاه يوسف ما طلب، وحمله على أفراس بسروج محلاة، وحمل بين يديه تخوت ثياب وبدر دراهم.\rوتوجه إلى بلد كتامة فوصل إليهم ودعاهم. ثم تزايدت أموره حتى صار يجمع العساكر ويركب الخيل. وعمل بنوداً وضرب سكة واجتمع إليه خلق نمكثير من كتامة، وكان هذا من الأسباب التي حقدها المنصور على عبد الله وابنه.\rثم ورد من مصر رسولان من نزار إلى المنصور في سنة سبع وسبعين أحدهما رجل كتامي يعرف بأبي العزم، ورجل من عبيدهم يقال له محمد بن ميمون الززان، ومعهما سجلات إلى المنصور. فقيل: إنهما أمراه عن نزار ألا يعرض لأبي الفهم ولا لكتامة. فشتمهما المنصور وأسمعهما مكروهاً وقال: \" أبو الفهم وكتامة فعلوا وفعلوا \" . وأغلظ لهما في القول ولمن أرسلهما.\rفأقاما عنده شعبان وشهر رمضان. ومنعهما من الخروج إلى كتامة وأبي الفهم. وقال: \" امضيا معي إليه حتى تريا ما يكون منه \" . ثم تهيأ المنصور للخروج إلى كتامة وأبي الفهم، وقد تفاقهم أمره، وظهرت سكته، وصار حوله جيوش عظيمة. فسار المنصور حتى وصل إلى بلاد كتامة. وتثاقل في سيره حتى دخل سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. فلما قرب من ميلة عزم على قتل أهلها، فخرج إليه النساء والأطفال. فلما رآهم بكى وكف عنهم القتل. ونهبت العساكر كلّ ما فها. وأمر بهدم سورها فهدم. ونقل أهلها إلى باغاية، فاجتمعوا ومضوا إليها وقد سلم لبعضهم ما خف من عين وورق وغير ذلك. فلقيهم ما كسن بن زيري بعسكره فأخذ كل ما كان معهم.\rثم رحل المنصور إلى داخل بلد كتامة، فجعل لا يمر للكتاميين بمنزل ولا بصر ولا دار إلا أمر بهدم ذلك وتحريقه بالنار، ومعه أبو العزم وابن ميمون ينظران إلى فعله، ويقول لهما: \" هؤلاء الذين زعمتما أنهم يمضون بي بحيل في عنقي إلا مولاكما \" . وكانا قد خاطباه بذلك لما اجتمعا به.","part":6,"page":455},{"id":2966,"text":"ثم وصل الخبر أن فلفل بن سعيد وأولاد زيري بن مناد عمومة والدباديس تصالحوا وتعاقدوا على قتال باديس. فلما تحقق ذلك خرج إلى رقادة سنة تسعين وثلاثمائة. ورحل حتى انتهى إلى قصر الإفريقي. فبلغه أن أولاد زيري رجعوا إلى المغرب خوفاً منه، وأنه ما بقي مع فلفل منهم سوى ماكسن وولده محسن فرجع باديس إلى المنصورية.\rوفي سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، دخل باديس إلى المغرب في طلب فلفل بن سعيد. فهرب منه إلى الرمال وافترق جمعه. فرجع باديس إلى إفريقية ومعه أبو البهار بن زيري عم أبيه، وكان قبل ذلك قد أتاه معتذراً بأنه لم يدخل في شيء مما دخل فيه إخوته. فقبل عذره وطيب قلبه. وأما فلفل بن سعيد فإنه سار إلى طرابلس، فقبله أهلها أهلها أحسن قبول، فاستوطن بها.\rوفي سنة اثنتين وتسعين، وصل رسول ابن يوسف إلى ابن أخيه باديس، يذكر أنه زحف إليه عمه ماكسن وأولاده ومن معهم. فكانت بينهم وقعة شديدة فقتل فيها ماكسن وأولاده محسن وباديس وحباسّة.\rثم توفى زيري بن عطية الزناتي بعد ذلك بتسعة أيام.\rوفي سنة خمسة وتسعين، اشتد الغلا بإفريقية وأعقبه وباء عظيم. وكان يدفن في اليوم الألف والأكثر والأقل.\rوفي سنة أربعمائة مات فلفل بن سعيد الزناتي من علة أصابته. وولي أخوه ورّو، فأطاعته زناتة. ثم سار باديس في عساكر عظيمة لقتال زناتة. فلقيه في بعض الطريق عبد الله وسواشي أولاد ينال التركي وأصحابهما. فعرفوه أنهم لما علموا بخروجه أغلقوا أبواب طرابلس ومنعوا الزناتيين منها. فسر بذلك ووصلهم وأحسن إليهم. وسار إلى طرابلس فتلقاه أهلا فدخلها. ثم جاءته رسل ورو ابن سعيد ومن معه من الزناتيين، يرغبون في الأمان، ويسألون أن يجعلوا عمالاً كسائر رجال الدولة. ووصل جماعة منهم، فأحسن إليهم، وأعطاهم نفزاوة على أنهم يرحلون من أعمال طرابلس. وأعطى النّعيم قصطيلية. ورجع إلى المنصورية.\rثم تغير ورور ومن معه وخلعوا الطاعة في سنة إحدى وأربعمائة، ورحلوا عن نفزاوة. ولم يتغير النعيم. فأضاف باديس نفزاوة إلى النعيم.\rوفي سنة خمس وأربعمائة، وصلت رسل الحاكم بأمر الله إلى المنصورية، وهما عبد العزيز بن أبي كدية وأبو القاسم بن حسين، ومعهما خلع سنية، وسيف مكلّل، وسجل من الحاكم إلى المنصور بن باديس بولاية ما يتولاه أبوه في حياته وبعد وفاته، ولقّبه عزيز الدولة. فقريء السجل على الناس بالمنصورية والقيروان. وسرّ باديس به. وتقرب وجوه الدولة إلى المنصور بالهدايا الجليلة والأموال.\rخلاف الأمير باديس واخوته\rقال: كان سبب ذلك أنه - لما وصل سجل الحاكم إلى المنصور ابن باديس ولقّب - أراد أبوه أن يقدمه ويرفع قدره، ويضيف إليه أعمالاً يستخدم له فيها أتباعه وصنائعه. وكانت قد اتصلت به عن حماد أمور أنكرها وأراد اختبار حقيقة ما هو عليه. فكتب إليه كتاباً لطيفاً يأمره فيه أن يسلم العمل الذي بيد أبي زعبل، وهو مدينة تيجس وقصر الإفريقي وقسنطينة إلى خليفة ولده المنصور. ودعا باديس هشام بن جعفر فخلع عليه وأعطاه الطبول والبنود. وأمره بالخروج إلى هذا العمل. فخرج بخزائن وعدد.\rوبعث باديس إلى عمه إبراهيم بن يوسف بشاوره: من يمضي بالكتاب إلى حماد؟ فقال إبراهيم: لا يجد سيدنا من عبيده أنصح له ولا أنهض بخدمته مني. وضمن ذلك وأكد على نفسه العهود والمواثيق تبرعاً منه. وذكر أنه لا يقيم في مضيه وعوده بإحكام هذا الأمر إلا أقل من عشرين يوماً. فأشار على باديس ثقاته أن يعتقل إبراهيم حتى يرى ما يكون من طاعة أخيه. فأبت نفسه ذلك، وقال له: امض إلى أخيك يا عم. فإن كنت صادقاً فيما عقدته على نفسك ووفيت بعهدك، وإلا فاجعل يدك في يده وافعلا ما تقدران عليه وتستطيعانه.","part":6,"page":456},{"id":2967,"text":"فخرج إبراهيم بمال جملته أربعمائة ألف دينار عيناً وبجميع خزائنه وذخائره ورجاله وعبيده وكان خروجه على تلك الحال من أدل الأشياء على نفاقه. وذلك لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة خمس وأربعمائة. وصحبه هاشم بن جعفر، وقد أضمر إبراهيم الغدر إذا صار إلى الموضع الذي يدخل منه إلى عمل أخيه. فلما قرب منها ترك هاشماً واعتذر إليه بأشغال له بباجة، وعدل إلى طريقها، ووعده أن يلحق به. ومضى إبراهيم حتى وصل إلى مدينة تامديت فكاتب أخاه حماداً بالذي في نفسه. فوصل إليه في ثلاثين ألف فارس. فاجتمعت كلمتهما على خلع الطاعة وأظهرا النفاق.\rفانتهى ذلك إلى باديس فرحل لخمس خلون من ذي الحجة منها. ونزل رقادة ووضع العطاء. ثم رحل بعد عيد الأضحى وكتب إلى هاشم بن جعفر أن يصعد إلى قلعة شقبنارية فيتحصن بها ففعل . فحاصره حماد وإبراهيم بها. ووقع بينهم قتال شديد فانهزم هاشم ومن معه إلى باجة. واحتوى حماد وإبراهيم على جميع ما كان معه من الأموال والخزائن والأثقال والخدم، ونجا هو بأولاده ووجوه أصحابه.\rورحل باديس حتى نزل بمكان يسمى قبر الشهيد. فوصل إليه جماعة كثيرة من عسكر حماد. ثم ورد عليه كتاب من حماد على يد أبي مغنين الوتلكاتي يذكر فيه أنه على الطاعة، وأنه كان قد هيأ هدية في جملتها ألفا برذون وغير ذلك لينفذها إلى المنصور، إلى أن وافاه إبراهيم واعتذر أعذاراً كثيرة، فخافها ما يظهر من أفعاله. وذلك أنه أحرق الزرع، وسبي الذراري، وسفك الدماء. وتواترت أصحابه واصلين إلى باديس متنصلين من فعله.\rورحل باديس حتى صار بينه وبين حماد مرحلة واحدة، وقد بلغ عسكر حماد ثلاثين ألف فارس، غير من لحق بباديس وغير الراجل.\rقال: وورد الخبر وهو بتامديت بوفاة ابنه المنصور بجدري أصابه فكتم أصحابه عنه ذلك. فبعث إليه إبراهيم يقول: \" إن ولدك الذي طلبت له ما طلبت قد مات \" . فما تضعضع لذلك، وتلقاه بالصبر والشكر، وجلس للعزاء، وذلك لخمس خلون من صفر.\rثم سار ونزل بمدينة دكمة. وجاءه جماعة من أقارب حماد وخواصه ورجال دولته، وكتاب من قبل خلف الجيزى، وهو الوالي على مدينة آشير، وكان عند حماد أقرب من الولد لا يوازيه في رتبته أحد، يذكر أنه منع حماداً من الدخول إلى مدينة آشير وأغلقها دونه. فكان ذلك أول الفتح وأعظم الظفر.\rقال: فلما رأى حماد مخالفة خلف عليه مضى إلى تاهرت. ورحل باديس يوم الجمعة الثاني من شهر ربيع الأول. فنزل مدينة المحمدية وهي المسيلة. فأقام بها ستة أيام ثم زحف إلى القلعة. ورجع من غير قتال.\rثم أنفذ باديس أخاه كرامت إلى المدينة التي أحدثها حماد. فخرج إليها في عسرك كثير، فهدم قصورها ومساكنها جزاء لما فعله حماد وأخوه في البلاد. ولم يتعرض لأخذ مال ولا سفك دم. واتصل ذلك بإبراهيم، فأقبل يهدم كل قصر كان لأخيه خارجاً عن القلعة، مخافة أن يسبقه كرامت إليه. وهرب من القلعة جماعة إلى باديس وتركوا نساءهم وأولادهم وأموالهم. فأقبل إبراهيم يذبح الأولاد على صدور أمهاتهم، ويشق بطونهم. وفعل أفعالاً شنيعة.\rقال: ورحل باديس إلى آشير ثم منها إلى وادي شلف. ونزل حماد في الجبهة الأخرى من الوادي. ورتب كل منهما عساكره وعبأها وتهيأ للحرب. والتقوا في يوم الأحد غرة جمادى الأولى. وكان حماد قد أسند ظهره إلى جبل بني واطيل، وهو جبل منيع صعب المرتقى، وبيمنه وبين عسكر باديس الوادي، وهو واد عميق لا يطمع قال: يتعديته لشدة توعره وعمق قعره وصعوبة انحداره وكثرة مئه. فلما رأى باديس ذلك حمل بفرسه واقتحم الوادي. فتبعته العساكر وعدت الرجالة سباحة. فما كان إلا كرجع الطّرف حتى صاروا في الجهة الأخرى مع عساكر حماد. ثم اصطفوا واقتتلوا واشتد القتال وكثر القتل. فانكشف حماد وتفرق أصحابه عنه بعد قتال شديد. فولّى مهزماً لا يلوي على شيء، وقتل حرمه بيده. فوقف باديس عليهن وهن قتيلات. وخلص حماد فيمن ثبت معه من عبيده إلى قلعة مغيلة في خمسمائة فرس. ولولا اشتغال الناس بالنهب لما فاتهم. وأصبح باديس فبعث في طلب حماد فسبقهم إلى القلعة. وأراد التحصن بها إن أدركته العساكر. ثم سار عنها إلى قلعته فوصل إليها لسبع مضين من جمادى الأولى، واستعد للحصار.","part":6,"page":457},{"id":2968,"text":"وسار باديس إلى المحمدية فوصل إليها لليلتين بقيتا من الشهر. فأتاه رسول عمه إبراهيم بالاعتذار ويذكّر باديس بما سلف لحماد من الخدمة في دولته، وأنه هو الذي سد يغور المغرب، وقام محامياً عن هذه الدولة كقيام الحجاج بن يوسف بدولة بني أمية، واعترف بالخطأ. فرد عليه باديس رسله بجواب. واختلفت الرسائل إليه منهما طلبا للمدافعة. فأمر باديس بالبناء. وبذلك لرجاله الأموال وأعطى الألفي دينار والخمسمائة. فاشتد ذلك على حماد، ورأى من رجاله ما أنكره، وضعفت نفسه. وغلت الأسعار عنده فجعل يكذب على من عنده، ويكتب كتباً بذكر فيها أن باديس قد عزم على الرحيل إلى إفريقية، وأن كتبه تصل إليه في الصلح إلى غير ذلك مما يختلفه. وداوم باديس الحصار حتى مات.\rوفاة باديس\rكانت وفاته في ليلة الأربعاء آخر ذي القعدة سنة ست وأربعمائة وذلك أنه وصل إليه وهو في الحصار سليمان بن خلف بعساكر عظيمة، جمهورهم تلكاتة وصنهاجة، فضمن لباديس فتح القلعة وسائر بلاد المغرب. فلما كان يوم الثلاثاء لليلة بقيت من ذي القعدة، أمر باديس بالعرض، فعرضهم إلى الليل. ثم مات في نصف الليل. فخرج الخادم إلى حبيب بن أبي سعيد وباديس بن حمامة وأيوب بن يطّوفت ابن عمه، وكان حبيب من أكبر رجاله، وبينه وبين باديس بن حمامة منافسه وعداوة. فلما أعلمه الخادم، خرج حبيب مسرعاً إلى فازة باديس، وخرج باديس مسرعاً إلى فازة حبيب. فاجتمعا في الطريق، فقال كل منهما لصاحبه: بيننا عداوة ولا تبرح، والأولى بنا في هذا الوقت الموافقة والاجتماع في تدبير هذا المهم. فإذا انقضى رجعنا إلى ما كنا عليه. فحضرا ومعهما أيوب بن يطوفت وقالا: \" إن صاحب هذا الأمر بعيد منا والعدو قريب مشرف عليها. ومتى لم نقدم رأساُ نرجع في أمورنا إليه لم نأمن العدو على أنفسنا. ونحن نعلم أن ميل تلكاتة وصنهاجة المغرب إلى كرامت بن المنصور أخي باديس \" . فاجتمع رأيهم على تولية كرامت ظاهراً. فإذا وصلوا موضع الأمن قدم المعز بن باديس، وينقطع الخلاف، وتصان بيوت الأموال والعدد. فأحضروا كرامت وبايعوه وكتموا الأمر.\rوأصبحت العساكر للسلام على ما جرت به العادة. ولم يعلم بوفاته سوى من ذكرناه. فأرادوا صرف الناس بأن يقولوا: إن الأمير قد أخذ دواء. فبينا هم في ذلك أتى الخبر أن أهل مدينة المحمدية قد شاع عندهم موت باديس، وأنهم أغلقوا أبواب المحمدية، وطلعوا على سروها. وكأنما نودي في الناس بوفاته. فاضطرب لموته بنو مناد وجميع القواد. وخافا من الفرقة وشتات الكلمة فأظهروا ولاية كرامت وأمر بالكتب إلى سائل الأعمال باسمه، ولم يذكر المعز بن باديس. فلما رأى عبيد باديس ومن كان على مثل رأيهم من الحشم والأجناد أنكروا ذلك إنكاراً شديداً. فخلا حبيب بن أبي سعيد بأكابرهم وقال: \" إما رضيناه وقدمناه على أن يحوط الرجال، ويحرس الخزائن والأموال، حتى يسلم جميع ذلك إلى مستحقه وهو المعز \" . ومشى بعضهم إلى بعض وتحالفوا على ذلك سراً.\rثم اتفق رأي الجميع على تقديم كرامت في الخروج إلى آشير ليحشد قبائل تلكاتة وصنهاجة. فإذا اجتمعوا رجع بهم إلى المحمدية فيقطن بها، وترحل العساكر بتابوت باديس حتى يسلموه إلى ولده المعز. ودفعوا إلى كرامت مائة ألف دينار وخزانة سلاح وأمتعة. وتوجه إلى مدينة آشير يوم الأحد لأربع خلون من ذي الحجة سنة ست وأربعمائة. وكان من خبره ما نذكره إن شاء الله في أيام المعز.\rوكانت مدة ولاية باديس عشرين سنة وتسعة أشهر إلا أربعة أيام. وعمره اثنان وثلاثون سنة وثمانية أشهر وأيام.\rولاية أبي تميم المعزب بن أبي مناد باديس ابن المنصور بن يوسف بن زيري لكانت ولايته بالمحمدية يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة سنة ست وأربعمائة على ما قدمناه، وله من العمر يوم ذاك ثمان سننين وسبعة أشهر. وأما ولايته بالمهدية. فكانت يوم الاثنين لسبع بقين من ذي الحجة هذا. وذلك أن الخبر لما وصل بموت باديس، كانت السيدة أم ملاّل بالمهدية، فخرج إليها منصور بن رشيق عامل القيروان، بجماعة القضاة والفقهاء والمشايخ وشيوخ صنهاجة إلى المهدية فعزّوخا. وأخرجت المعز وبين يديه الطبول والبنود. فنزل إليه الناس وهنئوه وعزّوه. وعاد إلى قصره. ودخل الناس على السيدة فهنئوها. فأمرت منصور بن رشيق بالانصراف بمن كان معه فرجعوا إلى القيروان.","part":6,"page":458},{"id":2969,"text":"قال: وأما العسكر الذي بالمحمدية فإنهم ارتحلوا عن مناخها يوم عيد الأضحى بعد أن أضرموا الناس فيما كان هناك من الأبنية. وسارت العساكر على تعبئة الزحف مقدمة وساقة وقلباً، يقدمها التابوت. وأمامه البنود والطلول والجنائب والقباب. وكان وصولهم إلى المنصورية يوم الاثنين لأربع خلون من المحرم سنة سبع وأربعمائة. ووصلوا إلى المحمدية لثمان خلون منه. فركب المعز وقام حبيب بن أبي سعيد عن يساره. ونزل الناس فوجاً فوجاً وحبيب يعرفه بهم قائداً قائداً وعرافة عرافة، وهو يسأل الناس عن أحوالهم ألطف سؤال. فرأى الناس من عقله وإقباله وفطنته ما ملأ قلوبهم وأقر عيونهم. وأقاموا يركبون إليه في كل غدوة وغشية ثلاثة أيام. ثم خرج المعز من المهدية وسار إلى القيروان. ودخل المنصورية يوم الجمعة النصف من المحرم سنة سبع وأربعمائة فسر به الناس وابتهجوا.\rقتل الروافض\rقال: وفي يوم السبت سادس عشر المحرم منها، ركب المعز في القيروان والناس يسلمون عليه ويدعون له فمر بجماعة فسأل عنهم فقيل: \" هؤلاء رفضة والذين قبلهم سنة \" . فقال: \" وأي شيء الرّفضة والسنة؟ \" قالوا: \" السنة يترضّون عن أبي بكر وعمر والرفضة يسبونهما \" . فقال: \" رض الله عن أبي بكر وعمر \" . فانصرفت العامة من فورها إلى الناحية المعروفة بدرب المقلي من مدينة القيروان - وهو موضع يشتمل على جماعة منهم - فقتلوا منهم جماعة، ووقع القتل فيهم. وصادفت شهوة من العسكريين وأتباعهم طمعاً في النهب. وانبسطت أيدي العامة فيهم. فأقبل عامل القيروان يظهر أنه يكّن الناس، وهو يحرضهم ويشير إليهم بزيادة الفتنة، لأنه كان قد أصلح البلد فبلغه أنه معزول، فأراد إفساده. فتل من الرافضة خلق كثير في ديارهم وحوانيتهم، وأحرقوهم بالنار. وانتهبت ديارهم وأموالهم. وزاد الأمر واتصل القتل فيهم في جميع بلاد إفريقية. وقيل: إن القتل وقع فيهم في جميع المغرب في يوم واحد في المدائن والقرى، فلم يترك رجل ولا امرأة ولا طفل إلا قتل وأحرق بالنار. ونجا من بقي منهم بالمهدية إلى الجامع الذي بالحصن، فتلوا فيه عن آخرهم.\rولما كان في يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة خلت من جمادى الأولى، خرج من بقي من المشارقة - وهم الرافضة - إلى قصر المنصور بظاهر المنصورية، وهم زخاء ألف وخمسمائة، وتحصنوا به. فحاصرهم السنة فاشتد عليهم الحصار والجوع. فأقبلوا يخرجون والناس يقتلون منهم ويحرقون إلى قتلوا عن آخرهم، وطهر الله تعالى المغرب منهم.\rوعمل الشعراء في هذه الواقعة القصائد: فممن عمل فيها أبو الحسن الكاتب المعروف بابن زيجي من قصيدة:\rشفى الغيظ في طيّ الضمير المكتّم ... دماء كلاب حلّلت في المحرّم\rفلا أرقأ الله الدموع التي جرت ... أسى وجوى فيما أريق من الدم\rهي المنّة العظمى التي جلّ قدرها ... وسارت بها الرّكبان في كل موسم\rفيا سمرا علالة منجد ... ويا خبرا أضحى فكاهة متهم\rويا نعمة بالقيروان تباشرت ... بها عصب بين الحطيم وزمزم\rوأهدت إلى قبر النبيّ وصحبه ... سلاماً كعرف لمسك عن كل مسلم\rغزونا أعادى الدين لا رمح ينثني ... نبوا ولا حد الحسام المصمّم\rبكل فتى شهم الفؤاد كأنما ... تسربل يوم الروع جلدة شيهم\rإذا أمّ لم يشدد عرا متخوّف ... وإن همّ لم يحلل حبا متندّم\rمن القيروانيين في المنصب الذي ... نمى، وإلى خير الصحابة ينتمي\rوأوسع الشعراء في ذلك. وقالوا فيه قصائد كثيرة تركناها اختصاراً.","part":6,"page":459},{"id":2970,"text":"وأما كرامت بن المنصور فإنه أقام بمدينة آشير ومعه من تلكاتة وغيرهم من قبائل صنهاجة، فما شعر إلا وقد وافاه حماد في ألف وخمسمائة. فبرز إليه كرامت في سبعة آلاف. فلما نشبت الحرب بينهم عمد التلكاتيون إلى بيت ماله فانتهبوه، ورجعوا إلى أدراجهم. فكانت الهزيمة على كرامت فدخل مدينة آشير وحماد في أثره. فأرسل إلى كرامت ليجتمع به فتوثّق منه وأتاه. فزوّده حماد بثلاثة آلاف دينار وبعث معه من أصحابه من يشيعه. فوصل إلى الحضرة في يوم الأربعاء لإحدى عشرة بقيت من المحرم سنة سبع وأربعمائة. وطلب تلكاتة وصنهاجة بما صار إليهم من أموال كرامت ومواشيه، فتفرقوا عنه وامتنعوا عليه.\rوفي يوم السبت لعثر بقين من صفر منها، ولي محمد بن حسن أمور المعز وجيوشه، وكان قبل ذلك على طرابلس، وأضيف إليه قابس ونفزاوة وقصطيلية وقفصة. فبعث عماله عليها. وعقد لأيوب بن يطوفت على سائر أعمال المغرب.\rوفي يوم الأحد لعشر بقين من ذي الحجة سنة سبع وأربعمائة، ختن المعز وختن معه من أبناء الضعفاء عدة كثيرة. وأعطوا الكساوي والنفقة.\rوفي آخر ذي الحجة هذا، وصلت الرسل من مصر بسجل الحاكم إلى المعز واللقب والتشريف، وخوطب بشرف الدولة.\rمسير المعز لحرب حماد\rقال: وفي يوم الخميس لسبع بقين من صفر سنة ثمان وأربعمائة، برز المعز إلى مدينة رقادة في عساكره وفرق الأموال.\rثم رحل منها لأربع خلون من شهر ربيع الأول ووصل إليه عدة من القائل من عسكر حماد ومن كتامة. فجاءه الخبر أن إبراهيم وقف على باب مدينة باغاية فدعا بأيوب بن يطوفت فخرج إليه. فعاتبه على ما كان منه وذكر أنهم إخوت، وأن الذي كان إنما وقع بقضاء الله وقدره. وقال: \" نحن على طاعة سيدنا المعز. وقد أردنا أن يتم الصلح على يدك. وحماد يقرأ عليك السلام ويقول لك: ابعث من تثق به أن يحلّفني ويأخذ على من الهود ما يسكن إليه قلبك، ويكتب به.\rفانخدع أيوب ودعا بحمامة أخيه وحبوس بن القاسم بن حمامة وأنفذهما معه. ثم تبعهما تورين. غلام أيوب، وهو أعز عنده من إخوته. فلما وصل بهم إبراهيم إلى أخيه حماد، أنزلهم في فازة السلام. ومضى إلى أخيه فأخبره. فبعث إليهما زكنون ابن أبي حلا فجرد ما عليهما من الثباب، وألقى عليهما ثياباً رثة، وقيدهما بقيدين ثقيلين وأنفذهما إلى القلعة. ودعا حماد بتورين فقال له: \" هذان ابنا عمي وأنت فما جاء بك معهما؟ أردت أن تتحدث فتقول: قال لي حماد، وقلت لحماد! \" وأمر به فضربت عنقه.\rفلما اتصل الخبر بالمعز، سار بالعساكر حتى انتهى إلى حماد. والتقوا واقتتلوا، فكانت الهزيمة على حماد وعساكره. وقتل حماة أصحابة، وأسر إبراهيم، وفر حماد.\rوعقد المعز لعمه كرامت بن المنصور على أعمال المغرب، ففرق عماله.\rالصلح بين المعز وحماد\rعم أبيه قال: ولما تمت الهزيمة على حماد، راسل المعز في طلب الصلح واعترف بالخطأ وسأل العفو عنه. فأنفذ المعز من يقف على صحة أمره وصدق طاعته، فعاد بسمعه وطاعته. ورغب قال: يترك العمل، وأن يعقد له أخوه إبراهيم ما يسكن إليه من العهود والمواثيق التي يطمئن إليها، فيبعث حينئذ بولده القائد أو يصل بنفسه. فحصل الاتفاق، وأرس ابنه القائد إلى المعز. فوصل بعد عود المعز إلى المنصورية، وذلك في النصف من شعبان من السنة. فأكرمه المعز وأحسن إليه. وكتب له منشوراً بولاية المسيلة وطبنة ومرسى الدجاج وزواوة ومقّرة ودكمة وبلزمة وسق حمزة، وأعطى البنود والطبول. وانصرف إلى أبيه لأربع خلون من شهر رمضان سنة ثمان وأربعمائة. فلما وصل إلى أبيه أظهر الطاعة. وبقي القائد يترد إلى المعز.\rمقتل القائد\rمحمد بن حسن","part":6,"page":460},{"id":2971,"text":"كان مقتله لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. وذلك أنه كان قد استقل بالأمور وجبي الأموال منذ فوقعت إليه أمور الدولة. فلم يدخر درهماً واحداً في سبع سنين مع ما ورد من الهدايا الجليلة والتقادم النفيسة. وانتهت حاله إلى أن آخذ مالاً من الذخيرة فلم يرد عوضه. وضاقت الدولة واتسعت أحواله وكثرت أبنيته التي لا تصلح إلا للمولك. وهادي الأكابر بمصر حتى وصل إليه سجل من الحضرة. فضاق منه المعز، فدس إليه بعض خواصه، وأشار عليه أن يقتصر على الخدمة، وله ما حصّله من الأموال والأبنية. فأبى إلا تماديا واستمراراً. فقتله المعز في التاريخ الذي ذكرناه، وكتب بالحوطة على أمواله ونعمه ورجاله. وقلد القاسم بن محمد بن أبي العرب سيفه. وأخرج بين يديه الطبول والبنود. وصرف إليه النظر في سائر إفريقية.\rقال: ولما قتل محمد بن حسن ثار أخوه عبد الله بن حسن عامل طرابلس وغضب لذلك. وبعث إلى زناتة فعاقدهم وأدخلهم طرابلس. فقتلوا كل من كان بها من صنهاجة والعسكريين وأخذوا المدينة. فلما انتهى ذلك إلى المعز. أمر بالقبض على جميع بني محمد وحبسهم ثم ظفر محمد بن وليمة بعبد الله، فأنفذه إلى المعز فاعتقله. ثم أمر بقتل الجميع، وذلك لما استغاثت نساء الصنهاجيين وأولادهم الذين قتلوا آباءهم بطرابلس.\rوكان بإفريقية في تلك السنة مجاعة شديدة لم يكن مثلها قط.\rوفي ليلة الأربعاء لعشر خلون من المحرم سنة عشرة وأربعمائة ولد للمعز مولود سماه نزار.\rوفي صفر سنة تسع عشرة وأربعمائة، ورد الخبر إلى المعز بوفاة حماد بن يوسف بكلّين، وهو عم أبيه. فكتب إلى ولده القائد بالتعزية بأبيه.\rوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة، خرج عسكر المعز إلى الزاب. ففتح مدينة نورس وقتل من البربر خلقاً كثيراً. وفتح من بلاد زناتة قلعة تسمى كردوم.\rوفي سنة ثلاثين وأربعمائة، دخل قائده جزيرة جرية، ففتحها وقتل رجالها، وأسر مقدمهم ابن كلدة وصلبه، لقطعهم الطريق وسوء اعتقادهم. وفي سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، خرج المعز بجيوشه إلى قلعة حماد. وحاصرها مدة سنتين وضيق عليهم لرجوعهم إلى ما كانوا عليه من النفاق.\rوفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، أظهر المعز الدعاء للدولة العباسية. ووردت عليه الرسل. ووصله السجل من القائم بأمر الله، وأوله: \" من عبد الله ووليه أبي جعفر القائم بأمر الله أمير المؤمنين إلى الملك الأوحد نور الإسلام، وشرف الأيام، وعمدة الأنام، نصار دين الله، وقاهر أعداء الله، ومؤيد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبي تميم المعز بن باديس بن المنصور ولي أمير المؤمنين \" بألفاظ طويلة، وخلع طائلة، وسيفه وفرسه وخاتمه وألوية كثيرة. فوصل ذلك في يوم الجمعة والخطيب على المنبر في الخطبة الثانية عند الاستغفار. فدخلت الألوية إلى الجامع، فقيل للخطيب: \" اذكر الساعة ما أمكن \" . فقال: \" هذا لواء الحمد يجمعكم، وهاذ معز الدين يسمعكم، وأستغفر الله لي ولكم \" .\rخروج العرب إلى المغرب\rوالسبب الموجب لذلك كان سبب ذلك أن المستنصر - لما ولي خلافة مصر بعد الظاهر بن الحاكم - خطب المعز في أيامه للقائم بأمر الله العباسي. فكتب إليه وهو يرغبه ويرهبه، ويقول له: \" هلأ اقتفيت آثار من سلف من آبائك في الطاعة والولاء \" ويتوعده بإرسال الجيوش. فكتب المعز إليه: \" إن آبائي وأجدادي كانوا ملوك المغرب قبل أن تملكه أسلافك، ولهم عليهم من الخدم أعظم من التقديم. ولو أخروهم لتقدموا بأسيافهم \" .","part":6,"page":461},{"id":2972,"text":"وكان المستنصر قد ولي وزرته في اثنتين وأربعين وأربعمائة لأبي محمد الحسن بن اليازوري، ولقبه بالوزير الأجل المكين، سيد الوزارء، وتاج الأمراء، قاضي القضاءة، وداعي الدعاة، علم المجد، خالصة أمير المؤمنين \" . ولم يكن من أهل الوزارة ولا من الكتاب، بل كان من أهل التّناية والفلاحة بالشام. فأجراه ملوك الأطراف في مكاتباتهم على عادة الوزارء إلا المعز فإنه امتنع من مخاطبته بما كان يخاطب به الوزارء قبله، وذلك إنه كان يكاتب الوزار بعبده فكاتبه بصنيعته. فعظم ذلك عليه، فأعمل الوزير الفكرة ودس إلى زغبة ورياح دسائس ووصلهم بصلات سنية. وبعث إليهما أحد رجال الدولة حتى أصلح بين الفئتين بعد فتن توالت وحروب استمرت ودماء أريقت. ثم أحضر أمراءهم وأباحهم على لسان المستنصر أعمال القيروان. ووعدهم بالمدد والعدد. وأمرهم بالعيث والإخراب. فدخلت العرب إلى بلاد المغرب في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. وأنفذ اليازوري كتاباً يقول فيه: \" أما بعد، فقد أرسلنا إليكم فحولا، وأرسلنا عليها رجالاً كهولا، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً \" . ودخلت العرب فوجدوا بلاداً خالية طيبة كثيرة المرعى، كانت عمارتها زناتة فأبادهم المعز. فأقاموا بها واستوطنوها وعاثوا في أطراف البلاد. وبلغ ذلك المعز فاستحقر أمرهم لتمام المقدور.\rوفاة لقائد بن حماد\rوولاية ابنه وقتله وولاية بلكين بن محمد وفي شهر رجب سنة ست وأربعين وأربعمائة توفى القائد بن حماد ابن يوسف بلكين بن زيري وكان في مرضه ولي محسناً، وأوصاه بالإحسان إلى بني حماد عمومته. فلما ولي خالف ما أمره به أبوه وأراد عزل جميعهم. فلما سمع عمه يوسف بن حماد ما أراده من الغدر بإخوته بني حماد خالف عليه. وجمع العساكر فاجتمع له خلق كثير. وكان يوسف قد بنى قلعة في جبل منيع وسماها الطيارة. فلما اتصل بمحسن خلافه خرج إليه والتقى بعسكر عمه مديني. فانهزمت تلكاتة عنه، فظفر به، فقتل من عمومته أربعة، وهم مديني وإخوته مناد وتغلان وتميم. وكتب إلى عمه يوسف يأمره بالقدوم إليه. فقال: \" كيف أطمئن إليك وقد قتلت أربعة من عمومتك؟ \" .\rوكان ابن عمه بلكين بن محمد متولي افريون فكتب إليه محسن يأمره بالقدوم، فقدم عليه. فلما قرب منه أمر محسن قوماً من العرب أن يأتوه برأسه. فلما خرجوا، قال لهم أميرهم خليفة بن مكن: \" هذا بلكين لم يزل محسناً إلينا. فكيف نفعل به هذا؟ \" فأتوه وأعلموه بما أمروا به، فخاف عند ذلك. فقال له خليفة: \" الخوف عليك إن كنت تريد قتل محسن فأنا أقتله لك \" . فتدرع بلكين وركب وأقبل يريد لقاءه. فبلغ محسناً قصده إليه، فهرب إلى القلعة. فأدركوه في الطريق فقتله بلكين، ودخل القعلة، وولي الأمر. وذلك في شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين وأربعمائة.\rالمعز بن باديس \"\rنعود إلى أخبار المعز بن باديس، قال: ولما تكاسلت صنهاجة عن قتال زناتة، اشترى المعز العبيد، فاجتمع له ثلاثون ألف مملوك. وكانت العرب زغبة قد ملكوا مدينة طرابلس في سنة ست وأربعين. ووصل مؤنس بن يحيى المراداسي إلى المعز بالقيروان. فأكرمه المعز وأحسن إليه. فنهاه مؤنس أن يجعل للعرب سبيلاً إلى دخول إفريقية وقال: \" إنهم قوم لا طاقة لك بهم \" . فقال له المعز: \" هم دون ذلك \" . فلما رأى مؤنس استهزاء المعز بالعرب، خرج عنه ولحق بأرض طرابلس.\rوتتابعت بنو رياح والأثبج وبنو عدي، فدخلوا إفريقية، وقطعوا السبيل، وعاثوا في البلاد. وعزموا على الوصول إلى القيروان. فقال لهم مؤنس: \" ليس هذا عندي برأي. وهذا يحتاج إلى تدبير \" . فقالوا: \" وكيف تحب أن نصنع؟ \" قال: \" ائتوني ببساط \" فأتوه به. فبسطه وقال لهم: \" من يدخل إلى وسط هذا البساط من غير أن يمشي عليه؟ \" قالوا: \" كيف يقدر أحد على ذلك \" قال \" أنا \" . قالوا: فأرنا كيف تقدر على ذلك. فطوى البساط، وأتى إلى طرفه ففتح منه مقدار ذراع ووقف عليه. ثم فتح شيئاً آخر ودخل إليه. وقال: \" هكذا فاصنعوا ببلاد المغرب املكوها شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى عليكم إلا القيروان فأتوها، فإنكم تملكونها \" . فقال له رافع بن حماد: \" صدقت يا مؤنس. والله إنك لشيخ العرب وأميرها. فقد قدمناك على أنفسنا فلسنا نقطع أمراً دونك \" .","part":6,"page":462},{"id":2973,"text":"وقدم أمراء العرب إلى المعز، وهم مطرف بن كسلان، وفرح ابن أبي حسان، وزياد بن الدونية، وفارس بن كثير، وفارس ابن معروف، وهم أمراء بني رباح وساداتهم، فأنزلهم المعز، وأكرمهم وأحسن إليهم. فخرجوا من عنده ولم يجازوه بما فعل معهم بل شنوا الغارات على البلاد، وقطعوا على الرفاق، وأفسدوا الزرع، وقطعوا الأِجار، وحاصروا المدن، فضاق الناس وساءت أحوالهم وانقطعت أسفارهم. وحل بإفريقية من البلاء ما لم ينزل بها مثله قط.\rالحرب بين المعز والعرب\rوانتصار العرب عليه قال: ولما كان من أمرهم ما ذكرناه، احتفل المعز وجمع العساكر. وخرج في ثلاثين ألف فارس ومثلهم رجالة. وسار حتى انتهى إلى جندران، وهو جبل على مسيرة ثلاثة أيام من القيروان. وكانت عدة العرب ثلاثة آلاف فارس. فلما شاهدوا عساكر صنهاجة هالهم ذلك. فقال مؤنس بن يحيى المرداسي: \" يا وجوه العرب، ما هو يوم فرار \" . فقالوا: \" أين نطعن هؤلاء وقد لبسوا الكازغندات والمغافر؟ \" فقال أمير منهم: \" في أعينهم \" . فسمي من ذلك اليوم \" أبا العينين \" . والتقوا والتحم القتال وحميت الحرب، فاتقفت صنهاجة على الهزيمة. وتركوا المعز مع العبيد حتى يرى فعلهم ويقتل أكثرهم، وبعد ذلك يرجعون على العرب. فانهزمت صنهاجة، وثبت المعز والعبيد. ووقع القتل فيهم، فقتل منهم خلق كثير. وحاولت صنهاجة الرّدة على العرب فلم يمكنهم، واستمرت الهزيمة. وقتل من صنهاجة الرّدة على العرب فلم يمكنهم، واستمرت الهزيمة، وقتل من صنهاجة أمة عظيمة. وانهزم المعز ودخل القيروان مهزوماً على كثرة من كان معه وقلة العرب. واحتوت العرب على الخيل والعدد والمخيّم والأثقال والأموال. فيها يقول الشاعر:\rوإنّ ابن باديس لأفضل ما لك ... ولكن لعمري ما لديه رجال\rثلاثون ألفاً منهم غلبتهم ... ثلاثة آلاف إنّ ذا لمحال\rقال: ولما كان يوم عيد النحر من السنة، جمع المعز سبعة وعشرين ألف فارس. وهجم على العرب وهم في صلاة العيد. فقطعت العرب الصلاة وركبوا خيولهم. فانهزمت صنهاجة وقتل منهم خلق كثير.\rثم جمع المعز وخرج في صنهاجة وزناتة في جمع عظيم. فلما أشرف على بيوت العرب، ركبت خيولها هم زغبة وعدي، وكانوا سبعة آلاف. والتقوا واقتتلوا فانهزمت صنهاجة، وولي كل رجل منهم إلى منزله. ثم انهزمت زناتة وكان أميرها لمنصور ابن خزرون. وثبت المعز فيمن كان حوله من عبيده ثباتاً ما سمع بمثله، ثم رجع إلى المنصورية. وأحصي من قتل من صنهاجة في ذلك اليوم فكانوا ثلاثة آلاف وثلاثمائة.\rثم أقبلت العرب حتى نزلوا بمصلى القيروان. ووقعت الحرب فقتل من أهل رقادة والمنصورية خلق كثير. فلما رأى المعز ذلك ذهب إلى رفع الحرب بينهم، وعلم عكس الدولة، وظن أنهم راجعون. فأباح لهم دخول القيروان لما يحتاجون إليه من بيع وشراء. فلما دخلوا، استطال عليهم العامة وأهانوهم. فوقع بينهم حرب كانت الغلبة فيها للعرب.\rقال وكانت الكسرة الأولى على المعز في سنة ثلاث وأربعين والثانية في سنة أربع وأربعين وأربعمائة.\rانتقال المعز إلى المهدية\rومعاصرة العرب القيروان واستيلائهم عليها قال: وفي سنة ست وأربعين حاصرت العرب القيروان، وأخذ مؤنس باجة. فأشار المعز على الرعية بالانتقال إلى المهدية. وشرع العرب في هدم الحصون والقصور، وقلع الثمار، وتعمية العيون، وخراب الأنهار، فخرج المعز من القيروان إلى المهدية في سنة تسع وأربعين وأربعمائة، لليليتين مضتا من شعبان وكان بها ابنه الأمير تميم. فتلقى أباه ومشى في ركابه من ميانش إلى القصر.\rوفي أول شهر رمضان منها نهبت العرب القيروان.\rوفي سنة خمسين وأربعمائة، خرج بلكين بن محمد، ومعه من العرب الأثبج وعدي لحرب زناتة. فكسرهم وقتل منهم عدداً كثيراً.\rوفي سنة إحدى وخمسين، قتل منصور أفروم البرغواطي، قتله حمّو بن مليل البرغواطي غدراً، وملك سفاقس مكانه.\rوفي سنة أربع وخمسين وأربعمائة، غدر الناصر بن علنّاس بلكين بن محمد وولي مكانه، وذلك في غرة شهر رجب.\rوفاة المعز بن باديس","part":6,"page":463},{"id":2974,"text":"كانت وفاته في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة بضعف الكبد. وكانت مدة إقامته في الملك سبعاً وأربعين سنة. وكان رقيق القلب، كثير الرحمة، خاشعاً لله، متحرزاً من سفك الدماء إلا في الحدود، حليماً يتجاوز عن كبائر الجرائم، ليناً لخدامه وعبيده وجلسائه وندمائه حتى كأنه واحد منهم أو أخ لهم محباً لرعيته مشفقاً عليهم، مكرماً لأهل الفضل والعلم كثير العطاء لهم، شجاعاً كريماً، رحمه الله. وكان له من الأولاد الذين مات عنهم تسعة، وهم نزار، وتميم، وعبد الله، وعلى، وعمرو، وحماد، وبلكين، وحمامة، والمنصور.\rولما مات المعز ملك بعده ابنه.\rولاية تميم بن المعز بن باديس ابن المنصور بن يوسف بن زيري كانت ولايته بعد وفاة أبيه في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. وكان أبوه قد ولاه المهدية في صفر سنة خمس وأربعين. وأقام بها إلى أن خرج المعز إليها. فدبر الأمر بين يديه إلى أن توفى المعز فاستقل بعده بالملك. ودخل القضاة ووجوه الناس إليه فعزوه بأبيه وهنئوه بالولاية. ووصل كتاب الناصر بن علناس بذلك.\rخروج حمو\rعن طاعة الأمير تميم وحربه وانهزامه وفي سنة خمس وخمسين وأربعمائة، خرج حمو بن مليل صاحب مدينة سفاقس عن الطاعة. فجمع أصحابه. واستعان بالعرب، فوافقته طائفة من الأثبج وعدي. فزحف بهم إلى المنزل المعروف ببئر قشيل فملكه. ثم توجه منه نحو المهدية. فخرج إليه تميم في عساكره ومعه طائفة من العرب: زغبة ورياح ووصل إلى حمو والتقوا واقتتلوا. فكانت الهزيمة على حمو وأصحابه وأخذهم السيف. فتل أكثر أصحابه ونجا هو بنفسه. وكانت هذه الواقعة بسلقطة.\rوفيها بعد الوقعة قصد تميم مدينة سوسة وكان أهلها قد خالفوا على أبيه، فملكها وعفا عنهم وحقن دماءهم.\rحرب بني حماد والعرب\rوانتصار العرب عليهم وفي سنة سبع وخمسين وأربعمائة، كانت الحرب بين الناصر ابن علناس بن محمد بن حماد ومن معه من رجال المغاربة من صنهاجة وزناتة، ومن العرب عدي والأثبج؛ وبين العرب وهم رياح وزغبة وسليم، ومع هؤلاء المعز بن زيري الزناتي. وكان سبب هذه الواقعة أن حماد بن يوسف بلكين جد الناصر كان بينه وبين باديس بن المنصور الخلف الكبير والحرب التي ذكرناها. ومات باديس وهو يحاصر قلعة حماد كما ذكرنا. ثم دخل حماد في طاعة المعز. وكان القائد بن حماد بعد أبيه يضمر الغدر وخلع طاعة المعز والعجز يمنعه، إلى أن رأى قوة العرب وما نال المعز منهم. فعندها خلع الطاعة واستبد بالبلاد. وجاء بعده ولده محسن، وبعده ابن عمه بلكين، وبعده ابن عمه الناصر بن علناس، وكل منهم متحصن بالقلعة، وهي المعروف بقلعة حماد وقد جعلوها دار ملكهم. فلما رحل المعز من القيروان، وصار إلى المهدية، وتمكنت العرب وأخربوا البلاد ونهبوا الأموال، انتقل كثير من أهل القرى والبلاد إلى بلاد بني حماد لحصانتها، فعمرت بلادهم وكثرت أموالهم، وفي نفوسهم ما فيها من الضغائن والحقود من باديس وبنيه، يرثه صغير عن كبير. وولي تميم بن المعز بعد أبيه، واستبد كل منهم ببلد وقلعة، وتميم يصبر ويداري.","part":6,"page":464},{"id":2975,"text":"فاتصل بتميم أن الناصر بن علناس يقع فيه في مجلسه ويذمه وأنه عزم على المسير ليحاصره بالمهدية، وأنه حالف بعض صنهاجة وزناتة وبني هلال ليعينوه على حصار المهدية. فلما صح ذلك عنده أرسل إلى بني رياح فأحضرهم إليه. وقال لهم: أنتم تعلمون أن المهدية حصن منيع أكثرها في البحر لا يقاتل من البر إلا من أربعة أبرجة يحميها أربعون رجلاً. وإنما جمع الناصر هذه العساكر إليكم وإلى بلادكم. فقال له أمراء العرب: إن الذي قاله السلطان حق ونحب منك المعونة بالعدة. فقال: على العدة والرّفادة. وأمر لهم بعشرة آلاف دينار، لكل أمير منهم ألف دينار، وألف درع، وألف رمح، وألف سيف هندي. فخرجت الأمراء من عنده، وجمعوا رجالهم، وتحالفوا على لقاء الناصر. وأنفذوا شيخين سراً إلى بني هلال الذين صاروا مع الناصر فقالا لهم: كيف وقعتم في هذا الأمر وأردتم تلاف ملككم؟ هذا الناصر قد سمعتم غدر جده حماد لباديس، وغدر بنيه بعضهم بعضاً، وقد اتفق مع زناتة، فإذا وطيء بلدنا بصنهاجة وزناتة قاصداً تميم بن المعز - وتميم في حصن منيع بالمهدية لا يقدر عليه - فعندها يملك بلاد إفريقية ويخرجنا وإياكم عنها. فقاللهما مشايخ بني هلال: والله، لقد صدقتم. فإذا التقينا فقاتلونا فإنا ننهزم ونرجع عليهم. فإذا ملكنا رقابهم كان لنا من الغنيمة الثلث ولكم الثلثان. فقال الشيخان: رضينا.\rوأرسل المعز بن زيري الزناتي إلى من مع الناصر من زناتة بنحو ذلك، فوعدوه أن ينهزموا.\rفحينئذ رحلت رياح وزناتة جميعاً. وسار إليهم الناصر بصنهاجة وزناتة وبني هلال. فالتقوا بموضع يسمى سبية. فلما ترائى الجمعان حملت بنو رياح على بين هلال. فانهزم بنو هلال كما وقع الاتفاق، واظهروا الغدر من وراء العسكر. فانهزم عند ذلك الناصر ابن علناس، وسلم في عشرة أفراس.\rفكان جملة من قتل في هذه الوقعة من صنهاجة وزناتة أربعة وعشرون ألفاً. وصارت الغنائم كلها للعرب، وبهذه الوقعة تم لهم ملك البلاد. فإن أكثرهم عند دخوله كانوا رجالة، والفرسان منهم في أضيق حال. فتقاسموا هذه الغنائم على ما قرروه بينهم إلا الطبول والبوقات والفازات بأبغالها، فإنهم حملوها إلى تميم، فردها ولم يقبلها، فعزّ ذلك على العرب وقالوا: نحن خدمك بين يديك فقال: ما فعلت هذا انتقاصاً بكم وإنما المانع منه أنني لا أرضى أخذ سلب ابن عمي. وظهر عليه من الحزن بقوة العرب ما لم يوصف.\rبناء مدينة بجاية\rوالسبب فيه قال: ولما كانت هذه الواقعة بين بني حماد والعرب، وبلغ الناصر ما نال ابن عمه تميم من الألم والحزن، وكان وزيره أبو بكر بن أبي الفتوح محباً في دولة تميم، فقال للناصر: يا مولاي، ألم أشر عليك ألا تقصد ابن عمك، وأن تتفقا على العرب. فلو انفقتما لأخرجتما العرب. فصدقه الناصر ورجع إلى قوله، وقال له: أصلح ذات بيننا. فأرسل الوزير رسولاً من عنده إلى تميم يعتذر ويرغب في الإصلاح. فقبل تميم قوله.\rوأراد أن يرسل رسولاً إلى الناصر، فاستشار أصحابه. فاتفقوا على إرسال محمد بن البعبع، وقالوا: هذا رجل غريب، قد شمله إحسانك وبرك، وقد اقتني من إنعامك الأموال والأملاك، وهو لا يعرف صنهاجة. فما يصلح لهذا الأمر سواه. فأحضر تميم محمد بن البعبع وأمر له بعبيد وخيل وكسا ودنانير. وأوصاه وأرسله وأجاز الرسول الواصل.","part":6,"page":465},{"id":2976,"text":"وخرجا معاً إلى أن وصلا إلى بجاية، وهي حينئذ منزل ينزله رعية البربر. فنظرها بان البعبع وتأملها، وقال في نفسه: هذا المكان يصلح مدينة ومرسى وصناعة للسفن. وتمادى إلى أن وصل إلى القلعة ودخل على الناصر، وقد علم ابن البعبع أن الوزير محب في دولة تميم. فلما انبسط ودفع المكاتبة، قال للناصر: يا مولاي، معي وصية إليك فأحب أن يخلي المجلس. فقال الناصر: ليس هنا إلا الوزير، وأنا لا أخفي عنه أمراً. فقال: بهذا أمرني سيدنا تميم. فقال الناصر لوزيره: انصرف. فلما خرج، قال محمد للناصر: يا مولاي، إن الوزير مخامر عليك معتمين، وهو لا يخفى عنه من أمورك شيئاً، وتميم مشغول مع عبيده النصارى. قد استب بهم واطرح صنهاجة وتلكاتة وجميع القبائل. فو الله، لو وصلت بعسكر إلى المهدية ما بتّ إلا فيها لبغض الأجناد والرعية في تميم، وأنا أشير عليك بما تملك به المهدية وغيرها. وقد عبرت الآن ببجاية فرأيت فيها مرافق من صناعة وميناء وجميع ما يصلح لبناء مدينة. فاجعلها لك مدينة، يكون فيها دار ملكك وتقرب من جميع بلاد إفريقية. وأنا أنتقل إليك باهلي وولدي، وأترك مالي بالمهدية من الرياع، وأخدمك حق الخدمة. فأجابه الناصر إلى ذلك واستراب من وزيره.\rوخرج الناصر من ساعته ومعه ابن البعبع إلى بجاية، وترك الوزير بالقلعة. فوصلا إليها. ورسم ابن البعبع المدينة والصناعة والميناء وموضع القصر واللؤلؤة. وأمر الناصر من ساعته بالبناء والعمل. وشكره وأثنى عليه، وعاهده على وزارته. ورجعا جميعاً إلى القلعة.\rوأحضر الوزير وقال: هذا محب لدولتنا ناصح في خدمتنا. وقد أشار علينا ببناء بجاية. وعزم على الانتقال إلينا بالأهل والولد. فاكتب له جواب كتبه إلى تميم. وأمر له بألف دينار، وأربع وصائف، وأربع بغال من مراكبه.\rوسار ابن البعبع فوصل إلى المهدية بكتب ناقصة وصلة تامة. فاستراب به تميم. وسأله عن بناء بجاية وسببه، فقال: يا مولاي، مالي بهذا علم. أنا رجل غريب. فتحقق تميم أنه الذي أشار عليه ببنائها. وخرج ابن البعبع إلى داره خائفاً وجلا.\rوكان لما فارق الناصر سأله أن ينفّذ معه رجلاً من ثقاته ينفذ معه ما يعاين من الأخبار. فنفّذ معه رجلاً. فلما خرج إلى داره كتب إلى الناصر: إنني لما وصلت إلى تميم لم يسألني عن شيء قبل سؤاله عن أمر بجاية، إنه قد وقع على قلبه منها أمر عظيم. وقد اتهمني فانظر من تثق به من العرب ممن يصل إلى أولاد عكابش، فإنني خارج إليهم مسرعاً، وقد عاهدتهم على ذلك. فتنفذ من بني هلال من تثق به. وقد أوثقت شيوخ زويلة وغيرها على طاعتك. فالله الله أسرع إلي بمن ذكرت.\rقال: فمضى الرسول بالكتاب فقرأه الناصر وأوقف الوزير أبا بكر عليه. فاستحسن الوزير ذلك منه وقال: لقد خدم هذا الرجل ونصح. فقال الناصر: خذ الكتاب إليك، وجاوب الرجل عنه، وانظر في إنفاذ العرب إليه قولاً وفعلاً، ولا تؤخر ذلك عنه. فمضى الوزير إلى داره وكتب نسخة كتاب ابن البعبع، وحكاها حتى كأنها هي، خشية أن يسأله الناصر عن الكتاب بعد ذلك. وأنفذ كتابه الذي بخطه إلى تميم وكتب كتاباً منه يصف الحال من أوله إلى آخره.\rفلما وقف تميم على ذلك، عجب منه وبقي يتوقع له ما يأخذه به. وجعل عليه من يحرسه في ليله ونهاره من حيث لا يشعر. فأتاه بعض الحرس وأخبره أن ابن البعبع صنع طعاماً وأحضر عنده الشريف الفهري - وكان هذا الشريف من خواص تميم - فلما أصبح استدعاه تميم. فحضر وقال: يا مولاي، ما كنت إلا واصلاً إليك.\rوحدثه أن محمد بن البعبع دعاني وقال لي: أنا في ذمامك وحسبك، أحب أن تعرفني من أين أخرج من المهدية، فأنت أعرف الناس بذلك. فقلت له: ولم تفعل ذلك، وأنت في هذه المنزلة الكبيرة مع مولانا تميم؟ فقال: إنه اتهمني أنني أشرت على الناصر ببناء بجاية، وقد خفت. فقلت له: يا أبا عبد الله، إن كنت سالماً من قول قلته أو أمر أبرمته فلا تبال، فسيدنا تميم رجل رؤوف لا يؤاخذ بقول ولا بظن. فقال لي: دعني فلا قدوة لي على المقام. فقلت له: أنا أنظر في هذا الأمر بالغداة إن شاء الله وأعرفك بمن تثق به من العرب. فأخذ يدي على ذلك.","part":6,"page":466},{"id":2977,"text":"قال: فأخرج تميم كتاب ابن البعبع الذي بخطه إلى الناصر وأوقف الشريف عليه. ثم قال له: أحضره إلي. فمضى الشريف إليه وقال له: سيدنا تميم أمر بحضورك معي ولا يكون إلا خيراً فلبس ثيابه وخرجا. فلقيهما ماضي بن عكابش فقال له: يا أبا عبد الله، الهلاليون قد وصلوا إلينا البارحة، وهذه كتب قد وصلت إليك منهم. فتناولها الشريف من يده فقال له ابن البعبع: استر على ستر الله عليك. وسأله. فدخلا القصر وابن البعبع يسأله فيها. فقال: خذها فو الله ما ينفعك أخذها. فتناولها.\rوخرج تميم إليهما فجزع ابن البعبع حتى سقطت الكتب من يده وإذا عنوان أحدها: من الناصر بن علناس إلى شيخنا وخليلنا فقال له تميم: من أين هذه الكتب؟ فسكت. فقرأها تميم فوجد فيها الحجة عليه. فقال ابن البعبع: العفو يا مولانا. فقال لا عفا الله عنك؟ وأمر بضرب عنقه وتغريق جثته.\rاستيلاء تميم على مدينة تونس\rوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، سير تميم عسكراً كثيفاً إلى مدينة تونس. فأقام محاصراً لها مضيّقاً عليها سنة وشهرين. وكان بها أحمد بن خراسان وقد أظهر الخلاف.\rوسبب ذلك أن المعز بن باديس أبا تميم - لما فارق القيروان والمنصورية ورحل إلى المهدية - استخلف على القيروان وعلى تونس قائد بن ميمون الصنهاجي. فأقام بها ثلاث سنين ثم غلبته هوارة عليها، فسلمها إليهم وخرج إلى المهدية. فلما ولي تميم بعد أبيه رده إليها، فأقام بها مدة ست سنين. ثم أظهر الخلاف على تميم وأطاع الناصر بن علناس. فجرد إليه تميم عسكراً من أجناده وعبيده. فعلم أنه لا طاقة له بهم، فترك القيروان وسار إلى الناصر. ودخل عسكر تميم القيروان وخربوا قصر القائد الذي بناه بباب سلم.\rوسار العسكر إلى تونس وبها ابن خراسان فحصروه، فأطاع وصالح الأمير تميماً.\rوأما قائد بن ميمون فإنه مكث عند الناصر سنتين. ثم مضى إلى حمّو بن مليل فاشترى له مدينة القيروان من العرب وولاه عليها. فابتدأ ببناء سورها وحصّنها.\rوفي سنة سبعين وأربعمائة، تم الصلح بين تميم والناصر ابن علناس. وزوجه تميم ابنته السيدة بلارة وجهزها إليه من المهدية في البر.\rاستيلاء مالك على القيروان\rوأخذها منه، وعودها إلى تميم وفي سنة ست وسبعين وأربعمائة، جمع مالك بن علوي العرب، وسار إلى المهدية وحصرها. فدفعه تميم عنها ولم يظفر منها بشيء. فسار إلى القيروان فحصرها وملكها. فجرد تميم العساكر إليه فحصروه بها. فلما رأى مالك أنه لا طاقة له بعساكر تميم تركها. واستولت عساكر تميم عليها وعادت إلى ملكه كما كانت.\rملك الروم زويلة\rوعودهم عنها قال: وفي سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، اجتمع الروم في أربعمائة قطعة وأعانهم الفرنج. وأتوا كلهم إلى جزيرة قوصرة وأخربوا ونهبوا وأحرقوا. وملكوا مدينة زويلة وهي بقرب المهدية. وكانت عساكر تميم غائبة في قتال الخارجين عليه، فصالح تميم الروم على ثمانين ألف دينار، بشرط أن يرادوا جميع ما حووه من السبي، ففعلوا ذلك ورجعوا جميعاً.\rوفيها مات الناصر بن علناس. وولي ابنه المنصور فقفا آثار أبيه في الحزم والعزم والرئاسة. وأتته كتب تميم وغيره بالتهنئة والتعزية.\rخبر شاه ملك التركي\rودخوله إلى إفريقية وغدره بيحيى بن تميم كان شاه ملك هذا من أولاد بعض أمراء الأتراك ببلاد المشرق فناله في بلده أمر أخرجه عنها. فخرج وسار إلى مصر في مائة فارس. فأكرمه الأفضل أمير الجيوش ووصله وأعطاه إقطاعاً ومالاً. ثم بلغه عنه أشياء أوجبت حبسه هو وأصحابه. وجرى بمصر أمر فخرج شاه ملك هو وأصحابه هاربين، واحتالوا في خيل وعدة.\rوتوجهوا إلى المغرب فوصلوا إلى طرابلس المغرب وأهل البلد كارهو لواليها. فأدخلوهم البلد وأخرجوا الوالي. فصار شاه ملك أمير البلد. فبلغ تميم الخبر فأرسل العساكر فحصروها وفتحوها وأخذوا شاه ملك ومن معه إلى المهدية. فسر بهم تميم وقال: قد ولد لي مائة ولد أنتفع بهم. وكانوا لا يخطيء لهم سهم.","part":6,"page":467},{"id":2978,"text":"فلم تطل الأيام حتى جرى منهم أمر غير تميماً عليهم. فعلم شاه ملك ذلك، وكان صاحب دهاء وخبث. فلما كان في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، خرج يحيى بن تميم إلى الصيد ومعه شاه ملك ومن معه. وكان أبوه قد تقدم إليه ألا يقربه فلم يقبل منه. فلما أبعدوا في طلب الصيد، غدر به شاه ملك، وقبض عليه، وسار به وبمن أخذ من أصحابه إلى حمو بن مليل صاحب مدينة سفاقس. فركب حمو وخرج للقاء يحيى بن تميم. وترجل وقبل يده ومشى في ركابه وعظّمه واعترف له بالعبودية. وأقام عنده أياماً ولم يذكره أبوه بكلمة واحدة. وكان قد جعله ولي عهده، فلما أخذ أقام أبوه مقامه ابنا آخر اسمه مثنى.\rقال: ثم إن صاحب سفاقس خاف يحيى على نفسه أن يثور معه الجند وأهل البلد فيملكوه عليهم، فكتب إلى تميم يسأله إنفاذ الأتراك وأولاده إليه ليرسل إليه ابنه يحيى. ففعل ذلك بعد امتناع كثير. وقدم يحيى فحجبه أبوه عنه مدة. ثم رضي عنه وأعاده وجهزه إلى سفاقس بجيش فحصرها براً وبحراً مدة شهرين. فخرج الأتراك عنها إلى قابس.\rخلافة مثنى بن تميم على أبيه قال: كان سبب ذلك أن تميم بن المعز لما رضي عن ابنه يحيى وأعاده إلى ولاية عهده، عظم ذلك على المثنى وداخله الحسد فلم يملك نفسه. فنقل إلى أبيه عنه ما غير قلبه عليه. فأمر بإخراجه من المهدية بأهله وولده وعبيده. فركب في البحر إلى سفاقس، فلم يمكنه عاملها من الدخول إليها.\rفقصد مدينة قابس، فلقيه الثائر بها مكن بن كامل الدهماني فأنزله وأكرمه. فحسن له مثنى الخروج معه إلى سفاقس والمهدية وأطمعه فيها، وضمن له بالإنفاق على الجند من ماله. فجمع ما أمكنه جمعه. وسارا إلى سفاقس ومعهما شاه ملك التركي وأصحابه فنزلوا على سفاقس وقاتلوا من بها فبلغ تميماً الخبر فجرد إليها جنداً من الرماة. فلما علم المثنى ومن معه أنهم لا طمع لهم فيها تركوها. وقصدوا المهدية فنزلوا عليها وقاتلوا. فتولى قتالهم بها يحيى بن تميم وظهر من شدته وصبره وحزمه وحسن تدبيره ما استدل به على نجاح أمره وحسن عاقبته. ولم يبلغ أولئك منها غرضاً فعادوا وقد تلف ما كان مع المثنى من مال وغيره.\rملك تميم مدينة قابس\rوفي سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ملك تميم مدينة قابس، وأخرج منها أخاه عمرو بن المعز. وكان أهلها ولّوه عليها بعد موت قاضي ابن إبراهيم بن بلمويه. فلم يحسن عمرو السياسة ولا نهض بشرط الولاية. وكان قاضي بن إبراهيم عاصياً على تميم، وتميم يعرض عنه. فسلك عمرو طريقته في العصيان، فأخرج تميم العساكر إلى أخيه ليأخذ قابس منه. فقال له أصحابه: يا مولانا، لما كان فيها قاضي توانيت عنه وتركته، فلما صلى الله عليه وسلم أمرها إلى أخيك جردت إليه العساكر! فقال: لما كان فيها عبد من عبيدنا كان زواله سهلاً علينا. وأما الآن فابن المعز بالمهدية وابن المعز بقابس. هذا لا يمكن السكوت عليه.\rوفي فتحها يقول ابن خطيب سوسة قصيدته المشهورة التي أولها:\rضحك الزمان وكان يلفى عابسا ... لما فتحت بحد سيفك قابسا\rأنكحتها بكرا وما أمهرتها ... إلا قنا وصوارما وفوارسا\rالله يعلم ما جنيت ثمارها ... إلا وكان أبوك قبل الفارسا\rمن كان بالسّمر العوالي خاطبا ... جليت له بيض الحصون عرائسا\rفأبشر تميم بن المعز بفتكة ... تركتك في أكناف قابس قابسا\rولّوا فكم تركوا هناك مصانعا ... ومقاصرا ومخالدا ومجالسا\rفكأنها قلب وهنّ وساوس ... جاء اليقين فذاد عنه وساوسا\rوفي سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، فتح تميم جزيرة جربة وجزيرة قرقنة ومدينة تونس. وكان بإفريقية غلاء شديد هلك فيه كثير من الناس.","part":6,"page":468},{"id":2979,"text":"وفي سنة ثلاث وتسعين، فتح تميم مدينة سفاقس. وخرج منها حمو بن مليل هاربا فقصد مكن بن كامل الدّهماني، فأحسن إليه وأقام عنده حتى مات. وكان حمو قد تغلب عليها واشتد أمره بوزير كان عنده من كتاب المعز حسن الرأي والتدبير والسياسة، فاستقامت به دولته وعظم شأنه فأرسل إليه تميم وبالغ في استمالته ووعده بكل جميل فلم يقبل. فاشتد أمره على تميم فسير جيشاً إلى حصار سفاقس. وأمر مقدم الجيش أن يهدم ما حول المدينة ويحرقه ويقطع الأشجار سوى ما يتعلق بذلك الوزير، فإنه لا يتعرض إليه ويبالغ في صيانته، ففعل ذلك. فلما رأى حمو ذلك اتهمه وقتله. فانحل نظام دولته وتسلم عسكر تميم البلد.\rوفي سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، مات المنصور بن الناصر بن علناس، وولي بعده ولده باديس. ثم مات بعد يسير فولى أخوه العزيز بالله.\rوفاة تميم بن المعز\rكانت وفاته في شهر رجب سنة إحدى وخمسمائة، وله من العمر تسع وسبعون سنة، ومدة ولايته سبع وأربعون سنة وعشرة أشهر وعشرون يوماً.\rوكان شهماً شجاعاً كريماً حليماً كثير العفو عن الجرائم العظيمة ذكياً حسن الشعر. فمن شعره ما قاله وقد وقع حرب بين طائفتين من العرب، وهما عدي ورياح فقتل رجل من رياح ثم اصطلحوا وأهدروا دمه، وكان صلحهم مما يضر بتميم وبلاده، فقال أبياتاً يحرض فيها على الطلب بدم المقتول، وهي:\rمتى كانت دماؤكم تطل ... أما فيكم بثأر مستقل\rأغانم ثم سالم إن فشلتم ... فما كانت أوائلكم تذل\rونمتم عن طلاب الثأر حتى ... كأن العز فيكم مضمحل\rوما كسرتم فيه العوالي ... ولا بيض تفلّ ولا تسل\rفعمد إخوة المقتول فقتلوا أميراً من بني عدي. فقامت الحرب بينهم واشتد القتال، وكثرت القتلى بينهم حتى أخرجوا بني عدي من إفريقية، وبلغ تميم فيهم ما يريد. وكان يوقع بالشعر الحروب بين العرب فبلغ بلسانه ما لم يبلغه بسنانه.\rومن أخباره في رعيته وشفقته عليهم ما حكى أنه اشترى جارية بثمن كثير. فبلغه أن مولاها الذي باعها ذهب عقله وأسف على فراقها. فأحضره تميم إلى بين يديه وأرسل الجارية إلى داره ومعها من الكسوة والأواني والفضة والطيب شيئاً كثيراً. ثم أمر مولاها بالانصراف وهو لا يعلم بذلك. فلما وصل إلى داره ورآها بمنزلة سقط إلى الأرض وغشى عليه لكثرة ما ناله من السرور. ثم أفاق وأصبح من الغد فحمل الثمن وجميع ما كان معها إلى دار تميم. فغضب وانتهره وأمره بإعادة ذلك إلى داره. وهذه نهاية في الجود، وغاية في الكرم والشفقة والإحسان.\rوكان له في البلاد أصحاب أخبار يطالعونه بأخبار الناس لئلا يظلموا.\rقال: وخلّف من النبين مائة، ومن البنات ستين.\rولما مات رحمه الله ولي بعده ابنه يحيى.\rولاية يحيى بن تميم بن المعز بن باديس ابن المنصور يوسف بن زيري كانت ولايته عند وفاة أبيه تميم في يوم السبت النصف من شهر رجب سنة إحدى وخمسمائة، ومولده بالمهدية في يوم الجمعة لأربع بقين من ذي الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة. ولما ولي عم أهل دولته من الخواص والجند بالخلع السنية، ووهب الأجناد والعبيد أموالاً كثيرة.\rوفي هذه السنة، جرد عسكراً إلى قلعة اقليبية، وهي من أحصن قلاع إفريقية. وقدّم عليهم الشريف علي الفهري. فنزل عليها وحاصرها حصاراً شديداً ففتحها. وكان تميم قد رامها فلم يقدر على فتحها.\rوفي سنة اثنتين وخمسمائة، وصل إلى المهدية ثلاثة نفر غرباء. فكتبوا إلى يحيى يقولون إنهم يعملون الكيمياء. فأحضرهم عنده وأمرهم أن يعملوا شيئاً من صناعتهم. وأحضر هلم ما طلبوه من صناعتهم، وأحضر لهم ما طلبوه من آلة وغيرها. وقعد معهم هو والشريف أبو الحسن. فلما رأى الكيميائية المكان خالياً ثاروا بيحيى. فضربه أحدهم على رأسه، فوقعت السكين في عمامته فلم تصنع شيئاً. ورفسه يحيى فألقاه على ظهره. ودخل يحيى باباً وأغلق على نفسه. وضرب الثاني الشريف فقتله. وأخذ إبراهيم القائد السيف فقاتل الكيميائية. ورفع الصوت فدخل أصحاب الأمير يحيى فقتلوا أولئك. وكان زيهم زي أهل الأندلس، فقتل جماعة في البلد على مثل زيهم.","part":6,"page":469},{"id":2980,"text":"وقيل ليحيى: إن هؤلاء رآهم بعض الناس عند المقدم بن الخليفة. واتفق أن الأمير أبا الفتوح إبراهيم أخا يحيى وصل في تلك الساعة إلى القصر، في أصحابه وقد لبسوا السلاح. فمنع من الدخول. فثبت عند يحيى أن ذلك بوضع منهما. فأحضر المقدم بن خليفة وأمر أولاد أخيه فقتلوه قصاصاً، لأنه كان قد قتل أباه. وأخرج الأمير أبا الفتوح وزوجته إلى قصر زياد بين المهدية وسفاقس، ووكل بهما. فبقي هناك حتى مات يحيى وولي ابنه علي. فسيّره إلى ديار مصر في البحر.\rوفي سنة أربع وخمسمائة، أنفذ ابنه أبا الفتوح والياً على مدينة سفاقس. فقام أهلها عليه فنهبوا قصره وهمّوا بقتله. فلم يزل يحيى يعمل الحيلة حتى فرق كلمتهم وبدد شملهم وملك رقابهم وملأ السجون منهم. ثم عفّ عن دمائهم وعفا عن ذنوبهم.\rوفي أيام يحيى وصل إلى المهدية من طرابلس المهدي محمد بن تومرت، وكان كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوفاة يحيى بن تميم\rوشيء من أخباره كانت وفاته فجأة يوم عيد الأضحى سنة تسع وخمسمائة. وكان منجمه قد قال له في تسيير مولده: إن عليه قطعاً في هذا اليوم. ومنعه من الركوب فلم يركب وخرج أولاده وأهل بيته وأرباب دولته إلى المصلى. فلما انقضت الصلاة حضروا للسلام عليه وتهنئته.\rوقرأ القراء وأنشد الشعراء وانصرفوا إلى الطعام. فقام يحيى من باب آخر ليحضر معهم على الطعام. فلم يمش غير ثلاث خطوات ووقع ميتاً رحمه الله.\rوكان عادلاً في رعيته، ضابطاً لأمور دولته، مدبراً لجميع أمواله، رحيماً بالضعفاء والفقراء كثير الصدقة، يقرب أهل العلم والفضل. وكان عالماً بالأخبار وأيام الناس والطب. وكان حسن الوجه، أشهل العينين، مائلاً في قدّه إلى الطول.\rومات وله من العمر اثنتان وخمسون سنة إلا سبعة عشر يوماً. ومدة ولايته ثماني سنين وخمسة أشهر إلا خمسة أيام.\rوخلّف من الأولاد الذكور ثلاثين ولداً.\rوقال عبد الجبار محمد بن حمديس الصقلي يرثيه ويهنىء ابنه علياً بالملك:\rما أعمد العضب حتى جرّد الذّكر ... ولا اختفى قمر حتى بدا قمر\rبموت يحيى أميت الناس كلهم ... حتى إذا ما عليّ جاءهم نشروا\rإن يبعثوا بسرور من تملّكه ... فمن منيّة يحيى بالأسى قبروا\rأوفى عليّ فسنّ الملك ضاحكة ... وعينه من أبيه دمعها هر\rشقّت جيوب المعالي ضاحكة ... وعيه من أبيه دمعها همر\rوقل لابن تميم حزن أتمها ... فكل حزن عظيم فيه محتقر\rقام الدليل ويحيى لا حياة له ... أن المنية لا تبقى ولا تذر\rولاية علي بن يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس بن المنصور بن يوسف بن زيري كانت ولايته بعد وفاة أبيه. وكان إذ ذاك بمدينة سفاقس، فاجتمع رجال الدولة منهم عبد العزيز بن عمار والقائد زكو وغيرهما.\rووقع الاتفاق على أن يكتب كتاب على لسان يحيى لولده يؤمر فيه بالوصول إليه مسرعاً. فكتب وسيّر إليه فوصل إليه ليلاً. فخرج لوقته ومعه طائفة من أمراء العرب. وجد السير فوصل إلى المهدية الظهر من يوم الخميس الثاني من يوم العميد، وهو الحادي عشر من ذي الحجة سنة تسع وخمسمائة. ودخل القصر. وبدأ بتجهيز أبيه وموارات في قبره ثم جلس للعزاء والهناء.\rولما استقامت له الأمور، جهز أسطولاً إلى جربة، وكان أهلها يقطعون على الناس في البحر. وجعل قائد الأسطول القائد إبراهيم قائد جيشه، وأصحبه جماعة من رجال الدولة. فمضوا إليها وحاصروها وضيقوا على أهلها، حتى أذعنوا للطاعة ونزلوا على الحكم والتزموا الكف عن الفساد. فأمن من يسافر في البحر.\rوفي سنة عشر وخمسمائة، جهز جيشاً إلى مدينة تونس، وبها أحمد بن خراسان. فحاصرها وضيق على من بها. فصالح ابن خراسان السلطان على ما أراد.\rوفتح أيضاً في هذه السنة جبل وسلات واستولى عليه. وهو جبل منيع لم يزل أهله طول الدهر يقطعون الطريق ويقتلون الناس. فملكه وقتل من فيه.","part":6,"page":470},{"id":2981,"text":"وفي سنة إحدى عشرة وخمسمائة، حاصر الأمير على مدينة قابس في البحر. وسبب ذلك أن رافع بن مكن الدهماني أنشأ مركباً بساحلها، وقصد إجراءه في البحر في آخر أيام يحيى فلم ينكر ذلك وأعانه بالخشب والحديد. وتوفي يحيى قبل إكماله. فلما ولي على أنف من ذلك. فعمر ست حربيات وأربع شوان. فاستعان رافع برجار صاحب صقلية فانفذ رجالا لإعانته أصطولاً جملته أربعة وعشرون شينياً، لتأخذ المركب معها ونشيعه إلى صقلية لئلا تقطع عليه مراكب علي. فلما اجتاز أصطول رجار بالمهدية، أخرج على الحربيات والشواني تتبعه إلى قابس، فتوافوا بها. فرجع أسطول رجار إلى صقلية وبقي أصطول علي يحاصر قابس. فضيق على من بها وأثر في أجلها وأفسد ثم رجع إلى المهدية. وتمادى رافع في إظهار المخالفة والتمسك بصاحب صقلية.\rحصار رافع المهدية\rوانهزامه قال: ثم أقبل رافع بن مكن الدهماني على جميع قبائل العرب وحالفهم. وسار بهم لحصار المهدية ونازلها. فأمر على العسكر بالخروج وقتاله. فخرجوا عشية النهار فحملوا على رافع ومن معه حتى أزالوهم عن مواقفهم. ووصل الجند إلى أخبية العرب. فصاح الحريم: هكذا نسبي، هكذا نستباح. فعادت العرب ونشبت الحرب واشتد القتال إلى المغرب. ثم افترقوا، وقد قتل من عسكر رافع خلق كثير، ولم يقتل من أصحاب علي إلا رجل واحد. ثم خرج إليهم الجند مرة ثانية واقتتلوا. فكان الظهور لأصحاب علي.\rوهرب رافع بالليل إلى القيروان فدخلها بعد قتال. فأرسل علي ابن يحيى إليه عسكراً فحاصروه بالقيروان. ووقع بينهم قتال شديد قتل فيه أحمد بن إبراهيم صاحب الجيش بسهم أصابه. وكان الغلب مع ذلك لأصحاب علي. ورجع رافع إلى قابس.\rوتوسط ميمون بن زياد لرافع في الصلح مع علي. فأجاب إلى ذلك بعد امتناع. وتم الصلح بينهما وانتظم وزالت الوحشة.\rثم وصل رسول رجار صاحب صقلية بمكاتبة يلتمس فيها تأكيد العهود وتجديد العقود. فأجاب إلى ذلك. ثم وقعت الوحشة بينهما. فأمر علي بتجديد الأصطول فعمر عشرة مراكب حربية، وثلاثين غرابا، وشحنها بالرجال والعدد والنفط وجميع ما تحتاج إليه.\rوكان دأبه الحزم والصرامة والشهادة والعزم إلى أن توفى. وكانت وفاته في يوم الثلاثاء لسبع بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وخمسمائة. وكان مولده بالمهدية صبيحة يوم الأحد للنصف من صفر سنة تسع وسبعين وأربعمائة. وكانت مدة ولايته خمس سنين وأربعة أشهر وثلاثة عشر يوماً. وخلف من الأولاد أربعة، وهم الحسن وباديس وأحمد وعزيز.\rولما مات ولي بعده بعهده ولده الحسن.\rولاية الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس بن المنصور بن يوسف بن زيري كانت ولايته بعهد من أبيه. فاستقل بعد وفاة أبيه، وله من العمر إذ ذاك اثنتا عشرة سنة وشهوراً. فدبر دولته صندل الخص وحفظ الملك. فلم تطل أيام صندل حتى مات. ووقع الاختلاف بين أكابر الدولة والقواد، وكل منهم يطلب التقدم على الجميع، ويبدي أنه صاحب الحل والعقد. فلم يزالوا كذلك إلى أن فوض أمور دولته إلى القائد أبي عزيز موفق، وهو من قواد أبيه، فصلحت الأمور\rاستيلاء الفرنج على جزيرة جرب\rوفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة، استولت الفرنج على جربة من بلاد إفريقية. وكان أهلها لا يدخلون تحت طاعة سلطان. فخرج إليها جيش من صقلية وأداروا المراكب بجهاتها. فقاتل أهلها قتالاً شديداً فقتل منهم خلق كثير وانهزموا. وملكها الفرنج، وغنموا الأموال، وسبوا الناء والأطفال. وهلك أكثر رجالها، وعاد من بقي منهم فأخذوا لأنفسهم أماناً من صاحب صقلية وافتكوا أسراهم وسبيهم.\rملك الفرنج مدينة طرابلس","part":6,"page":471},{"id":2982,"text":"وفي أيامه ملك الفرنج مدينة طرابلس الغرب، وذلك في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وسبب ذلك أن رجار صاحب صقلية جهز أصطولاً كثيراً وسيره إليها. فأحاطوا بها براً وبحراً في ثالث المحرم من السنة. فقاتلهم أهلها ودامت الحرب بينهم ثلاثة أيام. فلما كان في اليوم الثالث سمع الفرنج صيحة عظيمة في البلد وخلت الأسوار من المقاتلة. وكان سبب ذلك أن أهل طرابلس كانوا قبل وصول الفرنج بأيام يسيرة قد اختلفوا. وأخرجت بنو مطروح طائفة. وقدموا على أنفسهم رجلاً من الملثمين كان قد قدم يريد الحج ومعه جماعة، فولوه أمرهم. فلما نازلهم الفرنج، أغارت تلك الطائفة على بني مطروح. فوقعت الحرب بين الطائفتين وخلت الأسوار. فانتهز الفرنج الفرصة، ونصبوا السلالم، وصعدوا على السور، وملكوا المدينة. فسفكوا دماء أهلها، وسبوا نساءهم ونهبوا أموالهم. وهرب من قدر على الهرب والتجئوا إلى البربر والعرب. ثم نودي بالأمان للناس كافة. فرجع كل من فر منها. وأقام الفرج ستة أشهر حتى حصنوا أسوارها وحفروا خندقها. وعند رجوعهم أخذوا رهائن أهلها والملثم وبني مطروح ثم أعادوا رهائنهم واستقام أمر المدينة وعمرت سريعاً.\rاستيلاء الفرنج على المهدية\rوسفاقس وسوسة كان استيلاء الفرنج على ذلك في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وذلك أن الغلاء تتابع في جميع بلاد المغرب من سنة سبع وثلاثين إلى هذه السنة، وكان أشده في سنة اثنتين وأربعين، فإن الناس فارقوا البلاد، ودخل أكثرهم إلى جزيرة صقلية، وأكل الناس بعضهم بعضاً، وكثر الفناء. فاغتنم رجار ملك صقلية هذه الفرصة، وعمر أصطولاً نحو مائة وخمسين شينياً، وشحنها بالرجال والعدد. وساروا إلى جزيرة قوصرة - وهي بين المهدية وصقلية - فصادفوا بها مركباً وصل من المهدية. فأخذ أهله وأحضروا بين يدي جرجي مقدم الأصطول، فسألهم عن حال إفريقية. ووجد في المركب قفص حمام. فأمر الرجل الذي كان الحمام صحبته أن يكتب بخطه: إننا لما وصلنا إلى قوصرة وجدنا بها مراكب من صقلية. فسألناهم عن الأسطول المخذول، فذكروا أنه أقلع إلى القسطنطينية. وأطلق الحمام فوصل إلى المهدية فسر الأمير والناس، وأراد جرجى بذلك أن يصل بغتة.\rثم سار الأصطول من قوصرة إلى المهدية في ثاني صفر فأرسل مقدم الأسطول إلى الحسن يقول: إنا لم نأت إلا طلباً بثأر محمد بن رشيد صاحب قابس ورده إليها. وكان قد أخرج منها وبينه وبين الفرنج مودة ومصالحة. وأما أنت فبيننا وبينك عهود ومواثيق إلى مدة، ونريد منك عهوداً ومواثيق إلى مدة. ونريد منك عسكراً يكون معنا.\rفجمع الحسن الناس من الفقهاء والأعيان وشاورهم. فقالوا: نقاتل عدونا فإن بلدنا حصين. فقال: نخشى أن ينزلوا إلى البر، ويحصرونا براً وبحراً، وتنقطع الميرة عنا وليس عندنا ما يقوم بنا شهراً واحداً. وأنا أرى سلامة المسلمين، من القتل والأسر خيراً من الملك. وقد طلب مني عسكراً إلى قابس، فإن فعلت فما يحل إعانة الكفار علىالمسلمين، وإن امتنعت يقول: انتقض ما بيننا من الصلح. وليس لنا بقتاله طاقة. والرأي عندي أن نخرج بالأهل والولد، ونترك البلد. فمن أراد أن يفعل كفعلنا فليبادر معنا. وأمر في الحال بالرحيل وأخذ معه ما خف حمله وخرج، وتبعه الناس على وجوهم بأهلهم وأولادهم وما خف من أموالهم وأثاثهم. ومن الناس من اختفى عند النصارى وفي الكنائس هذا والأسطول في البحر يمنعه الريح من الوصول إلى المدينة. فما مضى ثلثا النهار حتى لم يبق بالبلد ممن عزم على الخروج أحد.\rودخل الفرنج البلد بغير مانع ولا مدافع. ودخل جرجي القصر فوجده على حاله لم يأخذ منه الحسن شيئاً إلا ما خف من ذخائر الملوك. ووجد فيه عدة من حظاياه. ورأى الخزائن مملوءة من الذخائر النفيسة، ومن كل شيء غريب فختم عليه. وجمع سراري الحسن في قصر. ولما ملك المدينة نهبت مقدار ساعتين ثم نودي بالأمان. فخرج من كان مستخفياً. وأصبح جرجي من الغدر، فأرسل إلى من قرب من العرب فدخلوا البلد. فأحسن إليهم وأعطاهم أموالاً جزيلة. وأرسل أماناً إلى من خرج من المهدية، ودواب يحملون عليها الأطفال فرجعوا.","part":6,"page":472},{"id":2983,"text":"قال: ولما استقر جرجي بالمهدية سير أسطولاً بعد أسبوع إلى مدينة سفاقس، وأسطولاً إلى مدينة سوسة. فأما سوسة فإن أهلها لما سمعوا خبر المهدية - وكان علي بن الحسن والياً عليها - فخرج إلى أبيه، وخرج الناس لخروجه. فدخلها الفرنج بغير قتال في ثاني عشر صفر منها. أما سفاقس فإن أهلها أتاهم كثير من العرب فامتنعوا بهم. فقاتلهم الفرنج فخرج إليهم أهل البلد. فأظهر الفرنج الهزيمة وتبعهم المسلمون حتى أبعدوا عن البلد. ثم عطفوا عليه فانهزم قوم إلى البلد، وقوم إلى البرية، وقتل منهم جماعة. ودخل الفرنج البلد بعد قتال شديد وقتلى كثيرة. وأسر من بقي من الرجال وسبي الحريم. وذلك في الثالث عشر من صفر منها. ثم نودي بالأمان فعاد أهلها إليها. ووصلت كتب من رجار صاحب صقلية بالأمان إلى جميع أهل إفريقية، والمواعيد الحسنة. وصار للفرنج من طرابلس الغرب إلى قريب تونس، ومن المغرب إلى دون القيروان.\rانقراض دولة بني زيري\rمن إفريقية وما اتفق للحسن بن علي بعد خروجه من المهدية كان انقراض دولتهم من إفريقية بخروج الحسن بن علي بن يحيى بن تميم من المهدية، وكان خروجه منها على ما قدمناه في ثاني صفر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، ومدة ملكه سبعاً وعشرين سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام.\rوعدة من ولي منهم تسعة ملوك، وهم زيري بن مناد، ثم ابنه يوسف بلكين، ثم ابنه المنصور بن يوسف، ثم ابنه باديس ابن المنصور، ثم ابنه المعز بن باديس، ثم ابنه تميم بن المعز، ثم ابنه يحيى بن تميم، ثم ابنه علي بن يحيى، ثم ابنه الحسن ابن علي هذا، وعليه انقرضت الدولة.\rومدة قيامهم منذ عمّر زيري بن مناد مدينة آشير في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وإلى هذا الوقت مائتي سنة وتسع عشرة سنة، ومنذ تسلم يوسف بلكين بلاد المغرب من المعز لدين الله أبي تميم معد - عند رحيله إلى الديار المصرية على ما قدمناه - مائة سنة، وإحدى وثمانين سنة وشهراً واحداً وتسعة أيام.\rولم يبق منهم ببلاد المغرب غير بني حماد، وسنذكر انقراض دولتهم في أخبار عبد المؤمن إن شاء الله تعالى.\rما اتفق للحسن بن علي\rبعد خروجه من المهدية قال: لما خرج من المهديتة سار بأهله وأولاده، وكانوا اثني عشر ذكراً غير الإناث. وقصد محرز بن زياد وهو بالمعلّقة فوصل إليه فلقيه لقاء جميلاً وتوجع لما حل به. وأقام عنده شهوراً والحسن كاره للمقام. وأراد المسير إلى ديار مصر إلى الحافظ العبيدي، واشترى مركباً ليسافر فيه. فاتصل ذلك بجرجي الفرنجي المتغلب على ملكه، فجهز شواني لأخذه. فرجع الحسن عن ذلك.\rوقصد المسير إلى عبد المؤمن ببلاد المغرب يستنصر بهب على الفرنج. فأرسل ثلاثة من أولاده، وهم يحيى وعلي وتمين، إلى يحيى بن العزيز بالله، وهو من بني حماد، وهما بانا عم يرجعون كلهم في النسب إلى زيري بن مناد، وكان يحيى هذا قد ولى بعد أبيه. واستأذنه في الوصول إليه، وتجديد العهد به، والمسير من عنده إلى عبد المؤمن. فأذن له يحيى في ذلك فسار الحسن إليه. فلما وصل إلى بلاده لم يجتمع به وسيره إلى جزيرة بني مزغنان هو وأولاده ووكل بهم من يمنعهم من التصرف. فبقوا هناك إلى أن ملك عبد المؤمن مدينة بجاية في سنة سبع وأربعين وخمسمائة. ثم صار من أصحاب عبد المؤمن وشهد معه فتح المهدية على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار عبد المؤمن.\rدولة الملثمين وأخبارهم ومن ملك منهم كان ابتداء أمرهم - على ما حكاه عز الدين أبو محمد عبد العزيز ابن شداد بن الأمير تميم بن المعز بن باديس في تاريخه المترجم بالجمع والبيان في أخبار المغرب والقيروان بسند يرفعه إلى القاضي أبي الحسن علي بن فنون قاضي مراكش: أن رجلاً من قبيلة جدّالة من كبرائهم اسمه الجوهر أتى من الصحراء إلى بلاد المغرب طالباً للحج، وذلك في عشر الخمسين وأربعمائة. وكان مؤثراً للدين، محباً في الخير، مكرماً للصالحين. فمر بفقيه يقرأ عليه مذهب الإمام مالك بن أنس وحوله جماعة. قال: والغالب أنه أبو عمران قاضي القيروان. فآوى إليه وأصغى إلى ما يذكر في مجلسه من علم الشريعة. فأحب سماعه وأناب إليه قلبه. ثم استمر في وجهته إلى الحج وقد أثر ذلك في نفسه.","part":6,"page":473},{"id":2984,"text":"فلما حج وانصرف قصد المسجد الذي كان فيه الفقيه، وسمع الكلام فيا تقتضيه ملة الإسلام من الفرائض والسنن والأحكام. فقال الجوهر: يا فقيه، ما عندنا في الصحار من هذا الذي تذكرونه شيء إلا الشهادتين في العامة، والصلاة في بعض الخاصة. فقال الفقيه: فاحمل معك من يعلمهم عقائد ملتهم وكمال دينهم. فقال له الجوهر: فابعث معي أحد الفقهاء، وعلي حفظه وبره وإكرامه. وكان للفقيه ابن أخ اسمه عمر، فقال له: اذهب مع هذا السيد إلى الصحار فعلّم القبائل بها ما يجب عليهم من دين الإسلام، ولك الثواب الجزيل من الله عز وجل، والذكر الجميل من الناس فأجابه إلى ذلك. فلما أصبح عمر من الغدر جاء إلى عمه فقال له: أعفني من الدخول إلى الصحراء فإن أهلها جاهلية، قد ألفوا سيراً نشئوا عليها فمتى نقلوا عنها قتلوا من أمرهم بخلافها. وكان من طلبة الفقيه رجل يقال له عبد الله بن ياسين الكزولي فرأى الفقيه وقد عزّ عليه مخالفة ابن أخيه، فقال: يا فقيه، أرسلني معه والله العين. فأرسله معه. وتوجها إلى الصحار. وكان عبد الله بن ياسين فقيهاً عالماً ورعاً ديناً شهماً قوي النفس حازماً ذا رأي وصبر وتدبير حسن.\rفدخل الجوهر وعبد الله بن ياسين إلى الصحار. فانتهوا إلى قبيلة لمتونة، وهي على ربة عالية. فلما رأوها نزل الجوهر عن جمله، وأخذ بزمام جمل عبد الله بن ياسين تعظيماً لدين الإسلام. فأقبلت أعيان لمتونة وأكابرهم للقاء الجوهر والسلام عليه. فرأوه يقود الجمل فسألوه عنه فقال: هو حامل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قد جاء يعلم أهل الصحراء ما يلزمهم في دين الإسلام. فرحبوا به وأنزلوه أكرم نزل.\rثم اجتمعت طائفة كبيرة من تلك القبيلة في محفل وفيهم أبو بكر ابن عمر. فقالوا: تذكر لنا ما أشرت إليه أنه يلزمنا؟ فقص عليهم عبد الله عقائد الإسلام وقواعده وبيّن لهم حتى فهم ذلك أكثرهم. ثم اقتضادهم الجواب، فقالوا: أما ما ذكرته من الصلاة والزكاة فذلك قريب. وأما قولك: من قتل يقتل، ومن سرق يقطع، ومن زنا يجلد، فأمر لا نلتزمه ولا ندخل تحته. اذهب إلى غيرنا.\rفرحلا عنهم والجوهر الجدالي يجر زمام جمل عبد الله بن ياسين فنظر إليه شيخ كبيير منهم فقال: أرأيتم هذا الجمل؟ لا بد أن يكون له في هذه الصحراء شأن يذكر في العالم.\rقال: وكان بالصحراء قبائل العرب، وهي لمتونة وجدالة ولمطة وانبيصر وايتواري ومسوفة وأفخاذ عدة، وكل قبيلة قد حازت أرضاً تسرح فيها مواشيهم، ويحمونها بسيوفهم. وهذه القبائل ينسبون إلى حمير، ويذكرون أن أسلافهم خرجوا من اليمن في الجيش الذي أنفذه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى الشام. واننقلوا إلى مصر ثم توجهوا إلى المغرب مع موسى بن نصير. وتوجهوا مع طارق إلى طنجة ثم اختاروا الانفراد فدخلوا الصحراء واستوطنوها وأقاموا بها.\rقال: وسار الجوهر حتى انتهى بعبد الله إلى قبيلة جدالة. فخاطبهم عبد الله هم والقبائل المتصلة بهم. فمنهم من سمع وأطاع ومنهم من أعرض وعصى. ثم إن المخالفين لهم تحزبوا وانحازوا. فقال عبد الله للذين قبلوا منه الإسلام: قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين خالفوا الحق وأنكروا دين الإسلام. فاستعدوا لقتالهم، واجعلوا لكم حزباً، وأقيموا لكم راية، وقدموا لكم أميراً. فقال له الجوهر: أنت الأمير فقال عبد الله: لا يمكنني هذا إنما أنا حامل أمانة الشرع، أقص عليكم نصوصه وأبين لكم طريقه، وأعرّفكم سلوكه. ولكن أنت الأمير. فقال الجوهر: لو فعلت هذا لتسلطت قبيلتي على الناس ولعاثوا في الصحراء، ويكون وزر ذلك عليّ. لا رأي لي في هذا. فقال عبد الله: فهذا أبو بكر بن عمر رأس لمتونة وكبيرها، وهو رجل جليل القدر، مشكور الحال، محمود السيرة، مطاع في قومه، نسير إليه ونهرض تقدمة الإمرة عليه، فلحب الرياسة يستجيب إلى ذلك بنفسه، ولمكان الجاه ستجتمع إليه طائفة من قبيلته نقوي بها على عدونا. والله المستعان.\rولاية أبي بكر بن عمر اللمتوني قال: فأتوا أبا بكر بن عمر فأجاب، وعقدوا له راية وبايعوه بيعة الإسلام، وتبعه زمة من قومه. وسماه عبد الله بن ياسين أمير المسلمين.","part":6,"page":474},{"id":2985,"text":"ورجعوا إلى جدالة وجمعوا إليهم من أمكن من الطوائف الذين حسن إسلامهم، ومن الأقوام الذين تألفت قلوبهم. وحرضهم عبد الله على الجهاد في سبيل الله، وسماهم المرابطين. وتألبت عليهم أحزاب من الصحراء معاندين من أهل الشر والفساد، وجيشوا لمحاربتهم. فلم يناجزهم الحرب ولا بادرهم بلقاء بل تلطف عبد الله وأبو بكر في أمرهم، واستمالوهم، واستعانوا على أولئك الأشرار المفسدين بالمصلحين من قبائلهم يسبنونهم قوماً بعد قوم بضروب من التوصل حتى حصلوا منهم تحت زرب عظيم وثيق ما ينيف على ألفي رجل من المفسدين وتركوهم فيه أياماً بغير طعام وهم يحفظون الزرب من سائر جهاته، وقد خندقوا حوله. ثم أخرجوهم قوماً بعد قوم وقتلوهم عن آخرهم.\rفحينئذ دانت لهم أكثر قبائل الصحراء وهابهم كل من فيها، وقويت شوكة المرابطين. هذا وعبد الله بن ياسين يعلم الشريعة ويقرىء الكتاب والسنة، حتى صار حوله فقهاء. وكل من انقاد إلى الحق على طريق الورع والتقى والخشية لله والمراقبة، فرتّب له أوقاتاً للمواعظ والتذكير وإيراد الوعد والوعيد. فاستقام منهم خلق كثير، وخلصت عقائدهم وزكت نفوسهم، وصفت قلوبهم.\rمقتل الجوهر الجدالي\rقال: كان الجوهر أصح القوم عقيدة، وأخلصم لله ديناً، وأكثرهم صوماً وتهجداً. فلما استبد أبو بكر بالأمر دونه، وعبد الله ينفّذ الأمور بالسنة، فصارت الدولة لهما. وبقي الجوهر لا حكم له فداخله الحسد، ، فشرع في إفساد الأمر سراً. فعلم بذلك منه وعقد له مجلس. فثبت عليه ما ذكر عنه، فحكم عليه بالقتل لأنه نكث البيعة، وشق العصا، وهمّ بمحاربة أهل الحق. فقال الجوهر: وأنا أيضاً أحب لقاء الله عز وجل حتى أرى ا تنده. فاغتسل وصلى ركعتين، وتقدم طائعاً. فضربت عنقه رحمه الله تعالى.\rقال: وكثرت طائفة المرابطين، وتتبعوا المعاندين لهم من قبائل الصحراء بالقتل والنهب والسبي إلا من أسلم منهم وسالم. وبلغت الأخبار الفقيه بما جرى في الصحراء على يد ابن ياسين من سفك الدماء ونهب الأموال وسبي الحريم. فعظم ذلك عليه واشمأز منه وندم على إرساله، وكتب له في ذلك. فأجابه عبد الله بن ياسين: أما إنكارك على ما فعلت وندامتك على إرسالي، فإنك أرسلتني إلى أمة كانت جاهلية، يخرج أحدهم ابنه وابنته لرعي السوام فيعزبان في المرعى. فتأتي المرأة حاملاً من أخيها ولا ينكرون ذلك. وليس دأبهم إلا إغارة بعضهم على بعض وقتل بعضهم لبعض. ولا دية لهم في الدماء، ولا حرمة عندهم للحريم، ولا توقى بينهم في الأموال، فأخبرتهم بالمفروض عليهم والمسنون لهم والمحدود فيهم. فمن قبل واليته، ومن تولى أرديته، وما تجاوزت حكم الله ولا تعديته. والسلام.\rخروجهم إلى السوس\rأولاً وثانياً ومقتل عبد الله بن ياسين قال: وفي سنة خمسين وأربعمائة، قحطت بلاد الملثمين ومات مواشيهم ولقوا شدة عظيمة. فأمر عبد الله ضعفاءهم بالخروج إلى السوس الأقصى وأخذ الزكاة. فخرجوا وقالوا: نحن مرابطون خرجنا إليكم من الصحار نطلب حق الله من أموالكم. فجمعوا لهم شيئاً له بال. فرجعوا به إلى الصحراء.\rثم ضاقت الصحراء بالمرابطين لشظفها وكثرتهم. فطلبوا إظهار كلمة الحق، فخرجوا إلى السوس الأقصى. فتسامع بهم أهل بلاد السوس، فاجتمعوا وجيشوا، وخرجوا لقتالهم. وصدقوهم القتال، فكسروهم. وقتل ابن ياسين، وانهزم جيش المرابطين.\rفجمع أبو بكر جيشاً وخرج إلى بلاد السوس ثانية في ألفي راكب. فاجتمع عليه من قبائل بلاد السوس وزناتة اثني عشر ألف فارس. فأرسل إليهم رسلاً وقال لهم: افتحوا لنا الطريق، فما قصدنا إلا غزو المشركين. فأبوا ذلك واستعدوا للقتال. فنزل أبو بكر وصلى الظهر على درقته ثم قال: اللهم إن كنا على الحق فانصرنا عليهم، وإن كنا على الباطل فأرحنا بالموت مما نحن فيه. ثم ركب ولقيهم فانهزموا. وقتل فيهم قتلاً ذريعاً، واستباح أسلابهم وأموالهم وعددهم. فقويت نفسه ونفوس أصحابه.\rاستيلائه على سجلماسة","part":6,"page":475},{"id":2986,"text":"قال: ثم سار أبو بكر في أطراف البلاد إلى مدينة سلجماسة. فنزل عليها وطلب أصحابه من أهلها الزكاة. فقالوا لهم: إنكم لما أتيتمونا في عدد قليل وسعكم فضلنا. والآن فضعفاؤنا فيهم كثرة، وقد آثرناكم سنين. وما هذه حالة من يطلب الزكاة بالسلاح والخيل. وإنما أنتم قوم محتالون ولو أعطيناكم أموالنا بأسرها ما عمتكم. وخرج إليهم صاحبها في عسكر كبير فحاربوه. وطالت الحرب بينهم.\rثم ساروا إلى قول، وهو جبل قريب من الصحراء فاجتمع إليهم من كزولة خلق كثير. ورجعوا إلى سجلماسة، واستولوا عليها بعد حروب. وقتل مسعود بن ورّو. واستخلف أبو بكر عليها يوسف بن تاشفين اللمتوني من بني عمه الأقربين ورجع إلى الصحراء. وكان فتحها في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة.\rقال: ولما ولي يوسف بن تاشفين أحسن إلى الرعية واقتصر منهم على الزكاة.\rقال: وأقام أبو بكر بالصحراء مدة ثم عاد إلى سجلماسة فأقام بها سنة، والخطبة والدعاء والأمر والنهي له. ثم استخلف على سجلماسة ابن أخيه أبا بكر بن إبراهيم بن عمر. وجهز يوسف بن تاشفين وجيشاً من المرابطين إلى السوس ففتح له وعلى يديه.\rوتوفي أبو بكر في سنة اثنتين وستين وأربعمائة بالصحراء.\rولاية يوسف بن تاشفين قال: ولما توفي أمير المسلمين أبو بكر بن عمر، اجتمعت طوائف المرابطين على يوسف بن تاشفين، وولوه أمرهم، وسموه أمير المسلمين. وكانت الدولة حينئذ في بلاد المغرب لزناتة الذين ثاروا في أيام الفتن. وهي دولة رديئة مختلة سيئة السيرة مذمومة الطريقة. وكان يوسف ومن معه على نهج السنة واتباع أثمة الشريعة فاستغات به أهل بلاد المغرب، فافتتحها شرقاً وغرباً بأيسر سعي. وأحبته الرعية وصلحت أحوالهم.\rبناء مدينة مراكش\rقال: ثم قصد أمير المسلمين موضع مدينة مراكش، وهو قاع صفصف لا عمارة فيه، وهو سقع متوسط في مملكة بلاد المغرب كالقيروان في بلاد إفريقية، تحت جبال المصامدة الذين هم أشد أهل المغرب قوة وأمنعهم معقلاً. فاختط المدينة هناك لتقوى على تدويخ أهلتك البلاد. واتخذها دار ملكه، ومقر سكنه. فلم يعانده أحد من أهل تلك النواحي لهيبته في نفوسهم وعظم ذكره بالمغرب. وملك المدائن المتصلة بالبحر مثل سبتة وسلا وطنجة وغيرها. وكثرت أمواله وجنوده. وخرج إليه جماعة لمتونة وكثير من القبائل. وضيق لثامه هو وجماعته.\rسبب لثام المرابطين\rقيل: إنهم كانوا في الصحراء يتلثمون لشدة الحر والبرد كما يفعل العرب في البرية، والغالب على ألوانهم السمرة. فلما ملكوا البلاد ضيقوا ذلك اللثام.\rوقيل: إن طائفة منهم من لمتونة في الصحراء خرجوا للإغارة على عدوهم. فخالفهم العدو إلى بيوتهم، ولم يكن بها إلا الصبيان والمشايخ والنساء. فلما تحقق المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن يلبسن ثياب رجالهن، ويعممن بالعمائم، ويسترن وجوههن باللثام، وأن يضيقنه حتى لا يعرفن. ففعلن ذلك ولبسن السلاح. وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن واستدرن هن بالبيوت. فلما أشرف العدو رأى جمعاً عظيماً هاله وقال: هؤلاء حول حريمهم يقاتلون عليه قتال نخوة وقد ترجلوا للموت. والرأي أن نسوق النعم ونمضي. فإن تبعونا قاتلناهم خارج البيوت. فبينما هم في جمع النعم من مراعيها إذ أقبل رجال الحي، فصار العدو بينهم، فقتلوا شر قتلة ولم يسلم منهم إلا القليل. وقتل النساء منهم أكثر مما قتل الرجال. فاستنّوا اللثام من ذلك الوقت. فلا يزيلونه ليلاً ولا نهاراً حتى إن الرجل لا يأكل ولا يشرب مع أهل إلا من تحت اللثام والمقتول منهم في المعركة لا يعرفه أصحابه بوجهه بل بلثامه.\rقال ابن شداد: ومما رأيت أنه كان لي صديق منهم بدمشق فأتيت يوماً إلى زيارته. فدخلت إليه وقد غسل عمامته، وسراويله مشدودة على رأسه، وقد تلثم بخلخاله. هذا بعد أن انقضت دولتهم، وتفرقت جملتهم، وتغربوا في البلاد.\rقال: ولقد حكى لي من أثق به أنه رأى شيخاً من الملثمين بالمغرب بعد انقضاء الدولة، منزوياً في ضفة نهر، يغسل خلقانه وهو عريان، وعورته بارزة، ويده اليمنى يغسل بها والأخرى يستر بها وجهه. فقال له: استر عورتك بيدك. فقال: أنا ملثم بها.\rوقال بعض الشعراء في اللثام:\rقوم لهم درك العلى في حمير ... وإذا انتموا صنهاجة فهم هم","part":6,"page":476},{"id":2987,"text":"لما حووا إحراز كلّ فضيلة ... غلب الحياء حليهم فتلثموا\rوقال آخر:\rإذا التصموا بالرّيط خلت وجوههم ... أزاهر تبدو من فتوق الكمائم\rأو التأموا بالسابرية أبرزوا ... عيون الأفاعي من جلود الأراقم\rأخبار يوسف بن تاشفين\rقال: واستقامت له الأمور. وتزوج زينب بنت إبراهيم زوجة أبي بكر بن عمر، وكانت حظية عنده، وأميرة عليه. وكذلك جميع الملثمين ينقادون لأمور نسائهم، ولا يسمون الرجل إلا بأمه فيقولون: ابن فلانة، ولا يقولون: ابن فلان.\rوكانت زينب لها عزم وحزم. حكى عنها أن زرهون - ويعرف بابن خلوف - وكان له أدب، فبلغ زينب أنه مدح حواء امرأة سير بن أبي بكر وفضّلها على سائر النساء بالجمال والكمال. فأمرت بعزله عن القضاء. فوصل إلى أغمات واستأذن عليها. فدخل البواب وأعلمها به، فقالت: قل له: امض إلي التي مدحتها تردك إلى القضاء. فبقي بالباب أياماً حتى نفدت نفقته.\rفأتى إلى خادمها فقال له: إن مولاتك صرفتني ونقمت على مدحي لامرأة سير. ولو علمت أن ذلك يغضبها ما قلته. وقد نفدت نفقتي، وأردت بيع هذا المهر، وعزّ على أن يصير في يد من لا يستحقه، وأنا أحب أن تعطيني مثقالين أتزود بهما إلى أهلي. وخذ المهر فأنت أحق به. فسر الخادم وأعطاه مثقالين وأخذ المهر. ودخل على مولاته زينب وهو فرحان. فقالت له: ما شأنك؟ فأخبرها الخبر. فرقت للقاضي وندمت على ما فعلت به. وقالت: اذهب فأتني به الساعة. فأحضره إليها. فقالت له: تمدح زوجة سير وتفضلها على سائر النساء، وخرجت في وصفك لها عن الحد، وزعمت أن ليس في الأرض أجمل منها، وما هذه منزلة القضاء ولا يليق بك أن تنزل نفسك في هذه المنزلة. فقال ارتجالاً:\rأنت بالشمس لا حقه ... وهي بالأرض لاصقه\rفمتى ما مدحتها ... فهي من سير طالقه\rفقالت له: يا قاضي، طلقتها منه؟ قال: نعم، ثلاثة وثلاثة وثلاثة. فضحكت حتى اتضحت وقالت له: والله، لا شم لها قفاً أبداً. وكتبت إلى يوسف برده إلى القضاء، فرده.\rاستيلائه على غرناطة\rمن جزيرة الأندلس كان سبب ذلك ما قدمناه في أخبار الدولة العبادية أن المعتمد بن عباد لما وقع بينه وبين الأدفونش عساكره؛ استنجد ابن عباد بأمير المسلمين يوسف بن تاشفين. فدخل بعساكره إلى جزيرة الأندلس، واجتمع بالمعتمد بن عباد، وتوجها جميعاً لقتال الفرنج. وكانت وقعة الزلافة لات انهزم فيها الأدفونش وقتل عامة عسكره على ما قدمناه مبيّناً في أخبار المعتمد بن عباد. وذلك في العشر الأول من شهر رمضان سنة تسع وسبعين وأربعمائة.\rورجع أمير المسلمين إلى مراكش فأقام بها إلى العام الآتي. ثم دخل إلى الأندلس. وخرج إليه محمد بن عباد من إشبيلية في عسكره. وأتى عبد الله بن بلكين صاحب أغرناطة في عسكره.\rوساروا حتى نزلوا على ليطة، وهو حصن منيع كان فيه النصارى فحاربوه أياماً فلم يطيقوا فتحه، فرحلوا عنه بعد مدة.\rورجع المعتمد إلى إشبيلية. وكان طريق يوسف بن تاشفين على مدينة أغرناطة. فدخل عبد الله بن بلكين إليها ليخرج إلى يوسف الوظائف. فغدر به يوسف ودخل أغر ناطة وأخرجه منها واستولى عليها. ودخل قصر عبد الله فوجد فيه من الأموال والذخائر ما لم يحوه ملك من ملوك الأندلس. ومما وجد فيه سبحة فيها أربعمائة جوهرة، قوّمت كل جوهرة بمائة مثقال؛ ومن أنواع الجواهر واليواقيت والزمرج ما لا تحصى قيمته؛ من العين ألف ألف دينار؛ ومن فاخر الثياب وأواني الذهب والفضة ما لا تعرف له قيمة. وأخرج منها تميم بن بلكين أخا عبد الله، وسار بهما إلى مراكش. وذلك في سنة ثمانين وأربعمائة. ورجع أمير المسلمين إلى مراكش فأطاعه من كان لم يطعه من بلاد السوس وورغة وقلعة مهدي.\rملك جزيرة الأندلس\rوفي سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ملك من جزيرة الأندلس ما كان بقي بيد المسلمين بها، وهي قرطبة وإشبيلية والمرية وبطليوس. وذلك أنه سار في هذه السنة من مراكش إلى سبتة. وأدخل العساك مع سير بن أبي بكر إلى الأندلس وحش خلقاً كثيراً، وأمره بمحاصرة إشبيلية. فحاصرها وفتحها في يوم الأحد لتسع بقين من شهر رجب من هذه السنة. رأس المعتمد بن عباد ونقله إلى أغمات فحبسه بها حتى مات، على ما قدمناه مبيناً في أخبار ابن عباد.","part":6,"page":477},{"id":2988,"text":"قال: ثم خرج سير من إشبيلية إلى مدينة المرية فنزل عليها. وكان واليها محمد بن معن بن صمادح فقال لولده: ما دام المعتمد بن عباد بإشبيلية فلسنا نساءل عنه. فأتاه الخبر بفتح إشبيلية وأسر ابن عباد فمات غماً. فخرج ولده بإخوته وأهله في مركب حربي شحنه بأمواله. وأقلع إلى الجزائر والتحق ببني حماد، فأحسنوا إليه وأسكنوه مدينة تدلّس.\rقال: وكان أبو محمد عمر بن محمد بن عبد الله بن مسلمة المعروف بابن الأفطس صاحب بطليوس ممن أعان المعتمد، فلما سمع بإشبيلية رجع إلى بلده. فسار إليه سير بن أبي بكر فحاربه وغلبه. وأتي به وبولده الفضل أسيرين، فأمر سير بضرب أعناقهما. فقال: قدّموا وليدي قبلي للقتل ليكون في صحيفتي فقتل قبله ثم قتل هو بعده.\rقال: ولم يترك سير من ممالك الأندلس وملوكهم سوى بني هود. فإنه لم يقصد بلادهم وهي شرقي الأندلس. وصاحبها يومئذ المستعين بالله \" بن \" هود، وهو من الشجعان الذين يضرب بهم المثل. وكان قد حصّل عنده من آلات الحصار والأقوات ما يكفيه عدة سنين بمدينة روطة، وكانت قلعة حصينة. وكان يهادن أمير المسلمين قبل ملكه الأندلس ويكثر مراسلته. فرعى له ذلك حتى أنه أوصى ابنه على ابن يوسف عند موته بترك التعرض إلى بلاد \" بني \" هود. وقال \" اتركهم بينك وبين العدو فإنهم شجعان \" .\rقال: وتتابعت الفتوح على أمير المسلمين حتى احتوى على جميع بلاد الأندلس التي كانت للمسلمين وما والاها من البلاد في البر الكبير، من جميع بلاد السوس والجبال والصحار. وفتح في بلاد الفرنج فتوحاً كثيراً.\rحيلة لأمير المسلمين\rظهرت ظهوراً عجيباً قال، كان بالمغرب إنسان اسمه محمد بن إبراهيم الكزولي سيد قبيلة كزولة، ملك جبلها، وهو جبل شامخ منيف، وهي قبيلة كبيرة وكان بينه وبين يوسف بن تاشفين مودة واجتماع. فلما كان في سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، أرسل يوسف إليه يطلب الاجتماع به. فركب حتى قاربه. ثم رجع وخافه على نفسه. فكتب إليه أمير المسلمين يحلف أنه ما أراد به سوءاً ولا قصد إلا خيراً. فلم يرجع لذلك.\rفدعا يوسف حجاماً وأعطاه مائة دينار وضمن له مثلها إن سار إلى محمد بن إبراهيم وتحيّل في قتله. فسار الحجام ومعه مشاريط مسمومة فصعد الجبل. وجعل ينادي بالقرب من مساكن محمد. فسمعه فقال: \" هذا الحجام من بلدنا؟ \" فقيل: \" إنه غريب \" . فقال: \" أراه يكثر الصياح، وقد ارتبت منه \" . فأحضره عنده. واستدعى حجاماً غيره وأمره أن يحجمه بمشاريطه التي معه. فامتنع الحجام الغريب. فأمسك وحجم بها، فمات. فلما بلغ ذلك يوسف ازداد غيظاً وحنقاً، ولج في السعي في أذى يوصله إلى الكزولي.\rفاستمال قوماً من أصحابه فمالوا إليه. فأرسل إليهم جراراً من عسل مسموم. فحضروا عند محمد وقالوا: \" قد وصل إليها قوم معهم جرار من عسل، وأردنا إتحافك به \" . وأضروها بين يديه.\rفلما قدمت له أمر بإحضار خبز، وأمر أولئك القوم الذين أحضروا العسل أن يأكلوا منه فامتنعوا واستعفو من الأكل. فقال: من لم يأكل منه قتل بالسيف. فأكلوا فماتوا عن آخرهم.\rفكتب إلى أمير المسلمين: \" إنك قد أردت قتلي بكل سبب فلم يظفّرك الله، وكشف لي عن سريرتك. وقد أعطاك الله المغرب بأسره، ولم يعطني إلا هذا الجبل. وهو في بلادك كالشامة البيضاء في الثور الأسود. فلم تقنع بما أعطاك الله عز وجل. فكفّ أمير المسلمين عنه.\rولاية أمير المسلمين\rمن قبل الخليفة أمير المؤمنين المستظهر بالله قال: كان الفقهاء بالأندلس قالوا لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين: \" إنه لا تجب طاعتك على المسلمين حتى يكون لك عهد من الخليفة \" فأرسل قوماً من أهله إلى بغداد بهدية نفيسة، وكتاب يذكر فيه ما فعل بالفرنج، وما قصده من نصرة الدين والجهاد في سبيل الله. فجاءه رسول من أمير المؤمنين أبي العباس أحمد المستظهر بالله بهدية وكتاب وتقليد وخلع. ودام ملك أمير المسلمين إلى سنة خمسمائة فتوفى فيها. فكانت مدة ولايته ثماني وثلاثين سنة تقريباً.\rوكان ديناً حازماً سئوساً ذا دهاء، إلا أنه أبان عن لؤم لما اعتقل المعتمد بن عباد بإغمات، فإنه لم يجر عليه ما يقوم به حتى كانت بناته يغزلن بالأجرة للناس وينفقن عليهن وعليه.\rولما مات يوسف ولي بعده ابنه.\rولاية علي بن يوسف بن تاشفين","part":6,"page":478},{"id":2989,"text":"كانت ولايته بعد وفاة أبيه في سنة خمسمائة. وكان أبوه قد عقد له الأمر بعده في سنة تسع وتسعين وأربعمائة فاستقل بالأمر بعده وتلقب بأمير المسلمين. وكان يقتدي في القضايا والأحكام بفقهاء بلاده، ويقربهم ويكرمهم. وإذا أتته نصيحة قبلها أو موعظة خشع لها. وسار في رعيته أحسن سيرة، فأحبه الناس واشتملوا عليه ومالوا إليه.\rولاية علي بن يوسف بن تاشفين كانت ولايته بعد وفاة أبيه في سنة خمسمائة. وكان أبوه قد عقد له الأمر بعجه في سنة تسع وتسعين وأربعمائة فاستقل بالأمر بعده وتلقب بأمير المسلمين. وكان يقتدي في القضايا والأحكام بفقهاء بلاده، ويقربهم ويكرمهم. وإذا أتته نصيحة قبلها أو موعظة خشع لها. وسار في رعيته أحسن سيرة، فأحبه الناس واشتملوا عليه ومالوا إليه.\rمحاربة الفرنج\rخذلهم الله تعالى وانهزامهم وفي سنة خمس وخمسمائة، خرج ملك الفرنج صاحب طليطلة إلى بلاد الإسلام وجمع وحشد. وكان قد قوي طمعه في البلاد لما مات يوسف بن تاشفين. فخرج أمير المسلمين علي لحربه، ولقيه واقتتلوا قتالاً شديداً. وكان الظفر للمسلمين، وانهزم الفرنج أقبح هزيمة، وقتلوا قتلاً ذريعاً، وأسر منهم أسرى كثيرة، وسبي، وغنم من أموالهم ما يخرج عن الإحصار. فخافه الفرنج بعد لك. وامتنعوا من قصد بلاده وذل الأدفونش.\rالفتنة بقرطبة\rوفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وقيل: أربع عشرة، كانت فتنة عظيمة بين عسكر أمير المسلمين علي بن يوسف وبين أهل قرطبة وسببها أنه كان قد استعمل عليها أبا بكر يحيى بن داود. فلما كان يوم عيد الأضحى، خرج الناس متفرجين. فمد عبد من عبيد أبي بكر يده إلى امرأة ومسكها. فاستغاثت بالمسلمين فأعانوها. فوقع بين العبيد وأهل البلد فتنة عظيمة. ودامت جميع النهار إلى الليل وتفرقوا. واجتمع الفقهاء والأعيان إلى أبي بكر وقالوا له: \" المصلحة أن تقتل واحداً من العمد الذين أثاروا الفتنة \" . فأنكر ذلك وغضب منه.\rوأصبح من الغد وأظهر السلاح والعدد وأراد قتال أهل البلد فركب الفقهاء والأعيان والشباب، وقاتلوه فهزموه. وتحصن منهم بالقصر، فحضروه ونصبوا السلاليم وصعدوا إليه. فهرب من البلد بعد مشقة وتعب. فنهبوا القصر وأحرقوا جميع دور المرابطين ونهبوا أموالهم. وأخرجوهم من البلد على أقبح صورة.\rواتصل الخبر بأمير المسلمين فأكبر ذلك واستعظمه. وجمع العساكر من صنهاجة وزناتة والبربر وغيرهم. وجاء إلى قرطبة في سنة خمس عشرة وخمسمائة وحصرها. فقاتلهم أهلها قتلا من يذب عن نفسه وماله وحريمه. فلما رأى شدة قتالهم دخل السفراء بينهم وسعوا في الصلح. فأجاب إلى ذلك على أن يغرم أهل قرطبة للمرابطين ما نهبوه من أموالهم. فاستقرت القاعدة على ذلك، وعاد عن قتالهم.\rوفي أيام علي بن يوسف، ظهر المهدي محمد بن تومرت وعبد المؤمن بن علي، فضعف أمر الملثمين. وكان بينهم من الحروب ما نذكره في أخبار الموحدين.\rوكانت وفاة علي بمراكش في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة.\rفكانت مدة ولايته خمساً وثلاثين سنة.\rوولي بعده ابنه.\rولاية تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين كان أبوه قد ولاه العهد وأخرجه لحرب عبد المؤمن. فما زال يحاربه والغلبة والظفر لعبد المؤمن إلى أن توفي والده علي بن يوسف. فاستقل بالأمر بعده ولازم حرب عساكر عبد المؤمن إلى أن مات في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.\rاسحاق بن علي\rوولي بعده أخوه إسحاق بن علي فضعف أمر دولتهم، واستولى عبد المؤمن على البلاد وملكها بلداً بلداً، إلى أن حاصر عبد المؤمن مراكش وملكها في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فقتله عبد المؤمن صبراً. وانقرضت دولة الملثمين.\rوكانت مدة ولايتهم من حين خرجوا من البرية في سنة خمسين وأربعمائة إلى أن قتل إسحاق إحدى وتسعين سنة. وعدة من ملك منهم خمسة ملوك، وهم أبو بكر بن عمر، ثم يوسف بن تاشفين، ثم ابنه علي بن يوسف، ثم ابنه تاشفين بن علي، ثم إسحاق بن علي. وعليه انقرضت الدولة. وسنورد في أخبار الموحدين طرفاً من أخبارهم وحروبهم، إن شاء الله تعالى.\rذكر ابتداء دولة الموحدين وأخبارهم وسبب ظهورهم","part":6,"page":479},{"id":2990,"text":"أول من ظهر من ملوك هذه الدولة، وأسس قواعدها، وقام بأعبائها وأنشأها، المهدي محمد بن تومرت. وكانت ابتداء أمره وظهوره في سنة أربع عشرة وخمسمائة. وسنذكر ابتداء حاله وكيف تنقلت به الحال وما كان منه، إن شاء الله تعالى.\rأخبار محمد بن تومرت\rهو أبو عبد الله محمد بن تومرت الحسني، وقبيلته من المصامدة تعرف بهرغة في جبل السوس، نزلوا به لما فتحه المسلمون مع موسى بن نصير. وكان ابتداء أمر المهدي أنه رحل في شبيبته إلى بلاد المشرق في طلب العلم. وكان فقيهاً فاضلاً محدّثاً، عارفاً بأصولي الدين والفقه، محققاً لعلم العربية، وكان ورعاً ناسكاً. ووصل في سفره إلى العراق. واجتمع بالغزالي والكيا الهراسي، وقيل: لم يجتمع بالغزالي. واجتمع بأبي بكر الطرطوشي بالإسكندرية. وحج ورجع إلى المغرب.\rقال: ولما ركب البحر من الإسكندرية مغرّباً غيّر المنكرات في المركب. وألزم من فيه بإقامة الصلاة وقراءة القرآن حتى انتهوا إلى المهدية، وسلطانها حينئذ يحيى بن تميم بن المعز بن باديس، وذلك في سنة خمس وخمسمائة. فنزل بمسجد وليس معه سوى ركوة وعصا. فتسامع به أهل البلد فقصدوه يقرئون عليه أنواع العلوم. فكان إذا مر به المنكر أزاله وغيره. فلما كثر ذلك منه، أحضره الأمير يحيى مع جماعة من الفقهاء. فأعجبه سمته وكلامه فاحترمه وسأله الدعاء.\rثم رحل من المهدية وأقام بالمنستير مع جماعة من الصالحين مدة.\rوسار إلى بجاية وفعل مثل ذلك. فأخرج منها إلى قرية بالقرب منها اسمها ملالة، فلقيه بها عبد المؤمن. فرأى منه من النجابة والنهضة ما تفرس فيه التقدم والقيام بالأمر. فسأله عن اسمه وقبيلته. فأخبره أنه من قيس عيلان ثم من بني سليم فقال محمد بن تومرت: هذا الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: إن الله لينصر هذا الدين في آخر الزمان برجل من قيس. فقيل: من أي قيس؟ فقال: من بني سليم. واستبشر بعبد المؤمن وسرّ بلقائه. وكان مولد عبد المؤمن بمدينة تاجرة من أعمال تلمسان، وهو من بني عائد قبيلة من كومة نزلوا بذلك الإقليم في ثمانين ومائة.\rقال: ولم يزل المهدي يلازم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن وصل إلى مراكش، وهي دار مملكة علي بن يوسف ابن تاشفين. فرأى فيها من المكرات أكثر مما عيانه في طريقه. فزاد أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أتباعه وحسنت ظنون الناس فيه.\rفبينما هو في بعض الأيام في طريقة، إذ رأى أخت أمير المسلمين في موكبها ومعها عدة من الجواري الحسان، وهو مسفرات. وكانت هذه من عادتهم. فحين رأى النساء كذلك أنكر عليهن وأمرهن بستر وجوههن. وضرب هو وأصحابه دوابهن. فسقطت أخت أمير المسلمين عن دابتها. فرفع أمره إلى أمير المسلمين علي بن يوسف. فأحضره الفقهاء لمناظرته، فأخذ يعظه ويذكّره ويخوفه، فبكى أمير المسلمين. وأمر أن يناظروه لم يكن فيهم من يقوم له لقوة أدلته. وكان عند أمير المسلمين رجل من وزرائه اسمه مالك بن وهيب فقال له: \" يا أمير المسلمين إن هذا والله لا يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المكر، إنما هو يريد إثارة فتنة والغلبة على بعض النواحي، فاقتله وقلّدني دمه \" . فلم يفعل ذلك فقال: إذا لم تقتله فاحبسه وخلّده في السجن وإلا أثار شراً لا يمكن تلافيه. فأراد حبسه فمنعه من ذلك رجل من أكابر الملثمين يسمى بنيان بن عمران. فأمر بإخراجه من مراكش.\rفسار إلى أغمات ولحق بالجبل. وسار منه حتى التحق بالسوس الذي فيه قبيلته هرغة وغيرهم من المصامدة، وذلك في سنة أربع عشرة وخمسمائة. فأتوه واجتمعوا حوله. وتسامع به أهل تلك النواحي فوفدوا إليه، وحضر أعيانهم بين يديه. فجعل يعظهم، ويذكرهم شعائر الإسلام وما غيّر منها وما حدث من الظلم والفساد، وأنه لا تجب طاعة دولة من هذه الدول لاتباعهم الباطل بل الواجب قتالهم ومنعهم مما هم عليه. فأقام على ذلك نحو سنة. وتابعته قبيلة هرغة.\rوسمى أتباعه الموحدين. وأعلمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر بالمهدي الذي يملأ الأرض عدلاً، وأن مكانه الذي يخرج منه المغرب الأقصى. فقام إليه عشرة رجال منهم عبد المؤمن فقالوا: لا يوجد هذا إلا فيك، وأنت المهدي. وبايعوه على ذلك.","part":6,"page":480},{"id":2991,"text":"فانتهى خبره إلى أمير المسلمين فجهز جيشاً من أصحابه لقتاله. فلما قربوا من الجبل الذي هو فيه قال لأصحابه: إن هؤلاء يريدونني وأخاف عليكم منهم. والرأي أن أخرج إلى غير هذه البلاد لتسلموا أنتم. فقال له ابن توفيان من مشايخ هرغة: هل تخاف شيئاً من السماء؟ فقال: بل من السماء تنصرون. فقال ابن توفيان: فليأتنا كل من في الأرض. ووافقته جميع قبيلته. فقال المهدي عند ذلك: \" أبشروا بالنصر والظفر بهذه الشرذمة. وبعد قليل تستأصلون دولتهم وترثون أرضهم. فنزلوا من الجبل ولقوا جيش أمير المسلمين، فهزموهم وأخذوا أسلابهم. وقوي ظنهم بصدق المهدي حيث ظفروا كما أخبرهم.\rفأقبلت إليه أفواج القبائل من الجبال التي حوله شرقاً وغرباً فأقبل عليهم واطمأن إليهم، وأتته رسل أهل تينملّ بطاعتهم وطلبوه إليهم. فتوجه إلى جبل تينمل وأقام به واستوطنه. وبايعته قبيلة هنتاتة، وهي من أقوى القبائل. وألف كتاباً في التوحيد، وكتاباً في العقيدة. ونج لمن معه طريق الأدب مع بعضهم بعضاً، والاقتصار على لباس الثياب القليلة الثمن. وهو ففي خلال ذلك يحرضهم على قتلا عدوهم، وإخراج الأشرار من بين أظهرهم. وبني له مسجداً بينمل خارج المدينة، فكان يصلي فيه الصلوات الخمس هو وجميع من معه، ويدخل البلد بعد العشاء الآخرة.\rفلما رأى كثرة أهل البلد وحصانة المدينة، خاف أن يرجعواعنه. فأمرهم أن يحضروا عنده بغير سلاح. ففعلوا ذلك عدة أيام. ثم أمر أصحابه أن يقتلوهم، فقتلوهم في ذلك المسجد. ثمدخل المدينة فقتل فيها وأكثر، وسبيالحريم،ونهي الأموال. فكانت عدة القتلى خمسة عشر ألفاً. وقسم المساكن والأرض بين أصحابه. وبني على المدينة سوراً وقلعة على رأس جبل تينمل، وهو جبل عال فيه أشجار وزرع وأنهار جارية، والطريق إليه صعب.\rوقيل: إنه لما خاف أهل تينمل، نظر إلى أولادهم فرآهم شقراً زرقاً، والذي يغلب على الآباء السمرة، فقال لهم: مالي أراكم سمر الألوان وأولادكم شقراً زرقاً؟ فقالوا: \" إن لأمير المسلمين عدة من المماليك الفرنج والروم، وإنهم يصعدون إلى هذا الجبل في كل عام مرة، يأخذون مالهم فيه من الأموال المقررة من جهة السلطان، فسيكنون البيوت، ويخرجون أصحابها منها فقبّح الصبر على هذا وأزري عليهم وعظّم الأمر عندهم. فقالوا له: فكيف الحيلة في الخلاف منهم، وليس لنا بهم قوة؟ فقال: إذا حضروا عندكم في الوقت المعتاد وتفرقوا في مساكنكم، فليقم كل رجل إلى نزيله فيقتله، واحفظوا جبلكم فإنه الإسلام لا يرام، ففعلوا ذلك عند مجيء مماليك أمير المسلمين إليهم ثم خافوا على نفوسهم فامتنعوا في الجبل وسدوا ما فيه من طريق يسلك إليهم منه.\rفقويت عند ذلك نفس المهدي ثم أرسل أمير المسلمين جيشاً كثيفاً. فحصرهم في الجبل وضيق عليهم ومنع عنهم الميرة. فقلّت الأقوات عند أصحابه، فكان يطبخ لهم الحساء في كل يوم، وجعل قوت الرجل منهم أن يغمس يده في ذلك الحساء ويخرجها، فما علق عليها فهو قوته في ذلك اليوم. فاجتمع أهل تينمل وأرادوا إصلاح حالهم مع أمير المسلمين فبلغه ذلك فأعمل من الحيلة عليهم ما نذكره.\rخبر الونشريسي\rقال: كان مع المهدي إنسان يقال له أبو عبد الله الونشريسي، وهو يظهر الوله وعدم المعرفة بشيء من العلم والقرآن، وبصاقه يجري على صدره، وهو كالمعتوه، والمهدي يقربه ويكرمه ويقول: إن لله سراً في هذا الرجل سوف يظهر. هذا والونشريسي يشتغل بالقرآن والعلم في السر بحيث لا يعلم به أحد.\rفلما كان في سنة تسع عشرة وخمسمائة، خاف المهدي من أهل الجبل. فخرج يوماً لصلاة الصبح، فرأى إلى جانب محرابه إنساناً طيب الرائحة، فأظهر أنه لا يعرفه وقال: من هذا؟ قال: أنا أبو عبد الله الونشريسي. فقال له المهدي: إن أمرك لعجيب. ثم صلى. فلما فرغ من صلاته نادى في الجبل. فاجتمع الناس وحضروا إليه. فقال لهم: إن هذا الرجل يزعم أنه الونشريسي، فانظروه وحققوا أمره. فلما أضاء النهار عرفوه. فقال له المهدي: ما قصتك؟ قال: \" إنني أتاني الليلة ملك من السماء، فغسل قلبي، وعلمني القرآن والموطأ وغيره من العلوم والأحاديث \" . فبكى المهدي بحضرة الناس ثم قال: نمتحنك؟ فقال: افعل. وابتدأ بقراءة القرآن فقرأه قراءة حسنة من أي موضع سئل. وكذلك الموطأ وغيره وكتب الفقه والعلوم والأصول. فعجب الناس من ذلك واستعظموه.","part":6,"page":481},{"id":2992,"text":"ثم قال: إن الله قد أعطاني نوراً أعرف به أهل الجنة من أهل النار، وآمركم أن تقتلوا أهل النار وتتركوا أهل الجنة. قد أنزل الله تعالى ملائكة إلى البئر الفلانية يشهدون بصدقي. فسار المهدي والناس معه وهم يبكون إلى تلك البئر. ووقف عند رأسها وصلى وقال: يا ملائكة الله، إن أبا عبد الله قد زعم كيت وكيت. فسمع من أسفل البئر: صدق، صدق وكان قد رتب بها رجالاً يفعلون ذلك. فلما تكلموا قال المهدي: إن هذه البئر بئر مطهّرة مقّدسة قد نزل إليها الملائكة، والمصلحة أن تطمّ لئلا يقع فيها نجاسة. فألقوا فيها من الحجارة والتراب ما طّمها.\rثم نادى في الجبل بالحضور للتمييز ومعناه العرض. فكان الونشريسي يعمد إلى الرجل الذي تخاف ناحيته فيقول: هذا من أهل النار. فيلقى من الجبل، وإلى الشاب الغر ومن لا يخشاه فيقول: هذا من أهل الجنة. فيترك عن يمينه. فكانت عدة القتلى سبعين ألفاً. فلما فرغ من ذلك أمن على نفسه. هذا هو المشهور عنه في التمييز.\rوقيل إن ابن تومرت لما رأى كثرة أهل الشر والفساد في الجبل أحضر شيوخ القبائل وقال لهم: إنكم لا يصلح لكم دين ولا تقوى إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإخراج المفسدين من بينكم، فابحثوا عن كل من عندكم من أهل الشر والفساد فانهوهم، فإن انتهوا وإلا فأثبتوا أسماءهم وارفعوها إليّ لأنظر في أمرهم. ففعلوا ذلك وكتبوا له أسماء المفسدين من كل قبيلة. ثم أمرهم بذلك مرة ثانية وثالثة. ثم جمع أوارقهم وأخذ منها ما تكرر من الأسماء وأثبته عنده. ودفع ذلك إلى الونشريسي المعروف بالبشير. وأمره أن يعرض القبائل، وأن يجعل أولئك من جهة الشمال، ومن عداهم في جهة اليمين، ففعل ذلك. وأمر المهدي أن يكتف من على شمال الونشريسي فكتّفوا. ثم قال: إن هؤلاء أشقياؤكم قد وجب قتلهم. وأمر كل قبيلة بقتل أشقيائها فقتلوا عن آخرهم.\rقال: ولما فرغ من التمييز رأى من بقي من أصحابه على نيات خالصة وقلوب متفقة على طاعته. فجهز جيشاً وسيّرهم إلى جبال أغمات، وبها جمع كبير من المرابطين. فقاتلوهم فانهزم أصحاب ابن تومرت، وكان أميرهم الونشريسي. وقتل كثير منهم. وجرح عمر أنتات وهو الهنتاتي، وكان من أكبر أصحاب المهدي وسكن حسّه ونبضه. فقالوا: مات. فقال الونشريسي: لم يمت ولا يموت حتى يملك البلاد. فبعد ساعة فتح عينيه وعادت قوته إليه. فافتتنوا به ورجعوا إلى ابن تومرت فوعظهم وشكر صبرهم.\rثم لم يزل بعد ذلك يرسل السرايا في أطراف البلاد فإذا رأوا عسكراً تعلقوا بالجبل فأمنوا على أنفسهم وعلا أمر المهدي فرتب أصحابه على طبقات.\rترتيب أصحاب المهدي\rقال: ورتب المهدي أصحابه مراتب. فالأولى آية عشرة، يعني أهل عشرة، وأولهم عبد المؤمن، ثم أبو حفص عمرانتات وهو الهنتاتي وغيرهما، وهم أشرف أصحابه، وأهل الثقة عنده، والسابقون إلى مبايعته.\rوالثانية آية خمين، وهم دون تلك الطبقة، وهم جماعة من رؤساء القبائل.\rوالثالثة آية سبعين، وهم دون الذين قبلهم في الرتبة والسابقة.\r\" وسمى \" عامة أصحابه والداخلين في طاعته موحدين.\rحصار مراكش\rووقعة البحيرة ومقتل أبي عبد الله الونشريسي قال: وفي سنة أربع وعشرين وخمسمائة، جهز المهدي جيشاً كثيفاً يبلغون أربعين ألفاً أكثرهم رجالة. وجعل عليهم الونشريسي وسير معه عبد المؤمن. فساروا إلى مراكش وحصروها وضيقوا على من بها، وبها أمير المسلمين علي بن يوسف. فبقي الحصار عليها عشرين يوماً. فأرسل أمير المسلمين إلى متولي سجلماسة يأمره أن يحضر ومعه الجيوش. فجمع جمعاً كثيراً وسار. فلما قارب عسكر المهدي، خرج أهل مراكش من غير الجهة التي أقبل منها والتقوا واقتتلوا، واشتد القتال، وكثر القتل في أصحاب المهدي. وقتل أميرهم الونشريسي. فولوا عبد المؤمن أمرهم، وقدموه عليهم. ودام القتال بينهم عامة النهار. وصلى عبد المؤمن صلاة الخوف الظهر والعصر والحرب قائمة. فلما رأى المصامدة كثرة المرابطين وقوتهم أسندوا ظهورهم إلى بستان كبير يسمونه عندهم البحيرة. وصاروا يقاتلون من وجه واحد إلى أن حجز بينهم الليل.\rقال: ولما قتل الونشريسي، دفنه عبد المؤمن لوقته سراً. فطلبه المصامدة فلم يروه في القتلى فقالوا: رفعته الملائكة.","part":6,"page":482},{"id":2993,"text":"قال: ولما جنّهم الليل، سار عبد المؤمن ومن سلم من القتل إلى الجبل. وسميت هذه الوقعة بالبحيرة، وعام البحيرة.\rمحمد بن تومرت\rكانت وفاته في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وذلك أنه مرض بعد إرسال الجيش لحصار مراكش واشتد مرضه. وأتاه خبر الهزيمة وقتل الونشريسي، فسأل عن عبد المؤمن. فقيل: هو سالم. فقال: ما مات أحد، والأمر قائم، وهو الذي يفتح كل البلاد. ووصي أصحابه بتقديمه، واتباعه، وتسليم الأمر إليه، والانقياد له. ولقبه أمير المؤمنين ثم مات. وكان عمره إحدى وخمسين سنة، وقيل: مات وله خمس وخمسون سنة. ومدة ولايته عشر سنين.\rولاية عبد المؤمن بن علي كانت ولايته بعد وفاة المهدي محمد بن تومرت في سنة أربع وعشرين وخمسمائة، بوصية من المهدي كما ذكرناه وكان في الغزو فعاد إلى تينمل وتسلم الأمر، وتلقّب بأمير المؤمنين على ما لقّبه به المهدي قبل وفاته. وأقام يتألف القلوب ويحسن إلى الناس إلى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة.\rخروجه للغزو\rوما فتحه من البلاد ومن أطاعه من القبائل قال: وفي هذه السنة ابتدأ عبد المؤمن بالغزو. وسار في جيش كثيف، وجعل يمشي في الجبل إلى أن وصل إلى تادلة. فمانعه أهلها وقاتلوه فهزمهم وفتحها. وتم منها إلى البلاد التي تليها. ومشى في الجبال يفتح ما امتنع عليه. وأطاعه صنهاجة الجبل. قال: فعند ذلك جعل أمير المسلمين علي بن يوسف ولده تاشفين بن علي ولي عهده، وأحضره من الأندلس، وكان أميراً عليها، وندبه لقتال بد المؤمن، وذلك في سنة إحدى وثلاثين. فسار تاشفين لحربه، فكان يمشي في الصحراء وعبد المؤمن في الجبال.\rوفي سنة اثنتين وثلاثين، كان عبد المؤمن بجيشه في النواظر - وهو جبل عال مشرف - وتاشفين في الوطأة، ويخرج من الطائفتين قوم يتطاردون ويترامون، ولم يكن بينهم لقاء. وسمي هذا عام النواظر، ويؤرخونه به.\rوفي سنة ثلاث وثلاثين، توجه عبد المؤمن مع الجبل في الشعراء حتى انتهى إلى جبل كرانطة. فأقام به في أرض صلبة بين شجر، وتاشفين قبالته في الوطأة في أرض لينة لا نبات بها. وكان الفصل شتاء، فتوالت الأمطار أياماً كثيرة. فصار الموضع الذي فيه تاشفين وعسكره كالسباخ لا يستطيع الماشي أن ينقل فيها قدماً. وقلّت الأقوات عندهم فهلكوا جوعاً وبردا حتى وقدوا رماحهم وقرابيس سروجهم، وعبد المؤمن ومن معه في تلك الأرض الصلبة والميرة تصل إليهم.\rوفي ذلك الوقت سير عبد المؤمن جيشاً إلى وجدة من أعمال تلمسان. وقدم عليهم أبا عبد الله محمد بن رفوا من آية خمسين. فبلغ خبرهم إلى محمد بن يحيى متولي تلمسان. فخرج إليهم بجيش من الملثمين فالتقوا بموضع يعرف بمرج الحمر. واقتتلوا فهزمهم الموحدون. وقتل محمد بن يحيى وكثير من أصحابه، وغنم الموحدون ما معهم ورجعوا بأسلابهم إلى عبد المؤمن.\rفتوجه عبد المؤمن بجميع جيشه إلى جبال غمارة فأطاعوه قبيلة بعد قبيلة. وأقام عندهم مدة.\rوما برح يمشي في الجبال وتاشفين يحاذيه في الصحاري إلى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، فتوفى علي بن تاشفين بمراكش، وملك بعده ابنه تاشفين. فقوي طمع عبد المؤمن في البلاد إلا أنه لم ينزل الصحراء.\rوفي سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، توجه عبد المؤمن إلى تلمسان. فنازلها وضرب خيامه في جبل عال بأعلاها يسمى بين الصخرتين. ونزل تاشفين خارج مدينة تلمسان على باب القرمادين. وكان بين أقوام من العسكرين مراماة ومطاردة مع الأيام. ودام ذلك أشهراً. ولم يكن بينهم مناجزة.\rورحل عبد المؤمن في سنة تسع وثلاثين إلى جبل تاجرة. ووجه جيشاً مع عمر بن يحيى الهنتاتي إلى مدينة وهران. فهاجمها بغتة وصار هو وجيشه فيها. فسار إليه تاشفين فخرج الهنتاتي منها. ونزل تاشفين إلى الجانب الآخر من البلد. وذلك في شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة.","part":6,"page":483},{"id":2994,"text":"فلما كان في ليلة سبع وعشرين من الشهر. وهلي ليلة معظمة سيما بالمغرب، وبظاهر وهران ربوة مطلة على البحر، وبأعلاها ثنية يجتمع فيها المعتبدون - وهو موضع معظم عندهم - فسار إليه تاشفين في نفر قليل من خاصة أصحابه. وصعد إلى ذلك المعبد سراً بالليل، ولم يعلم به إلا النفر الذين معه. وقصد التبرك بحضور ختم القرآن مع الصالحين. فانتهى خبره إلى الهنتاتي، فسار لوقته بجميع عساكره إلى ذلك المعبد، وأحاطوا به وملكوا البروة. فخاف تاشفين على نفسه أن يأخذوه، فركب فرسه وحمل به إلى جهة البحر من جرف عال فسقط على حجارة فهلك. ورفعت جثته على خشبة، وقتل من كان معه.\rوقيل: إن تاشفين قصد حصنا هناك على رابية وله فيه بستان كبير فيه من كل الفواكه. واتفق أن الهنتاتي سير سرية إلى ذلك الحصن لضعف من فيه، ولم يعلم أن تاشفين هناك. فألقوا النار في باب الحصن فاحترق. فركب تاشفين فرسه وأراد الهرب. فوثب به الفرس من داخل الحصن إلى خارج السور فسقط في النار فأخذ تاشفين فعرف. فأرادوا حمله إلى عبد المؤمن فمات لوقته. وتفرق عسكره واحتمى بعضهم بمدينة وهران.\rقال: وأرسل الموحدون بالخبر إلى عبد المؤمن. فجاء من تاجرة في يومه، ودخل وهران بالسيف وقتل من فيها.\rاستيلاؤه على تلمسان\rوفاس ومكناسة وسلا وسبتة قال: ثم سار عبد المؤمن إلى تلمسان، وهي مدينتان بينهما شوط فرس: تاجروتت وبها أصحاب السلطان، والأخرى أجادير. وتاجررت ينطق بها بجيم محيرة بين الكاف والجيم، وكذلك أجادير. وتاجررت محدثة البناء، وأجادير قديمة. فامتنعت أجادير وتأهب أهلها للقتال. وأما تاجررت فكان بها يحيى بن الصحراوية والياً عليها فخرج منها بعسكره فارّاً إلى مدينة فاس. ودخلها عبد المؤمن، فلقيه أهلها بالخضوع والاستكانة. فلم يقبل ذلك منهم وقتل أكثرهم.\rثم رحل عنها في سنة أربعين وخمسمائة إلى مدينة فاس. ورتب على أجادير جيشاً يحصرها، وجعل عليهم يوسف بن وانودين ابن تامصلت الهنتاتي. فداوم الحصار وضيق على من بها، ونصب عليها المجانيق وأبراج الخشب والدبابات. ودام الحصار نحو سنة وكان المقدم على أهلها الفقيه عثمان. فلما اشتد الحصار على أهلها اجتمع جماعة منهم وراسلوا الموحديثين بغير علم الفقيه، وأدخلوهم البلد. فلم يشعر أهله إلا والسيف قد أخذهم. فقتل أكثر أهل البلد، ونهيبت الأموال، وسبيت الذراري والحرم. وبيع من لم يقتل بأبخس الأثمان. وأخذ من الأموال والجواهر ما لا يحصى. وكان عدة من قتل مائة ألف. وقيل: إن عبد المؤمن هو الذي حصر تلمسان وفتحها، وسار منها إلى فاس.\rقال: ولما وصل عبد المؤمن إلى مدينة فاس، نزل على بجل الفرض المطل عليها. وعمل حول مخيّمه سوراً وخندقاً. وحصرها تسعة أشهر، وبها يحيى بن الصحراوية بعسكره الذين فروا من تاجررت. فعمد عبد المؤمن إلى نهر يدخل البلد فكسره حتى صار بحيرة تسير السفن فيها. ثم هدم السّكر فجاء الماء دفعة واحدة، فخرب سور البلج. فأراد الدخول فقاتله أهلها خراج السور. وكان القائد عبد الله بن خيار الجياني عاملاً عليها وعلى جميع أعمالها، فاتفق هو وجماعة أعيان البلد، وكاتبوا عبد المؤمن سراً في طلب الأمان لأهل فاس. فأجابهم عبد المؤمن إلى ذلك. ففتحوا له باباً من أبواب المدينة، فدخلها عسكره. وهرب يحيى بن الصحراوية بمن معه إلى مدينة طنجة. وكان فتحها في أواخر سنة أربعين وخمسمائة. ورتب عبد المؤمن أمرها وأخذ جميع ما فيها من سلاح.\rوسير سرية إلى مكناسة فحصروها مدة ثم سلمها أهلها بالأمان، فوفّوا لهم.\rثم سار عبد المؤمن إلى مدينة سلا ففتحها.\rوحضر إليه جماعة من أعيان سبتة، فدخلوا في طاعته وسألوا أمانه فأمنهم، وذلك في أول سنة إحدى وأربعين.\rملكه مراكش\rوقتله إسحاق بن علي وانفراض دولة الملثمين","part":6,"page":484},{"id":2995,"text":"قال: ولما فرغ عبد المؤمن من مدينة فاس وتلك النواحي، سار إلى مدينة مراكش، وهي كرسي مملكة الملثمين، وبها إحسان بن علي ابن يوسف بن تاشفين، وهو صبي. فنازلها في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وضرب خيامه في غربيها على جبل صغير، وبني عليه مدينة له ولعسكره وجامعاً. وجعل لنفسه بناء عالياً يشرف منه على المدينة ويري أحوال أهلها وأحوال المقاتلين. فأقام عليها أحد عشر شهراً والقتال مستمر، ومن بها ن المرابطين يخرجون ويقاتلون ظاهر البلد. فاشتد الجوع على أهله وتعذرت الأقوات عندهم.\rثم زحف إليهم يوماً، وجعل لعسكره كميناً، وقال لعسكره: \" قاتلوهم ثم انهزموا لهم \" . وقال للكمين: لا تخرجوا حتى تسمعوا الطبل. وجلس هو على المنظرة يشاهد القتال. وتقدم أصحابه للقتال فقاتلوا وصبروا ثم انهزموا. وتبعهم أهل مراكش حتى جاوزوا الكمين ووصلوا إلى مدينة عبد المؤمن وهدموا أكثر سورها. وصاحت المصامدة ليضرب الطبل. فقال عبد المؤمن: \" اصبروا حتى يخرج كل طامع من البلد \" . فلما خرج أكثر أهله أمر بضرب الطبل فضرب وخرج الكمين عليهم وعطفت المصامدة. فقتلوا الملثمين كيف شاءوا وتمت الهزيمة. فمات في زحمة الأبواب خلق كثير.\rوكان شيوخ الملثمين يدبرون دولة إسحاق لصغر سنه. فاتفق أن إنساناً من جملتهم يقال له عبد الله بن أبي بكر استأمن إلى عبد المؤمن. وأطلعه على عورة البلد وضعف من فيه، وقي طمعه فيهم. فنصب عبد المؤمن عليه المجانيق والأبراج. وفنيت الأقوات فأكلوا دوابهم، ومات من العامة بالجوع ما يزيد على مائة ألف إنسان فجاف البلد من جثتهم.\rوكان بمراكش جيش من الفرنج كان المرابطون قد استنجدوا بهم وأتوهم نددة. فلما طال الأمر عليهم راسلوا عبد المؤمن يطلبون الأمان فأمنهم. ففتحوا له باباً من أبواب البلد يقال له باب أغمات. فدخلت عساكر عبد المؤمن بالسيف، وملكوا المدينة عنوة، وقتلوا من وجدوه. ووصلوا إلى دار أمير المسلمين، فأخرجوا إسحاق وجميع من معه من المرابطين. وقدموهم للقتل وإسحاق يرتعد ويسأل العفو عنه رغبة في البقاء، ويدعو لعبد المؤمن ويبكي. فقام إليه الأمير سير بن الحاج، وكان إلى جانبه مكتوفاً، فبصق في وجهه وقال: تبكي على أمك أم أبيك. اصبر صبر الرجال فهذا رجل لا يخاف الله تعالى ولا يدينه بدين. فقام الموحدون إليه فضربوه بالخشب حتى مات، وكان من الشجعان. وضربت عنق إسحاق. وذلك في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة أو ثلاث وأربعين.\rقال: وأقام عبد المؤمن بمدينة مراكش واستوطنها واستقر ملكه بها. وقتل من أهلها فأكثر، واختفى كثير منهم. فلما كان بعد أسبوع أمر فنودي بالأمان، فخرج من اختفى من أهلها. فأراد المصامدة قتلهم، فمنعهم وقال: هؤلاء صناع وأهل الأسواق ومن ينتفع به. فتركوا وبني بالقصر جامعاً كبيراً وزخرفه وأتقن عمله. وأمر بهدم الجامع الذي بناه أمير المسلمين يوسف بن تاشفين.\rظفره بدكالة\rوفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، سار بعض المرابطين من الملثمين إلى دكالة. فاجتمع إليه قبائلها وصاروا يغيرون على أعمال مراكش، وعبد المؤمن لا يلتفت إليهم. فلما كثر ذلك منهم، سار إليهم عبد المؤمن في سنة أربع وأربعين. فلما سمعت دكالة بمسيره، اجتمعت كلها وانحسروا إلى ساحل البحر، وكانوا في مائتي ألف راجل وعشرين ألف فارس، وهم من الشجاعة بالمكان المعروف. وكانت جيوش عبد المؤمن تخرج عن الحصر. وكان الموضع الذي فيه دكالة كثير الحجر والحزون، فكمنوا فيه كميناً ليخرجوا على عبد المؤمن إذا سلكه. فكان من الاتفاق الحسن أنه قصدهم من غير الجهة التي فيها الكمناء. فانحل عليهم النظام وفارقوا ذلك الموضع وأخذهم السيف فدخلوا البحر. فقتل أكثرهم، وغنمت أموالهم وأغنامهم، وسبيت نساؤهم. فبيعت الجارية بدارهم يسيرة. وعاد عبد المؤمن إلى مراكش بالظفر والنصر. وثبت ملكه وخافه جميع من بالمغرب، وأذعنوا له بالطاعة.\rملكه جزيرة الأندلس","part":6,"page":485},{"id":2996,"text":"قال: كان ملكه لها في سنة إحدى وأربعين، وذلك أنه لما كان يحاصر مراكش، ورد عليه جماعة من أعيان الأندلس منهم أبو جعفر أحمد بن محمد بن حمدين، ومعهم مكتوب يتضمن بيعه أهل الأندلس لعبد المؤمن ودخلوهم في زمرة أصحابه الموحدين، والتزامهم لطاعته، وإقامتهم لأمره في بلادهم. وجميع أسماء القوم الذين بايعوه مثبتة في المكتوب. فقبل عبد المؤمن طاعتهم، وشكر هجرتهم، وطيب قلوبهم. فطلبوا منه النصرة على الفرنج، فإن الفرنج كانوا قد ملكوا من بلاد المسلمين مدينة شنترين وباجة وماردة وأشبونة وسائر المعاقل المجاورة لها، وذلك في سنة أربعين وخمسمائة. وكان سبب ذلك ما وقع من الاختلاف بين المسلمين، فطمع العدو فيهم وأخذ هذه المدن وقوي بها. ثم ملكوا في سنة اثنتين وأربعين مدينة المرية، ومدينة بياسة، وجميع ولاية جيان.\rفجهز عبد المؤمن جيشاً كثيفاً وجعل مقدمه أبا عمر بن صالح من آية الخمسين. وجهز أسطولاً في البحر وجعل قائده يحيى بن عيسى بن ميمون. فغدوا إلى جزيرة الأندلس. ودخل الأسطول إلى مدينة إشبيلية في النهر، وحاصروها براً وبحراً، وبها جيش من الملثمين. فملكتها عساكر عبد المؤمن عنة وقتلوا فيها جماعة. ثم أمن الناس. واستولت عساكره على البلاد الإسلامية التي بها، ودان له أهلها.\rوفي سنة ثلاث وأربعين ملك الفرنج مدنا من الأندلس، وهي طرطوشة وجميع قلاعها وحصون لاردة، وذلك لاختلاف المسلمين.\rحصار الفرنج مدينة قرطبة\rورجوعهم عنها قال: وفي سنة خمس وأربعين وخمسمائة، حصر السليطين - وهو الأدفونش ملك طليطلة وأعمالها، وهو من ملوك الجلالقة - مدينة قرطبة - أعادها الله - في أربعين ألف فارس من الفرنج. فبلغ الخبر عبد المؤمن وهو بمراكش. فجهز اثني عشر ألف فارس ومقدمهم أبو زكريا يحيى بن يومور. فساروا حتى قربوا من قرطبة. فلم يقدروا على لقاء الفرنج في الوطأة، فساروا في الجبال الوعرة. وجعلوا يقطعون الأشجار حتى يجدوا مسلكاً. فمشوا عشرين يوماً قال: يالوعر مسافة أربعة أيام في السهل. فأفضوا إلى جبل شامخ مطل على قرطبة. فلما رآه السليطين وتحقق أمرهم، رحل لوقته بجميع من معه وسار حتى غاب عن فجاج قرطبة. وكان بقرطبة القائد أبو الغمر السائب، من ولد القائد ابن غلبون من أبطال الأندلس فخرج لوقته من قرطبة وصعد إلى الجبل. واجتمع بيحيى وقال له: انزل بمن معك إلى قرطبة وعجّل. ففعلوا ذلك وباتوا بها. فما أصبح اليوم الثاني إلا وعسكر السليطين قد غشي الجبل الذي كان فيه يحيى. فقال لهم أبو الغمر: هذا الذي كنت خفته عليكم. فلما لعم أنهم قد فاتوه، ورأى أنه لا مطمع له في قرطبة، رحل إلى بلاده بعد أن حاصرها ثلاثة أشهر قبل وصلوهم.\rملكه مدينة بجاية\rوملك بني حماد وانقراض دولتهم وفي سنة ست وأربعين وخمسائة، سار عبد المؤمن من مدينة مراكش إلى سبتة. وهيأ الأساطيل والناس يعتقدون أنه يدخل الأندلس. ونفّذ أعيان أصحابه إلى جميع القبائل: أن يجمعوا العساكر ويرتبوها. وقطع السابلة عن بلاد شرق المغرب براً وبحراً.\rثم خرج من سبتة في صفر سنة سبع وأربعين. وتوجه إلى المشرق مسرعاً وطوى المراحل، والعساكر المرتبة تلقاه. فلم يشعر أهل بجاية إلا وهو في أعمالها، وكانت ليحيى بن العزيز بالله آخر ملوك بني حماد. وكان مولعاً بالصيد واللهو واللعب لا ينظر في شيء من أمور مملكته بل فوضها ليمون بن حمدون. فجمع ميمون العساكر وخرج عن بجاية. فأقام أياماً وأحجم عن اللفاء ورجع ولم يقاتل عساكر عبد المؤمن. واعتصم يحيى بن العزيز بقلعة قسنطينة. وهرب أخوه الحارث في مركب إلى جزيرة صقلية. ولحقه أخوه عبد الله وجماعة من بني عمه إلى صقلية.\rودخل عبد المؤمن بجاية وملك جميع بلاد يحيى بن العزيز بغير قتال. ثم نزل إليه يحيى بالأمان فأمنه وأنفذه إلى المغرب، وكان فيها مدة حياته رخى البال.","part":6,"page":486},{"id":2997,"text":"وانقرضت دولة بني حماد. وكانت مدة ملكهم منذ ولي حماد مدينة آشير من قبل أبي مناد باديس بن المنصور بن يوسف في صفر سنة سبع وثمانين وثلاثمائة مائة سنة وستين سنة. وعدة من ملك منهم تسعة ملوك، وهم حماد بن يوسف بلكين بن زيري، ثم القائد ابن حماد ثم محسن بن القائد بن حماد، ثم ابن عمه بلكين بن محمد، ثم الناصر بن علناس بن محمد بن حماد، ثم ابنه المنصور، ثم ابنه باديس بن المنصور ولم تطل أيامه حتى مات، وولي بعده العزيز بالله بن المنصور بن الناصر، ثم يحيى بن العزيز هذا. وعليه انقرضت دولتهم.\rوكان يحيى قد اعتق الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس - كما ذكرناه. وسر بما ناله من أخذ الفرنج بلاده. فلم تطل المدة حتى فاجأه اقدر واستلب ملكه. واجتمع الحسن ويحيى في مجلس عبد المؤمن على بساط واحد. واستصحب عبد المؤمن الحسن معه، وألحقه بخاصته، وأعلى مرتبته. ولم يفارقه في سفر ولا حضر إلى أن فتح المهدية، فأقر الحسن بها وأمر واليها أن يقتدي برأيه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rظفره بصنهاجة\rوملكه قلعة حماد قال: ولما ملك عبد المؤمن بجاية، تجمعت صنهاجة في أمم كثيرة. وتقدم عليهم رجل اسمه أبو قبيصة. واجتمع معهم من كتامة ولوانة وغيرها مالا يحصى كثرة، وقصدوا حرب عبد المؤمن. فأرسل إليهم جيشاً كثيفاً، ومقدمهم أبو سعد يخلف، وهو من آية خمسين. فالتقوا في عرض الجبل شرقي بجاية. فانهزم أبو قبيصة، وقتل أكثر من معه، ونهبت أموالهم، وسبيت نساؤهم وذراريهم.\rثم سار أبو سعيد إلى قلعة حماد، وهي من أحصن القلاع وأعلاها. فلما رأى أهلها عساكر الموحدين هربوا منها في رؤوس الجبال. وملكت القلعة حمل جميع ما فيها من الأموال والذخائر وغير ذلك إلى عبد المؤمن.\rالحرب بينه والعرب\rوظفر عساكر عبد المؤمن بهم قال: وفي سنة ثمان وأربعين وخمسمائة في صفر، كانت الحرب بين عساكر عبد المؤمن والعرب عند مدينة سطيف.\rوذلك أن عبد المؤمن لما فتح بلاد بني حماد اجتمعت العرب، وهم بنو هلال والأثبج وعدي ورياح وزغيف وغيرهم ممن يقول بقولهم من أرض طرابلس إلى أقصى المغرب. وقالوا: إن جاورنا عبد المؤمن أجلانا من بلاد المغرب. وليس الرأي إلا اللقاء معه، وأخذه بالجد، وإخراجه من البلاد قبل أن يتمكن. وتحالفوا على التعاون والتعاضد، وعزموا على لقائه بالرجال والأهل والمال.\rواتصل الخبر بصاحب صقلية الفرنجي، فأرسل إلى أمراء العرب وهم محرز بن زياد، وجبارة بن كامل، وحسن بن ثعلب، وعبسي بن حسن، وغيرهم، يحثهم على ذلك، ويعرض عليهم أن يرسل إليهم خمسة آلاف فارس من الفرنج يقاتلون معهم على أن يرسلوا إليه رهائن. فشكروه وقالوا: لا حاجة بنا إلى نجدته، ولا نستيعن على المسلمين بغيرهم.\rوساروا في عدد لا يحصى. وكان عبد المؤمن قد رحل من بجاية إلى بلاد المغرب. فلما بلغه خبرهم جهز إليهم جيشاً من الموحدين زهاء ثلاثين ألف فارس، ومقدمهم أبو سعيد يخلف، وعبد العزيز وعيسى أولاد أبي مغار. وكان العرب أضعافهم، فاستخرجهم الموحدون. وتبعهم العرب إلى أن وصلوا أرض سطيف بين جبال.\rفصدمهم الموحدون بغتة والعرب على غير أهبة. والتقى الجمعان واقتتلوا أشد قتال وأعظمه. فانجلت المعركة عن هزيمة العرب.\rوذلك في يوم الخميس غرة صفر. وتركوا أموالهم وأهاليهم وأولادهم ونعمهم. فأخذ الموحدون جميع ذلك وعادوا به إلى عبد المؤمن. فقسم الأموال في عسكره وترك النساء والأولاد تحت الاحتياط. ووكل بهم الخصيان بخدمونهم وأمر بصيانتهم. ونقلهم معه إلى مراكش فأنزلهم في المساكن الفسيحة وأجرى عليهم النفقات الواسعة.\rوأمر عبد المؤمن محمداً بمكاتبة العرب ويعلمهم أن نساءهم وأولادهم تحت الاحتياط والحفظ والصيانة. وأمرهم أن يحضروا ليسلمهم إليه. فلما وصل كتابه إليهم سارعوا إلى المسير إلى مراكش. فأعطاهم عبد المؤمن نساءهم وأولادهم، وأحسن إليهم، ووصلهم بالأموال الجزيلة فاسترقّ قلوبهم بذلك وأقاموا عنده، واستعان بهم على ولاية ابنه محمد العهد بعده.\rالبيعة لإبنه\rمحمد بن عبد المؤمن بولاية العهد بعد أبيه","part":6,"page":487},{"id":2998,"text":"قال: وفي سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، أمر عبد المؤمن بالبيعة بولاية العهد لابنه محمد. وكان الشرط بين عبد المؤمن وعمر الهنتاتي أن يلي الأمر بعده. فلما تمكن عبد المؤمن من الملك وكثرت أولاده أحب أن يكون الملك فيهم. فأحضر أمراء العرب من هلال وزغية وعدي وغيرهم إليه ووصلهم وأحسن إليهم. ثم وضع عليهم من يقول لهم: اطلبوا من عبد المؤمن أن يجعل لكم ولي عهد من ولده بعده. ففعلوا ذلك. فلم يجبهم إكراماً لعمر الهنتاتي لعلو منزلته في الموحدين. فلما علم الهنتاتي ذلك خاف على نفسه. فحضر عند عبد المؤمن وخلع نفسه. فحينئذ بايع عبد المؤمن لابنه بولاية العهد. وكتب إلى جميع بلاده بذلك. وخطب له في جميع البلاد. وأخرج من الأموال شيئاً كثيراً في ذلك اليوم.\rاستعمال أولاده\rعلى البلاد وأعماله وفي سنة إحدى وخمسين أيضاً، استعمل عبد المؤمن أولاده على البلاد والأعمال، فجعل ابنه أبا محمد عبد الله علي بجاية وأعمالها، وأبا حفص عمر على مدينة تلمسان وأعمالها، وأبا الحسن علياً على مدينة فاس وأعمالها، وأبا سعيد على سبتة والجزيرة الخضراء ومالقة.\rولقد سلك عبد المؤمن في استعمالهم من حسن السياسة وجميل التدبير طريقاً عجيباً يستدل به على جودة رأيه، وتوصّله إلى مقاصده بأحسن صورة وأجمل طريقة. وذلك أنه كان قد استعمل على الأعمال شيوخ الموحدين المشهورين من أصحاب المهدي، فكان يتعذر عليه أن يعزلهم. فأخذ أولادهم وتركهم عنده، وأشغلهم بالعلوم. فلما مهروا فيها، قال لآبائهم: إني أريد أن تكونوا عندي أستعين بكم على ما أنا بصدده وتكون أولادكم في أعمالكم. فأجابوا إلى ذلك وفرحوا به، فاستعمل أولادهم. ثم وضع عليهم من يعتمد عليه منهم فقال لهم: إني أرى أمراً عظيماً قد فعلتموه فارقتم فيه الحرزم والأدب. فقالوا: وما هو؟ قال: أولادكم في الأعمال وأولاد أمير المؤمنين ليس إليهم شيء منها مع ما عم فيه من العلم وحسن السياسة. وإني أخاف أن ينظر في هذا فتسقط منزلتكم عنده فعلموا صدقه. وحضروا إلى عند عبد المؤمن وسألوه أن يستعمل أولاده. فقال: لا أفعل. فعزموا عليه حتى فعل بسؤالهم.\rملكه مدينة المرية\rمن الفرنج وأغرناطة من الملثمين قال: وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، كاتب ميمون ابن بدر صاحب أغرناطة أبا سعيد بن عبد المؤمن صاحب مالقة والجزيرة الخضراء وسبتة أن يسلم إليه أغرناطة، فتسلمها منه. وسار إلى مالقة بأهله وولده، فسيره أبو سعيد إلى مراكش. فأقبل عليه عبد المؤمن وأكرمه.\rوانقرضت دولة المتلثمين ولم يبق لهم إلا جزيرة ما يرقة مع حمو بن غانية اللمتوني.\rقال: ولما ملك أبو سعيد أغرناطة جمع الجيوش وسلم إلى مدينة المرية - وهي بيد الفرنج، كانوا قد أخذوها في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة - فنازلها وحصرها براً وبحراً. ونزل عسكره على الجبل المشرف عليها. وبني سوراً على الجبل إلى البحر، وعمل عليه خندقاً. فصارت المدينة والحصن الذي فيه الفرنج محصورين بهذا السور والجبل. لا يمكن أن يصل إليها من ينجدها. وجمع السليطين ملك الفرنج بالأندلس الجيوش وجاء إليها، فلم يتمكن منها ورجع ومات قبل وصوله إلى طليطلة. وتمادى الحصار على المرية ثلاثة أشهر، فقلّت الأقوات على الفرنج فطلبوا الأمان. فأمنهم أبو سعيد وتسلّم الحصن. ورحلوا في البحر عائدين إلى بلادهم. وكانت مدة ملكهم المرية عشر سنين.\rملكه مدينة المهدية\rمن الفرنج وجميع بلاد إفريقية كان الفرنج قد تغلبوا على مدينة المهدية وملكوها في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، كما قدمناه في أخبار الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس، وفعلوا بمدينة زويلة الأفغال الشنيعة من القتل والنهب والتخريب. فسار أهلها إلى عبد المؤمن وهو بمراكش يستنجدونه ويستجيرون به فأكرمهم. وأخبروه بما جرى على المسلمين وأنه ليس في ملوك الإسلام من يقصد غيره. فأطرق ثم رفع رأسه وقال: \" أبشروا لأنصرنكم ولو بعد حين \" . وأمر بإنزالهم وأطلق لهم ألفي دينار.\rثم أمر بعمل الروايا والقرب والحياض وما يحتاج إليه العساكر. وكتب إلى جميع نوابه ببلاد المغرب وكان قد ملك إلى قريب تونس، فأمرهم بتحصيل الغلات، وأن ترك في سنبلها وتهزن في مواضعها، وأن يحفروا الآبار في الطرق. ففعلوا ذلك فصارت كأنها تلال.","part":6,"page":488},{"id":2999,"text":"فلما كان في صفر سنة أربع وخمسين وخمسمائة، وسار من مراكش يريد إفريقية ومعه من العساكر مائة ألف مقاتل ومن السوقة والأتباع أمثالهم وبالغ في حفظ العساكر حتى كانوا يسيرون بين الزروع فلا تتأذى بهم سنبلة واحدة. وإذا نزلوا صلوا جميعهم مع إمام واحد بتكبيرة واحدة لا يختلف منهم أحد. وقدم بين يديه الحسن بن علي بن يحيى بن تميم الذي كان صاحب المهدية وإفريقية.\rفسار حتى وصل إلى مدينة تونس في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة. وأقبل الأسطول في البحر في سبعين شينياً وطريدة وشلندي. فنازلها وأرسل إلى أهلها يدعوهم إلى الطاعة. فامتنعوا وقاتلوا أشد قتال. فلما جاء الليل خرج إليهم سبعة عشر رجلاً من أعيان أهلها، وسألوا عبد المؤمن الأمان لأهل بلدهم. فأجابهم إلى الأمان لهم في أنفسهم وأهلهم وأموالهم لمبادرتهم إلى الطاعة وأما من عداهم من أهل البلد فأمنهم في أنفسهم وأهليهم، ويقاسمهم أموالهم وأملاكهم نصفين، وأن يخرج صاحب البلد هو وأهله. فاستقر ذلك وتسلم البلد. وأرسل أمناء ليقاسموا الناس على أموالهم. وأقام عليها ثلاثة أيام. وعرض الإسلام على من بها من اليهود والنصارى، فمن أسلم سلم، ومن أبى قتل.\rوسار عبد المؤمن إلى المهدية والأسطول يحاذيه في البحر. فوصل إليها في ثاني عشر شهر رجب من السنة. وبها أولاد ملوك الفرنج وأبطال الفرسان، وقد أخلوا مدينة زويلة وبينها وبين المهدية غلوة سهم. فدخلها عبد المؤمن، وامتلأت بالعساكر والسوقة فاصارت مدينة معمورة في ساعة واحدة. ومن لم يكن له من العسكر موضع نزل بظاهرها. وانضاف إليهم من صنهاجة والعرب وأهل البلاد ما يخرج عن الإحصاء. وأقبلوا على قتال من بالمهدية، وهي لا يؤثر فيها شي لحصانتها وقوة سورها وضيق موضع القتال عليها لأن البحر دائر بأكثرها، وهي كأنها كف في البحر وزندها متصل بالبر. فكانت شجعان الفرنج تخرج إلى أطراف العسكر فينالون منه ويسرعون العود. فأمر عبد المؤمن ببناء سور من غربي المدينة يمنعهم من الخروج. وأحاط الأسطول بها في البحر. وهال عبد المؤمن ما رأى من حصانة البلد، وعلم أنها لا تفتح بقتال، وليس لها غير المطاولة. قال للحسن: كيف نزلت عن هذا الحصن؟ فقال: \" لقلة من يوثق به وعدم القوت وحكم القدر. فقال: صدقت. وأمر بجمع الغلات ففلم يمض غير قليل حتى صار في العسكر كالجبلين من الحنظة والشعير. وتمادى الحصار.\rوفي مدته أطاع عبد المؤمن أهل سفاقس وطرابلس وجبال نفوسة وقصور إفريقية وما والاها. وفتح مدينة قابس وأتاه يحيى ابن تميم صاحب قفصة ومعه جماعة من أعيانها. ولما قدموا عليه دخل حاجبه عبد السلام الكوفي يستأذنه عليهم. فقال له عبد المؤمن: أتى عليك ليس هؤلاء أهل قفصلة. فقال: لم يشتبه علي وإنهم أهلها. فقال عبد المؤمن: كيف يكون ذلك والمهدي يقول: إن أصحابنا يقطعون أشجارها ويهدمون أسوارها؟ ومع هذا فنقبل منهم ونكف عنهم وننتظر ما يكون، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً وقضى شغلهم وأرسل معهم طائفة من الموحدين، وفيهم زكري بن يومون، وولاه عليها. وورد في جملة أهل قفصة شاعر منهم، فمدحه بقصيدة أولها:\rما هزّ عطفيه بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي\rفلما أنشده هذا البيت قال: حسبك ووصله بألف دينار.\rقال: ولما كان في يوم الاثنين لثمان بقين من شعبان سنة أربع وخمسين، جاء أسطول صاحب صقلية في مائة وخمسين شينياً غير الطرائد، فقاتلهم أسطول عبد المؤمن فانهزموا. وتبعهم المسلمون وأخذوا منهم سبعة شوان. فحينئذ أيس من بالمهدية من النجدة.\rوصبروا على الحصار إلى آخر ذي الحجة من السنة حتى فنيت أقواتهم وأكلوا خيلهم. فنزل عشرة من فرسانهم إلى عبد المؤمن وسألوه الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم، ليخرجوا منها ويعودوا إلى بلادهم. فعرض عليهم الإسلام، فأبوا. ولم يزالوا يستعطفونه حتى أجابهم وأمنهم. وأعطاهم سفناً فنزلوا فيها. وساروا إلى جزيرة صقلية. وكان الفصل شتاء، فغرق أكثرهم ولم يصل منهم إلى صقلية إلا القليل. وكان صاحب صقلية قد قال: إن قتل عبد المؤمن أصحابنا بالمهدية قتلنا المسلمين الذين بجزيرة صقلية وأخذنا حرمهم وأموالهم. فأهلك الله الفرنج غرقاً وكان مدة استيلاء الفرنج على المهدية اثنتي عشرة سنة.","part":6,"page":489},{"id":3000,"text":"ودخل عبد المؤمن مدينة المهدية بكرة عشوراء سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وسماها عبد المؤمن سنة الأخماس. وأقام بالمهدية عشرين يوماً. ورتب أحوالها، ونقل إليها الذخائر من الأقوات والسلاح والعدد والرجال. واستعمل عليها أبا عبد الله محمد ابن فرج. وجعل معه الحسن بن علي بن يحيى الذي كان صاحبها. وأمره أن يقتدي برأيه في أفعاله. وأقطع الحسن بها إقطاعاً وأعطاه دوراً بالمهدية. ورتّب لأولاده وعبيده أرزاقاً. ثم رحل عبد المؤمن من المهدية في غرة صفر سنة خمس وخمسين وخمسمائة.\rأيقاعه بالعرب\rكان سبب ذلك أنه لما أراد العود إلى بلاد المغرب بعد فراغه من أمر المهدية - جمع أمراء العرب من بني رياح الذين كانوا بإفريقية، وقال لهم: إنه قد وجب علينا نصرة الإسلام، وإن المشركين قد استفحل أمرهم بجزيرة الأندلس. واستولوا على كثير منها مما كان بيد المسلمين، وما يقاتلهم أحد مثلكم، فبكم فتحت البلاد أول الإسلام، وبكم دفع عنها العدو الأول. ونريد منكم عشرة آلاف فارس من أهل النجدة والشجاعة يجاهدون في سبيل الله فأجابوه بالسمع والطاعة فحلفهم على ذلك.\rوساروا معه حتى انتهوا إلى مضيق جبل زغوان. وكان منهم إنسان يقال له يوسف بن مالك، وهو من أمرائهم ورؤوس القبائل فيهم. فجاء إلى عبد المؤمن بالليل وقال له سراً: إن العرب قد كرهت السير إلى الأندلس وقالوا: ما غرض عبد المؤمن إلا إخراجنا من بلادنا، وإنهم لا يفون بأيمانهم. فقال: يأخذ الله تعالى الغادر. فلما كانت الليلة الثانية، هربوا إلى عشائرهم ودخلوا لابر، ولم يبق منهم إلا يوسف بن مالك، فسماه عبد المؤمن يوسف الصادق. ولم يحدث في أمرهم شيئاً.\rوسار مغرباً يحث السير حتى قرب من القسنطينة، ونزل في موضع مخصب يقال له وادي النساء. فأقام به وضبط الطرق فلا يسير أحد البتة ودام هناك عشرين يوماً. وانقطع خبره عن جميع الناس لا يعرفون للعسكر خبراً مع كثرته وعظمه، ويقولون: ما أزعجه إلا خبر وصله من الأندلس. فعادت العرب الذين أجفلوا منه من البرية إلى البلاد لما أمنوا جانبه.\rفلما علم برجوعهم جهز إليهم ولديه أبا محمد وأبا عبد الله في ثلاثين ألفاً من أعيان الموحدين وشجعانهم. فجدوا السير وقطعوا المفاوز. فما شعرت العرب إلا والجيش قد أقبل، وجاء من ورائهم من جهة الصحراء من يمنعهم من الدخول إليها، وكانوا قد نزلوا جنوباً من القيروان عند جبل القرن، وهم زهاء ثمانين ألف بيت، ومشاهير مقدميهم محرز بن زياد وجبارة بن كامل ومسعود بن زمام وغيرهم. فلما أطلت عليهم العساكر اضطربوا وماجوا واختلفت كلمتهم. ففر مسعود وجبارة ومن معهما من عشائرهما. وثبت محرز بن زياد ومعه جمهور العرب. فناجزهم الموحدون القتال. وذلك في العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين. واشتد القتال وكثرت القتلى. فانجلت الحرب عن قتل محرز وانهزم العرب.\rولما انهزموا أسلمو البيوت والحريم والأولاد والأموال. فحمل جميع ذلك إلى عبد المؤمن وهو بتلك المنزلة. فأمر بحفظ النساء العربيات الصّرائح. وحملن معه تحت الحفظ والبر والصيانة إلى بلاد المغرب. ثم أقبلت إليه وفود رياح، فأجمل لهم الصنيع ورد إليهم الحريم. فلم يبق منهم إلا من صار له كالعبد الطائع، وهو يخفض لهم الجناح ويبذل فيهم الإحسان. ثم جهزهم إلى ثغور الأندلس على الشرط الأول.\rقال: وجمعت عظام من قتل من العرب عند جبل اقرن فبقيت دهراً طويلاً كالتل يلوح للناظرين من مكان بعيد. وبقيت بلاد إفريقية بيد نواب عبد المؤمن آمنة ساكنة، لم يبق من العرب خارج عن الطاعة إلا مسعود بن زمام وطائفة في أطراف البلاد.\rوفي سنة ست وخمسين، توجه عبد المؤمن إلى جبل طارق، وهو على ساحل الخيليج مما يلي الأندلس، فعبر المجاز إليه. وبني عليه مدينة حصينة. وأقام بها أشهراً ثم انصرف إلى مراكش.\rوفاته\rوشيء من أخباره كانت وفاته في العشر الآخر من جمادى الآخر سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بمدينة سلام. وكانت مدة ولايته ثلاثاً وثلاثين سنة وأشهراً. وخلف ستة عشر ولداً ذكوراً.","part":6,"page":490},{"id":3001,"text":"وكان عاقلاً، حازماً، سديد الرأي، حسن السياسة للأمور، كثير البذل للأموال، إلا أنه كان كثير السفك لدماء المسلمين على صغار الذنوب. وكان يعظّم أمر الدين ويقويه، ويلزم الناس في سائر بلاده بالصلاة. ومن رئي في وقت الصلاة غير مصلّ قتل. وجمع الناس على مذهب الإمام مالك بن أس رحمه الله في الفروع، وعلى مذهب أبي الحسن الأشعري في الأصول. وكان الغالب على مجلسه أهل العلم والدين، وإليهم المرجع والكلام معهم.\rقال ابن شداد: وقفت على كتاب كتبه عنه بعض كتابه، ييقول فيه بعد البسملة: من الخليفة المعصوم الرّضي الهاشمي الزّكي، الذي وردت البشارة به من النبي صلى الله عليه وسلم، العرب القامع لكل مجسّم غوي، الناصر لدين الله العلي، أمير المؤمنين الولي، عبد المؤمن بن علي.\rوحكى أيضاً قال: أخبر رجل من أهل المهدية اجتمعت به بمدينة صقلية سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، قال: لما فتح عبد المؤمن مدينة بجاية وجميع ملك بني حماد، وافق ذلك وصولي بد أيام من المهدية إلى بجاية بأحمال متاع مع قفل، فبتنا على مرحلة من بجاية. فلما أصبح الصباح فقدت شدّة من المتاع، فحمدت الله وسألته الخلف. ودخلنا البلد وبعت المتاع أحسن بيع وأفدت فيه فائدة كبيرة. فقلت لصاحب الحانوت الذي بعت على يديه: فقدت من هذا المتاع شدة، وأخلف الله على في الباقي. فقال لي: وما أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين عبد المؤمن؟ قالت: لا. قال: والله، إن علم ذلك من غيرك لحقك الضرر بسترك على المفسدين. فاتق الله في نفسك. فرحت إلى القصر واستأذنت عليه وأعلمته. ثم خرجت فسألني خادم عن منزلي فوصفته له. ورجعت إلى صاحب الحانوت فأخبرته. فقال: خرجت من العهدة.\rفلما كان صبيحة اليوم الثالث من وصولي إليه، جاءني غلام أسود فقال: أجب أمير المؤمنين. فخرجت معه. فلما وصلنا باب القصر وجدت جماعة كبيرة والمصامدة دائرة عليهم بالرماح. فقال الأسود \" تعلم من هؤلاء؟ \" قلت: لا. قال: هم أهل المكان الذي أخذ متاعك فيه. فدخلت وأنا خائف، فأجلست بين يديه. واستدعى مشايخهم وقال لي: كم صح لك في الشدة التي فقدت أختها. فقلت: كذا وكذا. فأمر من وزن لي المبلغ ثم قال لي: قم. أنت أخذت حقك وبقي حقي وحق الله عز وجل. وأمر بإخراج المشايخ وقتل الجميع. وقال: هذه طريق شوك أزيلها عن المسلمين. فأقبلوا يبكون ويتضرعون ويقولون: يؤاخذ سيدنا الصلحاء بالمفسدين؟ فقال: نخرج كل طائفة منكم من فيها من المفسدين. فصار الرجل يخرج ولده وأخاه وابن عمه إلى أن اجتمع منهم نحو خمسمائة فأمر أهلهم أن يتولوا قتلهم، ففعلوا ذلك. وخرجت أنا إلى صقلية خوفاً على نفسي من أولياء المقتولين.\rقال: وكان عبد المؤمن لا يداهن في دولته، ويأخذ الحق من ولده إذا وجب عليه.\rقال: ولا مشرك في بلاده ولا كنيسة في بقعة منها، لأنه كان إذا ملك بلداً إسلامياً لم يترك فيه ذمياً إلا عرض عليه الإسلام. فمن أسلم سليم، ومن طلب المضي إلى بلاد النصارى أذن له في ذلك، ومن أبى قتل. فجميع أهل مملكته مسلمون لا يخالطهم سواهم.\rولا لهو ولا هزل تحت أمره بل تلاوة كتاب الله العزيز، ومدارسة الأحاديث الصحيحة النبوية، والاشتغال بالعلوم الشرعية، وإقام الصوات. فهذا كان دأب أصحابه.\rوكان لعبد المؤمن من الأولاد الذكور ستة عشر، وهم محمد وهو ولي عهده، وعلي، وعمر، ويوسف، وعثمان، وسليمان، ويحيى، وإسماعيل، والحسن، والحسين، وعبد الله، وعبد الرحمن، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب.\rولاية يوسف بن عبد المؤمن ابن علي كانت ولايته بعد وفاة أبيه. وذلك أن عبد المؤمن لما حضرته الوفاة جمع أشياخ الموحدين وقال لهم: قد جربت ابني محمداً فلم أجد فيه نجابة تصلح للأمر، ولا يستحق الولاية ولا يصلح لها إلا ابني يوسف، وهو أولي بها، فقدّموه لها. ووصاهم به فبايعوه وعقدوا له الولاية. وخوطب بأمير المؤمنين.\rثم مات عبد المؤمن فكتموا موته وحمل في محفة من سلا بصورة أنه مريض إلى أن وصل إلى مراكش. وكان ابنه أبو حفص حاجباً لأبيه فبقي مع أخيه على مثل حاله مع أبيه يخرج إلى الناس فيقول أمر أمير المؤمنين بكذا وكذا، ويوسف يقعد مقعد أبيه إلى أن كملت المبايعة له في جميع البلاد. فأظهر موت أبيه بعد انقضاء أشهر من وفاته. واستقامت الأمور لأبي يعقوب وانقاد الناس لأمره.\rعصيان غمارة","part":6,"page":491},{"id":3002,"text":"مع مفتاح بن عمرو وقتالهم وقتل مفتاح قال: ولما تحقق الناس موت عبد المؤمن، ثارت قبائل غمارة في سنة تسع وخمسين وخمسمائة مع مفتاح بن عمرو؛ وكان مقدماً كبيراً فيهم، فاتبعوه بأجمعهم، وامتنعوا في جبالهم، وهي معاقل مانعة، وهم أمم جمة. فتجهز إليهم أبو يعقوب ومع أخواه عمر وعثمان في جيش كثيف من الموحدين والعرب. وتقدموا إليهم والتقوا واقتتلوا في سنة إحدى وستين. فانهزمت غمارة، وقتل مفتاح وجماعة من أعيانهم ومقدميهم وخلق كثير منهم. وملكوا بلادهم عنوة. وكانت قبائل كثيرة يريدون الفتنة، وهم ينظرون ما يكون من غمارة، فلما قتلوا انقادت تلك القبائل إلى الطاعة، ولم يبق متحرك لفتنة، وسكنت الدهماء في جميع المغرب.\rوفي سنة خمس وستين وخمسمائة، وجه أبو يعقوب أخاه عمر ابن عبد المؤمن إلى الأندلس بالعساكر لقتال محمد بن سعد ابن مردنيش. وكان قد ملك شرق الأندلس، واتفق مع الفرنج، وامتنع على عبد المؤمن ثم على ابنه، وتمادى في عصيانه، واستفحل أمره. فدخل العسكر إلى بلاده، وجاس خلال دياره، وأخذوا مدينتين من بلاده. وأقاموا مدة يتنقلون في بلاده ويجبون أموالها. ثم توفى محمد بن سعد في سنة سبع وستين، وأوصى أولاده أن يقصدوا الأمير أبا يعقوب، ويسلموا البلاد إليه، ويدخلوا في طاعته. فلما مات قصدوه. فسر بهم وأكرمهم وتسلم البلاد منهم، وهي مرسية، وبلنسية، وجيان، وغير ذلك، وتزوج أختهم. وأقاموا عنده مكرمين. وكان اجتماعهم به بمدينة إشبيلية، وقد دخل الأندلس في مائة ألف فارس في سنة ست وستين وخمسمائة.\rغزوة الفرنج\rقال: وفي سنة ثمان وستين، جمع أبو يعقوب عساكره. وسار من إشبيلة وقصد بلاد الفرنج. ونزل على مدينة وبذي، وهي بالقرب من طليطلة شرقاً منها، وحصرها. فاجتمعت الفرنج مع الأدفونش ملك طليطلة في جمع كبير، فلم يقدموا على لقاء المسلمين. واتفق أن الغلاء اشتد على المسلمين وعدمت الأقوات عندهم. فعادوا إلى إشبيلية.\rوأقام أبو يعقوب بها إلى سنة إحدى وسبعين وهو يجهز العساكر في كل وقت، ويرسلها إلى بلاد الفرنج. وكان في هذه المدة عدة وقائع وغزوات، ظهر فيها من شجاعة العرب ما لا يوصف، حتى كان الفارس من العرب يسير بين الصفين ويطلب مبارزة الفارس المشهور من الفرنج، فلا يبرز إليه أحد.\rثم عاد أبو يعقوب إلى مراكش.\rملك أبي يعقوب مدينة قفصة\rقد ذكرنا أن صاحب قفصة قدم على عبد المؤمن وهو يحاصر المهدية، وأطاعه، وما قاله عبد المؤمن لحاجبه عند قدوم أهل قفصة من إخبار المهدي عن قفصة. فلما كان في سنة ثمان وستين وخمسمائة، دخلت طائفة من الترك من ديار مصر في أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب مع قراقوش مملوك تقي الدين. واجتمع عليه مسعود بن زمام وجماعة من العرب، ونزلوا على طرابلس وملكوها، واستولى على كثير من بلاد إفريقية.\rفعند ذلك طمع صاحب قفصة ونزع يده من الطاعة، واستبد بالأمر. ووافقه أهل بلده فقتلوا من عندهم من الموحدين وذلك في شوال سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. فكتب والي بجاية إلى أبي يعقوب بالخبر واضطراب أمور البلاد. فسد الثغور التي يخشى عليها بعد مسيره. وسار إلى إفريقية في سنة خمس وسبعين، ونزل على مدينة قفصة وحصرها ثلاثة أشهر، وقطع أشجاره. فلما اشتد الأمر على صاحبها خرج منها مستخفياً لم يعلم به أحد من أهل البلد. وجاء إلى خيمة أبي يعقوب فاستأذن عليه. فأذن له وقد عجب من إقدامه على الدخول عليه بغير أمان. فدخل عليه واستعطفه وقال: \" قد حضرت أطلب عفو أمير المؤمنين عني وعن أهل بلدي، وأن يفعل ما هو أهله. فعفا عنه وعن أهل بلده. وتسلم المدينة في أول سنة ست وسبعين وخمسمائة وسيره إلى المغرب فكان مكرماً عزيزاً، وأقطعه ولاية كبيرة. ورتب لقفصة والياً من الموحدين.\rووصل مسعود بن زمام أمير العرب إلى يوسف. فعفا عنه وسيره إلى مراكش. وتوجه يوسف إلى المهدية وشاهدها.\rووافها رسول من صاحب صقلية يلتمس الصلح، فهادنه عشر سنين، ورجع إلى المغرب.\rوفاة أبي يعقوب\rيوسف كانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ثمانين وخمسمائة. وكان قد سار إلى بلاد الأندلس في جمع عظيم. فلما عبر الخليج قصد غزو الفرنج، فحصر مدينة شنترين شهراً. فأصابه بها مرض، فمات وحمل في تابوت إلى مدينة إشبيلية.","part":6,"page":492},{"id":3003,"text":"وكانت مدة ولايته اثنتين وعشرين سنة وشهوراً.\rومات وله عدة من الأولاد، رأيت في بعض التواريخ أنهم كانوا خمسة عشر، وهم عمر، ويعقوب وهو ولي عهده، وأبو بكر، وعبد الله، وأحمد، ويحيى، وموسى، وإبراهيم، وإدريس، وعبد العزيز، وطلحة، وإسحاق، ومحمد، وعبد الواحد، وعثمان، وعبد الحق، وعبد الرحمن. فهذه سبعة عشر عدها وجمع على خمسة عشر، والله أعلم.\rوذكر هذا المؤرخ أن وفاته كانت في يوم السبت لسبع خلون من شهر رجب من السنة، من طعنة طعنها على مدينة شنترين من أيدي الروم، لما عبر المسلمون وتركوه في شرذمة يسيرة. ومات في الليلة الثالثة. والله تعالى أعلم.\rوقال أيضاً: ودفن بتينمل عند أبيه وابن تومرت.\rقال: وكان يحمل إليه من مال إفريقية في كل سنة وقرمائة وخمسين بغلاً، خارجاً عما يرتفع إله من سائر البلاد.\rوكان حسن السيرة، يحب العلماء ويقربهم ويشاورهم، وهم أهل خاصته، وكان فقيهاً علاماً حافظاً متقناً، رحمه الله تعالى.\rولاية أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن كانت ولايته بعد وفاة أبيه في شهر ربيع الأول سنة ثمانين وخمسمائة. وكان أبوه قد مات ولم يوص لأحد بالملك، فاجتمع رأي أشياخ الموحدين وأولاد عبد المؤمن على تقديم أبي يوسف يعقوب. فبايعوه وعقدوا له الولاية وقدموه للأمر، ودعوه بأمير المؤمنين. فقام بالملك أحسن قيام، ورفع راية الجهاد، وأحسن السيرة. فاستقامت له الدولة بأسرها مع سعة أقطارها. ورتب ثغور الأندلس، وشحنها بالرجال، ورتّب المقاتلة في سائر بلادها، وأصلح أحوالها، وعاد إلى مدينة مراكش.\rأخبار الملثمين\rوما ملكوه من إفريقية واستعادة ذلك منهم قال: ولما بلغ علي بن إسحاق بن محمد بن علي بن غانية اللمتوني صاحب جزيرة ميورقة، وكان من أعيان الملثمين، وفاة أبي يعقوب، سار إلى بجاية في عشرين شينياً، وملكها في شعبان سنة ثمانين وخمسمائة، وأخرج من كان بها من الموحدين. وكان الأمير بها سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن. وخطب اللموتوني بها للخليفة الناصر لدين الله العباسي.\rفاتصل الخبر بأبي يوسف فجهز العساكر واستعادها في صفر سنة إحدى وثمانين. وكان بها يحيى وعبد الله أخوا علي بن إسحاق قد تركهما بها وتوجه لحصار القسنطينة، فخرجا منها هاربين والتحقا بأخيهما. فأقلع إلى جهة إفريقية واجتمع بمن بها من العرب وانضاف إليه الترك الذين كانوا قد دخولها من مصر. ودخل من مصر مملوك آخر اسمه بوزابه، فانضم إليه، وكثر جمعه، وقويت شوكته. واتبعوه جميعاً لأنه من بيت الملك ولقبوه بأمير المسلمين. فقصد بلاد إفريقية فملكها شرقاً وغرباً إلا مدينتي تونس والمهدية، فإن الموحدين حفظوهما على خوف وضيق وشدة. وانضاف إلى الملثم كل مفسد يريد الفتنة والفساد والنهب.\rفأرسل الوالي على تونس وهو عبد الواحد بن عبد الله الهنتاني إلى أبي يوسف يعلمه بالحال. فلما ورد عليه الخبر اختار من عساكره عشرين ألف فارس من الموحدين. وقصد لقلة العساكر لقة القوت في البلاد. وسار في صفر سنة ثلاث وثمانين، فوصل إلى مدينة تونس. وأرسل ستة آلاف مع ابن أخيه أبي حفص، فساروا إلى علي بن إسحاق الملثم وهو بقصفة فوافوه. وكان مع الموحدين جماعة من الترك الذين كانوا مع قراقوش، فلما التقوا خامر الترك عليهم، وانضموا إلى أصحابهم الذين مع الملثم. فانهزم الموحدون وقتل جماعة من مقدميهم. وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين.\rقال: فأقام أبو يوسف بمدينة تونس إلى نصف شهر رجب منها. ثم خرج في خمسة عشر ألف فارس من الموحدين وسار يريد حرب الملثم. فالتقوا بالقرب من مدينة قابس واقتتلوا. فانهزم الملثم ومن معه. وأكثر الموحدون القتل فيهم حتى كادوا يفنونهم.\rورجع من يومه إلى قابس ففتحها. وأخذ منها أهل قراقوش وأولاده وأمواله فحملهم إلى مراكش.\rوتوجه إلى مدينة قفصة فحصرها ثلاثة أشهر، وقطع أشجارها، وخرب ما حولها. فأرسل إليه الترك الذين كانوا بها في السر يسألونه الأمان لأنفسهم ولأهل قفصة. فأجابهم إلى ذلك. وخرج الأتراك منها سالمين فسيرهم إلى الثغور لما رآه من شجاعتهم ونكايتهم. وتسلم يعقوب البلد وقتل من فيه من الملثمين. وهدم أسواره، وترك المدينة مثل قرية. وظهر ما قاله المهدي.","part":6,"page":493},{"id":3004,"text":"ولما فرغ من أمر قفصة واستقامت له إفريقية، عاد إلى مراكش. فكان وصوله إليها في سنة أربع وثمانين.\rوأما ابن عانية اللمتوني فإنه ثبت بعد انكشاف أصحابه وقاتل قتالاً شديداً فأصابته جراحات كثيرة. ومر على وجهه فمات في خيمة لعجوز أعرابية. وكان معه إخوته عبد الله ويحيى وأبو بكر وسير. فقدموا عليهم يحيى لشجاعته وشهامته ولحقوا بالمغرب. ولم يزل بإفريقية يثور تارة ويسكن أخرى.\rملك الفرنج مدينة شلب\rوعودها إلى المسلمين وفي سنة ست وثمانين وخمسمائة، ملك الفرنج بغرب الأندلس مدينة شلب، وهي من أكبر مدن المسلمين. فوصل الخبر إلى أبي يوسف فتجهز بالعساكر الكثيرة. وعبر المجاز إلى الأندلس، وسير طائفة كثيرة في البحر. ونازل شلب وحصرها، وقاتل من بها قتالاً شديداً حتى ذلوا وطلبوا الأمان. فأمنهم وتسلم البلد. ورجع من به إلى بلادهم.\rوسير جيشاً من الموحدين ومعهم جمع من العرب إلى بلاد الفرنج. ففتحوا أربع مدن كان الفرنج قد ملكوها قبل ذلك بأربعين سنة وقتلوا طائفة من الفرنج فخافهم ملك طليطلة، وأرسل في طلب الهدنة فصالحه خمس سنين. وعاد أبو يوسف بعد ذلك إلى مدينة مراكش.\rغزوة الفرنج بالأندلس\rوالوقعة الكبرى والثانية وحصر طليطلة كانت هذه الغزاة المباركة في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة. وكان سببها أن الفنش ملك الافرنج صاحب طليلطة كتب إلى أبي يوسف كتاباً، نسخته: \" باسمك اللهم، فاطر السموات والأرض.\rأما بعد، أيها الأمير، فإنه لا يخفى على ذي عقل لازب، ولا ذي لب وذكاء ثاقب، أنك أمير الملة الحنيفية كما أنا أمير الملة النصرانية. وإنك لا يخفى عليك ما هم عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال الرعية واشتمالهم على الراحات. وأنا أسومهم سوم الخسف، وأسبي الذراري، وأخلي الديار، وأمثّل بالكهول، وأقتل الشباب، ولا عذر لك في التخلف عن نصرتهم، وقد أمكنتك منهم القدرة، وأنتم تعتقدون أن الله تعالى فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم. والآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً، وقد فرض عليكم قتال اثنين منا بواحد منكم. ونحن الآن نقاتل عدداً منكم بواحد منا. ولا تقدرون دفاعاً ولا تستطيعون امتناعاً. ثم حكي لي عنك أنك أخذت في الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال، وتمطل نفسك عاماً بعد عام، تقدّم رجلاً وتؤخّر أخرى. ولا أدري: الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما أنزل عليك؟ وحكي لي عنك أنك لا تجد سبيلاً إلى جواز البحر لعلة ما يسوغ لك التقحّم بها فها أنا أقول لك ما فيه الراحة وأعتذر عنك. ولك أن توفيني بالعهود والمواثيق والأيمان: أن توجّه بجملة من عبيدك في الشواني والمراكب وأجوز إليك بجملتي. وأبارزك في أعز الأماكن عندك. فإن كانت لك، فغنيمة عظيمة جاءت إليك وهدية مثلت بين يديك. وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك واستحققت إمارة المسلمين والتقدم على الفئتين. والله يسهل الإرادة ويقرب السعادة بمنه، ولا رب غيره ولا خير إلا خيره.\rقال: فلما وصل كتابه وقرأه كتب في أعلاه: \" ارجع إليهم فنأتينّهم بجنود لا قبل هلم بها ولنخرجنّهم منها أذلة وهم صاغرون. وأعاده إليه. وجمع عساكره وعبر المجاز إلى الأندلس.\rوقيل: كان سبب عبوره إلى الأندلس أنه لما صالح الفرنج في سنة ست وثمانين على ما ذكرناه، بقيت طائفة من الفرنج لم ترض بالصلح. فلما كان الآن جمعت تلك الطائفة جمعاً من الفرنج وخرجوا إلى بلاد الإسلام فقتلوا وسبوا وأسروا وغنموا وعاثوا. فانتهى ذلك إلى أبي يوسف. فجمع العساكر وعبر إلى الأندلس في جيش يضيق به الفضاء. وجمعت الفرنج قاصيها ودانيها، وأقبلوا إليه مجدّين واثقين بالظفر لكثرتهم. والتقوا في تاسع شعبان من السنة شمالي قرطبة عند قلعة رباح بمكان يعرف بمرج الجديد. واقتتلوا قتالاً عظيماً. وكانت الحرب قال: أولها على المسلمين ثم صارت الدائرة على الفرنج. فانهزموا أقبح هزيمة وانتصر المسلمون عليهم.\rوكان عدد من قتل من الفرنج مائة ألف وستة وأربعين ألفاً.","part":6,"page":494},{"id":3005,"text":"وأسر ثلاثة عشر ألفاً. وحاز المسلمون من الخيل ستة وأربعين ألفاً ومن البغال مائة ألف، ومن الحمير مائة ألف. وكان يعقوب نادى في عسكره: من غنم شيئاً فهو له سوى السلاح. فأحصى ما حمل إليه، فكان يزيد على سبعين ألف لباس. وقتل من المسلمين نحو عشرين ألفاً. ولما انهزم الفرنج، اتبعهم أبو يوسف فرآهم قد خلّفوا قلعة رابح وساروا عنها. فلملكها وجعل فيها والياً وجنداً. وسار إلى مدينة إشبيلية.\rوأما الفنش فإنه حلق رأسه، ونكس صلبانه، وركب حماراً، وأقسم ألا يركب فرساً ولا بغلاً حتى ينصر النصرانية. فجمع جموعاً كثيرة. فبلغ الخبر إلى أبي يوسف، فأرسل إلى مراكش وغيرها من بلاد الغرب يستنفر الناس من غير إكراه. فاجتمع إليه جمع عظيم. فالتقوا في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة. وغنم المسلمون ما معهم من الأموال والسلاح والدواب وغير ذلك.\rوتوجه أبو يوسف إلى مدينة طليطلة. فحصرها وقاتل من بها قتالاً شديداً، وقطع أشجارها.\rوشنّ الغارة على ما حولها من البلاد. وفتح عدة حصون، فقتل رجالها وسبى حريمها، وهدم أسوارها، وخرب دورها. فضعفت النصرانية حينئذ وعظم أمر الإسلام بالأندلس. وعاد إلى إشبيلية فأقام بها.\rفلما دخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، سار إلى الفرنج وفعل مثل فعله الأول والثاني. فذل العدو واجتمعت ملوك الفرنج وراسلوه في الصلح، فأجابهم إله بعد امتناع. وكان عزم على أن لا يجيبهم إلى الصلح وأن يداوم الغزو حتى يفنيهم. فأتاه خبر علي بن إسحاق الملثم بخروجه على إفريقية. فصالحهم سنين. وعاد إلى مراكش في آخر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.\r؟؟؟؟ما فعله الملثم بإفريقية\rقال: ولما عبر أبو يوسف يعقوب إلى الأندلس، وداوم الغزو، وانقطعت أخبراه عن إفريقية، قوي طمع علي بن إسحاق فيها. وكان بالبرية مع العرب. فعاود قصد إفريقية. وبث جنده في البلاد وأكثر الفساد. وأظهر أنه إذا استولى على بجاية سار إلى المغرب. فوصل الخبر إلى أبي يوسف فصالح الفرنج، وعاد إلى مراكش عازماً على قصده وإخراجه.\rولما عاد استعمل على مدينة تونس أبا سعيد عثمان بن عمر الهنتاتي وولي أخاه أبا علي يونس بن عمر على المهدية. وجعل قائد الجيش بالمهدية محمد بن عبد الكريم، وهو رجل مشهور بالشجاعة. فعظمت نكايته في العرب، ولم يبق إلا من يخافه. وخرج إلى طائفة من عوف، فانهزموا منه وتركوا أموالهم وعيالهم. فأخذ الجميع ورجع إلى المهدية. وأخذ من الغنيمة والأسلاب ما شاء، وسلم البعض لأبي علي، والبعض للجند. فجاءت تلك الأعراب إلى أبي سعيد بن عمر فوحدوا وصاروا من حزب الموحدين. واستجاروا بأبي سعيد في رد عيالهم وأموالهم. فأحضر محمد بن عبد الكريم وأمره بإعادة ما أخذ لهم. فقال: أخذه الجند ولا أقدر على رده. فأغلظ له في القول وأراد أن يبطش به. فاستمهله إلى أن يرجع إلى المهدية ويسترد من الجند ما يجده، وما عدم غرمه من ماله؛ فأمهله. وانصرف إلى المهدية وهو لا يأمن على نفسه. فلما وصل إليها جمع أصحابه، وأعلمهم بما كان من أبي سعيد، وحالفهم على المخالفة عليه، فحلفوا له على ذلك. فقبض على أبي علي يونس وتغلب على المهدية وملكها ونزع يده من الطاعة. فأرسل إليه أبو سعيد في إطلاق أخيه يونس. فأطلقه على اثني عشر ألف دينار، فأخذها وفرقها في جنده. فجمع أبو سعيد الجند وأراد قصده. فأرسل محمد بن عبد الكريم إلى علي بن إسحاق الملثم واعتضد به. فامتنع أبو سعيد من قصده. وفي خلال ذلك مات أبو يوسف.\rوفاة أبي يوسف يعقوب\rكانت وفاته في سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمدينة سلا. وكان قد سار إليها من مراكش، وبني مدينة مجاورة لها وسماها المهدية، وجاءت من أحسن البلاد وأنزهها. فسار ليشاهدها فتوفي بها. وقيل: بل توفي بمراكش بعد انصرافه من سلا، في جمادى الأولى سنة خمس وتسعين. وقيل: بل كانت وفاته في صفر منها.\rوكانت ولايته خمس عشرة سنة.\rوكان رحمه الله ديناً، حسن السيرة، كثير الجهاد، إلا أنه كان يتمذهب بمذهب الظاهرية ولا يكتمه. فعظموا في أيامه وانتشروا في البلاد، ومال إليهم.","part":6,"page":495},{"id":3006,"text":"وحكى بعض المؤرخين أنه كان في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة أظهر الزهد والتقشف وخشونة المأكل والملبس. وانتشرت في أيامه الصالحون وأهل الحديث. وانقطع علم الفروع. وأمر بإحراق كتب المذهب عبد أن يجرد منها الحديث والقرآن. فحرق منها جملة في سائر البلاد كالمدونة وكتاب ابن يونس، ونوادر ابن أبي زيد، ومختصره، والتهذيب للبرادعي، والواضحة. وأمر بجمع الحديث من المصنفات كالبخاري، ومسلم، والترمذي، والموطأ، وسنن أبي داود، والبزار، وابن أبي شيبة، والدار قطني، والبيهقي، فجمع ذلك كله. فكان يمليه بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه. قال: وانتشر هذا المجموع في بلاد المغرب، وحفظه العوام والخواص. وكان يجعل لمن حفظه الجوائز السنية. وكان قصده أن يمحو مذهب مالك من بلاد المغرب، ويحمل الناس على الظاهر من الكتاب والسنة. وكان له من الأولاد محمد وهو ولي عهده، وإبراهيم، وعبد الله، وعبد العزيز، وأبو بكر، وزكريا، وإدريس، وعيسى، وموسى، وصالح، وعثمان، ويونس، وسعد، ومساعد. فهؤلاء أربعة عشر ولداً. ولما مات ولي بعده ابنه محمد.\rولاية محمد بن أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ابن علي الملقب الناصر لدين الله كان أبوه قد ولاه العهد في حياته. واستقل بالملك بعده، واستقام أمر دولته، وأطاعه الناس، وذلك في جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وخمسمائة. ولما ولي اتصل به فساد إفريقية. فأنفذ عمه أبا العلاء في سبعين شينياً مشحونة بالعدد والمقاتلة. وجهز جيشاً في البر مع أبي الحسن علي بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن فوصل إلى قسنطينة الهواء. ووصل الأسطول إلى بجاية. فلما اتصل خبرهم بعلي بن إسحاق ومن معه من العرب هربوا وتركوا إفريقية ودخلوا إلى الصحراء. وتمادى بعض الأسطول إلى المهدية، فقبح مقدمهم على محمد بن عبد الكريم فعله. فشكان إليه ما ناله من أبي سعيد، وقال: أنا في طاعة سيدنا أمير المؤمنين محمد، وما أسلم المهدية إلا له أو لمن يأمرني بتسليمها إليه. وأما أبو سعيد فلا أسلمها إليه أبداً. فأرسل محمد من تسلمها منه. وعاد إلى الطاعة.\rقال: وجهز محمد جماعة من العرب إلى الأندلس واحتاط واحترز. فأتاه جماعة رسل من ملوك الفرنج يطلبون دوام الهدنة ويشاهدون أحوال الدولة. فأنزلهم على العادة، وحضروا مجلسه فطلبوا دوام الهدنة التي كانت بينهم وبين أبيه، واستقراض مائة ألف دينار. فقال لهم: المال والحمد لله لدينا والرجال، ونحن نجيب إلى ذلك بشرط أن ترهنوا عندنا معاقل على المال تكون بأيدينا إلى حين الوفاء. وإن كان هذا منكم امتحاناً فالسيوف التي تعرفون ما ردّت في أغمادها والرماح ما حصلت على أوتادها. فانصرفوا وقد ملأ قلوبهم رعباً. وأبقوا الهدنة على ما كانت وأعرضوا عن ذكر السلف.\rقال: وخرج أقارب يحيى بن إسحاق الميورقي من ميورقة لما علموا بموت يعقوب في أسطول كبير إلى جزيرة منرقة، وهي في طاعة محمد. ففتحوها واحتووا على أموالها، وتركا فيها جنداً يحفظونها. فاتصل ذلك بالأمير محمد. فجهز أسطولاً في غير أوان ركوب البحر في كانون، وقدم عليهم أبا زيد. فوصل إلى منرقة ففتحها عنوة بالسيف وقتل بعض من فيها. وتوجه إلى جزيرة ميورقة ففتحها وقتل بعض من بها من الجند. وأسر ثلاثة من أقارب يحيى ابن إسحاق وقتل منهم واحد في المعركة. وذلك كله في سنة خمس وتسعين وخمسمائة.\rانتهى تاريخ ابن شداد وابن الأثير في أخبار المغرب إلى هذه الغاية.\rوقال غيرهما ممن أرح للمغاربة: وفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة، قام بالسوس رجل جزولي يعرف بأبي قصبة، ودعا لنفسه، واجتمع عليه خلق كثير ثم هزمه الموحدون وأسلمه أصحابه، وقتل.\rوفي سنة إحدى وستمائة، تجهز محمد بن يعقوب في جيوش عظيمة لقصد إفريقية، وكان يحيى بن غانية اللمتوني قد استولى عليها ما خلا قسنطينة وبجاية. فنزل إفريقية وملكها، ولم يمتنع عليه منها إلا المهدية. فأقام عليها أربعة أشهر، وكان فيها الحسن بن علي بن عبد الله بن محمد بن غانية والياً لابن عمه يحيى. فلما طال عليه الحصار سلمها وخرج يقصد ابن عمه. ثم بداله فراسل الأمير محمداً فقبله أحسن قبول ووصله بالصّلات السنية.","part":6,"page":496},{"id":3007,"text":"ثم ترك بإفريقية من يقوم بحمايتها، واستعمل عليها أبا محمد عبد الواحد. ورجع إلى مراكش في سنة أربع وستمائة. وأقام بها إلى أول سنة سبع وستمائة. فقصد بلاد الروم بالغزو، ونزل على قلعة تسمى شلب ترّة ففتحها. فجمع له الأذفنش جموعاً عظيمة من الأندلس والشام والقسطنطينية. فالتقيا بموضع يعرف بالعقاب. فدهم الأدفنش المسلمين وهم على غير أهبة. فانهزموا وقتل من الموحدين خلق كثير. وثبت الأمير محمد ثباتاً لم ير من ملك قبله. ولولا ذلك لاستؤصلت تلك الجموع. ثم رجع إلى مراكش. وكانت الهزيمة في يوم الاثنين منتصف صفر سنة تسع وستمائة. وانفصل الأدفنش، وقصد بياسة فوجدها خالية. فقصد أبّذة فوجد فيها من المسلمين عدداً كثيراً من المنهزمين وأهل بياسة. فأقام عليها ثلاثة عشر يوماً، ودخلها عنوة وسبي وغنم. فكانت هذه أشد على المسلمين من الهزيمة.\rوفاة أبي عبد الله\rمحمد وشيء من أخباره كانت وفاته بمدينة مراكش لعشر خلون، وقيل: لخمس خلون من شعبان سنة عشر وستمائة. فكانت ولايته خمس عشرة سنة وشهوراً.\rوكان شديد الصمت، بعيد الغور، كثير الإطراق، حليماً، شجاعاً، عفيفاً عن الدماء، قليل الخوض فيما لا يعنيه، إلا أنه كان نحيلاً ألثغ.\rوكان له من الأولاد يوسف، وهو ولي عهده، ويحيى، وإسحاق. توفي يحيى في حياته.\rولما مات ولي بعده ابنه يوسف.\rولاية يوسف بن محمد بن يعقوب ابن يوسف بن عبد المؤمن بن علي كانت ولايته بعد وفاة أبيه في شعبان سنة عشر وستمائة، وعمره يوم ذاك ست عشرة سنة. وقام ببيعته من القرابة أبو موسى عيسى ابن عبد المؤمن عم جده، الذي دخل عليه الميورقيون بجاية، وهو آخر من بقي من ولد عبد المؤمن لصلبه، وأبو زكريا يحيى بن عمر بن عبد المؤمن بويع له البيعة الخاصة في يومي الخميس والجمعة، بايعه أشياخ الموحدين والقرابة. وفي يوم السبت أذن للناس عامة وأبو عبد الله بن عياش الكاتب قائم على رأسه يقول للناس: تبايعون أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين، على ما بايع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من السمع والطاعة في المنشط والمكره واليسر والعسر، والنصح له ولولاته ولعامة المسلمين، هذا ماله عليكم. ولكم عليه أن يحمي ثغوركم، وأن لا يدخر عنكم شيئاً مما نعمكم مصلحته، وأن يعجل لكم عطاءكم. وأن لا يحتجب دونكم. أعانكم الله على الوفاء، وأعانه على ما قلده من أموركم.\rقال المؤرخ: ولما مضى من ولاية يوسف هذا أربعة أشهر، قبض على رجل كان قد ثار عليهم اسمه عبد الرحمن، ادعى أنه من أولاد العاضد من خلفاء المصرين. وكان خروجه في زمن أبيه محمد بن يعقوب، والتفت عليه ببلاد صنهاجة جماعة كبيرة. وكان كثير الإطراق والصمت، حسن الهيئة. وقصد سجلماسة في حياة محمد بن يعقوب في جيش عظيم. فخرج إليه متوليها سليمان بن عمر بن عبد المؤمن. فهزمه عبد الرحمن هذا، وأعاده إلى سلجلماسة أسوأ عود. ولم يزل يتنقل في قبائل البربر ولا تثبت عليه جماعة لأنه غريب البلد، حتى قبض عليه بظاهر فاس. فضربت عنقه وصلب، ووجّه برأسه إلى مراكش.\rوثار في أيام يوسف رجل ببلده جزولة يدعى أنه فاطمي، فقتل وجيء برأسه.\rوثار آخر من صنهاجة، فقتل في سنة ثماني عشرة وستمائة، بعد أن أثر آثاراً قبيحة، وهزم بعوثاً كثيرة، وافسد خلقاً من الناس.\rواستمر يوسف هذا إلى سنة عشرين وستمائة.\rوفاة يوسف بن محمد\rكانت وفاته في شوال أو ذي القعدة سنة عشرين وستمائة. فكانت ولايته عشر سنين وثلاثة أشهر تقريباً. ولم أقف من أخباره على غير ما وضعت، فأورده.\rولاية عبد العزيز بن يوسف ابن عبد المؤمن كانت ولايته في ذي القعدة سنة عشرين وستمائة بعد وفاة يوسف ابن محمد. وكان يوسف بن محمد ولاه مدينة إشبيلية حين عزل عنها أخا أبا العلاء إدريس وولاه إفريقية. فلما توفي يوسف اضطرب الأمر. فاجتمع معظم الناس على تقديم أبي محمد عبد العزيز. فبايعوا له وولوه أمرهم.\rقالوا: وكان عبد العزيز هذا في أيام إمارته قبل أن يصير الأمر إليه مجتهداً في دينه، شديد البصيرة في أمره، قوي العزيمة، شديد الشكيمة، لا تأخذه في الله لومة لائم، أرطب الناس لساناً بذكر الله وأتلاهم لكتابه، مع دمائه خلق ولين جانب وخفض جناح لأصحابه، مع سخاء نفس وطلاقة وجه.","part":6,"page":497},{"id":3008,"text":"هذا ما وقفت عليه من أخبار ملوك دولة الموحدين مما دوّن لهم، على ما فيه من الاختصار. ثم انقطعت أخبار ملوك المغرب عن الديار المصرية. فلم يصل إلينا من خبرهم إلا ما نقتلقه من أفواه الناس. ولم يتحقق من أخبارهم ما نورده فتكون العمدة عليه، لكنا علمنا من ولي الأمر من ملوك هذه الدولة بعد أبي محمد عبد العزيز هذا واحداً بعد واحد إلى أن انقرضت الدولة وقامت دولة زناتة، من غير أن نتحقق تاريخ ولاية أحد منهم ولا وفاته. فرأينا أن نذكر ذلك مجرداً عارياً من الأخبار والوقائع. ونقلت ذلك عن ثقة أخبرني أنه نقله عن ثقات. وها أنا أورده كما أخبرني.\rقال: ولي الأمر بعد أبي محمد عبد العزيز المستنصر بالله أبو يعقوب يوسف بن الناصر لدين الله أبي عبد الله محمد بن المنصور بالله أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.\rثم ولي الأمر بعده أبو محمد عبد الواحد بن أبي يعقوب يوسف ابن عبد المؤمن.\rثم ولي الأمر بعده العادل أبو محمد عبد الله بن المنصور بالله أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.\rثم ولي بعده أبو زكريا يحيى بن الناصر لدين الله أبي عبد الله محمد، وهو أخو المستنصر بالله المقدم ذكره.\rثم ولي بعده أبو العلاء إدريس المأمون بن المنصور أبي يوسف يعقوب.\rثم ولي بعده ابنه الرشيد عبد الواحد بن المأمون إدريس.\rثم ولي بعده أخوه السعيد أبو الحسن علي بن المأمون إدريس، وهو المعروف بالبرّاك، وإنما سمي بالبراك لثبوته في الحرب.\rثم ولي بعده المرتضى أبو حفص عمر بن أبي إبراهيم إسحاق.\rثم ولي بعده الواثق بالله أبو العلاء إدريس المعروف بأبي دبوس ابن أبي عبد الله محمد بن عمر بن عبد المؤمن، وإنما سمي بأبي دبوس لثقل دبوسه.\rثم ولي بعده ولده أبو مالك عبد الواحد بن أبي العلاء إدريس. وعليه انقرضت دولتهم وقامت الدولة المرنية، وهم زنانة، وهي الدولة القائمة في عصرنا هذا. ولما انتزع من الملك انتقل إلى بلاد الفرنج فكان بها إلى أن ثار على بني أبي حفص بساحل طرابلس الغرب وأعانته الأعراب على ذلك. ثم قتل بعد أربعة أشهر أو نحوها من نهوضه ولم يتم له ما قصده.\rثم قام بعده أخوه أبو سعيد عثمان بن إدريس، وملك مدينة قابس وبلاد نفزاوة، وأقام بها مدة. ثم أخرج منها فتوجه مع العرب إلى البرية. ثم ثار معهم بإفريقية حتى انتهى إلى جبل الريحان، وهو على مرحلة من تونس. ثم خذله العرب فتوجه إلى بلاد الفرنج.\rقال: وكان انقراض دولة الموحدين في سنة ست وستين وستمائة تقريباً.\rأخبار دولة الموحدين كانت مدة قيام هذه الدولة من حين ظهر المهدي محمد بن تومرت في سنة أربع عشرة وخمسمائة وإلى حين انقراضها في سنة ست وستين وستمائة، مائة سنة وثلاثاً وخمسين سنة تقريباً. وعدة من ملك منهم سبعة عشر ملكاً، وهم: المهدي محمد بن تومرت الحسني.\rعبد المؤمن بن علي.\rأبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.\rأبو يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.\rأبو عبد الله محمد بن أبي يوسف.\rولده يوسف بن محمد.\rأبو محمد عبد العزيز بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.\rالمستنصر بالله أبو يعقوب يوسف بن أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.\rأبو محمد عبد الواحد بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.\rأبو محمد عبد الله بن أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف ابن عبد المؤمن.\rأبو زكريا يحيى بن أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.\rأبو العلاء إدريس بن أبي يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف ابن عبد المؤمن.\rولده عبد الواحد بن إدريس.\rأخوه أبو الحسن علي بن إدريس وهو البراك.\rأبو حفص عمر بن أبي إبراهيم إسحاق.\rأبو العلاء إدريس بن أبي عبد الله محمد بن عمر بن عبد المؤمن.\rولده أبو مالك عبد الواحد بن أبي العلاء إدريس.\rتسمية ملوك بني مرين\rأول من قام من ملوكهم أبو بكر بن عبد الحق. استولى على بعض بلاد الموحدين بني عبد المؤمن ثم مات قبل أن يخلص له الأمر ببلاد المغرب.\rفملك بعده أخوه يعقوب بن عبد الحق المعروف بابن تابطويت وهي أمه نسبت إلى قبيلة بطّويت، وهي قبيلة كبيرة من قبائل زناتة. وفي أيامه انقرضت دولة بني عبد المؤمن، وعظم شأنه، واتسع ملكه، وطالت مدته ثم مات.","part":6,"page":498},{"id":3009,"text":"فملك بعده ولده يوسف المعروف بأبي الزردات واهتز له المغرب، وعظم شأنه، وهابه ملوك المغرب ومع ذلك لم يأت بطائل. وحاصر تلمسان فمكث على حصارها نحو أربع عشرة سنة، وابتني عليها مدينة سكنها بجيوشه. ومات قبل أن يملكها، وذلك أن بعض خدامه وثب عيه فضربه.\rفلما تحقق الموت عهد بالملك إلى ولده أبي سالم إبراهيم فملك بعده وخالف عليه ابن أخيه أبو ثابت عامر بن عبد الله بن يوسف أبي الزردات وعمه أبو يحيى أبو بكر بن يعقوب بن عبد الحق. واجتمع عليهما بنو مرين وهم على تلمسان. فخافهما إبراهيم وهرب من ليلته، فاتّبع وقتل.\rواستقر الملك لعامر وعم أبيه أبي يحيى يوماً واحداً. ثم قام عبد الله ابن أبي مدين المكناسي وزير يوسف بن يعقوب - وهو المستولي على الدولة - وعلم أن أبا يحيى إن استمر تغلب على الملك وتحكم عليه، ورأى أنه إذا انفرد عامر بالملك مع صغر سنه كان هو المتحكم في المملكة فأغرى عامراً بأبي يحيى، فأمر به فقتل في اليوم الثاني. واستقل عامر بالملك مدة سنة واحدة وشهر ثم مات بطنجة.\rفقام لطلب الملك بعده عمه علي بن يوسف المعروف بابن رزيجة ورزيجة أمه أم ولد. فلم يتم له أمر. فقام عبد الله بن أبي مدين الوزير وبايع لأبي الربيع سليمان بن عبد الله بن يوسف بن يعقوب، وهو ابن سبع عشرة سنة أو نحوها. واستقر في الملك ثلاث سنين حتى مات بناحية تازا.\rثم ملك بعده عم أبيه عثمان بن يعقوب. وقتل ابن أبي مدين في أيام سليمان بن عبد الله بأمره بمدينة فاس. وولي الوزارة بعده لأبي الربيع سليمان أخوه محمد بن أبي مدين. وعثمان هذا هو الملك القائم في وقتنا هذا، في سنة تسع عشرة وسبعمائة.\rوإنما اقتصرنا من أخبارهم على هذه النبذة لأنهم منعوا في ابتداء دولتهم أن يؤرّخ لهم أو تدون أخبارهم، وقتلوا محمد بن عبد الله ابن أبي بكر القضاعي المعروف بابن الأبار، وكان قد أرخ أخبارهم وأخبار غيرهم، وأعدموا ما وجدوه عنده وعند غيره من أوراق التاريخ المنسوبة لهم ولغيرهم. فهذا هو الذي منع من انتشار أخبارهم.\rفلنذكر أخبار جزيرة صقلية واقريطش.\rأخبار جزية صقلية\rومن غزاها من المسلمين وما افتتح منها، وكيف استولت الفرنج - خذلهم الله تعالى - عليها قد ذكرنا صفة جزيرة صقلية، وما بها من الأنهار والعيون والفواكه والأشجار والنبات والكلأ، وما بها من المدن المشهورة. وأنينا على ذلك مبيناً، وهو في السّفر الأول من كتابنا هذا في أخبار الجزائر. فلنذكر الآن في هذا الموضع خلاف ما قدمناه من أخبارها. فنقول:\rأول من غزا جزيرة صقلية\rفي الإسلام عبد الله بن قيس الفزاري من قبل معاوية بن حديج، وكان قد بعثه من إفريقية، وذلك في خلافة معاوية بن أبي سفيان. ففتح وسبى وغنم فكان مما غنم أصناماً من ذهب وفضة مكللة بالجواهر. فحملها إلى معاوية بن أبي سفيان. فأنفذها معاوية إلى الهند لزيادة ثمنها. فأنكر المسلمون ذلك عليه.\rثم غزاها بعد ذلك محمد بن أبي إدريس الأنصاري، في أيام يزيد بن عبد الملك، فقدم بغنائم وسبايا.\rثم غزاها بشر بن صفوان الكلبي، في أيام هشام بن عبد الملك فقدم بغنائم وسبايا.\rثم غزاها حبيب بن أبي عبيدة، في سنة اثنتين وعشرين ومائة ومعه ولده عبد الرحمن بن حبيب. فوجهه على الخيل فلم يلقه أحد إلا هزمه عبد الرحمن حتى انتهى إلى سرقوسة، وهي دار الملك فقاتلوه، فهزمهم وضرب باب المدينة بسيفه فأثّر فيه. فهابه النصارى ورضوا بالجزية. فأخذها منهم ثم توجه إلى أبيه. فرجعا إلى إفريقية.\rثم غزاها عبد الرحمن بن حبيب، في سنة ثلاثين ومائة فظفر ثم اشتغل ولاة إفريقية بالفتن التي قدمنا ذكرها في أخبارهم فأمن أهل جزيرة صقلية، وعمرها الروم من كل الجهات، وبنوا بها المعامل والحصون، ولم يتركوا جبلاً إلا جعلوا عليه حصناً.","part":6,"page":499},{"id":3010,"text":"وفي سنة إحدى عشرة ومائتين، ولي ملك القسطنطينية على صقلية قسنطين البطريق الملقب بسودة فعمر سطولاً وسيره إلى بر إفريقية. وولي عليهم فيمي الرومي، وكان مقدماً من بطارقته، فاختطف من بعض سواحلها مجازاً، وبقي مدة. فوصل كتاب صاحب القسطنطينية إلى قسنطين، يأمره بعزل فيمى وأن يعذبه لشيء بلغه عنه. فاتصل ذلك بفيمى، فمضى إلى مدينة سرقوسة. وملكها ونزع يده من الطاعة. فخرج إليه قسنطين، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم قسنطين وقتل. وخوطب فيمي بالملك. وكان ممن انقطع إليه علج من الأرمنيين، يقال له بلاطة. فقدمه وولاه على ناحية من الجزيرة. فخالف على فيمي وخرج إليه وقاتله. فانهزم فمي وقتل من أصحابه ألف رجل. ودخل بلاطة مدينة سرقوسة.\rوركب فيمي ومن معه في البحر. وتوجه إلى إفريقية إلى زيادة الله ابن إبراهيم بن الأغلب يستنصر به. فجمع زيادة الله وجوه أهل القيروان وفقهاءها واستشارهم في إنفاذ الأسطول إلى جزيرة صقلية. فقال بعضهم: نغزوها ولا نسكنها ولا نتخذها وطناً. فقال سحنون بن قادم رحمه الله: كم بينها وبين بلاد الروم؟ فقال: يروح الأنسان مرتين وثلاثة في النهار ويرجع. قال: ومن ناحية إفريقية. قالوا: يوم وليلة. قال: لو كنت طائراً ما طرت عليها. وأشار من بقي بغزوها. ورغبوا في ذلك، وسارعوا إليه. فخرج أمر زيادة الله إلى فيمي بالتوجه إلى مرسى سوسة، والإقامة هناك إلى أن يأتيه الأسطول. وجمع الأسطول والمقاتلة. واستعمل عليهم القاضي أسد بن الفرات. وأقلع الأسطول من مدينة سوسة يوم السبت النصف من شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين، وهو نحو مائة مركب سوى مراكب فيمي، وذلك في خلافة المأمون. فوصل مازر يوم الثلاثاء. فأمر بالخيل فأخرجت من المراكب، وكانت سبعمائة فرس وعشرة آلاف راجل. وأقام ثلاثة أيام. فلم يخرج إليه إلا سرية واحدة. فأخذها، فإذا هي من أصحاب فيمي، فتركها.\rثم رحل من مازر على تعبئة قاصداً بلاطة وهو بمرج ينسب إليه. فعبأ القاضي أسد أصحابه للقتال. وأفرد فيمي ومن معه ولم يستعن بهم. والتقوا واقتتلوا، فانهزم بلاطة من معه. وقتل منهم خلق كثير. وغنم المسلمون ما معهم. ولحق بلاطة بقصريانة ثم غلبه الخوف فخرج منها إلى أرض قلّورية فقتل بها.\rثم سار القاضي أسد إلى الكنيسة التي على البحر وتعرف بأفيمية واستعمل على مازر أبا زكي الكناني.\rثم سار إلى كنيسة المسلقين. فلقيه طائفة من بطارقة سرقوسة فسألوه الأمان خديعة مكراً. واجتمع أهل الجزيرة إلى قلعة الكراث وجمعوا فيها جميع أموال أهل الجزيرة. وذل أهل سرقوسة وألقوا بأيديهم. فلما شاهد ذلك فيمي داخلته حمية الكفر. فأرسل إليهم أن يثبتوا وأن يجدوا في الحرب ويستعدوا. وأقام القاضي أسد في موضعه أياماً. وتبين له أنهم مكروا به حتى أصلحوا حصنهم وأدخلوا إليه جميع ما كان في الرّبض وفي الكنائس من الذهب والفضة والميرة. فتقدم وناصبهم القتال. وبث السرايا في كل ناحية فغنموا وسبوا سبياً كثيراً. وأتوه بالسبي والغنائم وأتته الأساطيل من إفريقية والأندلس. وشدد القاضي الحصار على مدينة سرقوسة. فسألوه الأمان فأراد أن يفعل. فأبى عليه المسلمون وعاودوا الحرب. فمرض القاضي أسد في خلال ذلك، ومات في شعبان سنة ثلاث عشرة ومائتين.\rولاية محمد بن أبي الحواري قال: ولما توفي القاضي أسد بن الفرات، ولي المسلمون على أنفسهم محمد بن أبي الحواري، فضيق على أهل سرقوسة. فوصل من القسطنطينية أسطول كبير وعساكر في البر. فعزم المسلمون على العود إلى إفريقية، فرحلوا عن سرقوسة وأصلحوا مراكبهم وركبوها. فوقفت مراكب الروم على المرسى الكبير ومنعوهم من الخروج.\rفأحرق المسلمون مراكب نفوسهم. ورحلوا إلى حصن مناو ومعهم فيمي. فملكوا الحصن وسكنوه.\rوملكوا حصن جرجنت وسكنه طائفة من المسلمين.\rثم خرج فيمي إلى قصريانة، فخرج إليه أهلها وبذلوا له الطاعة وخدعوه. وقالوا له: نكون نحن وأنت والمسلمون على كلمة واحدة ونخلع طاعة الملك. وسألوه أن يرجع عنهم ذلك اليوم لينظروا فيما يصالحون عليه. فرجع عنهم يومه ذلك. ثم جاءهم في الغد في نفر يسير. فخرجوا يقبلون الأرض بين يديه، وكانوا قد دفنوا سلاحاً في تلك البقعة. فلما قرب منهم، أخرجوا السلاح وثاروا به فقتلوه.","part":6,"page":500},{"id":3011,"text":"ثم وصل تودط البطرك من القسطنطينية في عساكر عظيمة من الأرمن وغيرهم، وتوجه إلى قصريانة. وخرج بمجموعة للقاء المسلمين. فالتقوا فانهزم تودط. وقتل من عسكره خلق كثير، وأسر من بطارقته تسعون بطريقاً. ثم توفي محمد بن أبي الحواري في أول سنة أربع عشرة ومائتين.\rفولي المسلمون عليهم زهير بن برغوث. وكان بينه وبين تودط حروب كثيرة. وحاصر المسلمين في حصنهم وضاقت عليهم الميرة وقلّت الأقوات حتى أكلوا دوابهم. ولم يزالوا كذلك حتى قدم أصبغ بن وكيل الهواري في مراكب كثيرة من الأندلس قد خرجوا غزاة، وقدم سليمان بن عافية الطرطوشي بمراكب. فأرسل المسلمون إليهم وسألوهم النصرة، وأرسلوا إليهم دواب. فخرجوا وقصدوا تودط، وهو مقيم على مناو فانصرف إلى قصريانة وارتفع الحصار عن المسلمين، وذلك في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة ومائتين.\rفتح مدينة بلرم\rكان ابتداء حصارها في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة ومائتين. ودام إلى شهر رجب سنة عشرين ومائتين، وفتحت بالأمان، وذلك في ولاية محمد بن عبد الله بن الأغلب.\rوفي سنة خمس وعشرين ومائتين، استأمنت قلاع كثيرة من قلاع جزيرة صقلية منها جرصة وقلعة البلوط، وابلاطنوا وقلعة قرلّون، ومرناو، وغير ذلك.\rوفاة محمد الأغلب\rوولاية العباس بن الفضل بن يعقوب وفي سنة ست وثلاثين ومائتين، توفي محمد بن عبد الله ابن الأغلب لعشر خلون من شهر رجب. فكانت ولايته تسع عشرة سنة. وكان في مدة ولايته لا يخرج من مدينة بلرم بل كان يخرج السرايا مع ولاته. فلما مات اجتمع الناس على ولاية العباس بن الفضل فولوه. وكتبوا بذلك إلى الأمير محمد بن الأغلب أمير القيروان فولاه الجزيرة. فكان يخرج بنفسه تارة وبسراياه أخرى. وهو يخرب في بلاد العدو وينكى، وينال منهم ومن بلادهم، ويصالحونه على الأموال والرقيق.\rفتح قصريانة\rوهي دار مملكة الروم بجزيرة صقلية قال المؤرخ: كانت سرقوسة دار ملك الجزيرة إلى أن فتح المسلمون بلرم.\rفانتقل الروم إلى قصريانة لحصانتها وجعلوها دار ملكهم. فلما كان في سنة أربع وأربعين ومائتين، خرج العباس بن الفضل فوصل إلى قصريانة وسرقوسة. وأخرج أخاه علياً في المراكب الحربية في البحر. فلقيه الإقريطشي في أربعين شلنديا. فقاتلهم أشد قتال، فهزمهم وأخذ منهم عشر شلنديات برجالها، ورجع.\rثم سير العباس سرية إلى قصريانة فغنموا وقدموا بعلج. فأمر العباس بقتله، فقال له العلج: استبقني ولك عندي نصيحة. فخلا به وسأله: ما النصيحة؟ فقال أدخلك قصريانة فعند ذلك خرج العباس في كانون في أنجاد رجاله، والعلج معه، وهو في ألف فارس وسبعمائة راجل، فجعل على كل عشرة مقدماً. ثم سار بهم ليلاً حتى نزل على مرحلة من جبل الغدير. وقدم عمه رباحاً في خيار أصحابه. وأقام هو بموضعه وهو مستتر. ومضى عمه رباح بمن معه يدبون دبيباً حتى صاروا إلى جبل المدينة، والعلج معهم. فأراهم الموضع الذي ينبغي أن توضع عليه السلاليم. فتلطفوا في الصعود إلى الجبل، وذلك الوقت قريب الصبح وقد نام الحرس. فلما وصلوا إلى السور، دخلوا من خوخة كانت في السور يدخل منها الماء. ووضعوا السيف. وفتحوا الأبواب. وأقبل العباس يجد السير. وقصد باب المدينة، ودخلها صلاة الصبح من يوم الخميس لأربع عشرة ليلة بقيت من شوال. وقتل من وجد بها من المقاتلة، وكان بها بنات البطارقة وأبناء ملوك الروم. فوجد المسلمون بها ما لا يحصى من الأموال. وبني العباس فيها مسجداً في يومه، ونصب فيه منبراً، وخطب عليه الخطيب يوم الجمعة.\rوما زال العباس يداوم الغزو بنفسه إلى أن توفي في يوم الجمعة لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين ومائتين. فكانت ولايته إحدى عشرة سنة.\rقال: ولما مات العباس، ولّي الناس على أنفسهم أحمد بن يعقوب.\rثم ولوا عبد الله بن العباس، وكتبوا إلى أمير القيروان. فولي خمسة أشهر.\rثم وصل إليهم خفاجة بن سفيان في سنة ثمان وأربعين ومائتين. ودام الغزو إلى أن اغتاله رجل من جنده عند منصرفه من غزاة فقتله. وذلك في يوم الثلاثاء مستهل شهر رجب سنة خمس وخمسين ومائتين. ويقال: إن الذي قتله خلفون بن أبي زياد الهواري.","part":7,"page":1},{"id":3012,"text":"قال: ولما قتل خفاجة، ولي الناس على أنفسهم ابنه محمد بن خفاجة. ثم أتته الولاية من قبل أمير القيروان. ثم قتله خدامه الخصيان لثلاث خلون من شهر رجب سنة سبع وخمسين ومائتين وهربوا. فأخذوا وقتلوا.\rفولي الناس عليهم محمد بن أبي الحسن، وكتبوا إلى إفريقية. فبعث أمير إفريقية بولايتها إلى رباح بن يعقوب. وولّي الأرض الكبيرة عبد الله بن يعقوب. فمات رباح في المحرم سنة ثمان وخمسين ومائتين. ومات بعده أخوه في صفر من السنة.\rفولي الناس عليهم أبا العباس بن عبد الله بن يعقوب فأقام أشهراً ثم مات. فولوا أخاه.\rثم ولي الحسن بن رباح من قبل أمير إفريقية.\rثم عزله واستعمل عبد الله بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب في شوال سنة تسع وخمسين ومائتين.\rثم عزله وولي أبا مالك أحمد بن عمر بن عبد الله بن \" إبراهيم \" ابن الأغلب المعروف بحبشي. فبقي متولياً عليها ستاً وعشرين سنة.\rثم وليها أبو العباس بن إبراهيم بن أحمد في سنة سبع وثمانين ومائتين. فأقام إلى أن انخلع له أبوه إبراهيم بن أحمد من الملك، فرده إلى إفريقية. وسار إبراهيم إلى صقلية وغزا بنفسه، كما ذكرناه في أخباره آنفاً. ومات في الغزو.\rثم وليها محمد بن السرقوسي مولى إبراهيم بن أحمد.\rثم ولي علي بن أبي الفوارس في سنة تسعين ومائتين.\rفأقام بها إلى سنة خمس وتسعين ومائتين. فعزله زيادة الله. واستعمل أحمد بن أبي الحسن بن رباح.\rثم بلغ أهل صقلية تغلب أبي عبد الله الشيعي على بلاد إفريقية. فوثب أهل صقلية على أحمد، وانتهبوا ماله وحبسوه. وولوا عليهم علي بن أبي الفوارس لعشر من شهر رجب سنة ست وتسعين ومائتين. وأرسلوا ابن أبي الحسن إلى أبي عبد الله الشيعي. وكتبوا إليه كتاباً يسألونه إبقاء عليّ عليهم، فأجابهم إلى ذلك. وكتب إليه أن يغزو براً وبحراً. وكان أحمد بن أبي الحسن آخر ولاة بني الأغلب بصقلية.\rوكان لكل واحد من الولاة الذين ذكرناهم غزوات وسرايا وجهاد في العدو.\rقال: ولما ولي المهدي بعد بني الأغلب، كتب إليه ابن أبي الفوارس يستأذنه في القدوم إلى إفريقية، فأذن له فخرج إليه. فلما وصل حبسه برقادة.\rولاية حسن بن أحمد بن أبي خنزير كانت ولايته من قبل المهدي. فوصل إلى صقلية في عاشر ذي الحجة سنة سبع وتسعين ومائتين. فثار به أهل المدينة في سنة ثمان وتسعين وقبضوا عليه. وكان سبب ذلك أن عماله جاروا على الناس. واتفق أنه صنع طعاماً ودعا إليه وجوه الناس. فلما صاروا عنده زعم بعضهم أنه رأى عبيده يتعاطون السيوف المسلولة. فخافوا وفتحوا طاقات المجلس وصاحوا: السلاح، السلاح. فثار إليهم الناس، واجتمعوا حول الدار، وأطلقوا النار في الأبواب. فأخرج إليهم من كان عنده من وجوه الناس، وأنكر أن يكون أراد بهم سوءاً فلم يقبلوا منه وتألبوا عليه. فوثب من داره إلى دار رجل من جيرانه فسقط فانكسر ساقه. فأخذوه وحبسوه. وكتبوا بذلك إلى المهدي. فعزله واغتفر فعلهم. وضبط المدينة خليل صاحب الخمس.\rثم استعمل المهدي علي بن عمر البلوي. فوصل إلى المدينة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين. فلم يرض أهل صقلية سيرته، وكان شيخاً هيناً ليناً رفيقاً بالرعية. فألب عليه أحمد بن قرهب ودعا الناس إلى طاعة المقتدر بالله. فأجابه إلى ذلك جماعة وولوه على أنفسهم. ووردت عليه رسل المقتدر بالله العباسي في سنة ثلاثمائة بكتاب بالولاية والخلع والبنود وطوق ذهب وسوار. ثم عصى عليه أهل صقلية وكاتبوا المهدي. واجتمعوا إلى أبي الغفار فزحف بهم إلى ابن قرهب، وقالوا له: اخرج عنا واذهب حيث شئت. فأبى ذلك وقاتلهم ثم تحصن منهم ثم قتل بعد ذلك في آخر سنة ثلاثمائة. فكانت ولايته أحد عشر شهراً.\rولاية موسى بن أحمد قال: ولما قتل ابن قرهب، أرسل المهدي موسى بن أحمد والياً. وأرسل معه جماعة ليساعدوه على أهل صقلية إن أرادوا به سوءاً. فلما قدم، ورد عليه رؤساء جرجنت، فأكرمهم وكساهم. ثم أخذ بعد ذلك أبا الغفار فقيده وحبسه. فهرب أخوه أحمد إلى جرجنت، فألب على موسى بن أحمد. فوافقه الناس عليه. وكانت بينه وبينهم حرب شديدة. ثم طلبوا الأمان فأمنهم. وكتب بذلك إلى المهدي، فولي مكانه سالم بن أبي راشد الكناني في سنة خمس وثلاثمائة.\rما فتح من بلاد قلورية","part":7,"page":2},{"id":3013,"text":"قال المؤرخ: وفي سنة ست عشرة وثلاثمائة وصل صابر الصقلبي من إفريقية في ثلاثين حربياً. فخرج معه سالم إلى أرض قلّورية ففتحا مدينة طارنت عنوة. ووصلا إلى مدينة أذرنت، وحاصراها وخربا منازلها. وأصاب الناس وخم فرجعوا إلى المدينة. ثم عاودوا الغزو إلى أن أذعن أهل قلورية لإعطاء الجزية وأدوها مدة بقاء المهدي.\rوفي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، أخرج القائم بن المهدي يعقوب بن إسحاق في أسطول إلى ناحية إفرنجة، ففتح مدينة جنوة ومروا بسردانية فأوقعوا بأهلها وأحرقوا مراكب كثيرة.\rوفي هذه السنة، كان الطوفان بصقلية فهدم الدور.\rوفي سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، خالف أهل جرجنت على سالم. وأخرجوا عامله ابن أبي حمران فأخرج إليهم سالم عسكراً فهزموه. ورجعوا إلى سالم فقاتلهم سالم وهزمهم. ثم خرج على سالم أهل المدينة وحاربوه مع إسحاق البستاني ومحمد بن حمّو وكانت بينهم حرب. فهزمهم وحصرهم بالمدينة.\rواتصل الخبر بالقائم، فأنفذ خليل بن إسحاق في عسكر وجماعة من القواد لقتال أهل صقلية. فورد كتاب أهل البلد على القائم بطاعتهم وأنهم كرهوا أفعال سالم. فاستعمل عليهم خليل ابن إسحاق. فوصل إلى المدينة في آخر سنة خمس وعشرين وثلاثمائة. فأطاعه أهل صقلية فأكرمهم. وعزل عنهم عمال سالم. فأقام خليل بها أربع سنين ثم رجع إلى إفريقية.\rفوليها محمد بن الأشعث وعطّاف في سنة ثلاثين وثلاثمائة. فمات محمد بن الأشعث في سنة أربع وثلاثين.\rواستقل عطّاف بالأمر إلى سنة ست وثلاثين. فكتب إلى المنصور يخبره بتحامل أهل البلد وأن أمرهم يؤول إلى فساد.\rفاستعمل المنصور بن القائم بن المهدي على صقلية الحسن ابن علي بن أبي الحسين الكلبي، وكان مكيناً عند المنصور لمحبته ونصحه وتقدم خدمة سلفه لآبائه. فوصل إلى صقلية وأقام بها سنتين وأشهراً. ورجع إلى إفريقية في ولاية المعز لدين الله ابن المنصور. فسأله تشريف ولده أبي الحسين بالولاية، فولاه في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.\rفتح قلعة طبرمين\rقال المؤرخ: وفي أيام أبي الحسين فتح المسلمون طبرمين، وكانت يومئذ أشد قلاع الروم شوكة. وكان فتحها لخمس بقين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، بعد أن حوصرت سبعة أشهر ونصفاً، ونزلوا على حكم الملك دون القتل. فأمر المعز بتسميتها المعزّية. ووجه الأمير أحمد إلى المعز بسبيها وهو ألف وخمسمائة وسبعون رأساً.\rفتح رمطة\rوما كان بسبب ذلك من حروب قال: لما فتح المسلمون طبرمين، وسكنوها وعمرت بهم وتحصنت، خرج أهل رمطة عن الطاعة، واستنصروا بالدّمستق ملك القسطنطينية. فورد كتاب المعز إلى أحمد يأمره بإخراج الحسن بن عمار إلى حصار رمطة وقتال من به وإزالتهم منها. فنزل ابن عمار عليها في يوم الخميس آخر شهر رجب سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، ونصب عليها المجانيق والعرادات. ودام القتال في كل يوم. وبنى له قصراً وسكنه. وأخذ الناس في بنيان البيوت.\rفلما بلغ ذلك الدمستق، أمر بالحشود، وجهز العساكر صحبة منويل، وأمرهم بالتعدية إلى صقلية. فابتدئوا بالتعدية يوم الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة. وأقاموا يعدون تسعة أيام في عدد عظيم. وحفروا خندقاً حول مدينة مسّيني وشيدوا أسوارها. وكاتب الحسن بن عمار بذلك، فخرج الأمير أحمد بالجيوش. ورحل الكفرة من مسيني قاصدين الحسن بن عمار بقعلة رمطة.\rوقعة الحفرة على رمطة\rقال: وفي النصف من شوال سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، زحف منويل بجميع عسكره من المجوس والأرمن والروس، في جمع لم يدخل الجزيرة مثله قط. فلما علم الحسن بن عمار بتقدمهم استعد للقاء، وجعل عسكراً في مضيق ميقش وعسكراً في مضيق دمنّش. فبلغ ذلك منويل فوجه عسكرين بإزائهما، ووجه عسكراً ثالثاً إلى طريق المدينة يمنع من يصل إليهم بنجدة. ورتب الحسن المقاتلة على القلعة وبرز بالعساكر للقاء الكفرة. وقد عزموا على الموت.","part":7,"page":3},{"id":3014,"text":"وزحف الكفرة في ستة مواكب. وأحاطوا بالمسلمين من كل ناحية. ونزل أهل رمطة إلى من يليهم. والتقوا وقاتلت كل طائفة من يليها. فقاتلوا حتى دخل المسلمون خيام أنفسهم وأيقن العدو بالظفر. فاختار المسلمون الموت، ورأوا أنه أسلم لهم وأوفر لحظوظهم، فحميت الحرب. ونادى الحسن بن عمار بأعلى صوته: اللهم، إن بني آدم أسلموني فلا تسلمني. وحمل بمن معه حملة رجل واحد. فصاح منويل بالكفرة يقول: أين افتخاركم بين يدي الملك؟ أين ما ضمنتم له في هذه الشرذمة القليلة؟. فحمي الوطيس عند ذلك. وحمل منويل وقتل رجلاً من المسلمين. فطعن عدة طعنات فلم تعمل فيه شيئاً لحصانة ما عليه من اللباس. فحمل عليه رجل من المسلمين فطعن فرسه فعقره، وقتل. وجاءت سحابة ذات برق ورعد وظلمة، وأيد الله المسلمين بنصره. فانهزم الكفرة وركبهم المسلمون بالقتل. فمالوا إلى موضع ظنوه سهلاً، فوقعوا في الوعر، وأفضى بهم إلى حرف خندق عظيم كالحفرة من بعد قعره. فسقطوا فيها وقتل بعضهم فيها بعضاً. وامتلأت الحفرة منهم على طولها وعرضها وعمقها حتى مرت الخيل عليهم مسرعة. وحصل من بقي منهم في مواضع وعرة وخنادق هائلة. وكانت الحرب من أول النهار إلى بعد صلاة الظهر، وتمادت هزيمة من بقي إلى الليل. وبات المسلمون يقتلونهم في كل ناحية وأسر جماعة من أكابرهم، وغنم المسلمون من الأموال والخيل والسلاح ما لا يحد. وبلغ القتلى فوق العشرة آلاف. وكان فيما غنموه سيف فيه منقوش: هذا سيف هندي وزنه مائة وسبعون مثقالاً، طالما ضرب به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبعث به الحسن إلى المعز لدين الله، مع مائتي علج من وجوههم، ودروع وجواشن وسلاح كثير. ونجا من الكفرة نفر يسير فركبوا المراكب. وجاء الخبر إلى الأمير أحمد بالهزيمة قبل وصوله إلى ابن عمار.\rوفي أثر هذه الوقعة توفي الحسن بن علي بن أبي الحسين والد الأمير أحمد.\rقال: وبلغ الدمستق خبر هذه الوقعة وكسرة أصحابه، وهو بالمصيصة وقد ضيّق على أهلها، فرجع مسرعاً إلى القسطنطينية. ودام الحصار على رمطة أشهراً. فنزل منها ألف نفس من شدة ما نالهم من الجوع. فوجه بهم الحسن بن عمار إلى المدينة وبقيت المقاتلة ثم فتحت رمطة.\rوكان بين المسلمين بعد ذلك وبين الكفار وقائع كثيرة، منها وقعة الأسطول بالمجاز، قتل فيها من الكفار في الماء حتى احمر المجاز.\rثم وقع الصلح بعد ذلك بين المعز والدمستق في سنة ست وخمسين وثلاثمائة وأتته هداياه. ووصل كتاب المعز إلى الأمير أحمد يعرفه بالصلح، ويأمره ببناء أسوار المدينة وتحصينها ويعلمه أن البناء اليوم خير من غد، وأن يبني في كل إقليم من أقاليم الجزيرة مدينة حصينة وجامعاً ومنبراً، وأن يأخذ أهل كل إقليم بسكنى مدينتهم ولا يتركوا متفرقين في القرى. فسارع الأمير أحمد إلى ذلك، وشرع في بناء سور المدينة. وبعث إلى جميع الجزيرة مشايخ ليقفوا على العمارة.\rاخلاء طبرمين ورمطة\rوفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وصلت هدية ملك القسطنطينية فأمر المعز لدين الله بإخلاء طبرمين ورمطة، فاغتم المسلمون لذلك. فأمر الأمير أحمد أخاه أبا القاسم وعمه جعفراً، فنزلا بينهما وهدمتا وأحرقتا بالنار.\rوفيها أمر المعز لدين الله الأمير أحمد بمفارقة صقلية والقدوم إلى إفريقية. ففرقها بجميع أهله وماله وأولاده وإخوته. فركبوا في ثلاثين مركباً. ولم يقق منهم بصقلية أحد. فكانت ولايته خاصة ست عشرة سنة. واستخلف على صقلية يعيش مولى أبيه.\rولاية أبي القاسم نيابة عن أخيه أحمد واستقلاله قال: وفي نصف شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وصل الأمير أبو القاسم إلى صقلية نيابة عن أخيه الأمير أحمد. ثم توفي الأمير أحمد في بقية السنة، فوصل سجل المعز إلى أبي القاسم بالاستقلال. وكانت له غزوات كثيرة مع العدو. فالأولى في سنة خمس وستين وثلاثمائة. وفيها أمر بعمارة قلعة رمطة، فعمرت وولي بعض عبيده عليها. وداوم الغزو إلى أن استشهد في غزاته الخامسة، في المحرم سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة.\rوولي بعده الأمير جابر بن أبي القاسم. وأتاه سجل العزيز بالله بن المعز لدينه من مصر. فولي سنة.\rثم عزله العزيز واستعمل جعفر بن محمد بن الحسين فوصل إلى صقلية في سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. فبقي بها إلى أن توفي في سنة خمس وسبعين.","part":7,"page":4},{"id":3015,"text":"وولي بعده أخوه عبد الله بن محمد إلى أن توفي في شهر رمضان سنة تسع وسبعين وثلاثمائة.\rوولي بعده ابنه يوسف.\rولاية يوسف الملقب بثقة الدولة كانت ولايته عند وفاة والده بعهد منه، ثم أتاه سجل العزيز بالله من مصر بالولاية فضبط الجزيرة وأحسن إلى الرعايا. واستمر إلى أن أصابه الفالج، في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، فبطل شقه الأيسر وضعف الأيمن.\rفاستناب ولده جعفر، وكان بيده سجل من الحاكم بولايته بعد أبيه. ثم بعث إليه الحاكم بعد ذلك تشريفاً، وعقد له لواء، ولقبه بتاج الدولة سيف الملة. فضبط الأحوال إلى سلخ شهر رجب سنة خمس وأربعمائة. فأظهر عليه أخوه الأمير علي بن أبي الفتح الخلاف، وخرج إلى موضع بقرب المدينة. فاجتمع إليه البربر والعبيد الذين عاقدهم على القيام معه. فأخرج إليه جعفر عسكراً فالتقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من شعبان. فجرى بينهم قتال شديد قتل فيه كثير من البربر والعبيد الذين مع علي. وهرب من بقي منهم. وأسر على وجيء به إلى أخيه الأمير جعفر فقتله. فكان بين خروجه وقتله ثمانية أيام. فعزّ ذلك على أبيه. ثم أمر جعفر بنفي من بالجزيرة من البربر بعيالاتهم، فنفوا حتى لم يبق منهم أحد. وأمر بقتل العبيد فقتلوا عن آخرهم. وجعل جميع جنده من أهل صقلية. فقل العسكر عنده. وأدى ذلك إلى وثوب أهل صقلية به وإخراجه.\rوثوب أهل صقلية\rبالأمير جعفر وأخراجه قال المؤرخ: كان سبب ذلك أنه ولي عليهم كاتبه حسن بن محمد الباغاني، فصادر الناس وعاملهم بسوء. وأشار على جعفر أن يأخذ من صقلية الأعشار في طعامهم وثمارهم على عادة البلاد. ولم يجر لهم بذلك عادة وإنما كانت العادة أن يؤخذ على الزوج البقر شيء معلوم ولو أصاب ما أصاب. ثم أظهر جعفر الاستخفاف بأهل صقلية، وشيوخ بلادها، واستطال عليهم.\rفزحف إليه أهل البلد صغيرهم وكبيرهم. فحاصروه في قصره وهدموا بعض أرباضه. وباتوا ليلة الاثنين لست خلون من المحرم سنة عشر وأربعمائة، وقد أشرفوا على أخذه. فخرج إليهم أبوه يوسف في محفة، وكانوا له مكرمين. فلطف بالناس ووعدهم أنه لا يخرج عن رأيهم. فذكروا له ما أحدث ولده. فقال: أنا أكفيكم أمره، وأعتقله وأولي عليكم من ترضونه. فوقع اختيارهم على ولده أحمد الأكحل.\rولاية الأمير أحمد الأكحل كانت ولايته في يوم الاثنين السادس من المحرم سنة عشر وأربعمائة. وتسلم أهل صقلية حسن الباغاتي الكاتب، فقتلوه، وطافوا برأسه، وأحرقوه بالنار. وخاف يوسف على ابنه جعفر، فحمله في مركب حربي إلى مصر، وسار يوسف أيضاً، ومعهما من الأموال ستمائةألف وسبعون ألف دينار. وكان ليوسف ثلاثة عشر ألف حجر سوى البغال وغيرها، فمات بمصر وليس له إلا دابة واحدة.\rقال: ولما ولي الأكحل أخذ أمره بالحزم والاجتهاد. فسكن الناس وصلحت أحوالهم.\rثم وصل كتاب الحاكم ولقب الأكحل تأييد الدولة.\rوجمع الأكحل المقاتلة، وبث سراياه في بلاد الكفرة، وكانوا يحرقون ويغنمون ويخربون البلاد. فأطاعه جميع القلاع.\rوكان للأكحل ابن اسمه جعفر، كان يستخلفه إذا سافر للغزاة فخالف سيرة أبيه في العدل الإحسان. ثم جمع أهل صقلية وقال: إني أحب إخراج أهل إفريقية عنكم، فإنهم قد شاركوكم في بلادكم وأموالكم. فقالوا: كيف يكون ذلك، وقد صاهرناهم واختلطنا بهم وصرنا شيئاً واحداً؟ فصرفهم. ثم أرسل إلى الإفريقيين وقال لهم مثل ذلك في حق أهل صقلية، فأجابوه إلى ما أراد. فجمعهم حوله فكان يحمي أملاكهم، ويأخذ الخراج من أملاك أهل صقلية.\rفسار جماعة من أهل صقلية إلى المعز بن باديس، وأعلموه بما حل بهم. وقالوا: نحب أن نكون في طاعتك وإلا سلمنا الجزيرة إلى الروم. وذلك في سنة سبع وعشرين وأربعمائة. فوجه المعز ولده عبد الله إلى صقلية بعسكر عدته ثلاثة آلاف فارس ومثلهم رجالة. فسار إلى الجزيرة ووقعت بينه وبين الأكحل حروب، وحصره في قصره بالخالصه. ثم اختلف أهل صقلية وأراد بعضهم نصرة الأكحل. فقتله الذين أحضروا عبد الله بن المعز غدراً، وأتوا برأسه إلى عبد الله.\rثم رجع بعض الصقليين عن بعض، وندموا على إدخال عبد الله إلى الجزيرة، واجتمعوا على حربه، وقاتلوه فانهزم عسكر عبد الله وقتل منهم نحو ثلاثمائة رجل. ورجعوا في المراكب إلى إفريقية.","part":7,"page":5},{"id":3016,"text":"وولي أهل صقلية على أنفسهم الصمصام أخا الأكحل. واضطربت أحوال أهل الجزيرة، وانفردت كل طائفة بجهتها. فرجع أمر أهل المدينة إلى المشايخ الذين بها، وأخرجوا الصمصام. وانفرد القائد عبد الله بن منكوت بمازر وطرابنش والشاقة ومرسى علي وما حولها من الوادي. وانفرد القائد علي بن نعمة المعروف بابن الجواش بقلعة قصر يانة ومدينة جرجنت وقصر نوبر ومايلي ذلك. واختبطت الجزيرة. ثم ثار رجل يعرف بابن الثّمنة فاستولى على مدينة سرقوسة وما يليها. وخرج منها بعسكر إلى مدينة قطانية فدخلها، وقتل ابن المكلاتي وملكها.\rوكان ابن المكلاتي مصاهراً للقائد علي بن نعمة المعروف بابن الجواش بأخته ميمونة. فلما انقضت عدّتها، خطبها ابن الثمنة لأخيها، فزوجه بها، وكانت امرأة عاقلة. فجرى بينهما وبينه في بعض الأيام خصام أدى إلى أن أغلظ لها في القول، فأجابته بمثله. وكان سكران، فغضب وأمر بفصدها في عضديها وتركها لتموت. فسمع ولده إبراهيم فحضر وأحضر الأطباء، وعالجها إلى أن عادت قوتها. ولما أصبح أبوه ندم واعتذر إليها بالسكر، فأظهرت قبول عذره. ثم طلبت منه بعد مدة أن تزور أخاها، فأذن لها وسير معها التحف والهدايا. فلما وصلت إليه ذكرت له ما فعل بها، فحلف أنه لا يعيدها إليه. فأرسل ابن الثمنة يطلبها فلم يردها إليه، فجمع عساكره، وكان قد استولى على أكثر الجزيرة وخطب له بالمدينة وسار لحرب ابن الجواش بقصريانة. فخرج إليه وقاتله. فانهزم ابن الثمنة، وتبعه وقتل من أصحابه فأكثر. فلما رأى ابن الثمنة أن عساكره قد تمزقت أراد الانتصار بالكفار.\rاستيلاء الفرنج على صقلية\rكان سبب ذلك أنه لما وقعت الحرب بين ابن الثمنة وابن الجواش وانهزم ابن الثمنة، سار إلى مدينة ملطية، وكانت بيد الفرنج ملكوها في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة. وكان ملكها حينئذ رجار الفرنجي. فوصل إليه وقال: أنا أملّكك الجزيرة. فسار معه في شهر رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة. فلم يلقوا من يدافعهم، واستولوا على ما مروا عليه في طريقهم. وقصد بهم قصريانة فقاتلهم ابن الجواش. فهزمه الفرنج فرجع إلى الحصن. فرحلوا عنه واستولوا علىمواضع كثيرة. ففارق الجزيرة كثير من العلماء والصالحين.\rوسار جماعة من أهل صقلية إلى المعز بن باديس، وذكروا له ما الناس فيه بالجزيرة من الخلف وغلبة الفرنج على كثير منها. فعمر أسطولاً كبيراً وشحنه بالرجال والعدد. وكان الزمان شتاء، فساروا إلى قوصرة. فهاج عليهم البحر، فغرق أكثرهم ولم ينج إلا القليل. وكان ذهاب هذا الأسطول مما أضعف المعز بن باديس وقوي العرب عليه حتى أخذوا البلاد منه. فملك حينئذ الفرنج أكثر البلاد على مهل وتؤدة لا يمنعهم أحد. واشتغل المعز بما دهمه من العرب.\rثم مات في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وولي ابنه تميم. فبعث أسطولاً وعسكراً إلى الجزيرة، وقدّم عليه وليده أيوب وعلياً. فوصلوا إلى صقلية. فنزل أيوب والعسكر المدينة، ونزل على جرجنت. ثم انتقل أيوب إلى جرجنت فأحبه أهلها. فحسده ابن الجواش فكتب إلى أهلها ليخرجوه، فلم يفعلوا. فسار إليه في عسكره وقاتله. فقتل ابن الجواش بسهم غرب أصابه. وملك أيوب ابن تميم. ثم وقع بعد ذلك بن أهل المدينة وبين عسكر أيوب فتنة، أدت إلى القتال. ثم دار الشر بينهم وتراقى، فرجع أيوب وأخوه في الأسطول إلى إفريقية، وذلك في سنة إحدى وستين وأربعمائة. وصحبهم جماعة من أعيان صقلية.\rفلم يبق للفرنج مانع ولا ممانع، فاستولوا على الجزيرة. ولم يثبت بين أيديهم غير قصريانة وجرجنت. فحصرهما الفرنج وضيقوا على المسلمين حتى أكلوا الميتة وعدموا ما يأكلونه. فأما أهل جرجنت فسلموها إلى الفرنج في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. وبقيت قصريانة بعد ذلك ثلاث سنين. فلما اشتد الأمر عليهم أذعنوا إلى التسليم. فتسلمها الفرنج خذلهم الله تعالى في سنة أربع وثمانين وأربعمائة. وملك رجار جميع الجزيرة، وأسكنها الروم والفرنج مع المسلمين. ولم يترك لأحد من أهلها حماماً ولا دكاناً ولا طاحوناً ولا فرناً.","part":7,"page":6},{"id":3017,"text":"ومات رجار بعد ذلك قبل التسعين وأربعمائة، وملك بعده ولده روجار، فسلك طريق ملوك المسلمين من الجنائب والسلاحية والجاندارية وغير ذلك. وخالف عادة الفرنج. وجعل له ديواناً للمظالم يرفع إليه شكوى المظلومين، فينصفهم ولو من ولده، وأكرم المسلمين، ومنع عنهم الفرنج فأحبوه. وعمر أسطولاً كبيراً وملك الجزائر التي بين المهدية وصقلية مثل مالطة وقوصرة وغيرهما. وتطاولوا بعد ذلك إلى سواحل إفريقية وملكوا المهدية وغيرها. ثم استرجعت منهم على ما ذكرناه في أخبار عبد المؤمن بن علي.\rجزيرة أقريطش\rهذه الجزيرة دون جزية صقلية، وهي كثيرة الخصب مستطيلة الشكل.\rوأول من غزاها في الإسلام ابن أبي أمية الأزدي، في أيام معاوية ابن أبي سفيان.\rفلما كان في أيام الوليد فتح بعضها.\rثم غزاها حميد بن معيون الهمداني في أيام الرشيد ففتح بعضها.\rثم غزاها أبو حفص عمر بن شعيب الأندلسي المعروف بالأقريطشي في أيام المأمون. ففتح منها حصناً واحداً. ولم يزل يفتح شيئاً بعد شيء حتى لم يبق بها من الروم أحد، وأخرب حصونهم وتداولها بنوه بعده.\rولما جرى لأهل قرطبة مع الحكم بن هشام الأموي وقعة الربض التي ذكرناها في سنة ثمان وسبعين ومائة، أخرج جماعة منهم. فوصلوا إلى الإسكندرية وأقاموا بها، فعمرت بهم وصار فيها منهم خلق كثير. فغلبوا على الإسكندرية وملكوها إلى أن جاء عبد الله بن طاهر إلى الإسكندرية وأخرجهم منها كما ذكرنا ذلك في أخبار الدولة العباسية في أيام المأمون بن الرشيد. فصالحهم على مال ونقلهم إلى جزيرة أقريطش. فعمروها وملكوا عليهم رجلاً منهم. وعمروا فيها أربعين قطعة. وغزوا جميع ماحولها من جزائر القسطنطينية ففتحوا أكثر الجزائر وغنموا وسبوا.\rولم يكن لملك القسطنطينية بهم قبل، فأفكر فيما يفعله معهم من المكر والخديعة. فأقبل الملك أرمانوس إلى عبد العزيز بن شعيب ابن عمر صاحب جزيرة أقريطش. وتقرب إليه بالهدايا والتحف، وأظهر له المودة والمحبة. فلما استحكمت الوصلة بينهم وتأكدت، أنفذ أرمانوس رجلاً من المسلمين ومعه هدية جليلة. فلما حضر بين صاحب أقريطش وقدم الهدية، قال له: الملك يسلم عليك ويقول لك: نحن جيران وأصدقاء، وهؤلاء المساكين سكان الجزائر قوم ضعفاء فقراء، وقد خلا أكثرهم من خوفك، وقلوبهم تحن إلى أوطانهم. ولي ولك بهم راحة وفائدة. فإن خفّ عليك أن تحسب ما يحصل لك من غزوهم في كل عام وأنا أضاعفه لك أضعافاً، وتؤمنّهم وترفع عنهم الغزو وتفسح لهم في السفر إلى جزيرتك، ويتوجه التجار إليك، ويحصل لك من الحقوق أضعاف ما يحصل لك من الغزو. فأجابه إلى سؤاله. وتحالفا وتصالحا واتفقا على مال يؤدّي في كل عام، فوفى له أرمانوس بجميع ذلك. وألزم التجار بالسفر إلى أقريطش والقسطنطينية وجميع الجزائر. فكثرت أموال صاحبها وأخذ في جمع الأموال واختصر العطاء للجند.\rثم وقع بالقسطنطينية قحط وغلاء. فأنفذ الملك إلى صاحب إقريطش رسولاً يقول: قد وقع بالبلاد ما اتصل بك من الجدب. ولنا خيل عراب برسم النتاج تعزّ علينا، فإن رأيت أن أنفذها إلى الجزيرة، وما نتجت من الذكور تكون للملك، وما نتجت من الإناث فهو لك. فأجباه إلى ذلك. فأرسل إلى الجزيرة خمسمائة فرس في المراكب ومعها رعاتها.\rفلما استقرت الخيل بالجزيرة، عبأ العساكر على تلطف واستخفاء، وقدم عليها نخفور الدمستق وأنجاد رجاله، وذلك في غرة المحرم سنة خمس وثلاثمائة. فدخل الأسطول إلى الجهة التي فيها الأفراس. ونزل كل فارس بسرجه ولجامه وشدوا له على فرس وفاجئوا أهل الجزيرة على غرة وغفلة. فملكوها وقتلوا صاحبها ومن معه من الجند، وعفا عن قتل الرعية. ووجدوا الأموال التي كانوا بذلوها مضاعفة فأخذوها. وسبوا نساء الأجناد وذراريهم. وشحنوها بالعدد والأجناد.\rتنصر أهل أقريطش\rقال المؤرخ: ولما قرب عيد الميلاد، أمروا أكابر الجزيرة بالمسير إلى الملك للهناء بالعيد. فتوقف الأمائل ونفّذوا مائة رجل من أوساط القوم. فلما وصلوا إلى الملك وسلموا عليه، أمر بإكرامهم، وخلع عليهم، وأمر لكل رجل منهم بعشر أوان من الذهب. فرجعوا فرحين، وندم من تأخر عن المسير.","part":7,"page":7},{"id":3018,"text":"فلما أقبل عيد الفصح، تهيأ أكابر أهل الجزيرة للمسير، واجتمع منهم جماعة كبيرة. فلما وصلوا إلى القسطنطينية، أمر الملك أن يجعلوا في موضع، وجعل عليهم حرساً. ومنعوا من الطعام والشراب إلى أن أيقنوا بالهلاك. فشكوا ذلك إلى الموكلين بهم وقالوا: القتل خير لنا من هذا. وما الذي يريده الملك منا؟ قالوا: إنه يريد دخولكم في دين النصرانية، فإن لم تجيبوا متم على هذه الحالة وسبيت ذراريكم. فلما اشتد عليهم البلاء تنصروا فخلع عليهم، وتوجهوا إلى أهاليهم.\rفلما وصلوا الجزيرة منعوا الدخول إلى بيوتهم. وقيل لهم: أنتم نصارى وهؤلاء مسلمون. فإن دخلوا في دين الملك اجتمعتم، وإن أبوا ملكناهم. فتنصر الباقون في يوم واحد. ثم مات الاباء وبقي الأولاد على أشد ما يكون في دين النصرانية والبغض في المسلمين. نسأل الله تعالى أن لا يمكر بنا ولا بأهالينا ولا بذرارينا ولا بعقبنا، ولا يمتحننا في ديننا، وأن يجعل عواقب أمورنا خيراً من مبادئها، بمنّه وكرمه.\rولنصل هذا الفصل بذكر ما استولى عليه الفرنج من جزية الأندلس.\rما استولىعليه الفرنج\rمن البلاد الإسلامية بجزيرة الأندلس بعد أخذ طليلطة هذه المدن التي نذكرها مما استولى الفرنج خذلهم الله تعالى عليه من أعمال جزيرة الأندلس. كان الاستيلاء عليها في التواريخ التي نذكرها، وهي في المدة التي انقطعت فيها الأخبار وتعطلت التواريخ. فلم تصل إلينا مفصلة، ولا علمنا كيف أخذت ولا ممن انتزعت من ملوك المسلمين، فنذكر ذلك على وجهه. وإنما اطلعنا من حالها على تواريخ الاستيلاء عليها خاصة. فرأينا ذكر ذلك أولى من إهماله.\rوالمدن التي أخذت هي مدينة قرطبة استولى الفرنج عليها في يوم السبت الثالث والعشرين من شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.\rومدينة بلنسية، نازلها الروم وملكوها صلحاً في يوم الثلاثاء السابع عشر من صفر سنة ست وثلاثين وستمائة.\rوجيّان: استولوا عليها في سنة ثلاث وأربعين وستمائة.\rوطرطرشة: أخذت في سنة ثلاث وأربعين وستمائة.\rولاردة: أخذت في سنة خمس وأربعين وستمائة.\rومدينة إشبيلية: أخذت في مستهل شهر رمضان سنة ست وأربعين وستمائة.\rولم يتأخر للمسلمين بجزيرة الأندلس إلى وقتنا هذا غير الجزيرة الخضراء وما يليها. وهي جزء يسير جداً بالنسبة إلى ما أخذ أعاد الله ما أخذ، وحمى ما بقي. وقد بلغنا أن الجزية الخضراء حاصرها الفرنج خذلهم الله تعالى في سنة خمس عشرة وسبعمائة ونحوها. ولم يصل إلينا ما تجدد من ذلك. فإن وصل إلينا من خبرها شيء أوردناه في حوادث السنين في أخبار ملوك الديار المصرية، إن شاء الله تعالى.\rفهذا ما أمكن إيراده من أخبار بلاد المغرب. فلنذكر خلاف ذلك.\rالباب السابع من القسم الخامس من الفن الخامس\rمن طلب الخلافة من الطالبيين\rفي الدولة الأموية والدولة العباسية فقتل دونها وذلك بعد مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أول من رام ذلك منهم في الدولة الأموية: زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكان ظهوره في سنة إحدى وعشرين ومائة، وقتل في سنة اثنتين وعشرين في أيام هشام بن عبد الملك بن مروان. وقد اختلف في سبب قيامه وطلبه الخلافة ما هو فقيل: إن زيداً هذا وداود بن علي بن عبد الله بن عباس ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم قدموا على خالد بن عبد الله القسري، وهو أمير العراق. فأجازهم وأكرمهم ورجعوا إلى المدينة. فلما ولي يوسف بن عمر الثقفي العراق كتب \" إلى \" هشام بذلك. وذكر له أن خالداً ابتاع من زيد أرضاً بالمدينة بعشرة آلاف دينار ثم رد الأرض عليه. فكتب هشام إلى عامل المدينة أن يسيّرهم إليه ففعل. فسألهم هشام عن ذلك، فأقروا بالجائزة، وأنكروا ما سوى ذلك، وحلفوا فصدقهم. وأمرهم بالمسير إلى العراق، ليقابلوا خالد بن عبد الله. فساروا على كره وقابلوا خالداً فصدقهم فعادوا نحو المدينة. فلما نزلوا القادسية راسل أهل الكوفة زيداً فعاد إليهم.","part":7,"page":8},{"id":3019,"text":"وقيل: بل ادعى خالد القسري أنه أودع زيداً وداود بن علي ونفراً من قريش مالاً. فكتب يوسف الثقفي بذلك إلى هشام، فأحضرهم هشام من المدينة، وسيرهم إلى يوسف ليجمع بينهم وبين خالد.فقدموا عليه، فقال يوسف لزيد: إن خالداً زعم أنه أودعك مالاً. قال: كيف يودعني وهو يشتم آبائي على منبره؟ فأرسل إلى خالد فأحضره في عباءة. فقال: هذا زيد قد أنكر أنك قد أودعته شيئاً. فنظر خالد إليه وإلى داود، وقال ليوسف: أتريد أن تجمع مع إثمك في إثماً في هذا؟ كيف أودعه وأنا أشتمه وأشتم آباءه على المنبر؟ فقال لخالد: ما دعاك إلى ما صنعت؟ فقال: شدّد علي العذاب فادّعيت ذلك، وأملت أن يأتي الله بفرج قبل قدومك. فرجعوا وأقام زيد وداود بالكوفة.\rوقيل: إن يزيد بن خالد القسري هو الذي ادعى المال وديعة عند زيد. فلما أمرهم هشام بالمسير إلى العراق إلى يوسف، استقالوه خوفاً من شر يوسف وظلمه. فقال أنا أكتب إليه بالكف عنكم. وألزمهم بذلك، فسارواعلى كره. فجمع يوسف بينهم وبين يزيد، فقال يزيد: ليس لي عندهم قليل ولا كثير. قال يوسف: أفبي تهزأ أم بأمير المؤمنين؟ فعذبه يومئذ عذاباً كاد يهلكه. ثم أمر بالقرشيين فضربوا وترك زيداً. ثم استحلفهم وأطلقهم فلحقوا بالمدينة. وأقام زيد بالكوفة، وكان زيد قد قال لهشام لما أمره بالمسير إلى يوسف: والله، ما آمن إن بعثتني إليه أن لا نجتمع أنا وأنت حيين أبداً. قال: لا بد من المسير إليه.\rوقيل: كان السبب في ذلك أن زيداً كان يخاصم ابن عمه جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي في وقوف علي ابن أبي طالب رضي الله عنه؛ زيد يخاصم عن بني حسين، وجعفر يخاصم عن بني حسن. فكانا يتبالغان كل غاية ويقومان فلا يعيدان مما كان بينهما حرفاً. فلما مات جعفر نازعه عبد الله بن حسن بن الحسن. فتنازعا يوماً بين يدي خالد بن عبد الملك بن الحارث بالمدينة. فأغلظ عبد الله لزيد وقال: يا بن السندية فضحك زيد وقال: قد كان إسماعيل لأمة، ومع ذلك فقد صبرت بعد وفاة سيدها إذ لم تصبر غيرها. يعني فاطمة ابنة الحسين أم عبد الله فإنها تزوجت بعد أبيه الحسن. ثم ندم زيد واستحيي من فاطمة وهي عمته، فلم يدخل عليها زماناً. فأرسلت إليه: يا ابن أخي إني لأعلم أن أمك عندك كأم عبد الله عنده وقالت لعبد الله: بئس ما قلت لأم زيد، أم والله لنعم دخيلة القوم كانت.\rقال: فذكر أن خالداً قال لهما: اغدوا عليها غداً. فلست لعبد الملك إن لم أفصل بينكما. فباتت المدينة تغلي كالمراجل يقول قائل: قال زيد كذا، ويقول قائل: قال عبد الله كذا. فلما كان من الغد، جلس في المسجد واجتمع الناس، فمن بين شامت ومهموم. فدعا بهما خالد، وهو يحب أن يتشاتما. فذهب عبد الله يتكلم. فقال زيد: لا تعجل يا أبا محمد، أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبداً ثم أقبل على خالد فقال له: أجمعت ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر أو عمر؟ فقال خالد: أما لهذا السفيه أحد؟ فتكلم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم فقال: يا ابن أبي تراب، وابن حسين السفيه، أما ترى لوال عليك حقاً ولا طاعة؟ فقال زيد اسكت أيها القحطاني، فإنا لا نجيب مثلك. قال: ولم ترغب عني؟ فو الله إني لخير منك، وأبي خير من أبيك، وأمي خير من أمك. فتضاحك زيد وقال: يا معشر قريش، هذا الدين قد ذهب، أفتذهب الأحساب؟ فو الله ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم. فتكلم عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال: كذبت والله أيها القحطاني، فو الله لهو خير منك نفساً وأماً وأباً ومحتداً. وتناوله بكلام كثير، وأخذ كفا من حصباء فضرب بها الأرض ثم قال: إنه والله مالنا على هذا من صبر. وقام.","part":7,"page":9},{"id":3020,"text":"وشخص زيد إلى هشام بن عبد الملك فجعل هشام لا يأذن له فيرفع إليه القصص. فكلما رفع قصة يكتب هشام في أسفلها ارجع إلى منزلك. فيقول زيد: والله، لا أرجع إلى خالد أبداً. ثم أذن له يوماً بعد طول حبس، ورقى عليّة طويلة. وأمر خادماً أن يتبعه بحيث لا يراه زيد ويسمع ما يقول. فصعد زيد، وكان بادناً، فوقف في بعض الدرجة فسمعه يقول: والله، لا يحب الدنيا أحد إلا ذل ثم صعد إلى هشام فحلف له على شيء. فقال: لا أصدقك فقال: يا أمير المؤمنين إن الله لم يرفع أحداً عن أن يرضى بالله، ولم يضع أحداً عن أن لا يرضى بذلك منه فقال هشام: لقد بلغني يا زيد أنك تذكر الخلافة وتتمناها، ولست هناك وأنت ابن أمة. قال زيد: إن لك جواباً قال: فتكلم قال: إنه ليس أحد أولى بالله ولا أرفع درجة من نبي ابتعثه. وقد كان إسماعيل عليه السلام ابن أمة وأخوه من صريحة. فاختاره الله عليه، وأخرج منه خير البشر. وما على أحد من ذلك إذا كان جده رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانت أمه. قال له هشام: اخرج قال: أخرج ثم لا أكون إلا بحيث تكره فقال له سالم: يا أبا الحسين، لا يظهرن هذا منك.\rفخرج من عنده وسار إلى الكوفة. فقال له محمد بن عمر بن أبي طالب: أذكّرك الله يا زيد، لما لحقت بأهلك ولا تأت أهل الكوفة فإنهم لا يفون لك. فلم يقبل وقال: خرج بنا أسرى على غير ذنب من الحجاز إلى الشام ثم إلى الجزيرة ثم إلى العراق إلى تيس ثقيف يلعب بنا. وقال:\rبكرت تخوّفني الحتوف كأنني ... أصحبت من غرض الحياة بمعزل\rفأجبتها إن المنية منهل ... لا بلد أن أسقي بكأس المنهل\rإن المنية لو تمثّل مثّلت ... مثلي إذ نزلوا بضيق المنزل\rفاقني حياءك لا أبا لك واعملي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل\rثم قال زيد: أستودعك الله، وإني أعطي الله عهداً أن \" لا \" دخلت يدي في طاعة هؤلاء ما عشت.\rوفارقه وأقبل إلى الكوفة. فأقام بها مستخفياً يتنقل في المنازل. وأقبلت الشيعة تختلف إليه تبايعة. فيايعه جماعة منهم سلمة ابن كهيل، ونصر بن خزيمة العبسي، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، وناس من وجوه أهل الكوفة. وكانت بيعته: إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنته نبيه صلى الله عليه وسلم، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء، ورد المظالم، وإقفال المجمر ونصرة أهل البيت، أتبايعون على ذلك؟ فإذا قالوا: نعم. وضع يده على أيديهم ويقول: عليك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة روسله صلى الله عليه وسلم لتفينّ ببيعتي، ولتقاتلن عدوي، ولتنصحن لي في السر والعلانية فإذا قال: نعم. مسح يده على يده.\rثم قال: اللهم اشهد. فبايعه خسمة عشر ألفاً، وقيل: أربعون ألفاً. وأمر أصحابه بالاستعداد، فأقبل من يريد أن يفي له ويخرج معه يستعد ويتهيأ. فشاع أمره في الناس. هذا على قول من زعم أنه أتى الكوفة من الشام واختفى بها يبايع الناس.\rوأما على قول من زعم أنه أتى الكوفة إلى يوسف بن عمر لمقابلة خالد بن عبد الله القسري أو ابنه يزيد بن خالد، فإنه يقول: إنه أقام بالكوفة ظاهراً ومعه داود بن علي بن عبد الله بن عباس. وأقبلت الشيعة تختلف إلى زيد، وتأمره بالخروج، ويقولون: إنا لنرجو أن تكون أنت المنصور، وأن هذا الزمان هو الذي يهلك فيه بنوأمية. فأقام بالكوفة.\rوجعل يوسف بن عمر الثقفي يسأل عنه، فيقال: هو ها هنا. ويبعث إليه ليسير فيقول: نعم ويعتل بالوجع. فمكث ما شاء الله. ثم أرسل إليه يوسف ليسير، فاحتج بأنه يبتاع أشياء يريدها. ثم أرسل إليه يوسف بالمسير عن الكوفة، فاحتج بأنه يحاكم بعض آل طلحة بن عبيد الله في ملك بينهما بالمدينة، فأرسل إليه ليوكل وكيلاً ويرحل عنها.","part":7,"page":10},{"id":3021,"text":"فلما رأى جد يوسف في أمره سار حتى أتى القادسية وقيل الثّعلبية. فتبعه أهل الكوفة وقالوا: نحن أربعون ألفاً لم يتخلف عنك أحد، نضرب عنك بأسيافنا، وليس ها هنا من أهل الشام إلا عدة يسيرة بعض قبائلنا تكفيهم بإذن الله تعالى. وحلفوا بالأيمان المغلظة، فجعل يقول: إني أخاف أن تخذلوني وتسلموني كفعلكم بأبي وجدي فيحلفون له. فقال له داود بن علي: يا ابن عم، إن هؤلاء يغرونك من نفسك، أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك: جدك علي بن أبي طالب حتى قتل، والحسن من بعده بايعوه ثم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه وجرحوه؟ أو ليس قد أخرجوا جدك الحسين وحلفوا له ثم خذلوه وأسلموه، ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه؟ فلا ترجع معهم فقالوا لزيد: إن هذا لا يريد أن تظهر أنت، ويزعم أنه وأهل بيته أولى بهذا الأمر منكم فقال زيد لداود: إن علياً كان يقاتله معاوية بدهائه ومكره، وإن الحسن قاتله يزيد والأمر مقبل عليهم. فقال لداود: إني خائف إن رجعت معهم أن لا يكون أحد أشد عليك منهم، وأنت أعلم. ومضى داود إلى المدينة ورجع زيد إلى الكوفة.\rفلما رجع زيد، أتاه سلمة بن كهيل فذكر له قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقه فأحسن. ثم قال له: نشدتك الله: كم بايعك؟ قال: أربعون ألفاً قال: فكم بايع جدك؟ قال: ثمانون ألفاً. قال: فكم حصل معه؟ قال: ثلاثمائة قال: نشدتك الله: انت خير أم جدك؟ قال: جدي. قال: فهذا القرن خير أم ذلك القرن؟ قال: ذلك القرن. قال: أفتطمع أن يفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدك؟ قال: قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وعنقهم. قال: أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد، فلا آمن أن يحدث حدث فلا أملك نفسي. فأذن له فخرج إلى اليمامة.\rوكتب عبد الله بن الحسن بن الحسن إلى زيد: أما بعد، فإن أهل الكوفة نفخ العلانية، خور السريرة، هرج في الرخاء، جزع في اللقاء، تقدمهم ألسنتهم، ولا تشايعهم قلوبهم. ولقد تواترت إلى كتبهم بدعوتهم، فصممت عن ندائهم وألبست قلبي عشاء عن ذكرهم يأساً منهم واطراحا لهم. ومالهم مثل إلا ما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن أهملتم خضتم، وإن حوربتم خرتم، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم، وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم فلم يصغ زيد إلى شيء من ذلك وأقام على حاله يبايع الناس ويتجهز للخروج.\rوتزوج بالكوفة ابنة يعقوب بن عبد الله السلمي. وتزوج أيضاً ابنة عبد الله بن أبي العنبس الآزدي. وكان سبب تزوجه إياها أن أمها أم عمرو بنت الصلت كانت تتشيع، فأتت زيداً تسلم عليه، وكانت جميلة حسنة قد دخلت في السن ولم يظهر عليها. فخطبها زيد إلى نفسها. فاعتذرت بالسن وقالت له: لي بنت هي أجمل مني وأبيض وأحسن دلاً وشكلاً فضحك زيد ثم تزوجها وكان ينتقل بالكوفة تارة عندها، وتارة عند زوجته الأخرى، وتارة في بني عبس، وتارة في بني نهد، وتارة في بني تغلب وغيرهم إلى أن ظهر.\rظهور زيد بن علي بن الحسن ومقتله كان ظهور زيد ومقتله في سنة اثنتين وعشرين ومائة. وذلك أنه لما أمر أصحابه بالاستعداد للخروج، أخذ من كان يريد لوفاء بالبيعة يتجهز. فانطلق سليمان بن سراقة البارقي إلى يوسف بن عمر فأخبره. فبعث يوسف في طلب زيد فلم يوجد. وخاف زيد أن يؤخذ فتعجل الخروج قبل الأجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة، وعلى الكوفة يومئذ الحكم بن الصّلت،، وعلى شرطته عمرو بن عبد الرحمن من القارة، ومعه عبيد الله بن العباس الكندي في ناس من أهل الشام، ويوسف بن عمر بالحيرة.\rفلما رأى أصحاب زيد بن علي أن يوسف بن عمر قد بلغه حاله وأنه يبحث عن أمره، اجتمع إليه جماعة من رؤوسهم فقالوا.","part":7,"page":11},{"id":3022,"text":"رحمك الله، ما قولك في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما الله وغفر لهما. ما سمعت أحداً من أهل بيتي يقول فيهما إلا خيراً وإن أشد ما أقول فيما ذكرتم: أنا كنا أحق بسلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس أجمعين، فدفعونا عنه. ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً. وقد ولوا فعدلوا في الناس، وعملوا بالكتاب والسنة قالوا: فلم يظلمك هؤلاء إذا كان أولئك لم يظلموك فلم تدعو إلى قتالهم؟ فقال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك. هؤلاء ظالمون لي ولأنفسهم ولكم. وإنما ندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإلى السنن أن تحيا، وإلى البدع أن تطفأ، فإن أجبتمونا سعدتم، وإن أبيتم فلست عليكم بوكيل ففارقوه ونكثوا بيعته وقالوا: سبق الإمام، يعنون محمداً الباقر وكان قد مات. وقالوا: سبق الإمام، يعنون محمداً الباقر وكان قد مات. وقالوا: جعفر ابنه إمامنا اليوم بعد أبيه فسماهم زيد الرافضة. وهم يزعمون أن المغيرة سماهم الرافضة حيث فارقوه. وكانت طائفة أتت جعفر بن محمد الصادق قبل خروج زيد فأخبروه ببيعة زيد. فقال: بايعوه فهو والله أفضلنا وسيدنا فعادوا وكتموا ذلك.\rوكان زيد قد واعد أصحابه أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة. فبلغ يوسف بن عمر، فبعث إلى الحكم يأمره أن يجمع أهل الكوفة في المسجد الأعظم يحصرهم فيه، فجمعهم فيه. وطلبوا زيداً في دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، فخرج منها ليلاً. ورفعوا النيران ونادوا: يا منصور حتى طلع الفجر.\rفلما أصبحوا بعث زيد القاسم الحضرمي وآخر من أصحابه يناديان بشعارهم. فلما كانوا بصحراء عبد القيس لقيهم جعفر بن العباس الكندي. فحملوا عليه وعلى أصحابه، فقتل الذي كان مع القاسم، وارتثّ القاسم وأتي به الحكم فضرب عنقه. فكانا أول من قتل من أصحاب زيد.\rفأغلق الحكم دروب السوق وأبواب المسجد على الناس. وبعث إلى يوسف بالحيرة فأخبره الخبر. فأرس جعفر بن العباس ليأتيه بالخبر. فسار في خمسين فارساً حتى بلغ جبانة سالم، فسأل ثم رجع إلى يوسف فأخبره. فسار يوسف إلى تل قريب من الحيرة، فنزل عليه ومعه أشراف الناس. فبعث الريان بن سليمة الإراشي في ألفين ومعه ثلاثمائة من القيقانية رجالة معهم النشّاب.\rوأصبح زيد فكان جميع من وافاه تلك الليلة مائتي رجل وثمانية عشر رجلاً. فقال زيد: سبحان الله! أين الناس؟ فقيل: إنهم في المسجد الأعظم محصورون. فقال: والله، ما هذا بعذر لمن بايعنا وسمع نصر بن خزيمة العبسي النداء فأقبل إليه. فلقي عمرو بن عبد الرحمن صاحب شرطة الحكم في خيله من جهينة في الطريق فحمل عليه نصر، فقتل عمرو وانهزم من كان معه.\rوأقبل زيد على جبانة سالم حتى انتهى إلى جبانة الصائديين وبها خمسمائة من أهل الشام. فحمل عليهم زيد فيمن معه فهزمهم. وانتهى زيد إلى دار أنس بن عمرو الأزدي، وكان فيمن بايعه، وهو في الدار. فنودي فلم يجبهم. وناده زيد فلم يخرج إليه. فقال زيد: ما أخلفكم! قد فعلتموها؟؟! الله حسيبكم! ثم انتهى زيد إلى الكناسة فحمل على من بها من أهل الشام فهزمهم. ثم سار زيد ويوسف ينظر إليه في مائتي رجل، فلو قصده زيد لقتله، والريان يتبع آثار زيد بالكوفة في أهل الشام. فأخذ زيد على مصلي خالد حتى دخل الكوفة. وسار بعض أصحابه نحو جبانة مخنف بن سليم فلقوا أهل الشام فقاتلوهم. فأسر أهل الشام منهم رجلاً، فأمر به يوسف بن عمر فقتل.\rفلما رأى زيد خذلان الناس إليه قال: يا نصر بن خزيمة، أتخاف أن يكونوا فعلوها حسينية؟ قال: أما أنا فو الله لأقاتلن معك حتى أموت، وإن الناس بالمسجد فامض بنا إليهم. فلقيهم عبيد الله بن العباس الكندي عند دار عمر بن سعد، فاقتتلوا فانهزم عبيد الله وأصحابه. وجاء زيد حتى انتهى إلى باب المسجد. فجعل أصحابه يدخلون راياتهم من فوق الأبواب ويقولون: يا أهل المسجد، اخرجوا من الذل إلى العز، اخرجوا إلى الدين والدنيا فإنكم لستم في دين ولا دينا. فرماهم أهل الشام بالحجارة من فوق المسجد.\rوانصرف الريان عند المساء إلى الحيرة. وانصرف زيد فيمن معه. وخرج إليه ناس من أهل الكوفة. فنزل دار الرزق. فأتاه الريان بن سليمة فقاتله عن دار الرزق. وخرج أهل الشام مساء يوم الأربعاء أسوأ شيء ظناً.","part":7,"page":12},{"id":3023,"text":"فلما كان الغد أرسل يوسف بن عمر العباس بن سعد المزني في أهل الشام، فانتهى إلى زيد في دار الرزق. فلقيه زيد وعلى مجنبتيه نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة، فاقتتلوا قتالاً شديداً. وحمل نائل بن فروة العبسي من أهل الشام على نصر بن خزيمة. فضربه بالسيف فقطع فخذه، وضربه نصر فقتله. ولم يلبث نصر أن مات. واشتد قتالهم فانهزم أصحاب العباس، وقتل منهم نحو من سبعين رجلاً.\rفلما كان العشي عبأهم يوسف بن عمر ثم سرحهم. فالتقوا هم وأصحاب زيد، فحمل عليهم في أصحابه، فكشفهم. وتبعهم حتى أخرجهم إلى السبخة ثم حمل عليهم بالسبخة حتى أخرجهم إلى بني سليم.\rوجعلت خيلهم لا تثبت لخيله. فبعث العباس إلى يوسف يعلمه ذلك وقال له: ابعث إلى الناشبة. فبعثهم إليه، فجعلوا يرمون أصحاب زيد. فقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاري بين يدي زيد قتالاً شديداً فقتل. وثبت زيد ومن معه إلى الليل. فرمي زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فثبت في دماغه. ورجع أصحابه، ولا يظن أهل الشام أنهم رجعوا إلا للمساء والليل.\rونزل زيد في دار من دور أرحب. وأحضر أصحابه طبيباً، فانتزع النصل فضج زيد. فلما نزع مات زيد رحمه الله. فقال أصحابه: أين ندفنه؟ فقال بعضهم: نطرحه في الماء. وقال بعضهم: بل نقطع رأسه ونلقيه في القتلى. فقال ابنه يحيى: والله، لا يأكل لحم أبي الكلاب. وقال بعضهم: ندفنه في الحفرة التي يؤخذ منها الطين ونجعل عليه الماء. ففعلوا. فلما دفنوه أجروا الماء عليه. وقيل: دفن بنهر يعقوب: سكر أصحابه الماء، ودفنوه وأرجوا الماء. وكان معهم مولى لزيد سندي، وقيل: رآهم قصار، فدل عليه. وتفرق الناس عنه.\rوسار ابنه يحيى نحو كربلاء. فنزل نينوى على سابق مولى بشر بن عبد الملك بن بشر. ثم إن يوسف بن عمر تتبع الجرحى في الدور. فدله السندي مولى زيد يوم الجمعة على زيد. فاستخرج من قبره فقطع رأسه وسيّر إلى يوسف بن عمر، وهو بالحيرة، سيره إليه الحكم بن الصلت. فأمر يوسف أن يصلب، فصلب زيد بالكناسة، هو ونصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق وزياد النهدي، وأمر بحراستهم. وبعث الرأس إلى هشام بن عبد الملك، فصلب على باب مدينة دمشق. ثم أرسل إلى المدينة. وبقي البدن مصلوباً إلى أن مات هشام وولي الوليد، فأمر بإنزاله وإحراقه.\rوقيل: كان خراش بن حوشب بن يزيد الشيباني على شرطة يوسف بن عمر، وهو الذي نبش زيداً وصلبه. فقال السيد الحميري:\rبتّ ليلى مسهّداً ... ساهر العين مقصداً\rولقد قلت قولة ... وأطلت التّبلّدا:\rلعن الله حوشبا ... وخراشا ومزيدا\rويزيدا فإنه ... كان أعتى وأعتدا\rألف ألف وألف أل ... ف من اللعن سرمدا\rإنهم حاربوا الإل ... ه وآذوا محمداً\rشركوا في دم الحسي ... ن وزيد تعبّدا\rثم عالوه فوق جذ ... ع صريعاً مجردّاً\rيا خراش بن حوشب ... أنت أشقى الورى غدا\rوأما يحيى بن زيد بن علي فإنه قيل فيه غير ما قدمناه. وهو أنه لما قتل زيد قال له رجل من بني أسد من أهل خراسان: إن بخراسان لكم شيعة، والرأي أن تخرج إليها. قال: وكيف لي بذلك؟ قال: تتوارى حتى يسكن الطلب ثم تخرج. فواراه عنده. ثم خاف فأتى به عبد الملك بن بشر بن مروان فقال له: قرابة زيد بك قريبة وحقّه عليك واجب. فقال: أجل، ولقد كان العفو عنه أقرب للتقوى. فقال: قد قتل وهذا ابنه غلام حدث لا ذنب له، وإن علم يوسف به قتله أفتجيره؟ قال: نعم. فأتاه به، فأقام عنده. فلما سكن الطلب سار في نفر من الزيدية إلى خراسان.\rمسير يحيى بن زيد بن علي إلى خراسان ومقتله","part":7,"page":13},{"id":3024,"text":"قال: ولما سكنت الفتنة، سار يحيى إلى خراسان. فأتي بلخ فأقام بها عند الحريش بن عمرو بن داود، حتى هلك هشام ابن عبد الملك وولي الوليد بن يزيد. فكتب يوسف بن عمر الثقفي إلى نصر بن سيار بمسير يحيى بن زيد وبمنزله عند الحريش، وقال له: خذه أشد الأخذ. فأخذ نصر الحريش فطالبه بيحيى. فقال: لا علم لي به. فأمر به فجلد ستمائة سوط. فقال الحريش: والله، لو أنه تحت قدمي ما رفعتهما عنه. فلما رأى ذلك قريش ابن الحريش قال: لا تقتل أبي وأنا أدلك على يحيى. فدله عليه فأخذه وحبسه. وكتب نصر إلى الوليد يخبره به. فكتب إليه الوليد بأمره أن يؤمنه ويخلي سبيله وسبيل أصحابه. فأطلقه نصر، وأمره أن يلحق بالوليد، وأمر له بألفي درهم.\rفسار إلى سرخس وأقام بها. فكتب نصر إلى عبد الله بن قيس ابن عباد يأمره أن يسيره عنها.\rفسار حتى انتهى إلى بيهق. وخاف أن يغتاله يوسف بن عمر فعاد إلى نيسابور، وبها عمرو بن زرارة، وكان مع يحيى سبعون رجلاً. فرأى يحيى تجاراً فأخذ هو وأصحابه دوابهم، وقالوا: علينا أثمانها. فكتب عمرو بن زرارة إلى نصر يخبره. فكتب إليه نصر يأمره بمحاربته. فقاتله عمرو وهو في عشرة آلاف ويحيى في سبعين رجلاً. فهزمهم يحيى وقتل عمراً، وأصاب دواب كثيرة.\rوسار حتى مر بهراة فلم يعرض لمن بها، وسار عنها. وسرّح نصر ابن سيار سلم بن أحوز في طلب يحيى. فلحقه بالجوزجان فقاتله قتالاً شديداً. فرمى يحيى بسهم فأصاب جبهته: رماه رجل من عذوه يقال له عيسى. وقتل أصحاب يحيى من عند آخرهم. وأخذوا رأس يحيى وسلبوه قميصه.\rفلما بلغ الوليد بن يزيد قتل يحيى، كتب إلى يوسف بن عمر: خذ عجل أهل العراق فأنزله من جذعه - يعني زيداً - وأحرقه بالنار ثم انسفه في اليم نسفاً. فأمر به يوسف فأحرق ثم رضّه وحمله في سفينة. ثم ذراه في الفرات. وأما يحيى فإنه لما قتل صلب بالجوزجان. فلم يزل مصلوباً حتى ظهر أبو مسلم الخراساني واستولى على خراسان، فأنزله وصلى عليه ودفنه. وأمر بالنياحة عليه في خراسان. وأخذ أبو مسلم ديوان بني أمية، وعرف منه أسماء من حضر قتل يحيى. فمن كان حياً قتله، ومن كان ميتاً خلفه في أهله بسوء.\rوكانت أم يحيى بن زيد ريطة بنت عبد الله بن محمد بن الحنفية. وكان مقتل يحيى في سنة خمس وعشرين ومائة.\rهذا ما كان من خبر زيد وابنه يحيى، ثم ظهر عبد الله بن معاوية فكان من خبره ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rعبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب كان ظهوره بالكوفة في سنة سبع وعشرين ومائة، في أيام مروان بن محمد الحمار بن مروان، ودعا إلى نفسه. وكان سبب ذلك أنه قدم على عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والي الكوفة فأكرمه وأجازه، وأجرى عليه وعلى إخوته كل يوم ثلاثمائة درهم. فكانوا كذلك حتى هلك يزيد بن الوليد وبعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك. فلما بلغ خبر بيعتهما إلى الآفاق، فجاءته البيعة. ثم بلغه امتناع مروان بن محمد من البيعة ومسيره من الشام إليهما، فحبس عبد الله بن معاوية عنده، وزاده فيما كان يجريه عليه، وأعده لمروان بن محمد إن هو ظفر بإبراهيم بن الوليد، ليبايع له ويقاتل به مروان. فماج الناس وورد مروان الشام وظفر بإبراهيم. فانهزم إسماعيل بن عبد الله القسري إلى الكوفة مسرعاً، وافتعل كتاباً على لسان إبراهيم بإمرة الكوفة، وجمع اليمانية وأعلمهم ذلك فأجابوه. وامتنع عبد الله بن عمر بن عبد العزيز عنه وقاتله. فلما رأى إسماعيل الأمر كذلك، خاف أن يظهر أمره ويفتضح ويقتل، فقال لأصحابه: إني أكره سفك الدماء فكفوا أيديكم. فكفوا وظهر أمر إبراهيم وهربه.","part":7,"page":14},{"id":3025,"text":"ووقعت العصبية بين الناس. وكان سببها أن عبد الله بن عمر كان قد أعطى مضر وربيعة عطايا كثيرة. ولم يعط جعفر بن نافع بن القعقاع بن شور الذهلي وعثمان بن الخيبري من تيم اللات ابن ثعلبة شيئاً، وهما من ربيعة، فكانا مغضبين. وغضب لهما ثمامة بن حوشب بن رويم الشيباني. وخرجوا من عند عبد الله بن عمر وهو بالحيرة إلى الكوفة، فنادوا: يا آل ربيعة فاجتمعت ربيعة وتنمروا. وبلغ الخبر عبد الله بن عمر فأرسل إليهم أخاه عاصماً. فأتاهم وهم بدير هند. فألقى نفسه بينهم وقال: هذه يدي لكم فاحكموا. فاستحيوا ورجعوا وعظّموا عاصماً وشكروه. فلما كان المساء، أرسل عبد الله بن عمر إلى عمر بن الغضبان بن القبعثري بمائة ألف، فقسمها في قومه بني همام بن مرّة بن ذهل الشّيباني، وإلى ثمامة بن حوشب بمائة ألف، فقسمها في قومه. وأرسل إلى جعفر بن نافع بمال، وإلى عثمان بن الخيبري بمال.\rفلما رأى الشيعة ضعف عبد الله بن عمر، طمعوا فيه ودعوا إلى عبد الله بن معاوية. واجتمعوا في المسجد، ودعوا إلى عبد الله ابن معاوية، وأخرجوه من داره، ثم أدخلوه القصر. ومنعوا عاصم ابن عمر عن القصر فلحق بأخيه بالحيرة. وجاء ابن معاوية الكوفيون وبايعوه، فيهم عمر بن الغضبان ومنصور بن جمهور وإسماعيل بن عبد الله القسري أخو خالد. وأقام أياماً يبايعه الناس وأتته البيعة من المدائن وفم النيل.\rواجتمع إليه الناس، فخرج إلى عبد الله بن عمر بالحيرة.\rفقيل لابن عمر: قد أقبل ابن معاوية في الخلق. فأطرق رأسه علياً. وأتاه رئيس خبازيه فأعلمه بإدراك الطعام. فأمر بإحضاره، فأكل هو من معه وهو غير مكترث، والناس يتوقعون أن يهجم عليهم ابن معاوية. وفرغ من طعامه وأخرج المال وفرقه في قواده. ثم دعا مولى له كان يتبرك به ويتفاءل باسمه، كان اسمه إما ميموناً وإما رباحاً أو فتحاً أو اسماً يتبّرك به. فأعطاه اللواء وقال: امض به إلى موضع كذا فاركزه، وادع أصحابك، وأقم حتى آتيك. ففعل.\rوخرج عبد الله فإذا الأرض بيضاء من أصحاب ابن معاوية. فأمر عبد الله بن عمر منادياً ينادي: من جاء برأس فله خمسمائة. فأتي برؤوس كثيرة وهو يعطي ما ضمن.\rوبرز رجل من أهل الشام، فبرز إليه القاسم بن عبد الغفار العجلي. فسأله الشامي فعرفه. وقال: قد ظننت أنه لا يخرج إليّ إلا رجل من بكر بن وائل. والله، ما أريد قتالك ولكني أحببت أن ألقي إليك حديثاً أخبرك أنه ليس معكم رجل من أهل اليمن لا إسماعيل ولا منصور ولا غيرهما إلا وقد كاتب ابن عمر، وكاتبته مضر. وما أرى لكم يا ربيعة كتاباً ولا رسولاً وأنا رجل من قيس، فإن أردتم الكتاب أبلغته. ونحن غدا بإزائكم، فإنهم اليوم لا يقاتلوننكم. فبلغ الخبر ابن معاوية فأخبر عمر بن الغضبان. فأشار عليه أن يستوثق من إسماعيل ومنصور وغيرهما، فلم يفعل.\rوأصبح الناس \" من \" الغد غادين على القتال. فحمل عمر بن الغضبان على ميمنة ابن عمر، انكشفوا. ومضى إسماعيل ومنصور من فورهما إلى الحيرة. فانهزم أصحاب ابن معاوية إلى الكوفة وابن معاوية معهم. فدخلوا القصر. وبقي من بالميسرة من ربيعة ومضر، ومن بإزائهم من أصحاب ابن عمر. فقالوا لعمر بن الغضبان: ما كنا نأمن عليكم ما صنع الناس بكم، فانصرفوا. وقال ابن الغضبان: لا أبرح حتى أقتل. فأخذ أصحابه بعنان دابته فأدخلوه الكوفة.\rفلما أمسوا قال لهم ابن معاوية: يا معشر ربيعة، قد رأيتم ما صنع الناس بنا، وقد أعقلنا دماءنا في أعناقكم. فإن قاتلتم قاتلنا معكم وإن كنتم ترون الناس يخذلوننا وإياكم، فخذوا لنا ولهم أماناً. فقال له عمر بن الغضبان: إما أن نقاتل معك وإما أن نأخذ لكم أماناً كما نأخذ لأنفسنا فطيبوا نفساً. فأقاموا في القصر والزيدية على أفواه السكك يقاتلون أصحاب ابن عمر أياماً. ثم إن ربيعة أخذت أماناً لابن معاوية ولأنفسهم وللزيدية \" ليذهبوا \" حيث شاءوا.\rوسار ابن معاوية من الكوفة فنزل المدائن، فأتاه قوم من أهل الكوفة. فخرج بهم فغلب على حلوان والجبال وهمذان وأصفهان والري. وخرج إليه عبيد أهل الكوفة.\rغلبته على فارس وأخذها منه وقتله","part":7,"page":15},{"id":3026,"text":"كانت غلبة عبد الله بن معاوية على فارس في سنة تسع وعشرين ومائة. وذلك أنه لما غلب على ما ذكرناه أقام باصبهان. وكان محارب بن موسى مولى بني يشكر عظيم القدر بفارس.. فجاء إلى دار الإمارة باصطخر، فطرد عامل ابن عمر عنها. وبايع الناس لعبد الله بن معاوية. وخرج محارب إلى كرمان فأغار عليها. وانضم إلى محارب قواد من أهل الشام. فسار إلى سليم بن المسيب، وهو عامل ابن عمر بشيراز، فقتله في سنة ثمان وعشرين ومائة، ثم خرج محارب إلى أصبهان إلى عبد الله بن معاوية، فحوله إلى اصطخر.\rفاستعمل عبد الله أخاه الحسن على الجبال. وأقبل معه إلى اصطخر، فأقام بها. وأتاه الناس: بنو هاشم وغيرهم، وجبى المال، وبعث العمال. وكان معه منصور بن جمهور وسليمان بن هشام بن عبد الملك، وأتاه شيبان بن عبد العزيز الحروري الخارجي، وكان قد خرج في جموع كثيرة، كما ذكرنا في أخباره فلم يتفق بينهما أمر. وأتاه أبو جعفر المنصور وعبد الله وعيسى بن علي.\rفلما قدم ابن هبيرة على العراق أرسل نباتة بن حنظلة الكلابي إلى عبد الله بن معاوية. وبلغ سليمان بن حبيب أن ابن هبيرة استعمل نباتة على الأهواز، فسرح داود بن حاتم بكربج دينار ليمنع نباتة من الأهواز. فقاتلة فقتل داود. وهرب سليمان من الأهواز إلى نيسابور وفيها الأكراد وقد غلبوا عليها. فقاتلهم سليمان فطردهم عن نيسابور وكتب إلى ابن معاوية بالبيعة.\rثم إن محارب بن موسى اليشكري نافر ابن معاوية وفارقه. وجمع جمعاً وأتى نيسابور. فقاتله يزيد بن معاوية، فانهزم محارب. وأتى كرمان، فأقام بها حتى قدم محمد بن الأشعث فصار معه. ثم نافره فقتله ابن الأشعث وأربعةً وعشرين ابناً له.\rولم يزل عبد الله بن معاوية باصطخر حتى أتاه داود بن ضبارة مع داود بن يزيد بن عمر بن هبيرة. وسير ابن هبيرة أيضاً معن ابن زائدة من وجه آخر، فقاتلهم معن عند مرو الشاذان، ومعن يقول:\rليس أمير القوم بالخب الخدع ... فر من الموت وفي الموت وقع\rوانهزم ابن معاوية فكف معن عنهم. وقتل في المعركة رجل من آل أبي لهب، وكان يقتل رجل من بني هاشم بمرو الشاذان. وأسروا أسرى كثيرة، وقتل ابن ضبارة منهم عدة كثيرة: وهرب منصور بن جمهور إلى السند، وعبد الرحمن بن يزيد إلى عمان، وعمرو بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان إلى مصر وبعث ببقية الأسرى إلى ابن هبيرة فأطلقهم.\rومضى ابن معاوية إلى خراسان. فسار معن بن زائدة يطلب منصور بن جمهور فلم يدركه، فرجع. وكان مع ابن معاوية من الخوارج وغيرهم خلق كثير، فأسر منهم أربعون ألفاً، وكان ممن أسر عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس فسبّه ابن ضبارة وقال: ما جاء بك إلى ابن معاوية وقد عرفت خلافة أمير المؤمنين فقال: كان عليّ دين فأتيته فشفع فيه حرب بن قطن الهلالي وقال: هو ابن أختنا فوهبه له. فعاب عبد الله بن علي عبد الله بن معاوية ورمى أصحابه باللواط فسيّره ابن ضبارة إلى ابن هبيرة ليخبره أخبار ابن معاوية.\rوسار في طلب عبد الله بن معاوية إلى شيراز فحصره بها. فخرج عبد الله منها هارباً ومعه أخواه الحسن ويزيد ابنا معاوية وجماعة من أصحابه. وسلك المفازة على كرمان. وقصد خراسان طمعا في أبي مسلم لأنه يدعو إلى الرّضا من آل محمد، وقد استولى على خراسان. فوصل إلى نواحي هراة وعليها أبو نصر مالك بن الهيثم الخزاعي. فأرسل إلى ابن معاوية يسأله عن قدومه، فقال: بلغني أنكم تدعون إلى الرضا من آل محمد فأرسل إليه مالك: انتسب نعرفك. فانتسب له فقال: أما عبد الله وجعفر فمن أسماء آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما معاوية فلا نعرفه في أسمائهم. فقال: إن جدي كان عند معاوية بن أبي سفيان لما وُلد له أبي، فطلب إليه أن يسمي ابنه باسمه، ففعل، فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم. فأرسل إليه مالك: لقد اشتريتم الاسم الخبيث بالثمن اليسير، ولا نرى لك حقاً فيما ندعو إليه ثم أرسل إلى أبي مسلم يعرفه خبره. فأمره بالقبض عليه وعلى من معه، فقبض عليهم وحبسوا. ثم ورد عليه كتاب أبي مسلم يأمره بإطلاق الحسن ويزيد ابني معاوية وقتل عبد الله بن معاوية. فأمر من وضع فراشاً على وجهه. فمات وأخرج فصلى عليه ودفن.\rوكان عبد الله بن معاوية شاعراً مجيداً. فمن قوله:\rولا تركبّن الصّنيع الذي ... تلوم أخاك على مثله","part":7,"page":16},{"id":3027,"text":"ولا يعجبنك قول امرىء ... يخالف ما قال في فعله\rفهؤلاء الذين ظهروا من الطالبيين في الدولة الأموية وقتلوا. ثم ظهر في الدولة العباسية من نذكرهم إن شاء الله تعالى، والله أعلم بالصواب. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.\r////محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب وأخوه إبراهيم ونحن نذكر سبب ظهورهما وما كان من أمرهما وما اتفق لأولاد الحسن رضي الله عنه بسبب ذلك، ثم نذكر ظهور محمد وما اتفق له. إلى أن قتل، وظهور إبراهيم بعده، وما كان من خبره وحروبه ومقتله، وما يتصل بذلك فنقول: كان سبب ظهورهما أن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين ابن على هذا، كما يدعي أن أبا جعفر المنصور كان ممن بايعه، لما تشاور بنو هاشم بمكة فيمن يعقدون له الخلافة، عند اضطراب أمر مروان بن محمد الحمار، فلما قامت الدولة العباسية وبويع السفاح، واتفق حج المنصور في سنة ست وثلاثين ومائة سأل عنهما، فقال له زياد بن عبيد الله الحارثي: ما يهمك من أمرهما؟ أنا آتيك بهما، وكان معه بمكة، فرده المنصور إلى المدينة، فلما استخلف المنصور لم يكن همه إلا أمر محمد، والمسألة عنه وما يريد، فدعا بني هاشم رجلاً رجلاً يسأل كل واحد سراً عنه، فكلهم يقول قد علم أنك عرفته بطلب هذا الأمر، فهو يخافك على نفسه، وهو لا يريد لك خلافاً، وما أشبه هذا الكلام، إلا الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب فإنه أخبره خبره، وقال: والله ما آمن وثوبه عليك، فإنه لا ينام عنك، فأيقظ بكلامه من لم ينم عنه، وزاده ذلك حرصاً على طلبه، وشدة في طلبه، وكان موسى بن عبد الله بن حسن يقول بعد ذلك: اللهم اطلب حسن بن زيد بدمائنا.\rثم ألح المنصور على عبد الله بن حسن في إحضار ابنه محمد سنة حج، فقال عبد الله لسليمان بن علي بن عبد الله بن عباس: يا أخي بيننا من الصهر والرحم ما تعلم، فما ترى؟ فقال سليمان: والله لكأني أنظر إلى أخي عبد الله بن علي حين حال الستر بيننا وبينه، وهو يشير إلينا، إن هذا الذي فعلتم بي، فلو كان المنصور عافياً على أحد عفا عنه عمه، يشير إلى خبر المنصور لما حبس عمه عبد الله بن علي، فقيل عبد الله بن حسن رأى، سليمان، وعلم أنه قد صدقه ولم يظهر ابنه.","part":7,"page":17},{"id":3028,"text":"ثم شرع المنصور في إعمال الفكرة، والتوصل إلى أن يطلع على حقيقة خبر محمد بن عبد الله، وجعل عليه العيون والمراصد، وتوصل بكل طريق، حتى إنه اشترى رقيقاً من رقيق الأعراب، وأعطى الرجل منهم البعير، والرجل البعيرين، والرجل الزود، وفرقهم في طلب محمد في ظهر المدينة، فكان الرجل منهم يرد الماء كالمار وكالضال فيسألون عنه، وبعث المنصور عيناً وكتب معه كتاباً على ألسن الشيعة إلى محمد، يذكرون طاعتهم ومسارعتهم، وبعث معه بمال وألطاف، فقدم الرجل المدينة فدخل على عبد الله بن حسن، وسأله عن ابنه محمد فكتم خبره، فتردد إليه الرجل وألحّ في المسألة فذكر له أنه في جبل جهينة، وقال له: أمرر بعلي بن حسن، الرجل الصالح الذي يدعى الأغرّ، وهو بذي الإبر، فهو يرشدك إليه، فأتاه فأرشده، وكان للمنصور كاتب على سره يتشيع، فكتب إلى عبد الله بن حسن يخبره بخبر ذلك العين، فلما قدم الكتاب ارتاع له، وبعث إلى محمد ابنه وإلى علي بن حسن يحذرهما الرجل، وأرسل بذلك أبا هبار، فخرج أبو هبار فنزل بعلي بن حسن وأخبره، ثم سار إلى محمد بن عبد الله في موضعه الذي هو به، فإذا هو جالس في كهف ومعه جماعة من أصحابه، وذلك العين معهم أعلاهم صوتاً وأشدهم انبساطاً، فلما رأى أبا هبار خافه، فقال أبو هبار لمحمد: إن لي حاجة، فقام معه فأخبره الخير، قال: فما الرأي؟ قال: أرى إحدى ثلاث، قال: وما هي؟ قال: تدعني أقتل هذا الرجل، قال: ما أنا بمقارف دماً إلا مكرهاً، قال: أثقله حديداً، وتنقله معك حيث تنقلت، قال: وهل بنا فراغ مع الخوف والإعجاب؟ قالو: قام بركوة فيها ماء وتوارى، فطلبوه فلم يجدوه فكأن الأرض التأمت عليه، وسعى على قدميه حتى اتصل بالطريق، فمر به أعرابي معه حمولة إلى المدينة، فقال له: فرّغ هذه الغرارة وأدخلنيها أكن عدلاً لصاحبتها، ولك كذا وكذا ففعل، وحمله حتى أقدمه المدينة، ثم قدم على المنصور فأخبره الخبر كله، ونسي إسم أبي هبار وكنيته، فقال: وبر، فكتب أبو جعفر في طلب وبر المري، فحمل إليه فسأله عن قصة محمد، فحلف أنه لا يعرف من ذلك شيئاً، فأمر به فضرب سبعمائة سوط، وحبس حتى مات المنصور.","part":7,"page":18},{"id":3029,"text":"ثم أحضر المنصور عقبة بن سلم الأزدى، فقال له: إني أريدك لأمر أنا به معنى، لم أزل أرتاد له رجلاً عسى أن تكونه، وإن كفيتنيه رفعتك؟ فقال: أرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين في، قال: فاخف شخصك واستر أمرك، وأتني يوم كذا وكذا في وقت كذا، فأتاه في ذلك الوقت، فقال له: إن بنى عمنا قد أبو إلا كيداً لملكنا واغتيالاً له، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا، يكاتبونهم ويرسلون إليهم بصدقات أموالهم وألطاف من ألطاف بلادهم، فاخرج بكتبي وبمال وألطاف، حتى تأتيهم متنكراً بكتاب تكتبه عن أهل هذه القرية، ثم تعلم حالهم فإن كانوا نزعوا عن رأيهم فأحبب والله بهم وأقرب، وإن كانوا على رأيهم علمت ذلك وكنت على حذر، فاشخص حتى تلقى عبد الله ابن حسن متخشعاً متقشفاً، فإن جبهك - وهو فاعل - فاصبر وعاوده، حتى يأنس بك وتلين لك ناحيتك، فإذا ظهر لك ما قبله فعجل إلى؛ فشخص عقبة حتى قدم على عبد الله بن حسن، فلقيه بالكتاب فأنكره ونهره، وقال: ما أعرف هؤلاء القوم، فلم يزل يتردد إليه حتى قبل كتابه وألطافه وأنس به، فسأله عقبة الجواب فقال: أما الكتاب فإني لا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فأقرهم السلام وأعلمهم أن ابني خارجان لوقت كذا وكذا، فرجع عقبة إلى المنصور وأعلمه الخبر، فأنشأ المنصور الحج، وقال لعقبة: إذا لقيني بنو حسن فيهم عبد الله بن حسن، فأنا مكرمه ورافع مجلسه وداع بالغذاء، فإذا فرغنا من طعامنا فلحظتك فامثل بين يديه قائماً، فإنه سيصرف بصره عنك، فاستدر حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك، حتى يملأ عينه منك ثم حسبك، وإياك أن يراك ما دام يأكل؛ وخرج المنصور إلى الحج، فلما لقيه بنو الحسن أجلس عبد الله إلى جانبه، ثم دعا بالغداء فأصابوا منه ثم رفع، فأقبل المنصور على عبد الله بن حسن فقال له: قد علمت ما أعطيتني من العهود والمواثيق ألا تبغني سوءاً، ولا تكيد لي سلطاناً، قال: فأنا على ذلك يا أمير المؤمنين، فلحظ المنصور عقبة بن سلم، فاستدار حتى وقف بين يدي عبد الله، فأعرض عنه، فاستدار حتى قام وراء ظهره فغمزه بإصبعه، فرفع رأسه فملأ عينه منه، فوثب حتى قعد بين يدي المنصور، وقال: أقلني يا أمير المؤمنين أقالك الله، قال: لا أقالني الله إن أقلتك، ثم أمر بحبسه.\rوكان محمد قد قدم قبل ذلك البصرة فنزلها في بني راسب، يدعو إلى نفسه، وقيل نزل على عبد الله بن شيبان - أحد بني مرة بن عبيد، ثم خرج منها، فبلغ المنصور مقدمة البصرة، فسار إليها مجدان، فلقيه عمر بن عبيد، فقال له: يا أبا عثمان، هل بالبصرة أحد نخافه على أمرنا، قال: لا، قال: فاقتصر على قولك وأنصرف؟ قال: نعم، وكان محمد قد سار عنها قبل مقدم المنصور، فرجع المنصور واشتد الخوف على محمد وإبراهيم ابني عبد الله، فخرجا حتى أتيا عدن، ثم صار إلى السند ثم إلى الكوفة ثم إلى المدينة.\rوكان المنصور حج سنة أربعين ومائة، فقسم أموالاً عظيمة في آل أبي طالب، فلم يظهر محمد وإبراهيم، فسأل أباهما عبد الله عنهما فقال: لا أعلم لي بهما، فتغالظا فأمصه المنصور، فقال امصص كذا وكذا من أمك! ! فقال عبد الله: يا أبا جعفر بأي أمهاتي تمصني! ! أبفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ! أم بفاطمة بنت الحسين بن علي؟ ! أم بأم إسحاق بنت طلحة؟ ! أم بخديجة بنت خويلد؟ ! قال لا بواحدة منهن، ولكن بالجرباء بنت قسامة بن زهير، وهي امرأة من طيء، فقال المسيب بن زهير: يا أمير المؤمنين دعني أضرب عنق ابن الفاعلة، فقام زياد بن عبيد الله فألقى عليه رداءه، وقال: هبه لي يا أمير المؤمنين، فأنا أستخرج لك ابنيه، فخلصه.","part":7,"page":19},{"id":3030,"text":"وكان محمد وإبراهيم ابنا عبد الله قد تغيبا حين حج المنصور سنة أربعين ومائة عن المدينة، وحجا أيضاً، فاجتمعوا كلهم بمكة وأرادوا اغتيال المنصور، فقال لهم الأشتر عبد الله بن محمد: أنا أكفيكموه، فقال محمد: لا والله لا أقتله علية أبداً حتى أدعوه، فنقض ما كانوا أجمعوا عليه، وكان قد دخل معهم قائد من قواد المنصور من أهل خراسان - اسمه خالد بن حسان يدعى أبا العساكر - على ألف رجل، فنمى الخبر إلى المنصور فطلب القائد فلم يظفر به، وظفر بأصحابه فقتلهم، وأما القائد فإنه لحق بمحمد بن عبد الله فسيره إلى خراسان، ومعه ابنه عبد الله بن محمد، ثم إن المنصور حث زياد بن عبيد الله على طلب محمد وإبراهيم، فضمن له وذلك ووعده به، فقدم محمد بن عبد الله المدينة قدمة، فبلغ ذلك زياداً فتلطف له وأعطاه الأمان، على أن يظهر وجهه للناس، فوعده محمد ذلك، فركب زياد مغلساً ووعد محمداً سوق ظهر، وركب محمد فتصايح الناس: يا أهل المدينة، المهدي المهدي، فوقف هو وزياد فقال زياد: يا أيها الناس هذا محمد بن عبد الله بن حسن، ثم قال: الحق بأي بلاد الله شئت، فتوارى محمد؛ وسمع المنصور الخبر فأرسل أبا الأزهر في جمادي الآخرة سنة إحدى وأربعين ومائة إلى المدينة، وأمره: أن يستعمل على المدينة عبد العزيز بن المطلب، وأن يقبض زياداً وأصحابه ويسير بهم إليه، فقدم أبو الأزهر المدينة ففعل ما أمره، وأخذ زياداً وأصحابه وسار بهم نحو المنصور، وخلف زياد ببيت مال المدينة ثمانين ألف دينار، فسجنهم المنصور ثم من عليهم بعد ذلك.\rواستعمل المنصور على المدينة محمد بن خالد بن عبد القسري، وأمره بطلب محمد بن عبد الله وبسط يده بالنفقة في طلبه، فقدم المدينة في شهر رجب سنة إحدى وأربعين ومائة، فأخذ المال، ورفع في محاسبته أموالاً كثيرة أنفقها في طلب محمد، فاستبطأه المنصور وأتهمه، فكتب إليه يأمره بكشف المدينة وأعراضها، فطاف ببيوت الناس فلم يجد محمداً، فلما رأى المنصور ما قد أخرج من الأموال ولم يظفر بمحمد استشار أبا السعلاء - رجلاً من قيس عيلان - في أمر محمد وأخيه، فقال: أرى أن تستعمل رجلاً من ولد الزبير أو طلحة فإنهم يطلبونهما بذحل، ويخرجونهما إليك، فقال: قاتلك الله، ما أجود ما رأيت! ! والله ما خفي على هذا، ولكني أعاهد الله ألا أنتقم من بني عمي وأهل بيتي بعدوي وعدوهم، ولكني أبعث عليهم صعيليكاً من العرب يفعل بهم ما قلت، فاستشار يزيد بن أسيد السلمي، وقال له: دلني على فتى مقل من قيس أغنية وأشرفه، وأمكنه من سيد اليمن - يعني ابن القسري - وقال: نعم، رياح بن عثمان بن حيان المري، فسيره المنصور أميراً على المدينة في شهر رمضان سنة أربع وأربعين ومائة؛ وقيل إن رياحاً ضمن للمنصور أن يخرج محمداً وإبراهيم ابني عبد الله، إن استعمله على المدينة، فاستعمله عليها، فسار حتى دخلها، فلما دخل دار مروان، وهي التي كان ينزلها الأمراء قال لحاجب كان له، يقال له أبو البختري، هذه دار مروان؟ قال: نعم، قال أما إنها محلال مظعان، ونحن أول من يظعن منها، فلما تفرق الناس عنه قال لحاجبه أبي البختري: خذ بيدي فدخل على هذا الشيخ - يعني عبد الله بن الحسن - فدخلا عليه، فقال له رياح: أيها الشيخ، إن أمير المؤمنين - والله - ما استعملني لرحم قريبة، ولا ليد سلفت إليه مني، والله لا لعبت بي كما لعبت بزياد وابن القسري، والله لأزهقن نفسك أو لتأتيني بابنيك محمد وإبراهيم، فرفع عبد الله رأسه إليه وقال نعم، أما والله إنك لأزيرق قيس المذبوح فيها كما تذبح الشاة، قال، أبو البختري: فانصرف - والله - رياح آخذاً بيدي أجد برديدة، وإن رجليه لتخطان الأرض مما كلمه، قال: فقلت له: إن هذا ما اطلع على الغيب، قال: أيهاً ويلك، فو الله ما قال إلا ما سمع، فذبح كما تذبح الشاة، ثم إنه دعا القسري وسأله عن الأموال، فضربه وسجنه، وجد رياح في طلب محمد، فأخبر أنه في شعب من شعاب رضوى، جبل جهينة، وهو في عمل ينبع، فأمر عامله بطلب محمد، فطلبه بالخيل والرجل، ففزع منه محمد فهرب راجلاً فأفلت، وله ابن صغير ولد في خوفه ذلك، وهو مع جارية له، فسقط من الجبل فتقطع، فقال محمد:\rمنخرق السربال يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد\rشرده الخوف فأزرى به ... كذاك من يكره حر الجلاد","part":7,"page":20},{"id":3031,"text":"قد كان في الموت له راحةٌ ... والموت حتم في رقاب العباد\rقال: وبينا رياح يسير بالحرة إذ لقي محمداً، فعدل محمد إلى بئر هناك فجعل يستقي، فقال رياح: قاتله الله أعرابياً ما أحسن ذراعه.\rحبس أولاد الحسن\rقد ذكرنا أن المنصور حبس عبد الله بن حسن، وقيل إن رياحاً هو الذي حبسهم، حكى عن على بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي أنه قال: حضرنا باب رياح في المقصورة، فقال الآذن: من كان ههنا من بني حسن فليدخل، فدخلوا من باب المقصورة، وخرجوا من باب مروان، ثم قال: من كان ههنا من بني حسن فليدخل، فدخلوا من باب المقصورة، ودخل الحدادون من باب مروان، فدعا بالقيود فقيدهم وحبسهم، وكانوا: عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن علي، وحسن وإبراهيم ابني حسن، وحسن بن جعفر بن حسن ابن حسن، وسليمان وعبد الله ابني داود بن حسن بن حسن، ومحمد وإسماعيل وإسحاق بني إبراهيم بن حسن بن حسن، وعباس ابن حسن بن حسن، فلما حبسهم لم يكن فيهم على بن حسن بن حسن بن على العابد، فلما كان الغد بعد الصبح وإذا برجل قد أقبل متلففاً، فقال له رياح:مرحباً بك ما حاجتك؟ قال: جئتك لتحبسني مع قومي، فإذا هو على بن حسن بن حسن، فحبسه معهم.\rوكان محمد قد أرسل ابنه علياً إلى مصر يدعو إليه، فبلغ خبره عامل مصر، وقيل له إنه على الوثوب بك، والقيام عليك بمن شايعه، فقبضه وأرسله إلى المنصور، فاعترف له وسمى أصحاب أبيه، وكان فيمن سمى عبد الرحمن بن أبي الموال وأبو جبير، فضربهما المنصور وحبسهما وحبس علياً، فبقي محبوساً إلى أن مات؛ وكتب المنصور إلى رياح أن يحبس معهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان المعروف بالديباج، وكان أخا عبد الله بن حسن بن حسن لأمه - أمهما جميعاً فاطمة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهما؛ فأخذه معهم، وقيل إن المنصور حبس عبد الله بن حسن بن حسن على وحده وترك باقي أولاد حسن، فترك حسن بن حسن بن حسن خضابه حتى نصل حزناً على أخيه عبد الله، فكان المنصور يقول: ما فعلت الحادة؟ ومر حسن بن حسن بن حسن على إبراهيم بن حسن وهو يعلف إبلاً فقال: أتعلف إبلك وعبد الله محبوس! ! يا غلام - أطلق عقلها ففعل، ثم صاح في أدبارها فلم يوجد منها بعير، فلما طال حبس عبد الله بن حسن قال عبد العزيز بن سعيد للمنصور: أتطمع في خروج محمد وإبراهيم وبنو حسن مخلون؟ ! والله للواحد منهم أهيب في صدور الناس من الأسد، فكان ذلك سبب حبس الباقين في سنة أربع وأربعين.\rحملهم إلى العراق\rقال المؤرخ: ولما حج المنصور في سنة أربع وأربعين ومائة أرسل محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة ومالك بن أنس إلى بني الحسن وهم في الحبس، يسألهم أن يدفعوا إلى محمداً وإبراهيم ابني عبد الله، فدخلا عليهم وعبد الله قائم يصلي فأبلغاهم الرسالة، فقال حسن بن حسن أخو عبد الله: هذا عمل ابني المشئومة! ! أما والله ما هذا عن رأينا ولا عن ملأ منا ولا لنا فيه حيلة فقال له أخوه إبراهيم: علام تؤذي أخاك في ابنيه؟ ! وتؤذي ابن أخيك في أمه؟ ! ثم فرغ عبد الله من صلاته فأبلغاه الرسالة، فقال: والله، لا أرد عليكما حرفاً، إن أحب أن يأذن لي فألقاه فليفعل، فانطلق الرسولان إلى المنصور فأبلغاه قوله، فقال: أراد أن يسحرني لا والله لا ترى عينه عيني حين يأتيه بابنيه، وكان عبد الله بن حسن لا يحدث أحداً قط. إلا قتله عن رأيه.","part":7,"page":21},{"id":3032,"text":"ثم سار المنصور لوجهه، فلما حج ورجع لم يدخل المدينة ومضى إلى الربذة، فخرج إليه رياح إلى الربذة فرده إلى المدينة، وأمره بأشخاص بني حسن إليه، ومعهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أخو بني حسن لأمهم، فرجع رياح وأخذهم وسار بهم إلى الربذة، وجعلت القيود في أرجلهم وأعناقهم، وجعلهم في محامل بغير وطاء، ولما خرج بهم رياح من المدينة وقف جعفر بن محمد من خلف ستر يراهم ولا يرونه، وهو يبكي ودموعه تجري على لحيته وهو يدعو الله، ثم قال: والله، لا تحفظ لله حرمه بعد هؤلاء، ولما ساروا كان محمد وإبراهيم ابنا عبد الله يأتيان كهيئة الأعراب، فيسايران أباهما ويستأذنانه في الخروج، فيقول: لاتعجلا حتى يمكنكما ذلك وقال لهما إن منعكما أبو جعفر أن تعيشا كريمين، فلا يمنعكما أن تموتا كريمين، فلما وصلوا إلى الربذة أدخل محمد بن عبد الله العثماني على المنصور، وعليه قميص وإزار رقيق، فلما وقف بين يديه قال: أيها باديوث، قال محمد: سبحان الله! ! والله لقد عرفتني بغير ذلك صغيراً وكبيراً، قال: فممن حملت ابنتك رقية؟ وكانت تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وقد أعطتني الأيمان ألا تغشني، ولا تماليء على عدوا، وأنت ترى ابنتك حاملاً وزوجها غائب! ! فأنت بين أن تكون حانثاً أو ديوثاً، وأيم الله لأهم برجمها، قال محمد: أما أيماني فهي على ، إن كنت دخلت لك في أمر غش علمته، وأما ما رميت به هذه الجارية فإن الله قد أكرمها بولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، ولكني ظننت حين ظهر حملها أن زوجها ألم بها على حين غفلة منا، فاغتاظ المنصور من كلامه، وأمر بشق ثيابه وإزاره فبدت عورته، ثم أمر به فضرب خمسين ومائة سوط، فبلغت منه كل مبلغ والمنصور يفتري عليه لايكني، فأصاب سوط منها وجهه، فقال: ويحك! ! اكفف عن وجهي، فإن له حرمة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأغرى المنصور فقال للجلاد: الرأس الرأس، فضرب على رأسه نحواً من ثلاثين سوطاً، وأصاب إحدى عينيه سوط فسألت، ثم أخرج وكأنه زنجي من الضرب، وكان من أحسن الناس، وكان يكني الديباج لحسنه، فلما أخرج وثب إليه مولى له فقال: ألا أطرح ردائي عليك، قال: بلى جزيت خيراً، والله لشق إزاري أشد على من الضرب. وكان سبب أخذه أن رياحا قال للمنصور: يا أمير المؤمنين، أما أهل خراسان فشيعتك، وأما أهل العراق فشيعة آل أبي طالب، وأما أهل الشام فوالله ما على عندهم إلا كافر، ولكن محمد بن عبد الله العثماني لو دعا أهل الشام ما تخلف عنه منهم أحد، فوقعت في نفس المنصور فأمر به فأخذ معهم، وكان حسن الرأي فيه قبل ذلك.\rثم إن أبا عون كتب إلى المنصور أن أهل خراسان قد تقاعسوا عني، وطال عليهم أمر محمد بن عبد الله العثماني، فأمر المنصور به فقتل، وأرسل رأسه إلى خراسان، وأرسل معه من يحلف أنه رأس محمد بن عبد الله، وأن أمه فاطمة بنت الحسين بن علي، فلما قتل قال أخوه عبد الله، بن الحسن: إنّ لله! ! إن كنا لنأمن به في سلطانهم، ثم قد قتل بنا في سلطاننا. قال: ثم سار بهم المنصور من الربذة فمر بهم وهو على بغلة شقراء، فناداه عبد الله بن حسن: يا أبا جعفر، ماهكذا فعلنا بأسراكم يوم بدر، فأخسأه أبو جعفر وتغل عليه ومضى، فلما قدموا إلى الكوفة قال عبد الله لمن معه: ألا ترون في هذه القرية من يمنعنا من هذا الطاغية! ! قال: ، فلقيه الحسن وعلى ابنا حي مشتملين على سيفين، فقالا له: قد جئناك يا ابن رسول الله، فمرنا بالذي تريد، قال: قد قضيتما ما عليكما، ولن تغنيا في هؤلاء شيئاً فانصرفا، فانصرفا، ثم إن المنصور أودعهم بقصر ابن هبيرة شرقي الكوفة، وأحضر المنصور محمد بن إبراهيم بن حسن، وكان أحسن الناس صورة، فقال له: أنت الديباج الأصغر؟ قال: نعم، قال: لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحدا، ثم أمر به فبنى عليه أسطوانة وهو حي، فمات فيها، وهو أول من مات منهم، ثم عبد الله بن حسن، ثم مات علي بن حسن؛ وقيل إن المنصور أمر بهم فقتلوا، وقيل بل أمر بهم فسقوا السم، وقيل وضع المنصور على عبد الله من قال له: إن ابنه محمداً قد خرج وقتل، فانصدع قلبه فمات والله أعلم، ولم ينج منهم إلا سليمان وعبد الله ابنا داود بن حسن بن حسن، وجعفر بن حسن، وبقيتهم ماتوا في حبس المنصور.\rمحمد بن عبد الله ابن حسن بن الحسن بن على بن أبي طالب","part":7,"page":22},{"id":3033,"text":"كان ظهوره بالمدينة لليلتين بقيتا من جمادي الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل بل كان في رابع عشر رمضان منها. وكان سبب خروجه أن المنصور لما حمل أهله إلى العراق، وسار من الربذة، ردّ رياحاً إلى المدينة أميراً عليها، فألح في طلب محمد، وأرهقه الطلب يوما فتدلى في بئر في المدينة ، يناول أصحابه الماء، وانغمس في الماء إلى حلقه، وكان بدنه لايخفى لعظمه، وبلغ رياحاً خبره أنه بالمذاد، فركب نحوه في جنده، فتنحى محمد عن طريقه واختفى في دار الجهنية، فحيث لم يره رياح رجع إلى دار مروان، فلما اشتد الطلب على محمد خرج قبل وقته، وكان قد واعد أخاه إبراهيم أنه يخرج لوقت عينه بالمدينة، ويخرج إبراهيم بالبصرة، وقيل بل خرج لميعاده مع أخيه، وإنما أخوه تأخر لجدري لحقه.\rوكان عبيد الله بن عمرو بن أبي ذؤيب وعبد الحميد بن جعفر يقولون لمحمد بن عبد الله: ماتنتظر بالخروج؟ ف الله ما على هذه الأمة انتقام منك، اخرج ولو لوحدك، فحركه ذلك للخروج أيضاً، وأتى رياحاً الخبر: أن محمداً خارج الليلة، فأحضر محمد ابن عمران بن إبراهيم بن محمد قاضى المدينة والعباس بن عبد الله ابن الحارث بن العباس وغيرهما عنده، فصمت طويلا ثم قال لهم: يا أهل المدينة؛ أمير المؤمنين يطلب محمداً في شرق الأرض وغربها، وهو بين أظهركم، أقسم بالله: لئن خرج لأقتلنكم أجمعين، وقال لمحمد بن عمران: أنت قاضي أمير المؤمنين فادع عشيرتك، فجمع بني زهرة فجاءوا في جمع كبير، فأجلسهم بالباب، وأرسل فأخذ نفرا من العلويين وغيرهم، فيهم: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وحسين بن علي بن حسين بن علي، وحسن بن علي بن حسين بن علي، ورجال من قريش فيهم: إسماعيل بن أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة وابنه خالد، فبيناهم عنده إذ ظهر محمد فسمعوا التكبير، فقال ابن مسلم بن عقبة المري: أطعني في هؤلاء واضرب أعناقهم، فقال له الحسين بن علي بن الحسين بن علي: والله، ما ذاك إليك، إنا لعلى السمع والطاعة، وأقبل محمد من المذاد في مائة وخمسين رجلاً في بني سلمة تفاؤلاً بالسلامة، وقصد السجن فكسر بابه وأخرج من فيه، وممن كان فيه محمد بن خالد بن عبد الله القسري وابن أخيه النذير بن يزيد ورزام فأخرجهم، وجعل على الرجالة خوات بن بكير بن خوات بن جبير، وأتى دار الإمارة وهو يقول لأصحابه: لاتقتلوا لاتقتلوا، فامتنع منهم رياح فدخلوا من باب المقصورة، وأخذوا رياحاً أسيراً وأخاه عباساً وابن مسلم ابن عقبة المري، فحبسهم في دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد فصعد المنبر، فحمد الله واثني عليه ثم قال: أما بعد فإنه قد كان من أمر هذا الطاغية - عدو الله أبي جعفر - ؛ ما لم يخف عليكم، من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندة لله في ملكه، وتصغيراً للكعبة الحرام، وإنما أخذ الله فرعون حين قال، أنا ربكم الأعلى، وإن أحق الناس بالقيام في هذا الأمر أبناء المهاجرين والأنصار المواسين، اللهم إنهم قد أحلوا حرامك وحرموا حلالك، وأمنوا من أخفت، وأخافوا من أمنت؛ اللهم فاحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحدا؛ أيها الناس: إني والله ما خرجت بين أظهركم، وأنتم عندي أهل قوة ولا شدة، ولكني اخترتكم لنفسي، والله ما جئت هذه وفي الأرض مصر يعبد الله فيه إلا أخذ لي فيه البيعة.\rوكان المنصور يكتب إلى محمد بن عبد الله على ألسن قواده، يدعونه إلى الظهور ويخبرونه أنهم معه، فكان محمد يقول هذا، ويقول: لو التقينا مال القواد كلهم إلى، واستولى محمداً على المدينة، واستعمل عليها عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومي، وعلى بيت السلاح عبد العزيز الدراوردي، وعلى الشرط أبا القلمس عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر ابن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة؛ وقيل كان على شرطته عبد الحميد بن جعفر فعزله، وأرسل محمد إلى محمد بن عبد العزيز: إن كنت لأظنك ستنصرنا وتقوم معنا، فاعتذر إليه وقال افعل، ثم انسل منه وأتى مكة، ولم يتخلف عن محمد أحد من وجوه الناس، إلا نفر منهم الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن حزام، وعبد الله بن المنذر بن الغيرة بن عبد الله بن خالد، وأبو سلمة بن عبيد الله بن الله بن عمر، وخبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير.","part":7,"page":23},{"id":3034,"text":"وكان أهل المدينة قد استفتوا مالك بن أنس في الخروج مع محمد، وقالوا: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين؛ وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته، وأرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكان شيخاً كبيراً، فدعاه إلى بيعته فقال: يا ابن أخي، أنت والله مقتول فكيف أبايعك! ! فارتدع الناس عنه قليلاً، وكان بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر قد أسرعوا إلى محمد، فأنت حمادة ابنة معاوية إلى إسماعيل بن عبد الله، وقالت له يا عم: إن إخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم، وإنك إن قلت هذه المقالة ثبطت الناس عنهم، فيقتل ابن خالي وإخوتي، فأبى إسماعيل إلا النهي عنه، فيقال إن حمادة عدت عليه فقتلته، فأراد محمد الصلاة عليه فمنعه عبد الله إبن إسماعيل، وقال: أتأمر بقتل أبي وتصلي عليه! ! فنحاه الحرس وصلى عليه محمد.\rولما ظهر محمد كان محمد بن خالد القسري في حبس رياح فأطلقه، قال محمد بن خالد: لما سمعت دعوة محمد إلى دعا إليها على المنبر، قلت: هذه دعوة حق، والله لأبلين الله فيها بلاء حسناً، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك قد خرجت بهذا البلد، والله لو وقف على نقب من أنقابه أحد، مات أهله جوعاً وعطشاً، فانهض معي فإنما هي عشر حتى أضربه بمائة ألف سيف، فأبى علي، فبينما أنا عنده إذ قال: ما وجدنا من حر المتاع شيئاً أجود من شيء وجدناه عند إبن أبي فروة ختن أبي الخصيب، وكان انتهبه، قال، فقلت له: ألا أراك قد أبصرت حر المتاع، فكتبت إلى المنصور فأخبرته بقلة من معه، فأخذني محمد فحبسني حتى أطلقني عيسى بن موسى بعد قتله إياه. وكان رجل من آل أويس بن أبي سرح العامري - عامر بن لؤي - إسمه الحسين بن صخر بالمدينة لما ظهر محمد، فسار من ساعته إلى المنصور فبلغه في تسعة أيام، فقدم ليلا فقام على أبواب المدينة، فصاح حتى علموا به فأدخلوه، فقال له الربيع: ما حاجتك هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم، قال: لا بدلي منه، فدخل الربيع على المنصور فأخبره خبره، وأنه قد طلب مشافهته فأذن له، فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، خرج محمد بن عبد الله بالمدينة، قال: قتلته والله؛ إن كنت صادقاً، قال: أخبرني من معه؟ فسمى له من معه من وجوه أهل المدينة وأهل بيته، قال: أنت رأيته؟ قال: أنا رأيته وعاينته وكلمته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً، فادخله أبو جعفر بيتا، فلما أصبح جاءه رسول لسعيد بن دينار - غلام عيسى ابن موسى يلي أمواله بالمدينة، فأخبره بأمر محمد وتواترت عليه أخباره، فأخرج الأويسي فقال: لأوطئن الرجال عقبيك ولأغنينك، وأمر له بتسعة آلاف درهم، لكل ليلة ألف درهم، وأشفق من محمد، فقال له الحارثي المنجم: يا أمير المؤمنين، ما يجزعك منه؟ ! فوالله لو ملك الأرض ما لبث إلا تسعين يوما، فأرسل المنصور إلى عمه عبد الله بن علي وهو محبوس: إن هذا الرجل قد خرج فإن كان عندك رأى فأشر به علينا، وكان ذا رأى عندهم، فقال: إن المحبوس محبوس الرأي، فأرسل إليه المنصور: لو جاءني حتى يضرب بابي ما أخرجتك، وأنا خير لك منه، وهو ملك أهل بيتك، فأعاد إليه عبد الله: ارتحل الساعة حتى تأتي الكوفة، فاجثم على أكبادهم فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم، ثم احففها بالمسالح، فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه، أو أتاها من وجه من الوجوه، فاضرب عنقه، وابعث إلى سلم بن قتيبة ينحدر إليك وكان بالري، واكتب إلى أهل الشام فمرهم: أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما حمل البريد، فأحسن جوائزهم ووجههم مع سلم، ففعل. وقيل أرسل المنصور إلى عبد الله اخوته يستشيرونه في أمر محمد، وقال لهم: لا يعلم عبد الله أني أرسلتكم إليه، فلما دخلوا عليه قال: لأمر ما جئتم، ما جاء بكم جميعاً وقد هجرتموني جميعاً؟ ! قالوا استأذنا أمير المؤمنين فأذن لنا، قال: ليس هذا بشيء، فما الخبر؟ قالوا: خرج محمد بن عبد الله، قال: فما ترون ابن سلامة صانعاً - يعني المنصور؟ قالوا: لا ندري والله، قال: إن البخل قد قتله، فمروه فليخرج الأموال، وليعط الأجناد، فإن غلب فما أسرع ما يعود إليه ماله، وإن غلب لم يقدم صاحبه على دينار ولا درهم.","part":7,"page":24},{"id":3035,"text":"قال: ولما ورد الخبر على المنصور بخروج محمد، كان قد خط مدينة بغداد بالقصب، فسار إلى الكوفة ومعه عبد الله بن الربيع ابن عبيد الله بن عبد المدان، فقال له المنصور: إن محمداً قد خرج بالمدينة، فقال عبد الله: هلك والله وأهلك، خرج من غير عدد ولا رجال. حدثني سعيد بن عمر بن جعدة المخزومي قال: كنت مع مروان يوم الزاب واقفاً فقال لي مروان: من هذا الذي يقاتلني؟ قلت: عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس، قال: وددت والله أن علي بن أبي طالب يقاتلني مكانه، إن عليا وولده لاحظ لهم في هذا الأمر، وهذا رجل من بني هاشم وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه ريح الشام ونصر الشام، يا ابن جعدة: تدري ما حملني على أن عقدت لعبد الله وعبيد الله بعدي، وتركت عبد الملك وهو أكبر من عبيد الله، قال ابن جعدة: لا، قال: وجدت الذي يلي هذا الأمر عبد الله وعبيد الله، وكان عبيد الله أقرب إلى عبد الله من عبد الملك فعقدت له، فاستحلفه المنصور على صحة ذلك فحلف له فسرى عنه. قال: ولما بلغ المنصور خبر ظهور محمد قال لأبي أيوب وعبد الملك: هل من رجل تعرفانه بالرأي نجمع رأيه إلى رأينا؟ قالا بالكوفة: بديل بن يحيى، وكان السفاح يشاوره، فأرسل إليه، وقال له: إن محمدا قد ظهر بالمدينة! قال: فاشحن الأهواز بالجنود، قال: إنه إنما ظهر بالمدينة، قال: قد فهمت، وإنما الأهواز الباب الذي تؤتون منه، فلما ظهر إبراهيم بالبصرة قال له المنصور ذلك، قال: فعاجله بالجنود واشغل الأهواز عليه، وشاور المنصور أيضاً جعفر بن حنظلة البهراني عند ظهور محمد قال: وجه الجند إلى البصرة، قال: انصرف عني حتى أرسل إليك، فلما صار إبراهيم إلى البصرة أرسل إليه، فقال له ذلك فقال: إياها خفت، بادره بالجنود، قال: وكيف خفت البصرة؟ قال: لأن محمداً ظهر بالمدينة وليسوا أهل حرب، بحسبهم أن يقيموا شأن أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشام أعداء آل أبي طالب، فلم يبق إلا البصرة.\rثم إن المنصور كتب إلى محمد بن عبد الله كتاباً ابتدأه بأن قال: بسم الله الرحمن الرحيم \" إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض \" ، ولك عهد الله وميثاقه وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أؤمنك وجميع ولدك واخواتك وأهل بيتك ومن اتبعكم على دمائكم وأموالكم وأسوغك ما أصبت من دم أو مال وأعطيك ألف ألف درهم، وما سألت من الحوائج وأنزلك من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك؛ وأن أؤمن كل من جاءك وبايعك واتبعك أو دخل في شيء من أمرك، ثم لا أتبع أحداً منهم بشيء كان منه أبدا، فإن أردت أن تتوثق لنفسك فوجه من أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تتوثق به والسلام.","part":7,"page":25},{"id":3036,"text":"فكتب إليه محمد: بسم الله الرحمن الرحيم \" طسم، تلك آيات الكتاب المبين، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون، إن فرعون علافى الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذر أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون؟ وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون \" ، وأنا أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت علي، فإن الحق حقنا، وإنما ادعيتم هذا الأمر لنا، وخرجتم له بشيعتنا، وحظيتم بفضلنا، فإن أبانا عليا كان الوصي، وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء، ثم قد علمت أنه لم يطلب الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا، لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء، وليس يمت أحد من بني هاشم بمثل الذي نمت من القرابة والسابقة والفضل - وإنا بنو أم رسول الله صلى الله عليه وسلم - فاطمة بنت عمرو في الجاهلية، وبنو بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - فاطمة في الإسلام - دونكم إن الله اختارنا واختار لنا، فوالدنا من النبيين محمد صلى الله عليه وسلم أفضلهم، ومن السلف أولهم إسلاما علي بن أبي طالب، ومن الأزواج أفضلهم خديجة الطاهرة، وأول من صلى إلى القبيلة، ومن البنات خيرهن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وإن هاشماً ولد عليا مرتين، وإن عبد المطلب ولد حسناً مرتين، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدني مرتين، من قبل حسن وحسين، وإني أوسط بني هاشم نسباً، وأصرحم أماً وأباً، لم تعرق في العجمة، ولم تنازع في أمهات الأولاد، فمازال يختار لي الآباء والأمهات في الجاهلية والإسلام، حتى اختار لي في النار، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وأهونهم عذاباً في النار، فلك ذمة الله علي، إن دخلت في طاعتي، وأجبت دعوتي،أن أؤمنك على نفسك ومالك، وعلى كل حدث أحدثته، إلا حداً من حدود الله أو حقاً لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمني من ذلك، وأنا أولى بأمر منك وأوفى بالعهد، لأنك أعطيتني من الأمان والعهد ما أعطيته رجلاً قبلي، فأي الأمانات تعطيني؟ أمان ابن هبيرة! ! أم أمان عمك عبد الله بن علي! ! أم أمان أبي مسلم! ! فلما ورد كتابه على المنصور قال له أبو الأيوب المورياني: دعني أجبه عنه، قال: لا، إذا تقارعنا على الأحساب دعني وإياه، ثم كتب إليه المنصور:","part":7,"page":26},{"id":3037,"text":"\" بسم الله الرحمن الرحيم \" أما بعد فقد بلغني كلامك، وقرأت كتابك فإذا جل فخرك بقرابة النساء، لتضل به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبة والأولياء، لأن الله جعل العم أباً، وبدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا، ولو كان اختار الله لهن على قدر قرابتهن، لكانت آمنة أقربهن رحماً، وأعظمهن حق، وأولى من يدخل الجنة غدا، ولكن اختار الله لخلقه على علمه فيما قضى فيهم واصطفائه لهم؛ وأما ما ذكرت من فاطمة أم أبي طالب وولادتها، فإن الله لم يرزق أحداً من ولدها الإسلام، لا بنتاً ولا ابناً، ولو أن رجلاً رزق الإسلام بالقرابة رزقه عبد الله، ولكان أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة، لكن الأمر يختار لدينه من يشاء، قال الله عز وجل \" إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين \" ، ولقد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وله عمومة أربعة، فأنزل الله عز وجل \" وأنذر عشيرتك الأقربين \" ، فأنذرهم ودعاهم فأجاب اثنان أحدهما أبى، وأبى اثنان أحدهما أبوك، فقطع الله ولايتهما منه، فلم يجعل بينه وبينهما إلا ولا ذمة ولا ميراثاً؛ وزعمت أنك ابن أخفع أهل النار عذابا، وابن خير الأشرار، وليس في الكفر بالله صغير، ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير، وليس في الشر خيار، ولا ينبغي لمؤمن - يؤمن بالله - أن يفخر بالنار، وسترد فتعلم، \" وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون \" ؛ وأما أمر حسن وأن عبد المطلب ولده مرتين، وأن النبي ولدك مرتين، فخير الأولين والآخرين رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلده هاشم إلا مرة، ولا عبد المطلب إلا مرة؛ وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسباً وأصرحهم أماً وأباً، وأنه لم تلدك العجم، ولم تعرق فيك أمهات الأولاد، فقد رأيتك فخرت على بني هاشم طراً، فانظر ويحك أين أنت من الله غدا! ! فإنك قد تعديت طورك، وفخرت على من هو خير منك - نفساً وأباً وأولاً وآخراً - إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما خيار بني أبيك خاصة وأهل الفضل منهم إلا بنوا أمهات الأولاد، ما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من علي بن حسين، وهو لأم ولد ولهو خير من جدك حسن بن حسن، وما كان فيكم بعده مثل محمد بن علي، وجدته أم ولد، ولهو خير من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر وجدته أم ولد، وهو خير منك؛ وأما قولك إنكم بنو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقول في كتابه \" ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله . . . . . . \" ، ولكنكم بنو ابنته وإنها لقرابة قريبة، ولكنها لا تجوز الميراث ولا ترث الولاية، ولا تجوز لها الإمامة فكيف يورث بها، ولقد طلبها أبوك بكل وجه، فأخرج فاطمة رضي الله عنها نهاراً ومرضها سراً ودفنها ليلاً، فأبى الناس إلا الشيخين، ولقد جاءت السنة التي لا اختلاف فيها بين المسلمين: أن الجد أبا الأم والخال والخالة لا يورثون؛ وأما ما فخرت به من على وسابقته، فقد حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفاة فأمر غيره بالصلاة ثم أخذ الناس رجلاً بعد رجل فلم يأخذوه، وكان في السنة فتركوه كلهم دفعاً له، ولم يروا له حقا فيها؛ وأما عبد الرحمن فقدم عليه عثمان، وقتل عثمان وهو له متهم، وقاتله طلحة والزبير، وأبى سعد بيعته وأغلق بابه دونه، ثم بايع معاوية بعده؛ ثم طلبها بكل وجه وقاتل عليها، وتفرق عنه أصحابه، وشك فيه شيعته قبل الحكومة، ثم حكم حكمين رضي بهما، وأعطاهما عهد الله وميثاقه، فاجتمعا على خلعه، ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم، ولحق بالحجاز واسلم شيعته بيد معاوية، ودفع الأمر إلى غير أهله، وأخذ مالا من غير حله، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه، ثم خرج عمك حسين على ابن مرجانة، فكان الناس معه عليه، حتى قتلوه وأتوا برأسه إليه؛ ثم خرجتم على بني أمية، فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل، وأحرقوكم بالنيران ونفوكم من البلدان، حتى قتل يحيى بن زيد بخراسان، وقتلوه رجالكم وأسروا الصبية والنساء، وحملوكم بلا وطاء في المحامل، كالسبي المجلوب إلى الشام، حتى خرجنا عليهم وطلبنا بثأركم، وأدركنا بدمائكم وأورثناكم أرضهم وديارهم، وسنينا سلفكم وفضلناه فاتخذت ذلك علينا حجة، وظننت أنا إنما ذكرنا أباك وفضلناه للتقدمة منا له، على حمزة والعباس وجعفر، وليس ذلك كما ظننت، ولكن خرج","part":7,"page":27},{"id":3038,"text":"هؤلاء من الدنيا سالمين، متسلما منهم مجتمعاً عليهم بالفضل، وابتلى أبوك بالقتال والحرب، وكانت بنو أمية تلعنه كما الكفر في الصلاة المكتوبة، فاحتججنا عليهم وذكرناهم فضله، وعنفناهم وظلمناهم بما نالوا منه. ولقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحاج الأعظم وولاية زمزم، فصارت للعباس من بين اخوته، فنازعنا فيها أبوك فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام، ولقد قحط أهل المدينة، فلم يتوسل عمر إلى ربه ولم يتقرب إليه إلا يأبينا، حتى نعشهم الله وسقاهم الغيث، وأبوك حاضر لم يتوسل به، ولقد علمت أنه لم يبق أحد من بني عبد المطلب بعد النبي صلى الله عليه وسلم غيره، فكانت وراثته من عمومته، ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بني هاشم، فلم ينله إلا ولده، فالسقاية سقايته، وميراث النبي صلى الله عليه وسلم له، والخلافة في ولده، فلم يبق شرف ولا فضل في جاهلية ولا إسلام - في دنيا ولا آخرة - إلا والعباس وارثه وموروثه. أما ما ذكرت من بدر فإن الإسلام جاء، والعباس يمون أبا طالب وعياله، وينفق عليهم للأزمة التي أصابته، ولولا العباس أخرج إلى بدر كارهاً لمات طالب وعقيل جوعاً، وللحسا جفان عتبة وشيبة، ولكنه كان من المطعمين، فأذهب عنكم العار والسبة، وكفاكم النفقة والمؤونة، ثم فدا عقيلاً يوم بدر، فكيف تفخر علينا وقد علناكم في الكفر، وفديناكم وحزنا عليكم مكارم الآباء، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه، ولم تدركوا لأنفسكم، والسلام عليكم ورحمة الله.لاء من الدنيا سالمين، متسلما منهم مجتمعاً عليهم بالفضل، وابتلى أبوك بالقتال والحرب، وكانت بنو أمية تلعنه كما الكفر في الصلاة المكتوبة، فاحتججنا عليهم وذكرناهم فضله، وعنفناهم وظلمناهم بما نالوا منه. ولقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحاج الأعظم وولاية زمزم، فصارت للعباس من بين اخوته، فنازعنا فيها أبوك فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام، ولقد قحط أهل المدينة، فلم يتوسل عمر إلى ربه ولم يتقرب إليه إلا يأبينا، حتى نعشهم الله وسقاهم الغيث، وأبوك حاضر لم يتوسل به، ولقد علمت أنه لم يبق أحد من بني عبد المطلب بعد النبي صلى الله عليه وسلم غيره، فكانت وراثته من عمومته، ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بني هاشم، فلم ينله إلا ولده، فالسقاية سقايته، وميراث النبي صلى الله عليه وسلم له، والخلافة في ولده، فلم يبق شرف ولا فضل في جاهلية ولا إسلام - في دنيا ولا آخرة - إلا والعباس وارثه وموروثه. أما ما ذكرت من بدر فإن الإسلام جاء، والعباس يمون أبا طالب وعياله، وينفق عليهم للأزمة التي أصابته، ولولا العباس أخرج إلى بدر كارهاً لمات طالب وعقيل جوعاً، وللحسا جفان عتبة وشيبة، ولكنه كان من المطعمين، فأذهب عنكم العار والسبة، وكفاكم النفقة والمؤونة، ثم فدا عقيلاً يوم بدر، فكيف تفخر علينا وقد علناكم في الكفر، وفديناكم وحزنا عليكم مكارم الآباء، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه، ولم تدركوا لأنفسكم، والسلام عليكم ورحمة الله.\rوكان محمد قد استعمل الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على مكة، والقاسم بن إسحاق على اليمن، وموسى ابن عبد الله على الشام، فأما الحسن والقاسم فسارا إلى مكة، فخرج إليها السري بن عبد الله، عامل المنصور على مكة، فلقيهما ببطن أذاخر فهزماه، ودخل الحسن مكة فأقام بها يسيراً، فأتاه كتاب محمد بن عبد الله يأمره بالمسير إليه فيمن معه، ويخبره بمسير عيسى ابن موسى إليه ليحاربه، فسار إليه من مكة هو والقاسم، فبلغة بنواحي قديد قتل محمد، فهرب هو وأصحابه وتفرقوا، فلحق الحسن بإبراهيم فأقام عنده حتى قتل إبراهيم ، واختفى القاسم بالمدينة حتى أخذت له ابنه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر امرأة عيسى الأمان له ولإخوته معاوية وغيره، وأما موسى بن عبد الله فسار نحو الشام ومعه رزام مولى محمد بن خالد القسري، فانسل منه رزام بتيماء، وسار إلى المنصور برسالة من مولاه محمد القسري، فظهر محمد بن عبد الله على ذلك فحبس محمد القسري، ووصل موسى إلى الشام فرأى منهم سوء رد غليه وغلظة، فكتب إلى محمد:","part":7,"page":28},{"id":3039,"text":"أخبرك أني لقيت الشام وأهله، فكان أحسنهم قولاً الذي قال: والله لقد مللنا البلاء، وضقنا حتى ما فينا لهذا الأمر موضع، ولا لنا به حاجة؛ ومنهم طائفة تحلف لئن أصبحنا من ليلتنا أو أمسينا من غد ليرفعن أمرنا؛ فكتبت إليك، وقد غيبت وجهي، وخفت على نفسي.\rثم رجع إلى المدينة، وقيل أتى البصرة، وأرسل صاحبا له يشتري له طعاماً فاشتراه، وجاء به على حمال أسود، فأدخله الدار التي سكنها وخرج، فلم يكن بأسرع من أن كبست الدار، وأخذ موسى وابنه عبد الله وغلامه فحملوا إلى محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، فلما رأى موسى قال: لأقرب الله قرابتكم، ولا حيا وجوهكم، تركت البلاد كلها إلا بلداً أنا فيه! ! فإن وصلت أرحامكم أغضبت أمير المؤمنين، وإن أطعته قطعت أرحامكم، ثم أرسلهم إلى المنصور، فأمر بضرب موسى وابنه كل واحد خمسمائة سوط فلم يتأوها، فقال المنصور: عذرت أهل الباطل في صبرهم، فما هؤلاء! ! فقال موسى: أهل الحق أولى بالصبر، ثم أخرجهم وأمر بهم فسجنوا.\rمسير عيسى بن موسى\rلقتال محمد بن عبد الله بن حسن وقتل محمد قال: ثم إن المنصور أحضر ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس، وأمره بالمسير إلى المدينة لقتال محمد ابن عبد الله بن حسن، فقال: شاور عمومتك يا أمير المؤمنين، قال: فأين قول ابن هرمة:\rنزورأمرأ لا يمخض القوم سره ... ولا ينتجني الأدنين فيما يحاول\rإذا ما أتى شيئاً مضى كالذي أتى ... وإن قال إني فاعل فهو فاعل\rفقال المنصور: أمض أيها الرجل - فوالله ما يراد غيري وغيرك، وما هو إلا أن تشخص أنت أو أشخص أنا، فسار وسير معه الجنود، وكان عيسى ولي عهد المنصور إذ ذاك؛ فقال المنصور حين سار عيسى: لا أبالي أيهما قتل صاحبه؛ وبعث معه محمد بن أبي العباس السفاح، وكثير بن حصين العبدي، وحميد بن قحبطة، وهزار مرد وغيرهم، وقال له المنصور حين ودعه: يا عيسى، إني أبعثك إلى ما بين هذين، وأشار إلى ما بين جنبيه، فإن ظفرت بالرجل فاغمد سيفك، وابذل الأمان، وإن تغيب فضمنهم إياه فإنهم يعرفون مذاهبه، ومن لقيك من آل أبي طالب، فاكتب إلي باسمه، ومن لم يلقك فاقبض ماله، وكان جعفر الصادق تغيب عنه، فقبض ماله، فلما قدم المنصور المدينة قال له جعفر في معنى ماله، فقال: قبضة مهديكم، فلما وصل عيسى إلى فيد كتب إلى الناس في خرق الحرير، منهم عبد العزيز ابن المطلب المخزومي، وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي، وكتب إلى عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، يأمره بالخروج من المدينة فيمن أطاعه، فخرج هو وعمر بن محمد ابن عمر، وأبو عقيل محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل فأتوا عيسى.\rقال: ولما بلغ محمداً قرب عيسى من المدينة، استشار أصحابه في الخروج من المدينة والمقام بها، فأشار بعضهم بالخروج عنها، وبعضهم بالمقام بها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيتني في درع حصينة فأولتها المدينة، فأقام ثم استشارهم في حفر خندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له جابر بن أنس - رئيس سليم - يا أمير المؤمنين: نحن أخوالك وجيرانك وفينا السلاح والكراع، فلا تخندق الخندق، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خندقه لما أعلمه الله به، وإن خندقته لم يحسن القتال رجالة، ولم توجه لنا الخيل بين الأزقة، وأن الذين نخندق دونهم هم الذين يحول الخندق دونهم؛ فقال له أحد بني شجاع: خندق رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقتد أنت به، وتريد أن تدع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرأيك! ! قال: إنه والله - يا ابن شجاع - ما شيء أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم، وما شيء أحب إلينا من مناجزتهم، فقال محمد: إنما اتبعنا في الخندق أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يردني أحد عنه فلست بتاركهن فأمر به فحفر، وبدأ هو فحفر بنفسه الخندق، الذي حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم للأحزاب، وسار عيسى حتى نزل الأعوص، وكان محمد قد جمع الناس وأخذ عليهم الميثاق: ألا يخرج منهم أحد، ثم خطبهم فقال:","part":7,"page":29},{"id":3040,"text":"إن عدو الله وعدوكم قد نزل الأعوص، وإن أحق الناس بالقيام بهذا الأمر، لأبناء المهاجرين والأنصار، ألا وإنا قد جمعناكم وأخذنا عليكم الميثاق، وعدوكم في عدد كثير، والنصر من الله والأمر بيده، وأنه قد بدا لي آذن لكم، فمن أحب منكم أن يقيم أقام، ومن أحب أن يظعن ظعن؛ فخرج عالم كثير، وخرج ناس من أهل المدينة بذراريهم وأهليهم إلى الأعراض والجبال، وبقي محمد في شرذمة يسيرة، فأمر أبا القلمس برد من قدر عليه، فأعجزه كثير منهم فتركهم.\rقال: وكان المنصور قد أرسل ابن الأصم مع عيسى بن موسى ينزله المنازل، فلما قدموا نزلوا على ميل من المدينة، فقال ابن الأصم: إن الخيل لا عمل لها مع الرجالة، وإني أخاف إن كشفوكم كشفة أن يدخلوا اعسكركم، فتأخروا إلى سقاية بن عبد الملك بالجرف وهو على أربعة أميال من المدينة، وقال: ولا يهرول الراجل أكثر من ميلين أو ثلاثة حتى تأخذه الخيل، وأرسل عيسى خمسمائة رجل إلى بطحاء ابن أزهر - على ستة أميال من المدينة - فأقاموا بها، وقال: أخاف أن ينهزم محمد فيأتي مكة، فيرده هؤلاء، فكانوا بها حتى قتل محمد، وأرسل عيسى إلى محمد يخبره أن المنصور أمنه وأهله، فأعاد الجواب: يا هذا، إن لك برسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة قريبة، وإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بطاعته، وأحذرك نقمته وعذابه، وإني والله ما أنا بمنصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه، وإياك أن يقتلك من يدعوك إلى الله: فتكون شر قتيل، أو تقتله فيكون أعظم لوزرك. فلما بلغته الرسالة قال عيسى: ليس بيننا وبينه إلا القتال؛ وقال محمد للرسول: علام تقتلوني؟ وإنما أنا رجل فر من أن يقتل، قال: إن القوم يدعونك إلى الأمان، فإن أبيت إلا قتالهم قاتلوك، على ما قاتل عليه خير آبائك طلحة والزبير، على نكث بيعتهم وكيد ملكه.","part":7,"page":30},{"id":3041,"text":"قال، ونزل عيسى بالجرف لاثنتي عشرة خلت من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة وذلك يوم السبت، فأقام السبت والأحد وغدا يوم الإثنين فوقف على سلع، فنظر إلى المدينة ومن فيها، ونادى يا أهل المدينة: إن الله تعالى حرم دماء بعضنا على بعض، فهملوا إلى الأمان، فمن قام تحت رايتنا فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن، خلوا بيننا وبين صاحبنا فإما لنا وإما له. فشتموه فانصرف من يومه وعاد من الغد، وقد فرق القواد من سائر جهات المدينة، وأخلى ناحية مسجد أبي الجراح هو على بطحان، أخلى تلك الناحية لخروج من ينهزم، وبرز محمد في أصحابه ورايته مع عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، وكان شعاره أحد أحد، فبرز أبو القلمس وهو من أصحاب محمد، فبرز إليه أخو أسد، فاقتتلوا طويلاً فقتله أبو القلمس، وبرز إليه آخر فقتله، وقال حين ضربه: خذها وأنا ابن الفاروق، فقال رجل من أصحاب عيسى: قتلت خيراً من ألف فاروق، وقاتل محمد يومئذ قتالاً عظيماً، فقتل بيده سبعين رجلاً، وأمر عيسى حميد بن قحبطة فتقدم في مائة كلهم راجل سواه، فزحفوا حتى بلغوا جداراً دون الخندق، عليه ناس من أصحاب محمد، فهدم حميد الحائط وانتهى إلى الخندق، ونصب عليه أبواباً وعبر هو وأصحابه عليها، فجازوا الخندق وقاتلوا من وراءه أشد قتال من بكرة النهار إلى العصر، وأمر عيسى أصحابه فألقوا الحقائب وغيرها في الخندق، وجعل الأبواب عليها وجازت الخيل، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانصرف محمد فاغتسل وتحنط ثم رجع، فقال له عبد الله بن جعفر: بأبي أنت وأمي، والله مالك بما ترى طاقة أتيت الحسن بن معاوية بمكة فإن معه جل أصحابه! ! فقال: لو خرجت لقتل أهل المدينة، والله لا أرجع حتى أقتل أو أُقتل، وأنت مني في سعة فاذهب حيث شئت، فمشى معه قليلاً ثم رجع عنه، وتفرق عنه جل أصحابه، حتى بقي في ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً، فقال بعض أصحابه: نحن اليوم بعدة أهل بدر؛ وصلى محمد الظهر والعصر، وكان معه عيسى بن خضير وهو يناشده: إلا ذهب إلى البصرة أو غيرها، ومحمد يقول: لا والله لا تبتلون بي مرتين، ولكن اذهب أنت حيث شئت، فقال ابن خضير: وأين المذهب عنك! ؟ ثم مضى فأحرق الديوان، الذي فيه أسماء من بايعهم، وقتل رياح بن عثمان أخاه عباس بن عثمان، وقتل ابن مسلم بن عقبة المرسي، ومضى إلى محمد بن خالد القسري وهو محبوس ليقتله فعلم به، فردهم الأبواب دونه فلم يقدر على قتله، وكان محمد بن عبد الله قد حبس محمد بن خالد بعد ما أطلقه، ورجع عيسى بن خضير إلى محمد فقاتل بين يديه حتى قتل، وتقدم حميد بن قحطبة، وتقدم محمد بن عبد الله فلما صار ببطن مسيل سلع عرقب فرسه، وعرقب بنو شجاع الجهنيون دوابهم، ولم يبق أحد منهم إلا كسر جفن سيفه، فقال لهم محمد: قد بايعتموني ولست بارحاً حتى أقتل، فمن يحب أن ينصرف فقد أذنت له، واشتد القتال فهزموا أصحاب عيسى بن موسى مرتين أو ثلاثاً، فقال يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: ويل أمه فتحاً، أو كان له رجال! ! وصعد نفر من أصحاب عيسى على جبل سلع، وانحدروا منه إلى المدينة، وأمرت أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بخمار أسود فرفع على منارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أصحاب محمد بن عبد الله: دخلت المدينة فهربوا، فقال يزيد: لكل قوم جبل يعصمهم، ولنا جبل لا نؤتي إلا منه! ! - يعني سلعاً، وفتح بني أبي عمرو الغفاريون طريقاً في بني غفار لأصحاب عيسى، فدخلوا منه أيضاً وجائوا من وراء أصحاب محمد، ونادى محمد حميد بن قحطبة: أبرز إلي فأنا محمد بن عبد الله، فقال حميد: قد عرفتك، وأنت الشريف ابن الشريف، الكريم ابن الكريم، والله، لأبرز إليك بين يدي من هؤلاء الأغمار واحد، فإذا فرغت منهم فسأبرز إليك، وجعل حميد يدعوا ابن خضير إلى الأمان، وابن خضير يحمل على الناس رجلاً، لا يصغي إلى أمانة وهو يأخذهم بين يديه، فضربه رجل من أصحاب عيسى على إليته فحلها، فرجع إلى أصحابه فشدها بثوب، ثم عاد إلى القتال، فضربه إنسان على عينه فغاص السيف، وسقط فابندروه فقتلوه وأخذوا رأسه، وكأنه باذنجانة مفلقة من كثرة الجراح فيه، فلما قتل تقدم محمد فقاتل على جيفته، فجعل يهد الناس هداً، وكان أشبه الناس بقتال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ولم يزل محمد","part":7,"page":31},{"id":3042,"text":"يقاتل حتى ضربه رجل دون شحمة أذنه اليمنى، فبرك لركبتيه وجعل يذب عن نفسه، ويقول: ويحكم ابنا نبيكم مجرح مظلوم، فطعنه ابن قحطبة في صدره فصرعه، ثم نزل إليه فأخذ رأسه وأتى به عيسى، وهو لا يعرف من كثرة الدماء؛ وقيل إن عيسى بن موسى اتهم حميد بن قحطبة وكان على الخيل، فقال له: ما أراك تبالغ! ! فقال له: أتتهمني! ! فوالله لأضربن محمد حين أراه بالسيف أو أقتل دونه، قال: فمر به وهو مقتول فضربه ليبر يمينه، وقيل بل رمي بسهم وهو يقاتل، فوقف إلى جدار فتحاماه الناس، فلما وجد الموت تحامل على سيفه فكسره، وهو ذو الفقار، سيف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقيل بل أعطاه رجلاً من التجار، كان معه وله عليه أربعمائة دينار، وقال خذه فإنك لا تلقى أحداً من آل أبي طالب إلا أخذه وأعطاك حقك، فلم يزل عنده حتى ولى جعفر بن سليمان المدينة، فأخبر به فأخذ السيف منه وأعطاه أربعمائة دينار، ولم يزل معه حتى أخذه منه المهدي، ثم صار إلى الهادي فجربه في كلب فانقطع السيف؛ وقيل بل بقي إلى أيام الرشيد، وكان يتقلده وكان به ثماني عشرة فقارة.اتل حتى ضربه رجل دون شحمة أذنه اليمنى، فبرك لركبتيه وجعل يذب عن نفسه، ويقول: ويحكم ابنا نبيكم مجرح مظلوم، فطعنه ابن قحطبة في صدره فصرعه، ثم نزل إليه فأخذ رأسه وأتى به عيسى، وهو لا يعرف من كثرة الدماء؛ وقيل إن عيسى بن موسى اتهم حميد بن قحطبة وكان على الخيل، فقال له: ما أراك تبالغ! ! فقال له: أتتهمني! ! فوالله لأضربن محمد حين أراه بالسيف أو أقتل دونه، قال: فمر به وهو مقتول فضربه ليبر يمينه، وقيل بل رمي بسهم وهو يقاتل، فوقف إلى جدار فتحاماه الناس، فلما وجد الموت تحامل على سيفه فكسره، وهو ذو الفقار، سيف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقيل بل أعطاه رجلاً من التجار، كان معه وله عليه أربعمائة دينار، وقال خذه فإنك لا تلقى أحداً من آل أبي طالب إلا أخذه وأعطاك حقك، فلم يزل عنده حتى ولى جعفر بن سليمان المدينة، فأخبر به فأخذ السيف منه وأعطاه أربعمائة دينار، ولم يزل معه حتى أخذه منه المهدي، ثم صار إلى الهادي فجربه في كلب فانقطع السيف؛ وقيل بل بقي إلى أيام الرشيد، وكان يتقلده وكان به ثماني عشرة فقارة.\rقال: ولما أتى عيسى برأس محمد قال لأصحابه: ما تقولون فيه؟ فوقعوا فيه، فقال بعضهم: كذبتم ما لهذا قاتلناه، ولكنه خالف أمير المؤمنين، وشق عصا المسلمين، وإن كان لصوام قواماً فسكتوا.\rوأرسل عيسى بن موسى الرأس إلى المنصور مع محمد بن أبي الكرام بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبالبشارة مع القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأرسل معه رؤوس بني شجاع، فأمر المنصور برأس محمد فطيف به في الكوفة وسيره إلى الآفاق. قال: ولما رأى المنصور رؤوس بني شجاع قال: هكذا فليكن الناس! طلبت محمداً فاشتمل عليه هؤلاء، ثم نقلوه وانتقلوا معه، ثم قاتلوا معه حتى قتلوا. وكان مقتل محمد وأصحابه يوم الإثنين بعد العصر لأربع عشرة خلت من شهر رمضان خمس وأربعين ومائة.\rقال: وكان المنصور قد بلغه أن عيسى بن موسى قد هزم، فقال: كلا، فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء؟ ما أنى لذلك بعد. ثم بلغه أن محمداً هرب، فقال: كلا، إن أهل بيت لا نفر، فجاءته بعد ذلك الرؤوس. قال: ولما وصل رأس محمد إلى المنصور كان الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عنده، فلما رأى الرأس عظم عليه وتجلد خوفاً من المنصور، فالتفت المنصور إليه وقال: أهو هو؟ قال: نعم، ولوددت أن الله تعالى قاده إلى طاعتك، ولم تكن فعلت به كذا، قال: وأنا وإلا فأم موسى طالق، ولكنه أراد قتلنا فكانت نفسنا أكرم علينا من نفسه.","part":7,"page":32},{"id":3043,"text":"قال: وأرسل عيسى بن موسى ألوية فنصبت في مواضع بالمدينة، ونادى مناديه: من دخل تحت لواء منها فهو آمن؛ وأخذ أصحاب محمد فصلبهم ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر بن عبد العزيز صفين، ووكل بخشبة ابن خضير من يحفظها، فاحتمله قوم من الليل فواروه سراً، وبقي الآخرون ثلاثاً، ثم أمر بهم عيسى فألقوا في مقابر اليهود، ثم ألقوا بعد ذلك في خندق ذباب، فأرسلت زينب بنت عبد الله، أخت محمد - وابنته فاطمة إلى عيسى: إنكم قد قتلتموه وقضيتم حاجتكم منه، فلو أذنتم لنا في دفنه! ! فأذن لهما فدفن بالبقيع. قال: وقطع المنصور الميرة عن المدينة في البحر، ثم أذن فيها المهدي.\rقال: ورد الخبر بقتل محمد بن عبد الله على أخيه إبراهيم بالبصرة يوم العيد، وكان إبراهيم قد استولى على البصرة، فخرج فصلى بالناس، ونعاه على المنبر وأظهر الجزع عليه.\rقال: وكان محمد بن عبد الله بن حسن أسمر شديد السمرة سميناً شجاعاً كثير الصوم والصلاة شديد القوة رحمة الله تعالى. قال: وسئل جعفر الصادق عن أمر محمد فقال: فتنة يقتل فيها محمد، ويقتل أخوه لأبيه وأمه بالعراق، وحوافر فرسه في ماء. قال: وقال محمد بن عبد الله لعبد الله بن عامر السلمي: تغشانا سحابة فإن أمطرتنا ظفرنا، وإن تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمى عند أحجار الزيت، وقال: فو الله لقد أطلتنا سحابة فلم تمطرنا، وتجاوزتنا إلى عيسى وأصحابه فظفروا، وقتلوا محمداً ورأيت دمه عند أحجار الزيت، وكان محمد يلقب المهدي رحمه الله.\rتسمية المشهورين\rممن كان مع محمد بن عبد الله بن حسن كان معه من بني هاشم أخوه موسى بن عبد الله بن حسن، وحسين وعلى ابنا زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب؛ ولما بلغ المنصور أن ابني زيد أعانا محمداً عليه قال: عجبا لهما! ! قد خرجا علي وقد قتلنا قاتل أبيهما كما قتله، وصلبناه كما صلبه وأحرقناه كما أحرقه؛ وكان معه حمزة بن محمد بن علي بن الحسين، وعلي وزيد ابنا الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان أبوهما مع المنصور، والحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، والقاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر، والمرجى علي بن جعفر بن إسحاق بن علي بن عبد الله جعفر، وكان أبوه مع المنصور؛ وكان معه من غيرهم: محمد بن عبد الله بن عمر بن سعيد بن العاص، ومحمد بن عجلان، وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم أخذ أسيراً، فأتى به المنصور فقال له: أنت الخارج علي؟ قال: لم أجد إلا ذلك أو الكفر بما أنزل الله على محمد، وكان معه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة، وعبد الواحد بن أبي عون - مولى الأزد، وعبد الله بن جعفر ابن عبد الرحمن بن المسور بن مخزمة، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وعبد الحميد بن جعفر، وعبد الله بن عطاء بن يعقوب، مولى بني سباع، وإبراهيم وإسحاق وربيعة وجعفر وعبد الله وعطاء ويعقوب وعثمان وعبد العزيز بنو عبد الله بن عطاء، وعيسى بن خضير وعثمان بن خضير، وعثمان بن محمد بن خالد بن الزبير هرب بعد مقتل محمد، فأتى البصرة فأخذ منها وأتى به المنصور، فقال له: هيه يا عثمان، أنت الخارج على مع محمد! ! قال: بايعته أنا وأنت بمكة، فوفيت ببيعتي وغدرت ببيعتك، قال: يا ابن اللخناء، قال: ذاك من قامت عنه الإماء يعني المنصور، فأمر به فقتله، وكان مع مجمد عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأخذ أسيراً فأطلقه المنصور؛ وعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطبع؛ وعلي بن المطلب بن عبد الله بن حنطب؛ و إبراهيم بن جعفر بن مصعب بن الزبير؛ وهشام بن عمارة بن الوليد بن عدي بن الخيار، وعبد الله بن يزيد بن هرمز وغيرهم.\rإبراهيم بن عبد الله بن حسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب أخي محمد","part":7,"page":33},{"id":3044,"text":"كان ظهوره بالبصرة في أول شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، وكان قبل ظهوره قد طلب أشد الطلب، فحكت الجارية له أنهم لم تقرهم أرض خمس سنين، مرة بفارس، ومرة أيكرمان، ومرة بالجبل، ومرة بالحجاز، ومرة باليمن، ومرة بالشام، ثم إنه قدم الموصل وقدمها المنصور في طلبه، فحكى إبراهيم عن نفسه قال: اضطرني الطلب بالموصل حتى جلست على مائدة المنصور، ثم خرجت وقد كف الطلب، وكان قوم من أهل العسكر يتشيعون، فكتبوا إلى إبراهيم يسألونه القدوم عليهم ليثبوا بالمنصور فقدم عسكر أبي جعفر وهو ببغداد وقد خطها، وكانت له مرآة ينظر فيها، فيرى عدوه من صديقه، فنظر فيها فقالت: يا مثيب قد رأيت إبراهيم في عسكر، وما في الأرض أعدي لي منه، فانظر أي رجل يكون؟ ثم إن المنصور أمر ببناء قنطرة الصراة العتيقة، فخرج إبراهيم ينظر إليها مع الناس، فوقعت عليه عين المنصور، فجلس إبراهيم وذهب في الناس، فأتى فأميا فلجأ إليه فأصعده غرفة له، وجد المنصور في طلبه ووضع الرصد بكل مكان، فثبت إبراهيم مكانه، فقال له صاحبه سفي بن حيان العمى: قد نزل بنا ما ترى، ولا بد من المخاطرة، قال: فأنت وذاك، فأقبل سفيان إلى الربيع، فسأله الإذن على المنصور فأدخله إليه، فلما رآه شتمه فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أهل لما تقول، غير أني أتيتك تائباً ولك عندي كل ما تحب، وأنا آتيك بإبراهيم بن عبد الله، إني قد بلوتهم فلم أجد فيهم خيراً، فاكتب لي جوازا ولغلام معي، واحملني على البريد ووجه معي جندا، فكتب له جوازا ودفع إليه جندا، وقال له: هذه ألف دينار فاستعن بها، قال: لا حاجة لي فيها، فأخذ منها ثلاثمائة دينار، وأقبل والجند معه فدخل البيت على إبراهيم، وعلى إبراهيم جبة صوف وقباء كأقبية الغلمان، فصاح به فوثب فجعل يأمره وينهاه، وسار على البريد، وقيل لم يركب البريد، وسار حتى قدم المدائن، فمنعه صاحب القنطرة بها، فدفع جوازه إليه، فلما جازها قال له الموكل بالقنطرة: ما هذا غلام وإنه لإبراهيم بن عبد الله، اذهب راشدا فأطلقهما، فركبوا سفينة حتى قدموا البصرة، فجعل يأتي بالجند الدار لها بابان، فيقعد البعض منهم على أحد البابين، ويقول: لا تبرحوا حتى آتيكم، فيخرج من الباب الآخر ويتركهم، حتى فرق الجند على نفسه وبقى وحده، وبلغ الخبر سفيان بن معاوية أمير البصرة، فأرسل إلى الجند فجمعهم، وطلب العمى فعجزه وكان إبراهيم قد قام الأهواز قبل ذلك فاختفى عند الحسن بن حبيب، وكان محمد بن حصين يطلبه، فقال يوماً: إن أمير المؤمنين كتب إليّ يخبرني أن المنجمين أخبروه: أن إبراهيم نازل بالأهواز، وهو في جزيرة بين نهرين، وقد طلبته في الجزيرة وليس هناك، وقد عزمت أن أطلبه غداً بالمدينة، لعلّ أمير المؤمنين يعني بقوله - بين نهرين - بين دخيل والمسرفان، فرجع الحسن بن حبيب إلى إبراهيم فأخبره، وأخرجه إلى ظاهر البلد، ولم يطلبه محمد ذلك اليوم، فلما كان آخر النهار خرج الحسن إلى إبراهيم، فأدخله البلد وهما على حمارين وقت العشاء الآخرة، فلحقه أوائل خيل ابن الحصين، فنزل إبراهيم عن حماره كأنه يبول، فسأل ابن الحصين الحسن بن حبيب عن مجيئه، فقال: جئت من عند بعض أهلي، فمضى وتركه، ورجع الحسن إلى إبراهيم فأركبه وأدخله إلى منزله، فقال له إبراهيم: والله لقد بلت دماً، فأتيت الموضع فرأيته وقد بال دماً، ثم إن إبراهيم قدم البصرة، قيل قدمها في سنة خمس وأربعين ومائة، بعد ظهور أخيه محمد بالمدينة، وقيل قدمها في سنة، ثلاث وأربعين ومائة، وكان الذي أقدمه وتولى أمره - في قول بعضهم - يحيى بن زياد بن حيان النبطي، وأنزله في داره في بني ليث، وقيل نزل في دار أبي قروة، ودعا الناس إلى بيعة أخيه، وكان أو لمن بايعه نميل بن مرة العبشمي، وعفو الله بن سفيان، وعبد الواحد بن زياد، وعمرو بن سلمة الجيمي، وعبد الله ابن يحيى بن حصين الرقاشي، وعبد الواحد بن زياد، وعمرو بن سلمة الهجيمي، وعبد الله ابن يحيى بن حصين الرقاشي، وندبوا الناس، فأجابهم المغيرة بن الفزع وأشباه له، وأجابه أيضاً عيسى بن يونس ومعاذ بن معاذ، وعباد بن العوام، وإسحاق بن يوسف الأزرق، ومعاوية بن هشيم ابن بشير، وجماعة كثيرة من الفقهاء وأهل العلم، حتى أحصى ديوانه أربعة آلاف، وشهر أمره فقالوا له: لو كنت تحولت إلى وسط البصرة، أتاك الناس وهم مستريحون، فتحول فنزل","part":7,"page":34},{"id":3045,"text":"دار أبي مروان - مولى بن سليم - في مقبرة بني يشكر.ار أبي مروان - مولى بن سليم - في مقبرة بني يشكر.\rوكان سفيان بن معاوية - أمير البصرة - قد مالأ على أمره، ولما ظهر أخوة محمد كتب إليه بأمره بالظهور، فوجم لذلك واغتم، فجعل بعض أصحابه يسهل عليه ذلك، وقال له: قد اجتمع لك عالم من الناس، فطابت نفسه، وكان المنصور بظاهر الكوفة في قلة من العساكر، وقد أرسل ثلاثة من القواد إلى سفيان بن معاوية بالبصرة مداداً له، ليكونوا عوناً له على إبراهيم، إن ظهر، فلما أراد إبراهيم الظهور أرسل إلى سفيان فأعلمه، فجمع القواد عنده، وظهر إبراهيم أول شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، فعم دواب أولئك الجند، وصلي بالناس الصبح بالجامع، وقصد دار الإمارة وبها سفيان متحصناً، فحضره فطلب منه الأمان، فأمنه إبراهيم ودخل إلى الدار، ففرشوا له حصيراً فهبت الريح فقلبته قبل أن يجلس، فتطير الناس لذلك، فقال إبراهيم: إنا لا نتطير وجلس عليه مقلوباً، وحبس القواد وحبس أيضاً سفيان بن معاوية في القصر وقيده بقيد خفيف، ليعلم المنصور أنه محبوس، وباغ جعفر ومحمداً، ابني سليمان بن علي ظهور إبراهيم، فأتيا في ستمائة رجل، فأرسل إليهما إبراهيم المضاء ابن القاسم اجزري في خمسين رجلاً فهزمهما، ونادى منادي إبراهيم: لا يتبع منهزم ولا يدفق على جريح، ومضى إبراهيم بنفسه إلى باب زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس؛ وإليها ينسب الزينبيون من العباسيين، فنادى بالأمان وألا يعرض لهم أحد، فصفت له البصرة ووجد في بيت ما لها ألفى ألف درهم، فقوى بذلك وفرض لأصحابه لكل رجل خمسين درهماً.\rفلما استقرت له البصرة أرسل المغيرة إلى الأهواز، فبلغها في مائتي رجل، وكان فيها محمد بن الحصين عاملاً للمنصور، فخرج إليه في أربعة آلاف فالتقوا، فانهزم ابن الحصين ودخل المغيرة الأهواز؛ وقيل إنما سير إبراهيم المغيرة إلى الأهواز بعد مسيره من البصرة إلى باخمرى، وسير إبراهيم إلى فارس عمر ابن سداد، فقدمها وبها إسماعيل وعبد الصمد ابنا علي بن عبد الله بن العباس، فبلغهما دنو عمرو - وهما باصطخر - فقصدا داربجرد فتحصنا بها، فصارت فارس في يد عمرو، وأرسل إبراهيم، هارون بن سعد العجلي في سبعة عشر ألفا إلى واسط، وبها هارون بن حميد الإيادي من قبل المنصور - فملكها العجلي، وأرسل المنصور لحربه عامر بن إسماعيل المسلى في خمسة، آلاف وقيل في عشرين ألفاً، وكانت بينهم وقعات ثم تهادنوا على ترك الحرب، حتى ينظروا ما يكون من إبراهيم والمنصور، فلما قتل إبراهيم هرب هارون بن سعد عنها، واختفى حتى مات.\rقال: ولم يزل إبراهيم بالبصرة، يفرق العمال والجيوش حتى أتاه نعي أخيه محمد قبل الفطر بثلاثة أيام، فخرج بالناس يوم العيد وفيه الانكسار، فصلى بهم وأخبرهم بقتل محمد، فازدادوا في قتال المنصور بصيرة، وأصبح من الغد فعسكر واستخلف على البصرة نميلة، وخلف ابنه حسنا معه.\rمسير إبراهيم ومقتله","part":7,"page":35},{"id":3046,"text":"قال: ثم عزم إبراهيم على السير، فأشار عليه أصحابه البصريون أن يقيم ويرسل الجنود، فيكون، إذا انهزم لك جند أمدتهم بغيرهم، فخيف مكانك واتقاك عدوك، وجبيت الأموال وثبتت وطأتك، فقال من عنده من أهل الكوفة: إن بالكوفة أقاماً لو رأوك ماتوا دونك، وإن لم يروك قعدت بهم أسباب شتى؛ فسار عن البصرة إلى الكوفة، وكان المنصور - لما بلغه ظهور إبراهيم - في قلة من العسكر فقال: والله ما أدري كيف أصنع! ! ما في عسكري إلا ألفا رجل، فرقت جندي! ! فمع المهدي بالري ثلاثون ألفاً، ومع محمد بن الأشعث بأفريقية أربعون ألفاً، والباقون مع عيسى بن موسى، والله، لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفاً، ثم كتب إلى عيسى بن موسى بالعود مسرعاً، فأتاه الكتاب وقد أحرم بعمرة فتركها، وعاد وكتب إلى سلم بن قتيبة فقدم عليه من الري، فقال له المنصور: اعمد إلى إبراهيم ولا يروعنك جمعة، فوالله - إنهما جملا بني هاشم المقتولان، فثق بما أقول، وضم إليه غيره من القواد. وكتب إلى المهدي يأمره بإنفاذ جريمة بن خازم إلى الأهواز، فسيره في أربعة آلاف فارس فوصلها، وقاتل المغيرة، فرجع المغيرة إلى البصرة، واستباح خزيمة الأهواز ثلاثاً، وتوالت على المنصور الفتوق: من البصرة والأهواز وفارس وأواسط والمداين والسواد، وإلى جانبه أهل الكوفة في مائة ألف مقاتل، ينتظرون به صيحة، فلما توالت الأخبار عليه بذلك أنشد:\rوجعلت نفسي للرماح درية ... إن الرئيس بمثل ذاك فعول\rثم إن المنصور رمى كل ناحية بحجرها، وبقي على مصلاه خمسين يوماً، ينام عليه ويجلس عليه، وعليه جبة ملونة، قد اتسخ جيبها، ما غيرها ولا هجر المصلى، إلا أنه، إذا ظهر للناس لبس السواد، فإذا فارقهم رجع إلى هيئته، واهديت إليه امرأتان من المدينة، إحداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله والأخرى أمة الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد، فلم ينظر إليهما، فقيل له: إنهما قد ساءت ظنونهما، فقال: ليست هذه أيام نساء، ولا سبيل إليهما حتى أنظر: أرأس إبراهيم لي أم رأسي له؟ قال الحجاج بن قتيبة: لما تتابعت الفتوق على المنصور، دخلت مسلماً عليه وقد أتاه خبر البصرة والأهواز وفارس، وعساكر إبراهيم قد عظمت، وبالكوفة مائة ألف سيف بازاء عسكره، تنتظر صيحة واحدة فيثبون به؛ فرأيته أحوذيا مشمراً قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعركها، فقام بها ولم تقعد به نفسه، وإنه لكما قال الأول:\rنفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقاما\rوصيرته ملكا هماما\rثم وجه المنصور إلى إبراهيم، عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفاً، وعلى مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاث آلاف، وقال له - لما ودعه - : إن هؤلاء الخبثاء - يعني المنجمين - يزعمون أنك إذا لاقيت إبراهيم، تجول أصحابك جولة حين تلقاه، ثم يرجعون إليك وتكون العاقبة لك. قال: ولما سار إبراهيم عن البصرة مشى ليلة في عسكره سراً، فسمع أصوات الطنابير، ثم فعل ذلك ليلة أخرى فسمعها أيضاً، فقال: ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا، وسمع وهو ينشد في طريقه أبيات القطامى:\rأمور تدبرها حليم ... إذا لنهى وهيب ما استطاعا\rومعصية الشفيق عليك مما ... يزيدك مرة منه استماعا\rوخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا\rولكن الأيم إذا تفرى ... بلى وتعيبا غلب الصناعا","part":7,"page":36},{"id":3047,"text":"فعلموا أنه نادم على مسيره، وكان ديوانه قد أحصى مائة ألف، وقيل كان معه في طريقه عشرة آلاف، وقيل له في طريقه ليأخذ غي الوجه الذي فيه عيسى ويقصد الكوفة، فإن المنصور لا يقوم له وينضاف أهل الكوفة إليه، ولا يبقى للمنصور مرجع دون حلوان فلم يفعل، وقيل له ليبيت عيسى بن موسى، فقال: أكره البيات إلا بعد الإنذار، وقال له بعض أهل الكوفة: ائذن لي بالمسير إلى الكوفة، أدعو الناس سراً ثم أجهر، فإذا سمع المنصور الهيعة بأرجاء الكوفة، لم يرد وجهه شيء دون حلوان، فاستشار إبراهيم بشير الرحال، فقال: لو وثقنا بالذي تقول لكان رأيا، ولكنا لا نأمن أن تجيئك منهم طائفة، فيرسل إليهم المنصور الخيل، فيأخذ البريء والصغير والمرأة، فيكون ذلك تعرضاً للمآثم، فقال الكوفي: كأنكم خرجتم لقتال المنصور وأنتم تتوقون قتل الضعيف والصغير والمرأة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث سراياه، فيقاتل ويكون نحو هذا، فقال بشير: أولئك كفار وهؤلاء مسلمون، فاتبع إبراهيم رأيه وسار حتى نزل باخمرا، وهي من الكوفة على ستة عشر فرسخاً مقابل عيسى بن موسى، فأرسل إليه سلم بن قتيبة يقول: إنك قد أصحرت، ومثلك أنفس به عن الموت، فخندق عل نفسك حتى لا تؤتى إلا من وجه واحد، فإن أنت لم تفعل فقد أعرى أبو جعفر عسكره، فتخفف في طائفة حتى تأتيه فتأخذ بقفاه، فدعا إبراهيم أصحابه وعرض عليهم ذلك، فقالوا: نخندق على أنفسنا ونحن ظاهرون عليهم؟ ! لا والله لا نفعل؛ قال: فنأتي أبا جعفر، قالوا: ولم وهو في أيدينا، متى أردناه؟ ! فقا لإبراهيم للرسول: أتسمع، فارجع راشداً.\rثم إنهم تصادفوا، فصف إبراهيم أصحابه صفاً واحداً، فأشار عليه بعض أصحابه بأن يجعلهم كراديس، فإذا انهزم كردوس ثبت كردوس، فإن الصف إذا انهزم بعضه تداعى سائره، فقال الباقون: لا نصف إلا صف أهل الإسلام، يعني قول الله تعالى \" إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص \" ، ثم التوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم حميد بن قحطبة وانهزم الناس معه، فعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة، فلا يلوون عليه، وأقبل حميد منهزماً فقال له عيسى: الله الله والطاعة، فقال لا طاعة في الهزيمة، ومر الناس فلم يبق مع عيسى إلا نفر يسير، فيقيل له: أو تنحيت عن مكانك حتى يثوب إليك الناس، فتكر بهم؟ فقال: لا أزول عن مكاني هذا أبداً حتى أقتل أو يفتح الله على يدي، والله لا ينظر أهل بيتي إلى وجهي أبداً وقد انهزمت عن عدوهم، وجعل يقول لمن يمر به: إقرأوا أهل بيتي السلام، وقولوا لهم لم أجد فداء أفديكم به أعز من نفسي، وقد بذلتها دونكم، فبينما هو كذلك لا يلوي أحد على أحد إذ أتى جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي بن ظهور أصحاب إبراهيم، ولا يشعر باقي أصحابه الذين يتبعون المنهزمين، حتى نظر بعضهم فرأى القتال من ورائهم، فعطفوا نحوه ورجع أصحاب المنصور يتبعونهم، فكانت الهزيمة على أصحاب إبراهيم، فلولا جعفر ومحمد لتمت الهزيمة، وكان من صنع الله للمنصور أن أصحابه لقيهم نهر في طريقهم، فلم يقدروا على الوثوب ولم يجدوا مخاضة فعادوا بأجمعهم، وكان أصحاب إبراهيم قد مخروا الماء ليكون قتالهم من وجه واحد، فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار، وثبت إبراهيم في نفر من أصحابه يبلغون ستمائة، وقيل أربعمائة، فقاتلهم حميد وجعل يرسل بالرؤوس إلى عيسى، وجاء إبراهيم سهم عائر فوقع في حلقه فنحره، فتنحى عن موقفه وقال: أنزلوني، فأنزلوه عن مركبه وهو يقول: وكان أمر الله قدراً مقدوراً، أردنا أمراً وأراد الله غيره، واجتمع عليه أصحابه وخاصته يحمونه ويقاتلون دونه، فقال حميد بن فحطبة لأصحابه: شدوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم، وتعلموا ما اجتمعوا عليه، فشدوا عليهم فقاتلوهم أشد القتال، حتى أفرجوهم عن إبراهيم وخلصوا إليه وحزّوا رأسه، فأتوا به عيسى بن موسى، فأراه ابن أبي الكرام الجعفري، فقال: نعم هو رأسه، فنزل عيسى إلى الأرض فسجد، وبعث برأسه إلى المنصور، وكان مقتله يوم الإثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائة، وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاث أشهر إلا خمسة أيام.","part":7,"page":37},{"id":3048,"text":"وقيل كان سبب انهزام أصحاب إبراهيم، أنهم لما هزموا أصحاب المنصور وتبعوهم نادى منادي إبراهيم: ألا تتبعوا مدبرا فرجعوا، فلما رآهم أصحاب المنصور راجعين ظنوهم منهزمين، فعطفوا في آثارهم وكانت الهزيمة. قال: وبلغ المنصور الخبر بهزيمة أصحابه أولاً، فعزم على اتيان الري، فأتاه نوبخت المنجم فقال: يا أمير المؤمنين، الظفر لك، وسيقتل إبراهيم فلم يقبل منه، فبينما هو كذلك إذ أتاه الخبر بقتل إبراهيم، فتمثل:\rفألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر\rفأقطع المنصور فوبخت ألفي تجريب بنهر جوبر، وحمل رأس إبراهيم إلى المنصور، فوضع بين يديه فلما رآه بكى، حتى جرت دموعه على خد إبراهيم، ثم قال: أما والله إن كنت لهذا كارهاً، ولكنك ابتليت بي وابتليت بك، ثم جلس مجلساً عاماً وأذن للناس، فكان الداخل يدخل فيتناول إبراهيم، ويسيء القول فيه ويذكر فيه القبيح، التماساً لرضا المنصور، والمنصور ممسك متغير لونه، حتى دخل جعفر بن حنظلة البهراني، فوقف فسلم ثم قال: عظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك، وغفر له ما فرط فيه من حقك، فاستقر لون المنصور وأقبل عليه،وقال: مرحبا أبا خالد ههنا، فعلم الناس أن ذلك يرضيه، فقالوا مثل قوله. قيل ولما وضع الرأس بين يدي المنصور بصق في وجهه رجل من الحرس، فأمر به المنصور فضرب بالعمد، فهشمت أنفه ووجهه، وضرب حتى خمد وأمر به فجروا برجله فألقوه خارج الباب.\rقال: ومما رثى به محمد بن عبد الله وأخوه إبراهيم قول عبد الله ابن مصعب بن ثابت:\rيا صاحبي دعا الملامة واعلما ... أن لست في هذا بألوم منكما\rوقفا بقبر ابن النبي فسلما ... لا بأس أن تقفا به فتسلم\rقبر تضمن خير أهل زمانه ... حسبا وطيب سجية وتكرما\rرجل نفى بالعدل جور بلاده ... وعفا عظيمات الأمور وأنعما\rلم يجتنب قصد السبيل ولم يجر ... عنه ولم يفتح بفاحشة فما\rلو أعظم الحدثان شيئاً قبله ... بعد النبي لكنت المعظما\rأو كان أمتع بالسلامة قبله ... أحداً لكان قصاره أن يسلما\rضحوا بإبراهيم خير ضحية ... فتصرمت أيامه وتصرما\rبطلاً يخوض بنفسه غمراتها ... لا طائشاً رعشاً ولا مستسلما\rحتى مضت فيه السيوف وربما ... كانت حتوفهم السيوف وربما\rأضحى بنو حسن أبيح حريمهم ... فينا وأصبح نهبهم متقسما\rونساؤهم في دورهن نوائح ... سجع الحمام إذا الحمام ترنما\rيتوسلون بقتلهم ويرونه ... شرفاً لهم عند الإمام ومغنما\rوالله لو شهد النبي محمد ... صلى الإله على النبي وسلما\rإشراع أمته الأسنة لابنه ... حتى تقطر من ظباتهم دما\rحقاً لأيقن أنهم قد ضيعوا ... تلك القرابة واستحلوا المحرما\rهذا ما كان من أخبار محمد بن عبد الله بن حسن وأخيه إبراهيم رحمهما الله تعالى، ثم لم يتحرك بعدهم أحد من الطالبيين إلى أن ظهر الحسين بن علي بن الحسن.\rالحسين بن علي بن الحسن بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو المقتول بفخ","part":7,"page":38},{"id":3049,"text":"كان ظهوره بالمدينة في ذي القعدة سنة تسع وستين ومائة في خلافة الهادي موسى، وسبب ذلك أن الهادي استعمل على المدينة عمر ابن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما وليها أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، ومسلم بن حندب الشاعر الهذلي، وعمر بن سلام مولى آل عمر، على شراب لهم، فأمر بهم فضربوا جميعاً، وجعل في أعناقهم حبال وطيف بهم في المدينة، فجاء الحسين بن علي إلى العمري، وقال له: قد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم! لأن أهل العراق لا يرون به بأساً، فلم تطوف بهم؟ فأمر بهم فردوا وحبسهم؛ ثم إن الحسين ابن علي هذا ويحيى بن عبد الله بن الحسين كفلا الحسن بن محمد فأخرجه العمري من الحبس، وكان قد ضمن بعض آل أبي طالب بعضاً، وكانوا يعرضون، فغاب الحسن بن محمد عن العرض يومين، فأحضر العمري الحسين بن علي ويحيى بن عبد الله وسألهما عنه وأغلظ لهما، فحلف له يحيى أنه لا ينام حتى يأتيه به، أو يدق عليه باب داره حتى يعلم أنه جاءه به، فلما خرجا قال له الحسين: سبحان الله! ما دعاك إلى هذا؟ ومن أين تجد حسنا؟ حلفت له بشيء لا تقدر عليه، فقال: والله لا نمت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف، فقال له الحسين: إن هذا ينقض ما كان بيننا وبين أصحابنا من الميعاد، وكانوا قد تواعدوا على أن يظهروا بمنى أو بمكة في الموسم، فقال يحيى: قد كان ذلك فانطلقا، وعملا في ذلك من ليلتهم، وخرجوا آخر الليل، وجاء يحيى حتى ضرب على العمري باب داره فلم يجده، وجاءوا فاقتحموا المسجد بعد الصبح، فلما صلى الحسين الصبح أتاه الناس فبايعوه: على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، للمرتضى من آل محمد، وجاء خالد البربري في مائتين من الجند، وجاء العمري ووزير بن إسحاق الأزرق ومحمد بن واقه الشروي ومعهم ناس كثير، فدنا خالد منهم فقام إليه يحيى وإدريس ابنا عبد الله بن حسن، فضربه يحيى على أنفه فقطعه، ودار له إدريس من خلفه فضربه فصرعه ثم قتلاه، وانهزم أصحابه ودخل العمري في المسودة، فحمل عليهم أصحاب الحسين فهزموهم من المسجد، وانتهبوا بيت المال وكان فيه بضعة عشر ألف دينار، وقيل سبعون ألفاً، وتفرق الناس وأغلق أهل المدينة أبوابهم، فلما كان الغد اجتمع عليهم شيعة بني العباس فقاتلوهم، وفشت الجراحات في الفريقين، واقتتلوا إلى الظهر ثم افترقوا، ثم إن مباركا التركي أتى شيعة بني العباس من الغد - وكان قدم حاجا - فقاتل معهم فاقتتلوا أشد قتال إلى منتصف النهار، ثم تفرقوا ورجع أصحاب الحسين إلى المسجد، وواعد مبارك الناس الرواح إلى القتال، فلما غفلوا عنه ركب رواحله وانطلق، وراح الناس فلم يجدوه، فقاتلوا شيئاً من قتال إلى المغرب ثم تفرقوا، وقيل إن مباركاً أرسل إلى الحسين يقول له: والله لئن أسقط من السماء فيتخطفني الطير أيسر على من أن تشوكك شوكة، أو تقطع من رأسك شعرة، ولكن لابد من الاعذار، فبينتني فإني منهزم عنك، فوجه إليه حسين أو خرج إليه في نفر، فلما دنوا من عسكره صاحوا وكبروا، فانهزم هو وأصحابه، وأقام الحسين وأصحابه أياماً يتجهزون، فكان مقامهم بالمدينة أحد عشر يوماً، ثم خرجوا لست بقين من ذي القعدة، فلما خرجوا عاد الناس إلى المسجد، فوجدوا فيه الطعام الذي كانوا يأكلون وآثارهم، فدعوا عليهم.","part":7,"page":39},{"id":3050,"text":"ولما فارق الحسين المدينة قال: يا أهل المدينة، لا خلف الله عليكم بخير، فقالوا: بل أنت، لا خلف الله عليك بخير، ولا ردك إلينا، وكان أصحابه يحدثون في المسجد، فغسله أهل المدينة. قال: ولما أتى الحسين مكة فنودي: أيما عبد أتانا فهو حر، فأتاه العبيد، فانتهى الخبر إلى الهادي؛ وكان قد حج تلك السنة رجال من أهل بيته، منهم سليمان بن المنصور، ومحمد بن سليمان بن علي، والعباس ابن محمد بن علي، وموسى وإسماعيل ابنا عيسى بن موسى، فكتب الهادي إلى محمد بن سليمان بتوليته على الحرب، وكان قد سار من البصرة بجماعة وسلاح لخوف الطريق، فاجتمعوا بذي طوى، وكانوا قد أحرموا بعمرة، فلما قدموا مكة طافوا وسعوا وحلوا من العمرة، وعسكروا بذي طوى وانضم إليهم من حج من شيعتهم ومواليهم وقوادهم، والتقوا واقتتلوا يوم التروية، فانهزم أصحاب الحسين، وقتل منهم وجرح، وانصرف محمد بن سليمان ومن معه إلى مكة، ولا يعلمون حال الحسين، فلما بلغوا ذا طوى لحقهم رجل من أهل خراسان يقول: البشرى، البشرى، هذا رأس الحسين فأخرجه وبجبهته ضربة طولا، وعلى قفاه ضربة أخرى، وكانوا قد نادوا الأمان، فجاء الحسن بن محمد بن عبد الله أبو الزفت فوقف خلف محمد بن سليمان والعباس بن محمد، فأخذه موسى بن عيسى وعبد الله ابن العباس فقتلاه، فغضب محمد بن سليمان غضباً شديداً، وأخذ رؤوس القتلى فكانت مائة رأس ونيفا، وفيها رأس سليمان بن عبد الله ابن حسن بن حسن بن علي، وأخذت أخت الحسين فتركت عند زينب بنت سليمان، واختلط المنهزمون بالحاج، وأتى الهادي بستة أسرى، فقتل بعضهم واستبقى بعضهم، وغضب على موسى ابن عيسى كيف قتل الحسن بن محمد، وقبض أمواله فلم تزل بيده حتى مات، وغضب على مبارك التركي، وأخذ ماله وجعله سائس الدواب، فبقي كذلك حتى مات الهادي، وأفلت من المنهزمين إدريس ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، فأتى مصر وعلى بريدها واضح، مولى صالح بن المنصور، وكان شيعياً فحمله على البريد إلى أرض المغرب، فوقع بأرض طنجة بمدينة وليلة، فاستجاب له من بها من البربر، فضرب الهادي عنق واضح وصلبه، وقيل إن الرشيد هو الذي قتله، وأن الرشيد دس إلى إدريس الشماخ اليمامي، مولى المهدي، فأتاه وأظهر أنه من شيعتهم وعظمه وآثره على نفسه، فمال إليه إدريس وأنزله عنده، ثم إن إدريس شكا إليه مرضاً في أسنانه، فوصف له دواء وجعل فيه سماً، وأمره أن يستن به عند طلوع الفجر فأخذه منه، وهرب الشماخ ثم استعمل إدريس الدواء فمات منه، فولى الرشيد الشماخ بريد مصر. قال: ولما مات إدريس ابن عبد الله خلف مكانه ابنه إدريس بن إدريس، وأعقب بها وملكوها، ونازعوا بني أمية في إمارة الأندلس، وقد تقدم ذكر ذلك في أخبار الأندلس فلا فائدة قي إعادته. قال: وحملت الرؤوس إلى الهادي، فلما وضع رأس الحسين بين يديه قال: كأنكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت! ! إن أقل ما أجزيكم أن أحرمكم جوائزكم، فلم يعطهم شيئاً.\rقال: وكان الحسين شجاعاً كريماً، قدم على المهدي فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرقها في الناس ببغداد والكوفة، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه، إلا وبرا ليس تحته قميص، وهذا غاية في الجود ونهاية في الكرم والإيثار، رحمه الله تعالى وغفر له.\rيحيى بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب","part":7,"page":40},{"id":3051,"text":"كان ظهوره في خلافة الرشيد بن المهدي في سنة ست وسبعين ومائة ببلاد الديلم، واشتدت شوكته وكثرت جموعه، وأتاه من الأمصار، فاغتم الرشيد لذلك، فندب إليه الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي في خمسين ألفاً، وولاه جرجان وطبرستان والري وغيرها وحمل معه الأموال، فكاتب يحيى بن عبد الله ولطف به وحذره، وأشار عليه وبسط أمله، ونزل الفضل بالطالقان، بمكان يقال له أشب، ووالى كتبه إلى يحيى، وكاتب صاحب الديلم وبذل له ألف ألف درهم، على أن يسهل له خروج يحيى بن عبد الله، فأجاب يحيى إلى الصلح على أن يكتب له الرشيد أماناً بخطه، يشهد عليه فيه القضاة والفقهاء وجلة بني هاشم ومشايخهم؛ منهم عبد الصمد بن علي، فأجابه الرشيد إلى ذلك، وسرّ به وعظمت منزلة الفضل عنده، وسيّر الأمان مع هدايا وتحف، فقدم يحيى مع الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما أحب وأمر له بمال كثير، ثم حبسه الرشيد بعد ذلك فمات في حبسه؛ وكان الرشيد قد عرض كتاب أمان يحيى على محمد بن الحسن الفقيه وعلى أبي البختري القاضي، فقال محمد: الأمان صحيح، فحاجه الرشيد، فقال محمد: وما يصنع بالأمان؟ لو كان محارباً ثم ولىّ كان آمنا، وقال أبو البختري: هذا أمان منتقض من وجه كذا، فمزقه الرشيد، وقد ذكرنا خبر يحيى في حبسه فيما تقدم من كتابنا هذا، عند ذكرنا لأخبار القبض على البرامكة في أيام الرشيد، وأن الرشيد كان قد حبسه عند جعفر، فأطلقه جعفر بغير أمر الرشيد، وقيل بل أخبره بوفاته، ثم نقله إلى خراسان وأودعه عند أميرها على ابن عيسى بن ماهان، وأوصاه به أن يكون عنده موسعاً عليه واستكتمه أمره، فكتب علي بذلك إلى الرشيد، فكان ذلك سبب زوال نعمة البرامكة، وقد تقدم ذكر هذه القصة هناك مبسوطة، ولا فائدة في تكرار ذلك وإعادته، فلنذكر خلافه من أخبار من ظهر من الطالبيين.\rمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم ابن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو المعروف بابن طباطبا كان ظهوره بالكوفة لعشر خلون من جمادى الآخر سنة تسع وتسعين ومائة، في خلافة عبد الله المأمون بن الرشيد هارون، وخرج يدعوا إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم، والعمل بكتاب الله عزّ وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان القيم بأمره في الحرب أبو السرايا السري بن منصور، وهو من ولد هانئ بن قبيصة ابن هانئ بن مسعود الشيباني، فلما اشتد أمر محمد أراد أن يستقل بالأمر دون أبي السرايا، فسقاه أبو السرايا سماً فمات، في مسهل شهر رجب من السنة المذكورة، وقد ذكرنا خبره مبيناً في أخبار المأمون ابن الرشيد. ولما مات محمد بن إبراهيم نصب أبو السرايا مكانه غلاماً أمرد يقال له: محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي وصار الحكم لأبي السرايا، واستعمل العمال على البصرة والأهواز وفارس ومكة واليمن، وانتشر الطالبيون في البلاد وقوى أمرهم، إلى أن قتل أبو السرايا وذلك في المحرم سنة مائتين، فاستعيدت البلاد من الطالبيين على ما قدمناه في أخبار أبي السرايا في خلافة المأمون.\rإبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وما كان من أمره كان ظهوره بمكة في سنة مائتين في خلافة المأمون، وكان أبو السرايا قد ولاه اليمن، فأتاه الخبر بمقتل أبي السرايا وهو بمكة، فسار إلى اليمن وبها إسحاق بن موسى بن عيسى عاملاً للمأمون، فلما بلغه قرب إبراهيم من صنعاء سار نحو مكة، واستولى إبراهيم على اليمن، وكان يسمى الجزار لكثرة من قتل باليمن، وسبى وأخذ الأموال، ولم يتم أمره ولا أمر غيره ممن كان أبو السرايا استعملهم، وقد ذكرنا خبر الحسين بن الحسن الأفطس ومحمد بن جعفر وما كان من أمرهما بمكة في أخبار المأمون، ولا فائدة في إعادته، وقد ذكرنا أيضاً خبر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وخروجه بالطالقان، وما كان من أمره في أخبار المعتصم بالله بن الرشيد في سنة تسع عشرة ومائتين.\rيحيى بن عمر بن يحيى بن حسين ابن زيد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب وهو المكنى بأبي الحسين","part":7,"page":41},{"id":3052,"text":"وكان ظهوره بالكوفة في سنة خمسين ومائتين في خلافة المستعين بالله، وسبب ظهوره أنه نالته ضائقة، ولزمه دين ضاق به ذرعاً، فلقي عمر بن فرج وهو يتولى أمر الطالبيين، فكلمه في صلته فأغلظ له عمر، وحبسه فلم يزل محبوساً حتى كفله أهله، فأطلق وسار إلى بغداد، فأقام بها سنة ثم رجع إلى سامراً، فلقي وصيفاً فكلمه في رزق يجريه له، فأغلظ له وصيف وقال: لأي شيء يجري على مثلك؟ فانصرف إلى الكوفة وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان الهاشمي، عامل محمد بن عبد الله بن طاهر، فجمع أبو الحسين جمعاً كثيراً كثيراً من الأعراب وأهل الكوفة، وأتى الفلوجة فكتب صاحب البريد بخبره إلى محمد بن عبد الله، فكتب محمد بن عبد الله إلى أيوب وعبد الله بن محمود السرخسي، عامله على معاون السواد، يأمرهما بالاجتماع على حرب يحيى. قال: ومضى يحيى بن عمر إلى بيت مال الكوفة فأخذ ما كان فيه، وهو ألفا دينار وسبعون ألف درهم، وأظهر أمره بالكوفة وفتح السجون وأخرج من فيها، وأخرج العمال عن الكوفة، فلقيه عبد الله بن محمود السرخسي فيمن معه، فضربه يحيى على وجهه ضربة أثخنه بها، فانهزم عبد الله، وأخذ أصحاب يحيى ما كان معهم من الدواب والمال، وخرج يحيى إلى سواد الكوفة، وتبعه جماعة من الزيدية وغيرهم إلى ظهر واسط، وأقام بالبستان فكثر جمعه، فوجه محمد بن عبد الله إلى محاربته الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب في جمع من أهل النجدة والقوة، فسار إليه ونزل في مقابلته ولم يقدم عليه، وسار يحيى والحسين في أثره حتى نزل الكوفة، ولقيه عبد الرحمن بن الخطاب المعروف بوجه الفلس قبل دخولها، فقاتله فانهزم عبد الرحمن إلى ناحية شاهي فوافاه الحسين بها، واجتمعت الزيدية إلى يحيى بن عمر، ودعا بالكوفة إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم، واجتمع الناس إليه، وتولاه العامة من أهل بغداد، ولا يعلم أنهم تولوا أحداً من أهل بيته سواه، وبايعه جماعة من أهل الكوفة ممن له تدبير وبصيرة في تشيعهم، ودخل فيهم أخلاط لا ديانة لهم، وأقام الحسين بشاهى فأراح واستراح، واتصلت به الأمداد، ويحيى بالكوفة يعد الرجال ويصلح السلاح، فأشار عليه جماعة من الزيدية ممن لا علم لهم بالحرب بمعاجلة الحسين بن إسماعيل، وألحوا عليه فزحف إليه في ليلة الإثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رجب من السنة، ومعهم الهيضم العجلي وغيره، ورجاله من أهل الكوفة ليس لهم علم بالحرب ولا شجاعة، وأسروا ليلتهم وصبحوا حسيناً وهو مستريح، فثاروا بهم في الغلس، فركب أصحاب الحسين وحملوا عليهم فانهزموا، ووضعوا فيهم السيف وأسروا منهم، فكان أول من أسر الهيضم العجلي، وانكشف العسكر عن يحيى وعليه جوشن، وقد تقطر به فرسه، فوقف عليه ابن خالد بن عمران يقال له خير، فلم يعرفه وظنه من أهل خراسان لما رأى عليه الجوشن، فأمر رجلاً فنزل إليه وأخذ رأسه، فعرفه رجل وسير الرأس إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وادعى قتله غير واحد، فبعث محمد الرأس إلى المستعين، فنصب بسامراً ثم حط وسير إلى بغداد لينصب بها، فلم يقدر محمد بن طاهر على ذلك لكثرة من اجتمع من الناس، فلم ينصبه وخاف أن يأخذوه، فجعله في صندوق في بيت السلاح، ووجه الحسين بن إسماعيل رؤوس من قتل ومن أسر إلى بغداد فحبسوا بها، وكتب محمد بن عبد الله فيهم فأمر بتخليتهم ودفن الرؤوس.\rقال: ولما ورد الخبر بقتل يحيى على محمد بن عبد الله جلس ليهنأ بذلك، فدخل عليه داود بن الهيثم الجعفري فقال: أيها الأمير، إنك لتهنأ بقتل رجل لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً لعزى به، فما رد محمد عليه شيئاً، وأكثر الشعراء المراثى في يحيى، لما كان عليه من حسن السيرة والديانة، فمن ذلك قول بعضهم:\rبكت الخيل شجوها بعد يحيى ... وبكاه المهند المصقول\rوبكته العراق شرقاً وغرباً ... وبكاه الكتاب والتنزيل\rوالمصلى والبيت والركن والحج ... ر جميعاً له عليه عويل\rكيف لم تسقط السماء علينا ... يوم قالوا أبو الحسين قتيل\rوبنات النبي يندبن شجوا ... موجعات دموعهن همول\rقطعت وجهه سيوف الأعادي ... بأبي وجهه الوسيم الجميل","part":7,"page":42},{"id":3053,"text":"إن يحيى أبقى بقلبي غليلاً ... سوف يودي بالجسم ذاك الغليل\rقتله مذكر لقتل علي ... وحسين ويوم أو ذي الرسول\rصلوات الإله وقفا عليهم ... ما بكى موجع ومسن ثكول\rالحسين بن محمد وفي سنة إحدى وخمسين ومائتين في زمن الخلف الذي وقع بين المستعين والمعتز، ظهر بالكوفة رجل من الطالبيين، اسمه الحسين ابن محمد بن حمزة بن عبد الله بن حسين بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، واستخلف بها محمد بن جعفر العلوي، فوجه إليه المستعين مزاحم بن خاقان، وكان العلوي بسواد الكوفة في جماعة من بني أسد ومن الزيدية، وأجلى عنها عامل الخليفة، وهو أحمد بن نصر بن حمزة بن مالك الخزاعي إلى قصر ابن هبيرة، فاجتمع وهشام بن أبي دلف العجلي فسارا إلى الكوفة، فحمل أهل الكوفة العلوية على قتالهما ووعدوهم النصرة، فقاتلهم مزاحم وكان قد سير قائداً مع جماعة، فأتى الكوفة من الجهة الأخرى، فأطبقوا عليهم فلم يفلت منهم أحد، ودخل الكوفة فرماه أهلها بالحجارة فأحرقها بالنار، وأحرق منها سبعة أسواق حتى خرجت النار إلى السبيع، ثم هجم على الدار التي فيها العلوي، فهرب وأقام مزاحم بالكوفة.\rإسماعيل بن يوسف بن إبراهيم ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي كان ظهوره بمكة في سنة إحدى وخمسين ومائتين، ولما ظهر هرب عاملها، وانتهب إسماعيل داره ومنازل أصحاب السلطان، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة، وأخذ ما في الكعبة وخزائنها من الذهب والفضة وغير ذلك، وأخذ كسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحوا من مائتي ألف دينار، فخرج منها بعد أن نهبها وأحرق بعضها في شهر ربيع الأول، بعد أن أقام بها خمسين يوماً، وصار إلى المدينة فتوارى عاملها، ثم رجع إلى مكة في شهر رجب، فحصرهم حتى غلت الأسعار، ولقي أهل مكة منه كل بلاء، ثم سار إلى جدة بعد مقامه سبعة وخمسين يوماً، فحبس عن الناس الطعام، وأخذ أموال التجار وأصحاب المراكب، ثم وافى عرفة وبها محمد بن عيسى الملقب كعب البقر، وعيسى بن محمد المخزومي كان المعتز قد وجههما إليها، فقاتلهما إسماعيل، وقتل من الحاج نحو ألف ومائة إنسان، وسلب الناس فهربوا إلى مكة، ولم يقفوا بعرفة ليلاً ولا نهاراً، ووقف إسماعيل وأصحابه، ثم رجع إلى جدة فجبى أموالها.\rعلي بن زيد العلوي بالكوفة وخروجه عنها كان ظهوره في سنة ست وخمسين ومائتين واستولى على الكوفة، وأزال عنها نائب الخليفة المعتمد على الله واستقر بها، فسير إليه المعتمد الشاه بن مكيال في جيش كثيف، فالتقوا واقتتلوا فانهزمت جيوش المعتمد، وقتل جماعة منهم، فسير لمحاربته كنجور التركي، وأمره أن يدعوه إلى الطاعة ويبذل له الأمان، ففعل ذلك فطلب علي أموراً لم تجبه كنجور إليها، فخرج علي عن الكوفة إلى القادسية فعسكر بها، ودخل كنجور الكوفة في ثالث شوال من السنة، ومضى علي بن زيد إلى خفّان، ثم دخل البر إلى بلاد بني أسد وكان قد صاهرهم، فأقام هناك ثم فارقهم وصار إلى جهة، فبلغ كنجور خبره فسار إليه من الكوفة في سلخ ذي الحجة، فواقعة فانهزم علي وقتل نفر من أصحابه، ولم يزل علي بن زيد إلى سنة ستين فقتله صاحب الزنج. فلنذكر أخبار دولتهم بطبرستان.\rالدولة العلوية بطبرستان\rالحسن بن زيد","part":7,"page":43},{"id":3054,"text":"كان ظهور هذه الدولة في سنة خمسين ومائتين في خلافة المستعين بالله، وأول من ظهر منهم الداعي إلى الحق: الحسن بن زيد بن محمد ابن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وكان سبب ظهوره أن محمد بن عبد الله بن طاهر لما ظفر بيحيى بن عمر أقطعه المستعين بالله من صوافي السلطان بطبرستان، قطائع منها قطيعة بقرب ثغر الديلم، وهي كلار وسالوس؛ وكان بجوارها أرض يحتطب منها أهل تلك الناحية، وترعى فيها مواشيهم ليس لأحد عليها ملك، إنما هي موتان، وهي ذات عيون وأشجار وكلأ، فوجه محمد بن عبد الله نائبه لحيازة ما أقطع، وهو جابر بن هارون النصراني، وكان عامل طبرستان يومئذ سليمان بن عبد الله بن طاهر، خليفة عن محمد بن طاهر، وكان الغالب على أمر سليمان، محمد بن أوس البلخي، وقد فرق محمد بن أوس هذا أولاده في مدن طبرستان، وهم أحداث سفهاء فتأذى بهم الرعية، وشكوا سوء سيرتهم وسيرة أبيهم وسيرة سليمان، ثم دخل محمد بن أوس بلاد الديلم، وهم مسالمون لأهل بطرستان، فسبى منهم وقتل، وساء ذلك أهل بطرستان، ولما قدم جابر بن هارون لحيازة ما أقطع لمحمد ابن عبد الله عدا على تلك الأرض المباحة، فحازها إلى كلا روسالوس، وكان في تلك الناحية أخوان لهما بأس ونجدة، مذكوران ببذل الطعام وشدة الطعان، يقال لأحدهما محمد والآخر جعفر ابنا رستم، فأنكرا ما فعل جابر من حيازة الموات، وكانا مطاعين في تلك الناحية، فاستنهضا من أطاعهما لمنع جابر من حيازة ذلك الموات، فخافهما جابر وهرب منهما ولحق بسليمان بن عبد الله، وخاف محمد وجعفر ومن معهما من عامل طبرستان، فراسلوا من جاورهم من الديلم يذكرونهم العهد الذي بينهم ويعتذرون مما فعله محمد بن أوس بهم من السبي والقتل، وأنفقوا على المعاونة على حرب سليمان بن عبد الله وغيره، ثم أرسل ابنا رستم إلى رجل من الطالبيين - اسمه محمد بن إبراهيم - كان بطبرستان، يدعونه إلى البيعة له فامتنع من ذلك، وقال: ولكني أدلكم على رجل منّا، وهو أقوم بهذا الأمر مني، فدلهم على الحسن بن زيد وهو إذ ذاك بالري، فوجهوا إليه برسالة محمد بن إبراهيم يدعونه إلى طبرستان، فشخص إليها وقد اجتمعت كلمة الديلم وأهل كلاروسالوس على بيعته، فبايعوه وطردوا عمال ابن أوس عنهم، فلحقوا بسليمان، وانضم إلى الحسن بن زيد أيضاً أهل جبال طبرستان، فتقدم الحسن ومن معه نحو مدينة آمل طبرستان، وهي أقرب المدن إليهم. وأقبل ابن أوس من سارية لدفعهم عنها. والتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً. فتوجه الحسن بن زيد في جماعة إلى آمل فدخلها، فلما سمع ابن أوس الخبر - وهو مشغول بحرب أصحاب الحسن - لم تكن له همة إلا النجاة بنفسه، فهرب ولحق بسليمان إلى سارية، واستولى الحسن على آمل، وكثر جمعه وأتاه كل طالب نهب وفتنة. فأقام بآمل أياماً ثم سار نحو سارية لحرب سليمان بن عبد الله، فالتقوا خارج مدينة سارية، ونشبت الحرب بينهم، فسار بعض قواد الحسن نحو سارية فدخلها، فلما سمع سليمان الخبر انهزم هو ومن معه، وترك أهله وعياله وأثقاله بها، واستولى الحسن وأصحابه على جميع ذلك، وسير إليه أولاده وأهله في مركب إلى جرجان، وقيل إن سليمان إنما انهزم اختياراً، لأن الطاهرية كلها كانت تتشبع، فلما أقبل الحسن نحو طبرستان تأثم سليمان من قتاله لشدة تشيعه، وقال:\rنبئت خيل ابن زيد أقبلت حينا ... تريدنا لتحسينا الأمرينا\rيا قوم إن كانت الأنباء صادقة ... فالويل لي ولجمع الطاهريينا\rأما أنا فإذا اصطفت كتائبهم ... أكون من بينهم رأس المولينا\rوالعذر عند رسول الله منبسط ... إذا احتسبت دماء الفاطمييينا\rفلما التقوا انهزم سليمان، قال: ولما اجتمعت طبرستان للحسن بن زيد وجه إلى الري جنداً مع رجل من أهله، يقال له الحسن بن زيد أيضاً، فملكها وطرد عامل الطاهرية عنها، واستخلف بها رجلاً من العلويين يقال له محمد بن جعفر، وانصرف عنها.\rقال: وورد خبر الحسن على المستعين بالله، ومدبر أمره يومئذ وصيف، وكاتبه أحمد بن صالح، فوجه إسماعيل بن فراشة في جند إلى همذان، وأمره بالمقام بها ليمنع خيل الحسن بن زيد عنها، وما عدا همذان فأمره إلى محمد بن طاهر.","part":7,"page":44},{"id":3055,"text":"قال: ولما استقر محمد بن جعفر الطالبي بالري، ظهر منه أمور كرهها أهل الري، ووجه محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر قائداً يقال له ابن ميكال، في جمع من الجند إلى الري، فالتقى هو ومحمد ابن جعفر الطالبي خارج الري، فأسر محمد وانهزم جيشه، ودخل ابن ميكال إلى الري وأقام بها، فوجه إليه الحسن بن زيد عسكراً، مع قائد من قواده يقال له واجن، فالتقوا واقتتلوا فانهزم ابن ميكال واعتصم بالري، فاتبعه واجن وأصحابه حتى قتلوه، وصارت الري في يد أصحاب الحسن بن زيد.\rثم ظهر بالري في سنة خمسين ومائتين أيضاً\rأحمد بن عيسى بن علي بن حسين الصغير بن علي بن حسين ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فصلى أحمد بن عيسى بأهل الري صلاة العيد، ودعا إلى الرضا من آل محمد، فحاربه محمد بن علي طاهر، فانهزم ابن طاهر وصار إلى قزوين.\rثم مسك أحمد في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وسير إلى نيسابور، وكان الذي ظفر به عبد الله بن عزيز.\rوفي سنة إحدى وخمسين ومائتين رجع سليمان بن عبد الله بن طاهر إلى طبرستان بجمع كثير، ففارقها الحسن بن زيد ولحق بالديلم، ودخلها سليمان وقصد سارية، وأتاه أهل آمل وغيرهم، منيبين مظهرين الندم يسألون الصفح، فلقيهم بما أرادوا، ونهى أصحابه عن القتل والنهب، ثم فارقها سليمان وعاد الحسن بن زيد إليها، فسار مفلح إليه من قبل موسى بن بغا في سنة خمس وخمسين ومائتين، وحاربه فانهزم الحسن ولحق بالديلم، ودخل مفلح آمل وأحرق منازل الحسن، وسار إلى الديلم في طلبه، ثم كتب إليه موسى بن بغا بالقدوم عليه إلى الري، فسار إليه ثم سار إلى سامرا.\rملك الحسن بن زيد جرجان\rوفي سنة سبع وخمسين ومائتين قصد الحسن جرجان واستولى عليها، وكان محمد بن عبد الله بن طاهر أمير خراسان - لما بلغه عزم الحسن على قصد جرجان - جهز العساكر، وأخرج عليها الأموال الكثيرة، وسيرها لحفظ جرجان، فلم يقوموا بحرب الحسن، وظفر بهم وملك البلد وقتل كثيراً من العساكر، وغنم هو وأصحابه ما معهم، فضعف حينئذ محمد بن طاهر، وانتقض عليه كثير من الأعمال التي يجبي خراجها إليه، ولم يبق في يده إلا بعض خراسان، وأكثرها بيد المتغلبين كيعقوب بن الليث الصفار وغيره.\rوفيها فارق عبد العزيز بن أبي دلف الري من غير سبب يعلم وأخلاها، فأرسل الحسن بن زيد القاسم بن علي بن القاسم العلوي، فغلب عليها فأساء السيرة في أهلها، وخلع أبواب المدينة - وكانت من حديد - وسيرها إلى الحسن، وبقي كذلك نحو سنتين.\rوفي سنة تسع وخمسين ومائتين غلب الحسن بن زيد على قومس، ودخلها أصحابه، وفي سنة ستين ومائتين دخل يعقوب بن الليث الصفار طبرستان، وانهزم الحسن إلى أرض الديلم على ما نذكره في أخبار الدولة الصفارية.\rوفاة الحسن بن زيد\rوشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته يوم الاثنين لثلاث خلون من رجب سنة سبعين ومائتين، فكانت مدة ولايته تسع عشرة وثمانية أشهر وستة أيام - وقيل - واثني عشر يوماً، وكان مهيباً عظيم الخلق. حكى صاحب كنوز المطالب في بني أبي طالب عن الصولى: أن الحسن عطس يوماً عطسةً، وكان رجل يؤذن في المنارة ففزع فسقط منها إلى الأرض فمات. قال: وكان أقوى البغال لا تحمله أكثر من فرسخين، وكان في آخر عمره يشق بطنه ويخرج منه الشحم ثم يخاط، وكان جواداً ممدوحاً، امتدحه رجل فأعطاه عشرة آلاف درهم، وفيه يقول محمد بن إبراهيم الجرجاني وقد افتصد:\rإنما غيب الطبيب شبا ... المبضع عندي في مهجة الإسلام\rسرت الأرض حين صب عليها ... دم خير الورى وأعلى الأنام\rوكان متواضعاً لله عزّ وجل. حكى عنه أنه مدحه شاعر فقال الله فرد وابن زيد فرد، فرد فقال: بفيك الكثكث يا كذاب! ! لم لا قلت: الله فرد وابن زيد عبد، ثم نزل عن مكانه وخر ساجد الله تعالى، وألصق خده بالتراب وحرم ذلك الشاعر. وكان عالماً بالشعر والعربية.\rفمدحه شاعر فقال:\rلا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان","part":7,"page":45},{"id":3056,"text":"فقال: كان الواجب أن تفتح الأبيات بغير لا، لأن الشاعر المجيد يتخير لأول القصيدة، ما يعجب السامع ويتبرك به، ولو ابتدأت بالمصراع الثاني لكان أحسن، فقال الشاعر: ليس في الدنيا كلمة أجل من لا إله إلا الله وأولها لا، فقال له الحسن: أصبت، وأجازه. وأهدي إليه أبو العمر الطبري سهمين في بعض الأعياد عليهما مكتوب:\rأهديت للداعي إلى الحق ... سهمي فتوح الغرب والشرق\rزجاهما النصر وريشاهما ... ريشا جناحي طائر المسبق\rأيد هذا للفال بالصدق ... هما بشيرا دعوة الحق\rفسره الفال، وأعطاه عشرة آلاف درهم. وحكى عنه أنه غني عنده مغن بأبيات الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، التي أولها:\rوأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة من بيت العرب\rفلما وصل إلى قوله:\rبرسول الله وابني عمه ... وبعباس بن عبد المطلب\rغير البيت فقال: لا بعباس بن عبد المطلب، فغضب الحسن وقال: يا ابن اللخناء، أتهجوبني عمنا بين أيدينا، وتغير ما مدحوا به؟ ! ، إن فعلتها مرة ثانية لأجعلنها آخر غنائك.\rوكان الحسن شاعراً فمن شعره:\rلم نمنع الدنيا لفضل بها ... ولا لأنا لم نكن أهلها\rلكن لنعطي الفوز في جنة ... ما إن رأى ذو بصر مثلها\rهاجرها خير الورى جدنا ... فكيف نرجو بعده وصلها\rوله أشعار مستحسنة تركناها اختصاراً، وكان كاتبه سعيد بن محمد الطبري. قال: ولما مات قام بالأمر بعده أخوه محمد بن زيد.\rمحمد بن زيد\rلما مات الحسن كان أخوه هذا بجرجان، وكان في مرضه قد أمر صهره محمد بن إبراهيم العلوي - أن يكتب إلى أخيه محمد بن زيد ليسارع بالحضور، فينتصب في المملكة، فتباطأ، فلما توفى الحسن انتصب محمد ابن إبراهيم مكانه، وتلقب بالقائم بالحق، فبلغ الخبر محمد بن زيد فسار من جرجان، فلما قرب هرب محمد بن إبراهيم إلى سالوس، فأنفد في أثره سرية فأدرك وقتل، ولبس محمد بن زيد القلنسوة وتلقب بالداعي.\rواستقامت له طبرستان وذلك في بقية رجب سنة سبعين ومائتين، ووصل إلى الري في جموع كثيرة، فلما كان في سنة اثنتين وسبعين ومائتين في جمادي الأولى، سار أذكوتكين - صاحب الري - من قزوين إلى الري، ومعه أربعة آلاف فارس، وكان مع محمد بن زيد من الديلم والطبرية والخراسانية عالم كثير، فالتقوا واقتتلوا فانهزم عسكر محمد وتفرقوا، وقتل منهم ستة آلاف وأسر ألفان، وغنم أذكوتكين من أموالهم وأثقالهم ودوابهم ما لم يرى مثله.\rقال: وجلس إذكوتكين بالمصلى، ليضرب أعناق الأسرى بين يديه، فمن عجيب ما اتفق أن ديلميا قدم ليضرب عنقه، فوثب على السياف واستلب السيف من يده وعلاه به فقتله ومر هارباً فلم يلحق. واذكوتكين ينظر إليه ويضحك؛ ودخل اذكوتكين الري وأقام بها، وأخذ من أهلها مائة ألف دينار، وفرق عماله على أعمال الري.\rوفي سنة خمس وسبعين ومائتين استولى رافع بن هرثمة - أمير خراسان - على جرجان، وأزال عنها محمد بن زيد، فسار محمد إلى استراباد فحصره بها رافع نحو سنتين، فغلت الأسعار بحيث إنه عدم المأكل، وبيع وزن درهم ملح بدرهمين فضة، ففارقها محمد ليلاً في نفر يسير، فبعث رافع إليه عسكراً فتحاربا، وسار محمد عن سارية وطبرستان في شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين.\rثم سار إلى الديلم فدخل رافع خلفه، فوصل إلى حدود قزوين، وعاد إلى الري وأقام إلى سنة تسع وسبعين، حتى توفي المعتمد على الله، ودام محمد إلى أن قتل، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rمقتل محمد بن زيد\rوشيء من أخباره","part":7,"page":46},{"id":3057,"text":"كان مقتله سنة ثمان وثمانين ومائتين، وكان سبب قتله أنه اتصل به إسماعيل بن أحمد الساماني - صاحب ما وراء النهر - أسر عمرو بن الليث الصفار - أمير خراسان - فخرج من طبرستان ظناً منه أن إسماعيل الساماني لا يتجاوز عمله ولا يقصد خراسان، وأنه لا دافع له عن ملك خراسان، فلما انتهى إلى جرجان أرسل إليه إسماعيل - وقد استولى على خرسان - يقول له: ألا يتجاوز عمله، ولا يقصد خراسان وترك جرجان له، فأبى محمد ذلك، فندب إسماعيل محمد بن هارون؛ فكان محمد هذا يخلف رافع بن هرثمة أيام ولايته خراسان، فجمع محمد جمعاً كثيرا من فارس وراجل، وسار نحو محمد بن زيد فالتقوا على باب جرجان، واقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم محمد بن هارون أولاً، ثم رجع وقد تفرقت عساكر محمد بن زيد في الطلب، فلما رأوه قد رجع ولوا هاربين، وقتل منهم خلق كثير، وأصاب محمد بن زيد ضربات، وأسر ابنه زيد وغنم ابن هارون معسكره وما فيه، ثم مات محمد بن زيد بعد أيام من الجراحات التي أصابته، فدفن على باب جرجان.\rوقيل: كانت الوقعة التي جرح فيها يوم الجمعة لخمس ليال خلون من شوال سنة سبع وثمانين، ومات بعد ذلك بيوم، وكانت مدة قيامه - بعد وفاة أخيه - نحوا من ثمانية عشر سنة.\rوكان أديباً شاعراً فاضلاً حسن السيرة، قال أبو عمرو الاستراباذي: كنت أورد على محمد بن زيد أخبار العباسيين، فقلت له: إنهم قد لقبوا أنفسهم، فإذا ذكرتهم عندك أسميهم أو ألقبهم؟فقال: الأمر موسع عليك، سمهم ولقبهم بأحسن ألقابهم وأسمائهم وأحبها إليهم. قال: وحمل ابنه زيد إلى إسماعيل بن أحمد الساماني - لما أسر - فأكرمه، وكتب المكتفى كتاباً في حمله إليه فدافع عنه، وهو القائل:\rولقد تقول عصابة ملعونة ... غوغاء ما خلقت لغير جهنم\rمن لم يسب بني النبي محمد ... ويرى قتالهم فليس بمسلم\rعجبا لأمة جدنا يجفوننا ... وتجيرنا منهم رجال الديلم\rولم يزل عند آل سامان مكرماً إلى أن مات في سنة أربع عشرة وثلاثمائة.\rولما مات محمد بن زيد وأسر ابنه زيد بن محمد، قام بالأمر ابن ابنه المهدي أبو محمد الحسن بن زيد بن محمد بن زيد، وخطب له ببلاد الديلم، وكانت له خطوب وحروب لم نر من دون فيها شيئاً فنورده، ولا وقفنا على تاريخ وفاته.\rقالوا: ثم كانت بين الحسنيين والحسينيين حروب على الإمارة بطبرستان والديلم، إلى أن استقرت الإمارة في بني الحسين، وأول من قام منهم: الحسن بن علي الأطروش.\rأخبار الناصر للحق\rهو الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويعرف بالأطروش، كان استيلاؤه على طبرستان في سنة إحدى وثلاثمائة، وذلك أنه لما قتل محمد ابن زيد استعمل إسماعيل بن أحمد الساماني محمد بن هارون على طبرستان، وأمره بقتل من وجد من العلوية فهربوا في البلاد، وكان الحسن بي علي هذا شيخاً من شيوخ الزيدية، شديد الصحبة لمحمد ابن زيد، وكان قد دخل خراسان سراً ليدعوا الناس إليه، فجرت عليه مكاره وحبس، ثم هرب من السجن وعاد إلى محمد بن زيد، وشهد معه الحرب الذي قتل فيها؛ وكان سبب صممه أنه ضرب في حرب مع محمد بن زيد بسيف على رأسه فطرش.\rفلما وقع عليه الطلب وعلى أمثاله هرب، ودخل إلى بلاد الديلم، وأقام عند ملكهم جستان بن وهسوزان بن المرزبان فأكرمه، وأنزله فأخذ في دعاء الديلم إلى الإسلام، فأسلم جمهورهم، وجعل يتنقل على قراهم ويدعو، ثم دخل إلى بلاد الجيل، ودعاهم فأسلم أكثرهم، ووقعت دعوته على حد النهر باسباذروذ، فاجتمع أهل دعوته عليه، وعاد من بلاد الجيل فيمن جمع، فلما دخل بلاد الديلم وجد جستان على خلاف ما فارقه عليه، لأنه فارقه على أنه معلم، يدعو الناس لا طالب مملكة، فمنعه جستان من الأعشار والصدقات، فوقع بينهما حرب كانت الهزيمة فيها على جستان، ثم ألجاه الأمر إلى مسالمة الناصر والدخول في طاعته.","part":7,"page":47},{"id":3058,"text":"وأقام الناصر في هرسم قاعدة مملكة الديلم، واتفق أن محمد ابن هارون السرخسي - نائب إسماعيل بن أحمد علي طبرستان - تخوف منه، فهرب واستأمن إلى الحسن، وتسلم طبرستان وجرجان محمد ابن علي المعروف بصعلوك الساماني وكان في عسكر كثيف، واتصل السرخسي بالناصر في عسكر قوي فاستظهر به، واجتمعا على لقاء صعلوك، فاحتال عليهما صعلوك، حتى افترقا بحيلة غريبة، فلما افترقا مضى السرخسي إلى نواحي الري، ورجع الناصر إلى بلاد الديلم، ولم يتم له أمر، ثم أنفذ كرة ثانية جيشاً مع كالي والحسن بن الفيرزان، فهزمهما صعلوك وقتلا في الوقعة، ثم خرج الناصر بنفسه إلى سالوس، وسار إليه صعلوك ومعه أصفهبد شهريار من الخراسانية، فالتقوا وكان مع الناصر كما ذكر المكثر عشرة آلاف رجل من الديلم والجيل، وأكثرهم رجالة ليس معهم من الخيل والأسلحة إلا القليل، وعدة الخراسانية نيف وثلاثون ألف رجل على غاية القوة والمتعة، فهزمهم الناصر وقتل منهم مقتلة عظيمة، وألجأهم إلى بحر طبرستان، فكان من غرق أمثال من قتل، قال الصابي في الكتاب التاجي: يقال إن المفقودين كانوا نيفا على عشرين ألفا، وقال حمزة بن الحسن الأصفهاني: كانوا سبعة آلاف رجل، وكانت الوقعة في سنة ثلاثمائة، ودخل الناصر مدينة آمل في جمادي الآخرة سنة إحدى وثلاثمائة.\rولما دخل طبرستان وملكها فوض أمر الجيش إلى الحسن بن القاسم العلوي، فاستبد بالأمر واصطنع الرجال ووسع عليهم في العطاء، وقبض على الناصر وحبسه، فاستكبر الديلم هذا الفعل، وحضروا إلى القاسم العلوي وطالبوه بإخراجه إليهم، ووثب إليه ليلى بن النعمان وأخوه - وهما من أكبر القواد - وقالا له: إن أفرجت عنه الساعة وإلا قتلناك، فأخرجه لهم وهرب إلى بلاد الجيل، فأطاعوه فتلقب بالداعي، فتكلم الناس عند الناصر في أن يرده ويوليه جيشه وعهده، وكان الناصر قد ولى ليلى بن النعمان الجيش،فأجاب وعاد الحسن بن القاسم فوفى له الناصر بذلك، وزوجه بإبنة ولده على بن الناصر، واستمرت الحال على ذلك إلى أن توفي الناصر، وكانت وفاته في شعبان سنة أربع وثلاثمائة، وله من العمر تسع وسبعون سنة، وكانت مدة مملكته المستقيمة الدائمة إلى حين وفاته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأياما.\rوكان الحسن الناصر شاعراً ظريفاً كثير المجون حسن النادرة، وهو الذي حرر مذهب الزيدية وألف فيه، وكان يقول: بزر القز ليس بمال، والديلم ليسوا بعسكر، أما البزر فلأنه إذا أقبل الربيع صار بعوضاً، وأما الديلم فلسرعة تنقلهم من عسكر إلى عسكر. وكان يقول لأصحابه: من قتل منكم مقبلاً فهو مؤمن، ومن قتل منكم مدبراً فهو كافر، فإذا أتى بجريح جرح مقبلاً نثر عليه الكافور المسحوق، فيجد راحة ويسكن ألمه، وإذا أتى بجريح جرح مدبراً نثر عليه ملحاً فيشتد أمره، فيقول: قد بان لكم أن المؤمن ينتفع بالدواء لإيمانه، والكافر لا ينتفع به لكفره.\rوكان له من الأولاد أبو الحسن علي، وأبو القاسم جعفر، وأبو الحسين أحمد. ولما مات الحسن الناصر قام بالأمر بعده.\rالحسن بن القاسم\rالداعي العلوي وهو ولي العهد، ولبس القلنسوة، وكان أول ما بدأ به أن بعث أبا القاسم جعفر وأبا الحسين أحمد - ولدي الناصر - إلى جرجان لا نتزاعها من أيدي الخراسانية، فلقيهما دونهما دونها إلياس بن محمد ابن اليسع الصفدي - والي جيش خراسان - بموضع يقال له سيماله فلما اصطف الجيشان برزبين الصفين ودعا إلى المبارزة، فبرز إليه من جيش ولدي الناصر بويه بن فناخسرة - جد عضد الدولة - فقتله وانفض جيش الخراسانية، فبعث إليهما بعد ذلك الأمير نصر بن أحمد الساماني جيشاً عليه سيمجور الدواتي، فلقياه بحلايين من سواد جرجان فهزماه","part":7,"page":48},{"id":3059,"text":"فوقف غير بعيد وتجمعت الخراسانية كعادتهم في ذلك، فكر راجعاً إليهم فهزمهم أقبح هزيمة، وقتل الديلم أفظع قتل، وانهزموا وسلكوا مضايق ليأمنوا جولان الخيل، فوصلوا جرجان فتجمع الديلم بها، وأخلوها قاصدين طبرستان وقد اتفق رأيهم على خلع الداعي، فخلعوه في الطريق وبايعوا أبا القاسم جعفر بن الناصر، وألبسوه القلنسوة، وقيل إن المبايع أبو الحسين أحمد، وبالجملة فالأمير على الجيش أبو الحسين؛ ولما وصلا في جيوشهما إلى آمل لقيهما الداعي دونها، وخرج هارباً إلى بلاد الجيل، وملكا طبرستان مديدة، ثم كر راجعاً - وقد احتشد - فلقياه فهزمهما، فمضيا إلى بلاد الجيل واحتشدا، وعادا فحاربهما الداعي حرباً شديداً ثم انهزم واستوليا على عسكره، وهرب وحيداً متنكراً يريد بلاد الجيل، واخترق بلاده الديلم فأسره بعضهم ثم من عليه وأطلقه، فانتهى إلى بلاد الجيل وأقام عندهم.\rواتفقت وفاة أبي الحسين فجأة، وتلاه أخوه أبو القاسم بعده، فبقى أمر الديلم بطبرستان بغير مدبر، فعقدوا الإمرة عليهم لليلى ابن النعمان، فقام بأمرهم وهو يدعو للداعي إلى أن قتل بنيسابور، قتله حمويه بن علي صاحب جيش نصر بن أحمد الساماني، فعقدوا بعده لعلي بن خورشيد فعاجلته المنية، فعزموا على الحسن بن كالي، فأشار عليهم بأخيه ما كان بن كالي، وهو أشجع أهل الديلم بالإنفاق، فلما ولى عليهم اجتمع هو وأخوه على نصب أبي علي محمد بن أبي الحسين ابن الناصر، فنصبوه فجرى على يده قتل الحسن بن كالي بسارية، وكان ما كان بآمل، ثم سقط بعد ذلك أبو علي في الميدان فهلك، ولما اتصل بما كان ما جرى على أخيه كاتب الداعي يستدعيه، فوافى في عسكر قوى واجتمع معه وملك طبرستان، ثم سار ومعه ما كان إلى جرجان فملكها، وأقام الداعي بجرجان، وكانت في نفسه حفائظ على الديلم لنصرتهم عليه أولاد الناصر، فعمل دعوة لهم جعل يستدعيهم واحداً واحداً فيقتله، ففطنوا لذلك وهربوا إلى خراسان، ودخلوا في طاعة نصر بن أحمد الساماني، وسودوا أعلامهم وقدموا على أنفسهم أسفار بن شيروية الجيلي، وبعث معهم نصر بن أحمد جيشاً كثيفاً، وساروا فدخلوا جرجان، وسار الداعي منها إلى طبرستان ثم إلى الري، واجتمع فيها بما كان وأمره أن يمضي إلى طبرستان لدفع أسفار عنها، فعلم أنه لا طاقة له بذلك، فقال له: الرأي أن تمضي أنت فإنك الإمام، ولو قد رأتك الديلم لا نفضوا إليك، فاضطر الداعي إلى ذلك، وسار ووقعت الحرب بينه وبين الخراسانية، فانهزم جيشه وكان مرداويج بن زيار الجيلي يراصده، فأمكنته فرصة منه فرماه فاشواه، وولى منهزماً ودخل آمل واستتر بها، فتتبع الديلم أثر دمه، وأظهره لهم أهل البلد، فبادروا إلى الدار التي دلوهم عليها وهجموها، فلما رآهم بادر إلى الصلاة فقتلوه، وكان مقتله يوم الثلاثاء لست بقين من شهر رمضان سنة ست عشرة وثلاثمائة في أيام المقتدر بالله، فكانت مدة مملكته ثنتى عشرة سنة وشهراً وأياماً، على ما فيها من الاختلاف عليه وقيام من ذكرنا.\rملك أسفار جرجان","part":7,"page":49},{"id":3060,"text":"ولما قتل الداعي ملك أسفار جرجان، وأبو موسى هارون بن بهرام طبرستان، والدعوة فيها لنصر بن أحمد الساماني، فأجمع رأيهما على نصب أبي جعفر محمد بن أحمد الناصر آمل، فنصباه وألبساه القلنسوة، والدعوة لنصر لم تقطع، وبلغ نصرا الخبر فأنكر على أسفار غاية الإنكار، وأمره بالقبض عليه والبعث به إليه، ففعل أسفار ذلك وبلغ ما كان الخبر وهو بالري، فسار إلى طبرستان فهرب هارون منها إلى الديلم، وأظهر ما كان ما هو عليه من التشيع، ونصب إسماعيل بن جعفر بن الناصر، فتوفي بعد مدة ووقعت فترة لم يل فيها أحد من العلويين، ثم تخلص بعد ذلك أبو الفضل جعفر بن محمد ابن الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب من حبس نصر بن أحمد، وهو ممن قبض عليه أسفار بن شيروية مع أبي جعفر بن الناصر، وسار إلى بلد الجيل وابتدأ في الدعاء لنفسه بها في سنة عشرين وثلاثمائة ونعت نفسه بالثائر بالله، وكان ذا حزم وتدبير، وساعدته الأقدار فخرج من بلد الجيل، قاصداً طبرستان في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وبها الأستاذ أبو الفضل بن العميد، وزير ركن الدولة بن بوية، وأبو الحسن على بن كامة، من قبل ركن الدولة، فاستظهر عليهما وملك البلاد، وانصرفا إلى الري فأعاد ركن الدولة بن بوية أبا الحسن على بن كامة في جيش، وكتب إلى الحسن بن الفيروزان - صاحب جرجان - يأمره بمعاونته ففعل، وسار إلى طبرستان في بقية سنة سبع وثلاثين، فرحل الثائر عنها وقصد الجيل، ثم خرج كرة ثانية، واتفق مع وشمكير ولم يتم لهما أمر، ثم خرج ثالثة إلى طبرستان لاجئاً إلى ركن الدولة بن بوية فنصره، وأقام مدة بها، ثم عاد إلى بلاد الجيل وملك هرسم، ولم يخرج منها إلا في سنة خمسين وثلاثمائة، فإنه صار إلى نواحي أذربيجان زائراً للمرزبان بن مسافر، وعاد فأقام بهرسم من بلاد الجيل إلى أن توفي بها، وكانت وفاته في سنة خمسين وثلاثمائة.\rوملك بعده جماعة من العلويين بلاد الجيل، ولم يكن لأحد منهم دولة قائمة في بلد مشهور، فيعتني بأمرهم وتدون أخبارهم، وإنما كانوا بتلك الناحية شبه الأعيان والأكابر، لا كالملوك والخلفاء، ثم ظهر بعد ذلك أبو عبد الله محمد الحسنى.\rمحمد بن الحسين الحسنى\rالمعروف بابن الداعي قال ابن الأثير: كان ظهوره في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وذلك أنه هرب من بغداد وسار نحو الديلم، فاجتمع عليه عشرة آلاف رجل، فهرب ابن الناصر العلوي من بين يديه، وتلقب ابن الداعي بالمهدي لدين الله، وعظم شأنه وهزم قائداً من قواد وشمكير.\rثم أظهر النسك والعبادة ولبس الصوف، وحارب ابن وشمكير فهزمه في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وعزم على المسير إلى طبرستان وكتب إلى العراق كتاباً يدعوهم إلى الجهاد، هذا ما أورده ابن الأثير في خبره، ولم يذكر خبر وفاته، إلا أنه لم يتم له أمر، ولا ظهر لغيره من أهل هذا البيت بعد ذلك بهذه الناحية ذكر، ولا كانت لهم مملكة في جهة من الجهات، إلا ما نورده من أخبار العبيديين، الذين ملكوا المغرب والديار المصرية وغيرها، وانتسبوا إلى علي بن أبي طالب ونفاهم أكثر الناس - بل عامتهم - عن هذا النسب الشريف، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى من أخبارهم.\rالباب الثامن من القسم الخامس من الفن الخامس\rالزنج والقرامطة والخوارج\rببلاد الموصل وإنما أفردنا هؤلاء بباب، لأنهم ممن شاع ذكرهم وعظم محلهم وطار اسمهم، واستولوا على كثير من البلاد وهزموا الجيوش، وأهم الخلافة أمرهم، وطالت مدتهم ولم يكونوا في أيام خليفة واحد، فلونذكرهم في حوادث دولته، وإنما هم في أيام جماعة من الخلفاء، فلو ذكرناهم في حوادث أيامهم لانقطعت أخبارهم، وعثر على المطالع معرفتها، فلذلك أفردناهم لتكون أخبارهم سياقة، لا تنقطع بغيرها من الأخبار.\rأخبار صاحب الزنج وابتداء أمره وسبب خروجه كان خروجه في شوال سنة خمس وخمسين ومائتين - في خلافة المهتدي بالله - بفرات البصرة، وزعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجمع الزنج اللذين كانوا يكسحون السباخ، وعبر دجلة فنزل الديناري.","part":7,"page":50},{"id":3061,"text":"قال أبو جعفر الطبري: وكان اسمه علي بن محمد بن عبد الرحيم، ونسبه في عبد القيس، وأمه ابنة علي بن رحيب بن محمد بن حكيم من أهل الكوفة، وهو أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك، مع زيد بن علي بن الحسين، فلما قتل زيد هرب والتحق بالري، فجاء إلى قرية ورزنين فأقام بها، وجده عبد الرحيم رجل من عبد القيس، كان مولده بالطالقان وقدم العراق، واشترى جارية فأوكدها محمداً أباه.\rقال: وكان صاحب الزنج هذا في ابتداء أمره متصلاً بجماعة من حاشية المنتصر، منهم غانم الشطرنجي وسعيد الصغير، وكان معاشه منهم ومن أصحاب السلطان، وكان يمدحهم ويستميحهم بشعره ثم إنه شخص من سامرا سنة تسع وأربعين ومائتين إلى البحرين فادعى بها أنه علي بن عبد الله بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله ابن عباس بن علي بن أبي طالب، ودعا الناس بهجر إلى طاعته، فاتبعه جماعة كثيرة من أهلها ومن غيرها، فجرى بين الطائفتين عصبية قتل فيها جماعة.\rقال: وكان أهل البحرين قد أخلوه محل نبي، وجبا الخراج ونفذ فيهم حكمه، وقاتلوا أصحاب السلطان بسببه، ثم تنكر له منهم جماعة، فانتقل عنهم إلى الأحشاء، ونزل على قوم يقال لهم بنو الشماس من بني سعد بن تميم فأقام فيهم، وفي صحبته جماعة من البحرين، منهم يحيى بن محمد الأزرق البحراني، وسليمان بن جامع - وهو قائد جيشه وكان ينتقل في البادية فذكر عنه أنه قال: أوتيت في تلك الأيام آيات من آيات إمامتي، ظاهرة للناس، منها إني لقنت سوراً من القرآن فجرى بها لساني، في ساعة واحدة وحفظتها في دفعة واحدة، منها سبحان والكهف وصّ، ومنها أني فكرت في الموضع الذي أقصده حيث نبت بي البلاد فأظلتني غمامة، وخوطبت منها فقيل لي: اقصد البصرة، وقيل عنه إنه قال لأهل البادية إنه يحيى بن عمر أبو الحسين، المقتول بالكوفة، فخدع أهلها فأتاه منهم جماعة كثيرة، فزحف بهم إلى الردم من البحرين، فكانت بينهم وقعة عظيمة، وكانت الهزيمة عليه وعلى أصحابه، قتلوا قتلا ذريعاً فتفرقت الأعراب عنه، فسار ونزل البصرة من بني ضبيعة، فاتبعه منهم جماعة منهم على بن أبان المهلبى، وكان قدومه البصرة في سنة أربع وخمسين ومائتين، وعاملها يوم ذاك محمد ابن رجاء الحضاري.\rفوافق قدومه فتنة أهل البصرة، بالبلالية والسعدية، فطمع في إحدى الطائفتين أن تميل إليه، فأرسل إليهم يدعوهم فلم يجبه من أهل البلد أحد، وطلبه ابن رجاء فهرب، فأخذ جماعة ممن كانوا يميلون إليه وحبسهم، وكان ممن حبس ابنه وابنته وزوجته وجارية له حاملاً منه، وسار يريد بغداد ومعه من أصحابه محمد بن سلم، ويحيى بن محمد، وسليمان بن جامع، وبريش القريعي، فلما صار بالبطيحة نذريه وبأصحابه، فدخل بغداد فأقام بها حولا، فانتسب إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد، فزعم بها أنه ظهر له آيات عرف بها ما في ضمائر أصحابه، وما يفعله كل واحد منهم، فاستمال جماعة من أهل بغداد منهم جعفر بن محمد الصوحاني، ومحمد بن القاسم، ومشرق ورفيق غلاما يحيى بن عبد الرحمن، فسمى مشرفاً حمزة وكنّاة أبا أحمد، وسمي رفيقاً جعفرا وكناه أبا الفضل، واتفق عزل محمد بن رجاء عن البصرة، فوثب رؤساء البلالية والسعدية فأخرجوا من كان في الحبس، فخلص أهله فيهم، فلما بلغه خلاص أهله رجع إلى البصرة، وكان رجوعه في شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين، ومعه علي بن أبان ويحيى بن محمد وسليمان ومشرق ورفيق، فوافوا البصرة فنزل بقصر القرشي على نهر يعرف بعمود بن المنجم، وأظهر أنه وكيل لولد الواثق في بيع السباخ.","part":7,"page":51},{"id":3062,"text":"قال: وذكر ريحان، أحد غلمان الشورجيين وهو أول من صحبه منهم، قال: كنت موكلا بغلمان مولاي أنقل لهم الدقيق فأخذني أصحابه فصاروا بي إليه، وأمروني أن أسلم عليه بالإمرة ففعلت، فسألني عن الموضع الذي جئت منه فأخبرته، سألني عن أخبار البصرة فقلت لا علم لي، وسألني عن غلمان الشورجين وعن وأحوالهم وما يجري لهم فأعلمته، فدعاني إلى ما هو عليه فأجبته، فقال: إحتل فيمن قدرت عليه من الغلمان فأقبل بهم، ووعدني أن يقودني على من آتيه به، واستحلفني ألا أعلم أحداً بموضعه وأن أرجع إليه، وأخلى سبيلي وعدت إليه من الغد، وقد أتاه جماعة من غلمان الدباسين، فكتب في حريرة \" إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. . . . الآية \" ورفعها علما، وما زال يدعوا غلمان أهل البصرة وهم يقبلون إليه، للخلاص من الرق والتعب، حتى اجتمع عنده خلق كثير، فخطبهم ووعدهم أن يقودهم ويملكهم، وحلف لهم الأيمان ألا يغدر بهم ولا يخذلهم، ولا يدع شيئاً من الإحسان إلا أتى به إليهم، فأتاه مواليهم وبذلوا له عن كل عبد خمسة دنانير، ليسلم إليه عبده، فبطح أصحابهم وأمر كل عبد أن يضرب مولاه أو وكيل مولاه خمسمائة شطب، ثم أطلقهم فمضوا نحو البصرة.\rثم ركب في سفن هناك فعبر دجلاً إلى نهر ميمون، فأقام هناك والسودان تجتمع إليه إلى يوم الفطر، فخطبهم وصلى بهم وذكرهم ما كانوا فيه من الشقاء وسوء الحال، وأنّ الله تعالى أنقذهم من ذلك، وأنه يريد أن يرفع أقدارهم ويملكهم العبيد والأموال، فلما كان بعد يومين رأى أصحاب الحميري، فقاتلوه حتى أخرجوه من دجلة، فاستأمن إلى صاحب الزنج رجل يكنى بأبي صالح ويعرف بالقصير، في ثلاثمائة من الزنج، فلما كثروا جعل القواد منهم، وقال لهم: من أتى منكم برجل فهو مضموم إليه، وكان ابن أبي عوم قد نقل من واسط إلى ولاية الأبلة وكور دجلة، وسار قائد الزنج إلى المحمدية، فلما نزلها وافاه أصحاب ابن أبي عون، فصاح الزنج: السلاح! ! وقاموا وكان منهم فتح الحجام، فقام وأخذ طبقاً كان بين يديه، فلقيه رجل من الشورجيين يقال له بلبل، فلما رآه فتح حمل عليه وحذفه بالطبق الذي بيده، فرمى سلاحه وولى هارباً، وانهزم أصحابه وكانوا أربعة آلاف، وقتل منهم جماعة ومات بعضهم عطشاً، وأسر منهم فضرب أعناقهم، ثم سار إلى القادسيّة فنهبها أصحابه بأمره، وما زال يتردد إلى أنهار البصرة، فوجد السودان داراً لبعض بني هاشم فيها سلاح فانتهبوه، فصار معهم ما يقاتلون به.","part":7,"page":52},{"id":3063,"text":"فأتاه وهو بالسيب جماعة من أهل البصرة يقاتلونه، فوجه يحيى بن محمد في خمسمائة رجل فلقوا البصريين، فانهزم البصريون منهم وأخذوا سلاحهم، ثم قاتل طائفة أخرى عند قرية تعرف بقرية اليهود، فهزمهم أيضاً، وأثبت أصحابه في الصحراء، ثم أسري إلى الجعفرية فوضع في أهلها السيف، فقتل أكثرهم وأتى منهم أسرى فأطلقهم، وألقى جيشاً كبيراً للبصريين مع رميس وعقيل، فهزمهم وقتل منهم خلقاً كثيراً، وكان معهم سفن فهبت ريح فألقتها إلى الشط، فنزل الزنج وقتلوا من وجدوا فيها وغنموا ما فيها، وكان معه رميس سفن فركبها ونجا، فأنفذ صاحب الزنج فأخذها ونهب ما فيها، ثم نهب القرية المعروفة بالمهلبية وأحرقها، وعاث في الأرض وأفسد، ثم لقيه قائد من قواد الأتراك، يقال له أبو هلال في أربعة آلاف مقاتل، فاقتتلوا على نهر الريان، فحمل السودان عليهم حملة صادقة، فقتلوا صاحب علمه فانهزم أبو هلال وأصحابه، وتبعهم السودان فقتلوا من أصحاب أبي هلال أكثر من ألف وخمسمائة رجل، وأخذوا منهم أسرى فأمر صاحب الزنج بقتلهم، ثم أتاه من أخبره أن الزينبي قد أعد له الجند والمتطوعة والبلالية السعدية، وهم خلق كثير، وأنهم قد أعدوا الحبال لتكتيف من يأخذونه من السودان، وأن المقدم عليهم أبو منصور أحد موالي الهاشميين، فأرسل على بن أبان في مائة أسود ليأتيه بخبرهم، فلقي طائفة منهم فهزمهم، وصار من معهم من العبيد إلى علي بن أبان، وأرسل طائفة أخرى من أصحابه، إلى موضع فيه ألف وتسعمائة سفينة ومعها من يحفظها، فلما رأوا الزنج هربوا عنها، فأخذ الزنج السفن وأتوا صاحبهم بها، فلما أتوه جلس على نشز من الأرض، وكان في السفن قوم حجاج وأرادوا أن يسلكوا طريق البصرة، فناظرهم فصدقوه في قوله، وقالوا له: لو كان معنا فضل نفقة لأقمنا معك فأطلقهم، وأرسل طليعة تأتيه بخبر ذلك العسكر فأتاه بخبرهم: أنهم قد أتوا بخلق كثير، فأمر محمد بن سلم على ابن أبا أن يعقدوا لهم بالنخيل، وقعد هو على جبل مشرف، فلم يلبث أن طلعت الأعلام و الرجال، فأمر الزنج فكبروا وحملوا عليهم، فحملت الخيول فتراجع الزنج حتى أتوا لجبل، ثم حملوا فثبتوا لهم، وقتل من الزنج فتح الحجام، وصدق الزنج الحملة فأخذوهم بين أيديهم، وجرح محمد بن سلم، وحملوا عليه فقتلوا منهم، وانهزم الناس وذهبوا كل مذهب، وتبعهم السودان إلى نهر بيان فوقعوا في الوحل، فقتلهم السودان وغرق كثير منهم، وأتى الخبر إلى الزنوج بأن لهم كميناً، فساروا إليه فإذا الكمين في ألف من المغاربة، فقاتلوهم قتالاً شديداً، ثم حمل السودان عليهم فقتلوهم أجمعين وأخذوا سلاحهم، ثم وجه أصحابه فرأوا مائتي سفينة، فيها دقيق فأخذوه ومتاع فنهبوه، ونهب المعلى بن أيوب، ثم سار فرأى مسلحة الزينبي فقاتلوه، فقاتلهم فقتلهم أجمعين، وكانوا مائتين، ثم سار فنهب قرية منذران، ورأى فيها جمعاً من الزنج ففرقهم على قواده، ثم سار فلقيه ستمائة فارس مع سليمان؛ ابن أخي الزيني، ولم يقاتله فأرسل من ينهب، فأتوه بغنم وبقر فذبحوا وأكلوا، وفرق أصحابه في إنتهاب ما هناك.","part":7,"page":53},{"id":3064,"text":"ثم سار صاحب الزنج يريد البصرة، حتى إذا قابل النهر المعروف بالرياحي، أتاه قوم من السودان، فأعلموه أنهم رأوا في الرياحي بارقة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى تنادى السودان: السلاح السلاح! ! فأمر علي بن أبان بالعبور إليهم، فعبر في ثلاثمائة رجل، وقال له: إن احتجت إلى مدد فاستمدني، فلما مضى على بن أبان صاح الزنج، السلاح السلاح! ! لحركة رأوها في جهة أخرى، فوجه محمد بن سلم بجمع فحاربهم من وقت الظهيرة إلى وقت العصر، ثم حمل الزنوج حملة صادقة فهزموهم، وقتلوا من أهل البصرة والأعراب زهاء خمسمائة، ورجعوا إلى صاحبهم، ثم أقبل علي بن أبان في أصحابه - وقد هزموا من بإزائهم وقتلوا منهم، ومعه رأس ابن أبي الليث البلالي القواريري من أعيان البلالية، ثم سار من الغد عن ذلك المكان، ونهى أصحابه عن دخول البصرة، فتسرع بعضهم فلقيهم أهل البصرة في جمع عظيم، وانتهى الخبر إليه فوجه محمد بن سلم وعلي بن أيان ومشرقاً وخلقاً كثيراً، وجاء هو يسايرهم فلقوا البصريين، فأرسل إلى أصحابه ليتأخروا، عن المكان الذي فيه، فتراجعوا فأكب عليهم أهل البصرة فانهزموا، وذلك عند العصر، ووقع الزنوج في نهر كبير، وقتل منهم جماعة وغرق جماعة وتفرق الباقون، وتخلف صاحبهم عنهم وبقي في نفر يسير فنجاً، ثم لحقهم وهو متحيرون لفقده، وسأل عن أصحابه فإذا ليس معه منهم إلا خمسمائة رجل، فأمر بالنفخ في البوق الذي يجتمعون إليه، فنفخ فيه فلم يأته أحد، وكان أهل البصرة قد انتهبوا السفن التي كانت للزنوج وبها متاعهم، فلما أصبح رأى أصحابه في ألف رجل، فأرسل محمد بن سلم إلى البصرة يعظهم ويعلمهم: ما الذي دعاه إلى الخروج؟ فقتلوه، فلما كان يوم الاثنين لأربع عشرة خلت من ذي القعدة سنة خمس وخمسين ومائتين جمع أهل البصرة وحشدوا، لما رأوا من ظهورهم عليه، وانتدب لذلك رجل يعرف بحماد الساجي وكان من غزاة البحر، وله علم في ركوب السفن، فجمع المطوعة ورماة الأهداف وأهل المسجد الجامع ومن خف معه من البلالية والسعدية وغيرهم، وشحن ثلاثة مراكب مقاتلة، ومضى جمهور الناس رجالة، منهم من معه سلاح ومنهم نظارة، فدخلت المراكب في المد والرجالة على شاطىء النهر، فلما علم صاحب الزنج بذلك وجه طائفة من أصحابه مع زريق الأصفهاني كمينا في شرفي النهر، وطائفة مع شبل وحسين الحمامي في غربية كمينا، وأمر علي بن أبان أن يلقي أهل البصرة وأن يتستر هو ومن معه - بتراسهم، ولا يقاتل حتى يظهر أصحابه، وتقدم إلى الكمينين - إذا جازوهم أهل البصرة - أن يخرجوا ويصيحوا بالناس، وبقى هو في نفر يسير من أصحابه، وقد هاله ما رأى من كثرة الجمع، فثار أصحابه إليهم وظهر الكمينان من جانبي النهر وراء السفن والرحالة، فضربوا من ولى من الرجالة والنظارة، فغرقت طائفة وقتلت طائفة وهرب الباقون إلى الشط، فأدركهم السيف فمن ثبت قتل، ومن ألقى نفسه في الماء غرق، فهلك أكثر ذلك الجمع فلم ينج إلا الشريد، وكثر المفقودون من أهل البصرة، وعلا العويل من نسائهم، وهذا اليوم يسمى يوم الشذا - وهو يوم أعظمه الناس، وكان فيمن قتل جماعة من بني هاشم وغيرهم في خلق كثير لا يحصى، وجمعت الرؤوس لصاحب الزنج، فأتاه جماعة من أولياء المقتولين فأعطاهم ما عرفوا، وجمع الرؤوس التي تطلب في جريبيه وأطلقها، فوافت البصرة فجاء الناس وأخذوا كل ما عرفوه منها، وقوى صاحب الزنج بعد هذا اليوم، وتمكن الرعب في قلوب أهل البصرة وأمسكوا عن حربه، وكتب الناس إلى الخليفة بخبر ما كان، فوجه إليهم جعلان التركي مددا، وأمر بالأحوص الباهلي بالمصير إلى الأبله والبا، وأمده بقائد من الأتراك يقال له جريح، وانصرف صاحب الزنج بأصحابه في آخر النهار إلى سبخة - وهي سبخة أبي قرة - وبث أصحابه يميناً وشمالاً للغارة والنهب.","part":7,"page":54},{"id":3065,"text":"ووصل جعلان إلى البصرة في سنة ست وخمسين ومائتين، ونزل بمكان بينه وبين صاحب الزنج فرسخ، وخندق عليه وعلى أصحابه وأقام ستة أشهر في خندقه، وجعل يوجه الزيني وبني هاشم ومن خف لحرب الزنج، ثم سار جعلان للقائه فلم يكن بينهم إلا الرمي بالحجارة والسهام، ولا يجد جعلان إلى لقائه سبيلا لضيق المكان عن مجال الخيل، وكان أكثر أصحاب جعلان خيالة، فلما طال مقامه في خندقه أرسل صاحب الزنج أصحابه إلى مسالك الخندق، فبينوا حعلان وقتلوا من أصحابه جماعة، وخاف الباقون خوفاً شديداً، وكان الزيني قد جمع البلالية والسعدية ووجه بهم من مكانين، وقتلوا صاحب الزنج فظفر بهم وقتل منهم مقتله عظيمة، فترك جعلان خندقه وسار إلى البصرة، وظهر عجزه للسلطان فصرفه عن حرب الزنج، وأمر سعيد الحاجب بمحاربتهم، وتحول صاحب الزنج بعد ذلك من السبخة - التي كان فيها - ونزل بنهر أبي الخصيب، وأخذ أربعة وعشرين مركبا من مراكب البحر، وأخذ منها أموالاً عظيمة لا تحصى، وقتل من فيها وأنهبها أصحابه ثلاثة أيام، وأخذ لنفسه بعد ذلك من النهب.\rدخول الزنج الأبله\rوفي سنة ست وخمسين ومائتين دخل الزنج الأبله، فقتلوا فيها خلقاً كثيراً وأحرقوها، وكان سبب ذلك أن جعلان لما تنحى عن خندقه إلى البصرة ألح صاحب الزنج بالغارات على الأبله، وجعلت سراياه تضرب إلى ناحية نهر معقل، ولم يزل يحارب إلى يوم الأربعاء لخمس بقين من شهر رجب فافتتحها، وقتل بها الأحوص وعبد الله ابن حميد الطوسي وأضرمها ناراً، وكانت مبنية بالساج فأسرعت النار فيها، وقتل من أهلها خلق كثير، وفرق الأموال العظيمة، وكان ما أحرقت النار أكثر من الذي نهب.\rقال: ولما اتصل خبر أهل الأبله بأهل عبادان راسلوا صاحب الزنج في طلب الأمان، على أن يسلموا إليه البلد، فأمنهم وسلموه إليه وأخذ ما فيه من الأموال، ففرقه في أصحابه.\rأخذ الزنج الأهواز\rقال: ولما فرغ صاحب الزنج من الأبله وعبادان طمع في الأهواز، واستنهض أصحابه وسار إليها، فهرب من بها من الجند ومن أهلها ولم يبق إلا القليل، فدخلها وأخربها، وكان بها إبراهيم بن المدبر يتولى الخراج فأخذوه أسيراً، بعد أن قاتل وجرح ونهب جميع ماله، وذلك لإثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان من السنة، فخافه أهل البصرة وانتقل كثير من أهلها إلى البلدان.\rوأما إبراهيم بن المدبر فإن صاحب الزنج وكل به وحبسه في بيت يحيى بن محمد البحراني، فكان به سنة سبع وخمسين ومائتين، فأرغب الموكلين به بمال فأطلقوه، فخرج هو وابن أخ له ورجل هاشمي.\rانهزام الزنج\rمن سعيد الحاجب وغلبة الزنج في شهر رجب سنة سبع وخمسين ومائتين أوقع سعيد الحاجب بجماعة من الزنج، فهزمهم واستنقذ من معهم، وذلك في خلافة المعتمد على الله بن المتوكل، فكانت المرأة من نساء تلك الناحية تأخذ الزنجي فتأتي به عسكر سعيد فلا يمتنع عليها، ثم عبر سعيد إلى غرب دجلة فأوقع بصاحب الزنج عدة وقعات، ثم عاد إلى معسكره بهطمة فأقام من ثاني رجب إلى آخر شعبان.\rثم أوقع صاحب الزنج بسعيد، وذلك أنه سير إلى سعيد جيشاً، فأوقعوا به ليلاً وأصابوا مقتلة من أصحاب سعيد، فقتلوا خلقاً كثيراً وأحرقوا عسكره، فأمر بالمسير إلى باب الخليفة، وترك بغراج بالبصرة، فسار سعيد من البصرة وأقام بها بغراج يحمي أهلها، فرد السلطان أمرها إلى منصور بن جعفر الخياط بعد سعيد، فجمع منصور الشذا وسار نحو صاحب الزنج، فكمن له صاحب الزنج كميناً، فلما أقبل خرجوا عليه فقتلوا في أصحابه مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق كثير، فلم يقابله منصور بعد ذلك.\rانهزام الزنج بالأهواز","part":7,"page":55},{"id":3066,"text":"قال: وفي سنة سبع وخمسين ومائتين أرسل صاحب الزنج جيشاً مع علي بن أبان ليقطع قنطرة أربك، فلقيهم إبراهيم بن سيما منصرفاً من فارس، فأوقع بهم وهزمهم وقتل منهم وجرح علي بن أبان، ثم سار إبراهيم قاصداً نهر جبي، وأمر كاتبه شاهين بن بسطام بالمسير على طريق آخر، ليوافيه بنهر جبي بعد الوقعة، وكان على ابن أبان قد سار من الوقعة فنزل الخيزرانية، فأتاه رجل فأخبره بإقبال شاهين إليه، فسار نحوه فالتقيا وقت العصر بموضع بين جبي ونهر موسى، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم صدمهم الزنج صدمة صادقة فهزموهم، وقتلوا شاهين وابن عم له وخلقا كثيراً، فلما فرغ الزنج منهم أتاهم الخبر بقرب إبراهيم بن سيما منهم، فسار علي نحوه فوافاه وقت العشاء الآخرة، فأوقع بإبراهيم وقعة شديدة قتل فيها جمعاً كثيراً، قال علي بن أبان: وكان أصحابي قد تفرقوا بعد الوقعة مع شاهين، ولم يشهد معي حرب إبراهيم غير خمسين رجلاً، ثم انصرف علي بن أبان إلى جبي.\rأخذ الزنج البصرة\rوتخريبها قال: وفي شوال سنة سبع وخمسين ومائتين جمع صاحب الزنج أصحابه لدخول البصرة، وتخريبها لضعف أهلها وتفرقهم، وكان منصور الخياط قد أمسك عن حربه بعد تلك الوقعة التي ذكرها، واقتصر على تخفير القيروانات والسفن، فامتنع أهل البصرة فعظم ذلك على صاحب الزنج، فتقدم إلى علي بن أبان بالمقام بالخيزرانية ليشغل منصورا عن تسيير القيروانات، وكان علي بنواحي جي والخيزرانية، ثم أمر محمد بن يزيد الداري - وهو أحد من صحبه بالبحرين - أن يخرج إلى الأعراب فيجمعهم، فخرج إليهم فأتاه منهم خلق كثير فأناخوا بالقندل، ووجه إليهم سليمان بن موسى الشعراني، وأمرهم بطرق البصرة والإيقاع بها ليتمرن الأعراب على ذلك، ثم انهض علي بن أبان وضم إليه طائفة من الأعراب، وأمره باتيان البصرة من ناحية بني سعد، وأمر يحيى بن محمد البحراني بإتيانها من ناحية نهر عدي وضم إليه سائر الأعراب، فكان أول من واقع أهل البصرة على بن أبان، وبغراج يومئذ بالبصرة في جماعة من الجند، فأقام يقاتلهم يومين ومال الناس نحوه، وأقبل يحيى بن محمد فيمن معه نحو الجسر، فدخل على بن أبان البصرة وقت صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال، فأقام يقتل ويحرق يوم الجمعة وليلة السبت ويوم السبت، ثم عاد يحيى إلى البصرة يوم الأحد فتلقاه بغراج في جمع، فردوه يومه ذلك، ثم غاداهم يوم الإثنين فدخل وقد تفرق الجند، وانحاز بغراج ومن معه، ولقيه إبراهيم بن يحيى المهلبي فاستأمنه لأهل البصرة فأمنهم، فنادى إبراهيم: من أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم، فحضر أهل البصرة قاطبة حتى ملئوا الرحاب اجتماعهم انتهز الفرصة لئلا يتفرقوا فغدر بهم، وأمر أصحابه بقتلهم فكان السيف يعمل فيهم وأصواتهم مرتفعة بالشهادة، فقتل ذلك الجمع كله ولم يسلم منهم إلا النادر، ثم انصرف يومه ذلك، ودخل علي بن أبان إلى الجامع فأحرقه، وأحرقت البصرة من عدة مواضع، واتسع الحريق من الجبل إلى الجبل، وعظم الخطب وعمها القتل والنهب والإحراق، وقتلوا كل من رأوه بها، فمن كان من أهل اليسار أخذوا ماله وقتلوه، ومن كان فقيراً قتلوه لوقته، فبقوا كذلك عدة أيام، ثم أمر يحيى أن ينادي بالأمان ليظهروا فلم يظهر أحد، ثم انتهى الخبر إلى صاحب الزنج فصرف على بن أبان عنها، وأقر يحيى عليها لموافقته هواه في كثرة القتل، وصرف علياً لإبقائه على أهلها، فهرب الناس على وجوههم، وصرف صاحب الزنج جيشه عن البصرة.\rقال: ولما أخرب البصرة انتمى إلى زيد لمصير جماعة من العلويين إليه، وترك الانتساب إلى عيسى بن زيد، وانتسب إلى يحيى بن زيد، قال القاسم بن الحسن النوفلي: كذب، ابن يحيى لم يعقب غيره بنت ماتت وهي ترضع.\rمسير المولد لحرب صاحب الزنج\rوانتصار صاحب الزنج","part":7,"page":56},{"id":3067,"text":"وفي ذي القعدة من السنة أمر المعتمد على الله المولد بالسير إلى البصرة لحرب الزنج، فسار فنزل الأبلة فسير صاحب الزنج يحيى ابن محمد لحربه، فسار إليه فقاتله عشرة أيام، ثم وطن المولد نفسه على المقام، فكتب صاحب الزنج إلى يحيى بأمره بتبييت المولد، وسير إليه أبا الليث الأصفهاني فبيته، ونهض المولد فقاتله تلك الليلة ومن الغد إلى العصر، ثم انهزم عند ودخل الزنج عسكره فغنموا ما فيه، واتبعه يحيى إلى الجامدة فأوقع بأهلها، ونهب تلك القرى وسفك ما قدر عليه من الدماء، ثم رجع إلى نهر معقل.\rحرب منصور الخياط والزنج\rوقتل منصور قال: وفي سنة ثمان وخمسين ومائتين قتل منصور بن جعفر الخياط، وسبب ذلك أن صاحب الزنج لما فرغ من أمر البصرة أمر علي بن أبان بالمسير إلى جبى، لحرب منصور بن جعفر وهو يومئذ يلي الأهواز، فأقام بإزائه شهراً وكان منصور في قلة من الرجال، ثم وجه صاحب الزنج جلة أصحابه مع أبي الليث الأصفهاني، وأمره بطاعة علي بن أبان فلما صار إليه خالفه واستبد، وجاء منصور كما يجيء للحرب، فتقدم إليه أبو الليث عن غير إذن علي، فظفر به منصور وقتل من الزنج خلقاً كثيراً، وأفلت أبو الليث ورجع إلى صاحب الزنج، ثم إن علي بن أبان وجه طلائع يأتونه بخبر منصور، وأسري إلى وال كان منصور على بعض الأعمال، فقتله وقتل أكثر أصحابه وغنم ما كان معهم ورجع، وبلغ الخبر منصور بن جعفر فأسرى إلى الخيزرانية، وخرج إليه على بن أبان فتحاربوا إلى الظهر فانهزم منصور وتفرق عنه أصحابه، وأدركته طائفة من الزنج فحمل عليهم، وقاتلهم حتى تكسر رمحه وفني نشابه، ثم حمل حصانه ليعبر النهر فوقع في النهر، وسبب وقوعه أن بعض الزنج رآه حين أراد أن يعبر النهر، فألقى نفسه في النهر قبل منصور وتلقى الفرس حين وثب، فنكص الفرس وسقط منصور في النهر فقتله الأسود وأخذ سلبه، وقتل معه أخوه خلف بن جعفر وغيره من أصحابه.\rمسير الموفق لقتال الزنج\rوقتل مفلح وفي سنة ثمان وخمسين ومائتين عقد المعتمد على الله لأخيه أبي أحمد الموفق على ديار مضر وقنسرين والعواصم، وخلع عليه وعلى مفلح في شهر ربيع الآخر وسيرهما لحرب الزنج بالبصرة، وركب المعتمد معه وشيعه وسار نحو البصرة، ونازل صاحب الزنج، وكان سبب إرساله ما فعله الزنج بالبصرة، فأكبر الناس ذلك وتجهزوا إليه وساروا في عدة وعدة كاملة، وصحبة من سوقه بغداد خلق كثير، وكان علي بن أبان بجني، وسار يحيى بن محمد البحراني إلى نهر العباس ومعه أكثر الزنوج، وبقي صاحبهم في قلة من الناس، وأصحابه يغادون البصرة ويراوحونها لثقل ما نالوه منها، فلما نزل عسكر الموفق نهر معقل أجفل من فيه من الزنوج إلى صاحبهم مرعوبين، وأخبروه بعظم الجيش وأنهم لم يرد عليهم مثله، فأحضر رئيسين من أصحابه فسألهما عن قائد الجيش فلم يعرفاه، فجزع لذلك ثم سير إلى علي ابن أبان يأمره بالمصير إليه فيمن معه، فلما كان يوم الأربعاء لإثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادي الأولى أتاه بعض العساكر وتقدمهم، وأنهم ليس في وجوههم من الزنوج من يردهم، فكذبه وسبه وأمر فنوى في الزنوج بالخروج إلى الحرب فخرجوا، فرأوا مفلحاً قد أتاهم في عسكر فقاتلوا، فبينما مفلح يقاتلهم إذ أتاه سهم غرب، لا يعرف من رمى به،فأصابه فرجع وانهزم أصحابه، وقتل الزنج فيهم قتلاً ذريعاً، وحملوا الرؤوس إلى صاحب الزنج، واقتسم الزنج لحوم القتلى، وأتى بالأسرى فسألهم عن قائد الجيش فأخبروه أنه أبو أحمد، ومات مفلح من ذلك السهم ولم يلبث صاحب الزنج إلا يسيراً حتى وافاه علي بن أبان، ثم رحل الموفق إلى الأبلة ليجمع ما فرقته الهزيمة ثم صار إلى نهر أبي الأسد.\rمقتل يحيى البحراني","part":7,"page":57},{"id":3068,"text":"وفي سنة ثمان وخمسين ومائتين أيضاً أسر يحيى بن محمد البحراني قائد صاحب الزنج، وكان سبب ذلك أنه لما سافر نحو العباس لقيه عسكر اصفجون، عامل الأهواز بعد منصور، فقاتلهم وكان أكثر منهم عدداً، فنال ذلك العسكر من الزنج بالنشاب وجرحوهم، فعبر يحيى النهر إليهم فانحازوا عنه، وغنم سفناً كانت مع العسكر فيها الميرة، وساروا بها إلى عسكر صاحب الزنج، على غير الوجه الذي فيه علي بن أبان لتحاسد كان بينه وبين يحيى، ووجه طلائعه إلى دجلة فلقيهم جيش أبي أحمد الموفق، سائرين إلى نهر أبي الأسد، فرجعوا إلى علي فأخبروه بمجيء الجيش، فرجع من الطريق الذي كان سلكه وسلك طريق نهر العباس، وعلى فم النهر مراكب تحميه من عسكر الخليفة، فلما رآهم يحيى راعه ذلك، وخاف أصحابه فنزلوا السفن وعبروا النهر، وبقي يحيى ومعه بضعة عشر رجلاً، فقاتلهم هو وذلك النفر اليسير فرموهم بالسهام، فجرح ثلاث جرحات فلما جرح تفرق أصحابه عنه، فرجع حتى دخل بعض السفن وهو مثخن بالجراح، وأخذ أصحاب السلطان الغنائم وأخذوا السفن، وعبروا إلى سفن كانت للزنج فأحرقوها، وتفرق الزنج عن يحيى في بقية نهارهم، فلما رأى تفرقهم ركب سميرية وأخذ معه طبيباً لأجل الجراح، وسار فيها فرأى الملاحون سميريات السلطان فخافوا فألقوا يحيى ومن معه، فمشى وهو مثقل وقام الطبيب الذي معه فأتى أصحاب السلطان، فأخبرهم خبره فأخذوه وحملوه إلى أبي أحمد، فحمله أبو أحمد إلى سامراً فقطعت يداه ورجلاه ثم قتل، فجزع صاحب الزنج عليه جزعاً شديداً وقال لهم لما قتل يحيى: اشتد جزعي عليه فخوطبت أن قتله كان خيراً لك، إنه كان شرها.\rعود الموفق إلى سامرا\rواستخلافه محمد المولد على حرب الزنج وفي هذه السنة أيضاً انحاز أبو أحمد الموفق إلى واسط، ثم منها إلى سامرا، وكان سبب ذلك أنه لما صار إلى نهر أبي الأسد كثرت الأمراض في أصحابه وكثر فيهم الموت، فرجع إلى باذاورد فأقام هناك، وأمر بإعطاء الجند أرزاقهم وإصلاح الآلات والسميريات وشحنها بالقواد، وعاد إلى عسكر صاحب الزنج، وأمر جماعة من قواده بقصد مواقع سماها من نهر أبي الخطيب وغيره، وبقي معه جماعة، فمال أكثر، الخلق حتى التقى الناس ونشبت الحرب إلى نهر أبي الخطيب، وبقي أبو أحمد في قلة من أصحابه، فلم يزل عن موضعه خوفاً أن يطمع الزنج فيه، ولما رأى الزنج قلة من معه طمعوا فيه وكثروا عليه، واشتدت الحرب عنده وكثر القتل والجراح، وأحرق أصحاب بني أحمد منازل الزنوج، واستنقذوا من النساء جمعاً كثيراً، ثم ألقى الزنج جدهم نحوه، فلما رأى أبو أحمد ذلك علم أن الحزم في المحاجزة، فأمر أصحابه بالرجوع إلى سفنهم على مهل وتؤدة، واقتطع الزنج طائفة من أصحابه فقاتلوهم، فقتلوا من الزنج خلقاً كثيراً ثم قتلوا بأجمعهم، وحملت رؤوسهم إلى قائد الزنج، وهي مائة رأس وعشرة أروس، فزاد ذلك من عتو صاحب الزنج، فعبي أبو أحمد أصحابه للرجوع إلى الزنج، فوقعت نار في أطراف عسكره في يوم ريح عاصف، فاحترق كثير منه فرحل إلى واسط، فلما نزل إلى واسط تفرق عنه عامة أصحابه، فسار منها إلى سامرا، واستخلف على واسط لحرب الزنج محمد المولد، ثم عاد الموفق بعد ذلك لحرب الزنج، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rدخول الزنج الأهواز\rومسير موسى بن بغا لحربهم قال: وفي سنة تسع وخمسين ومائتين في شهر رجب دخل الزنج الأهواز، وذلك أن صاحبهم أنفذ علي بن أبان وضم إليه الجيش، الذي كان مع يحيى البحراني وسليمان بن موسى الشعراني، وسيره إلى الأهواز، وكان المتولي عليها بعد منصور بن جعفر رجلاً يقال له اصغجون، فبلغه خبر الزنج فخرج إليهم، والتقى العسكران بدست ميسان، فانهزم اصغجون وغرق وقتل وأسر خلق كثير من أصحابه، وكان ممن أسر الحسن بن هرثمة والحسن بن جعفر، وحملت الرؤوس والأعلام والأسرى إلى صاحب الزنج، فأمر بحبس الأسرى، ودخل الزنج الأهواز فأقاموا يفسدون فيها ويعبثون، إلى أن قدم موسى بن بغا.","part":7,"page":58},{"id":3069,"text":"قال: ولما كان في ذي القعدة أمر المعتمد على الله أن قدم موسى بن بغا بالمسير إلى حرب صاحب الزنج، فسير إلى الأهواز عبد الرحمن بن مفلح، وإلى البصرة إسحاق بن كنداجيق، وإلى باذاورد إبراهيم بن سيما، وأمرهم بمحاربة صاحب الزنج، فسار عبد الرحمن إلى محاربة على ابن أبان فتواقعا، فانهزم عبد الرحمن ثم استعد وعاد إلى علي، فأوقع به وقعة عظيمة قتل فيها من الزنج قتلاً ذريعاً، وأسر خلقاً كثيراً، وانهزم علي بن أبان، ثم أراد رد الزنج فلم يرجعوا من الخوف الذي دخلهم من عبد الرحمن، فلما رأى ذلك أذن لهم بالانصراف، فانصرفوا إلى مدينة صاحبهم، ووافى عبد الرحمن حصن مهدي ليعسكر به، فسير إليه صاحب الزنج علي بن أبان فوافقة فلم يقدر عليه، ومضى يريد الموضع بادركه، وكان إبراهيم بن سيما بالباذا ورد، فواقعه على بن أبان فهزمه علي، ثم واقعة ثانية فهزمه إبراهيم، فمضى علي بالليل حتى انتهى إلى نهر يحيى، وانتهى خبره إلى عبد الرحمن فوجه إليه طاشتمر في جمع من الموالي، فلم يصل إليه لامتناعه بالآجام والقصب والحلافي، فأضرمه عليه ناراً فخرجوا هاربين، فأسر منهم أسرى وانصرف أصحاب عبد الرحمن بالأسرى والظفر، ثم سار عبد الرحمن نحو علي بن أبان بمكان نزل فيه، فكتب إلى صاحب الزنج يستمده فأمده بثلاث عشرة شذاة، ووافاه عبد الرحمن فتواقعا يومهما، فلما كان الليل انتخب علي من أصحابه جماعة ممن يثق بهم، وسار وترك عسكره وأتى عبد الرحمن من ورائه فبينه، فنال منه شيئاً يسيراً وانحاز عبد الرحمن، فأخذ علي منهم أربع شذوات وأتى عبد الرحمن دولاب فأقام به، وسار طاشتمر إلى علي فوافاه وقاتله، فانهزم علي إلى نهر السدرة، وكتب طاشتمر يستمد عبد الرحمن ويخبره بانهزام علي، فأتاه عبد الرحمن وواقع علياً بنهر السدرة وقعة عظيمة، فانهزم علي إلى صاحب الزنج، وعسكر عبد الرحمن ببيان فكان هو وإبراهيم بن سيما يتناوبان المسير إلى عسكر الزنج فيوقعان به، وإسحاق بن كنداجيق بالبصرة، وقد قطع الميرة عن الزنج، فكان صاحبهم يجمعهم يوم محاربة عبد الرحمن وإبراهيم، فإذا انقضت الحرب سير طائفة منهم إلى البصرة لقتال إسحاق، فأقاموا كذلك بضعة عشر شهراً، إلى أن انصرف موسى بن بغا عن حرب الزنج، ووليها مسرور البلخي على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوفي سنة إحدى وستين ومائتين ولي أبو الساج الأهواز وسير عبد الرحمن إلى فارس، وأمر أبو الساج بمحاربة الزنج فندب صهره لمحاربتهم، فلقيه علي بن أبان بناحية دولاب، فقتل عبد الرحمن وانحاز أبو الساج إلى ناحية عسكر مكرم، ودخل الزنج الأهواز فقتلوا أهلها وسبوا وأحرقوا، ثم انصرف أبو الساج عما كان وليه من الأهواز وحرب الزنج، ووليها إبراهيم بن سيما فلم يزل بها حتى انصرف عنها مع موسى بن بغا.\rانتداب الموفق لحرب الزنج\rوما شغله عن ذلك واستعماله مسرورا البلخي على حربهم وما كان في خلال ذلك من أخبارهم","part":7,"page":59},{"id":3070,"text":"وفي سنة إحدى وستين ومائتين ولى المعتمد على الله أخاه أبا أحمد العهد بعد ابنه جعفر، ولقبه الناصر لدين الله الموفق، وولاه من الأعمال ما قدمنا ذكره في أخباره الدولة العباسية، وولى موسى بن بغا إفريقية على ما قدمناه، وأمر المعتمد على الله أخاه الموفق بحرب الزنج، فولى الموفق الأهواز والبصرة وكور دجلة - وذلك من جملة ما هو مضاف إلى ولايته - مسرورا البلخي، وسيره على مقدمته في ذي الحجة من السنة وعزم على المسير بعده، فحدث من أمر يعقوب بن الليث الصفار ما منعه عن المسير على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الصفارية، ثم رجع مسرور البلخي لقتال يعقوب سراياه في تلك البلاد تنهب وتحرق وتخرب، وذلك في سنة اثنتين وستين ومائتين، وأتته الأخبار بخلو البطيخة من جند السلطان، فأمر سليمان بن جامع وجماعة من أصحابه بالمسير إلى الحوانيت، وأمر سليمان بن موسى بالمصير إلى القادسية، وقدم أبا التركي في ثلاثين شذاة يريد عسكر الزنج فنهب وأحرق، فكتب صاحب الزنج إلى سليمان بن موسى يأمره بمنعه من العبور، فأخذ سليمان عليه الطريق، فقاتلهم شهراً حتى تخلص، وانحاز إلى سليمان بن جامع من مذكوري البلالية وأنجادهم جمع كثير في خمسين ومائة سميرية، وكان مسرور البلخي قد وجه قبل مسيره عن واسط جماعة من أصحابه أن يتحصن في عقر ما وراء طهيثا والأدغال التي فيها، وكرهوا خروجه عنهم لموافقته في فعله وخافوا السلطان، فسار فنزل إليه بقربة مروان بالجانب الشرقي من نهر طهيثا وجمع إليه رؤساء الباهليين، وكتب إلى صاحب الزنج يعلمه بما صنع، فكتب إليه يصوب رأيه ويأمره بإنفاذ ما عند من ميرة ونعم، فأنفذ ذلك إليه.\rوورد الخبر على سليمان أن أغرتميش وخشيشاً قد أقبلا في الخيل والرجال والسميريات والشذاة يريدون حربه، فجزع جزعاً شديداً، فلما أشرفوا عليه ورآهم أخذ جمعاً من أصحابه، وسار راجلا واستدبر أغرتميش، وجد أغرتميش في المسير إلى عسكر سليمان، وكان سليمان قد أمر الذي استخلفه في جيشه ألا يظهر منهم أحد لأصحاب أغرتميش، وأن يخفوا أنفسهم ما قدروا إلى أن يسمعوا أصوات طبولهم، فإذا سمعوها خرجوا عليه، وأقبل أغرتميش إليهم فجزع أصحاب سليمان جزعاً شديداً فتفرقوا، ونهضت شرذمة منهم فواقعوهم وشغلوهم عن دخول العسكر، وجاء سليمان من خلفهم وضرب طبوله، وألقوا أنفسهم في الماء للعبور إليهم، فانهزم أصحاب أغرتميش وظهر من كان من السودان بطهيثا، ووضعوا السيوف فيهم فقتل خشيش وانهزم أغرتميش، وتبعه الزنوج إلى عسكره فنالوا حاجتهم منه، وأخذوا شذوات فيها مال وغيره، فعاد أغرتميش إليهم فانتزعها من أيديهم، وعاد سليمان وقد ظفر وغنم وكتب إلى صاحب الزنج بالخبر وسير إليه رأس خشيش، فسيره إلى علي بن أبان وهو بنواحي الأهواز، وسير سليمان سرية فظفروا بإحدى عشرة شذاة وقتلوا أصحابها.\rثم كانت للزنج وقعة عظيمة انهزموا فيها في سنة اثنتي وستين أيضاً.","part":7,"page":60},{"id":3071,"text":"وكانت هذه الوقعة مع أحمد بن ليثوية، وكان سببها أن مسروراً البخلي وجه أحمد بن ليثوية إلى كور الأهواز، فنزل السوس وكان يعقوب الصفار - المستولي على خراسان - قد قلد محمد بن عبد الله ابن هزار مرد الكردي كور الأهواز، فكاتب محمد قائد الزنج يطمعه في الميل إليه، وأوهمه أنه يتولى له كور الأهواز، وكان محمد يكاتبه قديماً، وعزم على مداراة الصفار وقائد الزنج، حتى يستقيم له الأمر فيها، فكاتبه صاحب الزنج يجيبه إلى ما سأل، على أن يكون علي بن أبان المتولي للبلاد، ومحمد بن عبيد الله يخلفه عليها، فقبل محمد ذلك، فوجه إليه علي بن أبان جيشاً وأمدهم محمد بن عبيد الله ، فساروا نحو السوس فمنعهم أحمد بن ليثوية ومن معه من جند الخليفة عنها، وقاتلهم فقتل خلقاً كثيراً وأسر جماعة، وسار أحمد حتى جندي سابور، وسار علي بن أبان من الأهواز منجداً محمد بن عبيد الله على أحمد بن ليثوية، فلقيه محمد في جيش كثير من الأكراد والصعاليك، ودخل محمد تستر، فانتهى إلى أحمد بن ليثوية الخبر بتضافرهما على قتاله، فخرج عن جندي سابور إلى السوس، وكان محمد قد وعد علي بن أبان أن يخطب لصاحبه قائد الزنج يوم الجمعة على منبر تستر، فلما علم علي بن أبان ذلك انصرف إلى الأهواز، وهدم قنطرة كانت هناك لئلا تلحقه الخيل، وانتهى أصحاب علي إلى عسكر مكرم فنهبوها، وكانت داخلة في سلم صاحب الزنج فغدوا بها، وسار إلى الأهواز، فلما علم أحمد ذلك أقبل إلى تستر، فأوقع بمحمد بن عبيد الله ومن معه، فانهزم محمد ودخل أحمد تستر، وأتت الأخبار على بن أبان أن أحمد على قصده، فسار إلى لقائه ومحاربته فالتقيا واقتتل العسكران، فاستأمن جماعة من الأعراب، الذين كانوا مع علي بن أبان - إلى أحمد بن ليثوية، فانهزم باقي أصحاب علي وثبت معه جماعة يسيره، فاشتد القتال وترجل على بن أبان وباشر القتال راجلا، فعرفه بعض أصحاب أحمد فأنذر به، فلما عرفوه انصرف هارباً، وأتاه بعض أصحابه بسميرية فركب فيها ونجا مجروحاً، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، وعاد إلى الأهواز ولم يقم بها، ومضى إلى عسكر صاحبه يداوي جراحه، واستحلف على عسكره بالأهواز، فلما برئت جراحه عاد إلى الأهواز، ووجه أخاه الخليل بن أبان في سنة ثلاث وستين ومائتين في جيش كثيف إلى أحمد بن ليثوية، وكان أحمد بعسكر مكرم فكمن لهم أحمد وخرج إلى قتالهم، فالتقى الجمعان واقتتلوا أشد القتال، وخرج الكمين على الزنج فانهزموا وتفرقوا وقتلوا، ووصل المنهزمون إلى علي بن أبان، فوجه علي مسلحة إلى المسرقان، فوجه إليهم أحمد بن ليثوية ثلاثين فارساً من أعيان أصحابه فقتلهم الزنج جميعهم.\rدخول الزنج واسط\rوما تقدم ذلك من الحروب والوقائع","part":7,"page":61},{"id":3072,"text":"كان دخول الزنج واسط في سنة أربع وستين ومائتين، وذلك أن سليمان بن جامع لما سار إلى البطائح في سنة اثنين وستين - وكان بينه وبين أغرتميش ما ذكرناه - كتب إلى صاحبه يستأذنه في المسير إليه ليحدث به عهداً فأذن له ذلك، فأشار عليه الجبائي أن يتطرق إلى عسكر تكين البخاري، وهو ببردود، فقبل قوله وسار إلى تكين، فلما كان على فرسخ منه قال له الجبائي: الرأي أن تقيم أنت ها هنا، وأمضي أنا في السميريات فأجر القوم إليك فيأتونك وقد تعبوا، فتنال منهم حاجتك، ففعل سليمان ذلك وجعل بعض أصحابه كمينا، ومضى الجبائي إلى تكين فقاتله ساعة، ثم تطارد لهم فتبعوه، فأرسل إلى سليمان يعلمه ذلك، وقال لأصحابه - وهو بين أصحاب تكين شبه المنهزم ليسمع أصحاب تكين قوله - غررتموني وأهلكتموني! ! وكنت نهيتكم عن الخول ها هنا فأبيتم ولا أرانا ننجو منه! ! فطمع أصحاب تكين وجدوا في طلبه، وجعلوا ينادون بلبل في قفص، فما زالوا كذلك حتى جاوزوا موضع الكمين وقاربوا عسكر سليمان، وقد كمن أيضاً خلف هناك، فخرج سليمان إليهم فقاتلهم، وخرج الكمين من خلفهم، وعطف الجبائي على من في النهر، فاشتد القتال، فانهزم أصحاب تكين من الوجوه كلها، وركبهم الزنج فقتلوهم وسلبوهم أكثر من ثلاثة فراسخ، وعادوا عنهم، فلما كان الليل عاد الزنج إليهم وهم في معسكرهم فكسبوهم، فقاتلهم تكين وأصحابه فانكشف سليمان، ثم عنى أصحابه وأمر طائفة أن يأتيه من جهة ذكرها لهم، وطائفة من الماء، وأتى هو في الباقين، وقصدوا تكين من جهاته كلها، فعلم يقف من أصحابه أحد، وانهزموا وتركوا عسكرهم فغنم الزنج ما فيه، وعادوا بالغنيمة.\rواستخلف سليمان الجبائي على عسكره، وسار إلى صاحبه وذلك في سنة ثلاث وستين، فلما سار سليمان إلى صاحب الزنج خرج الجبائي بالعسكر إلى مازروان لطلب الميرة، فاعترضه جعلان فقاتله، فانهزم الجبائي وأخذت سفنه، وأتته الأخبار أن منجور ومحمد ابن علي بن حبيب اليشكري قد بلعا الحجاجية، فكتب إلى صاحبه بذلك، فسير إليه سليمان فوصل إلى طهيثا مجدا، وأظهر أنه يريد قصد جعلان، وقدم الجبائي وأمره أن يأتي جعلان ويقف بحيث يراه ولا يقاتله، ثم سار سليمان نحو محمد بن علي بن حبيب مجدا فأوقع به وقعة عظيمة، وغنم غنائم كثيرة، وقتل أخاً لمحمد بن علي ورجع، وذلك في شهر رجب سنة ثلاث وستين أيضاً.\rثم سار في شعبان إلى قرية حسان، وبها قائد يقال له جيش ابن خمارتكين فأوقع به، فهزمه ونهب القرية وأحرقها وعاد، ثم سار في شعبان أيضاً إلى مواضع فنهبها وعاد، ثم سار في رمضان وأظهر أنه يريد جعلان بمازروان، فبلغت الأخبار جعلان فضبط عسكره فتركه سليمان وعدل إلى أبا فأوقع به وهو غار، وغنم منه ستة شذاوات، ثم أرسل الجبائي في جماعة لينهب، فصادفهم جعلان فأخذ سفنهم وغنم منهم، فأتاه سليمان في البر فهزمه واستنفذ سفنهم، وغنم شيئاً آخر وعاد، ثم سار سليمان إلى الرصافة في ذي القعدة فأوقع بمطر بن جامع وهو بها، وغنم غنائم كثيرة وأحرق الرصافة واستباحها، وحمل أعلاماً وانحدر إلى مدينة صاحب الزنج، وأقام ليعيد هناك بمنزله، فسار مطر إلى الحجاجية فأوقع بأهلها وأسر جماعة، وكان بها قاض لسليمان فأسره مطر وحمله إلى واسط، وصار مطر إلى قريب طهيثا ورجع، فكتب الجنائي إلى سليمان بذلك، فسار نحوه فوافاه لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين.\rثم صرف جعلان ووافاه أحمد بن ليثوية فأقام بالشديدية، ومضى سليمان إلى تكين في خمس شذاوات، وذلك في سنة أربع وستين، فواقعة تكين بالشديدية، وكان أحمد بن ليثوية حينئذ قد سار إلى الكوفة فظهر تكين على سليمان وأخذ الشذاوات بما فيها، وكان فيها صناديد سليمان وقواده فقتلهم، ثم إن أحمد عاد إلى الشديدية وضبط تلك الأعمال، حتى وافاه محمد المولد وقد ولاه الموفق مدينة واسط، فكتب سليمان إلى صاحبه يستمده، فأمده بالخليل بن أبان في زهاء ألف وخمسمائة فارس، فلما أتاه المدد قصد إلى محاربة محمد المولد، فأوقع به وهرب المولد، ودخل سليمان مدينة واسط فقتل فيها خلقاً كثيراً ونهب وأحرق، وكان بها كنجور البخاري، فقاتله يومه إلى العصر ثم قتل، وانصرف سليمان عن واسط إلى جنبلاء ليعيث ويخرب، فأقام هناك تسعين ليلة.\rالزنج وأحمد بن ليثوية\rوتكين البخاري وأغرتميش في سنة خمس وسنة ست وستين ومائتين","part":7,"page":62},{"id":3073,"text":"وفي سنة خمس وستين كانت وقعة بين أحمد بن ليثوية وبين سليمان بن جامع والزنج بناحية جنبلاء، وسبب ذلك أن سليمان كتب إلى صاحب الزنج، يخبره بحال نهر يسمى الزهيري ويسأله أن يأذن في عمله، ويقول إنه متى أنفذه تهيأ له حمل ما في جنبلاء وسواد الكوفة، فأنفذ إليه زكروية لذلك، وأمره بمساعدته والنفقة على عمل النهر، فمضى سليمان فيمن معه وأقام بالشريطية نحوا من شهر، وشرعوا في عمل النهر، وكان أصحاب سليمان في أثناء ذلك يتطرقون إلى ما حولهم، فواقعة أحمد بن ليثوية، وهو عامل الموفق بجنبلاء، فقتل من الزنوج نيفاً وأربعين قائداً، ومن عامتهم ما لا يحصى كثرة وأحرق سفنهم، فمضى سليمان مهزوماً إلى طهيثا.\rوفيها سار جماعة من الزنوج في ثلاثين سميرية إلى جبل، فأخذوا أربع سفن فيها طعام وانصرفوا. وفيها دخل الزنج النعمانية فأحرقوها وسبوا، وصاروا إلى جرجرايا ودخل أهل السودان بغداد.\rوفيها استعمل الموفق مسروراً البلخي على كور الأهواز، فولى مسرور ذلك تكين البخاري، فسار تكين إليها، وكان علي بن أبان والزنج قد أحاطوا بتستر، فخاف أهلها وعزموا على تسليمها إليهم فوافاهم تكين وهم على تلك الحال، فوافع علي بن أبان حال وصوله، فانهزم علي والزنج وقتل كثير منهم وتفرقوا، ونزل تكين تستر. قال: وهذه الوقعة تعرف بوقعة كودك وهي مشهورة.\rقال: ثم إن علياً قدم عليه جماعة من قواد الزنج، فأمرهم بالمقام بقنطرة فارس، فهرب منهم غلام رومي إلى تكين وأخبره بمقامهم بالقنطرة، وتشاغلهم بالنبيذ وتفرقهم في جمع الطعام، فسار تكين إليهم ليلاً فأوقع بهم، وقتل من قوادهم جماعة وانهزم الباقون، وسار تكين إلى علي بن أبان فلم يقف له علي وانهزم، وأسر غلام له يعرف يجعفروية ورجع علي إلى الأهواز ورجع تكين إلى تسير، وكتب علي إلى تكين يسأله الكف عن قتل غلامه فحسبه، ثم تراسل علي وتكين ونهاديا، فبلغ الخبر مسرورا بميل تكين إلى الزنج، فسار حتى وافى تكين وقبض عليه وحبسه حتى مات، وتفرق أصحاب تكين: ففرقة صارت إلى الزنج، وفرقه صارت إلى محمد بن عبيد الله الكردي، فبلغ ذلك مسروراً فأمنهم، فجاءه الباقون منهم. قال: وبعض ما ذكرناه كان في ست وستين ومائتين.\rوفي سنة ست وستين ولى أغرتميش ما كان يتولاه تكين البخاري من أعمال الأهواز، فدخل تستر ومعه أبا ومطر بن جامع، فقتل مطر جعفروية - غلام علي بن أبان - وجماعة معه كانوا مأسورين، وساروا إلى عسكر مكرم، واتاهم الزنج هناك مع علي بن أبان فاقتتلوا، فلما رأوا كثرة الزنج قطعوا الجسر وتحاجزوا، ورجع علي إلى الأهواز وأقام أخوه الخليل بالمسرقان في جماعة كثيرة من الزنج، وسار أغرتميش ومن معه نحو الخليل، ليعبروا إليه من قنطرة أربك، فكتب إلى أخيه علي فوافاه في النهر، وخاف أصحابه الذين خلفهم بالأهواز فارتحلوا إلى نهر السدرة، وتحارب علي وأغرتميش يومه، ثم انصرف علي إلى الأهواز فلم يجد أصحابه، فرجه من يردهم من نهر السدرة، فعسر عليهم ذلك فتبعهم وأقام معهم ورجع أغرتميشن فنزل عسكر مكرم واستعد لقتالهم، وبلغ ذلك أغرتميش ومن معه من عسكر الخليفة، فساروا إليه فكمن لهم علي، وقدم الخليل إلى قتالهم فاقتتلوا، فكان أول النهار لأصحاب الخليفة، ثم خرج عليهم الكمين فانهزموا وأسر مطر بن جامع وعدة من القواد، فقتله علي بغلامه جعفروية وعاد إلى الأهواز، وأرسل رؤوس القتلى إلى صاحب الزنج، وكان علي وأغرتميش بعد ذلك في حروبهم على السواء، وصرف صاحب الزنج أكثر جنوده إلى علي بن أبان، فلما رأى ذلك أغرتميش وادعه، وجعل علي يغير على النواحي، فأغار على قرية بيروذ ونهبها، ووجه الغنائم إلى صاحبه.\rدخول الزنج رامهرمز","part":7,"page":63},{"id":3074,"text":"وفي سنة ست وستين ومائتين دخل علي والزنج رامهرمز، وسبب ذلك أن محمد بن عبيد الله يخاف علي بن أبان، لما في نفس علي منه لما ذكرناه، فكتب إلى انكلاي ابن صاحب الزنج، وسأله أن يسأل أباه ليرفع يد علي عنه ويكون إلى نفسه، فزاد ذلك غيظ علي منه، وكتب إلى صاحب الزنج بالإيقاع بمحمد، ويجعل ذلك الطريق إلى مطالبته بالخراج، فأذن له فكتب إلى محمد يطلب منه حمل الخراج، فمطله ودافعه فسار إليه علي وهو برامهرمز، فهرب محمد عنها ودخلها علي والزنج فاستباحها، ولحق محمد بأقصى معاقلة، وانصرف علي غانماً، وخاف محمد فكتب إليه يطلب المسالمة، فأجابه إلى ذلك على مال يؤديه إليه، فحمل إليه مائتي ألف درهم فأنفذها إلى صاحب الزنج، وأمسك عن محمد بن عبيد الله وأعماله.\rوفيها كانت وقعة للزنج انهزموا فيها، وكان سببها أن محمد بن عبيد الله كتب إلى علي بن أبان بعد الصلح يسأله المعونة على طائفة من الأكراد، على أن يجعل له ولأصحابه غنائمهم، فكتب علي إلى صاحبه يستأذنه، فكتب إليه أن: وجه إليه جيشاً وأقم أنت، ولا تنفذ حتى تستوثق منه الرهن، ولا تأمن غدره والطلب بثأره، فكتب علي إلى محمد يطلب منه اليمين والرهائن، فبذل له اليمين ومطلة بالرهائن، فلحرص علي على الغنائم أنفذ إليه جيشاً، فسير محمد معهم طائفة من أصحابه إلى الأكراد، فخرج إليهم الأكراد فقاتلوهم ونشبت الحرب، فتخلى أصحاب محمد عن الزنج فانهزموا، وقتلت الأكراد منهم خلقاً كثيراً، وكان محمد قد أعد لهم من يتعرض لهم إذا انهزموا، فأوقعوا بهم وسلبوهم وأخذوا دوابهم، ورجعوا بأسوأ حال، فكتب علي إلى صاحب الزنج يعرفه فقال: ضيعت أمري في ترك الرهائن، وكتب إلى محمد يتهدده فخاف محمد، وكتب يخضع ويذل ورد بعض الدواب، وقال: إنني كبست من كانت عندهم وخلصت هذه منهم، فأظهر صاحب الزنج الغضب عليه، فأرسل محمد إلى بهبوذ ومحمد بن يحيى الكرماني، وكان أقرب الناس إلى علي، فضمن لهما مالا إن أصلحا له علياً وصاحبه ففعلا ذلك، وأجابهما صاحب الزنج بالرضا عن محمد، على أن يخطب له على منابر بلاده، فأعلما محمداً ذلك فأجابهما إلى جميع ما طلبا، وجعل براوغ في الدعاء له على المنابر، ثم إن علياً استعد لمتوث وسار إليها فلم يظفر بها، فرجع وعمل السلاليم والآلات التي يصعد بها إلى السور، واستعد لقصدها فعرف ذلك مسرور البلخي، وهو يومئذ بكور الأهواز، فلما سار علي إليها سار مسرور، فوافاه قبل المغرب وهو نازل عليها، فلما عاين الزنج أوائل خيل مسرور انهزموا أقبح هزيمة، وتركوا ما كانوا أعدوه وقتل منهم كثير، وانصرف علي مهزوماً، فلم يلبث إلا يسيراً حتى أتته الأخبار بإقبال الموفق، ولم يكن لعلي بعدها وقعة، حتى فتحت سوق الخميس وطهيثا على الموفق؛ على ما نذكره إن شاء الله، فكتب إليه صاحبه يأمره بالعود إليه ويستحثه حثاً شديداً.\rحرب أبي العباس والزنج\rوانتزاعه عامة ما كان بيد سليمان ابن جامع والزنج من أعمال دجلة كان مسيرة لذلك في سنة ست وستين ومائتين، وسبب ذلك أن الزنج لما دخلوا واسط وفعلوا بها ما فعلوا - واتصل ذلك بالموفق - أمر ابنه أبا العباس بتعجيل المسير بين يديه، إليهم، فسار في شهر ربيع الآخر وشيعه أبوه، وسير معه عشرة آلاف من الرجالة والخيالة في العدة الكاملة، وأخذ معه الشذاوات والسميريات والمعابر للرجالة، فسار حتى وافى دير العاقول، وكان على مقدمته في الشذوات نصير المعروف بأبي حمزة، فكتب نصير إليه يخبره أن سليمان بن جامع قد وافى خيله ورجله وشذاوات وسميريات - والجبائي على مقدمته، حتى نزل الجزيرة فحصر بردوداً، وأن سليمان بن موسى الشعراني قد وافى الصلح، ووجه طلائعه ليعرف أخبارهم، فعادوا وأعلموه موافاة الزنج وجيشهم، وأن أولهم بالصلح وآخرهم ببستان موسى بن بغا أسفل واسط.","part":7,"page":64},{"id":3075,"text":"قال: وكان سبب جمع الزنج وحشدهم أنهم قالوا: إن العباس فتى حدث غر بالحرب، والرأي لنا أن نرميه بحدنا كله، ونجهد في أول مرة نلقاه فلعل ذلك بروعة فينصرف عنا، فجمعوا وحشدوا، فلما علم أبو العباس قربهم عدل عن سنن الطريق واعترض في مسيره، ولقي أصحابه أوائل الزنج فتطاردوا لهم حتى طمعوا فيهم وتبعوهم، وجعلوا يقولون: اطلبوا أميراً للحرب فإن أميركم قد اشتغل بالصيد، فلما قربوا منه خرج عليهم فيمن معه، وصاح بنصير إلى أين يتأخر عن هذه الأكلب، فرجع نصير، وركب أبو العباس سميرية وحف به أصحابه من جميع الجهات، فانهزمت الزنج وكثر القتل فيهم، وتبعوهم إلى أن وصلوا قرية عبد الله، وهي على سنة فراسخ من الموضع الذي لقوهم به وأخذوا منهم خمس شذاوات وعدة سميريات، وأسر جماعة واستأمن جماعة، فكان هذا أول فتح.\rفسار سليمان بن جامع إلى نهر الأمير، وسار سليمان الشعراني إلى سوق الخميس، وانحدر أبو العباس فأقام بالعمر، وهو على فرسخ من واسط، وأصلح شذاواته وأخذ يراوح القوم القتال ويغاديهم، ثم إن سليمان استعد وحشد وجعل أصحابه في ثلاثة أوجه، وقالوا إنه حدث غر يغرر بنفسه وكمنوا كميناً، فبلغ الخبر أبا العباس فحذره، وأقبلوا وقد كمنوا الكمناء ليغتر بأتباعهم فيخرج الكمين عليه، فمنع أبو العباس أصحابه من اتباعهم، فلما علموا أن كيدهم لم يتم خرج سليمان من الشذاوات والسميريات، فأمر أبو العباس نصيراً أن يبرز إليهم، وركب هو في شذاة من شذاواته سماها الغزال، ومعه جماعة من خاصته، وأمر الخيالة بالمسير بازائه على شاطئ النهر إلى أن ينقطع، فيعبروا دوابهم، ونشبت الحرب بين الفريقين فوقعت الهزيمة على الزنج، وغنم أبو العباس منهم أربع عشرة شذاة، وأفلت سليمان والجبائي بعد أن أشفيا على الهلاك، وبلغوا طهيثاً وأسلموا ما كان معهم، ورجع أبو العباس إلى معسكره، وأقام الزنج عشرين يوماً لا يظهر منهم أحد، وجعلوا على طريق الخيل آباراً وجعلوا فيها سفافيد حديد، وجعلوا على رؤوسها البواري والتراب ليسقط فيها المجتازون، فسقط فيها رجل ففطنوا لها فتركوا ذلك الطريق. واستمد سليمان صاحب الزنج فأمده بأربعين سميرية بآلاتها ومقاتليها، فعادوا للتعرض للحرب فلم يثبتوا لأبي العباس، ثم سير إليهم عدة سميريات فأخذها الزنج، فبلغه الخبر وهو يتغدى فركب في سميرية ولم ينتظر أصحابه وتبعه منهم من خف فأدرك الزنج، فانهزموا وألقوا أنفسهم في الماء، فاستنقذ سميرياته ومن كان فيها، وأخذ منهم إحدى وثلاثين سميرية ورمى أبو العباس يومئذ عن قوس حتى دميت إبهامه، فلما رجع أمر لمن معه بالخلع، وأمر بإصلاح السميريات المأخوذة من الزنج.\rثم إن أبا العباس رأى أن يتوغل مازروان حتى يصير إلى الحجاجية ونهر الأمير، ويعرف ما هناك، فقدم نصيرا في أول السميريات وركب أبو العباس في سميرية ومعه محمد بن شعيب، ودخل مازروان وهو يظن أن نصيرا أمامه، فلم يقف له على خبر، وكان قد سار على غير طريق أبي العباس، وخرج من مع أبي العباس من الملاحين إلى غنم رأوها ليأخذوها، فبقي هو ومحمد بن شعيب فأتاهما جمع من الزنج من جانبي النهر، فقاتلهم أبو العباس بالنشاب، ووافاه زيرك في باقي الشذاوات، فسلم أبو العباس وعاد إلى عسكره، ورجع نصير، وجمع سليمان بن جامع أصحابه وتحصن بطهيثا، وتحصن الشعراني وأصحابه بسوق الخميس، وجعلوا يحملون الغلات إليها، واجتمع بالصينية جمع كثير، فوجه أبو العباس جماعة من قواده على الخيل إلى ناحية الصينية، وأمرهم بالمسير في البر وإذا عرض لهم نهر عبروه، وركب هو في الشذاوات والسميريات، فلما أبصرت الزنج الخيل خافوا ولجأوا إلى الماء والسفن، فلم يلبثوا أن وافتهم الشذاوات مع أبي العباس، فلم يجدوا ملجأ فاستسلموا، فقتل منهم فريق وأسر فريق، وألقي فريق أنفسهم في الماء، وأخذ أصحاب أبي العباس سفنهم وهي مملوءة أرزاً، واخذ الصينية وأزاح الزنج عنها، فانحازوا إلى طهيثا وسوق الخميس، ورجع أبو العباس إلى عسكره وقد فتح الصينية.","part":7,"page":65},{"id":3076,"text":"وبلغه أن جيش عظيماً للزنج مع ثابت بن أبي دلف ولؤلؤ، فسار إليهم وأوقع بهم وقعة عظيمة وقت السحر، فقتل منهم خلقاً كثيراً منهم لؤلؤ، وأسر ثابتاً فمن عليه وجعله مع بعض قواده، واستنقذ خلقاً كثيراً من النساء، فأمر بردهن إلى أهلهن، وأخذ كل ما كان الزنج جمعوه، وأمر أصحابه أن يتجهزوا للمسير إلى سوق الخميس، وأمر نصير بتعبئة أصحابه بالمسير، فقال له: إن نهر سوق الخميس ضيق، فأقم أنت ونسير نحن، فأبى عليه، فقال له محمد بن شعيب: إن كنت لابد فاعلاً فلا تكثر الشذوات ولا الرجال فإن النهر ضيق، فسار نصير بين يديه إلى فم برمساور، فوقف أبو العباس وتقدمه نصير في خمس عشرة شذاة، في نهر يؤدي إلى مدينة الشعراني، التي سماها المنيعة في سوق الخميس، فلما غاب عنه نصير خرج جماعة كثيرة في البر على أبي العباس، فمنعوه من الوصول إلى المدينة، وقاتلوه قتالاً شديداً من أول النهار إلى الظهر، وخفي عليه خبر نصير، وجعل الزنج يقولون: قد قتلنا نصيراً، فاغتنم أبو العباس ذلك وأمر محمداً يتعرف خبره، فسار فرآه عند سكر الزنج، وقد أحرقه وأضرم النار في مدينتهم، وهو يقاتلهم قتالاً شديداً، فعاد إلى أبي العباس فأخبره فسر بذلك، وأسر نصير من الزنج جماعة كثيرة، ورجع حتى وافى أبا العباس، ووقف أبو العباس فقاتلهم فرجعوا عنه، وكمن بعض شذاواته وأمر أن تظهر واحدة منها، فطمعوا فيها وأدركوها فعلقوا بسكانها، فخرجت عليهم السفن الكمائن وفيها أبو العباس، فانهزم الزنج وغنم أبو العباس منهم ست سميريات، وانهزموا لا يلوون على شيء من الخوف، ورجع أبو العباس إلى عسكره سالماً، وخلع على الملاحين وأحسن إليهم.\rمسير الموفق لقتال الزنج\rوفتح المنيعة قال: وفي سنة سبع وستين ومائتين أيضاً سار الموفق على بغداد إلى واسط لحرب الزنج، وجمع وحشد الفرسان والرجالة واستكثر من العدة، وسد الجهات التي يخاف منها لئلا يبقى له ما يشغل قلبه وكان صاحب الزنج قد أرسل إلى علي بن أبان المهلبي، ويأمره أن يجتمع مع سليمان بن جامع على حرب أبي العباس بن الموفق، فخاف الموفق وهنا يتطرق إلى ابنه أبي العباس، فسار عن بغداد في صفر سنة سبع وستين فوصل إلى واسط في شهر ربيع الأول، فلقيه ابنه فأخبره بحال جنده وقواده فخلع عليه وعليهم، ورجع أبو العباس إلى معسكره بالعمر، ثم نزل الموفق على نهر بسنداد بازاء قرية عبد الله، وأمر ابنه فنزل شرقي دجلة بازاء فوهه بردودا، وولاه مقدمته وأعطى الجيش أرزاقهم، وأمر ابنه أن يسير بما معه من الآلات الحربية إلى فوهة برمساور، فرحل في نخبة أصحابه، ورحل الموفق بعده فنزل فوهة برمساور، فأقام يومين ثم وصل إلى المدينة التي سماها صاحب الزنج - المنيعة - من سوق الخميس يوم الثلاثاء لثمان خلون من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين، وسلك بالسفن في برمساور وسارت الخيل شرقية حتى حاذوا براطق، الذي يوصل إلى المنيعة، وأمر أن تعبر الخيل لتصير من الجانبين، وأمر ابنه أبا العباس بالتقدم بالشذوات بعامة الجيش، ففعل فلقيه الزنج فحاربوه حرباً شديداً، ووفاهم أبو أحمد الموفق والخيل من جانبي النهر، فلما رأوا ذلك انهزموا وتفرقوا، وعلا أصحاب أبي العباس السور ووضعوا السيوف في من لقيهم، ودخلوا المنيعة فقتلوا بها خلقاً كثيراً، وأسروا عالما عظيماً، وغنموا ما كان فيها، وهرب الشعراني ومن معه وتبعه أصحاب الموفق إلى البطائح، فغرق منهم خلق كثير ولجأ الباقون إلى الآجام، ورجع الموفق إلى معسكره من يومه، وقد استنقذ من المسلمات زهاء خمسة آلاف امرأة، سوى من ظفر به من الزنجيات، وأمر بحفظ النساء وحملهن إلى واسط ليدفعن إلى أهلهن، ثم بكر إلى المدينة وأمر الناس بأخذ ما فيها فأخذ جميعه، وأمر بهدم صورها وطم خندقها وإحراق ما بقي فيها من السفن، وأخذوا من الطعام والشعير والأرز شيئاً كثيراً، فأمر ببيع ذلك وصرفه إلى الجند.","part":7,"page":66},{"id":3077,"text":"قال: ولما انهزم سليمان لحق بالمذار، وكتب إلى صاحب الزنج بذلك، فورد الكتاب عليه - وهو يتحدث - فانحل بطنه فقام إلى الخلاء دفعات، وكتب إلى سليمان بن جامع يحذره مثل الذي نزل بالشعراني ويأمره بالتيقظ. قال: وأقام الموفق ببرمساور يومين يتعرف أخبار الشعراني وسليمان بن جامع فأتاه من أخبره أن سليمان بن جامع بالحوانيت، فسار حتى وافى الصينية، وأمر ابنه أبا العباس بالتقدم بالشذاوات والسميريات إلى الحوانيت، فسار أبو العباس إليها فلم يبر سليمان بها، ورأى هناك جمعاً من الزنج مع قائدين لهم، خلفهم سليمان بن جامع هناك لحفظ غلات كثيرة لهم فيها، فحاربهم أبو العباس إلى أن حجز بينهم الليل، واستأمن إلى أبي العباس رجل، فسأله عن سليمان بن جامع فأخبره أنه مقيم بطهيثا بمدينته التي سماها المنصورة، فعاد أبو العباس إلى أبيه بالخبر فأمره بالمسير إليه فسار حتى نزل بردودا، فأقام بها لإصلاح ما يحتاج إليه، واستكثر من الآلات التي يسد بها الأنهار ويصلح بها الطرق للخيل، وخلف ببردودا بغراج التركي.\rاستيلاء الموفق على طهيثا\rقال: ولما فرغ الموفق من الذي يحتاج إليه سار عن بردودا إلى طهيثا لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين ومائتين، أمسيرة على الظهر في خيله، وحدرت السفن والآلات فنزل بقرية الجوزية وعقد جسراً، ثم غدا فاعبر خيله عليه ثم عبر بعد ذلك، فسار حتى نزل معسكراً على ميلين من طهيثا فأقام بها يومين، ومطرت لسماء مطراً شديداً فشغل عن القتال، ثم ركب لينظر موضعاً للحرب، فانتهى إلى قريب من سرور مدينة سليمان بطهيثا - وهي التي سماها المنصورة - فتلقاه خلق كثير وخرج عليه كمناء من مواضع شتى، واشتدت الحرب وترجل جماعة من الفرسان، وقاتلوا حتى خرجوا عن المضيق الذي كانوا فيه، وأسر من غلمان الموفق جماعة، ورمي أبو العباس ابن الموفق أحمد بن مهدي الجبائي بسهم خالط دماغه فسقط، وحمل إلى صاحب الزنج فلم يلبث أن مات بحضرته، فصليت عليه وعظمت لديه المصيبة بموته، وكان أعظم أصحابه غناء، وانصرف الموفق إلى معسكره وقت المغرب، وأمر أصحابه بالتحارس ليلتهم والتأهب للحرب، فلما أصبحوا - وذلك في يوم السبت لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر - عبي الموقف أصحابه، وجعلهم كتائب يتلوا بعضها بعضاً فرساناً ورجالة، وأمر بالشذاوات والسميريات أن يسار بها إلى النهر، الذي يشق مدينة سليمان، وهو النهر المعروف بنهر المنذر، ورتب أصحابه في المواضيع التي يخاف منها، ثم نزل فصلى أربع ركعات وابتهل إلى الله عز وجل في النصر ثم لبس سلاحه، وأمر ابنه أبا العباس أن يتقدم إلى السور، فتقدم إليه فرأى خندقاً فأحجم الناس عنه، فحرضهم قوادهم وترجلوا معهم فاقتحموه وعبروه، وانتهوا إلى الزنج وهم على سورهم، فلما رأى الزنج تسرعهم إليهم ولو منهزمين، وأتبعهم أصحاب أبي العباس فدخلوا المدينة، وكان الزنج قد حصنوها بخمسة خنادق، وجعلوا أمام كل خندق سوراً، فجعلوا يقفون عند كل سور وخندق فيكشفهم أصحاب أبي العباس، ودخلت الشذاوات والسميريات المدينة من النهر، فجعلت تغرق كل ما مرت لهم به من سميرية وشذاة، وقتلوا من بجانبي النهر وأسروا، حتى أجلوهم عن المدينة وعما اتصل بها، وكان مقدار العمارة بها فرسخا، وحوى الموفق ذلك كله، وأفلت سليمان بن جامع ونفر من أصحابه، وكثر القتل فيهم والأسر، واستنقذ أبو أحمد من نساء أهل واسط والكوفة والقرى وصبيانهم أكثر من عشرة آلاف، فأمر بحملهم إلى واسط ودفعهم إلى أهليهم، وأخذ ما كان فيها من الدخائر والأموال، وأمر بصرف ذلك إلى الأجناد، وأسر عدة من نساء سليمان وأولاده، وتخلص من كان أخذ من أصحاب الموفق، ولجأ جمع كثير إلى الآجام فأمر أصحابه بطلبهم، وأقام سبعة عشرة يوماً، وهدم سور المدينة وطم خنادقها، وجعل لكل من أتاه برجل منهم جعلاً، فكان إذا أتي بالواحد منهم عفا عنه وضمه إلى قواده وغلمانه، لما كان دبره من استمالتهم، وأرسل في طلب سليمان ابن جامع حتى بلغوا دجلة العوراء فلم يظفروا به، وأمر زيرك بالمقام بطهيثا ليتراجع أهل تلك الناحية إليها.\rإجلاء الزنج عن الأهواز","part":7,"page":67},{"id":3078,"text":"قال: ولما فرغ أبو أحمد الموفق من المنصور رحل نحو الأهواز لإصلاحها وإجلاء الزنج عنها، فأمر ابنه أبا العباس أن يتقدمه، وأمر بإصلاح الطرق للجيوش، واستخلف على من ترك من عسكره بواسط ابنه هارون، ولحقة زيرك فأخبره بعود أهل طهيثا إليها وأمن الناس، فأمره الموفق بالانحدار في الشذا والسميريات مع نصير، ليتتبع المنهزمين ويوقع بهم وبمن ظفروا به من الزنج، حتى ينتهي إلى المدينة صاحب الزنج بنهر أبي الخطيب، فسارا وارتحل الموفق في مستهل جمادى الآخرة من واسط حتى أتى السوس، وأمر مسروراً بالقدوم عليه، وهو عامله هناك فأتاه، وكان صاحب الزنج - لما بلغه ما عمل الموفق بسليمان بن جامع - خاف أن يأتيه، وهو على حال تفرق أصحابه عنه، فكتب إلى علي بن أبان بالقدوم عليه، وكان بالأهواز في ثلاثين ألفاً، فترك جميع ما كان عنده من طعام ودواب وأغنام وغير ذلك، واستحلف عليه محمد بن يحيى الكرنبائي، فلم يقم ولا تبع علياً، وكتب صاحب الزنج أيضاً إلى بهبوذ بن عبد الوهاب، وهو بالفندق والباسيان وما اتصل بهما، يأمره بالقدوم عليه، فترك ما كان عنده من الذخائر وسار نحوه، فحوى ذلك جميعه الموفق وقوي به على حرب صاحب الزنج.\rقال: ولما سار علي بن أبان عن الأهواز تخلف بها جمع من أصحابه زهاء ألف رجل، فأرسلوا إلى الموفق يطلبون الأمان فأمنهم، فقدموا عليه فأجرى عليهم الأرزاق، ثم رحل عن السوس إلى جنديسابور وتستر وجبا الأموال، ووجه إلى محمد بن عبيد الله الكردي - وكان خائفاً منه - فأمنه وعفا عنه وطلب منه الأموال والعساكر، فحضر عنده أحسن إليه، ثم رحل إلى عسكر مكرم ووافى الأهواز، ثم رحل عنها إلى نهر المبارك من فرات البصرة، وكتب إليه ابنه هارون أن يوافيه بجميع الجيش إلى نهر المبارك، فلقيه هناك في منتصف شهر رجب، وكان زيرك ونصير - لما خلفهما الموفق ليتتبعا الزنج - انحدرا حتى وافيا الأبلة، فاستأمن إليهما رجل أخبرهما: أن صاحب الزنج قد أرسل إليهما عدداً كثيراً من الشذا والسميريات إلى دجلة، ليمنع عنها من يريدها، وأنهم يريدون عسكر نصير - وكان عسكره بنهر المرأة، فرجع نصير من الأبلة إلى عسكره لما بلغه ذلك، وسار زيرك من طريق آخر، لأنه قدر أن الزنج تأتي عسكر نصير من ذلك الوجه، فكان كذلك فلقيهم في طريقه فظفر بهم وانهزموا منه، وكانوا قد جعلوا كميناً فدل زيرك عليه، فتوغل حتى أتاه، فقتل من الكمناء جماعة أسر جماعة، وكان ممن ظفر به مقدم الزنج، وهو أبو عيسى محمد بن إبراهيم البصري، وهو من أكابر قوادهم، وأخذ منهم ما يزيد على ثلاثين سميرية، فجزع لذلك جميع الزنج، فاستأمن إلى نصير منهم زهاء ألفي رجل، فكتب بذلك إلى الموفق، فأمره بقبولهم والإقبال إليه بالنهر المبارك، فوافاه هنالك، وأمر الموفق ابنه أبا العباس بالمسير إلى محاربة صاحب الزنج بنهر أبي الخطيب، فساروا إليه فحاربه من بكرة النهار إلى الظهر، واستأمن إليه قائد من قواد الزنج ومعه جماعة، فكسر ذلك صاحب الزنج، وعاد أبو العباس بالظفر، وكتب الموفق إلى صاحب الزنج يدعوه إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى مما ركب من سفك الدماء وانتهاك المحارم وخراب البلدان واستباحه الفروج والأموال وادعاء النبوة والرسالة، ويبذل له الأمان، فوصل الكتاب إليه فقرأه ولم يكتب جوابه.\rمحاصرة مدينة صاحب الزنج\rوهي المدينة التي سماها المختارة","part":7,"page":68},{"id":3079,"text":"قال: ولما أنفذ الموفق الكتاب إلى صاحب الزنج ولم يرد جوابه، عرض عسكره وأصلح آلاته ورتب قواده، ثم سار هو وابنه أبو العباس في العشرين من شهر رجب سنة سبع وستين إلى مدينة صاحب الزنج، فلما أشرف عليها وتأملها ورأى حصانتها بالأسوار والخنادق ووعور الطريق إليها وما أعد من المجانيق والعرادات والقسي وسائر الآلات على سورها مما لم ير مثله ممن تقدم من منازعي السلطان، ورأى من كثرة عدد المقاتلة ما استعظمه، فلما عاين الزنج أصحاب الموفق ارتفعت أصواتهم حتى ارتجت الأرض، فأمر الموفق ابنه بالتقدم إلى سور المدينة ورمى من عليه بالسهام، فتقدم حتى ألصق شذاواته بقصر صاحب الزنج، فكثر الزنج وأصحابهم على أبي العباس، وتتابعت سهامهم وحجارة مجانيقهم ومقاليعهم، ورمى عوامهم بالحجارة عن أيديهم، حتى ما يقع الطرف إلا على سهم أو حجر، وثبت أبو العباس، فرأى صاحب الزنج في ثباته وثبات أصحابه ما لا رأى مثله من أحد ممن حاربهم، ثم أمرهم الموفق بالرجوع ففعلوا، واستأمن إلى الموفق مقابلة من سمارتين فأمنهم، وخلع على من فيها من المقاتلة والملاحين على أقدارهم ووصلهم، وأمر بإدنائهم إلى موضع يراهم فيه نظراؤهم، فكان ذلك من أنجع المكائد، فلما رأوهم الباقون رغبوا في الأمان وتنافسوا فيه وابتدروا إليه، فصار إلى الموفق في ذلك اليوم عدد كثير من أصحاب السميريات فعمهم بالخلع والصلات، فلما رأى صاحب الزنج ذلك أمر برد أصحاب السميريات إلى نهر أبي الخصيب، ووكل بفوهة النهر من يمنعهم من الخروج، وأمر بهبود - وهو من أشر قواده، أن يخرج من الشذاوات، فخرج فبرز إليه أبو العباس في شذاواته وقاتله، واشتدت الحرب فانهزم بهبود إلى فناء قصر صاحب الزنج، وأصابته طعنتان وجرح بالسهام، فولج نهر أبي الخصيب وقد أشفى على الموت، وقتل ممن كان معه قائد ذو بأس - يقال له عميرة، وظفر أبو العباس بشذاة فقتل أهلها، ورجع هو ومن معه سالمين، واستأمن إلى أبي العباس أهل شذاة فأمنهم وأحسن إليهم وخلع عليهم، ورجع الموفق ومن معه إلى عسكره بالنهر المبارك، واستأمن إليه عند منصرفه خلق كثير، فأمنهم وخلع عليهم ووصلهم وأثبت أسماءهم مع أبي العباس، وأقام في عسكره يومين لست ليال بقين من شهر رجب إلى نهر جطي فنزله، وقام به إلى منتصف شعبان لم يقاتل.\rثم ركب في منتصف شعبان في الخيل والرجل وأعد الشذاوات والسميريات، وكان معه من الجند والمطوعة زهاء خمسين ألفاً، وكان مع صاحب الزنج أكثر من ثلاثمائة ألف إنسان، كلهم ممن يقاتل بسيف أو رمح أو مقلاع أو منجنيق، وأضعفهم رماة الحجارة من أيديهم وهم النظارة، والنساء تشركهم في ذلك، فأقام أبو أحمد ذلك اليوم، ونودي بالأمان للناس كافة إلا صاحب الزنج، وكتب الأمان في رقاع ورميت في السهام، ووعد فيها الإحسان، فمالت قلوب أصحاب صاحب الزنج فاستأمن من ذلك اليوم خلق كثير، فخلع عليهم ووصلهم، ولم يكن ذلك اليوم حرب.\rثم رحل من نهر جطى من الغد فعسكر قرب مدينة صاحب الزنج، ورتب قواده وأجناده وعين لكل طائفة موضعاً يحافظون عليه ويضبطونه، وكتب الموفق إلى البلاد في عمل السميريات والشذاوات والزواريق والإكثار منها، ليضبط بها لتنقطع الميرة عن صاحب الزنج وأسس في منزلته سماها الموفقية، وكتب إلى عماله من النواحي بحمل الأموال والميرة في البر والبحر إلى مدينته، وأمرهم بإنقاذ من يصلح للإثبات في الديوان، وأقام ينتظر ذلك شهراً، فوردت عليه المير متتابعة، وجهز التجار صنوف التجارات إلى الموفقية، واتخذت فيها الأسواق، ووردتها مراكب البحر، وبنى الموفق بها المسجد الجامع وأمر الناس بالصلاة فيه، فجمعت هذه المدينة من المرافق وسيق إليها من صنوف الأشياء ما لم يكن في مصر من الأمصار القديمة، وحملت الأموال وأدرت الأرزاق.","part":7,"page":69},{"id":3080,"text":"قال: وعبرت طائفة من الزنج فنهبوا أطراف عسكر نصير وأوقعوا به، فأمر الموفق نصيراً بجمع عسكره وضبطهم، وأمر الموفق ابنه أبا العباس بالمسير إلى طائفة من الزنج كانوا خارج المدينة، فقاتلهم فقتل منهم خلقاً كثيراً وغنم ما كان معهم، فصار إليه طائفة منهم بالأمان، فخلع عليهم وأمنهم ووصلهم، وأقام أبو أحمد يكايد صاحب الزنج، يبذل الأمان لمن صار إليه، ومحاصرة الباقين والتضييق عليهم، وكانت قافلة قد أتت من الأهواز فأسرى إليها بهبوذ في سميريات، فأخذها فعظم ذلك على الموفق، وغرم لأهلها ما أخذ منهم، وأمر بترتيب الشذاوات على مخارج الأنهار، وقلد ابنه أبا العباس الشذاوات وحفظ الأنهار بها من البحر إلى المكان الذي هم به.\rقال: وفي شهر رمضان من السنة عبرت طائفة من الزنج يريدون الإيقاع بنصير، فردهم الله خائبين، وظفروا بصندل الزنجي، وكان يكشف رؤوس المسلمات ويقلبهن تقليب الإماء، فلما أتى به أمر الموفق أن يرمي بالسهام ثم قتله، واستأمن إلى الموفق من الزنج خلق كثير، فبلغت عدة من استأمن إليه إلى آخر شهر رمضان خمسين آلفاً؛ وفي شوال انتخب صاحب الزنج من عسكره خمسة آلا فمن الشجعان والقواد، وأمر علي بن أبان المهلبي بالعبور لكبس عسكر الموفق، وكان فيهم أكثر من مائتي قائد، فعبروا ليلاً واختفوا في آخر النخل، وأمرهم: أنه إذا ظهر أصحابهم وقاتلوا الموفق من بين يديه ظهروا وحملوا على عسكره، وهم غارون مشاغيل بحرب من أمامهم، فاستأمن منهم إنسان من الملاحين فأخبر الموفق، فسير ابنه أبا العباس لقتالهم وضبط الطرق التي يسلكونها، فقاتلوا قتالاً شديداً، وأسر أكثرهم، وغرق منهم كثير، وقتل بعضهم ونجا بعضهم، فأمر أبو العباس أن تحمل الأسرى والرؤوس في السميريات، ويعبر بهم على مدينة صاحب الزنج، ففعلوا ذلك، وبلغ الموفق أن صاحب الزنج قال لأصحابه: إن الأسرى والرؤوس من المستأمنة، فأمر بإلقاء الرؤوس إليهم في منجنيق، فلما رأوها عرفوها فأظهروا الجزع والبكاء، وظهر لهم كذب صاحبهم.\rوفيها أمر صاحب الزنج باتخاذ شذاوات فعملت له، فكانت خمسين شذاة فقسمها بين ثلاثة من قواده، وأمرهم بالتعرض لعسكر الموفق، وكانت شذاوات الموفق يومئذ قليلة، لأنه لم يصل إليه ما أمر بعمله، والتي كانت عنده منها فرقها على أفواه الأنهار، ليقطع الميرة عن صاحب الزنج، فخافهم أصحاب الموفق فورد عليهم الشذاوات التي كان الموفق أمر بعملها، فسير ابنه أبا العباس يوردها خوفاً عليها من الزنج، فلما أقبل بها رآها الزنج فعارضوها بشذاواتهم، فقصد غلام لأبي العباس منعهم وقاتلهم، فانكشفوا بين يديه وتبعهم حتى أدخلهم نهر أبي الخصيب، وانقطع عن أصحابه فعطفوا عليه فأخذوه ومن معه بعد حرب شديدة، فقتلوا وسلمت الشذاوات التي مع أبي العباس، وأصلحها ورتب فيها من يقاتل، ثم أقبلت شذاوات صاحب الزنج على عادتها، فخرج إليهم أبو العباس في أصحابه، فقاتلهم فهزمهم وظفر منهم بعدة شذاوات، فقتل منهم من ظفر به فيها، فمنع صاحب الزنج أصحابه من الخروج عن فناء قصره، وقطع أبو العباس الميرة عن الزنج فاشتد جزع الزنج، وطلب جماعة من وجوه أصحاب صاحب الزنج الأمان فأمنوا؛ وكان منهم محمد ابن الحارث العمي، وكان إليه ضبط السور يلي عسكر الموفق، فخرج ليلاً فأمنه الموفق ووصله بصلات كثيرة له ولمن خرج معه، وحمله على عدة دواب بآلاتها وحليتها، وأراد إخراج زوجته فلم يقدر، وأخذها صاحب الزنج فباعها؛ ومنهم أحمد البرذعي، وكان من أشجع رجال صاحب الزنج، فخلع عليه وعلى غيره ممن أتاه ووصلهم بصلات كثيرة. قال: ولما انقطعت الميرة وامواد عن صاحب الزنج أمر شبلاً وأبا النداء وهما رؤساء قواده - وكان يثق بهم - بالخروج إلى البطيحة في عشرة آلاف من ثلاثة وجوه للغارة وقطع الميرة عن الموفق، فسير الموفق إليهم زيرك في جمع من أصحابه، فلقيهم بنهر ابن عمر فرأى كثرتهم فراعه ذلك، ثم استخار الله تعالى في قتالهم فحمل عليهم وقاتلهم، فقذف الله تعالى الرعب في قلوبهم فانهزموا، فوضع فيهم السيف وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم مثل ذلك وأسر خلقاً كثيراًن وأخذ من سفنهم ما أمكنه أخذه، وغرق منها ما غرق، وكان ما أخذه من سفنهم نحو أربعمائة سفينة، وأقبل بالأسرى والرؤوس إلى المدينة الموفق.\rعبور الموفق إلى مدينة صاحب الزنج","part":7,"page":70},{"id":3081,"text":"وخروجه عنها وعودة إليها قال: وفي ذي الحجة سنة سبع وستين أيضاً عبر الموفق مدينة صاحب الزنج لست بقين من الشهر، وكان سبب ذلك جماعة من قواد صاحب الزنج، لما رأوا ما حل بهم من البلاء، من قتل من يظهر منهم، وشدة الحصار على من لزم المدينة، وحال من خرج بالأمان، وجعلوا يهربون من كل وجه ويخرجون إلى الموفق، فلما رأى ذلك صاحب الزنج جعل على الطريق التي يمكنكم الهرب منها من يحفظها ، فأرسل جماعة من القواد إلى الموفق يطلبون الأمان، وأن يوجه لمحاربة صاحبهم جيشاً ليجدوا طريقاً إلى المصير إليه، فأمر ابنه أبا العباس بالمصير إلى النهر الغربي - وبه علي بن أبان - ففعل، واشتدت الحرب فاستظهر أبو العباس على الزنج، فأمدهم صاحبهم بسليمان بن جامع في جمع، اتصلت الحرب من أول النهار إلى العصر، وكان الظفر لأبي العباس وصار إليه القوم كانوا طلبوا الأمان منه، واجتاز أبو العباس بمدينة صاحب الزنج عند نهر الأترك، فرأى قلة الزنج هناك، فطمع فيهم فقصدهم وقد انصرف أكثر أصحابه إلى الموفقية، فدخل البلد بمن بقي معه، وندب صاحب الزنج أصحابه لحربهم، فلما رأى أبو العباس اجتماعهم وقلة أصحابه رجع، وأرسل إلى أبيه الموفق يستمده فأتاه من خف من الغلمان وظهروا على الزنج وهزموهم، وكان سليمان ابن جامع لما رأى ظهور أبي العباس سار في النهر مصعداً في جمع كثير فاتي أصحاب أبي العباس في خلفهم وهم يحاربون من بإزائهم، وخفقت طبوله فانكشف أصحاب أبي العباس، ورجع عليهم كان انهزم عنهم من الزنج، فأصيب جماعة من غلمان الموفق، وأخذ الزنج عدة أعلام وحامي أبو العباس عن أصحابه فسلم أكثرهم ثم انصرف وطمع الزنج بهذه الوقعة وشدت قلوبهم، فأجمع الموفق على العبور إلى مدينتهم بجميع جيوشه، وأمر الناس بالتأهب وجمع المعابر والسفن وفرقها عليهم، ودخل يوم الأربعاء لست بقين من الشهر، وفرق أصحابه على المدينة ليضطر صاحبها إلى تفرقة أصحابه، وقصد الموفق إلى ركن من أركان المدينة وهو أحصن ما فيها، وقد أنزله صاحب الزنج ابنه انكلاي وسليمان بن جامع وعلي بن أبان، وعليه من المناجيق وآلات القتال ما لا يحد، فلما التقى الجمعان أمر الموفق غلمانه بالدنو منه، وبينهم وبين ذلك السور نهر الأتراك، وهو نهر عريض كثير الماء فأحجموا عنه، فصاح بهم الموفق وحرضهم على العبور، فعبروا سباحة والزنج ترميهم بالمجانيق والمقاليع والحجارة والسهام، فصبروا حتى جاوزوا النهر وانتهوا إلى السور، ولم يكن معهم من الفعلة من كان أعد لهدم السور، فتولى الغلمان تشعيث السور بما كان معهم من السلاح، وسهل الله تعالى ذلك وكان معهم بعض السلاليم، فصعدوا على ذلك إلى السور، ونصبوا علماً من أعلام الموفق، فانهزم الزنج عنه وسلموه بعد قتال شديد، وقتل من الفريقين خلق كثير، ولما علا أصحاب الموفق السور أحرقوا ما كان عليه من مجانيق وآلات وغير ذلك، وكان أبو العباس قصد ناحية أخرى، فمضى علي بن أبان لقتاله فهزمه أبو العباس وقتل جمعاً كثيراً من أصحابه، ولحق أصحاب أبي العباس بالسور فثلموا فيه ثلمة، ودخلوا فلقيهم سليمان ابن جامع فقاتلهم حتى ردهم إلى مواضعهم، ثم إن الفعلة وافوا السور فهدموه في عدة مواضع، وعملوا على الخندق جسر فعبر الناس عليه من ناحية الموفق، فانهزم الزنج عن سور ثان كانوا قد اعتصموا به، وجعل أصحاب الموفق يقتلونهم حتى انتهوا إلى نهر ابن سمعان، وقد صارت دار ابن سمعان في أيدي أصحاب الموفق فأحرقوها، وقاتلهم الزنج هناك ثم انهزموا حتى بلغوا ميدان صاحبهم، فرجع في جمع من أصحابه عنه، وقرب منه بعض رجالة الموفق، فضرب وجه فرسه بترسه وذلك مع مغيب الشمس، فأمر الموفق الناس بالرجوع فرجعوا، ومعهم من رؤوس أصحابه شيء كثير، وقد استأمن إلى أبي العباس أول النهار نفر من قواد صاحب الزنج، فتوقف عليهم حتى حملهم في السفن.","part":7,"page":71},{"id":3082,"text":"وأظلم الليل وهبت ريح عاصف وقوي الجزر، فلصق أكثر السفن بالطين، فخرج جماعة من الزنج فنالوا من أصحابه، وقتلوا منهم نفر. وكان بهبوذ بازاء مسرور البلخي فأوقع بأصحاب مسرور، وقتل منهم وأسر جماعة، فكسر ذلك من نشاط أصحاب الموفق، وكتن بعض أصحاب صاحب الزنج قد انهزم على وجهه نحو نهر الأمير وعبادان، وهرب جماعة من الأعراب إلى البصرة، فأرسلوا يطلبون الأمان فأمنهم الموفق، وخلع عليهم وأجرى عليهم الأرزاق، وكان ممن رغب في الأمان من قواده ريحان بن صالح المغربي - وكان من رؤساء أصحابه، فأرسل يطلب الأمان وأن يرسل جماعة إلى مكان ذكره ليخرج إليهم، ففعل الموفق فصار إليه فخلع عليه وأحسن إليه ووصله، ثم ضمه إلى أبي العباس، ثم استأمن بعده جماعة من أصحابه، وكان خروج ريحان إليه لليلة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة.\rوفي سنة ثمان وستين ومائتين في المحرم إلى الموفق من قواد صاحب الزنج جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجان، وكان من ثقات أصحابه فارتاع لذلك، وخلع عليه الموفق وأحسن إليه، وحمله في سميرية إلى إزاء قصر صاحبه، وأخبرهم أنهم في غرور وأعلمهم بما وقف عليه من كذب الخبيث وفجوره، فاستأمن في ذلك اليوم خلق كثير من قواد الزنج وغيرهم، فأحسن إليهم الموفق وتتابع الناس في طلب الأمان، ثم أقام الموفق لا يحارب ليربح أصحابه إلى شهر ربيع الآخر من السنة.\rفلما انتصف الشهر قصد الموفق مدينة الزنج، فرق قواده على جهاتها، وجعل مع كل طائفة منهم من النقابين جماعة لهدم السور، وتقدم إلى جميعهم ألا يزيدوا على هدم السور ولا يدخلوا المدينة، وتقدم إلى الرماة أن يحموا بالسهام من يهدم السور وينقبه، فتقدموا إلى المدينة من سائر جهاتها، ووصلوا إلى السور وثلموه في مواضع كثيرة، ودخل أصحاب الموفق المدينة في تلك الثلم، وجاء أصحاب صاحب الزنج فقاتلوهم فهزمهم أصحاب الموفق، وتبعوهم حتى أوغلوا في طلبهم، واختلفت بهم طرق المدينة، فبلغوا أبعد من الموضع الذي وصلوا إليه في المرة الأولى وأحرقوا وأسروا، وتراجع الزنج عليهم وخرج الكمناء من مواضع يعرفونها ويجهلها أصحاب الموفق، فتحيروا ودافعوا عن أنفسهم وتراجعوا نحو دجلة، بعد أن قتل منهم جماعة وأخذ الزنج أسلابهم، ورجع الموفق إلى مدينته وأمر بجمع أصحابه، ولامهم على مخالفته في دخولهم وإفساد رأيه وتدبيره، وأمر بإحصاء من فقد من أصحابه، وأقر ما كان لهم من الرزق على أولادهم وأهليهم، فحسن موقع ذلك عندهم، وزاد في صحة نياتهم وصدق عزائمهم.\rإيقاع أبي العباس بالأعراب\rوانقطاع الميرة عن الزنج ومقتل بهبوذ بن عبد الوهاب","part":7,"page":72},{"id":3083,"text":"وفي سنة ثمان وستين ومائتين أوقع أبو العباس أحمد بن الموفق، وهو المعتضد بالله بقوم من الأعراب، وكانوا يحملون الميرة إلى الزنج فقتل منهم جماعة وأسر الباقين وغنم ما كان منهم، وأرسل إلى البصرة من أقام بها لأجل قطع الميرة، وسير الموفق رشيقاً مولى أبي العباس، فأوقع بقوم من بني تميم كانوا يجلبون الميرة إلى صاحب الزنج، فقتل أكثرهم وأسر جماعة منهم، فحمل الأسرى والرؤوس إلى الموفقية، فأمر بهم الموفق فوقفوا بازاء عسكر الزنج، وكان فيهم رجل يسفر بين صاحب الزنج والأعراب، فقطعت يده ورجله وألقى في عسكر الزنج، وأمر بضرب أعناق الأسرى فانقطعت الميرة بذلك عن صاحب الزنج، فأضر بهم الحصار وأضعف أبدانهم، فكان يسأل الأسير والمستأمن عن عهده بالخبز فيقول: عهدي به منذ زمان طويل، فلما وصلوا إلى هذا الحال رأى الموفق أن يتابع عليهم الحرب، ليزيدهم ضراً وجهداً، فكثر المستأمنون في هذا الوقت، وخرج كثير من أصحاب الخبيث فتفرقوا في القرى والأنهار البعيدة في طلب القوت، فبلغ ذلك الموفق فأمر جماعة من قواد غلمانه بقصد تلك المواضع، ويدعون من بها إليه فمن أبى قتلوه، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً وأتاه كثير منهم، فلما كثر المستأمنون عند الموفق عرضهم، فمن كان ذا قوة وجلد أحسن إليه وخلطه بغلمانه، ومن كان منهم ضعيفاً أو شيخاً أو جريحاً قد أذمنته الجراح كساه وأعطاه دراهم؛ وأمر به أن يحمل إلى عسكر صاحب الزنج، فيذكر ما رأى من الإحسان، فتهيأ له بذلك ما أراد من استمالة أصحاب الخبيث، وجعل الموفق وابنه أبو العباس يلا زمان قتال صاحب الزنج - تارة هذا وتارة هذا - وجرح أبو العباس ثم بريء، وكان من جملة من قتل من أعيان قواد صاحب الزنج بهبوذ بن عبد الوهاب، وكان كثير الخروج في السميريات، وكان ينصب عليها أعلاماً تشبه أعلام الموفق، فإذا رأى من يستضعفه أخذه، فأخذ من ذلك مالاً جزيلاً، فواقعة في بعض خرجاته أبو العباس، فافلت بعد أن أشفى على الهلاك، ثم خرج مرة أخرى فرأى سميرية، فيها بعض أصحاب أبي العباس فقصدها طامعاً في أخذها، فحاربه أهلها فطعنه غلام من غلمان أبي العباس في بطنه، فسقط في الماء فأخذه أصحابه فحملوه إلى عسكر صاحبه، فمات قبل وصوله وكان قتله من أعظم الفتوح، وعظمت الفجيعة على صاحب الزنج وأصحابه، واشتد جزعهم عليه، وأحسن الموفق إلى ذلك الغلام فوصله وكساه وطوقه وزاد في رزقه، وفعل بكل من كان معه في تلك السميرية نحو ذلك، ثم ظفر بالذوائبي وكان ممايلاً لصاحب الزنج.","part":7,"page":73},{"id":3084,"text":"وفي سنة تسع وستين ومائتين رمى الموفق بسهم في صدره، وكان سبب ذلك أن بهبوذ لما هلك طمع صاحب الزنج في أخذ أمواله، وكان قد صح عنده أن ملكه قد حوى مائتي ألف دينار وجواهر وفضة، فطلب ذلك وأخذ أهله وأصحابه فضربهم، وهدم ابنتيه طمعاً في المال فلم يجد شيئاً، فكان فعله مما أفسد قلوب أصحابه عليه، ودعاهم إلى الهرب منه، فأمر الموفق بالنداء بالأمان في أصحاب بهنوذ، فسارعوا إليه فألحقهم في العطاء ممن تقدم، ورأى الموفق ما كان يتعذر عليه من العبور إلى الزنج، في الأوقات التي تهب فيها الرياح لتحرك الأمواج، فعزم على أن يوسع لنفسه ولأصحابه موضعاً في الجانب الغربي، فأمر بقطع النخل وإصلاح المكان، وأن تعمل له الخنادق والسور ليأمن البيات، فعلم صاحب الزنج أن الموفق إذا جاوره قرب على من يريد اللحاق به المسافة، مع ما يدخل قلوب أصحابه من الخوف وانتقاض تدبيره عليه فاهتم بمنع الموفق من ذلك وبذل الجهد فيه وقاتل أشد القتال، فاتفق أن الريح عصفت في بعض تلك الأيام وقائد من القواد هناك، فانتهز صاحب الزنج الفرصة في انفراد هذا القائد وانقطاع المدد عنه فسير إليه جميع أصحابه فقاتلوه فهزموه، وقتلوا كثيراً من أصحابه ولم يجد الشذاوات التي لأصحاب الموفق سبيلاً إلى القرب منهم، خوفاً من الزنج أن تلقيها على الحجارة فتنكسر، فغلب الزنج عليهم وأكثروا القتل والأسر، ومن سلم منهم ألقى نفسه في الشذاوات وعبروا إلى الموفقية فعظم ذلك على الناس، ونظر الموفق فرأى أن نزوله بالجانب الغربي لا يأمن معه حيلة الزنج وصاحبهم وانتهاز فرصة لكثرة الأدغال وصعوبة المسالك، وأن الزنج أعرف بتلك المضايق وأجرأ عليها من أصحابه، فترك ذلك وجعل قصده إلى هدم سور صاحب الزنج وتوسعة الطرق والمسالك، فأمر بهدم السور من ناحية النهر المعروف بمنكي، وباشر الحرب بنفسه واشتد القتال، وكثر القتل والجراح من الجانبين ودام ذلك أياماً عدة، وكان أصحاب الموفق لا يستطيعون الولوج لقنطرتين كانتا على نهر منكى، وكان الزنج يعبرون عليها وقت القتال، فيأتون أصحاب الموفق من وراء ظهورهم فينالون منهم، فأعمل الحيلة في إزالتهما، فأمر أصحابه بقصدهما عند اشتغال الريح وغفلتهم عن حراستهما، وأمرهم أن يعدوا الفؤوس والمناشير وما يحتاجون إليه من الآلات، فقصدوا القنطرة الأولى نصف النهار فأتاهم الزنج لمنعهم، فاقتتلوا فانهزم الزنج، وكان مقدمهم أبا النداء فأصابه سهم، في صدره فقتله، وقطع أصحاب الموفق القنطرتين ورجعوا، وألح الموفق على صاحب الزنج بالحرب، وهدم أصحابه من السور ما أمكنهم، ودخلوا المدينة وقاتلوا فيها، وانتهوا إلى دار ابن سمعان وسليمان بن جامع فهدموهما، ونهبوا ما فيهما، وانتهوا إلى سويقة لصاحب الزنج سماها الميمونة، فهدمت وأخربت وهدموا دار الجنائي وانتهبوا ما كان فيها من الخزائن، وتقدموا إلى الجامع ليهدموه فاشتد محاماة الزنج عنه، فلم يصل إليه أصحاب الموفق، لأنه كان قد خلص مع صاحب الزنج نخبة أصحابه وأرباب البصائر، فكان أحدهم إذا قتل أو جرح اجتذبه الذي إلى جنبه ووقف مكانه، فلما رأى الموفق ذلك أمر أبا العباس بقصد الجامع من أحد أركانه بشجعان أصحابه، وأضاف إليهم الفعول للهدم ونصب السلاليم ففعل ذلك، وقاتل عليه أشد قتال فوصلوا إليه فهدموه، وأخذ منبره فأتى به الموفق، ثم عاد الموفق لهدم السور فأكثر منه، وأخذ أصحابه دواوين صاحب الزنج وبعض خزانته، فظهر للموفق إمارات الفتح، فإنهم لعلى ذلك إذ وصل سهم إلى الموفق فأصابه في صدره رماه به رومي كان مع صاحب الزنج اسمه قرطاس وذلك لخمس بقين من جمادي الأولى، فستر الموفق ذلك وعاد إلى مدينته فبات، ثم عاود الحرب على ما به من ألم الجراح، ليشد بذلك قلوب أصحابه فزاد في علته، وعظم أمرها حتى خيف عليه، واضطرب العسكر والرعية وخافوا وأشار عليه بعض أصحابه وثقاته بالعود إلى بغداد، ويخلف من يقوم مقامه فأبى ذلك، وخاف أن يستقيم من حال صاحب الزنج ما فسد، واحتجب عن الناس مدة ثم بريء من علته، وظهر لهم ونهض لحرب صاحب الزنج وكان ظهوره في شعبان من هذه السنة.\rإحراق قصر صاحب الزنج\rوما يتصل بذلك من الحروب والوقائع","part":7,"page":74},{"id":3085,"text":"قال: ولما صح الموفق من جراحه عاد إلى ما كان عليه من حرب صاحب الزنج، وكان قد أعاد بعض الثلم في السور، فأمر الموفق بهدم ذلك وهدم ما يتصل به وركب في بعض العشايا، وكان القتال متصلاً ذلك اليوم مما يلي نهر منكى، والزنج مجتمعون فيه قد شغلوا أنفسهم بتلك الجهة، وظنوا أنهم لا يؤتون إلا منها، فأتى الموفق ومعه الفعلة وقرب من نهر منكى وقاتلهم، فلما اشتدت الحرب أمر الذين في الشذاوات بالمصير إلى أسفل نهر أبي الخصيب، وهو خال من المقاتلة والرجال، فتقدم أصحاب الموفق وأخرجوا الفعلة فهدموا السور من تلك الناحية، وصعد المقاتلة فقتلوا في النهر مقتلة عظيمة، وانتهوا إلى قصور من قصور صاحب الزنج فأحرقوها وانتهبوا ما فيها واستنقذوا عدداً كثيراً من النساء اللاتي كن فيها، وغنموا منها، وانصرف الموفق عند غروب الشمس بالظفر والسلامة، وبكر إلى حربهم وهدم السور، فأسرع الهدم حتى اتصل بدار انكلاى، وهي متصلة بدار صاحب الزنج، فلما أعيت صاحب الزنج الحيل أشار عليه على ابن أبان بإجراء الماء على السباخ، وأن يحفر خنادق في مواضع عدة تمنعهم من دخول المدينة ففعل ذلك، فرأى الموفق أن يجعل قصده طم الخنادق والأنهار والمواضع المعورة ففعل ذلك، وحامى الزنج عنه ودامت الحرب، ووصل إلى الفريقين من القتل والجراح أمر عظيم، وذلك لتقارب ما بين الفريقين، فلما رأى شدة الأمر من هذه الناحية قصد إحراق دار صاحب الزنج والهجوم عليها من دجلة، فكان يعوقه عن ذلك كثرة ما أعد لها من المقاتلة والحماة عن داره، فكانت الشذاوات إذا قربت من قصره رميت من فوق القصر بالسهام والحجارة والمجانيق والمقاليع، وأذيب الرصاص وأفرغ عليهم فتعذر إحراقها لذلك، فأمر الموفق أن يسقف الشذا بالأخشاب، ويعمل عليها الخيش وتطلى بالأدوية التي تمنع النار من إحراقها ففعل ذلك، ورتب فيها أنجاد أصحابه وجمعا من النفاطين.\rواستأمن إلى الموفق محمد بن سمعان كاتب صاحب الزنج، وكان أوثق أصحابه في نفسه، وكان سبب استئمانه أن صاحب الزنج أطلعه على أنه عازم على الخلاص وحده بغير أهل ولا مال، فلما رأى ذلك من عزمه أرسل يطلب الأمان، فأمنه الموفق وأحسن إليه؛ وقيل كان سبب خروجه أنه كان كارهاً لصحبة صاحب الزنج، مطلعاً على كفره وسوء باطنه، ولم يمكنه التخلص منه إلى الآن، ففارقه في عاشر شعبان.\rفلما كان الغد بكر الموفق لمحاربة الزنج، وأمر أبا العباس بقصد دار محمد الكرنبائي - وهي بإزاء دار صاحب الزنج - وأحرقها وما يليها من منازل قواد الزنج، يشغلهم بذلك عن حماية دار صاحبهم وأمر المرتبين في الشذاوات المطلية بقصد دار صاحب الزنج وأحرقها ففعلوا ذلك، وألصقوا شذاواتهم بسور قصره، وحاربوهم أشد حرب فنضحهم الزنج بالنيران فلم تعمل شيئاً، وأحرق من القصر الرواشين والأبنية الخارجة وعملت النار فيها، وسلم الذين كانوا في الشذا مما كان الزنج يرسلونه عليهم، وأمر الموفق الذين في الشذا بالرجوع فرجعوا، فأخرج من كان فيها ورتب غيرهم، وانتظر إقبال المد وعلوه فلما أقبل عادت الشذا إلى قصره، وأحرقوا بيوتاً منه كانت تشرع على دجلة، واضطرمت النار فيها وقويت واتصلت، فأعجلت صاحب الزنج ومن كان معه عن التوقف على ما كان فيها من الأموال والذخائر وغير ذلك، فخرج هارباً وتركه، وعلا غلمان الموفق قصره مع أصحابهم فانتهبوا ما لم تأت النار عليه من الذهب والفضة والحلي وغير ذلك، واستنفذوا جماعة من النساء اللواتي كان صاحب الزنج يأنس بهن من اللواتي كان استرقهن، ودخلوا دوره ودور ابنه انكلاى فأحرقوها جميعاً، وفرح الناس بذلك وتحاربوا، هم وأصحاب صاحب الزنج على باب قصره، فكثر القتل في أصحابه والجراح والأسر، وفعل أبو العباس في دار الكرنبائي من النهب والهدم والإحراق مثل ذلك، وقطع أبو العباس يومئذ سلسلة عظيمة كان صاحب الزنج قطع بها نهر أبي الخصيب، لتمتنع الشذا من دخوله، فحازها أبو العباس وأخذها معه، وعاد الموفق بالناس مع المغرب مظفراً، وأصيب صاحب الزنج في نفسه وماله، وجرح ابنه انكلاى في بطنه جرحاً أشفى منه على الهلاك.\rغرق نصير صاحب الشذا","part":7,"page":75},{"id":3086,"text":"قال: وفي يوم الأحد لعشر بقين من شعبان غرق أبو حمزة نصير وهو صاحب الشذاوات، وكان سبب غرقه أن الموفق بك إلى القتال وأمر نصيراً بقصد قنطرة لصاحب الزنج، كان عملها في نهر أبي الخصيب دون الجسرين، اللذين كان اتخذهما على النهر، وفرق أصحابه من الجهات، فعجل نصير فدخل في أول المد في عدة من شذواته، فحملها الماء فألصقها بالقنطرة، ودخلت عدة من شذوات الموفق مع غلمانه، ولم يأمرهم بالدخول فضلت شذاوات نصير ولم يبق للملاحين فيها عمل، ورأى الزنج ذلك فاجتمعوا على جانبي النهر، وألقى الملاحون أنفسهم في الماء خوفاً من الزنج، ودخل الزنج الشذاوات فقتلوا بعض المقاتلة، وغرق أكثرهم، وصابرهم نصير حتى خاف الأسر، فقذف بنفسه في الماء فغرق، وأقام الموفق يومه ذلك يحاربهم وينهبهم ويحرق منازلهم، ولم يزل يومه مستعلياً عليهم، وكان سليمان بن جامع ذلك اليوم من أشد الناس قتالاً لأصحاب الموفق، وثبت مكانه حتى خرج عليه كمين للموفق فانهزم أصحابه، وجرح سليمان جراحه في ساقه، فسقط لوجهه في مكان كان به حريق وفيه بعض الجمر فاحترق بعض جسده، وحمله بعد أن كاد يؤسر، وانصرف الموفق سالماً ظافراً، وأصاب الموفق مرض المفاصل فبقي به شعبان وشهر رمضان وأياماً من شوال، وأمسك عن حرب الزنج ثم بريء وتماثل، فأمر بإعداد آلة الحرب.\rإحراق قنطرة صاحب الزنج\rقال: ولما اشتغل الموفق بعلته أعاد صاحب الزنج القنطرة التي غرق عندها نصير، وزاد فيها وأحكمها ونصب دونها أدقال ساج، وألبسها الحديد وسكر أمامها سكراً من حجارة، ليضيق المدخل على الشذا وتحتد جرية الماء في النهر، فندب الموفق أصحابه، وندب طائفة من شرقي نهر أبي الخصيب وطائفة من غربيه، وأرسل النجارين والفعلة لقطع القنطرة وما جعل أمامها، وأمر بسفن مملوءة قصباً أن يصب عليها النفط، وتدخل النهر ويلقى فيها النار لتحرق الجسر، وفرق جنده على أصحاب صاحب الزنج، ليمنعوهم من معاونة من عند القنطرة، فسار الناس إلى ما أمرهم به، وذلك في عاشر شوال، وتقدمت الطائفتان إلى الجسر فلقيهما أنكلاى ابن صاحب الزنج وعلي بن أبان وسليمان بن جامع، واشتبكت الحرب ودامت وحامى أولئك عن القنطرة، لعلمهم بما عليهم في قطعها من الضرر، ودامت الحرب على القنطرة إلى العصر، ثم إن غلمان الموفق أزالوا الزنج عن القنطرة، وقطعها النجارون ونقضوها وما كان عمل من الأدقال الساج، وكان قطعها قد تعذر عليهم فأدخلوا تلك السفن التي فيها القصب والنفط وأضرموها ناراً، فوافت القنطرة فأحرقنها فوصل النجارون بذلك إلى ما أرادوا، وأمكن أصحاب الشذا دخولهم النهر فدخلوا، وقتلوا الزنج حتى أجلوهم عن مواقفهم إلى الجسر الأول الذي يتلوا هذه القنطرة، وقتل من الزنج كثير واستأمن كثير، ووصل أصحاب الموفق إلى الجسر وقت المغرب، فكره الموفق أن يدركهم الليل فأمرهم بالرجوع، وأثاب المحسن على قدر إحسانه ليزدادوا جداً في حرب عدوه، وأخرب من العد برجين حجارة كانوا عملوهما، ليمنعوا الشذا من الخروج منه إذا دخلته، فلما أخربهما سهل له ما أراد من دخول النهر والخروج منه.\rانتقال صاحب الزنج إلى الجانب الشرقي وإحراق سوقه","part":7,"page":76},{"id":3087,"text":"قال: لما أحرقت دور صاحب الزنج وقصوره ومنازل أصحابه، كما قدمناه ذكر ذلك - ونهبت أموالهم انتقلوا إلى جانب الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب، وجمع عياله حوله ونقل أسواقه، فضعف أمره بذلك ضعفاً شديداً، ظهر للناس وامتنعوا من جلب الميرة إليه، فانقطعت عنه كل مادة، وبلغ الرطل من خبز البر عشرة دراهم، فأكلوا الشعير وأصناف الحبوب، ثم لم يزل الأمر بهم إلى أن كان أحدهم يأكل صاحبه إذا انفرد به، والقوى يأكل الضعيف، ثم أكلوا أولادهم، ورأى الموفق أن يخرب الجانب الشرقي كما أخرب الغربي، فأمر أصحابه بقصد دار الهمداني ومعهم الفعلة، وكان هذا الموضع محصناً بجمع كثير، وعليه عرادات ومنجنيقات وقسى، فاشتبكت الحرب وكثرت القتلى فانتصر أصحاب الموفق عليهم وقتلوهم وهزموهم، وانتهوا إلى الدار فتعذر عليهم الصعود إليها لعلو سورها، فلم تبلغه السلاليم الطوال فرمى بعض غلمان الموفق كلاليب معهم، فعلقوها في أعلام صاحب الزنج وجذبوها فتساقطت الأعلام منكوسة، فلم تشك المقاتلة عن الدار في أن أصحاب الموفق وصعد النفاطون فأحرقوها وما كان عليها من المجانيق والعرادات، ونهبوا ما كان فيها من المتاع والأثاث، وأحرقوا ما كان حولها من الدور، واستنقذوا من كان فيها من النساء، وكن كثيراً، فحملن إلى الموفقية وأمر الموفق بالإحسان إليهن، واستأمن يومئذ من أصحاب صاحب الزنج وخاصته الذين يلون خدمته جماعة كثيرة، فأمنهم الموفق وأحسن إليهم، ودل جماعة من المستأمنة الموفق على سوق عظيمة كانت لصاحب الزنج، متصلة بالجسر الأول تسمى المباركة، وأعلموه أنه إن أحرقها لم يبق لهم سوق غيرها، وخرج عنهم تجارهم الذين بهم قواهم، فعزم الموفق على إحراقها وأمر أصحابه بقصد السوق من جانبيها ففعلوا، وأقبلت الزنج إليهم فتحاربوا أشد حرب، واتصل أصحاب الموفق إلى طرف من أطراف السوق وألقوا فيه النار فاحترق، واتصلت النار، وكان الناس يقتتلون والنار محيطة بهم، وسقطت على المقاتلة واحترق بعضهم، فكانت هذه حالهم إلى مغيب الشمس، ثم تحاجزوا ورجع أصحاب الموفق إلى عسكرهم، وانتقل تجار السوق إلى أعلى المدينة، وكانوا قد نقلوا معظم أمتعتهم وأموالهم.\rقال: ثم فعل صاحب الزنج بالجانب الشرقي من حفر الخنادق وتعوير الطرق مثل ما كان فعل بالجانب الغربي بعد هذه الوقعة، واحتفر خندقاً عظيماً حصن به منازل أصحابه التي على النهر الغربي، فرأى الموفق أن يخرب باقي السور إلى النهر الغربي، ففعل ذلك بعد حرب طويلة في مدة بعيدة، وكان بالجانب الغربي جمع من الزنج قد تحصنوا بسور منيع، وهم أشجع أصحابه، فكانوا يحامون عنه وكانوا يحرجون على أصحاب الموفق عند محاربتهم، فأمر الموفق أن يقصد هذا الموضع ويخرب سوره ويخرج من فيه، وأمر ابنه أبا العباس والقواد بالتأهب لذلك، وتقدم إليهم وأمر أن تقرب الشذاوات من السور، ونشبت الحرب ودامت إلى بعد الظهر، وهدم في السور مواضع وأحرق ما كان عليه من العرادات، وتحاجز الفريقان وهما على السواء سوى هذا السور وإحراق عرادات كانت عليه، ونال الفريقين من الجراح أمر عظيم، وعاد الموفق فوصل الناس على قدر بلائهم، هكذا كان عمله في محاربته، وأقام الموفق بعد هذه الوقعة أياماً، ثم رأى معاودة هذا الموضع لما رأى من حصانته وشجاعته من فيه، وأنه لا يقدر على ما يريد إلا بعد إزالته، فأعد الآلات ورتب أصحابه وقصده، وقاتل من فيه وأدخلت الشذاوات النهر، واشتدت الحرب ودامت، وأمد صاحب الزنج بالمهلبي وسليمان بن جامع في جيشهما، فحملوا على أصحاب الموفق حتى ألحقوهم بسفنهم وقتلوا منهم جماعة، فرجع الموفق ولم يبلغ منهم ما أراد، وتبين له أنه إذا قاتلهم من وجوه عدة خفت وطأتهم على من يقصد هذا الموضع، ففرق أصحابه على جهات الزنج، وصار هو من جهة النهر الغربي وقاتل من فيه وصدقهم أصحابه القتال فهزمهم، فولوا وتركوا حصنهم في أيدي أصحاب الموفق، فهدموه وأسروا وقتلوا وخلصوا من هذا الحصن خلقاً كثيراً من النساء والصبيان، ورجع الموفق إلى عسكره بما أراد.\rاستيلاء الموفق على مدينة صاحب الزنج الغربية","part":7,"page":77},{"id":3088,"text":"قال: لما هدم الموفق سور صاحب الزنج أمر بإصلاح المسالك، ليتسع على المقاتلة الطريق إلى الحرب، ثم رأى قلع الجسر الأول الذي على نهر أبي الخصيب، لما في ذلك من منع معاونة بعضهم بعضاً، وأمر بسفينة كبيرة أن تملأ قصباً ويجعل فيه النفط، ويوضع في وسطها دقل طويل يمنعها من مجاوزة الجسر إذا التصقت به، ثم أرسلها عند غفلة الزنج وقوة المد، فوافت الجسر وعلم بها الزنج فأتوها وطموها بالحجارة والتراب، ونزل بعضهم فخرقها فعرقت، وكان قد احترق من الجسر شيء يسير فأطفأه الزنج، فاهتم الموفق بالجسر فندب أصحابه وأعد النفاطين والفعلة والفؤوس، وأمرهم بقصده من غربيّ النهر وشرقيّة، وركب الموّفق في أصحابه وقصد فوّهة نهر أبي الخصيب، وذلك في منتصف شوال سنة تسع وستين فسبق الطائفة التي في غرب النهر، فهزم الموكلين على الجسر وهم سليمان بن جامع وانكلاى ابن صاحب الزنج وأحرقوه، وأتى بعد ذلك الطائفة الأخرى ففعلوا بالجانب الشرقي مثل ذلك، فأحرق الجسر وتجاوزه إلى جانب حظيرة كان يعمل فيها سميريات صاحب الزنج وآلاته، فاحترق ذلك كله إلا شيئاً يسيراً من الشذاوات والسميريات كانت في النهر، وقصدوا سجناً للزنج فقاتلهم الزنج ساعة من النهار، ثم غلبهم أصحاب الموفق عليه فأطلقوا من فيه، وأحرقوا ما مروا به إلى دار مصلح - وهو من قدماء أصحابه - فدخلوها فنهبوها وما فيها وسبوا نساءه وولده واستنفذوا خلقاً كثيراً، وعاد الموفق وأصحابه بالظفر والسلامة، وانحاز صاحب الزنج وأصحابه من هذا الجانب إلى الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب، واستولى الموفق على الجانب الغربي غير طريق يسيرة على الجسر الثاني، فأصلحوا الطرق فزاد ذلك في رعب الزنج، فأجمع كثير من القواد - الذين كان صاحب الزنج يرى أنهم لا يفارقونه - على طلب الأمان فطلبوه، فبذل لهم فخرجوا أرسالاً فأحسن الموفق إليهم وألحقهم بأمثالهم، وأحب الموفق لأن يتمرن أصحابه على سلوك النهر ليحرق الجسر الثاني فكان يأمرهم بإدخال الشذا فيه وإحراق ما على جانبه من المنازل، فهرب إليه في بعض الأيام قائد للزنج ومعه قاض كان لهم ففت ذلك في أعضادهم، ووكل صاحب الزنج بالجسر الثاني من يحفظه وشحنه بالرجال، فأمر الموفق بعض أصحابه فأحرق ما عند الجسر من سفن فزاد ذلك في احتياط صاحب الزنج وحراسته للجسر، لئلا يحرق ويستولي الموفق على الجانب الغربي، وكان قد تأخر من أصحاب جمع في منازلهم المقاربة للجسر الثاني، وكان أصحاب الموفق يأتونهم ويقفون على الطريق الخفية، فلما عرفوا ذلك عزموا على إحراق الجسر الثاني، فأمر الموفق ابنه أبا العباس والقواد أن يتجهزوا لذلك، وأن يأتوا من عدة جهات ليوافوا الجسر، وأعد معهم الفؤوس والنفط والآلات ودخل هو في الشذا ومعه أنجاد أصحابه، واشتبكت الحرب في الجانبين جميعاً واشتد القتال، وكان في الجانب الغربي بإزاء أبي العباس ومن معه أنكلاى ابن صاحب الزنج وسليمان بن جامع، وفي الجانب الشرقي بإزاء راشد مولى الموفق ومن معه صاحب الزنج والمهلبي في باقي الجيش، فدامت الحرب مقدار ثلاث ساعات ثم انهزم الزنج لا يلوون على شيء وأخذت السوق منهم، ووصل أصحاب الشذا النهر ودانوا من الجسر، وقاتلوا من يحميه بالسهام وأضرموه ناراً، وانهزم انكلاى وسليمان وقد أثخنا بالجراح، فوافيا الجسر والنار فيه فحالت بينهما وبين العبور، فألقيا أنفسهما ومن معهما في النهر فغرق منهم خلق كثير، وأفلت انكلاى وسليمان بعد أن أشفيا على الهلاك، وقطع الجسر وأحرق وتفرق جيش الموفق في جانبي المدينة، وأحرق من الدور والقصور والأسواق شيئاً كثيراً واستنفذ من النساء والصبيان ما لا يحصى ودخلوا الدار التي كان صاحب الزنج سكنها بعد إحراق قصره فنهبوا ما كان فيها وأحرقوها، وهرب هو واستنفذ في هذا اليوم نسوة من العلويات، كن محبسات في موضع قريب من داره فأحسن الموفق إليهن، وفتح سجناً كان له وأخرج خلقاً كثيراً ففك عنهم الحديد، وأخرج ذلك اليوم كل ما كان بنهر أبي الخصيب من شذا ومراكب بحرية وسفن كبار وصغار وحراقات وغير ذلك من أصناف السفن إلى دجلة، وأباحها أصحابه بما فيها من السلب، وكانت قيمته عظيمة، وأرسل انكلاى ابنه يطلب الأمان، وسأل أشياء فأجابه الموفق إليها، فعلم أبوه بذلك فرده عما عزم عليه، فعاد إلى الحرب ومباشرة القتال، ووجه سليمان ابن موسى","part":7,"page":78},{"id":3089,"text":"الشعراني - وهو أحد رؤساء صاحب الزنج - يطلب الأمان، فلم يجبه الموفق إلى ذلك لما تقدم منه من سفك الدماء والفساد، ثم اتصل به أن جماعة من أصحاب الزنج قد استوحشوا لذلك فأجابه وأرسل الشذا إلى موضع ذكره فخرج هو وأخوه وأهله وجماعة من قواده، فأرسل صاحبهم من يمنعهم من ذلك فقاتلهم ووصل إلى الموفق فزاد في الإحسان إليه وخلع عليه وعلى من معه، وأمر بإظهاره لأصحابه ليزدادوا ثقة، فلم يرجع من مكانه حتى استأمن جماعة من القواد، منهم شبل بن سالم، فأجابه الموفق وأرسل إليه شذاوات فركب فيها وعياله وولده وجماعة من قواده، فلقيهم قوم من الزنج فقاتلهم ونجا ووصل إلى الموفق فأحسن إليه ووصله بصلة سنية، وهو من قدماء أصحاب الخبيث، فعظم ذلك عليه وعلى أوليائه لما رأوا من زغبة رؤسائهم في الأمان قال: ولما رأى الموفق مناصحة شبل أمره أن يكفيه بعض الأمور، فسار ليلاً في جمع من الزنج لم يخالطهم غيرهم إلى عسكر الزنج، فأوقع بهم وأسر منهم وقتل وعاد فأحسن إليه الموفق وإلى أصحابه، وصار الزنج بعد الوقعة لا ينامون الليل ولا يزالون يتحارسون، وأقام الموفق ينفذ السرايا إليهم ويكيدهم ويحول بينهم وبين القوت، وأصحابه يتدربون في سلوك تلك المضايق التي في أرضه ويوسعونها.ني - وهو أحد رؤساء صاحب الزنج - يطلب الأمان، فلم يجبه الموفق إلى ذلك لما تقدم منه من سفك الدماء والفساد، ثم اتصل به أن جماعة من أصحاب الزنج قد استوحشوا لذلك فأجابه وأرسل الشذا إلى موضع ذكره فخرج هو وأخوه وأهله وجماعة من قواده، فأرسل صاحبهم من يمنعهم من ذلك فقاتلهم ووصل إلى الموفق فزاد في الإحسان إليه وخلع عليه وعلى من معه، وأمر بإظهاره لأصحابه ليزدادوا ثقة، فلم يرجع من مكانه حتى استأمن جماعة من القواد، منهم شبل بن سالم، فأجابه الموفق وأرسل إليه شذاوات فركب فيها وعياله وولده وجماعة من قواده، فلقيهم قوم من الزنج فقاتلهم ونجا ووصل إلى الموفق فأحسن إليه ووصله بصلة سنية، وهو من قدماء أصحاب الخبيث، فعظم ذلك عليه وعلى أوليائه لما رأوا من زغبة رؤسائهم في الأمان قال: ولما رأى الموفق مناصحة شبل أمره أن يكفيه بعض الأمور، فسار ليلاً في جمع من الزنج لم يخالطهم غيرهم إلى عسكر الزنج، فأوقع بهم وأسر منهم وقتل وعاد فأحسن إليه الموفق وإلى أصحابه، وصار الزنج بعد الوقعة لا ينامون الليل ولا يزالون يتحارسون، وأقام الموفق ينفذ السرايا إليهم ويكيدهم ويحول بينهم وبين القوت، وأصحابه يتدربون في سلوك تلك المضايق التي في أرضه ويوسعونها.\rاستيلاء الموفق على مدينة صاحب الزنج الشرقية","part":7,"page":79},{"id":3090,"text":"قال: ولما علم الموفق أن أصحابه قد تمرنوا على سلوك تلك الأرض وعرفوها صمم على العبور إلى محاربة صاحب الزنج من الجانب الشرقي من نهر أبي الخصيب، فجلس مجلساً عاماً وأحضر قواد المستأمنة وفرسانهم فوقفوا بحيث يسمعون كلامه، ثم عرفهم ما كانوا عليه من الضلالة والجهل وانتهاك المحارم ومعصية الله عز وجل، وأن ذلك قد أحل لهم دماءهم، وأنه غفر لهم زلتهم وأمنهم ووصلهم، وأن ذلك يوجب عليهم حقه وطاعته، وأنهم لن يرضوا ربهم وسلطانهم بأكثر من الجد في محاربة الخبيث، وأنهم يخبرون مسالك ذلك العسكر وضايق مدينته وأولى أن يجتهدوا في الولوج عليه والتوغل في حصونه حتى يمكنهم الله منه، فإذا فعلوا ذلك فلهم الإحسان والمزيد، ومن قصر منهم فقد أسقط منزلته، فارتفعت أصواتهم بالدعاء والاعتراف بإحسانه، وبما هم عليه من المناصحة والطاعة وانهم يبذلون دماءهم في كل ما يقربهم منه، وسألوه أن يفردهم بناحية ليظهر من نكايتهم في العدو ما يعرف به إخلاصهم وطاعتهم، فأجابهم إلى ذلك وأثنى عليهم، وكتب في جمع السفن والمعابر من دجلة والبطيحة ونواحيها ليضيفها إلى عسكره، إذ كان ما عنده يقصر عن الجيش لكثرته، وأحصى ما في الشذا والسميريات وأنواع السفن ، فكانوا زهاء عشرة آلاف ملاح ممن يجري عليه الرزق من بيت المال مشاهرة، سوى سفن أهل العسكر التي تحمل الميرة ويركبها الناس في حوائجهم، وسوى ما لكل قائد من السميريات والحربيات والزواريق، فلما تكاملت السفن تقدم إلى ابنه أبي العباس وقواده بقصد المدينة الشرقية من جهاتها، فسير ابنه إلى ناحية دار المهلبي أسفل العسكر، وكان قد شحنها بالرجال والمقاتلة، وأمر جميع أصحابه بقصد دار صاحب الزنج وإحراقها، فإن عجزوا عنها اجتمعوا على دار المهلبي، وسار هو في الشذا وهي مائة وخمسون قطعة فيها أنجاد غلمانه، وانتخب من الفرسان والرجالة عشرة آلاف وأمرهم أن يسيروا على جانبي النهر إذا سار، وأن يقفوا معه إذا وقف، وبكر يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي القعدة سنة تسع وستين ومائتين، وكانوا قد قدموا إليهم يوم الاثنين وواقعوهم، وتقدمت كل طائفة إلى الجهة التي أمرهم بها، فلقيهم الزنج واشتدت الحرب وكثر القتل والجراح في الفريقين، ثم نصر الله عز وجل أصحاب الموفق بانهزام الزنج، وقتل منهم خلق كثير وأسر منهم أنجادهم وشجعانهم خلق كثير فأمر الموفق بضرب أعناق الأسرى في المعركة، وقصد بجمعه الدار التي يسكنها صاحب الزنج، وكان قد لجأ إليها وجمع أبطال أصحابه للمدافعة عنها فلم يعنوا شيئاً فانهزموا عنها وأسلموها، ودخلها أصحاب الموفق، وفيها بقايا ما كان سلم من مال صاحب الزنج وولده وأثاثه فنهب ذلك أجمع وخذوا حرمه وأولاده وكانوا عشرين ما بين صبي وصبية، وهرب صاحب الزنج نحو دار المهلبي لا يلوي على أهل ولا مال، وأحرقت داره وأتى الموفق بأهل صاحب الزنج وولده فسيرهم إلى بغداد، وكان أصحاب أبي العباس قد قصدوا دار المهلبي، وقد لجأ إليها خلق كثير من المنهزمين فغلبوهم عليها واشتغلوا بنهبها وأخذوا ما فيها من حرم المسلمين وأولادهم وجعل من ظفر منهم بشيء حمله إلى سفينته، فلما رآهم الزنج كذلك رجعوا إليهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وكان جماعة من غلمان الموفق قد قصدوا دار صاحب الزنج، فتشاغلوا بحمل الغنائم إلى السفن أيضاً، فأطمع ذلك الزنج فيهم فكشفوهم واتبعوا آثارهم، وثبت جماعة من أبطال الموفق فردوا الزنج حتى تراجع الناس إلى مواقفهم، ودامت الحرب إلى العصر فأمر الموفق غلمانه بصدق الحملة عليهم ففعلوا، فانهزم صاحب الزنج ومن معه وأخذتهم السيوف حتى انتهوا إلى داره أيضاً، فرأى الموفق أن يصرف أصحابه فردهم، وقد استنقذوا جمعاً من النساء المأسورات فحملن إلى الموفقية، وكان أبو العباس قد أرسل في ذلك اليوم قائداً فأحرق بيادر كانت ذخيرة لصاحب الزنج وكان ذلك مما أضعفه وأضعف أصحابه. قال: ثم وصل إلى الموفق كتاب لؤلؤ غلام أحمد بن طولون يستأذنه في القدوم عليه، فأمره بذلك وأخر القتال إلى أن يحضر.\rمقتل صاحب الزنج","part":7,"page":80},{"id":3091,"text":"قال: ولما ورد كتاب لؤلؤ على الموفق يستأذنه في الحضور إليه أذن له، وأحب أن يؤخر القتال إلى أن يحضر فيشهده، وكان لؤلؤ قد خالف على مولاه أحمد بن طولون، وكان في يده حمص وقنسرين وحلب وديار مضر من الجزيرة وصار إلى بالس فنهبها، وكاتب الموفق في المصير إليه واشترط شروطاً فأجابه الموفق إليها، وكان بالرقة فسار إلى الموفق فوصل إليه في ثالث شهر المحرم سنة سبعين ومائتين في جيش عظيم، فأكرمه الموفق وأنزله وخلع عليه وعلى أصحابه ووصلهم وأحسن إليهم، وأمر لهم بالأرزاق على قدر مراتبهم، وأضعف ما كان لهم.\rثم تقدم إلى لؤلؤ بالتأهب لحرب الزنج، وكان صاحب الزنج، لما غلب على نهر أبي الخصيب وقطعت القناطر والجسور التي عليه، أحدث سكراً في النهر من جانبيه، وجعل في وسط النهر باباً ضيقاً لتحتد جرية الماء فيه فيمتنع الشذا من دخوله في الجزر، ويتعذر خروجها منه في المد، فرأى الموفق أن حربه لا يتهيأ إلا بقلع هذا السكر، وحاول ذلك فاشتدت محاماة الزنج عليه، وجعلوا يزيدون كل يوم فيه، فشرع الموفق في محاربتهم بفريق بعد فريق من أصحاب لؤلؤ، ليتمرنوا على قتالهم ويقفوا على المسالك والطرق في مدينتهم، وأمر لؤلؤ أن يحضر في جماعة من أصحابه للحرب على هذا السكر ففعل، فرأى الموفق من شجاعتهم وإقدامهم ما سره، فأمر لؤلؤاً بصرفهم إشفاقاً عليهم ووصلهم وأحسن إليهم، وألح الموفق على هذا السكر، فكان يحارب والفعلة يعملون في قلعه، واستأمن إليه جماعة، وكان قد بقي لصاحب الزنج وأصحابه أرضين بناحية النهر الغربي، لهم فيها مزارع وحصون وقنطرتان وبه جماعة يحفظونه، فسار إليهم أبو العباس وفرق أصحابه من جهاتهم، وجعل كمناء، ثم أوقع بهم فانهزموا فما قصدوا جهة إلا خرج عليهم من يقاتلهم فيها، فقتلوا لم يسلم منهم إلا الشريد، وأخذوا من أسلحتهم ما أثقلهم حمله، وقطع القنطرتين، ولم يزل الموفق يقاتلهم على سكرهم حتى تهيأ له فيه ما أحب وحرقه.","part":7,"page":81},{"id":3092,"text":"فلما فرغ منه عزم على لقاء صاحب الزنج، فأمر بإصلاح السفن والآلات للماء والطين، وتقدم إلى ابنه أبي العباس أن يأتي الزنج من ناحية دار المهلبي، وفرق العساكر من جميع جهاته، وأضاف المستأمنة إلى شبل، وأمر الناس ألا يزحفوا حتى يحرك علماً أسود كان نصبه على دار الكرنبائي، وحتى ينفخ في بوق بعيد الصوت، وكان عبوره يوم الاثنين لثلاث بقين من المحرم، فعجل بعض الناس وزحف نحوهم، فلقيه الزنج فقتلوا منهم وردوهم إلى مواقفهم، ولم يعلم سائر العسكر بذلك لكثرتهم وبعد المسافة فيما بين بعضهم وبعض، وأمر الموفق بتحريك العلم الأسود والنفخ في البوق، فزحف الناس في البر والماء يتلو بعضهم بعضا، فلقيهم الزنج وقد حشدوا واجترأوا بما تهيأ لهم، فلقيهم الجيش بنيات صادقة وبصائر نافذة، واشتد القتال وقتل من الفريقين جمع كثير، فانهزم أصحاب صاحب الزنج وتبعهم أصحاب الموفق، فقتل منهم ما لا يحصى وغرق منهم مثل ذلك، وحوى الموفق المدينة بأسرها، فغنم أصحابه ما فيها واستنفذوا من كان بقي من الأسارى من الرجال والنساء والصبيان، وظفروا بجميع عيال علي بن أبان المهلبي وبأخويه الخليل ومحمد وأولادهما، فسيروا إلى الموفقية، ومضى صاحب الزنج في أصحابه ومعه ابنه انكلاى وسليمان بن جامع وقواد من الزنج وغيرهم هرابا، عامدين إلى موضع كان قد أعده ملجأ إذا غلب على مدينته، وذلك المكان على النهر المعروف بالسفياني، وكان أصحاب الموفق قد اشتغلوا بالنهب والإحراق، وتقدم أصحاب الموفق في الشذا نحو نهر السفياني، وانتهى الموفق ومن معه إلى عسكر صاحب الزنج وهم منهزمون، واتبعهم لؤلؤ في أصحابه حتى عبروا النهر فاقتحم لؤلؤ النهر بفرسه واتبعه أصحابه حتى انتهى إلى النهر المعروف بالقريري فوصل إليه لؤلؤ وأصحابه، فأوقعوا به وبمن معه فهزموهم حتى عبروا نهر المساوان ولؤلؤ في أثرهم، فاعتصموا بجبل وراءه، وانفرد لؤلؤ وأصحابه باتباعهم إلى هذا المكان إلى آخر النهار، فأمر الموفق بالانصراف فعاد مشكوراً محمود الفعل، فحمله الموفق معه وجدد له البر والكرامة ورفع منزلته، ورجع الموفق فلم ير أحداً من أصحابه بمدينة الزنج، وكانوا قد انصرفوا إلى الموفقية بما حووا في سفنهم، فرجع الموفق إلى مدينته واستبشر الناس بالفتح، وغضب الموفق على أصحابه لمخالفتهم أمره وتركهم الوقوف حيث أمرهم، فجمعهم ووبخهم على ذلك وأغلظ لهم، فاعتذروا بما ظنوه من انصرافه، وأنهم لم يعلموا بمسيره ولو علموا ذلك لأسرعوا نحوه، ثم تعاقدوا وتحالفوا على ألا ينصرف منهم أحداً إذا توجهوا نحو صاحب الزنج حتى يظفروا، فإن أعياهم أقاموا حتى يحكم الله بينهم وبينه، وسألوا الموفق أن يرد السفن التي يعبرون فيها إلى صاحب الزنج، لينقطع الناس عن الرجوع فشكرهم وأثنى عليهم وأمرهم بالتأهب. وأقام الموفق بعد ذلك إلى يوم الجمعة يصلح ما يحتاج الناس إليه، وأمر الناس بالمسير إلى حرب الزنج بكرة السبت، وطاف عليهم بنفسه يعرف كل قائد مركزه والمكان الذي يقصده.","part":7,"page":82},{"id":3093,"text":"وغدا الموفق يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين وعبر الناس، وأمر برد السفن فردت، وسار يقدمهم إلى المكان الذي قدر أن يلقاهم فيه، وكان صاحب الزنج وأصحابه قد رجعوا إلى مدينتهم بعد انصراف الجيش عنهم، وأملوا أن تتطاول بهم الأيام وتندفع عنهم المناجزة، فوجد الموفق المتسرعين من غلمانه من الفرسان والرجالة قد سبقوا الجيش، فأوقعوا بصاحب الزنج وأصحابه وهزموهم بها، وتفرقوا لايلوى بعضهم على بعض، وتبعهم أصحاب الموفق يقتلون ويأسرون من لحقوا منهم، فانقطع صاحب الزنج في جماعة من حماة أصحابه منهم المهلبي، وفارقه ابنه انكلاى وسليمان بن جامع، فقصد كل فريق منهم جمعاً كثيفاً من الجيش، وكان أبو العباس قد تقدم فلقي المنهزمين في الموضع المعروف بعسكر ريحان، فوضع أصحابه فيهم السلاح، ولقيهم طائفة أخرى فأوقعوا بهم وقتلوا منهم جماعة، وأسروا سليمان بن جامع فأتوا به الموفق من غير عهد ولا عقد، فاستبشر الناس بأسره، وأسر بعده إبراهيم بن جعفر الهمداني - وكان أحد أمراء جيوشه - فأمر الموفق بالاستيثاق منهما، ثم إن الزنج الذين انفردوا مع صاحبهم حملوا على الناس حملة أزالوهم عن مواقفهم ففتروا، فجد الموفق في طلبهم وأمعن، فتبعه أصحابه وانتهى إلى آخر نهر أبي الخصيب، فلقيه البشير بقتل صاحب الزنج، وأتاه بشير آخر ومعه كف ذكر أنها كفه، ثم أتاه غلام من أصحاب لؤلؤ يركض ومعه رأس صاحب الزنج، فعرض الموفق الرأس على جماعة من المستأمنة فعرفوه، فخر لله ساجداً وسجد معه الناس، وأمر برفع الرأس على قناة فعرفه الناس.\rقال: ولما أحيط بصاحب الزنج كان معه المهلبي وحده، فولى عنه هارباً وقصد نهر فألقى نفسه فيه، وكان انكلاى قد سار نحو الديناري ورجع الموفق والرأس بين يديه وسليمان بن جامع، فأتى مدينته وأتاه من الزنج عالم عظيم يطلبون الأمان فأمنهم، وانتهى إليه خبر انكلاى والمهلبي ومكانهما ومن معهما من مقدمي الزنج، فبث أصحابه في طلبهم وأمرهم بالتضييق عليهم، فلما أيقنوا ألا ملجأ أعطوا بأيديهم فظفر بهم وبمن معهم وكانوا زهاء خمسة آلاف، فأمر بالاستيثاق من المهلبي وانكلاى، وكان ممن هرب قرطاس الرومي الذي رمى الموفق بالسهم في صدره، فانتهى إلى رامهرمز فعرفه رجل فدل عليه عامل البلد، فأخذه وسيره إلى الموفق فقتله ابنه أبو العباس، ثم استأمن درمويه الزنجي إلى أبي أحمد الموفق، وكان درمويه هذا من أنجاد الزنج وأبطالهم، وكان صاحب الزنج قد وجهه قبل هلاكه بمدة إلى موضع كثير الأدغال والشجر والآجام متصل بالبطيحة، وكان هو ومن معه يقطعون الطريق هناك على السابلة في زواريق خفاف، فإذا طلبوا دخلوا الأنهار الضيقة واعتصموا بالأدغال، وإذا تعذر عليهم مسلك لضيقه حملوا سفنهم ولجأوا إلى الأمكنة الوسيعة، ويغيرون في قرى البطيحة ويقطعون الطريق، فظفروا بجماعة من عسكر الموفق معهم نساء قد عادوا إلى منازلهم، فقتلوا الرجال وأخذوا النساء، فسألهن درمويه عن الخبر فأخبرنه بقتل صاحب الزنج وأسر أصحابه وقواده، وأن كثيراً منهم قد صار إلى الموفق بالأمان فأحسن إليهم، فسقط في يده ولم ير لنفسه ملجأ إلا طلب الأمان والصفح عن جرمه، فأرسل إلى أبي أحمد الموفق يطلب الأمان فأجابه إلى ذلك وأمنه، فخرج هو ومن معه حتى وافى عسكر الموفق فأحسن إليهم وأمنهم، فلما اطمأن درمويه أظهر ما كان في يده من الأموال والأمتعة، وردها إلى أربابها رداً ظاهراً فعلم بذلك حسن نيته فزاد الموفق في الإحسان إليه، وأمر يكتب إلى أمصار المسلمين بالنداء في أهل النواحي التي دخلها الزنج بالرجوع إلى أوطانهم، فسارع الناس إلى ذلك.\rوأقام الموفق بالمدينة الموفقية ليأمن الناس بمقامه، وولى البصرة والأبلة وكور دجلة رجلاً من قواده قد حمد مذهبه وعلم حسن سيرته يقال له العباس بن تركس، وأمره بالمقام بالبصرة، وولى قضاء البصرة والأبلة وكور دجلة محمد بن حماد، وقدم ابنه أبا العباس إلى بغداد ومعه رأس صاحب الزنج ليراه الناس، فبلغها لأثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة.\rقال: وكان خروج صاحب الزنج يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين، وقتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين، فكانت أيامه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام.","part":7,"page":83},{"id":3094,"text":"انقضت أخبار صاحب الزنج فلنذكر أخبار القرامطة.\rأخبار القرامطة وابتداء أمرهم وما كان من أخبارهم وما استولوا عليه من البلاد وغير ذلك من أخبارهم والقرامطة منسوبون إلى قرمط، وقد اختلف فيه: فمن الناس من يقول إنه حمدان بن الأشعث، وأنه إنما سمي قرمطاً لأنه كان رجلاً قصيراً قصير الرجلين متقارب الخطو فسمي بذلك، وقيل قُرْمط: ثور كان لحمدان بن الأشعث هذا، وأنه كان يحمل غلات السواد على أثوار له بسواد الكوفة، والله تعالى أعلم.\rقال ابن الأثير في تاريخه الكامل في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين: وفيها تحرك بسواد الكوفة قوم يعرفون بالقرامطة، وكان ابتداء أمرهم: أن رجلاً يقال له حمدان يظهر الدين والزهد والتقشف، ويأكل من كبسه، وأقام على ذلك مدة، فكان إذا جالسه رجل ذاكره الدين وزهده في الدنيا، وأعلمه أن الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم، حتى فشا ذلك بموضعه، ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستجاب له جمع كثير وكان يقعد إلى بقال هناك، فجاء رجل إلى البقال يطلب منه من يحفظ له ما صرم من نخله، فدله عليه وقال لعله يجيب، فكلموه في ذلك فاتفق معه على أجرة معلومة، فكان يحفظ لهم ويصلي أكثر نهاره، ويصوم ويأخذ عند إفطاره من البقال رطل تمر، يفطر عليه ويجمع نواه ويعطيه للبقال، فلما حمل التجار تمرهم جلسوا عند البقال وحاسبوه وأعطوه أجرته، وحاسب هو البقال على ما أخذ من التمر وحط ثمن النوى فضربوه، وقالوا ألم يكفك أن تأكل تمرنا حتى تبيع نواه؟! فأوقفهم البقال على الخبر فاعتذروا واستحلوا منه، وازداد بذلك عند أهل القرية، ودعا أهل تلك الناحية إلى مذهبه فأجابوه، وكان يأخذ من الرجل إذا أجابه ديناراً واحداً، ويزعم أنه للإمام، واتخذ منهم اثني عشر نقيباً أمرهم أن يدعو الناس إلى مذهبه وقال: أنتم كحواري عيسى بن مريم، فاشتعل أهل تلك الناحية عن أعمالهم، وكان للهيصم في تلك الناحية ضياع، فرأى تقصير الأكارة في عمارتها، فسأل عن ذلك فقيل له خبر الرجل فحسبه، وحلف ليقتلنه لما اطلع على مذهبه، وأغلق عليه الباب ليقتله في غد، وجعل المفتاح تحت رأسه، فسمع بعض جواريه خبره فرقت له، فسرقت المفتاح وأخرجته وأعادت المفتاح إلى موضعه، فلما أصبح الهيصم فتح الباب ليقتله فلم يجده، فشاع ذلك في الناس فافتتنوا به وقالوا رفع، ثم ظهر في ناحية أخرى، ولقي جماعة من أصحابه فسألوه عن قصته فقال: لا يمكن أن ينالني أحد بسوء، فعظم في أعينهم ثم خاف على نفسه فخرج إلى ناحية الشام، فلم يوقف له على خبر، هذا ما حكاه عز الدين بن الأثير الجزري في تاريخه الكامل.","part":7,"page":84},{"id":3095,"text":"وحكى الشريف أبو الحسين محمد بن علي بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - وهو المعروف بأخي محسن - في كتاب ألفه ذكر فيه عبيد الله الملقب بالمهدي، الذي استولى على بلاد المغرب واستولى بنوه من بعده على الديار المصرية والشام وغير ذلك، وذكر الشريف أصل عبيد الله هذا ونفاه عن النسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واستدل على ذلك بأدله يطول شرحها أجاد في تبيانها، وقال في أثناء ما حكاه أنه لما صار الأمر إلى محمد بن عبد الله بن ميمون بن ديصان بعد أبيه - وأحمد هذا جد عبيد الله الملقب بالمهدي - بعث - وهو بسلمية - الحسين الأهوازي داعية إلى العراق، فلقي حمدان بن الأشعث قرمطاً بسواد الكوفة ومعه ثور ينقل عليه، فقال له الحسين الأهوازي: كيف الطريق إلى قس بهرام؟ فعرفه حمدان أنه قاصد إليه، وسأله الأهوازي عن قرية تعرف ببانبورا من قرى السواد، فذكر أنها قريبة من قريته وكان حمدان هذا من قرية تعرف بالدور على نهر هد من رستاق مهروسا من طسوج فرات باقلي، قال: فتماشيا ساعة، فقال له حمدان: إني أراك جئت من سفر بعيد، وأنت معي فاركب ثوري هذا، فقال له الحسين: لم أومر بذلك، فقال له حمدان: كأنك تعمل بأمر أمر لك؟ قال نعم، قال: من يأمرك وينهاك؟ قال: مالكي ومالكك من له الدنيا والآخرة، قال: فبهت حمدان قرمط مفكراً، وأقبل ينظر إليه ثم قال له: يا هذا ما نملك ما ذكرته إلا الله تعالى! قال: صدقت، والله يهب ملكه لمن يشاء، قال له حمدان: فما تريد في القرية التي سألتني عنها؟ قال:دفع إليّ جراب فيه علم سر من أسرار الله تعالى، وأمرت، أن أشفي هذه القرية وأغني أهلها واستنقذهم وأملكهم أملاك أصحابهم.\rوابتدأ يدعوه فقال له حمدان: يا هذا نشدتك الله إلا دفعت إلي من هذا العلم الذي معك وأنقذتني ينقذك الله! ! قال له: لا يجوز ذلك أو آخذ عليك عهداً وميثاقاً أخذه الله تعالى على النبيين والمرسلين وألقى عليك ما ينفعك، قال: فما زال حمدان يضرع إليه حتى جلسا في بعض الطريق وأخذ عليه العهد، ثم قال له: ما اسمك؟ قال: قرمط، ثم قال له قرمط: قم معي إلى منزلي حتى تجلس فيه، فإن لي إخواناً أصير بهم إليك لتأخذ عليهم العهد للمهدي، فصار معه إلى منزله، فأخذ على الناس العهد هناك، وأقام في منزل حمدان وأعجبه أمره وعظمه وكرمه، وكان على غاية ما يكون من الخشوع، صائماً نهاره قائماً ليله، وكان المغبوط من أخذه إلى منزله ليلة، وكان ربما خاط لهم الثياب وتكسب بذلك، وكانوا يتبركون به وبخياطته. قال: وأدرك التمر فاحتاج أبو عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدوى إلى عمل تمره، وكان من وجوه أهل الكوفة ومن أهل العلم والفضل والتوحيد، فوصف له هذا الرجل فنصبه لحفظ تمره والقيام في حظيرته، فأحسن حفظها واحتاط في أداء الأمانة، وظهر منه من التشديد في ذلك ما خرج به عن أحوال الناس في تساهلهم في كثير من الأمور، وذلك في سنة أربع وستين ومائتين، فاستحكمت ثقة الناس به، وثقته بحمدان قرمط وسكونه إليه، فأظهر له أمره وكشف له الغطاء.","part":7,"page":85},{"id":3096,"text":"قال: وكل ما كان هذا الداعية يفعله من الثقة والأمانة وإظهار الخشوع والنسك إنما كان حيلة ومكراً وخديعة وغشاً، قال: فلما حضرت هذا الطاغية الوفاة جعل مقامه حمدان بن الأشعث قرمطاً، فأخذ على أكثر أهل السواد وكان ذكياً خبيثاً، قال: وكان ممن أجابه من أصحابه الذين صار لهم ذكر زكرويه بن مهرويه السلماني وجلندي الرازي، وعكرمة البابلي، وإسحاق السوراني، وعطيف النيلي وغيرهم، وبث دعاته في السواد يأخذون على الناس، وكان أكبر دعاته عبدان متزوجاً أخت قرمط أو قرمط متزوجاً أخته، وكان عبدان رجلا ذكياً خفيفاً فطناً خبيثاً، خارجاً عن طبقة نظرائه من أهل السواد ذا فهم وخبث، فكان يعمل عند نفسه على حد قد نصب له، ولا يرى أنه يجاوزه إلى غيره من خلع الإسلام، ولا يظهر غير التشيع والعلم ويدعو إلى الإمام من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، محمد بن إسماعيل بن جعفر، وكان أحد من تبع عبدان زكرويه بن مهرويه، وكان زكرويه شاباً فيه ذكاء وفطنة، وكان من قرية بسواد الكوفة يقال لها المنسانية تلاصق قرية الصوان، وهاتان القريتان على نهرهد نصبه عبدان على إقليم نهرهد وطسوج السالحين وإقليم نهر يوسف داعية، ومن قبله جماعة دعاة متفرقون في عمله، يدور كل واحد منهم في عمله في كل شهر مرة، وكل ذلك بسواد الكوفة، ودخل في دعوته من العرب من بني ضبيعة بن عجل - وهم من ربيعة - رجلان، أحدهما يعرف برباح والآخر يعرف بعلي بن يعقوب القمر، فأنفذهما دعاة إلى العرب في أعمال الكوفة وسورا وبربسما وبابل، ودخل في دعوته من العرب أيضاً رفاعة من بني يشكر، ثم من بكر بن وائل رجل يعرف بسند وآخر يعرف بهارون، فجعلهما دعاة نخيلة وما والاها في العرب خاصة إلى حدود واسط، فمال إليه هذان البطنان ودخلا في دعوته فلم يكد يختلف رفاعي ولا ضبعي، ولم يبق من البطون المتصلة بسواد الكوفة بطن إلا دخل في الدعوة منه ناس كثير أو قليل، من بني عايش وذهل وغيره وبني عنز وتيم الله وثعل وغيرهم، وفيهم نفر يسير من بني شيبان، فقوى قرمط بهم وزاد طعمه فأخذ في جمع أموالهم.\rما فرضه قرمط\rعلى من دخل في دعوته واستجاب له وكيف نقلهم في استئصال أموالهم من اليسير إلى الكثير حتى استقام له أمرهم كان أول ما ابتدأ به أن فرض عليهم وامتحنهم بتأدية درهم واحد، وسمى ذلك الفطرة من كل رأس من الرجال والنساء والصبيان فسارعوا إلى ذلك، فتركهم مديدة ثم فرض عليهم الهجرة، وهو دينار على كل رأس أدرك الحنث، وتلا عليهم قوله تعالى \" خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم \" ، وقال: هذا تأويل هذا، فدافعوا ذلك مبادرين به إليه، وتعاونوا عليه فمن كان فقيراً أسعفوه، فتركهم مديدة ثم فرض عليهم البلغة: وهي سبعة دنانير، وزعم أن ذلك هو البرهان بقوله تعالى \" قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين \" ، وزعم أن ذلك بلاغ من يريد الإيمان والدخول في السابقين السابقين - أولئك المقربون، وصنع لهم طعاماً طيباً حلواً لذيذاً وجعله على قدر البنادق، يطعم كل من أدى إليه سبعة دنانير واحدة منها، وزعم أنه طعام أهل الجنة نزل إلى الإمام، واتخذ ذلك كالخواتيم ينقل إلى الداعي منها مائة بلغة ويطالبه بسبعمائة دينار، فلما توطأ له هذا الأمر فرض عليهم أخماس ما يملكون وما يتكسبون، وتلا عليهم قوله تعالى \" واعلموا إنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه. . . . الآية \" فقوموا جميع ما يملكونه من ثوب وغيره وأدوا خمسة إليه، حتى كانت المرأة تخرج خمس ما تغزل، والرجل خمس ما يكسب، فلما تم ذلك له واستقر فرض عليهم الألفة، وهو أن يجمعوا أموالهم في موضع واحد وأن يكونوا في ذلك أسوة واحدة، لا يفضل أحد منهم صاحبه وأخاه في ملك يملكه، وتلا عليهم قوله تعالى \" واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً \" ، وتلا عليهم قوله تعالى \" لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم \" ، وعرفهم أنه لا حاجة بهم إلى أموال تكون معهم، لأن الأرض بأسرها ستكون لهم دون غيرهم، وقال لهم: هذه محنتكم التي امتحنتم بها ليعلم كيف تعلمون، وطالبهم بشراء السلاح وإعداده، وذلك كله في سنة ست وسبعين ومائتين.","part":7,"page":86},{"id":3097,"text":"وأقام الدعاة في كل قرية رجلاً مختاراً من ثقاتها، يجمع عنده أموال أهل قريته من بقر وغنم وحلي ومتاع وغيره، فكان يكسو عاريهم وينفق عليهم ما يكفيهم ولا يبقى فقيراً بينهم ولا محتاجاً ضعيفاً، وأخذ كل رجل منهم بالانكماش في صناعته والتكسب بجهده، ليكون له الفضل في رتبته، وكانت المرأة تجمع إليه كسبها من مغزلها، والصبي أجر نطارته الطير، فلم يملك أحد منهم إلا سيف وسلاحه، فلما استقام له ذلك كله وصبوا إليه وعملوا به، أمر الدعاة أن يجمعوا النساء ليلة معروفة ويختلطن بالرجال، وقال: إن ذلك من صحة الود والألفة بينهم فربما بذل الرجل لأخيه امرأته متى أحب فلما تمكن من أمورهم ووثق بطاعتهم وتبين مقدار عقولهم أخذ في تدريجهم إلى الضلالة، وأتاهم بحجج من مذهب الثنوية فسلكوا معه في ذلك، حتى خلعهم من الشريعة ونقض عليهم ما كان يأمرهم به في مبدأ أمرهم من الخشوع والورع والتقي، وأباح لهم الأموال والفروج والغني عن الصوم والصلاة والفرائض، وأن ذلك كله موضوع عنهم وأن أموال المخالفين ودماءهم حلال لهم، وأن معرفة صاحب الحق الذي يدعو إليه يغني عن كل شيء، ولا يخاف معه إثم ولا عذاب.\rدعوة القرامطة\rوعهدهم الذين كانوا يأخذونه على من يغرونه، ويستميلونه إلى مذهبهم، وكيف ينقلونه من مرتبة إلى أخرى، حتى ينسلخ من الدين ويخلع ربقة الإسلام من عنقه","part":7,"page":87},{"id":3098,"text":"قال الشريف أبو الحسين محمد بن علي: أول الدعوة بعد عمل الداعي بالرزق وقوة إجابة المدعو من سائر الأمم أن يسلك به في السؤال عن المشكلات، مسلك الملحدين والشكاك، ويكثر سؤال عن تأويل الآيات ومعاني الأمور الشرعيات، وشيء من الطبائع ووجوه القول في الأمور التي تكثر فيها الشبه، ولا يصل إليها إلا العالم المبرز ومن جرى مجراه، فإن اتفق له مجيب عارف ممارس جدل سلم إليه الداعي وعظمه وكرمه وحشمه وصوب قوله، وداخله بما يحب من علم شريعته التي يومي إليها، وكل ذلك ليقطع كلامه لئلا يتبين ما هو عليه من الحيلة والمكر، وما يدخل به على الناس من أمر الدعوة، وإن اتفق مغرور مغفل غليظ الحواس ألقى إليه ما يشغل به قلبه، مثل قوله: إن الدين لمكتوم وإن الأكثر له لمنكرون وبه جاهلون، ولو علمت هذه الأمة ما خص الله به الأئمة من العلم لم يختلف، ويوهم من سمع كلامه أن عنده علوماً خفية لم تصل إليهم، فتطلع نفس المستمع إلى معرفة بيان ما قال، وربما وصل مع من يجالسه - واحداً كان أو جماعة - بشيء من معاني القرآن، وذكر شرائع الدين وتأويل الآيات وتنزيلها وكلام لا يشك المسلم العارف في حقيقته، ويوهم المستمعين منه أنه قد ظفر بعلم، لو صادف له مستمعاً لكان ناجياً منتفعاً، وقرر عندهم أن الآفة التي نزلت بالأمة وحيرت في الديانة وشتت الكلمة وأورثت الأهواء المضلة ذهاب الناس عن أئمة نصبوا لهم، وأقيموا حافظين لشرائعهم يؤدونها على حقائقها، ويحفظون عليهم معانيها وبواطنها، وأنهم لما عدلوا عنهم ونظروا من تلقاء عقولهم، واتباعهم لما حسن في رأيهم وسمعوه من أسلافهم وغلاتهم - اتباع الملوك في طلب الدنيا - وحاملي الغنى ومسمعي الإثم وأجناد الظلمة وأعوان الفسقة الطالبين العاجلة، والمجتهدين في الرياسة على الضعفاء، ومن يكايد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته وغير كتابه وبدل سنته، وقتل عترته وخالف دعوته وأفسد شريعته وسلك بالناس غير طريقته، وعاند الخلفاء من بعده، وخلط بين حقه وباطل غيره فتحير وحير من قبل منه، وصار الناس إلى أنواع الضلالات به وبأتباعه، وقالوا لهم حينئذ - كالنصحاء الحكماء - : إن دين محمد لم يأت بالتحلي ولا بالتمرى، ولا بأماني الرجال ولا شهوات الخلق، ولا بما خف على الألسنة وعرفته دهماء العامة، وإنما الدين صعب مستصعب، أمر مستثقل وعلم خفي غامض، سيره الله في حجبه وعظم شأنه عن ابتذال الأشرار له، فهو سر الله عز وجل المكتوم وأمره المستور، الذي لا يطيق حمله ولا ينهض بأعبائه وثقله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله للإيمان، في أمثال هذا الكلام، ويموه على من لا يعلم بأنهم لم أظهروا ما عندهم من العلم لأنكره من يسمعه،وتعجب منه وكفروا أهله، وهذه مقدمة يجعلونها في نفوس المخدوعين، ليواطئوهم على ألا ينكروا ما يسمعونه منهم ولا يدفعوه، فيجعلوا ذلك تأنيساً وتأسيساً لينخلع من الشرائع وترتيب أصولها والحرص على طلبها، وربما قالوا لهم شيئاً يموهون به أن له تفسيراً، وإنما هو تقليد في الديانة.","part":7,"page":88},{"id":3099,"text":"فمن مسائلهم: ما معنى رمي الحجار؟ والعدو بين الصفا والمروة؟ و لم قضت الحائض الصيام ولم تقض الصلاة؟ وما بال الجنب يغتسل من ماء دافق لشيء طاهر منه البشر، ولا يغتسل من البول النجس الكثير القذر، وما بال الله تعالى خلق الدنيا في ستة أيام؟ أعجز عن خلقها في ساعة واحدة؟ وما معنى الصراط المضروب في القرآن مثلاً؟ والكاتبين الحافظين؟ وما لنا لا نراهما؟ أيخاف ربنا أن نكابره ونجاحده فأذكى العيون وأقام علينا الشهود؟ وقيد ذلك بالقرطاس والكتابة؟ ! وما تبديل الأرض غير الأرض؟ وما عذاب جهنم؟ وكيف يصح تبديل جلد مذنب بجلد لم يذنب يعذب؟! وما معنى: ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية وما إبليس؟ وما ذكرته الشياطين؟ وما وصفوا به، ومقدار قدرهم؟ وما يأجوج ومأجوج؟ وهاروت وماروت؟ وما سبعة أبواب النار؟ وما ثمانية أبواب الجنة؟ وما شجرة الزقوم النابتة في الجحيم؟وما دابة الأرض؟ ورؤوس الشياطين؟ والشجرة الملعونة في القرآن؟ والتين والزيتون؟ وما الخنس؟ وما الكنس؟ وما معنى الم، والمص؟ وما معنى كهيعص؟ وما معنى حم عسق؟ وأمثال هذا من الكلام، ولم جعلت السماوات سبعاً والأرضون سبعا؟ والمثاني من القرآن سبع آيات؟ ولم فجرت العيون اثنتي عشرة عيناً؟ ولم جعلت الشهور أثنى عشر شهراً؟ وأمثال هذا من الكلام والأمور، مما يوهمون أن فيه معاني غامضة وعلوما جليلة.","part":7,"page":89},{"id":3100,"text":"وقالوا للمغرورين: ما يعمل معكم الكتاب والسنة ومعاني الفرائض اللازمة؟ وأين أرواحكم؟ وكيف صورها؟ وأين مستقرها؟ وما أول أمرها؟ والإنسان ما هو؟ وما حقيقته؟ وما فرق بين حياته وحياة البهائم؟ وفرق ما بين حياة البهائم وحياة الحشرات؟ وما بانت به حياة الحشرات من حياة النبات؟ وما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" خلقت حواء من ضلع آدم \" ؟ وما معنى قول الفلاسفة: الإنسان هو العالم الصغير؟ ولم جعلت قامة الإنسان منتصبة دون الحيوان؟ ولم جعل في أربع أصابع من يديه ثلاثة شقوق وفي الإبهام شقان؟ ولم جعل في وجهه سبعة ثقب وفي سائر بدنه ثقبان؟ ولم جعل في ظهره اثنتا عشرة عقدة وفي عنقه سبع؟ ولم جعل رأسه في صورة ميم ويداه حاء وبطنه ميماً ورجلاه دالاً حتى صار لذلك كتاباً مرسوماً يترجم عن محمد؟ ولم جعلت أعداد عظامهم كذا وأعداد أسنانهم كذا؟ ولم صارت الرؤساء من أعضائكم بكذا وكذا، وسألوا عن التشريح والقول في العروق وفي الأعضاء ووجوه منافع الأعضاء،ويقولون لهم: ألا تفكرون في حالكم وتعتبرون؟ وتعلمون أن الذي خلقكم حكيم غير مجازف، وأنه فعل جميع ذلك بحكمة، وله في ذلك أغراض باطنة خفية، حتى جمع ما جمعه وفرق ما فرقه، وكيف الإعراض عن هذه الأمور، وأنتم تسمعون قول الله عز وجل: \" وفي أنفسكم أفلا تبصرون \" وقوله: \" وفي الأرض آيات للموقنين \" ويقول: \" ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون \" ويقول \" سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق \" فأي شيء رآه الكفار في أنفسهم وفي الآفاق فعرفوا أنه الحق؟ وأي حق عرفه من جحد الديانة؟ أولا يدلكم هذا على أن الله عز وجل أراد أن يدلكم على بواطن الأمور الخفية وأمور في باطنه، ولو عرفتموه لزالت عنكم كل حيرة وشبهة، ووقعت لكم المعارف السنية، أولا ترون أنكم جهلتم أنفسكم؟ التي من جهلها كان حرياً بأن لا يعلم غيرها، أو ليس الله تعالى يقول \" ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا \" وأمثال هذه الأمور مما يسألون عنه ويعرضون به من تأويل القرآن وتفسير ألفاظ كثيرة من ألفاظ السنن والأحكام، والجواب معان يفسر بها وضع الشرائع السمعيات فيما رفع منها وما نصب، وكثير من أبواب التعديل والتجويز مما يأتي في المقالة الثانية إن شاء الله تعالى، فإن أوجب ذلك للمسئول عنه شكا وحيرة واضطراباً وتعلقت نفسه بالجواب عنه، وتشوق إلى معرقته فسألهم عنه عاملوه بمثل ما يفعل به صاحب الفأل والزراق والقصاص على العوام عند امتلاء صدورهم بما يفخرون به أولاً عندهم من أحوال قد عرفوها من أحوالهم، فهم إلى معرفتها أكثر الحاجة وعلقوا بمعرفتها أنفسهم، وعند بلوغ القصاص إلى ما يبلغون إليه يقطعون الحديث، لتعلق قلوب المستمعين بما يكون بعده،وهذه صفة الدعاة وحالهم، يقدمون على الكلام والمسائل ثم يقطعون أنفس المغرورين، بما قد تأخر من القول الذي قدموا له مقدمة، فإذا خاطبهم على علم معرفته تأويل البيان قالوا له: لا تعجل، فإن دين الله أجل وأكبر من أن يبذل لغير أهله، ويجعل عرضاً للعب وما جانسه، ويقولون: قد جرت سنة الله جل وعز في عبادة عند شرع من نصبه من النبيين أخذ الميثاق، كما قال تعالى \" وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً \" وقال تعالى \" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً \" وقال جل ذكره \" يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود \" وقال \" ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد أنكاثاً \" وقال تعالى \" لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل . . . . \" في أمثال هذا خبر الله عز وجل فيه أنه لم يملك حقه إلا لمن أخذ عهده، فأعطنا صفقة يمينك بالتوكيد من أيمانك وعقودك، ألا تفشي لنا سراً ولا تظاهر علينا أحدا ولا تطلب لنا غيلة، ولا تكلمنا إلا نصحاً ولا توال علينا عدواً، في أمثال لهذا، وإنما غرضهم لذلك كله أمور: منها أن يستدلوا بها بظاهر ما يعطيهم المخدوع من انقياده وطاعته، على باطن أمره من شكه واضطرابه، وكيف موقع ذلك منه، ومنها التوثق بالأمن من كشف أحوالهم وانتشار أمورهم، إلا بعد توطئه ما يريدونه حالا فحالا، ومنها أن يرسموه بالذل","part":7,"page":90},{"id":3101,"text":"والطاعة لهم والرضى منه بأن يكون منقاداً، تابعاً لهم ومكبراً، وإلا فإن نكث الإيمان وقلة الإكتراث بها والفكر فيها والاعتداد بها، هو دينهم عند البلوغ إلى غايتهم التي يجرون إليها، وإنما يجعلون ذلك مانعاً لأهل هذه الطبقات، ما داموا مستشعرين للعمل بالديانات، فإن سمح المدعو بإعطاء عهده وتصاغر لهم بقوة اضطراب قلبه وشكه قالوا له حينئذ: أعطنا جعلا من مالك، وغرما نجعله مقدمة أمام كشفنا لك الأمور وتعريفك إياها، وكان ذلك مما يستظهرون به عليه بالاستدلال به أيضاً على قوة شكه وتعلق نفسه، وظهرياً لهم على الاستعانة على أمرهم وتمكينهم لدعوتهم، ثم رسموا في مبلغ ذلك رسماً بحسب ما يراه الداعي في أمره صلاحاً، وإن امتنع عليهم المخدوع في رتبة العهد وإعطائه الداعي، أو في رتبة العزم وعطيته أمسكوا عنه وزادوه أبدا في شكه وحيرته.اعة لهم والرضى منه بأن يكون منقاداً، تابعاً لهم ومكبراً، وإلا فإن نكث الإيمان وقلة الإكتراث بها والفكر فيها والاعتداد بها، هو دينهم عند البلوغ إلى غايتهم التي يجرون إليها، وإنما يجعلون ذلك مانعاً لأهل هذه الطبقات، ما داموا مستشعرين للعمل بالديانات، فإن سمح المدعو بإعطاء عهده وتصاغر لهم بقوة اضطراب قلبه وشكه قالوا له حينئذ: أعطنا جعلا من مالك، وغرما نجعله مقدمة أمام كشفنا لك الأمور وتعريفك إياها، وكان ذلك مما يستظهرون به عليه بالاستدلال به أيضاً على قوة شكه وتعلق نفسه، وظهرياً لهم على الاستعانة على أمرهم وتمكينهم لدعوتهم، ثم رسموا في مبلغ ذلك رسماً بحسب ما يراه الداعي في أمره صلاحاً، وإن امتنع عليهم المخدوع في رتبة العهد وإعطائه الداعي، أو في رتبة العزم وعطيته أمسكوا عنه وزادوه أبدا في شكه وحيرته.\rفهذا حال الدعوة الأولى ووصفها وما تدرج به الدعاة المخدوعين.\rصفة الدعوة الثانية\rقال الشريف رحمه الله: فإذا قبل المخدوع الرتبة الأولى وحصل عليها اعتقد تهمة الأمة، فيما نقلته عمن كان قبلها من علماء المسلمين، وقوى شكه في ذلك ثم تقرر في نفسه أن الله تعالى لم يرض في إقامة حقه وما شرعه لعباده إلا بأخذ ذلك عن أئمة نصبهم لهم وأقامهم لحفظ شرائعه على مراده، وسلكوا به في تقرير هذه الأمور عنده والدلالة على صواب قولهم، وجعلوا على قولهم برهانهم طريقاً يسلكون به مسلك أصحاب الإمامة، في تعاطي أتيانها من جهة السمع والعقل حتى يتأثر، ذلك عند من يأخذون عليه، ويقرره في نفسه فيكون ذلك منزلة ثانية، ودعوة مرتبة بعد الدعوة الأولى التي قدمنا ذكرها.\rثم ينقلوه إلى الدعوة الثالثة.\rصفة الدعوة الثالثة\rقال: وأما الدعوة الثالثة فهي أن يقرر الداعي عند المخدوع أن الذي ينبغي أن يعتقده في عدد الأئمة أنهم سبعة، عظموا في أنفسهم وأعدادهم، ورتبوا سبعة كما رتبت جلائل الأمور، وأصول الترتيب كالنجوم السيارة والسماوات والأرضيين، ثم يعدد له ما في ذلك جار على هذا العدد، مما سنذكره في المقامة الرابعة ونبينه ونذكر مذهبهم فيه إن شاء الله تعالى.","part":7,"page":91},{"id":3102,"text":"قال: ثم يقرر عند المخدوعين أمر الأئمة وعددهم، فيقول: أول هؤلاء الأئمة علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ابناه، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الجليل الرضي، ثم أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق، ثم السابع وهو عندهم القائم وصاحب الزمان الآخر. وقد كان منهم من يجعل القائم محمد بن إسماعيل بن جعفر، ولا يبتديء بإسماعيل بن جعفر قبله، ومنهم من يجعل إسماعيل ثم القائم محمد بن إسماعيل، فمن فعل هذا خرج من أعداد السبعة، فإذا قرر الداعي عند المخدوع: أن الأئمة سبعة، أسقط ستة لم يجعل لهم إمامة وهم: موسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن أحمد والحسن بن علي، ومحمد المنتظر، فإذا قبل منه المغرور ما يلقى إليه من هذا القول استقر عقله، وأخذ في صرفه عن طريق الإمامة، ويقع في أبي الحسن موسى بن جعفر ويثلبه بما ليس فيه، ثم يقول له: إن الإمامية الذين يقولون باثني عشر إماماً ليس لهم حقيقة بما يعتقدونه يريد بهذا أن يسهل عليه طريق المخالفة لأهل الإمامة، كما سهل عليه التهمة لما عليه سائر الأمة من الاعتقاد - كما تقدم في الدعوة الأولى، يصدون عن طريق الإمامة في أبي الحسن، ويقال إن موسى بن جعفر يكنى أبا إبراهيم، يقولون: إنا وجدنا صاحبنا محمد بن إسماعيل بن جعفر عنده علوم المستورات وبواطن المعلومات، وفقدنا ذلك عند كل أحد سواه، وربما أتوا بروايات في الطعن على أبي الحسن موسى بن جعفر ورموه بالعظائم، ويقولون: ليس له إمامة، وقد أجمعت الشيعة - التي إجماعها أولى بالاتباع والحجة - أنه لا يستحق الإمامة بعد مضي الحسين بن علي إلا في ولد الإمام، وقد اتفقنا وهم على صحتها وترتيبها إلى جعفر بن محمد، ثم لختلفنا في أي أولاده أحق بها، فوجدنا عن صاحبنا علم التأويل وتفسير ظاهر الأمور، وسر الله جل وعز في وجه تدبيره المكتوم، واتفاق دلالته في كل أمر يسأل عنه، في جميع المعدومات وتفسير المشكلات وبواطن الظاهر كله والتأويلات وتأويل التأويلات، فنحن الوارثون لذلك من بين طبقات الشيعة المعبرين عنه أخذناه من جهته رويناه ممن لا نجد من خالفنا، يمكنه أن يساوينا فيه ولا يتحقق به ويدعيه، فصح بذلك أن صاحبنا أولى بالإمامة من جميع ولد جعفر بن محمد، وربما قالوا: وجدنا فلاناً من ولد جعفر ابن محمد من شأنه كذا، وفلاناً من قصته كذا، في فروق له كاذبة بأقاويل لا تليق بهم، ثم يقولون: فلم يبق من سلم من الطعون المعروفة إلا صاحبنا، فوجب أن يكون هو صاحب الأمر دون كل أحد، وليس غرض هؤلاء - أصحاب هذه الدعوة الخبيثة - أن يؤخروا موسى بن جعفر، ولا يقدموا إسماعيل بن جعفر ولا ابنه محمد، وإنما جعلوا هذا كأداة الصانع التي لا يتم الصنعة إلا بها، فإذا إنقادلهم المغرور وسمع قولهم تيقنوا أنهم قد تمكنوا من عقله، وسلكوا به أي مسلك أراده لهذه الدعوة الثالثة.\rصفة الدعوة الرابعة\rقال الشريف:أعلم أن الدعوة الرابعة أن تقرر المدعو بأن عدد الأنبياء الناسخين للشرائع المبدلين لها أصحاب الأدوار وتقليب الأحوال الناطقين على الأمور سبعة بعدد الأئمة سواء، كل واحد منهم له صاحب يأخذ عنه دعوته ويحفظها على أمته، ويكون معه ظهرياً في حياته وخليفة له من بعد وفاته، إلى أن يؤديها إلى آخر، يكون سبيله معه سبيله هو مع نبيه الذي هو تابعه، ثم كذلك لكل مستخلف خليفة، إلى أن يمضي منهم على تلك الشريعة سبعة، ويسمون هؤلاء السبعة الصامتين، لثباتهم على شريعة اقتفوا فيها أثر واحد هو أولهم، ويسمون صاحب الأول سوسه، وربما عبروا عنه بغير ذلك: ثم يزعمون أنه عند انقضاء هؤلاء السبعة واستنفاذ دورهم بشرعهم من استفتاح دور ثان، ينسخ به شرع من قبله، ويكون خلفاؤه بعده يجري أمرهم كأمر من كان قبلهم، ثم يأتي بعدهم ناسخ، ثم اتباع سبعة صمت أبداً إلى أن يأتي السابع، فينسخ لجميع ما قبله، ويكون صاحب الزمان الأخير الناطق.","part":7,"page":92},{"id":3103,"text":"ثم يرتبون هؤلاء بالتسمية لهم والأوصاف، فيقولون: أول هؤلاء النطقاء آدم، وصاحبه وسوسة شيث، ويقال بابه في موضع سوسه ويسمون بعده تمام سبعة صمتوا على شريعة آدم، ثم نوح فإنه ناطق ناسخ وسام سوسه، ثم تمام السبعة، ثم الثالث إبراهيم وسوسه إسماعيل، ثم تمام السبعة، ثم الرابع موسى وسوسه هارون، ثم مات هارون في حياته فصار سوسه يوشع بن نون ثم تمام السبعة بعده، ثم الخامس المسيح عيسى بن مريم أخذها عن يحيى، وهو أحد السبعة قبله، وهو أقامه ونصبه، ولهم في هذا ما سيأتي ذكره، وسوس المسيح شمعون الصفا، ثم تمام السبعة بعده، ثم السادس محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وسوسه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم ستة ثم السابع قائم الزمان محمد بن إسماعيل بن جعفر، وهو المنتهى إليه علوم من قبله، والقائم بعلم بواطن الأمور وكشفها، وإليه تفسيرها، وإلى أمره أجرى ترتيب سائر من قبله، في أمور سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.\rفهذه درجة أخرى قررها الداعي عند المدعو نبوة نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وسهل بها النقل عن شريعة، وأخرج بها المدعو إليها عما هو معلوم عند كل سامع لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن دينه وما علم من مذهبه ونحلته أنه خاتم الرسل وأنه لا نبي بعده، وأن دولته مبقاة وشريعته مفترضة أبداً، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالعلم بذلك من ديانته وما عرف من مذهبه، وأن أمته بلغت عنه وفهمته، وأن من مفهوم شريعته أنه لم يكن يجوز لأحد نبوة غيره، في وقته ولا فيما بعده، فكانت هذه الدعوة أول ما أخرج الداعي بها المدعو عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدخله في جملة الكفار المرتدين عن شريعته، وهو مع هذا لا يعلم ما خرج منه ولا دخل فيه.\rصفة الدعوة الخامسة\rقال: أعلم أنه من يحصل على ما قدمنا ذكره يحصل عليه، وقد مهد له بطريق تعظيم الأعداد، ووكد بذكر الطبائع في أبنية العالم، وأمور كثيرة سيأتي ذكرها في المقالة الثامنة، كلها مبينة، على مذاهب مدخولة وأمور فاسدة مرذولة، مذاهب كثير من الملحدين المتفلسفة، مع اطراح ما نقلت الأمة، والاستخفاف بحال الشريعة، والاعتقاد لتعظيم الشيعة، والانتظار لفسخ ما ورث عن النبوة، وتوقع أمور باطنة بخلاف ما ألف من علم الظاهر، وقلة احتفال بدلالة ظاهر القرآن وغيره من الكلام، على الأمور بحقائق اللغة العربية واقتفاء أثر العرب في أوضاع كلامهم، مع تمقيت العرب ومع تحبيب دناءة العجم، ويوهم أن العرب للعجم أعداء وظالمون وأنهم لملكهم مغتصبون، هذا يقال للمدعو إذا كان أعجمياً، فإن كان أعرابياً خوطب في حال دعوته: بأن العجم غلبوا على دعوته وفازوا بمملكته، وأن له الاسم ولهم الدنيا، وأنه أحق بذلك منهم وأولى، في أمور من هذا يطول وصفها بحسب ما يتخرج للداعي فيها.\rثم يمكن عنده طرفاً من الهندسة في الأشكال، ويعرف أن طبائع الأعداد في النظام، لأمر يستخرج منه علوم الأئمة، والطريق إلى علم الإله والنبوة، ويقرر عنده أن مع كل حججاً متفرقين في الأرض وأن عددهم في كل زمان ومكان اثنا عشر رجلاً، كما أن عدد الأئمة سبعة، وأن دلالة ذلك ظاهرة وحجته قاهرة، بأن تعلم بأن الله جل وعز لا يخلق الأمور مجازفة على غير معان توجبها الحكمة، وإلا فلم خلق النجوم، التي فيها قوام العالم سبعة؟ وأمثال هذا وبالغوا، وكذلك الإثنا عشر حجة، عدد البروج المعظمة، وعدد الشهور المعروفة، وعدد النقباء من بني إسرائيل ونقباء النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار، وفي كف الإنسان أربعة أصابع في كل إصبع ثلاثة شقوق تكون إثنى عشر شقاً، وفي كل يد إبهام فيها شقان بها قوام جميع كفه، وسداد أصابعه ومفاصله، فالبدن كالأرض، والأصابع كالجزائر الأربع، والشقوق كالحجج فيها، والإبهام كالذي يقوم الأرض بعد ما فيها، والشقان فيها الإمام وسوسه لا يفترقان، ولذلك صار في ظهر الإنسان اثنتا عشر خرزة كالحجج، وفي عنقه سبعة عالية كالأنبياء والأئمة، وكذلك حال السبعة الأنقاب في وجه الإنسان العالية على بدنه، في أمثال لهذا كثيرة، يحصلون بها المدعو على الأنس بتمهيد طريق للخروج عن أحوال الأنبياء وشرائعهم والعدول عن ذلك إلى أمور الفلاسفة في ترتيب شبههم أبدا، ما رأوا أن هناك بقية من دين.\rصفة الدعوة السادسة","part":7,"page":93},{"id":3104,"text":"قال الشريف رحمه الله: أعلم أنهم إذا مكنوا ما وصفناه وأحكموه ووثقوا لمساكنة المدعو أخذوا في تفسير معاني الشرائع بغير ما يدين به أهلها وسهلوا عليه العدول عنها، فرتبوا له معاني الصلاة والزكاة والحج والإحرام والطهارة وسائر الفرائض، على أمور سيأتي وصفها في المقالة الثامنة، على أن ذلك يكون تفسيره على إحكام وتمهيد بغير مجازفة ولا استعجال، فيحصل أولاً على معنى: أن ذلك وضع دلالة على أمور نذكرها وننبه عليها، فإذا قوى الانسلاخ من جملة الأمة في نفسه، وسهل عليه طريق العدول عما هي عليه لم يحتشم حينئذ أن يجعل ذلك موضوعاً على جهة الرموز، إلى فلسفة من الأنبياء والأئمة، وسياسة للعامة للجياشة إلى منافسهم في ذلك، وفي شغل بعضهم عن البغي على بعض أو عن الفساد في الأرض، مع إظهار تعظيم الناصبين لذلك، وأنهم أهل الحكمة فيما رتبوه منه، وإذا تمكن أيضاً في نفسه ما بدأنا بذكره - نقوله إلى التمييز بين الأنبياء وبين أفلاطون وأرسطو طاليس وغيرهما، وحسنوا عنده أشياء من حكمهم، وعادوا على ناصب هذه الشرائع بالاستخفاف والمذمة والإستحقار والطعن واللائمة، فيأتي ذلك على قلوب قد فرغت له، وسهل عليها فلم تنكره، ورأته مما بدأت به في تأنيسها.\rصفة الدعوة السابعة\rقال رحمة الله: أعلم أنه متى أنس المدعو، بما ذكرناه كله أو بكثير منه، وقوى في نفس الداعي أنه يصلح لما بعد هذا، إن كان بالغاً، وبأغراض الدعوة عالماً، وإلى التبليغ بمن يدعوه إلى هذه الأمور قاصداً - أتى بما نذكر؛ وأما إن كان الداعي مخدوعاً ومتخذاً كالآلة ليتوصل به إلى التكسب، ويمهد به الطريق ويرتب، وهو غير بالغ إلى أعلى الرتبة في دعوة دون ذلك، فإنه غافل لا يدري كيف قصته، ولا يظن أن الأمر الذي يراد به إلا ما عرفه وبلغه، أو ما يجانسه ويقاربه، فإذا أراد الداعي أن يسلك بالمدعو فوق ما وصفنا قال له: قد صح لك أن صاحب الدلالة الناصب للشريعة لا يستغني بنفسه ولا بد له من صاحب معه يعبر عنه، ليكونا اثنين أحدهما هو الأصل والآخر عنه كان.\rوأعلم أن ذلك لم يحصل في العالم السفلي إلا وقد يحصل مثله في العالم العلوي، فمذ بدء العالم اثنان هما أصل الترتيب وقوام النظام، أحدهما هو الأعلى والمفيد، والآخر هو الآخذ عنه المستفيد، وربما أنسوه في ذلك بأن يقولوا له: هذا هو الذي أراده الله بقوله \" إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون \" وكن هو الأكبر الرتبة، وأما الثاني فهو القدر الذي قال الله فيه \" إن كل شيء خلقناه بقدر \" ، وربما قالوا: هذا معنى ما تسمعه مما جاءت به الملة، من أن أول ما خلق الله اللوح والقلم، وقال للقلم اكتب ما هو كائن، واللوح والقلم هما ما ذكرنا، وربما قالوا: هذا معنى قول الله تعالى \" وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله \" ، فسلك به في هذا الطريق العدول عن التوحيد، وأن الصانع اثنان، وإن كان عندهم صنع الأجسام على جهة المثل والنظام، لا على معنى الاختراع والإحداث، وسيأتي ذلك وبيانه، وإنما قدم هذا تمهيداً له.\rصفة الدعوة الثامنة","part":7,"page":94},{"id":3105,"text":"قال الشريف أبو الحسين رحمه الله تعالى: أعلم أنهم إذا رتبوا ما ذكرنا قرروا عند المدعو أن أحد المدبرين أسبق من الآخر في الوجود وأعلى منه في الرتبة، وأن الآخر مخلوق منه وكائن به، ولولاه لم يكن وأنه كونه من نفسه، وأن السابق أنشأ الأعيان، والثاني صورها وركبها، ثم ذكروا له منزلة السابق، وأن السابق كان عمن كان منه، كما كان الثاني عن السابق، إلا أن الذي كان عنه السابق لا اسم له ولا صفة ولا ينبغي لأحد أن يعبر عنه ولا أن يعبده، فإذا بلغ هذه الرتبة سارعوا: إلا أن في الأسباب التي كان لها عندهم السابق عمن كان منه ممن لا اسم له ولا صفة، وما هو؟ وهل هو باختبار أم بغير اختبار؟ وكذلك الحال التي كان لها الثاني عن، السابق - اختلافاً - ، فذهب بعضهم إلى أن ذلك كان الفكرة عرضت لمن كان عنه السابق، فجاء منها السابق، ثم عرضت فكرة السابق فجاء منها الثاني، على نحو ما يقوله بعض المجوس في توليد، اتفق وأهر من الذي هو الشيطان عن القديم، وأن ذلك بفكرة وقعت ردية ولدته؛ وربما قال بعضهم إن تلك الفكرة، لأن الذي لا صفة له فكر: أقدر أخلق مثلي أم لا؟ وكان من ذلك أن تصور التالي، ثم فكر التالي في ذلك فلم يأت بمثله، في أنحاء من هذه الأمور التي سيأتي وصفها، مما يخرج به قائلوه عن كل ديانة دان بها أحد من أهل الشرائع، التي ينعقد معها نبوة وشريعة ولا يكون إلا مع دهرية أو ثنوية.\rثم رتب هؤلاء أن التالي يدأب في أعمال منه، حتى يلحقوا بمنزلة السابق، وأن الناطق في الأرض يدأب في أعماله حتى يلحق بمنزلة التالي، فيقوم مقامه فيكون بمنزلته سواء، وأن السوس يدأب في أعماله حتى يصير بمنزلة الناطق سواء، وأن الداعي في أعماله حتى يبلغ منزلة السوس وحاله سواء، وأن هكذا تجري أمور العالمين في أدواره وأكواره، في أمثال لهذا.\rثم قرر عنده أن القول في معنى النبي الصادق الناطق ليس يجري على ما يقوله أهل الشرائع، من أنه جاء بمعجزات ودلالات خارجة عن أحوال العادات، وأن معنى ذلك إنما هو يأتي بأمور تنظيم بها السياسة ووجوه الحكمة، وترتب بها الفلسفة، ومعان تنبيء عن حقائق ابتداء السماوات والأرض، وبدأتها على حقائق الأمور إما برموز وإما بإفصاح، وتنظيم ذلك شريعة يقتفى عليها الناس، ورتب له أمر القرآن، وما معنى كلام الله، بخلاف ما يدين به أهل الكتب، ورتب له أمر القيامة وتقضى أمر الدنيا وحصول الجزاء من الثواب والعقاب، على أمور ليست مما يعتقده الموحدون في شيء، بل ذلك على معان أخر، من تقلب الأمور وحدوث الأدوار عند انقضاء الكواكب وعوالم جماعتها، والقول في الكون والفساد في ترتيب الطبائع، على أمور كلها سيأتي شرحها إن شاء الله تعالى.\rصفة الدعوة التاسعة\rقال: أعلم إذا أنه حصل المدعو على ما ذكرنا أحيل حينئذ على طلب الأمور وتحقيقها وحدودها والاستدلال عليها من طرق المتفلسفة وإدراكها من كتبهم، وجعلوا ما قدموه سابقاً له على طرائقهم، واستنباط ما خفي عنهم وبنوه على علم الأربع طبائع، التي هي استقصات وأصول الجواهر عندهم، وعلى ترتيب القول في الفلك والنجوم والنفس والعقل وأمثال ذلك فيما هو معروف، فيحصل الآن البالغون إلى هذه الرتب على أحد هذه الوجوه، التي يعتقدها بعض أهل الإلحاد ممن يدين بقدم أعيان الجواهر، ويصير ما قدم من ذكر الحدث والأصول رموز إلى معاني المبادي، وتقلب الجواهر وحدوث الأمور التي يكون لها على أحوال وأحكام، وعلى نحو تنزيل كثير منهم لحال العقل من حال الفلك من حال العقل، وحال الطبائع والأعراض من حال النفس والعقل، وحال المنقلب بالكون والفساد وما يكون من حال اله يولي بتقلب الأعراض المختلفة وترتيب العناصر، والقول في العلة: هل تفارق المعلول أم لا؟ وإقرار بعضهم بصانع لم تزل معه العناصر والمباديء أولاً، وما هي تلك الأمور وكيف حدودها، وما يصح من صفاتها والأسباب التي تعلم بها، فربما صار البالغ في النظر في هذا إلى اعتقاد مذهب ماني وابن ديصان، وربما صار إلى مذهب المجوس، وربما دان بما يحكي عن أرسطا طاليس ، وربما صار إلى أمور تحكى عن أفلاطون، وربما اختار من تلك معاني مركبة من هذه الأمور، كما يجري كثير من هؤلاء المتحيرين.","part":7,"page":95},{"id":3106,"text":"قال: وجميع ما وصفناه من التدريج بالمقدمات إنما يحصل الانسلاخ من شرائع أهل الكتب والنبوة فقط، وجميعها يصلح أن تجعل تمهيداً ورموزاً إلى جميع هذه المذاهب التي ذكرناها، وتجتذب بألفاظها إليها بالتأويل بحسب ما يريد المعتقد، لما شاء منها مما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى.\rقال: وأما سلخه من جميع ما تقدم عليه من أمر الإمامة والنبوة فإنه أولاً يجعل عنده منازل، وجميعهم منقوصة غير منزلة محمد بن إسماعيل صاحب الدور الآخر، ويرتب له أن جميعهم لا يأتي بوحي من الله عز وجل، ولا معجزة كما يقال الظاهرية، وإنما يختص بالصفا فيلقي في فهمه ما يريد الله، فيكون ذلك كلاماً، ثم يجسده النبي ويظهره للخلق، وينظم الشرائع بحسب المصالح في سياسات الناس ثم يأمر بالعمل بذلك مدة، ثم يترك إلى لأن يؤمر بذلك، يستدعي بها الناس، لا لأنها تجب على أهل المعرفة بأعراضها وأسبابها ثم يقال له بعد ذلك إنما هي آصار وأثقال حملها الكفار، وكذلك سائر المحرمات، ثم يلقن أن إبراهيم وموسى وعيسى، وهؤلاء أنبياء سياسات وشرائع، فأما أنبياء الحكمة فإن هؤلاء أخذوا عنهم كأفلاطون وأمثاله من الفلاسفة، فبنوا شرائعهم ليوصلوا بها العامة إلى علومهم؛ ثم يقال له: انظر أيهما أحكم ، فلان النبي أو فلان؟ ثم يلقن أن في بعض أحكامهم اختلالاً وفساداً، ثم يلقن البراءة منهم وسوء سيرتهم، وأنهم قتلوا النفوس، وأمثال هذا. ويلقن في محمد بن إسماعيل بن جعفر أنه سيظهر، ثم يقال له بعد ذلك: إنما يظهر في العالم الروحاني إذا صرنا إليه، أما الآن فإنما يظهر أمره على ألسن أوليائه، ثم يلقن أن الله أبغض العرب لما قتلت الحسين بن علي فنقل خلافة الأئمة عنهم كما نقل النبوة عن بني إسرائيل لما قتلوا الأنبياء، ولا يقوم بخلافة الأئمة إلا أولاد كسرى، فيكون ذلك غاية ما يقدموه في الباب كله متى استوى لهم، فإن لم يتم له ذلك مع الدعوة تركه في أي منزلة نزلها، مسعيذاً بهذه الوجوه.\rقال: ثم اعلم - رحمك الله - أن هذا الترتيب والتخريج والتنزيل إنما كانت الدعاة عليه عند اجتماعها على مبدأ الدعوة، والانعقاد على طلب الغوائل للمسلمين، فيها اتفقوا على جملة منها وأصولها، وفتحوا بالفكر طريقها، ومهدوه على معنى ما ذكرناه، وتفرقوا في البلدان، وتمهيدهم بحسب أفكارهم واجتهادهم في الحيلة على المستمع، وتميزوا في ذلك وتمكنوا منه في طول الأيام، سيما مذ قويت أحوال الجنائي على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخباره.\rقال: فقد بينا خبر هذه الدعوة وكيف جرى أمرها، وكيف يسلك بالمخدوع كل مسلك، حتى يصير إلى التعطيل والإباحة، فهذا أصل هذه الدعوة الملعونة وما أسست عليه قديماً، ثم تغيرت وتفرعت منذ انتشرت ببلاد المغرب ومصر والشام، وجعلوا منها طرقاً وأبواباً، فمنها علم القوت وعلم الكفاف وبلاغات مفصلة، وبطل الترتيب الأول الذي وصفناه: من أن الدعوة كانت إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، فصار موضعه من يكون من ولد عبيد الله بن ميمون القداح، الذين ملكوا المغرب ومصر والشام، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبارهم، ولنصل هذا الفصل بذكر العهد الذي يحلفون به.\rالعهد الذي يؤخذ على المخدوعين\rفي مبدأ الدعوة الخبيثة","part":7,"page":96},{"id":3107,"text":"قال الشريف. يقول الداعي لمن يأخذ عليه العهد: جعلت على نفسك عهد الله وميثاقه وذمته، وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنبيائه وملائكته ورسله، وما أخذ على النبيين من عهد وعقد وميثاق أنك تستر جميع ما تسمعه وسمعته، وعلمته، وتعلمه، وعرفته وتعرفه من أمري وأمر المقيم بهذا البلد لصاحب الحق الإمام، الذي عرفت إقراري له: ونصحي لمن عقد ذمته، أمور إخوانه وأصحابه وولده وأهل بيته المطيعين له هذا الدين ومخالصته له، من الذكور والإناث والصغار والكبار، فلا يظهر من ذلك قليلاً ولا كثيراُ ولا بشيء يدل عليه، إلا ما أطلقت لك أنك تتكلم به، أو أطلقه الأمر المقيم بهذا البلد، فتعمل في ذلك بأمرنا ولا تتعداه ولا تزيد عليه، وليكن ما تعمل عليه قبل العهد بقولك وفعلك: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتشهد أن محمداً عبده ورسوله، وتشهد أن الجنة حق وأن النار حق، وأن الموت حق وأن البعث حق وأن الساعة حق آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من القبور، وتقيم الصلاة لوقتها، وتؤتى الزكاة بحقها، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت الحرام، وتجاهد في سبيل الله حق جهاده، على ما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، وتوالى أولياء الله وتعادى أعداء الله وتقول بفرائض الله وسننه نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطاهرين، ظاهراً وباطناً وعلانية وسراً وجهراً، فإن ذلك يؤكد هذا العهد ولا يهدمه، ويثبته ولا يزيله، ويقربه ولا يباعده، ويشده ولا يضعفه، ويوجب ذلك ولا يبطله، ويوضحه ولا يعميه، كذلك هو في الظاهر والباطن، وسائر ما جاء به النبيون من رتبهم صلوات الله عليهم أجمعين، على الشرائط المبينة في هذا العهد.\rوجعلت على نفسك الوفاء بذلك - قل نعم، فيقول المغرور: نعم، ثم يقول له: والصيانة له بذلك وأداء الأمانة له على ألا تظهر شيئاً أخذ عليك في هذا العهد - في حياتنا ولا بعد وفاتنا، ولا على غضب ولا على حال رضى، ولا على حال رغبة ولا رهبة، ولا على حال شدة ولا على حال رخاء ولا على طمع، ولا على حال حرمان، تلقى الله على الستر لذلك والصيانة له - على الشرائط المبينة في هذا العهد.\rوجعلت على نفسك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله أن تمنعني وجميع من أسميه معي لك وأثبته عندك، مما تمنع منه نفسك، وتنصح لنا ولوليك - ولي الله - نصحاً ظاهراً وباطناً، فلا تخن الله ووليه، ولا تخنا ولا أحداً من إخوانتا وأوليائنا، ومن تعلم أنه منا بسبب، في أهل ولا مال ولا رأى ولا عهد ولا عقد تتأول عليه بما تبطله.\rفإن فعلت شيئاً من ذلك - وأنت تعلم أنك قد خالفته، وأنت على ذكر منه - فأنت برى من الله خالق السموات والأرض، الذي سوى خلقك وألف تركيبك وأحسن إليك في دينك ودنياك وآخرتك، وتبرأً من رسله الأولين والآخرين وملائكته المقربين الكروبين والروحانيين، والكلمات التامات والسبع المثاني والقرآن العظيم، وتبرأ من التوراة والإنجيل والزبور والذكر الحكيم، ومن كل دين ارتضاه الله في مقدم الدار الآخرة، ومن كل عبد رضي الله عنه، وأنت خارج من حزب الله وحزب أوليائه، وخذلك الله خذلاناً بيناً، فعجل لك بذلك النقمة والعقوبة والمصير إلى نار جهنم، التي ليس فيها رحمة وأنت برئ من حول الله وقوته، ملتجأ إلى حول نفسك وقوتها، وعليك لعنة الله التي لعن بها إبليس، فحرم عليه بها الجنة وخلده النار.\rإن خالفت شيئاً من ذلك لقيت الله يوم تلقاه وهو عليك غضبان، ولله عليك أن تحج إلى بيته الحرام ثلاثين حجة نذراً واجباً، ماشياً حافياً، لا يقبل الله منك إلا الوفاء بذلك، وإن خالفت ذلك فكل ما تملكه في الوقت الذي تخالف فيه فهو صدقة على الفقراء والمساكين، الذين لا رحم بينك وبينهم، لا يأجرك الله عليه، ولا يدخل عليك بذلك منفعة، وكل مملوك لك - من ذكر أو أنثى - في ملكك وتستعبده إلى وقت وفاتك، إن خالفت شيئاً من ذلك، فهم أحرار لوجه الله عز وجل، وكل امرأة لك وتتزوجها إلى وقت وفاتك - إن خالفت شيئاً من ذلك - فهن طوالق ثلاثاً بتة، طلاق الحرج والسنة لا مثنوية لك فيها ولا اختبار ولا رجعة ولا مشيئة، وكل ما كان لك من أهل ومال وغيرهما فهو عليك حرام، وكل ظهار فهو لازم لك.","part":7,"page":97},{"id":3108,"text":"وأنا المستخلف لك لإمامك وحجتك، وأنت الحالف لهما وإن نويت أو عقدت أو أضمرت خلاف ما أحملك عليه وأحلفك به، فهذه اليمين من أولها إلى آخرها محددة عليك لازمة لك، لا يقبل الله منك إلا الوفاء بها، والقيام على ما عاهدت بيني وبينك، قل نعم، فيقول المخدوع: نعم.\rفهذه اليمين التي يؤنس بها المخدوع من ذكر الصلاة والصيام والزكاة والحج وشرائع الإسلام، فما ينكر شيئاً مما يسمعه، وكل ذلك تأنيس ما يتوصل به إلى هذه الأمور، التي تقدم ذكرها على التدريج.\rقال الشريف رحمه الله تعالى: ووجدت في كتاب من كتبهم يعرف بكتاب السياسة ما يشرح به ذكر ما تقدم من أمر الدعوة، فيه وصايا الدعاة، وهذا مختصر منه يقول فيه:","part":7,"page":98},{"id":3109,"text":"من وجدته شيعياً فاجعل التشيع عنده دينك، واجعل المدخل عليه من جهة ظلم الأمة لعلي وولده، وقتلهم الحسين وسبيهم البنات، والتبري من تيم وعدي ومن بني أمية وبني العباس، وما شاكل ذلك من الأعاجيب التي تسلك عقولهم، فمن كان بهذه الصورة أسرع إلى إجابتك بهذا الناموس، حتى يتمكن مما يحتاج إليه؛ ومن وجدته صائباً فداخله بالأسابيع يقرب عليك جداً، ومن وجدته مجوسياً فقد اتفقت معه في الأصل من الدرجة الرابعة، من تعظيم النار والنور والشمس، واتل عليه أمر السابق فإنه لهرمس الذي يعرفونه بالنور المكنون من ظنه الجيد والظلمة المكنونة من وهمه الرديء، فإنهم مع الصابئين أقرب الأمم إلينا وأولاهم بنا، لولا يسير صحفوه بجهلهم به؛ وإن ظفرت بيهودي فادخل عليه من جهة المسيح، يعني مسيح اليهود الدجال وأنه المهدي، وأن عند معرفته تكون الراحة من الأعمال وترك التكليفات، كما أمر بالراحة في يوم السبت، وتقرب من قلوبهم بالطعن على النصارى والمسلمين الجهال، وزعمهم أن عيسى لم يولد ولا أب له، وقرر في نفوسهم أن يوسف النجار أبوه، وأن مريم أمه، وأن يوسف كان ينال منها ما ينال الرجال من نسائهم وما يشاكل ذلك، فإنهم لا يلبثون أن يتبعوك؛ وادخل على النصارى بالطعن على اليهود والمسلمين جميعاً، وبصحة عقدهم الصليب عندهم وعرفهم تأويله، وأفسد عليهم ما قام لهم من جحد الفار قليط، وقرر عندهم أنه جاء وأنك إليه تدعوهم، ومن وقع إليك من المنانية فإنه يحرك الذي منه تغترف، فداخلهم بالممازجة من الباب السادس، وأظهر من الدرجة السادسة من حدود البلاغ، وامتزاج الظلمة بالنور إلى آخر ما في الباب من ذلك، فإنك تملكهم به وتحيلهم، فإن أنست من بعضهم رشداً كشفت له الغطاء ومن وقع إليك من الفلاسفة فقد علمت أن على الفلاسفة العهدة، وإنا قد اجتمعنا وهم على نواميس الأنبياء وعلى القول بقدم العالم، لولا ما يخالفنا بعضهم فيه من أن للعالم مدبراً لا يعرفونه، فإنه وقع الإنفاق على أنه لا مدبر للعالم فقد زالت الشبهة فيما بيننا وبينهم، وإن لك ثنوى فبخ بخ قد ظفرت، فالمدخل عليه بإبطال التوحيد، والقول بالسابق والتالي ووراثة أحدهما، على ما هو مرسوم في أول درجة البلاغ وثالثه، وإن وقع سنى فعظم عنده أبا بكر وعمر واذكر فيهما فضائل،واثلب علياً وولده واذكر لهم مساويء، ولوح له أن أبا بكر وعمر قد كان لهما في هذا الأمر - الذي تلقيه إليه - نسب، فإذا دخلت عله بهذا المدخل درجته إلى ما تريد وملكته، واتخذ غليظ العهود ووكيد الأيمان وشديد المواثيق حنة لك وحصناً، ولا تهجم على مستجيبيك بالأشياء التي تبهر عقولهم، حتى ترقيهم إلى المراتب حالاً فحالاً، ودرجهم درجة درجة، فواحد لا تزيده على التشيع والأيمان لمحمد بن إسماعيل شيئاً، وأنه حي لا تجاوز به هذا الحد، وأظهر لهم العفاف عن الدرهم والدينار وخفف عليهم وطأتك، ومرة بالصلاة السبعين، وحذره الكذب والزنا واللواط وشرب الخمر، وعليك في أمره بالرفق والتؤدة والمداراة يكن لك عوناً على دهرك وعلى من يعاديك أو يتغير عليك من أصحابك وينافسك، فلا تخرجه عن عبادة إلهه، والتدبر بشريعته، والقول بإمامة علي وبنيه إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأقم له دلائل الأسابيع فقط، ودقة بالصلاة دقاً، فإنك إن أومأت إلى كرائمه يوماً - فضلاً عن ماله - لم يمنعك، فإن أدركته الوفاة وصى إليك بما خلف وورثك إياه، ولم ير أن في العالم أوثق منك، وأخر ترقيه من ذلك إلى نسخ شريعة محمد، وأن السابع هو الخاتم للرسل، وأنه ينطق كما ينطق كما نطقوا ويأتي بأمر جديد، وأن محمداً صاحب الدور السادس، وأن علياً لم يكن إماماً، وحسن القول فإن هذا باب كبير وعلم عظيم، مرجى الارتقاء إلى ما هو أكبر منه، ويعينك على زوال ما جاء من قبله من وجود النبوات، على المنهاج الذي هو عليه، وقليل من ترقيه من هذا الباب إلى معرفة أم القرآن ومؤلفه وسننه.","part":7,"page":99},{"id":3110,"text":"وإياك أن تغير بكثير ممن يبلغ معك إلى هذه المنزلة فترقيه إلى غيرها، إلا من بعد طول المؤانسة والمداوسة واستحكام الثقة، إن ذلك يكون عوناً لك عند بلاغه على تعطيل الكتب، التي يزعمون أنها منزلة عند الله، فيكون هذا نعم المقدمة؛ وآخر ترقيه من هذا إلى ما هو أعلى منه، فإن القائم قد مات، وإنه يقوم روحانياً، وأن الخلق يرجعون إليه بصور روحانية، وأنه يفصل بين العباد بأمر الله عز وجل، يشتفى من الكافرين للمؤمنين بالصور الروحانية، فإن ذلك يكون عوناً لك عند بلاغه على إبطال المعاد، الذي يزعمونه والنشور من القبور؛ وآخر ترقية من هذا إلى إبطال الملائكة في السماء والجن في الأرض، فإنه قبل آدم بشر كثير، وتقيم على ذلك الدلائل المرسومة من كتب شيوخنا المتقدمين، فإن ذلك مما يعينك في وقت بلاغه، على تسهيل التعطيل لله، والإرسال بالملائكة إلى الأنبياء، والرجوع به إلى الحق، والقول بقدم العالم؛ وآخر ترقيه إلى أوائل درج التوحيد، وتدخل عليه بما تضمنه كتاب الدرس الشافي للنفس من أن لا إله لا صفة ولا موصوف، فإن ذلك مما يعينك على القول بالإلهية، تستحقها عند البلاغ إلى ذلك، ومن رقيته إلى هذه المنزلة فعرفه حسب ما عرفناك حقيقة من أمر الإمام، وأن إسماعيل ومحمداً ابنه من أبوابه، وفي ذلك عون لك على إبطال إمامه ولد علي بن أبي طالب، عند البلوغ والرجوع إلى القول بالحق لأهله ثم لا تزال شيئاً فشيئاً في أبواب البلاغ السبعة، حتى تبلغ الغاية القصوى على تدريج، وكل باب يأتي يشهد للمتقدم قبله، والمتقدم يشهد للمتأخر.\rواستعمل في أمرك الكتمان كما يوصى بني القوم خاصته، فقال: استعينوا على أموركم بالكتمان، ولا تظهر أحداً على شيء مما تظهر عليه من هو فوقه بوجه ولا سبب، وعليك بإظهار التقشف للعامة والوقار عندهم، وتجنب ما هو منكر عندهم، ولا تنبسط كل الانبساط لإخوانك البالغين كما فعل من كان قبلك فإنه أتى بالتشديد ثم حل الأمور، فإذا تدبرت بهذا التدبير وسلكت طريقته فقد سلكت طريق الأنبياء وأخذت حدودهم، وعليك بعد ذلك بالاجتهاد في معالجة خفة اليد، والأخذ بالأعين والحذق بالشعبذة، فلن يخلو من الحاجة إلى ذلك عند قوم ينسبونك بعمله إلى إقامة المعجزات، كما نسبوا قوماً تقدموا؛ وعليك بمعرفة أحاديث الأولين وقصصهم وطرائقهم ومذاهبهم، لتكون بينة أمرك في الأقاويل على قدر ما يصلح لأهل زمانك، ترشد وتوفق ويقدم على الأيام أمرك، ويعلو ذكرك، ويكون الداخل في أمرك بعد وفاتك أكثر من الداخل معك في حياتك، فينفع لك ولمخلفيك من بعدك بك، وعلى يدك ويدي أمثالك من أهل النجابة والعقل دعوة الحق، وتملك لك ولعقبك وذريتك ملكاً لا ينبغي لغيرك مثله.\rفهذه وصيتي لك مشتملة على جمل من النواميس الطارقة للأنبياء على قدر عقولهم.\rقال الشريف رحمه الله تعالى: ووجدت في هذا الكتاب المعروف بكتاب السياسة أيضاً فصلاً فيه ولشيخنا الجليل المقدس، وهذا مختصر منه يوصى دعاته في أهل الأديان - وذلك لأمة محمد خاصة: - فابذل الآن سيفك فيهم إذا تمكنت منهم وصار لك حزب، وظهرت بهذه الحيل التي قد وقفتك عليها، واستملت الناس بها فإنهم أعداؤنا، وصف أموالهم واستفرد بناتهم وأولادهم، ولا تخفر لهم ذمة ولا تحفظ لهم قربة، ولا ترحم علوياً، فلو تمكن علوي كتمكن غيره من الأنبياء للقينا منه جهداً، وعبر بما يدعيه من حقوق جده على هؤلاء الحمير ما هو أكثر مما عبره جده، وإياك والأغضاء عمن تجده من ولد علي، يعني اقتله إذا تمكنت منه، وإياك والرخصة لأحد من أسنانك في الثقة بواحد منهم، تهتدي وتوفق لا زلت بالعلم سعيداً، وإلى الخير هادياً ومهدياً، وعلى جميع الأحوال الحمد لإلهنا على ما منحنا، وصلواته على عباده المصطفين، يعني إلهه الذي أباحه اللذات وأعماه عن الهدى، وفتح له طرق الضلالة، وعباده الذين اصطفى دعاته الذين بهم يضلون الناس.\rهذا ما حكاه الشريف أبو الحسين من دعواتهم التسع، وعهدهم الذي يأخذونه ووصاياهم.\rوحكى عز الدين بن الأثير الجزري رحمه الله تعالى في تاريخه الكامل - عند ذكره لأخبار القرامطة قال:","part":7,"page":100},{"id":3111,"text":"وكان فيما يحكى عن مذهبهم أنهم جاءوا بكتاب فيه - يقول الفرج بن عثمان - وهو من قرية يقال لها نصرانة، وهو داعية المسيح وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، وهو جبريل، وذكر أن المسيح تصور له في جسم إنسان وقال: إنك الداعية، وإنك الحجة، وإنك الناقة، وإنك الدابة، وإنك يحيى بن زكريا، وإنك روح القدس، وعرفه أن الصلاة أربع ركعات - ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها، وأن الأذان في كل صلاة أن يقول: الله أكبر، أربع مرات وأشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن آدم رسول الله، وأشهد أن نوحاً رسول الله، أشهد أن إبراهيم رسول الله، أشهد أن موسى رسول الله، أشهد أن عيسى رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله، وأن يقرأ في كل ركعة الاستفتاح، وهو من المنزل على أحمد بن محمد بن الحنفية، والقبلة إلى بيت القدس، والجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شيء، والسورة التي يقرأها: الحمد لله بكلمته وتعالى باسمه، والمنجد لأوليائه بأوليائه، قل إن الأهلة مواقيت للناس ظاهرها، ليعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنها، أوليائي الذين عرفوا عبادي، سبيلى: اتقوني يا أولي الألباب، وأنا الذي لا أسأل عما أفعل، وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي أبلوا عبادي وأمتحن خلقي، فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري أدخلته في جنتي وأخلدته في نعيمي، ومن زال عن أمري وكذب رسلي أخلدته مهاناً في عذابي، وأتممت أجلي وأظهرت أمري على ألسنة رسلي، وأنا الذي لم يعل على جبار إلا وضعته، ولا عزيز إلا أذللته، وليس الذي أصر على أمره ودام على جهالته، وقال: أن نبرح عليه عاكفين وبه موقنين، أولئك هم الكافرون، ثم يركع ويقول في ركوعه: سبحان ربي ورب العزة، وتعالى عما يقول الظالمون يقولها مرتين، فإذا سجد قال: الله أعلى مرتين، الله أعظم مرتين.\rومن شرائعه أن يصوم يومين في السنة، وهما للمهرجان والنيروز، وأن النبيذ حرام، والخمر حلال، ولا غسل من جناية إلا الوضوء كوضوء الصلاة، وأن من حاربه واجب قتله، ومن لم يحاربه ممن خالفه أخذ منه الجزية، ولا يؤكل كل ذي ناب ولا ذي مخلب.\rوقد أخذ هذا الفصل حقه من الإطالة والإسهاب، فلنذكر مبدأ هذه الدعوة.\rابتداء دعوة القرامطة\rقال الشريف أبو الحسين رحمه الله تعالى: كان مبدأ هذه الدعوة الخبيثة إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، وزعموا أنه الإمام المهدي الذي يظهر في آخر الزمان ويقيم الحق وأن البيعة له، وأن الداعي إنما يأخذها على الناس له، وأن ما يجمع من الأموال مخزون له إلى أن يظهر، ولم تزل هذه الدعوة إلى محمد بن إسماعيل إلى أن هرب سعيد المسمى بعبيد الله من سلمية إلى المغرب، وتلقب بالمهدي فصار هو الإمام، وانتسب إلى أنه من ولد إسماعيل بن جعفر، فنقلوا الدعوة إليه، وكان القول في المبدأ: أن محمد بن إسماعيل حي لم يمت، وأنه يظهر في آخر الزمان وأنه مهدي الأمة.\rقال: ولم يكن هذا المحتال أن يرفع محمد بن إسماعيل، ولا يأخذ له بيعة، إنما جعله باباً يستغل به عقل من يدخل فيه ويتبين له أنه قد تمكن من خديعته وبلغ المراد منه، شيعيا كان أو سنياً. قال: ولما أظهر اللعين ما أظهر من هذه الأقوال كلها، بعد تعلقه بذكر الأئمة والرسل والحجة والإمام، وأنه المعول والقصد والمراد، وبه اتسقت هذه الأمور ولولا هو لهلك الحق وعدم الهدى والعلم، وظهر في كثير منهم الفجور، وبسط بعضهم أيديهم بسفك الدماء، وقتل جماعة ممن أظهر خلافاً لهم، فخافهم الناس جداً واستوحشوا من ظهور السلاح بينهم، فأظهر موافقتهم كثير من مجاوريهم، مقاربة لهم وجزعاً منهم.\rثم إن الدعاة اجتمعوا واتفقوا على أن يجعلوا لهم موضعاً، يكون وطناً ودار هجرة يهاجرون إليها ويجتمعون بها، فاختاروا من سواد الكوفة في طسوج الفرات - من ضياع السلطان المعروفة بالقاسميات، قرية تعرف بمهيماباد، فنقلوا إليها صخراً عظيماً، وبنوا حولها سوراً منيعاً عرضه ثمانية أذرع، وجعلوا من ورائه خندقاً عظيماً، وفرغوا من ذلك في أسرع وقت، وبنوا فيها البنيان العظيم، وانتقل إليها الرجال والنساء من كل مكان، وسميت دار الهجرة وذلك في سنة سبع وسبعين ومائتين.","part":7,"page":101},{"id":3112,"text":"فلم يبق بعد هذا أحد إلا خافهم، ولا بقي أحد يخافونه لقوتهم وتمكنهم في البلاد، وكان الذي أعانهم على ذلك تشاغل السلطان ببقية الخوارج وصاحب الزنج بالبصرة، وقصر يد السلطان وخراب العراق وركوب الأعراب واللصوص وتلف الرجال وفساد البلدان وقلة رغبة من يلي الأعمال من ذوي الإصلاح والأمانة من العمال وأصحاب الحروب، فتمكن هؤلاء الدعاة ومن تبعهم بهذا السبب، وبسطوا أيديهم في البلاد وعلت كلمتهم، فغلبوا على ذلك سنين.\rانتفاض الدعوة\rعن حالتها الأولى ومقتل عبدان وما كان من أمر زكرويه بعده قال الشريف: وكان قرمط يكاتب من بسلمية من الطواغيت فلما توفي من كان في وقته وجلس ابنه من بعده كتب إلى حمدان قرمط كتاباً، فلما ورد عليه الكتاب وقرأه أنكر ما فيه، وتبين فيه ومنه ألفاظاً قد تغيرت، وشيئاً ليس هو على النظام الأول، فاستراب به وفطن أن حادثة حدثت، فأمر قرمط ابن مليح - وكان داعياً من دعاته - أن يخرج فيتعرف الخبر، فامتنع عليه واعتذر، فأنفذ من أحضر عبدان الداعية من عمله، فلما حضر أنفذه ليتعرف ما حدث من هذا الأمر، ويكشف عن سبب تغيره، فسار عبدان لذلك، فلما وصل عرف بموت الطاغية الذي كانوا يكاتبونه، فاجتمع بابنه وسأله عن الحجة ومن الإمام بعده، الذي يدعو إليه، فقال الابن: ومن الإمام؟ قال عبدان: محمد بن إسماعيل بن جعفر صاحب الزمان الذي كان أبوك يدعو إليه، وكان حجته، فأنكر ذلك عليه وقال: محمد بن إسماعيل لا أصل له، ولم يكن الإمام غير أبى وهو من ولد ميمون بن ديصان، وأنا أقوم مقامه، فعرف عبدان القصة واستقصى الخبر وعلم أن محمد بن إسماعيل ليس له في هذا الأمر حقيقة، وإنما هو شيء يحتالون به على الناس، وأنه ليس من ولد عقيل بن أبي طالب، فرجع عبدان إلى قرمط فعرفه الخبر، فأمره قرمط أن يجمع الدعاة ويعرفهم صورة الأمر وما تبين منه، ويقطع الدعوة، ففعل عبدان ذلك وقطعت الدعوة من ديارهم، ولم يمكنهم قطعها من غير ديارهم، لأنها كانت قد امتدت في سائر الأقطار وامتد شرها، وقطعت الدعاة مكاتبة أصحابهم الذين بسلمية.\rوكان رجل من أولاد القداح قد نفد إلى الطالقان يبث الدعاة، ونزل بقرمط وهو بسواد الكوفة عند عبوره إلى الطالقان، وكانت الدعاة يكاتبونه، فلما انقطعت المكاتبة عن جميع أولاد القداح قطعت عن هذا الذي بالطالقان، فطال انتظاره، فشخص عن الطالقان ليقصد قرمط، وكان قرمط قد سار إلى كلواذى، فلما وصل إلى كلواذى سأل عن قرمط، فعرف أنه انتقل فلا يدري أين مضى وما عرف لقرمط بعد ذلك خبر، ولا علمت وفاته ولا ما اتفق له، فقصد ابن القداح سواد الكوفة، فنزل على عبدان، فعتب عليه وعلى جميع الدعاة في انقطاع كتبهم عنه، فعرفه عبدان أنهم قطعوا الدعوة وأنهم لا يعودون فيها وأن أباه كان قد غرهم وادعى نسبه من عقيل بن أبي طالب كذباً ودعا إلى المهدي، فكنا نعمل على ذلك، فلما تبينا أنه لا أصل لذلك، وعرفا أن أباك من ولد ميمون بن ديصان وأنه صاحب الأمر، تبنا إلى الله تعالى مما تحملناه، وحسبنا ما كفرنا أبوك فتريد أن تردنا كفاراً؟ ! انصرف عنا إلى موضعك.","part":7,"page":102},{"id":3113,"text":"قال: وكان عبدان قد تاب من هذه الدعوة حقيقية، فلما أيس منه صار إلى زكرويه بن مهرويه، فعرفه خبر عبدان ومارد عليه، فلقيه زكرويه بكل ما يحب، وقدر أنه ينصبه داعياً مقام أبيه، فيستقيم له أخذ الأموال وجمع الرجال، وواطأة على ذلك، وقال له: إن هذا الأمر لا يتم مع عبدان، لأنه داعي البلد كله، والدعاة من قبله والناس من تحت يده، وأنه لا يجيبه إلا أهل دعوته خاصة. وشرعا في إعمال الحيلة على قتل عبدان، واتفقا على ذلك، ثم وجه زكرويه إلى رجل من بني تمم بن كليب وأخ له كانا من أهل دعوته، وأحضر جماعة من قراباته وثقاته فأظهرهم على ابن اللعين، وعرفهم أنه ابن الحجة، وأن الحجة توفى وأن ابنه هذا يقوم مقامه، فأجلوه وأعظموه وقالوا له: مرنا بأمرك، فأمرهم بقتل عبدان، وعرفهم أنه نافق وعصى وخرج عن المللة، فساروا إليه من ليلتهم وبيتوه فقتلوه، وكان زكرويه هذا من تحت يد عبدان، وعبدان هو الذي أقامه داعية فلما شاع في الناس أن زكرويه قتل عبدان طلبه الدعاة والقرامطة ليقتلوه فاستتر، وخالفه القوم بأسرهم إلا أهل دعوته، وخاف على نفسه ولم يتم له أمره الذي دبره، فقال لابن اللعين: قد ترى ما حدث، ولا آمن عليك وعلى نفسي، فارجع إلى بلدك ودعني، فإني أرجو أن يتغير الأمر، فأتمكن من الناس وأدعوهم إليك، فإذا تمكنت من ذلك أرسلت إليك لتصير إلي، فانصرف إلى الطالقان واستتر زكرويه وتنقل في القرى، وذلك سنة ست وثمانين ومائتين، والقرامطة تطلبه وأصحابه عبدان يرصدونه، وكان قد اتخذ مطمورة تحت الأرض على بابها صخرة، فإذا دخل قوم إلى القرية في طلبة قامت امرأة في الدار التي هو فيها إلى تنور ينقل، فوضعته بقرب الصخرة ثم أشعلت النار، وأرت أنها تريد أن تخبز، فيخفي أمره على من يطلبه، فمكث كذلك سنة ست وسنة سبع وثمانين ومائتين فلما رأى انحراف أهل السواد عنه إلا أهل دعوته وطال أمره، أنفذ ابنه الحسن في سنة ثمان وثمانين ومائتين إلى الشام، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى بعد ذكرنا لأخبار أبي سعد الجنابي.\rأخبار أبي سعيد الجنابي\rوظهوره بالبحرين هو أبو سعيد بن برام من أهل جنابة، وأصله من الفرس وكان يعمل الفراء، وسبب دخوله في هذه الدعوة وظهوره، أنه سافر إلى سواد الكوفة، فذكر أنه تزوج بقرية من سواد الكوفة، إلى قوم يقال لهم بنو القصار، وكانوا أصولا في هذه الدعوة الخبيثة فأخذها عنهم، وقيل بل أخذ الدعوة عن نفسه، وقد وقيل أنه تلقاها عن حمدان قرمط، وسار داعية من قبله فنزل القطيف، وهي حينئذ مدينة عظيمة، فجلس بها يبيع الدقيق ولزم الوفاء والصدق، ودعا الناس، فكان أول من أجابه الحسين وعلى حمدان بنو سنبر، وقوم ضعفاء ما بين قصاب وحمال وأمثال هؤلاء.\rقال الشريف أبو الحسين: فلما دعا بتلك الناحية وقويت يده واستجاب له الناس وجد بناحيته داعيا يقال له أبو زكريا الصمامي كان عبدان الداعي أنفذه قبل أبي سعيد إلى القطيف وما والاه، فلما تبين أمره أبو سعيد الجنابي عظم عليه أن يكون داع غيره، فقبض عليه وحبسه في بيت حتى مات هزلا. قال: وقد ذكر أن هذا الداعي أخذ على بني سنبر قبل أبي سعيد، وكان في أنفسهم حقد عليه لقتله أبا زكريا.\rوحكى ابن الأثير الجزري في تاريخه الكامل ابتداء أمر القرامطة بناحية البحرين: أن رجلا يعرف بيحيى بن المهدي قصد القطيف، ونزل على رجل يعرف بعلي بن المعلى بن حمدان، وكان متغاليا في التشيع، فأظهر له يحيى أنه رسول المهدي، وذلك في سنة إحدى وثمانين ومائتين، وذكر أنه خرج إلى شيعته يدعوهم لأمره، وأن خروجه قد قرب، فجمع على بن المعلى الشيعة من أهل القطيف، وأوقفهم على الكتاب الذي أحضره يحيى بن المهدي من المهدي إليهم، فأجابوه: إنهم خارجون معه إذا ظهر أمره، وأجاب سائر قرى البحرين بمثل ذلك، فكان فيمن أجابه أبو سعيد الجنابي، ثم غاب يحيى بن المهدي مدة، ورجع بكتاب يزعم أنه من المهدي إلى شيعته، وفيه: قد عرفني رسول يحيى بن المهدي مسارعتكم إلى أمري، فليدفع إليه كل رجل منكم ستة دنانير وثلثي دينار، ففعلوا ذلك ثم غاب وعاد بكتاب، فيه ادفعوا إلى يحيى خمس أموالكم، فدفعوا إليه الخمس.","part":7,"page":103},{"id":3114,"text":"قال: وحكى يحيى بن المهدي جاء إلى منزل أبي سعيد الجنائي فأكل طعاماً، وخرج أبو سعيد من البيت وأمر امرأته أن تدخل إلى يحيى، وأن لا تمنعه إذا أرادها، فانتهى الخبر إلى الوالي فضرب يحيى حلق رأسه ولحيته، وهرب أبو سعيد إلى جنابه، وصار يحيى إلى بني كلاب وعقيل والحريش، فاجتمعوا معه ومع أبي سعيد فعظم أمر أبي سعيد، واشتدت وطأته وظهر أمره، قال: وكان ظهوره بالبحرين في سنة ست وثمانين ومائتين.\rاستيلاء أبي سعيد الجنابي على هجر\rوما كان من خلال ذلك من حروبه ووقائعه","part":7,"page":104},{"id":3115,"text":"قال الشريف أبو الحسين: كان من الاتفاق لأبي سعيد أن البلد الذي قصده بلد واسع كثير الناس، ولهم عادة بالحروب، ورجال شداد جهال غفل القلوب، بعيدون من علم شريعة الإسلام ومعرفة نبوة أو حلال أو حرام، فظفر بدعوته في تلك الناحية، ولم يناوئه مناويء، فقاتل بمن أطاعه من عصاه حتى اشتدت شوكته جداً، وكان لا يظفر بكريه إلا قتل أهلها ونهبها، فهابه الناس وأجابه كثير منهم طلباً للسلم، ورحل من البلد خلق كثير إلى نواحي مختلفة وبلدان شتى، خوفاً من شره، ولم يمتنع عليه إلا هجر، وهي مدينة البحرين ومنزل سلطانها والتجار والوجوه، فنازلها شهوراً يقاتل أهلها، فلما طال عليه أمرها وكل بها جل أصحابه من أهل النجدة، ثم ارتفع الأحساء وبينها وبين هجر ميلان، فابتنى بها داراً وجعلها منزلاً، وتقدم في زراعة الأرض وعمارتها، وكان يركب في الأيام إلى هجر هو ومن يحاصرها، ويعقب من أصحابه في كل أيام قوما، ثم دعا العرب فأجابه أول الناس، بنو الأضبط من كلاب، لأن عشيرتهم كانوا أصابوا فيهم دماً، فساروا إليه بحرمهم وأموالهم فنزلوا الأحساء، وأطمعوه من بني كلاب وسائر من يقرب منه من العرب، وطلبوا منه أن يضم إليهم رجالاً ففعل ذلك، فلقوا بهم عشيرتهم فاقتتلوا فهزمتهم القرامطة فأكثروا فيهم القتل، وأقبلوا بالحريم والأموال والأمتعة نحو الأحساء، فاضطر المغلوبين إلى أن دخلوا في طاعته وصاروا تحت أمره، ثم وجه أبو سعيد بجيش آخر إلى بني عقيل فظفر بهم، فقصدوه ودخلوا في طاعته، فملك تلك الفلاة، وتجنب قتاله كل أحد إلا بني ضبة، فإنها ناصبته الحرب، فلما اجتمع إليه من اجتمع من العرب وغيرهم خوفهم ومناهم ملك الأرض كلها، فاستجاب بعضهم إلى دعوته فرد إليهم ما أخذ منهم أهل وولد، وأجاب آخرون رغبة في دعوته، ولم يرد على أحد إبلاء ولا عبداً ولا أمة وأنزل الجميع معه الأحساء، وأبي قوم دعوته عليهم حرمهم ومن لم يبلغ من أولادهم أربع سنين وشيئاً من الإبل يحملون عليه، وحبس ما سوى ذلك كله، وجمع الصبيان في دور وأقام عليهم قواما، وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه، ووسم جميعهم على الخدود لئلا يختلطوا بغيرهم، وعرف عليهم عرفاء، وعلم من صلح لركوب الخيل والطعان فنشأوا لا يعرفون غيره، وصارت دعوته طبعاً لهم، وقبض كل مال من البلد والثمار والحنطة والشعير، وأنفذ الرعاة في الإبل والغنم، وقوماً للنزول معها لحفظها والتنقل معها على نوب معروفة، وأجرى على أصحابه جرايات فلم يكن يصل أحد إلى غير ما يطمعه، وهو لا يغفل مع ذلك عن هجر، فلما أضجروه وطال أمرهم وقد كان بلغ منهم الحصار كل غاية، وأكلوا السنانير والكلاب وكان حصارهم يزيد عل عشرين شهراً، ثم جمع أصحابه وحشد لهم وعمل الدبابات، ومشى بها الرجال إلى السور، فاقتتلوا أشد قتال لم يقتتلوا مثله قبل ذلك، ودام القتال عامة النهار، وكل منتصف من الآخر، وكثرت بينهم القتلى، ثم رجع إلى الأحساء، ثم باكرهم فناوشوه فانصرف، فلما قرب من الأحساء أمر الرجالة ومن جرح أن ينصرف، وعادوا في خيل فدار حول هجر، وفكر فيما يكيدهم به، وإذا لهجر عين عظيمة كثيرة الماء، يخرج من نشز من الأرض غير بعيد منها، ثم يجتمع ماؤها في نهر ويقتسم حتى بجانب هجر ملاصقاً، ثم ينزل إلى النخيل فيسقيها، فكانوا لا يفقدون الماء في حصارهم، فلما تبين له أمر العين انصرف إلى الأحساء، وثم غدا فأوقف على باب المدينة عسكراً، ثم رجع إلى الأحساء وجمع الناس كلهم وسار في آخر الليل فورد العين بكرة بالمعاول والرمل وأوقار الثياب الخلقان ووبر وصوف وأمر قوماً بجمع الحجارة وآخرين ينفذون بها إلى العين، وأعد الرمل والحصى والتراب، فلما اجتمع أمر أن يطرح الوبر والصوف وأوقار الثياب في العين، وأن يطرح فوقها الرمل والحصى والتراب والحجارة ففعل ذلك، فقذفته العين ولم يغن ما فعلوه شيئاً، فانصرف إلى الأحساء هو ومن معه، وغدا في خيل فضرب في البر، وسأل عن منتهى العين فقبل له إنها تتصل بساحل البحر، وأنها تنخفض كلما نزلت، فرد جميع من كان معه وانحدر على النهر نحوا من ميلين ثم أمر بحفر نهر هناك، ثم أقبل هو وجمعه يأتون في كل يوم، والعمال يعملون حتى حفره إلى السباخ، ومضى الماء كله عنهم فصب في البحر، فلما تم له ذلك نزل على هجر وقد انقطع الماء عمن بها، فأيقنوا بالهلاك فهرب بعضهم نحو البحر، فركبوه","part":7,"page":105},{"id":3116,"text":"إلى جزيرة أدالي وسيراف وغيرهما، ودخل قوم منهم في دعوته، وخرجوا إليه فنقلهم إلى الأحساء، وبقيت طائفة لم يقدروا على الهرب ولم يدخلوا في دعوته، فقتلهم وأخذ ما في المدينة ثم أخربها، وصارت الأحساء مدينة البحرين.لى جزيرة أدالي وسيراف وغيرهما، ودخل قوم منهم في دعوته، وخرجوا إليه فنقلهم إلى الأحساء، وبقيت طائفة لم يقدروا على الهرب ولم يدخلوا في دعوته، فقتلهم وأخذ ما في المدينة ثم أخربها، وصارت الأحساء مدينة البحرين.\rالحرب بين القرامطة أصحاب أبي سعيد وأهل عمان\rقال: ولما استولى على هجر وخربها أنفذ سرية من أصحابه ستمائة فارس إلى عمان، فوردت على غفلة فقتلوا ونهبوا وأسروا في عمل عمان وأنفذ أهل عمان سرية إليهم في ستمائة رجل من أهل النجدة فأدركوهم فجعلت القرامطة ما غنموه وراء ظهورهم، وأقبلوا نحو أهل عمان فاقتتلوا، حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف وتعانقوا، وتكادموا وتراضخوا بالحجارة، فلم تغرب الشمس حتى تفانوا، فبقي من أهل عمان خمسة نفر لا حراك بهم، ومن القرامطة ستة نفر مجرحين إلا أنهم أحسن حالاً من العمانية، فركب القرامطة ست رواحل وعادوا إلى أبي سعيد، فأخبروه الخبر واعتذروا إليه، فلم يقبل عذرهم وأمر بهم فقتلوا، فأنزلت بهم ما كانوا له أهلاً، وتطير بهلاك السرية وأمسك عن أهل عمان.\rالحرب بين القرامطة والمعتضد\rوانتصار القرامطة قال: ولما كان أمر أبي سعيد الجنابي ما كان، اتصلت أخباره بالمعتضد بالله، وكتب إليه أحمد بن محمد بن يحيى الواثقي - وهو إذ ذاك يتولى البصرة - يعلمه خبر أبي سعيد، وأنه اتصل به أنه يريد الهجوم على البصرة، فأمره المعتضد بالله أن يعمل على البصرة سوراً فعمله، فكان مبلغ ما صرف عليه أربعة عشر ألف دينار، ثم كتب الواثقي إلى المعتضد بالله العباس بن عمرو الغنوى في ألفي رجل، وأقطعه اليمامة والبحرين وأمر بمحاربة القرامطة - وكان يتولى بلاد فارس - فسار إلى البصرة فوردها وذلك في سنة سبع وثمانين ومائتين، وخرج منها نحو هجر وبينهما بضع عشرة ليلة في فلاة مقفرة، وتبعه من مطوعة البصرة نحو من ثلاثمائة رجل من بني ضبة وغيرهم، وعرف أبو سعيد خبرهم فسار نحوهم وقدم أمامه مقدمة، فلما عاينهم العباس بن عمرو خلف سواده وسار إليهم فيمن خف من أهل العسكر وأدرك أبو سعيد مقدمته في باقي أصحابه، فتناشوا القتال فكانت بينهم حملات، ثم حجز الليل بينهم فانصرفوا على السواء فلما جاء الليل انصرفت مطوعة البصرة ومن معهم بني ضبة فكسر ذلك الجيش وفت في أعضادهم، وأصبح العباس بن عمرو فعبى أصحابه للقتال والتقوا، فجعل بدرا غلام أحمد بن عيسى بن الشيخ في نحو مائة من أصحابه على ميمنة أبي سعيد، فأوغل فيهم فلم يرجع منهم أحد، وحمل أبو العباس وأصحابه فانهزموا، وأسر العباس بن عمرو ومعه نحو من سبعمائة رجل من أصحابه، واحتوى القرامطة على عسكره، وقتل أبو سعيد من غديومه جميع الأسرى ثم أحرقهم، وترك العباس بن عمرو ومضى المنهزمون فتاه كثير منهم في البر وتلف كثير منهم عطشاً، وورد قوم منهم البصرة فارتاع الناس لهم، حتى أخذوا في الانتقال عن البصرة فمنعهم الواثقي.","part":7,"page":106},{"id":3117,"text":"قال: ولما كان بعد الوقعة بأيام أحضر أبو سعيد الجنابي العباس ابن عمرو، وقال له: أتحب أن أطلقك؟ قال: نعم قال: على أن تبلغ عني صاحبك ما أقول، قال: أفعل، قال: تقول الذي أنزل بجيشك ما أنزل بغتك، هذا بلد كان خارجاً عن بلدك غلبت عليه وأقمت به وكان في من الفضل ما آخذ غيره، فما عرضت لما كان في يدك ولا هممت به، ولا أخفت لك سبيلاً، ولا نلت أحداً من رعيتك بسوء، فتوجيهك إلى الجيوش لأي سبب؟ ! اعلم إني لا أبرح عن هذا البلد ولا يوصل إليه وفي، وفي هذه العصابة التي معي روح، فاكفني نفسك ولا تتعرض لما ليس لك فيه فائدة، ولا تصل إلى مرادك منه إلا ببلوغ القلوب الحناجر، وأطلقه وأرسل معه من يرده إلى مأمنه، فأوردوه بعض السواحل فصادف مركباً فركب فيه إلى الأباة، ووصل إلى بغداد في شهر رمضان من السنة. قال: وقد كان الناس يعظمون أمر العباس ويكثرون ذكره ويسمونه قائد الشهداء، فلما وصل إلى المعتضد بالله عاتبه على تركه الاستظهار والتحرز وأنبه، فاعتذر بهرب بني ضبة ومن كان معهم من المطوعة وهرب أصحابه عنه، وأنه لو أراد الهرب لأمكنه، فلم يبرح حتى رضي عنه وزال همه، ثم سأله عن خبره فعرفه جميعه، ووصف له أحوال القرامطة وما قاله أبو سعيد بعد أن استأذنه في ذلك فأذن له، فقال: صدق ما أخذ شيئاً كان في أيدينا، وأطرق مفكراً ثم رفع رأسه، فقال: كذب عدو الله الكافر، المسلمون رعيتي حيث كانوا من بلاد الله، والله لئن طال بي عمر لأشخصن بنفسي إلى البصرة وجميع غلماني، ولأوجهن إليه جيشاً كثيفاً فإن هزمه وجهت جيشاً، فإن هزمه خرجت في جميع قوادي وجيشي إليه، حتى يحكم الله بيني وبينه، وشغله بعد ذلك أمر وصيف غلام ابن أبي الساج وأحفزه، فخرج في طلبه وهو عليل، وذلك في شوال من هذه السنة، فأخذه وعاد إلى بغداد فدامت علته واستمر وجعه ومات.\rقال القاسم بن عبيد الله: ما زال أمير المؤمنين المعتضد بالله يذكر أمر أبي سعيد في مرضه ويتلهف، فقلت: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: حسرة في نفسي كنت أحب أن أبلغها قبل موتي، والله لقد كنت وضعت في نفسي أن أركب، ثم أخرج إلى باب البصرة متوجهاً نحو البحرين، ثم لا ألقي أحداً أطول من سيفي إلا ضربت عنقه، وإني أخاف أن يكون من هناك حوادث عظيمة.\rقال: وأقبل أبو سعيد بعد إطلاق العباس على جمع الخيل وإعدا السلاح واتخاذ الإبل وإصلاح الرجل ونسج الدروع والمغافر ونظم والجواشن وضرب السيوف والأسنة وإتخاذ الروايا والمزاد والقرب وتعليم الصبيان الفروسية، وطرد الأعراب عن قربه وسد الوجوه إلى يتعرف منا أمر بلده وأحواله بالرجال وإصلاح أراضي المزارع وأصول النخل وعمارته، وإصلاح مثل هذه الأمور وتفقدها. ونصب الأمناء على ذلك، وإقامة العرفاء على الرجال، والاحتياط على ذلك كله، حتى بلغ من تفقده واحتياطه أن الشاة كانت تذبح فيسلم اللحم إلى العرفاء، ليفرقوه على من يرسم لهم، ويدفع الرأس والأكارع والبطن إلى العبيد والإماء، ويجز الصوف والشعر من الغنم ويفرقه على من يغزله، ثم يدفع إلى من ينسجه عبياً وأكسبة وغرائر وجوالقات ويفتل منه حبال، ويسلم الجلد إلى الدباغ، فإذا خرج من الدباغ سلم إلى خرازي القرب والروايا والمزاد، وما كان من الجلود يصلح نعالاً وخفافا عمل منه، ثم يجمع ذلك كله في خزائن، فكان ذلك دابه لا يغفل عنه، ويوجه في كل مديدة بخيل إلى ناحية البصرة، فتأخذ من وجدت فتصير بهم إليه فيستعيدهم، فزادت بلاده وعظمت هيبته في صدور الناس.\rقال الشريف أبو الحسين: وقد كان واقع بني ضبة عند طرده لهم عن قرب بلده، فأصاب منهم وأصابوا منه، ولم يتباعدوا عنه بعيداً، فلما شخص مع العباس بن عمرو منهم شخص - في وقت مسيرة لقتاله - ازداد بذلك حنقاً عليهم، فواقعهم وقائع مشهورة بالشدة والعظم، ثم ظفر بهم فأخذ منهم خلقاً، وبنى لهم حبساً عظيماً وجمعهم فيه وسدد عليهم، ومنعهم الطعام والشراب فصاحوا وضجوا فلم يغثهم، فمكنوا على ذلك شهراً ثم فتح عليهم، فوجد الأكثر منهم موتى، ووجد نفراً يسيراً قد بقوا على حال الموتى، وقد تغذوا بلحوم الموتى، فخصاهم وخلاهم فمات أكثرهم.\rمقتل أبي سعيد الجنابي","part":7,"page":107},{"id":3118,"text":"كان مقتله في سنة إحدى وثلاثمائة بعد أن استولى على سائر بلاد البحرين، وكان سبب مقتله أنه لما هزم جيش العباس بن عمرو كما تقدم واستولى على عسكره، أخذ من عسكره خادماً له صقلبيا، فاستخدمه وجعله على طعامه وشرابه، فمكث كذلك مدة طويلة لا يرى أبا سعيد فيها مصلياً لله عز وجل صلاة واحدة، ولا يصوم في شهر رمضان ولا في غيره يوماً واحداً، فأضمر الخادم لذلك قتله، فدخل معه الحمام يوماً - وكان الحمام في داره، فأخذ الخادم معه خنجراً ماضياً - ولم يكن معه في الحمام غيره، فلما تمكن منه أضجعه فذبحه، ثم خرج فقال: السيد يستدعي فلاناً لبعض بني سنبر فأحضر فقال: ادخل فدخل، فبادره فقبض عليه وذبحه، ولم يزل يستدعي من رؤساء القرامطة واحدأ واحداً حتى قتل جماعة من رؤساء الوجوه، إلى أن استدعى بعضهم فنظر عند دخوله إلى باب البيت الأول دماً جارياً، فاستراب بذلك وخرج مبادراً فلم يدركه الخادم وأعلم الناس، وعدم الخادم إلى الباب فأغلقه وكان وثيقاً، فاجتمع الناس ونقبوا نقوباً إلى أن وصلوا إليه، فأخذه ابنه سعيد فأمر بشده بالحبال، ثم قرض لحمه بالمقاريض حتى مات رحمه الله تعالى.\rوخلف أبو سعيد من الأولاد: أبا القاسم سعيداً، وأبا طاهر سليمان، وأبا منصور أحمد، وأبا العباس إبراهيم، والعباس محمد، وأبا يعقوب يوسف، وكان أبو سعيد قد جمع رؤساء دولته وبني زرقان، وكان أحدهم زوج ابنته، وبني سنبر، وكان متزوجاً إليهم، وهم أخوال أولاده وبهم قامت دولته وقوى أمره، فأوصى إليهم إن حدث به موت أن يكون بأمرهم ابنه سعيداً إلى أن يكبر أبو طاهر، وكان سعيد أكبر من أبي طاهر سناً، فإذا كبر أبو طاهر كان المدبر لهم، فلما قتل جرى الأمر على ما وصاهم به، وكان قد أخبرهم أن الفتوح يكون لأبي طاهر، فجلس سعيد يدبر الأمر بعد مقتل أبيه إلى سنة خمس وثلاثمائة، ثم سلم الأمر لأخيه أبي طاهر، فدبره وعمل أشياء موه بها على عقول أصحابه فقبلوها وعظموا أمره، وكان من أخباره ما نذكره إن شاء الله تعالى، وكانت مدة تغلب أبي سعيد على البحرين وما والاها نحوا من ستة عشر سنة.\rأخبار الصناديقي ببلاد اليمن\rوفي سنة ست وثمانين ومائتين استولى أبو القاسم النجار المعروف بالصناديقي على اليمن، وكان ابن أبي الفوارس داعي عبدان قد أنفذه داعياً إلى اليمن، وكان هذا الصناديقي من موضع يعرف بالنرس، وكان يعمل فيه الثياب النرسية، وقيل إنه كان يعمل في الكتان، فلما صار إلى اليمن أجابه رجل من الجند يعرف بابن الفضل، فقوى أمره على إقامة الدعوة الخبيثة، فدخل فيها خلق كثير، فجعلهم من الإسلام، وأظهر العظائم، وقتل الأطفال وسبى النساء، وتسمى برب العزة وكان يكاتب بذلك، وأظهر شتم النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء، واتخذ داراً سماها دار الصفوة، وكان يأمر الناس بجمع نسائهم من أزواجهم وبناتهم وأخوانهم، ويأمرهم بالاختلاط بهن ليلاً ووطئهن، ويحتفظ بمن تحبل منهن في تلك الليلة وبمن تلد من بعد ذلك، ويتخذهم لنفسه خولا ويسميهم أولاد الصفوة، وعظمت فتنته باليمن، وأجلى أكثر أهله عنه وأجلى السلطان، وقاتل القاسم بن أحمد بن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسنى الهادي وقلعه عن عمله بصعدة، وألجأه إلى أن هرب عياله إلى الرس حذراً منه لقوته عليه، ثم إن الله عز وجل رزقه الظفر فهزمه، وكان ذلك بلطف من ألطاف الله تبارك وتعالى، وهو أن ألقى على عسكره وقد بايته برداً وثلجاً، وقتل أكثر أصحابه في ليلة واحدة، وقل ما يعرف مثل هذا من البرد والثلج في ذلك البلد، ولما طغى قتله الله بالأكلة وأنزل بالبلدان التي غلب عليها بثرا قاتلاً، كان يخرج على كتف الرجل منهم بثرة فيموت في سرعة، فسمى ذلك البثر حبة القرمطي، وأخرب الله تعالى أكثر تلك البلاد التي ملكها، وأفنى أهلها بموت ذريع، واعتصم ابنه بعده بالجبال والقلاع، ولم يزل بها مقيماً يكاتب أهل ملته، ويعنون كتبه، من ابن رب العزة، ثم أهلكه الله عز وجل وبقيت منهم بقية، فاستأمنوا إلى القاسم بن أحمد الهادي، ولم يبق للنجار بقية ولا لمن كان على مذهبه.\rولنرجع إلى أخبار زكرويه بن مهرويه وخبر من أرسله إلى الشام.\rظهور القرامطة بالشام\rوما كان من أمرهم وحروبهم","part":7,"page":108},{"id":3119,"text":"قد قدمنا من أخبار زكرويه بن مهرويه واختفائه وحرص أصحاب عبدان على قتله، وأنه لما طال عليه الأمر أرسل ابنه الحسن إلى الشام وذلك في سنة ثمان وثمانين ومائتين.\rقال الشريف أبو الحسين محمد بن علي الحسيني رحمه الله: ولما أرسل زكرويه بن مهرويه ابنه إلى الشام أرسل معه رجلاً من القرامطة من أهل نهر ملحانا، يقال له الحسن بن أحمد ويكنى بأبي الحسين، وأمره أن يقصد بني كلب وينتسب لهم محمد بن إسماعيل بن جعفر، ويدعوهم إلى الإمام من ولده، فاستجاب له فخد من بني العليص بن ضمضم بن عدي بن جناب بن كلب بن وبرة ومواليهم وانضاف إليه طائفة من بني الأصبع من كلب، ويسمى هؤلاء بالفاطميين وبايعوه، وكان الخبيث لما رجع إلى الطالقان يكتب إلى زكرويه يستأذنه في القدوم عليه، فيجيب بالتوقف، فخرج نحو العراق، فلما وصل إلى السواد وجد زكرويه مختفياً، فلم يزل حتى توصل إلى المكان الذي هو فيه، فلم يظهر له لوماً على قدومه وبعث إليه بخبر من استجاب له بالشام، فقال: أنا أخرج حتى أظهر فيهم هناك، فوجه إليه نعم ما رأيت، فضم إليه ابن أخته عيسى بن مهرويه، ويسمى بالمدثر لقباً وبعبد الله اسماً، وغلاماً من بني مهرويه فتلقب بالمطوق وكان سياقاً، وأنفذهم إلى الشام، وكتب إلى ابنه الحسن يعرفه أنه ابن الحجة، ويأمره له بالسمع والطاعة، فسار حتى نزل في بني كلب، فلقيه الحسن بن زكرويه وسروا به، وجمع له الجمع وقال: هذا صاحب الإمام فامتثلوا أمره، وسروا به وقالوا له: مرنا بأمرك وبما أحببت، فقال لهم: استعدوا للحرب فقد أظلكم النصر، ففعلوا ذلك، واتصلت أخبارهم بشبل الديلمي مولى المعتضد، وذلك في سنة تسع وثمانين ومائتين فقصدهم فقتلوه وقتلوا جماعة من أصحابه، وكانت الوقعة بالرصافة من غربي الفرات، ودخلوا الرصافة واحرقوا مسجدها ونهبوها، وأصعدوا نحو الشام، واعترضوا الناس بالقتل والتحريق ونهب القرى، إلى أن وردوا أطراف دمشق، وكان هارون بن خماروية بن أحمد بن طولون رد أمر دمشق إلى طغج بن جف الفرغاني، فلقيتهم عساكره فانهزمت ولم تثبت، وقتل كثير منهم وأخذوا منهم ما قدروا عليه.\rقال: ولما هزم طغج نزل على دمشق وقاتل أهل البلد، وكان يحضر الحرب على ناقة ويقول لأصحابه: لا تسيروا من مصافكم حتى تنبعث بين أيديكم، فإذا سارت فاحملوا فإنه لا ترد لكم دابة إذ كانت مأمورة، فسمى بذلك صاحب الناقة، وحصر طغج بدمشق سبعة أشهر، فكتب إلى طغج إلى مصر بخبر من قتل من أصحابه، وأنه محصور وقد فني أكثر الناس وخرب البلد، فأنفذوا إليه بدراً الكبير غلام ابن طولون - وهو المعروف بالحمامي - فسار حتى قرب من دمشق وخرج إليه طغج واجتمعوا على محاربة القرامطة، والتقوا واقتتلوا بقرب دمشق، فأصاب رئيس القرامطة - ابن القداح - سهم فقتله، ويقال أصابه الزراقون بمزراق فيه نفط فاحترق، وحمى أصحابه فقاتلوا عسكر بدر الحمامي وطغج حتى انحازوا عنهم وانصرفت القرامطة وكان صاب الناقة هذا المقتول قد ضرب دنانير ودراهم، وكتب على السكة على أحد الوجهين: قل جاء الحق وزهق الباطل، وعلى الوجه الآخر: لا إله إلا الله، قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى. قال: فلما انصرفت القرامطة عن دمشق بعد قتل الطاغية بايعوا:\rالحسن بن زكرويه\rبن مهرويه فسمى نفسه أحمد وتكنى بأبي العباس وهو صاحب الشامة.\rقال ابن الأثير: ولما بايعه القرامطة دعا الناس فأجابه كثير من أهل البوادي وغيرهم، فاشتدت شوكته وأظهر شامة في وجهه، وزعم أنها آيته.","part":7,"page":109},{"id":3120,"text":"قال الشريف أبو الحسين وسياقه أتم: ولما بايعوه ثار حتى افتتح عدة مدن من الشام، وظهر على جند حمص، وقتل خلقاً كثيراً من جند المصريين، وتسمى بأمير المؤمنين على المنابر وفي كتبه، وذلك في سنة تسع وثمانين ومائتين وبعض سنة تسعين ومائتين، ثم سار بمن معه إلى نحو الرقة، فخرج إليهم مولى الخليفة المكتفي بالله وكان عليها، فواقعهم فهزموه، وقتلوه واستباحوا عسكره ورجعوا يريدون دمشق، وجعلوا ينهبون جميع ما يمرون به القرى، ويقتلون ويسبون ويخربون، فلما يسبون ويخربون، فلما قربوا من دمشق أخرج إليهم طغج جيشاً كثيفاً أمر عليه غلامه بشيراً، فهزم القرامطة الجيش وقتل بشير في خلق من أصحابه، فلما اتصل بالمكتفي قتل غلامه الذي كان على الرقة وخبر قتل بشير ندب أبا الأعزب السلمي، وضم إليه عشرة آلاف من الجند والموالى والأعراب، وخلع عليه لثلاث عشرة ليلة بقيت من سهر ربيع الآخر سنة تسعين ومائتين وأنفذه، فسار حتى نزل حلب ثم خرج فنزل وادي بطنان، فتفرق الناس ودخل قوم منهم الماء يتبردون فيه وذلك في القيظ، ووافاهم القرامطة يقدمهم المطوق، فكان كل إنسان يحذر على نفسه وينجوا بها، وركب أبو الأعز فرسه وصاح بالناس، فسار إليهم جماعة لقي بها أوائل القوم، فلم يلبث إلا اليسير حتى انهزم، وركبت القرامطة أكتاف الناس يقتلون وينهبون حتى حجز الليل بينهم، وقد أتوا على عامة العسكر وسلم منهم قليل، ولحق أبو الأعز في جمعية معه بحلب، ثم تلاحق به قوم حتى حصل في نحو ألف رجل، ووافت القرامطة فنازلوا أهل حلب فحاربهم أبو الأعز، فلم يقدروا منه على شيء فانصرفوا، وجمع الحسين بن زكرويه أصحابه، وكانت قد اتصل به خلق كثير من اللصوص ومن بني كلب، فسار حتى نزل أطراف حمص فخطب له على منابرها، ثم نهض إليها فأعطاه أهلها الطاعة، وفتحوا له البلد فدخلها، ثم سار إلى حماة ومعرة النعمان وغيرهما فقتل الرجل والنساء والأطفال، ثم رجع إلى بعلبك فقتل عامة أهلها، ثم صار إلى سلمية فحاربه أهلها وامتنعوا منه، فأعطاهم الأمان ففتحوا له، فبدأ بمن كان فيها من بني هاشم، وكان بها جماعة كثيرة، فقتلهم أجمعين، ثم كر على أهلها فأفناهم أجمعين وخرّبها، وخرج عنها وما بها عين تطرف، وكان مع ذلك لا يمر بقرية فيدع فيها أحداً، حتى أخرب البلاد وسبى الذراري وقتل الأنفس من المسلمين وغيرهم، ولم يقم له أحد.\rوقال الشريف: ووردت كتب التجار وسائر الناس من دمشق وغيرها بصورة الأمر وغلظه، وأن طغج قد فنيت رجاله وبقي في عدة يسيرة، وأن القرمطة تقصد دمشق في أوقات فلا يقاتلهم إلا العامة وقد أشرف الناس على الهلكة وكثر الضجيج بمدينة السلام، واجتمعت العامة إلى يوسف بن يعقوب القاضي وسألوه إنهاء أخبار الناس إلى الخليفة، فوعدهم بذلك، ووردت كتب المصريين على المكتفى بالله يعرفونه ما قتل من عسكرهم الذي خرج إلى الشام، وأن القرمطة أفنتهم وأنهم قد أخربوا الشام، فأمر المكتفى الجيش بالاستعداد وإخراج المضارب إلى باب الشماسية، وخرج إلى مضربة في القواد والجند، ورحل لإثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة تسعين ومائتين، وسلك طريق الموصل ومضى نحو الرقة بالجيوش حتى نزلها وانبثت جيوشه من حلب وحمص، وقلد محمد بن سليمان حرب الحسين بن زكرويه، واختار له جيشاً كثيفاً، وكان محمد بن سليمان صاحب ديوان العطاء وعارض الجيش، فسار نحو القرامطة بجيشه.\rحربهم مع محمد بن سليمان\rوانهزام القرامطة والظفر بالحسن بن زكرويه صاحب الشام وأصحابه وقتلهم","part":7,"page":110},{"id":3121,"text":"قال الشريف أبو الحسين رحمه الله تعالى: ولما دخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين كتب القاسم بن عبيد الله وهو وزير المكتفى بالله إلى محمد بن سليمان الكاتب يأمره بمناهضة القرامطة، فسار إليهم والتقى الجمعان يوم الثلاثاء لست خلون من المحرم من هذه السنة، بموضع بينه وبين حماة اثنا عشر ميلاً، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى حجز الليل بينهم، وقتل عامة رجالهم، وورد كتاب محمد بن سليمان الكاتب إلى القاسم بن عبيد الله الوزير، يخبره بكيفية المصاف والقتال ومن كان في الميمنة والميسرة والقلب والجناحين من قواد عسكره، وأن القرامطة اجتععوا ستة كراديس، وأن ميسرتهم كان فيها ألف وخمسمائة فارس، وكمنوا خلفها ألف فارس وأربعمائة فارس، وفي ميمنتهم ألف فارس وأربعمائة فارس وكمنوا خلفها مائتي فارس، وذكر كيف كانت حملاتهم وقتالهم، وكيف كانت هزيمتهم، في كلام مطول تركناه اختصارا لطوله، إلا أن ملخصه أن القرامطة قتلوا قتلاً ذريعاً، وذكر أن الكردوس الذي كان في ميسرة القرامطة قصده الحسين بن حمدان، وكان في جناح ميمنة عسكر الخليفة، واقتتلوا أشد قتال حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف فصرع من القرامطة ستمائة في أول دفعة، وأخذ أصحاب الحسين منهم خمسمائة فرس وأربعمائة طوق فضة، وأن القرامطة ولوا مدبرين فاتبعهم الحسين بن حمدان، فرجعوا عليه فلم يزل يحمل حمله بعد حمله - وهم من خلال ذلك يصرعون منهم الجماعة بعد الجماعة - حتى أفناهم الله تعالى، فلم يفلت منهم إلا أقل من مائتي رجل. قال: وحمل الكردوس الذي كان في ميمنتهم على القاسم بن سهل ويمن الخادم، فاستقبلوهم بالرماح فكسروها في صدورهم وعانق بعضهم بعضاً، فقتلوا من الكفرة جماعة كبيرة. قال: وأخذ بنو شيبان منهم ثلاثمائة فرس ومائة طوق فضة، وأخذ أصحاب خليفة بن المبارك منهم مثل ذلك، وذكر في كتابه أنه حمل هو عليهم في القلب، فما زال أصحابه يقتلون القرامطة - فرسانهم ورجالتهم - أكثر من خمسة أميال، وذكر في كتابه أن الحسن بن زكرويه لم يشهد هذا المصاف وأنه يشخص إليه إلى سلمية. قال الشريف رحمه الله: وكان الحسن ابن زكرويه - لما أحس بقرب الجيوش - عرض أصحابه، وأخرج الأقوياء منهم عن الضعفة والسواد، وأنفذ الجيش وتخلف هو في السواد والضعفة، فلما انهزم أصحابه ارتاع لذلك ورحل لوقته وسار خوفاً من الطلب، وتلاحق به من أفلت من أصحابه، فخاطبهم بأنهم أتوا من قبل أنفسهم وذنوبهم وأنهم لم يصدقوا الله، وحرضهم على المعاودة إلى الحرب فلم يجبه منهم أحد إلى ذلك، واعتلوا بفناء الرجال وكثرة الجراح فيهم، فلما أيس منهم قال لهم: قد كاتبني خلق من أهل بغداد بالبيعة لي، ودعاتي بها ينتظرون أمري، وقد خلت من السلطان الآن، وأنا شاخص نحوها لأظهر بها، ومستخلف عليكم أنا الحسين القاسم بن أحمد صاحبي، وكتبي ترد عليه بما يعمل به فاسمعوا له وأطيعوا أمره فضمنوا له ذلك، وشخص معه قريبه عيسى ابن أخت مهرويه المسمى بالمدثر وصاحبه المطوق وغلام له رومي، وأخذ دليلاً يرشدهم إلى الطريق وساروا يريدون سواد الكوفة، وسلك البر وتجنب المدن والقرى، حتى صار قريباً من الدالية نفذ زاده، فأمر الدليل فمال بهم إليها، ونزل بالقرب منها خلف رابية، ووجه بعض من كان معه لابتياع ما يصلحه، فلما دخلها أنكر زيه بعض أهلها وساء له عن أمره فورى وتلجلج، فاستراب به وقبض عليه وأتى به وإليها، وكان يعرف بأبي خبزة يخلف أحمد بن كشمرد صاحب الحرب بطريق الفرات، وقال: والدالية قرية من عمل الفرات، قال: فسأله أبو خبزة عن خبره ورهب عليه، فعرفه أن القرمطى الذي خرج أمير المؤمنين المكتفي بالله في طلبه، خاف رابية أشار إليها، فسار أبو خبزة إلى ذلك الموضع ومعه جماعة بالسلاح حتى أشرف عليهم، فأخذهم وشدهم وثاقاً وتوجه بهم إلى صاحبه ابن كشمرد، فسار بهم إلى المكتفي وهو يومئذ بالرقة، فأمر أن يشهروا بها ففعل بهم ذلك، وألبس الحسن بن زكروية دراعة ديباج وبرنس من حرير وهو على بختي، والمدثر والمطوق على جملين عليهما دراعتا ديباج وبرانس حرير، وهم بين يديه، وذلك في يوم الأربعاء لأربع بقين من المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين.","part":7,"page":111},{"id":3122,"text":"قال: وقدم محمد بن سليمان الكاتب الرقة والجيوش معه، بعد أن تتبعوا ما بقي من القرامطة فأسروا وقتلوا، فخلف المكتفى بالله عساكره مع محمد بن سليمان بالرقة، وشخص في خاصته وغلمانه وتبعه وزيره القاسم بن عبيد الله إلى بغداد، وحمل القرمطي وأصحابه معه ومن أسر في الوقعة، وذلك في أول يوم من صفر سنة إحدى وتسعين ومائتين، فلما صار إلى بغداد عمل له دميانه غلام يا زمان كرسيا سمكه ذراعان ونصف، وأركبه على فيل وركبه عليه ودخل المكتفى بالله وهو بين يديه مع أصحابه الأسرى، عليهم دراريع الديباج والبرانس والمطوق في وسط الأسرى على جمل، وهو غلام حدث قد جعل في فيه خشبة مخروطة قد شدت إلى قفاه كاللجام، وذلك أنهم في وقت دخولهم الرقة أكثر الناس الدعاء عليهم، فكان هو يشتم الناس الذين يدعون عليهم ويبصق عليهم، وكان دخولهم كذلك لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول من هذه السنة.\rقال: فلما وصل المكتفي إلى داره حبسهم ووكل بهم، ووصل محمد بن سليمان بعد ذلك على طريق الفرات في الجيش، وقد تلقط بقايا القرامطة من كل وجه، فنزل بباب الأنبار في ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من السنة، فأمر المكتفي وأصحاب القواد وأصحاب الشرط بتلقيه والدخول معه، فدخل محمد بن سليمان في زي حسن ومعه بين يديه نيف وسبعون أسيراً، وخلع الخليفة علي بن سليمان وطوقه بطوق من ذهب، وسوره بسوار من ذهب، وخلع علي جميع القواد وطوقوا وسوروا، وحبس الأسرى وكان المكتفي بالله وقت دخوله أمر أن تبنى له دكة في المصلى العتيق من الجانب الشرقي، مربعة ذرعها عشرون ذراعاً في مثلها وارتفاعها عشرة أذرع يصعد إليها بدرج، فلما كان يوم الاثنين لأربع بقين من الشهر ربيع الأول أمر المكتفي القواد وجميع الغلمان وصاحب جيشه وصاحب شرطته أن يحضروا هذه الدكة، فحضروها وصعد الوجوه ووقف الباقون على دوابهم، وخرج التجار والعامة للنظر وحملوا الأسرى كلهم مع خلق كثير منهم كانوا بالكوفة وحملوا إلى بغداد وغيرهم ممن حمل ممن كان على مذهبهم، فأحضر جميعهم على الجمال وقتلوا جميعاً وعدتهم ثلاث مائة وستون وقيل ثلاثمائة ونيف وعشرون، وقدم الحسن بن زكرويه عيسى ابن أخت مهرويه، وهما زميلان، على بغل في عمارية، وقد أرسل عليهما أغشية، فأصعدا إلى الدكة وأقعدا، وقدم أربعة وثلاثون إنساناً من الأسرى من وجوه القرامطة، ممن عرف بالنكاية والعداوة للإسلام والكلب على سفك الدماء واستباحة النساء وقتل الأطفال، وكان كل واحد منهم يبطح على وجهه فتقطع يده اليمنى ويرمى بها إلى أسفل ليراها الناس، ثم تقطع رجله اليسرى، ثم يده اليسرى، ثم رجله اليمنى ويرمى بها إلى أسفل ثم تضرب عنقه ويرمى به إلى أسفل، فلما فرغ منهم قدم المدثر ففعل به مثل ذلك ثم كوى ليعذب ثم ضربت عنقه، ثم قدم الحسن بن زكرويه فضرب مائتي سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه وكوى وضربت عنقه، ورفع رأسه على خشبة، وحملت الرؤوس فصلبت على الجسر، وصلب بدن الحسن فمكث مصلوباً نحو من سنة، ثم سقط عليه حائط، ودفنت أجساد الأسرى عند الدكة، وهدمت بعد أيام.\rقال الشريف: ومن كتب اللعين الحسن بن زكروية إلى بعض عماله:","part":7,"page":112},{"id":3123,"text":"\" بسم الله الرحمن الرحيم \" ، ومن عبد الله المهدي المنصور الناصر لدين الله، القائم بأمر الله، الداعي إلى كتاب الله، الذاب عن حريم الله، المختار من ولد رسول الله، أمير المؤمنين وإمام المسلمين، ومذل المنافقين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل القاسطين، ومهلك المفسدين، وسراج المنتصرين، ومشتت المخالفين، والقيم بسنة المرسلين، وولد خير الوصيين صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين وسلم - كتاب إلى جعفر بن حميد الكردي، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد جدي رسول؛ أما بعد: فقد أنهى إلينا ما حدث قبلك من أخبار أعداء الله الكفرة، وما فعلوه بناحيتك من الظلم والعبث والفساد في الأرض فأعظمنا ذلك، ورأينا أن ننفذ إلى هناك من جيوشنا من ينتقم الله به، من أعدائنا الظالمين الذين يسعون في الأرض فساداً فأنفذنا جماعة من المؤمنين إلى مدينة حمص ونحن في أثرهم، وقد أوعزنا إليهم في المصير إلى ناحيتك، لطلب أعداء الله كانوا ونحن نرجو أن يجزينا الله فيهم على أحسن عوائده عندنا في أمثالهم، فينبغي أن يكون قلبك وقلوب ممن اتبعك من أوليائنا، وتثق بالله وبصره الذي لم يزل يعودنا في كل من مرق من الطاعة وانحرف عن الأيمان، وتبادر إلينا بأخبار الناحية وما يحدث فيها، ولا تخف عنا شيئاً من أمرها.\rسبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على جدي رسوله وعلى أهل بيته وسلم كثيراً.\rوكان عماله يكاتبونه بمثل هذا الصدر، قال ابن الأثير: وكان قد نجا من أعيان القرامطة رجل من بني العليص يسمى إسماعيل ابن النعمان في جماعة معه، فكاتبه المكتفى بالله وبذل له الأمان، فحضر في نيف وستين نفساً، فأحسن الخليفة إليهم وسيرهم إلى رحبة مالك بن طوق مع القاسم بن سيما، فأقاموا معه مدة وعزموا على إنشاء فتنة بالرحبة، وكان قد انضم إليهم جماعة كثيرة، فشعر بهم القاسم فقتلهم فارتدع من كان قد بقي من موالي بني العليص، وذلوا ولزموا السماوة حتى جاءهم كتاب من زكرويه بن مهرويه، يذكر لهم أن مما أوحى إليه أن صاحب الشامة وأخاه يقتلان، وأن إمامه، الذي هو حي، يظهر بعدهما ويظفر.\rخبر قتل زكروية\rبن مهرويه محمد بن عبد الله إلى الشام وما كان من أمره إلى أن قتل","part":7,"page":113},{"id":3124,"text":"كان الحسن بن زكرويه قد خلف القاسم بن أحمد المكني بأبي الحسين خليفة على من بسلمية من أصحابه كما قدمنا، فقدم سواد الكوفة إلى زكرويه فأخبره بخبر القوم، الذين استخلفه عليهم ابنه الحسن أنهم اضطربوا عليه، وأنه خافهم وتركهم وانصرف، فلامه زكرويه على قدومه لوماً كثيراً، وقال له: ألا كاتبتني قبل انصرافك إلي، ووجده على ما به تحت خوف شديد من طلب السلطان من وجه وطلب أصحاب عبدان الذي كان قد تسبب في قتله من وجه آخر ثم إن زكرويه أعرض عن القاسم وأنفذ رجلاً من أصحابه، وكان يعلم الصبيان بالزابوقة يقال له محمد بن عبد الله بن سعيد المكني أبا غانم في سنة ثلاث وتسعين ومائتين فتسمى نصراً، وأمه أن يتوجه إلى أحياء كلب ويدعوهم، فدار أحياء كلب ودعاهم فلم يقبله إلا رجل من بني زياد يعرف بمقدام بن الكيال، ثم استجاب له طوائف من الأصبعيين الذين يعرفون بالفواطم، وقوم من بني العليص وصعاليك من بني كلب، فسار بهم نحو الشام، وعامل المكتفى بالله يومئذ على دمشق والأردن أحمد بن كيغلغ، وهم بنواحي مصر على حرب إبراهيم الخليجي، وكان قد خالف كما قدمنا ذكر ذلك، فاغتم محمد بن عبد الله بن سعيد غيبته فصار إلى مدينتي بصرى وأذرعات فحارب أهلها ثم أمنهم فلما استسلموا قتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأخذ جميع أموالهم، وسار نحو دمشق فخرج إليه صالح بن الفضل خليفة ابن كيغلغ فيمن معه، فأثخنوا فيهم وظفروا عليهم ثم غروهم ببذل الأمان، فقتلوا صالحاً وعسكره وقصدوا دخول دمشق فدفعهم عنها أهلها فانصرفوا إلى طبرية، ولحق بهم جماعة من الجند ممن سلم بدمشق، فواقعهم يوسف بن إبراهيم، عامل ابن كيغلغ على الأردن، فهزموه، وبذلوا له الأمان ثم غدروا به فقتلوه ونهبوا طبرية وقتلوا وسبوا النساء، فأنفذ المكتفي الحسين بن حمدان في طلبهم مع وجوه من القواد، فدخل دمشق وهم بطبرية، فلما علموا بذلك عطفوا نحو السماوة، وأتبعهم الحسين بن حمدان في البرية، فأقبلوا ينتقلون من ماء إلى ماء يغورون ما يرتحلون عنه من الماء ، فلم يزالوا على ذلك حتى وردوا الماء ين المعروفين بالدمعانة والحالة، فانقطع عنهم لعدم الماء فمال نحو رحبة مالك بن طوق، وأسرى عدو الله حتى وافى هيت غارون وذلك لتسع بقين من شعبان سنة ثلاث وتسعين ومائتين، طلوع الشمس، فنهب ربض هيت والسفن التي في الفرات وقتل نحو مائتي إنسان، وأقام هناك يومين والقوم متحصنون، ثم رحل بما أخذه وبمائتي كرحنطة إلى نحو الماء ين وبقية أصحابه هناك، فلما اتصل الخبر بالمكتفى أرسل إلى هيت محمد بن إسحاق بن كنداجيق ومعه جماعة من القواد في جيش كثيف، فوجدهم أتبعه بمؤنس الخادم، فنهض محمد بن إسحاق نحوهم فوجدهم قد غاروا المياه، فأنفذ إليه من بغداد بالروايا والقرب والمزاد، وكتب إلى الحسين بن حمدان بالنفوذ إليهم من الرحبة، فلما أحسوا بذلك إئتمروا بصاحبهم نصر، فوثب عليه رجل من أصحابه يقال له الذيب بن القائم فقتله، وشخص إلى بغداد متقرباً بذلك ومستأمناً، فأسنيت له الجائزة وكف عن طلب قومه بقتل محمد هذا، فمكث أياماً ببغداد وهرب، ثم إن طلائع محمد بن كنداجيق ظفرت برأس محمد المقتول هذا، فحمل إلى بغداد.\rقال: ثم إن قوماً من بني كلاب أنكروا ما فعله الذيب من قتل محمد، ورضيه آخرون فتحزبوا أحزاباً، فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى كثرت القتلى بينهم ثم افترقوا، فصارت الفرقة التي رضيت قتله إلى ناحية عين التمر، وتخلف من كره قتله على الماء الذي كانوا ينزلون عليه، واتصل الخبر بكروية بن مهرويه فرد القاسم إليهم.\rإرسال زكرويه بن مهرويه القاسم بن أحمد ودخوله الكوفة وما كان من أمره","part":7,"page":114},{"id":3125,"text":"قال: ولما اتصل الخبر بزكرويه كان القاسم بن أحمد عنده، فرده إليهم لمعرفتهم به، ورد عليهم جمعهم ووعظهم، وقال: أنا رسول وليكم وهو غائب عليكم فيما أقدم عليه الذيب بن القائم، وأنكم قد ارتدتم عن الدين، فاعتذروا وحلفوا ما كان ذلك بمحبتهم، وذكروا ما جرى بينهم وبين أهلهم من الخلف والقتل والبعد بهذا السبب، فقال لهم: قد جئتكم الآن بما لم يأتكم به أحد تقدمني، وليكم يقول لكم: قد حضر أمركم وقرب ظهوركم، وقد بايع له من أهل الكوفة أربعون ألفا ومن أهل سوداها أكثر، وموعدكم اليوم الذي ذكره الله، يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى، فأجمعوا أمركم وسيرو إلى الكوفة، فإنه لا دافع لكم عنها، ومنجز وعدي الذي جاءتكم به رسلي، قسروا بذلك سروراً كثيراً وارتحلوا نحو الكوفة، فلما وردوا إلى القطقطانة، وهي قرية خراب في البر، بينها وبين الكوفة ستة وثلاثون ميلاً، وذلك يوم الأربعاء قبل يوم عرفة بيوم من سنة ثلاث وتسعين ومائتين، خلفوا بها الخدم والأموال أمرهم أن يلحقوا به عن الرحبة ستة أميال لها ألف وسيلة ثم شاور الوجوه من أصحابه في أي وقت يأتي الكوفة؟ فقال قائل ليلاً فلا يتحرك أحد إلا قتلناه، ويخرج إلينا وإليها في قلة فنأخذه ونقتله، وقال آخر: نمهل أن ندخلها عشاء في يوم العيد، والجند سكارى والبلد خال، فنقصد باب إسحاق وهو غافل فنأخذه ونقف على بابه، فلا يأتينا أحد إلا قتلناه، فإنهم لا يأتونا إلا نفر بعد نفر، وكانت شحنة الكوفة يومئذ سبعة آلاف رجل، إلا أن المقيم بالكوفة يومئذ أربعة آلاف من الدميانية والمصريين وغيرهم، والناس فيها أحياء والبلد على غاية الاجتماع والحسن وكثرة الناسٍ، وقال آخرون: نسير ليلتنا ثم نكمن في النجف في شعابه فنزيح الخيل والإبل وننام، ونركب عمود الصبح فنشنها غارة على أهل المصلى، وقد نزل الجند للصلاة وركب غلمانهم الدواب، ونضع السيف وجل أهل البلد هناك، فقال اللعين: هذا هو الرأي، فركبوا وساروا حتى حصلوا في بعض المواضع فناموا، فلم يوقظهم إلا مس الشمس يوم العيد، لطفاً من الله تعالى بالناس، قال: وقد كان أحد ما شغلهم أنهم اجتازوا بقوم من اليهود يدفنون ميتاً لهم بالنخيلة، فشغلهم قتلهم فلم يصلوا إلى الكوفة إلا وقد صلى إسحاق بن عمران بالناس العيد، وانصرف والناس متبددون في ظاهر الكوفة ومنهم من قد انصرف، ولإسحاق بن عمران طلائع تتفقد، وكان ذلك لأمور قد أرجف الناس بها في البلد، من فتن تحدث من غير جهة القرامطة، وقيل كانت عدتهم ثمانمائة فارس وأربعمائة راجل: وهم يقاتلون على طمع وشبهة، فأقبلوا يقدمهم هذا المكنى بأبي الحسين. قال: وكان أحد الألطاف أن إسحاق بن عمران قد أحدث مصلى بالقرب من طرف البلد فصلى فيه، وكان الرجوع منه إلى البلد سهلاً، فقصدت القرامطة المصلى العتيق، على ما كانوا يقدرون من اجتماع الناس فيه، فلم يصادف فيه أحد، فأقبلت خيل منهم من تلك الجهة، فدخلوا الكوفة من يمينها، فوضعوا السيف حتى وصلوا إلى حبسها ففتحوه وقتلوا كثيراً من الناس وأخرجوا خلقاً، فارتجت الكوفة وخرج الناس بالسلاح، وتكاثر الناس على من دخل الكوفة من القرامطة، فقذفوهم بالحجارة فقتل منهم جماعة، وأقبل جل القوم نحو الخندق فقتلوا ناساً، وناوشهم طوائف من الجند تخلفوا بالصحراء وبعض ما كان أنفذ إسحاق بن عمران طليعة، فقتلوا بعضهم وأفلت إلى البلد، وكان إسحاق بن عمران قد انصرف في أحسن زي وأجمله، فلما صار قرب داره تفرق الجيش عنه إلا خواصاً، كان قد عمل لهم سماطاً في داره، فلما سار في بعض الطريق لحقه فارس من بني أسد على فرس له بلقاء، قد طعنت في عنقها ودمها سائل ودمها على كتفها إلى الحافر، فشق الجند وزاحم غلمانه وجاوز إسحاق بن عمران، ثم قلب رأس فرسه إليه فوقف له، فقال: جاءتنا أيها الأمير خيل من الأعراب، فقتلت وسلبت وخرجت إلى الصحراء، فلما رددناهم طعنت فرسي، فقلب إسحاق بن عمران فرسه راجعاً، وأمر بإخراج الجند نحو الخندق، وبين يدي إسحاق بن عمران نحو من ستين راجلاً، ومعه غلمانه ونفر يسير من الجند، حتى صار عند قصر عيسى بن موسى ومعه أبو عيسى صالح بن علي بن يحيى الهاشمي يسايره فالتفت إليه، وقال: خذ هؤلاء الرجالة وامض إلى قنطرة بني عبد الوهاب - وهي إحدى قناطر الخندق - فاكشفها، فأخذهم ومضى، وتقدم إلى عبد الله الحسين بن عمر العلوي","part":7,"page":115},{"id":3126,"text":"أن يدور في البلد ويسكن الناس، فدار وعليه السواد فسكن الناس، وخرج كثير من الناس بالسلاح، وتفرق من دخل الكوفة من القرامطة لما رماهم أهلها، وقتل بعض القصابين رجلاً منهم بساطور، وكان فيمن تفرق منهم رجل من كلب يعرف بالمقلقل، وهو أحد رجالهم وشجعانهم في جمع معه، فأفضى به الطريق إلى دار عيسى بن علي، فلقيهم أحد الفرسان من الجند يعرف بالورداني، قد ركب لما سمع الصيحة، فلم يشك أنهم من الجند لما رأى من كثرة الجواشن عليهم والدروع، فقال لهم: سيروا يا أصحابنا، فأمسكوا عنه حتى توسطهم ثم عطفوا عليه بالسيوف فقتلوه، وأخذوا دابته وساروا نحو الخندق للقاء أصحابهم، فلما صاروا بالصحراء من الكوفة نظر إليهم أبو عيسى، فلم يشك أنهم من أصحاب السلطان، ثم نظر إليهم وقد لقوا جماعة من العامة، فأقبلوا يسبلونهم، فتبين أمرهم فحمل عليهم فعدلوا عن سلب أولئك، وحمل فارسهم المقلقل - وكان رجلاً عظيماً جسيماً - وفي يده سيف عريض، فالتقى هو وأبو عيسى فطعنه أبو عيسى تحت ثندوته فصرعه، فحذفه المقلقل بالسيف فأصاب جحفله فرسه فعقره، وأمر أبو عيسى بعض الرجالة فاختز رأسه ووجه به إلى إسحاق بن عمران، وقد رفع رأسه، فكان ذلك أحد ما كسرهم؛ قال: واجتمعت الخيل والرجالة فقاتلهم إسحاق بمن معه - وليسوا بالكثيرين - قتالاً شديداً، في يوم صائف شديد الحر طويل إلى الزوال، وخرج الناس من العامة فانصرف القرامطة مكدودين فنزلوا العدير على ميلين من الكوفة وارتحلوا عشياً نحو سوادهم، واجتازوا بالقادسية، وقد وصل إليهم رسول إسحاق بن عمران، فحذرهم أمرهم يعني حذر أهل القادسية، وعرف يومئذ صبر إسحاق ابن عمران على حملاتهم وتشجيعه لأصحابه.أن يدور في البلد ويسكن الناس، فدار وعليه السواد فسكن الناس، وخرج كثير من الناس بالسلاح، وتفرق من دخل الكوفة من القرامطة لما رماهم أهلها، وقتل بعض القصابين رجلاً منهم بساطور، وكان فيمن تفرق منهم رجل من كلب يعرف بالمقلقل، وهو أحد رجالهم وشجعانهم في جمع معه، فأفضى به الطريق إلى دار عيسى بن علي، فلقيهم أحد الفرسان من الجند يعرف بالورداني، قد ركب لما سمع الصيحة، فلم يشك أنهم من الجند لما رأى من كثرة الجواشن عليهم والدروع، فقال لهم: سيروا يا أصحابنا، فأمسكوا عنه حتى توسطهم ثم عطفوا عليه بالسيوف فقتلوه، وأخذوا دابته وساروا نحو الخندق للقاء أصحابهم، فلما صاروا بالصحراء من الكوفة نظر إليهم أبو عيسى، فلم يشك أنهم من أصحاب السلطان، ثم نظر إليهم وقد لقوا جماعة من العامة، فأقبلوا يسبلونهم، فتبين أمرهم فحمل عليهم فعدلوا عن سلب أولئك، وحمل فارسهم المقلقل - وكان رجلاً عظيماً جسيماً - وفي يده سيف عريض، فالتقى هو وأبو عيسى فطعنه أبو عيسى تحت ثندوته فصرعه، فحذفه المقلقل بالسيف فأصاب جحفله فرسه فعقره، وأمر أبو عيسى بعض الرجالة فاختز رأسه ووجه به إلى إسحاق بن عمران، وقد رفع رأسه، فكان ذلك أحد ما كسرهم؛ قال: واجتمعت الخيل والرجالة فقاتلهم إسحاق بمن معه - وليسوا بالكثيرين - قتالاً شديداً، في يوم صائف شديد الحر طويل إلى الزوال، وخرج الناس من العامة فانصرف القرامطة مكدودين فنزلوا العدير على ميلين من الكوفة وارتحلوا عشياً نحو سوادهم، واجتازوا بالقادسية، وقد وصل إليهم رسول إسحاق بن عمران، فحذرهم أمرهم يعني حذر أهل القادسية، وعرف يومئذ صبر إسحاق ابن عمران على حملاتهم وتشجيعه لأصحابه.\rقال: وأخرج إسحاق بن عمران مضاربة بظاهر الكوفة، وخرج إليه أصحابه فعسكر، وبات الناس بالكوفة على غاية الجزع والتحارس ونصب الحجارة على الأسطحة؛ قال: ولم وصلت القرامطة إلى عين الرحبة وكانوا قد خلفوا سوادهم هناك، فرحلوا ثم وساروا بهم فنزلوا عيناً بسرة العذيب تعرف بعين عبد الله، ثم رحلوا فنزلوا قرية تعرف بالصوان على نهر هد من سواد الكوفة، ثم مضى أبو الحين إلى قرية تعرف بالدرنة على نهر زياد من سواد الكوفة، فخرج إليه بها زكرويه وكان من أمره ما نذكره.\rزكرويه بن مهرويه وقتاله\rعساكر الخليفة وأخذه الحاج وما كان من أمره إلى أن قتل","part":7,"page":116},{"id":3127,"text":"كان ظهور زكرويه بن مهرويه في سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وذلك أنه لما وصل القاسم بن أحمد إلى الدرنة خرج زكرويه إليه منها وكان بها مستتراً كما ذكرنا فيما تقدم، فقال القاسم للعسكر: هذا صاحبكم وسيدكم ووليكم الذي تنتظرونه، فترجلوا بأجمعهم وألصقوا خدودهم بالأرض، وضرب لزكرويه مضرب عظيم وطافوا به وسروا سروراً عظيماً، واجتمع إليه أهل دعوته من أهل السواد فعظم جيشه جداً، وكان إسحاق بن عمران قد كتب إلى العباس بن الحسن وزير المكتفى - يخبره خبر القرامطة ومهاجمتهم على الكوفة وما كان من خبرهم، وأثنى على من عنده من الجند وذكر حسن بلائهم، فلما وصل إليه الكتاب قلق له، وشاور بعض أصحابه في لقاء الخليفة المكتفى بالله بذلك، فأشار عليه بتعجيله بذلك، فقال الوزير: كيف ألقاه بهذا مع ما يحتاج إليه من الأموال ولعهدي به، وقد ناظرني منذ يومين في دينار واحد، ذكر أنه فضل بقية نفقة رفعت إليه، فقال له صاحبه: أيها الوزير إن أسعفك وإلا ففي خدمك وأسبابك فضل فوظفها علينا، وتنفق فيها، فقال: فرجت، والله - عني، ثم لبس ثيابه وأتى إلى المكتفي بالله فدخل عليه في غير وقت الدخول فعرفه الخبر، فقال له المكتفى: كأنك يا عباس قد قلت: كيف أخبر أمير المؤمنين بمثل هذا وقد ناظرني في دينار فضل نفقة! فقال: قد كان ذاك يا أمير المؤمنين، قال: إنما جرى ذلك لمثل هذا، فلا تبخل بمال في مثل هذا، وأباحه الأموال والإنفاق في الرجال ليلاً ونهاراً، فأنفذ الوزير جنى الصعفراني ومباركاً القمى وتحرير العمري ورائقاً وطائفة من الغلمان الحجرية وجماعة من القواد في جيش عظيم، فوصل أوائلهم في اليوم السادس من يوم النحر، فركب إليهم إسحاق بن عمران وذكر لهم قوة من لقي من القرامطة، وأنه قد مارسهم، وحذرهم أن يغيروا بهم، وقال لهم: سيروا إلى القادسية فإن بينكم وبينها مرحلة، وإذا صرتم بها فأريحوا واستريحوا وتجمعوا، ثم سيروا إليهم وطاولوهم ونازلوهم فإن الظفر برجي بذلك فيهم عندي، ولا ترموا بأنفسكم عليهم صبر غير أنكال، فقال له بشر الأفشيني: إن رأيناهم كفيناك القول يا أبا يعقوب، إنما نخشى أن يهربوا، فدعا لهم بالنصر ورحلوا نحو القادسية، فتابوا بها ليلة ورحلوا في آخرها إلى الصوان، وبين الموضعين نحو العشرة أميال، ورحلوا بالأثقال والفهود والبزاة وهم على غير تعبئة مستخففين بهم، فأسرعوا السير ووصلوا وقد تعب ظهرهم وقل نشاطهم وقد عمد القرامطة فضربوا بيوتهم إلى جانب جرف عظيم لنهر هناك وأثقالهم مما يلي البيوت، والرجالة في أيديهم السيوف، وقتالهم من وجه واحد صفا واحداً قدام البيوت بقدر نصف غلوة، والفرسان جلوس خلف الرجالة، فلما تراءى الفريقان ركب الفرسان وافترقوا فصاروا جناحين للرجالة، وحملوا على الناس فصدقوهم الحملة فانكفأوا راجعين، وتلاقى الرجالة من الفريقين، فأتت رجالة العسكر على رجالة القرامطة وألجأوهم إلى البيوت، وأقبلت الفرسان فنظروا إلى الرجالة ينهبون بيوتهم، فترحلوا وحملوا خيلهم الأمتعة، وكانت القرامطة في مجنبات الناس لما رأوا من صدق القتال، فلما رأوا الناس قد حملوا الدواب والجمازات وتشاغلوا حملوا على الجمازات والبغال بالرماح، فأقبلت لا يردها شيء عن الناس تخطبهم، فانهزم الناس ووضع السيف فيهم، وقتل الأكثر وتبع الأقل نحو القادسية وفيهم مبارك القمى، فأقاموا ثلاثاً يجمعون السلب والأسرى، وجمع زكرويه الآلة والمتاع والأثاث والجمازات، فقبل إنه أخذ ثلاثمائة جمل وخمسمائة بغل مما كان للسلطان سوى ما أخذ للقواد، وقيل إنه قتل ألفاً وخمسمائة رجل، فقوى أصحابه جداً، ودخل الكوفة فلول الجيش عراة.","part":7,"page":117},{"id":3128,"text":"ورحل زكرويه يريد الحاج وبعث دعاته إلى السواد، فلم يلحق به فيما قيل إلا النساء والصبيان، قال: ولما وقف الخليفة على صورة الأمر عظم عليه وعلى الناس وخافوا على الحجاج، فانفذ المكتفى بالله محمد بن إسحاق بن كنداج لحفظ الحاج وطلب زكرويه، وضم إليه خلقاً عظيماً وجماعة من القواد ونحو ألفي رجل من بني شيبان واليمن وغيرهم، وكان زكرويه قد نزل على عين الزبيدية، ثم نزل على أربعة أميال من واقصة، فوافت القافلة لست أو سبع خلت من المحرم من سنة أربع وتسعين ومائتين، فأنذرهم أهل المنزل بالقرامطة فلم ينزلوا وطووا، فنجاهم الله عز وجل، وكان معهم من أصحاب السلطان الحسن بن موسى وسما الإبراهيمي، فلما وافى زكرويه واقصة تعرف الخبر فعرف أنهم قد حذروهم، فقتل جماعة من أهل المنزل ونهب وأحرق الحشيش وتحصن الباقون منه، ورحل فلقيه الخراسانية من الحجاج على الأرض البسيطة التي تخرج منها حجارة النار، يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم، وليس معهم أحد من أصحاب السلطان، فرشقوا القرامطة بالنشاب وقد أحاطوا بهم فانحازوا عنهم، ثم تقدم إلى الحاج جماعة منهم فسألوهم: هل فيكم سلطان، فأنا لا نريدكم؟ فقالوا لهم: لا، إنما نحن قوم حجاج، فقال لهم زكرويه: امضوا، فرحلوا وأملهم حتى ساروا ثم قصدهم، يبعج الجمال بالرماح حتى كسر بعضها بعضا واختلطت، ووضع السيف فقتل خلقاً عظيماً واستولى على الأموال.\rوقدم محمد بن إسحاق بن كنداج الكوفة ثم رحل إلى القادسية فلما وقف على خبر مسيرهم نحو راقصة أنفذ علان بن كشمرد في خيل جريدة، حتى لقي فل الخراسانية فأشاروا عليه أن يلحق الحاج فإن القافلة الثانية تنزل العقبة الليلة أو من غد، فحث حتى تسبق إليها فتجتمع أنت ومن فيها على قتال الكفرة، الله الله في الناس أدركهم، فرحل راجعاً نحو القادسية وقال: لا أغرر برجال السلطان للقتل، فلقي بعد ذلك من المكتفي شراً؛ وورد زكرويه العقبة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم وفي القافلة مبارك القمى وأحمد ابن نصر الديلمي وأحمد بن علي الهمذاني، وقد كانت كتب المكتفي اتصلت إلى أمراء القافلة الثانية والثالثة مع رسله، يأمرهم أن يتجنبوا الطريق ويرجعوا إلى المدينة، ويأخذوا على طريق البصرة أو غيرها فلم يفعلوا ذلك، ولما التقوا قتالاً شديداً فكانت الغلبة لأصحاب السلطان حتى لم يشكوا في ذلك، ثم خرج اللعين زكرويه إلى آخر القافلة وقد رأى خللاً هناك، فعمل في الجمال كما عمل في جمال الخراسانية، وقتل سائر الناس إلا يسيراً استبعدهم أو شريداً، ثم أنفذ خيلاً فلحقت من أفلت من أوائل القوم حتى ردوهم إليه، فقتلهم وأخذ النساء وجميع ما في القافلة، وقتل مباركاً القمى ومظفراً ابنه وأسر أبا العشائر، فقطع يديه ورجليه وضرب عنقه، وأطلق من النساء ما لا حاجة له فيها، ووقع بعض الجرحى بين القتلى حتى تخلصوا ليلاً، ومات كثير من الناس جوعاً وعطشاً، وورد من قدم من الناس يخبرون أن نساء القرامطة كن يطفن بين القتلى فيقلن: عزيز علينا، من يرد ماء نسقيه، فإن كلمهن جريح مطروح أجهزن عليه، قال: ويقال إن جميع القتلى كانوا نحوا من عشرين ألفاً، وأخذ من الأموال ما لا يحصى كثرة.","part":7,"page":118},{"id":3129,"text":"قال: ولما اتصل خبر القافلتين بمدينة السلام جاء الناس من ذلك ما شغلهم، وتقدم السلطان بإخراج المال وإزاحة العلل، وأخرج العباس بن الحسن ومحمد بن داود الجراح الكاتب المتولي دواوين الخراج والضياع بالمسير إلى الكوفة لإنقاذ الجيش منها، وحمل معه أموالاً عظيمة، وقال: كلما قرب نفاذ ما معك كاتبني لأمدك بالأموال، وخرج إليها يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم، وقدم خزانة سلاح جعلها بالكوفة فما زالت بقاياها هناك إلى أن أخذها الهجري. قال: ثم رحل زكرويه يريد القافلة الثالثة فلم يدع ماء في طريقه إلا طرح فيه جيف الموتى، ونزل زبالة فقتل من بها من التجار، ونهب الحصن وبث الطلائع خوفاً من لحوق عسكر السلطان به، فلما أبطأت القافلة عليه فنزل الشقوق ثم نزل في رمل يقال له الهبير والطليح، وأقام ينتظر القافلة وفيها من القواد نفيس المولدي، وعلى ساقتها صالح الأسود ومعه الشمسة، وكان المعتضد جعل فيها جواهر نفيساً ومعه الخرانة، وكان في القافلة من الوجوه إبراهيم بن أبي الأشعث، ومعه كاتبه المنذر بن إبراهيم وميمون ابن إبراهيم الكاتب وكان إليه ديوان الخراج، والفرات بن أحمد ابن محمد بن الفرات، والحسن بن إسماعيل قرابة العباس بن الحسن، وعلي بن العباس النهيكي وغيرهم من الرؤساء، وخلق من مياسير التجار وفيها من المتاجر والرقيق ما يخرج عن الوصف، وفيها جماعة من الأشراف منهم أبو عبد الله أحمد بن موسى بن جعفر وجماعة من أهله، فأصاب بعضهم جراحات وأسر بقيتهم، فعرفهم بعض المولدين من وجوه عسكره فأخبره بهم، فخلى لأبي عبد الله أحمد بن موسى وأهله الطريق، ومكنهم من جمال تحملوا عليها، وكان أحمد بن موسى أحد من دخل بغداد وخبر السلطان بأمرهم وجلالة حالهم؛ وأقاموا بفيد وقد اتصل بهم أنهم ينتظرون مدداً من السلطان ففعل ابن كشمرد ما فعل من رجوعه إلى القادسية ولم ينجدهم، فلما طال مقامهم نفذ ما في المنزل وغلا السعر جداً، وجلوا عن الأجفر والخزيمية ثم الثعلبية ثم الهبير، فلم يستتم نزولهم حتى ناهضهم زكرويه فقاتلهم يومهم كله، ثم باتوا على السواء، ثم باكرهم فقاتلهم فبينما هم كذلك إذ أقبلت قافلة العمرة، وكان المتمرون يتخلفون للعمرة بعد خروج الحاج إذ دخل المحرم، وينفردون قافلة واحدة وانقطع ذلك من تلك السنة، فاجتمع الناس وقاتلوهم يومهم، ونفذ الماء وعطشوا ولا ماء لهم هناك، وباتوا وزكرويه مستظهر عليهم، ثم عاودهم القتال حتى ملك القافلة، فقتل الناس وأخذ ما فيها من حريم ومال وغير ذلك، وأفلت ناس قليل قتل الناس وأخذ ما فيها من حريم ومال وغير ذلك، وأفلت ناس قليل قتل أكثرهم العطش، ثم سار مصعداً نحو فيد فتحصن منه أهلها، فطاولهم فصبروا عليه ونزل منهم ثمانية عشر رجلاً بالحبال من رأس الحصن، فقاتلوا رجالتهم قتالاً شديداً وقد أسندوا ظهورهم بسور الحصن، ورمى أهل الحصن بالحجارة؛ قال: سمعت داود بن عتاب الفيدي - وكان نبيلاً صدوقاً - قال: نزلنا إليهم نحو أربعين رجلاً متزرين بالسراويلات، وقد كان لحقهم - لا أدري - عطش قال أو جوع، قال: فطردناهم فمالوا إلى حصن يقرب منا، وقد كان بيننا وبين أهله عداوة قديمة، أخذوا منهم الأمان ونزلوا ليفتحوا لهم، فقال بعضنا لبعض: إن ظفروا به أخذوا منه ما يحتاجون إليه، وعادوا إليكم، قال: فطرحنا أنفسنا عليهم وأحس بذلك أهل الحصن فقويت قلوبهم، وخرجوا فكشفناهم، وتبعهم جماعة منا فسلبوا منهم جمالاً، وكان ذلك سبب صلاحنا مع أصحاب الحصن.","part":7,"page":119},{"id":3130,"text":"قال الشريف: ولم يبق دار بالكوفة وبغداد والعراق إلا وفيها مصيبة وعبرة سابلة وضجيج وعويل، حتى قيل إن المكتفي اعتزل النساء هماً وغماً، قال: وخفي أمر زكرويه، لا يعلم أين توجه، وقد كان أخذ ناحية مطلع الشمس، فتقدم المكتفي يتتبع أحواله وإشجان البلدان - التي يخاف مصيره إليها - بالرجال، وأنفذ وصيف ابن صوارتكين ولجيم بن الهضيم والقاسم بن سيما في جيش عظيم بالميرة والزاد والمال والجمال، لاستقبال الناس وإزاحة عللهم، وتقدم يطلب زكرويه حيث كان، إلى أن وردت كتب أهل فيد بخبره، فكوتب عند ذلك إسحاق بن كنداج بأن يلزم القادسية ونواحي الكوفة بجيشه، وكوتب لجيم بالمسير إلى خفان ومعارضة زكرويه حيث كان، وأن ينفذ الطلائع والأعراب ويرغبوا في تتبع حاله حتى يعرف، فجاءت الأخبار بما غلب على ظنهم، أنه لم يخط ناحية البصرة وأنه يقصد الاجتماع مع أبي سعيد الجنابي وهو المقدم ذكره، فاجتمع القواد وتشاوروا واستقبلوا طريقاً يقال له الطريق الشامي، ويقال له طريق الطف وهو بين الكوفة والبصرة، وعملوا على المقام هناك ليكونوا بين الكوفة وواسط والبصرة، فساروا مستدبري القبلة مستقبلي البصرة يرتجلون من ماء إلى آخر، حتى نزلوا يوم السبت لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين ومائتين ركباً فيه ماء بقرية خراب يقال لها صماخ، كان يسكنها على قديم الدهر قوم من ربيعة يقال لهم بنو عنزة، وبين هذا الموضع وبين البصرة ثلاثة أيام، فلقيهم قوم من الأعراب فخبروهم أن القرامطة بالثنى، وهو موضع من ذي قار الذي كانت فيه وقعة العرب مع العجم في أيام كسرى، وهو واد كثير الماء العذب وبينه وبين صماغ عشرة أميال، فبات الجيش بصماغ وتراءت الطلائع في عشي يومئذ، ورحل زكرويه من غد وهو طامع بالظفر، فالتقوا بقرية خراب يقال لها إرم، بينها وبين الثنى ثلاثة أميال، وذلك يوم الأحد لسبع بقين من شهر ربيع الأول، فاقتتلوا قتالاً شديداً صبر فيه الفريقان جميعاً، ثم انهزم كروية فقتل الجيش أكثر من معه، وأسر خلق كثير منهم وأفلت صعاليك من العرب على الخيل مجردين، ووصل إلى زكروية - وهو في القبة - في أوائل السواد، فظنوا أنه في الخيل التي انهزمت، فقذف رجل بنار فوقعت في قبته فخرج من ظهرها فألقى نفسه من مؤخرها، ولحقه بعض الرجالة - وهو لا يعرفه - فضربه على رأسه ضربة أثخنته فسقط إلى الأرض فأدركه صاحب للجيم كله يعرفه فأخذه وصار به إليه، فأخذه لجيم وأركب الذي جاءه به نجيباً فارهاً، وقال له: طر - إن أمكنك - حتى تأتي بغداد، وعرف العباس بن الحسن الوزير أنك رسولي إليه، واشرح له ما شاهدت وسلم إليه الخاتم، فسار حتى دخل بغداد وأعلمه بالخبر.\rقال: ومضى لجيم إلى وصيف والقاسم بن سيما فعرفهما خبر زكروية واجتمعوا جميعاً وكتبوا كتاب الفتح، ونهب الجيش عسكر القرامطة وأخذوا زوج زكروية واسمها مؤمنة وأخذ خليفته وجماعة من خاصته وأقربائه وكاتبه، وانصرف العسكر نحو الكوفة فمات زكروية بخفان من جراحات أصابته، صبر وكفن وحمل على جمل إلى بغداد، وأدخلت جئته وزوجته وحرم أصحابه وأولادهم والأسرى ورؤوس من قتل بين يديه وخلفه نساؤه من الجوالقات.\rقال ابن الأثير: وانهزم جماعة من أصحابه إلى الشام، فأوقع بهم أصحاب الحسين بن حمدان فقتلوا عن آخرهم، وأخذ الأعراب رجلين من أصحاب زكروية يعرف أحدهما بالحداد والآخر بالمنتقم وهو أخو امرأة زكروية، كانا قد توجها إليهم يدعوانهم إلى الخروج إلى صاحبهم، فسيروهما إلى بغداد، وتتبع الخليفة القرامطة بالعراق فقتل بعضهم وحبس بعضهم، وبادت هذه الطائفة منهم بالعراق مدة.\rأخبار من ظهر من القرامطة بعد مقتل زكرويه بن مهرويه\rقال الشريف أبو الحسين: ولما قتل زكروية سكن أمر القرامطة وانقطعت حركاتهم وذكر دعوتهم، فلما دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين خرج رجل من السواد من الزط يعرف بأبي حاتم، فقصد أصحاب البوراني خاصة، وكان هذا البوراني داعياً وأصحابه يعرفون بالبورانية، فلما ظهر أبو حاتم حرم عليهم الثوم والكراث والفجل، وحرم عليهم إراقة الدم من جميع الحيوان، وأمرهم بأشياء لا يقبلها إلا الأحمق السخيف من ترك الشرائع، وهذه الطائفة من القرامطة تعرف بالبقلية.","part":7,"page":120},{"id":3131,"text":"وأقام أبو حاتم هذا نحو سنة ثم زال، ثم اختلفوا بعده وكانوا أهل قرى بسواد الكوفة، فقالت طائفة منهم زكرويه بن مهرويه حي، وإنما شبه على الناس به، وقالت فرقة منهم الحجة لله محمد ابن إسماعيل.\rثم خرج رجل من بني عجل قرمطي يقال له: محمد بن قطبة فاجتمع له نحو من مائة رجل، فمضى بهم إلى نحو الجامدة من واسط، فنهب وأفسد فخرج إليهم أمير الناحية فقتلهم وأسرهم.\rسليمان بن الحسن\rبن بهرام الجنابي قد قدمنا أخبار أبيه أبي سعيد وحروبه وما استولى عليه، وذكرنا خبر مقتله وولاية ابنه سعيد، وأنه سلم الأمر إلى أخيه أبي طاهر سليمان، هذا في سنة خمس وثلاثمائة، وقد قيل بل عجز سعيد عن الأمر فغلبه عليه أخوه أبو طاهر سليمان. قال: وكان شهماً شجاعاً، وكان الخليفة المقتدر بالله قد كتب إلى أبي سعيد كتابا لينا في معنى من عنده من أسرى المسلمين، وناظره وأقام الدليل على فساد مذهبه، فلما وصلت الرسل إلى البصرة بلغهم موته، فكتبوا بذلك إلى الخليفة فأمرهم بالمسير إلى ابنه، فأتوا أبا طاهر بالكتاب فأكرم الرسل وأطلق الأسرى وأجاب عن الكتاب، ثم تحرك أبو طاهر بعد ذلك في سنة عشر وثلاثمائة، وعمل على أخذ البصرة فعمل سلاليم عراضاً، يصعد على كل مرقاة اثنان بزرافين - إذا احتيج إلى نصبها وتخلع إذا أريد حملها، ورحل بهذه السلالم المزرقنة يريد البصرة فلما قرب منها أمهل إلى أن جن الليل، وأمر بإخراج الأسنة وقد كانت وضعت في رمل كيلا تصدأ فركبت على الرماح، وفرق الجنن على أصحابه، وحشيت الغرائز بالرمل وحملت على الجمال وحملت أشياء من حديد قد أعدت لما يحتاج إليه، ثم سار بأصحابه إلى السور قبل الفجر، فوضعوا السلالم وصعد عليها قوم من جلداء أصحابه، وتقدم إليهم من يتكلم من الموكلين بالأبواب، ودفع للآخرين ما أعده لكسر الأقفال، وقد كان التواني وقع في أرزاق الموكلين على الأبواب، فتفرقوا للمعاش إلا بقية من المشايخ القدماء فإن أرزاقهم كانت جارية عليهم، فصادفوا بعضهم هناك تلك الليلة فتسوروا ونزلوا ووضعوا السيف عليهم، وجاء الآخرون فكسروا الأقفال ودخل القرامطة، فأول ما عملوا أن طرحوا الرمل المحمول معهم في الأبواب نحو ذراع، ليمنعوا غلقها إلا بتعب، وساروا ونذل بهم قوم فبادروا سبكاً المفلحي وهو يومئذ الأمير فأعلموه، فركب وقد طلع الفجر ومعه بعض غلمانه فتلقوه وقتلوه، وفزع الناس وركبت الخيل فقتل من تسرع منهم، وكانت العامة قد منعها السلطان أن تحمل سلاحاً، فاجتمعوا بغير سلاح ومعهم الآجر، وحضر سبك واجتمعت الجند ووقعت الحرب، فأصابت القرامطة جراحات والقتل في العامة كثير، واستمر ذلك إلى آخر النهار واختلاط الظلام، ثم خرج القرامطة وقد قتلوا من الناس مقتلة عظيمة إلى خارج البلد فباتوا خارج الدرب، وخرج الناس بعيالاتهم فركبوا السفن، وباكر أبو طاهر البلد فنزل دار عبد السلام الهاشمي، وتفرق أصحابه في البلد يقتلون من وجدوا وينهبون ما يجدون في المنازل، ويحمل ذلك إلى موضع قد أمر بجمعه فيه.\rوحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل: أن دخولهم البصرة كان في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وأنه وصل إليها في ألف وسبعمائة رجل، وأقام بها سبعة عشر يوماً يحمل منها ما يقدر عليه من الأموال والأمتعة والنساء والصبيان، وعاد إلى بلده.\rقال الشريف: وتراجع الناس فاشتغلوا بدفن من قتل، ولم يرد كثير منهم حريمه خوفاً من عود القرامطة، قال: ولما اتصل خبر هذه الحادثة بالسلطان أنفذ ابن نفيس في عدة وعدة فسكن الناس، وولى البلد فشحن السور بالرجالة، وتحرز الناس وأعدوا السلاح؛ قال: وكان أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان قد قلد أعمال الكوفة وقصر ابن هبيرة والسواد وطريق مكة، فجرى بينه وبين البوراني وقائع عظيمة حتى ردهم عن عمله بشجاعته وإقدامه، فعمرت البلاد وأمن الناس وصلحت الطرق واستقام عز السلطان، فوقف القرمطي من ذلك على ما هاله، وكانت جواسيس أبي طاهر لا تنقطع عن العراق في صور مختلفة، واتصل به أن أبا الهيجاء يهون أمره ويتمنى أن ينتدب لحربه، فخاف ذلك ولم يأمنه.\rأخذ أبي طاهر الحاج\rوأسره ابن حمدان وما كان من أمره في إطلاقه","part":7,"page":121},{"id":3132,"text":"كانت هذه الحادثة في سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة، وذلك أن أبا طاهر بن أبي سعيد الجنابي القرمطي أنفذ رجلاً من جواسيسه إلى مكة في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وقد خرجت قوافل الحاج مع أبي الهيجاء بن حمدان في تلك السنة، فكان الجاسوس يقوم على المحجة فيقول: يا معشر الناس ادعوا على القرمطي عدو الله وعدو الإسلام، ويسأل عن أمير الحاج وفي كم هو وكم أرزقهم، ويسأل عمن خرج من التجار وما معهم من الأموال، فكان ذلك دأبه حتى قضى الحج، ثم خرج في أول النفر فأسرع إلى سواد باهلة، ثم إلى اليمامة وصار إلى الأحساء في أيام يسيرة، فأخبر سليمان القرمطي بصورة الأمر، فوجه سليمان من يثل الآبار بينه وبين لبنه وبعض آبار لبنه ويسوى حياضها، وورد بعض الأعراب إلى أبي الهيجاء - وهو بعيد ينتظر رجوع الحاج وذلك في آخر ذي الحجة من السنة - فأخبره أن آبار لبنه قد ثلت فاستراب بذلك، وجاء بعض الأعراب بجلة فيها قطعة من تمر هجر فتيقن أمر القرامطة، فشغل ذلك قلبه، وجاءه ما لم يقدره ولا ظنه فاضطرب من ذلك اضطراباً شديداً، وورد حاتم الخراساني بقافلة الحاج من مكة ثاني ذلك اليوم، ومعه قافلة عظيمة، فزاد ذلك في شغل قلب لأبي الهيجاء لخوفه عليه، ولم يظهر ذلك لحاتم ولا لغيره ثم ارتحل فلم يعترض عليه، فلما صار حاتم بالثعلبية أنهى إليه شيء من أخبار القرامطة وأنهم بلبنه، وكان القرمطي رحل من بلده في ستمائة فارس وألف راجل، وسار حاتم فاجتاز بالهبير ليلاً فلم ينزله، وسار حتى نزل الشقوق، وأغذ السير وسلمه الله ومن معه، ونزلت بفيد قافلة أخرى من غد رحيل حاتم من الخراسانية، ثم ساروا عنها حتى إذا كانوا بالهبير ظهر لهم أبو طاهر سليمان القرمطي، فقتل بعضهم وأفلت البعض حتى وردوا الكوفة، فاشتد خوف الناس بالكوفة على الحاج واضطربوا، إلا أن نفوسهم قوية بمقام أبي الهيجاء بفيد، وكان أبو الهيجاء قد أنفذ رجلاً طائياً يعرف له أخبار القرامطة، يقال له مسبع بن العيدروس من بني سنبس - وكان خبيراً بالبر، وتقدم إليه أن يسرع إليه بالخبر ويعدل عن الطريق، ومعه جماعة قد أزاح عللهم في الرزق والمحمل، فساروا حتى قربوا من لبنه فنزل إليهم فارسان، فركبوا خيولهم وتلقوهما فتطاردوا، وقصرا في الركض وهبطا وادياً خلفهما وخرجا منه، ولحقتهم الخيل فساروا على أرض جدب، فدفع عليهم نحو سبعين فارساً، فلم ينته حتى طعنت فيهم وضربت، فرجع القوم على خيل مطرودة وخيول القرامطة مستريحة، فبالغوا في دفعهم بكل جهد فلم تك إلا ساعة حتى قتلوا جميعاً، وأسروا مسبعاً دليل القوم فحملوه إلى لبنه، فسأله القرمطي وقال: إن صدقتني أطلقتك، فلما أخبره أمر بحفظه، قال: ولم يمض لأبي الهيجاء يومان بعد إرسال الطليعة حتى وردت قوافل الحاج وأصحاب السلطان معها، وفيها من الوجوه أحمد بن بدر، عم السيدة أم المقتدر بالله، وشفيع الخادم، وفلفل الأسود صاحب خزانة السلطان، وإسحاق بن عبد الملك الهاشمي صاحب الموسم وغيرهم، فأعلمهم أبو الهيجاء الخبر فأجالوا الرأي، فقال لهم: قد أنفذت رجالاً أثق بهم طليعة، وأخذت عليهم ألا يرجعوا حتى يشربوا من لبنه والصواب التوقف عن الرحيل لننظر ما يأتون به، فعملوا على ذلك وأقاموا بفيد ستة أيام، ونزلت القافلة الوسطى فيد وكثر الناس وغلت الأسعار، ولم يقدروا على حشيش للعلف ولا خبز، فضج الناس وأجمعوا على الرحيل فرحلوا عن فيد يوم الأحد، وخلف أبو الهيجاء ابن أخيه علي بن الحسين بن حمدان بفيد، في خيل ينتظرون الحاج الذي مع قافلة الشمسة؛ قال: وكان الحاج قبل ذلك يسيرون قافلة بعد قافلة لكثرتهم، ومن أراد أن يسير بعد الحاج سار، ومن أراد أن يتخلف ليعتمر في الحرم تخلف، وكان الأمر يحملهم على ذلك فيسيرون قافلة بعد قافلة؛ قال: ثم وردت قافلة الشمسة فيد، فجاءهم بعض التجار بخبر ما اتصل بأبي الهيجاء، وكان في القافلة أبو عيسى صالح ابن علي الهاشمي، وجماعة من العباسيين، وأبو محمد بن الحسن ابن الحسين العلوي وعمر بن يحيى العلوي وغيرهما من الطالبيين وتجار الكوفة، فتجلت حقيقة الأخبار من أمر القرامطة، فاجتمعوا في مضرب أبو عيسى وتشاوروا، فاجتمع رأيهم على المقام بفيد إلى أن ترتحل القافلة، ثم ينظروا لأنفسهم في عرب يخرجون معهم إلى الكوفة، فأقام الناس بفيد يومهم ثم رحلوا بكرة، فلما جاوزوا المنزل افتقد على ابن","part":7,"page":122},{"id":3133,"text":"الحسين بن حمدان من تخلف من القافلة، فسأل عنهم فأخبر بتخلفهم فرجع إلى فيد ومعه بعض أصحابه فاجتمع بهم، وسألهم عن تخلفهم فقالوا بأجمعهم لا تحب سلوك هذه الطرق، ودافعوا عن الأخبار بسبب تخلفهم، وقالوا له: أنت وعمك بريان منا، قال: اكتبوا إلى خطوطكم بذلك، ففعلوا، وانصرف فسار بالناس فلما وصل إلى عمه أبي الهيجاء عرفه ذلك، فلامه عليه وقال: وددت أن جميع من ترى كان معهم، قال: ولما سارت القافلة مع علي بن الحسين بن حمدان أحضر هؤلاء الذين تخلفوا بفيد ابن نزار وابن توبة تاجرين من أهلها، فعرفوهم حاجتهم إلى من يسلك بهم إلى الكوفة على غير طريق الحاج، فجمعوا لهم جماعة من سنبس وتوصلوا بهم إلى بني زبيد من الطائيين، ثم أخذوا ينزلون على العرب يقاتلون من قاتلهم، ويصلون من استرفدهم ويبرون ويخلعون، فسلمهم الله حتى وردوا الكوفة، وذلك بعد شدائد عظيمة وقتال في مواضع، ولم يسلم من الحاج غيرهم والقافلة الأولى التي كانت مع حاتم.لحسين بن حمدان من تخلف من القافلة، فسأل عنهم فأخبر بتخلفهم فرجع إلى فيد ومعه بعض أصحابه فاجتمع بهم، وسألهم عن تخلفهم فقالوا بأجمعهم لا تحب سلوك هذه الطرق، ودافعوا عن الأخبار بسبب تخلفهم، وقالوا له: أنت وعمك بريان منا، قال: اكتبوا إلى خطوطكم بذلك، ففعلوا، وانصرف فسار بالناس فلما وصل إلى عمه أبي الهيجاء عرفه ذلك، فلامه عليه وقال: وددت أن جميع من ترى كان معهم، قال: ولما سارت القافلة مع علي بن الحسين بن حمدان أحضر هؤلاء الذين تخلفوا بفيد ابن نزار وابن توبة تاجرين من أهلها، فعرفوهم حاجتهم إلى من يسلك بهم إلى الكوفة على غير طريق الحاج، فجمعوا لهم جماعة من سنبس وتوصلوا بهم إلى بني زبيد من الطائيين، ثم أخذوا ينزلون على العرب يقاتلون من قاتلهم، ويصلون من استرفدهم ويبرون ويخلعون، فسلمهم الله حتى وردوا الكوفة، وذلك بعد شدائد عظيمة وقتال في مواضع، ولم يسلم من الحاج غيرهم والقافلة الأولى التي كانت مع حاتم.","part":7,"page":123},{"id":3134,"text":"قال: ولما وصل علي بن الحسين بن حمدان إلى عمه أبي الهيجاء اجتمعت القوافل، وكثر الناس، وتجلى لهم خبر القرامطة وصح، فسار أبو الهيجاء بالناس إلى الخزيمية ثم إلى الثعلبية، ثم ساروا يريدون البطان، واجتمع الناس من أصحاب السلطان والرؤساء فتشاوروا، فلم يدع الأمير أبو الهيجاء الاستعاثة بالقوم يقول: ارجعوا ودعوني ألقي القرامطة في أصحابي، فإن أصبت فمعكم من تسيرون معه، وإلا فامضوا إلى وادي القرى أو المدينة أو غير ذلك، وإن ظفرت وجهت إليكم فعدتم وقد زال المحذور ، ولم يزل يردد عليهم هذا القول من الأجفر إلى الثعلبية، فمنهم من أجاب ومنهم من أبى ذلك وقال: لا نفترق، وكان أحمد بن بدر عم السيدة ممن أبى ذلك وصمم على الملازمة، فعمل ابن حمدان بما أرادوه دون رأيه، وبات الناس على أميال بقيت من البطان والأحمال على ظهور الجمال، وذلك ليلة الأحد لأيام خلت من صفر، فلما أضاء لهم الفجر ارتحلوا، وقدم أبو الهيجاء ستمائة راجل من الأولياء، كان السلطان أبعدهم لكثرة شغبهم ببغداد فكانوا بين يدي القوافل، وقارب بين القطر ودخل بعض الناس في بعض، وتقدم نزار بن محمد الضبي فكان في أول القافلة في أصحابه خلف الرجالة، وسار أبو الهيجاء في التغالبة والعجم في ميمنة القافلة، وألزم الساقة وميسرة القافلة جماعة من الأولياء مع بعض الأمراء، واحتاط بكل ما أمكن، وسار فلما أضحى النهار أقبلت عليهم خيل القرامطة، والقافلة في نهاية العظم جداً، فكان أول من لقيهم رجالة أبي الهيجاء، فحملت القرامطة عليهم فخالطوهم فقتلوا جميعاً إلا نحواً من عشرين رجلاً، وحمل نزار في جيشه فضارب بعض خيل القرامطة بالسيوف ساعة، فلحقته ضربة فهوى إلى الأرض واعتنق فرسه، ومضى نحو المشرق وتبعه بقية أصحابه، فاستقاموا حتى وصلوا إلى زبالة وساروا إلى الكوفة، فلما سمع الأمير أبو الهيجاء الصوت وعرف الخبر وكان في آخر القافلة أسرع في خيله نحو أول القافلة، فوجد الأمر قد فاته بقتل من كان أمامها، وقويت القرامطة على حربه ووجد الحاج قد أخذوا يمنة ويسرة، فحمل على القرامطة فاستقبلوه فقتل جماعة من أهل بيته صبروا معه، وانهزم وضرب على رأسه ضربة لم تضره إلا أنه قد نزف منها، وأخذ أسيراً ونزل أبو طاهر القرمطي على غلوتين من القافلة، ورجالته نحو من ستمائة على المطى فأنفذهم وفرساناً من فرسانه فأحاطوا بالقافلة، ومنعوا الناس من الهرب، وكان قد هرب خلق منهم في وقت القتال، فتلف كثير منهم في الطريق عطشاً وأخذ بعضهم الأعراب فسلبوهم، وسلم قوم منهم إلى زبالة وساروا إلى الكوفة، وأتى بأبي الهيجاء إلى سليمان فلما نظر إليه تضاحك، وقال: قد جئناك عبد الله ولم نكلفك قصدنا، فتلطف له أبو الهيجاء بفضل عقله ودهائه وسعة حيلته وقوة نفسه، وألان له القول حتى أنس به، فاستأمنه على نفسه فأمنه فخلص بذلك ناساً كثيراً، وعمل في سلامة كثير من الحاج عملاً كثيراً، ثم أمر القرمطي بتمييز الحاج وإخراجهم من القوافل، وعزل الجمالين والصناع ناحية فظنوا أنه إنما أخرجهم للقتل فارتاعوا لذلك، وكانوا قد عطشوا عطشاً شديداً، فلما جنهم الليل ضجر الموكلون منهم، فأخذوا ما معهم وخلوهم، فورد من ورد منهم الكوفة بشر حال متورمي الأقدام في صور الموتى، ورحل أبو طاهر من الغد بعد أن أخذ من أبي الهيجاء وحده نحوا من عشرين ألف دينار من الأموال التي لا تحصى كثرة، وقدم كثير من الناس بخبر أبي الهيجاء، وأنه راكب مع القرامطة يدور معهم ويسأل في خلاص أسري كانوا معه، منهم أحمد بن بدر عم السيدة وفلفل الأسود وأحمد بن كشمرد وتحرير الخادم صاحب الشمسة وبدر الطائي وأخوه وغيرهم.\rقال: وزادت غلبة أبي طاهر لأصحابه فتنة، وعظموا أمره وسلب عقولهم حتى قالوا فيه أقوالاً مختلفة بحسب جهلهم، قال: ولما مضى لأبي الهيجاء شهور وهو عندهم أخذ يحتال في الخلاص، فمرة يعرض به ومرة يفصح به حتى أنس القرمطي بذلك وأجابه إليه، فسأله في ابن كشمرد وقال: هو ضعيف لكبره وعلته، وهذا الخادم الأسود ممن لا يضر السلطان فقده ولا ينفعه إطلاقه، وكلمه في أحمد بن بدر فامتنع عليه، فضمن له عشرين ألف دينار وبزاة وفهوداً وعبداناً وثيابا، فاستحلفه وضمنه، وتخلص منه ناس كثير من الحاج، وأطلقه، وصار إلى بغداد فتباشر الناس بذلك وابتهجوا به.\rدخول أبي طاهر الكوفة","part":7,"page":124},{"id":3135,"text":"والعراق ورجوعه كان أبو طاهر قد كتب إلى الخليفة المقتدر بالله - بعد إطلاق أبي الهيجاء بن حمدان - يطلب منه البصرة والأهواز، فلم يجبه إلى ذلك، فسار من هجر في سنة ثنتى عشرة وثلاثمائة يريد الحاج عند توجههم إلى الحجاز، وكان جعفر بن ورقاء الشيباني يتقلد أعمال الكوفة وطريق مكة، فسار مع الحاج خوفاً عليهم من أبي طاهر، ومعه ألف رجل من بني شيبان، وسار مع الحجاج من أصحاب السلطان ثمل صاحب البحر وغيره في ستة آلاف رجل، فلقي أبو طاهر الجيش فانهزموا منه، وردت القافلة الأولى هم وعسكر الخليفة بعد أن انحدروا من العقبة، وتبعهم أبو طاهر إلى باب الكوفة وبها يومئذ جنى الصفواني، كان الخليفة قد أنفذه في جيش عظيم إلى الكوفة، وبها أيضاً ثمل في جيش عظيم، وأقبل أبو طاهر حتى نزل بظاهر الكوفة في يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي العقدة، وأقبل جنى إلى خندق الكوفة في عشية هذا اليوم، وأهل البلد والعامة منتشرون على الخندق، وجعفر بن ورقاء في بني شيبان نازل على القنطرة التي على الخندق مما يلي دور بني العباس، ونمل على القنطرة التي تليها، وجنى مما يلي ذلك من ناحية يمنة الكوفة، فناوشه الناس، وخرج أبو محمد الحسن بن يحيى بن عمر العلوي فطارد بعض فرسانه، وانكفأ أبو طاهر راجعاً، وبات الناس على تلك الحال وقد قوى الطمع فيه، فلما كان الليل ورد كتاب السلطان يخاطب أبا محمد بن ورقاء في تدبير الجيش، فعمل على لقاء جنى الخادم ليعرفه ذلك، فأشير عليه ألا يفعل فأبى ذلك، ثم ركب يعرف جنياً ما كتب به إليه، فأنف جنى أن يكون تابعاً وأسر ذلك في نفسه، وباكرهم القرمطي بالقتال بعد أن أضحى النهار، فدخلت الرجالة وراء الفرسان بجيش خرس عن الكلام صمت وحركات خفية، والبارقة فيهم ظاهرة في ضوء الشمس، وهم يزفون عسكرهم زفاً، حتى إذا وصلوا إلى عسكر السلطان مالوا على جيش ابن ورقاء وهو في مسيرة الناس، فما تمهل بنو شيبان حتى انهزموا راجعين، فعبروا القنطرة التي على الخندق إلى جانب الكوفة وتبعوهم، فصاروا من وراء جنى وثمل فوضعوا السيف في الناس، وجنى جالس قبل ذلك على كرسي حديد يبين أنه لا يقاتل وكأنه يريد قتاله بعد الناس فأسروه، وقاتله ثمل وقاومه وهو منهزم على محاملة ومدافعة، إلى أن تخلص وسلم جعفر بن ورقاء وكثير من أصحابه، وقتل كثير من العامة وغيرهم في الطرقات، ووصل أبو طاهر إلى البلد فرفع السيف ونهب منازل الناس، وأقام بالكوفة ستة أيام بظاهرها يدخل البلد نهارا ويقيم بجامعها إلى الليل، ثم يخرج فيبيت بعسكره، وحمل منها ما قدر على حمله، ودخل المنهزمون بغداد ولم يحجوا في هذه السنة، وخاف أهل بغداد وانتقل الناس إلى الجانب الشرقي.\rقال: ورحل أبو طاهر عن الكوفة في يوم الاثنين لعشر بقين من ذي العقدة وقتل يوم دخوله أبو موسى العباسي صاحب صلاة الكوفة ورحل مؤنس المظفر من بغداد بجيش السلطان عند اتصال الأخبار ببغداد، فسار منهم حتى دخل الكوفة، فكان وصوله إليها بعد رحيل القرامطة عنها، فأقام بها ثلاثة أيام ثم رحل عنها، ثم عاد القرمطي في سنة خمس عشرة.\rدخول أبي طاهر القرمطي إلى العراق وقتل يوسف بن أبي الساج","part":7,"page":125},{"id":3136,"text":"قال:و في سنة خمس عشرة وثلاثمائة سار أبو طاهر من هجر إلى الكوفة، وكان المقتدر بالله قد استعمل يوسف بن أبي الساج على حرب القرامطة، فاستصعب ابن أبي الساج المسير إلى بلد القرامطة، ثقل مسيره في أرض قفر لكثرة من معه من العساكر، فاحتال على أبي طاهر وكتب إليه وأطمعه في بغداد، وأظهر له الموطأة والتزم بمعاضدته فغزه بذلك، حتى رحل بعيال وحشم واتباع وصبية، وجيشه على أقوى عدة تمكنه، وأقبل يريد الكوفة وعميت أخباره عن أهلها، إنما هي أراجيف، ورحل يوسف بن أبي الساج بجيشه من واسط يريد الكوفة، فسبقه أبو طاهر إليها ودخلها في يوم الخميس لسبع خلون من شوال من هذه السنة، وأخذ ما يحتاج إليه ونزل عسكره خارج الكوفة ما بين الحيرة إلى نهاية الخورنق، وأقبلت جيوش ابن أبي الساج تسيل من كل وجه على غير تعبئة، وأقبل هو في جيشه ورجاله حتى نزل في غربي الفرات، وعقد عليه جسراً محاذياً لأبي طاهر، وعبر إليه مستهيناً بأمره مستحقراً له لا يرى أنه يقوم به، وذلك في يوم الجمعة، فأرسل إلى أبي طاهر يدعوه إلى طاعة الخليفة المقتدر بالله أو الحرب في يوم الأحد، فقال: لا طاعة إلا لله والحرب غداً، فلما كان في يوم السبت لتسع خلون من شوال سنة خمس عشرة التقوا واقتتلوا قتالاً شديداً عامة النهار، وكثير من عسكر ابن أبي الساج لم يستتم نزوله، وهو جيش يضيق عنه موضعه ولا يملك تدبيره، وقد تفرق عنه عسكره تفرقاً منتشراً في فراسخ كثيرة، وركبوا من نهب القرى وأذى الناس وإظهار الفجور ما تمنى كثير من الناس هلاكهم. قال الشريف أبو الحسين: ولما لقيه بظهر الكوفة ما بين الحيرة والخورنق والنهرين من الفرات اتفق له تلول وأنهار وموضع يضيق عن جيشه ولا يتمكن معه الإشراف عليه، فقدم بين يديه رجالة بالرماح والتراس مع قائد يعرف بابن الزرنيخى، فأقبل القرمطي نحوه في أربعة آلاف فقاومته الرجالة طويلاً، ثم دخلتها الخيل وتعطفت عليها واضطرب الناس فوضع فيهم السيف؛ قال الشريف: وأخبرني بعض الجند قال: كنت والله قبل الهزيمة أريد أن أضرب دابتي بالسوط فلا يمكنني ذلك لضيق الموضع، ووصل كثير من عسكر القرمطي إلى ابن أبي الساج في مصافة على أتم عدة، فلما التقوا اقتتلوا كأعظم قتال شوهد، وكثرت القتلى والجراح في القرامطة جداً وقتل رجاله ابن الساج، وخلص إليه فانهزم الناس وقتلوا قتلاً ذريعاً، حتى صاروا في بساط واحد نحو فرسخين أو أرجح، فلما كان عند غروب الشمس انهزم أصحاب ابن أبي الساج بعد صبر عظيم، وأسر هو وجماعة كثيرة من أصحابه، وذلك في وقت المغرب من يوم السبت، فوكل به أبو طاهر طبيباً يعالج جراحه، واحتوى القرامطة على عسكر ابن أبي الساج، ولم تكن فيهم قوة على جمع ما فيه لضعفهم وكل من قتل منهم، فمكث أهل السواد من الأكرة وغيرهم ينهبون القتلى نحو أربعين يوماً، ووصل المنهزمون إلى بغداد بأسوأ حال، فخاف الخاص والعام ببغداد من القرامطة، وكان أبو طاهر القرمطي يظن أن مؤنساً المظفر لا يتأخر عن حربه، وكان على وجل منه، فلما لم يخرج إليه اشتد طمعه وظن أنه لا يلقاه أحد ولا يقاومه، وأن ما كان قد خدع به من أن ببغداد من يظاهره على أمره، وينتظر وصوله إليه من الرؤساء - حق، فخرج يريد بغداد، فلما قرب من نواحي الأنبار وقصر ابن هبيرة ونزل بسواده وكل بهم جنداً ليست بالكثير، وركب في جيشه فوافى الأنبار واحتال إلى أن عبر الفرات وصار من الجانب الغربي، وتوجه بين الفرات ودجلة يريد مدينة السلام، وعرف الناس ذلك فكثر اضطرابهم وجزعهم، فبرز مؤنس المظفر الخادم من بغداد للمسير إلى الكوفة، فبلغه أن القرامطة قد ساروا إلى عين التمر، فأرسل من بغداد خمسمائة سمارية فيها المقاتلة لتمنع من عبور الفرات، وسير جماعة من الجيش لحفظ الأنبار، وقصد القرامطة الأنبار فقطع أهلها الجسور، فنزلوا غرب الفرات وأنفذ أبو طاهر أصحابه إلى الحديثة، فأتوه بسفن فعبر فيها ثلاثمائة من القرامطة ، فقاتلوا عسكر الخليفة وقتلوا منهم جماعة واستولوا على الأنبار؛ قال: ولما ورد الخبر بذلك إلى بغداد خرج نصر الحاجب في عسكر جرار، ولحق بمؤنس المظفر فاجتمعا في نيف وأربعين ألفاً سوى الغلمان ومن يريد النهب، وكان في العسكر أبو الهيجاء بن حمدان وأخوته وأصحابهم، فلما أشرف القرامطة على عسكر الخليفة هرب منه خلق كثير إلى بغداد من غير","part":7,"page":126},{"id":3137,"text":"قتال؛ قال ابن الأثير: كان عسكر القرامطة ألف فارس وسبعمائة فارس وثمانمائة راجل؛ قال: وقيل كانوا ألفين وسبعمائة فارس.ال؛ قال ابن الأثير: كان عسكر القرامطة ألف فارس وسبعمائة فارس وثمانمائة راجل؛ قال: وقيل كانوا ألفين وسبعمائة فارس.\rقال الشريف: وسار مؤنس المظفر حتى نازل القرامطة على قنطرة نهر زبارا، على نحو ثلاثة فراسخ من بغداد، وشحن الموضع بالجيش، وأشار أبو الهيجاء بن حمدان بقطع القنطرة خوفاً من عبور القرمطي، وإن اتفق أدنى جولة مع امتلاء صدور الجيش من القرامطة فلا يملك البلد لشدة اضطرابه وكثرة أهله، ففعل مؤنس ذلك وقطعها وقاتل عليها نفر من القرامطة قتالاً شديداً، لا يمنعهم كثرة النشاب ولا غيره، وشحن مؤنس الفرات ما بين بغداد إلى الأنبار بسماريات، فيها رماة ناشبة تمنع أحداً من القرامطة من شرب الماء إلا بجهد، فضلاً عن تمكن من العبور، وكان أحد من نصب لذلك إسحاق بن إبراهيم بن ورقاء، وكان شيخاً ذا دين وبصيرة ونية في الخير، فأقام على حصاره لأبي طاهر وكان لا يقدر على مذهب لا إلى وجهه ولا إلى جوانبه، ومتى دنا من الماء أخذته السهام؛ قال الشريف: فحدثني من حصر يومئذ وقد ورد كتاب المقتدر بالله، يأمر مؤنساً بمعاجلته القتال ويذكر ما لزم من الأموال إلى وقت وصوله، فكتب مؤنس كتاباً ظاهراً - جواب كتاب الخليفة - يمليه على كاتبه والناس يسمعون، يقول: إن في مقامنا، أطال الله بقاء مولانا نفقة المال، وفي لقائنا نفقة الرجال، ونحن اخترنا نفقة المال على نفقة الرجال، قال: ثم أنفذ المظفر مؤنس رسولاً إلى القرمطي يقول: ويلك! تظن أنني كمن لقيك، أبرز لك رجالي والله ما يسرني أن أظفر بقتل بك رجل مسلم من أصحابي، ولكنني أطاولك وأمنعك مأكولاً ومشروباً حتى آخذك أخذا بيدي إن شاء الله؛ قال: وأنفذ المظفر حاجيه يلبق في ستة آلاف مقاتل إلى القرامطة، الذين بقصر ابن هبيرة مع سواده، ليوقعوا بهم ويخلصوا يوسف بن أبي الساج، فعلم أبو طاهر بذلك فاضطرب واجتهد في عبور الفرات فعجز. ثم اتفق له طوف حطب فعبر عليه في نفر يسير، وصار إلى سواده الذي خلفه، وجاءه يلبق فواقعه أبو طاهر في نفر يسير، فكر يلبق راجعاً منهزماً وسلم السواد وذلك بعد قتال شديد.\rونظر أبو طاهر إلى ابن أبي الساج - وقد خرج من الخيمة، ينظر ويرجو الخلاص، وقد ناداه أصحابه: أبشر بالفرج، فلما تمت الهزيمة أحضره أبو طاهر وقتله وقتل من معه من الأسرى، وقصد القرامطة مدينة هيت وكان المقتدر قد سير إليها سعيد بن حمدان وهارون بن غريب، فسبقوا القرامطة إليها وقاتلوهم عند السور، فقتل من القرامطة جماعة فعادوا عنها، فرجع مؤنس إلى بغداد وسار أبو طاهر إلى الدالية من طريق الفرات، فقتل من أهلها جماعة ثم سار إلى الرحبة فدخلها في ثامن عشر المحرم سنة ست عشرة وثلاثمائة، بعد أن حاربه أهلها فظفر بهم ووضع السيف فيهم، فراسله أهل قرقيسيا يطلبون الأمان فأمنهم على ألا يظهر أحد منهم بالنهار، فأجابوا إلى ذلك، وخافه الأعراب وهربوا من بين يديه، فقرر عليهم أتاوة عن كل رأس دينار يحملونه إلى هجر، ثم صعد من الرحبة إلى الرقة فدخل أصحابه إلى نصيبين، وقتلوا بها ثلاثين رجلاً وقتل من القرامطة جماعة، وقاتلوا ثلاثة أيام ثم انصرفوا في آخر ربيع الأول، وساروا إلى سنجار ونهبوا فطلب أهل سنجار الأمان فأمنهم، ثم عاد إلى الرحبة، ووصل مؤنس إلى الرقة بعد انصراف القرامطة عنها، فاحتال مؤنس في إرسال زواريق فيها فاكهة قد جعل فيها سموما قاتلة، فكانت القرامطة يلقونها فيأخذونها، فمات كثير منهم وضعفت أبدان بعضهم، وجهدوا وكثر فيهم الذرب فكروا راجعين وهم قليلو الظهر مرضى، فلما بلغوا هيت قاتلهم أهلها من وراء السور، فقتلوا منهم رئيساً كبيراً وانصرفوا عنها مفلولين.\rثم رحل أبو طاهر فدخل قصر ابن هبيرة فنهب وقتل، ثم دخل الكوفة على حال ضعف وعلل وجراحات، وأصحابه على ظهور حمر أهل السواد، وكان دخوله إليها يوم الجمعة لثلاث ليال خلت من شهر رمضان سنة ست عشرة وثلاثمائة، فأقام بها إلى مستهل ذي الحجة من السنة، ولم يقتل في البلد ولا نهب، وساس أهل الكوفة أمرهم مع القرامطة، ورحل أبو طاهر عن الكوفة في ذي الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة.\rمن ظهر منهم بسواد العراق\rفي أثناء وقائع أبي طاهر الجنابي","part":7,"page":127},{"id":3138,"text":"قال ابن الأثير والشريف أبو الحسين - وقد لخصت من روايتيهما ما أورده، ودخل خبر بعضهم في خبر بعض - ولما كان من أمر أبي طاهر في سنة ست عشرة وثلاثمائة ما قدمناه، اجتمع بالسواد ممن يعتقد مذهت القرامطة وكان يكتمه خوفاً فظهروا واجتمع منهم بسواد واسط أكثر من عشرة آلاف، وولوا عليهم رجلاً يسمى حريث بن مسعود، فخرج إليه الأمير بواسط فنام عسكره في بعض المواضع، فكسبه القرامطة فقتلوا منهم خلقاً، واستولوا على سائر ما حواه العسكر من السلاح وغيره فقوى أمرهم؛ واجتمعت طائفة أخرى بعين التمر في جمع كثير، فولوا عليهم رجلاً يسمى عيسى ابن موسى، وكانوا يدعون إلى المهدي، فسار عيسى بن موسى إلى الكوفة ونزل بظاهرها، وجيىّ الخراج وصرف العمال عن السواد وكان والي الكوفة قد هرب منها قبل دخولهم، ووجهوا إلى جميع السواد من يطالبهم بالرحيل إليهم، فخرج إليهم من بين راغب وراهب، ففرقوا العمال في الطساسيج، وولوا المعاون لقوم من وجوه عشائرهم، وولوا ابن أبي البوادي الكوفي خراج الكوفة، ونصبوا بعض بني ربيعة والياً لحربها، وأقاموا في البلد أياماً وراحوا إلى الجمعة بأجمعهم، وأقاموا أبا العيث بن عبدة خطيباً، وأحدثوا في الأذان ما لم يكن فيه، فركب إليهم أبو علي عمر بن يحيى العلوي وعيسى ابن موسى نازل على شط الفرات في بعض الأيام، فأظهروا الاستطالة على أبي علي بن يحيى وانقصوا رتبته، وأقيم وحجب أوقاتاً طويلة، فخرج أبو علي إلى السلطان وذكر له صورة أمر القوم، وقرر في نفسه أخذهم، فأنفذ السلطان معه صافي النصرى في جيش وضمن أبو علي معاونته، وكان هؤلاء قد خرجوا من الكوفة وخلفوا واليهم عليها وصاحب خراجهم، وقصدوا موضعاً يعرف بالجامع وما يليه فنهبوا واستباحوا، ووثب أهل الكوفة بعد خروجهم على من خلفوه عندهم، فقتلوا منهم جماعة وأخرجوا من بقي، واتصل الخبر بالقرامطة فأنكفأوا راجعين يريدون الكوفة ليقاتلوا أهلها، فاجتمع الناس وحملوا السلاح وحفظوا البلد وطافوا به ليلاً ونهاراً مدة أيام، وجاءت القرامطة فنزلوا على الكوفة ولم يكن لهم فيها مطمع فساروا إلى سوراً، وقدم أبو علي العلوي وصافي النصرى من بغداد، فواقعوهم على نهر بقرب اجهاباذ يعرف بنهر المجوس، فلم يكن بينهم كبير قتال حتى هزمهم الله تعالى، فقتل منهم ما لا يحصى وغرق منهم قوم وهرب الباقون، وتفرقوا وأسر عيسى بن موسى وخلق كثير معه وأعمى كان من دعاتهم كان يقول الشعر يعرف بأبي الحسن الخصيبي، ودار أبو علي في السواد فتلقط منهم قوماً، فسكن البلد وتفرق ذلك الجمع ولم يبق بقية قائمة، وحملت الأسرى والرؤوس إلى بغداد فقتل الأسرى بباب الكناسة وصلبوا هناك، وحبس عيسى بن موسى ثم تخلص بغفلة السلطان وحدوث ما حدث من اضطراب الجيش وكثرة الفتن في آخر أيام المقتدر، فأقام ببغداد يدعو ويتوصل إلى ناس استغرهم، ويعمل كتباً فيها ما يأخذه من كتب يشتريها من الوراقين، يمخرق فيها بذكر أمور ينسخها ويوهم أن له بذلك علماً، ورتب كتباً ينسبها إلى عبدان الداعي، ليوهم أن عبدان كان أحد العلماء بكل فلسفة وغيرها، وأنه يعلم ما يكون قبل كونه، ومخرق بجهده على جهال فصاروا له أتباعاً، وأفسد فساداً عظيماً، قال الشريف: وادعى خلافته من مخرق بعده إلى الآن.\rوحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل: أن الخليفة المقتدر بالله أرسل إلى حريث بن مسعود، هارون بن غريب وإلى عيسى بن موسى صافي النصرى، فأوقعوا بهم وانهزمت القرامطة وقتل أكثرهم وأسروا وأخذت أعلامهم وكانت بيضاء وعليها مكتوب ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين فدخلت بغداد منكوسة، وأضمحل أمر القرامطة بالسواد.\rنعود إلى أخبار أبي طاهر.\rمسير أبي طاهر إلى مكة\rونهبها وأخذ الحجر الأسود وإعادته وما كان من أخباره في خلال ذلك","part":7,"page":128},{"id":3139,"text":"وفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة حج بالناس منصور الديلمي، وسلموا في مسيرهم حتى أتوا مكة، فوافاهم أبو طاهر القرمطي بمكة يوم التروية، وهو يوم الاثنين لثمان خلون من ذي الحجة، فنهب هو وأصحابه أموال الحجاج وقتلوهم حتى في المسجد الحرام والبيت، وقلعوا الحجر الأسود وأنفذوه إلى هجر، وأخذوا كسوة الكعبة وباب البيت، وطلع رجل منهم ليقلع الميزاب فسقط فمات، وخرج لأمير مكة ابن مجلب في جماعة من الأشراف إلى أبي طاهر، وسألوه في أموالهم فلم يشفعهم فقاتلوه فقتلهم جميعاً وطرح القتلى في بئر زمزم، ودفن الناس في المسجد الحرام حيث قتلوا من غير غسل ولا كفن ولا صلاة على أحد منهم، ونهب دور أهل مكة، قال الشريف أبو الحسين: ولما نهب القرامطة مكة ورجع أبو طاهر إلى بلده لحقه كد شديد عند خروجه من مكة، وحاصرته هذيل فأشرف على الهلكة إلى أن عدل به دليل من الطريق المعروف إلى غيره، فوصل إلى بلده بعد ذلك في المحرم سنة ثماني عشرة وثلاثمائة، فأقام به ثم سار إلى الكوفة فدخلها في شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة، فاشتروا منها أمتعة وأسروا خلقاً من السواد، وعاثوا ورجعوا بعد خمسين يوماً إلى بلدهم، فأقاموا به.\rوأنفذ أبوطاهر سرية إلى جنابه وسينيز ومهروبان في البحر، فيها وجوه أصحابه في نحو أربعين مركباً، فوافت ساحل سينيز فصعدوا من المراكب، فحملوا على أهلها حملة واحدة فانكشف الناس عنهم، فوضعوا فيهم السيف فما لقوا أحداً إلا قتلوه من رجل وامرأة، فما نجا إلا من لحق بالجبال وسبوا النساء، فترك الناس الديار وخرجوا يريدون الهرب، فنادى أبو بكر الطرازي في الناس: لا بهرب أحد، فإنا نقاتل من ورد إلينا، وضرب بالبوق ووجه من حبس الناس عن سلوك الطرقات وردهم إلى البلد، وجمع الناس بالمسجد الجامع ورغبهم في الجهاد وأسعفهم بماله، ورغبت المتطوعة في الاجتماع فقويت قلوب الناس، وأنفذ أبو بكر سرية من وقته من خاصة غلمانه في نحو ثلاثمائة رجل في البحر، ووجه سرية أخرى في البر، وأنفذ إلى مهروبان يخبر أنه على لقاء العدو، وسألهم الإنجاد في المراكب لمعاونة أهل جنابه على قتال القرامطة، فساروا والتقى الفريقان في البر والبحر من أهل جنابه وسينيز، ووافت قوارب مهروبان فأشعلوا النيران في القوارب، فأحرقوا بعضها وتخلص منهم نحو عشرين قارباً، وانتشبت الحرب فقتل الله منهم خلقاً كثيراً، وأسر جماعة ولحق بعضهم بالجبال، وورد على أبي بكر الطرازي من أخبره بذلك، فجمع الناس وغدا نحو الجبال، وأرسل فارساً إلى من بسينيز من أصحابه أن يلحقوا به، وأنفذ إلى جنابه ألا يتخلف عنه من فيه حراك، لتكون الوقعة بهم من كل وجه، فوافوا المنهزمين من القرامطة في بعض كهوف الجبال، وذلك في يوم الأربعاء فلما رأوا الناس قد أقبلوا نحوهم كسروا جفون سيوفهم، وحملوا عليهم فثبتوا لهم، ولم نزل الحرب قائمة بينهم يوم الأربعاء والخميس إلى نصف النهار، ثم نادى أبو بكر الطرازى، من جاء برأس فله خمسون درهماً، فتنادى الناس بالشهادة وجدوا ونشطوا، وقتلوا خلقاً كثيراً وأخذوا جميع من بقي أسرى، وحملوا مشهرين والناس يكثرون حمد الله عز وجل والثناء عليه، ولم يفلت منهم أحد.\rوكتب الناس محضراً أنفذوه إلى بغداد، وحملت الأسرى والرؤوس معه، قال الشريف: ونسخه المحضر: \" بسم الله الرحمن الرحيم \" - حضر من وقع بخطه وشهادته آخر هذا الكتاب المحضر، وقد حضر عندهم ثلاثة من القرامطة - لعنهم الله - ذكر أحدهم أنه يقال له - سيار بن عمر بن سيار، والآخر ذكر أنه يقال له - علي بن محمد بن عمر، والآخر ذكر أنه يعرف بأحمد ابن غالب بن جعفر الأحساوى، فذكروا أنهم متى نفذ رسولهم إلى صاحبهم سليمان بن الحسن القرمطي رد الحجر والشمسة وكسوة البيت وأطلق الأسارى الذين في قبضته، وهادن السلطان وارتدع عن السعي بالفساد والقطع على الحاج، ولم يحفزهم ولم يعترض عليهم، ويقول هؤلاء النفر من جملة الأسرى الذين في يد محمد بن علي الطرازى - وهم الذين ظفر الله بهم - فمتى ما وفي سليمان بن الحسن القرمطي بما بذلوه عنه أفرج السلطان عنهم وردهم إليه، وذلك في يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وأسفل ذلك خطوط أهل البلد بالشهادة.","part":7,"page":129},{"id":3140,"text":"وأحضر سيار بن عمر بن سيار وعلي بن محمد بن عمر المعروف بأبي الهذيل بن المهلب وأحمد العيار، وهم من جملة الأسرى في الوقعتين بسينيز وجنابه، فعرض عليهم رؤوس أصحابهم ممن قتل من القرامطة، ليعرفوا بأسمائهم وأنسابهم فذكروا نحو المائة رأس، ومن الأسرى نحوهم، وحملوا إلى بغداد فحبسوا وأجري عليهم، ويقال إنه قد كان فيهم من اخوة سليمان بن الحسن من كتم أمره.\rوحدثني ابن حمدان أنهم كانوا بعد خلاصهم ومصيرهم إلى أبي طاهر يتحدثون: أن كثيراً من الكبراء وغيرهم كانوا يرسلون إليهم ما يتقربون به إلى قلوبهم، وذكروا أنهم كانوا يكثرون الخشوع وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وإقامة الصلاة، قال: ويضحكون من فعلهم هذا وخديعتهم الناس، قال: ويضحك أبو طاهر واخوته مما يتحدثون به، قال: وكان سبب تخلص هؤلاء الأسرى أن أبا بكر بن ياقوت كتب في المهادنة، وجرى بينهم خطوب في المراسلة إلى أن وافقهم أن يردوا الحجر الأسود ويخلوا الأسرى ولا يعرضوا للحاج، فجرى الأمر على ذلك.\rقال الشريف: وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة دخل القرمطي الكوفة، واستقبل لؤلؤاً الأمير خارجاً بالحاج في ذي القعدة، فرجع بهم لؤلؤ إلى الكوفة وتفرقوا فيها، بعد أن واقعته الخراسانية فلم يقدر على مقاومتهم وامتنعوا منه، إلا أن الناس تسربوا وافترقوا، فظفر بمن ظفر منهم فلم يكثر القتل وأخذ ما وجد، وأشار بعض أهل الكوفة على بعض أصحابه في هذه السنة - عند نزولهم بالكوفة - أن يسار في الحاج بغير ما يجري فيهم، فقال الرجل: الذي من أصحاب القرمطي: والله ما ندري ما عند سيدنا أبي طاهر، من تمزيق هؤلاء الذين من شرق الأرض وغربها، واتخاذهم ومن وراءهم أعداء، وما يفوز بأكثر أموالهم إلا الأعراب والشراد من الناس، قال الكوفي: فلو أنه حين يظفر بهم دعائهم أن يؤدي كل رجل ديناراً وأطلقهم وأمنهم لم يكره أحد منهم ذلك وخف علهيهم وسهل، وحج الناس من كل بلد لأنهم ظماء إلى ذلك جداً، ولم يبق ملك إلا كاتبه وهاداه واحتاج إليه في حفظ أهل بلده وخاصته، فجبي في كل سنة ما لا يصبر إلى سلطان مثله من الخراج، واستولى على الأرض وانقاد له الناس، وإن منع من ذلك السلطان اكتسب المذمة، وصار عند الناس هو المانع من الحج، فاستصوب رأيه وفرج عنه، لأن أصحاب أبي طاهر كان قد ظهر منهم اضطراب عليه وقلت طاعتهم له، قال: حتى لقد سمعت بعضهم وقد لحقه فارس من العرفاء يركض ويدور في الكوفة ويقول: ارجع إلى العسكر فإن السيد يأمرك بذلك، فذكر أمه بقبيح من الشتيمة بعد أن كانوا يعبدونه، قال: ولما سمع رئيس القرامطة كلام الكوفي وما أشار به من أمر الحاج وما جرى من الكلام في ذلك دخل إلى أبي طاهر فعرفه ما جرى، فبادر من وقته ونادى في الناس بالأمان، وأحضر الخراسانية وقرر معهم أنهم يحجون ويؤدون إليه المال في كل سنة، ويكونون آمنين على أنفسهم وأموالهم فلم يأمنوا له، فسلم سياسة أمرهم إلى أبي علي عمر بن يحيى العلوي، واستقر للقرامطة ضريبة ورسم على سفر الحاج.\rقال الشريف: ولما كان في سنة خمس وعشرين وثلاثمائة كبس أبو طاهر الكوفة عشية، وفيها شفيع اللؤلؤي أمير، فهرب من مجلسه والناس عنده، ورمى بنفسه من سطحه واستتر عند امرأة ضعيفة، وظهر الجند من الطرقات فقاوموا من لحقهم من جيشه، وامتنع أكثرهم منه وخرجوا سالمين إلا نفراً منهم أصيبوا، ووجه أبو طاهر إلى شفيع اللؤلؤي فأمنه وأحضره، فحضر إليه وقدم إليه طعاماً يأكله، وطلبت مائدة يأكل عليها، فقيل ما يحضر إلا مائدة نهبت من داره، فقال أبو طاهر: قبيح أن يراها فافرشوها بالرقاق لكي لا يعرفها، ففعلوا ذلك وقدمت إليه، وكان يحمل إلى أبي طاهر صحفة صحفة مما يقدم إليه، فينظر إليها أولاً وينفذها إليه وكان ذلك لدناءته ومهانته، وتفرق أصحابه عنه وقلت طاعتهم له فاحتاج إلى المداراة، فوجه إلى شفيع من يخاطبه في أن يمضي إلى السلطان، ويعرفه أنهم صعاليك لا بد لهم من أموال، وأنه إن أعطاهم مالاً لم يفسدوا عليه شيئاً وخدموه فيما يلتمسه، وإن أبى ذلك لم يجدوا بدا من أن يأكلوا بأسيافهم وسيره أبو طاهر ووصله، وخرج شفيع إلى السلطان فقدم إلى القرمطي أبو بكر بن مقاتل من قبل السلطان يناظره، ففت في عضده وملا صدره من السلطان وأتباعه، فزاده ذلك انكساراً وذلة وسار عن الكوفة.","part":7,"page":130},{"id":3141,"text":"وفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة فسدت رجال القرامطة وقتل بعضهم بعضا، وسبب ذلك أنه كان منهم رجل يقال له ابن سنبر، وهو من خواص أبي سعيد الجنابي المطلعين على سره، وكان له عدو من القرامطة اسمه أبو حفص الشريك، فعمد ابن سنبر إلى رجل من أصفهان، وقال له: إذا ملكتك أمر القرامطة نقتل عدوى، فأجابه إلى ذلك وعاهده عليه، فأطلعه على أسرار أبي سعيد وعلامات كان يذكرها في صاحبهم الذي يدعو إليه، فحضر إليه أولاد أبي سعيد فذكر لهم العلامات، فقال أبو طاهر: هذا هو الذي ندعو إليه، فأطاعوه ودانوا له حتى كان يأمر الرجل منهم بقتل أخيه فيقتله، وكان إذا كره رجل منهم يقول إنه مريض - يعني قد شك في دينه ويأمر بقتله، وبلغ أبو طاهر أن الأصفهاني يريد قتله لينفرد بالأمر، فقال لاخوته: قد أخطأنا في هذا الرجل وسأكشف حاله، فقال له: إن لنا مريضاً فانظر إليه ليبرأ، وأضجعوا والدتهم وغطوها بإزار، فلما رآها قال: إن هذا المريض لا يبرأ فاقتلوه، فقالوا: كذبت، هذه والدتنا ثم قتلوه، وذلك بعد أن أفنى أكثر أكابرهم بالقتل.\rوفاة أبي طاهر\rبن أبي سعيد الجنابي وأخيه وقيام أخويهما بعده قال: وفي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة هلك أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد وأخوه أبو منصور بجدري أصابهما، وملك التدبير بعده أخواه أبو القاسم سعيد وهو أكبرهم، وأبو العباس، وكانا يتفقان معه على تدبير الأمر، وكان لهم أخ آخر لا يختلط بهم لاشتغاله بالشرب واللهو، قال: وشركهما في تدبير الأمر ابن سنبر.\rإعادة الحجر الأسود إلى الكعبة\rشرفها الله تعالى قال: وفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة أراد القرامطة أن يستميلوا أهل الإسلام، فحملوا الحجر الأسود وأتوا به الكوفة، فنصبوه في المسجد الجامع على الأسطوانة السابعة في القبلة مما يلي صحن المسجد حتى يراه الناس ثم حملوه إلى مكة شرفها الله تعالى، وقالوا: أخذناه بأمر ورددناه بأمر.\rقال ابن الأثير وكان بجكم الرايقي قد بذل لهم فيه خمسين ألف دينار، فلم يردوه وردوه الآن بغير شيء، وذلك في ذي القعدة من السنة، فكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة إلا أياما، وحكى ابن الأثير في سبب رده: أن عبيد الله المنعوت بالمهدي القائم ببلاد المغرب والمستولى عليها كتب إلى القرمطي ينكر فعله ويلومه ويلعنه، ويقول أخفقت علينا سعينا وأشهرت دولتنا بالكفر والإلحاد بما فعلت، ومتى لم ترد على أهل مكة ما أخذته وتعيد الحجر الأسود إلى مكانه وتعيد كسوة الكعبة فأنا بريء منك في الدنيا والآخرة، فلما وصل هذا الكتاب أعيد الحجر إلى مكة شرفها الله تعالى.\rملك القرامطة دمشق\rوسيرهم إلى الديار المصرية ومحاصرة من بها ورجوعهم عنها","part":7,"page":131},{"id":3142,"text":"قال الشريف أبو الحسين رحمه الله تعالى: وفي سنة ستين وثلاثمائة سار الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي، وهو الذي انتهى إليه أمر القرامطة، من بلده إلى الكوفة، وعزم على قصد الشام وسبب ذلك أنه كان قد تقرر للقرامطة في الدولة الأخشيدية من مال دمشق في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، فلما ملك المعز لدين الله العبيدي الديار المصرية، واستولى جعفر بن فلاح على الشام، علموا أن ذلك يفوتهم، فسار الحسن بن أحمد إلى الكوفة، وراسل بختيار الديلمي أحد ملوك الدولة البويهية، في طلب السلاح والمساعدة، فأنفذ إليه خزانة سلاح من بغداد وسبب له على أبي تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان بأربعمائة ألف درهم، فرحل الحسن من الكوفة حتى أتى الرحبة وعليها أبو تغلب بن حمدان، فحمل إليه المال المسبب له به عليه وحمل إليه العلوفة، وأرسل إليه يقول: هذا شيء كنت أردت أن أسير أنا فيه بنفسي، وأنت تقوم مقامي فيه، وأنا مقيم في هذا الموضع إلى أن يرد على خبرك، فإن احتجت إلى مسيري سرت إليك ونادى في عسكره: من أراد المسير من الجند الإخشيدية وغيرهم إلى الشام مع الحسن بن أحمد فلا اعتراض عليه، فقد أذنا له في المسير والعسكران واحد، فخرج إلى عسكر القرمطي جماعة من عسكر أبي تغلب، وكان فيه كثير من الإخشيدية الذين كانوا بمصر وفلسطين، صاروا إليه لما انهزموا من المغاربة عند ملكهم الديار المصرية بعد الدولة الإخشيدية؛ قال: وسبب مظاهرة ابن حمدان للقرمطي أنه كان قد وقع بينه وبين جعفر بن فلاح مراسلات، أغلظ جعفر فيها على أبي تغلب وتهدده بالمسير إليه، فلما أرسل ابن جعفر إلى الحسن ابن أحمد هذه الرسالة ومكن الجند من المسير معه سره ذلك وزاد قوة، وسار عن الرحبة وقرب من أرض دمشق ووصل إلى ضياع المرج فظفرت خيله برجل مغربي يقال له علي بن مولاه، فقتلوه وقتلوا معه جماعة من المغاربة فوقعت الذلة على المغاربة، وكان ظالم بن موهوب العقيلى على مقدمة القرامطة في جمع من بني عقيل وبني كلاب، فلقي المغاربة في صحراء المزة وأقبل شبل بن معروف العقيلي معينا لظالم، ولم يزل القتال بينهم إلى أن أقبل الحسن بن أحمد القرمطي فقوى العقيليون، وتشمرت المغاربة ولم يزل القتال إلى العصر، ثم حمل ومن معه فانهزمت المغاربة وأخذهم السيف وتفرقوا، وقتل جعفر بن فلاح ولم يعرف، واشتغلت العرب بنهب العسكر، وكانت هذه الوقعة في يوم الخميس لست خلون من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة، فلما كان بعد الوقعة عثر بجعفر بن فلاح من عرفة وهو مقتول مطروح على الطريق، فاشتهر خبره في الناس، ثم نزل الحسن بن أحمد بعد الوقعة على ظاهر المزة فجنى مالاً من البلد وسار يريد الرملة، وكان جوهر القائد قد أنفذ من مصر رجلاً من المغاربة يقال له سعادة بن حيان ذكر أنه في أحد ألفاً، فلما بلغ ابن حيان أن ابن فلاح قد قتل وجاءه بعد ذلك قوم من المنهزمين فأخبروه بخبر الواقعة، تحير وتقطعت به الأسباب، فلم تكن له جهة غير الدخول إلى يافا، ولم يكن له بها عدة ولا دار، فلما دخل إليها جاءه الحسن بن أحمد فنزل عليها، واجتمعت عرب الشام فنازلها وناصبها بالقتال، حتى اشتد الحصار وقل ما بها جداً، وكان يدخل إليها شيء من الطعام يريد الخول به إلى يافا ضربت عنقه، فلما طال بهم الأمر أكلوا دوابهم وجميع ما عندهم من الحيوان، ثم هلك أكثرهم من الجوع، وكان الحسن بن أحمد قد سار عن يافا نحو مصر، وخلف على حصارها أبا المنجى وظالما العقيلي ونزل على مصر يوم الجمعة مستهل شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وثلاثمائة، فقاتل المغاربة على الخندق الذي لمدينتهم، وقتل كثيراً منهم خارج الخندق وحاصرهم شهوراً، ثم رحل عنها إلى الأحساء ولم يعلم الناس ما كان السبب في ذلك، فلما تيقنت المغاربة أنه قد رحل إلى بلده أنفذ جوهر القائد ابن أخته نحو يافا، وبلغ من عليها يحاصرها أن الحسن بن أحمد رحل عن مصر، وأن إبراهيم ابن أخت جوهر خارج يريد يافا، فساروا القوم عنها وتوجهوا نحو دمشق، فنزلوا بعسكرهم على ظاهرها، فجرى بين ظالم وأبي المنجي كلام وخلاف ذكر أنه بسبب أخذ الخراج، وكان كل واحد منهما يريد أخذه للنفقة في رجاله، وكان أبو المنجي كبيراً عند القرمطي يستخلفه على تدبير أحواله.","part":7,"page":132},{"id":3143,"text":"قال: ولما رحل القوم عن يافا إلى دمشق جاءها إبراهيم ابن أخت جوهر القائد، فأخرج من كان بها وسار بهم إلى مصر، ورجع الحسن ابن أحمد فنزل الرملة، ولقيه أبو المنجي وظالم فذكر أبو المنجي للحسن ابن أحمد ما جرى من ظالم وما تكلم به، فقبض عليه ولم يزل محبوساً حتى ضمنه شبل بن معروف فخلى سبيله، فهر إلى شط الفرات إلى حصن كان له في منزل بني زياد، ثم إن الحسن بن أحمد طرح مراكب في البحر وجعل فيها رجالاً مقاتلة، وجمع كل من قدر عليه من العرب وغيرهم وتأهب للمسير إلى مصر، وكان الجوهر يكتب إلى المعتز لدين الله إلى القيروان بما جرى على عسكره، من القتل والحصار والقتل، أن الحسن بن أحمد يقاتلهم على خندق عسكرهم، وقد أشرف على أخذ مصر فقلق من ذلك قلقاً شديد، وجمع من يقدر عليه وسار إلى مصر، وظنها أنها تؤخذ قبل أن يصل إليها فدخلها في يوم الثلاثاء لخمس خلون من شهر رمضان سنة اثنتي وستين وثلاثمائة وكان شديد الخوف من الحسن بن أحمد، فلما نزل مصر عزم على أن يكتب إلى الحسن بن أحمد كتاباً يعرفه فيه أن المذهب واحد، وأنهم منهم استمدوا، ولأن ساداتهم في هذا الأمر، وبهم وصلوا إلى هذه المرتبة وترهب عليه، وكان غرض المعز لدين الله العبيدي في ذلك أن يعلم من جواب القرمطي ما في نفسه، وهل خافه لما وافى مصر أم لا؟ قال: والحسن بن أحمد يعرف أن المذهب واحد، لأنه يعلم الظاهر من مذهبه والباطن، لأن الجميع اتفقوا على تعطيل الخالق وإباحة الأنفس والأموال وبطلان النبوة، فهم متفقون على المذهب، وإذا تمكن بعضهم من بعض يرى قتله ولا يبقي عليه.\rقال الشرف: وكان عنوان الكتاب: من عبد الله ووليه وخيرته وصفيه معد أبي تميم بن إسماعيل المعز لدين الله أمير المؤمنين، وسلالة خير النبيين ونجل علي أفضل الوصيين إلى الحسن بن أحمد، ونسخة الكتاب: \" بسم الله الرحمن الرحيم \" - رسوم النطقاء ومذاهب الأئمة والأنبياء ومسالك الرسل والأوصياء، السلف والآنف منا صلوات الله علينا وعلى آبائنا، أولى الأيدي والأبصار في متقدم الدهور والأكوار وسالف الأزمان والأعصار عند قيامهم بأحكام الله، وانتصابهم لأمر الله، بالابتداء بالإعذار والانتهاء بالإنذار، قبل إنفاذ الأقدار في أهل الشقاق والإصرار، لتكون الحجة على من خالف وعصى، العقوبة على من بان وغوى، حسبما قال الله جل وعز \" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً \" \" وإن من أمة إلا خلا فيها نذير \" وقوله سبحانه \" قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين \" \" فإن آمنو بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق \" ، أما بعد أيها الناس: فإنا نحمد الله بجميع محامده ونمجده بأحسن مماجدة، حمداً دائماً أبداً ومجداً عالياً سرمدا، على سبوغ نعمائه وحسن بلائه، ونبتغي إليه الوسيلة بالتوفيق والمعونة، على طاعته والتسديد في نصرته، ونستكفيه ممايلة الهوى والزيغ عن قصد الهدى، ونستزيد منه إتمام الصلوات وإفاضة البركات وطيب التحيات، على أوليائه الماضين وخلفائه التالين، منا ومن آبائنا الراشدين المهديين المنتخبين، الذين قضوا بالحق وكانوا به يعدلون.","part":7,"page":133},{"id":3144,"text":"أيها الناس \" قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن أعمى فعليها \" ليذكر من تذكر وينذر من أبصر واعتبر. أيها الناس: إن الله جل وعز إذا أراد أمراً قضاه، وإذا قضاه أمضاه، وكان من قضائه فينا قبل التكوين أن خلقنا أشباحاً، وأبرز أرواحنا بالقدرة مالكين، وبالقوة قادرين، حين لا سماء مبينة، ولا أرض مدحية، ولا شمس تضيء، ولا قمر يسرى، ولا كوكب يجري، ولا ليل يجن، ولا أفق يكن، ولا لسان ينطق ولا جناح يخفق، ولا ليل؛ ولا نهار، ولا فلك دوار، ولا كوكب سيار، فنحن أول الفكرة، وآخر العمل بقدر ومقدور، وأمر في القدوم مبرور، فعندما تكامل الأمر وصح العزم أنشأ الله جل وعز المنشآت فأبدأ الأمهات من هيولانا، فطبعنا أنواراً وظلمة وحركة، وسكونا، فكان من حكمة السابق في عمله ما ترون من فلك دوار، وكوكب سيار، وليل ونهار، وما في الآفاق من آثار معجزات، وأقدار باهرات، وما في الأقطار من الآثار، وما في النفوس من الأجناس والصور والأنواع، من كثيف ولطيف، وموجود ومعدوم وظاهر وباطن، ومحسوس وملموس، ودان وشاسع، وهابط وطالع كل ذلك لنا ومن أجلنا، دلالة علينا وإشارة إلينا، يهدي الله ما كان له لب سجيح، ورأى صحيح، قد سبقت منا له الحسنى، فدان بالمعنى، ثم إنه جل وعلا أبرز من مكنون العلم ومخزون الحكم آدم وحواء أبوين ذكراً وأنثى، سبباً لإنشاء البشرية، ودلالة لاظهار القدرة القوية الكونية، وزوج بينهما فتوالدا الأولاد، وتكاثرت الأعداد، ونحن ننقل في الأنصاب الزكية والأرحام الطاهرة المريضة، كلمنا ضمنا من صلب ورحم أظهر منا قدرة وعلماً وهلم جرا إلى آخر الجد الأول والأب الأفضل سيد المرسلين وإمام النبيين أحمد ومحمد صلوات الله عليه وعلى آله في كل ناد ومشهد، فحسن آلاؤه وبان غناؤه، وأباد المشركين وقصم الظالمين، وأظهر واستعمل الصدق، وبان بالأحدية ودان بالصمدية، فعندها، فعندها سقطت الأصنام وانعقد الإسلام، وظهر الأيمان وبطل السحر والقربان، وارتفع الكفر والطغيان، وخمدت بيوت النيران وهربت عبدة الأوثان، وأتى بالقرآن شاهداً بالحق والبرهان فيه خير ما كان وما يكون إلى يوم الوقت المعلوم، مبيناً عن كتب تقدمت في صحف قد نزلت، تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة ونوراً وسراجاً منيراً، وكل ذلك دلالات لنا ومقدمات بين أيدينا، وأسباب لإظهار أمرنا، هدايات وشهادات، وسعادات قدسيات إلا هيات أوليات كائنات، منشآت مبديات معيدات وما من ناطق نطق ولا نبي بعث ولا وصى ظهر إلا قد أشار إلينا، ولوح بنا ودل علينا في كتابه وخطابه، ومنار أعلامه ومرموز كلامه، ما هو موجود غير معدوم وظاهر وباطن، يعلمه من سمع الندا أو شاهد ورأى، من الملأ الأعلى، فمن أغفل منكم أو نسى أو ضل أو غوى فلينظر في الكتب الأولى والصحف المنزلة، وليتأمل آي القرآن وما فيه من البيان، وليسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم، فقد أمر الله عز وجل \" فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون \" .\rقال: وهذا الكتاب طويل جداً لا طائل فيه، قطعناه ههنا وسنذكر جملة من هذا الكتاب في أخبار المعز لدين الله غير ما في هذا الموضع، على ما نقف عليه إن شاء الله تعالى في موضعه.\rقال: والجواب من الحسن بن أحمد القرمطي الأعصم: وصل إلينا كتابك الذي تفصيله وقل تحصيله، ونحن سائرون على أثره والسلام.","part":7,"page":134},{"id":3145,"text":"وسار الحسن بن أحمد بعد ذلك إلى مصر، فنزل بعسكره عين شمس، وناشب المغاربة القتال، وانبثت سراياه في أرض مصر وبعث عمالاً إلى الصعيد تجنى الأموال، وضيق على المغاربة وداومهم القتال على خندق مدينتهم، يعني الشريف بمدينتهم القاهرة المعزية، قال: فذكر أنه هزمهم حتى عبر الخندق فامتنعوا منه بالسور، وعظم ذلك على المعز لدين الله وتحير في أمره، ولم يجسر أن يخرج بعسكره خارج الخندق، وكان ابن الجراح الطائي في جمع عظيم مع الحسن بن أحمد القرمطي، وكان قوة لعسكره ومنعة ومقدمة، فنظر القوم فإذا ليس لهم بالحسن بن أحمد طاقة، ففكروا في أمره فلم يجدوا لهم حيلة غير فل عسكره، وعلموا أنه لا يقدر على فله إلا بابن الجراح، وأن ذلك لا يتم إلا ببذل ما يطلبه من المال، فراسلوا ابن الجراح وبذلوا له مائة ألف دينار، على أن يفل لهم عسكر القرمطي فأجابهم إلى ذلك، ثم إنهم فكروا في أمر المال فاستعظموه، فعملوا دنانير من النحاس وطلوها بالذهب وجعلوها في أكياس، وجعلوا على رأس كل كيس منها دنانير يسيرة من الذهب تغطى ما تحتها وشدوها وحملت لابن الجراح بعد أن استوثقوا منه، وعاهدوه ألا يغدر بهم إذا وصل إليهم المال، فلما وصل إليه المال عمل على فل عسكره، وتقدم إلى كبراء أصحابه بأن يتبعوه إذا توافق العسكران، وقامت الحرب فلما اشتد القتال ولى ابن الجراح منهزماً، وتبعه أصحابه في جمع كثير، فلما نظر إليه القرمطي قد انهزم بعد الاستظهار تحير ولزمه أن يقاتل هو ومن معه فاجتهد في القتال حتى تخلص، ولم تكن له بهم طاقة وكانوا قد بادروه من كل جانب، فخشي على نفسه وانهزم واتبعوه قومه ودخل المغاربة معسكره، فظفروا باتباع وباعة نحو من ألف وخمسمائة رجل، فأخذوهم أسرى وانتهبوا العسكر وضربوا أعناقهم، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، ثم جردوا خلف الحسن بن أحمد، أبا محمود إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف رجل من المغاربة، فسار خلفه وتباطأ في السير خوفاً من أن يعطف عليه، وسار الحسن فنزل أذرعات وأنفذ أبا المنجى في طائفة كثيرة من الجند إلى دمشق، وكان ابنه قبل ذلك والياً عليها، ثم سار القرمطي في البرية إلى بلده وفي نيته العود، وكانت المغاربة، لما سمعوا بقصة ظالم، وقبض القرمطي عليه لما جرى بينه وبين أبي المنجى ما ذكرناه، وهربه إلى حصنه، راسلوه ليأتي القرمطي من خلفه، فسار يريد بعلبك فلقيه الخبر بهزيمة القرمطي ونزول أبي المنجى على دمشق، فسار ظالم نحو دمشق ونزل أبو محمود أذرعات، وذكر أنه كان بينه وبين ظالم مراسلة واتفقا على أبي المنجى، وبلغ أبو المنجى مسير ظالم إليه وكان في شرذمة يسيرة، وأبو المنجى بدمشق في نحو ألفي رجل، وكان قد ورد إليه الخبر في أن ظالماً يصبح من غد في عقبة دمر، وكان الجند قبل ذلك قد طلبوا منه الرزق، فقال: ما معي مال، فلما ورد إليه خبر ظالم أعطي الجند على السرج دينارين لكل رجل، ثم إن ظالماً أصبح من غد ذلك اليوم في عقبة دمر، فخرج أبو المنجى وابنه بمن معهما إلى الميدان للقتال، فذكر أن ظالماً أنفذ إلى أبي المنجى رسولاً يقول له: إنما جئت مستأمناً إليكم، وقد كان الجند حقدوا على أبي المنجى من جهة الرزق، فلما صار ظالم في عقبة دمر مشرفاً على دمشق ذهب قوم من الجند نحو العقبة، فاستأمنوا إلى ظالم وتبعهم قوم بعد قوم، فقوى طمع ظالم بهم فانحدر من العقبة، ثم سار بمن معه حتى قرب من أبي المنجى فأحاط به فلم يقدر على الهرب فأخذ هو وابنه من بعد أن وقعت فيه ضربة، وانقلب عسكره إلى ظالم، وملك ظالم البلد، وذلك في يوم السبت لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.\rفلما تمكن ظالم ونزل البلد أوثق أبا المنجى وابنه ثم حبسهما، وقبض على جماعة من أصحابه فأخذ أموالهم، ثم قدم أبو محمود بعد ذلك دمشق في يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان، فلقيه ظالم وتقرب إليه بأبي المنجي وابنه، فعمل لكل واحد منهما قفصاً من خشب وحملهما إلى مصر فحبسا، وكان بعد ذلك بين ظالم وأبي محمود وأخبار دمشق ما ليس ذكره في هذا الموضع من غرضنا، فلنرجع إلى أخبار القرامطة.\rوفاة الحسن بن أحمد","part":7,"page":135},{"id":3146,"text":"قال: وفي سنة خمس وستين وثلاثمائة كاتب هفتكين التركي وهو بالشام القرامطة، وقد جرى بينه وبنين المغارية حروب ووقائع وانتصر بهم، فكاتبوه بأنهم سائرون إلى الشام، فوافوا دمشق في هذه السنة، وكان الذي وافى منهم إسحاق وكسرى وجعفر، فنزلوا ظاهر دمشق نحو الشماسية، ووافى معهم كثير من العجم ممن كان من أصحاب هفتكين، فلقي هفتكين القرامطة وحمل إليهم الأموال وأكرمهم وفرح بهم وأمن، فأقاموا على دمشق أياماً ثم رحلوا متوجهين إلى الرملة، وكان بها أبو محمود إبراهيم بن جعفر فتحصن منهم بيافا، ونزلت القرامطة الرمل ونصبوا القتال على يافا، حتى كل الفريقان من القتال وصار بعضهم يحدث بعضاً، وأقامت القرامطة بالرملة يجبون المال، فندب العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله - وكان قد ولى الأمر بعد وفاة أبيه - جوهر القائد إلى الخروج إلى الشام في سنة خمس وستين ، وحمل إليه خزائن السلاح والأموال، فسار يريد الشام في عساكر لم تخرج المغاربة من مصر بمثلها، وتواترت الأخبار إلى هفتكين بمسيره، وهو على عكا وكان قد ملك صيدا، فنزل عكا وسار فنزل طبرية، وفارق القرامطة الرملة ونزلها جوهر، وسار إسحاق وكسرى القرمطيان إلى الأحساء، وبقي جعفر لم يسر معهم وانضم إلى هفتكين بطبرية، وسار جوهر في طلبهما فسارا إلى دمشق وتبعهما جوهر حتى نزل بالشماسية بظاهر دمشق، والمناوشة تقع بينهم تارة والموادعة أخرى، فلم يزل الأمر كذلك إلى جمادي الأولى سنة ست وستين وثلاثمائة، فوردت الأخبار وقويت بقرب الحسن بن أحمد القرمطي من دمشق، وجاء من بشر ابن عمه جعفر بذلك، فسار إليه وصح ذلك عند جوهر، فنزل دمشق وسار نحو طبرية وجد في السير، وكان قد هلك من عسكره خلق كثير، فخاف أن يدركه الحسن بن أحمد القرمطي فأسرع المسير من طبرية، وخرج الحسن ابن أحمد من البرية يريد طبرية فوجده قد سار عنها، فأنفذ خلفه سرية فلحقته فرجع إليها أصحاب جوهر، فقتلوا جماعة من العرب وسار جوهر حتى نزل ظاهر الرملة، وأتاه الخبر عن الحسن فدخل جوهر زيتون الرمل وتحصن به، وسار هفتكين من دمشق في أثر الحسن ابن أحمد فلحقه، وتوفى الحسن بن أحمد بالرملة، وتولى أمر القرمطة بعده ابن عمه جعفر، واجتمع هو وهفتكين على قتال جوهر، فقاتلوه بقية سنة ست وستين وثلاثمائة، ثم رجع جعفر إلى بلده، وكان بين هفتكين وجوهر من الحصار ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار ملوك مصر.\rاستيلاؤهم على الكوفة\rوخروجهم عنها قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: وفي سنة خمس وسبعين وثلاثمائة ورد إسحاق وجعفر الهجريان - وهما من القرامطة الذين تلقبوا بالسادة - فملكا الكوفة، قال: وكان للقرامطة من الهيبة ما إن عضد الدولة وبختيار أقطعاهم الكثير من الإقطاعات، وكان نائبهم ببغداد وهو أبو بكر بن شاهوية يحكم حكم الوزراء، فقبض عليه صمصام الدولة بن بويه، فلما جاء القرامطة إلى الكوفة كتب صمصام الدولة إلى إسحاق وجعفر بالملاطفة ويٍسألهما عن سبب حركتهما، فذكرا أن السبب في ذلك ما وقع منه من القبض على صاحبهما، وبثا أصحابهما في جباية الأموال، ووصل الحسن بن المنذر - وهو من أكابر القرامطة - إلى الجامعين، فأرسل صمصام الدولة العساكر والعرب فقاتلوه وأسروه وجماعة من القواد وانهزم من معه، ثم جهز القرامطة جيشاً آخر في عدد كثير فهزمته عساكر صمصام الدولة، وقتل مقدم القرامطة، وكانت هذه الوقعة بالجامعين، فلما بلغ المنهزمون الكوفة رحل القرامطة عنها، واتبعهم العساكر إلى القادسية وأخذ أمر القرامطة في الانتفاض، ولم يكن لهم بعد ذلك بالعراق والشام وقعة بلغنا خبرها.\rظفر الأصغر بالقرامطة","part":7,"page":136},{"id":3147,"text":"قال ابن الأثير: وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة جمع إنسان يعرف بالأصفر من بني المنتفق جمعاً كثيراً، وكان بينه وبين جمع من القرامطة وقعة، قتل فيها مقدم القرامطة وانهزم أصحابه وقتل منهم وأسر خلق كثير، وسار الأصفر إلى الأحساء فتحصن القرامطة منه، فعدل إلى القطيف فأخذ ما كان فيها من عبيدهم وأثقالهم ومواشيهم، وسار بذلك إلى البصرة وانتقض أمر القرامطة وضعفوا، وكان مدة ظهور مذهبهم إلى هذا التاريخ مائة سنة، ومنذ ظهر أمرهم واستولوا على البلاد وتجهزت العساكر لقتالهم خمساً وتسعين سنة، وكانت فتنتهم قد عمت أكثر البلاد والعباد؛ ولم أقف لهم بعد واقعة الأصفر على واقعة أخرى فأذكرها.\rوقد ذكرنا من أخبارهم ما فيه كفاية، فلنذكر أخبار الخوارج ببلاد الموصل.\rأخبار الخوارج بالموصل مساور ومن بعده كان خروج المساور بن عبد الحميد بن مساور البجلى بالبوازيج من بلاد الوصل في شهر رجب من شهور سنة اثنتين وخمسين ومائتين في خلافة المعتز بالله، وكان سبب خروجه أن شرطة الموصل كان يتولاها رجل اسمه حسين بن بكير لبني عمران أمراء الموصل، فأخذ ابنا لمساور هذا اسمه حوثرة فحبسه بالحديثة، وكان حوثرة جميلاً فكان متولي الشرطة يخرجه من الحبس ليلاً ويحضره عنده، ويرده إلى الحبس نهاراً، فكتب حوثرة إلى أبيه - وهو بالبوازيج - يقول: أنا بالنهار محبوس وفي الليل عروس، فغضب لذلك وقلق وخرج وتابعه جماعة، وقصد الحديثة فاختفى حسين بن بكير، فأخرج ابنه من الحبس وكثر جمعه من الأعراب والأكراد، فسار إلى الموصل ونزل بالجانب الشرقي، وكان الوالي عليها عقبة بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن اهبان الخزاعي، واهبان يقال إنه مكلم الذئب وله صحبه، فوافقه من الجانب الغربي وعبر دجلة رجلان من أهل الموصل إلى مساور، فقاتلا مساورا فقتلا وعاد مساور وكره القتال، وكان حوثرة ابنه معه فكان يقول:\rأنا الغلام البجلي الشاري ... أخرجى جوركم من داري\rقتل مساور بندارا\rالطبري متولي طريق خراسان قال: ولما فارق مساور الموصل بلغ بندارا الطبري وهو بالدسكرة أنه يريد كرخ جدان، وكان بندار الطبري يلي طريق خراسان هو ومظفر بن سيسل، فقال بندار ذلك لمظفر فقال مظفر: قد أمسينا وغدا عيد، فإذا قضينا العيد سرنا إليه، فسار بندار ليلاً طمعاً في أن يكون الظفر له، حتى أشرف على عسكر مساور، فأشار عليه بعض أصحابه أن يبيتهم فأبى، وقال: حتى أراهم ويروني فأحس به الخوارج فركبوا واقتتلوا، وكان مع بندار ثلاثمائة فارس ومع مساور سبعمائة، فاشتد القتال بينهم وحمل الخوارج حمله، اقتطعوا من أصحاب بندار أكثر من مائة فصبروا لهم وقاتلهم حتى قتلوا جميعاً، فانهزم بندار وأصحابه وجعل أصحاب مساور يقتطعونهم قطعة بعد قطعة فقتلوهم، وأمعن بندار في الهرب فطلبوه حتى أدركوه فقتلوه ونصبوا رأسه، ونجا من أصحابه نحو خمسين رجلاً، وقيل مائة، وأتى الخبر إلى المظفر فرحل نحو بغداد، وسار مساور نحو حلوان فقاتله أهلها، فقتل منهم أربعمائة إنسان، وقتلوا من أصحابه جماعة وقتل مساور عدة من أصحاب خراسان كانوا بحلوان، فأعانوا أهلها على مساور، ثم انصرف عن حلوان، فقال مساور في ذلك:\rفجعت العراق ببندارها ... وحزت البلاد بأقطارها\rوحلوان صبحتها غارة ... فقتلت أغرار غرارها\rوعقبة بالموصل اجحرته ... وطوقه الذل بي كارها\rقال: وكان قتل بندار في سنة ثلاث وخمسين ومائتين، ثم لقي مساور عسكراً للخليفة، ومقدمهم خطرمش بناحية جلولاء في ذي الحجة من السنة، فهرمهم مساور واستولى على بلاد الموصل فقوى أمره وكثرت اتباعه.","part":7,"page":137},{"id":3148,"text":"فجمع له الحسن بن أيوب بن أحمد بن عمر بن الخطاب التغلى - وكان خليفة أبيه على الموصل - عسكراً كثيراً منهم حمدان بن حمدون جد الأمراء الحمدانية وغيره، وسار إليه وعبر إليه نهر الزاب، فتأخر مساور عن موضعه ونزل بموضع يقال له وادي الذئاب، وهو واد عميق، فسار الحسن في طلبه فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر الموصل وكثر القتل فيهم، وسقط كثير منهم في الوادي فهلك فيه أكثر من القتلى، وذلك في جمادي الأولى سنة أربع وخمسين ومائتين، ونجا الحسن فوصل إلى حرة من أعمال إربل، وهرب محمد بن علي بن السيد، فظن الخوارج أنه الحسن فتبعوه فقتلوه، وكان فارساً شجاعاً، واشتد أمر مساور وعظم شأنه وخافه الناس.\rاستيلاء مساور إلى الموصل\rوخروجه منها قال: ولما انهزم عسكر الموصل من مساور قوى أمره وكثرت أتباعه، فسار من موضعه وقصد الموصل فنزل بظاهرها عند الدير الأعلى، فاستتر أمير البلد عبد الله بن سليمان لضعفه عن مقاتلته ولم يدافعه أهل الموصل، فوجه مساور جمعاً إلى دار عبد الله أمير البلد فأحرقها، ودخل الموصل بغير حرب فلم يتعرض لأحد، وحضرت الجمعة فدخل المسجد الجامع، وحضر الناس فصعد مساور المنبر، وجعل على درج المنبر من أصحابه من يحرسه بالسيوف وكذلك في الصلاة، ولما خطب قال في خطبته: اللهم أصلحنا وأصلح ولاتنا ولما دخل في الصلاة جعل إبهاميه في أذنيه وكبر ست تكبيرات ثم قرأ بعد ذلك.\rثم فارق البلد ولم يقدر على المقام به لكثرة أهله، وسار إلى الحديثة وكان قد اتخذها دار هجرته، وكان دخوله الموصل في سنة خمس وخمسين ومائتين، ثم كان بينه وبين عسكر للخليفة في هذه السنة وقعة فانهزم عسكر الخليفة.\rاختلافهم على مساور\rوانتصاره على من خالفه وقاله عساكر الخليفة في سنة ست وخمسين ومائتين خالف إنسان من الخوارج اسمه عبيدة من بني زهير، على مساور، وسبب ذلك أنه خالفه في توبة المخطىء، فقال مساور: تقبل توبته، وقال عبيدة: لا تقبل، فجمع عبيدة جمعاً كثيراً وسار إلى مساور، وتقدم إليه مساور من الحديثة، فالتقوا بنواحي جهينة في جمادي الأولى سنة سبع وخمسين، واقتتلوا أشد قتال فترجل عبيدة ومعه جماعة من أصحابه وعرقبوا دوابهم فقتل عبيدة وانهزم جمعه، فقتل أكثرهم واستولى مساور على كثير من العراق، ومنع الأموال عن الخليفة فضاقت على الجند أرزاقهم فاضطرهم ذلك إلى أن سار إليه موسى بن بغا وبايكباك وغيرهما في عسكر عظيم، وذلك في سنة ست وخمسين، فوصلوا إلى السن وأقاموا به، ثم عادوا بسبب خلع المهتدي، فلما ولى المعتمد على الله الخلافة سير مفلحاً في عسكر كبير لقتال مساور، فسار فلما قرب قارب الحديثة فارقها مساور، وقصد جبلين يقال لأحدهما زيني والآخر عامر وهما بالقرب من الحديثة، فتبعه مفلح فعطف عليه مساور وهو في أربعة آلاف فارس، وكان مساور قد انصرف من حرب عبيدة وقد جرح كثير من أصحابه، فلحقوا مفلحاً بجبل زيني فلم يصل إلى ما يريد، فصعد مساور رأس الجبل فاحتمى به، ونزل مفلح في أصل الجبل، وجرى بينهما وقعات كثيرة، ثم اصبحوا يوماً فطلبوا مساوراً فلم يجدوه، وكان قد نزل من غير الوجه الذي نزل به مفلح، لما أيس من الظفر لضعف أصحابه من الجراح، فلما لم يره مفلح سار إلى الموصل وسار منها إلى ديار ربيعة، سنجار ونصيبين والخابور، فنظر في أمرها ثم سار فأتى الموصل، فأحسن السيرة في أهلها ورجع عنها وقد تأهب للقاء مساور، فلما قارب الحديثة فارقها مساور وتبعه مفلح، فكان مساور يرتحل عن المنزل فينزله مفلح، فلما طال الأمر على مفلح وتوغل في الجبال والشعاب والمضايق عاد عنه فتبعه مساور يقفو أثره ويأخذ من ينقطع عن ساقه العسكر، فرجع إليه طائفة من العسكر فقاتلوه، ثم عادوا ولحقوا مفلحاً، ووصل مفلح الحديثة فأقام بها أياماً، وانحدر في أول شهر رمضان إلى سامراً، فاستولى حينئذ مساور على البلاد، وقوى أمره واشتدت شوكته.\rوفي سنة سبع وخمسين ومائتين خرج على مساور خارجي آخر اسمه طوق من بني زهير، فاجتمع إليه أربعة آلاف فصار بهم إلى أذرمة، فحاربه أهلها فدخلها بالسيف، وأخذ جارية بكراً فافتضها في المسجد، فجمع الحسن بن أيوب بن أحمد العدوي جمعاً كثيراً فحاربه وقتله، وأنفذ رأسه إلى ساوراً، واستمر مساور بتلك النواحي إلى أن مات في سنة ثلاث وستين.","part":7,"page":138},{"id":3149,"text":"وفاة مساور\rوخبر من قام بعده إلى أن قام هارون البجلي وفي سنة ثلاث وستين ومائتين توفي مساور الشاري، وكان قد رحل من البوازيج يريد لقاء عسكر قد سار إليه من قبل الخليفة، فكتب أصحابه إلى محمد بن خرزاد وهو بشهرزور ليولوه أمرهم، فامتنع وكان كثير العبادة فبايعوا أيوب بن حيان الوارقي البجلي، فأرسل إليهم محمد بن خرزاد يذكر أنه نظر في أمره فلم يسعه إهمال الأمر، لأن مساوراً إليهم عهد إليه به، فقالوا له: قد بايعنا هذا الرجل ولا نغدر به، فسار إليهم فيمن بايعه فقاتلهم، فقتل أيوب بن حيان فبايعوا بعده محمد بن عبد الله بن يحيى الوارقي المعروف بالغلام فقتل أيضاً فبايع أصحابه هارون بن عبد الله البجلي، فكثر اتباعه وعاد عنه خرزاد، واستولى هارون على بلد الموصل وجبى خراجه.\rمحاربة محمد بن خرزاد لهارون\rبن عبد الله وما كان من خبر خرزاد ومقتله واستقلال هارون بالأمر بمفرده وفي سنة سبع وستين ومائتين كانت الحرب بين محمد بن خرزاد وهارون بن عبد الله، وذلك أن محمداً جمع أصحابه وسار لحرب هارون، فنزل واسط وهي قرية من قرى الموصل، وكان يركب البقر لئلا يفر من القتال، ويلبس الصوف الغليظ ويرقع ثيابه، وكان كثير العبادة والنسك ويجلس إلى الأرض ليس بينه وبينها حائل، فلما نزل واسط خرج إليه وجوه أهل الموصل، وكان هارون بمعلثايا يجمع لحرب محمد، فلما سمع بنزول محمد عند الموصل سار إليه، ورحل ابن خرزاد نحوه، فالتقوا بالقرب من قرية شمرخ واقتتلوا قتالاً شديداً، كان فيه مبارزة وحملات كثيرة، فانهزم هارون وقتل من أصحابه نحو مائتي رجل، منهم جماعة من الفرسان المشهورين، ومضى هارون منهزماً فعبر دجلة إلى العرب قاصداً بني تغلب فنصروه واجتمعوا إليه، ورجع محمد بن خرزاد من حيث أقبل وعاد هارون إلى الحديثة فاجتمع إليه خلق كثير، فكاتب أصحاب ابن خرزاد واستمالهم، فأتاه منهم خلق كثير، ولم يبق مع ابن خرزاد إلا عشيرته من الشمردلية، وهم أهل شهرزور كثير الأعداء من الأكراد وغيرهم، وكان هارون ببلد الموصل قد صلح حاله وحال أصحابه، فمال إليه أصحاب ابن خرزاد وقصدوه لهذا السبب، وأوقع ابن خرزاد بالأكراد الجلالية بنواحي شهرزور وغيرهم، فقتل وتفرد هارون بالأمر وقوى، وكثر أتباعه وغلبوا على القرى والرساتيق، وجعلوا على دجلة من يأخذ الزكاة من الأموال المنحدرة والمصعدة، وبثوا نوابهم في الرساتيق يأخذون الأعشار من الغلات.\rوفي سنة اثنتين وسبعين ومائتين دخل هارون الموصل، وصلى الجمعة بالناس وكان معه حمدان بن حمدون.\rخروج محمد بن عبادة\rعلى هارون وكلاهما خرجي وفي سنة ثمان وسبعين ومائتين خرج محمد بن عبادة ويعرف بأبي جورة، وهو من بني زهير على هارون، وكان محمد هذا في أول أمره من الفقراء الصعاليك، وكان هو وأبناؤه يلتقطون الكمأة ويبيعونها إلى غير ذلك من الأعمال، ثم إنه جمع جماعة وحكم، فاجتمع إليه أهل تلك النواحي والأعراب وقوي أمرهن وأخذ عشر غلات وقبض الزكاة، وسار إلى معلثايا فقاطعه أهلها على خمسمائة دينار، وجبي تلك الأعمال وبنى عند سنجار حصناً، وحمل إليه الميرة والأمتعة، وجعل فيه ابنه أبا هلال ومعه مائة وخمسون رجلاً من وجوه بني زهير وغيرهم، ووصل الخبر إلى هارون فاجتمع رأيه ورأي وجوه أصحابه على قصد الحصن أولا، فإذا قرغوا منه ساروا إلى محمد بن عبادة، فجمع أصحابه به فبلغوا ألف فارس ومائتي فارس ومائة راجع، فأحدق بالحصن وحصره، ومحمد بن عبادة في قبرثا لم يعلم بذلك، وجد هارون في تلك أهل الحصن، ونصب عليهم السلاليم وملكه، فلما رأى من معه من بني تغلب تغلبه على الحصن أعطوا من فيه من بني زهير الأمان، بغير أمر هارون فشق ذلك عليه، ألا أنه قتل أبا هلال بن محمد ونفرا معه قبل الأمان، ثم ساروا إلى محمد فوافوه وهو في أربعة آلاف رجل، فاقتتلوا فانهزم هارون ومن معه، ووقف بعض أصحابه ونادى رجالاً بأسمائهم فاجتمعوا نحو أربعين رجلاً، وحملوا على ميمنة محمد فانهزمت، وعادت الحرب فانهزم محمد وأصحابه، ووضعوا فيهم السيف فقتل منهم ألفان وأربعمائة رجل وحجز بينهم الليل وجمع هارون مالهم فقسمه بين أصحابه، وانهزم محمد إلى آمد فأخذه صاحبها أحمد بن عيسى بن الشيخ بعد حرب وأسره، وحمله إلى المعتضد بالله فسلخ جلده كالشاة.","part":7,"page":139},{"id":3150,"text":"انهزام هارون\rمن عسكر الموصل كان المعتضد بالله قد سار إلى ماردين في سنة إحدى وسبعين، وخلف بالموصل نصر القشوري يجبي الأموال ويعين العمال على جبايتهم فخرج عالم معلثايا إليها ومعه جماعة من أصحاب نصر، فوقع عليهم طائفة من الخوارج فاقتتلوا إلى أن أدركهم الليل ففرق بينهم، وقتل من الخوارج إنسان اسمه جعفر، وهو من أعيان أصحاب هارون، فعظم عليه ذلك وأمر أصحابه أن يفسدوا في البلاد، فكتب نصر القشوري إلى هارون يتهدده بقرب الخليفة، وأنه إن هم به أهلكه وأصحابه، فلا يغتر بمن سار إلى حربه فعاد عنده بمكره وخديعته، فأجابه هارون بجواب غليظ، ومن جملته وإنا وإياك كما قيل:\rفلا توعدونا باللقاء وأبرزوا ... إلينا سوادا نقله بسواد\rفبعث نصر جواب هارون إلى المعتضد بالله فجد في قصده، وولى الحسن بن علي كورة الموصل وأمره بقصد الخوارج، وأمر كافة مقدمي الولايات والأعمال بطاعته، فجمعهم وسار إلى أعمال الموصل وخندق على نفسه، وأقام إلى أن رفع الناس غلاتهم، ثم سار إلى الخوارج وعبر نهر الزاب إليهم، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً فانكشف الخوارج عنه، ليفرقوا جمعيته ثم يعطفوا عليهن فأمر الحسن أصحابه بلزوم مواقفهم ففعلوا، ورجع هارون وأصحابه وحملوا سبع عشرة حملة، فانكشفت ميمنة الحسن وثبت هو، فحمل عيه الخوارج حملة رجل واحد وهو ثابت، وضرب على رأسه عدة ضربات فلم تؤثر فيه، فلما رأى أصحابه ثباته رجعوا إليه وقتلوا وصبروا، فانهزم هارون ومن معه وقتل خلق كثير، وكانت هذه الواقعة في سنة اثنتي وثمانين ومائتين، فتحير هارون في أمره فقصد البرية، ونزل عند بني تغلب ثم عاد إلى معلثايا، ورجع إلى البرية ثم رجع إلى دجلة، وتكرر ما بين ذلك، فلما رأى أصابه قوة دولة الخليفة المعتضد بالله وراسلوا الخليفة في طلب الأمان، فأمنهم فأتاه ثلاثمائة وستون رجلاً، وبقي مع هارون بعضهم، وهو يجول في البلاد إلى أن قتل.\rمقتل هارون\rوفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين سار المعتضد بالله إلى الموصل، ووصل إلى تكريت وأقام بها، وأحضر الحسين بن حمدان وبعثه في طلب هارون في جماعة من الفرسان والرجالة، فانتخب الحسن ثلاثمائة رجل فسار بهم، ومعه وصيف فقال له الحسين: مره يا أمير المؤمنين بطاعتي، فقال الحسين لوصيف ولمن معه ليقفوا هناك، وقال: ليس لهارون طريق - إن هرب - غيرها، فلا تبرحوا من هذا الموضع حتى يمر بكم فتمنعوه من العبور وأكون أنا من خلفه، ومضى الحسين في طلب هارون فلقيه، واقتتلوا وقتل من الفريقين عدة قتلى، ثم انهزم هارون، وأقام الوصيف على المخاضة ثلاثة أيام، فقال له أصحابه: قد طال مقامك ولسنا نأمل أن يأخذ حسين هارون، فيكون الفتح له دوننا، والصواب أن تمضي في آثارهم فأعطاهم ومضى، ولما فارق المخارضة جاء هارون فعبرها، وجاء الحسين في أثره إلى الموضع فلم يرى وصيفاً وأصابه في الموضع الذي تركهم فيه، فعبر في أثر هارون وانتهى إلى حي من أحياء العرب، فسأل عنه فكتموه أمر فهددهم فأعلموه أنه اجتاز بهم، فتبعه حتى أدركه بعد أيام وهارون في نحو مائة رجل، فناشده فأبى الحسين إلا قتاله، وحاربه وألقى نفسه عليه وأسره، وجاء به إلى المعتضد بالله إلى بغداد فوصلها لثمان بقين من شهر ربيع الأول، وأدخل هارون على فيل، وأرادوا أن يلبسوه ديباجاً مشهرا فامتنع، وقال: هذا لا يحل فألبسوه كارها، ولما صلب نادى بأعلى صوته لا حكم إلا لله ولو كره المشركون، وكان هارون صفرياً، وكانت مدة خروج هذه الطائفة، منذ خرج مساور إلى أن أسار هارون ثلاثين سنة، منها أيام مساور عشر سنين، ومدة خروج هارون عشرون سنة، والله تعالى أعلم.\rالباب التاسع من القسم الخامس من الفن الخامس\rملوك ومماليك البلاد الشرقية\rوالشمالية في خلال الدولة العباسية وهم ملوك خراسان وما وراء النهر والجبال وطبرستان وغزنه والغور وبلاد السند والهند والدولة السامانية والدولة الصفارية والغزنوية والغورية والدولة الديلمية الختلية.\rالدولة السامانية وقيامها بما وراء النهر ونسب ملوكها وابتداء أمرهم","part":7,"page":140},{"id":3151,"text":"كان أول من تبغ منهم وظهر اسمه وولى من قبل الخلافة نصر بن أحمد بن أسد بن سامان خداه بن جمان بن طمغاث بن نوشرد بن برام جوبين بن بهرام خشنش، وكان بهرام خشنش من الري فجعله كسرى هرمز مرزبان أذربيجان، وكانت ولاية نصر بن أحمد ما وراء النهر في سنة إحدى وستين ومائتين من قبل الخليفة المعتمد على الله العباسي؛ وكان المأمون، لما ولى خراسان في خلافة أبيه الرشيد، اصطنع أولاد أسد بن سامان، وهم نوح وأحمد ويحيى وإلياس، فقدمهم ورفعهم واستعملهم، فلما أفضت الخلافة إلى المأمون ورجع إلى العراق استخلف غسان بن عباد، فاستعمل غسان نوح بن أسد على سمرقند، وأحمد بن أسد على فرغانة، ويحيى على الشاش وأشروسنة، وإلياس على هراة وذلك في سنة أربع ومائتين، ثم أقرهم طاهر بن الحسين على هذه الأعمال لما ولى خراسان، ثم توفي نوح بن أسد فأقر طاهر أخويه يحيى وأحمد على عمله، وكان أحمد بن أسد عفيفاً عن المطاعم الدنية حسن السيرة، لا يقبل رشاً، ففيه يقول الشاعر:\rثوى ثلاثين حولا ولايته ... فجاع يوم ثوى في قبره حشمه\rوقيل إن هذا الشاعر إنما قيل في ابنه نصر.\rوأما إلياس فإنه أقام بهراة إلى أن مات، فأقر عبد الله بن طاهر ابنه أبا إسحاق محمد بن إلياس على عمله بهراة، وكان لأحمد بن أسد سبعة بنين وهم: نصر وأبو يوسف يعقوب وأبو زكريا يحيى وأبو الأشعث أسد وإسماعيل وإسحاق وأبو غانم حميد، فلما توفي أحمد بن أسد استخلف ابنه نصرا على أعماله بسمرقند، فبقي عامل عليها إلى آخر الأيام الطاهرية وبعدها إلى أن مضى لسبيله، وكان إسماعيل بن أحمد يخدم أخاه نصرا، فولاه بخارى في سنة إحدى وستين ومائتين، فهذا ابتداء أمرهم على سبيل الاختصار.\rوهذه الولاية هي أول ولاية كانت لملوك هذه الدولة ولأهل هذا البيت من قبل الخليفة، ففي هذه السنة كان ابتداء دولتهم، وأول من استقل منهم بالولاية نصر هذا في هذا التاريخ، وكان قبل ذلك يلي الأعمال من قبل عمال خراسان، قال: ثم وقع - خلاف - بين نصر وأخيه إسماعيل مرة بعد أخرى حتى أفضى ذلك إلى الحرب بينهما، فتحاربا في خمس وسبعين ومائتين، فظفر إسماعيل بأخيه نصر فلما جيء به إليه ترجل إسماعيل له، وقبّل يده ورده إلى موضعه بسمرقند، وتصرف في النيابة عنه ببخاري وصلح ما بينهما، وكان إسماعيل خيراً يحب أهل العلم والدين ويكرمهم، وببركتهم دام الملك في عقبة من بعده.\rحكي عن أبي إبراهيم إسماعيل بن أحمد هذا قال: كنت بسمرقند فجلست للمظالم وجلس أخي إسحاق إلى جانبي، فدخل أبو عبد الله محمد بن نصر الفقيه الشافعي فقمت له إجلالاً لعلمه ودينة، فلما خرج عاتبني أخي وقال: أنت أمير خراسان يدخل عليك رجل من رعيتك فتقوم له فتذهب السياسة بهذا! ! قال إسماعيل فبت في تلك الليلة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم، كأني واقف أنا وأخي إسحاق، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ بعضدي وقال لي: يا إسماعيل ثبت ملكك وملك بنيك بإجلالك محمد بن نصر، ثم التفت إلى إسحاق وقال: ذهب ملكك وملك بنيك باستخفافك بمحمد ابن نصر.\rوفاة نصر وقيام إسماعيل\rوفي سنة تسع وسبعين ومائتين توفي نصر بن أحمد، وكانت مدة استقلاله بالأمر ثماني عشرة سنة تقريباً، وكان دينا عاقلاً حسن الشعر، ولما مات قام مقامه في أعماله بما وراء النهر أخوه إسماعيل ابن أحمد.\rوفي سنة ثمانين ومائتين غزا إسماعيل بلاد الترك، وافتتح مدينة ملكهم وأسر أباه وامرأته خاتون ونحوا من عشرة آلاف، وقتل منهم خلقاً وأصاب من الدواب ما لا يعلم عدده، وأصاب الفارس من الغنيمة ألف درهم.\rملك إسماعيل خراسان","part":7,"page":141},{"id":3152,"text":"وفي سنة سبع وثمانين ملك خراسان من عمرو بن الليث الصفار، وسبب ذلك أن عمرا كان قد أرسل إلى الخليفة المعتضد بالله يطلب منه أن يوليه ما وراء النهر، فوجه إليه الخلع واللواء بذلك، وكان هو إذ ذاك بنيسابور، فوجه لمحاربة إسماعيل محمد بن بشير - وكان صاحبه وخليفته - وعشرة من قواده، فتوجهوا إلى آمل فعبر إليهم إسماعيل نهر جيحون، والتقوا فهزمهم وقتل محمد بن بشير في نحو سنة آلاف رجل، وبلغ المنهزمون إلى عمرو بنيسابور وعاد إسماعيل إلى بخاري، فتجهز عمرو لقصده وسار من بينسابور نحو بلخ، فراسله إسماعيل يستعطفه ويقول: إن ولايتك قد اتسعت ولك دنيا عريضة، وأنه ليس بيدي إلا ما وراء النهر، وأنا في ثغر فاقنع بما في يدك واتركني، فأبى عمرو إلا قتاله، فذكر أصحاب عمرو له شدة العبور إلى نهر بلخ، فقال: لو شئت أن أسكره ببدر الأموال لفعلت، وسار إسماعيل نحوه وعبر النهر إلى الجانب الغربي، ونزل عمرو بلخ وأخذ إسماعيل عليه النواحي لكثرة جيوشه، فبقي عمرو كالمحاصر فطلب المحاجزة فأبى إسماعيل، والتقوا واقتتلوا فلم يكن بينهم كبير قتال حتى ولى عمرو هارباً، ومر بأجمة في طريقه فقبل له إنها أقرب الطرق فقصدها في نفر يسير وقال لعامة من معه: اسلكوا الطريق الواضح، ودخل الأجمة فوحل به فرسه ومضى من معه، فجاء أصحاب إسماعيل فأخذوه أسيراً، فسيره إسماعيل إلى سمرقند، فلما وصل الخبر إلى المعتضد ذم عمراً ومدح إسماعيل، وقال: ثم خيره إسماعيل بين المقام عنده أو إنفاذه إلى المعتضد فاختار التوجه إلى الخليفة فسيره إليه، كانت هذه الوقعة في شهر ربيع الأول من السنة.\rوأرسل الخليفة المعتضد بالله إلى إسماعيل الخلع، وولاه ما كان بيد عمرو وخلع على نائبه بالحضرة وهو المعروف بالمرزباني، فاستولى إسماعيل على خراسان وصارت بيده.\rملكة طبرستان\rوفي سنة سبع وثمانين أيضاً ملك إسماعيل طبرستان من محمد بن زيد العلوي، وسبب ذلك أنه سار لقصد خراسان، ظناً منه أن إسماعيل لا يتجاوز ما وراء النهر، فبعث إليه ينهاه عن التعرض إليها وترك له جرجان فامتنع من ذلك، فندب إسماعيل لقتاله محمد بن هارون فالتقوا واقتتلوا على باب جرجان، فانجلت الحرب عن انهزام العلوي بعد أن جرح عدة جراحات وأسر ابنه زيد بن محمد، وحمل إلى إسماعيل فأكرمه وأحسن، وسار محمد بن هارون إلى طبرستان وملكها، وتولاها من قبل إسماعيل.\rثم استولى محمد بن هارون على الري في شهر رجب سنة تسع وثمانين بعد أن خلع طاعة إسماعيل، وكان أهل الري قد كاتبوه في تسليمها إليه، فسار إليهم فحاربه واليها وهو اكرتمش التركي، فقتله محمد وقتل ابنيه وأخاه كيغلغ وهو من قواد الخليفة.\rذكر القبض على محمد بن هارون ووفاته\rوفي سنة تسعين ومائتين أنفذ المكتفى بالله عهداً إلى إسماعيل بولاية الري، فسار إليها ففارقها ابن هارون إلى قزوين ثم عاد إلى طبرستان، واستعمل، إسماعيل على جرجان بارس التركي الكبير، وألزمه إحضار محمد بن هارون، فكاتبه بارس وضمن له إصلاح أمره، فقصد بخاري فلما بلغها قيد وحمل على جمل، وحبس فمات بعد شهرين محبوساً؛ وكان ابتداء أمر محمد بن هارون أنه كان خياطاً، ثم جمع جمعاً من أهل الفساد وقطع الطريق في مفازة سرخس مدة ثم استأمن إلى رافع بن هرثمة وبقي معه إلى أن انهوم من عمرو الصفار فاستأمن إلى إسماعيل الساماني فسيره إسماعيل لقتال العلوي كما قدمناه ثم خرج عليه كما ذكرنا.\rوفي سنة إحدى وتسعين ومائتين خرجت الترك في خلق كثير لا يحصون كثرة، وكان عسكرهم سبعمائة قبة تركية، ولا تكون القبة التركية إلا لرؤساتهم، فوجه إليهم إسماعيل جيشاً عظيماً وتبعهم خلق من المطوعة فوصلوا إلى الترك وهم غادون، فكسبهم المسلمون في الصبح فقتلوا منهم خلقاً كثيراً وانهزم الباقون لأقبح هزيمة.\rذكر وفاة إسماعيل وولاية ابنه أحمد\rكانت وفاته في منتصف صفر سنة خمس وتسعين ومائتين، ولقب بعد موته بالماضي، وكان رحمة الله تعالى عاقلاً عادلاً حسن السيرة في رعيته حليماً.","part":7,"page":142},{"id":3153,"text":"حكى عنه أنه كان لولده أحمد مؤدب يؤدبه، فمر به الأمير إسماعيل فسمع المؤدب يسبه، ويقول: لا بارك الله فيك ولا فيمن ولدك، فدخل عليه وقال: يا هذا نحن لم نذنب ذنباً فتسبنا، فهل ترى أن تعفينا من سبك، وتخص المذنب بذمك وشتمك؟ فارتاع المؤدب وخرج إسماعيل عنه، وأمر له بصلة جزاء لخوفه منه. وجرى بين يديه ذكر الأنساب والأحساب فقال لبعض جلسائه: كن عصامياً ولا تكن عظامياً. ومن مكارمه وآدابه أنه ولى بعد أخيه نصر واستقل بالأمر استمر يكاتب أصحابه وأصدقاءه بما كان يكاتبهم به أولاً، فقيل له في ذلك فقال: يجب علينا إذا زادنا الله رفعة إلا ننقص إخواننا، بل نزيدهم رفعة وعلاء وجاهاً ليزيدوا لنا خلوصاً وشكراً؛ وكانت مدة ولايته منذ أفضى الأمر إليه بعد وفاة أخيه ست عشرة سنة.\rولما مات ولى بعده ابنه:\rأحمد بن إسماعيل\rقال: ولما استوثق له الأمر ببخاري قصد بالخروج إلى الري فأشار عليه إبراهيم بن زيدوية بقصد سمرقند، والقبض على عمه إسحاق بن أحمد لئلا يخرج عليه، فاستدعى عنه إلى بخاري فحضر إليه واعتقله بها، ولم يزل سنة ثمان وتسعين فأطلقه وأعاده إلى سمرقند وفرغاته، قال: ولما قبض على عمه عبر إلى خراسان، فلما ورد نيسابور هرب بارس الكبير من جرجان إلى بغداد خوفاً منه، كان لخوفه منه أسباب منها: أن الأمير إسماعيل كان قد استعمل ابنه أحمد على جرجان - ولما أخذها من محمد بن زيد - ثم عزله عنها، واستعمل عليها بارس الكبير، فاجتمع عند بارس أموال عظيمة من خراج الري وطبرستان، فحملها إلى إسماعيل فلما سارت عنه بلغه وفاة إسماعيل فردها وأخذها، فلما قاربه أحمد خافه فكتب إلى المكتفي بالله يستأذنه في المصير، فأذن له فسار إلى بغداد في أربعة آلاف فارس، فوصل إليها بعد وفاة المكتفي وولاية المقتدر، فأعجب المقتدر فسيره إلى بني حمدان بعسكره وولاه ديار ربيعة، فخافه أصحاب الخليفة أن يتقدم عليهم، فدسوا عليه غلاماً له فسمه فمات بالموصل، واستولى غلامه على أمواله وتزوج بامرأته.\rذكر استيلاء أحمد بن إسماعيل على سجستان\rوفي شهر رجب سنة ثمان وتسعين ومائتين استولى على سجستان، وذلك أنه لما استتب ملكه واستقرت قواعده سار في سنة سبع وتسعين ومائتين إلى الري، وكان مسكنه ببخارى ثم سار إلى هراة، فسير منها جيشاً في المحرم سنة ثمان وتسعين إلى سجستان وعدة من قواده، واستعمل عليهم الحسين بن علي المروروزي، وكان بسجستان المعدل بن علي بن الليث الصفار، وهو صاحبها، فسير المعدل أخاه أبا علي محمد إلى بست ليجني أموالها، فسار الأمير أحمد إليه ببست وحاربه، وأخذه أسيراً وعاد به إلى هراة، وتوجه الحسين إلى سجستان وحصر المعدل، فلما بلغه أن أخاه أسر، صالح الحسين واستأمن له، واستولى الحسين على سجستان، واستعل عليها الأمير أحمد أبا منصور بن إسحاق - وهو ابن عنه - وعاد الحسين ومعه المعدل إلى بخارى، وقال: ولما استولى على سجستان سار سبكرى من فارس إليها على طريق المفازة، فسير إليه أحمد جيشاً فأخذوه أسيراً واستولى على عسكره، وكتب الأمير أحمد بذلك إلى المقتدر بالله فشكره، وأمره أن يحمل السبكرى ومحمد ابن علي بن الليث إلى بغداد، فسيرهما فأدخلا مشهورين على فيلين، وأعاد المقتدر رسل أحمد بالتحف والهدايا.\rثم خالف أهل سجستان على الأمير أحمد","part":7,"page":143},{"id":3154,"text":"في سنة ثلاثمائة، وسبب ذلك أن محمد بن هرمز المعروف بالمولى الصندلي كان خارجى المذهب، وأقام ببخارى وهو من أهل سجستان وكان شيخاً كبيراً، فجاء يوماً إلى الحسين بن علي العارض يطلب رزقه، فقال له: إن الأصلح لمثلك من الشيوخ أن يلزم رباطاً، يعبد اله فيه حتى يوافيه أجله، فغاظه ذلك وانصرف إلى سجستان، فاستمال جماعة من الخوارج، وكان رئيسهم محمد بن العباس المعروف بابن الحفار، ودعا لعمرو بن يعقوب بن محمد بن عمرو بن الليث الصفار، فقبضوا على منصور بن إسحاق وحبسوه وخطبوا لعمرو وسلموا إليه سجستان، فلما بلغ الخبر الأمير أحمد سير الجيوش مع الحسين بن علي فحصرها تسعة أشهر، فصعد يوماً محمد بن هرمز الصندلي إلى السور، وقال: ما حاجتكم إلى أذى شيخ كبير لا يصلح إلا للزوم رباط؟ ثم مات الصندلي فاستأمن عمرو بن يعقوب الصفار ولبن الحفار إلى الحسين، وأطلقوا منصور بن إسحاق، وكان الحسين يكرم ابن الحفار ويقربه، فوطأ ابن الحفار جماعة على الفتك بالحسين، فبلغ الحسين ذلك فقبض عليه وأخذه معه إلى بخارى، واستعمل أحمد على سجستان سيمجور الدواتي، فتوجه إلى سجستان واستصحب معه عمرو بن يعقوب وابن الحفار، فتوفي ابن الحفار.\rذكر مقتل الأمير أحمد وولاية ابنه نصر\rوفي سنة إحدى وثلاثمائة خرج الأمير أحمد إلى الصيد، وكان له أسد يربط على باب مبيته في كل ليلة، فلما كان في ليلة قتله أغفل الغلمان إحضار الأسد، فدخل إليه نفر من غلمانه فذبحوه على سريره وذلك في ليلة الخميس لسبع بقين من جمادى الآخرة، فحمل إلى بخارى فدفن بها وقتل بعض أولئك الغلمان، ولقب بعد موته بالشهيد وكانت مدة ولايته ست سنين وأربعة أشهر وأياماً.\rنصر بن أحمد\rوهو الرابع من الملوك السامانية. قال: ولما قتل والده كان عمره ثماني سنين، فبايعه أصحاب والده وكان القائم ببيعه أحمد بن محمد بن الليث متولي بخارى، فحمله على عاتقه فقال: أتريدون أن تقتلوني كما فعلتم بأبي، قالوا: لا وإنما نريد أن نضعك في موضع أبك أميراً، فسكن روعه، وبايعوا له ولقب بالسعيد، فاستصغره الناس وظنوا أن أمره لا ينتظم مع وجود عم أبه - الأمير إسحاق، وقوته وكونه شيخ السامانية وصاحب سمرقند، وميل الناس بما وراء النهر إليه وإلى أولاده، فكان الأمر بخلاف ما ظنه الناس، وطالت مدته ونافت على ثلاثين سنة.\rقال: وتولى تدبير دولته أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني، فأمضى الأمور وضبط الملكة، واتفق هو وحشم نصر بن أحمد على تدبير الأمر فأحكموه بالحضرة، وإنما طمع أصحاب الأطراف في البلاد، وكان ممن خرج عن طاعته أهل سجستان، فانصرف عنها سيمجور الدواتي فولاها المقتدر بالله بدراً الكبير.\rذكر خروج إسحاق بن أحمد وابنه إلياس\rقال: ولما توفي الأمير أحمد وولى ابنه نصر خالف عليه عم أبيه الأمير إسحاق بن أحمد - وكان يلي سمرقند - وخالف ابنه إلياس، وقوى أمرهما، فسارا نحو بخارى فسار إليهم حمويه بن علي في عسكر كثيف، والتقوا قتالاً شديداً فانهزم إسحاق إلى سمرقند، وذلك في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثمائة، ثم عاد وجمع مرة ثانية والتقوا فانهزم إسحاق ثانياً، وتبعه حميه إلى سمرقند فملكها قهراً، واختفى إسحاق فشدد عليه الطلب وضيق عليه، فاستأمن إلى حمويه فأمنه وحمله إلى بخارى، فأقام بها إلى أن مات. وأما ابنه إلياس فسار إلى فرغانة فكان بها إلى أن خرج في سنة ست عشرة.\rذكر مخالفة منصور بن إسحاق","part":7,"page":144},{"id":3155,"text":"وفي سنة اثنتين وثلاثمائة خالف منصور بن إسحاق بن أحمد، على الأمير نصر بن أحمد، ووافقه على ذلك الحسين بن علي المروروذي ومحمد بن حيد، وكان سبب ذلك أن الحسين لما فتح سجستان في الدفعة الأولى في أيام الأمير أحمد بن إسماعيل طمع أن يتولاها، فولاها منصور بن إسحاق، ثم افتتحها ثانياً وظن أنه يتولاها، فوليها سيمجور على ما قدمناه، فاستوحش لذلك ونفر خاطره، وتحدث مع منصور بن إسحاق في الموافقة والتعاضد بعد موت الأمير أحمد، على أن يكون إمارة خراسان لمنصور ويكون الحسين خليفته، فلما قتل الأمير أحمد كان منصور بنيسابور والحسين بهراة، فأظهر الحسين العصيان وسار إلى منصور بنيسابور، يحثه على ما اتفقا عليه فوافقه منصور، وأظهر الخلاف وخطب لمنصور بنيسابور، فتوجه إليهما حمويه بن علي من بخارى في عسكر كثيف، فاتفق وفاة منصور، فقيل سمه الحسين، فلما قاربه حمويه سار الحسين عن نيسابور إلى هراة وأقام بها، وكان محمد بن حيد يلي مدة بخارى مدة طويلة، ويسير منها إلى نيسابور في شغل يقوم به، فوردها ثم عاد منها بغير أمر، فكتب إليه من بخارى بالإنكار فخاف على نفسه، فدل عن الطريق إلى الحسين بهراة فقوى به، وسار إلى نيسابور واستولى عليها، واستخلف بهراة أخاه منصور ابن علي، فسير إليه من بخارى أحمد بن سهل لقتاله، فابتدأ أحمد بهراة فحصرها وأخذها، واستأمن إليه منصور بن علي، ثم سار أحمد ابن سهل منها إلى نيسابور، وكان وصوله إليها في شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثمائة، فنازل الحسين إلى أن انهزم أصحابه، فأسره ابن سهل وأقام بنيسابورن وكان ابن حيد بمرو فلما بلغه استيلاء أحمد بن سهل على نيسابور، وأسره للحسين بن علي سار إليه، فقبض عليه ابن سهل وأخذ ماله وسواده وسيره والحسين إلى بخارى فحبس الحسين بن علي ببخارى إلى أن خلصه أبو عبد الله الجيهاني، وسير ابن حيد إلى خوارزم فمات بها، ثن عاد الحسين بن علي بعد خلاصه إلى خدمة الأمير نصر بن أحمد. قال: ولما ظفر أحمد بن سهل بالحسين أقام بنيسابور واستولى عليها، وخالف على الأمير نصر وقطع خطبته، وسار من نيسابور إلى جرجان وبها قراتكين، فحاربه واستولى عليها وأخرجه عنها، ثم عاد إلى خراسان واستولى على مرو وبنى عليها سوراً وتحصن بها، فأرسل الأمير نصر الجيوش مع حمويه بن علي من بخارى، فوافى مرو الروذ وأقام بنواحيها فلم يخرج إليه أحمد بن سهل، فلما رأى حمويه أنه لا يخرج إليه وأنه تحصن بمرو شرع في أعماله الحيلة، وأمر جماعة من أصحابه بمكاتبة أحمد سراً وإظهار الميل إليه، ودعوه إلى الخروج إليهم ليسلموا حمويه إليه، فأجابهم إلى ذلك وخرج إليه فالتقوا على مرحلة من مرو الروذ، في شهر رجب سنة سبع وثلاثمائة، فانهزم أصحاب أحمد وحارب هو حتى عجزت دابته فنزل عنها، واستأسر فأخذ أسيراً وأنفذه حمويه إلى بخارى فمات بها في ذي الحجة من السنة في الحبس.\rذكر خروج إلياس بن إسحاق بن أسد ثانياً\rقد ذكرنا أنه لما انهزم مع أبيه بفرغانة، فلما كان في سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة استعان بمحمد بن الحسين بن مت، وجمع طائفة من الترك فاجتمع معه ثلاثون ألف عنان، فقصد سمرقند، فسير إليه الأمير السعيد أبا عمرو محمد بن أسد في ألفين وخمسمائة رجل، فمكنوا خارج سمرقند في يوم ورود إلياس إليها، فاشتغل هو ومن معه بالنزول فخرج عليهم الكمين من بين الشجر، ووضعوا فيهم السيف فانهزم إلياس وأصحابه، فوصل إلياس إلى فرغانة ووصل ابن مت إلى طراز، فقبض عليه دهقان الناحية وقتله وأنفذ رأسه بخارى، ثم عاد إلياس فأخرج مرة ثالثة، وأعانه أبو الفضل بن أبي يوسف صاحب الشاش، فسير إليه السعيد، محمد بن اليسع فحاربهم، فانهزم إلياس إلى كاشغر وأسر أبو الفضل وحمل إلى بخارى فمات بها، وصار إلياس إلى دهقان كاشغر طغانتكين واستقر بها.\rثم ولى محمد بن المظفر فرغانة فرجع إلياس بن إسحاق إليها، فحاربه فهزمه مرة أخرى فعاد إلى كاشغر، فكاتبه محمد بن المظفر واستماله ولطف به فحضر إلى بخارى، فأكرمه السعيد وصاهره فأقام عنده.\rذكر استيلاء السعيد على الري","part":7,"page":145},{"id":3156,"text":"وفي سنة أربع عشرة وثلاثمائة كتب المقتدر بالله إلى الأمير السعيد بولاية الري، وأمره أن يقصدها ويأخذها من غلام يوسف بن أبي الساج فسار إليها واستولى عليها وأخرج فاتك عنها في جمادى الآخرة، وأقام بها شهرين، وولى عليها سيمجور الدواني وعاد إلى بخارى، ثم استعمل عليها محمد بن صعلوك فوصل إليها وأقام بها إلى أوائل شعبان من السنة، فمرض فكاتب الحسن الداعي وما كان في القدوم عليه ليسلم الري لهما، فقدما وتسلما الري، وسار عنها وبلغ الدامغان.\rذكر مخالفة جعفر بن أبي جعفر بن أبي داود\rوعوده كان جعفر مقيماً بالختل والياً عليها للسامانية، فبدت منه أمور نسب فيها للتقصير، فكوتب أبو علي أحمد بن محمد بن المظفر بقصده، فسار إليه وحاربه وقبض عليه وحمله إلى بخارى، فحبس بها إلى أن خالف أبو ذكريا على الأمير السعيد فأخرجه وصحبه، ثم استأذنه في العود إلى ولاية الختل فأذن له، فسار إليها وتمسك بطاعة الأمير السعيد، وذلك في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة.\rذكر خروج أبي زكريا وأخويه ببخارى\rوفي سنة ثماني عشرة وثلاثمائة خرج أبو زكريا يحيى وأبو صالح منصور وأبو إسحاق إبراهيم - أولاد أحمد بن إسماعيل الساماني، على أخيهم السعيد نصر بن أحمد، وكان سبب ذلك أن أخاهم قد حبسهم في القهندز ببخارى، ووكل بهم من يحفظهم فتخلصوا منه، وسبب خلاصهم أن رجلاً يعرف بأبي بكر الخباز الأصفهاني كان يقول - إذا جرى ذكر السعيد نصر - : إن له منى طويل البلاء والعناء، فكان الناس يضحكون منه، فخرج السعيد إلى نيسابور واستخلف على بخارى أبا العباس الكوسج، وكانت وظيفة إخوته تحمل إليهم من عند هذا الخباز وهم في السجن، فسعى لهم مع جماعة من أهل العسكر فأجابوه إلى ذلك، فأعلمهم بما فعل، فلما سار السعيد عن بخارى تواعد هؤلاء للاجتماع بباب القهندز في يوم جمعة، وكان الرسم ألا يفتح باب القهندز في يوم الجمعة إلا بعد العصر، فلما كان يوم الخميس دخل أبو بكر الخباز إلى القهندز وبات فيه، وجاء من الغد إلى الباب وأظهر الزهد للبواب، وسأله أن يفتح له لئلا تفوته صلاة الجمعة وأعطاه خمسة دنانير، فلما فتح الباب صاح الخباز بمن واعدهم، فوثبوا بالبواب وقبضوا عليه وخرج إخوة السعيد وجميع من في الحبس من الديلم والعلويين والعيارين، واجتمعوا إليهم من كان قد وافقهم من العسكر،ورئيسهم شيروين الجيلي وغيره من القواد، فعظمت شوكتهم ونهبوا خزائن السعيد ودوره واختص يحيى بن أحمد بأبي بكر الخباز وقربه وقدمه وجعله من قواده، وبلغ السعيد هذا الخبر فسار من نيسابور إلى بخارى، فوكل يحيى بالنهر أبا بكر الخباز ليمنع السعيد من عبوره، فظفر السعيد به وأخذه أسيراً، وعبر النهر إلى بخارى وبالغ في تعذيب الخباز، ثم أحرقه في التنور الذي كان يخبز فيه، وسار يحيى من بخارى إلى سمرقند ثم خرج منها، وبقي يكرر الدخول إلى البلاد والسعيد في طلبه، واستمرت هذه الفتنة ثائرة إلى سنة عشرين وثلاثمائة، فأنفذ السعيد الأمان إلى أخيه يحيى فجاء إليه هو وأخوه منصور، وزالت الفتنة وسكن الشر، وأما إبراهيم فإنه هرب إلى بغداد ثم إلى الموصل.\rولاية محمد بن المظفر خراسان","part":7,"page":146},{"id":3157,"text":"وفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة استعمل الأمير نصر بن أحمد، أبا بكر محمد بن المظفر بن محتاج على جيوش خراسان، ورد إليه تدبير الأمور بنواحيها جميعاً، وكان سبب تقدم محمد عنده أنه كان يوماً بين يدي السعيد - وهو يحادثه في بعض مهماته - فلسعته عقرب في إحدى رجليه عدة دفعات، ولم يتحرك ولا ظهر عليه أثر ذلك، فلما فرغ من حديثه وعاد إلى منزله خفه وقتل العقرب، فاتصل الخبر بالأمير السعيد فأعجب به، وقال له: ما عجبت إلا من فراغ بالك لتدبير ما قلته لك! فهلا قمت وأزلتها! ! فقال: ما كنت لأقطع حديث الأمير بسبب عقرب، وإذ لم أصبر بين يديك على لسعة عقرب، فكيف أصبر - عند البعد منك - على حد سيوف أعداء دولتك، إذا دفعتهم عن مملكتك؟ فعظم محله عنده وأعطاه مائتي ألف درهم، ثم استعمله على خراسان فأقام والياً عليها إلى سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، فاستقدمه واستعمل ابنه أباً على أحمد بن محمد، وكان سبب ذلك أن أبا بكر مرض مرضاً شديداً فعزله واستعمل ابنه في شهر رمضان، فأقام بها ثلاثة أشهر وهو يتجهز ويستعد، وسار في المحرم سنة ثمان وعشرين إلى جرجان فاستولى عليها وأخذها من ما كان ابن كالي، لأن ما كان كان قد خلع طاعة السعيد بعد أن حاصرها أبو علي بقية السنة، واستخلف إبراهيم بن سيمجور الدواتي، ثم استولى أبو علي على الري في سنة تسع وعشرين، ثم استولى على بلد الجبل زنكان وأبهر وقزوين وقم وكرج وهمذان ونهاوند والدينور إلى حدود حلوان، وذلك في سنة ثلاثين، ورتب فيها العمال وجبى أموالها، ورحل إلى جرجان في سنة إحدى وثلاثين في جمادى الآخرة، فأتاه الخبر بوفاة السعيد فسار إلى خراسان.\rذكر وفاة الأمير السعيد نصر بن أحمد\rوشيء من سيرته كانت وفاته في شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وكانت علته السل فأقام به ثلاثة عشر شهراً، ولم يكن قد بقي من مشايخ دولتهم أحد، وكانت ولايته ثلاثين سنة وثلاثة وثلاثين يوماً وعمره ثمانياً وثلاثين سنة.\rوكان عالماً ذا حلم وكرم وعقل، ومن مكارمه ولين جانبه أن بعض الخدم سرق جوهراً نفيساً، وباعه على بعض التجار بثلاثة عشر ألف درهم، فحضر التاجر عند السعيد وأعلمه أنه اشترى جوهراً نفيساً لا يصلح إلا للسلطان، وأحضر الجوهر فحين رآه السعيد عرفه، فسأل عن ثمنه ومن أين اشتراه، فذكر الخادم والثمن فأربحه ألفي درهم، ثم سأله التاجر في دم الخادم فقال: لا بد من أدبه، وأما دمه فهو لك، فأحضره وأدبه ثم أنفذه إلى التاجر، وقال: كنا وهبنا لك دمه، وقد أنفذناه إليك. وحكى عنه أنه لما خرج عليه أخوه أبو زكريا ونهبت خزائنه وأمواله، فلما عاد السعيد إلى ملكه قيل له عن جماعة انتهبوا أمواله فلم يعترض إليهم؛ وأخبر أن بعض السوقة اشترى منها سكيناً نفيساً بمائتي درهم، فأرسل إليه وأعطاه الثمن فأبى أن يبيع السكين إلا بألف درهم، فقال السعيد: ألا تعجبون من هذا الرجل! أرى عنده مالي فلم أعاتبه وأعطيه حقه فيشتط في الطلب! ثم أمر بإرضائه.\rولما طال مرضه أقبل على الصلاة والعبادة، وبنى له بيتاً وسماه ببيت العبادة، فكان يلبس ثياباً نظافا ويمشي إليه حافياً ويصلي ويدعو ويتضرع، ولما دفن عند قبر والده رحمهما الله.\rوولى بعده الأمير:\rنوح بن نصر\rبن أحمد بن إسماعيل بن أحمد وهو الخامس من الملوك السامانية قال: بويغ له بعد وفاة أبيه في شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة ولقب الأمير الحميد، وفوض أمر تدبير دولته وملكه إلى أبي الفضل محمد بن أحمد الحاكم، وصدر عن رأيه، ولما هرب منه أبو الفضل بن أحمد بن حمويه - وهو من أكابر أصحاب أبيه - فأمنه وأعاده وأحسن إليه، وولاه سمرقند.\rوفي سنة اثنتي وثلاثين وثلاثمائة خالف عبد الله بن أشكام على الأمير نوح، وامتنع بخوارزم، فسار نوح من بخاري إلى مرو بسببه وسير إليه جيشاً وجعل عليهم إبراهيم بن بارس، فمات إبراهيم في الطريق، وكاتب ابن أشكام ملك الترك واحتمى به وكان الملك الترك ولد عند نوح في اعتقاله ببخاري، فراسل نوح أباه في إطلاقة ليقبض على ابن أشكام، فأجاب ملك الترك إلى ذلك، فلما علم ابن أشكام بذلك عاد إلى الطاعة، وفارق خوارزم فعفا عنه نوح وأكرمه.\rذكر مخالفة أبي علي بن محتاج\rعلى أمير الحميد","part":7,"page":147},{"id":3158,"text":"وفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة خالف أبو علي بن محتاج على الأمير الحميد نوح، وسبب ذلك أنه كان قد جهز للمسير إلى الري فأنفذ إليه عارضاً يستعرض العسكر، فأسقط العارض جماعة منهم وأساء إلى أبي علي، فنفرت قلوب الجند وساروا وهم كذلك، وانضاف إلى ذلك أن نوحاً أنفذ معه من يتولى أعماله الديوان، وجعل إليه الحل والعقد والإطلاق، بعد أن كن جميع ذلك أيام السعيد لأبي علي، فازدا قلبه نفور لذلك، ثم عزله عن خراسان واستعمل عليها إبراهيم بن سيمجور، ثم إن المتولي أساء إلى الجند في أرزاقهم فنفروا وشكا بعضهم إلى بعض، وهم إذ ذلك بهمذان، فاتفق رأيهم على مكاتبة الأمير إبراهيم بن أحمد، عم الأمير نوح، وكان كما قدمناه في خدمة الأمير ناصر الدولة بن حمدان بالموصل، فأظهروا أبا علي على ذلك فنهاهم عنه، فتواعدوه بالقبض عليه إن خالفهم، فأجابهم إلى ما طلبوه وكاتبوا إبراهيم، فحضر إليهم في شهر رمضان في تسعين فارساً وساروا في شوال في خدمته إلى الري، فلما وصلوا إليها اطلع أبو علي أن أخاه الفضل كتب إلى الأمير نوح بخبره، فقيض عليه وعلى المتولي الذي أساء إلى الجند، وسار إلى نيسابور واستخلف نوابه على الجبل والري، واتصل الخبر بالأمير نوح فسار من بخاري إلى مرو، وكان الجند قد ضجروا من محمد ابن أحمد الحاكم، مدبر دولة نوح، لسوء سيرته فيهم، فقالوا لنوح: إن الحاكم قد أفسد عليك الأمور بخراسان، وأحوج أبا علي ابن محتاج إلى العصيان، وطلبوا تسليمه إليهم وإلا ساروا إلى عمه إبراهيم، فسلمه إليهم فقتلوه في جمادي الآخر سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة.\rولما وصل علي إلى نيسابور كان بها إبراهيم بن سيمجور ومنصور بن قراتكين وغيرهما من القواد، واستمالهم فمالوا إليه وصاروا معه، ودخل نيسابور في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، ثم ظهر له من منصور بن قراتكين ما كرهه فقبض عليه، ثم سار أبو علي وإبراهيم من نيسابور في شهر ربيع الأول من السنة إلى مرو، وبها الأمير نوح، فهرب الفضل أخو أبي علي من حبسه إلى قهستان، ولما قرب أبو علي مرو انحاز إليه كثيرون من عسكر نوح، فسار نوح إلى بخاري واستولى أبو علي مرو في جمادي الأول سنة خمس وثلاثين، وأتاه أكثر أجناد نوح فسار نحو بخاري، وعبر النهر ففارقهم نوح وسار إلى سمرقند، ودخلها أبو علي في جمادي الآخرة سنة خمس وثلاثين وخطب فيها لإبراهيم وبايع له، ثم إن أبا علي اطلع على أن إبراهيم أضمر له شراً، فسار إلى تركستان وبقي إبراهيم ببخاري، وفي خلال ذلك أطلق أبو علي، منصور بن قراتكين، فسار إلى الأمير نوح، ثم إن إبراهيم وافق جماعة في السر على أن يخلع نفسه من الأمر، ويرده إلى ابن أخيه الأمير نوح، ويكون هو صاحب جيشه، ويتفق معه على قصد أبي علي، ودعا إلى ذلك فأجابوه وخرجوا إلى أبي علي، قد تفرق عنه أصحابه، فركب إليهم وردهم أقبح رد، ثم فارق إبراهيم ومن معه بخاري وخرجوا إلى سمرقند إلى خدمة الأمير نوح، وأظهروا الندم على ما كان منهم فقربهم وقبلهم وعذرهم، وعاد إلى بخاري في شهر رمضان، ثم قتل الأمير نوح في تلك الأيام طغان الحاجب، وسمل عمه إبراهيم وأخويه أبا جعفر محمداً وأحمد، وعادت الجيوش والعساكر اجتمعت عليه. أما الفضل بن محمد أخو أبي علي فإنه لما هرب من أخيه لحق بقوهستان وجمع جمعاً كثيراً وسار نحو نيسابور، وبها محمد بن عبد الرزاق من قبل أبي علي، فخرج إلى الفضل وتحاربا فانهزم الفضل ومعه فارس واحد، فلحق ببخاري فأكرمه الأمير نوح وأحسن إليه وأقام في خدمته.\rذكر استعمال المنصور بن قراتكين على خراسان\rقال: ولما عاد الأمير نوح إلى بخاري كان أبو علي بالصغانيان، وبمرو أبو أحمد محمد بن علي القزويني، فرأى الأمير نوح أن يجعل منصور بن قراتكين على جيوش خراسان، فولاه سيره إلى مرو، وبها أبو أحمد وقد غور المناهل ما بين آمل ومرو، ووافق أبو علي ثم تخلى عنه، فسار منصور جريدة في ألفي فارس، فلم يشعر به إلا وقد نزل بكشماهين، على خمسة فراسخ من مرو، فاستقبله أبو أحمد القزويني بالطاعة، فأكرمه وسيره إلى بخاري بماله وأصحابه، فأكرمه الأمير نوح وأحسن إليه، ثم ذكر له ذنوبه وقتله.","part":7,"page":148},{"id":3159,"text":"ثم كانت بعد ذلك حروب بين عسكر الأمير نوح وأبي علي، استمرت إلى جمادي الآخرة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، فراسل بعد ذلك في الصلح؛ وسير أبو علي ابنه عبد الله رهينة فوصل إلى بخاري، فأمر الأمير نوح باستقباله وأكرمه وأحسن إليه، وخلع عليه قلنسوة وجعله في ندمائه، فزال الخلف واستمر أبو علي بالصغانيان إلى سنة أربعين.\rذكر عود أبي علي إلى خراسان\rفي سنة أربعين أعيد إلى قيادة الجيوش يخراسان، وذلك بعد وفاة منصور بن قراتكين، فأرسل إليه الأمير نوح الخلع واللواء، وأمره بالمسير إلى نيسابور وأقطعه الري، فسار عن الصغانيان واستخلف مكانه ابنه أبا منصور، ثم خالف على الأمير نوح في سنة اثنتين وأربعين فعزله، فكتب إلى ركن الدولة بن بوية في المصير إليه، فأذن له في ذلك فسار إليه فأكرمه ركن الدولة، فسأله أن يكتب له عهدا من جهة الخليفة لولاية خراسان، فأرسل ركن الدولة إلى أخيه معز الدولة في ذلك، فسير له عهدا بما طلب وسير له نجدة، فسار أبو علي إلى خراسان واستولى على نيسابور، وخطب بها - وفيما استولى عليه من خراسان - للمطيع، ولم يخطب له بها قبل ذلك.\rذكر وفاة الأمير الحميد نوح بن نصر\rوولاية ابنه عبد الملك كانت وفاته في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وكانت مدة ملكه إحدى عشرة سنة وثمانية أشهر، وكان رحمه الله تعالى حسن السيرة كريم الأخلاق، ولما مات ملك بعده ولده.\rولاية عبد الملك بن نوح\rبن نصر بن أحمد بن إسماعيل ابن أحمد وهو السادس من الملوك السامانية كانت ولاية عبد الملك بما وراء النهر وخراسان بعد وفاة أبيه الأمير نوح بن نصير، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين.\rقال: ولما استقر خاله في الملك وثبت أمره ابتدأ بإرسال بكر ابن مالك من بخاري إلى خراسان، وولاه قيادة جيوشها، وأمره بإخراج أبي علي بن محتاج منها وندب معه العساكر، فسار إلى نيسابور فلما قاربها تفرق عن أبي علي أصحابه وعساكره، وبقي معه من أصحابه نحو من مائتي رجل، سوى من كان عنده نجدة من الديلم، فاضطر إلى الهرب فسار نحو ركن الدولة، فأنزله معه في الري واستولى ابن مالك على خراسان، وأقام بنيسابور، وكان بين عساكره وكان بني بويه حروب، ثم حصل بينهما الصلح والاتفاق، ودامت أيام عبد الملك إلى سنة خمسين وثلاثمائة، فركب في يوم الخميس حادي عشر شوال منها فسقط الفرس من تحته، فوقع إلى الأرض فمات، وكانت مدة ملكه سبع سنين وستة أشهر تقريباً، ولما مات، ولى بعده أخوه.\rولاية منصور بن نوح\rبن نصر بن أحمد وهو السابع من الملوك السامانية كانت ولايته بعد وفاة أخيه عبد الملك لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمسين وثلاثمائة، وخالف عليه في سنة إحدى وخمسين الفتكين، وهو من أكابر القواد، وكان قد طلبه الأمير منصور فامتنع من الحضور، فأرسل إليه جيشاً فهزمهم الفتكين، وأسر وجوه القواد وأظهر العصيان والمخائفة.\rذكر الصلح بين الأمير منصور وبين بني بويه\rفي سنة إحدى وستين وثلاثمائة تم الصلح بين الأمير منصور بن نوح وبين ركن الدولة وعضد الدولة إليه في كل سنة مائة ألف وخمسين ألف دينار، وتزوج الأمير منصور بابنة عضد الدولة، وحمل إليها من الهدايا والتحف ما لم ير مثله، وكتب بينهم كتاب الصلح شهد فيه أعيان خراسان وفارس والعراق، وكان الذي سعى في الصلح وقرره محمد بن إبراهيم بن سيموجور صاحب جيوش خراسان من جهة الأمير منصور.\rذكر وفاة الأمير منصور\rكانت وفاته ببخاري في منتصف شوال سنة ست وستين وثلاثمائة، وكانت مدة ملكه ست عشرة سنة وأربعة أيام، ولما مات ولى بعده ابنه.\rولاية المنصور\rأبي قاسم نوح بن منصور بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد، وهو الثامن من الملوك السامانية","part":7,"page":149},{"id":3160,"text":"ملك ما وراء النهر وخراسان بعد وفاة أبيه في منتصف شوال سنة ست وستين وثلاثمائة ولقب بالمنصور، واستوزر أبا الحسن العتبي فقام في حفظ الدولة المقام المرضي، وعزل محمد بن إبراهيم بن سيمجور عن قيادة جيوش خراسان لأنه كان قد استوطنها، وبقي لا يطيع إلا فيما يختار فعزل في سنة سبعين، واستعمل عوضه حسام الدولة أبا العباس تاش، ثم قتل الوزير في سنة اثنتين وسبعين، وسبب قتله أن أبا الحسن بن سيمجور وضع عليه جماعة من المماليك فقتلوه، فكتب الأمير المنصور نوح إلى حسام الدولة ناش يستدعيه إلى بخارى لتدبير الدولة، فسار عن نيسابور إليه وقتل من ظفر به من قتلة الوزير.\rوفي سنة اثنتين وسبعين سار محمد بن سيمجور نحو خراسان عند خلوها من حسام الدولة، وكاتب فايقا وطلب موافقته على الاستيلاء على خراسان، فوافقه واجتمعا بنيسابور، واتصل الخبر بحسام الدولة فسار عن بخاري إلى مرو في جمع كبير، وترددت الرسائل بينهم فاصطلحوا: على أن تكون نيسابور وقيادة الجيوش لأبي العباس حسام الدولة تاش، وتكون بلخ لفايق، وهراة لأبي علي ابن أبي الحسن بن سيمجور، وتفرقوا على ذلك وقصد كل منهم عمله.\rولما عاد أبو العباس إلى نيسابور وترك بخاري استوزر الأمير نوح، عبد الله بن عزير وكان ضدا لأبي الحسين العتبي، فلما ولى الوزارة ابتدأ بعزل حسام الدولة عن خراسان، وأعاد ابن سيمجور إليها، فكتب القواد بخراسان يسألونه أن يقر حسام الدولة عليها فلم يجبهم فكتب حسام الدولة إلى فخر الدولة بن بويه يستمده، فأمده بالأموال والعساكر، وكانت بينهم حروب انتصر فيها حسام الدولة، واستولى على خراسان وأقام بنيسابور، وانهزم ابن سيمجور ثم تراجع أصحاب ابن سيمجور إليه، وجاءته الأمداد من بخاري وعاد لقتال حسام الدولة، والتقوا واقتتلوا نهارا كاملا انتصر فيه ابن سيمجور، وانهزم حسام الدولة وأصحابه وأقام بجرجان، ولم يصل إلى خراسان إلى أن مات في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وأقام ابن سيمجور بخراسان إلى أن توفي فجأة وهو يجامع بعض خطاياه.\rوفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة سار بغراخان إبلك ملك الترك بعساكره إلى بخارى، فسير إليه الأمير نوح جيشا كثيفا فهزمهم بغراخان، فعادوا إلى بخارى وهو في آثارهم، فخرج نوح بنفسه وسائر عساكره ولقيه، فاقتتلوا قتالاً شديداً كانت الهزيمة على بغراخان، فعاد إلى بلاساغون وهي كرسي ملكه.\rملك الترك بخارى وشيء من أخبارهم وخروج الأمير نوح منها وعوده إليها وفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ملك شهاب الدولة هارون بن سليمان إيلك المعروف ببغراخان التركي مدينة بخارى، وكان له كاشغر وبلاساعون وختن وطراز وغير ذلك إلى حدود الصينن وله عساكر جمة وهم مسلمون، وكان سبب إسلامهم أن جدهم الأول شبق قراخاقان رأى في منامه كأن رجلاً نزل من السماء، فقال له بالتركية ما معناه: اسلم تسلم في الدنيا والآخرة، فأسلم في منامه، وأصبح فأظهر إسلامه،فلما مات قام مقامه ابنه موسى بن شبق، ثم انتهى ملك هذه الطائفة من الترك إلى بغراخان، وكنا قصدنا أن نفرد هذه الدولة الخانية بترجمة، ونذكر من ملك منهم وما استولوا عليه من البلاد وغير ذلك، فلم نظفر بمؤرخ ذكر أخبارهم سياقة ولا متفرقة، إذا جمعت انتظمت على سياقة، فذلك دمجنا أخبارهم في أثناء الدول بحسب وقائعهم مع الملوك، وما أظن أخبارهم اتسقت لمؤرخ لأن أخبار الملوك والدول إنما يعتني بجمعها كتاب الإنشاء والفضلاء من الناس، وهؤلاء كانوا أتراكاً لا كتاب لهم ولا اعتناء بشيء من ذلك، فلذلك انقطعت أخبارهم.","part":7,"page":150},{"id":3161,"text":"ولنرجع إلى سبب ملك بغراخان بخارى. كان سبب ذلك أن أبا الحسن بن سيمجور عامل خراسان - لما مات - ولي ابنه أبو علي بعده وكاتب الأمير الرضى نوحاً أن يقره على ما كان بيد أبيه، فأجيب إلى ذلك، وحملت إليه الخلع وهو لا يشك أنها له، فلما بلغ الرسول طريق هراة عدل إليها وبها قايق، فأوصل إليه العهد بولاية خراسان والخلع إليه، فعلم أبو علي أنهم مكروا به، وأن هذا دليل سوء يريدونه به، فلبس فايق الخلع وسار عن هراة نحو أبي علي، فبلغه الخبر فسار جريدة في نخبة أصحابه، وطوى المنازل حتى سبق خبره، وأوقع بفايق بين هراة وبوشنج، فانهزم فايق وأصحابه إلى مرو الروذ، وكتب أبو علي إلى الأمير نوح يجدد طلب ولاية خراسان، فأجابه إلى ذلك وجمع له ولاية خراسان جميعها بعد أن كانت هراة لفايق، وعاد أبو علي إلى نيسابور ظافراً وجبى أموال خراسان، فكتب إليه نوح يستتر له عن بعضها ليصرفه في أرزاق الجند، فاعتذر إليه ولم يفعل وخاف عاقبة المنع فكتب إلى بغراخان يدعوه إلى قصد بخارى، واستقر الأمر بينهما على أن يكون لبغراخان ما وراء النهر جميعه، ولأبي خراسان، فطمع بغراخان في البلاد وتجددت حركته إليها.\rوأما فايق فإنه أقام بمرو الروذ حتى اجتمع إليه أصحابه، وسار نحو بخارى من غير إذن، فارتاب الأمير نوح به وسير الجيوش وأمرهم يمنعه، فقاتلوه وهزموه فعاد وقصد ترمذ، وكاتب بغراخان أيضاً يطمعه في البلاد، فسار نحو بخارى واستولى على بلاد السامانية شيئاً بعد شيء، فسير إليه نوح جيشاً واستعمل عليهم قائداً كبيراً من قواده اسمه انج، فهزمهم بغراخان وأسر أنج وجماعة من القواد، فلما ظفر بهم طمعه في البلاد، وضعف نوح وأصحابه وكاتب أبا علي بن سيمجور يستنصره، ويأمره بالقدوم إليه بالعساكر فلم يجبه إلى ذلك ولا لبى دعوته، وطمع في الاستيلاء على خراسان، وسار بغراجان نحو بخارى فلقيه فايق واختص به وصار في جملة أصحابه، ونازلوا بخارى فاختفى الأمير نوح وملكها بغراجان ونزلها، وخرج نوح منها مستخفياً فعبر النهر إلى آمل الشط، وأقام بها ولحق به أصحابه، وتابع نوح كتبه ورسله إلى أبي علي يستنجده ويخضع له، فلم يصغ إلى ذلك؛ وأما فايق فإنه استأذن بغراجان في قصد بلخ والاستيلاء عليها فأمره بذلك، فسار نحوها واستولى عليها.\rذكر عود نوح إلى بخارى ووفاة بغراجان\rوقيام إيليك الخان قال: ولما نزل بغراخان ببخارى استوخمها فمرض واشتد مرضه، فانتقل نحو بلاد الترك، ولما فارق بخارى ثار أهلها بساقة عسكره، فقتلوا منهم وغنموا أموالهم، ووافقهم الأتراك الغزية على الفتك والنهب لعسكر بغراجان، وبادر الأمير بالعود إلى بخارى فيمن معه من أصحابه، فدخلها وعاد إلى دار ملكه وتباشر أهلها به، ومات بغراجان وعاد أصحابه إلى بلادهم، وكان بغراجان ديناً خيراً عادلاً حسن السيرة محباً للعلماء وأهل الدين مكرماً لهم، وكان يحب أن يكتب عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولى بعده أمر الترك ايليك الخان شمس الدولة أبو النصر أحمد بن علي.\rأبي علي بن سيمجور وفايق\rواستعمال محمود بن سبكتكين على خراسان","part":7,"page":151},{"id":3162,"text":"قال: ولما عاد الأمير نوح إلى بخارى أسقط في يد أبي علي ابن سيمجور، وندم على ما فرط منه من ترك إعانته عند الحاجة إليه؛ وأما فايق فإنه لما استقر الأمير نوح ببخارى حدث نفسه بالمسير إليه والحكم في دولته، فسار عن بلخ فسير الأمير نوح الجيوش لرده، فالتقوا واقتتلوا فانهزم فايق وأصحابه، ولحق بأبي علي بن سيمجور ففرح به وقوى جنانه، واتفقا على مكاشفة الأمير نوح وإظهار العصيان، فكتب الأمير إلى سبكتكين وهو يومئذ بغزنة، يعرفه الحال ويأمره بالمصير إليه لينجده وولاه خراسان وكان سبكتكين في هذه الفتن مشغولاً بالغزو غير ملتفت إلى ما هم فيه، فلما أتاه الكتاب سار نحو جريدة، واجتمع به وقررا ما يفعلانه واتفقا عليه، وعاد سبكتكين فجمع عسكره وحشد وسار عن غزته، ومعه ولده محمود نحو خراسان، وسار نوح من بخارى واجتمعا وقصدا أبا علي وفايقا، وقد جمعا عساكرهما أيضاً واستنصرا بفجر الدولة بن بويه، فسير إليهما عسكراً كثيراً، والتقوا بنواحي هراة واقتتلوا، فانحاز دارا بن قابوس بن وشمكير من عسكر أبي علي إلى عسكر نوح ومعه أصحابه، فانهزم أصحاب أبي علي وركبهم أصحاب سبكتكين يقتلون ويأسرون ويغنمون، وعاد أبو علي وفايق إلى خراسان وأقام الأمير نوح وسبكتكين بظاهر هراة، حتى ألااحوا واستراحوا وساروا نحو نيسابور، فسار أبو علي وفايق نحو جرجان، واستولى نوح على نيسابور واستعمل عليها وعلى جيوش خراسان محمود بن سبكتكين، ولقبه سيف الدولة ولقب أباه ناصر الدولة، وعاد نوح إلى بخارى وسبكتكين إلى هراة وذلك في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.\rوفي سنة خمس وثمانين في شهر ربيع الأول سار أبو علي وفايق عن جرجان إلى نيسابور، فكتب محمود إلى أبيه بذلك وبرز إلى ظاهر نيسابور، وأقام ينتظر المدد فأعجلاه فصبر لهما، فقاتلاه وهو في قلة من الرجال فانهزم عنهما نحو أبيه، وغنما منه شيئاً كثيراً ورجع أبو علي إلى نيسابور، وكتب إلى الأمير نوح يستميله ويستقبل من عثرته، وكاتب سبكتكين بمثل ذلك وأحال فيما جرى على فايق، فلم يجيباه إلى ما أراد، وجمع سبكتكين العساكر وسار نحو أبي علي فالتقوا عامة يومهم، وأتاهم محمود ابن سيكتكين في عسكر ضخم من ورائهم، فانهزموا وقتل منهم خلق كثير، ونجا أبو علي وفايق إلى آمل الشط،فراسلا الأمير نوح يستعطفانه، فأجاب أبا علي إلى ما طلب وقبل عذره، إن فارق فايقاً ونزل بالجرجانية، ففعل ذلك فحذره فايق وخوفه مكرهم ومكيدتهم فلم يرجع إلى قوله، وفارقه وسار إلى الجرجانية ونزل بقربه بقرب خوارزم تسمى هزارسب، فأرسل إليه أبو عبد الله خوارزم شاه من أقام له ضيافة، ووعده أنه يقصده ليجتمع به فسكن إلى ذلك فلما كان الليل أرسل إليه خوارزم شاه جمعاً من عسكره، فأحاطوا به وأخذوه أسيراً في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، فاعتقله في بعض دوره، وطلب أصحابه فأسر أعيانهم وتفرق الباقون.\rوأما فايق فإنه سار إلى ايليك الخان فأكرمه وعظمه ووعده أن يعيده إلى قاعدته، وكتب إلى نوح يشفع فيه ويطلب منه أن يوليه سمرقند، فأجابه إلى ذلك وأقام بها؛ وأما ما كان من أبي علي بن سيمجور فإنه لما أسره خوارزم شاه بلغ خبره إلى مأمون بن محمد والي الجرجانية، فقلق لذلك وعبر إلى كاث وهي مدينة خوارزم شاه فحصرها وفتحها عنوة، وأحضر أبا علي وفك قيده وعاد به إلى الجرجانية، واسخلف مأمون بعض أصحابه على بلد خوارزم شاه، وصارت من جملة ما بيده، وقتل خوارزم شاه بين يدي أبي علي بن سيمجور، وكتب مأمون إلى الأمير نوح وهو يشفع في أبي علي ويسأل الصفح عنه، فأجابه إلى ذلك وأمر أبو علي بالمسير إلى بخارى، فسار إليها فيمن بقي معه من أهله وأصحابه، فلما بلغها لقيه الأمراء والعساكر ودخل على الأمير نوح فأمر بالقبض عليه وعلى من معه، واعتقله فمات في حبسه في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.\rذكر وفاة الأمير نوح بن منصور\rكانت وفاته في شهر رجب سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، فكان مدة ملكه عشرين سنة وثمانية أشهر، فاحتل بموته ملك آل ساسان وضعف أمرهم ضعفاً ظاهراً، وطمع فيهم أصحاب الأطراف، وزال ملكهم بعد ذلك بمدة يسيره على ما نذكره إن شاء الله تعالى، فكأنه المعنى بقول القائل:\rوما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما\rولاية منصور بن نوح\rبن منصور بن نوح","part":7,"page":152},{"id":3163,"text":"ابن نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد، وهو التاسع من الملوك السامانية ملك ما وراء النهر وخراسان بعد وفاة أبيه في شهر رجب سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وبايعه الأمراء والقواد وسائر الناس، وفرق فيهم بقايا الأموال فاتفقوا على طاعته، وقام بأمر دولته وتدبيرها بكتوزون، ولما بلغ خبر وفاة أبيه إلى ايليك الخان سار إلى سمرقند وانضم إليه فايق والخاصة فسيره جريدة إلى بخارى، فلما سمع الأمير منصور بمسيره تحير في أمره وأعجله عن أن يتجهز، فسار عن بخارى وقطع النهر، ودخل فايق بخارى وأظهر أنه قصد القيام بخدمة الأمير منصور، رعاية لحق أسلافه عليه إذ هو مولاهم، وأرسل إليه مشايخ بخارى في العودة إلى بلده وملكه، وأعطاه من نفسه ما يطمئن إليه من العهود والمواثيق، فعاد إليها ودخلها وولى فايق أمره، وحكمه في دولته، وولى بكتوزون أمر الجيش بخراسان، وكان محمود ابن سبكتكين حينئذ مشغولاً بمحاربة أخيه إسماعيل، فسار بكتوزون إلى خراسان ووليها واستقرت قواعده بها.\rالقبض على الأمير منصور وسمله\rوفي سنة تسع وثمانين وثلاثمائة اجتمع بكتوزون وفايق وتشاكيا ما هما فيه من قلة إنصاف الأمير لهما، فقبضا عليه وأمر بكتوزون من سمل عينيه، فكانت مدة ولايته سنة واحدة وسبعة أشهر.\rولاية عبد الملك بن نوح\rبن منصور قال: ولما قبضا على الأمير منصور أقاما أخاه عبد الملك في الملك مقامه وهو صبي صغير، فأرسل محمود بن سبكتكين إلى فايق وبكتوزون بلومهما ويقبح فعلهما، وقويت نفسه على لقائهما، وطمع في الملك والاستقلال به، وسار لقتالهم فسار نحوه ومعهما عبد الملك، والتقوا واقتتلوا أشد قتال فانهزم السامانية، ولحق عبد الملك وفايق ببخارى، وقصد بكتوزون نيسابور فاتبعه جيوش محمود حتى لحق بجرجان، وسار محمود إلى هراة فعاد بكتوزون إلى نيسابور وملكها، فقصده محمود فهرب إلى بخارى بعد أن نهب مرو، واستقر ملك محمود بن سبكتكين بخراسان وخرجت عن ملك آل سامان.\rانقراض الدولة السامانية\rكان انقراضها في سنة تسع وثمانين وثلاثمائة على يد محمود بن سبكتكين بخراسان وإيليك الخان بما وراء النهر. فأما محمود فإنه ملك خراسان كما ذكرناه، وأما ايليك الخان وهو شمس الدولة أبو النصر أحمد بن علي فإن عبد الملك - لما انهزم من محمود بقي بيده ما وراء النهر، فقصد بخارى واجتمع بها هو وفايق وبكتوزون وغيرهما من الأمراء والأكابر، فقويت نفوسهم وشرعوا في جمع العساكر، وهزموا على العود إلى خراسان، فاتفقت وفاة فايق في شعبان من السنة، فلما مات ضعفت نفوسهم ووهت قوتهم، فإنه كان هو المشار إليه من بينهم، وكان خصياً من موالي الأمير نوح ابن نصر. قال: ولما اتصل الخبر بايليك الخان سار في جميع الأتراك إلى بخارى، وأظهر لعبد الملك المودة والموالاة والحمية له، فظنوا صدقه فلم يحترسوا منه، وخرج إليه بكتوزون وغيره من الأمراء والقواد، فلما حضروا عنده قبض عليهم، وسار حتى دخل بخارى في يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة، فلم يدر عبد الملك ما يصنع لقلة من معه فاختفى، ونزل ايليك الخان في دار الإمارة وبث العيون على عبد الملك، وشدد في طلبه فظفر به فأودعه بايكند فمات بها، وهو آخر الملوك السامانية، وانقرضت دولتهم على يده وحبس معه أخاه أبا الحارث منصور بن نوح، الذي كان في الملك قبله، وأخويه أبا إبراهيم إسماعيل أبا يعقوب، وأعمامه أبا زكريا وأبا سليمان وغيرهم من آل سامان، وأفرد كل واحد منهم في حجرة، وكانت دولتهم قد انتشرت من حدود حلوان إلى الترك بما وراء النهر، وكانت من أحسن الدول سيرة وعدلاً، وعدة من ملك منهم عشرة ملوك وهم: نصر بن أحمد بن أسد سامان، ثم أخوة إسماعيل بن أحمد، ثم ابنه أحمد بن إسماعيل، ثم ابنه نصر بن أحمد، ثم ابنه نوح، ثم ابنه عبد الملك بن نوح، ثم أخوه منصور بن نوح، ثم ابنه نوح بن منصور، ثم ابنه منصور بن نوح، ثم أخوه عبد الملك بن نوح، ومدة ملكهم منذ ولى نصر بن أحمد بن أسد وإلى أن قبض على عبد الملك مائة سنة وتسع وعشرين سنة تقريباً، ولم يقم لهم بعد ذلك دولة، وإنما ظهر إسماعيل بن نوح ولم يستقم له أمر ولا قامت له دولة، فلذلك لم نجعله في جملة ملوكهم، لأنه كان كالخارجي، ونحن الآن نذكر ظهوره وما كان من أمره.\rذكر إسماعيل بن نوح وما اتفق له بخراسان","part":7,"page":153},{"id":3164,"text":"وفي سنة تسعين وثلاثمائة خرج أبو إبراهيم إسماعيل بن نوح من محبسه، وكان السبب في ظهوره أنه كان له جارية تأتيه لخدمته ثم تنصرف، فجاءته في بعض الأيام على عادتها فلبس ما كان عليها، وخرج فظنه الموكلون به الجارية، ولما خرج استخفى عند عجوز من أهل بخارى، إلى أن سكن الطلب عنه، فسار من بخارى إلى خوارزم وتلقب المستنصر، واجتمع إليه بقايا القواد السامانية والجند فكثرت جموعه، فبعث قائداً من قواده إلى بخارى، فقاتل من بها من أصحاب أيليك الخان وهزمهم وتبعهم إلى حدود سمرقند، فاجتمع المنهزمون وعسكر سمرقند وقاتلوه فهو منهم أيضاً عسكر المستنصر، وغنموا أثقالهم فصلحت أحوالهم وعادوا إلى بخارى، فاستبشر أهلها بعود السامانية، فجمع أسليك الخان الترك وقصد بخارى، فانحاز من بها من السامانية وعبروا النهر إلى آمل الشط، فضاقت عليهم فساروا هم والمستنصر نحو أبيورد، فملكوها وجبوا أموالها، وساروا نحو نيسابور وبها منصور بن سبكتكين نائباً عن أخيه محمود، فاقتتلوا فانهزم ابن سبكتكين وملك المستنصر نيسابور وكثر جمعه، فاتصل الخبر بيمين الدولة محمود فجد في السير إليها فسار المسنتصر عنها إلى اسفرايين، فلما أزعجه الطلب سار إلى شمس المعالي قابوس بن وشمكير ملتجئا إليه، فأكرمه وحمل إليه كثيراً وأشار عليه بقصد الري، إذ كانت ليس لها من يذب عنها، لاشتغال أصحابها باختلافهم، ووعده أن ينجده بعسكر مع أولاده، فسار نحو الري ونازلها فضعف من بها عن مقاومته، إلا أنهم حفظوا البلد، وبذلوا الأموال لأصحابه ليردوه عنها، فردوه وحسنوا له العود إلى خراسان فسار نحو الدامغان، وعاد عنه عسكر قابوس، ووصل المستنصر إلى نيسابور في شوال سنة إحدى وتسعين فجبى أموالها، فأرسل إليها يمين الدولة جيشاً فانهزم وسار نحو أبيورد، وقصد جرجان فرده شمس المالي عنها، فقصد سرخس وجبى أموالها وسكنها، فسار إليه نصر بن سبكتكين من نيسابور، والتقوا واقتتلوا فانهزم الساماني، وأسر جماعة من أعيان عسكره وحملوا إلى غزنة، وذلك في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، ثم سار الساماني تائها حتى وافى الأتراك الغزية، ولهم ميل إلى آل سامان فاجتمعوا معه، وسار إيليك الخان وذلك في شوال سنة ثلاث وتسعين، فلقيهم بنواحي سمرقند فهزموه، واستولوا على أمواله وسواده وأسروا جماعة من قواده وعادوا، وأجمع أصحاب المستنصر على إطلاق الأسرى تقرباً إلى إيليك الخان، فشعر بذلك فاختار من أصحابه جماعة يثق بهم، وسار بهم فعبر النهر إلى آمل الشط فلم يقبله مكان، فعاد وعبر النهر إلى بخارى واقتتل هو وواليها الذي هو من قبل إيليك الخان، فانهزم المستنصر إلى دبوسية وجمع بها جمعاً، ثم عاودهم وهزمهم فاجتمع عليه جماعة من فتيان سمرقند وصاروا في جملة أصحابه، فجمع إيليك الخان الأتراك وسار إليه والتقوا بنواحي سمرقند، فانهزم إيليك الخان وذلك في شعبان سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، ثم عاد إيليك الخان إلى بلاد الترك فجمع وحشد وعاد إلى المستنصر، فوافق عوده تراجع الغزية الذين كانوا مع الساماني إلى أوطانهم، فاقتتلوا بنواحي اشروسنة فانهزم الساماني وأكثر أصحاب إيليك الخان القتل في أصحابه، وعبر النهر إلى الجوزجان فنهب أموالها، وسار يريد مرو فسير إليه يمين الدولة العساكر، ففارق مكانه وساروهم في أثره، فأتى بسطام فأزعجه قابوس عنها فضاقت به المذاهب، فعبر ما وراء النهر وقد ضجر أصحابه منه وسئموا من السهر والتعب والخوف، ففارقه كثير منهم إلى بعض أصحاب إيليك الخان وأعلموهم بمكانه، فلم يشعر إلا وقد أحاطت به الخيل من كل جانب، فطاردهم ساعة وانهزم بحالة للعرب، وكانوا في طاعة يمين الدولة محمود بن سبكتكين، فأمهلوه حتى أظلم الليل ووثبوا عليه فأخذوه وقتلوه، وكان ذلك خاتمة أمره وآخر ما اتفق لآل سامان، ولم يقم منهم بعده أحد، والله أعلم.\rالدولة الصفارية وابتداء أمرها","part":7,"page":154},{"id":3165,"text":"أول من قام منهم يعقوب بن الليث الصفار، وكان يعقوب هذا وأخوه عمرو يعملان الصفر بسجستان ويظهران الزهد والتقشف، وكان في أيامهما رجل من أهل سجستان اسمه صالح بن النضر الكناني قد تغلب على سجستان في سنة سبع وثلاثين ومائتين في خلافة المتوكل على الله، فصحبه يعقوب وقاتل معه وجعله صالح مقام الخليفة عنه، فاستنفذ طاهر بن عبد الله بن طاهر - أمير خراسان - سجستان من يده، ثم هلك بعد ذلك فقام مقامه بأمر المتطوعة رجل اسمه درهم بن الحسن، فغلب على سجستان وكان غير ضابط لعسكره وكان يعقوب هو قائد العسكر، فلما رأى أصحاب درهم ضعفه وعجزه اجتمعوا على يعقوب بن الليث، وملكوه أمرهم لما رأوه من تدبيره وحسن سياسته وقيامه بأمرهم، فلما تبين ذلك لدرهم لم ينازعه في الأمر، وسلمه إليه واعتزل عنه فاستبد يعقوب بالأمر؛ وقيل بل احتال صاحب خراسان على درهم حتى قبض عليه، وحمله إلى بغداد فحبس بها ثم أطلق وخدم الخليفة ببغداد، واستقل يعقوب بعده بالأمر وعظم شأنه وتولى أمر المتطوعة، وقام بمحاربة الشراة فظفر بهم وأكثر القتل فيهم حتى كاد يفنيهم، وخرب قراهم، وأطاعه أصحابه طاعة لم يطيعوا أحداً قبله، فاشتدت شوكته فغلب على سجستان وأظهر التمسك بطاعة الخليفة، وكاتبه وصدر عن أمره وأظهر أنه أمره بقتال الشراة، وملك يعقوب سجستان وضبط الطريق، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فكثر اتباعه.\rملك يعقوب هراة وبوشنج\rقال: ولما كثرا أتباعه خرج عن حد طلب الشراة، فصار يتناول أصحاب خراسان، وسار من سجستان إلى هراة من أعمال خراسان في سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وأمير خراسان يومذاك محمد بن طاهر بن عبد الله، وعامله على هراة محمد بن أوس الأنباري فخرج منها لمحاربته، والتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم ابن أوس وملك يعقوب هراة وبوشنج وصارت المدينتان في يده، فعظم أمره وهابه أمير خراسان وغيره من أصحاب الأطراف، وذلك في خلافة المعتز بالله.\rذكر استيلائه على كرمان\rوفي سنة خمي وخمسين ومائتين استولى يعقوب بن الليث على كرمان، وسبب ذلك أن علي بن الحسين بن سبل كان على فارس، فتباطأ بحمل الخراج منها وكتب إلى المعتز بالله يطلب منه كرمان، ويذكر عجز الطاهرية عنها، فكتب إليه بولايتها وكتب إلى يعقوب أيضاً بولايتها، وقصد بذلك إغراء كل واحد منهما بالآخر فتسقط عنه مؤونة الهالك منهما وينفرد بالآخر، وكان كل منهما يظهر الطاعة للخليفة وهو في باطن أمره على معصيته، والمعتز يعلم بذلك منهما، فأرسل علي بن الحسين، طوق بن المغلس إلى كرمان، وسار يعقوب إليها فسبقه طوق واستولى عليها، وأقبل يعقوب حتى بقي بينه وبين عسكر كرمان مرحلة، فأقام بها شهرين لا يتقدم إلى طوق، ولا طوق يخرج إليه، فلما طال ذلك عليه أظهر الارتحال إلى سجستان ورجع مرحلتين، وبلغ طوقا ارتحاله فظن أنه قد بدا له في حربه، فوضع آلة الحرب وقعد للشرب واللهو، واتصل ذلك بيعقوب فكر راجعاً وطوى المرحلتين في مرحلة واحدة، فلم يشعر طوق إلا بغبرة العسكر قد طلعت، فقال: ما هذا؟ فقبل غبرة المواشي، فلم يكن بأسرع من موافاة يعقوب فأحاط به وبأصحابه، فذهب أصحابه يريدون المناهضة والدفع عن أنفسهم، فقال يعقوب لأصحابه: أفرجوا لهم، فأفرجوا لهم فمروا هاربين وتركوا أموالهم وأثقالهم، وأسر يعقوب طوقا، وكان علي بن الحسين قد سير مع طوق قيوداً في صناديق، ليقيد بها من يأخذه من أصحاب يعقوب، وفي صناديق أطوقة وأساور يعطيها لأصحاب البلاء من أصحابه، فلما غنم يعقوب عسكرهم رأى ذلك فقال يا طوق: ما هذا؟ فأخبره، فأعطى يعقوب الأطوقة والأساور لأصحابه، وقيد بالقيود والأغلال أصحاب علي، ولما أخرج يد طوق ليجعل الغلّ فيها رآها يعقوب وعليها عصابة، فسأله عنها فقال: أصابتني حرارة ففصلتها، فأمر يعقوب بنزع خف نفسه فتساقط كسر يابسة، فقال: يا طوق هذا خفي لم أنزعه من رجل منذ شهرين، وخبزي فيه منه آكل، وأنت جالس في الشرب، ثم دخل كرمان مع سجستان.\rذكر ملكه فارس","part":7,"page":155},{"id":3166,"text":"قال: ولما بلغ على بن الحسين صاحب فارس ما فعله يعقوب بطوق أيقن بمجيئه إليه وكان بشيراز، فجمع جيشه وصار إلى مضيق خارج شيراز، من أحد جانبيه جبل لا يسلك، ومن الآخر نهر لا يخاض على رأس المضيق، وهو مضيق لا يسلكه وإلا واحد بعد واحد وقال: إن يعقوب لا يقدر على الجواز إلينا، وأقبل يعقوب حتى دنا من ذلك المضيق ونزل على ميل منه، وسار وحده ومعه رجل آخر فنظر إلى المضيق والعسكر فسبه أصحاب علي وهو ساكت، ثم رجع إلى أصابه، فلما كان الغد سار حتى صار إلى طريق المضيق مما يلي كرمان، ومر أصحابه بالنزول وحط الأثقال ففعلوا وركبوا دوابهم وأخذ كلبا كان قد ألفه فألقاه في الماء، فجعل يسبح إلى جانب أصحاب علي، وكان علي وأصحابه قد ركبوا لينظروا إلى فعله ويضحكون منه، فألقى يعقوب نفسه وأصحابه في الماء على خيولهم وبأيديهم الرماح، وجعلوا يسيرون خلف الكلب، فلما رأى علي يعقوب وقد قطع عامة النهر تحير في أمره، وانتقض عليه ما كان قد دبره، وخرج أصاب يعقوب فلما صار أوائلهم في البر هرب أصحاب علي إلى مدينة شيراز، فسقط علي بن الحسين عن فرسه فأخذ أسيراً وأتى به إلى يعقوب فقيده واحتوى علي ما كان في عسكره، ثم رحل من موضعه ودخل شيراز ليلا فلم يتحرك أحد، فلما أصبح انتبه أصحابه دار علي ودور أصحابه، وأخذ ما في بيوت الأموال وجبي الخارج، ورجع إلى سجستان. وقيل إنه كان بينه وبين علي حرب بعد عبور النهر، وذلك أن علياً كان قد جمع عنده جمعاً كثيراً من الموالي والأكراد وغيرهم، بلغت علتهم خمسة عشر ألفاً من فارس وراجل، وعبأ أصحابه وأقبل يعقوب عبر النهر فلما صاروا في أرض واحدة حمل يعقوب وعسكره حملة رجل واحد، وتابع الحملات حملة بعد أخرى فانهزم أصاب علي، وتبعهم وهو يصيح بهم فلا يرجون، وقتل الرجالة قتلاً ذريعاً، وأقبل المنهزمون إلى باب شيراز وقت العصر، فازدحموا إلى الأبواب وتفرقوا في نواحي فارس، وبلغ بعضهم إلى الأهواز فأمر يعقوب بالكف عنهم، وكانت القتلى منهم خمسة آلاف، قيل أصحاب علي بن الحسين ثلاث جراحات ثم أخذ أسيراً.\rودخل يعقوب مدينة شيراز وطاف بها، ونادى بالأمان فاطمأن الناس، وعذب علي بن الحسين بأنواع العذاب، وأخذ من أمواله ألف بدرة وقيل أربعمائة، وأخذ من السلاح والأقمشة وغير ذلك مالا يحد، وكتب إلى الخليفة المعتز بالله بطاعته، وأهدى له هدية جليلة: منها عشرة بزاة بيض وباز أبلق صيني ومائة من المسك وغير ذلك من الطرائف، وعاد إلى سجستان ومعه علي وطوق، فلما فارق بلاد فارس أرسل الخليفة عماله إليها.\rذكر قصد يعقوب فارس وملكه بلخ وغيرها\rوفي سنة سبع وخمسين ومائتين سار يعقوب إلى بلاد فارس، فأرسل إليه المعتمد على الله ينكر ذلك، وكتب إليه الموفق أخو المعتمد بولاية بلخ وطخارستان وسجستان والسند فقبل ذلك، وعاد وسار إلى بلخ وطخارستان، فلما وصل نزل بظاهرها وخرب نوشاد؛ وهي أبنية كان قد بناها داود بن العباس خارج بلخ، ثم سار إلى كابل واستولى عليها وقبض على رتيبل، وأرسل رسولاً إلى الخليفة بهدية جليلة المقدار، وفيها أصناف أخذها من كابل وتلك البلاد، وسار إلى بست فأقام بها سنة، وسبب إقامته أنه أراد الرحيل فرأى قواده قد حمل بعض أثقاله، فغضب وقال: ترحلون قبلي! ! ثم أقام سنة، وسار إلى بوشنج وقبض على الحسين بن طاهر، فأنفذ إليه محمد بن طاهر بن عبد الله يسأله في إطلاقه فلم يجب سؤله.\rذكر ملكه نيسابور","part":7,"page":156},{"id":3167,"text":"وفي شوال سنة تسع وخمسين ومائتين دخل يعقوب نيسابور، وكان سبب مسيره إليها أن عبد الله السجزي كان ينازع يعقوب سجستان فلما قوي أمر يعقوب هرب منه إلى محمد بن طاهر وطلبه يعقوب منه فلم يفعل، فسار نحوه إلى نيسابور فلما قرب منها وأراد دخولها وجه إليه محمد بن طاهر يستأذنه في تلقيه، فلم يأذن له فبعث بعمومته وأهل بيته فتلقوه، ودخل نيسابور وأرسل إلى الخليفة يذكر تفريط محمد بن طاهر في عمله، وأن أهل خراسان سألوه المصير إليهم، ويذكر غلبة العلويين على طبرستان وبالغ في هذا المعنى، فأنكر عليه ذلك بالاقتصار على ما أسند إليه، ألا يسلك معه مسلك المخالفين، وقيل بل كان سبب ذلك أنه كتب إلى محمد يعلمه أنه على قصد طبرستان، لمضي ما أمره به الخليفة في الحسن بن زيد العلوي المتغلب عليها، وأنه لا يتعرض إلى شيء من عمله ولا إلى شيء من أسبابه، وكان بعض خاصة محمد وأهله لما رأوا إدبار أمره مالوا إلى يعقوب وكاتبوه واستدعوه وهونوا على محمد أمر يعقوب، وأعلموه أنه لا خوف عليه منه وثبطوه عن التحرز منه، فركن محمد إلى قولهم حتى قرب يعقوب من نيسابور، فوجه إليه قائداً من قواده يطيب قلبه، وأمر يمنعه عن الانتزاح من نيسابور إن أراد ذلك، ثم وصل يعقوب إلى نيسابور في رابع شوال، وأرسل أخاه عمرو بن الليث إلى محمد بن طاهر فأحضره عنده، فقبض عليه وقيده وعنفه على إهماله أمر عمله وعجزه عن حفظه، ثم قبض على جميع أهله، وكانوا نحوا من مائة وستين رجلاً، وحملهم إلى سجستان واستولى على خراسان، ورتب نوابه في الأعمال، وكانت ولاية محمد بن طاهر إحدى عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام.\rذكر دخوله طبرستان\rوفي سنة ستين ومائتين سار يعقوب إلى طبرستان وملكها، وسبب ذلك أنه لما دخل نيسابور هرب منه عبد الله السجزى إلى الحسن بن زيد بسارية، فأرسل يعقوب إلى الحسن يسأله أن يبعثه إليه ويرجع عنه، فإنه إنما جاء لذلك لا لحربه فلم يسلمه الحسن، فحاربه يعقوب فانهزم الحسن ودخل بلاد الديلم ودخل يعقوب سارية وآمل، وجبى من أهلها خراج سنة، ثم سار في طلب الحسن بن زيد فصار إلى بعض جبال طبرستان، فتتابعت عليه الأمطار نحوا من أربعين يوماً فلم يتخلص إلا بمشقة شديدة، وهلك عامة ما معه من الظهر، ثم أراد الدخول خلف الحسن فوقف على الطريق الذي يريد يسلكه، وأمر أصحابه بالتوقف عن المسير، ثم تقدم وحده فتأمل الطريق ورجع إليهم، فأمرهم بالانصراف وقال: إن لم يكن طريق غير هذا فلا طريق إليه، وكان نساء تلك الناحية قلن للرجال: دعوه يدخل فإنه إن دخل كفيناكم أمره وعلينا أسره لكم، فلما خرج من طبرستان عرض رجاله ففقد منهم أربعين ألفا، وذهب أكثر ما معه من الخيل والإبل والأثقال.\rوكتب إلى الخليفة بما فعله من هزيمة الحسن، وسار إلى الري في طلب عبد الله السجزى، فإنه كان قد سار إليها بعد هزيمة الحسن فلما قاربها كتب إلى واليها الصلابى، يخبره بين تسليم عبد الله إليه ويرحل عنه وبين المحاربة، فسلمه إليه فانصرف يعقوب عنه وقتل عبد الله السجزى.\rذكر عود يعقوب إلى بلاد فارس\rوالحرب بينه وبين محمد بن واصل","part":7,"page":157},{"id":3168,"text":"كان سبب ذلك أن محمد بن واصل كان قد تغلب على فارس وقتل الحارث بن سيما، فأضاف المعتمد على فارس والأهواز والبصرة والبحرين واليمامة إلى موسى بن بغا مع ما كان إليه، فوجه موسى عبد الرحمن بن مفلح إلى الأهواز، وولاه إياها مع فارس وأضاف إليه طاشتمر، فقاتله محمد بن واصل برام هرمز، فانهزم عبد الرحمن وأخذ أسيراً وقتل طاشتمر، وغنم ما كان عسكرهما، فأرسل الخليفة إلى محمد بن واصل في إطلاق عبد الرحمن، فلم يفعل وقتله وأظهر أنه مات، وسار ابن واصل من هذه الوقعة - وقد أظهر أنه يريد واسط - لحرب موسى بن بغا، فلما رأى موسى شدة الأمر استعفى من ولاية فارس؛ فلما بلغ ذلك يعقوب - وكان بسجستان، تجدد طعمه في ملك بلاد فارس، وأخذ ما غنمه ابن واصل من الخزائن والسلاح من عبد الرحمن بن مفلح وطاشتمر، فسار يعقوب حتى نزل البيضا من أرض فارس، فبلغ ابن واصل خبره وهو بالأهواز، فعاد منها لا يلوى على شيء وأرسل خاله أبا بلال مرداساً إلى يعقوب فوصل إليه وضمن له طاعة محمد بن واصل، فأرسل يعقوب إلى محمد كتباً ورسلاً في المعنى فحبسهم ابن واصل، وسار يطلب يعقوب والرسل معه، وهو يريد بذلك أن يخفي خبر مسيره، وأن يصل بغتة فينال منه غرضه ويوقع به، فسار في يوم شديد الحر في أرض صعبة المسلك، وهو يظن أن خبره قد خفي عن يعقوب، فلما كان وقت الظهر تعبت دوابهم، فمات من أصحاب ابن واصل أكثر الرجالة جوعاً وعطشاً وتعباً، وبلغ خبرهم يعقوب فجمع أصحابه وأعلمهم الخبر، وقال لأبي بلال: إن ابن واصل قد غدر بنا وحسبنا الله ونعم الوكيل، وسار يعقوب إليه فلما قاربه ضعفت نفوس أصحاب ابن واصل عن مقاومته، فلما صار بينهما رميه سهم انهزم أصحاب ابن واصل من غير قتال، وتبعهم أصحاب يعقوب وأخذوا منهم جميع ما غنموه من عسكر عبد الرحمن، واستولى يعقوب على بلاد فارس ورتب بها أصحابه وأصلح أحوالها، ومضى ابن واصل منهزماً وأخذ أمواله من قلعته، وكانت أربعين ألف ألف درهم، وأوقع يعقوب بأهل زم لأنهم أعانوا ابن واصل، وحدث نفسه أنه يستولي على الأهواز وغيرها.\rحرب الموفق ويعقوب\rوفي سنة اثنتين وستين ومائتين في المحرم سار يعقوب من فارس إلى الأهواز، فلما بلغ المعتمد على الله إقباله أرسل إليه إسماعيل بن إسحاق وبغراج، وأطلق من كان في حبسه من أصحاب يعقوب، وكان قد حبسهم لما أخذ يعقوب، محمد بن طاهر، وجاءت رسالة يعقوب إلى الخليفة فجلس أبو أحمد الموفق وأحضر التجار، وأخبرهم بتوليه يعقوب طبرستان وخراسان وجرجان والري وفارس والشرطة ببغداد، وذلك بمحضر من درهم حاجب يعقوب؛ وكان قد أرسله يطلب هذه الولاية، فأعاده الموفق إلى يعقوب ومعه عمر بن سيما بما أضاف إليه من الولايات، فعادت رسل يعقوب تقول: إنه لا يرضيه ذلك دون أن يصير إلى باب المعتمد، وارتحل يعقوب وسار إليه أبو الساج وصار معه، فأكرمه وأحسن إليه ووصله، وسار يعقوب إلى واسط فدخلها لست بقين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وستين ومائتين، وارتحل المعتمد على الله من بغداد إلى الزعفرانية وقدم أخاه الموفق أمامه، وسار يعقوب من واسط إلى دير العاقول بالعساكر لمحاربته، فجعل الموفق على ميمنته موسى بن بغا وعلى ميسرته مسرورا البلخي وقام هو في القلب، والتقوا واقتتلوا فحملت ميسرة يعقوب على ميمنة الموفق فهزمتها، وقتل جماعة من القواد ثم تراجع المنهزمون، وكشف الموفق رأسه وقال: أنا الغلام الهاشمي، وحمل معه سائر العسكر فثبت عسكر يعقوب، وتحاربوا حرباً شديداً فقتل من أصحاب يعقوب جماعة، منهم حسن الدرهمي وأصاب يعقوب ثلاثة أسهم ولم تزل الحرب قائمة إلى وقت العصر فانهزم أصحاب يعقوب، وثبت هو في خاصة أصحابه ثم مضوا وفارقوا موضع الحرب، وتبعهم أصحاب الموفق وغنموا ما في عسكره، وكان فيه الدواب والبغال أكثر من عشرة آلاف، ومن الأموال ما لا يحصى كثرة، ومن جرب المسك عدة كثيرة، وخلص محمد بن طاهر وكان مثقلاً بالحديد، فخلع عليه الموفق وولاه الشرطة ببغداد، وسار يعقوب من موضع الهزيمة إلى خوزستان ونزل جند يسابور، فراسله العلوي فقال لكاتبه اكتب إليه: \" قل يا أيها الكافرون. . . \" إلى آخرها وسير الكتاب إليه، وكانت هذه الوقعة إحدى عشرة ليلة خلت من شهر رجب، وكتب المعتمد إلى محمد بن واصل بولاية فارس فعاد إليها.\rذكر استيلاء يعقوب على الأهواز وغيرها","part":7,"page":158},{"id":3169,"text":"وفي سنة ثلاث وستين ومائتين أقبل يعقوب من فارس، فلما بلغ النوبندجان انصرف أحمد بن الليث عن تستر، فبلغ يعقوب جنديسابور ونزلها، فارتحل عن تلك الناحية من كان بها من عسكر الخليفة، ووجه يعقوب إلى الأهواز رجلاً من أصحابه يقال له الخضر ابن العنبر، فلما قاربها خرج عنها علي بن أبان ومن معه من الزنج ونزل نهر السدرة، ودخل الخضر الأهواز وجعل أصحابه وأصحاب علي بن أبان يغير بعضهم على بعض وينال بعضهم من بعض، إلى أن استعد علي بن أبان وسار إلى الأهواز، فأوقع بالخضر ومن معه من أصحاب يعقوب وقعة عظيمة، قتل فيها من أصحاب الخضر خلقاً كثيراً وهرب الخضر ومن معه، وأقام علي بالأهواز يستخرج ما كان فيها، ورجع إلى نهر السدرة وسير طائفة إلى دورق بمن كان هناك من أصحاب يعقوب، فأنفد يعقوب إلى الخضر مدداً، وأمره بالكف عن قتال الزنج والإقتصار على المقام بالأهواز، فلم يجب على ابن أبان إلى ذلك دون نقل طعام كان هناك، فأجابه يعقوب إلى ما طلب ونقل الطعام، وترك العلف بالأهواز وكف بعضهم عن بعض.\rذكر وفاة يعقوب بن الليث وولاية أخيه عمرو\rكانت وفاته من تاسع عشر شوال سنة خمس وستين ومائتين بجند يسابور من كور الأهواز، وكانت علته القولنج فأمره الأطباء بالاحتقان بالدواء، فامتنع واختار الموت على ذلك، وكان المعتمد على الله قد أنفذ إليه رسولاً وكتاباً يستمليه ويسترضيه، وقلده أعمال فارس، فوصل الرسول ويعقوب مريض فجلس له، وجعل عنده سيفاً ورغيفاً من الخبز الخشكار وبصلاً، وأحضر الرسول وسمع رسالته وقال له: قل للخليفة إنني عليل، فإن مت فقد استرحت منك واسترحت مني، وإن عوفيت فليس بيني وبينك إلا هذا السيف حتى آخذ بثأري أو تكسرني وتعقرني فأعود إلى هذا الخبز والبصل وأعاد الرسول، فلم يلبث يعقوب أن مات.\rوكان الحسن بن زيد العلوي - صاحب طبرستان - يسمى يعقوب السندان لثباته، وكان يعقوب قد افتتح الرخج وقتل ملكها البتبر وكان هذا الملك يحمل على سريره من ذهب يحمله اثنا عشر رجلاً، وابتنى بيتاً على جبل عال سماه مكة، وكان يدعى الإلهية فقتله يعقوب، وافتتح الخلجية وزابل وغير ذلك، وكان عاقلاً حازماً وكان يقول: كل من عاشرته أربعين يوماً فلا تعرف أخلاقه لا تعرفها في أربعين سنة.\rولاية عمرو بن الليث\rكانت ولايته بعد وفاة أخيه يعقوب في تاسع شوال سنة خمس وستين ومائتين، ولما ولى كتب إلى الخليفة بطاعته، فولا الموفق خراسان وأصفهان وسجستان والسند وكرمان والشرطة ببغداد وأشهد عليه بذلك وسير إليه العهد والخلع، فاستحلف عمرو بن الليث، عبيد الله بن عبد الله بن طاهر على الشرطة ببغداد وسامرا في صفر سنة ست وستين، وخلع عليه الموفق أيضاً، ولم يزل عمرو في هذه الولايات إلى أن عزله المعتمد في شهور سنة إحدى وسبعين ومائتين، وأدخل عليه حاج خراسان وأعلمهم أنه عزل عمرو بن الليث عما كان قلده، ولعنه بحضرتهم وأعلمهم أنه قد قلد خراسان لمحمد ابن طاهر، وقد يلعن عمرو على المنابر فلعن.\rوسار صاعد بن مخلد إلى فارس لحرب الصفارية، واستخلف محمد بن طاهر على خراسان رافع بن هرثمة، ثم كانت الحرب بين عمرو بن الليث وعسكر الخليفة وعليهم أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف، ودامت الحرب بينهم من أول النهار إلى الظهر، فانهزم عمر وأصحابه وكانوا خمسة عشر ألفا، وجرح الدرهمي مقدم جيش عمرو، وقتل مائة رجل من جماعتهم وأسر ثلاثة آلاف أسير وغنموا معسكر عمرو، وكان الذي غنموه من الدواب ومن البقر والحمر ثلاثين ألف رأس، وما سوى ذلك فلا يدخل تحت الإحصاء، وذلك في عاشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين ومائتين.\rوفي سنة أربع وسبعين سار الموفق إلى فارس لحرب عمرو بن الليث في شهر ربيع الأول، فبلغ عمرو الخبر فسير عباس بن إسحاق في جمع كثير من العسكر إلى سيراف، وأنفذ ابنه محمد بن عمرو إلى أرجان، وسير أبا طلحة شركب صاحب جيشه على مقدمته، فاستأمن أبو طلحة إلى الموفق، وسمع عمرو ذلك فتوقف عن قصد الموفق، ثم عزم أبو طلحة على العود إلى عمرو فبلغ الموفق خبره، فقبض عليه بقرب شيراز وجعل ماله لابنه المعتضد، وسار يطلب عمرا فعاد عمر إلى كرمان ثم إلى سجستان على المفازة فتوفي ابنه بالمفازة، وعاد الموفق.\rذكر أسر عمرو بن الليث\rوقتله وانقراض الدولة الصفارية","part":7,"page":159},{"id":3170,"text":"وفي سنة سبع وثمانين ومائتين في شهر ربيع الأول منها كانت الحرب بين عمرو بن الليث وإسماعيل بن أحمد الساماني، صاحب ما وراء النهر، فأجلت الحرب عن هزيمة أصحاب عمرو وأسره كما قدمناه مبيناً في أخبار الدولة السامانية، وخيره إسماعيل في المقام عنده أو إرساله إلى الخليفة المعتضد بالله، فاختار أن يتوجه إلى المعتضد فسيره إليه، فوصل إلى بغداد في سنة ثمان وثمانين، فلما وصل أدخل بغداد على جمل، ثم حبس إلى أن قتل في سنة تسع وثمانين ومائتين.\rذكر أخباره وشيء من سيرته\rكان عمرو أعور شديد الشره عظيم السياسة، قد منع قواده وأصحابه أن يضرب أحد منهم غلامه إلا بأمره، وكان يشتري المماليك الصغار ويربيهم ويهبهم إلى القواد، ويجري عليهم الجرايات السنية ليطالعوه بأخبار القواد، فلا ينكتم عنه شيء من أمرهم ولا يعلمون من ينقل إليه الأخبار، وكان كثير المصادرات لعماله وخواصه.\rحكى عنه أن محمد بن بشير أكبر حجابه - وكان يخلفه في جلائل الأمور والحروب المعضلة - فدخل عليه يوماً، فأخذ يعدد عليه ذنوبه فحلف محمد بن بشير بالله وبالطلاق أنه لا يملك غير خمسين بدرة وهو يحملها إلى الخزانة ولا يجعل له ذنباً لم يعلمه، فقال له عمرو: ما أعقلك من رجل؟ احملها فحملها، ولا شيء أقبح من هذا الفعل، ومع ذلك فقد حكى القاضي عياض بن موسى في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم عن الإمام أبي القاسم القشيري أن عمراً رؤية في النوم فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، فقيل: بماذا؟ قال: صعدت ذروة جبل يوماً فأشرفت على جنودي، فأعجبتني كثرتهم فتمنيت أني حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعنته ونصرته، فشكر الله لي ذلك وغفر لي.\rوانقرضت هذه الدولة بأسر عمرو، وكانت مدتها خمساً وثلاثين سنة، أيام يعقوب ثلاث عشرة سنة وأيام عمرو اثنتين وعشرين سنة.\rأحمد الخجستاني\rوهذه النسبة إلى خجستان وهي من جبال هراة من أعمال باذغيس وكان أحمد بن عبد الله هذا من اًحاب محمد بن طاهر، فلما استولى يعقوب بن الليث على نيسابور ضم أحمد هذا إلى أخيه علي بن الليث وكان بنو شركب ثلاثة أخوة: إبراهيم وأبو حفص يعمر وأبو طلحة منصور بنو مسلم، وإبراهيم أسنهم، وكان قد أبلى بين يدي يعقوب عند مواقعته للحسن بن زيد العلوي بجرجان بلاء حسناً، فقدمه يعقوب فدخل عليه يوماً بنيسابور وكان اليوم شديد البرد، فخلع عليه يعقوب وبرسمور كان على كتفه، فحسده أحمد الخجستاني وجاء إليه وقال: إن يعقوب يريد الغدر بك، لأنه لا يخلع على أحد من خاص ملبوسه إلا غدر به فقال إبراهيم: فكيف الخلاص؟ فقال: الحيلة أن نهرب جميعاً إلى أخيك يعمر، وكان يحاصر بلخ ومعه خمسة آلاف رجل، فاتفقا على ذلك وتواعدا للخروج في تلك الليلة، فسبقه إبراهيم إلى الموعد وانتظره ساعة فلم يره، فسار نحو سرخس وذهب الخجستاني إلى يعقوب فأعلمه، فأرسل في لأثر إبراهيم فأدركوه بسرخس فقتلوه، ومال يعقوب إلى أحمد، فلما أراد يعقوب العود إلى سجستان استحلف على نيسابور عزيز بن السري وولى أخاه عمرو بن الليث هراة، فاستحلف عمرو وعليها طاهر بن حفص الباذغيسى، وسار يعقوب إلى سجستان في سنة إحدى وستين ومائتين، وأحب الخجستاني التخلف لما كان يحدث به نفسه، فقال لعلي بن الليث: إن أخويك قد اقتسما خراسان، وليس لك بها ما يقوم بشغلك، وأحب أن تردني إليها لأقوم بأمورك، فاستأذن أخاه يعقوب في ذلك فأذن له، فلما حضر أحمد لوداع يعقوب أحسن إليه وخلع عليه، فلما ولى عنه قال: أشهد أن قفاه قفا غادر مستعص، وهذا آخر عهدنا بطاعته، فلما فارقهم جمع نحو مائة رجل فورد بهم بست نيسابور، فحارب عاملها وأخرجه عنها وجباها ثم خرج إلى قومس، فغلب على بسطام وقتل بها مقتلة عظيمة وذلك في سنة إحدى وستين وسار إلى نيسابور وبها بن السري فهرب منها، وأخذ أحمد أثقاله واستولى على نيسابور، ودعا للطاهرية وذلك في أول سنة اثنتين وستين.","part":7,"page":160},{"id":3171,"text":"وكتب إلى رافع بن هرثمة يستقدمه فقدم عليه، فجعله قائد جيشه، وكتب إلى يعمر ابن شركب - وهو يحاصر بلخ - يستقدمه ليتفقا على تلك البلاد، فلم يثق إليه لما تقدم له مع أخيه إبراهيم، وسار يعمر إلى هراة فحاربه طاهر بن حفص فقتله واستولى على أعماله فسار إليه أحمد وكان بينهما مناوشات، وكان أبو طلحة منصور ابن شركب غلاماً من أحسن الغلمان، وكان عبد الله بن بلال يميل إليه وهو أحد قواد يعمر، فراسل ابن بلال، الخجستاني أن يعمل ضيافة ليعمر وأصحابه ويدعوهم إليه وأن يكسبهم أحمد وأنه يساعده، واشترط عليه أنه إذا ظفر يسلم إليه أبا طلحة، فأجابه أحمد إلى ذلك وتواعدا على يوم، وعمل ابن بلال ضيافة وحضرها يعمر، فكسبهم أحمد وقبض على يعمر وسيره إلى نيسابور فقتله، واجتمع لأبي طلحة جماعة من أصحاب أخيه فقتلوا ابن بلال، وساروا إلى نيسابور وبها الحسين بن ظاهر أخو محمد، وقد وردها من أصفهان طمعاً أن أحمد يخطب لهم، كما كان يظهر من نفسه فلم يفعل، فخطب ابن طاهر بها لأبي طلحة وأقام معه، فسار الخجستاني من هراة في اثنتي عشر ألف عنان، فأقام على ثلاث مراحل من نيسابور، ووجه أخاه إليها فخرج إليه أبو طلحة وقاتله، فقتل العباس وانهزم أصحابه فعاد أحمد إلى هراة ثم كاتبه أهل نيسابور في الحضور إليهم، فسار إليهم وقدم البلد ليلاً، ففتحوا له الباب ودخلها، وسار عنها أبو طلحة إلى الحسن ابن زيد، فأمده بالجنود فعاد إلى نيسابور فلم يظفر بشيء، فتوجه إلى بلخ وذلك في سنة خمس وستين، ثم سار الخجستاني لمحاربة الحسن بن زيد لمساعدته لأبي طلحة، فاستعان الحسن بأهل جرجان فأعانوه، فهزمهم الخجستاني وجبى منهم أربعة آلاف ألف درهم وذلك في شهر رمضان من السنة. وتوفي يعقوب بن الليث في هذه السنة وولى مكانه أخوه عمرو، فوافى الخجستاني نيسابور واقتتلا فهزمه الخجستاني، فرجع إلى هراة وأقام أحمد بنيسابور، ثم سار إلى هراة في سنة سبع وستين فحصر عمراً ولم يظفر بشيء، ثم كان له حروب مع أبي العباس النوفلي وغيره، فظفر بالنوفلي وكان قد جاء لحربه من قبل محمد بن طاهر في خمسة آلاف رجل وقتله، ثم سار إلى أبيورد وجبى خراج مروا، ولم يزل كذلك إلى سنة ثمان وستين ومائتين، فقتله غلامه زامجور غيلة وكان قد سكر ونام ثم قتل الغلام، واجتمع أصحاب أحمد الخجستاني وانضموا إلى رافع بن هرثمة.\rوكان أحمد هذا كريماً جواداً شجاعاً حسن العشرة كثير البر لإخوانه الذين صحبوه قبل إمارته، ولم يتغير عليهم ما كان يعاملهم به من التواضع والأدب.\rرافع بن هرثمة\rكان رافع بن هرثمة من أصحاب محمد بن طاهر، فلما استولى يعقوب بن الليث على نيسابور وأزال الطاهرية عنها التحق رافع به، فلما عاد يعقوب إلى سجستان صحبه رافع، وكان طويل اللحية كريه المنظر قليل الطلاقة، فدخل يوماً على يعقوب فلما خرج من عنده قال: إنا لا نميل إلى هذا الرجل فليلحق بما شاء من البلاد، فقيل له ذلك ففارقه وعاد إلى منزله بتامين، فأقام إلى أن استقدمه أحمد الخجستاني كما ذكرنا وجعله صاحب جيشه، فلما قتل اجتمع الجيش عليه، وسار من هراة إلى نيسابور وكان أبو طلحة قد وردها من جرجان، فحصره فيها رافع وقطع الميرة عنها، فاشتد العلاء ففارقها أبو طلحة إلى مرو، وخطب رافع لمحمد بن طاهر، ثم قلد الموفق محمد بن طاهر أعمال خراسان وكان ببغداد، فاستخلف رافع بن هرثمة على أعمال خراسان، وسار رافع إلى خوارزم في سنة اثنتين وسبعين ومائتين فجبى أموالها، ورجع إلى نيسابور.\rوفي سنة خمس وسبعين استولى رافع على جرجان، وأزال عنها محمد بن زيد وسار محمد إلى استراباد فحصره بها رافع نحو سنتين فغلت الأسعار وعدمت الأقواد وبيع وزن درهم ملح بدرهمين فضة، ففارقها محمد ليلاً في نفر يسير فتبعه رافع إلى أرض الديلم حتى اتصل بحدود قزوين، وعاد إلى الري وأقام بها إلى أن توفي المعتمد على الله في سنة تسع وسبعين ومائتين.\rوإنما ذكرنا أخبار أحمد ورافع في هذا الموضع لتعلقهما بالدولة الصفارية.\r////الدولة الديلمية الجيلية","part":7,"page":161},{"id":3172,"text":"هذه الدولة كانت ببلاد طبرستان، والري، وجرجان، وقزوين، وزنجان وأبهر، وأصفهان، والكرج، وغير ذلك من البلاد على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وملوك هذه الدولة مسلمون، وكان على دعاهم إلى الإسلام الحسن بن علي الأطرش العلوي، وهو من أصحاب محمد بن زيد، فلما قتل محمد بن زيد سار الحسن إلى الديلم، وأقام بينهم ثلاث عشرة سنة، ودعاهم إلى الإسلام، واقتصر منهم على العشر، وبنى في بلادهم المساجد، فأجابه منهم طائفة، وخرج بهم إلى طبرستان، وملكها، وكان مها ليلى بن النعمان، وكان أحد قواده، وتولى جرجان، وقتل حمويه في سنة ثمان وثلاثمائة، ومنهم سرجاب، وهو مقدم جيش الحسن، مات في سنة عشرة وثلاثمائة، ومنهم ما كان بن كالى، وكان من قواده أيضاً، واستخلفه على استراباذ، فاجتمع عليه الديلم، وقدموه عليهم استولى على جرجان، وأخذها من بغرا نائب السعيد الساماني، ولم يكن لهؤلاء الذين ذكرناهم كبير مملكة، وإنما كانوا يستولون على بلد من البلاد، ويقيمون بها مدة، ثم يخرجون عنها ويستولون على غيرها.\rأول من تقدم من الدَّيلم، وكثرت أتباعه، وعلا اسمه؛ واتسعت مملكته.\rأسفار بن شيرويه\rالديلمي ونحن نذكر حاله من ابتداء أمره، وما آل إليه، ومن ملك بعده من الديلم والجيل إلى حين انقراض دولتهم إن شاء الله تعالى، فتقول: كان أسفار هذا من أصحاب ما كان بن كالى الديلمي، وكان سيئ الخلق والعشرة، فكرهه ما كان، وأخرجه من عسكره، فالتحق ببكر بن محمد بن اليسع بنيسابور، وأقام في خدمته إلى أن قتل ابن الأطرش الحسن بن كالى أخا ما كان بجرجان، واستقل ابن الأطرش بالأمر، وجعل مقدم جيشه علي بن خرشيد، فكتب إلى أسفار يستقدمه، فاستأذن بكراً بن محمد، وسار إلى جرجان، واتفق مع علي بن خرشيد، وضبطا تلك الأعمال لا بن الأطرش، فسار إليهم ما كان بن كالى، وقاتلهم، فهزموه، وأخرجوه عن طبرستان، وملوكها، وأقاموا بها، ثم اتفقت وفاة ابن الأطرش، وعلي بن خرشيد، فاستقل أسفار بالأمر، وانفرد به، فجاءه ما كان ابن كالى، وهزمه، وأخرجه عن البلاد، فرجع إلى بكر بن محمد ابن اليسع بجرجان، فأقام بها إلى أن توفي بكر، فتولاها أسفار من قبل السعيد نصر بن أحمد الساماني في سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وأرسل أسفار إلى مرداويج بن زياد الجيلي يستدعيه إليه، فجاءه وجعله أسفار أمير جيشه، وأحسن إليه، وقصدا طبرستان","part":7,"page":162},{"id":3173,"text":"واستولوا عليها. وكان ما كان بن كالى مع الحسن بن القاسم الداعي العلوي بالريّ، وقد استولى عليها، وأخرج عنها نواب السعيد، واستولى على قزوين، وزنجان، وأبهر، وقم، فسار نحو طبرستان، والتقى هو وأسفار عند سارية، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم معظم أصحاب الحسن؛ قصدا للهزيمة لكراهيتهم له، فإنه كان يمنعهم من المظالم، وشرب الخمر، وارتكاب المحارم، فكرهوه، وكان أيضاً قد قتل جماعة منهم، فخذلوه في هذه الحادئه، فقتل الداعي، واستولى أسفار على البلاد على بلاد طبرستان، والري، وجرجان، وقزوين، وزنجان، وأبهر، وقم، والكرج، ودعا بها لصاحب خراسان نصر بن أحمد، واستعمل هارون سندان، وهو أحد رؤساء الجيل وخال مرداويج على آمل، وكان هارون يحتاج أن يخطب فيها لأبي جعفر العلوي، وخاف أسفار ناحية أبى جعفر أن يجدد له فتنة وحربا، فاستدعى هارون غليه، وأمره أن يتزوج من أعيان آمل، ويحضر عرسه أبو جعفر، وغيره من رؤساء العلويين، وأن بفعل ذلك في يوم ذكره له، ففعل، ثم سار أسفار من سارية مجدّاً لموافاة العرس، فوصل آمل في يوم الموعد، وقد اجتمع العلويون عند هارون فهجم على الدار على حين غفلة، وقبض على أبى جعفر، وغيره من أعيان العلويين، وحملها إلى بخارى، فاعتقلوا بها. ولما فرغ أسفار من ذلك سار إلى الري وبها ما كان بن كالى، فأخذها منه، وسار ما كان إلى طبرستان، فأقام هناك. وأحب أسفار أن يستولي على قلعة ألموت، وهي قلعة على جبل عال شاهق في حدود الديلم، وكانت لسياه جشم، ومعناه: الأسود العين لأنه كان على إحدى عينيه نقطة سوداء، فراسله أسفار، ومنٌاه فقدم عليه، فسأله أن يجعل عيال في قلعة ألموت، وولاه قزوين، فأجابه إلى ذلك، ونقلهم إليها،ثم كان آيهم من يثق به من أصحابه، فلما حصل له بها مائة رجل استدعاه من قزوين، وقبض عبيه وقتله، وعظمت جيوش أسفار، وطار اسمه، فتجبر وعصى على الأمير السعيد نصر بن احمد صاحب خراسان وما وراء النهر، فسير الخليفة المقتدر هارون بن غريب إلى أسفار في عسكر، فالتقوا، واقتتلوا نحو قزوين، فانهزم هارون، وقتل من أصحابه خلق كثير بباب قزوين، وكان أهل قزوين قد ساعدوا هارون، فحقد عليهم أسفار، ثم سار الأمير نصر بن أحمد من بخاري، وقصد حرب أسفار لخروجه عن طاعته وبلغ نيسابور، فجمع أسفار عسكره، فأشار عليه وزيره مطرف ابن محمد بمراسلته، والدخول في طاعته، وبذل المال له، إن أجاب، وإلا فالحرب بعد ذلك، وكان في عسكره جماعة من الأتراك أصحاب صاحب خراسان، فخوفه الوزير منهم، فرجع إلى رأيه، وراسله، فقبل صاحب خراسان ذلك منه، وشرط عليه شروطا منها: حمل الأموال، والطاعة، وغير ذلك، فشرع أسفار بعد تمام الصلح في بسط الأموال على الريَّ وأعمالها، وجعل على كل رجل ديناراً إلا أهل البلد، والمحاربين، فحصّل من ذلك مالا عظيما أرضى منه صاحب خراسان بالبعض ورجع عنه، وعظم أمر أسفار، وزاد تجبره، وقصد قزوين بما في من أهلها، فأوقع بهم، وأخذ أوالهم، وقتل كثيرا منهم، وسلط الديلم عليهم، وسمع المؤذن يؤذن، فأمر بإلقائه من المنارة إلى الأرض، فاستغاث الناس من شره وظلمه. وخرج أهل قزوين إلى الصحراء: والرجال، والنساء، والولدان يتضرعون إلى الله تعالى، ويدعون عليه، ويسألون الله تعاى كشف ما بهم، فبلغه ذلك، فضحك وسبهم استهزاء بهم، فقابله الله تعالى في الغد من نهار الدعاء عليه بما سنذكره.\rمقتل أسفار\rبن شيرويه كان سبب قتله أن مرادويج كان اكبر قواده، وكان قد أرسله إلى سلار صاحب سميران الطَّرم يدعوه إلى طاعته، فلما وصل إليه مرادويج تشاكيا ما الناس فيه من الجهد والبلاء، فتعاقدا، وتحالفا على قصده، والتساعد على حربه، وكان أسفار قد وصل إلى قزوين، وهو ينتظر وصول مرادويج بكتابه، فكتب مرادويج إلى جماعة من القواد يثق بهم يعرفهم ما اتفق هو وسلار عليه، فأجابوه إلى ذلك، وكان الجند قد سئموا أسفار، وسوء سيرته، وظلمه، وجوره، وكان الوزير مطرف بن محمد، ممن أجاب مرادويج، ووافقه، فسار مرادويج نحو أسفار، فبلغه الخبر، وأحس بالشر وثار الجند به، فهرب في جماعة من خاصته، وذلك عقب حادثة أهل قزوين، ودعائهم عليه.","part":7,"page":163},{"id":3174,"text":"فورد الريّ، وأراد أن يأخذ من مال من كان بها، فمنعه نائبه المقيم بها، ولم يعطه غير خمسة آلاف دينار، فتركه، وانصرف إلى خراسان وأقام بناحية بيهق. وأمّا مرداويج، فإنه وصل إلى قزوين، وسار منها إلى الري، وكتب إلى ما كان بن كالى، وهو بطبرستان يستدعيه ليتساعدا على أسفار، فسار ما كان إلى أسفار، فسار أسفار إلى بست، وركب المفازة نحو الري ليقصد قلعة ألموت التي بها أهله وأمواله، فانقطع عنه بعض أصحابه، والتحق بمرداويج واعلمه بخبره، فخرج مرداويج من ساعته في أسره وقدم بعض قواده بين يديه، فلحقه القائد، ونزل ليستريح، فسلم عليه بالإمرة، فقال له أسفار: لعلكم اتصل بكم خبري، وبعثت في طلبي قال: نعم، فضحك، ثم سأل القائد عن قواده الذين خذلوه، فأخبر أن مرداويج قتلهم، فتهلل وجهه، وقال كانت حياة هؤلاء غصة في حلقي، وقد طابت الآن نفسي، فامض لما أمرت به، وظن أنه أمر بقتله، فقال ما أمرت به فيك بسوء، وحمله إلى مرداويج، فقتله، وانصرف إلى الريّ.\rوقيل في قتله: إنه لما قصد ألموت نزل في دار هناك، واتفق أن مرداويج خرج إلى الصيد فرأى خيلا يسيرة، فسيَّر من يكشف خبرها، فوجد رجل أسفار، فقبض عليه، وذبحه بيده، وقيل: بل دخل أسفار إلى رحآ وقد نال منه الجوع، فطلب من الطحّان ما يأكله، فقدم إليه خبزا ولبنا، فينما هو يأكل وغلام له ليس معه غيره، إذ أقبل مرداويج إلى تلك الناحية في طلبه، فأشرف على الرحآ فرأى أثر الخيل، فوصل إلى الرحآ، وأخذه وقتله.\rملك مرداويج\rوهو الثاني من ملوك الدولة الديلمية الجيلية. كان ابتداء ملكه عند هرب أسفار، ولما قتله عاد إلى قزوين، وأحسن إلى أهلها، ووعدهم الجميل، وتمكن ملكه، وتنقل في البلاد، وملكها مدينة بعد أخرى، وولاية بعد ولاية، فملك قزوين، والري، وهمذان، كنكور، والدينور، وبروجرد، وقم، وقاجان، وأصفهان خاصة، واخذ الأموال، وهتك المحارم، وطغى وتجبر، وعمل سريرا من ذهب يجلس عليه، وسرراً من فضة يجلس عليها أكابر القواد، وإذا على السرير يقف عسكره صفوفا بالبعد منه، ولا يخاطبه أحد غير الحجاب الذين رتبهم لذلك، وخافه الناس خوفا عظيما.\rملك طبرستان وجرجان\rوقد ذكرنا أن مرداويج كان قد كاتب ما كان، وطلب منه المعاضدة على أسفار وموافقة ما كان له، فلما ملك مرداويج، وقوى أمره طمع في طبرستان، وجرجان، وكانتا مع ما كان، فجمع عساكره، وسار نحو طبرستان، فاستظهر على ما كان، واستولى على البلد، ورتب فيها أبا القاسم بن باحين، وهو اسفهسلار عسكره، وكان حازما شجاعا جيد الرأي، ثم سار مرداويج نحو جرجان، وكان بها من قبل ما كان شيرزيل ابن سلار وياغلى بن ترلى، فهربا من مرداويج، فملكها، ورتب فيها سرجان نائبا عن أبى القاسم، فاجتمع لأبي القاسم جرجان، وطبرستان، وعاد مرداويج إلى أصفهان، وسار ما كان إلى الديلم واستنجد بأبي الفضل الثائر بها، فأكرمه، وسار معه إلى طبرستان، فلقيهما نائب مرداويج، وتحاربوا، فانهزم ما كان والثائر، فعاد الثائر إلى الديلم، وقصد ما كان بنيسابور، ودخل في طاعة السعيد الساماني صاحب خراسان، واستنجد به، فأمّده بأكثر جيشه، فالتقوا، فانهزم أبو علي وماكان، وعاد إلى نيسابور، وعاد ما كان إلى الدمغان ليملكها، فمنعه نائب مرداويج بجرجان من ذلك، فعاد إلى خراسان. وهذه الوقائع كلها ساقها أبن الأثير الجزري في تاريخه الكامل في حوادث سنة ست عشرة وثلاثمائة، وما أظنها في هذه السنة خاصة، بل فيها وفيما بعدها، لكنه والله أعلم قصد أن يكون الخبر سياقة حتى لا ينقطع، وهذا كان دأبه في كثير من الوقائع، وهو حسن.\rحرب مرداويج وهارون","part":7,"page":164},{"id":3175,"text":"قال: ولما استتب لمرداويج الأمر أتاه الديلم من كل ناحية لبذله، وإحسانه إلى جنده، فعظمت جيوشه، وكثرت عساكره، وكثر الخرج عليه، فلم يكفه ما بيده، ففرق نوابه في النواحي المجاورة له، وبعث إلى همذان ابن أخت له في جيش كثيف، وكان بها أبو عبد الله محمد بن خلف في عسكر للخليفة، فتحاربوا وأعان أهل همذان عسكر الخليفة، فظفروا بالديلم، وقتل ابن أخت مرداويج، فسار إلى همذان، فلما سمع أصحاب الخليفة بمسير مرداريج انهزموا، وفارقوا همذان، ونازلها مرداريج، فتحصن أهلها منه، فقاتلهم، وظفر بهم، وقتل منهم خلقا كثيرا، وأحرق وسبى، ثم رفع السيف وأمر بنفيهم، فأنفذ المقتدر هارون بن غريب في عساكر كثيرة لمحاربته، فالتقوا بنواحي همذان، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم هارون، واستولى مرداويج على بلاد الجيل جميعها، وما وراء همذان، وسير قائدا من قواده يعرف بابن عجلان القزويني إلى الدينور، ففتحها بالسيف، وقتل كثيرا من أهلها، وبلغت عساكره، إلى نواحي حلوان فغمت وقتلت، ونهبت، وسبت، وعادت إليه.\rذكر ملكه أصفهان قال: ثم أنفذ مرداويج طائفة أخرى إلى أصفهان، فملكوها، واستولوا عليها، وبنواله فيها مساكن أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف فسار مرداويج إليها، ونزلها، وهو في أربعين ألفا، وقيل خمسين ألفا، وأرسل جمعا آخر إلى الأهواز، فاستولوا عليها وعلى خوزستان، وجبوا أموال تلك البلاد، والنواحي، فقسمها في أصحابه، وادخر منها ذخائر كثيرة، ثم أرسل إلى المقتدر رسولا يقرر على نفسه مالاً على هذه البلاد، ونزل للمقتدر عن همذان، فأجابه إلى ذلك، وقرر عليه مائتي ألف دينار في كل سنة.\rوشمكير ومرداويج\rقال: ولما استقرّ ملك مرداويج أرسل في طلب أخيه وشمكير، وهو ببلاد جيلان يستدعيه. قال الجعد: أرسلني إليه فجئته فإذا هو في جماعة يزرعون الأرز، فلما رأوني قصدوني وهو عرايا حفاة عليهم سراويلات ملونة الخرق مرقعة، فسلمت علي وشمكير، فأبلغته رسالة أخيه، وأعلمته ما هو فيه، وما حازه من الملك، فضرط بفيه في لحية أخيه، وقال: إنه ليس السودا، وخدم المسودة يعني الخلفاء، فمازلت أمنيِّه وأطعمه حتى خرج معي، فلما بلغنا قزوين اجتهدت به حتى لبس السودا، ورأيت من جهله أشياء أستحي أن أذكرها، ثم أعطته السعادة ما كان في الغيب، فجاء من أعرق الملوك بتدبير الممالك، وسياسة الرعايا، وكان وصوله إلى أخيه في سنة عشرين وثلاثمائة.\rمقتل مرداويج","part":7,"page":165},{"id":3176,"text":"كان مقتله في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وسبب ذلك أنه كان كثير الإساءة إلى الأتراك، وكان يقول: إن روح سليمان بن داود حلت فيه، وإن الأتراك هم المردة والشياطين، فإن أقهرهم، وإلا افسدوا، فثقلت وطأته عليهم، فلما كان في ليلة الميلاد من هذه السنة، لأمر بأن يجمع الحطب من الجبال والنواحي، وأن يجعل على جانبي الوادي المعروف بزندره، ويعمل مثله على الجبل المعروف بكر ثم كوه المشرف على أصفهان من أسفله إلى أعلاه بحيث إذا اشتعلت النيران يصير الجبل كله ناراً، وعمل مثل ذلك بجميع الجبال والتلال التي هناك، وجمع النفط، ومن يلعب به، وجمع له أكثر من ألفي غراب وحدأة ليجعل في أرجلها النفط، وترسل لتطير في الهواء، وأمر بعمل سماط عظيم كان فيه مائة فرس، ومائتا رأس من البقر مشوية صحاحا، وثلاثة آلاف رأس من الغنم شواء، غير المطبوخ ومن الأرز والدجاج عشرة آلاف طائر، وما يناسب ذلك من الحلوي، وركب آخر النهار بغلمانه فطاف بالسماط، ونظر إليه وإلى تلك الأخطاب، فاستحقر الجميع لسعة البرية، ولعن وغضب وعاد فدخل خركاه، وقام، فلم يجسر أحدٌ أن يكلِّمه، واجتمع الأمراء والقواد وغيرهم، وكادت الفتنة تقوم لخوفهم منه، فأتاه وزيره العميد، وتلطف به، وعرَّفه ما الناس فيه، فخرج، وجلس على السِّماط، وأكل ثلاث لقم، ونهب الناس الباقي، ولم يجلس للشراب، وعاد إلى مكانه، وأقام ثلاثة أيام لا يظهر، فلما كان في اليوم الرابع أمر بإسراج الخيل ليعود إلى منزله، فاجتمع خلق كثير وشغبت الدواب مع الغلمان، وصهلت، ولعبت، فصار الغلمان يصيحون بال لتسكن، فاجتمع من ذلك أصوات هائلة مختلفة منكرة، وكان مرداويج نائما، فاستيقظ، فسمع ذلك، وسأل عنه، فعرف صورة الحال، فازداد غضبا، وقال ما كفى من إخراق الحرمة ما فعلوه من نهب السماط، وما أرجفوا به حتى انتهى أمر هؤلاء الطلاب إلى هذا، وسأل عن أصحاب الخيل، فقيل: إنها للأتراك، وقد نزلوا للخدمة، فأمر أن تحط السروج عن الدواب، وتوضع على ظهور أصحابها، ويأخذون بإرسال الدواب إلى الاصطبلات، ومن امتنع من ذلك ضربه الديلم، ففعلوا ذلك، فكانت صورة قبيحة أنفت منها نفوسهم. قم ركب مع خاصته، وهو يتوعد الأتراك حتى صار إلى داره بعد العشاء بعد أن ضرب جماعة من أكابر الأتراك،فاجتمعوا، وقالوا ما وجه صبرنا على هذا الشيطان، وتحالفوا على الفتك به، واتفق دخوله الحمام، وكان كورتكين يحرسه في حمامه وخلواته، فأمره في ذلك اليوم أن لا يتبعه، فتأخر مغضبا، وكان هو الذي يجمع الحراس، فلم يأمر الحرس باتباعه. وكان له خادم أسود يتولى خدمته بالحمام، فاستمالوه، فمال إليهم، وهجم الأتراك على الحمام، فقام أستاذ داره، وهو خادم ليمنعهم، فضربه بعضهم بالسيف، فقطع يده، فصاح، فعلم مرداريج، فغلق باب الحمام، وتربسه بسرير كان يجلس عليه إذا غسل رأسه، فصعدوا السطح، وكسروا الجامات، ورموه بالنشاب، ثم كسروا باب الحمام، ودخلوا عليه، فقتلوه، وكان الذي جمع الناس على قتله توزون، وهو الذي صار أمير العساكر بالعراق، وياروق، ومحمد ابن ينال الترجمان، وبجكم وهو الذي تولى إمرة العراق. وقال: ولما قتلوه أعلموا أصحابهم، فنهبوا قصره، وهربوا.هذا لم يعلم بهم الديلم، فلما علموا ركبوا في آثارهم، فلم يلحقوا منهم إلا نفرا يسيراً، فقتلوهم، وعادوا، واجتمع على طاعة أخيه وشميكر.\rملك وشميكر بن زياد\rوهو الثالث من ملوك الدولة الديلمية الجيلية. وقال: ولما قتل مرداويج كان وشمكير بالري، فحملوا تابوت مرداويج، وساروا نحو الري، فخرج وشمكير، ومن عنده من أصحابه، وتلقوا التابوت مشاة حفاة على أربعة فراسخ، وكان يوما مشهودا. واجتمع على وشمكير عساكر أخيه. قال: وكان ركن الدولة بن بويه في جيش مرداويج رهينة عن أخيه عماد الدولة، فإنه كان قد بذل من نفسه الطاعة لمرداويج، ورهن عنده أخاه، فلما قتل مرداويج بذل للموكلين به مالا، فأطلقوه، فهرب إلى أخيه عماد الدولة بفارس.\rما فعله الأتراك بعد قتل مرداويج","part":7,"page":166},{"id":3177,"text":"قال: ولما قتلوه تفرقوا على قزوين، ففرقة سارت إلى عماد الدولة بن بويه بفارس، وفرقة سارت نحو الجبل مع بجكم، وهي أكثرها، فنجبوا الأموال، وخراج الدينور وغيرها، وصاروا إلى النهران، فكاتبوا الخليفة الراضي بالله في المسير إلى بغداد، فإذن لهم، فدخلوا، فظن الحجريّة أن ذلك مقلة بذلك، وأطلق لهم مالا، فلم يرضوا به، وغضبوا فكاتبهم ابن رائق، وهو بواسط، وله البصرة، فاستدعاهم فمضوا إليه، وقدم عليهم بجكم وأمره بمكاتبة الأتراك والديلم أصحاب مرداويج، فكاتبهم، فقدم منهم عدة، فأحسن إليهم، وأمره أن يكتب إلى الناس في كتبه بجكم الرائقي، وكان من أمر بجكم ما قدمناه في أخبار الدولة العباسية.\rوفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة أرسل وشمكير جيشا كثيفا من الري إلى أصفهان، وبها ركن الدولة بن بويه، فأزالوه عنها، وخطبوا لوشمكير، وسار وشكمير إلى قلعة ألموت، واستولى عليها، ودامت أيام وشمكير إلى سنة سبع وخمسين.\rوفاة وشمكير\rكانت وفاته في المحرم سنة سبع وخمسين وثلاثمائة. وذلك أنه ركب للصيد، فعارضه خنزير قد رمى بحربه، وهي ثابتة فيه، فحمل الخنزير عليه، وهو غافل، فضرب الفرس الذي تحته فشبّ به، فألقاه إلى الأرض، فخرج الدم من انفه وآذنيه، فمات. وكانت مدة ملكه أربعا وثلاثين سنة تقريبا، ولما مات قام بالأمر بعده ابنه بهشيتون.\rملك ظهير الدولة\rبهشيتون بن وشمكير وهو الرابع من ملوك الدولة الديلمية الجيلية. ملك ما كان في مملكة أبيه بعد وفاته، وذلك في المحرم سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، قال: ولما ملك صالح ركن الدولة بن بويه، فأمدَّه بالخيل، والمال، والرجال، وكان وشمكير قد قصد ركن الدولة، وأتته العساكر من قبل الأمير منصور بن نوح الساماني، وكتب إلى ركن الدولة يهدده ويسبه في كتابه، ويقول: والله إن ظفرت بك لأفعلن، ولأصنعن، فلم يجسر الكاتب أن يقرأه على ركن الدولة،فقرأه هو، وقال للكاتب اكتب إليه: أما تهددك، فو الله لئن ظفرت بك لأعاملنك بضد ما كتبت، ولأحسنن إليك، ولأكرمنك، فلما مات استقر الصلح بين ظهير الدولة، وركن الدولة، ودامت أيام بهشيتون إلى سنة ست وستين وثلاثمائة، فتوفي بجرجان، وكانت مدة ملكه تسع سنين وشهورا، ولما مات ملك بعده أخوه.\rملك شمس المعالي\rقابوس بن وشمكير وهو الخامس من ملوك الدولة الديلمية الجيلية. كان مالكه بعد وفاة أخيه بهشيتون في سنة ست وستين وثلاثمائة، وكان عند وفاته عند خاله بجبل شهريار، وخلف بهشيتون ابنا صغيرا بطبرستان مع جده لأمه، فطمع جده أن يأخذ الملك، فبادر إلى جرجان، فرأى بها جماعة من القواد قد مالوا إلى قابوس، فقبض عليهم، وبلغ قابوس الخبر، فسار إلى جرجان، فلما قاربها خرج جيش إليه، واجتمعوا عليه، وأطاعوه، وملكوه، فهرب من كان مع ابن يهشيتون، وتركوه فأخذه عمه قابوس وكفله، وجعله أسوة أولاده، واستولى على جرجان، وطبرستان، ودام ملكه إلى أن خلع، وقتل، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.\rخلع قابوس\rبن وشمكير وقتله وولاية ابنه ملك المعالي منوجهر","part":7,"page":167},{"id":3178,"text":"وفي سنة ثلاث وأربعمائة خلع شمس المعالي قابوس بن وشمكير، فكانت مدة ملكه سبعا وثلاثين سنة، وكان سبب خلعه أنه مع ما كان فيه من الفضائل الجمّة، وحسن السياسة كان شديد المؤاخذة، قليل العفو، يقتل على الذنب اليسير، فضجر أصحابه منه، واستطاعوا أياّمه، واجمعوا على خلعه، والقبض عليه، وكان حينئذ غائبا عن جرجان ببعض قلاعه، فلم يشعر إلا وقد أحاط العسكر به، وانتهبوا أمواله ودوابّه، وقصدوا استنزاله، فمانع عن نفسه، فرجعوا إلى جرجان، واستولوا عليها وعصوا بها، وبعثوا إلى ابنه منوجهر وهو بطبرسان يعِّفونه الحال، ويستدعونه ليولوه أمرهم، فسار عجلاً خوفا من خروج الأمر عنه، فالتقوا، واتفقوا على طاعته إن هو خلع أباه، فأجابهم على كرٍه منه، وكان شمس المعالي قد توجّه إلى بسطام، فقصدوه، فلما وصل منوجهر إلى أبيه اجتمع به، وخلا معه، وعرفه ما هو فيه، وعرض عليه أن يقاتل معه من خرج عليه، ولو كان فيه ذهاب نفسه، فرأى قابوس خلاف ذلك، وسهل عليه الأمر حيث صار إلى ابنه، وسلم له خاتم الملك، وانتقل إلى قلعته: جناشك ليتفرغ للعبادة، وسار منوجهر إلى جرجان، وضبط الملك، واخذ في مداراة الذين خرجوا على أبيه، فدخلوا عليه في بعض الأيام وحسنوا له قتل والده، وخوفوه، وصمموا على إعدامه، وهو لا يجيبهم بكلمة، ثم فرقوه وجاءوا إلى أبيه، وقد دخل الطهارة، وهو متخفف، فأخذوا ما كان عليه من الكسوة، وكان فصل الشتاء، فصار يستغيث ويقول: أعطوني، ولو جلَّ دابة حتى مات من شدة البرد، وجلس ولده منوجهر للعزاء وكان قابوس غزير الأدب، وافر العلم، له رسائل، وشعر حسن. وكان عالما بالنجوم.\rقال: ولما ملك منوجهر لقبه الخليفة القادر بالله ملك المعالي، ثم أرسل يمين الدولة محمود بن سبكتكين، ودخل في طاعته، وخطب له سائر منابر بلاده، وتزوج ابنته، فقوي عضده به، وشرع منوجهر ف التدبير على قتله أبيه، فأبادهم بالقتل والتَّشريد.واستمر في الملك إلى سنة عشرين وأربعمائة، فتوفي فيها، فكانت مدة ملكه سبع عشرة سنة.\rولما مات ملك بعده ابنه.\rملك أنوشروان\rداره بن ملك المعالي منوجهر ابن قابوس شمس المعالي وهو السابع من ملوك الدولة الديلمية الجيلية ملك بعد وفاة أبيه منوجهر في سنة عشرين وأربعمائة، وقام بتدبير دولته أبو كالجار القوهي، وتقدم على جيشه، وتزوج بأمه، ثم قبض عليه أنو شروان بعد ذلك بمساعدة أمه، فلما قبض عليه طمع فيه السلطان طغرلبك السلجقي، فسار إلى جرجان في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، ومعه مرداويج بن بسو، ونازلها، فلم يمانعه أهلها، وفتح له أبوابها، وقرر على أهلها مائة ألف دينار صلحاً، وسلمّها إلى مرداويج، وقرر عليها في كل سنة خمسين ألف دينار عن جميع الأعمال، ثم اصطلح أنو شروان ومرداويج، وتزوج بأم أنو شروان، وضمن له أنو شروان في كل سنة ثلاثين ألف دينار، وبقي أنو شروان يتصرف بأمر مرداويج لا يخالفه في شيء، وأقيمت الخطبة لطغرلبك.\rوانقرضت الدولة الديلمية الجيلية، وكانت مدة هذه الدولة منذ أسفار بن شيرويه. في سنة ست عشرة وثلاثمائة، وإلى أن استولى طغرلبك على جرجان في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، مائة سنة وثمان عشرة سنة تقريبا، وعدة من ملك منهم سبعة ملوك، وهم: أسفار بن شيرويه، ثم مرداويج بن زياد، ثم وشمكير بن زياد، ثم ظهير الدولة بهشيتون بن وشمكير، ثم شمس المعالي قابوس ابن وشمكير، ثم ملك المعالي منوجهر قابوس، ثم ابنه أنو شروان دارا. وعليه انقرضت دولتهم. والله أعلم بالصواب.\rالدولة الغزنويه كان ابتداء هذه الدولة بغزنة في سنة ست وستين وثلاثمائة، ثم استولت على خراسان، والغور، والهند، وغير ذلك، وأول من قام منهم سبكتكين، ونحن نذكر أخباره، وابتداء أمره إلى أن ملك بعده من أولاده، وأولادهم، إلى حين انقراض دولتهم.\rأخبار سبكتكين\rوابتداء أمره وماكان منه إلى أن ملك","part":7,"page":168},{"id":3179,"text":"كان سبكتكين من غلمان أبي إسحاق بن البتكين صاحب جيش غزنة للسامانية، وكان مقدما عنده، وعليه مدار أمره، وقدم إلى بخارى أيام الأمير منصور بن نوح مع أبى إسحاق، فعرفه أرباب تلك الدولة بالعقل والعفة وجودة الرأي، وعاد معه إلى غزنة، ثم لم يلبث أبو إسحاق أن توفي، ولم يخلف من أهله وأقاربه من يصلح المتقدم، فأجمع أصحابه رأيهم على سبكتكين، فقدموه عليهم، وولٌّوه أمرهم، وحلفوا له وأطاعوه، فأحسن السيرة فيهم، وساس أمورهم، وجعل نفسه كأحدهم في الحال والمال، وكان يدخر من إقطاعه ما يعمل منه طعاما لهم في كل أسبوع مرتين. فعظم شأنه، وارتفع قدره، وحسن ذكره، وتعلقت الأطماع بالاستعانة به.\rولايته قصدار وبست\rكان سبب ذلك أن طغان خان صاحب بست خرج عليه أمير يعرف ببابي تور، فملك مدينة بست منه. وأجلاه عنها بعد حرب شديدة، فاستغاث بسبكتكين، والتزم بمال يحمله إليه في كل سنة، وطاعة يبذلها، فسار معه، ونزل على بست، وقاتل الخارج على طغان قتالا شديدا، وهزمه، وتسلم طغان البلد، فلما استقر فيه طالبه سبكتكين بما استقر عليه، فأخذ يماطله، فأغلط له في القول لكثرة مطله، فحمل طغان الجهل على أن ضرب سبكتكين وحجز العسكر بينهما، وقامت الحرب بينهما على ساق، فانهزم طغان، واستولى سبكتكين على بست، وسار طغان إلى قصدار وكان يتولاها أيضا فعصى بها، واستعصم، وظن أن ذلك بمنعه من سبكتكين، فسار إليه جريدة، فلم يشعر إلا والخيل معه، فأخذه من داره ثم منَّ عليه، وأطلقه، ورده إلى ولايته، وقرر عليه مالاً يحمله في كل سنة.\rغزوه الهند\rوما كان بينه وبينهم قال: ولما فرغ سبكتكين من بست وقصدار غزا الهند، فافتتح قالعا حصينة على شواهق الجبال، وعاد سالما ظافرا، فلما رأى جيبال ملك الهند ما دهاه منه حشد، وجمع، واستكثر من الفيلة، وسار حتى اتصل بولاية سبكتكين، فسار سبكتكين من غزنه بعساكره، وتبعه خلق كثير من المتطوعه، والتقوا واقتتلوا أياما كثيرة، وكانوا بالقرب من عقبة عورك، فلما طال الأمر على ملك الهند طلب الصلح، وقرر على نفسه مالاً يؤديه لسبكتكين وخمسين فيلا وبلاداً يسلمها، فجهل المال والفيلة، وأعطى جماعة من أهله رهائن على البلاد، وسيَّر معه سبكتكين من يتسلَّمها. فلما أبعد ملك الهند قبض على من معه من أصحاب سبكتكين، وجعلهم عنده عوضاً عن رهائنه، فلما اتصل ذلك بسبكتكين، جمع العساكر وسار نحوه، وأخرب كل ما مرَّ عليه من بلاد الهند، وقصد لمغان، وهي أحصن بلادهم، فافتتحها عنوة، وهدم بيوت الأصنام، وأقام فيها شعائر الإسلام، وسار عنها يفتح البلاد، ويقتل أهلها، فلما بلغ ما أراده عاد إلى غزنة، فجمع جيبال ملك الهند العساكر، وسار في مائة ألف مقاتل، ولقيه سبكتكين، وأمر أصحابه أن يتناوبوا القتال مع الهنود، ففعلوا ذلك حتى ضجر الهند من دوام القتال، وحملوا حملة واحدة، واشتد القتال، فانجلت الحرب عن هزيمة الهنود، وأخذهم بالسيف، وأسر منهم خلق كثير، وغنم من أموالهم، وأثقالهم، ودوابهم مالا يحصى كثرة، فذلَّ الهنود بعد هذه الوقعة، وأطاع سبكتكين الأفغانية والخلج ودخلوا تحت أمره وطاعته، فعظمت هيبته، واتسعت مملكته.\rملكه خراسان\rقال: وفي سنة أربع وثمانين وثلاثمائة كانت ولاية محمود بن سبكتكين خراسان من قبل الأمير نوح بن منصور الساماني عوضا عن أبي علي بن سيمجور، ولقَّبه الأمير نوح سيف الدولة، ولقَّب سبكتكين ناصر الدولة، وأقام محمود بنيسابور، فانهزم محمود، ثم جمع عساكره وعساكر أبيه، فأخرجا بن سيمجور عنها في بقية السنة، واستقر ملك محمود بخراسان على ما قدمناه في أخبار الدولة السامانية.\rوفاه ناصر الدولة\rسبكتكين وولاية ولده اسماعيل","part":7,"page":169},{"id":3180,"text":"كانت وفاته رحمه الله في شعبان سنة سبع وثمانين وثلثمائه، وكان إذ ذاك ببلخ، وقد جعلها مقر ملكه، وابتنى بها دورا ومساكن، فمرض وطال مرضه، فارتاح إلى هواء غزنة، فسار عن بلخ، فمات في طريقه، ونقل إلى غزنة، فدفن بها. وكانت مدة ملكه نحوا من عشري سنة، وكان عادلاً خيِّراً،ة كثير الجهاد، حسن الاعتقاد، فاضلاً عارفاً، له نظم ونثر وخطب في بعض الجمع، وكان يقول بعد الدعاء للخليفة: رب قد آتيتني من الملك، وعلمتني من تأويل الأحاديث، فاطر السموات والأرض أنت ولِّي في الدنيا والآخرة، توفَّني مسلماً، وألحقني بالصالحين.\rولما حضرته الوفاة عهد إلى ولده إسماعيل بالملك، وكان أصغر من أخيه محمود، فبايعه الجند بعد وفاة أبيه، وحلفوا له، فأطلق لهم الأموال، ثم استصغروه، فاشتطَّوا في الطلب حتى فنيت الخزائن التي خلفها سبكتكين. ثم استولى محمود على الملك فكانت مدة ملك اسماعيل سبعة أشهر.\rسلطنة يمين الدولة\rمحمود بن سبكتكين وهو الثالث من ملوكها. وهو أول من تلقب بالسلطان، ولم يتلقب بها أحد قبله قال: ولما بلغه خبر وفاة والده كان بنيسابور، فجلي للعزاء، ثم أرسل إلى أخيه إسماعيل يعزِّيه، ويعرفه أن أباه إنما عهد إليه بالملك لبعده عنه، ويذكر له ما يتعيَّن من تقديم الكبير، وطلب منه الوفاق، وإنفاذ ما يخصه من ميراث أبيع، فلم يفعل. وترددت الرسائل بينهما، فلم تستقر قاعدة، فسار محمود عن نيسابور إلى هراة عازما على قصد غزنة، واجتمع بعمه بغراجق، فساعده على إسماعيل، وسار إلى بست، وبها أخوه نصر، فتبعه، وأعانه، وسار إلى غزنة، وبلغ الخبر إسماعيل وهو ببلخ، فسار عنها مجدّاً فسبق أخاه محموداً إلى غزنة، وكان الأمراء الذين مع إسماعيل قد كاتبوا أخاه محموداً يستدعونه، ووعدوه الانحياز إليه فجد في السير، والتقى هو وإسماعيل بظاهر غزنه، واقتتلا قتالا شديداً، فانهزم إسماعيل، واعتصم بقلعة غزنة، فحصروه أخوه محمود، واستنزله منها بأمان، لما نزل إليه أكرمه، وأحسن إليه، وشاركه في ملكه، وعاد إلى بلخ، واستقامت له الممالك، وعظم شأنه، وأطاعته العساكر.\rاستيلاء محمود على خراسان\rوانتزعها من السامانية كان سبب ذلك أن فايقا وبكنوزون مدبري دولة الأمير منصور ابن نوح قبضا عليه، وسماه كما قدمنا ذكر ذلك في أخبار السامانية، فسار السلطان محمود نحوهما، والتقوا بمرو في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، واقتتلوا قتالاً شديدا، فانهزم السامانية، فلحق عبد الملك، وفايق ببخارى، وقصد بكتوزون نيسابور، ثم قصد نواحي جرجان، فأرسل محمود خلفه أرسلان الجاذب، فاتبعه حتى ألحقه بجرجان، وعاد، فاستخلفه محمود على طوس، وسار إلى هراة،فلما علم بكتوزون بمسير محمود عن نيسابور عاد إليها وملكها، فقصده محمود، فهرب منه إلى بخارى بعد أن نهب مرو على طريقه، واستقر ملك محمود بخراسان، وزال هذا التاريخ للطائع بعد خلعه،وولي محمود قيادة جيوش خراسان أخاه نصرا، وجعله بنيسابور، وسار هو إلى بلخ، وهي مستقر ملك أبيه، واتخذها دار ملك،واتفق أصحاب الأطراف بخراسان على طاعته كآل قريغون أصحاب الجوزجان. وكالشار الساه صاحب غرشستان، والشار: لقب امن ملك غرشستان ككسري الفرس، وقيصر الروم. وفي سنة تسعين وثلاثمائة قتل بغراجق عم يمين الدولة؛ قتله طاهر بن خلف بن احمد صاحب سجستان في حرب بينهما، فسار يمين الدولة نحو خلف بن احمد أبو طاهر، فتحصن منه بحصن أصهنه، فحاصره، وضيق عليه، فبذل الأموال، فأجابه إلى ما طلب، وأخذ رهائنه على ما تقرر من المال. والله أعلم بالصواب.\rغزوة الهند","part":7,"page":170},{"id":3181,"text":"وفي المحرم سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة أحب يمين الدولة أن يغزو الهند ويجعل ذلك كفارةً لقتاله مع المسلمين، فسار ونزل على مدينة برشور، والتقى هو وجيبال ملك الهند، واقتتلوا إلى نصف النهار، فانهزم الهند، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر ملكهم جيبال وجماعة كثيرة من أهله وعشيرته، وغنم المسلمون أموالهم وجواهرهم، وأخذ من عنق جيبال قلادة من الجوهر قومت بمائتي ألف دينار، واخذ أمثالها من أعناق مقدميه الأسرى، وغنم المسلمون خمسمائة ألف من الرقيق، وفتح كثيراً من بلاد الهند، ثم احب أن يطلق جيبالا ليراه الهنود في شعار الذل، فأطلقه على مال قرره عليه، فأدى جيبال المال، ومن عادة الهنود أنه من حصل منهم في أيدي المسلمين أسيراً لم يعقد له بعدها رئاسة، فلما رأى جيبال حاله بعد خلاصه حلق رأسه وألقى نفسه في النار فاحترق ثم سار محمود نحو ويهند، فحاصرها، وأخذها عنوة، ثم بلغه أن طائفة من الهند اجتمعوا في شعاب تلك الجبال، فجهز إليهم من عساكره من قتلهم، فلم يسلم منهم إلا الشريد، وعاد إلى غزنة مؤيدا منصورا سالماً ظافرا.\rملكه سجستان\rوفي سنة تسعين وثلاثمائة ملك يمين الدولة سجستان، وانتزعها من خلف ابن محمد؛ وكان سبب ذلك أن يمين الدولة لما رحل عن خلف بعد مصالحته على المال كما قدمناه عهد خلف لولده طاهر، وسلم إليه مملكته، وانقطع للاشتغال بالعالم، وإنما فعل ذلك ليظهر ليمين الدولة تخلَّية عن الملك لينقطع طمعه عن بلاده، فعفَّه ولده، واستقلَّ بالملك فأخذ أبوه يلاطفه، وادعى المرض، فزره ابنه طاهر، فقبض عليه، وسجنه إلى أن مات في سجنه، فتغير العسكر لذلك، وكاتبوا يمين الدولة في تسليم سجستان إليه، فجهّز من تسلمها، وقصد خافاً، وهو في حصن الطاق، وهذا الحصن له سبعة أسوار محكمة يحيط بها خندق عريض لا يغبر إليها إلا من جسر منه، فرفع الجسر بأمر يمين الدولة بطم الخندق بالأخشاب والتراب، فطموا منه ما يعبرون عليه إلى السور، وتقدم الفيل الكبير إلى باب السور واقتلعه بنابيه، وملك سورا بعد سور، فطلب خلٌف الأمان، فأمنه وحضر إليه، فأكرمه، وملك الحصن، وخير خلفاً في المقام حيث شاء، فاختار أرض الجوزجان، فسيره إليها مكرما، فأقام نحو أربع سنين، ثم بلغ يمين الدولة أنه كاذب إيلك خان ملك ما وراء النهر يحثه على قصد يمين الدولة، فنقله إلى جرذين، فكان بها إلى أن مات في شهر رجب سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، فسلم محمود جميع ما خلفه إلى ولده أبي حفص، وكان خلف ها من العلماء، وله كتاب صنفه في تفسير القرآن العظيم من أكبر كتب التفاسير. وقال: ولما ملك يمين الدولة سجستان استخلف عليها أميراً كبيراً من أمرائه يسمى قنجى الحاجب، ثم اقطعها لأخيه نصر بن سبكتكين مضافة إلى نيسابور.\rوالله اعلم.\rغزوه بهاطية وملكها\rوفي سنة خمس وتسعين وثلاثمائة غزا يمين الدولة بهاطيه من أعمال الهند، وهي وراء المولتان، وصاحبها بجراء. وهي مدينة حصينة عالية السور يحيطها خندق عميق، فامتنع صاحبها، ثم ظهر، فقاتل ثلاثة أيلام، وانهزم في اليوم الرابع، وقصد المدينة، فسبقه المسلمون إلى بابها، وملكوها، فهرب بخاصته إلى رءوس الجبال، فجهز إليه يمين الدولة من يقاتله، فلما رأى الغلبة قتل نفسه بخنجر، وأقام يمين الدولة ببهاطية حتى أصلح أحوالها، وعاد عنها بعد أن ترك بها من يثق به، ومن يعلَّم من أسلم شرائع الإسلام، ولقي في عوده شدة كثيرة من كثرة الأمطار، وزيادة الأنهار، وغرق من عسكره خلق كثير.\rغزوة المولتان\rوفي سنة ست وتسعين وثلاثمائة بلغ يمين الدولة أن أبا الفتوح والي المولتان خبث اعتقاده، ونسب إلى الإلحاد، وأنه دعا أهل ولايته إلى ذلك، فأجابوه، فرأى أن يغزوه، فسار نحوه، فرأى الأنهار التي في طريقه كثيرة الزيادة لا سيما سيحون فأرسل إلى آننديال عظيم الهند يطلب إذنه في العبور ببلاده إلى المولتان، فلم يجب إلى ذلك، فابتدأ محمود به، وجاس خلال بلاده، وأكثر فيها النهب والقتل والإحراق، ففر آننديال بين يديه، وتبعه إلى أن وصل إلى قشمير، فلما سمع أبو الفتح بمقدم يمين الدولة علم العجز عنه، فنقل أمواله إلى سرنديب، وأخلى المولتان، فوصل يمين الدولة إليها، وملكها عنوة، وألزم أهلها بعشرين ألف درهم عقوبة لعصيانهم\rغزوة كواكير","part":7,"page":171},{"id":3182,"text":"قال: ثم سار إلى قلعة كواكير، وكان صاحبها يعرف ببيدا، وكان بها ستمائة صنم فافتتحها، وحرق الأصنام، فهرب صاحبها إلى قلعته المعروفة بكالنجار، فسار خلفه إليها، وهي حصن عظيم يسع خمسمائة إلف إنسان، وفيه خمسمائة فيل، وعشرون ألف دابة، وفيه من الأقوات ما يكفي الجميع مدة، فلما صار منه على سبعة فراسخ رأى من الغياض ما يمنعه عن سلوك الطريق، فأمر بقطعها،فقطعت، ورأى في الطريق واديا عظيم العمق بعيد القعر، فأمر أن يطم بالجلود المملوءة بالتراب فطموه، ووصلوا القلعة، فحاصرها ثلاثة وأربعين يوما، فراسله صاحبها في الصلح، فامتنع عليه، ثم بلغه عن خراسان اختلاف بسبب قصد إيلك خان، فصالحه على خمسمائة فيل وثلاثة آلاف منّ من الفضة، ولبس خلعة يمين الدولة بعد أن استعفى من شد المنطقة، فلم يعفه، وشدها، وقطع خنصره، وأنفذها ليمين الدولة، توثقه فيما يعتقدونه على عادة الهنود، وعاد يمين الدولة إلى خراسان.\rعبور عسكر ايلك خان إلى خراسان\rكان يمين الدولة لما ملك خراسان من السامانية، وملك إيلك خان ماوراء النهر منهم تراسلا، وتوافقا، وتزوج يمين الدولة أبنة إيلك خان وانعقدت بينهما مصاهرة ومصالحة، فلم تزل السعادة حتى أفسدوا ذات بينهما، وكتم إيلك خان ما في نفسه، فلما سار يمين الدولة إلى المولتان اغتنم إيلك خان غيبته عن البلاد، فسير سباشي تكين صاحب جيشه إلى خراسان، وذلك في سنة ست وتسعين وثلاثمائة في معظم جنده، وجهز أخاه جعفر تكين إلى بلخ في عدة من الأمراء، وكان يمين الدولة قد جعل بهراة أميراً من أمرائه يقال له أرسلان: الجاذب، وأمره إذا ظهر عليه مخالف ينحاز إلى غزنة، فلما عبر سباشي تكين غلى خراسان سار أرسلان إلى غزنة، وملك سباشي هراه، وأرسل إلى نيسابور من استولى عليها، فوصلت الأخبار يمين الدولة وهو بالهند، فعاد لا يلوي على شيء، فلما قارب غزنة فرق الأموال في عساكره، وقواهم، واستنفر الأتراك الخلجيه، فجاءه منهم خلق كثير، فسار بهم إلى نحو بلخ، وبها جعفر تكين أخو إيلك خان، فعبر إلى ترمذوونزل نحو مرو ليعبر النهر، فقاتله التركمان، فهزمهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة. ثم سار نحو أبيورد، فتبعه عسكر يمين الدولة، فوصل إلى جرجان، فأخرج عنها، ثم عاد إلى خراسان، فعارضة يمين الدولة، فمنعه من قصده وأسرا أخو سباشي تكين، وجماعة من قواده، ونجا هو في بعض أصحابه، فعبر النهر، وانهزم من كان ببلخ مع جعفر تكين، وتسلم يمين الدولة خراسان.\rانهزام ايلك خان من يمين الدولة\rقال: ولما اخرج يمين الدولة عساكر إيلك خان من خراسان راسل إيلك خان قدرخان ابن بغراخان ملك أتختن لقرابة بينهما، واستعان به، فاستنفر الترك من أقاصي بلادها، وسا نحو خراسان، واجتمع هو وآيك خان فعبرا النهر، واتصل خبرهم بيمين الدولة، وهو بطخارستان، فسبقهما إلى بلخ، واستعد للحرب، وجمع الترك الغزية والخلج والهند والأفغانية والغزنوية، وخرج عن بلخ، فعسكر على فرسخين منها بمكان فسيح، وقدم إيلك خان، وقدر خان في عساكرهما، ونزلوا بإزائه، واقتتلوا يومهم ذلك إلى الليل، فلما كان الغد برز بعضهم لبعض، فاقتتلوا، فاعتزل يمين الدولة على نشر مرتفع ينظر إلى الحرب، ونزل عن دابته، وعفرَّ وجهه على الصعيد تواضعا لله تعالى، وسأل النصر والظفر، ثم حمل بفيلته على قلب عسكر إيلك خان، فأزاله عن مكانه ووقعت الهزيمة، وتبعهم أصحاب يمين الدولة يقتلون، ويأسرون، ويغنمون، إلى أن عبروا النهر. وأكثر الشعراء القول في تهنئة يمين الدولة بهذا الفتح، وذلك في سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.\rغزوه الهند وعوده\rقال: ولما فرغ يمين الدولة من حرب الترك بلغه أن بعض أولاد ملوك الهند وأسمه نواسد شاه، وكان قد اسلم على يد يمين الدولة، واستخلفه على بعض ما افتتحه من بلادهم ارتد عن الإسلام، وعاد إلا الكفر، فسار إليه مجدا، فحين بلغ الهندي قربه فر من بن يديه، واستعاد يمين الدولة البلاد، واستخلف عليها بعض أصحابه، وعاد إلى غزنة في السنة المذكورة.\rغزوة بهيم نغز\rوما غنمه من الأموال وغيرها","part":7,"page":172},{"id":3183,"text":"وفي سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة استعد يمين الدولة لغزو الهند وسار في شهر ربيع الآخر من السنة، فانتهى إلى شاطئ نهر ويهند، فلاقاه هناك ابرهمن نال بن آننديال في جيوش الهند، فاقتتلوا مليا في النهار، وكادت الهند تظفر بالمسلمين ثم كان الظفر للمسلمين، فانهزم الهند على أعقابهم، وأخذهم السيف، وتبع يمين الدولة الملك حتى بلغ بهيم نغر، وهي على جبال عال كان الهند قد جعلوها خزانة لصنمهم الأعظم، فينقلون إليها أنواع الذخائر قرنا بعد قرن، وهم يرون ذلك تقربا لآلهتهم وعبادة، فقاتلهم عليها، وحصرها، ووالي الحصار، فلما رأى الهنود كثرة جموعه، وشدة قتاله جبنوا، وطلبوا الأمان، وفتحوا باب الحصن، فملكه المسلون، فصعد يمين الدولة إليه في خواص أصحابه وثقاته، فأخذ من الجواهر ما لا يحدّ، ومن الدراهم تسعين ألف ألف درهم شاهية، ومن الأواني الذهب والفضة سبعمائة ألف وأربعمائة منّ. وكان في الحصن بيت مملوء من الفضة طوله ثلاثون ذراعا وعرضه خمسة عشر ذراعا، فأخذ جميع ما فيه إلى غير ذلك من الأمتعة، وعاد إلى غزنة بهذه الغنائم، ففرش الجواهر في صحن داره، وكان قد اجتمع عنده رسل الملوك، فشاهدوا ما لم يسمعوا مثله.\rوفي سنة أربعمائة غزا يمين الدولة الهند وأحرقها، واستباح، ونكس أصنامها، فلما رأى ملك الهند انه لا قوة له به راسله في الصلح والهدنة على مال يؤديه إليه وخمسين فيلا، وأن يكون له في خدمة يمين الدولة ألفا فارس لا يزالون، فقبض ذلك منه، وصالحه، وعاد إلى غزنة.\rغزوة بلاد الغور\rواستيلائه عليها وبلاد الغور تجاور غزنة، وهي جبال منيعة، ومضايق، وكان أهلها قد كثر فسادهم، وتعديهم يقطعون الطريق ويخيفون السبيل، فأنف يمين الدولة من ذلك، فسار إليهم في سنة إحدى وأربعمائة، وقاتلهم أشد قتال، ثم سار إلى عظيم الغورية آلاف مقاتل، فقاتلهم إلى أن أنتصف النهار، فأمر يمين الدولة أن ينهزم المسلمون، فانهزموا وتبعهم ابن سوري حتى أبعدوا عن المدينة، ثم عطف المسلمون على الغوريه، ووضعوا فيهم السيف، وملك المدينة، وأسر بن سوري، فشرب سماًّ كان معه، فمات، وأظهر يمين الدولة شعائر الإسلام في بلاد الغور، وجعل عندهم من يعلمهم شعائر الإسلام وشرائعهم. ثم سار إلى طائفة أخرى من الكفار، فقطع مفازة رمل، ولحق عساكره عطش عظيم حتى كادوا يهلكون بسببه، فأرسل الله تعالى عليهم مطرا سقاهم، وسهل عليهم سلوك الرمل، فوصلوا إلى الكفار ومعهم ستمائة فيل، فقاتلهم أشد قتال كان الظفر فيه لمسلمين، وانهزم الكفار، واخذ غنائمهم وعاد سالما.\rملكه قصدار\rوفي سنة اثنتين وأربعمائة ملك يمين الدولة قصدار. وسبب ذلك أن ملكها كان قد صالحه على قطيعة ف كل سنة يؤديها إلا يمين الدولة، ثم قطعها اغترار بحصانة بلده، وكثرة المضايق في الطريق إليه، واحتمى بأيلك خان، وكان يمين الدولة إذا قصد المسر إليه رجع عن ذلك إبقاءً لمودة إيلك خان، فلما فسد ما بينهما سار إليها في جمادى الأول من السنة، فسبق خبره، فلم يشعر صاحبها إلا وعسكر يمين الدولة قد أحاط به ليلا، فطلب الأمان، فأجابه غليه، وأخذ منه ما كان قد اجتمع عنده من المال، وأقره على ولايته وعاد. وفي سنة ثلاث وأربعمائة كانت وفاة إيلك خان، وولاية أخيه طغان حان، وكان قد تجهز للعود إلى خراسان لقتال يمين الدولة. فلما مات طغان خان راسل يمين الدولة، وتصالحا، واتفقا أن كلا منهما يستقل بغزو من يليه من الكفار، فكان يمين الدولة يقاتل الهند، وطغان حان يقاتل الكفار.\rفتح نادرين\rوفي سنة أربع وأربعمائة سار يمين الدولة إلى الهند، فسار شهرين حتى قارب مقصده، فسمع عظيم الهندبه فجمع، وبرز إلى جبل صعب المرتقي فاحتمى به، وطال المسلمين، وكتب إلى الهنود، فاجتمع إليه كل من حمل السلاح، فلنا تكاملت عدته نزل من الجبل والتقوا، واقتتلوا، واشتد القتال، فهزمهم المسلمون، وأكثروا فيهم القتل، وغنموا ما معهم من مال وفيلة وسلاح. ولما عاد إلى غزنة أرسل إلى القادر بالله يطلب منه منشورا وعهداً بولاية خراسان وما بيده من الممالك، فكتب له ولقب نظام الدين.\rغزوة تانيشر","part":7,"page":173},{"id":3184,"text":"قال: وذكر ليمين الدولة أن بناحية تانيشر فيلة من جنس فيلة الصليمان الموصوفة بالحرب، وأن صاحبها غال في الكفر، فعزم على غزوه، فسار في سنة خمس وأربعمائة، فلقي في طريقه أودية بعيدة القعر وعرة المسالك، وقفارا فسيحة الأطراف قليلة المياه، فقاسي شدة، ومشقة عظيمة، فلما قارب المقصد لقي نهراً شديد الجرية صعب المخاضة، وقد وقف صاحب تلك البلاد على طرفه يمنع من عبوره ومعه عساكره وفيلته التي كان يدلُّ لها، فأمر يمين الدولة شجعان عساكره بعبور النهر، ففعلوا ذلك، وشغل الهنود بالقتال عن حفظ النهر، فما كان إلا وقد عبر سائر العسكر، وقاتلوهم من جميع جهاتهم إلى آخر النهار، فانهزم الهنود، وغنم المسلمون ما معهم من الأموال والفيلة، وعاد إلى غزنة.\rقتل خوارزم شاه\rوملك يمين الدولة خوارزم وفي سنة سبع وأربعمائة قتل خوارزم شاه أبو العباس مأمون بن مأمون. وسبب ذلك انه كان قد ملك خوارزم الجرجانية، وحضر عند يمين الدولة، وتزوج أخته، ثم بعث إليه يمين الدولة أم يخطب له على منابر بلاده، فأجابه إلا ذلك، واستشار أمراءه، فغضبوا من ذلك، وامتنعوا منه، وتهددوه بالقتل إن فعل، فعاد الرسول إلى يمين الدولة، وأخبره بما شاهده، ثم خافه الأمراء فقتلوه غيلة، ولم يعلم قاتله، وأجلسوا أحد أولاده مكانه، وتعاهدوا على قتال يمين الدولة إن قصدهم، واتصل الخبر به، فجمع العساكر، وسار نحوهم والتقوا، واشتدت الحرب، فثبت الخوارزمية إلا نصف النهار ثم انهزموا، فأخذهم بالسيف، ولم يبق منهم إلا القليل، وجمع من اسر منهم وسيرهم إلى أطراف بلاده الهند، وملك يمين الدولة خوارزم، واستناب بها حاجبه التونتاش.\rغزوة قشمير وقنوج\rوغيرهما من الهند","part":7,"page":174},{"id":3185,"text":"وفي سنة سبع وأربعمائة أيضا بعد فراغ يمين الدولة من خوارزم سار إلى غزنة، ثم منها إلا الهند عازما على غزو قشمير، واجتمع له من المتطوعة من بلاد ما وراء النهر وغيره نحو عشرين ألف مقاتل، وسار من غزنة إليها مسيراً دائما في ثلاثة أشهر، وعبر نهر سيحون، وجيلم، وهما نهران عميقان شديدا الجرية، ووطئ أرض الهند، وأتته رسل ملوكها بالطاعة، وبذل الإتاوة، فلما بلغ درب قشمير أتاه صاحبها وأسم من شهر رجب، وفتح ما خولها من الحصون المنيعة، حتى بلغ حصن هودب، وهو أحد ملوك الهند فنظر هودب من أعلى حصنه، فرأى من العساكر ما هاله، فعلم أن لا ينجيه إلا الإسلام، فنزل في نحو عشرة آلاف ينادون بكلمة واحدة الإخلاص، فاقبل عليه يمين الدولة وأكرمه وسار عنه إلى قلعة كلجند، وهو من أعيان الهند، وكان على طريقه غياض ملتفة لا يقدر السالك على قطعها إلا بمشقة، فسير كلجند عساكره وفيلته إلى أطراف تلك الغياض يمنعون من سلوكها، فترك يمسن الدولة عليهم من يقاتلهم، وسلك طريقا مختصرا إلا الحصن، فلم يشعروا به إلا وهو معهم، فقاتلهم قتالا شديدا، فانهزموا وأخذهم بالسيف من ورائهم، ولقوا نهرا عميقا، فاقتحموه، فغرق أكثرهم، فكان القتلى والغرق قريبا من خمسين ألفا. وعمد كلجند غلا زوجته، فقتلها ثم قتل نفسه، وغنم المسلمون أمواله وملكوا حصونه، ثم سار نحو بيت متعبد لهم وهو مهرَّة بالهند، وهو من أحصن الأبنية علة نهر، ولهم فيه كثير من الأصنام من جملتها خمسة أصنام من الذهب الأحمر مرصعة بالجوهر زنتها ستمائة ألف وسبعون ألف وثلاثمائة مثقال، وبه من الأصنام المصنوعة من الفضة نحو مائتي صنم، فأخذ يمين الدولة جميع ذلك، وأحرق الباقي، وسار نحو قنَّوج وصاحبها جيبال،فوصل إليها في عبن، فرأى صاحبها قد فارقها وعبر النهر المعروف نهر كنك، وهو نهر شريف معظم عندهم وتقدّم خبره في باب الأنهار فأخذها يمن الدولة وسائر قالعها وأعمالها وهي على نهر المذكور أنها عملت من مائتي ألف إلى ثلاثمائة ألف سنة كذبا منهم. ولما افتتحها أباحها عسكره. ثم سار إلى قلعة البراهمة، فقتلهم فتثبتوا واستسلموا للقتل، فقتلوا، ولم ينج منهم إلا القليل. ثم سار نحو قلعة آسي وصاحبها جندياك، فلما قاربها هرب صاحبها، فأخذها يمين الدولة بما فيها، ثم سار إلا قلعة شروه وصاحبها جنداري، فلما قاربه نقل ما له وفيلته إلى جبال هناك منيعة، فنازل يمين الدولة حصنه وافتتحه، وغنم ما فيه وسار في طلب جنداري جريدة، فلحقه في آخر شعبان فقاتله، وقتل رجاله، وأسر كثيرا منهم، وغنم ما معه من مال وفيلة، ونجا جذاري في نفر يسير من أصحابه. ثم عاد يمين الدولة إلى غزنة، فبنى بها الجامع الذي لم يسمع بمثله، وأنفق ما غنم في هذه الغزوة على بنائه. والله أعلم بالصواب.\rأخبار الخانية\rبما وراء النهر والأتراك وفي سنة ثمان وأربعمائة خرج الترك من الصين، وسبب ذلك أن طغان خان مرض مرضا شديدا، وطال به المرض، فطمعوا في البلاد، وساروا من الصين في عدد يزيد عن ثلاثمائة ألف خركاه من أجناس الترك منهم الخطا الذين ملكوا ما وراء النهر، فساروا إلى أن قربوا من بلاد ساغون، ويبقى بينهم وبينها ثمانية أيام واستولوا على أطراف البلاد، فسأل طغان خان الله تعالى أن يعافيه لينتقم منهم، ويحمي البلاد، ثم يفعل به ما يشاء، فعافاه الله تعالى، فجمع العساكر واستنفر جميع بلاد الإسلام، فاجتمع له من المتطوعة مائة ألف وعشرون ألف مقاتل، فلما بلغ الترك ذلك رجعوا، فسار خلفهم نحو ثلاثة أشهر، فأدركهم وهم آمنون، فكسبهم، وقتل منهم زيادة على مائتي ألف رجل وأسر نحو مائة ألف، وغنم من الدواب، والخركاهات، والأواني الذهبية والفضية، ومعمول الصين مالا عهد بمثله، وعاد إلى بلاساغون، فعادوه المرض، فمات رحمه الله تعالى. وكان عادلا خيرّا دنيا يحب العلم وأهله، ويميل لأهل الدين، ويصلهم ويقربهم.","part":7,"page":175},{"id":3186,"text":"ولما مات ملك بعده أخوه أبو المظفر أرسلان خان، ولقبه شرف الدولة، فخالف عليه قدر خان يوسف بن بغراخان هارون بن سليمان، وكان ينوب عن طغان خان بسمرقند، وكاتب يمين الدولة يستنجده على أرسلان، فعقد يمين الدولة على نهر جيحون جسرا من السفن، وضبطه بالسلاسل وعبر عليه، ولم تكن تعرف الجسور قبل ذلك هناك، فلما عبر النهر اتفق قدرخان وأرسلان خان وتعاقدا على قصد بلاد يمين الدولة واقتسمها، فعاد يمين الدولة إلى بلاده، وسار قدرخان وأرسلان خان إلى بلخ والتقوا بيمين الدولة واقتتلوا قتالاً شديدا كان الظفر فيه ليمين الدولة عليهما، فعادا وعبرا جيحون، وكان من غرق منهم أكثر ممن نجا.\rقدرخان وأولاده\rكان قدرخان يوسف بن بغراخان هارون بن سليمان عادلاً حسن السيرة كثير الجهاد، فمن فتوحه ختن، وهي بلاد بين الصين وتركستان، كثيرة العلماء والفضلاء واستمر إلى سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، فتوفي. وكان يديم الصلاة في الجماعة. ولما توفي ملك أولاده بعده، واقتسموا البلاد، فملك أبو شجاع أرسلان خان، ولقبه شرف الدولة، كاشغر، وختن، وبلاساغون. وخطب له على منابرها. قبل: ولم يشرب الخمر قط. وكانِّ ديناً مكرماً للعلماء وأهل الدين يقصدونه من كل جهة، ويصلهم ويحسن إليهم.\rوملك بغراخان بن قدرخان طراز وأسبيجاب فقصد أخاه أرسلان خان وحاربه، وأسره وحبسه إلى أن مات. وملك بلاده، ثم عهد بغراخان بن قدرخان بالملك لولده الأكبر واسمه حسين جغرتكين. وكان لبغراخان امرأة له منها ولدٌ صغير، فغاظها ذلك فسمّت بغراخان، فمات هو وعدّة من أهله، وخنقت أخاه أرسلان خان بن قدرخان، وذلك في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، وقتلت وجوه أصحابه، وملّكت ابنها واسمه إبراهيم، وسيرّته في جيش إلى مدينة برسخان، وصاحبها ينالتكين، فظفر به ينالتكين وقتله، وانهزم عسكره إلى أمه واختلف أولاد بغراخان، فقصدهم طفغاج خان.\rطفغاج خان وولده","part":7,"page":176},{"id":3187,"text":"هو أبو المظفر إبراهيم بن نصر بن إيلك، ويلقب عماد الدولة، كان بيده سمرقند وفرعانه، وكان أبوه زاهدا متعبداً، وهو الذي ملك سمرقند، وورثها طفغاج هذا منه، وكان طفغاج متديّناً لا يأخذ مالاً حتى يستعنّي العلماء، وورد عليه أبو شجاع العلوي الواعظ. وكان من الزهّاد، فوعظه، وقال: إنك لا تصلح للملك، فأغلق طفغاج بابه، وعزم على ترك الملك، فاجتمع عليه أهل البلد، وقالوا: قد أخطأ الواعظ، والقيام بأمورنا متعيّن عليك، ففتح بابه، واستمر في الملك إلى سنة ستّين وأربعمائة، ففلج، ثم مات. وكان في حياته قد جعل الملك في ولده شمس الملك نصر، فقصده أخوه طغان خان بن طفغاج، وحصره بسمرقند، فاجتمع أهلها إلى شمس الملك، وقالوا له: إن طغان خان قد خرب ضياعنا وأفسدها، ولو كلن غيره ساعدناك عليه، ونحن لا ندخل بينكما، فوعدهم المناجزة، وخرج من البلد نصف الليل في خسمسمائة غلام، فكبس أخاه، وهو غير متحِّفظ فهزمه، وكان هذا وأبوهما باق، ثم قصده هارون بن بغراخان بن قدر خان، وطغرل قراخان. وكان طفغاج خان قد استولى على ممالكهما، فقصدا سمرقند فلم يظفرا بشيء، فصالحا شمس الملك، وعادا فصارت الأعمال المتاخمه لنهر جيحون لشمس الملك، وأعمال الخافقة في أيديهما، والحد بينهما خجندة. ثم مات شمس الملك، فملك بعده أخوه خضرخان، ثم مات، فملك بعده ابنه أحمد خان، وهو الذي قبض عليه السلطان ملكشاه السلجقي، ثم أعاده إلى ولايته، أحمد هذا هو ابن أخي تركان خاتون زوجة السلطان ملكشاه، وكان أحمد خان قبيح الصورة والفعل كثير المصادرات، فنفَّر الرعية منه، وكاتبوا السلطان ملكشاه السلجوقي، واستغاثوا به، وسألة أن يقدم عليهم ليملك بلادهم، فعبر ما وراء النهر في سنة اثنين وثمانين وأربعمائة، وملك بخارى، وما جاورها، ثم سار إلى سمرقند، فملكها، وهرب أحمد خان، واختفى في بيوت بعض العامة، فغمز عليه، وحمل إلى السلطان، وفي عنقه حبل، فأكرمه السلطان، وأرسله إلى إصفهان، واستولى ملكشاه على سمرقند وبخارى، واستعمل عليها من قبله على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة السلجقية. ثم ملك محمود خان، وكان جدّه من ملوكهم، وكان أصمّ، فقصده طغان خان صاحب طراز، فقتله، واستولى على الملك. واستناب بسمرقند أبا المعالي محمد بن محمد ابن زيد العلوي البغدادي، فأقام ثلاث سنين وعصى على طغان خان،فحاصروه، وقتله معه خلقا كثيرا، ثم خرج طغان خان إلى ترمذ يريد خراسان، فلقيه السلطان سنجر السلجقي، فظفر به وقتله، وصار له أعمال ما وراء النهر، فاستناب بها محمد خان بن كمشتكين بن إبراهيم بن طفغاج خان، فأخذها منه عمر خان، وملك سمرقند ثم هرب من جنده، وقصد خوارزم، فظفر به السلطان سنجر، وولي محمد خان سمرقند، وولي محمد تكين بن طغان تكين بخارى هؤلاء ملوك سمرقند وما والاها.\rوأما كاشغر وهي مدينة تركستان، فإنها كانت لأرسلان خان بن يوسف قدر خان، ثم صارت بعده لمحمود بغرا خان صاحب طراز والشاش خمسة عشر شهرا، ثم مات، فولى بعده طغرا خان بن يوسف واستولى على املك، وملك بلا ساغون، وكان ملكه ستة عشر سنة.\rثم توفي، وملك ابنه طغرل تكين فأقام شهرين، ثم أتى هارون بغراخان أخو يوسف طغرل خان بن طفغاج بغراخان، وعبر كاشغر، وقبض على هارون، وأطاعه عسكره، وملك كاشغر وختن، وما يتصل بها إلى بلاساغون، وأقام في الملك عشرين سنة، وتوفي في سنة ست وتسعين وأربعمائة، فولى بعده ابنه أحمد أرسلان خان، وراسل الخليفة المستظهر بالله يطلب منه الخلع والألقاب. فأرسل إليه ما طلب ولقبه نور الدولة، ثم صار ملك ما وراء النهر لملوك الخطا، وانقرضت الدولة الخانية، وإنما ذكرناها في هذا الموضع لاتحادها وقربها من الدولة الغزنوية، ولتكون أخبارهم متوالية.\rنرجع إلى أخبار يمين الدولة محمود بن سبكتكين.\rغزوة الهند والأفغانية","part":7,"page":177},{"id":3188,"text":"وفي سنة تسع وأربعمائة جمع يمين الدولة من الجموع ما لم يجمع قبله مثله، وسبب ها الاهتمام أنه لما فتح قنوٌّج، وهرب صاحبها منها ويلقب براي قنوج، وراي لقب لملك ككسري، وقيصر، فلما عاد إلى غزنة أرسل بيدا عظيم ملوك الهند وقسم مملكته كجوراهة رسلا إلى راي قنوج واسمه راجيبال يوبخه على هربه، وتسلم بلاده للمسلمين، وطال الكلام بينهما، فآل ذلك إلى الحرب بينهما، فقتل راجيبال وأكثر جنوده، فازداد بذلك عظمة وعتوا، وقصده بعض ملوك الهند الذين ملك يمين الدولة بلادهم، وخدموه، وصاروا في جملة جنده، فوعدهم بإعادة ممالكهم إليهم، فاتصل ذلك بيمين الدّولة، فتجهّز للغزو، وقصد بيدا، وسار من غزنة، وابتدأ بالأفغانية، وهو كفَّار يسكنون الجبال ويفسدون، ويقطنون الطريق، فخرّب بلادهم، وأكثر فيهم القتل والأسر، ثم استقل في السير، وبلغ في الهند ما لم يبلغه غيره، وعبر نهر الكنك، فلما جاوزه وجد قافلةً تزيد على ألف جمل، فغنمها وسار، فأتاه خبر ملك من ملوك الهند، يقال له تروجينال، أنه قد سار من بين يديه يريد بيدا ليحتمي به، فلحقه في رابع عشر شوال، فاقتتلوا عامّة نهارهم، فانهزم تروجينال ومن معه، وكثر فيهم القتل والأسر، وغنم المسلمون أموالهم وأهليهم، وأخذوا منهم جواهراً كثيرة، وما يزيد على مائتي فيل، وخرج ملكهم، وأرسل يطلب الأمان، فلم يؤمنه، ولم يقع، منه بغير الإسلام، فسار ثم قتله بعض الهنود، ولما بلغ ذلك ملوك الهند تابعوا رسلهم إلى يمين الدولة يبذلون الطاعة والإتاوة، وسار بعد الوقعة إلى بارى وهي من أحصن البلاد، فرآها قد خلت من سكانها، فأمر بهدمها، وعشرة قلاع معها، وقتل من أهلها خلقا كثيرا، وسار يطلب بيدا، فلحقه، وقد نزل إلى جاني نهر، وأجرى الماء بين يديه، فصار وحلا، وترك عن يمينه وشماله طريقا يبسا يقاتل فيه إذا أراد القتال، وكان عدة من معه ستة وخمسين ألف فارس ومائة ألف وأربعمائة وثمانين ألف راجل وأربعين فيلا، فأرسل يمين الدولة طائفة من عسكره للقتال فأخرج إليهم بيدا مثلهم، ولم يزل كل عسكر يمدُّ أصحابه حتى كثر الجمعان، واشتدت الحرب، ودام القتال حتى حجز بينهما الليل، فلما كان الغد بكر يمين الدّولة للقتال، فرآهم قد فارقوا موضعهم، وانهزموا، وركب كل فرقة منهم طريقاً، ووجدوا خزائن الأموال والسلاح بحالها، فغنم المسلمون جميع ذلك، واقتنى آثار من انهزم، فاكثر فيهم القتل والأسر، ونجا بيدا وعاد يمين الدولة إلى غزنة.\rفتح قلعة بلاد الهند\rوفي سنة أربع عشرة وأربعمائة أو عل يمين الدّولة في بلاد الهند، فغنم وقتل حتى وصل إلى قلعة في راس جبل منيع ليس يصعد إليه إلا من طريق واحد، وفيها خمسمائة فيل، وغلات كثرة، ومياه، فحصرها يمين الدّولة، ودام الحصار، وضيَّق عليهم، وقتل منهم كثيرا، فطلبوا الأمان، فأمَّنهم، وأقر ملكها فيها على خراج يؤخذ منه، وأهدى له هديا كثيرة، وقيل إن هذا الملك هو كابلى، وهو صاحب ألف فيل، وكان فيما أهداه فيلة حوامل ومراضع، وطائر على هيئة القمري جلبابه أدكن، وعيناه ومنقاره حمر، وجناحاه مخططان بسواد، ومن خاصيتهَّ انه إذا حضر على راس الخوان، وكان في الطعام سمٌّ دمعت عيناه، وجرى منهما ماء، ويتحجر فإذا اخذ ذلك الحجر، وحكَّ وطلى به الجراحات الواسعة ألحمها وإن كان في البدن نصل تعسَّر إخراجه، قوبل به، فيجذبه حتى يمكن إخراجه، فقيل هديتَّه، وأقرَّه على وجهته، وعاد غزنة مؤيدا منصورا\rفتح سومنات","part":7,"page":178},{"id":3189,"text":"وفي سنة ست عشرة وأربعمائة فتح يمين الدولة عدة حصون ومدن من بلاد الهند، وأخذ الصنم المعروف بسومنات، وهو اعظم أصنام الهند، وكانوا يحجّون إليه كلَّ ليلة خسوف، فيجتمع عنده ما ينوف على ألف إنسان، وزعم الهنود أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه فينشئها فيما ينشأ، وان المدَّ والجزر غنما هو عادة للبحر ويحملون إليه كلّ علق نفيس، ويعطون سدنته الأموال الجليلة، وفيه من نفيس الجواهر ما لا تحصى قيمته، وبينه وبين نهر الكنك الذي تعظِّمه الهنود نحو مائتي فرسخ يتحملون من ماء هذا النهر إلى سومنات ماء يغسل به كل يوم، وعنده من البراهمة ألف رجل لعبادته، وتقديم الورّاد إليه، وثلثمائة رجل تحلق رؤس زواره ولحاهم، وخمسمائة رجل، وخمسمائة امرأة يغنّون، ويرقصون على باب الصنم، ولكٍّل منهم في كل يوم شيء معلوم، وكان لسومنات من الضِّاع الموقفة عليه ما يزيد على عشرة آلاف ضيعةًّ. وقال وكان يمين الدولة كلما فتح فتحا من بلاد الهند، وكسر أصناما، تقول الهنود: إنا هذه الأصنام قد سخط عليها سومنات، ولو أنه راضٍ عنها لأهلك من تقصدها بسوء. فلما بلغ ذلك يمين الدولة عزم على غزوه، وإهلاكه لعل الهنود إذا فقدوه، ورأوا دعاواهم باطلة دخلوا في دين الإسلام، فاستخار الله تعالى، وسار من غزنة في عاشر شعبان من هذه السنة في ثلاثين ألف رأس من عساكره سوى المتطوعة، وسلك طريق الملتان فوصلها في منتصف شهر رمضان، وفي طريقه إلى الهند قفارٌ لا تسلك، لا ماء فيها ولا ميرة، فحمل ما يحتاج إليه هو وعسكره، وزاد بعد الحاجة عشرين ألف جمل، يحملون الماء والميره، وقصد أنهلوارة، فلما قطع المفازة رأى في طريقها حصونا مشحونة بالرجال فيسَّر الله فتحها عليه، وامتار منها، وسار إلى أنهلوارة، فوصلها في مستهل ذي القعدة، فهرب عنها صاحبها المدعو نهيم، وقصد حصناً له يحتمي به، فاستولى يمين الدولة على المدينة وسار إلى سومنات، فلقي في طريقه عدة حصون بها كثير من الأوثان تشبه الحجّاب والنقباء لسومنات، فقاتل من بها، وفتحها وخربهّا وكسر أصنامها، وسار منها إلى مفازة قفز قليلة المياه، قلقي فيها عشرين ألف مقاتل من سكانها لا يدينون لملك، فهزمهم، وغنم مالهم، وامتار من عندهم، وسار حتى بلغ الواره، وهي على مرحلتين من سومنات، وقد ثبت أهلها ظنا منهم أن سومنات يمنعهم، ويدفع عنهم، فاستولى عليها، وقتل رجالها، وغنم أموالها، وسار عنها، فوصل إلى سومنات في يوم الخميس منتصف ذي القعدة، فرأى حصنا حصينا على ساحل البحر تبلغه أمواحه، وأهله على الأسوار ينظرون المسلمين، فلما كان الغد، وهو يوم الجمعة زحف، وقاتل حتى قارب السور، فصعده المسلمون. هذا والهنود تتقدم إلى سومنات، وتعِّفر وجوهها في الأرض وتسأله النصر، واستمر القتال إلى الليل، ثم بكر المسلمون إليهم، وقاتلوهم، فأكثروا في الهنود، وأزاحوهم عن المدينة، فالتجئوا إلى بيت صنمهم، فقاتلوا على بابه أشد قتال، فكان الفريق منهم بعد الفريق يفرون إلى الصنم، فيستغيثون به، ويبكون، ويتضرعون إليه، ويخرجون، فيقاتلون إلى أن يقتلوا حتى كاد الفناء يستوعبهم وبقي منهم شرذمة دخلوا البحر في مركبين لهم، فأدركهم المسلمون فقتلوا بعضهم وغرق بعضهم.","part":7,"page":179},{"id":3190,"text":"وأما البيت الذي فيه سومنات، فإنه مبني على ست وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص، وسومنات حجر طوله خمسة أذرع، ثلاثة مدوَّرة ظاهرة، وذراعان في البناء، وليس هو بصورة مصّورة، فكسره يمين الدولة، وأحرق بعضه، وأخذ بعضه معه إلى غزنة، فجعله عتبة لباب الجامع، وكان بيت الصنم مظلما، وإنما كان الضوء فيه من قناديل الجوهر، وكان عنده سلسلة ذهب فيها جرس وزنها مائتا منٍّ كلما مضت طائفة من البراهمة من عبادتهم حركوا الجرس، فتأتي طائفة أخرى، وعنده خزانة فيها عدة كثيرة من الأصنام الذهب والفضة وعليها الستور المرصعة بالجوهر. كل منها منسوب إلا عظيم من علماء الهند، وقيمة ما في البيوت يزيد على عشرين ألف دينار، فأخذ الجميع وكانت عدة القتلى تزيد على خمسين ألف قتيل، ثم ورد الخبر على يمين الدولة أن نهيم صاحب أنهلوارة قصد قلعة تسمى كندهة، في البحر على بينها وبين البر من جهة سومنات أربعون فرسخا، فسار يمين الدولة من سومنات، فلما حاذى القلعة رأى صيادين، فسألهم عن خوض البحر هناك، فقالوا إنه ممكن، ولكن إذا تحرك الهواء غرق من فيه، فاستعان بالله تعالى، وخاض هو ومن معه، فسلموا، فرأوا نهيم قد فارق القلعة، وأخلاها، فعاد عنها، وقصد المنصورة، وكان صاحبها قد ارتَّد عن الإسلام، ففارقها واحتمى بغياض منيعة، فأحاط يمين الدّولة بتلك الغياض؛ فقتل أكثر من ها من الهند وغرق بعضهم ولم ينجح منهم إلا القليل، ثم سار إلى بهاطية فأطاعه أهلها، فرحل إلى غزنة، فوصلها في عاشر صفر سنة سبع عشره وأربعمائة، فكانت غيبته في هذه الغزوة ستة اشهر.\rملكه الريّ وبلد الجبل\rوفي سنة عشرين وأربعمائة سار يمين الدولة نحو الريّ فانصرف منوجهر بن قابوس صاحب جرجان وطبرستان بين يديه، وجمل إليه أربعمائة ألف دينار، وكان مجد الدّولة بن فخر الدولة ابن بويه قد كاتب يمين الدولة يشكو إليه من جنده، وكان متشاغلاً بالنساء، ومطالعة الكتب، ونسخها. وكانت أمهّ تدبر المملكة، فلما ماتت طمع فيه الجند. وقال: فلما وصلت كتبه إليه سير إليه جيشا، وجعل المقدَّم عليهم حاجبه، وأمره بالقبض على مجد الدولة، فسار إلى الريّ، ودخلها في شهر ربيع الآخر، وأخذ من الأموال ألف ألف دينار، ومن الجواهر ما قيمته خمسمائة ألف دينار، ومن الثياب ستة آلاف ثوب، ومن الآلات وغيرها مالا يحصى قيمته، وأحضر مجد الدولة وسيَّره إلى خراسان. ثم ملك قزوين، وقلاعها، ومدينة ساوة، وآوه، وياقت، وقبض على صاحبها، وسيره إلى خراسان.\rولما ملك يمين الدولة الريّ، كتب إلى الخليفة القادر بالله يذكر أنه وجد لمجد الدولة من النساء الحرائر ما يزيد على خمسين امرأة ولدن له نيفا وثلاثين ولدا، وانه لما سئل عن ذلك قال: هذه عادة سلفي، وصلب من أصحابه الباطنية خلقا كثيرا، ونفى المعتزلة إلى خراسان، وأحرق كتب الفلسفة ومذاهب الاعتزال، واخذ ما سواها من الكتب، فكانت مائة حمل، وتحَّصن منوجهر بن قابوس بن وشمكير بجبال حصينة، فلم يشعر إلا وقد أطل يمين الدولة عليه، فهرب إلى غياض ملتفَّة حصينة، وبذل له خمسمائة ألف دينار، فأجابه يمين الدولة إلى ما طلب. وقبض المال وسار عنه إلى نيسابور. ثم توفِّي منوجهر عقيب ذلك، وولى بعده ابنه أنوشروان، فأقره محمود على ولايته، وقرَّر عليه خمسمائة ألف دينار أخرى، وخطب لمحمود في أكثر بلاد الجبل إلى حدود أرمينية. وخطب له بأصفهان، وملهما من علاء الدولة. وعاد عنها واستخلف بها بعض أصحابه، فثار أهلها، فقتلوه، فعاد إليهم مسعود، فقتل منهم نحو خمسمائة قتيل. وسار إلى الريّ فأقام بها والله أعلم بالصواب.\rملك مسعود همذان\rوفي سنة إحدى وعشرين وأربعمائة سيّر مسعود جيشا إلى همذان، فملكها من نواب علاء الدولة بن بويه، وسار هو إلى أصفهان، ففارقها علاء الدولة، فغنم مسعود ما كان له بها من دواب وسلاح وذخائر وغير ذلك، ثم عاد إلى بلاده.\rغزوة للمسلمين بالهند","part":7,"page":180},{"id":3191,"text":"وفي هذه السنة غزا أحمد بن ينال تكين النائب عن محمود بن سبكتكين ببلاد الهند مدينة برسى، وهي من أعظم مدن الهند، وكان معه نحو مائة ألف فارس وراجل، فشنّ الغارة على البلاد، ونهب وسبى، فلما وصل إلى المدينة، دخل من أحد جوانبها ونهب المسلمون يوما كاملا، ولم يفرغوا من سوق العطارين والجوهريين فحسب، وباقي أهل الهند، فلما جاء المساء لم يجسر أحد على المبيت فيه لكثرة أهله، وبلغ من كثرة ما نهب المسلمون أنهم اقتسموا الذهب والفضة بالكيل، ولم يصل لهذه المدينة عسكر المسلمين من قبله ولا بعده.\rوفاة يمين الدولة\rمحمود بن سبكتكين وشيء من سيرته كانت وفاة رحمه اله في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وأرعمائة ومولده يوم عاشوراء سنة ست وستين وثلاثمائة، فكان عمره إحدى وستين وثلاثة أشهر تقريبا، ومدة سلطنته ثلاثا وثلاثين سنة وشهرين، وكان مرضه سوء مزاج وإسهال، وبقي كذلك نحو سنتين، وكان قوي النفس لم يضع جنبه في مرضه بل كان يستند إلى مخدته، وكان يجلس للناس طرفي النهار؛ ولم يزل كذلك حتى توفي قاعداً، وكان عاقلاً دينِّا خيِّرا عنده علم ومعرفة، وصنِّف له كثير من الكتب في فنون العلوم، وقصده العلماء من أقطار البلاد، وكان يكرمهم ويقبل عليهم ويصلهم، وكان علي الهمة، وقد نظرنا من فتوحه وغزواته ما يستدل به على ذلك، ولم يكن فيه ما يعاب إلا طمعه في الأموال، فكان على أخذها بكل طريق، وهو الذي جدد المشهد بطوس الذي فيه قبر علي بن موسى الرضا، والرشيد، وكان أبوه قد أخربه. وقال: وكان يمين الدولة ربعة القامة، وحسن الوجه، صغير العينين، أحمر الشعر.\rسلطنة محمد بن محمود\rوهو الرابع من ملوك الدولة الغزنويه. ملك بعد وفاة أبيه في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وأربعمائة بوصية من أبيه. وقال: وهو أصغر من أخيه مسعود، وكان عند وفاة أبيه ببلخ، فخطب له من أقاصي الهند إلى نيسابور، ولقِّب جلال الدولة، فأرسل إليه أعيان الدولة يستدعونه، ويحثونه على الوصول إليهم، ويخيفونه من أخيه مسعود، فسارا إلى غزنة، فوصلها بعد وفاة أبيه بأربعين يوما، واجتمعت العساكر على طاعته، ففرق فيهم الأموال.\rخلع جلال الدولة محمد\rوملك أخيه مسعود بن محمود كان سبب أن يمين الدولة لما توفي كان ابنه مسعود بأصفهان، فكتب إلى أخيه محمد يقول لا: إنني راض بما أوصي لي به أبي، وبما فتحته من بلاد طبرستان والجبل وأصفهان وغيرهما، وطلب منه الموافقة وأن يقدمه في الخطبة على نفسه، فأجابه بجواب غبر مرضي، فسار مسعود إلى الري وأحسن إلى أهلها، ثم سار إلى نيسابور وفعل مذل ذلك، وأما محمد فإنه استحلف عساكره، وجعل عمه يوسف على مقدمة جيشه، وسار إلى مسعود. وكان بعض عساكر مجمد يميل إلى مسعود لشجاعته، وبعضهم يخشى سطوته، فلما همّ محمد بالركوب من داره وقعت قلنسوته من رأسه، فتطير الناس من ذلك. وسار إلى ان وصل إلى تكينا باد في مستهل شهر رمضان من سنة إحدى وعشرين، وأقام بها إلى ان عيّد. فلما كان ليلة الثلاثاء ثالث شوال ثار به جنده، فاخذوه وحبسوه ونادوا بشعار مسعود، وكان الذي يسعى في ذلك ورتَّبه خشاوند الحاجب باتفاق ومساعدة من عمه يوسف، وأرسلوا إلى مسعود فحضر، والتقته العساكر إلى هراه. وسلَّموا إليه الأمر، فكان أول ما بدأ به أن قبض على الحاجب وقتله، ثم قبض بعد ذلك على عمه يوسف، ثم على جماعة من أعيان القواد في أوقات متفرقة. وكان اجتماع الملك له، واتفاق الكلمة عليه في ذي القعدة م السنة، ووصل إلى غزنة في ثاني جمادى الآخرة سنة اثنين وعشرين وأربعمائة، وأتته بها رسل الملك من سائر الأقطار، واجتمع له الملك خراسان وغزنة وبلاد الهند والسند، وسجستان وكرمان، ومكران، والري، وأصفهان، وبلد الجبل، وغير ذلك، وعظم سلطانه، وجيف جانبه.\rمسيره إلى الهند\rوما فتحه بها","part":7,"page":181},{"id":3192,"text":"وفي سنة أربع وعشرين وأربعمائة بلغ السلطان مسعود أنَّ أحمد نيالتكين النائب بالهند خرج عن طاعته واستولى على البلاد، فسار إلى الهند، وعاد النائب إلى الطاعة، وفتح في سفرته هذه قلعة سرستي وهي من أحصن القلاع، وكان تعذَّر فتحها على أبيه، ففتحها في سنة خمس وعشرين. ثم سار إلى قلعة مقسي، فوصل إليها في عاشر صفر، وحصرها ووالى الحصار، فخرجت عجوز ساحرة، فتكلمت باللسان الهندي طويلا، وأخذت مكنسة فبلتها بالماء، ورشت به إلى جهة العسكر، فمرض مسعود واشتد به المرض، فرحل عن البلد فصح وعاد إلى غزنة.\rمخالفة نيالتكين ومقتله\rوفي سنة ست وعشرين وأربعمائة خالف أحمد نيالتكين النائب بالهند على السلطان مسعود، ونزع يده من الطاعة، واظهر العصيان، فسيّر إليه مسعود جيشا كثيفا فقاتلهم، وانهزم منهم، وقصد بعض ملوك الهند ببهاطيه، ومعه جمع كثير من عسكره الذين سلموا، وطلب منه سفنا ليعبر بهم السند، فاحضر إليه السفن، وأمرهم أن يلقوه في جزيرة في وسط النهر، فألقوه بها وهو يظن أنها متصلة بالبر، فأقام بها تسعة أيام إلى أن نفذت أزوارهم، وأكلوا دوابهّم، وعجزوا عن خوض الماء لعمقه، فعبر الهندي إليهم في السفن وقتل وأسر، فعندها قتل أحمد نفسه، واستوعب أصحابه القتل والأسر.\rوفي سنة ثلاثين وأربعمائة، التقى الملك مسعود والسلجقية ببلاد خراسان، ووقع بينه حروب كان الظفر لمسعود، وفتح قلعة خراسان، واخرج طغرلبك من بلاد خراسان إلى البرية، وكان آخر الحرب بينهم في سنة إحدى وثلاثين.\rالقبض على السلطان وقتله\rوشيء من سيرته وفي سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة في شهر ربيع الأول جهّز السلطان ولده مودودا إلى خراسان في جيش كثيف، لرد السلجوقية عنها، وسار مسعود بعد سبعة أيام إلى بلاد الهند ليشتي بها على عادة والده، واستصحب معه أخاه محمدا وكان قد سمله، فلما عبر سيحون وعبر بعض الخزائن جمع أنوشتكين البلخي الخصي الغلمان الداريّة، ونبوا ما تخلف من الخزائن، وأقاموا أخاه محمدا، وقاتلوا مسعود، فانهزم وتحصن في بعض الحصون، فحصروه أخوه محمد، فقالت له أمه: إن هذا المكان لا يعصمك، لأن تخرج إليهم بعهد خير لك من أن يأخذوك قهرا، فخرج إليهم، فقال له أخوه: وأمه لا قاتلتك بفعلك، ولكن اختر لنفسك جهة تكون فيها بحريمك وأولادك، فاختار قلعة كيدي، فأنفذه إليها، وأرسل مسعود إلى أخيه محمد يطلب منه مالاً ينفقه، فأعطاه خمسمائة درهم، فبكى وقال: بالأمس وحكمي على ثلاثة آلاف حمل من الخزائن، واليوم لا أملك ألف درهم، فأعطاه الرسول ألف دينار فقبلها، ثم اتفق أحمد بن السلطان محمد، وابن عمه يوسف، وابن علي خشاوند على قتل مسعود فدخلوا عليه، وقتلوه فأنكر محمد ذلك، وساءه، فكانت مدة سلطنة مسعود عشر سنين وخمسة شهور تقريبا، وكان شجاعاً كريما ذا فضائل كثيرة، يحب العلماء ويحسن إليهم، ويتقرب إلى خواطرهم، وصنفوا له التصانيف الكثيرة في فنون العلوم، وكان كثير الصدقة، تصدَّق مرة في شهر رمضان بألف ألف درهم، وأكثر الإدرارات والصِّلات، وعمّر كثيراَ من الشعر ويجيز الشعراء، وأعطى شاعراً ألف دينار، وأجاز آخر عن كل بيت ألف درهم.\rسلطنة جلال الدولة محمد بن محمود\rالسلطنة الثانية وقتله ملك ثانيا عند انهزام أخيه مسعود في ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة، كان أخوه قد سمله، وما طلب للولاية امتنع من قبولها، فتهدده القواد بالقتل فأجاب، وفوض الأمر إلى ولده أحمد، وكان فيه هوج، فقتل عمه مسعودا، وقل: إن مسعودا حبس دخل عليه الرحمن وعبد الرحيم أولاد محمد، فأخذ عبد الرحمن القلنسوة من على رأس عمِّه مسعود، فأخذها عبد الرحمن من يده، وأنكر عليه، وقبلها ووضعها على رأس عمه مسعود، وكان ذلك سبب سلامته.\rقال: وكتب السلطان محمد إلى مودود بن أخيه مسعود يقول له: غم والدك قتل قصاصاً، قتله أولاد أحمد نيالتكين بغير رضاي، فأجابه مودود من خراسان يقول: أطال الله الأمير، ورزق ولده المعتوه عقلا يعيش به فقد ركب أمرا عظيما، وأقدم على إراقة دم ملك مثل والدي الذي لقبه أمير المؤمنين سيِّد الملوك والسلاطين، وستعلمون في أي حتف تورّطم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، ثم كتب شعرا:","part":7,"page":182},{"id":3193,"text":"نفلِّق هاماً من كرامٍ اعزّة ... علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما\rقال: وطمع الجند في محمد، ونقصت هيبة الملك، فمدوا أيديهم إلى أموال الرعايا ونهبوها، فخربت البلاد، فكان الملوك يباع في بعض المدن بدينار. وقال: وسار مودود بن مسعود من خراسان إلى غزنة، وعاد عمه محمد والتقيا، فانهزم محمد وعسكره وقبض عليه وعلى ولده احمد، فقتلهما مودود في شعبان سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة، فكانت مدة سلطنة محمد الأولى سعة أشهر، والثانية أربعة أشهر وأياما.\rسلطنة مودود بن مسعود\rبن محمود بن سبكتكين وهو السادس من ملوك الدولة الغزنوية. كان ملكه بعد انهزام عمه جلال الدولة محمد. وقال: ولما التقوا وانهزم محمد وعسكره، ثم قبض عليه وعلى أولاده وأنوشتكين البلخي والخصي وابن علي خشاوند، فقتلهم مودود، ولم يترك منهم إلا عبد الرحمن ابن عمه بن محمد لإنكاره على أخيه، وأخذ القلنسوة من رأس مسعود، وبنى مودود في موضع الوقعة قريةً ورباطًا وسهمّاها فتح أباد ، وقتل من كان له تسبب في القبض على أبيه،ودخل غزنة في الثالث والعشرون من شعبان سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة،واستوزر أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد وزير أبيه،وأظهر العدل،وأحسن السيرة،وسلك سيرة جده محمود بن سبكتكين.\rمخالفة محمود بن مسعود على أخيه مودود، ووفاة محمود\rكان مسعود قد جهّز ابنه محمودا إلى بلاد الهند في سنة ست وعشرون وأربعمائة، فبلغه خبر وفاة أبيه، وما آل الأمر إليه من سلطنة أخيه، وكان قد فتح لهاوور، وملتان، فاخذ الأموال، وأظهر الخلاف على أخيه مودود، فالضطرب لذلك، وجهز جيشا لمنعه، فعرض محمود العساكر، وانفق فيهم الأموال ليأخذ البلاد من أخيه مودود وعَّيد عيد الأضحى، وأقام بعده ثلاثة أيام، وأصبح ميتا بلهاوور، فما عرف ما كان سبب وفاته، فعند ذلك ثبت قدم مودود في الملك، وأرسلته الملوك وخافته، وفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ملك مودود عدة من حصون الهند، فراسله ملوكها وأذعنوا له بالطاعة.\rوفاة مودود\rوملك ولده، ثم أخيه علي بن مسعود، ثم عبد الرشيد وفي العشرين من شهر رجب الفرد، سنة إحدى وأربعين وأربعمائة كانت وفاة مودود وعمره تسع وعشرون سنة، ومدة ملكه تسع سنين وأحد عشر شهرا، وكانت وفاته بغزنة، وعلَّته القولنج، وملك بعده ولده، فبقي في الملك خمسة أيام، ثم عدل الناس عنه إلى عمِّه علي بن مسعود، وكان مودود لما ملك قبض على عمِّه عبد الرشيد ابن محمود، واعتقله بقلعة مندين بطريق بست، فلما توفي مودود كان وزيره قد قارب القلعة بعساكر جردها مودود معه لقتل السلجقية، فنزل عبد الرشيد من القلعة إلى العسكر، ودعاهم إلى طاعته، فأجابوه، وسار بهم إلى غزنة، فهرب عّلي بن مسعود، وملك عبد الرشيد، ولقب شمس الله سيف الدولة، وقيل جمال الدولة.\rمقتل عبد الرشيد","part":7,"page":183},{"id":3194,"text":"كان مقتله في سنة أربع وأربعين وأربعمائة؛ وسبب ذلك أن طغرل الحاجب مودود قد نوه بذكره، وقدّمه وزوّجه أخته، فلما توفي مودود، وملك عبد الرشيد استمر به على ما كان عليه، وجعله حاجب حجّابه، فأشار طغرل على عبد الرشيد بقصد الغز، وإخراجهم من خراسان، فتوقف استبعاداً لذلك، فلم يزل به حتى جهز معه ألف فارس، فسار نحو سجستان، وبها أبو الفضل نائبا عن بيغو، فحاصر قلعة طاق أربعين يوما، فلم يتهيأ له أن يملكها، فسار نحو مدينة سجستان، فاتصل خبره ببيغو، فخرج في عساكره إليه، فلما رآه بيغو استقلَّ من معه، فسيَّر إليه طائفة من أصحابه، فلم يعرِّج طغرل عليهم، بل اقتحم هو ومن معه على تلك الطائفة التي كانت خرجت لقتاله، فهزمهم، وغنم ما معهم، وانهزم بيغو إلى هراة، ودخل طغرل الحاجب سجستان، وملكها، وكتب إلى عبد الرشيد يعلمه بذلك ويستمد ليسير إلى خراسان، فأمده بعدَّة كثيرة من العساكر، فاشتد أمره بهم، وحدث نفسه بالاستيلاء على غزنة، فأحسن إلى من معه، واستمالهم فمالوا إليه، فاستوثق منهم ورجع بهم إلى غزنة، فلما صار على خمسة فراسخ منها كتب إلى عبد الرشيد يعلمه ان العسكر خالفه، وطلبوا الزيادة في العطاء، وانهم عادوا بقلوب متغِّيرة، فلما وقف على ذلك جمع أصحابه، واستشارهم، فحذَّروه من طغرل، وقالوا، إن الأمر قد أعجل عن الاستعداد، وليس إلا الصعّود إلى القلعة، والتحصن بها، فتحصن بقلعة غزنة، وعبر طغرل غزنة، واستولى عليها وجلس بدار الإمارة، وأرسل إلى من بالقلعة يتهددهم إن لم يسلموا عليها عبد الرشيد، فسلَّموه له، فقتله، واستولى على القلعة، وتزوج ابنة السلطان مسعود كرها، وكان في أعمال الهند أمين يسمى خزخير بعساكر كثيرة، فأرسل إليه طغرل، واستدعاه للموافقة والمساعدة على إخراج الغزو من الأعمال، ووعده وبذل له الرغائب، فلم يرض خزخير فعله، وأنكر عليه وأغلط له في الجواب، وكتب إلى زوجة طغرل ابنة السلطان مسعود، وإلى وجوه القوّاد يقبح عليهم موافقتهم، وصبرهم على قتل ملكهم، فعبروا على طغرل، وقتلوه.\rملك فرخ زاد\rبن مسعود بن محمود بن سبكتكين وهو العاشر من ملوك الدولة الغزنوية. وملك بعد مقتل طغرل الحاجب المستولي على ملك عبد الرشيد، وكان سبب ملكه أنه لما قتل طغرل وصل خرخير بعد مقتله بخمسة أيام إلى غزنة، وأظهر الحزن على عبد الرشيد، واستشار الأمراء فيمن يلي الأمر، فأشاروا بولاية فرخ زاد، وكان معتقلاً في بعض القلاع فأحضروه، وأجلس بدار الإمارة ودبر خرخير الأمر بين يديه، وقتل من أعان على قتل عبد الرشيد. وقال: ولما بلغ داود السلجقي أخا طغرلبك صاحب خراسان قتل عبد الرشيد جميع عساكره، وسار إلى غزنة، فخرج غليه خرخير، وقاتله فانهزم داود، وغنم ما كان معه، وفي سنة خمس وأربعين وأربعمائة ثار مماليك فرخ زاد به، وقصد واقتله وهو في الحمام، فمانع عن نفسه بسيف كان معه، فأدركه أصحابه وخلصوه وقتلوا أولئك الغلمان، واستمر ملكه إلى سنة إحدى وخمسين، وكان بعد هذه الوقعة بكثير من ذكر الموت ويحتقر الدنيا ويزدريها، فلما كان في هذه السنة أصابه قولنج، فمات\rملك إبراهيم بن معود\rبن محمود وهو الحادي عشر من ملوكها، ملك بعد وفاة أخيه فرّخ زاد في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة فأحسن السيرة، واستعد لجهاد الهند، واستقر الصلح بينه وبين جعري بك داود السلجقي صاحب خراسان على أن يكون لكل واحد منهما ما بيده، وترك منازعة الآخر في ملوكها.\rغزو ابراهيم الهند\rوما فتحه منها","part":7,"page":184},{"id":3195,"text":"وفي سنة اثنين وسبعين وأربعمائة غزا بلاد الهند، ففتح قلعة أجود، وهي على مائة وعشرين فرسخا من لهاوور، وهي حصينة تحوي عشرة آلاف مقاتل، فحصرها ودام الزحف، فملكها في الحادي والعشرين من صفر، وفتح غيرها من الحصون في هذه السنة. فمن ذلك قلعة رومال، وموضع يقال له: دره نوره، وكان به أقوام من الخراسانية جعل أجدادهم فيع فراسياب التركي، ولم يعترضهم أحد من الملوك، فدعاهم إلى الإسلام فامتنعوا عليه، وقاتلوه، فظفر بهم وأكثر فيهم القتل، وتفرق من سلم منهم في البلاد،وسبي من النساء والصبيان مائة ألف، وفي هذه القلعة حوض قطره نصف فرسخ لا يدرك قعره، ويشرب منه أهل القلعة ودوابهم، ولا يظهر فيه نقص وفتح درة وهي بين جبلين والسبيل غليها متعذر، فوصلها في جمادى الأولى وأقام بها ثلاثة أشهر، وافتتحها وعاد إلى غزنة.\rوفاة ابراهيم\rوشيء من سيرته كانت وفاته في سنة إحدى وثمانين أربعمائة ، وكانت مدة ملكه تزيد على ثلاثين سنة ،وكان عادلاً كريماً مجاهداً، وكان ذا رأى سديد، فمن رأيه أن السلطان ملكشاه السلجقي قصد غزنة بعساكره وجنوده، فلما علم إبراهيم عجزة عنه كتب إلى جماعة من أمرائه يشكرهم،ويعدهم الجميل على تحسينهم لصاحبهم، قصد بلاده ليتم له ما اتفقوا عليه من قبضه،وأمر القاصد أن يتعرض إلى ملكشاه، فتعرض له، فأنكره ملكشاه، وقبض عليه وقرره بالضرب، فأعطاه الكتب بعد امتناع، فعاد من طرقه، وكتم ذلك عن أمرائه خوفا من الخلاف عليه. وكان يكتب بخطه في كل سنة مصفحاً، ويبعثه إلى مكة مع الصدقات والصِّلات، ولما مات ملك بعده ابنه.\rملك علاء الدولة\rأبي سعد جلال الدين مسعود بن إبراهيم وهو الثاني عشر من ملوك الدولة الغزنوية. وملك غزنة وما معها بعد وفاة إبراهيم أبيه في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. وهو زوج ابنة السلطان ملكشاه السلجقي، واستمر ملكه إلى سنة ثمان وخمسمائة فتوفي في شوال منها بغزنة، لم أظفر بشيء من أخباره فأورده، ولما مات ملك بعده ولده\rملك أرسلان\rبن علاء الدولة مسعود وهو الثالث عشر من ملوك الدولة الغزنوية، وأمه سلجقيه وهي أخت السلطان ألب أرسلان ملك بعد وفاة أبيه في شوال سنة ثمان وخمسمائة ولما ملك قبض على أخواته وسجنهم، فهرب أخٌ له اسمه بهرام شاه إلى خراسان، فوصل إلى السلطان سنجر بن ملك شاه، فأرسل إلى أرسلان شاه في معناه، فلم يجبه، فأعد السير وقصد غزنة ومعه بهرام شاه والتقى هو وسنجرين ملكشاه على فرسخ من غزنة بصحراء شهراباذ، وكان أرسلان شاه في ثلاثين ألفا، ومعه مائة وستون فيلا، فكادت الهزيمة تكون على سنجر ثم كانت وخمسمائة ومعه بهرام شاه، وتسلَّم قلعة البلد، وكان أرسلان شاه قد اعتقل أخاه طاهرا بالقلعة الكبيرة التي بينها وبين غزنة تسعة فراسخ، وهي عظيمة لا يطمع فيها ولا عليها، واعتقل بها أيضا زوجة بهرام شاه، فلما انهزم أرسلان شاه استمال أخوه طاهرا المتحفظ بها حتى سلم القلعة للملك سنجر، وكان قد تقرر بين السلطان سنجر وبهرام شاه أن يجلس بهرام شاه على سرير جده محمود بن سبكتكين وجده، وان الخطبة بغزنة للخليفة، ثم للسلطان محمد بم ملكشاه، والملك سنجر، وبعدهم لبهرام شاه، فلما دخلوا غزنة كان سنجر راكبا، وبهرام شاه راجلا بين يديه حتى جاء إلى السرير، فصعد بهرام شاه بالسلطان على عادة آبائه، وحصل لسنجر من الأموال مالا يحد، وكان على حيطان دور ملوك غزنة ألواح الفضة، وسواقي المياه إلى البساتين من الفضة، فقلع أصحاب سنجر كثيرا من ذلك، فمنعهم سنجر، وصلب جماعة منهم، وأقام بغزنة أربعين يوما وهو أول سلجقي خطب له بغزنة، وعاد إلى خراسان.\rملك بهرام شاه\rبن مسعود بن إبراهيم","part":7,"page":185},{"id":3196,"text":"وهو الرابع عشر من ملوك الدولة الغزنوية.وملك غزنة عند انهزام أخيه أرسلان شاه لعشر بقين من شوال سنة عشر وخمسمائة، وأما أرسلان شاه فإنه لما انهزم قصد هند وخان، وأجتمع معه أصحابه، فلما عاد الملك سنجر إلى خراسان توجه إلى غزنة، ففارقها بهرام شاه إلى باميان، وأرسل إلى الملك سنجر يعلمه الحال، فأمده بجيش، وأقام أرسلان شاه بغزنة شهرا، وسار في طلب بهرام شاه فبلغه وصول عسكر سنجر، فانهزم بغير قتال، للخوف الذي وقع في قلوب أصحابه، ولحق بجبال أوغان، فسار بهرام شاه في طلبه بعسكر سنجر، وضايقوا البلاد التي هو فيها وأخربوها، وتهددوا أهلها، فسلموه إليهم، فخنقه أخوه بهرام شاه، ودفنه بغزنة بتربة أبيه، وكان قتله في جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، وعمره سبعا وعشرين سنة، واستقر بهرام شاه في الملك، وكان بينه وبين الملوك الغورية من الوقائع ما نذكره في أخبارهم إن شاء الله تعالى.\rوفاة بهرام شاه\rكانت وفاته في شهر رجب سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، فكانت ولايته ستا وثلاثين سنة، وكان عادلا حسن السيرة جميل الطريقة يحب العلماء ويكرمهم، ويبذل لهم الأموال الكثيرة، ولما مات ملك بعده ولده.\rملك خسروشاه\rابن بهرام ساه بن مسعود وهو الخامس عشر من ملوك الدولة الغزنوية، ملك غزنة بعد وفاة والده في شهر رجب سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وكان عادلاً حسن السيرة في رعيته محبا للخير وأهله يقرب العلماء، ويحسن إليهم ويرجع إلى أقوالهم ويقتدي بآرائهم، لم يزل كذلك إلى مدة ملكه سبع سنين وقيل غنه عاش إلى سنة تسع تسعين. وأن الدولة انقرضت باعتقاله، ولما مات ملك بعده ولده.\rملك ملكشاه\rبن خسروشاه بن مسعود ابن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين وهو السدس عشر من ملوك الدولة الغزنوية، وعليه انقرضت دولتهم. وملك غزنة بعد وفاة والده الحسين ملك الغور إلى غزنة، وكان له مع ملكشاه ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الغورية. وفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة قصد الأتراك الغزية بلاد غزنة ونهبوا وخربوا، وقصدوا مدينة غزنة، ففارقها ملكشاه إلى لهاوور وملكها الغزية، وكان القيّم بأمرهم زنكي بن علي بن خليفة الشيباني، ثم جمع ملكشاه العساكر، وعاد إلى غزنة، ودخلها في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، وتمكن في دار ملكه إلى أن ظهر أمر الملوك الغورية، فانقرضت الدولة الغزنوية على يد الملوك الغوريه.\rوذكر ان الأثير الجزري في تاريخه الكامل أن دولتهم انقرضت في أيام خسروشاه بن بهرام شاه والده ملكشاه، وان خسروشاه لما ملك الغورية غزنة سار إلى لهاوور، فحاصره شاب الدين الغوري بها في سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وشدّد الحصار عليه، وبذل له الأمان على أن لا يطأ بساطه، وان شهاب الدين يجعل لخسروشاه مهما اختار من الإقطاع، ويزوجه ابنته، فاستحقه على ذلك ومكنه من لهاوور، واجتمع به، فأكرمه وعظمه، وبقي كذلك مدة شهرين، فورد رسول غياث الدين الغوري إلى أخيه شهاب الدين وهو يستدعي خسروشاه وولده إليه، فأعلمه بذلك، فامتنع، فمناه شهاب الدين، وطيب خاطره، ثم جهزه هو وابنه إلى غياث الدين، فساروا على كره، فلما وصلا إليه رفعهما إلى بعض القلاع، فكان آخر العهد بهما. وانقرضت الدولة الغزنوية.\rوكان ابتداؤها في سنة ست وستين وثلاثمائة، وانقرضت في سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فتكون مدتها مائتي سنة وثلاثة عشر سنة تقريبا، وعدة ملوك هذه الدولة ستة عشر ملكا، وهو ناصر الدولة سبكتكين، ثم ولده محمود بن سبكتكين، ثم ولده محمد ولي مرَّتين، ثم أخوه مسعود بن محمود، ثم مودود بن مسعود بعد عمه محمد في السلطنة الثانية، ثم ولي ولدٌ لمودود خمسة أيام. ثم على بن مسعود، ولم تطل مدته أيضا، ثم عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين، ثم فرخ زاد، ثم أخوه إبراهيم بن مسعود، ثم ابنه علاء الدولة أبو سعد جلال الدولة بم مسعود، ثم ابنه أرسلان شاه، ثم أخوه بهرام شاه، ثم ابنه خسروشاه، ثم ابنه ملكشاه، وعليه انقرضت دولتهم، وكانت هذه الدولة من احسن الدول وأكثرها جهادا وفتوحا، وقد ذكرنا من أخبار ملوكها ما يستدل به على بعد هممهم، وتمكن سلطانهم.\rالدولة الغورية","part":7,"page":186},{"id":3197,"text":"كان ابتداء هذه الدولة بلاد الغور في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، ثم أزالت ملوك الدولة الغزنوية آل سبكتكين عن غزنة، وملكوا بعض بلاد الهند، وأول من نبغ وظهر اسمه الحسين بن الحسين بن الحسن. وكان قد ملك قبله بلاد الغور محمد بن الحسين، وكان قد صاهر بهرام شاه صاحب غزنة، فعظم شأنه بمصاهرته وعلت همته، فجمع جموعا كثيرة، وسار إلى غزنة ليملكها، واظهر الخدمة والزيارة لبهرام شاه وهو يريد المكر فعلم به بهرام شاه، فقبض عليه وسجنه ثم قتله، فعظم قتله على الغورية ولم يمكنهم الأخذ بئأره لتمكن الدولة الغزنوية، ثم ملك بعد محمد أخوه سام بن الحسين، فمات بالجدري، وملك بعده محمد أخوه سام بن الحين بلاد الغور، وقوي امره، وتمكن في مملكته، فجمع العساكر، وسار إلى غزنة طالبا لثأر أخيه محمد، فلما وصل إليها وملكها في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، فارقها بهرام شاه إلى بلاد الهند، وجمع جموعا كثيرة، وعاد إلى غزنة، وكان عسكر غزنة الذين أقاموا مع سوري قلوبهم مع بهرام شاه، فلما التقوا انضم عسكر غزنة إلى بهرام وسلَّموا إليه سوري وذلك في المحرم سنة أربع وأربعين وخمسمائة، فصلبه بهرام شاه، وكان سوري هذا من الملوك الأجواد الكرام، حتى إنه كان يرمي الدرهم بالمقاليع ليتوصَّل بذلك إلى راحة الفقراء، ثم ملك بعده أخوه الحسين ابن الحسين هذا بلاد الغور ومدينتها فيروز كوه، فسار في سنة خمس وأربعين إلى مدينة هراة وحصرها، وكان أهلها قد كاتبوه، وطلبوه ليسلوها له هربا من ظلم الأتراك، فلما حاصرها امتنع أهلها عليه ثلاثة أيام، ثم سلموها له، فدخلها واظهر طاعة السلطان سنجر ابن ملكشاه السلجقي.\rالحرب بينه وبين السلطان سنجر\rوفي سنة سبع وأربعين وخمسمائة كانت الحرب بين علاء الدين الحسين صاحب الغور وبين السلطان سنجر السلجقي؛ وسبب ذلك أن علاء الدين هذا قوي أمره، فكثرت أتباعه، وتلقت وتعرّض إلى أعمال غزنة، وسار إلى بلخ، فملكها، فسار إليه السلطان سنجر فثبت له، واقتتلوا، فانهزمت الغوريّة، وأسر علاء الدين، وقتل من أصحابه خلق كثير، واحضر بين يدي السلطان، فقال له: ياحسين لو ظفرت بي ما كنت تصنع؟ فأخرج له قيداً من الفضة، فقال له: كنت أقيدك بهذا، وأحملك إلى مدينة فيروزكوه. فخلع السلطان عليه، ورده إلى فيروزكوه.\rملكه غزنة\rوخروجه عنها، وقتل أخيه قال: ولما أطلقته السلطان سنجر أقام بفيروز كوه مدة حتى اجتمع له أصحابه، وأصلح ما تشعّث من حال عسكره وقصد غزنة، وملكها يوم ذاك بهرام شاه، فلم يثبت له وفارقها إلى مدجينة كرمان. وهي مدينة بين غزنة والهند، وليست كرمان المشهورة بل غيرها، وملك علاء الدين غزنة، واحسن السيرة في اهلها، واستعمل عليهم أخاه سيف الدين، وأجلسه على تخت المملكة، وخطب لنفسه ولأخيه سيف الدين عده، ثم عاد علاء الدين إلى الغور، وأمر أخاه أن يخلع على أعيان البلد خلعاً نفيسة، ويصلهم بصلات سنية، ففعل ذلك وأحسن إليهم، فلما جاء الشتاء ووقع الثلج، وعلم أهل غزنة أن الطريق قد انقطع بينهم، وبين الغور كاتبوا بهرام شاه واستدعوه، فسار نحوهم في عسكره، فلما قارب البلد ثار أهلها على سيف الدين، فأخذوه بغير قتال، وانهزم من كان معه، فمنهم من نجا ومنهم من اخذ ثم سودّوا وجه سيف الدين، وأركبوه بقرة، وطافوا به البلد، ثم صلبوه، وهجوه بالأشعار، وغنى بها حتى النساء، ثم توفِّي بهرام شاه، وملك بعده ابنه خسروشاه، فتجهز علاء الدين إلى غزنة في سنة خمسين وخمسمائة، فسار خسروشاه إلى لهاوور وملك علاء الدين البلد، ونهبها ثلاثة أيام، وأخذ الذين أسروا أخاه، وهم من العلويين، فألقاهم من شواهق الجبال، وأخرب المحلَّة التي صلب فيها أخوه، وأخذ النساء الذين تغنين بجهو أخيه، فأدخلهن حماما، ومنعهم الخروج حتى متن فيه، وأقام بغزنة حتى أصلحها، ثم عاد إلى فيروزكوه وتلقب بالسلطان المعظم وحمل الجنر على عادة السلجقية.\rخروج غياث الدين\rوشهاب الدين ابني أخي علاء الدين الحسين على عمهما وموافقته","part":7,"page":187},{"id":3198,"text":"قال: لما قوي أمر عمهما علاء الدين استعمل العمال والأمراء على البلاد، فكان ممن استعمل غياث الدين أبو الفتح محمد، وأخوه شهاب الدين أبو المظفر محمد ابنا سام، على بلد من بلاد الغور، فأحسنا السيرة في أعمالها، واستمالا قلوب الناس، فانتشر ذكرهما، فسعى بهما إلى عمهما من حسدهما، وأهمه أنهما يريدان الوثوب به، وقتله، والاستيلاء على ملكه، فأرسل يستدعيهما فامتنعا، وكان قد علما الخبر، فجهز إليهما عسكر عمهِّما، وقطعا خطبة، فتوجه إليهما وسارا إليه، والتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر علاء الدين، وأخذ أسيراً، فأجلساه على التخت، ووقفا في خدمته، ونادوا في عسكره بالأمان، فبكى عند ذلك، وقال: هذان صبيان قد فعلا ما لو قدرت عليه منهما لم أفعله، وأحضر القاضي، وزوج غياث الدين بنتاً له، وجعله ولي عهده بعده، وبقي إلى أن مات، وكان وفاته في شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين وخمسمائة.\rملك سيف الدين\rمحمد بن علاء الدين بن الحسين بن الحسين وهو الثاني من الملوك الغورية. وملك وفاة أبيه، وأطاعه الناس، وراسل الملوك وهاداهم، واستمَّر إلى أن قتل في شهر رجب سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وذلك أنه جمع عساكره وحشد فأكثر وسار أنه خرج جريدة في جماعة من خاصته، فسمع به الغز فركبوا وأوقعوا به فقتل.\rوكان ملكا عادلاً حسن السيرة، فمن ذلك أنه لما ملك هراه أراد عسكره نهبها، فنزل على درب المدينة، وأحضر الأموال والثياب، وفرقها في عسكره، وقال: هذا خير من نهب أموال الناس، فإن الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم. ورحمه الله تعالى.\rملك محمد بن سام\rابن الحسين بن الحسن وهو الثالث من الملوك الغورية. وكان استقلاله بالملك بعد وفاة ابن عمه سيف الدين في شهر رجب سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وخطب له في الغور، وغزنة، منه ملك الغز وغزنة منه، وبقيت بأيديهم خمسة عشر سنة يصبون على أهلها العذاب، ويتابعون الظلم، هذا غياث الدين يحسن السيرة في رعيته، والناس يشكون إليه حالهم، وهو يدبر ملكه إلى أن قوي أمره، وكثرت أتباعه، واشتد بأسه.\rملك غياث الدين غزنة\rقال: ولما قوي غياث الدين، وتمن في ملكه، وزاد طغيان الغز، وأذاهم للناس، جهز جيشا كثيفا مع أخيه شهاب الدين إلى غزنة، وفيه أصناف الغورية، والخراسانية، والخلج، فساروا إليها، فلقيهم الغز واقتتلوا، فانهزمت الغورية أولاً، ثم كانت الدائرة على الغز، فقتل أكثرهم، ودخل شهاب الدين غزنة، وتسلمها وأحسن السيرة في أهلها، وأفاض العدل، وسار منها إلى كرمان، وسوران، فملكها، ثم تعدى بعد ذلك على السند، وقصد العبور، إلى بلد، وملك لهاوور، وملكها يومئذ خسر وشاه بن بهرام شاه، فسار فيمن معه إلى ماء السند، فمنعه من العبور فرجع عنه، وقصد خرشابور، فملكها، وما يليها من جبال الهند، وأعمال الأفغان ورجع\rملك شهاب الدين لهاوور\rوانقراض الدولة الغزنوية وفي سنة تسع وخمسين وخمسمائة سار شهاب الدين إلى لهاوور في جمع عظيم، وحشد كبير، فحصرها، وتهدد أهلها إن منعوه، وبذل لخسرو شاه الأمان على أن يطأ بساطه، ويخطب لأخيه فامتنع، فلما طال الحصار خذله أهل البلد، فطلب الأمان، فأمنه شهاب الدين، وحلف له، ودخل الغورية البلد، وبقي كذلك شهرين، ثم جهز خسرو شاه هو وولده إلى أخيه غياث الدين كما ذكرناه في أخبار الدولة الغزنوية.\rقال: ولما كثرت جموع غياث الدين، واتسعت مملكته باسلطنة، ويلقبه بألقاب السلاطين، وكان لقبه أولا شمس الدين، ثم تلقب غياث الدين، ولقي الآن غياث الدنيا والدين معين الإسلام قسيم أمير المؤمنين، ولقب أخاه عز الدين. قال: ولما استقر أمر لهاوور، سار شهاب الدين إلى أخيه غياث الدين، واتفقا على المسر إلى خراسان، فقصد مدينة هراة، فملكها واستناب بها، وملك عدة من بلاد خراسان، ورجع غياث الدين إلى مدينة فيروزكوه وشهاب الدين إلى غزنة.\rمسير شهاب الدين إلى الهند","part":7,"page":188},{"id":3199,"text":"قال وسار شهاب الدين إلى الهند، وحاصر بلدا من بلادها، وملكها، وكان قد حصرها طويلا فلم يظهر منها بطائل، فراسل زوجة الملك الهندي في أن يتزوجها، وكانت غالبة على أمر الملك، فأعادت عليه أنها لا تصلح لذلك، وأن لها ابنة جميلة تزوجه بها، فأجابها إلى ذلك، فسقت زوجها سما، فمات، وسلمت إليه البلد، فأخذ الصبيةَّ فأسلمت، وتزوجها وحملها إلى غزنة، ووكل بها من يعلمها القرآن، وتشاغل عنها فتوفيت والدتها، ثم توفيت بعد عشر سنين، ولم يرها فبنى لها مشهداً، ودفنها فيه، فأهل غزنة يزورون قبرها، ثم عاد إلى بلاد الهند، وملك كثيرا منها\rظفر الهنود بالمسلمين\rقال: ولما اشتدّت نكاية شهاب الدين بلاد الهند تجمع ملوكها من كل جهة، وتحالفوا على التعاضد، والتناصر على حربه، وجاءوا من كل فج عميق، وركبوا الصعب والذلول، وكان الحاكم على جميع الملوك امرأة من ملوكها، فلما سمع شهاب الدين باتفاقهم وتعاضدهم؛ تقدم إليهم في عسكر عظيم، والتقوا، واقتتلوا، فانهزم المسلمون، وقتل منهم خلق كثير، وأصاب شهاب الدين ضربة بطلت منها يده، وضربة على رأسه سقط منها على الأرض، وحجز الليل بين الفريقين، ثم حمل شهاب الدين إلى مدينة أخيه على رؤوس الرجال، فعمد إلى أمراء الغورية الذين انهزموا أن ملأ لهم مخالي خيلهم شعيرا، وحلف لئن لم يأكلوه ليضربن أعناقهم، فأكلوه.\rظفر المسلمين بالهنود\rقال: اتصل الخبر بغياث الدين أخي شهاب، فأمد المسلمين بالعساكر، فرجع شهاب الدين إلى الهنود، وجمع الهنود جموعا عظيمة، وجددوا أسلحتهم، ووفروا جموعهم، وساروا بملكتهم في عدد كثير، فراسلها شهاب الدين، وخدعها أن يتزوجها، فلم تجبه إلى ذك، وقالت: إما الحرب، وإما أن تسلِّم بلاد الهند، وتقتصر على ملك غزنة، فأجابها إلى العود إلى غزنة، وأن يرسل إلى أخيه في ذلك، وإنما فعل ذلك مكرا، وكان بين العسكرين نهر، وقد حفظ الهنود مخائضه، وأقاموا ينظرون جواب غياث الدين، فجاء رجل من الهنود إلى شهاب الدين، وأعلمه بمخاصته، فاستوثق منه، وجهز جيشا فعبروا المخاضة والهنود على غرَّة، فلبسوهم، وكان مقدم الجيش الحسين بن حرميل الغوري، وهو الذي صار بعد ذلك صاحب هراة، فوضع السيف في الهنود، فاستغلوا به، وأغفلوا المخائض، فعبر شهاب الدين وبقية العسكر، ونادوا بشعار الإسلام، وأكثروا في الهنود القتل، فما سلم منهم إلا القليل، وقتلت ملكتهم، وتمكن شهاب الدين بعد ذلك من بلاد الهند، ودانت له ملوكها، وأقطع مملوكه قطب الدين أيبك مدينة دهلي، وهي كرسي الممالك التي فتحها من بلاد الهند، وأرسل عسكرا مع محمد بن بختيار، فملكوا من بلاد الهند مواضع ما وصل إليها مسلم قبلهم، حتى قاربوا حدود الصين من جهة المشرق، ولعل ذلك كان في سنة ثلاث وثمانين. وفي سنة ست وثمانين وخمسمائة كانت الحرب بين غياث الدين، وسلطان شاه أخي خوارزم شاه. وذلك أن سلطان شاه تعرض إلى بعض بلاد غياث الدين، وجمع عساكره، والتقوا، فانهزم سلطان شاه، واستعاد غياث الدين بلاده وعاد إلى غزنة.\rالحرب بين شهاب الدين وملك بنارسي الهندي\rوفي سنة تسع وخمسين وخمسمائة كانت الحرب بين شهاب الدين، وبين ملك بنارسي؛ وسبب ذلك أن قطب الدين أيبك لما أقطعه شهاب الدين مدينة دهلي أوغل في بلاد الهند، وقتل وسبى وعاد، فبلغ ذلك ملك بنارسي، وهو أكبر ملوك الهند، وولايته من حدود الصين إلى بلاد ملاو طولا، ومن البحر إلى مسيرة عشرة أيام من لهاوور عرضا، فجمع جيوشه، وسار يطلب بلاد الإسلام، ومعه سبعمائة فيل، وقيل إن عسكره بلغ ألف ألف رجل، وسار شهاب الدين نحوه، فلتقى العسكران على جون، وهو نهر كبير يقارب دجلة، فاقتتلوا، فانتصر المسلون منهم تسعين فيلا من جملتها فيل أبيض، وباقي الفيلة قتل بعضها، وانهزم بعضها، ودخل شهاب الدين باد بنارسي وحمل من خزائنها على ألف وأربعمائة جمل، وعاد إلى غزنة. وفي سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. ستار شهاب الدين إلى الهند، وملك قلعة بهنكر، وهي قلعة عظيمة منيعة ملكها بالأمان، ثم سار منها إلى قلعة كواكير، وبينهما مسيرة خمسة أيام، فأقام عليها شهرا، وصالحه أهلها على مال، فصالحهم على وسق فيل ذهبا، فقبض المال، ورحل عنها.\rملك الغورية بلخ","part":7,"page":189},{"id":3200,"text":"وفي سنة أربع وتسعين وحمسماءة ملك شهاب الدين سام ابن محمد بن مسعود مدينة بلخ، وسام هو ابن اخت غياث الدين، وله باميان، وكان صاحب بلخ زاير يحمل الخراج إلى ملك الخطا بما وراء النهر، فتوفي في هذه السنة، فسار شهاب الدين سام إلى بلخ، وملكها، وخطب فيها لخاله غياث الدين، وفيها انهزم الخطا من الغورية\rملك شهاب الدين\rوأخيه غياث الدين ما كان لخوارزم شاه بخراسان وفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة ملكا ذلك. وسبب ذلك أن محمد بن حرميل نائب الغورية بالطالقان كان قد استولى على مرو الروذ فكاتبه جقر التركي نائب خوارزم شاه بمرو أم يكون في جملة عسكر غياث الدين، ويفارق خدمة الخوارزمية، فلما وصل الخبر إلى غياث الدين علم أنه ما قصد الانتماء إلا لضعف صاحبه، فطمع في البلاد، وجهز شهاب الدين من غزنة، وسار لذلك، فوصله كتاب جقر يستحثه على السير إليه، ويسلم إليه مرو، فسار إليها فقاتله أهله مع العسكر الخوارزمي، ثم سألو ا الأمان، فكف عنهم، وتسلم البلد، ووعده جقر الجميل، ثم حضر غياث الدين إلى مرو، وسلمها إلى هندوخان بن ملكشاه بن خوارزم شاه، وكان قد هرب إلى مدينة سرخس، فأخذها صلحا، وسلمها للأمير زنكي بن مسعود، وهو من أولاد عمه، وأقطعه معها نسا، وأبيورد، ثم سار إلى طوس فامتنع عليه أميرها، واغلق الأبواب دون ثلاثة أيام، فغلت الأسعار، وبلغ الخبز ثلاثة أمناء بدينار، فضج أهل البلد، فطلب الأمان، فأمّنه، فخرج إليه فأكرمه، وخلع عليه، وسيره إلى هراة، وملك البلد، ثم أرسل إلى علي شاه أخي خوارزم شاه، وهو ينوب عن أخيه بنيسابور يأمره بمفارقة البلد، ويحذره من المقام بها، فامتنع عليه، وحصن البلد، وخرب ما يظاهره من العمارة، فسار العسكر للحصار، فملك البلد عنوة، ونهبه عسكره ساعة من نهار، فبلغ الخبر غياث الدين، فنادى من نهب أو آذى فدمه حلال فأعاد الناس ما نهبوه عن آخره، وتحصن الخوارزميون بالجامع، فأخرجهم أهل البلد، فنهب الغورية ما لهم، واحضر عل شاه بن خوارزم شاه إلى غياث الدين راجلا، فأنكر ذلك على محضره، وعظم الأمر فيه، وحضرت داية كانت لعلي شاه، وقالت لغياث الدين، هكذا تفعل بأولاد الملوك، فقال: لا بل هكذا، وأخذه بيده، وأقعده معه على السرير، وطيب نفسه، وسير جماعة من الأمراء الخوارزمية إلى هراة تحت الاستظهار، وولى غياث الدين ابن عمه ضياء الدين محمد بن علي حرب خراسان، وضم إليه وجوه الغورية، ورحل إلى هراة، وسلم على شاه لأخيه هاب الدين، وأحسن إلى أهل نيسابور، وفرق فيهم مالاً كثيرا.\rقال: ثم سّار شهاب الدين إلى ناحية قهستان، فأخرب قرية للإسماعلية، وقتل من بها من الرجال، ونهب الأموال، وسبى الذراري، ثم سار إلى كتابان، وهي من مدن الإسماعلية، فحصرها، فطلب أهلها الأمان لخرجوا منها، فأمنهم وأخرجهم، وملك المدينة، وسلمها إلى بعض الغورية، فأقدم بها شعائر الإسلام، فكتب صاحب قهستان إلى غياث الدين يقول له: إن بيننا عهدا، فما الذي أوجب محاصرة بلادي؟ فأرسل إلى أخيه شهاب الدين يأمره بالرحيل عنها، وقال لا: ما لك ولرعيتي، فامتنع من الرحيل، فقال له الرسول: فإذا أفعل ما أمرني به غياث الدين، وحبذ الرسول سيفه، وقطع أطناق سرادق شهاب الدين، فارتحل كارها، وتوجه إلى الهند، ولم يقم بغزنة غضبا على أخيه.\rملكه أنهلوارة\rمن الهند قال: ولما سار شهاب الدين من بلاد الإسماعيلية إلى الهند، أرسل مملوكه قطب الدين أيبك إلى أنهلوارة، فوصلها في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، فقاتل عسكر الهند بها، فهزمهم، وملكها عنوة، وهرب ملكها، وجمع وحشد فعلم شهاب الدين أنه لا يستمر له ملكها إلا بمقامه بها لأنها من أعظم البلاد، فصالح على مال في العاجل والآجل، وسلمها لصاحبها ولما توجه شهاب الدين إلى الهند عاد خوارزم شاه إلى البلاد، واسترجعها من أيدي غياث الدين، وهرب هندرخان منه؛ وذلك في بقية سنة سبع وتسعين وسنة ثمان وتسعين.\rوفاة غياث الدين\rوشيء من سيرته","part":7,"page":190},{"id":3201,"text":"كانت وفاته في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وخمسمائة، فأخفيت وفاته، وكان أخوه شهاب الدين بطوس، وقد عزم على قصد خوارزم، فاتاه الخبر بوفاة أخيه، فعاد إلى هراة، وجلس للعزاء في شهر رجب، وخلف غياث الدين من الولد ابنه محمودا، وكان غياث الدين مظفرا في حروبه لم تنهزم له راية، وكان قليل المباشرة للحروب، وغنما كان له ذكر ومكائد، وكان جوادا، كريما، حسن الاعتقاد، كثير الصدقات، والأوقاف، بنى المساجد، والمدارس بخراسان للشافعية، وبنى الخانكاهات، واسقط المكوس، وكان عفيفا عن أموال الناس، ومن مات في بلاده ولا وارث له تصدق بما يخلِّفه، ومن مات من التجار وله أهل بغير بلاده، سلَّم ما له لرفقته من التجار، فان تعذر ذلك سلمه للقاضي إلى أن يصل مستحقَّه، وكان إذا وصل إلى بلد عمَّ أهله بإحسانه، سيما الفقهاء وأهل الفضل، فإنه يخلع عليهم، ويصلهم، ويفرض لهم الأعطيات في كل سنة من خزائنه، وكان يراعي من يقصده من العاويين، ويجزل صلاتهم وكان حين الخط، ذا فضل وبلاغة، وكان ينسخ المصاحف بخطه، ويوقفها في المدارس التي أنشأها، ولم يظهر منه تعصب لمذهب على مذهب، وكان يميل إلى الشافعية لأنه متمذهب بمذهب الشافعي من غير أن يطمعهم في غيرهم، ولا يعطيهم ما ليس لهم. رحمه الله تعالى.\rاستقلال شهاب الدين بالملك وما فعله ورئة أخيه\rاستقل شهاب الدين الغوري بالملك بعد وفاة أخيه غياث الدين في شهر رجب سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وولى ابن أخيه محمودا مدينة بست، ولقبه أبيه، وجعله عن الملك بمعزل، ولم يحسن الخلافة عليه بعد أبيه، ولا على غيره من أهله، فمن جملة ما فعله أن غياث الدين كان له زوجة مغنية، فلما مات أخذها شهاب الدين، وضربها ضربا مبرحّا، وضرب ولدها ربيب غياث الدين، وزوج أختها وأخذ أموالهم، وسيّرهم إلى بلاد الهند على أقبح صورة، وكانت قد بنت مدرسة، ودفنت فيها أباها وأخاها، فهدمها شهاب الدين، ونبش قبور الأموات، ورمى عظامهم، وفعل ما يناسب هذه الأفعال الشنيعة، وتوجه إلى الهند.\rحصره خوارزم\rوانهزامه من الخطا وفي شهر رمضان سنة ستمائة عاد شهاب الدين من بلاد الهند، وقصد خراسان. وسبب ذلك أنه بلغة أن خوارزم شاه حصر مدينة هراة، فعادة من الهند حنقا عليه، وقصد خوارزم ، فأرسل إليه خوارزم شاه يقول له:إما أن ترجع، إلا حاصرت هراة، ومنها إلى غزنة ، وكان خوارزم شاه بمرو، فأجابه شهاب الدين :لعلك تنهزم على عادتك أول مرّة، وخوارزم تجمعنا.\rفسار خوارزم شاه من مرو إلى خوارزم، فسبق شهاب الدين إليها، وحرَّق العلوفات التي في الطريق، وقطع الطريق بإجراء المياه، فتعذَّر على شهاب الدين سلوكها، فأقام أربعين يوما حتى أمكنه الوصول إلى خوارزم، فخرج إليه خوارزم شاه، والتقى العسكران بصوقرا، ومعناه: المتء الأسود، واقتتلوا، وكان خوارزم شاه أرسل إلى ملك الخطا يستنجد، فسار من بلاده بما وراء النهر لقصد شهاب الدين، فعاد عن خوارزم، ولقي أوائل عسكر الخطا في صحراء أيدي جوي في أول صفر سنة إحدى وستمائة، فقتل منهم وأسر، ثم دهمه الخطا في اليوم الثاني، فانهزم عسكره منهم، وبقي شهاب الدين في نفر يسير، وقتل بيده أربعة من فيلته كانت قدعيت، وأخذ الخطا فيلين، ودخل شهاب الدين إلى أيدي جوي، فحصروه الخطا بها، ثم صالحوه على فيل ثالث يعطيه لهم، ففعل، وخلص، وشاع الخبر في جميع بلاده أنه عدم، ثم وصل الطالقان في سبعة نفر، وقد قتل أكثر عسكره، ونهبت خزائنه، فاخرج إليه، وسار إلى غزنة، واستصحب معه الحسن بن حرميل لأنه بلغه انه قصد الانضمام إلى خوارزم شاه، فجعله شهاب الدين أمير حاجب، قال: ولما وصل الخبر بقتله إلى غزنة، جمع تاج الدين الدز مملوك شهاب الدين، وهو أول مملوك اشتراه أصحابه، وقصد وصل شهاب الدين إلى غزنة أنر بقتل الدز، فشفع فيه مماليك شهاب الدين، فأطلقه، وسار مملوك الهند له أسمه أيبك كان قد سلم من المعركة، فلحق ببلاد الهند، ودخل المولتان، وقتل نائب السلطنة بها، وملك البلد، وأخذ الأموال السلطانية، وأساء السيرة في الرعية، وأشاع قتل شهاب الدين، فلما اتصل خبره بشهاب الدين سار إلى الهند، وأرسل إليه عسكراً فأخذوه، وقتل شر قتلة، وذلك في جمادى الآخرة سنة إحدى وستمائة، وأمر شهاب الدين أن ينادي في جميع بلاده بغزو الخطا.","part":7,"page":191},{"id":3202,"text":"قتل شهاب الدين بني كركر\rكان سبب ذلك أنه لما شاع قتل شهاب الدين خرجوا من البلاد، وأفسدوا، وقطعوا الطريق، وأخافوا السبيل، فراسلهم قطب الدين أيبك، فامتنعوا عليه، فسار شهاب الدين من غزنة، ووصل إليهم في يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستمائة، فاقتتلوا قتالا شديدا من أول النهار إلى العصر، فينما هو كذلك، إذ أقبل أيبك نائبه بالهند، فانهزم الكركرية، ومن انضم إليهم، وقتلوا بكل مكان، وقصد من بقي منهم أجمة هناك، وأضرموا نارا، وكان أحدهم يقول لصاحبه: لا تنزل للمسلمين يقتلوك، ثم يلقي نفسه في النار، فيلقي صاحبه نفسه بعده، فعمهم البلاء، وغنم المسلمون أموالهم وأهلهم، وهرب ابن كركر بعد قتل إخوته وأهله، وكان معهم صاحب قلعة الجوديّ، ثم سار شهاب الدين نحو لهاوور، فأقام بها إلى سادس عشر شهر رجب من السنة، وعاد إلى غزنة.\rمقتل شهاب الدين\rوشيء من سيرته كان مقتله في أول ليلة من شعبان سنة اثنتين وستمائة، وذلك أ،ه لما عاد من لهاوور نزل بمنزلة يقال لها: دميل. بعد صلاة العشاء، وكان بعض الكركريه لزموا عسكره، وقد عزموا على قتله لما فعله بهم من القتل والأسر، فلما كان في هذه الليلة تفرق عنه أصحابه، وبقي وحده في خركاه، فثار أولئك النفر، فقتل أحدهم بعض الحرس بباب السرادق، فثار أولئك أصحابه ليبصروا ما به، فخلت مواقفهم، وكثر الزحام، فاغتنم الكركرية غفلتهم عن التحفظ، فدخلوا على شهاب الدين، فضربوه بالسكاكين اثنتين وعشرين ضربة، فمات، ودخل أصحابه عليه، فوجدوه قتيلا على مصلاه، وهو ساجد، فقتلوا أولئك النفر الكركرية، وقيل إن الذي قتله الإسماعيلية لخوفهم من خروجه إلى خراسان.\rوكان رحمه الله شجاعاً مقداماً، كثير الغزو إلى بلاد الهند، عادلاً في رعيته، حسن السيرة فيهما، حاكماً بينهم بإحكام الشرع الشريف، حكي عنه أنه لقي صبيا من العلويين عمره خمس سنين، فدعا له الصبي، وقال: لي خمسة أيام ما أكلت شيئا، فعاد من الركوب لوقته والصبيُّ معه، فنزل في داره، وأطعمه من أطيب الطعام بحضرته، وأعطاه مالا، وسلَّمه إلى أبيه، وفرق في العلويين مالا عظيما، وكان شافعي المذهب رحمه الله تعالى.\rما اتفق بعد وفاة شهاب الدين\rقال: ولما قتل شهاب الدين اجتمع الأمراء عند وزيره مؤيد الملك ابن خواجا، فتحالفوا على حفظ الخزانة والملك، وجعلوا شهاب الدين في محفة، وساروا به، فرتَّب الوزير الأمور، وسكَّن الناس وجعل الشمسيَّة على المحفَّة، وحفَّها بالحشم، وكان شهاب الدين قد جمع أموالاً عظيمة من بلاد الهند في سفرته، فكانت الخزانة التي معه ألفي حمل ومائتي حمل، وأعاد الوزير من كان معه من العسكر الهندي إلى خدمة قطب الدين، فإن شهاب الدين كان قد جمع العساكر لقصد الخطا، وفرق فيهم أموالاً كثيرة، وسار الوزير ومعه العسكر الغزنوي، وكان الوزير والأتراك يميلون إلى غياث الدين محمود بن غياث الدين، والأمراء الغوريّة تميل إلى بهاء الدين سام صاحب باميان، فأرسلت كل طائفة إلى من تميل إليه يعرفونه قتل شهاب الدين، ثم سار الوزير والعسكر إلى أن وصلوا إلى كرمان المدينة التي بين لهاوور وغزنة، وكان بها تاج الدين الدز مملوك شهاب الدين، فلم عاين المحفَّة ترجّل، وقبَّل الأرض على عادته، وتقدّم وكشف شهاب عن شهاب الدين، فلما رآه قتيلا خرَّق ثيابه، وصاح، وبكى، وأبكى الناس، وكان من أكبر المماليك الشهابية، فطمع في ملك غزنة، فسأل الوزير عن الأموال والسلاح والدواب، فأخبره بما خرج من ذلك وما بقي، فأنكر عليه، وأساء جوابه، وقال: إن الغورية قد كاتبوا بهاء الدين سام صاحب باميان ليملِّكوه غزنة، وقد كتب إلى غياث الدين، وهو مولاي وابن مولاي، يأمرني ألا أترك أحداً يقرب من غزنة، وقد جعلني نائبه فيها، وفي سائر الولاية المجاورة لها لاشتغاله بخراسان، وقد أمرني أيضا أن أتسلم الخزانة منك، فلم يقدر الوزير على الامتناع لميل الأتراك إلى الدز، فتسلمها، وسار بالمحفة إلى غزنة، فدفن شهاب الدين بمدرسته، وكان وصولهم إليها لثمان بقين من شعبان سنة اثنتين وستمائة.\rوفاة بهاء الدين سام\rصاحب باميان ومسيره إلى غزنة ووفاته بها","part":7,"page":192},{"id":3203,"text":"وبهاء ادين هذا هو ابن أخت غياث الدين، وشهاب الدين، وكانا قد ملكاه باميان، فأحسن السيرة، واحبه الأمراء الغوريه، وكاتبوه للحضور إلى غزنة، فأعاد عليهم الجواب يأمرهم بحفظ البلد، وأنه واصل إليهم، وسار عن باميان مرحلتين، فوجد في رأسه صداعا اشتدَّ عليه، فنزل وقد وقد أيقن بالموت، وأحضر ولديه: علاء الدين وجلال الدين، وعهد بالملك إلى علاء الدين، وأصرهما بالأمراء الغورية، ومات.\rملك علاء الدين غزنة\rوأخذها منه قال: ولما توفي بهاء الدين سام، وعهد إلى ابنه علاء الدين ، وسار إلى غزنة، وعه اخوه جلال الدين، قتلقاهما الأمراء الغورية، وخرج الأتراك معم على كره، ونزلا دار السلطنة في مستهل شهر رمضان سنة اثنتين وستمائة، فأراد الأتراك منعهم، فنهاهم الوزير عن ذلك لقلَّتهم، واشتغال غياث الدين بابن حرميل صاحب هراة، فاستثر علاء الدين، وجلال الدين بدار السلطنة بالقلعة، فراسلهما الأتراك أن يخرجا من الدار، وإلا قاتلوهما، ففرقا فيهم الأموال كثيرة واستحلفاهم، فحلفوا، واستبوا غياث الدين محمود، فانفذا خلعا إلى تاج الدين الدز، ووعداه الجميل والحكم في دولتهما، فوصله الرسول، وقد سار عن كرمان لقصد غزنة، فرده أبح رد، وقال: قل لهما يخرجان من غزنة، ويكتفيان بباميان، فغني لا أقدم أحدا على ولد سيدي غياث الدين، ولم يقصد الدز بذلك حفظ البيت وإنما أراد التمهيد لنفسه، فعاد الرسول، وأبلغهما مقالته، ووصل الدز إلى غزنة، فخرج إليه الغورية، والتقوا في خامس شهر رمضان، فانحاز إليه الأتراك، وخدموه، فهزموا الغوريه، ودخل العسكر المدينة، ونهبوا دور الأمراء الغورية، والباميانية، وحصر الدز القلعة، فخرج جلال الدين منها إلى باميان في نحو عشرين فارسا ليجمع العساكر، وأوصى أخاه علاء الدين بحفظ الحصن، فشدد عليه الدز الحصار، وضيق عليه، فأجاب إلى مفارقة الحصن، وحلف الدز أنه لا يؤذيه، وسار علاء الدين من غزنة، فلما رآه الأتراك نهبوا ما كان معه، وأقوه عن فرسه، وأخذوا ثيابه، وتركوه عريانا بسراويل، فبلغ الدز الخبر، فأنكر عليهم، وأرسل إليه بثياب ودواب ومال، واعتذر إليه، فأخذ ما لبسه، ورد الباقي، ولما وصل إلى باميان لبس ثياب سوداء وركب حمارا، فاخرجوا له المراكب الملوكية والملابس، فلم يلبس ولم يركب، وقال، أريد أن يراني الناس على هذه الحال، وما صنع بي أهل غزنة، حتى إذا عدت إليها وخربتها ونهبت أهلها لا يلومني أحد، ودخل دار الإمارة، وشرع في جمع العساكر.\rملك تاج الدين الدز غزنة\rقال: ولما توجّه علاء الدين من غزنة، وأقام الدز بداره أربعة أيام يظهر طاعة غياث الدين إلا أنه لم يأمر بالخطبة له ولا لغيره، وغنما: يخطب للخليفة، ويترحم على شهاب الدين فحسب، فلما كان في سادس عشر رمضان أحضر القضاء والفقهاء والقراء والمقدمين، وأحضر رسول الخليفة، وهو مجد الدين أبو علي بن أبي الربيع مدرس النظامية، وكان قد حضر برسالة من دار الخلافة إلى شهاب الدين، فوجده قد قتل، وركب الدز الناس في خدمته، وعليه ثياب الحزن، وجلس في دار السلطنة في غير المجلس الذي كان يجلس فيه مولاه شهاب الدين، فتغير الناس عليه، وتنكروا له، فإنهم أنما كانوا يطيعونه لإظهار الطاعة غياث الدين محمود، فلما استقل بالأمر خالفوه، ففرق فيهم الأموال والإقطاعات، واستعان على ذلك بالخزانة التي أخذها عند مقتل شهاب الدين، وكان عند شهاب الدين جماعة من أولاد الملوك الغورية، وغيرهم من الأكابر، فأنفقوا من خدمته، واستأذنوه على اللحاق بغياث الدين، فأذن لهم، فلحق بعضهم به، وبعضهم بأصحاب باميان، وأرسل غياث الدين إلى الدز يشكره على ما فعل ويطالبه بالخطبة له، ونقش السكة باسمه، فلم بفعل، وغالط في الجواب، وطلب منه أن يخاطب بالملك، وان يعتقه من الرق، وان يزوج بن غياث الدين، بابنة الدز، فلم يجبه إلى ذلك: قال، ولما ملك الدز غزنة أحضر مؤيد الملك الوزير، والزمه الوزارة، فوزر كره منه.\rغياث الدين محمود\rبن غياث الدين بعد مقتل عمه شهاب الدين","part":7,"page":193},{"id":3204,"text":"قال: لما قتل شهاب الدين كان غياث الدين هذا ببست في إقطاعه، فبلغه الخبر، وكان شهاب الدين قد ولي الملك علاء الدين محمود بن أبي علي بلاد الغور، وغيرها مما يجاوزها، فلما بلغه قتل شهاب الدين، وسار إلى مدينة: فيروزكوه؛ خوفا أن يسبقه غياث الدين إليها، فملكها، وكان حسن السيرة من أكابر بيوت الغورية إلا ان الناس كرهوا منه أنَّه كان كرَّاميا، وكانوا يميلون إلى غياث الدين، فأنف الأمراء من خدمة علاء الدين مع وجود ابن سلطانهم، وكان علاء الدين هذا قد احضر الناس، وحلفهم انهم يساعدونه على قتال خوارزم شاه، وبهاء الدين صاحب باميان، لوم يذكر غياث الدين احتقارا له، فحلفوا له ولولده من بعده، هذا وغياث الدين بمدينة بست لم يتحرك انتظارا لما يكون من صاحب باميان لأنهما كانا قد تعاهدا في أيام شهاب الدين أن تكون خراسان لغياث الدين، وغزنة والهند لبهاء الدين صاحب باميان، وبعد موت شهاب الدين، فلما بلغه ما اتفق من وفاة بهاء الدين وإخراج أولاده من غزنة جلس على التخت، خطب لنفسه، وتلقب بألقاب والده، وكتب إلى علاء الدين محمد بن أبي علي، وهو بفيروزكوه يستدعيه، ويستعطفه ليصدر عن رأيه، ويسلم مملكته إليه، وكتب إلى الحسن بن حرميل وإلى هراة مثل ذلك، فأما علاء الدين فأغلط له في القول ونهدّد الامراء الذين مع غياث الدين، فسار غياث الدين إلى فيروزكوه، فارسل علاء الدين عسكرا مع ابنه، وفرق فيهم اموالا جمة ليمنعوا غياث الدين، فلقوه بالقرب من فيروزكوه، فلما تراءى الجمعان كشف إسماعيل الخلجي المغفر عن رأسه وقال: الحمد لله إذ الأتراك لم يعرفوا أباهم لم يضيعوا حق التربية، وردّوا ابن السلطان ملك باميان، وانتم مشايخ الغورية الذين لنعم عليكم والد هذا السلطان وربَّاكم، كفرتم إحسانه، وجئتم لقتال ولده أهذا فعل الأحرار، فقال محمد المرغني، وهو مقدم العسكر: لا والله وترجل عن فرسه، وألقى سلاحه، وقصد غياث الدين، وقبل الأرض بين يديه، وبكى بصوت عال، وفعل سائر الغورية مثل فعله، فانهزم خواص علاء الدين مع ولده، فلما بلغه الخبر خرج عن فيروزكوه هارباً نحو الغور، وهو يقول: أجاور بمكة، فأنفذ غياث الدين خلفه من العسكر من أدركه، فاخذ وحبس، وملك غياث الدين فيروزكوه، وفرح به أهل البلد، وقبض على جماعة من الكرّاميّة أصحاب علاء الدين، فقتل بعضهم، وسكن دار أبيه، وأعاد رسومه، وسلك سبيل العدل والإحسان، ثم لم تكن له همة إلا في أمر الحسن بن حرميل، وملاطفته، فتكررت المكاتبات منه إليه، وابن حرميل يغالطه في الجواب، ويطاوله، وكان ابن حرميل قد كتب إلى خوارزم شاه بالانحياز إليه، وبذل الطاعة، وأنه يسلم إليه هراة، فكان بن حرميل إلى خوارزم شاه، وملكه ما كان للغورية بخراسان، والله أعلم بالصواب.\rعود علاء الدين وجلال الدين ابني بهاء الدين سام\rصاحب باميان إلى غزنة","part":7,"page":194},{"id":3205,"text":"قال: لما فارق علاء الدين غزنة على الصِّفة التي ذكرنا ها، والتحق بباميان، شرع في الاستعداد وجمع العساكر لقصد غزنة، واما الدز، فانه استولى على غزنة، واحسن إلى الناس، وبسط العدل والإنصاف، ولم يخطب لنفسه ولا لغيره، وكان يعد النا، ويقول: إن رسولي عند مولاي غياث الدين، فغذا عاد خطبت له، فتمسك الناس بقوله، وغنما كان يفعل ذلك مكرا وخديعة بهم بغياث الدين لأنه كان يضعف من مقاومة صاحب باميان، وكانوا كذلك إلى خامس ذي القعدة سنة اثنتين وستمائة، فينما الناس على ذلك إذ ورد عليهم الخبر أن صاحب باميان قد جمع الجيوش، واقبل بها، وعزم على نهب غزنة، فجهز الدز جيوشا كثيفا من عسكره، وسيرهم إلى طريق صاحب باميان ليمنعوه من الوصول إلى غزنة، فلم يكن لهم قبلٌ به، فلما التقوا قتل من الأتراك جماعة، وانهزم من سلم، وتبعهم علاء الدين يقتل ويأسر، فخرج الدز من غزنة هارباً إلى كرمان، فنزل علاء الدين غزنة، واتبع الدز إلى كرمان، فملكها، وأمن أهلها، وعزم على العود إلى غزنة، ونهبها، فراسله رسول الخليفة، وشفع في اهلها، فشفَّعه فيهم بعد مراجعات، ثم وصل علاء الدين وجلال الدين إلى غزنة، ومعها ما بقي من الخزانة التي كان الدز قد اخذها من الوزير مؤيد الملك، فكانت تسعمائة حمل، وفيها من الثياب المنسوجة بالذهب اثنا عشر ألف ثوب، وقصد علاء الدين أن يستوزر مؤيد الملك، فسمع جلال الدين بذلك فأحضره، وخلع عليه، واستوزره، فغضب علاء الدين من ذلك، وقبض على مؤيد الملك، وقيده وحبسه، فتغيرت نيّات الناس، واختلف علاء الدين، وجلال الدين، واقتسما ما كان في الخزانة وجرى بينهما مشاحَّة في القسمة لا يجري بين التجار، فعلم الناس أنه لا يتم لهما أمر، ولا يستقيم لهما دولة، وعاد جلال الدين ببعض العسكر إلى باميان، واستقر علاء الدين بغزنة، فأساء وزيره عماد الملك السيرة في الأجناد والرعية ونهب أموال الأتراك حتى باع أمهات الأولاد.\rعود تاج الدين الدز إلى غزنة\rقال: ولما انفرد علاء الدين بغزنة، وأقام بها جمع الدز جمعا كثيرا من الأتراك، وعاد إلى كرمان، وبها عسكر لعلاء الدين مع أمير يقال له المؤيد، وكان المؤيد قد اشتغل باللهو والعب، فلم يشعر إلا عسكر الدز هجم على البلد، وقتل من فيه من العسكر عن أخرهم في المعركة صبرا، وقتل المؤيد، فوصل الخبر إلى غزنة في العشرين من ذي الحجة من السنة، فصلب علاء الدين الذي جاء بالخبر، فتغيمت السماء وأمطرت حتى خرب بعض غزنة، ووقع بردٌ كبار مثل بيض الدجاج، فضج الناس إلى علاء الدين، فأنزله آخر النهار، فانكشفت الطلمة، وكتب علاء الدين إلى أخيه جلال الدين يعلمه بالخبر، ويستنجده، ووصل الدز آخر ذي القعدة إلى غزنة، وحاصر القلعة، ةكان بينه وبين علاء الدين قتال شدد، وجاء جلال الدين بأربعة آلاف من عسكر باميان، فلقيه الدز بقرية بلق واقتتلوا، فانهزم عسكر جلال الدين، واخذ هو أسيرا، وأسر من البامانية ألف أسير، وعاد الدز إلى غزنة، فبعث إلى علاء الدين في تسليم القلعة أو قتل الأسرى، فامتنع من التسليم منهم أربعمائة بإزاء القلعة، فراسله عند لك في طلب الأمان، فأنته، فلما خرج قبض عليه ووكل به وبأخيه من يحفظهما وقبض على وزيره عماد الملك، وكتب إلى غياث الدين بالفتح، وأرسل أليه الأعلام، وبعض الأسرى وذلك في صفر سنة 603\rما تفق لغياث الدين محمود مع تاج الدين\rالدز وأيبك","part":7,"page":195},{"id":3206,"text":"قال: ولما عاد الدز إلى غزنة كتب غليه غياث الدين يطالبه بالخطبة له، فأجابه جواب مدافع، وكان جوابه أشد مما تقدم، فأعاد عليه الجواب يقول: غما أن تخطب لنا، وإما ان تعرفنا ما في نفسك، فلما وصل إليه الرسول خطب لنفسه بغزنة بعد الترحم على شهاب الدين، فساء الناس ذلك منه، وتنكروا له، ولم يروه أهلا وأن يخدموه، ولما خطب لنفسه أرسل إلى غياث الدين يقول: بماذا تشتط على هذه الخزانة، ونحن جمعناها بأسيافنا، وهذا الملك قد أخذته، وأنت قد اجتمع عندك الذين هم أساس الفتنة، وأقطعتهم الإقطاعات، ووعدتني بأمور لم تف لي بشيء منها، فإن أنت عتقتني خطبت لك، وحضرت إلى عندك، فأجابه غياث الدين إلى العتق بعد الامتناع، واشهد عليه بعتقه، وبعتق قطب الدين أيبك النائب ببلاد الهند. وأرسل إلى كل منهما ألف قباء، وألف قلنسوة، ومناطق الذهب، وسيوفا كثيرة، وجترين، ومائة رأس من الخيل، فقبل الدز الخلع، ورد الجير، وقال، نحن عبيدك والجتر له أصحابه، وسار رسول أيبك، وكان بفرشابور، وقد حفظ المملكة، وضبط البلاد، فلما قرب الرسول منه تلقاه وترجل وقبل حافر الفرس، ولبس الخلعة، وقال: أما الجتر فلا يصلح للمماليك، وأما العتق فمقبول، وسوف أجازيه بعبودية الأبد. قال: وأرسل خوارزم شاه إلى غياث الدين يطلب منه أن يتظاهرا، وانه يسير إليه العساكر إلى غزنة، فإذا ملكها من الدز اقتسموا غياث الدين إلى ذلك، ولم يبق إلا الصلح، فوصل الخبر إلى خوارزم ساه بموت صاحب مازندران، فسار عن هراة إلى مرو، وسمع الدز بالصلح، فجزع لذلك جزعا عظيما، ظهر أثره عليه، وأرسل إلى غياث الدين يقول له: ما حملك على هذا فأجابه: حملني عليه عصيانك وخلافك، فسار الدز إلى تكيناباد فأخذها، وإلى بت وتلك الأعمال، وقطع خطبة غياث الدين عنها، وأرسل إلى صاحب سجستان يأمره بإعادة الترحم على شهاب الدين، وقطع هراة بمثل ذلك، وتهددهما بقصد بلادهما. ثم أن الدز أخرج جلال الدين صاحب باميان من أسره، وسير معه خمسة آلاف فارس من أيدكز لإعادته إلى ملك باميان، وكان قد ملكها عباس عم جلال الدين، وعلاء الدين لما أسرهما الدز، فاسترجعها من عمه.\rقال: وبلغ قطب الدين أيبك ما فعله الدز، فكتب إليه يفتح ذلك عليه، وينكر فعله، ويقول: إن لم تخطب له بغزنة، وتعود إلى طاعته، وغلا قصدك بلادك، ثم بعث أيبك إلى غياث الدين بالهدايا والتحف، وأشار عليه بإجابة خوارزم شاه إلى ما طلبه الآن، وانه عند الفراغ من أمر غزنة يسهل أمر خوارزم شاه وغيره، قال: وحلف أيدكز على الدز، فأقام بكابل، وكتب إلى أيبك يعرفه مخالفته له، وانتصاره لغياث الدين فصوب رأيه، وأشار عليه بقصد غزنة في غيبة الدز، فإن حصلت له فصوب رأيه، وأشار عليه بقصد غزنة في غيبة الدز، فإن حصلت به القلعة يقين بها إلى أن يأتيه، وغن تعذرت عليه ينحاز إلى غياث الدين، أو يعود إلى كابل، فوصل أيدكز إلى غزنة في أول شهر رجب سنة ثلاث وستمائة، فمنعوه القلعة، فامر أصحابه بنهب البلد فنهبوا عدة مواضع، فتوسط القاضي بينهم أن يسلم إليه من الخزانة خمسين ألف دينار ركنية، وأخذ له من النجار شيئا آخر، وخطب أيدكز بغزنة لغياث الدين محمود، وقطع خطبة الدز، ففرح الناس لذلك، واتصل الخبر بالدز، ووصل إليه رسول أيبك، فخطب لغياث الدين في تكيناباد، وأسقط اسمه من الخطبة، ورحل إلى غزنة، فلما قاربها فارقها أيدكز إلى بلد الغور، فأرسل إليه خلعا سنية، وأعتقه، وخاطبه بملك الأمراء، ورد عليه مال الخزانة، وقال له: أما مال الخزانة، فقد أعدناه إليك، وأما أموال التجار وأهل البلد فقد أرسلناها إلى أربابها لئلا تقبح دولتنا بالظلم، وقد عوضتك عنها ضعفيها، وأرسل أموال الناس إلى القاضي بغزنة، وأمره بردها على أربابها، ففعل ذلك، وكثر الدعاء له، وصار الدز بين الطاعة والخلاف لغياث الدين.\r؟؟مقتل غياث الدين محمود\rوانقراض الدولة الغورية","part":7,"page":196},{"id":3207,"text":"كان مقتلة في سنة خمس وستمائة. وسبب ذلك أن خوارزم شاه سلم هراة إلى خاله أمين ملك، وأمره أن يقصد غياث الدين محمود بن غياث الدين محمد بن سام، ويقبض عليه، وعلى علي شاه بن خوارزم شاه، ويأخذ فيروزكوه، فسار أمين ملك إلى فيروز كوه، واتصل الخبر بغياث الدين، فبذل الطاعة، وطلب الأمان، فأمنهفلما نزل إليه من فيروزكوه قبض عليه، وعلى علي شاه أخي خوارزم شاه، فسألهما أن يحملهما إلى خوارزم شاه ليرى فيها رأيه، فأرسل أمين ملك إلى خوارزم شاه ليرى فيهما رأيه، فأرسل أمين ملك إلى خوارزم شاه يعرفه الخبر، فأمره بقتلهما، فقتلا في يوم واحد، واستقامت خراسان كلها لخوارزم شاه، وانقرضت الدولة الغورية بقتل غياث الدين هذا.\rوكانت من أحسن الدول، وأكثرها جهادا، وكان غياث الدين هذا عادلا كريما حليما، من احسن الملك سيرة، وأكرمهم أخلاقا، وهو آخر ملوك الدولة الغورية، وكان ابتداء هذه الدولة من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وانقراضها في سنة خمس وستمائة، فتكون مدتها ثلاثا وأربعين وخمسمائة، وانقراضها في سنة خمس وستمائة، فتكون مدتها ثلاثا وستين سنة تقريبا، وربما ظهرت قبل هذا التاريخ، وإنما انتشرت واشتهرت وتمكنت في سنة ثلاث وأربعين. فلذلك جعلنا ابتداءها فيها. وعدة من ملك منهم عشرة ملوك، وهم محمد بن الحسين وهو ين الحسن ملك ببلاد الغور قبل سنة ثلاث وأربعين، ولم أظفر بابتداء ملكه، فاذكره في سنته، ثم ملك بعده أخوه سام بن الحسين، ثم ملك بعده أخوه سوري بن الحسين، ثم ملك بعده أخوه الحسين، وهو أول من علا ذكره، وطار اسمه، وتمكَّنت دولته، ثم ملك بعده ابنه سيف الدين محمد بن الحسين، ثم ملك بعده شهاب الدين محمد بن سام، ثم اضطرب أمر الدولة الغورية بعده، فملك علاء الدين، وجلال الدين ابنا بهاء الدين سام صاحب باميان، ولم تطل مدتهما. وإنما ذكرناهما في عدد الملوك الغورية، لأنهما استوليا إلى غزنة، وخطب لهما بها، وملك غياث الدين محمد، وكانت دولته في غاية الاضطراب كما ذكرنا.\r؟أخبار تاج الدين الدز\rوما كان من أمره بعد مقتل غياث الدين استقبل تاج الدين الدزبملك غزنة بعد مقتل غياث الدين محمودن وأحسن السيرة في الرعية، ودام ملكه بها إلى أن ملكها السلطان علاء الدين خوارزمشاه محمد بن رتكش في سنة ثنتي عشرة وستمائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الخوارزمية، ولما ملكها خوارزم شاه هرب تاج الدين الدز من غزنة، وسار إلى مدينة لهاوور، واستولى عليها من صاحبها ناصر الدين قباجة وهو من المماليك الشهابية بعد حرب كانت بينهما انتصر فيها الدز، ثم سار من مدينة لهاوور إلى الهند ليملك ما بيد المسلمين منها، فلقيه شمس الدين الترمش مملوك قطب الدين أيبك، وكان قد ملك بعد وفاة مولاه، فاقتتلا قتالا شديدا، أجلت الحرب عن قتل تاج الدين الدر، وكان محمود السيرة في ولايته، كثير العدل والإحسان إلى رعيته، لا سيما التجار الغرباء، ومن محاسن أعماله ومكارم أخلاقه وحلمه أنه كان له أولاد، ولهم مؤدِّب يعلمهم القرآن فضرب أحدهم، فمات، فأحضره الدز، وقال له: يا مسكين ما حملك على ما فعلت، فقال: والله ما أردت إلا تأديبه، فمات. فقال له: صدقت، وأعطاه نفقة، وقال له: تغيّب، فإن أمه لا تقدر على الصبر، وربما أهلكتك، ولا أقدر أمنعك، وهذا نهاية الحلم، ولم يشتهر الأحنف بن قيس بالحلم أكثر من هذا، وكان القاتل ابن أخيه، وهذا أجنبي رحمه الله تعالى.\rالباب العاشر من القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار ملوك العراق، وما والاه وملوك الموصل والديار الجزيرية، والبكرية والبلاد الشامية، والحلبية، والدولة الحمدانية، والديليمية البويهية، والسلجوقية، والأتابكية الدولة الحمدانية","part":7,"page":197},{"id":3208,"text":"وهذه الدولة كانت بالموصل. وديار ربيعة، وديار بكر، والثغور، وحلب، وجد ملوكها الذين ينسبون إليه هو مكابد المحل حمدان بن الحرث بن لقمان بن راشد بن رافع بن مسعود التغلبي العدو، إنما سمى الأمير حمدان مكابد المحل لأن الموصل أجدبت في بعض السنين حتى عدم القوت بها، فمات الناس أجمع سنتين إلى أن أغيثوا، ففيه يقول الشاعر: مازلت في قيظ المعيشة جاهداً حتَّى دعيت مكابد المحل وكان لحمدان أبناء كثيرون . منهم الأمير أبو الهيجاء عبد الله، والمملكة في أولاده.؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟\r؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟امارة أبي الهيجاء\rالله بن حمدان بن جمدون بالموصل كان ابتداء إمارته في سنة اثنتين وتسعين ومائتين. وذلك أن الخليفة المكتفى الله استعمله على الموصل وأعمالها في هذه السنة، فسار إليها وقدمها في أول المحرم، فأقام بها يوما واحدا، وخرج من الغد بمن قدم معه وبمن فيها ، فأتاه الصريخ من نينوا أن الأكراد الهذانية، ومقدمهم محمد بن بلال قد أغار على البلد، فسار من وقته، وعبر الجسر إلى الجانب الشرقي، فلحق الأكراد بالعربة على الخازر، فقاتلوه فقتل رجلٌ من وجوه أصحابه اسمه سيما الحمداني، فعاد عنهم، وكتب إلى الخليفة يستمده ، فأتته العساكر بعد شهور، فسار في شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين إليهم، وكانوا قد اجتمعوا في خمسة آلاف بيت، فلما عاين الأكراد الجيش قصدا جبل السلق، وامتنعوا به وهو جبلٌ عالٍ مشرفٌ على الزاب، وجاء مقدمهم إلى أن قرب من أبي الهيجاء، وراسله في الحضور عنده، وأن يرهن أولاده عنده، ويتركون القتال، فأجابه أبو الهيجاء إلى ذلك، ورجع محمد بن بلال ليأتي بالرهائن، فحث أصحابه على المسير نحو أدربيجان، فبلغ بن حمدان خبره، فأراه النجدة التي وصلت إليه من قبل الخليفة على المسير معه، قتثبطوا عنه، فسار عبد الله بأصحابه يقفوا أثر الأكراد، فلحقهم وقد تعلقوا بالحبل المعروف بالقنديل، فقتل منهم جماعة، وانصرف عنهم، ولحق الأكراد بأذربيجان، ورجع عبد الله إلى الموصل، ثم خرج إلى الأكراد، وحاصرهم بجبل السلق أشد حصار، فنجا محمد بن بلال بأهله وأولاده ومن لحق بهم، واستولى عبد الله على بيوتهم وسوادهم وأموالهم أهليهم، فطلبوا الأمان فأمنهم، وأبقى عليهم وردهم إلى بلدهم ،ورد عليهم أموالهم، وقتل منهم قاتل أصحابه سيما، وأمنت البلاد معه، وأحسن السيرة في أهلها،ثم حضر إليه محمد بن بلال بأمان، وأقام بالموصل، وتتابع الأكراد الحميدية أهل جبل داسن إليه بالأمان، فأمنت البلاد، واستقامت، ولم تزل كذلك إلى سنة إحدى وثلاثمائة\r؟؟؟مخالفة عبد الله بن حمدان\rورجوعه إلى الطاعة وفي سنة إحدى وثلاثمائة خالف الأمير أبو الهيجاء عبد الله على الخليفة المقتدر بالله، فثار، به أهله،ونهبوا داره، فكتب إلى بني تغلب، فأتوه فدخل الموصل، وأوقع بأهلها وقتل منهم فأرسل إليه الخليفة مؤنسا المظفر في جيش، فقصده أبو الهيجاء واستأمن له، وأظهر الطاعة، وقال: إنه ما فارقها، وسار معه إلى بغداد، فخلع المقتدر عليه، وولى مكانه نحرير الصغير ولاه مؤنس المظفر.\r؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟القبض على بني حمدان\rواطلاقهم وفي سنة ثلاث وثلاثمائة قبض الخليفة المقتدر بالله على أبي الهيجاء ابن حمدان، وجميع إخوته وحبسهم، وكان سبب ذلك أخاه الحسين بن حمدان خرج عن الطاعة ، وكان بالجزيرة، فسير إليه الخليفة جيشاً،وكان بينهم حروب كان آخرها أن الحسين أسر أحضر إلى بغداد، فقبض المقتدر على جميع إخوته وأهله، وحبسهم واستمروا في الحبس بدار الخليفة إلى سنة خمس وثلاثمائة فأطلقوا. وفي سنة ثمان وثلاثمائة خلع المقتدر بالله على أبي الهيجاء بن حمدان، وقلَّده طريق خراسان، والدَّينور، وخلع على أخويه أبي العلاء وأبي السرايا.","part":7,"page":198},{"id":3209,"text":"وفي سنة عشرة وثلاثمائة. أسر القرامطة أبا الهيجاء بن حمدان، ثم أطلقوه، وقد تقدم ذكر ذلك في أخبار القرامطة. وفي سنة أربع عشرة وثلاثمائة ضمن أبو الهيجاء أعمال الخراج الضياع بالموصل وقردي وبازبدي، وما مع ذلك مضافا إلى ما بيده من ولاية طريق خراسان، وغيرها، وكان هو مقيما ببغداد وابنه ناصر الدولة يخلفه بالموصل، وأقام على ذلك إلى أن قتل في يوم الاثنين سابع عشر المحرّم سنة سبع عشرة وثلاثمائة عند خلع المقتدر بالله وبيعة القاهر على ما شرحناه مبينا في خلافة المقتدر بالله.\rوكان القاهر بالله لما بويع بالخلافة في النصف من المحرم اختص بأبي الهيجاء حمدان، فلما ثار الجند بعد يومين من بيعته كان أبو الهيجاء عنده، فبادر بالقيام ليخرج، فتعلق القاهر بأذياله، واستجار به، فحملته الحمية العربية على الثبات، ودخل الأجناد على القاهر وهو وأبو الهيجا يتخللان القاعات حتى حصرا بقاعة، فدخل عليهم الجند من بابها، فجرد أبو الهيجاء سيفه، وأوقف القاهر وراءه، وصار يحمل على الأجناد، فيردهم إلى الدهاليز، ثم يعود ويعودون، فصعد بعض الجند إلى أعلى القاعة، ورموه بالنشاب إلى أن مات. هذا أحد ما قيل في صفة قتله. وكان شجاعاً فاتكا كريما محبوبا إلى الخلفاء والأمراء، وخلف من الأولاد: أبا محمد الحسن، وأبا الحسين علي، وأبا العطاف خير، وأبا زهير. والمملكة من هؤلاء في الحسن وعلي وعقبهما، واستبد ابنه الحسن بالأمر على ما نذكره بعد ذكرنا لأخبار عمه الحسين بن حمدان.\rأخبار الحسين بن حمدان\rبن حمدون، وهو أخو أبي الهيجاء كان الحسين هذا من أمراء بني حمدان المشهورين ولي قمّ وأعمالها، والموصل، والجزيرة، وغير ذلك من الأعمال الجليلة، وكان شجاعاً، سفاكاً، ذا همّة عالية، اجتمع عنده نيِّف وعشرون طوقا من خلع الخلفاء كلّ طوق منها لقتله خارجيّاً، ولم يزل عند الخلفاء يعدّ للمهمات إلى أن خالف على المقتدر بالله في سنة ثلاث وثلاثمائة. وكان إذ ذاك بالجزيرة، وجمع نحواً من عشرة آلاف، فبعث المقتدر لحربه رائقاً الحجري في جيش كثيف، فانهزم الحسين، وقصد ابن أبي الساج بأذربيجان، ومرَّ على أرزن فخرج إليه واليها ليردَّه، فهزمه الحسين، وكان مؤنس المظفَّر بالقرب من أرزن، فبعث إليه من أدركه، وقبض عليه، وأدخل إلى بغداد، وهو مشهور علة جمل في زي شنيع وابنه كذلك، وقبض عند ذلك على سائر إخوته، وهم أبو الهيجاء، وأبو العلاء سعيد، وأبو السرايا، وأبو الوليد، وحمدون، واعتقلوا في دار الخلافة، ولم يترك منهم إلا داود، وأقام الحسين في الحبس إلى أن عزم الخليفة على إخراجه في سنة خمس وثلاثمائة وتوليته مقدمة الجيش لمحاربة يوسف بن أبي الساج، فلم يفعل، وامتنع، وقال: الساعة لما احتجتم لي، فغضب الخليفة لذلك، وأمر قاهرا الخادم أن يقتله، فقتله في الحبس، ورمى رأسه إليه ورميت جثَّته في دجلة، وأطلق عند ذلك سائر بني حمدان، وما منهم، إلا من له ذكر وتقدم، وإنما خصصنا عبد الله والحسين بالذكر دون غيرهما من إخوتهما لاشتهارهما في الدولة العّباسية، وتقدمهما، ولأنهما وليا جلائل الأعمال، وتقدما على الجيوش في الحروب. وقد تقدم من أخبارهما في الدولة العباسية ما يستدل به على تقدمهما وشجاعتهما، وذكرنا أيضاً في أخبار الخوارج بالموصل كيف كان ظفر الحسين بهارون الخارجي الذي كانت فتنته قد عمت، فلنذكر الطبقة الثانية منهم، وهم أولاد عبد الله بن حمدون.\rناصر الدولة","part":7,"page":199},{"id":3210,"text":"هو أبو محمد الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان ابن حمدون. لما قتل والده كان يخلفه بالموصل وأعمالها، فتقدم في خدمة الدولة العباسية، وتنقل في الولايات إلى أن تولى الموصل في أيام الراضي بالله، وتغلب عليها في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة لما ضعفت الدولة العباسية، فندب ابن مقلة الوزير إليه عمه أبا العلاء سعيد بن حمدان، وولاه الموصل، وأمره بالقبض على ناصر الدولة، فلما قرب من الموصل، خرج ناصر الدولة لتلقيه، فخالفه سعيد، ودخل البلد ونزل داره، وقبض على خزائنه، فبلغه الخبر فرجع عجلا، ودخل الدار، وقبض على عمه، وأمر بعض الغلمان بعصر مذاكيره، فعصرت حتى مات، وذلك في شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، فاتصل الخبر بابن مقلة، فتجهز في العساكر الخليفية، وسار من بغداد إلى الموصل لخمس خلون من شعبان، وكان ناصر الدولة لدهائه ومكره لا يصافف من يقصده، فلما بلغه خبر مسير بن مقلة، رفع أمواله وخزائنه وحرمه إلى قلعة الموصل، وجعل فيها من خواص غلمانه من يدفع عنها، ثم خرج من الموصل في عسكره، وأخرج معه كل تاجر في البلد، ولم يترك بالموصل علوفة ولا قوتا إلا رفعه إلى القلعة، فوصل الوزير بن مقلة إلى الموصل، وهي بهذه الصفة، فأقام بحال سيئة، وبعث بالعساكر مع علي بن خلف بن طيَّاب في طلب ناصر الدولة، فسار خلفه ودخل ناصر الدولة إلى أرمينية، فعاد ابن طياب ولم يتبعه، وطال المقام على ابن مقلة، ونفدت الأقوات، فقلد الموصل لعلي بن خلف، وقلد جزيرة ابن عمر لما كرد الدّيلمى، وقلد عبد الله بن أبي العلاء المقتول والده نصيبين وعاد إلى بغداد، وانتهى الخبر إلى ناصر الدولة، فخرج من أرمينية، وقد أطاعه سائر ملوكها وجبى خراجها، وقصد الجزيرة وبها ما كرد، فكاتب ما كرد من كان مع ناصر الدولة من الأمراء، ووعدهم عن الوزير ابن مقلة، فاستأمنوا إليه، وفارقوا ناصر الدولة، فانفصل عن الجزيرة كالمنهزم وراسل علي بن أبي جعفر الديلمى وهو مع علي بن خلف بالموصل، ووعده الجميل والإحسان إليه، فأفسد من مع ابن طياب، ووصل ناصر الدولة إلى الموصل ودخلها، فاستأمنوا إليه، وخرج بن طياب هارباً في ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، ثم جهز ناصر الدولة الجيوش مع علي بن أبي جعفر إلى الجزيرة لقتال ما كرد، وإخراجه منها، فلما قرب منها، فارقها ما كرد وسار إلى نصيبين، واستنجد بأبي ثابت العلاء بن المعمر، فجمع له، العرب وأنجده، فكتب علٌّي لناصر الدولة بالخبر بأخيه سيف الدولة على بن عبد الله، وأمر علي بطاعته، ثم سار ناصر الدولة بنفسه تابعاً لأخيه وقاتل ما كرد وأبا ثابت، فقتل أبو ثابت، وهرب ما كرد إلى الرقة، وانهزمت بنو حبيب بعد مقتل أبي ثابت إلى بلاد الروم وتنصروا إلى الآن، واستقامت مملكة الموصل، وديار ربيعة، ومضر لناصر الدولة، وفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة خرج الخليفة الراضي بالله، ومعه بجكم طالباً الموصل، فأخرج ناصر الدولة جيشه مع ابن عمه الحارث بن سعيد، فلما التقى الجيشان، وقع في جيش ناصر الدولة أنه استأمن، فانهزموا إلى ناصر الدولة، فدخل الموصل في ليلة الجمعة لليلتين بقيتا في المحرم، وصلى الجمعة، ثم خرج من الموصل، ودخلها بجكم يوم السبت، وسار ناصر الدولة إلى الخالدية ثم رحل منها يريد برقعيد، وبقى بها جماعة من أهله، ووافى بجكم الخالدية، فأوقع بهم وخرج أبو وائل وتمادي الأمر على ذلك، ثم وقع الصلح على مال بذله الحسن، وعاد ناصر الدولة إلى الموصل لليلتين خلتا من شهر ربيع الآخر منها، واستمر إلى سنة ثلاثين وثلاثمائة، والله أعلم بالصواب.\rولاية ناصر الدولة امرة الأمراء بالعراق","part":7,"page":200},{"id":3211,"text":"كان سبب ذلك أن أبا الحسن بن البريدي لما ملك بغداد، وهرب المتقي لله إلى الموصل، ومعه أمير الأمراء أبو بكر بن رائق، واستنجد بناصر الدولة، فقتل ناصر الدولة ابن رائق في شهر رجب سنة ثلاثين وثلاثمائة كما قدمنا ذكر ذلك في أخبار الدولة العباسية، فرد المتقي لله تدبير الدولة إلى ناصر الدولة وساروا جميعاً إلى بغداد ومع ناصر الدولة أخوه سيف الدولة، فانهزم البريديون من بين يديه، وتولى ناصر الدولة إمرة الأمراء، ونعته المتقي بهذا النعت، ونعت أخاه: سيف الدولة، وخلع عليهما. وذلك في شوال سنة ثلاثين وثلاثمائة، وزوج المتقي لله ولده أبا منصور بابنة ناصر الدولة، وضرب ناصر الدولة السكة عياداً لم يضرب قبله مثله إلا السندي، وزاد على نقش السكة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أول من فعل ذلك ،وأقام ببغداد ثلاثة عشر شهراً، ثم اجتمعت الأتراك، وقدَّموا عليهم توزون، وهو بواسط، وسيف الدولة في عسكره معهم، وبلغ ناصر الدولة قيام الأتراك فسار إلى الموصل صحبة المتقي، وأمر أخاه سيف الدولة بمناصبة الأتراك، فكبسه توزون ليلا، فانهزم إلى الموصل، ثم راسل توزون المتقي في الصلح فأجاب، ورجع فكان من أمره والقبض عليه وسمله ما قدمناه.\rوأقام ناصر الدولة بالموصل لا يتعرض لبغداد إلى أن ملكها معز الدولة بن بويه الديلمىّ، فتحرك إليها في جمادى الآخرة سنة أربعٍ وثلاثين وثلاثمائة، وحاصر معز الدولة بن بويه حتى كاد يأخذه، ثم رجع عنها في صورة منهزم وامتنع من حمل المال، فتجهز معز الدولة إلى الموصل لقتاله، فرفع أمواله إلى القلعة، ولم يترك في البلد قوتا ولا علوفة البتَّة وبقي في خيل جريده. فلما قرب معز الدولة إلى الموصل فارقها ناصر الدولة، وسار فكان تارة بنصيبين وتارة بآمد وتارة ببلد، ونزل معز الدولة قصر ناصر الدولة، وأقام بالموصل، فنفدت الأزواد فبعث بغالاً تقلّه مع سراياه إلى القري لتحصل الأقوات والعلوفات، ففَّرق عند ذلك ناصر الدولة بنيه، وهم ثمانية كل منهم تزيد مماليكه وغلمانه على خمسمائة رجل، فكانوا لا يجدون سرية إلا هزموها، ولا قافلة إلا نهبوها، فإذا خرج معز الدولة في طلبهم تكشفوا بين يديه، ويخلفه ناصر الدولة إلى الموصل، فيأخذ ما يجد بها من الأموال، ويرفعه إلى القلعة، وإن وجد أحداً من قواده سجنه بها، فكان هذا دأبه إلى أن استقر الصلح بينه، وبين معز الدولة في سنة خمس وثلاثين. وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة في شهر رجب ملك معز الدولة ابن بويه الموصل، وفارقها ناصر الدولة إلى نصيبين، فتبعه معز الدولة، ففارقها، وبعث أولاده إلى الموصل لقتال من فيها، فرجع إليهم معز الدولة، فانكشفوا بين يديه، فسار إلى بلد، واجتمع ناصر الدولة بأولاده، وسار إلى الموصل، فأسروا من أصحاب معزِّ الدولة الذين تركهم بها نيفا وسبعين قائداً: فقيِّدهم ناصر الدولة، وحملهم إلى القلعة، ومعهم ستمائة من الجند، ووجد مائة وثلاثين بدرةً لمعزِّ الدولة، فأخذها، وخرج من الموصل ومضى إلى حلب، وأقام عند أخيه سيف الدولة، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن تم الصلح بين معزِّ الدولة بن بويه وسيف الدولة، وأبي تغلب بن ناصر الدولة على إطلاق الأسري وردِّ ثمانين بدرة، فأجاب إلى ذلك ناصر الدولة، ورجع معز الدولة إلى بغداد، وعاد ناصر الدولة إلى الموصل، ولم يزل بها مالكاً لها من غير منازع إلى أن قبض عليه ولده.\rالقبض على ناصر الدولة\rووفاته وفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة في ليلة الثلاثاء لست بقين من جمادى الأولى، قبض عدة الدولة أبو تغلب فضل الله على والده ناصر الدولة، وهو نائم بعد أن شاخ وكبر، فحمله على فراشه إلى قلعة الموصل، واعتقله بها، فكان بها إلى أن مات، وكانت وفات في يوم الجمعة وقت العصر لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، فكانت مدة تغلّبه نحواً من ثلاث وثلاثين سنة، سوى ولاية الموصل قبل ذلك.\rوكان له من الأولاد عشرة وهم: عدة الدولة الغضنفر أبو تغلب فضل الله، وكان قد ولاّه الجزيرة، وأبو المظفر حمدان ولاه نصيبين. وأبو الفوارس محمّد ولاه الموصل، وأبو القاسم هبة الله ولاه بلد، وأبو طاهر إبراهيم ولاه سنجار، وأبو المرجّى جابر. وأبو البركات لطف الله، وأبو المطاع ذو الرنين، وأبو عبد الله الحسين.","part":7,"page":201},{"id":3212,"text":"كتَّابه: دنجا بن إسحاق، كان كاتب المطيع لله، أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي، وأبو الحسن الباهلي، وبهلون بن هاشم، وأبو القاسم بن مكرم.\r؟؟أخبار سيف الدولة\rهو أبو الحسن على بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون. كان في ابتداء أمره في خدمة أخيه ناصر الدولة إلى أن دخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، فانفرد سيف الدولة بديار بكر، والسبب في ذلك أن علي بن أبي جعفر الديلمي لما استأمن إلى ناصر الدولة كما ذكرناه، وخرج على علَّي بن خلف بن طياب سأله أن يولِّيه الجزيرة عند إخراج ما كرد منها، فاعتذر عنها، وكان أحمد بن نصر القنسوري بديار بكر في عدّة قليلة، فجهز ناصر الدولة مع علي ابن أبي جعفر جيشاً، وأمره أن يسير إلى ديار بكر، فانصرف أحمد ابن نصر عنها، ودخلها عليّ بن أبي جعفر، وسكن أرزن، وأقام الدعوة لناصر الدولة، وهو في خلال ذلك يحصِّن البلد، ويستكثر من الرجال والأجناد، فنمى الخبر إلى ناصر الدولة، فلم يأمن شرِّه، وأمره بالقدوم عليه، فأبى ذلك، وأظهر العصيان، فندب ناصر الدولة عند ذلك أخاه سيف الدولة لحربه، وقال له: إن فتحت ديار بكر، وقبضت على علّي الديلمى، ملَّكتك بلادها وقلاعها من غير أن تحمل عنها شيئاً لخليفة، ولا لغيره، فسار سيف الدولة في ألف فارس، فتحصَّن منه في قلعة أرزن وهي المعروفة بحصن العيون، فنزل سيف الدولة تحتها على النهر المعروف بسربط، وحصر عليا بها، فبعث الديلمىّ حاجبه بدر الجستاني إلى ابن يرنيق ملك أرمينية، وإلى سائر بطارقتها يستنجد بهم على سيف الدولة، فاتَّصل خبر الحاجب بسيف الدولة، فرصده عند عوده، فقبض عليه، فسأله الديلمى الأمان على أن يمضي إلى بغداد، أو يبقى في خدمته، فأجابه إلى ذلك، وحلف له، ونزل إليه وسلَّم القلعة،فوفّى له سيف الدولة، وأقام عليّ في خدمته إلى أن استأمن إلى ابن رائق، وملك سيف الدولة بعد ذلك جميع بلاد أرمينية وما جاور بلاد بكر، ثم ملك حلب وانتزعها من يد الأخشيدية، ثم قلِّد بعد ذلك الثغور الجزيرية، وهي طرسوس، وعين زربة، والمصيصة، وما جاورهم من الثغور، من غير أداء مال عن شيء مما بيده من الأعمال؛ لأنه كفى المسلمين أمر الروم نحواً من أربعين وقعة له وعليه. وكان بعيد الهمة شجاعاً يلقى الأمور بنفسه.\rوكان شاعره أبو الطيب المتنبي يمدحه في كل غزاة، ويذكر وقائعه، فكان الدمستق يقول: بلينا بشاعر كذاَّب، وأميرٍ خفيف الركاب وكان لسيف الدولة خمسمائة غلام أقران لهم بأس شديد، إذا حمل بهم في جيش حزقه. وكان سنه عند ولايته خمس عشرة سنة، فظهرت شجاعته. وكان أديباً فاضلاً وله شعر ذكره الثعالبي في يتيمة الدهر، ومن جملة غزواته أنه خرج غازياً في ذي القعدة سنة ست وعرين وثلاثمائة، فانتهى إلى حصن دادم وسار إلى حصن زياد، فشارف فتحه، وأقام عليه تسعة أيام، فوافاه الدمستق في مائتي ألف، فانكفأ راجعاً يريد شمشاط، وخيول الروم تسايرة، فلما كان يوم النحر وصل إلى موضع بين حصنى زياد، ودادم وسلام، فوقف، وأقبلت عساكر الروم، فناجرهم القتال، فهزم الله الروم، وأسر سيف الدولة منهم سبعين بطريقاً، ولم يزل القتل والأسر فيهم إلى الليل، وأخذ سرير الدمستق وكرسيه. ولسيف الدولة مع الروم وقائع كثيرة مشهورة ذكرها كثير من المؤرخين تركناها لاشهارها.\rوفي سنة ثلاثين وثلاثمائة. ملك سيف الدولة مدينة حلب، وانتزعها من يد أحمد بن سعيد الكلابّي صاحب الإخشيد، واتفق خروج العدوّ إلى تلك النواحي، فسار إليهم، وأوقع بهم وقعة عظيمة، فاعتصموا منه بجبل منيع، فصعد إليهم، فكان منهم من ألقى نفسه من الجبل فمات، وغنم منهم غنيمة عظيمة.","part":7,"page":202},{"id":3213,"text":"ولما بلغ الإخشيد ذلك أنفذ عسكره مع كافور، فهزمهم سيف الدولة، ودخل حمص وأعمالها، فملكها وسار إلى دمشق، ودخلها، فكاتبه الإخشيد، وبذل له الموادعة بعد أن بذل له أن يمل إله من المال نظير ما كان يحمل لابن رائق، فم يجب إلى ذلك، وقال: جوابك إذا دخلت مصر إن شاء الله. ثم جرت بينهما أمور، واتَّفقا على أن يكون لسيف الدولة حمص، وحلب، وما بينهما، وأفرج عن دمشق، وتزوج بابنة أخي الإخشيد. ثم مات الإخشيد عند رجوعه على ما نذكره في أخباره، وذلك في المحرم سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، فمضى سيف الدولة إلى دمشق، واستأمن إيه جماعة منهم: يانس المونسى، وأقام بها. ثم سار لحرب كافور الإخشيدي، فنزل اللَّجون والإخشيدية بقربه، والتقوا، فانهزم جيش سيف الدولة، ورجع هو إلى دمشق، فأخذ والدته وخاصَّته وأمواله، وسار إلى حلب، ثم وقع الصّلح بينهم في سنة ست وثلاثين على ما وقع بينه وبين الأخشيد أولاً.\rوفي فتح سيف الدولة دمشق يقول الخالديان:\rياسيف الدولة آل النبي ... حويت العلا دولة وابتداء\rليهنك أنَّك داني الندا ... ومجدك فوق النجوم اعتلاء\rوأنَّك لما ملكت الملوك ... تكبرَّت أن تلبس الكبرياء\rولما حويت العراق انكفيت ... إلى عرصات الشام انكفاء\rوجزت دمشق فطهرتها ... وأبدلتها بالظلام الضياء\rوما مصر عنك بممنوعة ... إذا ما استعنت عليها القضاء\rوفي سنة ست وثلاثين ظفر سيف الدولة القرمطي الملقب بالهادي، واستنفد أبا وائل.\rوفي سنة إحدى وأربعين بني سيف الدولة مرعش، فسار إليه الدمستق، فأوقع به سيف الدولة. وفي سنة اثنتين وأربعين فتح حصن العريمة، وأخرب مدينة ملطية، وكان الدمستق قد أخرب الحدث في سنة سبع وثلاثين، فسار إليه سيف الدولة، ونزل به في يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين، فحطّ الأساس، وحفر أوله بيده، وحفر الناس وأقام إلى أن بناه ووضع بيده آخر شرافة منه لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رجب من السنة. وفي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.ورد على سيف الدولة من سائر الثغور طرسوس، وأذنة، والمصيصة رسل نوابه، ومعهم رسول ملك الروم في طلب الهدنة، فهادنهم، ولم يزل سيف الدولة في ملكه يوماً له ويوماً عليه إلى أن كبرت سنه. وضعف في آخر عمره واضطرب أمر دولته.\rاختلال دولته\rواستيلاء الدمستق على حلب، وما أخذه من أموال سيف الدولة قال: ولما كبر سيف الدولة وضعفت قدرته لمرض لحقه في آخر عمره فلج منه نصفه، وتفرقت عنه البوادي وتقاعد عنه المسلمون، وفسد ما بينه وبين ابن الزيات أمير الثغور من قبله، واشتغل عنه أخوه ناصر الدولة بحرب معز الدولة،فلم ينجده، فقويت الروم، واستولى الدمستق على الثغور، ثم قصد حلب في حشد عظيم من الروم والأرمن، فلم يشعر به سيف الدولة إلا وقد أطلَّ على البلد، فقاتله سيف الدولة، وحمل بنفسه وغلمانه وابن أخيه هبة الله بن ناصر الدولة حتى كاد أن يؤخذ، فانهزم، وملك الروم دالاه بظاهر حلب وكان ذرعها ستة آلاف ذراع، وأخذ منها ما لا يحصى من الأموال، فكان من جملة ما أخذ مائة بدرةٍ ذهباً، ومائتا بدرة من الورق، وثلاثمائة حمل من البزّ الفاخر، وخمسون حملاً من الديباج، ومن أواني الذهب والفضة ما لا يحصى كثرة، ومن الخيل ثمانمائة فرس، ومن البغال ألفا جمل، ونقل سقوف الدار معه.\rوكان نزوله على حلب في يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وفتح البلد في يوم الثلاثاء، وأقام فيه إلى يوم الثلاثاء الكائن بعده، وتحصن أهل حلب في القلعة بما أمكنهم من الأموال، واستولى الدمستق على البلد بما فيها، ثم فارقها، ورجع سيف الدولة إليها، وقد ذهب أكثر أمواله، فبعثت له أخته هدية من ميَّا فارقين كان من جملتها مائة ألف دينار.\rوفاة سيف الدولة","part":7,"page":203},{"id":3214,"text":"كانت وفاته رحمه الله في الضحى من نهار الجمعة لخمس بقين من صفر سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وكان مولده في يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثمائة، فكان عمره اثنين وخمسين سنة وشهرين وثمانية أيام، وكانت مدة ملكه نحواً من ثلاثين سنة، وكان شجاعاً كريماً معجباً بارائه محباً في الفخار والبذخ مظفراً في حروبه جائراً على رعيته، اشتد بكاء الناس منه وعليه، وكان له من الأولاد خمسة. وهم: أبو الهيجاء عبد الله، توفي في حياة أبيه في صفر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة. وأبو البركات وهو أكبرهم، توفي في حياة أبيه في جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. وأبو المعالي شريف، وهو الذي ملك بعد أبيه. وأبو المكارم مات في حياته. وست الناس ابنته.\rكتابه: أبو الحسن علي بن الحسين المغربي والد الوزير وأبو محمد بن الفياض. وأبو إسحاق محمد أحمد القراريطي. وأبو الفرج محمد بن علي السرّمرّائيّ، وأبو عبد الله محمد بن سليمان بن فهد الموصلي وغيرهم.\rحجابه: نجا غلامه، وقرعوية، وبقى.\rفهذه الطبقة الثانية من آل حمدان. فلنذكر الطبقة الثالثة منهم.\rعدة الدولة الغضنفر\rوهو أبو تغلب الغضنفر ابن ناصر الدولة أبي محمد الحسن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون.","part":7,"page":204},{"id":3215,"text":"ملك الموصل، وما كان بيد أبيه عند قبضه على والده ناصر الدولة في ليلة الثلاثاء لستًّ بقين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلاثمائة، وأطاعه سائر إخوته إلا أبو المظفر حمدان، وهو الذي يليه في العمر. وكان ناصر الدولة قد قلده الرحبة، ولما مات عمه سيف الدولة سار إلى الرقة ونصيبين، فملكها، وسوَّغه والده ارتفاع جميع تلك البلاد. فكتب أبو المظفر إلى أخيه أبي تفلب يأمره بإطلاق والدهما ناصر الدولة، وتوعدَّه إن لم يفعل، فغضب لذلك، وفسد الحال بينهما، وجرت بينهما أمور يطول شرحها، فجهز أبو تغلب جيشاً لقتال أخيه، وجعل عليه أخاه أبا البركات، فكان له معه حروب ووقائع، آخرها أن أبا المظفر حمدان ظفر بأخيه أبي البركات، وضربه على رأسه، فسقط إلى الأرض، فأخذه أسيراً واستباح سواده، وانقسم عسكره بين مستأمن إلى حمدان، وأسير، وقتيل، ثم انكفأ حمدان إلى قرقيسياء ليعالج أخاه من ضربته، فمات أبو البركات بعد أيام فأنقذه حمدان في تابوت إلى الموصل، واستحكمت عند ذلك العداوة بين بني حمدان، وبين أخيهم أبي تغلب. واختلف باقي الأخوة، وكانوا متفرقين في أعمالهم فاحتال أبو تغلب على أخيه محمد، وكان والياً على نصيبين حتى قبض عليه، وذلك في شعبان سنة ستين وثلاثمائة واعتقله في قلعة أردمشت، فلم يزل بها حتى هرب أبو تغلب، وملكها عضد الدولة بن بوبه، فاطلقه وأكرمه، ورد عليه ضياعه ومنها قلعة: الشعباني، وقلعة هارون، وغيرهما من القلاع. وفي سنة إحدى وستين وثلاثمائة سلّم أخو حمدان لأمه لأبي تغلب الغضنفر قلعة ماردين، فأخذ منها جميع أمواله وحرسه، وكان المحاصر له بجيش أبي تغلب أبو اليقظان عمار بن أبي السرايا نصر بن حمدان. وفي سنة اثنتين وستين وثلاثمائة في آخر يوم من شهر رمضان أوقع أبو القاسم هبة الله بن ناصر الدولة بالدمستق ملك لروم الوقعة المشهورة، وكان الدمستق في نحو خمسين ألفاً فأسر أبو القام، وقتل أكثر الجيش وكانت الوقعة على بلد. قال: ثم أخذ أبو تغلب في استفساد إخوته واحداً بعد واحد حتى صاروا بأجمعهم إليه إلا أبو طاهر إبراهيم، فإنه استأمن إلى بختيار، ومضى إلى بغداد. وسار أبو تغلب بجماعة إخوته إلى قرقيسياء، فنزل بها، وبعث أخاه، أبا القاسم هبة الله إلى الرحبة في جيش ليوقع بأخيه حمدان، فخرج حمدان هارباً، واتبعه ابنه أبو السرايا وسلك طريق البرية، وكاد هبة الله أن يأخذه. وقيل: إنه قدر عليه وتركه، وسار حمدان إلى بغداد، فدخلها في ذي الحجة سنة ستين وثلاثمائة، واجتمع بأخيه إبراهيم، وأقاما عند بختيار مدة، ثم كوتب إبراهيم من الموصل بالعودة إلى طاعة أخيه فهر، فأغضب ذلك غز الدولة بختيار وسار إلى الموصل في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين، فدخلها، ورحل أبو تغلب إلى سنجار. ثم تقرر الصلح بينهما على أن يفرج أبو تغلب لأخيه حمدان عن ضياعه التي كان قبض عليها، فأجاب إلى ذلك، وأفرج له عنها، واستقر ملك الغضنفر بالموصل إلى أن ملك عضد الدولة بن بوبه بغداد، وأخرج ابن عمه عز الدولة بختيار إلى الشام وشرط عليه ألا يتعرض إلى بلاد عدة الدولة الغضنفر، فأجاب إلى ذلك، وسار وصحبته حمدان بن ناصر الدولة فلما وصل مبكراً أفسد حمدان نيته، وحرضه على طلب بلاد أخيه أبي تغلب، فعزم على ذلك، وسار فنزل تكريت، فوصل إليه علي بن عمر الكاتب بهدية من أبي تغلب، وصحبه في الطرق، فلما خلا به أفسد بينه وبين حمدان وعرفه أن مصالحة أبي تغلب بإفسادحمدان هي الرأي الصريح، وذكر أنه سلم حمدان إلى أبي تغلب عاضده على إخراج عضد الدولة من العراق وأعاد مملكته إليه، ولم يزل يغريه إلى أن بعث لأبي تغلب، وأخذ عليه العهود بذلك، وقبض عند ذلك على حمدان، وسلمه لأبي تغلب، وأخته جميلة، فحسباه، ثم قتلاه صبراً، وهرب ولده أبو السرايا إلى عضد الدولة ببغداد.\rفساد حال عدة الدولة\rوزوال ملك بني ناصر الدولة وما ان من أمر عدة الدولة إلى أن قتل","part":7,"page":205},{"id":3216,"text":"قال: ولما قتل أخاه جمع الجموع لنصرة عز الدولة بختيار وجمع بختيار أيضاً، وسارا إلى بغداد وخرج عضد الدولة، فنزل الحصن غربي سامرا، ونزلا تجاهه، وباكروا القتال في يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من السنة، وبعث الجيوش في طلب أبي تغلب عدة الدولة، ومحمد ابن عمه معز الدولة،فتنقل أبو تغلب في البلاد من مدينة إلى أخرى، والجيوش تطلبه إلى أن سار إلى حصن زياد، وكاتب ملك الروم قلاروس المنعوت بورد يستنجده، وكان ورد قد خرج عليه ملك آخر، وانقضت عنه جموع الروم، فبعث إلى أبي تغلب يسأله اللحاق به ليلقى الخارج عليه، فإن نصر عليه عاد معه لنصرته، فبعث إليه أبو تغلب قطعة من جيشه، ثم عاد نزل بآمد وأقام بها قريبا من شهرين، فاستولى عضد الدولة على ميافارقين والجزيرة، وسائر بلاد عدة الدولة ففارق آمد عند ذلك، وسار إلى دمشق، وملك عضد الدولة آمد والرحبة، وسائر بلاد بني حمدان إلا ما كان في يد سعد الدولة بن سيف الدولة، فإنه لم يتعرض إليه كحلب، وديار مضر، وربيعة، وما والاها من الحصون والبلاد لخدمة خدمه بها سعد الدولة، ثم ملك عضد الدولة بعد ذلك قلاع أبي تغلب التي فيا أمواله وذخائره وهي من جانب دجلة الشرفي على طريق الجزيرة.\rقال: ولما وصل أبو تغلب إلى دمشق وجد قسَّام العيّار متغلباً عليها، فنزل بظاهرها، وكتب إلى العزيز خليفة مصر يسأله أن يوليِّه الشام، فخاف العزيز عاقبته، وكاتبه بأن يفعل ذلك، ويأخذها من قسّام، وكاتب قسّام ألاَّ يسلِّم إليه البلد، فطال الأمر على أبي تغلب، وضجر من تردد الرسائل، واجتمع معه بنو عقيل، فسار وقصد الرملة، وذلك في المحرم سنة تسع وستين وثلاثمائة، فهرب دغفل بن الجراح منه، ثم حشد، وجمع، وقصد الرملة، والتقى مع أبي تغلب على باب الرملة في يوم الإثنين لليلة خلت من صفر سنة تسع وستين، فانهزم بنو عقيل، وسائر من مع عدة الدولة، ولم يبق معه إلا غلمانه، وهم نحو سبعمائة فارس، فانهزم بهم، وأدركته الخيل، فثنى وجهه لقتالهم، فقتل فرسه، وأسره سبع الطائي وهو ابن عم لد غفل بن الجراح، وسلمه إلى دغفل، فقتله في يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من صفر سنة تسع وستين وثلاثمائة؛ وكان مولده يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وكانت مدة ملكه إلى حين انفصاله عن آمد نحواً من اثنتي عشرة سنة. وكان له من الأولاد. أبو الهيجاء أحمد، وأبو الفتح نصر الله.\rكتابه: أبو موسى النصراني. وقرة بن ديما. وأبو الحسن علي بن عمر بن ميمون.وعلي بن عمر بن عمر.\rفلنذكر أخبار أولاد سيف الدولة:\rسعد الدولة\rهو أبو المعالي شريف بن سيف الدولة أبي الحسن علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان بن حمدون.","part":7,"page":206},{"id":3217,"text":"ملك حلب وديار بكر، وغير ذلك مما كان بيد والده سيف الدولة بعد وفاته في يوم الجمعة لخمس بقين من صفر سنة ست وخمسين وثلاثمائة، ولما توفي والده سيف الدولة بحلب كان سعد الدولة بديار بكر، فاجتمعت غلمان أبيه: قرعون. وبقي. وبشاره، وغيرهم على تقديمه ونصرته، وضبط قرعويه حلباً نيابة عنه، وبعث بتابوت مولاه إلى ديار بكر مع بقى وبشارة الخادم في جمادى الأولى من السنة وكان بين بقى وبشارة منافرة، فأذاع بقى عن بشارة أنه قد كاتب حمدان بن ناصر الدولة، وكان قد غلب على الرقة ونصيبين عند وفاة عمه، وعزم على أخذ حلب وكتب بقى إلى قرعويه بذلك، فقبض على أسباب بشارة بحلب، ولما بلغ بشارة الخبر داخل بقى وآنسه، وأظهر له المودة فأنسر به، وأخبره بما أضمره، وأنه يقصد الاستيلاء على ديار بكر، ويقبض على أبي المعالي ابن مولاه، ويملك هو التدبير، وضمن لبشارة أنه يسلم إليه ميافارقين، فأظهر بشارة القبول، والإقال عليه، وسار بمسيره، فلما قربوا من ميافارقين، كتب بشارة إلى أبى المعالي يحذره من الخروجللقاء التابوت، ويعرفه ما عزم عليه بقى، فأظهر أبو المعالي علة، وامتنع من الركوب، وأخرج أهل البلد لتلقى التابوت، فلم يدخل بقى المدينة، ووكل بأبوابها خلقا من الرجال الذين أعلمهم بالخبر، وقبض على قوم من الكتاب، وطالبهم بمال ينفقه في رجاله، فدخل بشارة المدينة، وطلع على السور، وأغلق الأبواب، وخاطب أصحاب بقى عن أبي المعالي بكل جميل، فمالوا إليه، وفارقوا صاحبهم فبطل ما دبره بقى، وسار إلى منازكرد، وكتب إلى أبي المعالي يطلب منه الأمان. فأمنه، ولما حصل عنده قبض عليه، وسلمه لبشارة، فقتله، وسار أبو المعالي إلى حلب في شهر رجب من السنة.\rمقتل أبي فراس الحارث\rواستيلاء أبا المعالي على حمص قال المؤرخ: كان سيف الدولة قد أقطع أبا فراس الحارث ابن سعيد بن حمدان، وهو خال أبي المعالي شريف حمص بعد خلاصه من أسر الروم، فأكثر الظلم والتعدي على أهلها. فلما توفي الأمير سيف الدولة اضطربت أموره، ثم فسد ما بينه وبين ابن أخته أبي المعالي، فسار أبو المعالي، فارق حمص، وانحاز إلى ضيعة له في طريق البرية تعرف بصدد، وجمع سعد الدولة أعراب بني كلاب وظالماً العقيلي، وبعثهم على مقدمته مع قرعويه، فكبس أبا فراس بصدد، فناوشهم القتال، ثم قتله بعض غلمان قرعويه، وعاد سعد الدولة إلى حمص، فولاها لذكا غلام قرعويه.\rاستيلاء قرعويه على حلب\rوإخراج أبي المعالي عنه","part":7,"page":207},{"id":3218,"text":"قل: ثم فسد ما بين سعد الدولة وبين قرعويه، ووافقه أكثر الغلمان، وأهل البلد، فأخرج أبا المعالي منها، وقطع دعوته، وتغلَّب على البلد، فسار سعد الدولة إلى أرزن، وميِّا فارقين، فمر في مسيرة بحران، فأغلق أهلها الأبواب في وجهه، ومنعوه من الدخول، إليها إلا أنهم لم يقطعوا دعوته، فمضى إلى ميّافارقين، وكانت والدته بها، فبلغها أن غلمانه قد عزموا على القبض عليها، وحملها إلى القلعة، فأغلقت أبواب المدينة في وجه ابنها ثلاثة أيام إلى أن توثقت منه، وممن معه، ومن أجناده، ثم فتحت الأبواب وأطلقت أرزاق غلمانه، فصلحت أحوالهم، ثم جمع سعد الدولة واحتشد، وسار إلى حلب، فنزل عليها في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وحاصرها، وفي مدة غيبته نزل أبو البركات ابن ناصر الدولة بجيش على ميّا فارقين، فأغلقت والدة أبي المعالي الأبواب دونه، وضبطت البلد، وراسلته تتعرف منه سبب مقصده، فعرفها أنه يقصد العدو، وأنه يريد منها ما يتقوى به على قصده، فبذلت له مائتي ألف درهم، فلم يقنع بها، وطلب منها ضياعاً كانت لسيف الدولة بالقرب من نصيبين، فأعلمت التدبير إلى أن أفسدت عليه جماعة ممَّن معه، ثم ركبت، وكبسته في عسكره، وقتلت جماعةً من غلمانه، فانهزم أبو البركات، وراسلها، فردَّت عليه بعض ما نهبت منه، وأطلقت له مائة ألف درهم، وأطلقت حاجبه، وكانت قد أسرته، فرحل عنها. ولم يزل أبو المعالي على حصار حلب حتى فتح الروم أنطاكية في يوم النحر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، واستقّروا بها، وأنفذوا جيشاً لأخذ حلب، فارتحل أبو المعالي عنها، ونزلت الروم عليها، وملكوا المدينة، فصالحهم قرعويه على أن يؤدِّي لهم جالية، ويكون في ذمتهم إلى أن يموت، فإن مات ولي مكانه غلامه بكجور، وكتب فيهم كتاباً، ونزل أبو المعالي معرة النعمان، ووالدته نائبة عنه بميّافارقين، فورد عليها الخبر أن ملك لروم تحرك لقصد ديار بكر، فخافت أنها لا تنهض بضبط ميّا فارقين، فتبرأت من الأمر، ودبر البلد أهله، ثم راسلوا أبا تغلب بن ناصر الدولة في وال. فبعث إليهم أبا الفوارس هزارمرد أحد مماليك سيف الدولة الكبار.\rالصلح بين سعد الدولة وقرعويه\rوالقبض على قرعويه، وقيام بكجور، وعود ملكحلب إلى سعد الدولة وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة تمَّ الصلح بين أبي المعالي وقرعويه، ودعا له بحلب، وكان أبو المعالي ينزل بحماه، وكانت حمص قد أخربها الروم عند دخولهم إليها في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين، فنزل دقطاش غلام سيف الدولة بها وعمرها لأبي المعالي، فنزلها بعد ذلك، وكان قرعويه قد قدم غلامه بكجور على قرعويه، واعتقله، وملك حلب، وأقام بها نحواً من خمس سنين، فلم يرض أهلها سيرته، وكاتبوا أبا المعالي، فسار إليها، ونزل معرة النعمان، ففتحها، ثم نزل على حلب في سنة ست وستين وثلاثمائة، وأقام عليها نحواً من أربعة أشهر، وافتتحها بحيلة، وتحصن بكجور بالقلعة، ثم صالح على أن يوليه سعد الدولة حمص، وسلم القلعة بما فيها، فتسلمها سعد الدولة، وفى لبكجور، وعظمت مملكة أبي المعالي عند ذلك، وقويت حرمته، وتمكنت دولته.\rتولية سعد الدولة\rمن قبل الخليفة وتلقيبه كان سبب ذلك أن عضد الدولة البويهي لما ملك العرق بعد ابن عمه عز الدولة بختيار كاتبه ابو المعالي يبذل له الطاعة والدعوة، فتنجز له من الخليفة الطائع لله الخلع واللَّقب بسعد الدولة، والولاية على ما بيده من الأعمال، وأرسل ذلك مع الرسول، وخادم الخليفة. وكان جلوس الخليفة لذلك في شهر رجب سنة سبع وستين وثلاثمائة.\rخلاف بكجور على الأمير سعد الدولة وما كان من أمره","part":7,"page":208},{"id":3219,"text":"قال: وأقام بكجور في حمص، وعمّرها أحسن عمارة، وأمَّن أهلها وطرقاتها إلى أن وقع بينه وبين سعد الدولة في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة. فسار بكجور إلى حلب وحاصرها، فبلغ ذلك ملك الروم، فسار لنصرة أبي المعالي ونزل أنطاكية، وكان معه مفرج ابن دغفل بن الجراح، وكان بين مفرج وبكجور مودة، فكتب إليه مفرج يخبره بقصد الروم، فرحل عن حلب، وسار إلى حمص وأخذ ما أمكنه من أمواله، وكان العزيز صاحب مصر استدعى بكجوراً ليوليه الشام ودمشق لما اشتهر من شهامته، فتولى دمشق بعد خطب عظيم جرى له، واضطرب حال، ودخلت الروم حمص الدخلة الثانية بإذن سعد لدولة لأنه خاف أن يملكها بكجور بالمغاربة، وكان دخولهم إليها في يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة.","part":7,"page":209},{"id":3220,"text":"وتلم بكجور دمشق في يوم الأحد مستهل شهر رجب سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. ثم وقع بين بكجور، وبين يعقوب بن كلِّس الوزير، فقبض بكجور على وكلاء الوزير بدمشق، فاستحكمت العداوة بينهما، وأفد الوزير نفس نزار صاحب مصر على بكجور، فبعث منيراً الخادم في سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة لصد بكجور، وإخراجه من دمشق من غير إظهار ذلك بل أظهر أنه قصد بإرساله طرد مفرج بن دغفل من دمشق، وجرى من الأمور ما أوجب خروج بكجور بأمواله وحرمه من دمشق. وكان خروجه في يوم الثلاثاء منتصف شهر رجب سنة ثمان وسبعين. وسار بكجور إلى الرقة، وكان قد بعث غلامه وصيفاً في سنة ست وسبعين وثلاثمائة إليها، فتسلمها من ديلمى، وكان بها من أصحاب عضد الدولة بعد وفاته، فلما دخلها بكجور راسل الطائع لله، فلم يجد عنده ما يؤثره، فأقام على الدعوة لنزار صاحب مصر، وبعث إليه نزار يقول: إني ما أردت إخراجك من دمشق، وإنما أردت طرد ابن الجراح منها، وأبقى عليه ضياعه، وأمواله بها، وقوي أمر بكجور بالرقة، واشتد طمعه في أخذ حلب من سعد الدولة وكاتب نزاراً بذلك، وطلب إنجاده، فكتب نزار إلى والي طرابلس بالمسير إلى بكجور متى استدعاه، وجمع بكجور العرب وكتب إلى نزار وإلى طرابلس أن يوافيه بحلب، وكان سعد الدولة قد كاتب بسيل ملك الروم يعلمه بذلك، ويطلب منه أن يأمر نائبه بأنطاكية، وسائر الثغور بإنجاده متى طلبهم، فكتب بسيل لهم بذلك، ثم أرسل سعد الدولة بكجور، وبذل له أن يقطعه من الرقة إلى حمص، فقال لرسوله: قل له الجواب ما تراه دون ما تسمعه ثم سار بكجور لحرب سعد الدولة، وتقدمت مقدماتها فتطاردا، فكان سعد الدولة يخلع على من أبلى من أصحابه، وينعم عليهم ويحملهم، وبكجور يكتب أسماء من أبلى من أصحابه لينظر في أمرهم، فتغيرت لذلك قلوبهم. ثم كاتب سعد الدولة أعراب بكجور، وأطمعهم فعصوا على بكجور ونهبوا سواده. ثم سار كل من العسكرين في يوم السبت لسبع خلون من صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة إلى الآخر، والتقوا، واقتتلوا قتالاً شديداً كان الظفر لسعد الدولة وأحابه على بكجور، فانهزم إلى حلب، واستولى القتل والأسر على غلمانه،واستخفى بكجور في بيت رحى بظاهر حلب، وتقلبت به الأحوال إلى أن استجار ببعض العرب، فحمله إلى سعد الدولة، فرب عنقه، ثم سار سعد الدولة بعد أن أعاد الروم إلى بلادهم، وقصد الرقة، فنازلها وتحصن منه سلامة الرشيفى غلام بكجور بحصن الرافقة، ومعه حرم بكجور وأمواله، وابن المغربي كاتبه، فكاتبه سعد الدولة في تسليم الحصن، فبعث سلامة إليه يقول: أنا عبدك، ولكن لبكجور عندي صنائع تمنعني من تسليم الحصن إلا أن أستوثق لحرمه وأولاده، فإن أمنتهم على أن يكون لك السلاح من أموالهم دون غيره سلمت لك الحصن، فأجابه سعد الدولة إلى ذلك، وحلف له وتسلم الحصن. ولما نزل أولاد بكجور، وحملوا أموالهم قال ابن أبن حصين قاضي حضرة سعد الدولة: إن بكجوراً مملوكك لم تعتقه، وأولاده كذلك ولا مال لهم، ولا إثم عليك في أخذ أموالهم، فقبض عليهم عند ذلك، وأخذ الأموال، وهرب ابن المغربي إلى الكوفة، وكتب أولاد بكجور بذلك إلى العزيز نزار صاحب مصر، فكتب العزيز إلى سعد الدولة كتاباً يهدده فيه ويقول: إن لم تطلق آل بكجور وأموالم بعثت الجيوش لحربك. وانفذ الكتاب مع فائق الصقلبي. فوصل إليه، وقد عاد م الرقة، وهو نازل بظاهر حلب. فلما وقف سعد الدولة على الكتاب غضب، وأحضر الرسول، وصفعه، وألزمه أن يأكل الكتاب فتناوله، ومضغه حتى فرغ منه، وقال له: عد إلى صاحبك، وقل له لا حاجة لك في إرسال الجيوش، فأنا سائر إليك، والخبر يأتيك من الرملة، وعزم سعد الدولة على قصد العزيز صاحب مصر، فعاجلته منيته.\rوفاة سعد الدولة","part":7,"page":210},{"id":3221,"text":"كانت وفاته ليلة الأحد لخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وسبب ذلك أنه لما عاد رسول العزيز بالرسالة التي ذكرناها قدَّم بعض جيوشه إلى حمص. وأقام هو بظاهر حلب أيامأً ليرتب أحواله، فعرض له قولنج أشفى منه، فأشار أطباؤه عليه بدخول حلب وملازمة الحمام، ففعل ذلك وانتفع وصح، فلما كان في اليوم الثالث من صحته زين له البلد ليركب، فجاءته جارية في ليلة ذلك اليوم من جملة حظاياه، وكن أربعمائة حظية، وكان سعد الدولة يهواها، فلما رآها ما تمالك عند رؤيتها أن واقعها، فلما فرغ سقط عنها، وقد جف نصفه الأيمن، وفلج فدخل عليه النفي الطبيب، والتمس أن يجس نبضه، فناوله اليد اليسرى فقال: يا مولاي اليمين، فقال: يا نفيس ما تركت لي اليمين شيئاً، أراد بذلك نقض اليمين التي حلفها لآل بكجور. وتوفي في هذه المرضة. ومن العجب أن والده سيف الدولة الأيمن، فاجتمع منهما مفلوج، وكانت مدة ملكه خمساً وعشرين سنة وتسعة أشهر، وكان له من الأولاد. أبو الفضائل وهو الأكبر. وأبو الهيجاء.\rكتابه: أبو الحسن المغربي والمصيصي وغيرهما.\rحاجبه: لؤلؤ الكبير الجراحي وغيره. والله أعلم.\rأبي الفضائل\rبن سعد الدولة أبي المعالي شريف بن سيف الدولة أي الحسن علي بن عبد الله بن حمدان بن حمدون وولي بعد وفاة أبيه في يوم الأحد لخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وذلك أن والده سعد الدوّلة لما أدركته الوفاة عهد إليه، وأوصى لؤلؤاً الجراحي، وجعله مدبر جيشه، وأوصاهما بالسيدة ستَّ النساء، وبولده أبي الهيجاء عبد الله الأصغر.\rما كان بين لؤلؤ الجراحي وبين العزيز نزار صاحب مصر\rوفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة وصلت جيوش العزيز نزار صاحب مصر لمحاصرة حلب، وسبب ذلك أن ابن المغربي لما انهزم من سعد الدولة إلى الكوفة عند القبض على آل بكجور كاتب العزيز يستأذنه في الانضمام إليه، والانحياز إلى جهته، فأذن له. فسار إليه، ودخل القاهرة في يوم الخميس النصف من جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وبلغ عند العزيز مرتبة عظيمة حتى صار يستشيره في عظائم الأمور، ويأتمنه على الأسرار، فلما بلغه وفاة سعد الدولة حسّن للعزيز أن يبعث جيشاً إلى حلب، وكان العزيز قد بعث بمنجوتكين التركي في جيش إلى دمشق في تاسع شهر رمضان سنة إحدى وثمانين، وأمره بحرب منير الذي كان قد تسَّلم دمشق من بكجور، ولأنه كان قد عصى على العزيز، فأمره أنه إذا أخذ دمشق يمضي إلى حلب، واستكتب العزيز بن المغربي، فسار إلى دمشق، وهزم منيراً، واستولى على البلد للعزيز، وأقام بها إلى أن انسلخت نة إحدى وثمانين، وسار إلى حلب، وكان لؤلؤ قد كتب إلى بسيل ملك الروم، وعقد بينه وبين أبي الفضائل بن سعد الدولة كما كان بينه وبين أبيه، فأمر بسيل البرجي صاحب أنطاكية، أن يكون ظهراً لأبي الفضائل على كل من يقصده، وينجده متى طلبه، ولما نزل منجوتكين على حلب قاتلها مدة شهرين فلم يظفر منها بشيء، فاستظهر عليه أبو الفضائل ولؤلؤ غاية الاستظهار، فعاد عنها في شهر رمضان وولى حمص لمعضاد الحمداني. ثم سار إلى حلب في سنة ثلاث وثمانين، ثم عاد عنها وار إليها في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وقد جمع واستعد، فنازلها وضايقها مدة شهرين، فبعث لؤلؤ إلى البرجي صاحب أنطاكية في الحضور إليه، فجمع الروم، وكان قد خرج إليه من بلاد الروم رئيس عظيم عندهم يقال له: أصابع الذهب، فجمع أيضاً من أمكنه، وسارا بمن معهما حتى نزلا على نهر المقلوب، فأقاما هناك ، ورجع منجوتكين عن حلب، ونزل بإزائهما، وكان عسكره أكثر من جمعهما، فاقتتلوا، فكانت الدائرة على الروم، وذلك في شعبان سنة أربع وثمانين، وعاد منجوتكين إلى محاصرة حلب، فحاصرها من شعبان إلى شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين، فاشتد الحصار على ألها، وكانت الأخبار ترد على بسيل ملك الروم وهو ببلاد البلغر،وله بها سنين كثيرة، وقد استحوذ على أكثرها، فخاف على حلب فترك قتال البلغر، ورجع إلى القسطنطينية، وخرج في نحو أربعين ألفاً من خواص أصحابه يركبون البغال الراوين ويجنبون الخيل، وسار لا يلوى على متأخر ولا يقف لمنقطع فوصل إلى إعزاز في سبعة عشر ألفاً، وعزم على أن يكبس منجوتكين، فنمى الخبر إليه، فانهزم لوقته، وسار إلى دمشق.","part":7,"page":211},{"id":3222,"text":"الصلح بين أبي الفضائل والعزيز نزار صاحب مصر\rقال: ولما رجع منجوتكين إلى دمشق توسط بدر الحمداني في الصلح بين العزيز وأبي الفضائل، فتم، وانعقد في بقية سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وورد كتاب الصلح على أبي الفضائل مع مختار الحمداني، وأقام الأمر على ذلك إلى أن توفي لؤلؤ الحمداني، وانقطع خبر أبي الفضائل ولم يسمع له ذكر إلا أن لؤلؤاً الجراحي كان يدبر أمر حلب إلى سنة أربع وأربعمائة، وكتب له سجل في شوال من السنة من قبل الحاكم صاحب مصر بملك حلب، ولقبه مرتضى الدولة.\rوانقرضت الدولة الحمدانية بعد أبي الفضائل، وكانت مدة هذه الدولة منذ ولى أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان ابن حمدون ولاية الموصل في سنة اثنتين وتسعين ومائتين إلى أن استقل لؤلؤ الجراحي بالملك بعد أبي الفضائل في سنة أربع وأربعمائة مائة سنة واثنتا عشرة سنة تقريباً. وعدة من ملك منهم ستة ملوك، وهم: أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان. ثم ابنه ناصر الدولة أبو محمد الحسن، ثم أخوه سيف الدولة أبو الحسن علي. وعدّة الدولة الغضنفر أبو تغلب بن ناصر الدولة، وسعد الدولة أبوالمعالي شريف بن سيف الدولة. ثم أبو الفضائل بن سعد الدولة، وعليه انقرضت دولتهم من سائر البلاد، وكان ملك هذه الدولة بعد وفاة أبي الهيجاء عبد الله في فخذين: الفخذ الأول منها: في ناصر الدولة أبي محمد الحسن وبنيه، وقاعدة ملكهم الموصل، وآمد وديار ربيعة، وسنجار، وما معها بخروج أبي تغلب الغضنفر بن ناصر الدولة من آمد كما ذكرنا، وافترق بعده أبناء ناصر الدولة، فبعضهم دخل في طاعة الأمير عضد الدولة، وبعضهم دخل في طاعة العزيز نزار صاحب مصر، وعضهم التحق بابن عمهم أبي المعالي شريف بن سيف الدولة، فممن سار إلى الديار المصرية: أبو عبد الله الحين بن ناصر الدولة، وأخوه أبو المطاع ذو القرنين، وولد للحيين بمصر ولده الحسن وهو المنعوت ناصر الدولة، تمكن ناصر الدولة الحسن هذا من دولة المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله صاحب ملك مصر تمكناً عظيماً، وقاد الجيوش، وعظم شأنه، ونفذت أوامره حتى لم يبق للمستنصر معه بالديار المصرية إلا مجرد اسم لخلافة. ثم لم يرض ناصر الدولة بذلك، ولا اقتصر عليه، ولا قنع به إلى أن حصر المستنصر في قصره، وجرى له معه وقائع، نذكرها إن شاء الله تعالى في أخبار المستنصر بالله، ونذكر هناك أيضاً مقتل ناصر الدولة هذا. وكان مقتله في شهر رجب من شهور خمس وستين وأربعمائة بداره بمصر، وهي الدار المعروفة بمنازل العز التي هي الآن مدرسة لطائفة الفقهاء الشافعية، ولم يذكر بعد ناصر الدولة هذا أحد من آل حمدان بولاية فنذكره. فهذا الفخذ الأول. والفخذ الثاني منها: في سيف الدولة أبي الحسن علي وبنيه، وقد تقدم ذكرهم رحمهم الله تعالى.\rانتهت أخبار الدولة الحمدانية بعون الله تعالى. فلنذكر أخبار الدولة الديلمية البويهية.\rالدولة الديلمية البويهية وابتداء أمر بويه، ونسبه، وكيف تنقلت به وببنيه الحال إلى أن استولوا على الأقاليم والممالك.\rوسياقة أخبارهم إلى أن انقضت دولتهم\rابتداء حال بويه، ونسبه، وما كان من أمره\rهو أبو شجاع بويه بن فنَّاخسرو بن تمام بن كوهى بن شيرزيل الأصغر بن شير كنده بن شبيرزيل الأكبر بن شيران شاه بن شيرويه بن سنان بن شيش فيروز بن شيروزيل بن شيسناد ابن بهرام جور الملك بن يزدجرد الملك بن سابور ذي الأكتاف فهم من الفرس، وإنما نسبوا إلى الديلم لطول مقامهم ببلادهم، ولذلك لم نذكرهم عند ذكرنا لأخبار الدولة الديلمية الجيلية.\rوأما ابتداء حال بويه فقد نقل جماعة من المؤرخين أنه كان صيّاداً يعيش من صيد السمك، ثم تنقلت به الحال إلى أن خدم جندياً، وخرج مع الناصر للحق الحسن بن علي العلوي، وكان يلحظه بعين التقدّم لشجاعته، وكان له خمسة أولاد المشهور منهم ثلاثة، وهم: عماد الدولة أبو الحسن علي، وركن الدولة أبو علي الحسن، ومعزّ الدولة أبو الحسين أحمد، فهؤلاء الذين ملكوا البلاد على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وكان له ابنان غير هؤلاء، وهما: محمد، وإبراهيم قتل أحدهما مع الناصر للحق، والآخر مع الحسن بن القاسم الداعي.\rوحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل:","part":7,"page":212},{"id":3223,"text":"أن زوجة بويه ماتت، وخلفت له ثلاثة بنين، فاشتد حزنه عليها، فحكى شهريار رستم الديلمي قال: كنت صديقاً لأبي شجاع بويه، فدخلت إليه يوماً، فعذلته على كثرة حزنه، وقلت له: أنت رجل تحتمل الحزن، وهؤلاء المساكين أولادك يهلكهم الحزن، وسليته جهدي، وأخذته ففرحته، وأدخلته، ومعه أولاده إلى منزلي، فأكلوا طعاماً، وشغلته عن حزنه، فبينهما هم كذلك إذ اجتاز بنا رجل يقول عن نفسه: إنه منجم، ومعزم، ومعبر للمنامات، ويكتب الرّقى والطلَّسمات، وغير ذلك، فأحضره أبو شجاع ، وقال له: رأيت في منامي كأني أبول، فخرج من ذكرى نار عظيمة استطالت، وعلت حتى كادت تبلغ السماء، ثم انفرجت، فصارت ثلاث شعب، وتولَّد من تلك الشعب عدة شعب، فأضاءت الدنيا بتلك النيران، فرأيت البلاد والعباد خاضعين لتلك النيران، فقال المنجم: هذا منام عظيم لا أفسره إلا بخلعة وفرس وركب، فقال أبو شجاع: والله ما أملك إلا الثياب التي على جسدي، فإن أخذتها بقيت عرياناً، قال المنجم: فعشرة دنانير قال: والله لا أملك ديناراً، فكيف عشرة، فأعطاه شيئاً، فقال المنجم: إعلم إنه يكون لك ثلاثة أولاد يملكون الأرض ومن عليها، ويعلو ذكرهم في الآفاق كما علت تلك النار، ويولدهم جماعة ملوك بقدر ما رأيت من تلك الشعب، فقال أبو شجاع: أما تستحي؟ تسخر بنا؟ أنا رجل فقير، وهؤلاء أولادي فقراء مساكين كفيف يصيرون ملوكا؟ فقال له المنجم: أخبرني عن وقت ميلادهم، فأخبره، فجعل يحسب ثم قبض على يد أبي الحسن علي فقبلها، وقال هذا والله الذي يملك البلاد، ثم هذا من بعده. ثم قبض على يد أخيه أبى علي الحسن، فاغتاط منه أبو شجاع، وقال لأولاده: اصفعوا هذا الحكيم، فقد أفرط في السخرية بنا فصفعوه، وهو يستغيث،ونحن نضحك منه، ثم أمسكوه، فقال: اذكروا لي هذا إذا قصدتكم، وأنتم ملوك، فضحكنا منه وأعطاه أبو شجاع عشرة دراهم. ثم اتفق خروج جماعة من الديلم لملك البلاد. منهم: ما كان بن كالى، وليلى بن النعمان، وأسفار بن شيرويه. ومرداويج بن زياد، وخرج مع كل واحد منهم خلق كثير من الديلم، وخرج أولاد أبي شجاع في جملة من خرج مع ماكان بن كالى. فلما استولى مرداويج على ما كان بيد ماكان من طبرستان وجرجان، وضعف ما كان، وعجز، قال له عماد الدولة، وركن الدولة: نحن في جماعة، وقد صرنا ثقلاً عليك وعيالاً، وأنت مضيَّق عليك، والأصلح لك أن نفارقك؛ لنخف عليك مئونتنا، فإذا صلح أمرك عدنا إليك، فأذن لهما. فسار إلى مرداويج، واقتدى بهما جماعة من قواد ما كان، وتبعوهما، فلما صاروا إليه قبلهم أحسن قبول، وخلع على ابني بويه، وأكرمهما، وقلد كلَّ قائد من قواد ما كان الواصلين إليه ناحية من نواحي الجبل، فقلد على بن بويه الكرج.\rأخبار عماد الدولة\rأبي الحسن علي بن بويه وابتداء الدولة البويهية كان عماد الدولة قد خرج مع أبيه في جيش الناصر للحق، ثم تنقلت به أمور في خدمة الملوك، ودخل إلى خراسان كرَّتين، صار من أصحاب ما كان، ثم فارقه إلى مرداويج بن زيار، ومعه أخواه، فولاه مرداويج الكرج، وقلد جماعة القواد المستأمنة الأعمال، وكتب لهم العهود، وساروا إلى الري، وبها وشمكير بن زيار أخو المرداويج، ومعه الحسين بن محمد الملقب بالعميد، وهو والد أبي الفضل الذي وزر لركن الدولة بن بويه، فلما وصل عماد الدولة إلى الرىّ عرض بغلة للبيع، فبلغت ألفي وثمانمائة درهم فعرضت على العميد، فاستجادها، وقصد أن يبتاعها، فخلف عماد الدولة أنه لا يأخذ لها مناً، وتابع بعد ذلك مواصلة العميد وبره، فبلغ عنده مبلغاً عظيماً، وتمكن منه.","part":7,"page":213},{"id":3224,"text":"قال: وكان مرداويج قد تعقب رأيه في تولية عماد الدولة الكرج، وفي تولية القواد المستأمنة إليه لقرب عهدهم بصحبة ما كان، فكتب إلى أخيه، وإلى العميد: بأن يمنعا عماد الدولة من النفوذ إلى الكرج إلا أن يكون قد فات، وكان الرسم جارياً أن يقرأ العميد الكتب، ثم يوقف وشمكير عليها بعد ذلك، فلما قرأها بعث إلى عماد الدولة يأمره أن يبادر بالخروج إلى عمله، فسارع إلى ذلك، ثم رض العميد الكتب على وشمكير، فعول من الولاة من لم يمض إلى عمله، وأبقى عماد الدولة. قال: وتسلم عماد لدولة الكرج، وأخذ في الإفضال على الرجال، وعلى عمل البلد، فكانت كتب العامل تمضي إلى الرىّ يشكره، ثم فتح قلاعاً كانت باقية في أيدي الخرّمية، وأخذ منها أموالاً جمة، وغنائم كثيرة، وصرف أكثرها في جمع الرجال عليه واستجلابهم.\r؟؟خروج عماد الدولة بن بويه عن طاعة مرداويج، ومخالفته له، وملكه أصفهان\rكان سبب ذلك أن عماد الدولة لما تحقق قدم مرداويج على ولايته احتاط لنفسه،وأخذ في جمع الرجال، والإنعام عليهم، وهو في ذلك يظهر طاعة مرداويج، واتفق أن مرداويج سبب لبعض قواده على الكرج بمال، فأنعم عماد الدولة على أولئك القواد، واستمالهم، فمالوا إليه، وباطنوه، فلما وثق منهم أعلن بخلع مرداويج، وبايعه الواد، فخرج بهم عماد الدولة من الكرج عد أن استفى أمواله، وقصد أصفهان، وعرض أصحابه، فكانوا ثلاثمائة رجل، لكنهم منتجبون مسنظهرون في العدة، وسار إليها، وبها أبو الفتح المظفر بن ياقوت والياً للحرب، وأبو علي رستم والياً للخراج، وهما من قبل الخليفة، وكاتبهما عماد الدولة أن يدخل معهما في خدمة لسلطان، فامتنعا من ذلك، اتفق فيغضون ذلك، وفاة رستم، فنزل عماد الدولة بجوزنجان، وهي قرية على ثلاث فراسخ من أصفهان، وبرز إليه أبو لفتح بن ياقوت في ألوف من الرجال من جملتهم ستمائة ديلمى، فاستأمن إلى عماد الدولة منهم أربعمائة رجل، وانفصل المائتان الأخر لاحقين بما كان، وهو يومئذ بكرمان، وانهزم ابن ياقوت بعد حرب شديدة، ودخل عماد الدولة أصفهان في يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وكانت أصفهان أول شيء استولى عليه عماد الدولة بن بويه. والله أعلم.\r؟استيلائه على أرجان وغيرها، وملك مرداويج أصفهان\rقال: ولما بلغ مرداويج خبر الوقعة خاف جانب عماد الدولة، وأهمّه أمره، فشرع في إعمال الحيلة، فراسله يعاتبه، ويستميله ويطلب منه أن يظهر طاعته ليمده بالعساكر الكثيرة، لفتح بها البلاد، ولا يكلفه سوى الخطبة له في البلاد التي يستولي عليها، ولما سير الرسل جهز أخاه وشمكير في عسكر ضخم ليكبسس عماد الدولة، وهو مطمئن، فنمى الخبر إلى عماد الدولة، فارتحل عن أصبهان بعد أم أقام بها نحواً من شهر، وتوجه إلى أرَّجان وبها أبو بكر محمد بن ياقوت، فانهزم أبو بكر عنها إلى رامهرمز من غير حرب، ودخلها عماد الدولة، واستخرج منها أموالاً وانفقها في جيشه، ثم وردت على بن بويه كتب من أبي طالب زيد بن علي النوبندجاني يستدعيه إلى شيزار مدينة بلاد فارس، ويهون عليه أمر أميرها ياقوت، وكان ياقوت في جيش كثير العدد من قبل الخليفة، فسار عماد الدولة إلى قرية تعرف بالخوان دان، فسار إليه ياقوت، ووردت مقدمته في ألفي رجل، فوافاهم عماد الدولة بالنوبند جان. وذلك في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، فلم يثبتوا له، وانهزموا إلى مكان يقال له: الكركان، ووافاهم ياقوت بهذا الموضع، وأقام عماد الدولة أربعين يوماً في ضيافة زيد بن علي النوبند جاني. وكان مبلغ ما خسر عليه في هذه المدة مائتي ألف دينار، ثم سار بعد ذلك إلى اصطخر، وسار ياقوت وراءه يتبعه، حتى انتهى إلى قنطرة على طريق كرمان، فسبقه ياقوت إليها، ومنعه عن عبورها واضطره إلى الحرب.\r؟الاستيلاء على شيراز","part":7,"page":214},{"id":3225,"text":"قال: ولما بقه ياقوت إلى القنطرة اضطر إلى محاربته، وابتدأت الحر بينهما في يوم الثلاثاء لأبع عشرة ليلة بيت من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، واستمرت إلى يوم الخميس، فأحضر عماد الدولة أحابه،ووعدهم الجميل، وأنه يترجل معهم عند الحرب، وكان من سعادته أن جماعة من أصحابه استأمنوا إلى ياقوت، فضرب ياقوت أعناقهم، فأيقن من بقي مع عماد الدولة بن بويه أنه لا أمان لهم عند ياقوت، فقاتلوا قتال من استقتل، ثم قدم ياقوت أمام أصحبه رجالة كثرة يقاتلون بقوارير النفط؛ ليحرقوا أتراس الديلم، فلما رموا النار انقلبت الريح، فصارت في وجوههم، واشتدت فعادت النار عليهم، وتعلقت في ثيابهم ووجوهم، فاختلطوا وركبهم أصحاب بن بويه، فقتلوا أكثر الرجّالة، وخالطوا الفرسان، فكانت الهزيمة على ياقوت وأصحابه. ولما انهزم أصحاب ياقوت صعد على نشز مرتفع. ونادى في أصحابه الرَّجعة الرَّجعة، فاجتمع إليه نحو أربعة آلاف فارس، فقال لهم اثبتوا فإن الديلم يشتغلون بالنهب، ويتفرقون، فنأخذهم، فثبتوا معه، فلما رأى بن بويه ثباتهم نهى أصحابه عن النهب، وقصد ياقوت، فانهزم ياقوت منه، واتبعه أصحاب بن بويه يقتلون، ويأسرون، ويغنمون،ثم رجعوا إلى السواد، فغنموه، ووجدوا فيه برانس لبود عليها أذيال الثعلب، ووجدوا قيوداً وأغلالاً فسألوا عنا، فقال أصحاب ياقوت: إن هذه كانت أعدت لكم لتجعل عليكم، ويطاف بكم في البلاد، فأشار أصحاب بن بويه عليه، أن يفعل ذلك بأصحاب ياقوت، فامتنع عماد الدولة، وقال: إنه بغى ولؤم، وقد لقى ياقوت بغيه، ثم أحسن إلى الأساري، وأطلقهم وقال: هذه نعمة والشكر عليها يقتضي المزيد، وخيَّر الأساري بين المقام عنده، واللحاق بياقوت، فاختاروا المقام عنده، فخلع عليهم، وأحسن إليهم، وسار من موضع الوقعة، حتى أتى شيراز، ونادى في الناس بالأمان، وبث العدل، وأقام رشحنة تمنع من الظلم، واستولى على تلك البلاد.\rواقعة غيبة\rاتفقت لعماد الدولة كانت سبب ثبات ملكه وقيام دولته قال: ولما دخل عماد الدولة شيراز طلب الجند أرزاقهم، فلم يكن عنده ما يعطيهم، وكاد أمره ينحل، فجلس في غرفة في دار الإمارة بشيراز، وهو يفكر في أمره فرأى حية خرجت من موضع في سقف تلك العرفة، ودخلت في بخش هناك، فخاف أن تسقط عليه، فدعا الفراشين، ففتحوا ذلك الموضع، فرأوا وراءه بابا، فدخلوا منه إلى غرفة أخرى، فإذا فيها عشرة صناديق مملوءة نالا ومصاغا،فكان فيها ما قيمته خمسمائة ألف دينار، فأنفقها،وثبت ملكه بعد أن كان قد أشرف لى الزوال.\rوحكى. أنه أراد أن يفصل ثياباً، فدلوه على خياط كان لياقوت، فأحضره؛ فحضر خائفاً،وكان أصم، فقال له عماد الدولة لا تخف، فإنما أحضرتك لتفصل لنا ثياباً، فلم يفهم الخياط ما قال، فابتدأ وحلف بالطلاق والبراءة من دين الإسلام أن الصناديق التي عنده لياقوت ما فتحها، ولا علم ما فيها،فعجب عماد الدولة من هذا الاتفاق، وأمره بإحضارها،فأحضر ثمانية صناديق فيها أموال وثياب، قيمة ما فيها ثلاثمائة ألف دينار، ثم ظهر له من ودائع ياقوت، وخائر عمرو، ويعقوب ابني الليث جملة كبيرة، فامتلأت خزائنه، وثبت ملكه.\r؟تولية عماد الدولة\rمن قبل الخليفة","part":7,"page":215},{"id":3226,"text":"قال: ولما تمكّن عماد الدولة من شيراز، وبت ملك ببلاد فارس، كتب إلى الخليفة الراضي بالله، وإلى وزيره أبى علي بن مقلة يعرفهما أنه على الطاعة، ويطلب أن يقاطع على ما بيده من البلاد، وبذل ألف ألف درهم، فأجيب إلى ذلك، وتقدّمت إليه لخلع، وشرطوا على الرسول ألاَّ يسلم إليه لخلع إلا بعد قبض المال. فلما وصل الرسول خرج عماد الدولة إلى لقائه، وطلب منها الخلع واللواء، فذكر له ما اشترط علي،فأخذها منه قهراً، ولبسها، ونشر اللواء، ودخل البلد، وغالط الرسول بالمال، فمات الرسول عنده في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. وقال: ولما سمع مرداويج ما حصل لعماد الدولة ابن بويه قام لذلك وقعد، فسار إلى أصفهان للتدبير عليه، وعزم على الخروج إليه بنفسه، فبلغ عماد الدولة ذلك، فبادر بمكاتبته، وسأله إقراره على بلاد فارس على أن يقيم له الدعوة، ويضرب باسمه السِّكة، وينفذ إليه أخاه ركن الدولة بن بويه رهينة، فقل ذلك منه، واعتقل ركن الدولة، فلما صار في اعتقاله لم يكن بأسرع أن اتفق قتل مرداويج على ما قدمنا ذلك في أخبار مرداويج، فهرب ركن الدولة بمواطأة من سجانه، وخرج إلى الصحراء ليفك قيوده، فأقبلت بغالٌ عليها تبن، ومعها بعض أصحابه وغلمانه، فلما رأوه ألقوا التبن، فكسروا قيوده، وحملوه إلى أخيه عماد الدولة بفارس وفي سنة خمس وعشرين وثلاثمائة تسمى عماد الدولة شاهنشاه، ولبس تاجاً من الذهب مرصعاً بالجواهر، وجلس على السرير.\rوفاة عماد الدولة\rبن بويه وملك بن أخيه عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه كانت وفاته في جمادى الآخرة، وقيل توفى لأربع عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين، وكانت علته قرحة في كلاه طالت به، وتوالت عليه الأسقام والأمراض، ولما حس بالموت أنفذ إلى أخيه ركن الدولة أن ينفذ إليه عضد الدولة فناخسروا ولده ليجعله وليَّ عهده، ووارث ملكه بفارس؛ لأن عماد الدولة لم يكن له ولد ذكر، فأنفذه ركن الدولة، فوصل قل وفاته بسنة، فخرج عماد الدولة إلى لقائه في جميع عساكره، وأجلسه على سرير، ووقف عماد الدولة بين يديه، وأمر الناس بطاعته، والانقياد إليه، وقبض على من كان يخاف منه من القواد ثم توفي عماد الدولة بعد ذلك بسنة، فكانت مدة مملكته لبلاد فارس سنة وعشرة أشهر وعشرين يوماً، وكان عمره ما بين ثمانية وخمسين سنة إلى تسع وخمسين، وقيل سبعة وخمسين ودفن بدار المملكة بشيراز، وكان شجاعاً عاقلاً كريماً مجرباً حسن السياسة عظيم القدر، ووزر له في ابتداء أمره أبو سعيد إسرائيل بن موسى النصراني إلى أن قتل، ثم وزر أبو العباس أحمد بن محمد إلى أن مات عماد الدولة.\rوحجابه: خطلخ إلى أن قتل، ثم سباسى حتى توف، ثم بارس إلى أن توفى عماد الدولة،ولما مات عماد الدولة استقر عضد الدولة في الملك بعده ببلاد فارس، ثم كان من أمرهما نذكره إن شاء الله تعالى في الطبقة الثانية من بني بويه، وكان عماد الدولة هو الأسن الأكبر من بني بويه. والمشار إليه بينهم،فلما مات صار أخوه ركن الدولة أمر الأمراء. وكان معز لدولة هو المستولي على العراق، وهو كالنائب عنهما.\rأخبار ركن الدولة\rأبى لي الحسن بن بويه كان ركن الدولة في خدمة أخيه عماد الدولة يندبه في مهماته وأشغله، وجهزه وهو في حرب ياقوت في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة إلى كازرون، وغيرها من أعمال فارس، فاستخرج منها أموالاً جليلة، فأنفذ ياقوت عسكراً إليه لمنعه من ذلك، فقاتلهم وهزمهم، وهو في نفر يسير، وعاد إلى أخيه بالغنائم والأموال، ثم جهزه عماد الدولة رهينة عند مرداويج في سنة ثلاث وعشرين كما ذكرناه، فلما خلص بعد مقتل مرداويج، والتحق بأخيه عماد الدولة جهزه بالعساكر إلى أصفهان، فاستولى عليها،وأزال عنها وعن عدة من بلاد الجبال نواب وشمكير،وجهز العساكر نحوه، فبقيا يتنازعان ملك تلك البلاد، وهي أصفهان، وهمدان، وقم، وقاجان، وكرج، والرىّ، وكنكور، وقزوين، وغيرها، ثم استولى ركن الدولة على أصفهان، وملكها فيسنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وملك الرى في سنة ثلاثين.\rملك ركن الدولة\rبن بويه طبرستان وجرجان","part":7,"page":216},{"id":3227,"text":"وفي سنة ست وثلاثين وثلاثمائة في شهر ربيع الأول اجتمع ركن الدولة، والحسن بن فيرزان، وقصدا بلاد وشمكير، فالتقيا به؛ فانهزم وشمكير، وملك ركنالدولة طبرتان،وار منها إلى جرجان، فملكها، واسأمن إليه من قواد وشمكير مائة وثلاثة عشر قائداً، فأقام الحسن بن الفيرزان بجرجان، ومضى وشمكير إلى خراسان يستنجد بالسامانية، واتفقت وفاة الأمير عماد الدولة، فسار ركن الدولة لتقرير أمر والده عضد الدولة بفارس، فسار منصور ابن قراتكين صاحب جيش الأمير نوح بن نر الساماني إلى الرى، ودخلها، وأخرج نائب ركن الدولة منها، وورد سجل منالخليفة المطيع لله بتقليد ركن الدولة إمرة الأمراء موضع عماد الدولة،فقبله، وانصرف إلى الرىّ، ففارقها نصور بن قراتكين قبل وصول ركن الدولة إليها، وسار إلى أصفهان، ثم رحل منها، فنزل طرف مفازة بها على النهر المعروف بور بروديم، ثم رحل عنه، والتقى مع ركن الدولة على الروذبار، والنهر يحجز بينهما؛ لكنه نهر يخاض، فأقامت الحرب بينهما سبعة أيام، م عر منصور النهر بجيوش، والتقوا من وقت العصر إلى صدر من الليل، ثم سار منصور في بقية من الليل إلى الرىّ، وقدم ركن الدولة مقدمته نحو قاجان، فلما وصل إليها بلغه وفاة منصور بالرى، فسار إليها، ودخلها إليها، ودخلها بغير قتال وتجهز منها لحرب وشمكير لأنه الذي أغرى بينه، وبين صاحب خراسان، فالتقيا على باب الرى بجبل طبرك، وتواصلوا أربعة أشهر حتى سقط الثلج،فرجع وشمكير، ثم اتفقت وفاته، وقيام والده بهسيتون في الملك بعده، فدخل في طاعة ركن الدولة، فزال الخوف، وحصل الأمن واست الأمر على ذلك إلى سنة خم وستين وثلاثمائة.\rما قرره ركن الدولة بين بنيه وما أفرده لكل منهم من الممالك\rوفي سنة خمس وستين وثلاثمائة سار ركن الدولة من الرى إلى أصفهان، واستدعى ولده عضد الدولة من بلاد فارس، وجمع سائر أولاده، وحواشيهم، فقسم ركن الدولة ممالكه على أولاده، فجع لإبنه عضد الدولة بلاد فارس، وجعله الملك على جماعة البيت بعد أن أوصاه على إخوته، وعلى بن عمه عز الدولة بختيار بن معز الدولة، فإن معز الدولة كان قد توفى، وملك ابنه بختيار بهده على ما نذكره إن شاء اله تعلى، وسلم ركن الدولة إلى عضد الدولة أخاه الأصغر خسرو فيروز، وجعل لمؤيد الدولة، وهو شقيق عضد الدولة بلاد الرى، وأصفهان، وقم، وقزوين، وزنجان، وأبهر، وما والاها، وأفرد لفخر الدولة همذان، والدينور، والإيغارين وما اتصل بهم، واستحلف الأخوين على طاعة عضد الدولة، واستحلف عضد الدولة عى الوفاء لهما، وكتب الكتاب بينهم ذو الكفايتين أبو الفتح بن العميد، ومات ركن الدولة عقيب ذلك.\rوفاة ركن الدولة\rبن بويه وشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته بالى في ليلة السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ست وستين وثلاثمائة، وقد زاد على سبعين سنة، وقيل أقل من ذلك، وكانت مدة إمارته أربعاً وأربعين سنة، وكان رحمه الله حليماً كريماً كير البذل للمال، حسن السياسة لرعيته وجنده، رؤوفاً بهم عادلاً في الحكم بينهم بعيد الهمة متحرجاً من المظالم مانعاً لأصحابه من الظلم عفيفاً عن الدماء، وكان يجرى الأرزاق على أهل البيوتات، ويصونهم عن التبذل، وكان يقصد المساجد الجامعة في أشهر الصيام للصلاة، وينتصب لرد المظالم، ويتعهد العلويين بالأموال الكثيرة، ويتصدق على ذو الحاجات، ويلين جانبه للخاص والعام، وحكمي عنه: أنه سار في بعض أسفاره، ونزل في خركاة قد نصبت له قبل أصحابه، وقدم إليه الطعام، فقال لبعض أصحابه لأي شيء قيل في المثل: خير الأشياء في القرية الإمارة، فقال: لقعودك في الخركاة، ولهذا الطعام بين يديك، وأنا لا خركاة، ولا طعام، فضحك، وأعطاه الخركاة، والطعام.\rومن محاسن أفعاله ما فعله من نصرة بختيار بن أخيه معز الدولة على ابنه عضد الدولة على ما نكره في أخبار عز الدولة بختيار.\rوكان له من الأولاد: عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو، وفخر الدولة أبو الحسن علي، ومؤيد الدولة أبو منصور بويه، وأبو العباس خسرو فيروز.\rوزراؤه: أول من وزر له: الأستاذ أبو الفضل أحمد بن العميد إلى أن توفي في سنة تسع وخمسين، فاستوزر بعده ولده ذا الكفايتين أبا الفتح محمد، وهو اثنتين وعشرين إلى أن توفي ركن الدولة.\rمعز الدولة بن بويه","part":7,"page":217},{"id":3228,"text":"هو أبو الحسين أحمد بن بويه، ومعز الدولة أصغر إخوته سناً، وأكثرهم سعادة، وأوسعهم ملكا، وكان في ابتداء أمره مع أخيه عماد الدولة، وحضر معه المصاف الذي بينه، وبين ياقوت في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وهو صبي لم تنبت لحيته، وعمره تسع عشرة، وكان في ذلك اليوم من أحسن الناس أثراً في الحرب.\rمسيره إلى كرمان\rوزوال يده في الحرب، وما تفق له وفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة سار إلى معز الدولة إلى كرمان، وسبب ذلك أن أخويه: عماد الدولة، وركن الدولة لما تمكنا من بلاد فارس، وبلاد الجبل، وبقي هو، وهو الأصغر بغير ولاية يستبد بها رأيا أن يسيراه إلى كرمان، فسار إليها في عسكر ضخم، فلما بلغ السيرجان استولى عليها، وجبي أموالها، وأنفقها في عسكره، وكانت عساكر نصر بن أحمد الساماني صاحب خراسان تحاصر محمد بن إلياس بن اليسع بقلعة هناك، فلما بلغهم إقبال معز الدولة، ساروا عن كرمان إلى خراسان، فتخلص محمد بن إلياس من القلعة، وسار إلى مدينة قم، وهي على أطراف المفازة بين كرمان، وسجستان، فسار إليه معز والدولة، فرحل عن مكانه إلى سجستان بغير قتال، فسار ابن بويه إلى جيرفت وهي قصبة كرمان، واستخلف ثم بعض أصحابه، فلما قارب جيرفت أتاه رسول على الديحي المعروف بعلي كلويه، وهو رئيس القفص البلوص، وكان هو وأسلافه متغلبين على تلك الناحية إلا أنهم يجاملون كل سلطان يرد البلاد، ويطيعونه، ويحملون إليه مالاً معلوما ولا يطئون بساطه، فبذل لابن بويه ذلك المال، فامتنع من قبوله إلا بعد دخول جيرفت، فتأخر علي كلوية نحو عشرة فراسخ، ونزل بمكان صعب المسلك، ودخل ابن بويه جيرفت، وصالح علي كلويه، وأخذ رهائنه، وحطب له، فلما استقر الصلح بينهما أشار بعض أصحاب ابن بويه عليه بقصد علي والغدر به، وهون عليه أمره، وأطعمه في أمواله، وقال له: إنه قد ترك الاحتراس، وسكن إلى الصلح، فأجابه إلى ذلك، وركب نحوه جريدة، وكان علي متحرزاً قد وضع العيون على ابن بويه، فعندما تحرك للمسير بلغه ذلك، فجمع أصحابه، وكمنهم بمضيق على الطريق، وأسروا، ولم يلفت إلا اليسير، وجرح معز الدولة عدة جراحات، وأصابته ضربة في يده اليسرى، فقطعتها من نصف الذراع، وأصابت ضربة يده اليمنى ضربة أخرى، فسقط بعض أصابعه، وسقط إلأى الأرض، وقد أثخن بالجراح، وبلغ الخبر إلى جيرفت، فهرب من بها من أصحابها، ولما أصبح على كلويه تبع القتلى، فرأى الأمير أبا الحسين وقد أشرف على التلف، فحمله إلى جيرفت، وأحضر له الأطباء، وبالغ في علاجه، واعتذر إليه، وأنفذ رسله إلى عماد الدولة بالاعتذار، ويعرفه غدر أخيه، ويبذل من نفسه الطاعة، فأجابه عماد الدولة إلى ما بذله، واستقر بينهما الصلح، وأطلق كل من عنده من الأسرى، وأحسن إليهم، ووصل الخبر إلى محمد بن إلياس بما جرى على ابن بويه، فسار من سجستان إلى جنَّابه، فتوجه إليه معز الدولة، وواقعه، ودامت الحرب بينهما عدة أيام، فانهزم ابن إلياس، وعاد ابن بويه بالظفر، وسار إلى علي كلويه لينتقم منه، فلما قاربه أسرى على أصحابه الرجّالة، فكسبوا عسكره ليلاً في ليلة شديدة المطر، فأسروا منهم، وقتلوا، ونهبوا وعادوا، فلما أصبح أبن بويه، سار نحوهم، فقتل منهم عددا كثيرا، وانهزم عليَ، وكتب معز الدولة إلى أخيه عماد الدولة بما جرى له معه، ومع ابن إلياس، فأمره أخوه بالوقوف مكانه، ولا يتجاوزه، وأنفذ إليه قائدا من قواده يأمره بالعود إليه إلى فارس، ويلزمه بذلك، فعاد إلى أخيه، وأقام عنده باصطخر إلى أن قصدهم أبو عبد الله البريدي منهزماً من ابن رائق وبجكم، وأطمع عماد الدولة في العراق، فسير معه معز الدولة كما قدمنا ذكر ذلك في أخبار الدولة العباسية في أيام الراضي بالله.\rاستيلاء معز الدولة على الأهواز","part":7,"page":218},{"id":3229,"text":"كان مسير معز الدولة بن بويه إلى الأهواز في سنة ست وعشرين وثلاثمائة للسبب الذي قدمناه، فسار إليه، ومعه أبو عبد الله البيدي، وكان بها بجكم الرائقي، فسار لحربهم، وقاتلهم بأرجان، فانهزم منهم إلى الأهواز، وأقام بها ثلاثة عشر يوما، ثم انهزم إلى تستر، وسار إلى واسطن واستولى معز الدولة والبريدي على الأهواز، وأقلعا بها خمسة وثلاثين يوما، ثم هرب البريدي خوفا على نفسه من معز الدولة، فكاتبه يعيب عليه ذلك، ويعته، فاعتذر البريدي إليه أنه خاف على نفسه، وطلب من معز الدولة أن يفرج عن الأهواز؛ ليتمكن من ضمانه، وطلب من معز الدولة أن يفرج على الأهواز؛ ليتمكن من ضمانه، فإنه كان قد ضمن الأهواز، والبصرة من عماد الدولة في سنة بثمانية عشر ألف درهم، فرحل عنها إلى عسكر مكرم خوفا من أخيه لئلا يقول له: كسرت المال، ثم أنفذ إليه البريدي ثانيا يذكر خوفه منه، ويطلب منه أن ينتقل إلى السوس ليبعد عنه، ويأمن هو الأهواز، فحذره أصحابه، وخوفوه غدر البريديّ، فامتنع من إجابته إلى ذلك، وكتب إلى أخيه عماد الدولة، فأنفذ إليه جيشا، فقوي بهم، واستولى على الأهواز، وهرب البريدي إلى البصرة، وأقام معز الدولة بالأهواز، وقصد البصرة وواسط، وعاد عنهما، ولم يزل كذلك إلى أن استولى على بغداد.\rاستيلائه على بغداد\rوتلقيبه وتلقيب اخوته من ديوان الخلافة كان استيلاء معز الدولة على بغداد في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة في خلافة المستكفي بالله، وسبب ذلك أن ابن شيرزاد لما استولى على إمرة الأمراء ببغداد بعد وفاة توزون، على ما قدمناه في أخبار الدولة العباسية في أيام المستكفي بالله، استعمل ينال كوشه على واسط، فكاتب معز الدولة، وهو بالأهواز، ودخل في طاعته، واستقدمه، فسار إليه، وقصد بغداد، فلما فارقها استتر المستكفي بالله وابن شيرزاد، وخرج الأتراك من بغداد إلى الموصل، فلما أبعدوا ظهر المستكفي بالله، وقدم معز الدولة أبا محمد الحسن ابن محمد المهلبي إلى بغداد، فاجتمع بالخليفة، فأظهر السرور بمقدم ابن بويه، وأعلمه أنه إنما استتر ليتفرق الأتراك، ويحصل الأمر لمعز الدولة بغير قتال، ووصل معز الدولة إلى بغداد في حادي عشر جمادى الأولى من السنة، ونزل بباب الشمّاسيه، ودخل من الغد إلى الخليفة، وبايعه، وحلف له، ولقبه الخليفة بمعز الدولة، ولقب أخاه أبا الحسن عليّاً عماد الدولة، ولقب أبا علي الحسن ركن الدولة، وأمر بضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم، وخلع الخليفة على معز الدولة، وطوّقه، وسوّره، وفوض غليه ما وراء بابه، وعقد له لواء، وأمر بالخطبة له على المنابر، وسأل معز الدولة الخليفة أن يأذن لابن شيرزاد في الظهور، وأن يأذن له أن يستكتبه، فأجابه إلى ذلك، فظهر ابن شيرزاد، ولقي معز الدولة، فولاه أمر الخراج، وجباية الأموال، ونزل معز الدولة بدار مؤنس، ونزل أصحابه في دور الناس، فلحق الناس لذلك شدة عظيمة، وصار رسما عليهم، وهو أول من فعله ببغداد، ولم يعرف بها قبله، وأخذ معز الدولة في مضايقة الخليفة، والحجر علي، حتى في نفقته، ورتب له في كل يوم خمسة آلاف درهم، فكانت ربما تأخرت عنه، فأفرد له ضياعا، وسلمت إليه فولاها من قبله، ولم يبق حكم في غيرها، ثم خلعه معزُّ الدولة على ما ذكرناه لثمان بقين من جمادى الآخرة. وبايع المطيع بالله.\rالحرب بين معز الدولة، وناصر الدولة بن حمدان","part":7,"page":219},{"id":3230,"text":"وفي شهر رجب سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة سيَّر معز الدولة عسكرا مقدمهم ينال كوشه وموسى قيادة على مقدمته نحو الموصل، فلما نزلوا عكبرا أوقع ينال كوشه بموسى، ومضى هو ومن معه إلى ناصر الدولة، وكان قد خرج من الموصل يريد العراق، فوصل إلى سامرا في شعبان، ووقعت الحرب بينه وبين أصحاب معزِّ الدولة بعكبرا، فسار معز الدولة هو والمطيع لله إلى عكبرا في شهر رمضان، فلما سار عن بغداد التحق ابن شيرزاد بناصر الدولة، وعاد إلى بغداد مع عساكره لناصر الدولة يحارب معز الدولة، فلما كان في عاشر رمضان، سار ناصر الدولة من سامرا إلى بغداد، وأقام بها، فسار معز الدولة إلى تكريت، وكانت لناصر الدّولة، فنهبها، وعاد هو والخليفة إلى بغداد، ونزلا لناصر الدولة، فنهبها، وعاد هو والخليفة إلى بغداد، ونزلا بالجانب الغربي، وناصر الدولة بالشرقي. ثم وقعت الحرب بينهم ببغداد، وانتشرت أعراب ناصر الدولة بالجانب الغربي فمنعوا أصحاب معزِّ الدولة من الميرة والعلف، فقلت الأسعار على الديلم، وضاق الأمر على معزِّ الدولة، حتى عزم على الرجوع إلى الأهواز، وقال: نعمل معهم حيلة، فإن أفادت، وألا عدنا، فراتب ما معه من المعابر بناحية التمارين، وأمر وزيره أبا جعفر الصيمري، واسفهدوست بالعبور، ثم أخذ معه بقية العسكر، وأظهر أنه يريد قطربل، وسار ليلا، ومعه المشاعل على شاطئ دجلة، فسار أكثر عسكر ناصر الدولة بازائه ليمنعوه من العبور، فتمكن الصيمري ومن معه العبور، فعبروا فلما علم معز الدولة بعبور أصحابه عاد إلى مكانه: فعلموا بحيلتهن فلقيهم ينال كوشه في جماعة من أصحاب ناصر الدولة، فهزموه واضطراب العسكر الحمداني، وانهزموا، وتبعهم ناصر الدولة، وملك الديلم الجانب الشرقيَّ، وعاد الخليفة إلى داره. وذلك في المحرم سنة خمس وثلاثين، ونهب الديلم أموال الناس ببغداد، وكان مقدار ما نهبوه من أموال المعروفين دون غيرهم عشرة آلاف ألف دينار، وأمرهم معز الدولة برفع السيف، والكف عن النهب، وأمر الناس، فلم ينتهوا، فأمر وزيره الصيمري، فركب ببغداد، وقتل وصلب جماعة، وطاف بنفسه، فامتنعوا، واستقر معز الدولة ببغداد، وأقام ابن حمدان بعكبران فأرسل في الصلح بغير مشورة الأتراك التوزونية، فهموا بقتله، في شهر المحرم سنة خمس وثلاثين.\rاقطاع البلاد وتخريبها\rوفي سنة أربع وثلاثين أيضا شغب الجند على الأمير معز الدولة، وأسمعوه المكروه؛ بسبب أرزاقهم، فوعدهم إلى مدة، فاضطر إلى أخذ الأموال من غير وجهها، ثم اقطع القرى جميعها التي كانت للسلطان، وأحاب الأملاك، فبطل لذلك أكثر الدواوين، وكانت البلاد قبل ذلك قد خربت من الاختلاف والغلاء، فأخذ القواد القرى العامرة، فازدادت ما أخذوا خرابا، واختلت البلاد بسبب ذلك، وتعذر على معز الدولة جمع ذخيرة للنوائب، وأقطع معز الدولة غلمانه على الأتراك، وزادهم على الديلم، فوقع بينهم بسبب ذلك الوحشة والمنافرة، والله أعلم بالصواب.\rاستيلاؤه على البصرة\rكان معز الدولة قد ضم البصرة وأعمالها لأبي القاسم بن البريدي في سنة أربع وثلاثين، ووقع الاختلاف بينهما في سنة خمس وثلاثين، فأرسل إليه معز الدولة جيشا، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم أصحاب ابن البريدي، ثم سار معز الدولة هو، والخليفة المطيع لله إلى البصرة في سنة ست وثلاثين لاستعادتها من ابن البريدي، وسلكوا البرية إليها، فلما وصل الدرهمية استأمن إليه عساكر ابن البريدي، وهرب أبو القاسم في الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر إلى هجر، والتجأ إلى القرامطة، وملك معز الدولة البصرة، وسار منها إلى الأهواز، وأقام الخليفة، والصيمري بالبصرة، والتقى معز الدولة بأخيه عماد الدولة بأرجان في شعبان، فنزل معز الدولة، وقبل الأرض بين يديه، وكان يقف قائما، فيأمره بالجلوس، فلا يفعل، ثم عاد إلى بغداد.\rملك معز الدولة الموصل\rوعوده منها بعد الصلح","part":7,"page":220},{"id":3231,"text":"وفي سنة سبع وثلاثين، سار معز الدولة إلى الموصل، ففارقها ناصر الدولة إلى نصيبين، وملك معز الدولة الموصل في شهر رمضان، وظلم أهلها، وعسفهم، وأخذ أموال الرعايا، فكثر الدعاء عليه، وقصد الاستيلاء على جميع بلاد ناصر الدولة، فأتاه الخبر من أخيه ركن الدولة أن عساكر خراسان قد قصدت جرجان، والري، واستمده، فاضطر إلى مصالحة ناصر الدولة، فترددت الرسائل بينهما، واستقرت الحال على أن يؤدي ناصر الدولة عن الموصل، وديار الجزيرة كلها، والشام، في كل سنة ثمانية آلاف ألف درهم ويخطب في جميع بلاده لبني بويه، وعاد معز الدولة إلى بغداد، فدخلها في ذي الحجة من السنة.\rوفاة الوزير الصيمري\rووزارة المهلبي في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة توفي أبو جعفر محمد بن أحمد الصيمري وزير معز الدولة بأعمال الجامدة، واستوزر معز الدولة بعده أبا محمد الحسن محمد المهلبي في جمادى الأولى، وكان يخلف الصيمري بحضرة معز الدولة، فعرف أموال الدولة والدواوين، وظهرت أمانته، وكفاءته، فاستوزره، ومكنَّه من الوزارة، فأحسن السيرة وأزال كثيراً من المظالم، ثم ضربه معز الدولة بالمقارع في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، مائة وخمسين مقرعة ووكل به في داره، ولم يعزله من وزارته بل ضربه لأمور نقمها عليه، وفي سنة خمس وأربعين في شهر رجب عصى على معز الدولة روزبهان بن وندخزاشيد، وسار إلى الأهواز، وأطاعه أكثر الديلم فسار إليه معز الدولة، ولقيه بالأتراك فقط، وعدتهم ألف فارس. وذلك قي يوم الاثنين سلخ شهر رمضان من السنة، فهزمه معز الدولة، وأسره.\rوفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة استولى معز الدولة على الموصل؛ وسبب ذلك أنه كان قد ضمنها له ناصر الدولة بن حمدان في كل سنة بألفي درهم. فلما في هذه السنة أخر حمل المال، فسار إلى الموصل ففارقها ناصر الدولة إلى نصيبين، ودخلها معز الدولة، ثم سار منها إلى نصيبين، ففارقها ناصر الدولة، وتوجه إلى أخي سيف الدولة بحلب، فراسله سيف الدولة في الصلح، فامتنع من تضمين ناصر الدولة لخلفه معه مرة أخرى، فضمن سيف الدولة البلاد منه بألفي ألف وتسعمائة ألف درهم، فضمنه، وذلك في المحرم سنة ثمان وأربعين، وانحدر إلى بغداد، وفي سنة خمسين وثلاثمائة أمر معز الدولة ببناء داره ببغداد، فشرع في عمارتها، فكان مبلغ الخرج عليها ثلاث عشر ألف درهم، فاحتاج بسبب ذلك إلى مصادرة جماعة من أصحابه.\rما كتب على مساجد بغداد\rوفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة في شهر ربيع الآخر منها كتب عامّة الشيعة ببغداد بأمر معز الدولة على المساجد ما صورته: لعن الله معاوية بن أبي سفيان، ولعن من غصب فاطمة رضي الله عتها فدكاً، ومن منع أن يدفع الحسين عند قبر جده عليه السلام، ومن نفى أبا ذرٍّ الغفاري، ومن أخرج العباس من الشورى. فلما كان الليل محاه بعض الناس، فأراد معز الدولة إعادته، فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب مكان ما محى: لعن الله الظالمين لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يذكر أحداً في اللعن إلا معاوية، ففعل ذلك.\rوفاة الوزير المهلبي\rوفي سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة سار الوزير المهلبي في جمادى الآخرة في جيش إلى عمان ليفتحها، فلما بلغ البحر اعتل، واشتدت علته، فأعيد إلى بغداد، فمات في الطريق في شعبان وحمل تابوته إلى بغداد، فدفن بها، وقبض معز الدولة أمواله، وذخائره، وأخذ أهله، وأصحابه، وحواشيه، حتى ملاحه، ومن خدمه يوما واحدا، فاستعظم الناس ذلك، واستقبحوه، فكانت مدة وزارته ثلاث عشر سنة، وثلاث أشهر، وكان كريما فاضلا ذا عقل ومروءة، فمات بموتة الكرم. ونظر في الأمور بعده أبو الفضل العباس بن الحسين الشيرازي. وأبو الفرج محمد بن العباس بن فساعن من غير تسمية لأحد منهما بوزارة.\rوفيها. في يوم عاشوراء أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء، وأن يظهروا النياحة، ويلبسوا ثيابا عملوها من المسوح، وأن تخرج النساء منشرات الشعور مسودات الوجوه قد شققن ثيابهن، ويدرن في البلد بالنوايح، ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي بن أبي طالب، ففعل الناس ذلك، ولم يكن للسنيِّة قدرة على المنع، لكثرة الشيعة؛ ولأن السلطان منهم.","part":7,"page":221},{"id":3232,"text":"وفيها. في ثامن عشر ذي الحجة أمر معز الدولة أيضا بإظهار الزينة في البلد وإشعال النيران بمجلس الشرطة، وفتحت الأسواق ليلا، فعل ذلك فرحا بعيد الغدير، وكان يوما مشهودا.\rوفاة معز الدولة بن بويه\rكانت وفاته في ليلة الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الآخر، سنة خمس وخمسين وثلاثمائة بعلَّة الذَّرب، وكان بواسط وقد جهز الجيوش لمحاربة عمران بن شاهين الخارج عليه فابتدأ به الإسهال وقوى عليه، فسار نحو بغداد، وخلف أصحابه، ووعدهم أن يعود إليهم. فلما وصل إلى بغداد اشتد مرضه، وصار لا يثبت في معدته شيء، فلما أحس بالموت عهد إلى ابنه بختيار، واظهر التوبة، وتصدق بأكثر ماله، واعتق ممالكيه ورد شيئا كثيرا على أصحابه وتوفي ودفن بداره ثم نقل إلى مشهد بني له في مقابر قريش، فكانت إمارته إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهراً ويومين. ومولده على ما حكاه أبو اسحاق الصابي في سنة ثلاث وثلاثمائة، فيكون عمره على هذا ثلاثاً وخمسين سنة تقريباً. وكان ملكاً شجاعاً مقداماً، قوى القلب، صليب العود، أبي النفس، إلا أنه كان في أخلاقه شراسة، وكانت إحدى يديه مقطوعة. وقد ذكرنا سبب قطعها مما تقدم، وقيل في قطعها غير ذلك. ومعز الدولة هذا هو الذي أحدث السُّعاة، ورتب لهم الجرايات الكثيرة لأنه أراد أن يصل خبره إلى أخيه ركن الدولة سريعاً، فنشأ في أيامه فضل، مرعوش، وفاقا جميع السعاة، وكان الواحد منهم يسير في اليوم الواحد نيفاً وأربعين فرسخا، وكان أحدهما ساعي السنُّية، والآخر ساعي الشيعة.\rأولاده: عز الدولة أبو منصور بختيار مشيد الدولة أبو حرب حبشي. عمدة الدولة أبو اسحق إبراهيم أبو طاهر محمد.\rوزراءه: أول من وَزَرَ له أبو الحسن أحمد بن محمد الرازي، وكان يخاطب بالأستاذية إلى أن توفي بالأهوز في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. فاستوزر أبا جعفر محمد بن أحمد بن يعلى الصيمري. وكان شجاعاً حسن الآثار إلى أن توفي في ليلة الإثنين لست خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين، فاستوزر أبا محمد الحسن ينت محمد المهلبي من ولد قبيصة بن المهلب، وخوطب بالأستاذية مدة، ثم خوطب بالوزارة إلى أن توفي سنة اثنتين وخمسين، فلم يستوزر بعده أحداً.\rحجابه: مكلى التركي إلى أن قتل في وقعة ناصر الدولة، فاستحجب ينال كوشه التركي، ثم قبض عليه، واستحجب الحاجب الكبير سبكتكيز التركي، فطالت يده، وتجاوز حدَّ الحجَّاب إلى حد الأولاد، وقاد جميع جيوشه ، ونعت بالاسفهسلارية، وكانت إقطاعاته في كل سنة عشرة ألاف ألف درهم، فأقام إلى أن توفي معز الدولة، فهذه الطبقة الأولى من بني بويه قد كرناها.\rفنذكر الطبقة الثانية منهم.\rذكر أخبار عز الدولة بختيار\rهو أبو منصور بختيار تن معز الدولة بن بويه. كان والدة معز الدولة قد عقد له الأمر من بعده في يوم الجمعة لثمان خلون من شهر المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وبايع له الأجناد، ولقبه المطيع في يوم الإثنين لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين. ثم جلس في السلطنة بعد وفاة أبيه في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلاثمائة. والله أعلم بالصواب.\rذكر أخبار عز الدولة بختيار\rهو أبو منصور بختيار بن معز الدولة بن بويه. كان والده معز الدولة قد عقد له الأمر من بعده في يوم الجمعة لثمان خلون من شهر المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وبايع له الأجناد، ولقبه المطيع في يوم الإثنين لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين. ثم جلس في السلطنة بعد وفاة أبيه في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلاثمائة. واللَّه أعلم بالصواب.\rالحوادث أيام عز الدولة بختيار","part":7,"page":222},{"id":3233,"text":"كان أبوه قد أوصاه بطاعة عمَّه ركن الدولة، واستشارته في جميع ما يفعله، وأوصاه أيضاً بطاعة عضد الدولة بن عمه لأنه أكبر منه سناً، وأقوم بالسياسة، ووصاه بتقرير كاتبيه أبي الفضل العباس ابن الحسن، وأبي الفرج محمد بن العباس، وبالحاجب سُبُكتكين، فخالف جميع وصاياه، واشتغل باللعب واللهو، وعشرة النساء، والمساخر، والمغنِّين، وشرع في إيحاش كاتبيه، والحاجب، فاستوحشوا، وانقطع الحاجب عنه، ولم يحضر داره، ونفي أكابر الَّديلم عن مملكته شرها في إقطاعاتهم وأموالهم، وأبعد المتصلين بهم، فاتفق أصاغرهم، وطلبوا الزيادات، فاضطر إلى مرضاتهم، واقتدى بهم الأتراك، وخرج الديلم إلى الصحراء، وطالبوا بختيار بإعادة من أسقطه منهم، فاضطر إلى إجابتهم لتغير الحاجب سُبكتكين عليه، وفعل الأتراك مثل فعلهم، واتصل خبر وفاة معز الدولة بكاتبه أبي الفرج محمد بن العباس، وهو يتولَّى أمر عمان، فسلمها لنواب عضد الدولة، وسار نحو بغداد، وإنما فعل ذلك لأن بختيار لما ملك بعد وفاة أبيه انفرد أبو الفضل بالنظر في الأمور، فخاف أبو الفرج أن يستمر انفرد أبو الفضل النظر بالأمور، فخاف أبو الفرج أن يستمرانفراده عنه، فسلم عمان إلى نواب عضد الدولة لئلا يؤمر بالقيام بها لحفظها وصلاحها، ولما وصل إلى بغداد لم يتمكن مما أراد، وانفرد أبو الفضل بالتدبير دونه.\rخروج مشيد الدولة\rحبشي بن معز الدولة على أخيه عز الدولة وفي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة عصي حبش على أخيه، وكان بالبصرة، فسير إليه وزيره أبا الفضل العباس، وأمره بأخذه كيف أمكن، فسار الوزير، وأظهر أنه يريد الإنحدار إلى الأهواز، فلما بلغ واسط أقام بها ليصلح أمرها، وكتب إلى حبشي يعده أن يسلم إليه البصرة سلماً، ويصالحه عليها، وقال:إنني قد لزمني مال على الوزارة، ولا بد من مساعدتي. فأنفذ إليه حبشي مائتي ألف درهم، وتيقن حصول البصرة له، وأرسل الوزير إلى الأهواز يأمرهم بقصد الأبلة في يوم ذكره لهم، فلم يتمكن حبشي من إصلاح شأنه، فظفروا به، وأخذوا أسيراً، وحبسوه برامهرمز، فأرسل عمه ركن الدولة، فخلصه منها، فصار إلى عضد الدولة، فأقطعه إقطاعاً وافراً، وأقام عنده إلى أن مات في آخر سنة تسع وستين وثلاثمائة، وأخذ الوزير أمواله بالبصرة، وكانت شيئاً كثيراً، ومن جملة ما أخذ عشرة آلاف مجلَّد سوى الأجزاء، وما ليس له جلد.\rعزل أبي الفضل\rالوزير ووزارة ابن بقية وفي سنة اثنتين وستين وثلاثمائة عزل الوزير أبو الفضل العباس من وزارته في ذي الحجة، واستوزر محمد بن بقية، فعجب الناس من ذلك لأنه كان وضيعاً في نفسه وهو من أهل أوانا، وكان أبوه من الفلاحين لكنه كان قريباً من بختيار، وكان يتولى مطبخه، ويقدم إليه الطعام، ومنديل الخوان على كتفه إلى أن استوزره، وحُبِس الوزير أبو الفضل، فمات عن قريب، واستقامت أمور ابن بقية، ومشت الأحوال بين يديه بما أخذه من أموال أبي الفضل وأصحابه، فلما فني ذلك ظلم الرعية، فخربت، وزاد الاختلاف بين الأتراك، وبختيار، فشرع ابن بقية في إصلاح الحال بين بختيار، وسُبُكتكين، فاصطلحا، وركب سبكتكين إلى بختيار، ومعه الأتراك، ثم عاد الحال إلى ما كان عليه من الفساد. وسبب ذلك أن ديلمّيَّا اجتاز بدار سبكتكين، وهو سكران، فرمى الروشن بزوبين في يده، فأثبته، فصاح سبكتكين بغلمانه،فأخذوه، وظن أنه وضع على قتله، فقرره، فلم يعترف، فأنفذه إلى بختيار، فأمر بقتله، فلما قوى ظن سُبكتكين أنه كان وضعه عليه، وأنه إنما قتله لئلا يذكر ذلك إذا قرره.\rالفتنة بين بختيار وأصحابه","part":7,"page":223},{"id":3234,"text":"وفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ابتدأت بين الأتراك والديلم بالأهواز حتى عمت العراق جميعه، واشتدت، وسبب ذلك أن عز الدولة قلت الأموال عنده، وكثر إدلال جنده عليه، واطراحهم لجانبه، وشغبوا عليه مرة بعد مرة، فتعذر عليه الفرار، ولم يجد وزيره جهة يحتال منها، فتوجَّه إلى الموصل في هذه السنة، ليستولي عليها من أبي تغلب بن حمدان، فلم يفتح عليه بطائل، ولم يحصل له من المال ما يسد به الخلة، فرجع، وقصد الأهواز ليتعرض إلى واليها بختكين أزاذرويه، ويعمل له حجة يأخذ منه مالاً ومن غيره، فسار بختيار، وتخلف عنه سبكتكين ببغداد، فلما وصل إلى الأهواز خدم واليها بختيارا، وبذل من نفسه الطاعة، وحمل إليه أموالأً حليلة، وبختيار، وتخلف عنه سبكتكين ببغداد، فلما وصل إلى الاهواز خدم واليها بختيارا، وبذل من نفسه الطاعة، وحمل إليه أموالاً جليلة، وبختيار مع هذا يفكر في طريق يأخذه بها،فاتفقت فتنة الأتراك والديلم، وكان سببها أن بعض الديلم نزل دارا بالأهواز، ونزل بعض الأتراك بالقرب منه، وكان هناك لبن موضوع، فأراد غلام الديلمي، أن يبني به معلفاً للدواب، فمنعه غلام التركي، فتضاربا، وخرج كل من الدَّيلمي، أن يبني به معلفاً للدواب، فمنعه غلام التركي، فتضاربا، وخرج كل من الدَّيلمي والتركي لنصرة غلامه، فضعف التركي عنه، فركب، واستنصر بالأتراك، فركبوا، وركب الديلم، وأخذوا السلاح، فقتل بعض قواد الأتراك، فطلب الأتراك بثأر صاحبهم، وقتلوا من الديلم قائداً، وخرجوا ظاهر البلد، واجتهد بختيار في تسكين الفتنة، فعجز عن ذلك، فجمع الديلم، واستشارهم فيما يفعله، وكان أذناً، فأشاروا عليه بقبض رؤساء الأتراك، فأحضر أزاذرويه، وكاتبه سهل بن بشر، وسباشي الخوارزمي، وبكتيجور، وكان حمواً لسبكتكين، فقيدهم، وأطلق أيدي الديلم في الأتراك، فنهبوا أموالهم ودوابهم، وقتل بينهم قتلى، فهرب الأتراك، وأخذ بختيار أقطاع سبكتكين، وأمر فنودي في البصرة بإباحة دم الأتراك. واللَّه أعلم بالصواب.\rحيلة لبختيار\rعادت عليه كان بختيار قد واطأ والدته، وإخوته أنه إذا كتب إليهم بالقبض على الأتراك يظهرون أن بختيارا قد مات، ويجلسون للعزاء، فإذا حضر سُبكتكين عندهم قبضوا عليه، فلما قبض على الأتراك كتب إليهم على أجنحة الطيور بذلك، عندها أوقفوا الصراخ في داره، وأشاعوا موته ظناً منهم أن سُبُكتكين يحضى إلى عندهم ساعة يصل إليه الخبر، فلما سمع الصراخ أرسل يتعرف الخبر، فأعلموه، فأرسل يسأل عن الذي أخبرهم، وكيف أتاهم الخبر، فلم يجد نقلاً يتق القلب به، فارتاب لذلك، ثم وصلت رسل الأتراك بما جرى عليهم، فعلم أن ذلك مكيدة، ودعاه الأتراك إلى أن يأتمر عليهم فتوفق، وأرسل إلى أبي إسحاق إبراهيم بن معز الدولة يعلمه أن الحال قد فسد بينه، وبين أخيه، فلا يرجى صلاحه، وأنه لا يرى العدول عن طاعة والدته، فمنعته منه، فركب سبكتكين في الأتراك، وحصر ديار بختيار يومين، ثم أحرقها ودخلها، وأخذ أبا إسحاق وأبا طاهر محمد، ووالدتهما، ومن كان معهما، فسألوه أن يمكنهم من الانحدار إلى واسط، ففعل، وانحدروا في الماء، ومعهم المطيع للَّه، فأعاده سبكتكين، وذلك في تاسع ذي القعدة سنة ثلاث وستين، واستولى سبكتكين على جميع ما كان لبختيار ببغداد، ونزل الأتراك في دور الديلم، وتتبعوا أموالهم، وثارت العامّة من السنَّة لنصرة سبكتكين، فأحسن إليهم، وجعل لهم العرفاء، والقواد، فثاروا بالشيعة، وحاربوهم، وسفكت بينهم الدماء، وأحرق الكرخ، وظهرت السنة، ثم خلع سبكتكين المطيع، وبايع لإبنه الطائع، على ما ذكرناه في أخبار الدولة العباسية.\rذكر ما اتفق لبختيار بعد قبضه على الأتراك، ووفاة سبكتكين وقيام الفتكين","part":7,"page":224},{"id":3235,"text":"قال: ولما قبض بختيار على الأتراك كما ذكرناه، ورأى ما فعله سبكتكين، وأن بعض الأتراك بواد الأهواز قد عصوا عليه، أتاه مشايخ الأتراك من البصرة فعاتبوه على ما فعل بأصحابهم، وقال له الديلم: إنا لا نستغني عن الأتراك في الحرب يدفعون عنا بالنَّشاب، فاضطرب رأيه، ثم أطلق آزاذرويه، وجعله صاحب الجيش مكان سبكتكين، وظن أن الأتراك يأنسون به، وأطلق المعتقلين منهم، وسار إلى واسط، وكتب إلى عمه ركن الدولة، وإلى ابن عمه عضد الدولة يسألهما أن ينجداه، ويكشفا ما نزل به، وكتب إلى أبي تغلب بن حمدان يطلب منه أن يساعده بنفسه، وأنه يسقط عنه المال الذي عليه، وأرسل إلى عمران بن شاهين بالبطيحة خلعاً، وأسقط عنه باقي المال، وطلب منه أن يسير إليه بعسكر، فأما عمه ركن الدولة، فإنه جهر عسكراً مع وزيره أبي الفتح بن العميد، وكتب إلى ابنه عضد الدولة بإنجاد ابن عمه، فوعد بالمسير إليه، وانتظر ببختيار الدوائر ليستولي على العراق. وأما عمران بن شاهين، فإنه أخذ الخلع، وقبل إسقاط المال، وأبى أن ينجده. وأما ابن حمدان، فإنه أجاب، وسارع بإرسال أخيه أبي عبد الله الحسين إلى تكريت في عسكر، وانتظر انحدار الأتراك من بغداد، فإن ظفروا ببختيار دخل بغداد مالكاً لها، فلما انحدروا عن بغداد سار أبو تغلب بن حمدان إليهما، ودخلها ليوجب على بختيار الحجة في إسقاط المال الذي عليه، ووصل إلى بغداد، والناس في بلاء عظيم من العيّارين، فحمى البلد، وكفَّ أهل الفساد، وأما الأتراك، فإنهم انحدروا مع سبكتكين إلى واسط ومعهم الخليفة الطائع والمطيع، فتوفي المطيع بدير العاقول لما قدمناه، ومرض سبكتكين، فمات، فحملا إلى بغداد، وقدّم الأتراك عليهم الفتكين، وهو من أكابر قوادهم وموالي معز الدولة، وظن بختيار أن نظام الأتراك قد انحل بموت سبكتكين، فلم يزدد إلا قوةً واشتدادا، وسار الأتراك إليه، وهو بواسط، فقاتلوه، واتصلت الحرب بينهم خمسين يوماً، والظفر فيها للأتراك، وحصروه حتى اشتد عليه الحصار وأحدقوا به، فتابع إنفاذ الرسل إلى عضد الدولة ابن عمه، وكتب عليه:\rفإن كنت مأكولاً فكن خير آكل ... وألا فأدركني ولما أمزق\rفلما رأى عضد الدولة ذلك، وأن الأمر قد بلغ ببختيار ما كان يرجوه، سار نحو العراق نجدة لبختيار في الظاهر، وطلباً للاستيلاء في الباطن.\rاستيلاء عضد الدولة على العراق\rوالقبض على بختيار","part":7,"page":225},{"id":3236,"text":"قال: وسار عضد الدولة في عساكر فارس، واجتمع بابن العميد وزير أبيه بالأهواز، وهو بعساكر الري، وساروا إلى واسط، فلما بلغ الفتكين خبر وصولهم رجع إلى بغداد، واجتمع بختيار بعضد الدولة، وسار عضد الدولة إلى بغداد في الجانب الشرقي، وأمر بختياراً أن يسير في الجانب الغربي، ولما رجع الفتكين إلى بغداد فارفها ابن حمدان إلى الموصل، ووصل الفتكين بغداد، وصار محصوراً من جميع جهاته، وذلك أن بختياراً كتب إلى ضبة بن محمود لأسدي بالإغارة على أطراف بغداد، وقطع الميرة عنها، وكتب بمثل ذلك إلى بني شيبان، وكان أبو تغلب بن حمدان من ناحية الموصل يمنع الميرة عنها، وينفذ سراياه، فغلت الأسعار ببغداد، وخرج الفتكين في الأتراك للقاء عضد الدولة، فلقيه بين ديالي والمدائن، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم الأتراك، وقتل منهم خلق كثير، وذلك في رابع عشر جمادى الأولى، وسار الأتراك إلى تكريت، وسار عضد الدولة إلى بغداد، وترك بدار الملكة، وأراد التغلب على العراق، واستضعف بختياراً، وإنما خاف من أبيه ركن الدولة، فوضع جند باختيار على أن يثوروا به، ويشغبوا عليه، ويطالبوه بالأموال،والإحسان إليهم لأجل صبرهم معه، ففعلوا ذلك، وبالغوا، وكان بختيار لا يملك شيئاً، والبلاد خراب، فلا تصل يده إلى أخذ شيء منها، وأشار عضد الدولة على بختيار أن لا يلتفت إليهم، وأن يغلط لهم في الجواب، ولا يعدهم بما لا يقدر عليه، وأن يعرفهم أنه لا يريد الإمارة عليهم والرئاسة، ووعده أنه إذا فعل ذلك توسط بينهم على ما يريده، فظن بختيار أنه ناصحُ له، ففعل ذلك، واستعفى من الإمارة، وأغلق باب داره، وصرف كتابه وحجّابه، وراسله عضد الدولة ظاهراً بمحضرٍ من مقدمي الجند يشير عليه بتطييب قلوبهم، وكان قد أوصاه سرّاً أنه لا يقبل منه، فعمل بختيار بما أوصاه به، وقال: لست أميرهم، وقد برئت منهم وترددت الرسائل بينهم ثلاثة أيام، هذا، وعضد الدولة يغريهم به، والشغب يزيد كل يوم، فأرسل بختيار إلى عضد الدولة يطلب منه إنجاز ما وعد به، ففرق الجند على عدةٍ جميلة، واستدعى بختياراً وإخوته، فقبض عليهم، ووكل بهم، وذلك لأربع بقين من جمادة الآخرة، وجمع الناس، وأعلمهم استفعاء بختيار من الإمارة لعجزه عنها، ووعدهم الإحسان إليهم، والنظر في أمورهم، فسكنوا إلى قوله.واللَّه أعلم.\rعودة بختيار إلى ملكه","part":7,"page":226},{"id":3237,"text":"قال: ولما قبض عضد الدولة على بختيار كان ولده المرزبان بالبصرة متولياً لها، فامتنع على عضد الدولة، وكتب إلى ركن الدّولة يشكو ما جرى على أبيه وعميَّه من عضد الدولة، ومن أبي الفتح بن العميد، ويذكر الحيلة التي تمَّت عليه، فلما سمع ركن الدولة ذلك ألقى نفسه إلى الأرض، وتمرَّغ عليها، وامتنع من الأكل والشرب عدَّة أيام، ومرض، وكان محمد بن بقيَّة قد خدم عضد الدولة بعد بختيار، وضمن منه مدينة واسط وأعمالها، فلما صار إليها خلع طاعة عضد الدولة، وخالف عليه، وأظهر الإمتعاض لقبض بختيار، وكاتَب عمران بن شاهين، وطلب مساعدته فأجابه إلى ذلك، وكان عضد الدولة قد ضمن لسهل بن بشر وزير الفتكين بلد الأهواز، وأخرجه من حبس بختيار، فكاتبه عمه أبن بقية، واستماله فأجابه ، وكاتب ركن الدولة من عصي على ابنه عضد الدولة، بالثبات والصبر، وأنه على المسير إلى العراق لإخراج عضد الدولة، وإعادة بختيار، فاضطربت النواحي على عضد الدولة، وتجاسر عليه الأعداء، وانقطعت عنه موارد فارس، ولم يبق بيده إلا قصبة بغداد، وطمع فيه العامة، فرأى إنفاذ أبي الفتح بن العميد برسالة إلى أبيه يعرفه ما جرى له، وما فرق من الأموال، وضعف بختيار عن حفظ البلاد، وأنه إن أعيد خرجت المملكة وتدبير الخلافة عنهم، وكان في ذلك، بوارهم، وسأله ترك نصرة بختيار، وقال لأبي الفتح: فإن أجاب إلى ما تريد، وإلا فقل له: إني أضمن منك أعمال العراق، وأحمل إليك في كل سنة ثلاثين ألف درهم، وأبعث بختياراً وإخوته إليك، لنجعلهم بالخيار بين الإقامة عندك، أو بعض بلاد فارس، وإن أحببت إلى الري، وأعود أنا إلى فارس، فالأمر إليك، وقال لإبن العميد: فإن أجاب إلى ذلك، وإلا فقل له: أيها السيد الوالد أنت مقبول الحكم والقول، ولكن لا سبيل إلى إطلاق هؤلاء القوم بعد مكاشفتهم، وإظهار العداوة، وسيقاتلونني بغاية ما يقدرون عليه، فتنتشر الكلمة، ويختلف أهل هذا البيت أبداَ فإن قبلت ما ذكرته، فأنا العبد الطائع، وإن أبيت وحكمت بانصرافي، فإنني سأقتل بختياراً وإخوته، وأقبض على كلِّ من اتهمه بالميل إليهم، وأخرج عن العراق، وأترك البلاد سايبةً ليدبَّرها من اتفقت له، فخاف ابن العميد أن يسير بهذه الرسالة، وأشار أن يسير غيره بها، ويسير هو بعده، ويكون كالمشير على ركن الدولة بأجابته إلى ما طلب، فأرسل عضد الدولة رسولاً غيره، وسير بعده ابن العميد على الجمَّازات، فلما حضر الرسول عند ركن الدولة، وذكر بعض الرسالة، ووثب إليه ليقتله، فهرب من بين يديه، ثم ردَّه بعد أن سكن غضبه، وقال: قل لفلان يعني عضد الدولة وسماه بغير اسمه، وشتمه: خرجت إلى نصرة ابن أخي، أو الطمع في ملكه؟ أما عرفت أني نصرت الحسن بن الفيرزان، وهو غريب مني، مراراً كثيرة أخاطر فيها بملكي ونفسي، فإذا ظفرت أعدت له بلاده، ولم أٌقبل منه ما قيمته درهم واحد، كلَّ طلباً لحسن الذكر، ومحافظة على الفتوة، تريد أن تمنَّ على بدرهمين أنفقتهما على، وعلى أولاد أخي، ثم تطمع في ممالكهم، وتهددني بقتلهم؟ فعاد الرسول، ووصل ابن العميد، فحجبه ركن الدولة، وتهدَّده بقتلهم؟ فعاد الرسول، ووصل ابن العميد، فحجبه ركن الدولة، وتهدَّده بالهلاك، وأنفذ إليه يقول: والَّله لا تركتك وذلك الفاعل يعني عضد الدولة تجتهدان جهدكما، ثم لا أخرج إليكما إلا في ثلثمائة جمَّازة، وعليها الرجال، ثم أثبتوا إن شئتم، فوالَّله لا أقاتلكما إلا بأقرب الناس إليكما، وكان ركن الدولة يقول: يا أخي هكذا، أضمنت لي أن تحفظ في ولدي، ثم أن الناس سعوا لإبن العميد هذه الرسالة ليجعلها طريقاً إلى الخلاص من عضد الدولة، والوصول إليك لتأمر بما نراه، فأذن له في الحضور عنده، واجتمع به وضمن إعاده بختيار عضد الدولة إلى فارس، وتقريربختيار، فردّه إلى عضد الدولة فعرّفه جليَّة الحال، فأجاب عضد الدولة إلى العود إلى فارس، وأعاد بختيار، وخلع عليه، وشرط عليه أن يكون نائياً عنه بالعراق، ويخطب له، وجعل أخاه أبا إسحاق أمير الجيش، وردَّ عليهم جميع ما كان لهم، وسار إلى فارس في شوال من السنة، وأمر أبا الفتح بن العميد وزير أبيه أن يلحقه بعد ثلاثة أيام، فلما سار عضد الدولة أقام ابن العميد عند بختيار، وتشاغلا باللذات، واتفقا في الباطن أنه إذا مات ركن الدولة سار إليه ووزر له، فاتصل ذلك بعضد الدولة، وكان","part":7,"page":227},{"id":3238,"text":"سبب هلاك ابن العميد، واستقر بختيار ببغداد، ولم يف لعضد الدولة، ولما ثبت ملك بختيار أنفذ ابن بقية من خلفه له، وحضر عنده، وأكد الوحشة بينه وبين عضد الدولة، واستمال ابن بقية الأجناد إليه، وجبى كثيراً من الأموال إلى خزائنه، وقوى أمره. هذا ما كان من أمر بختيار.بب هلاك ابن العميد، واستقر بختيار ببغداد، ولم يف لعضد الدولة، ولما ثبت ملك بختيار أنفذ ابن بقية من خلفه له، وحضر عنده، وأكد الوحشة بينه وبين عضد الدولة، واستمال ابن بقية الأجناد إليه، وجبى كثيراً من الأموال إلى خزائنه، وقوى أمره. هذا ما كان من أمر بختيار.\rوأما ما كان من أمر الفتكين فإنه سار إلى التتار، واستولى على دمشق، وأخذها من ريان خادم المعزِّ لدين الَّله العلوي صاحب مصر، وخطب بها للطائع للَّه في شعبان، وأقطع البلاد، وكثر جمعه، وتوفَّرت أمواله، وكاتب المعزَّ بالانقياد إليه، فطلبه إلى الحضور عنده ليخلع عليه، فلم يجبه، فتجهز المعزُّ وقصده، فمات، وولى بعده العزيز، فطمع الفتكين، واستولى على بعض بلاد الساحل، فجهز إليه العزيز العساكر مع جوهر، فحصر دمشق، فاستنجد الفتكين بالحسن بن أحمد القرمطي، فأتاه، ففارق جوهر البلد بعد أن أقام عليها سبعة أشهر، فتبعه الفتكين والقرامطة، فأدركوه بظاهر الرملة، فاقتتلوا، ثم حصل اتفاقهم على تخلية سبيل جوهر، فسار إلى مصر، فخرج العزيز بجموعه، وقاتل الفتكين وأسره، وأحسن إليه، ونقله معه إلى مصر، وأنزله عند قصره، وحكمه في دولته، فتكبر على وزيره يعقوب بن كلس، فوضع عليه من سقاه سماً، فمات. والله أعلم.\rمقتل عز الدولة\rبختيار بن معز الدولة وشيء من أخباره كان مقتله في ثامن عشر شوال سنة سبع وستين وثلثمائة، وسبب ذلك أنه كان بينه، وبين ابن عمِّه عضد الدولة بن ركن الدولة ما قدمناه، وقام عمه ركن الدولة في نصرته حتى أعاده، فلما مات ركن الدولة في سنة ست وستين سار عضد الدولة إلى العراق وكان بينه وبين بختيار واقعة، واصطلحا بعد ذلك، ثم سار عضد الدولة في هذه السنة، واستولى على بغداد كما نذكره إن شاء اللَّه تعالى في أخباره، وخرج بختيار من بغداد بما زوده به عضد الدولة، وقصد الشام، ومعه حمدان بن ناصر الدولة بن حمدان، فلما صارا بعكبرا حسَّن له حمدان قصد الموصل، وأطعمه فيها، وقال: هي خير من الشام وأسهل، فسارا نحو الموصل،وأطعمه فيها، وقال: هي خير من الشام وأسهل، فسارا نحو الموصل، وكان عضد الدولة قد حلّفه أنه لا يقصد ولاية أبي تغلب بن حمدان لمودة كانت بينهما، فنكث وقصدها، فلما صار إلى تكريت أتته رسل أبي تغلب تسأله أن يقبض على أخيه حمدان، ويسلمه إليه، وإذا فعل ذلك سار معه بنفسه وعساكره إلى العراق، وقاتل عضد الدولة، وأعاده إلى ملك بغداد، فقبض بختيار عند ذلك على حمدان، وسلمه لرسل أخيه، وسار بختيار إلى الحديثة، واجتمع بأبي تغلب نحواً من عشرين ألف مقاتل، وبلغ ذلك عضد الدولة، فسار من بغداد نحوهما ، والتقوا بقصر الجصّ بنواحي تكريت، فهزمهما عضد الدولة، وأسر بختيار، وجيء به إلى عضد الدولة، فلم يأذن له بالدخول عليه، وأمر بقتله، واستقر ملك عضد الدولة.\rوكان عمر بختيار ستاً وثلاثين سنة، ومدَّة ملكه أحد عشر سنة وستة شهور.\rأولاده: إعزاز الدولة المرزبان أبو عبد الَّله الحسن، أبو العباس سلار، أبو القاسم، أبو نصر شاهفرون، أبو محمد سهلان.\rوزراؤه: أول من وزر له: أبو الفضل العباس بن الحسين إلى أن قبض عليه في سنة تسع وخمسين، فاستوزر أبا طاهر محمد بن بقية، وأٌقام إلى أن قبض عليه بعد انهزامه من عضد الدولة في الكَّرة الثانية، وسلمه، ثم صلبه عضد الدولة بعد أن رماه تحت أرجل الفيلة.\rحجابه: إبراهيم بن إسماعيل قتل في الوقعة، وأما المرزبان ابن عز الدولة، وعماه: عمدة الدولة إبراهيم، وأبو طاهر محمد، فإنهم وصلوا إلى دمشق والتجئوا إلى غلامهم الفتكين، وشهدوا معه حرب القائد جوهر بعسقلان، ثم حضروا الواقعة الكائنة بين الفتكين والعزيز، فقتل محمد، وأسر المرزبان عمه إبراهيم، والفتكين، ومن عليهم العزيز، واستخدمهم إلى أن توفي المرزبان بمصر في سنة ست وتسعين وثلثمائة في أيام الحاكم، وتوفي إبراهيم في أيامه أيضاً لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة أربعمائة بعد أن نعت بعزيز الدولة الحاكمية.\rعضد الدولة","part":7,"page":228},{"id":3239,"text":"هو أبو شجاع فناخسرو عضد الدولة تاج الملة شاهنشاه بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه.\rاجتمع له من الممالك ما تفرق لأبيه وعميه، وقد قدمنا أن عمه عماد الدولة بن بويه جعله ولي عهده، وذلك لأربع عشرة بقيت من جماد الأولى سنة تسع وثلاثين وثلثمائة، فأول ما ظهر من أفعاله بعد وفاة عمه ببلاد فارس أنه استولى على حصن ابن عمارة المتوسط لمدينة هرو، وهي مدينة على ساحل البحر الهندي من أعمال فارس قد بنيت على مصّب الماء تجمع المراكب المنكسرة، والبضائع الغارقة، فيستعين أهلها بذلك، وأهل هذا الحصن ينسبون إلى معدي يكرب، ثم إلى الجلندي بن كركر يتوارثونه لم ينتزع منهم، ولم تفتح عنوة، ولا صلحا قبلها. ذكر بن جوقل في كتابه: أن صاحب هذا الحصن هو الملك المذكو وفي القرآن في قوله تعالى: وكان وراءهم مَّلك يأخذ كلَّ سفينةٍ غصباً . ولم يباشر عضد الدولة الحصار بنفسه، وإنما بعث علياً بن الحسين السيفي في جيش إلى الحصن، فحاصره برهة من الدهر حتى استعزل صاحبه، وهو أبو طالب بن رضوان بن جعفر بالأمان، وتسلم الحصن بما فيه، وفي سنة ست وخمسين وثلثمائة بعث إلى عمان عسكرا مع عسكر لعمه معز الدولة، ففتحها، ثم بعد ذلك كرمان في شهر رمضان سنة سبع وخمسين وأقطعها ولده أبا الفوارس، وأطاعه صاحب سجستان ، ونقش السكة باسمه، وأقام له الخطبة. ثم ملك قلعة بردسير وهي مثوى آل اليسع، ولما عاد من كرمان فتح جبال القفص، وهذه البلاد لها جبل وسهل. فأهل السهل يعرفون: بالمنوجان وهو اسم البلاد، وأهل الجبل يعرفون: بالقفص، والبلوص، وهم قبائل وشعوب، وبلادهم هذه في طرف كرمان مما يلي فارس، ثم جرت لجيشه معهم بعد ذلك وقائع كان الظفر فيها لأصحاب عضد الدولة، وفي أثناء حرول جيشه لهم حصل استيلاء عضد الدولة على هرموز، وبلاد التيز، ومكران في سنة ستين وثلثمائة، ثم سألوا الأمان على إقامة الصلوات، وإيتاء الزكاة، والإجتهاد في الطاعة، واجتناب إخافة السبيل فأمنهم. قال المؤرخ: ثم سار عسكره، ومقدمة كوركير إلى أمة من ورائهم يقال لهم الخرَّميَّة، والحاسكية فهزمهم، وقتل منهم خلقاً، وأسر مقدميهم، وجماعة من رؤسائهم، وأنفذهم إلى شيراز، وتوطأت هذه البلاد مدة، ثم كان بينهم، وبين العسكر العضدى وقعة لإحدى عشرة ليلة يقيت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وثلثمائة، ودامت إلى غروب الشمس، فانجلى ذلك اليوم عن قتل أكثر مقاتليهم، والإحاطة بحريمهم، وذراريهم، ولم يبق منهم إلا اليسير، ثم كان بين عضد الدولة، وبين عز الدولة بختيار ابن معز الدولة ما قدمناه في أحبار بختيار في سنة أربع وستين وثلثمائة، فلا فائدة في إعادته، فلما مات والده ركن الدولة في سنة ست وستين وثلاثمائة قصد العراق في تلك السنة، فخرج عز الدولة لقتاله، والتقوا، واقتتلوا في ذي القعدة من السنة، فالتحق بعض أصحاب بختيار بعضد الدولة، فانهزم بختيار، واحتوى عضد الدولة على ماله، ومال وزيره ابن بقية، وسير عضد الدولة جيشاً إلى البصرة، فملكها.\rالقبض على ابن العميد\rوفي سنة ست وستين وثلاثمائة قبض عضد الدولة على أبي الفتح بن العميد وزير أبيه وسمل إحدى عينيه، وقطع أنفه، وكان سبب ذلك أنه لما فارق عضد الدولة بغداد كما بغداد كما ذكرناه في أيام بختيار، أمر ابن العميد أن يلحقه بعد ثلاث، فخالفه، ووافق عز الدولة، ووعده أن يلحق به إذا مات ركن الدولة، ثم صار يكاتبه بأشياء يكرهها عضد الدولة، وكان لإبن العميد نائب يعرض كتبه على عز الدولة، وذلك النائب يكاتب عضد الدولة بما يكتبه ابن العميد بختيار ساعة بساعة، فلما ملك عضد الدولة بعد موت أبيه كتب إلى أخيه مؤيد الدولة بالري يأمره بالقبض على ابن العميد، وعلى أهله، وأصحابه، ففعل ذلك، وكان أبو الفتح ليلة قبضه قد أمسى مسروراً، فأحضر ندماءه، والمغنين، وأظهر من آلات الذهب والفضة والزجاج، وأنواع الطيب ما ليس لأحد مثله، وشربوا وعمل شعراً، وغنى له به، وهو:\rدعوت المنى ودعوت العُلى ... فلما أجابا دعوت القدح\rوقلت لأيام شرخ الشباب: ... إلَّى فهذا أوان الفرح\rإذا بلغ المرءُ آماله ... فليس له بعدها مقترح","part":7,"page":229},{"id":3240,"text":"وشرب ليلته على هذا الشعر إلى أن سكر، وقام، وقال لغلمانه: اتركوا المجلس على ما هو عليه لنصطبح غداً، وقال لندمائه بكروا غداً لنصطبح، ولا تتأخروا، فانصرف الندماء، ودخل هو إلى بيت منامه، فلما كان وقت السحر استدعاه مؤيد الدولة، فقبض عليه، وأرسل إلى داره، فأخذ جميع ما فيها، ومن جملته ذلك المجلس بما فيه.\rاستيلاء عضد الدولة على العراق\rكان اسيتلاؤه على بغداد في سنة سبع وستين، وذلك أنه سار إلى العراق، وأرسل إلى عزَّ الدولة ابن عمه يدعوه إلى طاعته، وأن يتوجَّه من العراق إلى أي جهة أحب، فأجاب إلى ذلك، وسار عن بغداد، وكان من خبره، ومقتله ما قدمناه، ولما قدم عضد الدولة إلى بغداد نزل بباب الشمّاسية في يوم الخميس لسبع خلون من شهر ربيع الآخر من السنة، وتلقاه الخليفة الطائع للَّه في البحر قبل ذلك بيومين، ثم دخل إلى دار الخلافة في يوم الأحد لتسع خلون من جمادى الأولى منها، وقبل الأرض بين يدي الخليفة الطائع للَّه، فخلع عليه، وتوجّه، وطوّقة، وسوَّرة، وقلَّده ما وراء داره، وعقد له لواءين: أحدهما: على المشرق، والآخر: على المغرب، وأرخى إحدى ذؤابتيه منظومة بالجوهر، وزاد في لقبه تاج الملَّة:، وكان وزن السوادين، والطوق: ألفين وخمسمائة مثقال. قال أبو اسحاق الصباني، وكان في غرة التاج وجوانبه من الجوهر، وأحجار الياقوت الأحمر ما يتجاوز إحصاؤها التثمين، أو يحدها التقويم، وطرح بين يديه من نشار الذهب والورق شيء كثير على الأنطاع حتى صار كالبيدر، وقرىء عهده بين الخليفة، ولم يجر بذلك عادة، وأخذ الخليفة الذؤابة للرخاة، فعقدها بيده، وذلك بمسألة تقدمت من عضد الدولة، وقلَّده الخليفة سيفاً ثانياً وركب من مراكب الخليفة بركب الذهب، وبين يديه آخر مثله، والجيش بين يديه، وخلفه مشاة إلى أن خرج من باب الخاصة، فسار الجيش أمامه، واستقر مُلكه ببغداد، خُطب له بها، ولم يخطب لملك قبله ببغداد، وضُرب على بابه ثلاث نوب، ولم تجر بذلك عادة، قال: ولما دخل إلى بغداد أرسل إلى بختيار يطلب منه وزيره محمد بن بقية، فسلمه بختيار، وأنفذ إليه، فأمر عضُد الدّولة بإلقائه بين قوائم الفيلة، فوطئته حتى مات، وصلب على رأس الجسر في شوال، فرثاه أبو الحسن الأنباري بقوله:\rعلَّو في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات\rوقد ذكرنا الأبيات في باب المراثي، وبقي ابن بقية مصلوبا إلى أيام صمصام الدولة، فأ،زل عن جذعه، ودفن، ولما استفر ملك عضد الدولة ببغداد، أتاه الخبر أن عزَّ الدولة بختياراً قد نقض العهد، واجتمع هو وابن حمدان، واتفقا على حربه، فخرج إليهما، فكان من أمرهما ما قدمناه في أخبار بختيار، وأخبار الدولة الحمداينة.\rاستيلاء عضد الدولة على ملك بني حمدان","part":7,"page":230},{"id":3241,"text":"قال: ولما انهزم أبو تغلب في الحرب التي قدمناها مع عز الدولة سار إلى الموصل، فسار عضد الدولة نحوه، فملكها في ثاني عشر ذي القعدة سنة سبع وستين، وملك ما يتصل بها، فظن أبو تغلب أنه يفعل كما فعل غيرُه يقيم يسيراً ثم يضطر إلى المصالحة، ويعود، فكان عضد الدولة أحزم من ذلك، وذلك أنه لما قصد الموصل حمل معه الميرة والعلوفات، وأقام بالموصل، وبثَّ سراياه في طلب أبي تغلب، فأرسل أبو تغلب يسأل أن يضمن البلاد منه، فلم يحبه إلى ذلك، وقال: هذه البلاد أحبُّ إلي من العراق، فسار أبو تغلب إلى نصيبين، فسير عضد الدولة سريَّة استعمل عليها حاجبه طغان إلى جزيرة ابن عمر، وسرية في طلب أبي تغلب، وعليها أبو طاهر محمد على طريق سنجار، فسار أبو تغلب مجداً إلى ميَّا فارقين، ثم منها إلى بدليس، واستولى عضد الدولة علي ميَّافارقين، وديار مضر، وغيرها من بلاد الجزيرة، وذلك في سنة ثمان وستين وثلثمائة، ثم عاد إلى بغداد في سلخ ذي القعدة من السنة، واستخلف على أعمال أبي تغلب بن حمدان أبا الوفا طاهر محمد، وفي سنة تسع وستين في شهر رجب جهز عضد الدولة جيشاً إلى بني شيبان، وكانوا قد أكثروا الغارات، والفساد في البلاد، وعجز الملوك عن طلبهم، وكانوا قد عقدوا بينهم وبين أكراد شهر زور مصاهرات، وكانت شهرزور ممتنعة على الملوك، فأمر عضد الدولة عسكره بمنازلتها لتنقطع أطماع بني شيبان عن التحصن بها، فاستولى أصحابه عليها، وملكوها فهرب بنوشيبان، وسار العسكر في طلبهم، وأقعوا بهم وقعة عظيمة قتل فيها من بني شيبان خلق كثير، ونهبت أموالهم، ونساؤهم، وأسر منهم ثمانمائة أسير حملوا إلى بغداد.\rعمارة عضد الدولة بغداد\rوما فعله من وجوه البر وفي سنة تسع وستين وثلاثمائة شرع عضُد الدولة في عمارد بغداد وكانت قد خربت لتوالي الفتن فيها، وعمّر مساجدها، وأسواقها، وأدرَّ الأموال على الأئمة، والمؤذَّنين، والفقهاء، والغرباء، والضعفاء، وألزم أصحاب الأملاك الخراب بعمارتها، وجدَّد ما دثر من الأنهار، وأعاد حفرها، وتسويتها وأطلق مكوس الحجّاج، وأصلح الطرق من العراق إلى مكة، وأطلق الصلات لأهل البيتوتات، والشرف، والضعفاء المجاورين بمكة والمدينة، وفعل مثل ذلك بمشهد على، والحسين، وأجرى الجرايات على الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين، والمفسرين، والنحاة، والشعراء والأطباء، والحسَّاب، والمهندسين، وأذن لوزيره نصره بن هارون، وكان نصرانياً بعمارة البيع، والديرة، وإطلاق الأموال لفقرائهم.\rقصد عضد الدولة أخاه فخر الدولة، وأخذ بلاده\rقال: وفي هذه السنة سار عضد الدولة إلى بلا الجبل، فاحتوى عليها، وسبب ذلك أن عز الدولة بختياراً كان يكاتب فخر الدولة بعد موت ركن الدولة يدعوه إلى الإتفاق معه على عضد الدولة، فأجابه إلى ذلك، واتفقا عليه، وعلم عضد الدولة بذلك، فكتمه إلى الآن، فلما خلا وجهه من أعدائه كاتبه يعاتبه على ما كان منه، وستميله، فأجاب جواب المناظر المناوىء، وكان رسول عضد الدولة إليه خواشاده؛ وهو من أكابر أصحابه، فاستمال أصحاب فخر الدولة، وضمن لهم الإقطاعات، وأخذ عليهم العهود، فلما عاد إلى عضد الدولة برز من بغداد، وقدم جيوشه يتلو بعضها بعضاً، فخرج إليه أصحاب فخر الدولة، وانضموا إلى عسكره، وخرج فخر الدولة من همذان هارباً إلى جرجان، والتجأ إلى شمس المعالي قابوس بن وشمكير، فأمنه، وأوآه، وحمل إليه فوق ما في نفسه، وشركه فيما تحت يده من ملك وغيره، وملك عضد الدولة ما كان بيد أخيه فخر الدولة: همذان، والري، وما بينهما من البلاد، وسلم لأخيه مؤيد الدولة وجعله نائبه في تلك النواحي، ثم عرج عضد الدولة على ولاية حسنويه، فقصد نهاوند، والدينور ففتحهما وعدة قلاع، وأخذ ما فيها من ذخائر حسنوية، وكانت جليلة المقدار، وأصاب عضد الدولة في هذه السفرة صرع، كان قد حدث به وهو بالموصل، فكتمه، وصار كثير النسيان لا يذكر الشيء إلا بعد جهد كبير، وبقي الصرع يعاوده إلى أن قتله على ما نذكر إن شاء اللَّه تعالى.\rذكر ملك عضد الدولة بلد الهكارية","part":7,"page":231},{"id":3242,"text":"وفي هذه السنة سير عضد الدولة جيشاً إلى الأكراد الهكَّارية بأعمال الموصل، فأوقع بهم، وحصر قلاعهم، وطال مقام الجند في خصرها، وكان من بالحصون من الأكراد ينتظرون نزول الثلج ليرحل العسكر عنهم، فقدر الَّله تعالى أن الثلج تأخر نزوله في تلك السنة، فطلبوا الأمان، فأجيبوا إليه، وسلَّموا القلاع ونزلوا إلى الموصل مع العسكر، فلم يفارقوا أعمالهم غير يوم واحد حتى نزل الثلج، ثم أن مقدم الجيش غدر بالهكَّارية، وقتلهم على جانبي الطريق من معلثايا إلى الموصل نحو خمسة فراسخ. والَّله أعلم بالصواب.\rذكر وفاة عضد الدولة وشيء من أخباره وسيرته\rكانت وفاته ببغداد في ثامن شوال سنة اثنين وسبعين وثلثمائة، وذلك أنه اشتد به ما كان يعتاده من الصرع، وضعفت قوته عن دفعه، فخنقه، فمات، ودفن بمشهد علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه، وجلس ابنه صمصام الدّولة للعزاء، وأتاه الخليفة الطائع للَّه، فعزّاه به، وكان عمر الدولة سبعاً وأربعين سنة، مدة سلطنته بالعراق خمس سنين وستة شهور، وأما مدة ملكه ببلاد فارس منذ وفاة عمِّه عماد الدولة وإلى أن توفي هو: ثلاث وثلاثون سنة وأربعة أشهر وواحد وعشرون يوماً. قال: ولما حضرته الوفاة لم ينطلق لسانه بغير قول اللَّه تعالى: ما أغنى عنِّي ماليه. هلك عنِّي سلطانية، وكان عاقلاً حسن السياسة، شديد الهيبة، بعيد الهمة ثاقب الرأي محباً للفضائل وأهلها، باذلاً في مواضع العطاء، مانعاً في أماكن الحزم، ناظراً في عواقب الأمور، وكان له شعر حسن فمنه قوله وقد أرسل إليه أبو تغلب بن حمدان يعتذر من مساعدته لبختيار، ويطلب الأمان فقال عضد الدولة:\rأأفاق حين وطئت ضيق خناقة ... يبغي الأمان وكان يبغي صارما\rفلأركبنَّ عزيمةً عضديةً ... تاجية تدع الأنوف رواغما\rوقال أبياتا، فمنها بيت لم يفلح بعده، وهي:\rليس شرب الكاس إلا في المطر ... وغناءٍ من جوار في السحر\rغانياتٍ سالباتٍ للنهي ... ناعماتٍ في تضاعيف الوتر\rمبرزات الكأس من مطلعها ... ساقيات الراح من فاق البشر\rعضد الدولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر.\rومن أخباره أنه كان في قصره جماعة من الغلمان يحمل إليهم مشاهراتهم من الخزانة، فأمر أبا نصر خواشاذه أن يتقدم بصرف جوامكهم إلى نقيبهم في شهر، وقد بقي منه ثلاثة أيام، قال أبو النصر: فأنسيت ذلك أربعة أيام، سألني عضد الدولة عن ذلك، فاعتذرت بالنسيان، فأغلظ لي، فقلت: أمس استهل الشهر، والساعة يحمل المال، وما هذا مما يوجب شغل القلب، فقال: المصيبة بما لا نعلم من الغلط أكبر منها في التفريط، أما تعلم أنا إذا أطلقنا لهم ما لهم قبل محلِّه كان الفضل لنا عليهم، وإذا أخرَّنا عنهم ذلك حتى استهلَّ الآخر حضروا عند عارضهم، وطالبوه، فيعدهم، ثم يحضرون في اليوم الثاني، فيعدهم، ثم يحضرون في اليوم الثاني، فيعدهم، ثم يحضرون في اليوم الثالث، ويبسطون ألسنتهم، فتضيع المنّة، وتحصل الجرأة، وتكون إلى الخسارة أقرب منا إلى الربح، وكان لا يعوَّل في الأمور إلا على الكفاءة، ولا نجعل للشفاعات طريقاً إلى معارضة ما ليس من جنس الشافع، ولا فيما يتعلق به.","part":7,"page":232},{"id":3243,"text":"حكى أن مقدم جيشه أسفاربن كردويه شفع في بعض أنباء العدول ليتقدَّم عند القاضي بسماع البينَّة بتزكيته، وتعديله، فقال له: ليس هذا من أشغالك، إنما الذي يتعلق بك الخطاب في زيادة قائد، ونقل رتبة جندي، وما يتعلق بهم، وأما الشهادة وقبولها، فهي إلى القاضي وليس لنا، ولا لك الكلام فيه، ومتى عرف القضاة من إنسان ما تجوز معه قبول شهادته، فعلوا ذلك بغير شفاعة، وكان رحمه اللَّه يخرج كل سنة أموالاً كثيرة للصدقة، والبر في سائر البلاد، ويأمر بتسليم ذلك إلى القضاة، ووجوه الناس ليصرفوه إلى مستحقه، وكان يوصل إلى العمال المتعطلين ما يقوم بهم، ويحاسبهم به إذا عملوا، وكان محباً للعلوم وأهلها، مقَّربا لهم، محسناً إليهم وكان يجلس معهم، ويعارضهم في المسائل، فقصده العلماء من كل بلد، وصنفوا له الكتب منها: الإيضاح في النحو، ومنها الحجَّة في القراآت، ومنها الملكي في الطلب، والتاجي في التاريخ إلى غير ذلك، وعمل المصالح العامة في سائر البلاد كالبمارستان والقناطر، فمن جملة ما عمره: المدينة التي سماها كرد فناخسرو، وهي على دون الفرسخ من شيراز، وساق إليها الماء من عين كانت على أربع فراسخ منها، وبدأ بالعمارة في يوم الأحد لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة أربع وخمسين وثلثمائة، قال الصابي: بلغت النفقة عليها عشرين ألف ألف درهم، من غريب عمائره : السكر الذي أنشأه على النهر المعروف بالكر. اصطخر، وحرمه على عشرة فراسخ من قصبة شيراز، وهو شادروان عظيم، ينحط الماء من رؤوس الجبال ويجتمع عليه، وينحط إلى أغوار كانت فقارا ومهامه، فلما تم له ذلك بني في تلك الأراضي ثلثمائة قرية، ونقل إليها الفلاحين، وسماها رستاق فناخسرو، وصار في مقدار خراج بلاد فارس. قال الصابي: وانتهت النفقة عليه ألفي ألف دينار، واجتمع لعضد الدولة من المماليك سجستان، وكرمان، وجرجان، وطبرستان، والري وأصفهان، وهمذان، وسائر بلاد أذربيجان، وبلاد فارس، وعمان، والعراق، والموصل، وديار مصر، وديار بكر، والجزيرة، وكان مع ما فعله من الخير والبر أحدث في آخر أيامه رسوماً جائرة في المساحة، والضرائب، وكان يتوصل إلى أخذ المال بكل طريق، وكان يرفع إليه من الأعمال في كل سنة بعد ما رتَّبه من الصلات، والإدارات، وجهات البر إثنان وثلاثون ألف ألف دينار.\rأولاده: شرف الدولة أبو الفوارس شيرزيل، صمصام الدولة أبو كاليجار المرزيان، بها الدولة أبو نصر خسرو فيروز، وقيل فيروزشاه، تاج الدولة أبو الحسين أحمد، وهو أديب آل بويه، أبو طاهر فيروزشاه، أبو دلف سهلان توفي في حياته.\rوزراؤه: الأستاذ الجليل أبو القاسم المطهر بن عبد الَّله إلى أن قتل نفسه في سنة تسع وستين، وهو يحاصر البطيحة، وبهاء الحسن بن عمران بن شاهين، فاستوزر الأستاذ أبا منصور نصر بن هارون النصراني الشيرازي المشهور بعلو الطبقة في الحساب.\rحجابه: أبو على اليتمى، أبو حرب طغان، أبو الفتح الظفر ابن محمود، أبو القاسم سعد بن محمد الشاسي وغيرهم. فلنذكر بقية من في طبقة عضد الدولة.\rمؤيد الدولة أبي منصور بويه ابن ركن الدولة بن بويه\rكان مؤيد الدولة شقيقاً لعضد الدولة، وأمهما جارية تركية، وكان نائباً عن أبيه بأصفهان عند خروج عضد الدولة منها إلى بلاد فارس، فلما توفي والده مضى إلى الري، وأصفهان، وكان لا يبرم أمراً إلا برأي أخيه عضد الدولة، ولما وقع بين عضد الدولة وبين أخيه فخر الدولة ما ذكرناه، وأخذ بلاده من يده سلمها لمؤيد الدولة نيابة عنه، وندبه إلى المسير إلى طبرستان، وجرجان لإنتزاعهما من يد قابوس بن وشمكير، فسار إليهما، وانتزعهما منه، ثم اتفقت وفاة عضد الدولة، وأقام مؤيد الدولة بعده في البلاد إلى أن توفي بجرجان في شعبان سنة ثلاث وسبعين وثلثمائة، فكانت مدة ملكه بعد وفاة أبيه سبع سنين، وستة أشهر، وأياماً.\rولده: أبو النصر.\rوزراؤه: ذو الكفايتين أبو الفتح بن العميد إلى أن قبض عليه بأمر أخيه عضد الدولة كما ذكرناه، وقطع يده، وأنفه، ثم قتله بعد مصادرته، واستوزره بعده الصاحب الجليل أبا القاسم إسماعيل بن عباد، وكان يلبس القباء استخفافاً بالوزارة، وانتسابا إلى الجندية، وإنما عرف ابن عباد بالصاحب لصحبته لإبن العميد.\rفخر الدولة\rوفلك الأمة أبي الحسن على بن ركن الدولة بن بويه","part":7,"page":233},{"id":3244,"text":"وفخر الدولة هذا هو أوسط أولاد ركن الدولة يلي عضد الدولة في السن، وأمه ابنهة الحسن بن الفيرزان أحد ملوك الديلم، فجمع المملكة من الطرفين، وكان والده ركن الدولة قد جعل له همذان، والدينور، والأيغارين، ونهاوند، وما والى ذلك من بلاد الجبل. ولما وقع بينه وبين أخيه عضد الدولة ما ذكرناه من ميله مع ابن عمه عز الدولة بختيار على أخيه عضد الدولة، أرسل عضد الدولة جيشاً مع أبي الفتح المظفر الحاجب، وتلاه بجيش آخر. ثم عززهما بجيش ثالث، ثم سار هو بنفسه، فالتحق به بعض أصحاب فخر الدولة، وكاتبه عبيد اللَّه بن محمد حمدويه، فعلم فخر الدولة أنه لا قبل له بما دهمه، ففارق بلاده، وسار في خواص غلمانه إلى هوسم من بلاد الجبل، والتحق بعلي بن الحسين العلوي، ثم انتقل من هوسم إلى جرجان، والتجأ إلى قابوس بن وشمكير، وكان عنده مكرماً إلى أن توفي عضد الدولة، ثم توفي مؤيد الدولة بجرجان، فضبطها الصاحب بن عباد بالعساكر، وجمع القواد واستشارهم، وقرر الأمر لفخر الدولة، ثم خاف افتراق الأجناد، فأجلس أبا العباس خسرو فيروز على سرير المملكة، وكاتب فخر الدولة سراً يستدعيه، فسار عن نيسابور إلى جرجان، فدخل الصاحب على خسرو فيروز، وقال له: هذا أخوك، وأكبر منك قد وصل، وميل الأجناد إليه أكثر من ميلهم لك، وحسَّ له الخروج للقائه، فخرج إليه، وتلقّاه، وتسلَّم فخر الدولة الملك، وبالغ في إكرام الصاحب، وعرف له حقَّ جميله، وحسن تدبيره، ونعته بكافي الكفاءة، مضافاً إلى الصاحب الجليل، واحتوى فخر الدولة على ممالكه التي كانت بيده، وما كان بيد أخيه مؤيد الدولة، ومملكة قابوس بن وشمكير، ودخل أخوه خسروفيروز في طاعته، ثم سأل فخر الدولة الخليفة الطائع للَّه أن يضيف إلى نعته نعتاً آخر، فنعته بفلَلَك الأمّة، واستمر في المالك إلى أن توفي في شعبان سنة سبع وثمانية وثلثمائة، فكانت مدة ملكه الأول منذ وفاة والده إلى أن انهزم من أخيه عضد الدولة ثلاث سنين وشهوراً، ومملته الثانية من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين إلى شعبان سنة سبع وثمانين أربعة عشر سنة تقريباً، وكان شاعراً بارعاً، فمن شعره ما ذكره الثعالبي:\rأدر الكأس علينا ... أيها الساقي لنشرب\rمن شمول مثل شمس ... في فم الندمان تغرب\rشربت منها فحالت ... قمرا يلثم كوكب\rورد خديها جنُّى ... لكن الناطور عقرب\rفإذا ما لذعت فال ... بريق درياق مجرّب\rوكان له من الأولاد: مجد الدولة أبو طالب رستم. شمس الدولة أبو طاهر صاحب همذان. عين الدولة أبو شجاع بويه. أبو منصور صاحب أصفها.\rوزراؤه: أبو عمر سيد بن المرزبان إلى أن نكبه، واستوزر عبيد الَّله بن محمد بن حمدويه إلى أن استأمن إلى عضد الدولة، ثم استوزر الصاحب الجليل كافي الكفاة أبا القاسم بن عياد إلى أن توفي صفر سنة خمس وثمانين وثلثمائة، ولم ير أحد سعد بن وفاته كما كان في حياته غيره، وذلك أنه لما توفي غلَّقت له مدينة الري، واجتمع الناس على باب قصره، حضر فخر الدولة، وسائر القواد مشاة مغيّري الزيّ، فلما خرج نعشه من الباب صاح الناس بأجمعهم صيحة واحدة، وقبّلوا كلهم الأرض، ومشي فخر الدولة فيها، وجلس العزاء أياماً، واستوزر بعده أبا على حموله.\rهذه الطبقة الثانية من بني بويه، فلنذكر الطبقة الثالثة:\rذكر أخبار مجد الدولة، وكنف الأمة أبي طالب رستم بن فخر الدولة بن ركن الدولة بن بويه\rلما توفي والده فخر الدولة اجتمع الأجناد على تولية ولده المذكور، ونعته القادر باللَّه بهذين النعتين، وكان عمره عند وفاة أبيه أربع سنين، فدبّرت والدته ابنة المرزبان المعروف بالسلار الأمر، ثم بلغ مبلغ الرجال، فلم يكن له من اللذات غير التمتع بالنساء، والنظر في الدفاتر، والإشتغال بالعلوم، ثم توفيت أمه، فورد محمود بن سبكتكين، فقبض عليه، ثم استولى بعد ذلك ابنه أبو كالنجار على الري إلى أن أتته الغزّ في سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة، فاستولوا على الري وتحصن هو بقلعة طبرك، ثم استنزل منها، وأما شمس الدولة أبو طاهر بن فخر الدولة، فإنه كان على أيام أخيه بهمذان، ثم استولى على الجبل، وتوفي في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وقام بعده ابنه سماء الدولةز","part":7,"page":234},{"id":3245,"text":"ولنرجع لأخبار عضد الدولة ونجعل التراجم لمن ملك العراق وخدم الخلفاء، ونورد في أخبار وقائع من سواه:\rأخبار صمصام الدولة\rوهو أبو كالنجار المرزبان بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه.\rولما توفي عضد الدولة اجتمع القّواد والأمراء على ولده أبي كالنجار المرزبان، فبايعوه، وولّوه الإمارة، وركب الخليفة الطائع للَّه، وعزاه، ولقبه، وقال له: نضر الَّله وجه الماضي، وجعلك الخلف الباقي، وصيّر التعزية بعده لك لابك، والخَلَف عليك لا منك. قال: ولما رجع خلع على أخويه أبي الحسين أحمد، وأبي طاهر فيروز شاه وأٌطعهما فارس، وأمرهما بالجد في المسير ليسبقا أخاهما شرف الدولة أبا الفوارس شيرذيل إلى شيراز، وكان عند وفاة أبيه بكرمان، فلما وصلا إلى أرّجان أتاهما الخبر بوصول شرف الدولة إلى شيراز، فعاد إلى الأهواز، وملك شرف الدولة بلاد فارس، وقبض على نصربن هارون النصراني وزير أبيه، وقتله لأ،ه كان يسيء صحبته أيام أبيه، وخطب صمصام الدولة، وأظهر مشافقته، وفرَّق الأموال، وجمع الرجال، وملك البصرة، وأقطعهما أخاه أبا الحسين، فلما اتَّصل ذلك بصمصام الدولة سيَّرجيشاً، واستعمل عليهم الأمير أبا الحسن على بن ونقش حاجب عضد الدولة، فجهز تاج الدولة عسكراً، واستعمل عليهم أبا الأعز دبيس بن عفيف الأسدي، فالتقيا بظاهر قُرقوب، واقتتلوا، فانهزم عسكر صمصام الدولة، وأسر ابن ونقش مقدم الجيش، فاستولى حينئذ أبو الحسين بن عضد الدولة على الأهواز، ورامهرمز وطمع في الملك، وكانت هذه الواقعة في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين، وفي سنة خمس وسبعين وثلثمائة ملك شرف الدولة الأهواز من أخيه أبي الحسين، وملك البصرة من أخيه أبي طاهر، وقبض عليه، فراسله أخوه صمصام الدولة، فاستقر الأمر على أن يخطب لشرف الدولة بالعراق قبل صمصام الدولة، وفي خلال مسير الرسل وعودهم ملك شرف الدولة واسط، وغيرها، وكاتبه القواد، فرجع عن الصلح، وعزم على قصد بغداد. واللَّه أعلم.\rذكر ملك شرف الدولة أبي الفوارس شيرذيل بن عضد الدولة العراق\rوالقبض على صمصام الدولة\rوفي سنة ست وسبعين وثلثمائة سار شرف الدولة من الأهواز إلى واسط، وملكها، فاستشار صمصام الدولة أصحابه في قصد أخيه شرف الدولة، فنهوه عن ذلك، وحذروه منه، فلم يرجع إليهم، وسار في طيار إليه، فلما وصل إليه لقيه شرف الدولة، وأكرمه، وطيب قلبه، ثم قبض عليه بعد قيامه من عنده، وأرسل إلى بغداد من احتاط على دار الملكة، وسار فوصل إلى بغداد في شهر رمضان، ونزل بالشقيقى، ومعه صمصام الدولة، ثم سيره إلى بلاد فارس، واعتقله بقلعة هناك، فكانت إمارة صمصام الدولة بالعراق ثلاث سنين وأحد عشر شهراً. وكان صمصام الدولة كريم النفس ندَّى الكف إلا أنه كثرت في أيامه الخوارج، وعنم الغلاء، فاستنفذ ذلك أمواله، ولم يتعدَّ أمره العراق.\rوزراؤه: أول من وزر له. أبو عبد الَّله الحسين بن أحمد بن سعدان ثماينة عشر شهراً، فاعتقله، ثم اشترك في الوزارة بين أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف، وأبي الحسن بن برمويه، وكان قد أخصاه بعد أولاده إلياس بن كرمان، فأقاما شهرين، ويومين بعد أن انفرد عبد العزيز بالوزارة ثلاثة أشهر، واتفقت فتنة، فانهزم عبد العزيز إلى الأهواز، وقتل ابن برمويه، وفيها يقول بشير بن هارون:\rوزارة قد أثخنت كل عين ... مقسومة الرتبة في ساقطين\rهذا بلا ذقن ولا عارض ... وذا بلا رأى ولا خصيتين\rومن أعاجيب أحاديثنا ... ما ذكره قد شاع في الخافقين\rأنا نرى الخصى بلا لحية ... والناقص المجبوب ذا لحيتين\rثم استوزر بعدهما الأستاذ أبا الريان أحمد بن محمد سبعة أشهر، وتسعة أيام، وقبض عليه، وقتله، ثم استوزر أبا عبد اللَّه بن الهيثم، وأبا الفتح محمد بن فارس شركة، فأقاما بقية أيامه إلى أن ملك شرف الدولة، فقبض على أبي الفتح، وصادره، وإعاد بن الهيثم إلى ديوان النفقات. واللَّه أعلم بالصواب.\rسمل صمصام الدولة","part":7,"page":235},{"id":3246,"text":"وفي سنة تسع وسبعين وثلثمائة سُمل صمصمام الدولة، وكان سببُ ذلك أن نحريراً الخادم، كان يشير على أخيه شرف الدولة بقتله، وهو يعرض عن ذلك، فاتفق أنَّ شرف الدولة اعتَّل، فقال له نحرير: إن الدّولة مع صمصام الدولة على خطر، وإذا لم نقتله، فاسمُله، فأرسل في ذلك محمداً الشيرازي الفرّاش، فمات شرف الدولة قبل وصوله إلى صمصام الدولة، فلما وصل الفرّاش إلى القلعة لم يُقدم على سمله فاستشار أبا القاسم العلاء بن الحسن الناظر هناك، فأشار بسمله، فسمله، فكان صمصام الدولة يقول: ما أعماني إلا العلاء، فإنه أمضى في حكم سلطان قد مات، ثم كان لصمصام الدّولة دولة بعد دولة. سنذكرها إن شاء اللَّه تعالى، ولم يمنعه العمى مما قدر له.\rسمل صمصام الدولة\rوفي سنة تسع وسبعين وثلثمائة سُمل صمصام الدولة، وكان سبب ذلك أن نحريراً الخادم، كان يشير على أخيه شرف الدولة بقتله، وهو يعرض عن ذلك، فاتفق أنَّ شرف الدولة اعتَّل، فقال له نحرير: إن الدّولة مع صمصام الدولة على خطر، وإذا لم نقتله، فاسمله، فأرسل في ذلك محمداً الشيرازي الفرّاش، فمات شرف الدولة قبل وصوله إلى صمصام الدولة، فلما وصل الفرّاش إلى القلعة لم يقدم على سمله فاستشار أبا القاسم العلاء بن الحسن الناظر هناك، فأشار بسمله، فسمله، فكان صمصام الدولة يقول: ما أعماني إلا العلاء، فإنه أمضى في حكم سلطان قد مات، ثم كان لصمصام الدّولة دولة بعد دولة لم يمنعه العمى مما قدر له.\rوفاة شرف الدولة\rوشيء من أخباره كانت وفاته ببغداد في مستهل جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وثلثمائة، وقيل في ثانية، وكانت علته الأستسقاء وحمل إلى مشهد على ابن أبي طالب رضي اللَّه عنه، فدفن به، فكانت إمارته ست سنين ، وسبعة أشهر ملك فيها بغداد سنتين، وثمانية أشهر، وكان عمره ثمانياُ وعشرين سنة، وخمسة أشهر، ونفذ أمره بين خراسان، والموصل،وديار بكر، والعراق، وخوزستان، وفارس، وكرمان، وسراة عمان من غير إراقة دم، ولا إنفاق مال، وكان يُّحب الخير، وينفر من الشر، وأزال عن الناس التأويلات، والمصادرات، وكان كريماً سخيَّاً يحب الشعر ويثيب عليه، قال أبو اسحاق الصابي: وكانت جماله في سفره ثلاثة عشر ألف رأس، وكان له من المماليك الأتراك ألفان، ومائتا مملوك، وكان له من الخدم ستمائة، ولما اشتدَّت علَّته أرسل ولده أبا علي إلى بلاد فارس، وأصحبه الخزائن، والعدد، وجماعته كثيرة من الأتراك. قال: ولما أيس أصحاب شرف الدّولة منه اجتمع عليه أعيانهم، وسألوه أن يسند الملك إلى من يراه، فقال: أنا في شغل عما تدعونني إليه، ثم مات.\rولده: الأمير أبو علي.\rوزرآؤه: أبو القاسم العلاء بن الحسن، ثم اعتقله مدة وأطلقه وستنبابه ببلا فارس. واستوزر أبا محمد علَّي بن العباس، واستوزر بعده أبا منصور محمد بن الحسن بن صالحان إلى أن توفي رحمه الله.\rملك بهاء الدولة وضياء الملة\rهو أبو نصر خسرو فيروزبن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه ملك بعد وفاة أخيه شرف الدّولة في ثاني جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وثلثمائة، وكان سبب ملكه أنه لما مرض شرف الدّولة أشير عليه أن يستنيبه إلى أن يشفى من مرضه، فاستنابه، فقبل النيابة بعد امتناع منه، فلما مات شرف الدولة جلس بهاء الدولة للعزاء، وركب الطائع إليه، وعزاه، وخلع عليه السلطنة، وأقر أبا منصور الحسن بن صالحان على وزارته.\rقيام صمصام الدولة ببلاد فارس\rقد ذكرنا ما كان من أمره، والقبض عليه، وسمله، فلما مات شرف الدولة إضطرب أمر الديلم، ووقع بينهم وبين الأتراك، فأنزلوا صمصام الدولة من قلعة شيراز، وحمله غلامه سعادة على كتفه، وبايعه الديلم، وانقادوال لأمره، فعند ذلك بايع الأتراك أبا على بن شرف الدولة، ولقبوه شمس الدولة، وقمر الملة.\rمسير أبي على بن شرف الدولة إلى بلاد فارس،\rوما كان بينه وبين عمه صمصام الدولة، وعودة إلى بهاء الدولة، وقتله","part":7,"page":236},{"id":3247,"text":"قد ذكرنا أن شرف الدولة لما اشتدت علته جهز ابنه أبا علي إلى فارس، ومعه والدته، وجواريه، وسيَّر معه الأموال، والجواهر، والسلاح، فلما بلغ البصرة أناة الخبر بوفاة أبيه، فسيَّر ما معه في البحر إلى أرجَّان، وسار مجدَّاً حتى وصل إليها، واجتمع معه من بها من الأتراك، وسار مجداً نحو شيراز، وكاتبهم متولّيها، وهو أبو القاسم العلاء بن الحسن بالوصول إليها ليسلمها إليهم، وكان صمصام الدولة، ومن معه قد ساروا إلى سيراف، ووقعت الفتنة بها بين الأتراك، والديلم، فخرج الأمير أبو على إلى معسكر الأتراك ونزل معهم، فاجتمع الديلم، وقصدوا داره ليأخذوه، ويسلموه إلى صمصام الدولة، فرأوه قد انتقل إلى الأتراك، فكشفوا القناع، وجرى بينهم قتال، ثم سار أبو على والأتراك إلى فسا، فاستولوا عليها وأخذوا ما بها من الأموال، وقتلوا من بها من الديلم، وسار أبو على إلى أرّجان، وعاد الأتراك إلى شيراز، فقاتلوا من بها من الديلم الذين مع صمصام الدولة، ونهبوا البلد، وعادوا إلى أبي على بأرَّجان وأقاموا معه مديده، ثم وصل رسول من بهاء الدولة إلى أبي علي، وطيب قلبه، وأرسل إلى الأتراك الذين معه سراً واستمالهم إلى نفسه وأطعمهم، فحسنوا لأبي على المسير إلى بهاء الدولة، فسار إليه، فلقيه بواسط في منتصف جمادى الآخرة سنة ثمانين وثلثمائة، فأكرمه، ثم قبض عليه بعد ذلك وقتله، وتجهز بهاء الدولة للمسير إلى الأهواز لقصد بلاد فارس.\rمسير بهاء بهاء الدولة إلى الأهواز، والصلح بينه وبين صمصام الدولة\rقال: وسار بهاء الدّولة إلى خوزستان، فأتاه نعى أخيه أبي طاهر، وكان مع صمصام الدولة، فجلس للعزاء، ورحل إلى أرَّجان، واستولى عليها، وأخذ ما فيها من الأموال التي جمعها صمصام الدولة بقلعتها، وكانت ألف ألف دينار فاشانية، وثمانية آلاف ألف درهم عدليه، ومن الجواهر، والثياب ما لا يحصى قيمته، ففرّق ذلك على الجند، ولم يبق منه إلا القليل، ثم سارت مقدمته، وعليها العلاء بن الفضل إلى النوبندجان، وبها عسكر صمصام الدولة عسكراً، وعليهم فولاذ ابن ما بدار، فواقعهم، فانهزم أصحاب بهاء الدولة، وعادوا إليه، ثم ترددت الرسائل بين صمصام الدولة، وبهاء الدولة في الصلح، فاستقر على أن يكون لصمصام الدولة فارس، وأرجان، ولأخيه بهاء الدولة خوزستان، والعراق، وأن يكون لككل واحد منهما إقطاع في ملك الآخر، وحلفا على ذلك، وعاد بهاء الدولة إلى الأهواز، ثم إلى بغداد، وفي سنة ثماني وثلثمائة أيضاً قبض بهاء الدولة على وزيره أبي منصور بن صالحان، واستوزر أبا نصر سابور بن أردشر، وكان المدبّر لدولة بهاء الدولة أبا الحسن بن المعلم، وأبيه الحكم، وفي سنة إحدى وثمانين قبض بهاءُ الدولة على الخليفة الطائع لله، وبايع القادر بالله كما ذكرناه في أخبار الدولة العبّاسية، وفيها قبض على وزيره أبي نصر سابور، واستوزر أبا القاسم عبد العزيز بن يوسف وقبض على أبي نصر خواشاذه، وأبي عبد الله بن طاهر، وفي سنة اثنتين وثمانين قبض بهاء الدّولة على أبي الحسن بن المعلم، وكان قد استولى على الأمور كلها، وخدمه الناس كلُّهم حتى الوزراء، فأساء السيرة، فشغب الجند، وشكوا منه، وطلبوا تسليمه إليهم، فراجعهم بهاء الدولة، ووعدهم أنه يكف يده، فلم يقبلوا ذلك، فقبض عليه، وعلى جميع بهاء الدولة، ووعدهم أنه يكف يده، فلم يقبلوا ذلك، فقبض عليه، وعلى جميع أصحابه، فلم يرجع الجند، فسلَّمه إليهم، فسقوه السمَّ مرتين، فلم يؤذه، فخنقوه، ودفنوه، وقبض على وزيره أبي القاسم لأنه اتهم بمباطنة الجند في أمر ابن المعلم، واستوزر أبا نصر سابور، وأبا منصور بن صالح جميعاً، وفي سنة ثلاث وثمانين شغب الجند على بهاء الدولة، ونهبوا دار الوزير سابور، واختفى منهم، واستعفى ابن صالحان من الأنفراد بالوزارة، فأعفى، واستوزر أبا القاسم على بن أحمد، ثم هرب إلى البطيحة، وعاد سابور إلى الوزارة بعد أن أصلح الديلم.\rظهور أولاد بختيار\rواعتقالهم، وقتل بعضهم","part":7,"page":237},{"id":3248,"text":"وفي سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة ظهر أولاد عز الدولة بختيار بن معز الدولة من محبسهم، واستولوا على القلعة التي كانوا معتقلين بها، وكان سبب اعتقالهم أن شرف الدولة كان أحسن إليهم بعد وفاة والده عضد الدولة، وأطلقهم. وأنزلهم بشيراذ، وأقطعهم، فلما مات شرف الدولة حبسوا في قلعة ببلاد فارس، فاستمالوا مستحفظها، ومن معه من الديلم، فأخرجوا عنهم، فأنفذوا إلى أهل تلك النواحي، فاجتمعوا تحت القلعة، فبلغ ذلك صمصام الدولة، فسيّر إلى القلعة جيشاً، فتقرق ذلك الجمع، وحصر جيشه القلعة، وراسل مقدم الجيش وجوه الدّيلم سراً، واستمالهم، ففتحوا القلعة، فملكها أصحاب صمصام الدولة، وأخذوا أولاد بختيار، وكانوا ستة، فأمر صمصام الدولة بقتل اثنين، وحبس أربعة.\rمقتل صمصام الدولة\rكان مقتله في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وثلثمائة، وسبب ذلك أن جماعة كثيرةً من الدَّيلم استوحشوا منه لأنه أمر بعرضهم، وإسقاط من ليس بصحيح النسب، فأسقط منهم ألف رجل، واتفق أن أبا القاسم، وأبا نصر ابني عز الدولة خدعا الموكَّلين بالقلعة، فأخرجوا عنهما، فجمعها لفيفاً من الأكراد، واتصل بهما الذين أسقطوا من الخدمة من رجال الديلم، وقصدوا أرَّجَّان، فاجتمعت عليها العساكر، فتجهز صمصام الدولة ولم يكن عنده من يدبره، فأسار عليه أصحابه بالصّعود إليها، فمنعه مستحفظها، فأشار بعض أصحابه عليه بقصد الأكراد ، والتقوا بهم، فخرج بخزائنه، وأمواله، فنهبه أصحابه، وأرادوا قتله، فهرب وسار إلى الدودمان على مرحلتين من شيراز، فقبض عليه رئيسها طاهر، وبلغ أبو نصر الخبر، فبادر إلى شيراز، فدخلها وأخذ صمصام الدولة ابن طاهر، فقتله، وقال: هذه سنة سنها أبوك يعني ما كان من قتل عضد الدولة بختيار، وكان عمر صمصام الدولة يوم قتل خمساً وثلاثين أشهر، وكان كريماً حليماً، وسلمت والدته لبعض قواد الديلم، فقتلها، وبنى عليها دكَّة في داره، فلما ملك بهاء الدولة فارس أخرجها، ودفنها في تربة بني بوية.\rوزراؤه في مملكته الثانية: العلاء بن الحسن، ثم قبض عليه، واستوزر أبا القاسم المعمر بن الحسين الزنجي نحواً من سنة، ثم قبض عليه، واعتقله، وأعاد العلاء، ثم بعثه إلى الأهواز، فمات، فاستوزر أبا الطيَّب الفرحان بن شيراز، وأنفذ إلى الأهواز، فأٌقام إلى أن قتل صمصام الدولة.\rملك بهاء الدولة فارس\rوخوذستان وكرمان قال: ولما قتل صمصام الدولة، استولة ابنا بختيار على بلاد فارس وكاتبا أبا علي بن أستاذ هرمز وهو بالأهواز يأمرانه بأخذ البيعة لهما، واليمين، فخافهما أبو علي، ثم راسله بهاء الدّولة بستميله، ويعدُ الدَّيلم الخير والإحسان، فأجابوه إلى الدخول في طاعته، وأنفذوا جماعة من أعيانهم إلى بهاء الدولة، واستوثقوا منه، وكتبوا إلى أصحابهم المقيمين بالسوس بصورة الحال رجاء أن يخرجوا إلى طاعته، فخرجوا بالسلاح، وقاتلوه قتالاً شديداً، فضاق بذلك درعاً، فقيل له: إن عادة الدَّيلم أن يشتد قتالهم عند الصلح لئلا يظن بهم العجز، ثم كفوا عن القتال، وأرسلوا من يحلفه لهم، ونزلوا إلى خدمته، واختلط العسكران، وساروا إلى الأهواز، فقرر أبو علي ابن اسماعيل أمورها، وقسم الإقطاعات بين الأتراك والديلم، ثم ساروا إلى رامهرمز، فاستولوا عليها، وعلى أرّجان، وغيرها من بلاد خوزستان، وسار أبو علي إلى شيراز، فنزل بظاهرها، فحاربه ابنا بختيار، فلمَّا اشتدت الحرب مال بعض أصحابهما إليه، ودخل بعض أصحابه البلد، ونادوا بشعار بهاء الدولة فهرب ابنا بختيار، فأما أبو نصر فإنه لحق ببلاد الدَّيلم، وأما أبو القاسم، فلحق ببدر بن حسنويه الكردي، ثم قصد البطيحة، ولما ملك أبو على بشيراز كتب إلى بهاء الدولة بالفتح فسار إليهما، وأمر بنهب قرية الدودمان، وإحراقها، وقتل من كان بها من أهلها، وأخرج أخاه صمصام الدولة، وجدّد أكفانه ودفنه،ثم سيَّر عسكراً مع أبي الفتح أستاذ هرمز إلى كرمان، ففتحها، وأقام نائباً عن بهاء الدولة، وذلك في سنة تسع وثمانين.\rوفاة عميد الجيوش\rوولاية فخر الملك العراق","part":7,"page":238},{"id":3249,"text":"وفي سنة إحدى وأربعمائة توفي عميد الجيوش أبو علي أستاذ هرمز ببغداد، وكانت ولايته بها ثماني سنين وأربعة أشهر وسبعة عشر يوماً، وكان من حجاب عضد الدولة وجعله في خدمة ابن صمصام الدولة، فلما قتل اتصل بخدمة بهاء الدولة، فجعله نائبة ببغداد، ولما مات استعمل بهاء الدولة مكانه فخر الملك أبا غالب، فوصل إلى بغداد في ذي الحجة من ذي السنة.\rذكر وفاة بهاء الدولة\rكانت وفاته بأرَّجان في عاشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعمائة، وكان مرضه تتابع الصرع مثل مرض أبيه، وحمل إلى مشهد علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه، ودفن عند قبر أبيه عضد الدولة، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وتسعة أشهر ونصف شهر، ومدة ملكه أربعاً وعشرين سنة، وأياماً.\rأولاده: سلطان الدولة أبو شجاع فنَّاخسروا. مشرق الدولة أبو علي. جلال الدولة أبو طاهر. قوام الدولة أبو الفوارس.\rوزراؤه: أبو منصور بن صالحان أحد وزراء أخيه شرف الدولة وزرله عشر شهر، ثم قبض عليه في سنة ثمانين، واستوزر أبا القاسم عبد العزيز ين يوسف، وأبا القاسم علي بن أحمد الأبرهوني، ثم قبضه، وأعاد سابور، ثم أشرك بينه وبين ابن صالحا، ثم استوزر أبا العباس عيسى ستة يوماً. واستوزر الموفق عبد الملك أبا على الحسن بن محمد بن إسماعيل سنتين وشهرين، وقلد بعده عميد الجيوش الصاحب، واستوزر بعده فخر الملك وزير الوزراء الكامل ذا الجلالين أبا الغالب محمد بن خلف، وهو أعظم من وزر للديلم على الإطلاق، بعد أبي الفضل بن العميد، وابن عباد.\rملك سلطان الدولة\rهو أبو شجاع فاخسرو بن بهاء الدولة بن عضد بن ركن الدولة بن بويه. كانت ولايته بعد وفاة أبيه، في عاشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعمائة، ولما ولى سار من أرَّجان إلى شيراز، وولَّى أخاه جلال الدولة البصرة، وأخاه أبا الفوارس كرمان، وكان القادر باللَّه قد ولاه العهد بسؤال أبيه، فلما مات والده قام مقامه، ودخل بغداد، ودخل بغداد، وأعطى كلَّ غلام من أشرافها سبعين ديناراً ودست ثياب، فأكثروا عليه بالمطالبات، فضجر، وفارق بغداد، وتوجَّه إلى الأهواز.\rقتل فخر الملك\rووزارة ابن سهلان وفي سنة ست وأربعمائة قبض سلطان الدولة على نائبه بالعراق ووزيره فخر الملك أبي غالب، وقتله في سلخ شهر ربيع الأول، فكانت نيابته بالعراق خمس سنين وأربعة أشهر واثني عشر يوماً، وكان حسن الولاية والآثار، ووجد له ألف ألف دينار عيناً، سوى ما نهب، وقيمة العروض، وكان القبض عليه بالأهواز.\rحكي ابن علمكان، وكان من أكابر القّواد قال: قتل إنسان ببغداد، فكانت زوجته تكتب إلى فخر الملك تتظلم وتتشكي، وهو لا يلتفت إليها، فلقيته يوماً فقالت له: تلك الرقاع التي كنت أكتبها إليك صرت أكتبها إليك صرت أكتبها إلى اللَّه تعالى، فلم يمض على ذلك غير قليل حتى قبض هو وابن علمكان، فقال له فخر الملك: قد برز جواب رقاع تلك المرأة. ولما قبض على فخر الملك استوزر سلطان الدولة أبا محمد الحسن ابن سهلان، ولقب عميد أصحاب الجيوش، وفي ثمان وأربعمائة ضعف أمر الديلم ببغداد، وطمع فيهم العامة، فانحدروا إلى واسط، فخرج عليهم عامّتها وأتراكها فقاتلوهم، فدفع الديلم عن أنفسهم، وقتلوا من أتراك واسط، وعامتّها جماعة كثيرة، وعظم أمر العَّيارين ببغداد فأفسدوا، ونهبوا.\rولاية ابن سهلان العراق","part":7,"page":239},{"id":3250,"text":"وفي سنة تسع وأربعمائة استعمل سلطان الدولة أبا محمد الحسن ابن سهلان على العراق في المحرم، فسار، وأوقع في طريقه بالعرب، ولما وصل واسط وجد الفتن بها قائمة، فأصحها، وقتل جماعة من أهلها، وورد عليه الخبر باشتداد الفتن ببغداد، فسار إليها، فدخلها في أواخر شهر ربيع الآخر، فهرب منه العيّارون ونفى جماعة من العبّاسيين وغيرهم، ونفي أبا عبد الَّله محمد بن النعمان فقيه الشيعة، وأنزل الديلم أطراف الكرخ وباب البصرة، ولم تكن له عادة بالنزول هناك، ففعلوا من الفساد ما لم يشاهد مثله، فمن ذلك أن رجلاً من المستورين أغلق بابه عليه خوفاً منهم، وانقطع بداره، فلما كان في أول يوم من شهور رمضان خرج لبعض شأنه وقد أطمأن لتعظيم الشهر، وكفَّ الناس فيه عن الفساد، فرآهم على حال على عظيم من الفساد وشرب الخمور، فأراد الرجوع إلى داره، فمنعوه وأكرهوه على الدخول معهم إلى دار من دورهم، وألزموه بشرب الخمر، فامتنع، فصبوها في فيه قهراً، وقالوا له: قم إلى هذه المرأة فافعل بها، فامتنع فألزموه، فدخل معها إلى بيت في الدار، وأعطاها دارهم، وقال لها:هذا أول يوم من شهر رمضان، والمعصية فيه تتضاعف، وأحب أن تخبريهم أني فعلت، فقالت، لا، ولا كرامة، ولا عزازة، أنت تصون دينك عن الزنا في هذا الشهر، وأنا أريد أن أصون أمانتي ولساني عن الكذب فيه، فصارت هذه الحكاية سائرة في بغداد، ثم إن واسط، فلقوا بها سلطان الدولة، فشكوه إليه فسكنَّهم، ووعدهم أن يتوجه إلى بغداد ويصلح الحال، وكتب إلى ابن سهلان يستقدمه، فخافه، فهرب إلى بني حقاجة، ثم إلى الموصل، ثم إلى الأنبار ثم سار إلى البطيحة.\rملك مشرف الدولة\rأبي علي بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن بن بويه العراق كان استيلاء مشرف الدولة على العراق في سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وكان سبب ذلك أن الجند شغبوا على سلطان الدولة، ومنعوه من الحركة، وأرادوا ترتيب مشرف الدولة أخيه في الملك، فأشير على سلطان الدولة بالقبض عليه، فلم يمكنه من ذلك، وأراد سلطان الدولة الانحدار إلى واسط، فقال له الجند: إما أن تجعل عندنا ولدك، أو أخالك مشرف الدولة، فراسل أخاه مشرف الدولة بذلك، فامتنع ، ثم أجابه بعد معاودة، ثم اتفقا، واجتمعا ببغداد، واستقر بينهما أنهما لا يستخدمان ابن سهلان، وفارق سلطان الدولة بغداد، وقصد الأهواز، واستخلف أخاه مشرف الدولة بها، فلما انحدر سلطان الدولة ووصل تستر استوزر ابن سهلان، فاستوحش مشرف الدولة، فانفذ سلطان الدولة ابن سهلان ليخرج أخاه مشرف الدولة من العراق، فجمع مشرف الدولة عسكراً كثيراً، منهم أتراك واسط، وأبو الأعز دبيس بن علي بن مزيد، ولقي ابن سهلان عند واسط، فانهزم ابن سهلان، وتحصَّن بواسط، فحصروه مشرف الدولة وضيَّق عليه، حتى بيع كرَّ الحنطة بألف دينار قاشانية، وأكل الناس حتى الكلاب، فاستخلف ابن سهلان مشرف الدولة ، وسلم إليه البلد، وخرج إليه، فخوطب حينئذ مشرف الدولة، وسلم إليه، فخوطب حينئذ مشرف الدولة، وذلك في ذي الحجة سنة إحدى عشرة وأربعمائة، و0حضر إليه الديلم الذين كانوا بواسط، وصاروا معه، فحلف لهم وأقطعهم، فلما اتصل الخبر بسلطان الدولة سار عن الأهواز إلى أرجان، وقطعت خطبته من العراق، وخطب لمشرف الدولة ببغداد، في أول المحرم سنة نثتي عشرة وأربعمائة، وقبض على الوزير ابن سهلان، وكحله؛ فلما سمع سلطان الدولة بذلك ضعفت نفسه، وسار إلى الأهواز في أربعمائة فارس، فقلت عليهم الميرة، فنهبوا السواد في طريقهم، فاجتمع الأتراك الذين الأتراك الذين بالأهواز، وقاتلوا أصحاب سلطان الدولة، ونادوا بشعار مشرف الدولة.\rقال: ولما خطب لمشرف الدولة طلبوا منه أن ينحدروا إلى بيوتهم بخوز ستان، فأذن لهم، وأمر وزيره أبا غالب بالانحدار معهم، فقال له: إن فعلت خاطرت بنفسي، ولكن أبذلها في خدمتك، ثم انحدر بالعسكر، فلما وصل إلى الأهواز نادي الديلم بشعار سلطان الدولة، وهجموا على أبي غالب، فقتلوه، فسار الأتراك الذين كانوا معه إلى طراد بن دبيس، ولما بلغ سلطان الدولة قتله اطمأن، وقويت نفسه، وأنفذ ابنه إلى الأهواز، فملكها.\rالصلح بين سلطان الدولة وأخيه مشرف الدولة","part":7,"page":240},{"id":3251,"text":"وفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة حصل الإنفاق والصلح بينهما، على أن يكون العراق جميعه لمشرف الدولة، وفارس وكرمان لسلطان الدولة، وحلف كل منهما لصاحبه.\rالخلف بين مشرف الدولة والأتراك وعزل الوزير ابن المغربي\rوفي سنة خمس عشرة وأربعمائة تأكدت الوحشة بين الأثير عنبر الخادم، ومعه الوزير ابن المغربي وبين الأتراك، فاستأذن الأثير والوزير مشرف الدولة في الانتزاح إلى بلد يأمنان فيه على أنفسهما، فقال: وأنا والَّله أسير معكما؛ فساروا جميعاً، ومعهم جماعة من مقدّمي الديلم إلى السندية، وبها قرواش، ثم سروا إلى أوانا، فعظم ذلك على الأتراك، فراسلوه، واعتذروا، فكتب إليهم الوزير يقول: إنني تأملت ما لكم من الجامكيات. فإذا هي ستمائة ألف دينار، وعلمت دمخل بغداد، فلإذا هو أربعمائة ألف دينار، فإن أسقطتم مائة ألف تحملت الباقي، فقالوا: نحن نسقطها، فاستشعر منهم الوزير، فهرب إلى قرواش، فكانت وزراته عشرة أشهر وخمسة أيام، فلما أبعد خرج الأتراك، وسألوا مشرف الدولة، والأثير في الانحدار معهم، فأجابهم إلى ذلك.\rوفاة سلطان الدولة\rكانت وفاته بشيراز في شوال سنة خمسة عشرة وأربعمائة، وكان عمره اثنين وثلاثة سنة وخمسة أشهر، وخمسة أيام، ومملكة بالحضرة، وإمارته ببلاد فارس، وخوزستان، وكرمان ثنتي عشرة سنة، وأربعة أشهر وثلاثة أيام.\rوزراؤه: فخر الملك أبو غالب بن خلف إلى أن قتله بالأهواز، واستوزر أبا محمد الحسن بن الفضل بن سهلان، واستوزر ذا السعادتين أبا غالب الحسن بن منصور، ثم استوزر أبا الفتح عبد الحيم بن إبراهيم بن الخصيب وقبض عليه واستوزر أبا محمد الحسن بن محمد بن بابشاد من أهل رامهرمز. ولما مات، ولى بعده ابنه أبو كاليجار المزريان، على ما نذكره، بعد عمه.\rوفاة مشرف الدولة\rكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة ست عشرة وأربعمائة، وعمره ثلاث وعشرون سنة وثلاثة أشهر، وملكه خمس سنين، وخمسة وعشرون يوما \" ً، وكان ملكاً عادلاً، كثير الخير، قليل الشر، حسن السيرة.\rوزراؤه، ذو السعادتين أبو غالب الحسن بن منصور، ثم عزله، واستوزر مؤيد الملك زعيم الكفاءة مجد المعالي أبا علي الحسن في سنة خمس عشرة وأربعمائة، ثم استوزر أبا قاسم بن المغربي.\rسلطنة جلال الدولة","part":7,"page":241},{"id":3252,"text":"هو أبو طاهر فيروز خسرو بن بهاء الدولة خسرو فيروز بن عضد الدولة ابن ركن الدولة بن بويه. ملك بعد وفاة أخيه مشرف الدولة، في شهر ربيع الأول سنة ستة عشر وأربعمائة وكان عند وفاته بالبصرة، وكان أبوه قد رتبه بها في حياته، فلما مات مشرف الدولة خطب له ببغداد، وطلب فلم يصعد إليها، وإنما بلغ واسط، وأٌقام بها، ثم عاد إلى البصرة، فقطعت خطبته، وخطب لإبن أخيه أبي كاليجار ابن سلطان الدولة في شوال، وهو حينئذ صاحب خوزستان، فما اتَّصل ذلك بجلال الدولة أصعد إلى بغداد، فانحدر عسكر ليرده عنها، وقاتلوه ونهبوا بعض خزائنه، فعاد إلى البصرة، وأرسلوا إلى الملك أبي كالنجار ليحضره إلى بغداد، فوعدهم بذلك، ولم يمكنه. لأن الحرب كانت بينه وبين عمه أبي الفوارس صاحب كرمان، وانقطعت خطبة جلال الدولة إلى سنة ثمان عشرة وأربعمائة، ثم عاد إلى السلطنة، وكان سبب ذلك أن الأتراك كانوا قد طمعوا في الناس ببغداد، وصادروهم، وأخذوا أموالهم، وعظم الخطب، وزاد الشر، وأحرقت المنازل، والدروب، والأسواق، وطمع العيّارون، والعامة، فكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره كما يفعل السلطان بمن يصادره، ووقعت الحرب بين العامّة والجد، فطفر الجند بهم، ونهبوا الكرخ وغيره، وذلك في سنة سبع عشرة، فلما رأى القوادّ وعقلاء الجند أن الملك أبا كاليجار لا يصل إليهم، وأن البلاد قد خربت، وطمع فيهم المجاورون لهم من الأعراب والأكراد، وقصدوا دار الخلافة، وراسلوا الخليفة القادر بالله، واعتذروا من انفرادهم بالخطبة لجلال الدولة أولاً، وردَّهم له ثانياً، وبالخطبة لأبي كالنجار، وقالوا: إن أمير المؤمنين صاحب الأمر ونحن العبيد، وقد أخطأنا، ونسأل العفو، ولا يدّلنا ممّن يجمع كلمتنا، وسألوا أن يرسل الخليفة إلى جلال الدولة ليصعد إلى بغداد، ويملكه ويجمع الكلمة، وأن يحلفه رسول الخليفة، فأجابهم الخليفة إلى ما سألوا، وراسله هو وقواد الجند في الإصعاد، واليمين للخليفة، ولهم، فحلف لهم، وأصعد إلى بغداد، وانحدر الأتراك إليه، فلقوه في الطريق، ووصل بغداد في ثالث شهر رمضان سنة ثماني عشرة وأربعمائة، ونزل بالنجمي، فركب الخليفة في الطيّار، وانحدر لتلقيه، فلما رآه جلال الدولة، قبل الأرض بين يديه ، ثم دخل جلال الدولة إلى دار المملكة، وأمر بضرب السُّوب الخمس على بابه في أوقات الصلوات، فراسله الخليفة في قطعها ، فقطعها غضباً، ثم أذن له الخليفة في إعادتها ففعل.\rشغب الأتراك ببغداد\rعلى جلال الدولة وفي سنة تسع عشرة وأربعمائة ثار الأتراك ببغداد على جلال الدولة، وطالبوا الوزير أبا علي بن ماكولا بمالهم من المعلوم، ونهبوا داره ودور كتاب جلال الدولة، وحواشيه، حتى المغنِّين، والمخنثين، ونهبوا صياغات أخرجها جلال الدولة، ليضربها دنانير ودراهم، ويغرفها فيهم، وحصروا جلال الدولة في داره، ومنعوه الطعام والماء حتى شرب أهله ماء البئر، وأكلوا ثمرة البستان، فسألهم أن يمكنوه من الانحدار، فتأخروا له ولأهله، فجعل بين الدار وبين السفن سرادقاً لتجتاز حرمه فيه، لئلا يراهم العامة والأجناد، فقصد بعض الأتراك السرادق، فظن جلال الدولة أنهم يريدون الحريم، فصاح بهم، وقال: بلغ من أمركم إلى الحريم؟ وتقدم إليهم وبيده طبر، فصاح صغار الغلمان، والعامة: جلال الدولة يا منصور؛ ونزل أحدهم عن فرسه، وأركبه إياه، وقبلوا الأرض بين يديه، فرجعوا إلى منازلهم، ولم تمض عشرة أيام حتى عادوا ، وشغبوا؛ فباع جلال الدولة فرشه، وثيابه، وخيامه، وفرق أثمان ذلك فيهم، فسكنوا، وضعف حال جلال الدولة، وقلت الأموال عنده، وطمع القواد فيه، حتى انتهى حاله في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة في شهر رجب أن أخرج دوابه من الإصطبل، وهي خمس عشرة دابة وسيَّبها في الميدان، بغير سايس، ولا حافظ، ولا علف، فقيل: إنه فعل ذلك لأمرين: أحدهما: عدم العلف عنده، والثاني: أن الأتراك كانوا يلتمسون دوابه يطلبونها منه، فضجر من ذلك، فأخرجها، وقال: هذه دوابي، خمسة لمركوبي، والباقي لأصحابي، وفرق حواشيه، وفراشيه، وأتباعه، وأغلق باب داره لإنقطاع جاريه فثارت فتنة لذلك بين العامة والجند، وعظم الأمر، وظهر العيّارون ببغداد.\rوثوب الجندية\rوإخراجه من بغداد وعوده إليها","part":7,"page":242},{"id":3253,"text":"وفي سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة في شهر ربيع الأول، تجددت الفتنة بين جلال الدولة وبين الأتراك وبين الأتراك، فأغلق بابه، فجاء الأتراك ونهبوا داره، وسلبوا الكتّاب، وأرباب الديوان ثيابهم، وطلبوا الوزير أبا إسحاق السهيلي، فهرب، وخرج جلال الدولة إلى عكبرا، في شهر ربيع الآخر، وخطب الأتراك ببغداد للملك أبي كاليجار، وأرسلول إليه يطلبونه وهو بالأهواز، فمنعه العادل بن ماقيه من الإصعاد إلى أن يحضر بعض قوادهم ، فلما رأوا إمتناعه من الوصول إليهم، أعادوا خطبة جلال الدولة، وساروا إليه، وسألوه العود إلى بغداد، فعاد بعد ثلاثة وأربعين يوماً.\rواستوزر أبا القاسم بن ماكولا، ثم عزله، واستوزر بعده عميد الملك أبا سعيد عبد الرحيم، فوزر أياماً ثم استتر، وسبب ذلك أن جلا الدولة تقدم إليه بالقبض على أبي المعّمر إبراهيم بن الحسين البسامي طمعاً في ماله عليه، وجعله في داره فقبض فثار الأتراك، وقصدوا دار الوزير، وضربوه، وأخرجوا من داره حافياً، ومزقوا ثيابه وعمامته، وأخذوا خواتيمه فدميت إصبعه، وكان جلال الدولة في الحمام، فخرج فزعاً لينظر ما الخبر، فوجد الوزير فقبلّ الأرض، وذكر ما فعل به، فقال له جلال الدولة أنا ابن بهاء الدولة، وقد فعل فيَّ أكثر من هذا، ثم أخذ من البسامي ألف دينار، وأطلقه، واختفى الوزير.\rوفي سنة أربع وعشرين وأربعمائة في شهر رمضان شغب الجند على جلال الدولة، وقبضوا عليه، وأخرجوه من داره، ثم سألوه ليعود إليها فعاد، وسبب ذلك أنه استقدم الوزير أبا القاسم من غير أن يعلموا، فاستوحشوا من ذلك، واجتمعوا وهجموا عليه في داره، وأخرجوه إلى مسجد هناك، فوكلوا به فيه، وأسمعوا ما يكره، ونهبوا بعض ما في داره، فجاء بعض القواد في جماعة من الجند، وأعاده إلى داره، فنقل جلال الدولة حرمه، وما فضل في داره بعد النهب، إلا الجانب الغربي، ونزل وبدار المرتضى، وعبر الوزير معه، ثم أرسله الجند، وقالوا نريد أن تنحدر عنا إلى واسط، وأنت ملكنا، وتترك عندنا بعض أولادك الأصاغر، فأجابهم إلى ذلك، وأرسل سراً إلى الغلمان الأصاغر، واستمالهم، وإلى كل واحد من الأكابر واستماله، وقال: إنما وثوقي بك وسكوتي إليك، فمالوا إليه ودخلوا عليه، وقبلوا الأرض بين يديه، وسألوه العود إلى داره، فعاد وحلف لهم على الإخلاص، والإحسان إليهم، وحلفوا له على المناصحة.\rوفي سنة سبع وعشرين وأربعمائة عاد الجند إلى الشغب وثاروا به وأرادوا إخراجه من بغداد، فاستمهلهم ثلاثة أيام، فلم يمهلوه، ورموه بالآجر، فأصابه بعضه، فاجتمع الغلمان، وردّهم عنه، فخرج من باب لطيف، وركب في سماريَّة متنكَّراً، وصعد راجلاً منها إلى دار المرتضى بالكرخ، ثم سار إلى رافع بن الحسين بتكريت، وكسّر الأتراك باب داره، ودخلوها، ونهبوها، وخلعوا كثيراً من ساجها وأبوابها، فأرسل الخليفة إليهم، وسكنهم، وأعاده إلى بغداد. واللَّه أعلم.\rقتل بارسطغان","part":7,"page":243},{"id":3254,"text":"وفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة كانت الفتنة بينهما، وكان بارسطغان من أكابر الأمراء، ويلقب حاجب الحجاب، وكان سبب الفتنة: أن جلال الدّولة نسبه إلى فساد الأتراك، والأتراك نسبوه إلى أخذ الأموال، فخاف على نفسه، فالتجأ إلى دار الخلافة، وذلك في شهر رجب سنة سبع وعشرين، فمنع الخليفة منه، وأرسل بارسطغان إلى الملك أبي كاليجار يحثه على طلب ملك العراق، فأرسل أبو كاليجار جيشاً فوصلوا إلى واسط وأخرجوا منها الملك العزيز بن جلال الدولة، فأصعد إلى أبيه، فعند ذلك كشف بارسطغان القناع، وانضَّم إليه أصاغر المماليك، ونادوا بشعار أبي كاليجار، وأخرجوا جلال الدولة من بغدادن فسار إلى أوانا ومعه البساسيري، وأرسل بارسطغان إلى الخليفة في الخطبة لأبي كاليجار، فامتنع واحتج بعهود جلال الدولة، فأكره الخطباء على الخطبة لأبي كاليجار، ففعلوا، وسار الأجناد الواسطيّون إلى باب بارسطغان، وكانوا معه، ثم عاد جلال الدولة إلى الجانب الغربي ببغداد، ومعه قراوش بن المقلَّد العقبلي ودبيس بن علي بن مزيد الأسدي، وخطب بالجانب الغربي، ولأبي كاليجار بالجانب الشرقي، ثم سار جلال الدولة إلى الأنبار، وسار قرواش إلى الموصل، ووصل الخبر إلى بارسطغان بعود أبي كاليجار إلى فارس ،ففارقه الدَّيلم الذين كانوا نجدةً له، فضعف أمره، فرفع ماله وحرمه الدولة إلى دار الخلافة، وانحدر إلى واسط، وعاد جلال الدولة إلى بغداد، وأرسل البساسيري والمرشد وبني خفاجة في إثر بارسطغان ، ومعهم جلال الدولة ودبيس، فلحقوه بالخيزرانية، فقاتلو، فسقط عن فرسه، فأسر وجيء بهفأسر وجيء به إلى جلال الدولة، فقتله، وكان عمره نحواً من سبعين سنة، فضعف أمر الأتراك، وطمع فيهم الأعراب، واستولوا على إقطاعهم.\rالصلح بين جلال الدولة وأبي كاليجار\rوفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة وقع الصّلح بين جلال الدّولة، وأبي كاليجار، والاتفاق، وزال الخلف بعد أن كان بين عساكرهما حرب قبل ذلك، فاتفقا الآن، وكان الرسل في الصلح أقضى القضاة أبا الحسن الماوردي، وأبا عبد الله المردوستي، وغيرهما، وتزوَّج أبو منصور بن علي أبي كاليجار بابنة جلال الدولة، وكان الصداق خمسين ألف دينار قاشانيه. والله أعلم.\rمخاطبة جلال الدولة بملك الملوك\rوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة سأل جلال الدولة الخليفة القائم بأمر الله أن يخاطب بملك الملوك، فامتنع، ثم أجاب إذا أفتى الفقهاء بجوازه، فأفتى قاضي القضاة أبو الطيب الطبري، والقاضي أبو عبد الله الصيمري، والقاضي ابن البيضاوي، بجواز ذلك، ومنع منه أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي الشافعي، وجرى بينه وبين من أفتى بجوازه مراجعات، فخطب لجلال الدولة بملك الملوك، وكان الماوردي من أخص الناس بجلال الدولة وهو يتردَّد إلى دار الملك في كل يوم، فلما أفتى بالمنع انقطع، ولزم بيته من شهر رمضان إلى يوم عيد النحر، استدعاه جلال الدّولة، فحضر خائفا، فأدخل عليه وحده، فقال له: قد علم الناس أنك من أكثر الفقهاء مالا وجاهاً وقرباً منا، وقد خالفتهم فيما وافق هواي، ولم تفعل ذلك لعدم المحاباة منك واتباع الحق، وقد بان لي موضعك من الدين، ومكانك من العلم، وجعلت جزاء ذلك إكرامك، بأن أدخلتك إليَّ وحدك، وجعلت إذن الحاضرين إليك ليتحققوا عودي إلى ما تحب، فشكره ودعا له، وأذن لكلِّ من حضر للخدمة بالانصراف، والله أعلم.\rذكرى وفاة جلال الدولة\rكانت وفاته ببغداد سادس شعبان سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وكان مرضه ورما في كبده، وكان مولده في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، وكانت مدة عمره إحدى وخمسين سنة، ومدة مله ببغداد من خطب له ثانيا، سبع عشرة سنة وشهرين، ومنذ وصل إليها ست عشرة سنة وأحد عشرة شهراً، وكانت أيامه كثيرة الوهن والاضطراب ، وضعفت المملكة في أيامه،وقد تقدم ما يدل على ذلك، وكان كثير الصدقة، وزيارة الصالحين والمشاهد،وكان يمشي حافياً قبل وصوله إلى كل مشهد نحواً فرسخ.\rأولاده :الملك العزيز أمير الأمراء أبو منصور،توفي بديار بكر في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة،وعمره ثلاث وثلاثون سنة","part":7,"page":244},{"id":3255,"text":"وزراؤه:أبو سعد عبد الواحد بنَِعلي بن ماكولا، ثم نكبه، واستوزر أخاه أبا علي الحسن، ثم عزله، واستوزر أبا القاسم بن ماكولا، وهو أخوهما، ثم استوزر عميد أبو سعيد عبد الرحيم، واستوزر غير هؤلاء، والله اعلم.\rأخبار السلطان شاهنشاه\rهو أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة أبي شجاع فناخسرو بن بهاء الدولة أبي نصر خسرو فيروز بن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، ملك بعد وفاة والده سلطان الدولة، كرمان، وفارس، وخوزستان، ثم ملك الحضرة ببغداد، بعد وفاة عمِّه جلال الدولة، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.\rابتداء ملكه\rلما توفي والده سلطان الدولة في شوال سنة خمس عشرة وأربعمائة بشيراز، كان هو بالأهواز، فطلبه الأوحد أبو محمد بن مكرم ليملك البلاد، وكان هواه معه، وهوى الأتراك مع عمه أبي الفوارس بن بهاء الدولة صاحب كرمان، فكاتبوه أيضا يطلبونه إليهم، فتأخر أبو كاليجار، وسبقه عمه أبو الفوارس إليها، فملكها، وكان أبو المكارم ابن أبي محمد بن مكرم قد أشار عليه ابنه، لما رأى الاختلاف، أن يسير إلى مكان يأمن فيه عل نفسه، فلم يقبل قوله، ففارقه، وقصد البصرة، فلما ملك أبو الفوارس طالبه الجند بحق البيعة، فأحالهم على ابن مكرم، وألزمه بإيصال المال إليهم، فتضجر من ذلك، فقبض أبو الفوارس عليه وقتئذ، فلما سمع ابنه بقتله صار مع الملك أبي كاليجار وأطاعه، وتجهز الملك أبو كاليجار، وقام بأمره أبو مزاحم صندل الخادم مربيه، وساروا بالعساكر إلى فارس، فبعث أبو الفوارس عسكراً مع وزيره أبي منصور الحسن بن علي البشنوي لقتاله، فوصل أبو كاليجار والوزير فتهاون به؛ لكثرة عساكره، فأتوه وهو نائم، وقد تفرق عسكره في البلد، لابتياع ما يحتاجون إليه، وكان جاهلاً بالحرب، فلما شاهد أعلام أبي كاليجار شرع الوزير يرتب العسكر، وقد داخلهم الرعب، فحمل عليهم أبو كاليجار، فانهزموا وغنم أموالهم، فلما انتهى خبر الهزيمة إلى أبي الفوارس\rعودة أبي الفوارس إلى فارس\rواخراجه قال: ولما ملك أبو كاليجار البلاد،ودخل شيراز،وجرى على الدّيلم الشيرازيَّة من عسكره ما أخرجهم عن طاعته، وتمنوا أنهم كانوا قتلوا مع عمه، ثم إن عسكر أبي كاليجار شغبوا عليه وطالبوه بالمال فأظهر ديلم شيراز ما في نفوسهم من الحقد، فعجز عن المقام معهم، فسار عن شيراز إلى النونبدجان، ولقي شدَّة في طريقه، ثم فارقها لشدَّة حرِّها، ووخامة هوائها إلى شعب بوّان، فأقام به، وهو أحد متنزهات الدنيا الأربع، ولما سار عن شيراز أرسل الدَّيلم الشيرازيّون إلى أبي الفوارس يحثّونه على الوصول إليهم، فسار إليهم وتسلَّم شيراز، وقصد أبا كاليجار بشعب بوَّان، ثم استقر بينهما الصلح، على أن يكون لأبي الفوارس كرمان وفارس، ولأبي كاليجار خوزستان، وعاد أبو الفوارس إلى شيراز، وسار أبو كاليجار إلى أرَّجان، ثم إن وزيره أبي الفوارس صادر الناس، وأفسد قلوبهم، واجتاز به مال لأبي كاليجار ولمن معه من الديلم، فأخذه، فحينئذ حيَّ العادل ابن ماقيه صندلاً الخادم على العود إلى شيراز، فعادت الحال إلى أشدِّ ما كانت عليه، ثم حرج كل واحد، من أبي الفوارس وأبي كاليجار، والتقوا واقتتلوا، فانهزم أبو الفوارس إلى دارا بجرد، وملك أبو كاليجار فارس، وعاد أبو الفوارس فجمع الأكراد، فاجتمع له نحو عشرة آلاف مقاتل، والتقوا واقتتلوا نحو البيضاء، واصطخر، فانهزم أبو الفوارس ومن معه، وسار إلى كرمان، واستقر ملك أبي كاليجار بفارس، في سنة سبع عشرة وأربعمائة، وفي أثناء ذلك خطب لأبي كاليجار ببغداد، بعد وفاة مشرف الدولة، كما قدمناه في أخبار جلال الدولة، وفي سنة ثماني عشرة وأربعمائة استقر الصلح بين أبي كاليجار، وعمه أبو الفوارس صاحب كرمان لأبي الفوارس وبلاد فارس لأبي كاليجار، ويحمل لعمِّه في كلَّ سنة عشرين ألف دينار، وفوَّض أبو كاليجار أمور دولته إلى العادل ابن ماقية، فأجابه بعد امتناع، وشرط عليه ألا يعارض فيما يفعله، وفي سنة تسع عشرة وأربعمائة توفي أبو الفوارس صاحب كرمان، فاستولى أب كاليجار على كرمان.\rملك أبي كاليجار العراق","part":7,"page":245},{"id":3256,"text":"وفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ملك العراق، وذلك بعد وفاة عمه جلال الدولة، وذلك أن جلال الدولة لما مات كان ولده الأكبر الملك العزيز بواسط، فكاتبه الأجناد بالطاعة، وشرطوا عليه تعجيل ما جرت بع العادة من حقِّ البيعة، فترددَّت الرسائل بينهم في مقدار المال، فلم يكن عنده ما يعطيه لهم، وبلغ خبر موته الملك أبا كاليجار، فكاتب القوَّاد والأجناد ورغَّبهم في المال، وبكثرته وتعجيله، فمالوا إليه، وعدلوا عن الملك العزيز، وأرسل الأموال وفرقَّها على الجند وأولادهم ببغداد، وأرسل إلى الخليفة عشرة آلاف دينار، ومعها هدايا كثيرة، فخطب له ببغداد، وأرسل إلى الخليفة عشرة آلاف دينار، ومعها هداي كثيرة، فخطب له ببغداد في صفر سنة ست وثلاثين وأربعمائة، ولقبَّه الخليفة محي الدين، وسار إلى بغداد في مائة فارس من أصحابه؛ ليلاً مخافة الأتراك، فلما وصل إلى النعمانية لقيه دبيس بن مزيد، ودخل إلى بغداد في شهر رمضان، ومعه وزيره ذو السعادتين أبو الفرج بن محمد بن جعفر بن محمد بن فسابخس وزينت بغداد لقدومه، وخلّع على أصحاب الجيوش، وهم البساسيري والنشاودي والهمام أبو البقاء، وجرى من ولاة العرض بمرأى من الملك أبي كاليجار، واستمر ملكه إلى سنة أربعين وأربعمائة فتوفي بمدينة خنّاب من كرمان، في رابع جمادى الأولى منها، وقد عزم على المسير إلى كرمان، وكان عمره أربعين سنة وشهوراً، ومدة ملكه، منذ ملك فارس بعد وفاة أبيه، أربعاً وعشرين سنة وسبعة أشهر، ومنذ ملك العراق بعد عمه جلال الدولة أربع سنين وشهرين ونيفِّا وعشرين يوما، ولما توفي نهب العراق الأتراك الذين بالعسكر الخزائن والسلاح والدوابَّ، وانتقل ولده أبو منصور فلا ستون إلى مخيم الوزير أبي منصور، وأراد الأتراك نهبها، فمنعهم الديلم، وعاد العسكر إلى شيراز، فملكها الأمير أبو منصور، وكان رحمه الله منصفا للتجار في معاملاتهم، يربحون عليه الأرباح الكثيرة، مع بخله العظيم، وخلف بقلعة اصطخر تسعة وعشرين ألف بدرةٍ ورقا، وأربعمائة بدرةٍ عيناً، سوى الجواهر والثياب.\rأولاده: الملك الرحيم أبو نصر أبو منصور فلاستون. أبو طالب كامروا - أبو المظفر بهرام - أبو علي كيخسرو شاه، وثلاثة بنين أصاغر.\rوزيره: العادل أبو منصور بهرام.\rملك أبي نصر\rهو أبو خسرو فيروز بن أبي كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة فناخسروا بن بهاء الدولة أبي نصر خسرو فيروز بن عضد الدولة ابن ركن الدولة، وهو آخر ملوك الدولة البويهية، عليه انقرضت دولتهم، وكان ملكه ببغداد بعد وفاة أبيه كاليجار، وذلك أنه لما ورد الخبر بوفاته إلى بغداد، وبها ولده أبو نصر هذا أحضر الجند واستحلفهم، وراسل الخليفة القائم بأمر الله، في الخطبة لنفسه وتلقيبه بالملك الرحيم، ترددَّت الرسائل في ذلك إلى أن أجابه الخليفة إلى الخطبة، ولم يجبه إلى اللَّقب، وقال: لا يجوز أن يلقَّب أحد بأخص صفات الله عز وجل، واستقر ملكه بالعراق وخوزستان والبصرة، وكان بالبصرة أخوه أبو كيخسرو واستولى أبو منصور على شيراز، فسير إليه الملك الرحيم أخاه أب سعيد في عسكر، فملكوا شيراز، وقبضوا على أبي منصور ووالدته، وذلك في شوال سنة أربعين وأربعمائة، وخطب للملك الرَّحيم بشيراز، ثم خالفه أهلها بعد ذلك، وصاروا مع أخيه أبي منصور، وكان بينهم حروب ووقائع يطول شرحها، ولم يزل الملك الرحيم في الملك إلى أن قطعت خطبته، عند وصول السّلطان طعرلبك السّلجقي إلى بغداد، فخطب له بها بعد الخليفة، ثم بعده للملك الرحيم، بشفاعة الخليفة إلى السلطان طغرلبك - ثم قبض طغرلبك على الملك الرحيم، وقطعت خطبته، لخمس بقين من شوال، وقيل في سلخ شهر رمضان سنة سبع وأربعين، وسيره السلطان إلى الري، واعتقله في قلعتها، فمات في سنة خمسين وأربعمائة وانقطعت الدولة البويهية من بغداد بزوال ملكه. وكان ملكه سبع سنين وشهوراً، وبلغ من العمر اربعا وعشرين سنة وشهورا.\rوزراؤه: الوزير أبو السعادات، وأبو الفرج بن فسانجس، وابنه الوزير أبو الغنائم، والوزير أبو الحسن على بن عبد الرحيم.\rجامع أخبار ملوك بني بويه عدة من ملك منهم ستة عشر ملكا\rوهم عماد الدولة أبو الحسن علي بن بويه، ركن الدولة أبو علي الحسن معز الدولة أبو الحسن أحمد عز الدولة بختيار بن معر الدولة.","part":7,"page":246},{"id":3257,"text":"عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو شاهنشاه.وفيه يقول المتنبي:\rأبو شجاع بفارس عضد الدولة ... فناخسروا شاهنشاه\rمؤيّد الدولة أبو منصور بويه ركن الدولة. فخر الدولة وفلك الأمة أبو الحسن علي بن ركن الدولة مجد الدولة، وكنف الأمة أبو طالب رستم بن فخر الدولة، وهؤلاء الثلاثة لم يملكوا العراق - صمصام الدولة أبو كاليجار المرزبان بن عضد الدولة - شرف الدولة أبو الفوارس شيرذيل بن عضد الدولة بهاء الدولة وضياء الدولة أبو نصر خسرو فيروز بن عضد الدولة سلطان الدولة أبو شجاع فناخسروا بن بهاء الدولة مشرف الدولة بن بهاء الدولة - جلال الدولة أبو طاهر فيروز خسرو بن بهاء الدولة - الملك شاهنشاه أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة. الملك الرحيم أبو نصر، وملك منهم أيضاً شمس الدولة أبو طاهر بن فخر الدولة، ملك همذان ثم استولى على الجبل، وأبو الفوارس بن بهاء الدولة صاحب كرمان. ومدة ملكهم منذ استولى عماد الدولة على أصفهان لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي العقدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وإلى أن انقطعت خطبة الملك الرحيم لخمس بقين من شوال سنة سبع وأربعين وأربعمائة، مائة سنة وخمس وعشرون سنة وأحد عشر شهراً وأربعة عشر يوماً. ومنذ ملك معزُّ الدولة بغداد، ولقبه الخليفة المستكفي بالله العباسي، ولقب إخوته بالألقاب التي ذكرناها، ونقش أسماءهم على السكة لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وإلى هذا التاريخ، مائة سنة وثلاث عشرة سنة وخمسة اشهر وأربعة عشر يوما. وكان لهم في غالب الأوقات من الأقاليم: سجستان، وطبرستان، وجرجان، دعوة وخطابة، وسكة، وكرمان ،والري، وأصفهان، وهمذان، وبلاد فارس، وخوزستان، والعراق، والموصل،وديار بكر، وما يليها، وجميع عمان،وانقرضت دولتهم كأًن لم تكن،فسبحان الدائم الذي لا يزول ملكه،ولا يفنى دوامه،سبحانه وتعالى.\rوحيث ذكرنا الدولة البويهية،وأخبار ملوكها فلنذكر أخبار السلجقية.\rالدولة السلجقية وابتداء أمر ملوكها وكيف تنفلت بهم الحال، إلى أن استولوا على البلاد، وما حازوه من الأقاليم والممالك، وغير ذلك من أخبارهم كان ابتداء ظهور هذه الدولة في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وملوكها هم الذي ينسب إليهم القبة و الطير. يقال:إنهم اتخذوا ذلك تبركا بالطائر الذي يقال إنه وقع ظله على أحد من البشر سعد سعادة عظيمة، وقيل إن ظله وقع على أبيهم سلجق، فكان من أمره ما نذكره ، وقد اختلف في انتسابهم إلى أي قبيلة، فمن الناس من ذهب إلى أنهم من التركمان، ومنهم من يقول إنهم من الترك، وفي أخبارهم ما يدل على أنهم الأتراك.وأول من نبغ من ملوك هذه الدولة وعلا قدره، وطار اسمه، واستولى على البلاد، وقاتل الملوك، وحاز الممالك ونعت بالسلطنة: طغرلبك أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سلجق بن يقاق.\rوطغرلبك: بضم الطاء المهملة، وسكون الغين المعجمة، وضم الراء، وسكون اللام، وفتح الباء الموحدة وبعدها كاف.\rولنبدأ بذكر آبائه، وابتداء أمرهم في سبيل التلخيص والاختصار، لتكون أخبارهم سياقة، يتلو بعضها بعضاً. فأما يقاق، وقيل فيه دقاق، ومعنى يقاق: القوس الجديدة، فكأن رجلاً تركياً شهما، صاحب رأي وتدبير، وهو أول من دخل في دين الإسلام، وكان مقدم طائفته من الأتراك، ومرجعهم غليه، لا يخالون له قولا، وكان ملك الترك في زمانه بيغوا يتدبر برأيه، ويقتدي بمشورته، ويستصحبه في حروبه، فيقال: إن يبغو جمع عساكره، وأرادوا المسير إلى بلاد الإسلام، فنهاه يقاق عن ذلك، وطال الخطاب بينهما، فأغلظ له ملك الأتراك في الكلام، فلطمه يقاق فشجَّ رأسه فثار به خدم بيغو، ثم صلح الأمر بينهما، فكان يقاق عند بيغو إلى أن مات. وخلف ولده سلجق.\r؟؟أخبار سلجق بن يقاق","part":7,"page":247},{"id":3258,"text":"وسلجق بتفخيم الجيم، لتكون بين السين والجيم، ورأيت جماعة من المؤرخين اثبتوا في اسمه واواً، فقالوا: سلجوق. قال ابن الأثير: وإثبات الواو في اسمه غلط، والصواب سلجق. قال: ولما توفي والده يقاق، ظهر على سلجق مخايل النجابة، وإمارات التقدم، فقربه ملك الترك، وفوَّض إليه تدبير العساكر، ولقبَّه سباشي، ومعناه قائد الجيش، فكانت امرأة الملك تحذَّره منه، وتخوِّفه عاقبة أمره، لما رأت من انقياد أصحابه أليه، وطاعة الناس له، وأغرته بقتله، فبلغ سلجق الخبر، فسار بجماعته ومن يطيعه، والتحق بملك الخانية: شهاب الدولة هارون بن إيلك خان، ملك ما وراء النهر، فأمدَّه شهاب الدولة بجيش كثيف، ليغزو بلاد كفار الترك، فاستشهد في بعض حروب الكفار، وقيل: بل توفي بجند ودفن بها، قال ابن الأثير في تاريخه الكامل: إنه لما فارق بيغو أقام بنواحي جند، وأدام غزو كفار الترك، وكان ملك الترك يأخذ الخراج من المسلمين في تلك الديار، فطرد سلجق عمّاله عنها، ثم استنجد به بعض ملوك السامانية على هارون بن إيلك خان الخان، لأنه كان قد استولى على بعض بلاده، فأرسل إليه سلجق ابنه أرسلان، في جمع من أصحابه، فقوي بهم الساماني على هارون، واستعاد ما كان أخذه من بلاده، وعاد أرسلان إلى أبيه.\rقال: ولما توفيِّ سلجق كان له من العمر مائة وسبع سنين، وخلف من الأولاد: أرسلان، وميكائيل، وموسى، فغزا ميكائيل بعض بلاد كفار الترك، وباشر القتال بنفسه، فاستشهد في سبيل الله، وقيل بل مات في حبس السلطان محمود بن سبكتكين؛ لأنه طلبه أن يكون في جملة أصحابه، فامتنع من ذلك، فقبض عليه، واعتقله، فمات في اعتقاله، والله تعالى أعلم.\rوخلف ميكائيل من الأولاد طغرلبك محمد، وجغري بك داوود، وبيغو، فأطاعهم عشائرهم، وانقادوا لأمرهم، فنزلوا بالفري من بخاري، على عشرين فرسخاً منها، فخافهم أميرها، فأساء جوارهم، وقصد الإيقاع بهم، فانتموا إلى بغراخان ملك تركستان، واجتمعوا به، وأقاموا عنده، واستقرَّ الأمر بين طغرلبك وأخيه جغري بك داوود، أنهما لا يجتمعان عند بغراخان، وإنما يحضر أحدهما، ويقيم الآخر في أهله؛ خوفا منه أن يقبض عليهما معا، فاجتهد بغراخان في اجتماعهما، فلم يتهيأ له، فقبض على طغرلبك، فسار داود في عشائرها ومن معه، وقصد بغراخان وقاتله وهزمه، وخلَّص أخاه وانصرفوا إلى جند، وهي بقرب بخارى.\rوأما ارسلان بن سلجق أخو ميكائيل فإن ميكائيل فإن إيلك خان لما ملك مملكة السامانية، بما وراء النهر، ومنها بخارى، أعظم محلَّ أرسلان، وكان على تكين في جيش أرسلام خان أخو إيلك خان، فهرب ولحق ببخارى، واستولى عليها،واتفق مع أرسلان بن سلجق، وقوي أمرهما، فقصدهما إيلك خان أخو أرسلان خان، وقاتلهما، فهزماه، وبقيا ببخارى، وكان علي تكين يكثر معارضة يمين الدولة محمود بن سبكتكتين، فيما يجاوره من البلاد، ويقطع الطريق على رسله إلى ملوك الترك، فلما عبر محمود نهو جيجون هرب على تكين من بخارى، ودخل أرسلان بن سلجق وجماعته إلى المفازة، فكاتبه محمود واستماله ورغَّبه، فأتاه، فقبض عليه لوقته، وسجنه ونهب خركاهاته، واستشار فيما يفعل بقومه وعشيرته، فأشار أرسلان الجاذب بقطع أباهيمهم حتى لا يرموا النشاب، أو يغرقوا في نهر جيحون، وفرقهم في نواحي خراسان، ووضع عليهم الحرج، فجار العمال عليهم، وامتدت الأيدي إلى أموالهم وألادهم، فانفصل منهم ألفا رجل، وساروا إلى كرمان، ومنها إلى أصفهان، وجرى بينهم وبين صاحبها علاء الدولة بن كاكويه حرب، فساروا من أصفهان إلى أذربيجان.","part":7,"page":248},{"id":3259,"text":"هؤلاء جماعة أرسلان، وأما أولاد أخوته: فإن تكين صاحب بخارى أعمل الحيلة في الظفر بهم؛ فراسل يوسف بن موسى بن سلجق وهو ابن عم طغرلبك، واستماله، وطلب منه الحضور عنده، فأتاه، ففَّوض إليه تكين التقدم على جميع الأتراك الذي في ولايته، وأقطعه إقطاعاً كبيرا، ولقبه بالأمير اينانج بيغو وقصد بذلك أن يعينه على أولاد عمه وأن يأخذ بعضهم ببعض، فعلم يوسف مراده، فلم يطعه في ذلك، فلما رأى أن مكيدته لم تؤثِّر، ولا يبلغ بها غرضاً، أمر بقتله، فعظم ذلك على طغرلبك، وداوود وعشائره، فلبسوا ثياب الحداد، وجمعا من الأتراك ما قدرا على جمعه، لطلب ثأر ابن عمِّهم، وجمع على تكين، وذلك في سنة عشرين وأربعمائة، ثم قصدا ألب قرا قاتل يوسف ابن عمِّهما، فقتلاه في سنة إحدى وعشرين، وأوقعا بطائفة من عسكر علي تكين، فقتلا منهم نحو ألف رجل، فجمع علي تكين عساكره، ومن حمل السلاح من أصحابه، وتبعهم خلق كثير من أهل البلاد، وقصدوا السلجقية من كل جانب، وأوقعوا بهم وقعة عظيمة، وسبوا كثيراً من نسائهم، فألجأتهم الضرورة إلى العبور إلى خراسان، فلما عبروا جيحون، كتب إليهم خوارزم شاه هارون بن التونتاش، يستدعيهم إليه؛ ليكونوا يداً واحدة، فساروا إليه واجتمعوا بظاهر خوارزم، في سنة ست وعشرين وأربعمائة، واطمأنوا إليه فغدر بهم، وأكثر فيهم القتل والنهب، فساروا إلى مفاذة نسا، وقصدوا مرو في هذه السنة. وذراريهم، ونساؤهم في الأمر.\r؟ما اتفق بين طغرلبك وداود\rوبين السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين قال: ولما اتفق لهم مع خوارزم شاه هارون ما ذكرناه، راسلوا الملك مسعود - وهو بطرستان - يطلبون منه الأمان، وأن يكونوا في خدمته، ويدفعوا الطائفة التي تفسد في بلاده، ويكونوا من أعظم أعوانه، فقبض على الرسل، وجهز عسكراً جراراً مع حاجبه بكتغدي، وغيره من الأمراء، فالتقوا عند نسا في شعبان سنة ست وعشرين وأربعمائة، فانهزم السلجقية، وغنم العسكر المسعودي لأموالهم وأثقالهم، فجرى بين العسكر منازعة على الغنائم أدت إلى القتال بينهم، فقال داود لأصحابه: إن العسكر الآن قد اطمأن، واستقر والرأي أ، نقصصصدهم، لعنا نبلغ منهم غرضاً، فعاد ووافق وصولهم إليهم، وهم فيما وقع بينهم من الاختلاف، وقتال بعضهم بعضاً، فأوقعوا لهم، وقتلوا منهم، وأسروا، فاستردّوا ما أخذوه، وعاد المنهزمون من المعسكر المسعودي إلى نيسابور، فندم مسعود على ردِّه السلجقية، عند بذلهم الطاعة، وعلم أن هيبتهم قد تمكنت في قلوب عساكره، فأرسل إليهم يتهددهم ويتوعدهم، فقال طغرلبك لإمام صلواته: أكتب اللَّهم مالك الملك .. - إلى - قدير، ولا تزد على ذلك، ففعل، فلما ورد الجواب على مسعود، كتب إليهم يعدهم المواعيد الجميلة وسيّر إليهم الخلع، وأمرهم بالرحيل إلى آمل الشط، وهي مدينة على نهر جيحون، وأقطع دهشان لداود، ونسا لطغرلبك، وفراوه لبيغو، ولقب كلَّ واحد منهم بالدَّهقان، فاستخفوا بالرسول والخلع، ثم قالوا له: لو علمنا أن السلطان يبقي علينا إذا قدر لأطعناه، وكلنا نعلم أه متى قدر علينا أهلكنا، فنحن لا نطيعه، ثم أرسلوا إليه يخادعونه بإظهار الطاعة له، وأحضره عنده ببلخ، وأفرج عنه وأمره بمراسلة بني أخيه يأمرهم بالكفِّ عن الشر، والدخول في الطاعة، ففعل أرسلان، وأرسل إليهم مع الرسول أشفا، فلما جاء الرسول إليهم، وأدى الرسالة، وسلم إليهم الإشفي نفروا واستوحشوا، وعادوا إلى ما كانوا عليه من الشر، فأعاد الملك مسعود عمهم أرسلان إلى الحبس، وسار إلى عزنة وقصد السلجقية بلخ، ونيسابور، وطوس، وجوزجان، وأقام داود بمدينة مرو، وانهزمت العساكر المسعودية من السلجقية مرة بعد أخرى، واستولى الرعب عليهم، هذا والملك مسعود يغزو الهند، والكتب تصل إليه بأخبار السلجقية وهو لا يجيب عنها، ولا يلوي على ما فيها لاشتغاله بما هو أهم عنده من ذلك، وهو غزو الهند، وفتح قلاعهم، على ما قدمناه في أخبار الدولة الغزنويه.\rالدولة السلجوقية وإقامة الخطبة لطغرلبك وداود","part":7,"page":249},{"id":3260,"text":"كان سبب ذلك أن وزراء السلطان مسعود، وأهل دولته، لما كرروا عليه القول وواصلوا الرسل إليه، يعرفونه ما آل إليه أمر السلجقية، ويحذرونه عاقبة توانيه فيهم، جهز جيشا كثيفا مع حاجبه سباشي، ومرداويج بن بسو، فأقام سباشي بهراه ونيسابور، ثم أغار على مرو وبها داود، فانهزم داود بين يديه، وتبعه العسكر المسعودي، فعطف داود عليه، وحمل على صاحب جوزجان، فقتله، فانهزم عسكر مسعود، وعاد داود إلى مرو، فأحسن إلى أهلها، وخطب لنفسه فيها في أول جمعة من شهر رجب سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وهي أول خطبة أقيمت لهم، ولقب في الخطبة بملك الملوك، وقويت نفوس السلجقية وزاد طمعهم في البلاد، ثن التقى العسكر السعودي بعد ذلك، والسلجقية، وباشر سباشي الحرب بنفسه، واقتتلوا على باب سرخس، في شعبان سنة ثمان وعشرين، فانهزم سباشي أقبح هزيمة، وتبعه داود إلى طوس يأخذ أصحاب سباشي باليد، وكفوا عن القتل، وغنموا أموالهم، فكانت هذه الواقعة هي التي أوجبت ملك السلجقية خراسان، ودخلو فصبات البلاد، فدخل طغرلبك نيسابور، وسكن الشادياخ، وخطب له فيها في شعبان، ولقَّب بالسلطان المظفر وبثوا النواب في النواحي، وسار داود إلى هراة، وتوجه سباشي إلى غزنة فاضطر مسعود إلى المسير إلى خراسان، وجمع من العساكر ما يضيق بها الفضا، وفرق فيهم الأموال، وشار من غزنة، ومعه من الفيلة عدد كثير، فوصل إلى بلخ، فقصده داود، ونزل قريبا منها، ودخلها يوماً جريدة، على حين غفلة من العسكر، فأخذ الفيل الكبير الذي على باب الملك مسعود، وعدة جنائب، فعظم قدره في نفوس الناس وازدادت، هيبته في قلوب العسكر، ثم سار مسعود من بلخ في مستهل شهر رمضان سنة تسع وعشرين، ومعه ألف فارس سوى الأتباع، وسار إلى جوزجان، فأخذ واليها الذي كان للسلجقية، فصلبه، وسار منها، فوصل إلى مرو الشاهجان، وسار داود إلى سرخس، واجتمع بأخويه طغرلبك وبيغو، فراسلهم مسعود في الصلح، فتوجه إليه بيغو بالجواب، فأكرمه مسعود وخلع عليه، وكان مضمون رسالته: إنا لا نثق بمصالحتك بعد ما فعلناه من هذه الأفعال، التي كل فعل منها موبق مهلك، وآيسوه من الصلح، فسار مسعود من مرو إلى هراة، وقصد داود مرو، فامتنع أهلها من تسليمها، فحاصرهم سبعة أشهر، وملكها، فسقط في يد مسعود، وسار من هراة إلى نيسابور ثم إلى سرخس، وكلما اتبع السلجقية إلى مكان ساروا منه إلى غيره، ولم يزل كذلك حتى أدركه الشتاء، فأقام بنيسابور ينتظر الربيع، فلما جاء الربيع اشتغل مسعود بلهوه وشربه، حتى انقضى فصل الربيع، فلما جاء الصيف عاتبه أصحابه على إهماله أمر السلجقية، وعدم مناجزتهم للحرب، فسار من نيسابور في طلبهم، فدخلت السلجقية البرية، وتبعهم مرحلتين، وقد ضجر عسكره من التعب والكلال، فنزل الملك مسعود منزلاً قليل الماء، فاقتتل عسكره على الماء، ونهب بعضهم بعضاً، فعلم داود بما هم فيه، فرجع عليهم، فولَّوا منهزمين لا يرجع بعضهم على بعض، وثبت مسعود، ثم انهزم في نحو مائة فارس، حتى أتى غرشستان وغنم السلجقية من المعسكر المسعودي ما لا يدخل تحت الإحصاء، فقسم داود ذلك على أصحابه، وآثرهم على نفسه، ونزل في سرادق مسعود، وجلس على كرسيه، ثم أطلق الأسرى، ووضع خراج سنة كاملة.\rملك داود وطغرلبك\rوبيغونيسابور وبلخ وهراة","part":7,"page":250},{"id":3261,"text":"قال: وسار طغرلبك إلى نيسابور، فملكها في أواخر سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، فقيل إنه أكل لوزينجا، فقال: هذا ططماج طيب، إلا أنه لا ثوم فيه، ورأى أصحابه الكافور، فأكلوا منه، وقالوا: هذا ملح مُرُ، واستولى السلجقية حينئذ على جميع البلاد، فسار بيغو إلى هراة، فدخلها وسار داود إلى بلخ، وبها ألتونتاش الحاجب والياً عليها لمسعود، فراسله داود في تسليم البلد إليه، وعرفه عجز صاحبه عن نصرته، فحبس ألتونتاش رسله، فنازله داود، وحصر المدينة، فأرسل ألتونتاش إلى مسعود وهو بغزنه يعرفه الحال.وما هو فيه من ضيق الحصار، فجهز مسعود العساكر الكثيرة، فجاءت طائفة منهم إلى الُّرخَّخ، وبها من السلجقية، فقاتلوهم فانهزمت السلجقية، وقتل منهم ثمانمائة رجل وأسر كثير، وخلا ذلك الصقع منهم، وسارت طائفة إلى هراة وبها بيغو، فقاتلوه، ودفعوا عنها، ثم جهز مسعود ولده مودوداً وسيَّره في عسكر كبير مدداً لهذا العسكر، فسار عن غزنه في سنة اثنين وثلاثين وأربعمائة، فلما قاربوا بلخ سيَّر داود طائفة من عسكره، فأوقعوا بطلائع مودود، فانهزمت الطلائع، وتبعهم عسكر داود، فلما أحس بهم عسكر مودود رجعوا إلى ورائهم، فلما اتصل هذا الخير بألتونتاش صاحب بلخ أطاع داود وسلم إليه البلد، ووطيء بساطه، ثم اتفق قتل السلطان مسعود في سنة اثنتين وثلاثين، وملك بعده أخوه محمد، ثم قتل مودود بن مسعود، فتمكن السلجقية.\rملكه جرجان وطبرستان\rوفي سنة ثلاث وأربعمائة ملك طغرلبك جرجان وطبرستان،،ن وسبب ذلك أن أنوشروان بن منوجهر بن قابوس بن وشمكير صاحبها قبض على أبي كاليجار بن ويهان القُوهي صاحب جيشهن وزوج أمهن فعلم طغرلبك عند ذلك انه لا مانع له، ولا دافع من البلاد، فسار إليها، وقصد جرجان، ومعه مرداويج بن بسَّو، فلما نازلها فتح له مستحفظها أبوابها، فدخلها، وقرر على أصحابها مائة ألف دينار صلحاً، وسلم البلد لمرداويج، وقرر عليه في كل سنة خمسين ألف دينار، عن جميع الأعمال، وعاد إلى نيسابور، وقصد مرداويج بن بسو أنوشروان \" بسارية \" ، فاصطلحا على ان ضمن له انوشروان ثلاثين ألف دينار، وأُقيمت الخطبة لطُغرُلبك في سائر البلاد، وتزوج مرداويج، لايخالفه في شيء ألبته، وملك خوارزم في سنة أربع وثلاثين من شاه ملك ابن علي، وكان في طاعة مودود صاحب غزنة.\rمسير إبراهيم ينال إلى الري وهمذان\rوإبراهيم ينال هو أخو طغرلبك لأمه. قال: ولما ملك إخوته خراسان سار هو إلى الري، فملكها في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، ثم سار عنها إلى البلاد المجاورة لها، ثم انتقل بروجرد، فملكها، ثم قصد همذان، وكان بها أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة، ففارقها إلى سابور خواست، ونزل إبراهيم عليها، وأراد دخولها، فقال له أهلها: إن كنت تريد منا الطاعة، وما يطلبه السلطان من الرعية، فنحن باذلوه، وداخلون تحته، فاطلب أولاً هذا المخالف عليك الذي كان عندنا، يعنون كرُشاسف، فإنا لا نأمن عوده إلينا؛ فإذا ظفرت به كُنّالك، فكف عنهم، وسار إلى كرشاسف بعد أن أخذ من أهل البلد مالاً، فلما قارب سابور، خواست تحصّن منه كرشاسف بالقلعة، وملك إبراهيم البلد قهراً ونبهه، ثم عاد إلى الري، وذلك في سنة أربع وثلاثين وأربعمائة.\rخروج طغرلبك إلى الري\rوملكه بلد الجبل قال: ولما فرغ طُغرُلبك من خوارزم، وجرجان، وطبرستان خرج من خراسان إلى الري، وغيرهما من بلاد الجبل، وسار أخوه إبراهيم يُنال إلى سجستان، وأخذ طغرلبك من مجد الدولة بن بويه، وأقام عنده مكرّماً، وأمر طغرلبك ذهب مجوهرة، وبرنيتين من الصيني مملوءتين، وأمولاً كثيرة، وسار إلى قزوين، وحصرها، فوقع الصلح على ثمانين ألف دينار، ودخل صاحبها في طاعته، وأطاعه ملك الديلم، وحمل إليه مالاً وعروضاً، وأطاعه غيره من الملوك، وأرسل سرية إلى أصفهان، وبها أبو منصور فرامرز الدولة، فأغارت وعادت سالمة، وخرج طغرلبك من الرين وقصد أصفهان، فصالحه صاحبها، وصانعه بمال، وسار إلى همذان، فملكها من صاحبها كرشاسف بن علاء الدولة، وسار معه إلى من أبهر وزنجان، وطلب منه طغرلبك تسليم قلعة كنكور، فأرسل إلى من بها ليسلموها، فامتنعوا، فقال طغرلبك: ما امتنعوا إلى بأمرك ورأيك، فاصعد إليهم، وأقم معهم، ولا تفارق موضعك حتى آذن لك، واستناب بهمذان ناصر العلوي.","part":7,"page":251},{"id":3262,"text":"وفي سنة خمسين وثلاثين وصل إلى طغرلبك رسول الخليفة القائم بأمر الله، وهو أقضى القضاه أبو الحسن علي الماوردي، فتلقاه طغرلبك على أربعة فراسخ، إجلالاً لرسالة الخليفة، وذكر طاعته للخليفة، ووقوفه عند أوامره.\rوفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة استوزر السلطان طغرلبك أبا القاسم علي بن عبد الله الجويني، وهو أول وزير وزر له.\rوفي سنة سبع وثلاثين أمرر السلطان طغرلبك أخاه إبراهيم ينال بالخروج إلى بلاد الجبل، فسار من همذان، وقصد كرمان، وبها كرشاسف بن علاء الدولة، ففارقها خوفاً، ودخلها إبراهيم، وملكها، وسار إلى الدينور، فملكها، وملك قرميسين في شهر رجب بعد حصار وقتال، وملك الصيرمة في شهر شعبان ونهبها، وأوقع بالأكراد المجاورين لهما، ثم سار إلى حلوان، فنهبها، وأحرقها.\rملك ينال قلعة كنكور\rوغيرها وفي سنة تسع وثلاثين وأربعمائة سار إبراهيم إلى قلعة كنكور، وبها عُكبر بن فارس، صاحب كرشاسف، فامتنع عكبريها إلى أن فقدت ذخائره وفنيت الأقوات، فعند ذلك أعمل الحيلة، وعمد إلى بيوت الطعام التي بالقلعة فملأها تراباً وحجارة، وسدّ أبوابها، ونشر من داخل الأبواب شيئاً من الطعام، وعلى رأس التراب والحجارة مثل ذلك، وراسل إبراهيم في تسليم القلعة إليه، على أن يؤمنه على من بها من الرجال، وما بها من الأموال، فامتنع إبراهيم من ترك المال، فأخذ عكبر رسول إبراهيم، وطوَّفه على بيوت الطعام، فرآها مملوءة وظنها طعاماً، وقال له: قل لصاحبك إنني لم أرسل إليه خوفاً من المطاولة، فإن بذل لي الأمان على ما طلبته لي، وللأمير كرشاسف وأمواله، ولمن بالقلعة، سلمتها إليه، وكفيته مؤنة المقام، فلما عاد الرسول إلى إبراهيم، وأخبره بما سمع، أجابه إلى ما طلب، ونزل عكبر، فلما تسلّم إبراهيم القلعة تبينت له مكيدته، وسلم إليه سرجاب ابن أبي السؤل؛ ليفتح به قلاعه، وكان الأكراد الملاذية قد قبضوا عليه، وسلّموه لإبراهيم ينال، قبل ذلك، فسار به أحمد إلى قلعة كلكان، فامتنعت عليه، فسار إلى قلعة دردبلوه، فحصرها، وامتدت طائفة ممن معه إلى تلك الأعمال، فنهبوها، ووصلوا إلى الدسكرة، وباجسري، والهارونية، وقصر سابور، وجميع تلك الأعمال، ونهبوها، فوصل الخبر إلى بغداد، فارتاع أهلها، ثم سار إبراهيم ينال إلى السيروان، فحصر القلعة، وضيّق على من بها، وأرسل سرّية نهبت البلاد، وانتهت إلى عشرة فراسخ من تكريت، ثم تسلم السيروان من مستحفظها بعد أن أمنه، واستخلف عليها رجلاً من أصحابه، وانصرف إلى حلوان، وعاد إلى همذان.\rغزو ابراهيم ينال الروم\rوفي سنة أربعين واربعمائة غزا إبراهيم الروم، فظفر وغنم وأسر وسبى، وكان سبب: ذلك أن خلقاً كثيراً من الغز مما وراء النهر، قدموا عليه، فقال لهم: إن بلادي تضيق عن مقامكم، والقيام بما تحتاجون إليه، والرأي أن تمضوا إلى غزو الروم، وتجاهدوا في سبيل الله تعالى، وتغنموا وأنا سائر في أثركم، فساروا بين يديه وتبعهم، فوصلوا إلى ملاذكرد، وأرزن الروم، وقاليقلا، وبلغوا طرابزون، وتلك النواحي كلها، ولقيهم عسكر عظيم للروم والأنجاز، يبلغون خمسين ألفا، فاقتتلوا وكانت بينهم عدة وقائع، تارة لهؤلاء، ثم كان الظفر للمسلمين، فأكثروا القتل في الروم، وأسروا جماعة كثيرة من بطارقتهم. وممن أسر قاريط ملك الأنجاز، فبذل في نفسه ثلثمائة ألف دينار، فلم يجبه إلى ذلك، ولم يزل بجوس خلال تلك الديار وينهبها، إلى أن بقي بينه وبين القسطنطينية خمسة عشر يوما، واستولى المسلمون على تلك النواحي، وغنموا ما فيها، وسبوا أكثر من مائة ألف رأس، وأخذوا الدواب، والبغال، والأموال ما لا يقع عليه الإحصاء، قيل: إن الغنائم حملت إلى عشرة آلاف عجلة، وإنه كان في جملة الغنيمة تسعة عشر ألف درع، والله أعلم.\rالوحشة بين طغرلبك وأخيه إبراهيم ينال والاتفاق بينهما","part":7,"page":252},{"id":3263,"text":"وفي سنة إحدى وأربعين وأربعمائة استوحش إبراهيم من أخيه السلطان طغرلبك، وكان سبب ذلك أن، طغرلبك طلب من أخيه إبراهيم أن يسلم إليه مدينة همدان، والقلاع التي بيده في بلد الجبل، فامتنع من ذلك، واتهم وزيره أبا يعلى في السعي بينهما، فقبض عليه وضربه، وسمل إحدى عينيه، وقطع شفتيه، وجمع جمعا، والتقى مع السلطان طغرلبك، وكان بينهما قتال، فانهزم إبراهيم، وسار طغرلبك في أثره، وملك جميع قلاعه وبلاده، وتحصَّن إبراهيم بقلعة سرماج، فحصره طغرلبك بها، فملكها في أربعة أيام، وكانت من أحصن القلاع، واستذل ينال منها، وأرسل إلى نصر الدولة بن مروان يطلب منه إقامة الخطبة له في بلاده، فأطاعه، وخطب له في سائر ديار بكر، وراسل ملك الروم السلطان طغرلبك، وأرسل إليه هدية عظيمة، وطلب منه المعاهدة، فأجابه إلى ذلك، وأرسل ملك الروم إلى ابن مروان يسعى في فداء ملك الأنجاز، فأرسل نصر الدولة إلى السلطان شيخ الإسلام أبا عبد الله ابن بهران في معناه، فأطلعه بغير فداء، فعظم ذلك عنده، وعند ملك الروم، وأرسل إليه هدايا عظيمة، فقيل: إنه أرسل إليه ألف ثوب من الديباج، وخمسمائة ثوب من أصناف الحرير، وخمسمائة رأس من الكراع، إلى غير ذلك، وأنفذ إليه مائتي ألف دينار، ومائة لبنة من الفضة، وثلاثمائة مهري، وثلاثمائة حمار مصرية، وألف عنز بيض الشعور، سود العيون والقرون، وأنفذ إلى البزمرون عشرة أمناء مسكا، وعمر مسجد القسطنطينية، الذي بناه مسلمة بن عبد الملك، وعمر منارته، وجعل فيها القناديل، وعلَّق في محرابه قوساً، ونشابه، وأقيمت فيه الصلاة والخطبة لطغرلبك، فدان له الناس حينئذ، وعظم شأنه، وتمكن ملكه، فكانت الدولة السلجقية في زيادة، والبويهية في نقص، قال: وأما إبراهيم ينال فإنه لما نزل إلى أخيه طغرلبك أكرمه، وأحسن إليه، ورد عليه كثيرا مما أخذ منه، وخيره بين أن يقطعه بلادا يسير إليها، وبين أن يقيم معه، فاختار الإقامة معه.\rملك طغرلبك أصفهان\rكان قد حاصرها في ثمان وثلاثين وأربعمائة، فلم يظفر منها بطائل، ثم اصطلح هو وصاحبها أو منصور فرامرز بن علاء الدولة، على مال يحمله إلى السلطان طغرلبك، ويخطب له بأصفهان، وأعمالها، ثم حصل بعد ذلك من صاحبها تلون، فكان يطيعه تارة ويعصيه تارة، ويطيع الملك الرحيم بن بويه، فجاء السلطان إليها في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وحاصرها سنة، وتسلمها في سنة ثلاث وأربعين، واستطابها، وجعلها دار مقامه، ونقل ما كان له بالري من الذخائر والأموال والسلاح إليها، وخرب قطعة من سورها، وقال: إنما يحتاج إلى الأسوار من تضعف قدرته وأما من حصن عساكره وسيفه، فلا حاجة به إليها.\rاستيلاء ألب أرسلان على فسا\rوفي سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة سار ألب أرسلان بن داود جغري بكمن مدينة مرو بخراسان إلى فارس، وأخذ في مسيره على المفازة من غير علم عمه طغرلبك، فوصل إلى مدينة فسا، فانصرف النائب بها من بين يديه، ودخلها ألب أرسلان، وقتل من الديلم نحو ألف دينار، وأسر ثلاثة آلاف إنسان، وعاد إلى خراسان، ولم يلبث مع عمه طغرلبك.والله أعلم بالصواب\rاستيلاء طغرلبك على أذربيجان\rوغزو الروم وفي سنة ست وأربعين وأربعمائة سار السلطان طغرلبك إلى أذربيجان، فقصد تبريز، وصاحبها الأمير أبو منصور وهشوذان ابن محمد الراوي، فأطاعه، وخطب له، وحمل إليه ما أرضاه، وأعطاه ولده رهينة،وكذلك فعل معه سائر ملوك تلك النواحي، بذلوا له الطاعة والخطبة، وانقاد العساكر إليه، فأبقى بلادهم عليهم، وأخذ رهائنهم، وسار إلى أرمينية، وقصد ملازكرد من الروم فحصرها، ونهب ما جاروها من البلاد، وخرّبها، وأثر في بلاد الروم أثاراً عظيمة، ونال منهم من النهب والأسر والقتل شيئاً كثيرا، ثم عاد إلى أذربيجان عند دخول الشتاء، وعاد إلى الري، ولله أعلم.\rدخول طغرلبك بغداد\rوالخطبة له بها، وانقراض الدولة البويهية","part":7,"page":253},{"id":3264,"text":"كان دخول إليها يوم الإثنين لخمس بقين من شهر رمضان سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وكان سبب ذلك أن المظفَّر أبا الحارث ألب أرسلان التركي، المعروف بالبساسيري، عظم أمره بالعراق، طار اسمه في الآفاق، واستولى على البلاد، وعظمت هيبته في قلوب العباد، وخافه أمراء العرب، وخطب له على منابر العراق، ولم يبق لبني بويه معه إلا مجرَّد الاسم، ووقع بينه وبين الخليفة القائم بأمر الله، من الوحشة ما قدمناه، في أخبار الدولة العباسية، حتى بلغ الخليفة أنه يريد القبض عليه، فعند ذلك كاتب الخليفة السلطان طغرلبك، وهو بنواحي الريّ يستنصر به، ويحثه على المسير إلى بغداد، وكان طغرلبك قد عاد إلى الريّ، بعد عوده من غزو الروم، فرتب أمور الريّ، وعاد إلى همذان في المحرَّم من السنة، وأظهر أنه يريد الحجّ، وإصلاح طريق مكة، والمسير إلى الشام ومصر، وإزالة ملك المستنصر العبيدي عنها، وسار إلى حلوان، وانتشر أصحابه في طريق خراسان، فأجفل الناس إلى غربي بغداد، وأخرج الأتراك خيامهم إلى ظاهرها، وسمع الملك الرّحيم بقرب السلطان طغرلبك من بغداد، فأصعد من واسط إليها، وفراقه البساسيري بمراسلة الخليفة في معناه، كما ذكرناه، ووصل الملك الرحيم إلى بغداد، وأرسل طغرلبك إلى الخليفة يبالغ في إظهار الطاعة والعبودية، وإلى الأتراك البغداديين يعدهم الجميل والإحسان، فأنكروا ذلك ونفروا منه، وراسلوا الخليفة، وقالوا: إنا فعلنا بالبساسيري ما فعلناه، وهو كبيرنا ومقدمنا ابتاعا لأمر أمير المؤمنين، ووعدنا أمير المؤمنين برد هذا الخصم، ونراه قد قرب منا، ولم يمنع من المجيء، وسألوا التقدم إليه في العود، فغولطوا في الجواب، وكان رئيس الرؤساء يؤثر مجيئه، ويختار انقراض الدولة البويهية، ثم وصل الملك الرحيم إلى بغداد، وأرسل إلى الخليفة يظهر العبودية، وسأل تقرير قاعدته مع طغرلبك، وكذلك سأل من معه من الأمراء، فأجيبوا بأن المصلحة أن تدخل الأجناد خيامهم، من ظاهر بغداد، وينصبوها بالحريم، ويرسلوا رسولاً إلى طغرلبك يبذلون له الطاعة والخطبة، فأجابوا إلى ذلك، وراسلوه، فأجابهم إلى ما سألوه، ووعدهم الإحسان إليهم، وتقدم الخليفة إلى الخطباء بجوامع بغداد بالخطبة للسلطان طغرلبك، فخطب له لثمان بقين من شهر رمضان من السنة، وأرسل طغرلبك يستأذن الخليفة في دخول بغداد، فأذن له، وخرج وزير الخليفة، ورؤساء بغداد وأعيانها، وأمر الملك الرحيم للقائه، واستحلفه الوزير للخليفة، وللملك الرحيم، ودخل بغداد في يوم الإثنين لخمس بقين من شهر رمضان، ونزل بباب الشماسية ومعه ثمانية عشر فيلا، ودخل عسكره بغداد للامتياز، وشراء ما يريدونه من أهلها، وأحسنوا معاملتهم، فلما كان الغد، وهو يوم الثلاثاء، جاء بعض العسكر إلى باب الأزج، وأخذوا واحداً من أهله، فطلبوا منه تبنا، وهو لا يفهم عنهم ما يريدون، فاستغاث عليهم، وصاح العامة لهم، ورجموهم، وسمع الناس الصياح، فظنوا أن الملك الرحيم وعسكره قد عزموا على قتال طغرلبك، فارتج البلد من أقطاره وأقبلوا من كل جهة، وقتل من الغز من وجد في محال بغداد إلا أهل الكرخ، فإنهم لم يتعرضوا إلى الغز بأذية بل حموهم، وخرج عامّة بغداد، ومعهم جماعة من العسكر، يقصدون العسكر السلطاني، ولم يركب الملك الرحيم، ودخل أعيان أصحابه إلى دار الخليفة، وأقاموا بها نفياً للتهمة عن أنفسهم، ظناً منهم أن ذلك ينفعهم، وأما عسكر السلطان طغرلبك، فإنهم لما رأوا فعل العامة وظهورهم من البلد قاتلوهم، ففل من الفريقين خلق كثير، وانهزمت العامة، ونهب الغز بعض الدروب، ونقل الناس أموالهم إلى باب النوبي، وأرسل الغز بعض الدروب، وأرسل طغرلبك من الغز إلى الخليفة يعتب، وينسب ما جرى إلى الملك الرحيم وأصحابه، ويقول: إن حضروا رئت ساحتهم، وإن تأخروا عن الحضور تيقنت أن الذي جرى كان بوضعهم، فتقدم الخليفة إلى الملك الرحيم وأصحابه يقصد السلطان، فركبوا إليه، وأرسل الخليفة معهم رسولا يبرئهم عند السلطان، فلما وصلوا إلى جهة السلطان، أمر بالقبض على الملك الرحيم ومن معه، فقبضوا كلهم في آخر شهر رمضان، وحبسو، ثم حمل الملك الرحيم إلى قلعة السيروان، وأرسل الخليفة إلى السلطان ينكر ما جرى، من قبض الملك الرحيم وأصحابه ونهب بغداد، ويقول: إنهم خرجوا إليك بأمري، وأماني، فإن أطلقتهم، وإلا فأنا أفارق بغداد","part":7,"page":254},{"id":3265,"text":"فأطلق بعضهم، وأخذ جميع إقطاعات عسكر الملك الرحيم، وأمرهم بالسعي في أرزاق يحصلونها لأنفسهم، فتوجَّه كثير منهم إلى البساسيري، ولزموه، فكثر جمعه، وكان من أمره ما قدمناه وأمر طغرلبك بأخذ أموال الأتراك البغداديين وانتشر الغز في سواد بغداد، فنهبوا من الجانب الغربي من تكريت إلى النيل، ومن الجانب الشرقي إلى النهروانات، وأسافل الأعمال، فأسرفوا في النهب حتى بلغ ثمن الثور ببغداد خمسة قراريط إلى عشرة، والحمار بقيراطين إلى خمسة، وخرب السواد، وأجلى أهله عنه، وضمن السلطان طغرلبك البصرة، والأهواز من هزار سب بن تنكر بن عياض بثلثمائة ألف وستين ألف دينار، وأقطعه أرجان، وأمره أن يخطب لنفسه بالأهواز، دون الأعمال التي ضمنها، وأقطع الأمير أبا علي بن أبي كاليجار الملك قرميسين وأعمالها، وأمر أهل الكرخ أن يؤذنوا في مساجدهم سحراً للصبح: الصلاة خير من النوم، وأمر بعمارة دار الملك، فعمرت وزيد فيها، وانتقل إليها في شوال.طلق بعضهم، وأخذ جميع إقطاعات عسكر الملك الرحيم، وأمرهم بالسعي في أرزاق يحصلونها لأنفسهم، فتوجَّه كثير منهم إلى البساسيري، ولزموه، فكثر جمعه، وكان من أمره ما قدمناه وأمر طغرلبك بأخذ أموال الأتراك البغداديين وانتشر الغز في سواد بغداد، فنهبوا من الجانب الغربي من تكريت إلى النيل، ومن الجانب الشرقي إلى النهروانات، وأسافل الأعمال، فأسرفوا في النهب حتى بلغ ثمن الثور ببغداد خمسة قراريط إلى عشرة، والحمار بقيراطين إلى خمسة، وخرب السواد، وأجلى أهله عنه، وضمن السلطان طغرلبك البصرة، والأهواز من هزار سب بن تنكر بن عياض بثلثمائة ألف وستين ألف دينار، وأقطعه أرجان، وأمره أن يخطب لنفسه بالأهواز، دون الأعمال التي ضمنها، وأقطع الأمير أبا علي بن أبي كاليجار الملك قرميسين وأعمالها، وأمر أهل الكرخ أن يؤذنوا في مساجدهم سحراً للصبح: الصلاة خير من النوم، وأمر بعمارة دار الملك، فعمرت وزيد فيها، وانتقل إليها في شوال.\rمسير السلطان إلى الموصل","part":7,"page":255},{"id":3266,"text":"وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة سار السلطان طغرلبك إلى الموصل؛ وسبب ذلك، أنه لما أقام ببغداد عم الناس ضرر عسكره، وضاقت عليهم أرزاقهم ومنازلهم، فأرسل إليه الخليفة القائم بأمر الله يذكر له ما الناس فيه من الجور والظلم، ويعظه، ويقول: إن أزلت ذلك والإفتعين الخليفة على على الإنبراح من بغداد، فقال السلطان لوزيره الكندري: بكِّر إلى الخليفة واعتذر له بكثرة العساكر والعجز عن تمهيدهم، وضبطهم، فلما كان تلك الليلة رأى السلطان في منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه عند الكعبة وهو يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي معرض عنه، وقال: يحكِّمك الله في بلاده وعباده، فلا تراقبه فيهم، ولا تستحي من جلالة الله عز وجل، في سوء معاملتهم، وتغتر بإمهاله عند الجور عليهم، فاستيقظ فزعاً، وأحضر عميد الملك الوزير، وذكر له ما رآه، وأرسله إلى الخليفة يعرفه أنه مقابل ما رسم به بالسمع والطاعة، وأخرج الجند من دور العامة، وأمر أن يظهر من كان مختفياً، وأزال التوكيل عمَّن كان وكل به، وعزم على الرحيل،وأتاه خير البساسيري، والواقعة التي بينه وبين قريش بن بدران، صاحب الموصل، على ما قدمناه في أخبار القائم بأمر الله، فتجهز، وسار عن بغداد، في عاشر ذي الحجة من السنة، ومعه خزائن السلاح والمجانيق، وكان مقامه ببغداد ثلاثة عشر شهراً وأياماً، لم يلق الخليفة فيها، وسار إلى البوازيج وأقام بها حتى أتاه ياقوتي بالعساكر، في سنة سبع وأربعين، فسار بهم إلى الموصل، وسير هزار سب بألف فارس اختارهم من العسكر، فدخل البرية، وأوقع بالعرب، وعاد إلى السلطان، فعندها أرسل نور الدولة دبيس بن مزيد، وقريش بن بدران صاحب الموصل، يسألان هزار سب أن يتوسط لهما عند السلطان طغرلبك، فسعى في ذلك، فأجابه إليه في حقهما دون البساسيري، فتوجَّه البساسيري عند ذلك إلى الرَّحبة، وتبعه الأتراك البغداديون، ومقبل بن المقلد، وجماعة من عقيل، ثم سار السلطان إلى ديار بكر، التي هي لابن مروان، ووصل إلى جزيرة ابن عمر، فأرسل إليه بن مروان يذكر ما هو بصدده من حفظ ثغور المسلمين، وما يعانيه من مجاهدة الكفار، وبذل ما يصلح، ثم وصل إبراهيم ينال إلى السلطان، يعرِّفهما وصوله، ويحذرهما منه، فسار من جبل سنجار إلى الرحبة، فلم يلتفت البساسيري إليهما، فانحدر نور الدولة إلى بلد العراق، وأقام قريش عند البساسيري بالرحبة، وشكى قتلمش بن عم السلطان ما لقي من أهل سنجار في العام الماضي، عند انهزامه من البساسيري، وأنهم قتلوا رجاله، فسيَّر العساكر إليهما، فصعد أهل سنجار على السور، وسبّوا السلطان، وأخرجوا جماجم القتلى وقلانسهم، وجعلوها على القصب، ففتحها السلطان عنوة، وقتل أميرها علي بن مرحا، وخلقا مثيرا من رجالها، وسبي نسائهم، وسأل إبراهيم ينال من الباقين، فتركهم السلطان، وسلَّمها هي والموصل إلى أخيه إبراهيم ينال. والله أعلم بالصواب\rعودة السلطان إلى بغداد","part":7,"page":256},{"id":3267,"text":"قال: وكان عود السلطان إلى بغداد، في سنة تسع وأربعين، فخرج رئيس الرؤساء إلى لقائه، وأبلغه سلام الخليفة، واستيحاشه، قبل الأرض، وقدم رئيس الرؤساء جاماً من ذهب فيه جواهر، وألبسه فرجية جاءت معه من عند الخليفة، فلبسها، ووضع العمامة على مخدّته، فقبل السلطان الأرض، ويم يمكن أصحابه من النزول في دور الناس، وطلب الاجتماع مع الخليفة فأذن له في ذلك، وجلس الخليفة يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة من السنة جلوسا عاما، وحضر وجوه عسكر السلطان، وأعيان بغداد، وحضر السلطان والخليفة جالس على سرير من الأرض، نحو سبعة أذرع، وعليه بردة النبي صلى الله عليه وسلم، وبيده القضيب الخيزران، فقبل السلطان الأرض ويد الخليفة، واجلس على كرسي، فقال الخليفة لرئيس الرؤساء: قل له إن أمير المؤمنين شاكر لسعيك، حامد لفعلك، مستأنس بقربك، وقد ولاَّك جميع ما ولاَّه الله من بلاده، ورد عليك مراعاة عباده، فاتق الله فيما ولاَّك، واعرف نعمته عليك في ذلك، واجتهد في نشر العدل، وكف الظلم، وإصلاح الرعية، فقبَّل الأرض، وأمر الخليفة بإفاضة الخلع عليه، فقام إلى موضع لبسها فيه، وعاد فقبل يد الخليفة، ووضعها على عينيه، وخاطبه الخليفة بملك المشرق والمغرب، وأعطى العهد، وخرج، فأرسل إلى الخليفة هدية كبيرة، منها خمسون ألف دينار، وخمسون مملوكا أتراكا، من أجود ما يكون بخيولهم ويلاحهم، وغير ذلك من الثياب، وغيرها.\rمفارقة إبراهيم ينال الموصل وما كان من آمره إلى أن قتل\rوفي سنة خمسين وأربعمائة فارق إبراهيم ينال الموصل، وتوجه نحو بلاد الجبل، فنسب السلطان رحيله إلى العصيان وأرسل إليه يستدعيه، وبعث الفرجية التي خلعها عليه الخليفة، وكتب الخليفة أيضاً إليه كتباً، فرجع إبراهيم إلى السلطان، وهو ببغداد، فخرج الوزير الكندري لاستقباله، وأرسل الخليفة إليه الخلع، ولما فارق إبراهيم الموصل استولى عليها البساسيري، كما قدمناه، فسير السلطان إليها جريدة في ألفي فارس، وكان قد فرق عساكره بسبب النوروز، ففارقها البساسيري ومن معه، فسار السلطان إلى نصيبين، ليتبع آثارهم ويخرجهم من البلاد، ففارقه أخوه إبراهيم ينال، وسار نحو همذان، فوصل إليها، لربع بقين من شهر رمضان سنة خمسين وأربعمائة، وقد قيل: إن المستنضر كاتبه، وكاتب البساسيري، وأطمعه في السلطنة والبلاد، ففعل ذلك، وسار السلطان في أثره، وهو في قلَّة من العسكر، وكان إبراهيم قد اجتمع له كثير من الأتراك، وحلف لهم أنه لا يصالح أخاه طغرلبك، ولا يكلِّفهم المسير إلى العراق، فلم يقو السلطان له، وأتى إلى إبراهيم محمد، وأحمد ابنا أخيه أرتاش في خلق كثير، فازداد بهم قوة، وازداد بهم قوة، وازداد طغرلبك ضعفاً، فانزاح بين يديه إلى الري، وكاتب ألب أرسلان، وياقوتي وقارود بك أولاد أخيه، وكان داود قد مات على ما نذكره، وملك بعده ابنه أرسلان خراسان، واستدعاهم، فقدموا إلى عمّهم طغرلبك بالعساكر الكثيرة، فلقي إبراهيم بالقرب من الري، فانهزم إبراهيم، ومن معه، وأخذ أسيراً هو، ومحمد، وأحمد ابنا أخيه، فأمر السلطان به، فخنق بوترقوسه في تاسع جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين، وقتل ولدي أخيه، وفي أثناء هذه السنة عند اشتغال السلطان طغرلبك بحرب أخيه إبراهيم استولى البساسيري على بغداد. وأخرج الخليفة منها، وكان ما قدمناه في أخبار القائم بالله، وكان إبراهيم ينال قد خرج على أخيه مراراً، وهو يقدر عليه، ويعفو عنه، وإنما قتله في هذه الواقعة لأنه علم أن الذي جرى على الخليفة كان بسببه، ولما فرغ طغرلبك من أمر أخيه، عاد إلى العراق، وأعاد الخليفة إلى بغداد، وكان ما قدمناه من مقتل البساسيري.\rوفاة جغري بك داود\rصاحب خراسان، وملك ابنه ألب أرسلان","part":7,"page":257},{"id":3268,"text":"كانت وفاته في شهر رجب سنة إحدى وخمسين، وقيل في صفر سنة اثنين وخمسين وأربعمائة، وعمره نحو سبعين سنة، كان له خراسان، وكان حسن السيرة معترفاً بنعمة الله عليه، شاكراً عليها؛ فمن ذلك أنه أرسل إلى طغرلبك مع عبد الصمد قاضي سرخس، يقول: قد بلغني إخرابك للبلاد التي فتحتها وملكتها، وجلاء أهلها عنها، وهذا ما لا خفاء به مخالفة أمر الله تعالى، في بلاده وعباده، وأنت تعلم ما فيه من سوء السمعة، وإيحاش الرعية، وقد علمت أننا لقينا أعداءنا، ونحن في ثلاثين رجلا، وهم في ثلثمائة، فغلبناهم، ثم كنا في ثلثمائة، وهم في ثلاثة آلاف، فغلبناهم، ثم كنا في ثلاثة آلاف، وهم في ثلاثين ألفا، فدفعناهم، وقاتلنا بالأمس شاه ملك، وهو في أعداد كثيرة فقهرناه، وأخذنا مملكته بخوارزم، وهرب بين أيدينا إلى خمسمائة فرسخ من موضعه، فظفرنا به، وأسرناه، وقتلناه، واستولينا على ممالك خراسان، وسجستان، وصنا ملوكاً متبوعين، بعد أن كنا أصاغر تابعين، وما تقتضي نعم الله علينا أن نقابلها بهذه المقابلة، فقال طغرلبك: قل له في الجواب: يا أخي أنت ملكت خراسان، وهي بلاد عامرة، فخربتها، ووجب عليك مع استقرار قدمك عمارتها، وأنا وردت بلاداً أخربها من تقدمني، واجتاحها من كان من قبلي، فما أتمكن من عمارتها، والأعداء محيطة بها، والضرورة تقود إلى طرقها بالعساكر، فلا يمكن دفع مضرتهم عنها.\rولداود مناقب كثيرة، وكان له من الأولاد: ألب أرسلان، وياقوتي، وسليمان، وقاورد بك، ولما مات ملك بعده ابنه ألب أرسلان، وتزوج طغرلبك بزوجة أخيه داود، وهي والدة سليمان، ووصى له بالملك بعده، في سنة اثنين وخمسين توفيت زوجة السلطان طغرلبك، فوجد عليها وجداً شديداً، ونقل تابوتها إلى الري.\rزواج طغرلبك بابنة الخليفة","part":7,"page":258},{"id":3269,"text":"وفي سنة أربع وخمسين وأربعمائة عقد السلطان طغرلبك على ابنة الخليفة القائم بأمر الله، وكانت الخطبة قد تقدَّمت في سنة ثلاث وخمسين، مع أبي سعيد قاضي الري، فانزعج الخليفة من ذلك، وأرسل في الجواب أبا محمد التميمي، وأمره أن يستعفي، فإن أعفى والآكمَّ الأمر، على أن يحمل السلطان ثلثمائة ألف دينار، ويسلم واسط وأعمالها، فلما وصل إلى السلطان ذكر لعميد الملك الكندري الوزير ما ورد فيه من الاستعفاء، فقال: لا يحسن أن يردَّ السلطان، وقد سأل وتضرع، ولا يجوز أيضاً مقابلته بطلب الأموال والبلاد، ومهما فعلته فهو الصواب. فبنى الأمر على الإجابة، وطلع به السلطان، فسرّ به وجمع الناس، وعرفهم أن همته قد سمت إلى الاتصال بهذه الجهة النبوية، وبلغ من ذلك ما لم يبلغه سواه من الملوك، وتقدَّم إلى الوزير عميد الملك أن يسير، ومعه أرسلان خاتون ابنة أخيه داود، وهي زوجة الخليفة القائم بأمر الله، وأن يصحبها مائة ألف دينار برسم الجمل، وما شاكلها من الجواهر، وغيرها، ووجه معه فرامرز بن كاكويه، وغيره من وجه الأمراء، وأعيان الري، فلما وصلوا امتنع الخليفة من الإجابة، وقال: إن أعفينا، وغلا خرجنا من بغداد، فقال: عميد الملك: كان الواجب الامتناع من غير اقتراح وعد الإجابة إلى ما طلب، فالامتناع سعي على دمي، واخرج خيامه إلى النهروان فاستوقفه قاضي القضاة، والشيخ أبو منصور بن يوسف فانهيا إلى الخليفة عاقبة انصرافه، فكتب الخليفة إلى عميد الملك يقول: نحن نرد الأمر إلى رأيك، ونعوِّل على أمانتك ودينك، فحضر يوما عند الخليفة، ومعه جماعة من الأمراء، والحجّاب، والقضاة، والشهود، فتكلم، وقال للخليفة: أسأل مولانا أمير المؤمنين، التطول بذكر ما شرف به العبد المخلص شاهنشاه ركن الدين فيما رغب ليعرفه الجماعة، فغالطه، وقال: قد سطر في المعنى ما فيه كفاية، فانصرف عميد الملك، ورحل في السادس والعشرين من جمادى الآخرة، وأخذ المال معه إلى همذان، فكتب السلطان إلى قاضي القضاة، وإلى الشيخ أبي منصور بن يوسف يعتب، ويقول: هذا جزائي من الخليفة الذي قتلت أخي في خدمته، وأنفقت مالي في نصرته، وأهلكت خواصي في محبته، وأطال العتاب، فعاد الجواب بالاعتذار، وطلب السلطان طغرلبك ابنة أخيه زوجة الخليفة؛ لتعاد إليه، وجرى ما كاد يقضي إلى الفساد الكلي، فلما رأى الخليفة شدة الأمر أذن في ذلك، وكتب الوكالة باسم عميد الملك الوزير، وكان العقد في شعبان سنة أربع وخمسين بظاهر تبريز، وهذا لم يجر مثله، فإن بني بويه مع تحكمهم على الخلفاء ما طمعوا بمثل هذا، وحمل السلطان أموالاً كثيرة، وجواهر نفيسة للخليفة، ولولي العهد، وللجهة المطلوبة، ولوالدتها، وغيرهم.\rوصول السلطان إلى بغداد بابنة الخليفة\rوفي سنة خمس وخمسين وأربعمائة في المحرم توجه السلطان طغرلبك من أرمينية إلى بغداد، وأراد الخليفة أن يستقبله، فاستعفى من ذلك، ووصل عميد الملك إلى الخدمة، وطالب بالجهة، فقيل له: خطك موجود بالشرط، وأن المقصود بهذه الوصلة التشريف لا الإجتماع، وإنه أن كانت مشاهدة، فتكون في دار الخلافة، فقال للخليفة: السلطان يفعل هذا، ولكن يفرد له من الدور والمسكن ما يكفيه، ومن خواصه، وحجابه، ومماليكه، فإنه لا يمكنه مفارقتهم، فحينئذ نقلت إلى دار المملكة في منتصف صفر، وجلست على سرير ملبس بالذهب، ودخل السلطان إليها، وقبل الأرض، وخدمها، ولم يكشف الخمار عن وجهها، ولا قامت هي له، وحمل لها أشياء كثيرة من الجواهر، وغيرها، وبقي يحضر في كل يوم، ويخدم، وينصرف، وعمل السِّماط، عدّة أيام، وخلع على عميد الملك، وجميع الأمراء.\rوفاة طغرلبك\rوشيء من سيرته","part":7,"page":259},{"id":3270,"text":"كانت وفاته بالريّ في يوم الجمعة لثمان خلون من شهر رمضان سنة خمس وخمسين وأربعمائة، وكان قد سار من بغداد في شهر بيع الأول إلى بلد الجبل، ومعه أرسلان خاتون ابنة أخيه داود، وهي زوجة الخليفة لأنها شكت إليه اطِّراح الخليفة لها، واتفق مرضه، فمات إلى مرو، ودفن عند قبر أخيه داود، وكان عمره سبعين سنة تقريبا، ومدة ملكه منذ خطب له بنيسابور في شعبان سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وإلى أن توفي سبعة وعشرين سنة، وأياما، ومنذ ملك بغداد سبع سنين، وأحد عشر شهرا، واثنا عشر يوما، وكان عاقلا حليما من أشد الناس احتمالا، وأكثرهم كتمانا لسره، وكان يحافظ على الصلوات، ويصوم الإثنين، والخميس، وكان ملبسه البياض إلا أنه كان فيه ظلم وقساوة، وكان أصحابه يغصبون الناس أموالهم، وأيديهم مطلقة في ذلك، فال يمنعهم، وكان عقيما لم يولد له.\rوزراؤه: أول من وزر له أبو القاسم علب بن عبد الله الجويني في سنة ست وثلاثين وأربعمائة، ثم وزر بعده رئيس الرؤساء أبو عبد الله الحسين بن علي بن ميكائيل، ثم وزر له بعده نظام الملك، ثم وزر له بعده عميد الملك أبو نصر الكندري، وهو أشهر وزرائه، وإنما اشتهر دون غيره من وزرائه؛ لأن السلطان طغرلبك عظمت دولته في وزارته، وملك العراق، وخطب له بالسلطنة، وقد تقدم من أخبار هذا الوزير ما يدل على تمكنه، والله أعلم.\rالسلطان عضد الدولة\rهو ألب أرسلان أبو شجاع محمد بن جغري بك داود بن ميكائيل ابن سلجق، وهو الثاني من ملوك الدولة السلجقية، ومعنى اسمه رجل أسد، واللام والباء في ألب مفخمتان. ملك خراسان بعد وفاة أبيه داود في شهر رجب سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، وقيل في صفر سنة اثنتين وخمسين، وملك العراق وغيره بعد وفاة عمه السلطان طغرلبك في سنة خمس وخمسين، وكان طغرلبك قد نصَّ على توليه سليمان اين أخيه داود أخي ألب أرسلان لأن أمه كانت عنده، فتبع هواها فيه، فلما مات السلطان طغرلبك نفذ الوزير عميد الملك وصيته فيه، وأجلس سليمان في السلطنة، فاختلف الأمراء عليه، ومضى بعضهم إلى قزوين، وخطب لعضد الدولة، فلما رأى عميد الملك فساد الحال، وميل الناس إلى عضد الدولة، لأمر بالخطبة له بالري، ثم من بعده لسليمان، وما اتصل بألب أرسلان الخبر بوفاة عمه جمع العساكر، وسار نحو الري، فلما قرب منها خرج إليه الوزير عميد الملك، وأظهر طاعته، واستقرت السلطنة له بمفرده.\rالقبض على عميد الملك\rالوزير وقتله قال: ولما استقر ملك عضد الدولة، قبض على الوزير عميد الملك الكندري، وسبب ذلك أنه رأى ميل الناس إليه، وانقيادهم لأمره خافه، فأمر بالقبض عليه، وأنفذه إلى مرو الروذ، واعتقله بها سنة، ثم أمر بقتله، وكان هذا الوزير كثير البغض للشافعي وأصحابه، وكان خصيَّاً خصاه طغرلبك لأنه أرسله يخطب له امرأة، فتزوجها، وعصى عليه، فلما ظفر به خصاه، وأقره على خدمته، وقيل: بل أعداؤه أشاعوا عنه أنه تزوَّجها، فخصا نفسه ليبرأ مما قيل فيه. قال المؤرخ: ومن العجب أن ذكره دفن بخوارزم لما خصي، ودمه مسفوح بمرو، وجسده مدفون بكندر، ورأسه ما عدا قحفه مدفون بنيسابور، ونقل قحفه إلى كرمان، ولما عرض على القتل، قال لقاتله: قل لنظام الملك بئسما عودت الأتراك قتل الوزراء، وأصحاب الديوان، قال: ولما قبض السلطان ألب أرسلان على الوزير عميد الملك أمر بعودة ابنة الخليفة إلى بغداد، وأعلمها أنه ما قبض عليه إلا لكونه نقلها من بغداد إلى الري بغير رضا الخليفة، وأمر الأمير أيتكين السليماني بالمسير في خدمتها والمقام شحنة ببغداد، وأنفذ أبا سهل محمد بن هبة المعروف بابن الموفق، وأمره بالسير في الصحبة، ومخاطبة الخليفة في الخطبة له، فمات بالجدري قبل وصوله، فأرسل العميد أبا الفتح بن المظفر بن الحسين، فمات أيضا في الطريق، فأرسل رئيس العراقيين، فوصل إلى بغداد في نصف شهر ربيع الآخر، واقترح السلطان أن يخاطب: بالولد المؤيد، فأجيب إلى ذلك، ولقب ضياء الدين عضد الدولة، وجلس الخليفة جلوسا عاما في سابع جمادى الأولى، وشافه الرسل بسلطنة ألب أرسلان، وسلمت الخلع عليهم، وأرسل من الديوان لأخذ البيعة النقيب طراداً الزينبي، فوصلوا إليه، وهو بنقجوان من أذربيجان، فلبس الخلع، وبايع الخليفة.\rملك عضد الدولة ختلان\rوهراه، وصغانيان","part":7,"page":260},{"id":3271,"text":"كان أمير ختلان بعد وفاة السلطان طغرلبك عصى بالقلعة، ومنع الخراج، فقصده السلطان، فوجد الحصن منيعا، فحاصره، ثم قتل صاحب الحصن بسهم جاءه، وهو على شرفة من شرفات السور، فهلك، وملك ألب أرسلان الحصن، وكان فخر الملك بيغو بن ميكائيل في هراة، فعصى أيضاً عليه، وطمع في الملك لنفسه، فسار إليه، وحصره، وضيق عليه، وأدام القتال ليلاً ونهاراً، فسلم المدينة، وخرج إلى ابن أخيه، فأكرمه، وسار إلى صغانيان، وأميرها موسى، وكان قد عصى عليه، فلما وصل لم ينتصف النهار حتى ملك القلعة قهراً، وأمر بقتل موسى، فبذل في نفسه أموالاً كثيرة، ثم عاد السلطان إلى مرو، ثم منها إلى نيسابور.\rالحرب بين السلطان وبين شهاب الدولة قتلمش وموته\rكان شهاب الدولة قتلمش بن سلجق قد عصى على طغرلبك، فلما مات جمع عساكره، وقصد الري، واستولى عليها، فسار السلطان من نيسابور في أول المحرم سنة ست وخمسين، فوصل إلى دامغان، وأرسل قتلمش يتنكر عليه، وينهاه، فأجاب بجواب غير مرض، ونهب قري الريّ، وأجرى الماء على وادي الملح، وهي سبخة، فتعذر على السلطان سلوكها، فجاء، وخاض في الماء بعسكره، ولقيه، واقتتلوا، فلم تثبت عسكر قتلمش، ومضى هو إلى قلعة كردكوه، وكانت من حصونه، واستولى القتل والأسر على عسكره، ثم عفا السلطان عنهم بشفاعة نظام الملك، فلما سكن الغبار، ونزل العسكر، وجد قلتمش ميتا لم يدر كيف كان موته، فقيل إنه مات من الخوف، فبكى السلطان لموته، وجلس لعزائه، وعظم عليه فقده، وقتلمش هذا هو جد الملوك السلجقية ملوك الروم، وكان قتلمش يعلم النجوم، يعلمه أولاده من بعده، فزادوا فيه، فنالهم به عضاضة في دينهم.\rفتح مدينة آني\rوغيرها من بلاد النصرانية","part":7,"page":261},{"id":3272,"text":"قال: وسار ألب أرسلان من الري إلى أذربيجان في أول شهر ربيع الأول، وقد عزم على جهاد الروم، وغزوهم، فأتاه أمير من الروم كان يكثر غزوهم اسمه طغركين، ومعه من عشيرته خلق كثير قد ألفوا الجهاد، وخبروا تلك البلاد، وحثه على قصد بلاد الروم،وضمن له سلوك الطريق المستقيم، فسار معه فوصل إلى نفجوان ، وأمر بعمل السفن لعبور النهر، وجميع العساكر، وسار إلى بلاد الكرج، وجعل مكانّه في عسكره ولده ملكشاه، والوزير نظام الملك، فساروا إلى قلعة فيها جمع كثير من الروم ، فحصاروها، فملكها المسلمون، وقتل أميرها، وساروا منها إلى قلعة سمارس وهي قلعة فيها الأنهار الجارية، والبساتين، فملكوها، وفتحوا قلعة أخرى بالقرب منها، وشحنوها بالرجال والذخائر والأموال، والسلاح وسم هذه القلاع إلى أمير نقجوان، ثم سار إلى مدينة مريم ونسين، وفيها كثير لأهل هذه البلد، وهي مدينة حصينة، وسورها من الحجر المبني بالرصاص والحديد، وعندها نهر كبير؛ فأعدّ نظام الملك السفن لقتال من بها، ودوام القتال ليلا ونهاراً إلى أن يسّر الله فتحها، وأحرقوا البيع، وقتلوا كثير من أهلها، وأسلم كثير، فنجوا من القتل، ثم استدعى السلطان ابنه،والوزير، فسارا إليه، ففرح بما يسَّره الله من الفتح على يد ملكشاه ابنه، وفتح عدة من الحصون في طريقه، واسر من النصارى ما لا يحصى كثرة، وساروا إلى سيبد سهر، فجرى بين أهلها، وبين المسلمين حروب شديدة، ثم يسَّر الله فتحها، وملكها السلطان، وسار منها إلى مدينة أعال لال، وهي حصينة عالية الأسوار شاهقة، وهي من جانبيها الشرقي والغربي على جبل عال، وعليه عدَّة من الحصون، ومن الجانبين الآخرين نهر كبير لا يخاض، وكان ملكها من الكرج، فجرى عليها حروب عظيمة، ويسّر الله فتحها، واعتصم جماعة من أهلها في برج من ابراج المدينة، فأحرقه السلطان بالنار، وغنم المسلمون من المدينة ما لا يحصى، وخرجوا إلى خيامهم، فلما جن الليل عصفت الريح، فاحترقت المدينة من نار البرج، وذلك في شهر رجب سنة ست وخمسين وأربعمائة، وملك السلطان قلعة حصينة كانت إلى جانب المدينة، وأخذ ما فيها، وسار منها إلى ناحية قرش، ومدينة آني وبالقرب منها بسل وورده. وجوده، فخرج أهلها مذعنين معلنين بالإسلام، وخربوا البيع، وبنوا المساجد، وسار منها إلى مدينة آني، فرآها حصينة لا ترام، ثلاثة أرباعها على نهر رأس، والربع الآخر على نهر عميق شديد الجرية لو طرحت الحجارة فيه لحملها، والطريق إليها على خندق عليه سور من الحجارة الصم، وهي مدينة عامرة آهلة، وضيَّق على من بها إلا أن المسلمين أيسوا من فتحها لما رأوا من حصانتها، فأتى من لطف الله تعالى ما لم يكن في حساب، وانهدم من السّور قطعة كبيرة لم يعلم سبب هدمها، فدخل المسلمون في المدينة، وقتلوا من أهلها ملا لا يحصى كثرة، وأسروا نحوا مما قتلوا، وسارت البشائر بهذا الفتح في البلاد، وقرأ كتاب الفتح ببغداد في دار الخلافة، فبرز خط الخليفة بالثناء على ألب أرسلان، والدعاء له، فرتب السلطان بالمدينة أميرا في عسكر جرار، وعاد عنها وقد راسله ملك الكرج في الهدنة، وصالحه على أداء الجزية في كل سنة، وعاد السلطان إلى أصفهان، وكرمان، ثم إلى مرو، وزوج ابنة ملكشاه بابنة خاقان ملك ما وراء النهر، وزفت إليه في هذه السنة، وزوج ابنه أرسلان شاه بابنة صاحب غزنه، فاتحد البيت السلجقي والمحمودي، واتفقت الكلمة.\rوفي سنة سبع وخمسين وأربعمائة ابتدئ بعمارة المدرسة النظامية ببغداد، وكملت عمارتها في سنة تسع وخمسين، وتقرر التدريس بها للشيخ أبي سحاق الشيرازي، فلما اجتمع الناس لحضور الدروس طلب، فلم يوجد، وكان سبب تأخره أنه لقيه صبي، فقال: كيف تدرس في مكان مغصوب؟، فلم يحضر، فلما أيس الناس من حضوره درس بها أبو نصر الصباغ صاحب الكتاب الشامل، ثم تلطف نظام الملك بالشيخ أبي إسحاق، حتى درَّس بها بعد عشرين يوماً.\r؟؟؟تقرير ملكشاه في ولاية العهد بالسلطنة من بعد أبيه\rوتقرير البلاد باسم أولاد السلطان وأخوته","part":7,"page":262},{"id":3273,"text":"في سنة ثمان وخمسين وأربع مائة سار السلطان ألب أرسلان من مرو إلى أرزكان، ونزل بظاهرها، ومعه جماعة من أمراء دولته، فأخذ عليهم العهود والمواثيق لولده ملكشاه بأنه السلطان من بعده، وركبه، ومشي بين يديه يحمل الغاشية، وخلع السلطان على جميع الأمراء، وأمر بالخطبة له في جميع بلاده، وأقطع البلاد، ومازندران لأمير أينانج بيغو، وبلخ لأخيه سليمان بن داود جفري بك، وخوارزم لأخيه أرسلان أرغو ومرو لابنه أرسلان شاه، وصغانيان وطخارسان لأخيه إلياس، وولاية بغشور، ونواحيها لمسعود بن ارتاش، وهو من أقارب السلطان.\r؟عصيان ملك كرمان\rوعوده إلى الطاعة وطاعة حصون فارس وفي سنة تسع وخمسين وأربعمائة عصى قرار أرسلان ملك كرمان على السلطان، ونزع الطاعة، وسبب ذلك أن وزيره حسّن له هذا الفعل، فظن أنه يقدر على الإستبداد بالأمر، فسار السلطان ألب أرسلان إليه، والتقت مقدمته بمقدمته، فانهزم أصحاب قرا أرسلان بعد قتال، وسار لا يلوي على شيء،، فوصل إلى قلعة، وامتنع بها، وراسل السلطان في طلب الأمان، وبذل الطاعة، فأمّذنه، وحضر إليه، فأكرمه، وأعاده إلى مملكته، فقال قرا أرسلان للسلطان: إن لي بنات، وقد جعلت أمرهنَّ إليط، وتجهيزهن، فأعطى السلطان إلى كل منهن مائة ألف دينار سوى الثياب، ثم سار السلطان منها إلى فارس، فوصل اصطخر، وفتح قلعتها، واستنزل واليها، فحمل إليه الوالي هدايا عظيمة جليلة المقدار من جملتها قدح فيروزج مكتوب عليه اسم جمشيد الملك، وأطاعه جميع حصون فارس، وبقيت قلعة هناك يقال لها: بهتزاذ، فسار نظام الملك إليها، وحصرها، ففتحها في اليوم السادس عشر من منازلتها، ووصل السلطان إليها بعد الفتح، فعظم محل نظام الملك عنده، وعلت منزلته، وزاد في تحكمه، والله أعلم بالصواب.\rاقامة الخطبة بحلب\rوفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة خطب تاج الملوك محمود بن نصر مرداس بحلب للخليفة القائم بأمر الله، وللسلطان ألب أرسلان، وسبب ذلك أنه لما رأى انتشار الدولة السلجقية، وقوتها، وإقبالها، جمع أهل حلب، وقال: هذه دولة جديدة، ومملكة شديدة، ونحن تحت الخوف منهم، وهم يستحلون دماءكم لأجل مذهبكم، والرأي أن نقيم الخطبة قبل أن يأتي وقت لا ينفعنا فيه ذلك، فأجاب مشايخ البلد، ولبس المؤذنون السواد، وخطب لهما، فأخذت العامة حُصر الجامع، وقالوا: هذه حصر علي بن أبي طالب، فليأت أبو بكر بحصر يصلي عليها بالناس، وأرسل الخليفة: إلى محمود الخلع مع نقيب النقباء طِراد بن محمد الزينبي، والله أعلم.\rاستيلاء السلطان على حلب\rوفي سنة ثلاث وستين أيضاً سار السلطان إلى حلب، وجعل طريقه على ديار بكر، فخرج إليه صاحبها نصر بن مروان، وخدمه بمائة ألف دينار، وحمل إليه إقامة بلغ السلطان أنه بسطها على البلاد فأمر بردّها، ووصل إلى آمد، فرآها ثغراً منيعاً، فتبرك به، وجعل يمر بيده على السور، ويمسح بها صدره، وصار إلى الرُّها، فحصرها، فلم يظفر منها بطائل، فسار إلى حلب، فسأل صاحبها محمود نقيب النقباء رسول الخليفة أن يخرج إليه، ويعلمه أنه لبس بخلع الخليفة واستعفاه. من الحضور، فقال: لا بد من حضوره، وأن يبطل الأذان بحيي على خير العمل، فامتنع محمود، واشتد الحصار على البلد، وغلت الأسعار، وزحف السلطان يوماً، فوقع حجر منجنيق على فرسه، فلما عظم الأمر على محمود صاحب حلب خرج ليلاً هو وأمه، ودخلا على السلطان، وقالت له: هذا ولدي تفعل به ما تحب، فتلقاهما بالجميل، وأحسن إلى محمود، وخلع عليه، وأعاده.\rخروج ملك الروم إلى خلاط وأسره","part":7,"page":263},{"id":3274,"text":"ولما عاد السلطان من حلب وصل إلى مدينة خُوىّ من أدربيجان، فبلغه خروج أرمانوس ملك الروم في مئتين ألوف من الروم، والفرنج والعرب المتغره، والكرج، والروس، وغيرهم من طوائف تلك البلاد، وأنه وصل إلى بلاد خلاط، فلم يتمكن السلطان من جمع العساكر لبعدها، وقرب العدو، فسيّر أثقاله مع نظام الملك إلى همذان، وسار هو، فيمن معه من العسكر، وهم خمسة عشر ألف فارس، وجد في السير، وجعل له مقدمة، فالتقت بمقدمة العدو، وهم عشرة آلاف فارس من الروس، فقاتلوهم، فانهزم الروس، وأسر مقدمهم، وحمل إلى السلطان، فجدع أنفه، وأرسل إلى ملك الروم يطلب منه المهادنة، فأجاب: لا هدنة إلا بالري، فلما كان يوم الجمعة بعد الصلاة ركب السلطان، وقال لأصحابه: من أراد الانصراف، فلينصرف، فما ها هنا سلطان يأمر وينهي، وبكى، وأبكى، ورمى القوس والنشاب، وأخذ السيف والدبوس، وعقد ذنب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبس البياض، وتحنط، وقال: إن قتلت، فهذا كفني، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وستين، وزحف إلى الروم، وزحفوا له، فلما قاربهم ترجّل، وعقر وجهه في التراب، وبكى، وأكثر من الدعاء، ثم ركب وحمل، فأعطى الله النصر للمسلمين، فقتلوا من العدو ما لا يحصى كثرة، وأسر ملك الروم، أسره بعض غلمان كوهراتين، ولم يعرفه، وأراد قتله، فقال له خدم معه: هذا الملك لا تقتله، وكان هذا الغلام قد عرض على عضد الدولة، فلميجز عرضه استحقاراً له، فشكره كوهراتين، فقال نظام الملك: عسى أن يأتينا بملك الروم أسيراً، فكان كذلك، فلما أسره الغلام أحضره إلى مولاه كوهراتين، فأحضره إلى السلطان، فضربه السلطان ثالث ضربات بالمقرعة، وقال: ألم أرسل إليك في الهدنة، فأبيت، فقال: دعني من التوبيخ، وافعل ما تريد، فقال السلطان: ما عزمت أن تفعل بي إن أسرتني؟ فقال: كنت أفعل كل قبيح، قال: فما تظن أني أفعل معك؟ فقال: إما أن تقتلني، وإما أن تشهرني في البلاد، والأخرى بعيدة، وهي العفو، وقبول الأموال، واصطناعي باتباعك، وقال: ما عزمت على غير هذا، ففدى نفسه بألف ألف وخمسمائة ألف دينار، وقطيعة في كل سنة ثلاثمائة ألف وستين ألف دينار، وإطلاق كل أسير في بلاد الروم من المسلمين، وأن ينفذ إليه عساكر الروم متى طلبها، واستقر الأمر على ذلك، وأنزله السلطان في خيمة، وأطلق له جماعة من أُسر من البطارقة، وخلع عليه من الغد، وأرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها، وقام ملك الروم إلى جهة الخليفة، وكشف رأسه، وأومأ إلى الأرض بالخدمة، ثم جهز السلطان معه عسكراً يوصله إلى مأمنه، وشيّعه فرسخاً، وأما الروم فلما بلغهم خبر الوقعة وثب ميخائيل على المملكة، وملك البلاد، فلما وصل أرمانوس الملك إلى قلعة دوفنه، بلغه الخبر، فلبس الصوف، وأظهر الزهد، وأرسل إلى ميخائيل يعرفه ما تقرر بينه وبين السلطان، فأجاب ميخائيل بإيثار ما استقر، وجمع أرمانوس ما عنده من المال، فكان مائة ألف دينار، وطبق عليه جواهر بتسعين ألف دينار، فحمل ذلك إلى السلطان، وحلف أنه لا يقدر على غيره، ومضى أرمانوس بمن معه إلى بلاد الأرمن، فملكها، وقتل ملكها، وأرسل رأسه إلى بغداد، ودعا للسلطان بها.\rملك أتسز بيت المقدس ودمشق","part":7,"page":264},{"id":3275,"text":"وفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة قصد أتسز بن أوق الخوارزمي، وهو من أمراء السلطان ملكشاه، فجمع الأتراك، وسار إلى فلسطين، ففتح الرملة، وسار منها إلى بيت المقدس، وحصره، وفيه عساكر المصريين، ففتحه، وملك ما يجاورهما من البلاد ما عدا عسقلان، وقصد دمشق، فحصرها، وتابع النهب لأعمالها حتى خربها، وقطع الميرة عنها، ولم يقدر عليها، ثم فتحها في سنة ثمان وستين وأربعمائة في سلطنة ملكشاه في خلافة المقتدي، وذلك أنه جعل يغير عليها في كل سنة، ويقصد أعمالها عند إدراك المُغل، فيقوى هو وعسكره، ويضعف أهل دمشق وجندها، ثم حصر دمشق في شهر رمضان سنة سبع وستين، وأميرها يوم ذاك المعلّى بن حيدره من قبل المستنصر صاحب مصر، فعجز عن فتحها، فانصرف عنها في شوال، واتفق أن أميرها المعلى أساء المسيرة مع الجند والرعية، فثار به العسكر، فهرب إلى بانياس، ثم منها إلى صور، ثم سار إلى مصر، فحبس بها حتى مات، ملما هرب من دمشق اجتمعت المصامدة، وولوا عليهم انتصار بن يحيى المصمودي المعروف: بزوين الدولة، واتفق وقوع غلاء شديد حتى أكل الناس بعضهم بعضاً، ووقع الخلف بين المصامدة، وبين أحداث البلد، فعاد أتز إلى دمشق، ونازلها في شعبان سنة ثمان وستين، وحصرها حتى عدمت الأقوات، فتسلمها عند ذلك بالأمان، ودخلها بعسكره في ذي القعدة، وخطب بها للمقتدى لخمس بقين من الشهر، وعوض عنها انتصار بقلعة بانياس، ومدينة يافا من الساحل.\rتزويج ولي العهد بابنه السلطان.\rوفي سنة أربع وستين وأربع مائة، أرسل الخليفة القائم بأمر الله عميد الدولة بن جهير إلى السلطان بالخلع له، ولولده ملكشاه، وأمره أن يخطب سفري خاتون ابنة السلطان لولي العهد المقتدى بأمر الله، ففعل ذلك، فأجيب إليه، وعقد النكاح بظاهر نيسابور، وكان عميد الدولة الوكيل في قبول النكاح، ونظام الملك الوكيل من قبل السلطان وكان النثار من الجوهر.\rملك السلطان قلعة فضلون.\rوفي هذه السنة سير السلطان الوزير نظام الملك في عسكر إلى بلاد فارس، وكان بها حصن من أمتع حصونها، وفيه صاحبه فضلون، وهو لا يعطى الطاعة، فنازله، وحاصره، فامتنع، وقاتل، فلم تطل المدة حتى نادى أهل الحصن بطلب الأمان بغير سبب ظاهر ولا قتال، وظهر أن سبب ذلك أن جميع آبار الحصن غارت مياهها في ليلة واحدة، فأمنهم نظام الملك، وتسلّم الحصن، وهرب فضلون إلى القلعة، ثم قبض عليه وجيء به إلى السلطان، فأحسن إليه، وأمنه، وأطلقه.\rمقتل ألب أرسلان\rوشيء من سيرته.\rوفي سنة خمس وستين وأربعمائة قصد السلطان ما وراء النهر، فعقد جسراً على جيحون، وعبر عليه في نيف وعشرين يوماً، وكان عسكره يزيد على مائتي ألف فارس، وكان ببعض القلاع رجل خوارزمي اسمه يوسف قد عصى، وتحصن بالقلعة، فبعث إليه السلطان جماعة، فحاصروه، وأخذوه، وأتوا به إلى السلطان، فأمر أن تضرب له أربعة أوتاد، وتشدّ أطرافه إليها، فقال يوسف: يا مخنث، مثلي يقتل هذه القتلة؟ فغضب لذلك، وأخذ القوس والنشاب، ورماه ثلاث مرات، وهو يخطىء، وكان لا يخطىء في رميه، فوثب يوسف، وضربه بسكين في خاصرته، وأدركه الجند، فقتلوه، وسدّ جرح السلطان، وعاد إلى جيحون وقال: ما من وجه قصدته، وعدوّ أردته إلا استغنت بالله عليه، فلما كان بالأمس صعدت على تل؛ فارتجت الأرض تحتي من عظم الجيش، فقلت في نفسي: أنا ملك الدنيا، وما يقدر أحد على، فعجزني الله تعالى بأضعف خلقه، وأنا أستغفر الله، وأستقيله من هذا الخطأ، وأحضر الوزير نظام الملك، والجند، وأوصاهم بولده ملكشاه، واستحلفهم له.\rوتوفي في عاشر شهر ربيع الأول، وحمل إلى مرو، فدفن بها عند أبية، وكان مولده في سنة أربع وعشرين، فكان عمره أربعين سنة وشهوراً، وكانت مدة ملكه منذ خطب له بالسلطنة تسع سنين، وستة أشهر، وأياماً.","part":7,"page":265},{"id":3276,"text":"وكان كريماً عادلاً عاقلاً لا يسمع السعايات، وكان رحيم القلب، رفيقاً بالفقراء، كثير الصدقة، تصدّق في شهر رمضان بخمسة عشر ألف دينار، وكان في ديوانه أسماء خلق من الفقراء في جميع مملكته عليهم الإدرارات، والصلات، ولم يسمع عنه بمصادرة بل قنع بالخراج والغنائم، قيل: إن بعض السعاة كتب إليه سعاية في نظام الملك الوزير، وذكر ما له من الرسوم والأموال، وترك الرقعة على مصلاه، فقرأها، ثم سلمها إلى نظام الملك، وقال له: إن كانوا صدقوا في الذي ذكروا، فحسن أخلاقك، وإن كانوا كذبوا فاغفر لهم زلتهم، وأشغلهم بمهِّمٍ يشتغلون به عن السعاية بالناس، وناهيك بهذه مكرمة.\rوكان له من الأولاد: ملكشاه، وتكش، وإيار، وتتش، وأرسلان أرغو، وتوزي برش، وساده، وعائشة، وبنت أخرى.\rوزيره: نظام الملك.\rولما وصل الخبر إلى بغداد بموته حبس الوزير فخر الدولة بن جهير للعزاء في صحن دار السلام، وملك بعده ابنه.\rجلال الدولة ملكشاه.\rابن السلطان عضد الدولة ألب أرسلان محمد بن جغري بك داود بن ميكائيل بن سلجق.\rوهو الثالث من ملوك الدولة السلجقية.\rملك بعد وفاة أبيه في عاشر ربيع الأول سنة خمس وستين وأربعمائة، وكان والده قد حلّف له العساكر كما قدمناه، وكان ملكشاه قد صحب والده في هذه السفرة، ولم يصحبه في سفرة غيرها، فأوصاه والده أن يعطي عمه قاورد بك بن داود أعمال فارس، وكِرمان، وشيئاً عيّنه من المال، وأن يزوج زوجته، وكان قاورد بك بكرمان، وأوصى بأن يعطى ابنه إياز ما كان لأبيه داود، وهو خمسمائة ألف دينار، وقال: من لم يرض بما أوصيت له به، فقاتلوه، واستعينوا على حربه بما جعلت له، وعاد ملكشاه من بلاد ما وراء النهر، وقد تولّى تدبير دولته الوزير نظام الملك وزير أبيه، فعبر النهر في ثلاثة أيام، وزاد الأجناد سبعمائة ألف دينار، وعاد إلى خراسان، وقصد نيسابور، ومنها إلى الري، وكتب إلى ملوك الأطراف بإقامة الخطبة له، فخطب له. والله أعلم.\rالحرب بين السلطان ملكشاه وبين عمه قاورد بك.\rقال: ولما بلغ قاورد بك وفاة أخيه، وكان بكرمان قصد الري ليستولي على المملكة، فسبقه إليها ملكشاه ونظام الملك، وسارا منها، فالتقوا بالقرب من همذان في رابع شعبان، واقتتلوا، فانهزم قاورد بك وعسكره، ثم أُسر، وجيء به إلى السلطان، فأمر بخنقه، وأقرّ كرمان بيد أولاده، وسيّر لهم الخلع، فملك سلطان شاه بن قاورد بك كرمان، وفوض السلطان جميع أمور دولته إلى نظام الملك الوزير، ولقبه ألقاباً من جملتها: أتابك، ومعناه: الأمير الوالد، وأقطعه إقطاعاً وافراً زيادة على ما كان له، من جملته طوس، وأحسن السيرة، وظهر من عدله ما لا مزيد عليه، وفي سنة ست وستين وأربعمائة. في ثالث صفر. ورد كوهراتين إلى بغداد من قبل السلطان ملكشاه، فجلس الخليفة القائم بأمر الله له مجلساً عاماً، وسلم إليه عهد السلطان ملكشاه بالسلطنة واللواء، وعقده الخليفة بيده، وفيها استعاد السلطان ترمذ من خاقان تكين وكان قد غلب عليهما لما مات ألب أرسلان، فلما استقامت الأمور لملكشاه حصرها، واستعادها، ففارقها صاحبها، فأرسل يطلب المصالحة، واعتذر من تعرضه إلى ترمذ، فوقع الصلح بينهما، وعاد السلطان، وأقطعه بلخ، وطخارستان لأخيه شهاب الدين تكش.\rاستيلاء تكش على بعض خراسان.\rوفي شعبان سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة سار ملكشاه إلى الري، وعرض العسكر، وأسقط منهم سبعة آلاف رجل، فقال له الوزير نظام الملك: هؤلاء الجند لم يكن منهم كاتب، ولا تاجر، ولا خياط، وليس لهم صنعة غير الجندية، ولا نأمن أن يقدموا منهم رجلاً، ويقولوا هذا السلطان، فيكون لنا منهم شغل، ويخرج عن أدينا أضعاف مالهم من الجاري إلى أن تظفر بهم، فلم يقبل السلطان نصحه، وقطعهم، فمضوا إلى أخيه تكش، فقوى بهم، وأظهر العصيان على أخيه، واستولى على مرو الروذ، ومرو الشاهجان، وترمذ، وغيرها، وسار إلى نيسابور طمعاً في ملك خراسان، فسبقه السلطان إليها، فعاد تكش، وتحصن بترمذ، وأسر جماعة من أصحاب السلطان، فقصده السلطان، فأطلقهم، واستقر الصلح بينهما، ونزل تكش عن ترمذ، ثم عاد إلى العصيان في سنة سبع وسبعين، وأخذه السلطان وسمله.","part":7,"page":266},{"id":3277,"text":"وفي سنة أربع وسبعين وأربعمائة مات للسلطان ملكشاه ولد اسمه داود، فجزع عليه جزعاً شديداً، ومنع دفنه حتى تغيرت رائحته، وأراد أن يقتل نفسه، فمنعه خواصه.\rقتل أبي المحاسن بن أبي الرضا.\rوفي سنة ست وسبعين وأربعمائة في شوال قتل سيد الرؤساء أبو المحاسن بن كمال الملك أبي الرضا، وكان قد قرب من السلطان ملكشاه قرباً عظيماً، وكان أبوه يكتب الطغراء، فقال أبو المحاسن للسلطان: سلم إليّ نظام الملك وأصحابه، وأنا أحمل إليك منهم ألف ألف دينار، فإنهم يأكلون الأموال، ويقتطعونها، وعظم عنده ذخائرهم، وأموالهم، فبلغ ذلك نظام الملك، فعمل سماطاً عظيماً، وأقام عليه مماليكه، وهم ألوف من الأتراك، وأقام خيلهم، وجعل سلاحهم على جمالهم، فلما حضر السلطان، قال له: إني قد خدمتك، وخدمت أباك وجدك، ولي حق خدمة، وقد بلغك أخذي لعشر أموالك، وقد صدق الناقل، هذا أنا آخذه وأصرفه إلى هؤلاء الغلمان الذين جمعتهم لك، وإلى الصدقات، والصلات، والوقوف التي عظم ذكرها،وشكرها، وأجرها لك، وأموالي وجميع ما أملكه بين يديك، وأنا أقنع بمرقعة وزاوية، فأمر السلطان بالقبض على أبي المحاسن، وأن تسمل عيناه، وأنفذه إلى قلعة نساوة، وسمع أبوه كمال الملك الخبر، فاستجار بدار نظام الملك، فسلم، وبذل مائتي ألف دينار، وعزل عن الطغراء، ورتب مكانه مؤيد الملك بن نظام الملك المقدم ذكره.\rملك السلطان حلب وغيرها.\rكان سبب ذلك أن سليمان بن قتلمش السلجقي صاحب الروم فتح انطاكية، وكان بينه وبين شرف الدولة مسلم صاحب حلب وقعة قتل فيها شرف الدولة، ثم قتل سليمان، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار ملوك الروم السلجقية، فلما وقع ذلك كتب ابن الحبيبي مقدم حلب إلى السلطان ملكشاه يعلمه ذلك، ويستدعيه ليتسلمها خوفاً من تتش صاحب دمشق، فسار من أصفهان في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربعمائة، وجعل طريقه على الموصل، فوصل إليها في شهر رجب، وسار منها إلى حرّان، فسلمها إليه ابن الشاطر، فأقطعها السلطان محمد بن شرف الدولة، وسار إلى الرّها، وهي بيد الروم، فحصرها، وملكها وسار إلى قلعة جعبر، فحاصرها يوم وليلة، وملكها، وأخذ صاحبها جعبر، وهو شيخ أعمى، وولديه، وكانت الأذية بهم عظيمة يقطعون الطريق، ويلجئون إليها، ثم عبر الفرات إلى مدينة حلب، فملك في طريقه مدينة منبج، فلما قارب حلب ورحل عنها أخوه تتش، وكان قد ملك المدينة، وسلك البرية، ومعه الأمير أرتق، فأشار عليه بكبس عسكر السلطان، فامتنع، وقال لا أكسر جاه أخي الذي أنا مستظل بظله، فإنه يعود بالوهن عليّ، وسار إلى دمشق، ولما وصل السلطان إلى حلب تسلم المدينة والقلعة بعد امتنع مالك بن سالم بها، ثم سلمها على أن يعوضه غيرها، فعوضه قلعة جعبر، فبقيت في يده، ويد أولاده إلى أن أخذها منهم نور الدين محمود بن زنكي على ما نذكره إن شاء الله تعالى، أرسل الأمير نصر بن علي بن منقذ الكناني صاحب شيزر إلى السلطان، وبذل الطاعة، وسلم إليه اللاذقية، وكفر طاب، وأقاميه، فأجابه السلطان إلى المسالمة، وترك قصده، وأقر عليه شيزر، ولما ملك السلطان حلب سلمها إلى قسيم الدولة آق سنقر، وهو جد نور الدين الشهيد، وقبل تسلمها في سنة ثمانين.\rدخول ملكشاه بغداد","part":7,"page":267},{"id":3278,"text":"كان دخوله إلى بغداد في ذي الحجة سنة سبع وسبعين وأربعمائة بعد رجوعه من حلب، وهو أوَّل دخوله إليها، ونزل بدار المملكة، وركب من الغد إلى الخليفة، ولعب بالأكرة، ومضى إلى الصيد هو ونظام الملك في البرِّية، فاصطاد شيئا كثيرا من الوحوش والغزلان، وغير ذلك، وأمر ببناء منارة بقرون الغزلان، وحوافر الحمر الوحشية التي صادها. قال ابن خلكان في وفيات الأعيان: والمنارة باقية إلى الآن، وتعرف بمنارة القرون، وعاد إلى بغداد، ودخل الخليفة المقتدي، فخلع عليه الخلع السلطانية، وفوض إليه أمر البلاد والعباد، وأمره بالعدل، وطلب السلطان بأن يقبِّل يد الخليفة، فلم يجبه، فسأل أن يقبل خاتمه، فأعطاه، فقبله، ووضعه على عينيه، وأمره الخليفة بالعود، فعاد، ولما خرج من عنده لم يزل الوزير نظام الملك قائماً يقدم أميراً إلى الخليفة. وكلما قدم أمير يقول: هذا العبد فلان، وإقطاعه كذا وكذا، وعدة عسكره كذا، إلى أن أتى على آخر الأمراء، فخلع الخليفة على نظام املك، ودخل نظام املك إلى المدرسة النظامية، وسمع الناس عليه الحديث بالمدرسة، وأقام ببغداد إلى صفر سنة ثمانين وسار إلى أصفهان.\rوفي سنة ثمانين وأربعمائة جعل السلطان ولي عهده ولده أبا شجاع، ولقبه ملك الملوك عضد الدولة تاج الملة عدة أمير المؤمنين، وأرسل إلى الخليفة أن يخطب له ببغداد، ويلقبه بهذه الألقاب، فخطب له في شعبان، ونثر الذهب على الخطباء.\rملك شاه ما وراء النهر\rوفي سنة اثنين وثمانين وأربعمائة ملك السلطان ملكشاه ما وراء النهر، وسبب ذلك أن سمرقند كان قد ملكها أحمد بن خضر خان أخو شمس الملك الذي كان قبله، وهو ابن أخي تركان خاتون زوجة السلطان ملكشاه، وكان ظالماً قبيح الصورة كثير المصادرات للرعية، فنفروا منه، واستغاثوا بالسلطان، فسار من أصفهان، وكان قد حضر إليه رسول صاحب الروم بالجزية المقررة عليه، فأخذه نظام الملك معه إلى ما وراء النهر، وحضر فتح البلاد، وإنما فعل ذلك ليؤرخ عنهم أن ملك الروم حمل الجزية من بلاده إلى كاشغر، وليرى عظم ملك السلطان، وكثرة جيوشه، وسعة ممالكه، فسار السلطان من أصفهان إلى خراسان، وجمع من العساكر ما لا يحصرها ديوان، وقطع النهر، ووصل بخاري، وملكها، وملك ما على طريقه إليها، وما جاورها، وقصد سمرقند، ونازلها، وحصرها، وملكها، واختفى أحمد خان في بيت بعض العوامّ، فأخذ، وحمل إلى السلطان، وفي عنقه حبل، فأكرمه السلطان، وبعثه إلى أصفهان، ورتب بسمرقند الأمير العميد أبا طاهر عميد خوارزم، وسار السلطان، وقصد كاشغر، فبلغ بيوزكند وأرسل رسلاً إلى ملك كاشغر، فأمره بإقامة الخطبة له، وضرب السكّة باسمه، فأكرمه، وتابع الإنعام عليه، وأعاده إلى بلده، وعاد السلطان إلى خراسان.\rعصيان سمرقند وفتحها\rقال: ولما أُبعد السلطان عن سمرقند لم يتفق أهلها وعسكرها المعروفون بالجكلية مع العميد أبي طاهر نائب السلطان عندهم، فاحتال حتى خرج من عندهم، ومضى إلى خوارزم، وكاتب مقدم الجكلية، واسمه عز الدولة يعقوب تكين، وهو أخو ملك كاشغر يستدعيه، فحضر عنده بسمرقند، واتفقا، ثم إن يعقوب علم أن أمره لا يستقيم معه، فوضع عليه من الرعية من ادعى عليه بدماء قوم كان قتلهم، فقتله يعقوب، واتصلت الأخبار بالسلطان، فعاد إلى سمرقند، فلما وصل إلى بخاري هرب يعقوب المستولي على سمرقند ورتب بها الأمير أتسز، وسار في أثر يعقوب حتى نزل بيوزكند وأرسل العساكر إلى ملك كاشغر يطلبه منه، وأنه إذا لم يرسله قصد بلاده، واتفق أن عسكر يعقوب شغبوا عليه، ونهبوا خزائن، فاضطر إلى أن هرب إلى أخيه بكاشغر، واستجار به، وكان بينهما عداوة مستحكمة، فكاتبه السلطان في إرساله، وإنه إن لم يفعل كان هو العدو، فقبض عليه وسيره مع ولده، وجماعة من أصحابه، وأمرهم أنهم إذا صاروا بالقرب من السلطان سلموه، فإن رضي السلطان بذلك، وإلا سلموه إليه، فلما قصدوا سملهُ وأحموا الميل، جاءهم الخبر أن طغرل بن ينال كبس ملك كاشغر وأسره، فأخروا يعقوب، وأطلقوه، ثم اتفق هو والسلطان، وجعله السلطان يقابل طغرل، وعاد السلطان إلى خراسان.\rوصول السلطان إلى بغداد.","part":7,"page":268},{"id":3279,"text":"وفي شهر رمضان سنة أربع وثمانين وأربعمائة وصل السلطان إلى بغداد، وهي المرة الثانية، ونزل بدار المملكة، ووصل إليه أخوه تاج الدولة تتش صاحب دمشق، وقسيم الدولة آق سنقر صاحب حلب وغيرهما من عمال الأطراف، وأمر السلطان بعمارة الجامع المعروف بجامع السلطان، وابتدىء بعمارته في المحرم سنة خمس وثمانين.\rملك السلطان اليمن\rقال: ولما وصل السلطان إلى بغداد كان ممن حضر معه جبق أمير التركمان، وكان صاحب قرميسين، وغيرهما، فأمر السلطان أن يسير بجماعة من أمراء التركمان إلى الحجاز، واليمن، ويكون أمرهم إلى سعد الدولة كوهراتين ليفتحوا البلاد، فاستعمل سعد الدولة أميراً اسمه ترشك، فساروا واستولوا على ترشك الجدري، فتوفى في سابع يوم وصوله إليها، فعاد أصحابه إلى بغداد.\rمقتل الوزير نظام الملك\rوفي ليلة السبت العاشر من شهر رمضان سنة خمس وثمانين وأربعمائة قتل الوزير خواجاً بزرك قوام الدين نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن اسحاق بالقرب من نهاوند، وكان هو والسلطان ملكشاه قد عادا من أصفهان إلى بغداد، فلنا كان بهذا المكان بعد أن فرغ من إفطاره، وقام من خيمة حرمه، أتاه صبي ديلمي من الباطنية في صورة مستميح، أو مستغيث، فوثب عليه، وضربه بسكين، فمات، وهرب الصبي، فعثر في أطناب الخيمة، فأدركوه وقتلوه، ولما قتل ركب السلطان إلى خيمته، وسكن عسكره وأصحابه، وقيل في سبب موته أنه كان قد ولي عثمان بن ابنه جمال الملك رئاسة مرو، فأرسل السلطان إليها شحنة من أكبر مماليكه، وأعظم أمرائه يقال له: قودن، فجرى بينه، وبين عثمان منازعة، فحملت عثمان حدة الشبيبة على قبضه، والإخراق به، ثم أطلقه، فجاء إلى السلطان مستغيثاً، وأخبره بما صنع به عثمان، فغضب السلطان وأرسل إلى جده الوزير نظام الملك يقول: إن كنت شريكي في الملك، ويدك مع يدي في السلطنة فلذلك حكم، وإن كنت نائبي، فيجب أن نلتزم حد البيعة، والنيابة. هؤلاء أولادك قد استولى كل منهم على كورة عظيمة، وولاية كبيرة، ولم يقنعهم ذلك حتى تجاوزوا أمر الساسة إلى أن فعلوا كيت وكيت ، وأطال القول، وأرسل إليه بهذه الرسالة تاج الملك، ومجد الملك الباسلاني وغيرهما، من أرباب دولته، وأرسل معهم الأمير باليرد، وكان من ثقاته، وقال له: تعرفني ما يقول، فربما كتم هؤلاء شيئاً، فحضروا عند الوزير، وأدوا الرسالة، فقال: قولوا للسلطان إن كنت ما عمت أني شريكك في الملك فاعلم، فإنك ما نلت هذا الأمر إلا بيدي، ورأيي، أما يذكر حين قتل أبوه، فقمت بتدبير أمره، وقمعت الخوارج عليه من أهله وغيرهم، وهو في ذلك الوقت يتمسك بي ويلازمني، ولا يخالفني، فلما رددت الأمور إليه، وجمعت الكلمة عليه، وجمعت له الأمصار القريبة والبعيدة سمع في السعايات. قولوا له: إن ثبات هذه القلنسوة معذوق بهذه الدواة، وأن انفاقهما رباط كل رعية، وسبب كل غنيمة، ومتى أطبقت هذه زالت تلك. في كلام كثير قاله، فلما خرجوا من عنده اتفقوا على كتمان ما قاله عن السلطان، ومضى كل منهم إلى خيمته وجاء الجماعة بكرة النهار إلى السلطان، فأخبروه عنه بالعبودية، فقال لهم: إنه قال: كيت وكيت، فأشاروا عند ذلك بكتمانه رعاية لحق نظام الملك، ولعظم شأنه، فإن مماليكه كانوا قد أنافوا على عشرين ألفاً غير الجند والأتباع، فوقع التدبير عليه حتى قتل، وظن السلطان أن الدنيا قد صغت له بعد ذلك، فما عاش بعده إلا خمسة وثلاثين يوماً.\rابتداء حال نظام الملك وشيء من سيرته وأخباره.\rكان نظام الملك من أبناء الدهاقين بطوس، فزال ما كان لأبيه من مال وملك، وتوفيت والدة نظام الملك، وهو يرضع، فكان أبوه يطوف به على المراضع يرضعنه حسبة حتى شبّ وقرأ، وتعلم العربية، وتفقه، وصار من الفضلاء، وسمع الحديث الكثير، وكان يطوق بلاد خراسان، ووصل إلى غزنة في صحبة بعض المتصوفين، ثم لزم أبا علي بن شادان متولي الأمور ببلخ لداود والد السلطان ألب أرسلان، فحسُنت حاله معه، وظهرت كفايته، وأمانته، وصار معروفاً عندهم بذلك، فلما حضرت أبا على الوفاة أوصى ألب أرسلان به، فولاه شغله، ثم صار وزيراً له إلى أن ولي السلطنة، وتنقل في الوزارة، فكانت وزارته ثلاثين سنة. هذا أحد ما قيل في ابتداء أمره.","part":7,"page":269},{"id":3280,"text":"وأما سيرته: فإنه كان عالماً أديباً جواداً كثير الحلم والصفح عن المذنبين، وكان مجلسه عامراً بالفقهاء، والفقراء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح. أمر ببناء المدارس في سائر الأمصار والبلاد، وأجري لها الجرايات العظيمة، وأسقط المكوس والضرائب، وأزال لعن الأشعرية من على المنابر، فإن الوزير عميد الملك الكندري كان قد حسّن للسلطان لعن الرافضة، وأضاف إليهم الأشعرية، وكان نظام الملك رحمه الله تعالى إذا سمع الأذان لا يبدأ بشيء قبل الصلاة، وله من حسن الآثار ما هو موجود باق إلى وقتنا هذا رحمه الله تعالى.\rوفاة ملكشاه\rوشيء من سيرته.\rكانت وفاته ببغداد في يوم الجمعة منتصف شوال سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وذلك أنه لما قتل الوزير نظام الملك كما قدمناه، سار السلطان إلى بغداد، فدخلها في الرابع والعشرين من شهر رمضان من السنة، وخرج في أوائل شوال إلى ناحية دجيل للصيد، فاصطاد وحشاً وأكل من لحمه، فابتدأت به العلة، فعاد إلى بغداد، فتوفي ولم تشهد جنازته، ولا صلي عليه في الصورة الظاهرة، ولا هلب عليه ذنب فرس كعادة أمثاله من الملوك، ولا لطم عليه وجه، وحمل إلى أصفهان، ودفن بها في مدرسة له موقوفة على طائفة الشافعية، والحنفية.\rقال: وكان مغرماً بالعمارة، فحفر الكثير من الأنهار، وعمر الأسوار على كثير من البلاد، وصنع في طريقه مكة مصانع، وكان كثير الصيد، وكانت السبل في أيامه آمنة ساكنة تسير القوافل مما وراء النهر إلى أقصى الشام، وليس معهما خفير، وحكى محمد ابن عبد الملك الهمذاني، أن السلطان لما توجه لحرب أخيه تكش اجتاز بمحمد علي بن موسى الرضا بطوس، فدخل ومعه نظام الملك الوزير فصلياً، وأطال الدعاء، ثم قال لنظام الملك: بأي شيء دعوت قال: أن ينصرك الله، ويظفرك بأخيك، فقال: أما أنا ولم أدع بهذا، وإنما قلت اللهم انصر نفعنا للمسلمين والرعية، وحكى عنه حكايات تدل على محاسنه، وجودته، وخيره.\rوكان قد قرر ملك البلاد لمماليكه، فجعل غلامه برسق يحارب الروم، فضايقهم حتى عليهم ثلاثمائة ألف وثلاثين ألف دينار جالية، ثم توجه إلى القسطنطينية وحاصرها، وقرر عليهم ألف ألف دينار، وبنى قونية، وقصراً، وسير أخاه تاج الدولة تتش إلى دمشق، وقسيم الدولة آق سنقر بحلب، وغيرهم في كل جهة.\rوكانت مدة ملكه عشرين سنة، وسبعة أشهر، وستة أيام، وكان له من الأولاد أبو المظفر بركيا روق، ومحمد طبر، وأبو الحارث سنجر شاه، ومحمود، وهو أصغرهم.\rوزيره: نظام الملك، وقد تقدم ذكره.\rأخبار السلطان بركياروق\rهو أبو المظفر بركيا روق بن السلطان جلال الدولة ملكشاه ابن السلطان عضد الدولة ألب أرسلان محمد بن داود جغري بك بن ميكائيل بن سلجق، وهو الرابع من ملوك الدولة السلجقية.\rوبركيا روق بفتح الباء الموحدة، وسكون الراء والكاف، وفتح الباء المثناة من تحت، وبعد الألف راء مضمومة، وبعد الواو الساكنة قاف.\rقال المؤرخ: لما مات السلطان ملكشاه كتمت زوجته تركان خاتون موته، وأرسلت إلى الأمراء، وفرقت الأموال، واستخلفت لولدها محمود، وعمره أربع سنين وشهوراً، وأرسلت إلى الخليفة المقتدى بأمر الله في الخطبة له، فأجابها إلى ذلك على ان يكون الأمير أتسز مدبر الجيش، وتاج الملك يتولى تدبير الأموال والدواوين، وخطب له، ولقب ناصر الدنيا والدين، وكانت الخطبة له في يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال، وكان بركيا روق إذ ذاك بأصفهان، فكتبت تركان خاتون بالقبض عليه، فقبض عليه، فلما ظهر موت السلطان ملكشاه، ثارت المماليك النظامية، وأخرجوه من الحبس، وملكوه، فسارت تركان خاتون من بغداد إلى أصفهان، فلما قاربها تحول بركيا روق إلى الري، ولقيهم أرعش النظامي في عساكره، وإنما حمل النظامية على نصرة بركيا روق كراهتهم لتاج الملك، فإنه الذي دبر في قتل مولاهم. قال: وأرسلت تركان خاتون العساكر لقتال بركيا روق، فلما التقى العسكران انحاز جماعة من الأمراء الذين في عسكرها إلى خدمة بركيا روق منهم: الأمير باليرد، وكمشتكين الجاندار، وغيرهما، فقوي بهم، وكانت الحرب بينهم في آخر ذي الحجة من السنة، فانهزم عسكر تركان خاتون، وعاد إلى أصفهان، وسار بركياروق في أثرهم، وحصرهم بها.\rقتل تاج الملك","part":7,"page":270},{"id":3281,"text":"كان تاج الملك في عسكر تركان خاتون، فانهزم إلى نواحي بروجرد فأُخذ، وجيء به إلى عسكر بركياروق، وهو يحاصر أصفهان، وكان يعرف كفايته، فأراد أن يستوزره، فشرع في إصلاح أكابر المماليك النظامية، وفرق فيهم مائتي ألف، فزال ما في نفوسهم منه، فوثب عثمان الذي كان نائب نظام الملك، ووضع الغلمان الأصاغر النظامية، واستغاثوا ألا تقنعوا إلا بقتل قاتل مولاهم، ففعلوا ذلك، وهجموا عليه، وقطعوه عضواً عضواً، وذلك في المحرم سنة ست وثمانين وأربعمائة، فاستوزر بركياروق عز الملك بن نظام الملك، واستولى بركياروق على الري، وهمذان، وما بينهما، وقدم بغداد في أواخر سنة ست وثمانين، وخطب له بها في يوم الجمعة رابع المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وحملت إليه الخلع، فلبسها، وعلم الخليفة على عهده، ومات فجأة، وتولى ابنه المستظهر بالله الخلافة، فأرسل الخلع والعهد إلى السلطان بركياروق، فأقام ببغداد إلى شهر ربيع الأول من ، وسار إلى الموصل، ثم إلى نصيبين، وكان بينه، وبين عمه تتش من الحرب ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rانهزام بركياروق من عمه تتش ودخوله إلى أصفهان ووفاة أخيه محمود\rقال: ولما اتصل بتتش وفاة أخيه ملكشاه من الشام، وملك حلب، وحران، والرها، والجزيرة جميعها، وديار بكر، وخلاط وآزربيجان، وهمذان على ما نذكره في أخباره إن شاء الله تعالى، فلما قار البلاد سار السلطان بركيا روق لدفعه عنها، ووصل إلى أربل، وقرب من جيش عمه، ولم يكن معه غير ألف فارس، وكان عمه في خمسين ألفاً، فجهز عمه من أمرائه من كبس عسكره، فهرب بركيا روق، ونهب سواد عسكره، ولم يق معه غلا برسق، وكمشتكين الجاندار، وبركيا روق، وهم الأمراء الأكابر، وخطب لعمه عند هذه الحادثة ببغداد على ما نذكره، وسار هو إلى أصفهان، وكانت تركان خاتون والدة أخيه محمود قد ماتت، فخرج إليه أخوه الملك محمود، وتلقاه، وأدخله البلد، وكان ذلك خديعة ليقبض عليه، فلما دخل بركيا روق قبض عليه محمود، وقصد سمله، فاتفق أن محموداً حم وجدر، فقال لهم أمين الدولة بن التلميذ الطبيب إن الملك قد جدر، وما أراه يسلم، والمصلحة إبقاء بركيا روق، فإن مات صاحبكم ملكوه، ولا تعاجلوه بالإتلاف، فتركوه، فمات محمود في سلخ شوال سنة سبع وثمانين وأربعمائة فكان هذا من الفرج بعد الشدة كما قيل: مصائب قوم عند قوم فوائد قال: ولما مات محمود حبس بركيا روق للعزاء بع، واستوزر مؤيد الملك بن نظام الملك في ذي الحجة، فكاتب الوزير الأمراء العراقيين والخراسانيين، واستمالهم، فعادوا كلهم إلى بركياروق، فعظم شأنه وكثرت عساكره، والتقى هو وعمه تتش في سنة ثمان وثمانين، واقتتلوا بالقرب من الريّ، فانهزم عسكر تتش، وقتل على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره، واستقامت السلطنة لبركياروق، وفي ستة ثمان وثمانين، عزل بركياروق وزيره مؤيد الملك بن نظام الملك واستوزر أخاه فخر الملك.\rمقتل أرسلان أرغو\rوفي المحرم سنة تسعين وأربعمائة قتل أرسلان أرغو بن الب أرسلان أخو ملكشاه بمرو، وكان ملك خراسان، وسبب قتله أنه كان شديداً على غلمانه كثير الإهانة لهم والعقوبة، فطلب غلاماً منهم، فاعتذر، فلم يقبل عذره، وضربه، فأخرج الغلام سكينا، فقتله بها، وأخذ الغلام، فقيل له: لم فعلت هذا، فقال لأريح الناس منه. والله أعلم.\rملك بركياروق خراسان\rوتسليمها لأخيه سنجر","part":7,"page":271},{"id":3282,"text":"قال: كان السلطان بركيا روق قد جهز العساكر مع أخيه الملك إلى خراسان لقتال عنه أرسلان أرغو، وجعل الأمير قماج أتابكا لسنجر، ورتب في وزارته أبا الفتح أرغو، وجعل الأمير قماج أتابكاً لسنجر، ورتب في وزارته أبا الفتح علي بن الحسين الطوسي فلما وصلوا إلى الدامغان، بلغهم خبر قتله، فأقاموا هناك حتى لحقهم السلطان، وساروا إلى نيسابور، فوصلوها في خامس جمادى الأولى من السنة، وملكها السلطان وسائر البلاد الخراسانية بغير قتال، وسار إلى بلخ، وكان عسكر أرسلان أرغو قد ملكوا ابنا صغيراً عمره سبع سنين، فلما بلغهم قدوم السلطان أبعدوا إلى جبال طخارستان، وطلبوا الأمان، فأمنهم السلطان، وحضروا إليه في خمسة عشر ألف فارس، فأخذ ابن عمه، وأحسن إليه، وتسلمته والدة بركياروق تربية، وتفرق جيشه في خدمة الأمراء، وسار السلطان إلى ترمذ، فسلمت إليه، وأقام ببلخ سبعة أشهر، وأرسل إلى ما وراء النهر، فأقيمت لخ الخطبة بسمرقند، ودانت له البلاد.\rذكر خروج أمير أميران وفي سنة تسعين وأربعمائة خالف أمير اسمه محمد بن سليمان، ويعرف بأمير أميران، وهو ابن عم ملكشاه، على السلطان بخراسان، وتوج إلى بلخ، واستمد صاحب غزنة، فأمده بجيش كثير، وشرط عليه أن يخطب له في جميع ما يفتحه من البلاد الخراسانية، فقويت شوكته، فسار إليه الملك سنجر بن ملكشاه صاحب خراسان أخو السلطان جريدة، وكبسه، وأسره، وكحله.\rظهور السلطان محمد طبر ملكشاه والملك سنجر وخروجهما على أخيهما السلطان بركياروق والخطبة لمحمد\rإنما ذكرنا أخبار السلطان محمد، وأخيه سنجر في دولة السلطان بركياروق لأنه في هذا التاريخ كان هو الملك المشار إليه، وهما كالخوارج عليه، وإن كان محمد في هذه المدة ملك البلاد، وخطب له ببغداد، وغيرها إلا أنه لم يستقل بغير منازع ، فلهذا أوردناه الآن في دولة بركياروق، وسنذكر سلطنته بعد وفاة السلطان بركياروق،ثم نذكر بعده سلطنة السلطان سنجر إن شاء الله تعالى. كان السلطان محمد طبر، وسنجر أخوين لأب وأم، وأمهما أم ولد، ولما مات والدهما السلطان ملكشاه كان محمد معه ببغداد، فسار مع أخيه محمود، ووالدته تركان خاتون إلى أصفهان، فلما حصر بركياروق أصفهان خرج إليه محمد، وسار معه إلى بغداد سنة ست وثمانين، وأقطعه بركياروق كنجه، وأعمالها، وجعل معه الأمير، فيلغ تكين أتابكاً له، فلما قوي محمد قتله، واستولى على جميع أعمالأران إلى كنجه من جملتها، وظهرت شهامته واتفق أن السلطان عزل المؤيد الملك بن نظام الملك من وزارته، فسار الأمير إلى الأمير أتسز، وحسن له العصيان على السلطان، فلما قتل أتسز سار مؤيد الملك إلى السلطان محمد، فأشار عليه بمخالفة أخيه، والسعي في طلب السلطنة، ففعل ذلك، وقطع خطبة السلطان بركياروق من بلاده، وخطب لنفسه بالسلطنة، واستوزر مؤيد الملك، وذلك في سنة اثنين وتسعين وأربعمائة، واتفق أن السلطان قتل وزيره مجد الملك الباسلاني في هذه السنة، وكان قد تمكن منه، فنفرت خواطر الأمراء من السلطان، ففارقه مع جماعة منهم، والتحقوا بمحمد، فقوي بهم، وسار نحو الري، فسبقه إليها السلطان بركياروق، وجمع العساكر، وسار إلى أصفهان فأغلق أهلها الأبواب دونه، فسار إلى خوزستان، وورد السلطان محمد إلى الري، واستولى عليها في ثاني ذي القعدة من السنة، ووجد بها زبيدة خاتون، والدة أخيه بركياروق، فسجنها مؤيد الملك بالقلعة ثم خنقها.\rإقامة الخطبة لمحمد ببغداد\rقال:ولما قوي أمر السلطان محمد سار إليه سعد الدولة كوهراتين من بغداد، وكان قد استوحش من السلطان بركياروق، فاجتمع هو وكريوقا صاحب الموصل، وجكرمش صاحب الجزيرة، وسرجاب ابن صاحب كنكور، وغيرها، وساروا إلى السلطان محمد، ولقوه بقم، فخلع عليه سعد الدولة، ورده إلى بغداد، وسار بقيتهم في خدمته إلى أصفهان، فلما وصل سعد الدولة إلى بغداد خاطب الخليفة في الخطبة إلى محمد، فأجاب إلى ذلك، وخطب له في يوم الجمعة سابع عشر في ذي الحجة سنة اثنين وتسعين وأربعمائة، ولقب غياث الدنيا والدين.\rإعادة الخطبة ببغداد للسلطان بركياروق.","part":7,"page":272},{"id":3283,"text":"قال: لما سار بركياروق إلى خوزستان عندما منع من دخول أصفهان كما ذكرناه جمع العساكر، وكان أمير جيشه حينئذ ينال ابن أنوشتكين الحسامي، فتجهز، وسار إلى واسط، ثم منها إلى بغداد، فدخلها في سابع عشر صفر سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، وخطب له بها في يوم الجمعة نصف صفر قبل وصوله إليها بيومين، وكان سعد الدولة كوهراتين بالشفيعي، ومعه إيلغازي بن أرتق، وغيره من الأمراء، فأرسل إلى مؤيد الملك، وإلى السلطان محمد يستحثهما على الوصول إليه، فأرسلا كريوقا صاحب الموصل، وجكرمش، فأما جكرمش، فاستأذن سعد الدولة في العودة إلى بلده، فأذن له، فعاد إلى جزيرة ابن عمر، وبقي سعد الدولة في جماعة من الأمراء، فكتب أعيانهم إلى السلطان بركياروق أن يخرج إليهم، وأنهم لا يقاتلونه، فخرج إليهم، فلما عاينوه ترجلوا، وقبلوا الأرض بين يديه، وعادوا في خدمته إلى بغداد، واستوزر السلطان الأعز أبا المحاسن بن عبد الجليل بن علي الدهشاني، وقبض على عميد الدولة بن جهير وزير الخليفة، وطالبه بالأموال، فاستقر الأمر بينهما على مائة ألف وستين ألف دينار يحملها، وخلع الخليفة على بركياروق، والله أعلم بالصواب.\rالحرب بين السلطانين بركياروق ومحمد والخطبة لمحمد ببغداد.\rوفي سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة سار السلطان بركياروق من بغداد، وجعل طريقه على شهرزور، وأقام بها ثلاثة أيام، والتحق به عالم كثير من التركمان، وغيرهم، وسار نحو أخيه محمد، فوقعت الحرب بينهم في رابع شهر رجب بإسبيدروز، ومعناه: النهر الأبيض، وهو على عدة فراسخ من همذان وكان مع نحو عشرين ألف مقاتل، فحمل كوهراتين من ميمنة بركياروق على ميسرة محمد، وبها مؤيد الملك والنظامية، فانهزموا، ودخل عسكر بركياروق في خيامهم، ونهبوا ما فيها، وعاد سعد الدولة، فكبا به فرسه، فقتله خراساني، وأخذ رأسه، وكان سعد الدولة خادماً من خدام الملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة من بويه، ثم انتقل بعده إلى السلطان طغرلبك، وتنقل في خدمة الملوك السلجقية، فلما قتل تفرقت عساكر بركياروق، وبقي في خمسين فارساً، وأسر وزيره الأعز، فأكرمه مؤيد الملك، وأحسن إليه، وأعاده إلى بغداد، وأمره بالمخاطبة في إعادة الخطبة للسلطان محمد، ففعل، وأجيب إلى ذلك، وخطب له في يوم الجمعة رابع عشر رجب من السنة.\rحال السلطان بعد الهزيمة وانهزامه أيضاً من أخيه سنجر.\rقال: ولنهزم السلطان بركياروق في خمسين فارساً، فقصد الري، فاجتمع معه جمع صالح، فسار إلى أسفرايين، ثم إلى نيسابور، واستدعى الأمير ذاد حبشي بن التوتيان، وكان بيده حينئذ أكثر خراسان، وطبرستان، وجرجان، فاعتذر أن الملك سنجر قصد بلاده في هذا الوقت بعساكر بلخ، وسأل السلطان أن يحضر إليه ليعينه على حرب الملك سنجر، فسار إليه في ألفي فارس، فعلم بقدومه الأمراء والأكابر من أصحاب سنجر دون الأصاغر، وكان مع الأمير ذاد عشرون ألف مقاتل منهم رجالة الباطنية خمسة آلاف ووقع المصاف بين بركياروق، وسنجر خارج البوسنجان، فانهزم أصحاب سنجر أولاً، واشتغل أصحاب بركياروق بالنهب، وكانت الدائرة عليهم، فانهزموا، وأسر أكثر أعيان بركياروق وقتل أمير ذاد، وسار بركياروق إلى جرجان، ثم إلى دامغان، وسار في البرية، فرأى في بعض المواضع، ومعه سبعة عشر فارساً، وجمّازة واحدة، ثم كثر جمعه، فصار في ثلاثين ألف فارس، وسار إلى أصفهان، فسبقه السلطان محمد إليها.\rالحرب بين السلطانين بركياروق ومحمد ثانياً، وقتل مؤيد الملك.\rوفي سنة أربع وتسعين وأربعمائة في ثالث جمادى الآخرة كان المصاف الثاني بينهما، وكان مع كل واحد منهما خمسة عشر ألف فارس، فاستأمن كثير من أصحاب محمد إلى بركياروق، ودام القتال بين الفريقين إلى آخر النهار، فانهزم السلطان محمد، ومن معه، وأسر وزيره مؤيد الملك، فأمر السلطان بقتله، وأخذ ما كان له من الأموال والجواهر لبغداد، والله أعلم بالصواب.\rحال محمد بعد الهزيمة واجتماعه بأخيه سنجر.","part":7,"page":273},{"id":3284,"text":"ولما انهزم السلطان محمد سار طالباً خراسان إلى أخيه سنجر، فأقام بجرجان، وأرسل إلى أخيه يطلب منه مالاً وكسوة وغير ذلك، فسير إليه ما طلب، وترددت الرسائل بينهما، وتحالفا، واتفقا، ولم يكن قد بقي مع السلطان محمد غير أميرين في نحو ثلاثمائة فارس، فلما استقرت بينهما القواعد سار سنجر في عساكره إلى أخيه، فاجتمعا بجرجان، وسارا منها إلى دامغان، وسارا إلى الري، وانضم إليهما النظامية، فكثر جمعهم، وعظمت شوكتهم، والله أعلم.\rما فعله بركياروق، ودخوله إلى بغداد.\rقال: ولما انهزم السلطان محمد أقام بركياروق بالري، واجتمعت عليه العساكر، فسار معه نحو من مائة ألف فارس، فضاقت عليهم الميرة، فتفرقت العساكر عنه، فعاد دبيس بن صدقة إلى أبيه، وتوجه الأمير إياز إلى همذان، وتفرقت العساكر إلى أن بقي في قلّة من العسكر، فبلغه اجتماع أخويه، وأنهما حشدا، وكثرت جموعهما، فتوجه إلى بغداد، وضاقت عليه النفقات، فراسل الخليفة عدة مراسلات، فتقرر أن يحمل إليه خمسين ألف دينار، فحملهما الخليفة إليه، فلم تغن شيئاً، فأفضى الحال إلى أن مد يده إلى أموال الناس، وانتهبها، فركب من ذلك خطة شنيعة، وخالفه الأمير صدقة بن منصور بن دبيس صاحب الحلة، وقطع خطبته من بلاده، وخطب للسلطان محمد، وسبب ذلك أن الوزير أبا المحاسن وزير بركياروق سير يطالبه بألف ألف دينار وكسور، وقال: إنها قد تخيرت عليك، فإما أن ترسلها وأما أن تتجهز الجيوش إليك، فقطع الخطبة، وعصى عليه، والله أعلم بالصواب.\rوصول السلطان محمد، وسنجر إلى بغداد، ورحيل بركياروق عنها.\rوفي السابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وتسعين وأربعمائة وصل السلطان محمد وسنجر الملك إلى بغداد، ولما وصلا حلوان سار إيلغازي بن أرنق في عسكره إلى السلطان محمد، وخدمه، وكان عسكر السلطان محمد يزيد على عشرة آلاف فارس سوى الأتباع، فلما وصلت الأخبار بذلك كان السلطان بركياروق على شدة من المرض، فخاف أصحابه، واضطربوا، وعبروا به في محفة إلى الجانب، وتيقن أصحابه موته، ثم تراجعت إليه روحه، ووصل السلطان محمد، والملك سنجر إلى بغداد، فخرج توقيع الخليفة المستظهر بأمر الله يتضمن سوء سيرة بركياروق، والأستبشار بقدومهما، وخطب للسلطان محمد بالديوان العزيز، ونزل الملك سنجر دار كوهراتين، ثم كانت الحرب بين السلطانين في صفر سنة خمس وتسعين، وهو المصاف الثالث، ووقع بينهما الصلح على أن يكون بركياروق السلطان، ومحمد الملك، وتضرب له ثلاث نوب، ويكون له من البلاد جنزة وأعمالها، وأذربيجان، ودياربكر، والجزيرة، والموصل، وأن يمده السلطان بالعساكر يفتح بها ما تمنع عليه، وحلف كل واحد منهما للآخر، وانصرف الفريقان من المصاف في رابع شهر ربيع الأول، وتفرقت العساكر ثم انتقض ذلك، والتقوا في جمادى الأولى من السنة، وكانت بينهما واقعة، وهو المصاف الرابع غير رجل واحد قتل صبرا، وسار محمد في نفر يسير إلى أصفهان، وحمل عليه بيده ليتبعه أصحابه، وأخذ السلطان بركياروق خزانته، ووصل محمد إلى أصفهان، فأصلح سورها، وحفر خندقها، واعتد للحصار، وجاء بركياروق، وحاصره بها حصاراً شديداً حتى ضاقت الميرة، واستمر الحصار إلى عاشر ذي الحجة، واقترض محمد أموال الأعيان، ثم فارق البلد في مائة وخمسين فارساً، ومعه الأمير ينال، فاستخلف على البلد جماعة من الأمراء الأكابر، وبعث السلطان في طلبه، فلم يدرك، وسار محمد، ووصل إلى ساوة، واجتمع عليه عسكره الذي كان بكنجه، وأعمالها، ورحل إلى همذان، وبلغ جمعه ستة آلاف فارس، وأقاموا إلى آخر المحرم سنة ست وتسعين وأربعمائة، وأتاهم الخبر بقصد بركياروق لهم، فاجتمع على محمد جماعة أخرى، والتقوا على باب خوى، وهو الصاف الخامس، وكان الظفر فيه لمحمد، وانهزم بركياروق وأصحابه، وسار محمد إلى خلاط، ثم إلى تبريز، وأذربيجان.\rالصلح بين السلطان بركياروق وأخيه محمد.","part":7,"page":274},{"id":3285,"text":"وفي سنة سبع وتسعين وأربع مائة تم الصلح بين السلطان بركياروق، وبين أخيه محمد، وحلف كل منهما لصاحبه، واستقرت القواعد، ووضعت الحرب أوزارها، وتقرر بينهما أن السلطان بركياروق لا يعترض على أخيه محمد، ولا يذكر معه على منبر من مثابر البلاد التي استقرت له، ولا يكاتب أحدهما الآخر بل تكون المكاتبة من الوزير، ولا يعارض أحد منهما العسكر في قصد أيهما شاء، وأن يكون للسلطان محمد من النهر المعروف بأسبيدروز، وباب الأبواب، ودياربكر، والجزيرة، والموصل، والشام، وبلاد سيف الدولة صدقة، وانتظم الأمر على ذلك، ولما انتظم أمر بركياروق عاجلته المنية فلم تطل مدته بغير منازع، وشغله حرب عمه وإخوته عن حروب أعدائه، ولم يفعل شيئاً غير قتله للباطنية على ما نذكره في هذا الموضع، وإنما أخرناه عن موضعه حتى لا ينقطع خبره مع أخيه محمد.\rأخبار الباطنية\rوابتداء أمرهم وما استولوا عليه من القلاع وسبب قتلهم.\rوالباطنية هم الإسماعيلية، وهم طائفة من القرامطة الذين قدمنا ذكرهم. قال ابن الأثير الجزري في تاريخه الكامل: أول ما عرف من أحوال هؤلاء في هذه الدعوة الأخيرة التي اشتهرت بالباطنية والإسماعيلية أنه اجتمع منهم في أيام السلطان ملكشاه ثمانية عشر رجلاً، وصلوا صلاة العيد في ساوة، فظفر بهم الشحنة، فسجنهم، ثم سئل فيهم، فأطلقهم، فهذا أول اجتماعهم، ثم دعوا مؤذنا من أهل ساوة كان مقيماً بأصفهان، فلم يجب دعوتهم، فخافوه أن ينّم عليهم، فقتلوه، وهو أول قتيل لهم، وأول دم أراقوه، فاتصل خبر مقتله بالوزير نظام الملك، فأمر من يتّهم بقتله، فوقعت التهمة على نجار اسمه طاهر، فقتل، ومثِّل به، وجرّوا برجله في الأسواق، وهو أول قتيل منهم، ثم إن الباطنية قتلوا الوزير نظام الملك، وهي أول قتلة مشهورة كانت لهم،وناهيك بها قتلة، وقالوا: قتل منا نجاراً، فقتلناه به، وأول موضع غلبوا عليه وتحصنوا به عند قاين كان قائده على مذهبهم، فاجتمعوا عنده، وقووا به، فاجتازت لهم قافلة عظيمة من كرمان بقصد قاين، فخرجوا عليها هم، وقائد البلد وأصحابه، فقتل أهل القفل عن آخرهم لم ينج منهم غير رجل تركماني، فوصل إلى قاين، وأخبره بالقصة، فسار أهلها مع القاضي الكرماني إلى جهادهم، فلم يقدروا عليهم، ثم مات السلطان ملكشاه، فعظم أمرهم، واشتدت شوكتهم، واشتغل السلطان بركياروق بحرب إخوته وأهله، فاجتمعوا، وصاروا يسرقون من قدروا عليه من مخالفيهم، ويقتلونه، ففعلوا ذلك بخلق كثير، وزاد الأمر حتى إن الإنسان كان إذا تأخر عن بيته عن الوقت المعتاد تيقنوا قتله، وقعدوا للعزاء به، فحذر الناس، وصار لا ينفرد أحد، وأخذوا في بعض الأيام مؤذناً أخذه جار له باطني، فقام أهله للنياحة، فأصعده الباطنية إلى سطح داره، وأروه أهله كيف يلطمون عليه، ويبكون، وهو لا يقدر يتكلم خوفاً منهم، وذلك بأصفهان.\rما استولوا عليه ببلاد العجم","part":7,"page":275},{"id":3286,"text":"قال: واستولوا على عدّة حصون منها قلعة أصفهان، وهي التي بناها السلطان ملكشاه، وسبب بنائها أنه ركب للصيد، ومعه مقدّم من مقدمي الروم كان قد لجأ إليه، وأسلم، وصار معه، فهرب من ملكشاه كلب من كلاب الصيد، فأتبعه، فوجده في موضع القلعة، فقال الرومي: لو أن عندنا مثل هذا الجبل لجعلناه عليه حصناً يشفع به، فأمر ملكشاه ببنائه، فلما انقضت أيام ملكشاه، وصارت أصفهان بيد تركان خاتون والدة السلطان محمود استولى الباطنية عليه، فكانوا يقولون: إن قلعة يدل عليها كلب، ويشير بها كافر لا تكون خاتمتها إلا بهذا الشر. ومنها ألموت وهي من نواحي قزوين. قيل: إن ملكاً من ملوك الديلم كان كثير الصيد، فأرسل عُقاباً، وتبعه، فرآه قد سقط على موضع القلعة، فوجده حصيناً، فأمر ببنائه وسماها قلعة الألموت، ومعناها بالديلم: تعليم العقاب، ويقال لهذا الوضع وما جاوره: طالقان وفيها قلاع حصينة أشهرها: الألموت. ومنها قلعة طبس، وقهستان، ومن جملتها جور، وجوسف، وزوزن، وقاين، وتون وتلك الأطراف المجاورة لها، ومنها قلعة وسنملوه وهي بقرب أبهر. ملكوها في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وقتل من كان بها عن آخرهم، ومنها قلعة خالنجان وهي على خمسة فراسخ من أصفهان، ومنها كردكوه، وهي مشهورة، ومنها قلعة الباطن بخوزستان، وقلعة الطنبور، وبينهما وبين أرجان فرسخان، وقلعة الأوجان، وهي بين فارس وخوزستان، فهذا ما ملكوه من القلاع في هذه المدة القريبة.\rقتل الباطنية وسببه\rكان قتلهم في سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وسبب ذلك أنه لما اشتد أمرهم، وقويت شوكتهم، وكثر عددهم شرعوا في قتل الأمراء، والفتك بهم، وكان أكثر من قتلوا من هو في طاعة السلطان بركياروق بأخيه محمد انبسط جماعة منهم في العسكر، واستغووا جماعة منهم، وأدخلوهم في مذهبهم، وزاد أمرهم حتى كادوا يظهرون بالكثرة والقوة، فصاروا يتهدودن من لم يوافقهم بالفتك، وانتهى الحال إلى أن الأمراء ما بقي منهم من يجسر أن يمشي حاسراً. إلا بدرع تحت ثيابه، حتى الوزير الأعز كان يلبس ذردية تحت ثيابهن فأشير على السلطان بالفتك بهم قبل أن يعجز عنهم، وأعلموه ميل الناس إلى مذهبهم، ودخولهم فيه حتى إن عسكر السلطان محمد كانوا يشنّعون ذلك عليه، ويكبرون في المصاف على أصحابه، ويقولون لهم: يا باطنية، فاجتمعت هذه البواعث كلها، فأذن السلطان في قتلهم، وركب هو والعسكر، وطلبوهم، وأخذوا جماعة ممن كان وافقهم، فلم يفلت منهم إلا من لم يعرف، ومن جملة من اتهم: مقدّمهم الأمير محمد بن علاء الدولة صاحب مدينة يزد، فهرب، وسار يومه وليلته، فلما كان في اليوم الثاني وجد في العسكر، وقد ضل عن الطريق، فقتل، ونهب خيامه، وممن قتل ولد كيقباد مستحفظ تكريت، وقتل منهم جاو لي سقاوة في هذه ثلاثمائة رجل.\rوفاة لسلطان بركياروق ووصيته لولده ملكشاه بالملك\rكانت وفاته في ثاني عشر بيع الآخر سنة ثمان وتسعين وأربعمائة بأصفهان بمرض السل، والبواسير، وسار منها في محفة يطلب بغداد، فلما وصل إلى بروجرد ضعف عن الحركة، فأقام بها أربعين يوما، فاشتد مرضه، فلما أيس من نفسه خلع على ولده ملكشاه، وعمره أربع سنين وثمانية أشهر، وجعل الأمير إياز أتابكة، وخلع على الأمراء، واستحلفهم له، وأمرهم بالطاعة لهما، فحلفوا على الوفاء، وأمرهم بالسير إلى بغداد، فساروا، فلما كانوا على اثني عشر فرسخا من برجرود، وصل إليهم خبر وفاته، وحمل إلى أصفهان ودفن بها، وكان له من العمر خمسة وعشرون سنة، ومدّة ملكه اثنتا عشرة سنة، وأربعة اشهر، وقاسى من الحرب والاختلاف ما قدمناه، وكان حليما كريما صبورا عاقلا كثير المداراة حسن العفو لا يبالغ في العقوبة، عفوه أكثر من عقوبته.\rالخطبة لملكشاه بن السلطان بركياروق ببغداد\rقد ذكرنا وصيِّة والده بالملك، واستخلاف الأمراء، وتقرير قواعده، وإنفاذه إلى بغداد. قال: ولما جاء الخبر بوفاة أبيه، سار به أتابكه الأمير إياز، وإيلغازي شحنة بغداد، ودخلا به إلى بغداد، وخطب له بجوامعها في شهر بيع الآخر سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ولقب بألقاب جدِّه جلال الدولة، ونشرت الدنانير على الخطباء، ثم قدم عمه السلطان محمد على ما نذكره.\rأخبار السلطان محمد","part":7,"page":276},{"id":3287,"text":"هو غياث الدين أبو شجاع محمد طير يمين أمير المؤمنين ابن السلطان جلال الدولة ملكشاه ابن السلطان عضد الدولة ألب أرسلان محمد بن داود جغري بك بن ميكائيل بن سلجق، وهو الخامس من ملوك الدولة السلجقية.\rقد قدمنا من أخبار السلطان، ووقائعه مع أخيه السلطان بركياروق وحروبه، والخطبة له ببغداد مرة بعد أخرى ما يستغني عن إعادته، ونحن الآن نذكر أخباره في سلطنته بعد وفاة أخيه. قال: لما مات السلطان بركياروق، وخطب لولده ملكشاه ببغداد كما ذكرناه، كان السلطان محمد إذ ذاك يحاصر جكرمش، وسكمان القطبي، وغيرهما من الأمراء، وكان سيف الدلو صدفة صاحب الحلة قد جمع خلقاً كثيرا من العساكر بلغت عدتهم خمسة عشر ألف فارس، وعشرة آلاف راجل، وأرسل ولديه بدران، ودبيس إلى السلطان محمد يستحثه على الحضور إلى بغداد، فاستصحبهما معه، فلما سمع الأمير إياز بمسيره إليه خرج هو والعسكر الذي معه من الدور، ونصبوا الخيام بالزهراء خارج بغداد، وجمع الأمراء، واستشارهم فيما يفعله، فبذلوا الطاعة واليمين على قتال السلطان، ودفعه عن السلطنة، والاتفاق على طاعة ملكشاه بن بركياروق، وكان أشدهم ينال وصبارو، فلما تفرقوا، قال له وزيره الصفيّ أبو المحاسن: اعلم أن حياتي مقرونة بثبات نعمتك ودولتك، وأنا أكثر التزاما بك من هؤلاء، وليس الرأي ما أشاروا به، فإن كل واحد منهم يقصد أن يسلك طريقا، ويقيم سوقا لنفسه، وأكثرهم يناوئك في المنزلة، وإنما يقعد بهم عن منازعتك قلة العدد والمال، والصواب مصالحة السلطان محمد، والدخول في طاعته، وهو يقرك ما بيدك من الإقطاع، ويزيدك عليه ما أردت، فتردّد رأي الأمير إياز في الصلح إلا أنه يظهر المباينة، وجمع السفن التي ببغداد، وضبط المشارع من متطرق إلى عسكره، أو إلى البلد، ووصل السلطان محمد إلى بغداد في يوم الجمعة لثمان بقين من جمادى الأولى، سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ونزل بالجامع العربي، وخطب بالجامع، وأما جامع المنصور، فإن الخطيب قال: اللهم أصلح سلطان العالم، ولم يزد على ذلك، وركب إياز في عسكره، وهم عازمون على الحرب، وسار حتى أشرف على عسكر السلطان محمد، وعاد إلى مخيَّمه، فدعا الأمراء إلى اليمين مرة ثانية على المخالصة لملكشاه، فأجاب بعضهم، وتوقف البعض، وقالوا: قد حلفنا مرة، ولا فائدة في إعادة اليمين لأنا إن وفينا بالأولى، وفينا بالثانية، فأمر إياز حينئذ وزيره الصفي أبا المحاسن بالعبور إلى السلطان محمد، والمشي في الصلح، وتسليم السلطنة إليه، فعبر يوم السبت لسبع بقين من الشهر إلى عسكر محمد، واجتمع بوزيره سعد الملك أبي المحاسن سعد بن محمد، وعرّفه ما جاء فيه، فأحضره إلى السلطان، فأدى الرسالة، واعتذر عن صاحبه، فأجابه السلطان جوابا لطيفا، وطيب نفسه، وأجاب إلى اليمين، فلما كان الغد حضر قاضي القضاة، والنقيبان، والصفي وزير إياز عند السلطان، فقال له وزيره سعد الملك: إن إياز يخاف لما تقدم منه، وهو يطلب العهد لنفسه، وللأمراء الذين معه، فقال السلطان: أما ملكشاه فلا فرق بينه وبين أخي، وأما إياز والأمراء الذين معه، فأحلف لهم أن لا ينال الحسامي وصبارو، وحلف لهم، فلما كان الغد حضر الأمير إياز إلى السلطان، فلقيه الوزير، وكافة الناس، ووصل سيف الدولة صدفة في ذلك الوقت، ودخلا جميعا إلى السلطان، فأكرمهما، وأحسن غليهما، وقيل: بل ركب السلطان، ولقيهما، وأقام السلطان ببغداد إلى شعبان، وسار إلى أصفهان على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rقتل الأمير أياز","part":7,"page":277},{"id":3288,"text":"كان سبب ذلك أنه لما سلَّم السلطنة لمحمد، وصار في جملة أصحابه، عمل وليمة عظيمة في ثامن جماد الآخرة في داره، ودعا السلطان غليها، فجاء وقدم له إياز شيئا كثيرا، من جملته حمل بلخش، كان إياز قد أخذه من تركة مؤيد الملك بن نظام الملك، وحضر الوليمة سيف الدولة صدقة بن مزيد، فاتفق أن إياز تقدم إلى غلمانه بلبس السلاح، ليعرضهم على السلطان، فدخل إليهم رجل من أبهر كانوا يضحكون منه، فألبسوه ذرعا تحت قميصه، وتناولوه بأيديهم، وهو يسألهم أن يكفوا عنه، فلم يفعلوا، فلشدَّة ما ناله هرب منه، ودخل بين خواص السلطان، فرآه السلطان مذعورا، فاستراب منه، وقال لغلام له أن يمسكه من غير أن يعلمه أحد ففعل، فرأى الدرع تحت ثيابه، فأعلم السلطان بذلك، فاستشعر السوء وقال: إذا كان أصحاب العمائم قد لبسوا الدروع، فما ظنك بغيرهم من الجند، ونهض وعاد إلى داره، فلما كان في ثالث عشر. استدعى الأمير صدقة وإياز، وجكرمش، وغيرهم من الأمراء، فلما حضروا أرسل إليهم: أنا بلغنا أن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، قصد ديار بكر ليملكها، ويسير منها إلى الجزيرة، وينبغي أن تجتمع أراؤكم على من يسير إليه ليمنعه، ويقاتله، فقال الجماعة: ليس هذا الأمير إلا الأمير إياز.فقال إياز: ينبغي أن أجتمع أنا وسيف الدولة صدقة على هذا الأمر، فقبل ذلك استدعى السلطان، فاستدعى إياز وصدقة والوزير سعد الملك، فقاموا ليدخلوا عليه، وكان قد أعدّ جماعة من خواصِّه لقتل إياز إذا دخل عليه، فلما دخل ضرب أحدهم رأسه فأبانه، فغطى صدقة وجه بكمِّه، وأما الوزير فغشي عليه، وتفرق أصحاب إياز، وكان زوال نعمته العظيمة ودولته في مزحة مزحها غلمانه، ولما كان الغد كفنَّه قوم من المتطوعة ودفنوه.\rوكان من جملة مماليك السلطان ملكشاه، وكان غزير المروءة، شجاعا حسن الرأي في الحرب، ولما قتل اختفى وزيره الصفي، ثم أخذ وحمل إلى الوزير سعد الملك، ثم قتل في شهر رمضان، وسار السلطان إلى أصفهان، فوصل إليها في شهر رمضان وأمن أهلها.\rخروج منكبرس على السلطان محمد والقبض عليه\rوفي المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة أظهر منكبرس ابن الملك بوزي برس بن الب أرسلان، وهو ابن عم السلطان محمد العصيان، والخلاف على السلطان، وسبب ذلك أنه كان بأصبهان، فلحقته ضائقة شديدة، وانقطعت عنه المواد، فسار إلى نهاوند، واجتمع عليه بها جماعة من العسكر، وظاهره عل أمره جماعة من الأمراء، فتغلب على نهاوند، وخطب لنفسه بها، وكاتب الأمراء بني برسق يدعوهم إلى طاعته ونصرته، وكان السلطان محمد قد قبض على أخيهم زنكن بن برسق، فكاتب زنكي إخوته، وحذرهم من طاعته، وأمرهم بالتدبير في القبض عليه، فلما أتاهم كتاب أخيهم بذلك أرسلوا إلى منكبرس يبذلون له الطاعة والموافقة، فسار إليهم وساروا غليه، واجتمعوا به، وقبضوا عليه بالقرب من أعمالهم، وهي بلد خوزستان، وتفرق أصحابه وأتوابه إلى أصفهان، فاعتقله السلطان مع بني عمه تكش، وأخرج زنكي بن برسق، وأعاده إلى مرتبته، واستنزله و عمه تكش، وأخرج زنكي بن برسق، وأعاده إلى مرتبته، واستنزله وإخوته عن إقطاعهم وهي الأسر، ونيسابور، وغيرهما ما بين الأهواز وهمذان، وأقطعهم عوض ذلك الدور وغيرها وفيها ظهر بنهاوند أيضا رجل من أهل السواد، ادعى النبوة، فأطاعه خلق كثير، واتبعوه، وباعوا أملاكهم، ودفعوا أثمانها إليه، وهو يخرج جميع ذلك، وسمي أربعة من أصحابه آبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا، ثم قتل بنهاوند، فكان أهلها يقولون: ظهر عندنا في مدة شهرين اثنان: أحدهما يدعى النبوة، والآخر المملكة، فلم يتم لأحد منها أمر، والله أعلم.\rملك السلطان محمد قلعة شاه دز من الباطنية وقتل ابن عطاش","part":7,"page":278},{"id":3289,"text":"وفي سنة خمسمائة ملك السلطان القلعة التي كانت الباطنية ملكوها بالقرب من اصفهان، واسمها شاه دز، وقتل صاحبها أحمد ابن عبد الملك بن عطاش وولده، وكانت القلعة قد بناها السلطان لملكشاه، واستولى عليها بعده أحمد بن عبد الملك وكان قد أتصل بدز دار القلعة، فلما مات استولى عليها، وكان الباطنية بأصفهان قد ألبسوه تاجا، وجمعوا له أموالا عظيمة، فاشتد بأسه، وكثر جمعه، واستفحل أمره بالقلعة، فكان يرسل أصحابه لقطع الطريق، وأخذ الأموال، وقتل من قدروا عليه، فقتلوا خلقا كثيرا، وجعلوا لهم على القرى السلطانية، وأموال الناس، ضرائب يأخذونها؛ ليكفوا عنها الأذى، فتعذر انتفاع السلطان بقراه، والناس بأملاكهم، ومشى لهم الأمر بما كان بين السلطان وأخيه من الاختلاف، فلما صفت السلطنة لمحمد، فخرج بنفسه، وحاصرهم، في سادس شعبان، وأحاط بجبل القلعة، فلما شاتد الحصار عليهم طلبوا أن ينزل بعضهم من القلعة، ويرسل السلطان معهم من يحيمهم، إلى أن يصلوا إلى قلعة الناظر بأرجان، وكانت لهم، وينزل بعضهم، ويرسل معهم من يوصلهم إلى طبس، وأن يقيم منهم في ضرس من القلعة، إلى أن يصل إليهم من يخبرهم بوصول أصحابهم، وينزلون حينئذن ويرسل السلطان معهم من يوصلهم، إلى ابن الصباح بقلعة ألموت، فأجيبوا إلى ذلك، وتوجه معهم إلى قلعتي الناظر، وطبس، وعاد منهم من أخبر ابن غطاس بوصولهم، فلم يسلم السن الذي بيده، ورأى السلطان منه العذر، فملكه، وقتل من فيه من الباطنية، واختلط بعضهم بمن دخل، فسلموا، وأسر ابن عطاش، فتركه السلطان أسبوعا، ثم أمر به، فشهر في جميع البلاد، وسلخ جلده فمات، وحشى تبنا، وقتل ولده، وحملت رأساهما إلى بغداد، وألقت زوجته نفسها من القلعة، فهلكت. كانت مدة البلوي بابن عطاش ثنتا عشرة سنة.\rالقبض على الوزير وقتله، ووزارة أحمد بن نظام الملك\rوفي سنة خمسمائة قبض السلطان محمد على وزيره سعد الملك أبي المحاسن، وأخذ ماله، وصلبه على باب أصفهان، وصلب معه أربعة نفر من أعيان أصحابه، فأما الوزير، فنسب إلى خيانة السلطان، وأما الأربعة، فنسبوا إلى اعتقاد مذهب الباطنية، ثم استشار السلطان فيمن يجعله وزيراً، فذكر له جماعة، فقال: أن آبائي رأوا على نظام الملك البركة، وله عليهم الحق الكبير، وأولاده أعذياء بنعمتنا، ولا معدل عنهم، فاستوزر أبا نصر أحمد، ولقب ألقاب أبيه قوام الدين نظام الملك صدر الإسلام، وحكَّمه، ومكَّنه، وقوى أمره.\rقتل الأمير صدقة بن مزيد\rكان مقتله في سنة إحدى وخمسمائة، وكان سبب ذلك أنه قد عظم أمره، واشتهر ذكره، واستجار به الأكابر من الخلفاء، فمن دونهم، وأجار على الخلفاء والملوك، وكان ممن أكد أسباب دولة السلطان محمد، وأقام في حقه، وعضده، وجاهر السلطان بركياروق بسببه، فلما استوثق الأمر للسلطان محمد، زاده على ما بيده من الإقطاع زيادة عظيمة، منها مدينة واسط، وأذن له في أخذ البصرة، ثم أفسد ما بينهما العميد أبو جعفر محمد بن الحسن البلخي، وقال للسلطان: إن صدقة عظم أمره، وكثر ادلاله، وهو يحمي كلَّ من يفر من السلطان، والتحق به، ونسبه إلى مذهب الباطنية، ولم يكن كذلك، وإنما تشيع، واتفق أن السلطان محمد سخط على أبي دلف سرخاب بن كيخسرو صاحب ساوه، فهرب منه، وقصد صدقة، واستجار به فأجاره، فأرسل السلطان يطلبه من صدقة، وأمره بتسليمه إلى نوابه، فلم يفعل، وأجاب، إنني لأمكن منه بل أحامي عنه، أقول ما قاله أبو طالب لقريش لما طلبوا النبي صلى الله عليه وسلم.\rونسلمه حتى تصرَّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل","part":7,"page":279},{"id":3290,"text":"وظهر منه أمور أنكرها السلطان، فتوجه السلطان إلى العراق، ليتلافى هذا الأمر، فلما سمع صدقة به، استشار أصحابه فيما يفعله، فأشار عليه ابنه دبيس أن ينفذه إلى السلطان، ومعه الأموال والخيل والتحف ليستعطفه، وأشار سعيد بن حميد صاحب جيش صدقة بحربه، وجمع الجند، وتفريق المال فيهم، واستطال في القول، فمال صدقة إلى قوله ووافقه، وجمع العساكر، فاجتمع له عشرون ألف فارس، وثلاثون ألف راجل، وأرسل الخليفة المستظهر بالله إلى الأمير صدقة، يحذره عاقبة أمره، وينهاه عن الخروج عن طاعة السلطان، فأجاب: إنني على الطاعة، لكن لا آمن على نفسي في الاجتماع به، ثم أرسل السلطان إلى صدقة يطيب قلبه، ويبسط ويزيل خوفه، ويأمره بالانبساط على عادته، فأجاب: إن أصحاب السلطان قد أفسدوا قلبه عليّ، وغيروا حالي عنده، وزال ما كان عليه في حقي من الإنعام، وذكر سالف خدمته ومناصحته، وقال سعيد بن حميد صاحب جيشه: لم يبق لنا في صلح السلطان مطمع، وليرين خيولنا ببغداد، وامتنع صدقة من الاجتماع بالسلطان، وكان السلطان وصل إلى بغداد جريدة في خيل، لا تبلغ ألفي فارس، فأرسل إلى جيوشه، فأتته من كل جهة، وكررت الرسائل من الخليفة إلى صدقة، وهو يجيب: إنني ما خالفت الطاعة، ولا قطعت الخطبة، وجهز ابنه دبيسا، ليسير إلى السلطان، فبينما هو في ذلك إذ ورد الخبر أن طائفة من عسكر السلطان، قد وقعت الحرب بينهم وبين أصحاب صدقة، وأن عسكر السلطان انهزم، وأسر جماعة من أعيانهم، فأخر صدقة ابنه، ثم ترددت الرسائل من الخليفة إلى صدقة، يقول: إن إصلاح قلب السلطان موقوف على إطلاق الأسرى، ورد جميع ما اخذ من العسكر المنهزم، فأجاب أولاً بالخضوع والطاعة، ثم قال: لو قدرت على الرحيب من بين يدي السلطان لفعلت، ولكن ورائي من يثقل ظهري: ثلثمائة امرأة لا يحملهن مكان، ولو علمت أنني إذا جئت للسلطان مستسلما قبلني، واستخدمني، لفعلت، ولكنني أخاف ألا يقبل عذري، ولا يعفو، وأما ما نهب فإن الخلق كثير، وعندي من لا اعرفه، وقد نهبوا ودخلوا البر، ولا طاقة لي بهم، لكن إن كان السلطان لا يعارضني فيما في يدي، ولا فيمن أجرته ويقر سرخاب على إقطاعه بساوة، ويتقدم بإعادة ما نهب من بلدي، ويحلفه وزير الخليفة بما أثق به من الإيمان، على المحافظة فيما بيني وبينه، فحينئذ أخدم بالمال، وأدوس بساطه بعد ذلك، فعادت الرسائل بذلك مع أبي منصور بن معروف، وأصر صدقة على قوله، فعند ذلك سار السلطان في ثامن شهر رجب إلى الزعفرانية، وسار صدقة في عسكره إلى قرية مطر، وأمر جنده بلبس السلاح، واستأمن نائبه سلطان بن دبيس وهو ابن عم صدقة إلى السلطان، فأكرمه، وعبر السلطان إلى دجلة، ولم يعبر هو، فصاروا هو وصدقة في ارض واحدة، بينهما نهر، ولم يعبر هو، فصاروا هم وصدقة في أرض واحدة، بينهما نهر، والتقوا في تاسع عشر شهر رجب، وكانت الريح في وجه أصحاب السلطان، فلما التقوا صارت في وجوه أصحاب صدقة، ورمى الأتراك بالنشاب فكان يخرج في كل رشقة سبعة عشر ألف فردة، لا تقع إلا في فارس أو فرس، فكان أصحاب صدقة إذا حملوا منعهم النهر، والنشاب يصل إليهم، وحمل صدقة على الأتراك وجعل يقول: أنا صدقة، أنا ملك العرب فأصابه سهم في ظهره، وأدركه غلام اسمه برغش، فتعلق في صدقة وهو لا يعرفه، فسقطا جميعا إلى الأرض، فعرفه صدقة، وقال: يا برغش أرفق، فضربه بالسيف، فقتله، وأخذ رأسه وحمله إلى البرسقي، فحمله إلى السلطان، فلما رآه عانقه، وأمر لبرغش بصلة، وبقي صدقة طريحا، إلى أن سار السلطان، فدفنه إنسان من المدائن، وكان عمر صدقة تسعا وخمسين سنة، وكانت إمرته إحدى وعشرين سنة، وحمل رأسه إلى بغداد، وقتل من أصحابه ما يزيد على ثلاثة آلاف فارس، وأسر ابنه دبيس، وسرخاب بن كيخسرو الديلمي، فأحضر بين يدي السلطان، فطلب الأمان، فقال السلطان: أنا عاهدت الله أني لا أقتل أسيرا، فإن ثبت عليك أنك باطني قتلتك. قال: ونهب من أموال صدقة ما لا يحد ولا يوصف.\rوكان له من الكتب المنسوبة الخطوط ألوف مجلدات، وكان يقرأ ولا يكتب، وكان جوادا حليما، صدوقا، كثير البشر والخير والإحسان، يلقي لمن يقصده بالبشاشة والفضل، ويبسط آمال قاصديه، ويزورهم، وكان عاقلا، عفيفا، دينا، حاز الأوصاف الجميلة، رحمه الله تعالى.","part":7,"page":280},{"id":3291,"text":"قال: ولما قتل صدقة عاد السلطان إلى بغداد، ولم يصل الحلة، وأرسل أماناً لزوجة صدقة، فأصعدت إلى بغداد، فأطلق السلطان ابنها دبيسا، وأنفذ معه جماعة من الأمراء لتلقيها، فلما جاءت اعتذر السلطان إليها من قتل صدقة، وقال: وددت لو أنه حمل إلي حتى كنت أفعل معه ما يعجب الناس منه، لكن الأقدار غلبتني عليه، واستحلف ابنها دبيسا أنه لا يسعى بفساد.\rوفي سنة إحدى وخمسمائة في شعبان أطلق السلطان الضرائب والمكوس، ودار البيع، والاجتيازات، وغير ذلك، مما يناسبه بالعراق، وفيها خرج السلطان إلى أصفهان، وكان مقامه ببغداد، في هذه الدفعة خمسة أشهر وأربعة عشر يوما.\rوفي سنة اثنتين وخمسمائة استولى مورود، وعسكر السلطان على الموصل، وكان جاولي سقاوة قد تغلب عليها، فأخذت منه، بعد حرب وحصار، ثم عاد جاولي إلى خدمة السلطان.\rوفي سنة ثلاث وخمسمائة سيَّر السلطان وزيره نظام الملك أحمد ابن نظام الملك إلى قلعة ألموت، لقتال الحسن بن الصباح، ومن معه من الإسماعيلية، فحصرهم، وهجم الشتاء عليهم، فعادوا، وفيها في شهر ربيع الآخر توجه الوزير نظام الملك إلى الجامع، فوثب عليه الباطنية، وضربوه بالسكاكين، فجرح في رقبته، فمرض مدة وبرأ، وأخذ الباطني، فسقي الخمر حتى سكر، وسئل عن أصحابه، فأقر على جماعة بمسجد المأمونية، فقتلوا، وفيها عزل الوزير نظام الملك، واستوزر بعده الخطير محمد بن الحسين.\rوفي سنة خمس وخمسمائة بعث السلطان الجيوش لقتال الفرنج، وكانوا قد استولوا على البلاد، ففتحوا عدة حصون للفرنج، وقتلوا من بها منهم، وحصروا مدينة الرُّها، ثم رحلوا عنها.\rوفي سنة تسع وخمسمائة أقطع السلطان محمد الموصل، وما كان بيد آق سنقر البرسقي للأمير جيوش بك، وسير معه ولده الملك مسعود بن محمد.\rوفاة السلطان محمد\rوشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وكان ابتداء مرضه في شعبان، فانقطع عن الركوب، وتزايد مرضه ودام، وأرجف بموته، فلما كان يوم عيد النحر، حضر الناس إلى دار السلطان، فأذن لهم في الدخول، وجلس السلطان وقد تلكلف ذلك، حتى أكل الناس وانصرفوا، فلما انتصف الشهر أيس من نفسه، فأحضر ولده السلطان محموداً وقبله وبكيا، وأمره أن يخرج، ويجلس على تخت السلطنة، وينظر في أمور الناس، وكان عمره إذ ذاك قد زاد على أربع عشرة سنة، فقال لوالده: إنه يوم غير مبارك، يعني من طريق النجوم، فقال السلطان: صدقت يا بني ولكن على أبيك وأما عليك فمبارك بالسلطنة، فخرج وجلس على تخت السلطنة وبالتاج والسوارين، وفي يوم الخميس الرابع والعشرين من الشهر أحضر الأمراء، وأعلموا بوفاة السلطان، وخطب لمحمود بالسلطنة.\rوكان مولد السلطان محمد في ثامن عشر من شعبان سنة أربع وسبعين ودعي له بالسلطنة ببغداد، في الدفعة الأولى، في يوم الخميس سابع عشر ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وقطعت، وأعيدت عدة دفعات كما قدمناه في أخبار بركياروق. وكانت مدة اجتماع الناس عليه بغير منازع، منذ تسلم السلطنة من الأمير إياز أتابك ملكشاه بن بركياروق، ثنتا عشرة سنة وسبعة أشهر.","part":7,"page":281},{"id":3292,"text":"وأما سيرته فكان ملكا عادلا شجاعا، حسن السيرة، فمن جملة ذلك أنه اشترى مماليك من بعض التجار، وأحالهم بالثمن على عامل خوزستان، فأعطاهم البعض، ومطلهم بما بقي، فحضروا مجلس الحكم، وأخذوا معهم الغلمان القاضي إلى السلطان، ليحضر معهم إلى مجلس الحكم، فلما رآهم، قال لحاجبه: انظر حاجة هؤلاء فسألهم، فقالوا: لنا خصم يحضر معنا إلى مجلس الحكم، فقال: ما هو؟ فقالوا: السلطان؛ وذكروا قصتهم. فأعلمه الحاجب ذلك، فأمر بإحضار العامل إليهم، وغرمه غرما ثقيلا، ونكل به، ثم كان يقول بعد ذلك: ندمت ندامة عظيمة، حيث لم أحضر معهم إلى مجلس الحكم، فيقتدي بي غيري، ولا يمتنع أحد عن الحضور إليه، وأداء الحق، ومن عدله أنه كان له خازن يعرف بأبي أحمد القزويني، فقتله الباطنية، فلما قتل أمر بعرض الخزانة عليه، فعرضت، فإذا درج فيه جوهر نفيس، فقال: إن هذا الجوهر عرض عليَّ من أيام، وهو في ملك أصحابه، وسلمه إلى خادم له، وأمر بتسليمه إليهم، فسأل عنهم وكانوا غرباء وقد تيقنوا ذهاب مالهم، وأيسوا منه، فلم يطلبوه، فأحضرهم وسلمه إليهم، وأطلق المكوس والضرائب في جميع البلاد، ولم يعلم منه فعل قبيح، ولا عرف عنه، وعلم الأمراء سيرته، فلم يتجاسروا على الظلم، وكفوا عنه.\rوكان له من الأولاد: محمود، وطغرل، ومسعود، وسليمان شاه، وسلجق، تولوا كلهم السلطنة إلا سلجق.\rوزراؤه: مؤيد الملك بن نظام الملك. ثم سعد الملك أبو المحاسن، إلى أن قتله، ثم أحمد بن نظام الملك، ثم خطير الملك، وكان في نهاية الجهل، فعزله بعد مدة، وصادره، وولي فيرهم، وممن استوزره: ربيب الدولة أبو منصور بن أبي شجاع.\rولما توفي السلطان محمد انتقلت السلطنة من العراق إلى خراسان، وذلك أن سنجر لم يبق في البيت أكبر منه، فكان هو السلطان المشار إليه، ولنذكر الآن أخباره، لأنه كان ملكا في حياة أخيه، وعظم شأنه، واستولى على عدة ممالك، فإذا انفضت دولته، عدنا إلى ذكر أولاد محمد، وغيرهم إن شاء الله تعالى.\rالسلطان سنجر\rهو معز الدين عماد آل سلجوق أبو الحارث سنجر شاه برهان أمير المؤمنين ابن السلطان جلال الدولة ملكشاه، وقد تقدم ذكر نسبه، وكان والده سماه أحمد،وإنما قيل له: سنجر؛ لأنه ولد بسنجار، فقيل له: سنجر باسم المدينة التي ولد بها، ونعت أيضا بالسلطان الأعظم، قال المؤرخ: ولما مات السلطان محمد كان سنجرشاه مستقر الأمر بخراسان، وقد ذكرنا ذلك في أيام أخيه السلطان بركياروق، وكان قد سلمها له لما فتحها، في خامس جمادى الأولى سنة تسعين وأربعمائة، وقد قدمنا من أخباره في أيام أخيه السلطان بركياروق، وحروبه معه، ما يستغني الآن عن إعادته، فلما مات بركياروق استغل سنجرشاه بملك خراسان، وبقي العراق وما معه بيد أخيه السلطان محمد، على ما قدمتا، قال: واتفق وقعتان لسنجرشاه عظيمتان، في أيام أخويه بركياروق ومحمد نحن الآن نذكرهما.","part":7,"page":282},{"id":3293,"text":"فأما الأولى: فهي واقعته مع قدر خان صاحب سمرقند وما وراء النهر، وكانت سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وذلك أن قدر خان قصد خراسان، وطمع في ملكها لصغر سن سنجر، وجمع من العساكر ما طبق الأرض، قيل: كانوا مائة ألف مقاتل، وقيل: مائتي ألف عنان، مسلمون وكفار، وكان من أمراء سنجر أمير اسمه: كندغدي، قد كاتب قدر خان بالأخبار، وأعلمه بحال سنجر وضعفه، واختلاف الملوك السلجقية، وأشار عليه سنجرشاه إلى المسير إلى غزنة، ومعه بهرام شاه، فلما بلغ بست اتصل به نصر بن خلف، صاحب سجستان، وسمع أرسلان شاه الخبر، فسير جيشا كثيفا، فهزمه سنجر، وعاد من سلم إلى غزنة بأسوأ حال، فخضع حينئذ أرسلان شاه، وأرسل إلى الأمير أتسز، وكان على مقدمة سنجر يضمن له الأموال الكثيرة، ليعود عنه،ويحسِّن إلى سنجر، يضمن له الأموال الكثيرة، ليعود عنه، ويحسِّن إلى سنجز العود، فلم يفعل فأرسل أرسلان شاه امرأة عمه نصر، وهي أخت السلطان سنجر من والده بركياروق، وكان علاء الدولة قتل زوجها، ومنعها من الخروج عن غزنة، وسألها سؤال سنجر في الصفح، وأرسل معها الأموال والهدايا والتحف، وكان معها مائتا ألف دينار، وطلب من السلطان أن يسلم غليه أخاه بهرام شاه، فوصلت إليه، وكانت موغرة الصدر من أرسلان شاه، فهونت أمره عند السلطان سنجر، وأطمعته في البلاد، وهونت عليه الأمر، وذكرت له ما فعل بإخوته، وأنه قتل بعضهم، من غير أن يخرجوا عن الطاعة، فسار الملك سنجر، وأرسل خادما من خواصه برسالة إلى أرسلان شاه، فقبض عليه واعتقله، واستمر سنجر على سيره لقصد غزنة، فلما سمع بقربه أطلق الرسول، ووصل سنجر إلى غزنة، فلما سمع بقربه أطلق الرسول، ووصل سنجر إلى غزنة، ووقع المصاف على فرسخ منها بصحراء شهراباذ، وكان أرسلان شاه في ثلاثين الف فارس، وخلق كثير من الرجالة، ومعه مائة وستون فيلا عليهم المقاتلة، فاقتتلوا قتالا شديدا، كان الظفر لسنجر شاه ومن معه، ودخل غزنة، وملك قلعتها، ورتب بهرام شاه في الملك، وقرر أن يكون الدعاء بغزنة للخليفة، ثم للسلطان محمد، ثم للمك سنجر، وبعدهم لبهرام شاه، وحصل لأصحاب سنجر من الأموال ما لا يحد، وكان من دور ملوكها عدو دور، على حيطانها ألواح الفضة وسواقي البساتين من الفضة، فقلع أكثر ونهب، فمنع سنجر أصحابه، وصلب جماعة، حتى كف الناس، وكان من جملة ما حمل لسنجر خمسة تيجان قيمة، أحدها يزيد على ألفي دينار وألف وثملثمائة قطعة مصاعغة مرصعة، وسبعة عشر سريرا من الذهب والفضة، وأقام بغزنة أربعين يوما، حتى استقر بهرام شاه، وعاد إلى خراسان، ولم يخطب بغزنة لسلجقي قبله.\r؟القبض على الوزير محمد\rقال: ولما عاد السلطان سنجر من غزنة قبض على وزيره أبي جعفر محمد بن فخر الملك أبي المظفر، بن الوزير نظام الملك، وكان سبب ذلك أنه أوحش الأمراء، واستخف بهم، فغضبوا من ذلك، وشكوا إلى السلطان وهو بغزنة، فاستمهلهم إلى أن يخرج من غزنة، ووافق ذلك تغير السلطان عليه، لأشياء نقمها منه، منها أنه أشار على السلطان بقصد غزنة، فلما قصدها، ووصل إلى بست، أرسل صاحبها أرسلان شاه إلى الوزير محمد، وضمن له خمسمائة ألف دينار إن هو أثنى على السلطان سنجر عن قصدها، ورده، فلما أتته الرسالة أشار على السلطان بمصالحة أرسلان شاه، والرجوع إلى خراسان، فلم يوافقه على ذلك، وفعل بمثل ذلك بم وراء النهر، ومنها أنه نقل إليه أنه أخذ من غزنة أموالا عظيمة المقدار، وغير ذلكن فلما عاد إلى بلخ قبض عليه، وأخذ ماله وقتله، وكان له من الجواهر والأموال شيء كثير، ووجد له من العين ألف ألف دينار، ولما قتله استوزر بعده شهاب الإسلام عبد الرزاق بن أخي نظام الملك، ويعرف هذا الوزير بابن الفقيه، فلم يبلغ منزلة أبي جعفر في علة الهمة، ونفاذ الكلمة، ثم ندم السلطان سنجر على قتل أبي جعفر، رحمه الله تعالى.\r؟الحرب بين السلطان سنجر وبين ابن أخيه محمود بن محمد","part":7,"page":283},{"id":3294,"text":"كانت الحرب بينهما في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وسبب ذلك أنه لما بلغ السلطان سنجر شاه وفاة أخيه السلطان محمد، وجلوس ابنه السلطان محمود، وهو زوج ابنة السلطان سنجر، حزن لوفاة أخيه حزنا عظيما، وجزع، وتألم ألما شديدا، وجلس للعزاء على الرماد وأغلق البلد سبعة أيام، وتقدم إلى الخطباء يذكر أخيه السلطان محمد على المنابر بمحاسن أعماله، من قتال الباطنية، وإطلاق المكوس، وغير ذلك، وكان يلقب بناصر الدين، فتلقب بعد وفاة أخيه بمعز الدين، وهو لقب أخيه ملكشاه، وعزم على قصد بلد الجبال والعراق، وما هو بيد محمود بن أخيه، وندم عند ذلك على قتل وزيره أبي جعفر؛ لأنه كان يبلغ به من الأغراض ما لا يبلغه بكثرة العساكر، لميل الناس إليه ومحله عندهم. قال: ثم أرسل السلطان إلى عمه سنجر شرف الدين أنوشروان بن خالد، وفخر الدين طغابرك، ومعهما الهدايا والتحف، وبذل له النزول عن مازندران، وحمل إليه مائتي ألف دينار في كل سنة، فوصلا إليه وأبلغاه الرسالة، فقال: لا بد من القتال، وسار نحو الريّ والأمير أتسز في مقدمته، فلما بلغ السلطان محمود مسير عمه إليه، ووصول الأمير أتسز إلى جرجان، تقدم إلى الأمير علي بن عمر، وهو أمير حاجب أبيه بالمسير، وضم غليه جمعا كثيراً من الأمراء والعساكر، فاجتمعوا في عشرة آلاف فارس، وساروا إلى أن قاربوا مقدمة السلطان سنجر، وعليها الأمير أتسز، راسله الأمير على بن عمر يعرفه وصية السلطان محمد، بتعظيم السلطان سنجر، والرجوع إلى رأيه وأمره، والقبول منه، وأنه ظن أن السلطان سنجر يحفظ السلطنة على ولده محمد، وأنه أخذ علينا العهود بذلك، وليس لنا أن نخالفه، وأما حيث جئتم إلى بلادنا، فلا نحتمل ذلك ولا نعصي عليه، وقد علمت أن معك خمسة آلاف فارس، وأنا أرسل إليك أقل منهم لتعلم أنكم لا تقاوموننا ولا تقومون بنا، فلما سمع الأمير أتسز ذلك عاد عن جرجان، ولحقه بعض عسكر محمود، وأخذوا قطعة سواده، وأسروا عدو من أصحابه، وعاد الأمير علي إلى السلطان محمود، وقد بلغ الري، وأقام بها، فشكره على ما كان منه، وأشير على محمود بالمقام بالري، وقيل له إن عساكر خراسان إذ علموا بمقامك لا يفارقون حدودهم، ولا يتعدون ولا يتهم، فلم يقبل ذلك، وضجر من مقامه، وسار ووصل إليه الأمير منكبرش من العراق، في عشرة آلاف فارس، والأمير منصور بن صدقة أخو دبيس، والأمراء البلخية، وغيرهم، وسار إلى همذان، فبلغه وصول عمه سنجر إلى الري، فسار نحوه، وقصد قتاله فالتقيا بالقرب من ساده، وكأن السلطان سنجر في عشرين ألفا، ومعه ثمانية عشر فيلا، ومحمود في ثلاثين ألفا، وهم أكابر الأمراء، ومعه تسعمائة حمل من السلاح، فلما التقوا ضعفت نفوس الخراسانة، لما رأوا من عسكر محمود من الكثرة والقوة، فانهزمت ميمنة سنجر، واختلط أصحابه، وصاروا منهزمين لا يلوون على شيء، ونهب من أثقالهم شيء كثير، وقتل من أهل السواد خلق كثير، ووقف السلطان سنجر بين الفيلة في جمع من أصحابه، وبإذائه السلطان محمود، ومعه أتابكه عز علي، فلما تعاظم الأمر على سنجر ألجأته الضرورة أن يقدم الفيلة للحرب، وكان من بقي معه أشاروا عليه بالهزيمة، فقال، إما النصر وإما القتل، وأما الهزيمة فلا، فلما تقدمت الفيلة نفرت منها خيل أصحاب محمود، وقال لصحابه: لا تفزعوا الصبي بحملات الفيلة، فكفوها عنهم، وانهزم السلطان محمود ومن معه، وأسر أتابكه عز علي، وكان يكاتب السلطان، ويعده أنه يحمل إليه السلطان محمود، فعاتبه على تأخيره عن ذلك، فاعتذر بالعجز، فقتله، قال: وتم الظفر للسلطان وأرسل من أعاد المنهزمين من أصحابه، ونزل في خيام السلطان محمود، وتراجع أصحابه إليه، ووصل الخبر إلى بغداد في عشرة أيام، وأرسل الأمير دبيس بن صدقة في الخطبة للسلطان سنجر، فخطب له في السادس والعشرين من جمادى الأولى من السنة، وقطعت خطبة محمود، وأما محمود فإنه سار من موضع الكسرة إلى أصفهان، وسار السلطان سنجر إلى همذان، فرأى قلة عسكره واجتماع العساكر على ابن أخيه محمود، فراسله في الصلح وكانت والدة السلطان سنجر تشير عليه بذلك، وتقول له: إنك قد استوليت على غزنة وأعمالها، وما وراء النهر، وملكت البلاد، فتركت الجميع لأصحابه، فاجعل ولد أخيك كأحدهم، فأجاب إلى قولها، وراسل محمودا في الصلح، وتحالفا، وسار السلطان محمود إلى عمه","part":7,"page":284},{"id":3295,"text":"السلطان سنجر، فبالغ في إكرامه، وحمل إليه محمود هدية عظيمة فقبلها ظاهراً، وردها باطناً، ولم يقبل منه سوى خمسة أفراس عربية، وكتب السلطان سنجر إلى سائر الأعمال التي بيده، خراسان، وغيرها، وغزنة، وما وراء النهر، بالخطبة للسلطان محمود بعده، وكتب إلى بغداد بمثل ذلك، وأعاد عليه جميع ما أخذ منه، سوى الري، وقصد بأخذها أن يكون له في هذه البلاد، لئلا يحدث محمود نفسه بالخروج عن طاعته.لسلطان سنجر، فبالغ في إكرامه، وحمل إليه محمود هدية عظيمة فقبلها ظاهراً، وردها باطناً، ولم يقبل منه سوى خمسة أفراس عربية، وكتب السلطان سنجر إلى سائر الأعمال التي بيده، خراسان، وغيرها، وغزنة، وما وراء النهر، بالخطبة للسلطان محمود بعده، وكتب إلى بغداد بمثل ذلك، وأعاد عليه جميع ما أخذ منه، سوى الري، وقصد بأخذها أن يكون له في هذه البلاد، لئلا يحدث محمود نفسه بالخروج عن طاعته.\r؟قدوم السلطان سنجر إلى الري\rوفي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة خرج السلطان سنجر من خرسان إلى الري في جيش كثير، وكان سبب ذلك أن دبيس بن صدقة، والملك طغرل، كانا قد التحقا به، على ما نذكره في أخبار السلطان محمود، فلم يزل دبيس يطمع السلطان سنجر في العراق، ويسهل عليه الأمر، ويلقي إليه أن الخليفة المسترشد بالله، والسلطان محمود، قد اتفقا على الامتناع منه، حتى أجاب إلى المسير إلى العراق، فلما وصل الريّ كان السلطان محمود بهمذان، فأرسل السلطان سنجر يستدعيه، لينظر هل هو على الطاعة، أو تغير على ما وعم دبيس بن صدقة؟، فبادر إلى المسير إليه، فلما وصل العسكر بتلقِّيه، وأجلسه معه على التخت، وبالغ في إكرامه، وأقام عنده إلى منتصف ذي الحجة من السنة، وعاد السلطان سنجر إلى خراسان.\rملك السلطان سنجر مدينة سمرقند من محمد خان وملك محمود بن محمد\rوفي شهر ربيع الأول سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ملك السلطان سنجر مدينة سمرقند، وسبب ذلك أنه لما ملكها رتب فيها محمد خان ابن أرسلان بن سليمان بد داود بغراجان، كما ذكرتاه، فأصابه فالج، فاستناب ابناً له يعرف بنصرخان، وكان شجاعا، وكان بسمرقند إنسان علوي فقيه مدرس، إليه الحل والعقد، والحكم في البلد، فاتفق هو ورئيس البلد على قتل نصرخان، فقتلاه ليلا، وكان أبوه محمد خان غائبا، فعظم ذلك عليه، وكان له أخ آخر ببلاد تركستان، فاستدعاه، فلما قرب من سمرقند خرج العلوي، والرئيس لاستقباله فقتل العلوي في الحال، وقبض على الرئيس، وكان والده أرسلان خان قد أرسل إلى السلطان سنجر يستدعيه، ظنا منه أن ابنه لا يتم أمره مع الرئيس العلوي ، فتجهز سنجر، وسار يريد سمرقند، فلما ظفر ابنه بهما ندم على طلب السلطان، فأرسل غليه يعرفه أنه قد ظفر بهما، وأنه على الطاعة، ويسأله العود إلى خراسان، فغضب من ذلك، وبينما هو في الصيد إذ رأى أثنى عشر رجلاً في السلاح التام، فقبض عليهم وعاقبهم، فاقروا أن محمداً خان أرسلهم ليقتلوه، فقتلهم، ثم سار إلى سمرقند، فملكها عنوة، ونهب بعضها، ومنع من الباقي، وتحصن منه محمد خان ببعض الحصون، فاستنزله بأمان بعد مدة، فلما نزل إليه أكرمه وأرسله إلى ابنته، وهي زوجة السلطان سنجر، فبقي عندها إلى أن توفي، وأقام سنجر بسمرقند حتى أخذ الأموال، والأسلحة، والخزائن، وسلم البلد إلى الأمير حسن تكين، وعاد إلى خراسان، فمات حسن تكين بعد مسير السلطان، فملك بعده عليها محمود بن محمد خان.\rوفي سنة خمس وعشرين مات السلطان محمود بن محمد، أخي السلطان سنجر، فسار السلطان إلى العراق، والتقى هو وابن أخيه السلطان مسعود بن محمد، فانهزمت جيوش مسعود، وحضر هو إليه، فأرساه إلى كنجة، بعد أن كان مسعود استقر في السلطنة، وأقام السلطان سنجر في السلطنة السلطان طغرل أخيه محمد، وكان من أمره أمر أخيه مسعود، ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبارهم.\rمسير السلطان إلى غزنة وعوده","part":7,"page":285},{"id":3296,"text":"وفي ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، سار السلطان سنجر من خراسان إلى غزنة، وسبب ذلك أنه نقل إليه عن صاحبها بهرام شاه أنه تغير عن طاعته، ومد يده إلى ظلم الرعية، واغتصاب أموالهم، وكان سنجر هو الذي ملكه غزنة، كما ذكرناه، فلما قارب السلطان غزنة أرسل إليه بهرام شاه رسلا يبذل الطاعة، والتضرع، وسأل العفو عن ذنبه والصفح، فأرسل إليه سنجر المقرب جوهر الخادم، وهو أكبر أمير عنده، ومن جملة إقطاعه الري في جواب رسالته يجيبه إلى العفو، إن حضر عنده، وعاد إلى طاعته، فلما وصل المقرب إلى بهرام شاه أجاب بالسمع والطاعة، وركب مع المقرب إلى بهرام شاه أجاب بالسمع والطاعة، وركب مع المقرب، وسار لتلقي السلطان، فلما قاربا بالسلطان ونظر بهرام شاه إلى عسكره، والخبر على رأسه، نكص على عقبيه فلم يرجع، وولى هاربا، ولم يعرج على غزنة، فسار السلطان، ودخل غزنة، وملكها واحتوى ما فيها، وجبى أموالها، وكتب إلى بهرام شاه يلومه على ما فعله، وحلف أنه ما أراد به سوءاً، ولا مطمع له في بلده، ولا هو ممن يكدر صنيعه، ويعقب حسنته معه بسيئة، وإنما قصده لإصلاحه، فأعاد بهرام شاه الجواب يعتذر، ويتنصل ويقول: إن الخوف منعه من الحضور، ولا لوم على من خاف السلطان، فأجابه سنجر على إعادة بلده، وفارق غزنة، وعاد إلى خراسان ورجع بهرام شاه إلى غزنة.\r؟الحرب بين السلطان سنجر وخوارزم شاه\rوفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، سار السلطان سنجر إلى خوارزم شاه أتسز بن محمد؛ وذلك أنه بلغه أنه يحدث نفسه بالامتناع عليه، وترك خدمته، وجمع خوارزم شاه عسكره، والتقوا فانهزم أصحاب خوارزم شاه، ولم يثبتوا، وقتل ولد خوارزم شاه، وملك السلطان خوارزم، واقطعها غياث الدين سليمان شاه، ولد أخيه محمد، وعاد إلى مرو، في جمادى الآخرة منها، وهذه الحرب هي التي أوجبت الفتن العظيمة، التي نذكرها إن شاء الله تعالى.\rانهزام السلطان سنجر من الأتراك الخطا، وملكهم ما وراء النهر\rوفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة، كانت الحرب بين السلطان سنجر وبين الخطا؛ وسبب ذلك أن خوارزم شاه لما قتل ابنه في حرب السلطان، كما ذكرناه، حمله الألم إلى أن راسل ملك الخطا يستدعيه، لقصد سنجر وملك بلاده، ويهون عليه أمره، فصار في ثلثمائة ألف عنان، وسار سنجر إليه بجميع عساكره، والتقوا بما وراء النهر، واقتتلوا قتالا شديدا، وانجلت الحرب عن هزيمة سنجر، وقتل من أصحابه مائة ألف قتيل، فيهم اثنا عشر ألفا كلهم أصحاب عمامة، وأربعة آلاف امرأة، وأسرت زوجة السلطان سنجر، وهي تركان خاتون، ثم فديت بخمسمائة ألف دينار، وانهزم سنجر إلى ترمذ، ولم ينهزم قبلها، ولما تمت هذه الهزيمة أرسل إلى ابن أخيه السلطان مسعود، وأذن له أن يتصرف في الري، وما معها، على قاعدة أبيه السلطان محمد، وأمره أن يكون مقيماً بها بعساكره، بحيث إنه إذا احتاج إليه استدعاه، ففعل ذلك، وملك الخطا ما وراء النهر، وتغلب خوارزم شاه على البلاد، في هذا التاريخ، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره، وفي سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة حاصر السلطان سنجر خوارزم شاه بخورازم؛ فراسله، وبذل الطاعة والأموال، فقبل السلطان ذلك منه، وعاد عنه.\r؟انهزام السلطان سنجر من الغز، وأسره، وذكر أحوال الغز","part":7,"page":286},{"id":3297,"text":"ولنبدأ بذكر حال هؤلاء الغز، ومبدأ أمرهم، وما كان منهم إلى أن اسروا السلطان، فنقول، إنهم طائفة من الترك المسلمون، كانوا بما وراء النهر، فلما ملك الخطا أخرجوهم من بلاد ما وراء النهر، فقصدوا خراسان، وكانوا خلقا كثيرا، فأقاموا بنواحي بلخ، يرعون في مراعيها، وكان لهم أمراء، وهم: دينار، وبختيار، وطوطى، وأرسلان، وجغر، ومحمود، فأراد الأمير قماج، وهو مقطع بلخ إبعادهم، فصانعوه لشيء بذلوه له، فعاد منه، وأقاموا على عادة حسنة، لا يؤذون أحداً، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة فعاودهم قماج، واجتمع معهم غيرهم من طوائف الترك، فسار قماج إليهم، في عشرة آلاف فارس، فجاء إليه أمراء الغز، وبذلوا له عن كل بيت مائتي درهم، فلم يجبهم، وشدد عليهم في الانشراح عن بلده، فعادوا عنه، واجتمعوا، وقاتلوه، وانهزم، ونهبوا عسكره، وأكثروا القتل في العساكر والرعايا، واسترقوا النساء والذراري، وعملوا كل عظيمة، وقتلوا الفقهاء، وخربوا المدارس، وانتهت الهزيمة بقماج إلى مرو، وبها السلطان سنجر، فأعلمه الحال، فراسلهم وتهددهم، وأمرهم بمفارقة البلاد، فاعتذروا وبذلوا مالا كثيرا؛ ليكف السلطان عنهم، ويتركهم في مراعيهم، فلم يجبهم إلى ذلك، وجمع عساكره من أطراف البلاد، فاجتمع له ما يزيد على مائة ألف فارس، وقصدهم، ووقع بينهم حرب شديدة، فانهزمت عساكر السلطان سنجر، وانهزم هو في أصحابه، وتبعهم الغز يقتلون منهم، ويأسرون، حتى صارت القتلى كالتلال، وقتل علاء الدين قماج، وأسر السلطان سنجر وجماعة من الأمراء، فضرب الغز أعناق الأمراء، وأما السلطان سنجر فإن أمراء الغز اجتمعوا، وقبلوا الأرض بين يديه، وقالوا: نحن عبيدك، لا نخرج عن طاعتك، ومضى على ذلك ثلاثة أشهر، ودخلوا معه إلى مرو، وهي كرسي مملكة خراسان، فطلبها منه بختيار إقطاعا، فقال له السلطان سنجر: هذه دار الملك، ولا يجوز أن تكون إقطاعا لأحد، فضحكوا منه، وحبق له بختيار بفمه، فلما رأى ذلك من فعلهم نزل عن سرير الملك، ودخل خانقاه مرو، واستولى الغز على البلاد، وظهر منهم من الجور ما لم يسمع بمثله، وولوا على نيسابور والياً فظلم الناس، وعسفهم وضربهم، وعلق في الأسواق ثلاث غرائر، وقال أريد ملء هؤلاء ذهبا، فثار به العامة، فقتلوه، وقتلوا من معه، فدخل الغز نيسابور، ونهبوها وجعلوها قاعاً صفصفا، وقتلوا من بها ببلاد، ولم يرفعوا السيف عن كبير، ولا صغير، ولم يسلم من بلاد خراسان غير هراة ودهستان، لحصانتهما.\rهرب سنجر شاه من اسر الغز\rقال: كان هربه من الأسر في شهر رمضان، سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. ولما هرب سار إلى قلعة ترمذ، هو وجماعة كانوا معه من الأمراء، فاستظهر بها على الغز، وكان خوارزم شاه أتسز بن محمد،والخاقان محمود بن محمد، يقصدان الغز ويقاتلانهم، وكانت الحرب بينهم سجالا، وغلب كل منهم على ناحية من خراسان ثم سار السلطان من ترمذ إلى جيحون، يريد العبور إلى خراسان، واتفق أن علي بك مقدم القادغلية توفي، وكان اشد على السلطان من كل أحد، فأقبلت القادغلية، وغيرهم، من أقاصي البلاد وأدانيها إلى السلطان، وعاد إلى دار ملكه بمرو.\rوفاة السلطان سنجر شاه\rوشيء من أخباره وسيرته","part":7,"page":287},{"id":3298,"text":"كانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة اثنتين خمسين وخمسمائة، أصابه قولنج بعد ذرب فمات منه، ودفن بقبة بناها لنفسه، وسماها دار الآخرة، وكان مولده بسنجار في الخامس والعشرين من شهر رجب سنة سبع وسبعين وأربعمائة، فكان عمره أربعا وسبعين سنة وثمانية اشهر، ومدة ملكه - منذ سلم له أخوه السلطان بركياروق خراسان، في خامس جمادى الأولى سنة تسعين وأربعمائة، وإلى هذا التاريخ - إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وأياما، ومنذ استقل بالسلطنة، بعد وفاة أخيه محمد نحوا من أربعين سنة، ولم يزل أمره عاليا إلى أن أسره الغز، كما ذكرناه، وكان من أكابر الملوك، وعظمت مملكته، ملك من نهاوند، وغزنة، وسمرقند، إلى خراسان، وطبرستان، وكرمان، وسجستان، وأصفهان، وهمذان، والري، وأذربيجان، وأرمينية، ودانية، والعراق، وبغداد، والموصل، وديار بكر، وربيعة، ومضر، والجزيرة، والشام، والحرمين، وخطب له من منابرها، وضربت السكة باسمه، في هذه الأقاليم وبلادها، ووطئت ملوكها بساطه، وكان من أعظم الملوك همة، وأكثرها عطاء، ذكر عنه أنه اصطبح خمسة أيام متواليات، ذهب في الجود بها كل مذهب، فبلغ ما أعطاه من العين سبعمائة ألف أحمر، غير ما وهب من الخيول، والخلع، وغيرها، وفرق في يوم واحد ألف ثوب أطلس، واجتمع في خزانته ما لم يسمع أنه اجتمع في غيره من الأكاسرة، قال الشيخ جمال الدين أبو الحسن علي بن أبي المنصور ابن ظافر بن حسين الأزدي، صاحب كتاب الدول المنقطعة: صح عند جميع الناس أن الجوهر الذي اجتمع عنده كان وزنه ألفا وثلاثين رجلا، قال: وكان لسنجر مماليك اختصهم بالمحبة، فكان يشتري أحدهم بما قام في نفسه، ويهواه ويسعده حتى إذا بقل عذاره، سلاه وجفاه، وطرده، أو قتله؛ فمنهم سنقر الخاص، كان لصيرفي اشتراه السلطان بألف ومائتي دولار ركنية، وتشريف، فبلغ مبلغا عظيما؛ حكى عنه عبد العزيز صاحب خزائنه عن غرامه بسنقر هذا، قال، استدعاني السلطان، وقال لي: أنت تعلم أن سنقر الخاص حدقتي، التي أنظر بها، وقلبي الذي أفهم به، وهذه خزائني تحت يدك وحمول غزنة، وخوارزم قد وصلت، واريد أن تصير له سرادقا كسرادقي، وخيلا مثل خيلي، وتشتري له ألف مملوك يمشون في ركابه، وتحل إقطاع من تراه، وتضيفه إليه، وتعمل له خزانه كخزانتي، وأريده يكون صاحب عشرة آلاف فارس، وحثني على ذلك، فشرعت في ترتيبه، وكلته ما نقلته من الخزائن ومن الجواهر والثياب، وغير ذلك، وأخبرت السلطان به فسره، وشكرني عليه، وفوض إلي أمر خزانته، مضافا إلى الخزانة، ولم يمض سنيات حتى احضر عذاره فسلاه السلطان، وتمادى هو في بسطه، وأساءت على أكابر الأمراء، فتهدده، فلم يلتفت، فأمر الأمراء بقتاه إذا دخل عليه، فقتلوه بالسيوف.\rوممن بلغ عنده مبلغا لم يبلغه أحد قبله، الأمر المغترب اختيار الدين جوهر التاجي الخادم، كان خادما لوالدة السلطان سنجر، فلما توفيت في شوال سنة عشر وخمسمائة انتقل إليه، فشغف به، وغلب حبه عليه، وارتفع إلى حد لم يرتفع إليه غيره، وبلغت عدة عسكره ثلاثين ألف فارس، وكان أمره لا يرد، وإذا ركب مشى الأمراء في ركابه، وإذا جلس وقفوا، حتى يأذن لهم، وأعطاه الري، ثم مله بعد ذلك، وكرهه، ودس عليه بعض الباطنية، فقتله غيلة.\rقال: ولما مات السلطان سنجر انقطع استبداد السلجقية بمملكة خراسان واستولى عليها خوارزم شاه أتسزبن محمد، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره.","part":7,"page":288},{"id":3299,"text":"وزراؤه: العميد أبو الفتح بن أبي الليث إلى أن قتل في يوم عاشوراء سنة خمسمائة، واستوزر بعده ولده صدر الدين محمد إلى أن قتل ببلخ، في الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى عشرة وخمسمائة. قتله قليماز مملوك السلطان، الذي كان يهواه، فقتله به، واستوزر أبا جعفر محمد بن فخر الملك أبي المظفر بن الوزير نظام الملك، ثم قتله كما قدمناه، واستوزر بعده الوزير شهاب الإسلام عبد الدوام ابن إسحاق، أخي نظام الملك، إلى أن توفي بسرخس، في يوم الخميس سابع المحرم سنة خمس عشرة وخمسمائة، واستوزر بعده الوزير بغاي الكاشغري، فأحسن التدبير، وكان أعور، فصرفه في نصف صفر سنة ثمان عشرة، واستوزر بعده معين الدين مختص القاشاني، فقتله الباطنية، في تاسع عشر صفر سنة إحدى وعشرين، فاستوزر نصير الدين أبا القاسم محمود بن أبي توبة المروزي، وكان من افضل الوزراء، وأجملهم سيرة، وأحسنهم طريقة، وأغزرهم أدبا وعلما، وكثر أيامه أهل العلم والأدب، وصرف في سنة ست وعشرين، واستوزر الوزير القوام أبا القاسم الدزكزيني، واستمر في وزارته إلى أن توفي، في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.\rقال: ولما حضرت السلطان سنجر الوفاة استخلف على خراسان الملك محمود بن محمد بغراجان، وهو ابن أخت السلطان، ولم يكن من السلجقية، وإنما هو من أولاد الملوك الخانية، فأقام بها خائفا من الغز، وبقيت خراسان على هذا الاختلاف، إلى سنة أربع وخمسين وخمسمائة، ثم راسله الغز، وسألوه أن يملكوه عليهم، فالتحق بهم، ثم خلع في جمادى الآخرة سنة ست وخمسين، وسمل، وإنما أوردنا اسمه ها هنا، على سبيل الاستطراد؛ ولأن سنجر عهد إليه بالملك بعده.\rانتهت أخبار الدولة السلجقية بخراسان وما يليها، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.\r/////السلطان مغيث الدين هو أبو القاسم محمود بن محمد طبر بن ملكشاه، جلس على تخت السلطنة في النصف من ذي الحجة، سنة إحدى عشرة وخمسمائة، كما قدمنا ذكر ذلك قي أخبار أبيه السلطان محمد، ثم خطب له بالسلطنة ببغداد بعد وفاة أبيه على عادة الملوك السلجقية، في يوم الجمعة ثالث عشر المحرم سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، في خلافة المستظهر بالله، ودبر دولته الوزير الربيب أبو منصور.\rولما ولى السلطان مغيث الدين عزل بهروز عن شحنكيه، بغداد، وولى أقسنقر البرسقي، - وكان بالرحية - في إقطاعه، فسار إلى السلطان محمد قبل وفاته يسأله الزيادة في إقطاعه، فبلغه وفاته قبل وصوله إلى بغداد، وأرسل مجاهد الدين بهروز يمنعه من دخول بغداد، فسار إلى السلطان محمود فلقيه توقيع السلطان بولاية شحنكية بغداد وهو بحلوان، فلما ولى هرب بهروز إلى تكريت وكانت له.\rثم ولى السلطان شنكحية بغداد للأمير منكبرس، وهو من أكابر الأمراء، فسير إليها ربيبه الأمير حسين بن أرديل، أحمد أمراء الأتراك لينوب عنه. فلما فارق باب همذان اتصل به جماعة من الأمراء البلخية، فلما بلغ البرسقي ذلك خاطب الخليفة المستظهر بالله أن يأمره بالتوقف عن العبور إلى بغداد إلى أن يكاتب السلطان، فأرسل إليه الخليقة في ذلك، فأجابه: إن رسم الخليفة بالعود عدت، وإلا فلابد من الدخول إلى بغداد. فجمع البرسقي أصحابه وسار إليه والتقوا واقتتلوا، فقتل أخ للأمير حسين وانهزم هو ومن معه، وعادوا إلى عسكر السلطان، وذلك في شهر ربيع الأول من السنة.\rقال: وكان الأمير دبيس بن صدقة عند السلطان محمد منذ قتل والده، فلما توفي السلطان خاطب السلطان محمود في العودة إلى بلدة الحلة، فأذن له فعاد إليها، فاجتمع له خلق كثير من العرب والأكراد وغيرهم.\rمسير الملك مسعود ابن السلطان\rمحمد وجيوش بك وما كان بينهما وبين البرسقي والأمير دبيس بن صدقة","part":7,"page":289},{"id":3300,"text":"قال: وفي جمادى الأولى سنة اثنتى عشرة وخمسمائة برز اقسنقر البرسقي، ونزل بأسفل الرقة في عسكره، ومن انضاف إليه، وأظهر أنه على قصد الحلة وإخراج الأمير دبيس بن صدقة عنها، وجمع جموعاً كثيرة من العرب والأكراد وفرق الأموال الكثيرة والسلاح. وكان الملك مسعود بن السلطان محمد بالموصل عند أتابكه الأمير جيوش بك كما ذكرناه في أخبار السلطان محمد، فأشار عليهما جماعة بقصد العراق، وقالوا لامانع دونه، فسارا في جيوش كثيرة، ومع الملك مسعود وزيره فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس، وقسيم الدولة اقسنقر جد نور الدين الشهيد ومعهم صاحب سنجار، وصاحب أربل، وكرباوى بن خراسان التركماني صاحب البوازيج.\rفلما علم البرسقي بقربهم خافهم، وتجهز لقتالهم عندما قربوا من بغداد، فسار إليهم ليقاتلهم، فأرسل إليه الأمير كرباوي في الصلح، وأعلمه أنهم إنما جاؤوا نجدة له على دبيس، فاصطلحوا وتعاهدوا. ووصل الملك مسعود إلى بغداد، ونزل بدار الملكة، فأتاهم الخبر بوصول الأميرعماد الدين منكبرس المقدم ذكره في جيش كبير، فسار البرسقي عن بغداد ليحاربه ويمنعه من دخولها، فلما علم منكبرس بذلك قصد النعمانية واجتمع هو والأمير دبيس ابن صدقة واتفقا على المعاضدة والتناصر وقوى كل منهما بصاحبه. فلما اجتمعا سار الملك مسعود والبرسقي وجيوش بك ومن معهم إلى المدائن للقاء تدبيس ومنكبرس، فأتتهم الأخبار بكثرة جمعهما، فعاد البرسقى والملك مسعود وعبرا نهر صرصر، وحفظا المخائض عليه، ونهب الطائفتان السواد نهبا فاحشا، واستباحوا النساء، فأرسل الخليفة المسترشد بالله - وكان قد بويع له بعد وفاة أبيه - إلى الملك مسعود وإلى البرسقي ينكر ذلك، ويأمرهم بحقن الدماء، وترك الفساد، والموادعة والمصالحة. فأنكر البرسقي أن يكون ذلك قد وقع، وأجاب إلى العود إلى بغداد، وعاد، ووقع الصلح والاتفاق بينهما. وكان سبب الاتفاق أن جيوش بك كتب إلى السلطان محمود يطلب الزيادة للملك مسعود ولنفسه، فوصل كتاب الرسول يذكر أنه لقي من السلطان إحسانا كثيرا، وأنه أقطعها أذربيجان. فوقع الكتاب إلى منكبرس، فأرسله إلى جيوش بك، وضمن له إصلاح السلطان محمود له وللملك مسعود. وكان منكبرس متزوجا بأم الملك مسعود واسمها سرجهان، فعند ذلك تفرق عن البر سقي من كان معه، وبطل ما كان يحدث به نفسه من التغلب على العراق بغير أمر السلطان والتحق بخدمة الملك مسعود، واستقر منكبرس في شحنكية بغداد، وعاد الملك مسعود وجيوش بك إلى الموصل وعاد دبيس إلى الحله.\rواستقر منكبرس ببغداد، وأخذ في الظلم والعشق والمصادرات، فاختفى أرباب الأموال، وانتقل جماعة إلى حريم الخلافة خوفا منه، وكثر فساد أصحابه، حتى أن بعض أهل بغداد تزوج بامرأة فلما زفت إليه أتاه بعض أصحاب منكبرس وكسر بابه وجرح الزوج عدة جراحات، وابتنى بالمرأة. فكثر الدعاء على منكبرس وأصحابه واستغاث الناس وأغلقوا الأسواق. فبلغ السلطان ذلك فاستدعاه إليه وحثه على اللحاق به ، وسار إلى السلطان ، وظهر من كان قد استتر من الناس.\rعصيان الملك طغزل على أخيه السلطان محمود .\rكان الملك طغرل لما توفى والده بقلعة من سرجهان. وكان والده قد أقطعه ساوه وآوه وزنجان في سنة أربع وخمسمائة: وعمره إذ ذاك سنة، فإن مولده كان في سنة ثلاث وخمسمائة.\rوجعل السلطان أتابكة الأمير شيركير، ففتح عدة من قلاع الاسماعيلية في سنة خمس وخمسمائة، منها قلعة كلام وقلعة بيرة وغيرهما. فازداد ملك طغرل بما فتحه أتابكه شيركير، فأرسل السلطان محمود الأمير كندغدي ليكون أتابكا لأخيه الملك طغرل ومدبرا لأمره، وأمره بحمله إليه.","part":7,"page":290},{"id":3301,"text":"فلما وصل إليه حسن له مخالفة أخيه ونزع يده من طاعته، فوافقه على ذلك، فسمع السلطان الخبر، فأرسل شرف الدين أنو شروان بن خالد، ومعه خلع وتحف وثلاثين ألف دينار، ووعد أخاه باقطاع كثير زيادة على ما بيده إن هو قصده واجتمع به، فلم يجب إلى الاجتماع به، وقال كندغدي: نحن في طاعة السلطان، وأي جهة أراد قصدناها، ومعنا من العساكر مانقاوم بهم من أمرنا بقصده. فبينما هم في ذلك إذ ركب السلطان محمود من باب همذان في عشرة آلاف فارس جريدة، وذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وكتم مقصده، وعزم على أن يكبس أخاه طغرل والأمير كندغدى. فرأى أحد خواص السلطان تركيا من أصحاب الملك طغرل، فأعلم السلطان به، فقبض عليه. وكان معه رفيق سلم، وسار عشرين فرسخا في ليلة، ووصل إلى الأمير كندغدي وهو سكران، فأيقظه بعد جهد، وأعلمه بالخبر، فقام كندغدي لوقته وأخذ الملك طغرل وسار به مختفيا، وقصد قلعة سميران، فضلا عن الطريق إلى قلعة سرجاهان، وكان ضلالهما سبباً لسلامتهما، فإن السلطان جعل طريقه على قلعة سميران، فسلما منه بما ظناه عطباً. ووصل السلطان إلى عسكر أخيه فكبسه ونهب مافيه وأخذ من خزانة أخيه ثلثمائة ألف دينار. وأقام السلطان بزنجان وتوجه منها إلى الري ونزل طغرل من قاعة سرجاهان، ولحق هو وكندغدي، بكنجة، وقصده أصحابه فقويت شوكته وتمكنت الوحشية بينهما.\rوفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة كانت الحرب بين السلطان سنجر شاه عليه وقطعت خطبته من بغداد وخطب لسنجر شاه وبين السلطان محمود، وكان الظفر لعمه سنجر شاه، ثم اتفقا وحضر السلطان محمود إلى خدمة عمه فأكرمه وأحسن إليه وجعله ولي عهده كما قدمناه في أخبار السلطان سنجر.\rقال: وأقطعه عمه سنجر شاه من حد خراسان إلى الداروم بأقصى الشام، وهي من الممالك: همذان، وأصفهان، وبلد الجبال جميعها، وديار مضر، وبلاد فارس، وكرمان وخوزستان والعراق، وأذربيجان، وأرمينية، وديار بكر، وبلاد الموصل، والجزيرة، وديار ربيعة، وما بين هذه من الممالك.\rقال القاضي عماد الدين بن الأثير في تاريخه: ورأيت منشوره بذلك، وليس ابن الأثير هذا هو الجزري صاحب التاريخ المترجم بالكامل بل هو صاحب ديوان الإٍنشاء بالديار المصرية وهو الذي عاصرناه.\rمقتل الأمير منكبرس\rومنكبرس هو الذي كان شحنة بغداد الذي قدمنا ذكره، وكان مقتله في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وكان سبب قتله أنه لما انهزم السلطان محمود من عمه، عاد إلى بغداد، فنهب عدة مواضع من طريق خراسان، وقصد دخول بغداد، فسير دبيس بن صدقة من منعه، فعاد وقد استقر الصلح بين السلطان وعمه، فدخل إلى السلطان سنجر ومعه سيف وكفن، فقال له: أنا لاأؤاخذ أحداً وسلمه إلى السلطان محمود وقال له: هذا مملوكك، اصنع به ما تريد فأخذه، وكان في نفسه منه أشياء: منها أنه لما توفي السلطان محمد أخذ سريته والدة الملك مسعود قهراً قبل انقضاء عدتها، ومنها استبداده بالأمور دونه، ومسيره إلى شحنكية العراق والسلطان كاره لذلك، ومافعله ببغداد. فقتله صبرا وأراح الناس من شره والله أعلم.\rمقتل الأمير علي بن عمر\rوفيها أيضاً قتل الأمير علي بن عمر. حاجب السلطان محمد، وكان قد صار أكبر الأمراء، وانقادت له العساكر، فحسده الأمراء وأفسدوا حاله مع السلطان محمود وحسنوا له قتله. فعلم بذلك فهرب إلى قلعة برجين - وهي بين بروجرد وكرج - وكان بها أهله وماله، وسار منها في مائتي فارس إلى خوزستان، وكانت بيد أقبوري بن برسق وابني أخويه أرغلي بن يلبكي وهندو بن زنكي. فأرسل إليهم وأخذ عهودهم بأمانة وحمايته. فلما سار إليهم أرسلوا عسكراً منعوه من قصدهم، ولقوه على ستة فراسخ من تستر فانهزم هو وأصحابه ووقف به فرسه، فانتقل إلى غيره، فنشب ذيله بسرجه الأول فأزاله ثم عاود التعلق فأبطأ فأدركوه وأسروه وكاتبوا السلطان محمود في أمره، فأمرهم بقتله فقتلوه.\rذكر عصيان الملك مسعود على أخيه السلطان محمود والحرب بينهما والصلح","part":7,"page":291},{"id":3302,"text":"وفي سنة أربعة عشرة وخمسماية في شهر ربيع الأول كان المصاف بين السلطان محمود وأخيه مسعود. وكان لمسعود الموصل وأذربيجان. وكان سبب هذه الحرب أن دبيس بن صدقة كان يكاتب جيوش بك أتابك الملك مسعود، ويحثه على طلب السلطنة. وكان مقصد أن يقع الاختلاف بينهما، فينال من الجاه وعلو المنزلة ما ناله أبوه بإختلاف السلطان محمد وبركباروق. وكان اقسنقر البرسقي مع الملك مسعود منذ فارق شحنكية بغداد، وأقطعه الملك مسعود مراغذ مضافة إلى الر حبة. وكان بينه وبين دبيس عداوة مستحكمة فكاتب دبيس جيوش بك يشير عليه بالقبض على البرسقي، فعلم البرسقي بذلك، ففارقهم إلى السلطان محمود، فأكرمه وأعلا محله وزاده.\rواتصل الأستاذ أبو اسماعيل الحسين بن علي الأصبهاني الطغراني بالملك مسعود. باستوزره مسعود بعد أن عزل أبا علي بن عمار، فحسن له أيضاً مخالفة السلطان، والخروج عن طاعته، فبلغ السلطان محمود الخبر فكتب إليهم يحذرهم من مخالفته، ويعدهم الإحسان إن قاموا على الطاعة، فلم يصغوا إلى قوله وأظهروا ما كانوا أضمروه، وخطبوا للملك مسعود بالسلطة، وضربوا له النوب الخمس، وكان ذلك على تفرق عساكر السلطان محمود، فقوي طمعهم وأسرعوا إليه ليلقوه وهو في قلة من العسكر. واجتمع إليه نحو خمسة عشر ألف فارس.\rفسار السلطان إليهم فالتقوا عند عقبة استراباد نصف شهر ربيع الأول، واقتتلوا نهاراً كاملاً والبرسقي في مقدمة عسكر السلطان محمود وأبلى يومئذ بلاء حسناً. فانهزم عسكر الملك مسعود في آخر النهار، وأسر جماعة كبيرة من أعيان أصحابه وأسر الوزير، فأمر السلطان بقتله وقال: ثبت عندي فساد نيته وكان حسن الكتابة والشعر، وله تصانيف في صنعة الكيميا ضيعت للناس من الأموال مالا يحصى كثرة.\rقال: ولما انهزم أصحاب الملك مسعود وتفرقوا، قصد جبلاً بينه وبين المصاف اثني عشر فرسخاً، واختفى فيه بألفي فارس، وأرسل إلى أخيه يطلب منه الأمان، فرق له وأجابه إلى ما طلب، وأمر أقسنقر البخاري بالمسير إليه وإعلامه بعفو السلطان وبسط أمله.\rولما كتب إلى أخيه في طلب الأمان وصل إليه بعد ذلك بعض الأمراء، وحسن له المسير إلى الموصل، ومكاتبة تدبيس بن صدقة، والاتفاق معه، ومعاودة طلب السلطنة، فسار من ذلك الموضع ووصل أقسنقر البخاري فلم يجده فسار في أثره وجد السير، فأدركه على ثلاثين فرسخاً من مكانه ذلك، فاجتمع به وعرفه عفو أخيه عنه، وضمن له ما أراد، وأعاده إلى العسكر، فأمر السلطان العساكر باستقباله وتعظيمه، ففعلوا ذلك. وأمر السلطان بإنزاله عند والدته وجلس له وأحضره، واعتنقا وبكيا، وانعطف عليه السلطان محمود، ووفى له، وخلطه بنفسه في جميع أحواله، فعد الناس ذلك من مكارم السلطان محمود. وكانت الخطبة لمسعود بالسلطنة بأذربيجان والجزيرة والموصل ثمانية وعشرين يوماً.\rوأما أتابكة جيوش بك فإنه سار إلى عقبة استر أباد، وانتظر الملك مسعود فلم يره، فلما أيس منه سار إلى الموصل، ونزل يظاهرها وجمع الغلات من السواد إليها، واجتمع إليه عسكره فلما بلغه ماكان من أمر الملك مسعود وأخيه، سار إلى السلطان وهو بهمذان ودخل إليه فأمنه.\rوأما الأمير دبيس بن صدقة، فإنه نهب البلاد وخربها وفعل الأفعال القبيحة، فأمنه السلطان، والله أعلم.\rذكر طاعة الملك طغرل لأخيه السلطان محمود","part":7,"page":292},{"id":3303,"text":"قال: كان دخول الملك طغرل في طاعة أخيه السلطان محمود في المحرم سنة ست عشرة وخمسماية، وكان قد قصد أذربيجان في سنة أربع عشرة. وكان أتابكه كندغدي يحسن له ويقويه عليه، فاتفقت وفاته في شوال سنة خمس عشرة وكان الأمير اقسنقر صاحب مراغة عند السلطان ببغداد، فاستأذن السلطان في المضي إلى إقطاعه فأذن له، فلما سار عن السلطان ظن أنه يقوم مقام كندغدي عند الملك طغرل ويتنزل منزلته، فسار إليه واجتمع به، وأشار عليه بمكاشفة أخيه، وقال له: إذا وصلت إلى مراغة، اتصل بك عشرة آلاف فارس وراجل فسار طغرل معه، فلما وصلا إلى اردبيل، أغلقت أبوابها دونهما، فسارا عنها إلى قرية تبريز، فأتاهما الخبر أن السلطان محمود سير الأمير جيوش بك إلى أذربيجان، وأقطعه البلاد، وأنه نزل على مراغة في عسكر كثيف، فعدلا إلى خويه وانتقض عليهما مما كانا فيه، وراسلا الأمير شيران - الذي كان أتابك طغرل - أيام أبيه يدعوانه إلى إنجادهما. وكان باقطاعه أبهر وزنجان، فأجابهما واتصل بهما، وساروا إلى أبهر فلم يتم لهم ما أرادوه فعند ذلك راسلوا السلطان بالطاعة وسألوا الأمان، فأجابهما إلى ذلك، واستقرت القاعدة، وتم الصلح.\rذكر قتل الوزير السميرمي\rوفي سلخ صفر سنة ست عشرة وخمسمائة قتل الوزير كمال الدين أبو طالب السميرمي وزير السلطان محمود وكان قد برز مع السلطان ليسير إلى همذان، فدخل إلى الحمام وخرج وبين يديه الرجالة والخيالة، وهو في موكب عظيم، فاجتاز بمنفذ ضيق فيه حظائر الشوك فتقدم أصحابه لضيق المكان، فوثب عليه باطني، وضربه بسكين فوقعت في بغلته، وهرب الضارب إلى دجلة، وتبعه الغلمان فخلا الموضع، فظهر رجل آخر فضربه بسكين في خاصرته، وجذبه عن البغل إلى الأرض، وضربه عدة ضربات وعاد أصحاب الوزير فحمل عليهم رجلان باطنيان، فانهزموا منهما ثم عادوا وقد ذبح الوزير مثل الشاة، وبه نيف وثلاثون، جراحة فقتلوا قتلته.\rقال: ولما كان في الحمام أخذ المنجمون له الطالع للخروج فقالوا: هذا وقت جيد، وإن تأخرت يفوت طالع السعد فأسرع وركب وأراد أن يأكل طعاماً فمنعوه لأجل الطالع، فقتل ولم ينفعه ذلك. وكانت وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر، وانتهب ماله، وأخذ السلطان خزانته. وكانت زوجته قد خرجت في هذا اليوم في موكب كبير ومعها نحو مائة جارية وجمع من الخدم، والجميع بمراكب الذهب..فلما سمعن بقتله عدن حافيات حاسرات، وقد تبدلن عن العز هوانا، وعن المسرة أحزاناً.\rوكان السميرمي ظالماً كثير المصادرات للناس، سيء السيرة، فلما قتل أطلق السلطان ما كان جدده من المكوس، واستوزر بعده شمس الملك عثمان بن نظام الملك.\rذكر قتل الأمير جيوش بك\rكان مقتله في شهر رمضان سنة ست عشرة وخمسمائة. وكان السلطان قدمه بعد عوده إليه، وأحسن إليه، وأقطعه أذربيجان، وجعله مقدم عسكره، فجرى بينه وبين الأمراء منافرة ومنازعة، فوشوا به عند السلطان فقتله. وكان عادلاً، حسن السيرة.\rوفيها أقطع السلطان محمود الأمير اقسنقر البرسقي مدينة واسط وأعمالها، مضافة إلى ولاية الموصل وشحنكية العراق، فسير البرسقي إلى واسط عماد الدين زنكي.\rذكر ظفر السلطان محمود بالكرج\rوفي سنة سبع عشرة وخمسمائة اشتدت نكاية الكرج في بلاد الإسلام، ونظم الأمر على الناس، لاسيما أهل دربند شروان. فسار منهم جماعة كثيرة من أعيانهم إلى السلطان، وشكوا إليه ذلك، فسار إليهم وقد وصل الكرج إلى شماخى فنزل السلطان ببستان هناك، وتقدم الكرج إليه، فخافهم العسكر خوفاً شديداً، وأشار الوزير على السلطان بالعود. فلما سمع أهل شران بذلك، قصدوا السلطان وقالوا: نحن نقاتل مادمت عندنا وإن تأخرت ضعفت نفوس المسلمين وهلكوا فأقام بمكانه، وبات العسكر على وجل عظيم، فأتاهم الله بفرج من عنده، وألقى بين الكرج والقفجاق الاختلاف، فاقتتلوا تلك الليلة، ورحلوا شبه المنهزمين، وكفى الله المؤمنين القتال. وأقام السلطان بشروان ثم عاد إلى همذان.","part":7,"page":293},{"id":3304,"text":"وفي سنة ثمان عشرة وخمسمائة عزل أق سنقر البر سقي عن شحنكية العراق ورسم له بالعود إلى الموصل، وأرسل السلطان محمود إليه ولداً صغيراً له مع أمه ليكون عنده. فلما وصل الصغير إلى العراق تلقته المواكب، وكان لدخوله يوماً مشهوداً. وتسلم البر سقي الصغير وسار به وبأمه إلى الموصل. وولى شحنكية العراق سعد الدولة برنقش وملك البر سقي في هذه السنة مدينة حلب وقلعتها.\rذكر وصول الملك ودبيس بن صدقة إلى العراق وعودهما\rكان الخليفة المسترشد بالله خرج لقتال دبيس بن صدقة في سنة سبع عشرة وخمسمائة، وقاتله، فانهزم دبيس كما ذكرناه في أخبار المسترشد، ثم التحق بعد هزيمته بالملك طغرل أخي السلطان محمود. فلما وصل إليه أكرمه وأحسن إليه، وجعله من أعيان خواصه وأمرائه. فحسن له دبيس قصد العراق، وهون الأمر عليه، وضمن له أن يملكه، فسار معه إلى العراق في سنة تسع عشرة وخمسمائة فوصلوا إلى دقوقاء في عساكر كثيرة. فكتب مجاهد الدين بهروز من تكريت يخبر الخليفة بذلك، فخرج الخليفة في العساكر والرجال ونزل بصحراء الشماسية، وبرنقش أمامه.\rفلما بلغ الملك طغرل الخبر، عدل إلى طريق خراسان، وتفرق أصحابه للنهب وتوجه هو ودبيس إلى الهارونية، وسار الخليفة حتى أتى الدسكرة فاستقر الأمر بين طغرل ودبيس أن يسيرا حتى يعبرا نهر ديالى ويطعا جسر النهروان ويقيم دبيس لحفظ المخايض، ويتقدم الملك طغرل إلى بغداد فيملكها وينهبها.\rفسارا على ذلك فحصل لطغرل حمى شديدة منعته من ذلك، وبلغ الخليفة الخبر، فعاد إلى بغداد. وانتقض على طغرل ودبيس مادبراه، فقصدا السلطان سنجر واجتازا قي طريقهما بهمذان، فبسط على أهلها مالا كثيراً وأخذاه، فبلغ خبرهما السلطان محمود فجد السير في إثرهما، فانهزما منه إلى خرسان، واجتمعا بالسلطان سنجر، وشكيا من الخليفة، وبرنقش، وأقاما عند السلطان سنجر؛ ثم كان من أمرهما مانذكره إن شاء الله تعالى.\rذكر مقتل البرسقي وملك ابنه عز الدين مسعود\rوفي سنة عشرين وخمسمائة قتل اقسنقر البرسقي صاحب الموصل بمدينة الموصل، قتله الباطنية في يوم الجمعة بالجامع. وكان من عادته أنه يصلي الجمعة في الجامع مع العوام. وكان قد رأى في منامه في تلك الليلة أن عدة من الكلاب ثاروا به، فقتل بعضهم ونال منه الباقي ما أذاه، فقص ذلك على أصحابه فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدة أيام، فقال: لاأترك الجمعة لشيء أبداً فغلبوه على رأيه ومنعوه من قصد الجمعة، فعزم على ذلك، وأخذ المصحف ليقرأ فيه، فأول ما خرج له قوله تعالى: وكان أمر الله قدراً مقدوراً فركب إلى الجامع على عادته. وكان يصلي في الصف الأول، فوثب عليه بضعة عشر نفساً، عدة الكلاب التي رآها، فجرحوه بالسكاكين، فجرح هو، بيده ثلاثة منهم، وقتل رحمه الله تعالى.\rوكان تركيا خيراً، يحب أهل العلم والدين، كثير العدل يحافظ على الصلوات لأوقاتها، ويصلي بالليل تهجدا. ولما قتل كان ابنه مسعود بحلب يحفظها من الفرنج، فأرسل إليه أصحاب والده بالخبر فسار إلى الموصل، ودخلها في أول ذي الحجة، ثم توجه إلى السلطان محمود فأحسن إليه وأعاده. وفي هذه السنة وقع الاختلاف بين السلطان محمود والخليفة المسترشد بالله.\rوكان سببه برنقش، فسار السلطان إلى العراق، وكان بينه وبين الخليفة ما قدمناه في أخبار المسترشد بالله، ثم اتفقا على مال حمله الخليفة إليه.\rوفي سنة إحدى وعشرين وخمسمائة أسند السلطان شحنكية العراق إلى عماد الدين زنكي على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره.\rوفيها في عاشر شهر ربيع الآخر سار السلطان محمود من بغداد وحمل إليه الخليفة الخلع والدواب الكثيرة، فقبل جميع ذلك، ولما أبعد عن بغداد قبض على وزيره أبي القاسم علي بن الناصر النسا بادي في شهر رجب لأنه اتهمه بممالأة المسترشد بالله، وأرسل إلى بغداد وأحضر شرف الدين أنو شران بن خالد، فوصل إلى السلطان وهو بإصفهان، وعاد عليه الوزارة واستوزره، فاستمر عشرة أشهر وعزل نفسه، وعاد إلى بغداد في شعبان سنة اثنتين وعشرين، فأعيد الوزير أبو القاسم.\rوفي سنة إحدى وعشرين توفي عز الدين مسعود بن البرسقي أمير الموصل فأقام السلطان مقامه عماد الدين زنكي.","part":7,"page":294},{"id":3305,"text":"وفي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة قدم السلطان سنجر عم السلطان محمود إلى الري، واستدعى السلطان محمود فسار إليه فأكرمه وأجلسه معه على التخت، ولما عاد سنجر إلى خرسان سلم دبيس بن صدفة إلى السلطان محمود إلى همذان، ودبيس في صحبته. ثم سار إلى العراق، وقدم بغداد في المحرم سنة ثلاث وعشرين، ودبيس معه ليصلح حاله مع الخليفة المسترشد بالله. فامتنع الخليفة ممن إجابة السلطان إلى ولاية دبيس ابن صدقة البتة، فلم يمكن السلطان إجباره وأقام ببغداد إلى رابع جمادى الآخرة من السنة، وعاد إلى همذان، وجعل بهروز على شحنكية بغداد، وسلم إليه الحلة واستصحب دبيس بن صدقة معه.\rذكر ما فعله دبيس بن صدقة وما كان من أمره\rقال: ولما سار السلطان محمود من بغداد إلى همذان ماتت زوجته ابنة عمه السلطان سنجر، وكانت تعتني بأمر دبيس. فلما ماتت انحل نظامه. واتفق أن السلطان مرض مرضاً شديداً، فأخذ دبيس ابناً له صغيراً وقصد العراق، فلما بلغ المسترشد خبره، جند الأجناد وحشد وجمع. وكان بهروز بالحلة ففارقها ودخلها دبيس في شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. فلما بلغ السلطان الخبر أحضر الأميرين نيزك والأحمديلي وقال: أنتما ضمنتما مني دبيس بن صدقة وأريده منكما. فسارالاحمديلي إلى العراق فاتصل خبره بدبيس، فكتب إلى الخليفة يستعطفه ويقول: إن رضيت عني فأنا أريد أضعاف مما أخذت، وأكون العبد المملوك، وترددت الرسائل بينهما، ودبيس في خلال ذلك يجمع الرجال والأموال، وكان معه ثلثمائة فارس فصار في عشرة آلاف فارس. ووصل الأحمديلي بغداد في شوال، وسار إلى دبيس، وسار السلطان بعد ذلك إلى العراق، فأرسل إليه دبيس هدايا جليلة وبذل ثلثمائة حصان منعولة بالذهب ومائتي ألف دينار إن رضي عنه السلطان والخليفة، فلم يجبه إلى ذلك. فسار إلى البصرة وأخذ منها أموالاً كثيرة، فسير الخليفة في إثره عشرة آلاف فارس ففارق البصرة ودخل البرية، ثم سار إلى الشام في سنة خمس وعشرين ليملك صرخد، وكان صاحبها قد توفي، واستولت جاريته على القلعة وما فيها، فاستدعت دبيس بن صدقة ليتزوج بها، ويملك القلعة. فسار إليها فضل عن الطريق، فنزل بناس من كلب كانوا بنواحي الغوطة، فأخذوه وحملوه إلى تاج الملوك صاحب دمشق، فحبسه عنده، فسمع أتابك زنكي خبره، فأرسل إليه يطلبه منه ويتهدده إن لم يرسله إليه، فأرسله إليه، فأحسن إليه زنكي إحساناً لم يسمع بمثله، وكان قد ظن أنه يهلكه فأقام عنده وانحدر معه إلى العراق والله أعلم.\rوفي سنة أربع وعشرين وخمسمائة خرج الملك مسعود بن محمد من خراسان وكان عند عمه السلطان سنجر ووصل إلى ساوة، فسار السلطان من بغداد إلى همذان، وفي ظنه أن مسعود يخالفه على عادته. فلما وصل إلى كرمان وصل إليه أخوه الملك مسعود وخدمه، فأقطعه كنجة وأعمالها.\rذكر وفاة السلطان محمود وشيء من أخباره وملك ابنه داود\rكانت وفاته بهمذان في شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة وكان له من العمر نحو سبع وعشرين سنة، وكنت مدة سلطنته ثلاث عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرين يوماً وكان حليماً كريماً عاقلاً، يسمع ما يكره فلا يعاقب عليه مع القدرة، قليل الطمع في أموال الناس، عفيفاُ عنها، كافاً لأصحابه عن الظلم والتطرق إلى أموال رعيته.\rونقل بعض المؤرخين أن الأموال ضاقت في آخر أيامه حتى عجزوا في بعض الأيام عن إقامة وظيفة الفقاعي، فدفعوا له بعض صناديق الخزانة فباعها وصرف ثمنها في حاجته. ولما توفى والد السلطان محمد خلف ثمانية آلاف ألف دينار، سوى المصوغات والجواهر وأصناف الثياب وغير ذلك، فآل الأمر في أيام محمود إلى هذه الغاية. قال: وطلب يوماً من سأبور الخادم الخازن غالية، فشكا إليه الإقلال واستمهله. ثم أحضر إليه بعد مدة ثلاثين مثقالاً، فقال له السلطان وكان خازن أبيه: كم كان في خزانة السلطان والدي من الغالية؟ فقال: كان في قلعة أصفهان منها في أواني الذهب والفضة والبلور المحكم والصيني ما يقارب مائة وثمانين رطلاً، ومعنا في خزانة الصحبة ما يقارب ثلاثين رطلاً فجعل يتعجب من ذلك ويقول لمن حضر: اعجبوا من التفاوت بين هذه الأيام وتلك.","part":7,"page":295},{"id":3306,"text":"وكان له من الأولاد. محمد شاه ولي السلطنة، وملكاه وليها أيضاً، وجفري شاه، وداود ووزراؤه ربيب الدولة أبو منصور وزير والده. ثم نظام الدين كمال الملك أبو طالب علي بن أحمد السميرمي، صفى أمير المؤمنين إلى أن قتل كما ذكرناه. واستوزره بعده شمس الدين عثمان بن نظام الملك إلى أن قتله في سنة سبع عشرة وخمسمائة. واستوزر الوزير القوام أبا القاسم علي بن الناصر النساباذي، وقبض عليه في شهر رجب سنة عشرين. واستوزر شرف الدين أنو شروان بن خالد، ثم استعفى من الوزارة وأعيد الوزير أبو القاسم.\rقال: ولما توفي السلطان محمود جلس ابنه داود في السلطنة باتفاق من الوزير أبي القاسم، وأتابكه اقسنقر الأحمديلي، وخطب له في جميع بلاد الجبل وأذربيجان. ولما اطمأن الناس وسكنوا سار الوزير بأمواله إلى الري ليأمن بها حيث هي للسلطان سنجر. وكان سبب خوفه أنه قبل وفاة السلطان محمود خاف من جماعة من الأمراء وأعيان الدولة منهم: عين الدولة أبو نصر أحمد بن حامد المستوفي، والأمير أنوشتكين المعروف بشير كير. وولده عمر وهو أمير حاجب، فقبض عليهم. فأما عين الدولة فإنه أرسله إلى مجاهد الدين بهروز فحبسه بتكريت، ثم قتل بها، وأما شيركير وولده فقتلهما في جمادى الآخرة.\rذكرأخبار السلطان غيا الدنيا والدين أبي الفتح مسعود بن ملكشاه وما كان من أمره، وخروجه من السلطنة وسلطنة أخيه السلطان طغرل وعوده إليها.\rوقد رأيت من قدم أخبار السلطان طغرل على أخبار أخيه السلطان مسعود ثم ذكر سلطنة مسعود بعدها، وليس كذلك لأن السلطان طغرل ما تسلطن إلا بعد حرب السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر، ومسعود لم يحارب عمه سنجر بعد أن خطب له بالسلطنة فتعين بهذا أن السلطان مسعود تقدمه في السلطنة وقد بدأت بأخبار السلطان مسعود وجعلت أخبار السلطان تغزل مندمجة في أخبار السلطان مسعود وبينتها بالتراجم الدالة عليها لأن السلطان مسعود تسلطن قبله وعاش بعده.\rذكر ما اتفق للسلطان مسعود مع أخيه الملك سلجق شاه وداود بن محمود واستقرار السلطنة بالعراق لمسعود.\rقال ابن الأثير الجزري في تاريخه المترجم بالكامل: لم توفى السلطان محمود بن محمد، وخطب لولده الملك داود ببلاد الجبل أذربيجان سار الملك داود من همذان في ذي القعدة سنة خمس وعشرين وخمسمائة إلى زنكان، فأتاه الخبر بمسير عمه. السلطان مسعود من جرجان، وأنه وصل إلى تبرير واستولى عليها. فسار الملك داود إليه، وحصره بها وجرى بينهما قتال إلى سلخ المحرم سنة ست وعشرين، ثم اصطلحا وتأخر الملك داود مرحلة، وخرج السلطان مسعود من تبرير، واجتمعت عليه العساكر وسار إلى همذان وكانت رسل الملك داود تقدمت إلى بغداد في طلب الخطبة، فأجاب المسترشد بالله إن الحكم في الخطبة للسلطان سنجر، فمن أراد خطب له. وأرسل الخليفة إلى السلطان سنجر أن لا يأذن في الخطبة لأحد، وأنه ينبغي أن تكون الخطبة له وحده دون أخيه، فوقع ذلك منه موقعا حسنا. ثم إن السلطان مسعود كاتب عماد الدين أتابك زنكي صاحب الموصل وغيرها يستنجده ويطلب مساعدته فوعده بالنصر، فقويت نفسه بذلك على طلب السلطنة.\rقال: ثم إن السلطان سلجق شاه بن محمد سار به أتابكة قراجاً الساقي صاحب بلاد فارس وخوزستان في عسكر كثير إلى بغداد، فوصل إليها قبل وصول أخيه السلطان مسعود، ونزل بدار السلطنة، فأكرمه الخليفة واستخلفه لنفسه. ثم وصل رسول السلطان يطلب الخطبة لنفسه. ويتهدد إن منعها، فلم يجبه المسترشد إلى ما طلب، فسار حتى نزل عباسية الخالص. فبرز عسكر الخليفة وعسكر سلجق شاه قراجاً الساقي نحو مسعود، وقد عزموا على حربه، فأتاهم الخبر بوصول عماد الدين زنكي إلى المعشوق، فعبر قراجاً الساقي في أكثر العساكر إلى الجانب الغربي وسار في يوم وليلة إلى المعشوق، والتقى هو وزنكي فهزمه الساقي وأسر جماعة من أصحابه، وانهزم زنكي إلى تكريت، وسار إلى الموصل.","part":7,"page":296},{"id":3307,"text":"قال: وسار السلطان مسعود من العباسية المالكية، وحصلت المناوشة بين عسكره وعسكر أخيه سلجق شاه ودامت يومين، فأرسل سلجق شاه إلى قراجاً يستحثه في العود، فعاد مسرعاً. فلما علم مسعود بهزيمة زنكي رجع إلى ورائه، وأرسل إلى الخليفة يعرفه وصول السلطان سنجر إلى الري، وأنه عازم على قصد الخليفة وغيره، ويقول: إن رأيتم أن نتفق على قتاله ودفعه عن العراق ويكون العراق لوكيل الخليفة فأنا موافق على ذلك. زترددت الرسائل بينهم، فوقع الاتفاق على أن يكون العراق لوكيل الخليفة، والسلطنة لمسعود وسلجق شاه ولي عهده، وتحالفوا على ذلك. ودخل السلطان مسعود بغداد ونزل بدار السلطنة ونزل سلجق شاه بدلر الشحنكية، وذلك في جمادى الأول سنة ست وعشرين وخمسمائة.\rذكر الحرب بين السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر شاه وهزيمة مسعود وسلطنة طغرل\rقال: ولما وصل الخبر بوفاة السلطان محمود إلى عمه السلطان سنجر شاه، سار عن خراسان إلى بلاد الجبال، ومعه الملك طغرل ابن السلطان محمد، وكان قد لازمه، فوصلا إلى الري ثم إلى همذان، فاتصل الخبر المسترشد بالله والسلطان مسعود ومن معه، فاتفقوا على قتاله وأن يكون الخليفة معهم. فتجهز الخليفة وتقدم السلطان مسعود وسلجق شاه وقراجاً الساقي، وساروا لقتال السلطان سنجر شاه،وتأخر الخليفة فأرسل إليه قراجاً وألزمه بالخروج، وقال: إن الذي تخافه من سنجر آجلاً أنا أفعله عاجلاً فبرز حينئذ وسار حتى بلغ خانقين وأقام بها، وقطعت خطبة سنجر من العراق جميعه. ووصلت الأخبار بوصول عماد الدين زنكي ودبيس بن صدقة إلى قرب بغداد. فأما دبيس فذكر أن السلطان سنجر أقطعه الحلة وأرسل إلى الخليفة يستعطفه ويسأله الرضى عنه فامتنع من إجابته. وأما زنكي فإنه ذبكر أن سنجر أعطاه شحنكسة العراق. فعاد المسترشد إلى بغداد، وأمر أهلها بالاستعداد، وجند بها أجناداً وسار إلى السلطان مسعود، فلقيتهم عساكر سنجر وهو في مائة ألف، منهم خوارزم شاه اتسز بن محمد والتقوا عند الدينور. وكان مسعود يدافع الحرب وينتظر وصول الخليفة، فلما نازله السلطان سنجر لم يجد بداً من المصاف، فوقعت الحرب،وقامت على ساق، فحمل قراجاً الساقي على القلب في عشرة آلاف فارس من شجعان العسكر، فجاء خوارزم شاه والملك طغرل وصاروا من وراء ظهر قراجاً الساقي وصار هو في الوسط، فقاتل إلى أن جرح عدة جراحات، وقتل كثير من أصحابه وأسر هو فانهزم السلطان مسعود، وذلك في ثامن شهر رجب سنة ست وعشرين وخمسمائة.\rقال: ولما تمت الهزيمة على مسعود، نزل السلطان سنجر وأحضر قراجاً الساقي وسبه ووبخه وقال له: يامفسد، أي شيء كنت ترجو بقتالي. قال: كنت أرجو أن أقتلك وأقيم سلطاناً أحكم عليه. فقتله صبراً، وأرسل إلى السلطان مسعود يستدعيه، فحضر إليه فأكرمه، وعاتبه على عصيانه ومخالفته وأعاده إلى كنجة. وأجلس الملك طغرل ابن أخيه محمد في السلطنة، وخطب له في جميع البلاد، واستوزر له الوزير: أبا القاسم النساباذي وزير السلطان محمود، وعاد إلى خراسان.\rذكر الحرب بين السلطان طغرل بن محمد وبين أخيه الملك داود بن محمود\rقال: لما توجه السلطان سنجر إلى خراسان عصى الملك داود بن محمود على عمه السلطان طغرل، وجمع العساكر، وسار إلى همذان في مستهل شهر رمضان سنة ست وعشرين وخمسمائة. فخرج إليه السلطان طغرل، وعبى كل منهما أصحابه، والتقوا فوقع الخلف في عسكر داود، فهرب أتابكة أق سنقر الأحمديلي، وتبعه الناس، وبقي الملك داود متحيراً إلى أوائل ذي الحجة منها فقدم بغداد هو وأتابكة الأحمديلي.\rذكر عود السلطان مسعود بن محمد إلى السلطنة وانهزام طغرل","part":7,"page":297},{"id":3308,"text":"قال: لما سمع السلطان مسعود انهزام داود، وأنه قصد بغداد، سار هو أيضاً إلى بغداد في سنة سبع وعشرين وخمسمائة. فلما قاربها لقيه داود ودخل في خدمته إلى بغداد، ونزل بدار السلطنة في صفر، وخاطب في الخطبة، فأجيب إلى ذلك، وخطب له ولداود بعده. ودخلا إلى الخليفة فأكرمهما وخلع على مسعود في يوم الأحد لخمس خلون من شهر ربيع الأول من السنة. وكانت الخلع سبع دراريع مختلفات الأجناس والألوان والسابعة سوداء، وتاجاً مرصعاً بالجواهر والياقوت، وطوق ذهب وسراويل، وقلده بسيفين وعقد له لواءين بيده، وسلم إليه داود بن أخيه وأوصاه به مشافهة. ووقع الاتفاق على مسير مسعود وداود إلى أذربيجان، وأرسل الخليفة معهما عسكراً فساروا.\rوملك مسعود سائر بلاد أذربيجان، وهرب من بها من الأمراء مثل قراسنقر وغيره، وتحصن كثير منهم بمدينة أردبيل، فقصدهم مسعود وحصرهم بها وقتل منهم مقتلة عظيمة، وانهزم الباقون. ثم سار بعد ذلك إلى همذان لمحاربة أخيه الملك طغرل فاستولى عليها في شعبان. ولما استقر بها قتل اقسنقر الأحمديلي، قتله الباطنية.وسار طغرل حتى بلغ قم، ثم عاد إلى أصفهان وأراد أن يتحصن بها، فسار إليه مسعود ليحاصره بها فرحل طغرل إلى بلاد فارس. واستولى مسعود على أصفهان، وفرح أهلها به، ثم سار منها نحو فارس، فوصل إلى موضع بقرب البيضا، فاستأُمن إليه أمير من أمراء أخيه طغرل معه أربعماية فارس، فأمنه فخاف طغرل من عسكره أن يلتحقوا بأخيه، فانهزم وقصد الري.\rقال: ولما تم على طغرل ماتم من الهزيمة، قال لوزيره أبي القاسم النساباذي: قد علمت أنه ما تم علي هذا الخذلان إلا لظلمك للعباد فقال له: لاتقلق، قد أمرت أهل الموت بقتل اقسنقر وسائر أعدائك وهم فاعلون فأمر به فضرب وصلب، فانقطع به الحبل، فقطع إرباً إرباً، وطيف بأعضائه في كل بلد عضو، وكان قتله بأصفهان.\rواستمر طغرل حتى أتى الري في ثلاثة آلاف فارس، وسار الملك مسعود في طلبه فلحقه بموضع يقال له ذكراور، فوقع بينهما مصاف هناك، فانهزم طغرل ووقع عسكره في أرض قد نضب عنها الماء، وهي وحل، فأسر منهم جماعة فأطلقهم مسعود، ولم يقتل في هذا المصاف إلا نفر يسير. وكان هذا المصاف في ثامن عشر شهر رجب سنة سبع وعشرين وخمسمائة، ورجع الملك مسعود إلى همذان.\r؟؟؟؟؟ ذكر عود الملك طغرل إلى الجبل وانهزام السلطان مسعود\rوفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة عاد الملك طغرل إلى بلاد الجبل فملكها؛ وسبب ذلك أن السلطان مسعود لما عاد من حربه، بلغه عصيان داود ابن أخيه بأذربيجان، فسار إليه وحصره بقلعة روندر. واشتغل بحصره، فجمع الملك طغرل العساكر، واستمال بعض أمراء السلطان مسعود ، وتقدم لفتح البلاد وفتحها أولاً فأولاً، وكثرت عساكره، فقصد مسعود. فلما قارب قزوين سار مسعود نحوه، ولما تدانا العسكران انهزم السلطان مسعود وذلك في أواخر شعبان من السنة، فأرسل إلى الخليفة المسترشد بالله في القدرم إلى بغداد فأذن له. وكان نائبه بأصفهان النفيس السلاحي ومعه الملك سلجق شاه، فلما سمعا بانهزام مسعود قصدا بغداد فنزل سلجق شاه بدار السلطان فأكرمه الخليفة وأنفذ إليه عشرة آلاف دينار، ثم قدم مسعود إلى بغداد، وأكثر أصحابه على الجمال لعدم الخيل، فأرسل إليه الخليفة مايحتاج إليه من الخيل والخيام والسلاح والثياب وغير ذلك، ونزل بدار السلطنة، وذلك في منتصف شوال من السنة. وأقام طغرل بهمذان فعاجلته المنية.\rوفاة الملك طغرل\rوملك أخيه السلطان مسعود بلد الجبل كانت وفاته بهمذان في المحرم سنة تسع وعشرين وخمسمائة ومولده في المحرم سنة ثلاث وخمسمائة. وكان عاقلاً خيراً عادلاً، محسناً إلى الرعية قريباً منهم. وكان قبل وفاته قد خرج يريد السفر لقتال أخيه مسعود، فدعا له الناس فقال: ادعو لخيرنا للمسلمين، وكان له من الأولاد أرسلان شاه، ولي السلطنة، ومحمد ألب أرسلان لم يلها. وزراؤه: الوزير قوام الدين النساباذي وزير السطان محمود إلى أن قتله، ثم استوزر شرف الدين علي بن رجا. قال: ولما توفي وصل الخبر بموته أخيه السلطان مسعود، فسار من وقته نحو همذان، وأقبلت العساكر إليه ودخلت في طاعته، واستقل بالسلطنة بعده.","part":7,"page":298},{"id":3309,"text":"وفي هذه السنة وقع بين الخليفة المسترشد بالله والسلطان مسعود، والتقوا واقتتلوا، فانهزمت عساكر الخليفة ثم قتل على ما قدمناه في أخبار الدولة العباسية.\rقتل الأمير دبيس بن صدقة\rوفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة قتل السلطان مسعود الأمير دبيس بن صدقة وهو على باب سرادقة بظاهر مدينة خوى. أمر غلاماً أرمنياً بقتله، فقام على رأسه وهو ينكت الأرض بإصبعه فضرب عنقه وهو لايشعر. وكان صدقة يعادي المسترشد كما ذكرناه، فلما قتل المسترشد ظن صدقة أن الدنيا قد صفت له، فما لبث بعده، وهذه عادة الدنيا يتبع صفاها كدرها، وجودها ضررها كما قيل.\rإن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان\rقال: ولما قتل دبيس كان ابنه صدقة بالحلة، فاجتمع إليه مماليك أبيه وأصحابه وكثر جمعه، وبقي بها إلى أن قدم السلطان بغداد في سنة إحدى وثلاثين، فقصده وأصلح حاله معه، ولزم بابه\r؟؟؟؟؟؟ ذكر اجتماع الأطراف على حرب السلطان مسعود وخروجهم عن طاعته\rوفي سنة ثلاثين وخمسمائة اجتمع كثيراً من أصحاب الأطراف على الخروج عن طاعة السلطان مسعود. فسار الملك داود ابن أخي السلطان في عسكر أذربيجان إلى بغداد، فوصل إليها في رابع صفر ونزل بدار السلطنة. ووصل بعده عماد الدين زنكي صاحب الموصل، ووصل الأمير برنقش بازدا صاحب قزوين وغيرها؛ والنفيس الكبير صاحب أصفهان وصدقة بن دبيس صاحب الحلة وغيرهم. فجعل الملك داود في شحنكية بغداد برنقش بازدار، وقطعت خطبة السلطان مسعود وخطب لداود، فسار السلطان مسعود إلى بغداد، فتفرقت تلك الجيوش وسار الخليفة وزنكي إلى الموصل وخلع الراشد، وبويع المقتضي على ما قدمنا ذكره في أخبار الدولة العباسية.\rوفي سنة ثلاثين وخمسمائة عزل السلطان وزيره شرف الدين أنو شروان بن خالد واستوزر كمال الدين أبا البركات بن سلمة الدركزيني وهو من خراسان.\rوفيها أرسل السلطان قراسنقر بعساكر كثيرة في طلب الملك داود، فسار وأدركه عند مراغة، فالتقيا واقتتلا قتالاً شديداً، فانهزم داود إلى خوزستان، فاجتمع عليه هناك كثير من التركمان وغيرهم، فبلغت عدتهم عشرة آلاف فارس، فقصد بهم تستر وحاصرها. وكان عمه السلطان سلجق شاه ابن السلطان محمد بواسط، فأرسل إلى أخيه السلطان مسعود يستنجده ويستمده، فأمد بالعساكر، فسار إلى داود وهو يحاصر تستر، فالتقوا فانهزم سجلق شاه.\rوفي سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة أذن السلطان مسعود للعساكر التي عنده ببغداد في العود إلى بلادهم، وذلك في المحرم منها. وسبب ذلك أنه بلغه أن الراشد بالله المخلوع فارق الموصل. قال: وزوج ابنته للأمير صدقة بن دبيس بن صدقة، وتزوج الخليفة المقتفى بفاطمة أخت السلطان فاطمأن السلطان عند ذلك وفرق العساكر.\rذكر الحرب بين السلطان مسعود والملك داود ومن معه من الأمراء\rوفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة كانت الحرب بينهم، وسبب ذلك أن الراشد بالله المخلوع فارق الموصل وسار نحو أذربيجان فوصل إلى مراغة. وكان الملك داود بن محمود والأمير منكبرس صاحب فارس والأمير بوزابه نائبه بخوزستان، والأمير عبد الرحمن طغايرك على خوف ووجل من السلطان. فتجمعوا كلهم ووافقوا الراشد على الاجتماع معه ليكونوا يداً واحدة ويردوه إلى الخلافة فأجابهم إلى ذلك، إلا أنه لم يجتمع معهم. ووصل الخبر إلى السلطان وهو ببغداد، فسارعنها في شعبان، والتقوا واقتتلوا، فانهزم الملك داود، وأسر الأمير منكبرس فقتل صبرا بين يدي السلطان وتفرقت عساكر السلطان مسعود في النهب واتباع من انهزم، وكان بوزابة وعبد الرحمن طغايرك على نشز من الأرض، فرأيا السلطان وقد تفرقت عساكره، فحملا عليه، فلم يثبت لهما وانهزم، وقبض بوزابة على جماعة من الأمراء منهم صدقة بن دبيس صاحب الحلة وأتابك قراسنقر صاحب أذربيجان وعنتر بن أبي العساكر، وتركهم عنده. فلما بلغه قتل صاحبه منكبرس قتلهم جميعاً وصار العسكران مهزومين، وهذا من عجيب الاتفاق.","part":7,"page":299},{"id":3310,"text":"وقصد السلطان مسعود أ ذربيجان وقصد الملك داود همذان، ووصل إليها الراشد بعد الوقعة واختلفت آراء الجماعة، فمنهم من يقول: نقصد بغداد ونملكها، ومنهم من يقول: بل نتبع مسعود، فإذا فرغنا منه هان ما بعده وكان بوزابة أكبر الجماعة فرأى أن يتوجه إلى بلاد فارس ليملكها بعد صاحبها منكبرس، فسار إليها وملكها، وصارت بيده مع خوزستان. وسار سلجق شاه إلى بغداد ليملكها فمنعه من بها، وقاتله شحنتها. قال: ولما قتل الأمير صدقة أقر السلطان الحلة على أخيه محمد بن دبيس، جعل معه مهلهل ابن أبي العشائر، وهو أخو عنتر المقتول، ليدبر أمره.\rذكر قتل الوزير الدركزيني ووزارة ابن الخازن وزير قراسنقر\rوفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة قبض السلطان مسعود على وزيره كمال الدين أبي البركات بن سلمة الدركزيني، وكان شهماً شجاعاً عادلاً نافذ الحكم حسن السيرة، أزال المكوس ورفع المظالم. وكان يقيم مؤنة السلطان ووظائفه وجمع له خزانة وكشف أشياء من الخانات كانت مستورة، فثقل أمره على المتصرفين وأرباب الأعمال، فأوقعوا بينه وبين الأمراء. وكان أشدهم عليه قرا سنقر صاحب أذربيجان، فإنه فارق السلطان وأرسل إليه يقول: أما أن تنفذ برأس الوزير إلي وإلا خدمنا سلطاناً آخر فأشار الأمراء بقتله، فقتله على كره منه، وأرسل برأسه إلى قرا سنقر، فرضى وكانت وزارته سبعة أشهر، واستوزر السلطان مسعود بعده أبا العز طاهر بن محمد البروجردي وزير قراسنقر، ولقب عز الملك. وضاقت الأمور على السلطان، فاستقطع البلاد على غير رضاه، ولم يبق له غير اسم السلطنة.\rوفيها توفيت زبيدة خاتون زوجة السلطان مسعود، وهي ابنة السلطان بركياروق، فتزوج مسعود بعدها سفري ابنة دبيس بن صدقة في جمادى الأولى وتزوج أيضاً ابنة قاروت، وهو من البيت السلجقي.\rوفيها أيضاً قتل السلطان مسعود ابن البقش السلاحي شحنة بغداد لظلمه وعسفه للناس، وجعل شحنة العراق مجاهد الدين بهروز، فأحسن السيرة.\rوفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة قدم السلطان مسعود إلى بغداد في فصل الشتاء، وصار يشتو بالعراق ويصيف بالجبال. ولما قدمها أزال المكوس وكتب الألواح بإزالتها، ووضعت على أبواب الجوامع وفي الأسواق. وتقدم إلى الجند أن لا ينزل أحد منهم في دار عامي إلا من أُذن له، فكثر الدعاء له والثناء عليه.\rوفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة قبض السلطان على وزيره البروجردي، واستوزر بعده المرزبان أبا عبد الله بن بصر الأصفهاني وسلم إليه البروجردي، فاستخرج منه الأموال، ومات مقبوضاَ عليه.\rذكر اتفاق بوزابة وعباس على الخروج عن طاعة السلطان مسعود\rوفي سنة أربعين وخمسمائة سار بوابة صاحب فارس وخوزستان في عساكره إلى قاشان، ومعه الملك محمد ابن السلطان محمود، واتصل بهم الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد، واجتمع بوزابة والأمير عباس صاحب الري، واتفقا على الخروج عن طاعة السلطان وملكاً كثيراً من بلاده. فأتاه الخبر وهو ببغداد ومعه الأمير عبد الرحمن طغايرك - وهو الحاكم في دولته - وكان ميله إليهما. فسار السلطان عن بغداد في شهر رمضان. فلما تقابل أتعسكران ولم يبق إلا القتال، لحق سليمان شاه بأخيه السلطان مسعود، وشرع عبد الرحمن في تقرير الصلح علة القاعدة التي أرادوها. وأضيف إلى عبد الرحمن ولاية أذربيجان وارانية على ما بيده، وصار أبو الفتح بن دارست وزير السلطان مسعود، وهو وزير بوزاية وصار السلطان معهم تحت الحجر.\rذكر قتل عبد الرحمن طفايرك وعباس صاحب الري","part":7,"page":300},{"id":3311,"text":"وفي سنة إحدى وأربعين وخمسمائة قتل السلطان مسعود الأمير عبد الرحمن طفايرك أمير حاجب دولته والحاكم عليها، وكان لم يبق للسلطان معه غير الاسم، وكان سبب قتله أنه لما ضيق على السلطان وحجز عليه واستبد بالأمر دونه وأبعد خواصه عنه، فكان ممن أبعد عنه بك أرسلان المعروف بخاص بك، وكان السلطان قد رباه وقربه فأبعده عنه وحجبه، وصار لايراه. وكان في خاص بك عقل وتدبير وجودة قريحة، فاستقر بينه وبين السلطان قتل عبد الرحمن. فاستدعى خاص بك من يثق به وتحدث معهم، فكلهم خاف الإقدام عليه إلا رجل اسمه زنكي - وكان جان دارا - فإنه بذل من نفسه أن يلقاه ويبدأه بالقتل، ووافق خاص بك على ذلك جماعة من الأمراء فبينما عبد الرحمن في موكبه بظاهر جنزه، إذ ضربه زنكي الجان دار على رأسه بمقرعة حديد كانت في يده، فسقط إلى الأرض وأجهز عليه خاص بك، وأعانه جماعة ممن كان واطأه من الأمراء.\rوبلغ السلطان الخبر وهو ببغداد، ومعه الأمير عباس صاحب الري وعسكره أكثر من عسكر السلطان، فأنكر الأمير عباس ذلك وتألم له، فداراه السلطان ولطف به، ثم استدعاه في بعض الأيام. فلما عبر إليه، منع أصحابه من الدخول وعدل به إلى حجرة، وقيل له: اخلع الزردية، وكان لا يزال يلبسها، فقال: إن لي مع السلطان أيماناً وعهوداً، فلكموه وخرج عليه غلمان أعدوا له، فتشاهد وخلع الكردية وألقاها فضربوه بالسيوف، واجتزوا رأسه، وألقوه إلى أصحابه، ثم ألقوا جسده ونهبت خيامه. وكان مقتله في ذي القعدة. وكان من غلمان السلطان محمود حسن السيرة ودفن بالجانب الغربي ثم أرسلت ابنته وحملته إلى الري ودفنته هناك.\rقال ابن الأثير اجزري في تاريخه الكامل: ومن الاتفاق العجيب أن العبادى كان يعظ يوماَ فحضره عباس فأسمع العباد بعض من حضر المجلس، ورمى بنفسه نحو الأمير عباس، فضربه أصحابه خوفاً عليه، لأنه كان شديد الاحتراس من الباطنية، لأفارق لبس الزردية ومعه الغلمان الأجلاد؛ فقال له العبادي: يا أمير كم ذا الاحتراز، والله لئن قضى عليك بأمر لتحلن أنت بيدك أزرار الزردية، فينفذ القضاء فيك، فكان كما قال.\rكان السلطان قد استوزر ابن دارست وزير بوزابة كارهاً، فلما كان الآن استعفى وسأل العزل والعود إلى صاحبه فعزله وقرر معه أن يصلح له بوابة ويزيل ما عنده من الاستشعار بسبب قتل عبد الرحمن وعباس.\rوفيها حبس السلطان مسعود أخاه سليمان شاه بقلعة تكريت، والله أعلم.\rذكر قتل الأمير بوازية\rاتصل بالأمير بوابة قتل عباس جمع عساكر فارس وخوزستان وسار إلى أصفهان فحصرها وسير عسكرا آخر إلى همذان، وعسكراً ثالثاً إلى قلعة الباهلي ثم سار هو عن أصفهان وراسل السلطان مسعود في الصلح فلم يجبه؛ وسار مجداً فالتقيا بمرج قراتكين واقتتل العسكران، فانهزمت ميمنة السلطان وميسرته واقتتل القلبان أشد قتال وأعظمه، وصبر الفريقان فسقط بوزابه عن فرسه بسهم أصابه. وقيل بل كبا به فرسه فأخذ أسيراً، وحمل إلى السلطان فقتل بين يديه، وانهزم أصحابه، وبلغت هزيمة ميمنة السلطان وميسرته إلى همذان. وقال من الفريقين خلق كثير. وكانت هذه الحرب من أعظم الحروب الكائنة بين الأعاجم وكانت في سنة اثنتين وأربعين والله أعلم.\rذكر الخلف بين السلطان وجماعة من الأمراء ووصولهم إلى بغداد وماكان منهم\rوفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة فارق السلطان مسعود جماعة من الأمراء الأكابر وهم: أيلدكز المسعودي صاحب كنجية وأرانية، وتبر الحاجب، وطرنطاي المحمودي شحنة واسط، وابن طغايرك وغيرهم. وكان سبب ذلك ميل السلطان إلى خاص بك، واطرحه لهم فخافوا أن يفعل بهم كما فعل بعبد الرحمن وعباس وبوزابة، ففارقوه وساروا نحو العراق. فلما بلغوا حلوان خاف الناس ببغداد وأعمال العراق، وغلت الأسعار وأرسل الخليفة إليهم العبادي الواعظ فلم يرجعوا، ووصلوا إلى بغداد في شهر ربيع الآخر، ومعهم الملك محمد ابن السلطان محمود، فنزلوا بالجانب الشرقي.","part":7,"page":301},{"id":3312,"text":"ووقع القتال بين الأمراء وعامة بغداد ومن بها من العسكر عدة توقعات، فانهزم الأمراء من العامة في بعض الأيام خديعة ومكراً، فلما تبعوهم عطفوا عليهم وقتلوهم، فأصيب أهل بغداد بما لم يصابوا بمثله وتفرق العسكر بالمحال الغربية، وأخذوا من أهلها الأموال الكثيرة ونهبوا بلد دجيل وغيره، وأخذوا النساء والولدان ثم اجتمع الأمراء ونزلوا مقابل التاج وقبلوا الأرض أمام الخليفة المقتفى، وترددت الرسائل بينهم وبين الخليفة إلى آخر النهار، وعادوا إلى خيامهم ثم تفرقوا وفارقوا العراق.\rهذا كله والسلطان ببلد الجبل، والرسل بينه وبين عمه سنجر تتردد، وكان سنجر يلومه على تقدمه خاصبك خاص بك ويتهدده أن يزيله عن السلطنة إن لم يبعده، وهو يغالط ولا يفعل، فسار السلطان سنجر إلى الري، وسار السلطان مسعود إلى خدمته واسترضاه فسكن. وكان اجتماعهما في سنة أربع وأربعين وخمسمائة.\rوفاة السلطان مسعود .\rكانت وفاته بهمذان في شهر رجب سنة سبع وأربعين وخمسمائة ومرض بحمى حادة نحو أسبوع ومات، ودفن بمدرسة جمال الدين إقبال الجمدار. وكان مولده في ذي القعدة سنة اثنتين وخمسمائة فيكون عمره أربعاً وأربعين سنة وثمانية أشهر، ومدة سلطنته منذ وقع اسم السلطنة عليه إحدى وعشرين سنة وشهورا، بما في ذلك من أيام أخيه السلطان طغرل. وكان رحمه الله حسن الأخلاق والسيرة كريماً عفيفا عن أموال الرعية من أصلح الملوك سيرة، وألينهم عريكة. ولما مات زالت سعادة البيت السلجقى بموته، ولم يقم له بعده قائمة، فكأنه المعنى بقول الشاعر:\rوما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما\rسلطنة ملكشاه بن محمود\rبن محمد طبز بن ملكشاه والقبض عليه قال المؤرخ: كان السلطان مسعود قبل موته قد استدناه وقربه وأقره عنده وعهد إليه بالسلطنة بعده. فلما توفى السلطان خطب الأمير خاصبك بن بلنكرى لملكشاه بلسلطنة باتفاق الأمراء، ورتب الأمور وقررها بين يديه، وأذعنت له جميع العساكر بالطاعة. وكان ملكشاه شريبا خميرا، لايصحوساعة واحدة، كثير الاشتغال باللهو، فاجتمعا الأمراء على خلعه وتوليه السلطنة محمد بن محمود فخلعوه وقبض عليه خاصبك بمرج همذان فتراخى مستحفظوه فهرب، ولم يطلب ولاعلم له خبر فكانت مدة سلطنته شهرين أو ثلاثة. وقال ابن الأثير الجزري في تاريخه: إنه توجه إلى أصفهان وكثرت جموعه، وكتب ألى بغداد في طلب الخطبة لنفسه، فوضع الوزير عون الدين بن هبيرة خصاً كان خصيصاً به يقال له أغلبك الكوهزاتيني فمضى إلى بلاد العجم واشترى جارية من قاضي همذان بألف دينار، وباعها من ملكشاه ووضعها لتسمه، ووعدها بمواعيد كثيرة، فسمته في لحم مشوي. فمات في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وجاء الطبيب فأعلم أصحابه أنه مات بسم، فقررت الجارية فأقرت. ولما مات خرج أهل البلد أصحابه وخطبوا لسليمان شاه بن محمد والله أعلم.\rسلطنة محمد بن محمود\rهو أبو شجاع محمد بن محمود ابن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان محمد جغرى بيك داود بن ميكائيل بن سلجق. ومحمد هذا في طبقة محمود ومسعود ابني محمد طبري، وقيل هو محمد بن محمود بن محمد طبر أخو ملكاه الذي ذكرناه آنفا.\rقال: ولما قبض خاصك على ملكشاه أرسل إلى محمد وهو بخوزستان وكان عمه السلطان سنجر قد ملكه إياها، واستدعاه ليسلطنه، وسير إليه الأمير مشيد الدين وكاتبه الزنجاني، وكان قصد خاصبك أنه إذا حضر عنده قبض عليه وخطب لنفسه بالسلطنة. فلما اجتمعا بمحمد حسنا له قتل خاصبك إذا استقر في السلطنة، وأخبراه أن محمداً قد حلف له، وسار محمد من خوزستان إلى همذان في عدة يسيرة، فتلقاه خاصبك وخدمه وأجلسه على تخت المملكة وذلك في أوائل صفر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وخطب له بالسلطة، وبالغ في خدمته، وحمل إليه هدايا عظيمة جليلة المقدار.\rولما كان في اليوم الثاني أو الثالث من جلوسه، استدعى خاصبك ليشاوره فجاء إليه ومعه زنكي الجاندار، وهما قتلة عبد الرحمن طغايرك فقتلهما جميعاً، وألقى رأسيهما إلى أصحابهما، فتفرقوا ولم ينتطح فيها عنزان. ووجد في خزانة خاصبك ألف وسبعمائة ثوب من الديباج لون العنابي خاصة، سوى أنواع الثياب الأطلس والمصور وغير ذلك. وطلب له كفن فلم يقدر عليه، حتى جبى له من سوق العسكر.","part":7,"page":302},{"id":3313,"text":"قال وكان أيدغدي التركماني - المعروف بشمله - مع خاصبك لما استدعاه السلطان، فنهاه عن الدخول إليه فلم يرجع إلى قوله، فلما قتل خاصبك مضى هو إلى خوزستان.\rقال: وكان خاصبك صبياً تركمانياً، اتصل بالسلطان مسعود تقدم عنده على سائر الأمراء.\rقال: ولما قتل السلطان خاصبك أشار عليه وزيره جلال الدين ابن الوزير قوام الدين أن يبعث برأي خاصبك إلى الأميرين صاحبي أذربيجان، ففعل. فلما وصل الرأس إليهما أكبرا ذلك، وعزما على إخراج سليمان شاه عليه.\rسلطنة سليمان شاه\rبن محمد طبر بن ملكشاه قال: لما أخرج سليمان شاه من محبسه بقزوين اتصل به الأمير مظفر الدين بن ألب أرغو أو أخرجه معه إلى زنجان واتصل به الأمير شمس الدين ايلدكز والأمير آق سنقر بعيكريهما، وأخذاه من زنجان ومضيا إلى همذان فأجفل منهما محمد إلى أصفهان. وجلس سليمان شاه على سرير السلطنة بهمذان، وأخذ في الشرب واللهو فكان لا يصحو وكذلك وزيره فخر الدين أبو طاهر القاشاني فلما رأى أيلدكز ذلك عزم على الرجوع فعاد إلى بلاده، ورجع نصرة الدين آق سنقر يإلى ٍأعماله. ثم اجتمع الأمراء مع نصير الدين أرسلان وقرروا أن ينتقلوا إلى مرج قراتكين ويتركوه بهمذان، ويقبضوا على وزيره. وكان مع سليمان شاه تباتكين بن خوارزم شاه وأخوه يوسف وأختهما زوجته والغالبة على أمره، فجاءت إليه ليلاً وهو معرس على ابنة ملك الكرج، وأخبرته باجتماع الأمراء بالمرج، واتفاقهم على القبض عليه وعلى وزيره، فهرب بها وبأخويها ليلاً، وترك خاتون الكرجية؛ وأصبح الأمراء فما علموا أين راح ولاكيف ذهب.\rذكر عود السلطان محمد من أصفهان إلى مقر ملكه\rقال: لما فارق همذان وصل إلى أصفهان كاتب أمراء الأطراف فأتى إليه الأمير إينانج صاحب الري فقويت به يده، واتفق رجوع أيلدكز فسار السلطان محمد إلى همذان، فدخلها في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، واستقامت له المملكة.\rوفي سنة تسع وأربعين عزم الخليفة المقتضي على قطع دعوة الترك من بغداد، وفعل ماقدمنا ذكره في أخبار المقتفى من إخراج الشحنة مسعود البلالي الخادم منها؛ وتقوية الخليفة لوزيره عون الدين بن هبيرة، وما أقطعه من الإقطاعات، وما حازه الخليفة من ملك العراق من أقصى الكوفة إلى حلوان ومن تكريت إلى عبادان.\rقال: ولما عاد السلطان بعد هرب سليمان شاه، راسل الخليفة في الخطبة فامتنع، واجتمع عند السلطان الأمراء الذين انقطعت أرزاقهم من بغداد، وسألوه في الرحيل معهم إليها. وكان يرجع إلى عقل ودين، فاستمهلهم حتى يكاتب الخليفة كرة ثانية، فامتنعوا وقالوا: نحن نكفيك أمره فوافقهم فتأهبوا وخرجوا وعليهم مسعود البلالي الذي أخرجه الخليفة من بغداد، وأخذوا معهم لفيفاً من التركمان، وساقوا مواشيهم وأغنامهم ليقاتلوا عليها. وكانت تكريت قد بقيت بيد مسعود البلالي، وملكشاه بن سلجق معتقل بها وأرسلان شاه بن طغرل، فلما احتاج هذا الجمع إلى ملك يضم شملهم اجتمعوا على إخراج أرسلان شاه بن طغرل، فأخرجوه وركبوه ووصلوا به إلى نواحي العراق، وأرهبوا على الناس.\rوخرج الخليفة بعسكره وجنوده متوشحا بالبردة، وبيده القضيب، وعلى مقدمته وزيره عون الدين بن هبيرة. وخيم الخليفة على مرحلتين، من بغداد وتقابلا قريبا من شهر والخليفة ينتظر البداية. فظن مسعود البلالى أنه إنما ترك البداية بالحرب خورا فبدأه، وركب الجيشان والتقيا، وكانت وقعة عظيمة انهزم فيها الملك أرسلان بن طغرل ووصل إلى أرانية، واستقر عند شمس الدين أيلد كز زوج أمة. وغنم الخليفة وعسكره معسكرهم وأغنام التركمان وذراريهم والترك، وقتلوا في كل واد. وعاد الخليفة إلى بغداد في أواخر سنة تسع وأربعين وخمسماية.\rقال: ولما رجع العسكر إلى السلطان محمد عاتبهم، وقال: لقد أتيتم بعثرات لا تقال، وأفسدتم هيبتنا عند الخليفة، وأخرجتم أرسلان بن طغرل وما حفظتموه، وقد صار عند أيلدكز، وصار الخليفة لنا خصما. ولم يستقم للملوك السلجقية بعدها ببغداد سلطنة.\rذكر وصول سليمان شاه بن محمد طبري إلى بغداد وخروجه بالعساكر وحربه هو والسلطان محمد وهزيمته وحصار السلطان محمد بغداد ورجوعه","part":7,"page":303},{"id":3314,"text":"وفي سنة خمسين وخمسماية وصل السلطان سليمان شاه إلى بغداد مستنجدا بالخليفة المقتفى على السلطان محمد، فلم يلقه الوزير عون الدين بل لقيه ابنه عز الدين محمد. فلما أخبره ابن الوزير سلام أمير المؤمنين عليه ترجل وقبل الأرض ودخل بغداد. فلما وصل إلى باب النوبي من القصر، أنزلوه ليقبل العتبة، فقبلها وما قبلها قبله ملك سلجقي ولا ديلمي. وأنزله الخليفة بدار السلطنة وخطب له على المنابر، ولم ينعته بالسلطان ولا بالمعظم وجهز معه الخليفة جيشا كثيفا، واستوزر له شرف الدين الخرساني وسار سليمان شاه بالجيوش إلى أذربيجان ثم إلى أرانية ثقة أن يخرج معه شمس الدين أيلدكز. وتحرك السلطان محمد إليه من همذان، والتقوا، فانهزم سليمان وعاد إلى بغداد على طريق الدر بند، فقيض عليه على كورجك، واعتقله بقلعة الموصل وذلك في شعبان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. وتجهز السلطان محمد بقصد بغداد، فوصل إليها في ذي القعدة من السنة، وقد جمع الجيوش العساكر وحاصرها، وكان الخليفة قد حصن بغداد بالمجانيق والرجال والسفن وغير ذلك، واستمر الحصار والحرب إلى سنة اثنتين وخمسين وجرت في خلال هذه المدة وقائع كثيرة يطول شرحها كان آخرها أنه وقع الاختلاف بين أصحاب السلطان فهزمتهم جيوش الخليفة ونهبوا أثقالهم، ولم تفلح السلجقية بعدها مع الخلفاء.\rوفاة السلطان محمد\rبن محمود وما اتفق بعد وفاته قال الشيخ جمال الدين أبو الحسن علي بن أبي المنصور ظافر ابن حسين الأزدي في أخبار الدولة. أنه توفي في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وقال: ولم أعرف له عقباً فأذكره وقرض الدولة السلجقية بوفاته. وقال ابن الأثير الجزري في تاريخه الكامل أنه توفي سنة أربع وخمسين بباب همذان، وكان مولده في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وأنه لما حضرته الوفاة أحضر أمواله وجواهره وخصاياه ومماليكه ونظر إليها من طيارة وبكى، وقال: هذه العساكر والأموال والمماليك وغيرها لم تغن عني مقدار ذرة ولا يزيدون في أجلى ذرة، وفرق من ذلك شيئاً كثيراً وكان كريماً عادلاً كثير التأني في أموره. وكان له ولد صغير فسلمه إلى اقسنقر الأحمديلي وقال له: أنا أعلم أن العساكر لا بطيع هذا الطفل وهو وديعة عندك فارحل به إلى بلادك، فرحل به إلى مراغة. فلما مات اختلف الأمراء فطائفة طلبوا ملكشاه وأخاه وطائفة طلبوا سليمان شاه عمه وهم الأكثر، وطائفة طلبوا أرسلان الذي مع ايلدكز فأما ملكشاه فإنه سار من خوزستان ومعه دكلا صاحب فارس وشملة التركماني وغيرهما، فوصل إلى أصفهان فسلمها إليه ابن الخجندي وجمع له مالاً أنفقه عليه وأرسل إلى العساكر بهمذان يدعوهم إلى طاعته فلم يجيبوه لعدم الاتفاق ولأن أكثرهم كان يريد سليمان شاه.\rذكر مسير سليمان شاه بن محمد طبر إلى همذان\rوفي سنة خمس وخمسين وخمسمائة سار سليمان شاه من الموصل إلى همذان وكان معتقلاً بها كما قدمناه؛ فلما مات السلطان محمد بن محمود. أرسل أكابر الأمراء من همذان إلى أتابك قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل في طلبه منه ليولوه السلطنة، فاستقرت القاعدة بينهم أن سكون سليمان شاه هو السلطان وقطب الدين ودود أتابكه وجمال الدين وزير قطب الدين وزيره؛ وتحالفوا على ذلك وجهزه قطب الدين بما يحتاج إليه من الأموال والخيول وغير ذلك. فلما قارب بلاد الجبل أقبلت العساكر إليه أرسالا فاجتمع عسكر عظيم فخافهم قطب الدين مودود على نفسه؛ وعاد إلى الموصل. فلما فارقه قطب الدين لم ينتظم أمره وقبض العسكر على سليمان شاه بباب همذان في شوال سنة ست وخمسين وخمسمائة.\rسلطنة أرسلان شاه\rابن الملك طغرل ابن محمد طبر قال: لما قبض الأمراء على سليمان شاه في شوال خطبوا لأرسلان شاه، وهو الذي كان قد تزوج أيلدكز بأمه، ثم خطب له في سنة ثمان وخمسين بقومس وبسطام ودامغان. وذلك أن المؤيد صاحب نيسابور فتح هذه الجهات وخطب بها لأرسلان شاه فأرسل إليه الخلع فلبسها المؤيد؛ ودان ملك أرسلان شاه إلى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، فتوفى ولم أقف من أخباره على شيء فأذكره. وذلك أن الدولة السلجقية كانت قد ضعفت وبقي ملوكها يقتصرون على حفظ. ما بأيديهم دون التطلع إلى ما سواه. ولما مات أرسلان شاه خطب بعده لولده طغرل.\rالسلطان طغرل بن أرسلان","part":7,"page":304},{"id":3315,"text":"شاه ابن طغرل بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان خطب له بالسلطنة ببلاد الجبل بعد وفاة أبيه أرسلان شاه في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، ونحن نذكر ما ظفرنا به من أخباره على سبيل التلخيص والاختصار.\rذكر الحرب بين طغرل وجيوش الخليفة الناصر لدين الله وظفره بهم\rوفي سنة أربع وثمانين وخمسمائة جهز الخليفة الناصر لدين الله عسكراً كثيفاً؛ وجعل المقدم على الجيش وزيره جلال الدين عبيد الله بن يونس، وسيرهم لمساعدة قزل على كف السلطان طغرل عن البلاد.\rفسار العسكر في ثالث صفر إلى أن قارب همذان، وخرج طغرل إليهم، والتقوا واقتتلوا في ثامن شهر ربيع الأول عند همذان، فانهزمت عساكر بغداد ولم تثبت، وأخذ أصحابه ما كان مع الوزير من خزانة وغيرها وعاد إلى همذان.\rذكر اعتقال طغرل وخلاصه وما كان من أمره إلى أن قتل، وانقراض الدولة السلجقية قال واتفق أن قزل أرسلان بن أيلدكز ظفر بالسلطان طغرل واعتقله ولم اظفر بتاريخ اعتقاله ولا كيفية فأذكره إلا أنه لم يزل في اععتقاله إلى أن مات قزل أرسلان في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة فخرج طغرل من حبسه بعد قزل واجتمع عليه جماعة والتقى هو وقتلغ أينانج بن الهلوان بن أيلدكز فانهزم أينانج إلى الري وملك طغرل همذان وغيرها فأرسل قتلغ أينابج إلى علاء الدين خوارزم شاه تكش يستنجده فسار إليه فلما تقاربا ندم قتلغ إينانج على استدعائه خوارزم شاه وخاف على نفسه فمضى بين يديه وتحصن في قلعة مات فوصل خوارزم شاه إلى الري وملكها وفتح قلعة طبرك فراسله فأصلحه.\rمقتل السلطان طغرل\rوانقراض الدولة السلجوقية كان مقتله في الرابع والعشرين ن شهر ربيع الأول سنة تسعين وخمسمائة؛ وسبب ذلك أنه قصد الري فأغار على من به من أصحال خوارزم شاه تكش وفر منه قتلغ اينانج بن البهلوان، فراسل خوارزم شاه يسأله النصر مرة ثانية. واتفق وصول رسوله الخليفة إلى خوارزم شاه يشكو تكش وفرضه قتلغ اينانج بن البهلوان فراسل خوارزم شاه يسأله النصر مرة ثانية واتفق وصول رسول الخليفة إلى خوارزم شاه يشكو من طغرل ويطلب منه قصد بلاده ومعه منشور بإقطاعه البلاد. فسار خوارزم شاه لقتاله. فلما سمع طغرل بذلك كانت عساكره متفرقة فما أمهل حتى يجمعها، بل سار فيمن معه وكان يدل بشجاعته؛ فالتقى العسكران بالقرب من الري؛ فحمل طغرل بنفسه في وسط عسكر خوارزم شاه، فأحاطوا به وألقوه عن فرسه، وقتلوه وحملوا رأسه إلى خوارزم شاه، فأنفذ الرأي إلى بغداد فنصبها بباب النوبي. وملك خوارزم شاه جميع تلك البلاد وانقرضت الدولة السلجوقية من العراق والجبال وخراسان، ولم يبق من البيت السلجقي إلا من هو ببلاد الروم، على ما نذكره بعد ذكر الملوك السلجقية بالشام إن شاء الله.\rوكانت مدة هذه الدولة منذ خطب لداود في شهر رجب سنة ثمان وعشرين وأربعماية؛ مائة سنة وإحدى وستين سنة وثمانية أشهر وأياماً. ومدتها بالعراق منذ خطب للسلطان طغرل بك ببغداد في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وأربعين وأربعماية، وإلى أن قطعت عند إخراج مسعود البلالي الشحنة من بغداد في شهور سنة تسع وأربعين وخمسمائة؛ مائة سنة وستين. فلنذكر أخبار الملوك السلجقية بالشام.\rالملوك السلجقية بالشام وحلب وأول من ملك منهم السلطن تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان محمد بن جغربيك داود بن ميكائيل بن سلجق وهو أخو ملكشاه وكان السلطان ملكشاه قد أقطعه الشام وما يفتحه من تلك النواحي في سنة سبعين وأربعماية، فجاء إلى حلب وحصرها ولحق أهلها مجاعة شديدة. وكان معه جماعة كثيرة من التركمان فأنفذ إليه الأقسيس صاحب دمشق يستنجده على العساكر المصرية، لأنها كانت قد حاصرته بدمشق من قبل أمير الجيوش بدار الجمالي، فسار إلى نصرة الأقسيس. فلما سمع العسكر المصري بقربه فارقوا البلد وعادوا إلى مصر، وخرج الأقسيس يلتقيه عند سور دمشق، فاغتاظ منه تتش كونه لم يتقدم في تلقيه، وعاتبه، فاعتذر بأمور لم يقبلها منه، فقبض عليه تتش في الوقت وقتله، وملك دمشق وأحسن السيرة في أهلها، وعدل فيهم، وذلك في سنة إحدى وسبعين وأربعماية وقيل في سنة اثنين وسبعين.","part":7,"page":305},{"id":3316,"text":"وفي سنة أربع وسبعين افتتح تاج الدولة تتش الطرطوس بعض الحصون الساحلية وعاد إلى دمشق. وفي سنة تسع وسبعين وأربعماية كانت الحرب بينه وبين سليمان بن قتلمش السلجقي صاحب الروم وإنطاكية، فهزم عسكره وقتله على ما نذكره إن شاء الله في أخبار سليمان. وملك تتش مدينة حلب خلا القلعة، فكتب العقابي إلى السلطان ملكشاه يستدعيه، فوصل إليها وفارقها تطش كما قدمنا ذكره.\rذكر استيلائه على حمص وغيرها من ساحل الشام\rكان تاج الدولة تتش قد توجه إلى أخيه السلطان ملكشاه إلى بغداد في سنة أربع وثمانين، وجاء إليه أيضاً زعماء الأطراف، فلما أذن لهم في العود أمر ملكشاه أقسنقر صاحب حلب، وتوران صاحب الرها، أن يسيرا في خدمة أخيه تتش بعساكرهما إلى أن يستولي على ما هو للمستنصر العلوي صاحب مصر بساحل الشام من البلاد؛ ويتوجها معه إلى مصر ليملكها.\rفساروا في سنة خمس وثمانين، ونزل تتش على حمص وحصرها وبها صاحبها ملاعب، وكان الضرر به وبأولاده عظيماً على المسلمين، فحصروا البلد وضيقوا على من به وملكه تتش، وأخذ ملاعب وولديه ثم سار قلعة عرقة، وهي بالقرب من طرابلس فملكها وملك أفامية، ثم نازل طرابلس وبها جلال الملك بن عمار، فراسل ابن عمار اقسنقر وحمل إليه ثلاثين ألف دينار وتحفاً بمثلها وعرض عليه المناشير التي بيده من السلطان بالبلد والتقدم إلى النواب بتلك البلاد بمساعدته، والتحذير من محاربته فقال اقسنقر لتتش: أنا لا أقاتل من هذه المناشير بيده ورحل من الغد، فرحل تاج الدولة وعاد بوزان إلى بلاده، والله أعلم.\rذكر ما تقوله في طلب السلطنة\rقال: لما بلغ تاج الدولة تتش قدوم أخيه السلطان ملك شاه إلى بغداد توجه من دمشق إلى خدمته، فلما وصل إلى هيت أتاه الخبر بموته، فاستولى على هيت وعاد إلى دمشق. فتجهز لطلب السلطنة، وجمع العساكر وأخرج الأموال وسار إلى حلب وبها قسيم الدولة اقسنقر، فصالحه قسيم الدولة وأتبعه لما علم من اختلاف أولاد صاحبه، وأرسل إلى ياغي سيان صاحب أنطاكية وإلى بوزان صاحب الرها وحران يشير عليهما بطاعة تاج الدولة، حتى يروا ما يكون من أولاد ملكشاه، ففعلوا ذلك وصاروا معه وخطبوا له في بلادهم.\rوقصد تتش الرحبة فملكها في المحرم سنة ست وثمانين وأربعماية، ثم سار إلى نصيبين ففتحها عنوة وقتل من أهلها خلقاً كثيراً ونهب الأموال وفعل الأفعال القبيحة، ثم سلمها إلى الأمير محمد بن شرف الدولة العقيلي. وسار يريد الموصل، وأتاه الكافي بن فخر الدولة بن جهير وكان بجزيرة ابن عمر فاستوزره، والتقى بإبراهيم ابن قريش بن بدران أمير بني عقيل في شهر ربيع الأول.\rوكان إبراهيم في ثلاثين ألفاً وتتش في عشرة آلاف، فاقتتلوا فانهزم ابراهيم والعرب، ثم أُخذ أسيراً وجماعة من العرب فقتلوا صبرا، ونهب أموالهم وما معهم من الخيل والإبل والأغنام وغيرها وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن خوفاً من السبي والفضيحة، وملك تتش بلادهم الموصل وغيرها، واستناب بها علي بن شرف الدولة مسلم وهو ابن شرف الدولة مسلم وهو ابن صفية عمة تتش.\rذكر ملكه ديار بكر وأذربيجان وعوده إلى الشام\rقال: ثم سار تاج الدولة تتش في شهر ربيع الآخر فملك ميافارقين وسائر ديار بكر من ابن مروان، وسار منها إلى أذربيجان. وانتهى خبره إلى ابن أخيه بركياروق وكان قد استولى على كثير من البلاد، فسار في عسكره ليتبع عمه، فلما تقارب العسكران اجتمع قسيم الدولة وبوزان وقالا: نحن إنما أطعنا هذا حتى ننظر ما يكون من ابن صاحبنا وقد ظهر أمره، ففارقاه والتحقا ببركياروق فعاد تتش إلى الشام.\rذكر عود تتش إلى البلاد وملكه همذان وغيرها","part":7,"page":306},{"id":3317,"text":"قال: ولما عاد إلى الشام أخذ في جمع العساكر فكثرت جموعه وعظم جنده. فسار في سنة سبع وثمانين وأربعماية عن دمشق نحو حلب لطلب السلطنة، فاجتمع قسيم الدولة اقسنقر وبوزان وأمدهما السلطان ركن الدولة بركياروق بالأمير كربوقا. فالتقوا بالقرب من تل السلطان قريب حلب واقتتلوا واشتد القتال فانهزموا، وثبت قسيم الدولة فأخذ أسيراً وجيء به إلى تاج الدولة فقال له: ما كنت تصنع بي لو ظفرت، قال: كنت أقتلك، قال: فأنا أحكم عليك بحكمك فقتله صبرا. وسار نحو حلب، ودخلها وأسر بوقا وبوزان وتسلم الرها وحران. وسار إلى بلاد الجزيرة فملكها جميعها، وملك منها إلى همذان فملكها، واستوزر فخر الملك بن نظام الملك .\rذكر انهزام بركياروق منه\rقال: ولما سار تتش إلى أذربيجان كان بركياروق بنصيبين فبلغه الخبر، فسار إلى قتاله ولم يكن معه غير ألف رجل، وعمه في خمسين ألفاً. فجهز إليه عمه بعض الأمراء فكسبه وهزمه ونهب سواده، فسار إلى أصفهان على ما ذكرناه في أخباره وخطب للسلطان تاج الدولة ببغداد.\rذكر قتل تاج الدولة تتش\rقال: ولما هزم بركياروق سار من موضع الوقعة إلى همذان، ثم سار إلى الري وكاتب الأمراء الذين بأصفهان يدعوهم إلى طاعته، ويبذل لهم الأموال الكثيرة. وكان بركياروق مريضاً بالجدري، فأجابوه يعدونه أنهم ينحازون إليه، وهم ينتظرون ما يكون من صاحبهم. فلما عوفي بركياروق أرسلوا إلى تتش أنه ليس لك عندنا إلا السيف، وخرجوا له والتقوا بموضع قريب من الري، وقد كثرت جموع بركياروق، فانهزم أصحاب تتش وثبت هو في القلب فقتله أصحاب قسيم الدولة بثأر صاحبهم، والله أعلم.\rذكر حال الملك رضوان وأخيه دقاق بعد قتل أبيهما تتش\rقال: كان تاج الدولة تتش قد أوصى أصحابه بطاعة ابنه الملك رضوان. وكتب إليه من بلد الجبل قبل المصاف الذي قتل فيه يأمره بالمسير إلى بغداد، وأن يقيم بدار المملكة. فسار في عدد كثير منهم إيلغازي بن أرتق، والأمير وثاب بن محمود بن صالح ابن مرداس وغيرهما. فلما قارب هيت جاءه الخبر بقتل أبيه، فعاد إلى حلب ومعه والدته فملكها، وكان بها أبو القاسم بن علي الخوارزمي قد سلمها تتش إليه، وحكمه فيها وفي القلعة. ولحق برضوان زوج أمه جناح الدولة الحسين بن إيتكين، وكان مع تتش فسلم من المعركة. وكان مع رضوان أيضاً أخواه الصغيران أبو طالب وبهرام فكانوا كلهم مع أبي القاسم كالأضياف لتحكمه في البلد؛ فاستمال جناح الدولة المغاربة، وكانوا أكثر أجناد القلعة. فلما انتصف الليل نادوا بشعار الملك رضوان، واحتاطوا علي أبي القاسم، وأرسل إليه الملك رضوان يطيب قلبه، فاعتذر فقبل عذره، وخطب لرضوان على منابر حلب وأعمالها، وكانت الخطبة قد دامت باسم أبيه بعد قتله نحو شهرين.\rوسار جناح الدولة في تدبير الدولة أحين سيرة، وخالف عليهم الأمير ياغي سيان بن محمد بن ألب التركماني صاحب انطاكية ثم صالحهم، وأشار على الملك رضوان بقصد ديار بكر لخلوها من وال يحفظها. فساروا جميعاً وقدم عليهم من بالأطراف الذين كان تتش قد رتبهم فيها، وقصد واسروج، فسبقهم إليها الأمير سقمان بن أرتق فأخذها ومنعهم منها، وأمر أهل البلد فخرجوا إلى رضوان وتظلموا من عساكره وما يفسده من غلاتهم، ويسألونه الرحيل. فرحل عنهم إلى الرها، وكان بها رجل يقال له الفارقليط - كان يضمن البلد من بوزان - فقاتل قتالاً شديداً ثم ملكها، وطلب ياغي سيان القلعة من رضوان فوهبها له، فتسلمها وحصنها، فهرب رجالها وأرسل إليهم أهل حران يطلبونهم ليسلموا إليهم البلد، فسمع ذلك قراجاً فصلب ابن الفتى وغيره ممن اتهمهم وجاء الخبر إلى رضوان وقد اختلف جناح الدولة وياغي سيان وأضمر كل منهما لصاحبه الغدر، فهرب جناح الدولة إلى حلب فدخلها، واجتمع بزوجته أم الملك رضوان. وسار رضوان وياغي إلى حلب، فسمع بدخول جناح الدولة إليها، ففارق ياغي سيان الملك رضوان وسار إلى انطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي ودخل رضوان حلب.","part":7,"page":307},{"id":3318,"text":"هذا ما كان من أمر رضوان، وأما الملك دقاق بن تتش، فإنه كان قد حضر المصاف مع أبيه، فلما قتل أبوه أخذه إيتكين الحلبي - وهو من غلمان أبيه - وسار به إلى حلب، فأقام عند أخيه الملك رضوان. ثم راسله الأمير ساوتكين الخادم - متولي دمشق - سرا يدعوه ليملكه دمشق؛ قهرب من حلب. فأرسل أخوه رضوان في طلبه عدة من الخدم فلم يدركوه، وسار حتى وصل إلى دمشق ففرح به ساوتكين الخادم وأظهر البشر لوروده. فلما صار بدمشق أرسل إليه ياغي سيان يشير عليه أن ينفرد بملك دمشق عن أخيه رضوان. واتفق وصول معتمد الدولة طغتكين إلى دمشق ومعه جماعة من خواص تتش وعسكره وقد سلموا من الوقعة وكان طغتكين قد أسر ثم خلص فلما وصل إلى دمشق لقيه المللك دقاق وأرباب الدولة وبالغوا في تعظيمه وإكرامه. وكان طغتكين زوج والدة دقاق، فمال إليه لذلك ووثق به وحكمه في بلاده. ثم اتفقا على قتل ساوتكين الخادم فقتلاه، وسار إليه ياغي سيان من انطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي فجعله وزيراً لدقاق، وحكمه في دولته، فصارت دمشق لدقاق وحلب لرضوان.\rذكر الحرب بين الملكين رضوان وأخيه دقاق\rوفي سنة تسعين وأربعماية سار الملك رضوان من حلب إلى دمشق يريد الاستيلاء عليها وانتزاعها من أخيه دقاق. فلما قاربها رأى حصانتها وامتناعها، فعلم عجزه عنها. فسار إلى نابلس وإلى القدس ليأخذه، فلم يمكنه ذلك وانقطعت العساكر عنه فعاد إلى حلب ومعه ياغي سيان صاحب انطاكية وجناح الدولة وكانا قد التحقا به.\rثم فارقه ياغي سيان وقصد دقاق وحسن له محاصرة أخيه بحلب، فجمع دقاق عساكره وسار ومعه ياغي سيان، فأرسل رضوان إلى سقمان بن ارتق وهو بسروج يستنجده، فأتاه في خلق كثير من التركمان. فسار بهم رضوان نحو دقاق والتقيا بقنسرين، واقتتلا فانهزم دقاق وعسكره ونهبت خيامهم وأموالهم وعاد رضوان إلى حلب. ثم اتفقا على أن يخطب لرضوان بدمشق وأنطاكية قبل أخيه دقاق، وقيل كان ذلك في سنة تسع وثمانين.\rوفي سنة تسعين وأربعماية خطب الملك رضوان في أكثر ولايته للمستعلي بأمر الله صاحب مصر. وسبب ذلك أن جناح الدولة كان قد فارق رضوان لتغير رآه منه، وجاء إلى حمص وكانت له، فلما رأى ياغي سيان بعده عن رضوان صالحه، وجاء إلى حلب، ونزل بظاهرها وكان لرضوان منجم يقال له الحكيم أبو سعد يميل إليه، فقدمه بعد مسير جناح الدولة فحسن له مذهب العلويين. وأتته رسل المستعلى تدعوه إلى طاعته ويبذل له المال وإنفاذ الجيوش لأخذ دمشق، فخطب له بشيزر وجميع أعمال ولايته سوى أنطاكية، وقلعة حلب، والمعرة ، وكانت الخطبة أربع جمع. ثم حضر إليه سقمان بن أرتق وياغي سيان إلى انطاكية فلم يقم بها غير ثلاثة أيام حتى وصل الفرنج إليها وحصروها وملكوها في سنة إحدى وتسعين وأربعماية على مانذكره إن شاء الله تعالى في أخبار المستعلي صاحب مصر.\rذكر ملك دقاق مدينة الرحبة.\rوفي شعبان سنة ست وتسعين وأربعماية ملك الملك دقاق مدينة الرحبة، وكانت بيد قايماز أحد مماليك السلطان ألب أرسلان، استولى عليها لما قتل كربوقا، فسار دقاق وطغتكين أتابكه إليه وحصراه، ثم رحلا عنه. فاتفقت وفاته في صفر من هذه السنة، وقام مقامه غلام تركى اسمه حسن، وخطب لنفسه وخاف من الملك دقاق، فاستظهر لنفسه وأخذ جماعة من أعيان البلد وصادرهم وحبس آخرين، فسار دقاق إليه وحاصره، فسلم العامة البلد واعتصم هو بالقلعة فأمنه دقاق وسلمها له فتسلمها وأقطعه إقطاعا كثيرا بالشام، وقرر الرحبة وجعل فيها من يحفظها وعاد إلى دمشق.\rوفاة الملك دقاق\rوملك ولده ثم أخيه","part":7,"page":308},{"id":3319,"text":"كانت وفاته في شهر رمضان سبع وتسعين وأربعماية. ولما توفي خطب أتابكه طغرتكين لولد له صغير عمره سنة واحدة، ثم قطع خطبته وخطب لبلتاش ابن تتش عم هذا الطفل في ذي الحجة وله من العمر اثنتا عشرة سنة. ثم أشار عليه طغرتكين بقصد الرحبة فخرج إليها وملكها، وعاد فمنعه من دخول البلد، فمضى إلى حصون له. وأعاد طغرتكين خطبة الطفل ولد دقاق، وقيل إن والدة بلتاش خوفته من طغرتكين وقالت له: إنه زوج أم دقاق، وهي لا تتركه حتى يقتلك ويستقيم الملك لولد ابنها، فخاف. ثم حسن له من كان يحسد طغرتكين مفارقة دمشق وقصد بعلبك وجمع الرجال والاستنجاد بالفرنج، والعود إلى دمشق وأخذها من طغرتكين. فخرج من دمشق سراً في سنة ثمان وتسعين وأربعماية مع صغر سنة، ولحقه الأمير إيتكين الحلبي وهو صاحب بصرى، فعاثا في ناحية حوران ولحق بهما من كان يريد الفساد، وراسلا بغدوين ملك الفرنج، يستنجدانه، فأجابهما إلى ذلك. فسار إليه واجتمعا به، وقررا معه القواعد، وأقاما عنده، فلم يريا منه إلا التحريض على الإفساد في أعمال دمشق وتخريبها. فلما يئسا من نصرته فارقاه وتوجها في البرية إلى الرحبة فملكها بلتاش، وعاد عنها، واستقام أمر طغرتكين بدمشق، واستبد بالأمر وأحسن إلى الناس ونشر فيهم العدل.\rهذا ماكان من أمر ملوك دمشق ثم انتقل ملكها إلى طغرتكين وأولاده من بعده على ما نذكره إن شاء الله تعالى بعد ذكرنا لملوك حلب السلجقية ومن ملكهات بعدهم إلى أن ملكها أتابك زنكي بن اقسنقر.\rملوك حلب قد فدمنا أن حلب ككانت بيد الملك رضوان بن تتش، فلم تزل بيده إلى أن توفي في سنة سبع وخمسمائة. وكانت أموره غير مشكورة فإنه قتل أخويه أبا طالب وبهران وكان يستعين في كثير من أموره بالباطنية لقلة تدبيره. فلما مات ملك بعده ابنه تاج الملوك ألب أرسلان الأخرس، وعمره ست عشرة سنة. ولم يكن أخرس، وإنما كان في لسانه حبسه وتمتمة وأمه بنت ياغي سيان الذي كان صاحب أنطاكية.\rقال: ولما ملك باج الملوك سلك سنة أبيه في قتل إخوته فقتل أخوين له وهما شقيقة ملكشاه، ومبارك لأبيه، واستولى على أمور دولته لؤلؤ الخادم، فلم يكن لتاج الملوك معه في السلطنة غير اسمها، ومعناها للؤلؤ. ولم تطل مدته في الملك، فإن غلمانه قتلوه في سنة ثمان وخمسماية، وأقاموا بعده أخاه سلطان شاه بن رضوان، فكان مع لؤلؤ كعادة أخيه. فلماكان في سنة إحدى عشرة وخمسمائة - وقيل سنة عشر - قتل لؤلؤ المستولى على الأمر. وكان سبب قاله أنه أراد قال سلطان شاه كمما فعل أخيه، ففطن غلمان سلطان شاه لذلك، فبادروه بالقتل. وولى أبابكة سلطان شاه بعده شمس الخواص يارقتاش، فبقي شهراً وعزلوه، وولى بعده أبو المعالي بن الملحي الدمشقي ثم عزلوه وصادروه. فخاف أهل حلب من الفرنج فسلموا البلد إلى الأمير نجم الدين إيلغاري بن أرتق وانقرضت الدولة السلجقية من حلب ، والله أعلم.\rمن ملك حلب بعد الدولة السلجتقية","part":7,"page":309},{"id":3320,"text":"ملكها الأمير نجم الدين ايلغازي بن أرتق باتفاق أهلها في سنة إحدى عشرة وخمسمائة، فتسلمها. وكان له مع الفرنج وقائع كثيرة وحروب يطول شرحها. واستناب بحلب ولده سليمان، فخالفه وعصى عليه. في سنة خمس عشرة وخمسمائة وكان عمره إذ ذاك عشر سنين، فبلغ والده الخبر، فسار مجداً فلم يشعر إلا وقد هجم البلد وقبض على من كان حسن لابنه العصيان، وقتلهم. وكان منهم إنسان من أهل حماة من بيت قرناص، كان إيلغازي قد قدمه على أهل حلب وجعل إليه الرئاسة فجازاه بذلك، فقطع يديه ورجليه وسمله فمات. وأراد قتل ولده فمنعه رقة الوالد، واستناب بحلب سليمان شاه ابن اخيه عبد الجبار بن أرتق، ولقبه بدر الدولة، وعاد إلى ماردين؛ فلم تزل حلب بيده، إلى أن توفي في سنة ست عشرة وخمسمائة بميافارقين. وبقي سليمان بحلب إلى أن استولى عليها، ابن عمه بلك بن بهرام بن أرتق؛ وبقيت بيد بلك إلى أن قتل في سنة ثمان عشرة وخمسمائة وهو يحاصر منبج، وكان قد قبض على صاحبها حسان البعلبكي، وملك المدينة وحاصر القلعة، فأتاه سهم فقتله وكان حسام الدين تمرتاش ابن إيلغازي مع عمه بلك، فحمله مقتولاً إلى ظاهر حلب، فتسلمها في العشرين من شهر ربييع الأول سنة ثماني عشرة، واستولى عليها ، وجعل فيها نائباً يثق به، وعاد إلى ماردين. وكان يحب الدعة والرفاهية، فلما عاد إلى ماردين ملك حلب اقسنقر البرسقي صاحب الموصل بمكاتبه من أهلها، لأن الفرنج كانوا حلصروهم وضيقوا عليهم، فكتبوا إليه يستنجدونه، فحضر بعساكره، فرحل الفرنج عنها، وملكها في ذي الحجة سنة ثماني عشرة، فكانت بيده إلى أن قتل في سنة عشرين وخمسمائة على يد الباطنية.\rوملك بعده ابنه عز الدين مسعود إلى أن توفي في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، فبقيت بيد نائبه قومان، ثم استناب بعده بها قتلغ، فوصل إليها بعد فاة مسعود، وتسلمها في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، فظهر منه بعد أيام جور عظيم وظلم شديد، ومد يده إلى أموال الناس. وكان بالمدينة بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق - الذي كان صاحبها قديماً - فأطاعه أهلها، وقبضوا على أصحاب قتلغ الذين بالمدينة في شوال من السنة، وحاصروه في القلعة. فسمع الفرنج بذلك فتقدموا إلى المدينة، فصولحوا بمال حتى رحلوا عنها. وداموا على حصار قتلغ بالقلعة إلى منتصف ذي الحجة، ثم ملكها عماد الدين زنكي بن اقسنقر، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الأتابكية. هذا ما كان من أمر حلب، فلنذكر أخبار دمشق.\rمن ملك دمشق بعد السلجقية إلى أن ملكها نور الدين محمود بن زنكي أول من ملكها معتمد الدولة ظهير الدين طغرتكين، وقيل فيه طعركين وطعدكين. استولى على دمشق كما قدمناه في سنة سبع وتسعين وأربعماية، واستقل بالأمر منذ فارقها الملك بلتاش بن تتش وكان لطعرتكين مع الفرنج وقائع كثيرة في سنين عديدة يطول شرحها، أضربنا عن ذكرها لانها لم تسفر عن فتح بلد ولا أسر ملك وملك طغرتكين بصرى في سنة تسع وتسعين وأربعماية، وكانت بيد إيتكين الحلبي، فلما صار مع السلطان الملط بلتاش كما ذكرنا سلمها أهلها لطغرتكين، فتسلمها وأحسن إليهم؛ واستمر في ملك دمشق إلى سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، فتوفي في ثامن عشر صفر منها، وكان عاقلاً خيراً، كثير الغزو والجهاد للفرنج، حسن السيرة في رعيته، مؤثراً للعدل فيهم. ولما توفي ملك بعده ابنه والله أعلم.\rتاج الملوك بورى بن أتابك\rطغرتكين ملك دمشق بعد وفاة أبيه في ثامن عشر صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة بوصية من أبيه لله بالملك. وكان أكبر أولاده، فلما ملك أقر وزيره والده - وهو أبو علي طاهر بن سعيد المزدغاني - على وزارته.\rالاسماعيلية وقتل الوزير المزدغاني كان بهرام مقدم الاسماعيلية قد هرب قديماً من بغداد إلى الشام بعد قتل أخيه إبراهيم الإسدابادي، وملك قلعة بانياس، وجعل خليفته بها يدعو الناس إلى مذهبه، فكثروا وانتشروا؛ وملك عدة حصون منها القدموس وغيره، وهي الآن تعرف بقلاع الإسماعيلية، من الأعمال المضافة إلى المملكة الطرابلسية.","part":7,"page":310},{"id":3321,"text":"وكان بوادي أتتيم من أعمال بعلبك أرباب مذاهب مختلفة منهم النصيرة الدرية والمجوس وغيرهم، وأميرهم اسمه الضحاك، فسار إليهم بأهرام في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة وقاتلهم فخرج إليه الضحاك في ألف رجل، وكيس عسكر وقتل منهم مقتلة عظيمة، وقتل بأهرام فيمن قتل، وانهزم من بقى وأنوا بأناس على أقبح صورة. وكان بهرام قد استخلف على بانياس رجلاُ من أعيان أصحابه اسمه إسمعيل، فقام مقامه، وجمع شمل من سلم من أصحابه، وبث دعاته في البلاد، وساعده الوزير المزدغاني وعاضده وأقام المزدغاني بدمشق عوض بهرام إنساناً اسمه أبو الوفا، فقوي أمره على شأنه، وكثر أتباعه حتى صار هو المستولى على دمشق، وحكم أكثر من حكم صاحبها تاج الملوك. ثم إن المزدغتني راسل الفرنج ليسلم إليهم مدينة دمشق ويسلموا إليه مدينة صور، واستقر الأمر بينهم على ذلك، وتقرر الميعاد في يوم جمعة عينوه، وقرر المزدغاني مع الإسماعيلية أن يحتاطوا على أبواب الجامع في ذلك اليوم، فلا يمكنوا أحداً من الخروج منه، لتجيئ الفرنج ويملكوا البلد. فاتصل الخبر بتاج الملوك. فاستدعى الوزير المزدغاني فحضر إليه فلما خلا به قتله وعلق رأسه على باب القلعة، ونادى في الناس بقتل الباطنية، فقتل منهم ستة آلاف؛ وذلك في منتصف شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. فخاف إسماعيل متولي بانياس عند ذلك من الناس أن يثوروا به وبأصحابه، فسلم بانياس إلى الفرنج، وانتقل إليهم هو ومن معه، فلقوا شدة عظيمة وهوانا ومات إسمعيل في أوائل سنة أربع وعشرين وخمسمائة.\rحصار الفرنج دمشق\rوانهزامهم قال: ولما بلغ الفرنج ما كان من قتل المزدغاني عظمت المصيبة عليهم، واجتمعوا بجملتهم، صاحب القدس وصاحب انطاكية وصاحب طرابلس وغيرهم من ملوك الفرنج وقمامصتهم ومن وصل إليهم في البحر فكانوا في ألفي فارس، وأما الراجل فلا يحصى كثرة، وساروا إلى دمشق لمحاصرتها، فبلغ ذلك تاج الملوك، فجمع العرب والتركمان فاجتمع معه ثمانية آلاف فارس، ووصل الفرنج إلى دمشق في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين فنازلوها، وأرسلوا سراياهم إلى أعمالها لجمع الميرة والإغارة. فبلغ تاج الملوك أنهم ساروا إلى حوران، فسير أميراً من أمرائه اسمه شمس الخواص في جمع من المسلمين، فلقوا الفرنج وقاتلوهم قتالاً شديداً، كان الظفر للمسلمين وقتل الفرنج فلم يفلت منهم غير مقدمهم في أربعين رجلاً، وأخذوا أخذ المسلمين ما معهم وكان عشرة آلاف دابة موقرة، وثلثمائة أسير، وعادوا إلى دمشق بالظفر والغنيمة. فألقى الله الرعب في قلوب الفرنج فرحلوا شبه المنهزمين، وأحرقوا ما تعذر عليهم حمله من سلاح وغيره، وتبعهم المسلمون يقتلون من بخلف منهم. وكان نزولهم ورحيلهم في ذي الحجة. وفي سنة أربع وعشرين استوزر تاج الملوك الرئيس أبا الدواد المفرج بن الحسن بن الصوفي.\rوفي سنة خمس وعشرين وخمسمائة ثار الباطنية بتاج الملوك، فجرحوه جرحين فبرأ أحدهما وبقي الآخر، فاشتد عليه في شهر رجب سنة ست وعشرين وخمسمائة فأضعفه وأسقط قوته فمات، في الحادي والعشرين من الشهر. وكانت مدة إمارته أربع سنين وخمسة أشهر وأياماً، وكان كثير الجهاد مقداماً فأقام في حروبه مقام أبيه وفاق عليه ولما مات قام بعده ولده إسمعيل بوصية منه.\rشمس الملوك اسماعيل\rابن تاج الملوك بورى بن طغرتكين ملك دمشق بعد وفاة أبيه في الحادي والعشرين من شهر رجب سنة ست وعشرين وخمسمائة. وكان والده قد أوصى له بالملك ولولده الآخر شمس الدولة محمد بمدينة بعلبك وأعمالها، فنفذت وصيته وقام بتدبير الأمر بين يدي شمس الملوك الحاجب فيروز شحنة دمشق - وهو صاحب أبيه - واعتمد عليه، وابتدأ أمره بالرفق بالرعية، والإحسان إليهم.","part":7,"page":311},{"id":3322,"text":"قال: وبلغ شمس الملوك أن أخاه شمس الدولة صاحب بعلبك استولى على حصني اللبوة والراس واستمال من بهما وتسلمهما، وجعل فيهما من الجند من يحفظهما. فراسله في ذلك وتلطف معه وقبح عليه فعله، وطلب إعادتهما إليه، فامتنع. فتجهز بعساكره في آخر ذي الحجة من السنة وقصد جهة الشمال، ثم عطف مغرباً، فلم يشعر من بحصن اللبوة إلا وقد نزل عليهم، وزحف لوقته فلم يتمكنوا من نصب منجنيق ولا غيره، فراسلوا في طلب الأمان، فأمنهم وتسلم الحصن من يومه. وسار إلى حصن الراس موفعل به كذلك، وتسلمه وجعل فيهما من يحفظهما. ثم رحل إلى بعلبك وحصرها وبها شمس الدولة وقد استعد، فوالى الزحف حتى ملك البلد بعد قتال شديد. وتحصن شمس الدولة فنازله فراسله في طلب الأمان وأن يقره على ما أوصى له به والده، فأجابه إلى ذلك وعاد إلى دمشق.\rذكر ملكه قلعة بانياس\rوفي سنة سبع وعشرين وخمسمائة ملك شمس الملوك قلعة بانياس من الفرنج. وسبب ذلك أن الفرنج استضعفوه وطمعوا فيه. وكانت قد تقررت بينهم هدنة، فقصدوا نقضها، ومدوا أيديهم إلى أموال جماعة من تجار دمشق بمدينة بيروت، فشكا التجار ذلك إلى شمس الملوك، فراسل الفرنج في إعادة ما أخذوه، فلم يردوا شيئاً. فجمع العساكر وتأهب ولم يعلم أحداً بمقصده. ثم سار في آخر المحرم من السنة ونزل على بانياس في صفر، وزحف زحفاً متتابعاً. وقرب من سور المدينة وترجل بنفسه، وتبعه الناس فوصلوا إلى السور ونقبوه، ودخلوا البلد عنوة، والتجأ من كان فيه من جند الفرنج إلى الحصن، فقتل كثير من الفرنج بالبلد وقاتل من بالقلعة قتالاً شديداً، ثم ملك القلعة بالأمان في رابع صفر وعاد إلى دمشق.\rذكر ملكه مدينة حماة\rوفي شوال سنة سبع وعشرين وخمسمائة ملك شمس الملوك مدينة حماة وهي لأتابك زنكي بن اقسنقر، وذلك أنه لما ملك قلعة بانياس أقام بدمشق إلى شهر رمضان، وسار إلى حماة في العشر الآخر منه. وكان قد بلغه أن الخليفة المسترشد بالله قد حضر إلى الموصل، فطمع في البلاد لتغير الخليفة علي زنكي، فحصر حماة وقاتل من بها يوم العيد، وملك البلد في اليوم الثاني قهراً، وطلب من به الأمان فأمنهم، وحصر القلعة، واستولى عليها وعلى ما بها من الذخائر، وسار منها إلى قلعة شيزر، وبها صاحبها ابن منقذ، فحصرها ونهب بلدها، فراسله صاحبها وسار معه بمال، فعاد إلى دمشق في ذي القعدة من السنة.\rوفي تاسع شهر ربيع الآخر وثب على شمس الملوك بعض مماليك جدة طغرتكين، فضربه بسيف فلم يصنع فيه شيئاً، وتكاثر عليه مماليك شمس الدولة فمسكوه، فقرره ما الذي حمله على ما فعل، فقال: أردت راحة المسلمين من شرك وظلمك فلم يزل يضرب حتى أقر على جماعة أنهم وضعوه على ذلك، فقتلهم من غير تحقيق، وقتل أخاه سونج، فعظم ذلك على الناس، ونفروا عنه وأنفوه.\rذكر ملكه شقيف تيرون ونهبه بلد الفرنج\rوفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة سار إلى شقيف تيرون وهو في الجبل المطل على بيروت وصيدا، وكان في يد الضحاك بن جندل رئيس وادي التيم قد تغلب عليه وامتنع به واحتمى على المسلمين والفرنج. فسار إليه شمس الملوك وملكه في المحرم من هذه السنة؛ فمعظم أخذه على الفرنج، لأن الضحاك كان لا يتعرض إلى شيء من بلادهم المجاورة له، فجمع الفرنج جموعهم فساروا إلى بلد حوران يخربون أمهات الضياع. فسار إليهم شمس الملوك ونزل بإزائهم وجرت بينهم مناوشة عدة أيام، ثم نهض ببعض عسكره وجعل بقيتهم قبالة الفرنج. وسار وقصد بلاد طبرية والناصرة وعكا وما جاورها من البلاد، والفرنج لا يشعرون به، فقتل وخرب وأحرق وسبى وامتلأت أيدي المسلمين من الغنائم، فبلغ الفرنج خبره، فرجعوا إلى بلادهم، وعاد هو على غير الطريق الذي سلكه، فوصل سالما وراسله الفرنج في تجديد الهدنة.\rذكر مقتل شمس الملوك وملك أخيه شهاب الدين محمود","part":7,"page":312},{"id":3323,"text":"وفي شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وخمسمائة، قتل شمس الملوك إسمعيل. وسبب ذلك أنه كان قد ركب طريقاً شنيعاً من الظلم ومصادرات العمال وغيرهم من أهل البلد وأعيانه، وبالغ في العقوبات، وظهر منه بخل زائد ودناءة نفس. ثم ظهر عنه أنه كاتب عماد الدين زنكي ليسلم إليه دمشق ويحثه على سرعة الوصول، وأخلى المدينة من الذخائر والأموال، ونقل ذلك إلى صرخد وتابع الرسل إلى زنكي يحثه على الوصول ويقول: إن أهملت المجيء سلمت البلد إلى الفرنج. فامتعض أصحاب أبيه وجده منه، وذكروا الحال لوالدته فساءها وأشفقت منه ووعدتهم بالراحة من هذا الأمر. ثم ارتقب غفلة غلمانه وأمرت غلمانها بقتله فقتلوه. وأمرت بإلقائه في موضع من الدار ليشاهده غلمانه، فلما رأوه سروا بمقتله. وأمه زمود خاتون ابنة جاولي، وهي التي بنت المدرسة بظاهر دمشق المطلة على وادي الشقراء، ونهر بردى. هذا أحد ما قيل في قتله.\rوقيل كان سبب مقتله أن والده كان به صاحب اسمه يوسف بن فيروز، وكان متمكناً منه حاكماً في دولته ثم في دولة والده هذا، فاتهم بأم شمس الملوك. وبلغه الخبر فهم بقتل يوسف فهرب منه إلى تدمر، وتحصن بها وأظهر الطاعة لشمس الملوك. وأراد شمس الملوك قتل أمه، فبلغها الخبر فقتلته خوفاً على نفسها، والله أعلم.\rوكان مولده في سابع جمادى الآخرة سنة ست وخمسمائة، فتكون مدة حياته اثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر، ومدة ملكه سنتين وتسعة أشهر وأياماً.\rشهاب الدين محمود\rابن تاج الملوك بورى بن طغرتكين ملك دمشق بعد مقتل أخيه شمس الملوك في شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وحلف له الناس واستقر له الأمر ثم وصل أتابك زنكي إلى دمشق ونازلها في أول جمادى الأولى من السنة، فبينما هو يحاصر دمشق إذ ورد عليه رسول الخليفة المسترشد بالله بالخلع ويأمره بصلح صاحب دمشق والرحيل عنها، فصالحه، وخطب له بدمشق مع صاحبها، وفارق البلد لليلتين بقيتا من الشهر.\rذكر ملكه مدينة حمص\rوفي الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وخمسمائة، تسلم شهاب الدين محمود مدينة حمص وقلعتها. وذلك أن أصحابها أولاد الأمير خرخان بن قراجا الوالي عليها من قبلهم ضجروا من كثرة تعرض عسكر زنكي إليها وإلى أعمالها، وتضييقهم على من بها، فراسلوا شهاب الدين في تسليمها، فأجابهم، وسار إليها وتسلمها، وسلم إليهم تدمر، وأقطع حمص لمملوك جده معين الدين أنر وجعل فيها نائباً عنه ممن يثق به من أعيان أصحابه، وعاد إلى دمشق ثم ملكها أتابك زنكي في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وتزوج زمرد خاتون والدة شهاب الدين لتحكمها بدمشق، وظن أنه تملك البلد باتصاله بها، فلم يتهيأ له ملكها.\rقال: واستمر ملك شهاب الدين محمود إلى سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، فقتل على فراشه في شوال منها، قتله ثلاثة من خواصه كانوا يبيتون عنده فقتلوه ليلاً، وخرجوا من القلعة فنجا أحدهما وقتل الآخران.\rذكر ملك جمال الدين محمد ابن تاج الملوك بورى بن طعرتكين\rملك دمشق بعد مقتل أخيه شهاب الدين محمود في شوال سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. وذلك أن محمود لما قتل، كتب معين الدين أنر إلى جمال الدين صاحب بعلبك بالخبر، واستدعاه ليملكه البلد، فجاء مسرعاً وجلس لعزاء أخيه، وخلف الجند وفوض أمر دولته إلى معين الدين أنر، وزاده في علو مرتبته، وأقطعه بعلبك، وزوجه بأمه.\rقال: ولما اتصل بزمرد خاتون قتل ابنها محمود كتبت إلى زوجها أتابك زنكي وهو بالجزيرة أن ينهض في طلب ثار ابنها، فسار مسرعاً وملك بعلبك عنوة في ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين، وحصر جمشق في سنة أربع وثلاثين، وبذل لمعين الدين حمص وبعلبك وغير ذلك على أن يسلم إليه دمشق فلم يوافق، فجد في الحصار. فبينما هو يحاصرها مرض جمال الدين محمد ومات في ثامن شعبان منها، فطمع زنكي حينئذ في البلد ووالى الزحف والقتال. قال: ولما مات جمال الدين ولى بعده ولده.\rمجير الدين ابق\rابن جمال الدين محمد بن الورى ابن طغرتكين","part":7,"page":313},{"id":3324,"text":"ملك دمشق بعد وفاة أبيه في ثامن شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وهي إذ ذال محاصرة، فقام بتدبير دولته معين الدين مدبر دولة أبيه. وداوم زنكي الحصار وضيق على أهل البلد، فعند ذلك راسل أنر الفرنج واستدعاهم لنصرته، وإعانته على حرب زنكي، وبذل لهم بذولاً من جملتها أن يحاصر بانياس ويسلمها إليهم، وخوفهم أن زنكي إن ملك دمشق قصدهم وغزاهم. فاجتمعوا وعزموا على المسير إلى دمشق، فاتصل ذلك بزنكي فتوجه إلى حوران وقصد غزو الفرنج وذلك في منتصف شهر رمضان. فبلغ خبره الفرنج فأقاموا ببلادهم، فعاد إلى حصار دمشق ثم نزل بعذرا في سادس شوال، وأحرق عدة ضياع من المرج والغوطة، وعاد إلى بلاده.\rووصل الفرنج إلى دمشق في ميعاد أنر، بعد رحيل زنكي فسار معهم إلى بانياس وحصرها وأخذها وسلمها للفرنج. ولما فعل ذلك عاد زنكي لمحاصرة دمشق فقاتله أهلها، فرحل عنهم. ثم اتفق قتل عماد الدين زنكي في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فسار مجير الدين ابق إلى بعلبك وحصبها وبها نجم الدين أيوب، فخاف أن أولاد زنكي لا يمكنهم إنجاده في عاجل الحال، فصالحه وسلم القلعة إليه، وأخذ منه إقطاعاً ومالاً، وملكه عدة قرى من بلد دمشق. وانتقل نجم الدين أيوب إلى دمشق وسكنها، وأقام بها، واستمرت دمشق بيد مجير الدين إلى أن ملكها نور الدين محمود بن زنكي في سنة تسع وأربعين وخمسمائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخباره.\rولما ملكها نور الدين تحصن مجير الدين بالقلعة، فراسله في تسليمها وبذل له إقطاعاً من جملته مدينة حمص، فأجاب إلى ذلك، وسلم القلعة وتسلم الإقطاع، وسار إلى حمص. ثم راسل أهل دمشق بعد ذلك على أن يسلموها إليه. فعلم نور الدين به، وأخذ منه حمص وعوضه عنها بآس، فلم يرض بها، وسار إلى بغداد وابتنى بها داراً بالقرب من النظامية. وتوفي بها.\rهذا ما كان من أخبار ملوك دمشق على سبيل الاختصار، وإنما أوردنا أخبارهم في هذا الموضع على سبيل الاستطراد، ولئن تكون أخبارهم متتابعة. فلنرجع إلى أخبار الملوك السلحفية، ولنذكر ملوك الروم منهم.\rالملوك السلجقية أصحاب قوينة واقتصرا ومالطية ودقوقا من الروم أول من ملك منهم شهاب الدولة قتلمش بن أرسلان بيغو ابن سلجق. وكان ابتداء أمره أنه عصى على السلطان طغرل بك في سنة ثلاث وخمسين وأربعماية، وملك قلعة كردكو وامتنع بها، وأخذ أموالاً كانت حملت من خوارزم إلى السلطان، فسير إليه طغرليك جيشاً فهزمه مرة بعد أخرى. فلما مات طغرليك أظهر شهاب الدين قتلمش العصيان على ألب أرسلان ابن جعفر بيك داود، وجمع جموعاً كثيرة، وقصد الري ليستولي عليها عندما بلغه وفاة طغرليك، فسار إليه السلطان ألب أرسلان والتقوا واقتتلوا فانهزم عسكر قتلمش، وفر هو لقصد كردكوه، فوجد ميتاً غير مقتول، كما ذكرنا ذلك في أخبار ألب أرسلان في سنة ست وخمسين وأربعماية، ولما مات ملك بعده ابنه سليمان.\rالملك سليمان\rابن شهاب الدولة قتلمش وهو الثاني من الملوك السلجقية بالروم، ملك ما كان بيد أبيه بعد وفاته في سنة ست وخمسين وأربعماية.\rفتح مدينة أنطاكية\rوفي سنة سبع وسبعين وأربعمائئة سار سليمان من بلاده، وقصد الشام وملك مدينة انطاكية، وكانت بيد الروم من سنة ثممان وخمسين وثلثمائة. وكان شبب ملكه إياها أن صاحبها الفزدرؤس الرومي كان قد سار عنها إلى بلاد الروم، ورتب في انطاكية شحنة وكان الفزدرؤس كثير الإساءة إلى أهل البلد وإلى جنده، حتى أنه حبس ابنه، فاتفق ابنه والشحنة على تسليم البلد إلى سليمان، فكاتبوه يستدعونه، فركب في البحر ومعه ثلثمائة فرس وكثير من الرجالة، وخرج منه وسار في جبال وعرة ومضايق شديدة حتى وصل إليها في وقت الموعد، فنصب السلاليم وصعد باتفاق من الشحنة وابن صاحبها، فملكها في شعبان من السنة. وقاتله أهل البلد فهزمهم مرة بعد أخرى، وقتل كثيراً منهم ثم عفا عنهم، وتسلم القلعة وأخذ من الأموال ما لا يحصى كثرة، وأحسن إلى الرعية وعدل فيهم، وأرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره بالفتح فأظهره الفرح بذلك وهنأ الناس.","part":7,"page":314},{"id":3325,"text":"قال: ولما فتحها أرسل إليه شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب حلب يطلب منه حمل ما كان صاحب انطاكية يحمله إليه، ويخوفه معصية السلطان. فأجابه أن صاحب انطاكية كان كافراً يحمل الجزية عن رأسه وأصحابه، وأنا مسلم والخطبة والسكة في بلادي للسلطان، وهذا الفتح إنما فتحته بسعادته وكاتبته به. فنهب شرف الدولة بلد انطاكية، ونهب سليمان بلد حلب، فلقيه أهل السواد، فشكوا إليه من نهب عسكره. فقال لهم: أنا كنت أشد كراهة لما جرى، ولكن صاحبكم أحوجني إلى ما فعلت، فلم تجر عادتي بنهب مال مسلم، ولا أخذ ماحرمته الشريعة، وأمر أصحابه بإعادة ما نهب على أصحابه، فأعادوه. ثم جمع شرف الدولة الجموع وسار لقتال سليمان، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم عسكر شرف الدولة وقتل هو؛ وذلك في يوم الجمعة لست بقين من صفر سنة ثمان وسبعين وأربعماية.\rقتل الملك سليمان قتلمش\rقال: ولما قتل سليمان بن شرف الدولة، أرسل إلى مقدم حلب يطلب تسليمها له، فأنفذ إليه مالاً، واستمهله إلى أن يكاتب السلطان ملكشاه. وأرسل المقدم إلى تتش صاحب دمشق يعده بتسليمها إليه، فسار تتش إلى حلب. فعلم سليمان بذلك، فسار نحوه والتقوا وقاتلوا، فانهزم أصحاب سليمان وثبت هو في القلب. فلما علين الهلكة. قتل نفسه بسكين، وقيل بل فتل في المعركة، واستولى تتش على معسكره، وذللك قي سنة تسع وسبعين وأربعماية. وكان سليمان قد أرسل جثة شرف الدولة مسلم في صعر سنة ثمان وسبعين على بغل، ملفوفة في إزار إلى حلب، وطلب من أهلها تسليمها إليه، فأرسل تتش جثة سليمان في صفر من السنة التي تليها على تلك الهيئة، وطلب منهم بسليمها. ولما قتل ملك بعده ببلاد الروم ولده والله أعلم.\rقلج أرسلان بن سليمان\rوهو الثالث من الملوك السلجقية بالروم.\rملك بعد قتل أبيه في صفر سنة تسع وسبعين وأربعماية، واستمر في المملكة الرومية وملك الموصل في سنة خمسمائة. وذلك أن صاحبها جكرمش كان قد حاصره جاولي سقاووا، وأسره ومات في أسره. فكتب أصحاب جكرمش إلى الأمير صدقة، وإلى مسيم الدولة اقسنقر البرسقي، وإلى قلج أرسلان، يستدعون كل واحد منهم إليها، ليسلموا إليه الموصل، فامتنع صدقة، وسار قلج أرسلان. فلما وصل إلى نصيبين رحل جاولي عن الموصل، واتفق وصول البرسقي وهو شحنة بغداد إلى الموصل، ونزل بالجانب الشرقي بعد رحيل جاولي وفي ظنه أنه يملك البلد، فلم يخرج إليه أحد من أهلها ولا راسلوه بكلمة واحدة، فعاد في بقية يومه. وأرسل أصحاب جكرمش وأهل الموصل إلى قلج أرسلان واستحلفوه لهم، فحلف، وحلفهم على الطاعة له والمناصحة، وسار إلى الموصل وملكها لخمس بقين من شهر رجب سنة خمسماية، وأسقط خطبه السلطان وخطل لنفسه بعد الخليفة، وأحسن إلى العسكر وخلع على ولد جكرمش وأخذ القلعة، من غزغلي مملوك جكرمش وجعل عليها دزدارا، ودفع الرسوم المحدثة في الظلم، ونشر العدل وتآلف الناس، وقال: من سعى إلي بأحد قتلته، فلم يسع إليه أحد بأحد.\rقتل الملك قلج أرسلان\rوملك ولده الملك مسعود كان مقتله في العشرين من ذي الفعدة من سنة خمسماية، وذلك أنه لما فارق جاولي الموصل سار إلى الرحبة وملكها بعد حصار وقتال، فلما أحكم الملك قلج أمر الموصل، سار عنها لقتال جاولي، وجعل ابنه ملكشاه في دار الإمارة بالموصل، وسنه إحدى عشرة سنة، وجعل معه أميراً يدبره وجماعة من العسكر. وكانت عدة عسكره أربعة آلاف فارس بالعدد الكاملة والخيل الجيدة. فسمع عسكره بقوة جاولي وكثرة أتباعه وجنده، فاختلفوا، فكان أول من خالف عليه إبراهيم بن ينال صاحب آمد، وكان معه لما فتح الموصل. ففارق خيامه وأثقاله وعاد من الخابور إلى بلده ثم فارقه غيره. فعمل قلج في المطاولة لما بلغه من قوة جاولي وكثر جموعه، وأرسل في طلب عساكره من الروم. وكان في جملة عسكر جاولي الملك رضوان صاحب حلب، فاغتنم جاولي قلة أصحاب قلج فقاتله قبل وصول عسكره، واقتتلوا قتالاً شديداً، فحمل قلج بنفسه وانهزم أصحابه. فلما رأى قلج انهزام عسكره ألقى نفسه في الخابور،وحمى نفسه بالنشاب، فانحدر به الفرس إلى ماء عميق، وغرق، فظهر بعد أيام، فدفن بالسليمانية وهي قرية من قرى الخابور. وسار جاولي ودخل الموصل وأرسل ملكشاه بن قلج إلى السلطان محمد.","part":7,"page":315},{"id":3326,"text":"قال: وملك بعده ولده الملك مسعود بن قلج، وأقام في الملك إلى سنة إحدى وخمسين وخمسماية، فتوفي فيها. ولم أقف من أخباره على شيء أورده له، وملك بعده ولده.\rالملك عز الدين قلج\rأرسلان بن مسعود ابن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن أرسلان بيغو بن سلجق وهو الخامس من الملوك السلجقية ببلاد الروم.\rملك بعد وفاة والده في سنة إحدى وخمسين وخمسماية. وكان ذا سياسة، وعدل وافر، وهيبة عظيمة، وله غزوات كثيرة إلى بلاد الروم. وكان له من بلاد الروم قونية وأعمالها واقصرا وسيواس وملطية وغير ذلك، وكان له عدة أولاد، فلما كبرت سنه فرق بلاده على أولاده في حياته، وملك نحو تسع وعشرين سنة.\rذكر تسليمه البلاد لبنيه وبني أخيه وما جعل لكل منهم\rقال المؤرخ: لما ضعف الملك عز الدين قلج أرسلان هذا عن القيام بوظائف الملك لكبر سنه، أفرد البلاد لأولاده وأولاد أخيه وسلم لكل واحد منهم جهة، فسلم إلى ابنه ركن الدين سليمان دوقاط، وإلى ابنه غياث الدين كيخسرو قونية، ولولده محي الدين أنقرة - وتسمى أنكورية - ولولده معز الدين قيصر شاه ملطية، ولولده مغيث الدين طغرل شاه أتلستين، ولولده نور الدين محمود قيسارية، ولولده قطب الدين سيواس وأقصرا، ولولد أخيه نكسار، ولولد أخيه أماسيا. هذه أمهات البلاد، ويضاف إلى كل جهة ما تجاورها. ثم ندم على ذلك وأراد أن يجمع جميع المملكة لولده الأكبر قطب الدين، وخطب له ابنة الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب مصر ليتقوى به، فلما اتصل ذلك ببقية أولاده امتنعوا من طاعته، وأزالوا حكمه عنهم، فكان يتردد بينهم على سبيل الزيارة، ثم توجه إلى ولده غياث الدين كيخسرو صاحب قونية. فخرج إليه وقبل الأرض بين يديه واستبشر بقدومه، واتمر بأمره، فقال له: أريد أن أسير إلى ولدي محمود صاحب قيسارية، وآخذها منه فسار هو وولده كيخسرو، وحصرا محمود، فمرض قلج أرسلان، وتوفي في منتصف شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة فعاد كيخسرو إلى بلده، واستقر كل واحد منهم على ما بيده من البلاد.\rقتل نور الدين\rمحمود واستيلاء قطب الدين على قيسارية ووفاته واستيلاء ركن الدين سليمان على سائر المملكة قال: كان قطب الدين صاحب أقصرا وسيواس إذا توجه من أحدهما إلى الأخرة يجعل طريقه على قيسارية، ويجتمع بأخيه نور الدين محمود صاحبها، ويظهر له المودة. فاطمأن له محمود. وكان الأمير اختيار الدين حسن أحد أمراء والده يحذره عاقبة طمأنينته لأخيه، فنزل قطب الدين في بعض الأحيان بظاهر قيسارية وجاء نور الدين إليه فقتله، ورمى برأسه إلى أصحابه، وتسلم البلد بعد أن امتنع من بها عليه، ثم قتل الأمير اختيار الدين حسن وكان من أكابر الأمراء الديانين، وألقاه في الطريق، فجاء كلب ليأكل من لحمه، فثار الناس وقالوا: لا سمعاً ولا طاعة هذا أمير كبير في الإسلام، وبنى مدرسة للعلم، وله صدقات دارة، ولا نتركه تأكله الكلاب ، فأمر عند ذلك بدفنه، فدفن في مدرسته. ثم مرض فطب الدين ومات، فسار أخوه ركن الدين سليمان صاحب دوقاط إلى سيواس، وهي تجاوره، فملكها ثم ملك قيسارية أقصرا.\rثم سار بعد ذلك إلى قونية، وبها أخوه غياث الدين فحصروه بها. وملكها، ففارقها غياث الدين إلى الشام. ثم عاد إلى الروم وسار إلى القسطنطينية، ثم ملك البلاد على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوسار ركن الدين بعد ذلك إلى نكسار وأماسيا فملكها من ابني عمه، وملك ملطية في شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسماية، وفارقها أخوه معز الدين قيصر شاه، وسار إلى الملك العادل أبي بكر، وكان زوجه ابنته. فاجتمع لركن الدين سليمان ملك جميع البلاد التي كانت بيد إخوته وأولاد عمه إلا أنقرة، فإنها امتنعت عليه لحصانتها، فجعل عليها من عسكره من يحصرها، فحوصرت ثلاث سنين كوامل وتسلمها في سنة ستماية، وعوض أخاه محي الدين عنها قلعة في أطراف بلاده، وحلف له عليها، فسار محي الدين إليها فجهز في إثره من قتله.\rوفاة ركن الدين سليمان\rوملك ولده قلج أرسلان","part":7,"page":316},{"id":3327,"text":"قال: ولما غدر بأخيه خحي الدين صاحب أنكورية وقتله، لم يمهله الله عز وجل، فمرض بالقولنج، بعد قتله لخمسة أيام، ومات في سبعة أيام، وكانت وفاته في سادس ذي القعدة سنة ستماية، وكان قيماً بأمر الملك، شديدأ على الأعداء، إلا أن الياس كانوا ينسبونه إلى فساد في اعتقاده، وأنه يقول بقول الفلاسفة. وكان كل من رمى بهذا المذهب يأوى إليه، لكنه كان يستر ذلك عن الناس، ولا يتظاهر به.\rقال: ولما مات اجتمع الناس بعده على ولده قلج أرسلان، وملكوه عليهم وكان صغير السن، فبقى إلى بعض سنة إحدى وستماية.\rذكر ملك غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قلتمش بن أرسلان بيغو بن سلجق، بلاد الروم من ابن أخيه، وهو الثاني من ملوك السلجقية بالروم\rملك المملكة الرومية في شهر رجب، سنة إحدى وستماية. وذلك أن ركن الدين سليمان لما أخذ منه قونية، كما قدمناه، قصد الشام إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب، فلم يجد عنده قبولاً، فسار من عنده وتنقل في البلاد إلى أن سار إلى القسطنطينة، فأحسن إليه ملك الروم وأكرمه وأقطعه إقطاعاً، فأقام عنده وتزوج بابنة بعض البطارقة الأكابر. وكان للبطريق قلعة من قلاع القسطنطينية، فلما ملك الفرنج قسطنطينية، هرب غياث الدين إلى حميه، بالقلعة، فنزل عنده وقاسمه فيما هو فيه وقنعا بها فلمما مات أخوه في سنة ستماية كما ذكرناه، وملك ولده قلج أرسلان، فخالف عليه بعض الأمراء الأكابر وكان من الترك، فأنف أن يملك صغيراً، فراسل غياث الدين فحضر إليه في جمادى الأولى، واجتمع معه بعض العسكر وتوجه إلى قونية وبها قلج أرسلان بن أخيه، فخرج له بعض عسكرها فهزموه وبقي حيران ولايدري ما يصنع، ولا أين يتوجه. فقصد بلدة صغيرة من بلاد قونية يقال لها أوكرم، فقدر الله أن أهل مدينة أقصرا وثبوا على واليها، فأخرجوه منها ونادوا بشعار غياث الدين. فلما وصل الخبر أهل قونية قال أهلها: نحن أولى بذلك منهم، لأنه كان حسن السيرة فينا، فنادوا باسمه، وأخرجوا من عندهم، واستدعوه، فملك المدينة وقبض على ابن أخيه، وملك البلاد أجمع في ساعة واحدة، فسبحان من إذا أراد أمراً هيأ أسبابه. وحضر إليه أخوه قيصر شاه الذي كان صاحب ملطية، فلم يجد عنده قبولاً، فأعطاه شيئاً وأمره بمقارقة البلاد، فعاد إلى الرها، واستتب الملك لكيخسروا وأعظم شأنه، والله أعلم.\rذكر ملكه مدينة أنطاكية\rوفي ثالث شعبان سنة ثلاث ستماية ملك الملك غياث الدين كيخسروا مدينة أنطاكية بالأمان، وكانت للروم. وكان قد حصرها قبل هذا التاريخ وهدم عدة أبرجة من سنورها، وأشرف على فتحها عنوة، فاستنجد من بها من الروم بفرنج جزيرة قبرص، فوصل إليها جماعة منهم فيئس منها وفارقها وترك طائفة من أصحابه بالقرب منها في الجبال التي بينها وبين بلاده، وأمرهم بقطع الميرة عنها. فضاق أهلها فطلبوا من الفرنج الخروج لدفع المسلمين عن مضايقتهم، فظنوا أنهم يريدون إخراجهم من المدينة. فوقع الخلف بينهم، فاقتتلوا فأرسل الروم إلى المسلمين يطلبونهم ليتسلموا البلد، فوصلوا إليهم واجتمعوا معهم على قتال الفرنج، فانهزم الفرنج منهم واعتصموا بالحصن. فأرسل المسلمون يطلبون كيخسرو، فجاء من قونية وحصر الفرنج وتسلم الحصن. واستمر غياث الدين كيخسرو في الملك إلى أن توفي سنة سبع وستماية وملك بعده ولدته الملك الغلب عز الدين كيكاووش ابن كيخسرو، وملك كيكاووش هذا بعض بلاد حلب، وانتزعت منه،واستمر في المملكة الرومية إلى سنة ست عشرة وستماية، فتوفي ولم يكن له ولد فملك بعده أخوه.\rذكر ملك علاء الدين كيقباذ بن غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن أرسلان بيغو بن سلجق وهو العاشر من ملوك السلجقية بالروم\rملك بعد وفاة أخيه قي سنة ست عشرة وستماية، وكان أخوه كيكاووش قد اعتقله لما ملك، وأشار عليه أصحابه بقتله فلم يفعل. فلما مات كيكاووش أخرج الجند كيقباذ وملكوه عليهم. وقيل إنه لما اشتدت علة كيكاووش أخرجه من الاعتقال، وحلف له العساكر.","part":7,"page":317},{"id":3328,"text":"قال: ولما ملك كيقباذ خالف عمه مغيث الدين طغرل شاه بن قلج أرسلان صاحب أرزن الروم؛ ومغيث الدين هذا هو الذي أمر ولده أن ينتصر وزوجه ملكة الكرج، وأقام معها مدة، فهويت غيره من مماليكها فرآه معها، فأنكر ذلك عليها، فاعتقلته. ومات مغيث الدين هذا في سنة اثنتين وعشرين وستماية، وملك بعده ابنه.\rقال: ولما ملك كيقباذ خاف من الروم المجاورين لبلاده، فأرسل إلى الملك الأشرف صاحب دمشق وصالحه، وتعاهد على المصافاة والتعاضد، والله أعلم.\rوفي سنة ثلاث وعشرين وستماية في شعبان سار كيقباذ إلى بلاد الملك المسعود صاحب آمد، وملك عدة من حصونه. وكان صاحب آمد قد اتفق مع السلطان جلال الدين خوارزم شاه على مخالفة الأشرف صاحب دمشق، فأرسل الأشرف إلى كيقباذ بقصد آمد، فسار وفتح حصن منصور وحصن سمسنكاذا وغيرهما. فلما رأى صاحب آمد ذلك راسل الملك الأشرف، وعاد إلى موافقته. فأرسل الأشرف إلى كيقباذ يعرفه الصلح وأن يعيد إلى صاحب آمد ما أخذه، فامتنع وقال: ما أنا نائب الأشرف يأمرني وينهاني فأمر الأشرف عساكره بمساعدة صاحب آمد إن أصر ملك الروم وساروا إلى كيقباذ وهو يحاصر قلعة الكختا، فالتقوا في شوال فانهزم صاحب آمد ومن معه هزيمة عظيمة، وأسر كثير من أصحابه، وجرح، وملك كيقباذ قلعة الكختا.\rوفي سنة خمس وعشرين وستماية ملك كيقباذ أرزنكان وكان صاحبها بهرام شاه قد طال ملكه بها، وجاوز ستين سنة، ولم يزل في طاعة السلجقية ملوك الروم. فلما توفي ملك بعده ولده علاء الندين داود شاه، فأرسل إليه كيقباذ يطلبه بعسكره يسير معه إلى مدينة: أرزن الروم ليحاصرها. فحضر إليه فقبض عليه وأخذ مدينته، ثم ملك حصن كماخ، وكان من أمنع الحصون. وقصد أرزن الروم ليأخذها من ابن عمه طغرل شاه، فاستنجد صاحبها بالأمير حسام الدين على نائب الأشرف بخلاط، وأظهر طاعة الأشرف، فسار إليه بمن عنده من العسكر خوفاً أن كيقباذ إذا ملك أرزن الروم قصد خلاط وغيرها، فعاد ولم يقدم على قصدها، وتوجه إلى مدينة أنطاكية ليشتو بها والله أعلم.\rذكر اجتماع كيقباذ والأشرف على حرب جلال الدين خوارزم شاه وانهزامه منهما\rكان سبب ذلك أن جلال الدين خوارزم شاه لما حاصر خلاط حضر إليه صاحب أرزن الروم، وهو طغرل شاه السلجقي ابن عم كيقباذ، وأطاعه وأعانه على الحصار. وكان بينه وبين ابن عمه عدواة مستحكمة فخاف كيقباذ أن السلطان جلال الدين يتوصل إلى ملك بلاده، فراسل الملك الكامل صاحب مصر. وهو إذ ذاك بحران، وساله أن يستدعي الملك الأشرف من دمشق، فأحضر الملك الكامل أخاه الأشرف واجتمع هو وكيقباذ، واتفقا على حرب جلال الدين. وكان عسكر كيقباذ عشرين ألف فارس وعسكر الأشرف خمسة آلاف فارس، إلا أنهم كانوا من الشجعان الذين لا يقوم أحد بحربهم. فسار جلال الدين لقتالهم والتقوا يوم السبت الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستماية بمكان من أعمال أرزنجان، فانهزم جلال الدين وعاد إلى خلاط، فأخذ من كان بها من أصحابه وفارقها، وأسر في هذه الوقعة جماعة من أصحاب السلطان. فأمر كيقباذ بضرب أعناقهم، وأسر ابن عنه صاحب أرزن الروم، وقصد به بلده، فتسلم أرزن الروم وما معها من القلاع، وما بها من الخزائن وغيرها. فكان طغرل شاه كما قيل: خرجت النعامة تطلب قرنين فعادت بلا أذنين؛ وكان هذا قد عاهد جلال الدين عللى أنه يملكه بعض بلاد كيقباذ، فأخذ ما بيده. واستمر كيقباذ في الملك إلى أن توفي، وكانت وفاته في سنة أربع وثلاثين وستماية، وملك بعده ولده.\rذكر ملك غياث الدين كيخسرو ابن الملك علاء الدين كيقباذ غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن أرسلان بيغو بن سلجق، وهو الحادي عشر من الملوك السلجقية، بالروم\rملك المملكة الرومية بعد وفاة أبيه الملك كيقباذ في سنة أربع وثلاثين وستماية. وجلس على تخت السلطنة بمدينة قونية وراسله الملوك في الموافقة، وهي السنة التي وصل التتار فيها إلى الروم.","part":7,"page":318},{"id":3329,"text":"وفي سنة خمس وثلاثين أرسل غياث الدين إلى والدة الملك العزيز بخطب بنت ابنها العزيز لنفسه، وأن يتزوج الملك الناصر صاحب حلب أخت السلطان غياث الدين. فاستفر بينهمما الأمر، وعقد عقد السلطان على غازية خاتون ابنة الملك العزيز على ختممسين ألف دينننار. ووصل الصاحب كمال الدين بن العديم من حلب إلى السلطان. فزوج أخته من الملك الناصر على نظير هسذا الصداق. فحصل الاتفاق بينهما، ثم أرسل السلطان غياث الدين إلى حلب يطلب أن تقام له الخطبة بها وتضرب السكة باسمه. فتوقفت الصاحية والدة العزيز في ذلك، فأشير عليها بالموافقة فأجلبت إلى ذلك، وخطب له بحلب. وفي سنة إحدى وأربعين وستماية، دخل بيجو مقدم التتار إلى بلاد الروم، والتقى هو والسلطان غياث الدين فكيرهم كيخسرو، ثم عاودوت القتال فهزموه، وقتل جماعة من أصحابه، والتجأ إلى بعض المعاقل؛ ثم حصلت المهادنة على أتاوة يؤديها غياث الدين للتتار في كل سنة.\rوفي ينة أربع وخمسين وستماية وصل التتار إلى بلاد الروم صحبه جرماغون وبيجو من قبل منكوفان الملك، فخرج السلطان غياث الدين لقتالهم بجميع عساكره، واستصحب حريمه ليقاتل قتال الحريم. واستشار أصحابه فيما يفعل، فكان منهم من هول عليه أمر التتار، وكان غياث الدين قد زوجه والده بكرجين خاتون ابنة ملك الكرج. فلما أفضت السلطنة إليه جعل أخاها مقدماً على الجيش، وكان نصرانياً، لم ينتقل عن ملته، فكرهه الأمراء وكرهوا السلطان بسببه. فلما كان في هذا الوقت قال للسلطان غياث الدين: ضم إلى من في عسكرك من الكرج والفرنج، وأنا ألقي التتار بهم. فغاظ الأمراء كلامه،وتقدم أحد أعيانهم فحلف أنه لا بد يلقى التتار بنفسه، ومن صحبه، وركب في نحو عشرين ألف فارس، وتقدم إلى التتار وهو بصحراء اقشهر زنجان، وكان غياث الدين على الجبل الأقرع واسمه كوسا داغ، وهو مشرف على الوطأة التي نزل بها التتار. وسار الأمير فيمن معه، وتبعه السلطان ببقية الجيش فوجد المقدم أمامه واد قطعه السيل، فلم يستطع قطعه إلى جهة التتار. فركب التتار وقصدوه ودنوا منه وراسلوا بالسهام، فأهلكوا أكثر الخيل التي معه، فكان السهم لايقع إلا في فرس أوفاوس، فتفرقوا عند ذلك، وطلبوا النجاة لأنفسهم، وهي دار المملكة، ومسافتها من المكان الذي هو فيه نحو شهر، فسرن صحبة أمير، ولم يحملن معهن إلا ما خف، ورجع السلطان وبرك الوطاق والدهاليز والخيام منصوبة، وبها الأثفال والخزائن والذخائر. وأقام التتار ثلاثة أيام لم يقدموا على دخول الوطاق ظناً منهم أنها مكيدة، ثم عبروا الوطاق واستولوا على ما فيه، ورجعوا.\rوتوفي غياث الدين في هذه السنة، وخلف ثلاثة أولاد: عز الدين كيكاووش، وركن الدين فلج أرسلان وعلاء الدين كيقباذ.\rذكر أحوال أولاد السلطان غياث الدين كيخسرو بعد وفاة أبيهم\rقال: لما توفي غياث الدين استقر أولاده الثلاثة في السلطنة، ولم ينفرد بها أحد عن الآخر، وضربت السكة باسمهم جميعاً، وخطب لهم وكان والدهم قد جعل ولاية عهده لولده علاء الدين كيقباذ بن كرجى خاتون، فاتفقوا على أن يتوجه إلى منكوقان يطلب منه الصلح والهدنة، ويقرر له أتاوة. هذا بعد استولى بيجو على قيسارية وأعمالها وما حولها، وصار بيده من المملكة الرومية مسافة شهر.\rقال: فتوجه علاء الدين كيقباذ إلى منكوقان ملك التتار ومعه الهدايه والتحف، وذلك في سنة خمس وخمسين وستماية. وقصد الأرد ومعه الأمير سيف الدين طرنطاوي، وهو من أكابر الأمراء وشجاع الدين ملك السواحل. وأقام أخواه بقونية فاختلفت آراؤهما آل أمرهما إلى القتال. فانتصر عز الدين كيكاووش واستقر بقونية بمفرده، واعتقل ركن الدين قلج أرسلان، كل ذلك وبيجوا بالروم.","part":7,"page":319},{"id":3330,"text":"قال: ولما اعتقل قلج أرسلان، ضاق أصحابه ومنهم الصاحب شمس الدين الطغراي والأمير سيف الدين جاليش وغيرهم، ففكروا فيما يفعلون فزوروا كتاباً عن السلطان عز الدين كيكاووش إلى سيف الدين طرنطاي ورفيقه، أن يسلما إليهم السلطان علاء الدين كيقباذ، وما معهما من الهدايا والتحف، ليتوجه الصاحب بذلك إلى منكوقان، ويعود طرنطاي ورفيقه إلى قونية. وساروا بهذه الكتب الموضوعة في إثر السلطان كيقباذ، فلحقوه وقد وصل إلى أردوباطوة فدخلوا على باطو وقالوا: إن السلطان عز الدين مان قد أرسل أخاه ليتوجه إلى القان وأرسل معه هذين - يعنون طرنطاي ورفيقه - ثم اتضح له أنهما قد أضمرا السوء، وأن طرنطاي ضربته صاعقة فيما مضى من الزمان، فلا يصلح أن يدخل بين يدي القان. ورفيقه شجاع الدين طبيب ساحر، وقد أخذ صحبته شيئاً من السم القاتل ليغتال به منكوقان. فأرسلنا عوضاً عنهما وأمر بردهما، فلما سمع باطو ما قاله الصاحب، أمر بإحضار طرنطاي ورفيقه وفتش ما معهما من القماش والأصناف، فكان فيه براني أشربة وعقاقير، من جملتها السقمونيا، فأمره أن يأكل من ذلك فأكل وامتنع من السقمونيا فظنها باطو سماً، واستدعى الأطباء فقالوا إنه من الأدوية وآخر الأمر أن باطو خير الصاحب ورفقته بين أن يستصحبوا الهدايا إلى القان، ويكون السلطان صحبة طرنطاي ورفيقه أو العكس. فاختار الصاحب أن يكون السلطان معه والهديا مع طرنطاي، وافترقا على ذلك. وتوجه السلطان كيقباذ والصاحب إلى القان وتوجه طرنطاي ورفيقه بالهدايا إليه، وافترقوا في الطريق، فكل قصد جهة. واتفقت وفاة السلطان في طريقه، وجرت لهم خطوب يطول شرحها، آخرها أنهم وصلوا إلى القان بالأردو وتنافسوا الرياسة في مجلسه، ثم اتفق الحال أن بكون مملكة الروم مقسومة بين الأخوين، فجعل لعز الدين كيكاووش من نهر سيواس إلى حد بلاد اشكري، ولركن الدين قلج أرسلان من نهر سيواس إلى تخوم أرزن الروم من الجهة الشمالية المتصلة ببلاد التتار. واستقر عليهما أتاوة يحملونها إلى الأردو وعاد الصاحب شمس الدين وطرنطاي ورفقتهما من عنده، فما وصلوا إلى الروم حتى دخله التتار، وكان بينهم وبين السلطان عز الدين ما نذكره إن شاء الله في أخبار التتار.\rقال: ووصل الصاحب ورفقته إلى الروم في سنة سبع وخمسين وستماية، واستقرت القسمة بين الأخوين على ما فرره منكوقان، وانفرد كل منهما بما استقر له، وانضم إليه جماعة من الأمراء. ثم قدم هولاكو وملك بغداد، فاستدعاهما فسار إليه، وحضرا معه أخذ حلب، ثم عادا إلى بلادهما على القسمة التي قسمها منكوقان فلما كان في سنة ستين وستماية بعث هولاكو يستدعي شمس الدين يوتاش نائب السلطان عز الدين، فأرسله إليه فوصل إلى أرزنكان صحبة رسل هولاكو. فوافق وصولهم إليها عند غطاس النصاري،فخرجوا إلى الفرات بجمع كثير، ومعهم الجاثليق وقد رفعوا الصلبان على الرماح، وأعلنوا بالنواقيس والصياح، فأنكر عليهم شمس الدين، وقصد منعهم، فمنعه رسل هولاكو، وقالوا: هذه بلاد السلطان ركن الدين فلا يحدث فيها وسألوا الجاثليق: كيف كان عادتكم في أيام السلطان غياث الدين؟ فقال: كنا نحمل له ثلاثة آلاف درهم، ونعمل ما نختار فأخذوا منه ثلاثة آلاف درهم ومكنوه من عمل العيد كما أراد. فلما جرت هذه المفاوضة بين رسل هولاكو وشمس الدين، عاد مغضباً ورجع إلى السلطان عز الدين، وحمله على المخالفة والعصيان، فوافقه على ذلك واستولى على أكثر بلاد أخيه ركن الدين. فتوجه ركن الدين إلى هولاكو واستنصر به، فبعث معه تومانا من التتار، فكسرهم عز الدين. ثم استمدوا هولاكو، فأمدهم بتومان آخر فهرب عز الدين وفارق البلاد ودخل إلى الأشكري بالقسطنطينية، وصحبته أخواله، وهما على دين النصرانية، وثلاثة نفر من أمرائه. واستولى ركن الدين على جميع البلاد واستقل بملكها.","part":7,"page":320},{"id":3331,"text":"وأما عز الدين فإنه لما وصل إلى الأشكري أكرمه وأحسن إليه، فأقام عنده إلى سنة اثنتين وستين وستماية، فقصد الأمراء الذين كانوا معه وهم عز الدين أمير آخر، وعلى بهادر، وأمير مجلس، أن يثبوا على الأشكري فيقتلوه، وأعلموا صاحبهم عز الدين بذلك. وقالوا له: اكتمه عن خاليك فلم يكتمه عنهما، وأعلمهما به، وأمرهما أن يعرفا الأشكري بذلك، وأنه لا يركب في اليوم الذي قصد الأمراء الفتك به فيه. فعرفاه، فقبض على الأمراء وكحلهم، وقبض على السلطان عز الدين واعتقله بقلعة من القلاع الغربية، فأقام بها إلى سنة ثمان وستين وستماية. وجمع الأشكري أصحاب الأمراء وأتباعهم، وعرض عليهم الدخول في دينه. فمن وافق تركه، ومن أبى كحله. فمنهم من وافق وتنصر، ومنهم من امتنع فكحل، وعرض على رجل منهم أن ينتصر فصاح وقال: الجنة معدة للإسلام، والنار معدة لكم فقال: هذا رجل ثابت على دينه وأطلقه، وكتب له ورقة للطريق.\rوفي سنة ثمان وستين وستماية خلص السلطان عز الدين وأهله من الاعتقال، وسبب ذلك أن منكوتمر بن طغان جهز عسكر إلى اسطنبول، فأغاروا عليها، وأخذوا عز الدين من القلعة التي كان بها، وأحضروه إلى منكوتمر، فأكرمه وأحسن إليه وأقام ببلاده قرم، وتزوج بها، واستمر إلى أن توفي في سنة سبع وسبعين وستماية.\rقتل ركن الدين قلج\rأرسلان وولاية ابنه غياث الدين كيخسرو وفي سنة ست وستين وستماية دبر البرواناه على السلطان ركن الدين، واتفق مع التتار الذين عنده على قتله ليتمكن من البلاد. فعمل وليمة واجتمع فيها التتار، واستدعوا السلطان فحضر إليهم وأكل وشرب، فقاموا إليه وخنقوه بوتر، فمات، واستقر في الملك بعده ولده السلطان غياث الدين كيخسرو، وله من العمر أربع سنين، واستولى البرواناه على الحكم في المملكة الرومية، والله أعلم.\rذكر خبر البرواناه معين الدين سليمان وأصله وتنقله\rأما أصله فمن الديلم. وكان والده مهذب الدين علي. حضر وهو شاب في أيام السلطان علاء الدين كيقباذ إلى سعد الدين المستوفى بالروم، وهو إذ ذاك نافذ الحكم، فسأله أن يجري عليه جارياً في بعض المدارس، يكون درهماً في اليوم، يقتات به. وكان شاباً جميلاً وسيماً من طلبة العلم، فممال إليه المستوفى فقال: أريد أن أتخذك ولداً وأخذه وقربه وأدناه وأحسن إليه، وزوجه بابنته ثم اتفقت وفاة المستوفى، فوصف مهذب الدين للسلطان علاء الدين بالكفاية والمعرفة والفضيلة، فقربه منه، وترشح للوزارة واستوزره وألقى إليه مقاليد الدولة، ورزق مهذب الدين ولده معين الدين سليمان المسمى بالبرواناه.\rوتقدم معين الدين في الدولة السلجقية إلى أن استولى على الحل والعقد. ولم يكن للسلطان غياث الدين كيخسرو هذا معه في السلطنة غير الاسم. ومعين الدين هذا هو والد الأمير علاء الدين علي بن البرواناه، أحد أمراء الدولة الناصرية. وولى القاهرة، ثم ولى نيابة دار العدل الشريف، وتقدم على الجيوش. قال: واستمر غياث الدين كيخسرو في اسم السلطنة بالروم إلى أيام السلطان أحمد في سنة إحدى وثمانين وستماية، فاستدعاه إلى الأردو، وعزله عن السلطنة، ورسم له بالإقامة بارزنكان، فأقام بها إلى سنة اثنين وثمانين وستماية. فدس عليه أرغون بن أبغا من خنقه بوتر فمات.\rولما عزل غياث الدين فوض السلطان أحمد السلطنة في الروم إلى السلطان مسعود ابن السلطان غياث الدين كيكاووش ابن السلطان غياث الدين كيخسرو ابن السلطان علاء الدين كيقباذ ابن السلطان غياث الدين كيخسرو ابن السلطان عز الدين قلج أرسلان ابن الملك مسعود ابن الملك قلج أرسلان ابن الملك سليمان ابن الملك شهاب الدولة قتلمش بن رسلان بيغو بن سلجق ملك المملكة الرومية، بعد عزل غياث الدين كيخسرو ابن ركن الدين قلج أرسلان في أيام السلطان أحمد في سنة إحدى وثمانين وستماية، فاستمر وليس له من الأمر شيء إلا اسم السلطنة خاصة، والحكم في المملكة الرومية للتتار وشحانهم \" جمع شحنة \" .\rهذا آخر ما اتصل إلينا من أخبارهم إلى حين وضعنا هذا التأليف في سنة أربع عشرة وسبعماية. فلنذكر أخبار الدولة الأتابكية، لأنها من فروع الدولة السلجقية، وبتمامها يتم هذا الباب إن شاء الله تعالى.\rالدولة الأتابكية","part":7,"page":321},{"id":3332,"text":"وهذه الدولة من فروع الدولة السلجقية كان ابتداؤها أولاً بحلب في سنة تسع وسبعين وأربعماية، ثم انقطعت بقتل اقسنقر مدة ثم قامت بالموصل وحلب والشام وبمصر خطبة. وقاعدة هذه الدولة وعمادها المشار إليه من ملوكها نور الدين محمود بن زنكي. ونحن نذكر أصل هذا البيت الأتابكي وننقله إلى أن ملك نور الدين الشهيد وما انتهى إليه حال هذه الدولة إلى حين انقراضها، فنقول أصل البيت الأتابكي اقسنقر التركي.\rقسيم الدولة أقسنقر التركي\rكان تركيا من أصحاب السلطان ركن الدولة ملكشاه السلجقي، وتربى معه من صغره وهو من أترابه، واستمر في صحبته حتى أفضت إليه السلطنة، فكان من أعيان أمرائه، واعتمد عليه في مهماته وزاد في علو مرتبته، ومما يدل على مكانته وعلو شأنه كونه لقب قسيم الدولة مع صون الألقاب والمشاححة فيها في ذلك الوقت.\rولما ملك السلطان ملكشاه مدينة حلب كما ذكرناه في أخباره سلمها لقسيم الدولة في سنة تسع وسبعين وأربعماية، وقيل في سنة ثمانين، فعمرها وأحسن السيرة فيها فمال الناس إليه وأحبوه، ثم تسلم من الأمير نصر بن علي بن منقذ الكناني صاحب شيزر، اللاذقية وأفامية وكفر طاب، فأشار الوزير نظام الملك على السلطان ملكشاه أن يسلم ذلك إلى قسيم الدولة مع حماه ومنبج، فأقطعه السلطان جميع ذلك، فعظمت هيبته، وظهرت كفايته، وقمع أهل الفساد والبغي. ثم استدعاه السلطان إلى العراق فقدم متجملاً بعسكر عظيم، فاستحسن ذلك منه وعظمه وأعاده إلى أعماله.\rوفي سنة أربع وثمانين ملك حصن أفامية والرحبة. واستمر قسيم الدولة كذلك إلى أن مات السلطان ملكشاه في سنة خمس وثمانين، فجهز عند ذلك جيشاً إلى تكريت فملكها. واتفق أن تاج الدولة تتش صاحب دمشق طمع بعد وفاة أخيه السلطان ملكشاه في السلطنة، فسار من دمشق إلى حلب، فلم يمكن قسيم الدولة إلا موافقته والدخول في طاعته. وكان من أمر تتش ما قدمناه في أخباره، وفارقه قسيم الدولة والتحق بالسلطان بركياروق ولد صاحبه السلطان ملك السلطان ملك شاه كما قدمنا ذكر ذلك مبيناً.\rذكر قتل قسيم الدولة\rقال: ولما فارق قسيم الدولة تتش واستمر في خدمة السلطان بركياروق وعاد تتش إلى الشام، أمر بركياروق قسيم الدولة وبوزان صاحب حوران بالعود إلى بلادهما ليمنعا تتش من التغلب عليهما، فعادا، وجمع تتش العساكر وسار نحو حلب، فاجتمع قسيم الدولة وبوزان، وأمدهما السلطان بركياروق بالأمير كربوقا صاحب الموصل. فالتقوا مع تتش بالقرب من تل السلطان على ستة فراسخ من مدينة حلب. فانهزم جيش قسيم الدولة وأخذ أسيراً، فقتله تتش صبرا، ودخل بوزان وكربوقا حلب، فحصرهما تاج الدولة تتش وفتحها وأخذهما، فقتل بوزان واعتقل كربوقا، فلم يزل إلى أن خلص في أيام الملك رضوان بعد قتل تتش. وكان مقتل قسيم الدولة في سنة سبع وثمانين وأربعماية. وكان رحمه الله حسن السيرة والسياسة كثير الإحسان إلى رعيته فكانوا في أيامه بين عدل غامر ورخص شامل وأمن واسع، رحمه الله تعالى.\rعماد الدين أتابك زنكي\rبن قسيم الدولة اقسنقر","part":7,"page":322},{"id":3333,"text":"قال المؤرخون: لما قتل قسيم الدولة كان عمر ولده زنكي نحو عشر سنين، ولم يخلف من الذرية غيره، فاجتمع مماليك والده عليه وأصحابه. فلما خلص قوام الدين كربوقا من السجن، بعد قتل تتش في سنة تسع وثمانين وأربعماية، وملك حران ونصيبين والموصل وماردين، وعظم شأنه وهو في طاعة السلطان بركياروق، أحضر مماليك قسيم الدولة، وأمرهم بإحضار عماد الدين زنكي، وقال: هو ابن أخي، وأنا أولى الناس بتربيته فأحضروه إليه، وأقطعهم كربوقا الإقطاعات السنية واستعان بهم في حروبه، وسار بهم إلى آمد وصاحبها من أمراء التركمان، والتقوا فهزمهم كربوقا. وهو أول مصاف حضره زنكي بعد قتل والده. ولم يزل عند كربوقا إلى أن توفي كربوقا في سنة أربع وتسعين وأربعماية. وملك بعده موسى التركماني، فقتل ولم تطل مدته. ثم ملك الموصل شمس الدولة جكرمش، وهو من مماليك السلطان ملكشاه، فاتخذ عماد الدين زنكي كالولد، فكان عنده إلى أن قتل في سنة خمسماية. ثم ملك الموصل بعده جاولى سقاور، فاتصل به عماد الدين، وقد كبر وظهرت شهامته. ولم يزل معه حتى عصى على السلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه، فأرسل السلطان الأمير مودود إلى الموصل، في سنة اثنتين وخمسماية، وأقطعه إياها، ففارقه عماد الدين وغيره من الأمراء، والتحقوا بمودود، فأكرم زنكي وشهد حروبه.\rثم سار مودود إلى الشام ففتح في طريقه قلاعاً كانت للفرنج، ثم حضر عند أتابك ظغر لتكين طغتكين صاحب دمشق وسار إلى طبرية وحاصرها، وقاتلوا قتالاً شديداً، فظهر من عماد الدين زنكي شجاعة عظيمة، منها أنه كان في نفر وخرج الفرنج من البلد، فحمل عليهم هو ومن معه فهزمهم، واستمر في حملته وهو يظن أن أصحابه يتبعونه، فتخلفوا عنه وتقدم وحده إلى أن وصل إلى باب المدينة، وأثر رمحه فيه. وقاتل الفرنج عليه وحمى نفسه، وعاد سالماً، فعجب الناس من إقدامه وسلامته. ثم عاد إلى دمشق صحبة الأمير مودود، فخرج مودود لصلاة الجمعة، فلما صلى وانصرف، فبينما هو في صحن الجامع ويده طغرلتكين وثب عليه إنسان فضربه بسكين، فحمل إلى بيت طغرلتكين فمات في بقية يومه، وكان صائماً ولم يفطر، وقتل قاتله. قال: ولما قتل كتب ملك الفرنج إلى طغرلتكين: إن أمة قتلت عميدها، في يوم عيدها، في بيت معبودها، حقيق على الله أن يبيدها ثم أقطع السلطان الموصل وغيرها بعد قتل مودود للأمير جيوش بك، وسير معه ولده الملك مسعود، كما ذكرناه. ثم جهز السلطان اقسنقر البرسقى في العساكر لقتال الفرنج، وكتب إلى عساكر الموصل وغيرها يأمرهم بالمسير معه، فساروا وفيهم عماد الدين زنكي. وكان يعرف في عساكر العجم زنكي الشامي، فسار اقسنقر إلى الرها وإلى سميساط وبلد سروج، وقاتل الفرنج وأبلى زنكي في هذه المواقف بلاء حسناً. فعادت العساكر تتحدث بما فعله، وعاد البرسقي وأقام زنكي بالموصل مع الملك مسعود، والأمير جيوش بك، إلى أن أظهر العصيان على السلطان في سنة أربع عشرة وخمسماية، ثم استأمن الملك مسعود لأخيه السلطان على ما قدمنا ذكر ذلك في أخبار الدولة السلجقية.\rابتداء حال عماد الدين زنكي وترقيه وتنقله في الولايات\rكان ابتداء ولايته في سنة ست عشرة وخمسماية، وذلك أن السلطان محمود أقطع الأمير اقسنقر البرسقي مدينة واسط وأعمالها، مضافاً إلى ما بيده من ولاية الموصل وشحنكية العراق وغير ذلك. فسير البرسقي إليها عماد الدين زنكي وأمره بحمايتها، فسار إليها في شعبان وقام بحمايتها أحسن قيام، وحضر مع الخليفة المسترشد بالله قتال دبيس بن صدقة أمير الحلة. وكان لعماد الدين في ذلك آثار حسنة، وأقام إلى أن عزل اقسنقر البرسقي عن شحنكية العراق ورجع إلى الموصل في سنة ثماني عشرة وخمسماية. وكان عماد الدين إذ ذاك بالبصرة قد سيره البرسقي لحمايتها، فلما توجه البرسقي إلى الموصل أرسل إليه يأمره باللحاق به، فقال لأصحابه: قد ضجرنا مما نحن فيه بالموصل، في كل يوم أمير جديد، ونحتاج نخدمه، وقد رأيت أن أسير إلى السلطان محمود فأكون معه؛ فأشاروا عليه بذلك. فسار إلى السلطان محمود فقدم عليه وهو بأصفهان، فأكرمه. وكان يقف عن يمين تخت السلطان إلى جانبه لا يتقدم عليه غيره، وهي منزلة والده من قبله.","part":7,"page":323},{"id":3334,"text":"ثم بلغ السلطان محمود أن العرب تجمعت ونهبت البصرة، فأقطعها لعماد الدين زنكي، وأعاده إليها، وهذه الولاية هي أول ولاياته من قبل السلطان، فضبط عماد الدين زنكي البصرة وأعمالها وقام فيها أحسن قيام، وكف الأيدي عنها.\rفلما وقع الاختلاف بين السلطان محمود والخليفة المسترشد بالله، وحضر السلطان إلى بغداد وحصرها كما قدمنا ذكر ذلك، أرسل إلى عماد الدين زنكي وهو بواسط يأمره بالحضور بنفسه ومعه المقاتلة في السفن وعلى الدواب. ففعل عماد الدين زنكي ذلك وجاء في موكب عظيم في البر والبحر، فركب السلطان للقائه، ورأى الناس من ذلك ما هالهم، وعظم عماد الدين في أعينهم. ثم حصل الاتفاق بعد ذلك بين السلطان والخليفة كما ذكرنا.\rولاية عماد الدين زنكي\rشحنكية العراق وفي شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وخمسماية أسند السلطان محمود شحنكية العراق إلى الأمير عماد الدين زنكي. وسبب ذلك أن السلطان لما عزم على المسير عن بغداد إلى همذان، نظر فيمن يصلح لشحنكية العراق ممن يأمن جانبه مع الخليفة. واعتبر أعيان دولته، فلم ير فيهم من يقوم بأعباء هذا الأمر مقامه، فاستشار أصحابه في ذلك فكل أشار عليه به عماد الدين وقالوا: لا يقدر على سد هذا الخرق، وإعادة ناموس هذه الولاية، ولا يقوى نفس حد على ركوب هذا الخطر، غير عماد الدين زنكي، ففوض إليه ولايتها، مضافاً إلى ما بيده من الإقطاع. وكانت شحنكية العراق من أعظم الولايات. وسار السلطان عن بغداد وقد اطمأن من جهة العراق. ولم يطل مقام زنكي ببغداد حتى انتقل إلى ولاية الموصل.\rولاية عماد الدين زنكي الموصل وأعمالها","part":7,"page":324},{"id":3335,"text":"كانت ولاية عماد الدين زنكي الموصل وأعمالها في سنة إحدى وعشرين وخمسماية. وسبب ذلك أن اقسنقر البرسقي لما قتل على ما ذكرناه، وولى بعده ابنه مسعود في ثامن ذي القعدة سنة عشرين وخمسماية، فمات مسعود في سنة إحدى وعشرين وهو يحاصر الرحبة. فمات مات قام بعده أخر له صغير، واستولى على البلاد جاولى مملوك أبيه، ودبر أمر الصبي وأرسل إلى السلطان يطلب تقرير أعمال الموصل على الصغير ولد اقسنقر البرسقي، وبذل الأموال الكثيرة على ذلك. وكان الرسول في ذلك القاضي بهاء الدين على ابن القاسم الشهرزوري وصلاح الدين محمد الباغسياني أمير حاجب البرسقي، فسارا حتى حضرا دركاة السلطان ليخاطباه في ذلك. وكانا يكرهان جاولي ويخافانه، ولا يرضيان بطاعته، اجتمع صلاح الدين مع نصير الدين جغر الذي صار ينوب عن عماد الدين. فذكر له صلاح الدين ما ورد فيه، وكان بينهما صهارة فخوفه نصير الدين من جاولي، وقبح عنده طاعته، وقرر في نفسه أن جاولي إنما أبقاه لحاجته إليه وأنه متى أجيب إلى مطلوبه لا يبقى على أحد منهم، وحسن له المخاطبة في ولاية عماد الدين زنكي، وضمن له الولايات والإقطاعات الكبيرة وكذلك للقاضي بهاء الدين، فقاما وركبا إلى دار الوزير شرف الدين أنو شروان بن خالد، واجتمعا به وقالا له: قد علمت وعلم السلطان أن ديار الجزيرة والشام قد تمكن الفرنج منهما، وقويت شوكتهم بها، واستولوا على أكثرها، وقد أصبحت ولايتهم من حدود ماردين إلى عريش مصر، ما عدا البلاد الباقية للمسلمين. وكان البرسقي بشجاعته وانقياد العساكر إليه، يكف بعض عاديتهم وشرهم، وقد زاد طمعهم منذ قتل، وولده هذا طفل صغير، ولابد للبلاد من رجل شهم شجاع ذى رأي وتجربة، يذب عنها، ويحمى حوزتها. وقد أنهينا الحال لئلا يجري خلل أو وهن على الإسلام والمسلمين فيختص اللوم بنا ويقال لم لا أنهيتم إلينا جلية الحال، فرفع الوزير قولهما إلى السلطان فاستحسنه وشكرهما عليه، وأحضرهما واستشارهما فيمن يصلح للولاية، فذكرا جماعة فيهم عماد الدين زنكي، وبذلا عنه تقرباً إلى خزانة السلطان مالاً جليلاً، فأجاب السلطان إلى ولايته، فأحضره وولاه جميع تلك البلاد، وكتب منشورة بها، وسار عماد الدين زنكي إليها فبدأ بالبوازيج ليملكها ويتقوى بها ويجعلها ظهره، لأنه خاف من جاولي أنه ربما يصده عن البلاد. ثم سار عن البوازيج إلى الموصل، فلما سمع جاولي بقربه خرج إلى لقائة ومعه سائر العسكر، وترجل عند مقابلته، وقبل الأرض بين يديه، وعاد في خدمته إلى الموصل، فدخلها في شهر رمضان من السنة. وأقطع جاولي الرحبة وسيره إليها، وولي نصير الدين دزدارية قلعة الموصل وجعل إليه سائر دزدارية القلاع، وجعل صلاح الدين محمد أمير حاجب، وبهاء الدين علي الشهرزوري قاضي القضاة بجميع بلاده، وزاده إقطاعاً وأملاكاً، وكان لا يصدر إلا عن رأيه.\rفلما فرغ من أمر الموصل سار عنها إلى جزيرة ابن عمرو بها مماليك البرسقي، فامتنعوا عليه فحصرهم وراسلهم، وبذل لهم البذول الكثيرة على التسليم، فلم يجيبوه إلى ذلك فجد في قتالهم. وكان بينه وبين البلد دجلة، فأمر الناس بإلقاء أنفسهم في الماء، ففعلوا وعبروا سباحة وعبر بعضهم في السفن والأكلاك، وتكاثروا على أهل الجزيرة. وكانوا قد خرجوا إلى أرض بين الجزيرة ودجلة، تعرف بالزلاقة، ليمنعوا عسكر عماد الدين، فلما رأوه قد عبر دجلة انهزموا ودخلوا البلد، وأرسلوا في طلب الأمان، فأمنهم ودخل البلد بعسكره. ثم زادت دجلة في تلك الليلة زيادة عظيمة لحقت سور البلد، وصارت الزلاقة مملوءة بالماء، فلو أقام بها عماد الدين تلك الليلة هلك هو وعسكره ولم يسلم منهم أحد، فأيقن الناس بسعادته.","part":7,"page":325},{"id":3336,"text":"ثم سار عن الجزيرة إلى نصيبين، وكانت لحسام الدين تمرتاش ابن إيلغازي صاحب ماردين، فلما نازلها سار حسام الدين إلى ابن عمه ركن الدولة داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا فاستنجده على أتابك زنكي، فوعده النجدة بنفسه وجميع عسكره. وعاد تمرتاش إلى ماردين، وأرسل رقعة على جناح طائر إلى نصيبين، يعرف من بها من العسكر أنه وابن عمه واصلان إليهم بالعسكر الكثير لدفع زنكي عنهم، ويأمرهم بحفظ البلد خمسة أيام. فبينما أتابك زنكي في خيمته وإذا بطائر سقط على الخيمة وهو ينظر إليه، فأمر بمسكه فمسك، فرأى فيه الرقعة فقرأها، وأمر بكتب غيرها يقول: إنني مضيت إلى ركن الدولة وقد وعدني النصرة بجميع العساكر وما نتأخر عن الوصول أكثر من عشرين يوماً وأمرهم بحفظ البلد هذه المدة، إلى أن يصلوا وجعلها على الطائر، وأرسله. فوصل إلى نصيبين فلما قرأ من بها الرقعة، سقط في أيديهم، وعلموا عجزهم عن حفظ البلد هذه المدة، فأرسلوا إلى زنكي وصالحوه وسلموا إليه البلد، فبطل على داود وتمرتاش ما كانا عزما عليه.\rولما ملك نصيبين سار عنها إلى سنجار، فامتنع من بها عليه ثم صالحوه وسلموها إليه، وسير منها الشحن إلى الخابور فملكه جميعه. ثم سار إلى حران وهي للمسلمين. وكانت الرها وسروج والبيرة وتلك النواحي جميعها للفرنج، وأهل حران معهم في ضر عظيم، وضيق شديد، لخلو تلك البلاد من حامي يذب عنها. فلما قاربها خرج أهل البلد إلى لقائه، وسلموها إليه، فأرسل إلى خوستكين صاحب الرها، وتلك البلاد وهادنه مدة يسيرة، وكان غرضه أن يتفرغ لإصلاح البلد، ويحشد، ويملك حلب والشام، ثم يقاتل الفرنج.\rذكر ملك عماد الدين حلب\rوفي المحرم سنة اثنتين وعشرين وخمسماية، ملك عماد الدين زنكي حلب وقلعتها. وسبب ذلك أنها كانت بيد قرمان نيابة عن عز الدين مسعود بن اقسنقر البرسقي. ثم استناب بعده قتلغ فوصل إليها بعد وفاة مسعود، وتسلمها. ثم ثار به أهل المدينة وسلموها إلى سليمان بن عبد الجبار. فسير عماد الدين إليها الأمير سنقردار والأمير حسن قراقوش في عسكر قوى، ومعهما التوقيع من السلطان لعماد الدين بالموصل والجزيرة والشام. فوصلا إلى حلب وسيرا قتلغ وابن عبد الجبار إلى عماد الدين بالموصل، فسار إليه وأقام حسن قراقوش بحلب والياً عليها. فلما وصل بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار وقتلغ إلى عماد الدين أصلح بينهما، ولم يردهما إلى حلب، وسير حاجبه صلاح الدين محمد الباغسياني في عسكر إلى حلب، فصعد إلى قلعتها ورتب الأمور، وجعل فيها والياً. وسار عماد الدين إلى الشام في جيوشه، فملك في طريقه مدينة منيح وبزاعة، ووصل إلى حلب، فتلقاه أهلها، فدخلها ورتب أحوالها، وجعل رئاستها لأبي الحسن على بن عبد الرزاق.\rذكر ملكه مدينة حماه\rوفي سنة ثلاث وعشرين ملك عماد الدين زنكي مدينة حماة. وسبب ذلك أنه أظهر أنه يريد جهاد الفرنج، وأرسل إليه تاج الملوك بوري بن أتابك طغرتكين صاحب دمشق يستنجده، ويطلب منه معونته على جهاد الفرنج، وكانوا قد حصروا دمشق. فأجاب إلى ذلك وجرد تاج الملوك عسكراً من دمشق، وأرسل إلى ابنه سونج وهو بمدينة حماه يأمره بالنزول إلى العسكر والمسير به إلى زنكي. ففعل وساروا جميعهم فوصلوا إليه، فأكرمهم وأحسن لقاءهم، وتركهم أياماً، ثم قبض على سونج بن تاج الملوك، وعلى جماعة من الأمراء والمقدمين، وأنهب خيامهم وما فيها واعتقلهم بحلب. وسار من يومه إلى حماة، فوصل إليها وهي خالية من الجند فاستولى، عليها، وحل عنها إلى حمص. وكان صاحبها خيرخان بن قراجا في عسكر عماد الدين، وهو الذي أشار عليه بالقبض على تاج الملوك، فقبض عليه أيضاً. ونزل على حمص، وطلب منه أن يأمر أصحابه وولده بحمص بتسليمها، فأرسل إليهم فلم يفعلوا، فحصرها مدة طويلة، ثم رحل عنها وعاد إلى الموصل.\rذكر ملكه حصن الأثارب وهزيمة الفرنج","part":7,"page":326},{"id":3337,"text":"قال: ولما فرغ عماد الدين من أمر البلاد الشامية، رجع إلى الموصل فأراح واستراح، وأمر أصحابه بالاستعداد فاستعدوا. ورجع إلى حلب وعزم على قصد حصن الأثارب، وهو فيها بين حلب وانطاكية على ثلاثة فراسخ من حلب. وكان من به من الفرنج يقاسمون أهل حلب على جميع أعمالها الغربية حتى على رحى لأهل حلب بظاهر باب الجنان، بينها وبين البلد عرض الطريق. فلما علم الفرنج بقصده جمعوا فارسهم وراجلهم واستبعدوا وساروا نحوه، فتقدم إليهم والتقوا واقتتلوا واشتد القتال، فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة، وأسر كثير من فرسانهم، وقتل كثير، وتقدم إلى الحصن فنازله وفتحه عنوة، وعم من فيه بالقتل والأسر وأخربه، وجعله دكا. ثم سار إلى قلعة حارم وهي بالقرب من انطاكية فحصرها، فبذل الفرنج نصف دخل بلد حارم وهادنوه فأجابهم إلى ذلك، وعاد عنهم وقد اشتد أزر المسلمين وصار قصار الفرنج حفظ ما بأيديهم، وذلك في سنة أربع وعشرين وخمسماية.\rولما عاد إلى ديار الجزيرة ملك سرجا ودارا وهما من أعمال ركن الدولة صاحب حصن كيفا.\rوفي سنة ست وعشرين سار عماد الدين بالعساكر من الموصل إلى العراق لنصرة السلطان مسعود بعد وفاة السلطان محمود. وكان مسعود قد كاتبه واستنجد به، فسار إليه ومعه الأمير دبيس بن صدقة فسار حتى نزل إلى البادية. وخرج الخليفة المسترشد بالله لحربه - وذلك في سابع عشرين شهر رجب من السنة - والتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً، فحمل عماد الدين على ميمنة الخليفة وبها جمال الدولة إقبال فهزمها، فحمل الخليفة بنفسه واشتد القتال فانهزم دبيس، وأراد عماد الدين الصبر فرأى الناس قد تفرقوا عنه فانهزم، وقتل من العسكر جماعة.\rثم سار المسترشد وحاصر الموصل كما ذكرناه في أخباره. وأن سبب ذلك أن الخليفة أرسل الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح الاسفرايني الواعظ إلى عماد الدين برسالة فيها خشونة، زادها الشيخ أبو الفتوح زيادة ثقة بقوة الخليفة وناموس الخلافة، فقبض عليه عماد الدين وأهانه ولقبه بما يكره. فسار الخليفة في النصف من شعبان سنة سبع وعشرين ونازل الموصل، ففارقها زنكي ببعض العسكر، وترك بعضه مع نائبه نصير الدين جقز دزدار القلعة. ووصل عماد الدين إلى سنجار وقطع الميرة عن عسكر الخليفة وتخطف من ظفر به من العسكر. وقام الحصار ثلاثة أشهر، ثم رحل الخليفة عنها ولم يظفر منها بشيء.\rوفي مدة الحصار ملك شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك صاحب دمشق مدينة حماة.\rذكر حصره مدينة آمد وملكه قلعة الصور\rوفي سنة ثمان وعشرين وخمسماية اجتمع عماد الدين أتابك زنكي وتمرتاش صاحب ماردين، وحصرا مدينة آمد فأرسل صاحبها إلى داود بن سقمان صاحب حصن كيفا يستنجده، فجمع عساكره وغيرها وسار نحو آمد ليرحلهما عنها، فالتقوا على بابها، واقتتلوا في جمادي الآخرة. فانهزم داود وقتل جماعة من عسكره. ولم يبلغ عماد الدين من آمد غرضاً، فقصد قلعة الصور من ديار بكر، وحصرها وضايقها، فملكها في شهر رجب واتصل به ضياء الدين أبو سعيد الكفرتوثي فاستوزره، وكان حسن السيرة عظيم الرياسة والكفاية، والله أعلم.\rذكر ملكه قلاع الأكراد الحميدية\rوفي سنة ثمان وعشرين وخمسماية أيضاً استولى عماد الدين زنكي على جميع قلاع الأكراد الحميدية منها قلعة العقر وقلعة شوش وغيرهما. وكان لما ملك الموصل أقر صاحبها الأمير عيسى الحميدي على ولايتها وأعمالها، فلما حضر المسترشد الموصل حضر عيسى إليه وجميع الأكراد معه. فلما رحل المسترشد أمر عماد الدين بحصر قلاع الأكراد فحصرت مدة طويلة، وقوتل من بها إلى أن ملكت في هذه السنة، فاطمأن حينئذ أهل السواد المحاورين لهذه القلاع، لأنهم كانوا مع الأكراد في ضيق عظيم من نهب أموالهم.\rوفيها صلح أمر زنكي مع الخليفة.\rذكر حصره مدينة دمشق\rوفي سنة تسع وعشرين وخمسماية نازل عماد الدين أتابك زمكي مدينة دمشق، وحصرها في جمادي الأولى. وكان سبب ذلك أن صاحبها شمس الملوك كان قد كتب إليه يستدعيه ليسلم إليه البلد، فسار إليها، فقتل شمس الملوك قبل وصوله وملك أخوه شهاب الدين محمود كما ذكرناه. فاستمر في مسيره فحاصرها. فأتاه وهو في الحصار رسول الخليفة بالخلع، ويأمره بمصالحة صاحب دمشق والرحيل عنها فصالحهم، وخطب له بدمشق ورحل عنها لليلتين بقيتا من جمادي الأولى من السنة.","part":7,"page":327},{"id":3338,"text":"وفي سنة ثلاثين وخمسماية استنصر الخليفة الراشد بالله بعماد الدين على السلطان مسعود كما ذكرناه في أخبار الدولة العباسية فجاء إليه هو وأصحاب الأطراف إلى بغداد. وكان بين الخليفة والسلطان ما ذكرناه من غلبة السلطان مسعود ومسير الخليفة إلى الموصل مع عماد الدين، وقد شرحنا ذلك مبينا في أخبار الدولة العباسية، فلا فائدة في إعادته، وإنما نبهنا عليه في هذا الموضع جرياً على القاعدة.\rولما خلع الراشد وبويع للمقتفي لأمر الله، أرسل إليه عماد الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري، فحضر إلى الديوان، فأمر الخليفة أن يعطى أتابك زنكي صريفي ودرب هرون وجرى ملكا، وهي من خاص الخليفة، وزاد في ألقابه وقال: هذه قاعدة لم يسمح بها لأحد ن زعماء الأطراف أن يكون لهم نصيب من خاص الخليفة. فعظم بذلك شأنه، وبايع للمقتفي لأمر الله وخطب له بالموصل.\rغزاة العسكر إلى بلاد الفرنج\rوفي شعبان سنة ثلاثين وخمسماية جهز عماد الدين أتابك زنكي عساكره مع الأمير أسوار نائبه بحلب، فقصدوا بلد الفرنج على حين غفلة منهم، وساروا نحو جهة اللاذقية، فنهبوا منها شيئاً كثيراً، وقتلوا وأسروا سبعة آلاف أسير ما بين رجل وامرأة وصبي، وغنموا ماية ألف رأس من الدواب، ما بين فرس وحمار وبقر وغنم، وغنموا غير ذلك من الأقمشة والعين والحلى ما لا يدخل تحت الإحصاء وخربوا بلاد اللاذقية وما جاورها، ورجعوا بالظفر والغنيمة، والله أعلم\rذكر ملكه قلعة بعرين وهزيمة الفرنج\rوفي سنة إحدى وثلاثين وخمسماية حصر عماد الدين زنكي حمص، وهي لصاحب دمشق، فلم ينل منها غرضاً. فرحل عنها إلى بعرين وهي للفرنج، فحاصرها في شوال، وهي من أمنع الحصون وأحصنها، وزحف عليها، فجمع الفرنج فارسهم وراجلهم وساروا بملوكهم وقمامصتهم وكنودهم ليرحلوه عنها. فالتقوا واقتتلوا واشتد القتال، فأجلت الوقعة عن هزيمة الفرنج، وأخذتهم سيوف المسلمين من كل ناحية، فاحتمى ملوكهم وفرسانهم بحصن بعرين لقربه، فحصرهم. فدخل القسوس والرهبان إلى بلاد الفرنج والروم وما ولاها من بلاد النصرانية مستنفرين على المسلمين، وقالوا: إن المسلمين ليس لهم همة إلا قصد البيت المقدس فاجتمعت ملوك النصرانية وصاروا على الصعب والذلول وقصدوا الشام، وجد عماد الدين في الحصار، فقلت الأقوات عندهم، فسألوا الأمان على أن يتركهم يتوجهوا إلى بلادهم. فلم يجب إلى ذلك، إلى أن بلغه أن ملك الروم قد أقبل بجموع الفرنج والنصرانية، فآمنهم على تسليم الحصن وخمسين ألف دينار. ففعلوا ذلك. فلما فارقوا الحصن بلغهم اجتماع الروم والفرنج بسببهم، فندموا على تسليمه وفتح عماد الدين في مقامه المعرة وكفر طاب من الفرنج.\rولما فتح المعرة حضر إليه أهلها أرباب الأملاك، وطلبوا أملاكهم فطلب منهم كتبها فاعتذروا أنها عدمت عندما ملكها الفرنج، فأمر بإحضار دفاتر الديوان بحلب، وكشف منها فمن وجد باسمه خراج فيها عن ملك سلمه إليه أو لعقبه إن كان قد مات. وأعاد الأملاك بهذه الطريق. وهذه غاية في الإحسان وفي تسهيل البر والخير ونهاية في العدل وفيها سار عماد الدين إلى دقوقا وملكها بعد قتال شديد ؟ذكر ملكه مدينة حمص وغيرها من أعمال دمشق وفي المحرم سنة اثنتين وثلاثين وخمسماية وصل زنكي إلى حماة، وسار منها إلى بقاع بعلبك، فملك حصن المجدل وسار إلى حمص وحصرها وملكها وراسله مستحفظ بانياس وأطاعه وكان لصاحب دمشق، وبعث إلى شهاب الدين محمود صاحب دمشق يخطب أمه زمرد خاتون ابنة جاولي، فتزوجها وحملت إلي.\r؟ذكر وصول ملك الروم إلى الشام وملكه بزاعة وما فعله بالمسلمين كان ملك الروم صاحب القسطنطينية قد دخل إلى البلاد في سنة إحدى وثلاثين وخمسماية، وخرج على انطاكية وسار إلى أذنه والمصيصة، وهما بيد ابن لاون الأرمني صاحب الدروب فحصرها وملكها ورحل إلى عين زرببة فملكها عنوة، وملك تل حمدون وحمل أهله إلى جزيرة قبرص، وعمر ميناء اسكندرونه ثم خرج إلى الشام فحصر مدينة انطاكية في ذي القعدة فصالحه صاحبها ريمند الفرنجي، فرحل عنها إلى بغراس ودخل ابن ليون في طاعته.","part":7,"page":328},{"id":3339,"text":"ثم سار إلى الشام في سنة اثنتين وثلاثين وقصد بزاعة فحصرها وهي مدينة لطيفة على ستة فراسخ من حلب، فملكها بالأمان في الخامس والعشرين من رجب، ثم غدر بأهلها فقتل منهم وسبى فتنصر قاضيها وجماعة من أهلها وأعيانها نحو من أربعماية نفس. وأقام الروم عشرة أيام يطلبون من اختفى، ودخنوا على من دخل المغاير، فهلكوا. ثم رحل ملك الروم إلى حلب ونزل على قويق ومعه الفرنج الذين بساحل الشام، وكان عماد الدين يحاصر حمص فلما بلغه خبرهم، سير طائفة من العسكر ليحفظوا حلب منهم، فلما نزلوا على حلب خرج إليهم أحداث البلد وقاتلوهم قتالاً شديداً، فقتل كثير من الروم وجرح كثير، وقتل بطريق عظيم عظيم القدر عندهم. فأقاموا ثلاثة أيام ورحلوا إلى قلعة الأثارب، فخاف من بها من المسلمين فهربوا عنها في تاسع شعبان، فملكها الروم وتركوا فيها سبايا بزاعة والأسرى، ومعهم جمع كثير من الروم يحفظونهم، سار بمن عنده من العسكر إلى الأثارب فأوقع بالروم وقتلهم وخلص الأسرى وعاد إلى حلب.\rوأما عماد الدين فإنه فارق سحمص وسار إلى سلمية فنزلها، وعبر ثقله الفرات إلى الرقة، وأقام جريدة. وقصد الروم شيزر، وهي من أمنع الحصون وكانت للأمير أبي المعالي سلطان بن علي بن منقذ الكناني، فنازلوها وحاصروها ونصبوا عليها ثمانية عشر منجنيقاً فأرسل صاحبها إلى عماد الدين يستنجده، فسار إليه ونزل على نهر العاصي بينها وبين حماه، فكان يركب بعسكره إلى شيزر ويقفون حيث يراهم الروم، ويرسل السرايا فتأخذ من ظفرت به منهم. ثم أرسل إلى ملك الروم يقول: إنكم قد تحصنتم مني بهذه الجبال، فانزلوا عنها إلى الصحراء حتى نلتقي، فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين منكم وإن ظفرتم بي استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها. ولم تكن له بهم قوة، وإنما كان يرهبهم بهذا القول وأشباهه، فأشار فرنج الشام على ملك الروم بقتاله وهونوا عليه أمره، فلم يفعل، وقال: أتظنون أن ليس لهم من العسكر إلا ما ترون، إنما هو يريد أن تلقوه فيأتيه من نجدات المسلمين ما لا يحد وكان عماد الدين يرسل إلى ملك الروم يقول إن فرنج الشام خائفون منه، ولو فارق مكانه لتخلفوا عنه. ويرسل إلى الفرنج فيقول: إن ملك ملك الروم من الشام حصنا واحداً ملك الروم من شيزر في شهر رمضان وكان مقامه عليها أربعة وعشرين يوماً وترك المجانيق وآلات الحصار كما هي، فسار عماد الدين يتبع ساقة العسكر، فظفر بكثير منهم ممن تخلف.\rملك عماد الدين بعلبك\rوفي ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية ملك عماد الدين زنكي مدينة بعلبك وهي لصاحب دمشق. وسبب ذلك أن شهاب الدين محمود صاحب دمشق قتله غلمانه في هذه السنة كما ذكرنا، وملك بعده أخوه جمال الدين محمد. وكانت والدة محمود زوجة عماد الدين بحلب، فوجدت لذلك وجداً عظيماً وحزنت حزناً شديداً وكتبت إلى أتابك زنكي وهو بالجزيرة تعرفه بالحادثة ونطلب أن يقصد دمشق ويطلب ثأر ولدها. فبادر إلى ذلك ولم يتوقف وعبر الفرات عازماً على قصد دمشق. فبلغ ذلك صاحبها فاحتاط واستعد، وسار عماد الدين إلى بعلبك فوصل إليها في العشرين من ذي القعدة، وضيق على أهلها ونصب عليها أربعة عشر منجنيقاً ترمي ليلاً ونهاراً. فأشرف أهلها على الهلاك. فطلبوا الأمان فأمنهم وتسلم المدينة. وبقيت القلعة وبها جماعة من شجعان الأتراك، فلما أيسوا من نصرة معين الدين أتابك صاحب دمشق - وكانت بعلبك له - فطلبوا الأمان، فأمنهم وتسلم القلعة منهم. ثم غدر بهم وصلبهم ولم ينج منهم إلا القليل. فاستقبح الناس ذلك من فعله واستعظموه وحذروه ونفروا منه.\rقال: ولما فتح بعلبك كان لمعين الدين بها جارية وكان يهواها، فأخذها زنكي وسيرها إلى حلب، فلم تزل بها إلى أن قتل زنكي، فسيرها نور الدين إلى معين الدين، فكانت أعظم أسباب المودة بينهما. قال:","part":7,"page":329},{"id":3340,"text":"ولما فرع عماد الدين من بعلبك سار إلى دمشق في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وخمسماية ونزل على داريا، فقاتله أهل دمشق فكسرهم وتقدم إلى المصلى فقاتلوه مرة بعد أخرى. كل ذلك والظفر له عليهم. وأرسل إلى صاحب دمشق يبذل له بعلبك وحمص وغيرها مما يختاره من البلاد، فمال إلى تسليمها، فحذره أصحابه وخوفه عاقبة غدره، فامتنع من الإجابة فعاد عماد الدين القتال والزحف. واتفقت وفاة جمال الدين صاحب دمشق في ثامن شعبان، وولى بعده ابنه مجير الدين أبق، فاشتد طمع عماد الدين وزحف زحفاً شديداً، فلما رأى أتابك أنر أن عمدا الدين لا يندفع عنهم، راسل الفرنج واستنصر بهم، فاجتمعت الفرنج وعزموا على المسير لدفعه عن دمشق، فعلم عماد الدين بذلك فتوجه إلى حوران في خامس عشر رمضان عازماً على لقاء الفرنج قبل أن يجتمعوا مع الدماشقة. فلما بلغ الفرنج خبره لم يتحركوا من بلادهم، فعاد إلى حصار دمشق ونزل بعذرا شماليها في سادس شوال، وأحرق عدة من قرى المرج والغوطة، ورحل إلى بلاده.\rثم وصل الفرنج إلى دمشق، وكان معين الدين قد بذل لهم أنه يحاصر بانياس ويسلمها إليهم، وكانت في طاعة زنكي. ففعل معين الدين ذلك وسلمها للفرنج. فلما بلغ عماد الدين ذلك رجع إلى بعلبك وفرق عساكره للإغارة على بلد حوران وأعمال دمشق. وسار جريدة، فنزل على دمشق بخواصه في آخر الليل، ولم يعلم به أحد من أهلها. فلما أصبح الناسر ورأوا عسكره ارتج البلد، واجتمع العسكر والعامة على السور، وخرجوا إليه فقاتلوه، فلم يمكنه الإقدام على القتال لتفرق عساكره، فأحجم عنهم وعاد إلى مرج راهط، وأقام ينتظر عود عسكره، فعادوا إليه وقد ملأوا أيديهم من الغنائم فلما اجتمعوا رحلوا إلى بلاده.\rذكر ملكه شهرزور وأعمالها\rوفي سنة أربع وثلاثين وخمسماية ملك عماد الدين زنكي شهرزور وأعمالها وما يجاورها من الحصون، وكانت بيد قفجاق بن أرسلان تاش التركماني. وكان حكمه على سائر التركمان، قاصيهم ودانيهم، وكلمته لا تخالف، يرون طاعته فرضاً؛ وتحاماه الملوك، وأتاه التركمان من كل فج عميق. فلما كان في هذه السنة سير أتابك عماد الدين عسكراً، فجمع قفجاق أصحابه ولقيهم، واقتتلوا فانهزم قفجاق واستبيح عسكره، وسار الجيش الأتابكي في أعقابهم فحصروا الحصون والقلاع وبذلوا الأمان لقفجاق فسار إليهم، وانخرط في سلك العسكر وسار في الخدمة هو وابنه من بعده.\rوفي سنة خمس وثلاثين وخمسماية كان بين أتابك زنكي وبين داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا حرب شديدة انهزم فيها داود، وملك زنكي من بلاده قلعة بهمود، وأدركه الشتاء فعاد إلى الموصل.\rوفيها خطب له بمدينة آمد وصار صاحبها في طاعته، وكان قبل ذلك موافقاً لداود على قتال زنكي فلما قوة زنكي سار معه.\rوفيها أغار العسكر الأتابكي من حلب على بلد الفرنج، فأخربوا ونهبوا وظفروا بسرية للفرنج، فقتلوا منهم وكان عدة من قتل سبعماية رجل.\rتوفي ضياء الدين أبو سعيد الكفرتوثي وزير عماد الدين أتابك زنكي، وكان رحمه الله حسن كريماً رئيساً\rذكر ملك عماد الدين زنكي قلعة آشب وغيرها من بلاد الهكارية\rوفي سنة سبع وثلاثين وخمسماية أرسل عماد الدين جيشاً إلى قلعة آشب، وكانت أعظم حصون الأكراد الهكارية وأمنعها، وبها أموالهم وأهلوهم. فحصرها الجيش الأتابكي وضيق على من بها وملكها، فأمر عماد الدين بهدمها، وبنى القلعة العمادية وكانت العمادية حصناً عظيماً من حصونهم فخربوه لكبره، لأنه كبير جداً، فعجزوا عن حفظه فخربت الآن آشب وعمرت العمادية. والعمادية نسبة إلى عماد الدين زنكي. وكان نصير الدين جقر نائب عماد الدين بالموصل قد فتح أكثر القلاع الجبلية.\rذكر صلحه والسلطان مسعود","part":7,"page":330},{"id":3341,"text":"وفي سنة ثمان وثلاثين وخمسماية وصل السلطان مسعود إلى بغداد على عادته، وجمع العساكر وتجهز لقصد بلاد زنكي، وكان قد حقد عليه واتهمه أنه أفسد عليه أصحاب الأطراف وحضرهم على الخروج على السلطان. فلما بلغ زنكي ذلك أرسل إلى السلطان يستعطفه ويستميله، وأرسل إليه السلطان أبا عبد الله بن الأنباري في تقرير القواعد، فاستقرت القاعدة على مائة ألف دينار، يحملها عماد الدين إلى السلطان ليعود عنه، فحمل منها عشرين ألف دينار أكثرها عروضاً. ثم تنقلت الأحوال بالسلطان حتى احتاج إلى مداراة زنكي، فأطلق له ما بقي. ومن جيد الرأي ما فعله عماد الدين زنكي في هذه الحادثة، فإن ولده الأكبر سيف الدين غازي كان لا يزال عند السلطان - سفراً وحضراً - بأمر والده، فأرسل إليه الآن يأمره بالهرب من عند السلطان إلى الموصل، وأرسل إلى نائبه بالموصل أن يمنع ابنه المذكور من الدخول. فلما هرب غازي أرسل إليه يأمره بالعود إلى السلطان، ولم يجتمع به، وأرسل معه رسولاً إلى السلطان يقول: إن ولدي هرب خوفاً لما رأى تغير السلطان علي، وقد أعدته، ولم أجتمع به فإنه مملوكك والبلاد لك فوقع ذلك من السلطان بموقع عظيم، ومال إلى زنكي\rذكر ملكه بعض ديار بكر\rوفي سمو ثمان وثلاثين وخمسماية سار عماد الدين زنكي إلى ديار بكر، فملك بها عدة حصون منها مدينة طنزة ومدينة أسعرد ومدينة المعدن التي يعمل بها النحاس، ومدينة حيزان وحصن الرونق، وحصن قطليس، وحسن باناسا وحصن ذي القرنين وغير ذلك. وأخذ من بلاد ماردين مما هو بيد الفرنج حملين والموزر وتل موزر وغيرها من حصون شبختان، ورتب أمور الجميع وجعل فيها من يحفظها. وقصد مدينة آمد وحاني فحصرهما وأقام بتلك الناحية. وفيها سير عسكراً إلى مدينة عانة من أعمال الفرات فملكها.\rذكر فتح الرها وغيرها من بلاد الجزيرة مما هو بيد الفرنج\rوفي سادس جمادي الآخرة سنة تسع وثلاثين وخمسماية فتح عماد الدين أتابك زنكي مدينة الرها من حصون الفرنج الجزيرية. وكان ضررهم قد عم بلاد الجزيرة، ووصلت غاراتهم إلى أدانيها وأقاصيها، وبلغت آمد ونصيبين ورأس عين والرقة وكانت مملكة الفرنج بهذه الديار من قريب ماردين إلى الفرات مثل الرها وسروج والبيرة وسن بن عطير وحملين والموزر والقرادى وغير ذلك. وكانت هذه الأعمال وغيرها مما هو غرب الفرات لجوسلين الفرنجي، وكان صاحب رأي الفرنج والمقدم على عساكرهم، لما فيه من الشجاعة والمكر. وكان عماد الدين يعمل أنه متى قصد حصرها اجتمع من الفرنج بها من يمنعها ويتعذر عليه ملكها لما هي عليه من الحصانة، فاشتغل بديار بكر ليوهم الفرنج أنه غير متفرغ إلى قصد بلادهم. فاطمأنوا وفارق جوسلين الرها وعبر الفرات إلى بلاده الغربية. فبلغ أتابك زنكي ذلك فنادى في العسكر بالرحيل إلى الرها وجمع الأمراء عنده وقدم الطعام وقال: لا يأكل معي على مائدتي هذه إلا من يطعن معي غداً في باب الرها. فلم يتقدم غير أمير واحد وصبي لا يعرف، لما يعلمو من إقدام زنكي وشجاعته، وأن أحداً لا يقدر على مساواته في الحرب. فقال الأمير لذلك الصبي: ما أنت في هذا المقام فقال أتابك زنكي: دعه فوالله إني أرى وجهه لا يتخلف عني.\rوسار والعسكر معه فوصل إلى الرها، فكان عماد الدين أول من حمل على الفرنج والصبي معه، وحمل فارس من الفرنج على زنكي عرضاً فاعترضه ذلك الأمير فطعنه فقتله، وسلم زنكي. ونازل البلد وقاتل عليه ثمانية وعشرين يوماً وملكه عنوة، وملك القلعة، ونهب الناس الأموال، وقتلوا الرجال، وسبوا الذرية والنساء.\rفلما رأى عماد الدين البلد أعجبه ورأى أن تخريب مثله لا يجوز في السياسة، فنودي بالعسكر برد ما أخذوه من الرجال والنساء والأطفال إلى بيوتهم، ورد ما غنموه من أثاثهم وأمتعتهم، فردوا ذلك وعاد البلد إلى حالته الأولى، وجعل فيه عسكراً يحفزه وتسلم مدينة سروج وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات ما عدا البيرة لحصانتها.","part":7,"page":331},{"id":3342,"text":"وحكى ابن الأثير رحمه الله في تاريخه الكامل قال: حكى لي بعض العلماء بالأنساب والتواريخ، قال: كان صاحب صقلية قد أرسل سرية إلى طرابلس الغرب وتلك الأعمال فنهبوا وقتلوا. وكان عند صاحب صقلية رجل مسلم كان يكرمه ويحترمه، ويرجع إلى قوله، ويقدمه على من عنده من القسوس والرهبان، حتى كان أهل ولايته يقولون إنه مسلم بهذا السبب. ففي بعض الأيام كان جالساً في منظرة يشرف على البحر، وإذا بموكب لطيف قد أقبل وأخبر من فيه أن عسكره دخلوا بلاد الإسلام وظفروا وغنموا وقتلوا. وكان المسلم إلى جانبه، وقد أعفى فقال له الملك: يا فلان ألا تسمع إلى ما يقولون قال: لا قال: إنهم يخبرون بكذا وكذا، أين كان محمد عن تلك البلاد وأهلها. قال: كان قد غاب عنهم وشهد فتح الرها، فقد فتحها المسلمون الآن فضحك من هناك من الفرنج فقال الملك: لا تضحكوا فما يقول والله إلا الحق فوصل بعد أيام الخبر من فرنج الشام بفتحها. قال ابن الأثير: وحكى لي جماعة من أهل الدين والصلاح أن إنساناً صالحاً رأى الشهيد زنكي في منامه فقال له: ما فعل الله بك قال: غفر لي بفتح الرها.\rذكر مقتل نصير الدين جقر، وولاية زين الدين على كورجك\rكان مقتله في ذي القعدة تسع وثلاثين وخمسماية. وسبب ذلك أنه كان ينوب عن عماد الدين أتابك زنكي بالموصل وسائر الأعمال التي شرقي الفرات. وكان الملك ألب أرسلان المعروف بالخفاجي ولد السلطان محمود عند زنكي. وكان يظهر للخلفاء والسلطان مسعود وأصحاب الأطراف أن هذه البلاد لهذا الملك. وكان ألب أرسلان في هذه السنة بالموصل، ونصير الدين يحضر إلى خدمته في كل يوم، فحسن له بعض المفسدين طلب الملك وقالوا له: إن قتلت نصير الدين ملكت الموصل وغيرها، ولا يبقى مع أتابك زنكي فارس واحد فمال إلى ذلك. فلما دخل نصير الدين إليه من عنده فقتلوه، وألقوا رأسه إلى أصحابه، ظناً منهم أنهم يتفرقون ويخرج الملك ويملك البلاد، فلما رأى أصحابه الرأس قاتلوا من بالدار مع الملك واجتمع معهم الخلق الكثير، فدخل القاضي تاج الدين يحيى بن الشهرزوري إلى الملك ألب أرسلان وخدعه، وكان فيما قاله حين رآه منزعجاً: يا مولانا لم تحرد من هذا الكلب ؟ هو وأستاذه مماليكك، الحمد لله الذي أراحنا منه ومن صاحبه على يديك ثم قال له: وما الذي يقعدك في هذه الدار ؟ قم لتصعد إلى القلعة وتأخذ الأموال والسلاح وتملك البلد وتجمع الجند وليس دون البلاد بعد الموصل مانع فقام معه وركب وأصعده إلى القلعة، فلما قاربها أراد من بها من النقيب والأجناد القتال، فتقدم إليهم القاضي تاج الدين فقال: افتحوا الباب وتسلموه وافعلوا ما أردتم ففتحوا الباب ودخل الملك والقاضي إلى القلعة ومعهما من أعان على قتل نصير الدين. فلما صاروا بالقلعة سجنوا كلهم إلا القاضي.\rوبلغ الخبر عماد الدين وهو يحاصر قلعة البيرة، وقد أشرف على فتحها، فخاف أن تختلف البلاد الشرقية بعد قتل نصير الدين، ففارق البيرة وأرسل زين الدين على بن بكتكين إلى قلعة الموصل والياً على ما كان نصير الدين يتولاه. وسار عماد الدين عن البيرة، فخاف من بها من الفرنج أن يعود إليهم، فسلموها لصاحب ماردين. وملكها المسلمون. فإن لم يكن عماد الدين زنكي فتحها فهو سبب فتحها\rمقتل عماد الدين زنكي\rكان مقتله رحمه الله لخمس مضين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسماية. وذلك أنه كان يحاصر قلعة جعبر، وكانت بيد سالم بن مالك العقيلي منذ سلمها السلطان ملكشاه إلى أبيه، عوضاً عن قلعة حلب كما تقدم في أخبار السلجقية. فحاصرها عماد الدين الآن وأقام عيها إلى هذا التاريخ، فدخل عليه نفر من مماليكه فقتلوه غيله، وهربوا إلى القلعة ولم يشعر أصحابه. فلما صعد أولئك النفر إلى القلعة صاح من بها بالعسكر، وأعلموهم بقتل صاحبهم، فبادر أصحابه إليه فأدركوه وبه رمق. ثم مات رحمه الله تعالى وكان عمره نحواً من أربع وستين سنة، ومدة ملكه منذ ولى الموصل وإلى أن قتل عشرين سنة.","part":7,"page":332},{"id":3343,"text":"وكان حسن الصورة أسمر اللون، وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته، عظيم السياسة لا يقدر القوى معه على ظلم الضعيف وكانت البلاد قبل أن يملكها خراباً من الظلم، وتنقل الولاة، ومجاورة الفرنج، فعمرها وامتلأت بأهلها وغير أهلها. وكان ينهى أصحابه عن اقتناء الأملاك ويقول: مهما كانت البلاد لنا فأي حاجة لكم إلى أملاك ؟ فإن خرجت عن أيدينا فالأملاك تذهب معها، ومتى صارت الأملاك لأصحاب السلطان ظلموا الرعية، وتعدوا عليهم، وعصبوهم أملاكهم، والإقطاعات تغنى أصحاب السلطان عنها وخلف من الأولاد سيف الدين غازي وهو أكبر أولاده ونور الدين محمود وهو الملك العادل، وقطب الدين مودود، وهو أبو الملوك بالموصل، ونصير الدين أمير أميران. فانقرض عقب سيف الدين من الذكور والإناث، ونور الدين من الذكور، وبقي في عقب قطب الدين على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rقال: ولما قتل أتابك زنكي كان ولده نور الدين محمود معه، فأخذ خاتمه من يده وسار إلى حلب فملكها. وسنذكر أخباره مفصلة بعد سيف الدين غازي، والله أعلم.\rملك سيف الدين غازي\rابن الشهيد عماد الدين أتابك زنكي قال: لما قتل أتابك زنكي كان الملك ألب أرسلان ابن السلطان محمود معه، فاجتمعت العساكر عليه وكان الحاكم على دولة زنكي والمدبر لها من أرباب الأقلام جمال الدين محمد بن علي بن منصور الإصفهاني شبه الوزير، ومعه الحاجب صلاح الدين محمد بن أيوب الباغسياني فاتفقا على حفظ الملك لأولاد صاحبهم عماد الدين وتحالفا على ذلك، وركبا إلى خدمة الملك ألب أرسلان، وخدماه، وضمنا له فتح البلاد، وقالا له: إن أتابك زنكي إنما كان الناس يطيعونه لأنه كان نائبك فقبل منهما ذلك وظن صدقهما ومناصحتهما وقربهما، وأرسلا إلى زين الدين علي بن مظفر الدين صاحب اربل بالموصل يعرفانه بوفاة الشهيد ويأمرانه أن يرسل إلى ابنه سيف الدين غازي ليحضر إلى الموصل، وكان بشهرزور وهي إقطاعه من قبل أبيه، ففعل ذلك ووصل إلى الموصل. وأشار جمال الدين على الملك بإرسال الحاجب صلاح الدين إلى حلب ليدبر أمر نور الدين فأمره بالمسير إليها فسار، وكانت حماه إقطاعه، وانفرد جمال الدين لملك ألب أرسلان فقصد به الرقة، واشتغل بالشرب واللهو واستمال جمال الدين العسكر، وحلفهم لسيف الدين غازي، وصار يأمر من تخلف بالمسير إلى الموصل هارباً من الملك، وبقي جمال الدين يسير بالملك من الرقة إلى سنجار، ويخذله ويطعمه، وما زال حتى انتهى به إلى الموصل. وأرسل الأمير عز الدين الدبيسي إلى الملك في عسكر، والملك في نفر يسير، فأخذه وأدخله الموصل، فكان آخر العهد به. فاستقر أمر سيف الدين بالموصل واستوزر جمال الدين وأرسل إلى السلطان مسعود في إمرة الموصل فأمره على البلاد، وأرسل له الخلع. وكان سيف الدين قد تقدمت له خدمة على السلطان مسعود ولازمه سفراً وحضرا في أيام زنكي.\rقال: ولما استتب الأمر لسيف الدين غازي بالموصل عبر إلى الشام لينظر في أمور البلاد، ويقرر قاعدة بينه وبين أخيه نور الدين، ولما عبر الفرات لم يحضر نور الدين إليه وخافه فراسله واستماله بحسن سياسته، فاستقرت الحال بينهما أن يجتمعا خارج العسكر السيفي، وكل منهما في خمسمائة فارس. فسار نور الدين يوم الميعاد من حلب بهذه العدة، وسار سيف الدين من معسكره في خمسة فوارس، فلما رآه نور الدين ترجل وقبل الأرض، وأعاد أصحابه فاجتمعا وتحالفا واتفقا أحسن اتفاق، واستقر نور الدين بحلب وما معها، وسيف الدولة بالموصل وما معها.\rحصر الفرنج دمشق\rوما فعله سيف الدين غازي","part":7,"page":333},{"id":3344,"text":"وفي سنة ثلاث وأربعين وخمسماية وصل ملك الألمان في جمع كثير من الفرنج وعزم على ملك الشام، وظن أنه يملكه لا محالة لكثرة أصحابه، واجتمع عليه من بالشام والسواحل من الفرنج. ووصل إلى دمشق وحاصرها، ونزل الميدان الأخضر، فأيقن أهلها بخروجها عن الإسلام. وكان ملكها يوم ذاك مجير الدين أبق بن محمد ابن بوري بن طغرتكين، وليس له من الأمر شيء والحكم في البلد لأتابكه معين الدين أنر مملوك جد أبيه، فأرسل إلى سيف الدين غازي يستنجده، فجمع عساكره والعساكر الحلبية، وسار إلى دمشق، فخافه الفرنج. ثم راسل فرنج الساحل وأوعدهم بحصر بانياس، فاجتمعوا بملك الألمان وقالوا له: إن هذا ملك بلاد المشرق قد قدم وخوفوه عاقبة أمره، فرحل ملك الألمان إلى بلاده، وتسلم الفرنج بانياس، كما وقع الاتفاق عليه، وعاد سيف الدين إلى الموصل.\rوفاة سيف الدين غازي\rابن عماد الدين زنكي كانت وفاته في أواخر جمادي الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسماية بالموصل لمرض حاد، ودفن بمدرسته التي بناها بالموصل. فكانت ولايته ثلاث سنين وشهرا وعشرين يوماً، وعمره نحواً من أربع وأربعين سنة. وخلف ولدا ذكرا رباه عمه نور الدين محمود أحسن تربية، وزوجه بابنة عمه قطب الدين، ولم تطل مدته، ومات في عنفوان شبابه، وانقرض عقب غازي بوفاته.\rقال: وكان سيف الدين غازي يمد لعسكره في كل يوم سماطاً كبيراً، طرفي النهار يكون في سماطه للغذاء مائة رأس من الغنم وأمر الأجناد أن يركبوا بالسيوف والدبابيس، فاقتدى به أصحاب الأطواف وهو أول من حمل على رأسه السنجق من عمال الأطراف، وبنى المدرسة الأتابكية العتيقة بالموصل، ووقفها على طائفتي الشافعية والحنفية، وبنى رباط الصوفية بالموصل. ولم تطل أيامه حتى يفعل ما في نفسه من وجوه البر، رحمه الله. وسنذكر إن شاء الله تعالى من ملك الموصل بعده إذا انقضت أخبار الشهيد نور الدين وولده\rالملك العادل نور الدين\rأبي القاسم محمود ابن أتابك عماد الدين أبي سعيد زنكي بن أقسنقر قد ذكرنا أنه لما مات والده رحمه الله في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسماية، توجه بخاتمه إلى حلب وملكها، وذكرنا أيضاً ما كان بينه وبين أخيه سيف الدين غازي رحمه الله، وما اتفقا عليه، فلنذكر من أخباره خلاف ذلك. ولنبدأ بغزواته وفتوحاته، ثم نذكر ما استولى عليه من الممالك وغير ذلك.\rالغزوات والفتوحات النورية\rوما استنقذه من أيدي الفرنج\rذكر عصيان مدينة الرها وفتحها الفتح الثاني ونهبها\rقال: لما قتل أتابك زنكي كان جوسكين الفرنجي صاحب الرها في ولايته وهي تل باشر، فراسل عامة أهل الرها من الأرمن وحملهم على العصيان والامتناع على المسلمين، فأجابوه إلى ذلك. فسار في عساكره إلى الرها وملك البلد، وامتنعت عليه القلعة بمن فيها. فسار نور الدين، وجد السير إليها، فلما قاربها هرب جوسكين عنها، وعاد إلى بلده، ودخل نور الدين البلد، ونهب المدينة، وسبى أهلها، فخلت منهم ولم يبق بها إلا القليل، وذلك في سنة إحدى وأربعين وخمسماية. وفي سنة اثنتين وأربعين وخمسماية، فتح نور الدين مدينة ارتاح بالسيف، ونهبها وحصر ما يوله وبصرفوث وكفر لاثا، وكان الفرنج بعد قتل أتابك زنكي قد طمعوا وظنوا أنهم يستردون ما أخذ منهم فخاب ظنهم.\rفتح حصن العريمة\rوفي سنة ثلاث وأربعين وخمسماية فتح حصن العريمة، وهو من أعمال طرابلس. وكان ملك الألمان لما سار عن دمشق وجه إلى العريمة ولد ألفتش صاحب طليطه، وهو من أولاد أكابر ملوك الفرنج. وكان جده هو الذي فتح طرابلس، فملك العريمة، وأظهر أنه يريد أخذ طرابلس من القمص، فأرسل القمص إلى نور الدين، وإلى معين الدين صاحب دمشق أن يقصدا حصن العريمة ويملكاه. فسار نور الدين من حلب ومعين الدين من دمشق واستمدا سيف الدين غازي، فأمدهما بعسكر كثيف مع الأمير عز الدين الدبيسي صاحب جزيرة ابن عمر، فنازلوا الحصن، وحصروه وبه ولد ألفتش، فاستسلم من به بعد امتناع، وملكه المسلمون، وأخذوا كل من فيه من فارس وراجل وصبي وامرأة. وكان ولد ألفتش ممن أسر وأخربوا الحصن ثم عادوا.\rانهزام الفرنج بيغرا","part":7,"page":334},{"id":3345,"text":"وفي سنة ثلاث وأربعين أيضاً، اجتمع الفرنج لقصد حلب، فسار إليهم الملك العادل نور الدين بعسكره، فالتقوا بيغري واقتتلوا قتالاً شديداً، أجلت الحروب عن ظفر الملك العادل، وانهزام الفرنج وأسر جماعة من مقدميهم. ولم ينج من ذلك الجمع إلا اليسير. وأرسل نور الدين من الغنيمة والأسارى إلى أخيه سيف الدين وإلى الخليفة ببغداد وإلى السلطان مسعود وغيرهم. وفي هذه الوقعة يقول بن القيسراني من قصيدة أولها.\rيا ليت أن لصد مصدود ... أو لا، فليت النوم مردود\rجاء منها\rوكيف لا يثنى على عيشنا المحم ... ود والسلطان محمود\rوصارم الإسلام لا ينثنى ... إلا وشلو الكفر مقدود\rمكارم لم تك موجودة ... إلا ونور الدين موجود\rوكم له من وقعة يومها ... عند ملوك الكفر مشهود\rقتل البرنس صاحب أنطاكية\rوفي سنة أربع وأربعين وخمسماية، غزا نور الدين بلاد الفرنج، من ناحية انطاكية وقصد حصن حارم وهو للفرنج، وحصره وخرب ربضه، ونهب سواده ثم رجل إلى حصن إنب فصره، فاجتمعت الفرنج لقتاله مع البرنس، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم الفرنج وقتل البرنس وجماعة كثيرة من أصحابه، واسر خلق كثير. وكان البرنس من عتاة الفرنج. ولما قتل ملك بعده انطاكية ابنه بيمند، ثم غزاهم نور الدين غزوة ثانية، فقتل وأسر، وكان ممن أسر البرنس الثاني زوج أم بيمند صاجب انطاكية. وكان قتل البرنس ريموند عظيماً عند الطائفتين وأكثر الشعراء مدح نور الدين بهذا الظفر، فكان ممن قال فيه ابن القيسراني الكاتب قصيدته المشهورة وهي:\rهذي العزائم لا ما تدعي القضب ... وذي المكارم لا ما قالت الكتب\rوهذه الهمم اللائي متى خطبت ... تعثرت خلفها الأشعار والخطب\rصافحت يا بن عماد الدين ذروتها ... برحة للمساعي دونها تعب\rمازال جدك يبنى كل شاهقة ... حتى بنى قبة أوتادها الشهب\rأغرت سيوفك بالإفرنج راجفة ... فؤاد رومية الكبرى لها يجب\rضربت كبشهم منها بقاصمة ... أودى بها الصلب وانحطت لها الصلب\rطهرت أرض الأعادي من دمائهم ... طهارة كل سيف عندها جنب\rفتح حصن أفامية\rوفي سنة خمس وأربعين وخمسماية فتح الملك العادل نور الدين حصن أفامية من الفرنج، وهو مجاور شيزر وحماة، وهو من أحصن القلاع وأنعها، فاجتمع الفرنج من الساحل وساروا نحوه ليرحلوه، فلم يصلوا إلا وقد ملكه وملأه من الذخائر والسلاح وشحنة بالرجال. وسار عنه في طلب الفرنج، فعدلوا عن طريقه وسألوه الهدنة، وعاد مظفراً منصوراً.\rأسر جوستكين وفتح بلاده\rكان نور الدين قد جمع عساكره في سنة ست وأربعين وخمسماية وسار إلى بلاد جوستكين الفرنجي وهي شمالي حلب، وعزم على محاصرتها. وكان جوستكين فارس الفرنج وطاغيتهم، صاحب رأي وشجاعة، فجمع وأكثر، وسار نحو نور الدين والتقوا واقتتلوا، فكانت الهزيمة على المسلمين، وقتل كثير منهم. واسر سلحدار نور الدين فيمن أسر، فأخذ جوستكين سلاحه، وأرسله إلى الملك مسعود قلج صاحب الروم، وقال: هذا سلاح زوج ابنتك وسآتيك بعده بما هو أعظم منه فأهم نور الدين ذلك وعظم عليه، وعلم أنه لا يتمكن من جوستكين في حرب، لأنه إما أن يحارب أو يحتمي بحصونه. فجعل عليه العيون من التركمان، ووعدهم إن أسروه وأتوا به أو برأسه بمواعيد كثيرة. فرصدوه إلى أن خرج إلى الصيد، وأسروه فصالحهم على مال يؤديه إليهم، فسير في إحضار المال إليهم فجاء بعضهم إلى أبي بكر بن الداية، نائب نور الدين بحلب، وأخبره بالقضية. فسير عسكراً مع من حصر إليه بالخبر، وكيس التركمان وأخذوا جوستكين أسيراً. وكان من أعظم الفتوحات، وأصيبت النصرانية كافة بأسرها","part":7,"page":335},{"id":3346,"text":"ولما أسر سار نور الدين إلى قلاعه فملكها، وهي تل باشر وعين تاب وإعزاز وتل خالد وقورس والراوندان وبرج الرصاص وحصن البادة وكفر سو، وكفر لاثا، ودلوك، ومرعش ونهر الجوز، وغير ذلك من أعماله في مدة يسيرة. واجتمع الفرنج في سنة سبع وأربعين، وحشدت الفارس والراجل وساروا نحو نور الدين وهو بدلوك، فلما قربوا منه رجع إليهم واقتتلوا قتالاً شديداً كان الظفر له وقتل وأسر منهم. وعاد إلى دلوك فملكها. وكان نورا لدين إذا فتح حصناً من هذه الحصون شحنه بما يحتاج إليه من الرجال والسلاح الذخائر وغيرها.\rحصر قلعة حارم وفتحها\rوفي سنة إحدى وخمسين وخمسماية حصر نور الدين قلعة حارم وشدد الحصار، فصالحه الفرنج على نصف أعمال حارم، وصالحهم ورحل عنهم ثم فتحها في شهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمسماية.\rذكر ملكه بانياس وما قرره على طبرية وأعمالها\rوفي سنة تسع وخمسين ملك حصن بانياس، وكان بيد الفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسماية، كما قدمنا. فنازله، فجمع الفرنج لقصده، فلم يكمل جمعهم غلا وقد ملك الحصن وشحنه بالرجال والذخائر، ثم شاطر الفرنج على أعمال طبرية، وقرروا له على الأعمال التي لم يشاطرهم عليها في كل سنة مالا يحملونه إليه، والله أعلم.\rذكر فتح المنيطرة\rوالمنيطرة فيما بين طرابلس وبعلبك وهي الآن من الأعمال المضافة إلى المملكة الطرابلسية. فما كان في سنة إحدى وستين وخمسماية، سار نور الدين إليها جريدة، وملكها وأعجل الفرنج عن الاجتماع لرده، وسبى وغنم، فجاء الفرنج بعد أن ملكها فأيسوا منها، ورجعوا عنها، والله أعلم.\rذكر فتح صافيثا وعريمة\rوفي سنة اثنتين وستين وخمسماية جمع نور الدين العساكر وسار إليه أخوه قطب الدين من الموصل واجتمعا على حمص، فدخل بالعساكر إلى بلاد الفرنج بالساحل واجتاز على حصن الأكراد، فأغاروا ونهبوا وسبوا. وقصدوا عرقة فنازلوها وحصروها، وحصروا حلبة وأخذوها وخربوها. وسارت عساكر المسلمين في بلادهم يميناً وشمالاً تغير وتخرب، وفتحوا العريمة، وصافيثا، وعادوا إلى حمص فصاموا بها شهر رمضان، وكان الفرنج في سنة ثمان وأربعين قد كبسوا عسكر نور الدين بالبقيعة على حين غفلة من العسكر، فنالوا من المسلمين منالاً عظيماً، فجعل نور الدين في مقابلة ذلك فتح حارم وبانياس والمنيطرة وصافيثا وعريمة وتخريب بلادهم، وأدرك ثأره عن غير بعد.\rثم سار بعد شهر رمضان إلى بانياس، وقصد العبور إلى بيروت، فجرى بين العسكر اختلاف أوجب رجوعه. وأعطى قطب الدين في هذه السنة الرقة، وأعاده إلى بلده. هذا ما فتحه رحمه الله من بلاد الفرنج، فلنذكر ما استولى عليه من البلاد الإسلامية.\rما استولى عليه نور الدين\rمن البلاد الاسلامية في سنة أربع وأربعين وخمسماية، استولى الملك العادل نور الدين على سنجار، وكانت بيد أخيه قطب الدين، ملكها بعد وفاة سيف الدين غازي، ثم حصل الاتفاق بينهما على أن يكون نور الدين صاحب حلب وحمص والرحبة والشام؛ وقطب الدين بالموصل وديار الجزيرة، وسلم سنجار لأخيه قطب الدين، وأخذ نور الدين ما كان من الذخائر بسنجار، وكانت كثيرة جداً، وعاد إلى حلب وقد حصل الاتفاق بينه وبين أخيه\rذكر ملكه مدينة دمشق","part":7,"page":336},{"id":3347,"text":"وفي سنة تسع وأربعين وخمسماية ملك دمشق من مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن طغرلتكين. وسبب قصده لها أن الفرنج ملكوا في السنة التي قبل هذه السنة مدينة عسقلان، واستولوا على تلك النواحي، فلم يتمكن نور الدين من غزوهم ودفعهم، لأن دمشق تحول بينه وبينهم. ولم تمكنه مفاجأة صاحبها لعلمه أنه إن سار إليها راسل صاحب دمشق الفرنج واستنجد بهم. وكان قد استقر لهم ضريبة على دمشق تحمل إليهم في كل سنة، ويحضر رسلهم لقبضها، فزاد استيلاؤهم إلى أن أخذوا كل من فيها من الغلمان والجواري، بحيث أنهم يطلبون الغلام أو الجارية ويخيروه، فإن اختار الرجوع إليهم أخذوه، اختار مولاه أو امتنع؛ وان اختار المقام عند مواليه تركوه. فأهم ذلك نور الدين، وخاف أن الفرنج متى استولت على دمشق ملكوا الشام أجمع، فأخذ في إعمال الحيلة وراسل مجير الدين صاحبها وهاداه وداهنه واستماله. وبقي يوقع بينه وبين أمرائه، فكتب إليه يقول: إن فلاناً الأمير قد كاتبني في تسليم دمشق فقبض عليه مجير الدين حتى اختل أمر عسكره وضعف. ثم راسل نور الدين الأحداث من الأمراء بدمشق، ووعدهم الجميل فمالوا إليه ووعدوه بتسليمها له، فسار إليها. فلما نازلها كاتب مجير الدين الفرنج وبذل لهم بعلبك ليمنعوا نور الدين عنه، فحشدوا فارسهم وراجلهم، فلم يتكامل جمعهم إلا وقد ملك نور الدين دمشق، سلمها له الأمراء، ودخلها من الباب الشرقي. وتحصن صاحبها بالقلعة، فبذل له نور الدين حمص، فرضي وسلم القلعة وسار إلى حمص، ثم عوضه عن حمص مدينة بالس فامتنع، وتوجه إلى بغداد ومات بها.\rوفي سنة اثنتين وخمسين، ملك نور الدين حصن شيزر من آل منقذ وكانت الزلزلة قد هدمت أسواره فعمرها والله أعلم.\rذكر ملكه بعلبك\rوفي سنة اثنتين وخمسين وخمسماية ملك بعلبك وقلعتها. وكانت بيد إنسان يقال له ضحاك البقاعي، منسوب إلى البقاع البعلبكي، كان صاحب دمشق قد ولاه إياها، فلما ملك نور الدين دمشق لم تمكنه مشاححته لقربه من الفرنج، فطاوله إلى الآن وملكها منه.\rذكر ملكه قلعة جعبر\rوفي سنة أربع وستين وخمسماية ملك نور الدين قلعة جعبر من صاحبها شهاب الدين مالك بن علي بن مالك العقيلي وكانت بيده وبيد آبائه كما تقدم. وكان السبب في ملكه لها أن صاحبها سار إلى الصيد، فأسره بنو كلاب وجاؤوا به إلى نور الدين في شهر رجب سنة ثلاث وستين، فاعتقله نور الدين وأكرمه في اعتقاله. وأخذ في طلبها باللين، فلم يوافق على إعطائها ثم أخذه بالشدة فلم يوافق، فسير الجيوش لحصرها، فحوصرت مدة فلم يظفر منها بطائل، فعاود صاحبها بالملاطفة، وعوضه عنها سروج وأعمالها والملاحة التي من بلد حلب وباب بزاعه، وعشرين ألف دينار معجلة. فقبل العوض وسلم القلعة. وهذه القلعة في عصرنا هذا إلى سنة أربع عشرة وسبعماية خرابا لا باب عليها والله أعلم.\rذكر ملكه الديار المصرية\rوفي سنة أربع وستين وخمسماية ملك أسد الدين شيركوه الديار المصرية بجيوش الملك العادل نرو الدين، وهي السفرة الثالثة له إليها من قبل نور الدين ونذكر ذلك مفصلاً في أخبار الدولة الأيوبية، ودامت الخطبة بها للملك العادل مدة حياته، وصدر من أيام ولده الملك الصالح إسماعيل.\rذكر ملكه الموصل\rوفي سنة ست وستين وخمسماية ملك الموصل بعد وفاة أخيه قطب الدين، وأقر عليها سيف الدين غازي بن قطب الدين، عل ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار غازي. وأطلق نور الدين سائر المكوس بالموصل وبسائر البلاد. وجاءته الخلع من الخليفة المستنصر بالله، فلبسها ثم خلعها على سيف الدين غازي ابن أخيه. وأمر ببناء الجامع النوري بالموصل، فبنى وأقام بالموصل عشرين يوماً وعاد إلى الشام.\rوفاة نور الدين\rرحمه الله وشيء من أخباره وسيرته","part":7,"page":337},{"id":3348,"text":"كانت وفاة الملك العادل نور الدين محمود في حادي عشر شوال سنة تسع وستين وخمسماية، بعلة الخوانيق، ولقب بعد موته بالشهيد. ومولده في سنة إحدى عشرة وخمسماية، فيكون عمره نحواً من ثمان وخمسين سنة، ومدة ملكه منذ وفاة أبيه ثمانيا وعشرين سنة وستة أشهر وستة أيام. ومن العجب أنه ركب إلى الميدان الأخضر بدمشق في ثاني شوال، ونصب فيه قبقاً، فسايره الأمير همام الدين مودود، وقال له: أترى هل نكون ههنا في مثل هذا اليوم من العام المقبل ؟ فقال له نور الدين: لا تقل هكذا، قل هل نكون ههنا بعد شهر ؟ فإن السنة بعيدة ورجع إلى القلعة، وختن ابنه وأصابته العلة، فمات بعد عشرة أيام. ومات الأمير همام الدين قبل استكمال الحول. ودفن نور الدين بقلعة دمشق، ثم نقل إلى مدرسته التي بناها بجوار سوق الخواصين بدمشق وقبره هناك مشهور.\rوأما سيرته وأفعاله رحمه الله تعالى فإنه أفرغ وسعه في الجهاد، واستنقذ من أيدي الفرنج ما ذكرناه. وكان ثابتاً في حروبه، وبنى المدارس والمساجد والربط. والبيمار ستان والخانات والطرق والجسور، وجدد القنى وأصلحها، وأوقف الوقوف على معلمي الخط لتعليم الأيتام، وعلى سكان الحرمين الشريفين، وأقطع أمراء العرب الإقطاعات حتى كفوا عن التعرض إلى الحاج. وبنى أسوار المدن والحصون التي هدمتها الزلزلة التي ذكرناها في أخبار الدولة العباسية. وكان رحمه الله مواظباً على الصلاة في الجماعة، حريصاً على فعل الخير، عفيف لبطن والفرج، مقتصداً في الإنفاق والمطاعم والملابس، لم تسمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في سخطه وعاقب على شرب الخمر.\rقال الشيخ عز الدين أبو الحسن علي بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الأثير رحمه الله: قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا هذا فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكاً أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين ولا أكثر تحرياً للعدل والإنصاف منه قال: وكان رحمه الله لا يفعل فعلاً إلا بنية حسنة. كان بالجزيرة رجل من الصالحين العباد، وكان نور الدين يكاتبه ويراسله فيرجع إلى قوله، فبلغه أن نور الدين يدمن اللعب بالأكرة فكتب إليه يقول: ما كنت أظنك تلهو وتلعب وتعذب الخيل لغير فائدة فكتب إليه نور الدين بخطه يقول: والله ما يحملني على اللعب بالكرة اللهو والبطر، إنما نحن في ثغر، العدو قريب منا، وبينما نحن جلوس إذ يقع الصوت فنركب في الطلب ولا يمكننا أيضاً ملازمة الجهاد ليلاً ونهاراً شتاء وصيفاً. إذ لابد من الراحة للجند ومتى تركنا الخيل على مرابطها بسرعة الانعطاف في الكر والفر في المعركة فنحن نركبها ونروضها بهذا اللعب، فيذهب حمامها، وتتعود سرعة الانعطاف والطاعة لراكبها في الحرب. فهذا والله الذي بعثني على اللعب بالكرة.\rقال: وحكى عنه أنه حمل إليه من مصر عمامة من القصب الرفيع مذهبة، فلم يحضرها عنده، فوصفت له، فلم يلتفت إليها؛ فبينما هم معه في حديثها إذ جاءه رجل صوفي فأمر له بها. فقيل له إنها لا تصلح لهذا الرجل، ولو أعطى غيرها كان أنفع له. فقال: أعطوها له، فاني أرجو أن أعوض عنها في الآخرة فسلمت إليه قيل والذي أعطيها شيخ الصوفية عماد الدين بن حمويه، فبعثها إلى همذان، فبيعت بألف دينار.\rقالوا وكان عارفاً بالفقه على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث وأسمعه، وكان يعظم الشريعة المطهرة، ويقف عند أحكامها، فمن ذلك أنه كان يلعب بالكرة عند دمشق، فرأى إنساناً يحدث آخر ويومىء إليه بيده، فأرسل يسأله عن حاله، فقال: لي مع الملك العادل حكومة، وهذا غلام القاضي ليحضره إلى مجلس الحكم يحاكمني على الملك الفلاني فلما قيل ذلك له ألقى الجوكات من يده وخرج من الميدان وتوجه إلى القاضي كمال الدين بن الشهرزوري وأرسل إليه يقول: إني قد جئت في محاكمة فاسلك معي ما تسلكه مع غيري. فلما حضرا، ساوى خصمه وحاكمه، فلم يثبت قبله حق، وثبت الحق لنور الدين. فعند ذلك أشهد على نفسه أنه وهب الملك للذي حاكمه، وقال: كنت أعلم أن لا حق له عندي، وإنما حضرت معه لئلا يظن بي أن ظلمته، فحيث ظهر أن الحق لي، وهبته له.","part":7,"page":338},{"id":3349,"text":"قال: وهو أول من بنى دار الكشف وسماها دار العدل وكان يجلس فيها في الأسبوع يومين، وعنده القاضي والفقهاء لفصل الحكومات بين القوي والضعيف. وكان شجاعاً حسن الرأي والمكيدة في الحرب، عارفاً بأمور الأجناد. وكان إذا حضر الحرب أخذ قوسين وتركشين، وباشر القتال بنفسه. وكان يقول: طالما تعرضت للشهادة فلم أدركها.\rقال: ومن أحسن الآراء ما كان يفعله مع أجناده. كان إذا توفى أحدهم وخلف ولداً، أقر الإقطاع عليه. فإن كان كبيراً استبد بتدبير نفسه، وإن كان صغيراً رتب معه رجلاً عاقلاً يثق إليه يتولى أمره إلى أن يكبر. فكان الأجناد يقولون هذه أملاكنا يرثها الولد عن الوالد، فنحن نقاتل عليها، وكان ذلك سبباً عظيماً للنصر في المشاهد والحروب. قال: وبنى أسوار مدن الشام وقلاعها، فمنها حلب وحماه وحمص ودمشق وبارين وشيزر ومنيج، وغيرها من القلاع والحصون، وأخرج عليها الأموال الكثيرة التي لا تسمح النفوس بمثلها. وبنى المدارس بحلب وحماه ودمشق وغيرها. وبنى الجوامع في كثير من البلاد. فمنها جامعه بالموصل، إليه النهاية في الحسن والإتقان وفوض عمارته والخرج عليه للشيخ عمر الملا، وكان من الصالحين. فقيل له إنه لا يصلح لمثل هذا العمل، فقال: إذا وليت بعض أصحابي من الأجناد والكتاب، أعلم أنه يظلم في بعض الأوقات، فلا يقي عمارة الجامع بظلم رجل مسلم، وإذا وليت هذا الشيخ غلب على ظني أنه لا يظلم، فإن ظلم كان الاثم عليه لا على وبنى أيضاً بمدينة حماه جامعاً على نهر العاصي من أحسن الجوامع وأنزهها، وجدد في غيرها من عمارة الجوامع ما كان قد تهدم بسبب زلزلة وغيرها. وبنى البيمار ستانات في البلاد، ومن أعظمها وأشهرها البيمارستان الذي بناه بدمشق، وقفه على كافة المسلمين من غنى وفقير، وبنى الربط. والخانقاهات للصوفية، ووقف عليها الوقوف الكثيرة، وأدر عليهم الإدرارات الصالحة.\rقال: وكان قد ضبط ناموس الملك إلى غاية لا مزيد عليها، فكان يلزم الأجناد بوظائف الخدمة، ولا يجلس عنده أمير من غير أن يأمره بالجلوس، إلا نجم الدين أيوب، وأما من عداه كأسد الدين شيركوه وغيره، فإنهم كانوا يقفون حتى يأمرهم بالجلوس. وكان مع ذلك إذا دخل عليه الفقير والصوفي والفقيه يقوم له ويجلسه إلى جانبه. وكان إذا أعطى أحدهم شيئاً يقول إن هؤلاء لهم في بيت المال حق، فإذا قنعوا منا ببعضه فلهم المنة علينا.\rولم يزل الناس معه في غاية الأمن والخير والبركة والنمو والإحسان والعدل والبر وإظهار السنة وقمع البدعة إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى.\rالملك الصالح اسماعيل\rابن الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين أتابك زنكي بن أقسنقر ملك بعد وفاة والده في حادي عشر شوال سنة تسع وستين وخمسماية. وحلف له الأمراء وأطاعه الناس في سائر البلاد وخطب له الملك الناصر صلاح الدين يوسف بالديار المصرية. ولم يكن الملك الصالح إذ داك قد بلغ الحلم وتولى تربيته الأمير شمس الدين محمد بن المقدم. قال العماد الأصفهاني الكاتب: وورد كتاب صلاح الدين بالمثل الفاضلي معزياً للملك الصالح وفي آخره: وأما العدو خذله الله تعلى فوراءه من الخادم من يطلبه طلب ليل لنهاره، وسيل لقراره، إلى أن يزعجه من مجاثمه، ويستوقفه عن مواقف مغانمه، وذلك من أقل فروض البيت الكريم، وأيسر لوازمه. أصدر هذه الخدمة يوم الجمعة رابع عشر ذي القعدة وهو اليوم الذي أقيمت فيه الخطبة بالاسم الكريم، وصرح فيه بذكره في الموقف العظيم، والجمع الذي لا لعو فيه ولا تأتيم، وأشبه يوم الخادم أمسه في الخدمة، وفيما لزمه من حقوق النعمة، وجمع كلمة الإسلام عالماً أن الجماعة رحمة.\rقال: ولما بلغ سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود وفاة عمه، استبشر لذلك، ونادى بالموصل بالفسحة في الشرب واللهو. وكان الخبر قد أتاه وهو سائر إلى خدمة عمه نور الدين، فإنه كان قد استدعاه بالجيوش، فعاد وهرب سعد الدين كمشتكين، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار سيف الدين غازي مبينا. قال: ولما اتفق ذلك منه لم يكتب الجماعة الذين في خدمة الملك الصالح إلى صلاح الدين يوسف بالخبر، خوفاً أنه إذا بلغه ذلك أقصدهم، واستولى على الملك الصالح وأبعدهم، فشق ذلك عليه وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.","part":7,"page":339},{"id":3350,"text":"قال: وأقام الملك الصالح بدمشق وجماعة الأمراء عنده لم يمكنوه من المسير إلى حلب، لئلا يغلبهم عليه شمس الدين بن الداية، ويختص بخدكته، فإنه كان من أكبر الأمراء النورية. ولما وصل كمشتكين من الموصل إلى حلب أحسن إليه الأمير شمس الدين بن الداية، وأكرمه، وجهزه إلى دمشق لإحضار الملك الصالح منها إلى حلب، وجهز معه العساكر. فلما قارب دمشق سير الأمير شمس الدين محمدين المقدم عسكراً إليه، فهزموه. ونبوا ما معه، فعاد إلى حلب منهزماً، فأخلف عليه ابن الداية عوض ما أخذ منه ثم نظر أمراء دمشق المصلحة، فعلموا أن مسيره إلى حلب أجود من مقامه بدمشق. فأرسلوا إلى ابن الداية يطلبون سعد الدين كمشتكين ليأخذ الملك الصالح، فجهزه إليهم، فسار إلى دمشق في المحرم سنة سبعين وخمسماية، فأخذ الملك الصالح وعاد به إلى حلب. فلما وصل إليها، قبض سعد الدين على ابن الداية وإخوته، وعلى الرئيس ابن الخشاب رئيس حلب، ومقدم الأحداث بها.\rواستبد سعد الدين بتربية الملك الصالح، فخاف ابن المقدم وغيره من الأمراء بدمشق أن سعد الدين يسير إليهم ويفعل بهم كما فعل بابن الداية، فراسل سيف الدين غازي بن مودود في الحضور من الموصل ليتسلم دمشق فخشي غازي أن تكون مكيدة فلم يحضر، فراسله سعد الدين، واتفق الحال على أن يستقر بيده ما استولى عليه من الأعمال الجزيرية. فقال أمراء دمشق: حيث صالح سيف الدين، لم يبق له مانع من المسير إلى دمشق. فراسلوا الملك الناصر صلاح الدين في الحضور من مصر ليتسلمها. فوصل إليها، وتسلمها، وملك حمص وحماه وبعلبك. ولم يقطع خطبة الملك الصالح، وأظهر أنه إنما حضر لخدمته، واسترجاع ما استولى عليه سيف الدين غازي وغيره من الأعمال الجزيرية. ثم كان بينه وبين العسكر الحلبي من الحروب ما نذكره في أخبار الدولة الأيوبية إلى أن أحوجوه إلى الاستقلال بالأمر والخطبة لنفسه وملك البلاد.\rذكر مقتل سعد الدين كمشتكين وحصر الفرنج حارم\rوفي سنة ثلاث وسبعين وخمسماية قبض الملك الصالح على سعد الدين، وهو المتولي على أمر دولته، والحاكم فيها، وسبب ذلك أن أبا صالح بن العجمي كان من أكابر حلب، وكان مقدماً عند نور الدين، وتقدم عند ولده وأطاعه الناس، وكثرت أتباعه، فوثبت عليه بعض الباطنية بالجامع فقتله، فنسب ذلك لسعد الدين فوشوا به عند الملك الصالح، فقبض عليه. وكانت جارم اقطاعه، فامتنع من بها من تسليمها فسيره الملك الصالح تحت الاستظهار ليأمر أصحابه بتسليمها؛ فأمرهم فلم يرجعوا إلى قوله، وعذب وهم ينظرون إليه إلى أن مات تحت العقوبة. فبلغ الفرنج ذلك، فنازلوا قلعة حارم ونصبوا عليها المجانيق، فصالحهم الملك الصالح على مال ففارقوها، وتسلمها بعد حصار ثان، ورتب فيها من المماليك النورية من يحفظها.\rوفاة الملك الصالح اسماعيل\rكانت وفاته لخمس بقين من رجب سنة سبع وسبعين وخمسماية. وابتدأت علته في تاسع الشهر، وكان مرضه القولنج ومات وله من العمر تسع عشرة سنة. وقيل في سبب وفاته إن علم الدين سليمان بن جندر سقاه في عنقود عنب وهو في الصيد؛ وقيل بل سقاه ياقوت الأسدي في شراب، فعظم موته على سائر الناس، وحزنوا لفقده حزناً شديداً.\rقال ابن الأثير: ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب الخمر للتداوي، فاستفتى الفقيه علاء الدين الكاشاني وأفتاه بجواز شربها، فقال: إن كان الله قد قرب أجلى أيؤخره شرب الخمر فقال: لا والله فقال: والله لا لقيت الله تعالى وقد استعملت ما حرمه علي ومات رحمه الله ولم يشربها.\rولما أيس من نفسه أحضر الأمراء والأجناد في الثالث والعشرين من شهر رجب وأوصاهم بتسليم البلد لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل، واستحلفهم على ذلك. فقال بعض أصحابه إن عز الدين ملك الملوك وله ما يكفيه، ولو أوصيت بها لابن عمك عماد الدين زنكي فإنه تربية والدك، وزوج أختك، وليس له غير سنجار. فقال: إن هذا لم يغب عني، ولكن قد علمتم أن صلاح الدين قد تمكن وتغلب علا عامة البلاد الشامية، ومتى كانت حلب لعماد الدين عجز عن حفظها وعز الدين بحفظها، وإن ملكها صلاح الدين لم يبق لأهلنا معه مقام فاستحسن الناس ذلك منه، وعجبوا من جودة رأيه مع صغر سنه، وأن مرضه لم يشغله عن حسن اختياره ثم مات رحمه الله.","part":7,"page":340},{"id":3351,"text":"وكان عفيف اليد والفرج واللسان، لا يعرف له شيء مما يتعاطاه الملوك والشباب، حسن السيرة، عادلاً في رعيته. وبوفاته انقرض عقب نور الدين المذكور.\rولنرجع إلى ذكر ملوك الموصل الذين ملكوا بعد وفاة سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي.\rقطب الدين مودود\rبن عماد الدين زنكي بن أقسنقر ملك الموصل بعد وفاة أخيه سيف الدين غازي في أواخر جمادي الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسماية. وذلك أنه لما مات سيف الدين غازي اجتمعت كلمة الوزير جمال الدين الأصفهاني وزين الدين على أمير الجيش على تولية قطب الدين طلباً للسلامة، فاستحلفوه وحلفوا له وركبوه إلى دار السلطان، وأطاعه سائر البلاد التي كانت تحت يد أخيه. وتزوج الخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين. وكان سيف الدين غازي قد تزوجها ولم يدخل بها، فتزوجها قطب الدين وهي أم أولاده الملوك.\rقال: ولما ملك قطب الدين كان نور الدين بحلب، وهو أكبر منه، فكاتبه بعض الأمراء وطلبوه، فسار إليهم، وقصد انتزاع الملك من أخيه قطب الدين، ثم اتفقا وعاد نور الدين إلى حلب، وشهد قطب الدين بعض الحروب مع أخيه نور الدين؛ كما ذكرناه في أخبار نور الدين.\rذكر القبض على الوزير جمال الدين محمد بن علي ابن منصور\rالأصفهاني ووفاته وشيء من أخباره وسيرته وفي سنة ثمان وخمسماية قبض قطب الدين على الوزير جمال الدين واعتقله، فتوفى في اعتقاله في شعبان سنة تسع وخمسين ولعمر ما كان يستحق أن يعتقل، وهو الذي عمل على إثبات الملك في البيت الأتابكي بعد قتل الشهيد أتابك زنكي، على ما قدمنا في أخبار سيف الدين غازي قال بن الأثير الجزري رحمه الله في تاريخه الكامل: حكى لي إنسان صوفي قال له أبو القاسم؛ كان مختصاً بخدمته في الحبس، قال: لم يزل مشغولاً في محبسه بأمر آخرته، وكان يقول كنت أخشى أن أنقل من الدست إلى القبر، فلما أن مرض قال لي في بعض الأيام: يا أبال القاسم إذا جاء طائر أبيض إلى الدار فعرفني قال: فقلت في نفسي قد اختلط عقله فلما كان الغد أكثر السؤال عنه، وإذا طائر أبيض لم أر مثله قد سقط، فقلت: قد جاء الطائر فاستبشر ثم قال: جاء الحق وأقبل على الشهادة، وذكر الله تعالى إلى أن توفى. فلما توفى طار ذاك الطائر، فعلمت أنه رأى شيئاً في معناه.\rودفن بالموصل عند فتح الكرامى رحمة الله عليهما نحو سنة، ثم نقل إلى المدينة، فدفن بالقرب من حرم النبي صلى الله عليه وسلم في رباط بناه لنفسه. وقال لأبي القاسم: بيني وبين أسد الدين شيركوه عهد ن مات منا قبل صاحبه حمله إلى المدينة فدفنه بها في التربة التي عملها، فإذا أنا مت فامض إليه وذكره. فلما توفي سار أبو القاسم إلى شيركوه في المعنى، فقال له شيركوه: كم تريد فقال أريد أجرة جمل يحمله، وجمل يحملني وزادي فانتهره وقال: مثل جمال الدين يحمل هكذا إلى مكة وأعطاه مالا صالحاً ليحمل معه جماعة يحجون عن جمال الدين، وجماعة يقرءون بين يدجي تابوته إذا حمل وإذا أنزل عن الجمل. فإذا وصل إلى مدينة يدخل أولئك القراءون ينادون للصلاة عليه، فيصلى عليه في كل بلد يجتاز بها، وأعطاه أيضاً مالا للصدقة فصلى عليه في كريت وبغداد والحلة فيد ومكة والمدينة، وكان يجتمع له في كل بلد من الخلق ما لا يحصى، ولما أراد الصلاة عليه بالحلة صعد شاب على موضع مرتفع وأنشد بأعلا صوته:\rسرى نعشه فوق الرقاب وطالما ... سرى جوده فوق الركاب ونائله\rيمر على الوادي فتنثنى رماله ... عليه وبالنادي فتثنى أرامله\rفلم ير باكياً أكثر من ذلك اليوم، وطافوا به حول الكعبة، وصلوا عليه بالحرم الشريف، وبين قبره وقبر النبي صلى الله عليه وسلم خمسة عشر ذراعاً.","part":7,"page":341},{"id":3352,"text":"وأما سيرته رحمه الله فكان الوزير جمال الدين محمد بن علي أسخى الناس وأكثرهم بذلاً للمال، رحيماً بالخلق متعطفاً عليهم عادلاً فيهم، فمن أعماله الحسنة أنه جدد بناء مسجد الخيف بمنى وغرم عليه أموالاً كثيرة، وبنى الحجر بجانب الكعبة، وزخرف الكعبة وأذهبها وعملها بالرخام. ولما أراد ذلك أرسل إلى المتقي لأمر الله هدية جليلة، وطلب منه ذلك، وأرسل إلى الأمير عيسى أمير مكة هدية كبيرة، وخلعا ثنية، منها عمامة شراها بثلثماية دينار، حتى مكنه من ذلك. وعمر أيضاً المسجد الذي على جبل عرفات، والدرج الذي يصعد فيها إليه، وكان الناس يلقون شدة في صعودهم. وعمل بعرفات أيضاً مصانع للماء، وأجرى الماء إليها بن نعمان في طرق معمولة تحت الأرض. وأخرج على ذلك مالاً كثيراً وكان يجري الماء في المصانع في كل سنة أيام الحج. وبنى سوراً على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم. وعلى فيد.\rوكان يخرج على باب داره في كل يوم للصعالك والفقراء ماية دينار أميري؛ هذا سوى الإدرارات والتعهدات للأئمة والصالحين وأرباب البيوت. ومن أبنيته العجيبة التي لم ير الناس مثلها الجسر الذي بناه على دجلة عند جزيرة ابن عمر بالحجر المنحوت والحديد والرصاص والكلز فقبض قبل أن تكمل عمارته وبنى أيضاً جسراً كذلك على النهر المعروف بالأرفاد، وبنى الربط. وقصده الناس من أقطار الأرض. وكانت صدقاته وصلاته من أقاصي خراسان إلى حدود اليمن، وكان يشتري الأسرى في كل سنة بعشرة آلاف دينار، هذا من الشام حسب، سوى ما يشتري من الكرج.\rوقال ابن الأثير: أيضاً حكى لي والدي عنه قال كثيراً ما كنت أرى جمال الدين إذا قدم إليه الطعام يأخذ منه ومن الحلوى ويتركه في خبز بين يديه. فكنت أنا ومن يراه نظن أنه يحمله إلى أم ولده علي. فاتفق أنه في بعض السنين جاء إلى الجزيرة مع قطب الدين، وكنت أتولى ديوانها، وحمل جاريته أم ولده إلى داري لتدخل الحمام، فبقيت في الدار أياماً. فبينما أنا عنده في الخيام، وقد أكل الطعام فعل كما كان يفعل. ثم تفرق الناس فقمت فقال: اقعد فقعدت. فلما خلا المكان قال لي: قد آثرتك اليوم على نفسي، فإنني في الخيام ما يمكنني أن أفعل ما كنت أفعله. خذ هذا الخبر واحمله أنت في كمك في هذا المنديل، واترك الحماقة من رأسك، وعد إلى بيتك، فإذا رأيت في طريقك فقيراً يقع في نفسك أنه مستحق، فاقعد أنت بنفسك وأطعمه هذا الطعام قال: ففعلت ذلك، وكان معي جمع كثير ففرقتهم في الطريق لئلا يروني أفعل ذلك، وبقيت في غلماني، فرأيت في موضع إنساناً أعمى وعنده أولاد له وزوجته، وهم من الفقر على حال شديد، فنزلت عن دابتي إليهم وأخرجت الطعام وأطعمتهم إياه. وقلت للرج تجيىء غداً بكرة إلى دار فلان، أعني داري - ولم أعرفه نفسي - فإنني آخذ لك من صدقة جمال الدين شيئاً. ثم ركبت إليه العصر، فلما رآني قال: ما الذي فعلت في الذي قلت لك فأخذت أذكر له شيئاً يتعلق بدولتهم فقال: ليس عن هذا أسألك، إنما أسألك عن الطعام الذي سلمته إليك فذكرت له الحال ففرح، ثم قال: بقي أنك قلت للرجل يجىء إليك هو وأهله فتكسوهم وتعطيهم دنانير وتجري لهم كل شهر دنانير قال: فقلت له: قد قلت للرجل يجى إلي فازداد فرحاً وفعل للرجل ما قال. ولم يزل يصل إليه رسمه حتى قبض. قال: وله من هذا كثير. فمن ذلك أنه تصدق بثيابه من على بدنه في بعض السنين التي تعذرت فيها الأقوات.\rولما وقفت على ترجمته لهجت بالترحم عليه، وقرأت ختمة شريفة في شهر رمضان سنة أربع عشرة وسبعماية وسألت الله تعالى أن يسطر ثوابها في صحيفة حسناته، وقررت ذلك على نفسي في كل سنة في شهر رمضان وأرجوا أن لا أقطعها ما لم أنس ذلك، رحمه الله تعالى.\rذكر فراق زين الدين الموصل وتحكم قطب الدين","part":7,"page":342},{"id":3353,"text":"وفي سنة ثلاث وستين وخمسماية فارق زين الدين علي بن بكتكين النايب عن قطب الدين خدمته، وسار إلى أربل. وكان هو الحاكم في الدولة وأكثر البلاد بيده، ومنها أربل وبها أهله وأولاده وخزانته، وشهرزور وجميع القلاع التي معها، وجميع بلاد الهكارية وبلد الحمدية، وتكريت وسنجار، وحران، وقلعة الموصل هو بها. وكان قد أصابه طرش ثم عمى، فما عزم على مفارقة الموصل إلى بيته بأربل، سلم جميع ما كان بيده من البلاد إلى قطب الدين، وبقي معه أربل خاصة. وكان شجاعاً عاقلاً حسن السيرة سليم القلب ميمون النقيبة، ما انهزم من حرب قط. وكان كريماً كثير العطاء للجند وغيرهم، فمن عطاياه أن الحيص بيص الشاعر قد امتدحه بقصيدة، فلما أراد إنشادها قال له: أنا لا أعرف ما تقول ولكني أعلم ما تريد وأمر له بخمسمائة دينار وخلعة وفرس فكان مجموع ذلك بألف دينار. ولم يزل بأربل إلى أن مات بها في هذه السنة.\rولما فارق زين الدين قلعة الموصل سلمها قطب الدين إلى فخر الدين عبد المسيح وحكمه في البلاد، فعمر القلعة وكانت خراباً لأن زين الدين كان قليل الالتفات إلى العمارة. وسار عبد المسيح سيرة شديدة وسياسة عظيمة وكان خصباً أبيض من مماليك أتابك زنكي.\rذكر وفاة قطب الدين مودود وملك ولده سيف الدين غازي\rكانت وفاة قطب الدين مودود بن زنكي بالموصل في ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسماية، وقيل في شوال منها. وكان مرضه حمى حادة فكانت مدة ملكه إحدى وعشرين سنة وشهوراً. وكان من أحسن الملوك سيرة، وأعفهم عن أموال الرعية، كثير الإنعام والإحسان إليهم، محبوباً إلى كبيرهم، وصغيرهم عطوفاً على ريفهم ووضيعهم، كريم الأخلاق. ولما مات رحمه الله تعالى ملك بعده ولده سيف الدين غازي.\rسيف الدين غازي\rبن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي ملك الموصل وما كان بيد والده قطب الدين بعد وفاته في ذي الحجة أو شوال سنة خمس وستين وخمسماية؛ بوصية من أبيه. وكان والده قد أوصى بالملك بعده لولده الأكبر عماد الدين زنكي، فعرف عبد المسيح رأيه عنه. فلما كان في اليوم الثاني استخلف سيف الدين غازي، فاستقر في الملك بعد وفاة أبيه، واستولى عبد المسيح على المملكة. ولم يكن لغازي معه غير الاسم، فاتصل ذلك بنور الدين محمود، فأزعجه وأنف منه وكبر لديه، فسار إلى الموصل سنة ست وستين وجخلها من غير قتال. وكان الجند والعوام قد كاتبوه في تسليم البلد إليه. فلما علم بذلك بعد المسيح كاتبه أيضاً وسأله الأمان، فأمنه وقال: لا سبيل أن يكون بالموصل؛ ونقله إلى الشام وجخل نور الدين الموصل في ثالث عشر جمادي الأولى، وأقر سيف الدين غازي على الموصل، وولى القلعة خادماً يقال له سعد الدين كمشتكين، وجعله دزدارا ثم عاد إلى الشام رحمه الله.\rملك غارى بلاد الجزيرية\rكان سبب ذلك أن عمه الملك العادل نور الدين قد استدعاه بعساكر الموصل وديار الجزيرة وغيرها لقصد الغزاة فسار سيف الدين غازي وجعل على مقدمته سعد الدين كمشتكين. فلما كانوا ببعض الطريق، وافاهم الخبر بوفاة نور الدين، فهرب سعد الدين جريدة، واستولى غازي على بركه وثقله وموجوده. وعاد إلى نصيبين فملكها، وأرسل الشحن إلى الخابور، واستولى عليه وأقطعه. وسار إلى حران فحصرها عدة أيام، وبها قايماز الحراني مملوك نور الدين، فأطاعه بعد امتناع على أن تكون حران له. فلما نزل إليه، قبض عليه سيف الدين غازي، وسار إلى الرها فحصرها وملكها، وبها خادم خصي أسود لنور الدين، فسلمها وطلب عوضها قلعة الزعفران من أعمال جزيرة ابن عمر، فأعطيها ثم أخذت منه، ثم انتهى حاله إلى أن استعطى ما يقوم به.\rوسير سيف الدين إلى الرقة، فملكها وملك سروج وجميع بلاد الجزيرة، إلا قلعة جعبر لحصانتها، ورأس عين لأنها كانت لقطب الدين صاحب ماردين. وعاد عبد المسيح إلى خدمة سيف الدين من سيواس، وحسن لسيف الدين العبور إلى الشام ليملكه، فأشار عليه عز الدين محمود - وهو من أكابر الأمراء - أن يقتصر على ما بيده، فرجع إليه وعاد إلى الموصل، وذلك في سنة تسع وستين وخمسماية.\rذكر حصره أخاه زنكي بسنجار","part":7,"page":343},{"id":3354,"text":"وفي سنة سبعين وخمسماية في شهر رمضان حصر سيف الدين غازي أخاه عماد الدين زنكي بسنجار. وكان سبب ذلك أن الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين كتب إلى ابن عمه سيف الدينأأخأخ غازي يستحثه على الوصول إليه ليدفع الملك الناصر صلاح الدين يوسف عن حلب، فجمع سيف الدين غازي العساكر، وكاتب أخاه عماد الدين في اللحاق به. وكان صلاح الدين قد كاتبه وأطعمه في الملك، فامتنع عماد الدين بسبب ذلك. فجهز سيف الدين العساكر مع أخيه عز الدين مسعود إلى الشام. وتوجه هو سيف الدين لحصار أخيه بسنجار، فحصرها وبينما هو كذلك، إذ أتاه الخبر بانهزام أخيه مسعود من صلاح الدين، فراسل حينئذ أخاه عماد الدين وصالحه على ما بيده، ورحل إلى الموصل. ثم كان بين سيف الدين وبين الملك الناصر صلاح الدين ما نذكره في أخبار الملك الناصر من هزيمة غازي في سنة إحدى وسبعين.\rورجع سيف الدين إلى الموصل. وعزل عز الدين زلفندار استعمل مكانه في إمارة الجيش مجاهد الدين قايماز.\rوفي سنة اثنتين وسبعين وخمسماية عصى شهاب الدين محمد بن مروان صاحب شهرزور على سيف الدين غازي وكان قبل ذلك في طاعته، فراسله في معاودة الطاعة. فعاد وحضر إلى الخدمة\rذكر وفاة سيف الدين غازي\rكانت وفاته في ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسماية وكان مرضه السل، فطال به، ثم أدركه سرنيام فمات، وعمره نحواً من ثلاثين سنة، وكانت مجة ولايته عشر سنين وشهوراً وكان حسن الصورة تام القامة أبيض اللون. وكان عاقلاً وقوراً قليل الالتفات إذا ركب وإذا جلس ولم يذكر عنه في نفسه ما ينافي العفاف. وكان شديد الغيرة لا يدخل دوره غير الخدام الصغار فإذا كبر أحدهم منعه. وكان لا يحب سفك الدماء ولا أخذ الأموال على شحه وجبنه.\rولما اشتد مرضه أوصى بالملك لولده معز الدين سنجر شاه، وكان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة، فخاف على الدولة من ذلك، لتمكن صلاح الدين يوسف بالشام، وامتنع عز الدين مسعود من الموافقة والأيمان. فأشار الأمراء أن يكون الملك بعده لعز الدين مسعود أخيه. ففعل، وجعل لولده سنجر شاه جزيرة ابن عمر وقلاعها، وجعل قلعة الحميدية لولده الصغير ناصر الدين كسك\rذكر ملك عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي\rملك الموصل بعد وفاة أخيه سيف الدين غازي في ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسماية، وقام بتدبير دولته مجاهد الدين قايماز. وفي سنة سبع وسبعين كانت وفاة الملك الصالح اسماعيل، وأوصى بحلب لعز الدين مسعود كما ذكرناه في أخباره. فكاتبه الأمراء بذلك واستدعوه لتسليمها. فسار إليها ومعه مجاهد الدين قايماز، فدخلها في العشرين من شعبان منها وأقام بحلب عدة شهور ثم سار إلى الرقة.\rذكر تسليم حلب إلى عماد الدين زنكي وأخذ سنجار عوضاً عنها\rقال: ولا فارق عز الدين مسعود حلب ووصل إلى الرقة، جاءته رسل أخيه عماد الدين زنكي صاحب سنجار يطلب منه أن يسلم إليه مدينة حلب ويأخذ سنجار، فلم يجب إلى ذلك، فراسله مرة أخرى وألح في طلبها، وقال متى لم تسلم إلى حلب وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين، فأشار الأمراء بتسليمها إليه فسلمها له، وتسلم سنجار، وعاد إلى الموصل.\rذكر القبض على مجاهد الدين قايماز","part":7,"page":344},{"id":3355,"text":"وفي جمادي الأولى سنة تسع وسبعين وخمسمائة قبض عز الدين مسعود على نائبه مجاهد الدين قايماز. ولما قصد القبض عليه لم يقدم عليه مفاجأة لقوة مجاهد الدين، فأظهر المرض وانقطع عن الركوب فدخل إليه مجاهد الدين وحده، وكان خصيصاً به لا يمنع من الدخول على النساء. فقبض عليه وركب لوقته إلى القلعة. واحتوى على أموال وقايماز وخزائنه، وولى زلفندار قلعة الموصل وجعل شرف الدين أحمد بن أبي الخير - وهو ابن أمير حاجب العراق - أمير حاجب، وحكمه في دولته. وكانت أربل وأعمالها تحت حكم مجاهد الدين، ومعه فيها زين الدين يوسف بن زين الدين علي، وهو صبي صغير. وتحت حكمه أيضاً جزيرة ابن عمر وهي لمعز الدين سنجر شاه ابن سيف الدين غازي، وهو صبي أيضاً؛ وبيده شهرزور وأعمالها ونوابه بها، ودقوقاً، وقلعة عقر الحميدية ونائبه بها. ولم يكن مع عز الدين إلا الموصل خاصة وقلعتها لمجاهد الدين. فلما قبض امتنع صاحب أربل عن الطاعة، واستبد صاحب الجزيرة وأرسل الخليفة من حصر دقوقا وأخذها، ولم يحصل لعز الدين غير شهرزور والعقر، وصارت أربل والجزيرة أضر شيء عليه وأرسل صاحب أربل إلى الملك الناصر صلاح الدين بالطاعة له، وقوى طمع الملك الناصر في الموصل لما قبض على مجاهد الدين، فلما رأى عز الدين ما حصل من الضرر والفساد بسبب قبض مجاهد الدين، قبض على شرف الدين أحمد الحاجب وزلفندار، عقوبة لهما كونهما حسنا له القبض على قايماز.\rذكر اطلاق مجاهد الدين قايماز وما كان من العجم وانهزامهم\rقال: وفي المحرم سنة ثمانين وخمسماية أطلق عز الدين مسعود مجاهد الدين قايماز، وذلك بشفاعة شمس الدين بن البهلوان صاحب همذان وبلاد الجبل. ولما أطلقه سيره إلى ابن البهلوان وإلى أخيه قزل يستنجدهما على صلاح الدين. فبدأ في مسيره بقزل وهو صاحب أذربيجان، فلم يمكنه من المضي إلى شمس الدين، وقال: مهما يختار أنا أفعله وجهز معه ثلاثة آلاف فارس، وساروا نحو أربل ليحصروها. فلما قاربوها أفسدوا في البلاد وخربوها، وسبوا وأخذوا النساء قهراً، ولم يقدر مجاهد الدين على منعهم. وسار إليهم زين الدين يوسف صاحب أربل في عسكره، فلقيهم وهم قد تفرقوا للنهب، فانتهز الفرصة وقاتل من لقي منهم، فهزمهم وتمت الهزيمة على العجم، وغنم الإربليون أموالهم ودوابهم وسلاحهم، وعاد العجم إلى بلادهم، وعاد مجاهد الدين إلى الموصل، وكان يقول: ما زلنا ننتظر العقوبة من الله عز وجل على سوء فعل العجم.\rذكر وفاة عز الدين مسعود\rكانت وفاته في التاسع والعشرين من شعبان سنة تسع وثمانين وخمسمائة. ودفن بالمدرسة التي أنشأها بالموصل مقابل دار المملكة وبقي في مرضه ما يزيد على عشرة أيام لا ينطق إلا بالشهادتين وتلاوة القرآن والاستغفار. وكانت مدة ملكه ثلاثاً وعشرين سنة وسبعة أشهر إلا أياماً. وكان خير الطبع كثير الخير والإحسان وزيارة الصلحاء وبرهم. وكان حليماً قليل المعاقبة كثير الحياء لا يكلم جلساءه إلا وهو مطرق. وما قال في شيء سئله لا ولبس خرف التصوف بمكة، وكان يلبسها في كل ليلة، ويخرج إلى مسجد بناه في داره فيصلي فيه نحو ثلث الليل، رحمه الله.\rوملك بعده ولده نور الدين أرسلان شاه بن مسعود، وقام بتدبير دولته في ابتدائها مجاهد الدين قايماز مدبر دولة والده، واستمر نور الدين أرسلان شاه في الملك إلى سنة سبع وستماية، فتوفي في أوائل شهر ربيع منها، ودفن في مدرسته التي أنشأها مقابل داره بالموصل. وكانت علته قد طالت، وكانت مدة ملكه سبع عشرة سنة وأحد عشر شهراً. وكان بينه وبين الملك العادل بن أيوب مخالفة، ثم اتفاق ومصاهرة. وكان شهماً شجاعاً ذا سياسة للرعايا شديداً على أصحابه مانعاً من تعدى بعضهم على بعض.","part":7,"page":345},{"id":3356,"text":"ولما مات ملك بعده ولده الملك القاهر عز الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي. وكان والده قد حلف له العساكر وأعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكي قلعة عقر الحميدية وقلعة سوس وأمر أن يتولى تدبير دولة القاهر فتاه بدر الدين لؤلؤ، فقام بتدبير الدولة والنظر في مصالحهما. واستمر الملك القاهر في الملك إلى سنة خمس عشرة وستماية، فتوفي في ليلة الأثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الأول منها، فكانت ولايته سبع سنين وتسعة أشهر. وكان كريماً قليل الطمع في أموال رعيته مقبلاً على أمرائه. وملك بعده ولده نور الدين أرسلان شاه بن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه ملك الموصل، بوصية من أبيه. وكان عمره يوم ذاك عشر سنين. وجعل الوصي عليه والمدبر لدولته بدر الدين لؤلؤ فقام أحسن قيام وراسل الملوك أصحاب الأطراف المجاورين له، وطلب منهم تجديد العهد لنور الدين على القاعدة التي كانت اتفقت بينهم وبين أبيه، فوافقوه. وكتب إلى الديوان العزيز، فجاءته الخلع والتقليد من الخليفة بولاية نور الدين. ونظر بدر الدين في أمور الدولة فلم يلبث نور الدين إلى أن توفي في هذه السنة.\rولما مات استحلف بدر الدين لؤلؤ العساكر لأخيه ناصر الدين محمود بن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه، وله من العمر ثلاث سنين. واستمر بدر الدين لؤلؤ في تدبير الدولة، فتجدد طمع عز الدين زنكي بن مسعود ومظفر الدين عميه في ملك الموصل لصغر سنة، فجمعا الرجال وتجهزا للحركة، وقصدا أطراف الموصل بالنهب والفساد، فخرج إليهم بدر الدين لؤلؤ بعساكر الموصل، والتقوا، فكانت الهزيمة على العسكر البدري، وعاد إلى الموصل وتبعه مظفر الدين، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك واستقر كل واحد على ما بيده. ثم ملك عماد الدين قلعة كواشي وهي من أحسن قلاع الموصل.\rثم مات ناصر الدين محمود بعد مدة يسيرة، واستقر بدر الدين لؤلؤ بملك الموصل، وتلقب بالملك الرحيم ودامت أيامه إلى أن توفي في سنة سبع وخمسين وستماية، فكانت مجة ملكه نحو أربعين سنة، وملك بعده أولاده، فكان الذي استقل بملك الموصل من أولاده الملك الصالح ركن الدين إسماعيل، قتله التتار في سنة تسع وخمسين وستماية، وملك ولده الملك المجاهد سيف الدين إسحاق بلاد الجزيرة؛ وملك الملك المظفر علاء الدين على سنجار. ولما استولى التتار على هذه الممالك وصل هؤلاء إلى الديار المصرية المحروسة في أيام السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، وجهزهم صحب الخليفة المستنصر بالله؛ فكان من أمره وأمرهم ما ذكرناه ونذكره إن شاء الله تعالى؛ فلنرجع إلى ذكر أخبار عماد الدين زنكي بن مودود.\rعماد الدين زنكي\rبن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن اقسنقر استقر ملكه بسنجار بعد وفاة أبيه واستقلال أخويه سيف الدين غازي ثم عز الدين مسعود بملك الموصل، ثم تعوض عماد الدين بحلب عن سنجار كما قدمنا ذكره في أخبار عز الدين مسعود. ثم أخذ الملك الناصر يوسف منه حلب، وعوضه عنها بسنجار وربض الخابور والرقة، على ما نبينه إن شاء الله في أخبار الملك الناصر فاستقر ملكه أخيراً بسنجار وما معها في سنة تسع وسبعين وخمسماية ولم يزل بها إلى أن توفي في المحرم سنة أربع وتسعين وخمسماية وكان عادلاً حسن السيرة في رعيته عفيفاً عن أموالهم، كثير التواضع، يحب أهل العلم والدين، ويجلس معهم، ويرجع إلى آرئهم إلا أنه كان شديد البخل.\rولما مات ملك بعده ولده قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي وتولى تدبير دولته مجاهد الدين برنقش مملوك أبيه، وكان ديناً خيراً عادلاً حسن السيرة. واستمر ملك قطب الدين بسنجار إلى سنة ست عشرة وستماية، فتوفي في ثامن صفر منها. وكان كريماً حسن السيرة في رعيته كثير الإحسان إليهم. وكان قد سلم الأمور إلى نوابه.\rولما مات ملك بعده ابنه عماد الدين شاهان شاه بن محمد. ولما ملك سار بعد شهور إلى تلعفر، وهي في مملكته فدخل عليه أخوه عمر بن محمد في جماعة فقتلوه.","part":7,"page":346},{"id":3357,"text":"وملك عمر بن محمد - وهو فروخ شاه - فبقي بسنجار إلى أن أخذها الملك الأشرف في سنة سبع عشرة وستماية، وعوضه عنها الرقة. وهو آخر من ملك سنجار من البيت الأتابكي، فكانت مدة ملكهم لها أربعاً وتسعين سنة. وتوفي بعد أخذها منه بقليل. فلنذكر أخبار أولاد غازي.\rمعز الدين سنجر شاه\rابن سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي ملك جزيرة ابن عمر بعد وفاة والده في صفر سنة ست وسبعين وخمسماية. وكان كثير الأذى لعمه عز الدين مسعود، فحاصر مسعود في سنة سبع وثمانين أربعة أشهر، واستقرت القاعدة بينهما على أن يكون لكل منهما نصف أعمال الجزيرة، وتكون الجزيرة بيد سنجر شاه في جملة النصف. ودام ملكه بالجزيرة إلى أن قتل.\rذكر مقتله وملك ولده معز الدين محمود\rكان قتله في سنة خمس وستماية على يد ولده غازي. وسبب ذلك أن سنجر شاه كان سيئ السيرة في رعيته وأولاده وجنده وغيرهم، فكان من جملة ما اعتمده مع أولاده أنه بعث ابنيه محموداً وسودوداً إلى قلعة فرح من بلد الزوزان وأخرج ابنه غازي إلى دار بالمدينة أسكنه بها ووكل به من يمنعه من التصرف وكانت الدار إلى جانب بستان لبعض الرعية فكان يدخل إليها من البستان الحيات والعقارب وغير ذلك من الحشرات، فاصطاد غازي حية وسيرها إلى أبيه لعله يرق له ويعطف عليه، فلم يزده إلا تمادياً وإصراراً. فعندها أيس من خيره وأعمل الحيلة حتى نزل من الدار، ووضع إنساناً كان يخدمه أظهر أنه غازي، وخرج من بلاد الجزيرة وقصد الموصل. فشاع الخبر أن غازي قد توجه إلى الموصل وهو مختلف بالجزيرة ما خرج منها، ثم أعمل الحيلة وتسلق فنزل إلى دار أبيه، فستر عليه سرارى والده لبغضهم في أبيه. ثم اتفق أن والده شرب في بعض الأيام وسكر ودخل الخلاء، فضربه ابنه غازي هذا بسكين فقتله، ثم ذبحه وتركه ملقى وقعد يلعب مع الجواري. فخرج بعض الخدم الصغار إلى باب الدار وأعلم أستاذ الدار بالخبر فأحضر أعيان الدولة، وعرفهم الأمر وأغلق الأبواب على غازي واستحلف الناس لمحمود بن سنجر شاه ودخل على غازي فمانع عن نفسه ثم قتلوه ورمى على باب الدار، وأكلت الكلاب بعضه ودفن باقيه.\rووصل محمود إلى البلد وملك ولقب معز الذين لقب أبيه. وغرق الجواري اللواتي اتفقن مع غازي على قتل أبيه في دجلة. ثم قتل محمود أخاه مودوداً بعد مدة يسيرة.\rثم استقرت هذه الممالك الجزيرية وغيرها في يد بدر الدين لؤلؤ وهو الملقب بالملك الرحيم، وملك أولاده من بعده إلى أن استولى عليها التتار في سنة سبع وخمسين وستماية. هذا ملخص ما وصل إلينا من أخبار هذه الدولة فلنذكر ما عداها.\rالباب الحادي عشر من القسم الخامس من الفن الخامس\rالدولة الخوارزمية والجنكزخانية\rالدولة الخوارزمية هي من أعظم الدول الإسلامية والدولة الجنكزخانية هي دولة التتار وإنما جمعناهما في باب واحد لتعلق كل دولة منهما بالأخرى، ولأن الدولة الخوارزمية انقرضت عند قيام الجنكزخانية، وغلبة جنكزخان التمرجي على البلاد على ما نشرح ذلك إن شاء الله تعالى في مواضعه.\rالدولة الخوارزمية وابتداء أمر ملوكها وظهورهم وما استولوا عليه من البلاد والأقاليم وما كان بينهم وبين الملوك من الحروب والوقائع وهذه الدولة هي من جملة فروع الدولة السلجقية لأن أصل البيت الخوارزمي من مماليك أحد أمراء الدولة السلجقية، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى. ولنبدأ بذكر ابتداء أمر ملوكها. وأول من نبغ منهم وترشح للولايات وما وليه وكيف تنقلت بهم الحال إلى أن ملكوا أقاصي البلاد وأدانيها وما آل إليه أمرهم إلى حين انقراض دولتهم، فنقول: أول من نبغ منهم خوارزم شاه محمد بن انوشتكين ولي خوارزم من قبل أمير داذ حبشي متولي خراسان في شهر رجب سنة تسعين وأربعماية وأبوه انوشتكين مملوك الأمير تلكاتك أحد أمراء السلجقية، اشتراه من رجل من غرشستان. وكان حسن الطريقة كامل الأوصاف فكبر وعلا محله، وولد له محمد هذا، فانتشأ أحسن نشأة، وتعلم وتدرب، وتقدم بنفسه كما قيل: نفس عصام سودت عصاماً. ولحظته العناية الأزلية لظهور ما هو كامن في الغيب.","part":7,"page":347},{"id":3358,"text":"وكان سبب ولايته خوارزم أنه لما ولي أمير داذ حبشي خراسان كان خوارزم شاه البلخي قد قتل فنظر الأمير حبشي فيمن يوليه خوارزم، فوقع اختياره على محمد هذا، فولاه خوارزم، ولقبه خوارزم شاه على عادة ولاة خوارزم فقصر أوقاته على معدلة ينشرها ومكرمة يفعلها، وقرب أهل العلم والدين، فازداد ذكره حسناً وظهر اسمه، وعلا محله فلما ملك السلطان سنجر شاه السلجقي خراسان أقر محمد على ولاية خوارزم وظهرت كفايته فعظم محله عند السلطان سنجر، واصطلى حرب الأتراك بنفسه، وهزمهم ودام في ولاية خوارزم إلى أن توفي في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة وولى بعده ولده اتستز بن محمد.\rخوارزم شاه اتسز\rبن محمد ولي خوارزم من قبل السلطان سنجر بعد وفاة أبيه. وكان قد انتشأ في حياة أبيه، وقاد الجيوش، وقصد بلاد الأعداء وقاتلهم وملك مدينة منقشلاغ. فلما مات أبوه ولاه السلطان بعده، فأفاض العدل، وأمن البلاد، فأحبه السلطان سنجر وقربه وأدناه وعظمه واعتضد به، واستصحبه معه في أسفاره وحروبه؛ فظهرت كفايته فزاده تقدماً وتقريباً. ولم يزل عنده في هذه المنزلة إلى أن فسد ما بينهما واقتتلوا على ما نذكره.\rحرب اتسز وسنجر السلجقي واستيلاء سنجر على خوارزم، وما كان من أمر اتسز إلى أن استقر الصلح بينه وبين السلطان سنجر وكانت الحرب بينهما في سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية سبب ذلك أن السلطان بلغه أن خوارزم شاه اتسز قد عزم على الخروج من طاعته والامتناع عليه، فقصد خوارزم بعساكره فلما قاربها جمع أتسز عساكره وخرج لقتاله. والتقوا، فلم يكن له قبل بعساكر سنجر لكثرتها، فانهزم هو ومن معه وقتل من أصحابه خلق كثير، وقتل له ولد، فوجد اتسز عليه وجدا عظيماً.\rولما انهزم السلطان اتسز ملك سنجر خوارزم وأقطعها لابن أخيه سليمان شاه بن محمد على ما قدمناه في أخبار الدولة السلجقية. ثم عاد السلطان إلى مرو فجمع خوارزم شاه أصحابه ورجع إلى خوارزم فأعانه أهلها على ملكها، ففارقها سليمان شاه ومن معه، ورجع إلى عمه السلطان سنجر، واستحكمت العداوة بين السلطان سنجر وأتسز، وعلم أتسز أنه لا قبل له به، فكاتب ملك الخطا بما وراء النهر، وحثه على المسير لقتال السلطان سنجر وأطمعه في ملك بلاده. فسار ملك الخطا في ثلثماية ألف فارس، وكان من انهزام سنجر، وملك الخطا ما وراء النهر ما قدمنا ذكره في أخبار سنجر، وذلك في سنة ست وثلاثين وخمسماية.\rولما تمت الهزيمة على سنجر استولى خوارزم شاه اتسز على البلاد وقصد خراسان فوصل إلى سرخس في شهر ربيع الأول من السنة ورحل منها إلى مرو الشاهجان، فنزل بظاهر البلد واستدعى الفقهاء والأعيان، فثار عامة مرو، وقتلوا بعض أصحاب خوارزم شاه وأخرجوهم من البلد، وأغلقوا أبوابه واستعدوا للامتناع، فقاتلهم، ودخل البلد في سابع عشر الشهر، وقتل جماعة كثيرة من أعيان البلد، وعامتهم واستصحب جماعة من فقهائها معه، وسار في شوال إلى نيسابور فخرج إليه جماعة من العلماء والفقهاء والزهاد، وسألوه أن لا يفعل بأهل نيسابور ما فعل بأهل مرو فأجابهم إلى ذلك، وأخذ أموال أصحاب السلطان جميعها، وقطع خطبة سنجر وخطب لنفسه، وسير جيشاً إلى أعمال بيهق فقاتلوا أهلها خمسة أيام ثم ساروا ينهبون البلاد.\rواستمرت حال خوارزم شاه أتسز إلى سنة ثمان وثلاثين وخمسماية فجمع السلطان عساكره وسار إلى خوارزم، فتحصن أتسز بها، وجمع عساكره ولم يخرج من المدينة. وكان القتال يقع بينهما من وراء السور. ثم راسل السلطان فعفا عنه وبذل له الأموال، فأجابه إلى ذلك على قاعدة استقرت بينهما، وعاد سنجر إلى مرو واستقر خوارزم شاه بخوارزم، إلى أن مات وكانت وفاته في تاسع جمادي الآخرة سنة إحدى وخمسين وخمسماية. وكان قد أصابه فالج فعالجه الأطباء منه فلم يبرأ فاستعمل أدوية شديدة الحرارة بغير رأي الأطباء، فاشتد مرضه وضعفت قوته فمات. ولهج عند موته بقوله تعالى: ما أغنى عنى ماليه، هلك عنى سلطانيه وكان حسن السيرة، كافاً عن أموال رعيته، محبوباً إليهم.","part":7,"page":348},{"id":3359,"text":"ولما توفي ملك بعده أحد أولاده، فقتل نفراً من أعمامه وسمل أخاً له، فمات بعد ثلاثة أيام، وقيل بل قتل نفسه. وملك بعده أيل أرسلان بن اتسز بن محمد، وأرسل إلى السلطان سنجر، وبذل له الطاعة والانقياد لأمره. فكتب له منشوراً بولاية خوارزم، وسير إليه الخلع في شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وخمسماية، وذلك بعد هرب سنجر من أسر الغزو، وعوده إلى مرو واستقرار ملكه. فأمن أيل أرسلان بهذه الولاية واستمر إلى سنة ثمان وستين وخمسماية فتوفي بعد عوده من قتال الخطا. ولما مات ملك بعده ولده السلطان شاه.\rسلطان شاه محمود بن ايل أرسلان ابن اتسز بن محمد، واخراجه من الملك، وملك أخيه علاء الدين تكش لما مات ايل أرسلان ملك بعده ولده سلطان شاه محمود، ودبرت والدته المملكة والعساكر. وكان ابنه الأكبر علاء الدين تكش سقيماً بجند وكان والده أقطعها له، فأنف من توليه أخيه الصغير وتقديمه عليه، وقصد ملك الخطا بما وراء النهر، واستمده على أخيه، وأطمعه في الموال والذخاير، فجهز معه جيشاً كثيفاً. فلما قارب خوارزم، خرج منها سلطان شاه وأمه، وسارا إلى المؤيد صاحب نيسابور واستنجداه. ودخل علاء الدين تكش خوارزم وملكها بغير قتال.\rولما اجتمع السلطان شاه وأمه بالمؤيد أهديا له هدايا جليلة، وأطمعاه في الذخائر والأموال، فجمع جيوشه وسار حتى بقي من خوارزم على عشرين فرسخاً، فتقدم إليهم تكش بعساكره، فانهزم المؤيد، ثم أخذ أسيراً وجىء به إلى خوارزم شاه تكش، فقتل بين يديه صبراً. وهرب سلطان شاه إلى دهستان فقصده تكش، وافتتح المدينة عنوة، وهرب سلطان شاه منها، وأخذت أمه فقتلها تكش، وعاد إلى خوارزم وتوجه سلطان شاه إلى غياث الدين ملك الغز فأكرمه وعظمه.\rقال: ولما ثبت قدم علاء الدين في الملك ترادفت عليه رسل ملك الخطا بالتحكم في بلاده، وطلب الأموال والمقترحات، لأنهم رأوا أنهم هم الذين ملكوه، فأنفت نفسه من ذلك، وداخلته حمية الإسلام والملك، فقتل أحد أقارب ملك الخطا، وأمر وجوه أهل خوارزم أن يقتل كل رجل منهم واحداً من الخطا ففعلوا. ونبذ عهد ملك الخطا فبلغ ذلك سلطان شاه، فسار إلى ملك الخطا، واستنجده على أخيه وزعم أن أهل خوارزم معه، وأنه إذا وصل إليهم سلموا إليه البلد، فجهز معه جيشاً كثيفاً من الخطا، فسار بهم وحصر خوارزم، فأمر تكش بإجراء ماء جيحون عليهم، فكادوا يغرقون، فرحلوا عن البلد ولم يبلغوا منها غرضاً، وندموا على قصدهم خوارزم.\rولم يزل سلطان شاه مشرداً في البلاد، تارة عند الخطا، وتارة عند غياث الدين، وكرة يغار بالخطا على مرو وسرخس إلى أن مات في شهر رمضان سنة تسع وثمانين وخمسماية.\rملك تكش مدينة بخارى من ملك الخطا وفي سنة أربع وتسعين وخمسماية جهز ملك الخطا جيشاً كثيفاً لحصر خوارزم، فحصروها. فكان خوارزم شاه يخرج إليهم في كل ليلة، ويقتل منهم خلقاً كثيراً، حتى أتى على أكثرهم، فدخل من بقي منهم إلى بلادهم. ورحل تكش في آثارهم، وقصد مدينة بخارى فنازلها، فقاتله أهلها مع الخطا، وانتهى حالهم في نكايته أنهم أخذوا كلباً أعور وألبسوه قباء وقلنسوة وقالوا هذا خوارزم شاه وكان تكش أعور - وطافوا بالكلب على السور، ثم رموه بالمنجنيق، وقالوا للعسكر هذا ملككم. ثم ملك تكش البلد عنوة بعد أيام يسيرة وعفا عن أهله، وأحسن إليهم وفرق فيهم مالا كثيرا، وأقام بها مدة ثم عاد إلى خوارزم.\rوفي سنة خمس وتسعين وخمسماية وصلت الخلع من جهة الخليفة إلى خوارزم شاه تكش ولولده قطب الدين محمد والتقليد بما بيده من البلاد، فلبسا الخلع، واشتغل تكش بقتال الملاحدة فافتتح قلعة على باب قزوين تسمى أرسلان كشاي وانتقل إلى حصار الموت. ثم عاد إلى خوارزم، وأمر ولده قطب الدين بحصار قلعة ترشيش من حصون الملاحدة، فحصرها فأذعنوا له بالطاعة وصالحوه على ماية ألف دينار، ففارقها وأجابهم إلى الصلح لما بلغه من مرض أبيه. ورحل عنها، وعاد إلى خوارزم فمات والده قبل وصوله إليه.\rوفاة خوارزم شاه تكش","part":7,"page":349},{"id":3360,"text":"كانت وفاته في العشرين من شهر رمضان سنة ست وتسعين وخمسماية بشهر ستانة بين نيسابور وخوارزم. وكان قد سار من خوارزم لقصد خراسان وبه مرض الخوانيق، فاشتد مرضه ومات ولما اشتد به المرض أرسل من معه إلى ولده قطب الدين يستدعونه، فوصل بعد وفاة أبيه، وتولى الملك، ولقب بلقب أبيه علاء الدين خوارزم شاه، وأمر بحمل أبيه إلى خوارزم، فحمل إليها ودفن في تربة كان قد عملها في المدرسة التي بناها، وكان عادلاً حسن السيرة وله معرفة وعلم. وكان حنفي المذهب ويعرف الأصول رحمه الله تعالى.\rالسلطان علاء الدين\rأبي الفتح محمد ابن علاء الدين تكش بن ألب أرسلان بن أتسز ابن محمد بن أنوشتكين وهو الذي عظم من ملوك هذه الدولة شأنه، وكثرت جيوشه وأعوانه، وشاع بن الملوك ذكره، وعم الممالك نهيه وأمره، واجتمع في ملكه ما افترق لغيره من الممالك، وتسهل لديه ما شسع على من سواه من المسالك، ودان لطاعته ملوك الأقطار، فتساوى عنده الآمر والمأمور، والمملوك والمالك.\rقال شهاب الدين محمد بن أحمد بن علي المنشي النسوي في تاريخه، أنه ضم إلى ما ورثه من أبيه من ملك خراسان وخوارزم والعراق ومازندران؛ وضم إلى هذه الواسطة كرمان ومكران وكيش وسجستان وبلاد الغور وغزنة وباميان إلى ما يليها من الهند بأغوارها وأنجادها، والسيوف مهملة في أغمادها، والعواتق معطلة في نجادها، ملكها بالهيبة عفواً صفواً، وملك عن الخطاية وغيرهم من ملوك الترك، وقروم ما وراء النهر ما يقارب أربعماية مدينة. وخطب له على منابر فارس وأران وأذربيجان إلى ما يلي دربندشروان.\rقال: واشتملت جريدة ديوان الجيش على ما يقارب أربعماية ألف فارس، فلما عظم شأنه وتمكن سلطانه تطاول إلى طلب ملك آل سلجوق والحكم ببغداد، وتكررت مراسلاته إلى الخليفة فلم يجب إلى ذلك، فاحتفل بهذا الأمر، فكان من جملة ذلك أن بطل النوب الخمس التي كانت تضرب على أبواب الملوك في أوقات الصلوات الخمس على عادة من تقدمه، وجعلها إلى أولاد السلاطين يضربونها في الأقاليم التي سماها لهم على أبواب دور السلطنة واختص هو بضرب نوبة الاسكندر ذي القرنين - وهي عند طلوع الشمس وعند غروبها - واستعمل بهذه النوبة سبعاً وعشرين دبدبة من الذهب ورصعها بأنوا الجواهر؛ وكذلك جمع ما يحتاج إليه من الآلات. ونص في أول يوم اختاره لضربها على سبعة وعشرين ملكاً من أكابر الملوك وأولاد السلاطين ليسمع بذلك. وكان منهم ابن طغرل السلجقي، وأولاد غياث الدين صاحب الغور وغزنة والهند، والملك علاء الدين صاحب باميان والملك تاج الدين صاحب بلخ، وولده الملك الأعظم صاحب ترمذ، والملك سنجر صاحب بخارى، وأشباه هؤلاء وأعوزه لتمام سبعة وعشرين ملكاً فكملهم بابن أخيه أدبزخان، ووزير الدولة نظام الملك ناصر الدين محمد بن صالح، فهؤلاء الذين ضربوها في اليوم الذي اختير لضربها فشغله عن ملك بغداد حادثة التتار، وهي الداهية العظمى؛ على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وها نحن نذكر سياقه أخباره وابتداء سلطنته فنقول: كان ابتداء ملكه بعد وفاة أبيه في العشر الآخر من شهر رمضان سنة ست وتسعين وخمسماية. ولما ملك استدعى أخاه على شاه ابن تكش من أصفهان، فسار إليه فنهب أهل أصفهان خزانته. فلما وصل إلى أخيه ولاه حرب خراسان والتقدم على جندها وسلم إليه نيسابور. قال وكان هندوخان ابن أخيه ملكشاه بن تكش، فخاف عمه محمد فهرب منه بعد أن نهب كثيراً من خزائن جده تكش عند وفاته، فإنه كان معه وسار إلى مرو وجمع جموعاً كثيرة، فسير إليه عمه جيشاً مقدمه جقر التركي، فهرب هندوخان عن خراسان، وسار إلى غياث الدين ملك غزنة يستنجده على عمه. فأكرمه وأحسن إليه وأقطعه أقطاعاً، وأوعده النصرة، ودخل جقر مدينة مرو وبها والده هندوخان وأولاده، فأرسلهم، إلى خوارزم مكرمين، ثم راسل جقر غياث الدين صاحب غزنة في الانضمام إليه ومفارقة الخوارزمية، فأطعمه ذلك في البلاد، وجهز أخاه شهاب الدين لقصد خراسان، والاستيلاء على ما بها من بلاد خوارزم شاه. فسار في جمادي الأولى سنة سبع وتسعين، وملك مرو وسلمها غياث الدين إلى هندوخان بن ملكشاه، وملك سرخس، وملك طوس، وملك نيسابور وبها على شاه أخو السلطان خوارزم شاه، فسلمه إلى أخيه شهاب الدين على ما قدمناه في أخبار الدولة الغورية.\rملك خوارزم شاه","part":7,"page":350},{"id":3361,"text":"وما كان الغورية قد ملكوه من بلاده كان سبب ذلك أن شهاب الدين الغوري بعد أن ملك ما ملك من بلاد خوارزم شاه، توجه إلى الهند، بعد أن رتب في كل بلد من نوابه من يحفظه ويقوم بمصالحه فلما توجه إلى الهند راسل خوارزم شاه غياث الدين وعاتبه، وقال في جملة رسالته: إنني كنت أظن أنك تنصرني على من يقصد التطرق إلى بلادي من ملوك الخطا وغيرهم، فحيث لم تفعل فلا أقل أن لا تؤذيني في ملكي. وطلب منه إعادة ما أخذه من بلاده. وقال: ومتى لم تفعل انتصرت عليك بالخطا وغيرهم من الأتراك، إن عجزت عن استرجاع بلادي، إلى غير ذلك من الكلام فأخذ غياث الدين يغالطه في الجواب ويكرر الرسائل، وهو ينتظر خروج شهاب الدين من الهند، فإن غياث الدين كان يعجز عن ملاقاته لما به من النقرس، فجمع علاء الدين العساكر وسار في منتصف ذي الحجة سنة سبع وتسعين وتوجه إلى مرو، فلما قاربها هرب منها ابن أخيه هندوخان بن ملكشاه وتوجه إلى غياث الدين، وملكها خوارزم شاه، وسار إلى نيسابور وبها علاء الدين محمد الغوري صهر غياث الدين، وهو الذي كان يلقب ضياء الدين، فقاتله قتالاً شديداً. وطال مقام خوارزم شاه، فراسله غير مرة في تسلم البلد وهو لا يجيب، رجاء أن يصله المدد من غياث الدين فلما طال عليه الحصار وأيس من وصول الأمداد إليه، راسل في طلب الأمان لنفسه ولمن معه من الغورية، فأجابه إلى ذلك وتسلم البلد، وأحسن إلى علاء الدين ومن معه.\rثم سار خوارزم شاه إلى سرخس وبها الأمير زنكي فحصره أربعين يوماً، فضاقت الميرة على أهل البلد، فراسله زنكي أن يتأخر عن باب البلد ليفارقها هو ومن معه، واعتذر أنه لا يمكنه الاجتماع به لقرب نسبه من غياث الدين، فتأخر خوارزم شاه عن المدينة وأبعد. فخرج زنكي، وأخذ من الغلات والأقوات والأحطاب التي كانت في العسكر ما يحتاج إليه، وعاد إلى البلد وأخرج منه من كان ضاق به الأمر، فندم خوارزم شاه على موافقته، ورحل عن البلد، وترك عليه جماعة من أمرائه يحاصرونه. فما سار خوارزم شاه عن سرخس قصد نائب الغورية بالطالقان أن يكبس العسكر الخوارزمي للحاصر لسرخس. وكتب بذلك إلى زنكي؛ فشعر الخوارزميون بذلك ففارقوا سرخس، فأدركهم نايب الطالقان، وأوقع بهم، وقتل أمير علمهم، وكسر كوساتهم، فانقطع صوتها عن العسكر، ولم يروا الأعلام، فانهزموا، ونال الغورية منهم منالاً عظيماً قتلاً وأسراً.\rفلما اتصل هذا الخبر بخوارزم شاه، عاد إلى خوارزم، وكتب إلى غياث الدين وراسله في الصلح، فأجابه عن رسالته مع أمير كبير من الغورية يقال له الحسن بن محمد المرغني، ومرغن من قرى العور، فقبض عليه خوارزم شاه، وكان أخوه عمر بن محمد المرغني نائب الغورية بهراة. وسار خوارزم شاه إلى هراة بمكاتبة بعض أمرائها، فنمى خبر من كاتبه إلى المرغني، فأمسكهم، وأقام خوارزم شاه يحاصر المدينة أربعين يوماً، ثم رجع عنها لما بلغه عود شهاب الدين الغوري من الهند وذلك بعد مصالحة أميرها المرغني على مال حمله إليه.\rولما عاد شهاب الدين من الهند بلغه ما فعله خوارزم شاه في غيبته، وما ملكه من بلاد خراسان، فسار إلى خراسان، فانتهى إلى بلخ ثم إلى باميان وإلى مرو، عازماً على حربه. فالتقت أوائل عسكريهما، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وتوجه خوارزم شاه شبه المنهزم، وتوجه شهاب الدين إلى طوس فشتا بها وهو على عزم المسير لمحاصرة خوارزم، فأتاه الخبر بوفاة أخيه غياث الدين، فعاد إلى هراة وجلس للعزاء واستخلف بطوس محمد بن جريك، فجهز خوارزم شاه من عساكره من حصر طوس فجرى بينهم وبين النايب بها حروب كثيرة، آخرها أن النايب بها سأل الأمان لنفسه فأمنه منغور التركي - وهو مقدم العسكر الخوارزمي - فلما خرج إلى العسكر قتلوه، وأخذوا ما معه، وملكوا طوس. واتصل هذا الخبر بشهاب الدين الغوري فعظم عليه، وترددت الرسائل بينه وبين خوارزم شاه، فلم يحصل بينهما اتفاق.","part":7,"page":351},{"id":3362,"text":"ثم قصد شهاب الدين غزو الهند على عادته، فاستعمل على هراة ابن أخيه ألب غازي، وقلد الملك علاء الدين محمد بن علي الغوري بمدينة فيروزكوه وبلد الغور، وولاه حرب خراسان. وتوجه إلى الهند، فقصد خوارزم شاه مدينة هراة وحاصرها، وذلك في شهر رجب سنة ستماية. واستمر إلى سلخ شعبان، وكثرت القتلى بين العسكرين، فراسل خوارزم شاه ألب غازي أن يخرج إليه ويخدمه خدمة سلطانية ليرحل عنه، فلم يجبه إلى ذلك ثم اتفق مرض ألب غازي، واشتد به فخاف أن يشتغل بمرضه، فيملك البلد فأجاب إلى ذلك، واستحلفه على الصلح، وأهدى له هدية جليلة، وخرج من البلد ليخدمه، فسقط إلى الأرض، فمات ولم يشعر به أحد. وارتحل خوارزم شاه إلى سرخس فأقام بها.\rقال: ولما اتصل الخبر بشهاب الدين عاد من الهند، وقصد خوارزم، فراسله خوارزم شاه في العود، وتهدده إن لم يعد بحرب هراة، ومنها إلى غزنة، فعاد عليه جوابه أن خوارزم تجمعنا. وكان خوارزم شاه قد سار من سرخس إلى مرو، ونزل بظاهرها، فلما أتاه جواب شهاب الجين فرق عساكره وأحرق جميع ما معه من العلوفات ورحل يسابق شهاب الدين إلى خوارزم فسبقه إليها، وقطع الطريق التي تسلكها الغورية بإجراء المياه فيها، فتعذر على شهاب الدين سلوكها، وأقام في إصلاحها أربعين يوماً حتى أمكنه الوصول إلى خوارزم. والتقى العسكران بسوقرا، ومعناه الماء الأسود، وجرى بينهم قتال شديد، كثرت فيه القتلى من الطائفتين، فأرسل خوارزم شاه إلى الأتراك الخطا يستنجدهم على الغورية، وهم حينئذ ملوك ما وراء النهر، فاستعدوا وساروا إلى بلاد الغورية، فبلغ شهاب الدين خبر مسيرهم، فعاد عن خوارزم.\rوكان من أمره مع الخطا وقتالهم وهزيمته منهم ما قدمناه في أخباره وذلك في صفر سنة إحدى وستماية، فلا فائدة في إعادته في هذا الموضع. ولم تطل مدة شهاب الدين بعد ذلك فإنه قتل في أوائل شعبان سنة اثنتين وستماية، فاستولى خوارزم شاه حينئذ على ما نذكره بخراسان وغيرها.\rاستيلاء خوارزم شاه على الغورية\rبخراسان كان سبب ذلك أن شهاب الدين الغوري لما قتل كما ذكرنا استقر الملك بعده لغياث الدين بن غياث الدين أخيه ووقع من الاختلاف بين الغورية وافتراقهم ما ذكرناه في أخبارهم، واتفق أن الحسين بن خرميل والي هراة كاتب خوارزم شاه في الانتماء إليه والخروج عن طاعة الغورية. وشرع يغالط في الخطبة بهراة لغياث الدين وهو ينتظر وصول العسكر الخوارزمي إليه، فراسله غياث الدين، في الخطبة له، وجهز إليه الخلع فلبسها ابن خرميل وأصحابه وعد بالخطبة له في يوم الجمعة. فلما كان في يوم الجمعة قرب العسكر الخوارزمي من هراة فطالبه رسل غياث الدين بالخطبة، فقال نحن في أشغل من ذلك بقرب هذا العدو.\rولما وصل العسكر الخوارزمي تلقاهم ابن خرميل وأنزلهم بظاهر هراة، وجهز إليهم الإقامات، فقالوا قد رسم لنا خوارزم شاه أن نطيعك ولا نخالف أمرك، فشكرهم على ذلك. ثم بلغه أن خوارزم شاه نزل على بلخ وحاصرها، وأن صاحبها قاتله بظاهر البلد، وأنه نزل على أربعة فراسخ منها، فاستدل ابن خرميل بذلك على عجزه، وندم على مراسلته، وقال للعسكر إن خوارزم شاه قد صالح غياث الدين والمصلحة أن ترجعوا، فرجعوا. واتفق أن غياث الدين بلغه ما فعله ابن خرميل، فاحتاط على إقطاعه وقبض على من يلوذ به، فوصل الخبر إليه بذلك فأعاد العسكر الخوارزمي بعد رحيله بيومين وسلم لهم البلد، وأخرج من كان بها من العورية، ومن يميل إليهم، ثم ملك خوارزم شاه مدينة بلخ في سلخ ربيع الأول سنة ثلاث وستماية صلحا، بعد حروب كثيرة بينه وبين عماد الدين. وخلع خوارزم شاه عليه، وأقره بالبلد ثم سار عنها إلى جرزبان، وبها على بن أبي علي، فراسله وآيسه من نجدة غياث الدين، فنزل عنها وسلمها له، وتوجه إلى غياث الدين وسلم خوارزم شاه جرزبان إلى ابن خرميل فإنها كانت أقطاعه، ثم قبض على عماد الدين صاحب بلخ وسيره إلى خوارزم، واستناب ببلخ جقر التركي.\rملكه ترمذ وتسليمها للخطا","part":7,"page":352},{"id":3363,"text":"قال: ثم سار خوارزم شاه من مدينة بلخ إلى ترمذ مجدا، وبها ولد عماد الدين صاحب بلخ، فراسله في سليمها، ووعده الخير، واعتذر من إرسال أبيه إلى خوارزم أنه أنكر منه حاله، وأنه سيره مكرماً، فرأى ابن عماد الدين أن خوارزم شاه قد حاصره من جانب والخطا حاصروه من جانب، فضعفت نفسه وسلم البلد، بعد أن استحلف خوارزم شاه على الوفاء له. ولما تسلم خوارزم شاه البلد، سلمها للخطا خديعة منه ليتمكن من ملك خراسان.\rوفي سنة اثنتين وستماية، سار من عسكر خوارزم ساه عشرة آلاف فارس إلى بلد الجبل، فوصلوا أرزنكان، وكان صاحبها أيتغمش قد اشتغل بحرب صاحب أريل ومراغه، فاغتنموا خلو البلاد وأفسدوا وقتلوا ونهبوا، ثم عاد أيتغمش فوقع بهم، فانهزم الخوارزميون، وأخذهم السيف من كل جانب.\rملكه الطالقان\rقال: ولما سلم خوارزم شاه ترمذ إلى الخطا سار إلى اندخوي وكان النايب بها عن غياث الدين سونج أمير شكار، فاستماله خوارزم شاه، فأبى إلا القتال، وبرز لقتاله فالتقوا بالقرب من الطالقان. فلما تقابل العسكران حمل سونج بمفرده حتى قارب عسكر خوارزم شاه، وألقى نفسه إلى الأرض، ورمى سلاحه، وقبل الأرض، وسأل العفو عنه. فذمه خوارزم شاه وسبه، وأخذ ما بالطالقان من مال وسلاح ودواب، وأنفذه إلى غياث الدين مع رسول، وأراد بذلك التقرب إليه وملاطفته. واستناب بالطالقان بعض أصحابه، ووصل رسول غياث الدين إلى خوارزم شاه بالهدايا.\rقال: وتوجه ابن خرميل نائب خوارزم شاه بهراة إلى اسفزار في صفر سنة ثلاث وستماية. وكان صاحبها قد توجه إلى غياث الدين فحصرها وتسلمها في شهر ربيع الأول من السنة بالأمان. ولما أخذها أرسل إلى صاحب سجستان يدعوه إلى طاعة خوارزم شاه، والخطبة له ببلاده، فأجابه إلى ذلك وخطب له.\rأسر خوارزم شاه وخلاصه\rوفي سنة أربع وستماية عبر السلطان علاء الدين خوارزم شاه نهر جيحون لقتال الخطا. وسبب ذلك أنهم كانت قد طالت مدتهم ببلاد تركستان وما وراء النهر، وثقلت وطأتهم على الناس. وكان لهم في كل مدينة نائب يجبى لهم الأموال وهم يسكنون الخركاهات على عادتهم قبل الملك. وكان مقامهم بنواحي أوزكند وبلاساغون وكاشغر. فاتفق أن سلطان سمرقند وبخارى ويلقب قان قانان ومعناه سلطان السلاطين، وهو من أولاد الملوك الخانية عريق في الإسلام والملك، أنف من تحكم الكفار الخطا على المسلمين، فأرسل إلى خوارزم شاه يحثه على قصد الخطا وقتالهم، وأنه يكون معه عليهم، ويحمل إليه ما يحمله إليهم، ويخطب له ببلاده، ويضرب السكة باسمه، وحلف له على ذلك، وسير إليه أكابر بخارى وسمرقند. فاستوثق خوارزم شاه منه وأخذ في إصلاح بلاده وتقرير النواب بها، وصالح غياث الدين محمود الغوري على ما بيده ثم جمع العساكر وسار إلى خوارزم، وتجهز منها وعبر جيحون. واجتمع بسلطان سمرقند، فاجتمع الخطا، وجاء إليه. وكان بينهم حروب كثيرة تارة له وتارة عليه، ودامت على ذلك مدة، فاقتتلوا في بعض الأيام فانهزم عسكره، وقتل منهم وأسر جماعة، فكان من أسر خوارزم شاه، أسر هو وابن شهاب الدين مسعود وهو من أكابر أمرائه، أسرهما رجل واحد. ووصلت العساكر الخوارزمية إلى خوارزم وقد فقدوا السلطان فاتصل الخبر بكزلك خان والي نيسابور وكان إذ ذاك يحاصر هراه بعد قتل ابن خرميل على ما نذكره، ففارق هراه وتوجه إلى نيسابور وكان خوارزم شاه لما ملكها من الغورية خرب سورها فشرع في إصلاحه وشحنها بالجند واستكثر من الميرة وعزم على الاستيلاء على خراسان، إن صح له فقد السلطان. واتصل خبر خوارزم شاه بأخيه على شاه وهو بطبرستان فدعا لنفسه وقطع خطبة أخيه واستعد لطلب السلطنة.","part":7,"page":353},{"id":3364,"text":"هذا ما كان من أولئك، وأما خوارزم شاه فأنه لما أسر قال له ابن شهاب الدين مسعود: المصلحة أن تصير خادماً لي في هذه المدة لأتحيل في خلاصك فصار خوارزم شاه يخدمه، ويقف بين يديه، ويلبسه قماشه، ويطويه إذا قلعه، ويقدم له الطعام، ويعامله معاملة الغلمان. فقال الذي أسرهما لابن مسعود: أرى هذا يخدمك فقال: هو غلامي قال: فمن أنت قال: أنا فلان فأكرمه الخطاي وعظمه وقال له: لولا أن القوم قد عرفوا بمكانك عندي أطلقتك فشكره ابن مسعود وأعقله أياماً وقال له: إني أخاف أن يرجع المنهزمون فلا يراني أهلي معهم، فيظنون إنني قتلت، فيقتسمون مالي فأهلك، وأحب أن تقرر علي ما تريد من المال، أحمله إليك، فقرر عليه مالا وقال: أريد أن تأمر رجلاً عاقلاً من أصحابك يذهب بكتابي إلى أهلي، ويخبرهم بعافيتي، ويحضر معه المال ثم قال: إن أصحابك لا يعرفون أهلنا، وهذا غلامي أنا أثق به، ويصدقه أهلي بسلامتي. فأذن الخطاي في إرساله، فجهزه وأرسل معه عدة من الفرسان يحمونه، فسار حتى قارب خوارزم، وعاد الفرسان ووصل خوارزم شاه إلى خراسان، فاستبشروا به وضربت البشائر وبلغه ما فعله أخوه بطبرستان وكذلك خان بنيسابور. فأما كزلك خان فإنه لما بلغه وصوله أخذ أمواله وأهله وأصحابه وهرب صوب العراق؛ وأما على شاه فهرب إلى غياث الدين الغوري فأكرمه. ودخل خوارزم شاه إلى نيسابور، وأصلح أمرها، وجعل فيها نائباً وأما ابن مسعود فإن الخطاي قال له: وأصلح أمرها، وجعل فيها نائباً وأما ابن مسعود فإن الخطاي قال له: قد عدم خوارزم شاه فهل عندك شيء من خبره قال: هو أسيرك قال: فلم لا أعلمتني به حتى كنت أبالغ في خدمته وأسير بين يديه إلى ملكه ؟ قال: خفت عليه منك. فسار الخطاني وابن مسعود إلى خوارزم شاه فأكرمهما إكراماً كثيراً وبالغ في الإحسان إليهما.\rقتل الحسين بن خرميل\rوحصر هراه وملك فيروزكوه والفور كان سبب ذلك أن خوارزم شاه لما سار إلى بلاد الخطا ساءت سيرة من بهراة من العسكر الخوارزمي، وتعدوا على الرعية. فقبض ابن خرميل النايب بهراة عليهم وحبسهم، وكتب بذلك إلى خوارزم شاه، فعظم ذلك عليه، وما أمكنه الإنكار عليه لبعده عن البلاد، فكتب إليه يستصوب رأيه فيهم، ويأمره بإنقاذه، إليه لاحتياجه إلى الجند. وقال: قد أمرت عز الدين جلدك بن طغرل أن يكون عندك لعقله وحسن سيرته، وأرسل إلى جلدك أن يحتال وفي القبض على ابن خرميل فسار جلدك في ألفي فارس إلى هراه، فخرج إليه ابن خرميل، فنهاه الوزير المعروف بخواجا الصاحب، كان قد حنكته التجارب، وقال: أخشى عليك أن تكون مكيدة فخالفه وخرج للقاء جلدك، فلما التقيا ترجلا للسلام؛ فحال جلدك بين ابن خرميل وأصحابه وأمسكه، فانهزم أصحابه ودخلوا مدينة هراة، وأعلموا الصاحب بذلك، فأغلق الأبواب وامتنع على جلدك، فقدم ابن خرميل إلى السور، وخاطب الوزير في فتح الباب، فامتنع وأظهر شعار غياث الدين الغوري، فعندها قتل جلدك ابن خرميل، وكتب إلى خوارزم شاه يعلمه بذلك، فأنفذ خوارزم شاه إلى كزلك خان وإلى نيسابور، وإلى أمير الدين صاحب زوزن يأمرهما بالمسيرة إلى هراة وحصارها، فسارا في عشرة آلاف فارس، فعجزا عنها وقال الوزير: ما أسلمها إلا لخوارزم شاه، إذ أعاد هذا كله قبل أسر خوارزم شاه. فلما أسر وشاع عدمه فارقها كزلك خان إلى نيسابور كما ذكرنا، واستمر من سواه على حصارها فلما عاد خوارزم شاه ودخل إلى نيسابور كما ذكرنا، سار منها إلى هراة، وأحسن إلى العسكر الذي استمر على حصارها وشكرهم، وطلب تسليمها فامتنع الوزير وقال: لا أسلمها إلا إلى غياث الدين. ثم اتفقت فتنة بهراة بين الوزير والجند، فملكها خوارزم شاه وقبض على الوزير وقتله وذلك في سنة خمس وستماية. وأصلح حال البلد وسلمه إلى خاله أمير ملك، وهو من أعيان أمرائه، وأمره بالمسير إلى غياث الدين محمود الغوري بفيروزكوه، وأن يقبض عليه وعلى أخيه علي شاه بن تكش، ويأخذ فيروزكوه. فسار إلى فيروزكوه، فاتصل الخبر بصاحبها غياث الدين محمود، فبذل الطاعة وسأل الأمان، فأمنه ونزل غياث الدين إليه، فقبض أمير ملك عليه وعلى علي شاه أخي خوارزم شاه، وكتب إلى خوارزم شاه بذلك، فأمره بقتلهما فقتلا في يوم واحد، وذلك في سنة خمس وستماية. وانقرضت الدولة الغورية بقتل غياث الدين هذا واستقامت خراسان لخوارزم شاه.","part":7,"page":354},{"id":3365,"text":"عوده إلى بلاد الخطا وظفره بهم وأسر مقدمهم وملكه ما وراء النهر\rقال: ولما استقر ملك خراسان للسلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد، جمع العساكر وعبر نهر جيحون، وجمع الخطا جمعاً عظيماً، وكان المقدم عليهم طاينكوه، وهو شيخ دولتهم والقائم مقام الملك فيهم، وكان عمره قد تجاوز ماية سنة، وله خبرة بالحروب. فاجتمع خوارزم شاه - هو وصاحب سمرقند - والتقوا هم والخطا، وذلك في سنة ست وستماية. فجرى بينهم حروب كان الظفر فيها لخوارزم شاه وانهزم الخطا وقتل منهم وأسر خلقاً كثيراً. فكان ممن أسر مقدمهم طاينكوه، فأكرمه خوارزم شاه وأجلسه معه، ثم جهزه إلى خوارزم. وقصد خوارزم شاه بلاد ما وزراء النهر، فملكها مدينة بعد أخرى حتى بلغ أوزكند، فجعل نوابه فيها على عادة الخطا وعاد إلى خوارزم، ومعه سلطان سمرقند. وكان من أحسن الناس صورة، فكان أهل خوارزم يتجمعون حتى ينظروا إليه، فزوجه خوارزم شاه ابنته، ورده إلى سمرقند، وبعث معه شحنة يكون بها على عادة الخطا.\rغدر صاحب سمرقند بالخوارزميين قال: ولما عاد صاحب سمرقند إليها ومعه الشحنة، أقام معه سنة، فرأى صاحب سمرقند من سوء سيرة الخوارزميين ما ندم بسببه على مفارقة الخطا، فأرسل إلى ملك الخطا يدعوه إلى سمرقند ليسلمها إليه، ويعود إلى طاعته، وأمر بقتل كل من بسمرقند من الخوارزمية، ممن كان بها قديماً وحديثاً، وأخذ أصحاب خوارزم شاه، فكان يجعل الرجل منهم قطعتين ويعلقهم في الأسواق كما يعلق القصاب اللحم. ومضى إلى القلعة ليقتل زوجته - ابنه خوارزم شاه - فأغلقت الأبواب، ووقفت بجواريها، ومانعت عن نفسها، وأرسلت إليه تقول: أنا امرأة وقتل مثلى قبيح عليك، وما فعلت معك من الإساءة ما استوجب ذلك منك، ولعل تركي أحمد عاقبة، فاتق الله. فتركها ووكل بها من يمنعها من التصرف في نفسها.\rووصل الخبر إلى خوارزم شاه، فعظم عليه، وأمر بقتل كل من بخوارزم من الغرباء، فمنعته أمه من ذلك، وقالت: هذا بلد قد أتاه الناس من أقطار الأرض ولم يرض كلهم بما كان من هذا الرجل. فأمر بقتل أهل سمرقند فمنعته من ذلك أيضاً، فتركهم. وأمر عساكره بالتجهز إلى ما وراء النهر، وسيرهم أرسالاً، فعبروا جيحون وعبر هو في آخرهم، وسار حتى نزل على سمرقند. وأنفذ إلى صاحبها يقول: قد فعلت ما لم يفعله مسلم، واستحللت من دماء المسلمين ما لم يقدم عليه غيرك من مسلم ولا كافر، والآن عفا الله عما سلف، فاخرج من البلاد وامض إلى حيث شئت. فامتنع من ذلك، فأمر خوارزم شاه بالزحف على سمرقند، فلم يكن بأسرع من أن فتح البلد، وأمر أن لا يتطرق إلى الغرباء بسوء، وأذن لأصحابه في نهب البلد، وقتل أهله، ففعلوا ذلك ثلاثة أيام. فيقال أنهم قتلوا من أهل سمرقند مايتي ألف إنسان، وسلم الدرب الذي فيه الغرباء، فلم يعدم منهم أحد، ثم أمر بالكف عن النهب والقتل. ثم زحف إلى القلعة فرأى صاحبها ما ملأ قلبه هيبة ورعباً، فطلب الأمان فلم يجبه خوارزم شاه إلى ذلك، وزحف على القلعة وملكها، وقتل صاحبها صبراً وقتل معه جماعة من أقاربه، ولم يترك أحداً ممن ينسب إلى الخانية. ورتب فيها وفي سائر البلاد نوابه ولم يبق لغيره بها حكم.\rواقعة أفنت الخطا\rوهذه الواقعة قد اختلف في إيرادها ابن الأثير الجزري في تاريخه المترجم بالكامل، وشهاب الدين محمد المنشي في التاريخ الجلالي، ونحن الآن نذكر في هذا الموضع ما نقله ابن الأثير، ونذكر في أخبار الدولة الجنكزخانية ما نقله المنشي. وإنما نبهنا على ذلك في هذا الموضع لئلا يقف عليه متأمل فيرى في النقل الاختلاف فيظن أن ذلك عن سهو أو غلط أو التباس.","part":7,"page":355},{"id":3366,"text":"فأما ما حكاه ابن الأثير فإنه قال: لما فعل خوارزم شاه بالخطا ما فعل - يعنى من هزيمتهم وأسر مقدمهم طاينكوه - مضى من سلم منهم إلى ملكهم، فإنه لم يكن قد شهد الحرب، فاجتمعوا عنده. وكانت طائفة عظيمة من التتار قد خرجوا من بلادهم حدود الصين ونزلوا وراء بلاد تركستان، وكان بينهم وبين الخطا حروب كثيرة وعداوة. فلما بلغهم ما فعله خوارزم شاه بعساكر الخطا قصدوهم مع ملكهم كشليخان فأرسل ملك الخطا إلى خوارزم شاه يقول: أما ما كان منك من أخذ بلادنا وقتل رجالنا فمعفو عنه، وقد أتانا من هذا العدو مالا قيل لنا به، فإن انتصروا علينا وملكوا البلاد، فلا دافع لهم عنك، والمصلحة أن تسير إلينا بعساكرك وتنصرنا على قتالهم، ونحن نحلف لك أننا إذا ظفرنا بهم لا نتعرض لما بيدك من البلاد، ونقنع بما في أيدينا. وأرسل إليه كشليخان يقول: إن هؤلاء الخطا أعداؤك وأعداؤنا، فساعدنا عليهم، ونحلف لك أننا إذا انتصرنا عليهم لا نقر بلادك، ونقنع بالمواضع التي ينزلونها، والمراعي التي يرعونها. فأجاب كل منهما: إنني معك على خصمك، وسار بعساكره إلى أن نزل قريباً من الموضع الذي يتصافون، فيه ولم يخالطهم مخالطة يعلمون بها أنه مع أحد منهم على الآخر، فكانت كل طائفة منهم تظن أنه معها.\rوالتقى التتار والخطا فانهزم الخطا منهم هزيمة عظيمة، فعند ذلك مال خوارزم شاه على الخطا، وجعل يقتل منهم ويأسر وينهب، فلم يسلم منهم إلا طائفة يسيرة مع ملكهم، في موضع من نواحي بلاد الترك، تحيط بها جبال يتعذر الوصول إليها إلا من جهة واحدة، فتحصنوا بها، وانضم إلى خوارزم شاه منهم طائفة. وصاروا في عسكره فأنفذ خوارزم شاه إلى كشليخان ملك التتار يمت عليه بأنه ساعده، ولولا ذلك ما تمكن من الخطا. فاعترف له بذلك مدة، ثم أرسل إليه يطلب منه المقاسمة على بلاد الخطا. وقال: كما أن نحن اتفقنا على إبادتهم ينبغي أن نقتسم بلادهم، فقال: ليس لك عندي إلا السيف، ولستم بأقوى منه شوكة، ولا أعز ملكاً، فإن رضيت بالمسالمة وإلا سرت إليك وفعلت بك شراً مما فعلت بهم وتجهز كشليخان ونزل بالقرب من خوارزم شاه، فعلم خوارزم شاه أنه لا طاقة له به، فكان يراوغه. فإذا سار إلى موضع قصد خوارزم شاه أهله وأثقالهم، فينهبها، وإذا سارت طائفة منهم عن مكانهم سار فأوقع بهم. فأرسل إليه كشليخان يقول: ليس هذا فعل الملوك وإنما هو فعل اللصوص، فإن كنت سلطاناً كما تقول فيجب أن نلتقي، فإما تهزمني وتملك البلاد التي بيدي، أو أفعل أنا بك ذلك. فكان خوارزم شاه يغالطه في الجواب، ولا يصمم على حربه، ولكنه أمر أهل الشاش وفرغانة وأسفيجاب وكاشان، وما حول ذلك من المدن التي لم يكن في الدنيا أنزه منها ولا أحسن عمارة، بالجلاء منها واللحاق ببلاد الإسلام، ثم خربها جميعاً خوفاً من التتار أن يملكوها.\rثم اتفق خروج جنكزخان التمرجي ملك التتار على كشليخان، فاشتغل بقتاله عن قتال خوارزم شاه، فخلا وجهه، وعاد من بلاد ما وراء النهر إلى خراسان.\rملك خوارزم شاه كرمان\rومكران من السند قال: كان من جملة نواب خوارزم شاه تاج الدين أبو بكر نايبه بمدينة زوزن. وكان تاج الدين هذا في ابتداء أمره جمالاً، يكرى الجمال للأسفار، ثم صار على جمال خوارزم شاه، فرأى منه جلداً وأمانة، فقدمه إلى أن صار من أعيان أمراء عسكره، ثم ولاه مدينة زوزن. وكان ذا عقل وسياسة، فقال يوماً لخوارزم شاه: إن بلاد كرمان مجاورة لبلدي، فلو أضاف السلطان إلى عسكراً للكتها في أسرع وقت فسير معه عسكراً فمضى إلى كرمان، فقاتل صاحبها حرب بن محمد بن أبي الفضل، وملكها في أسرع وقت، وسار منها إلى نواحي مكران، فملكها إلى السند من حدود كابل، وسار إلى هرمز مدينة على ساحل بحر مكران، فأطاعه صاحبها وخطب بها لخوارزم شاه، وخطب له بقلهات وبعض عمان، وذلك في سنة إحدى عشرة وستماية أو ما يقاربها.\rملكه غزنة وأعمالها","part":7,"page":356},{"id":3367,"text":"قال: ولما استولى خوارزم شاه على عامة بلاد خراسان، وملك باميان وغيرها، أرسل إلى تاج الدين الدز صاحب غزنة، وهو الذي ملكها من الغورية، وهو من مماليكهم، أن يخطب له، ويضرب السكة باسمه، ويسير إليه قبلاً، ليصالحه ويفر بيده غزنة، واستشار تاج الدين أمراءه في ذلك فأشاروا به، وكان الحاكم على دولته والمتصرف فيها خوشداشه قتلغ تكين وهو النايب عنه بغزنة، فكان ممن أشار بذلك، فخطب لخوارزم شاه بغزنة، وضرب السكة باسمه، واستقر ذلك. ثم مضى تاج الدين الدز إلى الصيد، فأرسل قتلغ تكين إلى خوارزم شاه يستدعيه ليسلم إليه غزنة، فسار مجداً، وسبق خيره، وتسلم غزنة والقلعة من قتلغ تكين، وقتل من بها من عسكر الغورية، فوصل الخبر إلى صاحبها تاج الدين الدز فهرب هو ومن معه إلى لهاوور.\rوأقام خوارزم شاه بغزنة، فلما تمكن أحضر قتلغ تكين، وسأله كيف كانت حاله مع الدز، فأخبره أنه كان الحاكم على دولته، والمتصرف في الحكم وغيره، وكان يعرف ذلك، وإنما أراد إقامة الحجة عليه. فلما انتهى حديثه قال خوارزم شاه له: إذا كنت ما رعيت الحق لمن أنت وهو من بيت واحد، وقد حكمك في ملكه وصرفك فيه، فكيف تفعل مع ابني إذا تركته عندك ؟ وأمر بالقبض عليه، وأخذ منه أموالاً جمة حملها على ثلاثين دابة وأربعماية مملوك، ثم قتله. وترك ولده جلال الدين بغزنة في جماعة من عساكره وأمرائه وكان ملكه لها في سنة ثنتي عشرة وستماية، وقيل سنة ثلاث عشرة.\rعزمه على المسير إلى العراق وقصد بغداد، ومراسلته في طلب آل سلجق ببغداد وما أجيب به\rقال شهاب الدين محمد المنشي في تاريخه: لما عظم أمر السلطان خوارزم شاه وتجلت له الدنيا في أرفع ملابسها وأشرقت شمس دولته من أكرم مطالعها، واستملئت جريدة ديوان الجيش على ما يقارب أربعمائة ألف فارس، سمت همته إلى طلب ما كان لبني سلجوق من الحكم والملك ببغداد، وترددت الرسل في ذلك مراراً فلم يجبه الخليفة إلى مراده لعلمه بما بين يديه من الشواغل عما وراء النهر وبلاد الترك. قال: وحكى القاضي فخر الدين عمر بن سعد الخوارزمي - وكان عند السلطان من ذوي الحظوة والاختصاص - وقد أرسله إلى بغداد مراراً، قال: كان آخر رسالاتي إليها مطالبة الديوان بما ذكرناه، فأبوا ذلك وأنكروه كل الإنكار، وقالوا: إن اختلاف الدول، وتقلب الدهر، وتغلب الخارجي على بغداد، وتسحب الإمام القائم بأمر الله منها إلى مدينة عانة، وانتصاره بطغرلبك ابن ميكائيل هو الذي اقتضى تحكم بني سلجوق في بغداد، وإلا فليس يحسن أن يكون مع الزمان على أكتاف الخلافة محتكم يأمر فيها كيف شاء بما سر وساء، وليس فيما أنعم الله عليه به من الممالك الواسعة والأقاليم المتباعدة المتشاسعة غنية عن الطمع في ملك أمير المؤمنين، ومشاهد آبائه الراشدين، قال: وأصحب في عوده الشيخ شهاب الدين السهروردي رحمه الله مدافعاً، وواعظاً وازعاً، عما كان السلطان يلتمسه.\rوتراجعت المراسلات في المعنى وتكررت، فكانت غير مجدية، وانضاف إلى ذلك كثرة استهانتهم بالسبيل الذي كان للسلطان في طريق مكة، حتى بلغه تقديمهم سبيل صاحب الإسماعيلية جلال الدين الحسن على سبيله.","part":7,"page":357},{"id":3368,"text":"قال المنشي: وسمعت القاضي فخر الدين المذكور يقول: إن الشيخ شهاب الدين لما دخل على السلطان، وعنده من حسن الاعتقاد برفيع منزلته، وعالي قدره، وتقدمه فضلا على مشايخ عصره، ما أوجب تخصيصه بمزيد الإكرام عن سائر الرسل الواردة عليه من الديوان، فوقف قائما في صحن الدار ثم أذن له في الدخول، فلما استقر المجلس بالشيخ قال: إن من سنة الداعي للدولة القاهرة أن يقدم على أداء الرسالة حديثا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، تيمنا وتبركا، فأذن له السلطان في ذلك، وجثا على ركبتيه أدبا عند سماع الحديث. فذكر الشيخ حديثا معناه التحذير من أذية بني العباس، فلما فرغ من رواية الحديث قال السلطان: أنا وإن كنت رجلا تركيا قليل المعرفة باللغة العربية، لكني فهمت معنى ما ذكرته من الحديث، غير أنني ما أذيت أحدا من ولد العباس، ولا قصدتهم بسوء، وقد بلغني أن في محابس أمير المؤمنين منهم خلقا مخلدين، يتناسلون بها، ويتوالدون، فلو أعاد الشيخ الحديث بعينه على مسامع أمير المؤمنين كان أولى وأنفع وأجدى وأنجع. فقال الشيخ: إن الخليفة إذا بويع في مبدأ خلافته على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاده، فإن أفضى اجتهاده إلى حبس شرذمة لإصلاح أمة، لا يقدح ذلك في طريقته المثلى. وطال الكلام، وعاد الشيخ والوحشة قائمة على ساقها. واتفق بعد ذلك قتل الاسماعيلية أغلمش الأتابكي، وكان ينوب عن السلطان بالعراق، فركب يلتقي الحاج عند منصرفهم من الحج. قفز عليه باطني في زي حاج فقتله، وانقطعت حينئذ خطبة السلطان بالعراق فحركه ذلك إلى المسير لإعادتها.\rمسيره إلى العراق وما اتفق له\rقال: ولما قتل أغلمش، وكان يقيم رسمي الخطبة والطاعة للسلطان بالعراق، طمع الأتابك أزبك بن محمد صاحب أران وأذربيجان، وسعد بن زنكي صاحب فارس فيه فنهضا إليه لعلمهما ببعد السلطان، وأنه في أعماق بلاد الترك. فرحل أزبك ودخل أصفهان بمواطأة من أهلها، وملك سعد الري وقزوين وسمنان وما تاخم ذلك وداناه. فانتهى الخبر إلى السلطان وهو بسمرقند، فاختار من العساكر ماية ألف، وترك معظم عساكره مع أمرائه بما وراء النهر وثغور الترك. فلما وصل إلى قومس اختار ممن استصحبه معه اختيارا ثانيا، ونهض في اثني عشر ألف فارس وسار مجدا فسبق خبره إلى جبل برزك وهي كورة من كور الري، وسعد بظاهرها. فلما رأى سعد أوائل الخيل قد أقبلت، ظن أنهم من الأزبكية المنازعين له في ملك العراق، فركب بنفسه وعسكره وصدق القتال. فلما شاهد السلطان جده أمر بنشر الجتر. وكان ملفوفا فنشر، فحين تحقق أصحاب سعد أن الجيش جيش السلطان ولوا الأدبار ونزل سعد فقبل الأرض، فأخذ وكتف وأحضر بين يدي السلطان فأمر بالاحتياط عليه، وحمله على بعل حتى وصل إلى همذان، وقضى وطره من أزبك على ما سنذكره.","part":7,"page":358},{"id":3369,"text":"وأما الأتابك أزبك صاحب أران وأذربيجان فإنه لما سمع ما حل بسعد من الأسر والإهانة، ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم يبق له هوى العود إلى ملكه، وقنع من الغنيمة بالإياب. فركب وأعد السير إلى أن قارب همذان، وهو يظن أن السلطان بالري. فلما بقي على مرحلة من همذان، بلغه أن السلطان بها، فسقط في يده، وتحير لا يعرف طريق الري. فاستشار أصحابه، فأشار بعضهم بعوده إلى أصفهان، وأشر بعضهم بالمبادرة إلى أذربيجان جريدة، وترك أقاله. وأشار عليه وزيره ربيب الدين أبو القاسم بن علي بالتحصن بقلعة قزوين، وكانت قريبة منه، وهي من أمهات قلاع الأرض، ومشاهير حصونها، فلم يوافقه. واجتمع رأيه أن وجه أثقاله وخزائنه وبعض حاشيته مع الملك نصرة الدين محمد بن تتشتكين صوب تبريز، واستصحب من خواصه زهاء مائتي فارس، وأخذ بهم نحو أذربيجان في المسالك الوعرة والجبال الصعبة. ووجه الوزير ربيب الدين إلى السلطان برسالة، يعتذر إليه، فوقع الأمير دكجك السلحدار على أثقاله ومن معا، فهزمهم وتبعهم إلى ميانج وهي كورة من كور أذربيجان على حافة النهر الأبيض، وأسر الملك نصرة الدين ومعظم من معه، وانتهبت الخزائن والأثقال، ووجد الوزير ربيب الدين في الطريق فساقه في جملة الأسرى إلى المخيم، فلم يصدق في رسالته، واعتقد أنه زورها عند أسره. قال: وبقي في كل يوم يساق الأتابك سعد ونصرة الدين والوزير ربيب الدين إلى الميدان بهمذان فيهانون والسلطان يلعب بالأكرة إذلالا لهم، ولم يزالوا كذلك إلى أن عاد نصير الدين دولتيار وهو متولي منصب الطغرا للسلطان، وهو من المناصب الجليلة. غير أنه دون كتابة الإنشا في بيت الخوارزمشاهية وفوقها عند السلاجقة وكان السلطان قد بعثه رسولا إلى الأتابك أزبك، بعد هربه يأمره بإقامة رسمي الخطبة والسكة باسمه في عامة مملكته، وأن يحمل في كل سنة إلى الخزانة السلطانية أتاوة معلومة، فجعل بالسكة والخطبة، وخطب للسلطان على منابر أذربيجان وأران، إلى ما يلي دربند شروان وسير إلى السلطان من الهدايا والتحف والألطاف جملة طائلة، وسلم قلعة قزوين إلى نواب السلطان، واعتذر في أمر الأتاوة أن الكرج استضعفوا جانبه، واستولوا على أطراف بلاده، وهذه حاله والبلاد بما تثمر من الأموال، فكيف إذا انقسمت، وحمل منها أتاوة ؟. فقبل السلطان عذره في ذلك، ورضي منه بالسكة والخطبة، وبعث إلى الكرج رسولا من جهته يقول: إن بلاد الأتابك أزبك صارت من جملة بلادنا، وهي كأحد ممالكنا، وحذرهم من الوصول إليها وقصدها، فعاد رسول السلطان من الكرج، ومعه رسولهم مصحوبا بالتقادم. هذا ما كان من أمر أزبك.\rوأما الملك نصرة الدين فإنه كان يحضر إلى الميدان في كل يوم كما ذكرنا. فنظر السلطان إليه في بعض الأيام فإذا بأذنيه حلقتان كبيرتان مجوفتان في غلظ السوار، فسأله عن ذلك فقال: إن السلطان ألب أرسلان. السلجقي لما غز الكرج ونصره الله عليهم وأسر أمراءهم من عليهم، وأطلقهم، وأمر أن يشنقوا كل واحد منهم بحلقتين، يكتب عليهما اسمه، فلما تطاولت المدة ووهت قواعد الدولة السلجقية خلع أولئك ربقة الطاعة، ما خلا جدي فإنه أسلم وسلمت بلاده وأعقابه، ببركتي الإسلام والوفاء فرق له السلطان، وأمر بإطلاقه، وخلع عليه، وغير الحلقتين، وكتب عليهما اسمه، وأمر له بتوقيع بما كان تحت يده من البلاد التي ورثها أبا عن جد مثل مدينتي أبهر وفراوي بقلاعهما وأعمالهما وأضاف إليه مدينة سراة وهي أقرب المدن إليه مما يملكه أزبك، وخلع عليه خلعة ملوكية.","part":7,"page":359},{"id":3370,"text":"وأما الأتابك سعد الدين زنكي صاحب فارس فإن السلطان أطلقه وتسلم قلعتي اصطخر واسكناباد وسلمها السلطان إلى المؤيد الحاجب، وزوج الأتابك سعد بامرأة من بيت والدته، وشرط عليه أن يحمل في كل سنة إلى الخزانة ثلث الخراج من بلاده، وأعاده بالخلع والتشاريف، وكان ولده نصرة الدين أبو بكر لما بلغه أسر والده انتصب مكانه واستمال قلوب الأمراء وبذل الأموال فأطاعوه. فلما أطلق الأتابك سعد، ووصل إلى شيراز - وهي كرسي مملكته - امتنع ولده من تسليم الملك. فبينما نصرة الدين ذات يوم في داره لم يرعه إلا وقد فتح عليه الباب، ودخل حسام الدين تكين باش - وهو أكبر مماليك الأتابك والمقدم في دولته - والأتابك وراه وبيده سيف مجرد، فضرب به وجه ابنه ضربة أثرت في وجهه، وحجز بينهما اختلاط الفريقين، فأمر الأتابك بالقبض على ابنه، فقبض عليه واعتقله مدة ثم أطلقه وعظم حال حسام الدين عنده ورقاه إلى درجة الملوكية، هذا ما كان من أمره.\rقصد السلطان بغداد وما رتبه من أحوال مملكته وعوده بعد مسيره\rقال شهاب الدين محمد المنشي: ثم عزم السلطان على قصد بغداد، ورتب أحوال مملكته، وأظهر الناموس. فمن ذلك أنه ضرب نوبة الإسكندر على ما قدمناه، ومنها أنه سير الملك تاج الملك بلكان خان صاحب أترار إلى مدينة نسا ليقيم بها، وسير إلى خوارزم برهان الدين محمد بن أحمد بن عبد العزيز البخاري المعروف بصدر جيهان، رئيس الحنفية ببخارى وخطيبها. قال: ولعله يعد من الملوك والأكابر، وكان تحت يده ستة آلاف فقيه. ومنها أنه قسم الملك بين أولاده، وعين لكل واحد منهم بلادا، ففوض خوارزم وخراسان ومازندران إلى ولي عهده قطب الدين أزلاغ شاه، واختار لتواقيعه طرة من غير تلقيب، وهي السلطان أبو المظفر ازلاغ شاه ابن السلطان محمد ناصر أمير المؤمنين. وإنما خصصه بولاية العهد دون جلال الدين اتباعا لرأي أمه تركان خاتون. وفوض ملك غزنة وباميان والغوروبست وتكياباذ وزمين وما يليها من الهند إلى ولده الملك جلال الدين منكبرتي، واستوزر له الصدر شمس الملك شهاب الدين الهروي، واستناب عنه كريره ملك، واستصحب جلال الدين معه، وفوض ملك كرمان وكيش ومكران لولده غياث الدين بيرشاه واستوزر له الصدر تاج الدين ابن كريم الشرق النيسابوري، وسلم ملك العراق إلى ولده ركن الدين غور شايجي واستوزر له عماد الملك محمد بن الشديد الساوي واختار لتواقيعه من الطرة السلطان المعظم ركن الدنيا والدين أبو الحارث غور شايجي ابن السلطان الأعظم محمد قسيم أمير المؤمنين.\rقال: ولما رتب هذه القواعد وقرر هذا النظام عزم على قصد بغداد وسير أمامه من العساكر ما غصت به البيداء فضاقت برحبها، وسار وراءهم إلى أن علا عقبة سراباد. وكان قد قسم نواحي بغداد وهو بهمذان أقطاعا وعملا، وكتب بها توقيعات، فسقط عليه بالعقبة ثلج عظيم، فأهلك خلقا كثيرا من الجيش وتلفت الأثقال، فرجع السلطان منها، وتطير من قصد بغداد، وكان ذلك في سنة أربع عشرة وستماية. قال: ولما رجع السلطان إلى نيسابور أتاه الخبر بوفاة مؤيد الملك قوام الدين وإلى كرمان ونايبه بها، فملك السلطان ولده غياث الدين بيرشاه كرمان وكيش ومكران فسار إليها واستقام أمره بها.\rعود السلطان إلى بلاد ما وراء النهر ووصول رسل التتار إليه وما اتفق من الحوادث\rقال: ثم عاد السلطان عند منصرفه من العراق إلى ما وراء النهر ووصل إلى سمرقند، فوافته بعد ذلك رسل جنكزخان ملك التتار وهم محمود الخوارزمي وعلى خواجه البخاري ويوسف بن كنكا الأتراري مصحوبين بمجلوبات الترك من نقر المعادن ونصب الختو ونوافج المسك وأحجار اليشب والثياب التي تسمى طرقوا وتتخذ من وبر الجمال البيض يباع الثوب منها بخمسين دينارا وأكثر. وكانت الرسالة تشتمل على طلب المسالمة والموادعة، وقالوا له: إن الخان الكبير يسلم عليك ويقول: ليس يخفي علي عظم شأنك وسعة سلطانك، ولقد علمت بسطة ملكك ونفاذ حكمك في أكثر أقاليم الأرض، وأنا أرى مسالمتك من جملة الواجب، وأنت عندي مثل أعز أولادي وغير خاف عنك أيضا أنني ملكت الصين وما يليها من بلاد الترك وقد أذعنت لي قبايلهم وأنت أخبر الناس أن بلادي مثارات العساكر ومعادن الفضة وأن فيها لغنية عن طلب غيرها فإن رأيت أن تفتح للتجار في الجهتين سبيل التردد، عمت المنافع وشملت الفوائد.","part":7,"page":360},{"id":3371,"text":"قال المنشي: فلما سمع السلطان الرسالة صرف الرسل، ثم استدعى محمود الخوارزمي ليلا بمفرده، وقال له: أنت رجل خوارزمي، ولا بد لك من موالاة فينا وسبيل إلينا، ووعده بالإحسان إن صدقه فيما يسأله عنه، وأعطاه جوهرة نفيسة من معضدته علامة للوفاء بما وعده، وشرط عليه أن يكون عينا له على جنكزخان. فأجابه إلى ذلك رغبة أو رهبة ثم قال: أصدقني فيما يقول جنكزخان أنه ملك الصين واستولى على مدينة طوغاج أصادق فيما يقول أو كاذب ؟ قال: بل صادق ومثل هذا الأمر لا يخفى ثم قال له: أنت تعرف ممالكي وبسطتها وعساكري وكثرتها، فمن هذا اللعين حتى يخاطبني بالولد ؟ وما مقدار ما معه من العساكر ؟ فلما شاهد محمود الخوارزمي آثار الغيظ على وجه السلطان أعرض عن النصح، وقال: ليس عسكره بالنسبة إلى عسكرك إلا كفارس في خيل، أودخان في جنح ليل.\rثم أجاب السلطان إلى المهادنة واستقر الحال على المسالمة إلى أن وصل من بلاد التتار تجار إلى أترار وهم عمر خواجه الأتراري، والجمال المراغي، وفخر الدين البخاري وأمين الدين الهروي وكان ينال خان ابن خال السلطان ينوب عن السلطان بأترار فشرهت نفسه في أموال أولئك التجار، فكاتب السلطان يقول: إن هؤلاء القوم قد جاءوا إلى أترار في زي التجار وليسوا بتجار، وإنما هم أصحاب أخبار، وإنهم إذا خلوا بأحد من العوام يهددونه، ويقولون إنكم لفي غفلة عما وراءكم، وسيأتيكم ما لا قبل لكم به فأذن له السلطان في الاحتياط عليهم إلى أن يرى فيهم رأيه، فقبض ينال خان عليهم، وانقطع خبرهم، وأخذ ما كان معهم من الأموال والأمتعة ثم وردت رسل جنكزخان بن كفرج بغرا كان أبوه من أمراء السلطان تكش ومعه رجلان يقولون للسلطان: إنك قد كتبت خطك وأمانك للتجار أن لا تتعرض إليهم، وقد غدرت ونكثت، والغدر قبيح على الملوك، فإن زعمت أن الذي ارتكبه ينال خان كان من غير أمرك فسلمه إلي لأجازيه على فعله، وإلا فأذن بالحرب فلم يرسل ينال خان، وظن أنه إن لاطف جنكزخان، أطمعه، وأمر بقتل رسله، فقتلوا. فيالها من قتلة هدرت دماء الإسلام، وأجرت بكل قطرة سيلا من الدم الحرام. فعند ذلك تجهز جنكزخان لقصده.\rما اعتمده السلطان من سوء التدبير لما قصده التتار\rكان أول ما اعتمده من سوء التدبير لنفاذ حكم العلي القدير أنه لما بلغه خبر التتار وقصدهم البلاد، عزم أن يبتني سورا على مدينة سمرقند على كبرها ودورها، على ما قيل اثني عشر فرسخا، ثم يشحنها بالرجال، لتكون سداً بينه وبين الترك. ففرق عماله في سائر أقاليم مملكته، وأمرهم أن يستسلفوا خراج سنة خمس عشر وستماية برسم عمارة السور، فجبى خراجا كاملا وأعجله التتار فلم يتمكن من عمارته، ثم بعث الحياة مرة ثانية إلى سائر الممالك، وأمرهم بجباية خراج ثالث في سنتهم، وهي سنة أربع عشرة وستماية، وأن يستخدم بذلك رجالة ورماة، يستخدم من كل بلد بقدر ما يتحصل من المال. ثم فرق عساكره بمدن ما وراء النهر وبلاد الترك فترك ينال خان بأترار في عشرين ألف فارس وقتلغ خان في جماعة أخرى في عشرة آلاف فارس بشهر كنت، والأمير اختيار الدين كشكي أمير آخور، واغل حاجب الملقب باينانج خان في ثلاثين ألف فارس ببخارى، وطغاينجان خاله وأمراء الغور في أربعين ألف فارس بسمرقند وفخر الدين حبش النسوي وعسكر سجستان بترمذ، وبلخمورخان بوخش وأبا محمد خال أبيه ببلخ. ولم يترك بلدا مما وراء النهر خاليا من عسكر كبير فكان ذلك من أعظم الأسباب التي استولى بها جنكزخان على البلاد الإسلامية، ولو جمع عساكره ولقي التتار لهزمهم.\rولما شارف جنكزخان تخوم البلاد الإسلامية تباشر صوب أترار، واستولى عليها بعد قتال، وأحضر ينال خان بين يديه، وأمر بسبك الفضة، وقلبها في أذنيه وعينيه فمات. ثم استولى جنكزخان على البلاد وتحيل حتى أوقع بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وبين أمه وأخواله.\rما وقع بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وأمه وأخواله من الاختلاف بحيلة تمت بجنكزخان عليهم وما فعلته والدته من القتل ومفارقة خوارزم وما آل إليه أمرها","part":7,"page":361},{"id":3372,"text":"كان سبب ذلك أن جنكزخان لما ملك أترار، أحضر نايب الوزارة بها، وهو بدر الدين العميد، واتفق معه على أن زوركتبا على لسان الأمراء أقارب والدة السلطان إلى جنكزخان، يبذلون له الدخول في طاعته، ويقولون: إنا تسحبنا من بلاد الترك بعشائرنا ومن يلوذ بنا إلى السلطان، رغبة في خدمة والدته، فما نصرناه على كافة ملوك الأرض، وذلت له الجبابرة وخضعت له الرقاب فها هو الآن تغيرت نيته في حق والدته، عتوا منه وعقوقا، وهي تأمرنا بخذلانه، فنحن على انتظار وصولك واتباع أمرك. وكان هذا تدبير نايب الوزارة المذكور. وسلم جنكزخان الكتب إلى بعض خواصه، وأمره أن يتوجه بها إلى السلطان، ويظهر له أنه قد هرب من صاحبه إليه، ففعل ذلك. فلما وصل إلى السلطان ووقف على الكتب لم يشك في صحة ذلك، ونفر من هؤلاء الأمراء، ونأى عنهم وبدد مثلهم.\rفلما فعل ذلك بأقارب والدته تركان خاتون غضبت لذلك، وكتب جنكزخان إليها على يد دانشمند الحاجب - وهو من خواصه - وهي إذ ذاك بخوارزم، يقول: قد عرفت مقابلة ابنك حقوقك بالعقوق، وقد قصدته بمواطأة من أمرائه، ولست بمعترض إلى ما تحت يدك من البلاد، وأسلم لك خوارزم وخراسان وما يتاخمهما من قاطع جيحون. فكان جوابها عن هذه الرسالة أن خرجت عن خوارزم، واستصحبت ما أمكنها من حرم السلطان وصغار أولاده ونفايس خزائنه، وأمرت بقتل من كان بخوارزم من الملوك المعتقلين وأبناء الملوك وأكابر الصدور، فقتلت زهاء اثنين وعشرين نفسا منهم إبنا السلطان غياث الدين الغوري وابن طغرل السلجقي وعماد الدين صاحب بلخ وابنه بهرام شاه صاحب ترمذ وعلاء الدين صاحب باميان، وجمال الدين عمر صاحب وخش وابنا صاحب سقتاق من بلاد الترك، وبرهان الدين محمد وصدرجهان وأخوه افتخار جهان وابناه ملك الإسلام وعزيز الإسلام واستصحبت معها عمر خان صاحب يازر فصحبها إلى بلاده، وخدمها أتم خدمة، حتى إذا قاربت تخوم يازر خافت أن يفارقها، فأمرت بضرب عنقه فقتل صبرا.\rوسارت بمن معها إلى قلعة ايلال من قلاع مازندران، فأقامت بها وذلك في سنة خمس عشرة وستماية؛ وأمرت بتحصين القلعة، فحصنت؛ ثم حوصرت أربعة أشهر فكان من الاتفاق العجيب أن القلعة نفذ ماؤها، وكانت العادة أن تلك القلعة دائمة الأنواء، فقدر الله عز وجل أن صحت السماء في زمن الحصار حتى نفذ الماء، فألجأها ذلك إلى طلب الأمان، فأجيبت إليه، ونزلت من القلعة ومعها الوزير محمد بن صالح. وذكر أنها لما نزلت من القلعة فاضت الصهاريج في هذا اليوم، حتى نزل السيل من باب القلعة وحملت تركان خاتون أسيرة إلى جنكزخان. قيل أنه انتهى حالها إلى أن كانت تحضر سماط جنكزخان وتحمل منه في كل وقت ما يقوتها مدة بعد أن حكمت في أكثر البلاد على ما نذكره.\rوأما صغار أولاد ابنها الذين كانوا معها فقتلوا عن آخرهم إلا أصغرهم فإنه ترك عند جدته مدة ثم قتل بعد ذلك خنقا. هذا ما كان من الذكور. وأما الإناث فزوجوا بالمرتدة إلا سلطان خان - التي كانت امرأة صاحب سمرقند - أخذها دوشي خان واصطفاها لنفسه. هذا ما كان من أمرها وأمر من معها بعد وفاة ابنها، فلنذكر شيئا من أخبارها وما كان لها من الحكم في دولة ابنها.\rكانت تركان خاتون والدة السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد من قبيلة بياووت وهي فرع من فروع يمك، وهي بنت خان جنكش، ملك من ملوك الترك وتزوج بها السلطان تكش. ولما انتقل الملك إلى ابنها أتته قبائل يمك ومن يجاورها من الترك فكثر بهم، واستظهر بمكانهم وتحكمت هي بهذا السبب في الممالك، فلم يملك السلطان إقليما إلا وأفرد لخاصتها منه ناحية جليلة. ولقبت عند ارتفاع شأنها بخداوند جهان، معناه صاحبة العالم. وكانت ذات مهابة ورأى، وإذا رفعت الظلامات إليها حكمت فيها على قانون العدل والإنصاف، غير أنها كانت جسورا على سفك الدماء، وكان لها خيرات وسبلات في البلاد قال المنشى: وكان لها من كتاب الإنشاء سبعة من مشاهير الفضلاء وسادات الأكابر وإذا ورد عنها وعن السلطان توقيعان مختلفان في قضية واحدة لم ينظر إلا في التاريخ فيعمل بالآخر منهما في سائر الأقاليم. وكان طغرا تواقيعها عصمة الدنيا والدين ألغ تركان ملكة نساء العالمين، وعلامتها اعتصمت بالله وحده، وكانت تكتبها بقلم غليظ، وتجود الكتابة فيها بحيث يعسر أن يزور عنها، فلنرجع إلى أخبار السلطان.","part":7,"page":362},{"id":3373,"text":"ما اتفق للسلطان بعد ملك التتار\rالبلاد إلى أن توفى قال: لما ملك جنكزخان أترار، ملك بعدها بخارى ثم سمرقند، فاتصل الخبر بالسلطان وهو مقيم بحدود كتلف وأندخوذ ينتظر وصول الجموع المتفرقة إليه من الجهات. فلما اتصل خبر ملك جنكزخان بخارى بالسلطان، عبر جيحون وقد أيس من بلاد ما وراء النهر، وفارقه إلى التتار من الأتراك عشيرة أخواله زهاء سبعة آلاف من الخطايية، واتصل علاء الدين صاحب قندز وغيره بجنكزخان وأخذ الناس في التخاذل والتسلل، فلما اتصلت هذه الجموع بجنكزخان عرفوه بمكان السلطان وبما هو عليه من الوجل، وبما داخله من الخوف فعند ذلك جرد يمنوية وسبطى بهادر في ثلاثين ألف فارس فعبروا النهر صوب خراسان ورحل السلطان من حافة جيحون إلى نيسابور، وتسلل عنه الناس فلم يقم بنيسابور إلا ساعة من نهار، ثم سار حتى أتى العراق فنزل بمرج دولت أباد، وهي من أعمال همذان وأقام أياما يسيرة ومعه زهاء عشرين ألف فارس فلم يرعه إلا صيحة الغارة وإحداق خيول التتار به، فغاتهم بنفسه، وشمل القتل جل أصحابه، ونجا السلطان في نفر يسير من خواصه إلى بلد الجبل ثم منها إلى الاستنداد وهي أمنع ناحية من نواحي مازندران ذات دربندات ومضايق ثم منها إلى حافة البحر وأقام عند الغرضة بقرية من قراها، يحضر إلى المسجد فيصلى به إمام القرية الصلوات الخمس ويقرأ له القرآن، وهو يبكي وينذر النذور ويعاهد الله تعالى بإقامة العدل. ولم يزل كذلك إلى أن كبسه التتار فحين هجموا الضيعة ركب السلطان المركب وخاضت خلفه طائفة منهم فلم يدركوه.\rقال شهاب الدين المنشى: حدثني غير واحد ممن كان مع السلطان في المركب قال: كنا نسوق المركب بالسلطان وبه من علة ذات الجنب ما آيسه من الحياة وهو يظهر الاكتئاب، ويقول لم يبق لنا مما ملكناه من أقاليم الأرض قدر ذراعين. فلما وصل الجزيرة سر بذلك سرورا تاما وأقام بها فريدا طريدا والمرض يزداد به. وكان في أهل مازندران ناس يتقربون إليه بالمأكول والمشروب وما يشبهه، فقال في بعض الأيام: أشتهي أن يكون عندي فرس يرعى حول خيمتي هذه - وقد ضربت له خيمة صغيرة - فلما سمع تاج الدين حسن وكان من جملة سرهنكيته أهدى إليه فرسا أصفر قال: وكانت جشارات خيله تنيف على ثلاثين ألف جشار متفرقة في ممالكه ويدل على ذلك ما قاله الأمير اختيار الدين أكبر أمير أخورية السلطان؛ وكان قد ضم إليه ثلاثين ألف فارس، فكان يقول: إن المرتب معي ثلاثون ألف فارس ولو شئت جعلتها ستين ألفا من غير أن أتكلف صرف دينار أو درهم، وذلك أنني أستدعي من كل جشار من جشارات خيل السلطان جوبانا واحدا فينيفوا على ثلاثين ألفا، فانظر إلى ما بين الحالتين في الكثرة والقلة والعزة والذلة.\rقال: وكان من حمل إليه شيئا من المأكولات وغيره في تلك الأيام كتب له توقيعا بمنصب جليل وإقطاع طايل فربما كان الرجل يتولى كتابة التوقيع لنفسه لعدم من يكتب عند السلطان. وكانت هذه التواقيع تسمى التواقيع الجزيرية، وكلها برسالة جلال الدين. فلما ظهر أمر جلال الدين أحضرت إليه التواقيع فأمضاها بكمالها ومن كان معه منديل أو سكين علامة من السلطان بإقطاع أو غيره قبلها جلال الدين وأمضى حكمها.\rوفاة السلطان علاء الدين\rخوارزم شاه محمد بن تكش كانت وفاته بالجزيرة في سنة سبع عشرة وستماية. وذلك أنه لما استقر بها اشتدت به علة ذات الجنب فمات وغسله شمس الدين محمود بن يلاغ الجاوش ومقرب الدين مهتر مهتران مقدم الفراشين، ولم يكن عنده ما يكفن فيه فكفنه شمس الدين محمود المذكور بقميصه، ودفن بالجزيرة فكانت مدة سلطنته إحدى وعشرين سنة، وكان له من الأولاد خمسة وهم جلال الدين منكبرتي، وقطب الدين أزلاغ شاه، وآق شاه، وركن الدين غور شايجي - وكان بالعراق - وغياث الدين بير شاه وفيه يقول المنشى:\rأذل الملوك وصاد القروم ... وصيّر كل عزيز ذليلا\rوحف الملوك به خاضعين ... وزفوا إليه رعيلا رعيلا\rفلما تمكن من أمره ... وصارت له الأرض إلا قليلا\rوأوهمه العز أن الزمان ... إذا رامه ارتد عنه كليلا\rأتته المنية مغتاظة ... وسلت عليه حساما صقيلا\rفلم تغن عنه حماة الرجال ... ولم يجد فيلٌ عليه فتيلا","part":7,"page":363},{"id":3374,"text":"كذا يفعل الله بالشامتين ... ويفنيهم الدهر جيلا فجيلا\rهذا ما اتفق للسلطان؛ وأما التتار الذين ساقوا خلفه فإنهم خربوا البلاد وسفكوا الدماء واستولوا على الممالك وساووا في القتل بين المملوك والممالك، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبارهم. فلنذكر الآن أخبار أولاد السلطان علاء الدين محمد وما كان من أمرهم بعد وفاة أبيهم ونورد أخبارهم في جملة أخبار أخيهم السلطان جلال الدين فإنه الملك المشار إليه منهم.\rجلال الدين منكبرتي\rوقيل فيه منكوبرتي ابن السلطان علاء الدين أبي الفتح محمد ابن تكش بن ألب أرسلان بن اتسز بن محمد بن انوشتكين. ملك بعد وفاة أبيه في سنة سبع عشرة وستماية، وذلك أن والده السلطان لما اشتد مرضه بالجزيرة خلع قطب الدين أزلاغ شاه وآق شاه. وقال: إن عرى السلطنة قد انفصمت والدولة قد وهت قواعدها وتهدمت، وهذا العدو قد تأكدت أسبابه وتشبثت بالممالك أظفاره، وتعلقت أنيابه، وليس يأخذ بثاري منه إلا ولدي منكوبرتي وهأنا موليه ولاية العهد فعليكما بطاعته والانخراط في سلك تباعته. وشد سيفه بيده في وسط جلال الدين ثم مات بعد ثلاثة أيام.\rقال: ولما دفن السلطان بالجزيرة ركب جلال الدين البحر ومعه أخواه ومعهم زهاء سبعين نفسا لقصد خوارزم، فلما قاربوها التقوهم منها بالدواب والأسلحة والأعلام، وتباشر الناس بمقدمهم واجتمع عندهم من العساكر ممن أضمرته البوادي ونقضتهم المجالس والنوادي زهاء سبعة آلاف فارس، أكثرهم البياووتية ومقدمهم توخى بهلوان الملقب بقتلغ خان، فمالوا إلى أزلاغ شاه للقرابة التي بينهم، وعزموا على القبض على جلال الدين وقتله أو سمله. فعلم إينانج خان بما دبروه، فأعلم بذلك جلال الدين وأشار عليه بالرحيل فرحل صوب خراسان في ثلثماية فارس، مقدمهم دمر ملك وقطع المفازة الحاجزة بين خوارزم وخراسان وهي ست عشرة مرحلة في أيام قلايل، وتخلص منها إلى بلد نسا. وكان جنكزخان لما بلغه عود أولاد السلطان إلى خوارزم وجه إليها عسكرا كثيفا وتقدم إلى من بخراسان من عساكره بالتفرق على حافات تلك البرية مترصدين فضربوا على البرية المذكورة حلقة من تخوم مرو إلى حدود شهرستان، حتى إذا هم أولاد السلطان بالمسير إلى خراسان عند إزعاجهم من خوارزم يقبضون عليهم. وكان بحافة برية نسا منهم سبعماية فارس فلما خرج جلال الدين من البرية صادفهم أمامه، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر فيه لجلال الدين عليهم، فعمهم بالقتل وغنم ما معهم، ولم يفلت منهم إلا الشارد. وهذا أول مصاف كان بين جلال الدين وبينهم فتقوى بما غنمه منهم ووصل إلى نيسابور.\rوأما أخواه فإنهما أقاما بعده بخوارزم ثلاثة أيام؛ وأتاهم الخبر بحركة التتار فخرجا بمن معهما مجفلين إلى صوب خراسان. فلما انتهوا إلى مرج سابغ ونزلوا به، وافتهم الأخبار أن طائفة من التتار أقبلت في طلبهم، فركب أزلاغ شاه ومن معه ورحل والتتار في طلبه إلى استوى بلد خيوشان فأدركه التتار بقرية تسمى فرست، فوقف لهم واقتتلوا قتالا شديدا كان الظفر لأزلاغ شاه عليهم، فسروا بذلك وظنوا أنه لم يكن من التتار بتلك الناحية غير هذه الطائفة التي انهزمت، واستقروا بتلك المنزلة، فلم يرعهم إلا وخيول التتار قد أحدقت بهم إحداق الأطواق بالأعناق فثوى اليسر عسراً وترادف النصر كسراً، فكانوا إن شاء الله كما قيل:\rتردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر\rفاستشهد أزلاغ شاه وآق شاه ومن معهما وعاد التتار برأسيهما وقد نصبوهما على الرماح.\rمسير جلال الدين من نيسابور إلى غزنة","part":7,"page":364},{"id":3375,"text":"قال: وأقام جلال الدين بنيسابور شهرا يتابع الرسل إلى الجهات في الاحتشاد والاستمداد، إلى أن علم التتارية فأسرعوا نحوه وأعجلوه عن مراده، فخرج من نيسابور في من انضوى إليه من الخوارزمية، إلى أن وصل إلى القلعة القاهرة وهي التي بناها مؤيد الملك صاحب كرمان بزوزن، فهم أن يتحصن بها فبعث إليه عين الملك ختن مؤيد الملك - وهو مستحفظها - يحذره ذلك، ويقول: إن ملكا لا يحسن به أن يتحصن بقلعة ولو بنيت على قرن الفرقد أو هامة الجوزاء بل أعلا وأبعد، وحصون الملوك متون الحصن، وما للضراغم وللمدن ولو تحصنت بالقلعة لأفنت التتار أعمارهم إلى أن ينالوا الغرض. فأمر جلال الدين بإحضار ما في القلعة من الذهب فأحضر، وفرق أكياسه على من صحبه من خواصه، وفارق القاهرة، وجد السير إلى تخوم بست، فأعلم أن جنكزخان مقيم بالطالقان بجيوش عظيمة، فتحير في أمره لا يدري ما يصنع. ثم خاطر بنفسه واستمر في السير، فبلغه أن أمين ملك وهو ابن خالة متولى هراة ومقطعها بالقرب منه، وقد أخلى هراة ومعه زهاء عشرة آلاف فارس، والأتراك الذين سلموا من النكبة، فبعث جلال الدين إليه يعلمه بقربه ويحثه على سرعة الوصول إليه، فاجتمعوا واتفقا على كبس التتار المحاصرين قلعة قند هار فنهضا إليهم وأوقعا بهم فلم يسلم من التتار إلا من وصل بخبرهم إلى جنكزخان وهم نفر يسير، فأخبروه بما تم على عسكره، فغضب لذلك. وساق جلال الدين حتى أتى غزنة وكان بها كربر ملك ينوب عنه منذ جعلها والده له كما قدمناه، وقد ضبطها. فوصل إليها جلال الدين في سنة ثماني عشرة وستماية، فسر الناس بوصوله واتصل به سيف الدين بغراق الخلجي وأعظم ملك صاحب بلخ، ومظفر ملك صاحب الأيغانية والحسن قزلق وهم في زهاء ثلاثين ألف فارس ومعه عسكره وعسكر أمين ملك مثلها.\rالحرب بين جلال الدين وتولى خان بن جنكزخان وانهزام التتار وقتل تولى خان\rقال المنشى: ولما بلغ جنكزخان ما حل بعسكره بقندهار، جرد ابنه تولى خان في عسكر كثيف، فاستقبله جلال الدين بنية في الجهاد قوية وهمة في الإسلام أبية. فلما تراءى الجمعان حمل بنفسه على قلب تولى خان، فبدد نظامه ونثر تحت قوائم الخيل أعلامه وألجأه في الانهزام وإسلام المقام، وتحكمت فيهم سيوف الانتقام وقتل تولى خان فيمن قتل، وكثر الأسر في التتار حتى كان الفراشون يحضرون أساراهم إلى بين يديه فيدقون الأوتاد في آذانهم تشفيا بهم، وكانت شرذمة من التتار قد حاصرت قلعة ولخ وضايقتها فلما بلغهم ما حل بأولئك رجعوا عنها.\rالحرب بين جلال الدين وجنكزخان وانهزام جلال الدين","part":7,"page":365},{"id":3376,"text":"قال: ولما عاد من سلم من المعركة إلى جنكزخان قام بنفسه وعساكره لقصد حرب جلال الدين. واتفق أن العساكر الخلجية فارقوا جلال الدين في ذلك الوقت صحبة سيف الدين بغراق وأعظم ملك ومظفر ملك. وسبب ذلك أنهم لما كسروا التتار زاحمهم الأتراك فيما أفاء الله عليهم من الغنائم، فاتفق أن بعض الأتراك الأرمينية نازع أعظم ملك في فرس من خيل التتار. وطال بينهما التنازع فضربه التركي بمقرعة، فاشمأزت لذلك نفوسهم ونفرت قلوبهم وفارقوا جلال الدين، واجتهد على ردهم فأبوا ذلك. ولما بلغه أن جنكزخان قد قاربه بجيوشه علم أنه لا طاقة له بملاقاته بعد مفارقة هذه الجيوش له، فرأى أن يتأخر إلى حافة ماء السند ثم يستأنف مكاتبة من فارقه، فإن رجعوا إليه لقى جنكزخان بهم وبمن معه من الأتراك. فعاجله جنكزخان عن إمضاء ما دبره؛ وكان جلال الدين قد أصابه قولنج شديد عند خروجه من غزنة ولم يرد مع ذلك الجلوس في المحفة، وركب الفرس تجلدا، فمن الله عليه بالعافية، فورد عليه الخبر أن مقدمة جنكزخان نزلت بجردين فركب ليلا وكبس المقدمة فقتلهم ولم يفته إلا من نجا به فرسه. فلما بلغ جنكزخان هذا الخبر هاله، وجاء جلال الدين إلى حافة ماء السند، وضاق عليه الوقت عما كان يثق به من جمع المراكب واسترجاع الكتايب، ووصل مركب واحد فأمر بتعبير والدته وحرمه ومن ضمته الدور وحجبته الستور، فانكسر المركب قبل عبورهم. ووصل جنكزخان فلقبه جلال الدين واقتتلوا قتالا شديدا فحمل جلال الدين بنفسه على قلب جنكزخان فمزقه، وانهزم جنكزخان وكادت الدائرة تكون عليهم، لولا أن جنكزخان كان قد كمن كمينا فيه عشرة آلاف فارس فخرجوا على ميمنة جلال الدين - وفيها أمين ملك - فكسروها وطرحوها على القلب، فتبدد نظامه، وتزعزعت عن الثبات أقدامه، وانجلت المعركة عن قتلى مصرعين في الدماء، وغرقى غاطسين في الماء، فكان الرجل يأتي إلى الماء يهوى بنفسه في تياره وهو يعلم أنه غريق لا محالة. وأسر ولد جلال الدين وهو ابن سبع أو ثماني سنين فقتل بين يدي جنكزخان.\rقال: ولما عاد جلال الدين إلى حافة ماء السند كثبرا رأى والدته أم ولده وجماعة من حرمه يصحن بأعلى أصواتهن: بالله عليك اقتلنا وخلصنا من الأسر، فأمر بهن فغرقن. فهذه من عجائب البلايا ونوادر المصايب والرزايا. وأما العساكر الخلجية المفارقة لجلال الدين فاستنزلهم جنكزخان بعد فراغه من جلال الدين من عصم الجبال والحصون، وقتلهم أجمعين.\rحال جلال الدين بعد عبوره ماء السند\rقال: ولما وصل جلال الدين إلى حافة ماء السند اقتحم بفرسه ذلك الماء العظيم، فخلص إلى البر، وخلص معه أربعة آلاف رجل من عسكره حفاة عراة، وفيهم ثلثماية فارس كانوا قد تقدموا جلال الدين ومعهم من خواصه ثلاثة نفر وهم قلبرس بهادر وقابقح وسعد الدين على الشربدار، ورمى بهم الماء إلى جهة بعيدة عن القوم ولم يعلموا ما كان منه، فاتصل بهم في اليوم الثاني.\rقال: وكان في الزردخانا الجلالية شخص يعرف بجمال الزراد، وقد انتبذ قبل الوقعة بما كان له من المال إلى بعض الجهات، فوصل إذ ذاك بمركب فيه ملبوس ومأكول، فوقع ذلك عند جلال الدين موقعا عظيما وولاه أستاذ داريته، ولقبه اختيار الدين.\rقال: ولما علم زانه شنزه صاحب جبل الجودي بما كان من أمر جلال الدين وانهزامه، وأنه في قلة من أصحابه، ركب في ألف فارس وخمسة آلاف راجل. فقصد جلال الدين عبور الماء إلى جهة التتار ويختفي بمن يسلم معه في الخياض ويعيشون بالغارات، لعلمه أن الجنود إن ظفروا به قتلوه وقتلوا من معه. فحين تواتروا على ذلك توجهت الرجالة لهذا القصد، وتأخر عنهم جلال الدين بمن معه من أصحاب الخيل على رسم الترك، فجاء زانه شنزه، ومعه أعيان أصحابه ويخالته. فلما رأى جلال الدين حمل عليه بمن معه، فلما قاربه رماه جلال الدين بسهم في صدره فقتله وانهزم عسكره وتحمل جلال الدين فيما غنمه من خيله وعدته، وما أفاء الله عليه من أمواله وأسلحته.\rقال: ولما سمع قمر الدين نائب قباجة بدبدبة وساقون، تقرب إلى جلال الدين بهدايا جليلة وألطاف، وفي جملتها الدهلين، فوقع ذلك من جلال الدين موقعا عظيما.\rما كان بين جلال الدين وقباجة من وفاق وخلاف","part":7,"page":366},{"id":3377,"text":"قال: ثم بلغ جلال الدين أن بنت أمين ملك سلمت من الغرق إلى أوجاهى من مدن قباجة، فراسله جلال الدين يذكر أنها تمت له بقرابة، وأن نساءه غرقن وطلبها، فتقدم قباجة بتجهيزها إليه وجهز معها هدايا تليق بجلال الدين. فقبل جلال الدين ذلك منه وانتظم بينهما الصلح وأمنت البلاد إلى أن قضت الفرقة وتأكدت أسباب الوحشة وسبب ذلك أن شمس الملك شهاب الدين ألب، كان السلطان علاء الدين قد استوزره لجلال الدين، فرمته الوقعة إلى قباجة، فأمنه وآواه وأحسن إليه. واعتقد قباجة أن جلال الدين قتل، فاسترسل مع شمس الملك في أمور كان الحزم يقضي إخفاءها عنه، فلما تحقق سلامة جلال الدين استوحش من شمس الملك وندم على ما كان قد أبداه له، ولما بلغ جلال الدين أن شمس الملك عنده استدعاه، فحمل قباجة التوهم منه على قتله فقتله، لما كان قد أودعه من أسرار خشى إذاعتها. ومن ذلك أن قرن خان بن أمين ملك كانت الوقعة طرحته إلى مدينة كلور من مدن قباجة، فشرهت نفوس عامتها إلى سلبه، فقتل وحمل إلى قباجة من سلبه درة كانت في أذنه فأخذها، فحقد جلال الدين ذلك عليه وأسره في نفسه إلى أن اتصل بخدمته جماعة من الأمراء المفارقين لخدمة أخيه غياث الدين بمن معهم من العسكر، فقويت نفسه بهم وقصد مدينة كلور فحاصرها وداوم القتال والزحف بنفسه فأصابته نشابة في يده، ولم يفتر في القتال ليلا ولا نهارا حتى ملكها وملك مقاتلتها ثم رحل منها إلى قلعة برنوزج فحاصرها وباشر القتال بنفسه وأصابته هناك نشابة أخرى، فألحق برنوزج بأختها وتأكدت الوحشة بهذه الأسباب بينه وبين قباجة. ولما رأى قباجة أن بلاده تطوى شيئا فشيئا فزع إلى الاحتشاد، فركب في زهاء عشرة آلاف فارس، وأنجده شمس الدين ايلتتمش ببعض عساكره، فعلم جلال الدين بخبره ونيته ليلا، وأحاط بعسكره فأعجلهم عن الركوب، فانهزم قباجة بنفسه ومن نجا به فرسه، وترك العسكر شاغرا بما فيه من الخيام والخزائن والعدد المتوفرة، فاحتوى جلال الدين على ذلك.\rالحوادث بعد كسر جلال الدين قباجة وما جرى بينه وبين شمس الدين ايلتتمش\rقال: لما كسر جلال الدين قباجة نزل على نهاوور وكان بها ابن لقباجة وقد عصى على والده وتغلب عليها، فأقرها جلال الدين عليه على مال يحمله في كل سنة ومال يعجله. ورحل صوب سيستان وبها فخر الدين السلارى واليا عليها من جهة قباجة، فتلقاه بالطاعة، وسلم إليه مفاتيحها، فجبى المال ثم رحل عنها صوب أوجا فحاصرها أياما، وقاتله أهلها فقتل من الفريقين خلق كثير، ثم صالحوه على مال حمل إليه ورحل صوب خانسر وكان ملكها من أتباع شمس الدين فخرج طائعا للخدمة الجلالية. فألقى بها عصى القرار ليريح من معه، فأتاه الخبر أن إيلتتمش قاصده في ثلاثين ألف فارس ومائة ألف راجل وثلثماية فيل، فخرج جلال الدين نحوه مجدا، وقدم أمامه جهان بهلوان أزبك باين - وهو من حماة الأبطال - فساق، وخالفه يزك شمس الدين، فتوسط أزبك عسكر شمس الدين فهجم على جماعة منهم، فقتل منهم وحضر إلى جلال الدين من أخبره بذلك الجمع الكثير ثم ورد عليه برسول إيلتتمش في طلب الموادعة ويقول: ليس بخفي على ما وراءك من عدو الدين، وأنت سلطان المسلمين وابن سلطانهم، ولست استحل أن أكون عليك عونا، ولا يليق بمثلي أن يجرد السيف في وجه مثلك، إلا لضرورة الدفع، وإن رأيت أن أزوجك ابنتي لتزول الوحشة وتتأكدة الثقة بيني وبينك فافعل.","part":7,"page":367},{"id":3378,"text":"فمال جلال الدين إلى ذلك وأصحب رسوله باثنين من أصحابه، يزيدك بهلوان وسنقرجق طايسي، فمضيا إليه وأقاما لديه وترادفت الأخبار على جلال الدين أن ايلتتمش وقباجة وسائر ملوك الهند قد تآمروا على أن بمسكوا على جلال الدين حافة ماء خجنير، فعظمت إذ ذاك بليته وفترت في وجوه العزائم نيته، ورأى أن الزمان حزب عليه أحزابا ومتى سد للحوادث بجهده بابا فتح عليه أبوابا، فاستشار نصحاءه في ذلك، فأشار عليه الذين وردوا من العراق وهم الذين انفصلوا من أخيه غياث الدين أن يقصد العراق وينتزعه من يد أخيه، وأشار عليه جهان بهلوان أزبك باين بلزوم بلاد الهند خشية من جنكزخان واستضعافا لملوك الهند، فحمله شغفه بحب الممالك الموروثة والحكم فيها على قصد العراق، فاستناب جهان بهلوان على ما كان يملكه من بلاد الهند، والحسن قزلق على ما قد نجا من بلاد الغور وغزنة من صدمات التتار، فاستمر جهان بهلوان فيما ولاه إلى سنة سبع وعشرين وستماية، ثم طرد عنها ووصل إلى العراق على ما نذكره في موضعه؛ واستمر قزلق إلى حين وفاته.\rطلوع جلال الدين من الهند ووصوله إلى كرمان وما جرى له من الحوادث إلى أن ملك العراق\rكان عوده من الهند في سنة إحدى وعشرين وستماية. قال شهاب الدين محمد المنشى. قاسى جلال الدين ومن معه من رذايا الأرواح المتخلصة من مشتجر الرياح في البوادي، القاطعة بين كرمان والهند، شدائد نستهم سائر الكرب، وأوردتهم بأجمعهم سواقي العطب. وقد أوعزتهم في تلك القفار علالات الشفاه، وبلالات الأفواه، فضلا عن الأقوات، فكان الرجل يتنفس عند هبوب السموم كتنفس المحموم. قال: فتخلص إلى كرمان في أربعة آلاف، فيهم ركاب أبقار وحمر. وكان بها براق الحاجب ينوب عن أخيه غياث الدين بير شاه. وبراق هذا كان حاجبا لكورخان ملك الخطايية، ورد رسولا على السلطان مبدأ المكاشفة بينهما، فمنعه أن يعود إلى مرسله رغبة فيه، ثم اتصل بخدمة غياث الدين.\rفلما وصل جلال الدين أقام بكراشير - وهي دار المملكة - شهرا ثم أحس أن براقا قد أضمر الغدر به، فقصد جلال الدين القبض عليه واستشار في ذلك، فأشار أورخان بالقبض عليه، وأن يواليه مملكة كرمان ويستظهر بها على غيرها من الممالك. وخالفه في هذا الرأي شمس الملك علي بن أبي القاسم المعروف بخواجه جهان، وقال: هذا أول من بذل الطاعة من نواب الأطراف، وولاة البلاد، وليس كل أحد يتحقق غدره ومكيدته، فمتى عوجل نفرت القلوب واشمأزت النفوس وتبدلت الأهواء، وتغيرت النيات والآراء.\rفرحل جلال الدين إلى صوب شيراز، وورد عليه الأتابك علاء الدولة صاحب يزد، مذعنا بالطاعة، وقدم له تقادم كثيرة فكتب له توقيعا بتقرير بلاده عليه. وكان الأتابك سعد صاحب فارس قد استوحش من أخيه غياث الدين لإساءة سبقت، فرغب جلال الدين في إصلاحه لنفسه، وسير الوزير شرف الملك إليه خاطبا ابنته، فأسرع إلى الإجابة والانقياد وزوجه ابنته وحملها إليه فاستظهر جلال الدين بمصاهرته ثم تقدم من شيراز إلى أصفهان، فخرج إليه القاضي ركن الدين مسعود بن صاعد بأحسن اللقاء، قال: ولما بلغ غياث الدين توسط جلال الدين في بلاده، ركب إليه في جموعه في زهاء ثلاثين ألف فارس، فرجع جلال الدين حين سمع بقربه وقد أيس مما طمحت إليه نفسه، وسير إلى غياث الدين أدك أمير أخور؛ وكان من دهاة خواصه، يقول: إن الذي قاسيته بعد السلطان من الشدايد الفادحة، لو عرضت على الجبال لأشفقن منها واستثقلتها فأبين أن يقبلنها، وحين ضاقت على الأرض بما رحبت، وانتفضت يدي عما ورثت وكسبت، وكنت قصدتك لأستريح عندك أياما وحيث علمت أن ليس عندك للضيف إلا ظبي السيف، ورجعت بظمأ من الشوق عن المناهل. وسير إليه سلب تولى خان بن جنكزخان وفرسه وسيفه. فلما سمع غياث الدين الرسالة انصرف إلى الري، وتفرقت عساكره في المصايف.","part":7,"page":368},{"id":3379,"text":"قال: وكان جلال الدين سير صحبة رسوله عدة خواتيم، وأمره بإيصالها إلى جماعة من الأمراء علامات منه، يستميلهم ويمينهم الإحسان، فمنهم من تناول الخاتم وسكت وأجاب إلى الانقطاع إليه أو التقاعد عن نصرة غياث الدين، ومنهم من سارع إلى غياث الدين فناوله الخاتم، فعند ذلك أمر بالقبض على الرسول المذكور والاحتياط عليه. وبادر إلى خدمة جلال الدين، أبو بكر ملك - وهو من بني أخواله - وذكر له أن القلوب مجتمعة على محبته، فركب جلال الدين في ثلاثة آلاف ضعاف، وجد السير حتى وافى غياث الدين وأعجله عن التدبير. فلما أتاه النذير ركب فرس النوبة إلى قلعة سلوقان، ودخل جلال الدين خيمته وبها بكلواي والدة غياث الدين، فاستوفى لها أدب الخدمة، وشرط العظيم والحرمة وأنكر انزعاج غياث الدين وإخلاءه مكانه، وذكر لها إشفاقه عليه. فسيرت إليه من سكن روعته، فعاد إلى خدمة أخيه جلال الدين ونزل جلال الدين في منزلة السلطان، وأتته الأمراء واستعفوا مما كان منهم، فأقبل عليهم وعاملهم بالإحسان. ثم جاءه من كان بخراسان والعراق ومازندران من المتغلبين. فمنهم من حسنت سيرته في أيام الفتنة، فأقره وأعاده إلى مكانه، ومنهم من ساءت طريقته فأذيق وبال طغيانه، وتفرقت الوزراء والعمال في الأطراف فضبطوها بتواقيع جلال الدين.\r؟مسيره صوب خوزستان\rولما تمكن السلطان جلال الدين من أخيه غياث الدين، وصار معه كأحد أمرائه، توجه نحو خوزستان، وشتى بها، ووجه من هناك ضياء الملك علاء الدين محمد بن مودود العارض النسوي رسولا إلى الديوان العزيز. وكان من قبل ذلك قد جرد جهان بهلوان إيلجي برسم اليزك، فصادف المذكور عسكرا من عساكر الديوان وعربان خفاجة، فأوقع بهم وأخرق الهيبة، وهتك الحرمة، فعادوا إلى بغداد على وجه غير مرضي، وأحضرت طائفة منهم إلى المخيم الجلالي، فأطلقوا. ووصل ضياء الملك بعد الحادثة إلى بغداد فطال مقامه، وأرجف الناس به إلى أن ملك السلطان مراغة، فأذن له في العود بوفور الحظ من الإنعام.\rقال: ولما انجلى الشتاء رحل السلطان نحو أذربيجان، فلما أشرف على دقوقا صعد أهلها السور وشتموه، لما بلغهم من شنه الغارات على بلاد الديوان، فغاظه ذلك وأمر بالزحف عليها، فلم تكن إلا حملة واحدة حتى ملكوا البلد ووضعوا السيف في أهلها. ثم اسر نحو أذربيجان. فلما حاذى جبال همذان أتاه إيغان طايسي من أذربيجان، وانتظم في الخدمة.\rملكه أذربيجان ومراغة\rقال: ولما انتظم أيغان طايسي في الخدمة رحل السلطان صوب أذربيجان، فلما قاربها ورد على شرف الملك كتب من أهل مراغة، حاثين عزائم السلطان بالمسير إليها لضعف الأتابك صاحبها عن دفع الكرج. فساق إليها ودخلها من غير مدافع، وأقام بها أياما. ووجه من هناك القاضي مجير الدين عمر بن أسعد الخوارزمي رسولا إلى ملك الروم وملك الشام ومصر بكتب تتضمن تملكه بلاد أذربيجان وقلعه ما تشبثت بها من أنياب الكرج، وإعلامهم أنه نوى أن يغزو الكرج. ثم رحل من مراغة صوب أذربيجان، وهي أرض معشبة ذات مياه جارية، وقد خرب التتار مدينتها، فأقام بها أياما والناس يمتارون من تبريز وبها بنت طغرل بن أرسلان زوجة الأتابك أزبك، فلم يمنعوهم. وجاءه من أهل تبريز من أطمعه في ملكها، فسار نحوها، وأحاط بها من كل جانب، فخرج إليه الرئيس نظام الدين ابن أخي شمس الدين الطغرائي، وكان متحكما فيها، يملك رقاب أهلها موالاة له ولأسلافه. وتقدم إلى الأمراء بترتيب آلات الحصار من المجانيق والدبابات والسلاليم، فأخذوا في ترتيب ذلك. فلما كان بعد سبعة أيام خرج إليه رسول من جهة بنت السلطان طغرل في طلب الأمان لها ولجواريها وخدمها، على أموالهم ودمائهم، وعلى أن تكون مدينة خوى مفردة باسمها. فأجاب إلى ذلك، وتسلم تبريز، وذلك في سنة اثنتين وعشرين وستماية، وسير معها خادميه تاج الدين قليج وبدر الدين هلال، فأوصلاها إليها بمن معها من أتباعها. وولى السلطان رياسة تبريز للرئيس نظام الدين.\rكسر السلطان الكرج","part":7,"page":369},{"id":3380,"text":"قال: ولما ملك السلطان أذربيجان اجتمع الكرج بموضع يعرف بكربى - من حدود دوين - في ستين ألفا، وقد قلقوا لمجاورته، وقصدوا باجتماعهم أعلامه بما هم عليه من الكثرة والقوة، لعله يرغب في مهادنتهم. فلما بلغ السلطان اجتماعهم توجه نحوهم فيمن حضر من عساكره، وقد كان أكثرهم تفرقوا إلى إقطاعاتهم بالعراق وغيره. فحين وصل إلى شاطئ نهر أرس، وجد هناك أمراء الترك ومقدمهم جهان بهلوان ايلجي، فأعلموه بأن العدو بالقرب منهم، وأن فيهم كثرة، فكان جوابه عن ذلك عبوره إلى المخاضة بفرسه، وتبعته العساكر. فلما انتهى إلى كربى رأى الكرج وقد نزلوا على نشزعال، فلم يتقدموا، إليه وبات ليلته وعليه الحرس حتى الصباح، وقال لأصحابه: إن هؤلاء قصدهم المطاولة. وأمر بالحملة عليهم من كل جهة، فحملوا عليهم صاعدين إليهم، فبادرت ميسرة السلطان بالصعود، وفيهم غياث الدين أخوه وأورخان وأيغان طايسي وغيرهم، فحمل عليهم شلوة - وكان من فرسان الكرج المشهورين - والتقى الفريقان برأس الجبل، فولت الكرج، وقتل منهم زهاء أربعة آلاف، ووقف السلطان على التل، والكرج تساق إليه، وتبع المسلمون من انهزم من الكرج. قال المنشى: حكى شمس الدين القمى، وكان من حجاب الأتابك أربك - قال: أرسلني صاحبي إلى الكرج أيام استيلائهم، فخاضنني شلوة في الكلام، حتى قال وددت أن يكون على - يعني أبي طالب رضي الله عنه - باقيا في زماني، لأريه من سطوتي ما ينسى يومي بدر وحنين فلما كان في هذه الوقعة نزل إلى الأرض ولطخ وجهه بالدم، ونام بين القتلى. فحدث ابن داية غياث الدين وهو صبي به، فأخرجه وأحضره إلى السلطان مكتوفا فأمنه. قال: ووجه السلطان ملك الخواص تاج الدين قليج إلى تبريز بجماعة من أمرائهم الأسرى ورؤوس القتلى. وساق من المعركة إلى مدينة دوين فزحف عليها وافتتحها في الوقت.\r؟عوده من دوين إلى تبريز وتركه الميمنة ببلاد الكرج\rقال: لما حصل للسلطان ما ذكرناه من النصر والظفر والفتوح، بث غيارته إلى أخريات بلاد أبخاز وفي نفسه قصد تفليس، فورد عليه كتاب من شرف الملك بتبريز يذكر فيه أن شمس الدين الطغرائي وابن أخيه الرئيس نظام الدين قد تآمرا على الفتك به والعصيان على السلطان، وكان ذلك إفكاً وزوراً وكذباً، افتراه من كان يلوذ بشرف الملك من نوابه وخواصه. وذلك أن الطغرائي كان دينا، منصفا، حسن السيرة، ذابا عن الرعية، لا يمكن من الحيف عليهم، تارة بالشفاعة، وطورا بالتوبيخ والتشنيع؛ ونواب شرف الملك يكرهون ذلك. فلما وقف على الكتاب عزم على العود إلى تبريز، وأحضر أمراء الميمنة بباب سرادقه، وخرج إليهم بعض الحجاب، وقال: السلطان يقول لكم: إنا قد تحققنا تقصيركم في المصاف، واتفاقكم على أن تولوا وجوهكم إن حمل الكرج عليكم، وحيث وهب الله لنا النصر والظفر، فقد عفونا عنكم ما تحققناه، على أن تقيموا ببلادها فتقلبوها بغاراتكم ظهراً لبطن إلى أن تعود إليكم. فضمنوا له ذلك، وأقاموا ثلاثة أشهر يشنون عليها الغارات إلى أن أخلوها قتلا وسبيا، ورخصت المماليك الكرجية، حتى أن المملوك منها يباع بدينارين أو ثلاثة.","part":7,"page":370},{"id":3381,"text":"قال: ورجع السلطان إلى تبريز، وكان رجوعه في شهر رجب سنة اثنتين وعشرين وستماية، وأحضر شرف الملك إلى بين يديه من الأوباش من شهد على الطغرائي وابن أخيه بما كان أنهاه عنهما. فأمر بالقبض عليهما. فأما الرئيس فقتل في الوقت وترك بالشارع طريحا، وأما الطغراني فحبس وصودر على ما ينيف على ماية ألف دينار كان الذي وصل منها إلى الخزانة السلطانية دون الثلاثين ألفا، ثم حمل من تبريز إلى مراغة محتاطا عليه. هذا وشرف الملك يعمل الحيلة على قتله حتى أخذ خاتم السلطان بذلك، وأراد الله تعالى إبقاءه فضن النائب بمراغة بقتله، فأعانه بالخيل وهربا جميعا وسارا إلى أربل ومنها إلى بغداد. وحج في سنة خمس وعشرين فلما ازدحم الناس حول الكعبة وقف تحت الميزاب وعلى رأسه مصحف، والحاج من الأقاليم وقوفا، والذي كان يتولى ركب السلطان فيهم، وقال: أيها الناس، قد أجمع المسلمون كافة أن ليس لله في أرضه مقام أشرف من هذا المقام، ولا يوم أجل من هذا اليوم، ولا كتاب أعظم من هذا الكتاب، وأنا حالف بهذه الثلاثة أن الذي نسبني إليه شرف الملك ما كان إلا إفكا مفترى. وغلظ بما تغلظ به إيمان البيعة في البراءة، وتفرق الناس إلى بلادهم وتحدث بذلك كل طائفة. وتواترت به الأخبار على السلطان، فعلم عند ذلك براءته، وندم على فعله، وأمنه وأعاده إلى تبريز، ورد عليه أملاكه هذا ما كان من أمره.\rقال: وأقام السلطان بتبريز، فصام بها شهر رمضان، وأمر بمنبر فوضع بدار السلطنة، ونص على ثلاثين من علماء الأطراف وفضلائها، وقد حضروا لحاجاتهم، فوعظ كل واحد منهم يوما والسلطان لجانب المنبر، فشكر منهم من وعظ وقال حقا، وذم من بالغ في الإطراء.\rملك السلطان كنجة\rوسائر بلاد أران قال: ولما استقر السلطان بتبريز بعد انصرافه من الكرج، وجه أورخان في رجالة إلى كنجة، فتسلمها وما يضاف إليها من الكور، مثل بيلقان وبرذعة وسكور وشيز فتمكن أورخان بكنجة.\rنكاح السلطان بنت طغرل\rبن أرسلان قال: وورد على السلطان نساء من قبل بنت طغرل بن أرسلان وهو بتبريز، يعلمن السلطان برغبتها في أن يملكها، ويعلن أنها أثبتت بالشهود أنها مطلقة من زوجها الأتابك أزبك، فأجابها إلى ذلك وشهد لها أن زوجها حلف بطلاقها أن لا يغدر بفلان وغدر به، وحكم بذلك قاضي تبريز عز الدين القزويني. فتزوج بها السلطان جلال الدين وسار بعد عقد النكاح إلى خوى ودخل بها، وزادها على خوى مدينتي سلماس وأرمية بأعمالهما. قال: وكان الأتابك بقلعة ألنجة من أعمال نخجوان يسمع باستيلاء السلطان على بلاده، فلم يزد على قوله: إن الأرض لله يورثها من يشاء؛ فلما بلغه أمر النكاح وأنه برغبة الملكة، حم لوقته ومات بعد أيام.\rعوده إلى بلد الكرج وفتحه تفليس\rقال: ثم سار السلطان بعد عيد الفطر من سنة اثنتين وعشرين وستماية إلى غزو الكرج فلما وصل إلى نهر أرس مرض مرضا شديدا تعذرت بسببه حركته، فشتا هنالك، وقاسى من معه من شدة الثلوج أمرا عظيما. فلما انكشف الشتاء، تقدم السلطان إلى مروج تفليس، وجر العساكر إليها متجردة عن أثقالها، فوجدها منيعة حصينة، قد بنى معظم سورها على الجبال والشقفان. فخرج عامة أهلها فتأخر الجيش حتى أبعدهم عن المدينة، وحملوا عليهم حملة كان فيها بوارهم، وسبقهم إلى الباب غياث الدين، فملكت المدينة، وتحكمت السيوف في أهلها، وقتل من بها من الكرج والأرمن، وتحصن أجناد الكرج بالقلعة - وبينها وبين المدينة نهر عظيم لا يخاض - . وكان بينهما جسران من الخشب فأحرقا، فلم يبت السلطان حتى عبر النهر إلى صوب القلعة، وأمر بنصب آلات الحصار، فخرج رسول الكرج في طلب الأمان، فأجاب السلطان إلى ذلك، وتسلمها بما فيها.\rالمصاف الكائن بينه وبين التتار بظاهر أصفهان","part":7,"page":371},{"id":3382,"text":"وفي سنة أربع وعشرين وستماية وردت الأخبار من خراسان بحركة التتار، وأنهم على عزم العبور، فجمع السلطان عساكره وتوجه إلى أصفهان، وجرد أربعة آلاف فارس صوب الري ودامغان لليزك، فكانت الأخبار ترد من جهتهم يوما فيوما؛ والتتار يتقدمون واليزك يتأخر، إلى أن عادوا إلى السلطان. ونزل التتار شرقي أصفهان على مسيرة يوم بقرية تسمى السين وفيهم تاجن نوين وبانك نوين وباقو نوين وأسن طغان نوين وياتماس نوين وباشاور نوين وغيرهم. وكان المنجمون أشاروا على السلطان بمصابرتهم ثلاثة أيام والتقائهم في اليوم الرابع، فتأخر عن الملتقى وظن التتار أن ذلك فشلا منه ووهنا، فجردوا ألفي فارس إلى جبال بلاد اللؤلؤ للإغارة. فاختار السلطان من عسكره ثلاثة آلاف، فأخذوا عليهم المضايق وأوقعوا بهم، وأحضروا منهم إلى السلطان زهاء أربعماية أسير، فأمر بضرب أعناقهم. ثم خرج للقاء التتار فلما تراى الجمعان خذله غياث الدين وفارقه بعسكره وطائفة من عسكر السلطان مقدمهم جهان بهلوان أيلحى، فلم يعبأ السلطان بمفارقتهم، وصمم على لقاء التتار، فالتقوا واقتتلوا، وحملت ميمنة السلطان على ميسرة التتار فانهزموا وركبهم السيف إلى تخوم قاشان، وهم يظنون أن الميسرة فعلت بالميمنة كذلك.\rوكان للتتار كمين، فخرج وقد جنحت الشمس للغروب على ميسرة السلطان، فضربها على القلب، فثبت الأمراء والخانات أصحاب السلطان حتى قتلوا، ولم يسلم منهم إلا ثلاثة وهم كوج تكين بهلوان والحاجب الخاص خان بردى وأودك أمير أخور. وأسر علاء الدولة أبا خان صاحب يزد، أخذه رجل من المرتدة، فأعطاه ما كان معه من المال، فأطلقه فوقع بالليل في بئر فمات. ووقف السلطان في القلب وقد أحاطت به التتار من كل جانب، ولم يبق معه إلا أربعة عشر من خواص مماليكه، فالتفت فإذا هو بحامل سنجقه قد ولى منهزما، وطعنه فقتله، وحمل على التتار، فأفرجوا له ولخواصه، فخرج. قال: ثم تفرق القلب والميسرة وطرحتهم الجفلة إلى كرمان وأذربيجان، ومنهم من دخل إلى أصفهان. وعادت الميمنة بعد يومين من جهة قاشان، وظنوا أن السلطان بأصفهان، فلما تحققوا الحال تسحبوا.\rقال: وخفى أمر السلطان ثمانية أيام، وكان المصاف في الثاني والعشرين من شهر رمضان سنة خمس وعشرين وستماية. وكان الأتابك إيغان طايسي لم يخرج من أصفهان يوم المصاف لمرضه، فاتفق القاضي ومن تخلف بها من أرباب الدولة على أنهم إن صلوا العيد ولم يظهر السلطان أجلسوه على سرير الملك، فلما خرج الناس لصلاة العيد حضر السلطان إلى الصلاة، فسر الناس به وأقام بها عدة أيام إلى أن تجمع ما تشتت من عساكره المتفرقة.\rوأما التتار فإن السيوف نالت منهم منالا عظيما، ولم يخلص منهم - مع انتصارهم - إلى ما وراء جيحون إلا قليل؛ فإن السلطان لما تجمعت عساكره سار في آثارهم إلى الري. وحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل أن ابن جنكزخان أرسل إلى السلطان إثر هذه الوقعة يقول: إن هؤلاء ليسوا منا.\rما آل إليه أمر غياث الدين\rقال: وأما غياث الدين، فإنه لما فارق السلطان عند لقاء التتار، سار إلى خوزستان، وأرسل وزيره كريم الشرق إلى الديوان العزيز معلما بمفارقته لأخيه، ويذكر أنه قد جاور الممالك الديوانية زمانا بالعراق فأحسن الجوار، إلى أن حضر أخوه من الهند فشن الغارات عليها وقلبها بطنا لظهر وسأل أن يعان على استرجاع ما غصبه جلال الدين من ملكه، ويكون من جملة غلمان الديوان، فأعيد رسوله بوعد جميل، وأنعم عليه بثلاثين ألف دينار. ثم تسحب غياث الدين إلى ألموت لما بلغه ظهور السلطان.","part":7,"page":372},{"id":3383,"text":"قال: ولما وصل السلطان إلى الري مقتفيا آثار التتار بعد الوقعة، ففرق عساكره بتخوم ألموت من حدود الري إلى أبخاز فصار علاء الدين صاحب ألموت كالمجنون، فراسل السلطان يلتمس الأمان لأخيه غياث الدين ليعود إلى الخدمة، فأجابه إلى ذلك وحلف له؛ وأصحب رسوله رسولين من عنده إلى غياث الدين وهما تاج الملك نجيب الدين يعقوب الخوارزمي وجمال الدين فرج الطشتدار. فلما وصلا إلى غياث الدين ندم على طلبه الأمان، وسأل صاحب ألموت أن يعينه بما يحمله هو ومن معه، فأعانه بثلثماية فرس أو أربعماية، فخرج ووقعت عليه طائفة من العساكر المركزة حول ألموت فلحقوه بحدود همذان وكادوا يمسكونه، ثم خلص منهم ونجا إلى كرمان - وبها الحاجب براق نائبه - فسار إليه طمعا في وفائه. فأول ما اعتمده معه أنه تزوج بوالدته على كره منها ومنه. ثم ذكر بعد ذلك أنها قصدت أن تسقيه سما فقتلها وقتل معها الوزير كريم الشرق وجهان بهلوان إيلجي، وحبس غياث الدين ببعض القلاع، واختلفت الأقاويل في عاقبة أمره، فقيل إن براقا قتله بعد حين وقيل إنه تخلص من الحبس إلى أصفهان وقتل فيها بأمر السلطان والله أعلم.\rمسير السلطان إلى خلاط ومحاصرتها\rقال: وسار السلطان إلى خلاط وكان قدم العساكر والأثقال كلها، وتوجه هو جريدة في ألف فارس صوب نخجوان وحث السير إلى ناحية بجنى وكمن بها ليلا حتى إذا أصبحت رعية الكرج، وسرحوا بمواشيهم على عادتهم، ضرب عليها وساقها إلى نخجوان، فكان الثور الجيد يباع بدينار. وكان سبب مسيره إلى نخجوان رغبة صاحبتها في الاتصال به، فتزوجها وأقام بها أياما، ثم سار حتى أتى خلاط، وقد سبقته العساكر إلى تخومها، وأقامت على مسيرة يوم منها. فلما وصل إليهم ورد عليه رسول من عز الدين أيبك نائب السلطان الملك الأشرف موسى بها، يذكر أن السلطان استنابه، وقبض على الحاجب لإساءته وتطرقه إلى بلاد السلطان جلال الدين وأنه من جملة نوابه، وبالغ في الملاطفة. فأجابه السلطان عن ذلك بجواب مغالط، وقال: إن كنت تقصد رضاي فابعث إلي بالحاجب علي. فلما عاد الرسول بهذا الجواب قتل الحاجب علي، ورحل السلطان، ونزل على خلاط وحاصرها ونصب عليها اثني عشر منجنيقاً كانت العمالة منها ثمانية.\rالحوادث في مدة حصار خلاط\rكان من ذلك وصول ركن الدين جهان شاه صاحب أرزن الروم، فتلقاه السلطان أحسن لقاء. وقدم المذكور إلى السلطان ما قميته عشرة آلاف دينار، وخلع السلطان عليه وعلى أصحابه وأعاده إلى بلده. وأمره أن يجهز إليه ما يمكنه من آلات الحصار، فسير منجنيقاً كبيرا وأتراسا ونشابا وغير ذلك.\rومنها أن خان سلطان أخت السلطان التي كانت أسرت مع تركان خاتون، واستخصها دوشى خاتون بن جنكزخان لنفسه على ما قدمناه، وصل رسولها إلى السلطان بخاتم كان لإبنها أمارة، وهي تذكر أن الخاقان قد أمر بتعليم أولادها القرآن، وقد بلغه أخبار شوكتك وعزم على مصاهرتك والمهادنة معك، على أن تشاطره الملك على نهر جيحون، فيكون لك ما دونه وله ما وراءه، فان كانت تجد من قوتك ما تقاومهم وتنتقم منهم فشأنك وما أردت، وإلا فاغتنم السلامة والمسالمة حال رغبتهم فيها. فتشاغل عنها بخلاط ولم يعد عليها جوابا يقتضي الصلح.\rومنها ورود سعد الدين الحاجب رسولا من الديوان العزيز إلى السلطان يلتمس أشياء، منها أنه يستصحب معه رسولا من أجلاء أصحاب السلطان وخواص حضرته ليعود بالخلع؛ ومنها أن السلطان لا يحكم على بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ومظفر الدين كوكبري صاحب أربل وشهاب الدين سليمان شاه ملك الأبويه وعماد الدين بهلوان بن هزارسف ملك الجبال، بل يعدهم في جملة أولياء الديوان وأتباعه وخدمه وأشياعه.\rومن جملتها أن السلطان علاء الدين لما رجع من جبال همذان ولم يتم له ما نواه من قصد بغداد، أسقط خطبة الخليفة بعامة ممالكه، واستمر الحال على ذلك. فلما خاطبه رسول الديوان في ذلك أصدر تواقيعه إلى عامة بلاده بالخطبة لأمير المؤمنين المستنصر بالله أبي جعفر.\rمسير رسول السلطان إلى الديوان العزيز واجتماعه بالخليفة وما اتفق له وعوده بالخلع والتشاريف","part":7,"page":373},{"id":3384,"text":"قال شهاب الدين محمد المنشى وهو كاتب السلطان جلال الدين: لما انقضت أشغال رسول الخليفة سعد الدين بن الحاجب أعاده السلطان وأصحبه الحاجب الخاص بدر الدين طولق. وكتب السلطان إلى أمير المؤمنين يسأله أن يحضر بين يدي المواقف الشريفة، تميزا له على سائر الملوك بمزيد الإكرام، فأجيب إلى ذلك. قال المنشى: حدثني الحاجب الخاص قال: كان السلطان أمرني أني إذا حضرت إلى الديوان لا أقبل يد الوزير بدر الدين القمي ولا أوفيه حق العظيم لأمور كان ينقمها عليه، ففعلت ذلك امتثالا لما أمر. فلما مضت أيام فإذا بحراقة في بعض العشيات وصلت إلى منزلي بحافة دجلة، ودخل على سعد الدين الحاجب، وقال: استعد لخدمة أمير المؤمنين. فركبت الحراقة وركبها سعد الدين معي، فتكلم الملاح بكلمات غريبة لم أفهمها؛ فقفز سعد الدين من الحراقة إلى أخرى بجنبها وتركني منفردا فيها، فسألته عن ذلك، فقال: ما كنت أعرف أن تلك من المراكب الخاصة، وقد سيروها لك تشريفا، فقمت وخدمته وشكرت ودعوت، وسقنا إلى أن وصلنا إلى باب كبير، فدخلت وتأخر سعد الدين ولم يتغير من هناك. فقلت: لم لا تدخل ؟ فقال: وما منا إلا له مقام معلوم، ليس لي أن أتعدى هذا المقام. وكان خلف الباب خادم، فأوصلني إلى باب آخر وطرق الباب، ففتح فدخلت وإذا بخادم شيخ جالس على دكة وبين يديه مصحف وشمعة، فأجلسني ورحب بي إلى أن جاء خادم آخر أبيض حسن الصورة فصافحني ولاطفني بالعجمي وأخذ بيدي وأوصاني بتعظيم المواقف الشريفة، وحسن الأدب وتقبيل الأرض حيث يشير إلي. فذكر ما اتفق له إلى أن انتهى إلي الستر والوزير قائم فأمر بالوقوف بالقرب من الوزير، ثم قال له أمير المؤمنين: كيف الجناب العالي الشاهنشاهي - وهكذا كان يخاطب في الكتب - ثم وعده بمواعيد جميلة في حق السلطان، وأنه يقدمه على سائر ملوك زمانه، وخلع عليه وأعيد؛ وأصحب بالأمير فلك الدين ابن سنقر الطويل وسعد الدين بن الحاجب، ومعهما خلعة للسلطنة؛ فوصلوا إلى خلاط في فصل الشتاء، والسلطان يحاصرها.\rقال: وكان الذي استصحبوه من الأنعام والخلع خلعتين للسلطان إحداهما حبة وعمامة وسيف هندي مرصع النجاد والثانية قباء وكمة فرجية وسيف قلاجوري محلى بالذهب معرقه الحياصة بالدنانير، وقلادة مرصعة يمنية، وفرسان بالساحات والسرفسارات والطوق أثقل ما يكون وأبهى، وثمان تطبيقات طبقت حوافرها عند التسليم وزن كل تطبيقة منها مائة دينار، وترس ذهب مرصع بنفائس الجواهر، وثلاثون فرسا من الخيل العربية مجللة بالأطلس الرومي مبطنة الجلال بالأطلس البغدادي وعلى رأس كل جنيب مقود من الحرير وقد ضرب عليه ستون دينارا خليفتية؛ وثلاثون أو عشرون مملوكا بالعدة والمركوب، وعشرة فهود بجلال الأطلس وقلائد الذهب، وعشرة صقور مكللة الكمام بصغار الحب، ومائة وخمسون بقجة في كل واحدة عشرة ثياب وخمسة أكر من العنبر الأشهب مضلعة بالذهب، وشجرة عود طولها خمسة أذرع أو ستة تحمل بين يدي رجلين، وأربع عشرة خلعة برسم الخانات كلها بالخيل والساجات والكرفسارات والطوق وحوائص الذهب والكنابيش؛ وثلثمائة خلعة برسم الأمراء، كل خلعة قباء وكمة فحسب. وكانت خلعة شرف الملك الوزير عمامة سوداء وقبساء وفرجية وسيفا هنديا وأكرتين من العنبر وخمسين ثوبا وبغلة. وعشرون خلعة برسم أصحاب الديوان كل خلعة منها جبة وعمامة. قال المنشى: وخصصت من سائر أرباب الديوان ببغلة شهباء جيدة وعشرين ثوبا أكثرها أطلس رومي وبغدادي.","part":7,"page":374},{"id":3385,"text":"قال: فلبس السلطان الخلع خلعة بعد أخرى في نهار واحد ولبس الناس بعده. ثم خاطب رسولا الخليفة السلطان في الشفاعة في أمر خلاط. وترك الحصار فلم يرد عليهما جواب شفاعتهما. ثم بعث إليهما بعد عودهما إلى منزلهما معاتبا، وقال: قد بلغتماني عن أمير المؤمنين أنه يريد إعلاء أمري وتعظيم شأني وتحكيمي على ملوك الزمان ثم تشيران علي بإزالة الحصار بعد أن آن الفتح ؟ وهذا ينافي ما ذكرتما، فاعتذار، وقالا: إنما قلنا ذلك شفقة، وخشينا أن يطول الحصار، ولا تتمكن منها فترجع عنها، فيكون ذلك بوساطتنا أسلم من مطاعن المستعجزين فقبل عذرهما، واستمر الحصار. وكان أهل خلاط قد كفوا عن الشتم في أيام حضور رسل الخلافة فلما تحققوا أنهم ما شفعوا عادوا إلى عادتهم في السب والشتم. ثم وردت عليه رسل الملوك، كالملك المسعود صاحب آمد والملك المنصور صاحب ماردين يبذلان الطاعة، فكتب إليهما بالخطبة له في بلادهما.\rومما اتفق له أن امرأة عجوزا أتته وهي من دهاة الأرض تتكلم بثلاث لغات: الفارسية والتركية والأرمينية، وكان مضمون رسالتها أن ركن الدين العجمي - وهو من ذوي الحظ عند الملك الأشرف - استدعى من السلطان خمسة آلاف دينار يفرقها في الأجناد بخلاط فتجلب أهواءهم وتسلم للسلطان خلاط. فدفع السلطان لها ألف دينار وقال: إذا ثبت صدقك وعدت برسالة ثانية كملت لك المال، وكانت الرسالة غير صحيحة، فشاع الخبر في العسكر حتى بلغ عز الدين أيبك فقتل ركن الدين، ثم ظفر السلطان بالعجوز بعد فتح خلاط. واستعاد الذهب منها وقد صرفت منه ثلثماية دينار، وأمر بقتلها فقتلت.\rملكه مدينة خلاط\rقال: وملك السلطان جلال الدين خلاط في أواخر سنة ست وعشرين وستماية وقيل إنه حاصرها في أوائل سنة ست وعشرين وملكها يوم الأحد لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين قال: ولما طالت مدة الحصار وعدمت الأقوات حتى أكل الناس الكلاب والسنانير، أدلى الأمير إسمعيل الإيواني بعض أصحابه ليلا من السور؛ فحضر إلى السلطان وأعلمه أن اسمعيل يلتمس من السلطان أن يعين له أقطاعا بأذربيجان ليسلم المدينة، فأقطعه السلطان سلماس وعدة ضياع بأذربيجان، وحلف له على تقريرها بيده ولبس الناس لامة حربهم وأدلى إسمعيل الحبال ليلا، فطلعت أعلام السلطان مع رجاله، واستعد الناس للزحف. فلما أصبحوا زحفوا على الثلمة فقاتل من بخلاط من بقايا الأجناد القيمرية قتالا شديدا، ثم نظروا إلى الأبراج وإذا أكثرها قد مليت بالرجال والأعلام السلطانية فزحف عليهم من بالأبراج فولوا منهزمين، وأسرت الأمراء القيمرية والأسد بن عبد الله وغيرهم، وتحصن عز الدين أيبك ومجير الدين وتقي الدين ابنا الملك العادل بن أبي بكر ابن أيوب بالقلعة. وأراد السلطان أن يحمي خلاط من النهب فغلبوا على رأيه فيها، فأباحها ثلاثة أيام، ومات جماعة كثيرة من أهلها بالعقوبات في طلب الأموال. ثم نزل تقي الدين وناصر الدين القيمري وطلبا الأمان لعز الدين أيبك، فأمنه، ونزل إليه هو ومجير الدين ثم قبض السلطان بعد ذلك على عز الدين وحبسه وترددت رسل الملك الأشرف في الصلح فأمر السلطان بقتل عز الدين أيبك في محبسه فقتل. قال: وما ملك السلطان خلاط أمر بعمارة ما هدمته المجانيق منها فعمر وأقطع كورها للخانات والأمراء، ثم وردت رسل الديوان بالشفاعة في تقي الدين ومجير الدين، فسلم السلطان تقي الدين خاصة.\rمسيره إلى بلد الروم وانهزامه من عسكري الشام والروم\rقال: ولما ملك السلطان خلاط سار منها إلى منازجرد ليرتب الحصار، فوصل إليه ركن الدين جهان شاه بن طغرل صاحب أرزن الروم نائبا، وأعلم السلطان باتفاق ملوك الشام والروم عليه وقال: إن الرأي أن تبادرهم قبل أن يجتمعوا فصوب السلطان رأيه، وعرف نصيحته، فاتفقا على أن يقيما بخرت برت وينظرا حركة العساكر، فأيهما تحرك أولا ساقا إليه قبل اتصاله بصاحبه.","part":7,"page":375},{"id":3386,"text":"فلما وصل السلطان إلى خرت برت مرض مرضا شديدا يئس منه من الحياة، وتواترت كتب ركن الدين صاحب أرزن الروم يحرضه على الحركة، ويعلمه بحركة العسكر، والسلطان في شغل بنفسه عن قراءتها. فحين خف عنه المرض ركب بعد اجتماعهما، وكان قد أذن لبعض العساكر الأرانية والأذربيجانية والعراقية والمازدندانية في العود إلى أوطانهم، ولم يستحضرهم وسار، وجرد أمامه أوترخان في ألفي فارس برسم اليزك. ثم التقى الجمعان بعد ذلك واقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الهزيمة على أصحاب السلطان، وأسر ألغ خان وأطلس ملك وعدة من المفاردة؛ فأمر صاحب الروم بضرب أعناقهم. وأسر ركن الدين صاحب أرزن الروم على ما ذكرناه في أخبار السلجقية ملوك الروم.\rقال: وسار السلطان جلال الدين إلى أن وصل إلى منازجرد، فوجد وزيره شرف الملك قد ضايقها ونصب عليها عدة من المجانيق وأشرف على فتحها، فاستصحبه معه إلى خلاط، فلما وافاها حمل ما أمكنه من الخزائن، وأحرق البقية لقلة الظهر وضيق الوقت وفارقها إلى أذربيجان. فلما وصل إلى سكماناباذ، خلف شرف الملك ومن كان معه من العراقيين هناك برسم اليزك، وأقام بخوى. وأما أصحاب السلطان الذين كانوا بزكا، فإن الهزيمة استمرت بهم إلى موقان. قال: ولما بلغ الملك الأشرف أن شرف الملك هو المقيم بسكماناباذ راسله في طلب الصلح، وقال: إن سلطانك هو سلطان الإسلام والمسلمين وسيدهم، والحجاب دونهم ودون التتار؛ وغير خاف علينا ما تم على حوزة الإسلام وبيضة الدين بموت والده، ونحن نعلم أن ضعفه ضعف الإسلام. وطلب منه أن يرغبه في الألفة وضمن له من علاء الدين كيقباذ والملك الكامل أخيه، والقيام بما يزيل عارض الوحشة؛ فركن السلطان إلى ذلك، وترددت الرسائل إلى أن تم الصلح.\rوصول مقدمة التتار إلى تخوم أذربيجان\rورحيل السلطان من تبريز إلى موقان قال: كان السلطان قد جرد يرغو أحد بهلوانيته ليكشف بالعراق أخبار التتار فلما وصل إلى مرج شروان بين زنجان وأبهر صادق يزك التتار، وكان معه من أصحابه أربعة عشر نفسا فلم ينج منهم غيره، فرجع إلى تبريز بالخبر المزعج. فرحل السلطان من تبريز إلى موقان، إذ كانت عساكره بها متفرقة في مشاتيها، فأعجلته الحادثة قبل أن ينظر في أمر حرمه فيسيرها إلى قلعة حصينة من حصونه، فخلفها بتبريز، وسار فيمن معه من خواصه متوجها إلى موقان، حاثا في السير ليجمع بها متفرق عساكره. فوصلها فوجد عساكره متفرقة، منهم من أقام بها ومنهم من توجه ليشتي بشروان، ومنهم من امتد إلى المكتور. فوجه إليهم البهلوانية بقداح كانت علامات الاستقرار والاستحضار وقد هجم التتار عليهم قبل اجتماعهم وانتقض هذا النظام.\rكبسة التتار السلطان وهو بحد شيركبوت\rقال: لما انفصلت البهلوانية لجمع العساكر اشتغل السلطان بالصيد وهو في قل من العدد زهاء ألف فارس من خواصه، فترك ليلة بقرب شيركبوت، وهي قلعة مبنية على تل بموقان، يحيط بها خندق بعيد القعر، متصل متسع العرض، ينبع الماء منه فيفيض فيسقي البلد. فبينما هو بتلك المنزلة كبسه التتار ليلا فانهزم وساقوا في أثره. فلما وصل إلى نهر آرس أوهم التتار أن قطع النهر صوب كنجة وعطف إلى أذربيجان، فأقام بماهان، وهي فضاء كثيرة الصيد فشتا بها. وكان عز الدين صاحب قلعة شاهق يبعث إلى السلطان ما يحتاج إليه من المأكل وغيره في المراكب. وقد كان قبل ذلك يجاهره بالعداوة، فرضي عنه السلطان كل الرضى، وكان عز الدين يعلم بأخبار التتار فلما انقضى الشتاء أخبره أن التتار قد ركبوا من أوجان لقصده، وأنهم تحققوا مكانه؛ وأشار إليه بالعود إلى أران فرحل صوبها.\rالقبض على شرف الملك وزير السلطان وقتله","part":7,"page":376},{"id":3387,"text":"قال المنشى: لما نبت الجفلة بالسلطان شرع شرف الملك في تمهيد القواعد لنفسه، وكاتب الملك الأشرف وغيره من الملوك، وذكر رجوعه عن السلطان، ونعت جلال الدين بالمخذول، وكتب إلى نواب الأطراف في ذلك وذكره في كتبه إليهم بالظالم المخذول؛ وصدر منه من الأفعال ما يناسب ذلك، فظفر السلطان بشيء من هذه الكتب وكتمها؛ لكنه كان يكتب إلى نواب الأطراف يحذرهم منه ومن امتثال أمره، ويغص منه في كتبه. وكان شرف الملك قد استقر بقلعة حيزان وعمرها وصادر أصحاب السلطان، وجاهر بالعداوة، فلما رجع السلطان من ماهان وقارب حيزان، راسله في النزول إليها وتغافل عن جميع ما صدر منه، وأوهمه أنه باق على ما عهده. ونزل شرف الملك إليه فأكرمه بما لم يكن يعامله به قبل ذلك، فإنه أحضره في مجلس شرابه وشرب معه، ولم تكن هذه عادتهم مع وزرائهم، فسر شرف الملك بذلك وظن أنه زاده تقريبا وتعظيما.\rقال: وسار السلطان حتى قارب قلعة جاريبرد - وهي من مضافات أران - وعزم على أن يحبس شرف الملك بها، فركب إليها وصعد لكشفها، وصعد شرف الملك معه، فأمر السلطان واليها سرا - واسمه سملان سلك بك وهو شيخ تركي ظالم شرير - أنه إذا نزل يمنع شرف الملك من النزول ويحبسه بالقلعة ويقيده. وكان يخشى منه أنه يفارقه إلى بعض الجهات فيثير فتنة، وعزم على حبسه إلى أن تخمد فتنة التتار، ثم يخرجه ويعيده إلى الوزارة من غير تقرير عشر البلاد، بل يقرر باسمه في كل شهر ألف دينار أسوة بوزير الخليفة، ولا يطلق يده في الإطلاقات فحبس شرف الملك بالقلعة، ونزل إلى متولي القلعة بعد حبسه بأيام وقد جلس السلطان للمظالم، فكثرت الشكوى في متولي القلعة والسلطان لا يجيب في أمره بشيء تألفا له. فخاف المتولي أن السلطان يعزله، فاتفق مع شرف الملك. وكان السلطان لما اعتقل شرف الملك ضم مماليكه الذين أمرهم إلى أوترخان وكان كبيرهم ناصر الدين قشتمر، فدخل يوما على أوترخان بخاتم شرف الملك وقال إن متولي القلعة سيره إليه يقول: إنني قد واطأت صاحبك على إطلاقه، وأننا نصالح الكرج، فمن رغب منكم في خدمته فليأت القلعة. فلما سمع السلطان بذلك سقط في يده وفت في عضده. وكان ابن المتولي في جملة بهلوانية السلطان وجماقداريته، فبعثه إلى أبيه يقبح عليه فعله ويذكره بإحسانه إليه وأنه ليس لجنايته موجب. فرجع الغلام وأخبر السلطان عن أبيه. أنه على الطاعة إن وثق من السلطان أنه لا يعزله. فقال السلطان مصداق هذا القول أنه يبعث إليه برأس شرف الملك. ووجه صحبة ابن المتولي خمسة من السلحدارية. قال: فلما دخلوا عليه وعلم مقصدهم استمهلهم ريثما يتوضأ ويصلي ركعتين. فلما فرغ من صلاته أذن لهم في الدخول. فقالوا له: ماذا تختار: الخنق أم السيف ؟ فاختار السيف فقالوا: إن الملوك لا تقتل بالسيف، والخنق أهون عليك، فقال: شأنكم وما تريدون. فخنقوه وخرجوا من عنده حتى يبرد ثم يدخلوا عليه فيقطعوا رأسه. فلما دخلوا عليه وجدوه قد أفاق وجلس، فضربوا عنقه. هذا ما نقله شهاب الدين المنشى في سبب قتله.","part":7,"page":377},{"id":3388,"text":"وقال غيره من المؤرخين: إن سبب خلاف شرف الملك على السلطان وانضمام الناس إليه أن جلال الدين ظهر منه في هذه السنة - وهي سنة ثمان وعشرين وستمائة - نقائص وأمور دلت على نقص عقله، وأوجبت انحراف وزيره وعساكره عنه. فمنها أنه كان له خادم خصى يسمى قلج، وكان جلال الدين يحبه، فمات فأظهر عليه من الهلع والجزع ما لم يسمع بمثله، ولا نقل عن مجنون ليلى ولا غيره من جهال العرب، الذين ضرب بهم المثل، وأمر الجند والأمراء أن يمشوا في جنازته رجاله. وكان موته بموضع بينه وبين تبريز عدة فراسخ فمشى الناس كما أمرهم، ومشى هو بعض الطريق راجلا، فألزمه وزيره وأمراؤه بالركوب، وأرسل إلى أهل تبريز أن يتلقوا الجنازة فتلقوها، فأنكر عليهم لتأخرهم وكونهم ما تقدموا الموضع الذي لقوها فيه، وكونهم لم يظهروا من الحزن والبكاء أكثر مما أظهروا، وقصد معاقبتهم على ذلك، فشفع فيهم الأمراء فتركهم ولم يدفن الخادم، وكان يستصحبه معه أين سار وهو يلطم ويبكي، وامتنع من الأكل والشرب. وكان إذا اقدم له طعام يقول: احملوا من هذا إلى قلج، فيحملونه ويعودون فيقولون: هو يقبل الأرض ويقول: إنني الآن أصلح مما كنت، ولا يتجاسر أحد يقول: إنه مات، فإنه قيل له مرة إنه مات فقتل القائل. فحصل لأمرائه من الغيظ والأنفة ما حملهم على الخروج عن طاعته والانحياز عنه والانضمام إلى وزيره؛ فكان ذلك سبب خروجه.\rرحيل السلطان صوب كنجة وتملكها ثانيا\rقال: كان أوباش كنجة قد قتلوا من بها من الخوارزمية وتجاهروا بالفساد، وملك زمام أمرهم رجل يعرف ببندار وأطاعه الأوباش فبسط يده في المصادرات، واقتصرت أذيته على من لم يدخل معه في العتو. فوجه السلطان إليه يدعوه إلى الطاعة، ويحذره ويحذرهما من المخالفة، فلم يجيبوا إلى ذلك. فسار السلطان إليها، ونزل ببعض بساتينها، وترددت الرسائل في بذل الأمان والوعد بالعفو، فلم يجيبوا إلى ذلك، وخرجوا للحرب، ورموا خيمة السلطان بالسهام ووصلوا إلى حائط البستان. فركب فيمن حضر من خواصه، وأوقع بهم، وسار حتى دخل المدينة. وأقام بكنجة سبعة عشر يوما ينتظر ما يسوغه التدبير، ثم أجمع على الاستنجاد بالملك الأشرف موسى على التتار، وكان جماعة من الجبناء يسيرون عليه بذلك وهو يخالفهم باطنا ويوافقهم ظاهرا. فسار إلى خلاط من طريق كيلكون، والغارات تنقلب بلاد الكرج بطنا لظهر، والسلطان يتابع رسله إلى الملك الأشرف يستنجد به. ولما بلغ الملك الأشرف توجه الرسل إليه يستمدونه، توجه إلى مصر واجتمع رسل السلطان بدمشق، والكتب ترد عليهم من الملك الأشرف بأننا واصلون من مصر لإنجاد السلطان.\rمواعيد كما لاح سراب المهمه القفر ... فمن يوم إلى يوم ومن شهر إلى شهر\rثم وردت عليه كتب رسله يؤيسونه من إنجاد الملك الأشرف، فبعث إلى الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل أبي بكر يستصرخه بنفسه، ومن عنده ومن حوله من الملوك، مثل صاحب آمد وماردين. فأجاب الملك المظفر أنه غير مستقل بالأمر وإنما هو ينوب عن إخوته. وأما صاحب آمد وماردين فلم يسمعا الرسالة.\rنزول السلطان بلد آمد وكبس التتار له وما كان من أمره\rقال: لما آيس السلطان جلال الدين من إنجاد الملوك أحضر أمراءه واتفقوا على أن يتركوا أثقالهم بديار بكر، ويتجردوا خفافا بمن يعز عليهم من نسائهم وأولادهم إلى أصفهان. فورد علم الدين سنجر - المعروف بقصب السكر - رسول الملك المسعود صاحب آمد رسالة تشتمل على الطاعة والخدمة، ويزين للسلطان قصد الروم، وأطمعه في الاستيلاء عليها وعدم من ينازعه، ووعد السلطان أن يخرج بنفسه وأربعة آلاف فارس ولا يفارق خدمته. وكان سبب ذلك أن صاحب الروم قد أوغر صدر الملك المسعود صاحب آمد، واستولى على عدة من قلاعه. فمال السلطان إلى كلامه، وعدل عما كان قد عزم عليه من المسير إلى أصفهان، وعطف صوب بلد آمد، ونزل الجسر بقربها. قال: وشرب تلك الليلة حتى سكر، فأتاه وهنا من الليل شخص تركماني وقال: إنني في منزلتك التي كنت بها أمس عسكرا قد نزلها غير ذي عسكرك بخيل أكثرها شهب فكذبوه، وقالوا: هذه حيلة. فلما كان قبيل الفجر، أحاط التتار به وبمن معه، فكانوا كما قيل:\rفمساهم وبسطهم حرير ... وصبحهم وبسطهم تراب\rومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب","part":7,"page":378},{"id":3389,"text":"قال: وأحاط التتار بخركاة السلطان وهو نائم في سكره، وإذا بأورخان قد وصل بأصحابه، وحمل على التتار حتى كشفهم عن الخركاة، ودخل بعض الخواص فأخذ بيد السلطان وأخرجه من الخركاة وعليه طاقية بيضاء. فركب فرسه ولم يذكر في ذلك الوقت إلا الملكة ابنة الأتابك سعد، فجهز في خدمتها من يسوق بها إلى حيث ترميهم الجفلة، وساق وأطلاب التتار تتبعه مجدة في السير خلفه فلما رأى ذلك، أمر أورخان أن يفارقه بمن معه من العسكر ليتبع التتار سواده، ويخلص هو بمفرده، ففعل ذلك.\rقال المنشى: ولقد أخطأ، فإن أورخان لما فارقه انضوى إليه خلق كثير، ووصل إلى أربل ومعه أربعة آلاف فارس، وساق إلى أصفهان وملكها زمنا إلى أن قصدها التتار. وأما السلطان فساق بعد فراقه لأورخان إلى أن وصل إلى باشورة آمد، فرموه بالحجارة ومنعوه الدخول، فتياسر عنها، وانضم إليه تقدمير مائة فارس، فرمته الجفلة بهم إلى حدود جزيرة، وبها الدربندات المنيعة، فمنعوه من العبور، فأشار عليه أوترخان بالعود، وقال: إن أسلم الطرق اليوم طريق سلكه التتار، فرجع ووصل إلى قرية من قرى ميافارقين ونزل ببيدرها وسيب الخيل لتستوفي شبعها، ثم ركب أوترخان وفارقه في ذلك الوقت جبنا منه وخورا، ووثوقا بما كان بينه وبين الملك المظفر شهاب الدين غازي من المكاتبات، وأقام السلطان بالبيدر طول ليلته، فلما أصبح طلع عليه طائفة من التتار فركب وعوجل أكثر من معه عن الركوب فقتل بعضهم وأسر بعضهم. والله أعلم.\rمقتل السلطان جلال الدين وانقراض الدولة الخوارزمية\rكان مقتله رحمه الله في النصف من شوال سنة ثمان وعشرين وستمائة وذلك أنه لما كبسه التتار بالبيدر وركب، أخبرهم من أسر من رفاقه أن الذي انهزم هو السلطان، فجدوا في طلبه وساق خلفه منهم خمسة عشر فارسا، فلحقه منهم فارسان فقتلهما، ويئس الباقون من الظفر به فرجعوا، ثم صعد جلال الدين إلى جبل. وكان الأكراد يحفظون الطرق لما يتخطفونه فأخذوه وسلبوه على عادتهم بمن يظفرون به، وأرادوا قتله فقال لكبيرهم سراً: إنني أنا السلطان فلا تعجل بقتلي، ولك الخيار في أن تحضرني عند الملك المظفر شهاب الدين فيغنيك أو إيصالي إلى بعض بلادي فتصير ملكاً فرغب الرجل في إيصاله إلى بلده، ومشى به إلى عشيرته، وتركه عند امرأته ومضى بنفسه إلى الخيل لإحضار ما يحمله عليه. فلما نوجه الكردي جاء شخص من سفلة الأكراد وأراذلها وبيده حربة، فقال للمرأة: ما هذا الخوارزمي ؟ ولم لا تقتلونه؟ فقالت: قد آمنه زوجي وهو السلطان فقال الكردي: كيف تصدقون أنه السلطان وقد قتل لي بخلاط أخ خير منه وضربه بالحربة ضربة فمات منها. فكانت مدة ملكه منذ وفاة أبيه اثنتي عشرة سنة تقريبا قال: وكان أسمر قصيرا، تركي العبارة. وكان يتكلم بالفارسية، وكان حليما عفيف اللسان لا يكاد يضحك إلا تبسما، وكان يحب العدل. قال المنشى: وكان يكتب إلى الخليفة في مبدأ خروجه من الهند والوحشة قائمة، حذوا على منوال أبيه خادمه المطواع منكوبرتي ابن السلطان سنجر. ولما أتته الخلع الخليفتية بالسلطنة كتب إليه عبده والخطاب: سيدنا ومولانا الخليفة أمير المؤمنين وإمام المسلمين، خليفة رسول رب العالمين، إمام المشارق والمغارب المنيف على الذروة العلياء من لؤي بن غالب. وكان يكتب إلى علاء الدين كيقباذ وملوك مصر والشام أجمع اسمه واسم أبيه منعوتا بالسلطان، ولا يزيدهم على ذلك. وكانت علامته على تواقيعه النصرة من الله وحده، وكان يكاتب بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وأشباهه بهذه العلامة وخوطب من الخليفة في مبدأ طلوعه من الهند: الجناب الرفيع الخاقاني ولم يزل يقترح عليهم أن يخاطب بالسلطان، فلم تحصل الإجابة لذلك إذ لم تجر به عادة، فلما كثر إلحاحه بالجناب العالي الشاهنشاهي.","part":7,"page":379},{"id":3390,"text":"وانقرضت الدولة الخوارزمية بقتل السلطان جلال الدين، وكانت مدة قيام هذه الدولة منذ ولي خوارزم شاه محمد بن أنوشتكين خوارزم من قبل أمير داذ حبشي متولي خراسان في شهر رجب سنة تسعين وأربعماية، وإلى أن قتل السلطان جلال الدين هذا، مائة سنة وثمان وثلاثين سنة وثلاثة أشهر أياما. وعدة من ولي منهم سبعة وهم خوارزم شاه محمد بن أنوشتكين، ثم ابنه اتسز بن محمد، ثم ابنه ايل أرسلان بن اتسز، ثم ابنه سلطان شاه محمود بن ايل أرسلان، - ولم تطل أيامه - ، ثم أخوه علاء الدين تكش، ثم ابنه علاء الدين محمد بن تكش، ثم ابنه جلال الدين منكوبرتي.\rالدولة الجنكزخانية وابتداء أمرها وما تفرع عنها والدولة الجنكزخانية هي دولة التتار وقيل فيهم التاتار، وهذه النسبة إلى جنكزخان التمرجي. ونحن نذكر ملخص أخباره وابتداء ظهوره وما كان من أمره إلى أن ملك البلاد، ونشرح من ذلك ما لخصناه مما طالعناه ونورد ما تلقفناه من أفواه الرجال وسمعناه. ولما اتسعت ممالك هذه الدولة وبعدت، وكانت بين المؤرخين الضالة التي ما نشدت، تعذر علينا أن نتحقق أحوالها، ونجوس خلالها ونستوعب أخبارها، ونستقصي آثارها. ولم يمكن أن نخل بها وقد اشتهرت، ونطوي أخبارها وقد انتشرت، فأوردنا من أخبار ملوكها طرفا على غير مساق، ونبذة على غير اتساق، مما أورده المنشى في تاريخه الجلالي، وعز الدين بن الأثير الجزري في تاريخه الكامل. وأما غيرهما ممن لعله أرخ لهم فلم يصل ما أرخه إلينا، ولا ورد ما دونه من أخبارهم علينا، فنقلنا ما نورده مما لم يتضمن تاريخيهما، وما بعدهما مما نقل إلينا عن رسلهم الذين وردوا إلى أبواب ملوكنا من جهتهم، ومن غيرهم ممن ورد من تلك البلاد على ما سنقف عليه إن شاء الله. ولنبدأ بذكر أخبار جنكزخان.\rجنكزخان التمرجي\rوابتداء أمره وسبب ظهور ملكه وجنكزخان التمرجي هو أصل هذه الدولة، والقائم بأمرها، والناشر لذكرها. وإليه يرجع ساير ملوكها الذين استولوا على أقاصي البلاد وأدانيها، ورقاب العباد ونواصيها من الصين إلى الفرات وما دانا ذلك وتخلله وجاوره من الممالك والمدن والحصون والقلاع والأقطار. وقد اختلف في نسبة جنكزخان إلى التمرجي فقال قوم إنه كان حدادا والتمرجي بلغتهم هو الحداد، وقال قوم بل هي نسبة إلى قبيلة تعرف بالتمرجي، وأنهم سكان البراري ببلاد الصين وجين الصين. وتسمى هذه البلاد بلغتهم جين وماجين بين الجيم والشين. ومسيرة أقطارها ستة أشهر، وبها جبال منيعة تحيط بها كالسور، بها الأنهار العذبة المتسعة، وقيل إنه يحوي ملك الصين سور واحد لا ينقطع إلا عند الجبال المنيعة والأنهار الوسيعة وكان ملك الصين ينقسم قديما إلى ستة أجزاء كل جزء منها مسيرة شهر يتولى أمره خان، والخان بلغتهم الملك، يحكم ذلك الخان على القوم القاطنين بذلك السقع، ومرجع هؤلاء الخانات الستة إلى خان واحد هو ملكهم الأكبر، ومقامه بطوغاج بوسط أرض الصين، وله مصايف ومشاتي يصيف في هذه ويشتي في الأخرى .....\rوأما مبدأ أمر جنكزخان وسبب ملكه فقيل إنه تزهد مدة طويلة وانقطع بالجبال. وكان سبب زهده أنه سأل بعض اليهود فقال له: بم أعطى موسى وعيسى ومحمد هذه المنزلة العظيمة، وشاع لهم هذا الذكر، فقال له اليهودي: لأنهم أحبوا الله وانقطعوا إليه فأعطاهم، فقال جنكزخان: وأنا إذا أحببت الله وانقطعت إليه يعطيني ؟ قال: نعم، وأزيدك أن في كتبنا أن لكم دولة ستظهر فترك جنكزخان ما كان فيه من عمل الحديد أو غيره وتزهد، وفارق قومه وعشيرته، والتحق بالجبال وكان يأكل من المباحات، فشاع ذكره فكانت الطائفة من قبيلته تأتيه للزيارة فلا يكلمهم، ويشير إليهم أن يصفقوا بأكفهم، ويقولوا: يا الله الله يخشى در، فيفعلون ذلك ويوقعون له وهو يرقص، فكان هذا دأبه وطريقته مع من يقصده للزيارة، وهو مع ذلك لا يدين لديانة ولا يرجع إلى ملة بل مجرد محبة الله بزعمه، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث فهذه كانت بدايته.","part":7,"page":380},{"id":3391,"text":"وأما سبب ملكه فحكى شهاب الدين محمد المنشى وغيره في سبب ملك جنكزخان أنه كان من جملة الستة خانات الذين يحكمون على مملكة الصين خان يسمى دوشي خان. وكان الخان الكبير الذي مرجع الستة إليه في زمن ظهور جنكزخان التمرجي ملك اسمه الطون خان فاتفقت وفاة دوشي خان أحد الخانات الستة ولم يخلف ولدا، وله زوجة هي عمة جنكزخان التمرجي، فاختارت أن ترتبه مكان زوجها دوشي خان. وكان الخان الأكبر غائبا عن مدينة طوغاج فلما قصدت ذلك أرسلت إلى اثنين من الخانات الستة يسمى أحدهما كشلوخان والآخر جنكزخان وهما متوليان على ما يتاخم ولاية زوجها دوشي خان، فأعلمتهما بوفاة زوجها، وأنه لم يخلف ولدا، وأنها تقصد ترتيب ابن أخيها مكانه. وسألتهما الإعانة والمساعدة على ذلك. فأجاباها إليه وأشارا أن تقيمه مقام زوجها، وضمنا لها أمر التون خان الأكبر. فأقامته ولقبته جنكزخان، وانضم إليه أقوام من عشيرته. فلما عاد التون خان إلى طوغاج حضر الخانات إلى خدمته وجاء كل منهم بما جرت به العادة من التقادم، وعرض عليه الحجاب الأمور التي اتفقت في غيبته، وقدموا بين يديه التقادوم إلى أن وصلوا إلى تقدمة جنكزخان التمرجي بحضور الخانين اللذين أشارا على عمته بتقدمته. فعجب التون خان من توليته في غيبته، وكونه ترشح لما لا يستحقه، فغضب من ذلك وخرج وأمر أن تقطع أذناب خيله وترد مطرودة. ففعل ذلك وشتمه الحجاب وشتموا صاحبيه كشلوخان وجنكزخان، وبالغوا في وعيده ووعيدهما.\rفلما خرجوا من بين يديه نزعوا أيديهم من الطاعة وانفردوا عن الخان الكبير التون خان، وخالفوه وانضم إليه خلق كثير، فكثرت جموعهم وأهم التون خان أمرهم، فكاتبهم يعدهم ويتهددهم أخرى، على أن يرجعوا إلى الطاعة، فأبوا إلا الخلاف. فلما أيس التون خان من رجوعهم إلى الطاعة جمع جموعه وخرج فالتقوا واقتتلوا فكسروه، وقتلوا من قبائل الترك الذين معه مقتلة عظيمة، وهرب التون خان بنفسه إلى وراء كنك وأخلى البلاد، فتمكنوا منها وملكوها، وضعف أمر التون خان ووهى حتى راسلهم يطلب المهادنة وقنع بالسقع الذي انتهى هربه إليه، فأجابوه إلى ذلك.\rواستمر الأمر بين الثلاثة: كشلوخان وجنكزخان الأكبر، وجنكزخان الأصغر تمرجي، هذا على المشاركة، فكانوا كذلك إلى أن مات جنكزخان الأكبر، وبقي كشلوخان، وجنكزخان تمرجي مشتركين في الأمر، وامتدت أيديهما في البلاد، وسارا إلى بلاساغون فملكاها وما يتاخمها ويدانيها من البلاد. فاتفقت وفاة كشلوخان فقام ولده مقامه، ولقب كشلوخان بلقب أبيه، فلم ينصفه جنكزخان واستضعف جانبه لحداثة سنه، ولم يعامله بما كان يعامل به أباه من الاشتراك في الأمر والنهي والتناصف في قسمة الممالك. فجرى بينهما مراسلات ومعاتبات أفضت إلى مفارقة كشلوخان بن كشلوخان إلى قيالق والمالق، فصالحه صاحبها ممدوخان بن أرسلان واتفقا وتعاضدا.\rواتفق أن كورخان - خان الخانية ملك الخطا - كان بينه وبين السلطان علاء الدين محمد بن تكش من الحروب ما ذكرناه في أخباره، وكان السلطان علاء الدين لما هزم كورخان التجا إلى حدود كاشغر فقصده كشلوخان وممدوخان وأرادا أنهما يجلسانه على تخت الملك لينضاف إليهما بسببه قبائل الترك، فنهضا إليه من قيالق وكبسا عليه وهو بحدود كاشغر وأخذاه وأجلساه على سرير الملك. وكان كشلوخان يقف بين يديه عند الإذن العام موقف الحجاب، فيشاوره في سائر الأمور ولا يعمل منها إلا بما يختاره، فكانت واقعتهم هذه شبيهة بواقعة السلطان سنجر شاه السلجقي مع الغز لما أسروه، قال: واستوليا على خزانته وأمواله وذخائره، فبلغ السلطان علاء الدين محمد بن تكش ذلك، فأرسل إلى كشلوخان يطالبه بإرساله إليه ويتهدده إن أخره عنه، ويقول: إنه كان هادنه على أن يزوجه ابنته طوغاج خاتون ويزفها إليه بما في خزانته من الجواهر النفيسة والأعلاق الثمينة، على أن يتركه في أخريات بلاده؛ فما أجاب إلى ذلك، ودافعه عنه بالملاطفة والممالطة.","part":7,"page":381},{"id":3392,"text":"وفي أثناء ذلك بلغ جنكزخان تمرجي أن كشلوخان استولى على كاشغر وبلاساغون وأن ملك الخطا قد وقع بين يديه، فبعث إليه ولده دوشي خان في زهاء عشرين ألف فارس فأوفع بهم دوشي خان ابن جنكزخان، وغنم ما معهم وذلك في سنة ثنتي عشرة وستمائة وكان السلطان علاء الدين قد عبر النهر لقصد كشلوخان وقتاله، فبلغه أن دوشي خان بن جنكزخان أوقع به، وجاءته رسالة دوشي خان مع من يقول له: إنه يقبل الأرض ويعتذر من عبوره إلى البلاد، ويقول: إنه إنما عبر لطلب كشلوخان وينازله في رسالته وقال: إن الغنائم بين يديه إن شاء أن ينعم على من باشر القتال بشيء منها، وإلا فالأمر إليه وإلا يرسل من يتسلمها ويسوقها إلي عنده، وذكر له أن أبا جنكزخان أوصاه بسلوك الأدب في خدمة السلطان علاء الدين إن صادفه أو صادف بعض عساكره. فلم يصغ علاء الدين إلى كلامه وقال: إن كان جنكزخان أمرك أن تقاتلني فالله أمرني بقتالك. وتقدم إليه والتقيا، فكسر دوشي خان ميسرة السلطان علاء الدين ومزقها، وكادت تكون الهزيمة حتى عطفت الميمنة على ميسرة دوشي خان ثم حجز بينهما الليل فأججوا نيرانا كثيرة. وركبوا وساقوا في تلك الليلة مسيرة يومين، وتمكن الرعب في قلب السلطان محمد وعاد إلى سمرقند. ثم راسل جنكزخان السلطان علاء الدين خوارزم شاه وهاداه، وطلب منه أن يفسح للتجار أن تتواصل من بلادهما واتفقا على ذلك على ما قدمناه في أخبار خوارزم شاه.\rخروجهم إلى البلاد الاسلامية\rكان سبب ذلك أن جنكزخان لما راسل السلطان محمد وهاداه، وانتظم بينهما الصلح، وفسحا للتجار في الوصول إلى بلاد الإسلام وبلاد الصين، فلم يزل الأمر على ذلك إلى أن وصل إلى أترار - وهي من ممالك السلطان علاء الدين محمد - عدة من تجارة جنكزخان. وكان بها ينال خان ينوب عن السلطان، فقتلهم وأخذ أموالهم. فاتصل ذلك بجنكزخان، فراسل السلطان يلومه على ذلك، ويقول: إنك كتبت خطك وأمانك للتجار، وقد غدرت ونكثت، فإن زعمت أن الذي ارتكبه ينال خان كان عن غير أمرك فسلمه إلي لأجازيه على فعله، وإلا فأذن بالحرب. فقتل رسله كما قدمنا ذلك في أخبار خوارزم شاه، فعند ذلك تجهز جنكزخان لقصد البلاد الإسلامية. وكان من سوء تدبير علاء الدين خوارزم شاه وتفرقة عساكره في كل مدينة من مدن ما وراء النهر ما ذكرناه، فتجهز جنكزخان بجموع التتار، ولما شارف البلاد الإسلامية تياسر صوب أترار واستولى عليها بعد قتال شديد، وأحضر ينال خان بين يديه وأمر بسبك الفضة وقلبها في أذنيه وعينيه، فمات.\rاستيلاء جنكزخان على بخارا\rقال: ولما استولى جنكزخان على أترار وقتل النائب بها، ورتب الحيلة التي أوقع بها بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وبين أمه وأخواله على ما قدمناه في أخبار الدولة الخوارزمية، تقدم إلى بخارا، وقصد بذلك أن يقطع بين السلطان وبين عساكره المتفرقة، حتى أنه لو اراد جمعهم لعجز عن ذلك فلما انتهى إليها حاصرها، وقدم بين يديه رجال أترار، وداوم الحصار والقتال ليلا ونهارا وكان بها الأمير اختيار الدين كشلي أمير آخور وأغلى حاجب الملقب بإينانج خان في ثلاثين ألف فارس، فلما رأوا أنها قد أشرفت على الأخذ تخاذلوا، وأجمعوا على الهزيمة، فخرجوا وحملوا على التتار حملة رجل واحد، فأفرجوا لهم وانهزموا أمامهم حتى كادت الهزيمة تكون على جنكزخان، وظن أنهم يعودون للقتال. فلما علم جنكزخان أن مقصدهم الهرب أرسل في آثارهم من أكابر التتار من يتبعهم ويتخطفهم إلى أن وصلوا إلى حافة نهر جيحون، فلم ينج منهم إلا إينانج خان في شرذمة يسيرة، وشمل القتل معظم ذلك الجيش وغنم التتار ما معهم.","part":7,"page":382},{"id":3393,"text":"قال: ولما فارق العسكر الخوارزمي بخارا طلب أهلها الأمان فآمنهم وكان قد بقي من العسكر طائفة لم يمكنهم الهرب مع أصحابهم فاعتصموا بالقلعة، وفتحت أبواب المدينة بالأمان، وذلك في يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة سنة ست عشرة وستمائة. فدخل التتار بخارا ولم يتعرضوا إلى أحد بل قالوا لهم: أخرجوا إلينا جميع ما هو متعلق بالسلطان من الذخائر وغيرها، وساعدونا على قتال من بالقلعة، وأظهروا لهم العدل وحسن السيرة. ودخل جنكزخان بنفسه وأحاط بالقلعة ونادى في البلدان أن لا يتخلف أحد ومن تخلف قتل. فحضروا بأجمعهم وأمرهم بطم الخندق فطموه بالأخشاب والتراب وغير ذلك، حتى كان التتار يأخذون المنابر وربعات القرآن فيلقونها في الخندق ثم تابعوا الزحف على القلعة وبها أربعماية فارس من المسلمين، فبذلوا جهدهم ومانعوا اثني عشر يوما يقاتلون جميع الكفار وأهل البلد، فما زالوا كذلك إلى أن وصل النقابون إلى القلعة. واشتد الأمر ورمى المسلمون بجميع ما عندهم من حجارة وسهام ونار ثم قاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم، وملك جنكزخان القلعة، فلما فرغ من أمر القلعة أمر بجمع رؤساء البلد، فجمعوا وعرضوا عليه فقال لهم: أريد منكم النقرة التي باعدم خوارزم شاه فإنها لي وأخذت من أصحابي فأحضر كل من كان عنده شيء منها ما عنده، ثم أمرهم بالخروج من البلد مجردين فخرجوا ليس مع أحد منهم غير ثيابه التي عليه ونهب التتار البلد وقتلوا من تخلف فيه. وأحاطوا بالمسلمين فأمر أصحابه أن يقتسموهم ففعلوا ذلك وأصبحت بخارى خاوية؛ على عروشها، وارتكب التتار من الفساد العظيم والناس ينظرون إليهم ولا يستطيعون ردهم. فمنهم من لم يرض بذلك واختار الموت وقاتل حتى قتل، ومنهم من استسلم وأسر. وألقوا النار في البلد والمدارس والمساجد وعذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب الأموال ثم ساروا إلى سمرقند.\rذكر استيلائه على سمرقند\rقال: ولما فرغ جنكزخان من أمر بخارا سار إلى سمرقند وقد تحقق عجز السلطان علاء الدين عن قتاله، وهو بمكانه بين ترمذ وبلخ، وأمر جنكزخان أن يتوجه من سلم من أهل بخارا فخرجوا مشاة على أقبح حال، فمن أعياه التعب وعجز عن المشي قتل. فلما قاربوا سمرقند، ورموا الخيالة، وتركوا الأثقال والأسارى والرجالة وراهم، وتقدموا شيئا فشيئا ليكون ذلك أرعب لقلوب المسلمين، فاستعظم أهل البلد سوادهم فلما كان في اليوم الثاني وصلت الأسارى والرجال والأثقال ومع كل عشرة من الأسارى علم، فظنه أهل البلد أن الجميع مقاتلة وأحاطوا بالبلد، وكان طغانخان خال السلطان وأمراء الغور في أربعين ألف فارس وقيل في خمسين ألف فارس، وعامة البلد لا يحصون كثرة، فخرج إليهم شجعان أهله وأهل الجلاد رجال، ولم يخرج معهم أحد من العسكر الخوارزمي لما في قلوبهم من الجزع فقاتلهم الرجالة بظاهر البلد فلم يزل التتار يتأخرون وأهل البلد يتتبعونهم ويطمعون، فيهم، حتى بعدوا عن البلد، وكان التتار قد كمنوا كمينا، فلما جاوزه المسلمون خرج الكمين من ورائهم وحال بينهم وبين البلد وعطف عليهم التتار فصاروا في وسط القوم وآخرهم السيف، قتلوا عن آخرهم، وكانوا سبعين ألفا. فضعفت نفوس الجند ومن بقي من العامة وأيقنوا بالهلاك؛ فقال الجند - وكانوا أتراكا - نحن من جنس هؤلاء ولا يقتلوننا، فطلبوا الأمان فأجابوهم له، ففتحوا أبواب البلد وخرج الجند إليهم بأهاليهم وأموالهم فقال لهم التتار: إدفعوا إلينا سلاحكم وأموالكم ودوابكم ونحن نسيركم إلى مأمنكم. ففعلوا ذلك ثم وضعوا فيهم السيف وقتلوهم عن آخرهم وأخذوا نساءهم فلما كان في اليوم الرابع نودي في البلد أن يخرج أهله بأجمعهم ومن تأخر قتل، فخرج جميع من به من الرجال والنساء والصبيان، ففعلوا مع أهل سمرقند كفعلهم مع أهل بخارا من النهب والقتل والسبي والفساد، ونهبوا ما في البلد، ثم أحرقوا الجامع وتركوا البلد على حاله، وذلك في المحرم سنة سبع عشرة وستمائة. هذا وخوارزم شاه مقيم بمنزلته كلما اجتمع إليه عسكر سيره إلى سمرقند فيرجعون ولا يقدمون عليهم. نعوذ بالله من الخذلان.","part":7,"page":383},{"id":3394,"text":"قال: ولما ملك جنكزخان بخارى وسمرقند فرق عساكره للاستيلاء على الممالك، فجهز طائفة خلف خوارزم شاه وهي المغربة، وطائفة إلى خراسان وطائفة إلى خوارزم وطائفة إلى بلاد فرغانة وطائفة إلى ترمذ وطائفة إلى كلاية، فاستولت كل طائفة على ما توجهت إليه وفعلت من القتل والنهب والأسر والسبي والتخريب وأنواع الفساد ما فعله أصحابهم. فأول طائفة جهزها من أصحابه الطائفة المغربة وفعلت ما نذكره.\rما فعلته طائفة المغربة من التتار\rقال ابن الأثير: لما ملك جنكزخان سمرقند جهز خمسة وعشرين ألف فارس من أصحابه في طلب خوارزم شاه حيث كان. وهذه الطائفة تسميها التتار المغربة لأنها سارت نحو غرب خراسان ليقع الفرق بينهم وبين غيرهم لأنهم الذين أوغلوا في البلاد وكان المقدم على هذه الطائفة سبطى بهادر ويمنويه فساروا وقصدوا موضعا يسمى فنج اب ومعناه خمس مياه، فلم يجدوا سفينة، فعملوا من الخشب مثل الأحواض الكبار وألبسوها جلود البقر ووضعوا فيها أسلحتهم وأمتعتهم. وألقوا الخيل في الماء وأمسكوا أذنابها وشدوا تلك الحياض إليهم، فكان الفرس يجذب الرجل والرجل يجذب الحوض، فعبروا كلهم دفعة واحدة فلم يشعر خوارزم شاه إلا وقد صاروا معه في أرض واحدة. وكان المسلمون قد ملئوا منهم رعبا وخوفا وحصل بينهم اختلاف، فكان ثباتهم بسبب أن نهر جيحون فاصل بينهم وبين التتار. فلما عبروه كان من أمر السلطان علاء الدين وانهزامه ووفاته ما قدمناه في أخباره.\rاستيلائهم على مازندران ووصولهم إلى الري وهمذان\rقال ابن الأثير: لما أيس التتار المغربة من إدراك خوارزم شاه قصدوا بلاد مازندران فملكوها في أسرع وقت مع حصانتها وصعوبة الدخول إليها وامتناع قلاعها، فقتلوا وسبوا ونهبوا وأحرقوا البلاد وألحقوها بغيرها ثم سلكوا نحو الري، ووصلوا إليه في سنة سبع عشرة وستماية أيضا. وكان مسيرهم إلى الري في طلب خوارزم شاه، لأنهم بلغهم أنه توجه نحو الري، فجدوا السير في أثره وانضاف إليهم كثير من العساكر المسلمين والكفارة والمفسدين، فوصلوا الري على حين غفلة من أهلها فملكوها، ونهبوا وسبوا الحريم، وأسرفوا في القتل ومضوا مسرعين في طلب خوارزم شاه، ونهبوا في طريقهم كل مدينة وقرية مروا عليها، ووضعوا السيف في الرجال والنساء والأطفال، ولم يبقوا على شيء. وانتهوا إلى همذان، فلما قاربوها خرج رئيسها إليهم ومعه الجمل من الأموال والأقمشة والخيل وغير ذلك، وطلب الأمان لأهل البلد، فأمنوهم ثم فارقوها. وساروا إلى زنجان ففعلوا أضعاف ما فعلوه بالري، ووصلوا إلى قزوين فاعتصم أهلها منهم بمدينتهم فقاتلوهم وجدوا في قتالهم ودخلوها عنوة بالسيف واقتتلوا هم وأهل البلد في باطنه حتى صاروا يقتتلون بالسكاكين وقتل من الفريقين ما لا يحصى، فزادت القتلى من أهل قزوين على أربعين ألف قتيل ثم فارقوا قزوين.\rمسيرهم إلى أذربيجان وقتالهم مع الكرج","part":7,"page":384},{"id":3395,"text":"قال: لما هجم الشتاء على التتار بهمذان وبلد الجبل وترادفت الثلوج ساروا إلى أذربيجان، وعاثوا في طريقهم ونهبوا وخربوا ما مروا عليه من المدن الصغار والقرى على عادتهم، ووصلوا إلى تبريز وبها أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان، فلم يخرج إليهم ولا قاتلهم لاشتغاله باللهو والشرب، وصالحهم على مال وثياب ودواب، وحمل ذلك إليهم، فتوجهوا من عنده يريدون ساحل البحر لقلة رده وكثرة مراعيه. فوصلوا إلى موقان وتطرقوا في مسيرهم إلى بلاد الكرج فجاء إليهم من الكرج نحو عشرة آلاف، فالتقوا واقتتلوا فانهزمت الكرج، وقتل أكثرهم وأرسل الكرج إلى أزبك صاحب أذربيجان يطلبون منه الصلح، والاتفاق على دفع التتار، فاتفقا على أنه إذا انحسر الشتا لقوهم. وراسلوا الملك الأشرف بن العادل صاحب خلاط وديار الجزيرة في ذلك، وظنوا جميعهم أن التتار لا يتحركون إلى انقضاء فصل الشتاء، فما صبروا التتار وتحركوا وتوجهوا نحو بلاد الكرج، وانضاف إليهم إلى التتار مملوك تركي من مماليك أزبك اسمه أقوش، وجمع أهل بلد الجبل والصحراء من التركمان والأكراد وغيرهم، فاجتمع إليه جماعة منهم، فمال التتار إليه للجنسية فسار في مقدمتهم إلى الكرج فملكوا حصنا من حصونهم وخربوه ونهبوا البلاد وقتلوا ووصلوا إلى قرب تفليس، فاجتمعت الكرج، قلقيهم أقوش بمن معه فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم أدركهم التتار فلم يثبت الكرج وانهزموا أقبح هزيمة، وأخذهم السيف من كل جانب وقتل منهم ما لا يحصى كثرة - وذلك في ذي القعدة - ونهبوا من البلاد ما كان قد سلم منهم.\rملكهم مدينة مراغة\rقال: ولما فعلوا بالكرج ما فعلوه، ودخلت سنة ثمان عشر وستمائة ساروا من بلاد الكرج ومروا على تبريز، فصانعهم صاحبها أيضا بمال وثياب ودواب، فساروا عنه إلى مدينة مراغة فحصروها، وليس بها من يمنعها لأن صاحبتها كانت امرأة وكانت مقيمة بقلعة رويندز، فقاتلهم أهلها، فنصبوا عليها المجانيق واستعانوا بأسرى المسلمين وكانت عادتهم التتار إذا فتحوا مدينة استعانوا بأسراها على فتح غيرها، ويجعلون الأسرى أمامهم عند القتال، فيقع القتل فيهم فإذا فتحوا البلد قتلوهم بعد ذلك وتعوضوهم بمن أسروه من البلد الآخر. فأقاموا عليها عدة أيام وملكوها عنوة، وذلك في رابع صفر من السنة، ووضعوا السيف في أهلها، ونهبوا ما صلح لهم وحرقوا ما سواه. قال: واختفى بعض الناس منهم، فكانوا يأخذون الأسارى ويقولون لهم نادوا في الدروب أن التتار قد رحلوا فينادون فيسمعهم من اختفى فيظهر فيقتلونه.\rقال ابن الأثير: ولقد بلغني أن امرأة من التتار دخلت داراً وقتلت جماعة من أهلها، وهم يظنون أنها من الرجال، فلما وضعت السلاح، رأوها امرأة، فقتلها رجل كانت أخذته أسيرا. قال: وسمعت من بعض أهلها أن رجلا من التتار دخل درباً فيه ما يزيد على مائة رجل فقتلهم واحدا واحدا، حتى أفناهم ولم يمد أحد يده إليه. ووقعت الذلة على الناس، نعوذ بالله من الخذلان.\rقال: ثم رحلوا نحو مدينة أربل، فكتب مظفر الدين صاحبها إلى بدر الدين لؤلؤ صاحبه الموصل يطلب منه نجدة من العساكر، فسير إليه جماعة، وكتب الخليفة إلى صاحبي الموصل وأربل يأمرهما بالاجتماع مع عساكره بمدينة دقوقا لمنع التتار، لما بلغه أنهم عدلوا عن إربل لصعوبتها وقصدوا العراق. فسار مظفر الدين ومن معه من العسكر الموصلي في صفر. وكتب الخليفة إلى الملك الأشرف بأمره بالحضور بنفسه في عساكره لتجمع العساكر ويقصدون التتار فمنعه من ذلك مسيره إلى الديار المصرية لنصرة الملك العادل بن أيوب على الفرنج، واستعادة دمياط من أيديهم. فلما اجتمع مظفر الدين هو والعسكر الموصلي بدقوقا، سير إليهم الخليفة مملوكه قشتمر - وهو أكبر أمير بالعراق - ومعه عشرة من الأمراء في نحو ثمان مائة فارس، فاجتمعوا ليتصل بهم عساكر الخليفة، والمقدم عليهم مظفر الدين صاحب إربل، فلما رأى قلة العسكر لم يقدم على التتار. ولما سمع التتار باجتماع العسكر رجعوا القهقري، ظنا منهم أن العسكر يتبعهم، فلما لم يتبعهم أقاموا وأقام العسكر بدقوقا، ثم تفرق المسلمون وعادوا إلى بلادهم.\rملكهم همذان وقتل أهلها","part":7,"page":385},{"id":3396,"text":"قال: لما تفرق العسكر الإسلامي عاد التتار إلى همذان، فنزلوا بالقرب منها، وكان لهم شحنة يحكم فيها، فأرسلوا إليه أن يطلب لهم من أهلها مالا وثيابا وكان رئيس همذان من الأشراف ذا رئاسة قديمة بها وهو الذي سعى في أمر أهل البلد مع التتار، وتوصل إليهم بما جمع من الأموال فما طلب المال ثانيا من أهل همذان لم يجدوا ما يحملونه لهم، فاجتمعوا إلى الشريف ومعهم انسان فقيه قام في اجتماع الكلمة على التتار، فشكوا إلى الشريف حالهم، وما نالهم من الهوان، وطلب ما لا يقدرون عليه. فقال: إذا كنا نعجز عن دفعهم فليس إلا مصانعتهم بالأموال، فثاروا عليه، وأغلظوا له في القول، فوافقهم على مرادهم. فأشار الفقيه بإخراج شحنة التتار فوثب العامة على الشحنة فقتلوه، وامتنعوا. فتقدم إليهم التتار وحصروهم، فقاتلهم أهل البلد قتالا شديداً، والرئيس والفقيه في أوائلهم، فقتل من التتار خلق كثير، وجرح الفقيه عدة جراحات وافترقوا. ثم اقتتلوا من الغد أشد مما مضى بالأمس. وأرادوا الخروج في اليوم الثالث، فلم يطق الفقيه الركوب ولم يوجد الرئيس، وهرب من سرب كان قد صنعه إلى ظاهر البلد هو وأهله، واستعصم بقلعة هناك على جبل عال. فحار الناس ثم اجتمعت كلمتهم على القتال إلى أن يموتوا، وكان التتار قد عزموا على الرحيل لكثرة من قتل منهم، فلما تقاصر أهل البلد عن الخروج إليهم طمعوا واستدلوا على ضعفهم، فقصدوهم وقاتلوهم، ودخلوا المدينة بالسيف، وذلك في شهر رجب سنة ثمان عشرة. وقاتلهم الناس في الدروب بالسكاكين فقتل من الفريقين ما لا يحصى، ثم قوى التتار على المسلمين فأفنوهم وما سلم منهم إلا من كان عمل له نفقا في الأرض، واختفى فيه، ثم أحرقوا البلد ورحلوا عنه.\rمسيرهم إلى أذربيجان وملكهم أردويل وغيرها\rقال: لما فرغوا من همدان ساروا إلى أذربيجان فوصلوا إلى أردويل فملكوها، وقتلوا وخربوا أكثرها وساروا إلى تبريز، ففارقها صاحبها أزبك بن البهلوان وتوجه إلى نقجوان وكان كثير التخلف والشرب واللهو، فقام بأمر تبريز شمس الدين الطغرائي، وجمع الكلمة وقوى نفوس الناس على الامتناع، وحذرهم عاقبة التخاذل والتواني، وحصن البلد. فبلغ التتار ذلك فراسلوه يطلبون منه مالا وثيابا فاستقر الأمر بينهم على قدر معلوم فأخذوه ورحلوا إلى مدينة سراو فنهبوها وقتلوا جميع من فيها. ورحلوا عنها إلى بيلقان من بلاد أران فنهبوا كل ما مروا به من البلاد والقرى وقتلوا من ظفروا به وحصروا بيلقان، فاستدعى أهلها منهم رسولا ليقرر الصلح فأرسلوا إليهم رسولا من أكابرهم ومقدميهم، فقتلوه، فزحف التتار إليهم وقاتلوهم وملكوا البلد عنوة، وذلك في شهر رمضان من السنة، ووضعوا السيف فلم يبقوا على أحد من الرجال والنساء والأطفال حتى شقوا بطون النسوان الحوامل وقتلوا الأجنة. وكانوا يفجرون بالمرأة ثم يقتلونها. ثم ساروا إلى مدينة كنجة - وهي أم بلاد أران - فعلموا بكثرة من فيها وشجاعتهم لدربتهم بقتال الكرج، فلم يقدموا عليهم لذلك ولحصانة البلد. فراسلوا أهلها في طلب المال والثياب، فحمل إليهم ما طلبوا وساروا عنها.\rوصولهم إلى الكرج\rقال: لما فرغوا من البلاد الإسلامية أذربيجان وأران بعضها بالملك وبعضها بالصلح، ساروا إلى بلاد الكرج من هذه الأعمال أيضا، وكان الكرج قد استعدوا لهم، وسيروا جيشا كثيفا إلى طرف بلادهم ليمنعوا التتار عنها، فالتقوا، فلم يثبت الكرج وولوا منهزمين فأخذتهم سيوف التتار، فلم يسلم منهم إلا الشديد. فكانت القتلى منهم نحو ثلاثين ألفا، ونهبوا ما وصلوا إليه من بلادهم وخربوها، كعادتهم. ووصل من سلم من الكرج إلى مدينة تفليس - وبها ملكهم - فجمع جموعا أخرى، وسيرهم ليمنعوا التتار من توسط بلادهم فرأوهم قد دخلوا البلاد ولم يمنعهم وعر ولا مضيق، فعادوا إلى تفليس ونهب التتار ما مروا عليه من بلادهم، ورأوا البلاد كثيرة المضايق والدربندات فما أوغلوا فيها، وداخل الكرج منهم خوف عظيم.\rقال ابن الأثير: سمعت عن بعض أكابر الكرج أنه قال: من حدثكم أن التتار انهزموا وأسروا فلا تصدقوه، وإذا حدثتم أنهم قتلوا فصدقوا، فإنهم قوم لا يفرون أبدا، ولقد أخذنا أسيرا منهم فألقى نفسه عن الدابة وضرب رأسه بالحجر حتى مات، ولم يسلم نفسه للأسر ...\rوصولهم إلى دربند شروان\rوما فعلوه فيه","part":7,"page":386},{"id":3397,"text":"قال: لما عادوا من بلاد الكرج قصدوا دربند شروان فحصروا مدينة شماخي وقاتلوا أهلها، فصبروا على الحصار وقاتلوا أشد قتال، وعلموا أن الموت لا بد منه، فقالوا نموت كراما وصبروا إلى أن كلوا وتعبوا. وتوالى الزحف، فملك التتار البلد، وأكثروا القتل ونهبوا الأموال. ثم أرادوا عبور الدربند فلم يقدروا على ذلك، فأرسلوا رسولا إلى شروان ملك الدربند، وطلبوا منه أن يرسل إليهم رسولا يسعى بينهم في الصلح، فأرسل عشرة من أعيان أصحابه، فقتلوا أحدهم وقالوا لمن بقي: دلونا على طريق نعبر فيه ولكم الأمان، وإلا قتلناكم. فقالوا: ليس فيه طريق البتة، وإنما فيه موضع هو أسهل ما فيه، فساروا بهم إلى ذلك الطريق فعبروا فيه.\rما فعلوه باللان وقفجاق\rقال: لما عبر التتار دربند شروان، ساروا في تلك البلاد والأعمال - وفيها أمم كبيرة من اللان واللكز وطوائف من الترك - فنهبوا وقتلوا كثيرا من اللكز - وهم مسلمون وكفار - ووصلوا إلى اللان وهي أمم كثيرة، فبلغهم الخبر فجدوا وجمعوا جمعا من قفجاق، فقاتلوهم فلم تظفر إحدى الطائفتين بالأخرى، فأرسل التتار إلى قفجاق فقالوا: نحن وأنتم جنس واحد واللان ليسوا منكم، ولا دينكم كدينهم حتى تنصروهم، ونحن نعاهدكم أننا لا نتعرض إليكم، ونحمل لكم من الأموال والثياب ما شئتم، وتتركوننا وإياهم. فاستقر الأمر بينهم على ما حملوه لهم من مال وثياب وغير ذلك ففارقهم قفجاق فأوقع التتار عند ذلك باللان، فقتلوا منهم وسبوا. وساروا إلى قفجاق وهم آمنون متفرقون، لما استقر بينهم من الصلح فطرقوا بلادهم وأوقعوا بهم الأول فالأول، وأخذوا منهم أضعاف ما حملوه إليهم. وسمع من كان بعيد الدار من قفجاق الخبر، ففروا من غير قتال، واعتصم بعضهم بالغياض وبعضهم بالجبال ولحق بعضهم ببلاد الروس. وأقام التتار ببلاد قفجاق، وهي أرض كثيرة المرعى صيفا وشتاء وفيها أماكن باردة في الصيف وأماكن حارة في الشتاء، وغياض، وهي على ساحل البحر، ووصلوا إلى مدينة سوداق - وهي مدينة قفجاق - فملكوها، وفارقها أهلها، فبعضهم صعد إلى الجبال بأهله وماله، وبعضهم ركب في البحر وساروا إلى بلاد الروم التي بيد الملوك السلجقية ...\rما فعلوه بقفجاق والروس\rقال: لما استولى التتار على قفجاق وتفرقوا، والتحقت طائفة كثيرة منهم ببلاد الروس - وهي بلاد كبيرة طويلة عريضة تجاور القفجاق وأهلها يدينون بدين النصرانية - فلما وصلوا إليهم اجتمعوا كلهم، واتفقوا على قتال التتار إن قصدوهم. فسار التتار إلى بلاد الروس في سنة عشرين وستمائة، فسار قفجاق والروس إلى طريق التتار ليلقوهم قبل وصولهم إلى بلادهم ويمنعوهم عنها، فبلغ التتار مسيرهم، فرجعوا على أعقابهم. فطمعت القفجاق والروس فيهم، وظنوا أنهم عادوا خوفا منهم، وعجزوا عن قتالهم، فأتبعوهم وساقوا في إثرهم اثني عشر يوما، فعطف التتار عليهم وهم على غرة، لأنهم كانوا قد آمنوا ووثقوا بالقدرة عليهم: فلم يجتمعوا للقتال إلا وقد بلغ التتار منهم مبلغا عظيما.\rفصبر الطائفتان صبرا لم يسمع بمثله. ودام القتال عدة أيام، فاستظهر التتار عليهم، فانهزمت قفجاق والروس هزيمة فاضحة وكثر القتل في المنهزمين، فلم يسلم منهم إلا القليل. ووصل من سلم منهم على أقبح حال، والتتار تتبعهم يقتلون وينهبون ويخربون فاجتمع كثير من أغنياء تجار الروس وأعيانهم، وحملوا ما يعز عليهم، وتوجهوا في البحر في عدة مراكب إلى بلاد الإسلام، فلما قاربوا المرسى الذي يقصدونه انكسر منهم مركب فغرق ونجا من فيه وسلم باقي المراكب وأخبر من بها بهذه الحال.\rعود التتار إلى ملكهم\rقال: ولما فعل التتار بالروس ما ذكرناه عادوا عنها وقصدوا بلغار في أواخر سنة عشرين وستمائة. فلما سمع بلغار بقربهم منهم كمنوا لهم في عدة مواضع، وخرجوا إليهم فلقوهم واستجروهم إلى أن جاوزوا مواضع الكمناء، فخرجوا من وراء ظهورهم. وبقي التتار في وسطهم، وأخذهم السيف من كل ناحية، فقتل أكثرهم ولم ينج منهم إلا القليل نحو أربعة آلاف رجل، فساروا إلى سقسين وعادوا إلى ملكهم جنكزخان. وكانت الطرق منقطعة تتخللهم في البلاد. فلما خلت البلاد منهم اتصلت الطرق وحمل التجار الأمتعة على عادتهم.","part":7,"page":387},{"id":3398,"text":"هذا ما فعله التتار المغربة منذ مفارقتهم جنكزخان وإلى أن عادوا إليه في مدة أربع سنين فلنذكر أخبار غير هذه الطائفة ممن سيرهم جنكزخان.\rقال: ولما جهز جنكزخان هذه الطائفة المغربة جهز طائفة إلى بلاد فرغانة وطائفة إلى ترمز وطائفة إلى كلانة وهي قلعة حصينة إلى جانب جيحون، فسارت كل طائفة إلى الجهة التي أمرت بقصدها ونازلتها، واستولت عليها، وفعلت من القتل والنهب والأسر والسبي والتخريب وأنواع الفساد كما فعل أصحابهم. فلما فرغوا من ذلك عادوا إلى ملكهم جنكزخان، وهو مقيم بسمرقند، فجهز جيشا إلى خوارزم مع أحد أولاده وجهز جيشا آخر فعبروا نهر جيحون إلى خراسان.\rملك التتار خراسان\rقال أبو الحسن بن الأثير: لما سار الجيش الذي جهزه جنكزخان إلى خراسان عبروا جيحون، وقصدوا مدينة بلخ، وطلب أهلها الأمان فأمنوهم، فسلم البلد ولم يتعرضوا إليه بنهب ولا قتل، بل جعلوا فيه شحنة. وقصدوا الزوزان وميمند واندى خوى وفارياب فملكوا الجميع، وجعلوا فيه ولاة، ولم يتعرضوا إلى أهلها بسوء، سوى أنهم كانوا يأخذون الرجال ليقاتلوا بهم من يمتنع عليهم، وذلك في سنة سبع عشرة وستماية. ثم قصدوا الطالقان، وهي ولاية تشتمل على عدة بلاد، وفيها قلعة حصينة يقال لها منصور كوه لا ترام علوا وارتفاعا وبها رجال شجعان يقاتلون فحصروها مدة ستة أشهر يقاتلون أهلها ليلا ونهارا، ولم يظفروا منها بشيء فكاتبوا جنكزخان، وأعلموه بالعجز عنها لحصانتها وكثرة من بها من المقاتلة. فسار بنفسه وبجموعه، وحصرها ومعه خلق كثير من الأسرى والمسلمين، فأمرهم بمباشرة القتال وإلا قتلهم، فقاتلوا، وأقام عليها أربعة أشهر أخرى، فقتل من التتار خلق كثير. فلما رأى جنكزخان ذلك أمر أن يجمع له الأحطاب والأخشاب فجمعت، وصار يعمل صفا من خشب وحطب وفوقه من التراب ما يغطيه، حتى صار تلا عاليا يوازي القلعة، فعند ذلك اجتمع من بالقلعة وحملوا حملة رجل واحد فسلم الخيالة منهم ونجوا وسلكوا الجبال والشعاب، وقتل الرجالة، ودخل التتار القلعة وسبوا النساء والأطفال ونهبوا الأمتعة.\rقال: ثم جمع جنكزخان أهل البلاد الذين أعطاهم الأمان ببلخ وغيرها، وسيرهم مع بعض أولادهم إلى مدينة مرو، فوصلوا إليها وقد اجتمع بها من الأعراب والأتراك وغيرهم ممن نجا من المسلمين ما يزيد على مائتي ألف رجل، وهم معسكرون بظاهر مرو، وقد عزموا على لقاء التتار؛ فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا. ولما رأى المسلمون إقدام التتار وصبرهم، ولوا منهزمين، فقتل منهم وأسر خلق كثير، ولم يسلم منهم إلا القليل، ونهبت أموالهم. وأرسل ابن جنكزخان إلى ما حوله من البلاد، وأمرهم بجمع الرجال لحصار مرو، فاجتمعوا وتقدموا للحصار ولازموا القتال. هذا وأهل البلد قد ضعفت نفوسهم بانهزام تلك الطائفة الكبيرة. فلما كان في اليوم الخامس من نزولهم أرسل التتار إلى أمير البلد يقولون له: لا تهلك نفسك ومن معك، واخرج إلينا ولك الأمان، ونحن نجعلك أمير هذه البلد ونرحل عنك !. فطلب الأمان لنفسه وأهل البلد فأمنوهم؛ فخرج إليهم فخلع عليه ابن جنكزخان واحترمه وقال له: اعرض علي أصحابك حتى أستخدم منهم من يصلح لخدمتنا وأعطيه إقطاعا ويكون معي فجمعهم له، فلما تمكن منهم أمر بالقبض عليهم وعلى أميرهم ثم قال: اكتبوا لنا تجار البلد ورؤساء أرباب الأموال في جريدة واكتبوا أرباب الصناعات والحرف في أخرى واعرضوا ذلك علينا. ففعلوا، فأمر أن يخرج أهل البلد منه بأهليهم وأموالهم فخرجوا بأجمعهم، فجلس على كرسي من الذهب، وأحضر أولئك الجند الذين قبض عليهم، وأمر بضرب أعناقهم فقتلوا صبرا، والناس ينظرون إليهم ويبكون عليهم، وأما العامة فتقاسمهم التتار فكان يوما مشهودا، وأخذوا أرباب الأموال، فاستصفوا أموالهم وعذبوهم على طلب المال؛ ثم أحرقوا لبلد وتربة السلطان سنجر، ونبشوا القبر طلبا للمال. ودأبوا على ذلك ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الرابع، أمر بقتل أهل البلد كافة؛ وقال: هؤلاء عصوا علينا؛ فقتلوا أجمعين، وأمر بإحصاء القتلى فكانوا سبعمائة ألف قتيل.","part":7,"page":388},{"id":3399,"text":"ثم ساروا إلى نيسابور، فحوصرت خمسة أيام، وبها جمع صالح من العسكر الإسلامي، فلم تكن لهم بالتتار قوة، فملك التتار المدينة، وأخرجوا أهلها إلى الصحراء فقتلوهم، وسبوا حريمهم وعاقبوا من اتهموه بالمال، كما فعلوا بمرو، وأقاموا خمسة عشر يوما يخربون ويفتشون المنازل، وكانوا لما قتلوا أهل مرو قيل لهم أن قتلاهم سلم كثير منهم ولحقوا ببلاد الإسلام، فأمروا أن تقطع رؤوس أهل نيسابور حتى لا يسلم منهم أحد. فلما فرغوا من ذلك سيروا طائفة منهم إلى طوس ففعلوا بها كذلك، وخربوها، وأحرقوا المشهد الذي فيه علي بن موسى الرضا والرشيد. ثم ساروا إلى هراة وهي من أحصن البلاد، فحصروها عشرة أيام فملكوها وآمنوا وقتلوا بعضهم وجعلوا فيها شحنة.\rملكهم مدينة غزنة\rوبلاد الغور قال ابن الأثير: لما فرغ التتار من خراسان وعادوا إلى ملكهم جنكزخان وهو بالطالقان، جهز جيشا كثيفا وسيره إلى غزنة وبها السلطان جلال الدين منكوبرتي ابن السلطان جلال الدين خوارزم شاه وكان قد وصل إليها بعد مفارقته خوارزم كما قدمناه، وقد اجتمع عنده من الجيوش نحوا من ستين ألفا. وكان الجيش الذي سار إليه من عسكر التتار نحو اثني عشر ألفا، فلما وصلوا إلى أعمال غزنة خرج إليهم المسلمون مع السلطان جلال الدين إلى موضع يقال له بلق فالتقوا هناك واقتتلوا قتالا شديدا، ودامت الحروب بينهم ثلاثة أيام، فانتصر المسلمون وانهزم التتار، وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا، وعاد من سلم منهم إلى ملكهم بالطالقان.\rقال: فلما سمع أهل هراة بذلك ثاروا على الوالي الذي عندهم من قبل التتار فقتلوه، فسير إليهم جنكزخان عسكرا فملكوا البلد وخربوه وقتلوا من فيه وسبوا الحريم، ونهبوا السواد أجمع وأحرقوا المدينة.\rوهذه الحرب والواقعة لم يذكرها شهاب الدين المنشي في تاريخه، وإنما قال: إن جلال الدين لما سار إلى غزنة اجتمع في طريقه بابن خاله أمين ملك، وهو الذي كان يتولى هراة وهي إقطاعة، وكان قد فارقها ومعه زهاء عشرة آلاف فارس، فاتفقا على كبس التتار المحاصرين قلعة قندهار، فنهضا إليها وأوقعا بمن عليها من التتار، فلم يسلم منهم إلا من وصل بخبرهم إلى جنكزخان فغصب لذلك وجهز ابنه تولى خان، وقد ذكرنا ذلك في أخبار جلال الدين فلنذكر ما ساقه ابن الأثير.\rقال: ولما انهزم التتار أرسل جلال الدين إلى جنكزخان رسولا يقول له في أي موضع يختار أن تكون الحرب حتى يأتي إليه، فجهز جنكزخان عسكرا كثيرا مع ابنه تولى خان فوصل إلى كابل فتوجه إليهم جلال الدين بالعساكر الإسلامية، فالتقوا هناك واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم جيش التتار، وقتل تولى خان بن جنكزخان وغنم المسلمون ما معهم واستنقذوا ما في أيديهم من الأسارى، ولم يذكر ابن الأثير قتل تولى خان، وانما ذكره المنشى وهو الصحيح. فلما بلغ جنزخان انهزام عساكره وقتل ولده غضب لذلك، وتجهز بنفسه وبجيوشه، وسار إلى صوب غزنة لحرب جلال الدين وطلب ثأر ابنه. واتفق اختلاف المسلمين، ومفارقة العساكر الخلجية صحبة سيف الدين بغراق وأعظم ملك ومظفر ملك للسلطان جلال الدين بسبب ما وقع منهم عند قسم الغنيمة على ما بيناه في أخبار جلال الدين واجتهد جلال الدين في ردهم فعجز، ودهمه وصول جنكزخان، ففارق غزنة وتوجه صوب السند، فأدركه جنكزخان قبل عبوره ماء السند فاضطر جلال الدين إلى القتال فكان من أمره وانهزامه وعبوره إلى بلاد الهند ما قدمناه في أخباره. ولما فارق جلال الدين البلاد رجع جنكزخان إلى غزنة فملكها من غير مدافع ولا ممانع لخلوها من العساكر فقتل التتار أهلها ونهبوا الأموال وسبوا الحريم وألحقوها بخراسان...\rملكهم مدينة خوارزم","part":7,"page":389},{"id":3400,"text":"قال شهاب الدين المنشي: كان حصار خوارزم في ذي القعدة سنة عشرين وستماية، واستيلاؤهم عليها في صفر. قال: لما انفصل جلال الدين وإخوته عن خوارزم كما ذكرناه في أخباره، وافى التتار تخومها، وأقاموا بالبعد منها حتى تكاملت عدتهم وآلات الحصار، ثم تقدموا إليها. فأول من وصل إليها منهم باجي ملك في عسكر كثيف ثم بعده أوكتاي بن جنكزخان وهو الذي انتهت إليه القانية فيما بعد ثم سير جنكزخان بعدهم حلقته الخاصة ومقدمها بقرجن نوين وأردفهم بابنه جغطاي ومعه طولن نوين واستون نوين وقاضان نوين في مائة ألف فارس. وطفقوا يستعدون للحصار ويستعملون آلاته من المجانيق والدبابات وغير ذلك. ولما رأوا خوارزم وبلدها خالية من حجارة المنجنيق وجدوا هناك من أصول التوت الغلاظ ما استعملوه بدلا من الحجارة، فكانوا يقطعونها وينقعونها في الماء فتصير كالحجارة ثقلا وصلابة، فتعوضوا بها عن الحجارة.\rثم وصل دوشي خان بن جنكزخان إلى بلاد ما وراء النهر فراسلهم في الأمان وقال: إن جنكزخان قد أنعم عليه بها وأنه لا يؤثر تخريبها ويضن به ويحرص على عماراتها. قال: ومما يدل على ذلك أن العساكر مدة مقامهم بالقرب منها ما تعرضوا إلى الغارات على رساتيقها فمال ذووا النباهة من أهلها إلى المسالمة، فغلب عليهم السفلة وامتنعوا، فعند ذلك ساق إليها دوشي خان، وأخذ يطويها محلة محلة، فكلما أخذ واحدة منها التجأ الناس إلى أخرى، وهم يحاربون أشد حرب إلى أن أعضل الأمر، ولم يبق معهم إلا ثلاث محال تراكمت الناس فيها متزاحمين، فأرسلوا إلى دوشي خان الفقيه علاء الدين الخياطي محتسب خوارزم - وكان من أهل العلم والعمل - مستعطفا له؛ فأمر دوشي خان باحترامه، وأن تنصب له خيمة. ثم أحضره فأدى رسالته فقال في جملة ما قال: إننا قد شاهدنا هيبة الخان وقد آن أن نشاهد مرحمته. فاستشاظ غضبا وقال: ماذا رأوا من هيبتي وقد أفنوا رجالي ؟ فأما أنا فشاهدت هيبتهم وها أنا أريهم هيبتي. وأمر بإخراج الناس ونودي فيهم بانفراد أرباب الصنائع وانعزالهم على حدة، فمنهم من فعل ونجا، ومنهم من اعتقد أن أرباب الحرف تساق إلى بلادهم وغيرهم يترك في وطنه فلم ينفرد، ثم وضع السيف فيهم فقتلوا جميعا وحكى ابن الأثير في تاريخه الكامل أن التتار بعد ذلك فتحوا السكر الذي يمنع ماء جيحون عن البلد فدخله الماء فغرق جميعه وتهدمت الأبنية ولم يسلم من أهله أحد البتة، فإن الذين اختفوا من التتار غرقهم الماء وقتلهم الهدم. وهذا ما لم يسمع بمثله من قديم الزمان ولا حديثه. ثم عاد التتار إلى جنكزخان وهو بالطالقان..\rعود طائفة من التتار إلى همذان وغيرها وهم غير التتار المغربة الذين قدمنا ذكرهم\rقال ابن الأثير: وفي سنة إحدى وعشرين وستمائة وصلت طائفة من التتار من جهة جنكزخان إلى الري؛ وكان من سلم من أهلها قد عادوا إليها وعمروها، فوضع التتار فيهم السيف وقتلوهم كيف شاؤوا، ونهبوا البلد وخربوه، وتوجهوا إلى ساوة ففعلوا بها كذلك، ثم إلى قم وقاجان وكانتا قد سلمتا من التتار والمغربة. ثم عاثوا في البلاد يخربون ويقتلون ثم قصدوا همذان، وقد اجتمع بها كثير ممن سلم من أهلها، فأبادوهم قتلا وأسرا ونهبا.\rقال: وكانوا لما وصلوا إلى الري رأوا بها عسكرا كثيرا من الخوارزمية فقتل بعضهم وانهزم الباقون إلى أذربيجان، فنزلوا بأطرافها، فلم يشعروا إلا والتتار قد كبسوهم، ووضعوا فيهم السيف، فانهزموا فوصلت طائفة منهم إلى تبريز، وتفرق الباقون ووصل التتار إلى قرب تبريز فراسلوا صاحبها أزبك بن البهلوان في طلب من التحق به من الخورازمية، فعمد إلى من عنده منهم فقتل بعضهم وأسر البعض، وساق الأسرى وحمل الرؤوس إلى التتار، وأنفذ إليهم من الأموال والثياب والدواب شيئا كثيرا فعادوا عن بلاده نحو خراسان.","part":7,"page":390},{"id":3401,"text":"قال: ولم تكن هذه الطائفة أكثر من ثلاثة آلاف، وكانت الخوارزمية الذين انهزموا منهم نحو ستة آلاف فارس؛ وعسكر أزبك أكثر من الجميع، ومع هذا فلم يمتنعوا عنهم ولا حدثوا نفوسهم بحربهم هذا كله وجلال الدين خوارزم شاه ببلاد الهند. ثم اتفق خروجه منها في سنة إحدى وعشرين وستمائة؛ واستولى على ملك العراق، وانتزعه من يد أخيه غياث الدين ببرشاه وملك أذربيجان ومراغة وغيرها، وقاتل الكرج على ما قدمناه في أخباره. ولم يهجه التتار ولا قاتلوه إلى سنة خمس وعشرين وستمائة بعد وفاة جنكزخان وقيام ولده أوكداي مقامه.\rهذا ما انتهى إلينا من وقائع التتار وحروبهم وما استولوا عليه في أيام ملكهم جنكزخان التمرجي؛ وهو على سبيل الاختصار لعدم أن تحقق من أخبارهم ويدون آثارهم. ثم كان بعد وفاة جنكزخان وقيام من قام بعده من أولاده حروب ووقائع، نذكرها إن شاء الله تعالى بعد ذكرنا وفاة جنكزخان.\rوفاة جنكزخان\rالتمرجي وأسماء أولاده واخوته وما قرره لأولاده من الوظائف والبقاع وغير ذلك كانت وفاة جنكزخان في سنة أربع وعشرين وستماية، وقيل في سنة خمس وعشرين في فصل الشتاء. قال: ولما حضرته الوفاة طلب إخوته وهم أوتكين وبلكوتي ونوين والحاي نوين ووكوب ووكابي وحضر من أولاده جغطاي وأوكتاي وكتب لهم وصية وقال امتثلوها بعدي، وإذا أنا مت وجاء وقت الربيع تجمعوا كلكم وتعمل وليمة عظيمة ثم تقرأ هذه الوصية بحضوركم، وينصب في الملك من عينته فيها وامتثلوا أمره، ثم فرقهم في مشاتيهم التي قررها لهم ففعلوا ذلك وامتثوا أمره على ما نذكره، ومات هو. وكان له من الأولاد تسعة عشر ولدا من امرأة واحدة وهي تسوجي خاتون؛ منهم تلي خان وهو طلوخان وهو الذي قتل في سنة ثماني عشرة وستمائة في الحرب التي كانت بينه وبين السلطان جلال الدين منكوبرتي على ما قدمنا ذكر ذلك. وكان لتلي خان من الأولاد منكوقان وهو الذي استقر في القانية بعد على ما نذكره إن شاء الله تعالى؛ وهولاكو وأريق بوكا وقبلاي، وهو الذي جلس على تخت القانية بعد منكوقان واستقرت القانية فيه وفي بنيه من بعده إلى آخر وقت، وسنذكر لك ذلك إن شاء الله تعالى. وكان جنكزخان قد فوض لابنه تلي خان هذا ترتيب العساكر والجيوش وتدبيره في المقام في مشتاه ومصيفه وجعل له من البلاد خراسان والعراقين وما يليها، فقتل قبل تمام الفتوح. ومنهم دوشي خان بن جنكزخان وهو الذي فتح خوارزم في حياة أبيه كما تقدم، وفتح أيضا بعد وفاة أبيه بلاد الشمال، واستولى على ملكها، وأباد من بها من طوائف الأتراك وقبائل القفجاق وغيرهم من القبائل: كاللان، وآلاص، والأولاق، والجركس والروس وغيرهم من سكان البلاد الشمالية. واستقر ملك هذه البلاد بيده، ثم بيد باطوخان بن دوشي خان ثم في صرطق بن دوشي خان، ثم في أولاد باطوخان وإخوته على ما نذكره بعد. ومن أولاد دوشي خان بن جنكزخان أرديوا وهو صاحب غزنة وباميان. وقد قيل إن أرديوا بن جنكزخان، وكان جنكزخان قد جعل وظيفة دوشي خان ترتيب الصيد، وهي عندهم أكبر المراتب، وعين له من البلاد والمياه لمشتاه ومصيفه حدود قيالق وبلاد خوارزم إلى أطراف سقسين وبلغار إلى حيث تنتهي حوافر خيلهم من الفتوح.\rومنهم أوكتاي خان بن جنكزخان وهو أوكتاي، وهو الذي جلس على تخت القانية بعد وفاة أبيه جنكزخان، وكان جنكزخان. قد جعله مشيره وصاحب الرأي وعين له من البلاد آمل وقوتاق وجعله ولي عهده من بعده، وعهد إليه أنه إذا انتهى الملك إليه أن يعطي ما بيده من البلاد لولده كيوك خان ثم يتحول إلى مستقر الملك من بلاد الخطا والأيغور بقرا قورم وغيرها.\rومنهم جغطاي بن جنكزخان كان أبوه قد فوض إليه مهمات السياسة والحكومة للياسا واليرغو، وجعل له من البلاد للمراعي والمشاتي والمصيف من حدود بقاع الأيغور وسمرقند وبخارى وما يتاخم ذلك من البلاد. وكان مقامه قبل ذلك بقرب المالق وما يليها.\rفهؤلاء الأربعة هم المشار إليهم من أولاد جنكزخان وله غير هؤلاء منهم أورخان، وكلكان، والغوانوين، وجورجاي، وأولطاي خان، وأرديوا، وقد تقدم الخلاف فيه هل هو ابن جنكزخان أو ابن دوشي خان. ومن أولاده مغل بن جنكزخان وهو جد نوغية، ولنوغية هذا أخبار تذكر بعد ان شاء الله تعالى، وقد قيل إن مغل بن دوشي خان.","part":7,"page":391},{"id":3402,"text":"وأما بقية أولاد جنكزخان فلم تنقل إلينا أسماؤهم بحكم أنه لم يكن لهم ملك وإنما كانوا في خدمة إخوتهم. وعين جنكزخان أيضا لأخوته وأقاربه أماكن من ملكه، فاستقرت حالهم على ما قرره لهم، وكان قد خالف جنكزخان من قبائل التتار أويرات وقنورت فلم يزل جنكزخان يلاطفهم ويسوسهم إلى أن قرر على نفسه أن يزوجوهم مالهم من البنات ولذريتهم. واستقرت هذه القاعدة فيهم إلى وقتنا هذا.\rهذا ملخص ما انتهى إلينا من أخبار أولاد جنكزخان وما قرره لهم؛ فلنذكر أخبار من انتصب في القانية بعد وفاة جنكزخان من أولاده وأولادهم.\rملك أوكتاي بن جنكزخان\rقد ذكرنا أن جنكزخان كان قد كتب وصية قبل وفاته بمحضر إخوته وبعض بنيه، وقرر معهم أن يعملوا بها بعده، وأمرهم أنه إذا دخل فصل الربيع يجتمع إخوته وأولاده، والخواتين والأمراء وأن يذبحوا الدبائح ويعملوا الأفراح أربعين يوما من حين اجتماعهم؛ ثم تقرأ وصيته ويعمل بمقتضاها. فلما دخل فصل الربيع وذلك في سنة خمس وعشرين وستمائة، سير حلف الأعمام والأخوة والخواتين وأمراء التمانات؛ فكان أول من حضر منهم جغطاي بن جنكزخان ثم أخوه أوكتاي ثم حضر نقيبهم ولم يتخلف منهم أحد. ثم ذبحوا الذبائح وأحضروا الخمور وألبان الخيل، وهي القمز. وعملوا الأفراح إلى أن مضت المدة التي عينها لهم، ثم اجتمعوا وأخرجوا كتاب الوصية الذي اكتتبه جنكزخان، فقرئ بمشهد منهم، فإذا الوصية فيه بالملك لأوكديه خان. فلما سمع أوكديه خان ذلك قال: كيف أجلس على كرسي الملك وفي إخوتي وأعمامي من هو أكبر مني وأصلح، فلا أجلس. فلم يرجعوا إلى قوله، وأقام أخوه جغطاي وأخذ بيده اليمنى وأخذ عمه أوتكين بيده اليسرى فأقاماه وأجلساه على كرسي الملك. ثم ملأ أخوه الأصغر وهو ألغو نوين هناباً من المشروب فناوله إياه، فعند ذلك قام جميع من حضر من أعمامه وإخوته وأمراء التمانات فضربوا جوك - وهو الخدمة عنهم - ؛ وكيفيته أن يبرك الرجل منهم على أحد ركبتيه ويسير بمرفقه إلى الأرض؛ وهذه الخدمة عندهم غاية التعظيم. وشرب أوكديه خان ذلك الهناب، وأمر بإجلاس الناس على مراتبهم، ونزلهم منازلهم، فأجلس الأعمام والإخوة عن يمينه وأجلس الخواتين عن يساره. فقام الإخوة وجلسوا بين يديه وقالوا: قد امتثلنا ياسا أبينا جنكزخان، ونشد أوساطنا في الخدمة والإخلاص، ونبذل أنفسنا في الطاعة، فشكرهم أوكديه وفتح الخزائن، وفرق الأموال والخلع، وأنعم حتى على الغلمان والرعاة، وفرق الناس في مصايفهم ومنازلهم واستقر هو بقرا قروم وجهز أخاه دوشي خان إلى بلاد الشمال ففتحها في سنة سبع وعشرين وستماية وملكها وأقام بها على ما نذكر ذلك في أخبارهم.\rفلنذكر الحروب الكائنة بين عساكر أوكديه خان وبين السلطان جلال الدين وغيره من المسلمين.\rالحروب بين التتار والسلطان\rجلال الدين، وما كان من أمرهم إلى أن ملكوا ما كان بيده كانت أول حرب وقعت بين السلطان جلال الدين منكوبرتي وبين التتار بعد خروجه من الهند في سنة خمس وعشرين وستمائة بظاهر أصفهان، فهزموه ثم هزمهم، وأذاهم بالقتل ولم يسلم منهم إلا قليلا. وحكى أن هذه الطائفة من التتار كان جنكزخان قد نقم على مقدمها وأبعده عنه، وأخرجه من بلاده، فقصد خراسان فرآها خرابا، فقصد الري لتغلبه على تلك النواحي. ثم تقدم إلى قرب أصفهان فالتقى هو وجلال الدين، ولما هزمه جلال الدين، أرسل إليه أوكديه بن جنكزخان يقول إن هذه الطائفة ليست منا، فأمن عند ذلك جانب أوكتاي، ثم انقطعوا عنه ثلاث سنين.","part":7,"page":392},{"id":3403,"text":"وفي سنة ثمانة وعشرين وستمائة في أوائلها، وصلت طائفة من التتار من بلاد ما وراء النهر إلى تخوم أذربيجان. وكان سبب ذلك أن مقدم الاسماعيلية كاتبهم وعرفهم أن جلال الدين قد ضعف وانهزم من كيقباذ صاحب الروم ومن الأشرف، وأنه وقع بينه وبين من يجاوره من الملوك، ووصلت إساءته إلى كل منهم وأنهم لا ينصرونه وضمن لهم الظفر به. فبادرت طائفة منهم من التتار ودخلوا البلاد، واستولوا على الري وهمذان وما بينهما من البلاد، ثم قصدوا أذربيجان وقتلوا من ظفروا به من أهلها، ولم يقدم جلال الدين على قتالهم لتفرق عساكره ومخالفة وزيره شرف الملك عليه. وكان من كبسهم للسلطان جلال الدين، وانهزامه منهم، وتنقله من مكان إلى آخر ما قدمناه في أخباره. ثم كبسه التتار وهو بالقرب من آمد فهرب منهم. وكان من خبر مقتله ما قدمناه، فتمكن التتار بعد مقتله من البلاد وملكوها من غير ممانع عنها ولا مدافع.\rطاعة أهل أذربيجان للتتار\rقال ابن الأثير الجزري: وفي سنة ثمان وعشرين وستمائة أطاع أهل أذربيجان التتار. وسبب ذلك أن جلال الدين لما كبسه التتار بآمد وانهزم منهم، وانقطع خبره، سقط في أيدي الناس وأذعنوا بطاعة التتار وحملوا إليهم الأموال والثياب وغير ذلك. فممن دخل في طاعتهم أهل مدينة تبريز - وهو توريز - وهي أصل أذربيجان ومرجع الجميع إليها. وكان مقدم جيش التتار نزل بعساكره بالقرب منها ودعا أهلها إلى طاعته، وتهددهم إن امتنعوا عليه، فأرسلوا إليه الأموال والتحف ومن كل شيء حتى الخمر، وبذلوا الطاعة. فشكرهم على ذلك، وطلب حضور أكابر أهلها إليه، فتوجه إليه قاضي البلد ورئيسه وجماعة من الأعيان، وتخلف عنهم شمس الدين الطغرائي وكان مرجع الجميع إليه، إلا أنه لا يظهر ذلك. فلما حضروا عنده سألهم عن سبب امتناع الطغرائي من الحضور، فاعتذروا بانقطاعه وعدم تعلقه بالملوك وأنهم الأصل، فسكت. ثم طلب صناع الثياب الخطاي وغيرها فحضروا إليه، فأمرهم أن يستعملوا للقان ثيابا، وقرر ثمنها على أهل تبريز، وطلب منهم خركاة للقان أيضا فعملوا خركاة عظيمة غشوا ظاهرها بالأطلس وباطنها بالسمور والقندر، وقرر عليهم في كل سنة من المال والثياب شيئا معلوما.\rدخول التتار ديار الجزيرة\rقال: لما انهزم جلال الدين من التتار على آمد نهب التتار سواد آمد وميافارقين وقصدوا مدينة أسعرد فقاتلهم أهلها فبذل لهم التتار الأمان، فسلموا لهم البلد، فعند ذلك بذلوا فيهم السيف حتى كادوا يأتون عليهم، فما سلم منهم إلا من اختفى، وقليل ما هم. قيل إن القتلى بلغت تقدير خمسة عشر ألفا، وكانت مدة الحصار خمسة أيام، ثم ساروا منها إلى مدينة طنزة ففعلوا فيها كذلك، وساروا منها إلى واد بالقرب منها يقال له وادي القريشية، فيه طائفة من الأكراد القريشية، وفيه مياه جارية وبساتين كثيرة، والطريق إليه ضيق، فمنعهم القريشية منه وقتلوا كثيرا منهم، فعاد التتار ولم يبلغوا منهم غرضا، وساروا في البلاد لا مانع يمنعهم فوصلوا إلى ماردين فنهبوا ما مروا عليه من بلدها واحتمى صاحبها وأهل دنيسر بقلعة ماردين. ثم وصلوا إلى نصيبين الجزيرة فأقاموا عليها بعض يوم ونهبوا سوادها، وقتلوا من ظفروا به، وغلقت أبوابها فعادوا عنها، وتوجهوا إلى بلد سنجار، فوصلوا إلى البلاد من أعمالها، فنهبوا ودخلوا الخابور وصلوا إلى عربان، فنهبوا وقتلوا وعادوا وتوجهت طائفة منهم على طريق الموصل، فوصلوا إلى قرية تسمى المؤنسة، وهي على مرحلة من نصيبين بينها وبين الموصل، فنهبوا واحتمى أهلها وغيرهم بخان فيها، فقتلوا كل من فيه ومضت طائفة منهم إلى نصيبين الروم وهي على الفرات من أعمال آمد، فنهبوا وقتلوا منها ثم عادوا إلى آمد ثم إلى بلد بدليس فتحصن أهلها بالقلعة وبالجبال، فقتلوا فيها يسيرا، وأحرقوا المدينة، ثم ساروا من بدليس إلى خلاط فحصروا مدينة من أعمالها يقال لها باكري وهي من أحصن البلاد، فملكوها عنوة وقتلوا كل من بها، وقصدوا مدينة أرجيش من أعمال خلاط، وهي مدينة كبيرة عظيمة ففعلوا كذلك، وذلك في ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وستمائة.","part":7,"page":393},{"id":3404,"text":"قال ابن الأثير في تاريخه الكامل: لقد حكى لي عنهم حكايات يكاد سامعها يكذب بها من الخوف الذي ألقاه الله تعالى في قلوب الناس منهم، حتى قيل إن الواحد منهم كان يعبر القرية أو الدرب وبه جمع كثير من الناس فيقتلهم واحدا بعد واحد ولا يجسر أحد يمد يده إليه. قال: ولقد بلغني أن إنسانا منهم أخذ رجلا ولم يكن معه ما يقتله به فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح، فوضع رأسه على الأرض ومضى التتاري وأتى بسيف فقتله به. قال: وحكى لي كثير من ذلك أعفيت عنه رغبة في الاختصار.\rقال: وفي ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وصلت طائفة من التتار من أذربيجان إلى أعمال أربل، فقتلوا من على طريقهم من التركمان الإيوائية والأكراد وغيرهم إلى أن دخلوا إلى بلد أربل، فنهبوا القري وقتلوا من ظفروا به، ثم وصلوا إلى بلد دقوقا وغيرها وعادوا، ولم يرعهم أحد ولا وقف في وجوههم فارس.\rهذا آخر ما أورده ابن الأثير والمنشي في تاريخيهما من أخبار التتار لم يتجاوزا سنة ثمان وعشرين وستمائة، وبعض ما أوردناه لم يورداه في تاريخيهما كوفاة جنكزخان وقيام ولده، فإنه ما وصل إليهما. والله أعلم.\rوفاة أوكتاي خان\rوقيام ولده كيوك خان بعده وقتله كانت وفاة أوكديه خان بن جنكزخان في سنة إحدى وثلاثين وستمائة ولما دنت وفاته استدعى أعمامه والأمراء وأمرهم بإجلاس ولده كيوك خان على كرسي المملكة، وأمر أن يكون جلوسه بحضور الأعمام والإخوة والأمراء. فلما مات اجتمعوا كلهم، إلا دوشي خان فإنه كان قد أوغل في بلاد الشمال واستولى عليها وعلى ما يدانيها من القفجاق وغيرها، فلم يمكنه الحضور لبعد المسافة، فأرسل أخاه مغل بن جنكزخان، ومغل هذا هو جد نوغيه فسار مغل وأوصى على أولاده لعلمه ببعد المسافة. فلما وصل إلى قرا قروم اجتمع أهل البيت الجنكزخاني والخواتين فأنكروا عليه وقالوا له: ولم لم يأت دوشي خان، فاعتذر عنه بأعذار، فلم يقبلوها وأشاروا أن يسقوه سما فيقتلوه، فناولوه قدحا فشربه. فلما علم أن فيه السم أيس من الحياة وأخرج سكينا كان في خفه ووثب على كيوك فقتله، وخرج جماعة من أكابر الناس عليه فقتلوه.\rجلوس منكوقان بن تلي خان بن جنكزخان على تخت القانية\rومنكوقان هو الملك الرابع من الملوك الذين جلسوا على تخت القانية. قال: ولما قتل كيوك خان من غير وصية اجتمع أولاد الخانات وأمراء التمانات، واتفقت آراؤهم على إقامة منكوقان، فإنهم لم يجدوا في البيت أرجح منه ولا أرشح للملك، فأجلسوه على كرسي القانية. ولما استقر جرد أخاه قبلاي إلى بلاد الخطائية فعاد منهزما منهم، فأعاد وجهز معه أرنيكا، فتوجها إليهم بعساكرهما فكسروهم وغنموا غنايم كثيرة، فوقع بين الأخوين التنازع في الغنايم، حتى كان بينهما قتال، فهزم أرنيكا قبلاي ثم اصطلحا واستقر الأمر بينهما وكانت سائر ملوك التتار داخلة تحت طاعة من ينتصب على تخت القانية يأتمرون بأمره. وانما استقل كل منهم بنفسه وانفرد بمملكته بعد وفاة منكوقان. ولما ملك منكوقان انقطع التتار عن الوصول إلى العراق والروم وغيرهما مما يكون داخلا في طاعة الخلفاء العباسيين مدة سنين، وأري ذلك غنما كان لاشتغالهم بقتال من يليهم، ثم رجعوا إلى هذه الممالك ففتحوها مملكة بعد أخرى.\rدخول التتار بلاد الروم\rوما استولوا عليه من البلاد كان أول دخول التتار إلى البلاد الرومية في سنة أربع وثلاثين وستمائة، في أواخر أيام السلطان علاء الدين كيقباد وابتداء سلطنة ولده غياث الدين كيخسروا. ثم وردت طائفة منهم إلى الروم في سنة إحدى وأربعين وستمائة، في أيام السلطان غياث الدين كيخسرو. وكانت هذه الطائفة من قبل باطوخان بن دوشي خان بن جنكزخان، ملك البلاد الشمالية؛ فجمع كيخسروا العساكر وخرج إليهم والتقوا واقتتلوا. فكانت الهزيمة أولا على التتار ثم تراجعوا، فهزموا صاحب الروم هزيمة عظيمة، وقتلوا وأسروا خلقا كثيرا من المسلمين، ونهبوا من الأموال ما لا يحصى كثرة. وهرب غياث الدين إلى بعض المعاقل، وتحكمت التتار في البلاد، ثم استولوا على بلاد خلاط وآمد، ودخل غياث الدين بعد ذلك في طاعة التتار على مال يحمله إليهم.","part":7,"page":394},{"id":3405,"text":"وفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة، قصد التتار بغداد ونهبوا ما مرو عليه في طريقهم، ووصلوا إلى ظاهرها، واستعدت عساكر الخليفة للقائهم. فلما جاء الليل أوقد التتار نارا عظيمة ورجعوا تحت الليل. ثم انقطعت أخبار التتار إلى أن جردهم منكوقان في سنة أربع وخمسين وستمائة على ما نذكره.\rتجريد منكوقان العساكر إلى بلاد الروم وما استولوا عليه منها\rوفي سنة أربع وخمسين وستمائة جرج منكوقان جرماغون وبيجو وجماعة من عساكره إلى بلاد الروم؛ وهي يومئذ في يد السلطان غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ السلجقي. فساروا إليها ونزلوا على أرزن الروم، وبها يومئذ سنان الدين ياقوت العلائي أحد مماليك السلطان علاء الدين كيقباذ. فحاصروها مدة شهرين ونصبوا عليها اثني عشر منجنيقا، فهدموا أسوارها، ودخلوها عنوة، وأخذوا سنان الدين ياقوت، وملكوا القلعة في اليوم الثاني، وقتلوا الجند واستبقوا أرباب الصنائع وذوي المهن، وقتلوا ياقوت؛ وغنموا وسبوا، وعادوا، وما جرماغون ثم عاد بيجو إلى الروم مرة ثانية في هذه السنة، فوصل إلى آقشهر زنجان، ونزل بالصحراء التي هناك. فجمع غياث الدين كيخسروا عساكره وسار للقائهم، فانهزم من غير لقاء، كما ذكرناه في أخباره، وغنم التتار خيامه وخزائنه وأثقاله إلا ما حمله مما خف منها. وفر غياث الدين إلى قونية وتوفى في هذه السنة.\rوعاد بيجو ثم رجع إلى بلاد الروم في سنة خمس وخمسين وستمائة فدخلها وشن الغارات وسبى، وكان المحرك لعوده أن بيجار الرومي حضر إلى باب السلطان غياث الدين ليحضر السماط، ولم تكن له صورة بعسكر الروم، فمنعه البرددارية وضربه بعضهم بعصاه على رأسه، فسقط طرطوره إلى الأرض فشق ذلك عليه، وقال: أنتم رميتم طرطوري في هذا الباب، لا بد أن أرمي عوضه رؤوسا كثيرة. وخرج من فوره وتوجه إلى بيجو وحثه على قصد الروم، فقصده وأغار وخرج بعد الإغارة.\rثم عاد إلى الروم في هذه السنة، وقد استقل عز الدين كيكاوس ابن كيخسرو بالسلطنة. فلما بلغه عود التتار، جهز جيشه وقدم عليهم أميرا من أكابر أمرائه اسمه أرسلان دغمش، فتوجه بعساكر الروم وكان بيجو قد نزل بصحراء قونية. فلما كان بعد توجه أرسلان بأيام شرب كيكاوس مسكرا وتوجه إلى بيت أرسلان دغمش وهو على حالة من السكر ليهجم على حريمه؛ فبلغه ذلك فغضب له وقال: أكون قد بذلت نفسي في دفع عدوه ويخلفني في حريمي بهذا. وأجمع على الخلاف، وأرسل إلى بيجو ووعده أنه يتخاذل عند اللقاء وينحاز إليه.\rفلما التقوا، عمل أرسلان إلى سناجق صاحبه فكسرها وانهزم بالعسكر ثم توجه إلى بيجو فأكرمه وتلقاه وحضر معه إلى قونية. ولما اتصل خبر الكسرة بالسلطان عز الدين فر من قونية إلى العلايا وأغلق أهل قونية أبواب المدينة. فلما كان يوم الجمعة أخذ الخطيب ما يملكه من ماله وحلى نسائه وأحضره معه إلى الجامع، ورقى المنبر وقال: يا معشر المسلمين، إننا قد ابتلينا بهذا العدو وليس لنا من يعصمنا منه، وقد بذلت مالي، فابذلوا أموالكم واشتروا نفوسكم بنفائسكم، واسمحوا بما عندكم لنجمع من بيننا ما نفدى به نفوسنا وحريمنا وأولادنا. ثم بكى وأبكى الناس وسمح كل أحد بما أمكنه.","part":7,"page":395},{"id":3406,"text":"وجهز الخطيب المذكور الإقامات وخرج إلى مخيم بيجو فلم يصادفه، لأنه كان قد توجه إلى الصيد، فقدم ما كان معه إلى الخاتون زوجه بيجو، فقبلته منه وأقبلت عليه وأكل من المأكول فأكلت وقدم المشروب فأخذ منه شيئا على سبيل الشاشني، وناوله لصغير. فقال له: لم لا تشرب أنت منه ؟ فقال: هذا محرم علينا. قالت: من حرمه ؟ قال: الله حرمه في كتابه. قالت: فكيف لم يحرمه علينا ؟ فقال: أنتم كفار ونحن مسلمون فقالت له: أنتم خير عند الله أم نحن ؟ قال: بل نحن. قالت: فإذا كنتم خيرا منا عنده، فكيف نصرنا عليكم ؟ فقال: هذا الثوب الذي عليك - وكان ثوبا نفيسا يمنيا مرصعا بالدراتب - تعطيه لمن يكون خاصا بك أو بعيدا عنك ؟ قالت: بل أخص به من يختص بي. قال: فإذا أضاعه وفرط فيه ودنسه، ما كنت تصنعين به ؟ قالت: كنت أنكل به وأقتله. فقال لها: دين الإسلام بمثابة هذا الجوهر، والله أكرمنا به فما رعيناه حق رعايته، فغضب علينا وضربنا بسيوفكم واقتص منا بأيديكم. فبكت زوجة بيجو وقالت للخطيب: من الآن تكون أبي وأكون ابنك. فقال: ما يمكن حتى تسلمي. فأسلمت على يديه، وأجلسته إلى جانبها على السرير، فحضر بيجو من الصيد، فهم الخطيب أن يقوم له، فمنعته وقالت: أنت قد صرت حماه وهو يريد يجئ إليك ويخدمك. فلما دخل بيجو إلى الخيمة قالت له: هذا قد صار أبي. فجلس بيجو دونه وأكرمه وقال لزوجته: أنا عاهدت الله أنني إذا فتحت قونية وهبتها لك. فقالت: وأنا وهبتها لأبي. ثم أمر بفتح قونية، وأمن أهلها ورتب على كل باب شحنة من التتار ورسم أن لا يدخلها من التتار إلا من له حاجة، وأن يكونوا خمسين خمسين، لا يزيدون على ذلك. فلم يتعرضوا لأهلها بسوء. ثم اتفق بعد هذه الواقعة توجه رسل صاحب الروم إلى منكوقان، ومصالحتهم وبذلهم ما بذلوه وقسمه البلاد بين ولدي كيخسرو على ما قدمناه في أخبارهم.\rمهلك منكوقان وما حصل بين اخوته من التنازع في القانية\rكانت وفاة منكوقان بمقام نهر ألطاي من بلاد أيغور، سنة ثمان وخمسين وستمائة. وكان قد قصد غزو الخطا. وكان منكوقان يدين بدين النصرانية، وكان أخوه أرنيكا ينوب عنه في كرسي المملكة بقراقروم. فلما مات منكوقان، أراد أرنيكا الاستيلاء على المملكة، وكان أخوه قبلاي مجرداً ببلاد الخطا من جهة منكوقان، فجلس في دست القانية. فأرسل بركة بن باطوخان صاحب البلاد الشمالية إلى أرنيكا يقول: أنت أحق بالقانية، لأن منكوقان رتبك فيها في حياته، وانضم إليه بنو عمه قجى ابن أوكتاي وأخوته. ثم عاد قبلاي من بلاد الخطا، فسار أرنيكا لحربه، والتقوا واقتتلوا فكانت الكسرة على قبلاي، وانتصر أرنيكا، واحتوى على الغنائم والسبايا واختص بها، ولم يسهم منها لأحد من بني عمه شيئا. فوجدوا عليه وتفرقوا عنه ومالوا إلى قبلاي، فعاود القتال، فاستظهر قبلاي عليه وأخذ أرنيكا أسيرا.\rملك قبلاي بن تولى خان بن جنكزخان القانية وهو الخامس من ملوكهم\rقال: ولما انهزم جيش أرنيكا وأسر هو، استقر قبلاي في القانية بقراقروم، وسقى أرنيكا سما فمات. وبلغ ذلك هولاكو، فسار في طلب القانية لنفسه، فما وصل إلى البلاد إلا وقد استقر أخوه قبلاي في القانية فاستقر له ما افتتحه من الأقاليم.","part":7,"page":396},{"id":3407,"text":"وفي سنة سبع وثمانين وستمائة كانت الحرب بين جيوش قبلاي القان وبين قيدوا بن قيجي بن طلوخان بن جنكز خان صاحب ما وراء النهر. وكان سببها أنه قبلاي غضب على أمير من أمرائه اسمه طردغا، فأحس أن قبلاي قد عزم على الإيقاع به، فهرب ولحق بقيدو وحسن له قصد قبلاي وحربه، وأطمعه في القانية. وقال: إن قبلاي قد كبر سنه وما بقي ينهض بتدبير مملكته وإنما أولاده هم الذين يتولون الأمور وهم صبيان، فسار قيدو بجيوشه وطردغا صحبته، وبلغ قبلاي الخبر فجهز جيوشه صحبة ولده نمغان. فلما صار قيدوا بالقرب من القوم بلغه ما هم عليه من الكثرة، فهم بالرجعة فقال له طردغا: يعطيني الملك تمانا من نقاوة العسكر، وأنا أدبر الحيلة وأهزمهم فقال له قيدوا: وكيف تصنع ؟ فقال: إن الطريق أمامنا فيه واد بين جبلين، فأتوجه أنا بالتمان وأكمن في الوادي، ويتقدم الملك إلى القوم، فإذا التقى الجمعان يرجع الملك فهم لا بد يتبعونه، فإذا تبعوه نستدرجهم إلى أن يصيروا بينه وبين الوادي، فأخرج أنا إليهم ويعطف الملك عليهم بمن معه. ففعل قيدو ذلك وفر أمامهم حتى تجاوزوا الكمين. فخرج عليهم طردغا وعطف قيدو بمن معه فانكسر نمغان وعساكره وقتل منهم خلق كثير. وسار قيدو ومن معه في آثارهم حتى أشرفوا على منازلهم، ونهبوا من النساء والصبيان شيئا كثيرا. وجلبت المماليك التتار إلى الديار المصرية إثر هذه الوقعة. قال: ولما وصل نمغان إلى أبيه غضب عليه، وأرسله إلى بلاد الخطا فأقام حتى مات.\rودامت أيام قبلاي وطالت إلى سنة ثمان وثمانين وستمائة، فكانت مدة ملكه نحوا من ثلاثين سنة. ولما مات جلس بعده ابنه شرمون بن قبلاي بن تلي خان بن جنكزخان وهو السادس من ملوكهم.\rكان جلوسه على تخت القانية بعد وفاة أبيه في شهور سنة ثمان وثمانين وستمائة وكان لقبلاي ثلاثة أولاد وهم نمغان وشرمون وكملك. فأما نمغان فإنه كان ببلاد الخطا كما ذكرنا، فمات بها. وكان شرمون هو الأكبر، فجلس في الملك ودامت أيامه إلى سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وتوفي فيها أو فيما يقاربها. ولما مات سار طقطا بن منكوتمر صاحب البلاد الشمالية في طلب القانية، فمات أيضا ولم يلها. وجلس على كرسي القانية أحد أولاده ولم يصل إلينا جلية الخبر فنذكره. فلنذكر ملوك البلاد الشمالية من البيت الجنكزخاني\rملوك البلاد الشمالية\rمن أولاد جنكزخان التمرجي هذه المملكة ببلاد الشمالي ونواحي الترك والقفجاق وكرسيها مدينة حراي. وأول من ملك هذه المملكة من أولاد جنكزخان. دوشي خان وهو الذي فتحها لما جهزه أخوه أوكديه خان عند انتصابه في القانية بعد مهلك جنكزخان، وذلك في سنة سبع وعشرين وستمائة، وهلك في سنة إحدى وأربعين وستمائة.\rوملك بعده ابنه باطوخان بن دوشي خان، وهو الملقب صاين قان، واستمر في الملك من سنة إحدى وأربعين وستمائة إلى أن توفي في سنة خمسين وستمائة. وكانت مدة ملكه عشر سنين وهو الثاني من ملوك هذه المملكة.\rولما مات صاين قان خلف من الأولاد ثلاثة، وهم طغان وبركة وبركجار. فنازعهم عمهم صرطق بن دوشي خان بن جنكزخان الملك، واستبد به دونهم، فملك في سنة خمسين وستمائة وهو الثالث من ملوك هذا البيت واستمر في الملك إلى أن هلك في سنة اثنتين وخمسين وستمائة، فكانت مدة ملكه سنة وشهوراً. ولم يكن له ولد.\rوكانت براق شين زوجة طغان ابن أخيه باطوخان قد أرادت أن تولي ولدها تدان منكوا السلطنة بالبلاد الشمالية بعد وفاة صرطق، وكان لها بسطة وتحكم، فلم يوافقها الخانات أولاد باطو خان عمومة ابنها، وأمراء التمانات على ذلك. فلما رأت ذلك من اقناعهم راسلت هولاكو بن تلي خان وأرسلت إليه نشابة بغير ريش، وقباءاً بغير بنود؛ وأرسلت إليه تقول له: قد تفرع الكاشن من النشاب وخلا القرنان من القوس، فتحضر لتتسلم الملك ثم سارت في إثر الرسول، وقصدت اللحاق بهولاكو أو إحضاره إلى بلاد الشمال. فلما بلغ القوم ما دبرته أرسلوا في إثرها وأعادوها، على كره منها وقتلوها.\rهذا ما انتهى علمه إلينا من أخبار هؤلاء الملوك الثلاثة، ولم نطلع على ما كان لكل منهم من الأخبار والحروب والوقائع والفتوحات فنذكره، وإنما أوردنا ما أوردناه وما نورده مما تلقفناه من أفواه الرجال.\rملك بركة بن باطوخان","part":7,"page":397},{"id":3408,"text":"بن دوشي خان ابن جنكزخان وهو الرابع من من ملوك هذه المملكة الشمالية كان جلوسه على تخت المملكة الشمالية في سنة اثنتين وخمسين وستمائة بعد وفاة عمه صرتق، وأسلم بركة هذا وحسن إسلامه، وأقام منار الدين، وأشهر شعائر الإسلام وأكرم الفقهاء وأدناهم منه، وقربهم لديه ووصلهم، وابتنى المساجد والمدارس بنواحي مملكته، وهو أول من دخل في دين الإسلام من عقب جنكزخان. لم ينقل إلينا أن أحدا منهم أسلم قبله. ولما أسلم أسلم أكثر قومه وأسلمت زوجته ججك خاتون، واتخذت لها مسجدا من الخيام تسافر به.\rوفي سنة ثلاث وخمسين وستمائة كانت الحرب بين بركة وهولاكو ملك خراسان والعراقين وما مع ذلك. وذلك أن هولاكو لما انتهت إليه رسالة براق شين زوجة طغان كما ذكرناه، أطمعه ذلك في ملك هذه المملكة ليضمها إلى ما بيده من الممالك. فتجهز وسار بجيوشه إليها، فكان وصوله بعد قتل براق شين وجلوس بركة على سرير الملك وانتظام الأمر له.\rولما اتصل ببركة خبر هولاكو وقربه من البلاد سار بجيوشه للقائه وكان بينهما نهر يسمى نهر ترك وقد جمد ماؤه لشدة البرد، فعبر عليه هولاكو بعساكره إلى بلاد بركة. فلما التقوا واقتتلوا كانت الهزيمة على هولاكو. فلما وصل إلى ذلك النهر تكردس أصحابه عليه، فانخسف بهم، ففرق منهم خلق كثير، ورجع هولاكو بمن بقي معه من أصحابه إلى بلاده. ونشأت الحرب بينهم من هذه السنة، وكان فيمن شهد هذه الوقعة مع بركة ابن عمه نوغيه ابن ططر بن مغل بن جنكزخان فأصابته طعنة رمح في عينه فغارت ولنوغيه هذا أخبار نذكرها بعد إن شاء الله تعالى.\rوراسل بركة هذا السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي ملك الديار المصرية والممالك الشامية في سنة إحدى وستين وستمائة يخبره بما من الله تعالى به عليه من الإسلام فأجابه السلطان يهنيه بهذه النعمة، وجهز له هدايا جليلة، من جملتها ختمة شريفة ذكر أنها من المصاحف العثمانية، وسجادات للصلاة وأكسية لواتية، وعدة من النطوع المصرطقة والأديم وسيوف قلاجورية مسقطة، ودبابيس مذهبة، وخوذ وطوارق، وفوانيس وشمعدانات، ومشاعل جفناوات وقواعد برسمها مكفتة، وسروج خوارزمية؛ ولجم؛ كل ذلك بسقط الذهب والفضة، وقسي حلق وقسي بنيدق وحروج وأسنة ونشاب بصناديقه وقدور برام، وقناديل مذهبة، وخدام سود، وجواري طباخات، وخيول عربية سبق، وهجن نوبية، وحمير فرة، ونسانيس وبغانغ وغير ذلك. وأعاد السلطان الملك الظاهر رسله في شهر رمضان من السنة المذكورة، وكتب إليه يغريه بهولاكو ويحضه على حربه.\rوفي سنة ثلاث وستين وستمائة كانت الحرب بين عساكر بركة وعساكر أبغا بن هولاكو، وذلك أن هولاكو لما توفي في هذه السنة وجلس ابنه أبغا بعده، جهز جيشا لقتال بركة، فلما بلغه الخبر جهز جيشا وقدم عليه ييسوا نوغا بن ططر بن مغل، فصار في المقدمة ثم أردفه بمقدم آخر اسمه بستاي في خمسين ألف فارس، فسبق نوغا بمن معه وتقدم إلى عسكر أبغا وبستاي على إثره. فلما أشرفت عساكر أبغا على بستاي وهو مقبل في سواده العظيم تكردسوا وتجمعوا للهزيمة، فظن بستاي أنهم أحاطوا بنوغا ومن معه فانهزم راجعا من غير لقاء. وأما نوغا فإنه تبع عساكر أبغا وواقعهم وهزمهم، وقتل منهم جماعة وعاد إلى بركة؛ فعظم قدره عنده وارتفع محله، وقدمه على عدة تمانات. وعظم ذنب بستاي عند بركة.\rودامت أيام بركة هذا بهذه المملكة إلى أن توفي في سنة خمس وستين وستمائة وهو على دين الإسلام، رحمه الله تعالى. ولم يكن لبركة ولد يرث الملك من بعده فاستقر الملك من بعده لابن أخيه منكوتمر.\rملك منكوتمر\rبن طوغان بن باطوخان ابن دوشي خان بن جنكزخان وهو الخامس من ملوكهم بهذه المملكة ملك هذه المملكة وجلس على كرسي الملك بصراي، وصار إليه ملك بلاد الشام والترك والقفجاق وباب الحديد وما يليه؛ وذلك في سنة خمس وستين وستمائة. ولما ملك كاتبه السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي من الديار المصرية بالتهنئة والتعزية بعمه، وأغراه بأبغا بن هولاكو وحرضه عليه كما كان قد فعل لما كاتب بركة، وذلك في سنة ست وستين وستمائة.\rمسير عساكر منكوتمر إلى بلاد القسطنطينية","part":7,"page":398},{"id":3409,"text":"وفي سنة ثمان وستين وستمائة جهز منكوتمر جيشا إلى اصطنبول. وكان رسول السلطان الملك الظاهر ركن الدين يومذاك عند الأشكري، وهو فارس الدين المسعودي. فخرج المذكور إلى عسكر منكوتمر وقال: أنتم تعلمون أن صاحب اصطنبول صلح مع صاحب مصر وأنا رسول الملك الظاهر، وبين أستاذي وبين الملك منكوتمر مراسلة ومصالحة واتفاق. واصطنبول مصر ومصر اصطنبول. فرجعوا عنها ونهبوا بلادها وشعثوا. فلما وصل الفارس المسعودي في الرسلية إلى الملك منكوتمر من جهة السلطان، أنكر عليه كونه صد جيوشه عن أخذ اصطنبول. وكان المسعودي قد فعل ذلك من قبل نفسه وبرأيه، لا برأي السلطان الملك الظاهر وأمره. فلما عاد المسعودي إلى السلطان الملك الظاهر نقم عليه وضربه واعتقله.\rولما كان جيش منكوتمر باصطنبول ورجعوا، مروا بالقلعة التي فيها عز الدين كيكاوس صاحب الروم معتقلا فأخذوه منها، وأحضروه إلى الملك منكوتمر، فأكرمه وأحسن إليه وأقام عنده إلى أن مات.\rودامت أيام منكوتمر إلى سنة تسع وسبعين وستمائة وتوفي، ووردت الأخبار بوفاته إلى الديار المصرية في سنة إحدى وثمانين وستمائة. وكان سبب وفاته أنه طلع له دمل في حلقه فبظه فمات منه في شهر ربيع الأول من السنة. فكانت مدة ملكه نحو أربع عشرة سنة.\rوخلف منكوتمر من الأولاد تسعة، وهم ألغى وأمه ججك خاتون وكان لها حرمة وبسطة لأنها من الذرية القانية، وبرلك، وصراي بغا، وطغرلجا، وتلغان وتدان وطفطا وهو الذي ملك البلاد فيما بعد، وقدان، وقطغان. وكان له منكوتمر من الإخوة لأبيه تدان منكوا، وأدكجي؛ وتدان منكوا أكبرهم. فدفع تدان منكوا أولاد أخيه عن الملك واستقر هو في الملك بعد أخيه منكوتمر.\rملك تدان منكوا\rبن طغان بن باطوخان ابن دوشي خان بن جنكزخان ملك البلاد الشمالية بعد وفاة أخيه في شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين وستمائة. وقيل إنه جلس في جمادى الآخرة سنة ثمانين. وهو السادس من ملوك هذه المملكة. وكان السلطان الملك المنصور قلاوون صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية قد أرسل رسلا إلى منكوتمر وهما شمس الدين سنقر الغتمي، وسيف الدين تلبان الخاص تركي؛ وسير معهما ستة عشر تعبية من القماش النفيس لمن يذكر: الملك منكوتمر، وأدكجي، وتدان منكو، وتلا بغا، ونوغاي؛ وكان قد تقدم عنده. وما هو للخواتين من الأقمشة وهن: ججك خاتون وإلجي خاتون وتوتكين خاتون، وبدارن خاتون وسلطان خاتون وخطلوا خاتون. وما هو للأمراء وهم: الأمير مادوا أمير الميسرة، والأمير طبرا أمير الميمنة. وما هو لقيالق زوجة ايلجي. وما هو للسلطان غياث الدين صاحب الروم وكانت هدية جليلة من الأقمشة والتحف والقسي والجواشن والخوذ. فلما وصلا وجدا منكوتمر قد مات، وجلس تدان منكوا في الملك، فقدموا له الهدية فقبلها.\rواستمر تدان منكوا في الملك إلى سنة ست وثمانين وستمائة، فأظهر الزهد والتخلي عن النظر في أمور المملكة وصحب الفقراء والمشايخ وقنع بالقوت، فقيل له: إن المملكة لا بد لها من ملك يسوس أمورها، فنزل عن الملك لتلابغا.\rملك تلابغا\rبن طربوا بن دوشي خان ابن جنكزخان ملك البلاد الشمالية بعد تزهد تدان منكوا في سنة ست وثمانين وستمائة، وهو السابع من ملوك هذه المملكة. فلما ملك تجهز بعساكره لغزو الكرك واستدعى نوغيه بن ططر بن مغل بن دوشي خان، وهو الذي قلعت عينه في حرب هولاكو كما ذكرناه. وأمره بالمسر بمن معه من التمانات، فسار إليه وتوافيا في المقصد، وشنوا الغارة على بلد كرك ونهبوا وقتلوا وعادوا وقد اشتد البرد وكثرت الثلوج، ففارقهم نوغيه بمن معه وسار إلى مشاتيه، فوصل سالما. وسار تلابغا، فضل عن الطريق فهلك جماعة ممن معه واضطره الحال إلى أن أكل أصحابه دوابهم وكلاب الصيد ولحوم من مات منهم لشدة ما نالهم من الجوع. فتوهم أن نوغيه قصد له المكيدة فأضمر له السوء، وكان ذلك سبب قتله.\rمقتل تلابغا","part":7,"page":399},{"id":3410,"text":"كان مقتله في سنة تسعين وستمائة وذلك أنه لما عاد من غزو الكرك اجتمع على الإيقاع بنوغيه، ووافقه على ذلك من انتمى إليه من أولاد منكوتمر. وكان نوغيه شيخا مجربا له معرفة وممارسة بالمكائد، فنمى الخبر إليه فكتمه، ثم أرسل تلابغا يستدعي نوغيه وأظهر له احتياجه إلى مشورته وأخذ رأيه، فراسل نوغيه والدة تلابغا وقال لها: إن ابنك شات وإنني أحب أن أبذل له النصيحة وأعرفه بما يعود عليه نفعه من مصالح ملكه، ولا يمكن أن أبديها له إلا في خلوة يجب ألا يطلع عليها سواه، وأختار أن ألقاه في نفر يسير. فمالت المرأة إلى مقالته وأشارت على ابنها بموافقته والاجتماع به وسماع ما يقول. ففرق تلابغا عساكره التي كان جمعها وأرسل إلى نوغيه ليحضر عنده، فتجهز بجميع من عنده من العساكر وأرسل إلى أولاد منكوتمر الذين كانوا يميلون إليه، وهم طقطا برلك وصراي بغا وتدان باللحاق معهم. ثم سار مجدا فلما صار بالقرب من مقام تلابغا الذي تواعدا أن يجتمعا فيه ترك العسكر الذي معه وأولاد منكوتمر طقطا وإخوته كمينا واستصحب معه نفرا يسيرا، وتوجه نحو تلابغا، فصار تلابغا لتلقيه ومعه من أولاد منكوتمر أولغى وطغرلجا وتلغان وقدان وقتغان، وهم الذين انحازوا إليه. فلما اجتمع تلابغا ونوغيه وأخذا في الحديث لم يشعر تلابغا إلا وخيول أصحاب نوغيه قد أقبلت، فتحير في أمره وتقدم العسكر، فأمرهم نوغيه بإنزال تلابغا ومن معه من أولاد منكوتمر عن خيولهم فأنزلوهم، ثم أمر بربطهم فربطوا وقال لطقطا: هذا تغلب على ملك أبيك وهؤلاء بنو أبيك وافقوه على أخذك وقتلك. وقد سلمتهم إليك، فاقتلهم أنت كما تشاء، فقتلهم جميعا.\rملك طقطا\rبن منكوتمر بن طوغان ابن باطوخان بن دوشي خان بن جنكزخان وهو الثامن من ملوك هذه المملكة ملك البلاد الشمالية في سنة تسعين وستمائة. وذلك أنه لما قتل تلابغا وإخوته الخمسة أولاد منكوتمر أجلسه نوغيه على كرسي الملك، ورتب أمور دولته، وسلم إليه من بقي من إخوته الذين اتفقوا معه. وقال: هؤلاء إخوتك يكونون في خدمتك فاستوص بهم. وعاد نوغيه إلى مقامه، وبقي في نفسه من الأمراء الذين اجتمعوا مع تلابغا عليه عندما أرسل إليه يستدعيه.\rايقاع طقطا بجماعة من أمرائه\rوفي سنة اثنتين وتسعين وستمائة، جهز نوغيه زوجته ييلق خاتون إلى الملك طقطا برسالة. فلما وصلت إلى الأردو تلقاها بالإكرام واحتفل بها غاية الاحتفال، ثم سألها عن موجب حضورها، فقالت له: أبوك يسلم عليك ويقول لك: قد بقي في طريقك قليل شوك فنصفه. قال: وما هو ؟ فسمت له الأمراء وهم: كلكتاي ويوقق وقرا كيوك وما جار وتاين طقطا وكبى وبركوا وطراتمر والتمر ونكا وبيطرا وبيملك تمر وبيطقتمر وبيقور الطاجي وتادوة وملخكا وبرلغي وكنجك وشردق وقراحين وجاجري وابشقا بينننجي. وهؤلاء هم الذين اتفقوا مع تلابغا على نوغيه. فلما أبلغته هذه الرسالة، وسمعت له هؤلاء الأمراء، طلبهم وقتلهم جميعا، وعادت ييلق خاتون إلى نوغيه فاطمأن خاطره؛ وتحكم أولاد نوغيه وأولاد أولاده. وكان له من الأولاد الذكور ثلاثة وهم جكا وتكا وطراي وابنة تسمى طغلجا وابن بنت يسمى أقطاجي. وكانت ابنته متزوجة لشخص يسمى طاز بن منجك، فقويت شوكتهم، ثم وقع الخلف بين طقطا ونوغيه.\rابتداء الخلف بين طقطا ونوغيه","part":7,"page":400},{"id":3411,"text":"وفي سنة سبع وتسعين وستمائة ابتدأ الخلف بين طقطا ونوغيه، وكان لذلك أسباب منها: أن ييلق خاتون زوجة نوغيه نفرت من ولديه جكا وبكا وأظهرا لها الإساءة والامتهان، فأغرت طقطا بهما وأرسلت إليه تحرضه عليهما. ومنها أن بعض أمراء طقطا أوجسوا منه خيفة ففارقوه وانحازوا إلى نوغيه؛ فقبلهم وأحسن إليهم، وأنزلهم في حوزته، وزوج أحدهم وهو طاز بن منجك بابنته، فطلبهم طقطا منه فمنعهم عنه فأغضبه ذلك، وأرسل إليه رسولا وصحبته محراث وسهم نشاب وقبضة تراب. فجمع أكابر عشيرته وقال: ما عندكم فيما أرسله طقطا ؟ فقال كل منهم قولا، ما أصبتم وأنا أخبركم بمراده. أما المحراث فهو يقول: إن نزلتم إلى أسافل الأرض أطلعتكم بهذا المحراث؛ وأما النشابة فيقول: إن طلعتم إلى الجو أنزلتكم بهذا السهم، وأما التراب فيقول: اختاروا لكم أرضا تكونون فيها للملتقى. فقال نوغيه لرسوله: قل لطقطا إن خيلنا قد عطشت ونريد نسقيها من ماء تن - وهو نهر على مقام صراي وفيه منازل طقطا - وجمع جنوده وسار للقائه.\rالواقعة الأولى بين طقطا ونوغيه\rوفي سنة سبع وتسعين وستمائة سار طقطا للقاء نوغيه، فجمع عساكره ومن انضاف إليه، وكانوا يزيدون على مائتي ألف فارس. وسار كل منهما لقصد صاحبه، فالتقوا على نهر يقصى بين مقام طقطا ومقام نوغيه. فكانت الهزيمة على طقطا وعساكره، وانتهت بهم الهزيمة إلى نهر تن، فمنهم من عبر وسلم ومنهم من هوى به فرسه فغرق. وأمر نوغيه عساكره أن لا يتبعوا منهزما ولا يجهزوا على جريح، وأخذ الغنائم والسبايا والأسلاب وعاد إلى مكانه.\rالوقعة الثانية وقتل نوغيه\rوفي سنة تسع وتسعين وستمائة، عزم طقطا على حرب نوغيه، واتفق أن جماعة من أمراء نوغيه الذين كان يعتمد عليهم فارقوه وانحازوا إلى طقطا. فقويت به شوكتهم، وكانوا في ثلاثين ألف فارس. ولما تجهز طقطا اتصل خبره بنوغيه، فتجهز أيضا لحربه وخرج كل منهما للقاء الآخر. فلما صار بينهما مسافة يوم، أرسل نوغيه شخصا ومعه مائة فارس للكشف، فظفر بهم طقطا وقتلهم ونجا مقدمهم بمفرده. فأخبر نوغيه أن العسكر قد دهمه، فركب فيمن معه والتقوا على كوكان لك واقتتلوا، فكانت الكسرة على نوغيه في وقت المغرب، فانهزم أولاده وعشائره وثبت هو على ظهر فرسه، وكان قد كبر وطعن في السن، وتغطت عيناه بشعر حواجبه، فوافاه رجل روسي من عسكر طقطا وقصد قتله، فعرفه بنفسه وقال: أنا نوغيه فاحملني إلى طقطا فلي معه حديث. فلم يصغ الروسي لمقالته وقتله. وحمل رأسه إلى طقطا وقال: هذا رأس نوغيه. فقال له: ومن الذي أعلمك أنه نوغيه ؟ فقص عليه القصة. فآلمه ذلك، وأمر بقتل قاتله، وقال: إن من السياسة قتله حتى لا يجترئ أمثاله على قتل مثل هذا الرجل الكبير. ثم عاد طقطا إلى مقامه.\rأولاد نوغيه\rولما انهزم عسكر نوغيه وقتل، استقر أولاده بمقامه فلم تطل بهم الأيام حتى وقع الخلف بينهم. وقتل جكا بن نوغيه أخاه بكا، واستبد جكا بملك أبيه وأقام له نائبا يسمى طنغر؛ فنفر عنه أصحابه وعلموا أنه لا يبقي عليهم بعد أن قتل أخاه. واتفق نائبه طنغر مع طاز بن منجك - وهو صهر نوغيه، زوج ابنته طغلجا - على الإغارة على بلاد أولاق والروس. فسارا وتذاكرا سوء سيرة جكا فيهم، واتفقا على أن يقبضا عليه عند عودهما، وعادا لذلك. فبلغه الخبر ففر منهما في مائة وخمسين فارسا، ودخل بلاد آص وكان بها مقدم وطمأن من عسكره فأقام بينهم. ووصل طنغر ثانية وطاز بن منجك صهره إلى بيوته فنهبوها واستولوا عليها.","part":7,"page":401},{"id":3412,"text":"ولما أقام جكا ببلاد آص تسلل إليه كثير من عسكره، فكثرت بهم عدته، وسار لحرب طنغر وطاز بن منجك، والتقوا واقتتلوا فاستظهر جكا عليهما وأسروا بيوتهما به. وكانت أخته طقلجا تقاتله بنفسها في هذه الوقعة. فلما انكسر زوجها ومن معه، كاتبوا طقطا يستمدونه، فأمدهم بجيش صحبة أخيه برلك بن منكوتمر.. فلما جاءهم المدد والتقوا للقتال لم يكن لكيجا بهم قبل، فهرب إلى بلاد أولاق، وكان ملكها والحاكم عليها صروجا أحد أقارب جكا فآوى إليه، فاجتمع أصحابه وقالوا: هذا عدو طقطا، ولا نأمن أنه إذا بلغه أنه انحاز إلينا يقصدنا بجيوشه ولا قبل لنا به. فأمسكه دعوقه في قلعته واسمها تزنوا وطالع طقطا بأمره فأمره بقتله، فقتله في هذه السنة وهي سنة سبعمائة، ودخلت مملكة الملك طقطا ممن يساويه، واستقر يزلك بن منكوتمر في مقام نوغيه من قبل أخيه طقطا. ولم يبق من أولاد نوغيه إلا أصغرهم وهو طراي. ورتب طقطا بيجي بن قرمسي يرصع أباجي أخاه. وجهز ولديه يكل بغا وأربصا إلى بلاد نوغيه، فاستقر يكل بغا في صنعجي ونهر طنا وتايل باب الحديد، وهي منازل نوغيه. وأقام ايربصا، بنق ورتب أيضا أخاه صراي بغا.\rما اتفق طراي بن نوغيه وصراي بغا بن منكوتمر من الخروج عن طاعة الملك طقطا وقتلهما\rوفي سنة إحدى وسبعمائة تحرك طراي بن نوغيه في طلب ثأر أبيه وأخيه من طقطا، ولم يكن له قوة بنفسه، فجاء إلى صراي بغا ابن منكوتمر. وكان أخوه طقطا قد رتبه في مقام نوغيه فتوصل طراي إليه ولازمه، ولم يزل يلاطفه حتى حسن له الخروج على أخيه طقطا وأن يستقل بالملك، فوافقه صراي بغا ومال إليه وركب بتمانه وعبر نهر اتل، وترك العسكر، وتوجه جريدة، اجتمع بأخيه برلك، وعرفه ما عزم عليه وطلب منه الموافقة فأجابه إلى ما طلب. ثم بادر برلك بالاجتماع بأخيه طقطا، وعرفه الصورة وما هم به صراي بغا وطراي بن نوغيه. فركب طقطا لوقته في خواصه وجهز إليهما من أحضرهما، فقتلا بين يديه، ورتب ولده في المكان الذي كان قد رتب فيه صراي بغا. ولما قتل طقطا طراي هرب قرا كشك بن جكا بن نوغيه، وهرب معه اثنان من أقاربه وهما جركتمر ويلتطلوا. - وكان بزلك قد أرسل في طلبه - فانهزم هو وهذان إلى بلاد ششتمن إلى مكان يسمى يدرك بالقرب من كدك ومعهم نحو ثلاثة آلاف فارس، فآواهم ششتمن وأصحابه وقاموا عنده يعبرون على الأطراف ويأكلون من كسبهم إلى آخر أيام طقطا.\rوفي سنة سبع وسبعمائة وردت الخبار إلى الديار المصرية أن طقطا نقم على الفرنج الجنوبية الذين بقرم وكفار البلاد الشمالية لأمور نقلت إليه عنهم، منها استيلاؤهم على أولاد التتار وبيعهم بالبلاد الإسلامية، فأرسل جيشا إلى مدينة كفا وهي مسقط رؤوسهم. فشعر الفرنج بهم فركبوا في مراكبهم وتوجهوا في البحر فلم يظفر الجيش منهم بأحد. فنهب طقطا أموال من كان منهم بمدينة صراي وما يليها.\rوفي سنة تسع وسبعمائة كانت وفاة ايرصا بن طقطا حتف أنفه. وكان مرشحا عند أبيه للتقدمة على العساكر. وتوفي أيضا أخوه برلك بن منكوتمر ودامت أيام طقطا إلى أن توفي في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وملك بعده.\rأزبك بن طغولجا بن منكوتمر بن طغان ابن باطوخان بن دوشي خان بن جنكزخان وهو التاسع من ملوك هذه المملكة\rووصلت رسله إلى أبواب مولانا السلطان الملك الناصر سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية وغيرها من الممالك الإسلامية وكان وصلهم في ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وصحبهم من التقادم لمولانا السلطان ما لم تجر بمثله عادة. وكان من جملة رسالته أنه هنأ مولانا السلطان الملك الناصر بإيصال الإسلام من الصين إلى أقصى بلاد الغرب؛ وقال إنه كان قد بقي في مملكته طائفة على غير دين الإسلام فلما ملك خيرهم بين الدخول في دين الإسلام أو الحرب؛ فامتنعوا وقاتلوا، فأوقع بهم وهزمهم واستأصل شأفتهم بالقتل والأسر. وجهز إلى مولانا السلطان عدة من سباياهم، فأعاد مولانا السلطان رسله صحبة رسل منه وأنعم عليهم وأرسل معهم الهدايا الوافرة. هذا ما نقل إلينا من أخبار ملوك هذه المملكة الشمالية إلى حين وضعنا لهذا التأليف. ومهما اتصل بنا من أخبارهم بعد ذلك نورده إن شاء الله في جملة أخبار الدولة الناصرية بالديار المصرية المحروسة.\rملوك ما وراء النهر من ذرية جنكزخان","part":7,"page":402},{"id":3413,"text":"فلم يصل إلينا من أخبارهم ما ندونه لبعد بلادهم وانقطاع رسلهم عن ملوكنا؛ إلا أن ملك ما وراء النهر انتهى إلى قيدوا بن قيجي بن طلوا بن جنكزخان، وطلوا هو تلي خان. ورأيت في شجرة وضعها الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصوري أن قيدوا ابن قيجي بن أوكديه بن جنكزخان وطالت أيام قيدوا واستمر الملك إلى أن توفي في تسع وسبعمائة. وكرسي مملكته. كاشغر وقلا صاق، وله تركستان وقيالق والمالق وبخارى وغير ذلك. ولما مات ملك بعده ابنه جابار واستمر إلى أن مات في سنة سبع عشرة وسبعمائة. وملك بعد أخوه ألوين بغا ابن قيدوا. ولقيدوا غير هؤلاء من الأولاد تانجار وأروس. وهذه الطائفة يقابلون القان الكبير الجالس على تخت القانية بقراقروم وغيره.\rوأما ملوك غزنة وباميان وهم أولاد أرديوا بن دوشي خان ابن جنكزخان وهم أقرب إلى ملوك البلاد الشمالية من غيرهم من البيوت لأن أرديوا بن دوشي خان هو أخوباطو خان بن دوشي خان. فدوشي خان بن جنكزخان يجمعهم وأخبارهم أيضا منقطعة عن بلادنا لبعد بلادهم، لأن بيت هولاكو بيننا وبينهم. والذي وصل إلينا من أخبارهم أن ملك غزنة وباميان انتهى إلى قيجي بن أرديوا بن دوشي خان. ودامت أيامه إلى أن توفي في سنة إحدى وسبعماية، فاختلف أولاده وبنو عمه في الملك بعد وفاته وتنازعوه بينهم وافترق بعضهم عن بعض، وكان له من الأولاد. نيان. وكبلك وطقتمر. وبغاتمر. ومنغطاي. وصاحي. وكان كبلك قد استقر في الملك بعد وفاة أبيه فسار أخوه نيان إلى الملك طقطا واستنجد به، واستمده على أخيه، فأمده بأخيه برلك وسار كبلك إلى قيدوا واستعان به فأمده بجيش. وعادا من جهة طقطا وقيدوا، والتقوا واقتتلوا فكسر كبلك ثم مات واستقر أخوه نيان في المملكة الغزنوية؛ واستمر إلى سنة ثمان وسبعماية، فوقع الخلف بينه وبين أخيه منغطاي بن قيجي وتنازعا الملك، وانحاز إلى كل واحد منهما فئة، فاستظهر منغطاي على أخيه نيان بكثرة من انحاز إليه، فانهزم نيان واستقر منغطاي في الملك. وأقام نيان ببلاد بكمرش وهي على أطراف حدودهم. ثم توجه قرشياي بن كبلك إلى قيدوا في سنة تسع وسبعماية، واستنجده على عمه نيان، فأنجده عليه، وجرد معه جيشا. فقصد نيان واقتتلا فانهزم نيان وتوجه إلى عند الملك طقطا، لأنه كان قد أمده أولا وأعانه. وتمكن قرشتاي من بلاد نيان واستقر بها، واستمر منغطاي في ملك المملكة الغزنوية إلى وقتنا هذا.\rوانقطعت أخبارهم عنا من سنة عشر وسبعمائة فلم يصل إلينا منها ما نشرحه. وإنما أوردنا هذه النبذة اليسيرة من أخبار هذين البيتين لتكون دالة على وجودهم ومنبهة عن ممالكهم، وإلا فأخبارهم كثيرة لم نظفر بها. فلنذكر الآن نبذة من أخبار هولاكو بن تولي خان ابن جنكزخان، وأخبار أولاده، وما ملكه وملكوه بعده من الأقاليم. والممالك.\rأخبار هولاكو بن تولي خان بن جنكزخان وابتداء أمره وما استولى عليه من الممالك والأقاليم ومن ملك من ذريته وهذا البيت من التتار وهو أقرب البيوت إلى القان الكبير، لأن القانية استقرت في إخوة هولاكو، ثم في بني أخيه قبلاي بن تولي خان، كما قدمناه في أخبارهم.\rوكان ابتداء أمر هولاكو أن أخاه منكوقان وهو الجالس في أيامه على تخت القانية بقراقروم بعثه لفتح العراق في سنة خمسين وستماية، فسار فيمن معه من الجيوش إلى بلاد الاسماعيلية، ويسمون ببلاد العجم الملاحدة، فاستولى عليها وأباد أهلها قتلا وأسرا وسبيا ونهبا. ثم كان بينه وبين بركة من الحرب ما شرحناه في أخبار بركة. وكانت الهزيمة على هولاكو وقتل كثير من أصحابه وغرق كثير منهم. وعاد هولاكو إلى العراق بمن بقي معه. وتمكنت العداوة بين هذين البيتين ونشأت الحرب بينهم من هذه السنة وهي سنة ثلاث وخمسين.\rاستيلاؤه على بغداد\rوقتله الخليفة المستعصم بالله","part":7,"page":403},{"id":3414,"text":"وفي سنة ست وخمسين وستماية سار هولاكو بعساكر التتار إلى مدينة بغداد ونازلها. وكان قد أرسل إلى بيجو يستدعيه من بلاد الروم، فكره بيجو اللحاق به. وما أمكنه مفاجأته بذلك؛ فاعتذر إليه أن جمعا كثيرا من القرى تليه والأكراد والياروقية قد تجمعوا في الطرقات، ومقدمهم شرف الدين بن بلاشن وأنهم أخذوا عليه وعلى من معه المضيق، ولا سبيل لهم إلى الخروج من حدود ديار بكر. وقصد بيجو بذلك المدافعة. فجهز هولاكو تمانين من التوامين التي معه، مقدم أحدهما قدغان ومقدم الآخر كتبغا نوين لفتح الطريق. وفي أثناء ذلك أوقع بالأكراد والقراتلية وقعة عظيمة وجعل منهم أهل أرزنجان وتحصنوا بجبل يسمى أرن سور، فلما وصل التتار إلى أرزنجان تسلموها وحاصروا كماج، وهزموا الأكراج وقتلوا منهم وسبوا، وأقام قدغان وكتبغا حتى وصل إليهما بيجو.\rوأخبرني الأتمر البدري رحمه الله وهو من ذرية بيجو كما زعم، وكان له معرفة بأخبارهم، أن منكوقان لما جهز بيجو لفتح الروم، أوصاه أنه لا يتعرض إلى بغداد، وأنه لما جهز هولاكو أوصاه أن لا يخالف بيجو وأنه لا يصل إلى بغداد، وكتب معه إلى بيجو بذلك. فغير هولاكو الكتب وجعل معناه أن بيجو لا يخالف أمر هولاكو، وكانت كراهية منكوقان لفتح بغداد أنهم رأوا فيما عندهم أنها إذا فتحت لا تطول مدة القان.\rثم توجه بيجو ومن عنده إلى هولاكو ونزلوا بالجانب الغربي من بغداد، ونزل هولاكو بالجانب الشرقي منها، وحاصروها واشتد الحصار، فخرج إليهم عسكر الخليفة صحبة مجاهد الدين أيبك الدوادار الكبير - وكان مقدما على عشرة آلاف فارس - فالتقى مع التتار وهزمهم، فولوا عامة ذلك النهار، وقتل كثيرا منهم إلى أن حجز بينهم الليل، واستبشر المسلمون بالنصر. فلما أصبحوا تراجع التتار إليهم، فانكسر الدوادار ومن معه. وكان أكثر أصحابه لما أيقنوا بالظفر دخلوا بغداد في تلك الليلة، فما انهزم مجاهد الدين بمن بقي معه قصد التحصن ببغداد، فحال بينه وبينها - للقضاء المقدر - شق انبثق من دجلة، وساحت منه مياه عظيمة، فصار الماء أمامه والتتار وراءه، فأدركوه هو ومن معه، وأخذهم السيف، ومرق جماعة منهم. وقتل مجاهد الدين أيبك وولده أسد الدين - وكان مقدم خمسة آلاف فارس - ، وسليمان شاه ترجم. أمير علم الخليفة، وجماعة من الأمراء، وأسروا خلقا. وحملت رؤوس هؤلاء الثلاثة إلى الموصل، وحملت على باب المدينة ترهيبا لأهلها.\rورمى أهل بغداد بالداهية الكبرى والمصيبة العظمى، وارتاع الخليفة وأغلقت أبواب المدينة، وأحاط بها التتار وضايقوها وفتحوها عنوة، ودخلوها في العشرين من المحرم سنة ست وخمسين وستماية؛ ووضعوا السيف فيها سبعة أيام، لم يرفعوه عن شيخ كبير ولا طفل صغير. وجيئ بالخليفة إلى هولاكو فأمر أن يجعل في جولق ويداس بأرجل الخيل، ففعل به ذلك حتى مات، كما ذكرناه في أخبار الدولة العباسية. ومن عادة التتار أنهم لا يسفكون دماء الملوك والأكابر غالبا.\rوسبى التتار من بالقصر، وأخذوا ذخائر الخلافة، واستدعى هولاكو الوزير ابن العلقمي، وكان قد كاتبه وحثه على قصد بغداد وأضعف جيوش الإسلام. فلما مثل بين يدي هولاكو سبه ووبخه على عدم موافاته لمن هو غذى نعمته، وأمر بقتله فقتل. وقيل لم يقتله بل استبقاه. ثم عزم هولاكو على إحراق مدينة بغداد، فمنعه كتبغا نوين، وقال هذه أم الأقاليم ويتحصل منها الأموال العظيمة، والمصلحة إبقاؤها، فأبقاها ورتب فيها شحنة، ثم سار عنها بعد انقضاء الشتاء إلى الشام، وجرد إلى ميافارقين، والله أعلم.\rاستيلاء التتار على ميافارقين","part":7,"page":404},{"id":3415,"text":"وفي سنة ست وخمسين أيضا أرسل هولاكو طائفة من عساكره إلى ميافارقين صحبة صرطق نوين وقطغان نوين. وكان بها الملك الكامل ناصر الدين محمد بن المظفر غازي بن العادل أبي بكر ابن أيوب، فحاصروها ونصبوا عليها المجانيق من كل ناحية، فقاتله أهلها، وامتنعوا وصبروا على شدة الحصار، وقلت الأقوات عندهم حتى أكلوا الكلاب والسنانير والميتة. ففتحها التتار بعد سنتين، بعد أن فنى الجند من كثرة القتال، وأسر من بقي، وأخذ الملك الكامل صاحبها وتسعة نفر من مماليكه، وأحضروا بين يدي هولاكو فقتلوا، إلا مملوكا واحدا يسمى قراسنقر سأله عن وظيفته، فذكر أنه أمير شكار، فأبقاه وسلم إليه طيوره. وجاء قراسنقر هذا بعد موت هولاكو إلى الديار المصرية في الأيام الظاهرية، فجعله السلطان من مقدمي الحلقة المنصورة. وكان استيلاء التتار على ميافارقين في سنة ثمان وخمسين وستماية.\rولما قتل الملك الكامل هذا حمل التتار رأسه على رمح وطيف به البلاد ومروا به على حلب وحماه ووصلوا به إلى دمشق في سابع عشرين جمادى الأولى من السنة، وطافوا به في دمشق بالمغاني والطبول، وعلق رأسه بباب الفراديس فلم يزل إلى أن عادت دمشق إلى المسلمين فدفن بمشهد الحسين داخل باب الفراديس.\rوفاة بيجو مقدم التتار\rوفي سنة ست وخمسين أيضا نقم هولاكو على بيجو لما بلغه عنه من إضمار الخلاف وما قصده من التأخير عنه لما طلبه وأنه قصد الانفراد ببلاد الروم. فلما فرغ من فتح بغداد والعراق سقاه سما فمات. وقيل إنه كان قد أسلم قبل موته، ولما حضرته الوفاة أوصى بأن يغسل ويدفن على عادة المسلمين. وكان له من الأولاد أفاك، وسوكناي. وأفاك هذا هو أبو سلامش وقطقطو اللذين وفدا إلى الديار المصرية في الأيام المنصورية.\rولما فتح هولاكو العراق جاءه ملوك الأطراف، فكان ممن جاءه الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل بهدايا جليلة وتحف. ولما قصد السفر من الموصل جاءه أهلها وقالوا: إنا نخشى عليك من سطوة هذا الملك الجبار فقال: أرجو أن أتمكن منه وأعرك أذنيه فلما جاءه وقدم ما معه أعجب هولاكو وأقبل عليه. فلما فرغ من تقدمته قال: قد بقي معي شيء خاص بالقان وأخرج له حلقتي أذن من الذهب، فيهما درتان كبيرتان، فأعجباه فقال: أشتهي القان يشرفني بأن أجعلهما بيدي في أذنيه ليعظم قدري بذلك عند الملوك وأهل بلادي وأعلم رضاه عني فأصغى إليه بأذنيه فمسكها ووضع الحلقتين فيهما، ونظر إلى من معه من أهل الموصل يعني: أنني قد قلت قولا وقد حققته.\rوأرسل إليه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز صاحب الشام ولده العزيز بهدايا وتحف اقتداء بصاحب الموصل، فقبل تقدمته وسأله عن تأخير أبيه، فاعتذر بأنه لا يمكنه مفارقة البلاد خوفاً عليها من عدو الإسلام الفرنج، فقبل عذره وأعاده إلى أبيه. وجاءه عز الدين كيكاوس، وركن الدين قلج أرسلان ملك الروم فقسم البلاد بينهما على ما قرره منكوقان.\rوفي سنة سبع وخمسين وستماية وجه هولاكوا أرغون - وهو من أكابر المقدمين - في جيش إلى كرجستان، فغزا تفليس وأعمالها، فأغار ونهب وعاد إليه وهو بالعراق.\rوفيها أيضا قدم هولاكو إلى شرقي الفرات ونازل حران وملكها، واستولى على البلاد الجزيرية، وذلك بعد وفاة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل.\rوأرسل هولاكو أحد أولاده إلى حلب فوصل إليها في العشر الآخر من ذي الحجة من السنة. وكان الملك المعظم تورانشاه ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بحلب ينوب عن ابن أخيه الملك الناصر، فخرج بالعسكر الحلبي لقتال التتار، فأكمن التتار كمينا عند الباب المعروف بباب الله قريب من مدينة حلب من شمائلها، والتقوا واقتتلوا عند بانقوسا، فاندفع التتار بين يدي العسكر الحلبي وتبعهم العسكر حتى خرجوا عن البلد، ثم عطفوا عليهم، فطلب المسلمون المدينة والتتار يقتلون فيهم. وهلك في الأبواب جماعة من المنهزمين.\rثم رحل التتار إلى اعزاز وتسلموها بالأمان، ثم تقدم هولاكو بجيوشه فبدأ بالبيرة فملكها، ووجد بها الملك السعيد ابن الملك العزيز أخا الملك الناصر معتقلا فأطلقه، وسأله عما كان بيده فقال: الصبيبة وبانياس، فكتب له بذلك فمانا، ثم تقدم هولاكو إلى حلب.\rاستيلاء هولاكو على حلب\rوعلى بلاد الشام","part":7,"page":405},{"id":3416,"text":"وفي سنة ثمان وخمسين وستماية عبر هولاكو الفرات بجموعه، ونازل حلب، وأرسل إلى الملك المعظم توران شاه ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف يقول: إنكم تضعفون عن لقاء المغل، ونحن قصدنا الملك الناصر، فاجعلوا عندكم شحنة وبالقلعة شحنة ونتوجه نحن إلى العسكر فإن كانت الكسرة عليهم كانت البلاد لنا وتكونون قد حقنتم دماء المسلمين. وان كانت الكسرة علينا كنتم مخيرين في الشحنتين إن شئتم القتل أو الإطلاق فقال له الملك المعظم: ليس له عندي إلا السيف. وكان الرسول إليه من جهة هولاكو صاحب أرذن الروم، فعجب من جوابه، وتألم لما علم من ضعف المسلمين عن ملاقاة التتار.\rوأحاط التتار بحلب في ثاني صفر وهجموا على البواشير في الثالث من الشهر؛ فقتل من المسلمين جماعة، منهم أسد الدين ابن الملك الزاهر صلاح الدين. واشتدت مضايقة التتار لحلب، وهجموه من عند حمام حمدان وذلك في يوم الأحد تاسع صفر، وصعد إلى القلعة خلق كثير. وبذل التتار السيف والنهب في أهل حلب إلى يوم الجمعة رابع عشر الشهر، فأمر هولاكو برفع السيف، ونودي بالأمان، فقتل منها في هذه المدة ما لا يحصى كثرة، وكان قد تجمع بها من أهل القرى خلق كثير. وسبي من النساء والذراري زهاء مائة ألف، بيعوا في جزائر الفرنج وبلاد الأرمن، ولم يسلم ممن كان بحلب إلا من التجأ إلى أماكن كان مع أهلها فرمانات من هولاكو منها: دار شهاب الدين بن عمرون، ودار نجم الدين أخي مزدكين، ودار البازيار، ودار علم الدين قيصر الموصلي، والخانقاه التي فيها زين الدين الصوفي، وكنيسة اليهود. فقيل إن الذين سلموا في هذه الأماكن يزيدون على خمسين ألف إنسان.\rواستمر الحصار على القلعة والمضايقة لها نحو شهرن فوثب جماعة ممن بالقلعة على صفي الدين بن طرزة رئيس حلب وعلى نجم الدين أحمد بن عبد العزيز ابن القاضي نجم الدين بن أبي عصرون فقتلوهما لأنهم توهموا أنهما باطنا التتار. ثم سأل من بالقلعة الأمان، فأمنوا، وتسلمها التتار في يوم الإثنين حادي عشر ربيع الأول من السنة. وأمر هولاكو من كان بالقلعة أن يعود كل منهم إلى داره وملكه وأن لا يعارض. ونزل العوام والغرباء إلى الأماكن التي أحميت بالفرمانات. وكان بقلعة حلب في الاعتقال جماعة من البحرية الصالحية الذين حبسهم الملك الناصر، منهم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وسكز، وترامق، وغيرهم؛ فأخذهم وأضافهم إلى مقدم يسمى سلطان جق من أكابر القفجاق. وكان سلطان جق هذا قد هرب من التتار لما استولوا على بلاد القفجاق وقدم إلى حلب، فأكرمه الملك الناصر وأحسن إليه وأقام عنده، فلم توافقه البلاد فالتحق بهولاكو فأكرمه؛ هذا ما كان من أمر حلب.\rوأما حماه فان صاحبها الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب كان قد فارقها وتوجه إلى دمشق، وترك بها الطواشي مرشد. فلما بلغه أخذ حلب فارق حماه، وتوجه إلى الملك المنصور بدمشق، فتوجه أكابر حماه بمفاتيحها إلى هولاكو. وسألوه الأمان لأهل البلد، وطلبوا منه شحنة يكون عندهم، فأمنهم وأرسل معهم شحنة من العجم اسمه خسرو شاه، كان يدعى أنه من ولد خالد بن الوليد، فقدم حماه وأقام بها وآمن أهلها. وكان بقلعة حماه مجاهد الدين قايماز أمير جاندرا فسلم القلعة إليه. ودخل في طاعة التتار.\rووصل إلى هولاكو وهو على حلب جماعة منهم الملك الأشرف موسى بن إبراهيم بن شيركوه وهو صاحب حمص، فأكرمه هولاكو وأعاد عليه حمص. وكان الملك الناصر قد أخذها منه في سنة ست وأربعين وعوضه عنها تل باشر، فأعادها هولاكو عليه الآن. ووصل إليه أيضا من دمشق القاضي محيي الدين بن الزكي فأقبل عليه هولاكو وخلع عليه وولاه قضاء الشام. ولما عاد ابن الزكي إلى دمشق لبس خلعة هولاكو، فكانت مذهبة، وجمع الفقهاء وغيرهم من أكابر دمشق وقرأ عليهم تقليد هولاكو.\rثم رحل هولاكو إلى حارم بعد أن ولي على حلب عماد الدين القزويني. فلما وصل إليها طلب تسليمها، فامتنع من بها أن يسلموها إلا إلى فخر الدين متولي قلعة حلب. فأحضره هولاكو فتسلمها، فغضب هولاكو وأمر بقتل من بها فقتلوا عن آخرهم وسبي النساء.\rاستيلاء التتار على دمشق","part":7,"page":406},{"id":3417,"text":"قال: وجرد هولاكو إلى دمشق مقدما يسمى السبان وصحبته علاء الدين الكازي وزين الدين الحافظي وزير الملك الناصر بحلب؛ وكان قد خدم هولاكو. وكان الملك الناصر قد فارق دمشق في منتصف صفر فوصل التتار إلى دمشق، وملكوا المدينة بالأمان، ولم يتعرضوا إلى قتل ولا إلى نهب. وعصيت القلعة عليهم فحاصرها التتار، وجرى على أهل دمشق بسبب عصيان القلعة شدة عظيمة، وضايقوا القلعة ونصبوا عليها المجانيق ثم تسلموها بالأمان في منتصف جمادى الأولى من السنة. ثم توجهوا إلى بعلبك ونازلوا قلعتها فتسلموها وخربوا قلعتها.\rوجرد هولاكو إلى الشام كتبغا نوين في اثني عشر ألف فارس وأمره أن يقيم بالشام، فوصل إلى دمشق وهو الذي حاصر قلعتها وفتحها وقتل واليها بدر الدين بن قرمجاه ونقيبها. ونزل كتبغا بالمرج، وحضر إليه رسل الفرنج بالساحل، وأحضروا معهم التقادم، وحضر إليه أيضا الملك الظاهر أخو الملك الناصر، وكان بصرخد فأقره على حاله.\rثم توجه كتبغا إلى عجلون فامتنعت عليه قلعتها، فحاصرها وأحضر إليه الملك الناصر وهو في حصار عجلون، فأمر من بالقلعة أن يسلموها إلى التتار فسلموها. وجهز كتبغا الملك الناصر إلى هولاكو فوصل إليه وهو بحلب فسأله عن عساكر الديار المصرية، فقال: عساكر ضعيفة، وهم نفر قليل وصغرهم عنده. وقال: يكفيهم القليل من الجيش. فاقتصر هولاكو عند ذلك على كتبغا نوين ومن معه ولم يردفه بغيره.\rوعاد هولاكو من حلب إلى بلاد قراقروم لطلب القانية لنفسه، فوجدها قد استقرت لأخيه قبلاي، كما قدمنا ذكر ذلك. ولما فارق حلب أمر عماد الدين القزويني في المسير إلى بغداد، ورتب مكانه رجلا أعجميا. وأمر هولاكو أن يخرب أسوار قلعة حلب، وأسوار المدينة، فخربت عن آخرها. وأمر الملك الأشرف موسى صاحب حمص أن يتوجه إلى حماه ويخرب أسوارها وأسوار قلعتها، فوصل إلى حماه ونزل بدار المبارز وشرع في تخريب سور القلعة، فخربت أسوارها وأحرقت زردخاناتها، وبيعت الكتب التي بدار السلطنة بأبخس الأثمان، وسلمت أسوار المدينة، لأن حماه كان بها رجل يقال له إبراهيم بن الفرنجية كان ضامن الجهة المفردة، فبذل لخسرو شاه جملة كثيرة من المال وقال: إن الفرنج بالقرب منا، في حصن الأكراد، ومتى ضربت أسوار المدينة لا يقدر أهلها على المقام بها. فأخذ منه المال وأبقى أسوار المدينة. ولم يزل خسرو شاه بمدينة حماه إلى أن انهزم التتار على عين جالوت ففارقها وعاد إلى هولاكو.\rوأما كتبغا نوين فإنه أرسل إلى الملك المظفر قطز صاحب الديار المصرية يطالبه ببذل الطاعة أو تعبية الضيافة، فقتل قطز رسله إلا صبيا واحدا فإنه استبقاه وأضافه إلى مماليكه. وتجهز وسار إلى لقاء التتار، فتجهز كتبغا لقتاله والتقوا بعين جالوت، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم التتار وأخذهم السيف والأسار، وقتل كتبغا نوين، وفر من بقي من أصحابه إلى هولاكو. ولما استقرت القانية لقبلاي، استقر لهولاكو ما نذكره.\rالأقاليم التي ملكها هولاكو\rبعد وفاة منكوقان منها: إقليم خراسان: وكرسيه نيسابور ومن مدنه المشهورة طوس وهراة وترمذ ولحج ومرو. ويضاف إليه همذان ونسا وكنجة ونهاوند.\rعراق العجم: وكرسيه أصفهان. ومن مدنه قزوين وقم وقاشان وسجستان وطبرستان وكيلان وبلاد الاسماعيلية وغيرها.\rعراق العرب: وكرسيه بغداد ومن مدنه واسط والكوفة والبصرة والدينور وغير ذلك.\rأذربيجان: وكرسيها تبريز وهي توريز؛ ومن مدنها الأهواز وغيرها.\rبلاد فارس: ومدينتها شيراز؛ ومن أعمالها كتشن وكرمان وكازرون والبحرين.\rديار بكر: وكرسيها الموصل ومن مدنها ميافارقين ونصيبين وسنجار وأسغرد ورأس العين ودنيسر وحران والرها وجزيرة ابن عمر وخرتبرت وملطية وسمياط وغيرها.\rبلاد الروم: وكرسيها قونية وتشتمل البلاد الرومية على عدة أعمال منها: أرمينية الكبرى، ومن ملكها سمى شاه أرمن. ومن مدنها خلاط. وأعمالها وان وسطان وأرجيس وما معها.\rأرزن الروم وأعمالها؛ ومن مدنها شهر وبانوب وقجمار وتسمى دار الجلال.\rمدينة ألتى وأعمالها، وهي متصلة ببلاد الكرج وتخومها وهي ذات قلعة حصينة.\rأرزنجان وأعمالها، ومن مدنها أقشهر ودرخان وكماج وقلعة كغونية وما مع ذلك.","part":7,"page":407},{"id":3418,"text":"سيواس وبلاد دانشمند وتسمى دار العلاء، ومن مدنها أماسيه وتوقات وقمنات وبلاد كنكر وبلاد انكورية ومدينة سامسون وكستمونية وطرخلوا وبرلوا وهذه متصلة بسواحل البحر المحيط وطنغزلوا وأعمالها وقرا حصار ودمرلوا وأقصرا وأنطاليا والعلايا.\rمهلك هولاكو\rونبذة من أخباره كانت وفاته في تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وستماية بالقرب من كورة مراغة. وقيل إنه حمل إلى قلعة تلا ودفن بها. وكانت مدة ملكه منذ فتح بغداد سبع سنين وشهورا ومنذ وفاة أخيه منكوقان واستقلاله بالملك خمس سنين.\rوكان لهولاكو أحكام غريبة منها ما حكي عنه أن قوما أتوه واستغاثوا أن بعض صناع المبارد قتل قرابة لهم، وسألوه أن يمكنهم منه ليقتلوه بصاحبهم فسأل عن صناع المبارد وكم عدتهم، فذكر له عدة يسيرة فأطرق ساعة ورفع رأسه إلى أولياء المقتول، وأمرهم أن يقتلوا بصاحبهم بعض صناع البرادع والرحال، فقالوا: إن الذي قتل صاحبنا. مباردي ولا يقتل به غيره. فسأله بعض خواصه عن ذلك فقال: إن صناع المبارد عندنا قليل ومتى قتلناه احتجنا إليه، ولا يقوم غيره مقامه، وصناع البرادع والرحال كثير، ومن قتلناه منهم استغنينا عنه. فلما امتنع أولياء المقتول من ذلك أطلق لهم بقرة وقال: خذوا هذه بدلا من صاحبكم.\rومنها أن بعض الصناع الزراكشة تخاصم مع رجل فضربه ضربة أصابت إحدى عينيه فزالت، فجاء إلى هولاكو واستغاث على الزركشي أنه قلع عينه، فأمره أن يقلع عين أحد صناع النشاب. فقيل له عن ذلك فقال: إن الزركشي يحتاج إلى عينيه ومتى قلعت إحداهما تضرر، والنشابي لا يحتاج إلا إلى عين واحدة فإنه إذا قوم السهم غلق إحدى عينيه ونظر بالأخرى، وما أشبه هذه الأحكام. ولهولاكو وقائع من هذا الجنس أضربنا عن ذكرها.\rوكان له من الأولاد الذكور خمسة عشر وهم جمغار وهو أكبرهم سنا، وأباقا وهو أبغا وهو الذي ملك بعده. ويصمت، وتشتشين وبكشي وتكدار - وهو أحمد وملك بعد أبغا - . وأجاي. وألاجو وسبوجي. ويشودار. ومنكوتمر. وقنغرطاي. وطرغاي وطغاي تمر وهو أصغرهم. ولما مات هولاكو ملك بعده أبغا.\rملك أبغا بن هولاكو\rبن تولي خان ابن جنكزخان وهو الثاني من ملوك هذا البيت جلس على كرسي المملكة بعد وفاة أبيه هولاكو في تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وستماية. فأول ما بدأ به أن جهز جيشا لحرب عساكر بركة ملك البلاد الشمالية، فتوجه العسكر والتقى مع عساكر بركة، فكانت الهزيمة على اصحاب أبغا كما شرحنا ذلك في أخبار بركة، وهي الوقعة الثانية بين عسكريهما.\rوفي سنة اثنتين وسبعين وستماية وقع بين أبغا وبين ابن عمه تكدار بن موجي بن جغطاي بن جنكزخان. وكان تكدار مقدما على ثلاثين ألفا، وهو مقيم ببلاد كرجستان، فكاتب قيدو وقصد الاتفاق معه على أبغا، فوقعت الكتب في يد أبغا فطلب عساكره المتفرقة من الروم وغيرها وقصد تكدار، فانهزم والتجأ إلى بلاد الكرج بمن معه، فمنعه صاحبها الملك كركيس من دخولها، فأوى إلى جبل من جبالها هو ومن معه، فأكلت خيولهم من عشبه وكان فيه حشيشة مضرة بالدواب، فنفقت خيولهم، فطلبوا الأمان من أبغا فأمنهم فنزلوا إليه، ففرق أصحاب تكدار في جيوشه، ورسم لتكدار أن لا يركب فرسا قارحا ولا جزعا إلا مهرا صغيرا، وأن لا يمس بيده قوسا. فبقي كذلك حتى مات، حتى أن ولدا له صغيرا أحضر إليه قوسه ليوتره له، فامتنع وقال: ما أقدر أمس القوس بيدي لأجل مرسوم أبغا.","part":7,"page":408},{"id":3419,"text":"وفي سنة خمس وسبعين وستمائة وقع المصاف الكائن بين السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس وبين المغل أصحاب أبغا، ومعهم العسكر الرومي بالبلستين من بلاد الروم. فكانت الهزيمة على المغل وعساكر الروم، على ما نذكر ذلك إن شاء الله في أخبار دولة الترك في أيام الملك الظاهر. وقتل وأسر من المغل في هذا لمصاف خلق كثير، وقيل أيضا وأسر من عسكر الروم. فلما اتصلت هذه الوقعة بأبغا جاء إلى موضع المصاف وشاهد القتلى، فاستعظم قتل المغل وأسرهم؛ وجاءه أيبك الشيخ أحد أمراء الملك الظاهر - وكان قد هرب - فأطلعه على أن البرواناه - وهو المتحكم في الروم نيابة عن الملوك السلجقية - كاتب الملك الظاهر، وحثه على قصد الروم، فنقم أبغا على البرواناه وأكد ذلك عنده أنه وجد القتلى من المغل وليس من الروم إلا القليل، فأمر عند ذلك بنهب بلاد الروم، وقتل من بها من المسلمين، فتفرقت عساكره تقتل وتنهب المسلمين خاصة سبعة أيام، ووكل أبغا بالبرواناه من يحفظه من حيث لم يشعر بذلك.\rثم سار إلى أرزنكان اشتراها؛ واعتد ثمنها من الإتاوة التي على بلاد الروم، وأخذ في استرجاع قلاع الروم. فلما وصل إلى قلعة بابرت، خرج إليه شيخ منها، وقال له: أريد أمان القان لأتكلم بين يديه. فقال: قل ولك الأمان. فقال: إن عدوك حضر إلى بلادك ولم يتعرض إلى رعيتك، ولا أسأل لهم محجمة دم، وأنت قصدت العدو وجئت في طلبه، فلما فاتك قتلت رعيتك ونهبت بلادهم وخربتها. فمن هو من الخانات الذين تقدموك من أسلافك فعل مثل هذا الفعل وسن هذه السنة ؟ فأنكر أبغا عند ذلك على الأمراء الذين اشاروا عليه بذلك وأمر بإطلاق الأسرى المسلمين، فأطلقوا، وكانوا أربعمائة ألف أسير، وعاد إلى الأردو.\rقتل سليمان البرواناه\rقال: ولما وصل أبغا إلى الأردو استشار في أمر البرواناه، فطائفة أشارت بقتله، وطائفة أشارت بإبقائه، فهم بإعادته إلى الروم. فتجمع نساء من قتل من المغل ونحن وبكين، فسمعهن أبغا وسأل عن شأنهن، فقيل إنهن بلغهن أن القان يريد إطلاق البرواناه، فهن يبكين على أهلهن وأزواجهن. فعند ذلك أمر أبغا كوكجي بهادر - وهو من أمرائه - أن يأخذ البرواناه ويتوجه به إلى موضع عينه فيقتله. فاستدعى البرواناه وقال: إن أبغا يريد أن يركب، ورسم أن تركب أنت وأصحابك معه، فركب في اثنين وثلاثين نفرا من مماليكه وألزامه، وتوجه مع كوكجي، فأخذ به نحو البر ومعه مائتا فارس. فلما انتهوا إلى المكان المعين أحاط به فسأل المهلة أن يصلي ركعتين، فأمهله. فلما قضى صلاته قتله وقتل من معه. ولما بلغ من بقي من مماليك البرواناه قتل صاحبهم تجمعوا وفيهم سنجر البرواني، وبكتوت أمير أخور، وأوتروا قسيهم ونكثوا نشابهم، وقالوا: نموت كراماً. فطولع أبغا بخبرهم فشكرهم على ذلك وأعادهم إلى الروم. وكان مقتل البرواناه في آخر صفر سنة ست وسبعين وستمائة.\rوفي سنة ثمانين وستماية في رابع عشر شهر رجب انهزم التتار أصحاب أبغا الذين حضروا مع جهته إلى الشام والتقوا مع السطان الملك المنصور قلاوون، وكانوا صحبة منكوتمر بن هولاكو. وكان أبغا قد نازل الرحبة ثم جرد هؤلاء وعاد إلى الأردو، ووصل منكوتمر بمن معه إلى حمص، والتقوا هم والعساكر الإسلامية. فاستظهر التتار في مبادئ الوقعة فانهزمت ميسرة الملك المنصور، وما شك التتار في الظفر، ونزلوا وأكلوا الطعام. ثم كانت الدائرة عليهم فانهزموا أقبح هزيمة على ما نبينه في أخبار السلطان الملك المنصور. وأما منكوتمر ابن هولاكو فإن الهزيمة استمرت به إلى جزيرة ابن عمر، فلما وصل إليها مات. وقيل إن علاء الدين الجويني صاحب الديوان كان قد عزم على اغتياله واغتيال أبغا ونقل الملك عنه، فكتب إلى مؤمن أغا - شحنة الجزيرة - يأمره أن يتحيل على منكوتمر ويقتله، فسقاه مؤمن سما فمات. ولما مات هرب مؤمن الشحنة من الجزيرة، وعلم أصحاب منكوتمر بأمره فطلبوه فلم يدركوه، فقتلوا نساءه وأولاده. وتوجه مؤمن إلى الديار المصرية ومعه ولداه فأعطوا بها أقطاعا، وحمل منكوتمر إلى قلعة تلا فدفن بها.","part":7,"page":409},{"id":3420,"text":"وفي سنة ثمانين وستماية أيضا كانت وفاة علاء الدين الجويني صاحب الديوان. وكان قد تمكن في دولة التتار تمكنا عظيما بسبب أخيه الصاحب شمس الدين، فإنه كان المشار إليه. ثم نقم عليه أبغا لما توهم أنه واطأ المسلمين، واستصفى أمواله. ثم مات بعراق العجم وولي بعده ولد أخيه هارون بن الصاحب شمس الدين.\rوفاة أبغا بن هولاكو\rكانت وفاته في أوائل المحرم سنة إحدى وثمانين وستمائة. وكان سبب موته أن الصاحب شمس الدين محمد الجويني صاحب الديوان كان إليه التصرف في الأموال، وكانت تحمل إليه من سائر بلاد التتار، وتصرف بقلمه، فخاف غائلة أبغا، فتحيل في قتله، ودس إليه من سقاه سما، فمات. وقيل إنه منذ انكسرت جيوشه على حمص أخذ حاله في النقص، ثم أتاه الخبر أن الخزائن التي جمعها هولاكو - وكانت ببرج بقلعة في وسط البحر - فسقط البرج بجميع ما فيه من الأموال والذخائر والجواهر في البحر. ثم دخل الحمام وخرج فسمع أصوات الغربان، فقال لمن حوله: إنني أسمع هذه الغربان تقول: أبغا مات، وركب فعوت كلاب الصيد في وجهه، فتشاءم بذلك. ولم يلبث أن مات في التاريخ، وقيل في نصف ذي الحجة سنة ثمانين وستمائة.\rوخلف من الأولاد أرغون، وكيختو. ومات أخوه أجاي بعده بيومين.\rملك توكدار بن هولاكو\rوهو المسمى أحمد سلطان، وهو الثالث من ملوك هذا البيت كان جلسوه على كرسي المملكة بعد وفاة أخيه أبغا في المحرم سنة إحدى وثمانين وستمائة. وذلك أن أبغا لما مات كان ولده الأكبر أرغون بخراسان. وكان كيختو عنده بالأردو فاجتمع الأمراء ليقع اتفاقهم على من يجلس مكان أبغا. وكان بعض المغل يختار توكدار لأنه كان قد استمالهم إليه، فاجتمع رأيهم عليه. فجلس على كرسي المملكة، وأرسل أخاه قنغرطاي يقول لأرغون ابن أخيه أبغا: إن الشرط في الياسا أنه إذا مات ملك لا يجلس عوضه إلا الأكبر من أهل بيته، وهذا عمك أحمد هو الأكبر، وقد أجلسناه، ومن خالف يموت فأطاعوه.\rولما جلس كان أول ما بدأ به أنه أظهر دين الإسلام وأشاعه، وكتب إلى بغداد كتابا، نسخته بعد البسملة: إنا جلسنا على كرسي الملك، ونحن مسلمون، فتبلغون أهل بغداد هذه البشرى، ويعتمدون في المدارس والوقوف وجميع وجوه البر ما كان يعتمد في أيام الخلفاء العباسيين، ويرجع كل ذي حق إلى حقه في أوقاف المساجد والمدارس، ولا يخرجون عن القواعد الإسلامية. وأنتم يا أهل بغداد مسلمون، وسمعنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تزال هذه العصابة الإسلامية مستظهرة ظافرة إلى يوم القيامة. وقد عرفنا أن هذا خبر صحيح ورسول صحيح. رب واحد. أحد. فرد. صمد. فتطيبون قلوبكم وتكتبون إلى جميع البلاد. وكتب إلى السلطان الملك المنصور قلاوون يعلمه بإسلامه.\rواستولى على السلطان أحمد وعلى دولته الشيخ عبد الرحمن، وأصله من الموصل، وكان مملوكا؛ ويقال له عبد الرحمن النجار، وأظهر للمغل المخاريق والخيل، وأخذ في إفساد ما بين السلطان أحمد وبين أهله، وقصد بذلك الاستبداد، وعظم أمره، وتحدث في سائر الأوقاف، ومال إليه أبناء المغل. وانتهى من أمره أن أحمد سلطان كان يقف في خدمته، ويقتدى بما يقول، وركب بالخبز والسلاح دارية. وحضر عبد الرحمن هذا في رسلية إلى السلطان الملك المنصور قلاوون، فقتل أحمد في غيبته، فأقام هو بالشام، ومات به، على ما نذكره إن شاء الله في أخبار الملك المنصور.\rما اتفق بين توكدار وبين أرغون ابن أخيه أبغا\rوفي سنة اثنتين وثمانين وستماية سار أرغون بن أبغا من خراسان لقتال عمه توكدار، فجرد إليه عمه جيوشا صحبة الناق نائبه، فكبسهم أرغون وهم على غير استعداد، فقتل منهم جماعة. فركب أحمد سلطان في أربعين ألف فارس وسار لقصد أرغون، وأسره من غير حرب، وعاد إلى تبريز. فجاءت زوجة أرغون وخواتين كثيرة من النساء اللواتي لهن الدخول على أحمد، وسألته العفو عن أرغون وإطلاق سبيله والاقتصار به على خراسان. فلما أجاب إلى ذلك - وكان أحمد قد أمسك من أكابر أمراء المغل اثني عشر أميرا وقيدهم وأهانهم - فتغيرت خواطر الأمراء عليه وعزموا على قتله.\rمقتل توكدار بن هولاكو","part":7,"page":410},{"id":3421,"text":"كان مقتله في سنة اثنتين وثمانين وستمائة. وذلك أنه لما أسر أرغون ابن أخيه أبغا، وكل به من يحفظه. واتفق تشويش خواطر المغل عليه من أسباب: منها إساءته إلى أكابرهم؛ ومنها ما ألزمهم به من الدخول في دين الإسلام طوعا أو كرها؛ ومنها وثوبه على أخيه قنغرطاي وإحضاره من الروم وقتله؛ وغير ذلك مما نقل عنه في ميله إلى أبناء المغل والخلوة بهم، وهو أمر لم يألفوه قبله. فأجمعوا على قتله، وإقامة أرغون. وكان من جملة الامراء ثلاثة وهم بغا وأروق - وهما أخوان - وقرمشي بن هندغون، فتوجهوا إلى ججكب وشكوا إليه ما يلقون من أحمد، وعرفوه ما عزموا عليه، فوافقهم ججكب، واتفقوا جميعا. وجاءوا إلى المكان الذي فيه أرغون تحت التوكيل، فأطلقوه وكبسوا الناق نائب أحمد فقتلوه؛ وقصدوا الأردو، فأحس بهم أحمد فركب فرسا وانهزم فأدركوه وقتلوه وأقاموا أرغون.\rملك أرغون بن أبغا\rبن هولاكو ابن تولي خان بن جنكزخان، وهو الرابع من ملوك هذا البيت كان جلوسه على كرسي المملكة في جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين وذلك أن الأمراء لما أطلقوه من توكيل عمه توكدار وفر توكدار، أجلسوه على كرسي السلطنة. وساق المغل خلفه وكان قد هرب هو وصاحب الديوان شمس الدين، فأدركوا توكدار وقبضوا عليه، وأحضروه إلى أرغون فقتل بين يديه. وأما شمس الدين صاحب الديوان، فإن أرغون اتهمه أنه دبر على ابيه أبغا وعمه منكوتمر حتى ماتا، وأخرج الملك منه إلى عمه أحمد، فطلبه ففر منه ولجأ إلى بعض القلاع، فأخذ وجئ به إليه، فقتله صبرا، وأرسل كل قطعة منه إلى مكان من بلاده، واستناب أرغون الأمير أبغا - أحد الأمراء الثلاثة الذين اتفقوا على إقامته - ثم أوقع به بعد مدة يسيرة وبالأميرين الآخرين، واستناب طاجار، ودس على ججكب جوشكاب من سقاه سما فمات. وقتل غياث الدين كيخسرو صاحب الروم لتوهمه أنه واطأ عمه أحمد على قتل عمه قنغرطاي، وكان قنغرطاي قد أقام ببلاد الروم من أيام أبغا، وقرر أرغون أن بيدو يحكم على إقليم بغداد، وأولاجو يحكم على إقليم الروم، وترك ولديه غازان وخربندا بخراسان، ووكل أمرهما إلى نيروز، وجعله أتابكهما، واستوزر سعد الدولة اليهودي، وأصله من أبهر من كور عراق العجم. وكان سعد الدولة في أول أمره يشتغل بالطب، فتميز وانتقل إلى أن ترشح للوزارة.\rوأحسن أرغون إلى والدة عمه أحمد وهي قوتوي خاتون، وأبقى عليها بلادها التي كانت لها في زمن ابنها وهي طوبان، وميافارقين. ودامت أيامه إلى سنة تسعين وستمائة فمات حتف أنفه في شهر ربيع الأول منها على شاطئ نهر الكر من بلاد أران. وقيل إنه مات مغتالا بسم. وقيل إنه كان يدين بدين البخشية وهي الطائفة المشهورة بعبادة الأصنام. وكان يجلس في السنة أربعين يوما في خلوة، ويتجنب أكل لحوم الحيوان. فوفد عليه رجل من الهند يزعم أنه يعلم علم الأديان والأبدان، وأوحى إليه أنه يتخذ له معجونا، من داوم مناولته طالت حياته، وركب له. فتناول منه فأوجب له انحرافا وصراعا، فمات وملك بعده أخوه كيخاتو.\rملك كيخاتو بن أبغا\rبن هولاكو وهو الخامس من ملوك هذا البيت جلس على كرسي المملكة بعد وفاة أخيه أرغون في شهر ربيع الأول سنة تسعين وستمائة. وذلك أن أرغون لما مات كان له من الأولاد غازان وخربندا؛ وكانا بخراسان، فاجتمع الأمراء وأرباب الرأي على إقامة كيخاتو فأقاموه في المملكة.\rفلما استقر حكمه ونفذ أمره أساء السيرة، وخرج عن الياسا المقررة، وأفحش في الفسق، وتعرض إلى نسوان المغل وأولادهم الذكور. وتمادى على ذلك فاجتمعوا وشكوا ذلك إلى بيدو ابن عمه، فوثب به بيدو بن طرغاي وبشتاي وصنجك، فعلم بهم فهرب من الأردو إلى نحو كرخستان، فقتل بمقام سلاسوار من أعمال موغان، في شهر ربيع الآخر سنة أربع وتسعين وستمائة.\rملك بيدو بن طرغاي\rبن هولاكو بن تولي خان ابن جنكزخان، وهو السادس من ملوك هذا البيت","part":7,"page":411},{"id":3422,"text":"جلس على كرسي المملكة في جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وستماية بعد مقتل كيخاتو. ولما ملك كان غازان بن أرغون بخراسان وصحبته أتابكه نيروز، فحسن له قصد بيدو وانتزاع المملكة منه. فجمعا وحشدا وحضرا من خراسان، وسار بيدو بعساكره إليهما. فلما تراءى الجمعان تبين لغازان أن جمعه لا يقوم بمن مع بيدو، فراسله واتفقا على الصلح وعاد غازان إلى خراسان. وأقام نيروز عند بيدو، فإنه منعه من الرجوع مع غازان لئلا يتفقا على حربه مرة ثانية.\rفأعمل نيروز الفكرة واغتنم الفرصة في مدة إقامته عند بيدو. واستمال جماعة من الأمراء لغازان واستوثق منهم أنه متى دنا منهم انحازوا إليه وفارقوا بيدو. فلما استوثق منهم أعلم غازان بأمرهم فتجهز للمسير من خراسان وبلغ بيدو خبره فأوجس منه خيفة، وذكر ذلك لنيروز، فقال: أنا أكفيك أمره وأدفعه عن قصدك، ومتى توجهت إليه ثنيت عزمه، وأرسلته إليك مربوطا. فاستحلفه بيدو أنه لا يخون ثم جهزه. فسار إلى غازان وأخبره بما اتفق عليه الامراء وتعاضدا وخرجا معا لقصد بيدو، وأرسل إليه نيروز قدرا مربوطا في عدل، وقال: قد وفيت بما قلت لك وأرسلت قازان إليك ومعنى قازان في لغتهم القدر، فغضب بيدوب لهذه الرسالة وتحقق أنه خدعه ومكر به، وسار بيدو للقائهما. فلما التقى الجمعان بنواحي همذان، انحاز الأمراء الذين وافقوا نيروز إلى جهة غازان، فقوي بهم وضعف بيدو وهرب، فأدركوه بنواحي همذان، وقتلوه في ذي الحجة من السنة، فكانت مدة ملكه نحو سبعة أشهر.\rملك غازان بن أرغون\rبن أبغا بن هولاكو ابن تولي خان بن جنكزخان وهو السابع من ملوك هذا البيت جلس على كرسي المملكة بعد مقتل بيدو ابن عم أبيه في ذي الحجة سنة أربع وتسعين وستماية. وترك أخاه خربندا بخراسان واستقر نيروز أتابك العسكر ومدبر المملكة.\rوفي سنة خمس وتسعين وستمائة فارقت الطائفة الأويراتية بلاد التتار، وحضروا إلى الديار المصرية والشام، والتجأوا إلى الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري، وكانوا زهاء ثمانية عشر ألف بيتا ومقدمهم طرغاي، وسنذكر أخبارهم في دولة الترك في الأيام العادلية، وكان سبب هربهم أن مقدمهم طرغاي كان ممن وافق بيدو على قتل كيخاتو، فلما صار الملك إلى غازان خافه طرغاي على نفسه، فهرب هو ومن انضاف إليه.\rوفي سنة سبع وتسعين وستماية حضر إلى غازان جماعة من النواب بالممالك الإسلامية والأمراء، وهم: الأمير سيف الدين قفجاق نائب الشام، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جندار المعروف بالسلاحدار، والأمير فارس الدين البكي الساقي نائب المملكة الصفدية، والأمير سيف الدين بوزلار، والأمير سيف الدين عزاز الصالحين والتحقوا به للسبب الذي نذكره إن شاء الله في أخبار الملك المنصور لاجين المنصوري.\rوفيها قتل غازان أتابكه نيروز وسبب ذلك أن نيروز أحس بما أضمر له غازان من قتله، فكاتب الملك المنصور لاجين، والتمس منه أن يجرد عسكرا ليساعده على الحضور إلى أبوابه، فوقعت الأجوبة في يد غازان، فأحضره وقتله. وقتل أخويه فيما بعد، وقتل الذي وصل إليه بالأجوبة من الديار المصرية. ورتب قطلوشا في نيابته عوضا عن نيروز.\rوفيها أيضا فارق سلامش بن أفاك بن بيجو وأخوه قطقطو بلاد التتار إلى الديار المصرية وكان سلامش معدما على التمان ببلاد الروم. فلما وصل إلى الديار المصرية خيره الملك المنصور لاجين في المقام بمصر أو الشام، فسأله أن يجرد معه عسكرا ليخلص أهله من الروم، فجرد معه طائفة من العسكر بحلب. فلما قاربوا بلاد الروم ظفر بهم التتار وأخذوا عليهم المضايق ففر سلامش، والتجا إلى قلعة من قلاع الروم، ثم أحضر إلى غازان فقتله، واستقر قطقطو بمصر.\rمسير غازان إلى الشام ووقعة مجمع المروج\rواستيلائه على البلاد الشامية وعوده عنها","part":7,"page":412},{"id":3423,"text":"وفي سنة تسع وتسعين وستمائة توجه غازان بعساكره وجموعه ومن انضم إليه من الكرج والأرمن وصحبته الأمراء والنواب الذين التحقوا به من الديار المصرية والشام، وسار بهم حتى قطع الفرات وانتهى إلى حلب، وتقدم إلى مجمع المروج بالقرب من حمص. وجاء السلطان الملك الناصر بعساكره والتقوا في يوم الأربعاء ثامن وعشرين شهر ربيع الأول من هذه السنة، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت ميمنة التتار هزيمة قبيحة، وقتل منهم خلق كثير، فاعتزل غازان في نحو ثلاثين فارسا واعتد للهزيمة. ثم ركب من التتار من لم يشهد الوقعة، وحملوا على ميسرة الملك الناصر، فانهزمت وكانت الكسرة. وعاد الملك الناصر إلى الديار المصرية. وكانت القتلى من جيش غازان أضعاف من قتل من العساكر الإسلامية، والنصر لهم.\rولما عاين غازان من قتل من عساكره ورأى الهزيمة ظنها مكيدة فتوقف عن اتباع من انهزم. ثم سار إلى حمص وبها الخزائن السلطانية فسلمها إليه وإلى حمص من غير ممانعة، وأخرج إليه مفاتيح البلد فتسلمها، وأمن أهلها. ورحل إلى دمشق ونزل بالغوطة وهي أحد مستنزهات الدنيا الأربعة، وخرج إليه أكابر دمشق بالتقادم والتحف والهدايا. وتعرض من في عسكره من الأرمن إلى المدارس والمساجد والجامع بجبل الصالحية وخربوه وحرقوه. ورتب الأمير سيف الدين قفجاق لتحصيل الأموال من الدماشقة، فأخذ في جبايتها فجبى من الأموال ما لا يحصى كثرة. ورسم بمحاصرة القلعة فحوصرت وبها الأمير علم الدين سنجر أرجواش المنصوري فحفظها فلم يتمكن غازان منها ولما اشتد الحصار خشى أرجواش أن يتمكن التتار من القلعة بما حولها من البنيان، فهدمه جميعه، فكان من جملة ما هدم دار السعادة وهي الدار التي يسكنها نواب السلطنة؛ ودار الحديث الأشرفية، والمدرسة العادلية، ودار تعرف بالزين الحافظي، وطواحين باب الفرج، وغير ذلك مما جاور القلعة. وجاء رجل منجنيقي فالتزم لغازان بأخذ القلعة، وقرر أن ينصب المجانيق عليها في جامع دمشق، فأجمع أرجواش رأيه أنه متى نصبت المجانيق بالجامع رمى عليها بمجانيق القلعة. وكان ذلك يؤدي إلى هدم الجامع، فانتدب رجال من أهل القلعة بعد أن تهيأت أعواد المجانيق ولم يبق إلا رميها وخرجوا بحمية الإيمان، وهجموا الجامع ومعهم المياسير، فأفندوا ما رتبه التتار وهيؤوه من أعواد المجانيق، ثم جددوا غيرها واحترزوا عليها. فانتدب رجل من أهل القلعة، وبذل نفسه والتزم بقتل المنجنيقي، وخرج إلى الجامع والمنجنيقي بين المغل، فتقدم إليه وضربه بسكين فقتله، وهجم رجال القلعة فنفرت الناس عن القاتل وحماه أصحابه فجاء إلى القلعة وبطل ما دبروه من عمل المجانيق ونصبها على القلعة.\rوكتب غازان إلى سائر نواب القلاع والحصون الشامية والساحلية في تسليمها فما أجابه أحد إلى تسليم ما بيده، وتربصوا ثقة بالله تعالى ثم بالعساكر الإسلامية أنها لا تتأخر عن دفع غازان. وتقدم بكتابة الفرمانات وابتدأها بقوله بعد البسملة: بقوة الله تعالى وميامين الملة المحمدية، وأظهر فيها شعائر الإسلام واتباع السنة. هذا وأفعاله تناقض أفعاله لأنه رضى بما فعله الأرمن من الفساد. ثم رتب الأمير سيف الدين قفجاق قبجق في النيابة عنه بالشام، ورتب الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار في النيابة بالممالك الحلبية والحموية وحمص، ورتب الأمير فارس الدين البكي الساقي في النيابة بالممالك الطرابلسية والصفدية والفتوحات والسواحل، وجعل الأمير يحيى ابن جلال الدين على جباية الأموال، ومرجع نواب الممالك إليه، وجرد من عسكره عشرين ألف فارس صحبة بولاي وانشقا وججك وهولاجو، فنزلوا الأغوار، وشنوا الغارات، فانتهت غاراتهم إلى القدس وبلد الجبل ونابلس ووصلوا إلى غزة، وقتلوا بجامعها خمسة عشر نفرا.\rورحل غازان عائدا إلى الشرق في منتصف جمادى الأولى، وترك نائبه قطلوشاه يحاصر قلعة دمشق، فحصرها أياما فلم يتمكن منها، فجبى له قفجاق من أهل المدينة مالا فأخذه وتوجه إلى غازان. ثم لم يلبث بولاي ومن معه من التتار إلا قليلا، وتوجهوا إلى بعلبك والبقاع فأغاروا عليها ورجعوا إلى الشرق في ثامن شهر رجب من هذه السنة، لما بلغهم أن السلطان الملك الناصر تجهز بجيوشه لدفعهم.","part":7,"page":413},{"id":3424,"text":"وأما السلطان الملك الناصر، فإنه لما دخل إلى الديار المصرية شرع في الاهتمام والاحتفال بالعساكر، وأنفق فيهم الأموال، وعاد إلى الشام فبلغه توجه غازان، فجرد نائبه الأمير سيف الدين سلار واستاذ داره الأمير ركن الدين بيبرس، ثم انحاز إليه الامراء: سيف الدين قفجاق، وسيف الدين بكتمر، وفارس الدين البكي، على ما نذكر ذلك في أخبار الدولة الناصرية.\rوفي سنة سبعماية عاد غازان لقصد الشام، وانتهى إلى حلب وتقدم ونزل فيها بينها وبين حماه. ثم خرج السلطان الناصر بعساكره إلى الشام، وأقام بمنزله بدعرش بالقرب من غزة، وجرد من العساكر طائفة. ثم عاد غازان إلى الشرق والملك الناصر إلى مصر من غير قتال.\rمسير غازان إلى الشام وعوده وتجريد عساكره وانهزامها بمرج الصفر\rوفي سنة اثنتين وسبعماية سار غازان من الأردو ونازل الرحبة وحاصرها، فخرج إليه نائبها بلبان الغتمى بالإقامات ولاطفه، وقال: أنت أيها الملك متوجه إلى الشام فإذا أخذت البلاد فهذه القلعة لا تمتنع عليك فوافقه غازان، وأخذ ابنه ومملوكه رهينة، ثم رحل عنها وعاد إليها. وجرد قطلوشاه وصحبته اثنا عشر تمانا لقصد الشام وعاد غازان إلى العراق في أوائل شعبان من السنة.\rوهجم عساكره على أطراف البلاد الحلبية فتأخر العسكر إلى حماة وغارت كل طائفة منهم على القريتين ونهبوا من هناك من التركمان وسبوا نساءهم وذراريهم، وتوجهوا منها في البرية إلى صوب عرض، وهم زهاء عشرة آلاف فخرج إليهم طائفة من العساكر الإسلامية مقدمهم الأمير سيف الدين اسندمر كرجي نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية، وعدتها على التحرير ألف وخمسمائة فارس، فالتقوا هم والتتار على عرض، واقتتلوا أشد قتال، فكانت الكسرة على التتار، وقتل منهم خلق كثير.\rثم اتفق بعد ذلك اجتماعهم وصولهم إلى الشام والعساكر تتأخر عنهم منزلة بعد أخرى، إلى أن قاربوا دمشق ونزلوا على مرج الصفر، واجتمع به سائر نواب السلطنة بالشام، والعساكر المجردة من الديار المصرية. ووصل السلطان بعساكره إلى المرج في مستهل شهر رمضان، وفي الساعة التي انتهى السلطان فيها إلى هذه المنزلة كان وصول التتار، وكنت ممن شهد هذا المصاف في جملة العساكر الإسلامية. فالتقى الجمعان يوم السبت مستهل شهر رمضان من بعد الزوال إلى عشية النهار، فهزمت ميسرة التتار ميمنة المسلمين، فأردفها القلب، وألجأوا التتار إلى جبل هناك، فارتقوا ذروته وأحاطت العساكر الإسلامية بهم وهرب في هذا بولاي في نحو عشرين ألف فارس. وكان مقابل الميسرة الإسلامية فلما رأى كثرة جموعها فر من غير قتال طائل. وبات التتار على الجبل في تلك الليلة، وأصبحوا يوم الأحد إلى وقت الزوال ففرج لهم الأمير سيف الدين اسندمر كرجي نائب الفتوحات فرجة من طرف الميسرة، فانهزموا منها على فرقتين فرقة تتلوها أخرى، وأخذهم السيف من كل مكان. وسنذكر إن شاء الله هذه الوقعة في أخبار الدولة الناصرية ونزيدها بيانا وتفصيلا.\rوفاة غازان\rكانت وفاته في الثالث عشر من شوال سنة ثلاث وسبعماية بمقام جبل من نواحي الري، فكانت مدة ملكه ثمان سنين وعشرة شهور. ولما مات ملك بعده أخوه خربندا ويقال فيه خدابندا.\rملك خدابندا بن أرغون\rبن أبغا ابن هولاكو بن تولي خان وهو الثامن من ملوك هذا البيت جلس على تخت المملكة بعد وفاة أخيه غازان في الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وسبعماية، وتلقب بأولجاتو سلطان، وذلك بمقام أوجان. ولما جلس أطلق رسولي الملك الناصر، وكان غازان قد عوقهما؛ وهما الأمير حسام الدين ازدمر المجيري، والقاضي عماد الدين بن السكري، وجهزهما إلى الديار المصرية، وأصحبهما رسولا من جهته. فوصلوا في سنة أربع وسبعماية وكان مضمون رسالته التماس الصلح والاتفاق.\rقتل قطلو شاه\rنائب خربندا وتولية جوبان النيابة وفي سنة خمس وسبعماية جرد خربندا نائبه قطلوشاه وهو الذي كان ينوب عن غازان، وأقره خربندا إلى جبال كيلان لقتال الأكراد فسار إليهم والتقوا واقتتلوا فهزمه الأكراد وقتلوه؛ ورتب خربندا بعده في النيابة جوبان.\rوفي سنة سبع وسبعمائة سار خربندا إلى جبال كيلان، وأوقع بالأكراد وقتل منهم خلقا كثيرا، وسبى نساءهم وأولادهم، وأمر ببيعهم بمدينة تبريز، فبيعوا بها.","part":7,"page":414},{"id":3425,"text":"وفي سنة تسع وسبعمائة ابتنى خربندا بابنة الملك المنصور نجم الدين غازي بن المظفر قرا أرسلان صاحب ماردين، وحملت إليه إلى الأردو، وحمل جهازها على ما نقل إلينا على ألف جمل.\rوفيها توفي ولد خربندا واسمه أبو يزيد.\rوفي سنة اثنتي عشرة وسبعماية وصل إلى خربندا من نواب السلطنة بالشام والأمراء جماعة وهم. الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب المملكة الحلبية، والأمير جمال الدين أقش الافرم نائب المملكة الطرابلسية، والأمير عز الدين أزدمر الزردكاش، والأمير سيف الدين بلبان الدمشقي، وبدر الدين بيسرا الحسامي؛ والتحقوا به وأقاموا عنده.\rوكان سبب ذلك أن السلطان الملك الناصر قبض على جماعة من الأمراء ممن اتهمهم ونقم عليهم. فخاف هؤلاء على أنفسهم ففارقوا البلاد، ولجأوا إليه، فقبلهم وأكرمهم وتجهز بعساكره وقصد الشام ونازل الرحبة والأمراء معه. وقيل إن خربندا لم يصل إلى الرحبة، وإنما وصلت جيوشه إليها، وحاصروها وأقام هو شرقي الفرات. ثم رجعت عساكره عنها في السادس والعشرين من شهر رمضان سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ولم يعلم سبب رجوعهم، وعادوا إلى بلادهم.\rخبر مدينة قنغر\rلام وتسمى السلطانية هذه المدينة كان غازان قد شرع في إنشائها واهتم بأمرها، فهلك قبل تكملتها، فأمر خدا بندا بالاهتمام بعمارتها. وهي مدينة بالقرب من قلعة كرد كوه على عشرة مراحل من مدينة تبريز. ووصلت إلينا الأخبار في سنة ثلاث عشرة وسبعمائة أنها كملت وسكنت وأن خدابندا نقل إليها من مدينة تبريز جماعة كثيرة من التجار والمتعيشين والحاكة والصناع وغيرهم، وألزمهم سكناها والإقامة بها، فسكنوها على كره منهم. ثم وصلت الأخبار إلينا أن أكثر الحاكة والصناع تسحبوا منها وعادوا إلى تبريز وغيرها من البلاد التي نقلوا منها.\rوفاة خدابندا\rوملك ابنة أبي سعيد بن خدابندا وفي سنة ست عشرة وسبعمائة وردت الأخبار بوفاة خدا بندا وأن وفاته كانت في سابع شوال من السنة. وكان قد أظهر الرفض وتمذهب به، وقرب الروافض، وأبعد أهل السنة وأطرحهم وأهانهم، ونقل إلينا أنه قبل وفاته أمر بإشهار النداء بنواحي مملكته أنه من تلفظ بذكر أبي بكر وعمر مات؛ فأهلكه الله تعالى بعد سبعة أيام من حين أمر بذلك. ولما هلك اختلفت آراء الأمراء وأرباب دولته، فيمن يجلس على تخت السلطنة، فذكر لنا أن منهم من مال إلى ابن قازان، ومنهم من مال إلى غيره من أهل هذا البيت الجنكزخاني ثم اجتمعت كلمتهم على أن أقاموا أبا سعيد بن خدابندا وعمره أحد عشر سنة فنصبوه في الملك، وقام بتدبير دولته جوبان نائب أبيه، ووصلت رسله وهداياه إلى السلطان الملك الناصر بالديار المصرية. وتكرر ذلك منه، وانتظم الصلح، وحصل الاتفاق. هذا ما انتهى إلينا من خبر التتار إلى حين وضعنا لهذا التأليف، ومهما ورد علينا من أخبارهم بعد هذا أوردناه في أخبار الدولة الناصرية بالديار المصرية آخر كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.\rالباب الثاني من القسم الخامس من الفن الخامس\rملوك الديار المصرية\rالدولة الطّولونيّة فتجهز أحمد للمسير إلى الشام، وسار في شوال سنة أربع وستين لقصده، واستخلف على مصر ابنه العباس، وعضده بأحمد بن محمد الواسطي. وكتب إلى علي بن مأجور وإلى أصحاب أبيه الذين أقاموه يذكر أن الخليفة أقطعه الشام والثغور مضافاً إلى ما بيده. فأجابوه بالسمع والطاعة، وتلقاه أبن أماجور بالرملة، فأقره عليها. وسار إلى دمشق فملكها وأقر قواد أماجور على إقطاعياتهم. وسار إلى حمص فتلقاه عيسى الكرخي.\rوكان يتقلدها، فشكاه أهلها فعزله عنهم وولاها يمن التركي. وملك حماة وحلب.\rوأرسل إلى سيما الطويل بأنطاكية يدعوه إلى طاعته ليقر له على ولايته، فامتنع، فعاوده، فلم يطعه، فسار إليه. ودلوه على عورة أنطاكية فنصب عليها المناجيق، وملك البلد عنوة، وقاتله سيما الطويل حتى قتل، فساء أحمد قتله لأنه كان نصيحه قديماً؛ وكان ذلك في المحرم سنة خمسين وستين ومائتين.","part":7,"page":415},{"id":3426,"text":"ورحل عن إنطاكية إلى طرسوس، فدخلها في جمع عظيم، وعزم على المقام بها وملازمة الغزو، فغلا السعر وطاقت بعساكره، فركب أهلها إليه بالمخيم وقالوا له: لقد ضيقت علينا بلدنا وغليت أسعارنا، فإما أقمت في عدد يسير وإما رحلت عنا، وأغلظوا عليه في القول وشغبوا عليه، فقال لأصحابه أن ينهزموا عن الطرسوسيين ويرتحلوا عن البلد، ليظهر للعدو أن ابن طولون على كثرة عساكره لم يقو لأهل طرسوس، وأنه انهزم عنهم، لتقع مهابتهم في قلوب العدو.\rوعاد إلى الشام، فأتاه خبر ولده العباس أنه عصي عليه في مصر وأخذ الأموال وسار إلى برقة، فلم يكترث أحمد لذلك، وقضى أشغاله، وحفظ أطراف بلاده، وبعث إلى حران أحمد بن جيغويه في جيش كثيف، ونزل غلامه لؤلؤ بالرقة، في جيش كثيف، وكانت حران لمحمد أتامش، فأخرجه أحمد بن جيغويه عنها، وهزمه هزيمة قبيحة، فاتصل خبره بأخيه موسى بن أتامش، وكان شجاعاً بطلاً، فجمع عسكراً كثيراً ، وسار بهم إلى نحو حران، فاتصل ذلك بابن طولون، فأهمه وأقلقه وأزعجه، فنظر إليه رجل من الأعراب يقال له أبو الأغر، فقال له: أيها الأمير أراك مفكراً منذ أتاك خبر ابن أتامش، وما هذا محله، فإنه طائش قلق، ولو شاء الأمير أتيته به أسيراً، فغاظه قوله، وقال: لقد شئت أن تأتيني به أسيراً فقال الأعرابي فاضمم إلى عشرين أختارهم قال: افعل، فانتقاهم أبو الأغر، وسار بهم.\rفلما قارب عسكر موسى، كمن بعضهم، وجعل بينهم وبينه إشارة إذا سمعوها ظهروا.\rثم دخل العسكر فيمن بقي معه على زي الأعراب، وأصحاب موسى على غرة، وقد تفرق بعضهم في حوائجهم، فانزعج العسكر وركبوا، فركب موسى، فانهزم أبو الأغر بين يديه، فاتبعه حتى أخرجه من العسكر ، واستمر حتى جاور الكمين، فنادى أبو الأغر بالإشارة التي بينه وبينهم، فثاروا، وعطف أبو الأغر على موسى فأسره، وأخذه حتى وصلوا به إلى ابن جيغويه، وإلى ابن طولون فاعتقلاه، ورفع إلى مصر، وكان وصوله إليها في سنة ست وستين..\rعصيان العباس\rبن أحمد بن طولون على أبيه وما كان من أمره في سنة خمس وستين ومائتين عصى العباس بن أحمد أبيه، وسبب ذلك أن أباه لما استخلفه بمصر، كما ذكرناه، وخرج إلى الشام، حسّن للعباس جماعة كانوا عنده أخذ الأموال والإنسراح إلى برقة، ففعل ذلك، وحمل معه أحمد بن محمد الواسطي كاتب أبيه، وأيمن الأسود مقيدين.\rفلما رجع أحمد إلى مصر وجده قد أخذ ألفي ألف دينار، واستلف من التجار ثلاثمائة ألف دينار، وأمر صاحب الخراج أن يضمنها لهم، ففعل. فراسل أحمد ابنه واستعطفه فلم يرجع، فخاف من معه وأشاروا عليه بقصد إفريقية، فسار إليها، وكاتب وجوه البربر، فأتاهم بعضهم. وكتب إلى إبراهيم بن الأغلب يقول: إن أمير المؤمنين قلدني إفريقيا وأعمالها، ورحل حتى أتى حصن لبدة، ففتحه أهله له، فقابلهم أسوأ مقابلة، ونهبهم، فمضى أهل الحصن إلى إلياس بن منصور النفوسي، رئيس الإباضية، هناك، فاستغاثوا به، فغضب بذلك، وسار إلى العباس ليقابله.\rوكان إبراهيم بن الأغلب قد أرسل إلى عامل طرابلس جيشاً وأمره بقتال العباس، فالتقوا واقتتلوا قتالاً شديداً حتى حجز بينهما الليل. فلما كان الغد وافاهم إلياس ابن منصور الإباضي في اثني عشر ألفاً من الإباضية، فأجمع هو وعامل طرابلس على قتال العباس، فاقتتلوا، فقتل من أصحابه خلق كثير، وانهزم أقبح هزيمة، وكان أن يؤسر، فخلصه مولى من مواليه، ونهبوا سواده، وأكثر ما حمله معه من مصر، فعاد إلى برقة أقبح عود، وشاع بمصر أن العباس قد أنهزم فاغتم أبو لذلك غماً شديداً، وسير إليه العساكر، فقاتلهم وقاتلوه، فانهزم، وكثر القتل في أصحابه، وأخذ أسيراً، وحمل إلى أبيه، فحبسه في حجرة في الدار إلى أن قدم العسكر ببقية الأسرى من أصحابه، فلما قدموا أحضرهم أحمد عنده، والعباس معهم، وأمره أن يقطع أيدي أعيانهم وأرجلهم، ففعل ذلك. فلما فرغ منهم وبخه أبوه وذنبه، وقال له: هكذا يكون الرئيس والمقدم. كان الأحسن أنك ألقيت نفسك بين يدي سألت الصفح عنك وعنهم، فكان ذلك أعلى لمحلك. وكنت قضيت حقوقهم. ثم أمر به فضربه مائة مقرعة، ودموع أحمد تجري على خده رقة على ولده، ثم رده إلى الحجرة واعتقله، وذلك في سنة ثمان وستين ومائتين.\r؟خلاف لؤلؤ على أحمد","part":7,"page":416},{"id":3427,"text":"كان سبب ذلك أن الحسين بن مهاجر غلب على أحمد بن طولون، وحسن له جمع الأموال ومنعه من سماحته وجريه على عوائد الجميلة، فنفرت القلوب عن أحمد، وتغيرت الخواطر عليه، فتنكر له غلامه لؤلؤ، وكان عمدته عليه، وكان في يده حلب وحمص وقنسرين وديار مضر. وكان أحمد إذا أنكر على لؤلؤ شيئاً أوقع بكاتبه محمد بن سليمان، ويقول له، هذا منك ليس منه فحمل محمد بن سليمان الخوف من أحمد على أن حسن لؤلؤ حمل جملة من المال إلى الموفق، فحمل إليه ذلك، وكتب إليه عن لؤلؤ كتاباً يعرفه رغبته في المصير إليه، والتصرف تحت أمره ونهيه، والدخول في طاعته، فسر الموفق لذلك واستبشر، لما في نفسه من أحمد، ورأى أن ذلك من الفرص التي يتعين انتهازها، فأجابه بأحسن جواب وأنفذ إليه خلعاً.\rوكانت مع لؤلؤ طائفة من خواص أحمد، فلما أنكروا حاله، واطلعوا على ما فعله، فارقوه، والتحقوا بأحمد، وأطلعوه على ما كان من أمر لؤلؤ. فتألم لذلك، وأخذ في إعمال الحيلة والمخادعة للؤلؤ والتطلف به، ومكاتبة محمد بن سليمان، فلم يفده ذلك عنده. فكتب أحمد إلى المعتمد على الله كتاباً يقول فيه: إني خائف على أمير المؤمنين من سوء يلحقه، وقد اجتمع عندي مائة ألف عنان أنجاد، وأنا أرى لسيدي أمير المؤمنين الانجذاب إلى مصر، فإن أمره يرجع بعد الامتهان إلى نهاية العز، ولا يتهيأ لأخيه الموفق شيء مما يخافه عليه. وجهز له قرين ذلك، سفاتج، بمائة ألف دينار، وذلك في سنة ثمان وستين ومائتي، وأظهر أحمد الخروج لهذا الأمر. فلما وصل كتابه إلى الخليفة، تجهز لقصده مصر، فكان من خروجه، ورجوعه إلى بغداد ما ذكرناه في أخباره، وأما محمد فإنه تجهز إلى الشام، وأحذ معه ابنه العباس مقيداً واستخلف ابنه خمارويه على مصر، فسار، فوصل إلى دمشق وهو يظهر الانتصار للمعتمد، ويقصد لؤلؤا غلامه، فعند ذلك التحق لؤلؤ بالموفق، وكان لحاقه به في سنة تسع وستين.\rوانتهى إلى أحمد عود المعتمد، وأنه ضيق عليه، فأحضر أحمد قضاة أعماله وفيهم بكار بن قتيبة والعمري أبو حازم، وغيرهم، وخلع الموفق، فكلهم وافقه على ذلك إلا بكار، واسقط أحمد دعوة الموفق، وقلع اسمه من الطرز. فلما بلغ الموفق ذلك أمر بلعن أحمد بن طولون في المنابر في سائر الأمصار. ثم رجع الموفق عن ذلك، وأمر كاتبه صاعد بن مخلد وجماعة من خاصته، بمكاتبة أحمد بن طولون وتوبيخه على ما فعله ،فكتبوا إليه واستمالوا، فعلم أن ذلك عن رأي الموفق وإذنه لهم، فأجابه بأحسن جواب، فعرضوا كتبه على الموفق، فسره ما تضمنته، وعلم أن ابن طولون إنما فعل ذلك لمغالاته في المناصحة هم. وكان الموفق كامل العقل، فسكن ذلك منه ما كان في نفسه على أحمد، ومال قلبه إليه، وكتب الموفق إلى أخيه المعتمد يعلمه برجوعه عن أمر أحمد وندمه على ما كان منه في حقه، وسأله أن يكتب إليه، فسر المعتمد بذلك، وكتب إلى أحمد كتاباً بخطه، وأمره بالرجوع عما هو عليه من أمر الموفق، وبعث إليه كتاب الموفق برجوعه عن لعنه، وأنفذ الكتاب مع الحسن بن عطاف، فلما بلغ الرقة بلغه وفاة أحمد بن طولون، فرجع إلى الحضرة.\rوأما لؤلؤ فإنه بلغه أن مولاه أحمد باع أولاده وخدمه بسوق الرقيق بمصر، وقبض على أملاكه، فبلغ منه ذلك كل مبلغ، وتقدم إلى الموفق وبكى، وسأله إنفاذ الجيوش معه، وضمن له أخذ البلاد من مولاه، وبسط لسانه في سيرته، فخلع الموفق عليه، وحمله على دابة، ووعده وأمر بتجريد الجيوش معه، كل ذلك وهو يسخر منه ويماطله، إلى أن يعود جواب أحمد مع الحسن بن عطاف، فقبض حينئذ على لؤلؤ ورده إلى مولاه، واستقبح مع فعله لؤلؤ بحق سيده، فلما اتفق وفاة أحمد، أقام لؤلؤ في خدمة الموفق إلى سنة ثلاث وسبعين، فقبض الموفق عليه، وأخذ منه أربعمائة ألف دينار، وكان لؤلؤ يقول ليس لي ذنب إلا كثرة مالي، ولم تزل أمور لؤلؤ في إدبار إلى أن افتقر، ولم يبق له شيء، فعاد إلى مصر في آخر أيام هارون بن خمارويه بغلام واحد، وهكذا تكون ثمرة الغدر وكفر الإحسان.\r؟وفاة أحمد بن طولون\rوشيء من أخباره وسيرته كانت وفاته في نصف الليل من ليلة الأحد لعشر ليال خلون من ذي القعدة سنة سبعين مائتين","part":7,"page":417},{"id":3428,"text":"قيل: وكان سبب وفاته أن نائبه في طرسوس وثب عليه يازمان الخادم وقبض عليه، وأظهر الخلاف على أحمد، فجمع أحمد العساكر، وسار إليه، فلما وصل إلى أذنه كاتبه وراسله واستماله، فلم يلتفت يازمان الخادم إلى رسالته، فسار أحمد إليه وحصره، فخرق يازمان نهر البلد على منزلة العسكر، فكاد الناس يهلكون، فرحل أحمد حنقاً، وكان الزمان شتاء، وكتب إلى يازمان، إنني لم أرحل إلا خوفاً من تنحرق حرمة هذا الثغر، ويطمع العدو فيه، وعاد إلى إنطاكية، فأكل من لبن الجواميس وأكثر منه، فأصابته هيضة واتصلت به حتى صار منها ذرب. وكان الأطباء يعالجونه، وهو يأكل سراً غير ما يصفونه، فلم ينجع الدواء فيه فمات رحمه الله.\rهكذا ذكر ابن الأثير الجرزي في تاريخه الكامل في سبب وفاته.\rوأما صاحب الدول المنقطعة فإنه قال: أنه رجع إلى مصر واعتل بزلق المعدة، واشتدت به العلة وطالت، فعهد إلى ابنه أبي الجيش خمارويه، وأطلق ابنه العباس من قيده، وذلك في العقدة سنة سبعين ومائتين، وخلع عليه وقلده جميع الأعمال الخارجة عن أعمال مصر من الشامات والثغور، وأوصاه بتقوى الله وطاعة أخيه، ثم توفي رحمه الله وسنه يومئذ خمسون سنة وشهر وثماني وعشرون يوماً، ومدة إمرته على مصر ست عشر سنة وشهر واحد وسبعة وعشرون يوماً.\rوأما سيرته، فإنه، رحمه الله، كان عادلاً شجاعاً، كريماً متواضعاً، حسن السيرة، يباشر الأمور بنفسه ويتفقد رعاياه، ويحب أهل العلم، ويدنى مجالسهم، وكان كثير الصدقات. وهو الذي بنى قلعة يافا، وكانت المدينة بلا قلعة.\rأولاده ثلاثة وثلاثون. منهم: أبو الفضل عباس، أبو الجيش خمارويه، أبو العشائر مضر، أبو الكرم ربيعة، أبو المقانب شيبان، أبو ناهض عياض، أو معد عدنان، أبو الكراديس خزرج، أبو حبشون عدي، أبو شجاع كندة، أبو منصور أغلب، أبو بهجة ميسرة، أبو البقاء هدى، أبو المفوض غسان، أبو الفرج مبارك، أبو عبد الله محمد، أبو الفتح مظفر.\rوالبنات ست عشرة، وهن: فاطمة، ولميس، وتعلب، صفية، وغالية، وخديجة، وميمون، ومريم، وعائشة، وأم القرى، ومؤمنة، وعزيزة، وزينب، وسمانة، وسارة، وغريرة.\rوخلف من الأموال والعين والورق كثيراً، ومن الغلمان أربع وعشرين ألف غلام، ومن الموالي سبعة آلاف رجل، ومن الخيل سبعة آلاف وثلاثمائة وخمسين رأساً، منها: لركابه ثلاثمائة وخمسون، ومن الجمال ثلاثة آلاف جمل وألف بغل، ومن المراكب الحربية الكبار مائتي مركب بآلتها، ومن الأمتعة والفرش والآلات ما لا يحصى كثرة ولا يعد اتساعاً، وأنفق على الجامع مائة ألف وعشرين ألف دينار، وعلى البيمارستان، ستين ألف دينار، وعلى العين التي بالمعافر مائة ألف وأربعين ألف دينار، وعلى حصن الجزيرة مائة ألف دينار. وأنفق في بناء الميدان مائة ألف وخمسين ألف دينار، وعلى مرمات الثغور وحصن يافاً مائتي ألف دينار.\rوكانت صدقاته في كل شهر ألف دينار سوى المرتبات، وكانت له وظائف من خبز ولحم تجري على قوم مستورين، في كل شهر ألفا دينار، وكان يصنع في كل جمعة من أصناف الأطعمة، والحلو أشياء كثيرة، يحضرها الناس من فقير، ومستور، ومتجمل، ومحتج، وكان إذا عاين ذلك وهو بمشترف عال يسجد لله تعالى شكراً تارة، ويصلي تارة، ويدعو تارة، ويبكي تارة، فكانت سيرته رحمه الله أجمل سيرة، وفراسته أعظم فراسة، بحيث إنه كان ينظر في الرجل فيدرك بفراسته غرضه، ولما مات ملك ولده بعده.\r؟ولاية أبي جيش خمارويه\rبن أحمد بن طولون وهو الثاني من ملوك الطّولونيّة ملك بعد وفاة أبيه في يوم الأحد لعشر خلون من ذي العقدة سنة سبعين مائتين، وهو ابن عشرين سنة وشهور، في خلافة المعتمد على الله، وذلك أنه لما توفي والده اجتمع الأجناد وقتلوا ولده العباس الأكبر وولوا لخمارويه، فاستقل بالأمر.\rمسير إسحاق بن كنداجق ومحمد بن أبي الساج إلى الشام","part":7,"page":418},{"id":3429,"text":"قال المؤرخ: لما توفي أحمد بن طولون كان إسحاق بن كنداجق على الموصل والحيرة، وابن الساج على أرمينية والجبال، فطمعا بالشام، واستصغرا أولاد ابن طولون، فكاتبا الموفق واستمداه، فأمرهما بقصد الشام، ووعدهما بإنفاذ الجيوش، فجمعا وقصدا ما يجاروهما، من البلاد فاستوليا عليها، وأعانهما نائب دمشق الذي كان من قبل أحمد بن طولون ووعدهما بالانحياز لهما، وأظهر العصيان، واستولى إسحاق على حلب وحمص وإنطاكية ودمشق.\rفلما انتهى الخبر إلى أبي الجيش خمارويه ندب العساكر المصرية إلى الشام، فملكوا دمشق، وهرب نائبها، وسار عسكر خمارويه، من دمشق إلى شيزر لقتال إسحاق وابن أبي الساج، فطاولهم إسحاق ينتظر المدد من العراق، وهجم الشتاء على الطائفتين، وأضر بأصحاب خمارويه، فتفرقوا في المنازل بشيزر، ووصل العسكر العراقي إلى ابن كنداجق، وعليهم أبو العباس أحمد بن الموفق وهو المعتضد بالله؟ فلما سار مجداً وصل إلى عسكر خمارويه بشيزر، فكبسهم في المنازل ووضع فيهم السيف، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وسار من سلم منهم إلى دمشق على أقبح صورة، فسار المعتضد إليهم، ففارقوا دمشق وتوجهوا إلى الرملة، وأقاموا بها، ودخل أبو العباس المعتضد إلى دمشق في شعبان سنة إحدى وسبعين ومائتين. وكتب عسكر مصر إلى خمارويه، فخرج من مصر بعساكره.\r؟وقعة الطواحين\rوفي سنة إحدى وسبعين ومائتين كانت وقعة الطواحين بين أبي العباس أحمد بن الموفق، وهو المعتضد، وبين أبي الجيش خمارويه بن أحمد.\rوكان سبب هذه الوقعة أن المعتضد لما مات ملك دمشق سار بعساكره إلى الرملة لقصد عسكر خمارويه، فأتاه الخبر بوصول خمارويه إلى عسكره وكثرة ما معه من الجموع، فهم المعتضد بالرجوع، فلم يمكنه من معه من أصحاب ابن طولون الذين صاروا معه. وكان المعتضد قد أوحش ابن كنداجق وابن أبي الساج ونسبها إلى الجبن، حيث انتظراه حتى وصل إليهما ولم يناجزا عسكر خمارويه الحرب، ففسدت نيا تهما.\rقال: وحل خمارويه ونزل على الماء الذي عليه الطواحين عند الرملة، وملكه فنسبت الوقعة إليه. ووصل المعتضد وقد عبأ أصحابه، وفعل خمارويه كذلك، وجعل كميناً عليهم سعد الأيسر، فحملت ميسرة المعتضد على ميمنة خمارويه فانهزمت. فلما رأى خمارويه ذلك، ولم يكن رأي مصافاً قبله، ولي منهزماً في طائفة من الأحداث الذين لا علم لهم بالحرب، ولم يقف دون مصر، ونزل المعتضد إلى خيام خمارويه وهو لا يشك في تما النصر، فحرج سعد الأيسر بالكمين وانضاف من بقي من الجيش، ونادوا بشعارهم، وحملوا على عسكر المعتضد، وقد اشتغلوا بنهب السواد، فوضع المصريون السيف فيهم، فظن المعتضد أن خمارويه قد عاد، فركب فانهزم لا يلوي على شيء، ووصل إلى دمشق فلم يفتح له أهلها، فمضى منهزماً حتى وصل طرسوس. واقتتل العسكران وليس لواحد منهم أمير، وطلب سعيد الأيسر خمارويه فلم يجده، فأقام أخاه أبا العشائر مقامه، وتمت هزيمة العراقيين، وقتل منهم خلق كثير، وأسر خلق كثير، وجاءت بشائر بالنصر إلى مصر، فسر خمارويه بالظفر، وخجل من الهزيمة، وأكثر الصدقة، وفعل مع الأسرى ما لم يسبق إليه، وقال لأصحابه هؤلاء ضيوفكم، فأكرموهم. ثم أحضرهم بعد ذلك وقال: من اختار المقام عندنا فله الإكرام والمواساة، ومن أراد الرجوع جهزناه وسيرناه، فمنهم من أقام، ومنهم من عاد مكرماً. وسارت عساكر خمارويه إلى الشام ففتحه أجمع، واستقر ملك خمارويه.\rوفي سنة اثنتين وسبعين ومائتين زلزلت مصر في جمادى الآخرة زلزلة شديدة خربت الدور والمسجد والجامع، وأحصى بها في يوم واحد ألف جنازة.\rاختلاف محمد بن أبي الساج وإسحاق بن كنداجق والخطبة لخمارويه بالجزيرة\rوفي سنة ثلاث وسبعين مائتين فسدت الحال بين محمد بن أبي الساج وإسحاق بن كنداجق، وكانا قبل ذلك متفقين بالجزيرة.","part":7,"page":419},{"id":3430,"text":"وسبب ذلك أن ابن أبي الساج نافس إسحاق في الأعمال وأراد التقدم، فامتنع إسحاق عليه، فكاتب محمد بن أبي الساج خمارويه فانضم إليه، وخطب له بأعماله، وهي قنسرين، وسير ولده ديواذاد إلى خمارويه رهينة، فأرسل خمارويه إلى الشام، واجتمع هو وابن الساج بنابلس، وعبر ابن أبي الساج الفرات إلى الرقة فلقيه إسحاق، وكان بينهما حرب انجلت عن انهزام إسحاق، واستولى ابن أبي الساج على ما كان معه، وعبر خمارويه، الفرات نزل الرافقة، وانهزم إسحاق إلى قلعة ماردين، فحصره ابن أبي الساج بها، وسار عنها إلى سنجار، وأوقع بطائفة من الأعراب، وسار إسحاق إلى الموصل فلقيه ابن أبي الساج ببرقعيد، وكمن له، واقتتلوا، فخرج الكمين على إسحاق، فانهزم وعاد إلى ماردين، فقوى ابن أبي الساج وظهر أمره، واستولى على الجزيرة والموصل، وخطب لخمارويه فيها، ثم لنفسه من بعده.\rوفيها أيضاً ثار السودان بمصر، وحصروا صاحب الشرطة، فركب خمارويه بنفسه، وبيده سيف مسلول، وقصد دار صاحب الشرطة، فقتل من لقيه من السودان، فهزموا، وكثر القتل فيهم، وسكنت مصر.\rاختلاق خمارويه ومحمد ابن الساج والحرب بينهما.\rوفي سنة أربع وسبعين ومائتين خالف محمد بن أبي الساج على خمارويه، فسار خمارويه إلى الشام، فقدمها في آخر السنة، وسار ابن أبي الساج إليه، فالتقوا عند ثنية العقاب، على مرحلة من دمشق إلى حمص، واقتتلوا في المحرم سنة خمس وسبعين، فانهزمت ميمنة خمارويه، وأحاط عسكر بابن أبي الساج، فانهزم واستبيح عسكره.\rوكان فد خلف بحمص أموالاً كثيرة، فندب خمارويه إليها قائداً من قواده في جيش جريدة، فسبقوا ابن أبي الساج إليها ومنعوه من الدخول والاعتصام بها واستولوا على أمواله التي بها، فمضى إلى حلب، ومنها إلى الرقة، فتبعه خمارويه، ففارقها. وعبر خمارويه الفرات وسار في أثره، فوصل إلى مدينة بلد، وسبقه إليها ابن أبي الساج إلى الموصل، ثم فارقها إلى الحديثة، وأقام خمارويه ببلد، وعمل له سرير طويل الأرجل، وكان يجلس عليه في دجلة.\rالدعاء لخمارويه بطرسوس\rفي سنة سبع ومائتين دعا يازمان بطرسوس لخمارويه. وسبب ذلك أن خمارويه أنفذ إليه ثلاثين ألف دينار، وخمسمائة ثوب، وخمسمائة مطرف، وسلاحاً كثيراُ فلما وصل ذلك إليه، دعا له، ثم وجه إليه خمسين ألف دينار، ثم توفي يازمان في جمادى الآخرة سنة ثماني وسبعين، فخلفه ابن عجيف، وكتب إلى خمارويه بوفاة يازمان، فأقره على ولاية طرسوس، وأمده بالخيل والسلاح والذخائر، ثم عزله، واستعمل ابن عمه محمد بن موسى بن طولون.\rالفتنة بطرسوس\rوفي سنة ثمان وسبعين ومائتين ثار الناس بطرسوس بالأمير محمد بن موسى، فقضوا عليه، وسبب ذلك أن الموفق كان له خادم من خواصه يقال له راغب، فلما مات الموفق اختار راغب الجهاد، فسار إلى طرسوس على عزم المقام بها، فلما وصل إلى الشام سير ما معه من دواب وآلات وخيام وغير ذلك إلى طرسوس، وسار هو جريدة إلى خمارويه ليزروه ويعرفه ما عزم عليه، فلقي خمارويه بدمشق، فأكرمه خمارويه وأنس به وأحبه، فاستحيا راغب أن يطلب منه المسير إلى طرسوس، فطال مقامه عنده فظن أصحابه أنه قبض عليه، وأذاعوا ذلك، فاستعظمه الناس، وقالوا: يعمد إلى ظن قصد الجهاد في سبيل الله فيقبض عليه، فشغبوا على أميرهم، وقبضوا عليه، وقالوا: لا تزال في الحبس حتى يطلق ابن عمك خمارويه راغباً، ونهبوا داره، وهتكوا حرمه.\rوبلغ الخبر خمارويه فأطلع راغباً عليه، وأذن له في المسير إلى طرسوس. فلما دخلها أطلق أهلها أميرهم محمد بن موسى، فسار عنها إلى البيت المقدس. ولما سار عنها وليها أحمد العجيفي؛ وكان يليها قبل ذلك.\rزواج المعتضد بابنة خمارويه\rابن أحمد بن طولون قال: ولما توفي المعتمد على الله وتولى المعتضد بالله بادر خمارويه بالهدايا الجليلة على يد الحسين بن عبد الله بن منصور بن الجصاص الجوهري، فأقره المعتضد بالله على ما بيده من الأعمال. وسأل خمارويه المعتضد أن يزوج ابنته قطر الندى للمكتفي بالله ولي العهد، فقال المعتضد بل أنا أتزوجها، وكان ذلك في سنة ثمانين، وحملت إليه في سنة إحدى وثمانين ومائتين، وأصدقها ألف ألف درهم.","part":7,"page":420},{"id":3431,"text":"وقيل: إن المعتضد أراد بزواجها إفقار الطّولونيّة، وكذلك كان؛ فإن خمارويه قد جهزها بجهاز لم يسمع بمثله، حتى إنه قيل إنه كان لها ألف هاون من الذهب، وشرط المعتضد على خمارويه أن يحمل كل سنة مائتي ألف دينار، بعد القيام بجميع وظائف مصر وأرزاق الجند، فأجاب إلى ذلك.\rمقتل أبي الجيش خمارويه\rكان مقتله في ليله الأحد لثلاث بقين من ذي العقدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وقيل في ذي الحجة منها بدمشق.\rوكان سبب قتله أنه قيل له إن جواري داره قد اتخذت كل واحدة منهن خصياً وجعلته كالزوج، وقال له الناقل إن شئت أن تعلم صحة ذلك فقرر بعض الجواري بالضرب، فكتب من وقته إلى نائبه في مصر أن يسير له الجواري، فاجتمع جماعة من خدم الخاصة وتواعدوا على قتله، فذبحوا على فراشه ليلاً. فلما قتل من خدمه الذين اتهموا بقتله نيف وعشرين نفساً.\rوحمل خمارويه إلى مصر فدفن بجبل المقطم. وكانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة وأياماً.\r؟ولاية أبي العشائر\rجيش ابن أبي الجيش خماروية بن أحمد بن طولون وهو الثالث من الملوك الطّولونيّة ملك بعد وفاة أبيه في يوم الأحد لثلاث بقين من ذي سنة اثنتين وثمانين ومائتين. وذلك أن خمارويه لما قتل اجتمع القواد على ابنه أبي العشائر وبايعوه، وكان مع أبيه في دمشق، وهو أكبر ولده، ففرق فيهم الأموال، ورجع إلى مصر، وكان صبياً غراً.\rعصيان دمشق\rعلى جيش وخلاف جنده وقتله وفي سنة ثلاث وثمانين ومائتين خرج جماعة من قواد جيش بن خمارويه وجاهروا بالخلاف، وقالوا: لا نرضى بك أميراَ، فاعتزلنا حتى نولي الإمارة عمك.\rوكان سبب ذلك أنه لما ولي قرب الأحداث والسفل، واخلد إلى سماع أقوالهم، فغيروا نيته على قواده وأصحابه، فصار يقع فيهم ويذمهم، ويظهر العزم على الاستبدال بهم، واخذ نعمهم وأموالهم، فاتفقوا على قتله وإقامة عمه، فبلغه ذلك فلم ينته، وأطلق لسانه فيهم، ففارقه بعضهم، وخلعه طُغج بن جُفّ أمير دمشق.\rوسار القواد الذين فارقوه إلى بغداد، وهم: محمد بن إسحاق بن كنداجق، وخاقان المفلحي، وبدر بن جُفّ أخو طُغج، وغيرهم من قواد مضر، فسلكوا البرية وتركوا أموالهم وأهليهم، فتاهوا أياماً، ومات جماعة منهم من العطش، وخرجوا فوق الكوفة بمرحلتين وقدموا على المعتضد، فخلع عليهم، وأحسن إليهم، وبقي سائر الجند بمصر على خلافهم، فسألهم كاتبه على ابن أحمد الماذرائي أن ينصرفوا من يومهم ذلك، فرجعوا، فقتل جيش عمين من عمومته، فثار الجند إليه، فرمى لهم بالرأسين، فهجم الجند عليه وقتلوه، ونهبوا داره، ونهبوا مصر وأحرقوها، وكانت ولايته تسعة أشهر، وقيل ثمانية، والله أعلم.\rولاية أبي موسى\rهارون ابن أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون وهو الرابع من ملوك الدولة الطّولونيّة ملك بعد مقتل أخيه في سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وهو ابن عشر سنين ،فاختلت الأحوال، واختلف القواد وطمعوا، فانحل النظام، وتفرقت الكلمة، ثم اتفقوا أن يجعلوا أبا جعفر بن أبي التركي مدبر الدولة وكان مقدماً عند أبيه وجده، فأصلح الأحوال جهد طاقته، وجهز جيشاً إلى دمشق عليه بدر الحمامي والحسن بن أحمد الماذرائي، فأصلحا حالها، وقررا أمور الشام، واستعملا على الشام طُغج بن جُفّ الفرغاني، وهو والد الإخشيد، ورجعا إلى مصر، وفي الأمور اختلال، والقواد قد تغلبوا، وضم كل منهم إلى نفسه طائفة من الجند، ولم يزل الأمر على ذلك إلى سنة إحدى وتسعين ومائتين.\rانقراض الدولة الطّولونيّة\rكان انقراضها في يوم الخميس لليلتين بقيتا من صفر، سنة اثنتين وتسعين ومائتين.\rوسبب ذلك أن الخليفة المكتفي بالله ندب محمد بن سليمان كاتب الجيش في سنة إحدى وتسعين ومائتين، وخلع عليه وعلى جماعة من القواد، وأمرهم بالمسير إلى مصر والشام وانتزاعها من هارون خماروية، لما ظهر من عجزه واختلاف أصحابه عليه.","part":7,"page":421},{"id":3432,"text":"فسار عن بغداد شهر رجب، هو وعشرة آلاف، ووصل إلى حدود مصر في المحرم سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ووجه المكتفي أيضاً دميانة الرومي غلام يازمان بالمراكب، فوصل إلى تنيس ودخل نهر النيل، فوجه إليه هارون جماعة من القواد، فكان أول من خرج إليه والتحق به بدر الحمامي وهو رئيس القواد ففت ذلك اعضاد المصريين. وتتابع القواد إليه. فلما رأى هارون ذلك خرج بمن معه من القواد لقتال محمد بن سليمان، فكانت بينهم حروب، ثم وقع بين أصحاب هارون في بعض الأيام، فاقتتلوا، فخرج هارون ليسكنهم، فرماه بعض المغاربة بمزراق فقتله، وقيل بعد ذلك بل عمه شيبان، وذلك لاثني عشرة ليلة بقيت من صفر، سنة اثنتين وتسعين ومائتين.\rوكانت مدة ولايته نحو تسع سنين تقريباً.\rفبايع الأجناد عمه أبا المقانب شيبان بن أحمد بن طولون، وهو الخامس من ملوك الدولة الطّولونيّة، وعليه انقرضت.\rقال: ولما بويع بذل الأموال للجند فأطاعوه، وقاتلوا معه قتالاً شديداً، ثم لم يلبثوا أن وافتهم كتب بدر الحمامي يدعوهم إلى الأمان فأجابوه لذلك، وسار محمد بن سليمان إلى مصر، فدخلها يوم الخميس لليلتين بقيتا من صفر، سنة اثنتين وتسعين ومائتين، فأرسل إليه شيبان يطلب منه الأمان، فأمنه، فخرج إليه ولم يعلم أحداً من جنده، فلما أصبحوا قصدوا دار الإمارة فلم يجدوه، فبقوا حيارى.\rواستولى محمد بن سليمان على مصر، وعلى منازل آل طولون وأموالهم، وقبض عليهم كلهم، وهم عشرون رجلاً، فقيدهم وحبسهم، واستصفى أموالهم، وكتب بالفتح إلى الخليفة، فأمره بإشخاص آل طولون وأشياءهم من مصر والشام إلى بغداد، فحملهم أتباعهم وأنقاض قصورهم، وعاد إلى بغداد، وولى معونة مصر عيسى النوشري.\rوانقرضت الدولة الطّولونيّة، وكانت مدتها من لدن ولاية أحمد بن طولون وإلى آخر أيام أبي المقانب سبعاً وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، وملك منهم خمسة نفر.\rمن ولي مصر بعدها انقراض الدولة الطّولونيّة وإلى قيام الدولة الأخشدية من الأعمال وملخص ما وقع في أيامهم من الحوادث.\rلمّا انقرضت الدولة الطولوينة كما ذكرنا، كان أول من ولي مصر عيسى النوشري، رتّبه في ولاية معونتها محمد بن سليمان الكاتب، فلما سار محمد إلى العراق ظهر بمصر رجل يسمى إبراهيم الخليجي وتغلب عليها.\rإبراهيم الخليجي\rوما كان من أمره كان إبراهيم هذا من القوّاد الطّولونيّة، وكان قد تخلف عن محمد بن سليمان، فاستمال جماعة وخالف السلطان وكثر جمعه، وعجز النوشري عنه، فسار إلى الإسكندرية، ودخل الخليجي مصر. وكتب النوشري إلى المكتفي بالخبر، فندب إليه الجنود مع فاتك مولى المعتضد، وبدر الحمامي، فساروا في شوال سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ووصلوا إلى نواحي مصر في سنة ثلاث، فتقدم أحمد بن كيغلغ في جماعة من القواد، فلقيهم الخليجي بالقرب من العريش، فهزمهم أقبح هزيمة، فندب من بغداد جماعة من القواد فيهم إبراهيم بن كيغلغ فخرجوا في شهر ربيع الأول، واتصلت الأخبار بقوة الخليجي حتى برز المكتفي بالله إلى باب الشماسية، على عزم المسير إلى مصر، ثم التقى القواد بالخليجي، واقتتلوا قتالاً شديداً عدة دفعات، كان آخرها أن انهزم الخليجي ودخل فسطاط مصر، واستتر عند رجل من أهلها، ودخل عسكر الخليفة فظفروا به وأخذوه هو والذي استتر عنده وحبسوهما، وكتبوا بذلك إلى الخليفة، ووجه فاتك إبراهيم الخليجي إلى بغداد، فدخلها هو ومن معه في شهر رمضان، فحبسهم المكتفي.\rواستقر عيسى النوشري بمصر سنة سبع وتسعين ومائتين، فتوفي في شعبان منها، وحمل إلى البيت المقدس فدفن فيه.\rواستعمل المقتدر على مصر تكين الخاصة في منتصف شهر رمضان من السنة.\rوفي ثلاثمائة ندب تكين عسكراً وجعل مقدمه أبا النمر أحمد بن صالح، فمضى إلى برقة والتقى مع عسكر حباسة قائد المهدي، وأبلى بلاء حسناً، ثم صرفه تكين وولى حر المنصوري فمضى إلى برقة فوجد أبا النمر موافقاً لحباسة، فلم علم أبو النمر بعزله تخاذل حنقاً على تكين، فاغتنم حباسة الفرصة وحاربهما، فكسرهما، وعادا إلى مصر.\rاستيلاء حباسة على الإسكندرية","part":7,"page":422},{"id":3433,"text":"وفي المحرم سنة اثنتين وثلاثمائة سار حباسة قائد المهدي من برقة ودخل الإسكندرية وملكها، فوصل من بغداد أحمد بن كيغلغ، وأبو قابوس محمود بن حمد، والقاسم بن سيما، في جمع من القواد والعساكر، وكان وصولهم في العشرين من صفر، فخرج بهم تكين إلى الجيزة في يوم الاثنين لسبع خلون من جمادي الأولى فعسكر بها، وسار حباسة من الإسكندرية بعسكر مستوفي، ونودي في فسطاط مصر بالنفير في العشرين من الشهر، فخرج الناس إلى الجيزة، ولم يتخلف أحد من الخاصة والعامة، وتقدم حباسة في جيوشه والتقى الفريقان وكثرت القتلى بينهم، فقتل أكثر رجال حباسة، وانهزم بمن بقى معه.\rثم قدم مؤنس الخادم من العراق في منتصف شهر رمضان من السنة، ومعه جمع من الأمراء، وأمر أحمد بن كيغلغ بالمسير إلى الشام، وصرف تكين الخاصة عن ولاية مصر لأربع عشرة ليلة خلت من ذي العقدة. فكانت مدة ولايته خمس سنين وشهرين.\rوفي سنة ثلاث وثلاثمائة قدم أبو الحسن ذكا الأعور الرومي أميراً على مصر، وذلك لأثني عشرة ليلة خلت من صفر، وخرج مؤنس بجيوشه إلى العراق لثمان خلون من شعر ربيع الأول، وخرج ذكا إلى الإسكندرية لإصلاحها، وجعل فيها ولده مظفراً وتتبع من كان يذكر بمكاتبه المهدي، فحبس جماعة منهم، وقطع أيدي جماعة وأرجلهم.\rوصول أبي القاسم بن المهدي إلى الديار المصرية\rواستيلائه على الإسكندرية والفيوم والأشمونين وفي سنة سبع وثلاثمائة، في الثاني من صفر، وصل أبو القاسم بن المهدي بجيوش المغرب إلى الإسكندرية، وملكها، ثم عاد إلى إفريقية، ووافق وصوله الآن والجند مخالفون لذكا أمير مصر، فتقاعدوا عن الخروج معه للقاء عسكر المهدي، فخرج إلى الجيزة في عسكر قليل في النصف من صفر، وابتنى حصناً بالجيزة، واحتفر خندق على عسكره، ثم صرف ذكا، وتُوفّي لليلة خلت من شهر ربيع الأول من السنة، وكانت مدة إمارته أربع سنين وأياماً.\rوقدم أبو قابوس محمود بن حمد أمير الشام بعساكره نصرة لعساكر مصر، فكان قدومه لثمان خلون من شهر ربيع الأول، ونزل الحيرة، ثم قدم إبراهيم ين كيغلغ لسبع بقين من شهر ربيع الآخر، ودخل تكين الخاصة متولياً لإحدى عشرة ليلة خلت من شعبان سنة سبع وثلاثمائة، ونزل الجيزة، وحفر خندقاً ثانياً، وأقبلت مراكب المهدي صاحب إفريقية، وهي مائة مركب حربية، وعليها سليمان الحاكم، فبعث تكين إلى بمال الخادم أمير طرسوس أن ينجده، فحضر إليه في مراكبه، وانتهى إلى ثغر رشيد، والتقت مراكبه بمركب المهدي لعشر بقين من شوال من السنة، وكان بينهم حرب شديدة، وهبت ريح على مراكب المهدي فألقتها إلى البر، وتكسر أكثرها، وأسر من فيها، وقتل منهم خلق كثير، ودخل من بقي منهم إلى الفسطاط، وهم سبعمائة نفر، فقتلوا عن أخرهم.\rوقدم مؤنس الخادم من بغداد في الخامس من المحرم سنة ثمان وثلاثمائة، وتولى إمرة مصر من بغداد هلال بن بدر، ودخلها في السادس من ربيع الآخر سنة تسع وثلاثمائة، وأقام إلى سنة عشرة، فشغب عليه الجند، وكثر النهب والقتل والفساد بمصر فصرف هلال عن مصر في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، فكانت مدة ولايته نحو سنتين.\rوتولى مصر أحمد بن كيغلغ فقدمها في شهر رجب من السنة، فأقام بمنية الأصبغ، واحضر الجند، ووضع الغطاء فيهم، وأسقط كثيراً من الرجالة، فسعت الرجال إليه، وخرجوا لقتاله، فانقل إلى فاقوس وأقام بها إلى أن قدم رسول تكين الخاصة بولاية مصر، وذلك في ذي العقدة من السنة.\rوقدم تكين من العراق لعشر مضين من المحرم سنة اثنتين عشرة وثلاثمائة، فكان بها إلى أن توفي في السادس من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وحمل إلى بيت المقدس فدفن هناك، فكانت مدة ولايته هذه تسع سنين وأربعة أشهر إلا أربعة أيام، واستخلف ابنه محمد، وكان الوزير بمصر والمتولي خراجها يومئذ محمد بن الماذرائي فوقع بينه وبين محمد بن تكين فتنة لأربع بقين من الشهر، وانتشرت حتى قامت الحرب بينهما، وقتل فيها جماعة من الفريقين وأحرق دور الماذرائي الوزير وجماعة من أصحابه.","part":7,"page":423},{"id":3434,"text":"وخرج محمد بن تكين هارباً من مصر، ودعي بمصر لمحمد بن طُغج بن جُفّ الإخشيدي في يوم الجمعة لاثني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان من السنة، ثم دعي لأحمد بن كيغلغ في شوال من السنة، ثم رجع أحمد بن تكين إلى مصر في يوم الأحد لثلاث عشر خلت من صفر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وأقام بالجيزة أياماً، ودخل دار الإمارة بمصر، واستقر بها لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، ودعي له بالإمارة ثم وقع بينه وبين عرب المغاربة حرب انجلت عن انهزامهم إلى الصعيد، وأقام محمد بن تكين ثلاثة اشهر واثنين وعشرين يوماً، ثم هرب مع جماعة من أصحابه، لخمس خلون من شهر رجب. ودخل أحمد بن كيغلغ في يوم السبت السادس من الشهر، ثم رجع احمد بن تكين لقتاله لثلاث بقين منه، وكان بينهما حرب انجلت عن انهزام محمد بن تكين، ثم نفي بعد ذلك إلى الصعيد، فلم يزل هناك على أن جاء محمد بن طُغج.\rالدولة الإخشيدية وابتداء أمر من قام بها وكيف كان سبب ملكه وقيامه ومن ملك بعده إلى أن انقرضت أيامهم كانت هذه الدولة بمصر والشام، وهي من الدول المشهورة. وأول من ولي من ملوكها الإخشيد أبو بكر محمد بن طُغج، واسم طُغج عبد الرحمن ابن جُفّ بن يلتكين بن فوري بن خاقان الملك، وهو من فرغانة، وكان طُغج من القواد الطّولونيّة، وتولى لخماروية بن أحمد بن طولون دمشق والشام، ولما مات طُغج ترك من الأولاد أبا بكر محمداً الإخشيد، وأبا القاسم علياً وأبا المظفر الحسين، وأبا الحسن عبيد الله، وكان أبو بكر أكبرهم فتولى الولايات وتنقل في المراتب إلى أن ملك مصر والشام.\rوكان ابتداء ولايته الديار المصرية والدعاء له فيها في يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، كما قدمناه، ولم تثبت ولايته هذه. ثم دعي لأحمد بن كيغلغ، وكان ما ذكرناه، ثم ولى مصر في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة في خلافة الرّاضي بالله.\rوكانت هذه الولاية مفتعلة في ابتدائها، وذلك أن التقليد من دار الخلافة ببغداد خرج باسم محمد بن تكين الخاصة، وكان بن طغج بالساحل فقبض على الرسول الواصل من دار الخلافة وأخذ منه التقليد وكشط تكين وكتب طغج، وأنفذ التقليد إلى مصر فورد يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من شعبان، فاعتزل أحمد بن كغيلغ، النظر، وامتنع محمد ابن علي الماذرائي الوزير من التسليم له، وكان غالباً على أمر أحمد بن كيغلغ وعزم على قتال محمد بن طغج، فبلغه ذلك، فبعث صاعد بن كلملم بمراكب كثيرة من ساحل الشام، وسار هو في البر، فقدمت عساكره مصراً براً وبحراً، ووصل صاعد إلى الجيزة في يوم الخميس لخمس بقين في شعبان، وأقام خمسة أيام، وأحرق الجسر، ووصل الإخشيد إلى مصر فلقيه محمد بن علي الماذرائي الوزير واحمد بن كيغلغ ومحمد بن عيسى النوشري وبرزوا لقتاله، فلما تصافوا للقتال انحاز أحمد بن كيغلغ وانضم إلى الإخشيد، وقاتل الماذرائي وابن النوشري قتالاً شديداً، ثم انهزما إلى الفيوم.\rودخل الإخشيد مصر بعد القتال في يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان من السنة، فندب صاعداً لقتال الماذرائي وابن النوشري، فوقع بينهما حرب انجلت عن قتل صاعد وهرب النوشري إلى برقة، وراسل القائم صاحب إفريقية يطلب نجدة، فسير إليه عسكراً عليه أبو تازرت فدخلوا الإسكندرية وملكوها، فخرج إليهم أبو المظفر الحسين بن طغج ومعه صالح ابن نافع، ووقع القتال، فانهزم النوشري وعسكر المغاربة، وقتلوا أبو تازرت، وأسر عامر المجنون، وجماعة منهم، وأما محمد بن علي الماذرائي الوزير فإنه استتر، ودام استتاره على أن دخل الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات المعروف بابن حنزابة وتلقاه الإخشيد، وزينت له مصر، فأخرجه. ثم وصل التقليد من دار الخلافة لمحمد بن طغج في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.\rوفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة نعت الخليفة الراضي بالله محمد بن ظغج بالإخشيد بسؤال منه في ذلك. ومعنى الإخشيد ملك الملوك.","part":7,"page":424},{"id":3435,"text":"وفي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة خرج الإخشيد إلى الشام واجتمع بالخليفة المتقي بالله بالرقة، وخدمه ومشى بين يديه، وسأله المسير معه إلى مصر وخوفه من توزون التركي، فلم يقبل منه. فضم إليه الإخشيد عسكراً وقائداً من قواده ورجع الإخشيد إلى الشام، ثم إلى مصر. وولاه المتقي مصر والشام والحرمين، وعقد لولديه من بعده، أنوجور وعلي، على أن يكلفهما كافور الخصي، وكان عود الإخشيد إلى مصر يوم الأحد الثالث عشر من جمادي الأولى، وأخذ البيعة على الناس لولده أبي القاسم أنوجور لليلتين بقيتا من ذي العقدة منها.\rوفاة الإخشيد\rوفي خامس شعبان سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة خرج الإخشيد إلى الشام والتقى بأصحاب ابن حمدان، على اللد، وهزمهم، ثم سار إلى حمص وقاتل سيف الدولة بن حمدان، ومضى إلى حلب، ثم وقع الصلح بينهما، وتسلم الإخشيد من سيف الدولة حلب وإنطاكية، وتزوج سيف الدولة بنت عبيد الله بن طغج الإخشيدي ثم عاد الإخشيد إلى دمشق فتوفي بها في يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وكان عمره ستاً وستين سنة وخمسة أشهر وسبعة أيام، وكانت مدة ولايته الثانية من لدن دخوله مصر وإلى حين وفاته إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر إلا يوماً واحداً.\rقال التنوخي: وكان الإخشيد حازماً شديداً، يتيقظ في حروبه، حسن التدبير، مكرماً للأجناد، أيّداً في نفسه، لا يكاد يجر قوسه الأفذاذ من الناس لقوته، حسن السيرة في رعيته، وكان جيشه يحتوي على أربعة آلاف رجل، وله ثمانية آلاف مملوك، يحرسه في كل ليلة منهم ألفا مملوك، وكان إذا سافر يتنقل بين الخيام عند النوم حتى كان ينام في خيمة الفراشين. قال وترك الإخشيد سبعة بيوت مال، في كل بيت منها ألف ألف دينار من سكة واحدة.\rأولاده: أبو القاسم أنوجور، وأبو الحسن علي.\rكتابه: أبو جعفر المنفق، وابن قوماقس، وابن الرودباري.\rولما مات ملك بعده ابنه أنوجور.\rولاية أبي القاسم أنوجور\rومعنى أنوجور محمود، ابن أبي بكر بن ظعج، وهو الثاني من ملوك الدولة الإخشيدية.\rكانت ولايته بالشام بعد وفاه أبيه لثمان بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وبويع له بمصر عند ورود الخبر بوفاة الإخشيد في اليوم الثاني من محرم سنة خمس وثلاثين، وعمره يومئذ اثنتا عشرة سنة، وقام ببيعته الوزير أبو بكر بن علي بن مقاتل. وكان أبو المظفر الحسن بن طغج بمصر فقبض على الوزير محمد بن علي المذكور في ثالث المحرم، وعزله، وولى الوزارة محمد بن علي الماذرائي، وحبس ابن مقاتل، فلم يزل في الاعتقال إلى أن قدم كافور بالعسكر من الشام فأفرج عنه. وكان قدوم كافور بالعسكر في يوم الثلاثاء لثمان مضين من صفر سنة خمس وثلاثين.\rثم خرج كافور بالعسكر إلى الشام ومقدمه أبو المظفر بن ظغج، أخو الإخشيد، وذلك لسبع بقين من شهر ربيع الأول. وكان سبب خروجه أن سيف الدولة بن حمدان طمع في ملك الشام لما توفي الإخشيد، فسار إلى دمشق وملكها، ثم سار إلى الرملة فلقيه كافور بها وقاتله، وكانت الهزيمة على ابن حمدان، واستعاد الإخشيدية ما كان سيف الدولة استولى عليه، وأقام كافور بالشام.\rقيام أبي نصر\rعلبون بن سعيد المغربي وما كان من أمره كان قيامه في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وكان يتولى عمل أسيوط وأخميم من صعيد مصر، فعزله 18 كافور عنها وهو بالشام فامتنع وطمع لخلو البلاد من الأستاذ كافور، فندب إليه عسكراً فهزمهم علبون وهزم عسكراً ثانياً وتقوى بمن أخذه منهم، ثم سار إلى الشرقية، في أواخر السنة ثم سار منها ونزل على بركة الجيش فخرج إليه جماعة من الإخشيدية فهزمهم. فرحل عند ذلك أبو القاسم أنوجور وأخوه وأهلهما، والوزير إلى الشام، وأخليت دار الإمارة، فدخل علبون مصر وسير عسكراً إلى أبي القاسم أتبعه إلى مسجد تبر. ومسك الوزير محمد ين الماذرائي وجيء به إلى علبون، فلما رآه أطلقه.\rوسار أبو القاسم نحو الشام، فلقيه مرتاح الشرابي في أثناء الطريق، وقد قدم من قبل كافور في جماعة من الإخشيدية، فرده. فعاد أبو القاسم إلى مصر بالعسكر فوجدوا علبون قد تفرق عنه أصحابه في البلد، فحاربهم نفر يسير، فانهزم. ودخلوا دار الإمارة، فوجدوا الوزير محمد بن الماذرائي، فهموا بقتله، فأخذه القائد مجنح وخبأه عنده، ونهبت دوره وأحرق بعضها.","part":7,"page":425},{"id":3436,"text":"ووصل الخبر إلى كافور بالشام فقبض على ولده، واستوزره عوضاَ عنه أبا الفضل جعفر بن الفرات المعروف بابن حنزابة، ثم قدم الأستاذ كافور من الشام في شهر رمضان، سنة ست وثلاثين، فأطلق الوزير ابن الماذرائي وأكرمه، ورد عليه ضياعه وأملاكه، واستوزر محمد بن علي بن مقاتل.\rوفي سنة تسع وثلاثون لست خلون من صفر زلزلت مصر، وتتابعت الزلازل بها، فتهدم أكثر دورها، وسقط الجامع العتيق بمصر قطعة، وتوالت الزلازل في سنة أربعين أيضاً ثلاثة أيام متوالية، وخسف بعض القرى وهلك من كان بها.\rفقال محمد بن عاصم من قصيدة مدح بها كافور جاء بها،\rما زلزلت مصر من سوء يراد بها ... وإنما رقصت من عدله فرحاً\rوفي سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة انقضت نار من السماء فأحرقت أكثر دور مصر.\rوفاة الوزير أبي بكر\rمحمد بن الماذرائي وشيء من أخباره ومآثره وفي شوال من سنة خمس وأربعين وثلاثمائة مات الوزير أبو بكر محمد بن علي بن إبراهيم الماذرائي، وزير لخمارويه بن أحمد ولغيره من أمراء مصر، ومولده بالعراق سنة سبع وخمسين ومائتين، وكان له ضياع وأملاك، قيل إن مقدار ارتفاعها في كل سنة أربعمائة ألف دينار، وواصل الحج من سنة إحدى وثلاثمائة إلى سنة اثنتين عشرين، وكان ينفق في كل حجة مائة ألف وخمسين ألف دينار، وكان يحمل معه أحواضاً من الخشب على الجمال، مزروع فيها الخضراوات، وكان لا ينصرف عن الحجاز إلا وقد استغنى فقراؤه، ثم أوصل الحج من سنة نيف وعشرين إلى سنة أربعين. وقام أربعين سنة يصوم.\rوقال المسبحي في تاريخه: حبس هذه الوزير على مكة والمدينة ضياعاً ارتفاعها نحو مائة ألف دينار كل سنة، منا كورة سيوط، ومنها نوير، ومنها بركة الحبش. وحبس أيضاً عليهما بالشام، وقال في كتب وقفه، من بدلها فرسول الله صلى الله عليه وسلم خصمه، رحمه الله تعالى.\rوفي سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة خالف شبيب العقيلي، وكان والياً على الرملة والساحل، وسار إلى دمشق وفتحها، ودخل إليها من باب الجابية، فوقع عن فرسه ميتاً، واختلف في موته، فقيل إن امرأة أرخت عليه حجر طاحون، وقيل بل مات حتف أنفه، واتصل الخبر بالأستاذ كافور فسكن بعد قلق عظيم.\rوفاة أبي القاسم\rأنوجور وولاية أخيه أبي الحسن علي بن الإخشيد كانت وفاته لسبع خلون من ذي العقدة سنة تسع وأربعين وثلاثمائة، وكانت مدة وقوع اسم الملك عليه أربع عشرة سنة وعشره أشهر وأياماً. وكان كافور هو الغالب على أمره والحاكم في دولته، وليس لأبي القاسم إلا مجرد الاسم.\rولما مات عقدت البيعة بعده لأخيه أبي الحسن في يوم الأحد لثمان خلون من ذي القعدة، فجرى الأستاذ كافور معه على قاعدته مع أخيه، وزاد على ذلك بأن حجبه ومنعه من الظهور إلى الناس إلا معه.\rولم يزل الأمر على ذلك إلى أن توفي لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وكانت مدة ملكه خمس سنين وشهرين وأياماً، وقيل: إن وفاته كانت في هذا التاريخ، من سنة أربع وخمسين، وكان مولده لأربع بقين من صفر سنة ست وعشرين وثلاثمائة، وخلف ولداً واحداً هو أبو الفوارس أحمد.\rولاية أبي المسك\rكافور الخصي الإخشيدي واستقلاله بملك مصر بدون شريك أو منازع.\rكانت ولايته بعد وفاة أبي الحسن علي، ابن سيده، لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وقيل هذا التاريخ من سنة أربع وخمسين.\rقال الفراغاني المؤرخ: لما توفي علي بن الإخشيد استدعاني كافور وقال لي: ما ترى أن تصنع؟ فقلت له: أيها الأستاذ إن للمرحوم عندك صنائع وآثاراً تنقضي أن ينظر لعقبه، والرأي عندي أن تنصب أحمد بن الأمير على مكان أبيه، وتدبر أنت أمور الدولة كما كنت، فاعتذر بصغره، فقلت: عقد لأبيه ولم يبلغ سنه، وأجاز ذلك ثلاثة أئمة: المتقي والمستكفي والمطيع، فقال ننظر في ذلك، وانصرفت. فبلغني أنه قال بعدي: أبو محمد لا يشك بولائه ولكنه يميل إلى الفرغانية، ثم لم يقبل ما أشار به الفرغاني، بل وثب على الأمر وأنزل اسم مواليه عن المنابر، وأقام كذلك إلى أن توفي في يوم الثلاثاء لعشرين بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة.","part":7,"page":426},{"id":3437,"text":"وكان سبب وفاته أنه سم في لوزينج قدمته له إحدى جواريه وقد أتى من الميدان وهو جائع، فأكله ومات، وقتلت الجارية بعده، وكانت قد وضعت لذلك، ومات وله من العمر خمس وستون سنة على التقدير، فإنه جلب في سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وعمره أربعة عشر سنة، وبيع باثني عشر ديناراً.\rقال المؤرخ: وكان لكافور معروف في كل سنة للحاج أكثر ما ينفذ معهم مالاً وكسوة وطعاماً، ويبعث معهم صندوقين من كسوة بدنه تفرق على الأشراف، وكان له من الغلمان الأتراك ألف وسبعون غلاماً يغلق عليهم باب داره، وتمام الألفي غلام روم، وسوى المولدين والسودان، يكون عدة غلمانه أربعة آلاف غلام. وكان راتبه في مطبخه في كل يوم ألف وسبعمائة وطل لحماً سوى الدجاج والفراريج، والخراف المشوية والحلوى وغير ذلك. وخطب له بالحرمين الشريفين، ونفذ حكمه في الشام والحجاز وطرسوس.\rوكانت له خزانة شراب يفرق منها في كل يوم خمسون قرابة من سائر الأشربة في الحاشية، ولما مات كافور خلف في خزائنه عيناً وجواهراً وثياباً وسلاحاً بمبلغ ألف ألف دينار.\rوحكي أنه كان في ابتداء أمره قبل اتصاله بالإخشيد لحقه جرب حتى كان لا يقابل فطرده سيده، وكان يمشي سوق بني نجاسة، وفيه طباخ يبيع الطبخ، فطلب كافور منه أن يطعمه، فضربه بالمغرفة على يده، وهي حارة، فسقط مغشياً عليه، فأخذه رجل من المصريين وداواه حتى وجد العافية فأتى إلى سيده فقال ل سيده: خذ أجرة ما فعلت. فأبى؛ وقال: أجري على الله. وكان كافور كلما عزت نفسه يذكرها بضرب الطباخ بالمغرفة، وربما يركب ويأتي الخط وينزل ويسجد شكراً لله تعالى.\rوحكى أيضاً أنه أجتاز يوماً بالنحاسين وهو في موكبه فوقف على حانوت هراس، وكان إلى جانبه الوزير ابن الفرات فبكى كافور بكاءاً شديداً وكان يقول في بكائه: فاز الجمال فاز الجمال، وساق وهو على تلك الحال، فلما استقر بمكانه وسكن، سأله الوزير عن سبب بكائه، فقال: لما طلعت من المركب من بحر الحجاز، وكان يومئذ سيدي الذي جلبني إبراهيم البلوقي، فركب الجمل وقصدنا قوص ونزلنا في بعض الأيام وجلست مع الجمال ورجل آخر كان معنا قد وصل من الحج، فقال الرجل: أشتهي على الله قدر هريسة قدامي. فقلت له: أنا أشتهي على الله ملك مصر، فقال الجمال: اشتهيت على الله الجنة، وغاب عني الحديث. فاتفق أن سيدي إبراهيم باعني لمحمد بن هاشم، ثم باعني لأبي أحمد بن عياش، فوهبني لجارية له، ثم وهب 20 أبو أحمد الجارية بعد مدة للإخشيد، فطلبني تكين الخاصة من الإخشيد فأهداني إليه، فلم أزل إلى أن ملكت مصر، وصاحب الحانوت الذي وقفت عنده هو الذي اشتهى قدر الهريسة، فعرفت أن ذلك الوقت وهب الله لكل منا ما اشتهى، ففاز الجمال بالجنة.\rوحكى أبو جعفر المنطقي قال: دعاني كافور يوما وقال لي: أتعرف منجماً كان يجلس في دار فلان؟ فقلت: نعم، قال: ما صنع؟ قلت: مات منذ سنين كثيرة، فقال: مررت عليه يوماً فدعاني وقال: انظر لك؟ قلت: افعل ، فنظر، ثم قال: ستملك هذه المدينة وتأمر فيها وتنهى، وكان معي درهمين فدفعتهما إليه، وقلت: ما معي غيرهما، وقال: وأزيدك؛ ستملك هذه المدينة وغيرها وستبلغ مبلغاً عظيماً، فاذكرني، فانصرفت، فلما نمت البارحة رأيته في منامي وهو يقول لي: ما على هذا فارقتني. وأريد أن تمضي وتسأل عن حاله، وهل له ورثة؟ فسألت عنه فقيل: له ابنتان إحداهما بكر والأخرى متزوجة، وأعلمته؛ فاشترى لهما داراً بأربعمائة دينار، ودفع للبكر مائتي دينار تتجهز بهما.\rوقال الحسن بن زولاق المصري المؤرخ: كان الشريف عبد الله بن أحمد الحسيني، وهو ابن طباطبا، يرسل إلى كافور في كل يوم جامين حلوى، ورغيفاً في منديل مختوم، فخوطب كافور في الرغيف وقيل له الحلوى حسن فما تصنع بالرغيف؟ فأرسل إليه وقال: يجريني الشريف في الحلوى على العادة، ويعفيني من الرغيف، فركب الشريف إليه وقال: أيدك الله، أنا ما أنفذ الرغيف تطاولاً ولا تعاظماً وإنما هي صبية حسنية تعجنه بيدها وتخبزه، فأرسله على سبيل التبرك، فإذا كرهته قطعناه، فقال: لا والله، ولا يكون قوتي سواه.","part":7,"page":427},{"id":3438,"text":"وقيل أنه ركب يوماً في موكبه والشريف أبو جعفر نقيب الطالبين يسايره، فوقعت مقرعته، فنزل الشريف فناوله إياها، فتذمم كافور من ذلك وتأوه وبلغ منه مبلغاً عظيماً. فلم نزل داره أرسل إلى الشريف جميع ما كان يملكه في موكبه من مماليك ودواب وآلة واعتذر منه. قال التنوخي في نشوار المحاضرة: وكان قيمه ما سيره إليه خمسة عشر ألف دينار.\rوفي سنة ست وأربعين وثلاثمائة قدم عليه أو الطيب المتنبي فأكرمه وخلع عليه، وأنزله بداره، وحمل إليه ألوفاً من المال، فقال أبو الطيب قصيدته التي أولها:\rكفى بك داء أن ترى الموت شافياً ... وحسب المنايا أن تكون أمانيا\rتمنيتها لما تمنيت أن أرى ... صديقاً، فأعيا أو عدواً مداجيا\rوجاء منها في مدح كافور:\rفجاءت به إنسان عين زمانه ... وخلّت بياضاَ خلفها ومآقيا\rفحسن طالعه عند كافور، ثم هرب منه وهجاه بما هو مسطر في ديوانه.\rولما مات كافور قام بالأمر بعده أبو الفوراس أحمد بن علي بن الإخشيد محمد بن طغج بن جف، كانت ولايته بعد الأستاذ كافور لعشر بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، وذلك أن القواد والغلمان الإخشيدية اجتمعوا وتحالفوا ألا يختلفوا، وعقدوا الرئاسة له، وهو ابن إحدى عشر سنة، وجعلوا الخليفة عنه الحسن بن عبد الله ابن طغج، وهو ابن عم أبيه؛ وردّوا تدبير العساكر والرجال إلى شمول الإخشيدي، وتدبير الأموال إلى جعفر بن حنزابة الوزير؛ وذلك كله قبل دفن كافور.\rوأقام الأمر على ذلك ثلاثة أشهر وثمانية عشر يوماً، واشترك معه ابن عم أبيه الحسن بن عبيد الله بن طغج، وكان يخطب لهما جميعاً بمصر والشام والحرمين، يبدأ في الخطبة بأبي الفوارس ويثني بأبي محمد الحسن.\rثم سار الحسن إلى الشام لقتال القرامطة، وصادر الوزير جماعة من المصريين، وقبض على يعقوب بن كلس وصادره على أربعة آلاف وخمسمائة دينار، وقبض على إبراهيم بن مروان النصراني، كاتب أنوجور وعلى ابني الإخشيد وصادره عشرة آلاف دينار. ولم يقدر الوزير على رضا الإخشيدية والكافورية لتباين أغراضهم، فاضطرب التدبير على الوزير؛ واستتر مرتين، ونهبت داره ودور أصحابه، فكتب جماعة من وجوه البلد إلى المعز بإفريقية يستدعون منه إنفاذ العسكر.\rوكان بمصر في هذه السنة غلاء شديد وفناء عظيم، فإن النيل انتهت زيادته في سنة ست وخمسين وثلاثمائة إلى اثني عشر ذراعاً وتسعة عشر إصبعاً، ولم يوف في السنة التي قبلها، فاشتد الغلاء، وكثر الوباء.\rنقل بعض المؤرخين أنه أحصى من كفن ودفن خارجاً، عدا من رمي في البحر، ستمائة ألف إنسان.\rوفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة قدم الحسن بن عبيد الله من الشام منهزماً من القرامطة، ودخل مصر، وقبض على جعفر بن الفرات الوزير، واستوزر الحسن بن جابر الرياحي، ثم أطلق الوزير بن الفرات، بواسطة أبي جعفر مسلم الحسيني الشريف، وفوض إليه الوزارة، ثم سار الحسن بن عبيد الله إلى الشام في مستهل شهر ربيع الآخر، وخرج جماعة من الأولياء والكتاب والأشراف إلى الشام، وخرج يعقوب بن كلس إلى الغرب مستتراً، ثم صار منه ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rثم تواترت الأخبار في جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة أن المعز صاحب إفريقية، قد جهز عساكره مع غلامه جوهر إلى مصر، فجمع الوزير القواد ووقع رأيهم على تقديم نحرير سويران فاستدعوه من الأشمونين وعقدوا له الرئاسة.\rووصل الخبر بوصول جوهر إلى برقة، فاجتمع رأي الجماعة أن بعثوا الشريف أبا جعفر مسلماً الحسني وأبا إسماعيل بن أحمد الزيني وأبا الطيب العباس والقاضي أبا الظاهر، وغيرهم، لتقرير الصلح بينهم وبين جوهر على تسليم البلاد له، فساروا في يوم الاثنين لأثني عشرة ليلة بقيت من شهر رجب سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة فلقوه على تروجة، فأكرمهم وأجابهم إلى ما طلبوه ثم بعد انفصالهم اجتمع القواد على إبطال المصالحة وتجهزوا للحرب، ورجع أولئك النفر بكتاب الأمان، فلم يقبل القواد ذلك، فخرجوا إلى الجيزة بأجمعهم.","part":7,"page":428},{"id":3439,"text":"ووصل جوهر وابتدأ القتال يوم الخميس الحادي عشر من شعبان من السنة، ثم سار جوهر بعد ذلك إلى منية شلقان وملك المخايض، فبعث المصريون مزاحم بن أرتق لحفظها فلم يحفظها، وخامر عليهم، وعدي جوهر وانهزم الإخشيديون، ودخل جوهر مصر بعد العصر من يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان منها، وندب القائد جوهر المعزى بعد ذلك جعفر بن فلاح إلى الشام، والتقى هو والحسن بن عبيد الله على الرملة في شهر رجب سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، واقتتلا فانهزم الحسن وأسر، وملك جعفر الشام أجمع.\rوانقرضت الدولة الإخشيدية، وكانت مدتها خمساً وثلاثين سنة، وتسعة أشهر، وأياماً.\rالدولة العبيدية التي انتسب ملوكها إلى الشرف وألحقوا نسبهم بالحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.\rهذه الدولة من الدول التي امتدت أيامها واتسعت ممالكها، واستولت ملوكها على كثير من الممالك المشهورة شرقاً وغرباً، ببلاد المغرب، والديار المصرية، والبلاد الشامية، والثغور والعواصم، وغير ذلك.\rوكان ابتداء ظهور هذه الدولة ببلاد المغرب، وإنما أوردناها في أخبار ملوك الديار المصرية، وألحقنا ملوكها بملوك هذا الوادي لأن الديار المصرية قاعدة ملكهم وبها قام أكثر ملوكهم.\rولنبدأ بذكر أخبار ملوك هذه الدولة ابتداء أمرهم، وما قيل في نسبهم وإلى من ينسبون، وكيف تنقلت بهم الحال إلى أن ملكوا البلاد، واستولوا على الأقاليم، ولهذه الدولة أسباب ولوازم وشيعة، هم الذين مهدوا لهم البلاد، ووطنوا الممالك، وهزموا الجيوش، وفتحوا الأقاليم، وأبادوا الأبطال، حتى استقر الملك لملوك هذه الدولة وتسلموه عفواً صفواً.\rلا بد لنا أن نبتدئ بذكر أخبارهم، وما فتحوه واستولوا عليه قبل ظهور المهدي الذي هو أول ملوك هذه الدولة، ثم نذكر عاقبة أمر من قرر لهم الملك معهم، ونذكر من ملك من ملوك الدولة واحداً بعد واحد إلى أن انقرضت دولتهم وبادت أيامهم.\rفنقول وبالله التوفيق: أول من ملك منهم عبيد الله المنعوت بالمهدي، ونسب نفسه أنه: عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأهل العلم بالأنساب من المحققين ينكرون ذلك وينفونه عن الشرف، ويقولون: اسم عبيد الله سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله القداح بن أبي شاكر ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان، صاحب كتاب الميدان في نصر الزندقة، وهو من أهل رامهرمر، كورة من كور الأهواز، وكان من خرمية المجوس، ومن المؤرخين من زعم أن الحسين بن أحمد زوج أم سعيد وأن أبا سعيد يهودي، وقال القاضي أبو بكر بن الطيب في كتابه المسمى بكشف الأسرار وهتك الأستار: إن سعيد هذا كان قد رباه عمه محمد بن أحمد المكنى بأبي الشلغلغ، وكانوا دعاة لمحمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، يأكلون البلاد باسمه ويدعون أنه حي يرزق إلى زمانهم، وفيه عمل ابن المنجم قصيدته التي يقول فيها:\rفإنك في دعواك أنك منهم ... كمن يدعي أن النحاس من الذهب\rمتى كان مولى الباهليين ملحقاً ... بآل رسول الله يوماً إذا انتسب\rولما ملك بهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة فنا خسروا ، ابن بويه، بغداد جمع الطالبيين من آفاق العراق، وسألهم عنهم، فكلهم أنكرهم ونفاهم، وتبرأ منهم، فأخذ خطوطهم بذلك. وكان ممن شهد الشريفان الرضي والمرتضى وأبو حامد الأسفرايني، وأبو الحسين القدروي، وغيرهم، وذلك في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، بأمر القدر بالله العباسي.\rهذا مع ما ينسب إلى بني بويه من التشيع، فلنذكر ابتداء أمرهم وأول من قام منهم.\rابتداء أمرهم وأول من قام منهم","part":7,"page":429},{"id":3440,"text":"قال أبو أحمد عبد العزيز ين شداد بن الأمير تميم بن المعز بن باديس في كتابه المترجم بالجمع والبيان في أخبار المغرب والقيروان: أول من قام منهم أبو شاكر ميمون بن ديصان بن سعيد الغضبان، وكان ممن صحب أبا الخطاب محمد بن أبي زينب مولى بني أسد، فألقوا إلى كل ما اختصوا به أن لك شيء من العبادات باطناً، وأن الله تعالى ما أوجب على أوليائه صلاة ولا زكاة ولا صوماً ولا حجاً، ولا حرم عليهم شيئاَ من المحرمات، وأباح لهم نكاح البنات والأخوات، وإنما هذه العبادات عذاب على الأمة وأهل الظاهر، وهي ساقطة عن الخاصة، يقولون ذلك لمن يثقون به ويسكنون إليه، ويقولون في آدم وكافة الأنبياء: كذابون محتالون طلاب للرئاسة.\rفاشتدت شوكة هؤلاء في الدولة العباسية، وتفرقوا في البلاد شرقاً وغرباً، يظهرون التقشف، والزهد، والتصوف، وكثرة الصلاة والصيام، يعرفون الناس بذلك وهم على خلافه، ويذكرون أبا الخطاب إلى أن قامت البينة بالكوفة، أن الخطاب أسقط العبادات وأحل المحارم، فأخذه عيسى بن موسى الهاشمي، مع سبعين من أصحابه، فضرب أعناقهم، فتفرق بقية أصحابه في البلاد، فصار قوم ممن كان على مذهبه إلى نواحي خراسان، وقوم إلى الهند، وصار أبو شاكر ميمون بن سعيد إلى البيت المقدس مع جماعة من أصحابه، وأخذوا في تعلم الشعوذة والنارنجيات والحيل ومعرفة الرزق من صنعة النجوم والكيمياء، ويحتالون على كل قوم بما يتفق عندهم، وعلى العامة بإظهار الزهد والورع، ونشأ لأبي شاكر ابن يقال له عبد الله القداح، علمه الحيل واطلعه على أسرار هذه النحلة، فتحذق وتقدم، وكان يظهرون التشيع والبكاء على أهل البيت ويزيدون أكاذيب اخترعوها، يخدعون بها ضعفاء العقول.\rوكان من كبار الشعوبية رجل اسمه محمد بن الحسين بن جهار نجار الملقب دندان وهو بنواحي الكرج، وأصفهان له حال واسعة وضياع عظيمة، وهو المتولي على تلك المواضع، وكان يبغض العرب ويذمهم، ويجمع معايبهم، وكان كل من طمع في نواله تقرب إليه بذم العرب، فسمع به عبد الله بن ميمون القداح وما ينتحله من بغض العرب وصنعة النجوم، فسار إليه، وكان عبد الله يتعاطى الطب وعلاج العين، ويقدح الماء النازل فيها، ويظهر أنه إنما يفعل ذلك حبسة وتقرباً إلى الله عز وجل، فطار له هذا الاسم بنواحي أصفهان والجبل، فأحضره دندان وفاتحه الحديث، فوجده كما يحب ويهوى، وأظهر له عبد الله من مساوئ العرب والطعن عليهم أكثر مما عنده، فاشتد إعجابه به، وقال له: مثلك لا ينبغي أن يطب، وإن قدرك يرتفع ويجل عن ذلك، فقال: إنما جعلت هذه ذريعة لما وراء مما ألقيه إلى الناس وإلى من أسكن إليه على رفق ومهل، من الطعن على الإسلام، وأنا أشير عليك ألا تظهر ما في نفسك إلى العرب، ومن يتعصب لهذا الدين، فإن هذا الدين قد غلب على الأديان كلها فما يطيقه ملوك الروم، ولا الترك، والفرس، والهند، مع بأسهم ونجدتهم، وقد علمت شدة بابك الخرمية وكثرة عساكره، وأنه لما أظهر ما في نفسه من بغض الإسلام وترك التستر بالتشيع 23 كما يقول أولاً قلع أصله، فالله الله أن تظهر ما في نفسك، والزم التشيع والبكاء على أهل البيت، فإنك تجد من يساعدك على ذلك من المسلمين، ويقول: هذا هو الإسلام وسب أبا بكر وعمر، وادع عليها عداوة الرسول وتغيير القرآن وتبديل الأحكام، فإنك إذا سببتهما سببت صاحبهما؛ فإذا استوى لك الطعن عليهما فقد اشتفيت من محمد، ثم تعمل الحيلة بعد ذلك في استئصال دينه، ومن ساعدك على هذا فقد خرج من الإسلام من حيث لا يشعر، ويتم لك الأمر كما تريد، فقال دندان: هذا هو الرأي.\rثم قال له عبد الله القداح: إن لي أصحاباً وأتباعاً أبثهم في البلاد فيظهرون التقشف والتصوف والتشيع، ويدعون إلى ما نريده بعد إحكام الأمر، فاستصوب دندان ذلك وسر به، وبذل لعبد الفتاح ألفي ألف دينار. فقبل المال وفرقه في كور الأهواز والبصرة وسواد الكوفة، وبطالقان، وخراسان، وسلمية من أرض حمص.\rثم مات دندان فخرج عبد الله القداح إلى البصرة وسواد الكوفة، وبث الدعاة، وتقوى بالمال، ودبر الأمر.","part":7,"page":430},{"id":3441,"text":"وحكى الشريف أبو الحسين محمد بن علي الحسين المعروف بأخي محسن في كتابه أن عبد الله بن ميمون هذا كان قد نزل عسكر مكرم فسكن بساباط أبي نوح، وكان يتستر بالتشيع والعلم، فلما ظهر عنه ما كان يضمره ويسره من التعطيل والإباحة، والمكر والخديعة، ثار الناس عليه، فأول من جاءه الشيعة، ثم المعتزلة وسائر الناس، وكبسوا داره، فهرب إلى البصرة، ومعه رجل من أصحابه يعرف بالحسين الأهوازي، فنزل بباهلة على موال لآل عقيل بن أبي طالب، وقال لهم: أنا من ولد عقيل، وداع إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، فلما أقام وانتشر خبره طلبه العسكريون فهرب وأخذ طريق الشام ومعه الحسين الأهوازي، فلما توسطا الشام عدلا على سلمية ليخفي أمرهما فأقام بها عبد الله وأخفى أمره.\rنرجع إلى قول ابن شداد، قال: ثم مات عبد الله، وكان له جماعة من الولد فخلفه منهم ابنه أحمد، فقام مقام أبيه، وجرى على قاعدته وبث الدعاة، واستدعى رجلاً من أهل الكوفة يقال له أبو الحسين رستم بن الكرخيين بن حوشب بن زادان النجار؛ وكان هذا الرجل من الإمامية الذين يقولون بإمامة موسى بن جعفر، فنقله إلى القول بإمامة إسماعيل بن جعفر. وكانوا يرصدون من يرد من المشاهد وينظرون إليهم، فمن كان فيه مطمع وجهالة استدعوه، ولا يستدعون إلا الجهال ومن له بأس وجلد، وعشيرة ومال، وعز ومنعة، ويتجنبون الفقهاء والعلماء، والأدباء والعقلاء.\rوكانوا يطلبون أطراف البلاد، فقال لهم بعض من ورد عليهم: إن بجيشان والمدحرة والجند من أرض اليمن رجلاً جلداً كثير المال والعشيرة يتشيع، وبهذه الناحية شاعر يقال له ابن خيران يسب في شعره أبا بكر وعمر، والمهاجرين والأنصار، على مثل سبيل الحميري الشاعر، فورد ذلك الرجل المذكور، وهو أبو الخير محمد بن الفضل من أهل جيشان من اليمن، ودخل إلى الحيرة، فرأوه يبكي على الحسين بن علي، فلما فرغ من زيارته أخذ الداعي يده وقال له: أني رأيت ما كان منك من البكاء والقلق على صاحب هذا القبر، فلو أدركته ما كنت تصنع؟ قال كنت أجاهد بين يديه، وأجعل خدي أرضاً يطأ عليها، وأبذل مالي ودمي دونه، فقال له: أتظن أن ما بقي لله حجة بعد هذا القبر؟ قال :بلى، ولكن لا أعرفه بعينه، قال: فتريده؟ قال إي والله، فسكت عنه الداعي. فقال له محمد ابن الفضل: ما قلت هذا القول إلا وأنت عارف به، فألح عليه وقال له: الله الله في أمري، اجمع بيني وبينه، فإني خرجت إلى الحج وجئت إلى هذه الديار أريد الله، فسكت الداعي وازدادت رغبة أبو الفضل، فصار يتضرع إليه، ويسأله، ويقبل يده، فقال له الداعي: اصبر، ولا تعجل، وأقم، فهذا الأمر لا يتم بسرعة، ولا بد له من صبر ومهلة، فقال ابن الفضل لأصحابه ومن كان معه من جيشان: انصرفوا فلي بالكوفة شغل، فانصرفوا، وأقام هو واجتمع بالداعي: فقال له: ما عملت في حاجتي؟ فقال انتظرني حتى أعود إليك، فانصرف عنه ومضى إلى أحمد بن القداح وعرفه حال ابن الفضل وحرصه إلى إلقاء الحجة وإمام الزمان، وبقي الداعي يرقبه ويراه لا يكاد يبرح المسجد من غير أن يعلم ابن الفضل به، فلما كان أربعين يوماً أتاه إلى المسجد وهو جالس فقال له: أنت بعدها هنا؟ فقال: نعم؛ ولو لا تخشى لأقمت في هذا المسجد إلى أن أموت. فعلم الداعي أنه قد قصده، فأخذه وجمع بينه وبين أحمد بن عبد الله بن ميمون.\rوحكى الشريف أبو الحسين في كتابه الذي صرح فيه فنفى هؤلاء عن النسب إلى الحسين بن علي، رضي الله عنهما، واستدل على ذلك بأدلة يطول شرحها - أن أحمد بن عبد الله بن ميمون لما قام بالأمر بعد أبيه عبد الله بعث الحسين الأهوازي من سلمية داعية العراق، فلما انتهى إلى سواد الكوفة لقي حمدان بن الأشعث، وهو قرمط الذي ينسب إليه القرامطة، فصحبه، وأتبعه قرمط، وتابعه كثير من الناس. فلما مات الأهوازي أسند الأمر من بعده إلى حمدان بن الأشعث، قرمط، وقد ذكرنا هذه القصة في أخبار القرامطة.","part":7,"page":431},{"id":3442,"text":"نرجع إلى قول ابن شداد، قال: وكان أحمد يقول للحسن بن حوشب الكوفي النجار: يا أبا القاسم هل لك في غربة الله؟ فيقول الأمر إليك يا مولاي، فلما اجتمع بابن الفضل قال له: قد جاء ما كنت تريد يا أبا القاسم، هذا رجل من أهل اليمن، وهو عظيم الشأن، كثير المال، ومن الشيعة، قد أمكنك ما تريد، وثم خلق من الشيعة، فاخرج وعرفهم أنك رسول المهدي، وأنه في هذا الزمان يظهر في اليمن، واجمع المال، والرجال، والزم الصلاة والصوم والتقشف، واعمل بالظاهر ولا تظهر الباطن، وقل لكل شيء باطن، وإن ورد عليك شيء لا تعلمه فقل لهذا من يعلمه، وليس هذا وقت ذكره، وجمع بينه وبين ابن الفضل، وخرجا جميعاً إلى ارض اليمن.\rونزل ابن حوشب بعدن، وكان فيها قوم من الشيعة يعرفون ببني موسى، وخبرهم عند ابن ميمون، فنزل ابن حوشب بالقرب منهم، وأخذ في بيع ما معه من القماش، ولزم التقشف والزهد، فقصده بني موسى وقالوا له: فيم جئت؟ قال: للتجارة: قالوا: لست بتاجر، وإنما أنت رسول المهدي، وقد بلغنا خبرك. وعرفوه بأنفسهم، فأظهر أمره عليهم، وسار إلى عدن لاعة، وسار ابن الفضل إلى بلده، ولما وصل ابن حوشب إلى عدن لاعة قوى عزائمهم وقرب أمر المهدي عليهم، وأنه من عندهم يخرج، وأمرهم بالاستكثار من الخيل والسلاح.\rولم يزل أمر بن حوشب يقوى وأخباره ترد على من بالكوفة من الإمامية وطبقات الشيعة، فيبادرون إليه، ويقول بعضهم لبعض: دار الهجرة، فكبر عددهم واشتد بأسهم، وأغار على من جاوره ونهب وسبى، وجبى الأموال، وأنفذ إلى من بالكوفة من ولد عبد الله القداح أموالاً عظيمة، وهدايا وطرفاً، وكذلك لابن الفضل.\rوكانوا نفذوا إلى المغرب رجلين، أحدهما يعرف بالحلواني والآخر بأبي سفيان، وتقدموا إليهما بالوصول إلى أقاصي المغرب، والبعد عن المدن والمنابر، وقالوا لها ينزل كل واحد منكما بعيداً عن الآخر، وقولا: لكل شيء باطن، ونحن فقد قيل لنا اذهبا فالمغرب أرض بور فاحرثاها وأكرباها حتى يأتي صاحب البذر، فنزل أحدهما بأرض كتامة بمدينة مرمجنه، والآخر سوق حمار، فمالت قلوب أهل تلك النواحي إليهما، وصارا يحملان التحف التي تحمل إليها إلى ابن القداح، ثم ماتا على قرب بينهما بعد أن أقاما سنين كثيرة.\rفقال ابن حوشب لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن زكريا الشيعي، وكان قد هاجر إليه، يا أبا عبد الله أرض كتامة من المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان وقد ماتا، وليس لها غيرك، فبادر إليها فإنها موطأة ممهدة لك، فخرج أبو عبد الله وأخرج ابن حوشب معه عبد الله بن أبي ملاحف، وأمده بمال، وأوصاه بما يعمل وكيف يحتال. وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوأما أحمد بن عبد الله بن ميمون فإنه لما قوي أمره، وكثرت أمواله، ادعى أنه من ولد عقيل ابن أبي طالب، وهم مع هذا يسترون أمرهم، ويخفون أشخاصهم، ويغيرون أسماءهم وأسماء دعاتهم، وينتقلون في الأماكن، ثم مات أحمد فخلفه محمد، وكان لمحمد ولدان، أحمد والحسين، فمات أحمد فصار الحسين إلى سلمية وله بها أموال من ودائع جده عبد الله القداح، ووكلاء، وأتباع، وغلمان، وبقي ببغداد من أولاد القداح أبو الشلغلغ، وهو محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون بن ديصان، وهو مؤدب بآداب الملوك.\rوكان الذي بسلمية يدعي أنه الوصي وصاحب الأمر دون بني القداح، ويكاتب الدعاة، ويراسلونه من اليمن، والمغرب، والكوفة، واتفق أنه جرى بحضرته بسلمية حديث النساء فوصفوا امرأة رجل يهودي حداد مات عنها زوجها، وأنها في غاية الجمال، فقال لبعض وكلائه زوجني بها، فقال إنها فقيرة ولها ولد، فقال: ما علينا من الفقر، زوجني بها فأرغبها وأبذل لها ما شاءت، فتزوجها وأحبها، وحسن موقعها عنده، وكان ابنها يماثلها بالجمال، فأحبه وأدبه، وعلمه، وأقام له الخدم والأصحاب فتعلم الغلام، وصارت له نفس كبيرة وهمة عظيمة.\rفمن العلماء من أهل هذا الدعوة من يقول: إن الإمام الذي كان بسلمية من ولد القداح مات ولم يكن له ولد، فعهد لابن اليهودي الحداد، وهو عبيد الله الذي نعت بالمهدي، وأنه عرفه أسرار الدعوة من قول وفعل، وأعطاه الأموال، وتقدم إلى أصحابه ووكلائه بطاعته، وخدمته ومعونته، وعرفهم أنه الإمام والوصي، وزوجه ابنة عمه أبي الشلغلغ.","part":7,"page":432},{"id":3443,"text":"هذا قول ابن القاسم الأبيض العلوي وغيره من العلماء بهذه الدعوة، وبعض الناس، وهم قليل، يقولون إن عبيد الله هذا، المنعوت بالمهدي، من ولد القداح.\rومنهم من يقول فيه قولاً آخر، نذكر إن شاء الله عز وجل.\rفهذا ما حكي في ابتداء أمرهم، فلنذكر أخبار الشيعي ببلاد المغرب، والله أعلم.\rأخبار أبي عبد الله الشيعي\rداعي المغرب وما كان من أمره وكيف ظهر وما فتحه من بلاد المغرب قال أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم الكاتب المعروف بابن الرقيق، في تاريخ إفريقية، وغير ابن الرقيق ممن ذكر أخبار هذه الدولة: كان أبو عبد الله الشيعي من أهل الكوفة، وقيل من أهل صنعاء، واسمه الحسين ابن أحمد بن زكريا، فاتصل بالذي يدعى أنه الإمام، وهو ابن القداح الذي ذكرناه المختلف في نسبه، فأرسله إلى أبي القاسم الحسن بن حوشب الكوفي النجار، وهو المعروف بالصناديقي، داعيتهم باليمن وكتب إليه أن ينصره ويرشده، وقال لأبي عبد الله: امتثل سيرته، وانظر إلى مخارج أفعاله فاعمل بها، ثم اذهب إلى المغرب. فخرج حتى انتهى إلى أبي القاسم، فأنزله وأكرمه، وأقام عنده من وقت انصراف الحاج من مكة إلى اليمن إلى وقت خروجهم في العام المقبل. فخرج أبو عبد الله مع الحاج إلى مكة.\rفلما قضى الناس حجهم واستقروا بمنى جعل الشيعي يمشي بمنى وينظر إلى الناس، فمر بجماعة من كتامة وهم في رحالهم، وكانوا من الشيعة الذين تشيعوا بسبب الحلواني وفيهم حريث الجيملي وموسى بن وجاد، فسمعهما الشيعي يذكران لأصحابهما فضائل علي بن أيطالب، رضي الله عنه، فجلس إليهما وذكر من ذلك شيئاً، وأقبل القوم وحدثهم طويلاً، ثم نهض ليقوم فقاموا معه، ومشوا بمشيه، وعرفوا مكانه، ثم أتوا من الغد فأوسع لهم الحديث، فزادهم ذلك فيه رغبة، وعليه إقبالاً، ثم صحبهم في طول الطريق بعد انصرافهم من الحج إلى أن وصلوا إلى مصر، وهم يبالغون في خدمته، ويرحلون برحيله، وينزلون بنزوله، وهو يسألهم عن بلادهم في خلال ذلك، وعن طاعتهم لملوكهم، فيقولون ما علينا طاعة لهم، وهو لا يعرض لهم بقصده ولا رغبته في بلادهم، فلما أتوا مصر أظهر أنه يريد الإقامة بها، فتألموا لفراقه، وقالوا ما الذي تقصد بمقامك في مصر؟ قال: التعليم، فسألوه أن يصحبهم إلى بلادهم وأنهم يوجبون له على أنفسهم أجرة كل سنة، وما أوجب. ولم يجبهم إجابة كلية؛ ورغبتهم كل يوم تزيد فيه، فأجابهم إلى الخروج معهم، ففرحوا بذلك واستبشروا، وجعلوا يزيدون في بره، ويقولون له: عندنا كثير من إخوانك ومن يذهب إلى مذهبك، ولو رأوك ما رضوك إلا شيوخهم، فضلاً عن صبيانهم؛ ولسنا نخليك للتعليم بل نعدك لما هو أعظم منه.\rفلما عزم على المسير معهم جمعوا له دنانير وأتوه بها، فامتنع من قبولها، وقال لم يكن مني ما يوجب ذلك، فعظم في أنفسهم، وزادت هيبته في صدورهم. وخرجوا به من مصر، وساروا حتى إذا كان بسوجمار من أرض سماتة، تلقاهم رجال من الشيعة، فأخبروهم بخبر الشيعي، ونظروا إلى تعظيم الكتاميين له؛ فرغب كل واحد منهم أن يكون نزوله عنده، حتى رموا عليه السهام، فخرج سهم أبي عبد الله الأندلسي فنزل عنده، ونزل كل واحد على صاحبه. وأصاب أبو عبد الله عندهم من علم الشيعة أصلاً قوياً، فزاد في الكلام معهم، فأجلوه.\rثم سار القوم فدخلوا حد الكتامة يوم الخميس النصف من شهر ربيع الأول سنة ثمانين ومائتين، ومعهم أبو عبد الله الأندلسي وأبو القاسم الورفجومي، فأراد كل واحد من الكتاميين نزول الشيعي عنده، وتنازعوا في ذلك حتى خيروه في النزول، فقال أي موضع عندكم فج الأخيار؟ قالوا: عند بني سكتان فقال: فإياه نقصد، ثم نأتي كل قوم منكم في موضعهم، ونزورهم في بيتوهم، ولا نجعل لأحد منكم حظاً من نفسي دون أحد إن شاء الله تعالى، فأرضاهم كلهم بذلك، وسار كل قوم إلى جهتهم، وسار الشيعي مع موسى بن حريث وأبي القاسم الورفجومي وأبي عبد الله الأندلسي إلى إيكجان موضع موسى بني سكتان. قال ولما نزل عبد الله بإيجكان ومضى كل معه من الحجيج إلى مرافقهم أخبروا من قدموا عليه من أصحابهم بخير، ووصفوه لهم مع الناس، فتسامع الناس به، وأقبلوا إليه من كل ناحية؛ فكان يجلس لهم ويحدثهم بظاهر فضائل على رضي الله عنه.","part":7,"page":433},{"id":3444,"text":"قال: فاتصل خبر الشيعي بإبراهيم بن أحمد صاحب إفريقية، فكتب إلى موسى بن عياش يسأل عن خبره فضعف موسى أمره فكتب إليه ثانياً وأرسل ابن المعتصم المنجم، وأمر إبراهيم بن أحمد موسى بن عياش أن يتلطف في اتصاله إلى أبي عبد الله، وأن يختبر أحواله، ويأتيه بصحيح خبره، وأوصاه بوصايا أمره أن يذكرها له.\rفلما وصل إلى موسى أرسل إلى بني سكتان يخبرهم أن إبراهيم قد بعث برجل إلى أب يعبد الله ليجتمع به. فرفع ذلك إلى أبي عبد الله، فأذن له. فلما انتهى إليه قربه وأقبل عليه، فقال له ابن المعتصم: إن الأمير إبراهيم ابن أحمد وجهني إليك برسالة، فإن أذنت لي أديتها. فقال له: أدّ رسالتك قال: وأنا آمن؟ قال: نعم. فقال: يقول لك الأمير: ما حملك على التعرض لسخطي، والوثوب في ملكي، وإفساد رعيتي، والخروج علي؛ فإن كنت تبتغي عرضاً من أعراض الدنيا فإنك تجده عندي، وإن أنت تلافيت أمرك، ورجعت عن غيك، فصر إلى وأنت آمن؛ فإن أردت المقام ببلدنا أقمت، وإن أحببت الانصراف انصرفت. وإن كان قصدك قصد من سولت له نفسه الخلاف على الأئمة، واستفساد جهلة الأمة، فلقد عرفت عواقب من تمنيه نفسه أمنيتك، وسولت له ما سولت لك، من الهلاك العاجل، قبل سوء المصير في الآجل. ولا يغرنك ما رأيت من إقبال هؤلاء الأوباش عليك، وأتباعك، فإني لو صرفت وجهي إليك لأسلموك، وتبرءوا منك، واعلم أني أردت الأعذار إليك، لاستظهار الحجة عليك، وهذا أول كلامي وآخره، لا أقبل لك بعد هذا توبة، ولا أقيلك عثرة، ولا أجعل جواب ما يمكن منك إلا النهوض إليك بنفسي، وجميع أبطال رجالي، وأنصار دولتي، وجملة أهل مملكتي فعند ذلك تندم حين لا ينفعك الندم، ولا تقبل منك التوبة، فانظر في يومك لغدك، وقد أعذر إليك من انذر.\rفقال له أبو عبد الله الشيعي: قد قلت فاسمع، وبلغت فابلغ: ما أنا ممن يروع بالإيعاد، ولا ممن يهوله الإبراق والإرعاد. فأما تخويفك إياي برجال مملكتك، وأنصار دولتك، أبناء حطام الدنيا، الذين يقتادون لك سائق، ويجيبون كل داع وناعق، فإني في أنصار الدين، وحماة المؤمنين، الذين لا تروعهم كثرة أنصار الباطل، مع قول الله تعالى، وهو أصدق القائلين: \" كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين \" فأما ما أطمع به من دنياه وعرضه من زبدها وحطامها، فلست من أهل الطمع فأميل إليه، ولا ممن يرغب فيما عنده فيأته. وإنما بعثت رسولاً لأمر قد حم وقرب، فإن سولت له نفسه ما وعد به، ودعته إليه، فسوف يعلم أن الله عز وجل من ورائه ولن تغني عنه فئة شيئاً ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين فهذا جواب ما جئت به، فبلغه إن شاء الله.\rقال: ولما اشتهر أمر الشيعي ببلد كتامة، ونظر رؤساء القبائل وولاة البلدان فلم يروا في إبراهيم بن أحمد نهضة في أمر، وخافوا على زوال الرئاسة من أيديهم، وتقديم من يسارع إلى أمره عليهم، ممن كانوا يرونه دونهم، كتب بعضهم إلى بعض في ذلك، فاجتمعوا وتعاقدوا. وكان ممن سعى في ذلك موسى بن عياش صاحب ميلة، وعلى بن عسلوجة صاحب سطيف وحي بن تميم صاحب بلزمه وكل هؤلاء أمراء هذه المدن، وعندهم العدة والعدة والأموال الكثيرة والنجدة، والقوة، ومن مقدمي كتامة وكبارهم وولاة أمورهم: فتح بن يحيى المشالي، وكان يقال له الأمير، ومهدي بن كناره، رئيس لهيصة، وقرح بن خيران، رئيس أجاته، وثميل بن فحل رئيس لطاية، واستعملوا آراءهم في أخذ الشيعي فعلموا، أنهم لا يقدرون عليه عنوة من أيدي بني سكتان لأنهم يمنعونه، ويجتمع عليهم جميلة وغيرها من قبائل كتامة، فتفرق ذات البين، ويكون ذلك داعية إلى أن يجعلوا له أنصاراً، وتصير كتامة فريقين، ولم يأمنوا سوء العواقب، فقصدوا بنان بن صقلان، وهو من وجوه بني سكتان، ولم يكن له يومئذ دخل في أمر الشيعي، وأرسلوا جماعة منهم إليه، وبعثوا له أربعة أفراس وأغنماً وهدية، وقالوا له: إن هذا الرجل قد بدل الدين، وفرق الجماعة، وشتت الكلمة، وأدخل الاختلاف بين الأقارب وقد قصدناك في أمره، وأملكناك في قطع هذا المكروه بأن تقبض على الشيعي وتخرجه من بلدنا، وتنفيه عنا إن كرهت قتله، ونجعل لك بعد ذلك بعد ذلك التقدمة على جميع كتامة والعرب، فيكون لك شرف الدنيا وفخرها، وثواب الآخرة وأجرها، وتزيل عن أهل بيتك مكروهاً، وتقطع عنهم شراً، واخذوا معه في ذلك وحذروه عواقب السلطنة.","part":7,"page":434},{"id":3445,"text":"فقال لهم بنان: هذا رجل صار بين أظهرنا، وهو ضيف عندنا، كيف ينبغي أن نفعل فيه مثل هذا الفعل، فتنازعوا في ذلك طويلاً، وكان آخر خطاب بنان لهم أن قال: الرأي أن نجمع العلماء إليهم فيناظرهم، فإن كان على حق فما أولانا وإياكم بنصرته وأتباعه، وإن كان على باطل عرفنا من اتبعه أن يرجعوا عنه.\rفانصرفوا إلى أصحابهم وأخبروهم بما كان من بنان، فخافوا أن تقوم حجته، ويستحكم أمره، فتزول رئاستهم بسببه. فاجمعوا على أن يمضوا في جماعة ويظهروا أنهم أثو بالعلماء، فإذا خرج إليهم قتلوه، وانصرفوا على حمية.\rفاجتمعوا في عدد عظيم من الخيل والرجل، فلما رآهم بنو سكتان ركبوا خيولهم؛ والتقى الجمعان. فقالوا لبنان إنما أتيناك لما كان بيننا وبينك. فقال: إنما كان بيننا أن تأتوا بالعلماء، وقد أتيتم بالزحف والعدة، وعلا الكلام بينهم، فالتحم القتال، وتداعت جيملة من كل مكان؛ فانهزم القوم، وانصرف عنهم بنو سكتان، وكان الشيعي قد سير في مبادئ هذا الأمر، وخاف عليه أصحابه.\rثم أرسل الجماعة بناناً مرة ثانية، وقالوا: قد كنا أخطأنا فيما أتينا به من الجمع، ولم يكن ذلك عن قصد، ولكن تسامع الناس بنا فتبعونا. وقد رجوناك لإصلاح جماعتنا، وقدمناك، واخترناك لأنفسنا، لتحقن دماءنا، وتجمع ما تبدد من شملنا، فقد عادى من أجل هذا الرجل من أهل المشرق، وهم كما علمت شياطين، وعلماؤنا بربر، وقوم ليست لهم تلك الأذهان؛ ناظروه يظهر عليهم ولم يجدوا حجة. يحتجون بها عليه. وقالوا له: أترى نحن وآباؤنا والناس كلهم في ضلالة، وهذا وحده على الحق والهدى، وكرروا عليه ما وعدوه به من التقدمة عليهم؛ فأصغى إليهم ووعدهم أن يتلطف في إخراجه. فجعل يتكلم في ذلك ويحتج على أهل بيته، ويخوفهم العواقب؛ فاتصل كلام بنان بالشيعي فانتقل عنهم.\rانتقال أبي عبد الله الشيعي\rعن بني سكتان إلى بني عصمة بتازرارت قال: واتصل هذا الخبر بالحسن بن هاورن العصمي، وكان قد دخل في هذا الأمر، وهو معروف بالأدب وكثرة النعمة، وهو مطاع في قومه. فأتى الشيعي ورغب إليه في الانتقال إلى مكانه، ووعده بالذنب عنه، والمدافعة بنفسه وأهله وماله؛ وذكر ذلك لأصحابه فأشاروا عليه به. وعظم ذلك على بني سكتان وكرهوه، وقالوا له: نحن ندافع عنك بأنفسنا حتى نقتل كلنا دونك. فشكر قولهم، وانتقل إلى الحسن بن هارون إلى تازرارت فتلقاه من بها من أصحابه وغيرهم. وقام العصميون بما احتاج إليه الشيعي وأصحابه، وقاسموه أموالهم. وأقبل أصحاب الشيعي من كل ناحية، وكل منهم يأتي بما يملكه، ويبذله بين يديه. فاجتمع أمره، وامتنع جانبه، واجتمعت عصمان على نصرته، وخلق كثير من قبائل كتامة، وندم بنان بن صقلان على ما كان منه في حقه، وعظم شأن الحسن بن هاورن بفعله.\rوكان للحسن أخ وهو أسن منه، اسمه محمود، فوجد في نفسه من ذلك، وكان قبل ذلك مقدماً على أخيه لسنه، وكان أيضاً مطاعاً في أهل بيته، فنكل بذلك، وفشا عنه هذا والحسن يداريه ويستعطفه، خوفاً من أن يفترق جماعة عصمان.\rفلما صار أمر الشيعي. بتازرارت إلى ما صار إليه وانتهى ذلك إلى القوم الذين كانوا تعاقدوا عليه أولاً، فسقط في أيديهم، وعظم أمره عليهم، فرجوا أن يصلوا من محمود بن هارون إلى ما يريدونه من أمر الشيعي، فاجتمعوا إلى مهدي بن أبي كتامة اللهيمي، فذكروا له ما بلغهم عن محمود، وقالوا له: هذا جارك وصديقك، فلعلك أن تستميله فتفرق به جماعة عصمان، فيمكننا ما تريد.\rفركب مهدي إلى محمود، وذكر له اجتماع وجوه كتامة وأنهم أرسلوه إليه وقالوا إنه قد أجحف أخوك بنفسه وأهل بيته وجاء إلى عصمان ببلية قد تعافى منها بنو سكتان، وتخلصوا من شرها 28 وجعل يخوفه من سوء العواقب، ووعده عنهم بالتقدمة على أنفسهم. فاستماله بذلك مع ما داخله من الحسد لأخيه والغيرة منه.\rفقال: القول في ذلك ما قلت، ولكنه قد تمكن وقوي وكثرت أتباعه، وليس هو الآن كما كان في بني سكتان، وقد أجابته عصمان وكثير من عامة كتامة، فهم يقاتلون دونه؛ فمتى دعوت من يطيعني من عصمان إلى أخذه صرنا فريقين، واهلك بعضنا بعضاً، وما أرى في أمره إلا ما رأى لي بنان: أن يأتي بالعلماء إليه فيناظروه، فإن قامت حجتهم عليه وجدنا السبيل إليه، وإن كانت الأخرى دبرنا رأياً آخر إن شاء الله تعالى.","part":7,"page":435},{"id":3446,"text":"وانصرف مهدي إلى القوم فأخبرهم. فقالوا: من الذي يناظره من علمائنا وأنت ترى الواحد من جهالنا إذا دخل في أمره ناظرهم فقطعهم، فكيف به، فقال: قد رأيت من محمود في قتله ومال إلى ما وعدناه به من التقدمة، مع ما داخله من الحسد لأخيه؛ ولم أجد عنده غير ما فارقته عليه، وما علينا أن نأتي بالعلماء فإذا هم أخرجوه وقعنا عليه أسيافنا فقتلناه، ويكون بعد ما عساه أن يكون، فأرسلوا في طلب العلماء من كل ناحية، وقالوا لا نأتيه في احتفال كما فعلنا ببني سكتان.\rواتصل الخبر بالحسن بن هارون، وبالشيعي، فقال لهم ليجتمع جماعة عصمان إلى محمود فيلاطفوه ويذكروا له ما اتصل بهم، ويحذروه العار، والنقص، وسوء العواقب، ويقدموه على أنفسهم، ويعظموه، ويرفعوا من شأنه، ففعلوا ذلك؛ ووافاه أخوه الحسن وجماعة عصمان، وقالوا: نحن أهل بيتك وعشيرتك وأنت أميرنا ومقدمنا، وهذا الرجل ضيفك وضيفنا، وقد رأيت ما لحق ببني سكتان من النقص بإخراجه، وأنهم ندموا عليه، وأن بناناً حاول رده إليه ليصلح ما أفسده على نفسه فلم يجبه إلى ذلك. فلا تجعل علينا عاراً ولا نقصاً. وحلفوا له وقدموه على أنفسهم فمال إليهم.\rفلما علم محمود أن أولئك القوم قربوا من تازرارت ركب في جماعة واركب الشيعي أصحابه معه وقال لهم: إن قدرتم أن تلحموا الحرب فافعلوا. فلما التقوا قالوا لمحمود: هؤلاء العلماء قد جئنا بهم، وعزلوهم ناحية، فقال لهم محمود: انصرفوا ودعوهم عندنا حتى نجمع بينهم وبين الرجل، مع عشرة رجال من وجوهكم وخياركم، في مجلس، فننظر ما يكون بينهم، فانحل ما عقدوه، فقالوا: وما عليكم أن تخرجوه إلى ها هنا ونشهد ما يكون منه ومن العلماء، فيكون ذلك أشهر وأقطع للأمر: فقال محمود: قد بلغنا عنكم أنكم عقدتم أمراً وطمعتم أن تنزعوا ضيفنا من أيدينا بالتغلب.\rفردوا عليهم. فحمل عليهم هو وأصحابه، والتحم القتال، وقاتل محمود قتالاً شديداً فجرح، ثم افترقوا، فمات محمود من جراحه، فسر أخوه والشيعي بموته، واظهروا الطلب بدمه، واجتمعت عصمان ألباً واحداً وصحت الرئاسة للحسن بن هارون وولاه الشيعي أعنة الخيل، وقوده وعوده على جميع أصحابه.\rواشتعلت الحرب بين عصمان ولهيصة بسبب قتل محمود. واجتمع أمراء بلزمة وأكثر القبائل للشيعي وأظهر نفسه، وكان يشهد الحرب ويباشرها.\rوطالت الحرب بينهم، ثم اصطلحت لهيصة وعصمان بعد أن قتل مهدي، وانضموا كلهم إلى الشيعي، واشتد أمره، وحاربوا من بينهم من القبائل، وشنوا الغارات على من بعد منهم، وبعث الشيعي خيلاً مغيرة إلى مزاتة ورئيس مزاته يومئذ يوسف القنطاسي، وكان قدم على إبراهيم بن أحمد فوصله وحياه، وكساه، وأعطاه جارية، فكبسته خيل الشيعي، وأخذوا جميع ما كان له، وسبوا الجارية، وقتلوا من قدروا عليه من أصحابه، واختفى هو فنجا، ووصلوا إلى الشيعي بالغنيمة فاصطفى الجارية لنفسه وهي أم ولده.\rفلما رأت القبائل ظهور الشيعي واجتماع لهيصة له، وقتل مهدي، مشى بعضهم إلى بعض، وأرسلوا مزاته، فاجتمع رأيهم على أن يدخلوا إليه بعيالاتهم ويحيطوا به من كل جانب، فتسلمه عصمان ولهيصة ومن معهم ويستأصلوهم، فانتهى الأمر إلى الشيعي، فجمع أصحابه كلهم بتازرارت، وجاءت كتامة من أطرافها وأحاطوا به. فخندق على نفسه، أشار عليه وجوه أصحابه أن يعتزل الحرب وهم يقاتلون. فشكرهم على ذلك، وأبى أن يقبله، ووعدهم بالنصر، وحثهم على القتال، فأخرج كل واحد ما عنده من مال وسلاح وكراع، وتشاورا فيه، وكملوا عدتهم وعدتهم، فبلغوا سبعمائة فارس، لا يزيدون ولا ينقصون، وألفي رجل، والتقوا بعد مراسلة لم تجد شيئاً واقتتلوا قتالاً شديداً، ودام القتال بينهم ثلاثة أيام، ودام في اليوم الثالث إلى العصر، وكان الظفر لأصحاب الشيعي. وانهزم أولئك، وتبعوهم وقد امتلأت أيدي أصحابه من الغنائم والأموال، وتفرق ذلك الجمع، قال: فبيع الجمال كل عشرة بدينار 29 والحمار بعشر صلات، وغنموا من الخيل ما لا يحصى.\rوانصرف الشيعي إلى تازرارت وابتنى بها قصراً يسكنه، واتخذها دار مقامه؛ وأقطع أصحابه دوراً حول قصره، وارتحل إليه أصحابه من كل ناحية، وابتنوا وسكنوا، وقوي أمرهم، واستأمن إليه كثير من القبائل؛ وشن الغارات، ودوام الحرب، فأقبل الناس إليه من كل جهة.","part":7,"page":436},{"id":3447,"text":"ولحق فتح بن يحيى بإفريقية فقدم على أبي العباس بن إبراهيم ابن أحمد، وهو يومئذ بتونس بعد خروج أبيه إبراهيم إلى صقلية، فوصله وأدناه، وأكرمه، وسأله عن الشيعي، فضعف أمره، فقال: أليس قد اجتمعتم عليه في عساكر عظيمة فلم تقدروا عليه، فقال: ليس أمرنا من أمرك في شيء، إنما نحن مقاتلة بغير رأس، ونقاتل من يعرفنا من أهل بلدنا، ولو جاءه عسكر من قبلك لكانت هيبته في صدور الناس. فأطعمه أبو العباس، ثم أمسك عنه.\rقال: واستولى الشيعي عل جميع بلد كتامة، وظهرت دعاته في كل ناحية منها، وغلب عليها؛ وكانت وقائع كثيرة ببلد كتامة.\rوأقام بعد انهزام الجمع نحو سنتين وهو يشن الغارات، ويغنم الأموال، حتى أجابوه، وسلموا الأمر إليه. ولم يبق إلا المدينة الحصينة ومن فيها من أمرائها ومن انضم إليها من القبائل.\rتغلبه على مدينة ميلة\rقال ابن الرقيق: كان سبب ذلك أن قيس بن أبي جرير من وجوه أهل ميلة، وهم من ربيعة وكان رئيسهم يومئذ حسن بن أحمد، فوصل إلى الشيعي سراً وأطلعه على أمر المدينة، فتقدم الشيعي إليها وقاتل من بها، وغلب على جميع أرضها، فدخل جميع من كان بها إلى الحصن، ثم سألوا الأمان، فأمنهم ما لم يحدثوا حدثاً. ففتحوا أبواب المدينة ودخلها أصحاب الشيعي، وخرج إبراهيم بن موسى بن عياش مع جماعة منهم في الليل، فهربوا إلى إفريقية، إلى أبي العباس بن إبراهيم، فأخبروه بالخبر، وضعفوا عنده أمر الشيعي، وسألوه في إخراج عسكر إليه، وضمنوا أمره، فأمر بالحشد، وجمع وجه رجاله، وأمر عليهم ابنه محمد المعروف بأبي حوال فاجتمع له عساكر عظيمة انتقى منها اثني عشر ألف فارس، واتصل الخبر بالشيعي فاستعد للقاء.\rالحرب بين أبي عبد الله الشيعي وبين أبي الحوال محمد بن أبي العباس\rقال: وخرج أبو حوال بالعسكر الذي اختاره من مدينة تونس، في سنة تسع وثمانين ومائتين، وكل من مر عليه من القبائل، بدأهم بالعطاء وخلق على وجوههم، وقصد إلى سطيف، فلم يصل إليها حتى زاد في عسكره مثله. وتلقاهم بنو عسلوجة أصحاب سطيف، وبنو تميم أصحاب بلزمة، ومن حولهم ممن لم يدخل في طاعة الشيعي، فقتل من وجوههم قتلاً ذريعاً، وانتهب أموالهم، وسبى نساءهم وذراريهم، وقصد الشيعي بتازرارت، واتصل به الخبر، فبرز إليه بمن معه، والتقوا ببلد بلزمة، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم الشيعي وأصحابه، واتبعهم أبو حوال إلى الليل؛ ثم أصبح فلقوه واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم الشيعي ثانية إلى تازرارت وجاءهم ثلج عظيم، فحال بينهم.\rولم ير الشيعي أن تازرارت تحصنهم، فأخذوا ما قدروا عليه، وانضموا إلى إيكجان، فلما ارتفع الثلج تقدم أبو حوال إلى تازرارت فأخربها وهدم قصر الشيعي وسار إلى ميلة، ثم التقى هو والشيعي واقتتلوا في الليل، فانهزم أبو حوال إلى تونس، ورجع الكتاميون إلى ميلة، واعتل الحسن بن هارون فمات بإيجكان، وسكنها الشيعي وابتنى بها قصراً.\rوجاء الخبر إلى الشيعي بوفاة إبراهيم بن احمد وأن ابنه العباس ولي الأمر بعده، وجلس في المسجد ورد على الناس ظلاماتهم، وأنه يجلس عل حصير وبين يديه الدرة، فاغتم لذلك لأن العوام مالت إليه، ثم أتاه الخبر بمقتل أبي العباس وأن ابنه زيادة الله قتله وولي مكانه، وأنه شرب الخمور وارتكب المحارم، وعكف على الملاهي، فسره ذلك، وقال لهم: قد زال عنكم ما كنتم تخافونه، وهذا آخر ما تحاربون، وسيصير الأمر إليكم.\rقال: ثم خرج أبو حوال بالعساكر ثانية قبل وفاة أبيه، فهزمه الشيعي واستولى على ميلة، وعاد أبو حوال إلى بلاده وقد ملك زيادة الله، فقتله زيادة الله 30 وقتل اخوته، والله أعلم.\rتغلب أبي عبد الله الشيعي على مدينة سطيف\rكانت مدينة سطيف لعلي بن حفص، والمعروف بابن عسلوجة، وكان قد زحف مع أبي حوال لقتال الشيعي، فلما استقام أمر الشيعي واخذ ميلة ذهب بجموعه إلى سطيف وأقام عليها أربعين يوماً وهو يقاتله، ثم انصرف إلى إيكجان فأقام بها شهراً ، وجمع من قدر عليه، وعاد إلى مدينة سطيف فأحاط بها، وقاتله علي ين عسلوجة، فهزمه الشيعي فتحصن بالمدينة، وأقام أياماً يحاصره، فمات علي بن عسلوجة، هو وأخوه أبو حبيب، في أيام قلائل فاستولى الشيعي عليها.\rخروج إبراهيم بن حنبش إلى بلد كتامة","part":7,"page":437},{"id":3448,"text":"قال: لما اتصل بالأمير زيادة الله أخبار الشيعي، وظهوره على بلد كتامة، وافتتاحه ميلة، ووصل زيادة الله من كتامة من خاف على نفسه، وعرفوه أنه لم يعاجل الشيعي زاد أمره، أخذ زيادة الله عند ذلك في الاحتشاد وزاد في العطاء، فاجتمعت له عساكر عظيمة، فقدم عليها إبراهيم بن حنبش، فبلغت عدة من خرج معه أربعين ألفاً، من فارس وراجل، وأخرج معه أموالاً جليلة وسلاحاً كثيراً، وعدداً عظيمة، وأمر ببذل الأموال، وأخرج معه وجوه رجاله ومن وصل إليهم من كتامة.\rفسار إبراهيم بن حنبش حتى أتى قسطنطينية، وبينها وبين إيكجان التي بها الشيعي نحو مرحلتين، وأردفه زيادة الله بسديد بن أبي شداد، فاجتمع معه نحو مائة ألف. وأقام بقسطنطينية ستة أشهر لا يتقدم إليه الشيعي، فلما رأى ذلك زحف بعساكره كلها، فندب الشيعي خيلاً اختارها من كتامة ليخبروه بروز حنبش، فأتوه. فلما رأى الخيل قصدها بنفسه. هذا والأثقال على الدواب؛ فانتشبت الحرب، واقتتلوا قتالاً شديداً. واتصل الخبر بأبي عبد الله الشيعي؛ فزحف بمن معه، فوقعت الهزيمة، على ابن حنبش وأصحابه، واسلموا الأثقال، وتبعهم أصحاب الشيعي يومهم ذلك إلى الليل، ومن الغد، يقتلون ويغنمون، فقتلوا منهم كثيراً وغنموا الأموال والأمتعة والسلاح والكراع ما لا يحصى كثرة.\rووصل ابن حنبش إلى باغاية وكتب كتاباً بخطه إلى زيادة الله يخبره بالخبر، ثم قدم إفريقية، فاضطربت وماجت بأهلها، وعظم أمر الشيعي ثم غلب على مدينة طبنة ثم على مدينة بلزمة، ثم مدينة تيجس، ثم مدينة باغاية، ثم قفصة، وقصطيلية، ثم مدينة الأربس، وكان له في خلال هذه الفتوحات وقائع كثيرة كان آخرها مع إبراهيم بن أبي الأغلب لثمان بقين من جمادى الآخرة، سنة ست وتسعين ومائتين، فانهزم إبراهيم إلى جهة القيروان واتبعهم أصحاب الشيعي يقتلون ويغنمون ويأسرون.\rهرب زيادة الله إلى المشرق\rقال: ولما وصل خبر هذا الهزيمة إلى زيادة الله وهو برقادة وكان قد علم أنه لا يقوم له أمر إذا انهزم إبراهيم، لأنه آخر ما جمع من الجيوش واستنفد فيه الوسع والطاقة، فلما جاء خبر الهزيمة أظهر أنه جاءه الفتح، وأرسل إلى السجون فأحضر رجالاً منها فضرب أعناقهم، وأمر أن يطاف برؤوسهم في القيروان، وأخذ في تجهيز أثقاله، وحملها وحمل أمواله، وأنذر خاصته وأهل بيته بالخروج معه، وعرفهم بالخبر؛ فأشار عليه ابن الصائغ بالمقام، فأبى ذلك وخرج إلى مصر، كما ذكرناه وأقبل الناس في صبيحة يوم هرب زيادة الله وانتهبوا رقادة، والله أعلم.\rرجوع أبي عبد الله الشيعي إلى إفريقية\rقال: ولما وافاه الخبر زيادة الله أمير إفريقية، وهو بناحية سبيبة رحل لوقته، وخرج إليه شيوخ القيروان، وتلقوه، فأكرمهم، ودخل أبو عبد الله الشيعي رقادة في يوم السبت غرة شهر رجب، سنة ست وتسعين ومائتين، ونزل ببعض قصورها، وفرق دورها على كتامة، ولم يكن قد بقي بها أحد من أهلها، وأمر مناديه فنادى في القيروان بالأمان، فرجع الناس إلى أوطانهم. وغير المنكرات، وولى قضاء القيروان محمد بن عمر المروزي، وأمره، وتب الخطباء وأمرهم بضرب السكة، وأن ينقش على الوجه الواحد \" بلغت حجة الله \" ونقش على خاتمه الذي يطبع به الكتب \" وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً \" ورسم في جلال الخيل \" الملك لله \"\rخروج أبي عبد الله الشيعي إلى سلجماسة\rقال: ولما استقر أبو عبد الله الشيعي برقاده، أتاه أخوه أبو العباس محمد ابن أحمد، فسر بمقدمه، وكان أسن من أبي عبد الله وأحد ذهناً، وكان الشيعي يعظمه، فإذا دخل قام إليه، وإذا دخل هو على أبي العباس قبل يده ووقف حتى يأمره بالجلوس فيجلس.\rولما وصل أبو العباس أراد أن ينفى من القيروان من خالف مذهبه، فقال له أبو عبد الله إن دولتنا دولة حجة وبيان، وليست دولة قهر واستطالة، فاترك الناس على مذاهبهم، فتركهم.\rوأخذ أبو عبد الله في الخروج إلى سلجماسة، فرحل إليها في النصف من شهر رمضان من السنة، في جيوش عظيمة، واستخلف على إفريقية أبا زاكي تمام ابن معارك وأخاه أبا العباس.\rقال: ولما خرج اهتز الغرب لخروجه وزالت زناته والقبائل عن طريقه، وأوقع بقبائل عرضت له في الطريق حتى إذا قرب من سجلماسة راسل أميرها أليسع بن مدرار، وكان من أمره معه ما نذكره بعد في أخبار المهدي عبيد الله إن شاء الله.","part":7,"page":438},{"id":3449,"text":"فهذه أسباب ظهور هذه الدولة وقيامها وخبر شيعتها. فلنذكر أخبار المهدي وما كان أمره، وخروجه من بلاد الشام، وما اتفق له في مسيره إلى أن تسلم الملك من أبي عبد الله الشيعي، بعد أن مهد له القواعد وفتح البلاد. ثم نذكر في أخبار عبيد الله، المنعوت بالمهدي، تتمه أخبار أبي عبد الله الشيعي إلى أن قتل هو وأخوه أبو العباس محمد بن أحمد.\rفنقول وبالله التوفيق..\rابتداء الدولة العبيدية وأخبار المهدي عبيد الله وما كان من أمره منذ خرج من الشام إلى أن ملك البلاد وتسلم الأمر من أبي عبد الله الشيعي كان ابتداء ظهور هذه الدولة وقيامها ببلاد المغرب في سنة ست وتسعين ومائتين، عند ظهور عبيد الله بن الحسن المنعوت بالمهدي، وخلاصه من سجلماسة وقتله الحسن بن مدرار. ومنهم من يجعل ابتداءها عند وصول عبيد الله إلى رقادة في يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rولنبدأ بأخبار المهدي في رحلته إلى المغرب.\rرحيل عبد الله من الشام\rووصوله إلى سجلماسة وكان سبب ذلك أن المعتضد بالله أبا العباس العباسي طلب عبيد الله هذا طلباً شديداً، فخاف على نفسه إن هو أقام بالموضع الذي هو فيه من أرض الشام، فخرج بنفسه وبولده أبي القاسم محمد، وهو يومئذ غلام حدث وعبيد الله شاب، وخرج معه خاصته ومواليه، يريدون المغرب، وذلك في خلافة المكتفي بالله العباسي، وأمير إفريقية يومئذ زيادة الله بن أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد.\rفلما انتهى عبيد الله إلى مصر أراد أن يقصد اليمن، وكان بها أبو القاسم الحسن بن حوشب الكوفي الداعي كما ذكرنا، وقد استقام له الأمر وملك أكثر البلاد، ثم بعث على بن الفضل فاستحل المحارم ودعا الناس إلى الإباحات، فلما اتصل ذلك به كره دخول اليمن على هذه الحال، وبلغه ما فعل الشيعي بالمغرب، وما فتح على يديه فأقام في مصر مستتراً في زي التجار، وعامل مصر يومئذ عيسى النوشري بعد انقراض الدولة الطولونية، فأتته الكتب بصفته، وأمر القبض عليه.\rوكان بعض خاصة النوشري يتشيع، قيل إنه ابن المدبر، فبادر إلى عبيد الله فأخبره، وأشار عليه بالمسير؛ فخرج من مصر بمن صحبه ففرق النوشري الرسل وذكر لهم صفته، ثم خرج بنفسه فأدركه وقد رحل من تروجة، وهي على مرحلة من الإسكندرية، فمشى النوشري في القافلة التي عبيد الله فيها، وجعل ينظر إلى وجوه القوم، حتى رأى عبيد الله على هيئته التي وصفت له، فقبض عليه وعلى من كان معه، وأطلق الرفقة وعاد به إلى بستان فنزل به، وأنزل عبيد الله ومن معه بمفردهم ووكل بهم، ثم خلا به وقال له أصدقني عن أمرك فأني ألطف في خلاصك، فقد جاءت صفتك من قبل أمير المؤمنين وأمر بطلبك، وذكر أنك تروم الخلافة، فقال عبيد الله إنما أنا رجل تاجر، ولست أعلم شيئاً مما تقول، وأنت غني عن تقلد إثمي، فما زال يلاطفه يومه وليلته حتى أطلقه وقال: امض إلى سبيلك وأنا أبعث معك خيلاً تشيعك. فشكره وقال: أنا استغني بنفسي ومن معي، وانصرف. فرجع أصحاب النوشري عليه بالملامة، وقالوا له: ماذا صنعته بنفسك؟ عمدت إلى بغية أمير المؤمنين وطلبته فاطلقته، فندم على إطلاقه وهم أن يبعث إليه خيلاً ترده.\rفلما سار عبيد الله أميالاً افتقد أبو القاسم كلبة صيد كانت له، فبكى عليها فعرفه عبيده أنهم تركوها بالبستان؛ فرجع عبيد الله في طلبها، فرآهم النوشري، فقال: من هؤلاء؟ فقال بعض أصحابه الرجل قد رجع. فبعث غلمانه فسألوا أصحاب عبيد الله عن سبب رجوعه، فقالوا افتقد ولد سيدنا كلبة، وهو عزيز على أبيه، فعاد معه في طلبها بعد أن قطع أميالاً كثيرة، فقال النوشري لأصحابه: قبحكم الله! أردتم أن تحملوني على رجل حاله مثل هذه الحال أعتقله بشبهة، لو كان مرتاباً لطوي المراحل ما عاد إلينا من مسافة بعيدة في طلب كلبة صيد.","part":7,"page":439},{"id":3450,"text":"ورجع النوشري من وقته إلى مصر؛ وعاد المهدي لحق برفقته. فلما انتهى إلى مدينة طرابلس، فارق من كان معه من التجار، وقدم أبا العباس محمد بن أحمد بن محمد بن ذكريا، أخا أبي عبد الله الشيعي إلى القيروان ببعض ما كان معه، وأمره أن يلحق بكتامة. فلما وصل أبو العباس إلى القيروان وجد الكتب قد سبقت إلى زيادة الله في أمر عبيد الله فأحضر الرفقة وسألهم عنه، فأخبروه أنه تخلف بطرابلس وذكروا أن أبا العباس من أصحابه؛ فأخذ وقرر، فأنكر، فحبس.\rواتصل الخبر بعبيد الله بطرابلس فصادف رفقة خارجة إلى قصطيلية، فخرج معهم، واتى كتاب زيادة الله إلى طرابلس بصفته وطلبه، فكتب إليه عاملها أنه خرج من عمله، وسار عبيد الله حتى وصل إلى قصطيلية، ثم منها إلى سجلماسة، وصاحب سجلماسة يومئذ أليسع بن مدرار، فهاداه عبيد الله، فأكرمه أليسع وعظمه، فلم يزل على كذلك إلى أن أتاه كتاب زيادة الله يخبره أنه هو الذي يدعو إليه الشيعي، فتغير أليسع عند ذلك عليه إلا انه لم يكن منه في حقه ما يكره.\rثم كان من تغلب الشيعي ما قدمناه، وعلم بمكان عبيد الله، وكان يكاتبه في السر، فلما هزم الشيعي جيش إبراهيم بن حنبش كتب إلى عبيد الله يخبره بالفتح، فأرسل إليه مالاً مع رجال من قبيلة من كتامة، وكان ذلك أول فتح ورد على عبيد الله، فسر به، ثم استولى الشيعي على ما ذكرناه، وهرب منه زيادة الله، وملك رقادة والقيروان، وسار إلى سجلماسة فلما انتهى خبره إلى أليسع بن مدرار وقرب من سجلماسة سأله فحلف أنه ما اجتمع بالشيعي ولا رآه قط ولا عرفه، وقال: إنما أنا رجل تاجر فاغلظ له بالقول فلم يغير كلامه الأول ولم يخرج عنه، فجعله في دار وجعل عليه حرساً، وجعل ابنه أبا القاسم في دار أخرى، وفرق بينهما. واختبر كل واحد منهما فلم يجد خلافاً، وامتحن رجالاً كانوا معهما بالعذاب ليقروا فلم يعترفوا بشيء.\rواتصل الخبر بالشيعي فعظم عليه، وأرسل إلى أليسع بن مدرار يؤمنه جانبه ويذكر أنه إنما قصد سجلماسة لحاجة ويعده الجميل والبر والإكرام، وأكد له ذلك وبالغ فيه فلما وصلت رسل اليسع رمى بالكتب وقتل الرسل، واتصل ذلك بالشيعي فعاوده ولاطفه، كل ذلك خوفاً منه أن يكون منه في حق عبيد الله ما يكره؛ فقتل الرسل أيضاً فلما رأى الشيعي إصراره عبأ عساكره ودنا من المدينة فخرج إليه أليسع بمن معه، فناوشهم القتال، فقتل من أصحابه جماعة وكان ذلك في آخر النهار، فحجز بينهما الليل.\rفلما جن الليل هرب أليسع بن مدرار مع أهل بيته وبات الشيعي ومن معه في غم عظيم تلك الليلة، لا يعلم ما صنع بعبيد الله وابنه، ولم يمكنه دخول المدينة، وما علم بهرب أليسع حتى أصبح، فخرج إلى الشيعي وجوه أهل المدينة فأخبروه بهرب أليسع، فدخل إلى المكان الذي فيه عبيد الله فأخرجه وأخرج ولده أبا القاسم، وقرب لهما فرسين وحفت بهما العساكر، وسار الشيعي والدعاة بين يدي عبيد الله وهو يقول: هذا مولاي ومولاكم؛ حتى انتهى عبيد الله إلى فسطاط ضرب له، فدخله، وهو إذ ذاك شاب لي ينبذه الشيب، وابنه حرطر شاربه.\rهذا ما حكاه إبراهيم بين الرقيق في تاريخه.\rوقال غيره إن أليسع بن مدرار لما أراد الخروج من سجلماسة أحضر الشخص الذي اعتقله وقتله قبل هروبه، وأن الشيعي لما دخل وعلم بقتل عبيد الله خاف من كتامة لأنه كان يعدهم بخروج المهدي وملكه الأرض على زعمه، وخشي أن يفتضح فيهلك ويزول ما حصل في يده، فأخرج لهم رجلاً يهودياً كان يخدم الشخص المقتول، وقال هذا إمامكم وإمام الإسماعيلية، وأركبه ومشى في ركابه وانسلخ له من الأمر، وهذا فيه بعد، وأراه من التغالي في نفيهم عن النسب، والذي حكاه ابن الرقيق أشبه. فلنرجع إلى ما حكاه إبراهيم بن الرقيق.\rقال: ولما استقر عبيد الله بالفسطاط أمر بطلب أليسع بن مدرار حيث كان، فخرجت الخيل في طلبه، فأدركوه ومن معه من أهل بيته، فأخذهم وأتوا بهم إلى عبيد الله، فأمر بضرب أليسع بالسياط، فضرب وطيف به بلاد سجلماسة؛ ثم أمر بقتله وقتل كل من هرب معه من أهل بيته وغيرهم، وأمن الناس بعد ذلك وسكنهم، واستعمل عليهم عاملاً، وأتته القبائل من كل ناحية فأكرمهم، ووعدهم بكل جميل.","part":7,"page":440},{"id":3451,"text":"وأقام بسجلماسة أربعين يوماً، ثم سار يريد إفريقية. فلما حازى بلاد كتامة مال إليها، ووصل إلى إيكجان، وأمر بإحضار الأموال التي كانت مع الشيعي والشيوخ، فأحضرها وشدها أحمالاً وقدم بها، وكان وصوله إلى رقادة في يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين.\rوفي هذا السنة زال ملك بني الأغلب وكان له بإفريقية مائة سنة واثنتا عشرة سنة، وزال بزواله ملك بني مدرار وكان له بسجلماسة وما حولها مائة سنة وثلاثون سنة.\rقال: ولما قارب عبيد الله القيروان تلقاه شيوخها ومشوا بين يديه، فجزاهم خيراً ونزل عبيد الله بقصر من القصور برقادة، وأنزل العساكر بدورها ودعي له بالخلافة في يوم الجمعة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر من السنة برقادة والقيروان والقصر القديم وأنفذ رسله ودعاته وأتته وفود البلدان.\rثم قال عرض عليه الشيعي جواري زيادة الله فاصطفى منهن لنفسه وأعطى ولده، وفرق أكثرهن على وجوه كتامة؛ وقسم عليهم أعمال إفريقية، واستعمل وجوههم على مدنها، وأمرهم بالتجمل وحسن اللباس، فلبسوا الثياب الفاخرة وركبوا بالسروج المحلاة، ورتب الدواوين وأنعم على الناس، فرفع إليه صاحب بيت المال ما أخرجه من الصلات في شهر رمضان، فبلغ مائة ألف دينار واستكثره صاحب بيت المال فقال عبيد الله: لو بلغت ما أؤمله ما رضيت بمثل هذا المال لرجل واحد من أوليائي.\rمقتل أبي عبيد الله\rوأخيه أبي العباس وما كان من أمرهما بعد قيام عبيد الله المهدي إلى أن قتلهما قال: لما استقامت الأمور لعبيد الله المهدي داخل أبا العباس محمداً أخا الشيعي فساد دينه.\rوسبب ذلك أن أخاه أبا عبد الله كان يعظمه ويقبل يده 34 كما قدمناه، وكان لأبي عبد الله من الرئاسة ونفوذ الكلمة والغلبة على الأمر كله ما ذكرناه، فلما صار الأمر لعبيد الله المهدي زالت تلك الرئاسة عن أبي عبد الله وأخيه، فداخله الحسد، فجعل يزري على عبيد الله عند أخيه وأبو عبد الله ينكر ذلك على أخيه، وأبو العباس لا يرعوي، ويؤكد أسباب النفاق، ثم قال أبو العباس لأخيه: لقد ملكت أمراً عظيماً وأنطاع لك الناس، فجئت بمن أزالك عنه وأخرجك منه، وكان الواجب عليه ألا يهتضمك هذا الإهتضام. ولم يزل يغريه بمثل ذلك إلى أن أثر ذلك فيه، وحمله على مشافهة عبيد الله المهدي ببغضه، وأشار عليه بتفويض الأمور إليه والانقطاع عن قصره والاحتجاب عن الناس، وقال هذا أهيب لك وأشد لأمرك. فرد عليه في ذلك رداً لطيفاً. وكان المهدي قد بلغ ما هو عليه، فحققه ولم يره أنه أطلع على شيء من ذلك. وعمد أبو العباس إلى الدعاة، وكانوا يعظمونه لما يرون من تعظيم أخيه أبي عبيد الله له، بجعل يرمز لهم، ثم صرح، وطعن في عبيد الله، وأدخل فيه الشبهة، وكل ذلك يبلغ عبيد الله فيعرض عنه ويغضي عليه، هذا والشيعي في ذلك مدار لم يبلغ حد النفاق إلى أن فشا أن حال أبي العباس قد أنهيت إلى عبيد الله.\rومازال أبو العباس يتخيل إلى أن قال للدعاة إن الإمام هو الذي يأتي بالآيات والمعجزات ويختم خاتمة البلاط، فأما هذا فقد شككنا فيه، فعند ذلك أرسل هارون بن يونس أحد المشايخ إلى عبيد الله يقول: قد شككنا في أمرك فأتنا بآية إن كنت المهدي كما قلت. فتعاظم ذلك وقال: ويحكم أنكم قد أيقنتم والشك لا يزيل اليقين، فأبيتم إلا إصراراً! ثم أمر من قتله. فلما علم أبو العباس والقوم الذي استزلهم بقتله جعلوا ذلك سبباً لمباينة عبيد الله واجمعوا على النقض والإبرام في دار أبي زاكي ابن معارك، وعزموا على الفتك بعبيد الله. واجتمع كتامة إلا قليلاً منهم؛ وكان غزوية بن يوسف يأتي بأخبارهم لعبيد الله، فجمع عبيد الله إليه من سلم من النفاق والعبيد واستعد لهم، على كثرتهم وقلة المبايعين له، فجمعوا له الجموع وأحاطوا بقصره ليوقعوا به، وهو في ذلك جالس منتصب غير مكترث؛ فقذف الله في قلوبهم الرعب على كثرتهم وقلة من معه، حتى كانوا يعبرون وقد عزموا على الفتك به، فإذا قابلوه ملأت الهيبة قلوبهم فإذا انصرفوا ندموا على تركه: \" ليقضي الله أمراً كان مفعولاً \" .","part":7,"page":441},{"id":3452,"text":"فنظر عبيد الله في بعض الأيام إلى أبي عبيد الله الشيعي وقد لبس ثوبه مقلوباً، ودخل عليه ثلاثة أيام وهو على تلك الحال، فقال له في اليوم الثالث: يا أبا عبد الله؛ ما هذا الأمر الذي شغلك وأذهلك عن أمر نفسك؟ فقال: وما هو يا مولاي؟ قال: إن ثوبك مقلوب عليك منذ ثلاثة أيام ما اهتديت له، وما أحسبك نزعته. فنظر إليه وقال: والله يا مولاي ما اهتديت له، فقال: إن هذا لشغل عظيم؛ فأين تبيت منذ كذا من الليالي؟ فسكت فقال: ألست تبيت في دار أبي زاكي؟ قال له: بلى. قال: وما أخرجك من دارك التي أنزلتك بها؟ قال: يا مولاي خفت. قال: وما يخاف المرء إلا من عدوه، والمؤمن لا يخاف وليه. فسكت أبو عبد الله وأيقن أن عورته قد بدت لعبيد الله، وحجبت حجته عليه، وحل له قتله، فانصرف وأعلم القوم بما جرى بينهما، فأمسكوا عن الدخول إلى عبيد الله وخافوا على أنفسهم منه. ثم جاءوه بعد ذلك وأظهروا له البراءة مما قيل فيهم، واعتذروا؛ فرد عليهم رداً جميلاً، وأخرج جماعة منهم إلى البلدان، فتفرقت جماعتهم. وأخرج فيمن أخرج أبا زاكي بن معارك إلى طرابلس، وكان غزوية ين يوسف والياً عليها، فلما وصل إليه كتب إليه عبيد الله، فقتله وبعث برأسه إليه. وقتل جماعة منهم كذلك في البلدان بصنوف من القتل.\rوخرج أبو عبد الله في بعض الأيام هو وأخوه العباس يريدان قصر عبيد الله على العادة، فحمل غزوية بن يوسف على أبي عبد الله، وحمل خير بن ماشيت على أبي العباس. فقال أبو عبد الله لابن غزوية: يا بني لا تفعل. فقال: الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك. وقتلاهما فيما بين القصرين؛ وذلك في يوم الاثنين، النصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين؛ وأمر عبيد الله بدفنهما.\rقال: وهذا اليوم هو اليوم الذي قتل فيه أبو زاكي بطرابلس.\rقال: ولما قتل أبو عبد الله وأبو العباس ثار جماعة من بني الأغلب وأصروا على النفاق، وكانوا بالقصر القديم، فأخرجوا منه الكتاميين وقتلوا جماعة منهم، فأحاط به من حوله من كتامة، فقاتلهم بنو الأغلب، وقتل من الطائفتين قتلى كثير، فبلغ ذلك عبيد الله فرد كتامة وأنكر عليهم، فتفرق بنو الأغلب وانصرفوا إلى دورهم، فتركهم عبيد الله ثم قبض عليهم فقتلوا على باب رقاده؛ ثم تتبع من بقي منهم فقتلهم. ولما استقامت الأمور لعبيد الله 35 عهد إلى ولده أبي القاسم، وخرجت كتبه: من ولي عهد المسلمين محمد بن عبيد الله.\rأخبار من خالفه\rقال: وبقيت بقية من المنافقين عليه، فساروا إلى بلد كتامة، فأقاموا غلاماً حدثاً من جبل أوراس من جهة أورسه وزعموا أنه المهدي، ثم نحلوه النبوة، وزعموا أن الوحي يأتيه، وقالوا: أبو عبد الله حي لم يمت؛ وأباحوا الزنا، وأحلوا المحارم، وزحفوا إلى ميلة فأخذوها. فبلغ ذلك عبيد الله فأخرج لهم ولي العهد في عسكر فحاصرها مدة، ثم قاتلوه فهزمهم حتى انتهى بهم إلى البحر، وقتل منهم خلقاً كثيراً، وأخذ الغلام الذي نصبوه فأتى به إلى أبيه، فأمر بقتله، فقتل.\rوخالف عليه أهل طرابلس، فأخرج إليهم عسكراً مع أبي يوسف، فحاصرها، ثم انصرف عنها ولم يفتحها، فخرج إليها بعد ذلك أبو القاسم، وقد قدموا على أنفسهم ابن إسحاق القرشي، وكان خروجه يوم الأحد لليلتين خلتا من جمادى الأولى سنة ثلاثمائة، فحاصروها وضيق على من بها حتى أكلوا الجيف، ففتحوا في آخر شهر رجب من السنة، فعفا عنهم، لكنه غرمهم جميع ما أنفق من مال وغيره، وكانت جملته ثلاثمائة ألف وأربعين ألف دينار، وحمل وجوه رجالهم معه إلى رقاده رهائن، واستخلف عليها، وانصرف.\rبناء مدينة المهدية\rوفي سنة ثلاثمائة خرج عبيد الله إلى تونس وقرطاجنة وغيرها، يرتاد لنفسه موضعاً على ساحل البحر يبتني به مدينة، فاختار موضع المهدية، فأمر ببنائها وتحصينها بالسور وأبواب الحديد المحكم، فجعل في كل مصراع من الحديد مائة قنطار. وكان ابتداء الشروع في بنائها في يوم السبت لخمس خلون من ذي العقدة من السنة. وانتقل إليها في سنة ثمان وثلاثمائة، قال: ولما عزم على الانتقال إليها ثقل ذلك على جنده، فقال: نحن لا ننتقل إليها ندعكم بمكانكم، وعما قليل ستنتقلون. ففعلوا ذلك، فما كان إلا أن أرسل الله عليهم أمطاراً غزيرة، فهدمت مساكنهم، فسألوه النقلة إليها فأذن لهم.","part":7,"page":442},{"id":3453,"text":"وفي سنة ثلاث وثلاثمائة خرج ولي العهد أبو القاسم إلى الديار المصرية وكان خروجه من رقادة لست بقين من جمادى الآخرة منها؛ وكان من أمره وأمر حباسة بن يوسف ووصولهما إلى الإسكندرية ما قدمناه في الحوادث فيما كان بين الدولتين الطولونية والدولة الإخشيدية.\rولما وصل حباسة إلى عبيد الله أمر بقتله على ما كان من انهزامه.\rثم خرج أبو القاسم بابنه إلى الديار المصرية، وكان خروجه يوم الاثنين غرة ذي العقدة، سنة ست وثلاثمائة، فخرج عنها عامل المقتدر، وملكها أبو القاسم. ثم ملك الفيوم والأشمونين، وغير ذلك وأقام نحو سنتين. ثم وقع الفناء في عسكره، وماتت خيلهم، وجاء مؤنس من بغداد واجتمعت عليه العساكر كما ذكرنا، فعجز عن قتالهم، فرجع إلى إفريقية. وكان وصوله إلى المهدية لعشر ليال مضين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثمائة.\rبناء مدينة المسيلة\rقال: وفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة خرج أبو القاسم، ولي عهده، إلى بلاد المغرب في عسكر عظيم وكان خروجه من المهدي في يوم الخميس لسبع مضين من صفر منها، ففتح مزاته، وهوارة، ومطماطة، ولماية، وكل من خالطهم من الصفرية والإباضية وبلغ ما وراء تاهرت. ولما انصرف من سفرته اختط مدينة المسيلة برمحه، وأمر علي بن حمدون الأويسي ببنائها، واستعمله على المحمدية فبناها وحصنها، وكانت خطة لبني كملان فأخرجهم منها، وأمرهم أن يرتفعوا إلى فحص القيروان، وانتقل الناس إليها وعظم أمرها.\rوفاة المهدي\rوشيء من أخباره كانت وفاته ليلة الثلاثاء، النصف من شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة؛ وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكانت إمارته منذ وصل إلى رقادة إلى يوم وفاته أربعاً وعشرين سنة وعشرين سنة وعشر ة أشهر وعشرين يوماً.\rقال: ولما مات كتم أبنه أبو القاسم موته سنة حتى دبر أمره.\rأولاده: أبو القاسم عبد الرحمن، ولي عهده وتسمى بالمغرب محمداً.\rأبو علي أحمد، مات بمصر للنصف من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة ودفن بالقصر.\rأبو طالب موسى، مات بمصر في ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة ودفن بالقصر.\rأبو الحسين عيسى، توفي برقادة في سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة.\rأبو عبد الله الحسين، توفي بالمغرب في أيام القائم.\rأبو سليمان داود، توفي بالمغرب في أيام القائم.\rوكان له سبع بنات، ومن السراري أمهات الأولاد ستة.\rقضاته: أبو جعفر محمد بن عمر المروروزي، مات بعد أن عزل في سنة ثلاث وثلاثمائة، ثم إسحاق بن المنهال؛ ثم محمد بن محفوظ المصمودي، مات في المحرم سنة سبع وثلاثمائة؛ ثم محمد بن عمران النفطي، مات في سنة عشر وثلاثمائة، ثم إسحاق بن المنهال ثانياً.\rحاجبه: جعفر بن علي.\rحامل مظلته: مسعود الصقلبي، ثم غرس الصقلبي.\rبيعة القائم بأمر الله\rهو أبو القاسم محمد؛ وقيل أبو العباس، ويدعى نزاراً، وكان اسمه بالشرق عبد الرحمن فتسمى محمد بن عبيد الله المهدي، وهو الثاني من ملوك الدولة العبيدية؛ بايع له أبوه بولاية العهد كما تقدم، ثم جددت له البيعة بعد وفاة أبيه بسنة، فإنه كتم وفاته سنة كاملة، حتى مهد قواعد دولته، ثم أظهرها، واستقل بالأمر وهو ابن سبع وأربعين سنة، فقام مقام أبيه، واقتفى آثاره، وأظهر عليه من الحزن ما لم يسمع بمثله وواصل الحزن لفقده، ولم يرق سريراً، ولا ركب دابة منذ أفضى إليه الأمر إلى أن مات إلا مرتين، مرة صلى على جنازة ومرة صلى بالناس العيد، وافتتحت في أيامه مدائن كثيرة من مدن الروم، وثار عليه ثوار فتمكن منهم، فكان ممن ثار عليه ابن طالوت القرشي، فسار ناحية طرابلس وزعم للبربر أنه المهدي فقاموا معه واتبعوه، فزحف بهم على مدينة طرابلس في عدد عظيم، ثم تبين للبربر أمره فقتلوه، وأتوا برأسه إلى أبي القاسم.\rقال: وأول ما بدأ به أنه أمر باتخاذ أنواع السلاح في سائر البلاد، وأخرج ميسور الصقلبي في عدد عظيم إلى المغرب، وانتهى إلى مدينة فاس، وهزم ابن أبي العافية، وأخذ ابنه الثوري أسيراً؛ وأخرج بعد ذلك يعقوب بن إسحاق على أسطول عظيم إلى بلد الروم، فافتتح بلد جنوة.","part":7,"page":443},{"id":3454,"text":"وكان ممن خرج عليه أبو زيد مخلد بن كيداد في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وهو رجل إباضي، يظهر الزهد، وأنه إنما قام عليهم غضباً لله. وكان لا يركب غير حمار، ولا يلبس إلا الصوف. وكان بينهما وقائع كثيرة، فملك أبو زيد جميع مدن القيروان، ولم يبق للقائم غير المهدية، فحاصرها أبو زيد إلى أن هلك القائم، وكان بينه وبين ابنه المنصور ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوفاة القائم بأمر الله\rوشيء من أخباره كانت وفاته بالمهدية في يوم الأحد الثالث عشر من شوال سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ومولده بسلمية التي بالقرب من مدينة حماة من الشام في المحرم سنة ثماني ومائتين، وكان عمره أربعاً وخمسين سنة وتسعة أشهر، ومدة ملكه اثنتي عشرة سنة وستة شهور وأياماً.\rأولاده: كان له من الأولاد الذكور سبعة، وهم أبو الطاهر إسماعيل قام بالأمر بعده، وأبو عبد الله جعفر، توفي في أيام المعز، وحمزة، وعدنان، وأبو كتامة، قضوا بالمغرب؛ ويوسف، مات ببرقة سنة اثنتين وستين وستمائة، وأبو القران عبد الجبار، توفي بمصر في سنة سبع وستين وثلاثمائة، وأربع بناب وسبع سرار.\rقضاته: إسحاق بن أبي المنهال إلى أن توفي؛ ثم أحمد بن بحر إلى أن قتله أبو زيد لما فتح أفريقية في صفر سنة ثلاثين؛ ثم أحمد بن الوليد؛ ولته الرعية فأقره.\rحاجبه: جعفر بن علي حاجب أبيه.\rبيعة المنصور بنصر الله\rهو أبو الظاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله بن عبيد الله المهدي، وهو الثالث من ملوكهم. بايع له أبوه القائم بأمر الله في حياته، وولاه حرب أبي زيد؛ وهلك أبوه القائم بأمر الله، فأخفى إسماعيل موته، وناصب أبا زيد حتى رجع إلى المهدية، وتوجه أبو زيد إلى سوسة فحاصرها، فأدركه المنصور إسماعيل فطرده عنها؛ ووالي عليه الهزائم إلى أن أسره في يوم الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ست وثلاثين وثلاثمائة؛ فمات بعد أسره بأربعة أيام من جراحة كانت به، فأمر المنصور بسلخه، وحشى جلده قطنا وصلبه، وبنى مدينته المسماة بالمنصورية في موضع الوقعة، واستوطنها في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة.\rوكان المنصور شجاعاً بليغاً يرتجل الخطب. حكى المروروذي قال: خرجت مع المنصور يوم هزم أبو زيد، فسايرته وبيده رمحان فسقط أحدهما مراراً وأنا أمسحه وأناوله إياه وتفاءلت له بذلك، فأنشدت:\rفألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر\rفقال: ألا قلت ما هو خير من هذا وأصدق: \" وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين \"\rوفاة المنصور\rبنصر الله وشيء من أخباره كانت وفاته في يوم الجمعة آخر شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. وكان سبب وفاته أنه خرج في شهر رمضان من السنة إلى جلولاء ومعه جاريته قضيب، وكان يحبها، فجاء مطر عظيم وريح شديدة بجلولاء واشتد البرد بها؛ فخرج منها على فرس وقضيب في غمازية وهو يريد المنصورية، ودام عليه المطر والبرد.\rقال أبو الرقيق: أخبرني من كان معه، قال: كنا ننظر إلى العبيد السودان على الطريق قعوداً فنتأملهم فنجدهم موتى، وقد جفوا من البرد، ووصل المنصور إلى قصر آخر النهار، فدخل الحمام، فاعتل لوقته، وصلى العيد بالناس في مبادئ علته، ثم اشتدت به، فمات في التاريخ المذكور، وأوصى ابنه أن يمنع من النوح عليه.\rوكان مولده بالقيروان، في سنة اثنتين وثلاثمائة، وكان عمره أربعين سنة.\rوقال ابن الرقيق: إنه ولد برقادة في سنة إحدى وثلاثمائة، وكان عمره أربعين سنة تقريباً. ومدة ملكه سبع سنين وأيام.\rأولاده من الذكور خمسة، وهم: أبو تميم معد، وهاشم، وحيدرة، مات بمصر سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وأبو عبد الله الحسين، وأبو جعفر طاهر. وكان له خمس بنات، وثلاث أمهات أولاد.\rقضاته: أحمد بن محمد بن الوليد، ثم محمد بن أبي المسطور، ثم عبد الله بن هاشم، ثم علي بن أبي شعيب، علي المنصورية، ثم أبو محمد زرارة بن أحمد، ثم أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي.\rحاجبه: جعفر بن علي، حاجب أبيه وجده.\rبيعة المعز لدين الله\rهو أبو تميم معد بن منصور بن القائم بن المهدي، وهو الرابع من ملوك الدولة العبيدية. وأول من ملك مصر والشام منهم.","part":7,"page":444},{"id":3455,"text":"صار الأمر إليه ببلاد المغرب بعد وفاة أبيه المنصور، وفي آخر شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، فدبر الأمور واحكمها إلى يوم الأحد السابع من ذي الحجة من السنة، فجلس على سرير الملك، ودل عليه الخاصة وكثير من العامة فسلموا عليه بالخلافة، وتلقب بالمعز لدين الله، ولم يظهر على أبيه حزناً، وكان عمره يوم ولي أربعا وعشرين سنة، وأرسل إلى جميع من بالمهدية من عمومته وعمومة أبيه، فأتوا وسلموا عليه بالإمارة، فأخذ عليهم البيعة، ومشوا بين يديه رجاله، وأرضاهم بالمصلاة، واستقام الأمر له، وصلى بالناس عيد الأضحى، ثم صرفهم إلى المهدية.\rودخل في طاعته من العصاة من عصى على غيره ممن كان بجبل أوراس من بني كملان ومليلة، وهما من قبائل هوارة.\rثم بعث القائد جوهراً في يوم الخميس لسبع خلون من صفر، سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، في جيش عظيم إلى المغرب، فسار حتى بلغ البحر المحيط، فأمر أن يصاد من سمكه، وجعله في قلة فيها الماء، وحملها إلى المعز صحبة البريد، وجعل في باطن كتابة ضريع البحر، وعاد وفتح فاس يوم الخميس لعشر بقين من شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة؛ واستخلف عليها وعلى سجلماسة وتاهرت وعاد جوهر من المغرب إلى رقادة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان.\rوفي سنة خمسي وثلاثمائة، في النصف من المحرم، غلبت الروم على جزيرة إقطريش، ففتحوا المدينة وقتلوا من أهلها مائتي ألف رجل وسبوا من النساء والصبيان مثل ذلك، وحرقوا المصاحف والمساجد، وكانوا قد أتوا في سبعمائة مركب.\rوفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة بعث المعز لدين الله عماله من برقة إلى سجلماسة، إلى جزيرة صقلية، وأمرهم أن يكتبوا جميع الأطفال الذين ي أعمالهم من الخاصة والعامة ليختنوا مع أولاده، فبلغوا عدة لا تحصى، فلما كان أول يوم من شهر ربيع الأول من هذه السنة ابتدأ بطهور أولاده وأهل بيته وأولاد خاصته من الكتاب ورجال الدولة وغيرهم، وأعطاهم الصلات والكساوي. قال: وازدحم الناس في يوم الاثنين لإحدى عشر ليلة خلت من شهر ربيع الأول فمات من الرجال مائة وخمسون نفساً.\rوفي سنة خمس وثلاثمائة أمر المعز لدين الله بحفر الآبار في طريق مصر وأن يبني له في كل موضع يقيم فيه قصور، فأخذوا في عمل ذلك، حتى تم، وفي يوم الجمعة لليلة بقيت من جمادى الآخرة، سنة سبع وخمسين وردت النجب من مصر بوفاة كافور الإخشيدي، وكانت وفاته لعشر بقين من جمادى الأولى. كما تقدم.\rخبر إرسال القائد جوهر الكاتب بالعساكر إلى الديار المصرية\rوفي سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة قدم القائد جوهر من المغرب بعسكر عظيم من كتامة والجند والبربر؛ فأمره المعز بالاستعداد والخروج إلى مصر فأقام بقصر الماء قرب المنصورية ليجتمع إليه الحشود، وفتح المعز بيت المال ووضع العطاء. وحشد من إفريقية من الكتامين والزويليين والجند والبربر، وأعطى مائة دينار إلى عشرين دينار حتى عمهم بالعطاء. وتصرفوا بالقيروان وصبره في ابتياع ما يحتاجون إليه، ثم أمر المعز بالرحيل، فرحل في يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول منها، وفارقه خمسمائة فارس من البربر، فجرد خلفهم عدة من الوجوه فلم يرجعوا؛ فقال المعز: الله أكرم أن ينصرنا بالبربر، ثم سار جوهر بجميع من معه من العساكر، ومعه ألف حمل من المال، ومن السلاح والعدد والكراع مالا يوصف، وأغذ السير حتى أقبل على الديار المصرية.\rذكر خبر وصول جوهر القائد بالعساكر إلى الديار المصرية\rوما كان بينه وبين الإخشيدية والكافورية من المراسلة في طلب الأمان وتقرير الصلح ونكثهم وقتاله إياهم إلى أن ملك الديار المصرية واختط القاهرة.","part":7,"page":445},{"id":3456,"text":"قال ابن جلب راغب في تاريخ مصر: وفي جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وردت الأخبار إلى مصر بقدوم القائد جوهر، فاضطرب المصريون لذلك اضطراباًَ شديداً، ووقع اتفاق أرباب الدولة بحضرة الوزير جعفر بن الفضل على مراسلته في الصلح وطلب الأمان، وإقرار ضياعهم وأعمالهم في أيديهم، فراسلوه في ذلك. واشترط نحرير سويران ألا يجتمع مع القائد جوهر، وأن يكون له الأشمونين إقطاعاً، وتقلد مكة والمدينة، ويتوجه فيقم بالحجاز، فسألوا الشريف أبا جعفر مسلم الحسني في المسير برسالتهم إلى جوهر، فأجابهم، شرط أن يكون معه جماعة من الأعيان، فجهزوا معه أبا إسماعيل إبراهيم بن أحمد الزينبي، وأبا الطيب العباس بن أحمد العباسي والقاضي أبا الطاهر، وغيرهم. وكتب الوزير كتاباً بما يريد.\rوسار أبو جعفر بمن معه في يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر رجب من السنة، وقيل منه، فلقي القائد جوهراً قد نزل بتروجة فاجمعوا به فبالغ القائد في إكرام الشريف، وأدى الشريف إليه الرسالة وأعطاه كتب الجماعة، وعرفه ما التمسوه، فأجابهم إلى ذلك، وكتب كتاباً بالأمان نسخته.\rبسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من جوهر الكاتب، عبد أمير المؤمنين المعز لدين الله صلوات الله عليه، لجماعة من أهل مصر من الساكنين بها وبغيرها.\rإنه قد ورد من سألتموه الترسل إلي والاجتماع معي، وهم: أبو جعفر الشريف أطال الله بقاءه، وأبو طاهر إسماعيل الرئيس، أيده الله، وأبو الطيب الهاشمي، أيده الله، والقاضي أبو طاهر أعزه الله، وأبو جعفر أحمد بن نصر أعزه الله.\rفذكروا عنكم أنكم التمستم كتاباً يشتمل على أمانكم في أنفسكم وأموالكم، وبلادكم ونعمكم وجميع أحوالكم؛ فعرفتم ما تقدم به أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، من نصره لكم.\rلتحمدوا الله تعالى على ما أولاكم وتحمدوه على ما حباكم ولتدأبوا فيما يلزمكم، وتسارعوا للطاعة العاصمة لكم، العائدة بالسعادة عليكم، المقضية بالسلامة لكم، وهو أنه صلوات الله عليه، لم يكن إخراجه هذا العساكر المنصورة، والجيوش المظفرة إلا لما فيه إعزازكم وحمايتكم، والجهاد عنكم؛ إذ قد تخطفتم الأيدي، واستطال عليكم المشرك، وأطعمته نفسه بالاقتدار على بلادكم في هذه السنة، والتغلب عليه، واسر من فيه والاحتواء على نعمكم وأموالكم، حسب ما فعله غيركم من أهل بلدان المشرق، وتأكد عزمه واشتد كلبه، فعاجله مولانا وسيدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، بإخراج العساكر المنصورة وبادره بإنفاذ الجيوش المظفرة لتقاتله دونكم، وتجاهده عنكم وعن كافة المسلمين ببلد المشرق، الذين عمهم الخزي، وعلتهم الذلة، واكتنفتهم المصائب، وتتابعت لديهم الرزايا، واتصل عندهم الخوف، وكثرت استغاثتهم، وعظم ضجيجهم، وعلا صياحهم، ولم يغثهم إلا من أرمضه حالهم، وأبكى عنه ما ناله، وأسهره ما حل بهم، وهو مولانا وسيدنا فرجا بفضل الله، وإحسانه لديه، وما عوده وأرجاه عليه ، استنفاذ من أصبح منهم في ذل مقيم، وعذاب أليم أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، وأن يؤمن من استولى عليه المهل ويفرخ روع من لم يزل في خوف ووجل. وآثر إقامة الحج الذي تعطل، وأهمل العباد فروضه وحقوقه، للخوف المستولي عليهم، وإذا لا يأمنون على أنفسهم ولا أموالهم، وإذا قد وقع بهم مرة بعد أخرى، فسفكت دماؤهم.\rوأطال جوهر في كتابة، وحضهم على الطاعة؛ وأشهد عليه الشهود فيه، وخلع على الجماعة، وحملهم.","part":7,"page":446},{"id":3457,"text":"قال: ولما توجه الشريف ومن معه إلى القائد جوهر، اضطرب بعده البلد شديداً، وأخذت الإخشيدية والكافورية في إخراج مضاربهم، وأقام رجل من أهل بغداد يعرف بابن شعبان، يوم الجمعة في المسجد قبل الصلاة فقال: أيها الناس قد أظلكم من أخرب فارس وسبى أهلها، وذكر ما حل بأهل بلاد المغرب منه، وقال: القوا الرجل القليل المعرفة، يعني الوزير جعفر ابن حنزابة، فإنه قد شرع في إتلاف بلدكم وسفك دمائكم بمراسلة هذا الرجل، يعني القائد جوهراً، فسمع الناس كلامه، ورجعوا عما سألوه من الأمان. وبلغ الشريف ومن معه انتقاض الإخشيدية والكافورية، وعزمهم على القتال، فكتموه عن القائد جوهر خوفاً أن يعتقلهم، وبادروا 40 بالعود وساروا. فبلغ القائد ذلك بعد رحيلهم، فردهم، وقال: قد بلغني إن القوم قد نقضوا ورجعوا، فردوا على خطى فرفقوا به وداروه، وقالوا: إذا يظفرك الله وينصرك، فقال للقاضي: ما تقول فيمن أراد أن يشق مدينة مصر فيجعلها طريقاً لجهاد المشركين والحج إلى بيت الله الحرام؟ فمنعوه، من الجواز له أن يقابلهم، فقال: نعم، اكتب خطك بذلك.\rثم سار الشريف ومن معه إلى مصر فوصلها لسبع خلون من شعبان، فركب الوزير والناس إليهم، واجتمع الإخشيدية والكافورية وغيرهم، فقرأ عليهم السجل الذي كتبه القائد، وأوصل إلى كل واحد جواب كتابه بما أراد من الأمان والولاية والإقطاع. فلما قرؤوا الكتب خاطبوا الشريف بخطاب طويل؛ فقال نحرير ما بيننا وبينه السيف فقدموا عليهم نحرير سويران، وعبأوا عساكرهم، وعدوا إلى الجيزة والجزيرة، وحفظوا الجسور.\rووصل جوهر، وابتدأ القتال بينهم في حادي عشر من شعبان. ثم مضى القائد جوهر بعد ذلك إلى منية الصيادين، واخذ المخاضة بمنية شلقان واستأمن إليه جماعة من أهل مصر وغلمانهم في مراكب، ووقع القتال، وزحف جعفر بن فلاح، بالرجال، وقاتل عسكر مصر، ووقع القتل في الإخشيدية والكافورية فانهزموا ليلاً ودخلوا مصر وأخذوا كل ما في دورهم، وساروا إلى الشام.\rقال: ولما انهزم ركب الناس إلى دار الشريف أبي جعفر مسلم وسألوه كتاباً إلى القائد جوهر بإعادة الأمان عليهم؛ فكتب كتاباً إليه يهنئه بالفتح، وسأله إعادة الأمان للمصريين؛ فكتب القائد أماناً وبعثه إلى الشريف، فقرأه على الناس، وهو: \" بسم الله الرحمن الرحيم. وصل كتاب الشريف، أطال الله بقاءه وأدام الله عزه وتأييده وتمكينه، يهنئ بما هيأه الله من الفتح المبارك، وهو أيده الله، المهنأ بذلك لأنها دولته ودولة أهله، وهو المخصوص بذلك، وأما ما سأل من الأمان وإعادة الأمان الأول، فقد أعيد إليه طلب، وجعلت إليه عن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين، صلوات الله عليه، أن يؤمن الناس كيف شاء بما شاء. وقد كتب الوزير، أيده الله، بالاحتياط على بيوت الهاربين إلى أن يدخلوا في الطاعة، وما دخلت فيه الجماعة، ويعمل الشريف أيده الله، على لقائي في يوم الأحد لأربع عشرة ليلة تخلو من شعبان بجماعة الأشراف والعلماء والثناء، وأهل البلدان إن شاء الله تعالى.\rفقرأ الشريف الكتاب على الناس وسكنهم وهدأهم، ففتحوا البلد، وأخذ الناس في التجهز إلى لقاء القائد جوهر، وقتل نحرير وميسر وبلال ويمن الطويل، وجيء برءوسهم إلى القائد.\rقال: وخرج الناس إلى الجيزة والتقوا القائد، فنادى مناد ينزل الناس كلهم إلا الشريف والوزير، ففعلوا ذلك، وسلموا عليه واحداً واحداً، وأبو جعفر يعرفه بالناس، والشريف أبو جعفر مسلم عن يمينه، وأبو الفضل الوزير عن يساره.\rفلما فرغ السلام انصرف الناس، وابتدأ العسكر في الدخول منذ زوال الشمس، فعبروا الجسر بالدروع والجواشن، ودخل القائد جوهر إلى المدينة بعد العصر من يوم الثلاثاء لاثني عشرة ليلة بقيت من شعبان، سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، والبنود الطبول بين يديه، ونزل الموضع الذي اختط فيه القاهرة واختط القصر.\rوأصبح المصريون حضروا إليه للهناء، فوجدوه قد حفر أساس القصر في تلك الليلة. قال: ولم يكن في المكان عمارة ألبتة إلا بستان كافور. ولم يزل هذا البستان على حالته إلى سنة خمس وأربعين وستمائة فعمر مكانه مساكن وهو الخط الذي يعرف الآن بالكافوري.","part":7,"page":447},{"id":3458,"text":"قال صاحب كتاب خطط مصر: لما دخل جوهر القائد واختط القاهرة وقرر كل جانب منها على أمير من أمراء عسكره وأرصده لبناء تلك الحارة حسبما أمره المعز لدين الله فسميت كل حارة باسم مقدمها أو الطائفة التي نزلت بها. وابتدأ بالعمارة في شهر رمضان من السنة.\rقال المؤرخ: ودخل القائد جوهر مصر، وبين يديه ألف ومائتا صندوق مالاً، وأقام عسكره يدخل سبعة أيام. وبعث إلى مولاه المعز لدين الله يبشره بالفتح.\rقال: ولما دخل القائد مصر كان الغلاء بها، فنادى مناديه: من عنده قمح فليخرجه. وفرق الصدقات على الناس، وأقر أبا الفضل على الوزارة، وجهز جعفر بن فلاح إلى الشام.\rإقامة الخطبة ، وضرب السكة بمصر، للمعز لدين الله في الدعاء له على المنبر، وما نقش على السكة.\rوفي يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان من السنة ركب القائد جوهر إلى المسجد الجامع العتيق لصلاة الجمعة، ولإقامة الدعوة، في عسكر كثير. وخطب هبة الله بن أحمد خليفة عبد السميع بن عمير العباسي، لغيبة عبد السميع، فخطب وعليه البياض، ودعا للمعز لدين الله، وقال في دعائه في الخطبة الثانية: اللهم صل على عبدك ووليك، ثمرة النبوة، وسليل العترة الهادية المهدية، عبد الله الإمام معد أبي تميم المعز لدين الله، أمير المؤمنين، كما صليت على آبائه الطاهرين وأسلافه المنتخبين، الأئمة الراشدين. اللهم ارفع درجته، وأعل كلمته، وأوضح حجته، واجمع الأمة على طاعته، والقلوب على موالاته وصحبته، واجعل الرشاد في موافقته، وورثه مشارق الأرض ومغاربها، وأحمده مبادئ الأمور وعواقبها، فإنك تقول وقولك الحق \" ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون \" \" فلقد امتعض لدينك، ولما انتهك من حرمتك ودرس من الجهاد في سبيلك، وانقطع من الحج إلى بيتك، وزيارة قبر رسولك صلى الله عليه وسلم وأعد للجهاد عدته، وأخذ لكل خطب أهبته فسير الجيوش لنصرك، وأنفق الأموال في طاعتك، وبذل المجهود في رضاك، فارتدع الجاهل، وقصر المتطاول، وظهر الحق وزهق الباطل. فانصر اللهم جيوشه التي سيرها، وسراياه التي انتدبها لقتال المشركين وجهاد الملحدين، والذود عن المسلمين، وعمارة الثغور والحرم وإزالة الظلم والتهم، وبسط العدل في الأمم. اللهم اجعل راياته عالية منشورة، وعساكره مؤيدة منصورة، وأصلح به وعلى يديه، واجعل لنا منه واقية عليه.\rوضربت السكة على الدنانير، وكان على الوجه الواحد لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي خير الوصيين، ووزير خير المرسلين، محمد رسول الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الذين كله ولو كره المشركون. وعلى الوجه الآخر الدعاء دعاء الإمام معد، لتوحيد الإله الصمد، المعز لدين الله، أمير المؤمنين. ضرب بمصر في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.\rقال: وأشرك القائد جوهر في الدواوين المصريين والمغاربة، فجعل في كل مكان مصرياً ومغربياً.\rوفي ذي الحجة من السنة تكامل بمصر من الإخشيدية وقوادهم خمسة آلاف فارس استأمنوا القائد جوهر، وفيهم أربعة عشر رئيساً فأمنهم، ثم قبض عليهم واعتقلهم، ثم سيرهم إلى المعز في إفريقية.\rوفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، في يوم الجمعة لثمان خلون من شهر ربيع الآخر، صلى القائد جوهر في جامع ابن طولون وأذّن \" حي على خير العمل \" وهو أول ما أذّن به بمصر، ثم أذّن بذلك بالجامع العتيق بمصر في الجمعة الثانية.\rخروج تبر الإخشيدي\rوالقبض عليه","part":7,"page":448},{"id":3459,"text":"وفي شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ثار تبر الإخشيدي بناحية أسفل الأرض، ودعا للخليفة المطيع لله، وكتب اسمه على البنود، فراسله جوهر، فلم يقبل؛ وكان معه أبو القاسم العلوي الأقطيني. فأنفذ القائد جوهر العساكر لقتاله براً وبحراً، وكان قد كبس صهرجت ونهبها، فأمر القائد بنهب دوره في مصر، وقبض على صهره فأغار تبر، ونهب ضياعاً. فوافته العساكر بصهرجت، فانهزم إلى تنيس، وركب البحر الملح يريد الشام، ثم إلى الروم، فأنفذ القائد جوهر أسطولا خلفه، فلما بلغ صور دخل بها الحمام، فقبض عليه وجماعته من أتباعه وغلمانه، وذلك في شهر رمضان منها، وحمل إلى مصر، فقدمها لأربع عشرة ليلة خلت من شوال، فأدخل على فيل وبين يديه رجل وخلفه رجل، وغلامه عجيب على جمل خلفه، ومعه قرد، وخلفه غلامه سرور على جمل، وجماعة على جمل منكسي الرؤوس، ثم اعتقلوا واستصفى القائد أمواله وودائعه، وطولب بالأموال، فلما اشتد عليه الطلب جرح نفسه فمات بعد أيام فسلخ جلده وحشى تبناً وصلب جلده، وضرب شلوه.\rفتوح الشام\rقد ذكرنا أن القائد جوهراً جهز جعفر بن فلاح إلى الشام بالعساكر في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، فسار جعفر ولقي الحسن بن عبد الله بن طغج بالرملة، وهو يومئذ صاحب الشام، فهزمه جعفر بن فلاح وأسره، وبعث به إلى مصر، ثم سار إلى دمشق فملكها في سنة تسع وخمسين بعد حرب شديدة. فكتب إلى القائد جوهر بالفتح، واستأذنه في المسير إلى غزو إنطاكية، فأذن له القائد فسار نحوها في نحو عشرين ألف فارس.\rفحاصر أنطاكية مدة إلى أن اتصل به مسير مدد الروم إليها، فعاد عنها إلى دمشق.\rاستيلاء القرامطة على دمشق\rوفي سنة ستين وثلاثمائة وصل الحسن الأعصم القرمطي إلى دمشق. وقيل أنه إنما قدم بأمر الخليفة المطيع فخرج إليه جعفر بن فلاح وقاتله، وكان عليلاً وانهزم وأصحابه ونصب رأسه على دمشق.\rوملك القرمطي دمشق والشام، وسار إلى الرملة فانحاز عنه سعادة بن حيان إلى يافا وتحصن بها، فسار إليه وحاربه، ثم سار يريد مصر، فتأهب القائد جوهر لذلك، وحفر خندقاً، وبنى عليه باباً كبيراً، وركب عليه الباب الحديد الذي كان على الميدان الإخشيدي، وبنى عليه بابين آخرين، وبنى القنطرة على الخليج، وجعلها ممراً لمن يريد المقس، وكاد القرمطي يأخذ القاهرة، ثم رجع عنها بغير سبب علم، وكبس الفرما، ثم قاطع أهلها على مال فحملوه إليه، واخذ عاملها عبد الله بن يوسف، وقيل أنه كان معه خمسة عشر ألف بغل تحمل صناديق الأموال وأواني الذهب والفضة والسلاح، سوى ما تحمل من المضارب والخيام والأثقال.\rوفي سنة ستين وثلاثمائة أيضاً بنى جوهر سوراً على القصور التي بناها في سنة ثمان وخمسين وجعلها بلداً وسماها المنصورية، ولما استقر المعز سماها القاهرة.\rوفي سنة إحدى وستين وستمائة، في المحرم، كبس ياروق الفرما وأخرج منها ابن العمر القرمطي، وأرسل إلى مصر رؤوساً وأعلاماً وغير ذلك، وفي هذا الشهر عصى أهل تينس وغيروا الدعوة، ودعوا للمطيع والقرامطة، وحاربوا ياروق. وفي صفر وصل ياروق منهزماً من القرامطة حتى بلغوا عين شمس واستعد القائد جوهر للقائهم، وأغلق الأبواب التي بناها.\rوفي مستهل ربيع الأول جاءت مقدمة القرامطة ووقفوا على الخندق، فقاتلهم القائد، واشتد القتال ، وقتل من الفريقين قتلى كثيرة، وأصبح الناس متكافئين للقتال، وسار الأعصم القرمطي بجميع عساكره، ووقع القتال على الخندق والباب مغلق، وعمل القائد جوهر الحيلة فانهزم عن القرمطي، ودام القتال إلى الزوال، ثم فتح القائد الباب وانتصب للقتال، وخرجت العبيد والمغاربة إلى القرامطة، واشتد القتال واضطرب الناس في المدينة وكثرت القتلى من الفريقين. وانهزم الأعصم القرمطي، وأراد المغاربة أتباعه فمنعهم القائد جوهر لدخول الليل، وخشية من مكيدة أو كمين. ونهبت صناديق القرمطي ودفاتره، وفارق القرمطي من كان معه من الإخشيدية والعرب، قيل: وهذه أول هزيمة كانت للقرامطة.\rثم وصل بعد الكسرة بيومين أبو محمد الحسن بن عمار بمدد معه من جهة المعز وهرب القرمطي الذي كان بتينس وعادت الدعوة المعزية بها.\rوفي شهر ربيع الآخر قبض القائد جوهر على أربعمائة وأربعين رجلاً من الإخشيدية والكافورية وحبسهم.","part":7,"page":449},{"id":3460,"text":"وفي شعبان منها ورد على القائد جوهر رسول من ملك الروم برسالته وهديته.\rوفي شهر رمضان لسبع خلون منه كمل بناء الجامع بالقاهرة، وجمعت فيه الجمعة.\rوفي شوال منها ابتدأ القائد جوهر يحفر الخندق الذي كان عبد الرحمن ابن جحدم، خليفة عبد الله بن الزبير، حفره قبلي مصر، ثم شق الخندق حتى بلغ قبر الإمام الشافعي رحمه الله، فعدل به عنه، ثم شقه مشرقاً إلى الجبل على المقابر، أراد بذلك أن يحفظ طريق الحج من ناحية القلزم.\rوفي ذي القعدة منها خرج أبو محمد الحسن بن عمار إلى تنيس فسار إليه أسطول القرامطة فواقعه وأسر منه سبع مراكب، وسيرها إلى مصر ومعها خمسمائة رجل منهم.\rخروج المعز لدين الله من بلاد المغرب إلى الديار المصرية 43 وما رتبه ببلاد المغرب قبل مسيره.\rوفي يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى ستين وثلاثمائة، رحل المعز لدين الله من المنصورية إلى سردانية ومعه يوسف بن زيري بن مناد فسلم إليه إفريقية وأعمالها وسائر المغرب، وذلك من يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة منها، وأمر الناس بالسمع والطاعة له؛ وفوض إليه أمور البلاد كلها إلا بلاد جزيرة صقلية وطرابلس. وأقام المعز بسردانية أربعة أشهر، ورحل منها لخمس خلون من صفر سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وسار حتى أتى قابس، ثم وصل إلى طرابلس فأقام بها أياماً، ورحل منها في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر منها، وسار فوصل إلى الإسكندرية في يوم الجمعة لست خلون من شعبان، ونزل تحت المنار وأنزل الناس حولها، وأتاه أهلها فسلموا عليه، ووافى يوم الأحد أبو طاهر قاضي مصر، ومعه العدول وقدم أبو عبد الرحمن بن أبي الأعز في بني عمه وغيرهم من العرب، فركب لهم المعز فسلموا عليه وانصرفوا.\rثم رحل من الإسكندرية يوم الاثنين لثلاث بقين من شعبان. فلما كان يوم السبت لليلتين خلتا من شهر رمضان نزل المنية بساحل مصر، وهي بولاق، فأقام بها إلى يوم الاثنين؛ فخرج إليه الشريف أبو جعفر مسلم الحسيني قبل وصوله في جماعة الأشراف ووجوه البلد، فرأى المعز وهو سائر والمظلة على رأسه، فنادى مناد: يتقدم الشريف أول الناس، فتقدم وسلم على المعز. ثم تقدم الناس كلهم وسلموا عليه واحداً بعد واحد حتى فرغوا، وهو واقف على دابته؛ ثم سار والشريف يحادثه.\rقال: وأخذ الناس في التعدية بعيالاتهم وأثقالهم في هذه الأيام إلى ساحل مصر، وتفرق الناس في الدور بمصر والقاهرة، وأكثرهم في المضارب فيما بين القاهرة ومصر.\rثم عبر المعز لدين الله إلى القاهرة يوم الثلاثاء لخمس خلون من شهر رمضان، سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، ولم يدخل إلى مصر ودخل إلى قصره، فلما انتهى إلى الإيوان الكبير خر ساجداً لله تعالى، وجلس على سرير الجوهر الذي صنعه له جوهر، وقبل الهناء، ومدحه الشعراء.\rقال: وكان تلقي القائد جوهر له عند جوازه من الجسر الثاني، فكانت مدة تدبير جوهر للديار المصرية إلى أن قدم المعز، أربع سنين وعشرين يوماً.\rوحكى بعض المؤرخين أنه لما وصل المعز وخرج الأشراف للقائه، قال له: أبو محمد عبد الله بن أحمد بن طباطبا الحسيني، من بينهم يا مولانا، إلى من تنتسب؟ فقال المعز: سنقعد لكم ونجمعكم ونسرد عليكم نسبنا، فلما استقر في قصره جمع الناس في مجلس عام وقال: هل بقي من جماعتكم أحد؟ فقالوا: لم يبق منا معتبر فجرد عند ذلك سيفه إلى نصفه وقال هذا نسبي وفرق المال وقال: هذا حسبي فقالوا: سمعنا وطعنا. وكان الخليق بما قيل:\rجلوا صارماً وتلوا باطلاً ... وقالوا: صدقنا؟ فقلنا: نعم!\rوقال ابن جلب في تاريخه: إن المعز لما قدم صعد المنبر وخطب خطبة بليغة، فذكر نسبه إلى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فكتب إليه بعض المصريين ورقة ولصقها بالمنبر فيها:\rإنا سمعنا نسباً منكرا ... يتلى على المنبر في الجامع\rإن كنت فيما تدعي صادقاً ... فاذكر أبا بعد الأب الرابع\rأو فدع الأنسب مستورة ... وادخل بنا في النسب الواسع\rأو كنت فيما تدعي صادق ... فانسب لنا نفسك كالطائع\rقال: وكان يتظاهر بذكر المجريات قبل وقوعها لإطلاعه على علم النجامة، ولكتب كاتب عنده يستدل، فكتب إليه بعض المصريين ورقة طرحها في مجلسه، فيها:","part":7,"page":450},{"id":3461,"text":"بالظلم والجور قد رضينا ... وليس بالكفر والحماقة\rإن كنت أوتيت علم غيب ... فقل لنا كاتب البطاقة\rوقال بعض المؤرخين: لما قدم المعز إلى مصر أحضر معه توابيت آبائه وكان معه خمس عشر ألف رجل تحمل صناديق الأموال والسلاح وغير ذلك، وكان معه مائة تحمل شبه طواحين من الذهب، وثلاثة آلاف جمل على كل جمل صندوقان وألف وثمانمائة بختي محملة، وثلاثمائة جمل تحمل الخركاهات وجملان يحملان الإكسير الذي يصنع به الكيمياء 44 وثلاثة آلاف شيني وغراب في البحر تحمل الموجود، ومن الرجال المقاتلة من قبيلة كتامة مائة ألف، ومن البربر أربعون ألفاً، ومن الرموح ستون ألفاً، وغير هؤلاء من قبائل العرب والمغاربة، وهو مع ذلك شديد الخوف من القرمطي.\rقال ابن زولاق في تاريخ مصر: ولما انقضى شهر رمضان ركب المعز لصلاة العيد وصلى بالناس، وكان القاضي ابن النعمان يبلغ عنه في التكبير، وقرأ في الأولى بعد الفاتحة \" هل أتاك حديث الغاشية \" \" وفي الثانية بعد الفاتحة صورة الضحى، ثم صعد المنبر وخطب بعد أن سلم على الناس يمينا وشمالاً، وذلك بالمصلى الذي بناه القائد جوهر.\rقال: وأقام المعز بعد مقدمه أياماً وعزل القائد جوهر م جميع ما كان إليه من النظر على الدواوين وجباية الأموال، وتدبير الأمور، وغير ذلك، والله أعلم.\rمكاتبة المعز لدين الله القرمطي وجواب القرمطي له.\rقال بعض المؤرخين: لما استقر المعز بالقاهرة أهمه أمر الأعصم القرمطي فرأى أن يكتب إليه كتاباً يعلمه فيه أن المذهب واحد، وأن القرامطة منهم استمدوا وهم سادتهم في هذا الأمر، وبهم وصلوا إلى هذه الرتبة، فكتب المعز كتاباً مشحوناً بالمواعظ وضمنه من أنواع الكفر ما لا يصدر إلا عن مارق من الدين.\rكان عنوان الكتاب: من عبد الله ووليه، وخيرته وصفيه، معد أبي تميم بن إسماعيل، المعز لدين الله أمير المؤمنين، وسلالة خير النبيين، ونجل علي أفضل الوصيين إلى الحسن بن أحمد، وأول الكتاب: رسوم النطقاء، ومذهب الأئمة والأولياء، ومسالك الرسل والأنبياء، السالف منهم والآنف، صلى الله علينا وعلى آبائنا أولي الأيدي والأبصار، في متقدم الدهور والأكوار، وسالف الزمان والإعصار، عند قيامهم بأحكام الله وانتصابهم لأمر الله، الابتداء بالأعذار، والانتهاء إلى الإنذار، قبل نفاذ الإنذار، في أهل الشقاق والإصرار، ولتكون الحجة على من خالف وعصى والعقوبة على من باين وغوى، حسبما قال الله تعالى: \" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً \" ، \" وإن من أمة إلا خلا فيها نذير \" \" يوقد ذكرنا في أخبار القرامطة جملة من مواعظ هذا الكتاب على ما نقف عليه هناك ومن جملة ما لم نذكره هناك.\rأما علمت أني \" نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة \" اعلم \" خائنة الأعين وما تخفى الصدور \" وحشاه بأنواع من الكفر وحضه على اقتفاء آثار آبائه وعمومته وموالاتهم، فقال: إن آباءك كانوا من أتباع آبائي، ثم قال فيه بعد الإطالة: وكتابنا هذا من فسطاط مصر، وقد جئناها على قدر مقدور، ووقت مذكور، لا نرفع قدما إلا بعلم مصنوع، وعلم مجموع، وأجل معلوم، ثم قال فيه: وما أنت إلا أيها الغادر الخائن الناكث المباين عن هدى آبائه وأجداده، المنسلخ عن دين أسلافه وأنداده، الموقد لنار الفتنة، الخارج عن الجماعة والسنة، لم أغفل أمرك، ولا خفي علي خبرك، وإنك مني بمنظر وبمسمع، قال الله تعالى: \" إنني معكما اسمع وأرى \" ، \" ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا \" فعرفنا على أي رأي ضللت وأي طريق سلكت.","part":7,"page":451},{"id":3462,"text":"وقال في فصل منه: إنا لسنا مهمليك ولا ممهليك إلا ريثما يرد به كتابك والوقوف على مجرى جوابك، فانظر لنفسك ما يبقى ليومك معادك، قبل انغلاق باب التوبة، وطول وقت النوبة، حينئذ \" لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً \" ثم ختمه بأن قال: فما أنت وقومك إلا كمناخ نعم، أو مراح غنم، فأما \" نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفيك \" ، \" فإن عليهم مقتدرون \" هكذا رأيت، والتلاوة في سورة يونس \" أو نتوفيك فإلينا مرجعهم \" فعندها تخسر \" الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين \" . وأنذرتهم، \" ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقى، الذي كذب وتولى \" ، \" يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون \" . فليتدبر من كان ذا نذير. وليتفكر من كان ذا تفكير؛ وليحذر يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة. \" أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت من جنب الله \" . \" ويا حسرتنا على ما فرطنا \" . ويا ليتنا \" نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل \" . \" والسلام على من اتبع الهدى \" . وسلم من عواقب الردى. وهو حسبنا ونعم الوكيل.\rقال: فلما وقف الحسن بن أحمد القرمطي على هذا الكتاب المطول كتب جوابه بالبسملة: وصل كتابك الذي كثر تفصيله وقل تحصيله؛ ونحن سائرون على إثره والسلام.\rوقيل: الجواب ما تراه دون أن تسمعه.\rوقيل أنه كتب إليه:\rظنت رجل الغرب أن سهولتي ... بمحالها، وأخو المحال ذليل\rإن لم أرو النيل من دمهم، فلا ... نلت المراد، ولا سقاني النيل\rوفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، في شعبان، بلغت تقدمة القرامطة إلى أرياف مصر وأطراف المحلة، فنهبوا، واستخرجوا الخراج، واشتهر الأعصم القرمطي ببلبيس فتأهب المعز للقائه، وعرض العساكر، وفرق فيهم الأموال والسلاح.\rوسير جيشاً قدم عليه ولده الأمير عبد الله، فالتقى مع الأعصم، فانهزم القرمطي وأسر جماعة من رجاله، وجهز جيشاً آخر قدم عليه ريان الصقلبي في أربعة آلاف فارس، فأزال القرامطة من المحلة ونواحيها.\rوفي هذا الوقت ورد خبر من الصعيد الأعلى أن عبيد الله أخا الشريف مسلم أوغل في الصعيد واستخرج الأموال، وقتل ألفاً من المغاربة.\rوفي هذا السنة ، في المحرم منها، انبسطت المغاربة في نواحي القرافة، ونزلوا في الديور، وأخرجوا الناس من أماكنهم، وشرعوا في السكن في المدينة، وكان المعز أمرهم أن يسكنوا أطراف المدينة، فاستغاث الناس إلى المعز فأمر أن يسكنوا نواحي عين شمس، وركب بنفسه وشاهد المكان، وأخبرهم بالبناء فيه، وهو الموضع المعروف الآن بالخندق، وجعل لهم والياً وقاضياً، ثم سكن أكثرهم بالمدينة مخالطين للناس.\rفتوح طرابلس الشام\rكان فتوحها في سلخ شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وثلاثمائة، على يد ريان الخادم غلام المعز، وهرب ابن الزيات بعد أن كان نصب عليها الصلبان وجعلها للروم.\rوفي جمادى الأولى منها سار نصير الخادم غلام المعز في عسكر كثير، ودخل إلى بيروت، وتواقع مع الروم على طرابلس وهزمهم، وكانت الوقعة في نصف شعبان.\rوفي هذا الشهر وصل الخبر إلى المعز بوصول أفتكين التركي من بغداد إلى دمشق بقصد مصر، فشرع المعز في تجهيز العساكر.\rوفي شهر رمضان منها كثرت الأراجيف بمسير الروم إلى الشام لأن أفتكين التركي كاتب ابن السنهسكي فسار بالروم إلى بيروت، فلقيهم نصير غلام المعز فهزموه وأسروه، وتوجهوا إلى صيدا فخرج إليهم أفتكين التركي وقبل الأرض لابن السنهسكي وهادنه على دمشق، وانصرف ابن السنهسكي معلولاً، فسر المعز بذلك، وهنأه الناس بهذا الفتح، ومدحه الشعراء.\rوفاة المعز لدين الله\rوشيء من أخباره كانت وفاته لسبع خلون من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة؛ وقيل في يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من الشهر. وكانت مدة حياته خمساً وأربعين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، ومدة مقامه بمصر سنتين وسبعة اشهر وأياماً.\rوكان نقش خاتمه: بنصر العزيز العليم ينتصر الإمام أبو تميم. وقيل: كان لتوحيد الإله الصمد دعاء الإمام معد، وقيل: لتوحيد الإله العظيم دعاء الإمام أبو تميم.\rأولاده : أبو المنصور نزار تميم الظاهر، وبه كنى، توفي بمصر في ذي القعدة سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، الأمير عقل، توفي في شعبان من السنة، وسبع بنات.","part":7,"page":452},{"id":3463,"text":"قضاته: قاضيه الواصل معه من المغرب أبو حنيفة النعمان بن محمد الداعي، مات بمصر في سلخ جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثلاثمائة، ولم يل القضاء بها؛ واستقضى بالمغرب أبا طالب أحمد بن القائم بن محمد بن المنهال؛ ولما وصل مصر وجد القائد جوهراً قد استخلف على القضاء أبا طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله الذهلي البغدادي، وهو القاضي على أيام كافور، فأقره، وكان أبو سعيد عبد الله بن محمد بن أب ثوبان حكم بمصر والمغاربة الجند والتجار إلى أن مات في شهر ربيع الأول سنة خمس وستين؛ فتولى أبو الحسن علي بن النعمان على قاعدته إلى أن مات 46 أبو طاهر، فقضى أبو الحسن على الجميع.\rكتابه: كان جوهر قد فوض تدبر الأموال في أيامه إلى علي بن العرمرم وأبي محمد الرودباري، ورجاء بن صولات، وعبد الله بن عطاء الله، وأبي الحسن الكرخي؛ ورد تدبير هؤلاء الكتاب إلى الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات. واستقر الأمر بعد وصول المعز على عسلوج، ويعقوب بن يوسف.\rوممن وزر للمعز يعقوب بن كلس، وهو أول وزراء دولتهم بمصر، وهو من جملة كتاب الدولة الإخشيدية، وسنذكر خبره إن شاء الله مستوفى أخبار العزيز.\rحاجبه: جعفر بن علي إلى أن توفي، فولي عمار بن جعفر، والله أعلم بالصواب.\r؟؟؟بيعة العزيز بالله\rوهو أبو المنصور نزار بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي، وهو الخامس من ملوك الدولة العبيدية، والثاني من ملوك مصر والشام منهم.\rكان قد ولي العهد من أبيه في حيات، ثم بايعه الناس في يوم وفاة أبيه، لسبع خلون من شعر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة.\rحكى الرئيس ابن القلانسي في تاريخ الشام وسبب بيعة العزيز الأولى أن أباه المعز لدين الله كان مغرماً بعلم النجوم والنظر فيما تقتضيه أحكام مولده، فحكم له بقطع، فاستشار منجمه فيما يزيله عنه، فأشار عليه أن يعمل له سرداباً تحت الأرض ويتوارى فيه مدة إلى حين زوال ذلك القطع، فصنع ذلك وأحضر وجوه دولته، وقال لهم: أن بيني وبين الله عهداً وعدنيه قد قرب أوانه، وقد جعلت عليكم ولدي نزاراً، ولقبته بالعزيز بالله، واستخلفه عليكم، وعلى تدبير أحوالكم مدة غيبتي؛ فألزموا الطاعة المناصحة له، فقالوا: نحن عبيدك وخدمك، فأخذ البيعة له ووصاه بما أراد، وجعل القائد جوهر مدبراً لأموره، ونزل السرداب الذي اتخذه وأقام به سنة، فكانت المغاربة إذا رأوا سحاباً ترجلوا الأرض وأوموا بالسلام عليه، ثم خرج بعد ذلك، وجلس الناس، فدخلوا على طبقاتهم وسلموا عليه؛ ولم يلبث بعد ذلك إلا مدة يسيرة، واعتل فمات.\r؟حرب أفتكين وعساكر العزيز\rولنذكر ابتداء أمر أفتكين لتأتي أخباره بسياقه.\rهو أبو المنصور أفتكين المعزي، أحد مماليك معز الدولة بن بويه، وكان سبب وصوله إلى الشام أنه لما وقعت الفتنة بين الترك والديلم ببغداد وخلع المطيع كما ذكرناه، وتوالت تلك الفتن، انفصل أفتكين عن بغداد في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة في ثلاثمائة غلام، وسار حتى قدم حمص فأقام أياماً يسيرة، وسار منها إلى دمشق، فوجد أحداث البلد قد تحكموا فيها والفتن بين أهلها وبين عساكر المغاربة، فخرج إليه شيوخ دمشق وأظهروا السرور به، وسألوه أن يتولى عليهم، ويكف أيدي المفسدين، وتوثقوا منه وتوثق منهم بالإيمان، ودخل البلد وأصلح أمره، وأحسن السيرة، وكف المفسدين، فاستقام له الأمر وثبت قدمه، فاضطر إلى مكاتبة المعز لدين الله بمصر فكاتبه وخادعه، وغالظه، وأظهر الانقياد له والطاعة لأمره، فأجابه المعز يستدعيه إلى حضرته ليشاهده، ويصطفيه لنفسه، ويعيده إلى ولايته؛ فلم يثق إلى ذلك وامتنع من الإجابة، ووافق ذلك علة المعز ووفاته.","part":7,"page":453},{"id":3464,"text":"وكتب أفتكين في أثناء القضية إلى مولاه ببغداد يقول إن الشام قد صفا في يدي، فإن سيرت لي عسكراً مالاً وسلاحاً فتحت ديار مصر، فبعث إليه الجواب: غرك عزك فصار قصار ذلك ذُلّك فاخش فاحش فعلك، فعلّك تهدأ بهذا، فلما يأس أفتكين من إنفاذ العساكر إليه من بغداد اضطر عند ذلك إلى مكاتبة القرامطة، فقصدوه ووافوه في سنة خمس وستين وثلاثمائة؛ وكان الذي أتاه منهم إسحاق، وكسرى، وجعفر، فنزلوا بظاهر دمشق، ووافاه معهم كثير من العجم، فأكرمهم أفتكين وحمل إليهم الميرة، فأقاموا أياماً وتوجهوا إلى الرملة، فخرجت إليهم عساكر الساحل، واقتتلوا، فهزمهم أفتكين، وقتل منهم مقتلة عظيمة.\rوكان على الساحل مظلوم بن موهوب العقيلي، فانهزم إلى صور، وأحصي القتلى فجاءوا أربعة آلاف فارس، فكاتب العزيز بن المعز أفتكين واستماله ووعده إن وطئ بساطة أن يرفع منزلته. فأبى إلا مخالفته، وأغلظ له في الجواب. فاستشار العزيز وزيره يعقوب بن كلس فيما يفعله فأشار عليه بإخراج 47 جوهر القائد إليه؛ فشرع العزيز في ذلك وجهز جوهراً، فلما سمع أفتكين ذلك عاد إلى دمشق واستشار أهلها، وقصد التوجه لبلاد الروم؛ وكان أهل دمشق يكرهون المغاربة لمخالفتهم لهم بالاعتقاد، فطمأنوه، وثبتوا للقاء عساكر مصر. وخرج جوهر في العساكر العظيمة بعد أن استصحب أماناً من العزيز لأفتكين.\rفلما وصل جوهر إلى الرملة كاتب أفتكين ولاطفه، وعرفه ما معه له من الأمان، فلاطفه أيضاً أفتكين في الجواب واعتذر إليه بأهل دمشق، فعلم جوهر أنه لا بد من الحرب، فسار إليه ونزل بالشماسية فبرز إليه أفتكين؛ ونشبت الحرب بين الفريقين مدة شهرين، وقتل من الطائفتين عدد كثير وظهر من شجاعة أفتكين ما عظم قدره في النفوس، فأشار عليه أهل دمشق بمكاتبة أبي محمد الحسن بن محمد القرمطي واستدعائه لدفع عساكر مصر، فكاتبه فأتاه القرمطي، فعلم جوهر أنه إن أقام استظهر أفتكين عليه، فرجع إلى طبرية وتبعه أفتكين والقرمطي فقاتلاه، فانهزم إلى عسقلان فتبعه أفتكين وحصره بها حتى أشرف جوهر على الهلاك، فصالحه، ووقع الصلح بينهما على أن يخرج جوهر وأصحابه حفاة عراة لا شيء يستر عورتهم.\rوكان العزيز قد خرج من الديار المصرية لإغاثة جوهر، فلقيه في الطريق على تلك الحال، فأخبره جوهر أن كتامة خذلوه فقبض عليهم، ثم أظهر الغضب على جوهر وعزله عن الوزارة.\rحرب أفتيكن وأسره\rوفي سنة ثمان وستين ثلاثمائة، في المحرم منها، وصل العزيز بالله إلى الرملة وأفتكين وعسكره بالطواحين، ووقع المصاف بينهما، ونشبت الحرب في يوم الخميس سابع الشهر، فانهزم أصحاب أفتكين وقتل عامتهم وشوهد العزيز في هذا اليوم وقد انفرد عن عسكره وصلى على الأرض وهو يقول اللهم ارحمني وارحم من ورائي من هذت القبلة، وانصرني، فما استمد النصر إلا منك، وهو يعفر وجهه على التراب ويبكي، ثم ركب وقد انتصر عسكره، وجيء بأفتكين أسيراً، أسره مفرج بن دغفل ابن الجراح الطائي أمير طيء، فجاء به وفي عنقه حبل، فاحسن إليه العزيز لما رأى من شجاعته، ومنّ عليه، ورجع به إلى مصر، فأقام بها إلى أن مات في سنة سبعين وثلاثمائة، والحجاب والأكابر يركبون إلى داره.\rولما رجع العزيز هنأه الناس بهذا الفتح، ومدحه الشعراء، فمنهم الحسين ابن عبد الرحيم الزلالي بقصيدته التي أولها:\rلاح للحق شهاب فوقد ... فرأى قاصده أين قصد\rبالعزيز بن المعز اعتضدت ... دولة الحق، وبالله اعتضد\rيا أمير المؤمنين المرتضى ... وعماد الدين، والركن الأسد\rبنزار بن معد، وهما ... خير أبناء نزار بن معد\rومنها:\rأصلح الشام بما دبره ... وتلافاه وقد كان قد فسد\rأطفأ الفتنة فيه، بعدما ... أبرق التركي فيها ورعد\rوكان عود العزيز إلى مصر ووصوله إليها في يوم الاثنين لست بقين من شهر ربيع الأول سنة ثمان وستين وثلاثمائة.\rوفي سنة تسع وستين وثلاثمائة، في ثامن عشر شهر ربيع الأول، تزوج العزيز بابنة عمه وأمهرها مائتي ألف دينار عيناً.\r؟فتوح اللاذقية","part":7,"page":454},{"id":3465,"text":"وفي سنة اثنين وسبعين وثلاثمائة، في حادي عشر شهر ربيع الأول، ورد كتاب نزال يذكر فيه أنه واقع الروم بساحل الشام، وكسرهم، وأخذ اللاذقية. ثم ورد نزال من الشام في العاشر من جمادى الآخرة، ومعه نحو خمسمائة نفر من الروم أسرى في السلاسل.\rوفي هذه السنة وصل من تنيس رجل وامرأة بمولودة لها رأسان ووجهان وأربع أيدي كاملة الخلق في جسد واحد، وسنها دون العشرين.\rوفيها كان النوروز لسبع خلون من شعر ربيع الأول وأكل الناس 48 الرطب قبل النوروز على عاداتهم، وأصرمت النخل، ولم يبق عليها شيء ألبتة، ثم حمل النخل ثانية، فأكل الناس البلح والبسر مرة ثانية؛ ولم يتفق مثل ذلك في زمن من الأزمنة.\rفتح قنسرين وحمص\rوفي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، في شهر ربيع الأول منها، دخلت عساكر العزيز إلى قنسرين وحمص، وأقاموا الدعوة له بها.\rوفيها في ثامن شوال صرف العزيز وزيره يعقوب بن كلس واعتقله وحمل من ماله خمسمائة ألف دينار؛ ثم أفرج عنه بعد ذلك، وأعاده إلى الوزارة، في سنة أربع وسبعين، ووهب له العزيز مالاً كثيراً وألفاً وخمسمائة غلام تكون في خدمته، وإليهم تنسب حارة الوزيرية بالقاهرة.\rوفي هذا السنة اشتد الغلاء بمصر وبلغت حملة الدقيق الجشكار أحد عشر ديناراً والعلامة اثني عشرة ديناراً؛ والحملة ثلاثمائة رطل بالمصري.\rوفيها في العشرين من ذي القعدة ورد الخبر أن ابن حمدان خطب للعزيز بحلب والجزيرة كلها.\rوفي سنة ست وسبعين وثلاثمائة خطب للعزيز بمعرة النعمان.\rوفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة استجد العزيز في جامع مصر العين الفوارة، ودامت إلى أيام العاضد، فخربت في الحريق في سنة أربع وستين وخمسمائة؛ ثم جددها الملك العادل أبو بكر بن أيوب وفيها لاعن القاضي محمد بن النعمان بين رجل من لدن عقيل وامرأته.\rوفي سنة ثمانين وثلاثمائة اختط العزيز الجامع بالقاهرة، وهو الجامع المعروف بالحاكم بباب الفتوح.\rوفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة خرج منير والي دمشق على العزيز بالله، وقتل ابن أبي العواد الكاتب ولحقه بشارة الإخشيدي فسار نزال والي الرملة إلى دمشق، فحاربه منير، فهزمه نزال، وكانت الوقعة بمرج عذارء في تاسع شهر رمضان وهرب منير يريد حلب، فأخذه العرب وأحضروه إلى دمشق لنزال، فوجدوا منجوكتين قد وصل إليها فأخذ منيراً وحرسه على جمل وإلى جانبه قرد وعليه طرطور.\rوأقام منجوتكين بدمشق بقية سنة إحدى وثمانين. وأمده العزيز في سنة اثنتين وثمانين بخمسمائة فارس وخزانة وسلاح صحبة صالح بن علي وجيلين التركي، فاشتمل عسكر منجوتكين على ثلاثة عشر ألف فارس فطمع في ملك حلب وخرج إليها في ثلاثين ألف فارس ونازلها، وفتحها في شهر ربيع الآخر، وبقيت القلعة بيد أبي الفضل بن سعيد الدولة بن حمدان ولؤلؤ، فكاتبا بسيل ملك الروم، فكتب لصاحب أنطاكية، وهو من قبله، بأن يجمع العساكر ويتوجه إلى حلب لنصرة صاحبها، ودفع المغاربة عنها، فسار إليها في خمسين ألف راجل.\rوقال المسبّحي: كان عسكر الروم سبعين ألفاً وعسكر منجوتكين خمس وثلاثين ألفاً.\rفنزل الروم على الجسر الحديد بين أنطاكية وحلب، فأشار أصحاب منجوتكين عليه بقصد الروم، فتوجه نحوهم وانضم إليه جماعة من بني كلاب، فالتقوا فانكسرت عساكر الروم، وغنم منجوتكين ومن معه من الغنائم الجزيلة، وجمع رؤوس الروم مقدار عشرة آلاف رأس فسيرها إلى مصر.\rوتبع منجوتكين الروم إلى أنطاكية، وأحرق ضياعاً، ونهب رساتيقها، ورجع إلى حلب. فعمل لؤلؤ مقدم حلب على رجوع منجوتكين عن بلده، فكاتب أبا الحسين بن المغربي وزير منجوتكين وخواصه أن يحسنوا له الرجوع إلى دمشق والعود إلى حلب في العام المقبل، ووعدهم على ذلك بالأموال الجزيلة، فذكروا ذلك لمنجوتكين فصادف هذا الرأي موقعاً لسوقه إلى دمشق، فرجع عن حلب.\rولما بلغ العزيز رجوعه عنها انزعج لذلك وعلم أنه تدبير وزيره ابن المغربي، فعزله عن وزارة منجوتكين، وولي صالح بن علي الروزباري.\rوفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة ظهر من الجراد والكمأة على جبل المقطم بمصر ما لم يعهد بمثله، فخرج الناس إليه وجعلوا يدخلون القاهرة ومصر كل يوم، فبيع الجراد أربعة أرطال بدرهم، والكمأة سبعة أرطال بدرهم.","part":7,"page":455},{"id":3466,"text":"وفيها في يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الآخرة احترقت صناعة الإنشاء بمصر بما فيها من المراكب الحربية وآلات السلاح وغير ذلك، فاتّهم الأمراء بذلك، فقتل منهم مائة وسبعة نفر، ثم أحضر عيسى بن نسطورس من بقي من الروم فاعترفوا بذلك، فأمر العزيز بالله أن تنهب كنيسة الروم فنهبت وأخذ منها ما ينيف عن تسعين ألف درهم\r؟وفاة العزيز بالله وشيء من أخباره وأخبار وزيره يعقوب بن كلس ومن ولي بعده.\rكانت وفاة العزيز بالله بعد الظهر من يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة بمدينة بلبيس في مسلخ الحمام بعلتي القولنج والحصاة.\rوكان مولده بالمهدية في يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من المحرم سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.\rوكانت مدة حياته اثنتين وأربعين سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يوماً، ومدة ولايته إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفاَ.\rوكان أسمر، طويلاً، بديناً، أشهل، أعين، أصهب الشعر، عريض المنكبين، وكان لا يؤثر سفك الدماء، قال المؤرخ: وجدد في أيام العزيز من الأبنية قصر الذهب، وجامع القرافة، والفوارة، وبستان السردوس، وقصور عين شمس، والمصلى الجديد بالقاهرة، وهو أول من بنى دار الفطرة، وقرر الرواتب، وسن إعطاء الضحايا للأولياء، وكان قريباً من الناس، بصيراً بالخيل والجوارح والصيد.\rولده أبوعلي المنصور، وهو الحاكم بأمر الله.\r؟أخبار الوزير يعقوب بن كلس\rوكنيته أبو الفرج، وهو أول من خوطب بالوزارة في دولتهم، وكان يهودياً من أهل بغداد، فهاجر منها إلى الشام ونزل الرملة، فجلس وكيلاً للتجار بها، فاجتمع عنده مال فاكتنزه، وسافر إلى مصر، واتصل بخدمة كافور، فتاجر في متاع كان يحيله بثمنه على الضياع، فكان إذا احتيل على عمل بمال لا يخرج منه حتى يعلم مستخرجه ونفقته وارتفاعه، فعلم أحوال ديار مصر، فأخبر كافور، فقال: لو كان هذا مسلماً لصلح أن يكون وزيراً. فبلغه ذلك، فأسلم على أيدي كافور، في يوم الجمعة في الجامع العتيق، في سنة خمسين وثلاثمائة.\rثم تعلقت به مطالبات ديوانيه في الدولة الإخشيدية فهرب بسببها من مصر، فلقي العسكر المغربي قاصداً مصر فعاد بصحبته، فلما ملك القائد جوهر مصر تصرف ابن كلس في الأمور الديوانية مدة أيام المعز، ثم انتقل إلى خدمة ولده العزيز، فاختص به وتمكن منه، واقتنى الأموال، فاستوزره في يوم الجمعة ثامن عشر شهر رمضان سنة ثمان وستين وثلاثمائة؛ وأقطعه بمصر والشام في كل سنة ثمانية آلاف دينار - وبسط يده في الأموال، وكتب اسمه على الطرز، وابتدأ بنفسه في المكاتبات والعناوين، من يعقوب بن يوسف وزير أمير المؤمنين.\rوتمكن من الدولة حتى أسقط المغاربة، واستخدم المشارقة في سنة سبعين وثلاثمائة، من الترك والإخشيدية. وأذل جوهر الرومي غلام المعز، وجعله على المرمة، وكان جوهر يقول قبح الله طول هذا العمر الذي أحوج لمثل هذا.\rثم نكبه العزيز النكبة التي ذكرناها في سنة ثلاث وسبعين، ثم أطلقه وأعاده إلى الوزارة، وقال له: عزلت بالإغراء، وردت بصميم الآراء، ووهب له ألفاً وخمسمائة غلام كما ذكرنا.\rولم يزل كلس على ذلك إلى أن توفي لست خلون من ذي الحجة سنة ثمانين وثلاثمائة، ولما مرض مرضته التي مات فيها ركب العزيز إليه، وعاده، وقال له: وددت أنك تباع فأبتاعك بمالي وولدي.\rولما مات أمر العزيز أن يدفن في داره في قبة كان بناها لنفسه، وحضر جنازته وصلى عليه، وألحده في قبره.\rوبلغ قيمة الكفن الذي أنفذه العزيز له، وهو خمسون مثقلة سبعة آلاف دينار. وانصرف من دفنه، وأظهر الحزن وأغلق الدواوين ثمانية عشر يوماً، وعطل الأعمال أياماً، واشتملت تركته على مال عظيم.","part":7,"page":456},{"id":3467,"text":"ولم يستوزر العزيز بعده أحداً بل ضمن أموال الدولة بجماعة من المستخدمين وجعل الغالب عليهم عيسى بن نسطورس النصراني، فمال إلى النصارى وقلدهم الأعمال. واستناب بالشام منشّا ين إبراهيم اليهودي فقدم اليهود ومال إليهم، ،وأطرح المسلمين، فوقفت للعزيز امرأة بيدها قصة مكتوب فيها: يا أمير المؤمنين بالذي أعز النصارى بابن نسطورس وأعز اليهود بمنشّا بن إبراهيم، وأذل المسلمين بك إلا ما نظرت في أمري وكشفت ظلامتي فقبض على عيسى، وكتب بالقبض على منشّا بالشام ثم شفعت ست الملوك ابنة العزيز في عيسى فرده إلى ما كان عليه، وحمل الخزانة ثلاثمائة ألف دينار، وشرط عليه استخدام المسلمين في دولته وأعماله.\rقضاته: أبو طالب محمد بن أحمد البغدادي إلى أن استعفى، ثم علي بن النعمان إلى أن توفى في شهر رجب سنة أربع وسبعين، فرد القضاء إلى أخيه أبي عبد الله محمد بن النعمان.\rحجابه: الأمير منجوتكين 50 القائد ياروخ.\rولما مات العزيز قام بالأمر بعده ولده أبوعلي المنصور.\r؟بيعة الحاكم بأمر الله\rوهو أبوعلي المنصور بن العزيز بالله نزار، بن المعز لدين الله أبي تميم معد، بن المنصور بنصر الله أبي طاهر إسماعيل، ين القائم بأمر الله أبي القاسم محمد ، بن المهدي عبيد الله، وهو السادس من ملوك الدولة العبيدية، والثالث من ملوك مصر والشام منهم.\rبايع له أبوه العزيز قبل وفاته ببلبيس، وكان ولي قبله ابنه محمد فهلك في حياة أبيه العزيز، ثم جددت البيعة للحاكم بأمر الله صبيحة وفاة أبيه في يوم الأربعاء لليلة بقيت من شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ولبس أثواب الخلافة، وتعمم بعمامة عليها الجواهر، وعمره آنذاك إحدى عشرة سنة وستة أشهر، وتولى كفالته برجوان الخادم، وقام بأمر الجيوش وتدبير أمور الدولة أبو محمد الحسن بن عمار ابن أبي الحسين، وتلقب بأمين الدولة، وهو أول لقب في دولتهم في مصر، وكان ذلك بوصية من العزيز.\rقال: وكان الكتاميون قد أضعفهم الوزير ابن كلس، فأظهرهم ابن عمار وردهم إلى ما كانوا عليه.\rالقبض على الوزير عيسى\rبن نسطورين النصراني وقتله كان القبض عليه في تاسع شوال سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وذلك أن ابن عمار اتهمه بالإغراء عليه ومباطنة منجوتكين، فبسط عليه العذاب واستخرج منه سبعمائة ألف دينار، ثم أخرجه لثلاث بقين من المحرم سنة سبع وثمانين على حمار، إلى المقس، وضرب عنقه هناك، رحم الله ابن عمار الآمر بقتله، فلقد حكى عنه جوره بالمسلمين واطراحه لهم ما لا مزيد عليه.\rحكى الأثير بن بيان المصري أن بعض رؤساء المصريين كتب ورقة يعاتب فيها عيسى على قبح فعله بالمسلمين وبالغ فيها فأجابه عيسى عنها يقول: أن شريعتنا متقدمة، والدولة كانت لنا ثم صارت لكم، فجرتم علينا بالجزية والذلة، فمتى كان منكم إلينا إحسان حتى تطالبونا بمثله، إن مانعناكم قاتلتمونا، وإن سالمناكم أهنتمونا، فإذا وجدنا لكم فرصة فماذا تتوقعون أن نصنع بكم، ثم تمثل في آخرها بيتين:\rبنت كرم غصبوها أمها ... ثم داسوها، هواناً، بالقدم\rثم عادوا حكموها فيهم ... وأناهيك بخصم قد حكم\rمخالفة منجوتكين بدمشق وحربه وأسره وسبب ذلك\rكان سبب ذلك أن ابن عمار أظهر الكتاميين وبالغ في الإحسان إليهم، وخولهم الأموال وبسط أيديهم، وفرق فيهم ما خلفه العزيز.\rقال بعض المؤرخين: إن العزيز كان عنده عشرون ألف عليقة ما بين فرس وبغل، وجمل وحمار، ومن الأموال ما لا يدخل تحت الإحصاء، ففرق ابن عمار ذلك فيمن أراد اصطناعه، فلما كان في سنة سبع وثمانين ومائتين انبسطت يد كتامة وجاروا على الناس بديار مصر، وامتدوا لأخذ أموالهم، ثم اجتمع مشايخهم وحسنوا للحسن بن عمار قتل الحاكم، فعلم برجون بذلك، فبالغ في حفظ الحاكم وضم إليه شكر العضدي من غلمان عضد الدولة بن بويه، وكاتبا منجوتكين أمير دمشق يعرفانه ما عزم عليه ابن عمار، وأنه بسط يد كتامة في الأموال ومكنهم من الجور وأنهم حصروا الحاكم بقصره، وأشار عليه أن يقصد مصر ليكون عوضاً عن الحسن بن عمار.","part":7,"page":457},{"id":3468,"text":"فلما قرأ منجوتكين الكتاب جمع القواد والأجناد وغيرهم بجامع دمشق، وعرفهم ما جرى من كتامة، وبكى، وخزق ثيابه، فأطاعه الناس وحلفوا له على طاعة الحاكم وقتال ابن عمار، فأنفق فيهم الأموال ووثق منهم، وبرز من دمشق ستة آلاف فارس.\rفلما اتصل ذلك بابن عمار عظم عليه وجمع وجوه كتامة وعرفهم الحال، فقالوا: نعرف الناس إن منجوتكين قد عصى الحاكم وخالف عليه وخرج عنه، ليبالغوا بقتاله ففعل ذلك وأظهره، وفرق الأموال في وجوه الدولة. ثم أحضر برجوان وشكر العضدي وقال لهما: أنا شيخ كبير وقد كثر الكلام علي والقول في، وليس لي غرض إلا حفظ الإمام الحاكم، وسألهما أن يحلفا له على المساعدة فما وسعهما إلا أن حلفا له، وندب من وقته أبا تميم سليمان بن جعفر بن فلاح وقدمه على العسكر، وأمره بالمسير إلى الشام، فخرج في ستة عشر ألف فارس وراجل، فسار سليمان في ثاني صفر، ورحل منجوتكين إلى الرملة فملكها ومعه مفرج بن دغفل بن جراح، وسار سليمان حتى نزل بظاهر عسقلان.\rوتقابل الجيشان بعد ثلاثة أيام؛ وكان المصاف في يوم الجمعة لأربع بقين من جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، فاستأمنت العرب من أصحاب دغفل وغيرهم إلى سليمان، فاستظهر، وقتل من أصحاب منجوتكين أربعة قواد، وانهزم منجوتكين وأحصيت القتلى من أصحابه فجاءت ألفي فارس، وامتلأت أيدي أصحاب سليمان، وبذل سليمان لمن يحضر منجوتكين عشرة آلاف دينار ومائتي ثوب، فأسره علي بن الجراح وحمله إلى سليمان، فسيره إلى مصر، فاصطنع الحسن بن عمار منجوتكين، وسار سليمان ونزل طبرية.\rفلما بلغ أهل دمشق ما اتفق لمنجوتكين نهبوا داره، وبعث سليمان أخاه إلى دمشق في خمسة آلاف فارس، فلما وصلها أغلقوا دونه الأبواب، فكتب لأخيه بذلك، فسار إلى دمشق وتلطف بأهلها، وطيب قلوبهم، ففتحوا له الأبواب، ودخل البلد واستقر أمره، وثبت قدمه، واستتب له الأمر، فنظر في أمر الساحل واستبدل بولاية الجابريين، وعزل الأمير جيش بن الصمصامة من طرابلس الشام واستعمل عليها أخاه، فحضر جيش إلى مصر ولم يجتمع به.\r؟الفتنة بين المشارقة والمغاربة\rوهرب ابن عمار ما كان من أمره كان سبب ذلك أن سليمان بن جعفر لما عزل جيش بن الصمصامة، عن طرابلس حضر جيش إلى مصر واجتمع بشكر الخادم وبرجوان سراً وعرفهما بغض أهل الشام في المغاربة، وكان جيش أيضاً من كتامة وبينه وبين سليمان عداوة متمكنة، فحسن لهما الفتك بالحسن بن عمار، فوقع هذا الكلام من برجوان بالموقع العظيم مع ما تقدم بينهما من الوحشة. وعلم برجوان أن القاهرة ومصر قد خلتا من المغاربة فلم يبق فيها إلا العدد القليل وأمكنه الفرصة فانتهزها، وراسل الأتراك والمشارقة في القبض على الحسن بن عمار.\rوأحس ابن عمار بذلك فقصده المبادرة إلى الإيقاع ببرجوان وشكر، ورتب جماعة في دهليز داره، وقرر معهم الفتك بهما إذا دخلا إليه، وكان لبرجوان عيون كثيرة فأطلعوا على ما دبره ابن عمار عليه، واتفق أن الحسن استدعاه ومعه شكر، فركبا إلى داره، وكانت آخر القاهرة مما يلي الجبل، ومعهما جماعة من الغلمان، فلما وصلا باب الدار ظهرت لها عين القضية فعادا إلى القصر بسرعة وجرد الغلمان سيوفهم، فدخلا قصر الحاكم، فثارت الفتنة، واجتمع الأتراك والديلم والمشارقة وغيرهم على باب القصر، وبرجوان يبكي، وهم يبكون لبكائه، وهو يحرضهم على القيام بواجب خدمة الحاكم.\rوركب الحسن بن عمار في كتامة إلى الجبل، وتبعه وجوه الدولة فصار في عدد كثير وفتح برجوان خزائن السلاح وفرقها، على الغلمان وغيرهم، وأحدقوا بالقصر، فبرز منجوتكين وفارحتكين وينال الطويل في خمسمائة فارس من الأتراك، ووقعت الحرب بينهم وبين الحسن بن عمار إلى وقت الظهر من يوم الخميس سلخ شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، فانهزم ابن عمار، ورجعت العامة إلى داره فنهبوها ونهبوا خزائنه؛ واستتر عند بعض العوام وتفرقت عنه جموعه.","part":7,"page":458},{"id":3469,"text":"وفتح برجوان باب القصر، وأجلس الحاكم، وأوصل إليه الناس، وجدد له البيعة على الجند، فلم يختلف إليه أحد، وكتب الأمانات لوجوه كتامة وقواد الديلم وراسلهم بما يطيب قلوبهم فأتوه، واستقام أمر برجوان وكتب إلى أهل دمشق يطيب قلوبهم ويأمرهم بالقيام على سليمان والإيقاع به، فثار أحداث دمشق وقصدوا دار أميرها سليمان، فوجدوه وقد التهى بالشرب وانهمك على لذاته، فهرب على ظهر فرسه ونهبت خزائنه وأمواله، وجعل برجوان الحسين بن القائد جوهر قائد القواد، وبعث جيش بن محمد بن الصمصامة إلى دمشق، وتلطف في إخراج الحسن بن عمار من استتاره، فخرج، فأعاد برجوان عليه ما كان بيده من الإقطاعيات وحلفه ألا يخرج من داره.\rوفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة عصى أهل صور على الحاكم بسبب فتنة برجون وابن عمار وقتلوا جماعة من جند المصريين، وثار بعض الملاحين من أهلها، ويعرف بالعلاقة، فملك البلد.\rوثار مفرج بن دغفل الجراحي بالرملة ونهبها.\rفندب برجون إلى الشام أبا الحسن عبد الصمد ابن أبي يعلى، وضم إليه عسكراً، فسار من القاهرة لأربع عشر ليلة خلت من ذي القعدة، سنة ثمان وثمانين، فلما وصل إلى الرملة حضر إليه من جند الساحل خمسة آلاف فارس، ووجد سليمان بن جعفر بن فلاح بها فقبض عليه وسيره إلى مصر، وسير إلى صور أبا عبد الله الحسن بن ناصر الدولة وياقوت الخادم ومن معه من عبيد الشراء، فوقعت الحرب بينهم وبين أهل صور، ثم طلبوا الأمان فأمنوا، وأسر العلاقة الثائر، وكان قد استنصر بالروم، فسلخ وهو حي، وحشي جلده تبناً وصلب. وكان قد ضرب على الدينار بصور عز بعد فاقة ، وشطارة بلباقة، للأمير العلاقة.\rوفيها في شعبان ورد الخبر بفتح إنطاكية على يد الأمير جيش بن محمد بن الصمصامة.\rقتل برجوان الخصي\rكان مقتله في ثالث عشر شهر ربيع الآخر سنة تسعين وثلاثمائة. وسبب ذلك أنه كان لفرط إشفاقه على الحاكم منعه من الركوب خوفاً عليه، ومنعه من العطاء لغير مستحق، فثقل على الحاكم، ولم يبق للحاكم في الأمر غير الاسم، واستبد برجوان بالأمر، وكان عند الحاكم خادم اسمه ريدان الصقلبي كان قد اختص به وأنس إليه، فشرع في إغراء الحاكم على برجوان، وكان من جملة ما قال: إن هذا ليقصد أن يفعل بك كما فعل كافور الإخشيدي مع أولاد سيده، فباطن الحاكم الحسين بن جوهر قائد القواد على قتل برجوان، ووعده أن يفوض إليه تدبير الأمر بعده، ثم ركب الحاكم وبرجوان في بعض الأيام إلى بستان اللؤلؤة على عادته، فمال عليه ريدان بسكين فضربه بها في ظهره وأخرجها من صدره، فقال برجوان للحاكم: غدرت، فزعق على الخدام فاحتزوا رأسه، فانزعج الناس لذلك ولبسوا السلاح، فسبق الحاكم فدخل القصر، وحضر شكر الخادم والجند ظناً منهم أن الحسن بن عمار تمم على الحاكم حيلة، فلما رأى الحاكم ذلك تراءى للناس فترجلوا وقبلوا الأرض، وسكنت الفتنة، ثم فتح الحاكم القصر واستدعى أكابر الناس وقال لهم: أنكرت علي برجوان وقتله، واستدعى الحسين بن جوهر وأمره بصرف الناس إلى منازلهم فصرفهم.\rوركب مسعود الحاكمي إلى دار برجوان فأحاط على ما فيها، وكان من جملة ما وجد ألف سروال ديبقي بألف تكة حرير، وناهيك بموجود يكون هذا من جملته.\rو إلى برجوان هذا تنسب حارة برجوان التي بالقاهرة.\rواستقر الحسين بن جوهر في تدبير أمور الدولة في ثالث جمادى الأولى من السنة.\rوقتل في أثناء الفتنة الحسن بن عمار الكتامي، وتوفي جيش ابن محمد بن الصمصامة أمير الشام بدمشق في ثالث عشر ربيع الأول منها، وندب الحاكم لولايتها القائد تميم بن إسماعيل المعزي الملقب بفحل.\rما شذ به الحاكم بأمر الله\rوأمر به من أمور الدالة على اضطراب عقله بعد أن استقل بالأمر بمفرده.\rكان أول ذلك أنه نهى في سادس شهر رجب سنة تسعين وثلاثمائة أن يخاطب الناس بعضهم بعضاً بسيدنا أو مولانا، وألا يخاطب بذلك غيره. وفي إحدى وتسعين، في شهر محرم، أمر أن تزين مصر ويفتح الناس دكاكينهم ليلاً، ولازم ركوب الخيل بالليل، وكثر ازدحام الناس، وصار البيع بالليل أكثر من النهار، وأكثر الناس الوفود. وغلب النساء على أزواجهم على الخروج، فأمر في رابع عشر الشهر ألا تخرج امرأة من العشاء لهذا السبب، فلم يخرجن بعد أمره.","part":7,"page":459},{"id":3470,"text":"وفي سنة ثلاث وتسعين حصل للحاكم مرض المانخوليا، فأخذ في قتل أرباب الدولة وذوي المناصب وغيرهم، وصدر عنه الأفعال 53 ما نذكره إن شاء الله تعالى بتواريخه على حكم السنين.\rبناء الجامع المعروف باسم راشده\rكان ابتداء عمارته في سابع شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وكان سبب إنشائه أن أبا منصور الزيات الكاتب زرع هذا الموضع وبنى للنصارى فيه كنيسة فرفع أمره للحاكم، فأمر بهدم الكنيسة وأن يجعل موضعها مسجداً، ثم أمر بالتوسعة فيه، فخربت مقابر اليهود والنصارى، وجمع فيه الجمعة لليلتين بقيتا من الشهر، وبنى فيه منبر من الطين، وصلى فيه ابن عصفورة القارئ ثم ظهر بعد ذلك أن المحراب وضع على غير صحة فهدم ما كان من ارتفاع البناء، ثم بني عليه ما هو عليه الآن.\rبناء الجامع المعروف بالحاكم الذي هو باب النصر وباب الفتوح بالقاهرة\rقد ذكرنا أن العزيز بالله كان قد اختطته في سنة ثمانين وثلاثمائة، ومات العزيز بالله ولم تكمل عمارته، فلما كان في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، لليلتين بقيتا من جمادى الأولى، أمر الحاكم بالله إتمامه، وقيل إن الوزير يعقوب بن كلس، وزير العزيز، هو الذي بدأ بعمارته وقدر له أربعين ألف دينار، فاخرج له خمسة آلاف دينار ومات ولم يكمل، فابتدأ بعمارته في هذا التاريخ.\rوفي هذه السنة قتل الحاكم مقداد ابن حسن كاتب جوهر، ضرب عنقه وأحرق بالنار، وفيها لليلتين خلتا من ذي الحجة قتل ريدان الصقلبي الخادم، وكان خصيصاً به مكيناً عنده، وإليه ينسب الريدانية التي هي بظاهر القاهرة خارج باب النصر، وفيها قتل منجمه العكبري صاحب الرصد الحاكمي وكان شديد الاختصاص به، ونادي مناديه بإباحة دم المنجمين، وأنهم كفار، فهربوا فلم يبق بالديار المصرية منجم.\rوفي سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، في رابع عشري المحرم قرئ سجل من الحاكم بمنع الملوخية والمتوكلية والترمس المعفن والدليس وعمل الفقاع، وعن ذبح البقر، وألا يدخل أحداً المنبر إلا بمئزر ولا تكشف امرأة عن وجهها في طريق ولا خلف جنازة، وألا يباع من السمك ما ليس له قشر، وفي رابع صفر منها كتب على المساجد بسب الصحابة رضي الله عنهم، وعلى حيطان الشوارع والقياسر، ثم نهى عن ذلك سبع وتسعين، وأمر اليهود والنصارى إلا الحبابرة بلبس السواد، وأن يحمل النصارى الصلبان على أعناقهم، وأن يكون طول الصليب ذراعاً وزنته عشرة أرطال، وعلى أعناق اليهود قوامي الخشب والجلاجل، وألا يركبوا شيئاً من المراكب المحلاة، وأن يكون ركبهم من الخشب وألا يستخدموا أحداً من المسلمين ولا يركبوا حماراً لمكار مسلم.\rوفي سابع عشري صفر منها نودي بالقاهرة ألا يخرج أحداً بعد عشاء المغرب إلى الطريق ولا يظهر بها.\rوفي سادس عشر شهر ربيع الآخر منها أمر بقتل الكلاب فقتلت عن آخرها.\rوفي تاسع عشر جمادى الآخرة فتحت دار بالقاهرة وسميت دار الحكمة، وجلس فيها الفقهاء وحملت إليها الكتب من خزائن القصور، ونسخ الناس من الكتب ما اختاروه، وجلس فيها القراء والفقهاء والنحاة واللغويون، والأطباء والمنجمون، بعد أن فرشت وزخرفت، وعلقت الستور، على جميع أبوابها وممراتها، وجعل لها قوام وخدام، وحصل في هذه الدار من الكتب والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله، وأجريت بها الأرزاق، وفي هذه الشهر منع الناس من العبور إلى القاهرة ركاباً مع المكارية، ومنع من الجلوس على باب الزهومة إلى أقصى الباب المعروف بباب الزمرد.\rوفي سنة ست وتسعين وثلاثمائة، ركب الحاكم في موكبه ومعه أرباب دولته فمر على الموضع الذي يباع فيه الأحطاب وقد تراكمت الأحطاب فيه بعضها على بعض، فوقف وأمر أن تؤجج النار في بعضها، ثم أمر بقاضي القضاة بمصر، وهو الحسين بن النعمان، فأنزل عن دابته ورمي به في تلك النار حتى هلك، ولم يتقدم له مقدمة توجب ذلك، ثم مرّ كأن لم يصنع شيئاً.\rأبي ركوة\rوظهوره وما كان من أمره إلى أن قتل كان ظهوره في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وأدعى أنه الوليد بن هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن الأموي، وتلقب بالثائر بأمر الله، والمنتقم من أعداء الله، ونحن الآن نذكر أخباره وابتداء أمره، وكيف تنقلت به الحال إلى أن كان منه ما نذكره إن شاء الله تعالى.","part":7,"page":460},{"id":3471,"text":"كان مولده في الأندلس ونشأ بها بحال سيئة يجوب البلاد إلى أن وصل إلى القيروان، ففتح فيها مكتباً يعلم الصبيان فيه القرآن، ثم توجه منها إلى الإسكندرية، ومنها إلى مصر فأقام بها وبأريافها يعلم الصبيان، ثم توجه إلى الفيوم وعلم بها الصبيان أيضاً، وعاد إلى مصر، وخرج إلى سبك الضحاك فنزل به على رجل يعرف بأبي اليمن، ثم نزل بقرنفيل وسار منها إلى البحيرة فنزل على بني قرة، وكان الحاكم قبل ذلك في سنة خمس وتسعين قد بعث إليهم جيشاً مقدمه أبو الفتيان التركي وقتل الحاكم بعضهم وحرقه بالنار، فوجدهم قد أجمعوا على أن يقتلوه ويحاربوه، ولم يعلموا من يقدمونه عليهم، فعرفهم أبو ركوة أنه من بيت الخلافة، فانقادوا إليه وبايعوه بالخلافة، ونعت بأمير المؤمنين، وانضاف إليهم من لوانة ومزاتة وزناتة جمع كثير، وجاءوا إلى مكان بالقرب من برقة.\rفلما بلغ الحاكم أمره جهز عساكره لقصده، فأول من خرج بها ينال الطويل التركي في منتصف شعبان سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، فالتقوا واقتتلوا، فقتل ينال وعامة من معه من العساكر، وغنموا ما معهم، وسار أبو ركوة إلى برقة وأخذها بعد حصار، فاستفحل أمره.\rوشرع الحاكم في تجريد العساكر إليه، فجهزها في ربيع الأول سنة ست وتسعين وعليها ابن الأرمينية، فسار إلى المكان المعروف بالحمام، فلقيه بنو قرة في جماعتهم فهزموه وقتلوه وانتهبوا ما كان معه.\rفندب الحاكم عسكراً وقدم عليه أبا الحسن ابن فلاح وجلين وإبراهيم بن الإفرنجية؛ ثم ندب القائد أبا الفتوح فضل بن صالح لقتاله، فخرج إلى أرض الجيزة في رابع شوال وأنفق في العساكر، وكوتب على بن الجراح، بالوصول إلى الحضرة، فورد من الشام في سابع عشر شوال، وورد الخبر بنهب الفيوم، فبعث الحاكم سرية لحفظه، وسار الفضل بن صالح عن مكانه إلى ذات الكوم في رابع ذي القعدة، وكسر أبو ركوة عسكر ابن فلاح ونهب سواده والخزائن التي معه، وقتل من أصحابه جماعة؛ فاضطرب الناس واشتد خوفهم، وباتوا في الدكاكين والشوارع. وتوجه القائد فضل بن للقاء أبي ركوة، فالتقيا بموضع يعرف برأس البركة، على نصف مرحلة من مدينة الفيوم، لثلاث خلون من ذي الحجة. واقتتل العسكران قتالاً شديداً وانجلت الحرب عن قتل عامة عسكر أبي ركوة، وانهزم أبو ركوة إلى بلاد النوبة وتبعه الفضل إلى الأعمال القوصية.\rوذكر بعض المؤرخين أن الحاكم لما أعياه أمره دس إليه جماعة من أولياء دولته وأمرهم بطاعته، وأن يذكروا انحرافهم عن الحاكم بسبب قتله لهم، ففعلوا ذلك، فاغتر به، ووصل معهم إلى أوسيم على ثلاثة فراسخ من القاهرة، فالتقى هو والفضل كما ذكرنا، وأتبعه، فبلغه أنه وصل إلى بلاد النوبة فكتب إلى متملكها يقول إن عدو أمير المؤمنين الحاكم في بلادك، وكتب إلى صاحب الجبل وهو نائب صاحب دنقلة ومقره ببلد الدو فيما بين دنقلة وأسوان، وندب الفضل من العسكر من توجه لقبضه، وكان المساعد على مسكه الشيخ أبو المكارم هبة الله، شيخ بني ربيعة وقيل أنه وجد في دير يعرف بدير أبي شنودة في أطراف النوبة، فمسك، وكان الطعن به في شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.\rوعاد القائد فضل إلى القاهرة فوصل إلى بركة الجيش في يوم الجمعة، النصف من جمادى الآخرة منها، وتلقاه أكابر الدولة الحاكمية، وركب في سابع عشر الشهر وأبو ر كوة على جمل وعلى رأسه طرطور، وطيف به على هذه الصفة وخلفه قرد يصفعه ثم صلب 55 وضربت عنقه وجهزت إلى البلاد.\rونفل بعض المؤرخين أنه لما اعتبرت الأكياس التي خرجت مع القائد فضل للقاء أبي ركوة، وكان زنتها فوارغ خمسة وعشرين قنطاراً، وقيل إن جملة ما انفق ألف دينار والله أعلم.\rوفي سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة أمر الحاكم بقتل أصحاب الأخبار حيثما وجدوا، وذلك أن كان قد قتل خلقاً كثيراً لسعايتهم، ثم أطلع على خيانتهم وأنهم صيروا ذلك معيشة، فقتلهم عن أخرهم.\rوفيها أمر بهدم كنيسة قمامة بالبيت المقدس، فكتب ابن خيران صاحب ديوان الإنشاء في ذلك خرج أمر الإمامة بهدم كنيسة قمامة، فليصير طولها عرضاً، وسقفها أرضاً.","part":7,"page":461},{"id":3472,"text":"وفي سنة ثمان وتسعين أيضاً، في سابع عشري شعبان، عزل القائد حسين بن جوهر عن جميع ما كان يتولاه، وكتب سجل بتولية صالح بن علي بن صالح الروزباري فانصرف الحسين إلى داره وأمر بلزومها، ثم خلع عليه وركب في رابع جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.\rوفي سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، في يوم الجمعة التاسع من شهر رمضان، حضر الناس إلى القصر وقرئ سجل صالح بن علي لقب فيه بثقة الثقات للسيف والقلم، وخلع عليه، وقيد بين يديه بغلات وخيل.\rوفيها مرض الحاكم فداواه بن معشر، فأعطاه عشرة آلاف دينار.\rوفيها سخط الحاكم على وزيره ابن المغربي وقتله، وقتل أخاه وابنه، وهرب ابنه الآخر إلى الشام، وفيها في تاسع ذي الحجة أمر الحاكم بهدم كنائس القنطرة التي في طريق المقس وكنائس حارة الروم، فهدم جميع ذلك.\rوفي سنة أربعمائة، في يوم الخميس حادي عشر شهر رمضان، جمع الأولياء. وأصحاب الدواوين في صحن الإيوان بالقصر، وخلع على أبي نصر بن عبدون، وقرئ سجله، ولقب بالكافي، وولي مكان صالح بن علي بن صالح الروزباري، وكانت مدة ولاية صالح سنتين وأربعة عشر يوماً.\rخروج آل الجراح على الحاكم\rومتابعتهم لأبي الفتوح الحسن بن جعفر الحسني وما كان من أمرهم كان سبب ذلك أن نصر بن عبدون كان بينه وبين بني المغربي عداوة متمكنة، فسعى بهم عند الحاكم وأغراه، إلى أن أمر بضرب أعناقهم، وذلك في ثالث ذي القعدة سنة أربعمائة؛ فقتل أخوي الوزير وولده وثلاثة من أهل بيته، واستتر الوزير أبو القاسم بن المغربي وهرب إلى الشام، في تاسع ذي القعدة منها، والتجأ إلى حسان بن المفرج بن دغفل الجراح، واستجار به فأجاره؛ وانشده عند دخوله عليه:\rأما وقد خيمت وسط الغاب ... فليقسون على الزمان عتابي\rيترنم الفولاذ دون مخيمي ... وتزعزع الخرصان دون قبابي\rوإذا بنيت على الثنية خيمة ... شدت إلى كسر القنا إطنابي\rوهي قصيدة مطولة مدح بها آل الجراح، فلما سمعها حسا هش لها وجدد من القول ما طاب به قلب الوزير وسكن جأشه.\rثم حسن ابن المغربي لبني الجراح أن يخرجوا على طاعة الحاكم، فوافقوه، على ذلك، وقتلوا تارتكين أحد الأمراء الحاكمية المقيم بالرملة، ثم حسن لهم أن يقيموا أبا الفتوح حسن بن جعفر الحسني خليفة، وهو أمير الحرمين يومئذ، وأن يحضروه من مكة، فأجابوه إلى ذلك، وأرسلوا إلى مكة وأحضروه إليهم، فلما قرب أبو الفتوح من ديار بني الجراح خرجوا إليه وتلقوه، وقبلوا الأرض بين يديه، وبايعوه بالخلافة ولقبوه بالراشد بالله، فحينئذ صعد أبو القاسم ين المغربي المنبر وخطب خطبة يحرض فيها الناس على الخروج على الحاكم، فأشار إلى مصر وقرأ: \" طسم، تلك آيات الكتاب المبين ، نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون، إن فرعون قد علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم بذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم من الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون \" فلما سمع الحاكم ذلك أزعجه، فندب الجيوش لقتالهم، مع ياروخ تكين العزيزي، فاعترضه حسان بين رفح والداروم، والتقوا واقتتلوا، فانهزمت أصحاب ياروخ تكين، وأسره هو ونقل إلى الرملة، وسمع غناء جواريه وحظاياه بحضوره وهو مقيد معه في المجلس، وارتكب معه الفواحش العظيمة، ثم قتله صبراً بين يديه.\rوبقي الشام لبني الجراح، فشرع الحاكم 56 يأخذهم بالملاطفة، وراسلهم، وبذل لهم الرغائب والأموال، والأقمشة والجواري، وقرر لكل واحد منهم خمسين ألف دينار عيناً، واستمالهم عن أبي الفتوح، فاتصل ذلك بأبي الفتوح، فقال لهم: إن أخي قد خرج بمكة، وأخاف أن يستأصل ملكي بها، فأعادوه إلى مكة في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة، وكان الحاكم قد أرسل إلى الوزير أبي القاسم المغربي وكتب له أماناَ واستماله، وبني على أهله ترباً في القرافة، وهي ست ترب، وتعرف بالسبع قباب إلى هذا الوقت.\rولما ورد أمان الحاكم على أبي القاسم وهو مقيم عند بني الجراح أجابه برسالة وضمن لها بيتين:\rوأنت وحسبي أنت، تعلم أن لي ... لساناً أمام المجد يبني ويهدم","part":7,"page":462},{"id":3473,"text":"وليس كريماً من تباس يمينه ... فيرضى، ولكن من يعض فيحلم\rوسأل آل الجراح أن يجهزوه إلى العراق فجهزوا معه من أخرجه من بلاد المغاربة؛ وعاد بنو الجراح إلى طاعة الحاكم، وأقام ابن المغربي بالعراق إلى أن توفي بميافارقين في سنة ثمان عشرة وأربعمائة، وحمل إلى الكوفة فدفن فيها، ولما فارق آل الجراح قدم بغداد وتقلد الوزارة لمشرف الدولة بن بويه كما ذكرنا في أخبار الدولة البويهية.\rأحمد بن محمد القشوري وقتله\rوفي سنة إحدى ومائة في يوم الخميس رابع المحرم استدعى الحاكم الناس على طبقاتهم إلى القصر فركبوا معه إلى خارج باب الفتوح، ثم عاد إلى قصره وأمر من مكان بالموكب بالنزول إلى القصر، فنزلوا وحضروا في الإيوان، فخرج من عند الحاكم خادم فاخذ بيد أحمد بن محمد المعروف بالقشوري الكاتب وأخرجه من بين القوم، ثم عاد القشوري وقد خلع عليه وبيده سجل، فأخذه أبوعلي العباسي الخطيب وقرأه على الناس، فإذا هو يتضمن تقليده السفارة والوساطة بين الناس والحاكم، وتفويض الأمور إليه، وصرف ابن عبدون، وأقام القشوري إلى الثالث عشر من الشهر، فقبض عليه وقت الظهر وهو في مجلس ولايته، وضربت رقبته، ولف في حصير ورمي، فكانت ولايته عشرة أيام، وكان سبب ذلك إكرامه للقائد حسين بن جوهر وتعظيمه له وكثرة سؤاله الحاكم في معناه.\rوفوضت هذه الوظيفة في يوم الأحد رابع عشر الشهر لأبي الخير زرعة ابن عيسى بن نسطورس النصراني الكاتب، على عادة من تقدمه، ولم يخلع عليه إذ ذاك، ثم خلع عليه في سابع عشر شهر ربيع الآخر منها.\rوفي السادس والعشرين منه قرئ بجامع مصر سجل يتضمن النهي عن معارضة الحاكم فيما يفعله، وترك الخوض فيما لا يعني، وإعادة حي على خير العمل إلى الآذان، وإسقاط الصلاة خير من النوم، والنهي عن صلاة التراويح والضحى.\rوفي ثاني عشر شهر جمادى الآخرة دخل قائد القواد حسين بن جوهر، والقاضي عبد العزيز بن النعمان إلى القصر، وكان قد خلع عليهما في ثاني صفر، فلما أرادا الانصراف بعث إليهما زرعة بن نسطورس يقول إن الخليفة يريدكما لأمر يختاره، فجلسا حتى انصرف الناس، فقتلا وقتل معهما أبوعلي أخو الفضل بن صالح، ووقعت الحوطة على دارهم.\rوفي سنة إحدى وأربعمائة قامت دعوة الحاكم بالمدائن، وهي على نصف مرحلة من بغداد، وخطب له بمدينة الأنبار وقصر ابن هبيرة، من العراق بدخول مالك بن عقيل بن قراوش بن المقلد في طاعته وإظهار تشيعه، وذلك أيام الخليفة القادر العباسي ثم بلغ قراوش بن المقلد اختلال الحاكم وقتله أرباب الدولة وأن المانخوليا قد غلبت عليه ،فأعاد الخطبة العباسية.\rوفيها قام بدعوة الحاكم بمدينة الجامعين وهي الحلة وما جاورها من العراق الأمير علي بن مزيد الأسدي، وكان قد هزم خفاجة واستولى على بلادهم وخطب فيها للحاكم.\rوفي سنة اثنتين وأربعمائة تاب الحاكم ونهى عن شرب الخمر وعن كل ما يعمل منه، كالزبيب والعسل، ونفى المغاني، وحرم الملوخية، ومنع أن تقبل الأرض بين يديه، وأن تقبل يده، وأن يخاطب مولانا، واقتصر على قولهم السلام على أمير المؤمنين.\rوفي سنة ثلاث وأربعمائة قطعت كروم العنب بأسرها ورميت إلى الأرض ودرست بالبقر، وجمع ما كان من الخمر بالمخازن وأريق في البحر، وفيها كسرت جرار العسل؛ وأمر اليهود والنصارى بلبس العمائم السوداء إلا الحبابرة، ومنعوا أن يستخدموا المسلمين، وأن يركبوا مع المكاريه، وإذا دخل النصراني الحمام يكون الصليب في عنقه، واليهودي الجلجل، ثم أفرد بعد ذلك حمامات النصارى وحمامات اليهود، وأسلم جماعة من النصارى في شهر ربيع الأول.\rوفيها في شهر ربيع الآخر شدد الحاكم على النصارى واليهود في حمل الصلبان، وأن يكون الصليب في طول ذراع وزنته خمسة أرطال، فلما اضر ذلك بهم دخلوا في دين الإسلام.\rوفيها في شهر رمضان أمر الحاكم ببناء مصلى العيد بسفح المقطم وأحسن بناءه، وكان قبل ذلك ضيقاً صغيراً، فهدمه الحاكم وبناه على ما هو عليه الآن.\rهدم كنائس الديار المصرية","part":7,"page":463},{"id":3474,"text":"وفي العشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة أمر الحاكم بهدم جميع الكنائس بالديار المصرية فسأل جماعة من النصارى أن يتولوا هدم كنائسهم بأيديهم وأن يبنوا مساجد؛ فوهب الحاكم جميع الكنائس بجميع ما فيها من أواني الذهب والفضة وغيرها من الحواصل والمآكل ومالها من رباع وأملاك لجماعة الصقالبة والفراشين والسعدية، ولم يرد من سأله شيئاً منها، وكوتب كل متصرف في عمل من الأعمال بهدم ما في علمه من الكنائس، فهدمت من جميع أعمال الديار المصرية.\rوفي ثالث شعر رجب منها قرئ سجل بتحبيس ضياع ومواضع على الفقراء والفقهاء والمؤذنين بالجوامع.\rوفي رابع عشر جمادى الآخرة منها أمر الحاكم بعمل رصد بالقرافة، فنزل القاضي مالك بن سعد واشرف على الرصد وابتدأ بعمله ولم يتم.\rالبيعة بولاية العهد لأبي القاسم عبد الرحيم\rوفي ثالث شهر ربيع الأول، سنة أربع وأربعمائة عهد الحاكم بولاية العهد بعده لابن عمه أبي القاسم عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي فبويع بولاية العهد، وكتب اسمه على السكة، ودعي له في المنابر، وفيها منع الحاكم النساء من الخروج مطلقاً لا ليلاً ولا نهاراً، ومن دخول الحمامات، وطلوع الأسطحة، ومنع الأساكفة من عمل الخفاف لهن، وشدد في ذلك، فشكى إليه التجار من ذلك، فأمرهم أن يحملوا ما يبيعونه في الأسواق ويطوفوا به في الدروب ويبيعوا النساء، وأن يكون للمرأة شيء مثل المغرفة بساعد طويل تتناول ما تبتاعه من الرجل، ثم أمر بإطلاق العجائز والإماء في يوم الخميس تاسع شهر رمضان منها، فخرج بعض النساء إلى القصر داعيات للحاكم، فعلم بهن فأعاد المنع والتشدد في يومه، ولم يسمح إلا للنساء المتظلمات للشرع، والخارجات للحج، والإماء للبيع، والأرامل، وغواسل الأموات، والأرامل اللواتي يبعن الغزل.\rإحراق مصر وقتال أهلها\rكان سبب ذلك أن الحاكم ركب في ذي القعدة سنة عشر وأربعمائة، فوجد امرأة متردية عممت من قراطيس، وفي يديها ورقة فيها سب للحاكم وأسلافه وذكره بقبيح الأفعال، فلما وقف عليها أمر بنهب مصر وحرق بعض دورها، وفرق السلاح على السودان والعبيد، فتبادورا على إليها وفعلوا ما أمرهم به، فقام أهلها وقاتلوا قتالاً شديداً ثلاثة أيام، ثم أرسلوا إلى الحاكم يستقيلون فلم يقلهم، فعادوا القتال، وأحرق من مصر جانب جيد، فلما رأى الحاكم أن الأمر يؤول إلى التلاف كف عنهم بعد أن تلف من العقار ما تحصى قيمته، وسير عياداً الصقلبي إليها في جماعة من الجند لتسكين الفتنة، فشاهد أمراً عظيماً، فعاد إلى الحاكم وذكر له قبح النازلة وعظيم الفادحة وقال: لو أن بسيل ملك الروم دخل مر لما استحسن أن يفعل فيها هذا الفعل، فغضب الحاكم من كلامه وأمر بقتله، فقتل.\rوفي سنة عشر وأربعمائة أمر الحاكم وولي العهد، عبد الرحمن بن إلياس بالخروج إلى دمشق والياً عليها، ثم عزله في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وأربعمائة.\rوفي شهر رجب 58 منها اشتد غضب الحاكم على أهل مصر فأحرق الساحل، ووقع النهب في الأسواق والقياسر.\rوسنذكر إن شاء الله السبب الذي أوجب خروج الحاكم على أهل مصر إلى أن فعل بهم ما فعل.\rغيبة الحاكم بأمر الله\rوعدمه والسبب الذي نقل في إعدامه، وشيء من أخباره وسيرته غير ما تقدم قال المؤرخ: لما كان في آخر ليلة الاثنين السابع العشرين من شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ركب الحاكم حماره وخرج على جاري عادته، فأصبح عند قبر الفقاعي بقرافة مصر ورد من كان معه، ففقد من ذلك الوقت، ولم يزل الناس يخرجون ويلتمسون رجوعه إلى يوم الخميس سلخ الشهر، ثم خرج مظفر حامل المظلة في يوم الأحد الثالث من ذي القعدة ومعه جماعة من الأمراء والكتاميين إلى حلوان، وأمعنوا بالكشف، فبينما هم كذلك إذ بصروا بالحمار الذي كان الحاكم قد خرج عليه وهو على قرنة الجبل، وقد ضربت يداه بالسيف فأثر فيهما، فتتبع الأثر فإذا أثر الحاكم وأثر آخر خلفه وآخر أمامه، فقصوه حتى انتهوا إلى بركة القصب شرقي حلوان، فأنزلوا رجلاً من الرجالة فوجد ثياب الحاكم في البركة، وهي سبع جباب مزررة لم بحل أزرارها، وفيها أثر السكاكين فعادوا إلى القصر ولم يشكوا بقتله.","part":7,"page":464},{"id":3475,"text":"وأما السبب الذي نقل في إعدامه فقالوا: أن السبب في ذلك أن ست لملك أخت الحاكم وقع بينها وبينه، فتنكر لها وهم بقتلها، وكرهت بعض أموراً صدرت منه منها أنه رأى بعض قهارمتها داخلة إلى القصر، فقال لها: قد سمعت أنكم تجمعون الجموع وتدخل إليكم الرجال، والله لأقتلنكم أجمعين. وتكرر هذا القول منه فأعملت ست الملك الحيلة في إعدامه، وخرجت ليلاً إلى دار الأمير سيف الدين حسن بن دواس، فدخلت عليه واختلت به وعرفته بنفسها أنها ابنة العزيز أخت الحاكم، فعظمها، وبالغ في إكرامها، فقالت له: إنك قد علمت ما فعل أخي وما صدر منه من سفك الدماء وقتل الأولياء ووجوه الدولة بغير سبب، وقد عزم على قتلك وقتلي. فقال لها: فكيف الحيلة في أمره، فأشارت: أن تجهز إليه رجالاً يقتلونه إذا خرج إلى حلوان فإنه ينفرد بنفسه هناك، ووعدته أن يكون هو المدبر لدولة ولده والوزير لها، فاتفقا على ذلك وتحالفا عليه، ورجعت هي إلى قصرها.\rفلما ركب الحاكم وانفرد عند وصوله المقطم على عادته، كان ابن دواس قد احضر عشرة من العبيد، وأعطى كل واحد منهم خمسمائة دينار، وحلفهم، وعرفهم كيف يقتلونه، فسبقوه إلى الجبل في تلك الليلة؛ فلما انفرد خرجوا إليه وقتلوه بالمكان الذي ذكرناه، وخرج الموكب لتلقيه على العادة، فطال انتظارهم له فلم يرجع، فعادوا؛ ثم خرجوا ثانياً وقصوا الأثر، فوجد حماره وثيابه، كما ذكرناه، فعادوا إلى القصر وطلبوه من أخته ست الملك وقالوا إن مولانا ما جرت عادته بهذا، فقالت لهم: إن رقعته قد وصلت إلينا أنه يأتي بكرة الغد، فتفرقوا. فبعثت الأموال إلى وجوه الدولة والقواد على يد ابن دواس، وبقي الأمر مستمراً والحال متماسكاً إلى عاشر ذي الحجة من السنة، فجرى بين العساكر وبين ست الملك كلام كثير أوجب أنها أخرجت إليهم ولده أبا الحسن علياً في يوم الأضحى فبايعه الناس، على ما نذكر إن شاء الله تعالى في أخباره، هذا ما حكي في سبب إعدامه.\rوأما سيرته وأفعاله وأخباره فقد قدمنا منها على حكم السنين ما قدمناه، فلنذكر خلاق ذلك.\rقال المؤرخ: كان الحاكم سيئ الاعتقاد، كثير التنقل من حال إلى حال. كان في ابتداء أمره يلبس الثياب الفاخرة والمذهبة، والعمائم المنظومة بالجوهر النفيس، ويركب السروج المحلاة، ثم ترك ذلك على تدريج أن يتنقل منه إلى لباس المعلم غير المذهب، ثم لباس الساذج، ثم زاد به الأمر حتى لبس الصوف والشواشي وركب الحمير، وأظهر الزهد، وكثر استطلاعه على أخبار الناس، فلم يخف عليه خبر رجل ولا امرأة من حواشيه ورعيته وكان يأخذ بيسير الذنوب، ولا يملك نفسه عند الغضب، أفنى خلقاً كثيراً، وأقام هيبة عظيمة، وكان مع طغيانه المستمر وفتكه، وسفكه للدماء، وظلمه، يركب وحده تارة وفي الموكب أخرى، وفي المدينة طوراً وفي البرية آونة، والناس كافة على غاية الهيبة له والخوف منه، وهو بينهم كالأسد الضاري.\rثم عن له أن يدعي الإلهية، ويصرح بالحلول والتناسخ، ويحمل الناس عليه، وألزم الناس أن يسجدوا له مدة إذا ذكر، فلم يذكر في محفل أو غيره إلا سجد من سمع بذكره، وقبل الأرض إجلالاً له 59 ثم لم يرضه ذلك.\rفلما كان في شهر رجب سنة تسع وأربعمائة ظهر رجل يقال له حسن ابن حيدرة الفرغاني الأخرم يرى حلول الإله في الحاكم ويدعو إلى ذلك، ويتكلم في إبطال النبوة، ويتأول جميع ما وردت به الشريعة، فاستدعاه الحاكم وقد كثر تبعه ،وخلع عليه خلعاً سنية، وحمله على فرس بسرجه ولجامه، وركبه في موكبه وذلك في ثاني شهر رمضان منها.","part":7,"page":465},{"id":3476,"text":"فبينما هو يسير في الموكب في بعض الأيام تقدم إليه رجل من الكرخ وهو على جسر طريق المقس فألقاه عن فرسه، ووالى الضرب عليه حتى قتله وارتج الموكب، وأمسك الكرخي فأمر الحاكم بقتله، فقتل لوقته، ونهب الناس دار الأخرم في القاهرة. وكان بين الخلع عليه وقتله ثمانية أيام، ثم ظهر رجل من دعاته في سنة عشر وأربعمائة يقال له حمزة اللباد، أعجمي من الزوزن ، ولازم الجلوس في المسجد الذي عند سقاية ريدان خارج باب النصر، وأظهر الدعاء إلى عبادة الحاكم وأن الإله حل فيه، واجتمع الناس إليه جماعة من غلاة الإسماعيلية، وتلقب بهادي المستجيبين. وكان الحاكم إذا ركب إلى تلك الجهة خرج إليه من المسجد وانفرد به وحادثه، وتمادى على ذلك فارتفع شأنه؛ وأتخذ لنفسه خواص لقبهم بألقاب، منهم رجل لقبه بسفير القدرة وجعله رسولاً له، وكان يرسله لأخذ البيعة على الرؤساء على اعتقاده في الحاكم، فلم يمكنهم مخالفته خوفاً على نفوسهم من بطشه.\rثم نبع شاب من مولدي الأتراك اسمه أنوشتكين النجاري، ويعرف بالدرزي، فسلك طريق الزوزني وكثرت أتباعه، وكان الحاكم أيضاَ يقف معه ويخلو به؛ وسمى نفسه سند الهادي وحياة المستجيبين. واستمر الأمر على ذلك إلى الثاني عشر من صفر، سنة إحدى عشرة وأربعمائة، فاجتمع جماعة من أصحاب حمزة الزوزني على خيول وبغال، ودخلوا الجامع العتيق ركباناً وهم يعلنون بمذهبهم، وجاء ثلاثة منهم إلى الموضع الذي يجلس فيه قاضي القضاة، والمتحاكمون جلوس ينتظرونه، فتكلموا بكلام أنكره الناس وضجوا بالتكبير والتهليل والثناء على الله عز وجل، واجتمع أهل مصر بالجامع من كل جهة، ومضى بعض الناس للقاء القاضي فلقوه وعرفوه ما جرى، فجاء إلى المجلس، فتقدم إليه أحد الثلاثة فناوله رقعة الزوزني في أولها بسم الحاكم الله الرحمن الرحيم يأمره فيها بالاعتراف بإلهية الحاكم، فلم يجبه القاضي بشيء سوى أن قال حتى أدخل إلى حضرة مولانا فطاوله الكلام، فقتله العوام وقتلوا رفيقيه والجماعة الذين بالجامع أبرح قتل، ووثب العوام على قوم كانوا يعرفونهم بهذا المعتقد فقتلوا من وجدوه منهم وحرقوه.\rفلما اتصل ذلك بالحاكم أمر بعزل صاحب الشرط وولى غيرهم، وأمرهم بطلب من اعتدى على أصحاب الزوزني، فقبضوا على جماعة منهم يناهزون الأربعين، فقتلوا في أوقات متعددة. واجتمع الأتراك وقصدوا دار الزوزني فغلقها عليه وعلى من عنده، وقاتلهم من أعلاها، فهدموا ونهبوا ما فيها، وقتلوا نحو من الأربعين رجلاً ممن كان معه فيها، وفر الزوزني فلم يقدر عليه، ودخل إلى القصر، فأخفاه الحاكم فيه، فاجتمع الأتراك ولبسوا سلاحهم وطلبوه من الحاكم، فوعدهم بتسليمه لهم، فانصرفوا، ثم ركبوا في اليوم الثاني وطلبوه منه، فخرج جوابه لهم أنه قتل، فرجعوا إلى ريدان في طلب الزوزني فلم يجدوه، وأظهر الحاكم الغضب على كافة الجند طول شهر ربيع الأول، ثم رضي عنهم في الرابع من شعر ربيع الآخر.\rوتحقق الحاكم أن أول من جرأ عليه العسكر وحملهم على قتل دعاته أهل مصر، فأمهلهم حتى دخل جمادى الآخر، ثم ابتدأ في التدبير عليهم.\rفأول ما عمل أن سلط عليهم الرجالة ومقدمي السودان وغيرهم، وقرر معهم أن ينزلوا إلى مصر على هيئة المناسر، فيكسبون الحمامات ومنازل أهل مصر، فكانوا يفعلون ذلك نهاراً. وتكرر ذلك منهم، فاجتمع الناس ووقفوا للحاكم وسألوه أين يكف عنهم أيديهم، فما أجابهم بجواب فتزايد بهم الضرر إلى أن بقيت الرجالة تكبس مساكنهم ويأخذون ما فيها، ويعرونهم في الطرقات، ويفتحون دكاكين البزازين وغيرهم، وينهبون ما فيها ويحرقون أبوابها بعد ذلك، والناس يستغيثون فلا يغاثون، ثم نزل بعد ذلك جمع كثير من بعد أن غلقت الدروب، وكانت بقيت تغلق من النحاسين والأبزاريين والسكريين ودار الشمع، وغير ذلك مما تقرب من هذه الأسواق، وأخذوا ما أرادوا منها، وأفسدوا بقية ما فيها، فكانوا يخلطون العقاقير والأصناف بعضها ببعض، والمياه المختلفة بالزيت، ويفسدون ما لا يمكنهم حمله، وطرحوا النار في أبواب القياسر المجاورة للجامع بعد ذلك، فأخذ الناس في الانتقال إلى القاهرة، وضجوا بالابتهال إلى الله تعالى في كشف ما بهم من البلاء.","part":7,"page":466},{"id":3477,"text":"قال: وكان الحاكم قبل ذلك قد ضيق على النصارى واليهود كما 60 قدمناه، وأمرهم بالتظاهر بالإسلام، فأسلم بعضهم وهرب بعضهم إلى بلاد الروم، وهدم جميع الكنائس، فلما كان في شهر جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وأربعمائة، أذن لهم بالرجوع إلى دينهم، فارتدوا، وأذن لهم ببناء الكنائس فأعادوها، فاشتد غضب العسكر وحنقهم، فاجتمع الأتراك والكتاميون وتحالفوا على قتل الرجالة الذين فعلوا بالمصريين ما فعلوا، فوقع اقتتال بينهم، فقتل الرجالة أبرح قتل، ورأى أهل مصر فيهم وفي حرمهم ومنازلهم ما أسلاهم، عما جرى عليهم.\rوتمادى الحال على ذلك والحرب قائمة بينهما، والحاكم على حاله في ركوبه وهيبته، فإذا بلغه ركوبهم للحرب تركهم تارة وجاء أخرى، فإذا رأوه تفرقوا لهيبته. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن فقد الحاكم في التاريخ الذي ذكرناه.\rمولد الحاكم ومدة عمره وملكه وأولاده وكتابه ووسائطه وقضاته ونقش خاتمه\rكان مولده بالقاهرة في يوم الخميس لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمسين وسبعين وثلاثمائة، فكانت مدة عمره ستاً وثلاثين سنة وستة أشهر ويومين، ومدة ولايته خمساً وعشرين سنة وشهر واحداً إلا ثلاثة أيام إلى يوم ركوبه الذي عدم فيه.\rأولاده: أبو الحسن علي، وهو الظاهر أبو الأشبال الحارث، مات في حياته لعشر بقين من ربيع الآخر سنة أربعمائة كتابه ووسائطه: أمين الدولة أبو محمد الحسن بن عمار، ثم الأستاذ برجوان الخصي إلى أن قتل، ثم استقل الحاكم بالأمر وولي من ذكرناهم وغيرهم. وكتب له أبو العلاء فهد بن إبراهيم النصراني.\rقضاته: أبو عبيد الله محمد بن النعمان إلى أن توفي في سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، وأقام الناس بغير قاض تسعة عشر يوماً؛ ثم ولي أبا عبد الله الحسن ابن علي بن النعمان إلى أن صرفه في شهر رمضان سنة أربع وتسعين؛ وولي أبا القاسم عبد العزيز ين محمد بن النعمان ثم صرفه، في شهر رجب سنة ثمان وتسعين، وولي مالك، بن سعيد إلى أن قتله في سنة خمس وأربعمائة، لأربع بقين من شهر ربيع الآخر، وأقام الناس بغير قاض إلى أن ولي أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي العوام في يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادي الآخرة منها إلى آخر وقت.\rنقش خاتمه: بنصر العلي الولي ينتصر الإمام أبوعلي.\rبيعة الظاهر لإعزاز دين الله\rهو أبو هاشم، وقيل أبو الحسن، علي بن الحاكم، وهو السابع من ملوك الدولة العبيدية، بويع له بعد أن تحقق الناس عدم الحاكم بأمر الله في يوم الأضحى من سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وأقام الناس منذ فقد الحاكم في سابع عشر شوال منها إلى هذا التاريخ بغير خليفة، وست الملك، ابنة العزيز وأخت الحاكم، تدبر أمور الدولة، وتسكن الجيوش، وتفرق الأموال على يد الأمير سيف بن دواس، ثم جرى بينها وبين العساكر كلام كثير أوجب أنها أخرجت إليهم أبا هاشم هذا وقت الظهر من يوم الأضحى، فبايعه الناس وازدحموا عليه، فركب تحت الأرض في السرداب إلى قصر الذهب، وخرج من بابه إلى العيد، فأجلسته وقالت: هذا خليفتكم، فلما رآه ابن دواس قبل الأرض وسلم عليه بالخلافة، فبايعه الأمراء والأجناد، ولقب الظاهر لإعزاز دين الله.\rوكتبت الكتب لسائر الأعمال بأخذ البيعة، وجمعت ست الملك الأجناد وأحسنت إليهم، ورتبت الأمور أحسن ترتيب، وعدلت عن ولي العهد إلياس بن داود بن المهدي وجئ وبايع والسيف على رأسه، وحبس، وكان آخر العهد به، وكان يشار إلى الخلافة إلى عبد الرحيم بن إلياس ابن أحمد بن المهدي، فأدخل عليه الشهود وهو يتشحط في دمه فأشهدهم أنه فعل ذلك بنفسه. ثم قضى نحبه وقام ابن دواس بتدبير أمور الدولة هو العزيز عمار بن محمد، وكانا لا يصدران إلا عن رأي ست الملك عمة الظاهر.\rمقتل الحسين بن دواس\rقال: لما استقر أمر الظاهر لإعزاز دين الله وسكنت الأحوال خرج من القصر خصي وبيده سيف مجرد، واستدعى وجوه الدولة، والوزير في دسته والحسين بن دواس إلى جانبه. فقال الخصي أمر مولانا أن يقتل بهذا السيف قاتل مولانا الحاكم، فنادوا بالسمع والطاعة فصبه على ابن دواس فقتله، ولم يختلف اثنان.\rوقيل إنه لما قتل في شهر رجب سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، والله أعلم وباشرت السيدة ست الملك للأمور بنفسها وقامت هيبتها عند الناس.","part":7,"page":467},{"id":3478,"text":"وفي ثالث عشر ذي الحجة من السنة، في اليوم الرابع من بيعة الظاهر، قرئ لأصحاب الأخبار أنهم لا يعرفون مالا فائدة فيه مما كان ينهى إلى الحاكم.\rوفي يوم الاثنين سابع يوم الحجة منها ركب القاضي عبد العزيز بن النعمان ومعه جماعة توجهوا نحو الجبل لافتقاد الحاكم وعادوا.\rوفي يوم الخميس لعشرين منه أقيمت المآتم في القصر وسمع الصراخ واتصل بالليل، وأصبح الناس على وجل، وأغلقت أبواب القاهرة.\rوفي المحرم سنة اثنتي عشرة وأربعمائة سومح بمكس الفقاع، وكان مبلغه في الشهر سبعمائة دينار.\rوفي حادي عشر ذي القعدة، سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، توفيت ست الملك ابنة العزيز؛ وكان مولدها في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ببلاد المغرب، وكانت من الدهاة.\rوفي سنة أربع عشرة وأربعمائة ظهر ببلاد الفيوم بركة ينصب إليها الماء، فاستخرج منها سمك بلطي، ومقدارها أربعة آلاف فدان.\rوفي شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وأربعمائة ورد الخبر بإقامة الدعوة الظاهرية بالموصل والبصرة والكوفة وأعمال المشرق.\rوفيها وردت الأخبار أن سنان بن صمصام الدولة وصالح بن مرداس جمعا العساكر وحشدا العربان لحصار دمشق، وأنهم حاصروها وقطعوا أشجارها وقتلوا فلاحي الضياع وتقرر الحال أن يقاتل العوام يوماً وعسكر السلطان يوماً؛ واتصلت الحرب بينهم وقتل جمع عظيم، وحاصر صالح بن مرداس حلب؛ واضطربت أحوال الشام بأسره، وتغلبت الحرب عليه، وطلب سنان من أهل دمشق ثلاثين ألف دينار ويرتحل عنهم، فأجابه أهل البلد لذلك، فمنعهم الشريف ابن الحسن وأشار بنفقتها في عياري البلد، فأنفقوها وقاتلوا قتالاً شديداً، فقتل من العرب جمع كثير. وطلب العرب الصلح فأجيبوا إليه، ثم عادوا إليها في الوقت برأي ابن الجراح.\rووصل الخبر من جهة بني قرة، عرب البحيرة، أنهم أقاموا عليهم إنساناً ببرقة ولقبوه بأمير المؤمنين.\rوفي الحادي والعشرين من ذي الحجة سنة خمس عشرة وأربعمائة اجتمع من العبيد ألف عبد عند سفح المقطم وقصدوا نهب مصر، فأركب الظاهر لإعزاز دين الله من حفظها، وأمر أهل مصر بقتل من ظفروا به منهم، ونهبوا في اليوم الثاني أطراف مصر، فقاتلهم الناس فانهزموا.\rوفي سنة سبع عشرة وأربعمائة جرد الظاهر أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري من مصر بعساكر كثيرة لدفع العرب عن الشام، وخرج الظاهر لتوديعه. وسار في سبعة آلاف فارس غير العرب، وعيد عيد الأضحى بالرملة، وجمع العساكر، فلما بلغ حسان بن مفرج خروجه بعث إلى صالح بن مرداس فأتاه من حلب في بني كلاب، ووقعت الحرب بينهم بالأقحوانية من عمل طبرية يوم الأربعاء لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة عشرين وأربعمائة. فطعن صالح بن مرداس، فسقط عن فرسه، فقتل، فحمل رأسه إلى أمير الجيوش. فعندها انهزم حسان، وقتل من أصحابهم مقتلة عظيمة، وهرب أصحاب صالح إلى بعلبك وحمص وصيداً وحصن عكار. واستولى نصر بن صالح وأخوه ثمال على حلب وأعمالها وبالس ومنبج وسار الدزبري حتى أتى دمشق، ثم إلى حلبن فظفر بشبل الدولة نصر بن صالح فقتله، ثم عاد إلى دمشق فأقام بها وعلت منزلته.\rوفاة الظاهر لإعزاز دين الله على ابن الحاكم بأمر الله وشيء من أخباره\rكانت وفاته في ليلة الأحد النصف من شعبان المكرم من شهور سنة سبع وعشرين وأربعمائة ببستان الدكة بالمقس، فركب الوزير صفي الدين أبو القاسم علي الجرجرائي إلى البستان، وحمل الظاهر منه إلى القصر.\rوكان مولد الظاهر في يوم الأربعاء لعشر خلون من شهر رمضان المعظم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. وكانت مدة عمره إحدى وثلاثين سنة وأحد عشراً شهراً وخمسة أيام، ومدة ملكه خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام، وكان أجمل الناس صورة. وتولى غسله قاضي القضاة عبد الحكيم، ومعه ظاهر عبد الخالق بن أحمد المهدي شيخ القرافة، وصلى عليه قاضي القضاة وأخذه سبله، قال واستمرت النوائح تنحن عليه مدة شهر.\rوكان كريماً مشتغلاً 62 بملذاته معولاً على وزيره.\rولده أبو تميم معد المستنصر بالله، وهو الذي ولي الأمر من بعده على ما نذكره.","part":7,"page":468},{"id":3479,"text":"وزراءه ووسائطه: أبو الحسين عمار بن محمد، أحد وسائط أبيه الحاكم بأمر الله، إلى أن زال أمره في ذي القعدة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، ثم قتل؛ وتولى الوساطة أبو الفتوح موسى بن الحسن، وذلك في المحرم سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، إلى أن قبض عليه في العشرين من شوال وقيل صبيحته؛ وتولى الوزارة عميد الدولة أبو محمد الحسن بن صالح الروزباري، أحد وسائط الحاكم بأمر الله، ثم عزل في سنة ثماني عشرة وأربعمائة بالوزير القاسم علي بن أحمد الجرجرائي إلى آخر المدة، ولقب بالوزير الأجل والأوحد صفي الدين؛ وكان أقطع اليدين، وتمكن من الظاهر تمكناً عظيماً، حكى من تمكنه أنه كان بينه وبين خليل الدولة بن العداس عدواه، فاتفق أن خليل الدولة سأل الظاهر لإعزاز دين الله أن يشرفه بزيارته ببركة الحبش فأجابه الظاهر إلى ذلك وحضر عنده، فاغتنم ابن العداس الفرصة وجعل يذكر للظاهر مثالب الوزير. فسد عليه الظاهر مسامعه وقال لابن العداس: أني وإن رعيت حق تشريفي إياك بزيارتي فما أترك حق من أرتضيه لوزارتي، ولا بد أذكر له طرفاً من ذلك، فاذكر خيراً لأحكيه له. فرجع عن ذكر مثالبه وأثنى عليه، فذكر الظاهر للوزير عنه خيراً، فكان ذلك سبب الصلح بينهما، وسنذكر إن شاء الله تعالى أخبار الوزير الجرجرائي مستوفاة عند ذكر وفاته في سنة ست وثلاثين في أخبار المستنصر.\rبيعة المستنصر بالله\rهو أبو تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله أبي هاشم علي، بن الحاكم بأمر الله أبي علي المنصور، بن العزيز بالله أبي المنصور نزار، بن المعز لدين الله أبي تميم معد، بن المنصور بنصر الله أبي طاهر إسماعيل، بن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد، بن المهدي عبيد الله.\rوهو الثامن من ملوك الدولة العبيدية وهو الخامس من ملوك مصر والشام منهم.\rبويع له صبيحة يوم الأربعاء لاثني عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وذلك أن الوزير الجرجرائي أحضر وجوه القبائل من الكتاميين، وغيرهم من الأتراك، فلما اجتمعوا قال لهم: مولانا ضعيف والآجال بيد الله سبحانه، فإن قضي الله بانتقاله ما تقولون في ولده الأمير معد؟ قالوا: الذي يقوله الوزير نحن راضون به، وله سامعون. فلما رتب هذا الأمر استدعى الوزير، فنهض قائماً ودخل إلى قاعة من قاعات القصر، ثم أحضر الجماعة، فوجدوا الأمير معد على سرير الملك وعليه التاج، فقال: هذا مولاكم، سلموا عليه بالخلافة، فسلموا عليه وانصرفوا، ولقب بالمستنصر بالله، وكان عمره إذ ذاك سبع سنين.\rفلما كان في صبيحة يوم مبايعته، وهو يوم الخميس، وقف الكتاميون وعبيد الشراء وغيرهم بباب القصر، وأغلظوا في الكلام وطلبوا أرزاقهم واستحقاقهم من الوزير، فقال: أنا كنت وزير الظاهر لإعزاز دين الله وقد توفي، وأنا أحمل إليكم جميع ما في داري، وأصبح حمل جميع ما في داره إلى القصر، فغضب الأتراك له، وأعادوا ما أحضره إلى مكانه. وتقرر اجتماعه يوم السبت، فاجتمع الأتراك والديلم وعليهم السلاح، وجاء الكتاميون، فلما اجتمعوا بباب القصر خرج إليهم أحد الخدم وقال: ليدخل من كل طائفة عشرة أنفس، فدخل جماعة، فقال لهم الوزير: مولانا يقرئكم السلام ويقول لكم: إذا كان مستهل شهر رمضان أمر بالنفقة فيكم، فانصرفوا، وجلس قاضي القضاة عبد الحاكم يحلف الناس للمستنصر بالله، فلما استهل شهر رمضان انفق في الأشراف والكتاميين والعرب والديلم وغيرهم لكل واحد منهم ثلث رزقه، فلم يرضوا بذلك.\rودامت النفقة إلى العشر الأوسط من شوال فتحالف الكتاميون والأتراك أن يكونوا عصبة واحدة في طلب واجباتهم. واجتمعوا بباب القصر، فخرج إليهم الأمير أن احضروا بكرة الغد، فحضروا، وركب المستنصر إلى أن بلغ باب البحر، فرموه بالحجارة وصاحوا عليه، ورماه أحد العبيد بحربة فلم يصبه، فرمى بنفسه عن دابته ودخل باب البحر إلى القصر، وانصرف الناس، وعادوا بكرة نهار الغد، فدخل من كل طائفة مائة نفر، ووقع كلام كثير، وتقرر في آخر الأمر أن يحضروا 63 البغاة منهم، وخرجوا على مثل ذلك، ثم عادوا بعد ذلك وتنصلوا من ذنوبهم. وسكن الوزير جميع الطوائف، واختلف بنو قرة مع كتامة بالجيزة، فأخرج الوزير عسكراً فأصلح بينهم واستقرت الأمور.","part":7,"page":469},{"id":3480,"text":"وركب المستنصر في مستهل المحرم سنة ثمان وعشرين وأربعمائة من باب العيد إلى باب الذهب؛ ومشى الناس كافة بين يديه والوزير راكب خلفه، ودخل الوزير إلى مكانه، فدخل عليه جماعة من الأتراك الصغار وطلبوا أرزاقهم وأغلظوا له في القول، وقصدوا قتله؛ فدخل بعض الأمراء الكبار فخلصه منهم.\rعود حلب إلى ملك ملك الديار المصرية\rوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة ملكت حلب على يد أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري أمير الشام، وذلك بعد أن التقى هو ونصر بن صالح بن مرداس، صاحب حلب، يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى الآخرة فانهزم عسكر ابن صالح. ثم كانت وقعة ثانية فانهزم ثمال بن صالح وأخوه نصر، فبادر ثمال بدخول البلد، وأخذ من قلعة حلب أموالاً وتحفاً، واستخلف بها عمه مقلد بن كامل بن مرداس، وسار يستنجد بأخواله بني خفاجة، فثار العوام ونهبوا حلب. ووافى طغان، أحد الأمراء الذين مع أمير الجيوش، فدخل حلب بموافقة أهلها، ثم وصل أنوشتكين الدزبري إليها في يوم الثلاثاء لثمان خلون من شهر رمضان، وأقام بها إلى أخر السنة، ورجع إلى دمشق في تاسع عشري الحجة منها.\rالوحشة الواقعة بين أبي القاسم الجرجرائي وأمير الجيوش أنوشتكين الدزبري\rقال المؤرخ: كان ابتداء الوحشة بينهما في سنة ثلاثين وأربعمائة، وسبب ذلك أن شبيب بن وثاب النميري صاحب الجزيرة توفي، فقصد أمير الجيوش أنوشتكين أن يزوج ابنته لولد أحمد بن مروان ليكون له عوناً على بني نمير أصحاب الجزيرة، وكتب أمير الجيوش إلى مصر يستدعي ابنته، فلم يطلقها الوزير ولا رأى إتمام الزواج لانضمام ابن مروان إلى الدولة العباسية وتظاهره بموالاتها، وكتب لولاة الشام إلا يمتثلوا أمر أمير الجيوش. فوقعت الوحشة بينهما، وأطلق أمير الجيوش لسانه في الوزير، وسبه.\rودامت الوحشة إلى سنة ثلاث و ثلاثين وأربعمائة، فصرفه الوزير عن دمشق، واستعمل عليها ناصر الدولة الحسن بن الحسين بن حمدان، فلما علم بذلك أهل دمشق تنكروا على أميرهم، وحاصروه بقصره ظاهر دمشق، في سابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين، فهرب إلى حلب، وقاسى مشقة عظيمة في طريقه، ونهبت أمواله، فلما دخل حلب أقام بها ثلاثة أيام ومرض فتوفي يوم الأحد النصف من جمادى الأولى، ووصل سجل ثمال بن صالح بن مرداس بولاية حلب، وذلك قبل وفاة أنوشتكين أمير الجيوش.\rشبيه الحاكم بأمر الله وقتله\rوفي شهر رجب سنة أربع وثلاثين وأربعمائة ظهر بالقاهرة رجل يسمى سكين يشبه الحاكم وكان بمصر أقوام يعتقدون أن الحاكم حي وأنه غاب لرأي رآه، وهذه الطائفة باقية إلى وقتنا هذا، ويحلفون فيما بينهم فيقولون: وحق غيبة الحاكم، إلا أنهم لا يتظاهرون بذلك لكل واحد. قال: فلما كان في هذه السنة ظهر هذا الرجل، فاجتمع عليه القائلون بغيبة الحاكم وزفوه إلى القصر، وأدخلوه إياه، وقد دهش الناس، فأدى الأمر إلى أن حاربهم أولياء الدولة، وركب الوزير، فأخذوا جميعاً وصلبوا أحياء ورشقوا بالسهام حتى هلكوا.\rوفاة الوزير صفي الدين أبي القاسم أحمد بن علي الجرجرائي وشيء من أخباره\rكانت وفاته لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست وثلاثين وأربعمائة، 64 وأوصى أن يدفن في داره في المكان الذي كان يجلس فيه، فأخرج وصلى المستنصر عليه في الإيوان، وأعيد إلى داره فدفن بها، ثم نقل إلى تربته في القرافة.\rوكانت وزارته سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وثمانية عشر يوماً وهذه النسبة إلى جرجرايا، قرية من قرى العراق.\rقدم إلى مصر هو وأخوه أبو عبد الله محمد، فتنقلت به الحال إلى أن خدم في الصعيد، فكثرت المرافعات في أيام الحاكم، فاعتقله في شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعمائة، ثم أمر بقطع يده، فأخرج اليسار عوضاً عن اليمين، فقطعت، فقيل للحاكم فقال: إنما أنا أمرت بقطع يمينه؛ وأمر بقطع اليمين، فقطعت على باب القصر المعروف بباب البحر، وهو الباب الذي مقابل دار الحديث الكاملية في وقتنا هذا. وكان قطعهما في ثامن عشر شهر ربيع الآخر منها.","part":7,"page":470},{"id":3481,"text":"قال: ولما قطع الحاكم يديه مضى من وقته وجلس في ديوانه، فقيل له في ذلك، فقال: إن أمير المؤمنين أدبني وما صرفني. فبلغ الحاكم ذلك، فأمر باستمراره، ثم صرفه وولاه ديوان النفقات في سنة ست وأربعمائة، ثم رتب أن يكون واسطة في نظر الدواوين مع أبي عبيد الله محمد بن العداس، في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، ثم وزر للظاهر لإعزاز دين الله في سنة ثماني عشرة وأربعمائة، فاستكتب أبا الفرج البابلي وأبا علي الرئيس. وكان القاضي أبو عبد الله القضاعي صاحب كتاب الشهاب يكتب عنه العلامة وهي الحمد لله شكراً لنعمه، وكانت أيامه تسمى الأعراس لطيبها، وضبط الأمور أحسن ضبط واستعمل الأمانة التامة، وتمكن في الدولة الظاهرية، على ما قدمناه.\rقال: وهجاه جماعة من الشعراء. فمن ذلك قول أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجلبي المعروف بالفكيك ويعرف بجاسوس الفلك:\rيا جرجرائي اتئد ... وارفق ودع عنك التحامق\rأزعمت أنك الثقا ... ة فهبك فيما قلت صادق\rأعلى الأمانة والتقى ... قطعت يداك من المرافق!\rقال: ولما مات أوصى أن تفوض الوزارة بعده لأبي نصر صدقة بن أبي الفضل يوسف ابن علي الفلاحي، فخلع عليه خلع الوزارة، وكان يهودياً، ولقب بالوزير الأجل تاج الرئاسة فخر الملك مصطفى أمير المؤمنين، ثم أسلم بعد الوزارة.\rمقتل أبي سعيد التستري\rوعزل الوزير وقتله ووزارة ابن الجرجرائي وفي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة قتل أبو سعيد التستري اليهودي، وكان يتولى ديوان والدة المستنصر. وذلك أنها كانت جاريته، فأخذها الظاهر منه واستولدها فولت المستنصر بالله. فلما أفضت الخلافة إلى ولدها فوضت إليه أمر ديوانها، فعظم أمره وانبسطت كلمته بعد وفاة الجرجرائي الوزير حتى لم يبق للوزير الفلاحي معه إلا اسم الوزارة، فدبر الفلاحي في قتله فقتل.\rوقيل بل كان السبب في قتله أن عزيز الدولة ريحان الخادم كان قد خرج في هذه السنة إلى بني قرة، عرب البحيرة، لما افسدوا في البلاد، فظفر بهم وقتل منهم، وعاد إلى القاهرة وقد عظم قدره وزاد إدلاله فثقل أمره على أبي سعيد.\rواستمال المغاربة وزاد في أرزاقهم ونقص من أرزاق الأتراك ومن ينضاف إليهم، فجرى بين الطائفتين حرب بباب زويلة.\rومرض إثر ذلك عزيز الدولة ومات فاتهم سعيد أنه سمه، فلما كان في يوم الأحد لثلاث خلون من جمادى الأولى ركب أبو سعيد من داره في موكب عظيم وتوجه إلى القصر على عادته، فاعترضه ثلاثة الغلمان الأتراك واختلطوا بالموكب وقتلوه، فاجتمعت الطوائف إلى المستنصر بالله وقالوا: نحن قتلناه، وقطع لحمه، فاشترى أهله ما وصلوا إليه من أعضائه، وأحرق ما بقي، وضم أهله ما اشتروه منه في تابوت وغطوه بستر، وأوقدوا أمام التابوت الشموع ووضعوه في بيت مفرد، وزروا البيت بالستور، فوصل لهب النار إلى بعض الستور فاحترق، وقويت النار فأحرقت التابوت بما فيه.\rقال: وكان التستري قد زاد أذاه في حق المسلمين حتى كانوا يحلفون: وحق النعمة على بني إسرائيل.\rولما قتل ولي مكانه في نظر ديوان والدة المستنصر بالله أبو محمد الحسن بن علي بن عبد الرحمن اليازوري.\rوحقدت والدة المستنصر بالله 65 على الوزير الفلاحي وتحققت أنه تسبب في قتله فقبضت عليه وصرفته عن الوزارة هذه السنة، واعتقلته بخزانة البنود، ثم قتل بعد ذلك أبو منصور صدقه ودفن في خزانة البنود، وذلك سنة أربعين وأربعمائة.\rووالد هذه الوزير هو أبو الفضل يوسف بن علي الذي هجاه الواساني بقصيدته المشهورة التي أولها:\rيا أهل جيرون هل لسامركم ... إذا استقلت كواكب الحمل\rوقد أوردنا أكثر هذه القصيدة في الباب الثاني من القسم الثالث من الفن الثاني.\rولما قبض عليه ولي الوزارة أبو البركات الحسين بن محمد بن أحمد الجرجرائي، ابن أخي الوزير صفي الدين.\rوفي سنة أربعين وأربعمائة صرف ناصر الدولة الحسن بن حمدان عن ولاية دمشق وأحضر تحت الحوطة وولي مكانه القائد طارق، ثم أطلق ابن حمدان في سنة إحدى وأربعين.","part":7,"page":471},{"id":3482,"text":"وفي سنة إحدى وأربعين صرف أبو البركات الحسين بن الجرجرائي عن الوزارة ونفي إلى صور واعتقل بها، ثم أطلق، فسار إلى دمشق. ونظر في الدواوين بعده عميد الدولة أبو الفضل صاعد بن مسعود. ثم فوضت الوزارة لأبي محمد بن علي بن عبد الرحمن اليازوري.\rوفي سنة ثلاث وأربعين أظهر المعز بن باديس الصنهاجي، صاحب إفريقية، الخلاف على المستنصر بالله، وقد ذكرنا سبب ذلك في أخبار ملوك إفريقية، وكتب المعز إلى بغداد، فأجيب عن رسالته على لسان رسول من بغداد، يعرف بأبي غالب الشيرازي، وسير إليه صحبته عهداً بالولاية ولواء أسود وخلعه فاجتاز أبو غالب ببلاد الروم فقبض عليه صاحب القسطنطينية وبعثه إلى المستنصر بالله، فقدم الرسول إلى مصر وهو مجرس على جمل، وحفر بين القصرين حفرة، وحرق فيها العهد والخلع واللواء.\rوفيها في ذي القعدة عصى بنو قرة، عرب البحيرة، على المستنصر بالله، وكان سبب ذلك إن الوزير اليازوري قدم عليهم رجل يقال له المقرب، فنفروا منه واستعفوا منه، فلم يجب الوزير سؤالهم، ثم دخلوا على الوزير وطالبوه بواجبهم، واغلظوا له في القول، فتوعدهم باستئصال شأفتهم، ففارقوه وأظهروا العصيان، واجتمعوا بالجيزة في جمع كثير، فندب الوزير عسكراً لقتالهم فكسروه، فندب عسكراً ثانياً فهزمهم وقتل منهم قتلى كثيرة، وحمل إلى الخزانة المستنصرية من أموالهم جملة عظيمة، فهربوا إلى برقة.\rوفي سنة ثمان وأربعين بعث المستنصر بالله ووزيره اليازوري خزائن الأموال إلى أبي الحارث أرسلان البساسيري ليقيم الدعوة المستنصرية في بغداد واستنفد ما كان بالقصر من الأموال، وكان من أمر البساسيري وقيامه، والخطبة للمستنصر ببغداد سنة خمسين وأربعمائة، ورد الخبر إلى مصر فزينت القاهرة.\rوكان عند المستنصر مغنية تغني بالطبل، فدخلت عليه وغنته في ذلك اليوم:\rيا بني العباس ردوا ... ملك الأمر معد\rملككم ملك معار ... والعواري تسترد\rفقال لها: تمني. فقالت أتمنى الأرض المجاورة للمقسم، فقال: هي لك. فعرفت الأرض بأرض الطبالة إلى وقتنا هذا.\rمقتل الوزير الحسن بن علي\rبن عبد الرحمن اليازوري وقتله وشيء من أخباره وفي المحرم سنة خمسين وأربعمائة سعي بالوزير المذكور عند المستنصر بالله أنه كاتب السلطان طغرلبك السلجوقي وحسن له قصد الديار المصرية، فقبض عليه وجهزه إلى تينس، ثم أمر بقتله، فقتل في الثاني والعشرين من صفر منها، وكان من أكابر وزراء ملوك هذه الدولة.\rقال المؤرخ: كان والد اليازوري قاضي يازور، وهي قرية من أعمال الرملة، فلما توفي خلفه ولده الحسين المذكور، ثم عزل عنها، فقدم إلى مصر وسعى في إعادته لحكم يازور، فرأى من قاضي مصر إطراحاً لجانبه، فصحب رفق المستنصري - وكان خصيصاً بوالدة المستنصر، فكلم القاضي في أن يسمع قوله بمصر ففعل، فلما قتل أبو سعيد التستري أشار رفق على والدة المستنصر أن يكون اليازوري وزيرها، فرتبته في وزارتها، فخافه الوزير أبو البركات الجرجرائي أن يلي الوزارة، فسعى له في الحكم ليشغله عن الوزارة، فامتنع اليازوري من ذلك، فأشارت عليه والدة المستنصر بقبول الولاية فقبل، ولم تمض مدة يسيرة حتى صرف ابن الجرجرائي عن الوزارة وفوضت الوزارة إلى اليازوري مضافة لما بيده من قضاء القضاة وديوان والدة المستنصر بالله.\rقال القاضي أبو الحسين أحمد الأسواني في تاريخه: حدَّثني القاضي إبراهيم بن مسلم الفوي قال: شهدت خطير الملك، ولد اليازوري الوزير، وكان قد ناب عن والده في قضاء القضاة والوزارة وغير ذلك، وسار إلى الشام بعساكر عظيمة فاصلح أمره. ورأيته بعد ذلك بمسجد فوه وهو يخيط للناس بالأجرة وهو في حال شديدة من الفقر والحاجة، فرأيته ذات يوم وهو يطالب رجل بأجرة خياطة خاطها له، والرجل يدفعه ويماطله، وهو يلح في الطلب، فلما ألح عليه قال له الرجل: يا سيدنا اجعل هذه القدر اليسير من جملة ما ذهب منك في السفرة الشامية، فقال: دع ذكر الماضي. فسألته عن ذلك فلم يحدثني بشيء، وسألت غيره فقال: الذي ذهب منه في سفرته في نفقات سماطه ستة عشر ألف دينار.\rقال المؤرخ: وكان اليازوري سيئ التدبير، أوجب سوء تدبيره خروج إفريقية وحلب عن المستنصر بالله.","part":7,"page":472},{"id":3483,"text":"قال: ولما قبض على اليازوري ولي الوزارة بعده صاحبه أبو الفرج عبد الله بن محمد البابلي، وكان خصيصاً به، فلما ولي الوزارة بعده سعى في قتل كل السعي، ويقال أنه جهز إليه من قتله بغير أمر المستنصر، فلما اطلع على ذلك عظم عليه، وعزل البابلي في شهر ربيع الأول منها، واستوزر أبا الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن علي الحسين المغربي، ثم صرفه في شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وأعيد البابلي.\rوفي سنة خمسين وأربعمائة استعمل ناصر الدولة بن حمدان على ولاية دمشق.\rوفي سنة ثلاث وخمسين، في المحرم، صرف البابلي عن الوزارة ووليها عبد الله بن يحيى بن المدبر، ثم صرف في بقية السنة وولي أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقي في شهر رمضان من السنة، فقال أبو الحسن علي بن يسر الرحمن بن بشر الصقلبي يخاطب ابن المدبر:\rلا تجزعن عن الأمور إذا التوت ... وابشر بلطف مسبب الأسباب\rما كنت إلا السيف، جرد ماضياً ... وأقر مذخوراً ليوم ضراب\rلله سيرتك التي ما سرتها ... إلا بقوم سنة وكتاب\rشيدت للوزراء يا بن مدبر ... شرفاً لهم يبقى على الأعقاب\rوجمعت بين طهارة الأعراق، وال ... خلاق، والأفعال، والأثواب\rجعل الإله لكل قوم سادة ... وبنو المدبر سادة الكتاب\rوفي سنة أربع وخمسين وأربعمائة في المحرم توفي الوزير أبو محمد عبد الكريم، فردت الوزارة إلى أخيه أبي علي أحمد بن عبد الحاكم، وكان يلي قضاء القضاة؛ وصرف عن الحكم في صفر، ثم صرف عن الوزارة، وقيل أنه صرف عنها بعد سبعة عشر يوماً من ولايته، وأعبد للبابلي مرة ثالثة في شهر ربيع الأول من السنة، واستعفى بعد خمسة أشهر، فاستوزر المستنصر بالله سديد الدولة أبا عبد الله الحسين بن علي الماسكي، وكان يلي نظر الدواوين بدمشق، ثم صرف في شوال وأعيد البابلي.\rفتنة خراب مصر\rكان ابتداء هذه الفتنة في سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وسببها أن المستنصر بالله كان في كل سنة يركب على النجب ومعه النساء والخمر إلى المكان المعروف بجب عميرة، وهو موضع نزهة، ويذكر أنه خرج يريد الحج، على سبيل الاستهزاء والتهكم، ومعه الخمر في الروايا بدلا من الماء، يسقيه للناس كما يسقي الماء في طريق مكة 76 ، شرفها الله، فلما كان في هذه السنة خرج على عادته في جمادى الآخرة؛ فاتفق أن بعض الأتراك جرد سيفه على سكر منه على بعض عبيد الشراء، فاجتمع عليه طائفة من العبيد وقتلوه، فجاء الأتراك للمستنصر وقالوا: إن كان هذا عن رضاك فالسمع والطاعة، وإن كان عن غير رضاك فلا تصبر عليه،فأنكر المستنصر ذلك؛ فاجتمع جماعة من الأتراك وقتلوا جماعة من العبيد، بعد قتال شديد على كوم شريك، وكانت والدة المستنصر تعين العبيد بالأموال والسلاح، فاطلع بعض الأتراك على ذلك، فجمع طائفة كبيرة من الأتراك ودخل على المستنصر بهم، وأغلظوا له بالكلام، فحلف إنه لم يكن عنده علم من ذلك، ودخل على والدته وأنكر عليها، وصار السيف بين الطائفتين، ثم سعى أبو الفرج بن المغربي، الذي كان يلي الوزارة، وجماعة معه، في الصلح بين الطائفتين، فاصطلحوا؛ ولم تصف طائفة منهم للأخرى.\rثم اجتمع العبيد وخرجوا إلى شبرا دمنهور في جمع كثير.\rوكان سبب كسرتهم إن والدة المستنصر لما قتل سيدها ووزيرها أبو سعيد التستري غضبت لقتله، وشرعت في شراء العبيد السودان واستكثرت منهم، وجعلتهم طائفة لها، فاشتد أمرهم إلى أن صار العبد منهم يحكم حكم الولاة. فلما ولي أبو البركات بن الجرجرائي أمرته أن يغري العبيد بالأتراك، فخاف العاقبة فلم يفعل، فصرفته وولت وزيرها اليازوري وأمرته بذلك، فلم يقبل منها، ودبر الأمر وساسه إلى أن قتل، ووزر البابلي فأمرته بذلك، ففعل، ووقع بين الطائفتين.\rقال: فلما خرج العبيد إلى شبرا دمنهور قويت شوكة الأتراك وطلبوا الزيادات في أرزاقهم إلى أن خلت الخزائن من الأموال وضعفت الدولة، والعبيد على حال من الضرورة وهم يتزايدون عدة، فتكامل منهم ما بين فارس وراجل خمسون ألفاً.","part":7,"page":473},{"id":3484,"text":"فبعثت والدة المستنصر لقواد العبيد، في سنة تسع وخمسين وأربعمائة، وأغرتهم بالأتراك؛ فاجتمعوا ووصلوا إلى الجيزة، فخرج الأتراك لقتالهم، والمقدم عليهم ناصر الدولة الحسن بن حمدان، فلقيهم فكسره العبيد ونهبوا عسكره، واشتغلوا بالنهب، فعطف عليهم ابن حمدان وهزمهم إلى الصعيد، وقد قويت شوكته.\rثم تجمع العبيد في الصعيد في خمسة عشر ألف فارس وراجل، فقلق الأتراك لذلك قلقاً شديداً، وحضر المقدمون إلى المستنصر ليشكوا ذلك إليه، فأمرت والدته من عندها من العبيد والخدم بالهجوم عليهم، وقتل الأتراك ففعلوا ذلك، وسمع ناصر الدولة ابن حمدان بالخبر، فركب إلى ظاهر القاهرة واجتمع إليه من بقي من الأتراك ووقعت الحرب بينهم وبين العبيد المقيمين بمصر والقاهرة، ودامت بين الفريقين أياماً، فانتصر ناصر الدولة والأتراك على العبيد، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ولم يبق منهم بالقاهرة ومصر إلا القليل.\rوبقي العبيد المقيمون بالصعيد على حالهم، وكان بالإسكندرية منهم جماعة، فسار ناصر الدولة إليهم، فسألوا الأمان، فأمنهم، ورتب بالإسكندرية من يثق به، وانقضت سنة تسع وخمسين في حربهم.\rوقويت شوكة الأتراك في سنة ستين وأربعمائة، وطمعوا بالمستنصر بالله، وقل ناموسه عندهم، وكان مقررهم في كل شهر ثمانية وعشرين ألف دينار، فصار كل شهر أربعمائة ألف دينار، وطالبوا المستنصر بالأموال، فاعتذر إنه لم يبق عنده شيء منها، فطالبوه بذخائره فأخرجها إليهم، وقومت بأبخس الأثمان.\rوخرج ناصر الدولة بن حمدان في جماعة من الأتراك إلى الصعيد لقتال من فيه من العبيد، وكان قد كثر فسادهم، فالتقوا واقتتلوا، فكانت الهزيمة على ناصر الدولة والأتراك، فعادوا إلى الجيزة، فاجتمع على ناصر الدولة من سلم من عسكره، وشغبوا على المستنصر بالله، واتهموه أنه يمد العبيد بالنفقات سراً، فحلف لهم على ذلك.\rثم خرج الأتراك إلى العبيد وقاتلوهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة ولم ينج منهم إلا القليل. وزالت دولة العبيد، وعظم أمر ناصر الدولة بن حمدان.\rناصر الدولة والأتراك\rوفي سنة إحدى وستين وأربعمائة ابتدأت الوحشة بين ناصر الدولة بن حمدان وبين الأتراك. وسبب ذلك أن ناصر الدولة قوي واشتدت شوكته، وانفرد بالأمر دون قواد الأتراك، فعظم ذلك عليهم وفسدت نياتهم68 وشكوا ذلك إلى الوزير الخطير، وقالوا: كلما خرج من الخزانة مال أخذ ناصر الدولة أكثره وفرقه في حاشيته، ولايصل إلينا منه إلا القليل. فقال: ما وصل هذا الأمر وغيره إلا بكم، ولو فارقتموه لم يتم له أمر، فاتفق أمرهم على محاربته وإخراجه من الديار المصرية، فاجتمعوا وذكروا ذلك للمستنصر، وسألوه أن يخرجه عنهم، فأرسل إليه يأمره بالخروج ويتهدده إن لم يفعل، ففارق ناصر الدولة القاهرة وغدا إلى الجيزة، ونهبت دوره ودور حواشيه وأصحابه.\rفما جاء الليل دخل ناصر الدولة، واجتمع بالقائد تاج الملوك شادي، وقبل رجليه، وسأله أن يعينه على ألدكز والوزير الخطير، قال: وكيف الحيلة إلى ذلك؟ قال: تركب أنت وأصحابك وتسير بين القصرين ، فإذا أمكنتك الفرصة فاقتلهما. فأجابه إلى ذلك.\rوركب شادي من بكرة الغد للتسير فعلم أن إلدكز بمراده، فهرب إلى القصر واستجار بالمستنصر فسلم، وأقبل الوزير في موكبه فقتله شادي، وسير إلى ناصر الدولة يأمره بالحضور، فعدى من الجيزة إلى القاهرة، فأشار إلدكز على المستنصر بالركوب، قال: متى لم تركب هلكت وهلكنا معك. فلبس سلاحه وركب، وتبعه خلق من عامة الناس والجند، واصطفوا للقتال، فحملت الأتراك على ناصر الدولة فانهزم، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، ومضى لا يلوي على شيء وتبعه أصحابه فالتحق ببني سنبس بالبحيرة فأقام عندهم وصاهرهم، وتقوى بهم.\rولما تحقق ناصر الدولة ميل المستنصر عنه قصد إبطال دعوته، وكتب إلى السلطان ألب أرسلان السلجوقي ملك خراسان والعراق يسأله أن يسير إليه عسكراً يفتح له مصر ويقيم الدعوة العباسية بها، فتجهز ألب أرسلان من خراسان بعساكره، وكتب إلى صاحب حلب يأمره بقطع دعوة المستنصر وإقامة الدعوى العباسية، ففعل ذلك، وانقطعت دعوة المستنصر من حلب؛ ثم ملكها ألب أرسلان، كما ذكرناه في أخبار الدولة السلجوقية، ثم ملكت عساكره دمشق.\rالحرب بين ناصر الدولة والأتراك","part":7,"page":474},{"id":3485,"text":"قال: ولما اتصل بالمستنصر ما فعله ناصر الدولة من مكاتبة ألب أرسلان جرد عسكراً لقتاله من الأتراك، فساروا ثلاث فرق، فأراد أحد المقدمين أن يلقاه ليكون الظفر له دون رفيقيه، فتقدم والتقى بناصر الدولة، فهزمه ناصر الدولة وقتل جماعة من أصحابه وأسره، ثم التقى العسكر الثاني ولم يعلموا ما جرى للأول، فهزمهم أقبح هزيمة، وهرب العسكر الثالث، وقوي ناصر الدولة بهذا الظفر، وقطع الميرة عن القاهرة ومصر، ونهب اكثر الوجه البحري، وخطب للقائم بأمر الله العباسي، وعدمت الأقوات في القاهرة ومصر واشتد الغلاء، وكثر والوباء، وامتدت أيدي الجند إلى نهب العوام.\rالصلح بين ناصر الدولة والأتراك\rوفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة وقع الصلح بين ناصر الدولة بن حمدان والأتراك واشتدت بهم الضائقة لقطع الميرة، فاضطروا عل مصالحته، فصالحوه على أن يكون مقيماً بمكانه ويحمل إليه مال قرره المستنصر، ويكون تاج الملوك شادي نائباً عنه، فرضي بذلك وسير الغلال إلى مصر، ثم وقع الخلاف بينهم بعد شهور فجاء ناصر الدولة من البحيرة، وعساكر كثيرة، وحاصر مصر في ذي القعدة من السنة، ودخل أصحابه فنهبوا شطراً منها، وأحرقوا دور الساحل؛ ثم عادوا إلى البحيرة والله أعلم.\rحرب ناصر الدولة وتاج الملوك\rشادي وما كان من أمر ناصر الدولة إلى أن قتل.\rوفي سنة أربع وستين وأربعمائة جمع ناصر الدولة جموعه من العربان وجاء إلى الجيزة ، واستدعى إليه تاج الملوك شادي وبعض المقدمين ،فخرجوا للقائه، فقبض عليهم ونهب مصر 69 وأحرقها.\rوكان سبب ذلك أن شادي كان قد قطع عن ناصر الدولة ما كان قد تقرر حمله إليه من المال، ولم يوصل إليه إلا اليسير منه. فلما قبض عليهم سير المستنصر عسكراً كثيفاً، فهزموه، فهرب إلى البحيرة وجمع جموعه من العربان وغيرهم، وقطع خطبة المستنصر وأبطل ذكره، ثم قدم ناصر الدولة في شعبان من السنة ودخل إلى مصر وحكم بها، وأرسل إلى المستنصر يطلب منه المال، فرآه الرسول وهو جالس على حصير وحوله ثلاثة خدم، ولم ير شيئاً آخر من آثار المملكة، فلما ذكر الرسول رسالته للمستنصر قال: ما يكفي ناصر الدولة أن أجلس مثل هذه البيت على هذه الحال! فبكى الرسول، وعاد إلى ناصر الدولة وذكر له الحال، فأطلق ناصر الدولة للمستنصر بالله في كل شهر مائة دينار، وحكم في القاهرة، وبالغ في إهانة المستنصر، وقبض على والدته وعاقبها، وأخذ منها الأموال. وتفرق عن المستنصر جميع أقاربه وأولاده، ومضوا إلى بلاد المغرب والعراق.\rوعمل ناصر الدولة على إقامة الدولة العباسية، فنهض إلدكز أحد الأمراء، ويلدكوز، واجتمعا بمن بقي من الأتراك، واتفقوا كلهم على قتل ناصر الدولة، وكان قد آمن وترك الاحتراس لقوته وسطوته، وظن أن الدنيا صفت له، فتواعد الأتراك وركبوا إلى داره، في شهر رجب سنة خمس وستين وأربعمائة، وهو إذ ذاك في مصر بمنازل العز، فدخلوا عليه من غير استئذان إلى أن بلغوا صحن الدار، فخرج إليهم في رداء، فقتلوه وأخذوا رأسه، وكان الذي تولى قتله إلدكز، وقتل أخوه فخر العرب وأخوهما تاج المعالي وجماعة من أهل بيته، وانقطع ذكر آل حمدان، ولم يبق بمصر لهم ذكر.\rوناصر الدولة هذا هو الحسن بن الحسين بن ناصر الدولة الحسن بن عبد اله بن أبي الهيجاء حمدان بن حمدون.\rنرجع إلى ذكر حوادث الدولة المستنصرية.\rوفي سنة خمس وخمسين وأربعمائة ندب أمير الجيوش بدر الجمالي لولاية دمشق وكان على حربها، وفوض إليه في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ولاية الشام بأسرها.\rالغلاء الكائن بمصر\rكان ابتداؤه في سنة سبع وخمسين وأربعمائة واشتد من سنة إحدى وستين، وقلت الأقوات في الأعمال حتى أكل الناس الميتة، وتزايد في سنة اثنتين وستين: وكثر الوباء بالقاهرة ومصر حتى إن الواحد كان يموت في البيت فيموت في بقية اليوم أو الليلة كل من بقي فيه، وخرج من القاهرة ومصر جماعة كثيرة إلى الشام والعراق، وأكل بعض الناس بعضاً، ودام ذلك إلى سنة أربع وستين، وشبهت هذه السنين بسني يوسف عليه السلام.","part":7,"page":475},{"id":3486,"text":"قال ابن الهمذاني في تاريخه: وفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة ورد من مصر الرجال والنساء هرباً من الجوع والفتنة، وأخبروا أن بعضهم أكل بعضاً، وورد التجار ومعهم ثياب صاحب مصر وآلاته وذخائره، وكان معهم أشياء كثيرة نهبت عند القبض على الطائع ، في سن إحدى وثمانين وثلاثمائة؛ وما نهب في وقعة البساسيري.\rقال: وخرج من خزانة المستنصر بالله أشياء عظيمة، من جملتها ثلاثون ألف قطعة بلور كبار، وخمس وسبعون ألف ثوب ديباج خسرواني. وأحد عشر ألف درع، وعشرون ألف سيف محلاة، وغير ذلك، قال المؤرخ: ومن جملة ما بلغ من أمر الغلاء أن امرأة كان لها حلي باعت ما يساوي ألف دينار بثلاثمائة دينار واشترت به حنطة، فنهبت منها في الطريق، فنهبت مع من نهب، فحصل ما جاء لها رغيفاً واحداً.\rوحكى أن بعض أهل اليسار وقف بباب القصر وصاح واستصرخ إلى أن حضر بين يدي المستنصر، فقال له: يا مولانا، هذه سبعون قمحة وقفت علي بسبعين ديناراً، كل قمح بدينار، في أيامك، وهو أني اشتريت أردب قمح بسبعين دينار، فنهب مني فنهبت مع من نهب، فوقع في يدي هذه، فكل قمحة بدينار، فقال المستنصر: الآن فرج الله عن الناس فإن أيامي حكم لها أن القمحة تباع بدينار.\rقالوا: ولم يكن هذه الغلاء عن نقص النيل، وإنما كان الاختلاف الكلمة وحروب الأجناد، وتغلب المتغلبين على الأعمال، وكان النيل يزيد ويهبط كل سنة، ولم يجد من يزرع الأراضي؛ وانقطعت الطرقات براً وبحراً إلا بالخقارة الكثيرة، وأبيع الرغيف الخبز بأربعة عشر ديناراً أو درهما، قال الجواني: وأبيع الأردب القمح بمائتي دينار.\r72 - ذكر قدوم أمير الجيوش بدر الجمالي إلى مصر واستيلائه على الدولة كان تقدمه في سنة ست وستين وأربعمائة، وسبب ذلك أن المستنصر تواترت عليه الرزايا وحصره ابن حمدان كما ذكرنا فلما قتل ابن حمدان استطال إلدكز والأتراك والوزير أبي كدينة، فضاق المستنصر ذرعاً، وكاتب أمير الجيوش بدر الجمالي وحسن له أن يكون المتولي لأمر دولته، فأعاد الجواب شرط أن يستخدم عسكراً، وألا يبقى على أحد من عسكر مصر، فأجابه إلى ذلك، فاستخدم العساكر وركب في البحر الملح، وكان إذ ذاك بعكا، وسار في مائة مركب في أول كانون وهو وقت لم تجر العادة بركوب البحر في مثله، فوصل دمياط، وركب منها، وسار إلى أن نزل بظاهر قليوب، وأرسل إلى المستنصر بالله أن يقبض على إلدكز، فقبض عليه، ودخل أمير الجيوش إلى القاهرة في شهر ربيع الآخر منها، وقيل في جمادى الأولى، فما لبث أن بعث كل أمير من أمرائه إلى قائد من قواد الدولة ليلاً وأمره أن يأتيه برأسه، فأصبح وقد أحضر إليه من رؤوس قواد الدولة شيء كثير. وقبض على الأتراك وقويت شوكته، وقمع كل مفسد، حتى لم يبق أحد منهم بمصر والقاهرة، وخلع المستنصر على بدر الجمالي بالطيلسان، وصار أمير المستخدمين في حكمه، والدعاة والقضاة نوابه.\rقال: ولما قدم مصر حضر إليه المتصدرون بالجامع، فقرأ ابن العجمي: \" ولقد نصركم الله ببدر \" وسكت عن تمام الآية. فقال له بدر: والله لقد جاءت في مكانها، وسكوتك عن تمام الآية أحسن وأحسن إليه، وقيل: بل قال له: لم لا قرأت \" إن هو إلا عبداً أنعمنا عليه \" وقتل أمير الجيوش من أماثل المصريين ووزرائهم وحكامهم جماعة، وشرع في إصلاح الأعمال وقتل المفسدين.\rوفي سنة ثمان وستين وأربعمائة خطب للمستنصر بمكة المدينة، وكانت الخطبة بهما قد انقطعت منذ خمس سنين.\rوفيها حضر أتسيز دمشق وملكها، على ما ذكرناه في الباب العاشر من القسم الخامس من هذه الفن في أخبار الدولة السلجقية. وانقطعت خطبة المستنصر من الشام.\rهلاك عرب الصعيد\rوقتل كنز الدولة وفي سنة تسع وستين وأربعمائة اجتمع جماعة كثيرة من عرب جهينة والجعافرة الثعالبة وغيرهم بمدينة طوخ العليا من صعيد مصر، واتفقوا على قتال أمير الجيوش، فخرج إليهم، فلما قاربهم هجم عليهم في نصف الليل، فهزمهم وأبادهم بالقتل، وغرق خلق كثير منهم، وغنم أموالهم وحملت إلى المستنصر.\rوكان كنز الدولة محمد قد تغلب على ثغر أسوان ونواحيها وعظم شأنه وكثرت أتباعه، فقاتله أمير الجيوش وقتله، وبنى في المكان مسجداً سماه مسجد النصر، وكانت هذه الوقعة آخر إصلاح حال مصر وعربانها، وقيل كان قتل كنز الدولة في سنة خمس وسبعين والله أعلم.","part":7,"page":476},{"id":3487,"text":"وفي غيبة أمير الجيوش هجم أتسيز على الديار المصرية، وكان ابن يلدكوز قد التحق به وأهدى له تحفاً جليلة المقدار، منها ستون حبة لؤلؤ مدحرج تزيد كل حبة على مثقال، وحجر ياقوت زنته سبعة عشر مثقالاً، وغير ذلك، وأطمعه في ملك الديار المصرية، وملك ما وصل إليه، فجمع أمي الجيوش عساكره وخرج إليه، وقاتله وهزمه، وقتل خلقاً كثيراً من أصحابه بعد أن أقام بأرياف مصر جماديين وبعض شهر رجب.\rوفيها خرج على أمير الجيوش عرب قيس وسليم وفزارة، فخرج إليهم وقاتلهم، وهزمهم، وطردهم إلى برقة.\rوفي سنة سبعين وأربعمائة فوض لأمير الجيوش بدر الجمالي قضاء القضاة، ونعت بكافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين.\rوفي سنة سبع وسبعين وأربعمائة خالف الأوحد بن أمير الجيوش على والده، واجتمع معه جماعة من العربان وغيرهم، واستولى على الإسكندرية، فسار إليه والده وحاصره بها، و فتحها، وقبض على ولده: وبنى أمير الجيوش الجامع المعروف بجامع العطارين بالإسكندرية من أموال أخذها من أهل البلد، وكانت عمارته في شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين. وقامت الخطبة بهذا الجامع إلى أخر أيام العاضد.\rوفي سنة اثنتين وثمانين 71 وأربعمائة ندب أمير الجيوش بدر الجمالي عسكراً إلى الساحل ففتح صور وصيدا، وصار بيده نوابه. ثم سار بعد ذلك وفتح جبيل وعكا، وكان ذلك في يد تاج الدولة تتش صاحب دمشق.\rبناء باب زويلة بالقاهرة\rوفي سنة خمس وثمانين وأربعمائة أمر أمير الجيوش بدر الجمالي ببناء باب زويلة الكبير، الذي هو الآن باق، وعلى أرضه، وأراد أن يجعل له عطفة على عادة أبواب الحصون حتى لا تهجم عليه العساكر في أوقات الحصار، وتعذر دخوله جملة، فأشار عليه بعض المهندسين أن يعمل بابه زلاقة من حجارة الصوان، فعمله الحكم، ولم يزل كذلك إلى أن دخل منه السلطان الملك الكامل بن الملك العادل، فزلق فرسه فرسم أن يخفف من حجارته، فخفف منها، ولم يبق إلا القليل على ماهو عليه الآن.\rوفي سنة ست وثمانين وأربعمائة ملك تاج الدولة تتش ثغر صور بمواطأة من نائب بدر بها.\rوفاة أمير الجيوش\rبدر الجمالي وولاية ولده الأفضل كانت وفاته في شهر ربيع الأول، وقيل في جمادى الأول، سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وكان حكمه بديار مصر حكم الملوك ولم يبق للمستنصر بالله أمر، بل سلم الأمور إليه فضبطها أحسن ضبط. وكان شديد الهيبة، سريع البطش؛ قتل خلقاً كثيراً من أكابر المصريين وقوادهم وكتابهم؛ وعلى يديه صلحت الديار المصرية بعد أن خربت، وكان له نحو الثمانين سنة، وكان أرمني الجنس مملوكاً لجمالي الدولة بن عمار وإليه ينسب وتولى إمرة الشام والساحل.\rولما كان يلي دمشق جرت فتنة بين عسكره وأحداث البلد خرب بسببها قصر الإمارة والجامع الأموي.\rقال المؤرخ: ولما ولي مصر أطلق الخراج للمزارعين ثلاث سنين إلى أن أمنت أحوالهم واتسعت أموالهم، وكانت إمارته بمصر إحدى وعشرين سنة.\rولما توفي ولي بعده الوزارة ولده الأفضل ، ونعت بنعوت أبيه وقبض على جماعة من الأمراء كانوا قد ثاروا عليه.\rوفاة المستنصر بالله\rوشيء من أخباره كانت وفاته في ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، ومولده في يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة سنة عشرين وأربعمائة ،فكانت مدة حياته سبعاً وستين سنة وستة اشهر وثلاثة أيام، ومدة ولايته ستين سنة وأربعة أشهر.","part":7,"page":477},{"id":3488,"text":"ولقي في ولايته أهوالاً عظيمة وشدائد كثيرة وفاقة متمكنة حتى جلس على نخ وكانت أيامه ما بين غلاء ووباء وفتن، على ما نذكره، وكان قد عتا وتجبر واشتهر، وذلك أنه اشتهر عنه أنه نصب خركاه في القصور التي بعين شمس وبنى فسقية عظيمة وحمل إليها الخمر في الروايا وأخرج جميع من في قصره من الملاهي والقيان إلى الخركاه وهم يغنون بأصوات مرتفعة ويستقون من فسقية الخمر، ويطوفون بالخركاه، يضاهون بذلك البيت المعظم وزمزم، ويقول: هذا أطيب من زيارة الحجارة، وسماع صوت كريه، وشرب ماء آسن، فأخذه الله سبحانه وتعالى وعجل العقوبة، وأراه الذل مع قيام سلطانه، وسلط عليه أنصار دولته حتى نهبوا أمواله واستولوا على قصره، ولم يبق إلا بساط فجذبوه من تحته، وصار إذا ركب لا يجد ما يركبه حامل مظلته إلا أن يستعار له بغلة ابن هبة، صاحب ديوان الإنشاء، وكل خواصه مشاة ليس لديهم دواب يركبونها، وكانوا إذا مشوا يتساقطون في الطرقات من الجوع، وكانت ابنة بابشاذ تبعث إليه برغيفين في كل يوم، وهذه عاقبة الطغيان الاستهتار.\rوكان له أولاد منهم: أبو القاسم أحمد، وأبو المنصور نزار، وأبو القاسم محمد، وأبو الحسن جعفر، وغيرهم.\rووزر له جماعة وهم: أبو القاسم الجرجرائي الأقطع، وزير والده، إلى أن توفي فاستوزر من ذكرناهم 72 إلى آخر سنة أربع وخمسين وتكرر بعضهم في الوزارة مراراً واستوزر أبا غالب عبد الظاهر بن فضل العجمي غير مرة، دفعة في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين صرف بعد ثلاثة أشهر، ودفعة في شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وصرف بعد ثلاثة وأربعين يوماً، ثم وليها ثالثة في أيام الفتنة ولقب بتاج الملوك شادي، وقتل سنة خمس وستين، وولي له الحسن بن ثقة الدولة بن أبي كدينة القضاء والوزارة، كل منصب منها خمس دفعات، ويقال إنه من ولد عبد الرحمن ابن ملجم قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ولما وصل أمير الجيوش بدر الجمالي أرسله إلى دمياط وأمر بضرب عنقه، فدخل عليه السياف بسيف كليل فضربه عدة ضربات حتى أبان رأسه، وكان عدة ما ضربه عدة ما ضربه عدة ولاياته الحكم والوزارة. وولي أبو المكارم أسعد ثم قتله أمير الجيوش، ووزر بعده أبو علي الحسن بن أبي سعد إبراهيم بن سهل التستري عشرة أيام ثم استعفى، وكان يهودياً فأسلم، وولي أبو القاسم هبة الله محمد الرعباني دفعتين كل دفعة عشرة أيام، ووزر الأثير أبو الحسن الأنباري أياماً ثم صرف، ووزر أبو علي الحسين بن سديد الدولة الماسكي مرة ثانية أياماً ثم صرف، ووزر أبو شجاع محمد بن الأشراف بن فخر الملك، وفخر الملك هو الذي وزر لبهاء الدولة ابن بويه، فصرف وسار إلى الشام فقتله أمير الجيوش في مسيره، واستوزر أبا الحسن ابن الوزير الطرابلسي، ومن طرابلس الشام، ثم صرفه، وكان أحد الكتاب بديوان الإنشاء، واستوزر أبا عبد الله محمد بن أبي حامد السيسي يوماً واحداً ثم قتل، فاستوزر أبا سعيد منصور بن أبي اليمن سورس بن مكرواه بن زنبور، وكان نصرانياً ثم أسلم، والنصارى ينكرون إسلامه واستوزر أبا العلاء عبد الغني بن نصر بن سعيد وصرف وبقي أياماً وقتله أمير الجيوش. ثم قدم أمير الجيوش بدر الجمالي من عكا ووزر للسيف والقلم والحكم إلى أن مات، ثم ولده الأفضل من بعده.\rقضاته: كان منهم جماعة من الوزراء قد ذكرناهم، ومن لم يل الوزارة عبد الحاكم بن سعيد الفارقي في أول خلافته، ثم القاسم بن عبد العزيز بن النعمان، وفي ولاية أمير الجيوش أبو يعلى العرقي إلى أن مات، فولي أبو الفضل القضاعي .ثم جلال الدولة أبو القاسم عب بن أحمد بن عمار، ثم صرفه وولى أبا الفضل بن عتيق، ثم أبا الحسن علي بن يوسف الكحال النابلسي؛ ثم فخر الأحكام محمد بن عبد الحاكم.\rوكان نقش خاتم المستنصر بالله بنصر السميع العليم ينتصر الإمام أبو تميم\rبيعة المستعلي بالله\rهو أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد، وهو التاسع من ملوك الدولة العبيدية، والسادس من ملوك مصر منهم، بويع له في بكرة نهار الخميس لاثني عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة.","part":7,"page":478},{"id":3489,"text":"وذلك أن المستنصر بالله لما توفي بادر الأفضل أمير الجيوش بدخول القصر وأجلسه على تخت المملكة، وسير إلى إخوته نزار وعبد الله وإسماعيل، وأعلمهم بوفاة أبيهم، وأمرهم بسرعة الحضور، فلما حضروا شاهدوا أخاهم الصغير وقد جلس على سرير الخلافة، فامتعضوا من ذلك، فقال لهم الأفضل: تقدموا وقبلوا الأرض لله تعالى ولمولانا المستعلي بالله وبايعوه، فهو الذي نص عليه الإمام المستنصر بالله قبل وفاته بالخلافة من بعده، فقال نزار: لو قطعت ما بايعت من هو أصغر مني سناً، وخط والدي عندي بولاية العهد، وأنا أحضره. وخرج مسرعاً ليحضر الخط فمضى إلى الإسكندرية، فسير الأفضل خلفه من يحضره، فلم يعلم أحد أين توجه ولا كيف سلك، فانزعج الأفضل لذلك.\rوقيل أنه لما توفي المستنصر بالله جلس بعده ولده أبو منصور نزار، وهو ولي العهد وأراد أخذ البيعة لنفسه فامتنع أمير الجيوش من ذلك لكرهته فيه واجتمع الأمراء والخواص وقال لهم: إن هذا كبير السن ولا نأمنه على نفوسنا، والمصلحة أن نبايع لأخيه الصغير أبي القاسم أحمد، فوافقوه على ذلك إلا محمود بن مصال اللكي، فإن نزار كان قد وعده بالوزارة والتقدمة على الجيوش مكان الأفضل، فلما علم ابن مصال الحال أطلع نزاراً عليه.\rوبادر الأفضل وبايع احمد بالخلافة، ونعته بالمستعلي بالله وأجلسه على سرير الملك، 73 وجلس الأفضل على دكة الوزارة. وحضر قاضي القضاة الإمام علي بن الكحال ومعه الشهود، وأخذ البيعة على مقدمي الدولة ورؤسائها وأعيانها، ثم مضى إلى إسماعيل وعبد الله، وهما بالقصر في المسجد وعليهما التوكيل، فقال لهما: إن البيعة قد تمت لمولانا المستعلي بالله، وهو يقرئكما السلام ويقول لكما: تبايعاني أم لا؟ فقالا: السمع والطاعة؛ إن الله قد اختاره علينا. وبايعاه، وكتب بذلك سجل قرأه على الأمراء الشريف سناء الملك محمد بن الحسني الكاتب بديوان الإنشاء، بادر نزار وأخوه عبد الله ومحمود بن مصال إلى الإسكندرية، وعليها ناصر الدولة أفتكين التركي، أحد مماليك أمير الجيوش بدر الجمالي، فعرفوه الحال ووعدوه بالوزارة، فبايعه، وبايعه أهل الثغر، ولقب بالمصطفي لدين الله.\rما اتفق لنزار ومن معه\rقال: وفي المحرم سنة ثمان وثمانين وأربعمائة خرج الأفضل أمير الجيوش بعساكره إلى الإسكندرية لقتال نزار وأفتكين وابن مصال، فلما قرب منها خرجوا إليه، والتقوا، واقتتلوا قتالاً شديداً، فكانت الهزيمة للأفضل ومن معه، فرجع إلى مصر ونهب نزار ومن كان معه من العرب أكثر بلاد الوجه البحري.\rثم خرج الأفضل ثانياً وحاصر الإسكندرية، واشتد الحصار إلى ذي القعدة، فلما اشتد الحال رأى ابن مصال مناماً، فلما أصبح أحضر رجلاً أعجمياً وقال له: رأيت كأني راكب فرساً وكان الأفضل يمشي في ركابي.\rفقال له الأعجمي: الماشي على الأرض أملك لها، فلما سمع منه ذلك جمع أمواله وهرب إلى لُكّ قرية من قرى برقة. فعند ذلك ضعفت قوة نزار وأفتكين، فاضطر إلى مسألة الأفضل وبعثا يطلبان الأمان، فأمنهما وفتحت البلد.\rودخل الأفضل الإسكندرية وقبض على نزار وأفتكين، وسيرهما إلى مصر، وكان آخر العهد بنزار، قيل إنه جعله بين حائطين إلى أن مات، وكان مولده في عاشر شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، وأما أفتكين فإنه أظهر قتله بعد ذلك للناس، وأما محمود بن مصال فكاتبه الأفضل ورغبه في العود، فعاد إلى مصر، فأكرمه الأفضل.\rوفي سنة تسعين وأربعمائة خطب الملك رضوان صاحب حلب للمستعلي بالله أربع جمع، ثم قطع خطبته، على ما ذكرناه في أخبار الدولة السلجقية والله أعلم.\rالاستيلاء على بيت المقدس\rوفي شعبان سنة إحدى وتسعين وأربعمائة خرج الأفضل أمير الجيوش بعساكره إلى الشام ونزل على البيت المقدس، وهو في يد الأمير سقمان وإيلغازي، ابني أرتق، وجماعة من أقاربهما، وخلق كثير من الأتراك. فراسلهما يلتمس منهما تسليم بيت المقدس من غير حرب ولا سفك، فلم يجيباه إلى لذلك. فنصب المناجيق وهدم منه قطعة، وقاتل، فاضطر إلى تسليمه له، فخلع عليهما وأطلقهما، وعاد الأفضل إلى مصر.","part":7,"page":479},{"id":3490,"text":"ونقل محمد بن علي بن يوسف بن جلب راغب في تاريخ مصر أن الأفضل لما رجع من بيت المقدس مر بعسقلان، وكان في مكان دارس بها رأس الحسين بن علي، رضي الله عنهما، فأخرجه فعطره وطيبه، وحمل في سفط إلى أجل دار بها، وعمر المشهد، ولما تكامل حمل الأفضل الرأس على صدره وسعى ماشياً إلى أن رده إلى مقره، ثم نقل إلى مصر على ما نذكره إن شاء الله، وقيل إن المشهد بعسقلان ابتدأ بعمارته بدر الجمالي وكمله الأفضل.\rاستيلاء الفرنج على بلاد اسلامية\rعلى ما نذكره من البلاد الإسلامية بالساحل والشام والبيت المقدس لم يكن جميع ما استولوا عليه مما نذكره داخلاً في ملك الدولة العبيدية، بل كان منها ما هو في أيدي نواب المستعلي وما هو بيد الملوك الذين تغلبوا على الأطراف، ولم يكن أيضاً في أيام المستعلي خاصة، وإنما وردناه بجملته في هذا الوضع لتكون الأخبار متتابعة ولا تنقطع بالسنين والدول. وقد نبهنا عليه فيما تقدم من أخبار الدولة العباسية.\rوالذي نذكره الآن في هذا الموضع هو ما استولوا عليه 74 من سواحل الشام سنة إحدى وتسعين وأربعمائة وما بعدها.\rوكان ابتدأ ظهورهم وامتدادهم وتطرقهم إلى البلاد الإسلامية في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وذلك أن بلاد الأندلس لما تقسم ملوكها بعد بني أمية وصارت كل جهة بيد ملك، وأيقنت نفس كل واحد أن ينقاد إلى الآخر، ويدخل تحت طاعته، فكانوا كملوك الطوائف في زمن الفرس، وعجز كل واحد عن مقاومة من يليه أو يقصده من الفرنج، أدى ذلك إلى اختلال الأحوال، وتغلب الأعداء على البلاد الإسلامية، فأول ما استولوا عليه مدينة طليطلة من الأندلس، على ما ذكرناه، في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ثم ملكوا جزيرة صقليه في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وتطرقوا إلى أطراف إفريقية فملكوا منها شيئاً ثم استرجع منهم، على ما قدمناه.\rملكهم مدينة أنطاكية\rكان استيلاء الفرنج خذلهم الله تعالى، على مدينة أنطاكية في جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وكانت بيد ملوك الروم من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة إلى أن فتحها الملك سليمان بن شهاب الدين ولد قتلمش السلجقي، صاحب أقصرا وقونيه وغير ذلك من بلاد الروم في سنة سبع وسبعين وأربعمائة، على ما ذكرناه في أخبار الدولة السلجقية، وبقيت في يده إلى أن قتل، وتداولتها أيدي المتغلبين من ملوك الإسلام وأمرائهم إلى أن استقرت بيد ياغي سيان وهو يخطب فيها للملك رضوان بن تتش صاحب حلب، ولأخيه الملك دقاق صاحب دمشق.\rفلما كان في سنة تسعين وأربعمائة جمع بغدوين ملك الفرنج جمعاً كثيراً من الفرنج، وكان تسيب رجار الفرنجي صاحب صقلية، فأرسل بغدوين يقول: قد جمعت جمعاً كثيراً وأنا أصل إليك وسائر من عندك إلى إفريقية أفتحها وأكون مجاوراً لك.\rفجمع رجار أصحابه واستشارهم فقالوا كلهم: هذا جيد لنا ولهم، وتصبح البلاد كلها للنصرانية، فلما سمع رجار كلامهم وما اجتمعوا عليه، رفع رجله وحبق حبقة طويلة وقال: وحق ديني هذه خير من كلامكم، قالوا: وكيف ذلك؟ قال إذا وصلوا إلي احتجت إلى كلفة كثيرة، ومراكب تحملهم إلى إفريقية، عساكر من جهتي معهم، فإن فتحوا البلاد وكانت لهم وصارت مؤونتهم من صقلية وينقطع عني ما يصل إلي من المال من ثمن الغلات كل سنة، وإن لم يفتحوها رجعوا إلى بلادي وتأذيت بهم، ويقول تميم، صاحب إفريقية غدرت بي ونقضت عهدي، وتنقطع الأسفار بيننا وبين بلاد إفريقية، وإفريقية باقية متى وجدنا قوة أخذناه بها.\rثم أحضر رسوله وقال إذا عزمتم على جهاد المسلمين فاقصدوا بذلك فتح بيت المقدس وخلصوه من أيدهم، ويكون لكم الفخر، وأما إفريقية فبيني وبين أهلها أيمان وعهود، فاخرجوا إلى الشام.\rوقيل أن المستنصر، أو المستعلي، لما رأى قوة الدولة السلجوقية وتمكنها، وأنهم استولوا على ملك بلاد الشام إلى غزة، ولم يبق بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم، راسل الفرنج يدعوهم للخروج إلى الشام، ليملكوه، ويكونوا بينه وبين المسلمين، والله تعالى أعلم.","part":7,"page":480},{"id":3491,"text":"قال فلما عزم الفرنج على قصد الشام ساروا إلى قسطنطينية ليعبروا المجاز إلى بلاد الإسلام ويسيروا في البر فيكون أسهل عليهم، فمنعهم ملك الروم من ذلك، ولم يمكنهم أن يمروا من بلاده، وقال: لا أمكنكم من العبور إلا أن تحلفوا أنكم تسلمون إلي أنطاكية، وكان قصده أن يحثهم على الخروج إلى بلاد الإسلام ظناً منه أن الترك لا يبقون منهم أحداً لما أري من صرامتهم وملكهم البلاد.\rفأجابوه إلى ذلك وعبروا الخليج في سنة تسعين وأربعمائة، ووصلوا إلى بلاد قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، فلقيهم في جموعه ومنعهم، فقاتلوه وهزموه، وذلك في شهر رجب منها، ومروا في بلاده إلى بلاد ابن ليون الأرمني، فسلكوها وخرجوا منها إلى أنطاكية، فحصروها.\rقال المؤرخ: فلما سمع صاحبها ياغي سيان بتوجههم إليها خاف من النصارى الذين بها، فأخرج ما بها من المسلمين بمفردهم أول يوم وأمرهم أن يحفروا الخندق، ثم أخرج النصارى من الغد لذلك، فعلموا فيه إلى العصر، فلما أرادوا دخول البلاد منعهم، وقال لهم: أنطاكية لكم فهبوها لي حتى أنظر ما يكون بيننا وبين الفرنج، فقالوا: من يحفظ أولادنا ونساءنا؟ فقال: أنا أخلفكم فيهم فأمسكوا حتى صاروا في عسكر الإفرنج.\rوحصرت أنطاكية تسعة أشهر وظهر من حزم ياغي سيان واحتياطه وجودة رأيه ما يشاهد مثله، وهلك 75 أكثر الفرنج موتاً وقتلاً، وحفظ ياغي سيان أهل نصارى أنطاكية الذين أخرجهم، وكف الأيدي عنهم.\rفلما طال مقام الفرنج عليها راسلوا أحد المستحفظين للأبراج، وهو ذراد، ويعرف بروزبة، وبذلوا له مالاً إقطاعاً، وكان يتولى حفظ برج يلي الوادي، وهو مبنى على شباك في الوادي.\rفما تقرر الأمر بينهم وبينه، جاءوا إلى الشباك ففتحوه ودخلوا منه، وصعد جماعة كثيرة منهم بالحبال، فلما زاد عددهم إلى خمسمائة، ضربوا البوق وذلك عند السحر وقد تعب الناس من كثرة السهر والحراسة، فاستيقظ ياغي سيان وسأل عن الحال فقيل له: هذا البوق من القلعة ولا شك أنها قد أخذت ولم تكن من القلعة وإنما من البرج. فداخله الرعب؛ ففتح باب البلد وهرب في ثلاثين غلاماً، وجاء نائبه ليحفظ البلد، فقيل له انه قد هرب، فخرج من الباب الآخر هارباً، وكان ذلك إعانة للفرنج، ولو ثبت ساعة لهلكوا.\rثم أن الفرنج دخلوا البلد من بابه، ونهبوا وقتلوا من فيه من المسلمين.\rوأما ياغي سيان فإنه لما طلع النهار رجع إلى عقله وكان كالولهان فرأى نفسه وقد قطع عدة فراسخ؛ فقال لمن معه: أين أنا؟ فقالوا: على أربعة فراسخ من أنطاكية. فندم كيف خلص سالماً ولم يقاتل حتى يزيلهم عن البلد أو يقتل.\rوجعل يتلهف على ترك أهله وأولاد المسلمين، ويسترجع؛ فسقط لشدة ما ناله، وغشي عليه، فأراد أصحابه أن يركبوه فلم يكن فيه مسكة، وكان قد قارب الموت، فتركوه وساروا عنه، فاجتاز به إنسان أرمني كان يقطع الخشب وهو بآخر رمق فقتله وحمل رأسه إلى الفرنج بأنطاكية.\rمسير المسلمين لحرب الفرنج وما كان من أمرهم\rقال: ولما اتصل خبر أنطاكية بالأمير قوام الدين كربوقا صاحب الموصل جمع العساكر وسار لحربهم واجتمع معه الملك دقاق صاحب دمشق وصاحب حمص وصاحب سنجار. فلما بلغ الفرنج اجتماعهم عظمت عليهم المصيبة وداخلهم الخوف لما هم فيه من الوهن وقلة الأقوات .وسار المسلمون حتى نازلوا أنطاكية، فأساء كربوقا السيرة فيمن معه من المسلمين، فأغضب الأمراء وتكبر عليهم، ظناً منه أنهم يقيمون معه على هذا الحال. فأغضبهم ذلك وأضمروا في أنفسهم الغدر به إذا كان قتال، وعزموا على إسلامه عند الصدمة.\rقال: وأقام الفرنج بإنطاكية بعد أن ملكوها ثلاثة عشر يوما ليس لهم ما يأكلونه، فتقوت الأقوياء بدوابهم والضعفاء بالميتة وورق الشجر، فلما انتهت حالهم إلى ذلك أرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد، فلم يعطهم، وقال: لا يخرجون منه إلا بالسيف.\rوكان معهم من الملوك بغدوين وصنجيل وكندفري والقمص صاحب الرها وبيمند صاحب أنطاكية وهو مقدم العسكر، وكان معهم راهب مطاع فيهم فقال لهم: إن المسيح عليه السلام كان له حربة مدفونة بالقسيان الذي بأنطاكية، وهو بناء عظيم، فإن وجدتموها فإنكم تظفرون، وإن لم تجدوها فالهلاك متحقق.","part":7,"page":481},{"id":3492,"text":"وكان هو قد دفنها قبل ذلك وعفا أثرها، وأمرهم بالصوم ثلاثة أيام والتوبة؛ ففعلوا ذلك فلما كان اليوم الرابع أدخلهم جميعهم وجميع عامتهم والصناع، وحفروا عليها في ذلك المكان فوجدوها كما ذكر، فقال لهم: ابشروا بالظفر فخرجوا في اليوم الخامس من خمسة وستة إلى نحو ذلك، فقال المسلمون لكربوقا: ينبغي أن نقف على الباب فقتل كل من يخرج فإن أمرهم الآن سهل، فقال أمهلوهم حتى يتكاملوا؛ ولم يمكن من معاجلتهم، فقتل قوم من المسلمين جماعة من الخارجين، فجاء إليهم بنفسه ومنعهم.\rفلما تكامل خروج الفرنج ولم يبق أحد منهم في أنطاكية ضربوا مصافاً عظيماً، فانهزم العسكر الإسلامي لما عاملهم به كربوقا من الاستهانة بهم والإعراض عنهم، فتمت الهزيمة عليهم، ولم يضرب أحد منهم بسيف ولا طعن برمح، ولا رمي بسهم، وآخر من انهزم سقمان بن أرتق وجناح الدولة، لأنهما كانا في الكمين، وانهزم كربوقا معهم، فلما رأى الفرنج ذلك ظنوه مكيدة فخافوا أن يتبعوهم؛ وثبت جماعة من المجاهدين وقاتلوا حسبة ورغبة في الشهادة فقتل الفرنج منهم ألوفاً، وغنموا ما في العسكر من الأقوات والأموال والدواب، وغير ذلك، فصلحت حالهم وعادت إليهم قوتهم.\rملكهم معرة النعمان\r76 - قال المؤرخ: ثم سار الفرنج إلى معرة النعمان فنازلوها وحصروها، وقاتلهم أهلها قتالاً شديداً، فرأى الفرنج منهم شدة ونكاية عظيمة، فعمل الفرنج عند ذلك برجاً من خشب يوازي سور المدينة، ووقع القتال عليه، فصبر المسلمون على القتال إلى الليل، ثم خاف قوم منهم وفشلوا، وظنوا أنهم إذا تحصنوا ببعض الدور الكبار امتنعوا بها، فنزلوا عن السور وأخلوا مكانهم الذي كانوا يحفظونه، وفعلت طائفة أخرى مثل ذلك.\rولم تزل كل طائفة منهم تتبع الأخرى حتى خلا السور، فصعد الفرنج عليهم على السلالم، فلما علوه تحير المسلمين ودخلوا دورهم، ووضع الفرنج فيهم السيف ثلاثة أيام، فقتلوا ما يزيد على مائة ألف وسبوا السبي الكثير.\rوأقاموا بها أربعين يوماً وساروا إلى عرقة، فحصروها أربعة أشهر، ونقبوا سورها عدة نقوب ولم يقدروا عليها، وراسلهم ابن منذر صاحب شيزر، وصالحهم عليها، ثم ساروا إلى حمص وحصروها، فصالحهم صاحبها جناح الدولة، وخرجوا على طريق النواقير إلى عكا فلم يقدروا عليها؛ فساروا إلى البيت المقدس.\rاستلائهم خذلهم الله تعالى على البيت المقدس\rكان استيلاء الفرنج، خذلهم الله تعالى، على البيت المقدس في يوم الجمعة، ضحى، لسبع بقين من شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وكان إذ ذاك بيد افتخار الدولة نيابة عن المستعلي بالله، فإنه كان بيد تاج الدولة تتش السلجقي صاحب الشام، واقطعه للأمير سقمان بن أرتق التركماني، فجاءه الأفضل أمير الجيوش واستولى عليه، وبقي بيد نوابه إلى الآن.\rفقصده الفرنج عند عجزهم عن فتح عكا، وحصروه نيفاً وأربعين يوماً، ونصبوا عليه برجين، أحدهما من ناحية صهيون، فأحرقه المسلمون وقتلوا جميع من فيه من الفرنج.\rفلما فرغوا من ذلك أتاهم الصارخ أن المدينة قد ملكت من الجانب الآخر، وهو الجانب الشمالي، وركب الناس السيف ولبث الفرنج أسبوعاً يقتلون فيهم.\rواحتمى جماعة من المسلمين بمحراب داود وقاتلوا فيه ثلاثة أيام، فبذلك لهم الفرنج الأمان، فسلموه إليهم، فوفوا لهم، وخرجوا ليلاً إلى عسقلان وأقاموا بها.\rوقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً، منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم، وعبادهم وزهادهم، ممن فارق أهله، ووطنه وجاور بذلك الموضع الشريف. وأخذوا من عند السخرة نيفاً وأربعين قنديلاً من الفضة، زنة كل قنديل ثلاث آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنورا من فضة وزنه أربعون رطلاً، بالرطل الشامي، وأخذوا من القناديل الصغار مائة وخمسين قنديلاً من الفضة، ومن الذهب نيفاً وعشرين قنديلاً. وغنموا ما لا يقع عليه الإحصاء.","part":7,"page":482},{"id":3493,"text":"وورد إلى بغداد القاضي سعيد القروي في شهر رمضان، ومعه جماعة، يستنفرون الناس، وأوردوا في الديوان كلاماً أبكى العيون، وصدع القلوب واستغاثوا بالجامع يوم الجمعة، وبكوا، وذكروا ما نزل بالمسلمين من البلاء، وما حل بهم من المصيبة. فأمر الخليفة أن يسير القاضي أبو محمد الدامغاني، وأبو بكر الشاشي، وغيرهما، إلى السلطان بسبب ذلك، فاتفق ما ذكرناه من الاختلاف الذي وقع بين الملوك السلجقية، فتمكن الفرنج من البلاد.\rقال: ولما اتصل خبر هذه الحادثة العظيمة بالأفضل أمير الجيوش جمع العساكر وخرج إليهم، فقاتلهم في شهر رمضان من السنة. ثم كبسه الفرنج هو ومن معه، وهم على غير تعبئة، فهزموهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة. وحاصر الفرنج عسقلان، فصالحهم أهلها على عشرة آلاف دينار، وقيل عشرين ألف دينار، فعادوا إلى القدس.\rقال: وكان الذي ملك البيت المقدس من الفرنج كندفرى.\rظفر المسلمين بالفرنج\rقال المؤرخ: وفي ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة لقي كمتكين بن الدانشمند طايلو، وهو صاحب ملطية وسيواس، بيمند الفرنجي بالقرب من ملطية، وكان صاحبها قد كاتبه واستقدمه عليه، فورد عليه في خمسة آلاف، فلقيهم ابن الدانشمند، وقاتلهم، فهُزم بيمند وأُسر.\rثم وصل من البحر سبعة قناصة من الفرنج، فأرادوا خلاص بيمند، فأتوا إلى قلعة أنكورية فأخذوها وقتلوا من بها من المسلمين، وساروا إلى قلعة أخرى فحصروها وفيها إسماعيل بن الدانشمند فجمع الدانشمند جمعاً كثيراً، ولقي الفرنج، وجعل له كميناً فقاتلهم وخرج عليهم الكمين فقتلهم. وكانوا ثلاثمائة ألف لم يفلت منهم غير ثلاثة آلاف هربوا.\rوسار ابن الدانشمند إلى ملطية فملكها وأسر صاحبها.\rقال أبن الأثير الجزري: وكانت هذه الوقائع في شهر و قريبة.\rقال: ولم يزل بيمند في أسره إلى سنة خمس وتسعين، فأخذ منه مائة ألف دينار وأطلقه.\rقتل كندفري\rوملك أخيه بغدوين وما استوى عليه الفرنج من البلاد وهي: حيفا. وأرسوف. وقيسارية. والرها. وسروج وفي سنة أربع وتسعين وأربعمائة سار كندفري صاحب البيت المقدس إلى عكا، فحاصرها، فأصابه سهم فقتله. وكان قد عمر مدينة يافا وسلمها إلى قمص من الفرنج اسمه طنكري. فلما قتل كندفري سار أخوه بغدوين إلى البيت المقدس في خمسمائة فارس وراجل، فبلغ ذلك الملك شمس الملوك دقاق صاحب دمشق، فنهض إليه في عسكره ومعه الأمير جناح الدولة في جموعه، فنصر على الفرنج.\rوفي هذه السنة ملك الفرنج مدينة حيفا عنوة وهي على ساحل البحر بالقرب من عكا، وملكوا أرسوف بأمان وأخرجوا أهلها منها، وملكوا قيسارية بالسيف وقتلوا أهلها. وفيها ملك الفرنج مدينة سروج من ديار الجزيرة، وكانوا قبل ذلك قد ملكوا الرها بمكاتبة من أهلها لأن أكثر أهلها أرمن. فما كان الآن جمع الأمير سقمان بن أرتق جمعاً عظيماً من التركمان وزحف بهم إليهم، فلقوه وقاتلوه، فهزموه في شهر ربيع الأول. فلما تمت الهزيمة على المسلمين سار الفرنج إلى سروج، فتسلموها، وقتلوا كثيراً من أهلها وسبوا حريمهم، ونهبوا أموالهم، ولم يسلم منهم إلا من انهزم.\rأخبار صنجيل الفرنجي\rوما كان منه في حروبه وحصار طرابلس والطوبان وملك أنطرسوس وفي سنة خمس وتسعين وأربعمائة لقي صنجيل الملك قلج أرسلان صاحب قونية، وصنجيل في مائة ألف مقاتل وقلج في عدد يسير، واقتتلوا، فانهزم الفرنج وأسر كثير منهم، وفاز قلج بالظفر والغنيمة. ومضى صنجيل مهزوماً في ثلاثمائة، فوصل إلى الشام، فأرسل فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس إلى الأمير جناح الدولة بحمص وإلى الملك دقاق بدمشق يقول: من الصواب معاجلة صنجيل إذ هو في العدد يسير.\rفخرج إليه جناح الدولة بنفسه وسير دقاق ألفي مقاتل، أتتهم الإمداد من طرابلس. وصافوا صنجيل فأخرج مائة ن عسكره إلى أهل طرابلس ومائة إلى عسكر دمشق وخمسين إلى عسكر حمص وبقي هو في خمسين.\rفأما عسكر حمص فانهزموا عند المشاهدة تبعهم عسكر دمشق.\rوأما عسكر طرابلس فإنهم قتلوا المائة الذين قاتلوهم، فحمل صنجيل في المائتين الباقيتين، فكسروا أهل طرابلس وقتلوا منهم سبعة آلاف رجل ونازل طرابلس وحصرها.","part":7,"page":483},{"id":3494,"text":"وأتاه أهل الجبل فأعانوه على حصرها، هم وأهل السواد، لأن أكثرهم نصارى. فقاتل من بها أشد قتال، فقتل من الفرنج ثلاثمائة: ثم هادنهم ابن عمار على مال وخيل، فرحل صنجيل عنهم إلى مدينة أنطرسوس، وهي من أعمال طرابلس، فحصرها وفتحها. وقتل من بها من المسلمين.\rورحل إلى حصن الطوبان، ومقدمه ابن العريض، فقاتلهم فنصر عليهم وأسر فارساً من أكابر فرسانهم، فبذل فيه صنجيل عشرة آلاف دينار وألف أسير فلم يجبه ابن العريض إلى ذلك.\rثم سار صنجيل إلى حصن الأكراد فحصره، فجمع أمير جناح الدولة عسكره ليسير إليه ويكبسه، فقتله باطنيٌ بالمسجد الجامع. فلما قُتل صبح صنجيل حمص من الغد ونازلها وملك أعمالها.\rملك الفرنج جبيل وعكا\rوفي سنة سبع وتسعين وأربعمائة وصلت مراكب من بلاد الفرنج إلى مدينة لاذقية، فيها التجار والمقاتلة والحجاج وغيرهم، فاستعان بهم صنجيل الفرنجي على حصار طرابلس فحاصروها معه وضايقوها، فلم يروا فيها مطمعاً، فرحلوا عنها إلى مدينة جبيل فحصروها وقاتلوا عليها قتالاً شديداً. فلما رأى أهلها عجزهم عن الفرنج طلبوا الأمان على تسليمها، فبذل لهم صنجيل الأمان، وتسلم البلد منهم فلم يَفِ لهم. وأخذ الإفرنج أموالهم وعاقبوهم عليها بأنواع العذاب. ثم ساروا إلى عكا نجدة لبغدوين، صاحب القدس، على حصارها، فنازلوها وحصروها في البر والبحر، وعليها زهر الدولة الجيوشي، فقاتلهم أشد قتال. فلما عجز عن حفظ البلد فارقه، وملك الفرنج عكا بالسيف، وفعلوا بأهلها الأفعال الشنيعة. وساروا منها إلى دمشق ثم إلى حمص.\rوفي سنة تسع وتسعين وأربعمائة ملك الفرنج حصن أفامية وسرمين من أعمال حلب.\rوفي سنة اثنتين وخمسمائة فتح السرداني عرقة، وذلك أنها كانت بيد غلام فخر الملك بن عمار وقد عصى على مولاه، فضاق به القوت وانقطعت عنه الميرة، فكاتب طغزتكين صاحب دمشق أن يرسل إله من يتسلم الحصن لعجزه عن حفظه. فبعث إليه طغزتكين صاحباً له اسمه إسرائيل في ثلاثمائة، فتسلم الحصن. فلما نزل غلام ابن عمار رماه إسرائيل بسهم فقتله في الاختلاط طمعاً في المال الذي بعرقة لئلا يطلع طغزتكين عليه.\rقال وأراد طغزتكين أن يشحن الحصن بالعساكر والأقوات، فتوالت الأمطار والثلج مدة شهرين، فعجز عن ذلك. فلما انقطع المطر ركب أربعة آلاف فارس وجاءوا إلى عرقة، فتوجه إليه السرداني وهو يحاصر طرابلس ومعه ثلاثمائة فارس، فانهزم عسكر طغزتكين عندما أشرفت الخيل من غير قتال، فأخذ السرداني أثقالهم وتسلم الحصن بأمان، وقبض على إسرائيل، وقال لا أطلقه إلا بفلان وهو من أكابر الفرنج كان أسيراً، ففودي لم يتمكن منها وعجز عن الاستيلاء عليها بنى بالقرب منها حصناً وجعل تحته ربضاً، وأقام يرصدها ينتظر فرصة، فخرج فخر الملك أبو علي بن عمار، صاحب طرابلس، فأحرق ربضه، فوقف صنجيل على سقوفه المحروقة، ومعه جماعة من القمامصة والفرسان، فانخسف بهم. فمرض صنجيل عشرة أيام، ومات، وحُمل إلى القدس فدفن هناك. وذلك في سنة تسع وتسعين وأربعمائة.\rوأما طرابلس فإن ابن عمار لما فارقها راسل أهلها الأفضل أمير الجيوش يلتمسون منه والياً يكون عندهم ومعه الميرة في البحر، فسير إليهم الأفضل شرف الدولة بن أبي الطيب والياً، ومعه الغلال وغيرها. فلما صار إليها قبض على جماعة من أهل ابن عمار واستولى على ما وجده من أمواله وذخائره.","part":7,"page":484},{"id":3495,"text":"فما كان في شعبان سنة ثلاث وخمسمائة وصل أسطول كبير من بلد الفرنج، مقدمه قمص كبير اسمه ريمند بن صنجيل، ومراكبه مشحونة بالرجال والسلاح والميرة وليس ربمند هذا ابن صنجيل صاحب الحصن المقدم ذكره. فنزل على طرابلس وكان السرداني وهو ابن أخت صنجيل محاصراً لها قبله، فجرت بينهما فتنة أدت إلى الشر والقتال فوصل تتكري صاحب أنطاكية إليها إعانة للسرداني، ووصل بغدوين صاحب البيت المقدس في عسكره، فأصلح بينهم ونزل الفرنج بأجمعهم على طرابلس وضايقوها، وذلك في شعبان، وألصقوا أبراجهم بسورها، فلما شاهد الجند وأهل البلد ذلك سقط في أيديهم، وذلت نفوسهم، وزادهم ضعفاً. فتأخر الأسطول المصري عنهم بالميرة والنجدة، وداوم الفرنج القتال والزحف إلى أن ملكا البلد عنوة، وذلك في يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، سنة ثلاث وخمسمائة. ونهبوا ما فيها، وأسروا الرجال، وسبوا النساء والذرية، وغنموا من أهلها من الأموال والأمتعة وكتب العلم الموقوفة ما لا يحد ولا يوصف.\rوكانت طرابلس من أعظم البلاد وأهلها من أكثر الناس أموالاً.\rوسلم الوالي الذي كان بها وجماعة من جندها كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها، فوصلوا إلى دمشق، وعاقب الفرنج أهل طرابلس بأنواع العقوبات، وأخذت دفائنهم وذخائرهم.\rووصل الأسطول المصري بالرجال والغلال وغيرها، ما يكفيهم سنة، وكان وصول الأسطول إليها بعد أن ملكت بثمانية أيام، ففرق ما في الأسطول على الجهات المجاورة لها: صور وصيدا وبيروت.\rملك الفرنج جبلة وبلنياس\rقال: ولما فرغ الفرنج من طرابلس سار تنكري صاحب أنطاكية إلى بلنياس فافتتحها وأمن أهلها، ونزل على مدينة جبلة وبها فخر الملك ابن عمار، وكان القوت قد قل بها، فقاتل من بها إلى أن ملكها في الثاني والعشرين من ذي الحجة بالأمان.\rوخرج فخر الملك ابن عمار وقصد شيزر، فأكرمه صاحبها الأمير سلطان ابن علي بن منقذ الكناني. ثم سار إلى دمشق فأكرمه طغزتكين صاحبها، وأجزل له في العطية وأقطعه أعمال الزبداني، وذلك في المحرم سنة أربع وخمسمائة.\rملكهم مدينة صيدا\rوفي جمادى الأولى سنة أربع وخمسمائة ملك الفرنج مدينة صيدا، وكانت من جملة ما هو بيد طغزتكين صاحب دمشق. وذلك أنه وصل في البحر ستون مركباً للفرنج مشحونة بالرجال والذخائر مع بعض ملوكهم، ليحج إلى القدس ويغزو المسلمين بزعمه، فاجتمع به بغدوين صاحب القدس وقرر معه الغزو فنزلوا على مدينة صيدا في ثالث شهر ربيع الآخر، وضايقوها في البر والبحر، ومنعوا الأسطول المصري من الوصول إليها، وكان بساحل مدينة صور، فعمل الفرنج برجاً من الخشب وأحكموه، وجعلوا عليه ما يمنع النار والحجارة عنه، وزحفوا به. فلما عاين أهل صيدا ذلك ضعفت نفوسهم وأشفقوا أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل بيروت، فأرسلوا قاضيها ومعه جماعة من شيوخها إلى الفرنج وطلبوا الأمان، فأمنهم على نفوسهم وأمواله والعسكر الذي عندهم، ومن أراد المقام بها عندهم أمنوه، ومن أراد المسير عنهم لا يمنعونه، وحلفوا لهم على ذلك فخرج الوالي وجماعة كثيرة معه تحت الأمان، وكانت مدة الحصار سبعة وأربعين يوماً.\rورحل بغدوين عنها إلى القدس، ثم عاد إليها بعد مدة يسيرة يقرر على المسلمين الذين أقاموا بها عشرين ألف دينار، فاستغرق أموالهم وأفقرهم.\rحصن الأثارب\rوحصن زردنا وفي سنة أربع وخمسمائة جمع صاحب أنطاكية الفارس والراجل وسار إلى حصن الأثارب، وهو على ثلاث فراسخ من حلب، فحصره ومنع لميرة عمن فيه، فضاق الأمر عليهم. فنقب المسلمون من القلعة نقباً وقصدوا أن يخرجوا منه إلى خيمة صاحب أنطاكية فيقتلوه. فلما فعلوا ذلك استأمن إليه صبي أرمني فعرفه الحال، فاحتاط لنفسه واحترز، وجدّ في قتالهم حتى ملك الحصن عنوة، وقتل من أهله ألفي رجل وسبى.\rثم سار إلى حصن زردنا، فحصره وفتحه، وفعل بأهله مثل ذلك. فلما سمع بذلك أهل منبج فارقوها خوفاً من الفرنج، وكذلك أهل بالس، فطلب أهل الشام الهدنة، فامتنع الفرنج ثم أجابوا. فصالحهم الملك رضوان صاحب حلب على اثنتين وثلاثين ألف دينار، وخيول وثياب، وصالحهم ابن منقذ صاحب شيزر على أربعة آلاف دينار، وصالحهم علي الكردي صاحب حماة على ألفي دينار. وكانت عدة الهدنة إلى إدراك المغل وحصاده. ثم جاءت العساكر من العراق ولم يبلغوا غرضاً.","part":7,"page":485},{"id":3496,"text":"حصر مدينة صور وفتحها\rكان استيلاء الفرنج، خلهم الله تعالى، على مدينة صور في الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة ثماني عشرة وخمسمائة. وكان ابتداء الحصار في سنة خمس وخمسمائة، وذلك أن الفرنج في هذه السنة اجتمعوا مع بغدوين صاحب القدس على حصارها. وكانت إذ ذاك بيد نواب الآمر بأحكام الله وبها من قبله عز الملك الأعز، فحصروها في الخامس والعشرين من جمادى الأولى من السنة، وعملوا ثلاثة أبراج من الخشب علو البرج سبعون ذراعاً في كل برج ألف رجل، ونصبوا عليها المجانيق. وألصقوا أحد الأبراج بسور صور، فجمع عز الملك أهل البلد واستشارهم في حيلة يدفعون بها شر الأبراج. فقام شيخ من أهل طرابلس وضمن إحراقها، وأخذ ألف رجل بالسلاح التام، ومع كل رجل حزمة حطب، فقاتلوا الفرنج حتى وصلوا إلى البرج الملتصق بالسور وألقوا الحطب من جهاته، وأشعلوا فيه النار. ثم خاف أن يشتغل الفرنج الذين في الأبراج بإطفاء النار، فرماهم بجرار مملوءة بالعذرة كان قد أعدها لهم فلما سقطت عليهم اشتغلوا بما نالهم من الرائحة الكرهة، فتمكنت النار من البرج. وأحرق المسلمون البرجين الآخرين أيضاً.\rوكاتب عز الملك طغزتكين، صاحب دمشق فأنجده بالرجال، وأرسل أصحابه للإغارة على بلاد الفرنج، فرجعوا من حصار مدينة صور في شوال من السنة.\rثم عادوا في سنة ست وخمسمائة إلى الحصار، وضايقوا البلد، فأرسل أهل صور إلى طغزتكين صاحب دمشق يطلبون منه أن يرسل إليهم من جهته من يتولى أمرهم ويحميهم، وتكون البلد له. فسير إليهم عسكراً، وجعل عندهم والياً اسمه مسعود، وكان شهماً شجاعاً عارفاً بالحرب ومكايدها، وأمده بالعساكر والميرة، فطابت قلوب أهل البلد. ولم يقطع خطبة الآمر بأحكام الله ولا غير سكته، وكتب إلى الأفضل أمير الجيوش يعرفه ما عمل ويقول: متى وصل من مصر من يتولاها ويذب عنها سلمتها إليه، وطلب منهم ألا ينقطع الأسطول عنها بالرجال والميرة. فأجابه الأفضل إلى ذلك، وشكره على ما فعل، وجهز أسطولاً إليها، فاستقامت أحوال أهلها.\rولم يزل كذلك إلى سنة ست عشرة وخمسمائة، بعد قتل الأفضل أمير الجيوش. وذلك أن المأمون بن البطائحي لما ولى إمرة الجيوش بعد قتل الأفضل سير إلى مدينة صور أسطولاً على العادة، وأمر المقدم عليه أن يعمل الحيلة على الأمير مسعود، الوالي من قبل طغزتكين، ويقبض عليه، ويتسلم البلد منه. وكان سبب ذلك أن أهل صور شكوا منه إلى الآمر بأحكام الله.\rفلما وصل الأسطول وجاء الأمير مسعود ليسلم على المقدم قبض المقدم عليه واعتقله، وحمله إلى الآمر، فأكرمه وأعاده إلى صاحبه بدمشق. واستولى مقدم الأسطول على مدينة صور، وراسل الأمير طغزتكين بالخدمة، واعتذر إليه، فقبل عذره، ووعده المساعدة.\rفما سمع الفرنج بانصراف مسعود عن صور قوى طمعهم فيها، وشرعوا في الجمع، واتصل خبرهم بواليها، فعلم أنه لا قوة له ولا طاقة بهم، لقلة من بها من الجند والميرة، وأرسل إلى الآمر بذلك، فرأى أن يرد ولاية صور إلى طغزتكين، فأرسل إليه بذلك، فملكها ورتب بها الجند وغيرهم.\rوسار الفرنج إلى صور، ونازلوها في شهر ربيع الأول سنة ثماني عشرة، وضيقوا عليها ولازموا القتال، فقلت الأقوات، وسئم من بها القتال، وضعفت نفوسهم. وسار طغزتكين إلى بانياس ليقرب منها ويذب عن البلد، وأرسل إلى الآمر يستنجده، فلم ينجده، وأشرف أهلها على الهلاك. فحينئذ راسل طغزتكين الفرنج على أن يسلم إليهم البلد ويمكنوا من بها من الجند والرعية ن الخروج بما قدروا عليه من أموالهم وغيرها فاستقرت القاعدة على ذلك، وفتحت أبواب البلد، وفارقه أهله، وحملوا ما أطاقوا وتفرقوا في البلاد، ولم يتعرض الفرنج إليهم. وملك الفرنج البلد في التاريخ الذي قدمناه، ولم يبق بصور إلا ضعيف عاجز عن الحركة.\rوفي سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة ملك الفرنج حصن القدموس من المسلمين، وملكوا بانياس بمراسلة إسماعيل الإسماعيلي ورغبته في ذلك، وانضمامه إلى الفرنج، على ما قدمناه ذكره في أخبار تاج الملوك طغزتكين صاحب دمشق.\rهذا ما استولى عليه الفرنج من البلاد الإسلامية. فلنرجع إلى أخبار الدولة العبيدية.\rوفاة المستعلي بالله\rكانت وفاته في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة.","part":7,"page":486},{"id":3497,"text":"ومولده لعشر بقين من المحرم سنة سبع وستين وأربعمائة، وكان عمره ثمانيا وعشرين سنة وثمانية وعشرين يوماً.\rومدة ولايته سبع سنين وشهراً واحداً وثمانية وعشرين يوماً.\rولم تكن له سيرة تذكر، فإن الأمر كان للأفضل أمير الجيوش، لم يكن للمستعلي معه من الأمر إلا الاسم، والرسم للأفضل.\rوكان للمستعلي من أولاد أبو علي المنصور، وجعفر، وعبد الصمد.\rوزيره الأفضل أمير الجيوش.\rقضاته: أبو الحسن بن الكحال النابلسي، ثم أعاد بن عبد الحاكم، ثم أبو طاهر محمد بن رجاء، ثم أبو الفرج محمد بن جوهر بن ذكا النابلسي.\rبيعة الآمر بأحكام الله\rهو أبو علي المنصور بن المستعلي بالله، وهو العاشر من ملوك الدولة العبيدية والسابع من ملوك الديار المصرية منها.\rقال المؤرخ: لما مات المستعلي بالله أجلس الأفضل أمير الأفضل أمير الجيوش ولده أبا علي هذا سرير الخلافة، وذلك في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وبايع له الناس ولقبه بالآمر بأحكام الله وله من العمر خمس سنين وشهر واحد وأيام.\rقال: ودبر الأفضل الأمر على ما كان عليه في أيام أبيه المستعلي.\rوفي سنة خمسمائة بني الأفضل أمير الجيوش الدار المعروف بدار الملك على شاطئ النيل بمصر، وكملت عمارتها في سنة إحدى وخمسمائة، وسكنها.\rومدحه الشعراء. فمن مدحه أبو الفضل بن أمية المغربي من قصيدة جاء منها:\rدار هي الفلك الأعلى، وأنت بها ... شمس الضحى، وبنوك الأنجم الزهر\rودار الملك هذه هي دار الوكالة الآن، وكان موضعها أخصاص موقوفة على الأشراف، فأمر أن يؤخذ ما كان لهم من الحكر على الأخصاص من مال الرياع السلطانية.\rإنشاء ديوان التحقيق\rوفي سنة إحدى وخمسمائة جدد الأفضل ديواناً وسماه ديوان التحقيق، واستخدم فيه أبا البركات يوحنا بن أبي الليث النصراني، وبقي فيه إلى أن قتل في سنة ثمان وعشرين. واستمر هذا الديوان إلى أن انقرضت الدولة العبيدية وانقطع، ثم أعاده السلطان الملك الكامل بن الملك العادل في سنة أربع وعشرين، واستخدم فيه أبو كوجك اليهودي. ثم أبطل في سنة ست وعشرين وستمائة فلم يعد. واستخدم في أيام السلطان الملك المعز أيبك صفي الدين عبد الله بن علي المغربي في استيفاء مقابلة الدواوين، وهو نوع منه.\rحل الإقطاعيات\rوتحويل السنة وفي سنة إحدى وخمسمائة كثرت شكاوى الأجناد وطوائف العساكر المصرية بسبب إقطاعياتهم، وأنها خربت وقل ارتفاعها، وأنها لا تقوم ببعض كلفهم، وأن الإقطاعيات التي بيد الأمراء زائدة عن الارتفاع. فأحضر الأفضل محمد بن فاتك البطائحي، وهو وزيره وأستاذ داره، واستشاره فيما يفعل في ذلك، فأشار عيه بحل جميع الإقطاعيات التي بيد الأمراء وغيرهم، وأن يجمع الأمراء والطوائف للمزايدة فيها. فاتفق الرأي على ذلك.\rوأحضر الأمراء والأجناد في دار الوزارة، وتحدث معهم في ذلك، فقال الأمراء: لنا في إقطاعياتنا أملاك وبساتين ومعاصر وغيرها. فقال الأفضل: الأملاك لملاكها على حالها يتصرفون فيها بالبيع والإيجار.\rثم حل الإقطاعيات ووقعت الزيادة فيها، وتميز لكل منها إقطاع، وكتبت بذلك المناشير بذلك. ثم شكى إليه كثرة عبرة البلاد وأن متحصلها لا يفي بالعبرة.\rوحصل للديوان ضياع مفرده عبرتها خمسون ألف دينار في كل سنة.\rونقلت السنة الشمسية الخراجية إلى الهلالية، وكانت سنة إحدى وخمسمائة الهلالية وسنة سبع وتسعين وأربعمائة الخراجية فنقلت إلى سنة إحدى وخمسين.\rأخذ الفرما\rوهلاك بغدوين الفرنجي صاحب القدس وفي سنة إحدى عشرة وخمسمائة أغار بغدوين ملك الفرنج على الفرما وقتل جميع من بها، وأحرق جامعها ومساجدها، وذلك بعد أن حاصرها أياماً والفرما كانت بلدة بين القصير والغرابي من منال الرمل، وهي الآن خراب. وقصد بغدوين مصر فرحل عن الفرما. ورجع إلى البيت المقدس، وهو مثقل بالمرض، فهلك بموضع يقال له جور قبل وصوله إلى العريش. فشق الفرنج بطنه وألقوا مصارينه هناك، فهي ترجم إلى وقتنا هذا، ودخلوا بجثته، فدفنوها بقمامة بالبيت المقدس.","part":7,"page":487},{"id":3498,"text":"وفي سنة إحدى عشرة وخمسمائة رتب ذخيرة الملك جعفر في ولاية القاهرة، ونظر الحسبة وظلم وعسف، وهو الذي بنى المسجد بسوق الخيل المعروف: بالذخيرة، ومسجد لا بالله، وسبب تسميته بلك أنه كان يقبض الناس من الطريق ويعسفهم، فيقولون لا بالله، فيقيدهم ويستعملهم فيه بغير أجرة. ولم يعمل فيه صانع إلا وهو مكره مقيد. فابتلى الله ذخيرة الملك بأمراض شديدة، لما مات تجنب الناس الصلاة عليه وتشييعه.\rنهب ثغر عيذاب\rوفي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة عمر الشريف أبو محمد قاسم بن أبي هاشم، أمير مكة، مراب حربية وشحنها بالمقاتلة وسيرهم إلى عيذاب، فنهبوا مراكب التجار وقتلوا جماعة منهم. فحضر من سلم من التجار إلى باب الأفضل وشكوا ما حل بهم فأمر بعمارة حراريق بجهزها، ومنع الناس أن يحجوا في سنة أربع عشرة، وقطع الميرة عن الحجاز، فغلت الأسعار. وكان الأفضل قد كتب إلى الأشراف بمكة يلومهم على فعل صاحبهم، فكتب الشريف إلى الأفضل يعتذر، والتزم برد المال إلى أربابه، ومن قتل من التجار فماله لورثته. وأعاد الأموال في سنة خمس عشرة.\rمقتل الأفضل شاهنشاه\rأمير الجيوش ابن أمير الجيوش بدر الجمالي وشيء من أخباره كان مقتله في يوم الأحد سلخ شهر رمضان سنة خمس عشرة وخمسمائة، وقد ركب من دار الملك بمصر فقتل عند كرسي الجسر، تلة الباطنية. قيل بمواطأة من الآمر لأنه كان قد ضاق منه لتحكمه عليه ومنعه من شهواته، فقصد اغتياله إذا دخل عليه للسلام، فمنعه أبو الميمون عبد المجيد بن أبي القاسم، ابن عمه، وقال: إن هذا الأمر فيه من قبح الأحدوثة وسوء الشناعة ما لا تحمد عاقبته، لأن هذا الرجل ما عرف له ولا لأبيه إلا المودة في خدمة هذا البيت والذب عنه، وإن قتلناه غيلة لا غنية أن نولي منصبه لغيره، فيكون المتولي بعده على وجل واحتراس. وإنما الرأي أن ندبر عليه. فدبر عليه حتى قتل. هذا كان أحد الأقوال في قتله.\rقال: ولما وثب الباطنية عليه ضرب ثماني ضربات، فمات لوقته، وحمل على أيدي مقدمي ركابه، والقائد الميمون محمد وأخوته لا يمكنون أحداً من الدنو منه، وهم يبشرون الناس بسلامته، حتى وضعوه على سريره وغطى. ونفذ المأمون أخاه حيدرة إلى الآمر يقول له: أدركني وتسلم ملكك لئلا أغلب عليه أنا وأنت، وأوصاه أن يهنء من وجده بسلامة الأفضل. ففعل حيدرة ذلك، وهنأ حرم الأفضل وغيرهم. فعزم أولاده على إثارة فتنة وأنهم يطلبون الآمر لأخيهم تاج المعالي، فأمر الآمر بحمل أولاد الأفضل إلى الاعتقال بخزانة البنود، فحملوا إليها، وبات الأمر بدار الملك.\rقال: وكان الأفضل حسن الاعتقاد في مذهب السنة، جميل السيرة، مؤثراً للعدل، صائب الرأي والتدبير، حسن الهمة، كريم النفس، صادق الحديث.\rونال الناس بعد قتل الأفضل من الظلم والجور والعسف ما لا يعبر عنه. فجاء الناس إلى باب الآمر واستغاثوا، ولعنوا الأفضل وسبوه أقبح سب، فخرج إليهم الخدم وقالوا: مولانا يسلم عليكم ويقول لكم: ما السبب في سب الأفضل وقد كان قد أحسن إليكم وعدل فيكم؟ فقالوا: إنه عدل وتصدق وحسن آثاره، ففارقنا بلادنا حباً لأيامه، وأقمنا في بلده فحصل بعده هذا الجور، فهو السبب في خروجنا عن أوطاننا واستقرارنا ببلده.\rقال المؤرخ: لما قتل الأفضل أحضر الآمر وزيره الشيخ أبا الحسن علي الحلبي والقائد عبد الله محمداً وسألهما عن الأموال، فقال القائد: أما السر فأعلمه وأما الظاهر فالوزير يعلمه، وأخبراه بذخائره وأمواله. وأقام الآمر في دور الأفضل، وهي دار الملك بمصر ودار الوزارة بالقاهرة، وغيرهما، أربعين يوماً، والكتاب بين يديه يكتبون ما ينقلونه إلى القصور، فوجد له من الذخائر النفيسة ما لا يحصى.","part":7,"page":488},{"id":3499,"text":"وذكر أن الذي وجد له من الأموال ستة آلاف دينار عيناً، وفي بيت الخاصة ثلاث آلاف ألف دينار، وفي البيت البراني ثلاثة آلاف ألف ومائتان وخمسون ديناراً، وخمسون أردباً دراهم ورق وثلاثون راحلة من الذهب العراقي المغزول برسم الرقم، وعشرة بيوت في كل بيت منها عشرة مسامير من الذهب، زنة كل مسمار مائتا مثقال، عليها العمائم المختلفة الألوان مغطاة بالمناديل المزركشة، وتسعمائة ثوب من الديباج الملون، وخمسمائة صندوق من دق دمياط وتنيس برسم كسوة جسده، ولعبة من العنبر على قدر جسده برسم ثيابه توضع ثيابه عليه لتكبسم رائحتها. وترك من الطيب والآلات والنحاس ما لا يحصى. وترك من الأبقار والجواميس والأغنام ما بلغ ضمان ألبانها ونتاجها أربعين ألف دينار في السنة. وكانت الدواة التي يكتب منها مرصعة بالجواهر، فقوم ما عليها من الجواهر باثني عشر ألف دينار. وخلف من الكتب خمسمائة ألف مجلد.\rوحكى القاضي زكي الدين أبو زكريا يحيى بن علي الدمشقي في تاريخه عما خلفه الأفضل فقال: خلف. جملة لم يسمع أن أحداً من الملوك والخلفاء في هذا الزمان جمع مثله و لا ادخر مثل بعضه: وأن الآمر بأحكام الله شرع في حمل ما في دوره إلى القصر، فحلم على عدة كثيرة من الجمال والبغال، ونقل في شهرين وأيام.\rقال: وحكى الدينبلي التاجر الآمدي أن متولي الخزانة بالقصور ذكر له جملاً مما حمل من موجودة في الدار، منها ستة آلاف ألف وأربعمائة ألف دينار، ومن الورق ما قيمته مائتا ألف وعشرون ألف دينار، ومن أطباق الذهب والفضة سبعمائة طبق، ومن الآلات مثل أتوار واصطال وصحاف وشربات وأباريق وزبادي وقدور وقطع من الفضة والذهب مختلفة الأجناس ما لا يحصى كثيرة، وبراني صيني كبار، وعيبات مملوءة جواهر، ومن أصناف الديباج العابي وغيره تسعون ألف ثوب، وثلاث خزائن مملوءة صناديق كلها من الدبيقي والشرب استعمال تنيس ودمياط، وخزانة الطيب مملؤة أسفاطاً، وعود، وبراني مسك ونوافج، وبراني زجاج مملوءة من الكافور القنصوري، غير مصاعد، ومن العنبر ما لا يحصى كثرة.\rوكان له مجلس يجلس فيه للشراب في ه صور ثماني جواري متقابلات، أربع منهن بيض من كافور، وأربع سود من عنبر، قيام في المجلس، عليهن أفخر الثياب وأثمن الحلي وأحسن الجواهر، فكان إذا دخل باب المجلس نكسن رؤوسهن خدمة له، فإذا جلس في صدر المجلس استوين قائمات. ووجد له من المقاطع والستور، والديباج والدبيقي الحريري، والذهب، والفرش، والمخاد والمساند على اختلاف أجناسها، كل حجرة مملوءة من ذلك، وعدة صناديق مملوءة حقاق ذهب عراقي برسم الاستعمال ووجد له ثمانمائة جارية منهن حظايا خمس وستون، لكل جارية حجرة وخزانة مملوءة من الكساوي والآلات الديباج والذهب والفضة. ومن كل صنف.\rقال الخازن: هذا ما حضرني حفظه مما في داره. وأما ما كان في مخازنه وتحت يد عماله وجباته وضمان النواحي فما لا يحصى كثرة، من الأموال والغلال والحبوب والقطن والكتان والشمع والحديد والأخشاب وغير ذلك. وكل نوع منه ما يجاوز الحد والإحصاء، ولا يمكن تحرير حسابه إلا في المدة الطويلة.\rوأما العدد والخيول والسلاح والبقر والغنم والخيام، فقال الخازن لم تتحرر لكثرتها. وقال حمل من داره أربعة آلاف بساط، وستون حمل طنافس، وخمسمائة قطعة بلور كبار وصغار، وخمسمائة قطعة محكم، وألف عدل من متاع اليمن والإسكندرية والغرب، وسبعة آلاف مركب من أصنافها.\rوأما ما عمره من المساجد فمنها: جامع الفيلة، وقيل إنه لم يكمله. وحكى الشريف محمد بن أسعد الجواني في كتابه المترجم بالنقط في ذكر الخطط أن جامع الفيلة بناه الأفضل في سنة ثمان تسعين وأربعمائة، وأن الأفضل مات ولم يكمله فكمله المأمون في وزارته، وولى خطابته الشريف أمين الدولة أبا جعفر، محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الطرابلسي النسابة، وأمر أن يحضر جميع وجوه الدولة والرؤساء في أول جمعة، فحضروا. فلما رقي الشريف المنبر قال: الحمد لله، وأرتج عليه دهش، فلم يزل يكررها إلى أن أضجر الناس، ونزل وقد هم، ومضى إلى داره، فاعتل ومات في سنة سبع عشرة وخمسمائة. ومنها المسجد الذي على جبل المقطم. وبنى في جامع عمر بن العاص المئذنة الكبيرة والمئذنة السعيدية. والمئذنة المستجدة به أيضاً وجامع الجيزة. وغير ذلك وهو الذي أنشأ التاج والخمسة وجوه.","part":7,"page":489},{"id":3500,"text":"قال ناظم سيرة المأمون: وعمل الأفضل خيمة سماها خيمة الفرج، ثم سميت بالقاتول لأنها كانت إذا نصبت يموت تحتها من الفراشين رجل أو رجلان. اشتملت على ألف ألف ذراع وأربعمائة ألف ذراع وكان ارتفاعها خمسين ذراعاً بذراع العمل، أنفق عليها عشرة آلاف ألف دينار.\rومدحه جماعة من الشعراء وذكروا هذه الخيمة، منهم أبو جعفر محمد بن هبة الله الطرابلسي بقصيدته التي يقول فيها:\rضربت خيمة عز في مقر علاً ... أوفت على عذبات الطود ذي القنن\rجاءت مدى الطرف، حتى خلت ذروتها ... تأوى من الفلك الأعلى إلى سكن\rأقطارها مُلئت من منظر عجب ... يهدي إليك ذكاء الصانع الفطن\rفمن رياض سقاها القطر صيبه ... فما بها ظمأ يوماً إلى المزن\rوجامع في عنان لا يجاذبه ... وطائر غير صداح على فنن\rوأرقم لا يمج السم ريقته ... وضيغم ليس بالعادي ولا الوهن\rومائلين صفوفاً في جوانبها ... لو يستطيعون خر الجمع للذقن\rزينت بأروع، لا تحصى فضائله ... ماض من المجد والعلياء في سنن\rوأطلع الدست فيها شمس مملكة ... يرى التأمل فضل العين والأذن\rوعد على السعد أن النصر يضربها ... بالصين، بعد فتوح الهند واليمن\rوقال أبو علي حسن بن زيد الأنصاري، الكابت بديوان المكاتبات، يصفها ويمدح الأفضل:\rمهلاً، فقد قصرت عن شأوك الأمم ... وأبدت العجز منها هذه الهمم\rأخيمة ما نصبت اليوم، أم فلك ... ويقظة ما نراه منك، أم حلم\rما كان يخطر في الأفكار قبلك أن ... تسمو علواً على أفق النهى الخيم\rحتى أتيت بها شماء شاهقة ... في مارن الدهر من تيه بها شمم\rإن الدليل على تكوينها فلكاً ... أن احتوتك، وأنت الناس كلهم\rومنها\rلديك جيش، وجيش في جوانبها ... مصور، وكلا الجيشين مزدحم\rإذا الصبا حركتها ماج موكبها ... فمقدم منهم فيها ومنهزم\rأخيها خيلك اللاتي تغير بها ... فليس تنزع عنها الحزم واللجم\rعلمت أبطالها أ، يقدموا أبداً ... فكلهم لغبار الحرب مقتحم\rأمنتهم أن يخافوا سطوة لردى ... فقد تسالمت الأسياف والقمم\rكأنها جنة، والقاطنون بها ... لايستطيل على أعمارهم هرم\rعَلَت، فخلنا لها سراً تحدثه ... للفرقدين وفي سمعيهما صمم\rإن أنبتت أرضها زهراً، فلا عجب ... وقد همت من كفها الديم\rقال المؤرخ: وكان للأفضل شعر حسن، فمن قوله في غلامه المعالي:\rأقضيب يميس، أم هو قدٌ ... أم شقيق يلوح، أم هو خد\rأنا مثل الهلال سقما عليه ... وهو كالبدر حين وافاه سعد\rوكانت ولاية لأفضل سبعاً وعشرين سنة وخمسة أشهر.\rإمرة الجيوش للمأمون البطائحي\rقال المؤرخ: وفي الخامس من ذي الحجة من سنة خمس عشرة وخمسمائة فوض الآمر بأحكام الله أمور الدولة وإمرة الجيوش للقائد أبي عبد الله محمد بن الأمير ثقة الدولة أبي شجاع فاتك بن الأمير منجد الدولة أبي الحسن مختار المستنصري المعروف بابن البطائحي، وكان قبل ذلك عند الأفضل أستاذ داره. واستقرت نعوته في سجله المقروء على كافة الأمراء والأجناد بالأجل المأمون، تاج الخلافة، وجيه الملك، فخر الصنائع، ذخر أمير المؤمنين. ثم نعت بعد ذلك بالأجل المأمون، تاج الخلافة، عز الإسلام، فخر الأنام، نظام الدين والدعاة. ثم نعت بعد ذلك بنعوت الأفضل وهي: السيد الأجل المأمون، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الأنام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين.","part":7,"page":490},{"id":3501,"text":"قال ناظم سيرة المأمون: ولما كان يوم الثلاثاء الثالث عشر من ذي الحجة من السنة، وهو يوم الهناء بعيد النحر، جلس المأمون في داره وقت أذان الفجر، وجاء الناس لخدمته للهناء على طبقاتهم في أرباب البيوت والأقلام، ثم الشعراء، وركب إلى القصور، فأتى باب الذهب، فوجد المرتبة المختصة بالوزارة قد هيئت له في موضعها الجاري به العادة، وأغلق الباب الذي اعتادها على الرسم المعتاد لوزير السيف والقلم، وهذا الباب يعرف بباب السرداب. فلما شاهد المرتبة توقف عن الجلوس عليها لأنه لم يذكر له ذلك قبل حضوره، ثم ألجأته الضرورة، لأجل حضور الأمراء، إلى الجلوس عليها فجلس وأولاده الثلاثة عن يمينه، وأخواه عن يساره، والأمراء المطوقون خاصة قائمون بين يديه، ومن عداهم لا يصل هذا الموضع. فما كان بأسرع من أن فتح الباب وخرج عدة من الأستاذين المحنكين وخرج إليه الأمير الثقة متولي الرسالة وزمام القصور، فوقف أمام المرتبة وقال: أمير المؤمنين يرد على السيد الأجل المأمون السلام. فوقف المأمون عند ذلك وقبل الأرض، وجلس في موضعه، وتأخر الأمير الثقة حتى نزل من على المصطبة التي عليها المرتبة وقبل الأرض ويد المأمون، ودخل من فوره من الباب، وأغلق الباب، على حاله على ما كان عليه الأفضل.\rوقال: وكان الأفضل يقول: ما أزال أعد نفسي سلطاناً حتى أجلس على تلك المرتبة وغلق الباب في وجهي والدخان في أنفي، لأن الحمام كانت خلف الدار في السرداب.\rقال: ثم فتح الباب وعاد الثقة وأشار بالدخول إلى القصر، فدخل المأمون إلى المكان الذي هيئ له، ودعي لمجلس الوزارة. وبقي الأمراء بالدهاليز إلى أن جلس الخليفة واستفتح المقرئون. واستدعى المأمون فحضر بين يديه وسلم عليه أولاده واخوته، ثم دخل الأمراء وسلموا على طبقاتهم، ثم الأشراف وديوان المكاتبات والإنشاء، ثم قاضي القضاة، والشهود، والداعي، ثم مقدمو الركاب ومتولي ديوان المملكة. ثم دخل الأجناد من باب البحر، وهو الباب الذي يقابل المدرسة الكاملية الآن، ثم دخل والي القاهرة ووالي مصر وسلما ببياض أهل البلدين، ثم البطريرك والنصارى والكتاب منهم، وكذلك رئيس اليهود. ودخل الشعراء على طبقاتهم، وأنشد كل منهم ما سمحت به قريحته. وكانت هذه عادة السلام على ملوك هذه الدولة. وإنما أوردنا ذلك ليُعلم منه كيف كانت عادتهم.\rوفي سنة سبع عشرة وخمسمائة ورد إلى الديار المصرية طائفة كثيرة من عرب لواته من جهة المغرب، وانتهوا إلى الإسكندرية وأعمالها، وأفسدوا فساداً متحكماً. فندب المأمون إليهم أخاه نظام الملك حيدرة، الملقب بالمؤتمن، فقاتلهم وهزمهم، وغنم أموالهم. وتوجه إلى الإسكندرية ودخلها، فصادف مراكب البنادقة قد هجموا على ساحل الثغر وأسروا، فخرج إليهم، وحاربهم وهزمهم، فعادوا.\rالقبض على المأمون\rقال: وفي سنة تسع عشرة وخمسمائة في يوم السبت لأربع خلون من شهر رمضان قبض الآمر بأحكام الله على وزيره المأمون أبي عبد الله محمد وعلى إخوته الخمسة وثلاثين نفراً من خواصه وأهله، واعتقله، ولم يزل في اعتقاله إلى سنة اثنتين وعشرين، فصلبه مع أخوته.\rوقيل في سبب ذلك أن المأمون راسل الأمير جعفراً، أخا الآمر، وأغراه بقتل أخيه وأنه يقيمه مكانه في الخلافة واستقرت القاعدة بينهما على ذلك، واتصل ذلك بالشيخ أبي الحسن علي بن أبي أسامة، متولي ديوان المكاتبات، وكان خصيصاً بالآمر قريباً منه. وناله من المأمون أذى كثير، فأعلم الآمر بالحال. وكان المأمون كثير التطلع لأخبار الناس والبحث عن أحوالهم، وكثر الوشاة في أيامه.","part":7,"page":491},{"id":3502,"text":"قال ابن الأثير الجزري في تاريخه الكامل: كان ابتداء حال المأمون أن والده كان من جواسيس الأفضل بالعراق، فمات ولم يخلف شيئاً، فتزوجت أمه وتركته فقيراً فاتصل ببعض البنائين بمصر، ثم صار يحمل الأمتعة بالسوق الكبير. فدخل مع الحمالين إلى دار الأفضل مرة بعد أخرى فرآه الأفضل خفيفاً رشيقاً، حسن الحركة حلو الكلام والحجة، فسأل عنه، فقيل هو ابن فلان، فاستخدمه مع الفراشين. ثم تقدم عنده وكبرت منزلته وعلت درجته، إلى أن انتهى إلى ما ذكرنا. قال محمد بن علي بن يوسف بن جلب راغب في تاريخ مصر: إن ابن الأثير وهم في وفاة والد المأمون، وأن والده مات في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، والمأمون إذ ذاك مدبر دولة الأفضل. وأكثر الناس يذكرون ما ذكره ابن الأثير.\rوقال صاحب كتاب البستان في حوادث الزمان: إن المأمون كان يرش بين القصرين، وجده من غلمان المستنصر بالله. والله أعلم.\rأخبار أبي نجاح بن فنا\rالنصراني الراهب وقتله كان هذا الراهب من أهل أشموم طناح. وكان قد خدم والي الدولة يحنا بن أبي الليث، ثم اتصل بالخليفة الآمر بعد القبض على المأمون. وبذل في مصادرة قوم من النصارى مائة ألف دينار، فأطلق يده فيهم. وتسلسل الأمر إلى أن عم البلاء منه جميع رؤساء الديار المصرية وقضاتها وكتابها وغيرهم. ولم يبق أحد إلا ناله منه مكروه من الضرب والنهب وأخذ المال. وارتفع شأنه عند الآمر حتى كان يعمل له ملابس مخصوصة به بدمياط وتنيس من الصوف الأبيض المنسوج بالذهب، فكان يلبسها ويلبس من فوقها الغفافير الديباج. وكان يتطيب في كل يوم بعدة مثاقيل من المسك، وكان يركب الحمير بالسروج المحلاة بالذهب والفضة، ويجلس في قاعة الخطابة بالجامع العتيق بمصر ويستدعي الناس للمصادرة. فاستدعى في بعض الأيام رجلاً يعرف بابن الفرس، وكان من أكابر العدول ذوي الهيئات والديانة، والناس يعظمونه ويبجلونه - وأوقع به الإهانة والإخراق، فخرج من عنده ووقف في الجامع يوم الجمعة وقال: يا أهل مصر، انظروا عدل مولانا الآمر في تمكينه هذا النصراني من المسلمين! فارتج الناس لكلامه وكادت تكون فتنة، فدخل جماعة على الآمر وخوفوه العاقبة. وعرفوه ما حل بالمسلمين منه فاستدعاه، وكان في المجلس رجلٌ من الأشراف، فأنشد أبياتاً منها:\rإن الذي شُرِّفت من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب\rفقال له الآمر: ما تقول يا راهب؟ فمسكت. فأمر به فقتل. وكان الذي تولى قتله الأمير مقداد والي مصر، وصلبه على الجسر. ثم أنزل وربط على خشبة ورمي في بحر النيل وخرجت الكتب إلى الأعمال البحرية أنه إذا ألقاه الماء إلى جهة أخرجوه عنها حتى ينتهي إلى البحر المالح.\rولما قتل هذا الراهب وجدوا له مقطعاً فيه ثلاثمائة طراحة سامان محشوة، جدداً، لم تستعمل. هذا من هذا النوع، خلا ما وجد من الذهب والفضة والأقمشة والديباج.\rمقتل الآمر بأحكام الله\rوشيء من أخباره كان مقتله في يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، بجزيرة مصر بالقرب من المقياس. وثب عليه عشر نفر من النزارية وقتلوه، فحمل في جل إلى الجامع، ونقل في مركب عشاري، وأحدر إلى اللؤلوة في الخليج، ثم حمل إلى القصر، فتوفي بقية يومه. وقتل القوم الذين قتلوه.\rوكان مولده في يوم الثلاثاء لليلة خلت من المحرم سنة تسعين وأربعمائة وقتل في يوم الثلاثاء سابع عشر المحرم منها، فكان عمره أربعاً وثلاثين سنة وعشرة أشهر وولايته تسعة وعشرين وثمانية أشهر ونصف شهر. وكان محكوماً عليه إلى أن قتل الأفضل وتولى المأمون فظهر أمره، وصار يتصرف ويركب في يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الثلاثاء وإذا لم يركب في يوم منها ركب في غيره. ولم يستوزر بعد المأمون وزيراً للسيف والقلم، بل استبد بأموره وباشرها بنفسه.\rوكان قبيح السيرة في رعيته، يظلمهم ويأخذ أموالهم ويغتصب أملاكهم، وسفك دماءهم، وارتكب المحذورات، واستحسن القبائح. ويكفي من سوء سيرته تمكينه الراهب من المسلمين، وقد تقدم خبره.\rوولد للآمر في هذه السنة ولد سمى أبا القاسم الطيب وجعله ولي عهده، فأخفاه الحافظ.\rوزراءه: الأفضل، ثم المأمون.","part":7,"page":492},{"id":3503,"text":"قضاته: ابن ذكا النابلسي إلى أن رفع إبراهيم حمزة الشاهد إلى الأفضل أمير الجيوش أنه أحدث في مجلس الحكم فعزله، وولي أبا الفضل نعمة بن بشير الجليس النابلسي إلى أن استقال، فولي الرشيد أبا عبد الله محمد بن قاسم الصقلي إلى أن توفي، فأعاد الجليس ثم صرفه، وولي أبا الفتح مسلم، فبقى إلى أن تولى المأمون فعزله ونفاه لما أخطأ في قراءته، وولي أبا الحجاج يوسف بن أيوب الأندلسي إلى أن توفي في سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، فولي الآمر أبا عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسر القيسراني، فاستمر إلى أن قتل الآمر بأحكام الله.\rبيعة الحافظ لدين الله\rهو أبو الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر بالله، وهو الحادي عشر من ملوك الدولة العبيدية والناس من ملوك الديار المصرية منهم. بويع له بعد مقتل ابن عمه الآمر، في يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة أربعة وخمسمائة، بولاية العهد إلى أن يستبرئ نساء الآمر وهل فيهن من هي مشتملة على حمل أم لا.\rقال المؤرخ: لما بويع الحافظ لدين الله ثار الجند الأفضلية وأخرجوا ابن مولاهم، أبا علي أحمد بن الأفضل، الملقب بكتيفات، وولوه إمرة الجيوش، وذلك في يوم الخميس السادس من ذي القعدة منها، فحكم، واعتقل الحافظ صبيحة يوم بيعته، ودعا للإمام المنتظر، وقوي أمر ابن الأفضل.\rوفي سنة خمس وعشرين رتب أحمد بن الأفضل في الأحكام أربعة قضاة: الشافعية والمالكية والإسماعيلية والإمامية، يحكم كل قاض بمقتضى مذهبه ويورث بمقتضاه، فكان قاضي الشافعية الفقيه سلطان، وقاضي المالكية اللبني، وقاضي الإسماعيلية أبو الفضل ابن الأزرق، وقاضي الإمامية ابن أبي كامل.\rوسار أحمد بن الأفضل سيرة جميلة بالنسبة إلى أيام الآمر، ورد على الناس بعض مصادراتهم، وأظهر مذهب الإمامية الاثني عشرية، وأسقط من الأذان قولهم حي على خير العمل، وأمر بالدعاء لنفسه على المنابر بدعاء اخترعه لنفسه وهو: السيد الأجل الأفضل، مالك أصحاب الدول، والمحامي عن حوزة الدين، وناشر جناح العدل على المسلمين، الأقربين والأبعدين، ناصر إمام الحق في حالتي غيبته وحضوره، والقائم بنصرته بماضي سيفه، وصائب رأيه وتدبيره، أمين الله على عباده، وهادي القضاة إلى إتباع شرع الحق واعتماده، ومرشد دعاة المؤمنين بواضح بيانه وإرشاده، مولي النعم، ورافع الجور عن الأمم، مالك فضيلتي السيف والقلم: أبو علي أحمد ين السيد الأجلّ الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش.\rواستمر أمره إلى يوم الثلاثاء سادس عشر المحرم سنة ست وعشرين وخمسمائة. فاتفق ركوبه في هذا اليوم إلى الميدان بالبستان الكبير ظاهر القاهرة، للعب بالأكرة على جاري عادته، فوثب عليه مملوك رومي، وقيل بل من صبيان الخاصة، فطعنه طعنة ألقاه بها عن فرسه، ونزل واحتز رأسه، ومضى به إلى القصر، وذلك بموافقة من الأجناد. فكانت مدة تغلبه على الأمر سنة واحدة وشهرين وثلاثة عشر يوماً، ودفن بتربة أبيه خارج باب النصر.\rبيعة الحافظ لدين الله الثانية\rقال: ولما قتل أحمد بن الأفضل بويع الحافظ بالخلافة بيعة عامة، وظهر الحمل المنتظر بنتاً ، فانتقلت الخلافة إليه، وأمر أن يدعى له على المنابر، اللهم صلّ على الذي شيدت به الدين بعد أن رام الأعداء دثوره، وأقررت الإسلام بأن طلوعه على الأمة وظهروه، وجعلته آية لمن يدبر الحقائق بباطن البصيرة، مولانا وسيدنا وإمام عصرنا وزماننا، عبد المجيد أبي الميمون، وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين، صلاة دائمة إلى يوم الدين.\rقال: ولما تم أمر الحافظ استوزر أبا الفتح يانس، وهو رومي من مماليك الأفضل، ولقبه بأمير الجيوش، فقتل الطائفة المعروفة بصبيان الخاص، ومن جملتهم قاتل أحمد بن الأفضل. وكان عظيم الهيبة، بعيد الغور، فخافه الحافظ وتخيل منه، وتخيل يانس أيضاً من الحافظ، فدبر كل واحد منهما على صاحبه، فسبق تدبير الحافظ فيه فسمه في إبريق استعمل الماء منه عند الطهارة فعولج وكاد أن يبرأ فكلم الحافظ بعض الأطباء، فقال له الطبيب: إن رأي مولانا أمير المؤمنين أن يمضي إليه ويزوره ويهنئه بالعافية فإنه لابد أن ينهض إليك ويمشي، فإذا مشى لا يكاد يعيش أبداً. فمضى إليه الحافظ فقام إليه وتلقاه، فمات في ليلته، وذلك في السادس والعشرين من ذي الحجة، فكانت مدة وزارته تسعة أشهر.","part":7,"page":493},{"id":3504,"text":"الخلاف بين ابني الحافظ لدين الله\rقال المؤرخ، وفي شعبان سنة ثمان وعشرين وخمسمائة جرى بين أبي تراب حيدرة وحسن، ولدي الحافظ، حرب شديدة، وافترقت العساكر على فرقتين، وهما الريحانية والجيوشية، وكان بينهما وقعة في خامس شهر رمضان ووقع الحرب بينهما بين القصرين، وقتل من الطائفتين تقدير عشرة آلاف إنسان،. وكان سبب ذلك أن الحافظ جعل ولده حيدرة ولي عهده من بعده، فلم يرض حسن بذلك، فوقع الاختلاف والحرب بينهما. واستظهر حسن على أخيه حيدرة، فهرب حيدرة إلى أبيه، فأرسل الحافظ إلى ابنه حسن ليدخل إليه، فامتنع وضايق القصر، وطالبه بأخيه حيدرة، فتلافاه الحافظ وجعله ولي عهده من بعده. وتمكن حسن من الدولة والتصرف فيها بحسب رأيه، ولم يبق للحافظ معه حكم.\rمقتل حسن بن الحافظ\rكان مقتله في يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة وذلك أنه لما استقر في ولاية العهد والوزارة والتدبير واستبد بالأمر، وقبض على جماعة من الأمراء وقتلهم، بسبب قيامهم مع أحمد بن الأفضل. وأقام غيرهم، فخافه من بقي من الأمراء العتق، وأجمعوا على خلع أبيه من الخلافة وولده حسن من الوزارة فاجتمعوا بين القصرين، وراسلوا الحافظ، وأعلموه بما أجمعوا عليه، فاستعطفهم الحافظ واعتذر إليهم، وهرب الحسن إلى أبيه فقبض عليه وقيده، وذكر ذلك للأمراء، فقالوا: لابد من قتله، فسقاه أبوه سماً فمات، وجعله على سرين، وأمر الأمراء بمشاهدته، فدخلوا عليه ورأوه فسكتوا. وقيل إن قيام الأمراء كان بتدبير الحافظ.\rوزارة بهرام الأرمني\rوفي يوم الجمعة سادس عشر جمادى الآخرة، وقيل لإحدى عشرة ليلة خلت منه، استوزر الحافظ بهرام الأرمني النصراني، ونعته بسيف الإسلام تاج الملوك. وكان بهرام المذكور قد وصل إلى الديار المصرية واجتمع بالحافظ، فرأى منه عقلاً وافراً وإقداماً في الحرب وحسن تدبير.\rوكان سبب وصوله من بلاده أن القائم بأمر الأرمن مات، وكان بهرام أحق بمكانه من غيره فعدل الأرمن عنه وولوا غيره، فغضب لذلك وخرج من تل باشر وقدم مصر، فعينه الحافظ للوزارة. واستشار بعض أهله وأكابر دولته فيه، فكلهم كره ذلك وأشار عليه ألا يفعل، وقالوا: إنه نصراني لا يرضاه المسلمون، وإن من شروط الوزارة أن الوزير يرقى المنبر مع الإمام في الأعياد ليزر عليه المزرة الحاجزة بينه وبين الناس، وأن القضاة هم نواب الوزراء، من زمن أمير الجيوش. بدر الجمالي، ويذكرون في النيابة عنهم في الكتب الحكمية النافذة عنهم إلى الآفاق وكتب الأنكحة. فقال الحافظ: إذا رضيناه نحن فمن يخالفنا، وهو وزير السيف؟ وأما صعود المنبر فيستنيب عنه الناس فيه قاضي القضاة، وأم ذكره في الكتب الحكمية فلا حاجة إلى ذلك. واستوزر والناس ينكرون ذلك عليه.\rوقال بعض المؤرخين: إن بهرام كان والي الغربية يومئذ وأنه سار منها مجداً إلى أن وصل إلى القاهرة وحاصرها يوماً واحداً ودخلها. فلما ولي الوزارة وثبتت بها قدمه سأل الحافظ أن يسمح له بإحضار إخوته وأهله، فأذن له في ذلك. فأرسل إليهم وأحضرهم من تل باشر، فتواصلوا حتى كمل منهم ومن غيرهم من الأرمن تقدير ثلاثين ألف إنسان، فاستطالوا على المسلمين. وبنيت في أيامه كنائس كثيرة وديرة حتى إن كل رئيس من أهله بني له كنيسة، وخاف أهل مصر منهم أن يغيروا الملة الإسلامية، وكثرت الشكايات فيه. وكان أخوه المعروف بالباساك، وإليه تنسب المنية التي بالقرب من إطفيح، قد ولي الأعمال القوصية فجار فيها جوراً عظيماً واستباح الأموال، فعظم ذلك على الناس.\rخروج بهرام من الوزارة ووزارة رضوان ابن الولخشي","part":7,"page":494},{"id":3505,"text":"قال: ولما ثقلت وطأة بهرام على الناس اجتمع الأمراء وكاتبوا رضوان بن الولخشي، وذلك في صفر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وكان يومئذ متولي الغربية ولاه بهرام إياها إبعاداً له، فلما أتته كتب الأمراء نهض في طلب الوزارة، ورقى المنبر، وخطب خطبة بليغة حرض الناس فيها على الجهاد. فأجابوه. وحشد العربان وقدم إلى القاهرة. كان الأمراء قد كاتبوه وقالوا: إذا وقع الوجه في الوجه ارفع المصاحف على الرماح فإننا ننحاز إليك، ففعل ذلك. وخرج بهرام إليه لما قرب من القاهرة، فلما عاين الأمراء والجند المصاحف التحقوا جميعهم برضوان، وبقي بهرام في الأرمن خاصة. فراسل الحافظ وقال: أنا ألقاهم بمن معي. فخاف الحافظ عاقبة ذلك، فأمره أن يتوجه إلى قوص ويقيم عند أخيه الباساك إلى حين يدبر أمراً. فعاد بهرام إلى القاهرة وأخذ ما خف حمله، وخرج من باب البرقية في حادي عشر جمادى الأولى، وتوجه إلى الأعمال القوصية.\rقال: ولما انفصل عن القاهرة أتت العوام منازل الأرمن، وكانوا قد نزلوا الحسينية وعمروها دوراً. ولما اتصل بأهل قوص انهزام بهرام ثاروا بأخيه الباساك وقتلوه ومثلوا به، وربطوا في رجليه كلباً ميتاً، ورموه على مزبلة. فقدم بعد ذلك بهرام بعد ذلك بيومين، ومعه طائفة من أقاربه، فرأى الباساك على هذه الحال، فقتل جماعة من أهل قوص بالسيف ونهبها وسار إلى أسوان. ثم رجع ونزل بالديرة البيض، وهي من أعمال أخميم بالجانب الغربي.\rقال: ولما فارق بهرام القاهرة دخلها رضوان ووقف بين القصرين، واستأذن الحافظ فيما يفعله، فأمره بالنزول بدار الوزارة، فنزلها، وخلع عليه خلع الوزارة، ونعته بالأفضل، وندب رضوان جماعة من العسكر مع أخيه ناصر الدين، فتوجهوا إلى بهرام، فاستقر الأمر بينهم أن يقيم بالديرة البيض، وعاد الجند الذين مع بهرام إلى مصر ودبر رضوان الأمر أحسن تدبير، وصادر جماعة من أصحاب بهرام وشدد عليهم الطلب، وقتلهم بالسيف.\rوفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة أحضرت من تنيس امرأة بغير يدين، وموضع يديها مثل الحلمتين، فجيء بها إلى مجلس الوزارة بين يدي رضوان، فعرفته أنها تعمل برجليها ما يعمله الناس باليدين من خ ورقم وغير ذلك. فأحضر لها دواة، فتناولت الأقلام برجلها اليسرى وتأملتها قلماً قلماً فلم ترض شيئاً منها، فأخذت السكين وبرت لنفسها قلماً وشقته وقطته، واستدعت ورقة فمسكتها برجلها اليمنى، وكتبت باليسرى بأحسن خط ما تكتب النساء بأيديهن مثل، وحمدت الله في آخر الرقعة، وناولتها للوزير. فتناولها فوجدتها قد سألته الزيادة في رابتها، فزادها، وأعادها إلى بلدها.\rوفيها بنى رضوان المدرسة المعروفة به بالإسكندرية، واستدعى الفقيه أبا طاهر بن عوف إلى حضرته وأسند إليه تدريسها.\rخروج رضوان من الوزارة وما كان من أمره إلى أن قتل","part":7,"page":495},{"id":3506,"text":"وفي شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة أحضر الحافظ يهرام الأرمني من الصعيد، وأسكنه في القصور وأكرمه، فعظم ذلك على الأفضل رضوان، فشغب الحافظ عليه الجند، فقام بعضهم عليه، وجرت بينهم حرب بالقاهرة. وطلب رضوان أن يسكن مع الحافظ في القصور، فلم يمكنه. فتزايد الحال على الأفضل وضعفت قدرته على لقاء العساكر، فهرب إلى الشام، وذلك في منتصف شوال منها، وقصد كمشتكين والي صرخد، فأقام عنده فأكرمه. ثم عاد إلى مصر في سلخ المحرم سنة أربع وثلاثين وقد جمع جمعاً صالحاً من الجند، فخرج إليه العسكر وحاربوه عند باب الفتوح، فمضى ونزل عند الرصد، ثم مضى إلى الصعيد. فندب إليه الحافظ الأمير سيف الدولة أبا الفضل بن مصال بأمان، فسار إليه وتلطف به، إلى أن أحضره إلى القصر، في رابع شهر ربيع الآخر من السنة، فاعتقله في بعض قاعات القصور. فأقام في الاعتقال إلى سنة واثنتين وأربعين، فخرج من نقب نقبه في القصر، وذلك في ليلة الثلاثاء لسبع بقين من ذي القعدة منها. وركب وحوله جماعة ممن كان يكاتبه، وتوجه إلى الجيزة، ولي عسكر الحافظ وقاتلهم عند جامع ابن طولون، فهزمهم. ودخل القاهرة، ونزل بالجامع الأقمر، وأغلق الحافظ باب القصر في وجهه، فاستحضر رضوان أرباب الدولة والدواوين، وأمر ديوان الجيش بعرض الجند، فعرضهم، وأخذ أموالاً كثيرة خارجة عن القصر كانت في الدواوين، وأنفق: وأرسل إلى الحافظ في طلب المال، فأرسل إليه عشرين ألف دينار، وأرسل إلى الحافظ في طلب المال، فأرسل إليه عشرين ألف دينار. وأمر الحافظ مقدمي السودان بالهجوم على رضوان وقتله، فهجموا عليه، فهم بالركوب، فاعجلوه عن ذلك، وضربه بعضهم بسيف فقتله. وقتل معه أخوه، وأحضرت رأساهما إلى الحافظ. وسكنت الفتنة، وأرسل الحافظ الرأس لزوجة رضوان فلما وقع في حجرها قالت: هكذا تكون الرجال. فلم يكن في وقت رضوان أسمع منه.\rوكان مولده في سنة تسع وثمانين وأربعمائة. وأول ولاية وليها الأعمال القوصية والأعمال الإخميمية في سنة ثمان وعشرين وخمسمائة.\rوفاة بهرام الأرمني\rكانت وفاته لست بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين وخمسمائة بالقصور، وكان الحافظ قد أسكنه بدار بها ولم يمكنه من التصرف، وكان يشاوره في تدبير الدولة والأمور ويصدر عن رأيه. فلما هلك حزن عليه حزناً شديداً، وأمر بغلق الدواوين ثلاثة أيام.\rوأحضر الحافظ بطرك الملكية بمصر، وأمره بتجهيزه، فجهزه. وأخرج وقت صلاة الظهر في تابوت عليه الديباج، وحوله جماعة من النصارى يبخرون باللبان والسندروس والعود، وخرج الناس كلهم مشاة ولم يتخلف عن جنازته أحد من الأعيان. ثم خرج الحافظ على بغلة خلف التابوت وعليه عمامة خضراء وثوب أخضر بغير طيلسان. ولم تزل الناس مشاة والقسوس يعلنون بقراءة الإنجيل، والحافظ على حالته إلى دير الخندق بظاهر القاهرة، وقيل بل في بستان الزهري في الكنيسة المستجدة ونزل الحافظ عن بغلته، وجلس على شفير القبر، وبكى بكاء كثيراً.\rوفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة طلع النيل حتى بلغ تسعة عشر ذراعاً وأربع أصابع، ووصل الماء إلى الباب الجديد أول الشارع الأعظم بالقاهرة، وصار الناس يتوجهون من القاهرة إلى مصر من جهة المقابر. ولما وصل الماء إلى الباب أظهر الحافظ الحزن والانقطاع، فدخل عليه بعض خواصه وسأله عن السبب، فأخرج له كتاباً وقال له: انظر هذا السطر، فقرأه، فإذا فيه. إذا وصل الماء إلى الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد. وقال: هذا الكتاب الذي تعلم منه أحوالنا وأحوال الدولة وما يأتي بعدها.\rوفاة الحافظ لدين الله\rوشيء من أخباره ذكر وفاة الحافظ لدين الله وشيء من أخباره كانت وفاته في ليلة الخميس لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ومولده في المحرم سنة أربع وستين وأربعمائة، وقيل في المحرم سنة ثمان وستين. فكانت مدة عمره ستاً وسبعين سنة وشهوراً، ومدة ولايته منذ بويع البيعة العامة الثانية، بع قتل أحمد بن الأفضل، ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة عشر يوماً.","part":7,"page":496},{"id":3507,"text":"قال المؤرخ: وكان الحافظ موصوفاً بالبطش والتيقظ، وكان شديد المناقشة. وهو الذي عمل طبل القولنج الذي كسره الملك الناصر صلاح الدين يوسف، وكان هذا الطبل قد عمل من سبعة معادن والكواكب السبعة في إشراقها. وكان خاصته أنه كلما ضرب به ضربة خرج الريح من مخرج الضارب.\rقال بعض المؤرخين: إن الحافظ خطر بباله أن ينقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من لمدينة إلى القاهرة، وكانت المدينة إذ ذاك يخطب بها لبني العباس، لظهور ملوك الدولة السلجقية، فأرسل نحواً من أربعين رجلاً من أهل النجدة والقدرة ، فتوجهوا إلى المدينة وأقاموا بها مدة، وتحيلوا بأن حفروا سرباً من مكان بعيد، وعملوا حساب الخروج من المكان المقصود. فعصم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من أن ينقل من المكان الذي اختاره له، فيقال إن السرب انهار عليهم فهلكوا، وقيل بل سعي بهم فأهلكوا.\rوكان للحافظ من الأولاد: أبو علي حسن، هلك كما ذكرنا، وعبد الله، هلك في حياته أيضاً، وأبو المنصور إسماعيل، وأبو الأمانة جبريل، ويوسف.\rووزراؤه، تقدم ذكرهم. ولما قتل رضوان بن الولخشي لم يستوزر بعده أحداً، وإنما كانوا كتاباً. فمن أشهر كتابه أبو علي حسن الأنصاري كان القاضي الفاضل يقول: لم يسمح الزمان بمثله.\rومن أشهر شعرائه الشريف أبو الحسن الأخفش المغربي، في جملة شعره في قصيدة:\rذكر الدوح وشاطئ بردى ... وحباباً فيه يحكى برداً\rوالصبا يمرح في أرجائه ... وتحوك الريح منه زرداً\rينثر الدر عليه فضة ... وتذيب الشمس فيه عسجداً\rورشأ لو لم تكن ريقته ... خمرة صافية ما عربدا\rقضاته: لما غلب أحمد بن الأفضل على الآمر، أبقي محمد ابن هبة الله ابن ميسر القيسراني على القضاء، ثم صرفه الحافظ واستقضى أبا الفخر صالح بن عبد الله بن أبي رجاء، ثم قبض عليه الوزير يانس الرومي وقتله، فولي سراج الدين أبو الثريا نجم من جعفر، مضافاً إلى الدعوة، إلى أن قتل في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين، فأعيد سناء الملك بن ميسر، فأقام إلى أن قبض عليه يوم الأحد لسبع خلون من المحرم سنة إحدى وثلاثين، وسير تنيس فقتل بها. وولي بعده القاضي الأعز أبو المكارم أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي عقيل، إلى أن توفي في شعبان سنة ثلاث وثلاثين. وأقام الناس بغير قاض ثلاثة أشهر، ثم ولي أبو الفضائل هبة الله بن عبد الوارث الأنصاري لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة منها. ثم جرت مفاوضة بينه وبين النبيه أبي الحسن علي بن إسماعيل، قيل أدت إلى مصافعة خرج في أثنائها القاضي إلى القصر وهو مخرق الأثواب وقد تحلقت عمامته في حلقه، فعظم على الحافظ خروجه على هذه الهيئة وغرمه مائتي دينار، واستناب أبا طاهر إسماعيل بن سلامة الأنصاري، فأقام في النيابة إلى مستهل المحرم سنة خمس وثلاثين، فوفر جاري القضاء، وهو أربعون ديناراً في كل شهر، وخدم لجاري التقدمة في الدعوة، وهو ثلاثون ديناراً، في الوظيفتين، فأجيب إلى ذلك وأقام إلى أن صرف لسبع خلون من صفر سنة ثلاث وأربعين، وبقي على الدعوة. وولي القضاء أبو الفضائل يونس بن محمد بن الحسن المقدسي إلى آخر المدة.\rبيعة الظافر بأعداء الله\rهو أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله، وهو الثاني عشر من ملوك الدولة العبيدية والتاسع من ملوك الديار المصرية منهم. بويع له بعد وفاة أبيه لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة. واستوزر الأمير نجم الدين أبا الفتح سليم بن محمد بن مصال، ونعته بالسيد الأجل المفضل أمير الجيوش، وكان إذ ذاك من أكابر أمراء الدولة.\rوفي الرابع من شعبان من السنة اجتمع السودان وجماعة من المفسدين بالبهنسانية، فخرج إليهم الوزير فحاربهم وهزمهم.\rقيام العادل بن السلار\rووزارته ومقتل ابن مصال","part":7,"page":497},{"id":3508,"text":"في هذه السنة ثار الأمير المظفر أبو الحسن على بن السلار والي الإسكندرية وخرج وحشد وتقدم بمن معه، ودخل القاهرة في يوم الأربعاء سابع شعبان، ووقف على باب القصر، وراسل الظافر والمدبر له من النساء، فراجعت في ذلك وفاء لابن مصال، ثم أجيب إلى ما سأله. وفتح باب القصر، وخل على المظفر خلع الوزارة ولقب بالعادل. فلما اتصل ذلك بابن مصال جمع عربان البلاد، ووافقه بدر بن رافع مقدم العربان بتلك البلاد، وقصد ابن السلار فندب إليه ربيبه عباس بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بعسكر معه. فعسكر ببركة الحبش. فندب ابن مصال لحربه الأمير الماجد فجد في السير وكبس عسكر عباس، فأثخنهم جراحاً وقتلاً، فانهزم عباس.\rوأجمع ابن مصال رأيه على قصد بلاد الصعيد، فعاجله ابن السلار وأمد ربيبه بالعساكر وأمره بمعاجلته قبل الجمع، فأدركه بالقرب من دلاص، والتقوا بينها وبين مهد، وهي قرية هناك، واقتتلوا، فانجلت الحرب عن قتل ابن مصال وبدر بن رافع. وكانت هذه الوقعة في يوم الأحد تاسع عشر شوال. وحمل رأس ابن مصال إلى القاهرة، وطيف به. وخلع على العادل في ذلك اليوم.\rوفي السادس والعشرين من شهر رمضان أغلق العادل أبواب القاهرة والقصور، وقبض على صبيان الخاص وقتلهم، وكانوا جمعاً كثيراً وهو أولاد الأجناد والأمراء وعبيد الدولة فكان الرجل إذا توفي وخلف أولاداً حملوا إلى حضرة الخلافة وأودعوا في أماكن مفردة لهم، ويؤخذ في تعليمهم الفروسية وغير ذلك، وتسموا صبيان الخاص. وكان سبب إيقاع العادل بهم أنه بلغه أنهم تعاقدوا على قتله، فبادر بهم. وقبض عليهم، وقتل أكثرهم، وجعل من بقي منهم في المراكز بالثغور.\rوفي يوم الجمعة لأربع خلون من شوال من السنة قتل العادل أبا المكرم الموفق محمد بن معصوم التنيسي ناظر الدواوين، وكان سبب ذلك أن العادل في مبدأ أمره كان من صبيان الحُجر وكان يتكرر دخوله إلى الموفق برسائل ويكلمه بكلام غليظ فكرهه الموفق، ثم كتب بعد ذلك لابن السلار منشور بإقطاع، فدخل به إليه، فتغافل عنه وأهمل أمره: فقال له ابن السلار: ما تسمع؟ فقال: كلامك ما يدخل في أذني أصلاً. فأخذ ابن السلار منشوره وخرج من حيث أتى. فلما ولي أمر الدولة دخل عليه الموفق وسلم عليه، فقال له: ما أظن كلامي يدخل في أذنك. فتلجلج بين يديه وقال: عفو السلطان. فقال: قد استعملت للعفو من حين خروجي من عندك، ما أتيتك به. وأشار لبعض خدمه فأحضر مسماراً من حديد عظيم الهيئة، وقال: هذا والله أعددته لك من ذلك الوقت. وضرب المسمار من أذنه حتى نفذ من الأخرى، وحمل إلى باب زويلة الأوسط ودق المسمار في خشبة، وعلق عليها حتى مات.\rما فعله الفرنج بالفرما\rوما جهزه العادل من الأسطول إلى بلادهم وفي شهر رجب سنة خمس وأربعين وخمسمائة أغار الفرنج على الفرما فنهبوها وأحرقوها وعادوا إلى بلادهم. فجهز العادل المراكب الحربية وشحنها بالرجال وسفرها في شهر ربيع الأول سنة ست وأربعين، فمضت إلى يافا وقاتلوا من بها في المراكب، واستولوا على عدة كثيرة من مراكب الفرنج، وأحرقوا ما عجزوا عن أخذه، وقتلوا خلقاً كثيراً. ثم امتدوا إلى ثغر عكا وفعلوا فيه كفعلهم بيافا. وكذلك فعلو بصيدا وبيروت وطرابلس. وأنكوا في الفرنج نكاية عظيمة. ووجدوا طائفة كثيرة من حجاج الفرنج فقتلوهم عن آخرهم. وكان جملة ما أنفق في هذه الأسطول ثلاثمائة ألف دينار.\rوفي سنة ست وأربعين قطعت جميع الكساوي المرتبة للأمراء والدواوين عن أربابها، وتوفرت.\rمقتل العادل بن السلار\rوسلطنة ربيبة عباس","part":7,"page":498},{"id":3509,"text":"كان مقتله في السادس من المحرم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وكان سبب ذلك أن العادة كانت جارية بتجريد عسكر من مصر في كل سنة لحفظ عسقلان من الفرنج، وكان الفرنج قد حاصروها في سنة سبع وأربعين. فلما كان في هذه السنة وقعت القرعة في البدل على عباس ربيب العادل، وهو ابن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس، فجرده العادل بالعساكر، وقال له: هذا الثغر قد نازله الفرنج، ولا غنية أن تتوجه بالعساكر إليه لتدفعهم عنه. فخرج عباس من القاهرة ومعه جماعة من أكابر الأمراء، منهم أسامة بن منقذ، وكان خصيصاً بعباس فلما وصلوا إلى بلبيس تذاكر عباس وأسامة القاهرة وطيب المقام بها وما خرجا إليه، وما يلقيانه من الشدائد ولقاء العدو، فتأوه عباس لذلك ولام عمه كونه جرده، فقال له أسامة: لو أردت أنت كنت سلطان مصر. قال: وكيف الحيلة في ذلك؟ فقال: هذا ولدك نصر، بينه وبين الظافر مودة عظيمة، فأرسله إليه وخاطبه على لسانه أن تكون أنت السلطان مكان عمك، فهو يختارك ويكره العادل. فإن أجابك لذلك فاقتل عمك.\rفجهز عباس ابنه وعرفه ما تقرر مع أسامة. فدخل إلى القاهرة على حين غفلة من العادل، واجتمع بالظافر وأعلمه في الحال، فأجاب لما طلب.\rثم مضى نصر إلى عند جدته، زوجة العادل، وأعلم العادل أن والده أعاده شفقة عليه من السفر. ومضى العادل إلى مصر وجهز المراكب الحربية، وأنفق في رجالها ليلحق عباساً وأقام طول نهاره في العرض والنفقة على رجالها، وعاد إلى داره بالقاهرة وهو على غاية من التعب. فلما نام على فراشه احتز نصر بن عباس رأسه، ومضى به إلى القصر، ودخل إلى الظافر، وجهز إلى أبيه، فركب لوقته، ودخل القاهرة صبيحة نهار الأحد الثاني عشر من المحرم، فوجد جماعة من الأتراك، كان العادل قد اصطنعهم لنفسه، قد ثاروا لذلك، فلاطفهم وطمأنهم، فلم يطمئنوا. ومضوا إلى دمشق.\rوكانت وزارة العادل ثلاث سنين ونصف سنة تقريباً، وكان من الأكراد الزرزارية. ولما قتل طيف برأسه في القاهرة جميعاً. ونصب الظافر عباساً في السلطنة.\rمقتل الظافر بأعداء الله وأخويه\rكان مقتله في ليلة الخميس سلخ المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وذلك أنه خرج ليلاً متنكراً ومعه خادمان وجاء إلى دار نصر ابن عباس، وهي الدار المعروفة قديماً بدار جبر بن القاسم ثم عرفت يسكن المأمون بن البطائحي، وهي المدرسة المعروفة بالسيوفية في وقتنا هذا، المقابلة لحافر الدبابله. بخد سوق السيوفيين بالقاهرة وهي لطائفة الفقهاء الحنفية. فلما جاء الظافر إليه قتله نصر بن عباس، وحفر له تحت لوح رخام ودفنه، وقتل أحد الخادمين وهرب الآخر.\rوكان سبب ذلك أن الأمراء استوحشوا من أسامة بن منقذ لما حسن لعابس وقال له: كيف تصبر على ما يقوله الناس في ولدك واتهامهم أن الخليفة الظافر يفعل به ما يفعله مع النساء! فعظم ذلك على عباس. وقيل بل كان الظافر قد أنعم على نصر بن عباس بقليوب، فجاء نصر إلى والده وأعلمه بذلك، فقال له أسامة: ما هي بمهرك غالية. فقال عباس لأسامة: كيف تكون الحيلة على هذا الأمر؟ فقال: إن الخليفة في كل وقت يأتي لولدك في هذا الدار خفية، فإذا أتاه فأمره بقتله. وأوصى عباس ابنه بذلك، فلما جاءه قتله نصر.\rقال: ولما كان صبيحة يوم قتله ركب عباس وولده على العادة وأتى إلى القصر، فقال لبعض الخدم: أعلم مولانا ليجلس للاجتماع معه. فدخل وأعلم أهل القصر بما التمسه عباس من الاجتماع بالخليفة. فقالوا: قل له إنه خرج البارحة ولم يعد. فجاء الخادم إليه وأعلمه الخبر، فشدد عباس في طلب الظافر، ودخل إلى القاعات ومعه أكابر الخدم، وقال: لا بد من مولانا. فقيل له عند ذلك: أنت أعلم بحاله. فأحضر أخويه يوسف وجبريل وقال لهما: أنتما قتلتما مولانا. فأنكرا ذلك وحلفا عليه الأيمان المغلظة. وأحضر القاضي وجماعة من الأعيان أهل الفتيا وداعي الدعاة وقال: قد صح عندي أن أخوي الظافر قتلاه. فأفتوه بقتلهما، فقتلا بين يديه وقيل إنه قتل معهما أبا البقاء ابن حسن بن الحافظ، وصارم الدولة، مصلح، زمام القصر.\rقال: وكان الظافر من أحسن خلق الله وجهاً. وكان مولده يوم الأحد، النصف من شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وخمسمائة، فكانت مدة عمره إحدى وعشرين سنة وتسعة أشهر وخمسة عشر يوماً، ومدته ولايته أربع سنين وسبعة أشهر وخمسة أيام.","part":7,"page":499},{"id":3510,"text":"ولده: أبو القاسم عيسى.\rوزراؤه: تقدم ذكرهم.\rقضاته: أبو الفضائل يونس، إلى أن صرفه العادل بن السلار في سنة سبع وأربعين، وولي أبا المعالي مجلي بن نجا المخزومي، فأقام إلى أخر الدولة.\rبيعة الفائز بنصر الله\rهو أبو القاسم عيسى بن الظافر بأعداء الله، وهو الثالث عشر من ملوك الدولة العبيدية والعاشر من ملوك الديار المصرية منهم. بويع له بعد مقتل والده في يوم الخميس سلخ المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وعمره خمس سنين. وذلك أنه لما قتل الظافر استدعى عباس ابنه أبا القاسم عيسى هذا وحمله على كتفه، ووقف في القاعة، وأمر أن تدخل الأمراء، فدخلوا، فقال: هذا ولد مولاكم وقد قتل أبوه وعماه كما ترون، والواجب الطاعة لهذا الطفل. فقالوا بأجمعهم: سمعنا وأطعنا، وصاحوا صيحة عظيمة زل منها عقل الصبي واختل. ثم سيره إلى أمه ولقب بالفائز، فأقام يصر في كل يوم.\rوانفرد عباس بالوزارة وبتدبير الأمور، ولم يبق على يده يد، وظن أن الأمر استقام له.\rخروج عباس من الوزارة\rوما آل إليه أمره قال المؤرخ: لما قتل الظافر بأعداء الله أكثر أهل القصر النواح عليه، وشرعوا في إعمال الحيلة على عباس، ووافق ذلك نفور الأمراء منه لإقدامه على القتل: فاختلفت الكلمة عليه، وهاجت العساكر. وتفرقت الفرق، ولبسوا السلاح. فخرج إليهم عباس في يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأول من السنة، فقاتلهم وهزمهم، وقتل جماعة منهم. فأرسلت عمة الفائز أخت الظافر شعور أهل القصر طي الكتب إلى الأمير طلائع بن رزيك، وهو إذ ذاك متولي الأعمال السيوطية، وقيل كان متولي منية بني خصيب، وسألوه الانتصار لمولاه فجمع العربان والأجناد ومقطعي البلاد، وسار إلى القاهرة، فوصل إليها في تاسع عشر شهر ربيع الأول من السن، وخرج الناس للقائه.\rفاستشار عباس أسامة بن منقذ فأشار عليه باللحاق بالشام. فدخل إلى القصر وأخذ في جمع تحفه وحمل أمواله، وسار هو وأسامة بن منقذ إلى الشام على طريق أيلة. فأرسلت عمة الفائز إلى الفرنج بعسقلان رسلاً على البريد تعلمهم الحال وتبذل لهم الأموال في الخروج على عباس وأخذ ما معه. فخرجوا إليه وقاتلوه، فتخاذل عنه أصحابه، ونهبوا ما معه فأسره الفرنج وحملوه إلى عسقلان، ونجا أسامة إلى دمشق.\rوقيل إن الفرنج قتلوا عباساً وأسروا ابنه نصراً ففداه الصالح بن رزيك، وأحضره إلى القاهرة وضرب عنقه.\rوزارة الصالح أبي الغارات\rطلائع بن رزيك قال المؤرخ: لما توجه عباس نحو الشام وافق ذلك قدوم طلائع من رزيك، فخرج الأمراء والعساكر إليه. فمن الأمراء من شهر سلاحه وقاتله، ومنهم من التحق به، ثم انجلى الأمر بعد ساعة عن دخول طلائع إلى القاهرة والعساكر بين يديه. وشق القاهرة وهو لابس السواد، وأعلامه سود كذلك حزناً على الظافر، وشعور نساء القصر التي سيرت إليه على الرماح.\rونزل طلائع دار المأمون التي كان بها نصر بن عباس، وأحضر الخادم الذي كان مع الظافر لما قتل وأعلمهم بمكانه، فأخرج وغسل وكفن، وحمل في تابوت على أعناق الأمار والأستاذين، وبان رزيك يمشي أمام التابوت. وأتوا به إلى القصر فصلى عليه ابنه الفائز ودفن في تربتهم بالقصر وجلس الفائز في بقية النهار، وخلع على ابن رزيك بالموشح والعقد، وعلى ولده وإخوته وحاشيته، وقرئ سجله بالوزارة، ونعت بالملك الصالح. وقبض على جماعة من الأمراء وقتلهم، في ثالث عشري شهر ربيع الأول من السنة.\rوفي سنة خمس وخمسمائة خرج الأمير تميم. متولي إخميم وأسيوط، علي الصالح، وجمع جمعا صلى الله عليه وسلم صالحاً، فأخرج إليه الصالح عسكراً، فالتقوا واقتتلوا، فقتل تميم في سابع عشر رجب.\rوفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة انفسخت الهدنة بين الصالح بن رزيك والفرنج، فجهز الصالح الجيوش والسرايا إلى بلاد الفرنج. فوصل سرية إلى عسقلان وغنمت وعادت سلمة. وجهز المراكب في البحر إلى نحو بيروت، فأوقعت بمراكب الفرنج. وجهز سرية إلى جهة الشوبك فعانوا في تلك النواحي، وعادوا سالمين بالغنائم والأسرى.","part":7,"page":500},{"id":3511,"text":"وفي يوم الثلاثاء تاسع عشر ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين قبض الصالح ابن رزيك على الأمير ناصر الدولة ياقوت وأولاده واعتقلهم، وسبب ذلك أنه بلغه أنه كاتب أخت الظافر وقصد القيام على الصالح، وكان واليا عاملاً على الأعمال القوصية، وهو بالقاهرة. ولم يزل في حبسه إلى أن توفي في شهر رجب سنة ثلاث وخمسين.\rوفي سنة أربع وخمسين ثار علي الصالح طرخان بن سليط بن ظريف، متولي الإسكندرية، وجمع جموعاً من العربان وغيرها، وتقدم بها لحره، فندب الصالح إليه الأمي عز الدين حسام بن فضة بعسكر، فالتقوا واقتتلوا، فهزم حسام جيوشه وظفر به، فاعتقله الصالح.\rفلما كان في المحرم سنة خمس وخمسين ثار أخوه إسماعيل طلباً لثأره، وتلقب بالملك الهادي، فندب الصالح إليه الجيوش. فلما هجمت عليه هرب وأتى الجيزة، واستتر عند بعض العربان. فلما كان في يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر هرب طرخان من الاعتقال هو والموكل به، فقبض عليه في السادس من الشهر وصلب على باب زويلة، ورمي بالنشاب، ثم مُسك أخوه إسماعيل وصلب إلى جانبه بعد أن ضرب عنقه.\rوفي سنة أربع وخمسين بنى الصالح حصناً من اللبن على مدينة بلبيس.\rوفاة الفائز بنصر الله\rكانت وفاته في ليلة الجمعة السابع عش رمن شهر رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وقيل لليلة بقيت منه، وكان مولده في يوم الجمعة لتسع بقين من المحرم سنة أربع وأربعين، فكان عمره إحدى عشرة سنة وستة أشهر وأياماً، ومدة ولايته ست سنين وخمسة أشهر وسبعة عشر يوماً.\rوزراؤه: الأفضل عباس بن يحيى بن تميم، ثم الصالح طلائع بن رزيك.\rقضاته: أبو المعالي مجلي بن نجا القرشي المخزومي، ثم صرف في أول وزارة الصالح، وأعيد أبو الفضائل يونس، ثم صرف بالقاضي المفضل أبي القاسم هبة الله بن كامل.\rبيعة العاضد لدين الله\rهو أبو محمد عبد الله بن يوسف، بن الحافظ بن عبد المجيد، بن محمد، ابن المستنصر بالله أبي تميم معد، بن الظاهر لإعزاز دين الله أبي هاشم المعز لدين الله أبي تميم معد، بن المنصور بنصر الله أبي طاهر إسماعيل، ابن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد، بن المهدي عبيد الله. وهو الرابع عشر من ملوك الدولة العبيدية، والحادي عشر من ملوك الديار المصرية منهم، وعليه انقرضت دولتهم. بويع له بعد وفات الفائز بنصر الله في يوم الجمعة السابع عش رمن شهر رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة.\rوكان الملك الصالح طلائع قصد أن يبايع لشخص من أقارب العاضد، فقال له بعض أصحابه لا يكن عباس أحزم منك حيث اختار صغيراً وترك من هو أسن منه، واستبد هو بالأمر. فعدل الصالح إلى العاضد، وبايع له وهو مراهق البلوغ، فكانت الخلافة للعاضد اسماً وللصالح رسماً.\rويوسف أبو العاضد هو أحد الأخوين الذين قتلهما عباس بعد قتل الظافر.\rوفي سنة ست وخمسين تزوج العاضد لدي الله بابنة الملك الصالح بن رزيك، وكان العاضد توقف عن زواجها، فجبره الصالح على ذلك واعتقله إلى أن تزوجها، وقصد بذلك أن يرزق العاضد منها ولداً فتحصل الخلافة والملك لبني رزيك، فجاء بخلاف ما قصد.\rمقتل طلائع بن رزيك\rوقيام ولده الملك العادل رزيك كان مقتله في السابع عشر من شهر رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة. وذلك أنه ركب في هذا اليوم من دار الوزارة إلى القصر، وجلس على مرتبته على عادته، فلما انقضى المجلس خرج، فبينما هو في دهاليز القصر وثب عليه جماعة فضربوه بالسكاكين عدة ضربات مهلكة. وكان سبب ذلك أنه تحكم في الدولة لخلوها منا الأمراء وصغر سن العاضد، وكان قد فرق الأمراء وقتل بعضهم، فبعثت ست القصور عمة العاضد الأموال إلى بعض الأمراء وأغرتهم به، فرتبوا ذلك. قال: ولما كان ضُرب بالسكاكين ألقى ابن الزبد نفسه عليه وقاتل ونه ودخل بقية الأمراء فخلصوه فركب وبه بعض رمق. فلما رأته ست القصور وقد ركب أيقنت بالهلاك. قال: ولما استقر في منزله أرسل إلى العاضد يعاتبه على ما كان منه، فحلف وأنكر أن يكون اطلع، فتوقف العاضد عن ذلك، فأرسل الصالح إلى ست القصور وأخرجها، فلما جاءت إلى منزله أمر بخنقها، فخنقت بين يديه حتى ماتت. ومات الصالح في بقية ليلته.","part":8,"page":1},{"id":3512,"text":"قال: وكان الصالح شديد التشيع متغالياً في مذهب الإمامية، وكان يكره أهل السنة. وقيل إنه كان يسب الصحابة، رضي الله عنهم، وغضب على من يتنقصهم. وكان في بخل وحسد. ومنع في أيامه من بيع الغلال حتى غلت الأسعار. وكان كثير التطلع إلى ما في أيدي الناس، وصادر جماعة ليس لهم تعلق بالدولة وأفنى الأمراء قتلاً واعتقالاً. وهو أول من وطب بالملك في الديار المصرية.\rوقال ابن الحباب في سيرته: إنه من ولد جبلة بن الأيهم الغساني الذي ارتد عن الإسلام في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال المؤرخ: وكان والد الصالح يسمى أسد رزيك، قدم مع أمير الجيوش بدر الجمالي.\rقال: وكان الصالح مع ذلك حازماً ضابطاً لأمور دولته شاعراً أديباً. قال القاضي الأرشد عمارة اليمني: دخلت على الصالح قبل وفاته بليلتين فناولني رقعة وقال: قد عملت هذين البيتين في هذه الساعة، فإذا فيها:\rنحن في غفلة ونوم وللمو ... ت عيون يقظانة لا تنام\rقد رحلنا إلى الحمام سنيناً ... ليت شعري! متى يكون الحمام!!\rفقلت : هما صالحان، وقمت، فكان آخر عهدي به.\rقال المؤرخ: وكان الصالح يقطع الليل أثلاثاً فالثلث الأول مع أمراء دولته ووجوهها، والثلث الثاني مع جلسائه وندمائه وشعرائه، والثلث الثالث مع خواص نسائه. فكان يسمى: أبو العمرين قال: وكذلك كان أمير الجيوش بدر الجمالي: ومن شعر الصالح قوله:\rيا مريض القلب بالذن ... ب، متى بالعفو تبرأ\rكلما جددت يوماً ... توبة ضيعت أخرى\rتشتهي الأجر ولا تف ... عل ما يكسب أجرا\rأترى بعد ذهاب ال ... عمر تستأنف عمرا\rوقوله:\rيا ما شياً فوق الثرى ... رفقاً، فسوف تصير تحته\rإن قلت أني أعرف ال ... مولى القدير، فما عرفته\rإن كنت تعبد للمخا ... فة والرجاء، فما عبدته\rوالصالح هو الذي بنى الجامع خارج باب زويلة المعروف به، وكان يقول: ندمت على ثلاثة: أحدها أنني بنيت الجامع بظاهر القاهرة وجعلته عوناً على باب زويلة فيضرها وقت الحصار، والأخرى توليتي شاور أعمال الصعيد، والله لا كان خراب دولة بني رزيك إلا على يديه، والثالثة أنني أنفقت في العسكر مائتي ألف دينار لأجل فتح بيت المقدس فتأخرت عن ذلك.\rقال: ولما توفي دفن بدار الوزارة ثم نقل إلى تربته التي بقرافة مصر.\rقال: ولما حضرته الوفاة أحضر ولده رزيك وأوصاه بوصايا كثيرة، من جملتها أنه لا يعزل شاور ولا يغير عليه مغيراً.\rقال: ورثاه الشعراء بقصائد كثيرة، فيها ما قاله القاضي الأرشد عمارة اليمني:\rأفي ذا النادي عليم أسائله ... فإني لما بي، ذاهب العقل ذاهله\rسمعت حديثاُ أحسد الصم عنده ... ويذهل واعيه، ويخرس قائله\rومنها:\rوقد رابني من شاهد الحال أنني ... أرى الست منصوباً وما فيه كافله\rوأني أرى فوق الوجوه كآبة ... تدل على أن النفوس ثواكله\rدعوني. فما هذا أوان بكائه ... سيأتيكم طل البكاء ووابله\rوهي قصيدة طويلة أتى فيها بكل عجيب قال: ولما مات الصالح خرجت الخلع من القصر لولده، وتلقب بالملك العادل مجد الإسلام.\rظهور حسين بن نزار وقتله\rوفي شهر رمضان سنة سبع وخمسين وخمسمائة ورد حسين بن نزار، بن المستنصر بالله ابن الظاهر لإعزاز دين الله من بلاد المغرب، وقد جمع جمعاً عظيماً وتلقب بالمنتصر بالله، فخرج إليه الأمير عز الدين حسام بن فضة ابن رزيك على صورة الانضمام واللحاق به. فما صار عنده في خيمته غدر به وقتله، وحمل رأسه إلى العاضد لدين الله.\rوفيها بنى الأمير أبو الأشبال ضرغام البرج المعروف به بثغر الإسكندرية.\rانقراض دولة بني رزيك","part":8,"page":2},{"id":3513,"text":"قد ذكرنا أن الملك الصالح بن رزيك، والد العادل، لما حضرته الوفاة أوصى ابنه العادل بوصايا كثيرة منها أنه لا يعزل شاور من عمله ولا يحركه، وحذره من ذلك فلما صار في سنة سبع وخمسين اجتمع أقارب العادل وحسنوا له عزل شاور عن ولاية الصعيد، فذكرهم بوصية أبيه، فأصروا على عزله، وكان أشدهم في ذلك الأمير عز الدين حسام ابن فضة، فألزم العادل إلى أن كتب كتاباً يستدعي فيه شاور ويأمره بالحضور إلى القاهرة فكتب إليه شاور يستعطفه ويظهر الطاعة والإدلال لسابق الخدمة لأبيه، ومناصحته في القيام بأمور الدولة، ثم قال فيه إن كان القصد أن يلي الأعمال أحدكم فليرسل السلطان من يتسلمها غير عز الدين حسام، وإن كان غيركم من الأمراء فأنا أحق به من سواكم، وقد سمعتم وصية أبيكم الصالح في حقي وما كرره عليكم وإقرار أعمال الصعيد في يدي. وأرسل الكتاب إلى العادل، فوقف عليه، وأوقف عليه أقاربه وأهله. فقالوا: إن أبقيته طمع في البلاد ولا يحمل إليك مالاً. فقال العادل لهم: المصلحة تركه. فصمموا على عزله.\rفأحضر العادل نصير الدين شيخ الدولة، وهو من أقاربه، وخلع عليه وولاه الأعمال القوصية، وكتب على يده إلى شاور بتسليم الأعمال إليه ووصوله إلى القاهرة. وتوجه نصير الدين. فلما وصل إلى إخميم أقام بها وأرسل الكتاب إلى شاور طي كتابه، فلما وقف شاور على الكتاب أرسل إلى نصير الدين رسولاً من جهته برسالة يقول له: إن بيني وبينك صحبة ولا تغتر بقول حسام، وارجع من حيث أتيت فهو خير لك. رجع نصير الدين إلى القاهرة ولم يعاوده.\rوأظهر شاور العصيان على الدولة. وأحضر جماعة من العربان من بني شيبان وغيرهم، وتوجه من الأعمال القوصية، وجعل طريقه على الواحات، وخرج منها إلى تروجه، وحشد العربان وأنفق فيهم الأموال، فوافقوه وانطاعوا له، فسار بهم نحو القاهرة، فندب العادل لحربه سيف الدين حسيناً، صهره، ومعه جماعة من الأمراء. فراسلهم شاور واستمالهم، وبذل لهم الأموال الجمة، فمالوا إليه فلما التقوا انحازوا إلى جماعته وفارقوا مقدمهم، فانهزم حسين واستجار بظريف بن مكنون أمير جذام فأجاره، وحمله في البحر، فمضى إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فمات هناك فندب إليه العادل عز الدين حساماً، فانهزم منه أيضاً.\rفعند ذلك خرج العادل من القاهرة وتوجه إلى إطفيح، واستصحب أهله وذخائره. وستجار بسليمان بن الفيض اللخمي، وكان من أصحاب أبيه الصالح، فأنزله عنده، ومضى من وقته إلى شاور وأخبره بخبر العادل، فندب إليه جماعة فأخذوه أسيراً هو ومن معه، ونهب أصحاب ابن الفيض ما كان معه. وحمل إلى شاور فوصل إليه في ليلة الجمعة لثلاث بقين من المحرم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة فأمر شاور باعتقاله، وقال لسليمان بن الفيض: لقد خبأك الصالح ذخيرة لولده حين استجار بك فأسلمته لي، وأنا أخبئك ذخيرة لولدي. ثم أمر به فشنق. وسميت فرقة ابن الفيض غمازة من ذلك اليوم، فهي تعرف الآن بهذا الاسم. فكانت أيام العادل سنة واحدة وثلاثة أشهر وأياماً. وجميع دولة بني رزيك تسع سنين تقريباً.\rوزارة شاور الأولى\rوخروجه منها كانت وزارته في يوم الأحد لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وذلك أنه لما انهزمت جيوش العادل بن رزيك وهرب هو إلى إطفيح خلت القاهرة منهم، فدخلها شاور، وحضر بين يدي الخليفة العاضد لدين الله، فخلع عليه خلع الوزارة، وسلطنه، ولقبه بأمير الجيوش. وأطلق شاور لأهل القصور الإطلاقات الكثيرة، وزادهم على مقرراتهم في أيام بني رزيك واستدعى أموال بني رزيك وودائعهم. وبسط العدل أياماً، ثم شرع في ظلم الناس، وبسط يده ويد أولاده في الدولة، وقطع أرزاق الأمراء والجند واستخف بهم وبالعاضد. وعتا ولده الكامل وتجبر، وليس بداء الكبر، وبذخ في الأموال، وصرفها في غير وجوه مصارفها.\rوساءت سيرته في الأمراء فأجمعوا على إخراج العادل من الاعتقال ونصبه في الوزارة. فاتصل ذلك بالكامل بن شاور، فأشار على أبيه بقتل العادل، فامتنع من ذلك وقال: إنه أولاني خيراً فلا أقتله، فقتله الكامل من غير إذن أبيه. فعظم ذلك على شاور وعلى الأمراء، وغضب الأمراء لقتل العادل، وخرجوا عن شاور، وافترقوا على فرقتين: فكان الضرغام وإخوته وأهله فرقة، و والظهير عز الدين مرتفع وعين الزمان وابن الزبد فرقة.","part":8,"page":3},{"id":3514,"text":"وكان الضرغام ومن معه أظهر الفرقتين. فخرج على شاور وحاربه، فجمع شاور أمواله وذخائره وغلمانه، وخرج ليلاً من القاهرة، فركب الضرغام في أثره فلحقه عند باب النصر، فقاتله طي بن شاور، فقتل طي، وأسر أخوه الكامل، ومضى شاور إلى الشام. وذلك في صبيحة يوم الجمعة لثلاث بقين من شهر رمضان من السنة. فكانت وزارته ثمانية أشهر وخمسة أيام. والله أعلم.\rوزارة الضرغام بن سوار\rقال: ولما توجه شاور إلى الشام وعاد الضرغام إلى القصر وأرسل إلى العاضد بما كان من أمر شاور، ومضى إلى داره بقية ليلته. وجاء القصور من بكرة النهار، فاستدعاه العاضد لدين الله، وولاه الوزارة، ولقبه بالملك المنصور، واستحلف له الأمراء.\rوأرسل علم الملك بن النحاس إلى الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، صاحب الشام، يقبض على شاور. فأظهر نور الدين الإجابة لذلك، وباطنه بخلاف ظاهره.\rقال: ولما ولي الضرغام الوزارة خرج عليه الأمير علي بن الخواص، فظفر به الضرغام، فأشهره بالقاهرة، وصلبه. وأحضر جماعة من الأمراء إلى داره لدعوة عملها، فلما حضروا إليه قبض عليهم وقتلهم.\rقدوم شاور من الشام وعوده إلى الوزارة ثانياً وقتل الضرغام\rكان قدومه في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وخمسمائة.\rوذلك أنه لما توجه إلى دمشق اجتمع بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، وحسن له أن يجهز معه جيشاً يفتح به مصر، ووصفها له ورغبه فيها، والتزم أنه يحمل خزائنها إليه يستعين بها على قتال الفرنج. فمال إليه، وجهز معه أسد الدين شيركوه بعساكر. فلما قاربوا مصر ندب إليهم الضرغام عسكراً وقدم عليه أخاه ناصر المسلمين، فلقيهم على بلبيس، فانهزم العسكر المصري وعاد إلى القاهرة.\rوسار شاور والعساكر الشامية، فنزل بظاهر القاهرة في آخر الشهر، واجتمع معه خلق كثير من العربان. فعلم الضرغام أنه لا قبل له بما دهمه، فركب إلى القصر، وطاف به، وجعل ينادي العاضد، وهو يخاف أن ينزل إليه. فأرسل إليه العاضد يقول: انجُ بنفسك فخرج من القاهرة يريد مصر، ودخل شاور وشيركوه إلى القاهرة، وندب جماعة إثر الضرغام فأدركوه عن مشهد السيدة نفيسة، فقتلوه هناك في يوم الجمعة، لليلتين بقيتا من جمادى الآخر . وطيف برأسه القاهرة على رمح، وبقيت جثته ملقاة بين الآكام ثلاثة أيام حتى أكلتها الكلاب. ودفن ما بقي منه عند بركة الفيل، وعمل عليه قبة، فكانت مدة ملك الضرغام تسعة أشهر.\rوكان فارساً بطلاً، كريماً، عاقلاً، أديباً، يحب العلماء ويقربهم، وله مجلس يجتمع فيه أهل العلم والأدب دون غيرهم. وكان حسن الخط، يقال إنه كان يحاكي ابن البواب في خطه.\rقال: ودخل شاور إلى العاضد لدين الله في مستهل شهر رجب، فعاتبه على ما كان منه في إحضار العسكر الشامي، وحذره عاقبة ذلك، فوعده أنه يصرفهم إلى بلادهم، فقبل ذلك منه، وخلع عليه خلع الوزارة.\rغدر شاور بشيركوه\rقال: ولما انتصب شاور في الوزارة وتم له ما أراد، أخذ في التدبير على العسكر الشامي، وحلف الأمراء، وتخاذل عن شيركوه، وصار يخرج إليه بوجه عليه آثار الغضب. ففهم أسد الدين شيركوه عنه، وعلم شاور أنه لا قبل له بشيركوه، فاستعان بالفرنج واستدعاهم من الساحل لنصرته، ووعدهم بالأموال. واتصل ذلك بأسد الدين فحاصر القاهرة.\rواتصل خبر شاور بالملك العادل نور الدين، فكتب إلى أسد الدين وأعلمه بما بلغه من مباطنة الفرنج، وأمره بالخروج عن الديار المصرية. فأبى ذلك وتوجه إلى بلبيس، واحتوى على بلاد الحوف، وجعل مدينة بلبيس ظهره. فاجتمعت العساكر المصرية ومن أتاهم من الفرنج، ونازلوا أسد الدين، وحصروه ببلبيس ثلاثة اشهر، وهو ممتنع بها لم يبرز إليهم، فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر على الفرنج أن نور الدين ملك حارم وسار إلى بانياس، فراسلوا شيركوه يسألونه الصلح، فأجابهم إلى ذلك، وخرج من مدينة بلبيس، فلما صار بظاهرها أشار شاور على تلك الفرنج بمهاجمته وقبضه فامتنع مري، ملك الفرنج، وأبى إلا الوفاء بيمينه لشيركوه.\rوسار أسد الدين إلى الشام، وعاد شاور إلى القاهرة، ومعه طائفة من الفرنج يتقوى بهم. وكان قد بذلك لهم على نصرته أربعمائة ألف دينار، ويهادنهم خمس سنين.","part":8,"page":4},{"id":3515,"text":"وكان دخول شاور إلى القاهرة لِست مضين من ذي الحجة من السنة، واستمر بمصر من غير منازع، إلى سنة اثنتين وستين وخمسمائة.\rعود أسد الدين شيركوه إلى الديار المصرية بالعساكر الشامية وانفصاله\rقال المؤرخ: لما انفصل أسد الدين شيركوه عن الديار المصرية في سنة تسع وخمسين، بقي عنده منها أمر عظيم. وكان إذا خلا بنور الدين الشهيد يرغبه فيها. فجهزه بالعساكر والحشود، فسار من الشام في شهر ربيع الأول سنة اثنين وستين وخمسمائة، فاتصل ذلك بشاور، فراسل الفرنج وانتصر بهم. فخرج الفرنج ووقفوا على الطريق التي يسلكها شيركوه إلى الديار المصرية، فعدل شيركوه عن تلك الطريق وجعلها عن يمينه، وسار حتى نزل إطفيح، في سادس شهر ربيع الآخر. وعبر النيل إلى الجانب الغربي، ونزل الجيزة، وأقام عليها إلى العشرين من جمادى الأولى. واستولى على الغربية وغيرها. فأرسل شاور إلى الفرنج يستحثهم، فأتوه على الصعب والذلول، وقد طمعوا في ملك الديار المصرية.\rفلما تكاملوا بالقاهرة توجه أسد الدين شيركوه نحو الصعيد، وسار شاور والفرنج في آثارهم. فجمع أسد الدين الأمراء واستشارهم في العبور إلى الجانب الشرقي والعود إلى الشام، فوافقوه على ذلك، فنهض شرف الدين بزغش، أحد الأمراء المماليك النورية، وكان شجاعاً مقداماً، وأنكر ذكر كل الإنكار، وامتنع من الموافقة، وقال: من خاف من الأسر أو القتل فلا يخدم الملوك ويأكل رزقهم، ويكون في بيته عند امرأته. وقال: والله لا نزال نقاتل إلى أن نقتل عن أخرنا أو ننتصر. فوافقه أسد الدين، وجمع عسكره ورتبهم، وجعل أثقاله في القلب ليكثر بها السواد ولئلا ينهبها أهل البلاد.\rفبينما هم في التعبئة إذا بشاور والفرنج قد أقبلوا، ورتبهم واقتتلوا، فكانت الهزيمة على شاور والفرنج وتوالت عليهم الحملات من العسكر الشامي، فتمادت بهم الهزيمة إلى الجيزة، وشيركوه في آثارهم. وقتل منهم خلق وغرق كثير منهم. وأسر أسد الدين صاحب قيسارية.\rودخل شاور والفرنج إلى القاهرة، وملك أسد الدين البر الغربي بكماله، وقصد الإسكندرية ليحاصرها. فلما قرب منها خرج إليه أهلها وسلموها إليه من غير ممانعة، وكان والي الثغر يوم ذاك نجم الدين بن مصال. فدخل شيركوه البلد، وأقام بها أياماً قلائل، واستناب بها صلاح الدين يوسف بن أخيه نجم الدين أيوب، وتركه بها ومعه ألف فارس. وتوجه هو إلى الصعيد فاستولى عليه، واستخرج أمواله وصام شهر رمضان بمدينة قوص.\rهذا وشاور يتجهز للخروج ويرتب أحواله وأحوال الفرنج ويرم ما تلف لهم. فلما تكامل ما يحتاج إليه قصد الإسكندرية، فأخرج أهلها الأموال وأنفقوها، واستعدوا للحصار، فكان في جملة ما أخرجوه للحصار أربعة وعشرون ألف قوس زنبورك وما يناسب ذلك من الآلات.\rوسار شاور ومري ملك الفرنج، فنازلوا الإسكندرية. فلما رأوا شدة أهلها واجتماعهم على الحصار، تقدم شاور إليهم وقال: سلموا إلى صلاح الدين ومن معه وأضع عنكم المكوس، وأعطيكم الأخماس. فامتنعوا وقالوا: معاذ الله أن نسلم المسلمين إلى الفرنج والإسماعيلية. فعند ذلك وقع الحصار واشتد على أهل الإسكندرية إلى أن قلت الأقوات.\rوبلغ ذلك أسد الدين فسار من الصعيد وجد في السير إلى الإسكندرية، وكان شاور قد أفسد التركمان الذين مع أسد الدين فصاروا معه، واجتمع لشيركوه طائفة كبيرة من العربان، فملا علم شاور بقربه خافه وراسله في طلب الصلح، وبذل له خمسين ألف دينار، سوى ما أخذه من خراج البلاد، على أن يفارق الديار المصرية. فأجاب أسد الدين إلى ذلك، وشرط عليهم أن يرجع هو إلى الشام ويرجع الفرنج إلى بلادهم. فاستقرت هذه القاعدة، وحلف الفرنج عليها.\rففتحت الإسكندرية عند ذلك، وخرج صلح الدين يوسف إلى مري ملك الفرنج وجلس إلى جانبه. فدخل شاور عليهما، فقال لمري: سلمه إلي وأعطيك في كل سنة خمسين ألف دينار. فقال مري: نحن إذا حلفنا لا نغدر، ووبخه. وكان أسد الدين قد شرط على شاور أن الفرنج يرحلون ولا يلتمسون من البلاد درهماً ولا ضيعة ولا غير ذلك.\rقال: وارتحل أسد الدين، ودخل مصر برضاء أهلها، وسار إلى بلبيس. وأرسل إلى ابن أخيه يوسف أن يوجه في المراكب إلى عكا، هو ومن معه من العسكر، وما معه من الأثقال، ففعل ذلك، وركب من عكا إلى دمشق.","part":8,"page":5},{"id":3516,"text":"هكذا حكى ابن جلب راغب في تاريخه. قال: وارتحل أسد الدين من بلبيس في نصف شوال، ودخل شاور إلى الإسكندرية، ثم خرج منها وعاد إلى القاهرة، فدخلها في مستهل ذي القعدة، وتلقاه العاضد لدين الله.\rوأما الفرنج، فاستقر بينهم وبين شاور أن يكون لهم شحنة بالقاهرة وتكون أبوابها بيد فرسانهم، ويكون لهم في كل سنة مائة ألف دينار.\rوفي سنة ثلاث وستين وخمسمائة خرج يحيى بن الخياط على شاور وطلب الزارة، فندب شاور عسكراً لحربه، فانهزم ومضى إلى بلاد الفرنج.\rوصول الفرنج إلى القاهرة\rوحصارها وحريق مصر قال المؤرخ: وفي سنة أربع وستين وخمسمائة عاد الفرنج إلى القاهرة. وذلك انهم لما توجهوا في سنة اثنتين وستين رتبوا في القاهرة جماعة من أبطالهم وشجعانهم وفرسانهم ليحموها من عسكر يأتي إليها من الشام، فلما رأوا خلوّ مصر من الأجناد راسلوا ملكهم مري واستدعوه، وكان من الشجاعة والمكر على أمر عظيم. فامتنع وقال: الرأي ألا نقصدها فإنها طعمة لنا، وأموالها تحمل إلينا نتقوى بها على قتال نور الدين، وإن قصدناها حمل أصحابها الخوف على تسليمها لنور الدين، وإن أخذها وجعل فيها مثل أسد الدين شيركوه فهو لهلاك الفرنج وخروجهم من الشام. فلم يقبلوا رأيه، وقالوا ما يصل عسكر نور الدين إلينا إلا وقد ملكناها. وغلبوا على رأيه.\rفتجهز الفرنج وساروا حتى وصلوا إلى مدينة بلبيس ونالوها، فوقع الإرجاف بمصر، وشرع شاور في إنشاء حصن على مصر واستعمل فيه الناس، فلم يبق أحد إلا وعمل فيه، وحفر خندقاً. وملك الفرنج بلبيس عنوة وسبوا وقتلوا خلقاً كثيراً. وكان معهم بعض الأمراء المصرين ممن هرب من شاور، منهم يحيى الخياط.\rثم ساروا إلى القاهرة وأحاطوا بها، وذلك في العاشر من صفر، فخاف أهلها إن أهملوا القتال أن يحل بهم ما حل بأهل بلبيس ، فجدوا في القتال والاحتراز.\rقال: ولما قرب الفرنج من القاهرة أمر شاور بنهب مصر وإحراقها، فأحرقت في تاسع صفر، ونهبت، وأمر أهلها بالانتقال إلى القاهرة، فانتقل بعضهم وتحصن البعض بالجزيرة، وتوجه آخرون في المراكب إلى ثغرى الإسكندرية ودمياط، وطائفة إلى الوجه القبلي، وتفرقوا وذهبت أموالهم. كل ذلك قبل نزول الفرنج على القاهرة بيوم.\rقال: وبقيت النار تعمل فيها أربعة وخمسين يوماً، إلى حادي عشر شهر ربيع الآخر.\rقال: ولما علم العاضد لدين الله عجز أهل القاهرة عن مقاومة الفرنج أرسل إلى الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي يستغيث به، وسير إليه شعور نسائه في طي الكتب.\rوقيل إن شاوراً أرسل إلى نور الدين أيضاً.\rوأرسل شاور إلى مري ملك الفرنج يذكره بسابق الصحبة والعهود القديمة، وقرر أن يحمل إليه ألف ألف دينار، فأجاب مري إلى ذلك وقال لأصحابه: نأخذ المال ونتقوى به ونمضي ثم نرجع فلا نبالي بعد ذلك بنور الدين. فاستوثق شاور منه بالأيمان وعجل له مائة ألف دينار، وماطله بالبقية، وشرع يجمع له من أهل القاهرة المال، فلم يحصل له من جهتهم غير خمسة آلاف دينار لضعفهم.\rهذا والرسل تتابع إلى الملك العادل ويستغيثون به. وقرر له ثلث الديار المصرية.\rقال: ولما وصلت الكتب إليه طلب أسد الدين شيركوه من حمص، فسار منها إلى حلب في ليلة واحدة، فجهزه نور الدين وأعطاه مائتي ألف دينار سوى الثياب والسلاح وغير ذلك. فاختار أسد الدين من العسكر ألفي فارس من الأقوياء، وستة آلاف من بقية العسكر. وأنفق نور الدين لكل فارس عشرين ديناراً. ثم سار شيركوه، فكان خروجه من دمشق في منتصف شهر ربيع الأول، وأردفه نور الدين بجماعة من الأمراء، منهم مملوكه عز الدين جرديك، وشرف الدين بزغش وعين الدولة الياروقي، وناصح الدين خمارتكين، وقطب الدين ينال بن حسان المنتبجي، وغيرهم. والله أعلم.\rقدوم شيركوه إلى مصر\rورحيل الفرنج عنها","part":8,"page":6},{"id":3517,"text":"قال: وقدم أسد الدين شيركوه بالعساكر، فكان وصوله إلى مصر في يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمائة. ولما بلغ الفرنج قربه عادوا عن القاهرة إلى بلادهم، وكان رجوعهم في يوم السبت ثالث شهر ربيع الآخر، ومعهم من الأسرى اثنا عشر ألف نفس. ودخل أسد الدين إلى القاهرة في سابع شهر ربيع الآخر، وخرج إليه العاضد لدين الله وتلقاه. وحضر يوم الجمعة التاسع من الشهر إلى الإيوان وجلس إلى جانب العاضد، وخلع عليه، وفرح الناسب بقدومه وعاد أهل مصر إليها، وشرعوا في إطفاء النيران وإصلاح ما تشعث. وكانت سقوف جامع عمرو بن العاص بمصر قد احترقت فجدده الملك الناصر صلاح الدين يوسف.\rقال: وأمر العاضد أسد الدين بالنزول على شاطئ النيل بالمقس، ورتب له شاور ولمن معه الإقامات الوافرة، وأظهر له وداً كثيراً، وصار يتردد إليه في كل يوم. فطلب أيد الدين من شاور مالاً ينفقه في عسكره، فمطله فسير إليه شيركوه الفقيه عيسى الهكاري يطالبه بالنفقة ويقول له: إن العسكر قد طال مقامهم وطالبوا بالنفقة وتغيرت قلوبهم عليك، وإني أخشى عليك منهم. فلم يكترث شاور بذلك، وشرع في المماطلة فيما كان قرره لنور الدين.\rوعزم شاور على أن يصنع دعوة ويحضر أسد الدين وجماعة من الأمراء الذين معه إلى داره، ويقبض عليهم، ويستخدم من معه من الجند فيمتنع بهم من الفرنج. فنهاه عن ذلك ولده الكامل، وحلف أنه إن صمم على هذا الأمر عرف به شيركوه. فقال له أبوه: والله لئن لم تفعل هذا قتلنا عن آخرنا. فقال الكامل لأبيه: صدقت، ولأن نقتل ونحن مسلمون خير من أن نقتل وقد ملكها الفرنج، فإنه ليس بينك وبين عود الفرنج إلا أن يسمعوا أن أسد الدين قد قبض عليه، وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور الدين ما أغاثه، ويملكون البلاد، فترك ما عزم عليه. واتصل بالعاضد فأعلم شيركوه.\rمقتل شاور\rكان مقتله في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر من السنة.\rوذلك أن الأمراء النورية لما رأوا مماطلته بالنفقة وبلغهم أنه قد عمل على القبض عليهم اتفق صلاح الدين يوسف وعز الدين جرديك، وغيرهما على قتله وأعلموا أسد الدين بذلك، فنهاهم عنه. واتفق أن شيركوه خرج لزيارة قبر الإمام الشافعي هذا اليوم، وحضر شاور له على عادته، فقيل إنه توجه للزيارة، فقال: نتوجه إليه. فتوجه ومعه يوسف وجرديك وهما يسايرانه، فأنزلاه عن فرسه، وكتفاه، فهرب عنه أصحابه. فجعلاه في خيمة، وأحاط بهم جماعة ولم يمكنهم من قتله بغير أمر أسد الدين. فحضر من القصر جماعة من قبل العاضد، يستحث على قتله، وحضر أسد الدين إلى المخيم ورسل العاضد تتواتر لأسد الدين يأمره بقتله فقتل، وأرسل رأسه إلى العاضد على رمح.\rومضى أولاده إلى القصور واستجاورا بالعاضد، فقتلوا بعد العقوبة الشديدة، في يوم الاثنين لأربع خلون من جمادى الأولى منها. وهم: الكامل، والمعظم، وركن الإسلام. وتأسف شيركوه بعد ذلك على الكامل لأنه بلغه ما جرى بينه وبين أبيه.\rقال: ولما قتل شاور استدعى العاضد أسد الدين شيركوه، فدخل إلى القاهرة في الساعة التي قتل فيها شاور، فرأى العوام وقد اجتمعوا، فأهاله ذلك، فقال لهم: إن مولانا العاضد لدين الله أمير المؤمنين يأمركم أن تنهبوا دور شاور. فتفرق الناس عنه، ونهبوها. ودخل شيركوه إلى القصر، فتلقاه العاضد، وخلع عليه خلع الوزارة، ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش. ولم تطل مدته في الوزارة حتى توفي إلى رحمة الله تعالى بعد خمسة وستين يوماً، وقام بالأمر بعده الملك الناصر صلاح الدين يوسف، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الأيوبية.\rانقراض الدولة العبيدية\rوالخطبة للمستضيئ بنور الله العباسي كان انقراض هذه الدولة عند خلع العاضد لدين الله، وذلك في يوم الجمعة لسبع مضين من المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة.","part":8,"page":7},{"id":3518,"text":"وكان سبب ذلك أن صلاح الدين يوسف لما ثبتت قدمه في ملك الديار المصرية واستمال الناس بالأموال قتل مؤتمن الخلافة جوهرا زمام القصور، ونصب مكانه قراقوش الأسدي الخصي خادم عمه، ثم كانت وقعة السودان فأفناهم بالقتل، على ما نذكره إن شاء الله مستوفي في أخباره. ثم أسقط من الأذان قولهم: حي على خير العمل، وأبطل مجلس الدعوة، وضعف أمر العاضد معه إلى الغاية فعند ذلك كتب الملك العادل نور الدين إلى الملك الناصر صلاح الدين يأمره بالقبض على العاضد وأقاربه، والخطبة للخليفة المستضيئ بنور الله، وكان المستضيئ قد راسله في ذلك. فامتنع صلاح الدين، وكره إزالة هذه الدولة. فكتب إلى الملك العادل يعتذر، وقال: إن فعلنا هذا الأمر لا نأمن من قيام أهل مصر علينا لميلهم إلى هذه الدولة. وكان صلاح الدين أن يتقوى بالعاضد على نور الدين إن هو أراد الدخول إلى الديار المصرية.\rفلما ورد جوابه على نور الدين بالاعتذار انزعج لذلك، ورادف رسله إليه يأمره بخلع العاضد والقبض عليه.\rفاستدعى الملك الناصر الأمراء واستشارهم في ذلك، فمنهم من حذره، ومنهم من هونه عليه. فأحضر الفقيه أليسع بن يحيى بن أليسع، وعرفه الحال. فلما كان في هذه الجمعة صعد إلى المنبر بجامع مصر قبل طلوع الخطيب، ودعا للمستضيئ بنور الله، فلم ينكر عليه أحد. فلما كان في الجمعة الثانية أمر الملك الناصر الخطباء بمصر والقاهرة أن يخطبوا للمستضيئ بنور الله أبي محمد الحسن، بن المستنجد بالله العباسي، فخطبوا له.\rثم توفي العاضد لدين الله إثر هذا الخلع، في يوم عاشوراء من السنة، بعد ثلاثة أيام من خلعه. وكان ضعيفاً لما قطعت خطبته، فقال صلاح الدين: لا تعلموه، فإن عوفي أعلمناه، وإن توفي فلا نفجعه بهذه الحادثة.\rوقال بعض المؤرخين: إن صلاح الدين لما قطع خطبته دخل عليه وقبض عليه واعتقله، فلما رأى ذلك كان في ذخائره فص في خاتم، فمصه، فمات لوقته. فكان صلاح الدين يقول: ندمت على كوني دخلت على العاضد وفعلت به ما فعلت، وكان أجله قد قرب.\rولما مات جلس الملك الناصر للعزاء به. فكانت مدة ولايته إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وتسعة عشر يوماً، ومولده في يوم الثلاثاء لعشر بقين من المحرم سنة ست وأربعين وخمسمائة، فعمره على هذه إحدى وعشرون سنة إلا أحد عشر يوماً.\rوكان له من الأولاد ثلاثة عشر وهم علي، وموسى، وعبد الكريم، وأبو الحداد يوسف، وأبو الفتوح، وإبراهيم، وجعفر، ويحيى، وعبد القوي، وعبد الصمد، وأبو البشر، وعيسى. فاعتقلهم الملك الناصر بأجمعهم، واستمرا في الاعتقال إلى سنة اثنتين وستمائة، فكان من أمرهم ما نذكره في أخبار الدولة الأيوبية.\rووزر له من ذكرنا أخبارهم، وهم: الصالح أبو الغارات طلائع بن رزيك، ثم ولده العادل رزيك، ثم شاور، ثم الضرغام، ثم عاد شاور، ثم أسد الدين شيركوه، ثم الملك الناصر صلاح الدين يوسف.\rقضاته: أبو القاسم هبة الله بن كامل، وأبو الفتح عبد الجبار بن إسماعيل بن عبد القوي، ثم الأعز أبو محمد الحسن بن علي بن سلامة، ثم أعيد عبد الجبار، ثم أعيد ابن الكامل، ثم صرف على أيام الملك الناصر بالقاضي صدر الدين أبي القاسم عبد الملك بن درباس.\rوكان العاضد شديد التشيع متغالياً في سب الصحابة، رضوان الله عليه أجمعين. إذا رأى سنياً استحل دمه.\rأخبار الدولة العبيدية\rومدتها ومن ملوك من ملوكها كانت مدة تغلب ملوك هذه الدولة على البلاد منذ أن أخرج أبو عبد الله الشيعي عبيد الله، المنعوت بالمهدي، ومن سجلماسة، ومن سجن أليسع ابن مدرار إلى أن مات العاضد هذا مائتي سنة وسبعين سنة وشهراً. منها ببلاد الغرب، منذ دخل عبيد الله المهدي رقاده إلى أن وصل المعز لدين الله إلى القاهرة أربع وستون سنة وعشرة أشهر وخمسة وعشرون يوماً. وباقي هذه المدة بمصر والشام، إلى أن انقطعت دعوتهم. بخروج عسقلان عن يد المسلمين واستيلاء الفرنج عليها، في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، في أيام الظافر بأعداء الله في وزارة عباس بن يحيى بن تميم.","part":8,"page":8},{"id":3519,"text":"وعدة من ملك منهم أربعة عشر ملكاً تسموا كلهم بالخلافة، وهم: عبد الله المنعوت بالمهدي، ثم ابنه القائم بأمر اله أبو القاسم محمد، ثم ابنه المنصور بنصر الله أبو الظاهر إسماعيل، ثم ابنه المعز لدين الله أبو تميم معد، وهو أول من ملك الديار المصرية والبلاد الشامية منهم، وإليه تنسب القاهرة المعزية، ثم ابنه العزيز بالله أبو المنصور نزار، ثم ابنه الحاكم بأمر الله أبو علي المنصور، ثم ابنه الظاهر لإعزاز دين الله أبو هاشم، وقيل أبو الحسن، علي، ثم ابنه المستنصر بالله أبو تميم معد، ثم ابنه المستعلي بالله أبو القاسم أحمد، ثم ابنه الآمر بأحكام الله أبو علي المنصور، ثم ابن عمه الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر بالله، ثم ابنه الظافر بأعداء الله أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ، ثم ابنه الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظافر، ثم ابن عمه العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد بن المستنصر، وعليه انقرضت دولتهم، وانتهت أيامهم، وباد ملكهم، فلم يعد إلى وقتنا هذا.\rقال المؤرخ: ولما خلع العاضد ومات واعتقل الملك الناصر صلاح الدين يوسف أولاده بالقصور مر القاضي الأرشد عمارة اليمني الشاعر بالقصور، وهي مغلقة الأبواب، مهجورة الجناب، خاوية على عروشها، خالية من أنيسها، فأنشأ قصيدته المشهورة التي رثى بها القصور وأهلها، وهي من عيون المراثي وأولها:\rرميت يا دهر كف المجد بالشلل ... وجيده بعد حسن الحلي بالعطل\rسعيت في منهج الرأي العثور، فإن ... قدرت من عثرات الدهر فاستقل\rهدمت قاعدة المعروف عن عجل ... على فجيعتنا في أكرم الدول\rقدمت مصر فأولتني خلائفها ... من المكارم ما أربي على الأمل\rقوم عرفت بهم كسب الألوف ومن ... جمالها أنها جاءت ولم أسل\rمنها:\rياعاذلي في هوى أبناء فاطمة ... لك الملامة إن قصرت في عذلي\rبالله زر ساحة القصرين، وابك معي ... عليهما، لا على صفين والجمل\rوقل لأهلهما: والله ما التحمت ... فيكم جراحي، ولا قرحي بمندمل\rماذا ترى كانت الإفرنج فاعلة ... في نسل آل أمير المؤمنين علي\rهل كان في الأمر شيء غير قسمة ما ... ملكتم بين حكم السبي والنفل\rمررت بالقصر، والأبواب خالية ... من الوفود، وكانت قبلة القبل\rفملت بوجهي خوف منتقد ... من الأعادي، ووجه الود لم يمل\rأسلت من أسفي دمعي غداة خلت ... حال الزمان عليها، وهي لم تحل\rوهي قصيدة مشهورة مطولة.\rولما انقرضت هذه الدولة الأيوبية على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار ملوكها والله أعلم.\rالدولة الأيوبية وهي دولة السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وأولاده، ودولة أخيه الملك العادل سيف الدين أبو بكر وأولاده، رحمهم الله تعالى.\rولنبدأ بذكر نسب نجم الدين أيوب والد ملوك الدولة الأيوبية وابتداء حاله وحال أخيه أسد الدين، وكيف تنقلت بهم الحال إلى أن ملك أسد الدين شيركوه الديار المصرية، وكيف انتقل الملك من بعده إلى ابن أخيه الملك الناصر صلاح الدين يوسف. ثم نذكر أخبار من ملك من أولاده وأخيه الملك العادل وأولاده في حربهم وسلمهم إلى حين انقراض دولتهم. وبالله التوفيق\rالملك الأفضل نجم الدين\rهو أبو سعيد أيوب بن شادي بن مروان. هذا هو المقطوع به الذي لا نزاع فيه، ولا خلاف بين أحد من المؤرخين ونقلة أخبارهم.\rقال الملك الأمجد مجد الدين أبو محمد الحسن، ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبي المفاخر داود، ابن السلطان الملك المعظم شرف الدين أبي المظفر عيسى، ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد، ابن الملك الأفضل نجم الدين أبي سعيد أيوب، رحمهم الله تعالى، في كتابه المترجم بالفوائد الجلية في الفرائد الناصرية، سمعت من يقول: مروان بن محمد، وقال بعض الناس محمد بن يعقوب.","part":8,"page":9},{"id":3520,"text":"وقال شهاب الدين أبو شامة عبد الرحمن في كتابه المترجم بالروضتين في أخبار الدولتين سمعت من يقول: مروان بن يعقوب.\rوقال الملك الأمجد: وقد اختلف في نسبهم على ثلاثة أقوال: القول الأول: ما قاله عز الدين علي بن أثير الجزري المؤرخ أن نجم الدين أيوب من بلد دوين من أذربيجان، وأصله من الأكراد الروادية، وهذا القبيل هم أشرف الأكراد.\rقال الملك الأمجد: وهذا شيء يجري على ألسنة كثير من الناس، ولم أر أحداً ممن أدركه من مشايخ بيتنا يعترف بهذا النسب، لكنهم لا ينكرون أن نجم الدين كان بدوين.\rقال: والمشهور عند بيتنا أن جدنا نزل على الأكراد وتزوج منهم، فصارت بيننا وبينهم خؤولة لا غير. ويد على ذلك أن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف لما ملك البلاد تقدم في دولته جماعة من الأكراد، فلم يبق أحد منهم إلا جاء بنو عمه وأقاربه، حتى صار في عصبة من أهله، والسلطان رحمه الله لم يأت إليه من يمت بقرابة إلا من جهة النساء فقط، ولو كان من الروادية لكان جميع القبيلة أولاد عمه وإن لم يكن له ابن عم قريب فيكون ابن عم بعيد لأن قطعاً لأن القبيلة كلها أولاد رجل واحد. ولا شك أن الدواعي تتوفر على الانتماء إلى الملك ما لا تتوفر على الانتماء إلى الأمراء.\rالقول الثاني: أنهم من أولاد مروان بن محمد الأموي، آخر خلفاء الدولة الأموية.\rقال الملك الأمجد: وهذا شيء ادعاه الملك المعز فتح الدين أبو الفداء إسماعيل بن الملك العزيز ظهير الدين أبي الفوارس سيف الإسلام طغتكين، بن أيوب، باليمن، لما ملكه بعد أبيه، وتلقب بالإمام الهادي بنور الله المعز لدين الله أمير المؤمنين. وقال يحيى بن حميد بن أبي طي: قد نقبت عن ذلك فأجمع الجماعة من بني أيوب على أنهم لا يعفرون جداًً فوق شادي.\rالقول الثالث: ما ذكره حسن بن عمران الجرشي فإنه جاء إلى الملك المعظم وعمل شجرة لنسب بني أيوب، فوصله بعلي من أحمد المري ممدوح أبي الطيب المتنبي الذي يقول فيه:\rشرق الجو بالغبار إذا سا ... ر على بن أحمد بن القمقام\rوقال أيضاً في مدحه:\rإنما بن عوف بن سعد ... جمرات لا تشتهيها النعام\rولم ينكر الملك المعظم عليه ذلك بل قبل منه.\rقال: وهذا سرد النسب الذي عمله الجرشي، وهو: أيوب بن شادي بن مروان بن أبي علي.\rقال الملك الأمجد: قلت: ويحتمل أن يكون أبو علي هذا هو محمد المقدم ذكره - وأبو علي كنية له - ابن عنترة بن الحسن بن علي بن أحمد ابن أبي علي بن عبد العزيز بن هدية بن الحصين بن الحارث بن سفيان بن عمرو بن مرة بن شبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وبقية النسب معروف، هذا ما قيل في نسبه. وأما ابتداء حاله:\rابتداء حال الملك الأفضل نجم الدين أيوب وأخيه أسد الدين شيركوه\rقال المؤرخ: قدم نجم الدين أيوب وأخوه أسد الدين شيركوه من بلد دوين إلى العراق في خلافة المسترشد بالله، وخدما مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد. فرأى من نجم الدين عقلاً ورأياً وحسن سيرة، وكان أسن من أخيه أسد الدين، فجعله مجاهد الدين دزداراً بقلعة تكريت، وكانت له، فسار إليها ومعه أسد الدين.\rوقيل بل كان نجم الدين قد خدم السلطان محمد بن ملكشاه السلجقي، فرأى منه أمانة وعقلاً، وسداداً وشهامة، فولاه قلعة تكريت، فقام بها أحسن قيام. فلما ولي السلطان مسعود أقطع قلعة تكريت لمجاهد الدين بهروز، فأقر نجم الدين في الولاية. وكان أتابك عماد الدين زنكي بن آق سنقر، والد السلطان الشهيد نور الدين لما انهزم من قراجا الساقي في سنة ست وعشرين وخمسمائة، كما ذكرنا، بلغت به الهزيمة إلى تكريت، فقام الدين بخدمته أتم قيام، وأقام له السفن إلى أن عبر دجلة، فكان ذلك سبب وصلته بالبيت الأتابكي وتقدمه.","part":8,"page":10},{"id":3521,"text":"قال: ثم اتفق بين أسد الدين وبين قوارص النصراني، كاتب بهروز، مشاجرة في بعض الأيام، فكلمه النصراني بكلمة أمضته، فضرب عنقه بيده، ورماه برجله فلما اتصل الخبر ببهروز وحضر عنده من حذره من جرأة شيركوه وتمكين نجم الدين واستحواذه على قلوب الرعايا خاف عاقبة ذلك، وكتب بالإنكار عليه بسبب ما كان من أخيه، وعزله. فسار نجم الدين أيوب وشيركوه إلى عماد زنكي في الموصل، فلما وصلا إليه سر بهما وأحسن إليهما، فأقطعهما الإقطاعيات الجليلة، وشهدا معه حروب الكفار وقتال الفرنج.\rفما ملك زنكي قلعة بعلبك، في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة جعل نجم الدين دزداراً بها، فأقام بها إلى أن قتل عماد الدين زنكي، في سن إحدى وأربعين وخمسمائة. وحاصر معين الدين أنر، صاحب دمشق قلعة بعلبك، حتى ضاق الأمر على نجم الدين، فاضطر إلى تسليمها إليه، وتعوض عنها إقطاعاً وأملاكاً، وكان عنده من الأكابر الأمراء. واتصل أسد الدين شيركوه بخدمة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، فجعله مقدماً على عسكره، وجعل له حمص والرحبة وغيرهما.\rفلما تعلقت همة نور الدين بملك دمشق أمر أسد الدين بمكاتبة أخيه نجم الدين أيوب في ذلك، فراسله، فأعان نور الدين على فتح دمشق، فعظم محلها عند نور الدين. فكان نجم الدين إذا دخل عليه جلس من غير أن يؤذن له في الجلوس، ولم تكن هذه الرتبة لغيره من سائر الأمراء. فلما كان من أمر شاور ما قدمناه وقصد نور الدين محمود أو استغاث به، أرسل معه أسد الدين بالعساكر، وكان من أمره في المرة الأولى، في سنة تسع وخمسين وخمسمائة، والمرة الثانية، في سنة اثنتين وستين، والمرة الثالثة في سنة أربع وستين وخمسمائة على ما قدمنا ذكره في أخبار الدولة العبيدية في أيام العاضد لدين الله.\rوزارة الملك المنصور\rأسد الدين شيركوه بالديار المصرية ووفاته كانت وزارته للعاضد لدين الله في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة.\rوذلك أنه لما كان من أمر شاور ومقتله ما ذكرنا آنفاً استدعى العاضد لدين الله أسد الدين شيركوه، فدخل إلى القاهرة في الساعة التي قتل فيها شاور، فرأى اجتماع العوام ما أهاله، فخاف على نفسه، فقال لهم: أمير المؤمنين يأمركم بنهب دار شاور. فقصدها الناس ونهبوها، وتفرقوا عنه، ولما نزل أسد الدين بدار شاور، وهي دار الوزارة، لم يجد فيها ما يجلس عليه.\rقال: ولما تفرق الناس للنهب دخل أسد الدين على العاضد لدين الله، فتلقاه وخلع عليه الوزارة، ولقبه بالملك المنصور أمير الجيوش، وكتب له تقليد الوزارة، وكتب عليه العاضد بخطه عهداً: عهد لم يعهد لوزير مثله، وتقليد أمر رآك أمير المؤمنين أهلاً لحمله: والحجة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله، فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة، واسحب ذيل الفخار بان اعتززت بخدمتك من النبوة، واتخذ الفوز سبيلاً: \" ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلكم الله عليكم كفيلاً \" .\rوخرج من عند العاضد وركب على دار الوزارة وسكنها، واستقل بالأمر. واستعمل على الأعمال من يثق به من كفاة أصحابه، وأقطع البلاد لعساكره. وأرسل إلى ديوان الإنشاء بالقصر يطلب من يكتب بين يديه، فأرسل إليه متولي الديوان القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني؛ وظن أن رؤساء ديوان المكاتبات أن هذا الأمر لا يتم، وأن أسد يقتل عن قريب كما قتل غيره، فأرسلوا إليه القاضي الفاضل وقالوا لعله يقتل معه، فكان من أمره ما كان.\rولم تطل مدة أسد الدين في الوزارة بل انقضت أيامه، وفاجأه حمامه، فتوفي يوم السبت لثمان بقين من جمادى الآخرة من السنة.\rواختلف في سبب وفاته، فقيل مات فجأة، وقيل بعلة الخوانيق، وقيل بل سم. فكانت مدة وزارته خمساً وستين يوماً؛ وعمل عزاؤه ثلاثة أيام، وحمل إلى المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام؛ ودفن هناك برباط الوزير 108 جمال الدين وزير الموصل.\rولما مات أسد الدين شيركوه استقر بالوزارة بعده الملك الناصر صلاح الدين بن يوسف بن أيوب\rالملك الناصر صلاح الدين\rبن يوسف ابن الملك الأفضل بن نجم الدين أيوب وزارته في الديار المصرية","part":8,"page":11},{"id":3522,"text":"كانت وزارته بالديار المصرية عقب وفاة عمه المنصور أسد الدين شيركوه وقد تطاول جماعة من الأمراء النورية للوزارة، ومنهم عين الدولة الياروقي، وقطب الدين قايماز، وسيف الدين المشطوب الهكاري، وشهاب الدين محمود الحارمي، وهو خال صلاح الدين؛ وخطبها كل منهم لنفسه، فأشار جماعة من المصريين وخواص العاضد لدين الله على العاضد أن يولي صلاح الدين، وقالوا: إنه أصغر الجماعة سناً ولا يخرج من تحت أمر أمير المؤمنين. فإذا استقر وضعنا على العساكر من يستميلهم إلينا، فيبقى عندنا من الجند من نتقوى به، ثم نأخذ يوسف بد ذلك أو نخرجه فإن أمره أسهل من غيره، فاستدعاه العاضد لدين الله، وخلع عليه خلع الوزارة. ولقبه بالملك الناصر، فلم يطعه أحد من الأمراء الذين كانوا تطاولوا للوزارة ولا خدموه.\rوكان الفقيه عيسى الهكاري معه، فسعى مع الأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب حتى استماله إليه، وقال له: إن هذا الأمر لا يصل إليك مع الياروقي والحارمي وغيرهما. ثم اجتمع بالحارمي وقال مثل ذلك، وقال له: إن صلاح الدين ولد أختك، وعزه وملكه لك، وقد استقام له الأمر، فلا تكن أول من سعى في إخراج الأمر عنه. واجتمع بالأمراء واستمالهم. فأطاعه بعضهم عصى بعضهم.\rفأما الياروقي فإنه قال: لا أخدم يوسف أبداً، وعاد إلى الملك العادل نور الدين هو وجماعة من الأمراء. وصال صلاح الدين نائباً عن الملك العادل نور الدين، والخطبة لنور الدين ولا يكاتبه إلا: بالأمير الأسفهسلار صلاح الدين وكافة الأمراء بالديار المصرية. يفعلون كذا وكذا. ويفعل علامته في الكتب، عظمة أن يكتب اسمه. ولما وزر صلاح الدين ثبت قدمه، واستمال قلوب الناس بالأموال فمالوا إليه فقوي أمره، وضعف أمر العاضد.\rمقتل مؤتمن الخلافة جوهر\rزمام المقصور انتقال وظيفته إلى قراقوش الأسدي وحرب السودان كان مقتل مؤتمن الخلافة في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة، من سنة أربع وستين وخمسمائة.\rوسبب ذلك أن الملك الناصر شرع في نقض إقطاع المصريين، فاتفق هذا الخادم مع جماعة من الأمراء المصريين على مكاتبة الفرنج واستدعائهم إلى الديار المصرية، والاعتضاد بهم على صلاح الدين ومن معه، وأرسل الكتب مع إنسان، فجعلها في نعل ولبسه، وسار أنه فقير ورث الهيئة. فلما وصل إلى البيضاء وجده تركماني، فأنكر حاله إذ هو رث الهيئة جديد المداس. فأخذ مداسه وفتقه، فوجد الكتب فيه، فحمله بها إلى الملك الناصر، فوقف عليها، وكتم الأمر، وقرر الرجل بالعقوبة، فأقر أن الكتب بخط رجل يهودي، فاستحضره، فأقر بها. ثم قتل صلاح الدين القاصد. واستشعر مؤتمن الخلافة من الملك الناصر، فلزم القصور واحترز على نفسه، فكان لا يخرج منها. فلما طال ذلك عليه خرج من هذا اليوم لقصر له بالخرقانية، فأرسل إليه الملك الناصر جماعة فقتلوه، وأتوه برأسه، فرتب حينئذ على أزمة القصور قراقوش الخصي، وكان من مماليك عمه أسد الدين ليطالعه بما يتجدد بالقصور.\rقال: ولما قتل مؤتمن الخلافة ثار السودان لذلك وأخذتهم المحمية، وعظم عليهم قتله، لأنه كان رأسهم ورئيسهم، فحشدوا واجتمعوا، فزادت عدتهم على خمسين ألف عبد، وكانوا أشد على الوزراء من العسكر. فندب الملك الناصر العسكر لقتالهم، وقدم على العسكر أبا الهيجاء السمين، فالتقوا بين القصرين واقتتلوا، فقتل من الفريقين جمع كثير، فلما رأى الملك الناصر قوتهم وشدة بأسهم أرسل إلى محلتهم المعروفة بالمنصورة، خارج باب زويلة، فأحرقها، فاتصل ذلك بهم، فضعفت نفوسهم، فانهزموا إلى محلتهم فوجدوا النيران تضرم فيها. واتبعهم العسكر فمنعهم من إطفائها. ودام القتال بينهم أربعة أيام، نهاراً وليلاً، إلى يوم السبت الثامن والعشرين من ذي القعدة، فخرجوا بأجمعهم إلى الجيزة وقد أيقنوا بالهلاك، وخرج إليهم تورانشاه أخو الملك الناصر فقتلهم، ولم ينج منهم إلا اليسير. وكتب الملك الناصر إلى ولاة البلاد بقتل من يجدونه منهم، فقتلوا من عند آخرهم.\rوبقي الملك الناصر يخشى من أهل القصر لما فعله بمؤتمن الخلافة جوهر، فكان جوهر هذا سبب زوال ملك الدولة العبيدية وجوهر القائد سبب ملك المعز للبلاد، فشتان بين الجوهرين.\rالحوادث في الأيام الناصرية\rغير الفتوحات والغزوات","part":8,"page":12},{"id":3523,"text":"لم نقدم هذه الحوادث التي نذكرها الآن على الغزوات والفتوحات إلا أنها سابقة على ذلك في التاريخ، ولأنا أردنا أن نفرد غزواته وفتوحاته ليأتي الكلام عليها سياقة يتلو بعضه بعضاً، ولا ينقطع بغيره، فكان مما نذكره.\rوصول الملك الأفضل نجم الدين أيوب والد الملك الناصر إلى الديار المصرية\rكان الملك الناصر قد كتب في طلب والده، رحمهما الله تعالى، فوصل بأولاده وأهله إلى القاهرة في السابع والشرين من شهر رجب سنة خمس وستين وخمسمائة، ولما وصل تلقاه الخليفة العاضد لدين الله بظاهر باب الفتوح عند شجرة الإهليلج، ولم تجر بمثل ذلك عادة، فكان يوماً مشهوداً. وخلع العاضد عليه، ولقبه الملك الأفضل، وحمل إليه من أنواع التحف والألطاف شيئاً كثيراً، وأقطعه الإسكندرية ودمياط والبحيرة، وأقطع ولده شمس الدولة، أخا الناصر، قوص وأسوان وعيذاب، وكانت عبرتها يوم ذاك مائتي ألف وستة وستين ألف دينار.\rإبطال الأذان بحي على خير العمل\rقال المؤرخ: ولعشر مضين من ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمائة أمر الملك الناصر أن يسقط من الأذان قولهم حي على خير العمل، محمد وعلي خير البشر، وكانت أول وصمة دخلت على الشيعة والدولة العبيدية، ويئسوا بعدها من خير يصل إليهم من الملك الناصر. ثم أمر أن يذكر في الخطبة بكلام مجمل، ليلبس على الشيعة والعامة: اللهم أصلح العاضد لدينك.\rما أنشأه الملك الناصر صلاح الدين بالقاهرة ومصر من المدارس والخوانق\rقال المؤرخ: وفي أول سنة ست وستين وخمسمائة أمر الملك الناصر بهدم دار المعونة المجاورة للجامع العتيق بمصر. ودار المعونة هي المكان الذي يعتقل فيه الناس. وأمر ببنائها مدرسة لطائفة الفقهاء الشافعية، وتعرف هذه المدرسة بابن زين التجار. وإنما عرفت به لأنه درس بها.\rثم عمر دار الغزل المجاورة لباب الجامع المعروف بباب الزكخته مدرسة للطائفة المالكية ودرس فيها ابن أبي المنصور.\rوفيها اشترى تقي الدين عمر بن شاهنشاه، ابن أخي صلاح الدين، الدار المعروفة بمنازل العز بمصر، وبناها مدرسة للطائفة الشافعية. وكانت هذه الدار يسكنها الأمير ناصر الدولة بن حمدان في الأيام المستنصرية، وقد تقدم ذكر ذلك.\rثم أمر الملك الناصر ببناء مدرسة الشافعي والبيمارستان، وعمر الخانقاه المعروفة بسعيد السعداء على ما يأتي ذكر ذلك.\rوفي هذه السنة أيضاً أبطل الملك ا لناصر مجلس الدعوة من الجامع الأزهر وغيره، وكان من سنة الدولة العبيدية أن يقوموا لهم دعاة كالخطباء والله أعلم.\rتفويض القضاء بالديار المصرية للقاضي صدر الدين بن درباس\rوفي سنة ست وستين وخمسمائة في ثامن عشري جمادى الآخرة فوض السلطان الملك الناصر القضاء بالديار المصرية إلى القاضي صدر الدين أبي القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس المارداني، فاستمر إلى آخر الأيام الناصرية.\rوفي سنة سبع وستين وخمسمائة، في سابع المحرم قطعت خطبة العاضد لدين الله، ومات في يوم عاشوراء كما قدمناه.\rوفيها في الثالث عشر من جمادى الأولى كُشف حاصل الخزائن بالقصور، فوجد فيه ما يزيد على مائة صندوق، ومن الذخائر النفيسة ما لا مزيد عليه.\rوفيها في صفر أمر الملك الناصر بإبطال المكوس بالقاهرة والأعمال عن التجار المترددين إليها وإلى ساحل المقسم صادراً ووارداً، فكان مبلغ ذلك مائة ألف دينار عيناً.\rوفيها رسم بتحويل سنة خمس وستين الخراجية إلى سنة سبع وستين الهلالية، وكانت قد حولت في سنة خمسمائة في أيام الأفضل أمير الجيوش.\rوفاة الملك الأفضل\rنجم الدين أيوب كانت وفاته رحمه الله تعالى في يوم الثلاثاء السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وستين وخمسمائة. وذلك أنه ركب من داره، فلما انتهى إلى باب القصر في وسط المحجة شب به فرسه فسقط عنه، فحُمل إلى منزله، فعاش ثمانية أيام ومات فدفن إلى جانب قبر أخيه أسد الدين في الدار السلطانية، ثم نقلا إلى المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وقُبِرا في تربة الوزير جمال الدين الأصفهاني وزير الموصل رحمه الله.\rوفي سنة تسع وستين وخمسمائة أمر الملك الناصر ببيع الكتب التي بخزانة القصر، فكانت أكثر من مائة ألف كتاب من سائر المصنفات، فبيعت بأخس الأثمان.\rعمارة قلعة الجبل والسور","part":8,"page":13},{"id":3524,"text":"وفي سنة تسع وستين وخمسمائة أيضاً أمر الملك الناصر بعمارة قلعة الجبل والسور الدائر على القاهرة ومصر، وجعل مبدأه من شاطئ النيل إلى شاطئه. فكان دور السور على القاهرة ومصر والقلعة تسعة وعشرين ألف ذراع، وثلاثمائة ذراع وذراعين. من ذلك ما بين قلعة المقسم والبرج بالكوم الأحمر بساحل مصر عشرة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، ومن القلعة بالمقسم إلى حائط قلعة الجبل ثمانية آلاف ذراع وثلاثمائة واثنان وتسعون ذراعاً، ومن حائط قلعة الجبل إلى البرج بالكوم الأحمر سبعة آلاف ومائتا ذراع. ودائر قلعة الجبل ثلاثة آلاف ومائتا ذراع عشرة أذرع، كل ذلك بالذراع الهاشمي. وتولى عمارة ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي، وحفر في رأس الجبل بئراً يتوصل إلى مائها المعين من درج منحوتة من الجبل، وتوفي الملك الناصر قبل أن تكمل عمارته.\rوفيها أمر ببناء المدرسة عند تربة الإمام الشافعي رحمه الله، وتولاها الفقيه الزاهد نجم الدين الخبوشاني.\rوأمر باتخاذ دار في القصر بيمارستاناً للمرضى، ووقف على ذلك وقوفاً. وهذا البيمارستان يسمى في وقتنا هذا البيمارستان العتيق.\rوفيها أسقط مكوس مكة، شرفها الله، المقررة على الحاج وعوض أميرها عن ذلك في كل ثمانية آلاف إردب قمحاً تحمل إلى ساحل جدة، وعين لذلك ضياعاً بالديار المصرية وقرب أيضاً حمل غلات إلى المجاورين بالحرمين الشريفين والفقراء: فقال الشيخ الحسين محمد بن جبير الأندلسي في ذلك من قصيدة يمدح بها الملك الناصر.\rرفعت مكارم مكس الحجاز ... بإنعامك الشامل الغامر\rوأمنت أكناف تلك البلاد ... فهان السبيل على العابر\rوسمت أياديك فياضة ... على وارد وعلى صادر\rفكم لك بالشرق من حامد ... وكم لك بالغرب من شاكر\rقتل جماعة من المصريين\rوفي سنة تسع وستين وخمسمائة أيضاً، في ثاني شهر رمضان صلب جماعة ممن أراد الوثوب بمصر من أصحاب الخلفاء العبيديين. وسبب ذلك أن جماعة من شيعتهم، منهم عمارة اليمني الشاعر، وعبد الصمد الكاتب، والقاضي الأعز سلامة المعروف بالعوريس، والقاضي ضياء الدين نصر بن عبد الله بن كامل، وداعي الدعاة، وغيرهم من جند العبيديين ورجال السودان وحاشية القصر ومن وافقهم من الأمراء الصلاحية والجند - اتفق رأيهم على استدعاء الفرنج من جزيرة صقلية ومن سواحل الشام إلى الديار المصرية على شيء بذلوه لهم من المال والبلاد، وقرروا أن الملك الناصر إذا خرج إليهم بنفسه ثار هؤلاء بالقاهرة ومصر وأعادوا الدولة العبيدية، العلوية بزعمهم، ويعود من معه من العساكر الذين وافقوهم عنه فلا يبقى له مقام بالبلاد. وإن أقام هو وأرسل العساكر إليهم ثاروا به فأخذوه باليد. وقال لهم عمارة: وأنا فقد أبعدت أخاه إلى اليمن خوفاً أن يسد مسده، وتجتمع الكلمة عليه بعده. وأرسلوا إلى الفرنج وتقررت هذه القاعدة بينهم.\rقال: وكان ممن أدخلوه معهم في هذا الأمر زين الدين علي بن نجا الواعظ، وهو القاضي ابن نجية، ثم اختلفوا في وزارة الخليفة، فقال بنو رزيك: يكون الوزير منا. والقاضي وقال بنو شاور: بل يكون الوزير منا فحضر ابن نجا إلى الملك الناصر وأعلمه بصورة الحال، فأمره بمباطنتهم وموافقتهم، ومطالعته بأحوالهم. ففعل ذلك.\rثم وصل رسول من ملك الفرنج إلى الملك الناصر بهدايا، وهو في الظاهر له وفي الباطن لهؤلاء، فوضع الملك الناصر عليه من النصارى من داخله وباطنه، فذكر له الحال على جليته، فأعلم به الملك الناصر. فلما تحققه قبض على هؤلاء وصلبهم، فكان ممن صلب عمارة اليمني، وعبد الصمد الكابت، والقاضي الأعز العوريس، وغيرهم.\rعبد الرحيم قد احتجب ... إن الخلاص من العجب\rونودي في أجناد المصريين بالرحيل من ديار مصر ومفارقتها إلى أقاصي الصعيد، واحتاط الملك الناصر على من بالقصر من سلالة العاضد وأهله. وأما من كان قد وافقهم من أصحابه فلم يخاطبهم في ذلك ولا أوهمهم أنه علم به. وبلغ ذلك فرنج الساحل فلم يتحركوا من أماكنهم، وأما فرنج صقلية فإنهم قصدوا ثغر الإسكندرية على ما نذكره.","part":8,"page":14},{"id":3525,"text":"وفي سنة سبعين وخمسمائة، في أوائلها، خالف الكنز، أمير العرب، على الملك الناصر بصعيد مصر، واجتمع معه جماعة كبيرة من رعايا البلاد والعربان والسودان وغيرهم، وقتل أخا الأمير أبي الهيجاء السمين، وكان قد توجه لإقطاعه بالصعيد. فعظم قتله على أخيه، وكان من أكابر الأمراء الناصرية، فسار إلى قتال الكنز. وندب معه الملك الناصر جماعة من الأمراء والعسكر، فوصلوا إلى مدينة طود، وهي على مسافة يوم من مدينة قوص إلى جهة الصعيد، فامتنع من بها عليهم، فقاتلوهم وظفوا بهم وقتلوا كثيراً منهم، وخربوا البلد، فهي إلى وقتنا هذا تعرف بطود الخراب، وغيطانها عامرة. ثم سار العسكر منها إلى الكنز، فقاتلوه، فقتل هو ومن معه من الأعراب، وأمنت البلاد واستقر أهلها.\rوفي سنة سبع وسبعين وخمسمائة ظهر بالديار المصرية فأر كثير جداً. قال القاضي الفاضل عبد الرحيم حدثني من شاهد هذا الفأر وهو يرحل من بقعة إلى أخرى فيغطي الأرض بكمالها حتى لا يظهر منها شيء البتة وأنه شاهده يمر بأماكن فلا يلم بها ولا يخرج عليها والزروع بها محصورة، ويمر بأخرى فلا يلبس أن يفسد جميع ما فيها و لا يرتحل عنها وبها شيء من الزرع ولا المقات بالجملة.\rوفي سنة تسع وسبعين وخمسمائة ظهر بأبوصير السدر من أعمال الجيزة بيت أشاع الناس أنه بيت هرمس، ففتح بحضور القاضي نظام الدين بن الشهرزوري وأخرج منه أشياء، من جملتها صور كباش وضفادع بأزهر، وقوارير دهنج، وفلوس من فضة ونحاس، وأصنام نحاس وياقوت، وغير ذلك من الذهب والفضة والتحف القديمة ووجد فيه خلق كثير من الأموات.\rوفي سنة ثمانين وخمسمائة في يوم الاثنين مستهل المحرم دُرّس في المدرسة الفاضلية التي أنشأها القاضي الفاضل عبد الرحيم بالقاهرة بدرب ملوخية، ورتب فيها لإقراء كتاب الله تعالى الشيخ الإمام العالم الزكي أبو محمد القاسم بن فيره الرعيني الشاطبي، وفي التدريس على مذهبي الشافعي ومالك الفقيه أبو القاسم عبد الرحيم بن سلامة الإسكندري، رحمهما الله تعالى.\rوحيث ذكرنا هذه النبذة من الحوادث التي أتفقت في خلال دولته، فلنذكر ما استولى عليه من البلاد الإسلامية.\rما استولى عليه الملك الناصر\rمن البلاد الإسلامية بنفسه وأتباعه كان من البلاد التي خطب بها للملك الناصر صلح الدين يوسف طرابلس الغرب وبعض بلاد إفريقية، منها مدينة قابس.\rوسبب ذلك أن شرف الدين قراقوش مملوك تقي الدين عمر، ابن أخي الملك الناصر، توجه في سنة ثمان وستين وخمسمائة في طائفة من الأتراك إلى جبال نفوسة، واجتمع به مسعود بن زمام المعروف بالبلاط، وهو من أعيان أمراء تلك الناحية، وكان خارجاً عن طاعة ابن عبد المؤمن. فاتفقا وكثر جمعهما، ونزلا على طرابلس الغرب، فحاصراها مدة وضيقا على أهلها، ثم فتحاها، فاستولى قراقوش عليها، وأسكن أهله بقصرها. ثم ملك كثيراً من بلاد أفريقية إلا المهدية وسفاقس وقفصة وتونس وما والاها من القرى والمواضع. وكثر جمع قراقوش، فحكم على تلك البلاد، وجمع أموالاً عظيمة جمعها بمدينة قابس، وقويت نفسه، وطمع أنه يستولي على جمي أفريقية لبد ابن عبد المؤمن عنها واشتغاله بجهاد الإفرنج. ثم جاء نورابه مملوك تقي الدين أيضاً، بطائفة من الترك فزاد بهم قوة إلى قوته. ثم اجتمع الأتراك وعليّ ابن إسحاق الملثم المعروف بابن غانية وملكوا بجاية في سنة ثمانين، وانقادوا إلى الملثم واستعانوا به، لأنه من بيت المملكة والرئاسة القديمة، ولقبوه بأمير المسلمين، وقصدوا بلاد أفريقية فملكوها شرقاً وغرباً إلا تونس والمهدية فإن الموحدين حفظوها.\rولما حصل استيلاؤهم على بلاد أفريقية قطعت خطبة أولاد عبد المؤمن وخطب للناصر لدين الله العباسي، وقصدوا مدينة قفصة فتسلموها في سنة اثنتين وثمانين، وأقام بها طائفة من الملثمين والأتراك.","part":8,"page":15},{"id":3526,"text":"فلما اتصلت هذه الأخبار بالأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن اختار من عسكره عشرين ألف فارس من الموحدين، وسار بهم في صفر سنة ثلاث وثمانين، فوصل إلى مدينة تونس. وأرسل ستة آلاف مع ابن أخيه فساروا إلى الملثم والأتراك بقفصة، فهزمهم الملثم ومن معه في شهر ربيع الأول من السنة. فجاء يعقوب بن يوسف بمن معه في نصف شهر رجب منها، والتقوا على مدينة قابس، فانهزم الأتراك والملثم، وقتل :كثير منهم. وفتح يعقوب قابس، وأخذ أموال قراقوش وأهله وحملهم على مراكش. وحصر مدينة فقصة ثلاثة أشهر وبها الترك، فطلبوا الأمان لهم ولأهل البلد، فأمنه وسير الأتراك إلى الثغور لما رأى من شجاعتهم.\rهذا ما اتفق لهذه الطائفة، وإن كانت هذه الفتوحات لا تختص كلها بالدولة الأيوبية، إلا أنهم كانوا سبباً، وهم الذين استولوا على البلاد كما ذكرنا فأوردناها في أخبارهم.\rاستيلائه على اليمن\rوفي سنة تسع وستين وخمسمائة جهز الملك الناصر أخاه الملك المعظم شمس الدولة تورانشاه إلى اليمن، فسار في مستهل شهر رجب. وكان عمارة اليمني الشاعر يذكر له البلاد ويحسنها له ويحثه على قصدها، ويعظم مملكتها. فسار ووصل إلى مكة شرفها الله تعالى، ومنها إلى زبيد وبها صاحبها عبد النبي المتغلب عليها. فلما قرب منها ورأى أهلها انهزموا، فوصل المصريون إلى سور زبيد فلم يجدوا عليه من يمانع عنه، فنصبوا السلالم وصعدوا عليها إلى السور فملكوا البلد عنوة ونهبوه، وأسر المتغلب عليها عبد النبي وزوجته المدعوة بالخيرة، وكانت امرأة صالحة كثيرة الصدقة. وسلم شمس الدولة عبد النبي إلى يوسف سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ، وهو من أمرائه، وأمره أن يستخرج منه الأموال، فاستخرج منه شيئاً كثيراً وأظهر دفائن كانت له. ودلتهم الخيرة على ودائع لها كثيرة. ثم أصلح أمر زبيد وخطب بها للناصر لدين الله.\rثم سار إلى ثغر عدن، وهي فرضة الهند والزنج والحبشة وعمان وكرمان وكش وفارس وغير ذلك، وهي من جهة البر من أمنع البلاد وأحصنها. وصاحبها يومئذ رجل اسمه ياسر فخرج إليه وقاتله، فانهزم هو ومن معه، فسبقه بعض عسكر الدولة فدخلوا البلد قبل أهله وملكوه، وأسر صاحبه. وقصد العسكر نهب البلد، فمنعهم شمس الدولة، وقال: ما جئنا لنخرب البلاد، وإنما جئنا لنملكها ونعمرها وننتفع بها. ثم عاد إلى زبيد وحصر ما في الجبل من الحصون فملك قلعة تعز واسمها الدمولة، وهي من أحصن القلاع، وبها تكون خزائن صاحب اليمن. وملك غيرها من الحصون والمعاقل، واستناب بثغر عدن عز الدين عثمان الزنجيلي، وبزبيد سيف الدين مبارك بن كامل بن منقذ. وجعل في كل حصن نائباً من أصحابه.\rوأحسن شمس الدولة إلى أهل البلاد، وعادت زبيد إلى أحسن ما كانت عليه من العمارة والأمن. ثم عاد شمس الدولة من اليمن، وقدم إلى دمشق بعد أن ملكها الملك الناصر، فوصل إليها في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.\rملكه مدينة دمشق\rقال المؤرخ: لما توفي الملك العادل نور الدين الشهيد محمود ابن الزنكي رحمه الله، كما قدمناه في أخباره، وولي بعده ولده الملك الصالح إسماعيل أقر الملك الناصر الخطبة باسمه بعد أبيه، ولم يخطب لنفسه ثم اتفق ما ذكرناه من نقلة الملك الصالح من دمشق إلى حلب، ولم يستأذن الملك الناصر في ذلك ولا كتب له فيه، فسار الملك الناصر من الديار المصرية إلى الشام في شهر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة، ووصل إلى دمشق في يوم الاثنين سلخ الشهر - وقال ابن شداد في سلخ شهر ربيع الآخر - وتسلم دمشق من أمير شمس الدين بن المقدم ونزل بدار العقيقي، وكانت سكن أبيه، وأحسن إلى الأمراء وأكرمهم، وأظهر أنه إنما حضر إلى الشام نصرة للملك الصالح، وليعيد عليه ما أخذه ابن عمه سيف الدين غازي من بلاده. وأقرب خطبتها لم يقطعها ولا خطب لنفسه.\rملكه مدينة حمص وحماه\rقال المؤرخ: ولما ملك دمشق استخلف بها أخاه سيف الإسلام طغزتيكين بن أيوب، وتوجه إلى مدينة حمص في مستهل جمادى الأولى، فنازلها، فملك المدينة ولم يشتغل بالقلعة، وترك بالمدينة من يحفظها ويمنع من في القلعة من التصرف.","part":8,"page":16},{"id":3527,"text":"وسار منها فوصل إلى مدينة حماة في مستهل جمادى الآخرة، وكان بقلعتها الأمير عز الدين جرديك، وهو من المماليك النورية، فامتنع من تسليمها. فأرسل إليه يعرفه ما هو عليه من الطاعة للملك الصالح، فاستحلفه جرديك على ذلك، وخرج إليه، وترك أخاه بالقلعة ليحفظها. وتوجه عز الدين جرديك إلى حلب ليكون سفيراً بين الملك الناصر وبين كمشتكين فاعتقل بحلب فلما بلغ أخاه ذلك سلم القلعة إلى الملك الناصر.\rحصره حلب\rوعوده عنها وملكه قلعة حمص وبعلبك قال: ولما بلغ الملك الناصر خبر عز الدين جرديك والقبض عليه، توجه إلى حلب وحصرها في جمادى الآخرة من السنة، فقاتله أهلها، وركب الملك الصالح وهو صبي وعمره اثنتا عشرة سنة وجمع أهل حلب، وذكرهم بإحسان والده إليهم، واستنصر بهم في دفع صلاح الدين، فبكوا وحلفوا له على بذل النفوس والأموال، وقاتلوا أشد قتال. وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان، مقدم الإسماعيلية، مالاً كثيراً على قتل الملك الناصر، فسير إليه جماعة، فظفر صلاح الدين بهم وقتلهم. ورحل عن حلب في مستهل شهر رجب من السنة.\rوكان سبب رحيله أن كمشتكين أرسل إلى القومص ريمند الصنجيلي، صاحب طرابلس، أن يجهز إلى بلاد صلاح الدين من الفرنج من يمنعه من الوصول إليها. فلما بلغه ذلك فارق حلب وعاد إلى حماة في ثامن الشهر، بعد نزول الفرنج على حمص بيوم. فلما سمع الفرنج بقربه رحلوا عن حمص، ووصل صلاح الدين إلى حمص، وملك القلعة بعد حصار. وكان ملكه لها في الحادي والعشرين من شعبان من السنة.\rثم سار منها إلى بعلبك، وكان بها يمن الخادم متوليها من أيام نور الدين، فحصرها الملك الناصر، فطلب يمن الأمان، فأمنه وتسلم القلعة في رابع شهر رمضان.\rانهزام عسكر سيف الدين غازي من الملك الناصر وحصره حلب ثانياً\rقال المؤرخ: كان الملك الصالح كتب إلى عمه سيف الدين غازي يستنجده على قتال صلاح الدين ودفعه فجهز العسكر صحبة أخيه عز الدين مسعود، وتأخر هو لما وقع بينه وبين أخيه عماد الدين من الاختلاف الذي قدمناه في أخبار الدولة الأتابكية فسارت العساكر السيفية، واجتمع معها العسكر الحلبي، وسارو ا كلهم لقتال الملك الناصر فأرسل إلى سيف الدين يبذل له تسليم حمص وحماة وأن يقر بيده مدينة دمشق نيابة عن الملك الصالح: فلم يجب إلى ذلك وقال: لا بد من تسليم جميع ما أخذه من بلاد الشام ويعود إلى مصر.\rفلما امتنع سيف الدين من إجابته تجهز عند ذلك للقاء عز الدين مسعود ومن معه وقتالهم، فالتقوا في تاسع عشر شهر رمضان بقرون حماة، فلم تثبت عساكر سيف الدين وانهزموا لا يلوي بعضهم على بعض. وتبعهم الملك الناصر وغنم معسكرهم، ووصل إلى حلب وحاصرها، وقطع خطبة الملك الصالح وأزال اسمه.\rفلما طال الحصار على من بحلب راسلوه في الصلح على أن يكون له ما بيده من بلاد الشام ولهم ما بأيديهم منها، فأجابهم إلى ذلك، وانتظم الصلح. فرحل عن حلب في العشر الأول من شوال ووصل إلى حماة. ووصلت إليه بها رسل الخليفة المستضيئ بنور الله، ومعهم الخلع والأعلام السود وتوقيع من الديوان العزيز بالسلطنة ببلاد مصر والشام.\rوفيها ملك قلعة بعرين في العشر الأول من شوال من صاحبها فخر الدين مسعود بن الزعفراني، وكان من أكابر الأمراء النورية، فجاء إلى خدمة الملك الناصر، وظن أنه يكرمه ويقربه، فلم ير من ذلك شيئاً، ففارقه وعاد إلى قلعته. فلما استقر الصلح بين الملكين الناصر والصالح نازل الناصر بعرين ونصب عليها المجانيق وملكها.\rوانهزام غازي\rقد قدمنا انهزام عز الدين مسعود بالعسكر السيفي من الملك الناصر في سنة سبعين وخمسمائة. فلما كان في سنة إحدى وسبعين جمع سيف الدين غازي جميع عساكره وفرق فيهم الأموال، واستنجد بصاحب حصن كيفا وصاحب ماردين وغيرهما، وسار إلى حلب واستصحب سعد الدين كمشتكين مدبر دولة الملك الصالح والعسكر الحلبي.\rوكان صلاح الدين في قلة من العسكر لأنه جهز أكثر عساكره في الديار المصرية فما بلغه ذلك أرسل يستدعي عساكره، فلم تلحقه، وأعجلته الحركة، فسار من دمشق إلى حلب للقاء غازي ومن معه، فالتقى العسكران بلت السلطان بالقرب من حلب، في عاشر شوال من السنة.","part":8,"page":17},{"id":3528,"text":"وكان عز الدين زلفندار مقدم العسكر الموصلي قليل المعرفة بالحروب، فجعل أعلام صاحبه في وهدة من الأرض لا يراها إلا من هو بالقرب منها فلم يرها الناس ظنا أن سيف الدين غازي قد انهزم، وانهزموا لا يلوي الأخ على أخيه. ولم يقتل من العسكر على كثرته غير رجل واحد. وانهزم سيف الدول إلى الموصل وترك أخاه عز الدين بحلب.\rقال العماد الأصفهاني: إن سيف الدين غازي كان في عشرين ألف فارس، وخطّأه ابن الأثير الجزري في ذلك وقال إن أخاه مجد الدين أبا السعادات المبارك كان يتولى كتابة الجيش، وأنه وقف على جريدة العرض فكانت ستة آلاف.\rوإن جمعنا بين قوليهما فنقول: إن الجريدة التي وقف عليها ابن الأثير كانت للجيش المختص بسيف الدين غازي خاصة، والذي نقله العماد الأصفهاني عن جميع ما صحبه من سائر الجيوش الحلبية والحصفية، والماردينية، والله أعلم.\rما ملكه الملك الناصر من بلاد الملك الصالح بعد هذه الوقعة\rقال المؤرخ: لما استولى الملك الناصر على أثقال العسكر الموصلي وغنمها، واتسع هو وعسكره بها، سار إلى بزاعة، فحصرها وملكها بعد قتال من بقلعتها، وجعل بها من يحفظها. ثم سار إلى منبج فحصرها في آخر شوال، وبها صاحبها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي، وكان شديد العداوة للملك الناصر والتحريض عليه، فملك المدينة وحاصر القلعة وملكها عنوة، وأسر صاحبها ينال، ثم أطلقه، فسار إلى الموصل، فأقطعه سيف الدين غازي مدينة الرقة.\rثم سار إلى قلعة عزاز فنازلها في ثالث ذي القعدة ونصب عليها المجانيق، ولام الحصار ثمانية وثلاثين يوماً وتسلمها في حادي عشر ذي الحجة من السنة.\rووثب عليه في مدة الحصار باطني فضربه بسكين في رأسه، فرد عنه المغفر، وضربه عدة ضربات وقعت في زيق كزاغنده.\rحصره مدينة حلب والصلح عليها\rقال: ثم رحل الملك الناصر عن أعزاز ونازل حلب في نصف ذي الحجة وحصرها إلى العشرين من المحرم سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وترددت الرسائل بينهم في الصلح، فاستقرت القاعدة بين الملك الناصر وسيف الدين غازي والملك الصالح وصاحب ماردين وصاحب حصن كيفا، وتحالفوا أن كلهم عوناَ على الناكث منهم. فتم الصلح وأعاد الملك الناصر إليهم قلعة أعزاز ورجع عن حلب.\rنهبه بلاد الإسماعيلية\rقال: لما عاد الملك الناصر من حلب قصد بلاد الإسماعيلية في شهر المحرم سنة اثنتين وسبعين لقتالهم، لأنهم أرادوا قتله؛ فنهب بلادهم وخربها؛ ونازل قلعة مصياف. فأرسل سنان مقدم الإسماعيلية إلى الأمير شهاب الدين الحارمي صاحب حماة، وهو خال الملك الناصر، يطلب منه الدخول بينهما في الصلح والشفاعة، وتهدده بالقتل إن لم يفعل ففعل ذلك ، وتم الصلح. وتوجه الملك الناصر إلى دمشق، ثم رحل منها إلى الديار المصرية لأربع خلون من شهر ربيع الأول، ووصل إلى القاهرة لأربع بقين منه.\rعبوره الفرات\rوملكه الديار الجزيرية وفي سنة ثمان وسبعين وخمسمائة كان الملك الناصر يحاصر بيروت، فأتته كتب مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي بن تكين مقطع حران يطلبه إلى البلاد ويعده المساعدة. فسار وعبر الفرات، وكاتب ملوك الأطراف 116 ووعدهم، وبذل لهم البذول على نصرته فأجابه نور الدين محمد صاحب حصن كيفا، فسار الملك الناصر إلى مدينة الرها فحصرها في جمادى الأول، وداوم الحصار، فطلب صاحبها فخر الدين مسعود الزعفراني الأمان، فأمنه وتسلم البلد، وصار صاحبها في خدمته، وتسلم القلعة. فلما ملكها سلمها لمظفر الدين صاحب حران، ثم سار عنها إلى الرقة وكان بها مقطها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي، فملكها وسار صاحبها إلى عز الدين أتابك، وسار إلى الخابور فملكه، بكماله. ثم سار إلى نصيبين، فملك المدينة لوقته وحصر القلعة عدة أيام فملكها وأقطعها للأمير أبي الهيجاء السمين، وهو من أكابر الأمراء وسار عنها ومعه نور الدين صاحب الحصن، فحاصر الموصل فلم يظفر منها بشيء لحصانتها وكثرة من بها.\rملكه مدينة سنجار\rقال: ثم سار الملك الناصر من الموصل إلى سنجار، فسير مجاهد الدين قايماز إليها نجدة من عسكره، فمنعهم الملك الناصر الوصول إليها وأوقع بهم وأخذ سلاحهم ودوابهم وسار إليها ونازلها وبها شرف الدين صاحب الموصل، فملكها بأمان بعد حصار عظيم وسار شرف الدين ومن معه إلى الموصل.","part":8,"page":18},{"id":3529,"text":"واستقر للملك الناصر جميع ما ملكه في هذه الوقعة بملك سنجار واستناب بها سعد الدين بن معين الدين أنر، وهو من أكابر الأمراء، وأحسنهم صورة ومعنى. وعاد إلى نصيبين، فلقيه أهلها وشكوا إليه من أبي الهيجاء السمين فأنكر عليه وعزله.\rوسار إلى حران فوصل إليها في أوائل ذي القعدة، فكاتب عز الدين صاحب الموصل صاحب خلاط وهو شاه أرمن واستنجد به على حرب الملك الناصر. فلما بلغه اجتماعهما سار إلى بحرزم بالقرب من ماردين.\rملكه مدينة آمد\rوتسليمها إلى صاحب حصن كيفا قال: ثم سار من هذه الجهة إلى آمد فوصل إليها في سابع ذي الحجة فنازلها وحاصرها، ونصب عليها المناجيق، وهي من أحصن البلاد، يضرب المصل بحصانتها، وكان صاحبها ابن نيسان في غاية الشح يبخل ببذل المال، فمله أصحابه وتخاذلوا عنه. فأخرج نساء إلى القاضي الفاضل وسأله أن يأخذ له الأمان ولأهله، وأن يؤخر ثلاثة أيام حتى ينقل ماله بالبلد من الأموال والذخائر.\rفأجابه الملك الناصر إلى ذلك، وتسلم البلد في العشر الأول من المحرم سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وانقضت الأيام الثلاثة قبل فراغه من نقل أمواله. فمنع مما بقي. وسلم الملك الناصر البلد بما فيه إلى نور الدين صاحب الحصن، وكان فيه من الذخائر ما تزيد قيمته على ألف ألف دينار.\rملكه تل خالد وعين تاب\rقال: ثم سار الملك الناصر إلى تل خالد من أعمال حلب فحصرها ورماها بالمجانيق، فطلب أهلها الأمان، فأمنهم، وتسلمها في المحرم أيضاً.\rوسار منها إلى عين تاب، وبها ناصر الدين محمد بن خمارتكين من أيام نور الدين الشهيد، فحصرها، فراسله في طلب الأمان على أن يكون الحصن بيده ويكون في خدمته، فأجابه إلى ذلك، وحلف له عليه، فنزل إليه واتصل بخدمته.\rملكه حلب\rقال: ثم سار من عين تاب إلى حلب في المحرم أيضاَ ونزل بالميدان الأخضر عدة أيام ثم انتقل إلى جبل جوشن؛ فنزل بأعلاه وأظهر أنه يريد أن يبني مساكن لنفسه ولأصحابه وعساكره، وأقام أياماً والقتال بين العسكرين في كل يوم.\rوكان صاحبها عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي مجداً في القتال، فطالبه بعض الجند بأرزاقهم 117 فاعتذر بقلة المال عنده، وكان قد شح بإخراجه، فقال له من يريد حفظ حلب يخرج الأموال ولو باع حلي نسائه، فجنح إلى تسليمها فراسل الملك الناصر في طلب العوض عنها: سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج.\rفسلم مثل حلب وأعمالها وتعوض عنها قرى ومزارع، وجرت الأيمان على ذلك. وتسلمها الملك الناصر في ثامن عشر صفر.\rفسب الناس عماد الدين الزنكي واسمعوه المكروه على فعلة.\rواستقرت الحال بينهما أن عماد الدين يحضر إلى الملك الناصر متى استدعاه بنفسه وعسكره ولا يحتج بحجة.\rقال: ولما تسلم الملك الناصر حلب امتدحه القاضي محي الدين ابن الزكي، قاضي دمشق، بقصيدة جاء منها:\rوفتحكم حلباً بالسيف في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب\rفكان ذلك.\rونقل الملك الناصر أخاه الملك العادل من نيابة الديار المصرية إلى حلب في سنة تسع وسبعين، وأعطاه حلب وقلعتها وأعمالها ومنبج وما يتعلق بها، وسيره في شهر رمضان.\rفتح الملك الناصر حارم\rقال: ولما فتح الملك الناصر حلب كان بقلعة حارم سرخك، وهو من المماليك النورية، فامتنع من تسليمها، فراسله في ذلك وخيره فيما يريد من القلاع، ووعده الإحسان؛ فاشتط في الطلب. فترددت الرسائل بينهم، فراسل سرخك الفرنج ليحتمي بهم، فبلغ ذلك من معه من الأجناد فخافوا أن يسلمها للفرنج، فقبضوا عليه واعتقلوه، وراسلوا الملك الناصر في طلب الأمان، فأجابهم فتسلم الحصن ورتب فيه دزدار من بعض خواصه، وأقام الملك الناصر بحلب إلى أن قرر قواعدها وأقطع أعمالها.\rحصار الموصل","part":8,"page":19},{"id":3530,"text":"وفي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة حاصر الملك الناصر الموصل. وذلك أنه سار من دمشق في ذي القعدة سنة ثمانين لقصد حصارها فلما وصل إلى مدينة بلد سير إليه عز الدين صاحب الموصل والدته وابنة عمه الملك العادل نور الدين الشهيد وغيرهما من النساء في جماعة من أعيان الدولة يسألونه المصالحة، وبذلوا موافقته وإنجاده بالعساكر متى طلبها، ليعود عن قصد الموصل. وإنما أرسلهن ظناً منه أنه لو سير ابنة نور الدين إلى الملك الناصر في طلب الشام أعطاه لأنها ابنة مخدومه. فتلقاهن بالإكرام، وأحسن إليهن، واستشار أصحابه ذلك، فكل أشار عليه بموافقتهن.\rفقال له الفقيه عيسى الهكاري وعلي المشطوب: مثل الموصل لا تترك لامرأة، وإن عز الدين ما أرسلهن إلا وقد عجز عن الحرب. فوافق ذلك هواه فردهن خائبات، واعتذر بأعذار غير مقبولة، وقصد الموصل وحاصرها، وكان بينهم مناوشات فلم يتمكن منها، فندم حيث لم يحبس النساء، ففي أثناء ذلك توفي شاه أرمن صاحب خلاط، فأشار عليه أصحابه بمفارقة الموصل وقصد الخلاط ففارقها.\rملكه ميافارقين\rقال: ولما سار الملك الناصر إلى خلاط جعل طريقه ميافارقين وكان صاحبها قطب الدين صاحب ماردين قد توفي وملك بعده ابنه وهو طفل وكان حكمها إلى شاه أرمن وعسكره بها، فتوفي شاه أرمن أيضاً، فطمع في أخذها ونازلها، فرآها مشحونة بالرجال، وفيها زوجة قطب المتوفى وبناته، والمقدم على جيشها أسد الدين برتقش، وكان فيه شجاعة وشهامة، فحضره الملك الناصر من أول جمادى الأولى، ونصب عليها المناجيق والعرادات، واشتد القتال فلم يظفر منها بشيء؛ فرجع عن القوة إلى إعمال الحيلة. فراسل امرأة قطب الدين المقيمة بالبلد يقول إن أسد الدين قد مال إلينا في تسليم البلد، ونحن نرعى حق أخيك نور الدين فيك بعد وفاته، ونريد أن يكون لك نصيب وأنا أزوج بناتك بأولادي، وتكون ميافارقين وغيرها لك وبحكمك، 118 ووضع من أرسل إلى أسد الدين يعرفه أن الخاتون قد مالت إلى تسليمها، وأن من بخلاط قد كاتبوه ليسلموها إليه، فسقط في يده، وضعفت نفسه، وأرسل إلى الملك الناصر يقترح إقطاعاً ومالاً، فأجيب إلى ذلك، وسلم البلد في سلخ جمادى الأولى، وعقد نكاح بعض أولاده على بعض البنات.\rعوده إلى بلد الموصل والصلح بينه وبين صاحبها\rقال: ولما تسلم الملك الناصر ميافارقين وفرغ من أمرها وتدبير أحوالها عاد إلى الموصل لحصارها. فترددت الرسائل بينه وبين عز الدين صاحبها، ووقع الاتفاق على أن يسلم للملك الناصر شهرزور وأعمالها، وولاية القرابلي، وجميع ما وراء نهر الزاب، وأن يخطب له على منابر بلاده، ويضرب السكة باسمه، وتحالفا على ذلك، فتسلم الملك الناصر البلاد، وسكنت الدهماء.\rورحل إلى حران فمرض بها وطال مرضه حتى أيس منه؛ ثم عوفي. وعاد إلى دمشق في المحرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.\rقال: ولما كان الملك الناصر مريضاً بحران كان عنده ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه، وله من الإقطاع حمص والرحبة، فسار إلى حمص واجتاز بحلب، وأحضر جماعة من أحداثها، ووعدهم، وأعطاهم مالاً؛ ثم وصل إلى حمص وراسل جماعة من الدماشقة على تسليم البلد إذا مات الملك الناصر، وأقام ينتظر موته، فتوفي ناصر الدين ليلة عيد الأضحى سنة إحدى وثمانين، وعوفي الملك الناصر.\rوكان الملك الناصر لما بلغه ما اعتمده ناصر الدين بحلب ومراسلته للدماشقة، وضع عليه الناصح بن العميد سقاه سما فمات، وطلب ابن العميد من الغد فلم يوجد وسار من ليلته إلى الملك الناصر؛ فقويت الظن بذلك.\rولما توفي أعطي الملك الناصر إقطاعية لولده شيركوه، وعمره اثنتا عشرة سنة، وخلف ناصر من الأموال والخيول والآلات شيئا كثيراً، فحضر الملك الناصر إلى حمص وعرض تركته، واخذ أكثرها، واستعان به على الجهاد، ولم يترك إلا ما لا خير فيه.\rوحضر شيركوه عند الملك الناصر بعد موت أبيه بسنة فأجلسه في حجره وسأله إلى أين انتهى من القرآن فقال إلى قوله تعالى: \" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً \" فاضطرب الملك الناصر لذلك وظن أنه عرض بفعله، وطلب مؤدبه ولوحه فوجده كذلك.","part":8,"page":20},{"id":3531,"text":"فعوضه عما أخذه من مال أبيه الضياع الخراب بالشام في ذلك الوقت، وهو الذي يعرف إلى زماننا هذه بالخراب الأسدي، وورثته إلى هذا التاريخ يبيعون خراب ضياع الشام والسواد والبلقاء وغير ذلك، واستولوا من الخراب ما ليس في كتابهم، فباعوا مالاً هو لهم فإنه قيل إن الذي اشتمل عليه كتاب المبايعة أربعمائة ضيعة، وهي التي كانت قد استولى عليها الخراب في ذلك الوقت، فأباع ورثته جميع ما خرب بعد ذلك مما لم يتضمنه كتابهم وأعانهم على ذلك أنهم يبيعونه لأرباب الجاهات بأحسن الأثمان. واعرف بلداً يسمى رمدان من بلاد البلقاء بالقرب من الرقيم والجادية وسنجاب اشتراها الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري لما كان ينوب عن السلطنة في الشام، من الورثة الأسدية بسبعمائة درهم فلما مات وانتقل بعض ميراثه إلى السلطان الملك الناصر بالولاء الشرعي. وكنت أباشر ديوانه بالشام، حصلت من مغل هذه البلدة في سنة إحدى وسبعمائة ما أبيع بنيف وعشرين ألف درهم. فانظروا هذه التفاوت العظيم.\rغزوات الملك الناصر\rوما افتتحه من بلاد الفرنج وقد رأيت أن أفرد غزوات الملك الناصر وفتوحاته ونكايته في الفرنج، ولا أضم ذلك إلى غيره من أخباره، لأن فيه ما يدل على قوة الإسلام، وأن الله تعالى لم يزل يؤيد هذا الدين من عباده بمن يناضل عنه، ويحمي حوزته، ويذب عن أهله، ويستأصل شأفة عدوهم.\rونذكر ذلك على الترتيب.\rفكان أول ذلك وصول الفرنج على ثغر دمياط ورجوعهم عنه.\rكان وصل الفرنج، خذلهم الله تعالى، إلى ثغر دمياط في صفر سنة خمس وستين وخمسمائة، 119 فحاصروا الثغر وكان سبب ذلك أن أسد الدين شيركوه لما ولي الوزارة للخليفة العاضد لدين الله خافه فرنج الساحل، فكاتبوا أهل صقلية والأندلس من الفرنج يستمدونهم ويخبروهم أن أسد الدين قد ملك الديار المصرية، وأنهم لا يأمنونه على البيت المقدس، فأمدوهم بالمال والرجال والسلاح، فنازلوا دمياط وضيقوا على أهلها، فأرسل الملك الناصر إليهم العساكر براً وبحراً، وكتب إلى الملك العادل نور الدين الشهيد بذلك، ويعرفه أنه لا يمكنه الخروج من القاهرة لأنه لا يأمن أمر الشيعة وأنهم يثورون بعده، فيبقى الفرنج أمامه والمصريون خلفه، فأمده نور الدين بعسكر وخرج نور الدين بنفسه إلى بلاد الفرنج للإغارة عليها؛ فاستباح أموالها لخلو البلاد الساحلية منهم فلما بلغهم ذلك رجعوا إلى بلادهم بساحل الشام بعد مقامهم على دمياط نيفاً وخمسين يوماً، ولم يظفروا منها بشيء، وأخرج العاضد للملك الناصر في هذه الغزاة ألف ألف دينار مصرية، سوى الثياب والأسلحة.\rغزوه بلاد الفرنج\rوفتح إيلة وفي سنة ست وستين وخمسمائة سار الملك الناصر عن القاهرة وأغار على أعمال عسقلان والرملة وهجم على ربض غزة فنهبه. وأتاه ملك الفرنج في قلة من العسكر ليرده، فهزمه الملك الناصر بعد أن اشرف على أسره وعاد إلى القاهرة، وعمل مراكب مفصلة ونقلها على الجمال إلى البحر. فجمع قطعها وشدها، وألقاها في الماء، وحصر إيلة براً وبحراً، وفتحها في العشر الأول من شهر ربيع الآخر، واستباح أهلها وما فيها؛ وعاد إلى الديار المصرية.\rمحاصرة الشوبك وعوده عنها\rقال المؤرخ: وفي صفر سنة سبع وستين توجه الملك الناصر إلى حصن شوبك ونازله، وحصره، وضيق على من به من الفرنج. ودام القتال، فطلب أهله الأمان، واستمهلوه إلى عشرة أيام فأجابهم إلى ذلك، ثم بلغه أن الملك العادل نور الدين جاء من دمشق إلى الشوبك من الجانب الآخر، فخاف أن نور الدين متى ملك الشوبك قبض عليه، فعاد إلى الديار المصرية، وكتب نور الدين يعتذر بمرض أبيه بمصر، فقبل عذره ظاهراً، ووقعت الوحشة بينهما باطناً.\rوصول أسطول صقليه إلى ثغر الإسكندرية وانهزامه","part":8,"page":21},{"id":3532,"text":"كانت هذه الحادثة في سنة سبعين وخمسمائة، ولم يكن للملك الناصر بها غزاة إلا نفسه ولا مباشرة للحرب، وكان سبب وصول هذا الأسطول إلى الثغر ما قدمناه من مكاتبة المصريين الذين صلبهم صلاح الدين الفرنج، فوصل من صقلية مائتا شيني تحمل الرجال وست وثلاثون طريدة تحمل الخيل وست مراكب تحمل آلة الحرب، وأربعون مركباً تحمل الأوازد، وفي المراكب من الرجال: خمسون ألفاً ومن الفرسان ألف فارس وخمسمائة فارس، وكان المقدم عليهم ابن عم صاحب صقلية، فوصلوا إلى الثغر في السادس والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وستين على حين غفلة، فخرج إليهم أهل الثغر بعددهم وأسلحتهم، فمنعهم المتولي عليهم، وأمرهم أن يقاتلوا من وراء السور، وطلع إلى البر ونصبوا الدبابات، وقاربوا السور؛ وقاتلهم أهل البلد قتالاً شديداً. وجاء إلى الإسكندرية من كان إقطاعه بالقرب منها.\rوكتب إلى الملك الناصر بذلك، فتجهز بنفسه، وقدم من يعلم أهل الثغر بوصوله، وكان أهل الثغر قد انكوا في الفرنج وقتلوا وجرحوا كثيراً منهم، وحرقوا الدبابات.\rولما علم الفرنج بمقدم الملك الناصر جنحوا إلى الهرب، وأخذتهم سيوف أهل الثغر، وحرقوا بعض مراكبهم، ونهبوا خيامهم وأخذوا سلاحهم؛ وكثر القتل فيهم، وهرب من بقي؛ واحتمى ثلاثمائة من الفرسان على تل، فقاتلهم المسلمون طوال الليل إلى ضحى الغد فأخذوا بين أسير وقتيل.\r120 - ذكر مسيره إلى عسقلان وغيرها وانهزام عسكره وعوده وفي سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة خرج الملك الناصر إلى غزة وعسقلان.\rوكان رحيله من القاهرة بعد صلاة الجمعة لثلاث ليال خلون من جمادى الأولى من السنة، فوصل إلى عسقلان في يوم الأربعاء لليلة بقيت من الشهر، فسبى وسلب، وضرب أعناق الأسرى، وتفرق عسكره للإغارة على الأعمال.\rثم سار إلى الرملة في يوم الجمعة مستهل جمادى الآخرة، فاعترضه الفرنج وقد جمعوا جموعاً كثيرة؛ فكان بينهما وقعة عظيمة استشهد فيها أحمد ولد الملك المظفر تقي الدين عمر، وأسر ولده الثاني شاهنشاه، وأقام في الأسر سبع سنين حتى أفكه السلطان بمال كثير، وأسر الفقيه عيسى الكهاري.\rثم كانت على المسلمين. وذلك أن العساكر كانت قد تعبت للحرب، فلما قاربهم العدو أراد بعض الأمراء أن ينقل الميمنة إلى الميسرة إلى القلب، فلما اشتغلوا بهذه التعبئة هجم عليم الفرنج، فانكسروا وطلبوا الديار المصرية، وضلوا الطريق، وعاد السلطان ومن معه إلى القاهرة في يوم الخميس منتصف الشهر.\rوقعة مرج عيون\rوانهزام الفرنج واسر ملوكهم كانت هذه الوقعة في يوم الأحد لثمان خلون من شهر المحرم سنة خمس وسبعين وخمسمائة؛ وكان الفرنج في عشرة آلاف مقاتل. فلما التقوا مع المسلمين انهزم ملكهم مجروحاً عند اللقاء وأسر منهم جماعة منهم: مقدم الداوية، ومقدم الإستبارية وصاحب طبرية، وأخو صاحب جبيل، وابن القومصية، وان بارزان صاحب الرملة، وصاحب جينين، وقسطلان يافا، وابن صاحب مرقية وعدة خيالة من القدس وعكا وغيرهم من المقدمين الأكابر زادت عدتهم على مائتين وسبعين، سوى غيرهم، فنقلهم السلطان إلى دمشق.\rفأما ابن بارزان فإنه بذل في نفسه مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار صورية، وإطلاق ألف أسير من المسلمين، والتزم بفكاك الفقيه عيسى الهكاري، وأما ابن القومصية فافتكته أمه بخمس وخمسين ألف دينار صورية، وأما مقدم الداوية فإنه هلك، فطلبت جثته بإطلاق ألف أسير من مقدمي المسلمين.\rقال: وفي هذا اليوم ظفر الأسطول المصري ببطشة كبيرة للفرنج. فاستولى عليها وعلى أخرى وعاد إلى الثغر بألف أسير. والله أعلم.\rهدم بيت الأحزان\rكان الفرنج قد عمروا حصن بيت الأحزان في مدة مقام الملك الناصر على بعلبك واشتغاله بأمرها؛ فبنوه على مخاضة بيت الأحزان، وبينه وبين صفد وطبرية نصف يوم.","part":8,"page":22},{"id":3533,"text":"وكان في بنائه ضرر عظيم على المسلمين، فبذل لهم الملك الناصر في هدمه مائة ألف دينار فأبوا ذلك، فجهز إليه الجيش فوصل إلى المخاضة يوم السبت لإحدى عشر ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين، والحصن مبنى دونها من الغرب، فنصبوا عله المجانيق بعد العصر من يوم الأحد ، فما جاء الليل إلا وقد استولوا على الباشورة، ثم أدار حوله النقوب، فاستمرت إلى يوم الخميس، لست بقين من الشهر، فهدم الجدار، ودخل العسكر الحصن وغنموا ما فيه؛ فكان ما غنموه من أنواع السلاح الجديدة مائة ألف قطعة؛ واسروا سبعمائة أسير، ومن أسرى المسلمين مائة. ثم هدم الحصن إلى الأساس، وكان سمكه عشرة أذرع.\rقال: ولما عمر الفرنج بيت الأحزان قال النشو أحمد الدمشقي\rهلاك الفرنج أتى عاجلاً ... وقد آن تكسير صلبانها\rولو لم يكن قد دنا حتفحها ... لما عمرت بيت أحزانها\rمسيره إلى بلاد الأرمن\r121 - توفي سنة ست وسبعين وخمسمائة، توجه الملك الناصر إلى بلاد الأرمن، وذلك أن ابن لاوون ملك الأرمن كان قد استمال قوماً من التركمان، فلما أتوه، وهم آمنون أسرهم، فدخل الملك الناصر إلى بلاده واستولى على قلعة تعرف بالمانقير، وهدمها إلى الأساس، وأخذ ما فيها من الآلات. ووجد المسلمون في أرضها صهريجاً مملوءاً من الآلات والفضة والنحاس. فبذل ابن لاوون جملة من المال، وأنه يطلق الأسرى، ويشتري خمسمائة أسير من بلاد الفرنج ويطلقهم، فأجابه السلطان إلى ذلك، وأخذ رهينة عليه، ثم عاد إلى الديار المصرية، وأقام بها إلى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة.\rمسيره إلى الشام\rوالإغارة على طبرية وبيسان وما كان من الظفر بمراكب الفرنج ببحر عيذاب وفي سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، توجه السلطان الملك الناصر لقصد الشام عند وفاة الملك الصالح بن الملك العادل نور الدين، فأغار على طبرية وبيسان في العشر الأوسط من شهر ربيع الأول، فانتصر بعد قتال.\rوفيها كان الظفر بالفرنج ببحر عيذاب وذلك أن البرنس صاحب الكرك عمل أسطولا بالكرك، ونقل قطعه إلى بحر أيلة، وجمعها وألقاها في البحر، وشحنها بالمقاتلة، فساروا في البحر وافترقوا فرقتين: فرقة حصلت أيلة وفرقة توجهت إلى عيذاب، وأفسدوا السواحل، ونهبوا، وأخذوا ما وجدوا من المراكب الإسلامية ومن فيها، من التجار. وجاءوا على حين غفلة، فرأى الناس ما لم يعهدوا، فإن هذه البحر لم ير الناس فيه فرنجياً قط، لا تاجراً ولا مقاتلاً قبل هذا الوقت.\rوكان الملك العادل ينوب عن أخيه الملك الناصر بالديار المصرية، فعمر أسطولا وجهز فيه جماعة من المسلمين، ومقدمهم حسام الدين لؤلؤ الخاص، فسار في طلبهم، وابتدأ بالمركب التي على أيلة، فظفر بها، وقتل بعض من فيها وأسر بعضهم. وتوخه لوقته بعد ظفره بهم إلى الذين توجهوا إلى عيذاب، وكانوا قد عزموا على الدخول إلى الحجاز وأخذ الحاج، والدخول بعد ذلك إلى اليمن، فوصل لؤلؤ إلى عيذاب فوجدهم قد نهبوا ما وجدوه بها وتوجهوا، فسار في أثرهم، فبلغ رابع والحوراء فأدركهم بها وأوقع بهم فلما تحققوا العطب خرجوا إلى البر واعتصموا ببعض تلك الشعاب، فنزل من مراكبه وقاتلهم في البر أشد قتال، وأخذ خيلاً من الأعراب الذين هناك فركبها، وقاتلهم، فظفر بهم وقتل أكثرهم واسر من بقي، وأرسل بعضهم إلى منى لينحروا بها عقوبة لهم على قصدهم البيت الحرام وعاد إلى مصر ببقية الأسرى، فقتلوا.\rالإغارة على الغور\rقال: ولما ملك الملك الناصر حلب وعاد إلى دمشق ثم رحل منها في ثامن جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وخمسمائة نزل على بيسان فوجد أهلها قد ارتحلوا عنها، فنهبها العسكر الناصري وتقووا بما فيها، وحرقوا ما لم يمكنهم أخذه وسار بهم حتى أتى الجالوت، وهي قرية عامرة وعندها عين جارية، فعبأ أصحابه للقتال، ورحل إلى الفولة، ووقع القتال بينه وبين الفرنج، وكان الظفر لهم، ثم عاد إلى دمشق، فوصل إليها في يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الآخرة من السنة.\rوتوجه إلى الكرك في هذه السنة وعاد.\rثم جمع العساكر المصرية والحلبية وغيرها وقصد الكرك في سنة ثمانين وخمسمائة، وهي الدفعة الثانية؛ فجمع الفرنج فارسهم وراجلهم للذب عنها، ففارقها السلطان، وجهز طائفة إلى نابلس فنهبوها وعادوا إليه.","part":8,"page":23},{"id":3534,"text":"غزوة الكرك والشوبك\rوفتح طبرية ومجدل يابا ويافا قال العماد الأصفهاني في البرق الشامي: وفي سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة برز الملك الناصر من دمشق في أول المحرم، في العسكر العرمرم ومضى بأهل الجنة لجهاد أهل جهنم، فلما وصل إلى رأس الماء أمر ولده الأفضل بالمقام عندها ليجتمع الأمراء الواصلون من الجهات، وسار السلطان 122 إلى بصرة، ومن ثم منها إلى الكرك، ورعى الزورع وقطع الأشجار، ثم سار إلى الشوبك وفعل مثل ذلك، ووصل إليه العسكر المصري ففرقه على قلعتي الكرك والشوبك، وأقام إلى أن انقضى من السنة شهران، والملك الأفضل مقيم رأس الماء، وقد اجتمعت عنده العساكر، فتقدم إلى سرية منهم بالغارة على أعمال طبرية، فانتهوا إلى صفورية فخرج إليهم الفرنج فقاتلوهم، فكان الظفر للمسلمين، وهلك مقدم الأستبار؛ وعادوا إليه فكانت مقدمة النصر المبين.\rوانتهت البشائر إلى الملك الناصر وهو بنواحي الكرك والشوبك، فسار بمن معه في يوم الجمعة سابع شهر ربيع الأول، وعرضهم في اثني عشر ألف فارس. وعزم على دخول الساحل، فانتهى إلى ثغر الأقحوانة فاجتمعت الفرنج زهاء خمسين ألفاً، ونزلوا على مرج صفورية بأرض عكا، فلم يتقدموا عنها، فتقدم السلطان إلى الأمراء أن يقيموا في مقابلتهم، ونزل هو بمن معه من خواصه على طبرية وشرع في نقب سورها، فهدموه في ساعة من النهار، وامتنعت القلعة بمن فيها.\rفلما اتصل بالفرنج فتح طبرية تقدموا، وذلك في يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر، فترك السلطان على طبرية من يحفظ قلعتها، وتقدم بالعسكر، فالتقيا على سطح جبل طبرية الغربي منها، وحال بينهما الليل، فباتا إلى صبيحة يوم الجمعة، فتصادما بأرض قرية اللوبيا؛ واستمرت الحرب بينهما إلى الليل فكانت من أعظم الحروب. ثم باتا إلى صبيحة يوم السبت، فالتقيا.\rفلما عاين القومص أن الدائرة تكون على طائفته هرب في أوائل الأمر قيل اشتداده، وسار نحو صور، فتبعه جماعة من المسلمين، فنجا بمفرده، ثم انهزمت طائفة أخرى فتبعها أبطال المسلمين، فلم ينج منها واحد، واعتصمت الطائفة الأخرى بتل حطين، فضايقهم المسلمون وأشعلوا حولهم النيران، فقتلهم العطش، فأسر مقدمهم، وقتل الباقون وأسروا، وألقى الله عليهم الخذلان.\rقال القاضي أبو المحاسن ابن شداد: لقد حكى لي من أثق به أنه لقي بحوران شخصاً واحداً ومعه طنب خيمة فيه نيف وثلاثون أسيراً.\rوأما القومص الذي هرب فإنه وصل طرابلس، واصابه ذات الجنب، فأهلكه الله.\rقال: وبات السلطان بالمنزلة، ونزل يوم الأحد على طبرية وتسلم قلعتها في بقية يومه، وأقام بها إلى يوم الثلاثاء.\rقال: ولما يسر الله هذا الفتح كتب السلطان إلى أخيه الملك العادل سيف الدين بمصر يبشره به، وأمره بالمسير إلى بلاد الفرنج من جهة مصر بمن بقي لديه من العساكر، ومحاصرة ما يليه منها؛ فسارع إلى ذلك، وسار ونازل حصن مجدل يابا وفتحه، وغنم ما فيه، ثم سار إلى يافا وفتحها عنوة، وقتل وسبى، وأسر وغنم..\rفتح عكا ونابلس وحيفا\rوقيسارية وصفوريه والناصرة ومعليا والفولة والطور الشقيف وغير ذلك.\rقال ابن شداد: ثم رحل السلطان طالباً عكا، وكان نزوله عليها في يوم الأربعاء سلخ شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين، وقاتلها بكرة الخميس مستهل جمادى الأولى، فأخذها، واستنفد من كان فيها من الأسرى، وكانوا زهاء أربعة آلاف، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر.\rثم تفرقت العساكر في بلاد الساحل فأخذوا نابلس، وحيفا، وقيسارية، وصفورية، والناصرة، ومعليا، والفولة، والطور، والشقيف، وقلاعاً على هذه كثيرة، وكان ذلك لخلوها من الرجال فإنهم عمهم القتل والأسر.\rفتح تبنين وصيدا\rوصرفند وبيروت وجبيل قال: ثم أرسل السلطان بن أخيه تقي الدين إلى تبنين، فضايقها، وكتب إلى السلطان أن يأتيه بنفسه، فوصل إليها ونازلها يوم الحادي عشر من جمادى الأولى، فسأل من بها من الأمان واستمهلوا خمسة أيام لينزلوا بأموالهم، وأطلقوا الأسرى، فخرجوا إليه، واستمهلوا خمسة أيام لينزلوا بأموالهم، وأطلقوا الأسرى، فخرجوا إليه، فسر بهم وكساهم، وخلص في تلك السنة 123 من الأسرى أكثر من عشرين ألف أسير، ووقع في أسره من الكفار مائة ألف.\rقال: ثم رحل السلطان من تبنين إلى صيدا، فاجتاز في طريقه بصرفند فأخذها بعد قتال.","part":8,"page":24},{"id":3535,"text":"ثم سار إلى صيدا، ففارقها صاحبها وتركها خالية، فتسلمها ساعة وصوله إليها لتسع بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين.\rوسار من يومه نحو بيروت فقاتل أهلها على سورها وظنوا انهم قد قدروا على حفظه، فدخلها المسلمون من الجانب الآخر، فسألوا الأمان فأمنهم على أنفسهم وأموالهم، وتسلمها في التاسع والعشرين من الشهر.\rوأما جبيل فكان صاحبها في جملة الأسرى الذين نقلوا إلى دمشق، فسأل إطلاقه، وتسليمها، فأحضره مقيداً، فسلم البلد وأطلق أسرى المسلمين، وأطلقه السلطان.\rفتح عسقلان وما يجاورها\rقال: وسار السلطان إلى عسقلان والرملة وغزة والدروام وغير ذلك.\rفنزل على عسقلان في يوم الأحد سادس جمادى الآخرة، ونصب عليها المجانيق، فسلموها على خروجهم بأموالهم سالمين وذلك في يوم السبت سلخ جمادى الآخرة.\rثم تسلم حصون الداوية وهي غزة، والداروم، والرملة، وتبنى، وبيت لحم، ومشهد الخليل، ولدّ، وبيت جبريل.\rقال: وكان الفتح بين عسقلان وأخذ الفرنج لها من المسلمين خمس وثلاثون سنة، فإن العدو استولى عليها في السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.\rقال العماد: وفوض السلطان القضاء والحكم الخطابة وجميع المناصب الدينية بمدينة عسقلان وأعمالها إلى جمال الدين عبد الله بن عمر الدمشقي، وهو المعروف بقاضي اليمن.\rفتح بيت المقدس\rقال المؤرخ: لما فرغ السلطان الناصر من أمر عسقلان وما يجاورها سار إلى البيت المقدس، فكان وصوله إليه في يوم الأحد الخامس عشر من شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وكان به البطرك المعظم عندهم، وهو أعظم شأنا من ملكهم، وبه أيضاً ياليان بن بارزان صاحب الرملة ومن خلص من فرسان الفرنج من حطين، واجتمع به أهل عسقلان وغيرها، كلهم يرى الموت عليه أهون من أن يملك البيت المقدس.\rفنزل السلطان بالجانب الغربي وأقام خمسة أيام يطوف حول البلد لينظر من أين يقاتله، ثم انتقل إلى الجانب الشمالي يوم الجمعة، العشرين من الشهر وكانت من به من المقاتلين ستين ألفاً غير النساء والصبيان فنصب السلطان المجانيق في تلك الليلة، ونصب الفرنج على السور المجانيق أيضاً، وقاتلوا أشد قتال رآه الناس لأن كلا من الفريقين يرى ذلك عليه من الواجبات لا يحتاج فيه على سلطان، وكانت خيالة الفرنج يخرجون كل يوم إلى ظاهر البلد فيقاتلون ويبارزون، وتوالى الزحف، ونقب المسلمون السور مما يلي وادي جهنم.\rفلما رأى الفرنج ذلك أخلدوا إلى طلب الأمان، وبعثوا جماعة من أكابرهم في ذلك؛ فامتنع الملك الناصر من ذلك وقال، لا أفعل بكم إلا كما فعلتم بأهله حين ملكتموه في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة من القتل والسبي، فلما رجع الرسل إليهم، أرسل باليان بن بارزان يطلب الأمان لنفسه ليحضر إلى الملك الناصر، فأمنه، فحضر إليه وسأله الآمان فلم يجبه، واستعطفه فلم يتعطف، واسترحمه فلم يرحمه، فلما أيس منه قال له ما معناه: أيها السلطان، اعلم أننا في هذه المدينة في خلق كثير لا يعلمهم إلا الله تعالى، وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان، وهم يكرهون الموت ويرغبون بالحياة؛ فإذا رأينا أن الموت لا بد منه والله لنقتلن أبناءنا ونساءنا، ونحرق أموالنا وأمتعتنا، فلا نترككم تغنمون منها دينار واحداً ولا درهماً، ولا تسبون ولا تأسرون رجلا أو امرأة 124 فإذا فرغنا من ذلك خربنا الصخرة والمسجد الأقصى؛ وغير ذلك من المواضع الشريفة؛ ثم نقتل من عندنا من أسرى المسلمين، وهم خمسة آلاف، ولا نترك لنا دابة ولا حيواناً إلا قتلناه، ثم نخرج إليكم، كلنا، فنقاتلكم قتال من يريد يحمي دمه ونفسه، فلا يقتل الرجل منا حتى يقتل، فإما نموت أعزاء أو نظفر كرماء.\rفلما سمع الملك الناصر كلامه استشار عند ذلك أصحابه، فأشاروا عليه بموافقتهم.\rووقع الصلح على أن يسلموا أسرى المسلمين ويبذلون عن كل رجل من الفرنج عشرة دنانير، وعن كل امرأة خمسة، وعن كل طفل وطفلة دينارين، يستوي في ذلك الغني والفقير، وبذل ابن بارزان في الفقراء ثلاثين ألف دينار من ماله، وعلى أن تكون المدة أربعين يوماً فمن أدى ذلك قبل المدة خلص ومن تأخر استرق.","part":8,"page":25},{"id":3536,"text":"وتسلم السلطان المدينة في يوم الجمعة السابع والعشرين من شهر رجب وكان يوماً مشهوداً، رفعت فيه الأعلام الإسلامية على الأسوار، ورتب السلطان على أبواب البلد الأمناء من الأمراء يأخذون من أهله ما استقر عليهم، فخانوا، ولو أدوا الأمانات لامتلأت الخزائن.\rقال: وصلى الملك الناصر الجمعة الثانية في رابع شعبان في قبة الصخرة، وكان الخطيب والإمام القاضي محي الدين ابن الزكي قاضي دمشق.\rثم رتب له خطيباً وإماماً ونقل إليه المنبر الذي كان عمله الملك العادل نور الدين بحلب برسم البيت المقدس إذا فتحه، وكان بين عمله وفتح البيت المقدس ما يزيد عن عشرين سنة.\rثم تقدم أمر السلطان بعمارة المسجد الأقصى ومحو ما كان الفرنج صنعوه من الصور على عادتهم، ونقل إليه المصاحف، وطهره من أدناس الكفر، رحمه الله تعالى، وتقدم بعمل الربط والمدارس، وجعل دار الأسبتار مدرسة للشافعية.\rرحيله ومحاصرة صور\rقال المؤرخ: وأقام السلطان الملك الناصر بالبيت المقدس إلى الخامس والعشرين من شعبان من السنة، ثم سار لقصد محاصرة صور وقد اجتمع فيها خلق كثير من الفرنج، وقدم إليها المركيس في البحر بأموال عظيمة؛ وكانت عادته أن يحضر إلى البيت المقدس بأموال يفرقها، فلما حضر في هذا الوقت ووصل عكا فرآها قد خرجت عن أيدي الفرنج سار إلى صور وملكها، وأنفق ما معه على من بها، فقوي أمره وانحاز إليه جميع من خلص بالأمان من سائر البلاد، فأنفق على سور صور وخنادقها، وعمقها، فصارت كالجزيرة في البحر لا يمكن الوصول إليها.\rفوصل الملك الناصر إلى عكا في مستهل شهر رمضان، فأصلح من شأنها، ثم رحل عنها ونازل صور في تاسع شهر رمضان ونزل على نهر بالقرب من البلد، ثم نزل على تل يقارب صور في الثاني والعشرين من الشهر، وقسم القتال على العسكر لكل جمع منهم وقت معلوم. واستدعى الأسطول المصري، وكان بعكا، فجاءته عشر شوان، وكان للفرنج في البحر مراكب فيها رماة الجروخ والزنبوركات يرمون من دنا براً بحراً؛ ثم أغفلوا أمرهم فملك الفرنج من الشواني خمسة وأسروا مقدمها.\rثم كانت حروب كثيرة ووقائع ثم رحل السلطان عنها في آخر شوال، وهو أول كانون وسار إلى عكا، وأذن للعساكر بالعود إلى أوطانهم للراحة في الشتاء والعود في الربيع، فعادت عساكر الشرق والموصل والشام ومصر، وبقي السلطان في عكا في حلقته وخاصته، ورد أمرها إلى الأمير عز الدين جرديك.\rفتح هونين\rقال المؤرخ: كان السلطان لما فتح تبنين امتنع من بهونين من تسليمها، وهي من أحصن القلاع وأمنعها، فرتب من يحاصرها؛ فطلب من بها الأمان لما كان السلطان يحاصر صور، فأمنهم، ونزلوا منها وتسلمها، واتفق أن فتح هذه المدن والحصون جميعها من جبلة إلى سرمينية، مع كثرتها، كان في ست جمع مع أنها في أيدي أشجع الناس، 125 وأشدهم عدواة للمسلمين، فيسر الله فتحها ايسر مدة.\rفتح حصن برزية\rقال: ولما رحل السلطان من قلعة الثغر سار إلى قلعة برزية، وبحصانتها يضرب المثل، وهي تقابل حصن أفاميا، وتناصفها في أعمالها، وبينهما بحيرة تجتمع من ماء العاصي، ومن عيون تنفجر من جبل برزية وغيره.\rوكان أهلها أضر شيء بالمسلمين يقطعون الطريق ويبلغون في الأذى.\rفنزل السلطان شرقها في رابع عشري الشهر، وركب من الغد وطاف عليها لنظر موقعاً يقاتلها منه، فلم يجد إلا من جهة الغرب، وهذه القلعة لا يمكن أن تقاتل من جهتي الجنوب والشمال البتة، فإن جبلها لا يصعد إليه من هاتين الجهتين؛ وأما الجانب الشرقي فيمكن الصعود منه لغير مقاتل لصعوبته وارتفاعه؛ وأما جهة الغرب فإن الوادي المطيف بجبلها قد ارتفع هناك ارتفاعاً كثيراً حتى قابل القلعة، بحيث يصل منه حجر المنجنيق والسهام، فنزله المسلمون ونصبوا المجانيق، ونصب أهل القلعة منجنيقاً، فرأى السلطان المجانيق لا تفيد، فتركها وعزم على الزحف ومكاثرتها بالرجال؛ فقسم العسكر ثلاثة أقسام يزحفون بالنوبة، فطال ذلك على أهلها وعجزوا عن مقاتلتهم فملكها المسلمون عنوة ونهبوا واسروا وسبوا، وأخذوا صاحبها وأهله وأمست خالية خاوية، وألقى المسلمون النار في بعض البيوت فاحترقت.\rفتح قلعة دربساك","part":8,"page":26},{"id":3537,"text":"قال: ثم رحل السلطان بعد فتوح برزية من الغد فأتى جسر الحديد، وهو على العاصي بالقرب من إنطاكية، فأقام هناك حتى وافاه من تخلق عنه من عسكره ثم سار إلى قلعة دربساك، فنزل عليها في ثامن شهر رجب سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وهي من أحصن معاقل الداوية وقلاعهم التي يدخرونها عند نزول الشدائد بهم، فنصب عليها المجانيق، وتابع الرمي بالحجارة، فهدم قطعة يسيرة من سورها، ثم أمر بالزحف عليها ومهاجمتها، فتوالى الزحف والقتال، وتقدم النقابون فنقبوا منها برجاً وعلقوه فسقط، وطلب أهله الأمان فأمنهم على أن لا يخرجوا منها بغير ثيابهم خاصة، فخرجوا كذلك، وتوجهوا إلى إنطاكية، وتسله في تاسع عشر شهر رجب.\rفتح قلعة بغراس\rقال: ثم سار عن دربساك إلى قلعة بغراس، فحصرها بعد أن اختلف أصحابه في حصرها، فمنهم من أشار به، ومنهم من نهى عنه وقال هو حصن حصين، وقلعة منيعة، وهو بالقرب من إنطاكية، فسار إليها وجعل عسكره مقابل إنطاكية يغيرون على ضياعها، وبقي هو في بعض أصحابه على القلعة ونصب عليها المجانيق فلم يؤثر فيها، فغلب على الظنون تعذر فتحها، فبينما هم في ذلك إذ جاء رجل من القلعة يطلب الأمان لرسول، فأعطيه، وجاء رسول يطلب الأمان لأهلها، وسلموها على قاعدة دربساك، وعاد الرسول ومعه الأعلام السلطانية فرفعت على رأس القلعة، وتسلمها السلطان وأمر بتخريبها فخربت.\rالهدنة مع صاحب إنطاكية\rقال: ولما فتح السلطان بغراس قصد حصار إنطاكية فجاءته رسل بيمند وسأله الهدنة ثمانية أشهر بحيث يطلق جميع ما عنده من أسرى المسلمين، فاستشار السلطان أصحابه، فأشار أكثرهم بذلك ليستريح العسكر ويجددون 126 ما يحتاجون إليه، فأجاب إلى ذلك ووقعت الهدنة ثمانية أشهر أولها تشرين الأول.\rوتوجه السلطان إلى حلب فوصل إليها في ثالث شعبان، وفرق العساكر الشرقية: عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار، وعسكر الموصل، وغيرهما، ثم رحل إلى دمشق فدخلها في أول شهر رمضان من السنة.\rفتح الكرك والشوبك\rوما يجاورهما قد ذكرنا أن السلطان قد جعل على الكرك من يحاصرها وهو سعد الدين كمشبه، في أول سنة أربع وثمانين، فلازم الحصار هذه المدة الطويلة حتى نفذت ذخائر الفرنج، وأكلوا داوبهم، فراسلوا الملك العادل أخا السلطان. وكان السلطان قد جعل بتلك النواحي في جمع من العسكر، وسألوه الأمان، فأجابهم إلى ذلك، وأرسل إلى سعد الدين مقدم العسكر فتسلم القلعة منهم وأمنهم.\rوتسلم أيضاً ما قارب هذا الحصن من الحصون وهو الشوبك وهرمز، والوعيرة، والسلع فأمنت القلوب من تلك الجهة.\rفتح قلعة صفد\rقال: ولما وصل السلطان إلى دمشق أشير عليه أن يفرق العساكر، فقال: إن العمر قصير والأجل غير مأمون، وقد بقي بيد الفرنج هذه الحصون: صفد والكواكب، ولا بد من الفراغ من ذلك فإنهما في وسط بلاد الإسلام، وأقام بدمشق إلى منتصف شهر رمضان من السنة، وسار إلى قلعة صفد، فحصرها ونصب عليها المجانيق، وداوم الرمي ليلاً ونهاراً، فسألوا الأمان، فأمنهم وتسلمها، وخرج أهلها إلى صور.\rفتح كوكب\rقد قدمنا أن السلطان كان قد جعل على كوكب الأمير قايماز النجمي، فلما حضر السلطان صفد أرسل من بصور من الفرنج نجدة من جهاتهم إلى كوكب، وهم مائتا رجل من الشجعان، فظفر بهم قايماز فقتلهم عن آخرهم، وأرسل إلى السلطان المقدمين عليهم، وهما رجلان من فرسان الأسبتار، فأمر بقتلهما فقال أحدهما ما أظن إننا ينالنا سوء بعد أن رأينا وجهك الصبيح، فعفا عنهما واعتقلهما.\rولما ملك صفد سار عنها إلى كوكب وشدد الحصار ووالى الزحف، واشرف على أخذها، فسأل الفرنج الأمان فأمنهم وأطلقهم، وتسلم الحصن في منتصف ذي القعدة سنة أربع وثمانين وخمسمائة.\rفالتحق من كان به بصور فقويت شوكتهم وكثروا، لأنه اجتمع عندهم شجعان الفرنج وكماتهم. وتابعوا الرسل إلى ملوك الفرنج بالأندلس وصقلية والجزائر يستغيثون بهم ويسألون الإمداد، فكان من أمرهم ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rقال: ثم سار السلطان إلى البيت المقدس فعيد فيه عيد الأضحى، ثم سار منه إلى عكا وأقام بها إلى أن انسلخت السنة.","part":8,"page":27},{"id":3538,"text":"وفي سنة أربع وثمانين وخمسمائة ثار بالقاهرة اثنا عشر رجلاً من الشيعة، ونادوا بشعار العلويين، وصاحوا: يا لعلي، وسلكوا الدروب ينادون، ظناً منهم أن أهل البلد يلبون دعوتهم ويخرجون معهم فيعيدون الدولة العبيدية ويملكون البلد ويخرجون من بالقصر من العلويين؛ فلم يجيبهم أحد من الناس.\rفلما خاب سعيهم تفرقوا فأخذوا. وكتب بذلك إلى السلطان فأهمه وأزعجه.\rفقال له القاضي الفاضل عبد الرحيم: ينبغي أن يفرح السلطان بذلك ولا يحزن، حيث علم من بواطن رعيته المحبة له والنصيحة، وترك الميل إلى عدوه، ولو وضع السلطان جماعة يفعلون مثل هذه الحالة لعلم بواطن أصحابه ورعيته وخسر الأموال الجليلة لكان قليلاً فسرّى عنه.\r127ذ - كر فتح شقيف ارنوم وفي شهر ربيع الأول سنة خمسين وثمانين وخمسمائة سار السلطان إلى شقيف ارنوم، وهو من أمنع الحصون، ليحصره، ونزل بمرج عيون فنزل صاحب الشقيف وهو أرناط صاحب صيدا، إلى السلطان؛ وكان من أكثر الناس دهاء ومكراً، فقال: أنا محب لك ولدولتك، ومعترف بإحسانك، وأخاف أن يطلع المركيس على بيني وبينك فينال الأذى أولادي وأهلي منه أذى، فإنهم عنده بصور؛ وأحب أن تمهلني حتى أتوصل إلى تخليصهم من عندهن وحينئذ أحضر أنا وهم إلى عندك ونسلم الحصن إليك، ونكون في خدمتك، نقنع بما تعطينا من الإقطاع، فأجابه السلطان إلى ذلك وظن صدقه، واستقر الأمر بينهما أن يسلم الشقيف في جمادى الآخرة.\rوأقام السلطان بمرج عيون ينتظر الأجل وهو قلق مفكر انقضاء الهدنة بينه وبين صاحب إنطاكية فأمر تقي الدين ابن أخيه أن يسير فيمن معه من عساكر ومن يأتيه من بلاد الشرق ويكون مقابل إنطاكية لئلا يغير صاحبها على ما يجاوره من بلاد الإسلام عند انقضاء الأجل.\rوكان السلطان أيضاً منزعج الخاطر لما بلغه من اجتماع الفرنج بصور وما يصل إليهم منه الإمداد، وأنهم اجتمعوا في خلق كثير وخرجوا من مدينة صور إلى ظاهرها، فخاف أن يترك الشقيف وراء ظهره، وكان أرناط في هذه المدة يشتري الأقوات من سوق العسكر، والسلاح، وغير ذلك مما يحصن به شقيفه، فيبلغ السلطان فلا ينكره بحسن ظنه، وكان قصد أرناط إلى أن يظهر الفرنج من صور، فلما قرب الأجل تقدم السلطان إلى الشقيف، واستدعى أرناط وقد بقي من الأجل ثلاثة أيام فجاءه، فتحدث معه في تسليم الحصن، فاعتذر بأولاده وأهله وأن المركيس لم يمكنهم من المجيء إليه، وطلب المهلة مدة أخرى، فحينئذ تحقق السلطان من مكره وخداعه، فأخذه وحبسه وأرخ بتسليم الشقف فطلب قسيسا وحمله رسالة سراً، وأظهر أنه أمر بتسليمه، فامتنع من بالحصن من تسليمه: فسير أرناط إلى دمشق وسجنه، وتقدم إلى الشقيف وضيق من به، وترك عليه من يحفظه ويمنع الوصول إليه. فتسلمه في يوم الأحد خامس عشر شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين، وأطلق صاحبه.\rمسير السلطان من مرج العيون إلى صور وما كان عليه من الوقائع\rقال: وجاءت السلطان كتب من أصحابه الذين جعلهم يزكا في مقابلة الفرنج على مدينة صور يخبرونه إن الفرنج قد اجتمعوا على عبور الجسر الذي لصور، وعزموا على حصار صيدا، فسار جريدة في شجعان أصحابه، فوصل بعد أن كانت الوقعة بين الفرنج ولين اليزك.\rوذلك أن الفرنج خرجوا من مدينة صور فلقيهم اليزك على مضيق وقاتلوهم ومنعوهم، وكانت حرباً شديدة، وأسر من الفرنج جماعة، منهم سبعة رجال من فرسانهم المشهورين، وقتل من المسلمين جماعة، ثم عجز الفرنج عن الوصول إلى صيدا فعادوا إلى صور والله أعلم.\rثم كانت وقعة ثانية بعد وصول السلطان مع المتطوعة.\rوذلك أن السلطان لما جاء إلى صور أقام مع اليزك في خيمة صغيرة ينتظر عودة الفرنج للخروج؛ فركب في بعض الأيام في عدة يسيرة لينظر إلى مخيم الفرنج من الجبل، فظن أن هناك من المتطوعة أنه قصد الغزاة، فساروا مجدين أوغلوا في أرض العدو وبعدوا 128 عن العسكر، وخلفوا السلطان وراء ظهورهم؛ فبعث من يردهم فلم يرجعوا، وظن الفرنج أن وراءهم من يحميهم فأحجموا عنهم؛ فلما علموا بانفرادهم حملوا عليهم حملة رجل واحد، فقتل منهم جماعة من المعروفين: فشق على السلطان والمسلمين، وكانت هذه الوقعة في تاسع جمادى الأولى.","part":8,"page":28},{"id":3539,"text":"فلما رأى السلطان ذلك انحدر من الجبل بمن معه، وحمل على الفرنج فردهم إلى الجسر، فرموا بأنفسهم في الماء، فغرق منهم مائة دارع سوى من قتل، وعادوا إلى مدينة صور، فعادا السلطان إلى تبنين ثم إلى عكا.\rثم كانت وقعة ثالثة في يوم الاثنين ثامن جمادى الآخرة صبر فيها الفريقان.\rمحاصرة الفرنج لعكا\rقال المؤرخ: لما كثر جمع الفرنج بصور، على ما ذكرناه من أن السلطان كان لكما فتح حصناً أو مدينة بالأمان سار أهلها إلى صور بأموالهم وأهلهم، اجتمع بها منهم عالم كثير لا يحصون، وأموال كثيرة، ثم أن الرهبان والقسوس لبسوا السواد وأظهروا الحزن على خروج بيت المقدس منهم، وتابعهم جماعة من المشهورين، فأخذهم البطرك ودخل بهم إلى بلاد الفرنج يطوفها بهم ويستنجدون أهلها ويستجيرون بهم، ويحثونهم على الأخذ بثأر البيت المقدس وصوروا صورة المسيح عليه السلام وصورة رجل أعرابي والعربي يضربه بين جماعة، وقالوا: هذا المسيح يضربه محمد نبي المسلمين، وقد جرحه وقتله.\rفعظم ذلك على الفرنج وحشدوا، حتى النساء فإنهم كان معهم على عكا عدة من النساء يبارزن الأقران، ومن لم يستطع أن يخرج استأجر عنه أو يعطيهم مالاً، فاجتمع لهم من الرجال والأموال ما لا يحصى كثرة.\rواجتمعوا بصور والبحر يمدهم بالأموال والأقوات والعدد والذخائر، فضاقت عليهم مدينة صور، باطنها وظاهرها، فأرادوا قصد صيدا، فكان من ردهم ما ذكرناه.\rفاتفقوا على قصد عكا ومحاصرتها؛ فساروا إليها بفارسهم وراجلهم، ولزموا البجر في مسيرهم، لا يفارقونه في السهل والوعر، ومراكبهم تسايرهم وفيها السلاح والذخائر. فكان رحليهم من مدينة صور في ثاني شهر رجب سنة خمس وثمانين وخمسمائة، ونزولهم على عكا في منتصف الشهر، فتخطف المسلمون منهم في مسيرهم واخذوا من انفرد.\rوجاء الخبر إلى السلطان برحيلهم، فسار حتى قاربهم. ثم نزلوا على عكا قبل وصوله إليها، ونازلوها من سائر جهاتها براً وبحراً فلم يبق للمسلمين إليها طريق. ونزل السلطان عليهم وضرب خيمته على تل كيسان وامتدت ميمنته إلى تل العياضية وميسرته إلى النهر الجاري، ونزلت الأثقال بصفورية، وسير الكتب إلى الأطراف يستدعي العساكر، فأتاه عسكر الموصل، وديار بكر، وسنجار، وغيرها من بلاد الجزيرة، وأتاه تقي الدين ابن أخيه، ومظفر الدين بن زين الدين صاحب حران والرها، فكانت الأمداد تأتي المسلمين في البر وتأتي الفرنج من البحر.\rوكان بين الفريقين مدة مقامهم على عكا حروب كثيرة.\rنحن نذكر المشهور منها على سبيل الاختصار؛ وأما الحروب التي تكون بين بعض هؤلاء وبعض هؤلاء والمناوشات، فلو شرحناها لطال بها الكتاب لأن مدة الحصار كانت ثلاث سنين وشهراً.\rوكان ابتداء القتال في مستهل شعبان من السنة، فقاتلهم السلطان في ذلك اليوم ولم يبلغ منهم غرضاً، ثم باكرهم القتال واستدار عليهم من سائر جهاتهم إلى أن انتصف النهار، وصبر الفريقان أعظم صبر، فحمل تقي الدين من الميمنة على من يليه منهم وأزاحهم عن مواقفهم، فركب بعضهم بعضاَ لا يلوي الأخ على أخيه، والتجأوا إلى من يليهم من أصحابهم. وانكشف نصف البلد، وملك تقي الدين مكانهم، ودخل المسلمون البلد وخرجوا منه، واتصلت الطريق وزال الحصار. وأدخل السلطان إلى البلد 129 من أراد من الرجال، وما أراد من الذخائر، والأموال، والسلاح، فكان من جملة من أمره السلطان بالدخول إليها الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السمين، وقتل من الفرنج في هذا اليوم خلق كثير.\rثم كانت بينهم وقعات في ثامن شعبان، وتاسعه، وعاشره، وحادي عشره، ثم كانت وقعة في تاسع عشر شعبان بين أهل عكا والعدو فقتل من في الطائفتين وجرح.\rثم كانت الوقعة الكبرى في الحادي والعشرين من شعبان وذلك أن الفرنج اجتمعوا وتشاوروا، وقالوا أن العسكر المصري إلى الآن ما قدم وهذا فعل السلطان، فكيف إذا قدمت عساكره فاجمعوا رأيهم على مناجزة الحرب، وكانت عساكر السلطان متفرقة: منها طائفة في مقابلة إنطاكية تمنع صاحبها من الإغارة على الأعمال الحلبية، وطائفة أخرى على حمص في مقابلة طرابلس، وطائفة أخرى تقاتل من بقي في صور، وطائفة بالديار المصرية لحماية ثغرى الإسكندرية ودمياط، ومن بقي من العسكر المصري إلى الآن لم يصل؛ وهذا ما أطمع الفرنج في الظهور.","part":8,"page":29},{"id":3540,"text":"قال: وأصبح المسلمون في هذا اليوم على عادتهم، فمنهم من يتقدم إلى القتال ومنهم من هو في خيمته، ومنه من قد توجه في حاجته، فخرج الفرنج من معسكرهم كالجراد المنتشر قد ملأوا الأرض، فكانت وقعة عظيمة ابتداؤها المسلمين، ثم أنزل الله نصره عليهم، فهزموا الفرنج أقبح هزيمة، وقتل من رؤسائهم عشرة آلاف، وقتل من المسلمين في هذه الموقعة من الغلمان ومن لم يعرف مائة وخمسون ومن المعروفين: الأمير مجلى بن مروان والظهير أخو الفقيه عيسى الهكاري، وكان والي البيت المقدس، جمع العلم والدين والشجاعة، والحاجب خليل الهكاري وجمال الدين بن رواحة الحموي، ولم يكن بالمصاف، وأسر من الفرنج مقدم الداوية وكان السلطان قد أسره فيما تقدم وأطلقه، فقتله الآن.\rقال: وأمر السلطان بجمع القتلى وإلقائهم في النهر الذي يشرب منه الإفرنج.\rقال العماد الأصفهاني رحمه الله: ومن العجب أن الذي ثبتوا في هذه الوقعة لم يبلغوا ألفاً وردوا مائة ألف، وآتاهم الله قوة بعد ضعف.\rقال ابن الأثير: وأخذ من جملة الأسرى ثلاث نسوة فرنجيات كن يقاتلن على الخيل، فلما أسرن وألقي عنهن السلاح عرفن.\rرحيل السلطان عن منزلته وتمكن الفرنج من حصار عكا\rكان رحيله في رابع شهر رمضان من السنة، وسبب ذلك أنه لما قتل من الفرنج هذه المقتلة العظيمة جافت الأرض منهم وتغير الهواء، وحدث للأمزجة فساد، وحصل للسلطان مرض القولنج، وكان يعتريه، فأشار عليه الأمراء والأطباء بالانتقال، وقالوا لو أراد الفرنج أن ينصرفوا لما قدروا فإنا ضيقنا عليهم، والرأي أن ينتقل عن هذه المنزلة، فإن رحلوا فقد كفينا شرهم، وإن أقاموا عدنا للقتال، فوافقهم. وكان بئس الرأي.\rورحل السلطان إلى منزلة الخروبة، وكتب أهل عكا يعلمهم بسبب رحيله ويحثهم على حفظ البلد وغلق أبوابها.\rقال: ولما رحل السلطان بعساكره عن تلك المنزلة أمن الفرنج وانبسطوا، وانبثوا، وعادوا على حصار عكا في البر والبحر، وشرعوا في حفر خندق عليهم يكون بينهم وبين المسلمين إن قصدوهم وعملوا سوراً من تراب، وجاءوا بما لم يكن بالحسبان، هذه والسلطان قد اشتد به المرض فلم يستقل منه إلى أن تكامل حفر الخندق وعمل السور من ترابه.\rوصول العسكر المصري في البر 130 والأسطول في البحر\rقال: وفي منتصف شوال سنة خمس وثمانين وصلت العساكر المصرية ومقدمها الملك العادل سيف الدين، فلما وصلت قويت قلوب الناس، وأحضر من آلات الحصار شيئاً كثيراً. ثم وصل بعده الأسطول المصري في خمسين قطعة ومقدمهم الأمير حسام الدين لؤلؤ، وكان شهماً شجاعاً، مقداماً ميمون النقيبة، خبيراً بقتال البحر؛ فوصل بغتة فوقع على بطشة كبيرة للفرنج، فغنمها وأخذ ما فيها من الأموال الكثيرة والميرة، وعبر بذلك إلى عكا؛ فسكنت نفوس الناس بذلك.\rوقال العماد: أنه ظفر ببطشتين.\rخبر ملك الألمان\rوما كان من أمره إلى نهايته قال العماد الأصفهاني: ونمى الخبر بوصل ملك الألمان إلى قسطنطينية في ثلاثمائة ألف مقاتل على قصد العبور إلى بلاد الإسلام. فاستنفر الملك الناصر الجيوش والعساكر من كل جهة، وجهز القاضي بهاء الدين شداد وأمره بالمسير إلى الديوان العزيز ببغداد وأن يمر على صاحب سنجار، وصاحب الموصل، وصاحب إربل، ويستدعيهم بأنفسهم وعساكرهم.\rقال ابن شداد: فسرت في حادي عشر شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وأبلغت الرسائل، فأجابوا إلى ذلك، فعدت في خامس شعر ربيع الأول سنة ست وثمانين، وسبقت العساكر.\rثم وصلت العساكر عند انقضاء الشتاء في شهر ربيع الأول وأمده الخليفة بحمل النفط الطيار وحملين من القنا، وتوقيع بعشرين ألف دينار يقبض على الديوان العزيز من التجار، وخمسة من الزراقين.\rوكان العدو قد اصطنع ثلاثة أبرجة من الخشب والحديد كالجبال وألبسها الجلود المسقاة بالخل، فيسر الله تعالى على المسلمين إحراقها، وذلك في الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول.\rقال: وكان السلطان قد كتب إلى مصر بعمارة الأسطول وإحضاره إلى عكا، فوصل في يوم الخميس ثامن الشهر، فكانت الحرب في هذا اليوم في ثلاثة مواضع في البحر، والحصار في البر، وكان النصر بحمد الله للمسلمين.\rهذا ما كان من أمر السلطان لما بلغه خبر ملك الألمان.\rوأما ملك الألمان فقال ابن الأثير في تاريخه الكامل:","part":8,"page":30},{"id":3541,"text":"وفي سنة ست وثمانين وخمسمائة خرج ملك الألمان من بلاده، وهم طائفة من الفرنج من أكثرهم عدداً وأشدهم بأساً، وكان قد أزعجه ملك المسلمين البيت المقدس، فجمع عساكره وسار بهم، وطريقه في مسيره على القسطنطينية، فأرسل ملك الروم بخبره إلى السلطان، ووعده أنه لا يمكنه من العبور إلى بلاده، فلما وصل ملك الألمان إلى القسطنطينية عجز ملكها عن منعه من العبور لكثرة جموعه، لكنه منع عنهم الميرة، فقلت أزواده، وساروا حتى عبروا خليج القسطنطينية، وصاروا على ارض بلاد الإسلام، وهي مملكة الملك قلج أرسلان بن مسعود السلجقي، فلما وصلوا إلى أوائلها ثار عليهم التركمان فما زالوا يسايرونهم، فيقتلون من انفرد منهم ويسرقون ما قدروا عليه؛ فنالهم لذلك مشقة عظيمة، وهلك كثير منهم من الجوع والبرد وكثرة الثلوج.\rفلما قاربوا مدينة قونية خرج إليهم الملك قطب الدين ملكشاه بن قلج أرسلان ليمنعهم، فعجز عن ذلك، فعاد إلى قونية وأرسلوا له هدية وطلبوا منه أن يأذن للرعية في بيع الأقوات عليهم فأذن بذلك.\rوطلبوا من الملك قطب الدين أن يأمر رعيته بالكف عنهم وأن يجهز معهم جماعة من أمرائه رهائن، فخافهم، وسلم إليهم نيفاً وعشرين أميراً كان يكرههم، فساروا بهم معهم، ولم يمتنع اللصوص وغيرهم من أذاهم؛ فقبض ملك الألمان على من معه من الأمراء وقيدهم، فمنهم من مات في أسره ومنهم من فدى نفسه.\rقال ابن شداد: وأعوزهم الزاد وعراهم جوع عظيم. وعجزوا عن حمل أقمشتهم، فجمعوا عددا كثيراً وسلاحاً 131 وجعلوا ذلك بيدراَ وأضرموا فيه النار، لعجزهم عن حمله، ولئلا ينتفع به غيرهم.\rقال: وبقيت بعد ذلك رابية من حديد.\rقال ابن الأثير: ثم سار إلى أن أتى إلى بلاد الأرمن، وصاحبها يومئذ لافون بن اصطفانه بن ليوم الأرمني، فأمدهم بالأقوات والعلوفات، وحكمهم في بلاده، وأظهر الطاعة لهم، ثم سار إلى إنطاكية، وكان في طريقهم نهر فنزلوا عنده، وعبر ملكهم إليه ليغتسل فيه، فغرق في مكان لا يبلغ الماء وسط الرجل فيه. وكفى الله شره.\rوقال ابن شداد: إنه لما وصل إلى طرسوس سبح في النهر فمرض من شدة برد الماء فمات؛ ولما مات سلقوه في خل وجمعوا عظامه في كيس ليحملوها إلى القدس ويدفنوها به.\rقال ابن الأثير: وكان معه ولد كبير فملك بعده وسار إلى إنطاكية، فاختلف أصحابه عليه؛ وأحب بعضهم العود إلى بلاده فتخلف عنه، ومال بعضهم إلى تمليك أخ له فعاد أيضاً، وسار هو فيمن بقي معه، فعرضهم، وكانوا نيفاً وأربعين ألفاً وقع فيهم الموت والوباء، فوصلوا إلى إنطاكية وكأنهم نبشوا من القبور فتبرم صاحبها وحسن لهم المسير إلى عكا، فساروا على اللاذقية وجبلة وغيرهما من البلاد التي ملكها المسلمون؛ وخرج أهل حلب وغيرها إليهم وأسروا خلقاً كثيراً، ومات أكثر ممن أسر.\rقال: وبلغوا إلى طرابلس وأقاموا فيها أياماً فكثر فيهم الموت فلم يبق منهم إلا نحو ألف رجل، فركبوا في البحر إلى الفرنج الذين على عكا.\rولما وصلوا ورأوا ما نالهم في طريقهم وما هم فيه من الاختلاف عادوا إلى بلادهم، فغرقت بهم المراكب، فلم ينج منهم أحد.\rوقال ابن شداد: إنهم لما وصلوا إلى إنطاكية طلب ابن ملكهم من صاحبها قلعتها لينقل إليها من أمواله وخزائنه وأثقاله، فسلمها إليه طمعاً في ماله، وكان كذلك، فإنه لم يعد إليه واستولى الإبرنس على ما فيها.\rقال: وجاءت فرقة منهم على حصن بغراس وظنوا أنه للفرنج، ففتح لهم والي الحصن الباب وتسلم منهم الأموال، واسر جماعة منهم وقتل، وخرج إليهم العسكر الحلبي فقتل منهم وأسر، ثم أخذ من بقي منهم على طريق طرابلس فخرج عليهم من باللاذقية وجبلة، فقتلوا منهم وأسروا.\rثم ركب ملك الألمان في البحر من طرابلس بمن بقي معه لقصد عكا، في أواخر شعبان، فثارت عليهم ريح كسرت منهم ثلاثة مراكب، ووصل الباقون إلى صور ثم إلى عكا في سادس شهر رمضان سنة ست وثمانين؛ وكان لقدومهم وقع عظيم.\rسيأتي ذكر ما تجدد بعد وصولهم إلى عكا إن شاء الله تعالى.\rفلنذكر ما كان قبل وصولهم من الوقائع.\rالوقعة العادلية على عكا\rكانت هذه الوقعة في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الأولى سنة ست وثمانين.\rقال ابن شداد: لما بلغ السلطان وصول ملك الألمان إلى بلاد الأرمن جهز بعض العساكر إلى البلاد المتاخمة لطريق عسكر العدو.","part":8,"page":31},{"id":3542,"text":"وتقدم أمره بهدم سور طبرية وهدم يافا، وأرسوف وقيسارية، وهدم سور صيدا وجبيل ونقل أهلها غلى بيروت. فلما علم الفرنج إن العساكر قد تفرقت نهضوا للقتال بغتة وهجموا على الميمنة وفيها مخيم الملك العادل، فلما بصر بهم ركب فيمن معه، وتلاحقت به العساكر، واقتتلوا، فكانت من أعظم الوقائع، قتل فيها خلق كثير من الفرنج.\rقال: ولقد خضت في الدماء بدابتي واجتهدت أن أعدهم فما قدرت على ذلك لكثرتهم وتفرقهم، وشاهدت منهم امرأتين مقتولتين، وكانت هذه الواقعة فيما بين الظهر والعصر في الميمنة وبعض القلب، ولم نفقد من المسلمين فيها غير عشرة غبر معروفين.\rقال: ولما أخبر من بعكا من المسلمين بهذه الوقعة خرجوا إلى مخيم العدو من البلد، وجرى بينهم مقتلة عظيمة انتصر فيها المسلمون، ونهبوا ما كان بخيام الفرنج من الأقمشة وغيرها، حتى الطعام الذي في القدور، وسبوا النساء.\rقال: واختلف الناس في عدد من قتل من الفرنج في هذه الوقعة، فقيل ثمانية آلاف، وقيل سبعة آلاف، ولم ينقصهم حازر عن خمسة آلاف.\rوصول الكندهري إلى عكا\rنجدة للفرنج وما جدده من آلة الحصار قال: ثم وصل الكندهري في البحر نجدة للفرنج في عدد كبير أضعاف ما نقص منهم، ففرق الأموال واستخدم ونصب المجانيق على عكا فحرقها المسلمون؛ ثم نصب منجنيقين فأحرقا في أول شعبان، وكان قد أنفق عليهما ألف دينار وخمسمائة دينار وأسر من الفرنج سبعون في هذا اليوم ومن جملتهم فارس كبير عندهم فقتله المسلمون.\rثم جهز الفرنج بطشاً لمحاصرة برج الذبان وهو برج وسط البحر على باب ميناء عكا، فعمدوا إلى بطشه من البطش وعملوا برجاً على صاريها وملأوه حطباً ونفطاً على أنهم يلحقون البطشة ببرج الذبان، ثم يحرقون البرج الذي على الصاري، وجعلوا في البطشة وقوداً كثيرة حتى يلقوه في البرج إذا اشتعلت فيه النيران، وعبئوا بطشة ثانية وملأوها حطباً على أنها تدخل بين المراكب الإسلامية ثم يلهبونها فتحترق هي والبطش الإسلامية، وجعلوا بطشة ثالثة جماعة من المقاتلة. وقدموا البطشة نحو البرج، وكان الهواء مساعد لهم، فلما أحرقوا البطشة والبرج الذي قصدوا بهما إحراق بطش المسلمين وبرج الذبان انعكس الهواء عليهم بإذن الله تعالى، فاحترقت البطشتان، وانقلبت الثالثة بمن فيها من المقاتلة. والله أعلم.\rما كان من أمر الفرنج بعد وصول ابن ملك الألمان إلى عكا وما اتخذوه من آلات الحصار\rقال: ولما وصل ابن ملك الألمان القائم في الملك بعد أبيه إلى عكا كان وصوله إليها في سادس شهر رمضان سنة ست وثمانين وخمسمائة فكان أول ما بدأ به أنه خرج إلى إنطاكية يزكيه السلطان وقاتلهم فقتل من أصحابه وجرح خلق كثير، وانكسروا ورجعوا إلى المخيم غروب الشمس من ذلك اليوم؛ وقتل من المسلمين اثنان وجرح جماعة. فلما عاين ذلك رجع إلى قتال من في البلد، واتخذ من آلات الحصار ما لم ير قبل ذلك مثله، فكان مما أحدثه آلة عظيمة تسمى دبابة يدخل من تحتها المقاتلة وهي من الخشب الملبس بصفائح الحديد، ولها من تحتها عجل يحرك من داخلها حتى تنطح السور بشدة عظيمة فتهدمه بتكرار نطحها، وآلة أخرى وهي قبو فيه رجال تسحبه وفيه كبش، ورأس تلك الآلة ممدة تشبه سكة المحراث، ورأس الكبش مدور، هذه يهدم بثقله، وتلك تهدم بحدتها وثقلها، وهي تسمى سفوداً، وأعد الستائر والسلالم وغير ذلك، وأعد في البحر بطشة عظيمة وصنع فيها برجاً بخرطوم إذا أرادوا قلبه على السور بحركة انقلب بحركات ويبقى طريقاً إلى المكان الذي ينقلب عليه تمشي عليه المقاتلة، ونصب المجانيق وحكمها على السور، وتوالت حجارتها حتى أثرت فيها أثراً بيناً فأخذ المسلمون سهمين عظيمين من سهام الجروح وأحرقوا نصالها حتى بقيا كالشعلة من النار ثم رميا في منجيق الفرنج فاحترق، واتصل لهبه بالآخرة فأحرقه.","part":8,"page":32},{"id":3543,"text":"ثم زحف العدو على البلد في شهر رمضان في خلق كثير، فأمهلهم أهل البلد حتى سحبوا آلتهم المذكورة وقاربوا أن يلصقوها بالسور ويحصل منهم في الخندق جماعة كثيرة، فأطلقوا عليه الجروخ والمجانيق والسهام والنيران، وفتحوا الأبواب وهجموا على العدو من كل مكان، وكبسوهم في الخندق، فانهزموا؛ ووقع السيف فيمن بقي في الخندق منهم. ثم القوا النار في كبشهم، فاحترق، وسرت ناره إلى السفود فاحترق أيضاً، وعلق المسلمون في الكبش الكلاليب الحديد فسحبوه وهو يشتعل، فحصل عندهم، فأطفأوه بالماء وزن ما كان عليه من الحديد فكان مائة قنطار بالشامي 133 فكان هذه اليوم من أحسن أيام الإسلام.\rقال: واستأنف الفرنج عمل دبابة أخرى وفي رأسها شكل عظيم يقال له الكبش وله قرنان في طول الرمح كالعمد الغلاظ، وسقوفها هي والكبش بأعمدة الحديد، ولبسوا رأس الكبش بعد الحديد بالنحاس. فلم يبق للنار عليها سبيل؛ وشحنوها بالرجال، فنصب المسلمون عليها المجانيق ورموها بالحجارة، فأبعدت الرجال من حولها، ثم رموها بحزم الحطب فأحرقوا ما بين القرنين، وخسفها المنحنيق، وخرج أهل عكا فقطعوا رأس الكبشين.\rقال: وفي العشر الأوسط من شهر رمضان ألقت الريح بطشتين فيها رجال ونساء وصبيان، وميرة عظيمة وأغنام، فغنمها المسلمون.\rوكان في إحداها امرأة محتشمة كثيرة الأموال؛ واجتهد الفرنج في استنقاذها فلم يجابوا إلى لذلك.\rوكان بينهم في بقية السنة عدة وقائع يطول شرحها.\rوفي سابع ذي الحجة هدمت قطعة عظيمة من سور عكا فسدها المسلمون وقاتلوا عليها قتالاً شديداً حتى أحكموا بناءها.\rوفي ثاني ذي الحجة هلك ابن ملك الألمان وكند كبير، ومرض الكندهري، ووقع فيهم فناء عظيم، والله أعلم.\r؟وصول ملك افرنسيس\rكان وصوله في ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة سبع وثمانين وخمسمائة في ست بطش عظام مشحونة بالمقاتلة، وكان ملكاً مطاعاً فيهم، ووعدهم بالإمداد خلفه. وكان معه باز عظيم الخلق أبيض اللون، فطار من يده وسقط على سور عكا، فأخذه المسلمون وأنفذوه إلى السلطان، فبذل الفرنج فيه ألف دينار فلم يجاوبوا لذلك.\rقال: وزحف الفرنج على عكا في يوم الخميس الرابع من جمادى الأولى سنة سبع وثمانين، ونصبوا عليها سبعة مجانيق. وبلغ من مضايقتهم لها أنهم كانوا يلقون في خندقها ما يموت من دوابهم وما يؤيس منه ممن أثخنته الجراح. وانقسم أهل البلد أقساماً: قسم ينزلون إلى الخندق ويقطعون الدواب ليسهل نقلها، وقسم ينقلون ذلك إلى البحر، وقسم يذبون عنهم، وقسم في المنجنيقات وحراسة الأسوار.\rقال: وكانوا قد صنعوا دبابة عظيمة أربع طبقات، الأولى من الخشب، والثانية من الرصاص، والثالثة من الحديد، والرابعة النحاس، فكانت تعلوا على السور وتركب فيها المقاتلة، وقربوها من السور فكاد أهل البلد يطلبون الأمان، فأعان الله على حرقها وكان في جمادى الأولى عدة وقعات.\rقال: ولما حرقت دبابات الفرنج وكباشهم وأبرجتهم الخشب وستائرهم أقاموا أمام خيامهم مما يلي عكا تلاً مستطيلاً عالياً من التراب، فكانوا يقفون وراءه ويحولونه ليقربوه من السور، إلى أن صار بينه وبين السور مقدار نصف غلوة سهم. فلم تعمل فيه النار.\rوصول ملك الإنكلتير\rكان وصوله إلى عكا في ثالث عشر جمادى الأولى من السنة بعد أن ملك في ميسره قبرص عنوة، ووصل في أربعين قطعة. ولما قدم توالى الزحف والقتال. ثم مرض مرضاً شديداً وجرح الإفرنسيس، وهم مع ذلك لا يدعون القتال. هذا واللصوص يدخلون على الرجل من الفرنج وهو نائم فيوقظونه، ويشيرون إليه بالسلاح: إن تكلمت ذبحناك، ويحملونه ويخرجون به إلى عسكر المسلمين. فعلوا ذلك مراراً كثيرة.\rقال: ثم ترددت الرسائل من الفرنج إلى السلطان مدافعة بسبب مرض الإنكلتير، ثم استأذن في إهداء جوارح، وقال إنها قد ضعفت وتغيرت من البحر، وطلب أن يسر لها دجاجة وطير تأكله لتقوى به ثم يهدى للسلطان. ففهم السلطان أنه يحتاج ذلك لنفسه لأنه حديث عهد بمرض، فسير إليه ذلك. ثم أرسل في طلب فاكهة وثلج، فأرسل إليه وهم مع ذلك يحاصرون البلد أشد حصار.\rاستيلاء الفرنج على عكا","part":8,"page":33},{"id":3544,"text":"قال: ثم اشتد الحصار في سابع جمادى الآخرة، فركب السلطان بالعسكر وجرى قتال عظيم إلى الليل عاد إلى خيامه. ثم باكر القتال، فوصلت مطالعة من بالبلد يذكرون أن العجز قد بلغ بهم الغاية، وأنهم في الغد متى لم يعمل ما يمنع العدو طلبوا الأمان وسلموا البلد. فرأى السلطان مهاجمة العدو، فلم يساعده العسكر. فضعفت نفوس أهل البلد، وتمكن العدو من الخنادق فملكوها، ونقبوا السور وأحرقوه، فوقعت بدنة من الباشورة ودخل العدو إليها، فقتل منها زهاء مائة وخمسين نفساً، وكان منهم ستة من أكابر، فقال أحدهم: لا تقتلوني حتى أرحِّل الفرنج عنكم. فقتل رجل من الأكراد وقتل الخمسة، فناداهم الفرنج من الغد احفظوا الستة فإنا نطلقكم كلكم بهم. فقالوا: لقد قتلناهم. فقوي عزم الفرنج على عدم المصالحة وأنهم لا يطلقون من في البلد إلا بإطلاق جميع الأسرى الذين في أيدي المسلمين، وتعاد إليهم البلاد الساحلية.\rفصالحهم من بالبلد على أنهم يسلمون إليهم البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدد والمراكب، ومائتي ألف دينار، وألف وخمسمائة أسير مجاهيل الأحوال، ومائة أسير معينين، وصليب الصلبوت، على أنهم يخرجون بأنفسهم ونسائهم وذراريهم، وما معهم من أموالهم وأقمشتهم.\rفكتبوا في ذلك إلى السلطان، فأنكر هذا الأمر واستعظمه، وعزم على أن يكتب بالإنكار على من بعكا. وجمع أمراءه وأصحاب المشورة، فما شعر المسلمون إلا وقد ارتفعت أعلام الكفر وصلبانه على أسوار البلد، وذلك ظهر نهار الجمعة السابع عشر من جمادى الآخرة، سنة سبع وثمانين وخمسمائة.\rفعظمت المصيبة على المسلمين وتحيز المسلمون إلى بعض أطراف البلد. ثم ترددت الرسائل بينهما على تقرير القاعدة في خلاص من بعكا من المسلمين، فاستقرت الحال على مائة ألف دينار وستمائة أسير وصليب الصلبوت. وأنفذوا ثقاتهم وعاينوا الصليب في ثامن عشر شهر رجب، ثم طلبوا أن يسلم ذلك إليهم فإذا صار عندهم أطلقوا الأسرى، فامتنع السلطان من ذلك إلا بعد تسليم الأسرى.\rفلما رأوه قد امتنع منه أخرجوا خيامهم إلى ظاهر الخنادق في الحادي والعشرين من الشهر، ثم ركبوا في وقت العصر في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب سنة سبع وثمانين، وجمعوا الأسرى، وحملوا عليهم حملة الرجل الواحد، فقتلوهم صبراً، طعناً بالرمح وضرباً بالسيف، رحمة الله عليهم، ولم يُبقوا من المسلمين إلا أكابرهم. فلما اتصل الخبر بالسلطان حمل المسلمون عليهم، وجرت بينهم حرب عظيمة دام القتال فيها طول النهار. وتصرف السلطان فيما كان قد حصله من المال، وأعاد الأسرى إلى أماكنهم، ورد صليب الصلبوت إلى مكانه.\r؟ما كان بعد أخذهم عكا\rقال: ثم سار الفرنج إلى صوب عسقلان في مستهل شعبان، وسار السلطان في عراضهم، والمسلمون يتخطفونهم ويقتلون منهم ويأسرون، وكل أسير جيء به إلى السلطان أمر بقتله. ثم كانت وقعة عظيمة في تاسع شعبان عند رحيلهم من قيسارية، انتصر فيها المسلمون. ثم رحل السلطان فنزل شعراء أرسوف. وطلب ملك الإنكلتير الاجتماع بالملك العادل خلوة، فاجتمعا، فأشار بالصلح. وكان حاصل كلامه أنه قد طال بيننا القتال ونحن في نصرة فرنج الساحل، ورأيي الصلح، ويرجع كل منا إلى مكانه. فقال له الملك العادل: على ماذا يكون الصلح؟ قال: على أن تسلموا لأهل الساحل ما أُخذ منهم من البلاد. فأبى الملك العادل.\rثم كانت وقعة أرسوف في يوم السبت رابع عشر شعبان، وكانت الدائرة على الفرنج.\rهدم عسقلان\rقال: ثم رحل السلطان بعد وقعة أرسوف في تاسع عشر شعبان، ونزل بالرملة، واستشار أصحابه في أمر عسقلان، فأشاروا عليه بتخريبها خشية أن يستولي العدو عليها وهي عامرة، فتكون سبباً لأخذ البيت المقدس وقطع طريق مصر. فعلم السلطان عجز المسلمين عن حفظها لقرب عهدهم بقتال عكا: فسار حتى عسقلان، وأمر بتخريبها، وكان هو وولده الملك الأفضل يستعملان الناس في الخراب خشية حضور العدو فيتعذر هدمها، ثم حرقها بالنار، والأخبار تتواتر من جهة العدو بعمارة يافا. واستمر الخراب والحريق إلى سلخ شعبان.\rثم رحل السلطان عنها يوم الثلاثاء، ثاني شهر رمضان فنزل على الرملة يوم الأربعاء، وأمر بتخريب حصنها وتخريب كنيسة لد. وركب جريدة إلى القدس الشريف، فوصل إليه في يوم الخميس","part":8,"page":34},{"id":3545,"text":"وفي يوم الجمعة ثاني عشر شهر رمضان من السنة كانت بينهم وقعة انتصر فيها المسلمون.\rقال: ثم سار السلطان إلى الرملة في سابع شوال وأقام بها عشرين يوماً، فجرت وقعات، منها وقعة في ثامن شوال، وفي سادس عشره، والدائرة فيها على العدو.\rوفي ثامن عشر شوال اجتمع الملك العادل والإنكلتير على طعام، وانفصلا على توادد، وسأله الاجتماع بالسلطان فامتنع السلطان من ذلك.\rثم رحل الفرنج في ثالث ذي القعدة إلى الرملة، وأظهروا قصد بيت المقدس والحرب مستمرة بين المسلمين وبينهم. ورحل السلطان إلى القدس في الثالث والعشرين من ذي القعدة بنية المقام به، وشرع في تحصينه.\rقال: ولم تزل الحرب قائمة والمراسلات متصلة بينهم على طلب الصلح، والسلطان لا يرضى بما يختارونه، وهم لا يوافقون على ما يريده السلطان، إلى الحادي والعشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، فوقعت هدنة عامة في البر والبحر، وجُعل لهم من يافا إلى قيسارية إلى عكا إلى صور، وأدخلوا في الصلح طرابلس وإنطاكية. وأخرج من عمل يافا الرملة ومجدل يابا ومن عمل عكا الناصرة وصفورية واشترط خراب عسقلان. ووقعت المصالحة مدة ثلاث سنين وثلاثة أشهر، أولها مبتدأ أيلول الموافق لهذا التاريخ، وذلك بعد سؤال ملك الإنكلتير وتكرار رسائله.\rقال: ثم أمر السلطان أن ينادى في الطرقات والأسواق: ألا إن الصلح قد انتظم، فمن شاء من بلادنا يدخل بلادهم ومن شاء من بلادهم يدخل بلادنا فليفعل.\rووقع له عزم الحج في ذلك المجلس.\rثم أمر بإرسال مائة نقاب لتخريب سور عسقلان وإخراج الفرنج منها، فخربت. وكان يوم الصلح يوماً مشهوداً واختلط العسكران.\rثم اشتد المرض بالإنكلتير فرحل ليلة الأربعاء التاسع والعشرين من شعبان وسار معه الكندهري إلى جهة عكا، ولم يبق بيافا إلا مريض أو عاجز. ثم أذن السلطان للناس في الرجوع إلى أوطانهم، فسار عسكر إربل والموصل وسنجار، وقوي عزمه على الحج.\rثم عاد السلطان إلى القدس ورتب أحواله وعين الكنيسة التي في شارع قمامة للبيمارستان ونقل إليه العقاقير والأدوية، وأدار سور القدس. وأقام بالقدس إلى يوم الأربعاء رابع شوال، وخرج في يوم الخميس خامس الشهر قاصداً دمشق. فلما انتهى إلى طبرية وصل إليه بهاء الدين قراقوش الأسدي وقد خلص من الأسر، فاستصحبه معه وكشف القلاع والحصون، ودخل إلى دمشق في يوم الاثنين السادس عشر من شوال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة: وجلس الناس يوم الخميس، وأنشده الشعراء، وكان مجلساً عاماً، وعم الناس فيه بعدله. ولم يزل كذلك إلى أن مات، رحمه الله تعالى.\rوفاة الملك الناصر\rصلاح الدين يوسف بن أيوب كانت وفاته رحمه الله تعالى بعد صلاة الصبح يوم الأربعاء لثلاث بقين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة.\rوكان مولده بقلعة تكريت في شهور سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، فكان عمره سبعاً وخمسين سنة تقريباً. ومدة ملكه منذ ولي وزارة العاضد لدين الله ولقب بالملك الناصر لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة وإلى هذا التاريخ أربعاً وعشرين سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام، ومنذ خلع العاضد في سابع المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة اثنتين وعشرين سنة وشهراً واحداً وعشرين يوماً.\rوكان ابتداء مرضه يوم السبت سادس عشر صفر، ونال المسلمون لوفاته من الألم ما لا يعبر عنه. ولما مات دفن بقلعة دمشق في منزله، وما زال ابنه الأفضل يتروى في موضع ينقله غليه، فشرع في بناء تربته عند مسجد القدم وبنى عندها مدرسة للشافعية. وأمر ببناء التربة في سنة تسعين وخمسمائة، فاتفق وصول ابنه العزيز تلك السنة من الديار المصرية للحصار، فخرب ما كان قد ارتفع من البناء. ثم أمر بعمارة القبة في حد جامع دمشق، فعمرت ونُقل إليها يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، ومشى الأفضل أمام تابوته وأخرج من باب القلعة على دار الحديث إلى باب البريد، وأدخل منه إلى الجامع، وصلى عليه قدام باب السر، صلى عليه القاضي محي الدين بن علي بإذن الأفضل. ثم حمل إلى لحده، وألحده الأفضل وجلس في الجامع ثلاثة أيام.\rوكان الملك الناصر رحمه الله كريماً جواداً شجاعاً، حسن الأخلاق، مضت أكثر أيامه في الجهاد في سبيل الله تعالى.","part":8,"page":35},{"id":3546,"text":"قال ابن شداد: لما مات السلطان لم يخلف في خزائنه من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً ناصرية وجراماً واحداً ذهباً صورياً، ولم يخلف ملكاً في سائر أنواع الأملاك. وحسب ما وهبه من الخيل في مدة مقامه على عكا فكان تقديره اثني عشر ألف رأس، ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به، وصاحبه يلازمه في طلبه، وما حضر اللقاء إلا استعار فرساً فركبه. وكان لا يلبس إلا ما يحل كالكتان والقطن والصوف. وكان له ركعات يصليها من الليل.\rوخلف رحمه الله من الأولاد، على ما نقله العماد الأصفهاني وغيره سبعة عشر ولداً: الملك الأفضل نور الدين أبو الحسن علي، وهو أكبرهم، والملك العزيز عماد الدين، أبو منصور غازي، والملك الظافر مظفر الدين أبو العباس خضر، والملك المعز فتح الدين أبو يعقوب ويوسف، والملك الأعز شرف الدين أبو يوسف يعقوب والملك المؤيد نجم الدين أبو الفتح مسعود، والملك الزاهر مجير الدين أبو سليمان داود، والملك المفضل قطب الدين أبو محمد موسى، والملك الأشرف عز الدين محمد، والملك المحسن شهاب الدين أبو العباس أحمد، والملك الجواد ركن الدين أبو سعيد أيوب، والملك المظفر فخر الدين أبو منصور تورانشاه، والملك العادل نور الدين أبو المظفر ملكشاه، والملك المنصور نصرة الدين مروان، والملك الصالح معين الدين إسماعيل، وعماد الدين شادي، ويسمى عمر، وابنة صغيرة.\rمن ملك من أولاده وأقاربه\rالممالك التي كانت جارية في ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف رحمه الله تعالى من أولاده وإخوته وأقاربه وإلزامه بعد وفاته استقر ملك دمشق وما معها للملك الأفضل نور الدين أبي الحسن علي، وهو أكبر أولاده وولي عهده، وعنده أخواه شقيقاه الملك الظافر خضر والملك المفضل موسى.\rواستقر ملك الديار المصرية للملك العزيز عماد الدين أبي الفتح عثمان.\rواستقر ملك حلب ما يليها للملك الظاهر غياث الدين غازي، وعنده أخوه الملك الزاهر داود، فجعله من قبله على البيرة.\rواستقر ملك حمص والرحبة وتدمر للملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه، وهو ولد ابن عم السلطان الملك الناصر.\rواستقر مُلك حماة وسلمية والمعرة ومنبج للملك المنصور ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب.\rواستقر ملك حران والرها وميافارقين والرقة وقلعة جعبر والكرك والشوبك للملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، وهو أخو السلطان.\rواستقر ملك بعلبك للملك الأمجد بهرامشاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب.\rواستقر ببعرين أفاميه وكفرطاب عز الدين إبراهيم بن شمس الدين بن المقدم.\rواستقر بصهيون ناصر الدين منكورس بن خمارتكين غلام أبي قبيس.\rواستقر بتل باشر بدر الدين دلدرم بن ياروق.\rواستقر بعينتاب ناصر الدين شحنة حلب.\rهذه الممالك التي كانت جارية في ملك السلطان الملك الناصر رحمه الله.\rفلنذكر الآن أخبار الديار المصرية ومن ملكها بعد وفات السلطان الملك الناصر، ونجعل ما يقع لهؤلاء الملوك، أو في ممالكهم، من الحوادث في ضمن أخبار ملوك الديار المصرية، وننبه عليها بالتراجم، على ما نقف عليه إن شاء الله تعالى.\rأخبار الملك العزيز\rعماد الدين أبي الفتح عثمان ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وهو الثاني من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية ملك الديار المصرية عندما وصل إليه الخبر بوفاة والده السلطان الملك الناصر، رحمه الله تعالى، وذلك في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وخمسمائة.\rولما ملك أحسن السيرة وأطلق جميع ما كان يؤخذ من التجار وغيرهم من المكوس على اسم الزكاة. وجهز إلى البيت المقدس عشرة آلاف دينار لتصرف في مصالحه، أكرم أصحاب أبيه وعاملهم الأفضل أخوه صاحب دمشق بخلاف ذلك، فمالت القلوب إلى الملك العزيز ونفرت عن الملك الأفضل. فاستشعر الأفضل من أمرائه، وعزم على القبض عليهم، فبلغهم الخبر ففارقوه، واتصلوا بخدمة أخيه الملك عبد العزيز بالديار المصرية في بقية السنة فأكرمهم وقربهم وكان منه ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rاستيلاء الفرنج على جبيل","part":8,"page":36},{"id":3547,"text":"كان استيلاؤهم على حصن جبيل في مستهل صفر سنة تسعين وخمسمائة بمواطأة ممن كان فيه. وذلك أن الحصن كان عدة من فيه خمسة عشر رجلاً، فندب متولي البلد منهم عشرة لجباية الجزية، وخرج متولي الحصن إلى الحمام، فاستصحب أحد الخمسة الذين تأخروا بالحصن معه، وبقي به أربعة من الأكراد، فأغلقوا باب الحصن. وتوجه أحدهم إلى الفرنج الذين بالتيرون فأخبرهم بخلو الحصن، وكان به حداد نصراني، فصعد هو والثلاثة إلى أعلى الحصن. فلما عاد الوالي منعوه من الدخول ورموه بالحجارة، فكسروا يده، وقالوا هذه القلعة قد صارت للقومص. وجاء أهل التيرون بالليل فطردوا من كان بالباشورة من المسلمين.\rووصل ابن ريمون صاحب جبيل وتحدثوا مع الأكراد، فنزل أحدهم إليهم وقرر معهم أن يعطوا نصف ما بالحصن من سائر الحواصل وغيرها، وأن تكون لهم ثلاثة ضياع من عمل طرابلس، واستحلفهم على ذلك. وتسلموا الحصن، فرتب الفرنج فيه من الجرخية ألفاً وخمسين جرخياً.\rفلما اتصل الخبر بالسلطان الملك العزيز عظم عليه، وأخرج خيامه في يوم الأحد العشرين من شهر ربيع الأول، وأمر بالاستعداد للخروج إلى الشام لاستنقاذ جبيل من الفرنج، وأرسل شمس الخلافة رسولاً إلى الفرنج بسبب إعادة جبيل فتوجه في سادس عشر شهر ربيع الآخر.\rوفي سنة تسعين وخمسمائة، لسبع بقين من شهر ربيع الأول، عُزل القاضي صدر الدين بن درباس وفوض القضاة بالديار المصرية للقاضي زين الدين أبي الحسن علي بن يوسف بن عبد الله بن رمضان الدمشقي، فولي سنة وعُزل في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وأعيد القاضي صدر الدين. وقيل بل ولي القاضي محي الدين محمد بن عبد الله بن أبي عصرون، وعُزل في يوم الأحد سادس عشر المحرم سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. وأعيد القاضي زين الدين الدمشقي فولي سنة، ثم عزل وأعيد القاضي صدر الدين إلى أن توفي في سنة خمس وستمائة والله أعلم.\rمسير الملك العزيز إلى الشام\rوالصلح بينه وبين أخيه الملك الأفضل وعوده إلى القاهرة قال: وفي تاسع عشر شعر ربيع الآخر سنة تسعين وخمسمائة توجه الملك العزيز إلى الشام وترك بالقاهرة من الأمراء بها ء الدين قراقوش وصيرم، وجهز ثلاثة عشر لواء إلى ثغرى الإسكندرية ودمياط ومعهم سبعمائة فارس. واستصحب معه من الأمراء سبعة وعشرين أميراً عدتهم تقدير ألفي فارس، ومن الحلقة ألف فارس. فلما اتصل بالأفضل خروجه استعد وأنفق النفقات الوافرة، وخرج إلى رأس الماء في سبعمائة فارس، ولما وصل الملك العزيز إلى الغور احتاط على الخاص الأفضلي به، وشرع في إقطاع أعمال الشام. وجهز من أمرائه: قايماز، وعشرين أميراً، منهم، جهاركس، وميمون القصري، وسنقر الكبير، والشجاع الخادم، والجناح، وجرديك. فتقدموا ووقعوا على أطراف العسكر الشامي، فرجع الأفضل إلى دمشق وغلقت أبواب البلد لما قرب العسكر المصري منها.\rوتقدم العزيز وترك ثقله بمسجد القصب بظاهر دمشق، ونزل هو بالكسوة، فاستنجد الأفضل بعمه الملك العادل فحضر إلى دمشق، وحضر الظاهر من حلب، وناصر الدين صاحب حماة، وأسد الدين صاحب حمص، وعسكر الموصل وغيره. فلما رأى العزيز اجتماعهم علم أن لا قدرة له بهذا الجمع، وكتب إلى عمه العادل يقول: أنا ما خرجت من الديار المصرية إلا لاستنقاذ جبيل من الفرنج، فبلغني أن الملك الأفضل حالف الفرنج علي، واستنصر بهم، ووعدهم أن يعيد البلاد إليهم، فاقتضى ذلك سوقنا إليه. وبلغنا أنك تدخل بيننا وبينه، وحوشيت من ذلك، وأنا خير لك من غيري. وإن أردت أن تكون السلطان ورئيس الجماعة فأنا راضٍ بذلك.\rوكتب لأخيه الملك الظاهر وغيره من حكام الممالك وترددت الرسائل بينهم.\rوتقررت الحال على أن يكون للملك العزيز البيت المقدس وما جاوره من أعمال فلسطين، وأن تكون دمشق وبرية وأعمال الغور للملك الأفضل، وأن يعطي الأفضل لأخيه الملك الظاهر جبلة واللاذقية، وأن يكون للملك العادل بالديار المصرية إقطاعه الأول، وأن يخطب للملك العزيز ببلاده وتنقش السكة باسمه، وأن الملك العزيز يمده بألف فارس إعانة له على فتح خلاط.\rواجتمع الملك العادل بالملك العزيز، وتزوج العزيز ابنته، وجاء الملك الظاهر صاحب حلب إلى أخيه الملك العزيز. وتقررت قواعد الصلح.\rوتأخر الملك العزيز إلى الكسوة ثم إلى مرج الصفر، ومرض به ثم أفاق.","part":8,"page":37},{"id":3548,"text":"ولما عزم على العود إلى الديار المصرية خرج لوداعه سائر الملوك الذين حضروا لنصرة الأفضل، ثم خرج إليه الأفضل في سابع شعبان وأدركه بنيق، وهي أعلى الغور، فأكرمه الملك العزيز، وبالغ في احترامه وسأله الأفضل أن يرجع إلى دمشق ليزور قبر أبيه، فأجاب إلى ذلك، ثم أشار عليه أصحابه ألا يفعل، فامتنع. وعاد الأفضل، وسار العزيز إلى الديار المصرية فدخلها في أواخر شعبان.\rوفي مستهل جماد سنة تسعين وخمسمائة هبت رياح عاصفة بالقاهرة من وقت العصر، وسقط في ثالث الشهر بَرَدٌ كثير أكبره قدر البيض وأصغره قدر النبق، وصار على جبل المقطم منه شيء كثير كالجبل الثاني، ونقل الناس منه مدة أربعة أيام، ثم سال حتى ملأ الخندق، ودخل الماء من المرامي التي في السور إلى القاهرة، وعلا، حتى خيف على البلد.\rخروج الملك العزيز لقصد الشام ثانياً ورجوعه وقصد العادل والأفضل الديار المصرية وما تقرر من القواعد\rكان سبب ذلك أن الملك الأفضل قلد وزارة دمشق لضياء الدين ابن الأثير الجزري وحكمه في البلاد، فقصد الأمراء بالأذى والاطراح، وتشاغل الأفضل عنهم. ففارق خدمة الأفضل فارس الدين ميمون القصري وشمس الدين وسنقر الكبير وعز الدين سامة، وغيرهم. وحضر بعض هؤلاء إلى الديار المصرية وانضموا إلى الملك العزيز، وقالوا له: إن الأفضل مسلوب الاختيار، وحرضوه على قصد دمشق، فخرج إليها في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة.\rفلما اتصل خبر خروجه بالأفضل ركب من دمشق في رابع جمادى الأولى وتوجه إلى عمه الملك العادل، وهو بقلعة جعبر، واستنجد به، وسار إلى أخيه الملك الظاهر بحلب واستنجد به أيضاً، فركب الملك العادل وجدّ في السير إلى دمشق خوفاً أن يسبقه العزيز إليها. وكاتب الملك العادل الأمراء الذين صحبة العزيز، وكان العزيز قد نزل بمنزلة الفوار على مرحلتين من دمشق، واستمالهم وحذرهم من العزيز، فمالوا إليه، واستمالوا أبا الهيجاء السمين، وفارقوا العزيز وقصدوا دمشق، وذلك في يوم الاثنين رابع شوال من السنة.\rفلما وصلوا إلى دمشق اتفق العادل والأفضل، وتحالفا على قصد العزيز انتزاع الديار المصرية منه، على أن يكون ثلث الديار المصرية للملك العادل إقطاعاً والثلثان للملك الأفضل. وساروا في طلب العزيز، فرجع إلى الديار المصرية وجد في السير ودخل القاهرة.\rقال: ولما وصل العادل والأفضل إلى القدس سلماه وأعماله وما يجاوره من أعمال الساحل لأبي الهيجاء السمين، فرتب فيه نوابه، وسار معهما إلى الديار المصرية. فنزل الملك العادل على بلبيس، وكان السعر ما شيا فاستظهر العزيز عليهم.\rقال: ولم يكن غرض العادل قصد مصر وإنما خشي على الملك العزيز من الأمراء أن يقتلوه ويستولوا على الديار المصرية، فقصدها لهذا السبب.\rولما ضاقت الميرة على العسكر الشامي وقلت أزوادهم ندموا على وصولهم إلى الديار المصرية، فأرسل الملك العادل إلى القاضي الفاضل عبد الرحيم في الاجتماع به، فأذن له العزيز في ذلك، فخرج إليه، فاستبشر الناس بخروجه رجاء وقوع الصلح. وركب العادل وتلقاه على فراسخ، فاجتمعا، واستقرت القواعد على أن يكون إقطاع العادل بمصر على عادته، وأن تكون إقامته عند الملك العزيز بالقاهرة، وأن يعفو العزيز عن الأسدية والأكراد.\rواجتمع العادل بالأفضل وأمره بالرجوع إلى دمشق. ثم اجتمع الأفضل بالعزيز، واستقر الصلح بينهما، وأهدى العزيز إليه هدايا جليلة المقدار. ورجع الأفضل إلى دمشق ومعه أبو الهيجاء السمين، فدخلها في المحرم سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة.\rولم تطل المدة إلى أن بلغ الملك العادل عن الأفضل ما استوغر خاطره، فعند ذلك قرر، مع الملك العزيز، أن يجهز العساكر لتمهد قواعد المُلك بالشام وسائر البلاد، واتفقا على أن يكون العزيز بدمشق والعادل ينوب عنه بالديار المصرية.\rملك الملك العزيز دمشق\rوخروج الأفضل إلى صرخد قال: ولما اتفق الملك العادل والملك العزيز على ما قرراه تجهز الملك العادل للمسير إلى دمشق وبرز بخيامه من القاهرة في يوم السبت مستهل شهر ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة في ثلاثة آلاف فارس. ثم برز الملك العزيز في يوم الثلاثاء، رابع الشهر، وظاهر خروجه وداعه لعمه الملك العادل، وحث العساكر المجردة على الخروج. وأقام ببركة الجب.","part":8,"page":38},{"id":3549,"text":"فلما كان في العشرين من الشهر اتصل بالملك العادل عن الملك الأفضل انه كاتب الأسدية، وأنه قبض على أموال كانت للعادل بدمشق، وألق رهائن كانت عند نوابه، وأنه وافق الظاهر صاحب حلب، فقرر مع الملك العزيز أن يتوجها جميعاً ويأخذا دمشق من الأفضل وحلب من الظاهر، فاتفقا على ذلك وعقدا بينهما يميناً.\rوشرع الملك العزيز في تجهيز رجال الحلقة والأعيان، ورحل هو وعمه الملك العادل من البركة في يوم الثلاثاء ثامن جمادى الأولى، فحصل للعادل ضعف في هذا النهار منعه عن الحركة. وكان وصولهما إلى بلبيس في سابع عشر الشهر، وكملت صحة العادل في العشرين من الشهر، وسار إلى الشام على مهل ورفق.\rفلما تحقق الملك الأفضل قصدهما لبلاده استشار شيوخ دولته، فأشاروا عليه أن يستقبل أخاه وعمه ويسلم لهما الأمر، وأشار وزيره ضياء الدين ابن الأثير الجزري بالتصميم والمخالفة، فرجع إلى رأيه وحصن البلد، وفرق الأمراء على الأسوار. فلما رأى شيوخ الدولة وأكابرها أنه لم يرجع إليهم واعتمد على رأي وزيره راسلوا الملك العزيز والملك العادل في انتهاز الفرصة، فركبا بعساكرهما وتأهبا في يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر رجب وخرج أهل دمشق لقتالهم، والتقوا في السابع والعشرين من الشهر. فلم يكن بأسرع من انهزام العسكر الشامي. وتبعهم العزيز والعادل حتى ألجئوهم إلى سور البلد، ودخلوا دمشق، وتبعهم العسكر، فملكت البلد.\rفعندها ركب الملك الأفضل إلى خيمة أخيه الملك العزيز، واجتمع به بظاهر دمشق.\rقال: ودخل الملك العادل ومن معه باب توما والباب الشرقي، ونزل بالدار الأسدية. ودخل الملك العزيز من باب الفرج وبت في دار عمته الحسامية. وملك العزيز دمشق وأقيمت له الخطبة في يوم الجمعة الثامن والعشرين من الشهر.\rقال: ولما ملك الملك العزيز دمشق ندم على ما كان قرر من إقامته بالشام وتمكين عمه الملك العادل من الديار المصرية واعتذر إلى أخيه الملك الأفضل في السر. فأظهر الأفضل سره لمن معه فظنوا أن هذه خديعة. فأرسل إلى العادل وأعلمه بمرسلة العزيز، فعتبه العادل، فأنكر الحال. وخرج الأفضل إلى صرخد وقرر له في كل سنة مائتي ألف درهم من صرخد وغيرها، وهو كاره لذلك. وسأل أن يكون بمكة، وينقطع إلى الله تعالى، وينزل عن الملك، فلم يجبه العزيز.\rوكان خروج الأفضل من دمشق إلى صرخد يوم الاثنين، ثاني شعبان سنة اثنتين وتسعين، فكانت مدة ملكه لدمشق منذ وفاة والده إلى أن ملكها العزيز، ثلاث سنين وخمسة أشهر.\rودخل الملك العزيز قلعة دمشق واستقر بها في يوم الأربعاء رابع شعبان من السنة المذكورة، وجلس يوم الجمعة بدار العدل وأسقط من المكوس بدمشق ما هو مقرر على سوق الرقيق وسوق الدواب ودار البطيخ، والملاهي، والعصير، والفحم، والحديد، وسبكى الفولاذ والزجاج.\rقال: وهرب ضياء الدين ابن الأثير ونهبت داره.\rونودي في دمشق أن يلبس أهل الذمة العمائم الغيار ليعرفوا من المسلمين وكان سبب ذلك أن الملك العزيز لما جلس بدار العدل دخل عليه رجل له هيئة حسن، فما شك العزيز أنه من الأشراف، فلما علم أنه ذمي أمر بذلك.\rقال: ولاطف الملك العزيز عمه الملك العادل إلى أن قام بدمشق في النيابة، فأجاب إلى ذلك بعد امتناع. وسلم ديوان دمشق لصفي الدين ابن شكر كاتب العادل.\rوفارق الملك العزيز دمشق في العشر الأوسط من شعبان، وعاد إلى الديار المصرية بعد أن استخلف الملك العادل وسلم إليه دمشق وما هو مضاف إليها من القلاع والحصون والأعمال، والخطبة والسكة باسم الملك العزيز.\rودخل العزيز إلى القاهرة جريدة في رابع شهر رمضان، وفوض شد الأموال والخطاب عليها للأمير فخر الدين إياز جهاركس، وضمن الخمور في كل سنة بسبعة عشر ألف دينار، فتجاهر الناس بها وظهر الفساد وفشا في الناس، واجتمع الرجال والنساء في شهر رمضان من غير استتار، سيما في الخليج وساحل مصر، ورتب ضمان الخمر في النفقة على طعام السلطان، وهذه من البلايا التي لم يسمع بمثلها، فإن عادة الملوك والأكابر أن يجتهدوا أن يكون مأكلهم من أجل الجهات كالجوالي وما يناسبها. وبسبب إطلاق الخمور كثر القتل بالقاهرة والجراحات، وخطف العمائم والأمتعة والمآكل من الأسواق.","part":8,"page":39},{"id":3550,"text":"قال المؤرخ: وغلت الأسعار في هذه السنة بالديار المصرية، واشتد الأمر على الناس، وكثر الوباء، وبلغ القمح كل أردب بدينارين، وأظن الدينار ثلاثة عشر درهماً وثلث درهم، وهذا كان نهاية الغلاء في ذلك العصر.\rولقد وصف الفاضل من عظم ما حل بالناس غلو السعر أمراً عظيماً فكيف لو أدرك الفاضل الديار المصرية في سنة خمس وتسعين وستمائة وقد أبيع القمح سعر الإردب ثلاثة عشر ديناراً ونصف دينار وأبيع الفروج بخمسين درهماً، ورطل البطيخ الأخضر بأربعة دراهم، والسفرجل بثلاثين درهماً.\rقال المؤرخ: وفي سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة كانت وفاة الشيخ السيد الشريف عبد الرحيم، قدس الله روحه ونور ضريحه، بقنا من أعمال قوص ودفن بجبانتها، وضريحه معروف هناك من أعظم مزارات أهل الصلاح بالدنيا.\rومما نقل من كلامه، قدس الله روحه، وقد سمع المؤذن يقول: أشهد أن لا إله غلا الله، فقال الشيخ شهدنا بما شاهدنا. ومن كلامه: لا يستطيع العارف أن يوصل إلى من لا يعرف حقيقة ما عرف، كما لا يستطيع البصير أن يوصل إلى الأكمه حقيقة الألوان. وعرض هذا الكلام على الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، رحمه الله ونفع به، فقال هذا كلام من غرق في الحقيقة.\rاستيلاء الفرنج على بيروت\rوفي يوم الجمعة عاشر ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ملك الفرنج مدينة بيروت من المسلمين وسبب ذل أن فرنج الساحل راسلوا ملك الألمان في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وكان قد ملك جزيرة صقلية، وعرفوه أن المسلمون قد اشتغلوا بحرب بعضهم بعضاً، فأقبل في مراكبه إلى عكا. وصادف ذلك سقوط الكندهري ملك عكا من شباكٍ فهلك، فملك ملك قبرص عكا، وخرج إلى بيروت فملكها من المسلمين، وكان بها عز الدين أسامة. فعمرها الفرنج ولم تزل بأيديهم إلى أن فتحها الملك الأشرف في سنة تسعين وستمائة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في أخبار دولة الترك.\rوفيها خرجت المراكب الحربية لقصد بلاد الفرنج، فوجدوا بطشاً للفرنج فملكوها، فوجد المسلمون فيها أموالاً جليلة.\rوفيها أنشأ الأمير فخر الدين إياز جهاركس الناصري القيسارية المعروفة به بالقاهرة المحروسة، وجاءت من أحسن الأبنية.\rوفاة سيف الإسلام\rبن أيوب ملك اليمن وملك ولده شمس الملوك وفي يوم الأربعاء الثالث من شوال سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة توفي الملك العزيز سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، أخو السلطان الملك الناصر صلاح الدين بالمنصورة التي أنشأها باليمن. وكان قد طرد ولده شمس الملوك إسماعيل إلى الحجاز. فلما سمع بوفاة ولده سار إلى اليمن وملك بعده.\rوإلى سيف الإسلام هذا ينسب البستان الذي كان بظاهر القاهرة، وهو الآن عمائر تعرف أرضها بحكر سيف الإسلام.\rوفاة الملك العزيز\rوشيء من أخباره كانت وفاته في ليلة الأحد العشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة بداره بالقاهرة.\rوكان قد خرج إلى الفيوم لقصد الصيد إلى ذات الصفا، فحُمَّ، فعاد إلى القاهرة واشتد مرضه، فمات. وقيل إنه ساق خلف الصيد فكبا به فرسه مرة بعد أخرى، فمات بعد ثلاث. ودفن بداره بالقاهرة وكان مولده بالقاهرة في ثامن جمادى الأولى سنة سبع وستين، وقال الفاضل في جمادى الآخرة. فكانت مدة عمره سبعاً وعشرين سنة وثمانية أشهر واثني عشر يوماً، ومدة ملكه خمس سنين وعشرة أشهر وعشرين يوماً.\rوكان رحمه الله عادلاً كريماً بالمال، بخيلاً على طعامه شجاعاً حسن الأخلاق.\rوكان رحمه الله عادلاً كريماً بالمال، بخيلاً على طعامه شجاعاً حسن الأخلاق.\rوخلف من الأولاد أحد عشر ولداً، وهم الملك المنصور محمد، القائم بعده، وعلي، وعمر، وإبراهيم، وعيسى، ومحمود، ورعاه، ويوسف، ويونس، وولدان صغيران. ولم يخلف في خزانته ذهباً ولا دراهم إلا بعض قماش ليس بالطائل.\rسلطنة الملك المنصور\rمحمد بن الملك العزيز ابن الملك الناصر وهو الثالث من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية","part":8,"page":40},{"id":3551,"text":"ملك الديار المصرية بعد وفاة أبيه في يوم الأحد العشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة بوصية منه. ولما مات الملك العزيز كان عمه الملك العادل يحاصر ماردين فاجتمعت الأمراء الصلاحية وعقدوا الأمر لولده ولقبوه بالملك المنصور، وكان قبل ذلك يلقب بالناصر وإنما تركوا الناصر لموافقته لقب الخليفة وركب في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من المحرم، وشق القاهرة من باب زويلة إلى باب النصر، والأمراء في خدمته. وكتب الأمراء إلى الملك العادل يعزونه في ابن أخيه الملك العزيز، ويذكرون اتفاقهم على تنصيب ولده في السلطنة بعده، وأنهم على طاعة الملك العادل.\rثم اجتمع الأمراء الأسدية والصلاحية بظاهر القاهرة وقالوا: إن الذي فعلناه من حفظ الملك العزيز في ولده هو نعم الرأي، وإنما هو صغير السن لا يفهم ما يقال له، ولا يقوم بأعباء الملك، ولا بد لنا من كبير من هذا البيت يربيه ويكفله ويدبر أحوال الدولة، وليس أن يكتبوا إليه ويستدعوه فكره بعضهم شدة أخلاقه ومماقتته للجند فعدلوا عنه واتفقوا على استدعاء الملك الأفضل من صرخد.\rوأن يتولى أتابكية الملك المنصور وأن ينوب عن الأفضل إلى حين وصوله، أخوه الملك الظافر خضر، فاستقر ذلك.\rوكتبوا إلى الأفضل وذلك في يوم الخميس سادس عشر صفر من السنة ونزل الملك الظافر بدار السلطنة في القاعة العزيزية، وقام بنيابة السلطنة.\rقال: ولما وصل كتاب الأمراء إلى الأفضل خرج من صرخد في ليلة الأربعاء التاسع والعشرين من صفر، وسلك البرية إلى البيت المقدس.\rوصول الملك الأفضل إلى القاهرة واستقراره في تدبير دولة المنصور\rكان وصوله إلى القاهرة في يوم الخميس السابع من شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين وخمسمائة، فبرز الناس للقائه، وزينت المدينة، لقدومه. ولما دخل أقر الخطبة باسم الملك المنصور ابن أخيه، ونقش السكة باسمه، وكان الأفضل يذكر بعده. وكتب إلى عمه الملك العادل يبذل له الطاعة والانقياد إلى أمره.\rقال: ولما وصل الأفضل إلى بلبيس خرج فخر الدين إيازجهاركس وزين الدين قراجا على أنهما يلتقيانه، فتوجها إلى الملك العادل. ثم خرج في يوم وصوله الأمير شمس الدين سراسنقر بمماليكه وجماعة من أصحابه والتحق بالملك العادل، وسار إليه، إلى ماردين.\rمسير الملك الأفضل إلى الشام وحصار دمشق وعوده عنها وخروجه عن الديار المصرية\rقال: ولما استقر الأفضل في تدبير الدولة بالديار المصرية، ولم يبق للملك المنصور معه إلى الشركة في الخطبة، حمله أصحابه على قصد دمشق وحصرها، وقالوا: هي لك بوصية أبيك الملك الناصر. فعزم على المسير إليها، وأمر العساكر بالاستعداد لذلك. وبرز إلى المخيم ببركة الجب، هو وابن أخيه الملك المنصور، في يوم السبت العشرين من جمادى الأولى من السنة واستحث العسكر على الخروج.\rوصل إليه في يوم الأربعاء، السادس من جمادى الآخرة، رسول من أخيه الملك الظاهر صاحب حلب وهو يلومه على إنفاذ الرسل بالطاعة للعادل، ويقول: إن أكثر الناس كانا منصرفين عنه فانصرفوا إليه، وحثه على سرعة قصد دمشق، ويقول: اغنم الفرصة ما دام العادل في حصار ماردين، ووعده بالوصول إليه فأكد ذلك ما عنده، وأقام ببركة الجب وهو يحث العسكر على سرعة الحركة، إلى ثاني شهر رجب فرحل عنها.\rوفي مدة مقامه ببركة الجب أحضر قاضي القضاة والشهود، وأشهدهم على نفسه أنه وقف المطرية ومنية الباسل والرباع المسوغة والمستمرة بيد الديوان على عمارة سور القاهرة ومصر والبيمارستان.\rقال: ولما وصل الأفضل إلى بلبيس احتاط على ما كان باسم العادل وإلزامه بالديار المصرية، وأقطعه، ثم قبض على أخيه الملك المؤيد وقيده وأعاده إلى القاهرة، فاعتقل بالقلعة. وتمادى الملك الأفضل في سيره إلى دمشق. هذا ما كان منه.","part":8,"page":41},{"id":3552,"text":"وأما الملك العادل فإن سراسنقر الناصري وصل إليه بماردين واستحثه على العود إلى دمشق، فأوصى ولده الملك الكامل بمحاصرتها. وفارقها العادل لخمس بقين من شهر رجب، ووصل إلى دمشق في يوم الاثنين حادي عشر شعبان، وأخذ في تحصين البلد. ووصلت العساكر المصرية في يوم الخميس، ورتب الأطلاب وسار الملك المنصور بن الملك العزيز في القلب وزحف على البلد فأخذ قصر حجاج والشاغور. وكان العادل لما شاهد إقبال العساكر أمر بإحراق قصر حجاج ، فأحرق، واحترق فيه عدة مساجد وأطفال. وأحاطت العساكر المصرية بدمشق، ودخلها جماعة منهم من باب السلامة، وانتهوا إلى السوق الكبير، وحرجوا من باب الفراديس. وقدم الأفضل الميدان الأخضر ثم تأخر إلى ميدان الحصى، واستقر بهذه المنزلة بهذه المنزلة أكثر من ستة أشهر.\rوكاتب الملك العادل جماعة من الأمراء المصريين، ففارقوه ودخلوا إلى دمشق فأكرمهم.\rثم وصل الملك الظاهر صاحب حلب ومعه أخواه الظافر والمعز وجاءهم الملك المجاهد صاحب حمص، وعسكر حماة دون سلطانها، وحسام الدين بشارة صاحب حمص بانياس، وكان من أكابر الدولة، فأشار بالصلح.\rقال: ولما حاصر الملك الأفضل دمشق منع من يدخل إليها بشيء من الميرة، وقطع عنها الأنهار، فاشتد الأمر على أهل دمشق واستغاثت الرعايا على العادل، وتسلطوا عليه، وحملوه على تسليم البلد. وانتقل أكثر من البلد إلى العسكر، ونصبوا به أخصاصاً ومساكن، وأقيمت الأسواق به.\rفلما اشتد الأمر على العادل كتب إلى الظاهر يستميله وقال: أنا أسلم البلد إليك دون غيرك، فنمي الخبر إلى الأفضل، فاضطرب رأيهما، وقيل بل كتب إليهما يقول: أنا اسلم البلد إليكما بعد سبعة أشهر فأجاباه إلى ذلك. وقيل إنه كان يكتب إلى الأفضل يقول الظاهر قد صالحني، وإلى الظاهر بمثل ذلك.\rواتفق في فساد حال الأفضل أن جماعة الأمراء كان بأيديهم إقطاعيات بالديار المصرية جليلة المقدار، فحسدهم آخرون عليها، فكانوا يأتون إلى الملك الأفضل ويقولون: إن فلاناً قد عزم على قصد عمك العادل والانضمام إليه، ويأتون لذلك الأمير فيقولون: إن الأفضل قد عزم القبض عليك، ويأتي ذلك الأمير إلى الأفضل فيرى في وجهه التغير لما نقل عنه، فلا يشك ذلك الأمير في صدق الناقل فالتحق به جماعة من الأمراء.\rفبينما الأفضل كذلك إذ قدم الملك الكامل بن الملك العادل من الشرق، في تاسع عشر صفر سنة ست وتسعين وخمسمائة، بالعساكر والتركمان فاشتد به عضد أبيه. وتأخر الأفضل بمن معه إلى سفح جبل العقبة، ثم انتقل إلى مرج الصفر في يوم الاثنين ثاني عشر صفر، وعاد الظاهر والمجاهد.\rواشتد البرد على العسكر المصري فعاد الأفضل إلى الديار المصرية، وساق العادل بعساكره في أثره. فكان وصول الأفضل إلى بلبيس في حادي عشري شهر ربيع الأول فأشار عليه أصحابه بالإقامة بها.\rقال: ولما وصل الملك العادل إلى تل العجول أقام به حتى اجتمع إليه أصحابه، وراسل الأفضل، فعاد جوابه أنه لا يصالحه حتى يفارق الأمراء الصلاحية.\rفلما اتصل ذلك بالصلاحية غضبوا وعزموا على المسير إليه.\rهذا والأفضل على بلبيس، وقد تفرق معظم أصحابه إلى إقطاعياتهم وجماعة منهم باطنوا الملك العادل.\rومضى الملك العادل يطوي المراحل إلى أن دخل الرمل وبلغ الملك الأفضل ذلك، فرام جمع عساكره، فتعذر ذلك عليه لتفرقهم في أخبارهم، وتشتتهم في الأماكن التي يربعون فيها خيلهم، فخرج في جمع قليل، ونزل السانح.\rووصل الملك العادل، وضرب معه مصافا، فانكسر عسكر الملك الأفضل، وولوا منهزمين لا يلوون على شيء.\rثم سار الملك العادل بالعساكر، ونزل بركة الجب، وسير إلى الملك الأفضل يقول له: أنا لا أحب أن أكسر ناموس القاهرة، لأنها أعظم معاقل الإسلام، ولا تحوجني إلى أخذها بالسيف، واذهب إلى صرخد وأنت آمن على نفسك.\rفاستشار الملك الأفضل الأمراء فرأى منهم تخاذلاً، فأرسل إلى عمه يطلب منه أن يعوضه عن الديار المصرية بالشام، فامتنع من ذلك، فطلب أن يعوضه حران والرها فامتنع، فطلب منه جافى وجبل جول وميافارقين وسميساط، فأجابه إلى ذلك، وتسلم القاهرة منه.\r/////الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، وسلطنته","part":8,"page":42},{"id":3553,"text":"كان دخول السلطان الملك العادل إلى القاهرة في يوم السبت، لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر، سنة ستٍ وتسعين وخمسمائة - في يوم خروج الملك الأفضل منها.\rفاستبقى رضاء الأمراء الناصرية، بإبقاء الخطبة للملك المنصور بن الملك العزيز. وأعاد قاضي القضاة: صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس، إلى القضاء - وكان الأفضل قد عزله واستقضى زين الدين علي بن يوسف.\rواستدعى الملك العادل ابنه الملك الكامل من حران إلى الديار المصرية، ليستنيبه بها. فسلم تلك الولاية لأخيه الملك الفائز، ووصل إلى دمشق، في سادس عشر شعبان من السنة - ومعه شمس الدين، المعروف بقاضي دارا، وهو وزيره. وخرج من دمشق في الثالث والعشرين من الشهر، ووصل إلى القاهرة لثمان بقين من شهر رمضان. فالتقاه والده وأنزله بالقصر. ثم ركب إليه بعد يومين، واستصحبه معه إلى الدار - وكان قد زوجه بابنة عمه الملك الناصر، فدخل بها.\rقال: وركب الملك العادل - في يوم الاثنين - بالصنجق السلطاني. وأمر الخطباء بالخطبة له ولولده: الملك الكامل بولاية العهد من بعده - بعد الخليفة - فخطب لهما في الحادي والعشرين من شوال، سنة ست وتسعين وخمسمائة. وانقطعت خطبة المنصور بن الملك العزيز، وأولاد الملك الناصر صلاح الدين يوسف، فلم تعد إلى الآن. وانتقل ملك الديار المصرية إلى البيت العادلي، فكان فيهم إلى أن انقرضت الدولة الأيوبية.\rقال المؤرخ: ولم يقطع الملك العادل خطبة الملك المنصور إلا بعد أن أحضر الفقهاء والقضاة، واستفتاهم: هل تجوز ولاية الصغير والنيابة عنه ؟ فقالوا: إن الولاية غير صحيحة، ولا تصح النيابة - لا سيما في السلطنة - فإنه لاحق فيها للصغير. فأحضر الأمراء وخاطبهم في اليمين له، فأجابوه إلى ذلك، وحلفوا له. قال: وركب الملك الكامل في يوم السبت بالصنجق السلطاني - على عادة الملوك.\rقال: ولما وصل الملك العادل، كان الصاحب: صفي الدين عبد الله ابن علي بن شكر في صحبته، فاستوزره. وكان - على ما حكى - قد استحلف الملك العادل بالبيت المقدس، أنه متى حصل له ملك الديار المصرية يمكنه من المصريين، فحلف له على ذلك. فلما ولى السلطنة استوزره، ومكنه.\rالغلاء المشهور\rقال المؤرخ: كان ابتداء هذا الغلاء من استقبال شوال - وقيل ذي القعدة - سنة ست وتسعين وخمسمائة، إلى ذي القعدة سنة تسع وتسعين، فكانت مدته ثلاث سنين وشهراً.\rوذلك أن قرار النيل في سنة ست وتسعين كان مقداره ذراعان، وبلغ غايته إلى اثني عشر ذراعاً وإحدى وعشرين إصبعاً. فصام الناس ثلاثة أيام، قبل يوم التروية، واستسقوا ثلاثة أيام، آخرها يوم العيد. ثم أخذ الماء في النقص، فاشتد الغلاء وامتد البلاء، وهلك القوى، فكيف الضعيف !. قال العماد الأصفهاني: وبلغ سعر القمح عن كل إردب الكيل المصري خمسة دنانير. واستقر القاع في سنة سبع وتسعين على ذراعين، وبلغ غايته خمسة عشر ذراعاً ونصف ذراع. فعدم الناس القوت، وأكل بعضهم بعضاً، وأكلوا أولادهم والميتة. وخرج خلقٌ كثير من الديار المصرية إلى الشام والسواحل.\rوحكى ابن جلب راغبٍ في تاريخ مصر: أنه نودي على دجاجة، تزويد فيها إلى أن بلغت ألف درهم ورقاً. وبيعت بطيخة بفرس. قال: وكانت الدجاجة تباع بالأوقية. وحكى - أيضاً - أن بعض الناس سمع صياح امرأة، تفتر ثم تعاود الأنين والصراخ ! فتتبع الصوت، حتى انتهى به إلى منزل وفيه امرأة سمينة ملقاة، وشاب يقطع من لحم فخذها. فلما رأتهم قالت: لا تعارضوه فإنه ابني، وأنا قلت له يقطع من لحمي، ويأكل ويطعمني، مما آلمنا من الجوع ؟ ولم يسمع بمثل هذا.\rوفاة القاضي الفاضل\rوشيء من أخباره هو القاضي الفاضل الأسعد محي الدين، أبو علي عبد الرحيم، بن القاضي الأشرف أبي الحسين علي بن الحسن، بن الحسين بن أحمد، بن الفرج بن أحمد، اللخمي - الكاتب. كانت وفاته فجأة في ليلة الأربعاء، السابع من شهر ربيع الآخر، سنة ست وتسعين وخمسمائة. ومولده بعسقلان في خامس عشر جمادى الآخرة، سنة تسع وعشرين وخمسمائة.","part":8,"page":43},{"id":3554,"text":"وكان أبوه قاضي عسقلان، وصاحب ديوانها. ونسبته إلى بيسان نسبة انتقال. وذلك أن قاضي عسقلان كان قاضي البلاد الشمالية من ساحل الشام، وبيسان في ولايته. وكان إذا خرج إليها قاضٍ لحقه من الوخم ما يوجب مرضه، ومنهم من يموت. فقرر قاضي عسقلان على الشهود أن يخرج كل واحد منهم إلى بيسان ثلاثة أشهر، ويعود، ويخرج غيره. فجاءت النوبة لحد القاضي الفاضل، فمضى إليها وصح بها جسمه. فاختار الإقامة بها. فأجيب إلى ذلك وعمر بها أملاكاً، فعرف بالبيساني.\rثم تقلبت بوالد القاضي الأحوال إلى أن ولي القضاء بعسقلان، والنظر في أموالها. وبقي إلى زمن الظافر، فدخل إلى مصر لمحاققة واليها بسبب كندٍ كبيرٍ، من الفرنج كان الوالي داجى عليه وأطلقه. فانتصر بعض الأمراء للوالي ونصروه، فخانق الأسعد. وصودر، ووقع التحامل عيه، إلى أن لم يبق له شيء.\rوخرج ولده الفاضل إلى ثغر الإسكندرية، واجتمع بابن حديد - القاضي والناظر بها - وعرفه بوالده فعرفه بالسمعة، فاستكتبه ابن حديد، وأطلق له معلوماً. وبقيت كتبه ترد إلى مجلس الخلافة بخط الفاضل وهي مشحونةٌ بالبلاغة. فكشف عن ذلك ابن الخلال والجليس بن الحباب - وكانا في ديوان المكاتبات - فحسداه على فضيلته، وعلما أنه يتقدم، فقالا للظافر عنه: انه قصر في المكاتبة.\rوكان صاحب ديوان المجلس - الأثير بن بنان - يحكى أنه دخل على الظافر، فأمره أن يكتب لابن حديد بقطع يد كاتبه، بسبب أنه جعل بين السطرين الأولين مقدار شبر، وهذا سوء أدب، فقال الأثير للظافر: يا أمير المؤمنين، تأمر بإحضار الكتب، فأحضرت. فلما قرأها الأثير علم فضل الفاضل، فقال له: هذا الكاتب لم يحصل منه سوء أدب، وانما حسد على بلاغته، فعمل على أذاه. فقال: اكتب لابن حديد يسيره إلينا، لنستخدمه. فصار من كتاب الدرج، في أواخر الدولة العبيدية.\rوأما اتصاله بملوك الدولة الأيوبية فحكى عن الأثير بن بنان أنه قال: لما ولي أسد الدين شيركوه اختص به ابن الصقيل البلنسي. وكنت بالقصر أنا والفاضل، فدخل علينا ابن الصقيل وقال: كنت البارحة عند السلطان، وذكركما وتوعدكما بالقتل. ثم خرج من عندنا. فلم يكن بأسرع من أن طلبنا أسد الدين من العاضد، فأرسلنا إليه.\rقال الأثير: فلما دخلنا عليه وجدنا الأمراء عنده. فسلمت سلاماً سمعه من حضر، فلم يرد علينا! فقلت له: ولم لا ترد السلام ؟ فالتفت إلي، وقال: لستما عندي من أهل السلام ! لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: السلام تحيةٌ لملتنا، وأمانٌ لذمتنا. ولا تحية لكما عندي ! فوقفنا، فقلت: لا قدرة لي على القيام، فقال أجث، فجثوت. ثم قلت ولم لا أتربع ؟ ففسح لي في ذلك. قلت: وصاحبي. قال: وصاحبك.\rثم التفت إليه دوني، وقال له: تكتب للفرنج على لسان شاور، وتقول في حقنا ما قلت، وتحثهم على قتالنا ! والله لأقتلنك شر قتلة، ولأسلن لسانك، ولأقطعن يدك ورجلك، من خلاف !! فقلت: أدام الله سلطان مولانا. هذا القاضي إذا عدم، لا يوجد مثله في جميع البلاد. فالتفت إلي، وقال: نجرب قولك. وقال له: أكتب كتابين: أحدهما للمولى نور الدين بن زنكي، يقرأ على منبر دمشق يهنيه بالفتوح، وكتاب يقرأ على منبر القاهرة. واشتغل في الحديث. فسارع الفاضل في انجاز الكتابين، وجعل أسد الدين يسارقه النظر، والفاضل يكتب كأنه يكتب من حفظه. وفرغ منهما إلى أسرع وقت. فقال أسد الدين: أقرأهما، فقرأهما. قال الأثير: والله لو حسن الرقص في ذلك المكان، لرقصت !.\rفعند ذلك التفت إلى أسد الدين، وقال: يا قاضي، جزاك الله خيراً في حقه. عندنا كتبةٌ بالشام نأمرهم بالشيء، فيمضون ويقيمون اليوم واليومين، ولا يأتون به على الغرض. وهذا قلنا له كلمتين، كتب هذه الكتب التي لا نظير لها. وأقمنا عنده إلى صلاة المغرب، فقام للصلاة. فقال لي: تقدم. فقلت: هذا أفضل مني، لأني توليت المكوس، وهذا لم يل شيئاً منها. فتقدم الفاضل وصلى. واتصل به. هذا ما نقل عن الأثير بن بنان.\rوقيل: إنه لما اتصل بخدمة الملك الناصر صلاح الدين، وأن الأثير كان يكتب بين يديه قبله، فاشتكى من بطئه في المكاتبات، فقيل له: إن الأسعد البيساني لم يكن في الكتاب أرشق منه. فاستدعاه وأمره بكتاب، فكتب بين يديه وبالغ فيه، وأسرع في انجازه وقرأه عليه. فعظم عند الملك الناصر، ونعته بالقاضي الفاضل. وكان له شعر حسن.","part":8,"page":44},{"id":3555,"text":"وقيل: إن أول اتصال الفاضل بالدولة العبيدية في أيام العادل بن الصالح ابن رزيك. وأنه استخدم في ديوان الجيوش، فأقام فيه مدة. فلما كانت دولة شاور الثانية، نقله إلى ديوان المكاتبات شريكاً للموفق بن الخلال. فلم يزل إلى أيام أسد الدين، فاتفق له ما ذكرناه.\rولما استقر الملك الناصر في الملك، علت منزلته عنده، واختص به وقرب منه، وتمكن في دولته. قال: ومن سعادة الفاضل أنه مات قبل ملك العادل، لأنه كان بينهما شحناء باطنة. ولما مات، صلى عليه الملك الأفضل. ودفن بسفح المقطم - رحمه الله. وقد ذكرنا من كلامه في باب كتابة الإنشاء ما يدل على تمكنه وفضله.\rواستهلت سنة سبع وتسعين وخمسمائة\rالأمراء الصلاحية والملك العادل\rقال المؤرخ: كان ابتداء فساد الحال بينهم في سنة سبع وتسعين وخمسمائة.\rوسبب ذلك أن الملك العادل لما ملك الديار المصرية أقطع الإقطاعات المحلولة عن الأمراء المنصرفين عن الخدمة، وحاسب المستمرين حساباً شديداً، فساءت ظنونهم وتغيرت قلوبهم، وفسدت نياتهم.\rوكان فارس الدين ميمون القصري مقيماً بنابلس، فلما بلغه إسقاط خطبة الملك المنصور بن العزيز، واستقلال الملك العادل بالملك - عظم ذلك عليه ونفر منه، وأنكره. وكتب إلى الملك العادل يقول: إنا إنما دخلنا في طاعتك، ونصرناك على موالينا: أولاد الملك الناصر، مراعاةً للملك العزيز، وخوفاً أن يتطرق إلى ولده ضرر ويزول عنه ملكه، ولا بد أنه تعيده إلى حاله. وإن لم ترجع عما فعلت، كان ذلك سبب فساد قلوب الجند، ودخول الوهن على الدولة. فغالطه العادل في الجواب.\rفراسله ميمون ثانياً يقول إنا كنا حلفنا على قاعدة، فإن كانت تغيرت فلا يسعنا المقام بعد ذلك بهذه الدار، وأنا أسال أن أعطى دستوراً ليقوم عند الله وعند الناس عذرى، فأرسل إليه الملك العادل، يقول: لم أدخل في هذا الأمر إلا بعد أن رضي به الجماعة. فإن كرهت مجاورتي فصر إلى أرزن الروم، وتزوج بصاحبتها ماما خاتون، فإنها أرسلت إلي وطلبت مني من أنفذه إليها.\rوكان ميمون قد كاتب الأمراء الصلاحية، فأجابوه: إنا قد افتضحنا بين الناس بأننا نقيم في كل يوم ملكاً، ونعزل آخر. ثم إلى من نسلم هذا الأمر ؟ أما الملك الأفضل فغير أهل، وغيره من إخوته فغير عظيم في الأنفس. والملك الظاهر بعيد عنا، ولا يمكنه أن يترك بلاده ويصير إلينا.\rقال: واتفق ورود رسل الملك الظاهر - صاحب حلب - إلى عمه العادل، في شهر ربيع الآخر من السنة، وهما: نظام الدين كاتبه، وعلم الدين قيصر الصلاحي. فلما وصلا إلى بلبيس، أرسل العادل إليهما أن لا يدخلا القاهرة. وأن يذكرا رسالتهما لقاضي بلبيس يبلغها عنهما، وإن لم يفعلا فيرجعا إلى صاحبهما.\rفعادا إلى الملك الظاهر، واجتمعا بميمون القصري في عودهما، ورغباه في الخدمة الظاهرية. فمضى إلى صرخد وبها الملك الظافر أخو الأفضل. ولحق بميمون جماعة من الصلاحية.\rواعتزل عنه فخر الدين جهاركس في قلاعه - وكان معه بانياس وتبنين وشقيف أرنون ووافقه على الاعتزال زين الدين قراجا، وأظهر الاعتزال عن الفريقين. وباطنهما مع الملك العادل.\rقال: ولما وصل ميمون إلى صرخد، كاتب الأفضل والظاهر ودعاهما إليه. وأنفذ إلى الملك الظاهر فخر الدين الطنبا الجحاف فلما وصل إليه، قوى عزم الملك الظاهر على الخروج. فراسل ميمون، وأخذ عليه وعلى من معه من الأمراء العهود والأيمان.\rثم قدم عليه أخوه الأفضل في تاسع جمادى الأولى، وسارا إلى أفاميه، وبها قراقوش - مملوك شمس الدين بن المقدم - فأغلق الأبواب دونهما، وامتنع من تسليمها. فضرب الظاهر ابن المقدم تحت القلعة ضرباً موجعاً، بحيث يراه مملوكه قراقوش، فلم يكترث لذلك. وراسله ابن المقدم في تسليمها، فامتنع كل الامتناع. فلما أيس الظاهر منه أرسل ابن المقدم إلى حلب، وأمر باعتقاله بها.\rوسارا بعد ذلك إلى بعلبك لقصد دمشق، وسار إليهما ميمون القصري ومن معه والملك الظافر، واجتمعوا بمكان يعرف بالزراعة. وتشاوروا على قصد دمشق، وبها يومئذ الملك المعظم عيسى بن العادل وهو صغير، والقيم بأمره فلك الدين سليمان بن شروة بن جلدك - وهو أخو العادل لأمه - ومن الأمراء الأكابر عز الدين أسامة. فساروا بأجمعهم إلى دمشق، وحاصروها في رابع عشر ذي القعدة، سنة سبع وتسعين، واشتد الحصار.","part":8,"page":45},{"id":3556,"text":"قال: ولما اتصل بالملك العادل خروج الظاهر من حلب، خرج من القاهرة في شهر رمضان من السنة. وجد السير إلى أن نزل على نابلس، وجعل يعمل الحيل والمكايد بين الظاهر والأفضل، وإفساد قلوب الأمراء الذين مع الظاهر. وأرغب الملك الظاهر أنه إن فارق أخاه الأفضل يملكه قطعة من بلاد المشرق، التي بيد العادل.\rوكاتب الظاهر فخر الدين جهاركس، وزين الدين قراجا، وأرغبهما في الانضمام إليه. فوقع الاتفاق معهما - بعد مراجعة - أن الأفضل يسلم لزين الدين قراجا صرخد وعشرة آلاف دينار، وللأمير فخر الدين جهاركس عشرين ألف دينار. واستقرت القاعدة على ذلك. فلما تسلما ذلك وصلا إلى الخدمة الظاهرية، واجتمعا بالأفضل والظاهر.\rثم شرعا يستوقفان الأمراء عن حصار دمشق. فاتصل ذلك بالملكين فهرب جهاركس وقراجا وصار إلى بانياس، فراسلهما الظاهر وقبح فعلهما. فأعادا الجواب: إنا قد استشعرنا الخوف بسبب ما نسب الينا. ونحن على الطاعة ومتى فتحت دمشق كنا في خدمتكما. وجد الظاهر في حصار دمشق إلى أن نزل وقاتل بنفسه، وجرح في رجله بسهم. ثم هرب الطنبا الهيجاوي من عسكر الظاهر وتلاه علاء الدين شقير، ودخلا دمشق. ودخل معهما جماعة من المفاردة فانحل لذلك عزم الظاهر، ورجع عن دمشق إلى بلاده وصحبه الملك الأفضل.\rوقيل: بل كان سبب الرجوع عن دمشق أن الاتفاق كان قد حصل بين الأخوين: الأفضل والظاهر، على أنه إذا فتحت دمشق كانت للأفضل. فإذا استقر بها، سار هو والظاهر إلى مصر، وقاتلا العادل، فإذا حصلت مصر لهما تكون حينئذ للأفضل، ودمشق للظاهر. فلما قوى الحصار على دمشق ولم يبق إلا فتحها، حسد الظاهر أخاه الأفضل عليها، وقال آخذها لنفسي. فلاطفه الأفضل وسأل أن ينعم بها عليه، فامتنع، وقال: إن فتحت تكون لي دونك. فلما أيس منه الأفضل، خرج من ساعته واجتمع بالأمراء، وقال: إن كنتم خرجتم إلى فقد أذنت لكم في الرجوع إلى العادل، وإن كنتم خرجتم إلى أخي الظاهر فشأنكم وإياه. وكتب في الوقت إلى عمه الملك العادل، وهو يطلب منه سميساط وسروج ورأس العين، فأعطاه ذلك، وحلف عليه. فلما اتصل ذلك بالظاهر كتب أيضاً إلى عمه العادل، يطلب منه منبج وأفامية وكفر طاب، فأعطاه ذلك. وارتحلا عن دمشق.\rفبقى الأفضل بسميساط، إلى أن مات.\rوعاد الظاهر إلى حلب. وصحبه ميمون القصري. فأقطعه الظاهر إقطاعات عظيمة. وهي: أعزاز وقلعتها، والخوار وبلدها، ونهر الجوز وبلده، وجسر الحديد وبلدها، وأماكن متفرقة، وأكرمه إكراماً تاماً. وبقي في خدمته، إلى أن مات في سنة عشر وستمائة. وسار معه أيضاً سرا سنقر والفارس البكي، وجماعة الصلاحية، وأقطعهم الإقطاعات الحسنة.\rوكان رحيلهم عن دمشق في ذي الحجة، سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وسار الملك العادل ودخل دمشق. واصطلح مع الملك المنصور صاحب حماه. وتزوج العادل ابنته.\rاتفاق الملوك الأيوبية\rوما استقر لكل منهم من الممالك قال المؤرخ: ثم استقرت القاعدة بين الملوك، في سنة تسع وتسعين وخمسمائة على أن يكون للملك العادل الديار المصرية، ودمشق والسواحل وبيت المقدس، وجميع ما هو في يده ويد أولاده ببلاد الشرق.\rوأن يكون للملك الظاهر حلب وما معها. وأن يكون للملك المنصور - ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب - حماه وأعمالها، والمعرة وسلمية وبارين.\rوأن يكون للملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه حمص، والرحبة، تدمر. وأن يكون للملك الأمجد، بن فرخشاه ابن شاهنشاه بن أيوب، بعلبك وأعمالها.\rوأن يكون للملك الأفضل، بن الملك الناصر، سميساط وبلادها، لا غير.\rوأن يقطع الملك الظاهر خبز عماد الدين المشطوب ولا يستخدمه. فقطع خبزه، فصار إلى الملك العادل فلم يستخدمه، وقال له: تخدم بعض أولادي. فقصد الملك الأوحد، فلم يستخدمه. فاستخدمه الملك الأشرف، وندبه لحصار ماردين، وحلف له على أربعمائة فارس، إذا فتحت. فسار ابن المشطوب إليها وحاصرها، فأرسل صاحبها إلى الملك الأشرف خمسة آلاف دينار، فتركها.\rنعود إلى أخبار الملك العادل، في أثناء هذه المدة التي قدمنا ذكرها، والحوادث التي وقعت في خلالها.\rوفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة، في ذي القعدة، اعتقل الملك العادل، الملك المؤيد والملك العزيز وهما: ابنا أخيه صلاح الدين يوسف. رحمه الله تعالى.","part":8,"page":46},{"id":3557,"text":"زلزال في مصر والشام\rالحادثة بالديار المصرية والبلاد الشامية، وغيرها وفي هذه السنة في شعبان، جاءت زلزلةٌ من الصعيد، فعمت الدنيا في ساعة واحدة. وهدمت أماكن كثيرة بالديار المصرية، ومات تحت الهدم خلقٌ كثير.\rوامتدت إلى الشام والساحل، فهدمت مدينة نابلس، فلم يبق بها جدارٌ قائم إلا حارة السامرة، ومات تحت الهدم ثلاثون ألفاً. وهدمت عكا وصور وجميع قلاع الساحل. وامتدت إلى دمشق، فرمت بعض المنارة بالجامع، وأكثر الكلاسة والبيمارستان النورى، وعامة دور دمشق إلا القليل. وهرب الناس إلى الميادين. وسقط من الجامع ستة عشر شرفة، وتشققت قبة النسر.\rوتهدمت بانياس وهونين وتبنين. وخرج قوم من بعلبك يجمعون الريباس من جبل لبنان، فالتقى عليهم الجبلان، فماتوا بأسرهم. وتهدمت قلعة بعلبك - مع عظم حجارتها. وامتدت إلى حمص، وحماه، وحلب، والعواصم.\rوقطعت البحر إلى قبرص، وانفرق البحر فصار أطواداً، وقذف بالمراكب إلى الساحل، فتكسرت. ثم امتدت إلى خلاط وأرمينية وأذربيجان والجزيرة.\rوأحصى من هلك في هذه السنة، بسبب هذه الزلزلة، فكانوا ألف ألف إنسان، ومائة ألف. وكانت قوة الزلزلة، في مبدأ الأمر، بمقدار ما يقرأ الإنسان سورة الكهف. ثم دامت بعد ذلك أياماً.\rحكى ذلك أبو المظفر يوسف سبط بن الجوزي في تاريخه: مرآة الزمان. وقد ذكرت زلزلة أيضاً في شعبان، سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وذكر مما حدث بسببها نحو هذا. فالله أعلم: هل هي هذه، أو هما اثنتان ؟.\rوفي هذه السنة توفي الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي، الزمام، في مستهل شهر رجب بالقاهرة، وله من العمر ثمان وثمانون سنة.\rوهو الذي عمر سور القاهرة، وقلعة الجبل وقناطر نهيا من الجيزة. وعمر بالمقس رباطاً، وبظاهر القاهرة - خارج باب الفتوح - سبيل. والناس ينسبون إليه في ولايته أحكاماً غريبة، حتى وضع الأسعد بن مماتى خبراً لطيفاً، سماه الفاشوش في أحكام قراقوش، ذكر فيه أشياء يبعد وقوعها من مثله، فإن الملك الناصر صلاح الدين يوسف، مع حسن تدبيره وسداد رأيه، كان يعتمد عليه في المهمات الجليلة والمناصب العالية، وثوقاً بمعرفته وكفايته. والله أعلم. ولما مات، أقطع الملك العادل إقطاعه لابنه الملك الكامل.\rوفيها، في يوم الاثنين مستهل شهر رمضان، توفي بدمشق القاضي عماد الدين محمد بن محمد بن حامد، الأصفهاني، الكاتب، صاحب الخريدة، والرسائل المشهورة. ومولده في يوم الاثنين، ثاني جمادى الآخرة، سنة تسع عشرة وخمسمائة.\rوفيها كانت وفاة الشيخ جمال الدين أبو الفرج: عبد الرحمن، بن علي، بن عبيد الله، بن حماد، بن أحمد، بن جعفر، الجوزي الواعظ، البكري التيمي ببغداد، في الليلة المسفرة عن يوم الجمعة، ثالث عشر رمضان. ودفن يوم الجمعة عند قبر الإمام أحمد بن حنبل - رحمهما الله تعالى.\rواستهلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة:\rعمارة المسجد الجامع بقاسيون\rفي هذه السنة، شرع الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي شيخ المقادسة - رحمه الله تعالى - في بناء المسجد الجامع، بجبل قاسيون. وكان بالجبل رجل فامى، يقال له أبو داود، فوضع أساسه وبلغ قامة، وأنفق عليه ما كان يملكه. وبلغ مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل ذلك، فبعث إلى الشيخ أبي عمر مالاً يملكه، ووقف عليه وقفاً. ثم أرسل ألف دينار. وأراد أن يسوق إليه الماء من برزه، فقال الملك المعظم عيسى: طريق الماء كلها مقابر، فكيف يجوز أن تنبش أموات المسلمين ! وأشار أن يشترى بغل يدور بدولاب، ويشترى ببقية المال مكان يوقف عليه. ففعلوا ذلك.\rوفاة الملك المعز صاحب اليمن\rوقيام أخيه نجم الدين أيوب كانت وفاة الملك المعز: فتح الدين أبي الفدا إسماعيل، بن الملك العزيز، ظهير الدين أبي الفوارس: سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، ملك اليمن بالقرو من أعمال زبيد، في شهر رجب سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.\rوكان قد ادعى أنه من بني أمية، وتلقب بألقاب الخلفاء، وهو الإمام الهادي بنور الله، المعز لدين الله، أمير المؤمنين. وغير زيه، فلبس القميص الواسع والعمامة والطيلسان. وكتب إليه عمه العادل ينكر عليه ذلك، فلم يجبه. وكان سبب ذلك أن الشعراء باليمن سموه في مدائحهم بالخليفة، وفضلوه على من سواه. ومنهم من امتدحه بقوله:","part":8,"page":47},{"id":3558,"text":"بني العباس هاتوا ناظرونا. .\rوهي أبيات لم يقع لي منها غير هذا.\rولما مات، قام بعده بملك اليمن أخوه: نجم الدين أيوب، وتلقب بالناصر. وكان دون البالغ، فقام بأمره سيف الدين: مملوك أبيه.\rوفيها توفي الرئيس مؤيد الدين، أبو المعالي: أسعد، بن عز الدين أبي يعلى حمزة، بن القلانسي التميمي بدمشق، فجأة في رابع عشرين شهر ربيع الأول. ومولده في سابع عشر شهر رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة.\rوكان رئيس دمشق وكبيرها وصدرها. وسائر أهل البلد تحت حكمه، وهو المقدم عليهم. وكان الدماشقة في الزمن الأول لكل طائفة منهم مقدم، يركبون مع الملوك ويجاهدون الفرنج. ولكل طائفة قطعة من السور يحفظونها، بغير إقطاع لهم على ذلك ولا جامكية. وما برح الحال على ذلك إلى زمن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل، فأبطل ذلك وقال: لا نقاتل بالعوام. وإنما فعل ذلك خوفاً على نفسه منهم، فإنهم كانوا إذا طلبهم ملك قتلوه. ولما ولى الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل دمشق، شرع في مصادرة أكابر دمشق واستئصال أموالهم. فاشتغلوا بالظلم عما كانوا بصدده، من ركوب الخيل وجمع السلاح، وغير ذلك.\rوكان مؤيد الدين هذا رئيس دمشق في زمانه، ومقدم الجماعة. بحيث أنه لا يباع من أملاك دمشق ملك، حتى يأتيه جماعة ويشهدون عنده أنه ملك البائع، انتقل إليه بالميراث أو الابتياع. فإذا ثبت ذلك عنده كتب بخطه في ذيل الكتاب ليشهد فيه بالتبايع، فيشهد الشهود بعد ذلك. وخطه موجود في الكتب القديمة بذلك. وكان رحمه الله تعالى من أرباب المروءات لمن قصده ولجأ إليه.\rوله نظمٌ حسن، فمن نظمه:\rيا رب جد لي إذا ما ضمّني جدثي ... برحمةٍ منك تنجيني من النار\rأحسن إليّ إذا أصبحت جارك في ... لحدي، فإنك قد أوصيت بالجار\rوتوفي والده عز الدين حمزة يوم الجمعة، سابع شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة. ودفن بقاسيون. وكان فاضلاً حسن الخط والنظم. وجمع تاريخاً لحوادث سنة أربعمائة إلى حين وفاته - رحمهما الله تعالى.\rوفي يوم عيد النحر من هذه السنة، ورد إلى فوه مراكب الروم فنهبوها نهباً شديداً.\rواستهلت سنة تسع وتسعين وخمسمائة: في هذه السنة أخرج الملك العادل الملك المنصور، بن العزيز، من الديار المصرية إلى الرها.\rوفيها ملك الفرنج القسطنطينية من الروم.\rوخرج الفرنج منها لقصد الساحل. فجمع الملك العادل عساكره وخرج إليهم. فاستقر الصلح بينه وبينهم على أن يكون لهم من بلاد المناصفات أشياء، مثل الرملة والناصرة.\rوفيها بعث الخليفة - الناصر لدين الله - الخلع إلى الملك العادل وأولاده، وسراويلات الفتوة، فلبسوها في شهر رمضان.\rحصار ماردين\rوما حصل من الاتفاق وفي سنة تسع وتسعين وخمسمائة، جمع السلطان الملك العادل عساكره، وفرق فيهم السلاح والأموال، وقدم عليهم ولده: الملك الأشرف موسى، وأمره بالمسير إلى ماردين. فسار إليها وحاصرها، وشدد الحصار.\rفدخل الملك الظاهر غازي، صاحب حلب، في الصلح بين عمه وصاحب ماردين. فأجاب الملك العادل إلى الصلح - على أن يخطب له صاحب ماردين في جميع بلاده، ويضرب السكة باسمه، ويحمل إليه مائة ألف وخمسين ألف دينار، ويكون عسكر ماردين في خدمته، متى طلبه. فأجاب صاحب ماردين إلى ذلك.\rفرحل الملك الأشرف عنها، وحمل صاحب ماردين إلى الملك الظاهر عشرين ألف دينار، لتوسطه في الصلح.\rوحكى أن السبب في حصار ماردين أن شاعراً، يقال له الكمال، قال:\rمتى تقبل الرايات من أرض جلّق ... وتنتزع الشهباء من كفّ أرتق !\rفبلغ هذا البيت أرتق صاحب ماردين، فاعتقل هذا الشاعر. فاتصل خبره بالملك العادل، فندب هذا الجيش إليها. والله أعلم.\rوفي هذه السنة - في أواخرها - حصل الشروع في عمارة سور قلعة دمشق. فابتدئ ببرج الزاوية القبلى منها، المجاور لباب النصر.\rوفيها ماجت النجوم شرقاً وغرباً، وتطايرت كالجراد المنتشر، يميناً وشمالاً. ولم ينقل ذلك إلا في مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وفي سنة إحدى وأربعين ومائتين. ويقال إن هذه السنة كانت أكثر انتشاراً. والله أعلم.\rواستهلت سنة ستمائة","part":8,"page":48},{"id":3559,"text":"في هذه السنة وصلت مراكب الفرنج من ساحل عكا إلى فوه، فنهبوها وغنموا كثيراً من أطرافها. وأقاموا عليها خمسة أيام. وخرج بعض عساكر مصر فقاتلتهم.\rوفيها كانت وفاة الحافظ: عبد الغني بن عبد الواحد بن علي، ابن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر، المقدسي الحنبلي، الجماعيلي. ولد بجماعيل - وهي قرية من أعمال نابلس، في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة.\rوفيها، في العاشر من جمادى الأولى، كانت وفاة القاضي السعيد أبو القاسم: هبة الله بن أبي الرداد - متولى المقياس بجزيرة مصر - وكان خطيب الجامع.\rواستهلت سنة إحدى وستمائة: في هذه السنة رخصت أسعار الديار المصرية. وبلغ سعر القمح ستة أرادب بدينار.\rوفيها قدم الملك العادل من الشام في ثالث جمادى الآخرة وتوجه إلى الإسكندرية، وحصل منها أموالاً جمة.\rوفيها، أخرج الملك الكامل أولاد الخليفة العاضد لدين الله، وهم: داود والمظفر، إلى الإيوان بالقصر، وقيدهم، وأخذ جميع ما كان عندهم من الأقمشة والأواني وغير ذلك.\rوفيها ابتدأ الصاحب صفي الدين بن شكر بمصادرة أصحاب الدواوين، ومستخدمي الدولة والمتعينين، وأهانهم، لما كان في باطنه منهم.\rوفيها توفي القاضي كمال الدين أبو السعادات: أحمد بن القاضي جلال الدين أبي المعالي شكر، بن محمود بن يعقوب اللخمي. وكان ناظر الدواوين في الأيام الناصرية والعزيزية. وكانت وفاته بثغر الإسكندرية. وهو الذي نوه بذكر الصاحب صفي الدين ورباه، وصفي الدين ربيبه. كان جلال الدين شكر والمخلص أبو الحسن - والد الصاحب صفي الدين - إخوةً لأم.\r؟واستهلت سنة اثنتين وستمائة: في هذه السنة هدمت قنطرة الباب الشرقي بدمشق، وبلط بحجارتها صحن الجامع، وفرغ منها في شهر رمضان سنة أربع وستمائة، وفيها في شوال غير قبة النسر بجامع دمشق، عدة أضلاع من شماليها. والله أعلم.\rواستهلت سنة ثلاث وستمائة:\rقصد العادل بلاد الفرنج\rفي هذه السنة في جمادى الأولى، وقيل في شعبان، خرج الملك العادل بعساكره وقصد عكا. فصالحه أهلها. فعاد إلى دمشق.\rوخرج الفرنج من طرابلس، وأغاروا على حمص. فخرج الملك العادل من دمشق، ونزل على بحيرة قدس بظاهر حمص، وحضرت إليه عساكر البلاد. فأقام إلى آخر شهر رمضان. وتوجه يوم العيد إلى حصن الأكراد، وقاتل أشد قتال، وفتح برجا بالقرب من الحصن، وأخذ منه خمسمائة رجل وسلاحاً. ثم سار إلى القليعات، فأخذها بعد حصار. وتقدم إلى طرابلس، وقاتل قتالاً شديداً، وأقطع ثمارها. ثم أنس من عسكره فشلاً، فعاد إلى حمص. فأنفذ إليه صاحب طرابلس وطلب الصلح، وأرسل مالاً وأسرى.\rوفيها توفي الطواشي جمال الدين إقبال، الخادم الصلاحي، من خدام الملك الناصر صلاح الدين يوسف. وكانت وفاته بالبيت المقدس، بعد أن وقف داريه بدمشق مدرستين: إحداهما على الطائفة الشافعية، والأخرى على طائفة الحنفية، ووقف عليهما أوقافاً: جعل ثلثيها للشافعية وثلثها للحنفية. وذلك في رابع عشر ذي القعدة.\rواستهلت سنة أربع وستمائة:\rذكر انتقال السلطنة من دار الوزارة بالقاهرة إلى قلعة الجبل\rوأول من سكن قلعة الجبل من الملوك الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن السلطان الملك العادل. وذلك في سنة أربع وستمائة - وهو إذا ذاك ينوب عن والده بالديار المصرية.\rوأول من بدأ بعمارتها الملك الناصر صلاح الدين يوسف. فعمر بها برجاً، وهو المطل على مشهد السيدة نفيسة. ثم كملت في أيام الملك العادل. ونقل أولاد العاضد من القصر إلى قلعة الجبل، وبنى لهم بها مكان اعتقلوا فيه. فكانوا فيه إلى سنة إحدى وسبعين وستمائة. وتوفي الأمير داود في هذه السنة.\rورود رسل الخليفة الناصر لدين الله بالخلع للملك العادل وأولاده ووزيره\rكان السلطان الملك العادل قد جهز القاضي نجم الدين خليل الحنفي - قاضي عسكر الشام - رسولاً إلى الخليفة الناصر لدين الله، فوصل إلى بغداد في هذه السنة فجهز الخليفة إلى السلطان رسولين، وهما: الشيخ شهاب الدين اسهروردي ونور الدين سنقر الركني الخليفتي. وأصحبهما الخلع للسلطان، ولولديه: الأشرف والمعظم، ولوزيره صفي الدين بن شكر، ولأستاذ داره شمس الدين إلدكز العادلي.","part":8,"page":49},{"id":3560,"text":"وكانت خلعة السلطان جبة أطلس وسيعة الكم بطراز ذهب، وعمامة سوداء بطراز ذهب، وطوق ذهب مجوهر، وسيف جميع ملبس بالذهب، وحصان أشهب بمركب ذهب، وقصبة ذهب عليها علم أسود، مكتوب عليه بالبياض.\rفتلقاها السلطان الملك العادل إلى الغسولة بجميع عساكره، وعاد. ولبسوا الخلع من القصر إلى القلعة بدمشق. وحمل الأمير بدر الدين دلدرم التقليد على رأسه بين يدي السلطان، ودخلوا جميعهم من باب الحديد وقت أذان الظهر. وقرأ الوزير التقليد قائماً، بمحضر من القضاة وبياض البلد، بإيوان القلعة، والسلطان وأولاده وسائر من حضر قياماً إلى أن تكاملت قراءته.\rوتضمن التقليد تفويض البلاد إلى السلطان، وهي ديار مصر والساحل ودمشق، وبلاد الشرق وخلاط. وحضرت رسل الملوك: الظاهر صاحب حلب، والمنصور صاحب حماة، وصاحب حمص، ومع كل منهم ألف دينار، ينثرها على السلطان. فرسم السلطان بتوفير ذلك لرسول الخليفة.\rوسار الشيخ شهاب الدين ورفيقه إلى القاهرة، بخلعة الملك الكامل. فتلقاهما الملك الكامل، وزينت القاهرة ومصر لدخول الرسل. ولبس الكامل الخلعة الخليفية.\rثم عاد الشيخ شهاب الدين السهروردي ورفيقه إلى بغداد. وأصحبهما السلطان أستاذ داره شمس الدين، وصحبته التحف والألطاف. فوصل إلى بغداد في سنة خمس وستمائة. فتلقى بالموكب. ونقم الخليفة على الشيخ شهاب الدين السهروردي كونه مد يده إلى الأموال وقبلها، وحضر دعوات الأمراء بالشام، منهم الأمير عز الدين سامه وغيره. وكان قبل ذلك قد اشتهر بالزهد. فاعتذر أنه إنما قبل الأموال ليفرقها في الفقراء فلم يقبل عذره. ومنع من الوعظ، وأخذ منه الربط التي كانت بيده. وفرق الشيخ ما كان قد حصل له من الأموال - وكانت جملة طائلة - فاغتنى بها جماعة من الفقراء. وقبل الخليفة ما كان مع شمس الدين إلدكز من الهدايا، وشرفه وأعاده إلى مرسله.\rاستيلاء الملك الأوحد على خلاط\rوفي سنة أربع وستمائة، استولى الملك الأوحد: نجم الدين أيوب، بن الملك العادل على مدينة خلاط، بمكاتبة أهلها.\rوكان سبب ذلك أن الهزار ديناري قتل صاحبها ابن بكتمر - وكان شاباً لم يبلغ عشرين سنة - وقيل انه غرقه في بحر خلاط. وكانت أخته بنت بكتمر زوجة صاحب أرزن الروم، فقالت: لا أرضى إلا بقتل قاتل أخي. فسار صاحب أرزن إلى خلاط فخرج إليه الهزار ديناري وتبارزا، فقتله صاحب أرزن الروم. وعاد إلى أرزن. وبقيت خلاط بغير ملك.\rوكان الملك الأوحد - صاحب ميافارقين - يكاتبه أعيان خلاط. فجاء إليهم واستولى على المدينة. واشترط عليه مقدموها شروطاً، وكانوا جبابرة، فقبل الشروط. ثم أبادهم - قتلا وتغريقاً - وبدد شملهم.\rومن عجيب ما اتفق أن الملك العادل، سيف الدين، كان له عدة أولاد، ليس فيهم أقبح صورة من الملك الأوحد هذا، فإنه كان قصيراً ألثغ زري المنظر.\rفخرج مع والده وإخوته إلى الصيد. فأرسل والده بازياً على طائر، فسقط البازي على رأس الأوحد، فضحك السلطان والده، وقال: قد صاد بازينا اليوم بومة ! فانكسر خاطر الأوحد لذلك، وتألم وأسرها في نفسه. فلما قدر الله تعالى له بفتح خلاط، وخطب له بشاه أرمن على قاعدة ملوك خلاط، كتب إلى أبيه الملك العادل، يبشره بالفتح، ويقول له: إن البومة - التي صادها بازي مولانا السلطان في اليوم الفلاني - قد اصطادت مدينة خلاط، وصارت شاه أرمن ! وكان بين الواقعتين عشر سنين.\rوفي هذه السنة، في شهر رجب، وضعت الساعات بالمئذنة الشمالية بجامع دمشق. وفيها حصل الشروع في عمارة البرج الذي يقابل المدرسة القيمازية من قلعة دمشق. وفيها حدثت زلازل ورياح شديدة ببلاد خلاط، وخسف بمكان الملك الأوحد بن الملك العادل قد نزل به ثم رحل عنه، قبل الخسف بليلة.\rوفيها كانت وفاة الأمير داود، بن الخليفة العاضد لدين الله، في محبسه بقلعة الجبل. وكان دعاة الإسماعيلية يقولون إن العاضد نص عليه بالإمامة، وأنه صاحب الأمر بعده. وكان عظيماً عند العامة. فلما توفي انقطعت دعوة الإسماعيلية وزال أمرهم.","part":8,"page":50},{"id":3561,"text":"وأشهر العادل وفاته، فعظم موته على من هو يتوالي فيهم. فاستأذن الناس الملك الكامل في النياحة عليه وندبه، فأذن لهم. فبرز النساء حاسرات، والرجال في ثياب الصوف والشعر، وأخذوا في ندبه والبكاء عليه. واشتهر من كان مستتراً من الإسماعيلية. فلما اجتمعوا وكملوا، أرسل الملك الكامل جماعة من عسكره، فنهبوا ذلك الجمع، وقبض على المعروفين منهم، وملأ بهم الحبوس، واستصفى أموال ذوي اليسار منهم، وهرب جماعة آخرون. وزال أمر الإسماعيلية من الديار المصرية. ولم يتجاهر بعد ذلك أحدٌ بمذهبهم.\rواستهلت سنة خمسة وستمائة: في هذه السنة في يوم الجمعة، خامس شهر رمضان، ولى قاضي القضاة عماد الدين عبد الرحمن، بن عبد العلي، بن علي، السكري - القضاء بالديار المصرية.\rوذلك أن الملك العادل كان قد خرج إلى الشام في شعبان، فلما وصل إلى العباسة، بلغه وفاة قاضي القضاة: صدر الدين عبد الملك بن درباس. وكانت وفاته في ليلة الأربعاء، الخامس من شهر رجب، من هذه السنة. ومولده في أواخر سنة ست عشرة، أو أوائل سنة سبع عشرة وخمسمائة. ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى.\rولما اتصلت وفاته بالسلطان، استدعى الفقيه عماد الدين، فسار إلى العباسة. فولاه الحكم، وعاد إلى القاهرة. فدخلها في يوم الاثنين، ثامن الشهر. ولما وصل إلى مسجد التبن، دخل إليه - ومسجد التبن بظاهر القاهرة - ولبس الطرحة وألقى الطيلسان. وكانت العادة جارية أن لا يتطرح إلا من علم فضله واشتهر.\rوفيها كانت وفاة الملك الأمجد: مجد الدين حسن، بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد، بالقدس - وهو شقيق الملك المعظم والملك العزيز - رحمهم الله تعالى.\rواستهلت سنة ست وستمائة: في هذه السنة - وقيل في سنة سبع - نزلت الكرج على خلاط، وبها الملك الأوحد، بن الملك العادل. وملك الكرج اسمه إيراني.\rواتفق في أمر هذا الحصار واقعة غريبة، ذكرها الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم الجزري في تاريخه: حوادث الزمان عمن حكى لوالده، قال: كنت في خلاط، وقد أشرف الكرج على فتحها، ولم يبق إلا دخولهم إليها. فبلغ الملك الأوحد أن منجم ايراني قد حكم لصاحبه أنه متى زحف يوم السبت أول النهار، دخل خلاط، وجلس على تحت الملك، ولا يبيت ليلة الأحد إلا في قلعته. فأحضر الملك الأوحد منجمه، وذكر له ما بلغه، فقال له: لا تخف، فإن خلاط لا تخرج عن ملكك، وأنت مستظهر على الكرج.\rواتفق أن إيراني شرب الخمر، وركب في جيوشه وقصد باب أرجيش، وحمل ليدخل البلد قبل أخيه، فكبا به فرسه في حفيرة، فسقط إلى الأرض. واتفق خروج جماعة من القيمرية من ذلك الباب، ليدفعوا الكرج من البلد، فرأوا إراني قد سقط، فحملوا على أصحابه وكشفوهم عنه، وأسروه. ودخلوا باب المدينة، وقد تجهز الملك الأوحد للهزيمة، فجلس في القلعة أمام تخت المملكة على كرسي. وكان بقلعة خلاط تخت عظيم، لا يجلس عليه الملك إلا في يوم ملكه، ثم لا يعود يجلس عليه. فلما أحضر ملك الكرج إليه، تلقاه وأكرمه، وأجلسه على تخت الملك وجلس بين يديه على كرسي، وقال له: البلاد لك. فكتب إيراني إلى أخيه، وإلى الكرج، بالانصراف عن البلد، فرحلوا.\rوتحالف الملك الأوحد وملك الكرج على الموافقة والمعاضدة. وتزوج الملك الأوحد ابنة إيراني، وجهزه إلى مدينته تفليس، بعد أن استأذن والده على ذلك، فأذن له. ويقال كان إطلاقه في ثاني عشر جمادى الأولى، سنة سبع وستمائة. والله أعلم. وزفت البنت إلى الملك الأوحد بعد ذلك، وهي على دينها، وبنى لها بيعة بقلعة خلاط. وأطلق الكرج القلاع التي كانت أخذت - وهي احدى وعشرون قلعة - ومائة ألف دينار. ووافق قول كل من المنجمين: جلس الكرجي على تخت الملك، وبات بالقلعة، وانتصر الأوحد.\rوفيها جهز الملك العادل جمال الدين المصري رسولاً إلى الخليفة. فأدى، وأعيد. وصحبه من الديوان العزيز ابن الضحاك وأقباش الناصري. فاجتمعوا بالسلطان الملك العادل على رأس العين.\rحصار الملك العادل سنجار\rورجوعه عنها وأخذ نصيبين والخابور وفي سنة ست وستمائة، سار الملك العادل إلى سنجار - وصاحبها، يوم ذاك، قطب الدين بن عماد الدين زنكي.","part":8,"page":51},{"id":3562,"text":"فلما خيم بظاهرها، أخرج صاحبها نساءه وخدمه، يسألن العادل إبقاء المدينة عليه. فلما حصلن عنده، أمر باعتقالهن. وأرسل إلى قطب الدين، يقول: انه لا يطلقهن إلا بعد تسليم البلد. فاضطر إلى موافقته. وتقررت الحال بينهما: أن يعوض قطب الدين الرقة وسروج وضياع في بلاد حران.\rفأطلق العادل النسوة، وأرسل أعلامه إلى البلد، فلما دخلن البلد، ودخلت الأعلام العادلية، أمر قطب الدين بغلق الأبواب وتكسير الأعلام. وأرسل إلى العادل، يقول: غدرةٌ بغدرة، والبادي أظلم.\rفحاصرها العادل، وقطع أشجارها وهدم جواسقها. فانتصر صاحب الموصل لصاحب سنجار، خوفاً على بلاده. وراسل مظفر الدين صاحب إربل، وكان بينهما وحشة. وكان من جملة رسالة صاحب الموصل له: أن الأحقاد تذهبها الشدائد. فراسل مظفر الدين العادل، يشفع عنده في صاحب سنجار. فرد رسوله أقبح رد. فمضى إلى صاحب الموصل، واتفق معه، وراسلا صاحب الجزيرة.\rوأرسل مظفر الدين إلى صاحب سنجار، يشير عليه بمراسلة الخليفة. فأرسل إليه، فمضى الرسول إلى بغداد. فأرسل الخليفة إلى العادل، يشفع عنده في صاحب سنجار. فلم يجب العادل لذلك. فغضب رسول الخليفة، وعاد إلى الموصل، وقال لمن بها من الملوك: قد أذن لكم أمير المؤمنين في قتال العادل.\rفكتبوا إلى الملك الظاهر صاحب حلب، وأغروه بعمه. فأرسل أخاه الملك المؤيد: نجم الدين مسعود إلى عمه، يشفع في صاحب سنجار. فرده أقبح رد. فبرز الظاهر من حلب، في ثامن شعبان، لقصد العادل. فتفرقت عساكره، والتحق بعضها بالعادل.\rثم رأى أهل سنجار أن من خرج منهم غصبه عسكر العادل، وفسقوا بمن خرج من النساء، فقاتلوا قتال الحريم. فاضطر العادل إلى الصلح مع صاحب سنجار. فتقرر أن يسلموا إلى العادل: نصيبين والخابور، ويحملوا إليه مالا. ففعل، وفارق سنجار.\rوفيها كانت وفاة الملك المؤيد: نجم الدين مسعود بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، برأس عين، عند منصرفه من عند عمه الملك العادل، برسالة أخيه بسبب سنجار. وكان قد نام في بيت مع ثلاثة نفر، وعندهم منقل فيه نار، والبيت بغير منفذ، فانعكس البخار فأخذ على أنفاسهم، فماتوا جميعاً فحمل المؤيد في محفة إلى حلب، فدفن بها.\rوفيها توفي الشيخ الإمام العلامة: فخر الدين أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسين بن علي بن محمد، التيمي البكري الطبرستاني الأصلي، الرزاي - المعروف بابن خطيب الري، الفقيه الشافعي، صاحب التصانيف المشهورة. وكانت وفاته بهراه في يوم الاثنين - وهو يوم عيد الفطر - سنة ست وستمائة. ومولده في خامس عشر شهر رمضان، سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.\rوفيها كانت وفاة القاضي الأسعد: أبي المكارم أسعد بن الخطير أبي سعيد، مهذب بن مينا بن زكريا بن أبي قدامة، بن أبي مليح مماتي، المصري الكاتب الشاعر.\rكان يتولى نظر الدواوين بالديار المصرية. وكان نصرانياً فأسلم في ابتداء الدولة الناصرية الصلاحية، هو وجماعته. وله مصنفات عديدة: نظم سيرة الملك الناصر صلاح الدين، ونظم كتاب كليلة ودمنة. وله ديوان شعر. وباشر ديوان الجيش الصلاحي، ثم ولى نظر الدواوين. وخاف الصاحب صفي الدين بن شكر فهرب إلى حلب، والتحق بالملك الظاهر صاحبها.\rوكانت وفاته بحلب في سلخ جمادى الأولى سنة ست وستمائة، وعمره اثنتان وستون سنة. ودفن بالمقبرة المعروفة بالمقام، على جانب الطريق بالقرب من مشهد الشيخ الهروي. ومماتي لقب أبي المليح جده الأعلى. وسبب تلقيبه بهذا اللقب أنه وقع بمصر غلاء عظيم، وكان كثير الصدقة والإطعام، خصوصاً لأطفال المسلمين، وكان الأطفال إذا رأوه نادوه: مماتي، فغلب عليه. حكى ذلك ابن خلكان عن الحافظ زكي الدين عبد العظيم - رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة سبع وستمائة: في هذه السنة - في يوم الاثنين الثاني والعشرين من شعبان - قدم الملك العادل إلى القاهرة، وصحبته الصاحب صفي الدين عبد الله بن شكر. ثم توجه إلى الطور لعمارته.","part":8,"page":52},{"id":3563,"text":"وفي هذه السنة، في سابع شوال، حصل الشروع في عمارة مصلى ظاهر دمشق، وهي المجاورة لمسجد النارنج، فعمرت لصلاة العيدين، ثم عمل بالمصلى رواقات في سنة ثلاث عشرة وستمائة، وعملت حيطانه ورتب فيه خطيب لإقامة صلاة الجمعة في سابع عشر من شهر رمضان. وفيها، في حادي عشر من شهر شوال جددت أبواب جامع دمشق من جهة باب البريد، وعملت بالنحاس الأصفر وركبت. وفي سادس عشر من شوال حصل الشروع في إصلاح الفوارة بجيرون. وعمل الشاذروان والبركة.\rبساحتها، واتخذ فيها مسجد بإمام راتب. وأول من رتب فيه - بأمر الصاحب صفي الدين بن شكر - الشيخ نفيس الدين المصري، كان يلقب بوق الجامع لقوة صوته، وكان حسن الصوت.\rوفيها في سابع عشر من ذي القعدة، وصلت مراكب الفرنج إلى ثغر دمياط، على غرةٍ من أهله. فنهبوا أطراف الثغر، وأسروا جماعة من المسلمين.\rواستهلت سنة ثمان وستمائة: والسلطان الملك العادل، وابنه الملك المعظم، نازلان بالمخيم على الطور، ومعهما العساكر، لعمارة حصنه. وهما مجتهدان في إدارته حوشاً.\rبناء القبة على ضريح الإمام الشافعي\r- رحمه الله تعالى - وعمارة السوق كان ابتداء عمارة هذه القبة في سنة ثمان وستمائة وكانت أرض هذا المكان مقبرة عتيقة. فاتفق أن الملك الناصر صلاح الدين يوسف أنشأ المدرسة المجاورة للضريح. فلما كان في هذه السنة، في خامس عشر من صفر، توفيت والدة الملك الكامل، وكان الملك الكامل، قبل وفاتها بأيام، ركب وطوف القرافة على مكان يبنيه عليها، ويجعل فيه سوقاً. فوقع الاختيار على دفنها بالضريح. فلما توفيت، دفنها وعمر عليها هذه القبة الموجودة الآن. وغرم عليها أموالاً جليلة المقدار، أجرى إليها الماء الحلو من بركة الحبش وانتقل البناء من القرافة الكبرى إلى هذا الموضع. ثم تغالى الناس بعد ذلك في العمائر بالقرافة وزخرفوها، حتى صارت على ما هي عليه الآن.\rوفي هذه السنة، كانت وفاة الأمير فخر الدين أبي المنصور، أياز جهاركس، الناصري الصلاحي، بدمشق في صفر، ودفن بقاسيون.\rوكان الملك العادل قد أقطعه بانياس وتبنين والشقيف وهونين وتلك البلاد، لأجل انحرافه عن الملك الأفضل، ابن أخيه الملك الناصر. ولما مات جهاركس، أقر السلطان ما كان بيده على ابنيه. وقام بالأمر والتدبير الأمير صارم الدين خطلبا التبنيني أحسن قيام، وسد تلك الثغور. واشترى صارم الدين ضيعة بوادي بردى تسمى الكفر، ووقفها على تربة جهاركس، وعمر له قبة.\rوفيها توفي الأمير صارم الدين برغش العادلي، بدمشق، في ثالث وعشرين صفر، ودفن بقاسيون غربي بالجامع المظفري.\rواستهلت سنة تسع وستمائة:\rعزل الصاحب صفي الدين عبد الله بن علي بن شكر\rوولاية الصاحب الأعز بن شكر وفي يوم الاثنين، لسبع مضين من شهر ربيع الأول، سنة تسع وستمائة، صرف الصاحب صفي الدين من الوزارة وألزم داره.\rونحن الآن نذكر في هذا الموضع سبب اتصاله بخدمة السلطان العادل، وموجب انفصاله.\rكان قد اتصل بالخدمة العادلية في أواخر الأيام الناصرية. فلما مات ابن النحال النصراني - كاتب الملك العادل - تقدم صفي الدين، فرآه شهماً مقداماً فقدمه، وتمكن من دولته. فلما كانت حادثة الأفضل، ورجوعه عن دمشق بعد حصارها، وخرج العادل في طلبه اجتاز بالبيت المقدس، ومعه صفي الدين، فتحلف معه أنه إن قدر الله تعالى له بملك الديار المصرية، يمكنه من المصريين، وحلفه على ذلك فحلف له.\rفلما ملك العادل الديار المصرية، لم يتمكن صفي الدين من مصادرات المصريين، لأمرين: أحدهما ما حل بالناس من الغلاء المشهور، والثاني ملازمة العادل ببلاد الشام. فلم يزل كذلك إلى سنة اثنتين وستمائة عند قدوم العادل من الشام، فأمسك الصاحب جماعة من رؤساء المصريين، وأصحاب الدواوين والمستخدمين وغيرهم، وعاقبهم أشد عقوبة ونكل بهم، وفعل بهم ما أوجب حقد الناس عليه. وكثر بطشه بالناس، وأقام لنفسه حرمةً عظيمة زادت على حرمة السلطان وعظم أمره، حتى كان أولاد الملك العادل يأتون إلى داره فيجلسون على بابه، حتى يؤذن لهم، فثقل ذلك على أمراء الدولة وخاطبوا السلطان في أمره، وهو لا يسمع فيه كلام متكلم.","part":8,"page":53},{"id":3564,"text":"فلما كان في سنة ست وستمائة - والسلطان على سنجار - اتفق أن الصاحب تحدث معه في شيء، لم يوافق رأى السلطان، فتوقف عن إجابته. فقام الصاحب من مجلس السلطان، وقد غضب، وجرح جرحاً مفرطاً في المجلس، حتى خجل العادل ممن حضره، ووجدوا للكلام مجالا فتكلموا فيه. وكان العادل من أثبت الناس، وأحلمهم وأقلهم بطشاً، وصفي الدين بخلاف ذلك. فبقيت هذه الحادثة في نفس السلطان كامنة. وكان القاضي الأعز بن شكر في هذه السفرة نائب الوزارة بالديار المصرية، وهو ناظر الدواوين بها في خدمة الملك الكامل، فحصل بينهما مودة. فحسده من كان ينوب عن الصاحب في الوزارة قبله. وكانوا يكاتبون الصاحب ويقولون له إن الأعز قد توثب عليك، واتصل بالكامل وتمكن منه.\rفلما كان في ذي الحجة، سنة سبع وستمائة، اجتمع بنو شكر عند الصاحب على طعامه. فأشار أن توضع زبدية طعام مخصوص بين يدي الموفق - وهو أحد من كان ينوب عن الوزارة - فقال أحد الحاضرين: يده طويلة ! - يريد أنها تطول لمكان الزبدية. فقال آخر: طولها الذي صرفه من نيابة الوزارة - يعرض به أنه كان يتبرطل ! فضحك الأعز ضحكاً مفرطاً، بمعنى أنه أمين، ليس فيه ما يقال كما قيل في غيره ! فغضب الصاحب لذلك وانتهره، لإساءته في مجلسه بالضحك.\rفأسرع الأعز في القيام إلى داره. فلما قام، قال بعض من حضر للصاحب: لا تأمنه من سوء يكيدك به. وأغروه به، فأمر باحضاره. فلما جاءه الرسول، علم أنه إن وقع في يده لا يأمنه على نفسه. فتسور من مكان في داره، وطلع إلى القلعة، واحتمى بالكامل. فلما سمع الصاحب بذلك طلبه من الكامل، فدافعه به. فغضب واجتمع بالملك العادل، وقال: ان الأعز لزمه حساب، وقد أحماه الكامل علينا. وكرر عليه القول. فتحدث العادل مع ابنه الكامل في ذلك، فقال: يصلح بينهما. وقصد الكامل بذلك مدافعة الأيام، ليقع سفر العادل إلى الشام معه، فيسكن ما عند الصاحب منه، فلم يزده ذلك إلا حنقاً.\rفلما كان في آخر ذي الحجة - سنة ثمان وستمائة - ركب الكامل إلى دار الوزارة، وحضر مجلس الوزير، والأعز معه، وأصلح بينهما. فاصطلحا ظاهراً، والبواطن بخلاف ذلك. وقصد الصاحب أن الأعز إذا انصرف إلى داره، قبض عليه، فلم يفارق الأعز الخدمة الكاملية بالقلعة. فازداد الصاحب حنقاً عليه، وتحدث مع العادل أن يعزل عن نظر الدواوين. فتوقف السلطان في ذلك.\rوتمادى الأمر، إلى آخر صفر. فامتنع الصاحب من الكتابة على المناشير والتواقيع، وحلف أنه لا يباشر والأعز يكتب معه أيداً، فتعطلت أحوال الناس، وشكوا ذلك إلى السلطان. فأرسل إلى الصاحب بروضه، ويقول: لا بد أن أمكنك من الأعز، وهو لا يزداد إلا غضباً وإساءة في الجواب. فإذا عاد رسول السلطان إليه، لا يمكنه مخاطبته بما قاله الصاحب، ويغالط في الجواب. فأرسل السلطان بعض الأمراء إلى الصاحب برسالة، ومعه أحد مماليكه، وقال له احفظ ما يقوله الصاحب، وأعده علي. فكان من جملة قول الصاحب: والله لاكتبت والأعز يكتب معي أبداً. فعند ذلك، خرج السلطان على ابنه الكامل وانتهره، وأغلظ في القول، وقال: يسلم الأعز إلى الصاحب في هذه الساعة !.\rفلما عاد الكامل إلى القلعة، تلقاه الأعز على عادته. فقال: قد أمر السلطان بتسليمك للصاحب، وخرج علي بسببك، وعجزت عن حمايتك. فقال له الأعز: يا مولانا، والله عداوتي للصاحب بسببك ! وهو أنه كاتبني في حقك أنه لا بد أن يعمل على صرفك من مملكة الديار المصرية، وأن يجعل عوضاً عنك الأشرف موسى. وهذه كتبه إلي. فلما وقف الكامل على الكتب كان من جملة ما تضمنته: وأما هذا المجنون - يشير إلى الكامل - فلا بد من صرفه، وإحضار الأشرف إلى الديار المصرية. وتضمنت من سبه وشتمه كثيراً.\rفعاد الكامل للعادل، والكتب معه، وجاء في غير الوقت المعتاد. فقال له العادل: ما جاء بك الآن ؟ فقال: هذا الصاحب يريد أن يوقع بين السلطان وأولاده، وبين الإخوة. هذه كتبه للأعز، وعداوته بسببها. فلما وقف العادل عليها، عظم عليه سبه لابنه - وكان العادل يداري جميع أولاده، خوفاً أن يقوم أحدهم عليه، فتنخرق حرمته - فقال نعزله، ولا يسلم إليه الأعز. ويكتب الأعز وحده.","part":8,"page":54},{"id":3565,"text":"فخرج الكامل لوقته، واستدعى الأعز فخر الدين أبا الفوارس مقدام، بن القاضي جمال الدين أحمد بن شكر. وأمر أمير جانداره بجمع الدواوين وتسليمهم للأعز. فسلمهم إليه. وجلس الصاحب الأعز، وتحدث في الوزارة لوقته. وقام الصاحب صفي الدين من مجلس الوزارة ولازم داره. ثم كان من خبر مصادرته، وإخراجه من الديار المصرية ما نذكره - إن شاء الله تعالى.\rذكر حادثة الأمير عز الدين أسامة واعتقاله والاستيلاء على قلاعه\rكان الأمير عز الدين أسامة الجبلي من أكابر الأمراء، وصهر الملك العادل. وهو الذي بني الجسر الذي على نهر الأردن، المعروف بجسر أسامة. وقيل أنه هو الذي بني قلعة عجلون. وكانت داره بدمشق، التي هي الآن المدرسة البادرائية بدمشق.\rفاتهمه السلطان بمباطنة الملك الظاهر صاحب حلب، واستوحش هو أيضاً من السلطان الملك العادل وأولاده، فقصد الانحياز إلى قلاعه - وكان له عجلون وقلعة كوكب. واتفق أن السلطان توجه في هذه السنة إلى ثغر دمياط، وصحبته أولاده الملك الكامل والملك المعظم والملك الفائز، فاغتنم عز الدين أسامة غيبتهم، وركب من القاهرة في يوم الاثنين سلخ جمادى الآخرة، وخرج وأظهر أنه يريد الصيد.\rفلما مر ببلبيس، بطق متوليها إلى السلطان يخبره. فقال الملك العادل: من ساق خلفه فله أمواله وقلاعه. فانتدب الملك المعظم لذلك. وركب من ثغر دمياط ليلة الثلاثاء، غرة شهر رجب. وساق في ثمانية ممن يعتمد عليهم، وعلى يده حصان جنيب فوصل إلى غزة صبح الجمعة، وسبق أسامة إليها، وأمسك عليه الطرق. وأما أسامة فإنه تقطعت عنه مماليكه ومن كان معه، وبقي وحده، وبه مرض النقرس. ووصل إلى الداروم فعرفه بعض الصيادين، فأعطاه أسامة ألف دينار، وقال: خذ هذه وأوصلني إلى الشام. فأخذه وجاء إلى رفاقه فعرفوه، وتوجهوا به على طريق الخليل، ليتوجهوا به إلى عجلون. فوصلوا به إلى القدس، في يوم الأحد سادس من شهر رجب. ونزل بصهيون - وهي ضيعة بالقدس.\rوعلم به الملك المعظم، فأرسل إليه بثياب وطعام، ولاطفه، وقال له أنت شيخ كبير ما يصلح لك الحصون، فسلم إلى كوكب وعجلون. وقال أنا أحلف لك على مالك وملكك وجميع أسبابك، وتعيش بيننا مثل الوالد. فامتنع من ذلك، وسب المعظم أقبح سب. فلما يئس منه، بعث به إلى الكرك واعتقله بها واستولى على قلاعه وأمواله وذخائره. فكان قيمة ما أخذ له ألف ألف دينار.\rوأما السلطان الملك العادل فانه كان توجه في العشرين من جمادى الأولى إلى ثغر دمياط، وتوجه منه إلى ثغر الاسكندرية، ثم عاد وتوجه إلى الشام، في ثاني شوال من هذه السنة. وحاصر كوكب أشد حصار، واستولى عليها. وأخذ منها أموالا عظيمة وهدمها وعفى أثرها. وذلك في العشر الأوسط من ذي القعدة\rوفاة الملك الأوحد\rصاحب خلاط واستيلاء أخيه الملك الأشرف عليها وفي هذه السنة، كانت وفاة الملك الأوحد نجم الدين أيوب، بن السلطان الملك العادل، وهو صاحب خلاط. وكانت وفاته بملازكرد في ثامن شهر ربيع الأول، ودفن بها.\rوكان قد استزار أخاه الملك الأشرف من حران، فأقام عنده أياماً. واشتد مرضه، فقصد الأشرف الرجوع إلى حران لئلا يتخيل منه الأوحد. فقال له الأوحد: يا أخي كم تلح ؟ والله، إني ميت، وأنت تأخذ البلاد ! ثم مات. فدفنه الملك الأشرف. وجاء إلى خلاط، واستولى عليها، وعلى ما بها من الأموال.\rفتوجه الملك العادل إليه، وقد غضب لكونه فعل بغير أمره. فلما وصل إليها، اعتذر الملك الأشرف أنه إنما فعل ذلك خوفاً أن يسبقه غيره من ملوك الأطراف إليها، فقبل عذره، واستمر به فيها. وأنعم السلطان على ولده الملك المظفر شهاب الدين غازي بميافارقين وأعمالها.\rواستهلت سنة عشر وستمائة:\rقيام أهل مصر على الملك الكامل ورجمه","part":8,"page":55},{"id":3566,"text":"وفي جمادى الأولى سنة عشر وستمائة، شغب العوام بمصر على الملك الكامل ورجموه، وسبب ذلك أن أبا شاكر النصراني الطبيب كان الملك الكامل يميل إليه، وكان إلى جانب الكنيسة المعلقة بمصر مسجد قد عفى أثره، فقصد العوام تجديده. فامتنع الكامل من إجابتهم إلى ذلك، بسبب أبي شاكر. فثار العوام، وقالوا لا بد من عمارته. فركب الملك الكامل من القلعة، وجاء إلى الكنيسة المعلقة، وكشف المكان بنفسه. فلما شاهده، قال: ما كان هذا مسجداً قط. فاستغاث العوام، وشغبوا ورموه بالحجارة، فهرب منهم إلى القلعة.\rوفيها توجه الملك الظافر الخضر، بن السلطان الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب، من حلب لقصد الحج. فنزل بالقابون في يوم الأحد رابع شوال، ثم انتقل إلى مسجد القدم في خامس الشهر. وكان الملك المعظم بحوران، فوصل إلى دمشق، وأدخله إليها وعمل له ضيافة. ثم توجه إلى الحجاز، صحبة الركب الشامي، فلما وصل إلى المدينة زار رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأحرم بالحج من ذي الحليفة، فلما انتهى إلى بدر وجد عسكر الملك الكامل قد سبقه من مصر إلى بدر، خوفاً منه أن يتوجه إلى اليمن. فقالوا له: ترجع. فعلم مرادهم. فقال إنه قد بقي بيني وبين مكة مسافة يسيرة، وإني قد أحرمت. ووالله ما قصدي اليمن ولا أقصد غير الحج، فقيدوني، واحتاطوا بي، حتى أقضي المناسك وأعود. فلم يوافقوه على ذلك، وأعادوه إلى الشام فصنع كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم حين صده المشركون عن البيت: قصر وذبح ما تيسر، وعاد إلى الشام.\rوفيها توفي الأمير فارس الدين ميمون القصري بحلب في رابع عشر من شهر رمضان. وكان من أكابر الأمراء الناصرية. وكانت أعزاز إقطاعه. وخلف أموالاً جمة. وهذه النسبة إلى القصر الذي بالقاهرة، كان تربى فيه - رحمه الله.\rواستهلت سنة إحدى عشرة وستمائة:\rاستيلاء الملك المسعود على اليمن\rوفي هذه السنة جهز الملك الكامل ابنه الملك المسعود، صلاح الدين أتسز - وهو أقسيس - إلى الحجاز، ويتوجه من هناك إلى اليمن.\rوكان سبب إرساله إلى اليمن أن الناصر أيوب، بن سيف الإسلام بن أيوب، قد توفي، واستولى على اليمن سليمان بن شاهنشاه، بن تقي الدين عمر، بن شاهنشاه بن أيوب - باتفاق من أجنادها - وتزوج بأم الناصر. ووصل الخبر إلى الملك الكامل بذلك، فجهز ابنه الملك المسعود. فرحل من بركة الجب في يوم الاثنين، سابع عشر من شهر رمضان، ومعه ألف فارس، ومن الجاندارية والرماة خمسمائة وكان ذلك بعد أن سيره إلى خدمة السلطان الملك العادل بدمشق، ولقبه بالملك المسعود، وأعاده إلى القاهرة.\rفتوجه إلى مكة - شرفها الله تعالى، فلما قضى مناسك الحج توجه إلى بلاد اليمن. فكان وصوله إلى زبيد في يوم السبت مستهل المحرم، سنة ثنتي عشرة وستمائة. فملكها من غير قتال، وتسلم ثمانية حصون من تهامة. وندب قطعة من العسكر لحصار تعز - وكان سليمان قد تحصن بها - ففتح الحصن في ثالث صفر، ودخله العسكر المسعودي، ومسك سليمان واعتقل. ثم جهزه إلى الديار المصرية هو زوجته.\rوكانت صنعاء في يد عبد الله بن حمزة - المدعي الخلافة - فجرد الملك المسعود إليه عسكراً، فوصل العسكر إلى صنعاء في مستهل جمادى الأولى. فهرب عبد الله لما سمع بقرب العسكر، وجعل لا يخرج من مدينة إلا بعد تخريب أسوارها، وتعفية ما يستطيع من أثرها، وهدم منار المساجد، ولحق بالجبال وتعلق بها. وملك الملك المسعود البلاد. وكان جباراً فاتكاً، فيقال إنه قتل باليمن ثمانمائة شريف، وخلقاً كثيراً من الأكابر.\rوفيها استولى الملك المعظم - شرف الدين عيسى - على قلعة صرخد، وأخذها من ابن قراجا، وعوضه عنها مالاً وإقطاعاً، وأعطاها لمملوكه، أستاذ داره عز الدين أيبك المعظمى. فبقيت في يده إلى أن أخرجه منها الملك الصالح نجم الدين أيوب، في سنة أربع وأربعين وستمائة.\rوفيها أحدثت المعاملة بالقراطيس السود العادلية بدمشق، كما يتعامل الناس بالورق بالديار المصرية. فبقيت زماناً، ثم بطل ضربها وتناقصت من أيدي الناس، إلى أن توفي الملك العادل.\rوفيها توجه الملك المعظم شرف الدين عيسى، بن الملك العادل، من دمشق إلى الحجاز. وجدد في الطريق البرك والمصانع والمناهل، وأحسن إلى الناس، وتصدق، وحج قارناً - وكان حنفي المذهب - وعاد إلى الشام.","part":8,"page":56},{"id":3567,"text":"وفيها اهتم السلطان - الملك العادل - بعمل الميدان الذي بسوق الخيل، بظاهر القاهرة، والفساقى المجاورة لها.\rوفيها، في ثالث شهر ربيع الأول، فوض تدريس الحنفية، بالمدرسة النورية بدمشق، للشيخ جمال الدين محمد بن الحصيري العجمي. وحضر الملك المعظم درسه مع الفقهاء.\rواستهلت سنة ثنتي عشرة وستمائة: في هذه السنة، وصل الملك المعظم شرف الدين عيسى من الحجاز، وصحبته الأمير السيد الشريف: سالم بن قاسم، أمير المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. وكان قد شكى من قتادة: أمير مكة، فوعده بالمساعدة عليه. فلما وصل الآن معه، اجتمع بالسلطان الملك العادل - وكان بخربة اللصوص - وقدم الشريف إلى السلطان ما أحضره - على سبيل الهدية - من تحف الحجاز، وعشرين فرساً من خيل الحجاز، فأكرمه السلطان. واستخدم معه جماعة من أمراء التركمان والرجال، فتوجه بهم في ثالث عشر شعبان.\rواتفقت وفاته قبل وصوله إلى المدينة، فقام ولد أخيه الأمير جماز بن شيحه بالأمر بعد عمه، واجتمع أهله على طاعته. فمضى من كان مع عمه لقصد قتادة أمير مكة. فجمع قتادة عسكره وأصحابه والتقوا بوادي الصفراء. وكان الظفر لجماز ومن معه، واستولوا على عسكر قتاده، قتلا ونهبا وأسرا. وانهزم قتادة إلى الينبع وتحصن بقلعته، فتبعوه وحصروه.\rثم عاد من كان مع الأمير سالم من التركمان وغيرهم، صحبة الناهض ابن الجرخي، وفي صحبتهم كثير مما غنموه، من أموال قتادة ومن النساء والصبيان. وظهر منهم جماعة من الأشراف، فسلموا إلى أكابر أشراف دمشق، ليكفلوهم ويشركوهم في وقف الأشراف وفي هذه السنة حصل الشروع في عمارة المدرسة العادلية بدمشق وحضر السلطان الملك العادل لترتيب وضعها.\rوفيها في سابع من شهر ربيع الأول، عزل قاضي القضاة: زكي الدين أبو العباس الطاهر، بن محيي الدين، عن الحكم بدمشق وأعمالها. وولي من الغد الشيخ جمال الدين الحرستاني، وهو ابن اثنتين وتسعين سنة وشهور.\rوفيها أبطل السلطان الملك العادل ضمان الخمر والقيان بدمشق، في رابع عشرين جمادى الآخرة. وبقي الأمر على ذلك، إلى أن توفي الملك العادل في سنة خمس عشرة وستمائة.\rوفيها وصل رسول الخليفة من بغداد، وهو الشيخ شهاب الدين السهروردي ونزل بجوسق العادل. وتوجه إلى السلطان فلحقه بالقدس الشريف، فأدى الرسالة وعاد، في خامس عشر شوال.\rوفيها - في منتصف شعبان، توفي الشيخ الصالح العارف: أبو الحسن على بن حميد، المعروف بابن الصباغ قدس الله روحه. وكانت وفاته بقنا - من الأعمال القوصية من الصعيد الأعلى. ودفن بجانبها عند قبر شيخه: الشيخ السيد القطب عبد الرحيم. وضريحهما من المزارات المشهورة - نفع الله تعالى بهما.\rواستهلت سنة ثلاث عشرة وستمائة: في هذه السنة كانت الحادثة بين أهل الشاغور والعقيبة بدمشق. وحملت كل طائفة منهم السلاح، واقتتلوا. فركب العسكر للفصل بينهم. وحضر الملك المعظم من جوسق الرئيس لتسكين الفتنة - وكان مقيماً به. وقبض على جماعة من مقدمي الحارات واعتقلوا، بسبب ذلك.\rذكر القبض على الصاحب الأعز\rوفي يوم الاثنين، سابع عشر جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة وستمائة. قبض الملك العادل على وزيره الصاحب فخر الدين الأعز، وضربه وقيده، وحمله إلى قلعة بصرى فاعتقله بها.\rوكان لذلك أسباب: منها أنه صرف ما غرم على القبة بالشافعي من مال الديوان - وكان تقرر صرفه من مال الديوان الكاملي. ومنها أنه كشف على الأموال التي أنفقت في تجهيز الملك المسعود إلى اليمن، وكانت جملة عظيمة، فأنكر عليه ذلك، وفعل به ما فعل.\rوعرضت الوزارة على القاضي الأشرف: أحمد بن القاضي الفاضل عبد الرحيم، فتوقف عنها. ثم خوطب فقال: كان والدي في الأيام الناصرية لا يكتب في الدولة. فأجيب إلى ذلك، واستقرت القاعدة أنه يتحدث في الأموال بلسانه، دون قلمه. ورتب القاضي عماد الدين بن جبريل صاحب ديوان الدولة، ورتب شمس الدين أبو القاسم بن التبني وزير الصحبة.\rوفيها في شهر المحرم، صرف قاضي القضاة عماد الدين عبد الرحمن، ابن عبد العلي بن علي السكري - عن القضاء بالديار المصرية.","part":8,"page":57},{"id":3568,"text":"وكان سبب ذلك أن السلطان عقد مجلساً بحضوره بسبب وقف المدرسة - التي أوقفها إبراهيم بن شروه، وولي القطب، قاضي قوص، النظر عليها - فلم يمض القاضي عماد الدين الوقف. فقال السلطان: هذه القضية أنا أعرفها وأشهد بها. فامتنع من إثباتها. فغضب السلطان، وأشهد على نفسه بعزله في المجلس. ثم صرف عن الخطابة بالجامع الحاكمي، وولاها الشيخ بهاء الدين بن الجميزي لأربع بقين من شهر ربيع الآخر من السنة.\rولما عزله السلطان عن القضاء، استشار شيخ الشيوخ: صدر الدين أبا الحسن بن حمويه، فيمن يوليه القضاء. فأشار أن يقسم العمل شطرين: قبلياً وبحرياً، وأن يولي ابن عين الدولة القاهرة والوجه البحري، وابن الخراط مصر والوجه القبلي. فعمل برأيه.\rوفوض السلطان قضاء القاهرة والوجه البحري للقاضي شرف الدين بن عين الدولة، في يوم السبت ثاني صفر منها - وقيل في المحرم - وفوض قضاء مصر والوجه القبلي للقاضي تاج الدين: أبي محمد عبد السلام بن علي بن الخراط - وكان قاضي دمياط - وذلك في يوم الاثنين سابع عشر صفر - وقيل في يوم الاثنين ثالث عشر المحرم.\rهذا هو السبب الظاهر للناس في عزل القاضي عماد الدين بن السكري وأما السبب الباطن - وهو مما أخبرني به والدي رحمه الله تعالى عن جده زكي الدين عبد الدايم، وغيره - أن الفقيه الشيخ الصالح الشهيد الناطق: رضي الدين: عبد الرحمن العقيلي، المعروف بالنويري وهي نسبة انتقال، وانما هو قدم من بلاد المغرب مع أبيه وسكنا النويرة، واستوطنها الشيخ عبد الرحمن وخدمه أهلها، وكانوا يفتخرون بالانتساب إلى خدمته، واختص بخدمته جد والدي زكي الدين عبد الدايم، فكان أخص الناس به، وأعلاهم منزلة عنده - كان مع ما هو عليه من العبادة والصلاح المشهور، ينوب عن القاضي عماد الدين في الحكم بالنويرة، وما معها. فاتفق أن رجلين تداعيا في بقرة، فكتب أحدهما محضراً أن البقرة ملكه وشهد فيه جماعة من الشهود، وأدوا شهادتهم بذلك عند الفقيه، ولم يبق إلا تسليمها لصاحب المحضر.\rفتأمل الفقيه البقرة، ونظر إليها. وسأله الذي شهد له الحكم بما ثبت عنده، وتسليمها إليه. فقال: كيف أسلمها إليك، وهي تقول أنها لخصمك، وتخبرني أن المحضر زور - أو ما هذا معناه ؟؟!. وسلمها لخصمه. فاعترف الخصم الذي أثبت بصحة ما أخبر به الشيخ الفقيه رضي الدين عن البقرة، وأظهر التوبة والإنابة. فلما اتصلت هذه الواقعة بالقاضي عماد الدين، كتب إلى الشيخ رضي الدين يقول: كان ينبغي أن تعمل في هذه القضية بظاهر الشرع، وتسلم البقرة لمن أثبت. وعزله عن نيابته.\rفلما اتصل العزل به، قال لمن حضر عنده: اشهدوا علي اني قد عزلته، وعزلت ذريته من بعده. فعزل في تلك الساعة. ولم يعد إلى القضاء بعدها، ولاولي القضاء بعده أحد من ذريته. وأعرف أن القاضي عماد الدين، ولد ولده فوه له بالقضاء غير مرة، وعين وربما فصلت له خلعة الولاية، ورسم بكتابة تقليده، ثم يعدل عنه إلى غيره، ولا يتم أمره. ومات - رحمه الله تعالى - ولم يل القضاء. ولم يبق من ذريته في وقتنا هذا من فيه أهلية لذلك. وهذه الحكاية التي ذكرتها لا أشك فيها ولا أرتاب، وهي مشهورة يعرفها كثير من الناس.\rوفي سنة ثلاث عشرة وستمائة - في العشرين من جمادى الآخرة - توفي الملك الظاهر: غياث الدين غازي، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف، صاحب حلب - رحمه الله تعالى بحلب.\rوكان مولده بالقاهرة، في منتصف شهر رمضان، سنة ثمان وستين وخمسمائة. وملك بعده ولده: الملك العزيز غياث الدين محمد. وكان صغير السن، يقال كان عمره ثلاث سنين، فقامت ضيفة خاتون - ابنة الملك العادل - بتدبير الدولة. ونصبت شهاب الدين طغرل الخادم في أتابكية الدولة.\rذكر مصادرة الصاحب صفي الدين بن شكر ونفيه من الديار المصرية","part":8,"page":58},{"id":3569,"text":"كان سبب ذلك أن السلطان الملك العادل، لما قدم من الشام، ظن الصاحب صفي الدين أنه يعيده إلى الوزارة. فصار يركب في المواكب، ويستعرض للقاء السلطان. ثم فتح بابه وصار الناس يدخلون إليه، والأعز وغيره يذكروه ذلك للملك الكامل. فاتفق أن الملك الكامل مر بدار الصاحب فوجد الخيل على بابه، فقال لمن معه من الأمراء: ما هذا إلا أحمق ! يفتح بابه ويأمر الناس أن يدخلوا إليه ويمد السماط، والسلطان غير راضٍ عنه. فبلغ العادل ما قاله الكامل. فقال في مجلسه: ما يكفي ابن شكر أنه أخذ مالي، حتى أطرح جانبي بفتح بابه.\rفاتصل ذلك بالصاحب، فركب إلى القلعة، وأراد الاجتماع بالملك الكامل - وكان الملك الكامل على الشراب. فسير إليه، وقال ما حاجتك ؟ فإن لنا الآن شغلاً ! فقال: القصد أن يستخدمني السلطان، أو يتركني أخرج من بلاده. وسأل أن يكون الكامل سفيره عند أبيه الملك العادل. فعز كلامه عليه، وقال للرسول قل له: هذا ما لا أدخل فيه.\rفعاد خجلاً، ومضى إلى دار والدة الملك المعز مجير الدين يعقوب، بن السلطان الملك العادل، وتعلق بذيل ستر الباب. ووافق أن العادل كان عندها في ذلك الوقت. فعظم ذلك عليه. لكونه قصد زوجته، وأراد قتله، ثم سكن، وأرسل إلى الملك الكامل يقول: إن ابن شكر أخذ مني وأنا على سنجار ستمائة ألف دينار، فطالبه بها.\rفأحضره الملك الكامل في مجلس شرابه، ووبخه، وأمر بأخذ أملاكه وحسبها له، بستمائة ألف دينار. ثم حضر جماعة بعد ذلك إلى الملك الكامل، فقالوا: هذا كان في ابتداء أمره قطاناً، فمن أين له هذا المال ؟ فقال ابن التبني: أنا صانعته عن نفسي بمائتي ألف دينار، وصانعه شهاب الدين بن الفاضل بثلاثمائة ألف دينار. فنقل المجلس إلى الملك العادل، وذكر له من أخذ منه المصانعات، فأمر بنفيه.\rفاستمهل إلى أن يبيع موجوده، فأذن له. فشرع في بيع موجوده إلى أن كمل ثم أرسل إليه السلطان يقول: أخرج من بلادي إلى بلد، لا تقام لي فيه خطبة. فخرج من القاهرة في يوم الخميس، لخمس بقين من جمادى الآخرة من السنة. فلما وصل إلى بلبيس أمر السلطان الملك العادل بتعويقه، وأخذ منه مالاً ووكل به أياماً ببلبيس ثم أطلقه فتوجه إلى آمد.\rوفيها صادر السلطان الملك العادل حسام الدين يونس، متولي الإسكندرية، على ثلاثمائة ألف دينار.\rوفيها في سابع شوال، توجه العادل إلى ثغر الإسكندرية. وذلك أنه اجتمع بها من تجار الفرنج نحو ثلاثة آلاف رجل، فخاف أهل الثغر جانبهم. فخرج السلطان بعساكره إلى الثغر، وبه ملكان من ملوك الفرنج. فأحضرهما، فذكرا أن التجار صمموا على الوثوب بأهل الثغر وقتلهم، وأخذه. فقبض حينئذ على تجار الفرنج واستصفى أموالهم، واعتقلهم، واعتقل الملكين. وعاد إلى القاهرة، في سابع ذي الحجة من السنة.\rواستهلت سنة أربع عشرة وستمائة:\rذكر مسير السلطان إلى الشام\rوفي يوم الأحد، التاسع من شهر ربيع الآخر، من هذه السنة - توجه السلطان الملك العادل إلى الشام، لما بلغه قصد الفرنج بلاد الشام.\rوكان رحيله من البركة يوم السبت لثمان بقين من الشهر، وتوجه إلى البيت المقدس. وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة، في كتاب الروضتين في أخبار الدولتين أنه توجه إلى قلعة الكرك بذخائره وأمواله، وأقام بها مدة، وترك الأموال والذخائر بها.\rوقال غيره: إنه بقي بالقدس إلى أن وصلت أمداد الفرنج في البحر، من روميه الكبرى ومن الغرب الشمالي - وكان المقدم عليهم صاحب روميه - فنزلوا على عكا. وسار الملك العادل على أنه يسبقهم إلى الماء بخربة اللصوص، فسبقوه إليها. فلما قاربهم، حيد عنهم إلى جهة دمشق. فأغاروا على بيسان فنهبوها وما حولها، وعادوا إلى مرج عكا بالسبي والغنائم.\rوجهزوا آلات الحصار، وقصدوا الطور - وكان العادل قد بناه في سنة تسع وستمائة - فحاصروه سبعة عشر يوماً. فقتل بعض ملوكهم بسهم، ففارقوا الحصن. واستشهد على حصار الطور من أبطال المسلمين: الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم، وسيف الدين بن المرزبان - وكان من الصالحين الأجواد.\rوكتب الملك المعظم إلى الخليفة كتاباً أوله: ؟قل للخليفة - لا زالت عزائمه لها على الكفر إبراقٌ وإرعاد\rإن الفرنج بأرض القدس قد نزلت ... لا تغفلنّ، فأرض القدس بغداد\rوفي نسخة:","part":8,"page":59},{"id":3570,"text":"إن الفرنج بحصن الطّور قد نزلوا ... لا تغفلنّ، فحصن الطّور بغداد\rقصد الفرنج جزين\rوقتلهم قال: ولما انفصل الفرنج، قصد ابن أخت الهنكر جبل صيدا وقال: لا بد لي من أهل هذا الجبل. فنهاه صاحب صيدا، وقال إن أهله رماة، وبلده وعر. فلم يقبل قوله. وصعد في خمسمائة من أبطال الفرنج إلى مدين - وهي ضيعة الميادنة بالقرب من مشغرا - فأخلاها أهلها. ونزلها الفرنج وترجلوا عن خيولهم للراحة. فتحدرت عليهم الميادنة من الجبال، فأخذوا خيولهم وقتلوا عامتهم. وأسروا ابن أخت الهنكر. وهرب من بقي منهم نحو صيدا.\rوكان معهم رجلٌ يقال له الجاموس، كانوا أسروه من المسلمين، فقال لهم أنا أعرف إلى صيدا طريقاً سهلاً أوصلكم إليها. فقالوا: إن فعلت أغنيناك. فسلك بهم أودية وعرة، والمسلمون خلفهم يقتلون ويأسرون، ففهموا أن الجاموس قصد ذلك، فقتلوه. ولم يفلت منهم إلى صيدا غير ثلاثة، وكانوا خمسمائة. وجاءوا بالأسرى إلى دمشق، وكان يوماً مشهوداً.\rوفي هذه السنة، احترق مسجد الحسين بالقاهرة.\rوفيها، توفي قاضي القضاة جمال الدين أبو القاسم: عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل، الأنصاري الحرستاني وكانت وفاته بدمشق في رابع ذي الحجة، ودفن بقاسيون. ومولده في سنة عشرين وخمسمائة. وأعيد القاضي زكي الدين إلى القضاء، بعد وفاته.\rواستهلت سنة خمس عشرة وستمائة:\rتخريب حصن الطور\rفي هذه السنة استدعى السلطان الملك العادل ولده الملك المعظم، وقال له: إنك قد بنيت هذا الطور، وهو يكون سبب خراب الشام، وقد سلم الله تعالى من كان فيه من أبطال المسلمين، والسلاح والذخائر. وأرى من المصلحة خرابه، ليتوفر من فيه من المسلمين والعدد على حفظ دمياط، وأنا أعوضك عنه. وكانت دمياط قد حوصرت - على ما نذكره. فتوقف الملك المعظم، وبقي أياماً لا يدخل على أبيه العادل. فبعث إليه وأرضاه بمال، ووعده ببلاد بالديار المصرية. فأجاب، وبعث فنقل ما كان فيه من العدد والذخائر إلى القدس وعجلون والكرك، ودمشق، وهدمه.\rوفاة السلطان الملك العادل\rسيف الدين أبي بكر: محمد بن أيوب وشيء من أخباره كانت وفاته - رحمه الله تعالى - في يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة، سنة خمس عشرة وستمائة، بعالقين.\rوذلك أنه لما عرج عن الفرنج وقصد دمشق، أقام بظاهرها مدة وهو مريض. فلما بلغه أخذ برج السلسلة بثغر دمياط، ضرب بيده على صدره، وانزعج، وحصل له من الغم ما أفضى به إلى الوفاة - رحمه الله تعالى. ومات، وله ست وسبعون سنة تقريباً. وذلك أنه سئل عن مولده، فقال: ولدت سنة فتوح الرها. وذلك في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وقيل كان مولده ببعلبك، لما كان والده في خدمة الملك العادل: نور الدين الشهيد.\rومدة ملكه تسع عشرة سنة، وأربعين يوماً. ولما مات لم يشعر بوفاته غير كريم الدين الخلاطي. وكان ولده الملك المعظم عيسى بنابلس. وكان قد التقى مع الفرنج على القيمون في هذا الشهر، فانتصر عليهم، وقتل منهم مقتلاً عظيمة، وأسر من الداوية مائة فارس، وأدخلهم القدس منكسةً أعلامهم. وأقام بنابلس. فكتب إليه على جناح طائر يعلمه بالخبر، فجاء يوم السبت إلى عالقين. فاحتاط على الخزائن، وصبر أباه العادل وكتم موته، وجعله في محفة، وعنده خادم يروح عليه، ورفع طرف سجاف المحفة وأظهر أنه مريض. ودخلوا به إلى دمشق في يوم الأحد، والناس يشيرون إلى من بالمحفة بالخدمة والسلام، والخادم يوميء إلى جهة السلطان، كأنه يخبره بمن يسلم عليه، ودخلوا به إلى قلعة دمشق.\rقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة، وشمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي، في تاريخهما: ومن العجائب أنهم طلبوا له كفناً فلم يقدروا عليه، فأخذوا عمامة النجيب الفقيه ابن فارس فكفنوه بها، وأخرجوا قطناً من مخدة فلفوه به، ولم يقدروا على ما يحفرون به، فسرق كريم فأساً من الخندق فحفروا له به. ودفن بقلعة دمشق، إلى أن بني له القبة المجاورة لمدرسته، فنقل إليها في سنة تسع عشرة وستمائة. وحصل لابنه الملك المعظم وهمٌ، فلما دفن السلطان قام قائماً، وشق ثيابه ولطم على رأسه ووجهه.","part":8,"page":60},{"id":3571,"text":"واشتهرت وفاته بعد دفنه. وعمل عزاؤه ثلاثة أيام، وصلى عليه في غالب مدن الإسلام. ونودي ببغداد: من أراد الصلاة على الملك العادل الغازي، المجاهد في سبيل الله، فليحضر إلى جامع القصر. فحضر الناس وصلوا عليه صلاة الغائب. ولم يتأخر غير الخليفة. وتقدموا إلى خطباء الجوامع بأسرهم، فصلوا عليه بعد صلاة الجمعة.\rوكان - رحمه الله - قد امتد ملكه واتسعت ممالكه. وكان ثبتاً حازماً، حسن التدبير صفوحاً، يدبر الملك والممالك على الوجه المرضي، متمسكاً بأوامر الشرع الشريف ونواهيه، منفذاً للأحكام الشرعية، عادلاً مجاهداً عفيفاً، كثير الصدقة، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر. طهر جميع ممالكه من الخمور والفواحش بأسرها، وأسقط كثيراً من المكوس والمظالم. وكان الذي يتحصل من هذه الجهات بدمشق خاصة مائة ألف دينار، فأبطل ذلك. وشدد في أمر الخمر، ومنع من دخوله إلى دمشق - رحمه الله تعالى.\rأولاد السلطان الملك العادل\rوما استقر لهم من الممالك والإقطاع كان له رحمه الله تعالى من الأولاد الذكور سبعة عشر، وهم: الملك الكامل، ناصر الدين محمد، ملك الديار المصرية. والملك المعظم: شرف الدين عيسى، صاحب دمشق والبيت المقدس، والكرك والشوبك، والسواحل. والملك الأشرف: مظفر الدين موسى، صاحب خلاط وما والاها وحران والرها، وما مع ذلك.\rوالملك المظفر شهاب الدين غازي، صاحب ميافارقين وما والاها والملك المظفر شهاب الدين الحافظ أرسلان صاحب قلعة جعبر وأعمالها. والملك العزيز: عثمان له بانياس وتبنين وأعمال ذلك، وعدة أماكن من بلد دمشق، مثل نوى وغيرها. والملك الصالح: عماد الدين اسماعيل، له قلعة بصرى وأعمالها، والسواد جميعه - وهو والعزيز في خدمة أخيهما الملك المعظم.\rوالملك الفائز: إبراهيم، كان السلطان قد اقطعه الأعمال القوصية والملك المفضل: قطب الدين، أقطعه السلطان أيضاً الأعمال الفيومية، فأقر الملك الكامل ذلك بأيديهما. والملك المعز: مجير الدين يعقوب. والملك الأمجد: تقي الدين أبو الفضائل عباس - عند أخيهما الملك الأشرف صاحب خلاط. وله أيضاً غير هؤلاء: الملك القاهر: إسحاق، وخليل - وهو أصغرهم.\rومات له من الأولاد - في حياته - أربعة، وهم: شمس الدين مودود، والد الملك الجواد يونس. والملك الأوحد: نجم الدين أيوب، الذي افتتح خلاط، كما تقدم. والملك المغيث: محمود. والملك الأمجد حسن - وهو شقيق الملك المعظم، والملك العزيز.\rوكان له عدة بنات، أجلهن ضيفة خاتون، والدة الملك العزيز، ابن الملك الظاهر صاحب حلب.\rولما مات السلطان الملك العادل، أقر ولده - الملك المعظم - أحوال دمشق، على ماهي عليه في أيام والده بقية جمادى الآخرة. فلما استهل شهر رجب، أعاد المكوس وأطلق الخمور والمنكرات، وما كان والده السلطان قد أبطله. فقيل له في ذلك، فاعتذر بقلة الأموال وقتال الفرنج.\rثم سار إلى بانياس، وراسل الأمير صارم الدين التبيني في تسليم الحصون التي بيده، فأجاب إلى ذلك، وسلمها، فأخرب الملك المعظم بانياس وتبنين. وأعطى ما كان بيد أولاد الأمير فخر الدين جهاركس لأخيه الملك العزيز عثمان، وزوجه ابنة جهاركس. ونزل الأمير صارم الدين وولده وأصحابه من الحصون، فأكرمهم الملك المعظم وأحسن إليهم، وأظهر أنه ما أخرب بانياس وتبنين، إلا خوفاً من استيلاء الفرنج عليها.\rذكر أخبار السلطان الملك الكامل ناصر الدين ابن السلطان الملك العادل\rسيف الدين، أبي بكر محمد بن أيوب وهو السادس من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية.\rملك الديار المصرية بعد وفاة والده الملك العادل، في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة. وكان قبل ذلك ينوب عن والده بها كما تقدم.\rونحن نذكر أخبار الملك الكامل، وما اتفق من الحوادث والوقائع في أيامه، بالديار المصرية: في كل سنة نبدأ بذلك، ثم نذكر في بقية السنة أخبار ملوك الشام من إخوته وغيرهم، ومن توفي فيها من المشهورين، ونأتي بالسنة التي بعدها، على ما تقف عليه - إن شاء الله.\rنزول الفرنج على ثغر دمياط\rكان نزول الفرنج على ثغر دمياط في يوم الثلاثاء، لثلاث خلون من شهر ربيع الأول، سنة خمس عشرة وستمائة - وذلك قبل وفاة الملك العادل، وهو إذ ذاك بمرج الصفر.","part":8,"page":61},{"id":3572,"text":"ونزلوا بالبر الغربي. فخرج إليهم الملك الكامل بعساكره، وكتب إلى السلطان بالخبر. فأرسل إليه عساكر الديار المصرية التي كانت في صحبته. وأقام الملك الكامل بثغر دمياط بظاهرها، واتصل القتال بين الفريقين.\rفلما كان في جمادى الأولى، ملك الفرنج برح السلسلة - وهو بين دمياط والبر الغربي، في وسط بحر النيل - وذلك أنهم عملوا برجا من الخشب على بطسةٍ كبيرة، وأسندوه إلى البرج. وحصل القتال بين المسلمين المقيمين به وبين الفرنج، إلى أن ملكوه في يوم السبت، ثامن الشهر.\rثم كانت وقعةٌ كبيرة بين المسلمين والفرنج. فلما كان في شهر رمضان، عمل الفرنج مرمةً عظيمة، وزحفوا بها في بطسة، وقصدوا سور دمياط. فأحرقها المسلمون. وغرق للفرنج في هذا الشهر مراكب كثيرة، في البحر الملح.\rذكر حوادث وقعت في مدة حصار ثغر دمياط كان مما اتفق في مدة الحصار جباية التبرع من التجار، من أرباب الأموال وذلك في ذي القعدة، سنة خمس عشرة.\rوفي يوم الثلاثاء، سابع عشر من الشهر، رحل السلطان الملك الكامل عن ثغر دمياط، وتأخر إلى أشموم.\rوسبب ذلك أن الملك الفائز كان عند أخيه الملك الكامل بثغر دمياط، وكان الأمير عماد الدين بن المشطوب يكره الملك الكامل، فأراد القبض عليه، وإقامة الملك الفائز. فاتصل ذلك بالكامل، فارتحل عن دمياط ليلاً، وترك خيامه وخزائنه. فشعر المسلمون برحيله، فارتحلوا بأجمعهم، وتركوا أثقالهم وأموالهم. وأصبح الفرنج فلم يروا أحداً في البر الشرقي. فظنوا أن ذلك مكيدة، فارتابوا. ثم حققوا الأمر، فلما اتضح لهم عدوا بجملتهم، وكبسوا المنزلة ونهبوا ما كان بها، واحتاطوا بدمياط براً وبحراً.\rوكان السلطان قصد أن يتوجه إلى مصر، لخوفه من ابن المشطوب، فأشار عليه بعض الأمراء بالإقامة على المنصورة، فاستقر بها. وثارت الفتن بالديار من العربان، فكانوا على المسلمين أشد من الفرنج.\rوصول الملك المعظم عيسى\rصاحب دمشق وإخراج عماد الدين بن المشطوب وما اتفق له بعد خروجه كان وصول الملك المعظم شرف الدين عيسى إلى المنصورة في يوم الخميس، لليلة بقيت من ذي القعدة، من السنة. فاشتد به عضد أخيه الملك الكامل.\rولما وصل، شكى له ما يحذره من أمر عماد الدين بن المشطوب. فركب الملك المعظم وجاء إلى خيمة عماد الدين. فلما أخبر بذلك، قال لغلمانه قولوا له هو نائم ! فذكروا ذلك للملك المعظم، فقال: ننتظره إلى أن يستيقظ، وثنى رجله إلى عنق فرسه. فلما طال ذلك على عماد الدين، خشى عاقبة هذا الأمر. فخرج إليه وهو بغير خف، وقبل يده. فقال له المعظم: ليركب الأمير، حتى يحصل الاتفاق معه على نصب المجانيق على أطراف البحر.\rفلما ركب، سايره الملك المعظم وشغله بالحديث حتى أحاط به عسكر المعظم. ثم نظر إليه نظرة مغضب، وقال له: لما مات السلطان الملك العادل كان من أولاده من اسمه: عماد الدين بن المشطوب ؟! قال: الله الله، يا مولانا ! فأمر بإنزاله عن فرسه فأنزل. وحمل على بغلة إلى أشموم.\rولما أمر الملك المعظم بسفره، اعتذر أن لا نفقة معه، وسأل الرجوع إلى خيمته ليلبس خفه، ويأخذ نفقة. فأعطاه الملك المعظم خمسمائة دينار، وقال له: جميع ما تخلف من أموالك وأثقالك ودوابك يصل إليك. ثم رجع المعظم إلى خيمة ابن المشطوب، فجهز إليه خيله وأثقاله وغلمانه، وجميع ما يتعلق به، فلحقوه إلى الشام.\rووصل ابن المشطوب إلى دمشق، ثم إلى حماه وأقام بها. فبعث إليه الملك الأشرف منشوراً، بأرجيش ببلاد خلاط، وزيادة. وبعث إليه بالخلع. فتوجه إلى خدمته، فأكرمه وأحسن إليه. فصار يركب بالشبابة، ويمشي مشي الملوك.\rثم خرج عن طاعة الملك الأشرف، في سنة سبع عشرة. وعاث في أرض سنجار، وساعده صاحب ماردين. فسار إليه الملك الأشرف، ونزل على دنيسر. وجاء الملك الصالح، فأصلح بين الأشرف صاحب ماردين. ودخل ابن المشطوب إلى تل أعفر. فسار إليه فارس الدين بن صيره من نصيبين، وبدر الدين لؤلؤ من الموصل، وحصراه بها. فاستنزله الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ بالأمان، وحمله معه إلى الموصل، ثم قيده وبعث به إلى الملك الأشرف. فاعتقله بالجب فمات بالجوع والقمل. وكانت وفاته في سنة تسع عشرة وستمائة. على ما نذكره.\rذكر وصول الصاحب صفي الدين بن شكر ووزارته","part":8,"page":62},{"id":3573,"text":"وفي مستهل ذي الحجة، سنة خمس عشرة وستمائة، قدم الصاحب صفي الدين بن شكر من آمد، وكان السلطان قد استدعاه. فلما قدم، ركب إليه وتلقاه وأكرمه وذكر له السلطان ما يحتاج إليه من الأموال والكلف، فالتزم له بتحصيل ذلك. وشرع في مصادرات أرباب الأموال والتجار والأكابر. وقرر التبرع على الأملاك، وأحدث حوادث كثيرة. وجبي الأموال، حتى من الساسة والصوانع والمغاني ومعلمي المكاتب، وغيرهم.\rواستهلت سنة ست عشرة وستمائة: في مستهل المحرم منها، أمر السلطان بخروج أهل مصر والقاهرة، لقتال الفرنج. فخرج الناس. وأقام الصاحب بالقاهرة إلى سابع عشرين من شهر رمضان، سنة ست عشرة. فاستدعاه السلطان واستوزره، وصرفه. واحتجب الملك الكامل من الناس بعد ذلك. وكان قبل ذلك يركب بنفسه، ويستحث العوام على جهاد الفرنج.\rخراب القدس\rكان ابتداء الخراب بالقدس في بكرة يوم الأحد سابع المحرم، سنة ست عشرة وستمائة.\rوسبب ذلك أن الملك المعظم لما توجه إلى أخيه الملك العادل، بلغه أن طائفة من الفرنج قد عزموا على قصد القدس. فاتفق مع جماعة من الأمراء على إخرابه. وقال: قد خلا الشام من العساكر، فلو أخذه الفرنج حكموا على دمشق وبلاد الشام. فأمر بإخرابه. وكان بالقدس الملك العزيز عثمان، وعز الدين أيبك أستاذ الدار.\rووقع في البلد ضجة عظيمة. وخرج الناس أجمع، حتى البنات المخدرات والعجائز والشيوخ وغيرهم، إلى الصخرة والأقصى، فقطعوا شعورهم ومزقوا ثيابهم. وخرجوا على وجوههم وتركوا أموالهم. وامتلأت بهم الطرقات، فمنهم من توجه إلى الديار المصرية، ومنهم من توجه إلى الكرك، وبعضهم إلى دمشق. وصار البنات المخدرات يمزقن ثيابهن، ويلففنها على أرجلهن، من الحفا. ومات خلق كثير من الجوع والعطش. ونهب ما كان لهم بالقدس، حتى بيع القنطار الزيت بالقدس بعشرة دراهم، ورطل النحاس بنصف درهم.\rوأكثر الشعراء القول في ذلك، فقال بعض أهل العلم - يشير إلى الملك المعظم - من أبيات:\rفي رجبٍ حلّل الحميّا ... وأخرب القدس في المحرّم !\rذكر استيلاء الفرنج على دمياط\rكان استيلاء الفرنج على ثغر دمياط في يوم الثلاثاء، لخمس بقين من شعبان سنة ست عشرة - وقيل لثلاث بقين منه.\rوذلك أنهم كانوا قد أحاطوا بها براً وبحراً، ومنعوا الميرة عن أهلها، حتى هلكوا من الجوع، ومات أكثرهم. وعدمت الأقوات، وغلت الأسعار حتى بيع السكر بزنته ذهباً، والدجاجة بثلاثين ديناراً، والبيضة بدينار، وبيعت بقرة بألف وستمائة دينار، واشترط البائع أن يكون له بطنها ورأسها، فباع ذلك بمائة دينار وأربعة عشر ديناراً مصرية - على ما حكاه ابن جلب راغب في تاريخه.\rقال: فلما اشتد بهم ذلك، بذل لهم الفرنج الأمان على أنهم يخرجون منها ويتسلمها الفرنج، فأجابوه إلى ذلك، وخرج الناس منها. وبقي من عجز عن الحركة، فأسرهم الفرنج، وحملوا في المراكب إلى عكا. فكانت مدة الحصار على ثغر دمياط ستة عشر شهراً، واثنين وعشرين يوماً. وكان السلطان إذا أراد أن يرسل إلى دمياط أرسل العوامين، فيحلمون الكتب ويغطسون في الماء، ويطلعون من تحت سور دمياط. فلما أحس الفرنج بذلك، عملوا شباكاً وخطاطيف من دمياط إلى البر الغربي، وثبتوا ذلك في المراكب. فصار العوام إذا غطس في الماء وقع في الشباك أو الخطاطيف، فيأخذونه فلا يكاد يفوتهم عوام، ويقتلون من يجدونه. فامتنع الدخول إليها.\rولما استولى الفرنج على ثغر دمياط، أشار السلطان الملك الكامل على أخيه الملك المعظم بالعود إلى الشام، وغزو الفرج من تلك الجهة، واستجلاب العساكر من بلاد الشرق.\rذكر عود الملك المعظم شرف الدين عيسى إلى الشام وما اعتمده\rقال الشيخ أبو المظفر: يوسف، سبط بن الجوزي في تاريخه: لما استولى الفرنج على ثغر دمياط، كتب إلى الملك المعظم كتاباً بخطه، يخبرني بما جرى على أهل دمياط من الكفر، ويقول: إني كشفت ضياع الشام فوجدتها ألفي ضيعة: ألف وستمائة أملاك لأهلها، وأربعمائة سلطانية. وكم مقدار ما تقوم هذه الأربعمائة من العساكر ؟ وأريد أن يخرج الدماشقة، ليذبوا عن أملاكهم - الأصاغر منهم والأكابر - ويكون لقاؤنا وهم في صحبتك إلى نابلس، في وقت سماه.","part":8,"page":63},{"id":3574,"text":"قال: فجلست في جامع دمشق، وقرأت كتابه عليهم، فأجابوا بالسمع والطاعة فلما حل ركابه بالساحل وقع التقاعد من الأماثل، فأوجب ذلك أخذ الثمن والخمس من أموالهم، مؤاخذةً لهم. قال: وخرجت أنا إليه بالساحل وهو نازل على قيسارية، فأقام بها حتى فتحها عنوةً، وفتح غيرها. وعاد إلى دمشق.\rوفاة ست الشام ابنة أيوب\rوإيقافها أملاكها، وتفرقة أموالها، وما فعله الملك المعظم مع قاضي الشام، بسبب ذلك وفي هذه السنة في ذي القعدة، كانت وفاة ست الشام بنت أيوب: أخت السلطان الملك الناصر صلاح الدين، والملك العادل. وهي شقيقة الملك المعظم: شمس الدولة تورانشاه، وسيف الاسلام: ابني أيوب.\rوكانت سيدة الخواتين. وهي التي ينسب إليها المدرستان، بدمشق وظاهرها، أحداهما قبلى البيمارستان النورى، والأخرى ظاهر دمشق بالعوينة. وتعرف أيضاً بالحسامية، نسبة إلى ابنها حسام الدين بن لاجين - وكانت دفنته بها. ودفنت هي معه في قبره. وهو القبر الذي يلي الباب القبو من القبور الثلاثة. والقبلي قبر تورانشاه بن أيوب، والأوسط قبر ابن عمها: ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شادي - وكان قد تزوجها بعد لاجين.\rوكانت - رحمها الله - كثيرة الصدقة والبر. وكانت تصنع الأشربة والأدوية والمعاجين والعقاقير، في كل سنة بألوف دنانير، وتفرقها على الناس. وكانت ست الشام، وأختها ربعية خاتون، محرماً على نيف وثلاثين ملكاً وسلطاناً.\rوكان الملك المعظم يتهمها أن عندها من الجواهر ما لا يحصى قيمته. وأن ذلك اتصل إليها مما كان بالقصور بالقاهرة. وكان كثير الإحسان إليها والبر بها، ويمنعها من الخروج من دمشق، ويظهر أن ذلك برأيها. ويرجو وفاتها عنده، ليستولي على أموالها وأملاكها، فاتفقت وفاتها وهو بالصيد.\rولما مرضت، جاء وكيلها ابن الشيرجي إلى قاضي القضاة: زكي الدين، وطلبه إليها بدارها. فأخذ معه أربعين عدلاً من أعيان دمشق، فشهدوا عليها أنها أوقفت أملاكها على مدرستها، ووجوه البر وأنواع القربات، وجعلت دارها مدرسة ووقفت عليها وقوفاً، وأبرأت جواريها وخدمها ووكلاءها. وماتت بعد ذلك. وأسندت وصيتها إلى القاضي. فعاد السلطان من الصيد، فوجد الأمر قد مضى على ذلك. فتألم لوقوعه، وأنكر على القاضي، وقال: يحضر إلى دار عمتي من غير إذني، ويسمع كلامها، هو والشهود !.\rثم اتفق بعد ذلك أن القاضي طلب جابي أوقاف المدرسة العزيزية - وهو سالم بن عبد الرازق، خطيب عقرباً - أخو المؤيد العقرباني - وطلب منه حسابها، فأغلظ له في القول. فأمر القاضي بضربه، فضرب بين يديه، كما تفعل الولاة.\rفوجد الملك المعظم سبيلا إلى إظهار ما عنده، فأرسل إلى القاضي بقجة، وهو في مجلس حكمه، وفي مجلسه الجمال المصري وكيل بيت المال، وجماعة كثيرة من العدول والمتحاكمين، فجاءه الرسول، وقال للقاضي: السلطان يسلم عليك ويقول لك: الخليفة - سلم الله عليه - إذا أراد أن يشرف أحداً من أصحابه خلع عليه من ملابيسه، ونحن نسلك طريقه ! وقد أرسل إليك من ملابيسه، وأمر أن تلبسها في مجلسك هذا، وأنت تحكم بين الناس. وكان الملك المعظم أكثر ما يلبس قباءً أبيض، وكلوتة صفراء. وفتح الرسول البقجة. فلما نظر القاضي إلى ما فيها وجم!.\rقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: فأخبرني الرسول الذي أحضر هذه الخلعة والرسالة بذلك، قال: وكان السلطان قد أمرني أن ألبسه إياها بيدي، إن امتنع أو توقف. فأشرت عليه بلبسها، وأعدت عليه الرسالة. فأخذ القباء ووضعه على كتفه، ووضع عمامته بالأرض ولبس الكلوتة الصفراء على رأسه، ثم قام ودخل بيته إثر هذه الحادثة، ورمى كبده ومات. ويقال أن ذلك كان في يوم الأربعاء، سابع عشرين شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة وستمائة.\rوفوض السلطان قضاء الشام بعده للجمال المصري وكيل بيت المال، وذلك في شهر رجب سنة ثمان عشرة وستمائة.\rقال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: وكانت حركةً قبيحة وواقعة شنيعة، لم يجر في الإسلام أقبح منها. وكانت من غلطات الملك المعظم. قال ولقد قلت له: ما فعلت إلا بصاحب الشرع، ولقد وجبت عليك دية القاضي. فقال: هو أحوجني إلى هذا. ولقد ندمت.\rواتفق أن الملك المعظم بعث إلى شرف الدين بن عنين الشاعر - حين تزهد - خمراً ونردا، وقال: سبح بهذا - إشارةً إلى أن زهده ليس حقيقة ! فكتب إليه ابن عنين:","part":8,"page":64},{"id":3575,"text":"يا أيها الملك المعظم، سنّةً ... أحدثتها، تبقى على الآباد\rتجرى الملوك على طريقك بعدها ... : خلع القضاة وتحفة الزّهّاد\rوفي هذه السنة، توفي الشيخ جلال الدين أبو محمد: عبد الله بن نجم ابن شاس بن نزار، بن عشائر بن عبد الله بن محمد بن شاس، الجذامي السعدي: الفقيه المالكي. وكان عالم مذهب مالك في زمانه. وصنف في مذهب مالك كتاباً نفيسا، سماه: الجواهر الثمينة في علم صاحب المدينة. فانتفع به المالكية انتفاعاً كثيرا. وكان مدرساً بمدرسة المالكية بمصر، المجاورة للجامع. ثم توجه إلى ثغر دمياط بنية الجهاد، فتوفى هناك في جمادى الآخرة، أو رجب، سنة ست عشرة وستمائة - رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي بالقاهرة القاضي: جمال الدين أبو الحسن علي، ابن القاضي شرف الدين أبو المعالي شكر، بن القاضي كمال الدين أبو السعادات: أحمد بن شكر، الشافعي - رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة سبع عشرة وستمائة:\rفي هذه السنة، كانت وقعة البرلس: بين السلطان الملك الكامل والفرنج. وكانت من الوقعات العظيمة، المشهورة. قتل من الفرنج فيها عشرة آلاف. وغنم المسلمون خيولهم وسلاحهم. فرجعوا إلى دمياط.\rوفيها أخذ ابن حسون - مقدم الشواني الإسلامية - للفرنج إحدى عشرة حراقة وفيها في يوم الاثنين، السابع عشر من جمادى الآخرة، احترق بمدينة قوص، بظاهرها - خان الأمير مجد الدين مكرم بن اللمطي. وعدم للتجار فيه ما يقارب قيمته خمسمائة ألف دينار.\rوكان متولي الأعمال القوصية، يومئذٍ، الأمير سيف الدين: سنقر الدوادار العادلي. فكتب الأديب الفاضل: نجم الدين عبد الرحمن ابن وهيب القوصي، عن المتولي، كتاباً إلى السلطان الملك الكامل، يخبره بهذه الحادثة، وهو: المملوك يقبل الأرض بالمقام العالي، المولوي السلطاني، الملكي الكاملي الناصري: غياث الاسلام، سلطان الأنام، ولي النعمة، كاشف غياهب الغمة، جامع فضيلتي السيف والقلم، ورافع زينتي العلم والعلم - لا زالت آيات ملكه باهرة، ونجوم خرصانه في سماء العجاج زاهرة، ووجوه أوليائه ناضرة، إلى ربها ناظرة ووجوه أعدائه ساهية ساهرة، تظن أن يفعل بها فاقرة.\rوينهى وقوع الكائنة التي عظم مصابها وأصاب عظيمها، وآلم موجعها وأوجع أليمها، وسقم بها من القلوب صحيحها، وصح بها من الخطوب سقيمها. وأحالت الأفكار في ميدان الفكرة، وأطلق من الألسن والأعين عنان العبرة والعبرة. وهي حلول النار بالخان، الذي أنشأه الأمير مجد الدين مكرم بن اللمطي بظاهر مدينة قوص وهذا الخان المذكور، قد كان محطاً للرفيق ومجتمعاً للسفار، يأتون إليه من كل فجٍ وطريق، خصوصا الكارم الإسكندري - عوضهم الله أموالهم، وبلغهم آمالهم - فلا ينزلون بغيره منزلا، ولا يختارون سواه حصناً وموئلاً. وإذا حل به أحدهم فكأنه ما فارق وطنه. يتخيرون منازله وغرفه، ويهرعون إليه كما يهرعون ليوم عرفة.\rفاتفق لقضاء الله السابق وقدره اللاحق، وإظهار ما كان من مغيبه مستورا، وتلاوتهم كان ذلك في الكتاب مسطورا - فاتفق يوم الاثنين السابع عشر من جمادى الآخرة، أن خطبت على أعاليه ألسن النيران، واسود الفضاء المشرق لتتابع الدخان. وعاين أهله الهلاك، وجاءهم الموت من كل مكان. فلم يلبثوا إلا ساعةً من نهار، وقد احدقت بهم النار إحداق الإجفان بالأحداق واستدار عليهم اللهب استدارة الأطواق بالأعناق. وتلا لهم لسان القدر: ما عندكم ينفد وما عند الله باق.\rوزحفت الخطوب إليه زحفا، وصار للوقت دكاً دكا. والناس حوله صفاً صفا. ولسان النار يقول: هل من مزيد ؟ ومدامع الخلق تهمى وتزيد، فعلت الأصوات عند ذلك بالدعاء، وكاد اللهب يخمد من جريان ماء البكاء، وشهد الناس منه اليوم المشهود. وهبت الأرياح فلم تخمد للأرواح ضراما، وخالفت هذه النار نار الخليل، فلم تعقب برداً وسلاما ! فكل مالكٍ لموضع صار فيه مالكا. وكل ذي حال حسنة حاله حالكا. فمن فائزٍ بنفسه دون نفائسه، ومن راغبٍ في هربه لشدة رهبه، ومن آبقٍ بمرده دون أهله وولده. قد لزم كل منهم ما يعنيه، وعمل بقوله عز وجل: يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امريءٍ منهم يومئذ شأن يغنيه. فإنا لله وانا إليه راجعون، ولأمره طائعون. لا صادق لمصادف قضائه، ولا صارف لصرف بلائه.","part":8,"page":65},{"id":3576,"text":"لم يبق هذا المصاب لهؤلاء القوم جلدا، ولم يؤخر عنه حزنا ولا كمدا. وكل أحد منهم يقول: أهلكت مالاً لبدا. فكم من كريم كان يجزل الهبات فصار جديرا بأن يتصدق بها عليه. وكم من ممولٍ كان يؤدى الزكاة فصار مستحقاً بأن تصرف إليه. كانوا أعزاء في الغربة بأموالهم، فصاروا أذلاء في المواطن لإقلالهم. لم يخلص لهم إلا النزر اليسير، والشيء الحقير، والقليل من الكثير مقدار أزوادهم إلى مواطنهم، وكفافهم إلى وصول مساكنهم.\rهذا، ولم يعلم السبب في وقوع النار. فقال قوم: صاعقةٌ سمائية، وقال قوم: آفةٌ أرضية. وتزاحمت في ذلك الظنون، وعند الله من علمه السر الكنون. إلا أن المملوك أرسل عليه من الماء طوفانا، وأجرى إليه بحارا - ولا أقول غدرانا - إلى أن عاد غريقاً بعد ما كان حريقا، وصار موردا بعد ما كان موقدا. وأصبح ماء ثجاجاً بعد ما كان سراجاً وهاجا. وعلموا أن المدفوع من بلاء الله أعظم، وقرأوا: ولكن الله سلم.\rأنهى المملوك ذلك، ليطالح بخفى الأحوال وجليها، حتى لا يخفى عن علمه السامي خافية - لا زالت أنوار المملوك بذلك المقام متوالية متلالية - إن شاء الله تعالى.\rوفيها، في العشر الآخر من شعبان، صرف قاضي القضاة تاج الدين ابن الخراط عن القضاء، بمصر والوجه القبلى.\rوسبب ذلك أن إحدى بنات مرزوق العلائي تزوجت بإنسان علاف اسمه داود، وهو غير كفءٍ لها. فاستدعاه السلطان إلى المنصورة، وعقد له مجلسا وسلم المرأة لزوجها. وصرف القاضي عن الحكم، وصك الشهود. وأضاف قضاء مصر والوجه القبلي لقاضي القضاة: شرف الدين بن عين الدولة الصفراوي.\rثم ولى القاضي تاج الدين المذكور، بعد ذلك، قضاء دمياط وكان بها، إلى أن مات - رحمه الله.\rوفيها خربت صفد. ثم عمرها الفرنج بعد ذلك، عندما تسلموها من الملك الصالح إسماعيل - في سنة ثمان وثلاثين.\rوفيها قتل صاحب سنجار أخاه. فسار الملك الأشرف إليها، فأخذها وعوض صاحب سنجار الرقة وفيها قصد مظفر الدين بن زين الدين - صاحب إربل - الموصل. فخرج إليه بدر الدين لؤلؤ، فهزمه زين الدين، فأفلت لؤلؤ وحده. فانتصر الملك الأشرف له، ونازل إربل. فبعث الخليفة إليه، فرده عنها، وأصلح بين الملوك.\rوفي هذه السنة، كانت وفاة الملك الفائز: إبراهيم، بن الملك العادل.\rوكان قد وافق الأمير عماد الدين بن المشطوب، وحلف له جماعةٌ من الأمراء بالديار المصرية على الملك الكامل. وكاد أمره يتم. فاتفق من إخراج ابن المشطور ما قدمناه. وبقي الملك الكامل في ضيقٍ منه.\rفيقال انه استشار الصاحب - صفي الدين بن شكر الوزير - في أمره، فأشار بإرساله إلى الملوك ببلاد الشرق، يستحثهم على الحضور. فلما كانت واقعة البرلس، قال السلطان الملك الكامل للملك الفائز: إن الملك المعظم قد أبطأ علينا والملك الأشرف، وليس لهذا المهم سؤال، فتوجه إلى أخيك الملك الأشرف، وعرفه ما نحن فيه من الضائقة. فتوجه.\rوكان الملك الأشرف على الموصل. فمرض الفائز بين سنجار والموصل. فمات - وقيل انه سم - فرده من معه إلى سنجار. فدفن عند تربة عماد الدين زنكي - رحمهما الله تعالى.\rوحكى ابن جلب راغب، في وفاته، أن السلطان جهزه إلى الملك الأشرف، باتفاق من الملك المعظم، وبرأي الصاحب صفي الدين، وأنه جهز معه شيخ الشيوخ، فسقاه سماً في طريقه. فلما شعر الفائز به، قال له: يا شيخ السوء فعلتها بي ! كل من هذا الذي أحضرته. فأكل منه، فماتا جميعاً.\rوحكى غير ابن جلب راغب - وهو أقعد منه بهذه الحادثة - في وفاة شيخ الشيوخ، فقال ما معناه: كانت وفاة شيخ الشيوخ: صدر الدين أبي الحسن محمد، بن الإمام شيخ الشيوخ عماد الدين أبي الفتوح عمر، ابن الفقيه أصيل خراسان أبي الحسن علي، بن الإمام الزاهد: أبي عبد الله محمد، بن حمويه، الحموي الخراساني النيسابوري الجويني، البحيراباذي الشافعي - في منتصف جمادى الآخرة - وقيل في يوم الاثنين رابع عشرين الشهر بالموصل، بعلة الذرب. وكان الملك الكامل قد أرسله إلى الخليفة، يستنجده على الفرنج، فمرض بين حران والموصل، فوصل إلى الموصل ومات بها. وقيل كانت وفاته في جمادى الأولى.","part":8,"page":66},{"id":3577,"text":"ومولده بجوين في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. وجوين هذه، التي نسب إليها، ناحية كبيرة من نواحي نيسابور، وإليها ينسب إمام الحرمين أبو المعالي: عبد الملك الجويني. وأما أبو المعالي الجويني: محمد بن الحسن ابن عبد الله - فهو منسوب إلى جوين: قريةٍ من قرى سرخس. وهو إمام فاضل. وأما وقاد بن قيس الجويني الشاعر فمنسوب إلى جوين: بطنٍ من سنبس.\rوفي هذه السنة كانت وفاة السيد الشريف: قتادة بن إدريس، الزيدي الحسني العلوي، أمير مكة. وكنيته أبو عزيز. كان رحمه الله - عادلاً منصفا. واطمأن الحاج في أيامه. وما وطيء بساط خليفةٍ قط. وكان يحمل إليه في كل سنة من بغداد الخلع والذهب. وكان يقول: أنا أحق بالخلافة من غيري.\rوبعث إليه الخليفة الناصر يستدعيه، ويقول له: أنت ابن العم والصاحب، وقد بلغني شهامتك وحفظك للحاج، وعدلك وشرف نفسك، وقد أحببت أن أراك وأشاهدك، وأحسن إليك. فكتب إليه:\rولى كفّ ضرغام أدلّ ببسطها ... وأشرى بها بين الورى وأبيع\rتظلّ ملوك الأرض تلثم ظهرها ... وفى وسطها للمجدبين ربيع\rأأجعلها تحت الرّجا، ثم أبتغي ... خلاصاً لها، إني إذاً لوضيع\rوما أنا إلا المسك في كل بقعة ... يضوع، وأما عندكم فيضيع\rوكانت وفاته - رحمه الله - إحدى الجماديين، بمكة - شرفها الله تعالى - وله سبعون سنة.\rوملك بعده ابنه الحسن - وقيل أن ابنه الحسن سمه - وكان له ولد آخر اسمه: راجح. وكان قتادة قد اتسعت ولايته من حدود اليمن إلى المدينة: وله قلعة ينبع واستكثر من المماليك. وذكر ابن الأثير وفاته في سنة ثمان عشرة. والله أعلم.\rوفيها، كانت وفاة الملك المنصور: محمد بن عمر بن شاهنشاه ابن أيوب - صاحب حماه.\rوكان شجاعاً محباً للعلماء. وصنف كتابا سماه: المضمار جمع فيه جملةً من التواريخ، وأسماء من ورد عليه وأقام عنده، في عشرة مجلدات. وكان كثير الصدقة، حافظاً لرعيته. وكانت وفاته بحماه في شوال، ودفن عند أبيه.\rوقام بعده بملك حماه ولده الأكبر: الملك الناصر قليج أرسلان.\rثم أخذ منه الملك الكامل حماه، وأعطاه لأخيه الملك المظفر، واعتقل قليج أرسلان في الجب بقلعة الجبل، بظاهر القاهرة المعزية.\rوفيها كانت وفاة الملك الصالح: نجم الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن أرتق، صاحب آمد. وكان شجاعا عاقلاً جوادا، محباً للعلماء. وكان الملك الأشرف يحبه، وحضر إلى خدمة الأشرف غير مرة إلى دنيسر، وغيرها. ومات بآمد في صفر.\rوقام بعده ولده الملك المسعود. وكان ضد اسمه: بخيلاً فاسقا. حضره الملك الكامل بعد ذلك في آمد، ووجد في قصره خمسمائة امرأة من الحرائر يفترسهن، من بنات الناس. فأخذه الكامل إلى مصر، وأحسن إليه. وكاتب الروم وسعى في هلاك الكامل. فقبض عليه واعتقله في الجب. ثم أطلقه، فتوجه إلى التتار. وكان معه جواهر كثيرة، وأخت جميلة، فقتله التتار، وأخذوا ما معه.\rوفيها، في العشر الأول من ذي الحجة، توفي الشيخ القدوة العارف: أسد الشام عبد الله اليوناني صاحب الكرامات المشهورة والرياضات والمجاهدات. وكان - رحمه الله ورضي عنه - لا يقوم لأحدٍ من الملوك ولا لغيرهم، تعظيماً لله تعالى، ويقول: لا ينبغي القيام لغير الله تعالى. وكان لا يمس بيده درهماً ولا دينارا، ولا يلبس غير الثوب الخام، وقلنسوة من جلد الماعز. ويبعث إليه بعض أصحابه في الشتاء بفروة قرظ، يلبسها، ثم يؤثر بها إذا اشتد البرد. وكان إذا لبس ثوباً قال: هذا لفلان وهذا لفلانة، يوعد به ويعطيه إذا أتاه غيره.\rوكان من خبر وفاته أنه دخل الحمام في يوم الجمعة واغتسل، ولبس ثوبيه، وكان قد سماهما لا مرأتين، وصلى الجمعة بجامع بعلبك وهو صحيح. وجاءه داود المؤذن وكان يغسل الموتى، فقال له: ويحك يا داود، انظر كيف تكون غداً ! فلم يفهم. ثم صعد الشيخ المغارة، وكان قد أمر الفقراء أن يقطعوا الصخرة التي عند اللورة، التي كان ينام تحتها ويجلس عندها، وعندها قبره. فنجزت في نهار الجمعة، وبقي منها مقدار نصف ذراع. فقال لهم: لا تطلع الشمس إلا وقد فرغتم منها.","part":8,"page":67},{"id":3578,"text":"وبات في ليلة السبت، وهو يذكر أصحابه ومعارفه، ويدعو لهم حتى طلع الفجر. فصلى بهم الصبح، وخرج إلى صخرة كان يجلس عليها، فجلس وبيده سبحة. وقام الفقراء ليكملوا حفر الصخرة، فطلعت الشمس وقد فرغوا منها، والشيخ قاعد وبيده السبحة. وجاء خادم من القلعة إليه في شغل، فرآه نائما، فما تجاسر أن يوقظه. فجلس ساعة، فلما طال مجلسه قال لخادم الشيخ: يا عبد الصمد، ما أستطيع أن أقعد أكثر من هذا. قال عبد الصمد: فتقدمت إليه، وناديته: سيدي سيدي ! فما تكلم. فحركته، فإذا هو ميت ! فارتفع الصياح.\rوكان الملك الأمجد - صاحب بعلبك - في الصيد، فأرسلوا إليه. فجاء، فرآه على تلك الحال: لم يقع: ولا وقعت السبحة من يده، وهو كأنه نائم ! فقال: نبني عليه بنياناً وهو على حاله، ليكون أعجوبة ! فقال أتباع الشيخ: السنة أولى. وغسله داود، ودفع الثوبين للمرأتين.\rولما ألحدوه، قال له الحفار: يا شيخ عبد الله، اذكر ما فارقتنا، أو اذكرنا عند ربك. قال: ففتح عينيه، ونظر إلى شزراً. ودفن رحمه الله في يوم السبت، وقد جاوز ثمانين سنة. والأخبار عنه في الكرامات كثيرة، قد اقتصرنا على هذه النبذة.\rواستهلت سنة ثماني عشرة وستمائة:\rانهزام الفرنج واستعادة ثغر دمياط\rوتقرير الهدنة في هذه السنة، توجه الملك المعظم شرف الدين عيسى، بن السلطان الملك العادل، إلى أخيه الملك الأشرف، واجتمعا على حران.\rوكان الملك المعظم من أحرص الناس على إعانة أخيه الملك الكامل، على استعادة ثغر دمياط من الفرنج. وكان الملك الأشرف قد باين الملك الكامل، وتقاعد عنه في هذه الحادثة: فتلطف الملك المعظم بالملك الأشرف، ولم يزل به حتى قطع الفرات بالعساكر، والمعظم يقدمه، إلى أن نزل الملك المعظم على حمص، والأشرف على سلمية.\rقال أبو المظفر يوسف، في تاريخه: وكنت قد توجهت إلى حمص لطلب الغزاة، وكان العزم قد وقع على دخول العساكر إلى طرابلس. فاجتمعت بالملك المعظم على حمص في شهر ربيع الآخر. فقال لي: قد سحبت الأشرف إلى ههنا بأسناني وهو كاره، وكل يوم أعتبه في تأخره وهو يكاشر، وأخاف من الفرنج أن يستووا على مصر. وهو صديقك، فتوجه إليه، فإنه قد سألني عنك مرارا.\rقال: ثم كتب كتابا إلى أخيه بخطه نحو ثمانين سطرا، فأخذته وتوجهت إليه إلى سلمية ؟ فتلقاني وأكرمني، فقلت له: المسلمون في ضائقة، وإذا أخذ الفرنج الديار المصرية، ملكوا حضرموت وعفوا آثار مكة، وأنت تلعب ؟ قم الساعة وارحل. فأمر برمي الخيام والدهليز لوقته. وقمت فركبت، وسبقته إلى حمص. فركب المعظم والتقى بي، وقال: والله ما نمت البارحة، ولا أكلت في يومي هذا ! فأخبرته أن الملك الأشرف يصل إليه بكرة الغد. فسر بذلك، ودعا لي. وأقبلت الأطلاب من الغد. وجاء الأشرف فما رأيت أجمل من طلبه، ولا أحسن رجالا ولا أكمل عدة.\rقال: وبات الأخوان الملكان في تلك الليلة يتشاوران. فاتفقا على الدخول في السحر إلى طرابلس، وكانوا على أحسن حال. فأنطق الله الملك الأشرف - من غير قصد - وقال للمعظم: يا خوند، م عوض دخولنا إلى الساحل ونضعف عساكرنا وخيلنا، ونضيع الزمان، ما نتوجه إلى دمياط ونستريح ! فحلفه المعظم بقول رماة البندق فحلف، وقبل المعظم قدمه.\rونام الأشرف، فخرج المعظم من الخيمة ونادى في الناس: الرحيل إلى دمياط، وما كان يظن أن الأشرف يسمح بذلك. وساق المعظم إلى دمشق، وتبعته العساكر. ونام الأشرف في خيمته إلى وقت الظهر، وانتبه فدخل الحمام فلم ير حول خيمته خيمة ! فسأل عن العساكر، فأخبر بالخبر. فسكت وركب إلى دمشق. ونزل القصر في رابع عشر جمادى الأولى، فأقام بها إلى سلخ الشهر.\rوعرض العساكر، وتوجه إلى مصر، هو والملك المعظم - في غرة جمادى الآخرة. ووصلوا إلى المنصورة، في ثالث شهر رجب من السنة. ووصل أيضاً الملك المظفر بن الملك المنصور، صاحب حماه، وغيره من الملوك. هذا ما كان من خبر هؤلاء.","part":8,"page":68},{"id":3579,"text":"وأما الملك الكامل، فإنه في هذه السنة اجتهد في قتال الفرنج.. واستمر القتال بينهم وبينه في البر والبحر. وطلع النيل وعم البلاد، وجرى في بحر المحلة، فرتب السلطان مراكب الأسطول في بحر المحلة، ومنع الميرة عن الفرنج. فاشتد ضررهم لذلك، وعدموا القوت. وعزموا على الرجوع إلى دمياط، فأحرقوا أثقالهم وهربوا ليلاً. فأمر السلطان بقطع جسر البرمون، وغيره من الجسور، فقطعت. فأحاط بهم النيل من كل جانب. وكان فيهم مائة كند، وثمانمائة من الخيالة المعروفين، وملك عكا، والدوك واللوكان نائب الباب، ومن الرجالة ما لا يحصى كثرة.\rفلما عاينوا الهلاك، رسالوا السلطان، وبذلوا له أن ينزلوا على ثغر دمياط، ويؤمنهم على أنفسهم وأموالهم. فأجابهم إلى ذلك. ووصل الملكان: الأشرف والمعظم في هذه الأيام. وتقررت الهدنة ثماني سنين، وأنه يطلق جميع الأسرى من الجهتين.\rوجلس الملك الكامل مجلساً عظيماً. ووقف الملك الأشرف والملك المعظم وسائر الملوك في خدمته. ولم يجلس معه إلا الملك المعظم محمد بن سنجرشاه، بن أتابك، صاحب جزيرة ابن عمر - وكان قد وصل إلى الملك الكامل في أوائل هذه السنة، قبل وصول الأشرف والمعظم - وعظمه الملك الكامل تعظيماً كثيراً. وكان في مدة مقامه عنده، إذا حضر رسل الفرنج يقول لهم الملك الكامل: إنه الآن لا حكم لي، وحديثكم مع ملك الشرق، والأمر له. وحضر رسول الفرنج مرة، فوقف الملك الكامل بين يدي الملك المعظم هذا، وكذلك من كان بحضرته من الملوك الأيوبية. وكان الملك المعظم محمد شكلاً مهيباً، جهوري الصوت، هيول الخلقة ففرق رسل الفرنج منه. ولما جلس السلطان في هذا اليوم، أراد الملك المعظم الوقوف بين يديه مع الملوك الأيوبية، فلم يمكنه من ذلك، وأجلسه إلى جانبه.\rوحضر الملك يوحنا - صاحب عكا - إلى السلطان بظاهر البرمون، بعد أن أعطاه السلطان رهاين: ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأخاه الملك المفضل قطب الدين، وجماعة من أولاد الأمراء. فحلف يوحنا للسلطان، ولأخويه: الأشرف والمعظم، وحلفوا له. وذلك في يوم الأربعاء، لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رجب، من السنة.\rوتسلم ثغر دمياط في تساع عشر شعبان من السنة. فكانت مدة استيلاء الفرنج على الثغر سنتين، إلا ستة أيام. ومدة مقامهم بالديار المصرية ثلاث سنين، وأربعة أشهر، وستة عشر يوماً. وتوجه الفرنج إلى عكا: بعضهم في البر، وبعضهم في البحر.\rوعاد الملك المعظم، صاحب الجزيرة، والملك المعظم، صاحب دمشق، إلى ممالكهما. وتأخر الملك الأشرف عند السلطان الملك الكامل، وتصافيا، وزال ما عند كلٍ منهما من الآخر. واتفقا على الملك المعظم صاحب الشام.\rذكر رجوع السلطان إلى القاهرة وإخراج الأمراء إلى الشام\rقال: ولما تسلم السلطان ثغر دمياط، وعاد الفرنج إلى بلادهم، رجع السلطان إلى القاهرة. واستقر بقلعة الجبل.\rثم ركب في ذي القعدة، وجاء إلى منظرة الصاحب صفي الدين بن شكر، لزيارته. فزاره، واستشاره في أمر الأمراء، الذين كانوا مع عماد الدين بن المشطوب، لما قصد إقامة الفائز. فأشار بإخراجهم من البلاد. وكانوا في الجزيرة، مقابل ثغر دمياط، لعمارتها. فكتب السلطان إليهم بالانصراف، إلى حيث اختاروا. فتوجهوا إلى الشام. ولم يتعرض لشيء من موجودهم، وأقطع أخبازهم لمماليكه.\rفي هذه السنة - أعنى سنة ثماني عشرة وستمائة - كانت وفاة أمين الدين أبو الدر: ياقوت بن عبد الله الموصلي، الكاتب المعروف بالمالكي - نسبة إلى السلطان ملكشاه السلجقي. إليه انتهى حسن الخط وجوده الكتابة في زمانه، وما أدى أحدٌ طريقة ابن البواب في زمانه مثله. وكتب كثيراً من الكتب. وانتشر خطه. وكان مغرى بنقل صحاح الجوهري، كتب منها نسخاً كثيرة: كل نسخة في مجلدة واحدة. قال ابن خلكان: ورأيت منها نسخاً عدة، وكل نسخة تباع بمائة دينار. وكتب عليه خلقٌ كثير، وانتفعوا به. وقصده الناس من البلاد إلى الموصل. وبها مات، وقد أسن وتغير خطه - رحمه الله.\rواستهلت سنة تسع عشرة وستمائة:\rفي هذه السنة - في أولها - وصل الملك الأشرف إلى القاهرة إلى أخيه الملك الكامل، وأمر بعمارة تربة لوالدته بالقرافة. وعاد في شعبان من السنة.","part":8,"page":69},{"id":3580,"text":"وفيها ظهر بالشام جرادٌ كثير، لم يعهد مثله. فأكل الزرع والشجر. فأظهر الملك المعظم أن ببلاد العجم طائراً، يقال له: السمرمر يأكل الجراد. فأرسل الصدر البكري محتسب دمشق، ورتب معه صوفية، وقال: تمضي إلى العجم. فهناك عينٌ يجتمع فيها السمرمر، فتأخذ من مائها قوارير، وتعلقه على رءوس الرماح، فكلما رآه السمرمر يتبعك ! وكان قصد الملك المعظم في إرسال البكري أن يتوجه إلى السلطان: جلال الدين خوارزم شاه ويتفق معه، لما بلغه إتفاق الملك الكامل والأشرف عليه. فتوجه البكري، واجتمع بالسلطان جلال الدين، وقرر معه الأمور، وجعله سنداً للملك المعظم. وكان الجراد قد قل، فلما عاد البكري كثر وولاه الملك المعظم مشيخة الشيوخ مضافة إلى الحسبة.\rوفيها نقل الملك العادل في تابوته من قلعة دمشق إلى مدرسته، التي أنشأها عند دار العقيقي. وأخرجت جنازته من القلعة، وعليها مرقعته، وأرباب الدولة حوله. ودخلوا من باب البريد إلى الجامع، ووضع في صحن الجامع، قبالة حائط النسر. وصلى عليه الخطيب الدولعي. ثم حملوا جنازته وخرجوا من باب البطاقين، خوفاً من ازدحام الناس في الطريق. فلم يصل إلى تربته إلا بعد جهد، لضيق المسلك. وتردد القراء والفقهاء مدةً إلى التربة، غدوة وعشية. ولم تكن كملت عمارتها.\rثم درس فيها قاضي القضاة جمال الدين المصري، قبل كمال عمارتها. وحضر السلطان الملك المعظم، وتكلم في الدرس مع الجماعة.\rوكان الإجماع بالإيوان الشمالي بالمدرسة. وجلس عن يمين السلطان إلى جانبه - الشيخ جمال الدين الحصيري شيخ الحنفية، ويليه شيخ الشافعية: الشيخ فخر الدين بن عساكر، ثم القاضي شمس الدين الشيرازي، ثم القاضي محيي الدين بن الزكي. وجلس عن يسار السلطان، إلى جانبه، مدرس المدرسة قاضي القضاة، وإلى جانبه سيف الدين علي الآمدي، ثم القاضي شمس الدين يحيى بن سني الدولة، ثم القاضي نجم الدين خليل قاضي العسكر. ودارت حلقةٌ صغيرة، والناس وراءهم متصلون ملء الإيوان. وكان في تلك الحلقة أعيان المدرسين والفقهاء. وقبالة السلطان الشيخ تقي الدين بن الصلاح وغيره. وكان مجلساً جليلاً، لم يقع مثله إلا في سنة ثلاث وعشرين وستمائة.\rذكر توجه الملك المسعود بن الملك الكامل من اليمن إلى الحجاز، وما اعتمده\rفي هذه السنة، حج الملك المسعود بن السلطان الملك الكامل بالناس من اليمن، في عسكر عظيم.\rوجاء إلى الجبل وقد لبس هو وأصحابه السلاح، ومنع علم الخليفة. أن يصعد إلى الجبل. وأصعد علم أبيه: الملك الكامل، وعلمه. وقال لأصحابه: إن طلع البغاددة بعلم الخليفة فاكسروه، وانهبوهم. ووقفوا تحت الجبل من الظهر إلى غروب الشمس، يضربون الكوسات ويتعرضون إلى الحاج العراقي، وينادون: يا ثارات ابن المقدم.\rفأرسل إليه حسام الدين بن أبي فراس - أمير الحاج العراقي - أباه، وكان شيخاً كبيراً، فعرفه ما يجب من طاعة الخليفة، وما يلزمه من ذلك من الشناعة. فيقال إنه أذن في صعود العلم قبيل الغروب. وقيل لم يأذن.\rوبدا من الملك المسعود أقسيس في هذه الواقعة جنونٌ عظيم، وأفعالٌ شنيعة. قال أبو المظفر: حكى لي شيخنا جمال الدين الحصيري، قال: رأيت أقسيس قد صعد على قبة زمزم، وهو يرمى حمام مكة بالبندق ! قال: ورأيت غلمانه في المسعى يضربون الناس بالسيوف في أرجلهم، ويقولون: اسعوا قليلاً قليلاً، فإن السلطان نائمٌ سكران في دار السلطنة التي بالمسعى. والدم يجري من ساقات الناس !.\rوفيها، في العشرين من شعبان، ظهر كوكبٌ كبير في الشرق، له ذؤابةٌ طويلة غليظة. وكان طلوعه وقت السحر، فبقي كذلك عشرة أيام. ثم ظهر أول الليل في المغرب مما يلي الشمال. فبقي كذلك إلى آخر شهر رمضان.\rوفي هذه السنة، توفي الملك المفضل قطب الدين أحمد بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب، بالفيوم. ونقل إلى القاهرة فدفن بالقرافة الصغرى.\rوإلى قطب الدين هذا، تنسب الدار القطبية التي بين القصرين بالقاهرة المعزية، التي هي الآن البيمارستان المنصوري. وكان قد جمع أخواته بنات الملك العادل، بعد وفاة أبيه، وسكنها، وهن تحت كنفه، فسميت الدار القطبية به - رحمه الله تعالى.","part":8,"page":70},{"id":3581,"text":"وفيها توفي الأمير عماد الدين: أبو العباس أحمد، بن الأمير الكبير سيف الدين أبي الحسن علي، بن أحمد، بن أبي الهيجا، بن عبد الله، بن أبي الخليل بن مورتان، الهكاري، المعروف بابن المشطوب. والمشطوب لقب والده، لقب به لشطبةٍ كانت بوجهه.\rوكان أميراً كبيراً، وافر الحرمة عند الملوك، يعدونه بينهم كواحد منهم. وكان عالي الهمة غزير الجود، واسع الكرم، شجاعاً أبي النفس. وكان من أمراء الدولة الصلاحية. فإن والده لما توفي، كانت نابلس إقطاعاً له، أرصد منها السلطان الملك الناصر صلاح الدين الثلث لمصالح بيت المقدس، وأقطع ولده عماد الدين هذا بقيتها. ولم يزل قائم الجاه والحرمة نافذ الكلمة، إلى أن صدر منه على ثغر دمياط ما قدمنا ذكره. وكان من خبره واعتقاله ما قدمناه. ثم كانت وفاته بحران. وبنت له ابنته قبةً على باب مدينة رأس عين، ونقلته من حران إليها، ودفنته بها.\rوأما والده - رحمه الله تعالى - فكان من أكابر الأمراء الصلاحية. وكان الملك الناصر قد رتبه بعكا، هو وبهاء الدين قراقوش الأسدي. ولما خلص منها، وصل إلى السلطان وهو بالقدس. قال ابن شداد: إنه دخل عليه بغتةً، وعنده الملك العادل، فنهض إليه واعتنقه، وسر به سروراً عظيماً. وأخلى له المكان، وتحدث معه طويلاً.\rولم يكن في الدولة الناصرية من يضاهيه في الرتبة وعلو المنزلة. وكانوا يسمونه: الأمير الكبير. وكان ذلك علماً عليه عندهم، لا يشاركه فيه غيره. وكان إقطاعه - نابلس وغيرها - بعد خلاصه من الأسر - ثلاثمائة ألف دينار. وكانت وفاته - أعنى والده - بالقدس، في يوم الخميس سادس عشر شوال، سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، بعد خلاصه من الأسر بعكا بمائة يوم. وفدن بداره، بعد أن صلى عليه في المسجد الأقصى - رحمه الله تعالى.\rوفيها توفي جلال الدين أبو بكر، بن القاضي كمال الدين أبي السعادات: أحمد بن شكر.\rواستهلت سنة عشرين وستمائة:\rملك الملك المسعود مكة\rوفي هذه السنة، ملك الملك المسعود أقسيس بن السلطان الملك الكامل - صاحب اليمن - مكة - شرفها الله تعالى. وكان صاحبها يومئذ: الأمير حسن بن قتادة، وكان قد اساء السيرة. فسار إليه الملك المسعود وقاتله بالمسعى ببطن مكة، في رابع شهر ربيع الآخر. فتغير الخليفة الناصر لدين الله على الملك الكامل، بسبب ذلك.\rعصيان الملك المظفر شهاب الدين\rغازي على أخيه الملك الأشرف وقتاله، وانتصار الملك الأشرف وفي هذه السنة، عاد الملك الأشرف موسى من الديار المصرية، من عند أخيه الملك الكامل. فلما وصل إلى دمشق، تلقاه أخوه الملك المعظم عيسى، وعرض عيه النزول بالقلعة. فامتنع، ونزل بجوسق أبيه. وبدت الوحشة بين الإخوة: الكامل والمعظم والأشرف.\rوركب الأشرف من الجوسق في وقت السحر، فسار ونزل ضمير. ولم يعلم المعظم برحيله. وسار يطوي البلاد إلى حران. وكان الأشرف قد استناب أخاه الملك المظفر شهاب الدين غازي، صاحب ميافارقين، بخلاط، لما توجه إلى مصر، وجعله ولي عهده، ومكنه في جميع بلاده. فسولت له نفسه العصيان، وحسنه له أخوه الملك المعظم، وغيره، ووعدوه المساعدة والإنجاد على أخيه الأشرف.\rفسار الأشرف من حران إلى سنجار. وكتب إلى أخيه غازي أن يحضر إليه، فامتنع. فكتب إليه ثانياً، يحذره عاقبة العصيان، ويلاطفه ويقول له: أنت ولي عهدي، والبلاد والخزائن بحكمك، فلا تخرب بيدك وتسمع كلام أعدائك. فأصر على العصيان.\rفجمع الأشرف عساكر الشرق وحلب، وتجهز وسار إليه. وجمع غازي جمعاً، وخرج إليه. والتقوا، واقتتلوا، في سنة إحدى وعشرين وستمائة. وقاتل غازي قتالاً شديداً. وكان أهل خلاط يحبون الملك الأشرف. فبينما غازي يقاتل من باب فتح أهل خلاط باباً آخر. وأصعدوا صناجق الأشرف منه، ونادوا بشعاره. فهرب غازي إلى القلعة، وتحصن بها يومين.\rثم نزل إلى أخيه الملك الأشرف، واعتذر. فقبل عذره، وأعاده إلى ميافارقين وديار بكر. فتوجه إلى ميافارقين، مريضاً من جراحات أصابته. وأقام الملك الأشرف بخلاط ثلاثة ايام، وسلمها لمملوكه أيبك والحاجب علي، ورجع إلى رأس عين.\rوكان الملك المعظم قد خرج من دمشق، ونزل بالقطنة، لإنجاد أخيه غازي على أخيه الأشرف. وبعث إليه عيسى الدباهي سراً. فوصل، وقد فات الأمر. ورجع المعظم إلى دمشق، وذلك في سنة إحدى وعشرين وستمائة.","part":8,"page":71},{"id":3582,"text":"وفيها كانت وفاة مبارز الدين سنقر الحلبي - الصلاحي - والد الظهير.\rوكان قبل ذلك مقيماً بحلب، ثم انتقل إلى ماردين فخاف الملك الأشرف عاقبة قربه، فبعث إلى أخيه الملك المعظم يقول: ما دام المبارز في الشرق لا آمن على نفسي ! فبعث إليك الملك المعظم ولده الظهير غازي، يلتمس منه وصوله إليه، ويعرفه رغبته فيه، ووعده أن يقطعه نابلس، وما اختار من بلاد الشام.\rفتوجه إليه ولده الظهير، وأبلغه رسالة الملك المعظم إليه. وعرفه رغبته فيه. فأشار عليه صاحب ماردين أن يقيم، ولا يتوجه، وقال: هذه خديعة. ومكنه من مملكته وخزائنه. فأبى إلا الانحياز إلى الملك المعظم. وتوجه إلى الشام، في سنة ثماني عشرة وستمائة.\rفخرج المعظم إليه وتلقاه، ولم ينصفه. ونزل بدار شبل الدولة الحسامي بقاسيون. وأعرض المعظم عنه، إلى أن تفرق عنه من كان حوله، وأنفق ما كان في حاصله، واحتاج إلى بيع دوابه وقماشه. ولم يزل كذلك إلى أن مات غماً، في هذه السنة. وكان قد وصل إلى الشام، ودائرته بمائة ألف دينار، فمات وليس له ما يكفن فيه ؟؟! فقام بتجهيزه شبل الدولة كافور الحسامي، وابتاع له تربةً بألف درهم، ودفنه بها.\rوكانت للمبارز المواقف المشهودة، حتى يقال إنه لم يكن في زمانه أشجع ولا أكرم منه. ويقال إنه كان مملوك شمس الدولة تورانشاه بن أيوب - رحمهما الله تعالى.\rواستهلت سنة إحدى وعشرين وستمائة:\rذكر وصول الملك المسعود من اليمن\rوفي هذه السنة، قدم الملك المسعود أقسيس - بن الملك الكامل - من اليمن إلى القاهرة، من جهة الحجاز. وإنما جاء طمعاً في أخذ دمشق والشام.\rوكان معه من الهدايا والتحف أشياء كثيرة: من جملة ذلك ثلاثة أفيلة، الكبير منها يدعى بالملك، وعليه محفة بدرابزين، يجلس فيها على ظهره عشرة أنفس، وفياله راكبٌ على رقبته، وبيده كلاب يضربه به، ويسوقه كيف أراد ! وركب السلطان الملك الكامل للقائه. فلما دنت الفيلة منه، وضعت رؤوسها إلى الأرض، خدمة للسلطان ! وكان في جملة الهدية مائتا خادم، وأحمال من العود والمسك والعنبر، وتحف اليمن.\rوقيل إن قدمته هذه كانت في سنة ثلاث وعشرين. والله أعلم.\rوفيها، أنشأ الملك الكامل دار الحديث الكاملية التي بالقاهرة المعزية بين القصرية وهي تقابل باب القصر، المعروف بباب البحر.\rوفي سنة إحدى وعشرين أيضاً - في سلخ شعبان - توفي الوزير الأعز فخر الدين أبو الفوارس مقدام بن القاضي كمال الدين أبو السعادات أحمد بن شكر ومولده في سنة إحدى وستين وخمسمائة.\rوتوفي الصاحب صفي الدين أبو محمد عبد الله، بن المخلص أبي الحسن علي، بن الحسين بن عبد الخالق، بن الحسين بن الحسن بن منصور - الشيبي القرشي المالكي، المعروف بابن شكر. ولم يكن من بني شكر، إنما هو ابن عم كمال الدين أحمد بن شكر لأمه، فعرف به.\rومولده بالدميرة: بلدةٌ من الأعمال الغربية بالديار المصرية - في تاسع صفر، سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وقد تقدم ذكر وزارته وعزله وإعادته، وغير ذلك من أحواله. وكانت وفاته في يوم الجمعة ثامن شعبان، ودفن برباطه الذي أنشأه بالقاهرة، بالقرب من مدرسته.\rوكان شديد البطش، عظيم الهيبة سريع البادرة، جسوراً مقداماً. وقاسى الناس منه شدائد كبيرة. وانتزح جماعةٌ من الأكابر عن أوطانهم بسببه. وكان كريماً، إلا أنه لم يسمع بوزير من المتعممين كان أظلم منه.\rولما مات، استوزر السلطان الملك الكامل بعده ولده: الصاحب تاج الدين يوسف، نحو شهرين. ثم قبض عليه واعتقله. وانتصب السلطان الملك الكامل للأمور بنفسه، وقرر مصالح دولته، ونظر في وجوه الأموال ومصارفها، واستصفى أموال الصاحب صفي الدين، وذخائره وأملاكه.\rوفيها، في سلخ شوال، توفي القاضي الأسعد: أبو البركات عبد القوي، بن القاضي الجليس: مكين الدولة أبي المعالي عبد العزيز بن الحسين، بن عبد الله بن الحباب - رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة ثنتين وعشرين وستمائة:\rضرب الفلوس بمصر\rفي هذه السنة في ذي القعدة، ضربت الفلوس بالقاهرة ومصر، وصارت من جملة النقود. وتقررت القيمة عن كل درهم ورق، من معاملة الديار المصرية، ستة عشر فلساً. ثم أبطلت المعاملة بها، في سنة ثلاثين وستمائة. ثم عادت.","part":8,"page":72},{"id":3583,"text":"وفيها ضربت دراهم مستديرة، وأمر السلطان أن لا يتعامل بالدراهم المصرية العتق، وحصل للناس ضررٌ عظيم بسبب ذلك، وصار كل ما يتحصل منها يسبك ويضرب من الجديد، وبلغ ضرب العتيق ستين درهما بدينار.\rوفيها، في يوم الأربعاء سابع عشر شعبان، استخدم السلطان الملك الكامل القاضي سديد الدين: أبا عبد الله محمد بن سليم، صاحب ديوان الجيوش. ثم صرف بعد ذلك بمدة يسيرة. وهو والد الصاحب بهاء الدين علي، المعروف بابن حنا: وزير الدولة الظاهرية الركنية - وسيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى.\rوفيها صلب الملك المعظم عيسى رجلاً، يقال له: ابن الكعكي، ورفيقاً له.\rوكان ابن الكعكي رأس حرب، وله جماعةٌ أتباع وكانوا ينزلون على الناس في البساتين، ويقتلون وينهبون. والمعظم يوم ذاك بالكرك، وبلغه أن ابن الكعكي قال لأخيه الملك الصالح إسماعيل: أنا آخذ لك دمشق، وكان إسماعيل ببصرى. فكتب الملك المعظم إلى متولي دمشق أن يصلب ابن الكعكي، ورفيقه، منكسين. فصلبا، في العشر الآخر من شهر رمضان. فأقاما أياماً لا يجسر أحد أن يطعمهما ولا يسقيهما، فماتا. وقدم الملك المعظم دمشق بعد وفاتهما، فمرض مرضاً أشفى منه، ثم أبل. ولم يزل ينتقض عليه، حتى مات. وكان رفيق ابن الكعكي خياطاً، شهد له أهل دمشق بالصلاح، والبراءة مما رمى به.\rوفيها كانت وفاة الملك الأفضل، نور الدين علي بن السلطان الملك الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب - فجأة - في صفر، سنة ثنتين وعشرين وستمائة، بسميساط. ونقل إلى حلب، فدفن بها بظاهرها بتربته.\rوكان مولده بالقاهرة في سنة خمس وستين وخمسمائة، يوم عيد الفطر. وكان فاضلاً شاعراً حسن الخط قليل الحظ، تقلبت به الأحوال. وقد تقدم ذكر ملكه دمشق ومصر، وغير ذلك. ثم استقر آخرا بسميساط.\rومما يعزى إليه من الشعر أنه كتب إلى الخليفة الناصر - لما أخرج من دمشق، واتفق عليه أخوه الملك العزيز عثمان وعمه الملك العادل أبو بكر:\rمولاي، إن ابا بكر، وصاحبه ... عثمان، قد غضبا بالسيف حقّ علي\rفانظر إلى حظ هذا الاسم، كيف لقي ... من الأواخر، ما لاقى من الأول\rفأتاه الجواب من الإمام الناصر، وفي أول الكتاب:\rوافى كتابك يا ابن يوسف معلناً ... بالود، يخبر أن أصلك طاهر\rغضبوا علياً حقه إذ لم يكن ... بعد النبي له بيثرب ناصر\rفابشر، فإن غدا عليه حسابهم ... واصبر، فناصرك الامام الناصر\rوقيل أن الخليفة جرد لنصرته سبعين ألف فارس، فبلغه فوات الأمر فأعاد العسكر إلى بغداد.\rوفيها، في يوم الخميس سادس عشر ذي الحجة - وقيل سابع عشر ذي القعدة - توفي الإمام فخر الدين أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم بن أحمد ابن طاهر، بن أبي الفوارس الخبري الفارسي الشيرازي الفيروزبادي، الشافعي الصوفي، من أجل مشايخ الطريقة، كبير الشأن. وكانت وفاته بمعبده: معبد ذي النون بالقرافة الصغرى، على شفير الخندق من غربيه. ودفن بتربته، وقبره من المزارات المباركة المشهورة. وكان من علماء مشايخ وقته، شديد الهيبة في قلوب الناس. وله تصانيف كثيرة في الطريق، وشعر.\rقدم دمشق في شهر رجب، سنة ست وستين وخمسمائة، ودخل مصر في نصف شعبان من السنة: ورحل إلى الإسكندرية، وسمع بها من الحافظ السلفي، وحدث بالكثير عنه. وتوفي، وله من العمر ثلاثٌ وتسعون سنة. وجاور بمكة، وحدث بها. وقال: نحن من خبر سروشين، وهو إقليم من عمل شيراز، مشربهم من جبل الدينار. ولهم خبر آخر يقال له: خبر سمكان، من عمل شيراز أيضاً. وخبر ثالث، يقال له: خبر فيروز أباد - خبر بإسكان الباء الموحدة.\rواستهلت سنة ثلاث وعشرين وستمائة:\rذكر وصول رسول الخليفة إلى الملوك أولاد السلطان الملك العادل، وطلب الصلح بينهم والاتفاق\rفي هذه السنة، قدم الشيخ جمال الدين أبو محمد يوسف بن الجوزي، رسولاً من الخليفة الظاهر بأمر الله - إلى السلطان الملك الكامل وإخوته، وصحبته الخلع للملك الكامل، والتقليد بالولاية. والخلع لولديه: الملك المسعود، والملك الصالح. وخلعة لوزيرة الصاحب صفي الدين - وكان قد مات - فأمر السلطان الفخر سليمان، كاتب الإنشاء، أن يلبس خلعة الصاحب، فلبسها.","part":8,"page":73},{"id":3584,"text":"ولبس السلطان وولداه الخلع، وعبروا من باب النصر، وخرجوا من باب زويلة بالقاهرة، وطلعوا إلى القلعة. وكان يوماً مشهوداً.\rووصل أيضاً - صحبته - الخلع للملك المعظم شرف الدين عيسى، وللملك الأشرف: مظفر الدين موسى.\rوتضمنت رسالته إلى الملك المعظم رجوعه عن السلطان جلال الدين خوارزم شاه، والصلح مع إخوته: الملك الكامل والملك الأشرف. وكان الملك المعظم قد راسل السلطان جلال الدين - كما تقدم. ثم بعث إليه مملوكه الركين، فرحله من تفليس، وأنزله على خلاط. والأشرف يومئذ بحران.\rفقال الملك المعظم للشيخ جمال الدين: الرسول: إذا رجعت عن السلطان جلال الدين، وقصدني، إخوتي ينجدونني ؟ قال: نعم. فقال: ليس لكم عادة تنجدون أحدا ! هذه كتب الخليفة الناصر عندنا ونحن على دمياط، ونحن نكتب إليه نستصرخ به، ونقول انجدونا. فيجيء الجواب: إنا قد كتبنا إلى ملوك الجزيرة، ولم يفعلوا. ثم ضرب له مثلاً وحكى عليه حكاية. وقال: إن إخوتي قد اتفقوا علي، وقد أنزلت السلطان جلال الدين خوارزم شاه على خلاط. فإن قصدني الأشرف منعه، وإن قصدني الكامل قدرت على ملاقاته ودفعه.\rوفي هذه السنة، عاد الملك المسعود إلى اليمن. وكان عوده في ذي القعدة. وقد تقدم ذكر وصوله إلى خدمة أبيه بالهدايا، في سنة إحدى وعشرين وستمائة. وذكر ابن جلب راغب: أن قدومه وعوده كان في هذه السنة. والله أعلم.\rوفيها وصل الملك الأشرف إلى أخيه الملك المعظم بدمشق، وأعطاه رسالة، وتضرع إليه واعترف له بسابق فضله وسالف إحسانه، وسأله أن يرسل إلى السلطان جلال الدين خوارزم شاه يرحله عن خلاط. فبعث إليه فرحله عنها، وكان قد أقام عليها أربعين يوماً. وسقط عليه وعلى أصحابه بها ثلجٌ عظيم.\rوأقام الملك الأشرف عند أخيه الملك المعظم بدمشق. وكان المعظم يلبس خلعة خوارزم شاه، ويركب فرسه، وإذا جلسوا على الشراب يحلف برأس خوارزم شاه، والأشرف يتألم لذلك أشد الألم، ولا يستطيع أن يتكلم. ثم توجه الملك الأشرف إلى ضيافة أخيه الملك الكامل بالديار المصرية.\rوفيها، عقد السلطان الملك الكامل نكاح ابنته على ابن صاحب الروم.\rوفيها توفي شبل الدولة: كافور بن عبد الله الحسامي، خادم ست الشام.\rوكان عاقلاً أديباً فاضلاً، له حرمة وافرة في الدولة، ومنزلة عالية عند الملوك.\rوبني مدرسة على نهر ثورا وتربة، ووقف عليها الأوقاف، ونقل إليها الكتب الكثيرة. وبني الخانقاه للصوفية، إلى جانب مدرسته. وفتح طريقاً للناس من الجبل إلى دمشق، قريب عند القفارات، على طريق عين الكرش. وبني المصنع الذي على رأس الزقاق، ومصنعاً آخر عند المدرسة. وكان كثير الإحسان إلى الفقراء، وصدقاته دارةٌ إلى الآن. وسمع الحديث ورواه. وكانت وفاته في شهر رجب الفرد، ودفن بتربته إلى جانب مدرسته - رحمه الله تعالى.\rوفيها في نصف شهر رجب، توفي قاضي القضاة جمال الدين: أبو محمد وأبو الفضل وأبو الوليد وأبو الفرج: يونس بن بدران بن فيروز، بن صاعد بن علي بن محمد بن علي، القرشي الشيبي، الحجازي الأصل، المليجي المولد المصري الدار، الدمشقي الوفاة، المعروف بالمصري. مولده تقريباً سنة خمسين وخمسمائة. وبلده التي ولد بها مليج: من الأعمال المنوفية، بالديار المصرية. تفقه بمصر، وسمع بالإسكندرية والقاهرة. وترسل لبغداد. وتولى وكالة بيت المال بدمشق، ثم ولى القضاء بها - كما تقدم - في سنة ثمان عشرة وستمائة. رحمه الله تعالى.\rوفيها كانت وفاة الشريف حسن بن قتادة، بن إدريس الحسني: أمير مكة - شرفها الله تعالى.\rوكان قد ولى الإمارة بعد أبيه كما تقدم - مغالبةً - وكان سيئ السيرة، ظلوماً مقداماً. وقتل أقباش أمير الحاج العراقي، في سنة سبع عشرة. وأحدث بمكة أموراً منكرة. ولما وصل الملك المسعود إلى مكة، وأخذها منه، هرب. فتوجه إلى بغداد مريضاً، فمات بالجانب الغربي على دكة. فلما علم به، غسل وكفن وصلى عليه وحمل إلى مشهد موسى، ودفن هناك.\rواستهلت سنة أربع وعشرين وستمائة:\rفي هذه السنة، عاد الملك الأشرف موسى إلى بلاده.\rوفيها قدم رسول الأنبرور إلى الملك الكامل، بطلب الفتوح. وتوجه إلى الملك المعظم بدمشق، فأغلظ له. وقال: قل لصاحبك ما أنا مثل الغير، ليس عندي إلا السيف !","part":8,"page":74},{"id":3585,"text":"وفيها كان ختان الملك العادل بن الملك الكامل، وعمل سماط عظيم بالميدان الأسود، تحت قلعة الجبل.\rهدم مدينة تنيس\rوفي شوال، سنة أربع وعشرين وستمائة، أمر السلطان الملك الكامل بهدم مدينة تنيس. وسير إليها النقابين والحجارين، فهدمت بكاملها في هذا الشهر، وأخليت ولم يبق بها ساكن. وكانت من المدن الجليلة: كدمياط والإسكندرية.\rذكر الوحشة الواقعة بين السلطان الملك الكامل وبين أخيه المعظم\rوفي هذه السنة، تأكدت الوحشة بين السلطان الملك الكامل وبين أخيه الملك المعظم: صاحب دمشق. فكتب الملك الكامل إلى الأنبرور - ملك الألمان - أن يحضر إلى الشام والساحل، ويعطيه البيت المقدس، وجميع الفتوحات الصلاحية بالساحل.\rوكتب الملك المعظم إلى السلطان: جلال الدين خوارزم شاه، يسأله أن ينجده ويعينه على أخيه الملك الكامل. ويكون من جملة المنتمين إليه، ويخطب له على منابر بلاده، ويضرب باسمه الدينار والدرهم، فأجابه إلى ذلك. وسير إليه خلعةً فلبسها، وشق بها مدينة دمشق. وغرم على رسل السلطان جلال الدين، في مدة تسعة أشهر، تسعمائة ألف درهم. وقطع خطبة الملك الكامل.\rفتجهز الملك الكامل وخرج لقصد دمشق. فكتب إليه الملك المعظم يقول: إنني قد نذرت لله تعالى أن كل مرحلة رحلت منها لقصدي أتصدق بألف دينار، فإن جميع عسكرك معي وكتبهم عندي، وأنا آخذك بعسكرك. هذا ما كتب له في الباطن. وكتب إليه في الظاهر يقول: أنا مملوكك، وما خرجت عن محبتك وطاعتك، وأنا أول من حضر لخدمتك قبل ملوك جميع الشام والشرق. فأظهر السلطان هذا الكتاب للأمراء، وعاد إلى القاهرة، وقبض على جماعة من الأمراء الذين توهم فيهم أنهم كاتبوا الملك المعظم: من جملتهم الأمير فخر الدين الطنبا الحبيشي، وفخر الدين الطنبا الفيومي أمير جاندار، وعشرة من الأمراء البحرية العادلية، وأخذ جميع أموالهم.\rوفيها، في يوم الأربعاء، سابع عشر شهر ربيع الأول، توفي القاضي ناصر الدولة أبو الحجاج يوسف، بن الأمير فخر الدين شاهان شاه، بن الأمير عز الدين أبي الفضل غسان، بن الأمير العظم جلال الدين أبي عبد الله: محمد بن جلب راغب الآمري، وقد تجاوز سبعين سنة.\rوهو من أولاد الأمراء المصريين، لم يزالوا أمراء من الدولة الآمرية إلى أيام شاور الوزير، فأبادهم وقتل بعضهم. ولما جاء أسد الدين شيركوه إلى الديار المصرية تزيا القاضي ناصر الدولة بزي القضاة، وخدم في الخدم الديوانية، وعند الأمراء. وناصر الدولة هذا هو جد تاج الدين محمد بن علي، المعروف بابن ميسر، صاحب التاريخ - رحمه الله تعالى.\rوفيها في يوم الأحد تساع عشر شوال، كانت وفاة قاضي القضاة: عماد الدين عبد الرحمن، بن عفيف الدين أبي محمد عبد العلي بن علي، السكري. تفقه على الفقيه شهاب الدين الطوسي، وعلى الفقيه أبو المنصور ظافر بن الحسين. وسمع الحديث وحدث به. وولي القضاء - كما تقدم. وولي الخطابة بالجامع الحاكمي بالقاهرة، والتدريس بمدرسة منازل العز بمصر. ثم صرف عن القضاء والخطابة كما تقدم. وكان هيوباً. وصحب جماعةً من المشايخ، وله معهم أحوال ومكاشفات. ومولده بمصر في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. رحمه الله تعالى.\rوفاة الملك المعظم عيسى\rوشيء من أخباره وسيرته، وقيام ولده الملك الناصر داود وفي هذه السنة، في يوم الجمعة مستهل ذي الحجة، كانت وفاة الملك المعظم شرف الدين عيسى، بن السلطان الملك العادل: سيف الدين أبي بكر محمد، بن أيوب بن شادي - صاحب دمشق، وكانت مدة ملكه، بعد وفاة والده الملك العادل، تسع سنين وستة أشهر، إلا ثمانية أيام. ومولده بالقاهرة في سنة ست وسبعين وخمسمائة.\rوكان - رحمه الله - قد جهز العساكر إلى نابلس، خوفاً من اتفاق أخيه الملك الكامل مع الأنبرور، فمرض في منتصف شوال واشتد به مرضه، وأصابه ذربٌ مفرط حتى رمى قطعةً من كبده. وقيل أنه سم، ومات وغسله كريم الدين الخلاطي، والنجم يصب عليه الماء. وكان قد أوصى أن لا يدفن بقلعة دمشق، وأن يخرج إلى الميدان فيصلي عليه ويحمل إلى قاسيون، فيدفن على تربة والدته تحت الشجرة. فلم تنفذ وصيته، ودفن بالقلعة. ثم أخرج منها بعد مدة، لما ملك الملك الأشرف، على حالةٍ غير مناسبة لمثله، وبين يديه نصف شمعة ومعه العزيز خليل، ودفن مع والدته في القبة - وفيها أخوه الملك المغيث.","part":8,"page":75},{"id":3586,"text":"وكان الملك المعظم - رحمه الله تعالى - فقيهاً فاضلاً، نحوياً، قرأ القرآن وتفقه على مذهب أبي حنيفة على الشيخ فخر الدين الرازي، وحفظ المسعودي، واعتنى بالجامع الكبير. واشتغل بالأدب على تاج الدين الكندي، فأخذ عنه كتاب سيبويه، وشرحه للسيرافي، والحجة في القراءات لأبي على الفارسي، والحماسة. وقرأ الإيضاح لأبي علي، حفظاً. وسمع مسند أحمد بن حنبل بدمشق على ابن طبرزد، وأشياء من مسموعاته. وسمع السيرة لابن هشام، وغير ذلك. وله ديوان شعر. وصنف في العروض، وكان مع ذلك لا يقيم وزن الشعر في بعض الأوقات.\rوكان شجاعاً مقداماً كثير الحيا متواضعاً، حسن الصوت ضحوكاً غيوراً، جواداً حسن العشرة، محافظاً على الصحبة والمودة وكان إذا خرج إلى الغزاة لا ينام إلا على حبل طرح، وزرديته مخدته. ولا يقطع الاشتغال بالقرآن والجامع الكبير وسيبويه. وكان يركب في كل يوم غالباً، فإذا نزل مد السماط، فإذا أكل الناس انتصب لقضاء الحوائج إلى الظهر.\rوكان في ايام الفتح مع الفرنج يرتب النيران على الجبال، من باب نابلس إلى عكا. وله جماعةٌ على جبل الكرمل - المقابل لعكا - عليه المنورون، وبينهم وبين الجواسيس علامات. وله في عكا أصحاب أخبار - وأكثرهم نساء الخيالة - وكانت طاقات بيوتهم مقابلة الكرمل - فإذا عزم الفرنج على الإغارة فتحت المرأة طاقتها. فإن كان يخرج مائة فارس، أوقدت شمعةً واحدة. وإن كانوا مائتين، أوقدت شمعتين. وتشير بالنار إلى الجهة التي يقصد الفرنج الإغارة عليها. وكان الفرنج لا يقصدون جهة، إلا يجدون عسكر المعظم قد سبقهم إليها. وكان يعطى النساء الجواسيس في كل فتح جملةً كثيرة.\rقال الشيخ أبو المظفر، يوسف سبط ابن الجوزي: قلت للملك المعظم في بعض الأيام: هذا إسراف في بيوت الأموال. فقال: أنا أستفتيك: لما أن عزم الأنبرور على الخروج إلى الشام، أراد أن يخرج من عكا بغتة، ويسير إلى باب دمشق، فبعث فارساً عظيماً، وقال له: أخف أمرنا ومجيئنا إلى البلاد لنغير بغتة. وكان بعكا إمرأة مستحسنة، فكتبت إلي تخبرني الخبر. فبعثت إليها ثياباً ملونة، ومقانع وعنبرا، فلبست ذلك، واجتمعت بذلك الفارس. فدهش، وقال: من أين لك هذا ؟ فقالت: من عند صديقٍ لي من المسلمين. فقال: من هو ؟ فقالت: الكريدي. فصلب على وجهه، وقام فخرج من عندها. فما زالت تلك المرأة تتلطف به، حتى تسحب المودة بيني وبينه. فصرت أهاديه، حتى كان يبعث إلي كتب الأنبرور التي يبعثها إليه، مختومة. وأرسل إليه، فيكتب ما أقول. فأنا أداري عن المسلمين بهذا القدر اليسير، وأفدي به الخطير، فإن الأنبرور لو جاء بغتةً، أسر من أهل الشام، وساق من مواشيهم وأموالهم ما لا يحصى قيمته.\rوكان الملك المعظم - رحمه الله - قد أمر الفقهاء أن يجردوا له مذهب أبي حنيفة، دون صاحبيه. فجردوا له المذهب في عشر مجلدات، وسماه التذكرة. فكان لا يفارقه سفراً ولا حضرا، ويديم مطالعته. ويكتب على كل مجلد: أنهاه - حفظاً - عيسى بن أبي بكر بن أيوب. قال أبو المظفر: فقلت له: ربما تؤخذ عليك، لأن أكبر مدرس في الشام يحفظ القدوري مع تفرغه، وأنت مشغول بتدبير الملك. فقال: ليس الاعتبار بالألفاظ، وإنما الاعتبار بالمعاني. باسم الله، سلوني عن جميع مسائلها.\rوكان رحمه الله تعالى - حسن التدبير للملك. وكان وزيره شرف الدين بن عنين، الشاعر الهجاء المشهور. واستعفى من الوزارة، وكتب إلى الملك المعظم:\rأقلني عثارى، واتّخذها وسيلةً ... تكون برحماها إلى الله راقيا\rكفى حزني أن لست ترضى، ولا أرى ... فتىً راضياً عني، ولا الله راضيا\rأخوض الأفاعي طول دهري دائباً ... وكم يتوفّى من يخوض الأفاعيا\rفأعفاه. ولابن عنين أخبار نذكرها، إن شاء الله تعالى - عند وفاته.\rولما مات الملك المعظم، ملك بعده دمشق ولده: الملك الناصر صلاح الدين داود. فأساء السيرة، واشتغل عن مصالح دولته بالشرب واللهو والطرب. فاقتضى ذلك ما نذكره، من إخراجه من دمشق.\rواستهلت سنة خمس وعشرين وستمائة:\rوفي هذه السنة، وصل إلى دمشق الأمير عماد الدين بن الشيخ، من جهة السلطان الملك الكامل، إلى ابن أخيه الملك الناصر، ومعه جلدك بالخلع والتغيير للملك الناصر. وأقام عماد الدين بدمشق.","part":8,"page":76},{"id":3587,"text":"وفيها عزم الملك الكامل على المسير إلى الشام، وبرز بخيامه ظاهر القاهرة. ولما عزم على ذلك سلطن ولده نجم الدين أيوب، ونعته بالملك الصالح، وركب بشعار السلطنة في سلخ شعبان، ووالده الملك الكامل مبرز بظاهر القاهرة.\rورتب السلطان مع الملك الصالح - في النيابة - الأمير فخر الدين: يوسف بن الشيخ. فأساء الملك الصالح السيرة بعد توجه والده، واشترى بستان الخشاب، وعمر فيه مناظر. ففارقه الأمير فخر الدين بن الشيخ، في العشرين من شوال، ولحق بالسلطان الملك الكامل.\rوفيها في سادس عشر شعبان، أفرج السلطان الملك الكامل عن تاج الدين: يوسف، بن الصاحب صفي الدين بن شكر - وكان قد استوزره بعد وفاة والده، ثم اعتقله بعد شهرين - كما تقدم. فأفرج عنه الآن، وأنعم عليه بمائة وخمسين ديناراً، واستخدمه موقعاً.\rوفيها كان الوقعة على صور. وذلك أن الملك العزيز عثمان، وصارم الدين التبنيني، كمنا للفرنج قريباً من صور. فلما تعالى النهار. خرج أهل صور: فارسهم وراجلهم بمواشيهم، فخرجا عليهم فيمن معهما من الكمين، فقتلوا وأسروا سبعين فارساً، واستاقوا الأغنام والجواميس. ولم يسلم ممن خرج من الفرنج، غير ثلاثة.\rوفيها توفي شرف الدين أبو المعالي: شكر بن القاضي كمال الدين أبي السعادات، أحمد بن شكر. وهو أخو الوزير الأعز فخر الدين مقدام. وكان قد ولي نظر ثغر الإسكندرية وغيرها - رحمه الله تعالى.\rوفيها توفي أبو الفتح: نصر بن صغير بن داغر، أبو خالد القيسراني الحلبي كان شيخاً أديباً، له نظم حسن. رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة ست وعشرين وستمائة:\rتسليم بيت المقدس للفرنج\rكان تسليم البيت المقدس وما جاوره للفرنج في العشر الآخر، من شهر ربيع الأول، من هذه السنة.\rوسبب ذلك أن السلطان الملك الكامل، لما اتصلت به أفعال ابن أخيه الملك الناصر داود، خرج من القاهرة في الثالث والعشرين من شعبان سنة خمس وعشرين، واستناب ولده الملك الصالح كما تقدم، وبقي إلى العشر الأوسط من شهر رمضان، وسار إلى البيت المقدس. ثم عاد ونزل بتل العجول. فأرسل الملك الناصر داود الفخر بن بصاقة إلى عمه الملك الأشرف ليستنجده، ويعرفه قصد الملك الكامل بلاده. فجاء الأشرف إلى دمشق، ونزل ببستانه بالنبرب. ولما شاهد حركات ابن أخيه المذمومة، أطمعته نفسه في أخذ دمشق لنفسه.\rووصل الملك الكامل إلى نابلس، ورتب الولاة والنواب في البلاد الساحلية. فبلغه أن الأنبرور فرديك قد وصل إلى يافا في ميعاده. فعاد إلى تل العجول، وترددت الرسائل بينه وبين الأنبرور. وكان السفير بينهما الأمير فخر الدين يوسف بن الشيخ، والصلاح الإربلي. فتقرر الصلح على: أن السلطان يعطى الأنبرور البيت المقدس، والقرايا التي على طريقه من يافا إلى القدس، ومدينة لد وتبنين وأعمالها. ووقعت الهدنة مدة عشر سنين. وتسلم الأنبرور البيت المقدس، وهذه الأماكن. فحضر الأئمة والمؤذنون، الذين كانوا بالصخرة والمسجد الأقصى، إلى باب الدهليز الكاملي، وأذنوا في غير وقت الأذان. فأمر الملك الكامل أن يؤخذ منهم ما معهم من الستور والقناديل والآلات، وأن يتوجهوا إلى حال سبيلهم.\rقال: ولما وصلت الأخبار بتسليم بيت المقدس للفرنج، عملت الأعزية في جميع بلاد الإسلام، بسبب ذلك. وأشار الملك الناصر داود - صاحب دمشق - إلى الشيخ شمس الدين أبي المظفر: يوسف سبط ابن الجوزي، أن يذكر ما جرى على القدس في مجلس وعظه بجامع دمشق، ليكون ذلك زيادةً في الشناعة على عمه الملك الكامل.\rفجلس ووعظ، وقال: انقطعت عن بيت المقدس وفود الزائرين ! يا وحشة للمجاورين ! كم كانت لهم في تلك الأماكن ركعة ! كم جرت لهم في تلك المساكن من دمعة. بالله لو صارت عيونهم عيوناً لما وفت، ولو انقطعت قلوبهم أسفاً لما اشتفت. أحسن الله عزاء المسلمين. يا محلة ملوك المسلمين. لهذه الحادثة تسكب العبرات، ولمثلها تنقطع القلوب من الزفرات، لمثلها تعظم الحسرات.\rثم أنشد قوله:\rأعيني لا ترقى من العبرات ... صلى بالبكا الآصال بالبكرات\rوهي أبيات ذكر فيها البيت المقدس وفضله، وزواره، وما حل به من هذه الحادثة - تركنا ذكرها اختصاراً.","part":8,"page":77},{"id":3588,"text":"وكان الملك الأشرف قد قال للملك الناصر داود: أنا أتوجه إلى عمك الملك الكامل، وأصلح حالك معه. وتوجه إلى السلطان فوجده قد سلم البيت المقدس للفرنج، فشق ذلك عليه ولامه. فقال الملك الكامل: ما أحوجني إلى هذا إلا المعظم - يشير إلى أن المعظم أعطى الأنبرور من الأردن إلى البحر، وأعطاه الضياع التي من باب القدس إلى يافا، وغيرها.\rولما اجتمع الملك الأشرف بالملك الكامل اتفقا على حصار دمشق. وقبض الملك الناصر على فخر الدين بن بصاقة، وابن عمه المكرم، واعتقلهما في الجب، واستأصل أموالهما. وكان قد اتهم الفخر أنه حسن للأشرف الاستيلاء على دمشق.\rوفي هذه السنة في آخر صفر، فوض الملك الناصر داود القضاء بدمشق للقاضي: محيي الدين أبي الفضائل، يحيى بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى، القرشي: المعروف بابن الزكي - شريكاً لقاضي القضاة: شمس الدين أحمد الخويى. وعزل القاضي نجم الدين: أحمد بن محمد بن خلف المقدسي - وكان ينوب عن القاضي شمس الدين الخويي في القضاء. وصار الخويي وابن الزكي في القضاء جميعاً.\rذكر توجه السلطان إلى دمشق وحصارها، وأخذها من ابن أخيه: الملك الناصر داود، واستقرارا الملك الناصر بالكرك وما معها\rقال: لما سلم السلطان الملك الكامل البيت المقدس وما جاوره إلى الأنبرور، سار إلى دمشق، وصحبه الملك الأشرف. ووصل إليه الملك العزيز عثمان، صاحب بانياس، ومعه ولده الملك الظاهر، فأعطاه خمسين ألف دينار، وأعطى ولده عشرة آلاف، وأنعم عليهما بقماش وخلع، وذلك بمنزلة سكاء.\rثم قدم عليه الأمير عز الدين أيدمر المعظمى - وكان الملك الناصر بن سيده قد أساء إليه - فأنعم عليه السلطان بعشرين ألف دينار من الخزانة، وكتب له توقيعاً بعشرين أردب غلة، على الأعمال القوصية، وأعطاه أملاك الصاحب صفي الدين بن شكر. وكان قد عزم على العود إلى الديار المصرية، فلما جاءه الأمير عز الدين قال: قد جاءني مفتاح الشام، وسار إلى أن وصل إلى دمشق وحاصرها. وكان نزوله عليها في شهر ربيع الآخر.\rوشدد الحصار، وضيق على من بالبلد. فخرج إليه الملك الناصر داود سراً، ووقف على باب الدهليز وأرسل مملوكه خلف أحد الحجاب، فلما جاء إليه الحاجب، قال له: قل لمولانا السلطان: مملوكك داود ابن أخيك بالباب، فأعلم الحاجب السلطان فخرج إليه وتلقاه واعتنقه، فقبل الناصر رجله وقال: يا عم قد جئتك بذنوبي وهؤلاء حرم أخيك. فبكي الملك الكامل، وقال: والله يا ولدي، لو كان وصولك إلى قبل إستنجادك بعمك الأشرف، وحضوره من بلاده - أبقيت دمشق عليك. ولكن إذ جاء الملك الأشرف إلى عندي، أنا أعطيك الكرك والشوبك والساحل والغور. وإذا سيرت إليك فلا توافق حتى يكمل لك ألف وخمسمائة فارس. عد إلى مكانك. فعاد الناصر، وهو طيب النفس.\rوبلغ الملك الأشرف خروج الملك الناصر إلى السلطان، فركب وأسرع ليدركه ويقبض عليه، فلم يدركه. فوبخ الأشرف الكامل على إطلاقه وتمكينه من دمشق. فقال له الملك الكامل: إنه جاءني وبكى، وقال هؤلاء حرم أخيك. ثم قال الملك الكامل: هؤلاء أولادنا، لا بد لهم من مكان يأوون إليه. فقال الأشرف: يكون لهم الشوبك. فقال الكامل: ما يكفيهم إلا أن تكون الكرك معها. فسير إلى الناصر في إعطائه الكرك والشوبك، فلم يرض بذلك. ولم يزل إلى أن يقرر له الكرك والشوبك والغورين والبلقاء، فأجاب إلى ذلك.\rوخرج الناصر عن دمشق، وتسلمها الملك الكامل في غرة شعبان. فكان مدة المقام عليها أربعة أشهر. ومضى إلىالكرك، وتسلم ما أقطع باسمه. وقيل إن السلطان لم يعطه الشوبك، وسأله إياها، فقال له: يا ابن أخي أنا ليس لي حصنٌ يحمي رأسي، وافرض أن هذا الحصن لك وقد وهبتني إياه. وإنه أعطاه الكرك وعجلون ونابلس وبلاد القدس. والله أعلم.\rذكر تسليم دمشق للملك الأشرف\rقال: لما تسلم الملك الكامل دمشق، سأله أخوه: الملك الأشرف موسى، أن يهبه دمشق، ويعوضه عنها حران وأعمالها، والرها وسروج، ورأس عين والرقة، وجملين. فرضي كلٌ منهما بذلك. وتسلم الملك الأشرف دمشق. ووجه الملك الكامل الأمير فخر الدين بن الشيخ، فتسلم ذلك. وتسلم الملك الأشرف دمشق. وتوجه الملك الكامل إلى هذه الجهات، فرتب أحوالها.","part":8,"page":78},{"id":3589,"text":"قال: ولما أقام الملك الأشرف بدمشق، دخل عليه شرف الدين بن عنين الشاعر، فلم ير منه ما كان يعهده من الملك المعظم، من الإنبساط، وما كان يقع في مجلسه من سماع أهاجي ابن عنين، فيما كان يفعله. فنهاه الملك الأشرف، وقال: ليس مجلسي كما عهدت. يكفيني ما أنا فيه، حتى أضيف إليه ثلب المسلمين. فخرج من عنده، وقال:\rوكنا نرجّى بعد عيسى محمداً ... لينقذنا من شدّة الضّر والبلوى\rفأوقعنا في تيه موسى كما ترى ... حيارى، بلا منًّ لديه ولا سلوى !\rفبلغ الأشرف ذلك، فأمر بقطع لسانه. فدخل عل جماعة من الأكابر، وحلف أن الشعر ليس له. ثم هرب إلى بلاده بزرع وحوران. فكف الملك الأشرف عن طلبه.\rذكر أخذ مدنية حماه وتسليمها للملك المظفر\rقال: لما توجه السلطان الملك الكامل إلى بلاد الشرق، اجتاز بمدينة حماه، فأخذها من صاحبها: قليج أرسلان بن الملك المنصور - وكان قد استولى عليها لما قدم الملك المظفر إلى الملك الكامل بالمنصورة. فلما استقر الملك الكامل بمصر، أرسل إلى قليج أرسلان يقبح عليه فعله، ويلتمس منه الخروج عن حماه، وإعادتها إلى أخيه. فلم يجب إلى ذلك. فأقطع الملك الكامل المظفر إقطاعاً بمصر.\rفلما اجتاز الملك الكامل الآن بحماه، خرج إليه قليج أرسلان فقبض عليه، وسلم حماه للملك المظفر، وهو أخو قليج أرسلان، فتسلمها.\rوفي هذه السنة في شهر رجب، وصل القاضي بهاء الدين بن شداد، قاضي حلب، في خطبة ابنة السلطان الملك الكامل للملك العزيز بن الملك الظاهر، صاحب حلب. فزوجه السلطان بابنته.\rوفيها قبض السلطان الملك الكامل على ورثة ولد القاضي الفاضل، وسائر أملاكه. وأخذت الكتب من داره وحملت إلى القلعة، فكانت عدتها أحد عشر ألف مجلداً.\rذكر وفاة الملك المسعود، صاحب اليمن\rكانت وفاة الملك المسعود صلاح الدين أقسيس بن السلطان الملك الكامل، صاحب الحجاز واليمن - في ثالث جمادى الأولى سنة ست وعشرين وستمائة. ومولده في شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين وخمسمائة.\rوكان بلغه وفاة عمه الملك المعظم بدمشق، فطمع في الشام. وتجهز جهازاً لم يسبقه أحد من الملوك إليه. وذلك أنه نادى في التجار ببلاد اليمن: من أراد السفر صحبة السلطان إلى الديار المصرية والشام فليتجهز.\rفتجهز معه سائر التجار الذين وصلوا من الهند، بالأموال والأقمشة والجواهر. فلما تكاملت المراكب، قال اكتبوا لي ما معكم من البضائع، لأحميها من الزكاة. فكتبوها له. فصار يكتب لكل تاجر برأس ماله على بعض بلاد اليمن، واستولى على البضائع. فاجتمعوا واستغاثوا، فلم يسمع شكواهم. فيقال إن نقله كان في خمسمائة مركب، ومعه ألف خادم، ومائة قنطار من العنبر والعود والمسك، ومائة ألف ثوب، ومائة صندوق فيها الأموال والجواهر.\rوركب إلى مكة، فمرض في طريقه. فما دخل مكة إلا وقد فلج ويبست يداه ورجلاه، ورأى في نفسه العبر. فلما احتضر بعث إلى رجل مغربي بمكة وقال: والله ما أرضى لنفسي، من جميع ما معي، كفناً أكفن فيه، فتصدق علي بكفن ! فبعث إليه نصف ثوب بغدادي، ومائتي درهم، فكفنوه بهما. ودفن بالمعلى. ويقال إن الهواء ضرب المراكب فرجعت إلى زبيد، فأخذها أصحابها.\rوحكى أن الملك الكامل - والده - سر بوفاته. ولما جاء خزنداره إليه، لم يسأله كيف مات، بل قال: كم معك من المال والتحف ! وكان الملك المسعود قد استناب باليمن أستاذ داره: عمر بن علي ابن رسول. فتزوج زوجته: ابنة صاحب جوزا وملك البلاد. وكتب إلى السلطان الملك الكامل، وجهز إليه الأموال والتحف. واستقر على حكم النيابة.\rثم استقل بعد ذلك بملك اليمن، وتلقب بالملك المنصور. وأرسل رسولاً إلى الديوان العزيز في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، فوصل في سابع عشر صفر منها، فتلقاه بعض الأمراء ودخل، وقبل العتبة بالباب النوبي. وحضر في اليوم الثالث من وصوله إلى دار الوزير وأدى رسالته، وأنهى إلى الديوان العزيز استيلاء مرسله على جميع بلاد اليمن، وأنه مخلصٌ في طاعة الديوان. وهو يسأل قبول ما سيره من التحف والهدايا. حكاه ابن الساعي في تاريخه.\rواستمر الملك بالديار اليمانية فيه وفي أولاده من بعده، إلى وقتنا هذا.","part":8,"page":79},{"id":3590,"text":"وفيها في جمادى الأولى، توفي ناصر الدين منكورس بن بدر الدين خمارتكين عتيق مجاهد الدين بزان صاحب صرخد. وكان ناصر الدين المذكور صاحب صهيون. وتولى مملكة صهيون بعده ولده مظفر الدين عثمان.\rواستهلت سنة سبع وعشرين وستمائة:\rفي هذه السنة، في ثاني عشر شهر رجب منها، قدم السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية.\rوكان سبب عوده أنه بلغه أن ابنه الملك الصالح - نجم الدين أيوب - قد ترتب على الملك بالديار المصرية، وأنه اشترى ألف مملوك، فعاد. وأخرج ابنه الملك الصالح إلى بلاد الشرق، ولم يعطه شيئاً.\rولما وصل الملك الكامل إلى قلعة الجبل، عمل له صلاح الدين الإربلي دعوةً في داره، فحضرها السلطان. فأنشده الصلاح:\rلو تعلم دارنا بمن قد جمعت ... مالت طرباً وصفّقت واستمعت\rوالخمرة لو تعلم من يشربها ... كانت شكرت لعاصريها، ودعت\rوفيها قصر النيل فلم يوف، وانتهى إلى ثلاثة عشر ذراعاً وثلاثة وعشرين أصبعاً وقيل أنه انتهى إلى أربعة عشر ذراعاً، وأصابع، وقيل بل بلغ ستة عشر ذراعاً وعشرة أصابع. فارتفع سعر الغلة. فسعر الملك الكامل القمح بعشرين درهماً ورقا الإردب. وأمر مستخدمي الأهراء السلطانية ببيع القمح بخمسة وعشرين درهما ورقا. ومنع الناس من شراء الكثير منه، إلا المؤونة. واستمر السعر كذلك بقية السنة.\rثم أطلق السلطان سعر الغلة، في ثالث المحرم سنة ثمان وعشرين، وأمر أن يباع بالسعر الواقع. فأبيع القمح في هذا الوقت بخمسين درهما ورقا الإردب، والخبز أربعة أرطال بدرهم ورق. فنال الناس من ذلك شدةٌ عظيمة.\rهكذا نقل مؤرخو ذلك العصر. فكيف لو شاهدوا ما شاهدناه في سنة خمس وتسعين وستمائة، على ما نذكره - إن شاء الله تعالى.\rذكر استيلاء الملك الأشرف على بعلبك\rوفي هذه السنة، بعث الملك الأشرف - صاحب دمشق - أخاه الملك الصالح إسماعيل إلى بعلبك. فحصرها ونصب عليها المجانيق، ورماها بأحجارها.\rثم توجه إليها الملك الأشرف. ودخل الصاحب صفي الدين - إبراهيم ابن مرزوق - بين الملك الأشرف والملك الأمجد صاحب بعلبك، وحصل الاتفاق. فتسلمها الملك الأشرف، وانتقل الأمجد منها إلى دمشق. وأقام بداره بها، وهي الدار المعروفة بدار السعادة، التي ينزلها نواب السلطنة في وقتنا هذا. ولم تطل مدة حياته، فإنه قتل في سنة ثمانٍ وعشرين وستمائة.\rوفيها استولى السلطان: جلال الدين خوارزم شاه على مدينة خلاط، بعد أن حاصرها مدة عشرة أشهر. وقد تقدم ذكر ذلك في أخبار جلال الدين. ولما ملكها، أخذ منها مجير الدين يعقوب وتقي الدين عباس: ابني الملك العادل، وأخذ الكرجية: زوجة الملك الأشرف، ودخل بها من ليلته، وقتل عز الدين أيبك الأشرفي.\rوبلغ الملك الأشرف ذلك، وهو بدمشق، والملك الكامل بالرقة فتوجه من دمشق إلى الرقة. وأتته رسل السلطان علاء الدين كيقباذ - صاحب الروم - في الإجتماع على حرب جلال الدين. فاستشار الملك الأشرف أخاه الملك الكامل في ذلك، فأشار به. وقطع الملك الكامل الفرات في سبعة آلاف فارس، وتوجه إلى الديار المصرية - للسبب الذي ذكرناه.\rوسار الملك الأشرف إلى حران في سبعمائة فارس، فأقام بها. وكتب إلى حلب والموصل والجزيرة فجاءته العساكر، وتوجه إلى صاحب الروم واجتمعوا. والتقوا بالسلطان جلال الدين خوارزم شاه، فكسروه.\rوقد ذكرنا خبر استيلاء جلال الدين على خلاط، في أخباره. وذكرنا خبر هذه الكسرة في أخبار السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب الروم، في أخبار الدولة السلجقية. فلنذكر الآن ما يتعلق بالملك الأشرف.\rولما انهزم جلال الدين، قال الملك الأشرف للسلطان علاء الدين كيقباذ: لا بد لي من خلاط. فأعطاه علاء الدين. وأنعم على أصحابه: من الأموال والخلع والثياب والتحف والخيول، ما قيمته ألف ألف دينار.\rوتوجه كيقباذ إلى بلاده، وجرد في خدمة الملك الأشرف جماعة، فتوجه بهم إلى خلاط. فوجد جلال الدين قد أخذ مجير الدين وتقي الدين والكرجية معه. فساق الأشرف خلفه. ثم تراسلا، واصطلحا. فأطلق جلال الدين مجير الدين وتقي الدين، وبعث بهما إلى الخليفة ببغداد. فأنعم الخليفة على كل منهما بخمسة آلاف دينار. وعاد الملك الأشرف إلى دمشق، في سنة ثمان وعشرين وستمائة. فأقام بها شهراً، وتوجه إلى أخيه الملك الكامل بالديار المصرية.","part":8,"page":80},{"id":3591,"text":"وفي هذه السنة، استخدم الملك المظفر: شهاب الدين غازي - صاحب ميافارقين - العز بن الجاموس على ديوانه. وأمره وأعطاه الكوسات والأعلام، وقدمه على جماعة ومكنه. ودعى بالصاحب الأمير عز الدين. فظلم الناس وعسفهم، وأخذ أموالهم. فلم تمهله المقادير، ومات في بقية سنة سبع وعشرين بميافارقين. واستولى الملك المظفر على تركته، وظهر له سوء فعله، فصار يصرح بلعنه. وجاء عمه من دمشق يطلب ميراثه، فسبه المظفر، ثم أعطاه ألف درهم وعاد إلى دمشق.\rوفيها، في ثامن جمادى الآخرة، توفي بمصر الفقيه الإمام: شرف الدين أبو عبد الله محمد، بن الشيخ أبي حفص عمر، بن الشيخ أبي عبد الله محمد بن عمرو بن جعفر، الأزدي الغساني، المالكي - المعروف بابن اللهيب. ومولده في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وتولى التدريس بالمدرسة الصاحبية بالقاهرة، إلى حين وفاته. وهو من بيت الخير والصلاح والفقه.\r؟واستهلت سنة ثمان وعشرين وستمائة:\rفي يوم الاثنين، عاشر جمادى الآخرة، قدم الملك الأشرف إلى القاهرة، لخدمة السلطان الملك الكامل - ومعه صاحب الجزيرة.\rوفيها، في منتصف شعبان، إبتدأ السلطان الملك الكامل بحفر البحر، من دار الوكالة إلى صناعة التمر الفاضلية. واستعمل فيه الملوك والأمراء، وعمل بنفسه.\rوكان هذا البحر في أوان احتراق النيل يكون طريقاً سالكاً إلى المقياس. وتمر المراكب ما بين الروضة والجيزة. ثم صار على العكس من ذلك في سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، فصار في احتراق النيل ليس بين الروضة وبين بر الجيزة غير ماء قليل يخاض، فلا يغطى أكثر من خلخال. ثم أخذ في الزيادة بعد ذلك. إلى أن صار، في سنة عشرين وسبعمائة وما بعدها تسافر فيه المراكب صيفاً وشتاءً. والبحران الآن على ذلك. ولكن البحر فيما بين الروضة ومصر أكثر، وهو البحر الذي تسافر فيه السفن في الاحتراق.\rنعود إلى سياقة أخبار سنة ثمان وعشرين وستمائة. وفيها بني أسد الدين شيركوه - صاحب حمص والرحبة - قلعة بالقرب من سلمية وسماها شميمس، وهي على تلٍ عال.\rوفيها كان مقتل الملك الأمجد: بهرام شاه، بن فرخشاه، بن شاهنشاه ابن أيوب - صاحب بعلبك. كان وكانت بعلبك بيده، منذ أعطاه إياها السلطان الملك الناصر صلاح الدين عند وفاة أبيه، في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. فلم تزل بيده، إلى أن انتزعها الملك الأشرف منه - كما تقدم - في السنة التي قبلها. وأعانه على ذلك صاحب حمص: أسد الدين شيركوه.\rوكان سبب مقتله أن بعض مماليكه سرق له حياصة وداواة - قيمة ذلك مائتا دينار - وخبأهما عند ملوك آخر، فلما ظهر له ذلك حبس السارق في خزانة داره - والخزانة خلف المكان الذي يجلس فيه الملك الأمجد - وتوعد ذلك المملوك - بقطع اليد. فلما كانت ليلة الأربعاء، ثاني عشر شوال، جلس على عادته أمام الخزانة - وعنده عباس بن أخي الشريف البهاء وهما يلعبان بالنرد، وعنده فهيد المنجم وبيده الاسطرلاب ليأخذ له طالع الوقت.\rفقال له فهيد: يا مولانا انظر إلي، فهذه ساعةٌ سعيدة، لو أردت أخذ دمشق لأخذتها. فقال له: لا تكلمني، فقد تعين لي الغلب ! وكان مع المملوك الذي في الخزانة سكين، فعالج رزة الخزانة برفقٍ فقلعها، وفتح الباب. فهجم على الملك الأمجد وأخذ سيفه فجذبه وضربه به. فصاح، فحلت الضربة كتفه، ونزل السيف إلى ثديه. ثم ضربه أخرى، فقطع يده وقطعته في خاصرته. وهرب يصعد إلى السطح، فتبعوه. فألقى نفسه إلى الدار. فماتا جميعاً. وجهز الملك الأمجد ودفن في تربة أبيه، التي على الميدان على الشرف الشمالي.\rوكان فاضلاً شاعراً، وله ديوان شعر بأيدي الناس - رحمه الله تعالى. قال أبو المظفر: ورآه بعض أصحابه في المنام بعد موته، فقال له: ما فعل الله بك ؟ قال:\rكنت من ذنبي على وجلٍ ... زال عني ذلك الوجل\rأمنت نفسي بوائقها ... عشت لما متّ يا رجل\rقال أبو المظفر: وكان الأمجد قد قتل ابناً له جميلاً، كان واطأ عليه الملك العزيز عثمان، وكتب إليه يقول: قد يسرت باب السر فسر إلينا وقت السحر. وكان الملك العزيز بالصبيبة، فسار منها في أول الليل - والمسافة بعيدة - فوصل إلى بعلبك وقد طلعت الشمس ففاته الغرض. واطلع الأمجد على ما فعله ابنه فقتله. وقيل بني عليه بيتاً، فمات.","part":8,"page":81},{"id":3592,"text":"وفيها توفي المهذب الدخوار، الطبيب: رئيس الأطباء بدمشق. وكان طبيباً حاذقاً، وما كان يرى أن في الدنيا مثله. وكان يقرأ عليه الطب. وكانت له دار بدمشق وبستان، فوقف الدار مدرسةً يقرأ فيها الطب، ووقف بستانه عليها. والمدرسة باقيةٌ بدمشق، تعرف بالدخوارية، رأيتها في سنة ثلاث وسبعمائة.\rوفيها، في ثامن عشر شعبان، توفي الأمير شجاع الدين أبو المنصور: جلدك بن عبد الله المظفري التقوى، بالقاهرة. سمع من الحافظ السلفي. وكان مكرماً لأهل العلم والفضلاء، مساعداً لهم بماله وجاهه. وحضر مواقف كثيرة في قتال العدو بالساحل. وتولى ثغر دمياط والإسكندرية، وقوص، وشد الدواوين، وغير ذلك. وكان يكتب في كل بلد يتولاه ختمة. فحكى عنه أنه قال: كتبت بخطى أربعاَ وعشرين ختمة. وكان قد قارب ثمانين سنة - وقيل مات في عشر التسعين. والله أعلم.\rواستهلت سنة تسع وعشرين وستمائة:\rفي هذه السنة توجه السلطان الملك الكامل إلى بلاد الشرق، بسبب فتح آمد. وسنذكر ذلك.\rوفيها - في جمادى - عزل قاضي القضاة: شمس الدين بن سنى الدولة الخويى، وقاضي القضاة شمس الدين بن سنى الدولة - جميعاً - عن قضاء القضاة بدمشق، وفوض ذلك إلى قاضي القضاة: عماد الدين عبد الكريم، بن قاضي القضاة جمال الدين الحرستاني.\rوفيها توفي الأمير فخر الدين عثمان بن قزل الكاملي بحران، في الثامن والعشرين من ذي الحجة، ودفن بظاهرها. ومولده بحلب في سنة إحدى وستين وخمسمائة.\rوكان أحد الأمراء الأكابر في الدولة الكاملية. وكان راغباً في فعل الخير، مبسوط اليد بالصدقة والإسعاف، يتفقد أرباب البيوت وغيرهم. وأنشأ المدرسة المعروفة بالقاهرة المعزية، والمسجد المقابل لها، وكتاب السبيل والرباط بالقرافة بسفح المقطم. وأوصى بوصيةٍ ذكر فيها كثيراً من أنواع البر - رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة ثلاثين وستمائة:\rذكر استيلاء السلطان الملك الكامل على آمد وحصن كيفا\rكان الاستيلاء على ذلك في سنة ثلاثين وستمائة. وكان السلطان قد توجه في سنة تسع وعشرين وستمائة، واستقل ركابه من مقر ملكه، بقلعة الجبل المحروسة بظاهر القاهرة المعزية، في ثامن جمادى الآخرة، واستصحب عساكر الديار المصرية. ووصل إلى دمشق واستصحب أخاه الملك الأشرف، وولده الملك الصالح نجم الدين أيوب.\rوكان سبب قصده هذه الجهة أن أخاه الملك الأشرف، بما حضر إلى الديار المصرية، عرف السلطان أن الملك المسعود مودود بن الملك الصالح بن أرتق، صاحب آمد وبلادها وحصن كيفا - قد اشتغل عن مملكته باللهو والشرب والطرب، وأنها خاليةٌ من العساكر. فتجهز إليها.\rولما بلغ الملك المسعود أن السلطان قصد بلاده، بادر بإرسال وزيره شرف العلا إلى السلطان يستعطفه، ويسأل مراحمه في إبقاء ما بيده والكف عن طلبه. فوصل إلى السلطان، وكان إلباً على صاحبه، وعرف السلطان إقباله على اللهو والطرب، وأن مملكته خالية من العساكر، فأطمعه في أخذ البلاد.\rفسار إليها، ونازلها في يوم الأربعاء الخامس والعشرين من ذي الحجة ونصب عليها المجانيق. وأنذر صاحبها الملك المسعود ووعده بالإقطاعات الكبيرة، فلم يصغ إلى ذلك. ثم شاهد الغلبة، فخرج إلى السلطان وفي عنقه منديل. فوكل به، وتسلم آمد في مستهل المحرم، سنة ثلاثين وستمائة. واستولى على أمواله وذخائره، وطلب منه تسليم القلاع فسلمها بجملتها.\rودخل الملك الكامل إلى آمد. فترجل في خدمته جميع الملوك الأيوبية، وسائر ملوك الشرق - إلا صاحب الروم السلطان: علاء الدين كيقباذ السلجقي، وصاحب الجزيرة الملك المعظم: محمد بن سنجر شاه، فإنهما أرادا أن يترجلا فلم يمكنهما الملك الكامل من ذلك، ودخلا راكبين لركوب السلطان، ونزلوا جميعاً في القلعة.\rوبقي حصن كيفا بيد نائبه، لم يسلمه. فكتب الملك المسعود إلى نائبه أن يسلمه، فامتنع من ذلك. فبعث السلطان الملك الكامل أخاه الملك الأشرف إلى الحصن، ومعه الملك المسعود، فتوجه به وعاقبه تحت الحصن، وكان يبغضه، فأصر النائب على الامتناع من تسليمه. وكان بينهما إشارة، فلما آلمته العقوبة جاء إلى تحت الحصن، وقبض على شعر نفسه وقطعه بمقص، فعند ذلك سلم النائب الحصن - وكانت هذه إشارةً بينهما. وكان تسليم الحصن في صفر من السنة.","part":8,"page":82},{"id":3593,"text":"وكان الملك المسعود، لما حاصر السلطان آمد، قد كتب إلى نائبه بحصن كيفا يقول له: من مر عليك من أهل الجزيرة فاعتقله، لأن صاحب الجزيرة كان قد توجه إلى خدمة السلطان الملك الكامل. وكان المتولي يرصد القفول إذا مرت بالحصن، فمن كان منهم من أهل الجزيرة قبض عليه واعتقله. واجتمع في حبسه خلقٌ كثير منهم. فلما فتح الحصن أفرج السلطان عنهم.\rوأنعم الملك الكامل على ولده، الملك الصالح نجم الدين أيوب، بحصن كيفا وأعماله - وكان، منذ أخرجه من الديار المصرية، بغير ولاية. وجعل شهاب الدين غازي - بن شمس الملوك - نائب السلطنة بآمد. ومعين الدين بن الشيخ الوزير، والطواشي شمس الدين صواب العادلي متولي تدبير تلك الممالك. قال أبو المظفر: قال لي الملك الأشرف: وجدنا في قصر الملك المسعود خمسمائة حرة من بنات الناس للفراش.\rوعاد السلطان إلى الديار المصرية في سنة ثلاثين وستمائة، واستصحب أكابر أهل آمد وأعيانها، صحبته، إلى الديار المصرية - وكان منهم بدر الدين، وموفق الدين، وابن أخيهما شمس الدين، وجماعة كبيرة. فأما هؤلاء الثلاثة فإنهم باشروا وترقوا في المناصب بالديار المصرية، والشام. ومن عداهم من أهل آمد نالتهم فاقةٌ شديدة وضرورة، حتى استعطوا بالأوراق. وأما الملك المسعود فإن السلطان أنعم عليه بالإقطاعات بالديار المصرية.\rذكر توجه رسول السلطان الملك الكامل إلى بغداد، وعوده هو ورسول الخليفة بالتقليد\rفي هذه السنة توجه القاضي الأشرف: بهاء الدين أبو العباس، أحمد ابن القاضي محيي الدين عبد الرحيم البيساني - رسولاً من جهة السلطان الملك الكامل إلى الديوان العزيز. فعاد في صحبة رسول الخليفة، وهو الشيخ جمال الدين أبو محمد يوسف بن الجوزي، ومعهما جماعةٌ من الأجناد. وأعطي ابن الجوزي محفة تمييزاً له.\rونفذ معهما تقليدٌ، من إنشاء الوزير أبي الأزهر: أحمد بن الناقد، بخط العدل ناصر بن رشيد الحربوي. وفي أعلاه بخط الوزير ما مثاله: للآراء المقدسة - زادها الله تعالى جلالاً وتعظيماً - مزيد في شرفها في تتويجه. والعلامة المستنصرية عليه، تحت البسملة: الله القاهر فوق عباده.\rونسخة التقليد\rبسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي أطمأنت القلوب بذكره، ووجب على الخلائق جزيل حمده وشكره، ووسعت كل شيء رحمته، وظهرت في كل أمر حكمته. ودل على وحدانيته بعجائب ما أحكمه صنعاً وتدبيراً، وخلق كل شيءٍ فقدره تقديراً - ممد الشاكرين بنعمائه التي لا تحصى عدداً. وعالم الغيب الذي لا يظهر على غيبه أحدا. لا معقب لحكمه في الإبرام والنقض، ولا يثوده حفظ السموات والأرض. تعالى أن يحيط به الضمير، وجل أن يبلغ وصفه البيان والتفسير، ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير.\rوأحمد الله الذي أرسل محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالحق، بشيراً ونذيرا. وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. وابتعثه هادياً للخلق، وأوضح به مناهج الرشد وسبل الحق. واصطفاه من أشرف الأنساب وأعز القبائل. واجتباه لإيضاح البراهين والدلائل، وجعله لديه أعظم الشفعاء وأقرب الوسائل. فقذف - صلى الله عليه - بالحق على الباطل. وحمل الناس بشريعته الهادية على المحجة البيضاء والسنن العادل، حتى استقام إعوجاج كل زائغ، ورجع إلى الحق كل حائدٍ عنه ومائل. وسجد لله كل شيءٍ يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام الأفاضل، صلاةً مستمرةً بالغدوات والأصائل - خصوصاً على عمه وصنو أبيه: العباس بن عبد المطلب، الذي اشتهرت مناقبه في المجامع والمحافل. ودرت ببركة الاستسقاء به أخلاف السحب الهواطل، وفاز من تنصيص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على عقبه، في الخلافة المعظمة، بما لم يفز به أحداٌ من الأوائل.","part":8,"page":83},{"id":3594,"text":"والحمد لله الذي حاز شريف مواريث النبوة والإمامة، ووفر جزيل الأقسام من الفضل والكرامة، لعبده وخليفته، ووارث نبيه ومحيي شريعته: الذي أحله الله عز وجل من معارج الشرف والجلال في أرفع ذروة، وأعلقه من حسن التوفيق الإلهي بأمتن عصمة وأوثق عروة، واستخرجه من أشرف نجار وعنصر، واختصه بأزكى منحة وأعظم مفخر. ونصبه للمؤمنين علما، واختاره للمسلمين إماماً وحكماً، وناط به أمر دينه الحنيف، وجعله قائماً بالعدل والإنصاف بين القوى والضعيف: إمام المسلمين، وخليفة رب العالمين: أبي جعفر المنصور، المستنصر بالله، أمير المؤمنين، ابن الإمام السعيد التقي أبي نصر محمد: الظاهر بأمر الله، ابن الإمام السعيد الوفي أبي العباس أحمد: الناصر لدين الله، ابن الإمام السعيد الزكي: أبي محمد الحسن المستضيء بأمر الله، أمير المؤمنين - صلوات الله عليهم أجمعين، وعلى آبائه الطاهرين، الأئمة المهديين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون. ولقوا الله تعالى وهو عنهم راضٍ، وهم عنه راضون.\rوبعد: فبحسب ما أفاضه الله تعالى على أمير المؤمنين - صلوات الله عليه وسلامه - من خلافته في الأرض، وفوضه إلى نظره المقدس في الأمور من الإبرام والنقض، واستخلصه له من حياطة بلاده وعباده، ووكله إلى شريف نظره ومقدس اجتهاده - لا يزال صلوات الله عليه - يكلأ العباد بعين الرعاية، ويسلك بهم في المصالح العامة والخاصة مذاهب الرشد وسبل الهداية، وينشر عليهم جناحى عدله وإحسانه، وينعم لهم النظر في ارتياد الأمناء الصلحاء، من خلصاء أكفائه وأعوانه - متخيراً للاسترعاء من استحمد إليه بمشكور المساعي وتعرف إليه في سياسة الرعايا بجميل الأسباب والدواعى، وسلك في مفروض الطاعة الواجبة على الخلائق قصد السبيل. وعلم منه حسن الاضطلاع في مصالح المسلمين بالعبء الثقيل. والله عز وجل يؤيد آراء أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - بالتأييد والتسديد. ويمده أبداً من أقسام التوفيق الإلهي بالموفور والمزيد، ويقرن عزائمه الشريفة باليمن والنجاح ويسنى له فيما يأتى ويذر أسباب الخير والصلاح. وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله - عليه يتوكل وإليه ينيب.\rولما وفق الله تعالى نصير الدين: محمد، بن سيف الدين أبي بكر، بن أيوب - من الطاعة المشهورة، والخدم المشكورة، والخطوة في جهاد أعداء الدين بالمساعي الصالحة، والفوز من المراضي الشريفة الإمامية - أجلها الله تعالى - بالمغانم الجزيلة والصفقة الرابحة - لما وصل فيه سالف شريف الاختصاص بآنفه. وشفع تالده في تحصيل مأثور الاستخلاص بطارفه. واستوجب بسلوكه في الطاعة المفروضة مزيد الإكرام والتفضيل، وضرع في الإنعام عليه بمنشور شريفٍ إمامي يسلك في اتباعه هداه. والعمل بمراشده سواء الصراط وقصد السبيل - اقتضت الآراء الشريفة المقدسة - زادها الله تعالى جلالاً متألق الأنوار، وقدساً يتساوى في عظيمه من هو مستخفٍ بالليل وساربٌ بالنهار - الإيعاز بإجابته إلى ما وجه أمله إلى الإنافة فيه به إليه. والجذب بضبعه إلى ذروة الاجتباء الذي تظهر أشعة أنواره الباهرة عليه.\rفقلده - على خيرة الله تعالى - الزعامة والصلاة، وأعمال الحرب، والمعاون والأحداث، والخراج والضياع، والصدقات والجوالي، وسائر وجوه الجبايات، والفرض والعطاء والنفقة في الأولياء، والمظالم والحسبة في بلاده، وما يفتتحه ويستولي عليه من بلاد الفرنج الملاعين، وبلاد من تبرز إليه الأوامر الشريفة بقصده، من المارقين عن الإجماع المنعقد بين المسلمين، ومن يتعدى حدود الله تعالى، بمخالفة من جعلت الأعمال الصالحات بولائه المفروض على الخلائق مقبولة، وطاعته - ضاعف الله جلاله - بطاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم موصولة، حيث قال - عز من قائل: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.\rواعتمد - صلوات الله عليه وسلامه - في ذلك على حسن نظره، ومدد رعايته. وألقى مقاليد التفويض فيه إلى وفور اجتهاده، وكمال سياسته. وخصه من هذا الإنعام الجزيل بما يبقى له على تعاقب الدهر واستمراره، ويخلد له على ممر الزمان حسن ذكره وجزيل فخاره. وحباه بتقليدٍ يوطد له قواعد الممالك، ويفتح بإقليده رتاج الأبواب والمسالك، ويفيد قاعدته في بلاده زيادة قريرٍ وتمهيد، ويطير به صيته في كل قريب وبعيد.","part":8,"page":84},{"id":3595,"text":"ووسمه بالملك الأجل: السيد الكامل، المجاهد المرابط، نصير الدين، ركن الإسلام، جمال الأنام، جلال الدولة فخر الملة. عز الأمة. سند الخلافة. تاج الملوك والسلاطين، قامع الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج والمتمردين، إلب غازي بك، محمد، بن أبي بكر بن أيوب، معين أمير المؤمنين - رعايةً لسوابق خدمه، وخدم آبائه وأسلافه، وإبانةً عن وفور احتبائه، وكمال ازدلافه. وإنافةً به من ذروة القرب إلى محل كريم، وإختصاصاً له بالإحسان الذي لا تلقاه إلا من هو - كما قال الله تعالى - ذو حظ عظيم - وثوقاً بصحة ديانته التي يسلك فيها سواء سبيله، وإستنامةً إلى أمانته في الخدمة التي ينصح فيها لله تعالى ولرسوله. وركوناً إلى كون الإنعام عليه موضوعاً بحمد الله تعالى في أحسن موضع، واقعاً به لديه في خير مستقر ومستودع.\rوأمير المؤمنين - صلوات الله عليه - لا زالت الخيرة موصولةً بآرائه، والتأييد الإلهي مقروناً بإنفاذه وإمضائه - يستمد من الله عز وجل حسن الإعانة في اصطفائه، الذي اقتضاه نظره الشريف واعتماده، وأدى إليه إرتياده المقدس الإمامي واجتهاده. وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل - .\rأمره بتقوى الله تعالى، التي هي الجنة الواقية، والنعمة الباقية، والملجأ المنيع والعماد الرفيع، والذخيرة النافعة في السر والنجوى، والجذوة المقتبسة من قوله سبحانه: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. وأن يدرع شعارها في جميع الأقوال والأفعال، ويهتدى بأنوارها في مشكلات الأمور والأحوال. وأن يعمل بها سراً وجهرا، ويشرح للقيام بحدودها الواجهة صدرا. قال الله تعالى: ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا.\rوأمره بتلاوة كتاب الله متدبراً غوامض عجائبه، سالكا سبيل الرشاد والهداية في العمل به. وأن يجعله مثالاً يتبعه ويقتفيه، ودليلاً يهتدى بمراشده الواضحة في أوامره ونواهيه. فإنه الثقل الأعظم، وسبب الله المحكم، والدليل الذي يهدي للتي هي أقوم. ضرب الله تعالى فيه لعباده جوامع الأمثال، وبين لهم بهداه الرشد والضلال. وفرق بدلائله الواضحة وبراهينه الصادعة بين الحرام والحلال. فقال - عز من قائل - : هذا بيان للناس وهدىً وموعظةٌ للمتقين. وقال تعالى: كتابٌ أنزلناه إليك مباركٌ ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب.\rوأمره بالمحافظة على مفروض الصلوات، والدخول فيها على أكمل هيئة من قوانين الخشوع والإخبات. وأن يكون نظره في موضع نجواه من الأرض، وأن يمثل لنفسه في ذلك موقفه بين يدي الله تعالى يوم العرض. قال الله تعالى: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون. وقال سبحانه: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً. وأن لا يشتغل بشاغل عن أداء فروضها الواجبة، ولا يلهو بسببٍ عن إقامة سننها الراتبة، فإنها عماد الدين الذي سمت أعاليه، ومهاد الشرع الذي رست قواعده ومبانيه. قال الله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين. وقال سبحانه: إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر.\rوأمره أن يسعى إلى صلوات الجمع والأعياد. ويقوم في ذلك بما فرض الله تعالى عليه وعلى العباد. وأن يتوجه إلى المساجد والجوامع متواضعاً، ويبرز إلى المصليات الضاحية في الأعياد خاشعاً. وأن يحافظ في تشييد قواعد الإسلام على الواجب والمندوب. ويعظم باعتماد ذلك شعائر الله التي هي من تقوى القلوب. وأن يشمل بوافر اهتمامه واعتنائه، وكمال نظره وإرعائه، بيوت الله التي هي محال البركات ومواطن العبادات، والمساجد التي تأكد في تعظيمها وإجلالها حكمه والبيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. وأن يرتب لها من الخدم من يتبتل لإزالة أدناسها. ويتصدى لإذكاء مصابيحها في الظلام وإيناسها. ويقوم لها بما تحتاج إليه من أسباب الصلاح والعمارات. ويحضر إليها ما يليق من الفرش والكسوات.","part":8,"page":85},{"id":3596,"text":"وأمره باتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي أوضح جددها وثقف - عليه السلام - أودها. وأن يعتمد فيها على الأسانيد التي نقلها الثقات. والأحاديث التي صحت بالطرق السليمة والروايات. وأن يقتدى بما جاءت به من مكارم الأخلاق، التي ندب - صلى الله عليه وسلم - إلى التمسك بسببها، ورغب أمته في الأخذ بها والعمل بأدبها. قال الله تعالى: \" وما آتاكم الرسولُ فخُذوه وما نهاكم عنه فانْتَهُوا \" . وقال سبحانه وتعالى: \" من يُطِعِ الرسولَ فقد أطاع الله \" .\rوأمره بمجالسة أهل العلم والدين، وأولي الإخلاص في طاعة الله تعالى واليقين. والاستشارة بهم في عوارض الشك والالتباس. والعمل بآرائهم في التمثيل والقياس. فإن في الاستشارة بهم عين الهداية، وأمناً من الضلال والغواية. وبها يلقح عقم الأفهام والألباب، ويقتدح زناد الرشد والصواب. قال الله تعالى في الإرشاد إلى فضلها، والأمر في التمسك بحبلها: \" وشَاوِرْهُمْ في الأمْر \" .\rوأمره بمراعاة أحوال الجند والعسكر في ثغوره، وأن يشملهم بحسن نظره وجميل تدبيره. مستصلحا نياتهم بإدامة التلطف والتعهد، مستوضحاً أحوالهم بمواصلة التفحص عنها والتفقد. وأن يسوسهم سياسةً تبعثهم على سلوك المنهج السليم. وتهديهم في انتظامها واتساقها إلى الصراط المستقيم. وتحملهم على القيام بشرائط الخدم، والتلزم بها بأقوى الأسباب وأمتن العصم. ويدعوهم إلى مصلحة التواصل والائتلاف. ويصدهم عن موجبات التخاذل والاختلاف. وأن يعتمد فيهم شرائط الحزم في الإعطاء والمنع. وما تقتضيه مصلحة أحوالهم من أسباب الخفض والرفع. وأن يثيب المحسن منهم على إحسانه، ويسبل على المسيء - ما وسعه العفو واحتمل الأمر - صفحه وامتنانه. وأن يأخذ برأي ذوي التجارب منهم والحنكة، ويجتنى بمشاورتهم في الأمر ثمر الشركة. إذ في ذلك أمنٌ من خطأ الإفراد، وتزحزحٌ عن مقام الزيغ والاستبداد.\rوأمره بالتبتل لما يليه من البلاد ويتصل بنواحيه من ثغور أولي الشرك والعناد. وأن يصرف مجامع الالتفات إليها. ويخصها بوفور الإهتمام بها والتطلع عليها. وأن يشمل ما ببلاده من الحصون والمعاقل بالإحكام والإتقان، وينتهي في أسباب مصالحها إلى غاية الوسع ونهاية الإمكان، وأن يشحنها بالميرة الكثيرة والذخائر، ويمدها من الأسلحة والآلات بالعدد المستصلح الوافر، وأن يتخير لحراستها من يختاره من الأمناء التقاة، ويسدها بمن ينتخبه من الشجعان الكماة. وأن يتأكد عليهم في أسباب الحيطة والاستظهار، ويوقظهم للاحتراس من غوائل الغفلة والاغترار. وأن يكون المشار إليهم ممن تربوا في ممارسة الحروب على مكافحة الشدائد وتدربوا في نصب الحبائل للمشركين والأخذ عليهم بالمراصد وأن يعتمد هذا القبيل بواصلة المدد وكثرة العدد، والتوسعة في النفقة والعطاء، والعمل معهم بما يقتضيه حالهم وتفاوتهم في التقصير والغناء. إذ في ذلك حسمٌ لمادة الأطماع في بلاد الإسلام، ورد لكيد المعاندين من عبدة الأصنام.\rفمعلومٌ أن هذا الغرض أولى ما وجهت إليه العنايات وصرفت، وأحق ما قصرت عليه الهمم ووقفت. فإن الله تعالى جعله من أهم الفروض التي ألزم فيها القيام بحقه، وأكبر الواجبات التي كتب العمل بها على خلقه. فقال سبحانه وتعالى - هادياً في ذلك إلى سبيل الرشاد، ومحرضاً لعباده على قيامهم له بفروض الجهاد: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصبٌ ولا مخمصةٌ في سبيل الله ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدوٍ نيلاً إلا كتب لهم به عملٌ صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين. ولا ينفقون نفقةً صغيرةً ولا كبيرةً، ولا يقطعون وادياً - إلا كتب لهم، ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون. وقال تعالى: \" فاقْتُلُوهم حيث ثَقِفْتُمُوهم \" . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من نزل منزلاً يخيف فيه المشركين ويخيفونه، كان له كأجر ساجد لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة، وأجر قائم لا يقعد إلى يوم القيامة، وأجر صائم لا يفطر. وقال عليه السلام: غدوةٌ في سبيل الله أو روحةٌ خيرٌ مما طلعت عليه الشمس. هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - في حق من سمع هذه المقالة فوقف لديها. فكيف بمن كان كما قال عليه السلام: ألا أخبركم بخير الناس: ممسكٌ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيعةً طار إليها.","part":8,"page":86},{"id":3597,"text":"وأمره باقتفاء أوامر الله تعالى في رعاياه، والاهتداء إلى رعاية العدل والإنصاف والإحسان بمراشده الواضحة ووصاياه، وأن يسلك في السياسة بهم سبل الصلاح، ويشملهم بلين الكنف وخفض الجناح. ويمد ظل رعايته على مسلمهم ومعاهدهم، ويزحزح الأقذاء والشوائب عن مناهلهم في العدل ومواردهم. وينظر في مصالحهم نظراً يساوي بين الضعيف والقوي، ويقوم بأودهم قياماً يهتدى به ويهديهم فيه إلى الصراط السوي. قال الله تعالى: \" إن الله يأْمُر بالعدلِ والإحسان وإيتاءِ ذي القُرْبَى ويَنْهَي عن الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْي، يعِكُكُم لعلكم تَذَكَّرُون \" .\rوأمره باعتماد أسباب الاستظهار والأمنة، واستقصاء الطاقة المستطاعة والقدرة الممكنة، في المساعدة على قضاء تفث حجاج بيت الله الحرام وزوار نبيه - عليه أفضل الصلاة والسلام. وأن يمدهم بالإعانة في ذلك على تحقيق الرجاء وبلوغ المرام، ويحرسهم من التخطف والأذى في حالتي الظعن والمقام. فإن الحج أحد أركان الدين المشيدة وفروضه الواجبة المؤكدة. قال الله تعالى: ولله على الناس حج البيت.\rوأمره بتقوية أيدي العاملين بحكم الشرع في الرعايا، وتنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام والقضايا، والعمل بأقوالهم فيما يثبت لذوي الاستحقاق، والشد على أيديهم فيما يرونه من المنع والإطلاق. وأنه متى تأخر أحد الخصمين عن إجابة داعي الحكم، أو تقاعس في ذلك لما يلزم من الأداء والغرم - جذبه بعنان القسر إلى مجلس الشرع، واضطره بقوة الإنصاف إلى الأداء بعد المنع. وأن يتوخى عمال الوقوف التي تقرب المتقربون بها، واستمسكوا في ظل ثواب الله بمتين سببها. وأن يمدهم بجميل المعاونة والمساعدة وحسن الموازرة والمعاضدة، في الأسباب التي تؤذن بالعمار والاستنماء، وتعود عليها بالمصلحة والاستخلاص والاستيفاء. قال الله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى.\rوأمره أن يتخير من أولي الكفاية والنزاهة من يستخلصه للخدم والأعمال، والقيام بالواجب من أداء الأمانة والحراسة والتثمير، لبيت المال وأن يكونوا من ذوي الاضطلاع بشرايط الخدم المعينة وأمورها، والمهتدين إلى مسالك صلاحها وتدبيرها. وأن يتقدم إليهم بأخذ الحقوق من وجوهها المتيقنة، وجبايتها في أوقاتها المعينة. إذ ذاك من لوازم مصالح الجند ووفور الاستظهار، وموجبات قوة الشوكة بكثير الأعوان والأنصار، وأسباب الحيطة التي يحمى بها البلاد والأمصار. ويأمرهم بالجري في الطقوس والشروط على النمط المعتاد، والقيام في مصالح الأعمال أقدام الجد والاجتهاد. وإلى العاملين على الصدقات بأخذ الزكوات على مشروع السنن المهيع، وقصد الصراط المتبع، من غير عدولٍ في ذلك عن المنهاج الشرعي، أو تساهل في تبديل حكمها المفروض وقانونها المرعى فإذا أخذت من أربابها الذين يطهرون ويزكون بها سعي في العمل في صرفها إلى مستحقيها بحكم الشريعة النبوية وموجبها. وإلى جباة الجزية من أهل الذمة بالمطالبة بأدائها في أول السنة، واستيفائها منهم على حسب أحوالهم بحكم العادة في الثروة والمسكنة. إجراءً في ذلك على حكم الاستمرار والانتظام، ومحافظةً على عظيم شعائر الإسلام.\rوأمره أن يتطلع على أحوال كل من يستعمله في أمرٍ من الأمور، ويصرفه في مصلحةٍ من مصالح الجمهور، تطلعاً يقتضى الوقوف على حقائق أماناتهم، ويوجب تهديتهم في حركاتهم وسكناتهم، ذهاباً مع النصح لله تعالى في بريته، وعملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته.","part":8,"page":87},{"id":3598,"text":"وأمره أن يستصلح من ذوي الاضطلاع والغناء، من يرتب للفرض والعطاء، والنفقة في الأولياء وأن يكونوا من المشهورين بالحزم والبصيرة، والموسومين في المناصحة بإخلاص الطوية وإصفاء السريرة، حالين من الأمانة والصون بما يزين. ناكبين عن مظان الشبه والطمع الذي بصم ويشين. وأن يأمرهم باتباع عادات أمثالهم في ضبط أسماء الرجال، وتحلية الأشخاص والأشكال واعتبار شيات الخيول وإثبات أعدادها، وتحريض الجند على تخيرها واقتناء جيادها. وبذل الجهد في قيامهم من الكراع والبرك والسلاح بما يلزمهم، والعمل بقول الله تعالى: \" وأعِدُّوا لهم ما اسْتَطَعْتُم من قُوَةٍ ومن رِباط الخَيْل، تُرْهِبُون به عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ، وآخَرَين من دُونِهم لا تعلمونَهم اللهُ يَعْلَمُهُمْ \" . فإذا نطقت جرائد الجند المذكورين بما أثبت لديهم، وحقق الاعتبار والعيان قيامهم بما وجب عليهم، أطلقت لهم المعايش والأرزاق بحسب إقراراتهم، وأوصلت إليهم بمقتضى واجباتهم واستحقاقاتهم. فإن هذه الحال أصل حراسة البلاد والعباد، وقوام الأمر فيما أوجبه الله تعالى من أمر الاستعداد بفرض الجهاد. قال الله تعالى: \" والذين جاهدوا فينا لنَهْدِيَنَّهَم سُبُلَنا، وإن الله لمع المُحْسِنِين \" .\rوأمره بتفويض أمر الحسبة إلى من يكون بأمرها مضطلعا، وللسنة النبوية في إقامة حدودها متبعا. فيعتمد في الكشف عن أحوال العامة في تصرفاتها الواجب. ويسلك في التطلع على معاملاتهم السبيل الواضح والسنن اللاحب. ويأتيهم في الأسواق لاعتبار المكاييل والموازين، ويعتمد في مؤاخذة المطففين وتأديبهم بما تقتضيه شريعة الدين. ويحذرهم في تعدي حدود الإنصاف شدة نكاله، ويقابل المستحق للمؤاخذة بما يرتدع به الجمع الكثير من أمثاله. قال الله تعالى: \" أوْفُوا الكَيْلَ ولا تكونوا من المُخْسِرِين. وزِنُوا بالقِسْطاسِ المُسْتقيم. ولا تَبْخَسُوا الناسَ أشياءَهم ولا تعثوا في الأرض مُفْسِدِين \" . وقال سبحانه: \" وَيْلٌ للمُطَفِّفِين الذين إذا اكْتَالُوا على الناس يَسْتَوْفُون، وإذا كَالُوُهمْ أو وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُون. ألاَ يَظُنُّ أولئك أنهم مَبْعُوثون ليوم عظيم. يوم يَقُومُ الناسُ لربِّ العالَمين \" .\rفليتول الملك الأجل، السيد الكامل المجاهد المرابط، نصير الدين ركن الإسلام أثير الإمام، جمال الأنام، جلال الدولة، فخر الملة عز الأمة، سند الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، قامع الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج والمتمردين، أمير المجاهدين: ألب غازي بك، معين أمير المؤمنين - ما قلده عبد الله وخليفته في أرضه، القائم له بحقه الواجب وفرضه: أبو جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين - بقلب مطمئن بالإيمان، ونصحٍ لله تعالى ولخليفته - صلوات الله عليه - في السر والإعلان وليشرح بما فوض إليه من هذه الأمور صدراً، وليقم بالواجب عليه من شكر هذا الإنعام الجزيل سراً وجهرا. وليعمل بهذه الوصايا الشريفة الإمامية، وليقتف آثار مراشدها المقدسة النبوية. وليظهر من أثر الجد في هذا الأمر والإجتهاد، وتحقيق الظن الجميل فيه والإرشاد - ما يكون دليلاً على تأيد الرأي الأشرف المقدس - أجله الله تعالى - في اصطناعه واستكفائه، وإصابة مواقع النجح والرشد في التفويض إلى حسن قيامه وكمال غنائه وليقدر النعمة عليه في هذه الحال حق قدرها، وليمتر - بأداء الواجب عليه من جزيل الشكر - غزير درها، وليطالع مع الأوقات بما يشكل عليه من الأمور الغوامض. ولينه إلى العلوم الشريفة المقدسة - أجلها الله تعالى - ما يلتبس عليه من الشكوك والعوارض. ليرد عليه من الأمثلة ما يوضح له وجه الصواب في الأمور، ويمدمن المراشد الشريفة التي هي شفاء لما في الصدور، بما يكون وروده عليه، وتتابعه إليه، نوراً على نور - إن شاء الله تعالى.\rوكتب في شهر رجب من سنة ثلاثين وستمائة. والحمد رب العالمين. وصلواته على سيدنا محمدٍ النبي الأمي، وآله الطاهرين.\rوفي هذه السنة، فتحت دار الحديث الأشرفية المجاورة لقلعة دمشق المحروسة، ليلة النصف من شعبان. وأملى بها الشيخ الإمام العلامة: تقي الدين بن الصلاح الشافعي. ووقف عليها الملك الأشرف أوقافاً جليلة.\rذكر ركوب الملك العادل بشعار السلطنة","part":8,"page":88},{"id":3599,"text":"وفي الساعة التاسعة من يوم الثلاثاء، ثامن عشر شهر رمضان، من هذه السنة - سلطن السلطان الملك الكامل ولده الملك العادل سيف الدين أبا بكر، وركبه في هذه الساعة بشعار السلطنة. وشق القاهرة، وفي خدمته جميع الأمراء والقضاة وأصحاب الدواوين والأماثل وغيرهم.\rوفيها - في صفر - تسلم راجح بن قتادة مكة - شرفها الله تعالى - وكان قد قصدها في سنة تسع وعشرين، وصحبته عسكر صاحب اليمن: الملك المنصور عمر بن علي بن رسول. وكان الأمير فخر الدين بن الشيخ بمكة. ففارقها.\rوفيها كانت وفاة الملك العزيز: فخر الدين عثمان بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب. وهو شقيق الملك المعظم. وكان صاحب بانياس وتبنين وهونين والحصون. وهو الذي بني قلعة الصبيبة.\rوكان عاقلاً قليل الكلام، مطيعاً لأخيه الملك المعظم، وإنما أخرجه عن موالاة ولده - الملك الناصر داود - أنه كان قصد بعلبك في سنة خمس وعشرين وستمائة، بمواطئةٍ من ابن الملك الأمجد صاحبها - كما تقدم - فلما فاته وقت الميعاد، الذي اتفقا عليه، نزل على بعلبك، وأخذ في حصارها. فأرسل الملك الأمجد إلى الملك الناصر يقول له: أنت تعلم ما كان بيني وبين والدك الملك المعظم من المودة، وأنني كنت صديق من صادقه وعدو من عاداه، فرحل عني الملك العزيز.\rفأنفذ الملك الناصر داود الغرس خليلاً إلى الملك العزيز، وأمره بالرحيل. وقال له: متى لم يرحل، ارم خيمته على رأسه ! فرحل العزيز إلى بانياس وأوجبت هذه الحادثة غضبه، إلى أن التحق بالملك الكامل، وجاء معه إلى دمشق - كما تقدم.\rوكانت وفاة الملك العزيز في يوم الاثنين، عاشر شهر رمضان، سنة ثلاثين وستمائة، ببستانه في الناعمة، ببيت لهيا من غوطة دمشق. ودفن بقاسيون في تربة الملك المعظم، عند والته - رحمه الله تعالى.\rوفيها، في يوم الاثنين، سابع عشرين شهر ربيع الأول، توفي بالقاهرة الشيخ جلال الدين أبو العزائم: همام بن راجي الله سرايا، بن أبي الفتوح ناصر، بن داود الشافعي: إمام جامع الصالح، بظاهر باب زويلة رحل إلى بغداد واشتغل بها مدة، وسمع الحديث، واشتغل بالأدب بمصر على ابن برى ولقي جماعةً من الأدباء، وصنف كتباً كثيرة في الأصول والفروع والخلاف، مختصرة ومطولة. وله شعر. ومولده بونا من صعيد مصر، في ذي القعدة أو ذي الحجة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. رحمه الله. ولما مات، ولى الإمامة بالجامع الصالحي بعده ولده: نور الدين علي.\rوفيها كانت وفاة الشيخ شهاب الدين أبي حفص: عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي. وهو ينتسب إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فيما قيل. وذكر ابن خلكان أن وفاته كانت في مستهل ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. ومولده بسهرورد، في سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وقد تقدم ذكر تردده في الرسالة، من جهة الخليفة إلى الملك العادل، وغيره. وكان رجلاً صالحاً عابداً، زاهداً ورعاً. وصنف كتاباً للصوفية، سماه عوارف المعارف.\rحكى أنه جلس يوماً ببغداد على منبر وعظه، فذكر أحوال القوم، وأنشد:\rما في الصّحاب أخو وجدٍ نطارحه ... حديث نجدٍ، ولا صبٌّ نجاريه\rوجعل يردد البيت ويطرب ! فصاح به شابٌ من طرف المجلس - عليه قباءٌ وكلوتة - وقال: يا شيخ، كم تشطح وتنتقص القوم ! والله إن فيهم من لا يرضى أن يجاريك، ولا يصل فهمك إلى ما تقول ! هلا أنشدت:\rما في الصحاب، وقد سارت حمولهم ... إلا محبٌ له في الركب محبوب\rكأنما يوسفٌ في كل راحلةٍ ... والحيّ في كل بيتٍ منه يعقوب\rفصاح الشيخ، ونزل عن المنبر وقصد الشاب، ليعتذر إليه. فلم يجده. ووجد في موضعه حفرةً فيها دم، مما فحص برجله عند إنشاد الشيخ البيت !.\rوفيها توفي الشيخ الفاضل: عز الدين أبو الحسن علي، بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم، بن عبد الواحد الشيباني - المعروف بابن الأثير الجزري. وكانت وفاته في هذه السنة من شعبان. ومولده في رابع جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وخمسمائة، بجزيرة ابن عمر.","part":8,"page":89},{"id":3600,"text":"وكان رجلاً فاضلاً، صنف في التاريخ كتاب الكامل من أول الزمان إلى آخر سنة ثمان وعشرين وستمائة. وهو من أجود التواريخ التي رأيناها. واختصر كتاب الأنساب لأبي سعيد عبد الكريم بن السمعاني، واستدرك عليه في مواضع. ونبه على أغاليط، وزاد أشياء. وهو كتاب مفيدٌ في ثلاث مجلدات وأصله في ثمانية، وهو عزيز الوجود. وفضائله وآدابه مشهورة - رحمه الله تعالى.\rوفيها كانت وفاة شرف الدين أبي المحاسن: محمد بن نصر بن مكارم، ابن الحسن بن علي بن محمد، بن غالب الأنصاري، المعروف بابن عنين - الكوفي الأصل، الدمشقي المولد. وقيل بل هو من زرع من إقليم حوران.\rنشأ في دمشق، وسافر عنها، وطوف البلاد شرقاً وغرباً. ودخل بلاد الجزيرة والروم والعراق وبغداد وخراسان وما وراء النهر، وبلاد الهند واليمن والحجاز ومصر. ومدح ملوك هذه الأماكن وأعيانها.\rوكان ظريفاً حسن الأخلاق جميل العشرة. غزير المادة في الشعر، مولعاً في الهجاء وثلب أعراض الناس - خصوصاً الأكابر. وله قصيدة طويلة جمع فيها خلقاً كثيراً من رؤساء الشام وأهل دمشق، سماها: مقراض الأعراض، يقال إنها خمسمائة بيت.\rوكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف قد نفاه من دمشق، بسبب وقوعه في الناس. ولما نفى كتب من الهند إلى دمشق:\rفعلام أبعدتم أخاثقةٍ ... لم يجترم ذنبا ولا سرقا\rانفوا المؤذّن من بلادكم ... إن كان ينفى كلّ من صدقا\rولما مات الملك الناصر صلاح الدين، وملك الملك العادل دمشق، سار متوجهاً إلى الشام. وكتب إلى الملك العادل قصيدته الرائية، واستأذنه في الدخول إلى دمشق. ووصفها وصف ما قاسى في الغربة، ولما فرغ من وصف دمشق وأنهارها وبساتينها ومستنزهاتها، قال في قصيدته:\rفارقتها لاعن رضىً، وهجرتها ... لا عن قلىً، ورحلت لا متخيراً\rأسعى لرزقٍ في البلاد مشتّتٍ ... ومن العجائب أن يكون مقتّرا\rوأصون وجه مدائحي متقنّعاً ... وأكفّ ذيل مطامعي متستّرا\rجاء منها في شكوى الغربة، وما قاساه منها:\rأشكو إليك نوىً، تمادى عمرها ... حتى حسبت اليوم منها أشهرا\rلا عيشتي تصفو ولا رسم الهوى ... يعفو، ولا جفني يصافحه الكرى\rأضحى عن الأخوى المريع محلأً ... وأبيت عن ورد النّمير منفّرا\rومن العجائب أن تفيّأ ظلّكم ... كلّ الورى، ونبذت وحدى بالعرا\rفلما وقف العادل على هذه القصيدة، أذن له في الدخول إلى دمشق، فدخلها.\rوقال:\rهجوت الأكابر في جلّقٍ ... ورعت الوضيع بسبّ الرّفيع\rوأخرجت منها، ولكنني ... رجعت على رغم أنف الجميع\rوكانت وفاته في عشية يوم الأثنين، العشرين من شهر ربيع الأول، سنة ثلاثين وستمائة. ومولده في يوم الاثنين، تاسع شعبان، سنة تسع وأربعين وخمسمائة - حكاه ابن خلكان وابن الساعي.\rوقال أبو المظفر في مرآة الزمان: إن وفاته كانت في سنة ثلاث وثلاثين.\rقال: وكان خبيث اللسان هجاءً، فاسقاً متهتكاً. قال: ولما عاد إلى دمشق، استوزره الملك المعظم. وكانت مجالسه معمورةً بقبائحه.\rقال: وحضر مجلس الإمام فخر الدين الرازي بن خطيب الري، وهو يعظ، فجاءت حمامةٌ وخلفها جارح، فألقت نفسها على الإمام فخر الدين، فغطاها بكمه. فقال ابن عنين، بديهاً:\rيا ابن الكرام، المطعمين إذا شتوا ... في كل مسغبةٍ وثلجٍ خاسف\rالعاصمين إذا النفوس تطايرت ... بين المخارم والوتين الرّاعف\rمن أنبا الورقاء أنّ بجلّكم ... حرماً، وأنّك ملجأٌ للخائف\rوفدت عليك، وقد تدانى حتفها ... فحبوتها ببقائها المتانف\rولو أنّها تحيي بمالٍ، لانثنت ... من راحتيك بنائل متضاعف\rجاءت سليمان الزّمان بشكرها ... والموت يلمع من جناحي خاطف\rقرمٌ لواه الفوت حتى ظلّه ... بإزائه يجري بقلبٍ خائف","part":8,"page":90},{"id":3601,"text":"قال: فرمى عليه الإمام فخر الدين جميع ما كان عليه، وفعل الحاضرون كذلك. فبلغ قيمة ذلك أربعة آلاف دينار ! وكتب معه كتاباً إلى الملك الناصر، وكتاباً إلى الملك العادل، يشفع فيه. فقبل الملك شفاعته.\rولما عاد هجا العادل، فقال:\rإن سلطاننا الذي نرتجيه ... واسع المال ضيّق الإنفاق\rهو سيفٌ كما يقال، ولكن ... قاطعٌ للرسوم والأرزاق\rوهجا أيضاً أولاد شيخ الشيوخ الأربعة، فقال:\rأولاد شيخ الشيوخ قالوا ... ألقابنا كلّها محال\rلا فخر فينا ولا عمادٌ ... ولا معينٌ، ولا كمال\rوأهاجيه في الأكابر والأعيان كثيرة - سامحه الله تعالى وإيانا:\rواستهلت سنة إحدى وثلاثين وستمائة:\rمسير الملك الكامل إلى بلاد الروم\rوفي هذه السنة، وصل الملك الأشرف، صاحب دمشق، إلى السلطان بالديار المصرية، وحرضه على قصد بلاد الروم. فخرج بالعساكر من القاهرة في ليلة السبت، لخمس خلون من شعبان، واستناب بالديار المصرية ولده الملك العادل: سيف الدين أبا بكر.\rوسار حتى وصل إلى دمشق، وجمع سائر الملوك. وسار من دمشق، فنزل بظاهر البيرة. واجتمعت الملوك، فكانوا ثلاثة عشر ملكا: كلهم من بني أيوب. وعرض العساكر أطلاباً، فكبرت نفسه وتعاظم. ثم دخل بهم الدربندات، وأشرف على أرض الروم، وما شك في أخذها.\rفاجتمع الملوك إلى الملك الأشرف، قالوا: متى فتح الملك الكامل بلاد الروم، استولى على ممالكنا، وعوضنا عنها من بلاد الروم. فاتفقوا على خذلانه، ومكاتبة صاحب الروم: علاء الدين كيقباد، بن كيخسرو السلجقي، فكاتبوه. فوقعت الكتب إلى الملك الكامل، فرحل عن الدربندات لوقته، وعاد إلى السويدات وخيم بها.\rوكان عند نزوله على الدربندات، أرسل الملك المظفر صاحب حماه، والطواشي شمس الدين صواب، وجماعة من الأمراء، إلى خرت برت. وكان بها عسكرٌ كثيف من عساكر الروم، فكسروهم، وأسروا بعض الأمراء الكاملية، وطلع الملك المظفر، والطواشي صواب، والبانياسي وجماعةٌ من الأمراء، إلى القلعة، فأقاموا بها سبعة عشر يوماً، وطلبوا الأمان من صاحب الروم. فأمنهم على تسليم القلعة، ولا يأخذوا منها شيئا.\rففعلوا ذلك، ونزلوا إليه. فخلع عليهم وأعادهم إلى الملك الكامل. ولم يسلم من خيلهم في هذه الوقعة إلا سبعةٌ أو ثمانية: كل أمير على فرس. فسير السلطان الملك الكامل إليهم الخيول، فركبوها ووصلوا إلى السلطان إلى السويدا، فأحسن إليهم. ثم عاد إلى الديار المصرية، وقد حصلت الوحشة بينه وبين سائر الملوك. وكان وصوله في جمادى الأولى، سنة اثنتين وثلاثين.\rولما رجع، جهز صاحب الروم جيشا كثيفا إلى حران والرها وآمد، والسويدا وقطينا، فاستولى على ذلك، ورتب فيهم من يحفظهم. وكانت هذه الجهات تحت يد شهاب الدين غازي - أخي السلطان - والملك الصالح نجم الدين أيوب: ولده.\rفلما اتصل ذلك بالملك الكامل، تجهز بعساكره وخرج من القاهرة، في ثالث عشرين ذي القعدة من السنة: وكان قد أوصى ولده الملك الصالح نجم الدين وأخاه شهاب الدين غازي - أن صاحب الروم إذا قصد البلاد يتركونها، ويحضرون، وقال له: إذا أخذ البلاد استعدتها منه، وإذا أخذكم لا أقدر على استعادتكم منه. فلما وصل عسكر صاحب الروم إلى البلاد، تركاها، وسارا بعسكرهما إلى سلميه.\rولما قدم السلطان إلى دمشق، كان بها ولدا ولده الملك الصالح، وهما: جلال الدين، وتورانشاه، فخرجا يسلمان على جدهما، فانتهرهما، فخرجا من عنده. واتصل ذلك بأبيهما، فعلم أن الغضب إنما هو عليه، لا على ولديه. فأرسل إليهما وأخذهما من دمشق، ولم يشعر بذلك جدهما.\rوسار عن سلميه، ومعه شهاب الدين غازي، فوصل إلى حصن كيفا، ووصل شهاب الدين إلى ميافارقين. فعظم ذلك على السلطان، وذكر ما فعله الصالح لبعض الأمراء. فتلطف في الاعتذار عنه، وقال: الملك الصالح معذور، لأن السلطان سلم له البلاد وجعله تحت الحجر. ثم فعل السلطان بأولاده ما فعل. فأرسل إليه وطيب قلبه، وأمره أن يمضي هو وشهاب الدين غازي لمحاصرة السويداء، فتوجها إليهما.","part":8,"page":91},{"id":3602,"text":"ووصل السلطان إليها أيضا. ثم مضى إلى آمد، فهرب العسكر الرومي منها. ووصل السلطان إلى حران، وفتحها عنوةً في ثالث جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين. وفتح قلعة الرها عنوةً. وتسلم السويداء عنوة، في جمادى الآخرة. وهدم قلعة الرها. وأسر من كان في هذه القلاع من الروم. وأخذ قطينا في شهر رجب عنوة، ونزل على دنيسر فأخربها، إلا الجامع.\rوسير جميع الأمراء إلى الديار المصرية في الجوالق، وكانوا أكثر من ثلاثة آلاف. ورتب ولده الملك الصالح بآمد. ورتب ولده الملك الصالح بآمد. وأضاف إليه حران والرها ونصيبين، والخابور ورأس عين والرقة، وجعله سلطانا مستقلا. وعاد إلى الديار المصرية. فوصل إلى القاهرة في شعبان، سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.\rنعود إلى تتمة حوادث سنة إحدى وثلاثين وستمائة.\rفيها ولي الأمير جمال الدين يغمور شد الدواوين بالديار المصرية وفيها عمر الملك الأشرف مسجد جراح خارج باب الصغير بدمشق، ورتب فيه خطبة للجمعة، يصلي فيه سكان الشاغور وغيرهم.\rوفيها قدم رسول الأنبرور ملك الفرنج بالهدايا والتحف، وفي جملة ذلك دبٌ أبيض، شعره مثل شعر السبع، ينزل إلى البحر فيصيد السمك ويأكله، وطاووس أبيض، وغير ذلك.\rوفيها عزل قاضي القضاة عماد الدين بن الحرستاني عن قضاء الشام، ووليه قاضي القضاة شمس الدين بن سني الدولة.\rوفيها، توفي الأتابك: شهاب الدين طغرل الخادم، عتيق السلطان الملك الظاهر، صاحب حلب - وكان أرمني الجنس، حسن السيرة محمود الطريقة، صالحا عفيفا، زاهداً كثير الصدقة والإحسان، يقسم الليل أثلاثا: فالثلث الأول يجري حكايات الصالحين وأحوال الناس ومحاسنهم، وينام الثلث الأوسط، ويحيي الثلث الآخر قراءةً وصلاةً وبكاءً. وكان حسن الوساطة عند الملك الظاهر.\rولما توفي الظاهر، قام بأمر ولده العزيز أحسن قيام. واستمال الملك الأشرف، حتى حفظ على الملك العزيز البلاد - ولما استعاد الملك الأشرف تل باشر، دفعها لهذا الخادم، وقال هذه تكون لصدقاتك وما يلزمك، فإنك تكره أن تتصرف في أموال الصغير، فنقل إليها من الأموال والذخائر كل نفيس. وكان قد طهر حلب من الفسق والفجور والمكوس. وكان الملك الأشرف يقول: إن كان لله تعالى في الأرض وليٌ، فهو هذا الخادم، الذي فعل ما عجز عنه الفحول.\rفلما ترعرع الملك العزيز بن الملك الظاهر، في سنة تسع وعشرين وستمائة - قال له بعض خواصه: قد رضيت لنفسك أن تكون تحت حجر هذا الخادم ! فأخذ منه تل باشر، ونزع يده منه. وبقي الأتابك لا ينفذ له أمرٌ ثم مرض وتوفي بحلب، في ليلة الحادي عشر من المحرم، من هذه السنة. ودفن بمدرسة الحنفية خارج باب الأربعين - رحمه الله تعالى.\rوفيها توفي الشيخ أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن يحيى، بن مسلم الزبيدي. سمع أبا الوقت عبد الأول بن عيسى، وغيره.\rوهو من ساكني باب البصرة، وحضر إلى الشام وحدث بدمشق بصحيح البخاري عن أبي الوقت غير مرة. وهو شيخ شيوخنا. ولما وصل إلى دمشق، أكرمه الملك الأشرف، وحصل له دنيا صالحة بعد فقر وضرورة. ثم عاد إلى بغداد، فمرض قبل وصوله إليها، وتوفي بعد أن دخلها بأيام.\rكانت وفاته يوم الاثنين، الثالث أو الرابع والعشرين من صفر، سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وسئل عن مولده، فقال: سنة ست، أو سبع، وأربعين وخمسمائة - الشك منه - ودفن بمقبرة جامع المنصور.\rوفيها توفي ركن الدين منكرس الفلكي: مملوك فلك الدين - أخي الملك العادل لأمه - كان من أكابر الأمراء. ولاه العادل مصر والشام نيابةً عنه. وكان صالحا ديناً، عفيفا عادلا، كثير الصدقات. وله بقاسيون مدرسة وتربة أوقف عليها أشياء كثيرة. وكانت وفاته. بجرود: قريةٌ من قرى دمشق، وحمل منها فدفن بتربته بقاسيون - رحمه الله تعالى.\rوفيها توفي الأمير كريم الدين الخلاطي. وكان كثير المروءة حسن الملتقى، يتعصب في الخير. خدم الملك الكامل والمعظم والأشرف. وتقدم في زمن الملك العادل. وكانت وفاته بدمشق، ودفن بقاسيون - رحمه الله تعالى.","part":8,"page":92},{"id":3603,"text":"وفيها توفي صلاح الدين أبو العباس: أحمد بن عبد السيد بن شعبان ابن محمد بن جابر، بن قحطان الإربلي - وهو من بيت كبير بإربل. وكان حاجبا عند الملك المعظم: مظفر الدين بن زيد الدين صاحب إربل. فتغير عليه واعتقله مدة. فلما أفرج عنه، خرج منها إلى الشام، واتصل بخدمة الملك المغيث: محمود بن العادل - وكان قد عرفه من إربل - فحسنت حاله عنده.\rفلما توفي الملك المغيث، انتقل الصلاح إلى الديار المصرية، وخدم الملك الكامل فعظمت منزلته عنده، ووصل منه إلى ما لم يصل إليه غيره، واختص به في خلواته. وجعله أميرا.\rوكان الصلاح ذا فضيلةٍ تامة، ومشاركة حسنة. وله نظمٌ حسن، ودوبيت. ثم تغير عليه الملك الكامل، واعتقله، في المحرم سنة ثمانية عشر وستمائة، والسلطان بالمنصورة. فاستمر في الاعتقال بقلعة الجبل، مضيقاً عليه، إلى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين.\rفعمل الصلاح دوبيت، وأملاه على بعض المطربين، فغنى به عند الملك الكامل. وهو:\rما أمر تجنّيك على الصّبّ خفى ... أفنيت زماني بالبكا والأسف\rماذا غضب بقدر ذنبي، ولقد ... بالغت وما قصدك إلا تلفى\rفاستحسنه الملك الكامل، وسأل لمن هو ؟ فقيل: للصلاح الإربلي. فأمر بالإفراج عنه. وقيل إن الشعر غير هذا، وهو:\rاصنع ما شئت، أنت أنت المحبوبما لي ذنبٌ، بلى كما قلت ذنوب\rهل يسمح بالوصال في ليلتنا ... يجلو صدا القلب ويعفو، وأتوب\rولما أفرج عنه، عادت مكانته عنده إلى أحسن ما كانت عليه ولما توجه الملك الكامل إلى بلاد الروم كان في خدمته، فمرض بالعسكر بالقرب من السويدا، فحمل إلى الرها فمات قبل وصوله إليها، في خامس عشرين ذي الحجة، سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وكان مولده في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.\rولما مات وجد بداره بدمشق خمسة عشر ألف دينار، وبداره بالقاهرة خمسة آلاف دينار. ولما عاد السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية، أقطع ولده صنافير بالقليوبية خاصاً له، وجعل معه أقارب والده ومماليكه - وعدتهم سبعة عشر نفرا - وذلك في سنة اثنتين وثلاثين.\rوتوفي الأديب الفاضل: نجم الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي محمد عبد الوهاب بن الحسن بن علي، المعروف بابن وهيب القوصي، بحماه.\rوكان قد توجه في خدمة الملك المظفر - صاحب حماه - ووزر له. وكانت بينهما مودة ورعاية. ثم نقم عليه أمرا، فقتله - رحمه الله تعالى. وكان فاضلا، له اليد الطولى في الأدب والترسل، والشعر الرائق. وقد تقدم من كلامه ما كتب به عن متولي الأعمال القوصية، في معنى حريق خان المكرم، ظاهر مدينة قوص.\rواستهلت سنة اثنتين وثلاثين وستمائة:\rفي هذه السنة، توجه الأمير أسد الدين جغريل أحد مماليك السلطان الملك الكامل - إلى مكة، شرفها الله تعالى، وصحبته سبعمائة فارس فتسلمها في شهر رمضان. وهرب منها الأمير: راجح بن قتادة، ومن كان بها من عسكر اليمن.\rإنشاء جامع التوبة بالعقيبة بدمشق\rفي هذه السنة، شرع السلطان الملك الأشرف في هدم خان الزنجبيلي، الذي كان بالعقيبة بظاهر دمشق، وكان قد جمع أنواع الفساد من الخمور والفسق فقيل للسلطان إن مثل هذا لا يصلح أن يكون في بلاد الإسلام، فهدمه وعمره جامعا، غرم عليه جملةً كثيرة، وسماه الناس جامع التوبة.\rقال القاضي شمس الدين بن خلكان في وفيات الأعيان: وجرت فيه نكتةٌ لطيفة أحببت ذكرها، وهي أنه كان بمدرسة ست الشام التي خارج البلد إمام، فعرف بالجمال الستي - أعرفه شيخا حسنا، ويقال إنه كان في صباه يلعب بشيء من الملاهي، وهي التي تسمى الجعانه. ولما أسن حسنت طريقته، وعاشر العلماء وأهل الصلاح، حتى عد في الأخيار. فولاه الملك الأشرف خطابة الجامع، لثناء الناس عليه. فلما توفي، ولي بعده العماد الواسطي الواعظ، وكان يتهم بالشراب.\rوكان صاحب دمشق يومئذ الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، فكتب إليه الجماع عبد الرحيم: المعروف بابن زوينة الرحبى:\rيا مليكاً أوضح الحقّ لدينا وأبانه\rجامع التّوبة قد قلّدني منه أمانه\rقال: قل للملك الصالح ... أعلى الله شانه:\rيا عماد الدين، يا من حمد الناس زمانه\rكم إلى كم أنا في ضرّ وبؤسٍ وإهانه\rلي خطيبٌ واسطيٌ يعشق الشّرب ديانه","part":8,"page":93},{"id":3604,"text":"والذي قد كان من قبل يغنّى بالجعانه\rفكما نحن، وما زلنا ولا أبرح حانه\rردّني للنّمط الأوّل، واستبق ضمانه\rوفي هذه السنة، في تاسع صفر، كانت وفاة الملك الزاهد: مجير الدين أبو سليمان، داود بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب - صاحب قلعة البيرة.\rوكان يحب العلماء وأهل الأدب، ويقصدونه من البلاد. وكان فاضلاً أديباً شاعراً، جواداً سمحا. ومولده بالقاهرة لسبع بقين من ذي القعدة - وقيل ذي الحجة - سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.\rولما مات، توجه الملك العزيز، ابن أخيه الملك الظاهر، إلى قلعة البيرة، فملكها.\rوفيها توفي الأمير الأجل الطواشي: شمس الدين صواب، مقدم عسكر الملك العادل.\rوكانت وفاته بحران، في العشر الآخر من شهر رمضان. وكان السلطان الملك الكامل قد جعله بها، وبغيرها، من تلك البلاد - كما تقدم. وكان أميراً كبيراً في الدولتين: العادلية والكاملية. وكان خادما عاقلا، ديناً شجاعاً جواداً. وكان العدل والكامل يعتمدان عليه.\rوكان له مائة خادم، تعين جماعة منهم وتأمروا بعد وفاته: منهم بدر الدين الصوابي، وشبل الدولة: كافور الخزندار بدمشق، وشمس الدين صواب السهيلي بالكرك، وغيرهم. وكان شمس الدين صواب العادلي - هذا - إذا حمل في الأعداء يقول: أين أصحاب الحصى. وكان له برٌ وصدقة، وفيه إنصاف - رحمه الله تعالى.\rوفيها توفى الصاحب تاج الدين: أبو اسحاق يوسف بن الصاحب الوزير: صفي الدين أبي محمد عبد الله، بن القاضي المخلص أبي الحسن علي، الشيبي المالكي بمدينة حران، في الحادي عشر من شهر رجب، ودفن بها ومولده بمصر في شوال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وكان فقيها مالكيا، درس بمدرسة أبيه بالقاهرة. وناب عن والده في الوزارة بالديار المصرية. وولى الوزارة بعد والده نحو شهرين. ثم صرف واستخدم في التوقيع. ثم ولي نظر الدواوين بالديار المصرية.\rثم عزل واعتقل، ثم أفرج عنه في سادس عشر شعبان، سنة خمس وعشرين وستمائة. ثم ولي الجزيرة وديار بكر وحران في الدولة الكاملية ومات هناك - رحمه الله تعالى.\rوفيها توفي شرف الدين، أبو حفص وأبو القاسم: عمر بن علي بن المرشد بن علي، الحموي الأصل، المصري الدار والمولد والوفاة: المعروف بابن الفارض، الشاعر.\rله ديوان شعر مشهور. وكانت وفاته بالجامع الأزهر بالقاهرة المعزية، في يوم الثلاثاء الثاني من جمادى الأولى، ودفن من الغد بسفح المقطم. ومولده بالقاهرة في الرابع والعشرين من ذي القعدة، سنة ست وسبعين وخمسمائة.\rواستهلت سنة ثلاث وثلاثين وستمائة:\rفي هذه السنة، حصل بمصر وباءٌ عظيم، مات فيه خلقٌ كثير. واستمر ثلاثة أشهر.\rوفيها، في المحرم، وصل الملك الناصر داود، صاحب الكرك، إلى بغداد. واجتاز في طريقه بالحلة، وبها الأمير شرف الدين، بن الأمير جمال الدين قشتمر، زعيم الحلة ومقدم الجيوش، فتلقاه وأكرمه، وأقام له الإقامات الوافرة. وعمل له دعوةً عظيمة اشتملت على أنواع من المآكل. قال ابن الساعي في تاريخه: بلغت النفقة على تلك الدعوة اثني عشر ألف دينار.\rثم قصد بغداد، فوصل إليها في يوم الاثنين سادس عشر المحرم، فبرز لتلقيه الموكب، وفيه جميع الحجاب والدعاة، وفي صدره قطب الدين: أبو عبد الله بن الأقساسي، - نقيب الطالبيين - وعن يمينه وشماله خادمان من خدم الديوان العزيز. وحين وافى باب النوبي نزل وقبل العتبة. وحضر دار الوزارة، فأكرم وخلع عليه قباء أطلس، وشربوش، وأعطى فرساً بمركب ذهب. وأسكن محلة المقتدى، بالدار المنسوبة إلى أبي تميم الموسوي، وأقيمت له الإقامات الوافرة من المخزن المعمور في كل يوم.\rوأنهى للديوان العزيز ما اعتمده معه عماه من إخراجه من دمشق - وهي مملكه أبيه - ونقله إلى الكرك.\rوأقام ببغداد إلى خامس عشرين شعبان. ثم أحضر إلى دار الوزارة، وخلع عليه قباء أطلس أسود، وفرجيه مموج، وعمامة قصب كحلية مذهبة. وأنعم عليه بفرس عربي بمركب ذهب، وكنبوش ومشدة إبريسم. وأعطى العلم والجفتاوات والكراع والخيام والمفارش والآلات، وخمسة وعشرين ألف دينار، وعدة من الخيل وجوز من الثياب الفاخرة. وشرف من معه من أصحابه وأتباعه ومماليكه.","part":8,"page":94},{"id":3605,"text":"وأذن له في التوجه إلى بلده - وذلك بعد الصلح بينه وبين عميه: الكامل والأشرف. وخرج من بغداد في ثالث شهر رمضان - وصحبته الأمير: سعد الدين حسن بن علي - إلى الملك الكامل، يأمره عن الديوان العزيز بإجابة سؤاله. ذكر ذلك ابن الساعي في تاريخه.\rوفيها، توفي الحافظ: أبو الخطاب عمر بن الحسن بن محمد بن دحية الأندلسي البلنسي، المعروف بذي النسبين.\rطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلامية، ولقي علماءها ومشايخها. ثم رحل إلى بر العدوة ودخل مراكش واجتمع بفضلائها. ثم ارتحل إلى إفريقية، ومنها إلى الديار المصرية، ثم إلى الشام والشرق والعراق. ودخل إلى عراق العجم وخراسان، وما والاها، ومازندران، في طلب الحديث والاهتمام بأئمته، والأخذ عنهم. وهو في ذلك يؤخذ عنه، ويستفاد منه.\rوقدم مدينة إربل، في سنة أربع وستمائة، عند توجهه إلى خراسان. واجتمع بصاحبها: الملك المعظم بن زين الدين. وكان المعظم عظيم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، فألف له كتابا سماه: التنوير في مولد السراج المنير، وقرأه عليه فأعطاه ألف دينار. وله عدة تصانيف.\rولما عاد إلى الديار المصرية، ولاه الملك الكامل دار الحديث الكاملية بالقاهرة. ثم عزله منها قبل وفاته، وولى أخاه محي الدين أبا عمرو.\rوتوفي أبو عمرو بالقاهرة، في يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى، سنة أربع وثلاثين وستمائة. وكان حافظا للغة العرب. وكانت وفاة أبي الخطاب بالقاهرة في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، ودفن بسفح المقطم. ومولده في مستهل ذي القعدة سنة ست وأربعين وخمسمائة.\rوفيها، في سلخ شهر ربيع الآخر - توفي الأمير أبو التقي صالح بن الأمير المكرم أبي الطاهر إسماعيل بن أحمد بن الحسن بن اللمطي، بمنية بني خصيب من صعيد مصر. وصلى عليه على ساحل البحر، وحمل في مركب وأحدر إلى مصر، فوصل بعد صلاة العصر مستهل جمادى الأولى، ودفن بسفح المقطم، بتربة كان أنشأها لنفسه قبل وفاته بيسير - وقد قارب الستين. سمع ببغداد جماعة كبيرة وبنيسابور وبمرو وهراه وهمدان ودنيسر ودمشق. وجال في البلاد كثيرا، ودخل ما وراء النهر. ولم يحصل من مسموعاته إلا اليسير - رحمه الله تعالى.\rوفيها في شهر ربيع الأول، توفي الأمير فخر الدين أياز البانياسي بخرتبرت من ديار الجزيرة. وحمل إلى القاهرة، ودفن بتربته التي أنشأها بالقرافة الصغرة، وأنشأ بجانبها حوض سبيل. وكان قد ولى مصر مدة، وله غزوات وتقدمٌ في الدولتين العادلية والكاملية. وكان مشهورا في شبيبته بالقوة. وكان محبا لأهل الخير متفقدا لهم - رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي خطيب مصر الشيخ الفقيه: أبو الطاهر محمد بن الحسين ابن عبد الرحمن الجابري - من ولد جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه. وهو المشهور بالمحلى، وهو من أصحاب الشيخين: الشاطبي والقرشي.\rواستهلت سنة أربع وثلاثين وستمائة:\rذكر وقوع الوحشة بين السلطان الملك الكامل وأخيه الملك الأشرف\rكان وقوع الوحشة بين الملكين الأخوين في هذه السنة.\rوسبب ذلك أن الملك الأشرف طلب من أخيه الملك الكامل الرقة، وقال إن الشرق قد صار للسلطان، وأنا في كل يوم في خدمته، فتكون هذه برسم عليق دوابي. وجعل الفلك المسيري واسطةً بينه وبين السلطان. فكتب الفلك إلى الملك الكامل بذلك، فأجابه الملك الكامل بكتاب أغلظ له فيه.\rوكان الملك الكامل، لما عاد من بلاد الشرق في سنة ثلاث وثلاثين، بلغه اتفاق الملوك عليه، فعجل السير إلى الديار المصرية.\rفكتب إليه الملك الأشرف يقول: إنك أخذت مني الشرق. وقد افتقرت لهذه البواكير، ودمشق بستانٌ ليس لي فيها شيء. فبعث إليه عشرة آلاف دينار، فردها عليه، وقال: أنا أدفع هذه لأميرين.\rفغضب الملك الكامل، وقال: الملك الأشرف يكفيه عن الملك عشرته للمغاني وتعلمه لصناعتهم! فاتصل ذلك بالملك الأشرف، فتنمر له وقال: والله لأعرفنه قدره. وراسل الملوك: بحلب وحماه وبلاد الشرق، وصاحب الروم، وقال: قد عرفتم بخل الكامل وطمعه في البلاد.\rفحلفوا كلهم واتفقوا، وسيروا رسلهم إلى الملك الكامل يقولون: انهم معه صلحاً، ما أقام بالديار المصرية ولم يخرج إلى الشام لفتح شيء من البلاد.\rوفاة الملك العزيز\rصاحب حلب وقيام ولده الملك الناصر","part":8,"page":95},{"id":3606,"text":"وفي سنة أربع وثلاثين وستمائة، كانت وفاة الملك العزيز غياث الدين محمد، بن الملك الظاهر غازي، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - صاحب حلب، بها. ومولده في ذي الحجة سنة تسع أو عشر وستمائة. وملك بعده ولده الملك الناصر صلاح الدين يوسف. وكان عمره يوم ذاك ست سنين. فقام بتدبير المملكة والدة أبيه، وهي ابنة الملك العادل. وجعلت الأمير شمس الدين لؤلؤ أتابكه. ثم زوجه السلطان الملك الكامل ابنته عاشورا شقيقة الملك العادل، في تاسع عشر ذي الحجة من السنة.\rواستهلت سنة خمس وثلاثين وستمائة:\rوفاة الملك الأشرف\rوشيء من أخباره وقيام أخيه الملك الصالح إسماعيل وإخراجه من الملك في يوم الخميس رابع المحرم، سنة خمس وثلاثين وستمائة، توفي الملك الأشرف: مظفر الدين موسى، بن الملك العادل: سيف الدين أبي بكر محمد ابن أيوب - صاحب دمشق - بها. ودفن بقلعتها، ثم نقل إلى تربته بالكلاسه، بجوار الجامع الأموي.\rومولده بالقاهرة - وقيل بقلعة الكرك - في سنة ست وسبعين وخمسمائة. وقيل إنه قبل أخيه الملك المعظم بليلة واحدة. وكان - رحمه الله تعالى - عفيفاً عن المحارم، ما خلا بامرأة قط إلا أن تكون زوجته أو جاريته.\rوحكى أبو المظفر يوسف بن قزوغلي سبط ابن الجوزي عنه، في كتابه: مرآة الزمان، من الأوصاف الجميلة، والمروءة الغريرة، والكف عن المحارم، والعفة عنها مع التمكن منها، ما يرجى له به الخير عند الله تعالى.\rوكان مما حكاه عنه قال: جلست يوماً عنده في منظرة بقلعة خلاط، يعتب على أخيه الملك المعظم في قضية بلغته عنه، ثم قال: والله ما مددت عيني إلى حريم أحد: لا ذكر ولا أنثى.\rولقد كنت يوماً قاعداً في هذه الطيارة، فدخل الخادم فقال: على الباب امرأةٌ عجوز، تذكر أنها من عند بنت شاه أرمن - صاحب خلاط. فأذنت لها، فدخلت، ومعها ورقة من عند بنت صاحب خلاط، تذكر أن الحاجب علي قد أخذ ضيعتها وقصد هلاكها، وما تتجاسر أن تظهر، خوفاً منه. فكتبت على الورقة بإطلاق القرية، ونهيت الحاجب عنها.\rفقالت العجوز: هي تسأل الحضور بين يديك، فعندها سرٌ ما يمكن ذكره إلا للسلطان ! فأذنت لها. فتوجهت وعادت بعد ساعة، ومعها امرأة ما رأيت في الدنيا أحسن من قدها، ولا أظرف من شكلها، كأن الشمس تحت نقابها ! فخدمت ووقفت. فقمت لها وقلت: وأنت في هذا البلد، وما علمت بك ؟! فسفرت عن وجهها فأضاءت منه المنظرة ! فقلت: غط وجهك، وأخبريني بحالك.\rفقالت: أنا بنت شاه أرمن، صاحب هذه البلاد. مات أبي، واستولى بكتمر على الممالك، وتغيرت الدول، وكانت لي ضيعة أعيش منها، أخذها الحاجب علي وما أعيش إلا من عمل النقش، وأنا ساكنةٌ في دار بالأجرة ! قال: فبكيت، وأمرت الخادم أن يكتب لها توقيعاً بالضيعة وبالوصية، وأمرت لها بقماش من الخزانة، وأمرت لها بدار تصلح لسكنها، وقلت باسم الله، امضي في حفظ الله ودعته.\rفقالت العجوز: يا خوند، ما جاءت إلى خدمتك إلا حتى تحظى بك الليلة ! قال: فلما سمعت كلامها، وقع الله في قلبي تغير الزمان، وأن يملك خلاط غيري، وتحتاج بنتي إلى أن تقعد مثل هذه القعدة بين يديه: فقلت: يا عجوز، معاذ الله ! والله ما هو من شيمتي، ولا خلوت بغير محارمي، فخذيها وانصرفي، وهي العزيزة الكريمة ! ومهما كان لها من الحوائج تنفذ إلى هذا الخادم. فقامت، وهي تبكي، وتقول - بالأرمنية: صان الله عاقبتك، كما صنتني. قال: فلما خرجت، أفتتني نفسي، وقالت: ففي الحلال مندوحةٌ عن الحرام، تزوجها. فقلت: يا نفساً خبيثة، فأين الحيا والكرم والمرؤة ! والله لا فعلته أبداً.\rومما حكاه أبو المظفر - أيضاً - قال: كنت عنده بخلاط، فقدم النظام بن أبي الحديد، ومعه نعل النبي صلى الله عليه وسلم. فأخبرته بقدومه، فأذن بحضوره. فلما جاء، ومعه النعل، قام ونزل من الإيوان، وأخذ النعل فقبله، ووضعه على عينيه، وبكى ! وخلع على النظام وأعطاه نفقة، وأجرى عليه جراية، وقال يكون في الصحبة نتبرك به.","part":8,"page":96},{"id":3607,"text":"ثم عزم على أخذ قطعة من النعل تكون عنده. قال بعد ذلك: فلما عزمت على ذلك بت مفكراً، وقلت: إن فعلت هذا فعل غيري مثله، فيتسلسل الحال ويؤدي إلى استئصاله. فرجعت عن هذا الخاطر. وتركته لله، وقلت: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. ثم أقام النظام عندي شهوراً ومرض، وأوصى لي بالنعل، ومات وأخذته بأسره.\rولما اشترى دار قايماز النجمي، وجعلها دار حديث، ترك النعل فيها، ونقل إليها الكتب الثمينة، وأوقف عليها الأوقاف. وعمر غيرها من الأماكن الشريفة: منها مسجد أبي الدرداء بقلعة دمشق - بناه وزخرفه - وكان غالب إقامته به. والمسجد الذي عند باب النصر، وجامع العقيبة ومسجداً خارج باب الصغير ومسجد القصب خارج باب السلامة، وجامع بيت الآبار. ووقف على ذلك الأوقاف الكثيرة. وزاد وقف دار الحديث النورية.\rهذا وتربته بالكلاسة بدمشق، وتربة والدته بالقرافة بمصر. وبني أيضاً ببلاد الشرق وخلاط خانات السبيل.\rوكان - رحمه الله تعالى - حسن الظن بالفقراء، يحسن إليهم ويزورهم ويتفقدهم بالمال والأطعمة. وكان في ليالي شهر رمضان لا يغلق باب قلعة دمشق، ويرسل في الليل جفان الحلو إلى الجامع والزوايا والربط، ما قرب منه وما بعد.\rوكان ابتداء مرضه في شهر رجب، سنة أربع وثلاثين وستمائة، مرضين مختلفين في الأعالي والأسافل. وكان الحرائحي يخرج العظام من رأسه، وهو يسبح الله ويحمده ثم اشتد به الذرب، فلما يئس من نفسه قال لوزيره - جمال الدين بن جرير - : في أي شيء تكفنني ؟ فقال: حاشاك ! فقال دعني من هذا، فما بقي في قوةٌ يحملني أكثر من نهار غد، وتواروني. فقال في الخزانة تصافي. فقال: حاش لله أن أكفن من هذه الخزانة.\rوقال: لعماد الدين بن موسك أحضر لي الوديعة. فقام، وعاد وعلى رأسه مئزر صوف أبيض تلوح منه الأنوار، ففتحه وإذا فيه خرق الفقراء وطواقي الأولياء، وفيه إزار عتيق ما يساوي خمسة قراطيس. فقال يكون هذا على جسدي أتقى به حر الوطيس، فان صاحبه كان من الأبدال وكان حبشياً، أقام بحبل الرها يزرع قطعة زعفران يتقوت بها، وكنت أصعد إليه وأزوره، وأعرض عليه المال فلا يقبله، فسألته شيئاً من أثره أجعله في كفني، فأعطاني هذا الإزار، وقال قد أحرمت فيه عشرين حجة. وكان آخر كلامه: لا إله إلا الله. ثم مات في التاريخ المذكور.\rقال أبو المظفر: ولما أحس بوفاته في آخر سنة أربع وثلاثين، قلت له: استعد للقاء الله فما يضيرك، قال: لا والله بل ينفعني. ففرق البلاد، وأعتق مائتي مملوك وجارية. ووقف دار فرخشاه، التي يقال لها دار السعادة، وبستان النيرب على ابنته. وأوصى لها بجميع الجواهر.\rقال أبو المظفر: وحكى لي الفقيه محمد اليوناني، قال: حكى لي فقير صالح من جبل لبنان، قال: لما مات الأشرف رايته في المنام وعليه ثياب خضر، وهو يطير بين السماء والأرض، مع جماعة من الأولياء. فقلت له يا موسى، إيش تعمل مع هؤلاء، وانت كنت تفعل في الدنيا وتصنع ؟ فالتفت إلي وتبسم، وقال: الجسد الذي كان يفعل تلك الأفاعيل تركناه عندكم، والروح التي كانت تحب هؤلاء قد صارت معهم - رحمه الله تعالى.\rذكر ملك الملك الصالح عماد الدين إسماعيل - ابن الملك العادل - دمشق، ووصول الملك الكامل إليها وحصار دمشق وأخذها وتعويض الصالح عنها\rلما مات الملك الأشرف: مظفر الدين موسى - رحمه الله تعالى - ملك دمشق بعده - بوصية منه - أخوه الملك الصالح: عماد الدين إسماعيل، الملقب بأبي الخيش ! وإنما لقب بذلك، لأنه - فيما حكى عنه - كان يملأ خيشة تبناً ويبيتها في الماء، ثم يطعنها برمحه فيرفعها عليه. فلقب بذلك.\rولما انفصلت أيام عزاء الملك الأشرف، ركب الملك الصالح إسماعيل بشعار السلطنة، وترجل الناس في ركابه، وأسد الدين شيركوه صاحب حمص إلى جانبه، وحمل الأمير عز الدين أيبك - صاحب صرخد - الغاشية بين يديه. ثم عاد كل منهما إلى مملكته، واستقر هو بدمشق.\rوصادر جماعةً من أهلها، اتهمهم بمكاتبة الملك الكامل: منهم العلم تعاسيف وأولاد مزهر وابن عريف البدري، واستصفى أموالهم. وأفرج عن الشيخ على الحريري من الاعتقال بقلعة عزتا - وكان الملك الأشرف قد اعتقله بها في سنة ثمان وعشرين وستمائة - فأفرج عنه الآن، ومنعه من الدخول إلى دمشق.","part":8,"page":97},{"id":3608,"text":"وأما الملك الكامل فإنه لما بلغه وفاة أخيه الملك الأشرف، سر بذلك سروراً عظيماً، لما كان قد وقع بينهما من الوحشة التي تأكدت أسبابها - وقد تقدم ذكرها. فتجهز بعساكر الديار المصرية وتوجه من قلعة الجبل، لقصد دمشق، في ثالث عشرين صفر. ولما اتصل خبره بالملك الصالح حصن دمشق، وقسم الأبراج على الأمراء، وغلق أبواب المدينة. وجاء الأمير عز الدين أيبك من صرخد، وأمر بفتح الأبواب ففتحت.\rووصل الملك الكامل بعساكره، ونزل عند مسجد القدم. ونزل الملك الناصر داود بالمزة، ونزل مجير الدين وتقي الدين ابنا الملك العادل بالقابون، وهم في طاعة الملك الكامل. وأحدقت العساكر بدمشق، وقطع الملك الكامل عنها المياه. ورد ماء بردى إلى ثورا. وشدد الحصار، فغلت الأسعار. وسد الصالح أبواب دمشق، إلا بابي الفرج والنصر. وتقدم الملك الناصر داود إلى باب توما، وعمل النقوب فيه. ولم يبق إلا فتح البلد.\rفأرسل الملك الكامل إليه فخر الدين بن الشيخ، فرده عنها، ورحله إلى أرض برزه. وأحرق الصالح إسماعيل قصر حجاج والشاغور، وأخرب ظاهر دمشق خرابا لم يعهد مثله. واحترق جماعة من سكان هذه الجهات في دورهم، ومن سلم منهم لم يبق له ما يرجع إليه إلا الكدية وسؤال الناس. وحكى أن الصالح - أو ابنه - وقف على العقيبة، وقال للزراقين أحرقوها، فضربوها بالناس. وكان لرجل من سكانها عشر بنات، فقال لهن: اخرجن، فقلن لا والله، النار ولا العار، ما نفتضح بين الناس ! فاحترقت الدار وهم فيها، فاحترقوا. وجرى من الخراب بظاهر دمشق ما لم يجر مثله قبل ذلك.\rثم راسل الملك الصالح أخاه الملك الكامل يقول: بلغني أنك تعطي دمشق للملك الناصر داود وأنت أحق بها، وان أنت لم تعطني ما أريد، وإلا ضربت قوارير النفط في أربع جوانب دمشق وأحرقتها، وأحرقت قلعتها، وأخربها خرابا لا تعمر بعده أبدا. فعلم الملك الكامل من جرأته أنه يفعل، فأعطاه ما طلب.\rودخل بينهما الشيخ محيي الدين بن الجوزي - رسول الخليفة - وكان بدمشق - فوقع الاتفاق والصلح على أن الملك الكامل أقر بيد أخيه الملك الصالح بصري والسواد، وأعطاه بعلبك وأعمالها. ولو طلب أكبر من ذلك أعطاه، خوفاً من أن يحرق دمشق.\rوتسلم الملك الكامل دمشق، ودخلها في عاشر جمادى الأولى - وقيل في أواخر الشهر المذكور. وأفرج عن الفلك المسيري، وكان الملك الأشرف قد اعتقله في حبس الحيات. ولما دخل الملك الكامل إلى دار رضوان بقلعة دمشق، رأى قبر أخيه الأشرف فرفسه برجله وسبه، وقال انقلوه الساعة. فنقلوه إلى الكلاسة.\rولما ملك الملك الكامل دمشق، عزم على قصد حمص، لاتفاق صاحبها الملك المجاهد شيركوه، فيما مضى، مع الأشرف. فصالحه الملك المجاهد على أن يحمل إلى خزانته ألف درهم، ودخل عليه بالنساء، فأجاب الملك إلى ذلك. ومات الكامل قبل حمل المال.\rوفاة السلطان الملك الكامل\rكانت وفاته في يوم الأربعاء، وقيل ليلة الأربعاء - الحادي والعشرين من شهر رجب، سنة خمس وثلاثين وستمائة، بقلعة دمشق بقاعة الفضة. ومولده بالقاهرة في ذي الحجة، سنة خمس وسبعين وخمسمائة.\rوكان أسن أولاد الملك العادل. وكانت مدة عمره تسعا وخمسين سنة وسبعة أشهر - تقريباً. ومدة ملكه - بعد وفاة والده الملك العادل عشرين سنة، وشهرين وستة عشر يوماً. وملك دمشق واحداً وسبعين يوماً. ومنذ خطب له بولاية العهد، ثمانياً وثلاثين سنة وتسعة أشهر، وستة عشر يوماً.\rودفن بالقلعة. ثم نقل إلى تربته بجوار الجامع الأموي بدمشق. وكان مدة مرضه نيفاً وعشرين يوماً، بالإسهال والسعال ونزلةٍ في حلقه، ونقرس في رجله. وأظهروا موته يوم الجمعة. ولم يظهروا الحزن عليه بدمشق. حكى عن خادمه الذي كان يعلله في مرضه، قال: طلب مني الملك الكامل الطشت لسقيا، فأحضرته له. وكان الناصر داود على الباب يطلب الإذن. فقلت له: داود على الباب. فقال: ينتظر موتي ! وانزعج. فخرجت إليه، وقلت له: ليس هذا وقت عبورك، فإن السلطان منزعج. فتوجه إلى دار أسامة - وكان قد نزل بها. ودخلت إلى السلطان، فوجدته قد قضى، والطشت بين يديه، وهو مكبوب على المخدة.","part":8,"page":98},{"id":3609,"text":"وكان ملكاً حازماً، ضابطاً لأموره. متطلعاً لجمع المال، يباشر الحمول التي تصل إليه بنفسه ويكتبها بخطه في دفترٍ له، ويحاقق المستخدمين فيما يطلع عليه. وجمع مالاً عظيماً، حتى يقال إنه خلف ألف إردب ذهب. وهذا ما لم يسمع بمثله. وأراه - والله أعلم - من التغالي.\rوكان يجلس في مجلس خاص في كل ليلة جمعة، يجتمع فيه الفقهاء والأدباء والشعراء وغيرهم. وله في بقية الجمعة ليال، يختلى فيها مع ندمائه على الشراب وسماع القيان. وكان حسن الاعتقاد في السنة. وكان جهوري الصوت، وله هيبة عظيمة في قلوب الرعايا والخواص. وعمر قاعة بقلعة الجبل، يجلس فيها مع الفقهاء والصالحين في شهر رمضان، سماها قاعة رمضان. وهي الآن من جملة الخزائن السلطانية.\rذكر ما اتفق بدمشق بعد وفاة السلطان الملك الكامل في هذه السنة\rلما توفي الملك الكامل اجتمع الأمراء، وهم: سيف الدين علي بن قليج، وعز الدين أيبك، وركن الدين الهيجاوي، وعماد الدين، وفخر الدين: ابنا شيخ الشيوخ، وتشاوروا في أمر دمشق، وانفصلوا عن غير شيء. وكان الملك الناصر داود بدار أسامة، فأتاه الركن الهيجاوي ليلا، وبين له وجه الصواب. وأرسل إليه أيبك المعظمي يقول له: أخرج المال، وفرقه في مماليك أبيك والعوام، فهم معك، وتملك البلد، ويبقى هؤلاء بالقلعة محصورين. فلم يتفق ذلك.\rثم اجتمع هؤلاء الأمراء بالقلعة في يوم الجمعة، وذكروا الملك الناصر داود، والملك الجواد مظفر الدين: يونس بن مودود بن الملك العادل. وكان فخر الدين بن الشيخ يميل إلى الملك الناصر، وعماد الدين يكرهه فأشار عماد الدين بالملك الجواد، ووافقه الأمراء، وقالوا لفخر الدين بن الشيخ: ما تقول فيه ؟ فقد اتفق الأمراء عليه. فقال: المصلحة أن نولي بعض الخدام نائباً عن الملك العادل: ابن أستاذنا الملك الكامل، فمتى شاء عزله وإن رضي أبقاه، ولا تولوا من بيت الملك فيتعذر عزله ويستقل بالملك.\rوبلغ ذلك الملك الجواد فجاء إليه، وتحدث معه، وذكر له سالف صحبة ومودة، وترفق له ووعده أن يعطيه إقطاع مائة وخمسين فارساً، وعشرة آلاف دينار. فقال: والله لا وافقت إلا على ما فيه مصلحة لابن أستاذي. فلما يئس منه، فرق ضياع الشام على الأمراء وخلع عليهم، وأعطاهم ما في الخزائن - وكان بها تسعمائة ألف دينار. وتوجه فخر الدين بن الشيخ إلى الديار المصرية، ومعه جماعة من الأمراء، بعد أن تردد إلى الملك الناصر مراراً، وهو بالقابون.\rواستقر أمر الملك الجواد في يوم الجمعة. وأرسل الأمراء الأمير ركن الدين الهيجاوي إلى الملك الناصر داود - وهو في دار أسامة - فأمره بالخروج إلى مملكته بالكرك. فقام وركب، وقد اجتمع الناس من باب داره إلى القلعة، وهم لا يشكون أنه يطلع إلى القلعة. فتوجه، وخرج من باب الفرج، وصاحت العامة واستغاثوا، محبة له ورغبة فيه. وتوجه إلى القابون.\rوأما الملك الجواد فانه فرق الأموال وخلع الخلع، فيقال إنه خلع خمسة آلاف خلعة، غير الأموال. وأبطل الخمور والمكوس، ونفى الخواطي. وأقام الملك الناصر بالقابون أياما، وعزموا على القبض عليه، فرحل، وبات بقصر عفرا. وركب خلفه أيبك الأشرفي ليمسكه، فبعث إليه عماد الدين بن موسك في السر فعرفه، فسار في الليل إلى عجلون وعاد أيبك إلى دمشق.\rذكر ما وقع بين الملكين: الناصر والجواد وهرب الناصر إلى الكرك\rقال: ولما توجه الملك الناصر إلى عجلون، سار منها إلى غزة. واستولى على الساحل بموافقة عسكره، ومقدمهم. الأمير مجد الدين عمر - أخو الفقيه عيسى الهكاري - ووصلت غاراته إلى الورادة وخرب برج الحمام بها. فخرج إليه الملك الجواد في عسكر مصر والشام، وأمر الأمراء الأشرفية بمكاتبة الناصر وإطماعه في الملك، ففعلوا ذلك. فاغتر بكتبهم واطمأن إليهم، وركب من غزة في سبعمائة فارس، وقصد نابلس باثقاله وخزائنه وأمواله - وكانت على سبعمائة جمل - وضرب دهليزه على سبسطيه، وترك عساكره مقطعةً خلفه.\rوالملك الجواد على جينين فركب بعسكره وأحاط به. فركب الناصر في نفر يسير، وساق نحو نابلس، واستمرت به الهزيمة إلى قلعة الكرك لا يلوى على شيء. واستولى الملك الجواد على خزائنه وذخائره، وخيوله وخيامه وأثقاله - وكان فيها ما لا يحصى قيمته. وكانت هذه الواقعة في رابع عشرين ذي الحجة من السنة.","part":8,"page":99},{"id":3610,"text":"قال أبو المظفر: وبلغني أن عماد الدين بن الشيخ وقع بسفطٍ صغير، فيه اثنا عشر قطعة من الجوهر، وفصوص ليس لها قيمة، فدخل على الجواد وطلبه منه، فأعطاه إياه. قال: وهذه الأموال - التي كانت على جمال الملك الناصر - هي التي جهز بها الملك المعظم ابنته دار مرشد، لما زوجها بالسلطان: جلال الدين خوارزم شاه - أخذها الناصر منها ظنا منه أنه يعوضها إذا فتح البلاد، فكان الأمر بخلاف ما ظن.\rوكان نصحاؤه أشاروا عليه - وهو بغزة أنه يبعث بالأموال والأثقال إلى الكرك، على عقبة الزويره، ويجمع عسكره ويتوجه إليهم جريدةً. فاغتر بمكاتبة الأشرفية. وجهز الملك الجواد الطلعات والصناجق إلى الديار المصرية، فوصلت في سادس وعشرين الشهر. وعاد إلى دمشق بالظفر والغنيمة.\rهذا ما كان بدمشق، فلنذكر أخبار الملك الصالح نجم الدين أيوب، ببلاد الشرق.\rذكر أخبار الملك الصالح نجم الدين أيوب ببلاد الشرق في هذه السنة\rكان الملك الصالح نجم الدين قد استخدم الخوارزمية، الذين سلموا من أصحاب السلطان جلال الدين خوارزم شاه، في سنة أربع وثلاثين وستمائة. وكانوا - قبل ذلك - خدموا صاحب الروم السلطان: علاء الدين. كيقباذ، ففارقوه. واستخدمهم الملك الصالح، واستعان بهم، فخالفوا عليه في سنة خمس وثلاثين. وأرادوا القبض عليه - وكان على الفرات - فهرب إلى سنجار، وكان قد ملكها واستولى عليها بعد وفاة عمه الملك الأشرف. وترك خزانته وأثقاله، فنهبوا ذلك بجملته. ولما صار بسنجار، وعلم الملك الرحيم: بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل - مخالفة الخوارزمية، قصده وحصره بسنجار، في ذي القعدة. فأرسل الملك الصالح إليه يسأله الصلح. فقال: لا بد من حمله إلى بغداد في قفص ! وكان بدر الدين لؤلؤ وملوك الشرق يكرهون مجاورة الملك الصالح، وينسبونه إلى الكبر والظلم.\rفبعث الملك الصالح القاضي بدر الدين - أبا المحاسن يوسف - قاضي سنجار إلى الخوارزمية، فتحيل في الخروج من سنجار، بأن حلق لحيته وتدلى من السور بحبل، وتوجه إليهم. وشرط لهم كل ما أراداوا. فساقوا جرايد من حران، وكبسوا بدر الدين لؤلؤ وعسكر الموصل بسنجار. فهرب منهم على فرس، وترك خزائنه وأثقاله وخيوله. فنهبت الخوارزمية جميع ذلك، واقتسموه. فصلحت به أحوالهم واستغنوا.\rهذا ما كان من أخبار دمشق والشام، وأخبار الملك الصالح بالشرك بعد وفاة والده: الملك الكامل، في سنة خمس وثلاثين. فلنذكر أخبار الملك العادل.\rذكر أخبار السلطان الملك العادل\rهو سيف الدين: أبو بكر، بن السلطان الملك الكامل: ناصر الدين أبي المعالي محمد، بن السلطان الملك العادل: سيف الدين أبي بكر محمد، ابن أيوب. وهو السابع من ملوك الدولة الأيوبية، بالديار المصرية.\rاستقر في الملك بعد وفاة والده: السلطان الملك الكامل. وذلك أنه لما مات والده بدمشق، كان هو ينوب عنه بالديار المصرية. فاجتمع الأمراء الذين كانوا بدمشق، في خدمة السلطان الملك الكامل، الأمير سيف الدين علي بن قليج، والأمير عماد الدين، وفخر الدين: ابنا الشيخ، وغيرهم من أكابر الأمراء، في قاعة المسرة بقلعة دمشق، وحلفوا للملك العادل هذا، واستحلفوا له جميع العساكر المصرية والشامية. وذلك في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر رجب، سنة خمس وثلاثين وستمائة.\rورتبوا الملك الجواد: مظفر الدين يونس بن مودود - ابن عمه - في نيابة السلطنة بدمشق، كما تقدم. وطالعوا السلطان الملك العادل بالخبر. فخطب للملك العادل بالديار المصرية، في سابع شعبان من السنة، وأعلن بوفاة الملك الكامل. فقال القاضي برهان الدين بن الفقيه نصر:\rقل للذي خاف من مصر، وقد أمنت ... ماذا تألمه منها وخيفته\rإن كان قد مات عن مصر محمّدها ... فقد أقيم أبو بكر خليفته\rقال: ولما استقر في الملك، وضع المكوس، وزاد الأجناد، ووسع على الناس في أرزاقهم. ورضي ما قرره الأمراء من استنابة الملك الجواد بدمشق، وأرسل إليه الخلع والصنجق. فركب بذلك في يوم الأحد تاسع عشرين شهر رمضان من السنة.","part":8,"page":100},{"id":3611,"text":"ووصلت العساكر المصرية التي كانت مع الملك الكامل بالشام - وكان ابتداء وصولهم في ثاني عشر شعبان، وكملوا في مستهل شهر رمضان من السنة - وتأخر منهم من جرد مع الملك الجواد. فأكرمهم الملك العادل وخلع عليهم، وزاد في أرزاقهم. ثم عاد من تأخر منهم إلى الديار المصرية، بعد هرب الملك الناصر داود من سبسطية - كما تقدم. وكان وصولهم في ثامن المحرم سنة ست وثلاثين وستمائة.\rوفي سابع عشرين شوال، من سنة خمس وثلاثين، وصل الشيخ محيي الدين يوسف بن أبي الفرج الجوزي، برسالة الخليفة بالتعزية للملك العادل بأبيه، والتهنئة له بالملك. واستحلفه للخليفة، في ثاني ذي القعدة منها.\rذكر ما وقع في هذه السنة من الحوادث - خلاف ما تقدم -\rفي هذه السنة، في ليلة الإثنين سادس جمادى الآخرة، أمر السلطان الملك الكامل أن لا يصلى بالمسجد الجامع بدمشق صلاة المغرب إلا خلف إمام واحد: وهو خطيب الجامع الشافعي. وأبطل من عداه من الأئمة المالكية والحنفية والحنابلة، في صلاة المغرب خاصة، لانحصارها في وقت واحد، واشتباه الحال على المأمومين وفيها قصد الملك المنصور: عمر بن علي بن رسول - متملك اليمن - مكة. فلما بلغ الأمير أسد الدين جغريل الخبر، خرج من مكة بمن معه من العسكر إلى الديار المصرية، في سابع شهر رجب، ووصلوا إلى القاهرة متفرقين، في العشر الأوسط من شعبان. ودخل صاحب اليمن مكة في تاسع شهر رجب.\rوفيها ولي الشريف: شمس الدين الأرموي الشافعي - قاضي العسكر - نقابة الأشراف بالديار المصرية - وذلك في يوم الأربعاء سلخ ذي القعدة. وقريء تقليده بجامع مصر، وحضر قراءته الأمير جمال الدين بن يغمور، وفلك الدين المسيري، وابن النجيلي.\rوفيها في شعبان، ولي الشيخ كمال الدين: عمر بن أحمد بن عبد الله ابن طلحة النصيبي - الخطابة، بعد وفاة عمه الدولعي - وكانت وفاته في رابع عشر جمادى الأولى، ودفن بالمدرسة التي أنشأها بجيرون. وكان له أخ جاهل فولى الخطابة، ثم عزل. فوليها الشيخ كمال الدين.\rوفيها كانت وفاة قاضي القضاة: شمس الدين أبو البركات - يحيى بن هبة الله - بن الحسن، المعروف بابن سني الدولة، في يوم الأحد سادس ذي القعدة، ودفن بقاسيون. وكان فقيهاً إماماً فاضلا عفيفاً - رحمه الله تعالى. وولى القضاء بعده قاضي القضاه: شمس الدين أحمد بن الخليل الخويي في ذي القعدة، استقلالاً وعدل جماعةً كبيرة من أهل دمشق وهو أول قاضٍ رتب مراكز الشهود بدمشق وكان قبل ذلك مورقون يورقون المكتوب، ويتوجه أربابه إلى بيوت العدول فيشهدونهم.\rوفيها توفي الأمير صارم الدين خطلبا التبنيني، في يوم الاثنين ثالث شعبان، ودفن بتربته التي أنشأها بقاسيون. وكان دينا صالحا عاقلا. أقام في الثغور مدة سنين، يجاهد العدو. وكان كثير الصدقة دائم المعروف، طاهر اللسان، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة ست وثلاثين وستمائة:\rذكر القبض على الصاحب صفي الدين مرزوق ومصادرته واعتقاله\rفي هذه السن - في أولها - قبض الملك الجواد على الصاحب صفي الدين بن مرزوق، وصادره، وأخذ منه أربعمائة ألف دينار.\rوكان سبب ذلك أنه كان بينه وبين الملك المجاهد - أسد الدين صاحب حمص - عداوة مستحكمة، لما استوزره الملك الأشرف. وكان الملك الجواد لا يخرج عن رأي الملك المجاهد، فحسن الملك المجاهد للملك الجواد القبض عليه. وكان ابن مرزوق قد استشعر ذلك، فعمد إلى تابوت وضع فيه جواهر ولآليء، وأظهر أن إحدى سراريه قد ماتت وهي عزيزةٌ عنده، وأنه يريد دفنها في داره المجاورة للمدرسة النورية، بالقرب من الخواصين - وهي التي تعرف الآن بالنجيبية الشافعية - وعمل في القبة أزجاً، ثم أخرج التابوت على أعناق غلمانه وخدامه إلى الجامع، وحضر الناس للصلاة على الميتة، بزعمهم، وعمل العزاء وتردد القراء إلى التربة أياماً.","part":8,"page":101},{"id":3612,"text":"ثم قبض على مرزوق بعد أيام قلائل، وأخذ جميع موجوده، وحبس بقلعة دمشق. فاتفق أن خادمه الكبير ضرب خادماً صغيراً، فجاء الخادم، وسأل الاجتماع بالملك الجواد. واجتمع به وأخبره بالواقعة. فأرسل القاضي والشهود وأمير جاندار وأستاذ الدار، فتوجهوا وفتحوا التربة، وأحضروا التابوت بحاله. وكشف بين يدي الجواد وصاحب حمص، فوجد فيه من الجواهر ما قوم بمائتي ألف دينار وستين ألف دينار. وكانوا - قبل ذلك بأيام - قد طولب ابن مرزوق بمال يحمله، فحلف برأس الملك الجواد أنه لا يملك شيئاً. فلما وجد هذا التابوت، سلمه الجواد للملك المجاهد، فاعتقله بقلعة حمص. فأقام سنين لا يرى الضوء، وقيل أنه حبس اثنتي عشرة سنة. وأظهر أسد الدين موته، وكتب بينه وبينه مبارأة.\rذكر خروج دمشق عن الملك العادل وتسليمها لأخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب\rكان سبب ذلك أن السلطان الملك العادل - لما حضر الأمير عماد الدين عمر بن شيخ الشيوخ من الشام إلى الديار المصرية - أنكر عليه، ولامه وتهدده لكونه سلم دمشق للملك الجواد. فقال: أنا أتوجه إلى دمشق وأنزل بالقلعة، وأبعث الملك الجواد إلى السلطان. وان امتنع، أقمت نائباً عن السلطان عوضه.\rوتوجه من القاهرة في شهر ربيع الأول، وقرر أن يقطع الملك الجواد ثغر الإسكندرية. ولما عزم على المسي، أشار عليه أخوه فخر الدين أن لا يتوجه إلى دمشق، وقال أخاف عليك من ابن ممدود - يعني الجواد. فقال أنا ملكته دمشق، ولا يخالفني فقال: أنت فارقته وهو أمير، وتعود إليه وقد صار سلطاناً، فتطلب منه تسليم دمشق، وتعوضه الإسكندرية، ويقيم عندكم، فكيف يطيب له هذا ؟ أو تسمح نفسه بمفارقة الملك ؟ فأما إذا أبيت إلا التوجه، فانزل على طبرية وكاتبه. فإن أجاب، وإلا تقيم مكانك وتكتب إلى الملك العادل.\rفلم يرجع إلى رأيه، وتوجه إلى دمشق. وخرج الجواد إليه، وتلقاه بالمصلى، وأنزله بالقلعة في قاعة المسرة. وأرسل إليه الملك الجواد الخلع والأموال والأقمشة والخيل، ففرق عماد الدين الخلع على أصحاب. وجاء الملك المجاهد أسد الدين - صاحب حمص - إلى دمشق.\rقال: ولما قال الأمير عماد الدين للملك الجواد أن يتوجه إلى الديار المصرية، ويأخذ ثغر الإسكندرية - غضب، ورسم عليه في الدار، ومنعه من الركوب.\rثم جاء إليه وقال: إذا أخذتم دمشق مني، وأعطيتموني الإسكندرية، لا بد لك من نائب بدمشق، فاجعلوني ذلك النائب. ومتى لم تفعلوا هذا، فقد كاتبت الملك الصالح نجم الدين أيوب، فأسلم إليه دمشق، وأتعوض عنها سنجار. فقال له ابن الشيخ: إذا فعلت هذا، اصطلح السلطان الملك العادل والملك الصالح، ولا تحصل أنت على شيء ألبتة.\rففارقه الجود وخرج مغضباً، وحكى ما جرى بينه وبين ابن الشيخ للملك المجاهد. فقال: والله إن اتفق الصالح والعادل لا تركا بيد أحدٍ منا شيئاً، وسلبانا ملكنا وما بأيدينا، حتى نحتاج إلى الكدية في المخالي. ثم جاء صاحب حمص إلى ابن الشيخ، وقال له: المصلحة أن تكتب إلى الملك العادل، وتشير عليه بالرجوع عن هذا الرأي: يعني إخراج الملك بالرجوع عن هذا الرأي. يعني إخراج الملك الجواد من دمشق. فقال: حتى أتوجه إلى برزه، وأصلي صلاة الاستخارة. فقال له أسد الدين: كأنك تريد أن تتوجه إلى برزة، وتهرب منها إلى بعلبك. فغضب عماد الدين وانفصلا على هذه الحال.\rواتفق الجواد وصاحب حمص على قتل عماد الدين. وتوجه أسد الدين إلى حمص. وكان عماد الدين قد مرض، وأبل.\rفلما كان في يوم الثلاثاء، السادس والعشرين من جمادى الأولى، بعث الجواد إلى الأمير عماد الدين يقول له: إن شئت أن تركب وتتنزه فاركب إلى ظاهر البلد. فظن أن ذلك بوادر الرضا. ولبس فرجيةً كان الجواد قد بعث بها إليه، وقدموا له حصاناً كان سيره إليه أيضاً، فلما خرج من باب الدار إذا هو بنصراني من نصارى قارا قد وقف وبيده قصبةٌ وهو يستغيث، فأراد الحاجب أن يأخذ القصبة منه، فقال: لي مع الصاحب شغلٌ. فقال عماد الدين: دعوه.","part":8,"page":102},{"id":3613,"text":"فتقدم إليه، وناوله القصبة. فلما تناولها، ضربه النصراني بسكين في خاصرته ! وجاء آخر وضربه بسكين على ظهره، فمات وأعيد إلى الدار ميتاً واحتاط الجواد على جميع موجوده، وكتب محضراً أنه ما مالأ على قتله. وقصد استخدام مماليكه، فامتنعوا وقالوا له: أنت تدعي أنك ما قتلته، وهذا له إخوة وورثة، فبأي طريق تأخذ ماله ؟ فاعتقلهم. وجهز عماد الدين، ودفن بقاسيون في زاوية الشيخ سعد الدين. وكان مولده في يوم الاثنين سادس عشر شعبان، سنة إحدى وثمانين وخمسمائة - رحمه الله تعالى.\rولما قتل عماد الدين، علم الجواد أنه إن دخل الديار المصرية وسلم من القتل، صار ضميمة. واتفق وصول رسول الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى الملك الجواد، وهو يبذل له أن يكون له سنجار والخابور ونصيبين والرقه، ويسلم دمشق للملك الصالح. فأذعن إلى ذلك، لعلمه أن دمشق لا تبقى له. وقيل إن الملك الجواد هو الذي كتب إلى الملك الصالح، والتمس منه ذلك، فأجاب الملك الصالح إليه.\rورتب ولده: الملك المعظم غياث الدين تورانشاه في بلاد الشرق، وجعل مقامه بحصن كيفا. ورتب النواب آمد، وأقطع الخوارزمية حران والرها والرقة وبلاد الجزيرة وسار إلى دمشق، فوصل إليها يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة، سنة ست وثلاثين وستمائة.\rوحلم الجواد الغاشية بين يديه من تحت القلعة، وحملها الملك المظفر صاحب حماه - من باب الحديد. وتسلم الملك الصالح القلعة، وخرج الجواد منها في تاسع الشهر، وترك دار فروخشاه. واستوزر الملك الصالح جمال الدين بن جرير. ثم توجه الملك الصالح في شهر رمضان إلى نابلس، وكان ما نذكره.\rذكر أخبار الملك الجواد، وما كان من أمره بعد تسليم دمشق\rقال المؤرخ: لما قدم الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى دمشق، رتب له الملك الجواد الضيافات كل يوم، في قاعة من قاعات دمشق، ورتب في كل قاعة ما تحتاج إليه من الفرش والآلات وأواني الفضة، وغير ذلك. وكان إذا حضر إلى قاعة سلمها إليه بجميع ما فيا، ثم ينتقل إلى قاعة أخرى، وكان آخر الضيافة في قاعة المسرة. ثم خرج الملك الجواد، وركب والعسكر في خدمته، فقال لهم: سلطانكم الملك الصالح. فحلف الصالح العساكر في تلك الساعة، إلا الأمير سيف الدين على ابن قليج، فإن الصالح قبض عليه.\rفعظم ذلك على النواب، ولامه أصحابه على ما فعل من تسليم السلطنة للملك الصالح. فأراد نقض ما أبرمه، والقبض على الملك الصالح. فاستدعى المقدمين والجند واستحلفهم، وجمع الصالح أصحابه عنده في القلعة، وأراد أن يحرق دار فرخشاه. فدخل جمال الدين بن جرير بينهما، وأصلح الأمر.\rوخرج الجواد إلى النيرب، واجتمع الناس على باب القصر يدعون عليه ويسبونه في وجهه - وكان قد أساء السيرة فيهم، وسلط عليهم خادماً لبنت كرجي يقال له الناصح، فأخذ أموالهم وصادرهم، وعلقهم وضربهم، فيقال إنه أخذ منهم ستمائة ألف درهم. وأرسل الملك الصالح إلى الجواد يأمره أن يعطى الناس أموالهم، فلم يصغ إلى قوله، ولا أجابه عن ذلك بجواب. وتوجه إلى بلاد الشرق.\rفلما وصل إلى ضمير رأى بدوياً فاستراب منه، فقبض عليه، فوجد معه كتباً من الملك الصالح إلى الخوارزمية - وكانوا على حمص - يحسن لهم القبض على الملك الجواد، وأخذ ما معه، وأن يسيروه إليه. فعند ذلك أخذ على طريق السماوة وعرج عن حمص، وسار إلى عانة، فدخلها وأقام بها.\rفبلغه أن صاحب الموصل يحاصر سنجار - وبها أيدمر مملوك الجواد - فسار إليه في مائتي فارس. ولما قرب منها رسم أن يضرب في كل ناحية طبل باز وفرق من معه فرقاً، وجعل كل فرقة طبلخاناه ومشاعل، وأمرهم أن يضربوا طبلخاناتهم جملةً واحدة وسار إلى سنجار ليلاً على هذه الصفة، فظن صاحب الموصل أن معه عسكراً، فارتحل عن سنجار في ليلته، ودخلها الملك الجواد بكرة النهار، وأقام بها سنة.\rوحاصره الخوارزمية، وعادوا عنه وترددت الرسائل بينه وبين صاحب الموصل في المصاهرة بينهما. وقصد الجواد أن يتصل بابنة صاحب الموصل، ليكون عضداً له. فعقد عقد النكاح بالموصل، وكان وكيل الجواد زريق مملوكة.","part":8,"page":103},{"id":3614,"text":"ثم سأله صاحب الموصل الاجتماع، وسري ولده رهينة. فوافق الجواد على ذلك وتوجه إلى عانة. هذا، وصاحب الموصل قد أفسد أهل سنجار. ولما سار الجواد من سنجار، جاء صاحب الموصل إليها فدخلها من غير ممانع - وذلك في سنة سبع وثلاثين وستمائة.\rفسار الجواد إلى بغداد، واستنصر بالخليفة. وأقام ببغداد ستة أشهر. فوصله الخليفة بأربعة آلاف دينار، وأمره بالخروج عن بغداد. فسار إلى عانه وأقام ها، ثم اشتراها الخليفة منه بمائة وعشرين ألف درهم. فقبض الجواد المال وسلمها - وهي جزيرة في وسط الفرات. وسار الجواد بعد تسليمها إلى حران، وهي بيد الخوارزمية، فأقام عندهم سنة. وسار إلى حلب معهم وقاتل أهلها، ثم عاد معهم إلى حران.\rفاستدعاه الملك الصالح نجم الدين - بعد أن ملك الديار المصرية - فسار ومر على قرقيسيا، واجتاز بالرحبة بالبرية، وأقام عند ابن صدقه أياماً. وسار في البرة إلى الشوبك، وسير مملوكه زريق إلى الصالح في البرية. فعظم ذلك على الصالح، وأنكر كونه حضر من البرية. ووصل الجواد إلى العباسة، فأرسل إليه الملك الصالح الطواشي دينارا وأمره برده، وأن يعود إلى الشوبك، ولا يدخل مصر. فسار على طريق الرمل يريد الساحل، ووصل إلى رفح.\rفندب الملك الصالح كمال الدين بن الشيخ للقبض عليه. فعلم بذلك فتوجه إلى الملك الناصر داود - وكان إذ ذاك بالقدس - وتحالفا على قتال الصالح، وذلك في سنة تسع وثلاثين وستمائة. فاستبشر الناصر بقدومه، وجرد العساكر معه. وجاء كمال الدين بن الشيخ، والتقوا على مكان يقال له بيت قوريك - وهي قرية من قرى نابلس - بالقرب منها، فيما بينها وبين الغور من جهة أريحا، فكسره الجواد وأسره. وأحضره إلى عند الملك الناصر داود، فوبخ الناصر كمال الدين.\rوأقام الجواد عند الناصر فتخيل منه وقبض عليه بعد أيام، وأراد قتله، لما كان بينهما من الذحول القديمة. ثم سيره إلى بغداد في البرية تحت الاحتياط، فنزل قريباً من الأزرق، فعرفه جماعة من العرب فأطلقوه.\rفتوجه إلى عمه الملك الصالح إسماعيل - صاحب دمشق - فلم يمكنه من الدخول إليها، وبعث إليه بالنفقات. وجرد معه خمسمائة فارس، وكتب إليه بالمسير إلى الساحل والاجتماع بملوك الفرنج ومقدم الديوية. فتوجه إليهم واجتمع بهم بقيسارية - وكانت أمه فرنجية - فمالوا إليه.\rفبلغ ذلك الملك الصالح نجم الدين، فكتب إليه يعده بمواعيد جميلة، وطلب منه أن يستميل الفرنج إلى طاعته، ويعدهم عنه بجميع ما يختارونه. ففعل الجواد ذلك، واستمالهم، وكتب إليه أن يسير رسوله إليهم. ففعل الملك الصالح ذلك، وأرسل رسوله إلى الفرنج، واستحلف الملك الجواد ومقدم الديوية وأكابر الفرنج. فلما وثق الصالح بذلك، سير الأمير ركن الدين الهيجاوي. إلى غزة بعسكر، وكتب إلى الجواد أن يرحل وينزل عند الهيجاوي، ويتفق معه على الصلح. ففعل الجواد ذلك.\rثم كتب الملك الصالح إلى الهيجاوي يأمره بالقبض على الملك الجواد، وإرساله إليه. فأخبره الهيجاوي بذلك. فاتفقا على مفارقة الملك الصالح أيوب. فتوجه الجواد إلى عكا، والتجأ إلى الفرنج. وتوجه الركن الهيجاوي إلى دمشق، والتحق بصاحبها الملك الصالح إسماعيل وأقام عنده. ولم يخدمه، بل كان يتردد إليه فيكرمه ويستشيره في أموره.\rثم كتب الملك الصالح إسماعيل إلى الملك الجواد يعنفه. على لحاقه بالفرنج وطلبه إليه ثم أرسل إلى الفرنج وطلب منهم المعاضدة على صاحب مصر، ووعدهم أنه إذا ملك مصر أعطاهم البلاد الساحلية، وجميع فتوح الملك الناصر صلاح الدين يوسف. فاستشاروا الجواد في ذلك، فكتب إليهم يحذرهم من الملك الصالح إسماعيل، وينهاهم عن موافقته. فوقع بخطه للملك الصالح إسماعيل، فقبض عليه بمنزلة العوجاء، وسيره إلى دمشق، واعتقله بعربا. فمات في شوال سنة إحدى وأربعين وستمائة. وطلبه الفرنج وشددوا في طلبه، فأظهر أنه مات. وأهله يقولون إنه خنقه. والله أعلم. ولما مات دفن بقاسيون في تربة الملك المعظم - رحمهما الله تعالى.\rهذا ما كان من أمر الملك الجواد. فلنرجع إلى بقية أخبار الملك العادل صاحب مصر.\rذكر مخالفة الأتراك على السلطان الملك العادل، وتوجههم إلى أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب بدمشق","part":8,"page":104},{"id":3615,"text":"وفي سنة ست وثلاثين وستمائة، ندب السلطان الملك العادل العساكر إلى الساحل، وقدم عليهم الأمير ركن الدين الهيجاوي، وأنفق فيه الأموال - وذلك في جمادى الآخرة. فأقاموا ببلبيس إلى العشرين من شهر رمضان.\rوأظهر جماعةٌ من الأتراك والمضافين إليهم الخروج عن طاعة الملك العادل، وشيعوا أه يقصد القبض عليهم، وعزموا على قصد الملك الصالح أيوب. فأرسل الملك العادل إليهم الأمير فخر الدين بن الشيخ، وبهاء الدين ابن ملكشو، وطيب قلوبهم واستمالهم، فلم يجيبوا.\rولما كان في الحادي والعشرين من شهر رمضان، خرج جماعة من الحلقة من القاهرة، من باب النصر وغيره، تقدير ألف فارس من الأتراك - وأظهروا أن السلطان عزم على القبض عليهم، وقصدوا اللحاق بمن كان على بلبيس من الأمراء فبطق الملك العادل إلى الأمراء الأكراد ببلبيس، بمناجزة الأتراك وقتالهم، فقاتلهم الأكراد قبل وصول الحلقة إليهم. فانهزم الأتراك إلى جهة الشام وانضم أكثرهم إلى الأكراد. ولما انهزموا تبعهم الأكراد، ثم رجعوا خوفاً على أثقالهم من الحلقة فوجدوا الحلقة قد وصلوا إلى بلبيس، فلم تتعرض إحدى الطائفتين إلى الأخرى بقتال، لدخول الليل. وتوجه الأتراك للحاق بأصحابهم الذين انهزموا، وساروا إلى دمشق واتصلوا بخدمة الملك الصالح أيوب.\rذكر وصول الملك الناصر داود - صاحب الكرك - إلى السلطان الملك العادل\rوفي خامس شوال، سنة ست وثلاثين وستمائة، وصل نجابٌ من الملك الناصر داود - صاحب الكرك - إلى السلطان، يخبره بوصوله. فخرج السلطان للقائه في سابع الشهر، وزينت القاهرة ومضر زينة لم يشاهد مثلها، وعاد السلطان والملك الناصر معه في ثامن الشهر، واستبشر بقدومه وحلف كلٌ منهما لصاحبه.\rوفي العشرين من شوال، وردت الأخبار بوصول عسكر الملك الصالح نجم الدين أيوب - صحبة ولده الملك المغيث جلال الدين عمر - إلى جينين فجمع الملك العادل والناصر الأمراء، وتحالفوا على قتاله. وخرج الملك الناصر داود في يوم الأحد تاسع ذي القعدة، لقصد الشام. وندب الملك العادل جماعة من الأمراء في خدمته، لقتال الملك الصالح نجم الدين أيوب. وجهز صحبته خزانة مال وسلاح خاناه، وخرج لوداعه إلى بركة الجب، وعاد إلى القلعة. ثم خرج الملك العادل في يوم الثلاثاء - سلخ ذي الحجة - لقصد الشام، لقتال أخيه الملك الصالح، فنزل على بلبيس وفي هذه السنة، في يوم الأحد ثامن صفر، كانت وفاة الشيخ الإمام جمال الدين أبي المحامد، محمود بن أحمد الحصيري الحنفي، بدمشق. وأصله من بخارى، من قرية يقال لها حصيره. تفقه في بلده، وسمع الحديث الكثير. وقدم الشام، ودرس بالنورية. وانتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة. وقرأ عليه الملك المعظم الجامع الكبير، وغيره. وصنف الكتب الحسان، وشرح الجامع الكبير. وكان كثير الصدقة غزير الدمعة نزهاً عفيفاً. وكان إذا أتى قلعة دمشق لا ينزل عن حماره إلا على الإيوان السلطاني، والملوك تعظمه وتجله. ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع، على الجادة رحمه الله تعالى.\rوفيها توفي الوزير جمال الدين بن جرير، وزير الملك الأشرف. ثم وزر للملك الصالح نجم الدين أيوب بدمشق دون الشهر، ومات. وأصله من الرقة. وكانت وفاته في يوم الجمعة - السابع والعشرين من جمادى الآخرة - بعلة الخوانيق. ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع - رحمه الله تعالى.\rوفيها في شعبان، توفي الأمير علاء الدين أبو الحسن علي، بن الأمير شجاع الدين أبو المنصور جلدك، بن عبد الله المظفري التقوي، بثغر دمياط - وكان والياً به - رحمه الله تعالى.\rذكر عود السلطان الملك العادل من بلبيس إلى قلعة الجبل\rقد ذكرنا أن السلطان كان قد خرج من قلعة الجبل في سلخ ذي الحجة سنة ست وثلاثين، لقصد الشام. ونزل على بلبيس وأقام بها، إلى سادس عشر المحرم من هذه السنة، ثم رجع.\rوكان سبب رجوعه أن الأمراء قصدوا القبض عليه، وتحيلوا على ذلك، فسألوه أن يعمل كل منهم دعوةً ويحضرها للسلطان، ففسح لهم في ذلك. وحضر عند بعضهم فأكل، ثم قدم الشراب فشرب، ورأى ما أنكره فقام، ودخل إلى خربشت لقضاء الحاجة، فخرج من ظهر خربشت، وركب فرساً وساق إلى القلعة. فلما طال على الأمراء انتظاره، دخلوا فلم يجدوه فتفرقوا، وعلموا أنه شعر بما أرادوه من اغتياله.","part":8,"page":105},{"id":3616,"text":"فسيروا إليه يطلبونه، فأظهر أنه ما دخل إلى القاهرة إلا ليخلق المقياس ويكسر الخليج، ويعود إليهم. ثم ألجأته الضرورة إلى الخروج، فخرج إلى العباسة في يوم الخميس الرابع والعشرين من الشهر، وقبض على الأمير فخر الدين بن الشيخ، وزين الدين غازي، وفتح الدين بن الركن، ووصل بهم إلى قلعة الجبل بكرة نهار الأحد السابع والعشرين من الشهر. وفي خامس عشرين صفر، توجه الملك الناصر داود من العباسة إلى الكرك، وصحبته ابن قليج وجماعةٌ من أمراء مصر.\rوفي يوم الخميس، الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، عملت والدة الملك العادل وليمةً عظيمة في الميدان تحت قلعة الجبل، لجميع الناس: الخواص والعوام، ذبحت فيها ألف رأس من الغنم، وجملةً من الخيل والبقر والجاموس والإبل، وحلت ما يزيد على مائة قنطار من السكر، في ثلاث فساقي كانت على جانب الميدان مما يلي القلعة، وتفرق الناس ذلك بالأواني. وكان ذلك فرحاً باعتقال الملك الصالح أيوب، فإنه كان قد اعتقل بالكرك - على ما نذكره، إن شاء الله تعالى في أخباره.\rقتال الفرنج وفتح القدس\rوفي يوم الخميس - ثامن عشر شهر ربيع الأول، من السنة - وردت الأخبار، إلى السلطان الملك العادل، أن الفرنج قصدوا الأمير ركن الدين الهيجاوي ومن معه من العسكر، والتقوا واقتتلوا، في يوم الأحد رابع عشر الشهر، عند سطر الجميز بالقرب من غزة.\rوكانت الهزيمة على الفرنج. وأسر ملكهم، وثلاثةٌ من جنودهم، وما يزيد على ثمانين فارساً، ومائتين وخمسين راجلا. وقتل منهم ألف وثمانمائة إنسان. ولم يقتل من المسلمين في هذه الوقعة إلا دون العشرة، منهم: الأمير سيف الدين محمد بن الأمير أبي عمر، وعثمان بن الأمير علكان ابن أبي علي الكردي الهيجاوي - وكان شاباً صالحاً - وعمره ثلاثون سنة - رحمه الله تعالى. فخذلت هذه الكسرة الفرنج.\rثم فتح الملك الناصر داود صاحب الكرك - ومن معه من العسكر المصري - البيت المقدس، في يوم الاثنين تاسع جمادى الأولى. فقال جمال الدين بن مطروح:\rالمسجد الأقصى له عادةٌ ... سارت، فصارت مثلاً سائراً\rإذا غدا للشّرك مستوطناً ... أن يبعث الله له ناصراً\rفناصرٌ طهّره أوّلاً ... وناصرٌ طهّره آخراً\rقال: ولما فتح البيت المقدس، تحصن جماعةٌ من الخيالة والرجالة، ببرج داود والأبراج والبدنات، فنصب عليها المجانيق وهدمها. فسألوا الأمان على أنفسهم خاصة، فأمنهم.\rوفاة الملك المجاهد\rصاحب حمص وفي ثامن عشر شهر رجب، من السنة - وقيل في يوم الثلاثاء العشرين منه - توفي الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، بن ناصر الدين محمد، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه، بن شادي - صاحب حمص - بها، ودفن بها.\rوكانت حمص بيده، منذ أعطاها إياه السلطان الملك الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب - عم أيبه - بعد وفاة والده، في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. فكانت مدة ملكه بحمص سبعاً وخمسين سنة، تقريباً.\rوكان شجاعاً شهماً، مقداماً، يباشر الحروب بنفسه. وحفظ بلاده من الفرنج والعرب. وبنى الأبراج على مخائض العاصي ورتب فيها الرجال والطيور. وكان الفرنج إذا خرجوا أطلق الرجال الطيور، فيركب بنفسه وعساكره، فيسبق الفرنج ويردهم. وكذلك كان يقصد العرب من جهة البرية. وكان قد منع النساء أن يخرجن من باب حمص، مدة ولايته. وكان إذا اعتقل إنساناً أطال حبسه. وملك بعده حمص ولده الملك المنصور إبراهيم.\rذكر وصول رسل الخليفة إلى السلطان الملك العادل بالتشاريف\rوفي ثامن عشر شهر رمضان - سنة سبع وثلاثين وستمائة - وصل الشيخ محيي الدين بن الجوزي - رسول الخليفة - وفلك الدين المسيري، بخلع الخليفة إلى السلطان الملك العادل، ولولده. ولقب ولده - الملك المغيث - من الديوان العزيز بألقاب الملك الكامل جده، وسمى باسمه، ثم انتفض ذلك، وأعيد إلى ألقابه الأول، وهي الملك المغيث فتح الدين عمر.","part":8,"page":106},{"id":3617,"text":"ووصلت الخلع أيضاً لجماعةٍ من الأمراء، وخلعة للوزير - ولم يكن للسلطان الملك العادل وزير - فرسم بنقل خلعة الوزير إلى الخزانة العادلية. وكانت جملة الخلع ثماني عشرة خلعة. وسير للسلطان مع خلعته فرس له سرجٌ مشغول بالذهب، وعلمان، وسيفان، تقلد بهما عن اليمين والشمال. فلبس السلطان الخلعة بظاهر القاهرة، وشق البلد.\rثم اتصل بالملك العادل أن الملك الصالح قد أطلق من حبسه بالكرك، وأنه قصد نابلس، وخطب له بها. فخرج من القاهرة في يوم السبت الخامس من شوال، ونزل على بلبيس، فأقام بها، إلى أن قبض الأمراء عليه.\rذكر القبض على السلطان الملك العادل وخلعه\rوفي يوم الجمعة، لثمان مضين من ذي القعدة، سنة سبع وثلاثين وستمائة - وقيل لسبع بقين من شوال، منها - قبض الأمراء على السلطان الملك العادل، وخلعوه.\rوذلك أن الأمير عز الدين أيبك الأسمر - مقدم الأشرفية - ومقدمي الحلقة، وهم: الطواشي مسرور الكاملي، وكافور الفائزي، وجوهر النوبي، وجماعةٌ من الحلقة - اتفقوا على خلعه، والقبض عليه، واستدعاء أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب. فخلعوه وقبضوا عليه. فكانت مدة سلطنته سنتين، وثلاثة أشهر، وثمانية عشر يوماً.\rولما قبض على الملك العادل، ركب جماعةٌ من الأتراك وقصدوا أمراء الأكراد، لما كان بينهم من الذحول التي أثرتها وقعة بلبيس. وكان الأكراد على غير أهبة، فنهبهم الأتراك. ووافقهم ممالك الأكراد على أستاذيهم، ومالوا للأتراك للجنسية، فاستولى الأتراك على خيامهم وأثقالهم وخيولهم. وانهزم الأكراد، كلٌ منهم على فرس، ودخلوا القاهرة. وقبض المراء على خواص الملك العادل وحرفائه.\rوكان الملك العادل قد اشتغل باللهو والهزل واللعب. وكان لا يؤثر قيام ناموس المملكة. ووثق بكرمه وبذلك الأموال، وظن أن ذلك يغنيه عن التحفظ. وكان من أكرم الناس وأكثرهم عطاء، ودليل ذلك أنه فرق في مدة سلطنته ما يزيد على ستة آلاف ألف دينار، وعشرين ألف ألف درهم، من الأموال التي خلفها والده: السلطان الملك الكامل.\rالملك الصالح نجم الدين أيوب\rبن السلطان الملك الكامل - وما كان من أمره بعد وفاة أبهي إلى أن ملك الديار المصرية كان السلطان الملك الصالح، لما توفي والده السلطان الملك الكامل، مقيماً بسنجار - وله آمد وحران والرها، ونصيبين والخابور، ورأس عين والرقة - من سنة ثلاثٍ وثلاثين وستمائة. وتوفي السلطان الملك الكامل والده، والأمر على ذلك.\rثم كان من أخباره مع الخوارزمية، ومفارقتهم له، ومحاصرة الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ له بسنجار، واستنصاره بالخوارزمية وعودهم إلى خدمته، وهرب بدر الدين لؤلؤ - ما قدمناه.\rوملك بعد ذلك دمشق من الملك الجواد - كما تقدم. ولما ملك دمشق، راسل عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل - صاحب بعلبك - والتمس منه مساعدته على قصد الديار المصرية، وانتزاعها من أخيه الملك العادل. وشرط له أنه إذا فتح الديار المصرية تكون له، وتكون دمشق للصالح إسماعيل. فأجابه إلى ذلك، وشرع في الاستعداد والاستخدام والاحتشاد.\rفاتصل ذلك بالملك العادل ووالدته، فكتبا إلى الملك الصالح إسماعيل، وكتب إليه بعض ا \" لأمراء المصريين، وهم يصرفون رأيه عن مساعدة الملك الصالح أيوب، وحسنوا له أخذ دمشق. فاتفق الصالح إسماعيل، وصاحب حمص على مخالفة الملك الصالح نجم الدين.\rوخرج الملك الصالح أيوب من دمشق في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وستمائة، وقصد نابلس - وهي في جملة مملكة الملك الناصر داود، صاحب الكرك - فاستولى عليها وعلى بلادها - وذلك في شوال من السنة. وتوجه الملك الناصر داود إلى الديار المصرية - كما تقدم.\rوأقام الملك الصالح نجم الدين بنابلس، ينتظر وصول عمه الملك الصالح إليه بعسكره، ليتوجها إلى الديار المصرية. وكان بقلعة دمشق الأمير ناصر الدين القيمري، ينوب عن الملك الصالح، فاتصل به خبر الملك الصالح إسماعيل وما عزم عليه. فكتب إلى الملك الصالح أيوب، يعلمه أن عمه الصالح إسماعيل قد عزم على مخالفته، واستخدم الرجال لذلك، وحذره منه مرةً بعد أخرى. ووالى كتبه إليه، وهو لا يكترث بقوله. فلما كرر كتبه بذلك، أجابه: إن مقرعتي إذا وقعت في فلاةٍ لا يقدر أحدٌ أن يمسها بيده، ولا يتجاسر عليها ! فلما وقف على جوابه كف عنه.","part":8,"page":107},{"id":3618,"text":"وكان الملك المسعود بن الملك الصالح إسماعيل في خدمة الملك الصالح أيوب - هو والأمير ناصر الدين بن يغمور - فتواترت كتب الملك الصالح إلى عمه الصالح يستحثه على اللحاق به. وهو يتقاعد عنه، ويجيبه إنني لا يمكنني إخلاء قلعة بعلبك بغير حافظ، والقصد إرسال ولدي إلي لأجعله بها، وأحضر إليك. فعند ذلك جهز الملك الصالح نجم الدين أيوب الحكيم سعد الدين بن صدقة المعري، إلى عمه الملك الصالح، برسالةٍ، ظاهرها استحثاثه على سرعة الوصول إليه، وأمره أن يطالعه بما يظهر له من أحوال عمه، وهل هو على الطاعة أو العصيان.\rفلما وصل الحكيم إلى بعلبك، اطلع على ما اتفق عليه الصالح إسماعيل وصاحب حمص: من قصد دمشق، وانحرافهما عن الملك الصالح. فكان يكتب إليه بذلك، ويدفع البطايق إلى البراج ليرسلها على الحمام، فيرصده الصالح إسماعيل ويأخذها منه، ويغيرها بخط أمين الدولة السامري، بما معناه أن الملك الصالح إسماعيل محبٌ في السلطان، وقد استخدم واحتفل، وهو على عزم القدوم إلى السلطان. فتصل هذه البطايق المزورة إلى الملك الصالح أيوب، فلا يشك أنها صحيحة. فعند ذلك أرسل الملك المسعود إلى أبيه ببعلبك، وقد طابت نفسه ووثق أن عمه معه.\rفلما حصل ولده عنده، سار من بعلبك، وسار صاحب حمص من حمص، وتوافوا بجبل قاسيون. وكان جملة من استخدم الملك الصالح إسماعيل ألف فارس وأحد عشر ألف راجل. واستخدم صاحب حمص أربعة آلاف راجل. وتقرر بينهما أن يكون ثلثا دمشق وأعمالها للملك الصالح إسماعيل، والثلث لصاحب حمص. وكان الصالح اسماعيل قد أفسد بعض أمراء الصالح أيوب. كل ذلك والأمير ناصر الدين القيمري يطلع عليه، ويطالع به الملك الصالح أيوب، وهو لا يلتفت إليه، ولا يرجع إلى نصحه.\rذكر استيلاء الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب - على دمشق\rقال: ولما تكامل للملك الصالح ما أراد من الاستخدام والاحتشاد، ووافقه صاحب حمص - الملك المجاهد أسد الدين شيركوه - راسل الأمير ناصر الدين القيمري النائب بقلعة دمشق، وبذل له عشرة آلاف دينار على تسليم القلعة. فوافقه على ذلك، ووقع منه بموقع، لأنه كان قد كرر نصائحه لمخدومه الملك الصالح - نجم الدين أيوب - وحذره، فما رجع إليه، وأجار بما تقدم ذكره. فحمله ذلك على موافقة الملك الصالح عماد الدين، وتقرر بينهما أن الصالح يحاصر قلعة دمشق ثلاثة أيام، ويسلمها إليه، ففعل ذلك. ودخل إلى دمشق في يوم الثلاثاء، سادس أو سابع عشرين صفر، سنة سبع وثلاثين وستمائة.\rوكان دخوله من باب الفراديس، من غير ممانعة، فإنه لم يكن عليه من يدفع عنه، ولا عن البلد. ونزل الصالح بداره بدرب الشعارين. ونزل صاحب حمص في داره. وزحفوا في يوم الأربعاء ثامن عشرين الشهر على القلعة، ونقبوها من ناحية باب الفرج، وقاتل عليها ثلاثة أيام، وتسلمها من القيمري - كما تقرر بينهما وكان بها الملك المغيث: جلال الدين عمر بن الملك الصالح نجم الدين أيوب، فاعتقله الملك الصالح إسماعيل عم أبيه في برجٍ بالقلعة.\rواتصل الخبر بالملك الصالح أيوب، وهو بمخيمه بظاهر نابلس، وقيل له: إن القلعة ما أخذت فاستحلف عسكره، وخلع على عميه: مجير الدين وتقي الدين، والركن والنميس وغيرهم، وأعطاهم الأموال واستشارهم. فقالوا: نتوجه إلى دمشق قبل أخذ القلعة. فركب بهم من نابلس، فلما انتهوا إلى القصير المعيني بالغور أنفق في عسكره، وجدد عليهم الإيمان وقت صلاة المغرب. وبلغهم أن قلعة دمشق قد استولى عليها الصالح إسماعيل.\rفلما كان في نصف الليل، رحلوا عنه بأجمعهم، وتركوه وليس معه إلا دون المائة من مماليكه. وتفرق عنه بقية مماليكه وخواصه. فرجع يقصد نابلس، ومعه جاريته أم ولده خليل: المدعوة شجر الدر. وطمع فيه حتى الغوارنة والعشران وكان مقدمهم رجل شيخ جاهل، يقال له تبل من أهل بيسان، قد سفك الدماء وركبت الجيوش بسبه مراراً، فتبعه بمنمعه. وقد توجه الملك الصالح على طريق جينين يريد نابلس، والغوارنة والعشران يتبعونه، وهو يرجع إليهم ويحمل عليهم بمماليكه فيفرق جماعتهم. وأخذ بعض خيولهم، واستولوا هم أيضاً على بعض ثقله.","part":8,"page":108},{"id":3619,"text":"ووصل إلى سبسطية. وكان الوزيري - نائب الملك الناصر داود - عاد إلى نابلس، بعد خروج الملك الصالح منها. فأرسل إليه الملك الصالح أيوب يقول: إنه قد مضى ما مضى، وما زال الملوك على هذه الحال. وقد جئت الآن مستجيراً بابن عمي الملك الناصر. ونزل في الدار بنابلس. وكان الملك الناصر داود قد عاد من الديار المصرية على غير رضا. ووصل إلى الكرك. فكتب إليه الوزيري يخبره بخبر الملك الصالح نجم الدين أيوب.\rذكر القبض على الملك الصالح نجم الدين أيوب واعتقاله بقلعة الكرك\rقال: ولما وصل كتاب الوزيري إلى الملك الناصر بالكرك، ندب الأمير عماد الدين بن موسك، والظهير بن سقر الحلبي، في ثلاثمائة فارس إلى نابلس. فركب الملك الصالح أيوب وتلقاهم، فخدموه وقالا له: طيب قلبك، إنما جئت إلى بيتك. فقال: لا ينظر ابن عمي إلى ما فعلت، فما زال الملوك على هذا. وقد جئت إليه، أستجير به، فقالا له: قد أجارك، ولا بأس عليك. وأقاموا أياماً حول الدار.\rفلما كان في بعض الليالي، ضرب بوق النفير، وقيل جاء الفرنج إلى الظهر. فركب الناس وركب مماليك الملك الصالح ووصلوا إلى سبسطية. فجاء عماد الدين والظهير والعسكر إلى الدار التي بها الملك الصالح، ودخل الظهير عليه، وقال له: تتوجه إلى الكرك، فإن ابن عمك له بك اجتماع. وأخذ سيفه. وكانت جاريته حاماً، فأسقطت. وأخذوه، وأركبوه بغلة، بغير مهمازٍ في رجله، ولا مقرعةٍ في يده - وذلك في ليلة السبت، لثمانٍ بقين من شهر ربيع الأول - وتوجهوا به حتى وصلوا إلى الرية.\rقال أبو المظفر: إن الملك الصالح أخبره، قال: إلى الرية في ثلاثة أيام، والله ما كلمت أحداً منهم كلمة، ولا أكلت لهم طعاماً، حتى جاء خطيب الرية ومعه بردة وعليها دجاجة، فأكلت منها - قال: وأقاموا بالرية يومين، وما علمت المقصود بي ما هو ؟ وإذا هم يريدون أن يأخذوا طالعاً نحساً، يقتضى أن لا أخرج من الكرك. ثم أدخلوني الكرك ليلا، على الطالع الذي كان سبب سعادتي. ووكل بي الناصر مملوكاً له فظاً غليظاً، يقال له زريق وكان أضر علي من كل ما جرى.\rقال: فأقمت عندهم إلى شهر رمضان، سبعة أشهر - يعني من سنة سبع وثلاثين. وحكى الملك الصالح له ما ناله من الضائقة والشدة والإهانة شيئاً كثيراً.\rولما توجهوا به إلى الكرك، جهز الوزيري خزانته ونساءه، وخيله وأسبابه، إلى الصلت. وعاد مماليك الملك الصالح فلم يجدوه، فتفرقوا وأما عسكره الذي فارقه من منزلة القصير - فانهم توجهوا إلى دمشق. فمنعهم الصالح من الدخول إليها، وقال: هذه بلد الملك العادل فلا تدخلوها إلا بإذنه. ثم استخدم بعد ذلك جماعةً منهم، وطرد طائفةً واعتقل طائفة.\rوزينت مصر والقاهرة للقبض على الملك الصالح شهراً. وعملت والدة الملك العادل الوليمة التي ذكرناها. وأرسلت القاضي الشريف شرف الدين موسى، والعلاء بن النابلسي، إلى الملك الناصر، بقفص حديد، ليجعل فيه الملك الصالح، ويرسله معهما إلى الديار المصرية ! وبذلت فيه للملك الناصر مائة ألف دينار. وكاتبه الصالح إسماعيل وصاحب حمص، في إرساله إلى دمشق. وبذل الصالح إسماعيل فيه للناصر ربع دمشق. فما أجاب الناصر إلى ذلك.\rوقيل: كان السبب في امتناع الملك الناصر من تسليمه، لمن بذل فيه ما بذل، أن الصالح أيوب كان قد أرسل جمال الدين بن مطروح - الكاتب - إلى الخوارزمية في الحضور إليه، لمحاصرة دمشق. فتوجه لذلك. فلما قبض على الصالح، أرسل ابن مطروح رسولاً على النجب إلى الملك الناصر، يقول له: إن فرط في الملك الصالح أمرٌ، فاعلم أن الخوارزمية لا يبقون لك في البلاد قعر قصبة، فقد حلفوا على ذلك.\rوقيل إن والدة الملك الناصر اهتمت بأمر الملك الصالح، وخدمته أتم خدمة، وتولت ذلك بنفسها، وكانت تطبخ له بيدها. وحلفت على ولدها أنه إن فعل به ما يكره، لا أقامت عنده. وقالت له: ما ملكنا البلاد، وجعلنا في هذا الحصن إلا والده - تعنى: الملك الكامل. فتوقف عن إرساله. والله أعلم.\rذكر إطلاق الملك الصالح من الاعتقال بالكرك، وما كان من أمره إلى أن ملك الديار المصرية","part":8,"page":109},{"id":3620,"text":"قال: ولما كان في أواخر شهر رمضان، استشار الملك الناصر داود الأمير عماد الدين بن موسك، وابن قليج، والظهير، في أمر الملك الصالح. فوقع الاتفقا على تحليفه وإخراجه. فاجتمع الناصر والصالح وتحالفا، وأفرج عنه وذلك في أواخر شهر رمضان، سنة سبع وثلاثين وستمائة. ولما أخرجه الناصر من اعتقاله، ركبه بالكرك بشعار السلطنة، وحمل الغاشية بين يديه، وأظهر الناصر الخلاف على الملك العادل.\rوحكى عماد الدين بن شداد - في سبب خلاص الملك الصالح - أن الملك العادل كان قد حلف الناصر، وحلف له على الاتفاق واجتماع الكلمة على قتال الملك الصالح، وأن تكون دمشق إذا فتحت للملك الناصر. فلما اتفق هجوم الملك الصالح إسماعيل على دمشق، وأخذها، أرسل إليه الملك العادل يصوب رأيه، ويشكر فعله. فعظم ذلك على الملك الناصر، وكان سبب خلاص الملك الصالح.\rوحكى أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي، في كتابه: مرآة الزمان أن الملك الصالح نجم الدين أيوب أخبره - بعد أن ملك الديار المصرية - قال: حلفني الناصر على أشياء، ما يقدر عليها ملوك الأرض، وهو أن آخذ له دمشق، وحمص، وحماه وحلب، والجزيرة والموصل وديار بكر، وغيرها، وأن يكون له نصف الديار المصرية، ونصف ما في الخزائن: من الأموال والجواهر الخيول والثياب وغيرها. فحلفت من تحت القهر والسيف.\rوقد شاهدت أنا بعض نسخة اليمين عند المولى الملك العزيز: فخر الدين عثمان، بن الملك المغيث فتح الدين عمر - صاحب الكرك - كان بالقاهرة - وفيها أشياء كثيرة من هذا النوع، وإلزامات، يعلم المستحلف العاقل أن الحالف لا يفي بها، لكثرتها وخروجها عن حد القدرة البشرية، وأن النفوس لا تسمح بها لوالد مشفق، ولا ولدٍ بار، فكيف لابن عمٍ عدو.\rقال المؤرخ: ولما أطلقه الملك الناصر، ركب الملك الصالح من يومه، وسار إلى نابلس. فوصل إليها في يوم السبت، تاسع عشرين الشهر، وخطب له بها يوم عيد. ونثر ابن موسك على الخطيب والناس الذهب. وخرج الركن الهيجاوي إلى الديار المصرية، فأرسل إليه الملك العادل يأمره بالإقامة على بلبيس، إلى أن تصل إليه العساكر. ثم خرج الملك العادل بعساكره - في خامس شوال - لقتال أخيه الصالح، فقبض الأمراء عليه - كما قدمنا.\rذكر سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب بالديار المصرية وهو السلطان الثامن من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية\rقال المؤرخ: لما قبض الأمراء الذين قدمنا ذكرهم على الملك العادل، كتبوا إلى الملك الصالح يستدعونه، فسار لوقته.\rوكان وصوله - والملك الناصر داود - إلى بركة الجب، في يوم الخميس الحادي والعشرين من ذي القعدة، سنة سبع وثلاثين وستمائة. فنزل في خيمة الملك العادل - والملك العادل بمعتقل في خركاه. واستدعى الملك الصالح معين الدين بن شيخ الشيوخ، واستوزره، ورد إليه النظر في الدواوين. وأقام ببركة الجب إلى يوم الأحد، لستٍ بقين من الشهر. فركب وصعد إلى القلعة في الثالثة من النهار - وذلك باتفاق المنجمين.\rواعتقل أخاه الملك العادل في بعض آدر القلعة. وبقي ابنه الملك المغيث - فتح الدين عمر - في خدمة عمه السلطان الملك الصالح مدة، ثم رأى منه نجابةً فحجبه في الدار القطبية، عند عمته ابنة السلطان الملك العادل، أخت الملك الكامل. فلم يزل الملك المغيث بها، إلى أن مات عمه الملك الصالح وملك ابنه الملك المعظم، فنقله إلى الشوبك واعتقله بها. وكان من أمره ما نذكره - إن شاء الله تعالى.\rوفي الثامن والعشرين من ذي القعدة، من السنة - تقدم أمر السلطان بتجريد جماعةٍ من الأمراء والعساكر إلى الأعمال القوصية، لإصلاح العربان بالوجه القبلي. وجعل المقدم عليهم الأمير زين الدين بن أبي زكري.\rذكر عود الملك الناصر داود إلى الكرك\rكان عوده إلى الكرك في ذي الحجة، من السنة.\rوسبب ذلك أنه اجتمع هو والسلطان الملك الصالح، بقلعة الجبل على شراب، فلما جنهم الليل وأخذ منهم الشراب، قال الملك الناصر للسلطان: أفرج عن أخيك الملك العادل في هذه الساعة. فلاطفه الملك الصالح، وهو يكرر عليه القول وكان آخر كلام الملك الناصر أن قال للسلطان: لو غسلت رجلي وشربت ماءهما، ما أديت حقي ! فأمر السلطان مماليكه بإخراجه.","part":8,"page":110},{"id":3621,"text":"فأخرجوه وركبوه إلى الوزارة. فلما أصبح، سأل عما كان منه، فأخبر به. فقال: ما بقي لنا مقام في هذه الديار. وأحضر النجب، وعمل عليها الأخراج - وفيها ما كان معه من الأموال - وهم أن يركبها. فبينما هو يتهيأ للركوب، إذ حضر إليه الأمير: عز الدين أيدمر الجمدار الصالحي، ومعه عشرة آلاف دينار، وعشرة أفراس وخلع، وقال له: يقول لك السلطان: هذه ضيافة، خذها وامض إلى بلادك. فأخذها، وركب من وقته، وسلك طريق البرية. ثم ندم السلطان على إطلاقه، وكونه ما قبض عليه ليأمن شره.\rوقيل: إن السبب عوده أن الملك الصالح إسماعيل راسل الفرنج، في قصد بلاد الناصر. فتوجهوا إلى نابلس، فقاتلهم أهلها وهزموهم، فرجعوا إلى بلادهم. فعاد بسبب ذلك. هذا ما حكاه ابن جلب راغب، في تاريخه، في سبب عود الملك الناصر.\rوحكى أبو المظفر يوسف، في مرآة الزمان، عما أخبره به الملك الصالح نجم الدين - من لفظه - عندما حضر إليه في سنة تسع وثلاثين وستمائة، عن وقائع اتفقت له، بين خروجه من اعتقال الملك الناصر إلى أن ملك ورجع الناصر.\rمنها أنه قال: والله لم أحضر الملك الناصر معي إلى الديار المصرية، إلا خشية أن يكون قد عمل علي. ومنذ فارقنا غزة، تغير علي ولا شك أن بعض أعدائي أطمعه في الملك. فذكر لي جماعةٌ من مماليكي أنه تحدث معهم في قتلي. قال: ومنها أنه لما أخرجني ندم، وعزم على حبسي، فرميت روحي على ابن قليج، فقال: ما كان قصده إلا أن نتوجه إلى دمشق أولاً، فإذا أخذناها عدنا إلى مصر.\rومنها أنه لما وصلنا إلى بلبيس، شرب وشطح إلى العادل، فخرج العادل من الخركاه وقبل الأرض بين يديه، فقال له: كيف رأيت ما أشرت به عليك، ولم تقبل مني ؟! فقال:يا خوند، التوبة. فقال طيب قلبك، الساعة أطلقك. قال الصالح: وجاء فدخل علينا الخيمة، ووقف. فقلت له: باسم الله اجلس. فقال: ما أجلس حتى تطلق العادل. فقلت: اجلس - وهو يكرر هذا القول. ثم سكت. ولو أطلقته ضربت رقابنا كلها ثم نام وما صدقت بنومه. وقمت في بقية الليل، وأخذت العادل في محفة، ودخلت به إلى القاهرة. قال: ولما دخلنا القاهرة، بعثت إليه بعشرين ألف دينار، فعادت لي مع مماليكي. ومنها أنه قال في بعض الأوقات: قبل قدمي ورجلي - إلى غير ذلك، مما لا تصبر عليه النفوس.\rذكر عدة حوادث وقعت في سنة سبع وثلاثين وستمائة - خلاف ما قدمناه\rفي هذه السنة - في شهر ربيع الأول - أخرج الملك الكامل من مدفنه بقلعة دمشق، إلى تربته شمالي حائط الجامع الأموي، وفتح في الحائط ثلاث شبابيك إلى الجامع: أحدها باب يتوصل منه إلى الجامع.\rوفيها فوض السلطان الملك الصالح إسماعيل - صاحب دمشق - الخطابة بالجامع الأموي لشيخ الإسلام: عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام - وذلك في شهر ربيع الآخر.\rوفيها أمر الملك الصالح - المذكور - الخطباء بدمشق والشام، بالخبطة لصاحب الروم.\rوفيها فوض الصالح - أيضاً - قضاء الشام للقاضي: رفيع الدين أبي حامد، عبد العزيز بن عبد الواحد، بن إسماعيل بن عبد الهادي بن عبد الله الجيلي الشافعي - وكان قبل ذلك قاضي بعلبك. وظهر منه من سوء السيرة والعسف والظلم، ومصادرات أرباب الأموال، ما لا يصدر مثله من ظلمة الولاة. وكانت عاقبة ذلك ما نذكره - إن شاء الله تعالى - من قتله.\rوفيها، في ليلة الثلاثاء خامس عشر ذي القعدة، سقط كوكبٌ عظيم قبل طلوع الفجر بمنزلة، وكان مستديراً على هيئةٍ ومقدار، فأضاءت منه الدنيا، وصارت الأرض أشد نوراً من ليلة التمام. وشاهده من كان ببلبيس عابراً عليها آخذاً من المشرق إلى نحو القبلة، وشاهده من كان بظاهر القاهرة، عابراً من جهة باب النصر إلى صوب قلعة الجبل. ثم قطع البحر إلى ناحية الجزيرة، وكانت له ذؤابة طويلة خضراء، مبتورةٌ قدر رمحين. واعتقبه رعدٌ شديد، وتقطع منه قطع. وأقام، من حين إدراك النظر له حين انطفائه، بقدر ما يقرأ الانسان سورة الإخلاص ثلاثين مرة - هكذا قدره من شاهده - على ما نقل إلينا.","part":8,"page":111},{"id":3622,"text":"وفيها في شعبان - كانت وفاة قاضي القضاء، شمس الدين أحمد، ابن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى، الخويي الشافعي، بالمدرسة العادلية، بدمشق، ودفن بقاسيون. ومولده في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وكان - رحمه الله تعالى - حسن الأخلاق، لطيفاً كثير الإنصاف، عالماً فاضلاً في علوم متعددة، عفيفاً متواضعاً - رحمه الله تعالى.\rوكان وروده إلى دمشق، في أيام الملك المعظم شرف الدين عيسى، ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب. وحكي أنه لما ورد إلى دمشق، كان مع فضيلته وعلومه يلعب بالقانون، ويغني عليه، وقد أتقن صناعته. فأنهى إلى الملك المعظم أمره، فاستحضره إلى مجلس أنسه، ولعب بين يديه بالقانون، وغنى عليه، ونادمه فأعجبه. وأمره بملازمته في أوقات خلواته ومجالس شرابه. هذا سبب اجتماعه بالملك المعظم.\rوأما سبب ولايته القضاء بدمشق، فإنه كان قد بلغ الملك المعظم عن القاضي جمال الدين المصري - قاضي قضاة دمشق - أنه يتعاطى الشراب. فأراد تحقيق ذلك عياناً، فاستدعاه، وهو في مجلس الشراب، فحضر إليه. فلما رآه قام إليه، وناوله هناباً مملوءاً خمراً. فولى القاضي جمال الدين المصري ورجع، فغاب هنيهة، ثم عاد وقد خلع ثياب القضاء: الطرحة والبقيار والفوقانية، ولبس قباءً، وتعمم بتخفيفه وحمل منديلا. ودخل على الملك المعظم في زي الندماء. وقبل الأرض، وتناول الهناب من يده وشرب ما فيه. ونادم المعظم فأحسن منادمته فأعجبه. واعتذر من قراره أنه ما كان يمكنه تعاطي ذلك، وهو في زي القضاة. فاغتبط الملك المعظم به.\rولما انقضى مجلس الشراب، ورجع المعظم إلى حسه، علم أنه لا يجوز له أن يقره على ولاية القضاء - وقد شاهد من أمره ما شاهد. ففوض القضاء للقاضي شمس الدين الخويي، وخلع عليه. وجلس للحكم بين الناس، وأحسن السيرة. وانقطع عن مجلس الملك المعظم وحضوره، إلا في أوقات المواكب، على عادة القضاة.\rواستمر على ذلك مدة. ثم ذكره الملك المعظم واشتاق إلى منادمته، وسماع قانونه. فاستدعاه وتحدث معه، واستوحش منه. ثم كلمه في الحضور إلى مجلس الأنس معه، في بعض الأوقات، وأنه لا يخليه منه جملةً، وتلطف به في ذلك. فأجابه عن ذلك، بأن قال: إذا أمر السلطان - أعزه الله بهذا - امتثلت أمره، وفعلت. ولكن يكون هذا بعد عزلي عن منصب القضاء والحكم بين الناس، وتولية قاضٍ غيري. فإنني لا أجمع بين منصب القضاء وما يضاده أبداً، لما يترتب على ذلك من فساد عقود أنكحة المسلمين، ويتعلق ذلك بذمة السلطان. فإن أحب السلطان ذلك، فليول قاضٍ غيري.\rفأعجب الملك المعظم ذلك منه، وسربه، وقال: بل نرجح مصلحة المسلمين على غرضنا. واستقر على القضاء. وما سمع عنه بعد ولائه القضاء ما يشينه في دينه ولا يغض من منصبه - رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة ثمان وثلاثين وستمائة:\rفي هذه السنة في شهر ربيع الآخر، رتب السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب دار العدل. وجعل افتخار الدين ياقوت الجمالي نائباً عنه بها. ونصب شاهدان من العدول، وجماعةٌ من الفقهاء، منهم: الشريف شمس الدين الأرموي نقيب الأشراف، والقاضي فخر الدين بن السكري، والفقيه عز الدين. فصار الناس يأتون إليها، ويتظلمون وتكشف ظلاماتهم. وإنما فعل السلطان ذلك، لأنه كان غليظ الحجاب، فاستغنى بذلك عن مواجهة الناس.\rوفيها، في رابع المحرم، حصل الشروع في بناء القنطرة على الخريج الحاكمي - وهي المعروفة في وقتنا هذا بقنطرة السد.\rوفيها في تاسع شهر ربيع الأول، رسم السلطان بتجهيز زرد خاناه وشواني وحراريق إلى القلزم لقصد اليمن. وجرد جماعةً من الأمراء والجند بسبب ذلك، في سادس عشر الشهر.\rثم عاد العسكر في خامس شهر رمضان، بسبب حادثة الأشرفية التي نذكرها. لأنهم بلغهم أن الأشرفية ومن شايعهم عزموا على نهب العسكر المذكور - وكان ببركة الجب. وبطل التجريد إلى اليمن.\rثم توجه من جملة العسكر ثلاثمائة إلى مكة، في أواخر شهر رمضان. فدخلوا مكة سلماً، في ذي القعدة، وهرب من كان بها من العسكر اليمنى.","part":8,"page":112},{"id":3623,"text":"وفي شهر ربيع الأول من السنة، قبض السلطان على الأمير عز الدين أيبك الأسمر، والخدام الذين وافقوه على القبض على أخيه الملك العادل، وهم: جوهر النوبي، وشمس الخواص سرور، وكافور الفايزي، وعلى جماعة من الأتراك والحلقة، ونفي جماعةً من الأتراك، وسيرهم مخشبين في المراكب نحو الصعيد وبلاد المغرب، وأخذ أموالهم وقتل بعضهم. وانهزم بعض الأشرفية، واختفى بعضهم. وأمر السلطان مماليكه، وأعطاهم الإقطاعات.\rوفيها في يوم السبت - تاسع شهر ربيع الآخر - وقيل في خامس عشرة - ولد للسلطان الملك الصالح ولدٌ ذكر، من سريته: شجر الدر، وسماه خليلا. ثم مات بعد مدةٍ يسيرة.\rوفيها، في تاسع شهر ربيع الأول، صرف الأمير سيف الدين بن عدلان، عن ولاية الصناعة بمصر. ووليها أسد الدين، بن الأمير شجاع الدين جلدك.\rوفيها، في سابع عشرين شهر ربيع الآخر، نقل الأمير بدر الدين باخل من ولاية مصر إلى ولاية ثغر الإسكندرية. وفيها، في سابع شهر ربيع الآخر، صرف عن شد الدواوين علم الدين كرجي، وولي الأمير حسام الدين لؤلؤ.\rوفي يوم الاثنين خامس شعبان، أمر السلطان بالشروع في عمارة قلعة البحر، التي بالروضة. فابتدئ في حفر أساسها في هذا اليوم، وبني فيها في آخر الساعة الثالثة من يوم الجمعة، سادس عشر الشهر. وهدمت الدور التي كانت بالجزيرة وتحول الناس إلى مصر.\rذكر مسير الملك الصالح إسماعيل، صاحب دمشق، منها لقصد الديار المصرية، وقتاله الملك الناصر صاحب الكرك، وعوده إلى دمشق\rقال المؤرخ: لما اتصل بالملك الصالح إسماعيل - صاحب دمشق - ما وقع بمصر من الفتن، والقبض على الأمراء الأشرفية والخدام وغيرهم، عزم على قصد الديار المصرية، وأطمعته آماله في الإستيلاء عليها. فتجهز بعساكره، ومعه الملك المنصور صاحب حمص، ونجدةٌ من حلب، وقصد الديار المصرية.\rفبلغه أن الملك الناصر صاحب الكرك على حسبان من بلد البلقاء، فقصده بمن معه. والتقوا واقتتلوا، فانكسر صاحب الكرك. واستولى الصالح إسماعيل على أثقاله، وأسر جماعة من أصحابه. ثم رحل ونزل على نهر العوجا، وطلب الملك الجواد - وكان عند الفرنج - فحضر إليه. واستنصر بالفرنج، فكتب الجواد إليهم يحذرهم منه. فوقع كتابه للصالح، فقبض عليه واعتقله - كما ذكرنا - وعاد إلى دمشق، وتفرقت العساكر التي كان قد جمعها.\rتسليم صفد وغيرها للفرنج\rوما فعله الشيخ عز الدين بن عبد السلام - بسبب ذلك - وما اتفق له مع الملك الصالح وفي هذه السنة، خاف الملك الصالح عماد الدين إسماعيل على نفسه من الملك الصالح نجم الدين أيوب، فكاتب الفرنج واستنصر بهم، واتفق معهم على معاضدته. وأعطاهم قلعة صفد وبلادها، وقلعة الشقيف وبلادها، ومناصفة صيدا، وطبرية وأعمالها، وجبل عامله، وجميع بلاد الساحل. ومكنهم من دخول دمشق لابتياع السلاح.\rفشق ذلك على المسلمين. واستفتى المتدينون، ممن يبيع السلاح، الشيخ عز الدين: عبد العزيز بن عبد السلام، في مبايعة الفرنج السلاح. فأفتاهم أنه يحرم عليهم بيعه للفرنج. وتوقف عن الدعاء للملك الصالح إسماعيل على منبر الجامع بدمشق، وجدد دعاءً يدعو به على المنبر، بعد الخطبة الثانية قبل نزوله، وهو: اللهم أبرم لهذه الأمة أمراً رشيداً، يعز فيه وليك ويذل فيه عدوك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهي فيه عن معصيتك. والناس يصيحون بالتأمين، والدعاء للمسلمين.\rفكوتب الصالح إسماعيل بذلك، فورد كتابه بعزله واعتقاله. واعتقل الشيخ أبو عمرو بن الحاجب أيضاً، لموافقته الشيخ على الإنكار. ثم وصل الصالح بعد ذلك إلى دمشق، فأفرج عنهما، واشترط على الشيخ عز الدين أنه لا يفتى، ويلزم بيته، ولا يجتمع بأحد. فسأله الشيخ أن يفسح له في صلاة الجمعة، والاجتماع بطبيب أو مزين، إن دعت حاجته إليهما، وفي دخول الحمام، فأذن له في ذلك. ثم انتزح الشيخان: عز الدين وأبو عمرو، عن دمشق إلى الديار المصرية - على ما نذكره، إن شاء الله تعالى.","part":8,"page":113},{"id":3624,"text":"وفيها كانت الوقعة بين عسكر حلب والخوارزمية. وكان الملك الجواد والملك المنصور - صاحب حمص - مع الخوارزمية. فقصدوا حلبا، ونزلوا على باب بزاعة في خمسة آلاف فارس. وخرج إليهم عسكر حلب في ألف وخمسمائة، فكسروهم، وأسروا من أمرائهم ونهبوا من أثقالهم. فتوجه الخوارزمية حيلان وقطعوا الماء عن حلب، وضايقوهم. ثم عادوا إلى منبج، فنهبوها، وقتلوا أهلها وفضحوا النساء، ثم عادوا إلى حران. وكان الملك المنصور إبراهيم - صاحب حمص - قد نزل على شيزر، فاستدعاه الحلبيون، فجاء إلى حلب، ونزل بظاهرها - ومعه عسكر حمص.\rوفيها سلم الملك الحافظ قلعة جعبر إلى صاحب حلب، وعوضه عنها أعزاز. وكان سبب ذلك أنه حصل له فالج، فتوجه ولده إلى الخوارزمية يستنجدهم على أبيه، وطلب منهم عسكرا لمحاصرته، فخشى من ذلك، فسلمها لصاحب حلب.\rوفيها تسلم عسكر صاحب الروم آمد، بعد حصار شديد. ويقال إنهم اشتروها بثلاثين ألف دينار.\rوفيها، في ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر، توفي الشيخ محيي الدين: أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد، المغربي الحاتمي الطائي، المعروف بابن العربي، وهو من أهل الأندلس. ومولده في ليلة الاثنين، سابع عشر شهر رمضان، سنة ستين وخمسمائة، بمرسية من بلاد الأندلس. ونشأ بها، وانتقل إلى إشبيلية، في سنة ثمان وتسعين. ثم رحل إلى بلاد الشرق، ودخل بلاد الروم. وطاف البلاد وحج. وصحب الصوفية. وصنف كتبا كثيرة في علوم القوم. وكانت وفاته بدمشق، ودفن بقاسيون.\rواستهلت سنة تسع وثلاثين وستمائة:\rوفي هذه السنة، حصل الشروع في عمارة المدرستين الصالحيتين، بالقاهرة المعزية، بين القصرين - والمكان التي عمرتا فيه من جملة القصر. وكان الشروع في الهدم والإنشاء في ذي الحجة. ولما كملتا، أوقفهما على طوائف الفقهاء: الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة، وأوقف عليهم الأوقاف. ويقال انه لما فرغ من عمارتها ندم، لكونه لم يبن مكانهما جامعاً، ويرتب فيه الدروس التي رتبها فيهما.\rذكر صرف قاضي القضاة شرف الدين ابن عين الدولة عن القضاء بمصر والوجه القبلي، وتفويض ذلك لقاضي القضاة بدر الدين السنجاري\rوفي يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الآخر، من هذه السنة، كتب السلطان الملك الصالح إلى قاضي القضاة شرف الدين بن عين الدولة كتاباً، من جملته: أن القاهرة المحروسة لما كانت دار المملكة، وأمراء الدولة وأجنادها مقيمون بها، وحاكمها مختص بحضور دار العدل - تقدمنا أن يتوفر القاضي على القاهرة وعملها، لا غير. وفوض السلطان قضاء القضاة، بمصر والوجه القبلي، للقاضي بدر الدين أبي المحاسن: يوسف السنجاري قاضي سنجار. ثم مرض القاضي شرف الدين المذكور، إثر ذلك، ومات في هذه السنة.\rذكر وفاة قاضي القضاة شرف الدين ابن عين الدولة، وشيء من أخباره\rوفي ليلة الخميس، التاسع عشر من ذي القعدة، سنة تسع وثلاثين وستمائة - كانت وفاة قاضي القضاة شرف الدين أبو المكارم: محمد بن عبد الله ابن الحسن بن علي، بن عين الدولة: أبي القاسم صدقة بن حفص الصفراوي الإسكندراني.\rوكان قد ولي القضاء في أيام السلطان الملك العادل: سيف الدين - جد السلطان - كما تقدم، واستمر بعده.\rولما مات - رحمه الله - صلى عليه بمصلى بني أمية، وشهد جنازته خلقٌ كثير، ودفن بعد صلاة الظهر بالقرافة، وأم الناس عليه ولده محيي الدين: أبو الصلاح عبد الله. ومولده - رحمه الله تعالى - بثغر الإسكندرية في يوم السبت، مستهل جمادى الآخرة، سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. وكانت مدة عمره ثمانيا وثمانين سنة، وخمسة أشهر وثمانية عشر يوماً. ومدة ولاية القضاء - استقلالاً - ستا وعشرين سنة، وتسعة أشهر، وسبعة عشر يوماً. وناب عن القضاء قبل ذلك ثمانيا وعشرين سنة. وشهرين وأياما.","part":8,"page":114},{"id":3625,"text":"وكان رحمه الله تعالى - ذا رياسة قديمة، ووالده وجده من كبراء أهل الثغر. وجد أبيه - القاضي الجليل - من رؤسائه. وبلغ من محله في الدولة العبيدية أن لقب بعين الدولة، ولقب ولده بثقة الدولة، وولده ولده بعين الدولة. فسأل تخصيصاً مانعاً، لاشتباه الولد بالجد، فميز الولد بعين الدولة ومكينها، ووالده بثقة الدولة وأمينها - بتقليد من الخلفاء العبيديين. وعمر القاضي الجليل مائة سنة وأربع سنين. ومات عن عدة أولاد ذكور، ما منهم إلا من عدل بالديار المصرية، وتولى الأحكام الشرعية.\rوكان القاضي شرف الدين - رحمه الله تعالى - مالكي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي وسبب ذلك أنه قدم من ثغر الإسكندرية إلى مصر وسكن بها، في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. واتصل بالقاضي المرتضى ابن القسطلاني، ثم اتصل بقاضي القضاة: صدر الدين عبد الملك بن عيسى ابن درباس الهذباني، فعدله واستكتبه، في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. فلما عزل ابن الجاموس من خطابة الجامع بالقاهرة، أمره القاضي صدر الدين أن يخطب، فخطب وأجاد وأبلغ في الموعظة، ونزل فصلى وجهر بالبسملة.\rفلما فرغ من الصلاة، وجلس بين يدي القاضي صدر الدين، شكره وأثنى عليه - والمجلس غاصٌ بالفقهاء والصدور وأرباب المناصب - فقال بعض الأكابر: يا شرف الدين جهرت بالبسملة، وخالفت مذهبك. فأنشد قول المتنبي في كافور:\rفراقٌ، ومن فارقت غير مذمم ... وأمٌّ، ومن يممّت خير ميمّم\rفاستحسن ذلك القاضي والجماعة. وصار شافعياً من ذلك اليوم. واشتغل بمذهب الشافعي على القاضي: ضياء الدين أبي عمرو عثمان بن درباس، مصنف الاستقصاء، وعلى الفقيه: أبي إسحاق إبراهيم بن منصور العراقي واستنابه القاضي صدر الدين عنه في الحكم بمصر، في يوم الاثنين والخميس، في العشر الأوسط من ذي القعدة، سنة أربع وثمانين وخمسمائة. فحضر إليه يستعفى من ذلك. وكان جمال الدولة: أبو طالب شراتكين - سلف القاضي صدر الدين - حاضراً، هو من الأجناد - فأسر إليه، وقال له: لا تستعفى، فأنت، والله، بعد اثنتين وثلاثين سنة، قاضي القضاة. فأرخها فلم تزد ولم تنقص.\rووقع للقاضي زين الدين علي بن يوسف الدمشقي، أيام ولايته. ثم عاد القاضي صدر الدين إلى الحكم، فعاد إليه. وولي القاضي محيي الدين: أبو حامد محمد بن القاضي شرف الدين بن أبي عصرون، فوقع له. ثم عاد صدر الدين، فعاد إليه، ولم يزل كاتبه إلى أن توفي. وكان كثير الركون إليه، والاعتماد عليه. حتى إن شرف الدين مرض، فسأل عنه القاضي صدر الدين، فأخبر بشدة مرضه، فقال: والله لئن قضى عليه بمحتوم، لأعزلن نفسي، لأنني لا أجد من اثق به سواه.\rولما ولي القاضي عماد الدين: عبد الرحمن بن عبد العلي السكري القضاء، كتب له، إلى أن عزل القاضي عماد الدين في شهر المحرم، سنة ثلاث عشرة وستمائة، فقسم السلطان الملك العادل القضاء شطرين: فولي القاضي شرف الدين هذا القاهرة والوجه البحري، في الشهر المذكور - وقيل في يوم السبت ثاني صفر - وولي القاضي تاج الدين بن الخراط مصر والوجه القبلي، كما تقدم. ثم أضاف السلطان الملك الكامل إليه قضاء مصر والوجه القبلي، في العشر الآخر من شعبان - أو في شهر رمضان - سنة سبع عشرة وستمائة، كما تقدم ذكر ذلك وكان السلطان الملك الكامل كثير التنويه بذكره، والافتخار بولايته، والابتهاج بما يراه من أحكامه، وما يبلغه من سيرته، وما يتحققه من حسن طويته، وجميل سريرته، وكان إذا نظر إليه يقول: والله لنتعبن بعد هذا، إذا فقدناه، ولا نجد بعده من يقوم مقامه وكان إذا كتب إلى السلطان، يستأذنه في عزل نائب من نوابه بالأعمال، أو في أمرٍ يقصد فعله، يجيبه عن كتابه بخطه على ظهر كتابه، أو بين سطوره. وكان يقترح ذلك على السلطان، في بعض الأحيان. وكان الرسم في المكاتبات والأجوبة جارياً على غير ما هو عليه، في عصرنا هذا.\rوقد رأينا أن نثبت من مكاتبات قاضي القضاة إلى السلطان، وأجوبته له، في هذا الموضع، ما يعلم منه كيف كان الرسم جاريا. فمن ذلك ما كتب به إلى السلطان الملك الكامل:","part":8,"page":115},{"id":3626,"text":"اللهم إني أسألك حسن الفاتحة، والخاتمة في عافية. المملوك يخدم المقام المولوي السلطاني المالكين الكاملي - بلغه الله تعالى كل مراد وأمل، ووفقه لطاعة ربه في كل قولٍ وعمل - وينهى: أن النائب في الحكم بإطفيح قد كثر من القول فيه ما تقتضي المصلحة الاستبدال به وهو ابن أخت الأجل مجد الدين، أخي الفقيه الأجل عيسى - وقد كان المتظلمون، من مدة، حضروا شاكين لأمره، وطالع المملوك مولانا بحاله، وكان مولانا في بعض متوجهاته الميمونة. فورد الجواب، بأن مولانا ينظر في ذلك. وقد كثر القول. والمملوك يستأذن على ما يفعله في أمره، من صرفٍ أو إبقاء.\rالمملوك يخدم، وينهي أن النائب في الحكم بالمحلة قد ظهر من أحواله، وتحايفه على من يحقد عليه، ويقصد مضادته لما في نفسه - ما يقتضى كف يده وهو يستند إلى متولي الحرب بالمحلة، ويعول على ثنائه عليه وميله إليه - على ما ذكر للمملوك. وهو يستأذن على أمره.\rالمملوك يسأل الإجراء - على عادة الفضل والكرم - في أنه، إن حسن التشريف عن هذين الفضلين بالجواب، أن يكون تشريف الخط الكريم - لا زال عالياً - ليكون سبباً لستر القضية، إلى أن يعتمد فيها ما يرسم من توقفٍ أو إمضاء والله تعالى يمن على المملوك بدوام جميل آراء مولانا وعضده له، وتقوية يده في نيابته عن مولانا فيما فوضه إليه.\rالمملوك ينهى أن من اعتمد في أمره من الشهود والنواب - الأمر الذي أرشد مولانا المملوك فيه إلى الصواب - لكلٍ منهم جهة ربما شق عليها ما جرى، وصحل منها في حق المملوك ما يقضي بتغيير خاطر وتقسيم فكر. والله ما يبالي المملوك - بعد رضي الله تعالى - إلا برضي مولانا بمن أحب أو أبغض، أو أعان أو تعصب.\rولو كان كلّ الناس عنى بجانب ... لما ضرني، إذ كنت منك بجانب\rالمملوك ينهي أن مولانا، لما شرف المملوك في الخدمة، كان في التقليد أنه لا يستنيب إلا من كان على مذهب الإمام الشافعي - قدس الله روحه. ولما كان بعد ذلك، ورد مكتوبٌ من مولانا في زمن إقامة ركابه بالمنصورة، يتضمن أن أمر الإستنابة إلى المملوك. وفي النواب اليوم شخصان على مذهب مالك - رحمه الله تعالى. فيحيط العلوم أنه ما خالف إلا بعد ما ورد ما ذكره. وكان ممن تقدم المملوك في الحكم من استناب الشافعية والحنفية والمالكية بمصر نفسها، وبالأعمال. أنهى ذلك، والرأي أعلى في التشريف بالجواب - إن شاء الله رب العالمين.\rفأجابه على ظهر كتابه - بخطه - ما مثاله: اخترتك دون غيرك، لبراءة ذمتنا وذمتك. افعل ما يخلصك عند الله، من خيرٍ معنا تفعله، ومع نفسك - إن شاء الله تعالى وختمه. وكتب على الختم القاضي شرف الدين قاضي القضاة.\rوأضاف السلطان إليه الحكم في الينبع، في بعض شهور سنة ست وعشرين وستمائة، فاستناب فيه. ثم أضاف إليه الحكم بغزة والخليل الأردن وطبرية وبانياس، في سنة إحدى وثلاثين، فاستناب عنه فيها نوابا. ثم تقدم إليه أن يستنيب عنه خطيبا وحاكما بثغر دمياط، في شعبان سنة أربع وثلاثين وستمائة، فاستناب في ذلك.\rوكتب إلى السلطان - قبل أن يستنيب - يستأذنه في النيابة، ويستوضح عن أمر البلاد الشامية، فأجابه: ورد كتاب الحضرة - أعاد الله علينا من بركاتها، ونفعنا بمتقبل دعواتها، وأسعد آراءها، ووفق قصودها وأنحاءها، ولا زالت تصرفاتها في الشريعة أبداً ميمونة، وأحكامها بإصابة الحق مقرونة - وفضضنا ختمها ووقفنا عليها، وأحاط علمنا بما اشتملت عليه، وما أومأت الحضرة إليه وشكرنا اجتهادها المفوف البرود، وتحرزها في الأمور الشرعية الجليلة العقود. وأتينا على ديانتها التي رقتها عندنا إلى المقام المحمود.\rفأما إشارتها إلى أنها تستنيب في غزة وما معها، عنا أو عن نفسها، فنحن أضفنا ذلك إليها، وهي تستنيب عن نفسها من يكون أهلاً لذلك. وأما استفهامها أن المواضع المذكورة: هل لها جامكيات مقررة أم لا ؟ نعم لها جامكيات مقررة، والديوان شاهدٌ بها. وأما استيضاحها: هل لهذه المواضع أصلٌ، حتى يقال: الموضع الفلاني وعمله، فيولي فيه شخصاً واحداً، أو كل موضع، وإن قل، مفتقرٌ إلى نائبٍ مفرد - فلتعلم الحضرة أن مرادنا أن نستنيب شخصين: أحدهما لغزة وطبرية والأردن وجبل الخليل، والآخر لبانياس وعملها.","part":8,"page":116},{"id":3627,"text":"ثم ذكر غير ذلك في جوابه، وقال: وكتب لسبعٍ خلون من شوال سنة إحدى وثلاثين وستمائة، بمنزلةٍ تقابل البيرة بشاطئ الفرات، من بر الشام المحروس - شفاهاً.\rوكتب إلى السلطان أيضاً يستأذنه في صرف بعض النواب، فأجابه: وردت مكاتبة الحضرة - أيدها الله بتوفيقه في جميع حالاتها، ولا أخلى من صالح دعواتها في شريف أوقاتها، وأجراها من السداد والتحرز على مختار دعواتها في شريف أوقاتها، وأجراها من السداد والتحرز على مختار عاداتها - ووقفنا عليها جميعاً، وأحاطت علومنا بما أشارت إليه، وما نبهت فيها عليه.\rفأما إشاراتها إلى صرف قاضي الفيوم والاستبدال به بخطيب البلد وصرف قاضي قوص، وتعريضها بأنها لا يجوز لها إعادته. وعزمها على صرف قاضي إخميم، وما عرضت به من انتمائه إلى كريم الدين الخلاطي. وإصرارها على صرف قاضي منية زفتي، وتصريحها بأنه ذاكرٌ أنا نعرفه، وقد خلعنا عليه - فجوابنا عن جميع ذلك: أنا قلدناها هذا الأمر العظيم، وذممناها هذا الخطب الجسيم، ونهجنا بها السلوك في طريقه المستقيم، وفوضنا ذلك إليها، وجعلنا أزمة نقضه وإبرامه بيديها، وصيرنا ركائب آمال طالبي التولية مناخةً لديها - نرجو بذلك براءة الذمة عند الله تعالى، وأن لا تقوم الحجة علينا ولا عليها.\rفمن استصلحته ورضيته من النواب، فلتقره على حاله. ومن ظهر لها اعوجاجه وسخطته، فلتصرفه، ولا تعرج على أساطير أقواله. فالإرهابات والتمويهات لا مدخل لها في أمور الدين، والشرع الشريف منزهٌ عن شفاعة الشافعين. فلتعلم الحضرة ذلك، ولتواصل بالمتجددات، موفقةً في ذلك - إن شاء الله تعالى. سطرت لأحدى عشرة ليلةً بقيت من ذي الحجة، سنة إحدى وثلاثين وستمائة، بظاهر السويدا - مشافهةً.\rهذا كان الرسم في المكاتبات والأجوبة. وفيه دليلٌ على أن قاضي القضاة بالديار المصرية، في ذلك الوقت، كان لا يستقل بعزل نائب من نوابه بالأعمال - وإن صغرت جهة ولايته - إلا بعد مراجعة السلطان، واستئذانه. وما زال الأمر جارياً على ذلك، إلى أن ملك السلطان الملك الصالح نجم الدين، فغلظ حجابه، وتعذر خطابه وجوابه، وتعاظم أن يشاور في الجزئيات، وأن يشافه إلا في الأمور المعضلات. فاستقل حينئذٍ القضاة وغيرهم، واستبدوا بالولايات والعزل.\rولنرجع إلى أحوال قاضي القضاة: شرف الدين، وسيرته.\rوكان - رحمه الله تعالى - جواداً كريماً، زاهداً لا يدخر شيئاً: ولا يملك إلا سجادةً خضراء من الصوف، وسجادةً من أدمٍ ومشطا وسبحه، ومقراضاً، وعوداً من أراك. وليس له إلا بدلةٌ واحدة، فإذا تغيرت، غسلت له ليلاً. وبغلة واحدة. فإذا كان زمن الربيع، استأجر بغلةً في كل يوم بثلاثة دراهم، ويقوم بعلفها من عنده. ما ملك عقارا، ولا وجبت عليه زكاةٌ في عمره.\rوكان مضبوط المجلس، لا يسار أحداً في مجلسه ولا يضحك فيه. وكان كثير العبادة، يسرد الصوم، ولا يفطر إلا الأيام التي لا يجوز صومها، كثير التلاوة للقرآن، والذكر والأدعية. وكان. لا يكلف أحدا قضاء حاجة، إلا ويعطيه فوق أجرته. حتى كان يدفع ملء إبريقٍ ماءً حاراً في الشتاء من الحمام، عند كل صلاة، نصف درهم للحمامي، وربع درهم لحامل ذلك إليه. وكان يدفع لباري أقلامه أجرة، من درهمين إلى ثلاثة.\rوكان له شعرٌ حسن، قد وقفت منه على قصائد، يمدح بها السلطان الملك الكامل - تركنا إيرادها إختصاراً. فمن شعره، بديهةً:\rوليت القضاء، وليت القضا ... ء لم يك شيئاً تولّيته\rوقد قادني للقضاء القضا ... وما كنت قدماً تمنّيته\rوكان حسن النثر. وكانت علامته: الحمد لله متولي السرائر. ويكتب تحت خط الشهود: أقام شهادته عندي بذلك، وشخص المذكور. والله على كل شيء شهيدٌ. وأخباره - رحمه الله تعالى - وأوصافه الحسنة كثيرة، وقد أتينا منها بما فيه الكفاية.\rولما مات قاضي القضاة شرف الدين في التاريخ المذكور، خرج الأمر السلطاني بالإذن للعقاد والنواب عنه بالقاهرة - في يوم الأحد الثاني والعشرين من ذي القعدة من السنة - بالإستمرار، إلى أن يقع الإختيار على قاضٍ، ولم يؤذن لنائبه: القاضي محيي الدين عثمان بن يوسف القليوبي - بشيء - وهو الذي كان خليفة القاضي شرف الدين بن عين الدولة في الحكم - إلى أن مات. واستمر ذلك إلى يوم الأربعاء، الخامس والعشرين من الشهر.","part":8,"page":117},{"id":3628,"text":"ففوض السلطان قضاء القاهرة والوجه البحري لقاضي القضاة: بدر الدين السنجاري - وصرف عن الحكم بمصر والوجه القبلي. وكان قد استناب بمصر ابن عمه: القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم ابن خلكان، وفوض إليه عقود الأنكحة وقضاء الجيزة، واستناب شمس الدين عنه في قضاء الجيزة أخاه: بهاء الدين محمد بن محمد. فلما ولي القاضي بدر الدين القاهرة، استناب القاضي شمس الدين - المذكور - بها. فجلس في يوم الخميس - السادس والشعرين من ذي القعدة - بجامع الأزهر، وأمر الشهود بالانتقال إلى حرم الجامع. ثم شرك بينه وبين القاضي محيي الدين، في النيابة بالقاهرة. وولي قضاء مصر الشيخ عز الدين بن عبد السلام.\rشيخ الإسلام عبد العزيز في مصر\rوما اتفق له بعد خروجه من الشام إلى أن وصل، وتفويض القضاء بمصر والخطابة بها - وغير ذلك - إليه، وما فعله وعزله نفسه كان وصوله إلى الديار المصرية في سنة تسع وثلاثين وستمائة.\rوذلك أنه لما وقع له مع الملك الصالح إسماعيل بدمشق ما وقع، وعزله وألزمه داره - كما تقدم - فارق دمشق، وقصد البيت المقدس.\rفوافاه الملك الناصر داود صاحب الكرك بالغور، فأكرمه ونقله إلى الكرك. وقال له: تقيم عندي بهذا الحصن وأنا لا أخرج عن أمرك. فأقام عنده مدة يسيرة. ثم استأذنه في الخروج، فسأله عن موجب خروجه وكراهة مقامه. فقيل إنه قال له: هذا بلدٌ صغير، وأنا أحب الانتقال إلى بلدٍ أنشر به ما عندي من العلم.\rفأذن له، وتوجه الشيخ إلى القدس، وأقام به. فجاء الملك الصالح إسماعيل بعساكره إلى القدس - وصحبته الفرنج - فأرسل إلى الشيخ بعض خواصه بمنديله، وقال له: ادفع إليه منديلي وتلطف به واستنزله، وعده بعوده إلى مناصبه. فإن أجاب، فائتني به. وإن خاشنك فاعتقله في خيمةٍ إلى جانبي خيمتي.\rفأتاه الرسول ولاطفه، ثم قال له: بينك وبين أن تعود إلى مناصبك، وتعود إلى ما كنت عليه وزيادة، أن تقبل يد السلطان. فقال له: والله ما أراضه أن يقبل يدي، فضلاً أن أقبل يده !! فقال: إنه قد رسم أن أعتقلك إذا لم توافق. فقال افعلوا ما بدالكم ! فاعتقله في خيمةٍ إلى جانب خيمة السلطان.\rوكان يقرأ القرآن والسلطان يسمعه. فقال يوماً لملوك الفرنج: تسمعون هذا الذي يقرأ ؟ قالوا نعم: قال هذا أكبر قسوس المسلمين، وقد حبسته لإنكاره على تسليمي لكم حصون المسلمين، وعزلته من الخطابة بدمشق وعن مناصبه، ثم أخرجته عن دمشق فجاء إلى القدس. وقد جددت اعتقاله لأجلكم. فقالوا له: لو كان هذا قسيسنا، لغسلنا رجليه، وشربنا مرقتها ! ثم فارق الصالح القدس.\rوقدم الشيخ إلى الديار المصرية. فأقبل عليه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأكرمه، وفوض إليه الخطابة والإمامة بجامع عمرو بن العاص بمصر، في يوم الجمعة العاشر من شهر ربيع الآخر، سنة تسع وثلاثين وستمائة، عوضاً عن أبي المجد الإخميمي - وكان أبو المجد قد ولي الخطابة بعد وفاة أبي طاهر المحلى، وكان ينوب عنه في حال حياته. وخطب الشيخ عز الدين في هذا اليوم. وأذن الأذان الثاني على الدكة يومئذ، مؤذنٌ واحد - خلاف العادة.\rثم فوض إليه القضاء بمصر والوجه القبلي - في يوخم الثلاثاء التاسع من ذي الحجة، من السنة - بعد انتقال قاضي القضاة بدر الدين السنجاري منها إلى القاهرة والوجه البحري. وشغرت مصر عن حاكم، فيما بين نقل القاضي بدر الدين وتولية الشيخ، أربعة عشر يوماً ووليها الشيخ، أربعة عشر يوماً ووليها الشيخ مضافةً إلى الخطابة.\rوجلس في هذا اليوم، وحكم بين الناس. واستناب الشيخ عنه، في الحكم، القاضي صدر الدين موهوب: قاضي جزيرة ابن عمر. وفي يوم جلوس الشيخ للحكم، أسقط عدلين من العدول المتقدمة.\rوسبب ذلك أنه وجد مسطوراً، فيه شهادتهما، وهو غير مؤرخ، وفي خط كل منهما: كتبه فلان في تاريخه. وسأل أحدهما عن فرائض الصلاة، فلم يجبه جوابا مرضياً. ثم أسقط، بعد ذلك بأيام، القاضي فخر الدين بن قاضي القضاة عماد الدين بن السكري - مدرس منازل العز - لأنه وجد شرط الواقف بالمدرسة أن يكون المدرس بها عارفا بالأصولين، وهو عارٍ عن معرفتهما. فأسقطه لذلك.","part":8,"page":118},{"id":3629,"text":"وأسقط أيضاً جماعةً من عدول القاضي شرف الدين بن عين الدولة. ثم أسقط ولده محيي الدين أبا لاصلاح. وطلبه فخرج مستخفيا إلى ثغر الإسكندرية. واستند في إسقاط كلٍ منهم إلى موجب ظاهر. ثم عزل نفسه. فتلطف السلطان في إعادته، فعاد.\rثم أسقط الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ: وزير السلطان الملك الصالح ونائبه، ومقدم جيوشه. وعزل نفسه عن القضاء ثانياً.\rوسبب ذلك: أن الصاحب معين الدين كان قد بني فراشخاناه على ظهر مسجد، بجوار داره. وكان السلطان قد فوض إلى الشيخ أيضاً النظر في عمارة المساجد، بمصر والقاهرة. فأرسل إليه يأمره بهدم ما استجده على ظهر المسجد وإزالته، وإعادة المسجد إلى ما كان عليه. فلم يجب إلى ذلك. ثم عاوده فلم يفعل.\rفلما طال ذلك على الشيخ، أمر الفقهاء طلبته أن يأتوه في غدٍ - ومع كل واحد منهم معول - ففعلوا ذلك. فلما رآهم العوام اجتمع منهم خلقٌ كثير بالمساحي. وركب الشيخ إلى دار الصاحب معين الدين، وهو في خدمة السلطان، وأمر بإخراج ما في ذلك المكان، فأخرج، ثم أمر بهدمه فهدم.\rفتألم الصاحب معين الدين لذلك، ولم يمكنه أن يحدث فيه شيئاً. فلما كان بعد مدة يسيرة، جلس الشيخ بجامع مصر لتعديل من شهد بعدالته، منهم: فخر الدين محمد بن الصاحب هباء الدين علي بن محمد. واجتمع لذلك جمعٌ كثير من العلماء والفقهاء والأكابر والقراء - وكانت العادة كذلك في إنشاء العدالة. فاتصل الخبر بالصاحب معين الدين، فأمر والي مصر أن يدخل إلى المجلس، ويفرق ذلك الجمع، ويقول للشيخ عز الدين: يقول لك الصاحب: بلد السلطان لا يجتمع فيه الجموع. ففعل الوالي ذلك.\rفصرخ الشيخ في المجلس بإسقاط عدالة الصاحب معين الدين ! ثم عزل نفسه عقيب ذلك. وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات. ولما اتصل خبر هذا الإسقاط بالسلطان، منع الصاحب معين الدين من الدخول إليه ثلاثة أيام، حتى لفق صيغةً شهدت أن الشيخ إنما أسقطه بعد أن عزل نفسه، وأن إسقاطه لم يصادف محلاً، وأنه باقٍ على عدالته.\rوأثر هذا الإسقاط في الصاحب معين الدين أثراً مولما. وهو أنه حكى أن السلطان أرسل رسولاً إلى الديوان العزيز ببغداد، وكان المشافه للرسول عن السلطان الصاحب معين الدين. فلما أبلغ الرسالة قال له الوزير: أيوب شافهك بهذه الرسالة ؟ قال: لا، إنما شافهني بها عنه الصاحب معين الدين. فقال له الوزير: معين الدين أسقط الشيخ عز الدين عدالته، فلا يرجع إلى مشافهته.\rولما عزل الشيخ نفسه، أراده السلطان على العود إلى القضاء، فامتنع من ذلك. ففوض السلطان الملك الصالح القضاء بعده، بمصر والوجه القبلي، إلى نائبه: القاضي صدر الدين ابي منصور موهوب، بن عمر بن موهوب، بن إبراهيم، الجزري الشافعي - وذلك في سنة أربعين وستمائة. فأعاد بعض من أسقطهم الشيخ عز الدين إلى العدالة. ولم تطل ولايته، فإنه استمر في القضاء نحو سنة. وعزل، ولم يل القضاء بعدها.\rوفي سنة تسع وثلاثين وستمائة - أيضاً - توجه السلطان الملك المنصور - صاحب حمص - وعسكر حلب، إلى حران، والتقوا مع الخوارزميه، ومزقوهم كل ممزق، فكسروا الخوارزمية.\rواستهلت سنة أربعين وستمائة:\rفي هذه السنة، عزم السلطان الملك الصالح نجم الدين على التوجه إلى الشام، فبلغه أن العساكر مختلفة، والبلاد مختلة، فأقام.\rوفيها كانت وقعةٌ عظيمة بين عسكر حلب والخوارزمية. وكان الملك المظفر شهاب الدين غازي - صاحب ميافارقين - مع الخوارزمية، وكانوا قد حلفوا له وحلف لهم. وأخربوا بلاد الموصل وماردين، فاضطر صاحب ماردين إلى موافقتهم. وجمع غازي الخانات الخوارزميه، وأشار عليهم بقصد بلاد الموصل فقالوا: لا بد من لقاء العسكر الحلبي، فألجأته الضرورة إلى موافقتهم.\rوركبوا في ثامن عشرين المحرم، من جبل ماردين إلى الخابور، وساقوا إلى المجدل. ووقف الخانات ميمنةً وميسرة، ووقف الملك المظفر غازي في القلب، والتقوا. فصدمهم العسكر الحلبي صدمة رجل واحد.","part":8,"page":119},{"id":3630,"text":"فانهزموا لا يلوون على شيء، ومعهم الحلبيون يقتلون ويأسرون. وأخذوا أثقال غازي وأغنام التركمان، وخيلهم ونساءهم، وكانوا خلقاً كثيراً. فبيع الفرس بخمسة دراهم، ورأس الغنم بدرهم. ونهبت نصيبين، وسبي نساؤها - وكانت قد نهبت مراراً في سنة تسع وثلاثين - يقال نهبت سبع شعرة مرة، من المواصلة والخوارزمية وعسكر ميافارقين وماردين - وعاد الملك المظفر غازي إلى ميافارقين.\rوتفرقت الخوارزمية، ثم اجتمعوا على نصيبين. ثم رحلوا فنزلوا رأس عين، فقتلوا أهلها، ونهبوا الأموال وسبوا النساء. وفعلوا بالخابور كذلك، ونهبوا أغنام التركمان.\rوفيها وصل إلى الملك المظفر - شهاب الدين غازي - منشورٌ بخلاط وأعمالها، مع شمس الدين النائب بالروم، فتسلمها وما فيها.\rوفيها توفيت ضيفة خاتون، ابنة الملك العادل: سيف الدين أبي بكر ابن أيوب.\rوهي والدة الملك العزيز: بن الملك الظاهر صاحب حلب - والد الملك الناصر. وكانت هي التي دبرت الدولة، وحفظ الملك بسببها على ابنها وابنه، بعد وفاة الملك الظاهر. ولما توفيت، قام بتدبير الدولة الحلبية الأمير الأتابك: شمس الدين لؤلؤ، أتابك الملك الناصر صاحب حلب.\rذكر الإتفاق والاختلاف بين الملكين الصالحين: نجم الدين أيوب صاحب مصر، وعماد الدين إسماعيل صاحب دمشق\rفي هذه السنة ترددت الرسل بين الملكين الصالحين: نجم الدين أيوب صاحب الديار المصرية، وعمه عماد الدين إسماعيل صاحب الشام، وتوجه شرف الدين بن التيني والأصيل الإسعردي الخطيب، إلى دمشق. فأطلق الملك الصالح إسماعيل الملك المغيث جلال الدين - ولد السلطان الملك الصالح نجم الدين - من الاعتقال. وركب وخطب لابن أخيه الملك الصالح أيوب بدمشق. ورضي الملك الصالح أيوب بإقرار دمشق بيد عمه الصالح إسماعيل، بعد أن يسلم إليه ولده.\rوحصل الاتفاق على ذلك، ولم يبق إلا أن يتوجه الملك المغيث إلى أبيه. فصرف أمين الدولة السامري - وزير الملك الصالح إسماعيل - رأيه عن ذلك وقال: هذا خاتم سليمان، لا تخرجه من يدك يعدم الملك. فتوقف، ولم ينتظم الحال. وقطع خطبة ابن أخيه، وأعاد الملك المغيث إلى الاعتقال بالبرج، واستمر به إلى أن مات. وكان وفاته يوم الجمعة ثاني عشر شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين وأربعين وستمائة. وحمل إلى تربة جده الملك الكامل فدفن بها. وكان عاقلاً، ما حفظت عنه كلمة فحش - رحمه الله تعالى.\rولما رجع الصالح إسماعيل عن الصلح، كتب الملك الصالح أيوب إلى الخوارزميه في الحضور إلى الشام. فعبروا إلى الفرات وانقسموا قسمين: قسم جاءوا على البقاع البعلبكي، وقسم على غوطة دمشق. ونهبوا وسبوا وقتلوا. وسد الصالح إسماعيل أبواب دمشق. وتوجه الخوارزميه إلى غزة. وكان من خبرهم ما نذكره - إن شاء الله تعالى.\rوفيها عزل قاضي القضاة: صدر الدين موهوب الجزري عن القضاء بمصر والوجه القبلي، وفوض السلطان الملك الصالح ذلك إلى القاضي: أفضل الدين أبي عبد الله، محمد بن نامادر، بن عبد الملك، بن زنجلين، الخونجي، وكانت ولايته في يوم عيد النحر من هذه السنة. واستمر في القضاء إلى أن مات.\rوفيها في يوم الجمعة بعد الصلاة، ثاني العيد الأضحى، أمر الملك الصالح إسماعيل بالقبض على أعوان القاضي رفيع الدين الجيلي - وكانوا ظلمة آذوا الناس. وكان كبيرهم الموفق حسين بن عمر بن عبد الجبار - المعروف بابن الواسطي. ثم قبض على القاضي الرفيع بعد أيام. وأمر بمصادرتهم فصودروا، وعوقبوا وعذبوا بأنواع العذاب - وكانوا لذلك أهلا. ثم قتل الرفيع في سنة اثنتين وأربعين وستمائة، ببعلبك: جهزه أمين الدولة السامري إليها، فقتل هناك.\rوكان القاضي الرفيع هذا قد صادر أهل دمشق، وفعل ما لا يفعله ظلمة الولاة. وكتب إلى السلطان يقول: إنني قد حملت إلى خزانتك ألف ألف دينار، من أموال الناس. فقال السامري: ولا ألف ألف درهم. وكان السامري قد تمكن من الملك الصالح تمكناً عظيماً، لا يخالفه في شيء ألبته. فقال الملك الصالح: أنا أحاققه، فإنه قد أكل الأموال، وأقام علينا الشناعة، والمصلحة تقتضي عزله ومؤاخذته، ليعلم الناس أنك لم تأمره بأذاهم. فعزله عن القضاء. ثم تسبب في قتله.","part":8,"page":120},{"id":3631,"text":"ولما عزل، فوض القضاء بعده لقاضي القضاة محيي الدين يحيى، بن قاضي القضاه محيي الدين محمد، بن علي بن يحيى، القرشي. وقريء تقليده بالجامع بدمشق، في خامس عشرين ذي الحجة. وحكم بإسقاط عدالة أصحاب الرفيع، وهم: المعز بن القطان، والزين الحموي، والجمال بن سيده، والموفق الواسطي، وسالم المقدسي، وابنه محمد - لما فعلوه بالمسلمين من أنواع الأذى، وقطع المصانعات.\rواستهلت سنة اثنتين وستمائة:\rذكر الواقعة الكائنة بين عسكر مصر - ومن معه من الخوارزمية - وبين عسكر الشام - ومن شايعهم من الفرنج، وانهزام الفرنج وعسكر الشام، على غزه\rقد ذكرنا وصول الخوارزمية إلى الشامِ، ونزولهم على غزه.\rولما استقروا بها، أرسل إليهم السلطان الملك الصالح النفقات والخلع والكساوى، وطائفةً من العسكر المصري. فاتفق الملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق، والملك المنصور صاحب حمص، والملك الناصر داود صاحب الكرك، وراسلوا الفرنج. وكان الصالح إسماعيل قد سلم إليهم من الحصون ما تقدم ذكره. ووعدهم الآن أنه متى ملك الديار المصرية، أعطاهم الأعمال الساحلية بأسرها. واستقر ذلك بينهم وبين الملوك الثلاثة المذكورين.\rوخرج الملك المنصور - صاحب حمص - بعسكره وعساكر دمشق. وأقام الصالح بدمشق. وجهز الملك الناصر داود عسكره من نابلس - صحبة الظهير سنقر الحلبي والوزيري، وأقام هو بالكرك. واجتمعت هذه العساكر، وعساكر الفرنج: الديوية والإسبتار والكنود، على يافا. والعسكر المصري والخوارزمية على غزه.\rقال أبو المظفر: وساق صاحب حمص وعسكر دمشق، تحت أغلام الفرنج - وعلى رؤوسهم الصلبان، والأقساء في الأطلاب يصلبون على المسلمين ويقسسون عليهم، وبأيديهم كؤوس الخمر والهنابات يسقونهم. وساق العسكر المصري والخوارزمية. والتقوا بمكانٍ يقال له أربيا - بين غزة وعسقلان.\rوكان الفرنج في الميمنة، وعسكر الناصر داود في الميسرة، وصاحب حمص في القلب. وكان يوماً عظيماً، لم يجر في الإسلام بالشام مثله، واقتتلوا. فانكسرت الميسرة، وهرب الوزيري، وأسر الظهير سنقر الحلبي وجرح في عينه. ثم انهزم صاحب حمص. وكان العسكر المصري قد انهزم، ووصل إلى قرب العريش. وثبت الخوارزمية والفرنج، واقتتلوا، فمالت الخوارزمية عليهم بالسيوف، يقتلونهم كيف شاؤوا.\rقال أبو المظفر: وكنت يوم ذاك بالقدس، فتوجهت في اليوم الثاني من الكسرة إلى غزة، فوجدت الناس يعدون القتلى بالقصب، فقالوا: إنهم يزيدون على ثلاثين ألفا.\rوبعث الخوارزمية بالأسارى والرؤوس إلى الديار المصرية. وفي جملة الأسرى الظهير سنقر وجماعةٌ من المسلمين. وكان يوم وصولهم إلى القاهرة يوماً مشهودا. وعلقت رؤوس القتلى على الأسوار، وامتلأت الحبوس بالأسرى. ووصل صاحب حمص إلى دمشق في نفر يسير، ونهبت خزانته وخيله وسلاحه، وقتل أكثر أصحابه. فكان يقول: والله لقد علمت، حيث سقنا تحت أعلام الفرنج - أننا لا نفلح ! وفي هذه السنة، توفي شيخ الشيوخ: تاج الدين أبو محمد عبد الله بن عمر بن علي بن محمد بن حمويه، بن محمد بن محمد بن أبي نصر بن أحمد، بن حمويه بن علي. وكانت وفاته بدمشق، في سادس صفر. وصلى عليه بجامعها، ودفن بمقابر الصوفية. ومولده يوم الأحد، رابع عشر شوال، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة.\rوهو عم الأمراء: فخر الدين، وعماد الدين، ومعين الدين، وكمال الدين: أولاد صدر اليدين شيخ الشيوخ. وكان شيخاً حسناً متواضعاً، عالماً فاضلاً، نزهاً عفيفاً أديباً، صحيح الاعتقاد، شريف النفس علي الهمة، قليل الطمع، لا يلتفت إلى أحدٍ من أبناء الدنيا، لا إلى أهله ولا إلى غيرهم، بسبب دنياهم. وصنف التاريخ وغيره - رحمه الله تعالى.\rوفيها توفي الأمير عمر: بن الملك المظفر شهاب الدين غازي، بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب. وكان يلقب: بالملك السعيد. وكان شاباً حسن الأخلاق، جميل الصورة، جواداً شجاعاً.\rوكان التتار قد استولوا على ديار بكر، وأخذوا خلاط. فخرج الملك المظفر غازي من ميافارقين، ليستنجد عليهم الخليفة والملوك. وخرج معه ولده عمر هذا، وأمير حسن بن تاج الملوك أخي غازي. فوصلوا إلى الهرماس، لوداع الملك المظفر: فقال المظفر لولده عمر: المصلحة تقتضي أن ترجع إلى ميافارقين، وتحفظ المسلمين من التتار، وأنا أتوجه إلى بغداد وإلى مصر أستنجد الملوك.","part":8,"page":121},{"id":3632,"text":"فقال: والله لا أفارقك. وجاء حسن بن تاج الملوك وجلس إلى جنبه، وأخرج سكيناً وضرب عمر في خاصرته. وهرب ليرمي نفسه في ماء العين فيغرق. فصاح الملك المظفر: امسكوه، فقد قتل عمر ولدي ! وقام غازي ليقتله، فقصد حسن الملك المظفر ليقتله. فرمى عمر نفسه على أبيه، وقال لحسن: يا عدو الله، قتلتني وتقتل والدي ! فضربه حسن بالسيف، فقطع خاصرته فسقط إلى الأرض. وأمر غازي بحسن فقط قطعا، وحمل عمر إلى الحصن فدفن به - رحمه الله.\rذكر وفاة الملك المظفر تقي الدين محمود صاحب حماه وملك ولده المنصور\rوفي هذه السنة، في يوم السبت ثامن جمادى الأولى، توفي الملك المظفر تقي الدين محمود، بن الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالي محمد، بن الملك المظفر تقي الدين عمر، بن الأمير نور الدولة شاهنشاه بن أيوب - صاحب حماه.\rومولده في يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان، سنة تسع وتسعين وخمسمائة. وملك حماه في سنة ست وعشرين وستمائة، كما تقدم. ولما مات ملك بعده ولده الملك المنصور: ناصر الدين محمد.\rوفيها كانت وفاة السلطان نور الدين أرسلان شاه، بن عماد الدين زنكي، بن نور الدين أرسلان شاه، بن عز الدين مسعود، بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي، بن قسيم الدولة: آقسنقر. كان والده - رحمه الله تعالى - لما ملك شهرزور، وحضرته الوفاة - أخذ العهود على الأمراء والأجناد والأعيان، فاستقر بها. وقاتل التتار مرارا عديدة. ثم مات - رحمه الله تعالى. وكانت وفاته في يوم الأحد، رابع عشر شعبان.\rوفيها في يوم الأربعاء، العشرين من ذي القعدة، كانت وفاة الشيخ شهاب الدين أبو طالب: محمد بن أبي الحسن بن علي، بن علي بن الفضل ابن التامغاز، المعروف بابن الخيمي. كان إماماً في اللغة، راويةً للشعر والأدب. وكان مولده في الثامن والعشرين من شوال، سنة تسع وأربعين وخمسمائة، بالحلة المزيدية. وله نظم حسن: رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة ثلاث وأربعين وستمائة:\rذكر استيلاء الملك الصالح نجم الدين أيوب على دمشق، وأخذها من عمه الملك الصالح إسماعيل. وعود الصالح إسماعيل على بعلبك وما معها\rلما اتفقت الوقعة - التي ذكرناها - بين عساكر السلطان الملك الصالح نجم الدين ومن انضم إليها من الخوارزمية، وبين عسكر الملك الصالح إسماعيل والفرنج وحصلت المكاشفة - جهز الملك الصالح نجم الدين جيشاً كثيفاً إلى دمشق، في سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وقدم عليه الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ. وأقامه مقام نفسه، وأمره أن يجلس في رأس السماط على عادة الملوك، ويقف الطواشي شهاب الدين رشيد - أستاد الدار - في خدمته، وأمير جاندار، والحجاب.\rفسار إلى دمشق، ومعه الخوارزمية، فحاصروها أشد حصار. فلما كان في يوم الإثنين ثامن المحرم - سنة ثلاث وأربعين، بعث الملك الصالح إسماعيل إلى الأمير الصاحب - معين الدين بن الشيخ - سجادةً وإبريقاً وعكازاً، وقال: اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بقتال الملوك! فبعث إليه الصاحب معين الدين جنكاً وزمراً، وغلالة حرير أصفر وأحمر، وقال: أما ما أرسلت به إلي فهو يصلح لي، وقد أرسلت بما يصلح لك ! ثم أصبح معين الدين وركب في العسكر، وزحفوا على دمشق من كل ناحية، ورميت بالمجانيق. وكان يوماً عظيماً.\rوبعث الملك الصالح إسماعيل الزراقين، في يوم الثلاثاء تاسع الشهر، فأحرقوا الجوسق العادلين ومنه إلى زقاق الرمان والعقيبة بأسرها. ونهبت أموال الناس. وفعل فيها كما فعل عند حصار الملك الكامل دمشق، وأشد منه. واستمر الحال على ذلك. ثم خرج الملك المنصور صاحب حمص في شهر ربيع الأول إلى الخوارزمية، واجتمع ببركة خان وعاد إلى دمشق. وجرت وقائع في خلال هذا الحصار.\rثم أرسل السامري وزير الملك الصالح إلى الأمير معين الدين، يطلب منه شيئاً من ملبوسه. فأرسل إليه فرجية وعمامة وقميصاً ومنديلاً، فلبس ذلك وخرج إليه بعد العشاء الآخر، وتحدث معه وعاد إلى دمشق.\rثم خرج إليه مرة أخرى، فوقع الاتفاق على تسليم دمشق - على أن يكون للملك الصالح إسماعيل ما كان له أولاً، وهو بعلبك وأعمالها وبصرى وبلادها، والسواد. وأن يكون للملك المنصور حمص وبلادها، وتدمر والرحبة.","part":8,"page":122},{"id":3633,"text":"فأجاب الأمير معين الدين إلى ذلك، وتسلم دمشق. ودخلها في يوم الإثنين - العاشر من جمادى الأولى، سنة ثلاث وأربعين وستمائة. وتوجه الملك الصالح إلى بعلبك. وصاحب حمص إلى بلده.\rونزل الأمير الصاحب معين الدين - بدار أسامة، والطواشي شهاب الدين رشيد بالقلعة. وولي الأمير معين الدين بن الشيخ الجمال هارون المدينة. وعزل قاضي القضاة محيي الدين، وفوض القضاء لقاضي القضاة: صدر الدين بن سني الدولة. ووصل الأمير سيف الدين بن قليج من عجلون، منفصلاً من خدمة الملك الناصر داود، وأوصى بعجلون وما له بها من الأموال للملك الصالح، ونزل بدمشق بدار فلوس.\rوجهز الأمير - معين الدين بن الشيخ - الأمير ناصر الدين بن يغمور إلى الديار المصرية - وكان الملك الصالح إسماعيل قد اعتقله بقلعة دمشق، في سنة إحدى وأربعين وستمائة، لموافقته الملك الجواد، فاستمر في الاعتقال إلى الآن - فجهزه، وجهز أيضاً أمين الدولة السامري إلى الديار المصرية، تحت الاحتياط. فاعتقلا مدة، ثم شنقهما الملك الصالح نجم الدين على قلعة الجبل.\rوكان أمين الدولة يطب في ابتداء أمره. ثم تمكن من الملك الصالح إسماعيل، ووزر له. وارتفع محله عنده، بحيث إنه ما كان يخرج عن إشارته. وكان يتستر بالإسلام ولا يتمسك بدين. وقيل إنه مات في سنة ثمان وأربعين وستمائة.\rقال أبو المظفر: وظهر له من الأموال والجواهر واليواقيت، والتحف والذخائر ما لا يوجد في خزائن الخلفاء والسلاطين. وأقاموا ينقلونه مدة. قال: وبلغني أن قيمة ما ظهر له ثلاثة آلاف ألف دينار - غير الودائع التي كانت له عند ثقاته والتجار. ووجد له عشرة آلاف مجلد، من الكتب النفيسة والخطوط المنسوبة.\rوأما الخوارزمية فإنهم ما عملوا بالصلح إلا بعد وقوعه. فرحلوا إلى داريا، فنهبوها. وقيل إن معين الدين منعهم من الدخول إلى دمشق، وأقطعهم أكثر بلاد الشام والسواحل بمناشيره. ودبر الأمر أحسن تدبير.\rقال: ولما بلغ السلطان خروج عمه الملك الصالح إلى بعلبك، كتب بالإنكار على الطواشي شهاب الدين رشيد والأمراء، لكونهم مكنوه من المسير إلى بعلبك. وقال إن الأمير معين الدين حلف، وأنتم ما حلفتم. فلم يفد إنكاره شيئاً، بل أثر ما نذكره - إن شاء الله تعالى.\r؟ذكر وفاة الأمير الصاحب معين الدين\rوفي ليلة الأحد - ثاني عشر شهر رمضان، من السنة - كانت وفاة الأمير الصاحب معين الدين الحسين، بن شيخ الشيوخ صدر الدين محمد، ابن عمر بن حمويه - بدمشق، وهو يومئذ نائب السلطنة بها.\rومات وله ست وخمسون سنة. ودفن إلى جانب أخيه عماد الدين. وكان جواداً كريماً ديناً صالحاً - رحمه الله تعالى. ولما مات، كتب السلطان إلى الطواشي شهاب الدين رشيد أن يتولى نيابة السلطنة، بدمشق.\rذكر محاصرة الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك دمشق، وما حصل بها من الغلاء بسبب الحصار\rقال المؤرخ: لما بلغ الملك الصالح عماد الدين - صاحب بعلبك - إنكار الملك الصالح نجم الدين أيوب - ابن أخيه - على الأمراء، لكونهم مكنوه من التوجه إلى بعلبك - خاف على نفسه، وعلم سوء رأي السلطان فيه، وأنه متى ظفر به لا يبقى عليه، فكاتب الأمير عز الدين أيبك المعظمي صاحب صرخد وأكابر الخوارزمية، واتفقوا ونازلوا دمشق، في ثالث عشرين ذي القعدة، من السنة. وحاصروها، ونهبوا بلادها وغاثوا فيها، وقطعوا الميرة عنها.\rفغلت الأسعار، وعدمت الأقوات. وبلغ سعر القمح - عن كل غرارة - ألف درهم وثمانمائة درهم ناصرية. فمات أكثر أهل البلد جوعاً واستمر ذلك مدة ثلاثة شهور.\rوفي هذه السنة، وصل رسول الخليفة المستعصم بالله - وهو الشيخ جمال الدين عبد الرحمن، بن الشيخ محيي الدين يوسف بن الجوزي - إلى السلطان الصالح نجم الدين أيوب، بالخلع والتقليد.\rوكانت خلعة السلطان عمامة سوداء، وفرجية مذهبة، وثوبين مذهبة، وسيفين محلاة، وقلمين، وطوق ذهب، وحصان بسرج ولجام وعدة خلع لأصحاب السلطان. وقرأ الشيخ جمال الدين - رسول الخليفة - التقليد على منبر والسلطان قائم على قدميه، وقد لبس خلعة الخليفة، حتى انتهت قراءة التقليد.","part":8,"page":123},{"id":3634,"text":"وكان من جملة الخلع الواصلة من الخليفة خلعة سوداء للوزير معين الدين - وكان قد توفي - فرسم السلطان أن يلبسها أخاه الأمير فخر الدين بن الشيخ، فلبسها - وكان السلطان قد أفرج عنه من الاعتقال في هذه السنة، بعد أن لاقى شدائد كثيرة - وكان له في الاعتقال ثلاث سنين وفي هذه السنة، بعث الملك الصالح نجم الدين الأمير حسام الدين بن بهرام إلى حصن كيفا، لإحضار ولده الملك المعظم تورانشاه إلى الديار المصرية. وكتب إليه: الولد يقدم خيرة الله، ويصل إلى بالس، ويعدى عندها، فقد اتفقنا مع الحلبيين، وذكروا أنهم يجردون ألف فارس في خدمتك. واعبر ببلد ماردين ليلاً، فما نحن متفقين. فلما قرأ الكتاب كره ذلك، وما كان يؤثر الخروج من الحصن. وقال لابن بهرام: يكون الإنسان مالك رأسه يصبح مملوكاً محكوماً عليه! ولم يجبه.\rولما اتصل خبر طلبه بالملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل أرسل إليه المماليك والخيل والخيام. وكذلك فعل شهاب الدين غازي. قال أبو المظفر: حكى لي الأمير حسام الدين بن أبي علي أن الملك الصالح كان يكره مجيء ابنه المعظم إليه. وكنا إذا قلنا له: أحضره، ينفض يديه ويغضب، ويقول: أجيبه أقتله ؟! وكأن القضاء موكلٌ بالمنطق ! وفيها وصلت الكرجية بنت إيواني ملك الكرج. وهي التي كانت زوجة الملك الأوحد بن الملك العادل، وتزوجها بعده أخوه الملك الأشرف موسى. ثم أخذها جلال الدين خوارزم شاه، عندما استولى على خلاط. فوصلت الآن إلى خلاط، ومعها فرمان القان - ملك التتار - بخلاط وأعمالها.\rفراسلت الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل تقول: أنا كنت زوجة أخيك، والقان قد أقطعني خلاط، فإن تزوجت بي فالبلاد لك. فما أجابها إلى ذلك. فأقامت بخلاط. وكانت غارات عساكرها تصل إلى ميافارقين.\rوفي هذه السنة، توفي فلك الدين المسيري، وزير العادل وابنه الكامل. وكانت وفاته في يوم الجمعة تاسع شهر رجب. وكان عالي المنزلة في الدولة الأيوبية.\rوفيها توفيت ربيعة خاتون بنت أيوب، أخت الملك الناصر والملك العادل، وأخت ست الشام. وكانت وفاتها بدمشق بدار العقيقي - وقد قاربت ثمانين سنة.\rوكانت زوجة سعد الدين مسعود، بن معين الدين أتسز، ثم مات عنها. فزوجها الملك الناصر - أخوها - من مظفر الدين بن زين الدين - صاحب إربل - فأقامت بإربل. ثم قدمت دمشق فأقامت بها، وخدمتها أمة اللطيف العالمة - بنت الناصح بن الحنبلي - وحصل لها من جهتها الأموال الكثيرة.\rفلما ماتت ربيعة خاتون، لقيت أمه اللطيف شدائد كثيرة، وصودرت وطولبت بالأموال، واعتقلت بقلعة دمشق ثلاث سنين. ثم أطلقت من الحبس وتزوجت بالملك الأشرف - ابن صاحب حمص - وتوجه بها إلى الرحبة. فتوفيت في سن ثلاث وخمسين وستمائة. وظهر لها من الأموال والذخائر ما قيمته ستمائة ألف درهم - غير الأملاك والأوقاف.\rوفيها كانت وفاة الشيخ الإمام: تقي الدين أبو عمرو عثمان، بن عبد الرحمن بن عثمان، بن الصلاح - المحدث المفتي المشهور. وكانت وفاته بدمشق في ليلة الأربعاء، الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر. ومولده في سنة سبع وسبعين وخمسمائة، بشهرزور.\rوفيها في ثاني عشر المحرم، توفي بالقاهرة الأمير شجاع الدين بن أبي زكري. كان من أعيان الأمراء.\rوفيها توفي القاضي الأشرف: بهاء الدين أبو العباس أحمد، بن القاضي الفاضل: محيي الدين عبد الرحيم البيساني، في سابع جمادى الآخرة بمصر. ومولده في المحرم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. وكان الملك الكامل قد عرض عليه الوزارة فأباها، وتوفر على الترسلية إلى الديوان العزيز، والمشورة. وكان صالحاً نزهاً عفيفاً، سمع الحديث وأسمعه.\rوفيها كانت وفاة الشيخ الإمام، المقريء المفتي: علم الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد، المصري السخاوي. قرأ القرآن على الشاطبي، وشرح قصيدته. وكانت وفاته بدمشق، في ليلة الأحد ثامن عشر جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون. سمع الحافظ السلفي وأبا القاسم البوصيري، وغيرها.\rواستهلت سنة أربع وأربعين وستمائة:\rوقعة الخوارزمية\rوقتل مقدمهم واستيلاء الملك الصالح على بعلبك وأعمالها، وصرخد وفي سنة أربع وأربعين، كانت الوقعة بين الخوارزمية - ومن انضم إليهم - وبين العساكر الحلبية والشامية والحمصية.","part":8,"page":124},{"id":3635,"text":"وذلك أن السلطان الملك الصالح نجم الدين كان قد استمال الملك المنصور - صاحب حمص - إليه. فوافقه ومال إليه، وانحرف عن الملك الصالح إسماعيل. ثم كتب إلى الحلبيين يقول: إن هؤلاء الخوارزمية قد كثر فسادهم، وأخربوا البلاد، والمصلحة أن نتفق عليهم، فأجابوه.\rوخرج الأتابك شمس الدين لؤلؤ بالعساكر الحلبية. وجمع صاحب حمص أصحابه، ومن إنضم إليه من العربان والتركمان. وخرج إليهم عسكر دمشق. واجتمعت هذه العساكر كلها على حمص.\rواتفق الملك الصالح إسماعيل والخوارزمية، والملك الناصر داود صاحب الكرك، وعز الدين أبيك المعظمي صاحب صرخد، واجتمعوا على مرج الصفر ولم ينزل الملك الناصر من الكرك، بل سير عسكره وأقام.\rوبلغهم أن صاحب حمص يريد قصدهم. فقال بركة خان: إن دمشق لا تفوتنا، المصلحة أن نتوجه إلى هذا الجيش ونبدأ بهم. فساروا والتقوا على بحرة حمص، في يوم الجمعة - سابع أو ثامن المحرم - من هذه السنة. وكانت الدائرة على الخوارزمية. وقتل مقدمهم بركة خان في المعركة. وهرب الملك الصالح إسماعيل، وعز الدين أيبك المعظمي، ومن سلم من العسكر، كلٌ منهم على فرس ونهبت أموالهم. ووصلوا إلى حوران.\rوتوجه صاحب حمص والعسكر الحلبي إلى بعلبك، واستولى على الربض، وسلمه للأمير ناصر الدين القيمري، وجمال الدين هارون. وعاد إلى حمص، وودع الحلبيين. وتوجهوا إلى حلب. وجاء الملك المنصور إلى دمشق، خدمة للملك الصالح، فنزل ببستان أسامة.\rومضت طائفة من الخوارزمية إلى البلقاء، فنزل إليهم الملك الناصر صاحب الكرك وصاهرهم واستخدمهم، وأسكن عيالهم بالصلت. وفعل الأمير عز الدين المعظمي كذلك. وساروا فنزلوا نابلس، واستولوا عليها. وعاثوا في الساحل.\rفندب السلطان الملك الصالح نجم الدين الأمير فخر الدين بن الشيخ بالعساكر إلى الشام. فلما وصل إلى غزة، عاد من كان بنابلس من الخوارزمية إلى الصلت. فتوجه إليهم، وقاتلهم على حسبان وكسرهم، وبدد شملهم. وكان الملك الناصر معهم، فسار إلى الكرك وتحصن بها. وتبعه الخوارزمية، فلم يمكنهم من دخول الكرك. وأحرق ابن الشيخ الصلت. وكان الأمير عز الدين أيبك المعظمي مع الناصر، فعاد إلى صرخد وتحيز بها.\rوكانت كسرة الخوارزمية هذه في سابع عشر شهر ربيع الآخر.\rونزل الأمير فخر الدين بن الشيخ على الكرك، في الوادي. وكتب إلى الملك الناصر يطلب من عنده من الخوارزمية.\rوكان عنده صبي مستحسن من الخوارزمية، إسمه طاش بورك بزخان، فطلبه ابن الشيخ، فقال الناصر: هذا طيب الصوت، وقد أخذته ليقرأ عندي القرآن. فكتب إليه ابن الشيخ كتاباً غليظاً، وذكره غدره بأيمانه وخبثه، وقال: لا بد من الصبي، وأنا أبعث إليك عوضك أعمى يقرأ أطيب منه. فبعثه إليه. وتسلم أعيان الخوارزمية. ورحل عن الكرك. وأحسن الأمير فخر الدين إلى الخورازمية وخلع عليهم. واستصحبهم معه.\rذكر استيلاء جيش السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب على بعلبك، وخروج الملك الصالح إسماعيل عنها\rوفي هذه السنة - أيضاً - توجه الأمير حسام الدين بن أبي علي من دمشق إلى بعلبك، وتسلم قلعتها - باتفاق من الساماني، مملوك الملك الصالح إسماعيل، وكان حاكماً عليها. وبعث أولاد الصالح إسماعيل وعياله إلى مصر وتسلم نواب الملك الصالح نجم الدين بصرى - وكان بها الشهاب غازي والياً، فأعطى حرستا القنطرة وفيها، في شهر ربيع الآخر، توجه الملك الصالح إسماعيل في طائفة من الخوارزمية، هاربين إلى حلب. ولم يبق للصالح إسماعيل بالشام مكانٌ يأوى إليه. فتلقاهم الملك الناصر يوسف - صاحب حلب - وأنزل الصالح إسماعيل في دار جمال الدولة الخادم. وقبض على كشلوخان والخوارزمية، وملأ بهم الحبوس.\rذكر وفاة الملك المنصور صاحب حمص، وقيام ولده الملك الأشرف\rوفي هذه السنة - في العاشر من صفر - وقيل في يوم الأحد حادي عشرة - كانت وفاة الملك المنصور إبراهيم، بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، بن ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شادي، ببستان الملك الأشرف بالنيرب، بظاهر دمشق وكانت مدة ملكه حمص ست سنين، وسبعة أشهر. وكان شجاعاً مقداماً. وملك بعده ولده الملك الأشرف: مظفر الدين موسى.","part":8,"page":125},{"id":3636,"text":"وفيها بعث السلطان الملك الصالح نجم الدين الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح إلى دمشق، وزيراً. وأنعم عليه بإقطاع، وعدة سبعين فارساً، فوصل إلى دمشق وباشر ما رسم له به. ثم كان من أمه وعوده ما نذكره - إن شاء الله تعالى.\rذكر توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى الشام، وما استولى عليه في هذه السفرة، وما قرره، وعوده\rفي هذه السنة، توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية إلى الشام.\rفوصل إلى دمشق في تاسع عشر ذي القعدة، وأحسن إلى أهلها وفرح الناس به وزينت البلد لمقدمه، وكان يوماً مشهوداً. وأقام خمسة عشر يوماً وتوجه إلى بعلبك وكشفها ثم رجع، وتوجه نحو صرخد. وسعى الأمير ناصر الدين القيمري والصاحب جمال الدين بن مطروح، في الصلح بين السلطان والأمير عز الدين أيبك المعظمي صاحب صرخد. وتوجه السلطان من دمشق إلى بصرى. ونزل إليه الأمير عز الدين أيبك. وتسلم صرخد، وصعد إليها - وذلك في ذي الحجة منها. وقدم عز الدين أيبك إلى دمشق، ونزل بالنيرب وكتب له منشور بقرقيسيا والمجدل وضياعٍ في الخابور، فلم يحصل له منها شيء. ثم كان من خبره ما نذكره - إن شاء الله تعالى - في سنة خمس وأربعين وستمائة.\rولما تسلم الملك الصالح صرخد، عاد إلى الديار المصرية ودخل إلى القدس. وتصدق فيه بألفي دينار عيناً. وأمر بعمارة سور القدس فذرع، فكان ستة آلاف ذراع بالهاشمي، فرسم أن يصرف مغل بلاد القدس عليه، وإن احتاج إلى زيادة جهزت من الديار المصرية. قال أبو المظفر: وكنت لما أطلقه الملك الناصر من اعتقاله، وجاء إلى القدس، أخذت يده على ذلك.\rوفي هذه السنة، تسلم السلطان - أيضاً - حصن الصبيبة من الملك السعيد: مجد الدين حسن، بن الملك العزيز، بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر، في سابع عشرين ذي الحجة. وتسلم الصلت من ابن عمه الملك الناصر داود.\rوفيها قبض الملك الناصر داود على عماد الدين، بن الأمير عز الدين بن موسك في الكرك، واحتاط على موجوده. ثم شفع فيه الأمير فخر الدين بن الشيخ فأفرج عنه. وخرج من الاعتقال، وفي حلقه خراج كبير فبط، وحشى من الدواء الحارق، فمات بالكرك. ودفن بمشهد جعفر الطيار. وكان - رحمه الله تعالى - من الأجواد.\rوفيها توفي الأمير ركن الدين الهيجاوي، في معتقله بالديار المصرية.\rوكان سبب اعتقاله أنه فارق خدمة السلطان الملك الصالح، والتحق بدمشق. وكان قدومه على العساكر، فقبض عليه، واعتقله. فمات في اعتقاله - رحمه الله تعالى. وكان خيراً جواداً، عفيفاً نزهاً، كثير الإحسان إلى جيرانه، يبر غنيهم وفقيرهم.\rواستهلت سنة خمس وأربعين وستمائة:\rفي هذه السنة، جهز السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب جيشاً، وقدم عليه الأمير فخر الدين بن الشيخ، وبعثه إلى بلاد الفرنج.\rففتح عسقلان - في ثامن عشرين جمادى الآخرة - وأخربها. ورحل عنها إلى طبرية، ففعل بها كذلك. ثم كتب إليه أن يتوجه إلى دمشق، ويقيم بها بمن معه من العساكر، لأمرٍ بلغه عن الملك الناصر - صاحب حلب.\rوفيها تسلم نواب السلطان الملك الصالح نجم الدين قلعة شميمس، من الملك الأشرف صاحب حمص. فأمر السلطان بتحصينها، وبعث إليها الخزائن.\rوفيها جهز السلطان تاج الدين بن مهاجر، والمبارز نسيبه، إلى دمشق، ومعهما تذكرة فيها أسماء جماعة من الدماشقة، رسم بانتقالهم إلى الديار المصرية، وهم: القاضي محيي الدين بن الزكي، وابن الحصيري، وابن العماد الكاتب، وبنو صصري الأربعة، وشرف الدين بن العميد، وابن الخطيب العقرباني، والتاج الإسكندراني - الملقب بالشحرور، وأبو الشامات، مملوك الملك الصالح إسماعيل، وغازي - وإلى بصرى - والحكيمي، وابن الهادي المحتسب.\rفتوجهوا إلى الديار المصرية، وأمروا بالمقام بها، ولم يحجر عليهم، وخلع على بعضهم. وأقاموا بالديار المصرية، إلى أن توفي الملك الصالح أيوب، فعادوا إلى دمشق. وكان سبب طلبهم أن السلطان بلغه أنهم خواص الملك الصالح إسماعيل.\rوفيها في شهر ربيع، فوضت الخطابة بدمشق للقاضي عماد الدين بن الحرستاني، ورسم بإخراج العماد خطيب بيت الآبار، الخطيب بالجامع، إلى بيت الآبار.\rوفاة الأمير عز الدين أيبك","part":8,"page":126},{"id":3637,"text":"وفي هذه السنة - في ثالث عشر ذي القعدة - اعتقل الأمير عز الدين أيبك المعظمى صاحب صرخد - كان - في دار فرخشاه. وذلك بترتيب الصاحب جمال الدين بن مطروح وغيره. ووضعوا مترجماً أنه جاءه من حلب، من جهة الملك الصالح إسماعيل. وكتبوا بذلك إلى السلطان الملك الصالح. فأمر أن يحمل إلى القاهرة تحت الاحتياط. فحمل واعتقل في دار صواب. ورافعه ولده إبراهيم، وقال للسلطان: إن أموال أبي قد بعث بها إلى الحلبيين وأنه لما خرج من صرخد كانت أمواله في ثمانين خرجا، أودعها عند ابن الجوزي.\rولما وصل إلى الديار المصرية مرض، ولم يسمع منه كلمة حتى مات. ودفن بمقابر باب النصر، ثم نقل إلى دمشق، ودفن بتربته. وكان خيراً ديناً، كثير الصدقة والإحسان إلى خلق الله تعالى. اشتراه الملك المعظم، في سنة سبع وستمائة، لما كان على الطور، وجعله أستاد داره، وأعطاه صرخد. وكان عنده في منزلة الولد. رحمهم الله تعالى.\rوطلب جماعةٌ اتهموا بأمواله، بسعاية ولده إبراهيم، وهم: البرهان كاتبه، وابن الموصلي صاحب ديوانه، والبدر الخادم، وسرور، وغيرهم، وحملوا إلى الديار المصرية. فمات البرهان بظاهر دمشق، عند مسجد النارنج، لما ناله من الفزع. وأما بقيتهم فإنهم عوقبوا على أمواله، فلم يظهر عندهم الدرهم الواحد.\rوفيها كانت وفاة الشيخ الصالح المحقق على الحريري، المقيم بقرية بشر، المجاورة لزرع من بلاد حوران. وبهذه القرية قبر اليسع - عليه السلام. وهذا الشيخ هو شيخ طائفة الحريرية.\rواستهلت سنة ست وأربعين وستمائة:\rفي هذه السنة، استولى الملك الناصر - صاحب حلب - حمص، وانتزعها من الملك الأشرف موسى صاحبها، وعوضه عنها تل باشر.\rذكر توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية إلى دمشق، وما اعتمده\rفي هذه السنة، توجه السلطان من الديار المصرية إلى دمشق، وعزل الطواشي شهاب الدين رشيد الدين عن النيابة، والصاحب جمال الدين بن مطروح عن الوزارة. وفوض نيابة السلطنة بدمشق إلى الأمير جمال الدين موسى بن يغمور.\rوجهز العساكر مع الأمير فخر الدين بن الشيخ إلى حمص. وسخر الفلاحين لحمل المجانيق إلى حمص، فنالهم لذلك مشقةٌ عظيمة، وكان يغرم على العود الذي يساوي درهما ألف درهم، فخرب الشام لذلك. ونصب المجانيق على حمص. وكان الشيخ نجم الدين البادرائي بالشام، فدخل بين الطائفتين، ورد الحلبيين إلى حلب، والعسكر الصالحي إلى دمشق.\rوفيها احترق المشهد الحسيني بالقاهرة. وذكر من تتبع التواريخ أنه ما احترق مكان شريف إلا وأعقبه غلاء، أو جلاءٌ من العدو. وكان كذلك: أخذت دمياط، على ما نذكره.\rذكر وفاة الملك المظفر شهاب الدين غازي وقيام ولده الملك الكامل\rفي هذه السنة، توفي الملك المظفر شهاب الدين غازي، بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب - صاحب ميافارقين. وقام بأمر مملكته. بعده ولده الملك الكامل، ناصرا لدين محمد.\rوفيها، توفي الملك العادل: سيف الدين أبو بكر، بن الملك الكامل، بن الملك العادل - أخو السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب.\rوكان السلطان قد رسم أن يتوجه إلى الشوبك، بنسائه وولده وعياله، في خامس شوال، على ما حكاه سعد الدين مسعود بن شيخ الشيوخ تاج الدين. وبعث إليه الطواشي محسن الخادم، فأخبره بما رسم به السلطان من توجهه. فامتنع، وقال: إن أراد قتلي في الشوبك فههنا أولى، ولا أتوجه أبداً. فعذله محسن الخادم، فرماه بدواةٍ كانت عنده.\rفعاد إلى السلطان وأخبره. فقال له: دبر أمره. فأخذ ثلاثة مماليك - وقيل أربعة - ودخلوا عليه، في ليلة الأثنين ثاني عشر شوال، فخنقوه بشاش علمه - وقيل بوتر - وعلقوه بعمامته، وأظهروا أنه شنق نفسه. وخرجت جنازته كجنازة الغرباء، ودفن بتربة شمس الدولة. ولم يتمتع الملك الصالح بعده بالدنيا، فإنه مات بعد ذلك بعشرة أشهر.\rوفيها، في خامس شهر رمضان، كانت وفاة قاضي القضاة: أفضل الدين أبو عبد الله محمد بن ناماد بن عبد الملك، ابن زنجلين، الخونجي - قاضي مصر والوجه القبلي. ودفن بالقرافة، بالقرب من تربة الإمام الشافعي. ومولده في جمادى الأولى، سنة تسعين وخمسمائة. وكان قد تفرد في زمانه بعلم المنطق، حكيماً أصولياً، فاضلاً، مشاركاً فيما عدا ذلك","part":8,"page":127},{"id":3638,"text":"ولما مات - رحمه الله تعالى - أقر نائبه - القاضي جمال الدين يحيى - على القضاء، إلى جمادى الأولى سنة سبع وأربعين ثم فوض القضاء بمصر والوجه القبلي للقاضي عماد الدين أبي القاسم إبراهيم، بن هبة الله بن إسماعيل ابن نبهان، بن محمد الحموي المعروف بابن المقنشع - في جمادى الأولى سنة سبع وأربعين.\rوفيها كانت وفاة الشيخ الإمام العلامة: جمال الدين أبو عمرو عثمان، ابن عمر بن أبي بكر بن يونس، الدويني ثم المصري، الفقيه المالكي - المعروف بابن الحاجب.\rكان والده حاجب الأمير عز الدين موسك الصلاحي - متولي الأعمال القوصية - ومولده بإسنا - مدينة مشهورة من عمل قوص - في سنة سبعين وخمسمائة. وانتقل إلى القاهرة في صغره، فقرأ القرآن، واشتغل بالعلم على مذهب الإمام مالك، فتفقه. واشتغل بالعربية، فبرع وأكب على الاشتغال حتى صار يشار إليه. وانتقل إلى دمشق، ودرس بجامعها. وكان من أحد الناس ذهنا. وغلب عليه علم العربية. وقيل أنه قدم إلى دمشق مراراً، آخرها سنة سبع عشرة وستمائة. وصحب شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، واختص به ولازمه.\rوخرج معه من دمشق، في سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وقدم إلى الديار المصرية. وأقام بالقاهرة واشتغل الناس عليه. وله مصنفٌ في مذهب الإمام مالك - هو من أجود مختصرات المالكية، ما حفظه طالب منهم إلا وأشير إليه بالفقه. ثم انتقل إلى ثغر الإسكندرية للإقامة به، فلم تطل مدة إقامته بالثغر. وكانت وفاته في ضحى يوم الخميس، سادس عشر شوال، ودفن بخارج باب البحر - رحمه الله تعالى.\rوفيها، في شهر رمضان، توفي الوزير: أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم، بن عبد الواحد بن موسى بن أحمد بن محمد إسحاق، القفطي - المعروف بالقاضي الأكرم ، وزير حلب.\rكان جم الفضائل ذا فنون، مشاركاً لأرباب كل علم في علومهم: من القراءات، والحديث والفقه، والنحو واللغة، والأصول والمنطق، والنجوم والهندسة، والتاريخ، والجرح والتعديل - يتكلم في كل علم مع أربابه أحسن كلام. وله شعر حسن.\rوصنف كتباً كثيرة، منها: كتاب الضاد والظاء، وهو ما اشتبه في اللفظ واختلف في الخط، وكتاب الدر الثمين في أخبار المتيمين. وكتاب من ألوت الأيام عليه فرفعته، ثم ألوت عليه فوضعته. وكتاب أخبار المصنفين، وما صنفوه. وكتاب أخبار النحويين. وكتاب تاريخ مصر، من ابتدائها إلى حين ملكها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - في ست مجلدات. وكتاب تاريخ الألموت، ومن تولاها. وكتاب تاريخ اليمن، منذ اختطت إلى زمانه. وكتاب الحلي والشيآت. وكتاب الإصلاح لما وقع من الخلل في كتاب الصحاح. وكتاب الكلام على الموطأ وكتاب الكلام على صحيح البخاري. وكتاب تاريخ محمود بن سبكتكين وبنيه، إلى حين انقراض دولتهم، وكتاب تاريخ السلجقية، من ابتداء أمرهم إلى انتهائه. وكتاب الإيناس في أخبار آل مرداس. وكتاب الرد على النصارى. وغير ذلك.\rوكان - رحمه الله - سخي الكف، طلق الوجه. وكان محبا للكتب، جماعاً لها، جمع منها ما لم يجمعه أحدٌ من أمثاله. واشتهر بالرغبة فيها، والمغالاة في أثمانها، فقصده الناس بها من الآفاق. فاجتمع له منها ألوف كثيرة، بالخطوط المنسوبة، وخطوط المشايخ والمصنفين. ولم يقع له كتابٌ مليح فرده، بل يبالغ في إرضاء صاحبه بالثمن. فإذا ملكه استوعب قراءته، ثم جعله في خزائنه، ثم يشح في إخراجه، فلا يكاد يظهر عليه أحدا، صيانةً له وضناً به !.\rقال الحافظ محب الدين بن النجار: كنا عنده ليلة، في شهر رمضان، فجرى بحثٌ أفضى إلى اعتبار كلمة وكشفها من كتاب الصحاح. فقال لبعض مماليكه: إذهب إلى المؤيد - يعني أخاه - وأحضر من عنده نسخة من الصحاح. قال: فقلت له: والمولي ما عنده نسخةٌ من الصحاح؟! فقال: وحياتك - يا محب - عندي خمس نسخ، وما يطيب على قلبي أن أخرج منها نسخة - لا سيما بالليل، ونحتاج إلى إدخال الضوء. وله في شغفه بالكتب حكايات كثيرة، أضربنا عن ذكرها. وأوصى بكتبه بعد وفاته للملك الناصر: صلاح الدين يوسف، بن الملك العزيز، صاحب حلب. وكانت تساوي خمسين ألف دينار. ودفن بحلب - رحمه الله تعالى.\rوفيها توفي عماد الدين، بن سديد الدين، محمد بن سليم بن حنا - وهو أخو الصاحب بهاء الدين.\rواستهلت سنة سبع وأربعين وستمائة:","part":8,"page":128},{"id":3639,"text":"والسلطان الملك الصالح نجم الدين بدمشق، وهو مريضٌ. فعاد إلى الديار المصرية في محفة، لشدة ما ناله من المرض. وكان خروجه من دمشق في يوم الإثنين، رابع المحرم، ونادى في الناس: من كان له علينا أو عندنا شيء، فليحضر لقبضه. فطلع الناس إلى القلعة، وأخذوا ما كان لهم.\rوفي هذه السنة؛ رسم السلطان لنائبه بدمشق - الأمير جمال الدين بن يغمور - بهدم دار أسامة، وقطع أشجار بستان القصر بالقابون، وهدم القصر. فتوقف عن ذلك مدة، ثم ترادفت عليه الكتب بذلك، ففعل.\rذكر استيلاء الفرنج على ثغر دمياط\rوفي سنة سبعٍ وأربعين وستمائة، وصل ريد افرنس بعساكره وجموعه إلى ثغر دمياط.\rوخرج السلطان الملك الصالح بعساكره إلى المنصورة، ونزل بها. وجرد إلى ثغر دمياط جماعةً من الأمراء، فالتقوا مع ريدا فرنس، واقتتلوا قتالاً شديداً فقتل الأمير شهاب الدين بن شيخ الإسلام، والأمير صارم الدين أزبك الوزيري.\rوخرج أمراء الكنانية من دمياط وأخلوها، فاستولى عليها ريدا فرنس في يوم الأحد، لسبع بقين من صفر، من السنة. فشنق السلطان أمراء الكنانية - وكانوا نيفاً وخمسين أميراً - بعد أن استفتى في شنقهم - لخروجهم عن الثغر بغير أمره. وكان قد جعل عندهم من الميرة ما يكفيهم زمناً طويلاً.\rذكر استيلاء السلطان على قلعة الكرك وبلادها\rوفي هذه السنة، ملك الملك الصالح نجم الدين أيوب قلعة الكرك، وبلادها.\rوسبب ذلك أن صاحبها الملك الناصر داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى - توجه منها إلى بغداد، واستخلف أولاده بها. فكاتبوا السلطان، واتفقوا معه على تسليمها. واشترطوا عليه شروطاً، وتولى ذلك من أولاده: الملك الأمجد أبو علي الحسن.\rفأجاب السلطان إلى ما التمسوه، وتسلم القلعة، ووفي لهم بما اشترطوه - وذلك في جمادى الآخرة. وأخرج عيال الملك المعظم وأولاده وبناته، وأم الملك الناصر، وجميع من كان بالحصن. وبعث الملك الصالح إلى الحصن ألف ألف دينار - عيناً - وجواهر وذخائر وأسلحة، وغير ذلك.\rولما عاد الملك الناصر من بغداد، ووجد الأمر على ذلك، توجه إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف، صاحب حلب، وأقام عنده، إلى أن ملك دمشق. وحضر في خدمته إليها. ثم بلغه عنه أسباب ردية، فأخرجه إلى البويضا بظاهر مدينة دمشق. فمات بها حتف أنفه.\rوكانت وفاته في سنة خمس وخمسين وخمسمائة. ونقل من البويضا، وصلى عليه عند باب النصر، ودفن عند أبيه بالتربة المعظمية، بقاسيون - رحمه الله تعالى.\rذكر وفاة الملك السلطان الصالح نجم الدين أيوب\rكانت وفاته - رحمه الله تعالى - بمنزلة المنصورة، في ليلة الإثنين النصف من شعبان، سنة سبع وأربعين وستمائة. ومولده بالقاهرة المعزية في سنة ثلاث وستمائة.\rولما مات، كتم أمر وفاته، ودفن بالمنصورة. ثم نقل - في سنة ثمان وأربعين وستمائة - إلى تربته، التي بنيت بعد وفاته، بجوار مدرسته بالقاهرة المحروسة، بين القصرين. فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية عشر سنين، إلا خمسين يوماً.\rوكان ملكاً مهيباً، شجاعاً حازماً، ذا سطوة. وكانت البلاد في أيامه آمنة، والطرق سابلة. وكان عفيف الذيل. غير أنه كان عظيم الكبر، غليظ الحجاب. وكان محباً لجمع المال. ويقال إنه عاقب امرأة أبيه - أم أخيه الملك العادل - وأخذ منها الأموال والجواهر. وقتل أخاه وجماعة من الأمراء. ومات في حبسه ما يزيد على خمسة آلاف.\rولما مات، كانت سريته - والدة خليل - في صحبته بالمنصورة. فكتم أمر وفاته إلا عن خواص الأمراء. وكان السماط يمد على العادة. والأمراء، ومن جرت عادته بحضور السماط، يدخلون ويأكلون وينصرفون. ويظنون أن السلطان إنما احتجابه بسبب مرضه. وكانت والدة خليل تكتب خطاً يشبه خط السلطان، فتخرج العلائم بخطها.\rواتفق الأمراء على إحضار ولده: الملك المعظم غياث الدين تورانشاه من حصن كيفا. وكان السلطان الملك الصالح قد كتب كتاباً بخطه، يشتمل على وصيته لولده الملك المعظم، نذكر - إن شاء الله تعالى - مضمونه في أخبار الملك المعظم. فتوجه لإحضاره الأمير فارس الدين أقطاي الصالحي - مملوك والده. وقام بتدبير الدولة - فيما بين وفاة السلطان الملك الصالح ووصول الملك المعظم - الأمير فخر الدين: يوسف بن الشيخ، إلى أن قتل.","part":8,"page":129},{"id":3640,"text":"ذكر خبر الأمير فخر الدين أبي الفضل يوسف ابن الشيخ، وقتله\rلما مات السلطان الملك الصالح، قام بتدبير الأمر بعده - إلى أن يصل ولده الملك المعظم - الأمير فخر الدين أبو بكر أبو الفضل: يوسف، بن شيخ الشيوخ صدر الدين. وكان هو وزير السلطان ومقدم جيوشه، والمشار إليه في دولته.\rفدبر الأمر أحسن تدبير، وأقطع البلاد بمناشيره. وأطلق السكر والكتان أن يسافر به التجار إلى الشام - وكان ذلك قد منع، وأراد جماعةٌ من العسكر أن يملكوه، فامتنع من ذلك.\rوتنكر له بعض الأمراء المماليك الصالحية، وعزموا على قتله فاستدعى أكابر الأمراء، وأعلمهم أنه لا طمع له في الملك ولا رغبة، وأنه إنما يحفظه للملك المعظم إلى أن يصل. فاعتذروا له وحلفوا. وكان المتهم بإغراء الأمراء الطواشي محسن، وجماعة. وجهز جماعةً يستحث الملك المعظم من دمشق، بعد وصوله إليها.\rفلما كان في يوم الثلاثاء - رابع ذي القعدة أو خامسه - هجم الفرنج على عساكر المسلمين، واندفع المسلمون بين أيديهم. وكانت وقعة عظيمة.\rفركب فخر الدين في وقت السحر ليكشف الخبر، وأنفذ إلى الأمراء والحلقة ليركبوا. وساق بنفسه في طائفة من مماليكه وأجناده. فصدمه طلب الداوية وحملوا عليه. فهرب من كان معه، وثبت هو. فطعن في جنبه، فوقع عن فرسه. فضربوه ضربتين في وجهه، طولاً وعرضاً، بالسيف فقتلوه !.\rوجاء مماليكه إلى داره، فكسروا صناديقه، ونهبوا أكثر ما فيها. ونهبت أمواله وخيله. وأخذ الجولاني قدور حمامه، والدمياطي أبواب داره. ثم أخرج من المعركة بقميصٍ واحد، وجعل في حراقة وأرسل إلى مصر. وحمل إلى تربته بالقرافة الصغرى، بجوار تربة الإمام الشافعين فدفن عند والدته. واشتد بكاء الناس عليه، وعملت له الأعزية. وكان له من العمر، يوم مات ست وستون سنة - رحمه الله تعالى. وكان له شعرٌ جيد كثير، فمن شعره:\rعصيت هوى نفسي صغيراً، فعندما ... رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر\rأطعت الهوى عكس القضيّة ليتنيخلقت كبيرا، وانتقلت إلى الصّغر\rالملك المعظم غياث الدين تورانشاه\rبن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، ابن السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد، بن أيوب، وهو التاسع من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية ملك الديار المصرية والشام، بعد وفاة والده السلطان الملك الصالح وكان مقيماً بحصن كيفا، وما مع ذلك، منذ تركه والده هناك - كما تقدم. فلما مات السلطان، اجتمع رأى الأمراء على إقامته، وجهزوا لإحضاره الأمير فارس الدين أقطاي، كما ذكرنا آنفاً.\rوكان السلطان الملك الصالح، في مرض موته، قد كتب إلى ولده الملك المعظم هذا كتاباً، أسند فيه الملك إليه، واشتمل كتابه على جملةٍ من الوصايا. وقد وقفت على الكتاب المذكور - وهو بخط السلطان الملك الصالح بجملته. وقد رأيت أن أشرح ما تضمنه، لما فيه من الوصايا التي يتعين على الملوك التمسك بها والرجوع إليها، والإعتماد عليها.\rابتدأ السلطان الملك الصالح كتابه هذا - الذي منه نقلت - بأن كتب في طرته قبل البسملة: والده أيوب بن محمد\rبسم الله الرحمن الرحيم\rالولد تورانشاه - أصلحه الله ووفقه يا ولدي، أنت تعلم ما سبب تأخير طلبك إلا ما أعلمه منك، من الصبيانية والجرأة وقلة الثبات. والملك ما يحتمل هذا. والوالد ما يشتهى لولده إلا الخير. والخصائل التي أعرفها منك اتركها، يدوم لك الملك. وإن أنت خالفت أمري وبقيت علي ما أعلمه منك، يروح منك الملك. واثبت في جميع أمورك. وسن سيرتي في العسكر. واترك الأشياء على ما هي عليه: كل أحد متولي الشغل الذي هو فيه، ولا تحدث حادث.\rوالوصية بجميع الأمراء، وأكرمهم واحترمهم، وأرفع منزلتهم. فهم جناحك الذي تطير به، وظهرك الذي تركن إليه. وطيب قلوبهم، وزيد في إقطاعهم. وزيد كل أمير على ما معه من العدة عشرين فارس. وأنفق الأموال. وطيب قلوب الرجال، يحبوك وتنال غرضك في دفع هذا العدو. ولا تؤاخذ بما جرى في دمياط، فهذا أمرٌ سماوي، ما لأحدٍ في هذا حيلة.\rوالأخ فخر الدين بن الشيخ ما عندي من أقدم سواه، فأكرمه، واحترمه كما تحترمني. واجعله عندك كالوالد. واسمع قوله ورأيه ولا تخالفه. واجعل له من العدة مائتي فارس.","part":8,"page":130},{"id":3641,"text":"يا ولدي: الوصية بأم خليل، فلها عليّ من الحقوق والخدمة ما لا أقدر أصفه، ارعى جانبها وأكرمها واحترمها، وارفع منزلتها، فهي عندي بمنزلةٍ عظيمة. وكنت طيب القلب بصحبتها، آمناً على نفسي من جهتها، فاجعلها لك مثل الوالدة. واجتهد في اتصال الراحة إليها، وطيب قلبها، واجعلها حاكمةً على جميع أمورك وأموالك. ولا يبدو منك كلمةٌ تضيق صدرها، ولا توجع لها قلباً أبداً، ولا من يتعلق بسببها، ولا من يضيق صدرها بسببه.\rولا تخرج عن رأيها وتدبيرها. وهذه وصيتي فلا تخالف أمري. واخدمها كما تخدمني، واحترمها كما تحترمني. ولا تجعل على يدها يد. والوصية بجميع العيال، أحسن إليهم فلهم علي خدمة. ولا تقصر في حق الصغير منهم والكبير. واحفظ وصيتي، فمتى خالفتني يروح منك الملك، وتكون عاقاً لي. وكتبت هذه الوصية ولم يطلع عليها أحد، لئلا تضيق صدورهم. وكتبتها في مدة طويلة.\rواعلم يا ولدي أن الملك في ابتداء ملكه كمثل الشجرة في ابتداء طلوعها، فيأتي ريح يهب عليها يحركها، وربما يقلعها من أصلها. فإذا مضت عليها الأيام والسنين قوي أصلها، واشتد ساقها، فلا تحركها الرياح العواصف. فاعلم يا ولدي إشارتي، وتنبه لغرضي. وإن ضاق صدرك من شخص فاحتمله، وأحسن إليه تحسن سيرتك، ويحبك عدوك. ولا تعجل بالعقوبة. واعلم أن الناس أعداءٌ لبعضهم البعض، فلا تسمع كلام أحد دون أن تقابل بينه وبين خصمه، ولو أتاك مقطوع اليد. فربما خصمه أسوأ حالاً منه. فإذا عرف هذا منك، تقل الشكاوي والرفاعات، ويستريح خاطرك.\rوالذي أعرفك به يا ولدي: لما نزل العدو على زمن الشهيد - رحمه الله - على دمياط، ما كان فيها سوى الوالي والكنانية، وأهلها حفظوها إلى أن وصل الشهيد من القاهرة، وعسكر مصر من الشام. وما قدر العدو ينزل بر دمياط، وما كان فيها ذخيرة شهرٍ واحد.\rفلما اختلف العسكر على الشهيد - رحمه الله - وتحزبوا - مثل ابن المشطوب والأكراد - مع الملك الفائز، غضب الشهيد، وساق إلى أشموم. وتبعه العساكر، وتركوا جميع الخيم والقماش. وخرج من دمياط من خرج، والوالي.\rوما بقي فهيا إلا أهلها. وغلقوها وقعدوا فيها وحفظوها، إلى أن مات أكثر من فيها والباقي تكشحوا، وخلت الأصوار من المقاتلين. فصعدت الفرنج وأخذتها، بعد أن تعبوا من النقوب من تحت الأرض، وشربوا بالبتاتي، والزحف عليها من جميع الجهات، وما قدروا يأخذوها.\rوأنا قويت دمياط، وملأتها ذخائر من كل شيء، يكفيها عشرين سنة، مع ما كان عند أهلها من الذخائر. واكشف من الديوان يعرفوك ما كان فيها من الخيرات. وقويتها بجميع عسكر الديار المصرية، من فارس وراجل، ونقدين وما خليت لها عذر، حتى بقيت وحدى في أشموم بسبب المرض.\rفلما أن أقبل العدو وشاهدوه وطلبوا البر بالحراريق، انهزموا وسلموا لهم البر، واشتغلوا بالنساء ونقلهم من دمياط، وهربت العوام وتبعهم الأجناد. وكان المقدم عليهم الأخ فخر الدين ساق خلفهم وردهم، وجعل على أبواب دمياط كل باب أمير. فلما أصبح، ما وجد في المدينة أحد. هربوا الكنانية في الليل، وكسروا الخوخ ونزولوا من السور، وتركوا أموالهم وذخائرهم نهبوها المسلمين بعضهم بعض. وأخلوا دمياط، حتى أخذتها الفرنج ثاني يوم. وهذا كله بقضاء الله وقدره.. واصبر تنال ما تريد.\rوهذا العدو المخذول، إن عجزت عنه، وخرجوا من دمياط وقصدوك، ولم يكن لك بهم طاقةٌ وتأخرت عنك النجدة، وطلبوا منك الساحل وبيت المقدس وغزة وغيرها من الساحل - أعطيهم ولا تتوقف، على أن لا يكون لهم في الديار المصرية قعر قصبة.\rوإن نزلوا منزلة من تقدمهم من العدو قبالة المنصورة، فرتب العسكر يكونوا ثابتين خلف الستاير مع البحر، ليل ونهار. فهم ما لهم زحفٌ إلا بالشواني، فقووا الشواني، كيفما قدرتم. واجهدوا أن يكون بعض الحراريق على بحر المحلة من خلف مراكبهم، تقطع عنهم الميرة. وهو يكون - إن شاء الله - سبب هلاكهم. فتلك المرة ما انتصر الشهيد - رحمه الله - عليهم إلا من بحر المحلة.\rوتكون العرب مع الخوارزمية مع ألفين فارس بينهم وبين دمياط. واستخدم، الفارس والراجل. وأنفق الأموال ولا تتوقف. وإن كان الشرق لا ينجدوك لأجل الناصر وإسماعيل، واشترطوا أن ترد عليهم بلادهم. ورأيت الغلوبية، ولا بد من ذلك وإلا ذهب الملك - فالضرورات لها أحكام.","part":8,"page":131},{"id":3642,"text":"إعلم - يا ولدي - أن الديار المصرية هي كرسي المملكة، وبها تستطيل على جميع الملوك. فإذا كانت بيدك، كان بيدك جميع الشرق. ويضربوا لك السكة والخطبة.\rفاتفق أنت والأخ فخر الدين، وأرضى الناصر بما يطيب به قلبه. فالناصر ما أخرجه من يدي إلا تغيري عليه، بسبب أوراقٍ كانت تصل إلي عنه أنه فعل وصنع. وكشفت عن ذلك، ما رأيت لها صحة. فلما انقطع رجاه مني لتغيري، استند إلي إسماعيل وابن ممدود، وجرى منهم ما جرى. كل ذلك من إسماعيل وابن ممدود، وهو يشاركهم في جميع ما يفعلوه.\rوأما الذي فعله معي على نابلس فما كان إلا مصلحةً عظيمة، أنا أشكره عليها. طلع بي الكرك إلى أن ذهبت أيام القطوع. لولا ذلك أخذني إسماعيل، لأنه ضيق علي أرض الشام بالعسكر في طلبي، فما فعل في حقي إلا خير. فهو كان السبب في خروجي، في الوقت الذي كان قدر الله بتوجهي فيه إلى الديار المصرية بالملك. فلا يضيع له هذا القدر.\rوكنت نويت له كل خير. فإن حصل بينكما اتفاق، وصفت نيته في محبتك، ووفي لك باليمين، فخاطرك به مستريح في أمر الساحل. فما ذنوبه عندي ذنوب إسماعيل، الذي بارزني، وأخذ مني دمشق، واعتقل ودلين وفعل في حقي ما فعل، وأعطى الساحل والحصون التي فيه لعدو الدين، واستعان بالكفر علي، وعلى أخذ بلادي. فارضيه بشيء يستعين به: بصري مع السواد، ولا تعطى له قلعة بعلبك. وتحسن إلى أولاده وأهله، وينفذوا إليه. فالله يقابل المسيء، ويجازي المحسن وأطلق المحتبسين كلهم، إلا من كان له تعلقٌ في قبض عمك، أو مفسدٌ في الدولة.\rفإن قدر الله لك بالنصر على هذا العدو المخذول، وأخذت دمياط - إن شاء الله تعالى - ابني باشورة تكون طول قامة، وبسطة بشراريف، ورمامي من فوق وأسفل، وتكون الباشورة عرض يتمكن القتال عليها، إما بالحجر أو بالطوب الأحمر، ويكون لها سلالم، بين كل سلم وسلم ثلاثين خطوة. تعمل هذه الباشورة من قبالة برج السلسلة، قريب من الماء البحر إلى البرزخ، إلى المكان الذي نزلوا فيه الفرنج، وفوق منه بثلاث رميات نشاب. ومن آخر هذه الباشورة تحفر خندق، من البحر المالح إلى البحر الحلو، مثل ما حفره الشهيد تلك المرة، بحيث إذا جاء العدو لا يقدر على الماء الحلو، ولا يبقى له منزلة ينزل فيها. وبين كل سلمين لعبتين يرموا بالحجارة، والعسكر تقاتل من على الباشورة والمنجنيق والرماة ترمى من خلف الباشورة من المرامي، ما يقدر أحد يقرب البر. وعجبت كيف غفل عن هذا الشهيد - رحمه الله - وعمل قلعة.\rفهذه الباشورة فيها ألف مصلحة قسطها على الأمراء وعلى بيت المال والأسرى الفرنج تعمل فيها. واجتهد في عملها تأمن على دمياط وتستريح وإن لم يخرج العدو من دمياط وتطاول الأمر ينتظروا نجدة تصل إليهم، ازحف عليهم من بر دمياط ومن بر البرزخ، بالفارس والراجل وبالشواني من البحر، لعل أن تملكوا بر البرزخ. فإذا ملكتوه ملكتم فم البحر، ومنعتوا أن يدخل إليه مركب، أو يخرج.\rويا ولدي: قلدت إليك أمور المسلمين، فافعل فيهم ما أمرك الله به ورسوله. يا ولدي إياك والشرب، فإن جميع الآفات ما تأتي على الملوك إلا من الشرب. ولا تخالفني تندم، وتدخل عليك العارض. فما يسقيك إلا من تأمن إليه، ولا يدخل عليك العارض إلا من القريب. يا ولدي: وامنع المسلمين والنصارى أن يعصروا الخمر. وطهر العساكر من القحاب، والمدن. ولا تجلس مع من يشرب، فيزين لك الشيطان فتشرب، فتكون قد خالفتني، وتدخل عليك العارض. وأنا قد جربت الأشياء ووقعت فيها، وتحققت الخطأ من الصواب، وندمت وقت لا ينفع الندم. فاجتنب يا ولدي ما حذرتك منه. فقد أخبرك مجرب صادق، مشفق عليك","part":8,"page":132},{"id":3643,"text":"وانظر يا ولدي في ديوان الجيش. فهم الذين أفسدوا البلاد وأخربوها - وهم النصارى - أضعفوا العساكر، وكأن البلاد ملكهم يبيعوها بيع. إذا كتب منشور لأميرٍ يأخذوا منه المائتين وأكثر، ومن الجندي من المائة ونازل. ويكون الجندي خبزه ألف دينار يفرقوا خبزه في خمس ست مواضع: في قوص وفي الشرقية وفي الغربية، فيريد الجندي أربع وكلاء، يروح الخبز لوكلا. ومتى يحصل للجندي من خبزه شيء، إذا كان مثلاً في بيكار ويقاسي العليقة بثلاثة نقرة، كيف يكون حاله ظ يخرب بيته ويهلك ! فهذا سبب هلاك الجندي. والنصارى يقصدوا هذا، لخراب البلاد وضعف الأجناد، حتى تروح منا البلاد. وجندي يحصل له وجندي ما يحصل له شيء أصلا.\rترد عبرة البلاد إلى ما كانت عليه في زمن صلاح الدين - رحمه الله. والجندي لا يكون خبزه مفرق، بل في موضع أو موضعين قريبين. فتعمر البلاد ويقوى الجندي ويقوى الفلاح. فإذا كانوا جماعة في بلد، وكل أحد يخرب من ناحية ويجور المقطعين على الفلاحين، تخرب البلاد. وهذا كله فعل النصارى.\rوبلغني أنهم بعثوا إلى ملوك الفرنج في الساحل في الجزائر، وقالوا لهم. أنتم ما تجاهدوا المسلمين، بل نحن نجاهدهم الليل والنهار، بأخذ أموالهم ونستحل نساهم، ونخرب بلادهم ونضعف أجنادهم. تعالوا خذوا البلاد، ما تركنا لكم عاقة. فالعدو معك في دولتك - وهم النصارى. ولا تركن لمن أسلم منهم ولا تعتقد عليه، فما يسلم أحد منهم إلا لعلة، ودينه في قلبه باطنٌ كالنار في الحطب ! يا ولدي، أكثر الأجناد اليوم عامة، وباعة وقزازين: كل من لبس قباءً وركب فرس، وجاء إلى أميرٍ من هؤلاء الترك، وقدم له فرس، ويبرطل نقيبه وأستاذ داره على خبز جندي، من جندي معروف بالشجاعة والحرب - طرده أميره، وأعطى خبزه لذاك العامي الذي لا ينفع وأكثرهم على هذه الحالة. فإذا عاينوا العدو وقت الحاجة هربوا، وينكسروا العسكر. لأنهم ما يعرفوا قتال، ولا هو شغلهم. فينبغي أن لا يستخدم إلا من يعرف يلعب بالرمح على الفرس، ويرمى بالنشاب والأكرة، وتظهر فروسيته - حينئذ يستخدم.\rواحفظ يا ولدي ما أقوله لك، فهذا جميعه ما عرفني به إلا الأخ فخر الدين، وأخبرني أنه وقف على كتابٍ بخط صلاح الدين، أن الفيوم وسمنود والسواحل والخراج للأسطول. فالأسطول أحد جناحي الإسلام. فينبغي أن يكونوا شباعاً. ورجال الأسطول إذا أطلق لهم كل شهر عشرين درهم مستمرة راتبه، جاؤوا من كل فجٍ عميق، ورجال معروفين بالقذف والقتال. وإنما تجو وقت الحاجة تقبضوا ناس مستورين لهم أطفال وبنات، وهو الذي يطعمهم ويسقيهم، تأخذوه في الأسطول ولا ينفع، تموت أطفاله بالجوع، ويدعو علينا ! كيف تنتصر على العدو ؟! وتأخذوا إلى البحر عند قبض الأسطول كل يوم ألف دينار، لأنه يقبض من الصبح إلى المغرب، مساتير وبياعين وأرباب معايش، يجو أهاليهم إلى بيت الوالي، كل أحد يزن الذهب ويخلص نفسه. والفقير الذي ماله قدرة تحدروه في المراكب. فقد نبهت الولد على هذه الأشياء. والأخ فخر الدين عرفني بهذه الأحوال جميعها. فاسمع ما بقوله لك.\rالولد يتوصى بالخدام: محسن ورشيد والخدام المقدمين، لا تغيرهم. فما قدمت أحد من الخدام ولا من المماليك إلا بعد ما تحققت نصحه وشفقته. وأستاذ الدار وأمير جاندار تتوصى بهم. وكذلك الحسام لا تغيرهم. فإني أعتمد عليهم في جميع أموري.\rالقيمرية، الولد لا يسمع كلام بعضهم في بعض. وناصر الدين عند كذب وخبث. وما باطنه جيد. وقد عرفت الأخ فخر الدين الرسل الذي مسكوا من دمشق إلى حلب من عنده. والحسام يكون بمفرده لا حل ولا ربط. وضيا الدين القيمري، إن احتاجوا إلى أن يخرج عسكرٌ إلى جهة من الجهات، يكون مقدم. وناصر الدين أرجل لا يخرج مع عسكر. وسيف الدين القيمري تعمل معه ما يقرر مع الأخ فخر الدين، يكون مقدم العسكر في دمشق. وابن يغمور مشد، وناصر الدين على المظالم. فابن يغمور يصلح يكون مشد ووالي وجابي الأموال، ولا يصلح يكون مقدم على عسكر، ولا يصلح لجنديه. ولا تؤمن إليه كل الأمن. بل تمشي به الحال في مكان مدة، ثم ينقل إلى غيره. وهو بالكتاب أليق.","part":8,"page":133},{"id":3644,"text":"وكذلك قرائب فخر الدين عثمان كلهم لا يصلحوا لجندية. ابن العزيز الرأي عندي أن تؤخذ جماعته، ويبقى هو ومماليكه بمفردهم، ويقطع له ولمماليكه، وحاشيته ودوره، ما يقوم بهم من خاصة. فالأخ فخر الدين يعرف ما جرى منه، فهو نحس مفسد مخسخس. وقد عرف الأخ فخر الدين حاله وما جرى منه في دمياط وغير دمياط، فما يصلح لصالحة.\rمتولي ديوان الأحباس اصرفه. وولي ابن النحوين فقد سألني المتصدرين ذلك. وطرائق بن الجباب غير صالحة. والوكيل اصرفه. وولي ابن الفقيه نصر، فهو رجل جيد فقيه عنده خوفٌ من الله.\rوقد عينت في ورقةٍ عند الأخ فخر الدين عشرين من المماليك تقدمهم، تعطى لكل واحد كوس وعلم، وتحسن إليهم.\rوتتوصى بالمماليك غاية الوصية. فهم الذي كنت أعتمد عليهم، وأثق بهم. وهم ظهري وساعدي. تتلطف بهم، وتطيب قلوبهم، وتوعدهم بكل خير. ولا تخالف وصيتي. ولولا المماليك ما كنت قدرت أركب فرس، ولا أروح إلى دمشق، ولا إلى غيرها. فتكرمهم وتحفظ جانبهم.\rفهذه وصيتي إليك، فاعمل بما فيها ولا تخالف وصيتي. وكل يوم طالعها، واقف عليها. ولا تعمل شيء دون أن تشاور الأخ فخر الدين. والله يقدر بما فيه الخير - إن شاء الله تعالى.\rيا ولدي، إن ألزموك - الحلبيين - أن تدفع الكرك إلى الناصر، فأعطه الشوبك. وإن لم يرض زده من الساحل، حتى يرضي. ولا تخرج الكرك من يدك. الله الله احفظ وصيتي. فلا تعلم ما يكون من هذا العدو والمخذول، لعله - والعياذ بالله - أن يتقدم إلى مصر يكون ظهرك الكرك، تحفظ فيه رأسك وحريمك، فمصر مالها حصن. ويجتمع عندك العسكر وتتقدم إليهم، تردهم عن مصر. وإن لم يكون لك ظهر مثل الكرك، تفرقت عنك العساكر. وقد عزمت أن أنقل إليها المال والذخائر والحرم، ولك شيء أخاف عليه، واجعلها ظهري. والله ما قوي قلبي واشتد ظهري، إلا لما حصلت في يدي.\rالحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد نبيه - وآله وصحبه - وسلامه هذا آخر ما تضمنه كتاب الوصية. وقد نقلته بنصه وهيئته - على ما فيه من لحنٍ في بعض ألفاظه، ونقص ألفات في بعضه.\rولم يعتمد الملك المعظم ما أوصاه به، ولا رجع إليه ولا عرج عليه، بل خالفه في جميع ما تضمنته وصيته. وكان من أمره، وزوال ملكه، ما نذكره.\rولنرجع إلى سياقة أخبار الملك المعظم: قال: ولما وصل إليه الأمير فارس الدين، وهو بحصن كيفا، رحل وسلك البرية. وأخفى أمره عن الملوك المجاورين له. خشيةً من غائلتهم. وترك بالحصن ولده الملك الموحد، وسار حتى انتهى إلى دمشق.\rفكان وصوله إليها في يوم السبت، سلخ شهر رمضان، سنة سبع وأربعين وستمائة. وعيد بها عيد الفطر. وخلع وأنعم على الأمراء، وأقر الأمير جمال الدين موسى بن يغمور على النيابة بدمشق. وأفرج عن كل من كان في حبس والده. قال أبو المظفر: وبلغني أنه كان بدمشق ثلاثمائة ألف دينار، فأخذها صحبته، وتجهز إلى الديار المصرية.\rوكان رحيلته من دمشق في الخامس والعشرين من شوال، منها. وكان سبب تأخره بدمشق، هذه المدة، أن الأمير فخر الدين يوسف بن الشيخ كان قد سير إليه جماعة من المماليك الصالحية، يستحثه على سرعة الحضور. فأوهمه بعضهم أن فخر الدين حلف العساكر لنفسه، وأنه متى حضر قتله، واستقل بالأمر. فأنفق الملك المعظم الأموال بدمشق، واستحلف العساكر. وحلف المماليك الذين حضروا من جهة الأمير فخر الدين، على قتل فخر الدين. فحلفوا له. فاتفق قتل فخر الدين قبل وصول الملك المعظم، كما تقدم.\rوجهز الملك المعظم كاتبه - معين الدين، هبة الله بن أبي الزهر حشيش - إلى قلعة الكرك، في مستهل ذي القعدة. فحقق ما بها من الأموال والذخائر، وحمل إليه من حاصلها مائتي ألف دينار، عيناً، مما كان الملك الصالح قد نقله إليها. ولحق معين الدين السلطان إلى الرمل. وكان نصرانياً فوعده بالوزارة، فأسلم. ووصل السلطان إلى العساكر الديار المصرية، بمنزلة المنصورة - في يوم الثلاثاء سابع عشر ذي القعدة، من السنة.\rولما وصل، وضع يده على ما سلم مت تركة الأمير فخر الدين يوسف ابن الشيخ، وأخذ مماليكه الصغار، وبعض قماشه - وثمن ذلك بخمسة عشر ألف دينار - وهي دون نصف القيمة، فيما قيل. ولم يعوض الورثة عن ذلك شيئاً، فإنه قتل قبل ذلك.\rذكر عدة حوادث كانت في سنة سبع وأربعين وستمائة، غير ما تقدم","part":8,"page":134},{"id":3645,"text":"في هذه السنة تأمر بمكة - شرفها الله تعالى - أبو سعد علي بن قتادة، وذلك في العشرين من ذي القعدة.\rوفيها قتل الأمير شيحه، صاحب المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - وولي بعده ولده عيسى بن شيحه.\rوفيها في خامس عشر شعبان، توفي الطواشي مسرور بالقاهرة، ودفن بتربته بالقرافة.\rوفيها توفي الشيخ صالح أبو الحسن علي، بن أبي القاسم بن عربي بن عبد الله، الدمياطي، المعروف بابن قفل - في يوم الأحد الرابع والعشرين من ذي الحجة، برباطه بالقرافة، وبه دفن.\rوفيها توفي شهاب الدين ابن قاضي دارا. وكان من النظار في الدولة الكاملية، وبعدها. ولي نظر الأعمال القوصية. وكان السلطان الملك الكامل يكتب إليه بخطه، ويأمره وينهاه. ويقال إنه كان من ظلمة النظار، يضرب بظلمه المثل. سامحه الله - وإيانا بكرمه.\rواستهلت سنة ثمان وأربعين وستمائة:\rأسر ملك الفرنج ريدا فرنس\rقال المؤرخ: لما وصل السلطان الملك المعظم إلى المنصورة، كان ملك الفرنج ريدا فرنس - بعساكره وجموعه - بالجزيرة التي قبالة المنصورة، وهي الدقهلية. فرحل بمن معه طالباً دمياط. وذلك في ليلة الأربعاء، مستهل المحرم، من السنة.\rفتبعته عساكر المسلمين إلى فارس كور، وقاتلوه قتالاً شديداً وأخذوه أسيراً - هو وأخوه - واستولوا على عساكر الفرنج، وقتلوا منهم زيادةً عن عشرة آلاف فارس. وأسر من الخيالة والرجالة ما يناهز مائة ألف. وجيء بريدا فرنس وأخيه إلى المنصورة، فاعتقلا في دار فخر الدين بن لقمان بها. ورتب السلطان الأمير فخر الدين الطوري لقتل أسرى الفرنج فكان يقتل منهم في كل ليلة ثلاثمائة نفر، ويرميهم في البحر.\rوكتب السلطان الملك المعظم - كتاباً بخطه إلى الأمير جمال الدين موسى ابن يغمور النائب بدمشق، مضمونه بعد البسملة: ولده تورانشاه. الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. وما النصر إلا من عند الله. ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وأما بنعمة ربك فحدث. وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها. يبشر المجلس السامي الجمالي - بل يبشر الإسلام كافة - بما من الله به على المسلمين، من الظفر بعدو الدين. فإنه كان قد استفحل أمره، واستحكم شره، ويئس العباد من البلاد والأهل والأولاد. فنودوا: لا تيأسوا من روح الله.\rولما كان في يوم الأربعاء - مستهل السنة المباركة - تمم الله على الإسلام بركاتها - فتحنا الخزائن، وبذلنا الأموال، وفرقنا السلاح، وجمعنا العربان والمطوعة، واجتمع خلقٌ لا يحصيهم إلا الله تعالى، وجاؤوا من كل فجٍ عميق، ومن كل مكان بعيدٍ سحيق. ولما رأى العدو ذلك أرسل يطلب الصلح، على ما وقع الاتفاق بينهم وبين الملك الكامل، فأبينا. ولما كان الليل، تركوا خيامهم وأموالهم وأثقالهم، وقصدوا دمياط هاربين، ونحن في آثارهم طالبين. وما زال السيف يعمل في أدبارهم، عامة الليل. وحل بهم الحرب والويل.\rفلما أصبحنا نهار الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفاً، غير من ألقى نفسه في اللجج. وأما الأسرى فحدث عن البحر ولا حجر. والتجأ الإفرنسيس إلى المنية، وطلب الأمان فأمناه، وأخذناه وأكرمناه. وتسلمنا دمياط بعون الله تعالى، وقوته وجلاله وعظمته. وذكر كلاماً طويلاً.\rوبعث مع الكتاب غفارة ريدا فرنس إلى الأمير جمال الدين، فلبسها. وهي اسقلاط أحمر، تحته سنجاب، وفيها شكل يكلة ذهب. فنظم الشيخ نجم الدين محمد، بن الخضر بن إسرائيل، مقطعات ثلاثاً، ارتجالاً، وهي:\rإن غفارة الفرنسيس التي جا ... ءت حباءً لسيّد الأمراء\rكبياض القرطاس لوناً، ولكن ... صبغتها سيوفنا بالدّماء\rوقال - يخاطب الأمير جمال الدين:\rيا واحد العصر الذي لم يزل ... يجوز في نيل المعالي المدا\rلا زلت في عزٍّ وفي رفعةٍ ... تلبس أسلاب ملوك العدا\rوكتب عن الأمير جمال الدين مقدمة كتاب، للسلطان:\rأسيّد أملاك الزمان بأسرهم ... تنجّزت من نصر الإله وعوده\rفلا زال مولانا يبيح حمى العدا ... ويلبس أسلاب الملوك عبيده","part":8,"page":135},{"id":3646,"text":"ولما وصل هذا الكتاب بهذه البشرى، اجتمع عوام دمشق في العشرين من المحرم ودخلوا كنيسة مريم بالمغاني والبشائر، وهموا بهدمها. وأما النصارى ببعلبك فيقال إنهم سودوا وجوه الصور، التي في كنائسهم، حزنا على هذه الحادثة. فعلم بهم متولي البلد، فجناهم جنايةً شديدة، وأمر اليهود بصفعهم وضربهم وإهانتهم.\rوفيها نفى السلطان الملك المعظم الملك السعيد مجير الدين حسن، بن الملك العزيز عثمان، بن الملك العادل - وهو ابن عم أبيه - من الديار المصرية إلى الشام. ووصل إلى دمشق، واعتقل بعزتا ثم أفرج عنه، على ما نذكره - إن شاء الله تعالى.\rمقتل السلطان الملك المعظم\rكان مقتله - رحمه الله تعالى - في يوم الثلاثاء، السابع والعشرين من المحرم، سنة ثمان وأربعين وستمائة وسبب ذلك أنه لما ملك شرع يبعد مماليك والده وغلمانه وترابيه، ويقرب غلمانه الذين وصلوا معه من بلاد الشرق وجعل خادمه الطواشي مسرور أستاد داره، والطواشي صبيح أمير جاندار - وكان عبداً حبشيا فحلاً - وأمر أن يصاغ عصاة من ذهب، وأنعم عليه بالأموال والإقطاعات. وتوعد جماعةً من مماليك والده، وأهانهم. وكان يسميهم بأسمائهم، من غير أن ينعت أحداً منهم.\rوكان قد وعد فارس الدين أقطاي بالإمرة، فلم يف له. فاستوحش منه. وكانت والدة خليل - سرية أبيه - قد توجهت إلى القلعة لما وصل إلى الشام، فأرسل إليها يتهددها، ويطلب منها الأموال والجواهر. فيقال إنها خافته، وكتبت إلى المماليك الصالحية بسببه.\rفاجتمع منهم جماعةٌ، واتفقوا على قتله. فلما كان يوم الإثنين - سادس أو سابع عشرين المحرم، جلس السلطان على السماط، واجتمع الأمراء على العادة. فلما تفرقوا، تقدم أحد مماليك والده، وضربه بالسيف. فالتقى الضربة بيده، فانهزم الضارب فقام السلطان، ودخل إلى برجٍ خشب كان في خيمته، وقال: من ضربني ؟ قالوا: الحشيشية. فقال: لا والله، إلا البحرية ! والله لا أبقيت منهم بقية ! وقد عرفت الضارب واستدعى الجرائحي ليخيط يده.\rفاجتمع الجماعة الذين اتفقوا على قتله، وهجموا عليه، وبأيديهم السيوف مجذوبة. فهرب إلى أعلى البرج، وأغلق بابه. فحرقوه بالنار، فنزل من البرج، وهرب إلى البحر. فأدركوه، وضربوه بالسيوف ! فرمى نفسه في البحر، وهو يستغيث بهم، وتعلق بذيل أقطاي، واستجار به، فما أجاره. وهو يقول: دعوني أعود إلى الحصن، فوالله ما أريد الملك. وهم لا يلتفتون إلى قوله. وقتلوه في الماء، فمات قتيلاً حريقا غريقا ! وكانت مدة سلطنته واحداً وسبعين يوماً. وانهزم أصحابه الذين وصلوا صحبته من الشرق، واختفوا.\rوكان الذين باشروا قتل الملك المعظم، من مماليك أبيه، أربعة حكى عن سعد الدين مسعود، بن تاج الدين شيخ الشيوخ، أنه قال: أخبرني صادقٌ أن السلطان الملك الصالح، لما أمر الطواشي محسن الخادم بقتل أخيه الملك العادل - أمره أن يأخذ معه من المماليك من يخنقه، فعرض محسنٌ ذلك على جميع المماليك، فامتنعوا بأسرهم، إلا هؤلاء الأربعة، فإنهم أجابوه وتوجهوا معه، وخنقوا الملك العادل. فسلطهم الله تعالى على ولده الملك المعظم هذا، فقتلوه.\rقال أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي: وحكى لي العماد بن درباس، قال: رأى جماعةٌ من أصحابنا الملك الصالح نجم الدين في المنام، وهو يقول:\rقتلوه شرّ قتله ... صار للعالم مثله\rلم يراعوا فيه إلاًّ ... لا، ولا من كان قبله\rستراهم عن قليلٍ ... لأقلّ الناس أكله\rوالملك المعظم هذا هو آخر ملوك الدولة الأيوبية، بالديار المصرية، المستقلين بالملك. وملكت بعده شجر الدر.\rملك شجرة الدر\rوالدة خليل سرية الملك الصالح نجم الدين أيوب قال: ولما قتل الملك المعظم، اتفق الأمراء الصالحية والبحرية على إقامة شجر الدر - سرية السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب - وحلفوا لها، واستحلفوا جميع العساكر الشامية والمصرية.","part":8,"page":136},{"id":3647,"text":"وكانت المناشير والتواقيع تخرج باسمها. ويكتب عليها ما صورته: والدة خليل. ويكتب الموقع: خرج الأمر العالي المولوي السلطاني الخاتوني الصالحي، الجلالي العصمي الرحيمي - زاده الله شرفاً ونفاذا. وقد شاهدت منشوراً منها، هذه ترجمته. وتواقيعها موجودةٌ بأيدي الناس، إلى وقتنا هذا. وخطب باسمها على المنابر. واستقر الأمير عز الدين أيبك - التركماني الصالحي - أتابك العساكر.\rذكر استعادة ثغر دمياط من الفرنج وإطلاق ريدا فرنس\rقال: ثم حصل الاتفاق بين الأمراء وريدا فرنس - ملك الفرنج - على أن يسلم ثغر دمياط، ويحمل إليهم وظيفةً تقررت بينهم، ويطلقوه. فسلم إليهم الثغر في يوم الجمعة، ثالث صفر، سنة ثمانٍ وأربعين وستمائة. وتوجه هو - وأخوه وزوجته، ومن بقي من الفرنج - إلى بلادهم. فكانت مدة استيلائهم على الثغر أحد عشر شهرا، وتسعة أيام.\rانقراض الدولة الأيوبية من مصر\rكان سبب ذلك أن الأمراء اتفقوا على أن يتزوج الأمير عز الدين أيبك التركماني شجر الدر، فتزوجها، وخلعت نفسها من الملك، وسلمت السلطنة إليه - في التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة. وكانت مدة ملكها ثلاثة أشهر وقد قيل إن زواجه بها كان في سنة تسع وأربعين وستمائة وانتصب الأمير عز الدين في السلطنة، وتلقب بالملك المعز. وأقام معه الملك الأشرف: مظفر الدين موسى، بن صلاح الدين يوسف، بن الملك المسعود صلاح الدين أقسيس ملك اليمن، بن الملك الكامل - وكان عمره ست سنين. فأقام على ذلك زمناً، ثم حجبه الملك المعز، واستقل بالملك.\rوانقرضت الدولة الأيوبية من الديار المصرية.\rالأيوبيون في غير الديار المصرية\rوبقي من ملوكها من نذكرهم: بالشام، وحصن كيفا، ونصيبين، وميافارقين. وهم: الملك الناصر صلاح الدين يوسف، بن الملك العزيز غياث الدين محمد، بن الملك الظاهر غياث الدين غازين بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي - صاحب دمشق وحلب وحمص، وما مع ذلك وليس من الذرية الصلاحية من يخطب له بمملكة، سواه. ومن الذرية العادلية من نذكرهم.\rوهم: الملك المغيث فتح الدين عمر، بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر، بن الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد، بن أيوب - صاحب الكرك والشوبك.\rوالملك الموحد: تقي الدين عبد الله، بن الملك المعظم غياث الدين تورانشاه، بن الملك الصالح نجم الدين أيوب - صاحب حصن كيفا ونصيبين، وأعمال ذلك.\rوالملك الكامل ناصر الدين محمد، بن الملك المظفر شهاب الدين غازي، بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب - صاحب ميافارقين.\rومن الذرية الأيوبية: الملك المنصور ناصر الدين محمد، بن الملك المظفر تقي الدين محمود ابن الملك المنصور محمد، بن الملك المظفر تقي الدين أبي سعد عمر، بن شاهنشاه، بن أيوب - صاحب جاه.\rهؤلاء ابن أيوب ومن الذرية الأسدية: شيركوه بن شادي الملك الأشرف مظفر الدين موسى، بن الملك المنصور إبراهيم، بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، بن الأمير ناصر الدين محمد، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه، بن الأمير ناصر الدين محمد، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادي - صاحب تل باشر والرحبة.\rوسنورد في هذا الموضع نبذاً من أخبارهم، تدل على ملخص أحوالهم، إلى حين وفاة كل منهم، ومن قام بعده من أولاده، إن كان - على سبيل الاختصار.\rأما السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف، بن الملك العزيز، بن الملك الظاهر، ابن الملك الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب - فإنه كان بيده ملك حلب وأعمالها\rملك ذلك بعد وفاة والده الملك العزيز - كما تقدم - في سنة أربع وثلاثين وستمائة. ثم استولى على حمص، في سنة ست وأربعين وستمائة: انتزعها من الملك الأشرف موسى، بن الملك المنصور إبراهيم، بن شيركوه، وعوضه عنها تل باشر - وقد تقدم أيضاً. ثم استولى على دمشق.\rذكر استيلاء الملك الناصر على دمشق\rوفي سنة ثمان وأربعين وستمائة - بعد مقتل الملك المعظم تورانشاه - تجهز الملك الناصر من حلب بعساكره، فوصل إلى قارا في مستهل شهر ربيع الآخر.","part":8,"page":137},{"id":3648,"text":"وسبب ذلك أن الأمراء القيمرية، الذين بدمشق، كاتبوه وباطنوه على أخذها. فإن الأمير جمال الدين موسى بن يغمور - نائب السلطنة بها - اتفق هو والأمراء الصالحية النجمية، الذين كانوا بدمشق، وتظافروا، واجتمعت كلمتهم. فتغيرت بواطن الأمراء القيمرية، فكاتبوه، فسار إلى دمشق. ولما اتصل خبر مقدمه بالأمير جمال الدين بن يغمورن أحضر الملك السعيد بن الملك العزيز عثمان، من قلعة عزتا إلى دمشق - وكان قد اعتقله بها - كما تقدم، وأنزله في دار فرخشاه.\rوتقدم الملك الناصر بعساكره، ونزل القصر. ثم انتقلوا إلى داريا، في يوم السبت سابع الشهر. وزحفوا على المدينة يوم الأحد ثامنه، وجاؤوا إلى باب الصغير - وكان مسلماً إلى الأمير صارم الدين القيمري، وإلى باب الجابية وكان مسلماً إلى الأمير ناصر الدين القيمري. فلما انتهى العسكر الناصري إلى البابين، كسرت أقفالها من داخل المدينة، وفتح البابان، ودخل العسكر الناصري منهما.\rونهبت دار الأمير جمال الدين، بن يغمورن وسيف الدين المشد. ونهب عسكر دمشق، وأخذت خيولهم من إسطبلاتهم. ودخل الأمير جمال الدين بن يغمور القلعة، وبها الملك المجاهد إبراهيم. ثم نودي بالأمان.\rونزل الملك الناصر في دهليز ضرب له بالميدان الأخضر. ونزل الأمير شمس الدين لؤلؤ - أتابكه - في الجوسق العادلي. ثم انتقل الملك الناصر بعد ذلك إلى القلعة، واستولى على ما بها من الخزائن والذخائر. واعتقل الأمير جمال الدين بن يغمور، ثم أفرج عنه وأحسن إليه. واعتقل الأمراء الصالحية، وأرسلهم إلى الحصون، وأقطع أصحابه أخبازهم.\rوكان الملك الناصر داود - بن الملك المعظم - قد نزل بالعقيبة، فجاءه الملك السعيد بن الملك العزيز عثمان، فبات عنده ليلة. ثم هرب إلى قلعة الصبيبة - وكان بها أحد خدامه، وقد كاتبه - فوصل إليها وفتح له الباب، فدخلها واستقر بها.\rوتسلم الملك الناصر داود بعلبك من الحمدي، وتسلم بصرى وصرخد. ثم قبض عليه الملك الناصر يوسف بعد ذلك - في ثاني شعبان من السنة. وذلك أن السلطان كان قد مرض ونزل بالمزة، ونزل الناصر داود بالقصر بالقابون، فأرسل إليه الأمير ناصر الدين القيمري ونظام الدين بن المولى، فأحضراه إلى المزة، وضربت له خيمة واعتقل بها.\rواختلف في سبب القبض عليه: فنقل أنه كان قد طلب من السلطان دستوراً إلى بغداد، فأذن له وأعطاه أربعين ألف درهم، فأنفقها في الجند وعزم على قصد الديار المصرية. وقيل: إن الملك الصالح إسماعيل جاءه كتاب من الديار المصرية، فأوقف الأتابك شمس الدين لؤلؤ عليه. وأخبر القاصد أنه أحضر إلى الناصر داود كتاباً، فسئل عن ذلك، فأنكره. فنقم عليه السلطان بسبب ذلك. وقيل: بل أشار عليهم الملك الصالح إسماعيل بالقبض عليه، وقال أنتم ما تعرفونه، نحن نعرفه. وأنتم على قصد الديار المصرية، والمصلحة أن لا نتركه خلفنا، ولا نستصحبه.\rفقبض عليه، واعتقل بالمزة أياماً. ثم نقل في قلعة حمص، واعتقل بها. وأسكن أهله ووالدته وأولاده في خانقاه الصوفية، التي بناها شبل الدولة كافور الحسامي. ثم نقل إلى البويضا - وهي قرية قبلي دمشق، كانت تكون لعمه الملك المعز مجير الدين يعقوب بن العادل. وتوفي بها، كما تقدم.\rذكر توجه رسول السلطان الملك الناصر يوسف إلى الديوان العزيز ببغداد، وما جهزه صحبته من الهدايا والتقادم، وما أورده الرسول في الديوان العزيز من كلامه\rولما استولى الملك الناصر على دمشق، جهز الصاحب كمال الدين أبا حفص عمر بن أبي جراده - المعروف بابن العديم إلى الديوان العزيز.\rقال تاج الدين علي بن أنجب - المعروف بابن الساعي - في تاريخه: كان وصول كمال الدين بن أبي جراده إلى بغداد، في شعبان، سنة ثمانٍ وأربعين فأكرم، وخرج إلى لقائه موكب الديوان العزيزي، مصدراً بعارض الجيش، مجنحاً بخادمين من خدم الدار العزيزة. فالتقاه ظاهر البلد، ودخل معه. وقبل صخرة باب النوبي على العادة، وانكفأ إلى حيث أنزل.","part":8,"page":138},{"id":3649,"text":"وحضر - في اليوم الثالث من قدومه - دار الوزير، وأدى رسالته. وعرض ما صحبه من تحف وهدايا. ومن جملة ذلك: دار خشب بديعة الصنعة، وخمسة وعشرون جملاً، وعشرة أرؤس من الدواب: منها أربع بغلات، وبقيتها من جياد الخيل، مجللة بالأطلس وزرديات وخوذ - عمل الفرنج - ومائة وخمسين طقشاً، وثلاثمائة ترس لليد، وعشرين ثوباً سقلاط. ومن الثياب: الأطلس والروسي والخطائي والمموج، ومقاصير ونقايير وخياشى مذهبة، وحريري ألف وخمسمائة قطعة، وصناديق بها أواني ذهب وفضة مجوهرة، وثلاثمائة مجلد بخطوط منسوبة، وأصولٍ صحيحة الضبط، ومصحف كريم بخط ابن الخازن، وكتب عليه من نظمه قوله:\rوعليكم نزل الكتاب وفيكم ... وإلى ربوعكم نحنّ ونرجع\rقال: وكان قد جلس له الوزير في الشباك العالي، وجلس بين يديه على الصفة الطويلة، ظاهر الشباك، حاجبا باب النوبي - وذكر جماعةً. قال: ثم أذن للرسول في الدخول، وجلس إلى جانب حاجب باب النوبي. وقرأ القراء، ثم نهض الرسول، وخطب خطبةً بلغية من إنشائه.\rقال ابن أنجب: وكنت حاضرا ومن خطه الرائق نقلتها، وهذه نسختها:\rبسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله الذي أسبغ علينا جزيل النعمة. ودفع عنا وبيل النقمة. ومن علينا بالخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين. وجعلنا باقتفاء آثارهم والاهتداء بأنوارهم خير أمة.\rأحمده على هباته السنية، وصلاته الهنية، ومننه التي لا تحصى بحد ونعمه التي لا تستقصي بعد - حمد من لزمه الحمد ووجب. وتمسك من الطريقة المثلى بأقوى سبب. وأحلنا الله دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب.\rوأشهد أن لا إله الله وحده، شهادة من أزال عنه الشك ونفى، وخلص منه الإيمان وصفا. وتبوأ من منازل الفوز غرفا، واكتسب بطاعة إمامه فخرا وشرفا. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى المجتبي، ورسوله الذي اقتعد ذروة الشرف واجتبى. وتبوأ على المقامات رتبا، وفضل العالمين أصلا ونسبا - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ما هبت شمالٌ وصبا.\rوالصلاة والسلام على قسيم النبي في النسب، وشريكه في مدارج الفخار والرتب. واحدى ماله من المناقب والحسب: خليفة الله في أرضه. القائم بسننه وفرضه. المستخرج من عنصر النبوة، المخصوص بفضيلتي. العلم والأبوة: إمام الزمان، المتهجد بتلاوة القرآن. الذي هجر في حفظ دين الله وسنه. ودعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة. ذي الفضل المبين، والحق اليقين. الإمام الأواه: المستعصم بالله، أمير المؤمنين لا زالت جباه الملوك العظماء بثرى عتباته الشريفة موسومة. وأرزاق العباد بما جرى من أوامره اللطيفة مقسومة. والأقضية والأقدار جاريةً بما يوافق حكمه ومرسومة. والأقذية والأقذار بطول بقائه منفيةً محسومة:\rماذا يقول الذي يتلو مدائحه ... وقد أتتنا بها الآيات والسّور\rإن قال، فالقول يفنى دون غايتها ... وإن أطال، ففي تطويله قصر\rخليفة الله، لا تحصى مناقبكم ... إنّ البليغ بها في حصرها حصر\rأما الشفاعة عنكم في المعاد لنا ... لذي الكبائر والزّلاّت تدّخر\rأما النّدى من نداكم جاد صيّبه ... من بعد ما ضنّ، فاستسقى به عمر\rفالغيث في هذه الدنيا لنا بكم ... والغوث نرجوه في الأخرى وننتظر\rوبعد: فإن الله - وله الحمد - جعل لنا أئمةً خيرة، راشدين بررة. يهتدى بهداهم، ويجتدى نداهم. دفع عنا الشبة والياس، ورفع بهم النقمة والالتباس. وآخر نسل عم نبيه العباس. من تمسك بهداهم اهتدى. ومن حاد عن طريقهم حاد الله واعتدى. بحبهم يدرك الأمل والسول وطاعتهم مقرونةٌ بطاعة الله والرسول. تعظيمهم واجب مفترض. وبموالاتهم يدرك الفوز والغرض. أقرب الناس إلى الله من هو في ولايتهم عريق، وأولاهم بالنجاة من هو في بحر محبتهم غريق.","part":8,"page":139},{"id":3650,"text":"ولما كان عبد الديوان العزيز: يوسف بن محمد بن غازي - المستعصمي - ممن تقمص بلباس هذه الأوصاف، وتخصص باقتباس هذه الشيم الشراف. وتردى بالتمسك في هذه الحلة الجميلة، وتبدي بالتنسك بهذه الخلة الجليلة. واغتدى متقلباً في صدقات الديوان. واغتذى من نعمه بلبان الإحسان، وورث ولاء هذا البيت النبوي الفاخر، كابراً عن كابر، وأصبح أولاً في العبودية، وإن أمسى زمنه الآخر. وكان أحق العبيد بأن يقبل - لسلفه سوالف الخدم. وأولاهم بأن يسبل عليه معاطف أذيال الجود والكرم - أحب أن تظهر عليه آثار هذه النعمة، وأن يدرك بها الفضل في الدنيا، كما يرجو في الآخرة الرحمة.\rفارتاد من رعيته من يقوم مقامه في تقبيل الأرض، ويقف عنه هذا الموقف الجميل لأداء الفرض. ووجد هذا العبد المملوك - الماثل بين يدي مولانا: سلطان الوزراء وسيد الملوك - أقدمهم في ولايات هذه الدولة النبوية المعظمة أصلا، وأبلغهم في موالاة المواقف المقدسة المكرمة نسلا، وأصلبهم، عند العجم في دعوى الرق والولاء عودا. وأثبتهم في التعلق بدولة الحق والانتماء عمودا. فندبه إلى المسير إلى دار السلام. والنيابة عنه في هذا المقام. والطواف حول كعبة الرجاء والاستلام. وإنهاء ما تجدد من الأحوال بمصر والشام. وأن يضرع إلى عواطف الإفضال، ومشارع النوال، ويخضع لمواقف الآمال، وشوارع الإقبال في أن يحفظ له حق الآباء والجدود.\rوقد وقف العبد المملوك عنه في هذا الموقف الجليل، وحج عن فرضه إلى كعبة الجود والتأميل. وحظى باستلام حجر ركنها وفاز بالتقبيل. ويود مرسله لو فاز به أو استطاع إليه سبيل. فإنه قد حصل للعبد من القبول والثواب. ما أفاء على الأمل وزاد على الحساب. وتصدق عليه من الديوان العزيز بصدقة، يبقى فخرها في الأعقاب. ولا ينسخ حكمها مر السنين والأحقاب. والله تعالى يسبغ ظل الديوان العزيز على كافة أوليائه. ويمتعهم بدوام اقتدار سلطانه وطول بقائه. ويوزعهم شكر مولانا سلطان الوزراء وجزيل آلائه. ويتولى حسن مجازاته عنهم، فإنهم عاجزون. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليما.\rقد سير عبد الديوان العزيز: يوسف، إلى الخزائن المقدسة، والمواطن التي هي على التقوى مؤسسة - خدمةً على يد أقل مماليك الديوان وعبيده من طارف إنعام الديوان العميم وتليده، وسالف الإحسان القديم وجديده. وهو يضرع إلى العواطف الرحيمة، ويسأل من الصدقات العميمة، أن ينعم عليه بقبولها، والتقدم بحملها إلى الخزائن الشريفة ووصولها. وأن يكسى بذلك فخراً لا يبلى جدته مر الليالي والأيام. ولا يذهب نضرته كر السنين والأعوام. والسلام.\rفعند ذلك، أذن الوزير مؤيد الدين بن العلقمي في إحضار الهدايا والمد، المقدم ذكره، فأدخل شيئاً فشيئاً - والرسول قائم - إلى أن أحضر جميعه، وعرف قبوله. ثم انكفأ إلى منزله، واستحسن إيراده، واستجيد إنشاده وزيد في احترامه، وبولغ في إكرامه.\rالحرب بين الملك الناصر والملك المعز\rوفي سنة ثمان وأربعين وستمائة - أيضاً - كانت الحرب بين الملك الناصر، والملك المعز صاحب الديار المصرية.\rوذلك أنه لما استقر له ملك دمشق، وأضافها إلى ما بيده، حسن له أتابكه - شمس الدين لؤلؤ - والأمراء القيمرية، أن يقصد الديار المصرية، وينتزعها من الملك المعز: عز الدين أيبك التركماني. وكان شمس الدين لؤلؤ - المذكور - يستقل عساكر الديار المصرية، ويقول: أنا آخذ الديار المصرية بمائتي قناع !.\rفسار بجيوشه إليها، فخرج إليها الملك المعز بالعساكر المصرية. والتقوا واقتتلوا بمنزلة الكراع، بالقرب من الخشبي. فكان الظفر له أولاً، وبلغت الهزيمة بالعسكر المصري إلى القاهرة. ومنهم من فر إلى جهة الصعيد وذلك في يوم الخميس، العاشر من ذي القعدة من السنة. واتصل خبر الهزيمة بمن بقلعة الجبل، فخطب للملك الناصر بها - في يوم الجمعة الحادي عشر من الشهر.","part":8,"page":140},{"id":3651,"text":"ولما حصلت هذه الهزيمة على العسكر المصري، ثبت الملك المعز في نحو ثلاثمائة فارس أبطال أصحابه. وحلم بهم على الصناجق الناصرية، رجاء أن يكون الملك الناصر تحتها، فيظفر به. وكان الملك الناصر قد احتاط لنفسه واعتزل المعركة، وتحيز إلى فئة. فرجع إلى الشام - وصحبه نوفل الزبيدي، وعلى السعدي. وكان من انهزام عساكره وتمزيق جيوشه، وقتل أتابكه، ما نذكره في أخبار الملك المعز - جرياً على القاعدة.\rوكان الأتابك شمس الدين لؤلؤ قد أسر، فأراد الملك المعز إبقاءه، وأشار عليه بذلك الأمير حسام الدين بن أبي علي، وقال: لا تقتله، فإنك تأخذ به الشام. فقال الأمير فارس الدين أقطاي: هذا الذي يقول: إنه يأخذ مصر بمائتي قناع ! فضربوا عنقه !. وكان - رحمه الله تعالى - أرمني الجنس، صالحا عابدا، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر. وقتل وقد ناف على ستين سنة.\rولما حصلت هذه الوقعة، تأكدت أسباب الوحشة بين الملكين: الناصر والمعز، وثارت الفتن بينهما. وتجردت الجيوش من كل من الطائفتين مقابلة الأخرى، إلى أن قدم الشيخ نجم الدين البادرائي رسول الخليفة، فأصلح بين الملكين. ووقع الاتفاق على أن يأخذ الملك المعز من الملك الناصر القدس وغزة، وجميع البلاد الساحلية، فتسلم ذلك. وحلف كلٌ من الملكين للآخر. ثم استعاد الملك الناصر ذلك من الملك المعز، لما التحق بها لأمراء البحرية عند هربهم من الديار المصرية، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاي - على ما نذكر ذلك - إن شاء الله تعالى. فلنذكر خلاف ذلك من أخباره.\rذكر اتصال السلطان الملك الناصر بابنة السلطان علاء الدين كيقباذ\rوفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة، وصلت الخاتون الكبرى، ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ السلجقي - صاحب الروم، وأمها ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب - صحبة الشريف عز الدين المرتضى - وكان السلطان قد عقد نكاحها قبل ذلك، فزفت إليه الآن. ووصلت إلى دمشق، واحتفل لها إحتفالاً عظيماً، وتلقاها القضاة والأكابر، وقدموا لها التقادم الكثيرة، وتجمل الملك الناصر لقدومها تجملاً، لم ير الناس مثله.\rوفي هذه السنة، توفي الملك القاهر: نصرة الدين بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - وهو عم والد الملك الناصر. وكانت وفاته بحلب - رحمه الله تعالى.\rوفي سنة أربع وخمسين وستمائة\rفتحت المدرسة الناصرية، التي عمرها الملك الناصر داخل باب الفراديس بدمشق، وذكر بها الدرس بحضرة السلطان.\rوفيها شرع الملك الناصر في عمارة تربته ورباطه، غربي قاسيون.\rوفيها وصل الشيخ نجم الدين البادرائي رسولا من جهة الخليفة، إلى دمشق. فرتب له في كل يوم مائة دينار، والإقامات الوافرة. وبنيت له المدرسة البادرائية بدمشق - وكانت قبل ذلك الدار المعروفة بأسامه.\rوفيها - أيضاً - كانت وفاة الملك المعز مجير الدين يعقوب، بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب. ودفن بتربة والده بالمدرسة العادلية بدمشق، وحضر السلطان جنازته وغلق البلد. وخلف ولدين وهما: شهاب الدين غازي المعروف بالأسود، وسيف الدين أبو بكر، وابنة - رحمه الله.\rوفيها كانت وفاة الشيخ الإمام، العالم الواعظ، شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قزغلي: سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي. كان والده قزغلي تركياً من عتقاء الوزير عون الدين بن هبيرة، زوجه أبو الفرج بن الجوزي ابنته، فولدت شمس الدين هذا، فنسب إلى جده، لا إلى أبيه.\rوكانت وفاته بدمشق في ليلة الثلاثاء، حادي عشر ذي الحجة، بمنزله بقاسيون، ودفن هناك. ومولده في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ببغداد. وشهد السلطان جنازته. وكان كريماً على الملوك الأيوبية، تقدم من أخباره ما يدل على ذلك. وله مصنفات منها: مرآة الزمان - رحمه الله تعالى.\rوفي سنة ست وخمسين وستمائة:\rكانت وفاة الأمير سيف الدين: علي بن عمر بن قزل التركماني، الياروقي، المصري المولد والمنشأ، الدمشقي الوفاة، المعروف بالمشد. ودفن بقاسيون. ومولده في شوال سنة اثنتين وستمائة. وكان فاضلاً أديباً. وله ديوان شعر مشهور - رحمه الله تعالى.","part":8,"page":141},{"id":3652,"text":"وفيها توفي الشيخ محي الدين: محمد بن علي بن محمد بن أحمد، الطائي الحاتمي، المعروف بابن العربي، بدمشق - في ثاني جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون. ومولده في سابع عشر رمضان، سنة ثمان عشرة وستمائة.\rالملك الناصر ومراسلته هولاكو\rوغير ذلك من أحواله - إلى أن قتل - رحمه الله قالوا: ولما اتصل بالملك الناصر صلاح الدين ما ذكرناه، من أخبار هولاكو، واستيلائه على الممالك، وتقدم جيوشه، ارتاع لذلك وسقط في يده. وكان قبل ذلك قد تغافل عن مراسلة هولاكو منذ وصل إلى العراق، فاستدرك الفارط، وجهز ولده الملك العزيز إلى خدمته، وبعث معه كتاباً إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، والتمس منه أن يحسن السفارة بينه وبين هولاكو، ويعتذر عنه. وكتب علاء الدين بن يعيش - كاتب الملك الناصر - كتاباً إلى صاحب الموصل، يذكر أنه سير ولده إلى خدمة هولاكو، واستشهد فيه بقول الشاعر: والجود بالنفس أقصى غاية الجود: فقال الملك الناصر: لو استشهدت ببيتي أبي فراس كان أنسب. فقال: وما هما ؟ قال: قوله:\rفدى نفسه بابنٍ عليه كنفسه ... وفي الشّدّة الصّمّاء تفنى الذّخائر\rوقد يقطع العضو النّفيس لغيره ... ويدفع بالأمر الكبير الكبائر\rفأصلح الكاتب الكتاب.\rوتوجه الملك العزيز بالهدايا النفيسة والتحف، وذكر الملك الناصر زين الدين الحافظي والأمير سيف الدين الجاكي، وجماعةً من الحجاب - وذلك في سنة خمس وخمسين وستمائة.\rفلما وصلوا إلى هولاكو وقدموا التقادم، سأل عن سبب تأخر الملك الناصر عن خدمته. فاعتذروا أن الفرنج بجوار بلاده، وأنه خشى إن فارقها أن يستولى عدوه عليها، وأنه سير ولده ينوب عنه. فأظهر هولاكو قبول العذر - وباطنه بخلاف ذلك - وأعادهم. وكان وصوله إلى الملك الناصر في سنة سبع وخمسين وستمائة.\rفعرف الزين الحافظي الملك الناصر أن هولاكو أقبل عليهم، وأحسن إليهم. فقال بعض الأمراء، الذين كانوا في صحبة الملك العزيز: ليس الأمر كذلك، وإنما الزين الحافظي كان يتردد إلى هولاكو ويجتمع به سراً، وأطمعه في البلاد. وكان الأمر كذلك.\rوفي خلال ذلك، وصل الأمراء الشهروزورية إلى الشام، عند انهزامهم من هولاكو - وكانوا نحو ثلاثة آلاف فارس. فأشار الأمراء القيمرية باستخدامهم، ليكثر بهم جمعه ويستظهر بهم على أعدائه. فاستخدمهم، وأنعم عليهم وأحسن إليهم، ووصلهم بالأموال، وهم لا يزدادون إلا طلبا.\rثم بلغه عنهم أنهم مالوا إلى الملك المغيث صاحب الكرك، فزاد في الإحسان إليهم، فلم يفد ذلك فيهم. ثم فارقوه، وقصدوا الملك المغيث واتصلوا به. فاجتمع عند البحرية والشهرزورية، فقويت نفسه وطمع في أخذ دمشق، وكاتب جماعةً من الأمراء الناصرية وكاتبوه.\rفاتصل ذلك بالملك الناصر، فأنعم على أمرائه وطيب خواطرهم، وجدد عليهم الأيمان. فامتنع جماعةٌ من الأمراء العزيزية - مماليك والده - من الحلف، فزادهم وبالغ في الإحسان إليهم، ولم يكلفهم اليمين.\rثم بلغه أن الملك المغيث خرج من الكرك لقصد دمشق. فخرج بعساكره في أوائل سنة سبع وخمسين، ونزل ببركة زيزا، وخيم بها نحوا من ستة أشهر. ثم وقع الصلح بين الملكين. وحصل الاتفاق على أن يسلم الملك المغيث إليه البحرية، فسلم إليه من نذكره منهم.\rوعاد إلى دمشق. فلما استقر بها، بلغه أن هولاكو وصل إلى حران، ونازلها بعساكره. فاستشار الأمراء فيما يفعله. فأشاروا عليه أن يخرج الشامي إلى ظاهر دمشق، وصمموا على قتال هولاكو. فخرج بعسكره وخيموا بظاهر برزة. فصار نجم الدين الحاجب والزين الحافظي - وجماعةٌ معهما - يذكرون شدة عزم هولاكو، ويعظمون أمره، ويقولون: من الذي يلتقي مائتي ألف فارس ؟؟؟! فضعفت نفسه عن ملاقاته.","part":8,"page":142},{"id":3653,"text":"ثم بلغه أن هولاكو ملك قلعة حران، وأنه عزم على عبور الفرات إلى جهة الشام، ومنازلة حلب. فازداد ضعفاً إلى ضعفه. فاجتمعت آراء الأمراء والعساكر أن يسيروا نساءهم وأولادهم إلى الديار المصرية، ويقيمون هم في خدمة الملك الناصر جرائد، ففعلوا ذلك. وبعث الملك الناصر زوجته: ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو السلجقي صاحب الروم - وكان قد تزوج بها في سنة تسع وأربعين وستمائة - إلى الديار المصرية، وبعث معها ولده وأمواله وذخائره. وكذلك فعل جميع أمرائه وأجناده، وصار الجند يتوجهون بنسائهم على أنهم يوصلونهم ويرجعون، فمنهم من يعود، ومنهم من لا يعود. فتفللت العساكر وتفرقت الجنود، وضعفت النفوس. ولم يبق مع الملك الناصر إلا جماعة من أمرائه جرائد.\rونازل هولاكو مدينة حلب في المحرم، سنة ثمانٍ وخمسين وستمائة. وفتحها عنوة. وسفك فيها من الدماء ما لم يسفك مثله، ببلاد العجم ! وأسر التتار من النساء والصبيان ما يزيد على مائة ألف.\rثم فتح قلعة حلب، في حادي عشر ربيع الأول من السنة، وأخذ جميع ما فيها. وأسر أولاد الملك الناصر وأمهاتهم. وخرج إليه الملك المعظم تورانشاه بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - وكان شيخاً كبيراً - فلم يتعرض هولاكو إليه، وأمنه على نفسه. ومات الملك المعظم بعد أيام يسيرة. واستمر هولاكو بالوزير المؤيد بن القفطي، على حاله.\rفورد الخبر على الملك الناصر بأخذ حلب، وهو نازل على برزة. فاستشار الأمراء، فأشاروا عليه أن يتأخر إلى غزة، وأن يكاتب الملك المظفر قطز ويستدعيه بعساكر الديار المصرية، ليجتمع الكل على لقاء هولاكو، ودفعه عن البلاد.\rفعمل برأيهم. ورحلوا يوم الجمعة بعد الصلاة، منتصف صفر، سنة ثمان وخمسين وستمائة. فانقضت مملكة الملك الناصر في ذلك اليوم.\rوكانت مدة ملكه بحلب ثلاثاً وعشرين سنة، وسبعة أشهر، ومدة ملكه منها بدمشق عشر سنين، إلا خمسين يوماً. ونزل الملك الناصر بمن معه على غزة، وأقام بها.\rولما توجه الملك الناصر، دخل الزين الحافظي إلى دمشق وجمع أكابرها، واتفقوا على تسليم دمشق لنواب هولاكو، وأن يحقنوا دماء أهلها. فتسلمها فخر الدين المردغاوي وابن صاحب أرزن والشريف علي - وكان هؤلاء رسل هولاكو إلى الملك الناصر - وكانوا عنده بظاهر دمشق: فلما دخلوا إليها وتسلموا قلعتها، كتبو بذلك إلى هولاكو. فسير إليها المان التتري وعلاء الدين الكازي العجمي، نواباً، وأمرهما هولاكو أن لا يخرجا عن إشارة الزين الحافظي. وأوصاهما بالإحسان إلى أهل دمشق.\rثم بلغ هولاكو وفاة أخيه منكوقان، فعاد من حلب - كما قدمناه في أخباره.\rوبعث كتبغانوين في جيش كثيفٍ إلى الشام فوصل كتبغا إلى دمشق، وأقام بها أياماً، ورحل عنها إلى مرج برغوث. ثم وصل الملك الأشرف صاحب حمص من عند هولاكو - وكان قد توجه إلى خدمته وهو بحلب - فعاد، وبيده مرسومة، أن يكون نائب المملكة بدمشق وحلب، وجميع البلاد الشامية.\rفاجتمع بكتبغا في مرج برغوث. فبعث إلى الزين الحافظي ونواب دمشق بالاتفاق مع الملك الأشرف، على مصالح البلاد. ثم عصى بعد ذلك محمد بن قرمجاه، وجمال الدين بن الصيرفي - نقيب قلعة دمشق - وأغلقوا أبواب القلعة. فحصرها كتبغا ومن معه وقاتل قتالاً شديداً، ثم تسلمها بالأمان. فكتب الزين الحافظي بذلك إلى هولاكو، فعاد جوابه بقتل محمد ابن قرمجاه وجمال الدين بن الصيرفي. فقال كتبغا للزين الحافظي: أنت كتبت إلى هولاكو بسببهم، فاقتلهم أنت. فقتلهما الزين الحافظي صبراً، بيده وسيفه، بمرج برغوث.\rوبعث كتبغا نوين جيشا إلى نابلس، وقدم عليهم كشلوخان، فمضى إليها، وبها فخر الدين إبراهيم بن أبي ذكرى، نائب السلطنة بها. فركب ومعه الأمير علي بن الشجاع الأكتع، وفخر الدين درباس المصري وجماعة، فصادفهم كشلوخان في زيتون نابلس، فقتلهم بأجمعهم.","part":8,"page":143},{"id":3654,"text":"قال: ولما اتصل بالملك الناصر ومن معه من الأمراء وصول كشلوخان إلى نابلس وما فعله، حملهم الخوف على دخول الرمل فبلغ الملك المظفر دخولهم، فتوهم أن ذلك مكيدةٌ لتملك الديار المصرية. فكتب إلى الأمراء الناصرية والشهرزورية، يعدهم بالإكرام والإحسان إن وصلوا إليه. ففارقوا الملك الناصر ومضوا إلى المظفر، أولاً فأولا. ولم يبق مع الملك الناصر إلا الملك الصالح نور الدين إسماعيل بن صاحب حمص، والأمير ناصر الدين القيمري، وأخوه شهاب الدين، وابن عمه شهاب الدين يوسف بن حسام الدين. فوصلوا إلى قطيا.\rثم خشى عاقبة دخوله إلى الديار المصرية، فعطف من قطيا، وسلك البرية إلى الشوبك بهم. فوصلوا إليها، ولم يبق لكل واحد منهم إلا الفرس الذي تحته، وكل منهم في نفرين أو ثلاثة، وقد نهبت خزائنهم وأموالهم وذخائرهم وبيوتات الملك الناصر.\rثم توجه الملك الناصر بمن معه إلى الكرك. وأرسل إليه الملك المغيث ما يحتاج إليه من الخيل والأقمشة والبيوتات وغير ذلك، وعرض عليه المقام عنده، والانفراد بالشوبك. وقصد مكافأته عن سالف إحسانه، فإنه كان قد أحسن إلى ولده الملك العزيز فخر الدين عثمان، لما توجه إليه إلى دمشق - على ما نذكره. فلم يجب الملك الناصر إلى ذلك، ومضى إلى البلقاء وأقام بأطراف البلاد.\rوسير حسين الكردي الطبردار إلى كتبغا نوين، يلتمس أمانه. وقيل: بل حسين الكردي، لما شعر بالملك الناصر، توجه إلى كتبغا وأعلمه بمكانه. فركب كتبغا بنفسه في جيش كثيف إلى الملك الناصر وقبض عليه، وعلى من معه. فاعتقل الأمراء القيمرية بدمشق. وكان الملك الظاهر - أخو الناصر - نازلاً على قلعة صرخد بحربها، بأمر هولاكو. فأمر كتبغا بطلبه، وقبض عليه. وجاء إلى قلعة عجلون وحاصرها - والملك الناصر معه - وقدمه إلى القلعة، فأمر من بها أن يسلموها، فسلموها بعد امتناع.\rثم جهز الملك الناصر وأخاه الملك الظاهر، والملك الصالح بن الملك الأشرف، صاحب حمص، إلى هولاكو - وصحبتهم الملك العزيز فخر الدين عثمان، بن الملك المغيث صاحب الكرك. فأخبرني المولى الملك العزيز المشار إليه - مد الله في عمره - أنهم توجهوا جميعاً إلى هولاكو، واجتمعوا به بتوريز. فأما الملك العزيز فأعاده بعد يومين أو ثلاثة، فوصل إلى دمشق - على ما نذكره. وأما الملك الناصر وابنه الملك العزيز، والملك الظاهر، وابن صاحب حمص - فإن هولاكو أخرهم عنده.\rقال: وبلغني أنه سأله عن أحوال الديار المصرية وعساكرها، فهون أمرها عنده، والتزم له بفتحها، وحمل أموالها وأموال الشام إليه. ولم يزل يتلطف إلى أن أمر بعوده.\rفلما رجع من عنده، لقيه من سلم من الجيش الذين كانوا مع كتبغا نوين، لما كسرهم الملك المظفر قطز. فقبضوا عليه وأعادوه معهم إلى هولاكو. وقالوا له: ما كان على عسكرك أضر من مماليك هذا، ومماليك أبيه. وهم الذين قاتلونا وقتلوا كتبغا نوين، وهزموا عساكرك. فأمر بضرب عنقه، وعنق ولده الملك العزيز، وأخيه الملك الظاهر، وابن صاحب حمص - وذلك في سنة ثمان وخمسين وستمائة.\rواجتمع الناس لعزائه بجامع دمشق في سابع جمادى الأولى، سنة تسع وخمسين وستمائة. ومولده بقلعة حلب في يوم الأربعاء تاسع شهر رمضان، سنة سبع وعشرين وستمائة.\rوكان - رحمه الله تعالى - ملكا حليماً كريماً، لم يكن لأحد من الملوك قبله - فيما سمعنا - ما كان له من التجمل. فإنه كان يذبح في مطبخه في كل يوم، أربعمائة رأس من الغنم الكبار - خارجاً عن الخراج الرضع والأجدية والدجاج والحمام. وكان الغلمان يبيعون فضلات الطعام بظاهر قلعة دمشق، بأبخس الأثمان، حتى استغنى أهل دمشق في أيامه عن الطبخ في بيوتهم.\rحتى حكى عن علاء الدين علي بن نصر الله، قال: جاء السلطان إلى داري بغتة، ومعه جماعة من أصحابه. فمددت له في الوقت سماطا، فيه من الأطعمة الفاخرة والدجاج المحشو بالسكر والحلويات شيئاً كثيراً. فعجب من ذلك، وقال: في أي وقت تهيأ لك هذا كله ؟ فقلت: والله هذا كله من نعمتك وسماطك، ما صنعت منه شيئاً، وإنما اشتريته من عند باب القلعة.","part":8,"page":144},{"id":3655,"text":"وحكى مباشرو البيوت بدمشق أن نفقة مطابخه كانت في كل يوم تزيد على عشرين ألف درهم. وكان إذا مات أحدٌ من أرباب الوظائف في دولته، وله ولدٌ فيه أهلية، فوض ما كان بيده من المناصب لولده. فإن كان صغيراً استناب عنه إلى أن يصلح. ومن مات من أرباب الرواتب والصدقات، أقر ما كان باسمه باسم أولاده - رحمه الله تعالى.\rوكان له شعر رقيق جيد. فمن شعره قوله، يتشوق إلى حلب:\rسقى حلب الشهباء في كل لزبةٍ ... سحابة غيثٍ نوءها ليس يقلع\rفتلك ربوعي، لا العقييق ولا الغضا ... وتلك دياري، لا زرود ولعلع\rإلا أنه كان ضعيف الرأي، شغلته الملاذ والشعر والغزل وتلحين الأقوال عن النظر في أمر دولته. فآل أمره إلى ما ذكرناه.\rهذا ما كان من أمر الملك الناصر - على سبيل الاختصار.\rوبقي بعد مقتله عند التتار صغار أولاده، الذين أسروا من حلب، زمناً طويلاً بعد أن هلك هولاكو. ومات بعضهم هناك. وبقي منهم ولده الصغير نجم الدين أيوب، فحضر إلى الشام، ثم إلى الديار المصرية، ورتب له راتب من جهة الملوك - أسوة أولاد الملوك الأيوبية. وهو باقٍ إلى وقتنا هذا، مقيم بالقاهرة المعزية - حماها الله تعالى.\rوأما الملك المغيث فتح الدين عمر ابن السطان الملك العادل، بن السلطان الملك الكامل، بن السلطان الملك العادل بن أيوب - صاحب الكرك والشوبك\rفإنه لما قبض الأمراء على والده - كما قدمنا ذكر ذلك - وملك عمه الملك الصالح نجم الدين أيوب الديار المصرية، مشى في خدمته مدة. ثم رأى منه نجابةً ونبلاً وشهامة، فأمر باعتقاله في الدار القطبية عند عمة السلطان وعمة والد الملك المغيث - وهي ابنة السلطان الملك العادل، أخت الملك الكامل - رحمهم الله تعالى. فلم يزل عندها، إلى أن مات الملك الصالح وملك ولده الملك المعظم تورانشاه. فأمر بإرساله إلى قلعة الشوبك، واعتقاله بها. وندب لذلك الأمير عز الدين الحلي، والأمير سيف الدين بلبان النجاحي، فتوجها به إلى الشوبك، واعتقلاه بها، وعادا إلى الديار المصرية.\rفما كان بأسرع من أن قتل الملك المعظم تورانشاه - كما ذكرنا - فلما اتصل خير مقتله بابن رسول، وشهاب الدين عمر بن صعلوك - وكانا متوليي أمر الشوبك - نهضا وأخرجا الملك المغيث من الاعتقال، وملكاه وحلفا له، وحلفا من عندهما - وكانوا نحو عشرة - وحلفاه بالوفاء لهم. فأرسل إليهما بدر الدين بدر الصوابي الخادم - النائب بقلعة الكرك - وأنكر عليهم إقدامهما على هذا الأمر بغير إذنه. فأرسلا إليه يقولان: بك فعنا ذلك. فأعاد عليهما الجواب: إذا كان كذلك، فانقلاه إلى عندي.\rفحلف للملك المغيث وحلف الملك المغيث له، وتوثق كلٌ منهما من صاحبه بأكيد الإيمان. فانتقل الملك المغيث من الشوبك إلى الكرك - في سنة تسع وأربعين وستمائة. وتسلم ما بها من الخزائن، التي بقيت مما نقل إليها الملك الصالح نجم الدين أيوب - بعد ما أخذه الملك المعظم منها. فوجد بها تسعمائة ألف وتسعين ألف دينار عيناً. واستمر بالكرك والشوبك، ورزق بها أولاده.\rوراسل الملك الناصر صلاح الدين يوسف - صاحب دمشق وحلب - وأرسل إليه والده الملك العزيز: فخر الدين أبا المظفر عثمان، برسالة. فأكرمه الملك الناصر وأبره وقربه، وأجلسه في مجلسه بالقرب منه. ورتب له في كل يوم ألف درهم، وأربعمائة جراية وأربعمائة عليقة، وغير ذلك، ونقله في مستنزهات دمشق، وأقام عنده نحو ثلاثة شهور. ثم ركبه الملك الناصر بشعار السلطنة، وأعاده إلى أبيه. وقد عامله بنهاية البر وغاية الإكرام.\rوكان للملك المغيث أخبارٌ، يأتي ذكرها في أثناء دولة الترك.\rوبعث الملك المغيث ولده العزيز إلى هولاكو، يلتمس له أمانا. وجهز معه شهاب الدين بن صعلوك والنجيب خزاعة - وهما أعيان أصحابه.","part":8,"page":145},{"id":3656,"text":"فأخبرني الملك العزيز أنه اجتمع بهولاكو بتوريز، فأمره بالجلوس، مع صغر سنه في ذلك الوقت. فنظرت إليه الخاتون - زوجة هولاكو - وسألته بترجمان عن أمه، وهل هي باقيةٌ أم لا ؟ فقال: هي باقيةٌ عند أبي. فقالت للترجمان: قال له: تحب أن أردك إلى أبيك وأمك، أو تقيم عندي ؟ قال: فأعدت عليها: أنه لا أمر لي في هذا، وإنما أبى أرسلني إلى القان يسأله الأمان لنفسه ولمن عنده، وأنا تحت أوامره. فنهضت قائمةً وكلمت هولاكو، وشفعت. فأشار إليها، فقالت: قد أعطاك القان أماناً لأبيك، ودستورا بالعود !.\rقال: فضربت له جوكاً، ورجعت من عنده. وأرسل معي من التتار من يوصلني إلى الكرك، ويكون بها شحنه. قال: فلما وصلت إلى دمشق نزلت بدار العقيقي، ونزل التتار بمدرسة العادلية. وكان كتبغا نوين قد توجه للقاء العساكر المصرية. فكانت الكسرة على التتار - على ما نذكره.\rقال: فاتصل الخبر بنا، فتحصنا بدار العقيقي. فلما كان في نصف الليل رجع التتار هاربين. فقصدوا أخذي معهم، فمانع عني من معي، وأعجلهم الهرب عن حصار الدار، فتركوني. قال: ولما جاء الأمير جمال الدين المحمدي إلى دمشق - قبل وصول الملك المظفر قطز إليها - خرجت إليه وتلقيته، وسلمت عليه. فسأل عني، فأخبر أنني ابن الملك المغيث، فعوقني إلى أن قدم السلطان الملك المظفر قطز. فأمر بإرسالي إلى قلعة الجبل.\rفنقل إليها. فكان بها معوقاً في برج، عند الأمير سيف الدين بلبان النجاحي. إلى أن أعاده الملك الظاهر بيبرس إلى أبيه الملك المغيث - على ما نذكره إن شاء الله تعالى، في أخباره.\rولم يزل الملك المغيث بالكرك والشوبك، إلى أن استولى الملك الظاهر على الشوبك، لأربعٍ بقين من ذي الحجة، سنة تسع وخمسين، عندما جرد إليها الأمير بدر الدين الأيدمري. وبقي بيد الملك المغيث الكرك وأعمالها. ثم حصل الاتفاق بين السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس والملك المغيث، وحلف السلطان الملك الظاهر له يميناً مستوفاة، وأشهد عليه بما تضمنه مكتوب الحلف.\rوقد شاهدت المكتوب. وهو بخط القاضي فخر الدين: إبراهيم بن لقمان - صاحب ديوان الإنشاء. وما فيه من اسم السلطان بخط السلطان، ومثاله: بيبرس.\rونسخة هذه اليمين - على ما شاهدته ونقلت منه: بسم الله الرحمن الرحيم أقول وأنا بيبرس. والله والله والله، وتا لله وتا لله وتا لله، وبا لله وبا لله وبا لله، العظيم الرحمن الرحيم، الطالب الغالب الضار النافع، عالم الغيب والشهادة والسر والعلانية، القائم على كل نفس بما كسبت، والمجازى لها بما احتسبت. وجلال الله وعظمة الله وكبرياء الله، وسائر أسماء الله الحسنى وصفاته العليا - إنني من وقتي هذا وساعتي هذه، وما مد الله في عمري، قد أخلصت نيتي وأصفيت سريرتي، وأجملت طويتي، في موافقة المولى: الملك المغيث فتح الدين عمر، بن سلطان الشهيد الملك العادل سيف الدين أبي بكر،بن محمد، بن أبي بكر بن أيوب، ومصافاته ومودته.\rلا أضمر له سوءاً ولا غدراً ولا خديعة ولا مكراً لا في نفسه ولا في ماله، ولا في أولاده، ولا في مملكته ولا في قلعته، ولا في بلاده، ولا في أمرائه، ولا في أجناده، ولا في غلمانه، ولا في مماليكه، ولا في ألزامه ولا في عربانه، ولا في رعيته، ولا فيما يتعلق به وينسب إليه، من قليل وكثير.\rوإنني والله لا أعارضه ولا أشاققه، ولا آمر من يعارضه في بلاده الجارية في مملكته، وهي: قلعة الكرك المحروسة، وربضها وسائر عملها، والغور المعروف بغور زغر - بكماله، وحد ذلك من القبلة الحسا، ومن الشمال حد الموجب نصف القنطرة والمسيل، ومن الشرق الثنيتين، ومن الغرب السبخة المعروفة بأبي ضابط، ومنتهى حد الغور المذكور من القبلة الكثيب الرمل المعروف بالدبة، ومن الشمال الماء النازل من الموجب إلى البحيرة.","part":8,"page":146},{"id":3657,"text":"وإنني واله لا آمر ولا أشير، ولا أكتب، ولا آذن بصريح ولا بكناية، ولا بقول لأحد، في التعرض لبلاده المذكورة، ولا السعي فيها بفساد. وإنني ولله متى حضر المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور إلى خدمتي، عند حلولي بالشام المحروس، لمنازلة عدو يطرق بلادي، أو لعدو يطرق بلاده، لا أتعرض إليه بأذية، ولا أقصده بسوء في نفسه ولا في ما له ولا في بلاده، ولا في أمرائه ولا في أجناده، ولا في عربانه ولا في مماليكه، ولا في رعيته، ولا فيمن يصل صحبته من أصحابه.\rوإنني والله لا أطالبه، و أطالب أحداً من أمرائه وأجناده، وأصحابه ومماليكه ولا من غلمانه، ولا من رعيته ولا من عربانه، ولا أحداً من سائر أصحابه، بسبب متقدم إلى تاريخ هذه اليمين المباركة. ولا أمكن أحداً من أمراء دولتي، ولا من جندها، ولا من سائر مماليكي، وأصحابي من الجماعة البحرية وغيرهم، من مطالبته ولا مطالبة أحد من أمرائه وأجناده ومماليكه ورعيته، وسائر أصحابه، أهل الكرك وغيرهم، بسبب متقدم عن تاريخ هذه اليمين المباركة - صامت كان أو غير صامت - من قماش وأثاث، وغير ذلك.\rوإنني والله، لا أستخدم أحداً من أمراء المولى الملك المغيث: فتح الدين عمر المذكور، ولا من أجناده ولا من أجناد أمرائه، ولا من مماليكه ولا من مماليك أمرائه، ولا من عربانه ولا من غلمانه، إلا من انفصل عنه بدستور. ومتى تسحب أحد من أمرائه أو أجناده، أو أجناد أمرائه أو مماليكه، أو ممالك أمرائه أو غلمانه أو عربه، أو غير ذلك من أصحابه وفلاحي بلاده، وحضر إلى بلادي أو إلى مملكة من ممالكي، والتمس عوده إليه - تقدمت بإعادته إليه، بجهدي وطاقتي.\rوإنني والله متى قصد بلاد المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور عدو - مسلماً كان أو كافراً - أعنته على دفعه وزجره وردعه، جهدي وطاقتي. وإنني والله، متى تعرض أحد من عرب بلادي إلى بلاد المولى الملك المغيث فتح الدين عمر المذكور، أو إلى جهة من جهات مملكته، أو إلى أحد من رعيته أو أحد من سائر أصحابه، أو سعى بفساد فيما يتعلق بمملكته، واطلعت عليه - تقدمت بزجره وردعه عن ذلك، وفعلت في أمره ما تقتضيه السياسة.\rوإنني والله - أفي للمولى الملك المغيث: فتح الدين عمر، بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر، بن الملك الكامل محمد، بن أبي بكر بن أيوب - بهذه اليمين من أولها إلى أخرها، ما دام وافياً لي باليمين التي يحلفه بها نائبي، لا أنقضها ولا شيئاً منها، ولا أستثني فيها ولا في شيء منها، ولا أستفتي فيها ولا في شيء منها، طلباً لنقضها أو نقض شيء منها. ومتى نقضتها أو نقضتها فيها أو في شيء منها، طلباً لنقضها أو نقض شيء منها، فكل ما أملكه من صامت وناطق - صدقة على الفقراء والمساكين من المسلمين. وكل مملوك أو أمة في ملكي، أو أتملكهما فيما بقي من عمري، حر من أحرار المسلمين. وعلى أن أفك عشرة آلاف رقبة مؤمنة من أيدي الكفار، إن خالفت هذه اليمين أو شيئاً منها.\rوهذه اليمين يميني، وأنا بيبرس. والنية فيها بأسرها نية المولى الملك المغيث فتح الدين عمر، بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر، بن الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن أبي بكر، بن أيوب، ونية مستحلفي له بها - أشهد الله على بذلك، وكفى به شهيدا. فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيما.\rوشهد على السلطان الملك الظاهر، بهذه اليمين، من نذكرهم وهم: الأتابك فارس الدين أقطاي، وأقوش النجيبي، وقلاوون الألفي، وعز الدين أزدمر، وأيدمر الحلى، وبيسري الشمسي، وبيليك الكرندار، وأيبك الأفرم، وكاتب اليمين إبراهيم بن لقمان بن أحمد. وهي مؤرخة في الثالث والعشرين من المحرم، سنة ستين وستمائة. وشهد على السلطان اثنان ممن حضر من الكرك، وهما: أمجد الكركي - وهو كاتب الملك المغيث - وكان قد أمره، وآخر لم أحقق اسمه عند قراءته.\rوبآخر رسم خط الشهود خط المستحلف. وصورته:","part":8,"page":147},{"id":3658,"text":"أحلفت مولانا السلطان الكبير، العالم المجاهد، المرابط المؤيد المنصور، الملك الظاهر أبا الفتح بيبرس بن عبد الله، الصالحي، أعز الله سلطانه - بهذه اليمين المباركة من أولها إلى آخرها، على الوجه المشروح فيها، تاريخ الثالث والعشرين من المحرم، سنة ستين وستمائة - أحسن الله تقضيها. وكتبه خزاعة بن عبد الرزاق بن علي - حامداً لله تعالى ومصليا.\rوجهز السلطان الملك الظاهر للملك المغيث ولده الملك العزيز فخر الدين عثمان - وكان معتقلا بالقلعة من الأيام المظفرية، كما قدمنا - فأطلقه السلطان الآن، وأقطعه ذبيان بمنشور، ثم سير إليه السلطان بعد ذلك صنجقاً وشعار السلطنة. فقبل الملك المغيث عقب الصنجق، وركب بشعار السلطنة.\rوظن الملك المغيث أن الصلح قد انتظم بمقتضى هذه اليمين، فركن إلى ذلك. ثم جهز والدته ي سنة إحدى وستين وستمائة إلى الملك الظاهر. فوجدها السلطان بغزة، فأنعم عليها إنعاماً كبيراً، وعلى من معها. وأجرى معها الحديث في وصول الملك المغيث إليه، لينتظم الصلح شفاهاً، وتتأكد أسبابه. وأعاد عليها العطاء ثانياً، وجهزها إلى الكرك، وجهز في خدمتها الأمير شرف الدين الجاكي المهمندار، لتجهيز الإقامات للملك المغيث.\rفاغتر الملك المغيث بذلك. واستخلف ابنه الملك العزيز فخر الدين بالكرك، واستحلف له من تركه بقلعة الكرك، وترك عنده بقية أولاده - إخوة الملك العزيز - وكان له سبعة أولاد ذكور، أسهم الملك العزيز فخر الدين عثمان. وولد له بعد قبضه ابنان. وكان الملك العزيز، يوم ذاك، صغير السن، فإن مولده - كما أخبرني به - في الأول من يوم الإثنين ثالث شوال، سنة اثنتين وخمسين وستمائة.\rوفارق الملك المغيث الكرك، وتوجه إلى السلطان الملك الظاهر، وهو بمنزلة الطور. فلما بلغ السلطان وصول الملك المغيث إلي بيسان، ركب إليه وتلقاه، وساقا جميعاً إلى منزلة السلطان. فلما وصل الملك المغيث إلى باب الدهليز، ترجل ودخل إلى الخيمة. فأدخل على خركاه، وقبض عليه وعلى من معه - وذلك في يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى، سنة إحدى وستين وستمائة. وأظهر السلطان لقبضه سبباً، نذكره في أخبار السلطان الملك الظاهر - إن شاء الله تعالى - تقف عليه بعد هذا.\rولما قبض عليه، جهزه في تلك الليلة إلى قلعة الجبل - صحبة الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقاني. ولما وصل إلى قلعة الجبل، أدخل البرج الذي كان به ولده الملك العزيز فخر الدين عثمان، فقال للأمير سيف الدين بلبان النجاحي - متولي قلعة الجبل - : في هذا البرج كان ولدي عثمان ؟ قال: نعم.\rولم يستقر بذلك البرج، بل نقل منه في يومه، وأدخل إلى قاعة من قاعات الدور السلطانية، فقتل من يومه. وكان آخر العهد به.\rوتولى ذلك الأمير عز الدين أيدمر الحلى - نائب السلطنة - بالغيبة. واستدل على قتله أن بعض الخدام حكى، فقال: لما أدخل الملك المغيث إلى القاعة، طلب له طعام من الآدر السلطانية - قال الخادم: فتوجهت لإحضار الطعام، فأتيت به على رأس خادم آخر، فوجدت الأمير عز الدين قد خرج من القاعة، وأغلق الباب ! فقلت: قد حضر الطعام. فقال: بعد أن أغلقنا الباب لا نفتحه في هذه الليلة. فرجعت بالطعام. ولم يفتح ذلك الباب، إلى ثلاثة أشهر أو نحوها.\rوكان مولد الملك المغيث - رحمه الله تعالى - بمنزلة العباسة في شهر ربيع الأول، سنة أربع وثلاثين وستمائة.\rولما قبض عليهم، جهز الملك الظاهر، إلى الكرك، الأمير بدر الدين بيسرى، والأمير أيدمر الظاهري، وكتب إلى من بها يعدهم الإحسان. ثم توجه بنفسه إليها، وتسلمها على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، في أخباره. وأنعم على ولده: الملك العزيز فخر الدين عثمان بإمرة مائة فارس. ورتب لإخوته وأهله الرواتب. ثم قبض عليه، بعد ذلك، واعتقله - على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوأما الملك الموحد تقي الدين عبد الله ابن الملك المعظم تورانشاه، بن الملك الصالح نجم الدين أيوب، ابن الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب - صاحب حصن كيفا ونصيبين وأعمالها","part":8,"page":148},{"id":3659,"text":"فإن والده الملك المعظم كان قد تركه بحصن كيفا، عند قدومه إلى الديار المصرية، وهو دون البلوغ. فاستمر بالحصن بعد مقتل والده، ودبر. أمر دولته خادماً أبيه: افتخار الدين ياقوت، وجمال الدين طقز. فلم تزل هذه المملكة بيده، إلى أن استولى هولاكو على البلاد.\rفلما قارب بلاد الملك الموحد خرج إليه بأمان وتلقاه، وقدم له أشياء مما كان عنده من التحف ونفائس الذخائر، فأقره على عمله. ولم يتعرض لحصن كيفا، ولا هراق به دما. وقرر عليه قطيعة في كل سنة أحد عشر ألف دينار ثمنها ستة وستين ألف درهم. ثم خرجت نصيبن عنه. وذلك أن صاحب ماردين: الملك المظفر، بن الملك السعيد بن أرتق - ضمنهما من التتار، وأضافها إلى مملكته.\rثم نقل أبغا بن هولاكو - في أول دولته - الملك الموحد إلى الأردوا، وأخلى قلعة حصن كيفا، وخربها.\rوسبب ذلك أن الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، لما ملك الديار المصرية وما معها، خشي عاقبة الملك الموحد، وأنه من البيت الأيوبي، وملك الديار المصرية لأبيه وجده، وجد أبيه وجد جده. فأمر بمكاتبته ومكاتبة خادميه - عن جماعة من الأمراء الصالحية - يستدعون الملك الموحد إليهم، ليملكوه ملك آبائه. ووصلت الكتب بذلك إليهم،فمالت نفوس الخدام إلى ذلك ورغبوا فيه، ولم يخشوا عاقبة المكايد.\rفحملهم حب ذلك على أن أجابوا الأمراء عن كتبهم: أنهم يصلون إليهم بالملك الموحد. وأخذ القصاد الكتب ورجعوا، فظفر بهم مقدم التتار. فأرسل الكتب إلى أبغا، فأحضره، وأحضر الخادمين، وقتلهما. وأقره بالأردوا مدة سبع سنين - هذا، ونائبه مقيم بحصن كيفا. ثم أطلقه وأعاده إلى الحصن. فكان به إلى أن توفى. وكانت وفاته - رحمه الله - ضحى يوم الأحد، النصف من شهر ربيع الآخر، سنة اثنتين وثمانين وستمائة.\rوكان له من الأولاد الذكور ثلاثة عشر، وهم: الأمير سيف الدين أبو بكر شادي الكبير، وعلاء الدين علي الكبير، ومغلطاي - وإنما سمي بذلك، لأنه ولد بالأردوا، فأمرت قولى خاتون، زوجة هولاكو، أن يسمى بذلك. وأرسلان، ويوسف، وزكرى، وعثمان، وخليل، وعلي الأصغر، وإبراهيم شقيقه، وأبو بكر الأصغر - وهو ابن أخت ناصر الدين يحيى، بن جلال الدين الحيتي، أحد مقدمي التتار. ونجم الدين أيوب، وحسن. ومات من أولاده - قبل وفاته - الملك المعظم محمد - مات قبل والده بسبع أيام. واللمسن - وهو شقيق أرسلان.\rولما مات الملك الموحد، ملك حصن كيفا بعده ولده: الملك الكامل سيف الدين أبو بكر شادي - بتقرير التتار. فاستمر إلى شهر رجب، سنة تسع وتسعين وستمائة. ثم قتله قازان، ملك التتار. وسبب ذلك أن بعض إخوته شكوه له، وذكروا أنه قتل بعضهم.\rوملك بعده الملك العادل سيف الدين أبو بكر الأصغر، ملكه قازان، رعاية لحق أخواله. فملك أربعة أشهر، وقتل بمنزلة الميدان - بقرب إربل - قتله الأكراد، هو وأخوه أرسلان - وكان نازلين بتلك المنزلة مع جماعة من التتار، كبسهم الأكراد الشهرية بها.\rوملك بعده أخوه الملك المعظم، حسام الدين خليل - أربعة أشهر - فعسف وظلم فنازعه في المملكة ابن أخيه الملك الصالح صلاح الدين يوسف، بن الملك الكامل سيف الدين أبي بكر، بن الملك الموحد، وشكاه إلى التتار، فسلم إليه عمه الملك المعظم، فخنقه.\rواستقر الملك الصالح هذا في المملكة بحصن كيفا، خمس سنين. ثم نازعه عمه حسن، وتوجه إلى التتار فملكوه الحصن. ولقب الملك الظاهر بدر الدين حسن، وأرسلوا معه عسكرا، فهرب ابن أخيه أمامه. وأقام بالحصن سنة.\rولحق الملك الصالح بالشيخ الشرف، بن الشيخ عدي الهكاري، بجبل هكار، وأقام سنة. ثم جمع جمعاً كثيراً من الأكراد، وعاد إلى الحصن، عند خلو البلاد من التتار، وحاصر عمه الملك الظاهر حسن، مدة أربعة أشهر. فوافقه أهل القلعة وسلموه إليه، فقتله، وعاد إلى مملكته. وأرسل إلى التتار وأرضاهم، فأقروه. فهو إلى وقتنا هذا.\rأخبرني بذلك المولى الأمير علاء الدين علي، بن الملك الموحد - وهو على الأصغر، المقدم الذكر - وهو يوم ذاك بالقاهرة المعزية.","part":8,"page":149},{"id":3660,"text":"وكان قد فارق الحصن، لما حصل من ابن أخيه هذا: من قتل إخوته أولاد الملك الموحد. ووصل إلى الديار المصرية، في أوائل سنة ثلاث وسبعمائة، واستقر بها. وأقطعه السلطان الملك الناصر إقطاعاً متميزاً، بحلقتها. وأخبرني أنه لم يبق من أولاد الملك الموحد - لصلبه - سواه. وأن بقية من ذكرناهم أفناهم الموت والقتل.\rوذلك في سنة أربع وعشرين وسبعمائة.\rوأما الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل: سيف الدين أبي بكر بن أيوب صاحب ميافارقين\rفإنه لم يزل بها، إلى أن ملك التتار البلاد. فندب هولاكو صرطق نوين، وقطغان نوين لمحاصرته بميافارقين، بطائفة كثيرة من التتار. فحاصروه مدة سنتين، حتى قلت الأقوات عندهم، وأكلوا الكلاب والسنانير والميتة. ففتحها التتار بعد أن فنى من عنده من الجند ممن القتال - وذلك في سنة ثمان وخمسين وستمائة. وأسر الملك الكامل، وتسعة نفر من مماليكه، وأحضروا بين يدي هولاكو، فقتلوا، إلا مملوكاً واحداً - كما تقدم في أخبار هولاكو وكان الملك الكامل هذا - رحمه الله تعالى - ملكاً حازماً كريماً، كثير الزهد والورع. ولما قتل - رحمه الله - حمل التتار رأسه على رمح، وطيف به البلاد. ومروا به على حلب وحماه. وأتوا به إلى دمشق - في سابع عشر جمادي الأولى من السنة - وطافوا به دمشق، وأمام الرأس المغاني والطبول ! وعلق رأسه بباب الفراديس، إلى أن دخل الملك المظفر قطز إلى دمشق - بعد هزيمة التتار - فأنزل الرأس، ودفن بمشهد داخل باب الفراديس.\rفقال الشيخ شهاب الدين أبو شامه الحسين في ذلك، من أبيات:\rابن غازي غزا وجاهد قوماً ... أثخنوا في العراق والمشرقين\rطاهراً عالياً، ومات شهيداً ... بعد صبر عليهم عامين\rلم يشنه إذ طيف بالرأس منه ... وله أسوة برأس الحسين\rثم واروا بمشهد الرأس ذاك الرأ ... س، فاستعجبوا من الحالتين\rوأما الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين محمود، بن الملك المنصور أبي عبد اله محمد، بن الملك المظفر تقي الدين أبي سعيد عمر، بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماه\rفإنه كان قد ملك حماه بعد وفاة والده - في ثامن جمادي الأولى، سنة اثنتين وأربعين وستمائة. فاستمر في ملك حماه، وطالت مدته. وكان يتردد إلى الديار المصرية في الأيام الظاهرية والمنصورية، وهم يعظمونه. وهداياه وتقادمه تصل إلى الملوك. وهو يشهد معهم الحروب والوقائع، بعسكر حماه.\rوما زال كذلك، إلى أن توفي في شوال، سنة ثلاث وثمانين وستمائة. ومولده في الساعة الخامسة من يوم الخميس، لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.\rولما توفي، رتب السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون في ملك حماه ولده: الملك المظفر تقي الدين محمود بن محمد. وكوتب من ديوان الإنشاء بما كان يكاتب به والده. وحملت إليه وإلى أهله وإلى أهل بيته الخلع والتشاريف السلطانية واستقر في ملك حماه إلى أن توفي في يوم الخلع والتشاريف السلطانية واستقر في ملك حماه إلى أن توفي في يوم الخميس، الحادي والعشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وتسعين وستمائة، ودفن ليلة الجمعة. وكان مولده في الساعة العاشرة من ليلة الأحد، خامس عشر المحرم، سنة سبع وخمسين وستمائة.\rواستقرت المملكة الحموية بعد وفاته في يد نواب ملوك مصر. وكان أول من وليها من النواب: الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري، نقل من الصبيبة إليها. ثم نقل منها إلى نيابة حلب، في سنة تسع وتسعين وستمائة، بعد وقعة قازان. وفوضت نيابة السلطنة بحماه غل الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري - وكان قبل ذلك بصرخد - فلم يزل بها إلى أن مات، في سنة اثنتين وسبعمائة. فوليها الأمير سيف الدين قبجاق المنصوري، فكان بها إلى أول الدولة الناصرية الثانية. ونقل منها، في سنة تسع وسبعمائة، إلى نيابة المملكة الحلبية. وفوضت نيابة السلطنة بحماه للأمير سيف الدين أسندمر كرجى","part":8,"page":150},{"id":3661,"text":"فكان بها، إلى أن فوض السلطان - الملك الناصر - نيابة المملكة الحموية إلى الأمير عماد الدين إسماعيل، بن الملك الأفضل نور الدين علي، ابن الملك المظفر محمود، بن الملك المنصور محمد، بن الملك المظفر تقي الدين عمر، بن شاهانشاه بن أيوب، في سنة عشر وسبعمائة فاستمر في نيابة السلطنة مدة ثم كوتب بعد ذلك من ديوان الإنشاء بالمقام العالي الملكي العمادي ولم يزل كذلك، إلى أن فوض السلطان الملك الناصر إليه سلطنة حماه، ولقبه بالملك المؤيد. وركب بالقاهرة المحروسة بشعار السلطنة، وذلك في يوم الخميس سابع عشر المحرم، سنة عشرين وسبعمائة - على ما نذكره ذلك، إن شاء الله تعالى، في أخبار الدولة الناصرية. وهو باق إلى وقتنا هذا. ويصل في كل سنة إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية بالتقادم والتحف، ويحصل له الإنعام السلطاني، والتشاريف، وغير ذلك.\rوملوك حماه - وإن لقبوا بألقاب الملوك، وخوطبوا وكوتبوا بما يخاطب ويكاتب به الملوك - فلا تعد أيامهم من جملة الدولة الأيوبية، لأنهم في الخدمة السلطانية على رسم النواب. وإنما أوردنا ما ذكرناه من أخبارهم، لتعلم.\rوأما الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك المنصور إبراهيم، بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ابن الأمير ناصر الدين محمد، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه ابن شادي 00 صاحب تل باشر والرحبة\rفقد ذكرنا أنه كان بيده حمص وتدمر والرحبة، إلى أن استولى الملك الناصر - صاحب حلب - على حمص، في سنة ست وأربعين وستمائة، وعوضه عنها تل باشير. فلم يزل بها إلى أن استولى هولاكو على حلب - كما ذكرنا في سنة ثمان وخمسين وستمائة - فحضر إليه، فأكرمه هولاكو، وأعاد عليه حمص، وفوض إليه نيابة السلطنة بالشام والسواحل.\rفلما هزم الملك المظفر سيف الدين قطز التتار على عين جالوت، ووصل إلى دمشق - أقره على حمص والرحبة وتدمر. وأقر الملك الظاهر - بعده - ذلك بيده، إلى أن توفي في حادي عشر صفر، سنة اثنتين وستين وستمائة.\rولم يكن له عقب، فاستقر ما كان بيده في يد نواب السلطنة، إلى وقتنا هذا. ولبعض من ذكرنا أخبارهم في هذا الوضع، أخبار ووقائع مع الملوك، يأتي ذكرها في أخبار ملوك الديار المصرية - على ما تقف على ذلك، إن شاء الله تعالى، في مواضعه. وإنما ذكرناهم في هذا الموضع، لتكون أخبارهم مجتمعة، على سبيل الاختصار.\rإنتهاء الدولة الأيوبية\rوكانت هذه الدولة الأيوبية بالديار المصري - منذ ولي الملك المنصور أسد الدين شيركوه وزارة العاضد لدين الله العبيدي، ولقبه بالملك المنصور أمير الجيوش، في سابع عشر شهر ربيع الآخر، سنة أربع وستين وخمسمائة، إلى أن ملك السلطان الملك المعز عز الدين أيبك التركماني الصالحي، في التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين وستمائة - أربعاً وثمانين سنة، وأربعة أشهر، واثني عشر يوماً - وإلى أن استولى هولاكو على الشام، وهرب الملك الناصر، صاحب الشام وحلب، في النصف من صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة، ثلاثاً وتسعين سنة، وعشرة أشهر، تقريباً.\rهذا ما أمكن إيراده من أخبار هذه الدولة الأيوبية، على سبل الاختصار. فلنذكر أخبار دولة الترك، وهي فرع الدولة الأيوبية.\rدولة الترك وابتداء أمر ملوكها، وما ملكوه من الممالك والحصون والأقاليم والثغور والأعمال، وما افتتحوه، وغير ذلك من أخبارهم كان ابتداء هذه الدولة بالديار المصرية. ثم انتشر بالبلاد الشامية، ثم امتدت إلى الممالك الحلبية والفراتية. ثم استولت على الثغور والقلاع والحصون الساحلية. واستنفذت حصون الدعوة من أيدي الإسماعيلية. وبلغت المملكة الرومية. ودانت لها الأقطار اليمانية والحجازية.\rوانتمت إليها الطوائف القرمانية. ورغب في مسالمتها الملوك الجنكزخانية. ونفذت أوامرها واتصلت أحكامها ببلاد إفريقية وما يليها، والتكرور وما يدانيها. ودخل في طاعتها وعقد ذمتها من بإقليم النوبة، من بلاد الدو، المجاور لثغر أسوان، إلى بلاد الكرسي والعريان، وهو آخر العمل بالقرب من مجرى نهر النيل. على ما نورد ذلك، إن شاء الله تعالى، ونوضحه ونبينه ونشرحه.\rولنبدأ بذكر أخبارهم، وسبب الاستيلاء عليهم.","part":8,"page":151},{"id":3662,"text":"ذكر أخبار الأتراك وابتداء أمرهم وكيف كان سبب الاستيلاء عليهم، واتصالهم بملوك الإسلام. ومن استكثر منهم، وتغالى في اتباعهم وقدمهم على العساكر\rقد ذكرنا في أخبار الدولة العباسية من اتصل منهم بالخلفاء، وتقدم على العساكر، وعلا قدره وطار اسمه. وذكرنا أيضاً في أخبار الدولة العبيدية - في أيام المستنصر بالله - ما كان من أمرهم، وقيامهم، ومحاربتهم ناصر الدولة بن حمدان - تارة، ومعه أخرى.\rثم ذكرنا أن الملك الناصر - صلاح الدين يوسف بن أيوب - كان من اهتم بتحصيلهم، وأخوه الملك العادل، ثم ابنه الملك الكامل. وكانوا إذ ذاك لا يجلبهم التجار إلا خفية، ولا يقدرون على تحصيلهم إلا سرقة، لأن حماهم كان مصونا من التجاهر ببيعهم، أو التطرق إليهم.\rوأما السبب الموجب للاستيلاء عليهم، وبيعهم في الأمصار - فهو أنه لما ظهر جنكزخان التمرجي، ملك التتار، واستولى على البلاد الشرقية والشمالية، وبث عساكره في البلاد، فانتهوا إلى بلاد القفجاق واللان، وأوقعوا بهم - على ما قدمنا ذكره، في أخبار الدولة الجنكزخانية - فبيعت ذرارى الترك والقفجاق، وجلبها التجار إلى الأمصار.\rثم رجعت عنهم هذه الطائفة الذين ندبهم جنكزخان إليهم، في سنة ست عشرة وستمائة - وهم التتار المغربة - وعادوا إلى ملكهم جنكزخان.\rواستقرت طوائف الأتراك بأماكنهم من البلاد الشمالية. وهو أصحاب عمود، لا يسكنون دارا، ولا يستوطنون جدارا، بل يصيفون في أرض ويشتون بأخرى. وهم قبائل كثيرة فمن قبائلهم ما أورده الأمير ركن الدين بيبرس، الدواداري المنصوري، نائب السلطنة الشريفة كان - أحسن الله عقباه، وقد فعل، وعامله بألطافه فيما بقي من الأجل - في تاريخه: قبيلة طقصبا. وتيبا. وبرج أغلى. والبرلي، وقنغر أغلى. وأنجغلي. ودروت. وقلابا أغلى. وجرتان وقرا تركلي. وكتن.\rقال: ولم يزالوا مستقرين في مواطنهم، قاطنين بأماكنهم، إلى سنة ست وعشرين وستمائة. فاتفق أن شخصاً من قبيلة دروت يسمى منغوش بن كتن خرج متصيداً، فصادفه شخص من قبيلة طقصبا اسمه آق كبك - وكان بينهما منافسة قديمة - فأخذه أسيراً، ثم قتله. وأبطأ خبر منغوش عن أبيه وأهله، فأرسلوا شخصاً اسمه جلنغر لكشف خبره، فعاد إليهم وأخبرهم بقتله. فجمع أبوه أهله وقبيلته وساق إلى آق كبك. فلما بلغه مسيرهم نحوه، جمع أهل قبلته وتأهب لقتالهم. فالتقوا واقتتلوا، وكان الظفر لقبيلة دروت، وجرح آق كبك وتفرق جمعه.\rفعند ذلك أرسل أخاه أنص إلى دوشي خان بن جنكزخان - وكان أوكدى، وهو الملك يومئذ بكرسي جنكزخان، قد ندبه إلى البلاد الشمالية - مستصرخاً به، وشكا إليه ما حل بقومه من قبيلة دروت القبجاقية، وأعلمه أنه إن قصدهم لم يجد دونهم من يمانع. فسار إليهم في عساكر، وأوقع بهم، وأتى على أكثرهم قتلاً وأسرا وسبيا. فاشتراهم عند ذلك التجار، ونقلوهم إلى البلاد والأمصار.\rوأما أول من استكثر منهم وتغالى فيهم، وقدمهم على العساكر، فهو الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل.\rوقد ذكرنا في أخبار الدولة الكاملية - في سنة سبع وعشرين وستمائة - أن الملك الكامل اتصل به أن ابنه الملك الصالح ابتاع ألف مملوك، وأنه توثب على الملك، فنقم عليه وأخرجه من الديار المصرية.\rفلما أفضت السلطنة إليه، استكثر منهم، وأمرهم وقدمهم على العساكر. فكانوا في خدمته، إلى أن مات. وملك بعده ابنه الملك المعظم تورانشاه، فعاملهم بما يكرهونه. وبذل لسانه فيهم، وتواعدهم، فحملهم ذلك على قتله، وطلب الملك لأنفسهم. وكان ما ذكرناه من إقامة شجر الدر، وخلعها.\rفنذكر ملوك دولة الترك: أول من ملك من ملوك هذه الدولة:\rالملك المعز عز الدين أيبك\rالتركماني الصالحي وليس بتركماني، وإنما هي نسبة إلى أولاد التركماني، لأنه كان عند أحدهم، ثم ملكه الملك الصالح نجم الدين أيوب. وهو تركي الجنس.\rملك الديار المصرية، في يوم السبت التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين وستمائة. وأقام معه في السلطنة الملك الأشرف مظفر الدين موسى، بن الملك ناصر صلاح الدين يوسف، بن الملك المسعود صلاح الدين يوسف، بن الملك الكامل، وأجلسه على كرسي السلطنة في يوم الأربعاء - ثالث جمادي الأولى، سنة ثمان وأربعين. وركب وشق المدينة في يوم الخميس - وكان عمره نحو ست سنين.","part":8,"page":152},{"id":3663,"text":"وكانت المناشير والتواقيع والمراسيم تخرج عن الملكين، وليس للأشرف معه إلا مجرد التسمية، والأمر للملك المعز. ولم يزل كذلك، إلى أن قتل الأمير فارس الدين أقطاي في سنة اثنتين وخمسين - على ما نذكره. فاستقل حينئذ بالملك. وكان الملك الأشرف في هذه المدة قد حجب عن الناس، واسمه قائم دون شخصه.\rذكر الحرب الكائنة بين الملك المعز والملك الناصر صاحب الشام، وانتصار المعز\rوفي سنة ثمان وأربعين وستمائة، كانت الحرب بين السلطان الملك المعز وبين الملك الناصر - صاحب الشام.\rوسبب ذلك أن الملك الناصر، لما استولى على دمشق في هذه السنة - كما قدمنا في أخباره - أشار عليه أتابكه - شمس الدين لؤلؤ - والأمراء القيمرية، بقصد الديار المصرية. فسار من دمشق. واتصل خبره بالملك المعز، فخرج إليه بعساكر الديار المصرية. والتقيا على منزلة الكراع، بالقرب من الخشبي.\rواقتتل العسكران، في يوم الخميس، العاشر من ذي القعدة من السنة.\rفكانت الهزيمة على العسكر المصري. ووصلت طائفة من العسكر المصري إلى القاهرة. ومنهم من فر إلى جهة الصعيد. وثبت الملك المعز، واختار من عسكره ثلاثمائة فارس، وحمل بهم على صناجق الملك الناصر، طمعاً أن يكون بجهتها فيظفر به. وكان الملك الناصر تحيز إلى فئة، واعتزل المعركة خوفاً على نفسه، واحتياطاً لها. فلما عاين الحملة الملك المعز، وشاهد إقدامه، انهزم، ورجع إلى الشام - كما تقدم.\rوساقت الأمراء العزيزية - مماليك والده - بأطلابهم إلى خدمة الملك المعز، ودخلوا في طاعته، وهم: الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي، والأمير شمس الدين أقش البرلي، والأمير شمس الدين أقش الحسامي، وأمثالهم. وكان سبب انصرافهم عن سلطانهم الملك الناصر أنه أضافهم، يوم الحرب، إلى طلب الأمير شمس الدين لؤلؤ - أتابكه - فعز ذلك عليهم، وفارقوا خدمة الملك الناصر.\rقال: واجتمع الأمراء القيمرية، وغيرهم، إلى شمس الدين لؤلؤ، وهنوه بالنصر على زعمهم - وتفرقت جماعتهم في طلب المكاسب. فلم يبق معهم من مماليكهم إلا نفر قليل. فصادفهم الملك المعز بمن معه من عسكره، فقاتلهم. فقتل شمس الدين لؤلؤ، وجماعة من الأمراء القيمرية، وهم: حسام الدين، وصارم الدين، القيمريان، وسعد الدين الحميدي، ونور الدين الزرزاري، وجماعة من أعيان مماليك الملك الناصر. وقتل أيضاً تاج الملوك، بن الملك المعظم تورانشاه.\rوأسر جماعة، وهم: الملك الصالح بن العادل سيف الدين أبي بكر ابن أيوب. ثم قتله الملك المعز في سنة تسع وأربعين، ودفنه بالقرافة. وأسر أيضاً الملك المعظم تورانشاه، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وأخوه نصرة الدين، والملك الأشرف صاحب حمص، وشهاب الدين بن حسام الدين القيمري، وغيرهم.\rوأما بقية الأمراء الناصرية، فإنهم ما علموا بشيء من ذلك. بل ساقوا خلف من انهزم من العسكر، إلى أن وصلوا إلى العباسة وخيموا بها. ثم بلغهم الخبر فرحلوا بمكاسبهم وأثقالهم. قال: ولما انتصر الملك المعز، وقتل من قتل، وأسر من أسر، ساق إلى العباسة ليلتحق بعساكره. فرأى دهليز الملك الناصر وعساكره قد خيم على العباسة، فعرج عن طريقها. وسار على طريق العلاقمة إلى بلبيس فلم يجد بها من العسكر أحداً. وبلغه أن منهم من دخل إلى القاهرة، ومنهم من انهزم إلى الصعيد. فنزل على بلبيس بمن كان معه، إلى أن تحقق عود من سلم من العسكر الشامي. وعاد الملك المعز إلى قلعة الجبل، مؤيداً منصوراً.\rقال: ولما طلع إلى القلعة، وجد جماعة من الأمراء المعتقلين بها، لما بلغهم وصول المنهزمين من العسكر المصري، ظنوا أن الهزيمة تستمر، فخطبوا للملك الناصر على منبر الجامع بالقلعة، في يوم الجمعة حادي عشر ذي القعدة من السنة. فعظم ذلك على الملك المعز، وشنق الأمير ناصر الدين إسماعيل بن يغمور الصالحي، وأمين الدولة وزير الملك الصالح، على شراريف قلعة الجبل - وكانا من جملة المعتقلين بها - ومن أشار بالخطبة للملك الناصر. ثم أخرج جميع من دخل إلى القاهرة من العسكر الناصرية، وأعادهم إلى دمشق على دواب - وكانوا ثلاثة آلاف نفس - ولم يركب أحداً منهم فرساً، إلا نور الدين بن الشجاع الأكتع، وأربعة من مماليك الملك الناصر.\rواستهلت سنة تسع وأربعين وستمائة:","part":8,"page":153},{"id":3664,"text":"في هذه السنة، خرج الملك المعز بعساكر الديار المصرية، لقصد الملك الناصر، فنزل على أم البارد عند العباسة. واتصل ذلك بالملك الناصر، فجهز العسكر الشامي إلى غزة، ليكون قبالة العسكر المصري. وأقام العسكران في منازلهما ستين يوماً. ونزل الملك الناصر على غمتا من الغور، وخيم عليها. وأقام بعسكره ستة أشهر.\rوفيها في شعبان، عزل قاضي القضاة: عماد الدين أبو القاسم إبراهيم ابن هبة الله بن إسماعيل بن نبهان بن محمد، الحموي، المعروف بابن المقنشع - عن القضاء بمصر والوجه القبلى. وأضيف ذلك إلى قاضي القضاة: بدر الدين السنجاري. فاجتمع له الآن قضاء القضاة بالمدينتين، والوجهين القبلي والبحري، ولم يجتمعا له قبل ذلك.\rوفيها، قصد الأمير جماز بن شيحة المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - وقبض على أخيه عيسى، وأقام بالمدينة.\rوفيها، كانت وفاة الشيخ الإمام العالم بهاء الدين علي بن سلامة بن المسلم بن أحمد، بن علي اللخمي المصري، المعروف بابن الجميزي.\rوكان إماماً فاضلاً، عالماً بمذهب الإمام الشافعي. وأخذ العلم عن الشيخ شهاب الدين محمد الطوسي، وعن محمد بن يحيى، وشرف الدين بن أبي عصرون. وتفقه بالشام، وقرأ القرآن على جماعة منهم الشاطبي والبطايحي. وسمع الحديث الكثير، ورواه سمع شهدة ببغداد، والحافظ السلفي بمصر. وأجيز بالفتيا في سنة خمس وسبعين وخمسمائة وهو سبط الفقيه أبي الفوارس الجميزي.\rوكان دمث الأخلاق، كريم النفس، قل أن يدخل إليه أحد إلا وأطعمه وكان يخالط الملوك، ويعظمونه. ولم يزل كذلك إلى أن حج في سنة خمس وأربعين وستمائة. فأهدى له صاحب اليمن هدية بمكة، فقبلها. فأعرض عنه الملك الصالح نجم الدين أيوب.\rوكانت وفاته بمصر في ليلة الخميس، رابع عشر ذي الحجة. ودفن يوم الخميس بالقرافة، قريباً من روزبهان. ومولده يوم النحر سنة تسع وخمسين وخمسمائة - رحمه الله تعالى.\rوفيها توفي الفقيه الشيخ، الرياضي، علم الدين قيصر: بن أبي القاسم بن عبد الغني بن مسافر، الحنفي المصري، المعروف بتعاسيف. كان إماماً في علوم الرياضة، وفي فنون كثيرة.\rوكانت وفاته بدمشق، في يوم الأحد ثالث عشر شهر رجب، ودفن خارج باب شرفى، ثم نقل إلى الباب الصغير. ومولده سنة أربع وسبعين وخمسمائة، بأصفون من أعمال مدينة قوص، من الصعيد الأعلى بالديار المصرية. وأصفون بلدة مشهورة هناك.\rوفيها، توفي الصاحب الوزير: جمال الدين أبو الحسين يحيى، بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين بن علي بن حمزة بن إبراهيم، بن الحسين - بن مطروح.\rمن أهل صعيد مصر، ونشأ هناك وأقام بمدينة قوص مدة وتنقلت به الأحوال في الخدم والولايات. ثم اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، في نيابته عن أبيه السلطان الملك الكامل بالديار المصرية. وانتقل في خدمته عند توجهه إلى بلاد الشرق، في سنة تسع وعشرين وستمائة. ولم يزل هناك إلى أن ملك الملك الصالح الديار المصرية، فوصل إلى خدمته، في أوائل سنة تسع وثلاثين وستمائة. فرتبه ناظر الخزانة.\rثم نقله إلى دمشق، لما ملكها ثانياً، من عمه الملك الصالح إسماعيل، وجعله وزيراً وأميراً. واستمر إلى أن وصل السلطان الملك الصالح إلى دمشق في شعبان سنة ست وأربعين وستمائة، فعزله عن الوزارة وسيره مع العسكر لحصار حمص. ثم عاد في خدمة السلطان إلى الديار المصرية، وأقام معه بالمنصورة - وقد تغير عليه لأسباب اتصلت به عنه - ومع ذلك فلم يزل يلازم الخدمة، إلى أن مات السلطان الملك الصالح بالمنصورة. فجاء إلى مصر، وأقام بداره إلى أن مات.\rوكان حسن الأخلاق. وله ديوان شعر. وكانت وفاته بمصر في ليلة الأربعاء، مستهل شعبان، سنة تسع وأربعين وستمائة. ودفن بسفح المقطم. ومولده بمدينة سيوط من صعيد مصر، في يوم الإثنين ثامن شهر رجب، سنة اثنتين وتسعون وخمسمائة - رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة خمسين وستمائة:\rوالاختلاف بين الملكين: الناصر - صاحب دمشق والشام - والمعز صاحب الديار المصرية - على حاله، والعساكر من الطائفتين مجردة، كل طائفة معتدة للأخرى. ولم يكن فيها من الأخبار ما نذكره.\rواستهلت سنة إحدى وخمسين وستمائة:\rذكر الصلح بين الملكين: المعز والناصر","part":8,"page":154},{"id":3665,"text":"قال: ولم تزل الفتنة بين الملكين: المعز والناصر قائمة، إلى أن وصل الشيخ نجم الدين البادرائي رسول الخليفة، فسعى في الصلح بينهما.\rفوقع الاتفاق: على أن يأخذ الملك المعز من الملك الناصر القدس وغزة، وجميع البلاد الساحلية - إلى حدود نابلس. واستحلف الشيخ نجم الدين الملكين على ذلك. فتم الصلح بينهما وانتظم.\rوأفرج الملك المعز عن الملك المعظم صلاح الدين يوسف بن أيوب، والملك الأشرف صاحب حمص، وأولاد الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، وغيرهم. من الأمراء الذين كانوا قد أسروا في المصاف، الكائن في سنة ثمان وأربعين وستمائة، وذلك في المحرم من هذه السنة.\rوفي هذه السنة، لثلاث خلون من شعبان، قتل أبو سعد: الحسن بن علي بن قتادة - صاحب مكة - شرفها الله تعالى.\rواستهلت سنة اثنتين وخمسين وستمائة:\rذكر خبر عريان الصعيد، وتوجه الأمير فارس الدين أقطاي إليهم وإبادتهم\rكان من خبر العربان بالصعيد، أنه لما اشتغل الملك الصالح نجم الدين أيوب وعساكره بقتال الفرنج بالمنصورة، وحصل ما قدمنا ذكره: من وفاته، ومقتل ولده الملك المعظم، واشتغال الملك المعز بحرب الملك الناصر، وتجريد الجيوش إلى جهتة، وعدم الالتفات إلى غير ذلك - تمكن العربان بهذه الأسباب من البلاد، وكثر شرهم، وزاد طغيانهم وبغيهم. وحصل لأهل البلاد منهم، من أنواع الأذى ونهب الأموال والتعرض إلى الحريم، وأمثال ذلك، ما لا حصل من الفرنج أكثر منه.\rواجتمعوا على الشريف حصن الدين بن ثعلب الجعفري وأطاعوه ظاهرا، وانقادوا له. إلا أنه لا يستطيع دفعهم عن كل ما يقصدونه من أذى. وأخذ أموالهم، وكثرت جموعهم معه، حتى زادوا على اثني عشر ألف فارس، وستين ألف راجل، بالسلاح والعدد.\rفلما تم الصلح بين الملكين، وتفرغ وجه السلطان الملك المعز من جهة الشام، صرف فكرته إلى جهتهم، وانتدب لحربهم الأمير فارس الدين أقطاي. واستشار الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي في عدة العسكر الذي يقوم بحربهم، فأشار بانتخاب ألفي فارس من العسكر، والتزم أنه يفرق بهذه العدة جموعهم، ويبيدهم بها.\rفانتخب الأمير فارس الدين هذه العدة من العسكر، وتوجه بهم - وصحبته الأمير عز الدين المذكور - وتوجه إلى جهة الصعيد، وقصد العربان. وكانوا قد اجتمعوا بمكان يسمى الصلعا بمنشاة إخميم، في البر الغربي - وهي أرض وسيعة، تسع عدتهم. فساق الأمير فارس الدين ومن معه من العسكر، من جهة الحاجز بالبر الغربي، سوقاً عظيماً، ما سمع الناس بمثله، وانتهى إليهم في ثلاث علايق - وهذه المسافة لا يستطيع البريد أن يصل إليها في مثال هذه المدة، إلا إن أجهد نفسه.\rوطلع عليهم في صبح اليوم الرابع، ودهمهم بعتة بهذا المكان. فلما شاهد كثرتهم، كاد يقف عن ملاقاتهم، وأنكر على الأمير عز الدين، وقال: لقد غششتنا، فإن هذه العدة التي معنا لا تقوم بهذه الجموع الكثيرة. فقوى نفسه، وقال: أنا أعرف هؤلاء، وهذه بلاد ولايتي. وحمل عليهم، ورمتهم العسكر بالنشاب، فما كان السهم يقع إلا في أحدهم. فما كان بأسرع من أن انهزموا أقبح هزيمة، وأخذهم السيف. وتفرقت تلك الجموع، واختفوا، وغيروا لباسهم. وقتل منهم في المعركة والطلب خلق كثير.\rولما عاين الشريف حصن الدين انهزام أصحابه، بادر بالهزيمة. وحمل معه ألف دينار، واستصحب حظية له، وتوجه إلى الوجه القبلى. ثم قبض عليه بعد ذلك - على ما نذكره، إن شاء الله تعالى. وعاد الأمير فارس الدين إلى القاهرة بعسكره، ومعه جماعة من العربان، من جملتهم: ابن عم الشريف حصن الدين بن ثعلب، فشنق تحت قلعة الجبل. ثم قتل الأمير فارس الدين أقطاي، في هذه السنة.\rفارس الدين أقطاي\rوما كان من أمره إلى أن قتل كان الأمير فارس الدين أقطاي، الجمدار الصالحي، قد استفحل أمره في الدولة المعزية بالديار المصرية، وقويت شوكته في سنة إحدى وخمسين وستمائة.\rوانضم إليه الأمراء البحرية واعتضد بهم. وتطاول، إلى أن خطب ابنه الملك المظفر صاحب حماه. وكان الرسول في ذلك الصاحب فخر الدين محمد، بن الصاحب بهاء الدين على - قبل وزارة والده - فأجيب إلى ذلك. وعقد النكاح، وحملت إليه، فوصلت إلى دمشق. وقتل، قبل وصولها إليه. ولما تزوج بها زادت نفسه قوة، وعظمه الأمراء، وخفضوا من جانب الملك المعز، وألان الملك المعز جانبه له، ولهم.","part":8,"page":155},{"id":3666,"text":"واستمر الأمر على ذلك إلى سنة اثنتين وخمسين وستمائة. فامتدت أطماعه إلى صلب ثغر الإسكندرية، إقطاعاً، فلم يمكن الملك المعز مخالفته، لقوة شوكته. وتطاول البحرية، واشتطوا في طلب الإقطاعات والزيادات. واتصل بالملك المعز أنهم يدبرون عليه، وأنهم عزموا على الوثوب، فبادر عند ذلك بالتدبير والاحتياط.\rولما كان في يوم الاثنين - حادي عشر شعبان، من هذه السنة، استدعاه السلطان على العادة، وكمن له عدة من مماليكه، بقاعة الأعمدة. وقرر معهم أنه إذا عبر إليه يغتالوه. فحضر في نفر يسير، ثقة منه واسترسالا، واطراحاً لجانب السلطان، وأنه لا يجسر أن يقدم عليه، ولم يشعر به خوشد اشيته. فلما قرب، منع مماليكه من الدخول معه، ووثب عليه المماليك المعزية فقتلوه وحكي عن عز الدين أيبك الفارسي - أحد مماليكه - في خبر مقتله، قال: كان قد ركب إلى قلعة الجبل في يوم مقتله، واجتمع بالسلطان، وطلب منه أن ينعم على بعض البحرية بمال. فاعتذر الملك المعز أن الخزائن قد خلت من الأموال، وقال له: توجه بنا إلى الخزانة لنشاهدها، ونتحقق حالتها. فتوجها جميعاً إلى الخزانة من جهة الدور. وإنما فعل المعز ذلك، لأن الوصول إلى الخزانة من جهة الدورحرج المسلك، ويمر المار على بعض قاعات الحريم، فلا يمكن استصحاب الكثير من المماليك. وكان الملك المعز قد كمن في عطفة من عطفات الدهاليز مملوكه الأمير سيف الدين قطز - ومعه عشرة من المماليك المعزية، من ذوي القوة والإقدام. فلما وصلوا إلى ذلك المكان، تأخر السلطان: واسترسل الأمير فارس الدين على ما هو عليه، وتقدم إلى المكان. فوثبوا عليه، وقتلوه. قال: وأمر الملك المعز بغلق قلعة الجبل، فغلقت.\rوركب مماليكه وحاشيته - وكانوا نحو سبعمائة فارس - وجماعة من البحرية، وقصدوا قلعة الجبل، وظنوا أنه قد قبض عليه، ليطلقوه. فلما صاروا تحت القلعة، أمر السلطان بإلقاء رأسه إليهم، من أعلى السور فعلموا فوات الأمر فيه، فتفرقوا. وكانت هذه الواقعة شبيهة بواقعة عمرو بن سعيد الأشدق مع عبد الملك بن مروان. وتفرق شمل البحرية لمقتله، وانتشر نظامهم. وكان من خبره ما نذكره.\rولما قتل الأمير فارس الدين أقطاي، وهرب البحرية ومماليكه، ركب السلطان الملك المعز بشعار السلطنة بالقاهرة. وذلك في يوم الأحد، سابع عشرين شعبان المذكور. وجهز الملك الأشرف، الذي كان قد شركه معه في الملك إلى دمشق - في هذا الشهر. واستقل بالسلطنة. وانفرد بالأمر، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاي.\rومن المؤرخين من جعل هذا التاريخ ابتداء سلطنة الملك المعز، وجعله فيما مضى أتابكاً للملك الأشرف مظفر الدين موسى. إلا أن الأمر منذ خلعت شجر الدر نفسها، كان للملك المعز، مع تمكن الأمير فارس الدين أقطاي من الدولة وتحكمه.\rوفي هذه السنة، أقطع الأمير جمال الدين أيد غدى العزيزي دمياط - زيادة على إقطاعه - وكان متحصلها يومئذ ثلاثين ألف دينار.\rوفيها، عزل قاضي القضاة: بدر الدين السنجاري، عن تدريس المدرسة الصالحية، بالقاهرة المعزية. وفوض ذلك لشيخ الاسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام. وتوجه قاضي القضاة بدر الدين السنجاري إلى الحجاز الشريف، من جهة البحر، وعاد في البر.\rوفي هذه السنة، وصلت الأخبار من مكة - شرفها الله تعالى - أن النار ظهرت من بعض جبال عدن، وأن شررها يطير في الليل ويقع في البحر، ويصعد منها دخان عظيم في النهار. فظن الناس أنها النار التي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تظهر في آخر الزمان، وهي من أشراط الساعة. فتاب الناس، وأقلعوا عما كانوا عليه من الظلم والفساد، وشرعوا في أفعال الخير والصدقات.\rالأمراء البحرية\rوما اتفق لهم بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاي قد رأينا أن نذكر أخبار الأمراء البحرية في هذا الموضع - متتابعة - من حين هربهم، ولا نقطعها بالسنين، لتكون أخبارهم سياقة يتلو بعضها بعضاً.","part":8,"page":156},{"id":3667,"text":"كان من خبرهم، أنه لما شاع الخبر بمقتل الأمير فارس الدين أقطاي، واتصل ذلك بالأمراء خوشداشيته - وفيهم الأمير ركن الدين البندقداري، والأمير سيف الدين قلاوون الألفي، والأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير سيف الدين بلبان الرشيدي، والأمير بدر الدين بيسري الشمسي، والأمير سيف الدين سكز، والأمير عز الدين أزدمر السيفي، والأمير سيف الدين سنقر الرومي، والأمير سيف الدين بلبان المستعربي، والأمير سيف الدين برامق، وغيرهم من الأمراء، ومن انضم إليهم من خوشداشيهم - خرجوا من القاهرة ليلا، وأحرقوا باب القراطين، وتوجهوا إلى الشام. واعتقل السلطان - الملك المعز - من بقي منهم بالقاهرة.\rوتوجه الذين خرجوا من القاهرة حتى نزلوا غزة، وكاتبوا السلطان الملك الناصر صاحب الشام، وسألوه أن يأذن لهم في الوصول إليه، فأجابهم إلى ذلك. ووصلوا إليه، فأنعم عليهم بالأموال والخلع، وأقطعهم الإقطاعات. وأقاموا عنده يحرضونه على قصد الديار المصرية، فما وثق بهم. وكان الملك المعز قد كتب إليه وخيله منهم، وأوهمه. فطلب الملك الناصر من الملك المعز القدس وجميع البلاد الساحلية - التي كان قد أخذها منه عند وقوع الصلح - بحكم أنها كانت جارية في إقطاع البحرية، وأنهم انتقلوا إلى مملكته، واستقروا في خدمته، فأعادها الملك المعز إليه. فأمر الملك الناصر كل من له إقطاع في هذه البلاد على إقطاعه، وكتب مناشير بذلك. وأقاموا في خدمته إلى سنة خمس وخمسين وستمائة.\rثم فارقوه، لما رأوه من ضعف رأيه، وتوجهوا إلى نابلس. وقصدوا الملك المغيث صاحب الكرك، فوصلوا إلى خدمته - في عاشر شوال - فقبلهم وأكرمهم فالتمسوا منه المساعدة على قصد الديار المصرية، وأوهموه أن الأمراء بالديار المصرية كاتبوهم، وراسلوهم في ذلك. فجمع الملك المغيث من قدر عليه، وسار بهم وبسائر البحرية - وذلك في سلطنة الملك المنصور نور الدين، بن الملك المعز. فخرج إليهم الأمير سيف الدين قطز المعزى بالعساكر المصرية، والتقوا واقتتلوا - في يوم السبت الخامس والعشرين، من ذي القعدة، سنة خمس وخمسين وستمائة. فانكسر الملك المغيث، ومن معه من البحرية. واستولى العسكر المصري على أثقالهم، وقتل: الأمير عز الدين الرومي الصالحي، وسيف الدين الكافوري، وبدر الدين إيغان الأشرفي. وأسر الأمير سيف الدين قلاوون الألفي، والأمير سيف الدين بلبان الرشيدي.\rولما أسر الأمير سيف الدين قلاوون، ضمنه الأمير سيف الدين قيزان المعزى أستاذ الدار السلطانية، فما تعرض إليه أحد. وأقام بالقاهرة برهة يسيرة. ثم تسحب واختفى بالحسينية، عند الأمير سيف الدين قطليجا الرومي. وقصد اللحاق بخوشداشيته، فزوده وجهزه، فتوجه إلى الكرك.\rثم فارق البحرية الملك المغيث، وتوجهوا نحو الغور. فصادفهم الأمراء الشهرزورية، عندما جفلوا من بلاد الشرق. فاجتمع البحرية بهم، وتزوج الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري - وهو الملك الظاهر - منهم. فبلغ الملك الناصر ذلك، فجهز جيشاً لقتالهم، فالتقوا بالغور، واقتتلوا. فانهزم العسكر الناصري. فغضب الملك الناصر لذلك، وخرج بنفسه إليهم. فعلموا عجزهم عن مقابلته، فتوجهوا إلى الملك المغيث بالكرك، وتوجه الشهرزورية إلى الديار المصرية.\rواتفق للأمير ركن الدين البندقداري مع الملك المغيث حكاية عجيبة. وهو أنه كان في يده نتوء في اللحم شبه خرزة، فجلس في بعض الأيام بين يدي الملك المغيث - وقد أتى بلوز أخضر وعسل، فجعل يفرك اللوز على العسل - فنظر الملك المغيث إلى النتوء الذي في يده، فقال: ما هذا يا ركن ؟ قال: هذه خرزة الملك فتغير وجه الملك المغبث وعلم جرأته وقصد قتله ثم تركه. أخبرني بذلك المولى شرف الدين أبو الروح، عيسى بن الملك المغيث، عمن حضر هذه الواقعة وسمع ذلك من لفظهما.\rقال المؤرخ: ولما بلغ الملك الناصر عود البحرية إلى خدمة الملك المغيث، كتب إليه يطب منه تسلميهم، ويهدده إن لم يفعل. فدافع عنهم. فسار الملك الناصر بنفسه، ونزل ببركة زيزا، وعزم منازلة الكرك - إن أصر الملك المغيث على الامتناع من تسليمهم إليه.","part":8,"page":157},{"id":3668,"text":"وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري قد تخيل من الملك المغيث، للحكاية التي قدمناها. فأرسل إلى السلطان الملك الناصر الأمير بهاء الدين أمير أخور ليلا، يطلب منه الإذن في حضوره إلى خدمته، ومفارقة الملك المغيث، وأن يستحلفه له ولجماعة معه أن لا يغدر بهم، وأن يكون السفير في ذلك الأمير عماد الدين بن المجير. فأجاب الملك الناصر إلى ذلك. فبعث إليه الأمير ركن الدين الشيخ يحيى، برسالة، مضمونها: أن يحلف له ولعشرين من أصحابه، وأن يقطعه خبز مائة فارس، وشرط أن تكون قصبة نابلس وجينين وزرعين مما يقطعه له. فأجاب إلى نابلس لا غير، وحلف له.\rفقدم الأمير ركن الدين إلى الملك الناصر، في العشر الأول من شهر رجب - وصحبته الجماعة الذين حلف لهم، وهم: الأمير بدر الدين بيسري الشمسي، والأمير سيف الدين أتامش المسعودي، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيري، وجمال الدين أقش الرومي، وسيف الدين بلبان الداودار، وعلاء الدين كشتغدى الشمسي، وحسام الدين لاجين الدوادار، المعروف بالدرفيل، وعلاء الدين أيدغمش الحكيمي، وعلاء الدين كستغدي المشرفي، وعن الدين أيبك الشيخوركن الدين بيبرس خاص ترك الصغير وعز وشيف الدين بلبان المهراني، وعلم الدين سنجر الأسعدي، وعلم الدين سنجر الهمامي، وشمس الدين أباز الناصري، وشمس الدين طمان، وعز الدين أيبك العلائي، وحسام الدين لاجين الشقيري، وسيف الدين بلبان الأقسيسي، وعلم الدين سلطان الألدكزي - فأكرمهم الملك الناصر، ووفى لهم، وخلع عليهم وأحسن إليهم، وأقطعهم.\rثم أمسك الملك المغيث من بقي عنده من البحرية، وسيرهم إلى الملك الناصر، وهم: الأمير سيف الدين سنقر الأشقر، والأمير سيف الدين سكز، والأمير سيف الدين برامق - فأرسلهم الملك الناصر إلى قلعة حلب، واعتقلهم بها. حتى استولى هولاكو على حلب، فأفرح عنهم وأضافهم إلى عسكره.\rوبقي الأمير ركن الدين البندقداري، والأمير سيف الدين قلاوون، وغيرهما، ممن لم يمسك من خوشداشيتهما، في خدمة الملك الناصر، إلى أثناء سنة ثمان وخمسين وستمائة. ففارقوه، لما ملك التتار حلب، وعلموا عجزه عن ملاقاتهم، ففارقوه وتوجهوا إلى غزة.\rوكان للبحرية في بعض هذه المدة أحوال يطول شرحها، حتى أعوزهم القوت في بعض الأوقات. ثم اجتمعوا بعد مفارقة الملك الناصر، وتوجهوا إلى خدمة الملك المظفر سيف الدين قطز، وشهدوا معه حرب التتار - على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، في موضعه.\rفلنرجع إلى سياقة أخبار الملك المعز.\rواستهلت سنة ثلاث وخمسين وستمائة:\rذكر مخالفة الأمير عز الدين أيبك الأفرم وخروجه عن الطاعة، وتجريد العسكر إليه وإلى من وافقه، وانتقاض أمره\rكان الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي أقام في البلاد، بعد أن هزم الأمير فارس الدين أقطاي الصالحي العرب - كما تقدم - وتأخر هو لتمهيد البلاد.\rفلما قتل الأمير فارس الدين أقطاي، تظاهر بالعصيان، واستولى على الأعمال القوصية - بموافقة متوليها الأمير ركن الدين الصيرمي. واستولى أيضاً على الأعمال الإخميمية والأسيوطية، وقطع الحمول عن بيت المال بقلعة الجبل من هذه الأعمال، واقتطع الأموال لنفسه. ووافقه الشريف حصن الدين بن ثعلب.\rفندب السلطان العساكر لذلك، وقدم عليها الصاحب شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزي. فتوجه إلى جهة الصعيد، وظفر بالشريف حصن الدين بن ثعلب. فأحضره إلى السلطان، فاعتقله بقلعة الجبل، ثم نقله إلى ثغر الإسكندرية، واعتقله هناك. فلم يزل في الاعتقال، إلى أن شنقه السلطان الملك الظاهر ركن الدين - على ما نذكره.\rوأما الأمير عز الدين الأفرم، فإنه وأما الأمير ركن الدين الصيرمي - متولي الأعمال القوصية - فإنه كان قد ظن أنه يستبد بالأمر، ويستولي على البلاد ويستمر له ذلك، وتخيل ذلك بذهنه. فلما انتقض عيه هذا الأمر، تحيل في الهرب، وتوجه إلى دمشق. والتحق بخدمة السلطان الملك الناصر.","part":8,"page":158},{"id":3669,"text":"وكان وصوله إلى دمشق في جمادي الآخرة، سنة أربع وخمسين وستمائة - بعد أن نهبت أمواله، وقتلت رجاله. ولما وصل، أنزل بالمدرسة العزيزية على الشرف الأعلى، فقال للفقهاء: اعذروني، فأنتم اخلوا لي الجوسق الذي على الميدان، وما انتقل إليه إلا بطالع. وأحضر المنجم، وأخذ له الطالع، وانتقل إلى الجوسق. فاستقل الناس عقله. ! فإنه وصل من النهب والهرب، والشتات وقتل الرجال، وهو يتمسك بالطوالع وأقوال المنجمين.\rواستهلت سنة أربع وخمسين وستمائة:\rذكر تفويض قضاء القضاة بالديار المصرية للقاضي: تاج الدين عبد الوهاب بن القاضي الأعز خلف\rفي هذه السنة، فوض السلطان - الملك المعز - قضاء القضاة بمصر والوجه القبلي، لقاضي القضاة: تاج الدين عبد الوهاب، بن القاضي الأعز خلف، بن محمود بن بدر العلامي - وهو المعروف بابن بنت الأعز. وكتب له تقليد شريف معزى، تاريخه تاسع شهر رمضان. وكان ذلك جارياً في ولاية قاضي القضاة: بدر الدين يوسف السنجاري.\rفاستقر القاضي بدر الدين - قاضي القضاة - بالقاهرة والوجه البحري. ثم فوض ذلك، في بقية هذا الشهر، لقاضي القضاة تاج الدين، المشار إليه - بتقليد تاريخه لثمان بقين من شهر رمضان من السنة. فكمل له بهذه الولاية قضاء القضاة بالمدينتين، والعملين القبلي والبحري، وسائر أعمال الديار المصرية. وعزل قاضي القضاة: بدر الدين السنجاري عن القضاء.\rوقد شاهدت تقليدي قاضي القضاة تاج الدين. ونسخة التقليد الأول - بعد البسملة، ومثال العلامة المعزية: - حسبني الله. الحمد لله مقيم منار الشريعة الهادية، وناشر أعلامها. ورافع محلها على الشرائع ومعلى مقامها. وهادي الخليقة إلى اتباع أقضيتها وأحكامها. وناصر دينه باتساقها وانتظامها. ومشيد أركانها بصالحي أئمتها وحكامها، وجاعلهم أئمة يهدون بأمره في نقض الأمور وإبرامها. وصلى الله على سيدنا محمد، خاتم الرسل وإمامها. ومنير الملة بعد إظلامها. وعلى آله وأصحابه، نجوم سماء المعارف وبدور تمامها - صلاة لا تنقطع مادة دوامها، ولا يأتي النفاد على لياليها وأيامها.\rأما بعد. فإنا لما فوض الله إلينا من أمور بريته، واستحفظنا إياه من تدبير خليقته، وآتانا بقدرته من اليد الباسطة، وجعلنا بينه وبين عقد خلقه الواسطة، ومنحناه من السلطان والتمكين، وخصنا به من الفضل المبين - لا نزال من حسن التدبير في تصعيد وتصويب، ومن مصالح الإسلام في تمهيد وترتيب، ومن الرأي الأصيل في خبب وتقريب، عالمين بأن الله تعالى يسأل كل راع عما استرعاه، وكل ساع عما سعاه، ويحاسبه عليه يوم رجعاه، ويجد عمله مكتوباً مسطراً، وتجد كل نفس ما عملت من خير محضرا - وكان أولى الأمور بالنظر، وأحقها أن يصان صفوها عن الكدر، منصب الشريعة، الذي هو ملاك الدين وقوامه، وانتظام الإسلام والتئامه، والطريق التي فرض الله اتباعها على خلقه، والسبيل التي من فارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه - .\rارتدنا لهذا المنصب الشريف من يرعاه ويصونه، وتجري على يده حياطته وتحصينه. ونظرنا فيمن يقع عليه سهم الاختيار، ويظهر جوهره الابتلاء والاختبار. فكان المجلس السامي القاضي الأجل، الإمام الصدر، الفقيه الكبير العالم العامل الفاضل، الأعز المرتضى، الورع الكامل المجتبي، الأشرف السعيد، تاج الدين جلال الإسلام، مفتي الأنام، شمس الشريعة، صدر العلماء، قاضي القضاة، سيد الحكام، خالصة أمير المؤمنين: عبد الوهاب بن القاضي الأجل، الفقيه العالم الأعز، أبي القاسم خلف - أدام الله تأييده وتمكينه، ورفعته وتمهيده، وقرن بالنجح قصوده - طلبتنا المنشودة، وإرادتنا المقصودة. لما جمع الله فيه من الخلال الفاخرة، والديانة الجامعة لخير الدنيا والآخرة، والعلم الذي أمسى به للهداة علما، وعلى أئمة وقته مقدما. وأصبح كل مانع إليه مسلماً. وراح بقداح الفضائل فائزاً، ولكنوز العلوم الشريفة حائزا. فهو فقيه مصره، لا، بل فقيه عصره. وبكار زمانه علما وورعا، وسوار وقته تقمصاً بالتقوى وتدرعا.","part":8,"page":159},{"id":3670,"text":"قدمنا خيرة الله تعالى، ووليناه قضاء القضاة وحكم الحكام، بمصر المحروسة، وجميع الوجه القبلي: من البرين الشرقي والغربي، إلى منتهى ثغر عيذاب، وما يجاوره - من حدود مملكتنا، وبلاد دعوتنا، وجميع ما في هذه الولاية من المدارس وأوقافها، وكل ما كان في نظر القاضي الفقيه شرف الدين بن عين الدولة - رحمه الله - من ذلك، وما استجد بعده، واستقر في نظر الحكام. وفوضنا إليه ذلك التفويض التام. وبسطنا يده في الولاية والعزل. وحكمناه في العقد والحل. فليستخر الله في تقلد ما قلدناه، وقبول ما فوضناه إليه ورددناه. وليحكم بين الناس بما أراد الله. فإن قبول ذلك يجب عليه وجوبا، لما يتحقق أن الله يجريه في أحكامه، ويقدره في أيامه، من حياطة الدين ومصالح المسلمين.\rوإذا احتاج الحكام وولاة الأمور إلى وصايا يطال فيها ويطنب، ويبالغ في توكيدها ويسهب - وجدناه غنياً عن ذلك، بما سناه الله له ويسره، وخلقه من كماله وقدره. ومثله لا يوصى، ولا يستوعب له القول ولا يستقصى. والله تعالى يرقيه إلى درجات الكرامة، ويجعل فيما فوض صلاح الخاصة والعامة والاعتماد فيه على العلامة الشريفة، السلطانية الملكية المعزية - زاد الله علاها وشرفها، إن شاء الله عز وجل. كتب في التاسع من شهر رمضان، سنة أربع وخمسين وستمائة. الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، وسلم تسليماً كثيراً. وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rونسخة التقليد الثاني: الحمد لله، كافل المزيد لمن شكره، ورافع الدرجات لمن أطاعه فيما نهاه وأمره، وهادى أمة الحق إلى السبيل الذي يسره، وشرعه الذي ارتضاه لدينه وتخيره. وجاعل العلماء ورثة أنبيائه، فيما أباحه من الأحكام وحظره.\rأحمده حمداً لا يحصى عدده. وأشكره شكراً يتجدد كلما طال أمده. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، شهادة تستنفد الإمكان. ويشهد بالإخلاص فيها الملكان - . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي اصطفاه وانتخبه. وفرض اتباعه على خلقه وأوجبه. وبعثه رسولاً في الأميين. وأرسله رحمة للعالمين.\rونصب شريعته سبيلاً منجيا. وطريقاً إلى الرسل مؤديا. وشرف رتبتها وعظمها. وأعلى قدر من رقي ذروتها وتسنمها - صلى الله عليه - ما تعاقب شمس وقمر. وذكر مبتدأ وخبر وجرى بالكائنات مشيئة وقدر.\rوعلى الأنبياء، الذي أخلصهم بخالصة ذكرى الدار، وجعلهم من المصطفين الأخيار. وعلى آله أولى الأيدي والأبصار. وأصحابه المهاجرين والأنصار. صلاة دائمة الاستمرار. باقية على تعاقب الليل والنهار.\rأما بعد، فإن الله. تعالى - جعل شريعة نبيه صراطاً متبعا وطريقاً مهيعا ومحلاً مرتفعاً. وأنزل بتعظيمها قرآنا، وجعلها بين الحق والباطل فرقانا. فقال مخاطباً لنبيه - تنبيهاً وتعليماً، وتبجيلاً لقدرته وتعظيماً: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق، لتحكم بين الناس بما أراك اله ولا تكن للخائنين خصيما. وعظم قدر العلماء في آياته المحكمات، وكلماته البينات، فقال عز وجل: يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات.\rفتعين بذلك على ولاة الأمور، من الاجتهاد المأثور، أن يتخيروا لهذا المنصب الشريف، من الولاة: من هو أجلهم علما. وأعدلهم حكما، وأنفذهم في الحق سهما. وأضواهم حسا، وأشرفهم نفسا، وأصلحهم يوماً وأمسا. وأطهرهم وأورعهم. وأجداهم للإسلام وأنفعهم.\rوكنا قد مثلنا كنانة العلماء بمصرنا، فعجمنا عيدانها. واختبرنا أعيانها. فوجدنا المجلس العالي: القاضي الأجل، الصدر الكبير، الإمام العالم العامل الزاهد العابد، الكامل الأوحد، المجتبي المؤيد الأعز الأسعد، تاج الدين جلال الإسلام، ضياء الأنام، بهاء الملة، شمس الشريعة سيد الحكام، قدوة العلماء: يمين الملوك والسلاطين، قاضي قضاة المسلمين، خالصة أمير المؤمنين: عبد الوهاب، بن القاضي الفقيه، الأجل الأعز، أبي القاسم خلف - أدام الله تأييده وبسطته، وتمكينه ورفعته - قد زادت صفاته على هذه الصفات، وأوفت عليها أتم الموافاة. واختبرنا منه رجلاً، لو عرضت عليه الدنيا لم يردها. ولو صور نفسه لم يزدها. ووقع على سيادته إجماع الحاضرين والبادين، والمسودين والسائدين. وشهدوا بها، ونحن على ذلك من الشاهدين.","part":8,"page":160},{"id":3671,"text":"ففوضنا إليه ما فوضناه: من قضاء القضاة بمصر المحروسة، والأقاليم القبلية، وما معها. والأوقاف والمدارس وما جمعها - الجارية في نظر الحكم العزيز. ثم تجدد لنا نظر يعم المسلمين شانه، ومنظر يرمقهم بالمصالح إنسانه. وعلمنا أن هذه الولاية بعض استحقاقه، وأنها قليلة في جنب نصحه للمسلمين وإشفاقه. وأن صدره الرحيب لا يضيق بأمثالها ذرعا، ولا يعجز - بحمد الله - أن يرعيها بصراً من إيالته وسمعا. إذ كان قد أحيي بها السنة السلفية، وأظهر أسرار العدل الخفية. وزاد الحق بنظره وضوحا، والمعروف دنوا والمنكر نزوحا - رأينا أن نجمع إليه قضاء القضاة بالقاهرة المعزية والوجه البحري، وما كان يتولاه من قبله، من أوقاف البلاد ومدارسها، وربطها ومحارسها، ومنابت العلوم ومغارسها.\rوقد أكملنا له بذلك قضاء القضاة بجميع الديار المصرية: أرجاء وأكنافا، ومداين وأريافا، وأوساطاً وأطرافاً. وجعلناه الحاكم في أقضيتها، والمتصرف في أعمالها ومدانيها. وأقاصي بلادها وأدانيها. وأطلقنا يده في أحكامها، وما يراه من تولية وعزل لحكامها. والنظر فيما كان الحكام قبله يتولونه من الوقوف. وهو غنى أن يوصى بنهى عن منكر أو أمر بمعروف. لما فيه من صفات الكمال، وشريف الخلال. ولم نستوف وصية في عهدنا إليه ولم نستقصها، واستغنينا عن مبسوط الأقوال بملخصها - تحققاً أنه صاحب قياس الشريعة ونصها.\rفليحكم بما فوضناه إليه، وبسطنا فيه يديه: من الجرح والتعديل، والإقرار والتبديل. والله يوفقه فيما تولاه قائلا وفاعلا، ويرشده لمراضيه مسئولا وسائلا، ويجعل الصلاح للكافة به شاملاً. ويقرن التقوى بلسانه وقلبه، ويلبسه من السعادة ملبساً لا تتخطى الخطوب إلى سلبه. ويجعله داعياً إلى الله على بصيرة من ربه. إن شاء الله عز وجل.\rكتب لثمان بقين من شهر رمضان المعظم، من سنة أربع وخمسين وستمائة. بالإشارة العالية الصاحبية، الوزيرية المولوية الشرفية، ضاعف الله علاها. الحمد لله رب العالمين. وصلى الله علي سيدنا محمد نبيه وآله، وسلم. حسبنا الله ونعم الوكيل.\rوكتب الوزير الصاحب شرف الدين الفائزي - على كل من هذين التقليدين، تحت خط السلطان في بيت العلامة، ما مثاله: تمثيل الأمر العالي - أعلاه الله وشرفه.\rوقد نقلت ذلك من التقليدين، كما شاهدته. ولم يتعرض الموقع فيهما إلى ذكر جامكية ولا جراية. والله أعلم.\rولم تطل مدة هذه الولاية. فإنه صرف في السنة التي تليها، سنة خمس وخمسين - في ثالث شهر ربيع الأول، وقيل بعد ذلك بقليل، والله أعلم.\rزلزال المدينة النبوية\rعلى صاحبها أفضل الصلاة والسلام - من الزلازل، والنار التي ظهرت بظاهرها وفي سنة أربع وخمسين وستمائة، وردت كتب من المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - بخبر هذه الحادثة. من جملتها، كتاب القاضي شمس الدين سنان، بن عبد الوهاب بن نميلة الحسيني - قاضي المدينة - وإلى بعض أصحابه بدمشق، مضمونه: لما كانت ليلة الأربعاء. ثالث جمادى الآخرة - حدث بالمدينة في الثلث الأخير من الليل، زلزلة عظيمة، أشفقنا منها، ودامت بقية تلك الليلة. تزلزل كل يوم وليلة قدر عشر نوبات. والله، لقد زلزلت مرة، ونحن حول حجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى اضطرب لها المنبر، وسمعنا منه صوت الحديد الذي فيه ! واضطربت قناديل الحرم الشريف ! ودامت الزلزلة إلى يوم الجمعة ضحى، ولها دوى مثل دوى الرعد القاصف ! ثم طلع، يوم الجمعة، في طريق الحرة في رأس قريظة، على طريق السوارقية بالمقاعد، مسيرة من الصبح إلى الظهر - نار عظيمة مثل المدينة العظيمة ! وما ظهرت لنا إلا ليلة السبت. وأشفقنا منها وخفنا خوفاً عظيماً.\rوطلعت إلى الأمير وكلمته، فقلت له: قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى الله تعالى. فأعتق ممالكه، ورد جماعة أموالهم. فلما فعل هذا، قلت له: اهبط الساعة معنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فهبط، وبنا ليلة السبت، والناس جميعاً والنسوان وأولادهم، وما بقي أحد، لا في النخيل ولا في المدينة - إلا عند النبي صلى الله عليه وسلم.","part":8,"page":161},{"id":3672,"text":"وأشفقنا منها، وظهر لها لسان - حتى رؤيت من مكة، ومن الفلاة جميعها. ثم سال منها نهر من نار، وأخذ في وادي أحيلين، وسد الطريف. ثم طلع إلى بحرة الحاج، وهو نهر نار يجري - وفوقه جمر تسير إلى أن قطعت الوادي - وادى الشظاة. وما عاد يجيء في الوادي سيل قط، لأنها حرة، تجى قامتين وثلاثا علوها. وتمت تسير، إلى أن سدت بعض طرق الحاج، وبعض البحرة، بحرة الحاج. وجاء في الوادي إلينا منها قتير وخفنا أنه يجيئنا. واجتمع الناس، ودخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وباتوا عنده جميعهم ليلة الجمعة. فطفىء قتيرها الذي يلينا، بقدرة الله سبحانه.\rوهي إلى الآن وما نقصت، إلا ترى مثل الجمال حجارة من نار. لها دوي، ما يدعنا نرقد ولا نأكل ولا نشرب. وما أقدر أصف لك عظمها، وما فيها من الأهوال. وأبصرها أهل التنعيم، وندبوا قاضيهم ابن أسعد. وجاء وعدى إليها، وما قدر يصفها من عظمها. قال: وكتبت الكتاب، يوم خامس رجب، وهي على حالها، والناس منها خائفون. والشمس والقمر، من يوم طلعت، ما يطلعان إلا كاسفين. نسأل الله العافية.\rقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: بان عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نورها على الحيطان. وكنا حيارى من ذلك، لا ندري ما هو ؟ إلى أن اتضح، وجاء هذا الخبر عن هذه النار.\rوجاء كتاب آخر من بعض بنى القاشاني بالمدينة، يذكر فيه خبر هذه الحادثة، نحو ما تقدم، ويقول: ومن قبل ذلك بيومين، سمع الناس صوتاً مثل صوت الرعد - ساعة بعد ساعة - وما في السماء غيم، حتى يظن أنه منه. ثم زلزلت الأرض في يوم الأربعاء المذكور آنفا، فرجفت بنا رجفة لها صوت كدوي الرعد. ففزع الناس إلى المسجد، وضجوا بالاستغفار والصلاة. ودامت ترجف بالناس، ساعة بعد ساعة، من ليلة الأربعاء إلى صبح يوم الجمعة. فارتجت الأرض رجة قوية، إلى أن اضطرب بنا المسجد، وسمع لسقف المسجد صرير عظيم ! وسكتت الزلزلة بعد صبح يوم الجمعة، إلى قبل الظهر.\rثم ظهرت نار من الحرة تتفجر من الأرض، فارتاع الناس لها روعة عظيمة. ثم ظهر لها دخان عظيم في السماء، ينعقد، حتى بقي كالسحاب الأبيض، يتصل إلى قبيل مغيب الشمس من يوم الجمعة. ثم ظهر للنار ألسن تصعد إلى السماء حمر، وعظمت حتى غطت حمرة النار السماء كلها. وبقي الناس في مثل ضوء القمر. وأيقن الناس بالهلاك والعذاب. وذكر من توبة الناس، وفعل الأمير بالمدينة وعتقه مماليكه، ووضعه المكوس، نحو ما تقدم.\rقال: وبقيت النار تلتهب التهاباً، وهي كالجبل العظيم، ولها حس كالرعد. فدامت كذلك. فدامت كذلك أياماً. ثم سالت في وادي أحيلين، فتحدرت في الوادي إلى الشظاة، حتى لحق سيلانها بالبحرة بحرة الحاج، بحرة الحاج، والحجارة معها تتحدر وتسير، حتى كادت تقارب حرة العريض. ثم سكنت ووقفت أياماً. ثم عاد يخرج من النار حجارة أمامها وخلفها، حتى بنت جبلين أمامها وخلفها، وما بقي يخرج منها من بين الجبلين لسان لها أياماً. ثم انها عظمت الآن، وسناها إلى الآن، وهي تتقد كأعظم ما يكون. ولها صوت عظيم من آخر الليل إلى صحوة في كل يوم. ولها عجائب ما أقدر أصفها، ولا أشرحها لك على الكمال. وإنما هذا منها طرف. قال: وكتبت هذا الكتاب، ولها شهر وهي في مكانها، ما تتقدم ولا تتأخر.\rوقال بعض أهل المدينة في ذلك شعراً، وهو:\rيا كاشف الضر: صفحاً عن جرائمنا ... لقد أحاطت بنا يا رب بأساء\rنشكو إليك خطوباً لا نطيق لها ... حملاً، ونحن بها، حقاً أحقاء\rزلازلاً تخشع الصم الصلاب لها ... وكيف يقوى على الزلزال شماء\rأقام سبعاً يرج الأرض، فانصدعت ... عن منظر، منه عين الشمس عشواء\rبحر من النار، تجري فوقه سفن ... من الهضاب، لها في الأرض إرساء\rكأنما فوقه الأجبال، طافية ... موج علاه لفرط الهيج غثاء\rيرى لها شرر كالقصر طائشة ... كأنها ديمة تنصب هطلاء\rتنشق منها قلوب الصخر، إن زفرت ... رعباً، ويرعد مثل السعف رضواء\rمنها تكاثف في الجو الدخان إلى ... أن عادت الشمس منه وهي دهماء\rقد أثرت سفعة في البدر لفحتها ... قليلة التم بعد النور ليلاء","part":8,"page":162},{"id":3673,"text":"تحدث النيرات السبع ألسنها ... بما يلاقي بها تحت الثرى الماء\rوقد أحاط لظاها بالبروج، إلى ... أن كاد يلحقها بالأرض إهواء\rفيالها آية من معجزات رسول ... الله يعقلها القوم الألباء\rفباسمك الأعظم المكنون إن عظمت ... منا الذنوب، وساء القلب أسواء\rفاسمح وهب وتفضل وامح واعف وجد ... واصفح، فكل لفرط الجهل خطاء\rفقوم يونس لما آمنوا أمنوا ... كشف العذاب، وعم القوم نعماء\r؟ونحن أمة هذا المصطفى، ولنا ... منه إلى عفوك المرجو دعاء\rهذا الرسول الذي لولاه ما سلكت ... محجة في سبيل الله بيضاء\rفارحم وصل على المختار، ما خطبت ... على علا منبر الأوراق ورقاء\rاحتراق مسجد المدينة\rالنبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وفي هذه السنة - في ليلة الجمعة أول شهر رمضان - احترق مسجد المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.\rابتدأ حريقه من زاويته الغربية، من الشمال. وكان سبب ذلك أن أحد القومة دخل إلى الخزانة، ومعه نار، فعلقت في آلات ثم، واتصلت بالسقف بسرعة، ثم دبت في السقوف، فأعجلت الناس عن قطعها. فما كان إلا ساعة، حتى احترقت سقوف المسجد أجمع، ووقعت بعض أساطينه وذاب رصاصها - وذلك قبل أن نام الناس. واحترق سقف الحجرة الشريفة.\rقلت: وفي وقوع هذه النار معجزة لنبينا - صلى الله عليه وسلم، فإن الخلفاء والملوك بعده - صلى الله عليه وسلم - زادوا في عمارة المسجد بأنواع من العمارة، وتفننوا في النقوش والإتقان، وهو - صلى الله عليه وسلم - كره ذلك، وقال - في مرضه الذي انتقل فيه إلى جوار ربه: لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وقالت عائشة - رضي الله عنها - ولولا ذلك لأبرز قبره - صلى الله عليه وسلم. فجاءت هذه النار، فأكلت ما كرهه صلى الله عليه وسلم.\rواستهلت سنة خمس وخمسين وستمائة:\rمقتل السلطان الملك المعز\rوشيء من أخباره، ومقتل شجر الدر الصالحية كان مقتله - رحمه الله تعالى - في يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول، سنة خمس وخمسين وستمائة.\rوسبب ذلك أن شجر الدر - سرية الملك الصالح زوجته - اتصل بها أنه سير يخطب ابنة صاحب الموصل. فتنكرت لذلك. وكان هو أيضاً قد تغير عليها، بسبب امتنانها عليه، وأنها هي التي ملكته الديار المصرية، وسلمت إليه الخزائن. وعزم المعز على قتلها، فلم يخفها ذلك. فبادرت بالتدبير عليه، واتفقت هي ومحسن الجوجري الخادم، ونصر العزيزي، على قتله.\rفلما كان في هذا التاريخ، طلع الملك المعز من الميدان إلى قلعة الجبل عقيب اللعب بالكرة - فأمر بإصلاح الحمام، وعبر إليها. فدخل عليه محسن الجوجري، وغلام له شديد القوة، فقتلوه في الحمام ! وشاع الخبر بقتله، في بكرة نهار الأربعاء، فسمر محسن الجوجري الخادم وغلامه على باب قلعة الجبل. وأما نصر العزيزي فإنه هرب إلى الشام. وأحضرت شجر الدر إلى أم نور الدين بن الملك المعز، فمازالت تضربها - وهي وجواريها وخدمها - إلى أن ماتت. وألقيت من أعلى السور إلى الخندق. وبقيت أياماً عريانة ملقاة في الخندق. ثم حملت ودفنت في تربتها المجاورة لمشهد السيدة نفيسة.\rوكانت شجر الدر هذه سرية الملك الصالح نجم الدين أيوب، وهي والدة خليل ابنه. وكانت قد ملكت الديار المصرية، وخطب لها وخرجت تواقيعها ومناشيرها، بالأرزاق والمباشرات والإقطاعات - وقد تقدم ذكر شيء منها. ولما ملك السلطان الملك المعز وتزوجها، ما زالت تخاطب بالسلطنة، وتخرج تواقيعها بالإطلاقات وإبطال الحوادث وكف المظالم، فتنفذ كنفوذ التواقيع السلطانية.\rوقد شاهدت منها توقيعاً على ظهر قصة، مترجمها على بن هاشم، مضمونها: يقبل الأرض بالمقام العالي السلطاني الخاتوني، عصمة الدين، بسط الله ظلها في مشارق الأرض ومغاربها - وينهى أن له خدمة على مولانا الشهيد - قدس الله روحه - وله مليك اقتناه في أيامه، ولم يسقع عليه قط. وفي هذه الأيام التمسوه، وسأل إجراءه على عادته، من غير حادث.","part":8,"page":163},{"id":3674,"text":"وخرج التوقيع في ظهرها، ومثال العلامة عليه: والدة خليل الصالحية: المرسوم، بالأوامر العالية المولوية السلطانية - زادها الله شرفاً وعلواً - أن يجرى الأمير الأجل الأخص الأمجد الأعز: نور الدين مترجمها - أدام الله توفيقه - على عادته. ولا يطلب بسبب تصقيع ولا غيره، وليعف من ذلك - رعاية لحق خدمته على الدولة الشريفة، ولقدم هجرته وانقطاعه إلى الله تعالى. فليعتمد ذلك بعد الخط الشريف أعلاه وثبوته - إن شاء الله تعالى. كتب في ثاني عشرين جمادي الآخرة، سنة ثلاث وخمسين وستمائة - برسالة الطواشي شرف الدين مختص الجمدار - أيده الله تعالى.\rوكتب عليه بالامتثال. ونفذ حكمه وعمل بمقتضاه. وإنما شرحنا هذا التوقيع، ليعلم أن تواقيعها كانت جارية بلفظ السلطنة، في الدولة المعزية.\rوكانت مدة سلطنة الملك المعز ست سنين وأحد عشر شهراً، إلا أربعة أيام. وكان ملكا حازماً شجاعاً، سئوساً حسن التدبير - إلا أنه كان سفاكا للدماء. قتل جماعة من خوشداشيته بغير ذنب، ليقيم ناموس ملكه.\rووزر له الصاحب الأسعد: شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزي. وتمكن منه تمكناً عظيماً. وقدمه على العساكر وصرفه في الأموال.\rوكان الوزير المذكور من قبط مصر. خدم الملك الفائز أخا الملك الكامل كاتباً، ثم تقدم وترقى وتنقل في المراتب، إلى أن وزر. وتحول في الدولة وابتاع المماليك لنفسه. وتعالى في أثمانهم، فكان يبتاع المملوك بألف دينار عيناً. واجتمع له نحو من سبعين مملوكاً، يركبون في خدمته وينزلون. وكان يقول في وزارته: كنت كاتب المصايد بقنطرة سيوط، بدرهم وثلث في كل يوم، ثم ترقيت إلى هذه الغاية.\rوكان ظالم النفس، أحدث في وزارته حوادث كثيرة ومكوسا. واستناب القاضي زين الدين بن الزبير، لفضيلته وكفايته ومعرفته باللغة التركية. وكان يحفظ له نظام المجلس.\rولما قتل الملك المعز ملك بعده ولده الملك المنصور.\rالملك المنصور نور الدين\rعلى بن السلطان الملك المعز وهو الثاني من ملوك دولة الترك بالديار المصرية ملك الديار المصرية بعد مقتل أبيه - رحمه الله تعالى - في يوم الخميس السادس والعشرين من شهر ربيع الأول، سنة خمس وخمسين وستمائة. وذلك باتفاق من الأمراء المعزية - مماليك والده - فحلفوا له، واستحلفوا جميع العساكر. وجعلوا الأمير فارس الدين أقطاي، المستعرب الصالحي - خوشداش والده - أتابكه، بحكم صغر سن الملك المنصور. ثم استقرت الأتابكية - بعد ذلك - للأمير سيف الدين قطز، المعزى - مملوك والده.\rووزر له الصاحب شرف الدين الفائزي، أياماً قلائل، ثم قتل. وذلك أن الأمير سيف الدين قطز عزله عن الوزارة، وأمر بالحوطة على أمواله وأسبابه وذخائره. وكان مثرياً، وله ودائع كثيرة، فتتبعت واستخرجت ممن كانت تحت يده. واعتقل، فسأل أن يعطى مالاً، فداء عن نفسه.\rحكى عن الصاحب بهاء الدين السنجاري أنه قال: دخلت عليه في محبسه، فسألني أن أتحدث في إطلاقه - على أن يحمل في كل يوم ألف دينار. قال: فقلت له: كيف تقدر على هذا ؟ فقال: أقدر عليه إلى تمام سنة. وإلى انقضاء سنة يفرج الله ! ولما بذل هذا المال، امتنعت والدة الملك المنصور من ذلك، ولم ترض إلا بقتله. لأنها كانت مجفوة من السلطان الملك المعز، وكان قد اتخذ سرارى وجعلهن عند الوزير شرف الدين، فنقمت ذلك عليه، وأمرت بقتله. فقتل صبراً.\rذكر أخبار الوزراء، ومن ولي وزارة الملك المنصور إلى أن استقر في الوزارة قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز\rلما صرف الصاحب شرف الدين الفائزي، فوضت الوزارة بعده للفقيه: نور الدين علي بن رضوان القرافي مؤدب الملك المنصور هذا، وخلع عليه خلع الوزراء. فامتنع أن يخط بقلمه، أو يكتب على توقيع أو منشور، واستمر كذلك عشرين يوماً، واستعفى. فأرسل إليه قاضي القضاة بدر الدين السنجاري، يلتمس منه أن يتحدث له في الوزارة، ويعده عنه، فيما قيل - للأتابك: أنا لا أصلح لهذا المنصب، ولا أنفع ولا أنتفع به: وأشار بالقاضي بدر الدين.\rفعند ذلك فوض للفقيه نور الدين هذا نظر الأحباس والأوقاف، والشافعي والخانقاه والترب، وغير ذلك من الأوقاف وفوضت الوزارة لقاضي القضاة: بدر الدين السنجاري، فوليها ثلاثة أشهر وأياماً، ثم عزل.","part":8,"page":164},{"id":3675,"text":"وفوضت الوزارة بعده لقاضي القضاة: تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز - وكان قد صرف عن القضاء قبل ذلك، وأعيد قاضي القضاء بدر الدين. وكانت وزارته في العاشر من شهر رمضان، سنة خمس وخمسين وستمائة.\rونسخة التقليد - على ما نقلته عنه - ومثال العلامة السلطانية بعد البسملة: الحمد لله وبه توفيقي. الحمد لله الذي أوضع بعد الغى سبيل الرشد. وتدارك من المجد ما أخلق من أبراده الجدد. وثقف قناة الملك حتى لا يرى فيها عوج ولا أود. واستغنى في تدبير سلطانه العظيم عن وزير به يعتضد.\rأحمده على نعم سهلت صعبا. وسقت على ظمأ بارداً عذبا. ورجع بها ما ضاق من الأمور واسعاً رحبا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي أضحى به معهد الإيمان معهودا. ونظام المكرمات منضودا. وعلى آله وأصحابه، الذين كان سعيهم في الإسلام محمودا، وأنوار مناقبهم متوقدة لا تعرف خمودا.\rوبعد، فلما كان المجلس السامي، الصاحب الأجل، الصدر الكبير، الإمام العالم، الوزير الكامل، المجتبى المختار، تاج الدين، بهاء الإسلام، مجد الأنام، شرف الوزراء زين الفضلاء، رئيس الأصحاب، صفوة الملوك والسلاطين، مفتى الفرق، خالصة أمير المؤمنين: عبد الوهاب ابن القاضي الأعز خلف - أدام الله سعادته، وقرن بالتأييد بدأه وإعادته - ممن سلكت به التجربة حزناً وسهلا، وراض جامح الأمور ناشئاً وكهلا، وتمت كلمات تفضيله بفضائله صدقاً وعدلا، وجددت له مساعيه الحميدة ملابس ثناء لا تبلى. وأجلى من أبكار معانيه بدوراً لا تعرف أفولاً ولا كسوفاً، واستل من آرائه شعلاً، فلو طبعت لكانت سيوفاً. واتسق نظام بلاغته، فكأنه نظام فريد. واستعيدت ألفاظه فما أخلقها العود على المستعيد. وحلى بدرر مساعيه جيداً من الملك عاطلا، وعاد ربع المكارم بمناقبه عامراً آهلا.\rرسم بالأمر العالي المولوي السلطاني، الملكي المنصوري النوري - شرفه الله وأعلاه، وأنفذه وأمضاه - أن يفوض إليه أمر الوزارة، لما علم فيه من السودد الذي اقتاد به صعب المكارم والمفاخر، التي حاز منها ما لم يحزه الأوائل، وإن جاء في الزمن الآخر. والفضائل التي فاز منها بقصب السبق، والأحكام التي تحلى فيها بدر الأناة والرفق. والسياسة التي سلك بها نهج السبيل إلى الحق. والمعالي التي أبدى في كسبها ما أبداه، من ثغره الضاحك ووجهه الطلق. والنزاهة التي أهلته لأشرف المناصب، وقضت له بسلامة العواقب، والصنايع التي غذت معارفه عند مناكرة النوائب، والمكارم التي لحت في العلو، فكأنها تحاول أخذ ثأر من الكواكب.\rولقد أمعنا النظر في إرتياده. وانتقدناه من بين الناس، فلم نأل جهداً في انتقاده. وخطب لهذه الرتبة الرفيعة لما أوراه في المكرمات من زناده. وأهل لهذا المنصب الشريف الذي يدع الآباء والأبناء من حساده.\rفليتول ما وليناه من أمر الوزارة، فهو لها من الأكفاء. وما اصطفيناه إلا هو جديرٌ بهذا الاصطفاء. ولمثل هذه الرتبة يتخير الأكارم من الرجال. وإذا تناسبت الأشياء، ظهر عليها نضرةٌ وجمال. فليرهف لتدبيره عزمه الماضي الضرائب. وليستر بمحاسن سعيه ما يبدو له من المعايب. وليهتم بأمر الأموال، فإن الأغراض منها مستفادة. وليول من الأمناء من يستحق منا الحسنى وزيادة.\rولينعم النظر في عمارة البلاد. واستعمال العدل الذي به تدر أرزاق العباد. وبنوره يهدي إلى سبيل المراشد كل هاد. وعنده يوجد تصديق ظنون الرواد والوراد. وليكن لأحوال ولاة الأمور متفقدا، وللنظر في أحوالهم مجددا. وليضرب عليهم بالأرصاد مغيباً ومشهدا. وليصفح عن من لم يكن منهم للزلة متعمدا. فما نؤثر إلا أن يكون الإحسان للناس شاملا، والبر إليهم متواصلاً. وما تحسن السير إلا إذا تحلت بالمناقب والمفاخر. وتضمنت محاسنها بطون الأوراق وصدور الدفاتر.\rوليتناول من الجامكية والجراية، لاستقبال المباشرة في الشهر، من العين مائة دينار من الجوالي بالصرف الحاضر. ومن الغلات، من الأهراء المباركة بمصر المحروسة، خمسين إردبا قمحا وشعيرا - ثلثين وثلث. ومن الراتب - الشاهد به الديوان المعمور لمن تقدمه - النصف.","part":8,"page":165},{"id":3676,"text":"وعين جهات الراتب، فقال: الخبز من المخابز، واللحم مع التوابل والخضر المثمنة، وما هو مقررٌ على دار الوكالة مشاهرةً، من عرصتي الفاكهة بالقاهرة ومصر والرباع، وغير ذلك. والعليق المقرر على الاسطبلات من الأهراء أيضاً. وإن تعذر حصول الغلة المقدم ذكرها، والعليق المذكور، يثمن بالسعر الحاضر، وتكون جهته من جهة الجامكية. فليستعن بهذا المقرر على كلف أوقاته. وليصرفه في وجوه نفقاته، بعد العلامة الشريفة أعلاه، وثبوته بحيث يثبت مثله، إن شاء الله تعالى.\rوكتب في العاشر من شهر رمضان المبارك، سنة خمس وخمسين وستمائة، بالإشارة العالية المولوية الأتابكية الفارسية - أدام الله علوها. الحمد لله وحده. وصلواته على سيدنا محمد نبيه، وآله، وسلامه.\rوكتب هذا التقليد في ورق بغدادي في قطع الربع. وعادة تقاليد الوزراء - في وقتنا هذا - تعظم أربابها في النعوت والكتابة، أكثر من هذا.\rوفي هذه السنة - وقيل في السنة الآتية - كانت الوقعة بين العساكر المصرية والملك المغيث والبحرية، وانتصر العسكر المصري، وانهزم الملك المغيث والبحرية. وقد تقدم ذكر ذلك في أخبار البحرية، فلا فائدة في إعادته.\rواستهلت سنة ست وخمسين وستمائة:\rفي هذه السنة، كانت وفاة بهاء الدين أبو الفضل زهير، بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن، بن جعفر بن منصور بن عاصم المهلبي الكاتب.\rكان من فضلاء عصره. وكان قد خدم الملك الصالح نجم الدين أيوب، لما كان ينوب عن والده الملك الكامل. وتوجه في خدمته إلى الشرق، ولازمه إلى أن قبض على الملك الصالح واعتقل بالكرك. فأقام بنابلس محافظةً لمخدومه، إلى أن خلص، فعاد إلى خدمته. وحضر في صحبته إلى الديار المصرية، وتمكن منه واطلع على سره.\rوكانت وفاته قبيل المغرب من يوم الأحد، رابع عشر ذي القعدة. ودفن من الغد، بعد صلاة الظهر، بتربته بالقرافة الصغرى، بالقرب من تربة الإمام الشافعي. ومولده بمكة - شرفها الله تعالى - في يوم الأربعاء، خامس ذي الحجة، سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.\rوفيها، توفي الإمام الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم، بن عبد القوي بن عبد الله بن سلام، بن سعد بن سعيد المنذري.\rوكانت وفاته بالقاهرة، في يوم السبت، أول الساعة العاشرة، ثالث أو رابع ذي القعدة، سنة وخمسين وستمائة. وصلى عليه في يوم الأحد - بعد الظهر - بالمدرسة الكاملية بالقاهرة المعزية. ثم صلى عليه تحت القلعة. وصلى عليه عند قبره قبل العصر. ودفن بسفح المقطم. وكان مولده بفسطاط مصر، في غرة شعبان، سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وانتهت إليه رياسة الحديث في زمانه - رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي الشيخ الفقيه الإمام: أبو إسحاق إبراهيم، بن يحيى بن أبي المجد، الأسيوطي الشافعي.\rوكانت وفاته بالقاهرة المعزية، في عشية اليوم السابع من ذي القعدة، من هذه السنة، ودفن بسفح المقطم. ومولده في سنة سبعين وخمسمائة - تقريباً. وكان أحد المشايخ المشهورين بمعرفة مذهب الشافعي. وكان كثير الإيثار مع الإقتار، والإفضال مع الإقلال، كريم الأخلاق. رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة سبع وخمسين وستمائة:\rفي هذه السنة - ثاني عشر جمادى الآخرة - جبى التسقيع بالقاهرة.\rوفيها، في شعبان - أمسك شخص يعرف بالكوراني، فضرب ضربا شديداً، وحبس على بدعٍ رؤيت منه وسمعت عنه. ثم جدد إسلامه وتاب، على يد شيخ الإسلام: عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، وأطلق من الحبس. وكان مقامه بالجبل الأحمر.\rذكر القبض على الملك المنصور، وعلى أخيه قاآن، واعتقالهما\rكان القبض على السلطان الملك المنصور، بن السلطان الملك المعز، في يوم الجمعة - السابع والعشرين من ذي القعدة - سنة سبع وخمسين وستمائة.\rوسبب ذلك أنه تشاغل باللهو واللعب، والمسابقة بالحمير الفره، بين يديه، وأمثال ذلك. وكانت أمه تدبر المملكة تدبير النساء. فأطمعت الأمير سيف الدين قطز المعزى نفسه بالملك. واتفق خروج خوشداشيته إلى الصيد، فانتهز الفرصة، وقبض على الملك المنصور، وعلى أخيه قاآن، وعلى والدته. واعتقلهما في برج السلسلة بثغر دمياط، ثم سفر إلى القسطنطينية في الأيام الظاهرية الركنية. فكانت مدة سلطنته سنتين، وثمانية أشهر، ويومين.\rالملك المظفر سيف الدين قطز المعزى","part":8,"page":166},{"id":3677,"text":"وهو الثالث من ملوك دولة الترك بالديار المصرية ملك الديار المصرية في يوم السبت، لليلتين بقيتا من ذي القعدة، سنة سبع وخمسين وستمائة - بعد أن قبض على الملك المنصور، بن مولاه الملك المعز.\rقال: ولما ملك، حضر خوشداشيته من الصيد، وتنكروا له، وامتعضوا من ملكه. فقبض عليهم واعتقلهم، وأعجلهم عن التدبير. وهم: الأمير علم الدين سنجر الغتمي، والأمير شرف الدين قيزان المعزى، وعز الدين أيبك النجيبي الصغير، وشمس الدين قرا سنقر المعزى. واعتقل أيضاً شمس الدين الدود: خال الملك المنصور بن المعز، والطواشي حسام الدين بلال المغيثي اللالا.\rواستحلف الأمراء والعساكر، وأظهر الحزم. واستوزر الصاحب زين الدين بن الزبير. وعزل الأمير حسام الدين بن باذ عن وظيفة شاد الدواوين. وولي الأمير نور الدين بن السديد. واستمر بالأمير فارس الدين أقطاي المستعرب على الأتابكة، وفوض إليه أمر العساكر.\rواحتفل بأمر الجند، واستعد للجهاد. وأرسل إلى الملك الناصر صاحب الشام، وطلب منه الاتفاق واجتماع الكلمة. والمظافرة على العدو، وأن يكونا يدا واحدة على حرب التتار. فحلف له على ذلك. ثم كان من أمر الملك الناصر، واضطراب أمره، وزوال ملكه، واستيلاء التتار على حلب ودمشق وغيرها - ما قدمناه.\rوملك التتار الشام بأسره. وجرد هولاكو كتبغا نوين في جيش كثيف، اختاره من المغل، وبعثه إلى الشام. وكان من أمره، وأمر جيوش الشام، وتحللهم بلاد الشام، ووصولهم إلى نابلس، وقتل من قدمنا ذكره بها - ما شرحنا ذلك في أخبار الملك الناصر. فلا فائدة في إعادته.\rوفي سنة سبع وخمسين وستمائة.\rتوفي الأمير منيف بن شيحة، صاحب المدينة النبوية. وقام بعده بالمدينة أخوه: جماز بن شيحه.\rوفيها، توفي الشيخ الفاضل الصدر الكبير فتح الدين أبو العباس: أحمد بن الشيخ جمال الدين أبي عمرو عثمان، بن أبي الحوافر - رئيس الأطباء بالديار المصرية.\rوكانت وفاته في ليلة الخميس، رابع عشر رمضان، ودفن بالقرافة. وولي رياسة الأطباء بعده ابن أخيه: الصدر شهاب الدين أحمد، بن محيي الدين رشيد بن جمال الدين عثمان، بن أبي الحوافر.\rواستهلت سنة ثمان وخمسين وستمائة:\rذكر وصول البحرية والشهرزورية إلى خدمة السلطان الملك المظفر\rفي هذه السنة، فارق الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري - ومن معه من الأمراء البحرية - السلطان الملك الناصر صاحب الشام، لما رأوه من ضعف رأيه، وتخاذله عن ملاقاة عدوه. وتوجهوا إلى غزة. واجتمعوا هم والأمراء الشهرزورية.\rوأرسل الأمير ركن الدين بيبرس - المذكور - الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري إلى السلطان الملك المظفر، يستأذنه في الحضور إلى خدمته - هو ومن معه - ويلتمس إيمانه لهم. فأجاب الملك المظفر إلى ما طلب. فتوجه من غزة بمن معه. وكان وصولهم إلى القاهرة في يوم السبت، الثاني والشعرين من شهر ربيع الأول.\rفركب الملك المظفر للقائهم، وأنزل الأمير ركن الدين بدار الوزارة. وأقطعة قصبة قليوب، لخاصه. فأشار الأمير ركن الدين عليه بحرب التتار. وقوي عزائمه على ذلك.\rذكر خبر المصاف الكائن بين السلطان الملك المظفر ومن معه من الجيوش الإسلامية، وبين جيش التتار على عين جالوت. وانهزام التتار وقتل مقدمهم كتبغا نوين، وما يتصل بذلك من الأخبار\rلما ملك التتار الممالك الشامية، وزالت دولة الملك الناصر صلاح الدين يوسف من الشام - كما قدمنا ذكر ذلك - راسل كتبغا نوين، مقدم جيش التتار، السلطان الملك المظفر، وأرسل إليه، يطالبه ببذل الطاعة، وتعبئة الضيافة. فقتل الملك المظفر رسله، إلا صبياً واحداً، فإنه استبقاه، وضمه إلى جملة مماليكه.\rواستعد للجهاد، وخرج بعساكر الديار المصرية، ومن انضم إليه من جيوش الشام - الذين فارقوا الملك الناصر - ومن حضر إليه من الأمراء البحرية، والأمراء الشهرزورية، وغيرهم.\rوراسل الملك الأشرف مظفر الدين موسى، صاحب حمص - وكان قد عاد من جهة هولاكو من حلب - وفوض إليه نيابة السلطنة بالشام أجمع، وحلب، وغير ذلك، والملك السعيد بن الملك العزيز عثمان بن الملك العادل - وكان قد أخذ من هولاكو فرماناً بالصبيبة وبانياس. وسألهما المظافرة والمعاونة على حرب العدو، وأن تكون الكلمة واحدة.","part":8,"page":167},{"id":3678,"text":"فتوجه رسوله، واجتمع بالملك السعيد. فسبه وسب من أرسله، وقال: من هو الذي يوافق هذا الصبي، أو يدخل في طاعته أو ينضم إليه ؟! ونحو هذا من الكلام. ففارقه وتوجه إلى الملك الأشرف. فخلا الملك الأشرف بالرسول، وقبل الأرض بين يديه تعظيما لمرسله. وأجلسه مكانه على مرتبته وجلس بين يديه، وسمع رسالته. وقال له: قبل الأرض بين يدي مولانا السلطان الملك المظفر، وأبلغه عني أنني في طاعته وموافقته، وامتثال أمره. والحمد لله الذي أقامه لنصرة هذا الدين. ووعد أنه، إن حضر المصاف مع التتار، انهزم بهم، إلى غير ذلك. وأعطى الرسول ذهبا جيداً، واعتذر إليه.\rفعاد الرسول، وأبلغ الملك المظفر عن كل من الملكين ما قال له. فعامل كلا منهما، عند ظفره، بما نذكره.\rقال: وجمع السلطان الملك المظفر الأمراء بالصالحية، واستشارهم: أين يكون لقاء العدو ؟ فأشاروا أن يكون بالصالحية. وصمموا على ذلك. فوافقهم على رأيهم ظاهراً. وركب في صبيحة ليلة المشورة من منزلة الصالحية. وحرك الكوسات ودخل الرمل. فانجرت العساكر خلفه، ولم يتخلف منهم أحدٌ عنه. وسار بعساكره وجموعه، حتى انتهى إلى عين جالوت - من أرض كنعان، بالقرب من بيسان، مدينة غور الشام.\rوأقبل كتبغا نوين بجيوش التتار، ومن انضم إليه. والتقوا واقتتلوا - وذلك في يوم الجمعة، الخامس والعشرين من شهر رمضان، سنة ثمانٍ وخمسين وستمائة. وثبت الملك المظفر أحسن ثبات. حكى بعض من حضر هذه الواقعة قال: كنت خلف السلطان الملك المظفر، لما التحم القتال ووقعت الصدمة الأولى، فاضطر جناح عسكر السلطان، وتتعتع طرفٌ منه. فلما رأى الملك المظفر ذلك، رمى خوذته عن رأسه، وصاح: وا إسلاماه ! وحمل، فأعطاه الله تعالى النصر. وكانت الدائرة على التتار، وأخذهم السيف والإسار. وقتل كتبغا نوين، فيمن قتل. وانهزم من سلم من التتار، لا يلوون على شيء. وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري ممن شهد هذه الوقعة، وأبلى يومئذ بلاءً حسناً.\rوكان ممن أسر من التتار، في هذه الوقعة: كتبغا المنصوري - وهو يومئذ شاب - وهو الذي ملك الديار المصرية - بعد ذلك - في سنة أربع وتسعين وستمائة، ولقب بالعادل. ووقع في ذلك حكايةٌ غريبة، نذكرها - ان شاء الله تعالى - عند ذكرنا لسلطنة الملك العادل كتبغا.\rقال: ولما تمت الهزيمة على التتار، جاء الملك السعيد - بن الملك العزيز - إلى السلطان الملك المظفر، مستأمناً. وكان شهد الوقعة مع التتار. فترجل عن فرسه، وتقدم إلى السلطان ليقبل يده. فضربه برجله على فمه، فأدماه. وجاء أحد سلاح دارية السلطان، فضرب عنقه ! وفعل ذلك به، مؤاخذةً له على جوابه، الذي ذكره لرسول السلطان.\rذكر مسير السلطان الملك المظفر إلى دمشق ووصوله إليها،\rوملكه الممالك الشامية، وما قرره من ترتيب الملوك والنواب، وغير ذلك مما اتفق بدمشق قال المؤرخ: ولما تم النصر، تقدم السلطان الملك المظفر، طالباً جهة دمشق. واتصل الخبر بالزين الحافظي ونواب التتار بدمشق، ومن كان قد وصل - صحبة الملك العزيز فخر الدين عثمان بن الملك المغيث، صاحب الكرك - من جهة هولاكو من توريز، ليكون شحنةً بالكرك، وكانوا بدمشق. فخرجوا هاربين إلى هولاكو.\rوكان النصارى بدمشق، في أيام التتار، قد استطالوا على المسلمين، ومدوا أيديهم، وبسطوا ألسنتهم فيهم. فلما اتصل خبر النصر بالمسلمين، ثار جماعةٌ من العوام، وحرقوا كنيسة مريم، وخربوا بعضها. فأقاموا كذلك من يوم الجمعة إلى يوم الثلاثاء. إلى أن وصل الأمير جمال الدين أقش المحمدي، بكتاب السلطان الملك المظفر، ودخل دمشق. ونزل دار السعادة، وسكن الناس وطمنهم.\rثم وصل السلطان في يوم الأربعاء، سلخ شهر رمضان. ونزل على الجسورة، وخيم بها. وعيد عيد الفطر، ثم دخل إلى دمشق، في ثاني شوال، وملك البلاد.","part":8,"page":168},{"id":3679,"text":"ورتب النواب في المماليك الشامية: ففوض نيابة دمشق إلى الأمير - علم الدين سنجر الحلبي - الصالحي. وجعل معه الأمير فخر الدين: أبا الهيجا بن خشترين. وأقر الملك الأشرف مظفر الدين موسى على مملكته، بحمص والرحبة وتدمر. وبعث الملك المظفر بن الملك الرحيم - بدر الدين لؤلؤ - إلى حلب نائباً بها، ونعته بالملك السعيد - لمشاركة النعت. وأقر الملك المنصور بن الملك المظفر على مملكته بحماه. وأقطع البلاد الشامية والحلبية. وأصلح ما اضطرب من الأمور. وعاد لقصد الديار المصرية، فقتل - قبل وصوله إليها.\rذكر مقتل السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز، ونبذة من أخباره\rكان مقتله - رحمه الله تعالى - في يوم السبت، الخامس عشر من ذي القعدة، سنة ثمان وخمسين وستمائة - وقيل في سابع عشر الشهر.\rوذلك أنه لما قرر أمور الشام، ورتب الملوك والنواب والممالك، عاد من دمشق لقصد الديار المصرية، في سادس عشر شوال. فلما وصل إلى منزلة القصير من منازل الرمل، ركب إلى الصيد. وكان الأمير بدر الدين أنص الأصفهاني، وجماعة معه، تظافروا هم والأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، على اغتياله. فقصدوه - وهو في الصيد - وقتلوه غيلةً ! وحكى في كيفية قتله: أنه كان قد تغير خاطره على الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري. فلما تقدم الأمراء إليه، سأله الأمير بدر الدين أنص الرضا عن الأمير ركن الدين. فقال: قد رضيت عنه. فترجل الأمير ركن الدين ليقبل يده. فلما تناولها قبض عليها، وجذبه عن سرجه، وبدره أولئك الأمراء بالضرب، فقتلوه - رحمه الله تعالى.\rويقال: إن الأمراء الذين اتفقوا على قتله هم: الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي، والأمير سيف الدين بهادر المعزى - خوشداشه - والأمير بدر الدين بكتوت الجوكان دار المعزى، والأمير سيف الدين بيغان الركني، والأمير سيف الدين بلبان الهاروني، ومن ذكرنا.\rوكان الملك الظاهر يدعى أنه هو الذي قتله بيده. وقال جماعة: إنه لم يباشر قتله، وإنما كان يدعى ذلك، افتخاراً. وقد نقل أن الملك الظاهر لما قبض على يده، ضربه الأمير بدر الدين بكتوت الجوكان دار على عاتقه بالسيف، فأبانه. وألقاه الأمير بدر الدين أنص عن فرسه. ثم رماه الأمير سيف الدين بهادر المعزى بسهم، أتى على روحه - رحمه الله تعالى. فكأنه المعني بقول الشاعر:\rوما كان إلا السيف، لاقى ضريبة ... فقطّعه، ثم انثنى فتقطّعا\rوكانت مدة ملكه أحد عشر شهرا، وسبعة عشر يوماً.\rوأما غير ذلك من أحواله - رحمه الله تعالى - : فقد حكى أنه كان من أولاد الملوك الخوارزمية. وأنه محمود بن ممدود، ابن أخت السلطان خوارزم شاه. وإنما أبيع، لما استولى التتار على البلاد، وملكوا ملك الخوارزمية. وقتلوا الرجال وأسروا النساء والصبيان، وكان هو ممن أسر وأبيع. وقد كان هو يصرح بذلك - فيما حكى عنه - ويستكتم من يحكيه له.\rوقد نقل الشيخ شمس الدين: محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم ابن عبد العزيز، بن أبي الفوارس الجزري، ثم الدمشقي - في تاريخه: حوادث الزمان وأنبائه أن والده أخبره أن الحاج على الفراش أخبره، قال: لما كان قطز في رق ابن الزعيم بدمشق - وكان سكنه بالقصاعين - غضب عليه في بعض الأيام فلطم وجهه، ولعنه ولعن والديه وجده. قال: فبكى قطز بكاءً شديدا، وجعل ينتحب طول نهاره، وامتنع من الأكل. وركب أستاذه بعد صلاة الظهر إلى الخدمة، فقال لي: استرضه وأطعمه، واعتبه على بكائه.\rقال الفراش: فجئت إليه وجعلت ألومه على بكائه من لطمة واحدة، فكيف لو ضربت ألف عصاة أو دبوس، أو جرحت بسيف ؟! فقال: والله ما بكائي وغيظي من أجل لطمة، وإنما كونه لعن أبي وأمي وجدي. فقلت له: ومن أبوك وجدك وأمك ؟ فقال: والله أبي خير من أبيه، وأمي خير من أمه، وجدي خير من جده. فقلت له: أنت مملوك تركي، كافر بن كافرين.\rفقال: والله، ما أنا إلا مسلمٌ، ابن مسلمين: أنا محمود بن ممدود، ابن أخت خوارزم شاه، من أولاد الملوك. قال: فسكت عنه وطايبته. وتقلبت به الأحوال، إلى أن ملك الديار المصرية والشام. ولما ملك دمشق أحسن إلى الحاج على الفراش المذكور، وأعطاه خمسمائة دينار، ورتب له راتباً جيداً.\rقال الشيخ شمس الدين: وقد حكى لي ولوالدي، هذه الحكاية عنه. هذا معنى كلامه ولفظه.","part":8,"page":169},{"id":3680,"text":"ومما يؤيد هذه الحكاية أيضاً - ويشهد لها - ما حكاه الشيخ شمس الدين - المذكور - عن والده، قال: حكى لي الحاج أبو بكر بن الدريهم الإسعردي، والحاج زكي الدين إبراهيم الجزري - المعروف بالجبيلي، أستاذ الفارس أقطاي - قالا: كنا عند الأمير سيف الدين قطز في أول دولة أستاذه: الملك المعز، وقد حضر عنده منجمٌ ورد من بلاد المغرب - وهو موصوف بالحذق في علم الرمل والفلك. فأمر قطز أكثر من عنده من حاشيته بالانصراف، فانصرفوا. وهممنا بالقيام، فأمرنا بالجلوس، فجلسنا. وما ترك عنده إلا من يثق به من خواصه. وقال للمنجم: اضرب الرمل. ففعل. وحدثه بأشياء كثيرة، مما كان في نفسه.\rوكان آخر ما قال له: اضرب وانظر من يملك بعد أستاذي، ومن يكسر التتار ؟ فضرب، وحسب حساباً طويلاً، وبقي يفكر ويعد أصابعه. وقال: قد طلع معي خمس حروف بغير نقط، وأبوه أيضاً خمس حروف بغير نقط. وأنت اسمك ثلاث حروف، وابن السلطان كذلك. فقال له: لم لا تقول: محمود بن ممدود ؟ فقال المنجم: لا يقع غير هذا الاسم. فقال قطز: أنا محمود بن ممدود. وأنا أكسر التتار، وآخذ بثأر خالي خوارزم شاه. ثم استكتمنا هذا الأمر. وأنعم على المنجم بثلاثمائة درهم، وصرفه.\rوحكى عن المولى المرحوم تاج الدين أحمد بن الأثير - رحمه الله تعالى - ما معناه: أن الملك صلاح الدين يوسف صاحب الشام - رحمه الله تعالى - لما كان على برزة، في أواخر سنة سبع وخمسين وستمائة - وصل إليه قصادٌ من الديار المصرية، بكتب، تتضمن أن قطز قد تسلطن وملك الديار المصرية، وقبض على الملك المنصور بن أستاذه الملك المعز. قال القاضي تاج الدين: فطلبني السلطان - رحمه الله - فقرأت عليه الكتب.\rفقال لي: خذ هذه الكتب، وتوجه إلى الأمير ناصر الدين القيمري، والأمير جمال الدين بن يغمور، وأوقف كلاً منهما عليها. قال: فأخذتها وخرجت من عنده. فلما بعدت عن الدهليز، لقيني حسام الدين البركة خاني، فسلم علي، وقال، جاءكم بريدٌ أو قصادٌ من الديار المصرية فوريت، وقلت: ما عندي علمٌ بشيء من هذا. قال: قطز يتسلطن، ويملك الديار المصرية، ويكسر التتار. قال القاضي تاج الدين: فعجبت من كلامه، وقلت له: ايش هذا القول ؟ من أين لك هذا ؟ قال: والله هذا قطز هو خوشداشي. كنت أنا واياه عند الهيجاوي من أمراء مصر، ونحن صبيان. وكان عليه قملٌ كثير، فكنت أسرح رأسه - على أنني كلما أخذت عنه قملة، آخذ منه فلساً أو صفعة. فلما كان بعض الأيام أخذت عنه قملاً كثيراً، وشرعت أصفعه، ثم قلت في غضون ذلك: والله ما أشتهي إلا أن الله يرزقني إمرة خمسين فارسا، فقال لي: طيب قلبك، أنا أعطيك إمرة خمسين فارسا. فصفعته، وقلت: والك، أنت تعطيني إمرة ؟! قال نعم ! فصفعته ! فقال لي: والك، ايش يلزم لك إلا إمرة بخمسين فارس، أنا والله، أعطيك. قلت: والك، كيف تعطيني ؟.\rقال: أملك الديار المصرية: قلت: تملك الديار المصرية ؟! قال: نعم، رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، وقال لي: أنت تملك الديار المصرية، وتكسر التتار. وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا شك فيه. فسكت. وكنت أعرف منه الصدق في حديثه وعدم الكذب.\rوتنقلت به الأحوال، وارتفع شأنه. إلى أن صار هو المحتكم في الدولة. وما أشك أنه يملك الديار المصرية - مستقبلاً - ويكسر التتار - كما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم - في المنام.\rقال القاضي تاج الدين: فلما قال لي هذا القول، قلت له: والله قد وردت الأخبار أنه تسلطن في الديار المصرية. قال لي: والله، وهو يكسر التتار. فما مضى إلا مدةٌ يسيرة، حتى خرج وكسر التتار.\rقال المولى تاج الدين - رحمه الله - فرأيت الأمير حسام الدين البركة خاني، الحاكي لي - بعد ذلك - بالديار المصرية، بعد كسرة التتار. فسلم علي وقال لي: تذكر ما قلت في الوقت الفلاني ؟ قلت: نعم. قال: والله، حالما عاد الملك الناصر من قطيا، ودخلت أنا إلى الديار المصرية، أعطاني إمرة خمسين فارساً، كما قال - رحمه الله - لا زايد على ذلك.\rوقد ذكر هذه الحكاية الشيخ قطب الدين اليونيني في تاريخه، وقال أيضاً: وحكى لي الأمير عز الدين بن أبي الهيجا ما معناه: أن الأمير سيف الدين بلقاق حدثه، أن الأمير بدر الدين بكتون الأتابكي حكى له، قال:","part":8,"page":170},{"id":3681,"text":"كنت أنا والملك المظفر قطز، والملك الظاهر ركن الدين بيبرس - رحمهم الله تعالى - في حال الصبا، كثيراً ما نكون مجتمعين في ركوبنا وغير ذلك. فاتفق أن رأينا منجماً في بعض الطرق بالديار المصرية. فقال له الملك المظفر: أبصر نجمي. فضرب بالرمل وحسب، وقال له: أنت تملك هذه البلاد، وتكسر التتار ! فشرعنا نهزأ به. ثم قال له الملك الظاهر: فأبصر نجمي. فضرب بالرمل وحسب، وقال: وأنت تملك الديار المصرية وغيرها. فتزايد استهزاؤنا به! ثم قالا لي: لا بد أن يبصر نجمك. فقلت له أبصر لي. فضرب وحسب، وقال لي: وأنت تحصل لك إمرة بمائة فارس، يعطيك هذا - وأشار إلى الملك الظاهر. فاتفق أن الأمر وقع كما قال. وهذا من عجيب الاتفاق.\rقال الشيخ قطب الدين اليونيني - نفع الله به - : وكان السلطان الملك المظفر بطلاً شجاعاً، ولم يكن يوصف بشح ولا كرم، بل كان متوسطاً. وهو أول من أجترأ على التتار، وكسرهم، بعد خوارزم شاه، كسرةً عظيمة، جبر بها الإسلام.\rقال: ومما حكى لي عنه: أنه قتل في يوم المصاف جواده بعين جالوت، ولم يصادف في تلك الساعة أحدٌ من أوشاقيته، الذين معهم جنائبه، فبقي راجلا. ورآه بعض الأمراء الشجعان، فترجل عن حصانه وقدمه له ليركبه. فامتنع، وقال له ما معناه: ما كنت لآخذ حصانك في هذا الوقت، وأمنع المسلمين الانتفاع بك، وأعرضك للقتل. وحلف عليه أن يركب فرسه. فامتثل أمره، وركب. ووافاه الأوشاقية بالجنائب، فركب جنيباً.\rفلامه بعض خواصه على ذلك، وقال: لو صادفك - والعياذ بالله - بعض المغل، وأنت على الأرض راجلا، كنت رحت، وراح الإسلام ! فقال: - أما أنا فكنت أروح إلى الجنة - إن شاء الله تعالى. وأما الإسلام، فما كان الله عز وجل ليضيعه. فقد مات الملك الصالح، وقتل ولده الملك المعظم، والأمير فخر الدين بن الشيخ - مقدم العساكر - ونصر الله الإسلام، بعد اليأس من نصره - يشير إلى نوبة المنصورة.\rقال: ولما قدم إلى دمشق بعد الكسرة، أجرى الناس كافة، على ما كانوا عليه إلى آخر الأيام الناصرية، في رواتبهم ومقرراتهم وإطلاقاتهم. ولم يتعرض إلى مال أحد، ولا إلى ملكه.\rثم توجه، بعد تقرير قواعد الشام. فرزقه الله الشهادة، فقتل مظلوماً. رحمه الله تعالى.\r\" سنة ثمان وخمسين وستمائة \"\rالملك الظاهر ركن الدين بيبرس\rوهو الرابع من ملوك دولة الترك بالديار المصرية المحروسة، وهو تركي الجنس من قبيلة البرلي، ملك الديار المصرية والبلاد الشامية في يوم السبت المبارك الخامس عشرمن ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكان ذلك بمنزلة القصير من منازل الرمل، في اليوم الذي قتل فيه السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز المعزى.\rوذلك أنه لما قتل الملك المظفر ساق الأمراء إلى الدهليز ونزلوا به، وجلسوا كلهم دون طراحة السلطنة،وتشاوروا فيمن يملكونه عليهم، فوقع اختيارهم عليه. ويقال إن الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب الصالحي الأتابك قال في ذلك المجلس: \" ينبغي ألا يلي السلطنة إلا من خاطر بنفسه في قتل السلطان وأقدم على هذا الأمر العظيم \" فقال الملك الظاهر: \" أنا قتلته \" ووثب وجلس على طراحة السلطنة، فبايعه الأمير فارس الدين المذكور، وحلف له، ثم الأمير سيف الدين بلبان الرشدي، ثم الأمراء على طبقاتهم. ثم قال له الأمير فارس الدين الأتابك: \" إن السلطنة لاتتم لك إلا بدخولك إلى قلعة الجبل \" ، فركب لوقته، وركب معه الأمير فارس الدين الأتابك، و الأميرسيف الدين قلاون الألفي، والأمير بدر الدين بيسرى الشمسي، ومماليكه وخواصه.\rوتوجه \" بيبرس \" إلى قلعة الجبل، ورتب في مسيره إليها أرباب الوظائف: فرتب الأمير جمال الدين أفش النجين الصالحي استاد دارا، والأمير عز الدين أيبك الأقرم الصالحي أمير جاندار، والأمير حسام الدين لاجين الدرفيل، والأمير سيف الدين بلبان الرومي في الدوادارية، والأمير بهاء الدين أمير آخور على عادته. ولقيه في طريقه الأمير عز الدين إيدمر الحلى، وكان ينوب عن الملك المظفر بقلعة الجبل، وقد خرج لتلقيه، فأعلمه الملك الظاهر بما اتفق، وعرض عليه أن يحلف، ثم تقدم \" إيدمر \" إلى القلعة واجتمع بمن بها،ووعدهم عن السلطان المواعيد الجميله فأجابوه، ولم يزل على باب القلعة إلى أن وصل السلطان إليها، فدخلها ليلا وتسلمها.","part":8,"page":171},{"id":3682,"text":"ويقال إنه لما ملك \" بيبرس \" تلقب بالملك القاهر ووصل إلى قلعة الجبل ولقبه ذلك، فأشار الصاحب زين الدين بن الزبير بتغيير هذا اللقب، وقال إنه ما لقب به أحد فأفلح لقب به القاهر بن المعتضد فلم تطل وخلع وسمل.\rولقب به صاحب الموصل فسم.فنقل السلطان لقبه إلى الملك الظاهر والله أعلم.\rقال المؤرخ وكانت القاهرة ومصر قد زينتا لقدوم الملك المظفر، والناس في سرور لمقدمه إثر هذا النصر العظيم، فلم يرعهم إلا ومناد ينادي: \" معشر الناس، رحمكم الله، ترحموا على الملك المظفر، وادعوا لسلطانكم الملك الظاهر ركن الدين \" فوجم الناس لذلك، وتألموا خوفا من شدة البحريه وما كانوا يعتمدونه من الظلم والسلطنة في غيرهم، فكيف وقد صارت فيهم. فعاملهم السلطان بما سرهم به، وهو أن الملك المظفر كان قد جدد على الناس حوادث في سنة ثمان وخمسين وستمائة: منها تصقيع الأملاك وتقويمها وأخذ زكاتها، وأخذ ثلث الترك الأهلية، ومضاعفة الزكاة، وجباية الدينار من كل إنسان، ومبلغ ذلك ستمائة ألف دينار. فأبطل السلطان \" بيبرس \" ذلك، وكتب به توقيعا قرىء على المنابر، فطابت قلوب الناس.\rقال: ولما أصبح السلطان \" بيبرسط في يوم الأحد جلس بالإيوان بقلعة الجبل وحلف العساكر لنفسه، واستناب مملوكه الأمير بدر الدين بيليك الخزنداروأقر الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب في الأتابكية.\rوكاتب الملوك والنواب والأمراء بالممالك الشامية يخبرهم بما جدده الله تعالى له من أمر السلطنة، ويطلب منهم بذل الطاعة والموافقة واستهلت سنة تسع وخمسين وستمائة في هذه \" السنة \" كان للسلطان في ابتداء سلطنته أخبار متشعبة متباينة:منها ما هو في حضرته بمقر ملكه بالديار المصرية؛ ومنها ما هو بدمشق، ومنها ما هو بحلب، وكل ذلك في هذه السنة،وبعضه في أواخر سنة ثمان وخمسين.\rوقد رأينا أن نبدأ من ذلك بما كان في مقر مملكته في بعض هذه السنة خاصة، ثم نذكر ما كان بدمشق وحلب من الحوادث والوقائع إلى أن استقرت قواعد سلطنته وتأكدت أسباب دولته، ثم نذكر ما يشمل المملكة عموما، ثم نذكر بعد ذلك ما اتفق \" له \" من الأحوال، وما رتبه من الأمور، وما أمر به من العمائر والأوقاف وغير ذلك بمصر والشام، ونذكر الأخبار والوقائع على حكم السنين نقدم ما قدمه التاريخ ونؤخر ما أخره.\rلا نستثني مما نورده من أخبار دولته إلا الغزوات والفتوحات: فإنا نذكرها مفردة، ونختم بها أخبار دولته، فإنها من الفتوحات الجليلة والغزوات المشهورة فأحببنا إيرادها في موضع واحد، لئلا تنقطع بغيرها من أخباره، على ما تقف على ذلك إن شاء الله تعالى.\rفأما ما كان من الأخبار والحوادث في مقر ملكه بالديار المصرية فمن ذلك ركوب السلطان من قلعة الجبل في يوم الإ ثنين سابع صفر من السنة بشعار السلطنة، وساق خارج المدينة إلى باب النصر ودخل منه، وشق القاهرة وخرج من باب زويلة إلى قلعة الجبل، والأمراء وأعيان الدولة مشاة في خدمته.\rومنه تفويض وزارة الدولة إلى الصاحب بهاء الدين.\rتفويض الوزارة إلى الصاحب الوزير بهاء الدين\rعلي بن القاضي سديد الدين أبي عبد الله محمد بن سليم المعروف بابن حنا في هذه السنة، فوض السلطان إليه وزارة دولته وخلع عليه، وركب في خدمته الأعيان والأكابر، والأمير سيف الدين بلبان الرومي الداودار، وجماعة من الأمراء، وذلك في يوم الإثنين ثامن شهر ربيع الأول وقبيل ثانية، وتمكن \" الصاحب بهاء الدين \" من السلطان ودولته تمكنا عظيما. وحكى لي بعض الأكابر الثقات \" أن \" الصاحب بهاء الدين رأى في منامه قبل وزارته أنه ذبح السلطان الملك الظاهر، فقص ذلك على من يثق به ممن له معرفة بالتعبير، فقال له: \" تتمكن منه تمكن الدابح من المدبوح \" . وكان منه في أقرب منزلة وأعز مكانة.\rالقبض على جماعة من الأمراء المعزية\rوفي شهر ربيع الأول أيضا، قبض السلطان على جماعة من الأمراء المعزية وسبب ذلك أنه حضر إلى السلطان أحد أجناد الأمير عز الدين الصيقلي وأنهى أن مخدومه فرق جملة من الذهب على جماعة، وقرر معهم الوثوب على السلطان وقتله، وكذلك الأمير علم الدين الغتمي، والأمير سيف الدين بهادر المعزى،والأمير شجاع الدين بكتوت وغيرهم. فقبض عليهم، ثم قبض على الأمير بهاء الدين بغدى الأشرفي، في شهرربيع الآخر، واعتقله فلم يزل في اعتقاله حتى مات.","part":8,"page":172},{"id":3683,"text":"تفويض قضاء القضاء بالديار المصرية\rلقاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز وفي هذه السنة فوض السلطان الملك الظاهر قضاء القضاة بالديار المصرية لقاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن القاضي الأعز خلف بن بنت الأعز،وعزل قاضي القضاة بدر الدين السنجاري، وعوق عشرة أيام، ثم أفرج عنه وعطل عن الحكم.\rونسخة التقليد السلطاني: \" لقاضي القضاة تاج الدين \" ومثال العلامة الظاهرية عليه بعد البسملة: \" المستعلي بالله \" .\r\" الحمد لله الذي أنار مطالع الهدى، وصان ما ابتذل من الأمور التي ما أهملت سدى، وألبس الشريعة المطهرة ثوبا من الشرف مجددا، وأعلى منارها بمن أضاءت مساعيه، فلو سرى بها الركب لا هتدى \" .\r\" أحمده على نعم توالي هطل غمامها،ومنن أضحت متناسقة عفود نظامها \" .\r\" والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي عزت به أمور الإسلام بعد اهضامها،وعلى آله وأصحابه الذين أضحت بهم عرى الذين الحنيف وثيقة بعد انفصامها.\rوبعد، فلما كان المجلس السامي،القاضي الأجل، الصدر الكبير، الإمام العالم، الفقيه الفاضل،المختار المرتضي، الصاحب تاج الدين، عز الإسلام،مجد الأنام،شمس الشريعة، مفتى الفرق،رئيس الأصحاب،ذخر الملوك والسلاطين، قاضي القضاة عبد الوهاب بن خلف، أدام الله سعادته ونعمته، ممن أحرز في الفضائل قصب سبقه، ووصل سح غمامه في العلوم الشرعية ببرقه واجتنى ثمارها الدانية القطوف، واجتلى أقمار معانيها التي لا تتوارى عنه بالسجوف وسلك سبيلا من العفاف أضحى به وحيدا منفردا، ومارس أمور الشريعة فثقف منها أودا، وأعمل فكرته الصافية فحلل منها عقدا، وأنعم نظره فيها فأوضح له من الضلال رشدا.\rرسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الظاهري الركني،زاد الله في علائه،وضاعف مواد نفاذه ومضائه أن يفوض إليه الحكم العزيز بجميع الديار المصرية المحروسة، لما علم فيه من فضل مازالت ثماره تجتني، ومساع حميدة ما برح بها إلى الخلائق محسنا،ودين متين يشيد من أمور الآخرة ما بنا،وسؤدد مازال فيه وفي بيته مستوطنا، وأوصاني جميلة خصته بنباهة أضحى بها متقدما وآراء مسددة أضاءت من سبل الرشاد ما كان مظلما، ونزاهة ما زالت له خلقا لا تخلقا، وعفاف ما برح منه مثريا لا معلقا.\rفليباشر هذا المنصب الذي أضحى ظل شرفه وارفا، وكعبة حرمه التي يتوجه إليها من كان باديا أو عاكفا، عاملا فيه بالتقوى التي يحافظ عليها مسرا ومعلنا، ويتمسك بأسبابها إذا صد عنها غيره وانثنى، فهي المعقل الذي لا يستباح له حمى، والمقام الذي يجد الخائف أمنه فيه محققا لا غيبا مرجماً، والعصمة التي تنجي من العطب، والموكب الذي تجد به الأنفس راحتها الكبرى بعد التعب. وليول من القضاة من يحيي من الحق سننا، ويميت من الباطل بدعا، ويكون رجاؤه بالآخرة متصلا، ومن الدنيا منقطعا، ليرجع به سبيل الحق بعد ضيقه متسعا، وشمل الباطل بعزيمته مفترقا لا مجتمعا.\rوليتفقد أمر العدول الذين أضحوا على الحقيقة عدولا عن المنهج القويم، راغبين عن المحامد بما يأتونه من وصف ذميم. ولا يترك منهم إلا شاهدا كان عن المعايب غائبا أو متورعا، لا يعتمد منم الأمور إلا ما كان واجبا، لتسلم عدالته من وصمه التجريح، وتظهرمساعيه التي تذلل له من العلا كل جموع.\rوأموال الأيتام والأوقاف فلا يباشرها إلا من كان لمباشرتها أهلا، ومن تتحقق أنه يكون عليها قفلا. فطالما ابتذلت أيدي الخونة منها مصونا، وجعلت العين منها أثرا حين مدت إليها عيونا. ولا تخلها من نظر يحفظ منها مضاعا ويحسم عنها أطماعا، ويخصها بمزية الزيادة بعد النقصان، ويكتب لها من مخاوف الخونة كتاب أمان.\rفقد قلدناك هذه الأحكام التي ترجو بك الخلاص من تبعاتها، ورعينا بك حق الرعية، فلا تخل أمورهم من مراعاتها، وامضي عزيمتك في إقامة منار الشريعة بعد القمود، واعل همتك في نظم ما يتبدد له من العقود. واجتهد في أمره الاجتهاد الذي يرفل منه في ضافي البرود، ومتع الخلائق بأيام بيض من أحكامك غير سود، ففيك من السؤدد ما ينقاد به المفاخر، ومن الأوصاف الجميلة ما تتميز به على الأوائل وأن جئت في الزمن الآخر.\rوقد قررنا لك من الجامكية والجراية نظير ما كان مقررا لمن تقدمك، وهو في كل شهر أربعون دينارا صرف أربعين وستمائة وستة وستون درهما ناصرية وثلثان وخمسة وعشرون أردبا غلة نصفين.","part":8,"page":173},{"id":3684,"text":"فليوصل ذلك إليه على تمامه وكماله عند وجوبه واستحقاقه، بعد العلامة الشريفة أعلاه إن شاء الله تعالى.\rوكتب في السابع عشر من جمادى الأولى سنة تسعة وخمسين وستمائة. الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد نبيه، وآله وصحبه الظاهرين وسلامه.\rوعين جهة الجامكية على الجوالي بالديار المصرية، والغلة على الأهراء المباركة بمصر المحروسة.\rواستمر \" الصاحب تاج الدين \" في قضاء بجميع الديار المصرية، إلى شوال من السنة، فاقتطع منه قضاء مصر والوجه القبلي، وفوض ذلك إلى القاضي برهان الدين الخضر بن الحسن بن علي الخضر السنجاري في ثالث شوال، ثم عزل \" برهان الدين الخضر \" وأعيد قاضي القضاة تاج الدين بتقليد سلطاني تاريخه الثامن من صفر سنة ستين وستمائة. وقد شاهدت هذا التقليد ووقفت عليه.\rما اعتمده السلطان في ابتداء سلطنته ورتبه\rمن المصالح وقرره من القربات والأوقاف والعماير كان ما ابتدأ به، رحمه الله تعالى وعفا عنه وأنابه، عمارة الحرم الشريف النبوي وسنذكره.\rثم وصلت الكتب في سنة تسع وخمسين أن القبة التي بالصخرة الشريفة ببيت المقدس قد تداعت، فكتب إلى دمشق بتجهيز الصناع إليها وما يحتاج إليه من الآلات، ونجزت العمارة بها في سنة ستين.\rوكانت عدة ضياع من أوقاف الخليل قد دخلت في الإقطاعات، فأمر \" السلطان \" بارتجاعها، وعوض الأمراء عنها، وأعادها إلى الأوقاف، وأوقف قرية أذنا على الخليل عليه السلام.\rبناء قلعة الجزيرة\rكان السلطان الملك المعز قد أمر بهدمها، وأباح ما بها من الرخام والأصناف التي غرم عليها السلطان الملك الصالح الأموال العظيمة، فرسم السلطان \" بيبرس \" بعمارتها، وندب لذلك الأمير جمال الدين بن يغمور، فشرع في إصلاح ما استهدم من قاعاتها، ورتب فيها الجاندارية، وأعادهاإلى ما كانت عليه من الحرمة. وفرق السلطان الأبراج: فرسم أن يكون برج الزاوية للأمير سيف الدين قلاون الألفي، وثانيه للأمير عز الدين الحلى، والبرج الثالث للأمير عز الدين إيغان، وبرج الزاوية الغربي للأمير بدر الدين بيسرى الشمسي. وفرق بقية الأبراج على الأمراء، ورسم أن تكون بيوتاتهم واسطبلاتهم بها، وسلم إليه المفاتيح.\rووسم بعمارة القناطر بجسر شبرمنت بالجيزية وأكثر ما كانت الجيزية تشرق عنه. فبنيت القناطر في هذا الجسر تلتقي صدمه الماء الأولى وتفتحت لتصريف المياه أولا فأولا \" كذا \" .\rورسم بعمارة مشهد النصر بعين جالوت، وكتب بذلك إلى نواب الشام.\rوحث على عمارة الأسوار بثغر الإسكندرية وحفر خنادقها، ورتب جملة من الأموال في كل شهر تصرف في نفقة العماير وبنى مرقبا لثغر رشيد لكشف مراكب الفرنج.\rورسم بردم فم بحر دمياط، وتوغيره بالقراتيص، وتضييقه ليمنع السفن الكبيرة من الدخول فيه.\rورسم بحفر بحر أشموم طناح، وندب لذلك الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي فتوجه لذلك وحفر ما يجب حفره، وغرق المراكب قبلي فم البحر من الجانب الغربي حتى ترد الماء إليه.\rواهتم بعمارة الشواني وأعادها إلى ما كانت عليه من الأيام الكاملية والصالحية.\rوأمر بعمارة شواني الثغرين وأحضرها إلى ساحل مصر، وكانت تزيد على أربعين قطعة، وعدة كثيرة من الحراريق والطرائد والسلالير.\rوركب الخليفة والسلطان في يوم الأحد تاسع عشر شهر رجب سنة تسعة وخمسين وستمائة من القلعة إلى ساحل مصر، وركبا في الحراريق، وتفرجا، وطلعا إلى قلعة الجزيرة وجلسا بمقعد البانياسي، ولعبت الشواني، ثم عادا إلى القلعة.\rورسم بعمارة القلاع المنصورة بالبلاد الشامية وهي: قلعة دمشق، والصلت وعجلون، وصرخد، وبصرى، وبعلبك، والصبية، وشيزر، وشميس، وكان التتار قد خربوا أسوارها فرسم بإعادة ما استهدم و إصلاح ما تشعث.\rورسم بعمارة مدرسته التي بالقاهرة، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.\rهذا ما قرره من المصالح العامة ورتبه من المهمات في ابتداء سلطنته، فلنذكر خلاف ذلك من متجددات.\rوصول من يذكر من الملوك إلى خدمة السلطان\rوما قرره لكل منهم وما عاملهم به من الإحسان","part":8,"page":174},{"id":3685,"text":"وفي سنة تسع وخمسين وستمائة، وردت كتب النواب بدمشق يذكرون وصول الملك الصالح صاحب الموصل بأهله وغلمانه وأولاده، فكتب السلطان إلى النواب بدمشق بالمبالغة في خدمته وترتيب الإقامات له ولمن معه في الطرقات من دمشق إلى القاهرة، فوصل في شعبان من السنة، فتلقاه السلطان وأنزله في أدر أخليت له.\rثم ورد بعده بأيام الخبر بوصول أخيه الملك المجاهد صاحب الجزيرة فاعتمد السلطان معه نظير ما اعتمده في حق أخيه. وكان الملك المظفر أخوهما قد اعتقله الأمراء بحلب على ما نذكره، فأفرج السلطان عنه وأحضره إلى الديار المصرية، وذلك قبل وصولهما إليه، فلما وصل أخواه استأذن في تلقيهما، فأذن له السلطان في ذلك.\rوأنعم السلطان عليهم بالأموال والخيول والخلع والحوائص لهم ولأصحابهم وعين جماعة من البحرية برسم خدمتهم والتصرف في مهاماتهم، ثم رسم السلطان بكتابة تقاليدهم ببلادهم، وكان الخليفة قد فوض ذلك إلى السلطان بتقليد على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rفكتب تقليد الملك الصالح ركن الدين إسماعيل بالموصل وولاياتها: بالوصا، والجزيرة \" و \" مدينة البوازيج، والزيادة: عقر \" و \" شوش، ودارا وأعمالها، والقلاع العمادية، \" و \" كنكور وبلدها.\rوكتب تقليد الملك المجاهد سيف الدين إسحاق ببلاد الجزيرة وأعمالها وزيادة حمرين.\rوكتب تقليد الملك المظفر: سنجار وأعمالها.\rوكتب لعلاء الملك ولد الملك الصالح تقليد بقلعة الهيثم.\rولما توجه السلطان إلى الشام وخيم بظاهر القاهرة سيرت هذه التقاليد إليهم ومعها أحمال الكوسات والصناجق والأموال. وأعفوا من الحضور والخدمة عليها، وساروا في خدمة السلطان إلى الشام فسلطنهم.\rوذلك أنه أحضرهم مجلسه وجهز لهم خيل النوبة والعصائب والجمدارية، ولبسوا الخلع وقبلوا الأرض وخرجوا بشعار السلطنة، والأتابك في خدمتهم، وتوجهوا صحبة الخليفة على ما نذكره.\rفاتفق انفصالهم منه في أثناء الطريق لأسباب جرت، وتوجه كل منهم إلى مملكته: فأما الملك الصالح فتوجه إلى الموصل وأقام بها، فاتفق اجتماع التتار عليها وحصارها. وأما أخواه فإنهما خافا مهاجمة العدو فعادا إلى الشام، واستأذنا في الحضور، فأذن لهما السلطان فحضرا، وسألا السلطان إنجاد أخيهما فجرد الأمير شمس الدين سنقر الرومي وجماعة من البحرية والحلقة. فتوجهوا في رابع جمادى الأولى سنة ستين وستمائة، وكتب \" السلطان \" إلى دمشق بخروج عسكرها صحبة الأمير علاء الدين طيبرس ورحل العسكر المصري والشامي من دمشق في عاشر جمادى الآخرة.\rوصول المستعصم إلى مصر\rومبايعته وتجهيزه بالعساكر إلى بلاد الشرق وما كان من أمره إلى أن قتل قال المؤرخ: و في العشر الأخر من جمادى الآخر سنة تسع وخمسين وستمائة ورد كتاب علاء الدين طيبرس، والأمير علاء الدين البندقدار مضمونه أنه وصل إلى جهة دمشق في أول الغوطة رجل ادعى أنه أحمد بن الإمام الظاهر بن الإمام الناصر ومعه جماعة من عرب خفاجة في قريب من خمسين فارسا، وأن الأمير سيف الدين قليج البغدادي عرف أمراء العرب المذكورين وقال: \" بهؤلاء يحصل القصد من العراق \" فكتب السلطان بخدمته وتعظيم حرمته وأن يسير صحبته حجاب. فكان وصوله إلى القاهرة في يوم الخميس تاسع من شهر رجب من السنة؛ فخرج السلطان للقائه وساير أهل المدينتين، وكان يوما مشهودا، وشق القاهرة وهو لابس شعار بني العباس، وطلع إلى القلعة راكبا، ونزل في المكان الذي أخلي له.\rوفي يوم الاثنين ثالث عشر أحضر السلطان الفقهاء والأئمة والعلماء والأمراء والصوفية والتجار وغيرهم بقاعة العمد، وحضر الخليفة وأثبت نسبه على ما قدمنا ذكره في أخبار الدولة العباسية. ولما ثبت النسب بايعه السلطان على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وأخذ الأموال بحقها وصرفها في مستحقها، ثم قلد الخليفة السلطان الملك الظاهر البلاد الإسلامية وما سيفتحه الله من أيدي الكفار. وكتب بذلك تقليد شريف عن الخليفة للسلطان، وبايع الناس الخليفة على اختلاف طبقاتهم. وكتب السلطان إلى سائر الأعمال بأخذ البيعة له وأن يخطب باسمه على المنابر وتنقش السكة باسمه.","part":8,"page":175},{"id":3686,"text":"ولما كان في يوم الجمعة سابع عشر شهر رجب خطب الخليفة بالناس في جامع القلعة، واهتم السلطان بذلك ونثرت جمل من الذهب والفضة. وحصل للخليفة توقف في الخطبة.\rوفي يوم الاثنين رابع شعبان ركب السلطان إلى خيمة ضربت في البستان الكبير والناس في خدمته، وحملت الخلع صحبة الأمير مظفر الدين وشاج الخافجي وخادم الخليفة. ودخل السلطان إلى خيمة أخرى ولبس الخلعة الخليفية، وهي عمامة سوداء مزركشة، ودراعة بنفسجي، وطوق، وعدة سيوف تقلد منها وحملت خلفه، ولواءان، وسهمان كبيران، وترس، وغير ذلك مما جرت العادة به. وقدم له فرس أشهب في رقبته مشدة سوداء، وعليه كنبوش أسود. وطلب الأمراء وخلع عليهم، وعلى الصاحب بهاء الدين، وقاضي القضاة، وصاحب ديوان الإنشاء الشريف: وهو القاضي فخر الدين بن لقمان، وطلع ابن لقمان على منبر قد جلل بالأطلس الأصفر، وقرئ التقليد على كافة الناس وهو: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أضفى على الإسلام ملابس الشرف وأظهر بهجة درره وكانت خافية بما استحكم عليها من الصدف. وشيد ما وهى من علاثه حتى أنسى ذكر ما سلف. وقيض لنصره ملوكا اتفق عليهم من اختلف. أحمده على نعمه التي تسرح الأعين منها في الروض الأنف، وألطافه التي وقف الشكر عليها فليس عليها منصرف.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة توجب من المخاوف أمنه وتسهل من الأمور ما كان حزنا، واشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي جبر من الدين وهنا، وأظهر من المكارم فنونا لافتا، صلى الله عليه وعلى آله الذين أضحت مناقبهم باقية لا تفنى، وأصحابه الذين صحبوه في الدنيا فاستحقوا الزيادة من الحسنى، وسلم تسليما \" .\r\" وبعد: فإن أولى الأولياء بتقديم ذكره،وأحقهم أن يصبح القلم راكعا وساجدا في تسطير مناقبه وبره، من سعى فأضحى سعيه الحميد متقدما، ودعا إلى طاعته فأجابه من كان منجدا ومتهما، وما بدت يد من المكرمات إلا كان لها زندا ومعصما، ولا استباح بسيفه حمى وغى إلى أضرمه نارا وأجراه دما.\rولما كانت هذه المناقب الشريفة مختصة بالمقام العالي المولوي السلطاني الملكي الظاهري الركني - شرفه الله وأعلاه - ذكرها الديوان العزيز النبوي تنويها الشريف قدره، واعترافا بصنعه الذي تنفد العباره ولا تقوم بشكره، وكيف لا وقد أقام الدولة العباسية بعد أن أفعدتها زماتة الزمان، وأذهبت ما كان لها من محاسن وإحسان، وعتب دهرها المسئ فأعتب، وأرضى عنها زمنها وقد كان صال عليها صولة مغضب، وأعاده لها سلما بعد أن كان عليه حربا، وصرف لها اهتمامه فرجع كل مضيق من أمرها واسعا رحبا. ومنح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوا وعطفا، وأظهر من الولاء رغبة في ثواب الله مالا يخفى، وأبدى من الاحتفال بأمر الشريعة والبيعة أمرا لورامه غيره لا متنع عليه، ولا تمسك بحبله متمسك لانقطع به قبل الوصول إليه، لكن الله أدخر هذه الحسنة ليثقل بها ميزان ثوابه، ويخفف بها يوم القيامة حسابه. والسعيد من خفف حسابه، فهذه منقبة أبى الله إلا أن يخلدها في صحف صنعه، ومكرمة \" قضت \" لهذا البيت الشريف النبوي بجمع شمله بعد أن حصل الإياس من جمعه \" .\r\" وأمير المؤمنين يشكر الآن \" لك \" هذه الصنائع. ويعترف أنه لولا اهتمامك بأمره لاتسع الخرق على الراقع. وقد قلدك الديار المصرية والبلاد الشامية والديار الجزرية، والبكرية، والحجازية، واليمنية وما يتجدد من الفتوحات غورا ونجدا، وفض أمر جندها ورعاياها إليك حتى أصبحت بالمكارم فردا: وكل جعل منها بلدا من البلاد ولا حصنا مستثنى ولا جهة من الجهات تعد في الأعلى ولا في الأدنى \" .","part":8,"page":176},{"id":3687,"text":"فلاحظ أمور الأمة فقد أصبحت لثقلها حاملة، وخلص نفسك اليوم لك التبعات، ففي غد تكون مسئولا عنها لا سائلا. ودع الاغترار بأمر الدنيا، فما نال أحد منها طائلا، وما لحظها أحد بعين الحق إلا رآها خيالا زائلا، فالسعيد من قطع منها آماله الموصولة، وقدم لنفسه زاد التقوى فتقدمته غير التقوى مردودة لا مقبولة. وأبسط يدك بالإحسان والعدل، فقد أمر الله بالعدل والإحسان وكرر ذكره في مواضع من القرآن، وكفر به عن المرء ذنوبا كتبت عليه آثاما، وجعل يوما واحدا منه كعبادة ستين عاما ما سلمك \" أحد \" سبيل العدل واجتنيت ثماره من أفنان، ورجع الأمن بعد تداعى أركانه مشيد الأركان، وتحصن به من حوادث الزمان فكانت أيامه في الأيام أبهى من الأعياد، وأحسن من الغرر في أوجه الجياد، وأحلى من العقود إذا حلى بها عاطل الأجياد \" .\r\" وهذه الأقاليم المنوطة بنظرك تحتاج إلى حكام وأصحاب رأى من أرباب السيوف والأقلام، فإذا استعنت بأحد منهم في أمرك فنقب عليه تنقيبا، واجعل عليه في تصرفاته رقيبا، وسل عن أحواله، ففي يوم القيامة تكون عنه مسئولا وبما اجترم مطلوبا، ولا تول منهم إلا من تكون مساعيه حسنات لك لا ذنوبا. وأمرهم بالأناة في الأمور والرفق، ومخالفة الهوى إذا ظهرت أدلة الحق، وأن يقابلوا الضعفاء في حوائجهم بالثغور الباسم والوجه الطلق. وألا يعاملوا أحدا على الإحسان والإساءة إلا بما يستحق، وأن يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعية إخوانا، وأن يوسعهم برا وإحسانا، وألا يستحلوا حرماتهم إذا استحل لهم الزمان حرمانا، والمسلم أخو المسلم، وإن كان أميرا عليه أو سلطانا. فالسعيد من نسج ولاته في الخير على منواله، واستنوا بسنته في تصرفاته وأحواله، وتحملوا عنه ما تعجز قدرته عن حمل أثقاله \" .\r\" ومما يؤمرون به أن يمحي ما أحدث من سيئ السنن، وجدد من المظالم التي هي على الخلائق من أعظم المحن، وأن يشتري بإبطالها المحامد، فإن المحامد وخيصة بأغلى الثمن. ومهما جنى منها من الأموال فإنها فانية وإن كانت حاصله، وأجياد الخزائن وإن أصبحت بها خالية فإنما هي الحقيقة عاطلة وهل أشقى ممن احتقب إثما، واكتسب بالمساعي الذميمة ذما، وجعل السواد الأعظم يوم القيامة له خصما، وتحمل ظلم الناس مما صدر عنه من أعماله، وقد خاب من حمل ظلما. وحقيق بالمقام الشريف السلطاني الملكي الظاهري الركني أن تكون ظلامات الأيام مردودة بعدله، وغزائمه نخفف عن الخلائق ثقلا لا طاقة لهم بحمله، فقد أضحى على الإحسان قادرا، وصنعت له الأيام ما لم تصنعه لمن تقدم من الملوك وإن جاء آخرا، فأحمد الله على ما آن وصل إلى جنابك إمام هدى واجب لك مزية التعظيم وتنبيه الخلائق على ما خصك الله به من هذا الفضل العظيم. وهذه أمور ينبغي أن تلاحظ وترعى، وأن توالي عليها حمد الله، فإن الحمد يجب عليها عقلا وشرعا. وقد تبين أنك صرت في الأمور أصلا، وصار غيرك فرعا \" .\rومما يجب ذكره: الجهاد الذي أضحى على الأمة فرضا، هو والعمل الذي يرجع به مسود الصحائف مبيضا. وقد وعد الله المجاهدين بالأجر العظيم، وأعد لهم عنده المقام الكريم، وخصهم بالجنة لا لغو فيها ولا تأثيم \" .\r\" وقد تقدمت لك في الجهاد يد بيضاء أسرعت في سواد في سواد الحساد، وعرف منك عزمة هي أمضي مما تحت ضمائر الأغماد.واشتهرت لك مواقف في القتال هن أبهى وأشهى إلى القلوب من الأعياد. وبك صان الله حمى الإسلام من أن يبتذل، ويعزمك حفظ على المسلمين نظام هذه الدول، وبسيفك الذي أثر في الكافرين قروحا لا تندمل، وبك يرجى أن يرجع مقر الخلافة المعظمة إلى ما كان عليه من الأيام الأول. فأيقظ لنصره الإسلام جفنا ما كان هاجعا، وكن في مجاهدة أعداء الله إماما متبوعا لا تابعا. وأيد كلمة التوحيد فما تجد في تأييدها إلا مطيعا سامعا \" .\r\" ولا تخل الثغور من اهتمام بأمرها تتسيم له الثغور، واحتفال يبدل ما دجى من ظلماتها بالنور، واجعل أمرها على الأمور مقدما، وسد منها ما عادروه العدو متداعيا متهدما، فهذه حصون يحصل منها \" الانتفاع \" وبها تحسم الأطماع، وهي على العدو داعية افتراق لا اجتماع \" .\r\" وأولادها بالاهتمام ما كان البحر له مجاورا، والعدو إليه ملتفتا ناظرا، ولا سيما ثغور الديار المصرية، فإن العدو وصل إليها رابحا، ورجع خاسرا، واستأصلهم الله فيما مضى حتى ما أقال منهم عاثرا \" .","part":8,"page":177},{"id":3688,"text":"وكذلك الأصطول الذي ترى خيلة كالأهلة وركائبه بغير سائق مستقلة، وهو أخو الجيش السليماني، فإن ذلك غدت له الرياح حاملة وهذا تكفلت يحمله المياه السائلة. وإذا لحظها الظرف سائرة في البحر كانت كالأعلام، وإذا شبهها قال هذه ليال تقلع في أيام \" .\r\" وقد سنى الله لك من السعادة كل مطلب، وأتاك من أصالة الرأي الذي يريك المغيب، وبسط بعد القبض منك الأمل، ونشط من السعاده ما كان قد كسل، وهداك إلى مناهج الحق وما زلت مهتدياً إليها، وألهمك المراشد فلا تحتاج تنبيه عليها، والله تعالى يؤيدك بأسباب نصره، ويوزعك شكر نعمه، فإن النعم تستتم بشكره، بمنه وكرمه \" ثم ركب السلطان وشق المدينة بعد أن زينت، وحمل التقليد الأمير جمال الدين النجيب استاد الدار العالية، والصاحب الوزير بهاء الدين في بعض الطريق وبسط أكثر الطريق للسلطان بالثياب الفاخرة \" و \" مشى عليها بفرسه، ووصل إلى القلعة.\rوشرع السلطان في الأستخدام للخليفة: فكتب للأمير سابق الدين بوزبا أتابك العسكر بألف فارس، وللأمير ناصر الدين محمد بن صيرم الخازندار بمائتي فارس، وللأمير الشريف نجم الدين استاد الدار بخمسمائة فارس، وأمر جماعة من العربان، وحملت إليهم الطلبخاناة والصناجق، وأنفق فيهم الأموال لعدة شهور. واشترى السلطان مائة مملوك جمدارية وسلاح دارية للخليفة، وأعطى لكل واحد منهم ثلاثة أرؤس خيلا وجملا لعدته، ولم يبق أحد ممن تدعو الحاجة إليه من صاحب ديوان وكاتب إنشاء وديوان وأئمة ومؤذنين وغلمان وحكماء وجرائحية إلا استخدموا. ولما تكامل ذلك كله تقدم السلطان بتجهيز العساكر.\rوفي يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان من السنة ركب السلطان هو والخليفة في السادسة من النهار، ونزل كل منهما في دهليزه، واستمرت النفقة في أجناد الخليفة.\rوفي يوم العيد ركب الخليفة والسلطان تحت الجتر، وصليا العيد، وفي هذه الليلة حضر الخليفة إلى خيمة السلطان وألبسه الفتوة بحضور من يعتبر حضوره في ذلك.\rوفي يوم السبت سادس شوال رحلا متوجهين إلى الشام، فلما وصلا إلى الكسوة خرج عسكر الشام للقائمها، ودخلا دمشق في يوم الاثنين سابع ذي القعدة. ونزل السلطان بالقلعة، ونزل الخليفة في تربة الملك الناصر بجبل الصالحية. وجرد الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي، والأمير شمس الدين سنقر الرومي إلى جهة حلب، وأمرهم السلطان بالمسير إلى الفرات، وأنه متى ورد عليهم كتاب الخليفة يطلب أحداً منهم إلى العراق يتوجه إلى خدمته لوقته.\rوركب السلطان وودع الخليفة، وسير إليه الملوك الذين ذكرناهم.\rثم ورد كتاب الخليفة يذكر أنه وصل إلى حديثه وعانا، وولى فيها ثم كان ما ذكرنا من خروج طائفة من التتار وقتال الخليفة لهم واستشهاده، رحمه الله تعالى، على ما قدمناه في أخباره، في أخبار خلفاء الدولة العباسية.\rوحسب ما أنفق في مهم الخليفة والملوك فكان ألف ألف دينار عينا.\rوفي هذه السنة قبل مسير السلطان إلى الشام، كتب منشور الأمير شرف الدين عبسي بن مهنا بالإمرة على جميع العربان، وأطلق السلطان العريان الغلال من بلد حلب، وذلك قبل خروج السلطان إلى الشام.\rهذا ما كان من الأخبار بالديار المصرية، فلنذكر ما اتفق بالشام من حين ابتداء سلطنة السلطان الملك الظاهر إلى أن استقرت قواعد ملكه.\rاستيلاء الأمير علم الدين سنجر الحلبي على دمشق وسلطنته بها،\rوأخذها منه، وتقرير نواب السلطان بها.\rقد ذكرنا أن السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز كان قد فوض نيابة السلطنة بدمشق للأمير علم الدين سنجر الحلبي، فلما اتصل به خبر قتل الملك المظفر وثب على السلطنة بدمشق وحلف العساكر الشامية لنفسه، ولقب نفسه بالملك المجاهد، وركب بشعار السلطنة، فلما اتصل ذلك بالسلطان الملك الظاهر كتب إليه يقبح فعله ويسترجعه عنه، فعادت أجوبته بالمغالطة. فأرسل إليه السلطان الأمير جمال الدين أقن المحمدي يستميله ويرده عن تعاطي ما لا يتم له، وسير إليه صحبته مائة ألف وعشرين ألف درهم وحوائص ووخلعا وملابس بألفي دينار عينا. فلما وصل ذلك إليه جلس الأمير علم الدين الحلبي مجلسا عاما للناس وأشهدهم على نفسه أنه قد نزل عن الأمر الذي كان قد استحلف الناس عليه، وأنه من جملة النواب الظاهرية.","part":8,"page":178},{"id":3689,"text":"ثم رجع عن ذلك وركب بشعار السلطنة على ما كان عليه أولا، فركب الأمير علاء الدين ايدكين البندقدار وخرج إلى ظاهر دمشق، ونادى باسم السلطان الملك الظاهر ومعه جماعة فساق بهم إلى جهة السواد، فندب الحلبي جماعة لقتالهم، فانهزم أصحاب الحلبي، ثم رأى انحراف الناس عنه واتفاقهم عليه، ففارق دمشق وتوجه إلى قلعة بعلبك. ودخل الأمير علاء البندقدار ودمشق، وحلف الناس للسلطان الملك الظاهر وجهز إلى بعلبك من أحضر الحلبي تحت الاحتياط. وكتب بذلك إلى السلطان، فجدد السلطان المناشير للأمراء والجند، وقرر الحديث في الأموال ونيابة القلعة للأمير علاء الدين طيبرس الوزيري،ورسم بإحضار الحلبي، فلما وصل إليه اعتقله بقلعة الجبل، ثم أطلقه بعد ذلك وخلع عليه، واستمر في الخدمة إلى أن جهزه إلى نيابة حلب. هذا ما اتفق بدمشق.\rما اتفق بحلب في أمر النيابة\rكان السلطان الملك المظفر قد استناب بالمملكة الحلبية الملك المظفر علاء الدين ابن صاحب الموصل، ولقبه بالملك السعيد على ما ذكرناه، فتوجه إلى حلب، وحصلت منه أمور أنكرها عليه الأمراء، وكان الملك المظفر قطز قد أقطع جماعة من الأمراء العزيزية والناصرية بالبلاد الجبلية، فلما اتصل بهم قتل الملك المظفر اجتمعوا وقبضوا على الملك السعيد ونهبوا وطاقة،وكان قد برز إلى الباب المعروف بباب الله للقاء التتار، واستولوا على خزائنه فلم يجدوا فيها مالا طائلا، فتهددوه بالعذاب إن لم يقر لهم بالمال، فأخرج لهم من تحت الأشجار مالا كان قد دفنه، تقدير خمسين ألف دينار مصرية، ففرقت في الأمراء واعتقلوا الملك السعيد بالشغر، ثم أفرجوا عنه بعد ذلك، وقدموا عليهم الأمير حسام الدين الجوكندار العزيزي، فكتب السلطان إليه تقليد بنيابة المملكة الحلبية.\rوصول طائفة من التتار\rإلى البلاد الإسلامية وما فعلوه بحلب وتقدمهم إلى حمص وقتالهم وانهزامهم وما كان من خبر عودهم وفي سنة تسع وخمسين وستمائة بلغ التتار أن الأمراء العزيزية والناصرية قد وقع بينهم اختلاف، فتجمعوا من كل جهة وعبروا الفرات، ولما بلغ الملك السعيد خبرهم وأنهم وصلوا إلى جهة البيرة جرد إليهم جماعة قليلة من العسكر الحلبي، وقدم عليهم سابق الدين أمير مجلس الناصري، فنهاه الأمراء العزيزية والناصرية عن ذلك، واستقلوا العسكر المجرد، فلم يرجع إلى قولهم، وصمم على إرساله، فسار سابق الدين ومن معه حتى قاربوا البيرة، فصدمهم التتار، فهرب سابق الدين منهم ودخل البيرة، بعد أن قتل أكثر من معه. فكان ذلك من أكبر الأسباب التي أوجبت القبض على الملك السعيد ثم توجه التتار إلى جهة حلب، فاندفع الأمير حسام الدين الجوكندار والعسكر الحلبي بين أيديهم إلى جهة حماه، ووصل التتار إلى حلب في أواخر سنة ثمان وخمسين وستمائة وملكوها، وأخرجوا أهلها إلى قرنبيا، واسمها قديما مقر الأنبياء، فسماها العامة قرنبيا، فلما اجتمعوا بها بذل التتار فيهم السيف فقتلوا أكثرهم وتقدم التتار إلى جهة حماة، ففارقها العسكر الحلبي وصاحبها الملك المنصور إلى حمص، واجتمعوا هم والملك الأشرف مظفر الدين موسى صاحب حمص، واتفقوا على قتال التتار، وانضم إليهم الأمير زامل بن أمير العربان، ووصل التتار إلى حمص، والتقوا واقتتلوا في يوم الجمعة خامس المحرم من السنة فانهزم التتار أقيح هزيمة، وقتل أبطالهم وشجعانهم، فاستشهدوا فيهم بقول الشاعر:\rفإن كان أعجبكم عامكم ... فعودوا إلى حمص في قابل\rفإن الحسام الصقيل الذي ... قتلتم به يد القاتل\rوقد شاهد جماعة كثيرة في هذه الواقعة طيورا كثيرة بيضاء تحوم حال القتال.\rحكي عن الأمير بدر الدين محمد القيمري قال: \" والله، لقد رأيت بعيني طيورا بيضا وهي تضرب بأجنحتها في وجوه التتار \" . وقد ذكر ذلك جماعة كثيرة حتى بلغ حد التواتر، فما كان بأسرع من انهزام التتار.\rقال المؤرخ:","part":8,"page":179},{"id":3690,"text":"ثم اجتمع من سلم من التتار ونزلوا بسليمة، وعادوا إلى حماة، ورحلوا عنها إلى أفامية، وكان قد وصل إلى أفامية الأمير سيف الدين الدبيلي الأشرفي ومعه جماعة فأقام بقلعتها وبقى بغير على التتار، فرحلوا عن أفامية وعادوا إلى حلب، فأخرجوا من بها من الرجال والنساء ولم يبق إلا من ضعف عن الحركة واختفى خوفا على نفسه، ثم نادوا فيهم: من كان من أهل حلب فليعتزل. فلم يعلم الناس ما يراد بهم، فظن الغرباء النجاة لأهل حلب، وظن أهل حلب النجاة للغرباء فاعتزل بعض كل من الطائفتين مع الأخرى بحسب ما أدى كل منهم اجتهاده، فلما تميز الفريقان أخذ التتار الغرباء وتوجهوا بهم إلى بابلي فضربوا أعناقهم، وفيهم جماعة من أهل حلب وأقارب الملك الناصر، ثم أعادوا من بقي من أهل حلب إليها، وسلموا كل طائفة إلى رجل من الأكابر، ثم أحاطوا بالبلد ولم يمكنوا أحدا يدخل إليه ولا يخرج منه.\rثم فارق التتار حلب في أوائل جمادى الأول سنة تسع وخمسين وستمائة وكان سبب رحيلهم عنها أن السلطان الملك الظاهر جرد في العشر الأول من شهر ربيع الأول الأمير فخر الدين الطنبا الحمصي والأمير حسام الدين لاجين الجو كان دار والأمير حسام الدين العين تابى في عسكر لدفع التتار عن حلب. فلما وصلوا إلى غزة أرسل فرنج عكا إلى التتار يخبرهم فرجعوا وفارقوا حلب.\rولما رحل التتار عن حلب تغلب عليها جماعة من أحداثها لخلوها من العسكر، منهم نجم الدين أبو عبد الله بن المنذر، وعلي بن الأنصاري، وأبو الفتح، ويوسف بن معالي، فقتلوا ونهبوا، وبلغوا أغراضهم ممن كان في قلوبهم منهم ضغائن \" فلما قاربوا الأمير فخر الدين الحمصي والأمير حسام الدين العين تابى، ومن معهما هرب هؤلاء عن حلب. ولما دخلها الأمير فخر الدين الحمصي صادر أهلها وعذبهم واستخرج منهم ألف ألف درهم وستمائة ألف درهم بيروتية، وأقام بها إلى أن وصل الأمير شمس الدين أقش البرلي، ففارقها.\rالغلاء الكائن بحلب\rقال الشيخ شمس الدين بن الجزري في تاريخه: وفي سنة تسع وخمسين وستمائة بعد أن توجه التتار من البلاد الإسلامية غلت الأسعار بحلب، وقلت الأقوات فبلغ رطل اللحم سبعة عشر درهما، ورطل السمك ثلاثين، ورطل اللبن خمسة عشر، ورطل الشيرج سبعين، ورطل الخل ثلاثين، ورطل الأرز عشرين، ورطل الحب رمان ثلاثين، ورطل السكر خمسين، والحلوى كذلك، ورطل العسل ثلاثين، ورطل الشراب ستين، وجدي الرضيع بأربعين درهما، والدجاجة بخمسة دراهم، والبيضة بدرهم ونصف، والبصلة بنصف درهم، وباقة البقل بدرهم، والبطيخة بأربعين درهما، والتفاحة بخمسة دراهم، ولم يذكر سعر الخبز والقمح، ولعل ذلك لعدمه.\rقال: وكانت المكاسب كثيرة والدرهم متيسر الحصول.\rاختلاف العزيزية والناصرية\rومفارقة الأمير شمس الدين أقش البرلي البلاد، وتولية الحلبي نيابة حلب وعزله، وعود البرلي إليها وخروجه منها، ونيابة البندقدار وعود البرلي ثانية وخروجه","part":8,"page":180},{"id":3691,"text":"وفي سنة تسع وخمسين وستمائة، بعد وقعة التتار، اختلف الأمراء العزيزية الناصرية، وحضروا إلى الساحل، فأعطى السلطان بعضهم الإقطاعات، وحضر الباقون إلى الديار المصرية، وكان الأمير شمس الدين أقش البرلي مقطعا مدينة نابلس من الأيام المظفرية، فزاده السلطان بيسان وجعل بمملوكه قجقار عدة نواحي وتوجه إلى دمشق. ثم أمر السلطان بإمساك الأمير بهاء الدين بغدى الأشرفي فغضب البرلي لذلك، واجتمع معه العزيزية والناصرية، ونزلوا بالمرج وتوجهوا إلى حلب. وكان السلطان قد استناب الأمير علم الدين الحلبي بحلب قبل حدوث هذه الواقعة، وأمر جماعة وقرر لهم وظائف وهم: الأمير شرف الدين قيران الفخري وجعله أستاذ الدار، والأمير بدر الدين جماق وجعله أمير جاندار، والأمير علاء الدين إيدكين الشهابي وجعله شاد الدواوين. فتوجه الأمير علم الدين ووصل إلى حلب في يوم السبت ثالث شعبان من السنة ووصلت مطالعته إلى السلطان يذكر عبوره إلى حلب، وأن جماعة من العزيزية والناصرية حضروا إليه يطلبون الأمانات. ولما وصل الحلبي إلى حلب جرد جماعة من العسكر خلف البرلي ومن معه من العزيزية والناصرية، فعطف عليهم العزيزية والناصرية فهزموهم، فعزل السلطان الحلبي لذلك. وقيل إنه إنما عزله لأسباب آخر اتفقت أوجبت عزله. ولما عزل الحلبي فارق حلب وعاد إلى دمشق، فحلت مدينة حلب، فحضر الأمير شمس الدين البرلي إليها وأقام بها، وسير الأمير بدر الدين أيدمر الحلي رسولا منه إلى السلطان يبذل له الطاعة، فأبى السلطان إلا حضوره إلى الخدمة. وأقام البرلي بحلب إلى أن وصل السلطان إلى دمشق في سنة تسع وخمسين، فجرد العساكر إليها ففارقها البرلي وتوجه إلى الفرات، وعاد العسكر وأغار على بلاد أنطاكية، وكان في العسكر صاحب حمص وصاحب حماة، فأخذت المينا وأحرقت المراكب، وأخذت الحواصل، وعادت العساكر إلى القاهرة في يوم الخميس تاسع وعشرين شهر رمضان سنة ستين وستمائة وصحبتهم ما يزيد على مائتين وخمسين أسيرا.\rثم استناب السلطان بجلب الأمير علاء الدين ايدكين البندقدار، فتوجه إليها وأقام بها. ثم خشي عاقبة عود الأمير شمس الدين اقش البرلي، ففارق حلب وعاد وأقام بحماة واعتذر أنه إنما فارق حلب لشدة الغلاء وعدم الأقوات.\rوكان الأمير شمس الدين البرلي قد أرسل إلى السلطان الأمير علم الدين جكم بكتبه يسأله للصفح، فلما فارق البندقدار حلب عاد البرلي إليها وكتب إلى السلطان يعتذر من رجوعه إلى حلب، وأنه ما رجع إلا طائعا، وأن الأمير علاء الدين انفضل عن حلب اختيارا منه، ولو أقام لما قصده أحد، وتوالت كتبه بالاعتذار واستأذن في توجهه إلى الموصل، والسلطان يغلظ له تارة ويلين أخرى.\rثم جرد السلطان عسكرا صحبه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر نجده لصاحب الموصل، وانفق فيهم الأموال. فلما اتصل الخبر بالأمير شمس الدين البرلي توجه إلى سنجار والتقى التتار وقاتلهم قتالاً شديدا. وكان معه نحو ألف فارس وهم في جموع كثيرة فلم تساعده المقادير، وذلك إنه سقط عن فرسه فانكسرت رجله فركبه أحد مماليكه وساق يوما كاملا ولم يعلم من معه أن رجله كسرت، ثم كان من أمره ما نذكره، إن شاء الله تعالى هذا ما اتفق بالشام وحلب.\rما اتفق للسلطان بالشام في مدة مقامة بدمشق\rوما وقع في سفرته هذه خلاف ما قدمنا ذكره من أمر الخليفة من ذلك أنه لما وصل إلى دمشق وصل إلى خدمته الملك المنصور صاحب حماة، والملك الأشرف صاحب حمص والرحبة، فتلقاهما وأكرمهما وأنعم عليهما بخيل النوبة والعصائب وشعائر السلطنة، وركب كل منهما بمفرده والأمراء مترجلون في خدمته، وكتب لهما التقاليد، وزاد الملك الأشرف تل باشر والملك المنصور بلاد الإسماعيلية، وتوجه إلى بلادهما.\rومن ذلك أن أمراء العريان حضروا إلى خدمة السلطان فأنعم عليهم ووصل أرزاقهم، وسلم إليه خفر البلاد، وألزمهم حفظها إلى حدود العراق.\rومن ذلك أنه فوض نيابة السلطنة بالشام إلى الأمير الحاج علاء الدين طيبرس الوزيري، وكان قبل ذلك بنيابة قلعة دمشق، والأموال.\rركوب السلطان إلى الميدان بدمشق.\rولعب بالكرة ومن كان في خدمته من الملوك.","part":8,"page":181},{"id":3692,"text":"وقال المولوي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر في السيرة الظاهرية ولعب السلطان في ميدان دمشق، فرأيت في خدمته جماعة من الملوك وهم: الملك الصالح صاحب الموصل والملك السعيد والملك المسعود وأولاد الملك الصالح عماد الدين إسماعيل الملك المجاهد صاحب الجزيرة، \" و \" الملك المظفر صاحب سنجار، \" و \" الملك علاء الملك. \" و \" الملك الأشرف صاحب حمص ، \" و \" الملك الزاهر أسد الدين، \" و \" الملك المنصور صاحب حماة، \" و \" الملك الأمجد تقي الدين بن الملك العادل سيف أبي بكر بن أيوب، \" و \" الملك المنصور، \" و \" الملك الأمجد وأخوته أولاد الملك الناصر داود، \" و \" الملك الأشرف بن ولد أقسيس \" و \" الملك القاهر بن الملك المعظم، جماعة كثيرة منهم.\rقال: وهذا ما لا رآه ملك آخر.\rالصلح مع ملوك الفرنج\rلما توجه السلطان إلى الشام سير سيرجوان ديكين، كند يافا، يبدل الطاعة، ولما وصل السلطان إلى العوجا سأل الأمان للحضور إلى الدهليز، فتوجه الأتابك إليه وأحضره إلى السلطان. فأكرمه وكتب له منشورا ببلاده ورده إلى بلده.\rقال: ثم وردت رسل ملوك الفرنج يهنون السلطان بالسلامة ومعهم الإقامات الكثيرة.\rفلما وصل السلطان إلى دمشق حضر رسول من عكا يسأل أمانا للرسل المتوجهون من ساير البيوت. فكتب إلى متولي بانياس بتمكينهم؛ فحضر أكابر الفرنج والتسموا الصلح، فتوقف السلطان واشترط شروطا كثيرة فتوقفوا فأهانهم وزجرهم. وكان العسكر قد توجه للإغارة على بلاد الفرنج من جهة بعلبك، فسألوا في رجوعه وتقرير الصلح على ما كان الأمر إلى آخر الأيام الناصرية وإطلاق الأسرة، من حين إنفصال الأيام المذكورة إلى وقت هذه الهدنة. وتوجهت الرسل معهم لأخذ العهود عليهم.\rوكذلك تقررت الهدنة لصاحب يافا ومتملك بيروت على حكم الأيام الناصرية، وآمنت السبل وكثرت الأجلاب.\rوشرع السلطان في جمع الأسارى وسيرهم إلى مدينة نابلس حفظاً للعهود، والفرنج يكاسرون في أمر الأسارى. فلما طال ذك رسم السلطان بنقل الأسارى إلى دمشق واستعمالهم في العمائر بقي الحال موقوفا.\rالغارة على العرب والفرنج\rقال: ولما وصل السلطان إلى الشام جرد الأمير جمال الدين المحمدي، وجرد معه جماعة من العسكر المنصور، ورسم لهم بالإغارة على بلدة الفرنج فتوجهوا ونهبوا وكسبوا، وعادوا ساطين.\rوجرد جماعة من البحرية وكتم خبرهم. وكان السلطان بلغه أن جماعة من عرب زبيد قد كثر فسادهم وأنهم مخالطون الفرنج وموافقوهم في الباطن ويدلونهم على عورات المسلمين؛ فساق البحرية إليهم وانتهبوا أموالهم وقتلوا منهم وذبحوا جماعة كثيرة، وكفا الله الإسلام شرهم.\rوفي هذه السنة والسفرة، عزل السلطان القاضي نجم الدين بن قاضي القضاة صدر الدين بن سنى الدولة عن القضاء بدمشق، وفوضه للقضاة شمس الدين أحمد بن بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن خلكان البرمكي من العريش إلى سليمة، وفوض إليه النظر في جميع الأوقاف بالشام، منها الجامع والبيمارستان والمدارس وغير ذلك؛ وفوض إليه تدريس سبع مدارس وهي: العادلية، والعذراوية، والناصرية، والفلكية، والركنية، والإقبالية، والبهنسية، وكان تدريس هذه المدارس بيد القاضي نجم الدين المعزول؛ ووكل بالقاضي نجم الدين وأمره أن يتوجه إلى الديار المصرية. وكان مذموم السيرة في ولايته. ذكر الشيخ شهاب الدين أبو شامة جملة من معانيه.\rعود السلطان إلى الديار المصرية\rقال: ولما استقرت هذه الأمور عاد السلطان إلى الديار المصرية، وكان وصوله في يوم السبت سابع عشر ذي الحجة سنة تسع وخمسين وستمائة.\rأخذ الشويك\rكان السلطان قد جهز الأمير بدر الدين الأيدمري وصحبته جماعة من العسكر وما أعلم أحدا ممن جرد بالجهة التي يتوجهون إليها؛ فتوجه إلى الشويك وبذل المال والخلع فسلمت إليه. ووصل الخبر بتسليمها في سادس عشرين ذي الحجة من السنة. وولى نيابتها الأمير سيف الدين بلبان المحتصبي، واستخدم بها النقباء والجاندارية، وأفرد لخاص القلعة ما كان لها إلى آخر أيام الصالحية النجمية.","part":8,"page":182},{"id":3693,"text":"وفي هذه السنة، كانت وفاة الصاحب صفي الدين أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن هبة الله بن أحمد بن مرزوق العسقلاني، وكان قد وزر للملك الأشرف ابن الملك العادل بدمشق مدة، ثم عزل بجمال الدين بن جريد، وكان تاجرا مشهورا بالثروة وكثرة الأموال. وكان ابتداء أمره كما حكي عنه أنه حكاه عن نفسه قال: أرسلني والدي إلى القاهرة من مصر لأبتاع له قمحا، وكان له طاحون بمصر، فتوجهت إلى دار بعض الأمراء فاشتريت ألف أردب بخمسة آلاف درهم، وتسلمتها، وبت في تلك الليلة بالقاهرة وأصبحت فتحسن سعرها فبعتها في سبعة آلاف، فأوفيت الثمن، وأخذت ما بقي وصرفت به مائة وثلاثين دينارا. وأتيت والدي فسألني عن القمح، فقلت: بعته، فقال: ولم لا أتيت به؟ فقلت له: إنك لم ترسل معي الثمن حتى ولم تعطني دابة أركبها، وعندك عشرين دابة، وما هان عليك أن أركب منها دابة. وكنت قد مشيت من مصر إلى القاهرة فحقدت ذلك عليه. قال: ثم اتجرت في ذلك المال الذي ربحته من ثمن القمح فبارك الله لي فيه حتى جمعت منه ستمائة ألف دينار عينا، غير ما اشتريت من العقار والأثاث والخدم والدواب والمسفر وغيره.\rوكانت وفاته بمصر ودفنه بسفح المقطم. ومولده في شهر رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة. رحمه الله تعالى.\rوفيها توفي الأمير مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس بن بدر الدينم خماردكين، وهو صاحب صهيون، وجده عتيق الأمير مجاهد الدين صاحب صرخد.\rوكانت وفاته في ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسين وستمائة بقلعة صهيون ودفن بها، وولى بعده ولده سيف الدين محمد. وكان هو قد ولى صهيون بعد وفاته والده ناصر الدين منكورس في سنة ستة وعشرين وستمائة. وخلف الأمير مظفر الدين من الأموال ما لا يحصى كثره. حكى الشيخ شمس الدين بن الجزري في تاريخه قال: حكى لي الصاحب مجد الدين إسماعيل بن كسيرات الموصلي قال: كان مظفر الدين صاحب صهيون يحلس في كل يوم في باب القلعة ويأخذ قطعاً من الشمع ويختم عليها بختامه، فمن كان له دعوة على خصمه أو محكاكمة جاء إليه وأحضر معه شيئاً من المأكول فيضعه في الدركاه بين يدي الأمير مظفر الدين، ويأخذ قطعة من ذلك الشمع المختوم ويتوجه إلى خصمه ويقول هذا ختم السلطان، فيأخذ الخصم معه شيئا ايضا ويحضر إلى بين يديه فيحكم بينهما بنفسه. قال: فسألته عن مقدار ما يحضره الواحد منهم. قال: يأتي كل واحد بحسبه من الرأس الغنم إلى خمس بيضات. ومات وقد ناف على تسعين سنة، رحمه الله.\rوفيها توفي الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن عيسى بن درياس المارداني الشافعي، وكانت وفاته بالقاهرة في يوم السبت سادس شوال، ودفن من يومه بسفح المقطم. ومولده في ليلة الثلاثاء ثاني عشرين شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة ستين وستمائة وفي هذه السنة، في ثالث عشرين المحرم، أعرس الأمير بدر الدين بيليك الخزندار الظاهري نائب السلطنة الشريفة على ابنة الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل كان، وكان عقد النكاح قد عقد في ثالث عشر شوال سنة تسع وخمسين وستمائة، وذلك أن السلطان قد استدعى الملوك أخوتها في اليوم المذكور وعرفهم مكانه الأمير بدر الدين منه، وأن محله محل الولد، وخطب أختهم له، فأجابوا إلى ذلك وعقد النكاح. وملكه السلطان في ذلك اليوم بانياس وقلعتها بالبيع الشرعي. ثم كان البناء بها في هذه السنة، وعمل العرس بالميدان الأسود. واحتفل السلطان به احتفالا عظيما، وفوض إليه بعد أيام قلائل النظر في أمر الجيش: يقطع الإقطاعات ويزيد وينقص؛ وفوض إليه أمر الرعاية وكشف ظلاماتهم وغير.\rوفيها، حصل الصلح بين السلطان والملك المغيث صاحب الكرك، وكان ولده الملك العزيز في الاعتقال من الأيام المظفرية. فإن والده كان قد سيره إلى هولاكو كما ذكرنا فاتفق عوده إلى دمشق عند دخول الملك المظفر إليها، فأمر بإرساله إلى قلعة الجبل واعتقاله بها. فأطلقه السلطان الآن، وأقطعه دبنان بمنشور، وحلف السلطان لأبيه ثم بعد ذلك سير السلطان له سنجفا وشعائر السلطنة، فقبل عقب الصنجق وركب بشعائر السلطنة وفيها، انتصب السلطان لعرض العساكر بنفسه وحلف الناس لولده الملك السعيد ناصر الدين بركة خاقان، فحلفوا له، وسيرت نسخ الإيمان إلى القلاع والممالك والناس بأجمعهم.","part":8,"page":183},{"id":3694,"text":"الأمير شمس الدين سلار\rالبغدادي وفي نصف شهر رجب سنة ستين وستمائة وصل الأمير شمس الدين سلار البغدادي من العراق إلى الديار المصرية، وكان رجلا تركيا من قبيلة دروت وهو من مماليك الخليفة الظاهرة بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله. ولاه واسط الكوفة والحلة. فأقام به في الأيام الظاهرية والمستنصرية والمستعصمية. فلما استولى هولاكو على بغداد وقتل الخليفة، اجتمع سلار هذا وصاحب شستر ومن أنضم إليهما، وقاتلوا التتار قلم يكن لهم بهم طاقة لكثرة التتار فتوجه إلى برية الحجاز فأقام بها نحوا من ستة أشهر ثم راسله هولاكو وكتب له فرمانا بإفراده على ما كان عليه في الأيام المستعصمية، فحضر إليه فأقره، فلما أفضت السلطنة بالديار المصرية إلى السلطان الملك الظاهر كاتبه السلطان، وطلب منه الوصول إليه مرة بعد أخرى فتقرر حضوره إليه وتأخر ذلك إلى أن يتحمل لنفسه ويجمع أمواله فاتفق أن السلطان تحدث على قليج البغدادي في بعض الأيام فقال له السلطان: خوشداشك سلار يصل إلينا؟ فقال: هذا لايتصور وقوعه، لأن سلار من الملوك بالعراق، فكيف يفارق ما هو فيه ويحضر إلى هذه البلاد؟ فقال السلطان متى لم يحضر برضاه أحضرته بغير رضاه. وبعث قاصدا يكتب إليه على أنها أجوبة كتبه، نوبعث قاصدا آخر وقال له: إذا قربت من الأردو فاقتل هذا القاصد واتركه وما معه، ففعل ذلك فلما قتل القاصد وجده القراؤل، فأحضروه إلى هولاكو فقرأ ما معه من الكتب فوجدت أجوبة سلار. وكان بمقام هولاكو جماعة من أولاد مماليك الخليفة أخذهم لنفسه وجعلهم خواصا عنده، فسيروا إلى سلار في الوفت يعلمونه الخبر، فعلم أنها مكيدة، ورسم هولاكو بطلبه إلى الأردو فوصل إليه قبل ورود مرسوم هولاكو بطلبه. وكان حال وصول الخبر إليه يتصيد، فعلم أنه متى وصل إلى هولاكو قتله، فساق لوقته إلى أن وصل إلى الديار المصرية. وترك جميع أمواله وذخائره وأهله وأولاده. وما وصل أكرمه السلطان وعامله بإحسان كثير، وأنزله بالكبشن وأمره طبلخانا، وأقطعه منية بني خصيب. فقال للسلطان: لقد ضيع السلطان على المسلمين أموالاً عظيمة، فإنك لو تركتني حتى أحضر بما جمعته من الأموال والذخائر انتفع بيت المال به، فإني جمعت خراج سنتين، فقال له السلطان: إنما كان قصدي حضورك،ولم أقصد الأموال. ولا تجلس بين يدي. السلطان لا يرفع أحدا عليه. ثم جرده السلطان في مقابلة الفرنج بساحل عكا، فكتب إلى السلطان يسأله أن يقيم بالشام فأقطعه نصف \" مدينة \" نابلس، وأقام ستة أشهر ثم أعاده \" السلطان \" إلى الديار المصرية وكان السلطان قبل وصول سلار البغدادي قد اعتقل الأمير سيف الدين قليج لأمر صدر منه، فأطلقه السلطان بغير شفاعة، وأحسن إليه وأعاده إلى الأمرة ولعب معه الكرة.\rعود رسل السلطان من جهة الأنيرور\rوفي شعبان سنة ستين وستمائة، وصل الأمير سيف الدين الكرزي، والقاضي أصيل الدين خواجة إمام، وكان السلطان بعثها إلى الأنبرور، وذكرا أن الأنبرور اهتم بأمرهما اهتماما عظيما، وأنه أحضرهما ساعة وصولهما وعرضت عليه الهدية، وكان في جملتها زرافة فأعجبته إعجابا عظيما، وشاهد التتار الذين سيروا إليه \" ذلك \" ، وذكرا أنه جهز رسولا وهدية تحضر فيها بعد.\rوكان في جملة رسله إلى السلطان نفران من البحرية، فلما وصلا، أمر السلطان بتأديبهما لما بلغه من سود اعتمادهما، وسيرهما إلى قلعة الجزيرة يعملان فيها.\rعود رسل السلطان من جهة صاحب الروم ووصل رسله\rإلى السلطان ما قرره السلطان من بلاده.","part":8,"page":184},{"id":3695,"text":"وفي هذا الشهر، وصل الأمير شرف الدين الجاكي، والشريف عماد الدين الهاشمي. وكان السلطان قد سيرهما إلى السلطان عز الدين كيكاوس بن كيخسرو صاحب الروم ووصل صحبتهما الأمير ناصر الدين نصر الله بن كوح رسلان أمير حاجب، والصدر صدر الدين الخلاطي رسولان منه، ومعهما كتابا إلى السلطان يذكر أنه نزل للسلطان عن نصف بلاده، وسير درجا فيها علائم بما يقطع من البلاد لمن يختاره السلطان ويؤمره \" وسأل أن \" يكتب له من جهته منشورا قرين منشور صاحب الروم. فلما وصل الرسل إلى السلطان أكرمهم وجهز جيشاً نجدة لصاحب الروم. وأمر بكتب المناشير، وعين الأمير ناصر الدين أغلمش السلاح دار الصالحي لتقدمه الجيش، وعين له ثلاثمائة فارس، وأقطعه في الروم، وكتب للأمير ناصر الدين الرسول المذكور منشورا بثلاثمائة فارس وأقطعه أمد وأعمالها، وتقرر سفره صحبة العسكر، وأن يتوجه صدر الدين رفيقه في البحر صحبة رسل السلطان. ووقع الاهتمام في كتب المناشير وتجريد الأمراء من الشام وحلب.\rوفي شهر رجب من السنة، وصل الأمير عماد الدين ولد الأمير مظفر الدين صاحب صهيون رسولا من جهة أخيه الأمير سيف الدين، وصحبته الهدايا الحسنة. فأحسن السلطان إليه وكتب له منشورا في بلاد حلب بثلاثين فارسا، وكتب له منشورا آخر في بلاد الرومية بمائة طواش.\rوفي هذه المدة ورد كتاب صاحب الروم يذكر أن العدو لما بلغهم إتفاقه مع السلطان ولوا هاربين، وأنه سير إلى قونية يحاصرها ليأخذ من بها من أصحاب أخيه.\rوفي هذا التاريخ، وصلت كتب الأمير علاء الدين الخزندار مقدم العسكر المتوجه إلى الصعيد بسبب العربان عندما قتلوا الأمير عز الدين الهواش متولي الأعمال القوصية يذكر تبديد شملهم وأبادتهم وأنه أراح المسلمين من فسادهم.\rوفي شعبان منها توالى وصول جماعة ممن كان صحبة الأمير شمس الدين أقش البرلي من العزيزية والناصرية، فأحسن السلطان إليهم، ولم يأخذهم بما كان منهم\rعود رسل السلطان من جهة الأشكري\rوخبر مسجد القسطنطينية وفي هذه السنة، وصل الأمير فارس الدين أقش المسعودي الذي كان توجه رسولا إلى الأشكري، وكان الأشكري، قد سير رسولا إلى السلطان يلتمس بطركا للنصاوى الملكيين فعين لذلك الرشيد الكحال، وسير إليه صحبه الأمير فارس الدين المذكور، فأكرمه الأشكري وأكرم من صحبه من الأساقفة وصادف وصولهم إلى الأشكري فتح القسطنطينية فركب يوما ليفرج فارس الدين المذكور فيها وفي عمارتها. فمر بمكان وقال: هذا جامع، وقد أبقيته ليكون ثوابه للسلطان، فلما سمع السلطان هذا الخبر استبشر به وفرح فرحا عظيما. وأمر لوقته بتجهيز الحصر العبداني والقناديل المذهبة والستور المرموقة والسجادات والمباخر والعنبر والعود وللمسك وماء الورد.\rوهذا المسجد كانت عمارته في سنة ست وتسعين للهجرة. وكان قد وقع الصلح مع الروم على أن يبني بها مسجد جامع فبنى. ولما طالت المدة جعلوه حبسا. وقيل: أن الصلح كان قد تقرر على أن يبني مسجد قدر جلد بعير، وتقررت العهود على ذلك فعمد المسلمون إلى جلد بعير فقدروه سيورا ومدوها. فأنكر ذلك فقال المسلمون: هذا جلد بعير، لم نزد عليه شيئا، وعليه وقع الاتفاق. فسكتوا وقيل: إن بانيه مسلمة بن عبد الملك في أيام أخيه الوليد. والله أعلم.\rحضور الأمير شمس الدين أقش البرلي العزيزي إلى الديار المصرية\rقد ذكرنا من أخباره وتردده إلى حلب وقاتله التتار في سنة تسع وخمسين وستمائة ما قدمناه","part":8,"page":185},{"id":3696,"text":"قال المؤرخ: ولم يزل السلطان يكاتبه ويرغبه ويعطيه العهود والمواثيق على الوفاء، وسير إليه الأمير بدر الدين بكتاش الفحري في رسالة، وشافهه باليمن، فقال له الأمير شمس الدين \" قد جاءتني رسالة هولاكو يطلبني إليه، وحلف لي. وهذه رسالة السلطان ويمينه، وأتاه، والله \" أعلم أنه هولاكو يفي، وأن السلطان لا يفي \" وكان أولاده وأهله بالقاهرة فترجح عنده الحضور فحضر، ولما وصل إلى دمشق كتب السلطان إلى النواب بخدمته وترتيب الإقامات له في جميع الطرقات والمنازل إلى أن يصل إلى القاهرة وكان متمرضا من جراحة في رجله فجهز إليه الأدوية واهتم بأمره اهتماما عظيما، وكان وصوله إلى القاهرة في ثاني ذي الحجة سنة ستين وستمائة، فركب السلطان لتلقية وحمل إليه من الأموال والأقمشة والخلع والخيول وآلات البيوتات ما لا يكون مثله إلا لملك. ولم يترك شيئا مما يحتاجه الأمراء إلا سيره إليه. وكتب له منشورا بستين فارسا، وأعطاه طبلخاناه، وأمر من صحبة من الأمراء. وأعطى كل واحد منهم يحسب حاله. قال: ولما استقر أرسل إلى السلطان يسأله زيادة في الشام أو في نابلس أو في بلاد الصلت أو بعلبك أو حران، وينزل عن البيرة، ويقول: إن قدرته تعجز عن حفظها، فشكره السلطان ولم يقبل البيرة منه. وقال: \" أنا أرجو لك الزيادة \" وصار السلطان يقربه فيسايره إذا ركب، ويستشيره إذا جلس، ويساهمه في كل شيء حتى فيما يكون بين يديه من الطرف، ولازمه حتى لم يفارقه صيد ولا غيره، ثم جدد السؤال في قبول البيرة، فقبلها السلطان منه وأعطاه الرها وغيرها، وأمر مماليكه. وسافر في صحبة السلطان إلى الطور ثم قبض عليه لأسباب نذكرها، إن شاء الله تعالى.\rالقبض على علاء الدين طيبرس\rالوزيري نائب السلطنة بالشام وفي سنة ستين وستمائة، بلغ السلطان عن الأمير الحاج علاء الدين طيبرس الوزيري النائب بدمشق أمور أنكرها عليه، فسير الأمير عز الدين الدمياطي، والأمير علاء الدين أيدغدي الحاج الركني فتوجها من الديار المصرية في شوال،ودخلا إلى دمشق في ثالث ذي القعدة.فلما خرج إليهما ليتلقاهما ووصل إلى الأمير عز الدين الدمياطي أهوى ليكارشه على ما جرت العادة به في السلام، فقبض الدمياطي بيده على عضد طيبرس وبيده الأخرى على سيفه، وأنزل عن فرسه وركبوه بغلا، وقيد وأرسل إلى السلطان ووقعت الحوطة على أمواله وحواصله بدمشق، وكان قد سير جملة منها مع العرب. وكان طيبرس قد أساء السيرة في أهل دمشق، وضيق عليهم، وتسلم الأمير علاء الدين الركني دمشق ينظر فيها إلى حين حضور نائب مستقل.\rومن عجيب ما وقع في القبض عليه ما حكاه شمس الدين الجزرى في تاريخه عن الرشيد فرج الله كاتب البيرتات بدمشق، قال: لما وصل الأمراء الذين قبضوا على طيبرس إلى الكسوة طلبني وقال:جهز سماطا جيدا لهؤلاء الأمراء، وأحضره أنت بنفسك واحترز عليه، فأنا لا أحضره. قلت: لأي سبب يتأخر مولانا عنه؟ فأسر إلي وقال: إن هؤلاء جاءوا ليقبضوا على قبل دخولهم إلى دمشق. فقلت: يكفيك الله، وبكيت. فقال: هذا أمر لا بد منه، فأبصر أنت كيف تكون. فخرجت من عنده، وجهزت السماط كما رسم، وكان من قبض ما تقدم قال الرشيد: فدخلت يوما على الأمير علاء الدين الركني وهو يحكم بدمشق، فسألني عن أشياء تتعلق بالديوان والسماط.\rالأمير علاء الدين طيبرس الوزيري\rوأثنى عليه خيرا،فوجدت مجالا للكلام، فذكرت له هذه الحكاية. فقال لي: أنا أحكي لك أعجب من هذا: بينا أنا في داري بالقاهرة في وقت القايلة وإذا برسل السلطان تستدعيني إليه، فما شككت حين طلبني في غير الوقت المعتاد أنه يقبض علي. فأوصيت استاداري بما يعتمده، وودعت أهلي، وركبت إلى القلعة،فوافيت الأمير عز الدين الدمياطي وقد طلب كما طلبت، فتحققنا جميعا إننا نمسك، ثم دخلنا على السلطان فوجدناه في خلوة، فلما أقبلنا عليه نهض قائماً، و أكرمنا فقبلنا الأرض بين يديه وزال عنها ما كنا نجده، ثم أمرنا بالقرب منه، فتقد منا حتى التصقت ركبنا بركبتيه","part":8,"page":186},{"id":3697,"text":"ثم أخرج من جيبه ختمة واستحلفنا أننا لا نذيع له سرا، وأن نفعل ما يأمرنا به، فحلفنا، فلما تمت اليمين قال: تتوجه الساعة إلى دمشق وتستصحبا معكما العسكر المقيم بغزة، وتمسكوا علاء الدين طيبرس نائب الشام، وتكون أنت مكانه، وإن سمعت هذا الحديث من أحد من خلق الله تعالى قبل أن تفعلاه شنقتكما، فخرجنا من عنده فلما صرنا تحت القلعة إذا بحرفوش يقول لآخر: هؤلاء رايحين إلى دمشق يقبضوا على طيبرس نائب السلطنة بها، فأصفر عند ذلك لوني ولون الدمياطي، وحلفنا جميعا لا نصل إلى بيوتنا، وقال كل منا لا ستادداره أن يلحقه بهجين وجنيب إلى البئر البيضاء وسقنا من وقتنا إليها. فلحقنا غلمائنا وما نحتاج إليه بعد العصر، واستمر بنا السير حتى نفذنا أمر السلطان. وهذا شيء أجراه الله تعالى على ألسنة عوام مصر، لا ينطقون بشيء في غالب الأوقات إلا ويكون كذلك.\rوصول جماعة من التتار إلى خذمة السلطان\rقال المؤرخ: كان السلطان قد جهز كشافة من الأمراء وهم، جمال الدين أقش الرومي السلاح دار من الخواص ومعه الخيول الجياد، ثم جهز الأمير علاء الدين أفسنقر الناصري، وكتب إلى الشام بأردافهم، وأرسل أمراء العربان فساقوا إلى حدود العراق. وكانت الأخبار من جهة القصاد قد وردت أن هولاكو جمع جمعا كبيرا ولم يعلم قصده، فاحترز السلطان وسير هذه الكشافة. فأمسكوا من وسط التتار جماعة، واستطلعوا منهم الأخبار، وكانوا مسلمين، فأطلقهم الأمير علاء الدين. ولما توالت الأخبار بحركة هولاكو عمل السلطان بالحزم، وتقدم إلى أهل دمشق بالحضور بأهاليهم لتخف ظهورهم وترخص الأسعار فحضر منهم جماعة كثيرة.\rوكتب إلى النواب بحلب بحريق الأعشاب، وسير جماعة إلى بلاد آمد ومواضع الأعشاب فأحرقوا من المروج مسيرة عشرة أيام، وكذلك أعشاب بلاد خلاط حتى صارت كلها رمادا. ثم ورد كتاب الأمير الحاج علاء الدين أقسنقر الناصري أن الكشافة وجدوا جماعة كثيرة من التتار مستأمنين وافدين إلى باب السلطان، وأنهم من أصحاب الملك بركة، وكانوا نجدة عند هولاكو، فلما وقع بينهما كتب الملك بركة إليهم بالحضور إليه وإن عجزوا ينحازوا إلى عسكر الديار المصرية وأنهم يذكرون أن العداوة قد استحكمت بين الملكين هولاكو وبركة، وأن ولد هولاكو قتل في المصاف، وأنهم فوق مائتي فارس، فكتب السلطان إلى نواب الشام بإكرامهم وترتيب الإقامات لهم في الطرقات وحمل الخلع إليهم وإلى نسائهم، وأحسن إلى مقدميهم الأربعة، فوصلوا يوم الخميس رابع عشرين ذي الحجة سنة ستين، وخرج السلطان للقائهم يوم السبت السادس والعشرين من الشهر. وكان السلطان قد رسم بعمارة أدر ومساكن لهم بقرب اللوق، فسكنوها، فحملت إليهم الخلع وسيقت الخيول، وفرقت فيها الأموال، ولعبوا الكرة مع السلطان، وأمر أكابرهم بمائة فارس فما دونها، ونزل بقيتهم في جملة بحريته ومماليكه، وأفردت لهم جهات يستخرج منها مرتبهم. وأسلموا وحسن إسلامهم. وبلغ التتار ما نال هؤلاء من الإحسان وما شملهم من الأنعام فتوافدوا جماعة بعد جماعة، والسلطان يعتمد مع كل من يحضر منهم مثل ما اعتمد مع من قبلهم.\rإنفاذ الرسل إلى الملك بركة","part":8,"page":187},{"id":3698,"text":"قال: ولما وصلت جماعة التتار إلى السلطان، واستطلع منهم الحال وعرف أحوال الملك بركة ومقامه والطريق إليه جهز إليه رسله وهم: الأمير سيف الدين كشربك وهو رجل تركي كان جمدار السلطان خوارز مشاه يعرف البلاد واللغات،والفقيه مجد الدين الروذراورى، وسير صحبتهم نفرين من التتار الذين وصلوا إليه من أصحاب الملك بركة. وكتب على أيدي الرسل كتابا يستميله ويحثه على الجهاد، ويصف العساكر الإسلامية وكثرتهم وعدة أجناسهم من الترك وعشاير الأكراد وقبائل العربان ومن أطاعها من الملوك الإسلامية والفرنجية، ومن خالفها، ومن وافقها، ومن هاداها وهادنها، وأن جميعها في طاعته وسامعه لإشارة إلى غير ذلك من الإغراء بهولاكو وتهوين أمره وتقبيح الغفلة عنه، وأعلمه بوصول من وصله من التتار وادعائهم أنهم من أصحابه، وأن الإحسان إليهم إنما هو من أجله. وكان الخليفة الحاكم بأمر الله قد حضر وبويع بحضور الرسل وكتب نسبته وأذهبت وأشهد على ثبوت نسبه، وسير ذلك إلى الملك بركة. وزود الملك الظاهر الرسل لمدة شهور، وتوجهوا في المحرم سنة إحدى وستين. ووصلوا إلى بلاد الأشكري فأحسن إليهم وصادف وصولهم وصول رسل الملك بركة إلى الأشكري، فسيرهم صحبتهم ورجع الفقيه مجد الدين لمرض حصل له، وتوجه الرسل صحبة رسل الملك بركة: الأمير جلال الدين والشيخ نور الدين علي، ووصلت كتب الأشكري أن رسل السلطان توجهوا سالمين.\rتفويض نيابة السلطنة بالشام إلى الأمير\rجمال الدين النجيبي الصالحي قال: ولما تسلم الأمير علاء الدين الركني مدينة دمشق على ما قدمناه اختار السلطان الأمير جمال الدين أقش النجيبي الصالحي لنيابة السلطنة بدمشق، وجهز معه الصاحب عز الدين عبد العزيز بن وداعة وزير الشام. وكان قد حصل بينه وبين الأمير علاء الدين طيبرس مفاوضات أوجبت حضوره إلى الباب السلطاني صحبة الركاب الشريف فرسم بعوده على وظيفته.\rوفي هذه السنة في ذي القعدة، خرج أمر السلطان لقاضي القضاة تاج الدين أن يستنيب نوابا من المذاهاب الثلاثة، فاستناب القاضي صدر الدين سليمان الحنفي، والشيخ شرف الدين عمر السبكي المالكي، والشيخ شمس الدين الحنبلي.\rوفيها: اشتد الغلاء بالشام، وأبيعت غرارة القمح بأربعمائة وخمسين درهما، والشعير بمائتين وخمسين، وأبيع القمح بحماة عن كل مكوك أربعمائة درهم، ثم غلت سائر الأصناف، ومات خلق كثير من الجوع.\rوفيها: في ذي الحجة ظهر بالقاهرة عند الركن المخلق معبد وفيه حجر مكتوب عليه هذا مسجد موسى بن عمران عليه السلام، فجددت عمارته. وهو إلى الآن يعرف بمعبد موسى.\rوفاة شيخ الإسلام عز الدين\rأبي محمد ابن عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم ابن الحسن بن أبي محمد السلمي الدمشقي الشافعي وشيء من أخياره","part":8,"page":188},{"id":3699,"text":"كانت وفاته، رحمه الله تعالى، بالمدرسة الصالحية النجمية بالقاهرة المعزية، في يوم السبت قبيل العصر من جمادى الأول سنة ستين وستمائة، ودفن يوم الأحد قبل الظهر بسفح المقطم. ومولده تقريبا في سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة، وولي من المناصب الدينية بدمشق: تدريس زاوية الغزالي، وخطابة الجامع الأموي. وولي بالديار المصرية: القضاء بمصر والوجه القبلي، وخطابة جامع عمرو بن العاص، وتدريس المدرسة الصالحية بالقاهرة، والنظر في عمارة المساجد بالقاهرة ومصر. وكان، رحمه الله تعالى، أحد أئمة المسلمين، إليه انتهت الفتيا في زمانه، وصنف التصانيف المشهورة، منها: الإمام في أدلة الأحكام، وقواعد الفقه الكبرى، والوسطى، والصغرى، والغابة في اختصار النهاية، وجمع بين الحاوي والنهاية، واختصر الشامل لابن الصباغ، واختصر الكشاف، واختصر تفسير ابن عباس والماوردي، وفسر سورة البقرة في مجلدة، وفسر من سورة يس إلى سورة الناس، واختصر صحيح مسلم في مجلدين، وعمل عليهما حواشي مفيدة، واختصر الرعاية، وصنف في الزهد شجرة المعارف، وغير ذلك من التصانيف المفيدة. وكان، رحمه الله، كثير الزهد والإيثار، لا يعتني بالملابس، ولا يكترث بها، ولا تأخذه في الله لومة لائم ولا يخشى سطوة ملك، لم يزل يصدع الملوك بمر الحق، ويفتي بحكم الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن خالف ذلك آراء الملوك واعتقادهم، وكرهوه منه، ونهوه عنه فلا يرجع عما علمه، ويطلب المناظرة عليه. واتفقت له وقائع مع الملوك راموا فيها قتله، فحماه الله تعالى منهم، وهي وقائع تدل على صلابة دينه، وحسن يقينه، وتمسكه من السبب الأقوم بمتينه. منها: واقعته مع الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك العادل صاحب دمشق في مسألة الكلام. وكان الملك الأشرف قد صحب جماعة من مبتدعة الحنابلة من صغره ممن يقول بالحرف والصوت، فاستمالوه إلى مذهبهم وقرروه عنده حتى أمتزج بلحمه ودمه، واعتقد كفر من يعتقد خلافه وأنه مباح الدم. وكان في ابتداء سلطنته يميل إلى الشيخ عز الدين لما يبلغه عنه، وقصد حضوره إليه، والشيخ يأبى ذلك ويمنع منه ولا يجيب إليه. فألقى إلى السلطان من صحبه من الحنابلة أن الشيخ مخالف لرأيه مباين لمذهبه، وأنه يقدح فيمن يعتقده ويذمه ويسبه، فاتهمهم السلطان في ذلك، وطلب منهم تحقيقه عنده، فاجتمعوا وكتبوا فتيا في مسألة الكلام وأرسلوها إلى الشيخ، وكان قد اتصل به خبر مكيدتهم، فلما أتته كتب عليها بما يعتقده من تعظيم الله تعالى وتنزيهه وتوحيده، وأنه حي مريد سميع بصير عليم، قدير متكلم قديم أزلي ليس بحرف ولا صوت ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مدادا في الألواح والأوراق، بل الكتابة من أفعال العباد، ولا يتصور في أفعالهم أن تكون قديمة، ويجب احترامها لدلالتها على ذاته، كما يجب احترامها لدلالتها على صفاته. وأطال في الفتيا وبسط الكلام واستدل، ونفى عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وأكابر أصحابه خلاف ذلك، وأخرج الفتيا من يده وقد تحقق ما يؤول أمرها إليه، فعرضت على السلطان، ومن عرضها لا يشك أن فيها سفك دم الشيخ. فلما وقف عليها استشاط غضبا وقال: صح عندي ما قالوه عنه، وتكلم في حقه بأشنع الكلام، وكفره، وكان ذلك في شهر رمضان، وقد اجتمع على سماطه القضاة والعلماء، فما استطاع أحد منهم أن يرد عليه لما عنده من الحرج. فقال بعضهم: السلطان أولى بالعفو والصفح لا سيما في مثل هذا الشهر، وموه آخرون بكلام يوهم صحة فذهب خصمه، ثم انفصلوا من المجلس. فنهض في ذلك الشيخ جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب المالكي، رحمه الله تعالى، وهو عالم مذهبه في زمانه. واجتمع بالقضاة والأعيان الذين حضروا المجلس، ووبخهم ولامهم وشدد عليهم النكير كونهم ما ذكروا الحق وكونهم سألوا العفو والصفح، وقال: هذا يوهم الذنب، ولم يزل إلى أن أخذ خطوطهم بموافقة الشيخ. فعند ذلك التمس الشيخ من السلطان أن يعقد مجلسا للشافعية والحنابلة ويحضره المالكية والحنفية وغيرهم من علماء المسلمين. وقال: الذي يعتقد في السلطان أنه إذا ظهر له الحق يرجع إليه، وأنه يعاقب من موه الباطل عليه، وهو أولى الناس بموافقة والده السلطان الملك العادل، تغمده الله برحمته، فأنه كان قد عزر جماعة من أعيان الحنابلة المبتدعة تعزيرا بليغا رادعا وبدع بهم وأهانهم.","part":8,"page":189},{"id":3700,"text":"فأجابه السلطان بخطه ما مثاله: بسم الله الرحمن الرحيم \" وصل إلي ما التمسه الفقيه ابن عبد السلام، أصلحه الله، من عقد مجلس وجمع المفتيين والفقهاء. وقد وقفنا على خطه وما أفتى به، وعلمنا من عقيدته ما أغنى عن الاجتماع به. ونحن فنتبع ما عليه الخلفاء الراشدون الذين \" قال \" صلى الله عليه وسلم، في حقهم. \" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي \" . وعقائد الأئمة الأربعة فيها كفاية لكل مسلم يغلب هواه ويتبع الحق ويتخلص من البدع، اللهم إلا أن كنت تدعي الاجتهاد فعليك أن تثبت، ليكون الجواب على قدر الدعوى لتكون صاحب مذهب خامس.\rوأما ما ذكرته عن الذي جرى في أيام والدي، تغمده الله برضوانه، فذلك الحال أنا أعلم به منك. وما كان له سبب إلا فتح باب السلامة، لا لأمر ديني وجرم جره سفهاه قوم فحل بغير جانيه العذاب. ومع هذا فقد ورد في الحديث الفتنة نائمة، لعن الله مثيرها؛ ومن تعرض إلى إثارتها قابلناه بما يخلصنا من الله، وما يعضد كتاب الله وسنة رسوله \" .\rفلما وصلت هذه الرقعة إلى الشيخ قرأها، وقال للرسول: اذهب فقد وصلت. فقال: تقدمت الأوامر المطاعة السلطانية بإحضار جوابها، فكتب الشيخ ما مثاله: بسم الله الرحمن الرحيم \" فوربك لنسألنهم أجمعين. عما كانوا يعملون \" أما بعد حمدا لله الذي جلت قدرته وعلت كلمته وعمت رحمته وسبغت نعمته، فإن الله تعالى قال لأحب خلقه إليه وأكرمهم لديه: \" وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون \" وقد أنزل الله تعالى كتبه وأرسل رسله بنصائح خلقه. فالسعيد من قبل نصائحه وحفظ وصاياه. وكان فيما أوصى به خلقه أن قال: \" يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين \" وهو سبحانه وتعالى أولى من قبلت نصيحته وحفظت وصيته. وأما طلب المجلس وجمع العلماء فما حملني عليه إلا النصح للسلطان وعامة المسلمين. وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدين فقال: \" الدين النصيحة \" ؛ قيل لمن؟ يا رسول الله: قال: \" لله وكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم \" ، فنصح الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولكتابه بالعمل بمواجبه، وللائمة بأرشادهم إلى أحكامه والوقوف عند أوامره ونواهيه، ولعامة المسلمين بدلالتهم على ما يقربهم إليه ويؤلفهم لديه. وقد اديت ما علي في ذلك.\rوالفتيا التي وقعت في هذه القضية يوافق عليها علماء المسلمين من الشافعية والمالكية والحنفية والفضلاء من الحنابلة؛ وما يخالف في ذلك إلا رعاع لا يعبأ الله بهم، وهو الحق الذي لا يجوز دفعه، والصواب الذي لا يمكن رفعه. ولو حضر العلماء مجلس السلطان أعلم صحة ما أقول والسلطان أقدر الناس على تحقيق ذلك. وقد كتب الجماعة خطوطهم بمثل ما قلته، وإنما سكت من سكت في أول الأمر لما رأوا من غضب السلطان. ولولا ما شاهدوه من غضب السلطان لما أفتوا أولا إلا بما رجعوا إليه آخرا.ومع ذلك فيكتب ما ذكرته في هذه الفتيا وما ذكره الغير، ويبعث إلى بلاد الإسلام ليكتب فيها من يجب الرجوع إليه ويعتمد في الفتيا عليه. ونحن نحضر كتب العلماء المعتبرين ليقف عليها السلطان.\rوبلغني أنهم ألقوا إلى سمع السلطان أن الأشعري يستهين بالمصحف.ولا خلاف بين الأشعرية وجميع علماء المسلمين أن تعظيم المصحف واجب. وعندنا أن من استهان بالمصحف أو بشيء منه فقد كفر، وانفسخ نكاحه، وصار ماله فيئا للمسلمين، وتضرب عنقه، ولا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يترك بالقاع طعمة للسباع. ومذهبنا أن كلام الله سبحانه وتعالى قديم أزلي قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق، كما لا تشبه ذاته ذات الخلق ولا يتصور في شيء من صفاته أن يفارق ذاته، إذ لو فارقته لصار ناقصا، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وهو مع ذلك مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء بالألسنة، وصفة الله القديمة ليست بمداد الكاتبين ولا ألفاظ اللافظين. ومن اعتقد ذلك فقد فارق الدين وخرج عن عقائد المسلمين بل لا يعتقد ذلك إلا جاهل غبي، وربنا المستعان على ما تصفون.","part":8,"page":190},{"id":3701,"text":"وليس رد البدع وإبطالها من باب إثارة الفتن. فإن الله سبحانه وتعالى أمر العلماء بذلك، وأمرهم ببيان ما علموه. ومن امتثل أمر الله ونصر دين الله لا يجوز أن يلعنه رسول الله.\rوأما ما ذكر من أمر الاجتهاد والمذهب الخامس: فأصول الدين ليس فيها مذاهب فإن الأصل واحد، والخلاف في الفروع.\rومثل هذا الكلام مما اعتمدتم فيه قول من لا يجوز أن يعتمد قوله. والله أعلم بمن يعرف دينه ويقف عند حدوده.\rوبعد ذلك فأنا نزعم أنا من جملة حزب الله وأنصار دينه وجنده. وكل جندي لا يخاطر بنفسه فليس بجندي.\rوأما ما ذكر من أمر باب السلامة، فنحن تكلمنا فيه بما ظهر لنا من أن السلطان الملك العادل، تغمده الله برحمته، إنما فعل ذلك إعزازا للدين ونصرة للحق. ونحن نحكم بالظاهر والله يتولى السراير، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم \" .\rوكتب الشيخ هذا الجواب مسترسلا بحضرة رسول السلطان، ودفعه إليه. فلما قرأه السلطان اشتد غضبه وأرسل إليه أستادداره غرس الدين خليلا برسالة؛ وكان غرس الدين يحب الشيخ ويعتقده، فحضر إليه وجلس بين يديه، وتلطف به واستأذنه في أداء الرسالة، فقال: أدها كما قبلت لك.\rفقال: يقول لك السلطان: \" إنا قد شرطنا عليك ثلاثة شروط أحدها: ألا تفتي، والثاني: ألا تجتمع بأحد، والثالث: أن تلزم بيتك \" . فقال له: إن هذه الشروط من نعم الله الجزيلة علي، المستوجبة للشكر لله تعالى على الدوام. أما الفتيا: فإني والله كنت متبرما بها وأكرهها. وأعتقد أن المفتي على شفير جهنم. ولولا أني كنت أراها متعينة علي لما أفتيت. والآن فقد سقط عني الوجوب وتخلصت ذمتي ولله الحمد والمنة. وأما ترك اجتماعي للناس ولزومي لبيتي: فهذا من سعادتي لتفرغي لعبادة الله تعالى. والسعيد من لزم بيته وبكى على خطيئته واشتغل بطاعة الله تعالى. وهذا تسليك من الحق، وهدية من الله تعالى إلي أجراها على يد السلطان وهو غضبان وأنا بها فرحان. والله لو كان عندي خلعة تصلح لك على هذه الرسالة المتضمنة لهذه البشارة لخلعتها عليك ونحن على الفتوح، خذ هذه السجادة صل عليها فقبلها الحاجب وقبلها، وانصرف إلى السلطان وقص عليه ما قاله الشيخ. فقال لمن حضره: قولوا لي ما أفعل به، هذا رجل يرى العقوبة نعمة، اتركوه، بيننا وبينه الله.\rوبقي على ذلك ثلاثة أيام إلى أن ركب الشيخ العلامة جمال الدين الحصيري شيخ الحنفية حماره وتوجه إلى القلعة، وكان معظما عند السلطان وقد جمع العلم والعمل، فلما بلغ السلطان وصوله إلى القلعة أرسل خواصه يتلقونه، وأمرهم أن يدخلوا به إلى داره على حماره ففعل. ولما رآه السلطان وثب إليه وتلقاه، وأنزله عن حماره وأجلسه على تكرمته واستبشر به. وكان ذلك عند غروب الشمس. فلما أذن المؤذن وصلوا المغرب قدم السلطان إليه شرابا وناوله إياه بيده. فقال: ما جئت إلى طعامك ولا إلى شرابك. فقال: يرسم الشيخ ونحن نمتثل أمره. فقال: أي شيء بينك وبين ابن عبد السلام؟ هذا رجل لو كان في الهند أو في أقصى الدنيا كان ينبغي للسلطان أن يسعى في حلوله في بلاده لتتم بركته عليه وعلى بلاده ويفتخر به سائر الملوك. قال: عندي خطه باعتقاده في فتيا، وخطه أيضا في رقعة جواب رقعة سيرتها إليه. فيقف الشيخ عليهما ويكون الحكم بيني وبينه. ثم أحضر الورقتين فقرأهما الشيخ وقال: هذا اعتقاد المسلمين و شعار الصالحين ونفس المؤمنين، وكل ما فيهما صحيح، ومن خالف ما فيهما وذهب إلى ما قاله الخصم من إثبات الحرف والصوت فهو حمار. فقال السلطان: نحن نستغفر الله مما جرى، ونستدرك الفارط في حقه، والله لأجعلنه أغنى العلماء.\rوأرسل إليه واسترضاه، وطلب محاللته ومخاللته. وتقدم السلطان إلى الفريقين بالإمساك عن الكلام في مسألة الكلام وألا يفتي أحد فيها بشيء سدا لباب الخصام.","part":8,"page":191},{"id":3702,"text":"ثم وصل السلطان الملك الكامل إلى دمشق. وكانت الواقعة قد اتصلت به، فرام الاجتماع بالشيخ فاعتذر إليه، فطلب أن يكتب له سورة الواقعة مستقصاة، فأمر ولده الشيخ شرف الدين أن يكتب ذلك من أوله إلى آخره ففعل. وأرسله إلى الملك الكامل فقرأه وكتمه. ثم سأل أخاه الملك الأشرف عن الواقعة. فقال: منعت الطائفتين من الكلام في المسألة، وانقطع بذلك الخصام. فقال له السلطان الملك الكامل: ليست هذه سياسة حسنة، نساوي بين أهل الحق والباطل، وتمنع أهل الحق من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأمرهم أن يكتموا ما أنزل الله إليهم. كان الطريق أن تمكن أهل السنة أن يلحنوا بحججهم وأن يظهروا دين الله، إلى غير ذلك من الكلام. وتحقق الملك الأشرف صحة ما قاله الشيخ وصرح بخجله منه، وصار يترضاه، ويعمل بفتاويه، ويأمر أن يقرأ عليه تصانيفه الصغار مثل: الملحة في اعتقاد أهل الحق، ومقاصد الصلاة، وكرر قراءتها عليه في يوم ثلاث مرات.\rواستمر الحال على ذلك إلى أن مرض الملك الأشرف مرضة موته. وأرسل أكبر أصحابه إلى الشيخ وقال: قل للشيخ محبك موسى بن العادل أبي بكر يسلم عليك ويسألك أن تعوده وتدعو له وتوصيه بما ينتفع به غدا عند الله تعالى. فأبلغه الرسول الرسالة، فتوجه إلى السلطان فسر برؤيته، وقال له اجعلني في حل، وادع لي، وأوصني، وانصحني: ففعل الشيخ ذلك، وتحدث معه في أشياء منها: إبطال المنكرات بدمشق. فأمر بإبطالها، وتولى الشيخ إزالة بعضها بنفسه، وأطلق السلطان له ألف دينار عينا، فردها عليه: هذه اجتماعه لله تعالى، لا أكدرها بشيء من الدنيا. ثم مات الملك الأشرف إثر ذلك.\rولما حضر الملك الكامل إلى دمشق وانتزعها من أخيه الصالح إسماعيل كما تقدم، حضر الشيخ إلى مجلس السلطان فأكرمه، وفوض إليه تدريس زاوية الغزالي بجامع دمشق ثم فوض إليه قضاء القضاة بعد ذلك بدمشق. فاشترط شروطا كثيرة ولم يله. وقيل أنه تولاه مدة يسيرة وعزل نفسه.\rثم كانت واقعة مع الملك الصالح عماد الدين إسماعيل \" بن العادل \" صاحب دمشق \" عندما أذن للفرنج في دخول دمشق وشراء السلاح... فأفتى الشيخ عز الدين ابن عبد السلام بتحريم بيع السلاح للفرنج... وكان الصالح غائبا عن دمشق فورد كتابه بعزل ابن عبد السلام. وولى خطابة \" دمشق، بعد عز الدين بن عبد السلام، علم الدين داود بن عمر بن يوسف بن خطيب بيت الآبار.\rفلما سلم الملك الصالح صفد والشقيف وغير ذلك للفرنج وصالحهم، كما تقدم، امتنع \" الشيخ ابن عبد السلام \" من الدعاء له على المنبر الجامع بدمشق فكان من خبر عزله واعتقاله وخروجه من الشام ووصوله إلى الديار المصرية وولايته الخطابة بجامع عمرو بن العاص بمصر، والقضاء بمصر والوجه القبلي، وعزله نفسه مرة بعد أخرى، وغير ذلك من أحواله ما قدمناه في أخبار الدولة الصالحية النجمية.\rولم يزل الشيخ، رحمه الله تعالى، معظما عند الملك الصالح وغيره من الملوك بعده بالديار المصرية يرجعون إلى رأيه ويعتمدون على فتاويه، ويقف الأكابر عند أوامره إلى أن ملك السلطان الملك الظاهر فزاد في تعظيمه وإكرامه وبره، واستشاره في ابتداء دولته فيما يفعله مما فيه صلاح دولته، فقال له: إن الدولة لا تقوم إلا بأمرين؛ أحدهما: قيام الشرع الشريف. والثاني: تحصيل الأموال من وجوهها، ولا أرى لمنصب القضاء مثل تاج الدين عبد الوهاب يريد ابن بنت الأعز، وللوزارة مثل بهاء الدين علي. فرجع السلطان إلى رأيه وتمسك بقوله، وفوض المنصبين لهما، فقام كل منهما في منصبه أحسن قيام. وحمدت عاقبة هذه الولاية، وشكر سداد هذا الرأي.\rولما توفى الشيخ، رحمه الله تعالى، تألم السلطان لفقده، وشيع جنازته أمراء الدولة وأكابرها، وحملوا نعشه إلى أن وضع في قبره، رحمه الله تعالى.\rوهذا الذي أوردته من أخبار الشيخ في مسألة الكلام نقلته من خط ولده الشيخ شرف الدين محمد، رحمه الله تعالى. وفضائله ومناقبه، رحمه الله تعالى، كثيرة. وقد أتينا منها بما يدل على مجموعها.","part":8,"page":192},{"id":3703,"text":"وفيها: أيضا توفى الصاحب كمال الدين عمر، ابن قاضي القضاة نجم الدين أبي الحسن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى ابن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة الحنفي المعروف بابن العديم الحلبي، كان فاضلا أديبا شاعرا كاتبا رئيسا مؤرخا، وكانت وفاته بمصر في العشرين من جمادى الأولى سنة ستين وستمائة، ودفن بسفح المقطم، ومولده بحلب في العشر الأول من ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.\rواستهلت سنة إحدى وستين وستمائة\rالبيعة للإمام الحاكم بأمر الله\rأبي العباس أحمد العباسي كان وصوله إلى الديار المصرية في سنة ستين وستمائة فتلقاه السلطان وأكرمه وخدمه، وأنزله بقلعة الجبل، وأدر عليه النفقات، ثم بايعه في يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين وستمائة على ما قدمناه ذكره في أخبار الدولة العباسية.\rالقبض على الملك المغيث\rصاحب الكرك واعتقاله كان القبض على الملك المغيث فتح الدين عمر صاحب الكرك في يوم السبت السا بع والعشرين من جمادى الأول سنة إحدى وستين وستمائة. وذلك أن السلطان توجه من قلعة الجبل المحروسه لقصد الشام في سابع شهر ربيع الآخر من السنة،وخيم بظاهر القاهرة إلى أن تجهز الناس، ورحل في حادي عشر الشهر فوصل إلى غزة المحروسة فوجد والدة الملك المغيث بها، فأحسن إليها وأنعم عليها، وأعطاها شيئا كثيرا، وحصل الحديث معها في حضور ولدها \" إلى السلطان \" ، وتقررت الأمور سرا ولم يعلم أحد بما تقرر، وأعاد عليها العطاء والإنعام وعلى كل من حضر معها، وتوجهت صحبتها الأمير شرف الدين الجاكي المهندار، برسم تجهيز الإقامات للملك المغيث إذا حضر من الكرك.\rونظر السلطان في أمر أمراء التركمان وخلع عليهم. وأحضر أمراء العابد وجرم وثعلبة وضمنهم البلاد، وألزمهم بالعداد وشرط عليهم إقامة خيل البريد في المراكز.\rثم سار من غزة ونزل الطور، في ثاني عشر جمادى الأول. وسير الملك الأشرف صاحب حمص إلى السلطان يلتمس الإذن له في الحضور إلى الخدمة فأذن له، فحضر في نصف الشهر فتلقاه السلطان وأحسن إليه. وصارت رسل الملك المغيث تتوالى إلى السلطان وهو ينعم عليهم. وخرج \" إليه \" الملك المغيث من الكرك وأقام مدة في الطريق. وأظهر السلطان من الاحتفال بأمره شيئا كثيرا وخدعه أعظم خديعة. ولما وصل الملك المغيث إلى بيسان ركب السلطان لتلقيه فالتقاه وساق الملك المغيث إلى جانبه، فلما وصل إلى باب الدهليز ترجل ودخل إلى الخيمة فأدخل إلى خركاه واحتيط عليه وعلى أصحابه. وكان السلطان قد استدعى قبل ذلك قاضي القضاة بدمشق والعلماء وأظهر أن ذلك لمبايعته، ولم يطلع أحد على غير ذلك. فلما وقعت الحوطة على الملك المغيث أحضر السلطان الملوك والأمراء وقاضي القضاة والشهود والأجناد ورسل الفرنج وأخرج كتبا من جهة العدو المخذول إليه. وقال الأتابك لمن حضر: \" السلطان يسلم عليهم ويقول ما أخذت الملك المغيث إلا بهذا السبب \" . وقرئت الكتب. وانصرف الملك الأشرف ومن حضر. وقال للقاضي وجماعة العلماء: ما طلبتكم إلا بهذا السبب. وكتب مكتوب بصورة الحال، وكتب فيه القاضي والجماعة. ثم جهز الملك الأشرف وركب السلطان لوداعه.\rوفي اليوم الذي قبض فيه على الملك المغيث جلس السلطان بعد انقضاء المجلس وأمر بالكتب إلى الكرك: يعد من فيها بالإحسان، ويحذرهم عاقبة مخالفته. وسير الأمير بدر الدين بيسري الشمس والأمير عز الدين أيدمر الظاهري أستاد الدار العالية إلى جهة الكرك وجهز الخلع والأموال ليلحقهما بها، وجهز الملك المغيث عشية النهار إلى الديار المصرية صحبة من أختاره لذلك، وأطلق أهله وحاشيته، وسير حريمه إلى مصر وأطلق لهم الرواتب.\rوكان من خبر وفاة الملك المغيث ما قدمناه في أخباره، رحمه الله.\rوفي هذه المنزلة وصلت رسل دار الدعوة ومعهم الهدايا ووصل ولدا الصاحبين مقدمي الدعوة، فأحسن السلطان إليهما وتوجها.\rوفيها: أغار السلطان على عكا، وكان من أخبار الفرنج ما نذكر إن شاء الله تعالى في غزوات السلطان وفتوحاته.\rولما رجع السلطان من الغارة توجه إلى نحو الكرك، وكان رحيله من منزلة الطور في يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الآخرة من السنة. وجرد صحبته جماعة من العسكر وطائفة أخرى صحبة الأمير علاء الدين أمير جاندار إلى الصالحية.","part":8,"page":193},{"id":3704,"text":"ووصل السلطان إلى القدس الشريف في يوم الجمعة، فزار تلك الأماكن الشريفة وعاين ما يحتاج إليه من العمارة، وكتب إلى دمشق يتجهز جميع ما يحتاج إليه من الأصناف والصناع. ثم صلى الجمعة، وتصدق وكتب بحماية الأوقاف، وتوجه نحو الكرك.\rأخد الكرك\rوفي يوم الخميس ثالث وعشرين جمادى الآخرة سنة إحدى وستين وستمائة نزل السلطان على الكرك وصحبته العساكر، وأحضرت السلاليم الخشب من الصلت وغيرها. وكان السلطان قد استصحب من الديار المصرية جماعة من الحجارين والبنائين والنجارين والصناع على أنه يبني الطور، وأحضر جماعة من دمشق وغيرها وسيروا إلى عين جالوت، وأشاع أن ذلك لبناء جامع، ولم يكن ذلك إلا لأجل الكرك. وعزم على الطلوع إليها بنفسه. فخاف أهل الكرك ونزل أولاد الملك المغيث، وقاضي المدينة، وخطيبها وجماعة من أهلها، ومعهم مفاتيح الحصن والمدينة، وطلبوا العوض فحلف السلطان على ما طلبوا وأرضاهم بالعطاء، وسير الأمير عز الدين أيدمر أستاد الدار والصاحب فخر الدين لتسلم الحصن. فطلعا في ليلة الجمعة وقت المغرب وتسلماه. ودعى للسلطان في بكرة الجمعة على أسوارها،ونصبت الصناجق السلطانية على أبراجها. وأصبح السلطان وطلع إلى الحصن في الثالثة من نهار الجمعة وجلس في القاعة الناصرية ورتب أحوال الحصن واهتم بأمره، وعين للقلعة خاصا. وأعطى أولاد الملك المغيث جميع ما حواه الحصن من مال وقماش وأثاث، وكذلك سائر غلمانهم وجميع الأمراء والمغادرة والأجناد، ولم يتعرض لأحد منهم في شيء، ونزلوا جميعهم في ذلك النهار، وصلى السلطان بها الجمعة وخطب له. ونزل وقت المغرب.\rوفي يوم الأحد، سير إلى الملك المغيث الخلع والقماش، وكذلك \" إلى \" الطواشي بهاء الدين صندل والأمير شهاب الدين بن صعلوك أتايكة.\rوكتب السلطان إلى الشام بحمل الغلال والذخائر والأصناف إليها. وطلع إليها يوم الاثنين وكتب المناشير لعربانها ومن بها. وكانت تزيد على ثلاثمائة منشور في وقت واحد، وعلم عليها، وثبتت، وسلمت لأصحابها بعد تحليفهم بين يدي السلطان، كل هذا في بعض يوم. وجرد السلطان بها جماعة من البحرية والظاهرية، واستناب الأمير عز الدين أيدمر أستاد الدار بالكرك، وأضاف إليه النظر على الشوبك وأعمالها. وحلف مقدمي المدينة وحلف نصارها على الإنجيل، وحمل ما كان معه إلى الحصن من الزردخاناه والأغنام والشعير وغير ذلك من سائر الأصناف والأقمشة وسبعين ألف دينار عينا، ومائة ألف وخمسين ألف درهم، وأعطى الأمير عز الدين أستاد الدار ثلاثين ألف درهم وجملة من القماش.\rوتوجه السلطان إلى القاهرة في يوم الأربعاء \" تاسع عشر جمادى الآخرة \" فكان دخوله إليها في سابع عشر رجب، وزينت المدينة أحسن زينة، وشق السلطان المدينة، وخلع على الأمراء والمقدمين والمغادرة وجميع حاشيته وغلمانه وأمر ولد الملك المغيث الأكبر: مائة فارس.\rالقبض على الأمراء\rوهم: الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي والأمير شمس الدين أقش البرلي والأمير عز الدين الدمياطي، وما نقل من الأسباب الموجبة لذلك وفي شهر رجب الفرد سنة إحدى وستين وستمائة، قبض السلطان على الأمراء المذكورين واعتقلهم. وسبب ذلك أن السلطان كان قد أحسن إليهم إحسانا عظيما. وكان مما اعتمده مع الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي أنه فوض إليه أمر المملكة، وأنفذ كلمته، وأطلق له في كل جمعة خوانين من عنده يمدان بجميع ما يحتاج إليه حتى ماء الورد، إلى غير ذلك. ورتب له في كل شهر كلوتتين زركشا بمائة دينار عينا، وكلبنداتها، كل كلبند بأربعين دينارا. كل ذلك زيادة على الإقطاعات العظيمة والمرتبات الكثيرة، وعلى الإنعام حتى جامكيات البزدارية والفهادين وعليق خيلهم. واشتغل الرشيدي بالشرب واللهو.\rوأما الأمير عز الدين الدمياطي فإن السلطان أعطاه وزاده، ومن جملة ما كان بيده نصف مدينة غزة زيادة، وكتب له توقيعا أنه إذا سافر في جميع المملكة لا يمنع شيئاً يطلبه في الشام من غزة إلى الفرات.\rوأما الأمير شمس الدين البرلي فقد تقدم ما عامله به عند وصوله واستمر ذلك إلى آخر وقت.","part":8,"page":194},{"id":3705,"text":"ثم بلغ السلطان أن الرشيدي قد فسدت نيته فجعل عليه عيونا تحفظ جميع ما يجري منه، فكان مما أنكر السلطان عليه أن الأمير أسد الدين أستاد دار الملك المغيث أخبر السلطان أن كتاب الرشيدي وصل إلى الملك المغيث يقول له لا تحضر فإن السلطان يريد أن يمسكك. وكان جواب السلطان: \" إن كان الملك الرشيدي فلا يحضر، وإن كان حلف لي فيحضر \" . ولم يظهر للرشيدي شيئا من ذلك. ولما سير السلطان الأمير بدر الدين بيسري الشمسي إلى الكرك كتب إلأى السلطان يقول إنني أمسكت كتابا من الرشيدي للكرك يقول: \" لا تسلموها \" ، ويحسن لهم التوقف على التسليم ويعرض عليهم الاتفاق معه على أن يحضر هو ويستلمها منهم ويحفظها لهم، فكتم السلطان ذلك وأمر الأمير بدر الدين بيسري بالأحتراز والتحفظ. ولما توجه السلطان إلى الكرك جعل على الرشيدي عيونا فبلغ السلطان أنه لما نزل الكفرين ونمرين قصد الركوب في أصحابه وممالكه ويسبق إلى الكرك فيدخلها هجما. فركب السلطان إليه ونزل عند ولاطفه ومازحه، ففاته ما دبره، وحفظ السلطان عليه الطرقات، ثم نزل السلطان بركة زيزاء، فبلغه أن الرشيدي قد عزم على الركوب إلى الكرك فخدعه السلطان بأن أرسل إليه أحد خواصه يبشره بتسليم الكرك. فلما سمع الرشيدي ذلك وقف عن فعله وخلع على المبشر. فلما رجع السلطان من الكرك ونزل غزة قام ليسبغ الوضوء على العادة، وتفرقت الخاصكية للوضوء والتهيؤ لصلاة الجماعة. وقام السلطان يتركع قبل الأذان، وإذا بالرشيدي قد أقبل في مقدار ثلاثمائة فارس مستعدة من مماليكه والدمياطي والبرلي، فلما قضى السلطان صلاته شد سيفه، وقال للأمير شمس الدين سنقر الرومي: ما الذي رأيت؟ فقال: \" جماعة ما جاءوا في خير \" . ثم حضر الأمير سيف الدين قلاون الألفي وركب فرسا جيدا ووقف، واجتمعت الخصاكية. وركب السلطان وأتى الرشيدي فوقف بالقرب من السلطان في مكان ما جرت عادته بالوقوف فيه، فحضر الأمير عز الدين إيغان الركني فقال للرشيدي: \" أراك في هذا المكان ما هذا مكانك يا سيف الدين: ومازحه وما زال به حتى ساق من ذلك المكان وساق الدمياطي والبرلي وتفرقوا. وكان الدمياطي قد جرت منه قضية أخرى وهي أن السلطان لما ملك الكرك وأنزل أولاد الملك المغيث أعطاهم السلطان خلعا وأقمشة وإنعاما كثيرا وأنزلهم في المنظرة التي في الوادي تحت الكرك بقرب منزلة السلطان: سير الدمياطي ضواء وجماعة يمشون حولهم بغير أمر السلطان، ثم حضر في الليل إليه جماعة من ممالكه بالسيوف متلثمين فكسروا الصناديق وأخذوا القماش الذي كان السلطان أنعم عليهم به ظن منهم أن تقوم فتنة وشوشة في العسكر ولا يعلم أنهم مماليك الدمياطي، فكشف الله ذلك، وظهر القماش عند خواص ممالكه، وأطلع السلطان على ذلك، وتحدث الأمير شجاع الدين المهندار مع الدمياطي فما أنصف من مماليكه، وقال: \" أنا أغرم عنهم \" ، وأحضر بعض القماش، وقرر أن تكون بدراهم عن بقية ذلك. هذا والسلطان لا يتكلم بكلمة بل كتم ذلك إلى أن استقر بقلعة الجبل فلما أصبح طلب الرشيدي فاعتقله، وطلع الأمراء إلى الخدمة في اليوم الثاني، فأمسك الدمياطي والبرلي وأحسن إلى مماليكهم وخواصهم وأقرهم على أخبارهم، ولم يغير على أحد منهم ولا تعرض على بيوت الأمراء.\rوصول \" رسل \" الملك بركة\rقال: ولما وصل السلطان إلى غزة عند عوده من الكرك، وصل إليه البريد من الأمير عز الدين الحلي نائب السلطنة بالديار المصرية يذكر أن رسل الملك بركة وصلوا إلى ثغر الإسكندرية، وهم الأمير جلال الدين بن القاضي، والشيخ نور الدين علي ومعهما جماعة، وبخبر بوصول رسل الملك الأشكري، ورسل مقدم الجنوية، ورسل السلطان عز الدين صاحب الروم. فكتب بالإحسان إلى جميعهم، ولما استقر السلطان بقلعة الجبل أحضرهم واجتمع بهم بحضور الأمراء وغيرهم، وقرئت الكتب ومضمونها؛ السلام والشكر وطلب الإنجاد على هولاكو والإعلام بما هو عليه من مخالفة يسق جنكرخان، وأن جميع ما فعله من إتلاف النفوس بطريق العدوان منه، وأنني قد قمت أنا وأخوتي الأربعة بحربه من سائر الجهات لإقامة منار الإسلام، والتمس إنقاذ جماعة من العسكر إلى جهة الفرات لإمساك الطريق على هولاكو، ويوصي على السلطان عز الدين صاحب الروم ويستمد مساعدته. فأنعم السلطان على الرسل إنعاما عظيما، ورسم بتجهيز الهدية إلى الملك بركة.","part":8,"page":195},{"id":3706,"text":"قال القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر: وكان في جملة الهدية ختمة شريفة ذكر أنها خط عثمان بن عفان رضي الله عنه، ونمر لقات، وسجادات وذكر أشياء كثيرة من جملتها زرافة، وسافرت الرسل في سابع عشر شهر رمضان سنة إحدى وستين وستمائة.\rتوجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية\rوفي سادس شوال سنة إحدى وستين وستمائة، توجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية، وذلك بعد أن توجه نحو الصيد وتصيد. وكان دخوله إلى الثغر في يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة، ودخل من باب رشيد. ورسم بمكتوب برد مال السهمين، وصلة أرزاق الفقراء، ووضع المظالم، ثم لعب الكرة، وخلع على الأمراء ووصلهم بالأموال والأقمشة. وركب لزيارة الشيخ القباري والشاطبي وجلس بدار العدل في يوم الخميس تاسع الشهر وبسط المعدلة وأمر بتطهير الثغر من الخواطي الفرنجيات. ثم رجع السلطان في حادي عشر الشهر.\rوفي آخر ذي القعدة من السنة نزل السلطان إلى القاهرة، وعاد الأمير سيف الدين قلاون الألفي، والأمير علاء الدين أيدغي الركني والأمير حسام الدين بركة خان.\rوفي ليلة الأربعاء الخامس من ذي الحجة توفي الأمير حسام الدين المذكور، فحضر السلطان جنازته ومشى فيها.\rوصول التتار المستأمنين\rوفي سابع ذي القعدة من السنة، وردت الكتب من البيرة وحلب أن جماعة من التتار مستأمنة واردة إلى الباب العزيز، يزيدون على ألف وثلاثمائة فارس من المغل والبهادرية. فكتب السلطان بالإحسان إليهم وتجهيز الإقامات لهم. وفي يوم الخميس السادس والعشرين من ذي الحجة كان وصولهم، فركب السلطان وتلقاهم، فنزلوا عندما رأوا السلطان، وقبلوا الأرض. وكان السلطان قد رسم بعمارة مساكن لهم فعمرت باللوق فنزلوها، وأحسن إليهم. ثم وردت الكتب بقدوم جماعة أخرى كثبرة منهم. فاحتفل بهم وركب لتلقيهم ثم ورد جماعة أخرى فاعتمد معهم من الإحسان نظير أولئك. وكان الواصل إلى الخدمة في هذه الثلاث مرار من أكابر أمرائهم من يذكر. وهم: كرمون أغا، وهو الذي فتح بلاد الترك جميعها، وامتغا أغا ونوكا أغا، وجبراك أغا، وقنان أغا، وطيشور، وناصغبة ونبتو، وصجتي وجوجلان، واجقرقا، وأرقدق وصلاعنة وميقتدم، واجتمعوا بمن كان قد وصل قبلهم وهم: صراغان أغا ومن كان قد وصل معه. ثم عرض السلطان عليهم الإسلام فأسلموا على يديه.\rوفي هذه السنة أمر السلطان بعمل جامع خام يضرب على يمنة الخيمة السلطانية، وعمل له محاريب وعدة أبواب ومقصورة برسم السلطان.\rوفيها: أمر السلطان بعمارة دار العدل تحت قلعة الجبل، وتجديد بنائها.\rوفيها: وصلت رسل اليمن بتقادم ومعهم هدايا لخواص الأمراء، فأمر السلطان بإنفاذها إلى من عينت له وأذن لهم في قبولها.\rوفيها: عرض السلطان العساكر، وكان يجلس لذلك في كل خميس واثنين.\rوفيها: جهز السلطان عرب خفاجة، وسير الخلع إلى كبراء العراق، وكتب إلى صاحب شيراز وغيره بالإغراء بهولاكو.\rوفيها: توفي الأمير فخر الدين أبو الهيجا بن عيسى بن خشترين الأزكشي الكردي أحد الأمراء بدمشق، وكان شجاعا أبلى في وقعة عين جالوت بلاد حسنا، رحمه الله تعالى.\rوفيها: توفي الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك المسعود صلاح الدين أقسيس بن الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب. وكانت وفاته بنابلس في خامس عشر ذي الحجة سنة إحدى وستين وستمائة، ومولده بدار الوزارة بالقاهرة في سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وهو الذي كان قد ملك الديار المصرية في أيام الملك المعز عز الدين أيبك كما تقدم.\rفلما ملك السلطان الملك الظاهر أمره بالشام، وخلف، رحمه الله، ولدا اسمه ناصر الدين محمد، ونعته بالملك الكامل.\rواستهلت سنة اثنتين وستين وستمائة تفويض أمر جيش حماة إلى الطواشي شجاع الدين مرشد الحموي وفي أول هذه السنة طلب السلطان الطواشي المذكور وتحدث في اشتغال صاحب حماة مخدومه بالملاذ واللهو، وقال: \" كتب إليه أو تنبهه من هذه الغفلة، وسيرت إليه شرف الدين عبد العزيز شيخ الشيوخ في ذلك فما أفاد، وقد اعتمدت عليك في مصلحة هذا البلد، لما فيك من الديانة والخير والشجاعة \" ، والزمه بتكملة الجيش والزام الجند بإقامة البرك والعدة الكاملة. فالتزم بهذه الأمور. وكتب تقليده بذلك وتوجه.","part":8,"page":196},{"id":3707,"text":"المدرسة الظاهرية\rوترتيب الدروس كان الشروع في عمارة المدرسة الظاهرية التي هي بالقاهرة المحروسة بين القصرين في ابتداء الدولة في ثامن شهر ربيع الآخر سنة ستين وتنجر بابها ودهليزها وأبوابها وكتاب السبيل في أواخر شعبان من السنة المذكور. ولم يشرع في بنائها حتى رتب أمور أوقافها، وكان المتولي عمارتها الأمير جمال الدين ابن يغمور، ورسم له السلطان إلا يستعمل أحدا فيها بغير أجرة. وكان اجتماع أهل العلم بها في يوم الأحد الخامس من صفر سنة اثنتين وستين وستمائة. وفوض السلطان تدريس الحنفية للصدر مجد الدين بن الصاحب كمال الدين بن العديم، وتدريس الشافعية لقاضي تقي الدين بن رزين. وصدر الافراء للفقيه كمال الدين المحلي، والتصدر لإفادة الحديث النبوي للشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي شيخنا. وذكرت الدروس بها في هذا اليوم، وحضر السلطان، ومدت الأسمطة وأنشد الشعراء وخلع عليهم.\rوفي صفر من سنة، خرج السلطان متصيدا إلى الجهة الغربية وتوجه إلى ثغر دمياظ وزار البرزخ ومر في عوده لبلاد أشموم، وتصيد بمنزلة ابن حسون، وأخذ على بلاد الشرقية.\rوفاة الملك الأشرف مظفر الدين\rموسى صاحب حمص والرحبة وفي يوم الجمعة حادي عشر صفر من هذه السنة، توفى الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاهد شيركوه بن الأمير ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شادي \" بن مروان \" رحمه الله تعالى. ولم يكن له ولد ولا أخ ولا ولي عهد، فسير السلطان إلى نوابه بتسليمها. فوصل البريد في سابع عشرين صفر بأن بدر الدين بيليك العلائي أحد الأمراء قد تسلما، وحلف الناس بهما للسلطان.\rوفي هذا التاريخ ورد كتاب الأمير جمال الدين النجيبي النائب بدمشق يذكر أنه ولى حران للأمير جمال الدين الجاكي، والرقة لأمير آخر.\rوفي هذا الشهر: سأل الفرنج نواب السلطان أنهم يأذنون لهم بزراعة البلاد وتقويتها من أموالهم وهي جملة كثيرة من الغلال؛ فتقررت الهدنة معهم إلى أيام الحصاد.\rوفي هذه السنة: ثمن القرط الذي قضمته الخيول السلطانية وجمال المناخات فكان ثمنه خمسين ألف دينار.\rوفيها: استدعى السلطان الأمير علاء الدين الشهابي النائب بحلب وأمره أن يستنيب عنه الأمير نور الدين بن محلى ففعل ذلك. ولما وصل الملك إلى الأبواب السلطانية عزله السلطان عن نيابة حلب، وأقر الأمير نور الدين بن محلى في نيابة حلب فأحسن السيرة، وعمر البلاد وأعاد الفلاحين، وأفرد الخاص على ما كان عليه في الأيام الناصرية.\rجلوس السلطان بدار العدل\rوما رتبه عند غلو الأسعار قال: وفي شهر ربيع الآخر من السنة غلت الأسعار \" بمصر \" وبلغ ثمن الأردب إلى قريب المائة درهم نقرة. فرسم السلطان بالتسعير طلبا للرفق. فاشتد الحال وعدم الخبز. فأمر السلطان أن ينادى باجتماع الفقراء تحت القلعة، ونزل إلى دار العدل في يوم الخميس سابع الشهر، فأول ما تكلم فيه إبطال التسعير. ورسم أن يباع من الأهراء في كل يوم خمسمائة أردب بما يقدره الله من ويبتين فما دونها تباع على الضعفاء والأرامل. ونزل الحجاب تحت القلعة وكتبت أسماء للفقراء، وسير إلى كل جهة حاجبا لكتابة الأسماء في القاهرة ومصر وحواضرها، ولما تكامل حصر العالم أخذ السلطان ألوفا، وأعطى لنواب ولده الملك السعيد كذلك، وأعطى لكل أمير جماعة على قدر عدته، وفرق على الأجناد ومفاردة الحلقة والمقدمين والبحرية، وعزل التركمان والأكراد البلدين، ورسم أن يعطي لكل فقير مئونته مدة ثلاثة شهور، ويسلم نواب الأمراء والأكابر والتجار الفقراء. ثم قال السلطان: \" هؤلاء الفقراء جمعناهم في هذا اليوم وقد انقضى نصف النهار فليعط كل منهم نصف درهم يتقوت به خبزا، ومن غد يتقرر الحل \" . فانفق فيهم جملة كثيرة بهذا القدر خاصة. وأخذ الصاحب جماعة العميان والأتابك \" جماعة \" التركمان، ولم يبق أحد من الخواص والحواشي وأرباب المناصب وغيرهم إلا أخذ جماعة. فانحطت الأسعار لذلك وكثر الخبز.\rوفي ثالث شهر ربيع الآخر من السنة رسم السلطان بمسامحة بنات الأمير حسام الدين الجوكندار العزيزي بما وجب للديوان في تركة أبيهن، أربعمائة ألف درهم نقرة.","part":8,"page":197},{"id":3708,"text":"وفي هذه السنة، قصد متملك الأرمن حلب المحروسة مرة بعد أخرى، فلم يظفر بشىء، وخاب سعيه على ما نشرحه إن شاء الله في غزوات السلطان وفتوحاته.\rوفيها: رسم السلطان بحفر خليج الإسكندرية، وكانت قد استدت فوهته،وندب لذلك الأمير عز الدين أمير جاندار فأهتم بذلك وحفر المكان المعروف بالنقيدي، وأمر ببناء مسجد هناك ليكون تذكرة باقية. وجهز الأمير جمال الدين موسى بن يغمور أستاد الدار العلية وأمره بالاهتمام بأمر جزيرة بني نصر لما بلغه قلة ريها، فاحتفل بها كل الاحتفال.\rوفيها: في جمادى الأول، تقدم أمر السلطان إلى الأمير سيف الدين بلبان الزيني أمير علم بالتوجه إلى الشام للاهتمام بأمر القلاع والبلاد وعرض عساكر حماة وحلب ورجال الثغور،والنظر في المهمات الخاصة والعامة، وإلزام الأمراء بتكملة العدد والعدة وإزاحة الأعذار وأخذ الأهبة للجهاد، وكتب على يده إلى دمشق بحمل خزانة كبيرة إلى البيرة برسم نفقاتها، فتوجه لذلك.\rوفي العشر الأوسط من جمادى الآخرة حصل الظفر بجاسوسين للتتار، وكانت أخبارهما وحلاهما وصلت إلى السلطان من جهة القصاد والناصحين بالأردو، وكذلك من كل جهة يصلان إليها، إلى أن ركبا من عكا في البحر، فلما وصلا إلى ثغر دمياط مسكا وأحضرا إلى بين يدي السلطان فذكر لهما الأماير، فأقرا، ووجد معهما فرمانين للأتابك وأراه ذلك، ولم يصدق ذلك فيه، ومزق ذلك وحرقه، واستدل بذلك على ضعف هولاكو.\rوفي هذه السنة تنجز البرج الذي أمر السلطان بعمله في قارا، وشرع في بناء برج أكبر منه لحفظ الطرقات وصون الرعية من عوادي الفرنج المجاورين.\rوفي جمادى الأول من السنة شرع النواب بالشام في بناء شقيف نيرون.\rوفي الشهر أنعم السلطان على عسكر الساحل الذين هم صحبة الأمير ناصر الدين القيمري بمائتي ألف درهم فرقت عليه.\rجلوسه بدار العدل وما قرره من مشاركة أمناء\rالحكم للأوصياء وفي مستهل شهر رجب سنة اثنتين وستين وستمائة، جلس السلطان بدار العدل، فتقدم رجل من الأجناد ومعه صغير، فقال: \" أنا وصي هذا الصغير \" وشكا من قضية تتعلق به. فقال السلطان لقاضي القضاة: \" أعلم أن الأجناد يموت الواحد منهم فيستولي خوشدا شيته على موجوده ويجعل اليتيم أو شاقية، ويموت اليتيم فيستولي الوصي على الموجود، أو يكبر اليتيم ولا يجد شيئا ولا يقوم له حجة على موجوده، وقد يموت الوصي فينغمس مال اليتيم في ماله، وأنا أرى ألا ينفرد أحد من الأوصياء بوصية، وأن يكون نظر الشرع شاملا، وأموال اليتامى مضبوطة، وأمناء الحكم يحاققون على المصروف وطلب نواب الأمراء ونقباء العساكر وأمرهم بذلك. واستمرت الحال عليه إلى وقتنا هذا.\rوصول جماعة من عسكر شيراز\rوفي جمادى الآخر، بلغ السلطان أن جماعة من عسكر شيراز وصلوا لقصد الخدمة الشريفة، فأمر بالإحسان إليهم. ووصلوا في ثالث شهر رجب ومقدمهم بكلك ورفقته وهم:سيف الدين إقبار جمدار السلطان جلال الدين خوارز مشاه والأمراء الأتابكية غلمان أتابك سعد منهم:سنقر جاه وغيره من الأتابكية.ووصل صحبتهم حسام الدين بن ملاح أمير العراق وجماعة من أمراء خفاجة، فتلقاهم السلطان وأحسن إليهم، وأمرالأمير سيف الدين بكلك وأعطاه طبلخاناه،وكذلك أمراء خفاجة،والأمير مظهر الدين وشاح بن سهرى، وأطلق لحسين ابن ملاح قرية في الشام،وجهزهم إلى بلادهم.\rوفي شهر رمضان وصل رسول من الملك شارل أخي الملك افرنسيس وهو صاحب مرشيلية،وصحبته عدة من السناقر الشهب والأمتعة. ومضمون كتابه المحبةةةة والمشابعة. ووصل كتاب استادداره يقول: إن مخدومه أمره أن يكون أمر السلطان نافذا في بلاده، وأن يكون نائب السلطنة كما هو نائبه. وفي يوم الجمعة خامس عشر شهر رمضان:قرىء مكتوب بجامع مصر بأبطال ما قرره على ولاية مصر من الرسوم وهي مائة ألف درهم وأربعة آلاف درهم \" نقرة \" .","part":8,"page":198},{"id":3709,"text":"وفي هذا الشهر أحضرت فلوس من جهة قوس وجدت مدفونة فأخذ منها فلس: فإذا عليه صورة ملك واقف،وفي يده اليمنى ميزان، وفي اليسرى سيف، ومن الوجه الآخر رأس مصور بآذان كبيرة، ويداير الفلس سطور،فقرأها راهب يوناني: فكان تاريخه إلى وقت قراءته ألفين وثلاثمائة سنة. وفيه مكتوب:أنا غلياث الملك، ميزان العدل، والكرم في يميني لمن أطاع،والسيف في يساري لمن عصى، وعلى الآخر:أنا غلياث الملك،أذني مفتوحة لسماع كلمة المظلوم، وعيني مفتوحة أنظر بها مصالح ملكي.\rسلطنة الملك السعيد\rوفي يوم الخميس ثالث عشر شوال سنة اثنتين وستين وستمائة،حصل الإتفاق على سلطنة الملك السعيد،فأركبه السلطان بشعار السلطنة، ومشى بنفسه في ركابه وحمل الغاشية. ثم أخذها الأمراء وحملوها وعليهم الخلع الفاخرة، ورجع السلطان. ولم يزل الملوك والأمراء في خدمته إلى باب النصر، ودخلوا القاهرة رجالة يحملون الغاشية، وقد زينت المدينة أحسن زينة. وشق الملك السعيد القاهرة وأتابكه عز الدين الحلى راكب إلى جانبه. وبسط الأمراء الثياب الأطلس والعتابي وغيرها تحت حوافر فرسه. ولم يزل أن عاد إلى القلعة. وكانت \" الثياب \" بجملة عظيمة تفرقها المماليك السلطانية وأرباب المنافع.\rوكتب له تقليد شريف أنشأه المولى محيي الدين بن عبد الله بن عبد الظاهر، وقرئ بحضور الأمراء وقاضي القضاة والعلماء في سابع عشر الشهر.\rوفي العشر الأول من ذي القعدة من السنة، عرض السلطان الجيش، وكان قبل ذلك رسم بتكملة العدة والتأهب للغزاة فجلس في هذا اليوم على الضفة التي بجانب دار اعدل عند طلوع الشمس، وساق كل أمير في طلبه، وعليهم لامة الحرب، وجروا الجنائب عليها عدة الحرب دون غيرها من التشاهير والمروات المتخذة للزينة. وعبرت العساكر خمسة خمسةَ. فلما طال الأمراء عبروا عشرة عشرةَ، وهلك الناس من الزحام. وإنما قصد السلطان عرض العسكر في يوم واحد حتى لا يقال إن أحدا استعار من أحد شيئا. وكان الناس يدخلون من باب القرافة ويخرجون من جهة الجبل إلى صوب باب النصر إلى الدهليز المضروب هناك. ولما قرب وقت المغرب ركب السلطان وساق في وسط العساكر في جماعة يسيرة من سلاح درايته وخواصه، ونزل إلى الدهليز، ورتب المنازل، ورجع إلى قلعته وقت المغرب. ثم اهتم الناس بعد ذلك باللعب بالقبق، ولبسوا خيولهم التشاهير والبراجم البحرية والمروات والأهلة الذب والفضة والأطلس وغير ذلك. وساق السلطان إلى ميدان العيد وبين يديه جنائيه العظيمة وهي مزينة. حكى القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر في السيرة الظاهرية قال: قال لي القاضي فتح الدين بن سناء الملك وهو صاحب ديوان الخزائن قبل هذا الوقت بمدة سنة: إن الذي دخل في المراوات من البنود الأطلس الأصفر قيمته عشرة ألاف دينار، وما تجدد بعد ذلك لا يحصى. قال: وشرط السلطان لكل أمير يصيب القبق فرسا من خيوله بما عليه من التشاهير، ولكل مفردى أو مملوك أو جندي خلعة تليق بمثله. ودخل الناس بالرماح بكرة النهار، ثم شفع السلطان ذلك برمي النشاب. وحضر رسل الملك بركة في ذلك الوقت ووقفوا مع السلطان وشاهدوا ذلك واستعظموه، وأقام العسكر كذلك أياما.\rوفي تاسع عشر ذي القعدة خلع السلطان على الملوك والأمراء والبحرية والحجاب والمفاردة وأرباب المناصب من الوزراء والقضاة وأرباب البيوت.\rوحضر الناس بالخلع والتشاريف ولعبوا بقية ذلك النهار. فقالت رسل الملك بركة للسلطان: \" هذه عساكر مصر والشام؟ \" . فقال: \" بل عساكر المدينة خاصة، غير الذين في الثغور، والمجردين والذين في إقطاعهم \" فعجبوا من ذلك.\rختام الملك السعيد ومن معه\rقال: وفي عاشر ذي القعدة من السنة رسم السلطان بعمل سماط عظيم، ومد بالقلعة لختام الملك السعيد بن السلطان، فأكل الناس وختن الملك السعيد ثم ختن بعده ابن الأمير عز الدين الحلى، وابن الأمير شمس الدين سنقر الرومي، وولد الأمير سيف الدين سكر، وولد الأمير حسام الدين بن بركة خان، وولد الملك المجاهد ابن صاحب الوصل، ثم أولاد الملك المغيث صاحب الكرك الخمسة وولد فخر الدين الحمصي، وجماعة أخر من أولاد الأمراء. وكان قد تقدم قبل ذلك بكسوة جماعة من الأيتام وأبناء الفقراء بالقاهرة ومصر، فأحضروا إلى القلعة وختنوا. وحمل السلطان عن الأمراء والخواص كلفة التقادم.","part":8,"page":199},{"id":3710,"text":"خبر غازية الخنافة\rوفي هذه السنة ظهر بخليج القاهرة قتلى، وفقد جماعة من الناس أتهم بهم معارفهم، والتبس أمرهم. ودام ذلك شهورا. ثم ظهر أن امرأة حسناء وضيئة تسمى غازية كانت تتبرج بزينة فاخرة وتطمع من يراها من الأحداث في نفسها، ومعها امرأة عجوز، فإذا رأت أحدا قد مال إليها تعرضت له وخاطبته في أمرها وقالت: هذه لا يمكنها أن تجتمع بأحد إلا في منزلها خوفا على نفسها. فمنهم من يحمله الغرض على موافقتها فيتوجه معها، فإذا حصل عندها خرج إليه رجلان فيقتلانه ويأخذان لباسه وما معه. وكانوا ينتقلون من مكان إلى آخر مخافة الشعور بهم، ثم سكنوا خارج باب الشعرية على الخليج، وكان بالقاهرة ماشطة مشهورة فجاءتها العجوز وقالت لها: عندنا امرأة قد زوجناها ونحتاج إلى قماش وحلي تتجمل به بالأجرة على العادة، فأحضري لها ما يمكنك ونحن نزيدك في الأجرة، وواعدتها أن تأتيها ليلا ففعلت الماشطة ذلك وأتتها ومعها جارية تحمل القماش والمصاغ، فوصلتها الجارية وعادت، فلما دخلت الماشطة قتلت وأخذوا ما معها، ثم جاءت الجارية من الغد وطلبت الماشطة فأنكروها، فتوجهت الجارية إلى متولي المدينة، فجاء وهجم الدار، فوجد فيها الصبية والعجوز، فأخذوهما وقررهما، فأقرتا على نفسيهما وعلى رجلين آخرين فحبسهما. وجاء أحد الرجلين يتفقد أمرهما في الاعتقال فقبض عليه وعوقب فأقر ودل على رفيقه وعلى رجل طواب كان يحرق لهم من يقتلونه في قمين الطوب. فطولع السلطان في أمرهم، فأمر بتسمير الخمسة فسمروا تحت القلعة، وشفع بعض الأمراء في إطلاق المرأة فأطلقت وفكت المسامير فماتت بعد أيام. وهدم عوام القاهرة الدار التي كانوا يسكنونها ويقتلون فيها. وبنيت مسجدا بمأذنة، وظهر في الدار حفيرة فيها قتلى كثيرة.\rوصول رسل الملك بركة\rقد ذكرنا أن السلطان كان قد جهز الأمير سيف الدين كشريك والفقيه مجد الدين الروذ راوري إلى الملك بركة، وأنهما توجها في المحرم سنة إحدى وستين وستمائة وذكرنا عود الفقيه مجد الدين للمرض الذي أصابه فتوجه الأمير سيف الدين ومن معه من المفل، وكان اجتماعهم بالأشكري في أنبه، ثم رحلوا إلى القسطنطينية في عشرين يوما. ومنها إلى اسطنبول، ومنها إلى دفنسيا، وهي ساحل السوادق من جهة الأشكري، ثم ركبوا في البحر إلى البر الآخر ومسيرة ما بين العشرة أيام إلى يومين، ثم طلعوا إلى جبل يعرف بسوادق، فالتقاهم وإلى تلك الجهة في قرية اسمها القرم، يسكنها عدة أجناس من القفجاق والروس واللان. ومن الساحل إلى هذه القرية مسيرة يوم، ثم ساروا من القرم إلى برية يوما واحدا، فوجدوا بها مقدم عشرة آلاف وهو حاكم على تلك الجهات، ثم ساروا عشرين يوما في صحراء عامرة بالخركاهات والأغنام إلى بحر إتل، وهو بحر حلو سعته سعة نهر النيل، وفيه مراكب الروس ومنزلة الملك بركة على طول ساحله.\rقال: وحملت إليهم الإقامات في طول الطرقات. ولما قاربوا الأردو تلقاهم الوزير شرف الدين القزويني.\rثم حضروا عند الملك بركة، وكانوا قد علموا آدابه التي تعتمد معه، وهي الدخول عليه من جهة اليسار، فإذا أخذت الكتب منهم انتقلوا إلى جهة اليمين، ويكون القعود على الركبتين. ولا يدخل أحد معه إلى خركاته بسيف ولا سكين ولا عدة، ولا يطأ برجله عتبة الخركاه، ولا يقلع الإنسان عدته إلا على الجانب اليسار، ولا يترك القوس في القربان، ولا يخليه موترا ولا يخط في تركاشه نشابا، ولا يأكل الثلج، ولا يغسل ثوبه في الأردو.\rقال: ووجد الملك بركة في خركاه تسع خمسمائة رجل مكسوة لبادا أبيض، مستورة من داخلها بالصندات والخطاي مرصعة بالجواهر واللؤلؤ، وهو جالس على تخت، وإلى جانبه الخاتون الكبرى، وعنده خمسون أو ستون أميرا على كراسي الخركاه. ولما دخلوا إليه أمر وزيره بقراءة الكتاب، ثم نقلهم عن اليسار إلى اليمين، وسأله عن النيل، وقال: \" سمعت أن عظماء لابن آدم ممتدا على النيل يعبر الناس عليه؟ \" فقالوا: \" ما رأينا هذا \" .\rقال: وأخذ قاضي القضاة الذي عنده هذا الكتاب وفسره وبعث به نسخة إلى القان. وقرئ كتاب السلطان التركي على من عنده، ففرحوا به. وأعادوا الرسل بجوابه، وسير معهم رسله، فكان وصولهم في ذي القعدة من هذه السنة.\rتوجه السلطان إلى الإسكندرية\rوتقديم سيف الدين عطاء الله على عرب برقة","part":8,"page":200},{"id":3711,"text":"قال: ولما فرغ السلطان من هذا المهم توجه إلى ثغر الإسكندرية متصيدا، فعد في ذي القعدة من السنة وسار إلى تروجة، ومنها إلى الحمامات، وسار إلى منزلة الكرش بالقرب من العقبة الصغرى، وضرب حلفة هناك، ووصلت المسيرة إلى فرب العقبة الصغرى، وعيد عيد الأضحى، وصلى صلاة العيد، ونحر الأضاحي، وبلغه أن بعض العربان قد عصوا في البراري، فجرد إليهم جماعة، وحضر جماعو من عرب هوارة وعرب سليم فكتب عليهم الحجج بعمارة البلاد، وألا يقربوا أحدا من العربان العصاة.\rوعاد السلطان إلى الإسكندرية، وصلى في الجامع الغربي، ولعب الكرة بميدانها. وزار الشيخ الشاطبي، ورجع إلى القاهرة فلما وصل إلى تروجة رسم بتقديم سيف الدين عطاء الله بن عزار على عرب برقة، وتحدث معه في أمر العربان وكونهم ينتفعون من مصر بأثمان الخيول المحلوية والأغنام، وأنهم يستنتجون الأغنام ويزرعون ولا يقومون بحق الله. فالتزم المذكور بحفظ البلاد واستخراج الزكاة من العربان. وأنعم عليه السلطان بصنجق ونقارات، وتوجه.\rقال: ولما وصل السلطان من الإسكندرية وصل شحنة تكريت ومعه جماعة فأحسن إليهم.\rذكر\rواقعة مع الفرنج بالأندلس\rببلاد الأندلس وانتصار المسلمين كانت هذه الواقعة في سنة اثنتين وستين وستمائة. وورد الخبر بها إلى الاديار المصرية في سنة ثلاث وستين بمقتضى كتاب ورد في جمادى الآخرة يتضمن انتصار المسلمين على الفرنج. وأمير المسلمين وسلطانهم يومئذ أبو عبد الله بن الأحمر وكان ألفنش ملك الفرنج قد طلب منه الساحل من طريف إلى الجزيرة، ومالقة إلى المرية، وحضر بمجموعة، فاجتمع المسلمون ولقوهم واقتتلوا، فانهزم الفرنج مرارا، وأخذ أخو ألفنش أسيرا. ثم اجتمع الفرنج في جموع كثيرة ونزلوا على أغرناطة فقتل المسلمون منهم مقتلة عظيمة، وجمعوا من رؤوسهم نحو خمسة وأربعين ألف رأس، وجعلت تلا، وأذن المسلمون فوقه. وأسر من الفرنج عشرة آلاف. وذلك في يوم الخميس رابع عشر شهر رمضان سنة اثنتين وستين وستمائة. وانهزم ألفنش إلى اشبيلية، وكان قد دفن أباه بجامعها فأخرجه من قبره، خوفا من استيلاء المسلمين عليها وحمله إلى طليطلة، واستعاد المسلمون من الفرنج اثنتين وثلاثين بلدا من جملتها اشبيلية ومرسية وشريش وغير ذلك.\rوفي هذه السنة كانت وفاة الأمير حسام الدين لاجين العزيزي الجوكندار بدمشق، ودفن بفسح قاسيون. وقيل أنه سم، وأن مملوكه جمال الدين أيدغدي واطأ عليه. وكان شجاعاً كريما متواضعا يحب الفقراء ويكرمهم ويتولى خدمتهم بنفسه، رحمه الله تعالى.\rمقتل الزين الحافظي","part":8,"page":201},{"id":3712,"text":"وفي أواخر سنة اثنتين وستين وستمائة، أحضر هولاكو زين الدين أبا المؤيد سليمان بن عامر العقرياني، المعروف بالحافظي، وقال له ما معناه: قد ثبت عندي خيانتك وتلاعبك بالدول، وأنك خدمت صاحب طبيبا، فخنته، واتفقت مع غلمانه على قتله. ثم انتقلت إلى خدمة الملك الحافظ الذي عرفت به ونسبت إليه، فلم تلبث أن خنته، وباطنت الملك الناصر حتى أخرجت قلعة جعبر عن يد مخدومك، ثم انتقلت إلى خدمة الملك الناصر فخنته معي، ثم انتقلت إلي، فاحسنت إليك إحسانا لم يخطر ببالك أن تصل إلى بعضه مني، وقد شرعت تعاملني بما عاملت به الملك الناصر. وعدد له ذنوبا أخر من خيانته في الأموال التي كانت قد ندبه باستخراجها من البلاد، وأمر بقتله هو وأهله فقتل هو أخوته وأولاده وأقاربه ومن يلوذ بهم، وكانوا نحو الخمسين لم ينج منهم إلا ولده مجير الدين محمد وولد أخيه اختفى بالسوق وقيل أن السلطان الملك الظاهر تسبب في قتله، فأنه أحسن إلى أخيه عماد الدين أحمد، ورتب له راتبا كبيرا، وأمره بمكاتبة أخيه واستدعائه، وأنه إذا وصل كان له ما يقترحه، بشرط المواطأة على هولاكو وإفساد من يقدر على إفساده منهم. فلما وصلت إليه الكتب حملها إلى هولاكو وقال: إن صاحب مصر إنما يكاتبني بمثل هذا لتقع الكتب في يدك فتقتلني، وقد عزمت على أن أكاتب الأمراء القائمين بدولته والأعيان، وأكيده كما كادني. فأبى هولاكو ذلك، فلم يزل يراجعه حتى أذن له. فكاتب جماعة فعلم السلطان أنها مكيدة، فكتب إليه يشكره على عرض الكتب على هولاكو، ويستصوب رأيه في عرضها لنزول التهمة عنه، وأمر القصاد أنهم إذا وصلوا إلى شط جزيرة ابن عمر يتجردوا من ثيابهم ويتجيدوا في إخفاء أنفسهم ليظن أنهم قصدوا السباحة فغرقوا، ففعلوا ذلك. وجاء نواب التتار فوجدوا الثياب فأخذوها وجهزوا الكتب إلى هولاكو فقرأها. وكان ذلك من أسباب قتله، والله تعالى أعلم.\rواستهلت سنة ثلاث وستين وستمائة في المحرم منها، وصل الأمير جمال الدين سكز بن الدوادار، وكان أبوه المجاهد دوادار الخليفة ببغداد، وكانت له نعمة عظيمة، فأحسن إليه السلطان وأمره بطبلخاناه.\rوفي صفر من السنة، وقف السلطان الخان بالقدس الشريف وقرئ كتاب وقفه بحضور السلطان وقاضي القضاة تاج الدين ووقف اسطبلين تحت القلعة يعرف أحدهما بجوهر النوبى، وحبسهما على وجوه البر.\rوفيها في العشر الآخر من المحرم أنهى إلى السلطان أن جماعة من الأمراء والأجناد اجتمعوا في دار على ططماج وجرى بينهم كلام كثير أفض إلى الغض من الدولة، فاتصلذلك بالسلطان وعين له ثلاثة نفرا وسعوا في الكلام في ذلك فأمر بتسميرهم، فسمر أحدهم، وكحل الثاني، وقطعت رجل الثالث. وأفرج عن بقيتهم، وأمر ألا يجتمع أميران في مكان، وألا تعمل وليمة ولا ضيافة عن غير موجب، فحسمت مادة الاجتماعيات.\rوفي صفر ورد كتاب الأمير عز الدين أيدمر النائب بالكرك أنه رتب راتب الأسمطة والضيافة بحرم الخليل عليه الصلاة والسلام للوافدين. وكان ذلك قد قطع من مدة طويلة.\rوفيها في تاسع عشر شهر ربيع الأول قطع السلطان أيدي جماعة من نواب متولي القاهرة والخفراء وأصحاب الأرباع والمقدمين، وكانوا ثلاثة وأربعين رجلا، وكان سبب ذلك على ما حكاه الصاحب عز الدين بن شداد، ظهور شلوح ومناسر بالقاهرة وضواحيها ينهبون ويقتلون حتى تعرضوا للعريان الذين تحت القلعة، فارتفعت أصواتهم حتى سمعها السلطان وسأل عن خبرهم فأخبر بصورة الحال، فلما أصبح أتته ورقة الصباح وليس فيها ذكر هذه الحادثة، فأنكر على متولي القاهرة، فاعتذر أن نوابه لم يطالعوه بها، فأمر السلطان بقطع أيديهم فمات بعضهم وسلم البعض.","part":8,"page":202},{"id":3713,"text":"وحكى غيره، عن الأمير عز الدين أيدمر الظاهري، أن السلطان خرج ليلة متنكرا وجعل يطوف أزقة القاهرة، وكان يفعل ذلك ويتفقد أمور الناس واحوالهم ويسمع من ألفاظهم ما لا ينقل إليه، فمر في بعض أزقة المدينة فوجد بعض مقدمي الوالي قد امسك امرأة وهو يتهددها، وهي تقول له: اتقي الله، والله ما أفعل هذا \" إلا \" من حاجة وأنت تعلم أن عندي خمسة أيتام. فقال: أما ما أعرف هذا، ولا بد افعل وأصنع. فقالت له تقدم عني ناحية. وخلعت لباسها وناولته إياه، وقالت: والله ما أمسك سواه أخذه وأطلقها. فعرفه السلطان ثم لم تكن له همة إلا أن جمعهم وقطع أيديهم، وشاهد فيما قطع، ذلك المقدم بعينه.\rوفي هذه السنة توجه السلطان إلى الصيد بجهة العباسة، وذلك بعد عوده من ثغر الإسكندرية، فرمى البندق، وأصرع جماعة وادعو للسلطان، ومن جملتهم الملك العزيز فخر الدين عثمان بن الملك المغيث صاحب الكرك.\rوتوجه السلطان من العباسة إلى قلعة الجبل فأقام ليلة واحدة، وجهز العساكر، ثم توجه بعدها إلى الشاموصرع بشرا بالقرب من رأس الماء، وذلك في ثالث شهر ربيع الأول. وكان سبب توجهه ما بلغه من محاصرة التتار البيرة وكان في هذه السفرة من الغزوات والفتوحات ما نذكره، إن شاء الله تعالى، في موضعه.\rوفي هذه السنة رسم السلطان بتبطيل المزر بالديار المصرية وأن تخرب البيوت التي يعمل فيها وتكسر مواعين ويسقط من الديوان ارتفاعها، ورسم بتعويض المقطعين عنه. وكتب بذلك إلى الأمير عز الدين الحلي فابطلها.\rولما فتح السلطان في هذه السفرة ما نذكره من بلاد الفرنج عاد إلى مقر ملكه، وكان رحيله من أرسوف في يوم الثلاثاء ثالث وعشرين شهر رجب سنة ثلاث وستين وستمائة، ودخوله إلى القاهرة في يوم الخميس حادي عشر شعبان من السنة، وشق المدينة والأسارى بين يديه، وعم الناس بالخلع والإنعام، من الأمراء والوزراء والمقدمين والمفاردة والخواص حتى البرد دارية وجميع الحاشية. وتصدق بجملة عظيمة من الدراهم والغلال على الفقراء، وفرق كساوي بالجوامع.\rالحريق بالقاهرة\rومصر واتهام أهل الذمة وما قرره عليهم من الأموال بسببه وفي هذه السنة في جمادى الآخرة وقعت نار بحارة الباطلية بالقاهرة، فأحرقت ثلاثا وستين دارا جامعة. ثم كثر الحريق بعد ذلك بمصر حتى احترق من رباعها المشهورة ربع فرح، وكان وقفا على الأشراف بالمدينة وأكثر ربع العادل وغير ذلك. وكانت توجد لفايف من المشاق والكبريت والأصناف النفطية على الأسطحة. وشاع الخبر أن النصارى يفعلون ذلك لأجل ما فعله السلطان ببلاد الفرنج من إحراق الكنائس. فجمع السلطان عند عوده من الشام النصارى واليهود وأنكر عليهم هذه الأمور التي تفسخ عهودهم، وأمر بتحريقهم، فجمع منهم عالم كثير تحت القلعة وأحضرت الأحطاب والحلفا. فسأل أهل الذمة مراحم السلطان، فقرر عليهم حمل خمسمائة ألف دينار إلى بيت مال المسلمين، والتزم بتوزيعها واستخراجها بطرك النصارى، والتزموا أنهم لا يعودون إلى شيء مما كانوا يعتمدونه من المنكرات، ولا يخرجون عن الذمة وشرطها وحمل المال المقرر شيئا بعد شيء.\rوفي هذه السنة، اعتقل السلطان الأمير نور الدين زامل بن علي، وكان قد حصل منه إساءات وفتن مرة بعد أخرى.وقبض السلطان عليه ثم أطلقه وأصلح بينه وبين الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا والأمير أحمد بن حجي، والأمير هارون، وحلفهم، وأعاد إقطاع زامل إليه وإمرته. فلما توجه لم يتأن إلى أن يصل البلاد بل ساق من أوائل الرمل \" وهجم على بيوت عيسى \" وافسد، وأمسك قصاد السلطان ومملوك الأتابك المتوجه إلى شيراز، وأخذ منهم الكتب، وتقرب بها إلى هولاكو، وتوجه إليه وأطمعه في البلاد فأعطاه إقطاعا في العراق. وتوجه \" زامل \" إلى الحجاز فنهب وقتل وانتهك حرمة الأشراف، وحضر إلى أوائل الشام. وكان السلطان قد أعطى إقطاعه وإمرته لأخيه أبي بكر، فراسل زامل السلطان في طلب العفو، فتقرر حضوره في وقت معلوم وأنه متى تأخر عنه ليس له عهد ولا أيمان، فتأخر عن المدة المعينة ثم وصل فاعتقله السلطان.\rوفيها: حضر السلطان نعجة قد ولدت خروفا على صورة الفيل له خرطوم طويل وأنياب وإلية خروف.","part":8,"page":203},{"id":3714,"text":"وفيها: جهز السلطان الأخشاب والحديد والرصاص والآلات والصناع، فكانوا ثلاثة وخمسين رجلا لإتمام عمارة الحرم الشريف النبوي. وأنفق فيهم الأموال وجهز معهم المئونة،وندب لذلك الطواشي شهاب الدين محسن الصالحي، ورضي الدين أبا بكر،والأمير شهاب الدين غازي بن فضل اليغموري مشدا، ومحيي الدين أحمد بن أبي الحسين بن تمام طبيبا إلى البيمارستان الذي بالمدينة، ومعه أدوية وأشربة ومعاجين ومراهم وسكر لأجل من يعتريه من الجماعة مرض. وكان خروجهم من القاهرة في سابع عشر شهر رجب. ووصلوا إلى المدينة في ثاني شوال. واستمر العمل في العمارة إلى سنة سبع وستين وستمائة. وكان السلطان يمدهم بما يحتاجون إليه من النفقات والآلات .\rوفيها: توجه السلطان إلى بحر أشموم ،وغرق عدة مراكب لإصلاحه، وتولى الحفر بنفسه ، وشاهد الناس على كتفه قفة مملوءة نرابا. فلم يبق أحد من الأمراء وغيرهم إلا بادر وفعل مثل ذلك . فتنجز ذلك في ثمانية أيام، وذلك في شوال من السنة.\rوفي حادي عشرين الشهر رسم السلطان بإبطال حراسة النهار ، وكانت جملة مستكثرة وكتبت بإبطالها .\rوفي الشهر قرئ مكتوب بجامع أشموم بمسامحة الأعمال الدقهلية والمرتاحية بأربعة وعشرين ألف درهم عن رسوم الولاية والمال المستخرج برسم النقيدي .\rوفيه توجه شجاع الدين بن الداية الحاجب رسولا إلى الملك بركة، في كف غارات الملك بركة عن بلاد الأشكري حسب سؤاله في ذلك، وسير معه ثلاث عمر أعتمر بها بمكة للملك بركة، وسير معه قمقمان من ماء زمزم، ودهن بلسان وغير ذلك.\rوفي ذي القعدة وصل الأمير جمال الدين النجيبي نائب السلطنة بالشام فتحدث السلطان معه في مهمات، وكتب على يده تذكرة وعاد في ذي الحجة.\rتفويض القضاء لأربعة حكام\rوفي ذي القعدة سنة ثلاث وستمائة فوض السلطان القضاء بالقاهرة والديار المصرية لأربعة قضاة، لكل مذهب قاض. وسبب ذلك أن الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي كان يكره قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز ويغض منه عند السلطان لتثبته في أحكامه وتأنية واحترازه، فانفق أن السلطان جلس بدار العدل فقدمت له قصة من بيت الملك الناصر تتضمن أنهم ابتاعوا دار من القاضي بدر الدين السنجاري وأن ورثته بعد وفاته ادعوا أنها وقفت قبل ذلك،فأخذ الأمير جمال الدين أيدغدي ينتقص المتعممين فقال السلطان للقاضي تاج الدين: \" هكذا تكون القضاة ؟ \" . فأجابه بالآية: \" ولا تزر وازرة وزر أخرى \" .قال : \" فكيف العمل في هذا؟ \" . قال : \" إذا ثبت الوقف يستعاد الثمن من الورثة من مال مورثهم \" . فقال السلطان: \" فإن عجزوا عن الثمن؟ \" قال: \" الوقف باق على أصله \" . فامتعض السلطان لذلك. فلم يتم الكلام حتى تقدم رسول صاحب المدينة النبوية وقال: \" حملت كتاب السلطان إلى قاضي القضاة أن يسلم إلى المال الذي تحت يده من الوقف؛ لأنفقه في فقراء أهل المدينة، فلم يفعل \" .فسأل السلطان القاضي عن ذلك. فقال: \" صدق هذا الرجل، أنا لا أعرفه، ولا أسلم المال إلا لمن أعرفه وأثق بدينه وأمانته، فإن تسلمه السلطان أحضرته بين يديه \" . فقال السلطان: \" تخرجه من عنقك وتجعله في عنقي، لا تسلم المال إلا لمن تختاره وترضاء \" . وتقدم بعض الأمراء في المجلس وشكي من القاضي تاج الدين في قضية آخرى هي شهادة لم يثبتها لبعض أولاد خوشد اشيته فقال القاضي: \" لم تأتنى بينة \" .فقال الأمير:حضرت البينة فلم تسمعها.فسأله السلطان عن امتناعه من سماع البينة. قال: \" لاحاجة إلى ذكر الجواب \" .فقال الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي للقاضي نحن نترك مذهب الشافعي لك ويولي السلطان من كل مذهب قاضيا، فرجع السلطان إلى قوله، وفوض النظر في الأحكام والقضايا إلى حكام أربعة وهم: قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب المشار إليه، قاضي الشافعية. والشيخ شرف الدين أبو حفص عمر بن عبد الله ابن صالح بن عيسى السبكي، قاضي المالكية، والقاضي صدر الدين سليمان قاضي الحنفية والشيخ شمس محمد بن الشيخ عماد الدين إبراهيم المقدسي، قاضي الحنابلة. وجعل لهم السلطان أن يولوا في الأعمال نوابا عنهم وخص قاضي القضاة، تاج الدين الشافعي، بالنظر في أموال الأيتام والأوقاف بمفرده بالديار المصرية، بتقليد سلطاني نسخته بعد البسملة، ومثال العلامة السلطانية بين السطرين المستعلي بالله.","part":8,"page":204},{"id":3715,"text":"\" الحمد لله مجرد سيف الحق لمن اعتدى، وموسع مجاله لمن راح إليه واغتدى، وموضح طريقة لمن اقتاد به واقتدى، ومزين سمائه بنجوم تستمد الأنوار من شمس الهدى، الذي أعذب لشرعه الشريعة المحمدية ينبوعا، وأقامها أصلا مد بثمار الرشد فروعا، نحمده على نعمة التي ألزمتنا التشييد \" في \" مباني الإنصاف شروعا \" .\r\" ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نعمر بها من القلوب والأفواه ربوعا. ونصلي على سيدنا محمد الذي بعثه الله إلى العلم جميعا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة يناجي القائل بها بصيرا سميعا \" .\r\" وبعد: فإن أحاق من استوعبت كليات المحامد له بالتعيض، وطافت الممادح من كعبة العلم بركن منه طواف المفرض لا طواف المفيض وخلد له إرضاءه الأحكام وإمضاء التفويض، وريش جناحه وإن لم يك بالمهيض، وفسح مجاله وإن كان الطويل العريض، ورفع قدره على الأقدار، وتقسمت من سحائبه الأنواء، ومن أشعته الأنوار، ووغزر مدة فجرت منه في رياض الرشد الأنهار، وغدا تخشع لتقواه القلوب وتنصب لفتواه الأسماع وترنو لمحياه الإبصار، من أوفد إرشاده للأمة والأئمة لطفا فلطفا، وأوقد من علمه جذوة لا تخبو، ومن عدله قبسا بالهوى لا يطفأ، وفات النظراء والنظار فلا يرسل أحد معه طرفا، ولا يمد إليه حياء منه طرفا، وقد جاز واحتوى من العلوم على ما تفرق في غيره وغدا خير دليل إلى الحق، فلا يقتدى في المشكلات إلا برأي اجتهاده، ولا يهتدى في المذاهب إلا بسيره، وأصبح لفلك الشريعة المحمدية قطبا، ولجثمانها قلبا ولسوارها قلبا وأضحى لدليلها برهانا، ولإنسانها عينا، ولعينها إنسانا، فكم أرضى بعدله وفضله بني الأيام عن الأيام، وكم أغضى مع قدرته على الانتقام وكم أمضى حكما لا انفصال لعروته ولا انفصام، وكم أفضى بالحور إلى ماله وبالعدل إلى الأيتام، فلو استعداه الليل على النهار لأنصفه من تعديه، ولم يداجه لكونه يستر غليه تعبده في دياجيه، فهو الحاكم بالحق ولو على نفسه، والمسترد الحقوق الذاهبة حتى لغده من يومه وليومه من أمسه.\r\" ولما كان المجلس السامي القضائي الإمامي، العالمي والعاملي، الأشرف الزاهدي الأثيري الماجدي الذخيري الأفضلي الجلالي التاجي، حجة الإسلام، شرف الأنام، مجد الأمة، فخر الأئمة، صدر الشريعة مقتدى الفرق، رئيس الأصحاب، لسان الحق، ذخر الملوك والسلاطين، ولى أمير المؤمنين، قاضي القضاة، عبد الوهاب بن القاضي الأجل الأوحد الأعز أبي القاسم خلف، حرس الله جلاله، ممن هو في أحسن هذه السمات يتصور، وله أنوار بركات تعد ونجوم السماء بها تتكثر، وقد تجوهر بالعلوم فأصبح التاج المجوهر، وله مزايا السؤدد التي لا يشك ولا يرتاب، وسجايا الديانة التي إذا دخل غيره إليها من باب واحد دخل هو إليها من عدة أبواب، وهو شجرة الأحكام ومصعد كلم الحكام، ومطلع أنجم شرائع الإسلام، ومهبط وجي التقدمات والارتسام وعكاظ قضايا الحلام والحرام \" .\r\" خرج الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الظاهري الركني، لا زال ماضيا وبالسداد قاضيا: بتجديد هذا التقليد الشريف له بقضاء القضاة بالديار المصرية فليحكم جميعها بما أراه الله من مذهب الإمام المطلي محمد بن إدريس الشافعي، رضي الله عنه، وأموالي اليتامى على اختلاف أجناسها هي ودائع الأموات، ودخائر كل ممنوع من التصرفات، وقد أوصى الله بها، وأوسع المتعدي عليها إنكارا وتحذيرا، وخوف من أكلها ظلما، فقال جل وتعالى: \" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا \" .","part":8,"page":205},{"id":3716,"text":"وقد رأينا أن تخصص المجلس السامي بالنظر في جميع أمورها وإذ قد غدت ذخر كل منقطع فنجعله من ذخرها، فلينظر في جميع أموال الأيتام على اختلاف أجناسها بالقاهرة ومصر المحروستين والديار المصرية بمفرده وبمن يستنيبه عنه، وليحطها بنظره،ويضبطها بحسن تأثيره وأثره، وكذلك ما يختص بمذهبه من الجوامع والمناصب والمساجد والربط والتصديرات والأوقاف،ينظر في جميعها ويولي في أصولها وفروعها، والأوقاف العامة من الصدقات وغيرها، ينظر فيها بنفسه وبنوابه،حافظا لأمورها وملاحظا لتدبيرها، ومجتهدا في صلاحها وتثميرها، وليستصحب من ذلك ما هو ملي باستصحابه، وليستمر على إقامة منار الحق الذي هو موثق عراء ومؤكد أسبابه،عالما بأن كل إنارة أضأنها من قبسه وأن استضأنا بها في دياجي المنى، وكل ثمرة من مغترسه وإن مددنا إليها يد إلا جنتا، وكل جدول هو من بحره وإن بسطت إليه راحة الاغتراف وكل منهج هو من جادته وإن ثنيت إليه أعنة الاستطلاع للإفادة والاستكشاف وهو بحمد الله المجتهد المصيب. والمادة للعناصر وإن كان يصيبه منها أوفر نصيب، والصادق الذي ينبئ بالحق إذا وامرته المراسيم، ولا ينبؤك مثل خبير، ووصاياه منها يسترشد، فلا يفاوض فيها، ومنه تتعلم فلا نكرر عليه ما يستفاد منه من معانيها، والله تعالى يسد بأحكامه الذريعة، ويحمي بها حمى الشريعة إن شاء الله تعالى، وكتب في ثامن وعشرين ذي القعدة سنة ثلاث وستمائة بالإشارة العالية المولوية الأتابكية الفارسية وأعزها الله، الحمد لله وحده وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه \" .\rولما فوض السلطان القضاء بالديار المصرية لحكام الأربعة، فعل مثل ذلك بدمشق، وجهز التقاليد إلى الحكام الذين وقع الاختيار عليهم، وهم: القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان الشافعي، على عادته، والشيخ زين الدين عبد السلام الزواوي المالكي قاضي المالكية، والقاضي شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء الأذرعي الحنفي قاضي الحنفية، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر الحنبلي قاضي الحنابلة، ووصلت تقاليدهم بذلك في سادس جمادى الأول سنة أربع وستين وستمائة، فامتنع المالكي والحنبلي من قبول الولاية والدخول في باب القضاء، فطولع السلطان بذلك، فورد جوابه بإلزامهما، وأنهما إن استقرا على الامتناع وصمما عليه يعزلا عما بأيديهما من المناصب ويخرجا من بلاد السلطان، فقبلا الولاية، وامتنعا من قبول المعلوم المقرر للقضاة وقالا: \" نحن في كفاية عن قبول المعلوم \" .\rالقبض على الأمير شمس الدين سنقر الأقرع\rوفي ذي الحجة سنة ثلاث وستين وستمائة، قبض السلطان على الأمير شمس الدين سنقر الأقرع. وسبب ذلك ان رسول الملك بركة أحضر معه رجلا ادعى أنه الملك الأشرف بن الملك المظفر شهاب الدين غازي، فطلب السلطان من يشهد له بصحة ذلك، فشهد له المذكور، فبحث السلطان عن أمره، فوجد الأمير شمس الدين المشار إليه بعث إليه واستدعاه من عند الملك بركة لغرض كان في نفسه، فقبض السلطان عليه واعتقله، واعتقل من شهد له بخزانة البنود.\rالقبض على الأمير شمس الدين سنقر الرومي\rوذنوبه السالفة","part":8,"page":206},{"id":3717,"text":"وفي رابع وعشرين ذي الحجة من السنة، أمسك السلطان الأمير شمس الدين سنقر الرومي. وسبب ذلك؛ أنه كان له مملوك جميل الصورة، فبلغه أن السلطان ربما تعرض إليه بفعل، فغضب لذلك، وشفع السلطان عنده فيه فلم يقبل شفاعته، وضربه وحمى سفودا من الحديد وجعله في دبره فمات، فطلبه السلطان من وقته واعتقله. وأما ذنوبه السالفة فإنه كان جمدار الملك الصالح، وكان مؤاخي الملك الظاهر لما كانا في الخدمة الصالحية وبينهما صداقة، ولما كان من أمر البحرية ما قدمناه كانا جميعا وكان الملك الظاهر يتفقده بالمال والقماش، ولما قتل الملك المظفر لم يكن شمس الدين حاضرا، وأعطاه السلطان الإقطاعات العظيمة فصار يخلو بجماعة بعد جماعة ويفرق عليهم المال الذي ينعم به السلطان عليه، فاتصل ذلك بالسلطان فأرسل إليه يحذره مع خوشداشيته، فلم يفد ذلك شيئا، وبقى ذلك في خاطر السلطان، فلما قتل الآن مملوكه وقبض عليه أرسل يقول: \" أشتهي أعرف ذنبي \" ، فسير السلطان إليه من عدد ذنوبه، فتحسر وقال: \" آه، لو كنت حاضرا قتل الملك المظفر حتى أعاند السلطان في الذي جرى \" ، وكان قد تكلم بهذا الكلام وشافه السلطان به في حال إحسانه إليه، واستمر في الاعتقال إلى أن توفي، وكانت وفاته في يوم الأحد عاشر جمادى الأول سنة ست وسبعين وستمائة.\rوفاة قاضي القضاة بدر الدين السنجاري\rوشيء من أخباره في هذه السنة في يوم السبت رابع عشر شهر رجب: كانت وفاة قاضي القضاة بدر الدين أبي المحاسن يوسف بن الحسن بن علي بن الخضر السنجاري الشافعي، رحمه الله تعالى، فجأة، وكان قد أكل بطيخا أصفر وسلنجنينيا عقب خروجه من الحمام. ودفن في يوم الأحد بمدرسته بالقرافة بجوار تربة الإمام الشافعي، وصلى عليه قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز. ومولده بسواد إربل في رابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وكان قاضيا بسنجار، وكان له على السلطان الملك الصالح من الخدمة بسنجار ما قدمنا ذكره، فلما ملك الملك الصالح دمشق كما تقدم، ولاه قضاء بعلبك وأعمالها وقرر له معلوما كثيرا، وكان قد وصل في صحبته، ولما ملك الديار المصرية حضر إليه فأكرمه، وفوض إليه القضاء بمصر والوجه القبلي، ثم بالقاهرة والوجه البحري كما تقدم ذكر ذلك. وولي الوزارة كما تقدم أيضا في أيام الملك المنصور نور الدين بن الملك المعز، وكان، رحمه الله تعالى، مكينا عند السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان الأمير فخر الدين بن الشيخ يكرهه، فكتب إلى السلطان الملك الصالح يذكر عنه انه يأخذ من نوابه الأموال، ومن يعدله من الشهود، وأشباه ذلك، فأجابه السلطان في طرة كتابه: \" يا أخي فخر الدين: للقاضي بدر الدين على حقوق عظيمة لا أقوم بشكرها، والذي وليناه قليل في حقه، وما قمت له بما يجب على من مكافئته \" ، فلم يعاوده الأمير فخر الدين في أمره، وبقيت هذه الورقة عنده في جملة أوراقه، فلما قتل وخلف بنت صغيرة، احتاط ديوان الأيتام على موجوده فوجدوا هذه الورقة فحملوها إلى ىالقاضي بدر الدين، فأوقف الناس عليها، وكان رحمه الله تعالى، كريما كثير الاحتمال كثير المروءة، حسن العشرة، يقبل الاعتذار، ولا يكافئ على السيئة بمثلها، بل يحسن لمن ظهرت اساءته، ويبره بماله ويستميله بإحسانه، إلا أنه شهر عنه في ولاية القضاء قبول هدايا النواب، حتى قيل إنه ربما كان قرر على كل منهم ما لا يحمله في كل مدة في مقابلة ولايته على قدر الولاية، وكذلك أيضا من يقصد إنشاء عدالته حتى كثر المعدلون في أيامه، ووصل إلى العدالة من ليس من أهلها، ولما ولي قاضي تالقضتة تاج الدين أسقط كثيرا من عدوله، ولقد جاء بعد ذلك زماننا وأدركت بقايا عدوله فكانوا أميز العدول وأجل الناس، ومنهم من ولي قضاء القضاة وبلغ، رحمه الله تعالى، خمسة وثمانين سنة وثلاثة أشهر، رحمه الله تعالى.","part":8,"page":207},{"id":3718,"text":"وفي هذه السنة في يوم الاثنين مستهل شعبان توفي الأمير جمال الدين موسى بن شرف الدين يغمور بن جلدك بلمان بن يغمور استاد دار السلطان الملك الظاهر، وهو الذي كان ينوب عن الملك الصالح نجم الدين أيوب بدمشق، وكان عالي المنزلة عند الملوك الأيوبية ومن بعدهم، ودفن بسفح المقطم، وكان مولدهبالقرية اليغمورية بقرب سمهود من الأعمال القوصية في جمادى الآخر سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وهو ياروقي الأصل،: وكان عفيفا كريما سمحا جوادا، كيسا لطيفا، متواضعا حسن العشرة والسيرة، كثير البر والصدقة، رحمه الله تعالى.\rوفي ذي القعدة سنة ثلاث وستين وستمائة أيضا: أمر السلطان بشنق الشريف حصن الدين بن ثعلب الجعفري بالإسكندرية، فشنق خارج باب البحر، وكان السلطان قد اعتقله بها، وسبب شنقه أن الشريف السرسناي أحد عدول الثغر كان يتردد إليه في معتقله لتأنيسه وقضاء حوائجه، فاتصل بالسلطان أنه أعمل الحيلة في هروبه، وكان الشريف قد حضر إلى مصر لقضاء حوائج حصن الدين فأحضره السلطان وسأله عن ذلك، فأنكره، فأراه الخطوط الواردة من الإسكندرية بالشهادة عليه بذلك، وأمر بشنقه فشنق تحت قلعة الجبل. وسير السلطان عز الدين أيبك الأغا حصاري إلى الإسكندرية فشنق الشريف حصن الدين.\rواستهلت سنة أربع وستين وستمائة في هذه السنة توجه الملك السلطان الظاهر إلى الشام في مستهل شعبان، واستناب بقلعة الجبل الأمير عز الدين أيدمر الحلى، وجعله في خدمة ولده الملك السعيد هو والصاحب بهاء الدين، وتوجه. وكان في سفرته هذه من فتوح صفد والغارات على بلاد الفرنج ما نذكره، إن شاء الله تعالى.\rعمارة جسر دامية\rوفي جمادى الأول سنة أربع وستين وستمائة، رسم السلطان ببناء جسر على نهر الأردن، وهو النهر الذي يشق غور الشام، ويسمونه الشريعة. وهذا الجسر هو بقرب دامية، فيما بينها وبين فراوى. واتفق فيه أعجوبة لم يسمع بمثلها: وذلك أن السلطان ندب الأمير جمال الدين بن نهار المهندار لعمارته، ورسم أن يكون خمس قناطر. واجتمع الولاة لذلك ومنهم: الأمير بدر الدين محمد بن رحال متولي نابلس وحصلوا الأصناف وجمعوا الصناع، وعمروه على ما رسم به السلطان. فلما تكاملت عمارته وتفرق ذلك الجمع اضطرب بعض أركان الجسر، فقلق السلطان لذلك وأنكر عليهم وأعادهم إصلاح ذلك. فتعذر عليهم لزيادة الماء وقوة جريانه، فأقاموا كذلك أياما وقد تيقنوا العجز عنه. فلما كان في الليلة المسفرة عن السابع عشر من شهر ربيع الأولى سنة ست وستين انقطع ماء الشريعة حتى لم يبق بها شيء منه، فتبادروا وأشعلوا النيران الكثيرة والمشاعل واغتنموا هذه الحادثة وأصلحوا الأركان وقووها، وأصلحوا منها ما لا كان يمكن عمله. وركبوا من يكشف خبر هذه الحادثة، فساقوا الخيل فوجدوا كتارا مرتفعا كان يشرف على الشريعة من الجانب الغربي، والكتار شيء يشبه الجبل وليس بجبل لأن الماء يحله بسرعة كالطين، قد سقط في الشريعة فسدها، وانسكر الماء وتحامل على جهة الغور مما وراء السكر، فعادوا الخبر، وانقطع الماء من نصف الليل إلى الرابعة من النهار، ثم تحامل الماء وكسر ذلك الكتار، وجاء طول رمح فلم يؤثر في ذلك البناء لإتقانه، وحمل الماء ما كان هناك من آلات العمارة. وهذه الحادثة من عجائب الاتفاق. وهذا الجسر باق إلى وقتنا هذا.\rوفي جمادى الأولى تكاملت عمارة الدار الجديدة المرسوم بعمارتها عند باب السر المطل على سوق الخيل. وعمل بها دعوة للأمراء.\rوفي هذه السنة اهتم السلطان بحفر خليج الإسكندرية، وندب الأمير علم الدين المسروري بذلك. ثم توجه السلطان بنفسه وباشر الحفر وأزيلت الرملة التي كانت على الساحل بين النقيدي وفم الخليج، ثم عدى إلى بر أبيار، وغرق المراكب هناك وبنى عليها بالحجارة، ثم رجع إلى القاهرة.\rوفي شهر رمضان من السنة وصل إلى دمشق ولد الخليفة المستعصم بالله المسمى بالمبارك الذي كان عند هولاكو، وصحبته جماعة من أمراء العربان.\rفأنزله الأمير جمال الدين النجيبي في أعز مكان. فلما وصل السلطان إلى دمشق سير إليه جمال الدين بن الدوادار والطواشي مختار، فما عرفاه. وظهر أنه بخلاف ما ادعاه، فسير إلى مصر تحت الاحتياط.\rوفي ذي القعدة وصل شخص آخر أسود ادعى أنه من أولاد الخلفاء، فسير إلى مصر أيضا.","part":8,"page":208},{"id":3719,"text":"الوثوب على الأمير عز الدين الحلى وضربه بالسكين\rوسلامته وقتل الأمير صارم الدين المسعودي قال: لما كان في يوم الاثنين منتصف ذي الحجة سنة أربع وستين وستمائة جلس الأمير عز الدين الحلى بدار العدل، ومعه الصاحب بهاء الدين والقضاة، وإذا بإنسان يخترق الصفوف - وبيده قصة - ، فوقف قدامه، وكان بيده سكين بين أثوابه، فضرب بها حلق الأمير عز الدين. فأمسكها بيده فجرحت يده، ثم رفسه برجله ونام على ظهره وقصد أن يضربه مرة أخرى أو يضرب الصاحب. فلما رفع يده جاءت السكين في فؤاد الأمير صارم الدين قايماز المسعودي فمات لساعته. وكان فخر الدين المتولي الجيزة حاضرا فأمسكه ورماه. فوقع على قاضي القضاة، فضرب بالسيوف فمات. وعرف الضارب أنه من الجانداريه. وكانت به شعبة من الجنون. ولما وصل الخبر بسلامة الحلى إلى السلطان وهو راجع من أفامية أعطى مملوك الحلى ألف دينار عينا، وأعطى رفيقه ثلاثة آلاف درهم، واحسن إلى ورثة المسعودي.\rوفي هذه السنة فتحت صفد على ما نذكره، إن شاء الله تعالى. ورجع السلطان منها إلى دمشق، وأنعم على أمرائها وقضاتها وأرباب المناصب بالتشاريف.\rونظر السلطان في أمر الجامع الأموي ومنع من مبيت الفقراء به.\rوفيها: أبطل السلطان ضمان الحشيشة وأمر بتأديب أهلها.\rوفيها: في ثالثذي القعدة توفي الأمير كرمون أغا بدمشق بعد منصرفه من فتح صفد فشهد السلطان جنازته، ودفن برأس ميدان الحصا عند قباب التركمان.\rوفيها: في ليلة عرفة، كانت وفاة الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي وكان قد جرح على صفد وبقي مدة والألم يتزايد به إلى أن مات، رحمه الله تعالى.\rوكان من أكابر الأمراء، وسمع الحديث، وحدث، وكان مشهورا بالشجاعة والكرم والديانة وسعة الصدر وكثرة الصدقة، وكان قد رتب على نفسه صلة للفقراء من أرباب البيوت والزوايا في كل سنة تزيد على مائة ألف درهم وألوف أرادب غلة، هذا غير صدقاته. وكان مقتصدا في ملبسه يلبس الثياب القطن من الهندي والبعلبكي وغيره مما يباح ولا يكره لبسه. وكان من السلطان بالمنزلة العلية لا يخرج عن رأيه ومشورته سيما في الأمور الدينية وأحوال القضاة. ومما يدل على ذلك: ما تقدم من إشارته بتولية الحكم لأربعة قضاة.\rفرجع السلطان في ذلك إلى رأيه، وفعله لوقته. وكان رحمه الله من حسنات الزمان، وقد ختم له بالشهادة، فإنه مات من ألم تلك الجراحة. ودفن في مقبرة الملك الناصر بسفح قاسيون، رحمه الله.\rواستهلت سنة خمس وستين وستمائة\rعود السلطان إلى الديار المصرية\rوبناء الجامع الظاهري كان خروج السلطان من دمشق في يوم الاثنين ثاني المحرم سنة خمس وستين وستمائة. فلما وصل إلى منزلة الفوار فارق العسكر وتوجه إلى الكرك. ولما وصل إلى بركة زيزاء تقنطر على فرسه، وذلك في يوم الأحد ثامن المحرم، فتأخر هناك أياما، ونزل إليه الأمير عز الدين نائبه بالكرك فأعطاه ألف دينار، وخلع عليه وسير الخلع إلى من بالكرك. ثم توجه في محفة حملها الأمراء والخواص على أكتافهم والخواص على أكتافهم إلى غزة. ووصل إلى بلبيس في ثالث عشر صفر فتلقاه ولده الملك السعيد والأمير عز الدين الحلى، وزينت المدينة لمقدمه.\rوفي أول شهر ربيع الأول ركب السلطان فرسه وضربت البشائر لذلك، ونزل بباب النصر وأقام هناك إلى خامس الشهر، ثم توجه إلى بركة الجب لرمي البندق.\rوفي شهر ربيع الآخر، سير السلطان الأتابك والصاحب فخر الدين ولد الصاحب لكشف مكان يعمل به جامعا بالحسينية. فاتفقا على مناخ الجمال السلطانية. فقال السلطان: \" أولى ما جعلت ميداني الذي هو نزهتي جامعا \" . وركب في ثامن شهر ربيع الآخر وصحبته الوزير والقضاة ونزل إلى ميدان قراقوش، ورتب أمور بنائه جامعا، وأن يكون بقية الميدان وقفا عليه، ورجع ودخل مدرسته بالقاهرة.\rوفي هذه السنة أمر السلطان بإنشاء القناطر على بحر الرجا فأنشئت، وتولى عمارتها الأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار فحصل الرفق بها للمسافرين وكانوا يجدون شدة وإزدحاما بسبب المعادي.","part":8,"page":209},{"id":3720,"text":"وفي سابع وعشرين شهر ربيع الآخر وصل الملك المنصور صاحب حماة، وكان السلطان قد توجه إلى العباسة فتلقاه إلى رأس الملء وسير له ولمن معه التشاريف، وعاد السلطان إلى قلعته. وطلب صاحب حماة التفرج في الإسكندرية فسير إليها وسير في خدمته الأمير شمس الدين سنقر جاه الظاهري، فوصل إليها وعظم تعظيما كثيرا، ثم عاد، وتوجه في خدمة السلطان إلى غزة ثم توجه إلى مملكته.\rوفي جمادى الآخرة وصلت رسل صاحب الدعوة وصحبتهم جملة من الذهب وقالوا: هذا المال الذي كنا نحمله قطيعة للفرنج قد حملناه لبيت مال المسلمين، وكان السلطان قد شرط ذلك عليهم عند وصول رسلهم وسؤالهم الصلح وشرطه على بيت الاسبتار في جملة ما اشترط عليهم.\rإقامة الجمعة بالجامع الأزهر\rبالقاهرة المحروسة وشيء من اخباره وفي يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة خمس وستين وستمائة أقيمت صلاة الجمعة بالجامع الأزهر. وسبب ذلك أن الأمير عز الدين الحلى خاطب السلطان في أمره وتبرع بجملة من ماله في عمارته، وانتزع أشياء من أوقافه كانت مغصوبة في أيدي جماعة، وشرع في عمارته، فعمر ما وهي من أركانه وجدرانه وبيضه وبلطه، وأصلح سقوفه وفرشه. واستجد به مقصورة حسنة، وعمل الأمير بدر الدين بيليك الخازندار الظاهري فيه مقصورة كبيرة ورتب فيها مدرسا وجماعة من الفقهاء الشافعية، ورتب فيها محدثا يسمع الحديث النبوي والرقائق، وسبعا لقراءة القرآن. ووقف على ذلك أوقافا، وولى خطابته زين الدين أدريس بن صالح بن وهيب المصري القليوبي، واستمر به إلى أن توفي. وكانت وفاته في ليلة السبت رابع عشر من ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وستمائة، ومولده سنة ثمان عشرة وستمائة.\rوهذا الجامع هو أول مسجد جامع وضع للناس بالقاهرة المعزية، وفرغ من بنائه وأقيمت فيه الجمعة في شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلاثمائة. فلما ولي العزيز بن المعز جدد به أشياء وعمر به عدة أماكن. ويقال إن به طلسم لا يسكنه بسببه عصفور ولا يفرخ فيه، وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة سأل الوزير أبو الفرج يعقوب بن كلس الخليفة أن يأذن له في صلة رزق جماعة من الفقهاء، فأذن له. فأطلق كل منهم كفايته واشترى لهم دارا إلى جانب الجامع، فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع وذكروا فيه دروس فقه وكان أبو يعقوب قاضي الخندق، وكانوا نيفا وثلاثين فقيها لأن دولة العبيد بينما كان يستقل فيها بفقيه، ولما عمر الحاكم الجامع نقل الخطبة إليه.\rالقصر الأبلق\rبالميدان بظاهر دمشق وفي سنة خمس وستين وستمائة، أمر السلطان الملك الظاهر بإنشاء القصر الأبلق بالميدان الأخضر بظاهر دمشق، فعمر على ما هو عليه الآن. واتفق في عمارته واقعة غربية، حكى بعض من كان يباشر عمارته، قال: لما انتهت عمارة القنطرة التي بالإيوان ولم يبق من ختمها إلا وضع حجر واحد أسود، فرفع بالجبال بعد أن نحت وجهز ليوضع في مكانه وتشد به القنطرة، فانقطع الحبل وسقط الحجر إلى أرض الإيوان فانكسر، فتألم المهندس لذلك، ثم دخل إلى مرحاض القصر العتيق لقضاء الحاجة، \" فرأى \" في أحد كراسيه حجر أسود منحوتا، فقاسه فوجده قدر الحجر الذي انكسر سواء، فاستأذن المهندس، الأمير جمال الدين النجيبي على قلعه ووضعه في رأس القنطرة، فأذن في ذلك، فقلع من كرسي المرحاض وجعل في رأس القنطرة بالإيوان فختمت به. وجاء كأنه عمل لها، ووضع الحجر الذي انكسر مكانه. وهذا من عجيب الاتفاق، وقد وقع نظير هذه الواقعة في أساس سور بغداد وعتبة جامع غزنة، وتقدم ذكر ذلك.\rتوجه السلطان إلى الشام\rوعمارة قلعة صفد وفي العشرين من جمادى الآخرة توجه السلطان إلى الشام في جماعة من أمرائه وأراح بقية العسكر. ولما وصل إلى غزة وردت إليه رسل الفرنج بهدية وجماعة من أسرى المسلمين. وتوجه السلطان إلى صفد بقصد عمارته فرتب أمورها. وتوجه إلى دمشق مسرعا عندما بلغه أن التتار عزموا على قصد الرحبة، فأقام بها خمسة أيام واهتم بأمر الرحبة وعاد إلى صفد في رابع وعشرين شهر رجب، فقسم الخندق على الأمراء، وأخذ نصيبا وافرا لنفسه ومماليكه وحاشيته، وعمل السلطان بنفسه وبيده، فلم أحد من العمل. ولما كملت عمارة قلعة صفد رسم السلطان أن يكتب على أسوارها: \" ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون \" .","part":8,"page":210},{"id":3721,"text":"\" أولئك حزب الله، ألا أن حزب الله هم المفلحون \" أمر بتجديد هذه القلعة المحروسة وتحصينها وتكملة عمارتها وتحسينها من خلصها من أيدي الفرنج الملاعين، ووردها إلى أيدي المسلمين، ونقلها من مسكن أخوة الدواوية إلى سكن أخوة المؤمنين، فأعادها للإيمان كما بداها أول مرة، وجعلها للكفار خسارة وحسرة، ولم يزل بنفسه يجتهد ويجاهد حتى عوض عن الكنائس بالجوامع والبيع بالمساجد، وبدل الكفر بالإيمان، والناقوس بالآذان، والإنجيل بالقرآن ووقف بنفسه التي هي أعز النفوس حتى حمل تراب خنادقها وحجارتها منه ومن خواصه على الرؤوس، سلطان الإسلام والمسلمين ومسترد صوال الدين،مبيد التتار، فاتح القلاع والحصون والأمصار،وارث الملك،سلطان العرب والعجم والترك، إسكندر الزمان، صاحب القرآن أبو الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين، خلد الله سلطانه، فمن صارت إليه هذه القلعة من ملوك الإسلام، ومن سكنها من المجاهدين المثاغرين على الدوام فليجعل لهذا السلطان فاتحها ومجددها نصيبا من أجره، ولا يخله من الرحمة في سره وجهره في طول عمره، فإنه جعلها دار يمن وأمان، بعد أن كانت دار كفر وطغيان، وصار يقال عمر الله سرحها، بعد أن كان يقال عجل الله فتحها، والعاقبة للمؤمنين إلى يوم الدين. \" ولما كملت العمارة طلع السلطان إلى القلعة فرأى بالبرج صنما كبيرا كان الفرنج يقولون أن القلعة في خفارته ويسمونه أبا جرج، فأمر بقلعة وتكسيره، وعمر مكانه محرابا.\rورسم بتجديد عمارة حرم الخليل، وكتب بذلك إلى دمشق، وتوجه الأمير جمال الدين بن نهار لذلك، فجدد الأخشاب والمقاصير والأبواب، ودهن ما يحتاج منها إلى الدهان، وجددت الضرائح المقدسة.\rووصلت رسل الفرنج إلى السلطان وهو على صفد، وتحدثوا معه في أمر بلادهم، وأجابوا إلى ما قاله من مناصفة صيدا وهدم الشقيف. ثم أغار على عكا على ما نذكره إن شاء الله، ولم ينتظم أمر الصلح.\rثم حضرت رسل سيس ورسل بيروت ومعهم جماعة من أسرى المسلمين، وردوا مال التجار.\rوفيها: توفي القاضي صدر الدين موهوب بن عمر بن إبراهيم الجزري الشافعي وهو الذي كان ينوب عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام بمصر، وولى القضاء بعده كما قدمنا ذكر ذلك، وكان فاضلا عالما بمذهب الشافعي ومشاركا في غيره من العلوم. وكان في مبدأ أمره على قضاء جزيرة ابن عمر. وكان كثير المال مرزوقا في التجارة، فاكتسب مالا جزيلا فمد صاحب الجزيرة عينه إلى أمواله وقصد أخذها، فبلغه ذلك، فأرسل أكثر أمواله إلى مصر والشام صحبة التجار ثم هرب واختفى، ووصل إلى الشام ثم إلى الديار المصرية. ولما ولى الصاحب بهاء الدين الوزارة قصد أذاه فخافه خوفا شديدا .\rحكى عنه أنه قال: لما خفت الصاحب بهاء الدين رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فسألني عن حالي فقلت : يا رسول الله ، إني خائف من الصاحب فقال لي : لا تخف منه وقل له بأمارة كذا وكذا لا تؤذني ،فإن رسول الله قد شفع في عندك ، قال : فانتبهت فرحا بمقابلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما صليت الصبح ركبت دابتي ووقفت للصاحب في طريقه إلى القلعة، فسلمت، عليه وقلت له: معي رسالة ، فقال:ممن هي؟ قلت: من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول لك: بأمارة كذا وكذا لا تؤذني فأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد شفع في عندك، فقال : صدقت أنت ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنت اليوم فقد بقيت أتشفع بك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله لا حصل لك مني سواء أبدا، فالمولي يرسم والمملوك يتمثل، ومن اطلع عليه مولانا وله حاجة من مضرور أو مظلوم ترسل إلى تعرفني حتى أقضى حاجته بنفسي، واعتذر إليه، وبقي يعظمه، ولو فسح في أجله لولاه القضاء بعد القاضي تاج الدين ولكنه مات قبله. وكانت وفاته في مستهل شهر رجب سنة خمس وستين وستمائة . وقيل بل كانت وفاته فجأة في تاسع الشهر، ودفن بسفح المقطم. ومولده في النصف من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة بالجزيرة . ولما مات ترك ما يقارب ثلاثين ألف دينار، وكان له ابنتان : إحداهما بالجزيرة. والأخرى زوجة القاضي بدر الدين ولد القاضي تقي الدين بن رزين، فورثتاه وشركهما بيت المال، وكان رحمه الله كثير المروءة والإحسان إلى أهل بلده ومن يقصده.\rوفاة قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز","part":8,"page":211},{"id":3722,"text":"ونبذة من أخباره رحمه الله ومن ولى قضاء الشافعية وغيره من مناصبه بعد وفاته وفي السابع والعشرين من شهر رجب الفرد سنة خمس وستين وستمائة، كانت وفاة قاضي القضاة، تاج الدين أبي محمد عبد الوهاب بن القاضي الأعز أبي القاسم خلف بن رشيد أبي الثناء محمود بن بدر العلامي - ونبو علامة بطن من لخم - وهو المشهور بابن بنت الأعز والأعز هذا هو جده لأمه، وهو الصاحب الأعز فخر الدين أبو الفوارس مقدام بن القاضي كمال الدين أبي السعادات أحمد بن شكر، أحد وزراء السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب ، وقد تقدم ذكره في أخبار الدولة العادلية . ومولد القاضي تاج الدين ذبالقاهرة في مستهل شهر رجب سنة أربع وستمائة. ولما مات والده الأعز خلف - رحمه الله تعالى - ترك دنيا عريضة ، فيقال إنه خلف اثني عشر ألف دينار عينا ، وقيل سبعة الآف، فانفقت والدته ابنة الصاحب الأعز جميع ذلك على نفسها ومن يلوذ بها من أهلها ، ونشأ فلم يجد شيئا من ذلك ، فما شافهها فيه بكلمة ، وكان بارابها ، وأشتغل بالعلم ، وولى إعادة المدرسة المعروفة بزين التجار بمصر ، وولى شهادة بيت المال في الدولة الكاملية . وكان سبب ذلك أن الشريف شمس الدين الأرموي نقيب السادةالأشراف ،رحمه الله تعالى ، كان يلي تدريس المدرسة المذكورة فتوجه متن جهة السلطن الملاك الكامل في رسالة واستناب القاضي تاج الدين هذا في التدريس والنظر، فأحسن الخلافة عنه وعمر الوقف وقام بالوظيفة أحسن قيام، فلما عاد الشريف ووجد الأمر على ذلك، أنهاه إلى السلطان وشكره وأثنى عليه، فرسم السلطان الملك الكامل له بمباشرة شهادة بيت المال فباشر ذلك، وكان إذ ذاك على غاية الفاقة، وسلك طريقي الضبط والأمانة، وهذه الوظيفة هي أول مناصبه الديوانية، فاشتهر بحسن المباشرة والأحتراز، فتقدم في الأيام الصالحية النجمية وما بعدها، وولى نظر بيت المال، ثم ولى نظر الدواوين بالديار المصرية في أيام الملك المعظم غياث الدين نورانشاه ابن الملك الصالح، بتقليد معظمي، تاريخه لخميس بقين من ذي القعدة سنة سبع وأربعين وستمائة، نعت فيه بالحضرة السامية: القاضي، ثم كتب له منشورا كريم خاتوني بأقطاع لخاصه ولأربعة أتباع. وقد رأيت أن أشرح هذا المنشور بنصه وابين وضعه ليعلم منه كيف كان الرسم والمصطلح في مثله، وهو أن الموقع كتب عن يمين الدرج ما مثاله: \" الصالحية \" بقلم أغلظ من قلم المنشور، ثم كتب البسملة بعد هذه اللفظة بقدر أصبعين وكتب تلو البسملة ما مثاله: خرج الأمر العالي المولوي السلطاني الخاتوني الصالحي الجلالي العصمي الرحيمي، زاده الله شرفا ونفاذا، أن يجري في إقطاع المجلس السامي، القاضي الأجل، الصدر الكبير، الرئيس الفقيه، العلم الإمام، الفاضل الأوحد، العامل المرتضي، الكامل المجتني، المختار تاج الدين مجد الإسلام بهاء الأنام اختيار الدولة، مجتبي الملوك السلاطين، فخر الرؤساء، علم العلماء، شرف الفقهاء، رضي أمير المؤمنين عبد الوهاب بن خلف الناظر بالدواوين المعمورة، أدام الله رفعته ونعمته، ما رسم له به الآن من الإقطاع لخاصه ولأربعة أتباع معه في السنة ما يأتي ذكره.\rخاصه: الثلثان من أبواب الهلالي بمدينة الفيوم. كفور سفط رشين خارجا من بني شريان، ومعصرة أبي دخان، ودبيس، وهي منشأة ابن مليح، كوم بني مؤمنة، كوم الحمير، كوم مغنين، منشأة حراز، فزونة، قيالة الحعاف. وذلك في الإقطاع لاستقبال مغل سنة سبع وأربعين وستمائة بعد الإعتداد على غايته بما قبضة من الجامكية لاستقبال المدة من جملة ما يعوض به، وفي الخدمة مستهل المحرم منها.\rأتباعه وعدتهم أربعة في السنة: ستة عشر ألف درهم ناصرية جهة ذلك من متحصل السدس من بحيرة تنيس لاستقبال تاريخ عرضهم بالديوان المعمور بعد الخط الشريف، أعلاه الله، وثبوته حيث ثبتت مثله.\rكتب في ثامن ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وستمائة، وبين السطرين الأول والثاني بخطها ما مثاله: والده خليل.","part":8,"page":212},{"id":3723,"text":"ورأيت في هذا المنشور أشياء تستغرب ويستنكر مثلها في وقتنا هذا: وهو أن بيت العلامة الذي هو بين السطرين كتبت فيه الملكة، وفيه تحت خطها بين السطرين: خط ناظر الدواوين ومثاله: ليثبت بديوان النظر على الدواوين المعمورة إن شاء الله تعالى، وخط شاد الدواوين: امتثل الخط الشريف، وبينهما في بيت العلامة أيضا: خط ناظر الفيوم ومثاله: ليثبت إن شاء الله تعالى بديوان نظر الفيوم. وما معه وفي سامته السطر الثاني ما مثاله: ليثبت بالديوان المعمور مما يختص بالوجه القبلي، واسفل منه ما مثاله: ليثبت بالديوان المعمور بالوجه البحري، وإلى جانبه عن يسار ليثبت بديوان الجيوش المنصورة إن شاء الله تعالى، ثم بعد ذلك خطوط الكتاب، ولعل ناظر الفيوم الذي كتب في هذا الموضع هو شرف الدين هبة الله الفايري الذي ولى الوزارة فيما بعد، فإنه كان ناظر الصناعة والفيوم في ذلك الوقت، والله أعلم.\rثم ولى القاضي تاج الدين نظر بيت المال في الأيام المعزية، بتوقيع تاريخه ثالث عشر صفر سنة إحدى وخمسين وستمائة، وقرر له في كل شهر خمسون دينارا، وفي السنة مائتا أردب واثني عشر أردبا نصفين، ثم ولى بعد ذلك نظر الدواوين. فهذه مناصبة قبل أن يلي القضاء والوزارة. ثم ولى قضاء القضاة بمصر والوجه القبلي في تاسع شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة، عوضا عن القاضي بدر السنجاري، وجمع له القضاء بالقاهرة والوجه البحري في الشهر المذكور لثمان بقين منه، وعطل القاضي بدر الدين السنجاري عن القضاء. ولما ولى القضاء شدد على العدول وأسقط كثيرا منهم، فكان يكتب الإسجالات بأسقاط عدالة جماعة بعد جماعة من عدول السنجاري، ويشهد على نفسه بما تضمنته، فقلق الناس لذلك، ولما تطل مدة ولايته هذه، فإنها عزل في بعض شهور سنة خمسة وخمسين وستمائة كما قدمنا ذكر ذلك، ثم فوضت إليه الوزارة بالديار المصرية كما تقدم ذكره، ثم عطل عن الوزارة والقضاء في الأيام المظفرية - قطز - إلى أن كانت الدولة الظاهرية الركنية، ففوض السلطان الملك الظاهر له قضاء القضاة بجميع الديار المصرية في السابع عشر من جمادى الأول سنة تسع وخمسين وستمائة، عوضا عن القاضي بدر الدين السنجاري، ثم أفردت عنه مصر والوجه القبلي في السنة المذكورة، وفوض ذلك إلى القاضي برهان الدين الخضر السنجاري، ثم أعيد ذلك إليه في الثامن من صفر سنة ستين وستمائة. وقد شرحنا مضمون تقاليد هذه الولايات في مواضعها. وفوض غليه تدريس المدرسة الصالحية النجمية بتوقيع ظاهري تاريخه ثاني عشر جمادى الأول سنة ستين وستمائة بعد وفاة الشيخ عز الدين بن عبد السلام. ثم فوض إليه النظر العام على الأشرف والأوقاف والأحباس، ومشهد السيد الحسين ومدرسة الإمام الشافعي، والخانكاه والمشاهد بالباب الشريف وبجميع أعمال الديار المصرية بتوقيع ظاهري تاريخه السابع من جماد الآخر سنة ستين وستمائة. وفوض إليه تدريس مدرسة الشافعي بتقليد تاريخه نصف ذي الحجة سنة إحدى وستين. ثم قسم القضاء بين أربعة حكام، فكتب له تقليد كما تقدم تاريخه ثامن عشر ذي القعدة سنة ثلاث وستين، وخص بالنظر في جميع أموال الأيتام بالقاهرة ومصر والديار المصرية بمفرده والأوقاف، وقد شرحنا ذلك. واستمر كذلك إلى أن مات رحمه الله تعالى، وكان رحمه الله، كثير الاحتراز والتحفظ، وضبط ناموس الشرع، وإقامة الحرمة، وكف الأيادي العادية، والتطلع على جهات الأوقاف، وأخبار العدول، وغير ذلك مما هو متعلق بمنصب الشرع الشريف. ولما مات، رحمه الله تعالى، قسم قضاء الشافعية بعده، ففوض قضاء مصر والوجه القبلي للقاضي محيي الدين بن الصلاح عبد الله بن قاضي القضاة شرف الدين محمد بن عين الدولة الصفراوي. وفوض قضاء القاهرة والوجه البحري للقاضي تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين. وولى النظر علة ديوان الأحباس القاضي تاج الدين أبو الحسن علي بن الشيخ أبي العباس أحمد المعروف بالقسطلاني، وولى تدريس المدرسة الصالحية القاضي صدر الدين أبو حفص عمر ولد قاضي القضاة تاج الدين المشار إليه. وولى نظر الخانقاه قاضي القضاة شمس الدين الحنبلي، وولى تدريس مدرسة الإمام الشافعي فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين.","part":8,"page":213},{"id":3724,"text":"وفيها أيضا: توفي الأمير ناصر الدين الحسين بن عزيز بن أبي الفوارس القيمري مقدم الجيش بالساحل، وكانت وفاته في ثالث شهر ربيع الأول بالساحل، ومولده في سنة ستمائة بقيمر، وهو الذي بنى المدرسة الشافعية بدمشق بناحية مادنه فيروز. وكان جوادا كريما جليلا مقدما تقدمن على جيوش الشام في الأيام الصالحية الناصرية وكان جميع الأكراد في طاعته وخدمته. وكان في أمره في الأيام الناصرية أنفذ من أمر السلطان لانقياد الجيوش إليه. ثم خمل في الأيام الظاهرية إلى أن أقطعه السلطان الملك الظاهر إقطاعا بالساحل، وقدمه على أمراء الساحل، فصلحت حاله، وكان مقامه بجنين، رحمه الله تعالى.\rوصول الشريف بدر الدين مالك بم منيف\rوإعطائه نصف إمرة المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وفي سنة حمس وستين وستمائة: وصل الشريف بدر الدين مالك بن منيف بن شيحة، وكان على صفد، فشكى من الشريف عز الدين جماز، وقال: إن المدينة كانت بين أبي وبينه نصفين، وتوفي والدي وأنا صغير، فظلمني وأخذ نصيبي، وقد جثت مستجيرا بالسلطان في رد حقي. فكتب السلطان إلى الشريف جماز يأمره بتسليم النصف الذي كان لمنيف لولده مالك، وكتب تقليده بنصف إمرة المدينة ونصف الأوقاف، وسلم إليه نصف الأوقاف التي بمصر والشام، وتوجه. وورد جواب الشريف عز الدين جماز إلى السلطان بامتثال الرسوم، وأرسل خادمين من خدام الضريح النبوي يشهدان بذلك، فكتب السلطان إليه يشكره على ذلك.\rثم عاد السلطان إلى مقر ملكه بقلعة الجبل. وكان وصوله إليها في يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة سنة خمس وستين وستمائة.\rتسمير من يذكر بالقاهرة\rوفي العشرين من ذي الحجة من السنة بعد عود السلطان إلى الديار المصرية بتسمير جماعة كانوا معتقلين بحزانة البنود منهم: أقش القفجاقي أحد المماليك الصالحية، وكان قد أدعي النبوة وأحضر في شهر رمضان إلى دار العدل، فأمر نائب السلطنة باعتقاله. فلما حضر السلطان إليه أمره فاستحضره وسمع كلامه وأمر بتسميره.\rومنهم: الناصح الواحي كان في ابتداء أمره ضامن الواحات، ثم ترقى إلى أن ولي نظر أخميم وأسيوط وغير ذلك بالوجه القبلي. وكان يركب بالطبلخاناه، وقويت نفسه وكثرت أتباعه واتسعت أمواله. فأرسل السلطان وقبض عليه وأمر باعتقاله بخزانة البنود، فأنهي إلى السلطان أنه اتفق مع الملك الأشرف بن شهاب الدين غازي ومع رجل نصراني على أن ينقبوا خزانة البنود ويخرجوا منها ويتوجهوا إلى الواحات فيتسلطن بها الملك الأشرف ويكون الناصح وزيره والنصراني كاتبه، فأمر السلطان بتسميرهم، فسمروا في يوم واحد.\rواستهلت سنة ست وستين وستمائة\rأخذ الزكاة من عرب الحجاز\rكان السلطان قد اهتم بأمر الزكاة من سائر الجهات حتى المغرب والحجاز، وأذعن عريان بلاد برقة لذلك وقاموا بالزكاة.\rوفي صفر سنة ست وستين وستمائة: وصل الأمير ناصر الدين بن محيي الدين الجزري الحاجب من المدينة النبوية، وكان توجه لاستخراج الزكاة والعشر، فأحضر صحبته مائة وثمانين جملا وعشرة آلاف درهم فاستقلها السلطان وأمر بردها عليه، ثم وصل بنو صخر، وبنو لام، وبنو عنزة وغيرهم من عريان الحجاز، والتزموا بزكاة الغنم والإبل، وتوجه معهم مشدون لاستخراج ذلك. هذا والسلطان على صفد لعمارتها.\rظهور الماء بالقدس\rوفي سنة ست وستين وستمائة: ورد كتاب قاضي القدس أن الماء انتزح من بئر السقاية وعظمت مشقة الناس رجل البئر وشاهد قناة مسدودة من زمن بخت نصر الذي هدم البيت المقدس، فأحضر الأمير علاء الدين الحاج الركني \" نائب القدس \" بنائين وكشف القناة السليمانية، ومشوا فيها تحت الأرض إلى الجبل الذي تحت الصخرة المقدسة فوجدوا بابا مقنطرا ففتحوه، فخرجت عين ماء كادت تغرقهم. وكان خروج الماء في ذي الحجة سنة خمس وستين.\rووردت كتاب الأمير الحاج علاء الدين الركني أنه نقص ماء السقاية الذي ظهر ونزح، ودخل الصناع إليه فوجدوا سدا، فنقب فيه الحجارون مقدار عشرين يوما ووجد سقف مقلفط به مائة وعشرين ذراعا بذراع العمل، فخرج الماء وملأ القناة.","part":8,"page":214},{"id":3725,"text":"وفي هذه السنة: وصلت هدية صاحب اليمن ورسله، وأحضر من الخيل المسومة عشرون فرسا بالبركسطوانات الأطلس المزركشة وفيلة وحمارة وحش عنابية اللون، وغير ذلك من المسك والعنبر والعود والصيني وغيره، فقبلت هديته، وجهزت له هدية وصنجق وخلعة وشعار السلطنة وجوشن وكبش وغيره من آلة الحرب، وسير إليه طيور جوارح. وكوتب بالمقام العالي المولوي السلطاني، وكاتبه السلطان بالمملوك. وتوجه بالهدية فخر الدين المقري ووصل صحبة أحد رسوليه - وهو ابن الماكساني التاجر - بها، وذكر أن والده صاحب اليمن سير به للمجاهدين ولوجوه البر، فأودع ثمنه بالخزانة. ولما توجه السلطان إلى الغزاة أنفق منه جملة في إقامة مجانيق أفردها لها، وأفتك ببقيته جماعة من أسارى المسلمين.\rالحبيس النصراني ومقتله\rهذا الحبيس من نصارى مصر، وكان في ابتداء أمره من كتاب صناعة الإنشاء، ثم ترهب وانقطع في جبل حلوان، فيقال إنه وجد في مغارة منه ما لا للحاكم العبيدي كان قد وضعه هناك، فتصدق هذا الحبيس على الفقراء من سائر الملل. واتصل بالسلطان خبره فطلبه، وطلب منه المال، فقال: \" أما أني أعطيك من يدي إلى يدك فلا يتصور، ولكنه يصل إليك من جهة من تصادره ولا يقدر على ما تطلبه منه، فأساعد بمال يحمله إليك \" وشفع فيه، فأطلقه السلطان.\rولما كانت واقعة النصارى المتقدمة، كان يحضر عند مشد المستخرج، ومن عجز عن أداء ما قرر علي ساعده به وأداه عنه، نصراني كان أو يهوديا. وكان يدخل إلى الحبوس ويطلق منها من عليه دين ويقوم بما عليه. وكان يعطي ما ينافر العقول. وتوجه إلى الصعيد، ودفعه عن أهل الذمة أكثر ما قرر عليهم، وتوجه إلى الإسكندرية، وعامل أهلها بما هالهم من بذل الأموال. فوصلت فتاوى الفقهاءإلى السلطان بقتله، وعللوه ذلك: \" خوف الفتنة \" . فوافق ذلك رأي السلطان فأحضره في سنة ست وستين وستمائة، وطلب منه المال وأن يعرفه من أين أصله، وكيف حصل له، فلم يعرفه فجعل يغالطه ويدافعه، إلى أن قرر عليهم، وتوجه إلى الإسكندرية، وعامل أهلها بما هالهم من بذل الأموال. فوصلت فتاوى الفقهاء إلى السلطان بقتله، وعللوه ذلك: \" خوف الفتنة \" . فوافق ذلك رأي السلطان فأحضره في سنة ست وستين وستمائة، وطلب منه المال وأن يعرفه من أين أصله، وكيف حصل له، فلم يعرفه فجعل يغالطه ويدافعه، إلى أن قرر عليهم، وتوجه إلى الإسكندرية، وعامل أهلها بما هالهم من بذل الأموال. فوصلت فتاوى الفقهاء إلى السلطان بقتله، وعللوه ذلك: \" خوف الفتنة \" . فوافق ذلك رأي السلطان فأحضره في سنة ست وستين وستمائة، وطلب منه المال وأن يعرفه من أين أصله، وكيف حصل له، فلم يعرفه فجعل يغالطه ويدافعه، إلى أن قرر عليهم، وتوجه إلى الإسكندرية، وعامل أهلها بما هالهم من بذل الأموال. فوصلت فتاوى الفقهاء إلى السلطان بقتله، وعللوه ذلك: \" خوف الفتنة \" . فوافق ذلك رأي السلطان فأحضره في سنة ست وستين وستمائة، وطلب منه المال وأن يعرفه من أين أصله، وكيف حصل له، فلم يعرفه فجعل يغالطه ويدافعه، إلى أن يأس السلطان منه فعذبه حتى مات. وأخرج من القلعة ورمي بظاهرها على باب القرافة. وذكر أن مبلغ ما وصل إلى بيت المال وما واسى به من مدة سنين: ستمائة ألف دينار عينا، مما أحصى بقلم الصيارفة اللذين كان يجعل الأموال عندهم ويكتب إليهم أوراقة بما يعطيه. وذلك غير ما كان يعطيه سرا من يده.\rذكر بناء القرية الظاهرية قرب العباسة وفي سنة ست وستين وستمائة: مر السلطان على وادي السدير قرب العباسة فأعجبه. فأختار منه مكانا بنى به قرية سماها الظاهرية، وعمر بها جامعا.\rوفيها: توجه السلطان إلى الشام. وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى من الفتوحات.\rإيقاع الحوطة السلطانية على الأملاك\rوالبساتين وما تقرر على أربابها من المال","part":8,"page":215},{"id":3726,"text":"وفي سنة ست وستين وستمائة: لما كان السلطان نازلا على الشقيف أمر بإيقاع الحوطة على البساتين والقرى والضياع التي بأيدي أهل دمشق ملكا وحبسا. وقال: \" نحن فتحنا هذه البلاد بالسيف، وانتزعناها من أيدي التتار \" . وكان قد تحدث بذلك في السنة الخالية. وعقد مجلس حضره السلطان والقضاة والفقهاء، فقال قاضي القضاة شمس الدين بن عطاء الحنبلي: \" هذا لا يحل ولا يجوز لأحد أن يتحدث فيه \" وقام مغضبا، فتوقف السلطان ثم تقدم الآن بإيقاع الحيطة على البساتين فاتفق وقوع صقعة باردة على البساتين فأحرقت أكثر أشجارها، فظن أهل دمشق أن هذه الحادثة تبعث السلطان على الإفراج عنها فلم يقعل، ولما وصل إلى دمشق وعزم على العود إلى الديار المصرية عقد مجلسا بدار العدل حضره القضاة والفقهاء وأهل البلد، وأجرى ذلك ذكر البساتين وأخرج فتاوى الفقهاء من الحنفية باستحقاقها، فتوسط الصاحب فخر الدين بن الصاحب بهاء الدين عند السلطان على أن يقرر على أصحاب البساتين ألف ألف درهم، فامتنعوا من ذلك. وقالوا: \" لا طاقة لنا بها معجلة \" ، وسألوا أن يقسطها، فامتنع السلطان، وتمادى الحال إلى أن خرج من دمشق، ولما وصل إلى منزلة اللجون عاوده الصاحب فخر الدين والأتابك والأمراء، فاستقر الحال أن يعجلوا منها أربعمائة ألف درهم ويعقد لهم نواب السلطان من المغل، ويقسط ما بقي، في كل سنة مائتي ألف درهم، وكتب بذلك توقيع وقرئ على المنبر بدمشق.\rوصول الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من بلاد التتار\rوالصلح مع التكفور إيتوم صاحب سيس كان السلطان قد جهز العساكر إلى سيس، واسروا ليفون بن هيتوم ولد صاحب سيس على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فترددت الرسل منه إلى السلطان يعرض عليه كل ما تقرر عليه من مال وقلاع. فاقترح السلطان عليه أمورا، منها أن يحضر الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من بلاد التتار، وأن يرد القلاع التي أخذها من المملكة الحلبية، فسأل مهلة سنة إلى أن توجه إلى الأردو، وكشف خبره وأجيب إلى إطلاقه. ثم ورد كتاب صاحب سيس يذكر أنه حصله. وورد كتاب الأمير شمس الدين المذكور بعلائم وأماير. فتوقف صاحب سيس في الإجابة إلى رد بعض القلاع، فرد السلطان رسله وكتب إليه: \" إنك إذا كنت قسوت على ولدك وولي عهدك، أنا أقسو على صديق ما بينه وبيني نسب، ويكون الرجوع منك لا مني. ونحن خلف كتابنا. ومهما شئت افعل بسنقر الأشقر \" . فلما وصل إليه هذا الكتاب والسلطان إذ ذاك على أنطاكية خاف وبذل ما رسم به السلطان، وتقرر الصلح على تسليم قلعة بهسنا والدربساك ومزريان ورعبان والروب وشيح الحديد؛ وجميع ما كان أخذه من بلاد الإسلام، وردها بحواصلها كما تسلمها، وإطلاق الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وأن يطلق السلطان له ولده وولد أخيه وغلمانهما. وأنه يحضر رهينة باسال أخ الملك، ويسير ريمون اخ زوجة الملك ليفون، ويبقى باسيل المأسور بن كندا صطبل هو وهؤلاء رهائن على تسليم القلاع. وكتبت الهدنة بذلك في شهر رمضان بأنطاكية.\rوأرسل السلطان الأمير بدر الدين بجكا الرومي على خيل البريد إلى قلعة الجبل، فأحضر ليفون وتوجه به إلى أبيه على خيل البريد في حادي عشر شوال. ثم توجه الأمير سيف الدين بلبان الرومي الداودار إلى سيس لتقرير فصول رسم بها السلطان. ولما وصل ليفون إلى أبيه أطلق الأمير شمس الدين سنقر الأشقر. وكان السلطان يتصيد بجرود بالقرب من بلاد حمص مما يلي دمشق، فلما بلغ السلطان، قربه، ركب مختفيا والتقاه وأحضره معه إلى الدهليز وباتا جميعا. ولما أصبح واجتمع الناس للخدمة خرج إليهم السلطان والأمير شمس الدين في خدمته، فبهت الناس لرؤيته. وانعم عليه السلطان بالأموال والخلع والحوائص والخيل والبغال والجمال والمماليك وجميع ما يحتاجه الأمراء ولما حضر إلى الديار المصرية أمره، وبنيت له دار بقلعة الجبل. وأما القلاع المذكورة فتسلمها نواب السلطان، وأطلقت الرهائن.","part":8,"page":216},{"id":3727,"text":"ولما ترتبت هذه المصالح وفتحت هذه الفتوحات العظيمة التي نذكرها، رجع السلطان من أنطاكية ووصل إلى شيزر، وتوجه منها في البرية إلى حمص للصيد. ووصل السلطان إلى دار النائب بحمص في ثلاثة نفر وهم: الأمير بدر الدين بيسرى، والأمير بدر الدين الخزندار، والأمير حسام الدين الدوادار. ثم دخل دمشق في سادس عشرين شهر رمضان والأسرى بين يديه، وخرج منها في ثامن عشر ذي القعدة، وعيد بأم البارد \" وهي السعيدية \" ورحل إلأى قلعته في حادي عشر ذي الحجة وحمل عن الناس كلفة الزينة.\rوفيها: توفي الصاحب عز الدين عبد العزيز بم منصور بن محمد بن محمد بن محمد بن وداعة الحلبي. وقيل أنه كان في ابتداء أمره خطيبا بجبلة، ثم اتصل بالملك الناصر وصار من خواصه، فولاه شد الدواوين بدمشق، وكان يعتمد عليه. فلما ملك السلطان الظاهر ولاه وزارة الشام، فوقع بينه وبين الأمير علاء الدين طيبرس نائب السلطنة مفاوضة اقتضت حضوره إلى الديار المصرية، ثم أعيد إلى الوزارة بالشام عندما فوض السلطان نيابة السلطنة بدمشق للأمير جمال الدين النجيبي كما تقدم، فوقع بينه وبينه \" خلاف \" أيضا، فكان يهينه، فكتب إلى السلطان يذكر أن الأموال قد انكسرت، وأن الشام يحتاج إلى مشد تركي شديد المهابة مبسوط اليد وتكون أمور الأموال والولايات والعزل راجعة إليه، وقصد بذلك رفع يد الأمير جمال الدين النجيبي عن الأموال، وظن أن المشد يكون بحكمه ولا يتصرف إلا عن أمره. فرتب السلطان في المشد الأمير علاء الدين كشتغدى الشقيري وبسط يده حسب ما اقترح ابن وداعة، فلم يلبث أن وقع بينهما \" خلاف \" وكان يهينه بأنواع \" الإهانات \" ويسبه، فيشمو ذلك إلى النجيبي فلا يلبي دعوته، ويقول له: \" أنت طلبت مشدا تركيا، وقد جاء ما طلبت \" .\rثم كاتب الشقيري في حقه، فورد الجواب بمصادرته، فصادره وضربه بالمقارع وعصره وعلقه، فكان كالباحث عن حتفه بظلفه، وباع موجوده وأماكن كان قد وقفها وحمل ثمن ذلك، ثم طلب إلى الباب السلطاني فتوجه، وحدث نفسه بالعود إلى منصبه، فأدركته منيته، فمات في ذي الحجة من السنة، ودفن في مستهل المحرم سنة سبع.\rواستهلت سنة سبع وستين وستمائة في هذه السنة في أولها،جهز السلطان من كان عنده من رسل الملوك فتوجهوا إلى مرسليهم\rتجديد الحلف للملك السعيد\rوفي يوم الخميس تاسع صفر سنة سبع وستين وستمائة:جلس السلطان في مرتبته،وجلس الأمير فارس الدين الأتابك والأمير عز الدين الحلي بين يديه،والصاحب بهاء الدين ، وكاتب الإنشاء .وكان قبل ذلك يتحدث مع الأمراء في أمر ولد الملك السعيد وتفويض الأمور إليه فأجابوا بالسمع والطاعة. وحلف الأمراء في هذا اليوم وسائر العساكر المنصورة.\rوفي ثالث عشر الشهر ركب الملك السعيد في الموكب كما يركب والده، وجلس في الإيوان، وقرئت عليه القصص. وفي العشرين من الشهر قرىء تقليده بتفويض السلطنة إليه. وهو من إنشاء المولى فخر الدين بن لقمان وخطه.\rونسخته بعد البسملة والعلامة السلطانية الظاهرية: \" الحمد لله الذي أجزل العطاء والمواهب، وضاعف النعماء التي يفيض شعابها، وأموه العيون نواضب، وضاعف عزا لا يعز معه مقصد، ولا يتعذر معه المطالب، وحلي عطا الأيام بالمحاسن التي تستر بها ما ظهر من المعايب. أحمده على نعمه التي تجلي بنورها ظلم الغياهب، والألطافلاالتي نظمت من المجد عقدة المتناسق ورده المتناسب \" .\r\" وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبلغ بها يوم الإشهاد قاصيه المنى، وتجعل كل صعب هينا. وأشهد أن محمد عبده الذي صدع بالحق معلنا. ورسوله الذي أظهر الإسلام وما تباحد عزمه ولا انثني، صلى الله عليه وعلى آله الذين شيدوا من المعالي البنا، وأصحابه الذين أحسنوا الله يحب من من كان محسنا \" .","part":8,"page":217},{"id":3728,"text":"\" وبعد: فإنا لما أتانا الله تعالى من السلطان الذي ملك به العز ما جمح ، والقدرة التي قربت من الآمال ما نزح ، والمهابة التي ملأت عيون الأعداء بالذل لا الوطف، والعزايم التي أذكرت من مواقف المهاجرين والأنصار ما سلف، والهمم التي نهضنا بها لفتح معاقل الكفار ، والجهاد الذي كانت أثارنا فيه من أحسن الآثار، والغزوات التي كان معروفها منكرا، والوقائع التي نصر الله فيها حزب الإيمان فأضحى الدهر ينشر حديثه متعطرا ، وشدأزرنا بولدنا الملك السعيد الأجل الكبير العالم العادل ناصر الدين بركه خاقان ، امتع الله الإسلام ببقائه ، وأفرعيون المجد بنصر لوائه،وتوسمنا فيه مخايل السعادة بادية الغرر،وظهرت فيه أدلة النجابة، والأدلة إذا ظهرت لاتستتر، وبدت فيه مساع أوجبت له مزبة التكريم، وعم فيها فضله فتغين أن يخص بالتعظيم، ولاحت منه إشارات يعرب عن الرشد، وتدل أنه في تدبيره حسن القصد، وسما نور هلاله فاتفقت النفوس أن يكون بدرا كاملا، ووثقت الآمال أن يرجع حاليا كل ما كان عاطلا،رأينا أن نفوض إليه حكم كل ما أمضى الله فيه حكمنا من البلاد، وتحققنا أن رائد نظرنا في أمره يصدق فيما اختار من الارتياد. وقلدناه أمر الديار المصرية والبلاد الشامية والقلاع والحصون، وهي: الديار المصرية، البلاد الشامية، البلاد الحلبية، البلاد الحموية، البلاد الحمصية. فهذا الملك إليه ممتد الرواق، ودو نظامه يتزين بحس الإنساق، ونواحيه مع اتساع محروسة بهممه، فكأنه خصر اشتمل عليه النطاق ،ونعم الله محروسة معه بالشكر ، مقيده عنده بالإطلاق ، والدين الحنيفي من عزمه عالي المنار ، والنفوس واثقة أن تكون بناصره دائمة الانتصار ، وأخبار نصره تحفظها الليالي مما تكرره ألسن العمار ، ومهابته تسري إلى قلوب الأعداء فتحول منها الأفكار ، والدولة الزاهرة به محاطة الأرجاء ، وسحائب إحسانه متدفق الأنواء ، وآثار نعمة الله فيها ظاهرة ، والله يحب أن يرى على عبده أثر النعماء.والشريعة المطهرة بتأييده نافذة الأحكام ، وأمورها مرعية بهممه التي أضحت المعالي أنها لا تنام.وأطلقنا تصرفه وحكمه في الخزائن والأموال، وتعيين الإقطاعات في الغيبه منا والحضور.وأمرنا أن لايرد أمره في جميع ما يقتضيه رأيه الشريف من الأمور .فبيديه الحل والعقد ،وإلى أبوابه ينتهي القصد .فقد أضحى بحمد الله حلية للمجد،والأيام تزهو به كما تزهو الدرر بواسطة العقد،وإليه في الأمور النقض والإبرام.وعليه المعتمد في فصل الأحكام.وإليه ترجع الولاية والعزل،وهو الفرع الذي زكا،ولا يزكو الفرع إلا إذا كان طيب الأصل.ومن شيمته الإقتداء بنا في بسط الإحسان والعدل وإحياء سنتنا مما يضفيه على الأولياء من ملابس الفضل،واقتفاء آثارنا في غزو بلاد الكفار،والمجاهدة التي تطول بها أيدي الكماة بالسيوف القصار،وإلى الله نرغب أن يوفقه لمراضيه،ويلهمه رشده فيما يستقبل من أموره،ويمضيه ويؤيده بالنصر الذي تروى أحاديثه وتتلى،ويمده بتوفيقه الذي يرشده من الضلال ناشئا وكهلا، ويساعده بالتأييد الذي يستجد له ذكرا خالدا لايبلى، والظفر الذي تستحلى أحاديثه إذا أعيدت، وإن كان الحديث المستعاد لايستحلى. ونسأل كل واقف على هذا التقليد أو من يسمع به الأمراء والنواب والعساكر المنصورة - أيدهم الله تعالى - امتثال أمره، والقيام بما يجب عليه من طاعته في سره وجهره، والنهوض في خدمة ركابه، والاجتهاد في تسهيل ما يصعب من طلابه، والمسير عند سيره تحت علمه، والالتجاء في السراء والضراء إلى حرمه، والوفود إلى جنابه المنيع المريع، فهو بحمد الله كعبة تحج عليها الآمال، وحرم خفف ما على الأعناق من أعباء الخدم الثقال. والاعتماد على الخط الشريف أعلاه، وكتب في عاشر صفر سنة سبع وستين وستمائة.\rوقرئ هذا التقليد بالإيوان بحضور الأمراء وأعيان الدولة واستمر جلوس الملك السعيد وركويه.\rوفي ثاني عشر جمادى الآخرة توجه السلطان إلى الشام واستصحب أكابر الأمراء وجماعة من العسكر المنصور. وفي غرة شهر رجب شرع السلطان في النفقة في الأمراء الذين صحبته، ونزل أرسوف لكثرة مراعيها.\rووصل إليه رسل أبغا بن هولاكو ، فقرئعلى السلطن كتابه ومعناه الرغبة في الصلح ، وأعاد الرسل بالجواب ، وكاتب أبغا نظير ما كاتبه به .\rتوجه السلطان على البريد إلى الديار","part":8,"page":218},{"id":3729,"text":"متنكرا وعوده إلى مخيمه بخربة اللصوص ولم يعلم من به بتوجهه قال القاضي عبد الله بن عبد الظاهر في السيرة الظاهرية عن هذه الوقعة حسبما أملاه السلطان من لفظه: لما خرج السلطان من دمشق ، بعد تجهيز رسل أبغا ، ودع الأمراء كلهم وتوجهوا إلى الديار المصرية ، ولم يبق معه من الأمراء الأكابر غير الأتابك، والمحمدي ، والأيدمري ، وأبن أطلس خان ، وأقش الرومي ، توجه إلى القلاع ، فابتدأ بالصبيبة ومنها إلى الشقيف وصفد ، وبلغه وفاة الأمير عز الدين الحلى ، فكتب إلى الأمير شمس الدين آقسنقر استاد الدار بالحضور بالأثقال والعساكر إلى خربة اللصوص والعسكر قد خيم بها. وخطر له التوجه إلى الديار المصرية ، فكتب إلى النواب بالشام بمكاتبة الملك السعيد والإعتماد على أجوبته ، ورتب أنه كلما جاء بريد يقرأ عليه ويخرج علائم على دروج بيض تكتب عليها اجوبة البريد ، واستقرة هذه القاعدة مدة .\rوفي رابع عشر شعبان أظهر تشويشا ، وأحضر الحكماء إلى الخيمة وحصل احتفال ظاهر بهذا الأمر ، وأصبح الأمراء فدخلوا وشاهدو مجتمعنا في صورة متألم ، وكتب إلى دمشق باستدعاء الأشربة .\rوتقدم إلى الأمير بدر الدين الأيد مري وسيف الدين بكتوك جرمك الناصري ، بأنهما يتوجهان إلى حلب على خيل البريد ، وودعاه وصحبتهما بريدي ، وتوجها في ليلة السبت سادس عشر شعبان ، وأوصاهم أنهم إذا ركبوا يحيدون إلى خلف الدهليز ليتحدث معهم مشافهة .\rوجهز آقسنقر الساقي في البريد إلى الديار المصرية زأعطاله تركاشة ، وأمره بالوقوف خلف خيمة الجمدارية خلف الدهليز . ولبس السلطان جوخة مقطعة وتعمم بشاش دخاني عتيق ، وأراد أن يخرج ولا يعلم به الحارس ، فأخذ قماش نوم لأحد المماليك ، وطلب خادما من خواصه وقال له : ها أنا خارج بهذا القماش فامش أمامي ، فإن سألك أحد فقل : هذا بعض البابية معه قماش أحد الصبيان حصل له مرض وما يقدر يحضر إلى الخدمة هذه الليلة ، وهذا غلامه خارج إليه بقماشه .\rفخرج بهذه الحيلة ، وتوجه إلى الجهة التي واعد آقسنقر إليها . وكان قد سير بهاء الدين أمير آخور ومعه أربعة أرؤس من الخيل ، وأمره أن يقف بها في مكان ، فتوجه إليه ، وأخذ آقسنقر الخيل ، وسير بهاء الدين أمير آخور إلى التل فأحضر الأيدمري ورفقته ، وساق بهم السلطان وهم لايعرفونه فلما اختلطوا قال للأيدمري : \" تعرفني ؟ \" قال : \" أي والله \" ، وأراد النزول لتقبيل الأرض فمنعه . وقال : لجرمك \" تعرفني \" ، فقال : \" إيش هذا ياخوند \" ؟ فقال له : \" لاتتكلم \" وكان معهم علم الدين شقير مقدم البريدي فصاروا خمسة ، معهم أربعة جنائب من خيل السلطان الخاص .\rوساقوا إلى جهة مصر ، فوصلوا إلى القصير المعيني نصف الليل ، فدخل السلطان ليأخذ فرس الوالي ، فقام إليه يهاوشه بأربعين خمسين راحلا ، وقال له : \" هذه الضيعة ملك السلطان ما يقدر أحد يأخذ منها فرسا، فإن رحتم وإلاقاتلناكم \" .\rفتركوه وتوحهوا إلى بيسان فأتوا دار الوالي وقالوا : \" نريد خيلا للبريد \" .\rفقال : \" انزلوا خذوا \" ، فنزلوا ،وقعد السلطان عند رجلي الوالي وهو نايم .\rثم قال للأيد مري \" الخلائق على بابي وأنا على باب هذا الوالي لايلتفت إلى، ولكن الدنيا نوب \" .وطلب من الوالي كوزا فقال : \" ما عندنا كوز ، إن كنت عطشان اخرج واشرب \" فأحضر له الأيدمري كوزا شرب منه . وركبوا فصابحوا جينين ، فوجدوا خيل البريد بها عرجا معقرة ، فركب السلطان منها فرسا ما كاد يثبت عليه من رائحة عقوره . ولما وصلوا العريش قام السلطان والأمير سيف الدين جرمك ونقيا ابلشعير . فقال السلطان للأيدمري : \" أين السلطنة ، واستاد الدار ، وأمير جا ندار الخلق الوقوف في الخدمة ؟ هكذا تخرج الملوك من ملكهم ، وما يدوم إلا الله سبحانه وتعالى \" .","part":8,"page":219},{"id":3730,"text":"ووصلوا إلى قلعة الجبل ليلة الثلاثاء الثلث الأول، فأوقفهم الحراس حتى شاوروا الوالي. ونزل السلطان في باب الأسطبل وطلب أمير آخور، وكان قد رتب مع زمام الأدر أنه لا يبيت إلا خلف باب السر ، فدق السلطان باب السر ، وذكر علايم لزمام الأدر ، ففتح الباب ، وأحضر السلطان رفقته إلى باب السر ، وأقام هووهم يومي الثلاثاء والأربعاء وليلة الخميس لايعلم بهم أحد إلا زمام الأدر ، وهو ينظر إلى الأمراء وغيرهم في سوق الخيل . فلما قدم الفرس للملك السعيد يوم الخميس قدم أمير آخور للسلطان فرسه . ولم خرج الملك السعيد ما أحس إلا والسلطان قد خرج إليه ،فخاف، فلما عرفه قبل الأرض ، وركب السلطان وخرج والوقت مغلس ، فأنكر الأمراء ذلك ووضعوا أيدهم على قبضة سيوفهم وطلعوا في وجه السلطان فلما حققوه قبلوا الأرض . وساق السلطان إلى ميدان العيد ، وعاد إلى القلعة ، فقضى أشغال الناس،ولعب الكرة يوم السبت .\rوتوجه يوم الأحد إلى مصر لرمي الشواني ، وركب في الحراريق ، وسافر ليلة الأثنين على البريد . ولما قربوا من الدهليز المنصور رد الأيدمري وجرمك إلى خيامهم ، وأخذ السلطان جراب البريد على يده وفي كفه فوطة ، وتوجه راجلا ودخل من جهة الحراس ، فمانعه حارس وأمسك الحارس أطواقه ونتشه ، فانجذب منه ودخل من باب الدهليز . وركب عصر يوم الجمعة ، وحضر الأمراء إلى الخدمة ، فأظهر أنه كان متغلث المزاج ، وضربت البشائر بالعافية ، ولم يدر بهذه الأمور إلا الأتابك واستاد الدار وخواص الجمدارية .\rوفي هذه السنة في تاسع جمادى الآخرة رسم السلطان بأبطال الخواطي من القاهرة ومصر والديار المصرية ، وأمر بحبسهن وتزويجهن .\rوفيها أيضا وردت الأخبار أن زلزلة حدثت ببلاد مسيس أخربت قلاعها مثل سر فند كار،وحجر شعلان ، وقتل بسببها جماعة حتى سال النهر دما .\rوفاة الأمير عز الدين أيدمر الحلى\r\" الصالحي نائب السلطنة \" لما خرج السلطان لسماع رسالة الملك أبغا خرج الأمير عز الدين المذكور في خدمته ، فلما استقر السلطان طلب دستورا وتوجه إلى دمشق لملاحظة أملاكه، فلما دخل السلطان إلى دمشق أطلق له شيئا كثيرا، وزار السلطان فقيرا بجبل الصالحية ومعه الأمير عز الدين، فقام عز الدين ليجدد الوضوء، فقال الشيخ للسلطان: \" هذا يموت في هذه الأيام ولا يخرج من دمشق \" ، وكان إذ ذاك كالأسد قوة، فمرض في اليوم الثاني،وتوفي في أوائل شعبان سنة سبع وستين.وحضر ولده إلى الدهليز بخربة اللصوص فأحسن السلطان إليه وسيره إلى القاهرة. ولما وصل السلطان إلى القاهرة أمره بأربعين فارسا.\rوفيها: توفي الأمير أسد الدين سليمان بن الأمير عماد الدين داود عز الدين موسك الدوادى الهذباني، من بيت الإمرة وله اختصاص كبير بالملوك والتقدم عندهم. وجده الأمير عز الدين من أكابر الأمراء الصالحية، وترك أسد الدين هذه الخدم وتزهد ولازم مجالس العلماء، ولبس الخشن من الثياب، وكانت له نعمة عظيمة ورثها من أبيه فأذهبها، ولم يبق له سوى ريع أملاكه، فكانت تقوم بكفايته إلى أن توفي في يوم الثلاثاء مستهل جمادى الأول بدمشق، ودفن بقاسيون وله شعر حسن، رحمها لله تعالى.\rتوجه السلطان إلى الحجاز\rقال: لما قوى عزم السلطان على الحجاز الشريف كتم ذلك، وأنفق ونفى من جيشه، وجرد جماعة صحبة الأمير جمال الدين أقش الرومي السلاح دار، وهم المتوجهون صحبة السلطان، وجرد العساكر التي بقيت صحبة الأمير شمس الدين آفسنقر أستاد الدار إلى دمشق، فنزلوا بظاهرها.\rوتوجه السلطان إلى الكرك في صورة أنه يتصيد، فوصل إلى الكرك في مستهل ذي القعدة، وكان رسم بتجهيز جميع ما يحتاج إليه برسم الحجاز هناك. فسير الثقل في رابع ذي القعدة، وتوجه السلطان في السادس من الشهر إلى الشوبك، وتوجه منه في حادي عشر الشهر، ووصل إلى المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، في الخامس والعشرين منه، فزار ورحل في السابع والعشرين. فقدم مكة، شرفها الله تعالى، في خامس ذي الحجة، فتصدق بصدقات وافرة وكساوي كثيرة، وبقي كأحد الناس بغير حاجب، ثم غسل الكعبة، وبقي في وسط البيت، ومن رمى له إحرامه غسله له بما ينصب من الماء في الكعبة ويرميه إلى صاحبه،ثم جلس على باب الكعبة وأخذ بأيدي الناس ليطلع بهم إلى الكعبة.وتعلق أحد العوام به","part":8,"page":220},{"id":3731,"text":"فلم يصل إلى يده لازدحام الناس عليه، فتعلق بإحرامه وكاد يرميه إلى الأرض وهو مستبشر بهذا الأمر، وعلق كسوة البيت الشريف ورفعها بيده على أركان البيت الشريف هو وخواصه. وسبل البيت الشريف لسائر الناس، وتردد إلى الصالحين. وكان قاضي القضاة صدر الدين سليمان معه في طول الطريق يستفتيه. وكتب إلى صاحب اليمن كتابا ينكر عليه أمورا وكتب فيه: \" سطرتها من مكة وقد أخذت طريقها في سبع عشرة خطوة \" يريد بالخطوة المنزلة. وقضى السلطان فرض الحج ومناسكه كما يحب، محلق، ونحر، وأحسن إلى أميري مكة، شرفها الله تعالى: الأمير نجم الدين أبي نمى، والأمير إدريس بن قتادة، إلى صاحب ينبع و \" أمير \" خليص، وزعماء الحجاز كلهم، وطلب أميرا مكة نائبا من السلطان، فرتب شمس الدين مروان. وزاد أميري مكة جملة من الغلال في كل سنة بسبب تسبيل البيت الشريف، وزاد أمراء الحجاز، إلا جما ومالك أميري المدينة، فإنهما انتزحا من بين يديه.\rوخرج السلطان من مكة، شرفها الله تعالى، في ثالث عشر ذي الحجة، ووصل إلى المدينة في العشرين منه، وخرج في بكرة النهار الثاني، ووصل إلى الكرك في يوم الخميس سلخ ذي الحجة.\rواستهلت سنة ثمان وستين وستمائة واستهلت سنة ثمان وستين وستمائة والسلطان الملك الظاهر بقلعة الكرك، فأقام بها حتى صلى الجمعة، وركب من الكرك بعد الصلاة مستهل المحرم في مائة فارس جريدة، وعلى يد كل واحد من أصحابه جنيب، وساق إلى دمشق. فلما قارئها والناس لا يعلمون شيئا من حاله ولا يجسر أحد يتكلم، سير أحد خواصه في البريد بكتب البشاير بسلامته وقضاء حجة إلى دمشق. فأحضر الأمير الأمير جمال الدين النجيبي الأمراء وغيرهم ليقرأ عليهم كتاب البشري، فبينما هم في ذلك وقد بلغهم أن السلطان في الميدان. فتوجه إليه الأمير جمال الدين النجيبي فوجد السلطان قد نزل بالميدان بمفرده ووهب فرسه لإنسان من مناديه سوق الخيل عرفة وقبل الأرض بين يديه وحضر الأمراء إلى الخدمة وأكلوا شيئا، وتوجهوا ليستريح السلطان، فقام وركب في جماعته اليسيرة وتوجه إلى حلب، فعادوا إلى الخدمة فلم يجدوا أحدا. ودخل السلطان حلب والأمراء في الموكب فساق إليهم فما عرفة أحد، وبقي ساعة ثم عرفة الصروري، فنزل في الأمراء وقبلوا الأرض، ونزل بدار السلطنة بحلب، وشاهد قلعتها، وعاد منها، فوصل إلى دمشق في ثالث عشر المحرم، ولعب الكرة وركب في ليلته وتوجه إلى القدس والخليل عليه الصلاة والسلام فزار تلك الأماكن المقدسة وتصدق. وكان العسكر المصري قد سبقه صحبة الأمير شمس الدين آفسنقر استاد الدار إلى تل العجول. هذا كله وما غير عباءته التي عليه، وذلك كله في عشرين يوما. وركب من تل العجول ووصل إلى قلعة الجبل في ثالث صفر.\rثم توجه إلى ثغر الإسكندرية في ثاني عشر صفر ودخل الثغر في الحادي والعشرين من الشهر. وكان الصاحب بهاء الدين قد سبقه إلى الثغر وجهز الأموال والتعابي من الأقمشة، فخلع على الأمراء وأنعم عليهم بالتعابي والنفقات. ولعب الكرة بالإسكندرية. وخرج منها إلى الحمامات، ونزل بالليونة، وابتاعها من وكيل بيت المال.\rوبلغه حركة التتار فعاد إلى قلعته، فوصل إليها في ثامن ربيع الأول سنة ثمان وستين وستمائة.\rتوجه السلطان إلى الشام جريدة\rقال: ولما بلغ السلطان حركة التتار، وأنهم تواعدوا مع فرنج الساحل، وأن التتار أغاروا على الساجور بقرب حلب، وعلى جهة أخرى وأخذوا مواش العربان، فأراح العسكر وجرد الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار بجماعة من العسكر ليقيموا في أوائل البلاد الشامية. وركب في جماعة يسيرة من قلعته، وذلك في ليلة الاثنين حادي عشرين شهر ربيع الأول ووصل إلى غزة، وتوالت الأمطار، فوصل إلى دمشق في سابع شهر ربيع الآخر، ووردت إليه الأخبار برجوع التتار لما بلغهم خروجه، فأغار على عكا، واستولى على بلاد الإسماعيلية على ما نذكره إن شاء الله تعالى. واقام السلطان بالشام بقية سنة ثمان وستين وستمائة.\rوفي هذه السنة نصيب الدارابزين على الحجرة الشريفة النبوية. وذلك أن السلطان لما توجه إلى الحجاز رأى الضريح النبوي والزوار تقف إلى جانب الحائط، فرأى أن يعمل داربزبنا ليكون حرما حول الحجرة، فأمر بعمله، فعمل وكمل، وسير إلى المدينة في سنة ثمان وستين صحبة الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن الخليلي، فنصب.","part":8,"page":221},{"id":3732,"text":"وفيها: كانت وفاة قاضي القضاة محيي الدين أبي الفضل يحيى بن قاضي القضاة محيي الدين أبي المعالي محمد بن قاضي القضاة زكي الدين أبي الحسن على بن قاضي القضاة مجد الدين أبي المعالي محمد بن قاضي القضاة زكي الدين أبي الفضل يحيى بن على بن عبد العزيز العثماني. وكانت وفاته بفسطاط مصر في رابع عشر شهر رجب سنة ثمان وستين. ودفن بالقرافة.\rومولده بدمشق في ليلة الجمعة الخامس والعشرين من شعبان سنة ست وتسعين وخمسمائة، ورياسته وأصالته أشهر من أن يأتي عليها.\rوفيها: توفي الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين على، وزير الصحبة، ضحى يوم الاثنين الحادس والعشرين من شعبان ودفن بكرة نهار الثلاثاء بتربتهم بالقرافة. ومولده في اثنين وعشرين وستمائة بفسطاط مصر، وفوضت وزارة الصحبة بعده لولده الصاحب تاج الدين محمد.\rوفيها: نوفي الصاحب الوزير زين الدين أبو يوسف يعقوب بن عبد الرفيع بن زيد الزبيري، المعروف بابن الزبير نسبة إلى الزبير بن العوام الأشدي رضي الله عنه. وكانت وفاته في ليلة الأربعاء رابع عشر شهر ربيع الآخر.ومولده سنة ست وثمانين وخمسمائة. وكان عالما فاضلا رئيسا يتكلم باللغة التركية. وزر للملك المظفر فظفر،ثم وزر بعده للسلطان الملك الظاهر أياما، ثم عزله، فلزم داره إلى أن مات، رحمه الله تعالى، وكان له شعر حسن رقيق.\rوفيها: توفي الشيخ الإمام الخطيب أصيل الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عمر بن على العوفي الأسعردي المولد. قدم دمشق في الدولة الصالحية وولى الخطابة بها. ثم عزل بالشيخ عز الدين بن عبد السلام، وعاد ثم عزل بالقاضي عماد الدين بن الحرستاني. وانتقل إلى الديار المصرية صحبة الملك المظفر في سفرته التي قتل فيها. وتولى خطابة الجامع الصالحي خارج بابي زويلة. وتولى نيابة الحكم بالشارع الأعظم نيابة عن قاضي القضاة بدر الدين السنجاري. واستمر على الخطابة والحكم إلى أن توفي في يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وستين في بيت الخطابة قبل صلاة الجمعة، وجاء ريس المؤذنين كما جرت العادة فوجده ساجدا وعليه ثياب الخطابة وقد قضى نحبه، فأحضر ولده في تلك الساعة وأعلم بموت والده، فطلع النبر وخطب وصلى بالناس. ودفن الخطيب في بكرة يوم السبت بسفح المقطم بقرافة سارية. وكان لطيفا حسن العبادة والصوت. وله تصانيف ونظم ونثر، رحمه الله تعالى.\rواستلت سنة تسع وستين وستمائة في هذه السنة، توجه السلطان إلى عسقلان في سابع صفر فهدمها وعفي آثار عمارتها ورمى حجارتها في ميناها، وعاد فوصل إلى قلعته في ثامن شهر ربيع الأول.\rوفيها: هلك الملك المحبير هيتوم بن قسطنطين صاحب سيس؛ ووردت مطالعة ولده ليفون في سابع عشرين شهر ربيع الأول مضمومها:أنه لما كان في خامس عشرين تشرين الأول ترهب والده وانتقل إلى الدير وخرج عن أمور الدنيا. فلمافلما كان في نهار الثلاثاء ثامن عشرين تشرين الأول وهو حادي وعشرين ربيع الأول مات وقت مغيب الشمس، وسأل شموله بالمراحم السلطانية في ضمه إلى جناح الرحمة. فكتب بتغريته بأبيه وتهنئته بما صار إليه من الملك، وإطابة قلبه.\rالقبض على الملك العزيز فخر الدين\rعثمان بن الملك المغيث صاحب الكرك والأمراء الشهر زورية قد ذكرنا أن السلطان لما تسلم الكرك من المشار إليه بعض القبض على والده أمره بمائة فارس. واستمر المذكور في الخدمة الشريفة ولازم السلطان في أسفاره وغزواته. وكان يلعب معه بالكرة، ويحضر معه في أوقات الصيد وغير ذلك من مشاهده العامة. وظهرت منه شهامة. وأحسن رماية النشاب وأخذ نفسه في ذلك بمأخذ الفرسان الشجعان. ولما كان السلطان","part":8,"page":222},{"id":3733,"text":"على هدم عسقلان أفرد له جانبا يهدمه، فمر السلطان عليه في بعض الأيام وهو قائم يستعمل الرجالة ومحثهم على الهدم ويجتهد فيما هو فيه. فبينما السلطان ينظر إليه ويتأمله إذا انهدم ما تحته من البناء فوثب من مكانه وألقى نفسه إلى الأرض ووثب أخرى فسلم والسلطان ينظر إليه. فعجب السلطان من اهتمامه مع حداثة سنه. ثم عاد إلى ما كان عليه من الهدم ولم يتأثر لذلك. وبينما السلطان في أواخر هدم عسقلان ورد عليه كتاب نائبه الأمير بدر الدين الخزندار يستحثه على العود إلى قلعة الجبل، ويعمله أنه لا يأمن وثوب الأمراء الشهرزورية، وأن قدرته تضعف عن مقاومتهم في غيبة السلطان. وحال ورود كتابة أمر الناس بالرحيل ورجع لوقته إلى الديار المصرية. ولما رجع رمي الملك العزيز بقوة وحش بيده في أثناء الطريق وحملها إلى السلطان والأمير شمس الدين المذكور: انظر إلى هذا الصغير وما هو عليه، والله ما يقصر؟؟. فقال له سنقر الأشقر: لقد ربيت حية صغيرة بين ثيابك تنتفع بها إذا كبرت. وكان سنقر الأشقر يكرهه لقبض أبيه عليه وتسليمه للملك الناصر واعتقاله كما تقدم، فأراد مكافأته في ولده. ولما وصل السلطان إلى قلعة الجبل في ثامن شهر ربيع الأول، كما تقدم، نزل إلى الميدان في يوم الثلاثاء الثاني عشر من الشهر ولعب الكرة، ودخل الملك العزيز على عادته إلى الميدان ولعب بالكرة فجاء الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ليأخذ الكرة منه، والملك العزيز مجتهد في ضربها، ورفع جوكانه ليضربها فوقع في رأس الأمير شمس الدين ولم يقصد ذلك، فكاد أن يسقط إلى الأرض لولا \" أن \" اعتنق عنق فرسه حتى سكن ما به من ألم الضربة. فجاء السلطان إليه وهو يمازحه، فقال له: \" كاد هذا الصغير أن يرميك عن فرسك حتى اعتنقت رقبته. \" فنظر إلى السلطان وقال: \" والله إن كان اليوم ما رماني، فغدا يرميك أنت، وهذا الصبي والله لك بئس الذخيرة \" . فلما كان في يوم الخميس رابع عشر الشهر جلس السلطان في مجلسه واستدعى الأمراء الشهرزورية وهم عشرة منهم: الأمير بها الدين يعقوبا، وتوتلت وسنقران وقبض عليهم، وقبض على الملك العزيز معهم واعتقلوا، ثم أحضر الأمراء الشهرزورية وغيرهم وقرررهم، فاعترفوا أنهم قصدوا قتل الملك السعيد ابنه، وقيامهم بالأمر فإن أطاعهم الناس وإلا أقاموا الملك العزيز، فسألهم: \" هل كان هذا الأمر عن مباطنته؟ \" فحلفوا أنه لم يطلع على ما عزموا عليه ولا باطنهم فيه. واستمر الملك العزيز في الاعتقال إلى آخر أيام الملك السعيد عندما حوصر بالقلعة فأفرج عنه وعن الأمراء الشهرزورية وغيرهم. وكان قد رزق أولادا في اعتقاله في الدولة الظاهرية، فلما أفرج عنه الملك السعيد أمره أن ينصرف في حال نفسه ويتوجه إلى الأمراء إن أحب ذلك، أو يقيم بالقلعة إلى أن ينفصل الأمر. وخرج بعض من أفرج عنهم إلى الأمراء فقبضوا عليهم واعتقلوهم، فخشي الملك العزيز من ذلك فسأل أن يرجع إلى معتقله ويقيم مع أولاده فرجع إليهم، فاستمر في الاعتقال إلى أن ملك الملك الأشرف خليل بن السلطان الملك المنصور قلاون فأفرج عنه في سنة تسعين وستمائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rولنرجع إلى سياقة أخبار الدولة الظاهرية: وفي عاشر جمادى الآخرة من السنة توجه السلطان إلى الشام وصحبته ولده الملك السعيد، فكان دخول الملك السعيد إلى دمشق في ثامن شهر رجب. وخرج هو والأمير بدر الدين الخزندار من جهة القطيفة. وكان السلطان قد توجه من جهة بعلبك ووصل إلى طرابلس، فأغار وقتل وفتح صافيتا وحصن الأكراد وحصن عكا وبلاد الإسماعلية، وغير ذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوفيها في تاسع شوال: دخل الشيخ خضر شيخ السلطان إلى دمشق، وجاء إلى كنيسة اليهود وأخرجهم منها وجعلها زاوية، وعمل لأصحابه بسيسة عشرة قناطير بالدمشقي، فأكلوا منها، وحضر المغاني تعمل سماعا ورقصوا على بقية البسيسة بأرجلهم، فما أفلح بعد ذلك. فاجتمع اليهود وخرجوا عن مظالم كانت بينهم ورفعوا أصواتهم بالدعاء وقالوا: \" يا محمد بن عبد الله، نحن في ذمتك وعهدك، لا دولة لنا ولا سلطان، فانتصر لنا \" . فكانت حادثة السيل، وخروج الشيخ خضر من الكنيسة على صورة منكرة.\rحادثة السيل بدمشق","part":8,"page":223},{"id":3734,"text":"وقي ثاني عشر شوال سنة تسع وستين وستمائة، وهو يوم عيد عنصرة اليهود، جاء سيل عظيم على دمشق في الساعة الثامنة من النهار، وعلا على سور دمشق قدر رمح، وفي بعض المواضع أحد عشر ذراعا، ودخل من باب الفراديس بعد أن خرب حسره، وأهرب جسر بابي السلامة وتوما، ووصل إلى المدرسة الفلكية وصار فيها مقدار قامه وبسطه. واستمر ثلاث ساعات من النهار وهبط. وكان مبدأ هذا السيل إنه انعقد على جبال بعلبك غيم متكاثف فسمع لرعده دوى هائل في يوم السبت حادي عشر شوال، وكان بذلك الوادي ثلوج كثيرة، فوقع المطر على الثلوج فحلها، وسال في يوم الأحد من جهة عين الفيجة بعد أن رمى فيها صخورا عظيمة ساقها بين يديه، واقتلع أشجار جوز عادية، وانتهى إلى دمشق وخرب عدة كثيرة من دور العقبية، وخرب حيطان الميدان وقطاير البساتين، وأهلك خلقا كثيرا من الروم والعجم كانوا قد قدموا حجاجا ونزلوا بالميدان وغرقوا عن آخهم هم وجمالهم ودوابهم، وأغرق من الحيوانات على اختلاف أجناسها مما لا يعد كثرته، وردم الأنهار بطين أصفر، واقتلع الأشجار من أصولها، ودخل السلطان بعد ذلك بأيام إلى دمشق فما وجد بها ماء ولا حماما يدور، وشرب الناس من الصهاريج والآبار ويقال أنه هلك بهذا السيل عشر آلاف نفس، وأخذ الطواحين بحجارتها.\rوحكي أن فقيرا يعرف بالخير حضر إلى دار نائب السلطنة بدمشق قبل هذه الحادثة وقال: \" عرفوا الأمير أن أريد أعدو إلى بعلبك \" . فقال له الأمير: \" رح، أجر \" . وضحكوا منه فتوجه، وعاد وهو ينذر الناس بالسيل فضحكوا منهم ولم يعبأوا بكلامه بكلامه فما أحسوا إلا والسيل قد هجم.\rوفي هذه السنة: عزل قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكاه عن قضاء دمشق، وخرج منها ذي القعدة. وكانت مدة ولايته عشر سنين سواء. وقلد القضاء بعده بالشام قاضي القضاة، عز الدين أبو المفاخر محمد بن عبد القادر المعروف بابن الصايغ، وكان تقليده قد كتب والسلطان على طرابلس، وتأخر إلى أن حضر السلطان إلى دمشق، وكان وصول السلطان إلى دمشق، وكان وصول السلطان إلى دمشق في يوم الأربعاء خامس عشر شوال.\rسفر الشواني الإسلامية إلى قبرس\rوكسرها وأسر من كان بعا وخلاصهم وفي شوال سنة تسع وستين وستمائة: كتب السلطان من الشام إلى الديار المصرية بتسفير الشواني لقصد قبرس، فأشار ابن حسون برأي كان بئس الرأي، وهو أنه قال: \" لو دهنت الشواني سواد تشبها بشواني الفرنج، وعملت لها أعلام بصلبان حتى إذا دخلت إلى بلاد الفرنج يعتقدونها لهم، فتغتنم الغرة منهم \" فاتبع رأيه. وتتطاير الناس بذلك، وسافرت الشواني فانكسرت بالقرب من قبرس فورد كتاب صاحب قبرس إلى السلطان وفيه تقريع: \" إن الشواني كسرها الريح وأخذتها، وهي أحد عشر شينيا، وأسرت من فيها \" . فكتب السلطان إلى الديار المصرية وهو بالشام بإنشاء عشرين شينيا وإحضار خمسة شواني كانت بقوص. وأجاب \" السلطان \" صاحب قبرس بتقريع وتوبيخ، ويعلمه أنه فتح القرين في كلام كثير تركنا إيراده اختصارا. وبقي القواد في الأسر هم والرماة. ففادي بهم الفرنج أسرى، وبقي الاحتياط على الرؤساء وهم ستة نفر، منهم ريس الإسكندرية، وريس دمياط، وأبو العباس المغربي وغيرهم. واستمروا في الأسر إلى سنة ثلاث وسبعين وستمائة. وقصد السلطان ابتياعه وسير الأمير فخر الدين المقري الحاجب إلى صور بسبب ذلك، فتغالى الفرنج فيهم. وكانوا قد نقلوا إلى عكا وحصل الاحتزام عليهم، وجعلوا في حبس حصين. فرسم السلطان للأمير سيف الدين بن خطلبا - أحد النواب بصفد - بسرقتهم، فأرغب الموكلين بهم بالمال حتى دخلوا إليهم بمبارد ومناشير، وسرقوا من جب القلعة، وخرجوا في مركب. وكانت خيل مهيأة، فركبوا ووصلوا إلى القاهرة ولم يدر بهم أحد بعكا. ثم قامت فتنة بعكا بسببهم.\rعود السلطان إلى قلعته ووصول رسل اليمن،\rواهتمامه بأمر الشواني، وما أنعم به من الخلع والخيول على الأمراء والأجناد قال: وسار السلطان إلى الديار المصرية فدخل قلعة الجبل في ثاني عشر ذي الحجة سنة تسع وستين، وعند وصوله جهز الأمير شمس الدين آفسنقر أستاد الدار بالعساكر إلى الشام، فخرجوا في الشهر المذكور.\rووصلت هدية صاحب اليمن في الشهر \" المذكور \" وفيها التحف الثمينة وفيل ودب أسود.","part":8,"page":224},{"id":3735,"text":"والي السلطان النزول إلى مصر بنفسه والأمراء في خدمته لمباشرة عمل الشواني وفي الشهر المذكور خلع وفرق بالميدان على ألف وسبعمائة نفر من الأمراء والخلقة أثمان خيل، وفرق ألفا وثمانمائة وخمسين رأسا، وذلك في ثاني عشرين الشهر. ثم عاد العطاء في الثالث والعشرين منهم حتى فرغ الناس وعمهم بالعطاء، ولازم صناعة الإنشاء عدة أيام بسبب الشواني.\rالقبض على من يذكر من الأمراء\rوفي هذه السنة في خامس عشر ذي الحجة أمر السلطان بالقبض على جماعة من الأمراء منهم الأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير، والأمير جمال الدين الأقش المحمدي، والأمير جمال الدين أيدغدي الحاجبي الناصري، والأمير عز الدين إيغان الركني سم الموت، والأمير شمس الدين سنقر المساح، والأمير سيف الدين بيغان الركني، والأمير علم الدين سنجر طردح الأمدي وغيرهم، وحبسوا في قلعة الجبل.\rوسبب ذلك أن السلطان بلغه عنهم وهو بالشقيف أنهم قد عزموا على القبض عليه، فأسرها في نفسه إلى أن وصل إلى القاهرة وقبض عليهم واعتقلهم، ثم أفرج بعد ذلك عن بعضهم.\rوفيها: في سابعه عشر ذي الحجة تقدم أمر السلطان بلإراقة الخمور في سائر بلاده، والوعيد لمن يعصرها بعد ذلك بالقتل والنهب. فأهريقت بأعمال بالديار المصرية وأبطل ضمانها، وكان في كل يوم بالديار المصرية خاصة يزيد على ألف دينار وكتب بذلك توقيع قرئ على الناس بالقاهرة ومصر.\rوفي هذه السنة: أمر السلطان بإنشاء جامع بمنشأة المهراني، وهي التي على نهر النيل، والخليج الحاكمي فارق بينهما وبين مصر، فعمر.\rوفيها: توفي قاضي القضاة شرف الدين أبو حفص عمر بن عبد الله بن صالح بن عيسى السبكي المالكي قاضي قضاة المالكية بالديار المصرية. وكانت وفاته بالقاهرة في ليلة الأحد الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة تسع وستين وستمائة. ودفن في الغد بمقابر باب النصر. ومولده بالصالحية من الأعمال القليوبية في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وخمسمائة. وكان رحمه الله تعالى عالما، وكان قد ولي الحسبة بالقاهرة مدة وعقود الأنكحة، ثم ولي نيابة الحكم بالقاهرة عن قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز. ثم فوض إليه القضاء أحد الأربعة كما تقدم ذكر ذلك، رحمه الله تعالى. وولي بعده قضاء المالكية القاضي نفيس الدين أبو البركات محمد بن القاضي المخلص هبة الله بن القاضي كمال الدين بن السعادات أحمد بن شكر.\rوفيها: أيضا توفي القاضي شمس الدين أبو إسحاق إبراهيم بن المسلم بن هبة الله بن البارزي قاضي حماة الشافعي، رحمه الله، وولى قضاة حماة في سنة اثنتين وخمسين وستمائة، واستمر إلى أن توفي الآن.\rوفيها: كانت وفاة الملك الأمجد تقي الدين أبي الفضائل عباس بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب. وهو آخر من مات من أولاد الملك العادل، وكان محترما عند الملوك الأيوبية، معظما عند السلطان الملك الظاهر، لا يرتفع عليه أحد من المجلس ولا الموكب وكان رحمه الله دمث الأخلاق سمحا كريما عاقلا حازما. وكانت وفاته بدمشق في يوم الجمعة ثاني عشرين جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون، وليس له عقب.\rوفيها: توفي القاضي كمال الدين أبو السعادات أحمد بن الوزير فخر الدين الأعز أبي الحمايل مقدام بن القاضي كمال الدين أبي السعادات أحمد بن شكر كان أحد الأكابر المشهور بن الديار المصرية متأهل للوزارة وغيرها. وهو خال قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز، رحمهما الله تعالى، وكانت وفاته بالقاهرة في السادس والعشرين من شهر رمضان ودفن في الغد من يوم وفاته بسفح المقطم، وكان يومئذ ناظر بيت المال، رحمه الله تعالى.\rوفيها: توفي الأمير علم الدين سنجر الصيرفي وكان من أعيان الأمراء بالديار المصرية، فلما تمكن السلطان الملك الظاهر أخرجه إلى الشام وأقطعه إقطاعا جيدا وزاده عدة قرى ببعلبك، فتوجه إليها فمات في يوم الأربعاء سادس صفر وهو في عشر الستين رحمه الله تعالى.","part":8,"page":225},{"id":3736,"text":"وفيها: توفي الشيخ العارف قطب الدين أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد بن سبعين المرسي الزقوطي، أحد المشايخ المشهورين بسعة العلم، وله تصانيف عدة وجماعة كثيرة ينسبون إليه، وأقام بمكة سنين كثيرة إلى أن توفي بها في الثامن والعشرين من شوال من هذه السنة، ومولده في سنة أربع عشر وستمائة. والوقوطي نسبة إلى حصن من عمل مرسية يسمى زقزطة رحمه الله تعالى.\rوفيها: توفي العدل الرئيس زين القضاء أبو المكارم عبد الوهاب بن القاضي الرئيس فخر القضاء أبي الفضائل أحمد بن المرتضى أبي عبد الله محمد بن الجليس أبي المعالي عبد العزيز بن الحسين بن عبد الله بن الحباب التميمي السعدي الأغلبي، سمع وحدث وهو من بيت الرياسة والعدالة والفضل بالديار المصرية منذ سكنوها، وهم من ذرية زيادة الله بن الأغلب آخر ملوك بني الأغلب بإفريقية.\rوكانت وفاته بمصر في التاسع والعشرين من جمادى الأول من السنة. ومولده في غرة المحرم سنة تسع وثمانين وخمسمائة.\rوفيها: توفي الطواشي الأمير شجاع الدين مرشد الخادم المظفري عتيق صاحب حماة ومقدم جيشها، وكان من الشجعان الأبطال، وكان إذا حمل في جيش العدو يقول: أين أصحاب الخصي وكان السلطان الملك الظاهر يعتمد عليه لأمانته وشجاعته. وكان يتصرف في المملكة الحموية تصرف ملوكها للوثوق به.\rواستهلت سنة سبعين وستمائة\rتوجه السلطان إلى الكرك ثم إلى الشام وعزل\rالأمير جمال الدين النجيبي عن نيابة دمشق وتولية الأمير عز الدين أيدمر نائب الكرك نيابة السلطنة بالشام وإستنابة الأمير علاء الدين أيدكن أستاد الدار بالكرك وفي سنة سبعين وستمائة: بلغ السلطان أن الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا وغيره من العربان تغيرت نياتهم وعزموا على الانضمام إلى التتار. فعلم أنه إن استدعاهم لا يحضرون وينكشف الحال، وإن قصد الشام تسحبوا، فنزل إلى الميدان في سابع محرم وفرق على خواصه أربعمائة ألف درهم، واثني عشر ألف دينار عينا، وستين حيصة ذهبا، وأمر بتجهيز العساكر إلى عكا بعد الربيع. وتوجه السلطان من قلعته بعد المغرب من ليلة تسفر عن سابع وعشرين المحرم في جماعة يسيرة من خواصه، وخرج من الزعقة في البرية إلى الكرك وأخفى مقصده، فوصل في سادس صفر، وطلع إلى قلعة الكرك، وكتب تقليد الأمير عز الدين أيدمر نائب الكرك بنيابة الشام، ولم يعلمه بذلك \" حتى تسلم أيدكين نيابة الكرك \" بل أفهمه أنه يستنيبه بحصن الأكراد، وتوجه إلى دمشق فوصل إليها في ثالث عشر الشهر وسير للأمير جمال الدين النجيبي \" نائب دمشق \" تشريفا وأمره أن يتوجه إلى الديار المصرية، وولى الأمير عز الدين أيدمر الظاهري نيابة السلطنة بالشام. وركب السلطان في ليلة سادس عشر صفر وتوجه إلى حماة ونزل بظاهرها بالجوسق، ونزل صاحب حماة في خيمة أسوة الناس، ورتب أستاد داره وأمير جانداره وحواشيه في خدمة السلطان لأنه كان جريد. فكان أول ما شرع فيه أمر العربان. وكان سبب نفورهم اشياء من جملتها أخذ أولادهم رهائن.\rولما وصل إلى حماة وجد عثمان بن مانع وعمرو بن مخلول وجماعة من أكابر العربان بغتة فأكرمهم، وما أظهر لهم شيئا، وكتب إلى الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا يطلب منه فرس فلان، والفرس الفلاني تسكينا له، وكان عيسى قد كتب إلى السلطان قبل خروجه من الديار المصرية يستأذن في الحضور خديعة، فخدعه السلطان ورسم أن لا يحضر حتى يطلب. فكتب إليه الآن: \" إنك كنت طلبت الحضور، ونحن الآن بحماة، فإن أردت الحضور فاحضر \" فحضر فسأله السلطان عما نقل عنه العربان، فاعترف به، فرعي له حق الصدق. وأحسن إليه وإلى أمراء العربان، وأطلق رهائنهم، وأطلق لعيسى نصف خبزه الذي كان أخذه منه في سنة ثمان وستين من سلمية وغيرها، وهو مائة ألف وثلاثون ألف درهم، وأطلق له من حلب ألف مكوك غلة إنعاما، وأطلق لغيره من العربان من خمسمائة مكوك إلى مادونها.\rوفي مستهل شهر ربيع الأول، ركب السلطان من حماة بعد العشاء الآخرة ولم يعلم بقصده، وسار على طريق حلب، ثم عرج فأصبح بظاهر حمص، وتوجه إلى حصن الأكرد وعكار فكشفهما، وتوجه إلى دمشق.","part":8,"page":226},{"id":3737,"text":"وورد الخبر أن جماعة من التتار أغاروا على عين تاب، وتوجهوا إلى عمق حارم في نصف شهر ربيع الأول، فكتب \" السلطان \" إلى الديار المصرية بتجريد الأمير بدر الدين بيسرى بثلاثة آلاف فارس، وتوجه بذلك صارم الدين المشرقي، وخرج من دمشق الثالثة من نهار الأحد ثامن عشر شهر ربيع الأول، ودخل القاهرة الثالثة من ليلة الأربعاء حادي عشرين، فخرج الأمير بدر الدين بيسرى واالعسكر بكرة نهارالأربعاء المذكور .\rووصل الأمير شمس الدين أستاد الدار بالعسكر المجرد وكانوا على جينين وهم خمسمائة فارس .وكان التتار قد أغاروا على حارم والمروج وقتلوا جماعة ، وتأخر بن مجلى والعسكر الحلبي إلى حماة ، وجفل أهل دمشق ، وبلغت قيمة الجمل ألف درهم ، وأجرته إلى مصر مائتي درهم .\rووصل الأمير بدر الدين بيسرى والعسكر إلى دمشق في رابع شهر ربيع الآخر، وتوجه السلطان بالعسكر إلى حلب، وجرد الأمير شمس الدين أستاد الدار وجماعة معه إلى مرعشن، وجرد الأمير الحاج علاء الدين طيبرس الوزيري والأمير شرف الدين عيسى بن مهنا إلى حران والرها، فتوجها وصلا إلى حران، فاتصل الخبر بمن فيها من نواب التتار فخرجوا فالتقاهم الأمير شرف الدين عيسى وطاردهم وطاردوه، ثم وصل العسكر فخرج عليهم كمينه، فلما رأوه نزلوا عن خيولهم، وقبلوا الأرض، وألقوا سلاحهم، فقبضوا على آخرهم، فكانوا ستين رجلا. ثم سار الأمير علاء الدين طيبرس إلى حران، فلما أشرف عليها أغلق من فيها أبوابها وتركوا بابا واحد، فخرج منه الشيخ محاسن أحد أصحاب الشيخ حياة ومعه جماعة كثيرة، وذلك في يوم الثلاثاء ثالث عشر ربيع الآخر، وأخرج لهم طعاما قليلا لأجل البركة، فتلقاه الأمير علاء الدين وترجل له. فلما اجتمع به أخرج له الشيخ مفاتيح حران وقال له: \" هذا بلد السلطان فتسلمه \" . فقال له: \" طيب قلوب الجماعة ويكونون على ما هم عليه إلى أن يصل السلطان \" . وعصى برج باب يزيد وفيه شحنة التتار فطلبه فامتنع، وقال: \" إذا جاء السلطان خرجت إليه \" ؛ فعاد الأمير علاء الدين طيبرس ولم يدخل حران، وعبر الفرات سباحة.\rوبعد توجهه فارق أكابر أهل الحران البلد ووصلوا إلى دمشق مثل: أمين الدين بن شقير، وخطيبها الشيخ شهاب الدين بن تيمية، وأولاد بشر، وابن علوان وغيرهم. وأقام جماعة كثيرة من أهل حران بحلب وحماة وحمص وتفرقوا في البلاد، وبقي جماعة بحران.\rفلما كان في الخامس والعشرين من شهر رمضان من السنة، وصل جماعة من التتار إلى حران، فأخربوا أسوارها وأكثر أسواقها ودورها ونقضوا جامعها واخذوا أخشاب سقوفه، واستصحبوا معهم من بقي فيها، فخرجت وأخليت ودثرت إلى الآن. وكانت من المدن الجليلة.\rعود السلطان من حلب ورجوعه إلى\rالديار المصرية وعوده إلى الشام وفي آخر شهر ربيع الآخر بلغ السلطان أن الفرنج أغاروا على قاقون، وقتل الأمير حسام الدين أستاد الدار وجرح الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الجالق وجرح \" بجكا العلائي \" وإلى قاقون. فرحل السلطان من حلب، ودخل دمشق وبين يديه التتار الذين أسروا من حران. وأما الفرنج فإنهم لما قصدهم العسكر المجرد بقاقون تأخروا عنهم، ووصل الأمير جمال الدين أقش الشمسي بعسكر عين جالوت، فولوا مدبرين، ولحقهم العسكر واسترجع منهم تركمانا، وقتل من رجالاتهم وعرقب من خيولهم \" خمسمائة رأس \" . وخرج السلطان من دمشق في ثالث جمادى الأول وصحبته العساكر بنية الغارة على الفرنج، وقصد عكا فتوالت الأمطار وهو على مرج برغوث حتى كاد الناس يهلكون. فانثنى عزمه عن الإغارة. ورد العسكر الشامي وصار إلى الديار المصرية. فوصل إلى قلعة الجبل في الثالث والعشرين من جمادى الأول وأقام بقلعته أياما.\rثم توجه إلى الجيزية للتنزه في يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة في جماعة من أمرائه وخواصه، فحضر إليه مطالبيه، وأخبروه أن بناحية بوصير السدر من الجيزية مغارة بها مطلب. فتوجه إليها وأمر بحفرها. فجمع متولي الجيزية جماعة، فحفروا وأعمقوا، فأخرجوا قطاطا ميتة، وكلاب صيد وطيور وغير ذلك من الحيوانات، وهي ملفوفة في خرق، فإذا حلت اللفائف عنها وأصابها الهواء صارت ترابا تذروه الرياح، ولم يوجد فيها خلاف ذلك. وعاد السلطان من الجيزية في يوم الثلاثاء العشرين من الشهر.\rإيقاع الحوطة على القاضي شمس\rالدين الحنبلي واعتقاله","part":8,"page":227},{"id":3738,"text":"وفي سنة سبعين وستمائة: أمر السلطان بإيقاع الحوطة على منزل قاضي القضاة شمس الدين محمد بن الشيخ عماد الدين إبراهيم المقدسي الحنبلي.\rوسبب ذلك أن تقي الدين شبيب الحراني كان أخوه ينوب عن قاضي القضاة المشار إليه بالمحلة فعزله، فغضب أخوه المذكور لذلك، وكتب قعة إلى السلطان يقول: \" إن القاضي شمس الدين عنده ودائع للتجار من أهل بغداد وحران والشام وغيرهم جملة كثيرة، وقد مات بعض أهلها واستولى عليها \" . فاستدعاه السلطان وسأله عن ذلك فأنكره وجحد، فطلب منه اليمين فحلف وتأول يمينه، فعند ذلك أمر السلطان بهجم داره، فهجمت ووجد فيها كثير مما ادعاه شبيب، بعضه قد مات أربابه، فأخذت زكاة ما وجد مدة سنتين. وسلم ما بقي لأصحابه، فعضب السلطان عند ذلك على قاضي القضاة، وأمر باعتقاله، وتوجه السلطان إلى الشام وهو في الاعتقال، فتسلط شبيب عليه حينئذ وادعى أنه حشوي وأنه يقدح في الدولة. وكتب بذلك محضرا، فأمر الأمير بدر الدين الخزندار نائب السلطنة بعقد مجلس، فعقد له يوم الاثنين حادي عشر شعبان من السنة واستدعى من شهد في المحضر، فنكل بعضهم عن الشهادة فأطلقوا، وشهد الباقون، وفأخرق بهم وجرسوا، ثم تبين للأمير بدر الدين الخزندار تحامل شبيب لما ظهر له من إساءته على القاضي شمس الدين والقدح فيه، فأمر باعتقاله والحوطة على موجوده. وأعاد القاضي إلى الاعتقال فاستمر به إلى أن أفرج عنه في النصف من شعبان سنة اثنتين وسبعين وستمائة، \" ولم يول السلطان بعده قضاء الحنابلة أحدا \" .\rتوجه السلطان إلى الصيد\rثم إلى الشام قال: ولما عاد السلطان من الجيزية، أقام بقلعة الجبل إلى شهر رجب من هذه السنة، وخرج متصيدا إلى جهة الصالحية، فبلغه حركة التتار فرجع إلى القلعة وتجهز.\rوخرج إلى الشام في ثالث شعبان من السنة، ونزل بمرج قيسارية وحصلت الهدنة مع الفرنج.\rونزل السلطان بمنزلة الروحاء وعيد بها عيد الفطر، ورحل منها في ثاني شوال إلى خربة اللصوص، ثم توجه إلى دمشق.\rووردت رسل التتار، وهم رسل صمغار مقدم عسكر التتار بالروم، ورسل البرواناه، فحضروا بين يدي السلطان وسمع مشافهتهم، وتضمن الكتاب الذي على أيديهم الرغبة في الصلح وطلب رسل من السلطان. فجهز إليهم الأمير مبارز الدين الطوري أمير طير، والأمير فخر الدين المقري الحاجب، فتوجها هما والرسل في نصف شوال سنة سبعين، واجتمعا بصمغار، بين سيواس والجسر، فأكرمهم وأوصلوه ما كان معهم من الهدية، وهي: قسى تسعة، دبابيس تسعة، واعتذروا عن قلتها كونهم حضروا على خيل البريد. وفي اليوم الثاني اجتمعا بالبرواناه وأعطياه قماشا فاخرا كان السلطان قد سيره إليه خفية، وسير معهما هدية لأبغا بن هولاكو، وهي جوشن ريش قنفد، وخوذة كذلك، وسيف، وقوس، ودركاش، وتسع فردات نشابا، وتوجهوا صحبة البرواناه إلى الأردو، وأوصلوا إلى أبغا هديته. وقال له الأمير مبارز الدين لطوريغ الطوري: \" السلطان يسلم عليك ويقول: إن رسل منكوتمر وردوا إليه مرارا \" أن السلطان يركب من جهته. ويركب الملكط منكوتمر من جهته، وأين وصلت خيل سلطاننا كان له، وأين وصلت خيل منكوتمر كان له \" فانزعج أبغا انزعاجا عظيما، وقام وركب وخرجت الرسل إلى خيامهم، ثم طلب أمراءه للمشورة، وبعد ذلك خلع على الرسل وأذن لهم بالصفر فعادوا.\rوأما السلطان فإنه أقام بدمشق حتى ضحى بها، وأحسن إلى صاحب حماة، وأمر بجلوسه معه بطراحة ومسند وكرسي في رأس السماط مسامتا للسلطان.\rثم توجه بعد ذلك إلى حصن الأكراد وعكار وشاهد العمارة بهما، وعمل بيده، وخلع على من بحصن الأكراد من الأمراء وأرباب الوظائف.\rوعاد فتصيد في الطريق وخلع مقدار خمسمائة تشريف على من أحضر صيدا، ورجع إلى دمشق ودخلها في خامس المحرم سنة إحدى وسبعين.","part":8,"page":228},{"id":3739,"text":"وفي سنة سبعين وستمائة: كانت وفاة الملك الأمجد أبي الحسن بن الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب، رحمهم الله تعالى، بدمشق فجأة في يوم الاثنين سادس عشر جمادى الأولى، ودفن بسفح قاسيون وله من العمر ما ينيف على خمسين سنة تقريبا. وكان من الفضلاء، وله مشاركة في العلوم ومعرفة بالأدب، وتنقلت به الأحوال في عمره، وصحب الفقراء والمشايخ، وانتفع بهم وأخذ عنهم. وكان كثير البز لمن يصحبه من المشايخ. وكانت همته عالية ونفسه ملوكية، وله صبر على المكاره. وكان جميع أهل بيته يعظمونه ويعترفون له بالتقدمة، حتى عم أبيه الملك الأمجد تقي الدين الذي قدمنا ذكر وفاته. وكان حسن الخط والترسل، وكان واسطة عقد هذا البيت. فإن أمه ابنة الملك الأمجد مجد الدين حسن بن السلطان الملك العادل الكبير، تسمى باسم جده. وإلى جده لأمه المذكور ابن الملك العادل ينسب الغور الأمجدي وهو الخميلة، والنويعمة، ودامية، والحمام، وورثة أولاد الملك الناصر عن أمهم. وتزوج الملك الأمجد هذا ابن الملك الناصر داود، ابنة الملك العزيز غياث الدين بن الملك الظاهر أخت الملك الناصر صاحب الشام وأولدها ولدا سماه صلاح الدين محمود.\rوفيها: توفي الصدر الكبير وجيه الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن سويد بن مالي بن محمد بن أبي بكر الربعي التغلبي التكريتي التاجر المشهور بسعة المال والثروة والجاه ونفوذ الكلمة، \" بلغ \" ما لم يبلغه أحد من أمثاله. وكانت كتبه تنفذ عند سائر الملوك، حتى عند ملوك الفرنج بالساحل. وكانت النجابون تأتيه من بغداد إلى دمشق في مهمات تتعلق بالخلافة. وكانت متاجره لا يتعرض إليها. وكان خصيصا بالملك الناصر صاحب الشام لا يخرج عن إشارته ورأيه. وانبسطت يده في دولته. وكان عنده فضة كثيرة، مراود وجسرا، فاستأذن الملك الناصر على ضربها دراهم فأذن له، وجعل دار الضرب بدمشق بيده، فضرب منها شيئا كثيرا، وكانت مغشوشة، فخسر الناس فيها أموالهم. ولما ملك هولاكو البلاد وصل إليه فرسان من جهته يتضمن تأمينه على نفسه وماله فما وثق به. وفارق دمشق إلى الديار المصرية. وغرم جملة مقارب ألف ألفَ درهم بسبب الدراهم المغشوشة وغيرها. ثم تمكن في الدولة الظاهرية تمكنا كبيرا، ووكله السلطان الملك الظاهر وجعله وصيه على أولاده من بعده وناظر أوقافه، وخوطب في مكاتباته بالمجلس السامي المولوي. وكان مع تمكنه من الملك الناصر لا يكتب له عنها إلا الصدر الأجل. وكان سبب تمكنه من السلطان الملك الظاهر ما حكاه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الجزري في تاريخه عن والده، رحمه الله تعالى، قال: كنت عند وجيه الدين في داره في أيام الملك الناصر، وقد جاء إليه الملك الظاهر وهو يومئذ في خدمة الملك الناصر من أمرائه، وشكى إليه ضعف إقطاعه وأنه قد ركبه دين كثير، وليس عنده كسوة لصغاره، وسأله أن يتحدث له مع الملك الناصر، وكان قد وصل إلى وجيه الدين في تلك الساعة من عكا جوخ سقلاط وغيره، فأعطاه منه كفاية عشرة أقبية، وخرق كتان فرنجي مائتي ذراع، وخمس تقاطيع سكندري، وتفصيلتين حرير، وألف درهم. وقال له: \" ياخوند مهما كان لك من حاجة أو خدمة أطلب ذلك مني، ولا حاجة بقول السلطان \" . قال: والله لقد رأيت الملك الظاره وقد أهوى إلى أقدام وجيه الدين ليقبلها، فرعى له السلطان الملك الظاهر حق هذا الإحسان. وملك وجيه الدين المذكور عدة من ضياع دمشق وأملاكها. وكان مع لك كله فيما حكي عنه شحيحا على طعامه، لكنه كان يتكرم بماله. وكانت وفاته بدمشق في ليلة الجمعة التاسع والعشرين من شوال سنة سبعين وستمائة. ومولده بتكريت في ذي القعدة سنة تسع وستمائة، رحمه الله تعالى.\rوواستهلت سنة إحدى وسبعين وستمائة\rتوجه السلطان إلى الديار المصرية على خيل البريد\rوعوده إلى الشام قال: لما عاد السلطان من كسف الحصون في خامس المحرم من هذه السنة، استشار خواص الأمراء في أن التتار تواترت الأخبار بحركتهم، وأنهم متى قصدوا البلاد والعساكر والخزائن غير حاضره صعب الأمر وعرفهم أنه يتوجه إلى الديار المصرية على البريد.","part":8,"page":229},{"id":3740,"text":"وركب ليلة السادس من المحرم بعد عشاء الآخرة، وصحبته الأمير بدر الدين بيسرى، والأمير جمال الدين أقش الرومي، وجبرك السلاح دار، وجرمك الناصري، وسنقر الأألفي السلاح دار، وعلم الدين شقير مقدم البريدية، فدخل قلعته يوم السبت ثالث عشر المحرم، ولم يشعر الناس إلا وهو داخل من باب القلعة، فدخل وتوجه إلى الميدان ولعب الكرة، وكتب إلى الأمراء المقيمين بالشام أنه سطرها من البيرة، وسير علائم بخطه ليكتب عليهاأجوبة البريد من دمشق إلى الأطراف. وكان الأمير سيف الدين الدوادار بقلعة دمشق لتجهيز الكتب والبريد. وفي يوم الاثنين توجه إلى مصر وركب في البحر ولعب بالشواني. وفي ليلة الأربعاء سابع وعشرين المحرم سابع وعشرين المحرم جهز العسكر المجرد إلى الشام، وتوجه هو إلى الشام في ليلة التاسع والعشرين من الشهر هو ومن كان معه من الأمراء. ووصل إلى دمشق في ثالث صفر، ودخل قلعتها ليلا.\rوحضر إليه رسل أبغا وكان مضمون مشافهتهم طلب الاتفاق.\rثم توجه السلطان إلى قلعة البيرة عندما نازلها التتار. وكان من انهزامهم ما نذكره إن شاء الله تعالى في الغزوات والفتوحات.\rثم عاد إلى السلطان إلى الديار المصرية فدخل قلعته في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعين وستمائة.\rوفي السابع والعشرين من الشهر: أفرج عن الأمير عز الدين الدمياطي وأنزله بدار الوزارة ورتب له الرواتب، وكان في الاعتقال من سنة رجب سنة إحدى وستين وستمائة.\rوفي شهر رجب: خلع السلطان على الأمراء والقضاة والوزراء والمقدمين، وعم بذلك المسافرين والمقيمين.\rوقي هذه السنة: نجزت عمارة قبة الصخرة الشريفة، وذلك في يوم عرفة، وكان السلطان قد توجه إليها وجميع الصناع لعمارتها كما قدمناه.\rاعتقال الشيخ خضر\rوالأسباب التي أوجبت ذلك وفي يوم الاثنين ثاني عشر شوال سنة إحدى وسبعين: أحضر الشيخ خضر ابن أبي بكر بن موسى العدوي المهراني شيخ السلطان إلى قلعة الجبل، وأحضر جماعة خانقوه على أشياء كثيرة منها اللواط والزنا وغيره، فتقدم أمر السلطان باعتقاله. وكان سبب ذلك أنه تعاطى أمورا منكرة وأفحش، ثم شرع يغض من الأمير بدر الدين بيليك الخزندار نائب السلطنة، والصاحب بهاء الدين، وانتقل إلى حد المهاجرة لهما بالقول بحضرة السلطان، وهو أن السلطان أطلق له شيئا فتوقف الأمير بدر الدين في إمضائه، فقال له بين يدي السلطان: \" كأنك تشفق على السلطان وعلى أولاده، كما فعل قطز بأولاد الملك المعز \" . فخشي عاقبة ذلك فانفق هو والصاحب بهاء الدين على التدبير عليه وإطلاع السلطان على ما خفي عنه من حقيقته حاله، ووافقهما على ذلك الأمير عز الدين أيدمر نائب السلطنة وبالشام، ورتبه، وذلك أنه طلب إسماعيل ومظفر نائبه بدمشق وآخر من أتباعه اسمه محمد بن بطيخ وتهددهم أولا، ثم وعدهم أنهم متى اعترفوا على شيخهم بما يعتمده أحسن إليهم وجعل لهم الرواتب. فذكروا عنه أشياء كثيرة وأشهدوا على أنفسهم بذلك. فكاتب السلطان في أمره، فأمر بإرسالهم على خيل البريد فأرسلوا. ولما حضروا بين يدي السلطان سمع كلامهم. ثم أحضره وقال له: \" هؤلاء نوابك بالشام ما تقول فيهم؟ \" فذكر من خبرهم وصدقهم وأنه رضي بما يقولونه فيه. فذكروا عنه من القبائح والمنكرات وارتكاب المحرمات شيئا كثيرا، وخانقوه على ذلك. فأطلقهم السلطان وامر بإيقاع الحوطة على موجوده.","part":8,"page":230},{"id":3741,"text":"وحكى الشيخ قطب الدين اليونيني في تاريخه: أنه لما حضر أولئك لمخانقته كان ذلك بحضور الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب الأتابك، والأمير سيف الدين قلا ون، والأمير بدر الدين بيسرى، والأمير سيف الدين قشتمر العجمي، فخانقه أصحابه على كل عظيمة لا تصدر من مسلم. فقال: \" ما أعرف ما تقولون. ومع هذا، أنا ما قلت إني رجل صالح، أنتم قلتم هذا. فإن كان الذي تقولون صحيح فأنتم كذبتم \" . فقام السلطان وقال للأمراء: \" قوموا بنا لئلا نحترق بمجاوبته \" . فقاموا وانتقلوا إلى طراف الإيوان. فاستشار السلطان الأمراء في أمره، فقال له الأتابك: \" هذا مطلع على أسرار الدولة وبواطن أحوالها وما ينبغي إبقاؤه، ووافقه من حضر من الأمراء على هذا الرأي، وقالوا: ببعض ما قيل عنه يباح دمه. ففهم ما هم فيه، فقال للسلطان: \" واسمع ما أقول لك، أنا أجلي قريب من أجلك، وما بيني وبينك إلا مدة أيام يسيرة من مات منا لحقه الآخر عن قريب \" . فلما سمع السلطان كلامه وجم، وقال للأمراء: \" ما تشيرون في هذا \" ؟ فسكنوا. فقال السلطان: \" أرى أن يجلس في مكان لا يصل إليه أحد ولا يسمع كلامه، فيكون كمن قبر وهو حي \" . ثم أمر به فحبس في مكان منفرد بقلعة الجبل، ولم يدخل إليه إلا من يثق السلطان به غاية الوثوق. وكان يرسل إليه الأطعمة الفاخرة والفواكه والملابس، واستمر في الاعتقال إلى أن توفي في سنة ست وسبعين وستمائة قبل وفاة السلطان بأحد وعشرين يوما. وسنذكر إن شاء الله تعالى، مبدأ أمره وسياقة أخباره عند ذكر وفاته.\rوفيها: هرب الأمير عمرو بن مخلول من آل فضل من قلعة عجلون هو وحامد رفيقه. وكان السلطان قد اعتقلهما في برج من أبراج القلعة، فحفر حفيرة ملاصقة للسور ووقدوا النار حتى تكلس حجر السور، فنقباه وخرجا منه، وقد كانت أعدت لهما خبل سوابق فركباها وتوجها إلى بلاد التتار، ثم ندما على ما فعلاه، فكتبا إلى السلطان يسألان مراحمة، فحلف أنه لا يرضي عنهما إلا أن يعودا إلى قلعة عجلون ويضعا أرجلهما في القيود على ما كانا عليه، ففعلا ذلك وكان عودهما من بلاد التتار في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وستمائة. ولما رجعا إلى الطاعة وفعلا ما أمر السلطان به عفا عنهما وأطلقهما وأحسن إليهما.\rوفي هذه السنة في رابع عشرين ذي الحجة: توفي الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك الفائز إبراهيم بن الملك السلطان العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب، رحمهم الله تعالى، في معتقله يجب خزانة البنود، ودفن بتربتهم بالقرافة بجوار الإمام الشافعي. ومولده في صفر سنة ست وستمائة، رحمه الله تعالى.\rوفيها: كانت وفاة الأمير سيف الدين محمد بن الأمير مظفر الدين عثمان ابن الأمير ناصر الدين منكورس بن بدر الدين خمردكين صاحب صهيون وبرزية في شهر ربيع الأول. وكانت وفاته بصهيون وقد ناف على ستين سنة، ودفن بتربة والده. وتسلم صهيون وبرزية بعده ولده الأمير سابق الدين سليمان، ثم أخذهما السلطان منه في هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوفيها: كانت وفاة الحافظ الخطيب فخر الدين أبي محمد وأبي الفرج عبد القاهر بن الشيخ علاء الدين عبد الغني بن محمد بن تيمية الحراني. وكانت وفاته بدمشق في ثاني عشر شوال من هذه السنة. ودفن بمقابر الصوفية. ومولده اثنتي عشرة وستمائة، سمع الحديث من جده ومن ابن اللتي، وخطب بجامع حران وكان فاضلا دينيا، وهو من بيت معروف بالعلم والفضيلة رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة اثنتين وسبعين وستمائة\rطلسم باب القصر بالقاهرة","part":8,"page":231},{"id":3742,"text":"قال المولى محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر،رحمه الله تعالى،في السيرة الظاهرية:لمل كان يوم عاشوراء من هذه السنة وجد ما سنذكره، وذلك أنه كان قد رسم بنقض علو أحد أبواب القصر المسمى بباب البحر قبالة دار الحديث الكاملية، لأجل نقل عمد منه لبعض العمائر السلطانية، فظهر صندوق في حائط مبني عليه، وللوقت أحضرت الشهود وجماعة كثيرة وفتح الصندوق. فوجد فيه صورة من نحاس أصفر مفرغ على كرسي شكل الهرم،ارتفاعه قدر شبر له أربعة أرجل تحمل الكرسي،والصنم جالس عليه متوركا، وله يدان مرفوعتان ارتفاعا جيدا، يحمل صفيحة يكون دورها قريب الثلاثة أشبار، وفي هذه الصفيحة أشكال بايتة، الأوسط صورة رأس بغير جسد، وعليه دوائر مكتوب عليها كتابة بالقبطي بالقلفطريات، وإلى جانبها في الصفيحة شكل له قرنان يشبه شكل السنبلة، وإلى الجانب الآخر شكل على رأسه صليب، وأخر في يده عكاز وعلى رأسه صليب وتحت أرجلهما أشكال طيور. وفوق رؤوس الأشكال كتابة كثيرو أكثر من نصف الصفيحة. وعلى الأشكال كتابة. ووجد مع هذا الصنم في الصندوق لوح من ألواح الصبيان التي يكتبون فيها في المكاتب مدهون وجهه الواحد أبيض، ووجهه الآخر أحمر، وفيه كتابة قد تكشط أكثرها من طول المدة وقد بلي اللوح وما بقيت الكتابة تلتم ولا الخط يفهم.\rقال: والوجه الأبيض مكتوب بقلم الصفيحة القبطي. وذكر ما ظهر من الكتابة على الوجه الأحمر وهي ثلاثة عشر سطرا، ذكر ألفاظا غير ملتئمة، إلا أن المفهوم منها على غير التئامه: \" الإسكندر ذو الملك يزجر \" . وذكر ما ظهر في كل سطر، وأخلى لما تكشط منه مما لا فائدة في ذكره، والذي شرحه من السطر الثاني عشر ما صورته: \" شد أيضا كل أمار أشد به \" . قال: وقيل أن هذا اللوح بخط الحاكم خليفة مصر. وأعجب ما فيه اسم السلطان وهو بيبرس. قال: ولما شاهد السلطان ذلك أمر بقراءته، فعرض على قراء الأقلام، فقرئ، وهو بالقلم القبطي، ومضمونه طلسم عمل الظاهر بن الحاكم، وفيه أسماء ملائكة وعزائم ورقي وأسماء روحانية وصور ملائكة، وأكثره حرس للديار المصرية وثغورها وصرف الأعداء وكفهم عن طروقهم إليها، وابتهال إلى الله بأقسام كثيرة بحماية الديار المصرية، وصونها من الأعداء، وحفظها من كل طارق ومن جميع الأجناس.\rقال: وتضمن هذا الطلسم كتابه بالقلفطريات وأوفاق وصور وخواص لا يعلمها إلا الله تعالى. وحمل هذا الطلسم إلى السلطان فبقي في ذخائره.\rقال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: رأيت في كتاب عتيق رث سماه مصنفه: وصية الإمام العزيز والد الإمام الحاكم لولده المذكور وقد ذكر فيه الطلسمات التي على أبواب القصر. وقال: إن أول الكواكب الحمل وهو قلب المريخ، وشرف الشمس، وله القوة على جميع سلطان الفلك، لأنه صاحب السيف، وله الأمر والحرب والسلطان والقوة، والمستولي لقوة روحانية على مدينتنا عندما بنيناها. وقد أقمنا طلسما لساعته ويومه لقهر الأعداء وذل المنافقين، في مكان أحكمناه على شرافة عليه والحصن والجامع لقصره مجاور لأول باب بنيناه. هذا نص ما في الكتاب، والله أعلم.\rذكر توجه السلطان إلى الشام","part":8,"page":232},{"id":3743,"text":"وفي سنة اثنتين وسبعين وستمائة: وردت الأخبار بحركة أبغا بن هولاكو ملك التتار، فخرج السلطان في ليلة السادس والعشرين من المحرم، وصحبته جماعة من أمرائه الخواص، منهم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير بدر الدين بيسرى الشمسي، والأمير سيف الدين أوتامش السعدي. فلما وصل إلى عسقلان بلغه أن أبغا وصل إلى بغداد وقد خرج إلى الزاب متصيدا، فكتب إلى القاهرة يستدعي العساكر. فخرج منها يوم السبت حادي عشر صفر أربعة آلاف فارس \" مع \" مقدميهم: الأمير علاء الدين طيبرس الوزير، والأمير جمال الدين أقش الرومي، والأمير شمس الدين أقش المعروف بقطليجا، والأمير علم الدين سنجر طردح. ورحلوا من البركة في يوم الاثنين. ثم قويت الأخبار، وهو في أثناء الطريق بحركة التتار، فكتب السلطان بخروج العساكر جميعها والعربان من الديار المصرية صحبة بدر الدين بيليك الخزندار، ورسم بأن جميع من في مملكته ممن له فرس يركب إلى الغزاة، وأن يخرج أهل كل قرية بالشام من بينهم خيالة على قدر حال أهل البلد، ويقومون بكلفتهم. ودخل السلطان إلى دمشق في سابع عشر صفر. وكان رحيل العساكر من القاهرة في العشرين من صفر، فوصلوا إلى يافا، وورد المرسوم بنزولهم قريبا منها، وركب السلطان من دمشق في نحو اربعين فارسا جرائد، ولم ييستصحبوا ركاب دار السلطان ولا غيره. فوصل وقد طلبت العساكر وقاربوا المنزلة، فاعترضهم السلطان وجماعته وقد ضرب كل منهم على وجهه لثاما، فظن الحجاب أنهم من التركمان، فرسموا لهم بالترجل فما ترجلوا. وساق السلطان منفردا وجاء من خلف الصناجق وحسر اللثام عن وجهه، فعرفه السلاح دارية فأفرجوا له، فدخل وساق بالموكب فنزل الناس وقبلوا الأرض، وساق السلطان ونزل بدهليزه فرتب المصالح. وأصبح في اليوم الثاني وركب في موكبه، ونزل فقضى حوائج الناس، وركب عند المساء، هو ومن حضر معه عاد إلى دمشق.\rالملك شمس الدين بهادر\rصاحب شميصاط وشيء من أخباره هذا المذكور هو الملك شمس الدين بهادر بن الملك فرج، وأمير الطست للسلطان جلال الدين خوارزم شاه منكربرتي، وكان والده قد ملك بعد السلطان جلال الدين قلعة كيران وست قلاع أخرى في ناحية نقجوان. ووصل إلى بلاد الروم فأقطع أقصرا، فكاتب شمس الدين هذا السلطان وراسله، وتقرب إليه بإعلامه بحقيقة أخبار العدو، وذلك في سنة إحدى وسبعين وستمائة. واتفق السلطان معه على نكته غريبة قتل بسببها الجاثليق النصراني، وكان قد أهان المسلمين ببغداد وسكن بواطن الخلافة وأفسد أمور المسلمين. فكتب السلطان كتابا إلى الجاثليق مضمونه: عرفنا محبتك وتوصيتك على النصارى الذين ببلادنا، وقد أكرمناهم لأجلك وعرفنا أخبار المغل الباطنة التي أشرت إليها.؟ وذكر في الكتاب أمورا موهمة لا أصل لها، منها: الذي التمسته لمن أشرت قد أجبنا إليه، وتسليم الأمكنة لمن عينت قد حلفنا على تسليمها، والدواء الذي تقرر السعي في استعماله لمن أشرت إليه قد علم، والله يقدر ذلك، والذي طلبته من دهن البلسان والآثار المسيحية قد سيرناها، وسيرنا قطعة من صليب الصلبوت، وسيرنا ذلك إلى الرحبة، وعرفنا النائب بها الأمارة التي قررت. فأرسل من تثق إليه الأمارة ليستلم ذلك. وسير السلطان هذا الملطف إلى النائب بالبيرة، ورسم له أن يجهزه صحبة أرسنى يوصله إلى الجاثليق، وأنه إذا جهزه يرسل إلى الملك شمس الدين بهادر يعرفه بخبره وحليته.ففعل ذلك، وأرسل بهادر من أمسك هذا القاصد وسير به إلى أبغا. فلما وقف أبغا على الملطف كان فيه هلاك الجاثليق، وتقرب شمس الدين بهادر إلى السلطان بأشياء كثيرة مثل ذلك، فشعر التتار به فأمسكوه وتوجهوا به إلى الأردو، وهربت حاشيته ومماليكه، فوصلوا إلى باب السلطان وهم يزيدون على ألفي نفر من مماليك وأجناد وغيرهم، فأحسن إليهم ورتب لهم الرواتب. وأما الملك شمس الدين بهادر فإنه هرب ونجا بنفسه ووصل البيرة فتلقاه أهلها، وسير إلى السلطان، وذكر أنه أقام سبعة أيام لم يأكل شيئا. ولما وصل تلقاه السلطان وأكمه وأعطاه الإقطاعات بالديار المصرية وأحسن إليه.\rذكر الظفر بملك الكرج","part":8,"page":233},{"id":3744,"text":"وفي سنة اثنتين وسبعين وستمائة: ظفر السلطان بملك الكرج. وذلك أنه حضر لزيارة بيت المقدس، فاتصل ذلك بالسلطان، فأرسل من يعرف حريته فامسك هو وثلاثة نفر من أعيان الكرج من بين الزوار، وسير \" وا \" إلى السلطان وهو بدمشق فطيب قلوبهم، وعرفهم أنه متيقظ لمن يدخل إلى بلاده، واحترز عليهم.\rولما سكنت الأخبار عاد السلطان والعساكر فدخل إلى قلعته في رابع عشرين جمادى الآخرة من هذه السنة.\rوفي شعبان من هذه السنة: رسم السلطان بعمارة جسرين قناطر بالقرب من الرملة لعبور العساكر، فعمرت.\rوفيها: في يوم السبت عاشر ذي القعدة حضر متولي القرافة إلى مستنيبه الأمير سيف الدين أبي بكر بن اسباسلار متولي مصر، وأخبره أن شخصا دخل إلى تربة الملك المعز وجلس عند القبر يبكي، فسأله من بالمكان عن بكائه، فأخبرهم أنه قاءان بن الملك المعز، وكان الملك المظفر قد أرسله مع أخيه الملك المنصور إلى بلاد الأشكري كما تقدم، فأحضر وقيد واعتقل. وطولع السلطان بأمره، فأحضره وسأله عن أمره، فذكر أنه عاد إلى الديار المصرية منذ ست سنين، وأنه توكل للجند. فطلب منه من يعرفه، فذكر أن رجلا معتقلا بالإسكندرية كان يتردد إلى بلاد الأشكري، فأمر السلطان بإحضاره واعتقال قائم، فحبس في حبس اللصوص بمصر، وأجرى عليه بعض مماليك المعز نفقة.\rوفيها: أفرج السلطان عن الأمير سيف الدين الجوكندار، وكان له مدة في الاعتقال.\rوفي ثاني عشر شهر رمضان من السنة: توجه الملك السعيد إلى الشام، وجرد السلطان في خدمته الأمير سيف الدين أستاد دار وجماعة من أكابر الأمراء والخواص. ودخل إلى دمشق في سادس عشرين الشهر، ولم يشعر به نائب السلطنة إلا وهو بينهم في سوق الخيل، فنزلوا وقبلوا الأرض، ودخل الملك السعيد القلعة وخلع على الأمراء في ليلة العيد وخلع أيضا على المقدمين والمفاردة والأكابر، وخرج متصيدا بالمرج، ثم توجه إلى الشقيف وصفد، وعاد إلى مصر في حادي عشر شوال منها.\rذكر ختان الملك المسعود نجم الدين خضر ولد السلطان الملك الظاهر كان ختانه في يوم عيد الفطر سنة اثنتين وسبعين وستمائة، وحمل السلطان على الناس كلفة التقادم والهدايا وشملهم بالخلع والإنعام والعطاء.\rنكتة غريبة\rوفي هذه السنة: ورد كتاب الغرس بن شاور وإلى الرملة يذكر أنه في هذه السنة حصل لأهل البلاد مرض وحمايات من شرب مياه الىبار وزاد ذلك، فحضر إليه رجلي نصراني فقال: \" هذه الآبار قد حاضت كما جرى في السنة التي جاء التتار فيها إلى الشام وأن الفرنج أنفذوا إلى قرية تسمى عابور في الجبل أخذوا من مائها فسكبوه في الآبار فزاد الوخم. \" فلما سمع ابن شاور ذلك سير إلى الضيعة المذكورة وأخذ من مائها وصبه في الآبار التي بياقا، وكان الماء قد كثر فيها. فلما سكب الماء فيها نقصت إلى حدها المتعارف. وقيل: إن هذه الآبار إناث تحيض، وآبار الجبل ذكور.\rورود كتاب متملك الحبشة","part":8,"page":234},{"id":3745,"text":"قال القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر في السيرة الظاهرية: في هذه السنة وصل كتاب متملك الحبشة إلى السلطان عطف كتاب صاحب اليمن. وهو يقول: \" إن سلطان الحبشة قد قصدني في حاجة عند السلطان، وقد سيرت كتابه عطف كتابي \" فكان مضمون كتاب متملك الحبشة إلى السلطان: - \" أقل المماليك، محرا ملاك يقبل ملاك يقبل الأرض وينهي بين يدي السلطان الملك الظاهر ، خلد الله ملكه، أن رسولا وصل من \" جهة \" وإلى قوص بسبب الراهب الذي جاءنا، فنحن ما جاءنا مطران وبلادنا بلاد مولانا السلطان ونحن عبيده . فيرسم مولانا يأمر الأب البطرك يعمل لنا مطرانا رجلا جيدا عالما لا يحب ذهبا ولا فضة، ويسيره إلى أبواب السلطان . وما كان سبب تأخر الرسل عن الحضور إلى السلطان إلا أنني كنت في بيكار . والملك داود توفي ، وقد ملك ولده، يا مولانا . وعندي في عسكري مائة ألف فارس مسلمين. وإنما النصارى كثير لا تعد. وكلهم غلمانك وتحت أوامرك. والمطران \" الكبير \" هو يدعو لك ، وهذه الخلق كلهم يقولون: آمين بطول بقاء عمر سلطاننا مالك مصر، ويهلك الله عدوه، ويقول الخلق آمين. وكل من يصل من المسلمين إلى بلادنا أقل المماليك يحفظهم ويسفرهم كما يحبون. وإنما الرسول الذي سيره والي قوص فجدر وهو مريض. وبلادنا بلاد وخمة أي من مرض ما يقدر أحد يدخل إليه، وأي من شم رائحته يمرض ويموت. والراهب قال: ما يروح \" بغير \" رفيق . ونحن فنحفظ كل من يأتي من المسلمين ، وارسموا فسيروا مطرانا يحفظهم \" . أنهى ذلك .\rهذا نص كتابه ومخاطبة ملك اليمن له بالسلطان.\rقال: فكتب جوابه عن السلطان: \" ورد كتاب الملك الجليل الهمام العادل في مملكة حطى ملك امحره ، أكبر ملوك الحبشان، الحاكم على مالهم من البلدان، نجاشي عصره \" وفريد مملكته في دهره \" سيف الملة المسيحية، عضد \" دولة \" دين النصرانية ، صديق الملوك والسلاطين سلطان الأمحرة، حرس الله نفسه، وبنى على الخير أسه. فوقفنا عليه وفهمنا ما فيه فأما طلب المطران ، فلم يحظر من جهة الملك رسول حتى كنا نعرف الغرض المطلوب ، وإنما كتاب مولانا السلطان الملك المظفر ورد. مضمونه : أنه وصل من جهته كتاب وقاصد ، وأنه أقام عنده حتى يسير الجواب . وأما ما ذكره من كثرة عساكره وأن من جملتها مائة ألف فارس مسلمين ، فأخبار البلاد عندنا ، ولا تخفى عنا ، فالله يكثر عساكره المسلمين . وأما وخم بلاده فالآجال مقدرة من الله ، وما يموت أحد الا بأجله ، ومن فرغ أجله مات ، وكم من جريح بالسيف عاش وصحيح مات ، والأمر لله في الجميع \" .\rوفي هذه السنة : كانت وفاة الصاحب بهاء الدين علي بن محمد ، في ليلة الاحد التاسع والعشرين من شعبان ؛ ودفن من الغد بسفح المقطم ؛ سمع من جماعة ، وحدث ودرس بمدرسة والده \" التي أنشأها بزقاق القناديل بمصر \" وكان منقطعا عن المناصب يحب التخلي والانفراد كثير الصدقة ، وبنا رباطا بمصر، ومولده بالفسطاط في سنة ست وثلاثين وستمائة، رحمه الله تعالى.\rوفيها : في ليلة الثلاثاء رابع عشر الآخر توفي الشيخ العالم الزاهد الورع أبو محمد عبد الله بن عمر بن يوسف الحميدى القصرى ، ودفن من يومه بالقرافة الصغرى . كان أوحد أهل زمانه في أصول الدين والفقه ، وله معرفة بكلام الفقراء وأحوالهم رحمة الله تعالى .\rوفيها : في ليلة الأثنين الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر توفي أبو المحاسن يوسف بن عبد الله بن نهار البكرى، خطيب جامع ابن طولون ، ودفن بالقرافة ومولده بالقاهرة في سنة ثلاث وستمائة ، رحمه الله تعالى.\rوفيها: في يوم الأحد رابع عشر المحرم توفي الصدر الرئيس الأصيل مؤيد الدين أبو المعالي أسعد بن المظفر بن أسعد بن حمزة بن أسد بن علي بن محمد التميمي الدمشقي،المعروف بابن القلانسي رئيس دمشق وكبيرها والمشار إليه. وكان متواضعا كريما سمحا جوادا متصدقا حسن السيرة جميل الطريقة طاهر اللسان.وكان السلطان الملك الظاهر قد عرض عليه نظر الشام فلم يقبل،فألزمه بوكالته الخاصة والنظر في ديوان ولده الملك السعيد،فباشر ذلك.وكانت وفاته بدمشق ودفن بتربته بسفح قاسيون،ومولده بدمشق في سنة تسع وتسعين وخمسمائة،رحمه الله تعالى،وهو والد الصاحب الرئيس عز الدين حمزة.","part":8,"page":235},{"id":3746,"text":"وفيها:في ليلة الأربعاء ثالث عشر شعبان توفي الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ النجاة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني، وكانت وفاته بالمدرسة العادلية بدمشق، ودفن بقاسيون بتربة بني الصايغ، له التصانيف المفيدة في علم العربية، وشهرته أكثر من أن يؤتى على شرحها، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة ثلاث وسبعين وستمائة في هذه السنة: وصل الملك المنصور صاحب حماة إلى خدمة السلطان، فأحسن إليه وإلى ولده وأخيه وعاد إلى بلاده.\rوفي ثامن صفر منها: توجه السلطان إلى الكرك على الهجن من الطريق البدرية، فوصل إلى الكرك والشوبك. وأقام بالكرك ثلاثة عشر يوما، وعاد إلى قلعته في ثاني عشرين شهر ربيع الأول.\rوفيها: في سادس عشر ربيع الآخر وتوجه السلطان إلى العباسة، وفي صحبته ولده الملك السعيد، فصرع الملك السعيد أوزة خيبة، وقيل له: \" لمن تدعى \" ؟ فقال: \" لمن أدعو بحياته \" . فقبله السلطان. وعاد السلطان بعد خمسة أيام.\rوكان سبب عوده أنه ظفر يكتب من جماعة من الأمراء إلى التتار، وهم: قحماد الحموي، وتوغان بن منكو، وسريغا، وطنغري يوري، وطنغري برمس، وأنوك، وبرمش، بلبان مجلي، والبغلائي المرتد، وبلاغا، وطغيني، وأيبك، وسنجر الحواشي، وقبض عليهم وقررهم فأقروا، وكان آخر العهد بهم.\rوفيها: أقبل السلطان على الأمير شهاب الدين يوسف بن الأمير حسام الدين الحسن بن أبي الفوارس القيمري، وهو من أعيان الأمراء في الدولة الصالحية النجمية والدولة الناصرية وكان السلطان قد نقم عليه، فإنه تخيل أنه كان يثبط الملك الناصر عن قتال التتتار، فواخذه بذلك وقطع خبره، وعطل، وأطلق له في كل يوم عشرين درهما، ودام على ذلك فأعطاه الآن إمرة أربعين.\rوفيها: توجه السلطان إلى الشام في شعبان بجميع العساكر واستحلف بقلعة الجبل الأمير شمس الدين آفسنقر الفارقاني، والصاحب بهاء الدين، واستصحب معه الصاحب تاج الدين وزير الصحبة وكان في هذه السفرة غزاة سيس على ما نذكر ذلك.\rوفيها: رسم السلطان بعمارة ما كان تداعى من منارة الإسكندرية.\rوفيها: في يوم السبت تاسع جمادى الآخرة توفي الأمير فارس الدين آقطاي المستعرب الصالحي الأتابك، ودفن بالقرافة بالقرب من تربة الإمام الشافعي، ومشى السلطان في جنازته، وحضر دفنه، وحزن عليه وبكى بكاء شديدا. وكان يستحق ذلك منه، رحمه الله تعالى.\rوفيها: توفي قاضي القضاة شمس الدين عبد الله بن \" محمد بن الحسن بن عطاء بن الحسن \" عطاء الأذرعي الحنفي بدمشق في يوم الجمعة تاسع جمادى الأولى. ولما مات عزل قاضي القضاة زين الدين الزواوي المالكي نفسه من القضاء حال دفنه، فإنه أخذ بيده من تراب الاقبر وحثاه عليه وقال: \" والله لا حكت بعدك، فإن لك اربعين سنة تحكم، ثم هذه مالك \" . وعزل نفسه من الحكم، وبقي نائبه القاضي جمال الدين يوسف الزواوي يحكم على حاله.\rوفوض السلطان قضاء الحنفية بعده للقاضي مجد الدين أبي المجد عبد الرحمن ابن الصاحب كمال الدين عمر بن العديم الحنفي فوصل إلى دمشق في يوم الاثنين سلخ ذي القعدة، وحكم في ذي الحجة من السنة.\rوفيها: توفي الحافظ جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن أحمد بن يحمود الأسدي اليغموري بالمحلة في ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر. كان ففيها أصوليا مشاركا في علوم كثيرة، وصحب الأمير جمال الدين بن يغمور فعرف به، وكان قد توجه لزيارة الأمير شهاب الدين بن يغمور بالمحلة فمات. ومات الأمير شهاب الدين بعده بشهرين ويومين، رحمهما الله تعالى.\rوفيها: توفي الأمير سليمان بن الملك السعيد بن الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، وكانت وفاته بدمشق في حادي عشر صفر رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة أربع وسبعين وستمائة استهلت سنة أربع وسبعين وستمائة والسلطان بالشام، فرسم بإحضاره ولده الملك السعيد، فتوجه الأمير بدر الأمير بيليك الخزندار نائب السلطنة على خيل البريد لذلك، في الرابع والعشرين من المحرم. ووصل إلى قلعة الجبل، فأرسل إليه الملك السعيد ألف دينار وتشريفا. وكان السلطان أيضا قد رسم للأمراء بإحضار أولادهم فتجهزوا.","part":8,"page":236},{"id":3747,"text":"وتوجه الملك السعيد على خيل البريد، في صلخ المحرم ووصل إلى دمشق في سادس صفر، وركب السلطان للقائه، وحضر بعد ذلك طلبه ومماليكه.\rوفي هذه السنة: وصلت رسل برواناه، وأخبر بقصد التتار والبيرة، وقال إنه اتفق هو وجماعة على أن العساكر إذا أقبلت من بر الشام وشاهدوا الصناجق السلطانية يضع السيف في التتار، فلم يف بذلك ثم بلغ السلطان حركة التتار، وأن قصدهم البيرة، فجمع العساكر من جميع البلاد، وأقام ينتظر خبرا محققا، فوصل الخبر أن التتار، نازلوا البيرة، في يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة، وأنهم أقاموا في تلك الليلة أحد عشر منجيقا، واهتموا بالحصار ونصب المجانيق، وكان مقدمهم إبتاي، فأنفق السلطان في العساكر وتولى النفقة بنفسه. وخرج بالعساكر، فلما وصل إلى القطيفة بلغه وحيل التتار لانقطاع المسيرة عنهم، فوصل إلى حمص، ثم عاد إلى دمشق في مستهل شهر رجب متوجها إلى الديار المصرية، فدخل إلى قعة الجبل في ثامن عشر الشهر.\rشنق الطواشي شجاع الدين\rعنبر المعروف بصدر الباز وغيره كان هذا الطواشي المذكور قد تمكن في الدولة الظاهرية وكبر شأنه، وتعاظم في نفسه، وصار في غيبة السلطان يركب إلى الميدان ويلعب بالكرة ويعود إلى القلعة، ثم تعاطى بعد ذلك، فيما نقل، إدمان شرب الخمر في دور السلطان، ويجتمع على ذلك مع الخدام: فاتصل ذلك بالسلطان، فلما عاد أحضره بين يديه ليلا، وقام السلطان إليه بنفسه ولكمه وقصد أن يؤدبه بالضرب زالإخراق ليرتدع بذلك. وكان لهذا الخادم على السلطان إدلال كبير، فحمله غدلالة على أن خاطب السلطان بما لا يليق أن يخاطب به، فكان مما قال له: \" هذا الضرب لا يفيدك، ولكن اشنقني \" . فغضب السلطان وأمر بشنقه، فشنق بالميدان الأسود تحت عن العرض بحمص، وشفع في جماعة أخر من الجند، فحبسوا بخزانة البنود. وأمر السلطان بمن كان يحضر مع صدر الدين من الخدام على الشراب فقطعت أيديهموأرجلهم من خلاف وسملت أعينهم.\rوقد حكى لي حكاية عجيبة عن هذا الخادم وهي: أن السلطان، قبل وصوله إلى الديار المصرية، كان قد كتب إلى النائب بقلعة الجبل أن يتقدم بنصب مائة خشبة بالميدان الأسود للشنق فنصبت، وما علم لمن هي، فكان الطواشي إذا توجه إلى الميدان يمر على الخشب فينظر إلى خشبة منها، ويقول: أجد قلبي يحن إلى هذه الخشبة، وتكرر منه، فشنق عليها. وهذا من عجيب الإنفاق في إحساس الخواطر.\rمتجددات اتفقت بعد وصول السلطان\rإلى الديار المصرية غير ما تقدم ذكره منها: وصول هذية صاحب اليمن، ومن جملتها الفيل والكركدن والحمار الوحشي العنابي وأصناف من التحف والبهار وغير ذلك، فعرض ذلك على السلطان وجهز \" السلطان \" له هدية سينة وسيرها صجبة رسله.\rومنها: تجهيز رسل الملوك، وهم: رسل الملك منكوتمر ملك البلاد الشمالية، ورسل الأشكري، ورسل الفنش، ورسل جنوة، وإرسال الرسل إلى أشبيلية.\rتوجه السلطان إلى اشبيلية\rوما كان من خبرهم كان الفنش صاحب أشبيلية قد سير رسولا لى السلطان اسمه دينار، وعلى يده هذية سينة ورسالة، مضمونها: استدعاء مودة السلطان، وذلك قبل هذا التاريخ. فسير السلطان إليه الآن رسلا، وهم: الأمير سيف الدين الجلدكي والأمير عز الدين أيبك الكبكي، والفقيه العدل \" \" الدين الحسين بن همام بن مرتضى، وعلى أيديهم هذية سنية وعقاقير. فتوجهوا من القاهرة في العشرالآخر من شوال وتوةجهوا إلى الإسكندرية، وتوجهوا منها منها في البحر في ذي القعدة، فوصلوا إلى سنقريس، فعوقهم صاحب برشنونة أياما ثم أفرج عنهم، فساروا حتى وصلوا إلى مرعش، وهي من جملة مملكة الفنش، فأعلم بوصلوهم فاستدعاهم، وكان يومئذ ببنطورية فتوجهوا إليه، فكانوا كلما مروا ببلد خرج إليهم أهل البلد وتلقوهم بالأفراج، إلى أن وصلوا إلى بنطورية، فخرج جميع من بها من الخيالة والرجالة والتقوهم بظاهرها، ثم استدعاهم الملك بعد ثلاث وأكرمهم غاية الإكرام، واستحضرهم في اليوم الثاني واحضروا الهدية، فاستبشر وطابت نفسه وقبلها، ثم جهز لهم مركبا ببرشنونة فتوجهوا في البر إليها، ثم ركبوا منها في المركب في آخر ذي الحجة، فوصلوا إلى الإسكندرية في صفر سنة خمس وسبعين وستمائة.\rاتصال الملك السعيد بابنة الأمير\rسيف الدين قلاون","part":8,"page":237},{"id":3748,"text":"وفي هذه السنة: في يوم الخميس ثاني عشر ذي الحجة، عقد نكاح الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة قان بن السلطان الملك الظاهر على \" غازية خاتون \" ابنة الأمير سيف الدين قلاون الألفي العلائي الصالحي، وكان العقد بالإيوان بقلعة الجبل على صداق مبلغه خمسة آلاف دينار، ومعاملة صرف الدينار ثلاثة عشر درهما وثلث درهم. وكان الوكيل عن الأمير سيف الدين قلاون، الأمير شمس الدين أفسنقر أستاد الدار العالية، بعد أن ثبت التوكيل في المجلس عند قاضي القضاة صدر الدين سليمان الحنفي. وجرى العقد بين الوكيلين بحضوره، وحضر السلطان والوزراء والقضاة والأكابر واعيان الأمراء والمقدمين وكان الصداق بخط القاضي محيي الدين عبد الله بن الشيخ رشيد عبد الظاهر، وإنشائه، وقرأه في المجلس، فخلع عليه وأعطى مائة دينار. ونسخة: بسم الله الرحمن الرحيم \" الحمد لله موفق الآمال لأسعد حركة، ومصدق الفال لمن جعل عنده أعظم بركة، ومحقق الإقبال لمن أصبح بشيبه سلطانه وصهرة ملكه، الذي جعل للأولياء من لدنه سلطانا ونصيرا، وميز أقدارهم باصطفاء تأهليه هحتى حازوا نعيما وملكا كبيرا، وأفرد فحارهم بتقربه حتى أفاد شمس آمالهم ضياء وزاد قمرها ذروا، وشرف وصلتهم حتى أصبح الله عليهم بها عظيما وأفضاله كثيرا، مهييء أسباب التوفيق العاجلة والآجلة، وجاعل ربوع كل أملاك من الأفلاك بالشموس والبدور والأهلة أهلة، جامع أطراف الفخار لذوي الإيثار حتى وصلت لهم النعمة الشاملة، وحلت عندهم البركة الكاملة. \" \" نحمده على \" أن \" أحسن عند الأولياء بالنعمة لستيداع وأحمل لتأمليهم الاستطلاع، وكمل لاختيارهم الأجناس من الغرو والأنواع، وآتى آمالهم مل لم يكن في حساب أحسابهم من الابتداء بالتخويل والابتداع. \" \" وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة حسنة الأوضاع ملية بتشريف الألسنة وتكريم الأسماع. \" \" ونصلى على سيدنا محمد الذي أعلا الله به الأقدار وشرف به الموالي والأصهار، وجعل كرمه دارا لهم في كل دار، وفخره على من استطلعه من المهاجرين والأنصار مشرق الأنوار، صلى الله عليه وعليهم صلاة زاهية الأزهار يانعة الثمار. \" \" وبعد، فلو كان إفضال كل شيء بحسب المتصل به في تفصيله لمما استصلح البدر شيئا من المنازل لنزوله، ولا الغيث شيئا من الرياض لهطوله، ولا الذكر الحكيم لسانا من الألسسنة لترتليه، ولا الجوهر الثمين شيئا من التيجان لحلوله، ولكن ليتشرف بيت يحل به القمر، ونبت يزوره المطر، ولسان يتعوذ بالآيات والسور، ونضار يتجمل باللآلئ والدرر. وكذلك تجملت برسول الله صلى عليه وسلم أصهاره من أصحابه، وتشرفت أنسابهم بأنسابه، تزوج صلى الله عليه وسلم منهم، وتمت لهم به مزية الفخار حتى رضوا عن الله ورضي عنهم. والمرتب على هذه القاعدة إفاضة نور يستمد الوجود، وتقرير أمر يقارن سعد الأجنة منه سعد السعود. وإظهار خطبة يقول الثريا لانتظام عقودها كيف، وإبراز وصلة يتجمل بترصيع جوهرها متن السيف، الذي يغطيه \" على \" إيداع هذا الجوهر به كل سيف، ونسج صهارة يتم بها إن شاء الله تعالى كل أمر شديد، ويتفق بها كل توفيقي، تخلق الأيام وهو جديد. ويختار لها أبرك طالع، وكيف لا تكون البركة في ذلك الطالع وهو السعيد، وذلك أن المراحم الشريفة السلطانية أرادت أن تحض المجلس السامي الأمير - وذكر نعوته - بالإحسان المبتكر، وتقوده التي ترهف بها منه الحد المنتظر، وأن ترفع من قدره بالصهارة، مثل ما رفعه صلى الله عليه وسلم من قدر صاحبيه أبي بكر وعمر، فخطب إليه أسعد البرية وأمنع من تحميها السيوف المشرفية، وأعز من تسبل عليها ستور العيون الخفية، وتضرب دونها خدور الجلال الرضية، وتتجمل بنعوتها","part":8,"page":238},{"id":3749,"text":"العقود. وكيف لا، وهي الذرة الألفية. فقال والدها الأمير المذكور: هكذا ترفع وتزان، وكذا يكون قران السعد وسعد القران. وما أسعد روضا أصبحت هذه المراحم الشريفة السلطانية له خميلة، وأشرف سيفا غدت منطقة بروج سمائها له خميلة، وما أعظمها معجزة آتت الأولياء من لدنها سلطانا، وزادتهم مع إيمانهم إيمانا، وما أفخرها صهارة يقول التوفيق لإبرامها: ليت، وأشرفها عبودية كرمت سلمانها بأن جعلته من أهل البيت. وإذ قد حصلت الاستخارة في رفع قدر المملوك، وخصصه بهذه المزية التي تقاصرت عنها أمال أكابر الملوك. فالأمر لمليك البسيطة في رفع درجات عبيده كيف يشاء والتصدق بما يتفوه به هذا الإنشاء، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم \" هذا كتاب مبارك تحاسدت رماح الخط على تحريره، وتنافست مطالع النوار ومشارق الأنوار على نظم سطوره، فأضاء نور الجلالة وأشرق، وهطل نوره بالإحسان فأغدق. وتناسبت فيه أجناس من تجنيس لفظ التفضيل، فقال الاعتراف، هذا ما تصدق، وقال العرف، هذا ما أصدق مولانا السلطان - وذكر نعوته وألقابه - أصدقها ما ملأ خزائن الأحساب فخارا وشجرة الأنساب ثمارا ومشكاة الجلالة أنوارا، وأضاف إلى ذلك ما لولا أدب الشرع لكان أقاليم ومدائن وأمصارا. فبذل لها من العين المصري ما هو باسم والده قد تشرف، بنعوته قد تعرف، وبين يدي هباته وصدقاته قد تصرف \" .\rثم كان الدخول بها في شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وستمائة.\rواهتم السلطان بذلك اهتماما لم يسمع بمثله، وخلع على جميع أكابر دولته من الأمراء والمقدمين والوزارء والقضاة والكتاب. وأنعم على الأمير سيف الدين قلاون بتشريف كامل بشربوش كان السلطان قد لبسه ثم خلعه عليه.\rتوجه السلطان إلى الكرك\rواستبداله يمن فيها من الرجال وعوده وفي يوم الخميس ثاني عشر ذي الحجة من هذه السنة: حالة انقضاء العقد، ركب السلطان على الهجن وتوجه إلى الكرك في جمع يسير من جهة البرية، فوصل إلى قلعة الكرك في ثالث وعشرين الشهر. وكان سبب ذلك أنه بلغه عن بعض رجال القلعة أنهم عزموا على إثارة فتنة ونقل دولة، وأنهم عزموا على الوثوب بنواب السلطان بالكرك فيقتلونهم ويسلمون الحصن لأخ كان للملك القاهر بن الملك المعظم لأمه، كونه ينسب إلى الملك الناصر، وكان مقيما بالكرك لا يؤبه له. فدخل السلطان إلى الكرك بغتة، واستدعى الرجالة، وكانوا زهاء ستمائة، وأمر بالقبض عليهم وشنقهم، فشفع ما كان معه فيهم، فأخرجهم من الحصن وقطع أيدي وأرجل ستة نفر منهم من خلاف، كانوا سبب الفتنة. وكان السلطان قد استخدم رجالا يثق بهم، وسفرهم إلى غزة، ولم يعرف أحدا قصده بهم، فأحضرهم إلى الكرك ورتبهم عوض من كان بها من الرجال. واستدعى السلطان الطواشي شمس الدين صواب السهيلي الصالحي - وكان يتولى صناعة الإنشاء بمصر - وسلم إليه الحصن، وفوض إليه النظر في أمواله وحواصله وذخائره. وخرج متوجها إلى دمشق في يوم الجمعة ثامن عشرين ذي الحجة سنة أربع وسبعين وستمائة.\rواتفق للسلطان في هذه السفرة أمور، وشاهد أبنية ومنازل غربية في مسيره من الديار المصرية إلى الكرك. وقد ذكرها المولى محيي الدين بن عبد الظاهر واعتذر في بسط القول فيها لغرابتها. فأحبنا أن نذكر ذلك تلخيصا.\rقال: رحل السلطان من قلعته يوم الخميس المذكور فنزل بلبيس، وأقام إلى قرب وقت العصر، ورحل فنزل رأس الملء بوادي السدير، ورحل منه في نصف ليلة السبت، فنزل الكراع وأقام إلى غروب الشمس، وحمل الملء لكفاية يومين، وتوجه على طريق البدرية، وساق سوقا عنيفا إلى وقت الفجر من يوم الاثنين، لم يرح ولم يسترح إلا بقدر ما تشرب الخيل الملء وتستوفي العليق، فنزل جبل بدر، ثم ركب بعد الإسفار لشدة الوعر فوصل إلى بدر، ونزل عند العين.\rقال: وهي عين تخرج من جبل أخضر ليس فيه ثبات، ومنيعها من جهة الغرب تحت جبل شاهق، وهي شكل مغارة منقوبة، يدخل الإنسان منها مقدار عشرة خطى، فيجد عينا تنبع عن بسرة الداخل إليها.","part":8,"page":239},{"id":3750,"text":"وكان السلطان قبل وصوله إلى العين قد بعث جماعة من العرب وأمرهم أن يجمعوا من ماء العين ما يكون حاصلا للورد، فصنعوا حول العين حياضا في الأرض شكل البرك محوطة بالحجارة، وملأوها من ماء العين، فوردها السلطان ومن معه، وارتفقوا بها، ولولا ذلك لهلكوا من الازدحام على الماء. ثم دخل السلطان بنفسه إلى المغارة، وجلس عند العين، وكان يملأ لمن معه قربهم بيده ويناول كل قرية لصاحبها حتى ملأوا ما معهم. ثم رحل من بدر فنزل حسنة، وهي بئر واحدة. ورحل منها حتى انتهى إلى عين تعرف بالمليحة فوردها. ورحل وبات تحت جبل يعرف بنقب الرباعي، فلما أسفر الصبح صعد إلى الجبل وإذا هو جبل عظيم به عقاب صعبة - وهي حجارة رخوة تشبه الرمل المتجمد، متغيرة الألوان إلى الحمرة والزرقة والبياض - وثم ثقوب في الجبل يعبر الراكب منها، وبها أمكنة تشبه السلالم من حجارة. وبها قبر هارون نبي الله أخا موسى بن عمران، عليهما السلام، على يسره السالك المتوجه إلى الشام. وثم قلعة تعرف بالأصوات صعدها السلطان وشاهدها، فوجدها من أعجب الحصون وأمنعها لا يكون أحصن منها. ونزل من نقوب الرباعي إلى مدائن بني إسرائيل، وهي ثقوب من الجبال من أحسن الأشكال ذات بيوت بالعمد وأبواب، وظواهر البيوت مصوفة بالنقوش في الحجارة بالإزميل، وكلها مخربة، بها صور أشكال وهي على قدر دور الناس المبنية الآن، وداخل هذه البيوت الأواوين المنورة المعقودة والصفف المتقابلة والخزائن والدهاليز والحرميات. وليس ذلك مبنيا بل جميعه منحوت بالحديد أشكال المغاير.\rقال: وقد خلق الله تعالى جبلين متقابلين، بينهما طريق، وكل جبل منهما كأنه شكل سور مرتفع، والدور متصلة يمينا وشمالا. ثم خرج السلطان من تلك الأمكنة إلى وادي المدرة، ثم منه إلى قرية تعرف بالعذبة، عرفت بذلك لأن بها العين التي بجسها موسى بن عمران عليه السلام بعصاه، وكانت تجري دما، فقال: \" عد بأمر الله ماء عذبا \" فعادت العين ماء حلوا رائقا باردا. فبات السلطان بها، ورحل منها ليلة السبت حادي عشرين الشهر، فوصل قلعة الشوبك نصف نهار الأحد، وخيم هناك، وحضر أمراء بني عقبة وغيرهم من أمراء العربان، وقدموا الخيول والهجن وغير ذلك، ثم رحل من الشوبك نصف نهار الاثنين على طريق الحسا، فوصل إلى الكرك نصف نهار الثلاثاء ثالث عشرين الشهر.\rقتال: ولما كان في سابع وعشرين الشهر يوم الجمعة خرج السلطان إلى باب قلعة الكرك، وأحضر رجالها، وذكر من خبر إخراجهم نحو ما تقدم.\rوفي هذه السنة: توفي الملك المسعود جلال الدين عبد الله بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن ايوب.\rوكانت وفاته بدمشق في خامس عشر جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون. وكان من أجمل الناس صورة وألطفهم خلقا وأكثرهم أدبا، كثير المكارم وحسن العشرة. رحمه الله تعالى.\rوفيها: توفي الصاحب موفق الدين أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن محمد المذحجي الآمدي، وكان من أعيان الأكابر ممن يرشح الوزارة، وولي نظر الدواوين ثم رتب آخرا ناظر الكرك والشوبك، فباشر ذلك مكرها، واستمر على ذلك إلى أن مات بالكرك. وكانت وفاته في ثامن عشر ذي الحجة، ودفن قريبا من مشهد جعفر التيار رضي اله عنه.\rوفيها: في يوم الأحد ثالث عشر ربيع الأول كانت وفاة الأمير ركن الدين خاص ترك الكبير بدمشق ودفن بقاسيون.\rوفيها: في العشرين من شهر رمضان توفي الشيخ الإمام الفاضل تاج الدين أيو الحسن علي بن الأنجب البغدادي - المعروف بابن الساعي - المؤرخ خازن كتب المدرسة المستنصرية. كان فلاضلا، وله تاريخ مذيل على تاريخ ابن الأثير الجزري، رحمهما الله تعالى واستهلت سنة خمس وسبعين وستمائة\rوصول جماعة من أمراء الروم\rخدمة السلطان وطاعتهم له","part":8,"page":240},{"id":3751,"text":"قال: ووصلت الأخبار أن جماعة من أمراء الروم ظهروا طاعة السلطان وتجاهروا بذلك. وأن البرواناه أنفرد عنهم وتقرب إلى التتار ورجع عما كان مشتركا معهم فيه من طاعة السلطان، وتوجه إلى الأردو وطلب من أكابر أمراء الروم النجاة بأنفسهم. واخذ الأمير شرف الدين مسعود بن الخطير وأخوه ضياء الدين محمود: السلطان غياث الدين صاحب الروم وتوجها إلى قلعة نكيدة، وكاتبوا السلطان. كذلك الأمير حسام الدين بينجار وولده بهاء وأولاده، وجماعة من الأمراء وهم إثنا عشر أميرا، وطلبوا من السلطان أنه يتداركهم بعسكره. فركب \" السلطان \" من الكرك كما تقدم، ووصل إلى دمشق في رابع عشر المحرم، فوصل الأمير حسام الدين بينجار والأمير بهاء الدين بهادر وولده \" أحمد \" ، ثم وصل بعدهما الأمير سيف الدين حيدربك صاحب الآبلستين، والأمير مبارز الدين \" سواربن \" الجاشنكير وجماعة من أمراء الروم، فتلقاهم السلطان بنفسه وأحسن إليهم ووصل حريمهم وأولادهم، فجهزهم إلى الديار المصرية. وكتب السلطان إلى الأمير بدر الدين بيسرى والأمير شمس الدين أقش \" البرلي \" \" و \" قطليجا. فحضرا إلى دمشق على خيل البريد، فطلب الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وتوجه السلطان إلى حلب، وجهز الأمير سيف الدين بلبان الزيني الصالحي وصحبته جماعة من العسكر، فوصلوا إلى عين تاب، وقرر معهم التوجه إلى القلعة التي بها السلطان غياث الدين وابن الخطسر. فورد كتاب الزيني أنه وصل إلى كرصو، فبلغه أن التتار وصلوا إليها أيضا، وبقي بينه وبين العدو النهر، وجالوا بين العسكر وبين قلعة نكيدة، فرجع العسكر إلى عين تاب، وهرب شرف الدين بن الخطير إلى بعض القلاعه فتقرب إلى العدو بتسليمه \" السلطان \" إليهم. وبقي أخوه ضياء الدين في خدمة السلطان \" الظاهر بيبرس \" لأنه كان حضر إليه مستنجدا وسير هذا العسكر بسبب حضوره. واما السلطان غياث الدين فعلم التتار أنه محكوم عليه فعفوا عنه، وسلموه إلى الصاحب والبرواناه.\rوعاد السلطان إلى دمشق ومنها إلى الديار المصرية، فدخل الجبل في رابع عشر شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وستمائة، فأقام إلى شهر رمضان من السنة وتوجه إلى الشام في العشرين من الشهر، فكانت غزوة الروم على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى، في الغزوات.\rآثار مسجد بجوار دير البغل\rوإقامة شعائر الإسلام به وفي التاسع عشر من شوال من هذه السنة: خرج جماعة إلى دير القصير، المعروف بدير البغل ظاهر مصر، فرأوا أثر باب بجوار الدير، فدخلوا المكان فرأوا آثار محاريب المسلمين، فأنهوا ذلك إلى الصاحب بهاء الدين، فتقدم إلى القاضي بهاء الدين ناظرا الأحباس أن يتوجه وصحبته نواب الحكم والعدول والمهندسون ومن يعتبر حضوره في مثل ذلك. فتوجه وصحبته القضاة \" و \" المشايخ: وجيه الدين البهنسي، وظهير الدين الترمنتي، وعلم الدين السمنودي نائب الحكم، ونظام الدين الخليلي، وجماعة من المهندسين، فشاهدوا المكان ورأوا به من الأثار ما يدل على أنه مسجد، وشهدوا بذلك عند القاضي علم الدين السمنودي فأثبته، ونقل الحكم إلى قاضي القضاة محيي الدين بن عين الدولة. وطولع الملك السعيد بذلك، فأمر الصاحب بهاء الدين يعمارته وإقامة من يحتاج إليه من إمام ومؤذن وزيت وفرش، فرتب ذلك له، وهو باق إلى يومنا هذا.\rوفي هذه السنة في رابع شوال: كانت وفاة الصاحب بدر الدين جعفر بن محمد بن علي بن محمد المذحجي الآمدي بدمشق وهو يومئذ ناظر النظار بها، ودفن بقاسيون. ومولده في سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وكان هو وأخوه موفق الدين من أمناء المباشرين وأرباب الستر على الكتاب، ولقب كل منهما بالصاحب، ولم يليا وزارة. ولما حضرا من بلاد آمد في سنة ثلاثين وستمائة هما وابن أختهما شمس لما نقل الملك الكامل أهل آمد منها. فلما عبر الفرات قال موفق الدين لهما: \" اعلما أننا نقدم على بلاد لا نعرف فيها أحدا، وليس لنا فيها معين إلا الله تعالى، فتعاهداني والله تعالى، على الأمانة وألا نخون السلطان ولا الناس \" . فتعاهدوا على ذلك ودخلوا إلى الديار المصرية. وولوا المناصب فوقيا بما عاهدا عليه، ونكث ابن أختهما شمس الدين، قسلما في مباشراتهما.وكان شمس الدين كثير النكبات والمصادرات.","part":8,"page":241},{"id":3752,"text":"وفيها: كانت وفاة الشيخ الصالح برهان الدين أبي إسحاق بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة الكناني الحموي بالقدس الشريف يوم عيد الفطر، رحمه الله تعالى.\rوفيها: كانت وفاة القاضي شرف الدين محمد بن يشكور المصري الكاتب، ولى مناصب جليلة، منها: نظر الجيش ونظر الدواوين بالديار المصرية. وكان بينه وبين الصاحب بهاء الدين مصاهرة ووحشة وكانت وفاته بداره على الخليج بالقرب من مصر في ليلة الأحد خامس عشرين جمادى الأولى. ودفن يوم الأحد بالقرافة الصغرى. ومولده سنة ست عشرة وستمائة.\rوفيها: توفي الأمير عز الدين إيغان ولا دمر الركني المعروف بسم الموت في محبسه بقلعة الجبل، وسلم إلى أهله في يوم الخميس ثامن عشر جمادى الآخرة، فدفن من يومه بمقابر باب النصر. وكان من الأمراء الأكابر، وقد تقدم ذكر اعتقاله.\rهذا آخر ما لخصناه من الحوادث في الأيام الظاهرية، فلنذكر الغزوات والفتوحات الظاهرية.\rغزوات السلطان الملك الظاهر\rوفتوحاته وما استولى عليه من البلاد الإسلامي ولنبدأ من ذلك بذكر ما استولى عليه من البلاد الإسلامية مما كان بيد غيره من الملوك وأصحاب الحصون. ثم نذكر الغزوات والفتوحات على ما ساقها بمقتضى ما يقدمه التاريخ ويؤخره توفية للشرط الذي شرطناه.\rما استولى عليه من القلاع\rوالحصون والبلاد الإسلامية وأضافه إلى ممالكه كان مما استولى عليه السلطان الملك الظاهر من القلاع والحصون والبلاد بعد أن استقر في الملك: الشوبك، والكرك، وقلعة البيرة، وحمص، والرحبة. وقد تقدم ذكر ذلك في أثناء أخباره فلا فائدة في إعادته. واستولى على خلاف ذلك مما نذكره الآن وهو: سواكن من بلاد اليمن، وخيبر من بلاد الحجاز، وقرقسيا، وبلاطنس، وصهيون، وبرزية، وحصون الدعوة من الشام وما ولاه.\rفتوح سواكن\rكان فتخها في سنة أربع وستين وستمائة. وسبب ذلك أن صاحبها \" الشريف \" علم الدين أسبغاني كان قد تعرض للتجار، وأخذ ميراث من مات منهم في البحر ومنع أولادهم منه، وكوتب في ذلك وحذر من العود إليه، فلم تغن المكتبات شيئا. فرسم الأمير علاء الدين الخزندار متولي الأعمان القوصية والأعمال الأخميمية، فقصده، فورد كتابه أنه وصل إلى ثغر عيذاب وسير عسكرا إلى سواكن فهرب صاحبها، ثم توجه علاء الدين المذكور إليها من عيذاب في عشرة أيام، وكان معه من المراكب الكبار والصغار نيف وأربعون مركبا، ووصل إليه من القصير كلالين موسقة بالمقاتلة، ودخل سواكن وأقام بها ومهدخا وقرر أحوالها، ثم رجع إلى مدينة قوص. ولما فارق سواكن عاد صاحبها إليها فقاتله من بها أشد قتال، وعاد منها.\rفتوح خيبر\rكان فتحها في سنة اثنين وستين وستمائة، وذلك أن أصحابها عبيد على بن أبي طالب، رضي الله عنه، وصلت كتبهم إلى السلطان يبذلون الطاعة والخدمة، فسير نجابين تستصح الأخبار، وندب الأمير أمين الدين موسى بن التركماني، وجهز الرماة والمقاتلة، وأنفق فيهم الأموال وجهز الخلع للمقدمين والمشايخ وكتب إلى نائب الكرك بتجهيز أمراء العربان وجماعة من البحرية صحبته، وجهز الغلال والذخائر لهذه القلعة، فتوجه الأمير أمين الدولة وافتتحها.\rفتوح قرقيسيا\rوقرقيسيا هذه من اقدم المدن وكانت تعرف بالزباء الملكة. وفيها يقول ابن دريد:\rفاستنزل الزباء قسرا وهي في ... عقاب لوح الجو أعلا منتما\rوكان السلطان قد راسل أهلها، وسير إليها الأمير كمال الدين الطوري وملكها وأقام بها مدة، فقصدها التتار، فعاد كمال الدين إلى السلطان وتركها. وفي شهر رمضان سنة ثلاث وستين وستمائة، أرسل مقدموها إلى عز الدين السكندري النائب بالرحبة، وسألوه عفو السلطان وسيروا رهائنه. فتوجه إليها جماعة من الخيالة والأقحية، وساقوا من أول الليل إلى نصفه وباتوا على ماكسين، فلما أصبح الصبح أحاط بها المسلمون والعسكر وقتلوا من كان بها من عسكر التتار والكرج، وأسروا إلى المرتدة نيفا وثمانين نفرا، وتنسلموا الجسر ومراكبه والسلسلة، في نصف الشهر.\rأخد بلاطنس وخبرها","part":8,"page":242},{"id":3753,"text":"كانت بلاطنس جارية في مملكة الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام، فلما دخل التتار البلاد استولى عليها الأمير مظفر الدين عثمان صاحب صهيون، فطلب السلطان منه رد هذا الحصن، فصار يدافع ويقول: \" أنا من جملة النواب \" . فلما توجه السلطان إلى أنطاكية أرسل إليه هدية ردها السلطان عليه، وسير جماعة من عسكر حلب أغاروا عليها. فتوالت رسله بالإذعان بالتسليم ويطلب قرية توقف عليها، فعين السلطان له قرية الحلمة من بلد شيزر، ووقفها عليه وعلى أولاده، وقرر أن يعطي صاحب بلاطنس شيئا من بلد صهيون فقرر له السلطان منها بلادا تغل ثلاثين ألف درهم، وتسلمت بلاطنس منه في سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وستين وستمائة.\rوهذا الحصن من جملة معاقل الإسلام الحصينة لأنه بري بحري سهلي، ما أخذ بالسيف قط، بناه رجال يعرفون ببني الأحمر من أهل الجبال وحصنوه، فلما سمع بهم قطبان أنطاكية المسمى ببقيطا عاجلهم قبل إتمامه فملكه بالأمان، وأخذ في تحصينه وإتمام بنائه، وذلك في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. فلما كان في سنة إحدى عشر وخمسمائة، خرج روجار صاحب أنطاكية فدوخ بلاد الإسلام، وقصد حصن بلاطنس وفيه بنو ضليعة أولاد أخي القاضي شرف الدين، فنزل على بلاطنس في يوم الثلاثاء ثامن عشرين ذي الحجة من السنة، وأجلب عليه فتسلمه في يوم السبت ثاني عشر المحرم سنة اثنتي عشرة، وعوضهم عنه بأنطاكية ثلاث قرى. فلما كان في يوم السبت سابع وعشرين شعبان سنة ثلاثين وخمسمائة وثب أهل بلاطنس على ما فيه من الفرنج فقتلوهم، فاحتمت عليهم القلة. فأرسل أهل الجبال إلى منكجك التركماني صاحب بكسرائيل يستنجدونه فأتاهم وأقام يحاصرها مدة. فعمل الفرنج الذين بها حيلة عليه، وراسلوه وبذلوا له تسليمها على شرط أن يخفر نساءهم وأولادهم حتى يصلوا إلى جبلة أو إلى صهيون. فإذا جاءت لهم العلامة بوصولهم سالمين سلموها له، فلما وصلهم امتنعوا من التسليم. وكان ذلك حيلة منهم، فإن الأقوات ضاقت عندهم وضاقت الغلة عليهم، فاستراحوا بخروجهم عنهم وقويت نفوسهم. واتصل الخبر بأنطاكية فسيروا إليها عسكرا دفعه عنها. واستقرت بأيديهم إلى أن ملكها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على ما قدمناه.\rتسليم صهيون وبرزية\rوفي سنة إحدى وسبعين وستمائة: تسلم السلطان صهيون وبرزية، وذلك أن صاحبها الأمير سيف الدين محمد بن الأمير مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس بن بدر الدين خمردكين توفي في هذه السنة كما تقدم، وكان السلطان يومئذ بدمشق فاستدعى ولده الأمير سابق الدين سليمان فحضر، وأقطعه إمرة بأربعين فارسا، فكتب إلى عمه جلال الدين بتسليم القلعة إلى نواب السلطان بذخائرها، فتسلموا ذلم في ثاني عشر شهر ربيع الأول منها. وأقطع السلطان عميه جلال الدين مسعود ومجاهد الدين إبراهيم؛ وكل منهما إمرة عشرة طواشية، ووصل أهل صاحب صهيون إلى دمشق.\rالإسماعيلية وابتداء أمرهم\rوالاستيلاء على حصونهم","part":8,"page":243},{"id":3754,"text":"أول من قام بدعوتهم الحسن بن الصباح المعروف بالكيال، هو من تلامذة بن عطاش الطبيب. قدم مصر في زمن المستنصر العبيدي في زي تاجر في سنة ثمانين وأربعمائة، ودخل عليه وخاطبه في إقامة الدعوة ببلاد العجم فأذن له. وكان الحسن كاتبا للرئيس عبد الرزاق بن بهرام بالري. ادعي أنه قال للمستنصر: \" من إمامي بعدك؟ \" فأشار إلى نزار: فمن هنا سموا بالنزارية. وقال ابن السمعاني في تاريخه: إنما سموا بالإسماعيلية لأن جماعة من الباطنية ينسبون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق لانتساب زعيمهم المصري إلى محمد بن إسماعيل المذكور. وكان أول إظهار دوتهم بالأمولات وطلوعه أعلامه في سنة ثلاث وأربعمائة وجرى لنزار ما قدمناه بعد وفاة أبيه ومسك من الإسكندرية وجيء به إلى القصر فكان آخر العهد به، وانفصل أهل الألموت من العبيديين من ذلك الوقت. وشرع الإسماعيلية في افتتاح الحصون، فأخذوا قلعة وبنوا أخرى وأظهروا شغل السكين. وأول عملهم بالسكين، أن ابن الصباح كان ذا دين في الظاهر، وله جماعة من نسبته يتبعونه، فلما حضر من مصر إلى الألموت وهي حصيسنة وكان أصحابها ضعفاء فقالوا لأصحابها: \" نحن قوم زهاد نعبد الله ونستري منكم نصف هذه القلعة ونقيم معكم نعبد \" . فاشترى نصفها بتسعة آلاف دينار. ثم قوى واستولى عليها وصاروا جماعة، فبلغ خبرهم ملك تلك البلاد فقصدهم بعساكره. فقال رجل منهم يعرف بعلي اليعبوقي: \" أي شيء يكون لي عندكم إن كفيتكم أمر هذا الجيش \" ؟ قالوا: \" نذكرك في تسابيحنا \" . فقال: \" رضيت \" . فنزل بهم وقسمهم أرباعا في أرباع العسكر وجعل طبولا. وقال: \" إذا سمعتم الصايح فاضربوا الطبول وقولوا يا آل علي \" بم هجم بهم على الملك فقتله فصاح أصحابه، فضرب أولئك الطبول، فامتلأت قلوبهم خوفا وهربوا لا يلوي منهم أحد على أحد، وأصبحت خيامهم خالية، فنقلوا ما فيها إلى القلعة. وسنوا السكين من ذلك الوقت.\rثم بعثوا داعيا من دعاتهم يعرف بأبي محمد إلى الشام فملك قلاعا من بلاد الناصرية .\rثم ملك بعده سنان: وهو سنان بن سليمان بن محمد البصري ، وأصله من قرية من قرى البصرة تعرف بعقر السدن . وأقام في الشام نيفا وثلاثين سنة ، وكان يلبس الخشن ، ولا يراه أحد يأكل ولا يشرب ولا يبول ولا يبصق، بل يجلس على صخرة ، فاعتقدوا فيه التأل .\rثم ولى مكانه أبو منصور بن محمد وكان أبن الصباح ، الذي قدمنا ذكره . \" و \" لما قتل نزار طالبوه به ، فقال : \" إنه بين أعداء كثيرة والبلاد بعيدة ولا يمكنه الحضور ، وقد عزم على أن يختفي في بطن امرأة ويجيئ سالمن ويستأنف الولادة \" . فقنعوا بذلك ، وأحضر لهم جارية قد أحبلها وقال : \" إنه قد اختفى في هذه \" ، فعظموها فولدت ابنا سماه حسنا. وقال: \" نغير الاسم لتتغير الصورة \" . ومات حسن في سنة خمس عشر وخمسمائة ، وخلف ولده محمدا . ولمحمد ولد أسمه حسن خلف أباه بعد موته . ولما سمع ملك خوارزم شاه قصد بلادهم . وأظهر محمد بن حسن هذا أنه رأى على بن أبي طالب في المنام يقول له : \" تعيد شعار الإسلام وفرائضه وسننه \" فعرف جماعته بذلك . ثم قال لهم : \" الذين لنا ، نتصرف تارة بوضع التكاليف عنكم وتارة نأخذها منكم \" . فقالوا \" السمع والطاعة \" فكتب إلى بغداد وسائر البلاد بذلك ، واستدعى القراءة والفقهاء وأستخدم أهل قزوين في ركابه . وسير الخليفة رسولا صحبة رسوله إلى حلب بتقوية نوابه وأن يقتل النائب القديم ويولى هذا الواصل فخلصوا بذلك من صولة خوارزم شاه .\rهذا ابتداء أمر هذه الطائفة . وقد ذكرنا طرفا من أخبارهم فيما تقدم فلنذكر سبب الاستيلاء على بلادهم ، وكيف انتزعها السلطان الملك الظاهر منهم .\rاستيلاء السلطان على بلاد الإسماعيلية\rوشيء من أخبارها وهي مصياف والعليقة والرصافة والكهف والمنيقة والقدموس والخوابي . وكان السلطان الملك الظاهر ، رحمه الله ، قد كسر شوكة هذه الطائفة الإسماعيلية وأبطل رسومهم التي كانت مقررة لهم على ملوك الديار المصرية ، وقرر عليهم فطيعة يحملونها إلى بيت المال . ثم لم يرضه ذلك إلى أن استولى على حصونهم وانتزعها من أيديهم .","part":8,"page":244},{"id":3755,"text":"وأول ما استولى عليه من حصونهم مصياف : استولى عليها في العشر الأوسط من شهر رجب سنة ثمان وستين وستمائة . وذلك أن السلطان كان قد حضر في جمادى الآخرة من هذه السنة إلى حصن الأكراد وأغار على البلاد الساحلية ، ونزل بالقرب من البلاد الإسماعيلية، وحضر إلى خدمته صاحب حماة وصاحب صهيون ، ولم يحضر نجم الدين \" حسن \" ابن صاحب الإسماعيلية ولا ولده شمس الدين . وسيروا يطلبون أن ينقصوا من القطيعة التي كانوا يقدمون بها للفرنج وأبطلها السلطان وتقررت لبيت المال وكان السلطان قبل ذلك قد غضب على صارم الدين ابن \" مبارك \" الرضى صاحب العليقة لأجلهم ، فتوصل صاحب صهيون في إصلاح أمرهم ، فحضر إلى السلطان فرضى عنه وقلده بلاد الدعوة استقلال ، وأعطاه طلبخاناه ، وعزل نجم الدين وولده من نيابة الدعوة . ونعت صارم الدين بالصحوبية على عادة نواب الدعوة ، وتوجه في سابع عشر جمادى الآخرى وصحبت عز الدين العديمي أحد مفاردة الشام لتقرير أمره ، وجرد صحبته جماعة من شيزر وغيرها ن فوصلوا إلى مصياف وتحدثوا مع أهلها ، فامتنعوا ، فسير السلطان إليهما ، فسلموها في العشر الأوسط من شهر رجب .\rومصياف هذه كرسي مملكة الدعوة ، وبها أكابرهم ، ومنها رسلهم إلى الملوك ، فلما علم نجم الدين وولده سرعة هذا الاستيلاء سألوا الحضور . وحضر الصاحب نجم الدين \" حسن \" وعمره تسعون سنة ، فرحمه السلطان وعفا عنه وولاه النيابة شريكا لابن الرضى لأنه صهره، وكان أبوه هو المشار إليه . وقرر حمل مئة وعشرين ألف درهم في كل سنة . وتوجه نجم الدين وبقي ولده ملازما باب السلطان ، وتقرر على صارم الدين بن الرضى حمل ألفى دينار في كل سنة .\rوكانت مصياف قديمة بيد الأمير وثاب بن محمود بن ناصر بن صالح بن مرداس من أمراء بني كلب في سنة خمس وتسعين وأربعمائة ، فملكها ولده ناصر الدين سابق ، فباعها لعز الدين أبي العساكر سلطان بن منقذ في سنة أحدى وعشرين وخمسمائة،وجعل فيها الحاجب سنقر، فقتله الباطنية وملكوا الحصن في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة ، وبقي في أيديهم إلى الآن .\rفتوح العليقة والرصافة\rهذا الحصن من أمنع الحصون ، وكان مختصا بالرضى ، ثم بولده صارم الدين ، فجرت من المذكور أمور أوجبت اعتقاله بمصر، ورسم للعسكر المقيم ببلاطنس بمنازلها ، وسير إلى عبد الظاهر النائب بها وإلى جماعة من أهلها بالترغيب والترهيب ، فتسلمها نواب السلطان في يوم السبت حادي عشر شوال سنة تسع وستين وستمائة ، واستخدم بها الرجالة ، ثم هجم نواب السلطان على الاصافة ، وملكت في آخر الشهر المذكور .\rفتوح بقية حصون الدعوة\rكان قد تقرر على الصاحب نجم الدين عند وصوله إلى السلطان مائة ألف وعشرين ألف درهم في كل سنة ، واستقر شمس الدين في صحبة ركاب السلطان ، فنسب إليه أنه كاتب الفرنج .","part":8,"page":245},{"id":3756,"text":"فحضر والده نجم الدين في سنة تسع وستين وستمائة عند فتوح حصن الأكراد فاعتذر عنه، وتحدث هو وولده المذكور مع الأتباك في تسليم القلاع ، وأنهما يحضران إلى باب السلطان ، فأجابهم إلى ذلك . وتوجه شمس الدين إلى الكهف لتدبير أمور أهله في عشرين يوما ويعود ، وسافر أبوه في الخدمة إلى القرين ثم إلى الديار المصرية ، فلما حضر والده وصار يعتذر عن الحضور. فكتب إليه السلطان: \" أن الذي كنتم سألتموه من تسليم القلاع كأنكم رجعتم عنه، والوعد الذي وعدناكم نحن ما نخلفه، من أننا نعطيك إمرة بأربعين فارسا، وقد تسلم والدك الإقطاع \" . فورد جوابه يعتذر عن الحضور ويطلب حصن العليقة، وأنه يسلم بقية الحصون. فأجيب إلى ذلك. وسير السلطان الأمير علم الدين سنجر الدواداري وقاضي حمص فخلفا شمس الدين بحصن الكهف، ثم طالبوه من التسليم فامتنع أهل الكهف عن ذلك باتفاق منه، فعادت الرسل بذلك. ثم أعيد إليه الأمير علم الدين شقير مقدم البريدية، فمنعا من الدخول إلى الكهف، ولم تؤخذ منهم الكتب. فأمر السلطان بمضايقتهم، فندم شمس الدين ونزل من الكهف، وجاء إلى السلطان بظاهر حماة في سادس وعشرين صفر سنة تسع وستين، فأكرمه السلطان، فسير ورقة إلى السلطان يقول: \" إن أهل الكهف كانوا جهزوا فداوية إلى الأمراء. \" فغضب السلطان وأمر بإمساكه في الوقت وإمساك أصحابه، وسيروا إلى مصر. واستمرت مضايقة حصونهم، وأمسك وإلى الدعوة والناظر بسرمين، وكان لهم أقارب بالخواني، فأشار عليهم الأمير سيف الدين بلبان الدوادار بمكاتبة أقاربهم بالتسليم. فحضر منهم جماعة، وأعطاهم السلطان الخلع والنفقات وأجراهم على رسومهم، فسلموا حصن الخوابي في سنة تسع وستين وستمائة. واستمر امتناع أهل الكهف والمنيقة والقدموس من التسليم، فرسم السلطان للملك المنصور بمضايقة الكهف. واستمر ذلك إلى أواخر سنة إحدى وسبعين وستمائة.\rفأما المنيقة: فتسلمها نواب السلطان في ثالث ذي القعدة من السنة.\rوالقدموس: حضر جماعة من أكابر أهلها وبذلوا الطاعة وتسلمت في ذي القعدة.\rوأما الكهف: فتسلمه الأمير جمال الدين أقش الشهابي أحد أمراء الشام في ثاني وعشرين ذي الحجة من السنة، وسيرت مفاتيحه صحبة رسلهم ورسل صاحب حماة، وتكمل بذلك قلاع الدعوة.\rوأقيمت بها الجمع وترضي عن الصحابة رضي الله عنهم، وأظهرت شعائر الإسلام بها.\rأخبار هذه الحصون\rفأما حصن الكهف: فقد ذكر في الكتب أنه الكف بغيرها، وسمعت أكثر أهل تلك البلاد لا ينطقون في اسمه بالهاء. وكان هذا الحصن في يد نوا بالعبيديين ملوك مصر، فانتزعه الأمير ليث الدولة بن عمرون وأخذه، وبقي إلى ولاية سيف الدولة بن عمرون، فذبح على فراشه في سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وتولى ولده الحسن وهو خائف مما جرى على أبيه، فالتجأ إلى الإسماعيلية، واستدعى قوما منهم وأسكنهم معه في الحصن ليتقوى بهم على بني عمه الذين يقصدونه. فأخرجوه من الحصن وملكوه إلى هذا الوقت.\rوأما القدموس: فإنه كان في يد بني محرز بعد ولاية العبيديين، وكان آخر بني محرز، منير الدولة حمدان بن حسن بن محرز، فتوفي وملكه بعده ولده علم الدولة يوسف، فضعف عن حفظه، فسلمه الإسماعيلية في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة.\rوأما حصن المنيقة: وهو في جبل الرواديف، وباينه رجل اسمه نصر بن مشرف الروادفي كان قد استولى على جميع المسلمين الساكنين بجبل الرواديف وما يليه واستحقل أمره، فأخذ وحمل إلى أنطاكية، فاستتيب وأطلق، فعاد إلى أذية المسلمين والروم، فأخذ وطلب العفو، وأعطى ولده رهينة. وتنصح للروم وقال: \" إن في آخر عمل الروم من آخر جبل الرواديف ضيعة تعرف بالمنيقة، ومكانها يصلح أن يكون به حصن ليحفظ على جميع الأعمال \" . فأجابوه إلى ذلك. فقال: \" إن المسلمين لا يمكنونكم من بنائه، وإنما أنا أدفع المسلمين عنه، وأفهمهم أنني أبنيه لنفسي، فإذا بنيته سلمته لكم \" ، فاغتر الروم بقوله وأعانوه، فلما بناه استعصى به، وشرع في بناء حصن آخر امنع منه. ثم إن نقيطا قطبان أنطاكية أتى إلى الحصن وحاصره في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، فلم يظفر به، ثم عاد إليه وملكه وخرب أبرجته إلى الأرض، ثم عمرت وصارت بعد ذلك للإسماعيلية.\rوأما حصن الخوابي: وهو من جبل بهراء، فإن محمد بن علي بن حامد سلمه للروم في سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ثم صار للإسماعيلية.","part":8,"page":246},{"id":3757,"text":"هذا ما أمكن إيراده من أخبار هذه الفتوحات وابتداء أمر هذه الطائفة.\rفلنذكر خلاف ذلك من الغزوات الظاهرية والفتوحات، وما يتخلل ذلك ويناسبه من الصلح والمهادنات إن شاء الله تعالى.\rغزوات السلطان وفتوحاته\rوما وقع من المصالحات والمهادنات ولنبدأ من ذلك بالأمور التي أوجبت انحراف السلطان عن الفرنج بالبلاد الساحلية وأخذ بلادهم.\rقد ذكرنا ما كان قد تقرر من الهدنة عند وصول السلطان إلى الشام في سنة تسع وخمسين وستمائة، وأن الفرنج لم يفوا بما تقرر من إطلاق الأسرى، فلما وصل السلطان إلى جهة الطور على ما قدمناه في سنة إحدى وستين عند القبض على الملك المغيث صاحب الكرك، وكان الفرنج قد شرعوا يحيدون عن الحق ويطلبون زرعين، والسلطان يجاوبهم \" إنكم أخذتم العوض عنها في الأيام الناصرية ضياعا من مرج عيون، وقايضهم بها صاحب تبنين \" . ثم وردت رسلهم الآن يهنئون بالسلامة ويقولون: \" ما عرفنا بوصول السلطان \" . فأجابهم: \" إن من يريد يتولى أمرا ينبغي أن يكون فيه يقظة، ومن خفي عنه هذه العساكر وجهل ما علمه الوحوش في الفلاة والحيتان في المياه من كثرة هذه العساكر، التي لعل بيوتكم ما فيها موضع إلا ويكنس منه التراب الذي أثارته خيل هذه العساكر، ولعل وقع سنابكها قد أصم سماع من وراء البحر من الفرنج وفي موغان من التتار. فإذا كانت هذه العساكر تصل إلى أبواب بيوتكم ولا تدرون بها فأي شيء تعلمون \" . وانفصل الرسل على هذا الحال.\rووصلت نواب يافا، ونواب أرسوف بهدية أخذت منهم، وكانت كتبهم وردت قبل ذلك مضمونها: طلب فسخ الهدنة والندم عليها، فصارت ترد الآن ببقائهم عليها وتمسكهم بالمواثيق.\rوجرت أمور ومراسلات يطول شرحها اقتضت تغير السلطان، ثم كاتبهم السلطان يقول: \" أنتم في أيام الملك الصالح إسماعيل أخذتم صفد والشقيف على أنكم تنجدونه على السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، وخرجتم جميعا خدمته ونجدته، وجرى ما جرى من خذلانه، وقتلكم وأسركم واسر ملوككم ومقدميكم. وقد نقصت تلك الدولة ولم يؤاخذكم السلطان الشهيد عند فتوجه البلاد وأحسن إليكم، فقابلتم ذلك بأنكم رحتم إلى الريد أفرانس وأتيتم صحبته إلى مصر وساعدتموه حتى حوى عليكم ما جرى من القتل والأسرة، فأي مرة وفيتم فيها لملكة مصر. وبالجملة فأنتم أخذتم هذه البلاد من الصالح إسماعيل إعانة مملكة الشام وطاعة ملكها ونصرته، وقد صارت ملكة الشام وغيرها لي وأنا لا أحتاج إلى نصرتكم، فتردون ما أخذتموه بهذا الطريق، وتفكون جميع أسرى المسلمين، وغير ذلك لا أقبله. \" فلما سمعوا هذه المقالة قالوا: \" نحن لا ننقص الهدنة ونطلب مراحم السلطان في استدامتها، ونفك الأسرى \" . فقال السلطان: \" كان هذا قبل خروجي في هذا الشتاء ووصول هذه العساكر \" . وانفصلوا على هذه الصورة، وامر أنهم لا يبيتون في الوطاق. ورسم بهدم كنيسة الناصرة وهي أكبر مواطن عبادات النصرانية. فتوجه الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري إليها وهدمهاإلى الأرض، فلم يجسر أحد من سائر الفرنجية أن يخرج من باب عكا. ثم جرد السلطان الأمير بدر الدين الأيدمري وصحبته جماعة فتوجهوا إلى جهة عكا وهجموا إلى ابوابها، ثم توجه الأمير المذكور مرة أخرى فأغار على المواشي واستباح منها شيئا كثيرا، وأحضر ذلك إلى المخيم المنصور.\rذكر مسير السلطان إلى عكا","part":8,"page":247},{"id":3758,"text":"وفي ليلة السبت رابع جمادى الآخرة سنة إحدى وستين: ركب السلطان وجرد من كل عشرة فارسا صحبته، واستناب الأمير شجاع الدين الشبلي أمير مهمندار في الدهليز، وساق من منزلة الطور نصف الليل. فلما أصبح وقف قريب عكا الوادي الذي بقربها، ومنه يشرف عليها. وامر الناس بلبس السلاح ورتب العساكر وساق وطاف بعكا من جهة البر، وسير جماعة إلى برج كان قريبا منها فيه جماعة فحاصروه، وللوقت عملت فيه الثقوب إلى قرب وقت المغرب والفرنج ينظرون من أبواب المدينة وتل الفضول. ثم رجع السلطان إلى الدهليز قريب البرج المذكور عند الماء. ولما أصبح ركب وساق إليها، وكان الفرنج قد حفروا خنادق حول تل الفضول وجعلوها معاثر في الطريق. ووقف الفرنج صفوفا على التل، ورتب السلطان العساكر للقتال بنفسه، وردمت تلك الخنادق بحوافر الخيل وايدي الغلمان والفقراء والمجاهدين. وطلع الناس إلى تل الفضول وانهزم الفرنج إلى المدينة. وحرق الناس ما حول عكا من الأبراج والأسوار وقطعوا الأشجار. وساق العسكر إلى أبواب عكا يقتلون ويأسرون، فقتل جماعة كثيرة من الفرنج في ساعة واحدة، وأسرت جماعة بخيولهم، وجرح أكابرهم ووقعوا في الخندق بخيولهم، وهرب من بقي من الفرنج إلى الأبواب. ثم ساق السلطان وقت العصر إلى البرج الذي كان النقابون علقوه، ووقف حتى رمي وأخرج منه بالأمان أربعة خيالة أخوة ، ونيف وثلاثين راجلا \" وبات السلطان على ذلك \" . واصبح السلطان وكشف بلاد الفرنج مكانا مكانا، وعبر على كنيسة الناصرة، ثم رجع على مبسطة كان قد أمر ببنائها قبالة الطور، وأوقد الشموع وأحضر الصاحب فخر الدين وزير الصحبة، وجماعة كتاب الدرج، وكتاب الجيش، والسديد المعز مستوفي الصحبة. وجعل الأمير سيف الدين بلهان الزيني أمير علم جالسا عند ديوان الجيش لكتابة الأمثلة وتجهيز الطلبخاناه، والأتابك بين يدي السلطان. واستدعى من جشاراته حمسمائة فرس برسم الطلبخاناه وخيول الأمراء، وأحضرت الخلع الكثيرة، ولم تزل المثالات والمناشير تكتب والسلطان يعلم، وكتب بين يديه في تلك الليلة ستة وخمسون منشورا كبارا بخطب وهو يعلم، والنائب يكتب، \" وكتاب \" ديوان الجيش يئبتون، ومستوفي الصحبة ينزل حتى كملت بين يديه. واصبح السلطان فخلا بنفسه وجهز الطلبخاناه والصناجق والخيل والخلع للأمراء، وجعل الأمير ناصر الدين القيمري نائب السلطنة بالفتوحات الساحلية، ورحل من الطور وتوجه إلى الكرك وفتحها على ما قدمنا ذكره.\rذكر قصد متملك الأرمن حلب المحروسة","part":8,"page":248},{"id":3759,"text":"وفي سنة اثنتين وستين وستمائة: وصل هيتوم بن قسطنطين متملك الأرمن من جهة هولاكو، وتوجه قبل دخوله إلى بلاده إلى السلطان ركن الدين صاحب الروم، فعزم \" صاحب الروم \" على الإيقاع به على غرة، ثم ينسب ذلك إلى التركمان، فشعر هيتوم بذلك، وكان قد استصحب معه قاضي بلاد هولاكو ليصلح بينه وبين صاحب الروم، وأعطاه كثيرا واستماله، فقال له هيتوم: \" لا أقدر على دخول بلاد الروم حتى تحضر جماعة من التتار يخفرونني \" ز فكتب القاضي إلى التتار الذين بالروم، فحضر منهم أربعمائة فارس، فتوجه بهم إلى السلطان ركن الدين، فخرج إليه وتلقاه مترجلا لأجل القاضي، والأرمتي لم يترجل، وقدم كل منهما للآخر تقدمة، لكن كانت تقدمة صاحب الروم لهيتوم أكثر، ثم جاءوا جميعهم إلى هرقلة وتحالفا واتفقا، واهتم هيتوم بجدمع العساكر لقصد البلاد الإسلامية. وكان في عسكره من بنى كلاب ألف فارس فقصد عين تاب. وكان السلطان قد اطلع على هذا الأمر لاهتمامه بالاستطلاع على الأخبار، فسير إلى عسكر حماة وعسكر حمص بالتوجه إلى حلب، فتوجهوا، وتوجه جماعة من العسكر المصري، فأغاروا على الأرمن وأسر أمير من أمراء هيتوم، وأخذ له مائة جمل من البخاتي فولوا منهزمين، وقتل منهم جماعة، وجرح صاحب حموص قرابة هيتوم الملك جراحة شديدة، فكتب الأرمني إلى التتار الذين بالروم، وهم سبعمائة، فحضروا إليه لقصد الشام؛ فلما وصلوا إلى مرج حارم وقعت ثلوج شديدة، وكان الأرمني قد كتب إلى أنطاكية يطلب نجدة، فأنجد منها بمائة وخمسين فارسا، ولبسوا كلهم السراقوجات تشبها بالتتار، واجتمعوا كلهم بالقرب من مرج حارم فكادوا يهلكون من كثرة الثلوج والأمطار، وخرج العسكر المنصور لقصدهم، وانقطعت عنهم الميرة فتأخروا راجعين، فعدم من أصحاب الأرمني مائة وعشرون فارسا، وثلاثون تتريا، وستة من خيالة أنطاكية وجماعة من رجالتهم.\rثم اهتم هيتوم بعد ذلك وجمع العساكر وفصل ألف قباء تتري وألف سراقوج ألبسها أصحابه، ليوهم أنهم نجدة من التتار. فجرد السلطان عسكرا من دمشق إلى حمص وجماعة من حماة، وتوجه الأمير حسام الدين العين تابي فأغار على مرزبان وقتل واسر وعاد سالما. وتوالت الغارات من جميع الجهات، فتفرق جمع هيتوم، وعدل العسكر الإسلامي إلى أنطاكية فغنم وقتل وأسر.\rوفي جمادى الآخرة منها: أغارت العساكر التي بالساحل صحبة الأمير ناصر الدين القيمري ووصلت إلى أبواب عكا.\rوفي شهر رمضان من السنة: وصل كتاب الأمير ناصر الدين المذكور، يذكر أن بلغه أن الفرنج توجهوا إلى جهة يافا، فأمره السلطان بالغارة على قيسارية وعثليث، فساق إلى باب عثليث فنهب وقتل واسر، ثم ساق إلى قيسارية واعتمد فيها مثل ذلك . فرجع الذين بيافا.\rمحاصرة التتار البيرة\rوتجريد العساكر وانهزام العدو","part":8,"page":249},{"id":3760,"text":"كان السلطان قد توجه إلى جهة العباسة، في أوائل سنة ثلاث وستين وستمائة، للصيد ورمى البندق كما قدمناه، فأتته الأخبار أن التتار قد جمعوا ونازلوا البيرة، وللوقت أمر الأمير بدر الدين الخزندار بالركوب على الخيل السوابق إلى القلعة، وأنه ساعة وصوله يجرد أربعة آلاف فارسا من العسكر الخفيف. ورجع السلطان إلى القلعة فبات ليلة واحدة، وجهز الأمير عز الدين إيغان ورسم له بتقدمة العساكر وصحبته الأمير فخر الدين الحمصي، والأمير بدر الدين بيليك الأيدمري، والأمير علاء الدين كشتغدى الشمسي وجماعة من الأمراء والحلقة. وتوجهت هذه العساكر في رابع عشر ربيع الأول، وأمر الأمير جمال الدين إيدغدي الحاجبي بالسفر في أربعة آلاف فارس آخر، فخرجوا بعد العسكر الأول بأربعة أيام، وشرع السلطان في التجهيز، وخرج في خامس شهر ربيع الآخر، ورحل في سابع الشهر، ووصل إلى غزة في العشرين منه، فوصلت كتب النواب: إن العدو نصب على البيرة سبعة عسرة منجنيقا. فكتب إلى الأمير عز الدين إيغان يستحثه على سرعة الحركة، ويقول: \" متى لم تدركوا هذه القلعة؟ ةإلا سقت إليها بنفسي جريدة \" . فساق العسكر وحث السير، فلما كان في السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر، ورد البريد من جهة الأمير جمال الدين النجي نائب السلطنة بالشام وعطف كتابه بطاقة من الملك المنصور صاحب حماة مضمونها: إنه وصل إلى البيرة بالعساكر المنصورة صحبة الأمير عز الدين إيغان، وإن التتار عندما شاهدوه هربوا ، ورموا مجانيقهم وغرقوا وغرقوا مراكبهم، وانهزموا لا يلوي أحد منهم على أحد. ثم وصلت أربعة من مماليك الأمراء بالبشارة. وورد كتاب الأمير جمال الدين أقوش المغيثي النائب بالبيرة يذكر صورة الحال، وإنه لما كثر العدو على القلعة وطم الخندق، حفر أهل البيرة حفيرا قدر قامة، وعملوا منه سردابا نافذا إلى الأحطاب، التي كان العدو رماها في الخندق فأضرموا فيها النار، فاحترقت جميعها، ثم سد المسلمون السرب المحفور. وذكر مصابرة أهل الثغر، وإن نساءهم فعلن من حسن البلاء في مصابرة الأعداء ما لم يفعله الرجال. ومن جملة ما وصف أن برجا واحدا كان عليه خمسة عشرة منجنيقا وثبت شهرين. فكتب السلطان بإطابة قلوب من بالثغر، وعيت أمثلة بالإقطاعات لمن جاهد من البحرية وغيرهم بالبيرة. واستشهد صارم الدين بكتاش الزاهدي أحد الأمراء المجردين بها بحجر منجنيق، وترك موجودا كثيرا وبنتا واحدة؛ فرسم السلطان بجميع ميراثه لابنته. واهتم السلطان بأمر القلعة، وكتب إلى جميع القلاع والولايات بما يحملون إلى هذا الثغر من الأموال والغلال والأسلحة والعدد وغير ذلك، مما يحتاج أهل هذه القلعة إليه لمدة عشر سنين. وكتب إلى الأمراء والملك المنصور صاحب حماة أنهم لا يتحركون من مكانهم حتى ينظفوا الخندق وينقلوا الحجارة التي فيه، ففعلوا ذلك وأقاموا مدة بسببه. ووردت كتب الأمراء يخبرون أنه لما كانت نوبة الأمير عز الدين إيغان والأمير فخر الدين الحمصي والأمير بدر الدين الأيدمري وجماعة من البحرية، وكانت خيلهم ترعى في الجانب الشامي وهم يعملون، فأحاط بهم في القابلة التتار المغل ملبسين، فأجمعوا ورموهم بالنشاب وأنكرهم بالجراحات فولوا منهزمين، وساق العسكر خلفهم فوجدوا منهم جماعة قد هلكوا في الطريق من الجراحات، وقتل جماعة في ذلك اليوم. فاستدعى السلطان من الديار المصرية مائتي ألف درهم ومائتي تشريف، وكتب إلى دمشق بتجهيز مائة تشريف ودراهم، وجهز ذلك إلى البيرة، وكتب إلى الأمير عز الدين إيغان بأن يحضر أهل القلعة جميعهم من الأمراء والجند والعوام ويخلع عليهم وينفق فيهم المال حتى الحراس والضوية. ثم عاد الأمراء بعد أن نظفوا الخندق ونقلوا إلى القلعة زلطا كثيرا. ولما وصلوا رسم السلطان أن يكون الأمير جما الدين المحمدي مقدما على العساكر المصرية والشامية لكبر سنه، والأمير عز الدين إيغان يتحدث في المهمات وإطلاق الأموال وترتيب أمور البلاد.\rهذا ما اتفق من أمر البيرة. فلنذكر ما افتتحه السلطان من البلاد الساحلية في هذه السفرة.\rذكر الفتوحات بالبلاد الفرنجية في هذه السفرة","part":8,"page":250},{"id":3761,"text":"قال: لما وصلت الأخبار إلى السلطان وهو بالساحل بانهزام التتار، واستقر خاطره من تلك الجهة، ثنى أعنته إلى جهة الفرنج وجرد العزائم نحوهم. وركب من العوجاء بعد رحيل الأطلاب للصيد في غابة أرسوف. ورتب الحلقة ودخل الغابة وتصيد. ثم ساق إلى أرسوف وقيسارية وشاهدهما وعاد إلى دهليزه، فوجد أخشاب المجانيق قد وصلت صحبة زرد خانا. فأمر الأمير عز الدين أمير جاندار أن ينصب عدة مجانيق مغربية وفرنجية، فعمل في ذلك اليوم أربع منجنيقات كبار وعدة من الصغار. وكتب إلى القلاع يطلب المجانيق والصناع والحجارين ورسم للعسكر بعمل سلاليم وعين لكل أمير عدة منها، ورحل إلى قريب عيون الأساور وأمر العسكر بعد العشاء الآخرة بلبس السلح واخذ أهبة الحرب، وركب قريب وقت الصبح وساق إلى قيسارية على حين غفلة من أهلها.\rفتوح قيسارية\rنزل السلطان عليها في يوم الخميس تاسع جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وستمائة، وللوقت طاف بها وهاجمها الناس، والقوا نفوسهم في خنادقها، وعمدوا إلى سك الخيل الحديد والشبح والمقاود فتعلقوا فيها وطلعوا من كل جانب، ونصبت عليها السناجق، وحرقت أبوابها، فهرب أهلها إلى قلعتهم. فنصبت المجانيق على القلعة وهي من أحصن القلاع أحسنها، وتعرف بخضراء. وكان الريدا فرانس حمل إليها العمد الصوان وأتقنها، ولم يرى في الساحل أحسن منها عمارة ولا أمنع ولا أرفع، لأن البحر حاف بها، وجايز في خنادقها، والنقوب لا تعمل فيها للعمد الصوان المصلبة في بنائها، حتى إذا علقت لا تقع. فاستمر الزحف عليها ورمى المنجنيقات وعملت دبابات وزحافات. وكان السلطان يركب في بعض الدبابات وتجر من تحت بالعجل حتى يصل إلى الأسوار ويرى النقوب واخذ في بعض الأيام بيده ترسا وقاتل، وما رجع إلا وفي ترسه عدة سهام. وفي ليلة الخميس منتصف الشهر حضر الفرنج وسلموا القلعة بما فيها، وتسلق المسلمون إليها من الأسوار وحرقوا الأبواب ودخلوا من أعلاها واسفلها، وأذن بالصبح عليها. وطلع السلطان إلى القلعة قسم المدينة على أمرائه وخواصه ومماليكه وحلقته، وشرع في الهدم واخذ بيده قطاعة وهدم بنفسه ويده.\rوقيسارية هذه من المدن القديمة فيحت في صدر الإسلام في سنة تسع عشرة للهجرة، على يد معاوية بن أبي سفيان، بعد قتال عظيم، ولم يكن معاوية امير الجيش، إنما كان من قبل أخيه يزيد بن معاوية.\rوفي جماد الأول: جرد السلطان الأمير شهاب الدين القيمري بجماعة من عسكر الساحل لجهة بيسان، فسير جماعة من العربان والتركمان للإغارة على عكا فأغاروا ووصلوا إلى أبوابها وغنموا وعادوا .\rالتوجه إلى عثليث\rوأخذ حصن الملوحة وحيفا قال: ولما قارب السلطان الفراغ من هدم قيسارية سير الأمير شمس سنقر الألفي الظاهري، والامير سيف الدين المستعربي، وجماعة فهدموا قلعة للفرنج عند الملوحة وكانت عاصية فدكوها إلى الأرض.\rوفي سادس وعشرين جمادى الأولى: توجه السلطان إلى عثليث جريدة، وسير الأمير شمس الدين سنقر السلاح دار الظاهري والأمير عز الدين الحموي، والأمير شمس الدين سنقر الألفي الظاعري إلى حيفا، فساروا إليها ودخلوا قلعتهما، فنجا الفرنج بأنفسهم إلى المراكب بعد أن قتل منهم وأسر. وأحضرت الأسرى والرؤوس، وأخربوا المدينة وقلعتها وأحرقوا أبوابها، وذلك جميعا في يوم واحد. وأما السلطان فإنه وصل إلى عثليث وأمر بتشعيثها وقطع أشجارها، فقطعت جميعها وخربت أميتها في ذلك النهار، وعاد السلطان إلى قيسارية وكمل هدمها.\rفتوح أرسوف","part":8,"page":251},{"id":3762,"text":"وفي تاسع وعشرين جمادى الأولى من السنة: رحل السلطان من قيسارية وسار إلى أرسوف، فنازلها في مستهل جمادى الآخرة، وأمر بنقل الأحطاب فصارت حولها كالجبال الشاهقة، فعملت منها الستائر، وأمر بحفر سربين من خندق المدينة إلى خندق القلعة، وأسقفت بالأخشاب وسلمها لأكابر الأمراء، وعمل طريق من الخندقين إلى القلعة، فخرج الفرنج لإحراق الأحطاب فطلبهم الأمير سيف الدين قلاون الألفي وغيره، وقلب على الأحطاب المياه فطفئت النيران. ولما تكامل ردم الخندق بالأحطاب، تحيل الفرنج ونقبوا من داخل القلعة إلى أن وصلوا إلى تحت الردم وعملوا بتاتي ملآنة أدهانا وشحوما وأضرموا النيران وعملوا في النقوض المفاتح، ولم يعلم العسكر بذلك إلا بعد تمكن النيران، فاحترقت تلك الأحطاب جميعها وكان ذلك الليل. وجاء السلطان بنفسه وسكب المياه بالروايا، فلم تقد شيئا. فعند ذلك تقدم السلطان إلى الأمير شمس الدين سنقر الرومي والأمير بدر الدين بيسرى، والأمير بدر الدين الحزندار، والأمير شمس الدين الدكز الكركي، وجماعة من الأمراء، وهم نصف الأمراء الصنجقية، وميمنة الأمراء البحرية، وميمنة الأمراء البحرية، وميمنة الأمراء الظاهرية، وميمنة الحلقة، بأن يأخذوا من مكانهم في باب السرب من حافات الخندق من جهة سورة حفرا إلى البحر الملح. وتقدم إلى الأمير سيف الدين قلاون الألفي، والأمير علم الدين الحلبي، والأمير سيف الدين كرمون وجماعة الأمراء، وهم نصف الأمراء الصنجقية من جهة الميسرة وميسرة الحلقة والبحرية، بأن يحفروا من الجهة الأخرى، وأن يحفر \" وا \" من كل ناحية من هذه النواحي سربا يكون حائط خندق وساترا له. وتحفر في هذا الاحائط أبواب يرمى التراب فيها ويترك في هذه السروب حتى يساوي أرضها بأرض الخندق، وعذق هذا الأمر بعز الدين أيبك الفخري أحد أصحاب الأتابك، فاستمر العمل في هذه الخنادق والسلطان طائف فيها بنفسه ويعمل بيده، وهو تارة في السروب، وتارة في الأبواب التي تفتح، وتارة على حافة البحر، ويرامي مراكب الفرنج ويجر في المنجنيق ويرمي من الستائر.\rوحكى عنه الأمير جمال الدين بن نهار، رحمه الله، قال: \" رأيت السلطان في هذا النهار رمى بثلاثمائة سهم نشابا \" . واتفق أن السلطان حضر إلى السرب وقعد في رأسه خلف طاقة يرمى فيها، فخرج جماعة من الفرنج الفرسان ومعهم الرماح بالخطاطيف فلم يشعر إلا وهم على باب السرب، فقام وقاتلهم يدابيد، وكان معه الامير شمس الدين سنقر الرومي والأمير بدر الدين بيسرى والأمير بدر الدين الحزندار وغيرهم. وصار سنقر الرومي يناوله الحجارة، فقتل بها فارسين، وقطع الأمير حسام الدين الدوادار أحد الخطاطيف بسيفه وجرح في عضده، ورجع الفرنج على أسوأ حال.\rوحضر في هذه الغزاة جمع كبير من العباد والزهاد والفقهاء والفقراء وأصناف العباد، ولم يعهد فيها خمر ولا شيء من الفواحش، بل كانت النساء الصالحات يسقين الملء ويجرون في المجانيق. وأطلق السلطان لجماعة من الصالحين الرواتب مثل: الشيخ على المجنون والشيخ إلياس، وأطلق للشيخ على البكا جملة من المال.\rقال: واهتم بأمر المجانيق واحضرها من دمشق، وعمل كرمون أغا منجنيقا بسبعة سهام وأثر أثرا حسنا. وكان للأمير عز الدين أيبك الأقرم أمير جاندار في هذه الغزاة أوفر نصيب، وهو الذي تولى أمر المجانيق.\rقال: ولما أثرت المجانيق في هذه الأسوار ونجزت الأسربة التي إلى جانب الخندق من الجهتين وفتحت فيها أبواب متسعة حصل الزحف على أرسوف في يوم الاثنين ثامن شهر رجب سنة ثلاث وستين وستمائة، وافتحت في يوم الخميس. وذلك أن الباشورة سقطت في الساعة الرابعة من النهار، وطلع المسلمون إليها تسلقا، وما أحس الفرنج بالمسلمين إلا وقد خالطوهم من كل باب. ورفعت الأعلام على الباشورة، وحفت بها المقاتلة، وطرحت النيران في أبوابها. وأعطى السلطان صنجقة للأمير شمس الدين الرومي، وأمره أن يؤمن الفرنج به من القتل عندما طلبوا الأمان. فلما رآه الفرنج بطلوا القتال، وسلم الصنجيق للأمير علم الدين سنجر المسروري الحاجب المعروف بالخياط، ودليت له الحبال من قلعةأرسوف فربطها في وسطه والصنجق معه، ونشله الفرنج إلى القلعة فأخذ سيوفهم، وأحضروا في الجبال \" إلى السلطان \" .","part":8,"page":252},{"id":3763,"text":"ولما خلت القلعة من الفرنج أباجها السلطان للمسلمين بجميع ما فيها من أموال وغلال وذخائر، وكان بها جملة من الخيول والبغال لم يتعرض \" لشيء \" منها إلا لما اشتراه بالمال. وكان في أسر الفرنج حماعة من المسلمين خلصوا في تلك الساعة وأخذت قيودهم وقيد بها الفرنج. وجرد جماعة من المقدمين يتوجهون مع الأسرى. وسير لكل أمير جماعة. وشرع السلطان في تقسيم أبراج أرسوف على الأمراء، وجعل هدمها دستورهم، ورسم بأحضار الأسارى لإخرابها، فكانوا كما قال الله تعالى: \" يخربون بيوتهم بأيديهم وايدي المؤمنين \" .\rورحل السلطان عن أرسوف بعد استكمال هدمها في يوم الثلاثاء ثالث وعشرين شهر رجب سنة ثلاث وستين وستمائة.\rما ملكه السلطان لأمرائه\rمن النواحي التي فتحها الله يده قال: لما فتح الله تعالى على السلطان قيسارية أمر الأمير سيف الدين الدوادار الرومي بكشف بلادها وتحقيق متحصلاتها، وعملت أوراق بذلك. ولما فتح الله أرسوف طلب \" السلطان \" قاضي القضاة بدمشق وجماعة من العدول ووكيل بيت المال، وتقدم بأن يملك الأمراء \" المجاهدون \" من البلاد التي فتحها الله على يديه ما يأتي ذكره. وكتبت التواقيع لكل منهم ولم يطلعوا عليها، ولما كملت التواقيع قرئت على أربابها، وكتب بذلك مكتوب جامع بالتمليك: ونسخته بعد البسملة: أما بعد حمد الله على نصرته المتناسقة العقود، وتمكينه الذي وفلت الملة الإسلامية منه في أصفى البرود، وفتحه الذي إذا شاهدت العيون مواقع نفعه وعظيم وفعه علمت أنه علمت أنه الأمر ما يسود من يسود.\rوالصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي جاهد الكفار، وجاهرهم بأعمال السيف البتار، وأعلمهم لمن عقبي الدار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تتواصل بالعشي والإبكار.","part":8,"page":253},{"id":3764,"text":"فإن خير النعم نعمة وردت بعد اليأس، وجاءت بعد توحشها وهي حسنة الإيناس، وأقبلت على فترة من تخاذل الملوك وتهاون الناس، \" وصرعت أبواب الجهاد وقد غلقت في الوجوه، وأنطقت السنة المنابر وشفاة المحابر بالبشائر التي ما اعتقد أحد أنه بها يفوه \" ، فأكرم بها نعمة على الإسلام وصلت للملة المحمدية أسبابا، وفتحت للفتوحات أبوابا، وهزمت من التتار والفرنج العدوين، ورابطت بين الملح الأجاج والعذب الفرات بالبرين والبحرين، وجعلت عساكر الإسلام تذل الفرنج بغزوهم في عقر الدار، وتجوس من حصونهم المانعة خلال الديار والأمصار، وتملأ خنادقهم بشاهق الأسوار، وتقود من فضل عن شبع السيف الساغب في قبضة القيد إلى حلقات الأسار. ففرقة منها تقتلع للفرنج قلاعا وتهدم حصونا، وفرقة تبني ما هدم التتار بالمشرق وتعليه تحصينا. وفرقة تتسلم بالحجاز قلاعا شاهقة وتتسم هضابا سانقة، فهي بحمد الله البانية الهادمة والمفيدة العادمة والقاسمة الراحمة. كل ذلك بمن اقامه الله للأمة الإسلامية راحما، وجرد به سيفا قد شحذت التجارب حديه ففرى، وحملت رياح النصرة ركابه تسخيرا فسار إلى مواطن الظفر وسرى، وكونته السعادة ملكا إذا رأته في دستها قالت تعظما: \" هذا ملك ما هذا بشرا \" . وهو مولانا السلطان الأجل العالم العادل المؤيد المنصور، ركن الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، سيد الملوك والسلاطين، محيي الدل في العالمين، قاتل الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج والمتمردين، سلطان بلاد الله، حافظ عباد الله، وارث الملك سلطان العرب والعجم والترك، اسكندرالزمان، صاحب القرآن، ملك البحرين صاحب القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، الآمر ببيعة الخليفتين صلاح الجمهور صاحب البلاد والأقاليم والثغور، فاتح الأمصار، مبيد التتار، ناصر الشريعة المحمدية، رافع علم الملة الإسلامية، مقتلع القلاع من الكافرين، القائم بفرض الجهاد في العالمين أبو الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين، جعل الله سيوفه مفاتيح البلاد وأعلامه أعلاما من الأسنة، على رأسها نار لهداية العباد، فإنه آخذ البلاد ومعطيها، وواهبها بما فيها، وإذا عامله الله بلطفه شكر، وإذا قدر عفا وأصلح، فكم وافقه قدر، وإذا أهدت إليه النصرة فتوجا بسيفه قسمها في حاضريها لذيه منكرما، وقال الهدية لمن حضر، وإذا خوله الله تخويلا من بلاد الكفر وفتح على يديه قلاعا جعل الهدم للأسوار، والدماء للسيف البتار، والرقابللإسار، والنواحي المزروعة للأولياء والأنصار، ولم يجعل لنفسه إلا ما تسطره الأملاك في الصحائف لصاحفه من الأجور، وتطوي عليه طويات السير التي غدت بما فتحه الله من الثغور باسمه الثغور.\rفتى جعل البلاد من العطايا ... فأعطى المدن واحتقر الضياعا\rسمعنا بالكرام وقد رأينا ... عيانا ضعف ما فعلوا سماعا\rإذا فعل الكرام على قياس ... جميلا كان ما فعل ابتداعا\rولما كان - خلد اله سلطانه - بهذه المثابة، وفتح الفتوحات التي أجزل الله بها أجره وثوابه، وله أولياء كالنجوم إنارة وضياء، وكالأقدار نفاذا ومضاء، وكالعقود تنافسا، وكالوبل تلاحقا إلى الطاعة وتسابقا، وكالنفس الواحدة عبودية له تصادقا، رأى - خلد الله سلطانه - أن ينفرد عنهم بنعمة، ولا يتخصص ولا يستأثر بمنحة غدت بسيوفهم تستنقذ، وبعزائمهم تستخلص، وأن يؤثرهم على نفسه، ويقسم عليهم الأشعة من أنوار شمسه، ويبقى للولد منهم وولد الولد ما يدوم إلى آخر الدهر ويبقى على الأبد، ويعيش الأبناء في نعمته كما عاش الآباء. وخير الإحسان ما شمل، وأحسنه ما خلد، فخرج الأمر العالي لا زال يشمل الأعقاب والذراري، وينير إنارة الأنجم الدراري، أن يملك جماعة إمرائه وخواصه الذين يذكرون، وفي هذا المكتوب الشريف يسطرون، ما يعين من البلاد والقرى والضياع على ما يشرح ويبين من الأوضاع وهو: المولى الأتابك فارس الدين أقطاي الصالحي عتيل بكمالها الأمير جمال الدين إيدغدي العزيزي النصف من زيتا الأمير بدر الدين بيسرى الشمسي الصالحي نصف طور كرم الأمير بدر الدين بيليك الخزندار الظاهري نصف طور كرم الأمير شمس الدين الدكز الكركي ربع زيتا الأمير سيف الدين قليج البغدادي ربع زيتا الأمير ركن الدين بيبرس خاص ترك الكبير الصالحي أفراسين بكمالها","part":8,"page":254},{"id":3765,"text":"الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار الصالحي باقة الشرقية بكمالها الأمير عز الدين أيدمر الحلى الصالحي نصف قلنسوة الأمير شمس الدين سنقر الرومي الصالحي نصف قلنسوة الأمير سيف الدين قلاون الألفي الصالحي نصف طيبة الاسم الأمير عز الدين إيغان الركني سم الموت نصف طيبة الاسم الأمير جمال الدين أقش النجيبي نائب سلطنة الشام أم الفحم بكمالها من قيسارية الأمير علم الدين سنجر الحلبي الصالحي بثان بكمالها الأمير جمال الدين أقش المحمدي الصالحي نصف بورين الأمير فخر الدين الطنبا الحمصي نصف بورين الأمير جمال الدين أيدغدي الحاجبي الناصري نصف بيزين الأمير بدر الدين بيليك الأيدمري الصالحي نصف بيزين الأمير فخر الدين عثمان بم الملك المغيث ثلث حلمة الأمير شمس الدين سلار البغدادي ثلث حلمة الأمير صارم الدين ضراغان التتري ثلث حلمة الأمير ناصر الدين القيمري نصف البرج الأحمر الأمير سيف الدين بلبان الزيني الصالحي نصف البرج الأحمر الأمير سيف الدين إيتامش السعدي نصف يما الأمير شمس الدين آفسنقر السلحدار الظاهري نصف يما الملك المجاهد سيف الدين إسحاق صاحب الجزيرة نصف ديابة الملك المظفر علاء الدبن أخوه صاحب سنجار نصف ديابة الأمير بدر الدين محمد بي بن أبي بركة خان دير الغصون بكمالها الأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار نصف الشويكة الأمير سيف الدين كرمون أغا \" التتري \" نصف الشويكة الأمير بدر الدين بيليك الوزيري نصف طبرس الأمير بدر الدين منكورس الدواداري نصف طبرس الأمير سيف الدين قشتمر العجمي علار بكمالها الأمير علاء الدين أخو الدوادار نصف عرعرا الأمير سيف الدين سنجق البغدادي نصف عرعرا الأمير سيف الدين دكاجك البغدادي نصف فرعون الأمير علم الدين سنجر الأزكشي نصف فرعون الأمير علم الدين سنجر طردح الأمدي استابا بكمالها الأمير حسام الدين إيتمش بن أطلس خان سيدا بكمالها الأمير علاء الدين كندغدي الظاهري أمير مجلس الصبر الفوقا الأمير عز الدين أيبك الحموي الظاهري نصف أرتاح الأمير شمس الدين سنقر الألفي نصف أرتاح الأمير علاء الدين طيبرس الظاهري نصف باقة الغربية الأمير علاء الدين علي سكز نصف باقة الغربية الأمير عز الدين أيدمر الفخري الأتابكي القصير بكمالها الأمير علم الدين سنجر الصيرفي الظاهري أخصاص بكمالها الأمير ركن الدين بيبرس المعزي نصف قفين الأمير شجاع الدين \" طغريل الشبلي \" أمير مهمندار نصف كفر راعي الأمير علاء الدين كندغدي الحبيشي مقدم الأمراء البحرية نصف كفر راعي الأمير شرف الدين يعقوب بن أبي القاسم نصف كسفا الأمير بهاء الدين يعقوب بن الشهرزورى نصف كسفا الأمير جمال الدين موسى بن يغمور أستاد الدار العالية نصف برويكة الأمير علم الدين سنجرا الحلبي الغزاوي نصف برويكة الأمير علم الدين سنجرا أمير جاندرا نصف حانوتا من أرسوف الأمير سيف الدين بيدغان الركني فردسيا بكمالها من قيسارية الأمير عز الدين أيدمر الظاهري نائب الكرك ثلث جبلة من أرسوف الأمير شمس الدين سنقرجاه الظاهري ثلث جبلة من أرسوف \" الأمير جمال الدين أقوش السلاح دار الرومي ثلث جبلة من أرسوف \" الأمير برد الدين بكتاش الفخري أمير سلاح ثلث جلجولية المير بدر الدين بكتوت بجكا الرومي ثلث جلجولية الأمير علاء الدين كشتغدي الشمسي الصالحي ثلث جلجولية وكتب في كتاب التمليك الشرعي الجامع نسخ، وفرقت لكل أمير نسخة بمكانه، وخلع على قاضي القضاة، وتوجه \" السلطان \" إلى دمشق.\rقصد البرنس صاحب طرابلس حمص\rوانهزامه وفي ثامن صفر سنة أربع وستين وستمائة، جمع البرنس بيمند بن بيمند جموعه، واستنصر بالدولة والإسبتار، وقصد جهة حمص. وكان النائب بها الأمير علاء الدين \" سنجر \" الباقشردي قد اطلع على حركته، فاحترز وجعل الطلائع على المخائض. فقصد البرنس مخاضة بلاله فسيقه الباقشردي إليها وملكها . فلما جاء البرنس ورآها قد ملكت عدل إلى غيرها فقويت نفوس المسلمين ، وعدوا الماء إليه وتبعوه فانهزم ، وساقوا خلفه يقتلون ويأمرون وينهبون إلى أن توغل في بلاده .\rإغارة العساكر على طرابلس بالشام\rوفتح قلعة حلبا وقلعة عرقا","part":8,"page":255},{"id":3766,"text":"وفي سنة أربع وستين وستمائة في شهر رجب ، أهتم السلطان بأمر الغزاة ، وطلب الأجناد من إقطاعاتهم من سائر أعمال الديار المصرية . فحضروا بأجمعهم . وخرج السلطان في مستهل شعبان ورحل في ثالثه . ولما وصل إلى غزة جرد الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي والأمير سيف الدين قلاون الألفي وجماعة من العسكر المنصور . وتوجه السلطان لزيارة البيت المقدس والخليل، صلوات الله عليه، فزار وكشف المظالم ومد سماط الخليل ، عليه الصلاة والسلام ، وأكل منه وأكل الناس ، وفرق جملة من المال على الأئمة والفقراء والمؤذنين والعوام وغيرهم ، وبلغه أن اليهود والنصارى يؤخذ منهم حقوق زيارة الخليل ، والنزول في المغارة ، فأنكر ذلك ، وكتب مرسوما بمنع أهل الذمة من دخول المقام الشريف.\rثم رحل إلى عين جالوت .\rوأما العسكر المجرد : فوصلوا إلى حمص فورد عليهم كتاب السلطان بالتوجيه إلى طرابلس ، فركبوا على غرة من العدو ، فأصبحوا على حصن الأكراد ، وأغاروا إلى ساحل البحر من جهة طرابلس ، ونزلوا على حصن ثيب من عمل حصن الأكراد فأقاموا عليه يوما واحدا ، فأخذوه وأسروا منه جماعة وهرب من كان بحلبا من الفرنج وأخلوها ، فدخلها العسكر وكسبوا منها شيئا كثيرا من نحاس وصناديق وسكر وغيره ، ولما هرب أهلها أدرك العسكر أواخرهم، فقتلوهم وأخذوا نسائهم .ولما شاهد أهل عرقا ما حل بحلبا نجوا بأنفسهم ، فأخرب العسكر القلعتين ونزلوا على حصن القليعات فتسلموه في رابع شهر رمضان بالأمان وهدموه، وعادت العساكر . فنزل الأمير سيف الدين قلاون بالقرب من القليعات، وسير بالليل بعض المقدمين ليترقب من يخرج من الفرنج، فوجد خمسين نفرا متوجهين من صافيتا إلى حصن الأكراد أقجية وجرخية فقتلهم جميعا، وأحضرت رؤوسهم. وخرج جماعة من الداوية للغارة على الغلمان الذين يحشون لخيل العسكر، وكان الأمير سيف الدين قلاون قد رتب مع الغلمان جماعة من العسكر ، فلما جاءهم الداوية خرج عليهم العسكر فقتلوا بعض الفرنج وأسروا البعض. وسير صاحب صافيتا جاسوسا فأمسك وشنق. وكان في جملة هذا العسكر من العربان ألفا فارس وجاهدوا أتم جهاد، وجرح الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا جرحين. ورسم السلطان أنه من عدم له فرس يعوض عنه رأسين من البقر، ورسم بتجريد جماعة لحمص وعود العسكر .\rإغارة العسكر على صور\rقال: ولما نزل السلطان على عين جالوت رحل منها إلى جهة عكا، وجرد الأمير علاء الدين البندقدار والأمير عز الدين إيغان الركتي بجماعة من العسكر إلى جهة صور، فأغاروا عليها وغنموا كثيرا من الجمال والبقر والغنم. وأسر كمندور صاحب سيس ونفران معه كانوا انحازوا إلى برج فأخذوا بالأمان،وأخذ وزير صور وجماعة من الفرنج. وتوجه الأمير سيف الدين أوتامش إلى جهة صيدا؛ ورسم لهم السلطان بحضور إلى جهة صفد. وتوجه السلطان إلى عكا، وجرد الأمير بدر الأيدمري والأمير بدر الدين بيسري إلى جهة القرين، وجرد الأمير فخر الدين الحمصي إلى جبل عاملة، فأغارت العساكر \" على الفرنج \" من كل جهة، وحاصر الأمراء القرين، وأخذت قلعة بالقرب من عكا، وتوالت المكاسب حتى لم يوجد من يشتري الأبقار والجواميس لكثرتها.\rفتوح صفد","part":8,"page":256},{"id":3767,"text":"كان السلطان ، قبيل توجهه إلى عكا ، قد رسم للأمير علاء الدين أيدكين الشهابي أحد الأمراء بالشام ولجماعة من العسكر أن يتوجهوا إلى بلاد الفرنج ، ولم يعلم إلى أي جهة . ثم كتب كتابا زأمره أن لا يقرأه إلا إذا ركب هو والعساكر ، وكان مضمونه أن يتوجه إلى صفد ، ويتوجه الأمير فخر الدين الفايزى إلى الشقيف . فتوجه الأمير علاء الدين إليها وأحاط بها إحاطة حافظ لا مقاتل ، ثم جرد الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح ومعه دهليز إلى صفد ، ثم حضر إليها الأمير علاء الدين البندقدار والأمير عز الدين إيغان الركني بعد إغارتهم على صور فنزلوا إليها وضايقوها ، وأقام السلطان على عكا . ثم حضرت عساكر الغارات ، وعمل \" السلطان \" عدة مجانيق وفرقها على الأمراء ليحملوها ، ثم رحل والعساكر لابسة وساق إلى قريب باب عكا ووقف على تل الفضول، ثم دخل إلى عين جالوت ، وكان الأمير سيف الدين الزيني قد توجه إلى دمشق لإحضار المجانيق،فأحضرها وحملت على الرقاب ، وسار السلطان ونزل على صفد في يوم الاثنين ثامن شهر رمضان سنة أربع وستين وستمائة. وأنفق السلطان في العساكر ، وأتفق أن الناس تناوشوا القتال فساق الأمير عز الدين خاص ترك الظاهري وحمل وواصل الطعن ، فتقدم الحجارون وأخذوا في النقوب ورمي الزراقون بالنفط فاحترق الباب. وأنعم السلطان على خاص ترك بعشرة آلاف درهم وفرس وجوشن وخلعة. ثم أقيمت المجانيق ورمت في سادس وعشرين الشهر، وكان وصولها في حادي العشرين منه، ولما وصلت إلى جسر يعقوب عجز الجمال عن نقلها، فندب السلطان الأمراء والجند وسائر الناس لحملها على الرقاب، وخرج \" السلطان \" بنفسه وخواصه وجر أخشابها بيده. ووصلت العساكر التي كانت في الغارة ببلاد طرابلس، واستمر الحصار وشرع الناس والزحف في شوال، وأمر السلطان بتحريك الطلبخاناه في نصف الليل، وركب وهجم خندق الباشورة، فقاتل الفرنج قتالا شديدا، وابلى المؤمنون بلاء حسنا واستشهد جماعة من المجاهدين، وصار الإنسان يرى رفيقه قد قتل فيجره ويقف مكانه، وتكاثرت النقوض ودخلت النقابون إليها، وأعطاه السلطان ثلاثمائة دينار، وصار كل من عمل شيئا جزاء السلطان لوقته عنه بالخلع والمال. وفي أثناء ذلك نظر السلطان إلى الناس وقد تعبوا في وقت القائلة من القتال، وتفرق بعضهم وهو راكب ملازم، فأمر خواصه بالسوق إلى الصواوين وإقامة الأمراء والجند منها بالدبابيس، وسب الأمراء. وقال: \" المسلمون على هذه الصورة وأنتم تستريحون \" ورسم بأمساك الأمراء وكانوا نيفا وأربعين أميرا فقيدهم ونقلهم إلى الزردخاناه، فوقعت الشفاعة فيهم فأطلقهم وأمرهم بملازمة مواضعهم. ووسعت النقوب وشرطت الأسوار، فحرق الفرنج الستائر التي كانت على الباشورة ليحموها من التسلق. فأمر السلطان بضرب الطبلخاناه، وقام كل أحد إلى جهته، فضرب المسلمون سكك الخيل في سفح الباشورة، فما أصبح الصبح إلا والصناجق على أسوار الباشورة من كل جهة، واندفع الفرنج إلى القلعة وسلموا الباشورة في يوم الثلاثاء نصف شوال. وفي هذا اليوم أخذت النقوب في برج اليتيم وغيره من أبراج القلعة. فعند ذلك أتت رسل الفرنج إلى السلطان يسألون الأمان، فاشترط عليهم ألا يستصحبوا سلاحا ولا لامة حرب ولا شيئا من الفضيات، ولا يتلفوا ذخائر القلعة بنار ولا هدم، فعادوا لأصحابهم على ذلك. وبقي السلطان يعطي الأمانات من المرامي ويسير المناديل، وتقرر مع جماعة أنهم يفتحون الأبواب، فتسامع الفرنج بذلك، ووقع بينهم الاختلاف، وحضر خمسة عشر نفرا من القلعة منفردين في وقت واحد فخلع عليهم ونودي في العسكر بأن لا يرموا أحدا من الفرنج غير الديوية. فأمسك الفرنج من تلك الساعة عن القتال، وردوا الأمان وقالوا: \" ما ندخل في شرط \" ، ورمي الرسل الخلع والمال المنعم عليهم من الأسوار. ثم أيقنوا بالهلاك، فسيروا رسلهم في يوم الجمعة ثامن عشر الشهر يطلبون ما كانوا يطلبوه أولا، فامتنع السلطان من ذلك، فأخذ الأتابك منديل جمال الدين أقش القليجي مقدم الجمدارية وأعطاه لهم على أنهم لا يخرجون شيئا مما ذكرناه. فتوجه الرسل وصاح الفرنج بعد صلاة الجمعة: \" يا مسلمين! الأمان \" وفتحت أبواب القلعة وقت العصر، وطلعت الصناجق. ووقف السلطان راكبا على باب صفد، ونزل الفرنج أولا فأولا وصاروا جميعهم بين يديه، وأخرجوا معهم الأسلحة والفضيات","part":8,"page":257},{"id":3768,"text":"وأخفوها في قماشهم، وأخذوا جماعة من أسرى المسلمين وصغارهم على أنهم نصارى. فلم يخف الله ذلك، ورسم بتفتيشهم فوجد ذلك معهم فأخذ منهم، وأنزلوا عن خيولهم وجعلوا في خيمة، وقد حصل منهم ما ينقص العهد أن لو كان، فكيف ولم يكن حقيقة. وأمر السلطان بضرب أعناقهم، فضربت رقابهم على تل بالقرب من صفد كانوا يضربون رقاب المسلمين فيه. ولم يسلم منهم غير نفرين، أحدهما الرسول بحكم أن السلطان كان قد شرب قمزا في النقب وخرج إليه الرسول فسقاه منه، فعفا السلطان عنه وخيره في التوجه إلى قومه أو الإقامة عندهم، فاختار المقام في خدمة السلطان وأسلم فأعطاه السلطان إقطاعا، وأما الآخر فإن الأتابك شفع فيه فأطلقه السلطان. ودخل السلطان القلعة وفرق على الأمراء ما فيها من العدد الفرنجية والجواري والمماليك، واستناب في القلعة الأمير عز الدين العلائي، وولى الأمير مجد الدين الطوري ومقدم العسكر الأمير علاء الدين أيدغدي السلاح دار، ونقلت إليها الزردخاناه التي كانت صحبة السلطان وصار يحمل النشاب على كتفه، فنقلت في أسرع وقت، وطلب من الرجال من دمشق، وتقررت نفقة رجالها في كل شهر ثمانين ألف درهم. واستخدم على جميع بلادها الأمراء، وعمل بها جامع بالقلعة وجامع في الربض، ووقف على الشيخ على المجنون نصف وربع الحفاف والربع منها على الشيخ إلياس، ووقف على قبر خالد بن الوليد قرية منها.خفوها في قماشهم، وأخذوا جماعة من أسرى المسلمين وصغارهم على أنهم نصارى. فلم يخف الله ذلك، ورسم بتفتيشهم فوجد ذلك معهم فأخذ منهم، وأنزلوا عن خيولهم وجعلوا في خيمة، وقد حصل منهم ما ينقص العهد أن لو كان، فكيف ولم يكن حقيقة. وأمر السلطان بضرب أعناقهم، فضربت رقابهم على تل بالقرب من صفد كانوا يضربون رقاب المسلمين فيه. ولم يسلم منهم غير نفرين، أحدهما الرسول بحكم أن السلطان كان قد شرب قمزا في النقب وخرج إليه الرسول فسقاه منه، فعفا السلطان عنه وخيره في التوجه إلى قومه أو الإقامة عندهم، فاختار المقام في خدمة السلطان وأسلم فأعطاه السلطان إقطاعا، وأما الآخر فإن الأتابك شفع فيه فأطلقه السلطان. ودخل السلطان القلعة وفرق على الأمراء ما فيها من العدد الفرنجية والجواري والمماليك، واستناب في القلعة الأمير عز الدين العلائي، وولى الأمير مجد الدين الطوري ومقدم العسكر الأمير علاء الدين أيدغدي السلاح دار، ونقلت إليها الزردخاناه التي كانت صحبة السلطان وصار يحمل النشاب على كتفه، فنقلت في أسرع وقت، وطلب من الرجال من دمشق، وتقررت نفقة رجالها في كل شهر ثمانين ألف درهم. واستخدم على جميع بلادها الأمراء، وعمل بها جامع بالقلعة وجامع في الربض، ووقف على الشيخ على المجنون نصف وربع الحفاف والربع منها على الشيخ إلياس، ووقف على قبر خالد بن الوليد قرية منها.\rورحل منها إلى دمشق في سابع وعشرين شوال، فنزل بالجسورة وأمر أن العساكر لا تدخل دمشق بل تتوجه إلى سيس.\rغزوة سيس وأسر ملكها\rوقتل أخيه وعمه وأسر ولد عمه قال: وجهز السلطان الملك المنصور صاحب حماة، وجرد معه الأمير عز الدين إيغان والأمير سيف الدين قلاون، ورسم للأمراء بتعظيمه. وتوجهوا في خامس ذي القعدة من سنة أربع وستين. فوصلوا إلى الدرب ساك ودخلوا الدربند. وكان الملك المجير هيتوم بن قسطنطين بن باساك قد ملك ولده ليفون وانقطع هو مترهبا، فلما طلب المسلمون وقف ليفون في عسكره وطلب، وتوهم أن المسلمين لا يقدرون على الطلوع في الجبال لأن التكفور كان قد بنى على رؤوس الجبال ابراجا، فكانت كقول الشاعر:\rوإن بين حبطانا فإنما ... أولئك عقالاته لا معاقلة","part":8,"page":258},{"id":3769,"text":"فطلعت العساكر في رؤوس الجبال، فلما وقعت العين في العين أسر الملك ليفون، وقتل أخوه وعمه، وانهزم كندا سطبل عمه الآخر وأسر ولده، وهرب صاحب حموص. وكان فيهم اثنا عشر ملكا تمزقوا كل ممزق، وقتلت أبطالهم. وساقت العساكر في هذا النهر واقامت على كونجيد من عمل سرفند كار، ونزلت في اليوم الثاني بأعمال تل حمدون، وهي تقتل وتأسر وتحرق. وأحرق حموص ثم توجهوا إلى نهر جهان فخاضته العساكر ونزلوا بقرب العمودين، وهي قلعة حصينة شاهقة للداوية. فلما طافت بها العساكر أذعن أهلها لتسليمها وكان فيها ألفان ومئتان نفرا، فقتل الرجال، وفرقت السبايا على العساكر. وأحرقت هذه القلعة وما فيها من الحواصل والذخائر. ورحلوا إلى سيس فأخربوها وأقامت العساكر أياما تحرق وتقتل وتأسر. وأقام الملك المنصور صاحب حماة بها. وتوجه الأمير عز الدين إيغان إلى جهة الروم، والأمير سيف الدين قلاون إلى المصيصة وأدنة وإياس وطرسوس فقتلوا واسروا وأحرقوا. وهدمت قلعة الداوية المعروفة بالبنية، وحرقت لهم أماكن كثيرة من حصون وبلاد وهدمت. ثم عادت العساكر إلى سيس بعد أن غنمت غنائم كثيرة حتى بيع الرأس البقر بدرهمين ولم يجد من يشتريه، وأستاقت العساكر الغنائم.\rووردت هذه الأخبار إلى السلطان وهو يتصيد بجرود فأعطى المبشر ألف دينار ودخل دمشق فتجهز وخرج لتلقي عساكره.\rقتل أهل قارة وسي ذراريهم\rلما توجه السلطان من دمشق ليلقى عساكره الواردة من سيس مر بقارا في سادس ذي الحجة فأمر بنهبها وقتل من بها.\rوكان سبب ذلك أن بعض الركابية كان قد خدم الطواشي مرشد مقدم العسكر بحماة لما عاد من الخدمة السلطانية كما تقدم ووصل إلى منزلة العيون مرض بها وبات ولم يشعر به الطواشي. فأتاه رجلان من أهل قارا وتوجها به إليها ليضيفاه، فأقام عندهم ثلاثة أيام حتى عوفي، ثم أخذاه بالليل وتوجها به إلى حصن أكراد فأباعاه بها بأربعين دينارا صورية. واتفق في تلك السنة توجه بعض تجار دمشق إلى حصن الأكراد لابتياع أسرى، فاشترى ذلك الركابي في جملو ما اشتراه وحمله إلى دمشق وأطلقه، فخدم بعض الجند وخرج فيمن فرج السلطان. فلما وصل إلى قارا حضر الركابي إلى مجلس الأمير فارس الدين الأتابك وأنهى إليه صورة الحال، فسأله هل يعرف الذي باعه؟ قال: \" نعم \" . فسير معه جاندارية، فتوجه ووجد أحد الرجلين فقبض عليه وأحضره. فأنهى الأتابك ذلك إلى السلطان فأحضرهما بين يديه، وتقابلا فأنكر القارى. فقال الركابي: \" فأنا أعرف بيته وما فيه \" ، فعند ذلك اعترف القاري، وقال: \" ما أنا أفعل هذا جميع بقارا يفعله \" . وكان قد حضر من قارا رهبان بضيافة إلى باب الدهليز، فأمر السلطان بالقبض عليهم، وركب بنفسه وقصد الديرة التي خارج قارا، فقتل من بها ونهبها ثم عاد وأمر العسكر بالركوب، وقصد التل الذي بظاهر قارا من جهة الشمال، واستدعى أبا العز الريس بها، وقال له: \" نحن بقصد الصيد فمر أهل قارا بالخروج بأجمعهم \" . فخرج منهم جماعة إلى ظاهر القرية فلما أبعدوا عنها أمر بضرب رقابهم فضربت ولم يسلم منهم إلا من هرب واختفى بالعمائر والآبار، وعصى بالأبرجة بها جماعة فأمنوا وأخذوا أسرى، وكانوا ألفا وسبعين نفرا من رجل وامرأة وصبي وانتمى جماعة إلى أبي العز ريسها فأطلقهم السلطان له ثم أمر بتوسيط الرهبان الذين حضروا بالضيافة فوسطوا. وتقدموا إلى العسكر بنهب قارا فنهبوها، ثم أمر أن يجعل كنيستها جامعا، ونقل إليها الرعية من التركمان وغيرهم حتى شحنها بالناس، ورتب فيها خطيبا وقاضيا، وكانت قبل ذلك يسكنها النصارى. وكان السبب في إبقاء الرئيس أبي العز أن السلطان الملك الظاهر لما ساق خلف التتار بعد وقعة عين جالوت مر بقارا فخرج إليه هذا الرئيس واضافه، فرعى السلطان له ذلك وأحسن إليه.\rوبيعت أولاد أله قارا فتربوا بين المماليك وتكلموا باللغة التركية ثم صاروا بعد ذلك أجنادا، وتأمر منهم جماعة وتولوا الأقاليم الكبار والمناصب بالديار المصرية، وتمولوا.\rقال: ولما فرغ السلطان من قتل أهل قارا ونهبها توجه إلى حماة فعيد بها عيد الأضحى، وسار منها إلى أفاميا، ورحل للقاء العساكر في ثالث عشر ذي الحجة. وكان قد أفرد نصيب السلطان من الغنائم، ففرق ذلك على عساكره.","part":8,"page":259},{"id":3770,"text":"وأحسن إلى صاحب سيس ومن معه في الأسر، وعاد إلى دمشق في رابع وعشرين الشهر فدخلها مطلبا وصاحب سيس وابن عمه وأصحابه بين يديه، وخلع على الملوك والأمراء والأكابر وسير لصاحب حماة ولأصحابه الخيول والخلع والأموال، وودعه، وتوجه إلى مملكته.\rوخرج السلطان من دمشق في ثامن المحرم على ما قدمناه.\rوقعة مع الفرنج\rكانت النصرة فيها للمسلمين وفي المحرم سنة خمس وستين وستمائة: بلغ العسكر الصفدي أن العدو أجاز على بلد طبرية، فركب العسكر وطلبوا جهة عكا، فلما وصلوا إلى وادي علين خرج عليهم الفرنج، وكان قد وصلهم نجدة من قبرص وغيرها، فضرب العسكر معهم مصافا فانكسر الفرنج، وكانت عدتهم ألف ومائة فارس فقتل أكثرهم، وعملت أعزبة عظيمة بعكا لمن قتل من ملوكهم في هذه الوقعة.\rذكر إغارة السلطان على عكا قد ذكرنا أن السلطان قد توجه إلى الشام لعمارة صفد في سنة خمس وستين وستمائة، وأن رسل الفرنج أتوه بها وتحدثوا معه في أمر بلادهم. وأجابوا إلى ما قاله لهم من مناصفة صيدا وهدم الشقيف.\rقال: وأنكر السلطان عليهم إغارتهم على مشغر، وأقيموا قياما مزعجا، وأمر السلطان العساكر بالركوب خفية للغارة. وركب السلطان، والفرنج قد اطمأنوا بإرسال رسلهم إليه، فما أحسوا إلا والعساكر قد وصلت إليهم. وساق السللطان ونزل على عكا بتل الفضول، وأحضرت إليه رؤوس القتلى من كل جهة، وضرب دهليزه تحت التل وبات فيه، ثم أصبح على تلك الحالة، وعاد إلى جهة صفد.\rووصلت رسل سيس بالهدايا فشاهدوا، هم ورسل الفرنج، رؤوس القتلى على الرماح. وأحضر جماعة ممن أسر في هذه الغارة فقتلوا في صفد.\rوطلب السلطان رسل الفرنج وقال: \" هذه الغارة قبالة إغارتكم على بلاد الشقيف \" . ولم ينتظر أمر الصلح، فرد الرسل الفرنجية بغير جواب.\rوركب \" السلطان \" في حادي وعشرين شعبان من السنة وساق \" من صفد \" إلى عكا، فما علموا إلا وهو على أبوابها، فقسم الحجازين والناس على البساتين والأبنية والآبار للهدم والقطع. وعمل اليزك بنفسه على باب عكا تحت ذيل التل. وأقام أربعة أيام حتى تكامل الهدم والإحراق والقطع، وسير إلى طاحون كردانة التي لبيت الإسبتار فهدمها.\rوفي هذه الأيام أحضر رسل سيس ورسل بيروت \" هدايا \" وجماعة من أسرى المسلمين وردوا مال التجار، وكتبت أجوبتهم وتوجهوا.\rوفي شهر رمضان وصل رسل صور وسألوا استمرار الهدنة فقال السلطان: \" أنا ما فعلت ما فعلت إلا لأنكم قتلتم السابق شاهين غلامي، وإذا قمتم بديته استمرت الهدنة \" . وأحضر أولاد السابق شاهين فقرر ديته خمسة ألف دينار صورية، أحضر الرسل نصفها وجماعة من المغاربة واستمهلوا بالبقية وقال السلطان: \" تبنين وهدنين وبلادهما \" بلاد \" أخدتهما بسفيى فصارت للإسلام فاستقرت للمسلمين \" . وأجيبوا إلى الصلح وكتبت الهدنة لمدة عشر سنين.\rواستقرت أيضا قاعدة الصلح ببيروت بعد أن تقرر عليهم أن يردوا أموال التجار الذين كانوا أخذوا بمراكب الأتابك واطلقهم وثمن المراكب. ثم قبلت هديتهم واستمرت هدنتهم.\rالصلح مع بيت الإسبتار\rعلى حصني الأكراد المرقب كان بيت الإسبتار قد تقدم طلبهم بذلك. فاستقر هذا الأمر بشرط أن الفسخ يكون للسلطان وحضرت رسلهم الآن، والتمسوا أن يحلف لهم السلطان. فقررت الهدنة لعشر سنين وعشر شهور وعشر أيام وعشر ساعات وبطلت القطائع عن بلاد الدعوة وهي ألف مائتا دينار، ومائة مدي حنطة وشعيرا، وعن مملكة حماة وهي أربعة آلاف دينار، وعن شيزار وأفامية وهي في كل سنة على أبواب بقبيس ستمائة دينار مصرية، وعلى عينتاب خمسمائة دينار صورية، والرسم المعروف بالمفادنة، وهو عن كل فدان مكوكان غلة وستة دراهم. وسير لإستحلاف مقدم الإسبتار، الأمير فخر الدين المقري والقاضي شمس الدين بن قريش كاتب الدرج.\rفتوح يافا\rقال: كان الصالح قد استقر بين السلطان وصاحب يافا جوان ديكين، فصار نوابه يتعدون، وسيروا مترجمة في زي صيادين إلى قطيا. فاتفق هلاك صاحب يافا وقيام ولده جاك بعده.\rولما كان السلطان على صفد لعمارتها حضر إليه قسطلان يافا وسأله في هدنة لولد صاحبها. فامتنع السطان من ذلك. ثم وصلت الأخبار أن أهل يافا يحملون الميرة إلى عكا، وكانت ممنوعة عنها. وأقاموا في ايفا حانة وأوقفوا فيها عدة من المسلمات، واعتمدوا أسباب ليست في هدنة.","part":8,"page":260},{"id":3771,"text":"فلما كان في سنة ست وستين وستمائة، خرج السلطان من الديار المصرية متوجها إلى الشام، وذلك في مستهل جمادى الآخر ورحل في ثالثه ووصل إلى غزة، وبلغه أن جماعة من تالجمالي تعرضوا إلى الزروع فقطع أنواعها. وبلغه أن علم الدين سنجر الحموي أحد أمرائه، ساق في زرع فأنزله عن فرسه وأعطاه \" وأعطى \" سرجه ولجامه لصاحب الزرع. ونزل السلطان على العوجاء فأحضر إليه القسطلان وأكابر يافا، فعوقوا إلى أن يخرجوا من الدعاوى، فبذلوا للسلطان تسليم المدينة والقلعة على أن يطلقوا بأموالهم واولادهم. فأجيبوا إلى ذلك.\rوركب السلطان في العشرين من جمادى الآخرة وساق إليها وما أحسن أهلها إلا والعساكر قد أطلقت بها. وأخذ الأتابك من حصل معه من حصل معه الحديث منهم وحضر به إلى يافا، فما تفاوضوا في الحديث إلا والعسكر قد طلعتها من كل جانب، وفتحت أبوابها. ثم زحفوا على القلعة فسلمها أهلها في اليوم الثاني، ومنع السلطان من نهبها، وطلع إلى القلعة وجهز أهلها إلى مأمنهم، وجرد معهم الأمير بدر الدين بيسرى، وشرع في هذم القلعة فهدمت، وأخذ من أخشابها وألواح رخام وجدت فيها ما أوسق بها مركبا وسيرها إلى القاهرة. ورسم يعمل ذلك الخشب مقصورة في الجامع الظاهري بالحسينية والرخام لمحرابه. ورتب السلطان الخفراء على السواحل وألزمهم بدركها، ورسم أن المال المتحصل من هذه البلاد لا يغمس في غيره، وجعل مأكوله ومشروبه منه. وملك الأمير علاء الدين منها قرية، والأمير علم الدين سنجر الحموي قرية. ورتب إقامة التركمان بالبلاد الساحلية لحمايتها، وقرر عليها خيلا وعدة. ورسم بتجديد مقام الخليل، عليه الصلاة والسلام، وعمل مكان الخوان ناحية من الحرم.\rوهذه يافا فتحها عمرو بن العاص في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، ويقال بل فتحها معاوية، ذكره البلاذاري. وذكر عز الدين بن عساكر الملك طنكي بناها في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، ونزل عليها السلطان الملك الناصر رحمه الله، في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. وخرج البطرق الصغير وجماعة منها وسألوا السلطان على أنهم يسلموها بالأمان ويكونوا أسارى، واستمهلوه في التسليم إلى الصبح فأمهلهم. فوصل ملك الأنكتيرر في تلك الليلة إليها ودخل قلعتها، ونقض ما كان تقرر، فرحل السلطان عنها ونزل اللاطون، ثم نزل عليها الملك العادل بعساكر ولد أخيه الملك العزيز صاحب مصر ففتحها في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. هكذا حكاه القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في فتحها، وقد تقدم أنها من الفتوح الناصرية.\rقال: وما حضر الأنيرور فرديك في أيام الملك الكامل نزلها وحصن قلعتها وبناها. وما حضر الريدافرنس بعد خلاصه من الأسر في سنة ثمان واربعين وستمائة، عمر مدينتها وأنفق عليها أموالا كثيرة.\rقال: ولما فرغ السلطان من هدم يافا رحل عنها في ثامن عشر رجب، ووصل إلى صفد ثم منها إلى الشقيف .\rفتوح شقيف أرنون\rكان السلطان قد كتب إلى الأمير جمال الدين النجيبي ، نائب السلطنة بالشام ، بتجهيز العسكر الشامي إلى أن يحضر بريدي يسير قدامهم. ولما خرج إلى الشام في هذه السفرة توجه البريدي . وكان السلطان قد قرر مع النجيبي أمارة يمسكها البريدي من يده ، فوصل البريدي وأمسك الأمارة من يده . فأحضر الأمراء للوقت ورسم لهم باتباع البريدي ، فسار بهم إلى بانياس ، فأخرج لهم بريدي آخر كتبا مختومة في بانياس للأمير علم الدين الحصني والأمير بدر الدين الأتابكي متضمنة منازلتهم للشقيف ، وأنهم لايجذبون قتالا ولا غيره ، فما عرف بهم إلا وقد نازلوا الشقيف . وكان جماعة من الفرنج قد توجهوا من الشقيف إلى عكا وصيدا ، فنازله العسكر إلى جهة صيدا فأسروا وقتلوا . وجهز هذا العسكر أخشاب المجانيق والستائر . ثم جهز السلطان بعد فتوح يافا الأمير بدر الدين بكتوت من عكا بعسكر مصري فنزلوا على الشقيف . وتوجه السلطان فوصل إليه يوم الأربعاء تاسع شهر رجب ، فأقام منجنيقين ورمى بهما في اليوم الثاني من وصوله.","part":8,"page":261},{"id":3772,"text":"واتفق أن الفرنج الذين بالقيف كانوا سيروا شخصا إلى عكا لما نزل عليها العسكر الشامي يعلمونهم بحالهم ويذكرون لهم عورات الحصن ، فسيروا الجواب . فلما وصل القاصد وحضر إلى السلطان وأحضر رسالة أخوية لأ أهل عكا إليهم \" تتضمن إعلام النواب بالقيفين أن المسلمين لايقدرون على أخذالحصن إن احتفظتم به فجدوا في أمركم \" . فحصل التحيل في قراءتها ، وعلم منها أسماء المقدمين الذين بالشقيف ، فكتبت الأمارات لهم بأسمائهم ورمى بها إلى الحصن بالنشاب. وكتب أحد الترجمة عوض \" رسالة \" أخوية عكا، وعكس عليهم فيها القضايا . وكان في الكتاب أن الوزير لا يكون خاطره متغلثا بسبب المصادرة له ، ففي ساعة يمكن تعويضه عن ذلك ، فعكس ذلك: وقيل للمقدم بالشقيف يحترز من الوزير كليام، ففي قلبه إحنة من مصادرتنا له ، وأغرى بينهم بهذا القول وما يناسبه. ورميت هذه الكتب في سهم فحصل الاختلاف بينهم ، ووجدوا الأمانات التي كانت كتبت للمقدمين ، فأمسكوا جماعة وتوهموا من الوزير. وكان الفرنج لما تسلموا الشقيف من الملك الصالح إسماعيل ، في سنة ثمان وثلاثين وستمائة ، هو وصفد ، عمروا إلى جانبه قلعة أخرى ، فعجزوا في هذا الوقت عن حماية جهتين. فلما كان في ليلة الأربعاء السادس والعشرين من شهر رجب عمدوا إلى هذه القلعة المستجدة وحرقوا جميع ما بها من غلة وقماش وغيره، وانتقلوا إلى القلعة المستقرة، وأصبح المسلمون وتسلموها، وقدمت المجانيق إلى هذه القلعة في سابع وعشرين الشهر ورمى بها. وأقام السلطان في سطح برج من أبراجها بالقرب من العدو، فعرف الفرنج موضعه فرموا حجرا قريبا منه فقتل ثلاثة نفر، ولم ينتقل السلطان عن موضعه. وكان باب هذه القلعة تجاه باب القلعة الأخرى، فعمل السلطان سربا طويلا في أعلى القلعة نازلا إلى أسفلها وصار يتعلق به ويطلع وينزل وهو لابس عدته.\rقال. واشتد القتال، فبينما الناس في ذلك وإذا بالوزير كليام قد خرج مستأمنا، ثم سألوا الأمان على نفوسهم وأنهم يوخذون أسارى، وسألوا إطلاق الحريم والأطفال، فأجاب السلطان إلى ذلك. وفي يوم الأحد سلخ شهر رجب سنة ست وستين وستمائة، استدعو الصناجق فرفعت على القلعة. وسير الأمير بدر الدين الخزندار فتسلمها، وخرج الفرنج إلى الخنادق فقيدوا، وأخرج النساء والأطفال. وجرد الأمير بدر الدين بيسرى الشمسي صحبتهم فاوصلهم إلى جهة صور، وسلم الرجال إلى العساكر.\rقال: وهذا الشقيف من أحصن المعاقل وأحسنها وكان مضرة على بلاد الصبيبة. وكان الملك العادل الكبير قد جدده، وما زال في يد الإسلام إلى أن سلمه الصالح اسماعيل للفرنج على ما قدمناه.\rقال: ولما قدر الله تعالى فتح الشقيف، اتفق \" السلطان \" في جميع العساكر وخلع على الملوك الذين في خدمته، مثل: الملك المنصور صاحب حماة وأخيه، وأولاده صاحب الموصل، والملك الأمجد بن العادل، وغيرهم من أولاد الملوك، وعلى الأمراء والمقدمين، ومن جرت عادتهم بالخلع. وشرع السلطان في هدم القلعة المستجدة فهدمت إلى الأرض ورتب الأمير صارم الدين قاريماز الظافري نائبا لهذه القلعة، ورتب فيها الأجناد والرجالة، ورتب بها قاضيا وخطيبا، وأقيمت شعائر الإسلام بهذه القلعة وجميع تلك البلاد، وولى الأمير سيف الدين بلبان الزيني عمارتها، وكان قد خرج منهخا جماعة من المسلمين حالة الحصار فكتب لهم السلطان فدنا وقفا عليهم.\rتوجه السلطان إلى طرابلس\rوإغارته عليها كان بيمند صاحب طرابلس قد كثر تعديه على بلاد الإسلام، وأخذ البلاد المجاروة له بعد زوال الأيام الناصرية واستيلاء التتار على الشام، وكان من أكبر أعوان التتار. فلما رحل السلطان من الشقيف نزل قريبا من جسر بانياس، وجهز الأثقال إلى دمشق وجرد الأمير عز الدين غيغان بجماعة توجهوا من جهة، والأمير بدر الدين الأيدمري بجماعة من جهة أخرى، فحفظت الطرقات وامتلأت بالعساكر، وتوجه إلى طرابلس على جهة جبال الطنين، وكان البرنس قد وعر الطرقات، فوصل السلطان في نصف شعبان وملك هذه الجبال التي يقول فيها المتنبي:\rوجبال لبنان وكيف بقطعها ... وهو الشتاء وصيفهن شتاء\rلبس الثلوج بها على مسالكي ... فكأنها ببياضها سوداء","part":8,"page":262},{"id":3773,"text":"وخيم السلطان قريبا من طرابلس واستمر على الركوب إليها، والعساكر تناوش \" أهلها \" القتال ويرامونهم بالنشاب، وافتتح برجا قد عصى فيه جماعة من الفرنج \" و \" ضرب رقابهم وجرد جماعة خربوا الحرث ونهبوا تلك الجبال واخذوا عدة مغاير بالسيف، وقطعت الأشجار وهدمت الكنائس وقنى المياه والقناة الرومانية، وقسم السلطان الغنائم في العساكر ورحل عن طرابلس في العشر الآخر من شعبان من السنة.\rفتوح أنطاكية\rلما رحل السلطان عن طربلس لم يطلع أحدا على الجهة التي يقصدها، فتوجه إلى حمص في سابع وعشرين شعبان، وأمر ببناء مسجد بحمص، ولما وصل إلى حماة رتب العساكر ثلاث فرق: فرقة صحبة الأمير بدر الدين الخزندار، وفرقة مع الأمير عز الدين إيغان، وفرقة صحبة الركاب السلطاني.\rفتوجه الأمير بدر الدين الخزندار إلى السويدية، وتوجه الأمير عز الدين إيغان إلى الدرب ساك، فقتلوا وأسروا. وتوافوا جميعهم بأنطاكية، ونزل السلطان أفامية، ومنها إلى جسر تحت الشغر وبكاس، وأصبح مغيرا على أنطاكية وذلك في مستهل شهر رمضان.\rوتقدم في الجاليش الأمير شمس الدين أفسنقر أستاد الدار، فصادف جماعة من عسكر أنطاكية وأنتشبت الحرب بينهم، فحمل أحد أجناد الأمير شمس الدين أفسنقر وهو فلان الدين المظفري على كندا سطيل فأسره وأحضره إلى السلطان، فأمره السلطان واحسن إليه. واطافت العساكر بأنطاكية من كل جانب. وكان النزول عليها بالخيام والثقل، بكرة يوم الجمعة ثالث شهر رمضان سنة ست وستين وستمائة. ولما حضر كندا سطبل إلى السلطان رآه رجلا عاقلا، فسأل أنه يدخل إلى أنطاكية ويتوسط لأهلها، فجرى السلطان على عادته في الإنذار قبل المهاجمة. فسير كندا سطبل \" من \" أحضر ولده رهينة ، ودخل البلد وتحدث ، وخرج مع جماعة من القسيسين والرهبان ، وأقاموا يترددون ثلاثة أيام فظهر منهم قوة نفس وخوف من صاحبهم البرنس. وفي بكرة السبت أنذرهم بالزحف ، وصبر حتى دخل الأقساء والرهبان إلى أنطاكية ، ورسم بالزحف . فزحفت العساكر وأطافت بالمدينة والقلعة على اتساعها ، وقاتل أهلها قتالا شديدا . فتسور المسلمون الأسوار من جهة الجبل بالقرب من القلعة ونزلوا المدينة ، فهرب أهلها إلى القلعة. وشرعت الغساكر في النهب والقتل والأسر ، وما رفع السيف عن أحد من الرجال بالمدينة ، وكان بها فوق المائة ألف نفر . وأخذ التركمان من النائم مالا يحصى . ثم رسم السلطان بحفظ أبواب المدينة والإحتراز عليها . وأما القلعة فاجتمع فيها ثمانية آلاف مقاتل غير الحريم والأولاد ، فتحاشروا بها فمات عالم . وأما البالي والوزير الوالي فإنهم لما شاهدوا هذا الحال هربوا رجالة في الليل ، تدلوا بالحبال ، وأصبح أهل القلعة فما وجدوا أحدا منهم ، ولم يكن بالقلعة ماء ولا طواحين تكفيهم . فسيروا يوم الأحد ثاني يوم الفتح يطلبون الأمانة من القتل وأنهم يؤخذون أسرى . فللوقت طلع السلطان فصادف جميع من في القلعة قد خرج إلى ظاهرها وعليهم الملابس الحسنة واستغاثوا للسلطان ، فعفا عنهم من القتل ، وأحضرت الحبال فربطوا بها ، وتسلم كل أمير جماعة من الأسرى ، وكذلك كل مقدم، والكتاب ينزلون ذلك ، وكتبت كتب البشائر ، ومن جملتها كتاب إلى صاحب إنطاكية : نسخته بعد البسملة : \" قد علم القومص الجليل \" البجل العزز الهمام ، الأسد الصرغام ، بيمند فخر الأمة المسيحية ، رئيس الطائفة الصليبية كبير الأمة العيسوية \" بيمند المتنقلة مخاطبته بأخذ أنطاكية \" منه \" من البرنسية إلى القومصية ، ألهمه الله رشده ، وقرن بالخير قصده ، وجعل النصيحة محفوظة عنده . ماكان من قصدنا طرابلس وغزونا له في عقر الدار ، وما شاهده بعد رحيلنا من إخراب العمائر ، وهدم الأعمار ، وكيف كنست تلك الكنائس من بساط الأرض،ودارت الدوائر على كل دار، وكيف جعلت تلك الجزائر من الأجساد على ساحل البحر كالجزائر، وكيف قتلت الرجال، واستخدمت الأولاد، وتملكت الحرائر، وكيف قطعت الأشجار، ولم يترك إلا ما يصلح لأعواد المجانيق \" إن شاء الله \" والستائر، وكيف نهبت لك ولرعيتك الأموال والحريم والأولاد والمواشي، وكيف استغنى الفقير وتأهل العازب واستخدم الخديم وركب الماشي \" .","part":8,"page":263},{"id":3774,"text":"\" هذا وأنت تنظر المغشى عليه من الموت، وإذا سمعت صوتا قلت فزها: على هذا الصوت، وكيف رحلنا عنك رحيل من يعود، وأخرناك وما كان تأخيرك إلا لأجل معدود. وكيف فارقنا بلادك، وما بقيت ماشية إلا وهي لدينا ماشية، ولا جارية إلا وهي في ملكنا جارية،ولا سارية إلا و هي في أيدي المعاول سارية، ولا زرع إلا وهو محصود، ولا موجود لك إلا وهو منك مفقود، ولا منعت تلك المغاير التي هي في رؤوس الجبال الشاهقة، ولا تلك الأدوية التي هي في التخوم مخترقة وللعقول خارفة. وكيف سقنا عنك ولم يسبقنا إلى مدينتك أنطاكية خير. وكيف وصلنا إليها وأنت لا تصدق أننا نبعد عنك، وإن بعدنا فسنعود على الأمر. وها نحن نبلغك بما تم، ونفهمك بالبلاء الذي عم \" .\r\" كان رحيلنا عنك \" و \" عن طرابلس يوم الأربعاء رابع عشرين شعبان، ونزولنا أنطاكية في مستهل شهر رمضان. وفي حالة النزول خرجت عساكرك المبارزة فكسروا، وتناصروا فما نصروا، وأسر من بينه كندا سطبل، فسأل مراجعة أصحابك. فدخل إلى المدينة، فخرج هو وجماعة من رهبانك وأعيان أعوانك فتحدثوا معنا، فرأيناهم على رأيك في إتلاف النفوس بالغرض الفاسد، وأن رأيهم في الخير مختلف، وقولهم في الشر واحد، فلما رأيناهم قد فات فيهم الفوت، وأنهم قد قدر الله عليهم الموت رددناهم وقلنا: \" نحن الساعة لكم نحاصر، وهذا هو الأول في الإنذار والآخر \" فرجعوا متشبهين بفعلك ومتعقدين إنك تدركهم بخيلك ورجلك، ففي بعض ساعة مر شأن المرشان، وداخل الرهب الرهبان، ولان للبلاء القسطلان، وجاءهم الموت من كل مكان \" .\r\" وفيحنا بالسيف في الساعة الرابعة من يوم السبت رابع شهر رمضان، وقتلنا كل من اخترته لحفظها والمحاماة عنها، وما كان أحد منهم إلا وعنده شيء من الدنيا، فما بقي أحد منا إلا وعنده شيء منهم ومنها. فلو رأيت خيالتك وهم صرعى تحت أرجل الخيول، وديارك والنهاية فيها تصول، والكسابة فيها تجول، وأموالك وهي توزن بالقنطار، وداماتك وكل أربع منهن تباع، فتشتري من مالك بدينار، ولو رأيت كنائسك وصلبانها قد كسرت ونشرت، وصحفها من الأناجيل المزورة قد نثرت، وقبور البطارقة قد بعثرت. ولو رأيت عدوك المسلم وقد داس مكان القداس والمدبح، وقد ذبح فيه الراهب والقسيس والشماس، والبطارقة وقد دهموا بطارقة، وأبناء الملوك وقد دخلوا في المملكة. ولو شاهدت النيران وهي في قصورك تخترق، والقتلى بنار الدنيا قبل الآخرة تحترق، وقصورك وأحوالها قد حالت، وكنيسة بوليص وكنيسة القسيان قد زلت كل منها وزالت، لكنت تقول: \" يا ليتني كنت ترابا، ويا ليتني لم أوتي بهذا الخبر كتابا \" ، ولكانت نفسك تذهب من حسرتك، ولكنت تطفئ تلك النيران بماء عبرتك. ولو رأيت مغانيك وقد أقفرت من معانيك، ومراكبك وقد أخذت في السويدية بمراكبك، فصارت سوانيك من شوانيك، لتيقنت أن الإله الذي أنطاك أنطاكية منك استرجعها، والرب الذي أعطاك قلعتها منك قلعها، ومن الأرض اقتلعها. ولتعلم أنا قد أخذنا بحمد الله منك ما كنت أخذته من حصون الإسلام وهو: ديركوش، وشقيف تلميس، وشقيف كفر دنين، وجميع ما كان من بلاد انطاكية، \" و \" استنزلنا أصحابك من الصياصي وأخذناهم بالنواصي، وفرقناهم في الداني والقاصي، ولم يبق شيء يطلق عليهم اسم العصيان إلا النهر، فلو استطاع لما سمي بالعاصي، وقد أجرى دموعه ندما، وكان يذرفها عبرة صافية، فهو أجراها بما سفكناه فيه دما \" .\r\" وكتابنا هذا يتضمن البشرى لك بما وهبك الله من السلامة وطول العمر، بكونك لم تكن لك في أنطاكية في هذه المدة إقامة، وكونك ما كنت بها ستكون إما قتيلا، وإما أسيرا، وإما جريحا، وإما كسيرا. وسلامة النفس هي التي يفرح بها الحي، إذا شاهد الأموات، ولعل الله ما أخرك إلا لأن تستدرك من الطاعة والخدمة ما فات. ولما لم يسلم أحد يخبرك بما جرى خبرناك، ولما لم يقدر أحد يباشرك بالبشرى بسلامة نفسك وهلاك ما سواها باشرناك بهذه المفاوضة وبشرناك، لتحقق الأمر على ما جرى. وبعد هذه المكاتبة لا ينبغي أن لك أن تبلغ لنا خيرا، كما أن بعد هذه المخاطية يجب أن لا تسأل غيرها مخيرا. \" قال: ولما وصل إليه هذا الكتاب اشتد غضبه، ولم يبلغه خبر أنطاكية إلا من هذا الكتاب.","part":8,"page":264},{"id":3775,"text":"ولما تسلم السلطان القلعة سلمها للأمير بدر الدين \" بيليك \" الحزندار والأمير بدر الدين بيسرى الشمسي. وأما كندا سطبل فإن السلطان أطلقه وأطلق أهله وأقاربه، فاختار التوجه إلى سيس، ففسح له في ذلك.\rأخبار أنطاكية\rذهب المفسرون لكتاب الله تعالى في قوله تعالى: \" واضرب لهم مثلا أصحاب اقرية إذ جاءها المرسلون \" أن القرية أنطاكية.\rوقال اصحاب الأخبار فيها: إن الملك أنتيوخس قصد بناء مدينة يعمرها ليكون نسبتها إليه، فسير حكماه ووزراه لاختيار مكان يكون طيب الهواء والماء، قريبا من البحر والجبل، فوجدوا هذا المكان. فاختاروه لأنه جبلي بحري يحكم عليه الهواء الغربي، وعيون المياه العذبة حوله والبحيرة الحلوة شرقية، والبحر المقلوب وهو العاصي، خارج سورها وعليه طواحينها، وفيه المراكب تحمل الغلات إليها وغير ذلك فعرفوا ملكهم هذه الصفات، فأمر ببنائها، وأخرج النفقات، وطلبوا حجرا جيدا لبنائها، فوجدوه في مسافة يومين منها. فاستخدم لها من الرجال والبنائين ثمانين ألف رجل وثمانمائة رجل، ومن العجل ستمائة عجلة، وألف وتسعمائة حمار، ومائة زروق لنقل الحجارة، خارجا عما في ميناء السويدية من العجل والرجال والزوارق التي تحمل الرخام والعمد والقواعد. فنجزت في ثلاث سنين ونصف، وبنيب أسوارها وأبراجها وهي مائة وثلاثة وخمسون برجا، ومائة وثلاثة وخمسون بدنة، وسبعة أبواب، منها خمسة كبار وبابان صغارا. وجعل فيها سبع عوادي ترمي إلى النهر عند الوادي المسمى الحسكروت، وجعل منه باب في الجبل ينزل منه إلى المدينة، وعليه قناطر يعبر الناس عليه، وإذا امتلئ يخرج من تحت السور، وساقوا الملء إليها في قناتين: البوليط والعاوية.\rولما فرغت حضر الملك إليها ورأها فأكرم الصناع ومد لهم طعاما ثلاثة أيام، وأمر ببناء الأدر والدكاكين، فشرع الناس في بنائها ووهب كل من يحضر إليها وينزل حولها خراج ثلاث سنين، وبنى الكنائس وبيوت عباداتهم فاجتمع العالم إليها.\rواتفق أن الملك جلس في بعض الأيام وهو مسرور فرح، فقال له وزيره: \" لو عرفت ما أنفقت في هذه المدينة ما كنت تفرح \" فاستيقظ لنفسه وأمر بعمل حساب ماأنفق فيها سوى الضيافات والجواميس التي أخذت من المروج والبهائم بغير ثمن، فجاء أربعة آلاف قنطار وخمسين قنطارا ذهبا، فعظم ذلك عنده، وأمك عن العمارة، وشرع في بناء المدائن تغل، فبنى سبع مدائن، وأسكن الناس فيها. واستمرت في يد الملك ومن ملك بعده، وعمارتها تتزايد، وكل ملك يؤثر بها تأثيرا ويجدد بها طلسما إلى أن ظهر المسيح عليه السلام.","part":8,"page":265},{"id":3776,"text":"وما زالت في يد الروم إلى أن فتحها المسلمون في خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه كما قدمناه في خلافته. ولما ولي معاوية بن ابي سفيان نقل إلى أنطاكية في سنة اثنتين وأربعين جماعة من الفرس وأهل بعلبك وحمص، وكان منهم: مسلم بن عبد الله جد عبد الله بن حبيب بن مسلم الأنطاكي. ولم تزل بيد عمال الخلفاء في الدولتين الأموية والعباسية، ثم استقرت في يد بني حمدان. فلما مات سيف الدولة ابن حمدان اتفق أهلها أنهم لا يمكنون أحدا من الحمدانية يدخلها، وولوا شخصا يسمى بغلوش الكردي، وكان قد ورد الغزاة من خراسان خمسة آلاف رجل فأمسكهم وتقوى بهم واشتد أمره، وكان منهم رجل أسود من الصعاليك يعرف بالزعلي قد جمع طائفة وسموا نفوسهم بالغزاة . فدخل يوماً عليه السلام، فقتل الكردي وهرب أصحابه، واستولى الأسود على المدينة هو ومن معه. وكان في بغراس نائب للروم اسمه ميخائيل البرجي وبطرس. فحضرا إليها في جمع كبير، فعجز المسلمون عن حفظها لاتساعها، فملكها الروم في يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. فطرح المسلمون النار بينهم وبين الروم، وفتحوا باب البحر وخرجوا منه. وأسر الروم جميع من كان المسلمين، فتقوى الروم بفتحها، وتوجهوا إلى حلب فصالحهم أهلها وأهل حمص على ما يحمل في كل سنة إلى ملك الروم وهو عشرة قناطير ذهبا، ومن كل مسلم دينار سوى ذوي العاهات، وأقامت إلى سنة ست وستين وثلاثمائة، فسير جعفر بن فلاح غلامه \" فتوحا \" إلى أنطاكية فحاصرها خمسة أشهر فلم يظفر بها. وحدثت في هذه السنة زلزلة عظيمة هدمت قطعة من سورها فأنفذ ملك روم ثانيا، أثني عشر ألف دينارا وصناعا لاصلاح ذلك، فبنيت أحسن ما كانت. وبنى فلعتها لاون بن الفقاس وحصنها، وكان في خدمته جماعة من الأرمن، ومات فكمل عمارتها الملك بسيل وهو الذي وجد له لما مات ستة آلاف قنطار ذهبا، ولما ولى كان في حاصل بيت المال أربعة قناطير لا غير، وهو الذي ملك أرجيش من بلاد أرمينية في سنة خمس عشرة وأربعمائة، وكان ملكه تسعا وأربعين سنة وأحدى عشر شهرا. وبقيت في أيدي الروم إلى أن فتحها الملك سليمان من قتلمش السلجقي في سنة سبع وسبعين وأربعمائة على ما أوردناه في أخبار الدولة السلجقية، وبقيت في يده إلى أن قتل في سنة تسع وسبعين وأربعمائة، فصارت بيد وزيره الحكم بن طاهر الشهر ستاني يتولى أمرها. فلما استرد السلطان ملكشاه بلاد الشام استردها وضمها إلى الوزير المذكور، فأقام بها إلى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، ثم فارقها \" الوزير \" ودخل الروم، فسلمها لباغي شيان بن ألب \" أرسلان \" وكانت بنته متزوجة للملك رضوان صاحب حلب.\rوحدثت زلزلة بأنطاكية في التاسع عشر من شعبان سنة أرلابعة وثمانين وأربعمائة خربت دورها وأهلكت خلقا كثيرا، ورمت من أبراجها نحو السبعين برجا، فتقدم السلطان بعمارة ما انهدم في سنة خمس وثمانين.","part":8,"page":266},{"id":3777,"text":"واستمرت أنطاكية بيد ملوك الإسلام إلى أن ملكها الفرنج في جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة على ما قدمناه. وكان قد اجتمع عليها جماعة من ملوك الفرنج والملك الكبير المشار إليه منهم اسمه كند فري، فقرر أن كل ملك من الملوك يحاصرها عشرة أيام، ومن فتحت في نوبته فهي له، ففتح في نوبة ملك منهم اسمه ميمون. فلما اتصل ذلك بملوك الإسلام بالشام اجتمعوا ومقدميهم ظهير الدين طغرتكين صاحب دمشق، وجناح الدولة حسن صاحب حمص، وكربغا صاحب الموصل، وحاصروا أنطاكية، وكان الفرنج في قل، فسألوا الأمان ليخرجوا منها فلم يجيبوهم، ووقع تنافس بين المسلمين فخرج الفرنج إليهم فاتهزموا من غير قتال. وبقي ميمون مالكها حتى كسره الدانشمند وأسره وقتل أكثر عسكره، وذلك في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، فاشترى نفسه بعد ذلك بمائة ألف دينار واستخلف ميمون فيها ولد أخيه طنكري، وركب في البحر وسار إلى بلاده ليستنجد الفرنج ويعود، فأهلكه الله تعالى. واستمر طنكري ملكا لأنطاكية وأعمالها إلى أن أهلكه الله تعالى في ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة ست وخمسمائة، وملكها بعده روجار. وكان طنكي قد استدعاه من بلده وجعله ولي عهده، وهو الذي حضر إلى بيت المقدس في ملك بغدوين، وكان بغدوين شيخا كبيرا، فاجتمعا بالبيت المقدس وقررا عهدا: أن من مات منهم قبل الآخر انتقل ملكه إلى الباقي منهما. وتزوج بنت بغدوين، فقتل روجار في حرب كانت بينه وبين نجم الدين إيلغازي بن أرتق في يوم السبت ثامن عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. فقتل روجار وجميع من معه، فسار بغدوين إلى أنطاكية وملكها، وأقام بها إلى أن وصل شاب، في ثامن عشر شهر رمضان سنة ست وعشرين وخمسمائة، من الفرنج في البحر وادعى أنه ميمون بن ميمون الذي كان صاحب أنطاكية، فسلم بغدوين أنطاكيه له فملكها، وكان شجاعا مقداما، وأقام بها إلى أن سار نحو الدروب فلقيه ابن الدانشمند فكسره وقتل جماعة من عسكره بأرض عين زرية، وذلك في نصف شهر رمضان سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. ومثلك بعده الأبرنس، ولقي الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي على حصن الأكراد في شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة فكسر المسلمون وقتل جماعة منهم، واستولى الفرنج على أثقالهم. فجمع نور الدين العساكر، والتقاه في يوم الأربعاء الحادي والعشرين من صفر سنة أربع وأربعين وخمسمائة فقتله فرسانه واستولى على خيامه. وولى أنطاكية بعده الأبرنس أرناط، فأقام إلى أن لقيه مجد الدين أبو بكر الملك العادل في المملكة الحلبية، وذلك في صفر سنة إحدى وخمسين وخمسمائة فكسره وقتل أصحابه وأخذه أسيرا، فأقام في حبس الملك العادل وملك أنطاكية وهو في الأسر رجل من ذريته اسمه بيمند وخلص أرناد، وتزوج صاحبة الكرك وأقام بالحصن حتى ملكه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وقتله.\rوفي سنة أربع وثمانين وخمسمائة عقد السلطان الملك الناصر الكبير مبيمند صاحب أنطاكية هدنة لمدة ثمانية مائة أشهر من تشرين الأول إلى آخر آيار، وحلفا على ذلك، ورحل الناصر عنها وتوجه إلى حلب على ما ذكرناه في أخباره. ثم ملكها الإبرنس المعروف بالأسير، وملكها ابنه بعده، ثم ملكها بيمنده ولده أيضا، وهو الذي أخذت منه الآن في الدولة الظاهرية.\rهذا تلخيص خبر أنطاكية من حين عمرت إلى حين فتحت هذا الفتح.\rما اعتمده السلطان في قسمة غنائم وأنطاكية وإحراقه\rقلعتها وما افتتحه مما هو مضاف إليها وهو: دير كوش وشقيق كفر دنين وشقيف كفر تلميس قال ولما قتحت أنطاكية وفرغ الناس من نهبها، رسم السلطان بإحضار المكاسب للقسمة، وركب وأبعد عن الخيام وحمل ما غنمه وما غنمه من مماليكه وخواصه. وقال للأمراء: \" ينبغي أن تخلصوا ذمتكم وتحضروا ما غنمتوه، وأنا أحلف الأمراء والمقدمين، وهم يحلفون أجنادهم ومضافيهم \" . فأحضر الناس الأموال والمصاغ من الذهب والفضة، فطال الوزن، فقسمت النقود بالكاسات والشربوشات، ولم يبقى غلام إلا أخذ. وتقاسم الناس النسوان والبنات والأطفال وبيع الصغير بأثني عشر درهما، والجارية بخمسة دراهم وباشر السلطان القسمة بنفسه، وما ترك شيئا حتى قسمه من الأموال والمصوغ والدواب والمواشي. ثم ركب إلى قلعة أنطاكية وأحرقها وعم الحريق أنطاكية.","part":8,"page":267},{"id":3778,"text":"وكان صاحب طرابلس قد استولى على عند أخذ التتار حلب على ديركوش، وهو من أمنع الحصون وعلى شقيف كفر دنين وعلى شقيف كفر تلميس، وكانت هذه الحصون شجى في حلق المسلمين. فلما فتحت أنطاكية انقطعت حيلة هذه الحصون فطلبوا الأمان على أنهم يسلمون الحصون ويؤسرون، فسير الأمير بدر الدين بيليك الأشرفي الظاهري، فتسلم دركوش في ليلة الجمعة حادي عشر شهر رمضان ، وتسلم بقية هذه الحصون.\rصلح القصير على المناصفة\rكان القصير للبطرك الكبير خاصة، وزعموا أن بأيديهم خط عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما نزل السلطان في هذه الجهات بذلوا نصف البلاد للسلطان، فكتبت لهم هدنة، وانضاف إلى مملكة الإسلام نصف بلاد القصير.\rفتوح حصن بغراس من الديوية\rقال: ولما فتح الله تعالى هذه الحصون والجهات على السلطان ولم يبقى بتلك الجهات سوى بغراس، وخاف من بها من الديوية، فانهزموا وتركوا. فجهز السلطان الأمير أقسنقر \" الفرقاني \" أستاد الدار العالية بعسكر فتسلمه في يوم السبت ثالث عشر شهر رمضان من السنة، ولم يجد به سوى امرأة عجوز، ووجده عامر بالحواصل والذخائر.\rوقال البلاذري: كانت أرض بغراس بمسلمة بن عبد الملك فوقفها في سهيل البر، ولما قصد المسلمون غزاة عمورية صحبة مسلمة، حمل هو والعسكر النساء معهم للجد في القتال. فلما صاروا في عقبة بغراس عند الطريق المستدقة التي تشرف على الوادي سقط جمل عليه امرأة، فأمر مسلم النساء أن يمشين فسميت تلك العقبة عقبة النساء. قال: وكان في تلك الطريق سباع لا يسلك فيها بسببها، فشكا الناس ذلك إلى الوليد بن عبد الملك فبعثت أربعة آلاف جاموسة وفحولها، فانكفأت السباع. ثم بناها بعد ذلك وحصنها أتم تحصين الملك نقفور ملك الروم الذي خرج إلى بلاد الشام في آخر سنة سبع وخمسين وثلاثمائةوقتل وسبى. ولما بنى هذه الحصن، الذي هو حصن بغراس. رتب فيه نائبا له يعرف بالبرجي، ورتب معه ألف رجل، وحصت بغراس. ثم ملكه الفرنج وما زالوا يتداولونه ويحصنونه على طول المدد، إلى أن ملكه السلطان الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب، في ثاني شعبان سنة أربع وثمانين وخمسمائة، على ما قدمناه، ثم ملكه الديوية بعد ذلك.\rالإغارة على صور\rكانت قد تقررت مهادنة بين السلطان وبين صاحب صور، فلما توجهت الرسل إليه حلف على بعضها، واسقط فصولا لم يحلف عليها. فلما كان السلطان بالشام، في سنة سبع وستين وستمائة، ووقفت له امرأة ذكرت أنها كانت أسيرة في صور، وأنها اشترت نفسها ثم قطعت على بنت لها قطيعة، وحصلت من أوقاف دمشق مبلغا اشترتها به من صور بمكاتبة عليها خط الفرنج، ولما خرجت بها إلى قرب بلاد صفد سير خلفها جماعة من صور أخذوا البنت منها ونصروها. فلما سمع السلطان كلامها غضب الله تعالى وكتب يطلب هذه البنت، فاعتذروا بأنها تنصرت. وكان بالنواقير من جهة صفد جماعة \" من المسلمين \" سير صاحب صور أمسكهم وقتل منهم نفرين واعتقل الباقيين. وطلبهم السلطان فأصروا على منعهم، فركب السلطان في العشرين من شهر رمضان، وساق بنفسه ومن معه من العسكر الخفيف، وتوجه الأمير جمال الدين المحمدي من جهة، والأتابك من جهة، ووصلوا إلى صور، فأمسكوا جماعة من الرجال والنساء والصغار، وهرب في ذلك الوقت للأمير جمال الدين أقش الرومي فنصره صاحب صور بوقته. وطلب منه فدافع عنه، وأمسك السلطان عن إتلاف زرعه ورد الحريم والأطفال ورجع إلى المخيم وأمهل عليه مدة، فلما استمر على منع البنت والملوك، جرد السلطان جماعة لاستغلال بلاده.\rالإغارة على بلاد كركر وأخذ شرموشاك\rوفي هذه السنة توجهت الغيارة في البيرة وغيرها إلى جهة كركر فأحرقوا بلدها وأخذوا مواشي، وتوجهوا إلى قلعة بين كركر والكختا اسمها شرموشاك، فزحفوا عليها وأخذوها وقتلوا رجالها ونهبوا من المواشي شيئا كثيرا، وأخرجوا من الفلاحين إلى البلاد السلطانية خلقا كثيرا، وأخذ الخميس من الغنيمة للديوان ورسم بترتيب الناجعين في البلاد الحمصية والشيزرية وجهة أنطاكية.\rالإغارة على عكا","part":8,"page":268},{"id":3779,"text":"وفي سنة ثمان وستين وستمائة، توجه السلطان جريدة إلى الشام، وكان الفرنج بعكا اعتمدوا أشياء لا يصبر عليها: منها أن أربعة من مماليك السلطان هربوا ودخلوا عكا، فلما طلبهم منهم طلبوا العوض عنهم، فأنكر السلطان ذلك عليهم، فنصروهم، وذلك في سنة سبع وستين. فكنب السلطان إلى النواب بوقوع الفسخ، فأغار عليهم الأمير جمال الدين أقش الشمسي فقتل وأسر منهم جماعة. واتفقت حركة للسلطان إلى الحجاز فأطلق الذين أسروا، وعوق رسل الفرنج على إحضار المماليك، وأطلق منهم وزير الاستبار خاصة، لأنه كان يخدم السلطان. فلما كان في هذه السنة بلغ السلطان أن الفرنج وصل إليهم سفائن من جهة الردراكون، أحد ملوك الغرب فيها جماعة من أصحابه وأقاربه وكتبه، يقول فيها: إنه واعد أبعى بن هولاكو أنه يوافيه بالبلاد الإسلامية، وأنه واصل لمواعدته \" من جهة سيس في سفن كثيرة \" ، فأرسل الله تعالى ريحا مزعجة كسر عدة من سفائنه ولم يسمه لها خبر. وأما أهل عكا فإنهم خرجوا هم ومن وصل ليهم من الغرب إلى ظاهر عكا وخيموا وصاروا يركبون \" وتوجهت طائفة منهم إلى عسكر جينين وعسكر صفد \" ، وبلغهم أن السلطان وصل جريدة فتوهموا أنه لا يقصدهم. واتفق أن السلطان خرج متصيدا إلى جهة الحارسة، وعاد مسرعا وتوجه على أنه يتصيد في مرج برغوث. ولما وصل في أثناء الطريق إلى برج الفلوس سير الأمير عز الدين معن الظاهري السلاح دار لاحضار السلاح، وسير الأمير ركن الدين إياجي لإحضار العسكر الشامي كله، فتكامل الناس عنده في مرج برغوث في بكرة نهار الثلاثاء الحادي والعشرين في شهر ربيع، وركب وساق ووصل جسر يعقوب عشية النهار، فساق فأصبح الصبح وهو بأول المرج. وكان قد سير إلى الأمير جمال الدين الشمسي مقدم عسكر عين جالوت، والأمير علاء الدين إيدغدي مقدم عسكر صفد بالإغارة في ثاني وعشرين، وأنهم ينهزمون قدام الفرنج. فخرج جماعة من الفرنج مقدمهم كندلوفير المسمى زيتون، وفيهم أقارب الريداركون وغيرهم، ودخل السلطان الكمين فعندما خرج الفرنج لقتال العسكر الصفدي تقدم الأمير عز الدين إيغان الركني، وبعده الأمير جمال الدين الحاجبي، ومعهما أمراء الشام. وساق قدام السلطان الأمير شمس الدين إيتمش السعدي، والأمير علاء الدين كندغدي الظاهري أمير مجلس ومعهما مقدموا الحلقة. وقاتل الأمراء الشاميون أحسن قتال، وأمسك الأمير عز الدين إيغان فارسا اسمه ريمون دكوك. وأما السلطان ومن كان قدامه من الأمراء فما وصلوا إلى الأمراء المقدمين إلا والعدو قد انكسر فلم يحصل لهم اختلاط. وكان القتال شديدا تماسكوا فيه بالأيدي، وأكمن زيتون فجال العسكر بينهم واخذوا عليه وعلى أكابر الفرنج حلقة وقتل أخو زيتون وابن أخت الريدراكون، وجماعة من الخيالة، ونائب فرنسيس بعكا، ولم يعدم من عسكر الإسلام إلا الأمير فخر الدين الطونبا الفائزي. وعاد السلطان ورؤوس القتلى بين يديه إلى صفد، وتوجه منها إلى دمشق، فدخلها في يوم الأحد سادس وعشرين الشهر، والأسرى والرؤوس بين يديه.\rفتوح قلعة صافيتا\rوفي سنة تسع وستين وستمائة، توجه السلطان من الديار المصرية في عاشر جمادى الآخرة وصحبته ولده الملك السعيد، ودخل الملك السعيد إلى دمشق في ثامن شهر رجب، وخرج هو والأمير بدر الدين الخزندار من جهة القطيفة. وكان السلطان قد توجه من جهة بعلبك وتوجه من جهة بعلبك وتوجه إلى طرابلس، فقتل من رعاياها وأسر، واتصلت الغارة بصافيتا، فطلب من فيها الأمان، ثم نكثوا، فرحل عنهم السلطان وأنزل جماعة حولهم. فسير كمندور أنطرطوس إلى السلطان يشفع الإخوة الديوية بصافيتا، على أنه يأمرهم بالتسليم، فأجابهم الشسلطان إلى ذلك، فأرسل إليهم فنزلوا، وكانوا سبعمائة رجل، خارجا عن النساء والأطفال، وأحضروا إلى السلطان وهو على حصن الأكراد، فأطلقهم وجهز معهم من أوصلهم إلى مأمنهم، وتسلم السلطان صافيتا وبلادها، وتسلمت الحصون والأبراج المجاورة لحصن الأكراد، مثل تل خليفة وغيره.","part":8,"page":269},{"id":3780,"text":"وقد ذكرنا ما كان وقع من المهادنة على حصن الأكراد والمرقب، ثم اتفق من بيت الاسبتار أمور أوجبت فسخ الهدنة: منها أن السلطان لما أغار على طرابلس في سنة وست وستين وستمائة، وكتب إلى النائب بحمص بأن يقيم بحدود حصن الأكراد لدفع الضرر عن بلاد الهدنة وكتب إلى عدة جهات بالوصية بهم، وحر رسول حصن الأكراد يسأل الوصية، فأعطاهم علما برنكة.\rولما عبرت الأثقال من جهة القصب، عبر أحد الحرافشة ومعه رفقه له على بستان بقرب تل خليفة المجاور للحصن فأخذوا منه شيئا لا قيمة له، فأخذهم المقدم \" الفرنجي \" بتل خليفة وضرب رقاب بعضهم وأسر البعض. فنزل النائب بحمص على تل خليفة وطلب الخصوم. فامتنع النائب بها عن تسلميهم وقال: \" أنا قتلت \" ، واساء في القول. فحاصرهم \" نائب حمص \" وسير إليهم شجاع الدين عنبر، فاحتال إلى أن استنزل الخصوم، وسيروا إلى السلطان. فحضرت رسل من حصن الأكراد تطلبهم، فأجابهم السلطان إنه لا بد من تحقيق هذه الواقعة؛ فقوت نفوس الذين في الحصن. وغلق النائب \" الفرنجي \" باب الحصن ومنع الميرة، وألبس جماعة العدد.\rولما رجع السلطان من طرابلس عند توجهه إلى أنطاكية ومر تحت الحصن متوجها إلى حمص، فسير يقول: \" ما كان ينبغي لكم تعبرون من ههنا إلا بأمري \" . وقيل لهم: \" لأي معنى غلقتم الأبواب ولبستم العدد، وأنتم صلح؟ \" . فقال: \" ما غلقناها إلا شفقة على عسكر السلطان من الفرنج الغرب الذين عندنا، لأنهم لا يخافون الموت \" . فعز ذلك على السلطان لأن الغرب الذين عنده عدتهم دون المائة نفر. وكان هذا الأمر مقدمة انحراف السلطان عليهم؛ وبقي ذلك في خاطره. فلما توجه إلى الشام جريدة في سنة ثمان وستين وتوجه إلى حماة ثم رحل عنها في ثالث جمادى الآخرة توجه إلى حصن الأكراد بمقدار ما ثنى فارس بغير عدة، وصعد جبل الحصن في أربعين فارسا، فخرج له جماعة من الفرنج ملبسين، فحمل عليهم وكسرهم، وقتل منهم جماعة ووصل إلى الخندق، وقال - وهو متنكر لا يعرف من هو - : \" قولوا لذلك الرسول الذي حضر سنة طرابلس يخلي الفرنج الغرب يخرجوا، فما نحن أكثر من أربعين فارسا بأقبية بيض \" . وعاد إلى مخيمه، ورعت الخيول المروج والزروع، فكان ذلك أحد أسباب الإستيلاء على الحصن لأنه ليس له مادة إلا من زرع بلده. فلما توجه السلطان، وفي سنة تسع وتسعين وستمائة إلى الشام، وأغار على طرابلس كما قدمنا نازل حصن الأكراد، في تاسع شهر رجب من السنة وملك أرباض الحصن في العشرين منه، وحضر الملك المنصور صاحب حماة، فتلقاه السلطان وترجل لترجله،وساق السلطان تحت صناجق صاحب حماة بغير جمدارية ولا سلاح دارية أدبا معه، وسير إليه دهليزا أمره بنصبه. ووصل الأمير سيف الدين صاحب صهيون، والصاحب نجم الدين صاحب الدعوة. وفي أواخر شهر رجب، تكمل نصب عدة مجانيق، وفي سابع شعبان، أخذت الباشورة بالسيف، وفي سادس عشر الشهر، تشقق برج من أبارج القلعة، وزحف العسكر وطلع الناس إلى القلعة وتسلموها، وطلع الفرنج القلعة \" الأخرى \" وأحضرت جماعة من الفرنج والنصارى، فأطلقهم السلطان، نقلت المجانيق إلى القلعة ونصبت على القلة. وكتب السلطان كتابا على لسان مقدم الفرنج بطرابلس إلى من بالقلعة يأمرهم بالتسليم. ثم طلبوا الأمان، فكتب لهم أمان على أنهم يتوجهون إلى بلادهم. وفي يوم الثلاثاء رابع عشرين شعبان، خرج الفرنج من القلعة وجهزوا إلى بلادهم، وتيلم السلطان الحصن. ورتب الأمير صارم الدين الكافري نائبا بحصن الأكراد، وفوض أمر عمارة الحصن إلى الأمير عز الدين أيبك الأفرم وعز الدين أيبك الشيخ.\rوهذا الحصن كان قديما يبد المسلمين، فلما نازل صنجيل طرابلس كان يشن الغارات على هذا الحصن وما قاربه من الحصون، ثم قصده في سنة ست وتسعين وأربعمائة وحاصره وضيق على من به وأشرف على أخذه، فاتفق قتل جناح الدولة صاحب حمص فطمع فيها ورحل عنه. وهلك صنجيل وملك ابنه، فجرى على عادة أبيه في أذية أهل هذا الحصن وإفساد أعماله، ثم فارقه وتوجه لحصار بيروت. فجاء طنكلي صاحب أنطاكية ونازله، وأهله في غاية الضعف، فسلمه صاحبه إليه، وكان يرجو أنه يبقيه فيه لأنه اختاره على صنجيل فأنزله وأهله منه، وأخذه صحبته، ورتب فيه من يحفظه من الفرنج؛ وحكى ذلك ابن عساكر.","part":8,"page":270},{"id":3781,"text":"وذكر ابن منقد في كتاب البلدان أن: نور الدين محمود بن زنكي، رحمه الله تعالى، كان قد عامل بغض رجالة التركمان المستخدمين من جهة الفرنج بهذا الحصن، إلى أنه إ ذا قصده نور الدين يثور هو وجماعة من أصحابه في الحصن ويرفعون علم نور الدين على الحصن وينادون باسمه. وكان هذا التركماني له أولاد وإخوة قد وثق بهم الفرنج، وكان الإنفاق بينه وبين نور الدين أن يقف على رأس الباشورة، فكتم نور الدين هذا الأمر عن أصحابه وتقدم أوائل العسكر النوري فرأوا التركماني على الباشورة فرموه بالنشاب فمات، واشتغل أهله بوفاته، فلم يتم لنور الدين ما دبره. ولم يفتحه السلطان الملك الناصر صلاح الدين. وكان فتحه على يد السلطان الملك الظاهر الآن.\rذكر صلح أنطرطوس والمرقب قال: وسأل كمندور أنطرطوس ومقدم بيت الإسبتار السلطان على الصلح، فأجابهم على أنطرطوس خاصة، خارجا عن صفيتا وبلادها، وعلى المرقب. واسترجع منهم بلدة وأعمالها وما أخذوه في الأيام الناصرية، وعلى أن جميع مالهم من المناصفات والحقوق على بلاد الإسلام يتركونه. وعلى أن تكون بلاد المرقب، وحلف لهم السلطان على ذلك، وتوجه لتحليف المقدم المذكور بأنطرطوس الأمير فخر الدين المقري الحاجب، وأخلى الفرنج برج قرميص، وأحرقوا ما لا أمكنهم حمله من موجدوهم، وتسلم البرج المذكور في هذه الأيام، وكذلك البرج الذي في بلدة هدم الفرنج بعضه الفرنج بعضه وحرقوه، ورسم السلطان بهدم باقية.\rفتوح حصن عكار\rقال: ولما رتب السلطان أمور حصن الأكراد توجه إلى حصن عكار ونازله، وفي يوم الأربعاء سابع عشر رمضان، ورتب طلوع المجانيق، وركب بنفسه على الأخشاب فوق العجل في تلك الجبال إلى أن أوصلها إلى مكان نصبت به، وشرع في نصيب المجانيق الكبار في العشرين من الشهر. وفي هذا اليوم، استشهد الأمير ركن الدين منكورس الدواراري، وكان يصلي في خيمته فجاء حجر منجنيق فمات، رحمه الله تعالى. وفي التاسع والعشرين من الشهر، طلب أهل الحصن الأمان ورفعت الصناجق السلطانية على أبراجه، وفي يوم الثلاثاء سلخ الشهر، خرج أهل حصن عكار منه، جهزوا إلى مأمنهم، وعيد السلطان بالحصن \" ورحل إلى مخيمه بالمرج.\rوهذا الحصن يعرف بابن عكار، وكان بيد المسلمين، فلما ملك الفرنج طرابلس وغيرها ترددت الرسائل بينهم وبين طغتكين وهو بحمص، فوقع الاتفاق على أن يكون للفرنج ثلث بلاد البقاع ويتسلمون حصن المنيطرة وحصن عكار، وإلا يتعرضوا إلى البلاد بغارة. وتقرر معهم أن مصياف وحصن الوادي وحصن الطوبان وحصن الأكراد في الصلح، ويحمل إلى الفرنج مال عنها. فلما تسلم الفرنج الحصنين عادوا إلى ما كانوا عليه الغارات، وصار هذا الحصن لما تسلمه الفرنج من أضر شيء على المسلمين المارين من حمص إلى بعلبك، ولم يكن له كبير ذكر فيما مضى، إلى ان وصل ريدافرنس إلى الساحل بعد فكاكه من الأأسر بمصر فرآه حصنا صغيرا، فأشار على صاحبه الأبرنس أن يزيد فيه وهو يساعده في عمارته، فزاد فيه زيادة كثيرة من جهة الجنوب. وهو في واد بين جبال محيطو به من أربع جهاته.\rولما فتحه السلطان الملك الظاهر كتب إلى صاحب طرابلس ما مثاله قبل البسملة: \" قد علم القومص يمند - جعله الله ممن ينظر لنفسه ويفكر في عاقبة يومه من أمسه - نزولنا بعد حصن الأكراد على حصن عكار، وكيف نقلنا المنجنيقات إليها في جبال تستصعبها الطيور لاختيار الأوكار، وكيف صبرنا في جرها على مناكدة الأوحال ومكابدة الأمطار، وكيف نصبنا المنجنيقات على أمكنة يزلق عليها النمل إذا مشى، وكيف هبطنا تلك الأودية التي لو أن الشمس من الغيوم ترى بها ما كان غير جبالها رشا، وكيف صارت رجالك الذين ما قصرت في انتخابهم، وحسنت بهم استعانة نائبك الذي انتحى بهم \" .","part":8,"page":271},{"id":3782,"text":"وكتابنا هذا يبشرك أن علمنا الأصفر نصب مكان علمك الأحمر، وأن صوت الناقوس صار عوضه الله أكبر، ومن بقي من رجاله أطلقوا ولكن جرحى القلوب والجوارح، وسلموا ولكن من ندب السيوف إلى بكاء النوايح، وأطلقناهم ليحدثوا القومص بما جرى، ويحذروا أهل طرابلس أنهم يغترون بحديثك المفتري، وليروهم الجراح التي أريناهم بها نفادا، ولينذروه لقاء يومهم هذا، ويفهموكم أنه ما بقي من حياتكم إلا القليل، وأنهم ما تركونا إلا على رحيل، فتعرف كنائسك وأسوارك أن المنجنيقات تسلم عليها إلى حين الاجتماع عن قريب، ونعلم أجساد فرسانك أن السيوف تقول إنها عن الضيافة لا تغيب، لآن أهل عكار ما سدوا لها جوعا، ولا قضت من ريها بدمائهم الوطر، وما أطلقوا إلا لما عاقب شرب دمائهم. وكيف لا، وثلاثة أرباع عكار عكر. يعلم القومص هذه الجملة المسرودة ويعمل بها، وإلا فيجهز مراكبه ومراكب أصحابه، وإلا فقد جهزنا قيودهم وقيوده.\rوقال المولى محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر:\rيا مليك الأرض بشرا ... ك فقد نلت الإرادة\rإن عكار يقينا ... هي عكا وزيادته\rصلح طرابلس\rقال: ولما استقر أمر حصن عكار رحل السلطان من منزلته بالأرزوية هو وجميع العساكر والأثقال، وساق على عزم حصار طرابلس، فوردت الأخبار أن ملك الإنكتار وصل إلأى عكا، في أواخر شهر رمضان من هذه السنة، وصحبته ثلاثمائة فرس، وثماني بطس وشواني ومراكب تكملة ثلاثين مركبا، غير ما كان سبقه صحبة استاد داره، وأنه يقصد الحج. ففتر عزم السلطان ونزل قريبا من طرابلس جريدة، وتردد الأتابك إلى جهة طرابلس، والأمير سيف الدين الدوادار واجتمعا بصاحبها. وأراد السلطان قدر ما بقي من الأشجار، فسير البرنس يطلب الصلح وخرج وزراؤه، وكتبت الهدنة لمدة عشر سنين. وجهز السلطان فخر الدين من جلبان، وشمس الدين الأخنائي شاهد الخزانة ومعهما ثلاثة آلاف دينار مصرية لفكاك الأسرى وتوجه السلطان إلى حصن عكار، ثم عاد إلى مخيمه بالأرزونية، ثم توجه إلى حصن الأكراد، ثم رحل فوصل إلى دمشق في نصف شوال.\rفتوح القرين\rكان حصن القرين إسبتار الأرمن، ولم يكن لهم بالساحل غيره، وكان من أمنع الحصون وأضرها على صفد، فتوجه السلطان إليه من دمشق، في الرابع والعشرين من شوال سنة تسع وستين وستمائة ووصل إلى صفد وجهز منها المجانيق وسار إلى القرين ونازله. وبينما السلطان واقف لنصر المجانيق وردت رسل عكار. واتفق أن السلطان \" كان \" يرمي نشابا على القلعة فمر به طائر فرماه فإذا فيه بطاقة من جاسوس في العسكر للفرنج مضمونها أخبار السلطان، وذلك بحضور الرسل، فسلم السلطان الطائر لهم وقال: \" واستصحبوه معكم لتقرأ الفرنج هذه البطاقة، ونحن نفرح بمن نخبركم بأخبارنا \" . وفي مستهل ذي القعدة ملك الربض، وفي ثانيه أخذ الباشورة، وأخذت النقوب في السور، وشرط السلطان للحجارين عن كل حجر ألف درهم. واشتد القتال، فحضر رسلهم، وتقرر خروجهم وتوجههم حيث شاءوا، وأنهم لا يستصحبون مالا ولا سلاحا. وكتب الأمان بذلك، ورفعت الصناجق السلطانية عليها، وركب السلطان وأصبح على أبواب عكا مطلبا، فما ترك أحد من الفرنج، وعاد إلى مخيمه بالقرين، وأمر بهدم القلعة فتكمل هدمها في رابع وعشرين ذي القعدة من السنة.\rصلح صور وما تقرر من المناصفة\rوحضرت رسل صاحب صور، وحصل الاتفاق على أن يكون لهم من بلاد صور عشرة بلاد خاصا، وللسلطان خمسة بلاد يختارها تخصه، وبقية البلاد مناصفة، وحلف السلطان على ذلك.وجهز الرسل فحلفوا صاحب صور على ما تقرر.\rمنازلة التتار البيرة وكسرهم على الفرات\rوقتل مقدمهم جنقر","part":8,"page":272},{"id":3783,"text":"وفي تاسع شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وستمائة وردت الأخبار بحركة التتار، فجرد السلطان الأمير فخر الدين الحمصي بجماعة من العساكر المصرية والشامية إلى جهة حارم، ثم جهز الأمير علاء الدين الحاج طيبرس الوزيري بجماعة من العساكر وجماعة من العربان وعد التتار البر الشامي لقصد الرحبة فتقسم فكر السلطان ليقسمهم على البيرة والرحبة، ورحل من ظاهر دمشق، فبلغه رحيل العدو عن الرحبة، فجد في مسيره ووصل إلى الفرات إلى مخاضة تعرف بمخاضة الحمام، فوجد التتار قد وقفوا على شط الفرات، وعدتهم قريب الخمسة آلاف فارس، ومقدمهم جنقر أحد مقدميهم الكبار وحفظوا فم المخاضة. وكان السلطان قد استصحب عدة مراكب من دمشق وحمص فرست في الفرات، وركب فيها الرجالة الاقجية لكشف البر. وعمل التتار مكيدة: وهي أنهم تركوا المخاضة السهلة ووقفوا على مكان بعيد الغور وعملوا الستائر، فاعتقد المسلمون أن المكان الذي حفظوه هو المخاضة السهلة فخاضوا منه، وكان العدو قد عملوا سيبا على البر من جانبهم ليقاتلوا من ورائها، فرتبت العساكر الإسلامية نفوسها بخيولها، وعاموا أطلابا، الفارس إلى جانب الفارس، متماسكين بالأعنة معتمدين على الرماح، كما قال القائل:\rفعمنا إليهم بالحديد سباحة ... ومن عجب أن الحديد يعوم\rوازدحم الناس وانسكر الماء بهم فصار كالجبال. وطلع المسلمون، والسلطان في أوائل القوم، فلم يلبث التتار أن انهزموا أقبح هزيمة، وقتل مقدمهم جنقر وجماعة كثيرة منهم وأسرت جماعة، وأقام السلطان إلى العصر وجمع الأسرى ورؤوس القتلى وبات في مكان النصر، والعساكر لابسة والخيل ملجمة، وأصبح يوم الاثنين بمنزلته حتى عاد من كان قد ساق خلف العدو، واستبرئ أمر العدو، ثم عادت العساكر، وكان العود عليهم أشق.\rولما صار السلطان بالبر الشامي بلغه أن التتار الذين كانوا نازلوا البيرة ومقدمهم درباي قد هربوا وتركوا أزوادهم والمجانيق التي معهم، ورموا النار في بعض ذلك، ونزل أهل البيرة وحملوا من ذاك شيئا كثيرا. فنزل السلطان على جبل مشرف قرب البيرة من الجانب الشامي، وتوجه إليها على الجسر الذي مده العدو وهو جسر كبير تحته المراكب والصواري والسلاسل، ومعه جماعة من الأمراء، وأنعم على النائب بها بألف دينار، و \" الأمير سيف الدين \" الصروي المجرد بها بألف دينار، وعم من بها بالتشاريف، وأنعم على أهل الثغر بمائة ألف درهم، وجرد بها جماعة زيادة من بها، وعاد إلى مخيمه، وسار إلى دمشق فدخلها في ثالث جمادى الآخرة والأسرى بين يديه.\rفتوح كينوك\rكان قد كثر فساد أهل كينوك وتعديهم على التجار والقصاد، وكتب إلى صاحب سيس في ذلك فلم تفد فيه المكاتبة، فجرد الأمير حسام الدين العين تأبى مقدم العسكر الحلبي إلى كينوك، فوصل إليها في ثالث المحرم، فأخذوا الحوش البراني، ودخل الأرمن إلى القلعة، فقاتلهم المسلمون وملكوها وقتلوا الرجال وسبوا الحريم، وأغار العسكر على أطراف طرطوس ونهبوا وسبوا. وهذه كينوك هي الحدث الحمراء التي بناها سيف الدولة على بن حمدان، ومعنى تسميها كينوك أي المحترقة. وكان قسطنطين صاحب سيس قد أخذها من ملوك الروم السلجقية وأحرقها. وهي التي يقول فيها المتنبي عند بنائها يمدح سيف الدولة في قصيدته التي أولها: \" على قدر أهل العزم تأتي العزائم \"\rسل الحدث الحمراء يعرف لونها ... ويعلم أي الساقيين الغمائم\rسقتها الغمام الغر قبل نزوله ... فلما دنا منها سقتها الجماجم\rبناها على والقنا تقرع ... وموج المنايا حولها متلاطم\rوكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن حيث القتلى عليها تمائم أن الحد أ\rوكان من خبرها: أن سيف الدولة بن حمدان سار لبنائها، وكان أهلها سلموها بالأمان للدمستق ملك الروم، وفي سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، فنزلها سيف الدولة في يوم الأربعاء ثاني جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعبن وثلاثمائة، فحط الأساس من يومه، وحفر أول الأساس بيده، وأقام حتى كمل بناؤها في يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رجب من السنة.\rإغارة عيسى بن مهنا على الأنبار","part":8,"page":273},{"id":3784,"text":"وفي سنة لثنتين \" وسبعين \" وستمائة: رسم السلطان للأمير شرف الدين عيسى ابن مهنا \" أمير العرب \" بالإغارة على بلاد العراق، فوصل إلى الأنبار فوجد بها جماعة من التتار، وكان السلطان قد اختفى أمره، فلما وصل عيسى إلى الأنبار توهموا أن السلطان دهمهم، فعدوا إلى البر الآخر، واقتتل عيسى وخفاجة، ودام القتال نصف نهار، وكانت هذه الإغارة في ثامن عشر شعبان.\rالإغارة على مرعش\rوفي سنة ثلاث وسبعين وستمائة: توجه عسكر حلب صحبة الأمير حسام الدين العين تابي إلى جهة مرعش، وأغاروا على بلاد سيس، وحازوا غنائم كثيرة، وقلعوا أبواب ربض مرعش، وغرق ربيعة بن الظاهر بن غنام في نهر هناك.\rغزوة سيس\rكان صاحب سيس قد اعتمدوا ما يقتضي فسخ الهدنة التي وقع الإتفاق عليها في سنة ست ستين عند إطلاق ولده ليفون، وقطع الهدايا المقررة عليه، وخالف الشروط من أنه لا يجدد بناء ولا يحصن قلعة، وصار لا يطالع بخبر صحيح كما تقرر معه، ثم لم يقتصر على ذلك إلى أن صار يلبس الأرمن السراقوجات ويخيف القوافل ويدعى أنهم من عسكر التتار، فاقتضى ذلك أخذ كينوك وإخرابها كما ذكرنا، فتصور صاحب سيس من ذلك. فذكر السلطان لرسوله سوء اعتماده،وأرسل إليه يعرفه أنه عزم على قصد سيس، ثم أسر السلطان في نفسه قصده ولم يبده لأحد، بل أظهر الحركة إلى الشام وعرض العساكر في يوم واحد تحت القلعة، وخرج ثالث شعبان سنة ثلاث وسبعين وستمائة، ووصل إلى دمشق في سلخ الشهر، وخرج منها في سابع شهر رمضان بجميع العساكر. ولما وصل إلى حماة خرج الملك المنصور صاحب حماة بعساكره، ثم سار وفي خدمته العساكر والعربان. فجرد الأمير شرف الدين بن مهنا، والأمير حسام الدين العين تابي إلى جهة البيرة بصورة جاليش العسكر المنصور فوصلوا إليها. ولما وصل السلطان إلى سرمين رحل منها إلى جهة الدربساك، وآخر الأثقال وبعض العسكر صحبة الأمير شمس الدين سنقر جاه بسرمين، وجرد الأمير عز الدين الأفرم أمير جاندار، والأمير مبارز الدين الطوري لتمهيد جوانب النهر الأسود، فقطعته العساكر بمشقة. ونزل السلطان بين الدربساك وبغراس، وأمر جماعة من مقدمي الألوف أن يتوجه كل منهم إلى جهة وطلعوا تلك الجبال، وأمر الناس بوقود الشموع فقطعوا تلك الجبال والأوعار والمضايق. وكان السلطان قد حمل ثلاثين مركبا لأجل التعدية، ونزل السلطان داخل باب اسكندرونة خلف السور الذي بناه الملك هيتوم والد ليفون صاحب سيس، ثم رحل إلى قرب المثقب، وملكت العساكر جسر المصيصة وملكوا المصيصة، وغلبت العساكر على ما فيها، وقتلوا من وجدوا بها، وغنم الناس ما لا يحصى كثرة من البقر والجاموس والغنم، وحضر إلى الطاعة جماعة كبيرة من التركمان والعربان بمواشيهم وخيولهم، فجهزهم السلطان إلأى البلاد الإسلامية، وساق مطلبا في تاسع وعشرين شهر رمضان، فوصل إلى سيس، فعدل عنها ووصل دربند الروم، ووجد بقايا من حريم التتار فسبين، وعاد فبات في تلك الجبال، وعيد بمدينة سيس، وهي كرسي ملك الأرمن، وبها بستان متملكها ومناظره.فانتهبت مدينة سيس وهدمت وأحرقت وتحصن أهلها بقلعتها ولما فرغ من إحراق المدينة وهدم قصور التكفور وعادت الجاليشية بما سبوه من حريم المغول وأولادهم، وسيقت الغنائم، وعاد السلطان ورعت العساكر الزروع. ووصل الأمير جمال الدين المحمدي، والأمير عز الدين الدمياطي إلى طرسوس ووجدوا بها من الخيل والبغال مقدار ثلاثمائة رأس فاستاقوها. وتوجه الأمير مبارز الدين الطوري، والأمير عز الدين كرجي إلى قريب البحر وقاتلوا جماعة من العدو، ووجدوا مراكب في البحر فدخلوا إليها وأخذوها وقتلوا من فيها. ووصل الأمير سيف الدين الزيني إلى قلعة البرزين، ووصل الأمير بدر الدين الأيدمري إلى أذنة، وغنموا نساء وأطفال. وأغارت العساكر في تلك الجبال وقتلوا رجالا كثيرة ووصل الأمير بدر الدين بيسرى والأمير سيف الدين أيتمش السعدي إلى أياس، وكان خبر العسكر قد وصل إلى من بها من الفرنج فنقلوا أموالهم إلى المراكب فاحرقت العساكر وقتلت جماعة كبيرة في البر والبحر، وحضر بعد ذلك كتاب وإلى اسكندرونة يتضمن: أن العساكر لما قصدت أياس ركب جماعة منها من الفرنج والأرمن قريب ألفي نفس هاربين فغرقوا جميعهم، وأخذ الأمير بدر الدين أمير سلاح جشارات خيول. هذا ما يتعلق بغزوة سيس.","part":8,"page":274},{"id":3785,"text":"وأما العسكر والعربان الذين توجهوا إلى جهة البيرة فوصلوا إلى رأس عين وغنموا غنائم كثيرة، وانهزم من كان في تلك الجهة من التتار، وعاد العسكر سالما منصورا. ووصل السلطان إلى المصيصة وأحرقت من الجانبين.\rولما تكامل حضور الأمراء بالغنائم وخروج التركمان والعربان الواصلين إلى الطاعة من الدربندات، رحل السلطان وعبر على بحيرة بها أغصان ملتفة مثل الغابة وبها جزائر قد تحصن بها جماعة من تلك البلاد ونقلوا إليها حريمهم وأموالهم، فرمى العسكر نفوسهم فيها عوما بالخيل فقتلوا وسبوا. ثم عبروا على تل حمدون، وقلعة النقير فعاثت العساكر فيهما، وخرج العسكر من الدربندات فشاهدوا الغنائم قد ملأت المروج طولا وعرضا، فوقف السلطان بنفسه وفرق الغنائم وعم بها الناس، وما أخذ لنفسه شيئا منها. ثم سار بعد القسمة فنزل دهليزه بحارم.\rفقال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر:\rيا ملك الأرض الذي عزمه ... كم عامر للكفر منه خرب\rقلبت سيسا فوقها تحتها ... والناس قالوا سيس لا تنقلب\rأخبار بلاد سيس\rوسبب استيلاء الأرمن عليها المصيصة بناها عبد الملك بن مروان في أيام أبيه، في سنة أربع وثمانين من الهجرة النبوية.\rوأما طرسوس فهمي من المدن القديمة، وفيها دفن الخليفة عبد الله المأمون بن الرشيد كما ذكرنا.\rوطرسوس وأذنة وما يليهما تسمى قيليقيا، وتعرف هذه البلاد بالدروب والعواصم، وبها كان الغزو والرباط والجهاد والمثاغرة، وكانت مضافة إلى مملكة مصر في إمارة أحمد بن طولون ومن بعده، حتى استولى الروم عليها كما قدمنا واستمرت بيد الروم إلى أن استولى عليها مليح بن ولان الأرمني، وذلك في أيام العادل نور الدين الشهيد، بمساعدته، وهزم \" مليح \" جيش الروم فقوى عند ذلك البلاد، وكانت هزيمته للروم في يوم الأحد سلخ شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وخمسمائة، وأسر من مقدميهم ثلاثين أسيرا، فأحسن إليه نور الدين وخلع عليه، وكتب إلى بغداد يعظم أمر الروم ويذكر أن هذا مليح الأرمني من جملة غلمانه، وأنه كسر الروم، ومن بذلك على أهل بغداد.\rواستمر ملك هذه البلاد في هذا البيت إلى الآن.\rنعود إلى أخبار السلطان الملك الظاهر.\rقال: ثم رحل السلطان وخيم بمرج أنطاكية، وانبثت العساكر في تلك المروج ورعت الأعشاب، ثم رحل.\rذكر منازلة حصن القصير وفتحه هذا الحصن مما لم يفتحه السلطان الملك الناصر صلاح الدين بن يوسف بن أيوب رحمه الله، وقيل إنه صالح عليه، وما زال لمن يكون بابا برومية؛ والبابا خليفة عند الفرنج ينفذ أمره وحكمه في سائر ملوك الفرنج.\rوأمر الحصن راجع إلى بترك أنطاكية، والفرنج تميزه وتؤثره. وأهله أهل شره ومنعه وفساد، وكان مضرة على الفرعة وتلك الجهات. ولما فتح السلطان أنطاكية سأل أهل القصير الهدنة والمناصفة، فأجيبوا إلى ذلك كما قدمناه. فما وفوا وأخفوا في المناصفة. ولما وصل صمغار \" مقدم التتار \" إلى جهة حارم ضرب أهل القصير البشائر، ودلوا على الطريق وأمثال ذلك مما يقتضي فسخ الهدنة. وكان السلطان قد رسم للأمير سيف الدين الدوادار بالتردد إلى كليام النائب بالقصير وإظهار مصافاته.واعتمد ذلك وتوجه المذكور إليه في خامس عشر شوال سنة ثلاث وسبعين وستمائة، ومعه جماعة من السلاح دارية بصورة أصحابه، فوصلوا إلى القصير وأظهر الأمير سيف الدين غضبا كون كليام ما خرج للقائه وقصد الرجوع فبلغه ذلك فخرج مسرعاً ليسترضيه ويرده، فأدركه فامتنع من الرجوع. واستدراجه حتى أبعد عن الحصن، ثم قتل من كان معه وأخذ كليام وأحضره إلى السلطان. فكتب إلى أصحابه بالتسليم فما رجعوا إلى كلامه. فجرد السلطان جماعة من أمراء حلب وهم: سيف الدين الصروي وشهاب الدين مروان وإلى أنطاكية وجماعة من الرجال، فنازلوا القصير.\rوتوجه السلطان إلى دمشق واستصحب كليام معه، وكان شيخا كبيرا وكان ابنه في الأسر، فمات كليام في الأسر بعد اجتماعه بابنه. ولما اشتد الحصار على القصير وعدموا الأقوات سلموا الحصن المذكور في يوم الأربعاء ثالث وعشرين جمادى الأولى سنة أربع وسبعين. وحمل أهله إلى الجهات التي قصدوها.\rوفاة الأبرنس صاحب طرابلس\rوما انفق بعد وفاته","part":8,"page":275},{"id":3786,"text":"وفي تاسع شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين وستمائة: توفي الأبرنس بيمند بن بيمند صاحب طرابلس. ووصل ملك قبرص، وهو ابن عم الأبرنس إلى طرابلس لتعزية ولده، وكان السلطان قد كتب إلى البرنس يقول: \" إن اللاذقية النصف، فتترك النصف الآخر فإنه من حقوق المسلمين \" . فلما سمع الفرنج ذلك قووا البرج، وخاف المسلمون عاديتهم. فرسم السلطان لركن الدين النائب ببلاطنس بنقل من باللاذقية من المسلمين إلى البلاد السلطانية. فوصل كتاب نائب البرنس الذي باللاذقية يذكر أنهم ما برحوا في الطاعة، وقد عز عليهم خروج من عندهم. ووردت رسل ملك عكا وهو يشفع عند السلطان قد سير عسكرا للحوطة على عرقا ومغل بلادها، فسير ملك عكا وقبرص يتوسل في أمرهم، وسأل إنفاد من يوثق به لأجل الدعاوى، ويكون منه إلى نواب السلطان ومن ملك عكا إلى نواب البرنس. فسير الأمير سيف الدين الدوادار فتوجه إلى عرقا. وأقام بها، فاجتمع عنده نائب بعلبك، وولاه البر ومشايخ البلاد ومستخدميها ونواب الفرنجية. وكتبت الدعاوى وترددت الرسل. واتفقت وفاة الأمير صارم الدين الظافري النائب بحصن الأكراد، فبقي الفرنج يعتذرون به وأنكروا الدعاوى ثم سأل الملك حضور الأمير سيف تالدين إلى طرابلس فدخلها في ثامن المحرم في تجمل كثير من المماليك السلطانية ومماليكه وأجناده، وتلقاه أبناء الملوك بها، واجتمع بالملك وسلم إليه كتاب السلطان، وتقرر على الفرنج القيام بعشرين ألف دينار صورية وعشرين أسيرا من المسلمين.\rغزوة النوبة\rوفي سنة أربع وسبعين وستمائة: كثر تعدي داود متملك النوبة، وحضر إلى قريب أسوان وأحرق سواقي. وكان قبل ذلك قد حضر إلى عيذاب، وفعل الأفعال الشنيعة. وتوجه الأمير علاء الدين الخزندار وإلى قوص إلى أسوان فلم يدركه وظفر بنائبه الأمير قمر الدين \" بقلعة \" الدو المسمى صاحب الجبل وجماعة معه، فجهزهم إلى السلطان فوسطوا. وأمر السلطان بتجريد الأمير شمس الدين أفسنقر استاد الدار، والأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار، وصحبتهم جماعة من العسكر ومن أجناد الولايات والعربان بالوجه القبلي.وكان قد حضر ابن أخت ملك النوبة مرمشكد الذي أخذ داود الملك منه. فجهز العسكر المنصور وتوجه \" مرمشكد \" صحبتهم. فأغار الأمير عز الدين على قلعة الدو وقتل وسبى، وسار الأمير شمس الدين في أثره يستأصل شأفه من بقي، ونزل الأمير شمس الدين بجزيرة ميكائيل وهي رأس جنادل النوبة، وهي كثيرة الأوعار وفي وسط البحر، فقتلوا وأسروا. وكان نائب قلعة الدو الذي ولى عوض الموسط قد هرب إلى الجزائر، فأعطى أمانا واستمر على نيابته، وحلف لمرمشكد المتوجه صحبة العسكر ما دام على الطاعة. وخاص الأمير عز الدين في وسط البحر إلى برج فحاصره،وأخذه وقتل به مائتين وخمسين نفرا.\rثم ساق العسكر والتقوا الملك داود، ومازال السيف يعمل فيهم حتى أفناهم وما سلم إلا من ألقى نفسه في البحر. وهرب داود، وأسر أخوه سنكوا. وجرد جماعة من العسكر وساقوا ثلاثة أيام وأمسكوا أم الملك داود وأخته.\rوقرروا على الملك مومشكد المتوجه صحبة العسكر قطيعة في كل سنة وعرض على أهل النوبة الإسلام أو القيام بالجزية أو القتل، فاختاروا القيام بالجزية وأن يقوم كل واحد بدينار عينا، وحرقت كنيسة سوس التي كان داود يزعم أنها تحدثه بما يؤديه. وكان داود قد بنى مكانا سماه عيذاب عمره على أكتاف المسلمين \" الذين أسرهم من عيذاب وأسوان \" وفيه منازل وكنائس، وميدان صور فيه قتلى المسلمين بعيذاب وأسرهم بأسوان، فمحيت لك النصاوير منه وخرب وتقرر حمل ما هو مخلف عن الملك داود واقاربه. وكانت إقامة العسكر بدنقلة سبعة عشر يوما حتى تمهدت البلاد واستنقذت أسرى المسامين المأسورين من أسوان وعيذاب، وألبس مركشد التاج على عادة ملوك النوبة، وأجلس بمكان الملك \" داود \" وحلف اليمين العظيمة عندهم على ما تقرر وهي:","part":8,"page":276},{"id":3787,"text":"\" والله، والله والله، وحق الثالوث المقدس، والإنجيل الطاهر: والسيدة الطاهرة العذراء أم النور والمعمورية، والأنبياء المرسلين والحواريين والقدسيين، والشهداء الأبرار. وألا أجحد المسيح كما أجحده بودس، وأقول فيه ما يقول اليهود وأعتقد ما يعتقدونه. وألا أكون بودس الذي طعن المكسيح بالحربة، أنني أخلصت نيتي وطويتي من وقتي هذا وساعتي هذه للسلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدين بيبرس، وأنى أبذل جهدي وطاقتي في تحصيل مرضاته، وأني ما دمت نائبه لا أقطع ما قرر على في كل سنة تمضي، وهو ما يفضل من مشاطرة البلاد على ما كان يتحصل لمن تقدم من ملوك النوبة، وأن يكون النصف من المتحصل للسلطان مخلصا من كل حق، والنصف الآخر أرصده لعمارة البلاد وحفظها من عدو يطرقها، وأن يكون على كل سنة: من الأفيلةثلاثة، ومن الزرافات ثلاث، ومن إناث الفهود خمس، ومن الصهب الجياد مائة، ومن الأبقار الجياد المنتخبة أربعمائة. وأنني أقرر على كل نفر من الرعية الذين تحت يدي في البلاد من العقلاء البالغين دينارا عينا، وأن تفرد بلاد العلى والحيل خاصا للسلطان. وأنه مهما كان لداود ملك النوبة ولأخيه سنكوا ولأمة وأقاربه، من قتل من عسكره بسيوف العساكر المنصورة، أحمله إلى الباب العالي مع من يرصد لذلك. وأثنى لا أترك شيئا منه قل ولا جل، ولا أخفيه ولا أخفيه ولا أمكن أحدا من إخفائه، ومتى خرجت عن جميع ما قررته أو شيء من هذا المذكور أعلاه كله كنت بريئا من الله تعالى، ومن المسيح، ومن السيدة الطاهرة، وأخسر دين النصرانية، وأصلى إلى غيره الشرق، وأكفر بالصليب، وأعتقد ما تعقد اليهود، وإني لا أترك أحدا من العربان ببلاد النوبة، ومن وجدته منهم أرسلته إلى الباب السلطاني، ومهما سمعت من الأحبار السارة والنافعة طالعت به السلطان في وقته وساعته، ولا أنفرد بشيء من الأشياء إذا لم تكن مصلحة، وأنني ولي من والي السلطان وعدو من عاداه، والله على ما تقول وكيل. \" \" ثم هذا عهد آخر صادر من أمير بطاعة مرمشكد وبطاعة بيبرس. \" \" وحلفت الرعية أيضا بتلك الجهات بأنهم يطيعون نائب السلطان، وهو الملك مرمشكد المقيم برنقلة، وكل نائب يكون للسلطان أطيعه ولا أرى عليه برأي، ولا أخبي عنه مصلحة، وكل ما أسمعه من الأخبار الجيدة والردية أطالع نائبه به، ومتى علمت على نائبه الملك مرمشكد أمرا يخالف المصلحة لا أطيعه فيه وأطالع السلطان به في الوقت والساعة. وأنني لا أدخل في حكم داود، ولا أكون معه، ولا أطالعه بخبر من الأحبار، ولا أرتضي به ملكا، ورضيت بأن أقوم بدينار عينا في كل سنة خالية على \" .\rوعاد العسكر وأحضر من النوبة ما نذكر، وهو ما وجد في كنيسته سوس من الصلبان الذهب وغيرها: أربعة آلاف وستمائة وأربعون دينارا ونصف، وأواني فضيات ثمانية آلاف وستمائة وستون دينارا، والذي أحضر من الرقيق، وسبعمائة رأس.\rوأما الملك دواد فإنه هرب إلى جهة الأبواب، فقاتله صاحبها الملك أدر، وقتل ولده، وأمسكه وسيره إلى السلطان.\rغزوات النوبة في الإسلام\rأول ما غربت النوبة في سنة إحدى وثلاثين للهجرة النبوية، غزاها عبد الله بن سعد في خمية آلاف فارس، وأصيب في ذلك اليوم معاوية بن حديج في عينه، وأصيب أبرهة الصباح في عينه، واصيب أبرهة الصباح في عينه، وكانوا يسمون النوبة: رماة الحدق. وهادنهم عبد الله بن سعد بعد أن وصل دنفلة.\rوفي ذلك يقول الشاعر:\rلم تر عيني مثل يوم دنفلة ... والخيل تعدو بالدروع مثقلة\rترى الحماة حولها مجدلة ... كأن أرواح الجميع مهملة\rوقال يزيد بن أبي حبيب: \" ليست الموادعة بين أهل مصر والنوبة موادعة هدنة، وإنما هي هدنة أمان، نعطيهم سيئا من قمح وعدس، ويعطونا رقيقا، ولا بأس بما يشترب من رقيقهم \" .\rوكان البقط المرتب على النوبة وهو الرسم على ما قرر: في كل سنة أربعمائة رأس من الرقيق، وزرافة واحدة. لأمير المؤمنين ثلاثمائة وستون رأسا، وللنائب بمصر أربعون رأسا.\rويطلق لرسله، إذا وصلوا بالقبط تاما، ألف وثلاثمائة أردب قمح، لرسله منها ثلاثمائة.\rوقال البلاذري في كتاب الفتوحات: \" إن المقرر على النوبة أربعمائة رأس يأخذون بها طعاما أي غلة \" .\rوألزمهم المهدي العباسي بثلاثمائة وستين رأسا ورزافة.","part":8,"page":277},{"id":3788,"text":"ثم غزيت في زمن عبد الملك بن مروان، ولم تفتح وإنما كان قتال ونهب وسبي.\rوغزاها يزيد بن أبي حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، على يد عبد الأعلى بن حميد وغزاها أبو منصور تكين التركي هي وبرقة في عام واحد، ولم تفتح النوبة.\rثم غزاها كافور الإخشيدي، وكان أكثر جيشه السودان.\rفقال الشاعر:\rولما غزا كافور دنقلة غدا ... بجيش لطول الأرض من مثله عرض\rغز الأسود السودان في رونق الضحى ... فلما التقى الجمعان أظلمت الأرض\rثم غزاها ناصر الدولة بن حمدان، فكبسه السودان، ونهب جيشه، وأخذت أثقاله، وذلك في سنة تسع وخمسين وأربعمائة في أيام المستنصر العبيدي.\rثم غزاها بعد ذلك شمس الدولة توران بن أيوب أخو الملك الناصر صلاح الدين يوسف في سنة ثمان وستين وخمسمائة، ولم يصل إلا إلى أبريم.\rوكل هذه غزوات، وإنما الفتح هذا.\rغزوة الروم وقتل التتار\rقد ذكرنا في أخبار السلطان في سنة خمس وسبعين وستمائة؛ طاعة أمراء الروم ووصولهم إلى خدمة السلطان، وإكرامه لهم وإحسانه إليهم وما عاملهم به. ولما وصل السلطان إلى الديار المصرية في رابع عشر شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وستمائة. أقام بها إلى شهر رمضان منها ثم عزم على السفر. وجهز من وصل إليه من أمراء الروم بالخيول والخيام وغير ذلك وتوجه من قلعة الجبل المحروسة، بعساكر الديار المصرية في يوم الخميس العشرين من شهر رمضان من السنة. ورتب الأمير شمس الدين أفسنقر أستاد الدار في النيابة عنه بقلعة الجبل والصاحب بهاء الدين وجعلهما في خدمة ولده الملك السعيد. واستصحب معه الصاحب زين الدين أحمد بن الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين وزير الصحبة، وهي أول سفرة سافرها صحبته، واستصحب أكثر كتاب الإنشاء، وفوض في هذا اليوم نظر الجيوش للقاضي عز الدين إبراهيم بن الوزير الأعز فخر الدين مقدام بن شكر، والشهادة به للقاضي شمس الدين الأرمني، واستصحبها صحبته.\rثم رحل يوم السبت ثاني عشرين الشهر وصحبته أمراء الروم، وسار فما مر بمملكة إلا واستصحب عسكرها وخزائنها وأسلحتها، وكان وصوله إلى دمشق في يوم الأربعاء سابع عشر شوال، وخرج منها متوجها إلى حلب في يوم السبت العشرين من الشهر، وكان وصوله إلى حلب في يوم الأربعاء مستهل ذي القعدة، وخرج منها في يوم الخميس ثاني الشهر إلى حيلان فترك بها بعض الثقل، وتقدم إلى الأمير نور الدين علي بن مجلي نائب السلطة بحلب أن يتوجه إلى الساجور، ويقيم على الفرات بمن معه من عسكر حلب، لحفظ معابر الفرات، خشية أن يعبر منها أحد من التتار إلى الشام. ووصل إلى الأمير نور الدين، الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا.\rولما اتصل خبر نزول هذا الجيش بالتتار المقدمين بالعراق جهزوا إليهم جماعة من عرب خفاجة لينالوا من العسكر غرة، فاتصل خبرهم بالأمير نور الدين \" نائب حلب وهو على الفرات \" فركب إليهم وقاتلهم وهزمهم، وأخذ منهم ألفا ومائتي جمل. ورحل السلطان من حيلان يوم الجمعة ثالث الشهر إلى عين تاب ثم إلى دلوك، ثم إلى مرج الديباج ثم إلى كينوك، ثم رحل منها إلى كراصوا، ثم إلى أقجا دربند، فوصله يوم الثلاثاء سابع الشهر فقطعه في نصف نهار، وبات في وطأة هناك. وقدم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر في جماعة من العسكر جاليشا، فوقع على ثلاثة آلاف فارس من التتار مقدمهم كرأي، فهزمهم وأسر منهم وقتل، وذلك في يوم الخميس تاسع الشهر. ثم ورد الخبر على السلطان أن عسكر المغل ومقدمهم تتاون وعسكر الروم ومقدمهم \" معين الدين \" البرواناه قد قربوا من العسكر، فرتب السلطان وطلعت العساكر على جبال مشرفة على صحراء هوني من بلد أبلستين، وكان العدو في تلك الليلة قد بات على نهر جهان، وهو نهر جيحان، فأقبل المسلمون من علو الجبل، وترتبت المغل أحد عشر طلبا بمفرده \" لئلا يكون مخامرا عليهم \" .\rوكان أبغا بن هولاكو قد انتخب هذا الجيش من عسكره، وكان فيه جماعة من أكابر مقدمي المغل. فوقف السلطان وتقدم إليهم جماعة من مماليكه وخواصه، فأخلدت فرقة منهم إلى الأرض وقاتلوا قتالا شديدا، وحملت فرقة منهم من ميسرتهم واستدارت خلف الصناجق السلطانية، فحمل السلطان عليهم، فانجلت الحرب عن قتل التتار، وكان من بقي منهم كما قيل:","part":8,"page":278},{"id":3789,"text":"فلزهم الطراد إلى قتال ... أحد سلاحهم فيه القذاره\rوكانت وقعة عظيمة مشهورة فثبت فيها المغل.\rواستشهد من المسلمين في هذا اليوم شرف الدين قيران العلائي أحد مقدمي الحلقة، وعز الدين أخو المحمدي.\rونزل السلطان في المنزلة التي كان العدو نازلا بها، وأحضرت بين يديه الأسارى من المغل، فاستبقى السلطان بعض أكابرهم وقتل من بقي منهم، وأسر جماعة من أكابر أمراء الروم، ووصل جماعة منهم إلى الخدمة. وكان ممن أسر ووصل من الروم بكلاء بن البرواناه ومعه ولد أخته، وولد خواجا يونس، والأمير نور الدين بن جاجا،والأمير قطب الدين أخو الأتابك، والأمير سراج الدين جاجا، وسيف الدين سنقر جاه الزوباشي، ونصرة الدين صاحب سيواس، والأمير كمال الدين، عارض الجيش بالروم، وحسام بركاول، قريب البرواناه، وسيف الدين بن عليشير التركماني، والأمير سيف الدين جاليش النائب بالروم، وهو أمير داد، ومعناه أمير العدل، وظهير الدين فتوح مشرف الممالك، ومرتبته دون الوزارة، والأمير نظام الدين أوحد بن الأمير شرف الدين بن الخطير وإخواته، وقاضي القضاة حسام الدين قاضي الروم، ومظفر الدين بن حجاف، وأولاد الأمير صارم الدين بن الخطير، وجماعة من أصحابهم، وسيف الدين كجكنا الجاشنكير، ونور الدين المنجنيقي، واولاد رشيد الدين صاحب ملطية كمال الدين وإخوته، وأمير على صاحب كركر، وأكثر هؤلاء حضروا بيوتهم وأولادهم، وأما البرواناه فإنه هرب.\rقال القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر في السيرة الظاهرية: وأما البرواناه فإنه شمر الذيل وامتطى هربا أشهب الصبح وأحمر الشفق وأصفر الأصيل وأدهم الليل، ودخل قيسارية في وقت السحر من يوم الأحد ثاني عشر الشهر، فأفهم سلطانها غياث الدين كيكاوس بن كيخسرو والصاحب فخر الدين وزيرها، والأتابك مجد الدين والأمير جلال الدين المستوفي، والأمير بدر الدين ميكائيل النائب، والطغرائي وهو ولد أخي البرواناه: أن جيش الإسلام كسر بعض المغل، وأن بقية المغل انهزموا ويخشى أن يدخل المغل قيسارية ويقتلون من بها حنقاً على الإسلام، فأخذهم وأخذ زوجته بنت غياث الدين صاحب أرزن الروم، وتوجهوا كلهم إلى توقات. ولهذه كرجي خاتون \" امرأة البرواناه \" أربعمائة جارية استصحبن معها. وكانت أم هذه كرجي خاتون ملكة الكرج.\rوتوقات مكان حصين مسيرة أربعة أيام من قيسارية.\rوجرد السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بجماعة لإدراك من انهزم من المغل، والتوجه أمامه إلى قيسارية، وكتب بتأمين أهلها. فمر بفرقة من التتار معهم البيوت، فأخذ عنهم جانبا. وحال بينهم الليل، فمر كل منهم في جهة.\rورحل السلطان يوم السبت حادي عشر الشهر من مكان المعركة ونزل قريبا من قرية رمان، وهي قريب الكهف والرقيم حقيقة كما نقل، لا ما يقال إن الكهف والرقيم من عمل بيسان والبلقاء.\rوقرية رمان هذه بيوتها مبنية حول سن جبل قائم كالهرم ويطوف بها جبال كأنها أسوار، ويخرج منها أنهار عليها قناطر لا تسع غير راكب.","part":8,"page":279},{"id":3790,"text":"واشتدت الأمطار، ثم سار بكرة النهار إلى الليل، ونزل بوطأة من أعمال صاروس العتيق، وبقربها معدن الفضة. فأتى السلطان مخبر أن التتار في فجوة هناك بالعساكر فعاقته كثرة الأمطار فعاد وبات في تلك المنزلة. واصبح فسلك جبالا وعرة، ومر على قرية أوترال ومنها إلى خان قريب من حصن سمندو، وكان السلطان قد سير كتابا إلى نائبها، فقبله وأذعن إلى النزول عنها إن أمره السلطان، فشكره وأحسن إليه، وكذلك متولي قلعة درندا، ووالى دوالوا، أجابوا كلهم إلى الطاعة. ثم نزل السلطان قرية قريبة من قيسارية شرقي جبل عسيب، وركب يوم الأربعاء، نصف ذي القعدة سنة خمس وسبعين وستمائة، والعساكر في خدمته، وخرج أهل قيسارية، العلماء والأكابر وغيرهم حتى النساء والأطفال فتلقوا السلطان، وكان دهليز صاحب الروم وخيامه قد نصبت في وطأة كينجسرو قريبا من المناظر التي لملوك الروم، فنزل السلطان به، وارتفعت أصوات العالم بالتهليل والتكبير، وضربت به نوبة آل سلجق على العادة، وحضر أصحاب الملاهي فردوا، واعتمد السلطان على الأمير سيف الدين جاليش في النيابة، وكان أولاد قرمان \" أمراء التركمان \" قد رهنوا أخاهم الصغير على بك بالروم، فخرج إلى السلطان فأكرمه، وطلب منه توافيع وصناجق له ولأخوته فأعطاه وتوجه، وكتب السلطان إليهم في الحضور إلى خدمته، وأكد في ذلك. فكان من خبرهم في الوصول إلى بلاد الروم بعد رحيل السلطان ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rقال: ثم ركب السلطان في يوم الجمعة سابع عشر الشهر، وعلى رأسه جتر بني سلجق ودخل قيسارية. وكانت دار السلطانة قد هيئت لنزوله، وتحت آل سلجق قد نصب لحلوله، فجلس في مرتبة السلطنة بكرة النهار، وحضر القضاة والفقهاء والوعاظ والقراء والصوفية وأعيان قيسارية، وذوو المراتب على العادة السلجقية في أيام الجمع، ووقف له أمير المحفل - وهو عندهم ذو حرمة ومكانه، وعليه أكبر ثوب وأكبر عمامة - فرتب المحفل، وقرأ القراء، ثم أنشد أمير المحفل بالعربية والعجمية مدائح في السلطان. ومد السماط، فأكل من حضر وانصرفوا. وتهيأ السلطان السلطان لصلاة الجمعة وحضر إلى الجامع وصلى، وخطب الخطباء في جوامع قيسارية باسمه، وهي سبعة جوامع. ثم عاد إلى دار السلطنة وأحضر بين يديه دراهم عليها السكة الظاهرية.\rوظهر لمعين الدين سليمان البرواناه ولزوجته كرجى خاتون موجود عظيم، فحمل إلأى السلطان وكذلك موجود من نزح؛ ففرق أكثره على أمرائه.\rوحكى الصاحب عز الدين بن شداد في السيرة الظاهرية قال: حكى لي من أثق به أن البرواناه بعث إلى السلطان لما دخل قيسارية يهنئه بالجلوس على التخت، فكتب إليه يأمره بالوفود عليه ليوليه فكتب إليه يسأله أن ينتظره خمسة عشر يوما، وكان مراده أن يصل إلى أبغا ويحثه على المسير \" بنفسه \" والسلطان بالبلاد، فسلم يدر ذلك في حدس السلطان. فاجتمع تتاون بالأمير شمس الدين سنقر الأشقر وعرفه قصد البرواناه في طلبه الانتظار، وأن مقصده أن السلطان يتربض حتى يدركه أبغا في البلاد، فكان ذلك سبب رحيل السلطان عن قيسارية.\rذكر رحيل السلطان عن قيسارية وهرب عز الدين أيبك الشيخي ولحاقة بأبغا وعود السلطان إلى ممالكه كان رحيل السلطان من قيسارية في يوم الاثنين العشرين من ذي القعدة، وقيل في الثاني والعشرين منه، لقلة الأقوات، وقيل للسبب الذي تقدم ذكره، وجعل على يزكه الأمير عز الدين أيبك الشيخي، وكان السلطان قد ضربه لسبقه الناس وتقدمه، فحقد ذلك. وتسحب يومئذ والتحق بأبغا بن هولاكو.\rونزل السلطان بقيرلو فورد عليه فيها رسول البرواناه، ومعه رجل آخر اسمه ظهير الدين الترجمان، وهو يستوقف السلطان من الحركة، وما كانوا علموا بقصد السلطان في مسيره إلى أية جهة، وكان الخبر قد شاع أن حركة السلطان إلى سيواس، فأجاب السلطان البرواناه: \" أن كتبك وكتب غيرك كانت تأتيني واشترطتم شروطا لم تفوا بها ولا فقتم عندها، وقد عرفت الروم وطريقة، وما كان جلوسنا على التخت رغية فيه إلا لنعلمكم أنه لا عائق لنا عن شيء نريده بحول الله وقوته، ويكفينا أخذنا أمك وابنك وابن بنتك وما منحناه من النصر الوجيز، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. \"","part":8,"page":280},{"id":3791,"text":"ثم رحل، ونزل خان كيقباد فلما نزل به بعث الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري إلى قرية رمانة فحرقها، وقتل من كان بها من الأرمن وسبى حريمهم، لأنهم كانوا قد أخفوا جماعة من المغل.\rولما رحل السلطان من منزلة روزان كودلوا مر في وطأة خلف حصن سمندر من طريق غير الطريق الذي كان توجه عليها إلى قيسارية. ويعرف هذا المكان بقزل صو، ومعناء النهر الأحمر، وهو بعيد المستقى، كثير الزلق والوحل، فوقف السلطان وجرد سيفه حتى بسطت جملة من اللبابيد الحمر تحت حوافر الخيل وأخفاف الجمال، ووقف راجلا حتى عبر الناس أولا فأولا، ثم ركب وعبر ونزل في واد فيه مرعى، ثم رحل إلى صحراء فراحا بالقرب من بازاريلوا. وهذا البازار هو الذي كانت الخلائق تجتمع إليه من أقطار الأرض، ويباع فيه كل شيء يجلب من الأقاليم.\rثم رحل يوم السبت وسار إلى وطأة أبلستين ومر بمكان المعركة لمشاهدة رمم التتار، وحضر جماعة من أهل أبلستين، وسئلوا عن قتلى التتار، فقال رجل منهم: \" عددت ستة آلاف وسبعمائة وسبعين من المغل خاصة في المعركة غير من قتل خارجها \" . ولما بلغ السلطان أقجا دربند بعث الأثقال والخزائن والصناجق صحبة الأمير بدر الدين بيليك الخزندار ليعبر بها الدربند، وتأخر السلطان ساقة العسكر يوم الأأحد، ورحل يوم الاثنين فدخل الدربند، وحصل للناس مشقة، ولما خرجوا منه قطعوا النهر الأزرق، وبات.\rثم رحل السلطان فنزل قريبا من كينوك، ثم نزل يوم الثلاثاء سادس ذي الحجة قريبا من حارم، ونزل بعساكره هناك وعيد عيدَ الأضحى، ووصلت إليه رسل الأمير شمس الدين محمد بن قرمان أمير التركمان وكتبه بما اعتمده بالروم بعد عود السلطان، وأنه حضر في عشرين ألف فارس من التركمان وثلاثين ألف راجل متركشة إلى خدمة السلطان فلم يدركه.\rما اعتمده الأمير شمس الدين محمد بك بن قرمان\rأمير التركمان في البلاد الرومية","part":8,"page":281},{"id":3792,"text":"كان الأمير شمس الدين المذكور قد باين التتار ونابذهم، وخرج عن طاعتهم وطاعة الروم، وانحاز إلى السواحل. فلما بلغه خبر كسرة التتار ووصول السلطان إلى قيسارية جمع جموعا كثيرة من التركمان وقصد أقصرا، فلم ينل منها طائلا فرحل عنها وقصد قونية في ثلاثة آلاف فارس ونازلها، فغلق أهلها أبوابها في وجهه، فرفع على رأسه صناجق السلطان التي سيرها مع أخيه علي بك، وبعث إليهم يعرفهم أن السلطان الملك الظاهر كسر التتار ودخل قيسارية وملكها، فقال أهل البلد: \" أما الأبواب فنحن لا نفتحها، ولكن أحرقوها وأذخلوا فنحن لا نمنعكم \" ، فأحرقوا باب الفاخراني، وباب سوق الخيل ودخلوا قونية يوم عرفة، وهو يوم الخميس. وكان النائب بها إذ ذاك أمين الدين ميخائيل. فقصد من معه داره ودار غيره من الأمراء، والأسواق والخانات فنهبوها، ثم ظفروا بأمين الدين، فأخرجوه إلى ظاهر البلد وعذبوه إلى أن استأصلوا ماله ثم قتلوه وعلقوا رأسه داخل البلد، وامتنع أهل البلد من تسليمها، فاعملوا الحيلة، ورتبوا رجلا على أن يتوجه إلى قمين من أقمنة حملم عينوه له، فإذا رأى هناك شابا رمى نفسه عليه وقبل رجليه، فإذا قال له الشاب: \" من اين تعرفني؟ \" فيقول: ما أنت علاء الدين كيخسروا بن السلطان عز الدين كيقباذ \" أنسيت تربيتي لك وحملك على كتفي؟ \" وليكن ذلك بمشهد من العامة، فلما فعل ذلك وسمعت العامة ما دار بين الرجل والشاب ازدحموا عليه، وإذا جماعة من التركمان كان قد رتب معهم أنهم إذا رأوا العامة قد أحدقوا به فيأخذونه من بين أيديهم ويحملونه إلى الأمير شمس الدين محمد بك، ففعلوا ذلك، فلما رآه أقبل عليه وضمه إليه، وعقد له لواء السلطنة وحمل االصناجق على رأسه، وذلك في الرابع عشرين ذي الحجة، فلما رأى أهل قونية ما فعلوه حملتهم المحبة في آل سلجوق على متابعتهم، ثم نازلوا القلعة، فامتنع من فيها من تسليمها، فحاصروها، ثم تقرر بينهم الصلح على تسليمها ويعطى من فيها سبعون ألف درهم، فدخلوها وأجلسوا علاء الدين فيها على تخت الملك، ثم بلغ ابن قرمان والتركمان أن تاج الدين محمدا، ونصرة الدين محمود، ابنا الصاحب فخر الدين خواجا على، قد حشدا وقصداهم، فسار \" ابن قرمان \" إليهما وعلاء الدين معه، فالتقوا على آمد شهر، فكسرها وقتلهما، وقتل خواجا سعد الدين يونس بن سعد الدين خسرو بك بن شمس الدين يوناس بكلارتسي، وأخذوا رؤوسهم وعادوا بهم إلأى قونية في آخر ذي الحجة. واستمروا بقونية إلى ان دخلوا سنة ست وسبعين وستمائة، فبلغهم أن أبغا وصل بعد خروج الملك الظاهر من الروم إلى مكان الوقعة، فرحلوا عن قونية إلى جبالهم. وكانت مدة مقامهم بقونية سبعة وثلاثين يوما.\rوصول أبغا إلى بلاد الروم ومشاهدته مكان\rالوقعة وما فعله بأهل الروم من القتل والنهب","part":8,"page":282},{"id":3793,"text":"كان البرواناه معين الدين لما تمت الهزيمة على التتار وعليه، قد كتب إلى أبغا يستنصر به ويستحثه على الوصول إلى بلاد الروم، فتوجه أبغا إلى الروم، ولما شارف البلاد خرج إليه البرواناه بمن معه، وتوجه في خدمته بالعساكر إلى أن وصل إلى البلستين، ووقف على موضع المعركة، فتأسف على المغل وبكى، ثم قصد منزلة السلطان الملك الظاهر، فقاسها بعصا الدبوس فعلم عدة من كان نازلا بها من العساكر وأنكر على البرواناه كونه لم يغرفه جلية حال العسكر ، فاعتذر بأنه ما علم بذلك، وأن العسكر حضر بغتة، فلم يقبل عذره. وكان الأمير عز الدين آيبك الشيخ في خدمة أبغا، فقال له: أرني مكان الميمنة والقلب والميسرة فأقام له في كل منزلة رمحا، فلما رأى بعد ما بين الرماح قال: \" ما هذا العسكر الذي حضر معي يكفي هؤلاء \" ، وكان في خدمته من عسكره ثلاثون ألف ، وكان قد سيرهم إلى الشام فأعادهم من كينوك، وتوجه إلى قيسارية وسأل أهلها فقال: \" هل كان مع صاحب مصر جمال ؟ \" ، فقالوا: \" لم يكن معه إلا خيل وبغال \" ، فقال: \" هل نهب منكم شيئا؟ \" ، قالوا : \" لا، إلا مشتري بالذهب \" ، فقال: \" منذ كم فارقكم؟ \" قالوا: \" منذ خمسة وعشرين يوما \" فقال: \" هم الآن عند جمالهم \" . ثم عزم على قتل من بقيسارية من المسلمين، فاجتمع إليه القضاة والفقهاء، وقالوا: \" هؤلاء رعية ولا طاقة لهم بدفع عسكرنا إذا نزل عليهم، وهم مع الزمان عبيد من ملك \" ، فسلم يرجع إلى ذلك، وأمر بقتل جماعة من أهل البلد، وقتل قاضي القضاة جلال الدين حبيب، وأمر عسكره أن يبسط في المملكة الرومية، فقتل من الرعايا ما يزيد على مائتي ألف، وقيل بلغت عدة من قتل من الرعايا والفلاحين وغيرهم خمسمائة ألف من قيسارية إلى أرزن الروم ولمن يقتل أحداً من النصارى، ثم عاد أبغا إلى الأردو، وكان من خبر قتل البرواناه معين الدين ما قدمنماه.\rنعود إلى سياقة أخبار السلطان الملك الظاهر قد قدمنا أن السلطان نزل بالقرب من حارم، وعيّد عيد الأضحى هناك، وحضر إلى خدمته أمراء بني كلاب، ثم نزل السلطان بالقرب من أنطاكية في مروجها ورحل إلى دمشق، فكان دخوله إليها في خامس المحرم سنة ست وسبعين وستمائة وقيل في سابعه.\rقال المؤرخ: كان السلطان لما توجه إلى الروم كلف أهل دمشق جباية مال يسبب إقامة الخيل، فحضر إليه الشيخ محيي الدين النواوي وكلمه في ذلك بكلام خشن، فلاطفه السلطان، وقال له: \" يا سيدي: مد يدك أعاهدك أنني متى كسرت العدو في هذه السفرة أبطل الجباية ويكون خاطرك معي \" ، فعاهده على ذلك. فلما فنح البلاد وكتب إلى الشام بالبشارة، وكتب إلى الشام بالبشارة، كتب إلى الأمير بدر الدين بكتوب الأقرعي، شاد الدواوين بدمشق، كتابا مضمونه: أنه لا يحل ركابا إلا وقد استخرجت من أهل دمشق مائتي ألف درهم، ومن برها ثلاثمائة ألف درهم، ومن قراها ثلاثمائة ألف درهم، ومن البلاد القبلية تكملة ألف ألف درهم، فتبدل فرح أهل الشام لذلك حزناً، وتمنوا زوال الدولة، فما كملت خباية نصف المال حتى مات السلطان.\rواستهلت سنة ست وسبعين وستمائة\rوفاة السلطان الملك الظاهر\rركن الدين بيبرس الصالحي رحمه الله تعالى قال القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر في السيرة الظاهرية: ودخل السلطان دمشق في خامس المحرم وقد رنح النصر أعطافه، وروى من دماء الأعداء أسيافه، وقدامه مقدمو التتار قد ركبوا وهم في القيود عوض شهب الجياد، وبعد أن كانوا مقترنين صاروا مقرنين في الأصفاد. ونزل بقصره في الميدان الأخضر، معتقدا أن الدنيا في يده قد حصلت، والبلاد التي حلها ركابه عنه انفصلت، وأن سعده استخلص له الأيام وأصفاها، والممالك شرفا وغربا لو لم يكن بها غيره لكفاها، وإذا بالمنية قد أنشبت أظفارها، والأمنية وقد وضعت حوبها \" و \" أوزارها والعافية وقد شمرت الذيل، والصحة وقد قالت لطيبه: \" أهلك والليل \" ، ورماح الخط وقد قالت لأقلام الخط: \" أصبت في لبس الحداد من المداد \" ، والقلوب وقد قالت عند شق الجيوب: \" نحن أحق منك بهذا المراد \" ، والحصون وقد قالت لقصره الأبلق: \" ما كان بناؤك على هذه الصورة إلا فألا بما تسود الجدران به عند الفجائع من السواد \" .","part":8,"page":283},{"id":3794,"text":"قال: وكان ابتداء مرضه الذي اعتل به الوجود، وتباشرت به الأكفان واللحود: ليلة السبت خامس عشر المحرم. فإنه ركب وقت العصر من يوم الجمعة رابع عشرة وكأنه مودع لأخدانه ورؤية موكبه وركوب حصانه، ونزل والتاث جسمه بعض النيات، وأصبح وليس عنده ذلك الانبعاث. فلما انقضت مدة أجله، وانطوت صحيفة عمله، قبض الله روحه الزكية، ورجعت إلى ربها راضية مرضية، وذلك بعد الزوال من يوم الخميس سابع عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة.\rوكأن نفوس العالم كانت نفسا، وأنزل الله السكينة فلا تسمع إلا همسا، واستصحب مهابته السكون وخادعت العقول حتى أن ما كان من وفاته كاد كل يحلف إنه ما يكون.\rوحمل في محفة إلى قلعة دمشق في تلك اليلة، وسكنت الشفاة والألسنة، وتناومت العقول من غير نوم ولا سنة. وجعل في بعض القاعات بالقلعة على سرير يوما إليه بالترحم والسلام، ولا يزوره غير الملائكة الكرام.\rقال المؤرخ: وتولى غسله وتحنيطه وتصبيره وتكفينه المهتار شجاع الدين عنبر، والفقيه كمال الذين الإسكندري المعروف بابن المنبجي، والأمير عز الدين أيبك الأفرم جاندار، ثم جعل في تابوت وعلق في بيت من بيوت قاعة البحرة بقلعة دمشق. وكانت مدة مرضه، رحمه الله تعالى، ثلاثة عشر يوما، وهي مدة مرض الشهيد الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، رحمه الله تعالى.\rوأول ما فتحه السلطان بنفسه: قيسارية الساحل، وآخر ما فتحه قيسارية الروم، واستمر بقلعة دمشق إلى أن اتباع ولده السلطان الملك السعيد دار العقيقي بدمشق بستين ألف درهم، وحصل الشروع في عمارتها ووضع الأساس في يوم الأربعاء خامس جمادى الآخرة من السنة، وكانت النفقة على العمارة من ربع أملاكه. وحمل إليها ليلة الرغائب الخامس من شهر رجب سنة ست وسبعين وستمائة، \" و \" بعد أن صلى عليه في صحن جامع دمشق ليلا، أدخل من باب البريد وخرجوا به من باب النطاقين إلى تربته وتولى حمله الأمير عز الدين أيدمر نائب السلطنة بالشام والأمير عز الدين أيدمر نائب السلطنة بالشام والأمير عز الدين الدوادار والطواشي صفى الدين جوهر الهندي، وألحد القاضي عز الدين الشافعي.\rولما تمت له سنة من يوم وفاته عملت له الأعزية بالقرانين، ومدت الأسمطة للقراء والفقراء وفرقت على الزوايا، وحضر الناس على اختلاف طبقاتهم. وقرئ له عدة ختمات، وعمل له بعد ذلك عدة أعزية بمدرسة الشافعي، والجامع الطولوني، والجامع الظاهري، والمدارس الظاهرية، والصالحية، ودار الحديث الكاملية، والخانقاه الصلاحية، والجامع الحاكمي، وعمل للتكاررة خوان حضره جماعة من الفقراء والصالحين.\rمدة حكمه وكانت مدة ملكه، رحمه الله تعالى سبع عشرة سنة واثني عشرة يوما. وكان له من الأولاد: السلطان الملك السعيد ناصر الدين محمد قاءان بركة، وأمه ابنة الأمير حسام الدين بركة خان بن دولة خان الخوارزمي، والملك المسعود نجم الدين الخضر، والملك العادل بدر الدين سلامش، وسبع ينات.\rوتزوج أيضا ابنة الأمير سيف الدين نوكبة التتاري، وابنة الأمير سيف الدين كراي التتاري، وابنة الأمير سيف الدين تماجي التتاري، وامرأة شهرزورية تزوجها لما قدم غزة وحالف الشهرزورية، ثم طلقها لما ملك الديار المصرية.\rنائبه: مملوكه الأمير بدر الدين بيليك الخزندار.\rوزراءه: الصاحب زين الدين بن الزبير مدة يسيرة، ثم استوزره بعده الصاحب: بهاء الدين علي بن محمد المعروف بابن حنا قضاته: وقد تقدم ذكر قضاته في أخبار دولته.\rالملك السعيد ناصر الدين محمد\rبركة قاءان ابن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدار الصالحي وهو الخامس من ملوك دولة الترك ملك الديار المصرية والبلاد الشامية، بعد وفاة والده السلطان الملك الظاهر، في يوم الخميس سابع عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة، وكان ولي عهد أبيه، على ما قدمناه في أخبار الدولة الظاهرية، في يوم الخميس ثالث عشر شوال سنة اثنتين وستين وستمائة، وجدد له الحلف، في يوم الخميس تاسع صفر سنة سبع وستين وستمائة.","part":8,"page":284},{"id":3795,"text":"قال: ولما توفي السلطان بدمشق كان الملك السعيد بمصر، وكان الأمير بدر الدين بيليك الخزندار إلى الملك السعيد كتابا بخطة يخبره بوفاة السلطان، ويعلمه بما دبره من كتمان ذلك إلى أن يصل بالعساكر والخزائن إلى خدمته، وسأله كتمان الحال إلى أن يصل بالعساكر والخزائن إلى خدمته، وسأله كتمان الحال إلى أن يصل إليه، وسير إليه المطالعة على يد الأمير بدر الدين الجوكان دار الحموي، والأمير علاء الدين أيدغمش الحكمي الجاشنكير، فلما وصلا بالمطالعة وأنهيا ما معهما من المشافهة خلع عليهما وأنعم على كل منهما بخمسة آلاف درهم، وأظهر أن ذلك بسبب بشارتهما بعود السلطان إلى دمشق. ثم ركب الأمراء في بكرة يوم السبت تاسع عشرين الشهر على العادة إلى سوق الخيل بدمشق.\rثم رحلوا من دمشق في صفر بالجيوش والعساكر، وبينهم محفة محمولة، وجماعة من المماليك السلطانية في خدمتها يظهرون أن السلطان الملك الظاهر فيها وهو ضعيف، كل ذلك حفظا للمهابة، وما زال الأمر كذلك إلى أن وصلوا إلى الديار المصرية، وكان وصول المحفة والأمراء إلى قلعة الجبل في يوم الخميس خامس عشرين صفر سنة ست وبعين وستمائة، وسلم الأمير بدر الدين الخزندار الخزائن والعساكر للسلطان الملك السعيد، وأظهروا عند ذلك وفاة السلطان وحلف الناس للملك السعيد، واستقر له الملك وعمره يومئذ تسع عشرة سنة.\rوكتب \" الملك السعيد \" إلى دمشق وسائر الممالك الشامية يخبر \" النواب \" بوفاة السلطان وسلطنته، ويطلب منهم اليمين، فوصل الأمر في البريد بذلك إلى دمشق في يوم الأحد ثالث عشر ربيع الأول، فجمع النائب عن السلطنة بها وهو الأمير عز الدين أيدمر الظاهري، الأمراء والمقدمين، وقرئ عليهم كتاب السلطنة فحلفوا، وحلف جميع العسكر والقضاة والأعيان، ثم رسم لمتولي دمشق أن يحلف أهل دمشق، فحلف أهل حارة بحضور عدلين، ورسم لمتولي البريد بذلك، فحلف أهل القرى والضياع، ودامت مدة الحلف بدمشق أحد عشر يوما حتى كملت. ثم خلع على الأمراء والمقدمين والقضاة والأعيان والنظار وكتاب الإنشاء بدمشق في سادس عشر الشهر، وخلع على الأعيان والأكابر بالطرحات، وما كان قبل ذلك يخلع بالطرحة، إلا على قاضي القضاة، وحلف أيضا صاحب حماة وأهل بلده، ونائب حلب وأمراؤها وجندها وأهلها، وسائر الممالك الشامية لم يختلف منهم أحد ولا توقف عن اليمين.\rوفاة الأمير بدر الدين بيليك الخزندار\rكانت وفاته: رحمه الله تعالى، بقلعة الجبل في ليلة الأحد سادس شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين وستمائة، وذلك أنه لما وصل إلى خدمة السلطان الملك السعيد وقف وحلف الأمراء والخواص والأجناد وغيرهم للملك السعيد، فلما تكامل ذلك توجه إلى والدة السلطان زوجة مخدومه ليغريها بالسلطان ويهنيها بسلطنة ابنها، فشكرت فعله وما اعتمده من حق ولدها من حفظ السلطنة عليه، ثم أخرجت له هنابا فيه مشروب، وقالت له: \" اشرب هذا فأنك قد تعبت في هذا اليوم وما أكلت شيئا. \" فقال لها: \" والله لي ثلاثة أيام ما آكل في كل يوم نصف أوقية طعام خوفا على السلطان الملك السعيد، ولم أزل أداري الأمراء منذ وفاة السلطان إلى أن كمل هذا الحلف المبارك \" . وتناول الهناب وشرب منه جرعتين وأعادة في الثالثة لكثرة إلحاحهم عليه، وتوجه إلى داره فحصل له قولنج، وانقطع وتزايد به الأمر، فمات، رحمه الله تعالى. وهذا الفضل الذي دبرته والدة الملك السعيد من سوء التدبير وقبح المكافأة، فأنه وقع الخيال عندها وعند ابنها منه، ولعل هذا الخيال كان غير صحيح: فإنه أحسن السياسة وأجمل التدبير ووفى لمخدومه، وكان رحمه الله تعالى، تربية السلطان، اشتراه وهو مفردي ورياه من صغره، وكان خزنداره، ثم أستاد داره في الإمره، ونائبه في السلطنة وكانت مكانته عنده مكينة، يرجع إلى رأيه ويعتمد عليه في سائر أحواله ويثق بنصحه، وتمكن في الدولة الظاهرية تمكنا عظيما، وكان له بالديار المصرية إمرة مائة فارس وبالشام إمرة خمسين فارسا، وجعل له السلطان عند زواجه بابنة الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل قلعة الصبيبة وبانياس وأعمالها والشغر وغير ذلك.\rولما مات وقعت الأوهام في نفوس الأمراء وتخيلوا، فإنهم علموا ما أسلفة المذكور من الخدمة للملك السعيد وحفظ الخزائن والعساكر، وأنه أدى الأمانة في طاعته.","part":8,"page":285},{"id":3796,"text":"واستناب السلطان بعد وفاته الأمير شمس الدين أقسنقر الفارقاني الظاهري أستاد الدار ونائب السلطنة بالديار المصرية في غيبة السلطان، وأقر الصاحب بهاء الدين على وزارته.\rوركب السلطان في يوم الأربعاء سادس عشر شهر ربيع الأول بشعار السلطنة والأمراء في خدمته، وتوجه صوب الجبل الأحمر، وذلك أول ركوبه، وخلع على الأمراء والأعيان.\rالقبض على من يذكر من الأمراء\rوالإفراج عنهم ومن مات منهم كان من سوء التدبير الذي اعتمده السلطان الملك السعيد: أنه قبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر،والأمير يدر الدين بيسرى الشمسي قي يوم الجمعة حادي عشرين شهر ربيع الأول، واعتقلهما بقلعة الجبل، وكانا من أكبر الأمراء، وأخصهم بصحبة السلطان والده، فتغيرت لذلك قلوب الأمراء، ثم اجتمع مماليكه ومماليك الأمير بدر الدين بيليك الخزندار، وحسنوا له القبض على نائبه الأمير شمس الدين أقسنقر الفاراقاني واستعانوا بالأمير سيف الدين كوندك الساقي، وأمسكوه وهو جالس عند باب القلعة وسحبوه إلى الدور وضربوه ونتفوا لحيته، وذلك في يوم السبت ثامن عشر ربيع الآخر، واعتقل فلم يلبث إلا قليلا ومات.\rثم أفرج عن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وبدر الدين بيسرى في يوم السبت ثاني جمادى الأولى وخلع عليهما وأعادهما إلى ما كانا عليه.\rثم قبض على خاله الأمير بدر الدين محمد بي بن الأمير حسام الدين بركة خان في يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة، واعتقله بقلعة الجبل، فغضبت أخته والدة السلطان لذلك، وأنكرته على ابنها، فأفرج عنه في ليلة الثلاثاء خامس عشرين الشهر وخلع عليه وأعاده إلى ما كان عليه. وشرع في خلال ذلك في تقديم مماليكه وترجيحهم وسماع آرائهم.\rقال: ولما صدرت منه هذه الأفعال اجتمع الأمراء وتشاورا، وقصدوا أن يتوجهوا إلى الشام، ثم رجعوا عن ذلك وبعثوا إلى السلطان وقد اجتمعوا في يوم الخميس، وامتلأت بهم القلعة، وأنكروا فعله، وحذروه عاقبة ما يطرق إليه، فلاطفهم وحلف لهم أنه لا يريد بهم سوءا، وتولى الأمير بدر الدين الأيدمري اليمين، فسكنت خواطرهم، واستقر الحال مدة لطيفة.\rوكان السلطان لما قبض على الأمير شمس الدين آفسنقر الفارقاني رتب في النيابة بعده الأمير شمس الدين آفسنقر الألفي المظفري، فلم يرضه الخاصكية لأنه غير ظاهري. واتفق أنه ولى خوشداشه الأمير علم الدين سنجر المظفري، المعروف بأبي خرص، نيابة المملكة الصفدية، وزاده على إقطاع النيابة نواحي من الخاص السلطاني، وهي أريحا وكفرين ونمرين من الغور، فأوهموا السلطان منه وزعموا أنه يقصد إقامة المظفرية ولا تؤمن غائلته، فعزله عن قريب، وولى الأمير سيف الدين كوندك الساقي نيابة السلطنة \" لأنه ربى معه في المكتب \" وقيل إن ولايته كانت في سنة سبع وسبعين. ولما فوضت إليه النيابة أمر الوزير الصاحب بهاء الدين أن يجلس بين يديه وألا يوقع إلا بأمره.\rوتقدم من المماليك السعيدية الأمير حسام الدين لا جين الزيني، وانضم إليه الخاصكية، وقويت شوكته وأخذ لخواشداشيته الإقطاعات، ونافس النائب. فضم النائب إليه الأمراء الأكابر، ومال إليهم واستجلبهم، هذا كله في سنة ست وسبعين وستمائة، وبعضه في سنة سبع على ما قيل.\rوفي سنة ست وسبعين وستمائة أيضا في يوم السبت سابع ذي القعدة: برز السلطان الملك السعيد بالعساكر إلى منزلة مسجد التبن لقصد الشام، ثم انتقل بخواصه من هذه المنزلة في يوم السبت حادي عشر الشهر ونزل بالميدان السعيدي وعادت العساكر إلى منازلهم وبطلت الحركة.\rوفيها: في شهر رمضان طلعت سحابة عظيمة بصفد، لمع منها برق عظيم خارق، وسطع منها لسان كالنار، وسمع صوت رعد هائل، ووقع على منارة جامعها صاعقة شقت المنارة من رأسها إلى أسفلها شقا يدخل فيه الكف.\rوفيها: سأل قاضي القضاة صدر الدين سليمان \" بن أبي العز \" الحنفي أن يؤذن له في الإقامة بدمشق مدرسا ومجاورا لتربة السلطان، فأذن له، فأقام بدمشق. وفوض قضاء الحنفية بالديار المصرية لنلئبه القاضي معز الدين.\rذكر عزل قاضي القضاة محيي الدين عبد الله بن محمد بن عين الدولة وإضافة عمله إلى قاضي القضاة تقي الدين بن زرين","part":8,"page":286},{"id":3797,"text":"وفي يوم الأربعاء ثامن عشر ذي القعدة من هذه السنة، عزل القاضي محيي الدين أبو الصلاح عبد الله بن قاضي القضاة شرف الدين محمد بن عين الدولة الصفرواي عن القضاء بمصر والوجه القبلي. وسبب ذلك أنه كان قد حصل له فالج منذ خمس سنين، فأقعد وعجز عن الكتابة، وكان يعلم عنه كاتب الحكم، فعزل الآن. وأضيفت ولايته إلى القاضي تقي الدين بن رزين، وعطل القاضي محيي الدين وانقطع بمنزلة إلى أن مات، وكانت وفاته بمصر في رابع شهر رجب، وقيل في خامسه من سنة ثمان وسبعين وستمائة، رحمه الله تعالى.\rوفيها: فوض السلطان الملك السعيد قضاء القضاة بدمشق والشام أجمع من العريش إلى سلمية لقاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان الشافعي، وعزل القاضي عز الدين بن الصايغ، وتوجه القاضي شمس الدين إلى دمشق في سابع وعشرين ذي الحجة، فوصل إليها في ثالث عشرين المحرم، وخرج الناس للقائه إلى غزة. ومنهم من وصل إلى الصالحية، وكانت الشفاعة قد قويت بولايته قبل وقوعها.\rوفيها: كانت وفاة قاضي القضاة الشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي الحنبلي، في يوم السبت ثاني عشرين المحرم سنة ست وسبعين، ودفن يوم الأحد بتربة عمه الحافظ عبد الغني. وكان مولده في يوم الأحد رابع عشر صفر سنة ثلاث وستمائة بدمشق، ولما أفرج عنه بعد القبض عليه كما تقدم لزم بيته بالمدرسة الصالحية وتوفر على اشتغال الطلبة إلى أن توفي. وكان كريما سمحا كثير العبادة والذكر وولى أيضا مشيخه الخانقاه الصلاحية بالقاهرة، رحمه الله تعالى.\rوفاة الشيخ خضر وشيء من اخباره\rوفي سابع المحرم سنة ست وسبعين وستمائة: كانت وفاة الشيخ خضر ابن أبي بكر بن موسى العدوي المهراني شيخ الملك الظاهر في معتقله بقلعة الجبل ودفن بسفح المقطم.","part":8,"page":287},{"id":3798,"text":"وقد حكى الشيخ شمس الدين محمد بن مجد الدين إبراهيم الجزري في تاريخه، \" حوادث الزمان وأنبائه \" ، مبدأ أمره، وكيف تنقلت به الحال، فقال: كان في مبدأ أمره يخدم الأكابر ببلد الجزيرة، ثم استخدم لشيل زبائل دور السلطنة والقلعة بجامكية وجراية. ثم ذكر عنه أنه أفسد بعض جواري الدور، فرسم بخصبه، فهرب إلى حلب، وخدم بابا عند ابن قراطابا فأحبل جارية، فطلب فهرب إلى دمشق، والتجأ إلى الأمير ضياء الدين القيمري، وأقام بمغارة في زاويته بجبل المزة، فيقال إنه اجتمع بجماعة من الصالحين وبشروه بما يكون منه ومن السلطان الملك الظاهر. واتفق اجتماع الملك الظاهر. واتفق اجتماع الملك الظاهر به في مدة مقامه بدمشق في خدمة الملك الملك الناصر فبشره بالملك. وكان الشيخ خضر قد احتوى على عقل الأمير سيف الدين قشتمر العجمي أحد الأمراء البحرية، فكان يخبره بسلطنة الملك الظاهر قبل وقوعها، ويخبره بأكثرما وقع، ثم اجتمع به الأمير سيف الدين ايتامش السغدي فأخبره أيضا بخبر الملك الظاهر، ثم كان من سلطنة الملك الظاهر فأقدمناه وصار هو في صحبة قشتمر العجمي وخرج معه عند خروج السلطان إلى الشام بسبب الملك الغيث صاحب الكرك فلما نزل السلطان ففأعلى الطور سأل عنه الأمير سيف الدين قشتمر العجمي فأخبره أنه قد انقطع في مغارة عند قبر أبي هريرة، رضي الله عنه، فتوجه السلطان إليه واجتمع به، فأخبره بوقائع كثيرة لم يحزم، فاغتبط به ولازمه، وبقي السلطان إذا حاصر بلدا من البلاد الساحلية والجبلية يخبره الشيخ بما يكون من أمره فيها، وبالوقت الذي يفتح فيه، فلا يخرم ذلك، ولما قصد السلطان أن يتوجه إلى الكرك في سنة خمس وستين وستمائة استشاره في ذلك فأشار عليه ألا يتوجه إليها في هذه السفرة، وأن يتوجه إلى الديار المصرية فخالفه وتوجه إليها، فانكسرت فخذه ببركة زيرا قبل وصوله كما قدمنا ذكر ذلك. ولما رأى السلطان ذلك منه عظم عنده وبنى له زاوية بطاهر القاهرة بالحسينية بجوار أرض الطبالة، ووقف عليها أحكارا بجملة كثيرة، وبالقدس زاوية، وبدمشق زاوية بالمزة، وببعلبك زاوية، وبحماة زاوية، ثم هدم كنيسة اليهود بدمشق، وهي الكنيسة العظمى عندهم، وجعلها زاوية كما تقدم، وهدم كنيسة النصارى بالقدس، وقتل فسيسها بيده وعملها زاوية، وهدم كنيسة الروم بالإسكندرية، وهي كرسي كنائسهم يعقدون فيها البتركية، ويزعمون أن رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام فيها، وهو عندهم يحنا المعمداني الذي عمد المسيح بن مريم وجعلها مسجدا وبنى فيها المحاريب وسماها المدرسة الخضراء، وفتح لها شباكا إلى الطريق، ورتب فيها فقراء من جهته، كذلك في جميع زواياه: جعل بكل زاوية منها فقراء يقطعون المصانعات ويحمون أرباب الجرائم من اللصوص وغيرهم، ويتعاطون الفسق.\rقال: ولقد سأله مرة والدي إبراهيم فقال: \" يا أخبي، أشتهي أعرف كيف كان سبب وصلتك إلى هذه المنزلة؟ \" ، فقال له: \" والله لا أقول لك حتى تقول لي الذي تعرف مني \" فقال له: \" أعرفك شيخ نحس نفوك من الجزيرة ثم من حلب ومن دمشق، وما رأيتك إلا وقد صرت في هذه المنزلة \" ، فقال: \" والله العظيم صدقت، وما صدقني أحد في الحديث إلا أنت يا أخي، لما هربت من الجزيرة طلعت إلى جبل الجودي، فيقيت احتطب في كل يوم جرزة حطب أبيعها بدرهم ونصف، فلما كان في بعض الأيام إذا أنا بفقير عريان ليس عليه لباس، وقد أنبت الله له شعرا على جسده، يستر عورته، فقال لي: \" يا خضر، ايش تعمل؟ \" ، قلت: \" أحتطب \" فقال: \" تعالى غدا إلى هذا المكان وخذ منه جرزتين حطب، بع الواحدة لنفسك والأخرى اشتر لي بثمنها موسى ومقصا ومشطا، \" فقلت: نعم. فلما كان الغد قصدت ذلك المكان فوجدت به جرزتين حطبا، فبعت إحداهما واشتريت له ما طلب، وبعث الأخرى لنفسي، قلما اجتمعت به قال لي: \" اذهب إلى الشام، فسوف يكون لك مع ملكه شأن عظيم \" . فقدر الله تعالى أنني سكنت هذه المغارة بالمزة، فحصل لي اجتماع بالسلطان الملك الظاهر لما كان في خدمته الملك الناصر، وفتح علي بأن بشرته بالملك، فلما ملك كان سبب الوصلة بيني وبينه الأمير سيف الدين قشتمر العجمي. قال: \" وكان ذلك الفقير قد أخبرني بجميع ما يقع لي في عمري وبجميع ما يقع للسلطان واقعة بعد أخرى \" .","part":8,"page":288},{"id":3799,"text":"قال: قال والدي: وكان في ذلك الوقت قد حصل لي وجع في ظهري، فقلت له: إن ظهري يؤلمني فمسح بيده على ظهري، فسكن الوجع، فقال: \" يا مجد الدين، سكن الوجع أم لا؟ \" . أما الوجع فقد سكن، وأما أنني اعتقد أنك رجل صالح فلا، وإنما هذا من جملة السعادة التي حصلت لك. ثم كان من قبض السلطان عليه واعتقاله ما تقدم ذكره، ولم يزل في اعتقاله إلى أن مات. قال: ولما عاد السلطان من غزاة الروم إلى دمشق كتب بإطلاقه فورد البريد بعد وفاته.\rوكان واسع الصدر كريم النفس، يعطى الدراهم والذهب الكثير، ويصنع له الطعام في قدور كبيرة مفرطة في الكبر، وكانت أحواله غير متناسبة والأقوال فيه مختلفة، فمن الناس من يثبت صلاحه، منهم من يرميه بالعظائم، وكان يكتب إلى صاحب حماة وغيره من الأمراء في أوراقه إليهم: خضر نياك الحمارة، وكتب بذلك إلى قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز ورقة، فأغضى عنها، ثم أخرى كذلك، فلما وصلت إليه الورقة الثالثة أحضر رسوله وقال له: \" قل له، والله لئن وصل إلى ورقة بعد هذه فيها مثل هذا: أحضرته إلى مجلس الحكم وقابلته بما يستحقه بمقتضى ما كتب به خطه \" ، فامتنع بعد ذلك من مكاتبته. ومات ولخ نيف وخمسون سنة، وكان ربع القامة، كث اللحية، في لسانه عجمة سامحه الله وإيانا.\rوفيها: كانت وفاة الأمير جمال الدين أقش المحمدي الصالحي بالقاهرة في ليلة الخمسين ثالث عشر ربيع الأول ودفن من الغد بتربته بالقرافة الصغرى، وقد ناهز سبعين سنة. وكان السلطان قد نقم عليه وحبسه مدة ثم أفرج عنه وأعاده إلى الإمرة، وكان رحمه الله تعالى عديم الشر.\rوفيها: توفي الأمير عز الدين أيبك الدمياطي الصالحي النجمي أحد الأمراء الأكابر المقدمين، وكان السلطان الملك الظاهر قد اعتقله كما تقدم ثم أفرج عنه، وكانت وفاته بالقاهرة في ليلة الاربعاء تاسع شعبان، ودفن بتربته التي أنشأها بين القاهرة ومصر، المجاورة لحوض السبيل المعروف به، وقد ناف على سبعين سنة، وكان كريما جدا، له مروءة تامة، رحمه الله تعالى.\rوفيها: توفي الأمير عز الدين أيدمر العلائي، وكان ينوب عن السلطنة في قلعة صفد فجرى بينه وبين النواب مفاوضة أدت إلى أن طلب الدستور من السلطان لينهي مصالح، فأذن له فجضر إلى الديار المصرية فأدركته منيته، فتوفى في ليلة الأربعاء سابع عشر شهر رجب، ودفن في يوم الأربعاء بالقرافة الصغرى. كان عفيفا أمينا محبا للعلماء والفقراء، وهو أخو الأمير علاء الدين أيدكن الصالحي العمادي، رحمه الله تعالى.\rوفيها: توفي الأمير شمس الدين بهادر المعروف بابن صاحب صهيون، وكان قد قدم إلى خدمة السلطان الملك الظاهر قبل وفاته بثلاثة سنين، فأحسن إليه وأكرمه، وكانت وفاته بالقاهرة في ليلة الأحد العشرين من شعبان، ودفن من الغد بتربته التي أنشأها خارج باب النصر، وقد ناف على أربعين سنة، رحمه الله تعالى.\rوفيها، كانت وفاة الملك القاهر بهاء الدين أبي محمد عبد الملك بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب، فجأه في يوم السبت خامس عشر المحرم من غير مرض، بل كان راكبا بسوق الخيل بدمشق فاشتكى ألما في فؤاده، فعاد إلى منزل كريمته زوجة الملك الزاهذ مجير الدين داود بن صاحب حمص، فأدركته منيته، فمات عند دخوله إليها، وقيل أنه مات في باب الدار قبل الدخول إليها، ودفن بسفح قاسيون. وكان مولده في سنة اثنتي وعشرين وستمائة، وكان رحمه الله تعالى رجلا جيدا شجاعا بطلا مقداما، سليم الصدر حسن الأوصاف كريم الأخلاق، لين الكلمة كثير التواضع، حسن الاعتقاد في الفقراء والصالحين، وكان يلبس ملابس العرب ويتزين بزيهم ويركب كمركبهم ويتخلق بأخلاقهم في كثير من أفعاله، رحمه الله.","part":8,"page":289},{"id":3800,"text":"وقد حكى الشيخ قطب الدين اليونيني، نفع الله به، في تاريخه، في سبب وفاته، قال: حكى لي تاج الدين نوح بن شيخ السلامية حكاية غريبة معناها: أن الأميرعز الدين أيدمر العلائي نائب السلطنة بقلعة صفد حدثه بها، قال: كان السلطان الملك الظاهر مولعا بالنجوم وما يقوله أرباب التقاويم، فأخبر أن يموت بدمشق في هذه السنة، سنة سبع وستين وستمائة، بالسم ملك، فحل عنده من ذلك أثر كبير.قال: وكان الملك الظاهر عنده حسد شديد لمن يوصف بالشجاعة أو بذكر جميل، ولما دخل الملك القاهر له صحبة السلطان ظهر يوم المصاف عن شجاعة، وظهرت نكايته في العدو حتى تعجب من فعله من شاهده، ورآه الملك الظاهر فتأثر منه وانضاف إلى ذلك أن السلطان حصل منه في ذلك اليوم فتور على خلاف عادته، وظهر عليه الندم كونه تورط في بلاد الروم - بكلمة الملك القاهر في ذلك الوقت - بكلام فيه إشارة إلى الإنكار وتقبيح فعله، فأثر ذلك عنده أثرا آخر، فلما عاد من غزاته وسمع الناس يلهجون بما فعله الملك القاهر تأثر من ذلك أيضا، وتخيل في ذهنه أنه إذ سمه فمات هو الذي ذكره أرباب النجوم لأنه يطلق عليه اسم ملك وله ذكر، فأحضره السلطان عنده لشرب القمز، وأعد له سما في ورقة وجعلها إلى جانبه، من غير أن يطلع على ذلك أحد، وللسلطان هنايات ثلاثة تختص به مع ثلاثة من سقاته، لا يشرف فيها غيره إلا من يكرمه ويناوله أحدها من يده، وانفق قيام الملك القاهر لقضاء الحاجة، فجعل السلطان ما في الورقة في هناب وأمسكه في يده فلما عاد الملك القاهر ناوله إياه فقبل الأرض وتناوله وشرب ما فيه، وقام الملك الظاهر لقضاء الحاجة فأخذ الساقي الهناب من يد الملك القاهر وملأه على العادة وهو لا يشعر بما وضعه السلطان فيه، فلما عاد السلطان تناول ذلك الهناب فشرب ما فيه وهو لا يظن أنه الذي جعل فيه ما جعل، فلما شربه أحس واستشعر وعلم أنه قد شرب من ذلك الهناب الذي في أثار السم وبقاياه وتخيل وامتد به المرض ومات كما تقدم. وأما الملك القاهر فمات من غد ذلك اليوم. وذكر الأمير عز الدين العلائي أنه بلغة ذلك من مطلع لا يشك في أخباره، والله تعالى أعلم.\rوفيها: قتل الأمير عز الدين أيبك الموصلي الظاهري، كان نائب السلطنة بحمص ثم نقله السلطان إلى نيابة السلطنة بحصن الأكرد وما معه، وكان ذا صرامة ونهضة وذكاء ومعرفة، وكان يتشيع، قتل غيلة ليلة الأربعاء سابع عشرين شهر رجب.\rوفيها: كانت وفاة الشيخ الإمام العالم الزاهد الورع محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف الدين بن مري بن الحسن بن الحسين بن حرام بن محمد النواوي الشافعي وكانت وفاته عند أبيه بنوى في يوم الأربعاء خامس عشر شهر رجب سنة ست وسبعين وستمائة، ومولده بنوى في سنة إحدى وثلاثين وستمائة، فيكون مدة عمره خمسا وأربعين سنة تقريبا. وكان رحمه الله تعالى كثير الورع والزهد واسع العلم له مصنفات مشهورة مفيدة منه: كتاب الروضة في الفقه، عليه تعتمد الشافعية وبه يحتجون غالباً، وشرح مسلم، ورياض الصالحين، وكتاب الأذكار، وشرح التنبيه، ومات قبل أن يكمله. ولم يكن في زمانه مثله في روعه وزهده، وكان لا يأكل إلا مما يأتي من جهة أبيه من نوى، فكان يخبز له الخبز بها ويقمر ويرسل إليه فيأكل منه، وما كان يجمع بين إدامين، فيأكل إما بالدبس أو الخل أو الزيت أو الزبيب، ويأكل اللحم في كل شهر مرة. وكان يتولى دار الحديث الأشرفية، ويجمع المباشر للوقف جامكيته بها، ثم يستأذنه فيما يفعل بها إذا اجتمعت، فتارة يشتري بها ملكا ويوقفه على المكان، وتارة يشتري بها كتبا ويوقفها ويجعلها في خزانة المدرسة المذكورة. وكان لا يقبل لأحد هدية، ولا يأكل أحد من أهل دمشق طعاما ولا غيره، وكان رحمه الله تعالى يواجه السلطان الملك الظاهر بالإنكار عليه في أفعاله، ويلاطفه السلطان ويحمل جفوة كلامه ويخاطبه يا سيدي، رحمه الله تعالى. وعاش والده الحاج شرف بعده إلى سنة إحدى وثمانين فمات في سابع عشر شهر صفر، وقيل فية سنة اثنتين وثمانين، ودفن بنوى، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة سبع وسبعين وستمائة\rتوجه السلطان إلى الشام وإقامته بدمشق\rوتجريد العساكر","part":8,"page":290},{"id":3801,"text":"في هذه السنة: توجه الملك السعيد إلى الشام وصحبته أخوه الملك المسعود نجم الدين خضر، ووالدته ابنة الأمير حسام الدين بركة خان، واستصحب الأمراء والعساكر. وكان رحيله من قلعة الجبل في ذي القعدة، ووصل إلى دمشق في يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة من السنة. ولما حل ركابه بدمشق أمر بأبطال الجبايات والمظالم التي كانت حدثت في الدولة الظاهرية، فاستبشر الناس بذلك.\rولما استقر السلطان لدمشق جرد العساكر المصرية والشامية، وجرد الأمير سيف الدين قلاون الألفي الصالحي في عشرة آلاف، وأمره أن يتوجه إلى جهة سيس، وجرد الأمير بدر الدين بيسرى الشمسي في عشرة آلاف وأمره أن يتوجه إلى قلعة الروم، وأقام هو بدمشق في مماليكه وخواصه، ونائبه الأمير سيف الدين كوندك. وأقام بدمشق من الأمراء الأكابر الأمير شمس الدين سنقر الاشقر، والأمير علم الدين سنجر الحلبي، وكان السلطان قد أفرج عنه بعد وفاة والده الملك الظاهر وأحسن إليه.\rقالوا: نوأراد السلطان بتجريد الأمراء الأكابر وإبعادهم عنه أن يتمكن في غيبتهم من التدبير عليهم، وعزم أنهم إذا عادوا قبض عليهم وأقطع أخبازهم لمماليكه، وظن أن ذلك يتم له، والمقادير بخلاف ظنه. فتوجه الأمراء إلى الغزاة \" وفي نفوسهم من ذلك إحن \" وكان من أمرهم عند عودهم ما نذكره إن شاء الله تعالى.\r\" ذكر \" أمر شاد الدواوين وفي هذه السنة في رابع عشرين ذي الحجة: حصل بين الأمير بدر الدين بكتوت الأقرعي شاد الواوين بدمشق، وبين نائب السلطنة بها، مفاوضة أدت إلى شكواه إلى السلطان فانتصر الأمراء لنائب السلطنة، فرسم بتفويض شاد الدواوين بالشام إلى الأمير علم الدين سنجر الدواداري، وكان من جملة الأمراء بحلب، وخلع عليه وأقطع خبز الأقرعي، ونقل الأقرعي إلى حلب على إقطاع الدواداري.\rوفي هذه السنة، في ليلة بسفر صاحبها عن يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي القعدة وهي سنة سبع وسبعين وستمائة: ولد مؤلف هذا الكتاب وجامعه، فقير رحمة ربه أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدايم بن عبادة بن علي بن طراد بن خطاب بن نصر بن إسماعيل ابن إبراهيم بن جعفر بن هلال بن الحسين بن ليث بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عبد الله بن عتيق، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن صاحبه، وأبي أصحابه، وجد صاحبه، والخليفة من بعده، وهو ثاني اثنين ابن أبي قحافة عثمان، رضوان الله عليهم، ابن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان، عرف مؤلفه بالنويري، عفا الله عنه ولطف به، وكان مولده بمدينة أخميم من صعيد مصر في التاريخ المذكور.\rوفي هذه السنة: كانت حوادث ووفاة جماعة من أرباب المناصب، وولاية غيرهم، نذكرها الآن في هذا الموضع. ولا نشترط في إيرادها الترتيب، بل نوردها بمقتضى المناصب، فمن ذلك: \" ذكر \" وفاة الأمير جمال الدين أقش النجيبي الصالحي كانت وفاته بالقاهرة في يوم الجمعة خامس شهر ربيع الآخر. وكان يلي أستار دارية السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب. وتولى أستاد دارية السلطان الملك الظاهر في ابتداء سلطنته، ثم نقله إلى نيابة السلطنة بالشام كما تقدم. وكان رحمه الله تعالى، دينا كثير الإحسان إلى الرعية والرفق بهم. وكان يكره السعاية في الناس ومن سعى عنده بأحد أبعده، وكان يحب أهل الخير ويقربهم. وأنشأ بدمشق للشافعية وخانقاه للصوفية على الميدان بالشرف الأعلى، وخانا للسبيل بميدان الحصا. ووقف بالديار المصرية وقفا على المجاورين. ولم يرزق في عصره ولدا. وكان عظيم الشكل والخلقة، كبير البطن، جهوري الصوت، أكولا رحمه الله تعالى.\rوفاة الصاحب بهاء الدين","part":8,"page":291},{"id":3802,"text":"وفي هذه السنة: كانت وفاة الصاحب الوزير بهاء الدين \" أبو الحسن \" علي بن محمد بن سليم المعروف بابن حنا، بمصر وقت آذان العصر من يوم الخميس سلخ ذي القعدة. ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة وتربته بالقرافة. ومولده بمصر في سنة ثلاث وستمائة، ومات وهو جد جدَ. وكان في ابتداء أمره في دكان يبيع الخام، ثم تنقلت به الأحوال وباشر في الديوان السلطاني حتى انتهى إلى هذه الغاية. وكان من رجال الدهر حزما وعزما وتدبيرا، وكتابة وتحصيلا للأموال وقياما بمصالح الدولة، وكان شديد الغيرة على منصبه، فإذا تعرض أحد من المتعممين المباشرين إلى الاجتماع بالسلطان عمل على إتلاقه، وكذلك من يجتمع بأكابر الأمراء من هذه الطائفة، ويحسن إلى من يتصل بخدمته وخدمة أولاده، وينتمي إليهم ويقدمهم وكان حسن الظن بالفقراء والمشايخ كثير الإكرام لهم ولا يمل من حوائجهم، ويتشفع الناس عنده بهم فلا يردهم، وكان أمينا في وزارته، ما تكلم عليه ولا على أولاده بخيانة وإنما كانوا كلهم يتجهون تجاه الغل ويزرعون فاتسعت بذلك أحوالهم وكثرت أموالهم، وعمروا الأبنية العظيمة والمساكن البديعة والمنزهات ، وعمر هو مدرسة بزقاق القناديل بمصر، ووقف عليها أوقافا، وكان كثير الصدقة والتزم صوم الدهر في وزارته. وكان يثيب الشعراء على مدائحهم، وامتدحه الشيخ رشيد الدين الفارقي فقال:\rوقايل في الورى نبه لها عمرا ... فقلت إن علينا قد تنبه لي\rمالي إذا كنت محتاجا إلى عمرا ... من حاجة فليتم حسبي انتباه علي\rوكا متمكنا من السلطان الملك الظاهر، يصرح باعتقاد بركته، حتى رام جماعة من الأمراء الأكابر خوشداشية السلطان أذاه عند السلطان وذكر معايبه في أوقات، فكان السلطان إذا تنسم ذلك منهم أو من أحد بادره السلطان بذكر محاسنه وأنه في بركته، فيقف من يقصد أذاه عن ذلك. ولما مات وصل الخبر إلى السلطان وهو بمنزلة الكسوة، فأمر بإيقاع الحوطة على الصاحب تاج الدين ولد وولده، وكان صحبته، وأخذ خطه بمائة ألف دينار، وأرسله إلى مصر، ورسم أن يستخرج من أخيه الصاحب زين الدين مائة ألف دينار، ومن الصاحب عز الدين بن الصاحب محيي الدين مائة ألف دينار. وفوض السلطان وزارته للصاحب برهان الدين الخضر السنجاري، وفوضت وزارة الصحبة للصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان صاحب ديوان الإنشاء في هذا التاريخ ودخل إلى دمشق متوليا.\r\" ذكر \" وفاة مجد الدين عبد الرحمن بن الصاحب كمال الدين عمر بن العديم وفيها: توفي القاضي مجد الدين \" أبو محمد \" عبد الرحمن بن الصاحب كمال الدين عمر بن العدين قاضي الحنفية بدمشق، وكانت وفاته بدمشق في يوم الثلاثاء سادس شهر بيع الآخر، ومولده بحلب في جمادى الأولى سنة أربع عشرة وستمائة. وكان رجلا دينا صالحا فاضلا لطيفا، وتولى تدريس المدرسة الظاهرية بالقاهرة كما تقدم، وخطابة الجامع الظاهري بظاهر القاهرة، ثم نقل إلى قضاء دمشق كما تقدم. ولما مات فوض قضاء القضاة الحنيفة بدمشق لقاضي القضاة الشيخ صدر الدين أبي الربيع سليمان بن أبي العز بن وهيب الحنفي، وكان قاضي القضاة الحنفية بالديار المصرية، وتوجه في الصحبة الظاهرية إلى غزوة الروم، فلما عاد واتفقت وفاة السلطان سأل أن يكون مدرسا بدمشق ومجاورا لتربة السلطان ففوض إليه تدريس المدرسة الظاهرية بدمشق، وكان ابتداء جلوس المدرسين بها في ثالث صفر من هذه السنة، وولى تدريس الشافعية بها الشيخ رشيد الدين الفارقي، واستمر القاضي صدر الدين في القضاء أربعة أشهر ومات. وكانت وفاته بدمشق في ليلة الجمعة سادس شعبان، ودفن بسفح قاسيون بتربته وكان له، رحمه الله، التصانيف المفيدة في مذهبه، ولما مات فوض الاقضاء بعده بدمشق لقاضي القضاة حسم الدين الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنوشروان قاضي ملطية، وكان قد حضروا إلى الشام صحبة السلطان الملك الظاهر، ففوض إليه القضاء بدمشق في التاسع والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وسبعين وستمائة، وقيل في شوال منها.","part":8,"page":292},{"id":3803,"text":"وفيها: كانت وفاة الشيخ تاج الدين محمد بن علي بن يوسف بن شاها نشاه بن غسيان بن محمد بن جلب راغب المعروف بابن ميسر المصري، وكان فاضلا جمع تاريخا لمصر، وقد نقلنا عنه مواضع فيما سلف من كتابنا هذا، وكانت وفاته بمصر في يوم السبت ثاني عشر المحرم، وذفن بسفح المقطم. ومولده في يوم الثلاثاء ثالث جمادى الأول سنة ثمان وعشرين وستمائة بمصر، رحمه الله تعالى.\r\" ذكر \" وفاة الشيخ العارف نجم الدين أبو المعالي محمد بن الخضر الشيباني الحريري وفيها في ليلة الأحد رابع عشر شهر ربيع الآخر: توفي الشيخ العارف المحقق نجم الدين أبو المعالي محمد بن الخضر بن سوار بن اسرائيل الشيباني الحريري بدمشق، ودفن بقبة الشيخ أرسلان بمقبرة باب توما. ومولده في يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستمائة بدمشق، وكان دينا صالحا كريما متواضعا فاضلا أديبا ناظما وله ديوان شعر، وشعره كثير المعاني، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة ثمان وسبعين وستمائة \" استهلت \" والسلطان الملك السعيد بدمشق، وفي خدمته من الأمراء من ذكر والعساكر مجردة كما تقدم.\rوفي هذه السنة في ثامن المحرم: فوضت وزارة دمشق للصاحب فتح الدين عبد الله بن القيسراني الحلبي، وركب والرؤساء والأكابر في خدمته وباشر من يومه وفيها في شهر ربيع الأول: وقع بين الأمراء الخاصكية وبين الأمير سيف الدين كوندك نائب السلطنة فتنه، وكان سببها أن السلطان الملك السعيد أكثر من الأنعام على الخاصكية وأوسع في العطاء لهم، فاتفق إنه أنعم على بعضهم بألف دينار، فتوقف النائب في إمضاء المرسوم، فاجتمع المنعم عليه بيقيه خواشدشيته وعرفهم ذلك، فاجتمعوا وحضروا إلى الأمير سيف الدين كوندك وأسمعوه ما يكره، ودخلوا إلى السلطان وصمموا على عزله، فأجابهم إلى ذلك.فخرجوا إليه ليوقعوا به ويقبضوا عليه أو يقتلوه. وكان ذلك بحضور الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، فمنعهم من ذلك وأخذه وضمه إليه. فخرج منشور السلطان له في اليوم الثاني بإمرة أربعين فارسا بحلب، فاستمر عند الأمير شمس الدين سنقر الأشقر سبعة أيام. ووردت الأخبار بعود الأمراء.\rعود الأمراء من الغزاة\rوظهور الوحشة والمنافرة بينهم وبين السلطان الملك السعيد وتوجيههم إلى الديار المصرية","part":8,"page":293},{"id":3804,"text":"قال: ولما عاد الأمراء من الغزاة وقصدوا العبور إلى دمشق، أرسل إليهم الأمير سيف الدين كوندك يخبرهم بجلية الخبر ويعلمهم بما تقرر سرا. ثم ركب وخرج إليهم وتلقاهم، واجتمع بالأمير سيف الدين قلاون الألفي، وبدر الدين بيسرى الشمسي، وتحدث معهما فأقاما بالمرج بمن معهما من الأمراء ولم يعبرا \" إلى \" دمشق، وسير إلى السلطان يقولان له: \" إن الأمير سيف الدين كوندك حضر إلينا وشكى من لاجين الزيني شكاوي كثيرة، ولا بد لنا من الكشف عنها، فييسره السلطان إلينا لنسمع كل منهما وننصف بينهما \" . فلم يعبأ \" السلطان \" بقولهما، وكتب إلى الأمراء الظاهرية التي معهما أن يفارقوهما ويعبروا إلى دمسق. فوقع القاصد بالكتب إلى الأمير سيف الدين كوندك فأحضره إلى الأمراء وأوقفهم على الكتب، فتحققوا سوء رأيه فيهم. ورحلوا من وقتهم من المرج ونزلوا بالجسورا وأظهروا الأمور الدالة على الخلاف. وندم السلطان وبعث الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير شمس الدين سنقر التكريتي الظاهري استاد الدار إليهم، وتلطف بهم وقصد رجوعهم، فما وافقوا على الرجوع. ثم خرجت إليهم والدة السلطان إلى منزلة الكسوة، واجتمعت بالأمراء وسألتهم الرجوع فما رجعوا. وساروا إلى الديار المصرية، فوصلوا إليها ونزلوا تحت الجبل في شهر ربيع الآخر، فاتصل بالأمراء المقيمين بالقلعة قدومهم، وكان بها الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي أمير جاندار، والأمير علاء الدين أقطوان الساقي، وسيف الدين بلبان الزريقي، فتقدموا إلى متولي القاهرة بغلق أبوابها فغلقت، وبنى خلف أكثرها الحيطان. فأرسلوا إلى الأمراء الذين بالقلعة في فتح الأبواب ليعبر العسكر إلى بيوتهم، فنزل الأمير عز الدين الأفرم، والأمير علاء الدين أقطوان إلى الأمراء ليجتمعا بهم، فقبض عليهما الأمير سيف الدين كوندك، وأرسل الأمراء ففتحوا أبواب المدينة. ودخل الناس إلى بيوتهم بأثقالهم. ولما قبض على الأمير عز الدين الأفرم وعلاء الدين أقطوان نقلان إلى دار الأمير سيف الدين قلاون بالقاهرة. وأغلق الأمير سيف الدين بلبان الزريقي أبواب القلعة واستعد للحصار.\rوصول السلطان إلى قلعة الجبل وما كان من أمره\rإلى أن انخلع من السلطنة","part":8,"page":294},{"id":3805,"text":"قال المؤرخ: ولما رأى السلطان توجه الأمراء إلى الديار المصرية وانفرادهم عنه، جمع من كان بدمشق من بقايا العسكر المصري والعساكر الشامية، واستدعى العربان وأنفق الأموال فيهم بدمشق، وسار إلى الديار المصرية. وكان رحيله من دمشق في يوم الجمعة ثاني شهر ربيع الآخر، وسلم قلعة دمشق إلى الأمير علم الدين سنجر الدوداري وجعله نائبا إلى حين عود الأمير عز الدين أيدمر النائب، فلما وصل السلطان إلى غزة تسلل أكثر العربان وتفرقوا، ولم يصل إلى بلبيس ومعه من العسكر الشامي إلا اليسير. فأعطى من بقي منهم دستورا، فعادوا صحبة الأمير عز الدين أيدمر الظاهري نائب الشام، وكان وصولهم في مستهل جمادى الأول. وكان الأمير سيف الدين قلاون لما عاد من غزاة سيس جرد من العسكر الشامي بحلب الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الجالق الصالحي، والأمير عز الدين أزدمر العلائي، والأمير شمس الدين قراسنقر المعزي، والأمير جمال الدين أقش الشمسي وغيرهم من نحو ألفي فارس، فلما اتصل بهم خبر هذا الاختلاف رجعوا إلى دمشق في شهر ربيع الآخر وقدموا عليهم الأمير جمال الدين أقش الشمسي. ووصل الأمير عز الدين أيدمر النائب بالشام إلى دمشق هو ومن معه فخرج الأمراء الذين وصلوا من حلب يتلقونه. فلما التقوه سبه الأمير ركن الدين الجالق والأمير عز الدين أزدمر العلائي وقالا له: \" كيف فارقت السلطان \" . فلما وصلوا إلى باب الجابية أخذه الأمير جمال الدين أقش الشمسي إلى داره وقال له: \" تكون بداري إلى أن يرد مرسوم السلطان، ولا تكون سبب إقامة فتنة \" . فتوجه معه إلى داره فأقام عنده إلى عشية النهار، وجاء الأمير ركن الدين الجالق وازدمر العلائي إلى الأمير جمال الدين أقش الشمسي بعد صلاة العصر وأخذ الأمير عز الدين النائب من عنده وتوجها به إلى القلعة وسلماه إلى الأمير علم الدين سنقر الدواداري فتسلمه منهما وجعله بقاعة البحرة، ورسم عليه ومكنه من دخول الحمام. فجاء الأميران إلى القلعة في يوم الاثنين. بعد العصر واجتمعا بالدواواري وانكرا عليه كونه مكنه من دخول الحمام، وقالوا: تسلمه إلينا نتوجه به إلى الديار المصرية.\rفقال: إنه ما جاءني ولا جاءكم مرسوم بالقبض عليه. وقد قبضتم عليه ووصل إلى عندي، فكيف أسلمه إليكما وبأي عذر أعتذر إلى السلطان \" . فأغلظوا له في القول. فلما أنكر حالهم وثب من بينهما وأمر رجاله بالقلعة بغلق أبوابها. فوثب الأميران وجردا سيوفهما وخرجا على حمية، وأغلق الدوادري باب قلعة دمشق.\rهذا ما كان بالشام أما الملك السعيد فإنه لم يبق معه من الأمراء الأكابر إلا الأمير شمس الدين سنقر الأشقر والأمير علم الدين الحلبي، والبقية من المماليك السعيدية، كلاجين الزيني ومن يجري مجراه، فلما وصل إلى قرب المطرية فارقه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وانفرد عنه وعن الأمراء.\rقال: ولما بلغ الأمراء أن السلطان يقصد طلوع القلعة من وراء الجبل الأحمر ركبوا ليمنعوه من الوصول إلى القلعة، فجاء سحاب أسود وأظلم الوقت حتى أن الإنسان لا يرى رفيقه الذي يسايره، فطلع السلطان إلى القلعة، وما رأوه. ولما استقر بها حاصره الأمراء وأحاطوا بالقلعو، واتفقا أن لاجين الزيني أنكر على الأمير سيف الدين بلبان الزريقي وشتمه، فتغير خاطره ونزل من القلعو وانحاز إلى الأمراء؛ وتسلل المماليك من القلعة واحدا بعد واحد ونزلوا إلى الأمراء. وأشار الأمير علم الدين سنقر الحلبي على السلطان بالإفراج عن المعتقلين، فأفرج عن الأمراء الشهرزورية وغيرهم، واستشار السلطان الأمير المشار إليه فيما يفعل، فقال:","part":8,"page":295},{"id":3806,"text":"\" أرى أن أخذ المماليك السلطانية واهجم بهم على الأمراء وأفرق شملهم \" . فلم يوافقه على ذلك وتمادى الأمر اسبوعا، فأرسل السلطان إلى الأمراء وسألهم أن يكون الشام بكماله لهم، فأبوا ذلك إلا أن يخلع نفسه من الملك. فالتمس من الأمير سيف الدين قلاون والأمير بدر الدين بيسرى أن يعطوه قلعة الكرك فأجاباه إلى ذلك. ونزل من القلعة بعد أن حلفوه ألا يتطرق إلى غيرها وأن لا يكاتب أحدا من النواب ولا يستميل أحدا من الجند. وحلفوا له أنهم لا يؤذونه في نفسه ولا يغيرون عليه. وسفروه لوقته صحبة الأمير سيف الدين بيغان الركني وجماعة يوصلونه إلى الكرك فأوصلوه إليها وتسلمها من الأمير علاء الدين أيدكين الفخري النائب بها، وتسلم ما بها من الأموال والذخائر. وكان خروجه من السلطنة في شهر ربيع الآخر ثمان وسبعين وستمائة. فكانت مدة سلطنته بعد وفاة والده سنتين وشهرين وأياما.\rثم ملك بعد أخوه السلطان الملك العادل بدر الديم سلامش بن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي وهو السادس من ملوك دولة الترك بالديار المصرية.\rملك بعد خلع أخيه السلطان الملك السعيد في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وستمائة. وذلك أنه لما سفر الملك السعيد إلى الكرك عرضت السلطنة على الأمير سيف الدين قلاون فأبى ذلك، وقال: \" لم أخلع الملك طمعا في السلطنة إلا حفظا للنظام، وألفه لأكابر الأمراء أن يتقدم عليهم الاصاغر، والأولى إلا تخرج السلطنة عن الذرية الظاهرية، فأقام بدر الدين سلامش هذا وله من العمر سبع سنين، وخطب له على المنابر، وضربت السكتة باسمه، ودبر الأمر سيف الدين قلاون أتابكية الدولة. ولم يكن للملك العادل معه غير مجرد الاسم. وأقر الصاحب برهان الدين السناجري على الوزارة وعزل قاضي القضاة تقي الدين محمد بن الحسين بن زين على القضاء بالديار المصرية، وفوضه إلى القاضي صدر الدين عمر بن قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز وذلك في جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وستمائة. وعزل القاضي شمس الدين بن شكر المالكي، والقاضي معز الدين الحنفي عن القضاء. ثم أعيد بعد مدة يسيرة. وفوض قضاء الحنابلة للقاضي عز الدين المقدس الحنبلي. واستناب الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بالشام وسيره إلى دمشق. وكان وصوله إليها. في يوم الأربعاء ثاني جمادى الأخرى. وحال وصوله طلب الأمير علم الدين سنجر الدواداري نائب قلعة دمشق وأمره بتسليم القلعة للأمير سيف الدين الصالحي. حسب ما رسم به، فتسلمها واستمر نائبا بها.\rوفي يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة أمر الأمير شمس الدين بالقبض على الصاحب فتح الدين ابن القيسراني وإيقاع الحوطة على موجوده وسير إلى الأبواب السلطانية تحت الاحتياط.\rقال: وأخذ الأمير سيف الدين قلاون في القبض على الأمراء الظاهرية وهو في أثناء ذلك يدير الأحوال ويفرق الأموال ويوس الممالك ويمهد لنفسه المسالك.\rوأما الأمير بدر الدين بيسرى فإنه اشتغل بالشرب واللهو. فاجتمعت أراء الأمراء على استقلال الأمير سيف الدين قلاون بالسلطنة، فأجابهم إلى ذلك، وخلع الملك سلامش من السلطنة. فكان \" كذا \" مدة وقوع اسم السلطنة عليه مائة يوم.\rوكان حسن الصورة جميل الهيئة، كثير السكون والحياء والعقل والأدب والتأني على صغر سنه /////الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي النجمي وهو السابع من ملوك دولة الترك بالديار المصرية. وهو من خالصة القفجاق، من قبيلة بُرْج أُغلي. وكان مملوك الأمير علاء الدين أقسنقر الساقي العادلي. اشتراه بألف دينار، فعرف بالألفي. واتفقت وفاة أستاذه في الأيام الصالحية، في يوم الجمعة، الثامن والعشرين، من شهر رجب، سنة ثمان وسبعين وستمائة؛ فارتجع الى المماليك السلطانية هو وجماعة من خشداشيته، فهم يعرفون بالعلائية.","part":8,"page":296},{"id":3807,"text":"وكان السلطان الملك المنصور هذا، في جملة البحرية الذين خرجوا من الديار المصرية، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاي. ثم تنقلت به الحال الى هذه الغاية. ملك الديار المصرية والبلاد الشامية، وما مع ذلك. وجلس على تخت السلطنة، بقلعة الجبل، في يوم الأحد، العشرين من شهر رجب الفرد، سنة ثمان وسبعين وستمائة. واستحلف الأمراء والمقدمين، ومن جرت العادة باستحلافه. وخُطِب له على المنابر، وكتب الى دمشق، والى سائر الممالك يخبرهم بذلك. فوصل البريد الى دمشق في الثامن والعشرين من الشهر. وساق بعض مماليك الملك المنصور من باب الإسطبل السلطاني، بظاهر قلعة الجبل الى دمشق، في يومين وسبع ساعات. وحلف الناس له بالشام. وخطب له على منابر دمشق، في يوم الجمعة ثاني شعبان.\rوكان من أول ما اعتمده السلطان عند جلوسه على تخت السلطنة، أنه أمر بإبطال زكاء الدولية، بالديار المصرية، وكانت قد أجحفت بالرعية. وأفرج عن الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي، ورتبه في نهاية السلطنة. فتولاها مدة يسيرة، ثم استعفى منها فأعفاه، وفوض نيابة السلطنة بعده، لمملوكه الأمير حسان الدين طرنطاي، وذلك في يوم السبت الثالث والعشرين من شهر رمضان من السنة. وأقر الصاحب برهان الدين السنجاري على الوزارة، ورتب مملوكه الأمير علم الدين سنجر الشجاعي في شد الدولة.\rوكان أول ركوب السلطان الملك المنصور بشعار السلطنة، في يوم السبت الثالث من شعبان. وكتب الى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بركوبه، والكتاب بخط القاضي تاج الدين بن الأثير، جاء منه: ولازالت أيامه بمحابّها تهنى، وترى من النصر ما كانت تتمنى، وتتأمل آثارها فتملأها حسنا. وتشاهد من أماير الظفر ما يوسع على العباد أمنا. ويستزيد الحمد على ما وهب من الملك، الذي أولى كُلاً منّا منّا.\rالمملوك يهدي من لطيف أنبائه، ووظائف دعائه، وما استقر من عوارف الله لديه، وما حباه به من النعم، التي ملأت يديه، ما يستروح بنسيمه؛ ويستفتح لسان الحمد بتقديمه، وتزداد به مسرة نفسه وابتهاجها، وتزدان عقود السعود، وإنما يزين اللآلئ في العقود ازدواجها، وتقوى به قوى العزائم، وتمثله الأعداء في أفكارها، فتكاد تجر ذيول العزائم، وتبعث الآمال على تمسكها بالنصر، وتظهر منه المحاب التي لو قصدت الأقلام لحصرها، لعجزت عن الحصر. وهو أن العلم الكريم، قد أحاط بالصورة التي استقرت، من دخول الناس في طاعة المملوك، واجتماع الكلمة عليه، واستقلاله بأمر السلطنة المعظمة.\rولما كان يوم السبت، الثالث من شعبان المبارك، سنة ثمان وسبعين وستمائة، ركب المملوك بشعار السلطنة، وأبهة الملك؛ وسلك المجالس العالية، الأمراء والمقدمون والمفاردة والعساكر المنصورة، من آداب الخدمة، وإخلاص النية، وحسن الطاعة كل ما دلّ على انتظام الأمر واتساق عقد النصر.\rولما قضينا من أمر الركوب وطرا، وأنجزنا للأولياء وعداً من السعادة منظرا، عدنا الى قلعة الجبل المحروسة، والأيدي بالأدعية الصالحة لنا مرتفعة، والقلوب على محبة أيامنا مجتمعة، والآمال قد توقفت بالعدل واستمراره، والأبصار قد استشرفت من التأييد مطالع أنواره. وشرعنا من الآن في أسباب الجهاد، وأخذنا في كل ما يؤذن، إن شاء الله تعالى، بفتح ما بأيدي العدو من البلاد. ولم يبق إلا أن تتثنى الأعنة، وتسدد الأسنة، ويظهر ما في النفوس، من مضمرات المقاصد المستكنة.\rورسمنا بأن تزين دمشق المحروسة، وتضرب البشائر في البلاد، وأن يسمعها كل حاضر وباد. والله تعالى، يجعل أوقاته بالتهاني مفتتحة، ويشكر مساعيه، التي مازالت في كل موقف ممتدحة، إن شاء الله تعالى، والحمد لله وحده.\rعزل الصاحب برهان الدين السنجاري عن الوزارة، وتفويضها\rللصاحب فخر الدين ابراهيم بن لقمان وغير ذلك وفي هذه السنة، في السادس والعشرين، من شهر رمضان، عزل السلطان، الصاحب برهان الدين الخضر السنجاري عن الوزارة، ولزم مدرسة أخيه قاضي القضاة بدر الدين، بالقرافة الصغرى. واستوزر السلطان بعده، الصاحب فخر الدين ابراهيم بن لقمان.","part":8,"page":297},{"id":3808,"text":"وفيها، في شعبان، رسم السلطان بإعفاء تقي الدين توبة التكريتي بيع الخزانة بدمشق، من هذه الوظيفة؛ وأن يسامح بما عليه من البواقي. وفوض إليه نظر الخزانة بدمشق فباشرها، واستمر الى خامس شوال منها. ثم فوض إليه وزارة الشام، وخلع عليه خلع الوزراء.\rوفيها، في أواخر شوال، حضر الأمير عز الدين أيدمر الظاهري، من دمشق، تحت الاحتياط، وجرد معه جماعة، فلما وصل الى قلعة الجبل اعتقل بها.\rوفيها، فوض السلطان قلعة دمشق لمملوكه الأمير حسام الدين لاجين السلاح دار، وهو المعروف بلاجين الصغير، فوصل إليها وسكنها، وذلك في العشرين من ذي الحجة من هذه السنة، فتخيل منه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، نائب السلطنة بالشام. وكان من خروجه عن طاعة السلطان، وسلطنته بدمشق ما نذكره.\rوقد رأينا أن نذكر أخباره، وما كان من أخبار أولاد السلطان الملك الظاهر بالكرك في هذا الموضع الى آخر أخبارهم، ليكون ذلك سياقة. ثم نذكر الغزوات والفتوحات في الأيام المنصورية بجملتها، على توال واتساق. بمقتضى ما يقدمه التاريخ. ثم نشرح بعد ذلك حوادث السنين، وما وقع فيها من الولاية والعزل والأخبار، والوفيات، الى انقضاء الدولة، على ما تقف على ذلك إن شاء الله تعالى في مواضعه.\rأخبار الأمير شمس الدين سنقر الأشقر\rوخروجه عن طاعة السلطان، وسلطنته بدمشق، وما كان من أمره الى أن عاد للطاعة، ورجع الى الخدمة السلطانية قد قدمنا أن السلطان الملك المنصور، في زمن أتابكيته، في سلطنة الملك العادل بدر الدين سلامش. جهزه الى الشام، نائباً عن السلطنة بدمشق، وكان قد نقل الأمير جمال الدين أفش الشمسي من دمشق الى نيابة السلطنة بحلب. فلما ملك السلطان الملك المنصور، واستقر بالسلطنة، خطر ببال الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، أن يستبد بسلطنة الشام، ويصير الأمر على ما كان عليه في أواخر الدولة الأيوبية. فجمع الأمراء الذين عنده، وأوهمهم أن الأخبار وصلت إليه، أن السلطان الملك المنصور قد قتل، وهو يشرب الخمر. ودعاهم الى طاعته، واستحلفهم لنفسه. فأجابوه، وحلفوا له، وتلقب بالملك الكامل، وركب بشعار السلطنة، وأبّهة الملك، بدمشق، وذلك في الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثمان وسبعين وستمائة. وفي الوقت، قبض على الأمير حسام الدين لاجين المنصوري، نائب السلطنة بقلعة دمشق، وعلى الصاحب تقي الدين توبة. وجهز الأمير سيف الدين بلبان الحبيشي، الى سائر الممالك الشامية والقلاع، ليحلف من بها من النواب وغيرهم. واستوزر الصدر مجد الدين أبا الفدا اسماعيل بن كسيرات الموصلي، وجعل وزير الصحبة الصدر عز الدين أحمد بن ميسّر المصري، وانتقل بأهله من دار السعادة، التي يسكنها نواب السلطنة بدمشق، الى القلعة. وأمر عند انتقال أهله، بغلق باب النصر، وفتح باب سر القلعة، المقابل لدار السعادة، بجوار باب النصر، ففعلوا ذلك. فتطاير الناس له بأشياء، وقالوا: أغلق باب النصر، وانتقل من دار السعادة، وسكن القلعة، وولى وزارته ابن كسيرات، فهذا لا يتم أمره، وكان كذلك.\rالتقاء العسكر المصري والعسكر الشامي\rوانهزام عسكر الشام، وأسر من يذكر من أمرائه في المرة الأولى كان السلطان الملك المنصور، قد جهّز الأمير عز الدين أيبك الأفرم الى الكرك على سبيل الإرهاب، عندما بلغه وفاة الملك السعيد، على ما نذكر ذلك، إن شاء الله. فبلغ الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، أنه خرج من الديار المصرية، في طائفة من عساكرها، فظن أنه يقصده. فكتب إليه ينهاه عن التقدم، ويقول: إنني مهدت الشام، وفتحت القلاع، وخدمت السلطان، وكان الاتفاق بيني وبنيه، أن أكون حاكماً على ما بين الفرات والعريش، فاستتاب أقوش الشمسي بحلب، وعلاء الدين الكبكي بصفد، وسيف الدين بلبان الطباخي بحصن الأكراد. وآخر الحال أنه يسيّر إلي من يقصد مسكي.","part":8,"page":298},{"id":3809,"text":"واتبع سنقر الأشقار كتابه، بتجريد العساكر. فلما وصل الكتاب الى الأمير عز الدين الأفرم، كتبت مطالعة الى السلطان، وجهّز الكتاب الذي أرسله سنقر الأشقر عطفها. فكتب السلطان الى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وكتب إليه أيضاً الأمراء خوشداشيته، يقبحون عليه فعله، ويحضونه على الرجوع الى الطاعة. وتوجه بالكتب الأمير سيف الدين بلبان الكريمي العلائي خوشداشة، فوصل الى دمشق في ثامن المحرم سنة تسع وسبعين وستمائة. فخرج إليه سنقر الأشقر، وتلقاه وأنزله عنده، بقلعة دمشق وأكرمه. ومع ذلك، لم يصغ الى قوله، ولا رجعل الى ما أشار به خوشداشيته.\rقال: ولما وصل كتاب سنقر الأشقر الى الأمير عز الدين الأفرم، رجع الى غزة. وعاد الأمير بدر الدين الأيدمري من الشوبك، بعد أخذها، على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فاجتمعا على غزة.\rوجمع سنقر الأشقر العساكر، من حلب وحماه وحمص. واستدعى علي الكبكي من صفد، والعربان من البلاد، وجهز جماعة من عسكر الشام، وقدم عليهم الأمير شمس الدين قراسنقر المعزي، فتوجه الى غزة. والتقوا هم والعسكر المصري. فانكسر عسكر الشام، وأسر جماعة من أعيان الأمراء، منهم بدر الدين كنجك الخوارزمي، وبهاء الدين يحك الناصري، وناصر الدين باشقرد الناصري، وبدر الدين بيليك الحلبي، وعلم الدين سنجر التكريتي، وسنجر البدري، وسابق الدين سليمان صاحب صهيون، وسُيّروا الى السلطان، فأحسن إليهم، وخلع عليهم، ولم يؤاخذهم.\rتجريد العساكر الى دمشق، وحرب سنقر الأشقر وانهزامه\rوإخلائه دمشق، ودخول العسكر المصري إليها قال: ولما وصل خبر الكسرة، الى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، المنعوت بالملك الكامل، بدمشق، أخذ في الاهتمام وجمع العساكر. وكتب الى الأمراء الذين بغزة، من جهة الملك المنصور، يعدهم ويستميلهم، وعين لكل منهم قلعة. وعسكر بظاهر دمشق. فجرّد السلطان، الأمير علم الدين سنجر الحلبي، والأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح، بالعساكر ومن معهما من مضافيهما. فاجتمعا بالأميرين عز الدين الأفرم، وبدر الدين الأيدمري ومن معهما. وساروا، والمقدم عليهم الأمير علم الدين سنجر الحلبي.\rوكان سنقر الأشقر، قد برز من قلعة دمشق، بعساكر الشام في ثاني عشر صفر، سنة تسع وسبعين وستمائة، ونزل بالجسورة. ووصل العسكر المصري الى الكسوة، وترتب الأطلاب وتقدمت. والتقى العسكران بالجسورة، في خامس عشر الشهر. وعند اللقاء انهزم عسكر حماه والعسكر الحلبي. وانحاز جماعة من الشاميين الى العسكر المصري. وحمل سنجر الحلبي على سنقر الأشقر، فانهزم لوقته. وصحبه من الأمراء الأخصاء به، الأمير عز الدين ازدمر الحاج، والأمير علاء الدين الكبكي، والأمير شمس الدين قراسنقر المعزي، والأمير سيف الدين بلبان الحبيشي. وكان سنقر الأشقر، من عشية يوم الجمعة، ثالث عشر صفر، قد جهز أولاده وحريمه وحواصله الى صهيون. فلما انهزم توجه به العرب الى الرحبة، وكان من خبره ما نذكره.\rقال: ولما انهزم سنقر الأشقر غلقت أبواب المدينة، مخافة أن ينهبها العسكر المصري. وامتنعت القلعة أيضاً. ونزل الأمير علم الدين الحلبي بالقصر الأبلق، بالميدان الأخضر، وبات العسكر حوله الى اليوم الثاني. فجاء الأمير سيف الدين الجوكندار، وهو نائب القلعة، من جهة الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، الى الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الجالق، والأمير حسام الدين لاجين المنصوري، والصاحب تقي الدين توبة، وهم في الاعتقال بالقلعة، وحلّفهم أنهم لا يؤذونه إذا أخرجهم، ولا يؤذون أحداً من مستخدمي القلعة، وأمنوا الناس. وكان الأمير علم الدين الحلبي قد نادى ظاهر دمشق بالأمان، ثم فتح الأمير حسام الدين لاجين المنصوري باب الفرج، ووقف عليه، ومنع العسكر المصري من الدخول الى المدينة خوفاً أن يشعثوا. ثم نودي بإطابة قلوب الناس، وأمر بالزينة ودق البشائر.\rوكتب الأمير علم الدين سنجر الحلبي، الى السلطان بالنصر. وسير الأمراء الذين قبض عليهم، فأحسن إليهم، ولم يؤاخذهم. وتوجه بالبشائر الى السلطان الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير بدر الدين بكتاش الفخري، أمير سلاح، فأنعم السلطان عليه. وأمّره بعشرة طواشية. ثم كان من أمر دمشق وأخبار أهلها، وما استقر من أمر النيابة بها، ما نذكره إن شاء الله تعالى، في حوادث السنين.","part":8,"page":299},{"id":3810,"text":"توجه الأمير الى صهيون\rوتحصنه بقلعتها قال: لما انهزم الأمير شمس الدين المشار إليه، من دمشق، كما تقدم توجه الى الرحبة، ففارقه أكثر من كان معه، وامتنع الأمير موفق الدين خضر الرحبي، النائب بقلعة الرحبة، من تسليمها إليه، فعند ذلك كاتب أبغا بن هولاكو، ملك التتار، يعرفه بما وقع بين العساكر الإسلامية من الاختلاف، وحثه على قصد البلاد بجيوشه، ووعده الانحياز إليه، والإعانة والمساعدة على ذلك وكتب إليه، الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا، بمثل ذلك وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rقال: وكان سنقر الأشقر، لما تغلب على الشام، كاتب نواب القلاع. فمنهم من أطاعه، ومنهم من امتنع عليه. وكان ممن أطاعه، نائب صهيون وبرزية وبلاطنس والشغر وبكّاس، وشيزر وعكار وحمص. فلما انهزم سنقر الأشقر، جرّد السلطان خلفه جيشاً صحبة الأمير حسام الدين ايتمش بن أطلس خان. فبادر هو، وعيسى بن مهنا، بالهرب الى صهيون، وذلك في جمادى الأولى من السنة المذكورة. وعاد ابن أطلس خان ومن معه، واستمر سنقر الأشقر بصهيون.\rانتظام الصلح بين السلطان الملك المنصور وبين سنقر الأشقر\rوما استقر بينهما، وانتقاض ذلك، وأخذ صهيون منه وفي سنة ثمانين وستمائة، انتظم الصلح بين السلطان الملك المنصور، والملك شمس الدين سنقر الأشقر. وذلك أن السلطان جرّد الأمير عز الدين أيبك الأفرم، والأمير علاء الدين كشتغدي الشمسي الى شيزر. فترددت الرسائل بين السلطان وبين سنقر الأشقر، وطلب منه تسليم شيزر، فطلب منه الشغر وبكّاس، وكانتا قد أخذتا منه، وطلب معهما فامية، وكفر طاب وأنطاكية وبلادها، فأجيب الى ذلك. وتقرر أن يقيم شمس الدين سنقر الأشقر، على هذه البلاد، وعلى ما بيده قبل ذلك من البلاد، وهي صهيون وبلاطنس واللاذقية بستمائة فارس، لنصرة الإسلام، وإن الأمراء الذين معه، إن أقاموا عنده، يكونون من أمرائه، وإن حضروا الى السلطان يكونون آمنين، ولا يؤاخذون.\rوحضر عنده الأمير علم الدين سنجر الداوداري، بنسخة اليمين على ما تقرر، فحلف السلطان على ذلك. وكتب له تقليداً بالبلاد، وسأل سنقر الأشقر، أن ينعت بلفظ الملك، فما أجاب السلطان الى ذلك، ونعت بالإمرة. وسير السلطان، الأمير فخر الدين أباز المقري الحاجب فحلّفه، وسير إليه السلطان من الأقمشة والأواني والأنعام شيئاً كثير. وانتظم الصلح والاتفاق. وحضر مع السلطان في مصاف حمص، وعاد الى صهيون على ما نذكره إن شاء الله تعالى؛ واستمر ذلك الى سنة أربع وثمانين وستمائة.","part":8,"page":300},{"id":3811,"text":"فلما حضر السلطان لحصار المرقب، وهي بالقبر من صهيون، لم يحضر الأمير شمس الدين الى خدمة السلطان. فتنكر السلطان لذلك، وحنق عليه بسببه. وأرسل سنقر الأشقر ولده ناصر الدين صمغار الى خدمة السلطان يتلافى ذلك، فمنعه السلطان من العود الى والده. واستمر الى سنة ست وثمانين وستمائة. فجرد السلطان نائبه بالديار المصرية، الأمير حسام الدين طرنطاي، الى صهيون، في جماعة كثيرة من العساكر، فنازلها، وراسله في تسليمها، وذكر له مواعيد السلطان له. فامتنع من ذلك، فضايقه، ونصب المجانيق حتى أشرف على أخذ حصن صهيون عنوة. فلما رأى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ذلك، أرسل في طلب الأمان والأيمان. فحلف له الأمير حسام الدين طرنطاي، إن السلطان لا يضمر له سوءاً. فنزل الى الأمير حسام، وسلّم إليه الحصن. فأخبرني من ذكر أنه شهد كيف كان نزوله إليه، وما عامل كل منهما الآخر به، فقال: بينما الأمير حسام الدين جالس في خيمته، إذ قيل له، هذا الأمير شمس الدين قد جاء. فوثب وأسرع المشي، وخرج إليه وتلقاه، فترجل الأمير شمس الدين. وخلع الأمير حسام الدين قباء كان عليه، وبسطه على الأرض، ليمشي الأمير شمس الدين عليه. فرفعه الأمير شمس الدين عن الأرض، وقبّله ولبسه. فأعظم الأمير حسام الدين طرنطاي ذلك، وعامل الأمير شمس الدين بأتمّ الخدمة وغاية الأدب. ورتّب في الحصن تائباً ووالياً ورجّاله. وسار هو والأمير شمس الدين الى الديار المصرية. فلما قرب من قلعة الجبل، ركب السلطان وولداه الملك الصالح علاء الدين علي، والملك الأشرف صلاح الدين خليل، وأولاد الملك الظاهر، والعساكر. وتلقاه الأمير شمس الدين وتعانقا، وطلعا الى القلعة، وحمل السلطان إليه الخلع والأقمشة والحوائص الذهب والتحف، وساق إليه الخيول، وأمّره بمائة فارس، وقدّمه على ألف. واستمر في الخدمة السلطانية، من أكابر أمراء الدولة.\rفهذا ما اتفق له، في خروجه وعوده على سبيل الاختصار. ثم كان من أخباره بعد ذلك، ما نذكره إن شاء الله تعالى في مواضعه. فلنذكر حال الملك السعيد وأخيه المسعود.\rخبر الملك السعيد\rوما كان من أمره بالكرك واستيلائه على الشوبك واستعادتها منه قال المؤرخ: لما توجه الملك السعيد الى الكرك، كان السلطان الملك المنصور، قد شرط عليه، أنه لا يكاتب الأمراء، ولا يفسد العساكر، ولا يتطرق الى غير الكرك. فلما استقر بها حركه مماليكه، وحسنوا له التطرق الى الحصون وأخذها، أولاً فأولاً، فوافقهم على ذلك. وكاتب النواب وسير الأمير حسام الدين لاجين، رأس نوبة الجمدارية، الى الشوبك، فتغلب عليها، وأقام بها. فكاتبه السلطان الملك المنصور، ونهاه فلم ينته، فجرد الأمير بدر الدين بيليك الأيدمري الى الشوبك، فنزل عليها، وضايق أهلها، وتسلمها في العاشر من ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وستمائة، ورتب بها نائباً وعاد عنها.\rوفاة الملك السعيد\rوقيام أخيه الملك المسعود خضر مقامه بالكرك قال: وفي سنة ثمان وسبعين وستمائة، ركب الملك السعيد، الى الميدان بالكرك، ولعب بالكرة، فتقنطر عن فرسه، فصدع وحمّ أياماً قلائل، فمات. وكانت وفاته، رحمه الله تعالى، في ثالث عشر ذي القعدة، من السنة.\rوعمل السلطان الملك المنصور له عزاء، بقلعة الجبل، في الثاني والعشرين من الشهر. وحضره وعليه ثياب البياض، وحضر الأمراء والقضاة والعلماء، والوعاظ. ولما توفي صُبّر، ووضع في تابوت مدة، ثم حمل الى التربة الظاهرية بدمشق، وذلك في سنة ثمانين وستمائة، ووصلت والدته إليها في ثامن عشرين شهر ربيع الآخر، والسلطان الملك المنصور يوم ذاك بالشام. فأدخل التربة الظاهرية ليلافي تابوت، ولم يدخلوا به من باب المدينة، وإنما رفعوا تابوته من أعلى السور، ودلّوه من الجانب الآخر، ووضع في قبره، وألحده القاضي عز الدين بن الصائغ، كما ألحد والده.\rوحضر السلطان الملك المنصور في بكرة دفنه الى التربة الظاهرية، ومعه القضاة والعلماء والقراء والوعاظ، وأظهر الحزن عليه، وذلك في سلخ شهر ربيع الآخر. ومولده بمنزلة العش، من ضواحي القاهرة، في صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة.","part":8,"page":301},{"id":3812,"text":"قال: وكان الملك السعيد، لما استقر بالكرك، رتب في النيابة بها الأمير علاء الدين ايدغدي الحراني الظاهري، لما فارقه الأمير علاء الدين الفخري النائب بها الى الديار المصرية. فلما مات اتفق نائبه الأمير علاء الدين ايدغدي الحراني ومن معه، وأقاموا أخاه خضراً مقامه، ولقب بالملك المسعود. فشرع المماليك، الذين حول الملك المسعود نجم الدين خضر، في سوء التدبير، ففرقوا أموال الذخائر، وأرادوا أن يستجلبوا بها الناس، وانضم إليه كل من قطع رزقه. وتوجه منهم جماعة الى الصلت فاستولوا عليها، وأرسلوا الى صرخد، وقصدوا الاستيلاء عليها، فعجزوا عن ذلك. وشرعوا في استفساد الناس، وتسامع بهم العربان والطماعة، أنهم يبذلون الأموال، فقصدوهم من كل الجهات، وهم يبذلون الأموال لمن يقصدهم ويصل إليهم. فكان جماعة من العربان وغيرهم يقصدونهم من أطراف البلاد، ويجتمعون ويحضرون الى الملك المسعود، ويبذلون له الطاعة، ويتقربون إليه بالنصيحة. فإذا وثق بهم، وأنفق فيهم الأموال، وحصلوا عليها، وبلغوا الغرض مما راموه تسللوا وفارقوه، وعادوا من حيث جاءوا وتفرقت جماعاتهم. وهو ومن عنده لا يرجعون عن بذل المال لمن يصل إليهم، الى أن فنيت أكثر تلك الذخائر، التي كانت بالكرك، التي حصنها السلطان الملك الظاهر، وجعلها بهذا الحصن ذخيرة لأوقات الشدائد، فنفقوها فيما لا أجدى نفعاً، بل جلب ضرراً، وغلّت الخواطر. ثم كاتبوا الأمير شمس الدين سنقر الأشقر نائب السلطنة بدمشق في الموافقة معهم. واتصل ذلك بالسلطان، فجرد الأمير عز الدين أيبك الأفرم الى الكرك على سبيل الإرهاب. وكان بينه وبين الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ما قدمناه.\rالصلح بين السلطان والملك المسعود وانتقاض ذلك وإخراجه من الكرك\rوفي سنة ثمانين وستمائة، وردت رسل الملك المسعود الى السلطان في طلب الصلح، والزيادة على الكرك، وأن يكون له ما كان للناصر داود، فلم يجبه السلطان الى ذلك، ولا الى إقامته بالكرك بالأصالة. وترددت رسائله الى السلطان، وسأل أن يقر بيده الكرك وأعمالها من حد الموجب الى الحسا. فأجابهم السلطان، وحلف لهم؛ والتمسوا شروطاً: منها تجهيز الإخوة الذكور والإناث، أولاد الملك الظاهر الى الكرك، وردّ الأملاك الظاهرية عليهم، وتمّ الصلح وحلف السلطان عليه.\rوتوجه الأمير بدر الدين بيليك المحسني السلاح دار، والقاضي تاج الدين ابن الأثير، الى الكرك، وحلفا الملك المسعود. وكوتب من ديوان الإنشاء، كما يكاتب صاحب حماه، واستمر الأمر على ذلك الى سنة اثنتين وثمانين وستمائة، فبلغ السلطان أنهم نقضوا ما كان قد تقرر. وحضر الأمير علاء الدين ايدغدي الحراني، نائب الملك المسعود بالكرك، وأنهى الى السلطان ما اعتمدوه، مما يغلّت الخواطر. فكتب السلطان الى الملك المسعود ومن معه ينهاهم عن ذلك، فلم ينتهوا. فجرد الى الكرك في هذه السنة الأمير بدر الدين بكتاش الفخري، أمير سلاح، وأمره بمراسلتهم، فراسلهم، فلم يرجعوا عن اعتمادهم، فضايق الكرك، ورعت خيول العسكر تلك الزراعات كلها، ثم عاد عن الكرك.\rوتراخى الأمر، واستمر الملك المسعود بالكرك الى سنة خمس وثمانين وستمائة. فجرد السلطان الملك المنصور، الأمير حسام الدين طرنطاي، نائب السلطنة، بجيش كثيف، وأمره بمنازلة الكرك ومحاصرتها فتوجه إليها، وأحضر آلات الحصار، من الحصون الإسلامية، وضايقها وقطع الميرة عنها. واستدعى بعض الرجّالة، وأحسن إليهم، فوافقوه على الملك المسعود. فلما رأى الملك مسعود نجم الدين خضر، وأخوه بدر الدين سلامش الحال على ذلك، أرسل الملك المسعود الى الأمير حسام الدين طرنطاي، في طلب الأمان، فأمّنه عن السلطان. فقال لابد من أمان السلطان وخاتمه. فطالع الأمير حسام الدين السلطان بذلك، فأرسل السلطان بأمانه الأمير ركن الدين بيبرس الداوادار المنصوري، فاجتمع بهما، وأبلغهما أمان السلطان، فنزلا من قلعة الكرك، الى الأمير حسام الدين طرنطاي، وذلك في صفر سنة خمس وثمانين وستمائة.\rفرتب الأمير حسام الدين، عز الدين أيبك الموصلي المنصوري، في نيابة السلطنة بالشوبك منذ استعيدت من الملك السعيد.","part":8,"page":302},{"id":3813,"text":"ورحل الأمير حسام الدين طرنطاي، وولدا الملك الظاهر صحبته، فلما وصلوا الى الديار المصرية، وقربوا من قلعة الجبل، ركب السلطان، وتلقاهما وأقبل عليهما، وطلعا الى القلعة، وذلك يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول. وأمّر كلاً منهما إمرة مائة فارس. واستمرا يركبان معه في الموكب والميدان، ونزلهما منزلة أولاده. ثم بلغه عنهما ما تنكر له، فقبض عليهما واعتقلهما، وبقيا في الاعتقال في أيام السلطان الملك الأشرف، فسيرهما الى القسطنطينية.\rهذا ما كان من أخبار هؤلاء المناوئين في الملك، فلنذكر الفتوحات والغزوات، ونوردها في الترتيب، على حكم السنين، إن شاء الله تعالى.\rفتوحات وغزوات شهدها السلطان\rوالتي ندب إليها عساكره المؤيدة\rعبور التتار الى الشام\rوالمصاف الذي وقع بينهم وبين العساكر المنصورة بحمص وانهزام التتار قال المؤرخ: وفي سنة ثمانين وستمائة، وردت الأخبار بدخول منكوتمر، الى بلاد الروم، بعساكر المغل، وأنه نزل بين قيسارية وابلستين، فتوجه كشافة من عين تاب، فوقعوا بفرقة من التتار بالقرب من صحراء هوتي، الذي كسر الملك الظاهر التتار عليها. فظفروا منهم بإنسان يسمى حلتار بهادر أمير آخور أبغا ابن هولاكو، كان قد توجه لكشف المروج، فأمسكوه وأحضروه الى السلطان الى دمشق. فوانسه السلطان، وسأله عن الأخبار، فذكر أنهم في عدد كثير يزيدون على ثمانين ألف فارس من المغل، وعزمهم أنهم يقصدون البلاد، قولاً جازماً، ويركبون من منزلتهم أول شهر رجب.\rثم ورد الخبر في جمادى الآخرة، أنهم ركبوا من منزلتهم، وأنهم يسيرون برفق، وأن فرقة منهم توجهت صحبة أبغا الى الرحبة، ومعه صاحب ماردين، فسير السلطان كشافة الى الرحبة، صحبة بجكا العلائي. وركب السلطان من دمشق، ووصل العدو المخذول الى صوب حارم. وراسل السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأشقر عدة مراسلات، الى أن تقرر أنه ينزل من صهيون بمن معه للغزاة، بشرط أن يعود إليها، إذا انقضى المصاف. فنزل ووافى السلطان على حمص، هو ومن كان عنده من الأمراء، وهم ايتمش السعدي، وازدمر الحاج، وسنجر الداواداري، وبجق البغدادي، وكراي، وشمس الدين الطنطاش وابنه، ومن معهم من الظاهرية. ففرح المسلمون بحضورهم، وكان ذلك قبل المصاف بيومين.\rثم ورد الخبر أن منكوتمر على حماه بعساكر التتار، في ثمانين ألف، منهم خمسون ألف من المغل، وبقيتهم مرتدة وكرج وروم وأرمن وفرنج، وأنه نفر إليهم مملوك من مماليك الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الصالحي الجالق، ودلّهم على عورات المسلمين وأخبرهم بعددهم.\rورحلوا ليلة الخميس عن حماه، ورتبوا جيشهم. فكان طرف ميمنتهم حماه، وطرف ميسرتهم، وساقوا طالبين اللقاء، والمقدم عليهم من قبل أبغا، منكوتمر بن هولاكو، أخو أبغا.\rورتب السلطان الملك المنصور عساكره، وبات المسلمون على ظهور خيولهم. واتفق أن شخصاً من عسكر التتار، دخل حماه، وقال للنائب بها: اكتب الساعة الى السلطان، على جناح طائر، وعرفه أن القوم ثمانون ألف مقاتل في القلب، منهم أربعة وأربعون ألف من المغل وهم طالبون القلب، وميمنتهم قوية جداً، فتقوى ميسرة المسلمين، وتحترز على الصناجق. فكتب النائب بذلك الى السلطان. فلما قرأ الكتاب ركب عند إسفار الصباح. في يوم الخميس رابع عشر شهر رجب، سنة ثمانين وستمائة، وهو يوم اللقاء. ورتب العساكر المنصورة الإسلامية، على ما نذكره، بمقتضى ما أورده الأمير ركن الدين بيبرس الداوادار المنصوري في تاريخه وهو: الميمنة المنصورة، فيها الملك المنصور صاحب حماه، والأمير بدر الدين بيسرى الشمسي، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيري والأمير عز الدين أيبك الأفرم، والأمير علاء الدين كشتغدي الشمسي ومضافوهم، والأمير حسام الدين لاجين نائب الشام والعسكر الشامي. وفي رأس الميمنة الأمير شرف الدين عيسى ابن مهنا وآل فضل وآل مري، وعربان الشام، ومن انضم إليهم.\rالميسرة المباركة، فيها الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ومن معه من الأمراء، والأمير بدر الدين بيليك الأيدمري، والأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح، والأمير علم الدين سنجر الحلبي، والأمير بجكا العلائي، والأمير بدر الدين بكتوت العلائي، والأمير سيف الدين خبرك التتري، ومن معهم من المضافين. وفي رأس الميسرة التركمان بجموعهم وعسكر حصن الأكراد.","part":8,"page":303},{"id":3814,"text":"ذكر الجاليش وهو مقدمة القلب، فيه الأمير حسام الدين طرنطاي، نائب السلطنة، ومن معه من مضافيه، والأمير ركن الدين اياجي الحاجب، والأمير بدر الدين بكتاش بن كرمون، ومن معهم من المماليك السلطانية. ووقف السلطان تحت الصناجق، وحوله مماليكه وألزامه وأرباب الوظائف.\rوأشرفت كراديس التتار. وكان الملتقى بوطأة حمص، بالقرب من مشهد خالد بن الوليد. فالتقى الجمعان، في الساعة الرابعة، من نهار الخميس، وجاءت ميسرة العدو، تجاه الميمنة الإسلامية، وصدموا الصدمة الأولى، فثبت المسلمون. وانكسرت ميسرة التتار كسرة تامة، وانتهت الى القلب الذي للتتار، وبه منكوتمر.\rوأما الميسرة الإسلامية، فصدمتها ميمنة التتار، فلم تثبت لترادف كراديسهم. وساق التتار وراء المسلمين، حتى انتهوا الى تحت حمص. ووقعوا في السوقة والعوام، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً. ولم تعلم المسلمون ما تهيأ للميمنة من النصر، ولا علم التتار ما أصاب ميسرتهم، فاستقل بعض من انهزم الى دمشق، وبعضهم الى قرب صفد. ومنهم من وصل غزة.\rولما رأى التتار، أنهم قد استظهروا، نزلوا عن خيولهم في المرج الذي عند حمص، وأكلوا الطعام، ونهبوا الأثقال والوطاقات، والخزانة. وانتظروا قدوم بقيتهم، فلما أبطأوا عنهم، أرسلوا من يكشف خبرهم، فعاد الكشافة وأخبروهم أن منكوتمو هرب، فركبوا خيولهم، وكروا راجعين.\rهذا والسلطان ثابت في موقفه، في نفر يسير من المماليك، والعساكر قد تفرقت. منهم من تبع التتار الذين انهزموا، ومنهم من استمر به الهرب. فلما رجعت ميمنة التتار، أمر السلطان أن تلف الصناجق، وتبطل الكوسات، فمروا ولم يقدموا عليه. وأخذوا على طريق الرستن، ليلحقوا بأصحابهم. وعندما تقدموه قليلاً، ساق عليهم، فانهزموا لا يلوون على شيء. وكان ذلك تمام النصر، وهو عند غروب الشمس من يوم الخميس. ومرّ هؤلاء المنهزمون من التتار نحو الجبل، يريدون منكوتمر. وكان ذلك من تمام نعمة الله على المسلمين وإلا لو قدر الله أنهم رجعوا على المسلمين، لما وجدوا فيهم قوة. ولكن الله نصر دينه، وهزم عدوه مع قوتهم وكثرتهم. وانجلت هذه الواقعة عن قتلى كثيرة من التتر لا يحصى عددهم. وكتبت البطائق بالنصر.\rوعاد السلطان من يومه الى المنزلة، بعد انفصال الحرب. وكان قد فرق ما بالخزانة من الذهب، في أوساط مماليكه، فسلم بجملته. وبات السلطان بالمنزلة ليلة الجمعة. فلما كان عند السحر، ثار صياح بالوطاقات، فظن الناس عود العدو، فركب السلطان ومن معه وكان بالوطاقات، فانكشف الخبر بعد ساعة، أن جماعة من العسكر، الذين تبعوا التتار عند الهزيمة رجعوا. وقتل من التتار في الهزيمة، أكثر من الذين قتلوا في المصاف، واختفت منهم طائفة بجانب الفرات. فأمر السلطان أن تضرم النيران بالأزوار التي على الفرات، فأحرق أكثر من اختفى فيها. وهلكت فرقة منهم، كانوا سلكوا درب سلمية.\rولما وصلت البطائق الى الرحبة، بخبر النصر وهزيمة التتار، كان أبغا ملك التتار يحاصرها، فدقت البشائر، وأعلن الناس بالنصر، ففارقها أبغا وتوجه الى بغداد.\rوعاد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر الى صهيون. ورجع الى الخدمة السلطانية ممن كان معه، ايتمش السعدي، وسنجر الداواداري وكراي التتاري وولده، وتماجي، وجماعة من الأمراء الذين كانوا عنده. وعاد السلطان الى دمشق، فكان وصوله إليها، في يوم الجمعة ثاني عشر شهر رجب الفرد. وامتدحه الشعراء، وأكثروا المدائح والهناء بهذا النصر.\rوخرج السلطان من دمشق، عائداً الى الديار المصرية، في يوم الأحد ثاني شعبان. وكان وصوله الى قلعة الجبل، في يوم السبت الثاني والعشرين من الشهر، فزينت له المدينة، ودخل، وبين يديه الأسرى، وبعضهم يحمل صناجقهم المكسورة وطبولهم. وخلع السلطان على الأمراء والأكابر.\rواستشهد في هذه الواقعة من الأمراء من نذكر: منهم الأمير عز الدين ازدمر الحاج. وهو الذي جرح منكوتمر، وكان من أعيان الأمراء، وكانت نفسه تحدثه أنه يملك. والأمير بدر الدين بكتوت الخازندار، والأمير سيف الديان بلبان الرومي الداوادار الظاهري، والأمير شهاب الدين توتل الشهرزوري، رحمهم الله تعالى.\rهذا ما كان من خبر هذه الواقعة.\rفتوح قلعة قطيبا","part":8,"page":304},{"id":3815,"text":"وهذه القلعة كانت في الزمن الأول محسوبة في جملة قلعة آمد، ثم صارت في يد ملك الروم، وصارت في يد العدو المخذول من التتار، وفيها نوابهم. وكانت مضرّة بقلعة كركر والثغور المجاورة لها، وما كان يمكن أخذها بحصار، فتلطف النواب، واستمالوا من كان بها.\rفلما كان في سنة اثنتين وثمانين وستمائة. خلت هذه القلعة من الغلال. فجرد السلطان إليها رجالة كركر، فضايقوها. فسأل أهلها مراحم السلطان فأجيبوا الى ملتمسهم. وتسلمها نواب السلطان، وأحضروا إليها جماعة من الرجالة من قلعة البيرة وعين تاب والروندان. وجعل فيها ما يحتاج إليه من الغلال والسلاح والعدد. وصارت من حصون الإسلام المنيعة.\rفتوح ثغر الكختا\rوفي سنة اثنتين وثمانين وستمائة أيضاً، فتحت قلعة الكختا. وهي من أمنع الحصون وأعلاها وأتقنها بنية. فاجتهد السلطان في تحصيلها وإضافتها الى الحصون الإسلامية. ووعد من بها المواعيد الجميلة. فأجابوا بالسمع والطاعة. وقتلوا النائب بها، وهو الشجاع موسى. وراسلوا نائب السلطنة الشريفة بالمملكة الحلبية، وبذلوا تسليم القلعة. فجهز إليهم الأمير جمال الدين الصرصري، والأمير ركن الدين بيبرس السلاح دار، والأمير شمس الدين أقش الشمسي العينتابي، ومن معهم. فتسلموا الحصن، وحلّفوا من به للسلطان ولولده الملك الصالح، وألبسوهم التشاريف، ثم جهزوا من كان بها، طائفة بعد أخرى الى الأبواب الشريفة السلطانية. فأحسن السلطان إليهم، وأقطع منهم من يستحق الإقطاع، وجهزت إليهم الزردخانات، وآلات الحصار، واستقرت في جملة الحصون الإسلامية. وصارت هذه القلعة شجى في حلق الأرمن، وحصل الاستظهار بها على الغارات.\rوذكر الإغارة على بلاد سيس وفي سنة اثنتين وثمانين وستمائة أيضاً، كتب السلطان الى نائب السلطنة بالمملكة الحلبية، أن يوجه من يغير على بلاد سيس، بسبب ما كان الأرمن اعتمدوه، من إحراق جامع حلب، لما جاءوا صحبة التتار. وجرد السلطان عسكراً من الديار المصرية، ومن عسكر الشام لذلك. فتوجهوا وأغاروا، ووصلوا الى مدينة أياس، فقتلوا من أهلها جماعة، ونهبوا وخربوا. فلما عادوا ووصلوا الى باب اسكندرونه، أتاهم عسكر الأرمن فاقتتلوا. فانهزم الأرمن، وتبعهم العسكر الى تل حمدون، واقتلعوا جماعة من خيلاتهم، وعاد العسكر الإسلامي بالظفر والغنيمة.\rفتوح حصن المرقب\rوفي سنة أربع وثمانين وستمائة، توجه السلطان الملك المنصور الى المرقب، ونازله في أوائل شهر ربيع الأول. وذلك أن أهله فعلوا ما يوجب نقض الهدنة، التي كانت حصلت بينهم وبين السلطان، على ما نذكرها في حوادث السنين، ولم يتفقوا عند شروطها. فحاصر السلطان الحصن، وعملت النقوب، وأشرفت الفرنج على أنه يفتح عنوة. فطلبوا الأمان، وسلموا الحصن. فتسلمه السلطان، وذلك في الساعة الثامنة من نهار الجمعة سابع عشر شهر ربيع الأول. وكان هذا الحصن لبيت الاسبتار، وجهز أهله الى طرابلس.\rغزوتي النوبة الأولى والثانية\rكانت الغزوة الأولى في سنة ست وثمانين وستمائة. وذلك أن السلطان الملك المنصور، جهز الأمير علم الدين سنجر المسروري، المعروف بالخياط، متولي القاهرة والأمير عز الدين الكوراني، وجماعة من أجناد الولايات، بالوجه القبلي والقراغلامية. وجرد الأمير عز الدين أيدمر السيفي، السلاح دار، متولي الأعمال القوصية، بعدته ومن عنده من المماليك السلطانية، المركزين بالأعمال القوصية، وأجناد مركز قوص، وعربان الإقليم وهم: أولاد أبي بكر، وأولاد عمر، وأولاد شريف، وأولاد شيبان، وأولاد الكنز، وجماعة من العربان الريسية وبني هلال. فتوجه الأمير علم الدين الخياط بنصف الجيش من البر الغربي. وتوجه الأمير عز الدين أيدمر بالنصف الثاني من البر الشرقي، وهو الجانب الذي فيه مدينة دنقلة. وكان متملك النوبة في ذلك الوقت اسمه سمامون، وكان ذا دهاء ومكر وبأس، بالنسبة الى أمثاله.","part":8,"page":305},{"id":3816,"text":"فلما وصل الجيش الى أطراف البلاد، أخلا سمامون البلاد، وأرسل الى نائبه بجزائر ميكائيل وعمل الدّو، وهو جُرَيس - ويسمى من يتولى هذه الولاية، عند النوبة، صاحب الجبل - فأمره بإخلاء البلاد التي تحت يده أمام الجيش. فكانوا يرحلون أمام الجيش منزلة بمنزلة، الى أن انتهوا الى متملك النوبة بدنقلة. فأقام بها الى حيث وصل الأمير عز الدين ومن معه، فالتقوا واقتتلوا، فانهزم سمامون، وقتل من أصحابه خلق كثير. واستشهد من المسلمين أناس قلائل.\rولما انهزم سمامون، تبعه الجيش الى ميسرة خمسة عشر يوماً من دنقلة، فأدركوا جُريس، فأخذوه، وأخذوا ابن خاله متملك النوبة، وهو من أعيان أصحابه، وممن يرجع إليه الملك. فرتب الأمير عز الدين، ابن أخت الملك ملكاً، وربت جريس في النيابة عنه، وجرد معهما جماعة من العسكر، وقدر عليهما قطيعة، يحملونها الى الأبواب السلطانية في كل سنة. وعاد الجيش بعد أن غنموا غنائم كثيرة من الرقيق، والخيل، والجمال، والأبقار، والأكسية.\rولما فارق الجيش النوبة وعاد، وتحقق سمامون عودهم، رجع الى دنقلة، وقاتل من بها، وهزمهم واستعاد البلاد. فحضر الملك المستجد وجريس، ومن كان معهما من العسكر المجرد، الى الأبواب السلطانية، وأنهوا ما اتفق من سمامون. فغضب السلطان لذلك، وجرد جيشاً كثيفاً.\rتجريد الجيش في المرتبة الثانية الى النوبة\rقال: وجرد السلطان الأمير عز الدين أيبك الأفرم، أمير جاندار الى النوبة، وصحبته من الأمراء، الأمير سيف الدين قبجق المنصوري، والأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار، والأمير عز الدين أيدمر، متولي الأعمال القوصية. وجرد أيضاً من أطلاب الأمراء، من نذكر: طُلْب الأمير زين الدين كتبغا المنصوري، وطُلْب الأمير بدر الدين بيدرا، وطُلب الأمير سيف الدين بهادر، رأس نوبة الجمدارية، وطُلب الأمير علاء الدين الطيبرس، وطُلب الأمير شمس الدين سنقر الطويل. وسار أجناد المراكز بالوجه القبلي، ونواب الولاة من العربان بالديار المصرية، من الوجهين القبلي والبحري، وعدتهم أربعون ألف راجل. وجهز معهم متملك النوبة، ونائبه جريس.\rوكان توجه الجيش من الأبواب السلطانية، في يوم الثلاثاء، ثا من شوال، سنة ثمان وثمانين. وصحب هذا الجيش من الحراريق والمراكب الكبار والصغار، لحمل الأذواد، والزردخاناة والأثقال، ما يزيد على خمسمائة مركب.\rولما وصل العسكر الى ثغر أسوان، مات متملك النوبة، فدفن بأسوان. وطالع الأمير عز الدين الأفرم السلطان بذلك. فأرسل إليه، من أولاد أخت الملك داود رجلاً، كان بالأبواب السلطانية. ورسم له أن يملّكه بالنوبة، فأدركهم على خيل البريد، قبل رحيل العسكر من أسوان. ولما وصل إليهم انقسم العسكر نصفين على العادة. فكان الأمير عز الدين الأفرم، والأمير سيف الدين قبجاق، ونصف العسكر ونصف العربان بالبر الغربي، والأمير عز الدين أيدمر، متولي الأعمال القوصية، والأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار، ونصف العسكر ونصف العربان بالبر الشرقي.","part":8,"page":306},{"id":3817,"text":"وتوجهوا ورسموا الجريس نائب النوبة أن يتقدمهم، منزلة بمنزلة، ومعه أولاد الكنز، أمراء أسوان، ليطمئنوا أهل البلاد ويؤمنوهم، ويجهزوا الإقامات للعسكر. فكان الجيش إذا وافى بلداً، خرج من بها من المشايخ وأعيانها، وقبلوا الأرض بين يدي الأمراء، وأخذوا أماناً واستقروا ببلدهم، وذلك من الدّو الى الجزائر ميكائيل، وهي البلاد التي كانت تحت يد جريس، صاحب الجبل. وأما ما عدا ذلك من البلاد، التي لم يكن لجريس عليها ولاية، فإنها أخليت، طاعة لمتملك النوبة. فكان العسكر ينهب ما يجد بها، ويقتل من تخلف من أهلها بها، ويرعون زروعهم، ويحرقون سواقيهم ومساكنهم، الى أن انتهوا الى مدينة دنقلة. فوجدوا الملك قد أخلاها، وأجلى أهلها، ولم يجد الأمراء بها إلا شيخاً كبيراً وعجوزاً. فسألوهما عن أخبار الملك، فذكرا أنه توجه الى جزيرة وسطى، في بحر النيل، مسافتها من دنقلة خمسة عشر يوماً. واتساع هذه الجزيرة مسافة ثلاثة أيام طولاً. فتبعهم الأمير عز الدين ومن معه الى الجزيرة المذكورة ولم يصحبهم حراق ولا مركب، لتوعر البحر بالأحجار. فلما انتهوا الى قبالة الجزيرة، شاهدوا بها عدة من مراكب النوبة، وجمعاً كثيراً. فسألوهم عن الملك، فأخبروهم أنه بالجزيرة المذكورة، فعرضوا عليه الدخول في الطاعة والحضور، وبذلوا له الأمان، فأبى ذلك. فأقام العسكر ثلاثة أيام، وأوهموه أنهم أرسلوا يطلبون المراكب والحراريق، ويعدون إليه ويقاتلونه. فانهزم من الجزيرة الى جهة الأبواب، وهي مسافة ثلاثة أيام في الجزيرة، وليست داخلة في مملكته. ففارقه من كان معه من السواكرة، وهم الأمراء، وفارقه أيضاً الأسقف والقسوس، ومعه الصليب الفضة، الذي يحمل على رأس الملك، وتاج المملكة، وطلبوا الأمان، ودخلوا تحت الطاعة. فأمنهم عز الدين المتولي، وخلع على أكابرهم، ورجعوا معه الى دنقلة، وهم في جمع كثير، ولما وصلوا إليها، عدّى الأمير عز الدين الأفرم، والأمير سيف الدين قبجاق، الى البر الشرقي، دون من معهما من العساكر.\rواجتمع الأمراء بدنقلة، ولبست العساكر آلة الحرب، وطلّبوا من الجانبين وزينت الحراريق في البحر. ولعب الزارقون بالنفط، ومدّ الأمراء الأخوان السماط في كنيسة أسوس، وهي أكبر كنيسة بدنقلة. فلما أكلوا الطعام، ملّكوا الملك الواصل من الأبواب السلطانية. وألبسوه التاج، وحلّفوه للسلطان. وحلّفوا له أهل البلاد. وتقرر عليه البقط المستقر أولاً، والبقط هو المقرر. وجرد عنده طائفة من العسكر. وقدم عليهم ركن الدين بيبرس العزي، أحد مماليك الأمير عز الدين متولي قوص.\rوعاد العسكر، وكان وصوله الى القاهرة في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وستمائة، وكانت مدة غيبته منذ خرج من ثغر أسوان، الى أن عاد إليه ستة أشهر، وغنموا غنائم كثيرة.\rفلما عاد العسكر عن دنقلة، حضر سمامون إليها ليلاً، وصار يقف على باب كل سوكري بنفسه ويستدعيه. فإذا خرج ورآه، قبّل الأرض بين يديه وحلف له. فما طلع الفجر حتى ركب معه جميع العسكر النوبي. فزحف بهم على دار الملك، وقبض على الملك. وأرسل الى ركن الدين بيبرس العزي. أن يتوجه الى مخدومه، بحيث لا يلتقيان. فتوجه ركن الدين، ومن معه الى قوص. واستقر الملك سمامون بدنقلة. وأخذ الملك الذي ملّكه العسكر، فعراه من ثيابه، وذبح ثوراً، وقدّ جلده سيوراً، ولفّها عليها طريّة، وأقمه مع خشبة. فيبست عليه تلك السيور فمات. وقُتل جريس أيضاً.\rوكتب سمامون الى السلطان الملك المنصور يستعطفه ويسأله الصفح عنه. والتزم أن يقوم بالبقط المقرر في كل سنة، وزيادة عليه. وأرسل من الرقيق والتقادم عدة كثيرة، فوصل ذلك في أواخر الدولة المنصورية. وحصل اشتغال السلطان بما هو أهم من النوبة. فاستقر سمامون بالنوبة الى أيام العادلية الزيتية كتبغا، وكان من أمره، ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rفتوح طرابلس الشام\rكان فتح طرابلس، في الساعة السابعة، في يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وثمانين وستمائة، عنوة. وذلك أن السلطان الملك المنصور توجه الى الشام، في شهر المحرم من هذه السنة، وعزم على غزو طرابلس. لأن أهلها كانوا قد نقضوا قواعد الصلح، ونكثوا أسباب الهدنة. فكتب السلطان الى النواب بالممالك الشامية، والحصون الإسلامية، بتجهيز الجيوش إليها، وإنقاذ المجانيق وآلات الحصار.","part":8,"page":307},{"id":3818,"text":"ووصل السلطان الى دمشق، بعساكر الديار المصرية، في يوم الإثنين ثالث عشر صفر من هذه السنة. وتوجه منها في العشرين من الشهر، ونازل طرابلس بالجيوش وحاصرها. ووالى الزحف والحصار والرمي بالمجانيق. وعملت النقوب، فنقبت الأسوار، وافتتحت عنوة في التاريخ المذكور. وكانت مدة المقام عليها، أربعة وثلاثين يوماً. وكانت عدة المجانيق التي نصبت عليها، تسعة عشر منجنيقاً، وهي فرنجية ستة، وقرابغا ثلاثة عشر. وعدة الحجارين والزراقين ألف وخمسمائة نفر.\rولما فتحت المدينة، فرت طائفة من الفرنج الى جزيرة تعرف بجزيرة النخلة، حيال طرابلس في البحر، لا يتوصل إليها إلا في المراكب. فكان من السعادة الأزلية للمسلمين، أن البحر زجر وانطرد عن طرابلس فظهرت للناس المخائض. فعبر الفارس والراجل الى هذه الجزيرة، وأسروا وقتلوا من فيها، وغنموا ما كان معهم. وكان جماعة من الفرنج قد ركبوا في مركب وتوجهوا، فألقتهم الريح الى الساحل، فأخذهم الغلمان والأوشاقية. وقتل منهم خلق كثير وغنم المسلمون غنائم كثيرة.\rوكان السلطان أمر بإبقاء المدينة، وإنزال الجيش بها. فأشير عليه أن هدمها أولى من بقائها، فأمر بهدمها فهدمت. وكان عرض سورها بمقدار ما يسوق عليه ثلاثة فرسان بالخيل. ووصل الى الزردخاناة السلطانية من الأسرى، ألف أسير ومائتا أسير. واستشهد عليها من المسلمين ممن يعرف، الأمير عز الدين معن، والأمير ركن الدين منكورس الفارقاني، ومن الحلقة خمسة وخمسون نفراً، رحمهم الله تعالى.\rوحكى الشيخ قطب الدين اليونيني في تاريخه قال: ولما فتح السلطان طرابلس، تسلم أنفة، وأمر بإخراب حصنها، وكان حصناً منيعاً، وأبقى على أخت البرنس صاحب طرابلس قريتين من قراها.\rقال، وحضر الى السلطان، وهو بظاهر طرابلس ولد سيركي صاحب جبيل، وكان صاحب طرابلس قتل أباه في سنة إحدى وثمانين وستمائة. فخلع السلطان عليه، وأقر جبيل عليه، على سبيل الإقطاع، وأخذ منه معظم أموالها. وتسلم السلطان البِترون، وجميع ما بتلك الخط من الحصون والمعاقل. ثم عاد السلطان بعد النصر الى دمشق، وكان من خبره ما نذكره، إن شاء الله تعالى في حوادث السنين.\rأخبار طرابلس الشام، منذ فتحها المسلمون في خلافة عثمان الى وقتنا هذا\rوإنما ذكرناه في هذا الموضع ملخصاً مختصراً، لتكون أخبارها مجتمعة، فنقول وبالله التوفيق: كان ابتداء فتح طرابلس، أنه لما استخلف عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأقر معاوية بن أبي سفيان على الشام، وجه معاوية الى طرابلس سفيان بن نجيب الأزدي، وكانت إذ ذاك ثلاث مدن مجتمعة، فبنى في مرج على أميال منها حصناً، سمي بحصن سفيان. وقطع الميرة عن أهل طرابلس، وحاصرها. فلما اشتد الحصار على أهلها، اجتمعوا في أحد الحصون الثلاثة، وكتبوا الى ملك الروم، يسألونه أن يمدهم، أو يبعث إليهم بمراكب ينهزمون فيها. فسير إليهم مراكب كثيرة، فركبوها ليلاً وهربوا. فلما أصبح سفيان، وتقدم لقتالهم على عادته، وجد الحصن خالياً، فملكه، وكتب الى معاوية بالفتح. فأسكنه معاوية جماعة كثيرة من اليهود، وهو الحصن الذي فيه المينا ثم بناه عبد الملك بن مروان وحصنه.\rوكان معاوية يوجه في كل سنة جماعة من الجند، يشحنها بهم، ويوليها نائباً. فإذا غلق البحر، عاد الجند وبقي النائب في جماعة يسيرة. فما برح أمرها كذلك، حتى ولى عبد الملك بن مروان. فقدم بطريق في بطارقة الروم، ومعه خلق كثير. فسأل أن يعطى الأمان، على أن يقيم بها، ويؤدي الخراج، فأجيب الى ذلك. فلم يلبث غير سنتين أو أكثر بأشهر، عند عود الجند منها، حتى أغلق بابها، وأسر من بقي بها من الجند، وعدة من اليهود، وتوجه هو وأصحابه الى بلاد الروم. فقدر الله، عز وجل أن ظفر به المسلمون بعد ذلك، في البحر وهو متوجه في مراكب كثيرة، فأسر وأحضر الى عبد الملك، فقتله وصلبه. وقد قيل إنه إنما كان تغلبه عليها، وقتل من بها، بعد وفاة عبد الملك. ثم فتحها الوليد بن عبد الملك.","part":8,"page":308},{"id":3819,"text":"ولم يزل في طرابلس نواب الخلفاء، مدة أيام بني أمية، وأيام بني العباس، الى أن استولى العبيديون ملوك مصر على دمشق، على ما قدمنا ذكر ذلك في أخبارهم. فأفردوا طرابلس عن دمشق، وكانت قبل ذلك مضافة إليها. وولوا عليها من جهتهم ريان الخادم، ثم سند الدولة ثم أبا السعادة، ثم علي بن عبد الرحمن بن حيدرة، ثم نزال، ثم مختار الدولة بن نزال. ثم تغلّب عليها قاضيها أمين الدولة أبو طالب الحسن بن عمار. ولم يزل بها الى أن توفي، في سنة أربع وستين وأربعمائة. وكان ابن عمار هذا، رجلاً عاقلاً، سديد الرأي، وكان شيعياً، من فقهائهم. وكانت له دار علم بطرابلس، فيها ما يزيد على مائة ألف كتاب وقفا. وهو الذي صنّف كتاب ترويج الأرواح ومصباح المرور والأفراح، المنعوت بجراب الدولة. ولما مات أمين الدولة، كان بطرابلس، سديد الملك بن منقذ، هرب من محمود بن صالح. فساعد جلال الملك أبا الحسن علي بن محمد بن عمار وعضده بمماليكه، وبمن كان معه من أصحابه. فأخرجوا أخا أمين الدولة من طرابلس، وولى جلال الملك. فلم يزل متولياً عليها، حتى مات في سلخ شعبان، سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وملكها بعده أخوه فخر الملك عمار بن محمد بن عمار، واستقر بها، الى أن نازلها صنجيل، واسمه ميمنت وهو ميمون. وصنجيل اسم مدينة نسب إليها. فنزل صنجيل بجموعه على طرابلس، في شهر رجب سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وحاصرها وضايقها، وابتنى عليها حصناً، يقاتل أهلها منه، ويعرف به الى وقتنا هذا.\rفبعث فخر الملك الهدايا والتحف الى الملوك واستنجدهم واستنصرهم، فلم ينجده أحد منهم. فلما أيس منهم بذل لصنجيل في رحيله عنه أموالاً، وبعث إليه ميرة، فلم يجبه الى ذلك. فلما ضاق ذرعاً بالحصار، وعجز عن دفعه، خرج من طرابلس، بعد أن استناب بها ابن عمه، أبا المناقب، ورتب معه سعد الدولة فتيان ابن الأغر. وأنفق في العسكر ستة شهور. وصار يقصد السلطان محمود بن ملكشاه السلجوقي. فجلس أبو المناقب في بعض الأيام، وعنده وجوه طرابلس وأكابرها، فخلط في كلامه، فنهاه سعد الدولة بلطف فجرد سيفه، وضرب سعد الدولة فقتله. وانهزم من كان في المجلس. وقام أبو المناقب، وصعد على السور، وصفق بإبطيه، فأمسكه أهل البلد وحبسوه، ونادوا بشعار الأفضل أمير الجيوش، شريك الخليفة الفاطمي صاحب مصر، وذلك في شهر رمضان سنة خمسمائة.\rثم مات صنجيل في ثامن وعشرين رمضان، وتولى مكانه مقدم اسمه السرداني. ولما نادى أهل طرابلس بشعار الأفضل، وبلغه ذلك حضر إليهم جيشاً في البحر، وقدم عليهم تاج العجم. فلما وصل الى طرابلس، أخذ جميع الأموال، وما يحفظ به البلد. وبلغ الأفضل أنه يقصد العصيان بطرابلس. فقبض على ما كان حصّله، وولى بدر الدولة ابن أبي الطيب الدمشقي. فوصل الى طرابلس، وكان أهلها قد ضاقت صدورهم، من طول الحصار. ثم رأوا من خلفه، ما رغبهم عنه، ونفرهم منه، فعزموا على طرده. ثم رأوا إبقاءه، لأنهم لا ملجأ لهم إلا من جهة المصريين.\rثم وصلت مراكب من مصر بالغلات والرجال، فقرر المذكور مع مقدم الأسطول، القبض على أعيان البلد، وأصحاب فخر الملك بن عمار وحريمه. فأخذهم وسيّرهم في البحر الى مصر. وبعث معهم ما كان في طرابلس من السلاح والذخائر ما لم يكن عند أحد من الملوك مثله. وبعث مائة ألف دينار عيناً. فلما وصلوا الى مصر، اعتقل الأفضل أهل بني عمار.\rوأما فخر الملك بن عمار، فإنه وصل الى بغداد، واجتمع بالسلطان محمود. وأقام ببغداد، فما تهيأ له منه ما طلبه، وبلغه رجوع أمر طرابلس الى المصريين، وأن حريمه وأمواله وذخائره وسلاحه نقل الى مصر. فرجع الى دمشق، فدخلها في نصف المحرم، سنة اثنتين وخمسمائة، فأكرمه أتابك طغتكين صاحب دمشق. فسأله أن يعينه على الدخول الى جبله، فسير معه عسكراً فدخلها.\rوأما الفرنج، فإنهم لازموا الحصار، وضايقوا البلد حتى ملكوه، وقتلوا وأسروا ونهبوا وسبوا، وذلك يوم الثلاثاء ثالث ذي الحجة سنة اثنتين وخمسمائة. وقد تقدم أن أخذها كان في يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ثلاث وخمسمائة، والله أعلم.","part":8,"page":309},{"id":3820,"text":"وحكي أن السبب في أخذ طرابلس، أنه لما ضايقها الفرنج، كتب من بها الى الديار المصرية، يستنجدون الخليفة، ويسألونه الميرة، وأقاموا ينتظرون ورود الجواب بالمدد والميرة. فبينما هم في ذلك، إذا بمركب قد أقبل، فما شكوا أن فيه نجدة. فطلع منه رسول، وقال قد بلغ الخليفة، أن بطرابلس جارية حسنة الصورة، وأنها تصلح للخدمة. وقد أمرنا بإرسالها إليه، وأرسلوا إليه من حطب المشمش ما يصنع منه عيدان للملاهي. فعند ذلك آيسوا من نصره، وضعفت قواهم، وخارت نفوسهم وذلوا، وملكها الفرنج في التاريخ المذكور. وكانت مدة الحصار سبع سنين وأربعة أشهر.\rولما ملكها السرداني، تحكم فيه واستقل بملكها. فبينما هو كذلك، وإذا بمركب قد وصل إليها، وفيه صبي ادعى أنه ولد الملك صنجيل، واسمه تبران، ومعه مشايخ من أصحاب والده، يخدمونه ويدبرون أمره. فطلعوا الى السرداني، وقالوا له هذا ولد صنجيل، وهو يريد تسليم مدينة والده التي فتحها عسكره. فأنكر السرداني ذلك، وقام ورفس الصبي وأخرجه. فأخذه أصحابه، وجعلوا يطوفون به على الفرسان، فرحموه، وتذكروا أيمانهم لأبيه، وقالوا: إذا كان نهار الغد، ونحن عنده، فاحضروا وتحدثوا معه، ففعلوا. وتحدث الصبي ابن صنجيل، فصاح به السرداني، فقام الفرسان كلهم على السرداني، وأخرجوه من المملكة، وسلموها الى الصبي ابن صنجيل. فأقام ملكاً حتى قتله بزواج، وذلك في يوم الأحد، لأربع خلون من شهر رجب، سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. وقتل أكثر أصحابه، وأسر بطرس الأعور. واستخلف في طرابلس ولد القومص بدران، فأسره أتابك زنكي، لما كان في صحبة متملك القدس فلك بن فلك. وذلك بالقرب من قلعة بعرين، فطلع الملك وجماعة معه الى قلعة بعرين، فحاصرهم زنكي وضايقهم، فصالحه الملك على تسليم حصن بعرين، واستخلص القومص صاحب طرابلس وجميع الأسرى. وعاد القومص الى طرابلس، وأقام حتى وثب عليه الإسماعيلية، فقتلوه. فتولى بعده ريمند، وهو صبي، وحضر الحرب مع الفرنج على حارم. فكسرهم الملك العادل نور الدين محمود الشهيد بن زنكي، وقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر. وكان من أسر، القومص ريمند، وذلك في سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وبقي في اعتقاله الى أن ملك الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. فأعتقه في تاسع عشري شهر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة. وبقي المُلك بيده، ويد أولاده من بعده، الى أن فتحت هذا الفتح المبارك سنة ثمان وثمانين وستمائة في الأيام المنصورية وهدمت المدينة.\rواستقر العسكر على عادته بحصن الأكراد والنائب عن السلطنة الأمير سيف الدين بلبا الطباخي المنصوري، وكان اليزك ينزل الى طرابلس، من حصن الأكراد. ثم عمّر المسلمون مدينة مجاورة للنهر. واختلفوا بها، وعمّروا فيها حمامات وقياسر ومساجد ومدارس للعلم. وأجريت المياه في دورها بقساطل وعمرت دار السلطنة، ينزلها نائب السلطنة بالمملكة، وهي عالية مشرفة على المدينة.\rواستمر الأمير سيف الدين الطباخي في النيابة، الى أن نقل الى حلب، في الدولة الأشرفية، في سنة إحدى وتسعين وستمائة. وولاها السلطان الأمير سيف الدين طغريل الإيغاني، فأقام أياماً، واستعفى فأعفاه السلطان الملك الأشرف. ورتب في النيابة، الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصوري، فبقي في النيابة الى الأيام العادلية الزينية كتبغا المنصوري، فعزل عنها في سنة أربع وتسعين وستمائة. ودفن بتربته التي أنشأها، وهي بجوار حمامه بطرابلس وفوّضت النيابة بها بعده الى الأمير سيف الدين كرت الحاجب، فلم تطل أيامه الى أن كان من دخول التتار البلاد، ما نذكره إن شاء الله تعالى، في أخبار الدولة الناصرية، فشهد الوقعة وعدم، وربما استشهد رحمه الله تعالى. ثم فوضت النيابة بعد خروج التتار من الشام، الى الأمير سيف الدين قطلبك المنصوري، فتوجه إليها، وأقام بها، الى سنة سبعمائة. واستعفي من النيابة فأعفي، واستقر في جملة الأمراء بدمشق.","part":8,"page":310},{"id":3821,"text":"وفوضت نيابة السلطنة الى الأمير سيف الدين استدمر كرجي المنصوري، فاستمر بها الى سنة تسع وسبعمائة. وعمّر بها حماماً عظيماً، أجمع التجار ومن يجوب البلاد، أنه ما عمّر مثله في بلد من البلدان، وعمر قيسارية وطاحوناً. وأنشأ مماليكه بها مساكن حسنة البناء، تجري إليها المياه بالقنوات، وتجري في طباقها، وعمّر أيضاً بعض القلعة، وأقام أبراجاً. وهذه القلعة مجاورة لدار السلطنة بطرابلس. وتمكن استدمر تمكّناً كثيراً، وتأمّر عدة من مماليكه، ثم نقل الى حماه.\rوفوض السلطان الملك الناصر نيابة المملكة الطرابلسية وما معها الى الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحاجب، كان المعروف بالحلبي فأقام بها الى أن توفي في ثامن عشر شهر ربيع الأول سنة عشر وسبعمائة. وفوضت النيابة بها الى الأمير جمال الدين أقش الأفرم، فأقام بها الى مستهل المحرم سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وفارقها، وتوجه الى بلاد التتار، على ما تذكر ذلك، إن شاء الله تعالى في أخبار الدولة الناصرية.\rوفوضت النيابة بعده الى الأمير سيف الدين كستاي الناصري، فأقام بها، الى أن توفي في شهر رجب سنة ست عشرة وسبعمائة. وفوضت النيابة بعده الى الأمير شهاب الدين قرطاي الصالحي، وهو النائب بها الآن، الى حين وضعنا لهذا الجزء، وذلك في سلخ شهر رجب، سنة خمس وعشرين وسبعمائة. وسنذكر إن شاء الله تعالى، أخبار هؤلاء النواب في موضعها من هذا الكتاب على ما سنقف عليه. وإنما أوردناها في هذا الموضع، لتكون أخبار طرابلس سياقة، وإن كان على سبيل الإجمال والاختصار. ولنرجع الى سياقة أخبار الدولة المنصورية.\rما اتفق في الدولة المنصورية على حكم السنين\rخلاف ما ذكرناه من إقامة النواب، ومهادنة الفرنج، والحوادث الغريبة، التي يتعين إيرادها والوفيات سنة ثمان وسبعين وستمائة قد قدمنا بعض حوادث هذه السنة، في ابتداء الدولة المنصورية، وبقي منها تتمة نذكرها في هذا الموضع.\rفي هذه السنة فوض السلطان الملك المنصور نيابة السلطنة، بحصن الأكراد، وما معه من الفتوحات، لمملوكه الأمير سيف الدين بلبان الطباخي.\rوفيها، في ذي القعدة، فوض نظر الدواوين بدمشق، للصدر جمال الدين ابراهيم بن صصري، وذلك بعد وفاة الناظر بها، القاضي علم الدين محمد بن العادلي. وكانت وفاته في يوم الأربعاء خامس عشرين شوال. وتوفي أيضاً قبله، أخوه القاضي تاج الدين ناظر حلب، بها في حادي عشرين شهر رمضان.\rوفي هذه السنة، توفي الأمير بدر الدين محمد ابن الأمير حسام الدين بركة خان الخوارزمي، خال الملك السعيد. وكانت وفاته بدمشق، في تاسع شهر ربيع الأول. وصلى عليه الملك السعيد، بسوق الخيل، ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى.\rوفيها، لما كان العسكر ببلاد سيس، في الأيام السعيدية، توفي جماعة من الأمراء، أصحاب الطبخانات، منهم سيف الدين البطاح، وعلم الدين بلبان المشرفي، وناصر الدين بلبان النوفلي، وسيف الدين جمق، وسيف الدين فلاحا الركني، وجمال الدين أقش الشهابي وغيرهم، رحمهم الله تعالى.\rوفيها، في يوم الأحد، ثامن شوال، توفي شيخ الشيوخ شرف الدين أبو بكر عبد الله ابن شيخ الشيوخ تاج الدين، أبي محمد عبد السلام، ابن شيخ الشيوخ عماد الدين عمر بن علي بن محمد حمويه بدمشق، ودفن بقاسيون، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة تسع وسبعين وستمائة في هذه السنة، في يوم الإثنين خامس المحرم، توفي الأمير جمال الدين أقش الشمسي، نائب السلطنة بالمملكة الحلبية. وهو خوشداش الأمير بدر الدين بيسري، كلاهما كان مملوك الأمير شمس الدين سراسنقر الكاملي. ففوض بعد وفاته، نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية، للأمير علم الدين سنجر الباشقردي.\rوفي هذه السنة، كان من خبر الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وانهزامه من دمشق، وتوجهه الى صهيون ما قدمناه. وكان بدمشق بعد مفارقته لها، أمور نذكرها في هذا الموضع.\rما تجدد بدمشق، بعد أن فارقها الأمير شمس الدين سنقر الأشقر","part":8,"page":311},{"id":3822,"text":"لما انهزم الأمير شمس الدين، المشار إليه، كما تقدم، دخل العسكر المصري الى دمشق. ونزل الأمير علم الدين سنجر الحلبي بالقصر الأبلق، بالميدان الأخضر. وكان هو المشار إليه في الولاية والعزل، والعطاء والمنع وغير ذلك. فرسم بإيقاع الحوطة على مجد الدين اسماعيل بن كسيرات، وزير سنقر الأشقر، وجمال الدين بن صصري ناظر الدواوين بدمشق، وأخذ خطوطهما بجملة. ورسم على قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان. وضرب زين الدين وكيل بيت المال، ومحيي الدين بن النحاس. ثم ورد بعد ذلك كتاب السلطان بأمان أهل دمشق.\rتفويض نيابة السلطنة بالشام للأمير حسام الدين لاجين\rوشدّ الدواوين للأمير بدر الدين بكتوت العلائي، والوزارة للصاحب تقي الدين توبة التكريتي كان الأمير بدر الدين بكتوت العلائي، قد وصل الى دمشق، في جملة الجيش المجرد إليها، لدفع سنقر الأشقر عنها، صحبة الأمير علم الدين الحلبي. فلما استقر أمر دمشق للسلطان، تحدث في نيابة السلطنة بدمشق. واستند في ذلك، الى أن السلطان الملك المصور، لما جرده رسم له بها مشافهة. إلا أنه كان في نيابته يلزم الأدب مع الأمير علم الدين الحلبي. واستمر الأمر على ذلك، الى حادي شهر ربيع الأول من هذه السنة. فلما كان في هذا اليوم، ورد من الباب السلطاني، سبعة نفر على خيل البريد، ومعهم تقليد للأمير حسام الدين لاجين الصغير المنصوري، بنيابة السلطنة بالشام، وتقليد للأمير بدر الدين بكتوت العلائي، بشد الدواوين، وتقليد للصاحب تقي الدين توبة التكريتي بوزارة الشام، ولكل منهم تشريف، وتشريف لصاحب حماه.\rفلما كان في يوم الخميس، ثاني عشر الشهر، اجتمع سائر الأمراء بالميدان الأخضر. ولبس الأمير حسام الدين لاجين تشريف النيابة، ولبس الأمير بدر الدين بكتوت تشريف الشد. وركب الأمير علم الدين الحلبي، والأمير عز الدين الأفرم، والأمير بدر الدين بيليك الأيدمري، وسائر الأمراء والعساكر المصرية والشامية، وساقوا كلهم في خدمة الأمير حسام الدين. فلما انتهوا الى باب سر القلعة، ترجلوا بأجمعهم، وقبّل الأمير حسام الدين عتبة باب السر، ثلاث مرات. ثم تقدم الأمير علم الدين الحلبي، والأمير عز الدين الأفرم ليعضداه حتى يركب، ويمشيان في خدمته، الى دار السعادة. فسلك سبيل الأدب معهما، وامتنع من الركوب، واستمر ماشياً، والأمير علم الدين عن يمينه، والأمير عز الدين الأفرم عن يساره، وبقية الأمراء والعساكر، بين يديه، وكذلك القضاة والأعيان والأكابر. ولم يزل ماشياً، الى أن دخل دار السعادة، وجلس بها في رتبة النيابة، وقرئ تقليده. ثم خلع في هذا النهار، بعد الظهر، على الصاحب تقي الدين توبة، وأعطى دواة الوزارة بالشام.\rعزل قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان\rعن القضاة بدمشق وإعادته، وما اتفق في هذه السنة الحادثة كان السلطان الملك المنصور، قد رسم بشنق قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان لأنه بلغه أنه أفتى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، بجواز قتال السلطان. فلما ورد كتاب السلطان بأمان أهل دمشق، قرئ بحضور القاضي شمس الدين. فقال الأمير علم الدين الحلبي: هذا كتاب أمان لمن سمعه، وقد سمعه القاضي، فهو آمن. ثم عزله في حادي عشر صفر، وفوض القضاء لقاضي القضاة نجم الدين ابن قاضي القضاة صدر الدين سني الدولة. وكان ابن خلكان بالمدرسة العادلية، فطالبه القاضي نجم الدين بإخلاء مسكنها ليسكن فيه، وكرر عليه الطلب. وكان ابن سني الدولة، قد أرسل الى حلب، لإحضار أهله. فاتفق وصولهم الى ظاهر دمشق، في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر ربيع الأول. فخرج لتلقيهم، ورسم على القاضي شمس الدين بن خلكان، الى أن ينتقل من المدرسة، وضيق عليه، وبقي في شدة بسهب ذلك. وسئل ابن سني الدولة، أن يمهل عليه أياماً، الى أن ينتقل الى مكان آخر، فامتنع وشدد في ذلك، وصمم عليه.","part":8,"page":312},{"id":3823,"text":"وبقي القاضي شمس الدين في الترسيم، الى الرابعة من النهار المذكور، وهو يجمع كتبه، ويعبّي قماشه للنقلة، ونقل بعضه. فبينما هو كذلك، وإذا بجماعة من الجاندارية حضروا في طلبه، فظن أن ذلك بسبب خلو المكان فأراهم أنه يهم في النقلة. فقالوا له، إنك لم تُطلب لذلك، وإنما قد حضر بريدية من باب السلطان، فطلبت لذلك. وظن أن الطلب لأمر، هو أشد من النقلة. وخاف، وتوجه الى نائب السلطنة. فإذا كتاب السلطان قد ورد، وهو ينكر ولاية ابن سني الدولة القضاء وهو أطروش. ويقول نحن بيننا وبين القاضي شمس الدين معرفة، من الأيام الصالحية. وسيّر إليه تقليداً بالقضاء على عادته. فرجع الى المدرسة قاضياً واستقر بها. وعدّت هذه الواقعة من الفرج بعد الشدة. ويقال إن ابن سني الدولة كان قد أعطى الحلبي على ولايته القضاء ألف دينار، والله أعلم.\rإعادة الصاحب برهان الدين السنجاري الى الوزارة وعزله\rوفي هذه السنة، في أواخر جمادى الآخرة، أعيد الصاحب برهان الدين الخضر السنجاري الى الوزارة، وعزل الصاحب فخر الدين ابراهيم بن لقمان، فعاد الى ديوان الإنشاء. وكتب من جملة الكتاب، وتصرف عن أمر صاحب الديوان. وولي الصاحب برهان الدين الوزارة، واستمر الى أن عزل وقبض عليه، وعلى ولده وألزامه، في شهر ربيع الأول سنة ثمانين وستمائة. واعتقل الى يوم عرفة من السنة، فأفرج عنه في اليوم المذكور ولزم داره.\rوفيها، جرد السلطان، الأمير عز الدين أيبك الأفرم لحصار شيزر، وبها الأمير عز الدين أيبك كرجي من قبل الأمير شمس الدين سنقر الأشقر. فبينما هو يحاصرها، وردت الأخبار، أن التتار قد وصلوا على ثلاث فرق: فرقة من جهة الروم، ومقدمتم صمغار، وتنجي، وطونجي، وفرقة من الشرق ومقدمتهم بيدو بن طوغاي بن هولاكو، وصحبته صاحب ماردين، والفرقة الثالثة فيها معظم العسكر، شرة المغل صحبة منكوتمر بن هولاكو. فرحل الأمير عز الدين عن شيزر، وكتب السلطان الى سنقر الأشقر يستميله، وذلك قبل انتظام الصلح فجنح الى السلم، ونزل من صهيون، على عزم إنجاد المسلمين. وجفل عسكر حلب وحماه وحمص. ولم يحصل قتال التتار هذه السنة.\rتفويض السلطنة ولاية العهد للملك الصالح\rعلاء الدين علي ابن السلطان الملك المنصور في هذه السنة، في شهر رجب، فوّض السلطان الملك المنصور ولاية عهده وكفالة السلطنة لولده السلطان الملك الصالح علاء الدين أبي الفتح علي، وذلك عندما عزم على التوجه للقاء التتار. وركب الملك الصالح بالقاهرة بشعار السلطنة، وخطب له على سائر المنابر بعد والده. وكُتب تقليده بذلك، وهو من إنشاء المولى محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر وبخطه، أجاد فيه وأبلغ، تركنا إيراه اختصاراً.\rوفيها، في شهر رمضان، عزل السلطان القاضي صدر الدين عمر ابن قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز، عن القضاء بالديار المصرية. وكان قد سلك في ولايته، طريق الخير والصلاح والصلابة، وتحرى الحق والعدل في أحكامه. ثم مات رحمه الله تعالى، في عاشر المحرم سنة ثمانين وستمائة. ولما عزل، أعيد قاضي القضاة تقي الدين محمد بن الحسين بن رزين الى القضاء بالديار المصرية.\rتوجه السلطان الى غزة، وعوده الى الديار المصرية\rوفي هذه السنة، توجه السلطان الى الشام، وصحبته العساكر الإسلامية، لدفع التتار، فوصل الى غزة. وكان التتار قد وصلوا الى عين تاب وبغراس والدربساك، وتقدموا الى حلب، فوجدوها خالية، وقد جفل العسكر وأهلها منها، فأحرقوها وذلك في العشر الأوسط من جمادى الآخرة. ولما بلغهم اهتمام السلطان وخروجه، تفرقوا الى مشاتيهم. وعاد السلطان الى الديار المصرية، لاستحقاق الربيع.\rوجود الأمير بدر الدين بكتاش النجمي الى حمص، والأمير علاء الدين أيدكين البندقدار الصالحي، الى الساحل لحفظ البلاد من الفرنج.","part":8,"page":313},{"id":3824,"text":"وفيها، كتب الأمير سيف الدين بلبان الطباخي، نائب السلطنة الشريفة بحصن الأكراد؛ الى السلطان يستأذن في غزو الفرنج بالمرقب، لأنهم لما بلغهم قدوم التتار، قويت نفوسهم، وامتد طمعهم. فأذن السلطان له في ذلك. فجمع جيوش الحصون، وأمر التركمان والرجالة، واستصحب المجانيق وآلات الحصار. وتقدم الى حصن المرقب، ونزل بالقرب منه، فاختفى أهله، ولم يتحركوا في مبدأ الحال. فقوي طمع العسكر فيهم، وتقدموا الى جانب الحصن، فرشقهم الفرنج بالسهام والجروخ من أعلى الحصن، وسهام المسلمين لا تصل إليهم. فاضطرب العسكر، وأمرهم الطباخي أن يتأخروا عن الحصن، فظنوها هزيمة وولوا، فما أمكنه إلا أن يتبعهم. وخرج الفرنج في أعقابهم ونالوا من المسلمين، وجرحوا منهم جماعة، ونهبوا وأسروا جماعة من الرجالة. وبلغ السلطان ذلك، فأنكره وكبر لديه، وعزم على السفر.\rتوجه السلطان الى الشام\rوفي سنة تسع وسبعين وستمائة أيضاً، عاد السلطان الى الشام. وكان خروجه من قلعة الجبل، في مستهل ذي الحجة. ونزل بها ولده الملك الصالح، ورتب في خدمته الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، لاستخراج الأموال، وغير ذلك.\rوفي هذه السنة، في ذي الحجة، وصل الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا من العراق، الى خدمة السلطان. وعاود الطاعة، وسأل الصفح، عن ما فرط من ذنبه، من إعانة سنقر الأشقر، وما كان عزم عليه من الانضمام الى التتار، وكان اجتماعه بالسلطان بمنزلة الروحاء. ولما وصل الى الخدمة، ركب السلطان إليه، وتلقاه وأكرمه، وبالغ في إكرامه وأحسن إليه.\rوفيها، في يوم الأربعاء، وقت العصر، رابع عشر المحرم، توفي الشيخ نور الدين أبو الحسن علي ابن الشيخ جلال الدين أبي العزائم همام ابن راجي الله سرابا بن أبي الفتوح ناصر بن داود الشافعي، إمام الجامع الصالحي بظاهر القاهرة، خارج باب زويلة، ودفن من الغد بسفح المقطم، رحمه الله تعالى. وولي الإمامة بالجامع الصالحي بعده، ولده الشيخ تاج الدين أبو محمد عبد الله محمد.\rوفيها، في يوم الثلاثاء، ثاني عشر شوال، توفي الأديب جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى بن محمد بن علي المصري، المعروف بالخرّاز الشاعر المشهور، مولده بمصر، سنة إحدى وستمائة. سمع أبا الفضل أحمد بن محمد الحباب، وروى وسمع من غيره. وكان أديباً فاضلاً، جيد البديهة حلو المجون، حسن المحاضرة، كثير النادرة، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي الأمير سيف الدين أبو بكر، المعروف بابن اسباسلار، متولي مصر. وكان قد سمن، وأفرط به السمن، حتى منعه الأطباء من الرقاد على فرش وطيء، ومن النوم إلا إغفاء، وقالوا إنه متى استغرق في النوم مات. فكان كذلك الى أن مات. وكانت وفاته في شهر ربيع الآخر، ودفن بتربته بالقرافة. وله في ولايته بمصر أخبار كثيرة مشهورة من المصريين، سامحه الله تعالى.\rوفيها، توفي الأمير نور الدين علي بن عمر الطوري. كان من أبطال المسلمين وشجعانهم وفرسانهم. وله صيت عظيم عند الفرنج، ومعرفة بالبلاد الساحلية ومرابطة وآثار جميلة، ومواقف محمودة. وكان ممن جمع الله له، بين قوة البدن والقلب. كان يقاتل بلتّ حديد، لا يستطيع الشباب حمله، ولازم المرابطة ببلاد الساحل، في وجه العدو سنين كثيرة. وكان كريماً ديّناً، وتنقل في الولايات بالشام. وكان محترماً في الدول، مكرماً عند الملوك، يعرفون قدره، وحضر المصاف الكائن بين عسكر مصر وسنقر الأشقر، فجرح ووقع تحت حوافر الخيل. ومات في أواخر صفر أو أوائل شهر ربيع الأول، بجبل الصالحية وقد ناف على تسعين سنة، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة ثمانين وستمائة\rما تقرر من المهادنات مع الفرنج وبيت الاسبتار","part":8,"page":314},{"id":3825,"text":"في هذه السنة، وصل الى السلطان، وهو بمنزلة الروحاء، رسل الفرنج يسألون تقرير الهدنة، والزيادة على الهدنة الظاهرية. ومازالوا يترددون الى أن تقررت الهدنة، بين السلطان وولده معاً، ومع مقدم بيت الاسبتار، وجميع الإخوة الاسبتارية، بعكا، لمدة عشر سنين كوامل متتابعات، وعشرة شهور، وعشرة أيام، وعشر ساعات، أول ذلك يوم السبت ثاني عشر المحرم سنة ثمانين وستمائة، الموافق للثالث من شهر أيار، سنة ألف وخمسمائة واثنتين وتسعين للإسكندر بن فيلهس اليوناني، وذلك على جميع بلاد السلطان، وما اشتملت عليه من الأقاليم والمماللك والقلاع والحصون، والمدن والبلاد والقرى، والمزارع والأراضي، والمواني والبحور، والمراسي والثغور، وسائر البلاد من الفرات الى النوبة، وعلى التجار المسافرين في البر والبحر، والسهل والجبل، في الليل والنهار، وعلى قلعة المرقب، والربض المرقبي بحقوقه وحدوده.\rوتقررت الهدنة مع متملك طرابلس، بيمند بن بيمند، لمدة عشر سنين كوامل متواليات، أولها يوم السبت السابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثمانين وستمائة، الموافق للخامس من تموز سنة ألف وخمسمائة واثنتين وتسعين، للإسكندر. وذلك على بلاد السلطان الملك المنصور والملك الصالح ولده، قريبها وبعيدها، سهلها وجبلها، غورها ونجدها، قديمها ومستجدها، وما هو مجاور لطرابلس ومحادد لها، من المملكة البعلبكية، وجبالها وقراها الدخيلة والجبلية، وجبال الضنيين والقصبين، وما هو من حقوق ذلك، وعلى الفتوحات المستجدة: وهي حصن الأكراد وافليس والقليعات وصافيتا، وميعار، واطليعا، وحصن عكار ومرقية، ومدينتها وبلادها، ومناصفاتها، وهي بلاد اللكمة، وجميع بلاد هذه الجهات التي ذكرناها، ومناصفات المرقب التي دخلت في الصلح مع بيت الاسبتار وبلده ومدينته، وما هو محسوب منها ومعروف بها من حصون وقرى، وبلاد الست وبلاطنس وبلادها، وقرقص وبلادها، وجبلة ولاذقية وأنطاكية والسويدية وبلاد ذلك، وحصن بغراس، وحصن ديركوش وصهيون وبرزية، وحصون الدعوة، وغير ذلك من سائر الممالك الإسلامية، وما سيفتحه الله تعالى، على يد السلطان ويد ولده، وعلى المواني والسواحل والأبراج وغير ذلك؛ وعلى بلاد الإبرنس، وعلى طرابلس وما هو داخل فيها، وأنفه والبترون وجبيل وبلاد ذلك، وعرقا وبلادها وبلادها المعينة في الهدنة، وعدتها إحدى وخمسون ناحية، وما هو للخيالة والكنائس وعدتها أحد وعشرون بلداً، وما هو للفارس روجار دلا لولاي، من قبلي طرابلس، يكون مناصفة، وعلى أن يستقر برج اللاذقية وميناؤها في استخراج الحقوق والجنايات والغلات وغيرها مناصفة. ويستقر مقامهم باللاذقية على حكم شروط الهدنة الظاهرية، وعلى أن يكون على جسر أرتوسية، من غلمان السلطان ليحفظ الحقوق، ستة عشر نفراً وهم: المشد والشاهد والكاتب وثلاثة غلمان لهم، وعشرة رجّالة في خدمة المشد، ويكون لهم في الجسر بيوت يسكنونها، ولا يحصل منهم أذية لرعية الإبرنس، وإنما يمنعون ما يجب منعه من الممنوعات، ولا يمنعون ما يكون من عرقا، من الغلات الصيفية والشتوية وغيرها، لا يعارضهم المشد فيه. وما عدا ذلك مما يعبر من بلاد السلطان، يؤخذ عليه الحقوق. ولا يدخل الى طرابلس غلة محمية للإبرنس ولا غيره، إلا ويؤخذ الموجب عليها؛ وعلى أن البرنس لا يستجد خارج ما وقعت الهدنة عليه، بناء يدفع ولا يمنع، وكذلك السلطان لا يستجد بناء قلعة ينشئها من الأصل في البلاد، التي وقعت الهدنة عليها، وعلى الشواني من الجهتين أن تكون آمنة، كل طائفة من الأخرى. ولا ينقض ذلك بموت أحدهما. ولا بتغييره، وأن لا يُحسّن لأحد من أعداء مولانا السلطان، ولا يتفق عليه، برمز ولا خط، ولا مراسلة ولا مكاتبة ولا مشافهة. وتقررت الحال على ذلك وعادت الرسل، وتوجه الأمير فخر الدين أياز الحاجب ليحل الفرنج ومقدم بيت الاستبار. على ما انعقد عليه الصلح، فحلفهم.\rحادثة الأمير سيف الدين كوندك ومن معه، والقبض عليه","part":8,"page":315},{"id":3826,"text":"وفي هذه السنة، بلغ السلطان وهو بمنزلة الروحاء، أن الأمير سيف الدين كوندك وجماعة من الأمراء الظاهرية، قد توافقوا على الغدر به. ووصلت الى السلطان كتب المناصحين من عكا يقولون له احترز على نفسك، فإن عندك جماعة من الأمراء قد اتفقوا على قتلك، وكاتبوا الفرنج، وقالوا لهم لا تصالحوا فالأمر لا يبطئ. وعزم كونداك ومن معه، أن يهجموا بالليل على السلطان في الدهليز ويغتالونه. ووافقهم جماعة من الظاهرية الجوانية. فاحترز السلطان ورحل من الروحاء. وتقدم وتلاطف الأمر، حتى اجتمع الأمراء عنده بحمرة بيسان، فوبخ كوندك ومن معه، وذكر لهم ما اعتمدوه من مكاتبة الفرنج فاعترفوا بذلك، وقرّوا به. وسألوه العفو. فأمر السلطان بالقبض عليهم، فقبض على كوندك وايدعمش الحكيمي وبيبرس الرشيدي، وساطلمش السلاح دار الظاهري في الدهليز، وأمر السلطان بإعدامهم. وسير الى الخيام فأمسك من كان قد وافقهم من الأمراء البرانيين والمماليك الجوانية، وكانوا ثلاثة وثلاثين نفراً، وخاف جماعة فهربوا، فساق العسكر خلفهم. فأحضر بعضهم من جبال بعلبك، وبعضهم من ناحية صرخد.\rوفيها، هرب الأمير سيف الدين أينمش السعدي. وسيف الدين بلبان الهاروني، وجماعة من البحرية الظاهرية. والتتار الوافدية، يقال كانوا نحو ثلثمائة فارس. وتوجهوا الى صهيون، ولحقوا بالأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وذلك قبل انتظام الصلح الذي قدمناه. وجرد السلطان خلفهم، الأمير بدر الدين بكتاش الفخري، والأمير ركن الدين بيبرس طقصوا وجماعتهم فلم يدركوهم.\rورحل السلطان الى دمشق، وكان وصوله إليها في يوم السبت العشرين من المحرم، وهو أول دخوله إليها. وكان من انتظام الصلح بين السلطان والأمير شمس الدين سنقر الأشقر والملك المسعود ما قدمناه. وكانت الوقعة مع التتار على حمص، وقد تقدم ذكرها في الغزوات.\rوفي هذه السنة، في يوم الإثنين الثامن والعشرين من المحرم، والسلطان بدمشق، فوّض السلطان قضاء القضاة بدمشق، على مذهب الإمام الشافعي، لقاضي القضاة عز الدين بن الصائغ، وعزل القاضي شمس الدين أحمد ابن خلكان. وفوّض أيضاً قضاء الحنابلة بدمشق للقاضي نجم الدين أحمد الشيخ شمس الدين عبد الرحمن الحنبلي. وكان القضاء على مذهب أحمد، وقد شغر، منذ عزل الشيخ شمس الدين نفسه من القضاء، وتوجه الى الحجاز، في سنة ثمان وسبعين وستمائة، ففوضه السلطان الآن لولده المذكور، بإشارة والده وخلع على القاضيين، واشترط القاضي عز الدين شروطاً، أجيب إليها.\rوفيها، في العشر الأوسط من شهر ربيع الأول، دارت الجهة المفردة بدمشق وأعمالها وضمنت. فقيل إنها ضمنت في كل سنة بسبعمائة ألف درهم. ثم تزايد فيها الضمان حتى بلغت ألفي ألف درهم في كل سنة. فلما كان في يوم الأحد، الخامس والعشرين من الشهر، خرج مرسوم السلطان بإراقة الخمور وإبطال هذه الجهة الخبيثة فبطل ذلك ولله الحمد.\rوفيها، في شعبان، فوض السلطان شاد الدواوين بالشام، للأمير علم الدين سنجر الدواداري وفوض نظر النظار للقاضي تاج الدين عبد الرحمن بن الشيرازي.\rوفي هذه السنة، وصلت رسل الملك المظفر يوسف بن عمر، صاحب اليمن الى السلطان بالهدايا والتحف. وكان من جملة سؤال صاحب اليمن أن يرسل السلطان إليه قميص أمان، ويكتب عليه هو وابنه الملك الصالح، فأجابه السلطان الى ذلك. وجهّز له هدايا وتحفاً وقطعة زمرد وخيلاً من خيل التتار الأكاديش، وشيئاً من عددهم.\rوفيها، في شهر رمضان، قبض الملك على الأمير ركن الدين أياجي الحاجب. وفي ذي القعدة، قبض على الأمير سيف الدين أيتمش السعدي، وجماعة من الأمراء، وقبض بدمشق على الأمير سيف الدين بلبان الهاروني، وسنقر الكردي وغيرهم. وكان أيتمش والهاروني، قد عادا الى الخدمة من جهة سنقر الأشقر بعد المصاف، كما تقدم ذكر ذلك.\rوفيها، رسم السلطان بإبطال زكاة الدولبة، والزكاوات المقررة بالديار المصرية. وكان الناس يجدون مشقة كبيرة لذلك، لأن المال كان ينفد والزكاة باقية، وإذا مات الرجل طولب ورثته بالزكاة المقررة عليه.\rوفاة قاضي القضاة تقي الدين رزين، وولاية القاضي وجيه الدين\rواستعفائه من قضاء القاهرة، وولاية القاضي شهاب الدين الخويي","part":8,"page":316},{"id":3827,"text":"وفي هذه السنة، في ليلة الأحد ثالث شهر رجب، كانت وفاة قاضي القضاة، تقي الدين أبي عبد الله محمد بن الحسين بن رزين بن موسى بن عيسى، ابن موسى بن نصر الله بن هبة الله العامري الشافعي، ودفن بالقرافة. ومولده في يوم الثلاثاء، ثالث شعبان سنة ثلاث وستمائة بحماه، رحمه الله تعالى. وفضائله وعلومه مشهورة، وسماعاته عالية. ولما مات، فوّض السلطان قضاء القضاة بالديار المصرية، للقاضي وجيه الدين عبد الوهاب بن حسين البهنسي المهلبي، في سلخ شعبان، فولي ذلك الى آخر جمادى الآخرة، سنة إحدى وثمانين وستمائة. ثم استفي من قضاء القاهرة والوجه البحري، وذكر أنه يضعف عن الجمع بين قضاء المدينتين والوجهين. فأعفي من قضاء القاهرة والوجه البحري، وفوض السلطان ذلك الى القاضي شهاب الدين الخويي، وكان يلي قضاء الغربية. فنقل الى قضاء القضاة بالقاهرة والوجه البحري، واستمر الى أن نقل الى الشام، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى.\rوفيها، توفي قاضي القضاة، نفيس الدين أبو البركات محمد، ابن القاضي المخلص، ضياء الدين هبة الله ابن القاضي كمال الدين أبي السعادات أحمد بن شكر المالكي، قاضي قضاة المالكية بالديار المصرية، في يوم الجمعة مستهل ذي الحجة، ومولده في سنة خمس وستمائة، وولى القضاء من بعده للقاضي تقي الدين أبي علي الحسين، في سنة تسع وستين وستمائة. ولما مات، فوّض السلطان القضاء بعده، للقاضي تقي الدين أبي علي الحسين ابن الفقيه شرف الدين أبي الفضائل عبد الرحيم ابن الفقيه الإمام مفتي الفرق جلال الدين أبي محمد عبد الله ابن شاس الجذامي السعدي المالكي.\rوفيها، توفي قاضي القضاة نجم الدين أبو بكر محمد ابن قاضي القضاة صدر الدين أبو العباس أحمد ابن قاضي القضاة شمس الدين أبي البركات يحيى ابن هبة الله، المعروف بابن سني الدولة. وكان وفاته بدمشق، في ثامن المحرم، ودفن بتربة جده، بقاسيون، رحمه الله.\rوفيها، في ثالث عشر شهر ربيع الآخر، توفي الشيخ الصالح مجد الدين عبد العزيز ابن الحسين بن ابراهيم الخيلي الداري بدمشق، ودفن بقاسيون. وهو والد الصاحب الوزير فخر الدين عمر الخليلي.\rوفيها، في سحر يوم الجمعة، ثامن ذي الحجة، توفي الشيخ الإمام، بقية العلماء، علم الدين أبو الحسن محمد ابن الإمام أبي علي الحسين بن عتيق بن عبد الله بن رشيق الربعي المالكي الفقيه، شيخ مشايخنا. ودفن بالقرافة، وكانت جنازته مشهودة. ومولده يوم الأحد، العشرين من شهر رجب، سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمصر، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي الأمير بهاء الدين ابن الأمير حسام الدين بيجار، وكان من أعيان الأمراء وأكابرهم. وكان وفاته بغزة، وهو منصرف الى الديار المصرية في رابع عشر شعبان، وهو في عشر السبعين تقريباً، ووالده الأمير حسام الدين البايبرتي باق، وقد كف بصره.\rوفيها، توفي الأمير شمس الدين سنقر الألفي. وهو الذي ولي نيابة السلطنة بالديار المصرية، بعد الأمير شمس الدين أقسنقر الفارقاني كما تقدم. وكانت وفاته في معتقله بثغر الاسكندرية، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي الأمير نور الدين أحمد، ويدعى رباله، ابن الملك الظاهر على ابن الملك العزيز محمد، ابن الملك الظاهر غياث الدين غازي ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب. وأمه زوجة الأمير بدر الدين بيسري الشمسي المعروفة، بوجه القمر. وكانت وفاته بالقاهرة، في شوال، وكان عمره يومئذ ستاً وعشرين سنة. وكان بديع الحسن، تام الخلقة، عنده شجاعة وكرم وسكون، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي موفق الدين خضر بن محاسن الرحبي، النائب بالرحبة. وكان بعد من رجال الدهر شجاعة وإقداماً وحزماً، وتدبيراً ومكراً، وحيلاً ومداراة وسياسة. وكان في بدايته جمّاساً بالرحبة، لإنسان من أهلها، فمات، فتزوج بامرأته، وحاز موجوده، فصلحت حاله. وخدم من جملة قراغلامية الرحبة لما كانت الرحبة للملك الأشرف، صاحب حمص. وخدم النواب بالرحبة، وتنقلت به الأحوال، وتوفي الى أن ولي نيابة السلطنة بالرحبة. وكانوا بعد ذلك يسمونه الموفق صاحب الرحبة. فلما كان في هذه السنة، حضر الى دمشق، يتقاضى مواعيد كانت سبقت له من السلطان بالإمرة، فمات بدمشق، ودفن بمقابر باب الصغير، وعمره نحو سبعين سنة، رحمه الله.\rواستهلت سنة إحدى وثمانين وستمائة","part":8,"page":317},{"id":3828,"text":"تفويض نيابة السلطان بحلب للأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري\rفي هذه السنة، فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية، الى الأمير شمس الدين قراسنقر الجوكندار المنصوري. فاستأذن السلطان في عمارة جامع مدينة حلب وقلعتها، وكان التتار قد أخربوهما فأذن له في ذلك، فعمّرها أحسن ما كانا.\rوفيها، في حادي شهر ربيع الآخر، فوض السلطان الوزارة للقاضي الصاحب نجم الدين حمزة بن محمد الأصفوني، وكان قبل ذلك يلي نظر الدواوين. وكان في ابتداء ترقيه يلي نصف مشارفة الأصل، بالأعمال القوصية. ثم ولي في الدولة الظاهرية، نظر الأعمال القوصية، ثم وضع الى نظر الأعمال الأخميمية. ثم تنقل فولي نظر النظار بالديار المصرية، ثم الوزارة. ولم تطل مدة وزارته، فإنه مات بعد سنة من يوم وزارته، رحمه الله تعالى. وفوضت الوزارة بعده، للأمير علم الدين سنجر الشجاعي المنصوري.\rوفيها، وفد الى خدمة السلطان، شخص من أولاد الأويراتية، يسمى الشيخ علي. كان قد دخل في دين الإسلام، وخدم المشايخ، وعانى أسباب الرياضة والانقطاع. فظهرت له كرامة من كرامات الفقراء، فتبعه جماعة من أولاد المغل. فخرج بهم من تلك البلاد الى الشام، ثم الى الديار المصرية. ومثلوا بين يدي السلطان، فأحسن إليهم، منهم الأقوش وتمر وعمر، ثلاثة إخوة، وجويان وجماعة، رتب السلطان بعضهم في جملة الخاصكية، وتنقلوا الى الإمرة. ثم ظهر من الشيخ على أمور أنكرت عليه فسجن، ثم سجن الأقوش، ومات نمر وعمر في الخدمة.\rوفي هذه السنة، في صفر، قبض السلطان على الأمير بدر الدين بيسري الشمس، والأمير علاء الدين كشنغدي الشمسي وغيرهما، واعتقلوا. واستمر الأمير بدر الدين بيسري في الاعتقال الى الدولة الأشرفية، فأفرج عنه، على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.\rوفيها، في يوم عرفة، قبض بدمشق على الأمير عز الدين أيبك كرجي، والأمير علم الدين الروباسي، والأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير عز الدين أيدمر الظاهري. نائب السلطنة، والده بدمشق كان، وعلي زين الدين ابن الشيخ عدي، واعتقلوا.\rوفيها، في حادي عشرين شهر رمضان، احترق سوق اللبادين وسوق جيرون بدمشق، الى حيطان الجامع. واتصل الحريق الى حمام الصحن، ودار الخشب. وكان ابتداء الحريق من وقت المغرب، واستمر ثلاثة أيام، وركب بسببه نائب السلطنة وسائر الأمراء، والعسكر، والحجارين والنجارين، حتى خرّبوا قدام النار فانقطعت. واحترق سوق الكتبيين، فكان ما احترق فيه لشمس الدين ابراهيم الجزري الكتبي، خمسة عشر ألف مجلد، غير الكراريس والأوراق. وكان سبب هذا الحريق، أن بعض الذهبيين غسل ثوبه ونشره، وجعل تحته مجمرة نار وتركها، وتوجه للفطور، فتعلقت النار بالثوب، واتصلت ببارية كانت معلقة، ومنها الى السقف. وسلم أربعة دكاكين من ناحية درج اللبادين.\rوصول رسل أحمد سلطان، وهو توكدار ابن هولاكو، ملك التتار\rوفي هذه السنة، وصل رسل أحمد سلطان بن هولاكو، وهو الذي ملك بعد أبغا، وهم قطب الدين محمود الشيرازي، قاضي سيواس، والأمير بهاء الدين أتابك السلطان مسعود صاحب الروم، والصاحب شمس الدين محمد ابن الصاحب، وهو من أصحاب ماردين. وعند ورود الخبر بوصولهم الى البيرة، أمر السلطان، الاحتراز عليهم، بحيث لا يشاهدهم أحد. فساروا بهم في الليل، الى أن حضروا بين يدي السلطان. وأحضروا كتاباً من أحمد سلطان، يتضمن أنه قد ملك التتار، وهو مسلم. وقد أمر ببناء المسجد والمدارس والأوقاف، وأمر بتجهيز الحاج، الى غير ذلك من أنواع وجوه البر والقربات. وطلب اجتماع الكلمة، وإخماد نار الفتن والحروب. وذكر أن أصحابه وجدوا جاسوساً في زي الفقراء فمسكوه، وإن عادة مثله القتل. وجهزه الى الأبواب السلطانية. وقال إنه لا حاجة الى الجواسيس ولا غيرهم، بعد الاتفاق واجتماع الكلمة، الى غير ذلك مما فيه استجلاب خاطر السلطان. وظهرت رغبته في الصلح، وأنه كتب من واسط، في جمادى الأولى. فأجابه السلطان جواباً حسناً، يتضمن تهنئته بالإسلام، وأجابه الى ما طلب من الصلح، وأعاد رسله مكرمين. فوصلوا الى حلب في سادس شوال، وتوجهوا الى بلادهم.","part":8,"page":318},{"id":3829,"text":"وفيها، بنى السلطان ببنت سكتاي بن قراحين بن جنغان نوين. وكان سكتاي هذا، قد ورد الى الديار المصرية، هو وقرمش، في سنة أربع وسبعين وستمائة، صحبة بيجار الرومي الظاهرية. وهذه هي والدة السلطان الملك الناصر.\rوفيها، تزوج الملك الصالح ابن السلطان الملك المنصور بمنكبك، ابنة الأمير سيف الدين نوكية بن سان قطعان. وكان نوكيه إذ ذاك معتقلاً بثغر الاسكندرية. فرسم السلطان بالإفراج عنه، وأحضره الى الأبواب العالية، وشمله الإنعام. وتقرر العقد على خمسة آلاف دينار عيناً، قُدِّم منها ألفا دينار.\rوفيها، استقرت الهدنة بين السلطان والمقدم افرير كليام ديباجوك، مقدم بيت الديوية بعكا والساحل وديوية انطرطوس، لمدة عشر سنين، أولها خامس المحرم، سنة إحدى وثمانين وستمائة.\rالظفر بملك من ملوك الكرج وإمساكه\rوفيها، بلغ السلطان الملك المنصور، أن ملكاً من ملوك الكرج، خرج من بلاده، لزيارة القدس الشريف، ويعود خفية، واسمه توما سوطياس كلياري. ووضعت له صفته، ومعه رفيق يسمى طيبغا بن انكوار، وأنهما ركبا المراكب من ساحل بوط، فحفظت عليه الطرقات من كل جهة، فلم يصل الى موضع إلا وخبره وقد سبق الى السلطان. فلما وصل الى القدس الشريف، أمسك هو وترجمانه، وأحضرا الى الديار المصرية، واعتقلا بها.\rوفي هذه السنة، ولي القاضي بدر الدين محمد ابن الشيخ برهان الدين ابراهيم ابن جماعة الكناني الشافعي، تدريس المدرسة القيمرية. وذكر الدرس بها، في تاسع عشر شوال. وحضر دروسه القضاة والعلماء.\rوفيها، في يوم الثلاثاء، ثامن شهر رجب، كانت وفاة الشيخ الإمام العالم الزاهد، زين الدين أبي محمد عبد السلام بن علي بن عمر الزواوي المالكي، بدمشق. ومولده بظاهر بجايه في سنة تسع أو ثمان وثمانين وخمسمائة. ووصل الى دمشق في سنة ست عشرة وستمائة، وأقام بها الى حين وفاته. وولي القضاء في الدولة الظاهرية، بعد امتناع منه، كما تقدم. ولم يأخذ عنه جامكية، ولا لبس تشريفاً. ثم عزل نفسه، في سنة ثلاث وسبعين وستمائة. وحلف ألا يلي القضاء بعدها. فأقر السلطان نائبه وصهره القاضي جمال الدين يوسف، وقد تقدم ذكر ذلك في مواضعه. وكان رحمه الله تعالى، كثير التواضع، يشتري حاجته ويحملها بنفسه.\rوفيها، في يوم الأحد سادس عشرين شعبان، توفي الشيخ شرف الدين أبو عبد الله محمد ابن شيخ الإسلام، عز الدين أبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام، ودفن بتربة والده بالقرافة. ومولده بدمشق، في سنة خمس وستمائة، رحمه الله تعالى.\rوفيها توفي الملك الظاهر شادي ابن الملك الناصر داود ابن الملك المعظم سيف الدين عيسى ابن السلطان الملك العادل، سيف الدين أبي بكر محمد ابن أيوب. وكانت وفاته بالغور، في السابع والعشرين من شهر رمضان. ونقل الى البيت المقدس، فدفن به. ومولده بلقعة دمشق، بعد صلاة الجمعة، سابع عشر ذي الحجة، سنة خمس وعشرين وستمائة.\rوفيها، توفي القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن ابراهيم بن أبي بكر بن خلكان البرمكي، الشافعي الأربلي. وكان وفاته بالمدرسة النجيبية بدمشق، في عشية يوم السبت سادس عشر شهر رجب. ومولده بمدينة إربل، في يوم الخميس بعد صلاة العصر، حادي عشر شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وستمائة. وقد تقدم ذكر ولايته القضاء بالشام. وكان رجلاً عالماً، وحاكماً عادلاً، وأديباً بارعاً، ومؤرخاً جامعاً، وكريماً سمحاً، جواداً مدارياً. يحب الرفق بالناس، وكان طاهر المجلس، لا يغتاب أحد أحداً في مجلسه. وله مناقب مشهورة، وحكايات مذكورة، تدل على حسناته وستره، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توي الشيخ الصالح، أبو الفدا اسماعيل بن اسماعيل بن جوسلين البعلبكي بها، في يوم الأربعاء الرابع والعشرين من صفر. ومولده سنة أربع وستمائة. سمع صحيح البخاري، على ابن الزبيدي وأسمعه، رحمه الله تعالى.","part":8,"page":319},{"id":3830,"text":"وفيها، كانت وفاة السديد هبة الله النصراني القبطي المعروف بالماعز، ستوفي الصحبة بالديار المصرية. وكان قد تمكن في هذه الوظيفة عند الملك الظاهر، وتقدم على أبناء جنسه. وله معرفة تامة بالديار المصرية والشامية، لم يشاركه أحد في زمانه من أبناء جنسه كلهم، قد أقر له بالفضل في صناعته، وكان متعففاً عن الأموال، وعنده ستر على الكتاب والمتصرفين. ولما مات، رتب السلطان في وظيفته، ولده الأسعد جرجس. وتمكن الأسعد في الدولة المنصورية تمكناً كثيراً، ما سمع بمثله لمثله.\rواستهلت سنة اثنتين وثمانين وستمائة في هذه السنة، توجه السلطان الى البحيرة، لحفر الخليج المعروف بالطيرية. وتوجه صاحب حماه في خدمته، وكان قد وصل الى الأبواب السلطانية في هذه السنة. فحفر هذا الخليج، وكان طوله ستة آلاف وستمائة قصبة، وعرضه ثلاث قصبات، وعمقه أربع قصبات، بالقصبة الحاكمية. وكان نجازه في عشرة أيام، وروي بسببه من أعمال البحيرة، ما لم يكن يروى قبله، في سنة من السنين.\rوفيها، في عاشر شهر ربيع الأول، فوّض السلطان الى الصاحب برهان الدين الخضر السنجاري، النظر التدريس، بمدرسة الإمام الشافعي بالقرافة، بالجامكية والجراية. والرسم الشاهد به، كتاب الوقف الصلاحي، يوسف ابن أيوب، رحمه الله تعالى، وهو من معلوم التدريس، في كل شهر أربعون ديناراً معاملة، صرف كل دينار ثلاثة عشر درهماً وثلث درهم وعن النظر عشرة دنانير والجراية، والرسوم في كل يوم، من الخبز ستون رطل، بالرطل المصري، وراويتان من الماء الحلو. وكانت هذه المدرسة، خلت من مدرس، من ثلاثين سنة، واكتفي فيها بالمعيدين، وهم عشرة. واستمر الحال على ذلك، الى سنة ثمان وسبعين وستمائة. فولي تدريسها قاضي القضاة تقي الدين بن رزين، عند عزله من القضاء. وقرر له نصف المعلوم. ثم انتقلت بعد وفاته الى غيره بربع المعلوم، وبقي الأمر على ذلك الى الان، ففوضت إليه بتوقيع شريف سلطاني منصوري.\rتوجه السلطان الى الشام وعوده\rوفي هذه السنة توجه السلطان الى الشام، في النصف من جمادى الأولى، ووصل الى غزة، في سابع جمادى الآخرة. وأقام بها أياماً، ثم رحل الى دمشق. فدخلها في ثامن شهر رجب، ونزل بالقلعة.\rعزل قاضي القضاة عز الدين ابن الصائغ الشافي عن القضاء\rوتولية قاضي القضاة بهاء الدين يوسف بن الزكي","part":8,"page":320},{"id":3831,"text":"كان سبب عزل قاضي القضاة عز الدين ابن الصائغ عن القضاء بدمشق، أن تاج الدين بن السنجاري قاضي قضاة حلب، أثبت محضراً، أن الطواشي ريحان الخليفتي، أودع شرف الدين بن الإسكاف، ثمانية آلاف دينار، وأن ذلك انتقل الى يد القاضي عز الدين المذكور بحكم الوصية. فطلب القاضي عز الدين، في يوم الجمعة حادي عشرين شهر رجب، وكان قد حضر الى الجامع الأموي، لسماع خطبة القاضي جمال الدين بن عبد الكافي، وكان قد ولي الخطابة والإمامة بدمشق. فتوجه من الجامع الى القلعة، وحضر الى الأمير بدر الدين الأقرعي مشد الصحبة، والقاضي شهاب الدين بن الواسطي، الناظر بالصحبة. فرسم المشدّ على القاضي بمسجد الحبالة، ولم يصلّ الجمعة. ثم شدد عليه الأمر، وعزل عن القضاء في يوم الأحد ثالث عشرين الشهر. وفوّض القضاء للقاضي بهاء الدين يوسف ابن القاضي محيي الدين بن الزكي. ومنع الناس من الدخول على القاضي عز الدين والاجتماع به، إلا من لابد منه. ثم ادعى عليه أن عنده حياصة وعصابة، القيمة عنهما خمسة وعشرون ألف دينار، وأنهما كانا عند عماد الدين ابن الشيخ محيي الدين بن العربي، للملك الصالح اسماعيل بن أسد الدين شيركوه، وانتقل ذلك الى عماد الدين ابن الصائغ، ومنه الى أخيه القاضي عز الدين. ثم ادعى عليه، أن الأمير ناصر الدين ابن الأمير عز الدين أيدمر، نائب السلطنة، والده، كان أودع عنده جملة كثيرة، واشتد عليه الأمر، ووكل الملك الزاهر في مطالبته، فظهر الأمر بخلاف ذلك. وهو أن القاضي عز الدين أثبت عداوة تاج الدين السنجاري، الحاكم بحلب، وعجز الخصم عن تحقيق حال العصابة والحياصة، وما فيهما من اللؤلؤ والبلخش. وظهرت براءته من الوديعة بأمور يطول شرحها. وانتصر له الأمير حسام الدين لاجين، نائب السلطنة بالشام. واستمال حسام الدين طرنطاي، فخاطبا السلطان في أمره فأفرج عنه، في ثامن عشرين شعبان من السنة، واستمر معزولاً الى أن مات، وكانت وفاته بحميص، ظاهر دمشق، في عشية يوم الأحد، تاسع شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وقد بقي من النهار ساعة. ودفن في يوم الإثنين بتربته بقاسيون، رحمه الله تعالى.\rوأما السلطان، فإنه أقام بدمشق، الى أن رتب أحوالها، وقدر مصالحها ثم عاد الى الديار المصرية، وكان استقلال ركابه من دمشق، في يوم الأربعاء ثاني شهر رمضان، ووصل الى قلعة الجبل، في الخامس والعشرين من الشهر.\rوفيها، وصلت رسل عكا، وتقررت الهدنة مع الديوية والاسبتار والملك المنصور لعشر سنين، وعشرة شهور، وعشرة أيام، وعشر ساعات. أولها خامس شهر ربيع الأول منها.\rوفيها، تزوج السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور باردكين ابنة الأمير سيف الدين نوكيه، وهي أخت زوجة أخيه الملك الصالح.\rوصول الشيخ عبد الرحمن ومن معه\rمن جهة أحمد سلطان، ووفاة مرسلهم، وما كان من خبرهم وفي هذه السنة، وصل الشيخ عبد الرحمن، من جهة أحمد سلطان ملك التتار، وصحبته صمداغوا، والأمير شمس الدين محمد بن التيتي، المعروف بابن الصاحب وزير صاحب ماردين، وجماعة في صحبتهم نحو مائة وخمسين نفراً.\rوكان هذا الشيخ قدوة أحمد سلطان ملك التتار. وهو الذي استسلمه، وقرر قواعد الصلح بينه وبين السلطان، وبلغ منه مبلغاً عظيماً، الى أن كان يقف بين يديه، وظهرت منه أمور للمغل استمالهم بها. وتحدث في سائر الأوقاف وعظم ذكره ببلاد الشرق. وركب بالجتر والسلاح دارية والجمدارية. وظن أنه إذا حضر الى السلطان تمكن منه، ويتم له في هذه المملكة، ما تم له بالعراق. فلما وصل الى البيرة، تلقاه الأمير جمال الدين أقش الفارسي، أحد الأمراء بحلب، ومنعه من حمل الجتر والسلاح ونكب به عن الطريق المسلوك، الى أن أدخله الى حلب، ثم الى دمشق. كان وصوله الى دمشق، في ليلة الثلاثاء، ثاني عشر ذي الحجة، ولم يتمكن أحد من الناس أن يراه ولا يكلمه.","part":8,"page":321},{"id":3832,"text":"ولما وصل الى دمشق، أنزل في قلعتها بقاعة رضوان، الى أن وصل السلطان الى دمشق. ويقال إنه رتب للشيخ ولمن معه، في كل يوم ألف درهم نفقة وأطعمة وحلوى، وغير ذلك بألف درهم أخرى. واستقر بالقلعة، الى أن وصل السلطان الى دمشق، في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين، فاستدعاهم ليلاً. ووقف بين يدي السلطان ألف مملوك وخمسمائة مملوك، عليهم الأقبية الأطلس الأحمر، بالطرز. والكلوتات الزركش. ووقد بين يديه ألف شمعة وخمسمائة شمعة. وحضر الشيخ عبد الرحمن والأمير صمداغوا وشمس الدين ابن الصاحب، وأدوا الرسالة فسمعها السلطان، وأعادهم الى مكانهم، ثم استحضرهم مرة ثانية وثالثة، حتى استوعب ما عندهم من الأخبار، وما وردوا به من الرسالة. ثم أعلمهم السلطان في المرة الثالثة، أن مرسلهم قد قتل، وجلس على تخت المملكة أرغون بن أبغا. وكانت القصاد قد وصلت بهذا الخبر.\rونُقلوا من قاعة رضوان، الى بعض قاعات القلعة، ورُتب لهم بقدر الكفاية. ثم سيّر إليهم الأمير شمس الدين سنقر الأعسر أستاذ الدار، وقال: قد رسم السلطان بانتقالكم الى غير هذا المكان، فليجمع كل واحد منكم قماشه، ففعلوا ذلك. فلما صاروا في دهليز الدار فتشوا، فأخذ منهم جملة كثيرة من اللؤلؤ وغيره. ويقال إنه كان بيد الشيخ عبد الرحمن سبحة لؤلؤ، قيمتها تزيد على مائة ألف درهم، فأخذت في جملة ما أخذ، واعتقلوا. فمات الشيخ عبد الرحمن، في ثامن عشرين شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين بقلعة دمشق، ودفن بمقابر الصوفية. وهذا الشيخ المذكور، هو تلميذ شيخ الإسلام موفق الدين الكواشي، ثم رباه الشيخ المشار إليه، واشتغل عليه وخدمه. وقيل إنه علم منه الاسم الأعظم، ويقال إن الشيخ أعطاه كتاباً في علم السيمياء. وقال له توجه بهذا الى النهر واغسله، فأخذه وأخفاه. وعاد الى الشيخ، وأخبره أنه غسله. ثم اشتغل بهذا العلم، وتوجه الى التتار، واجتمع بالحوانين وأراهم من هذا العلم، ما اقتضى تمسكهم به، وحظي عند والدة السلطان أحمد، في صغر أحمد، وتألّف به فلما ملك التتار، حكّمه في سائر ممالكه. ورسم له أن يركب بالجتر، فركب به، ثم جهزه في هذه الرسالة فمات. وبقي أصحابه في الاعتقال مدة، وضُيّق عليهم. ثم كتب الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام، الى السلطان بسببهم، فرسم بإطلاقهم. واستمر الأمير شمس الدين في الاعتقال، ونقل الى قلعة الجبل، واعتقل بها مدة طويلة. ثم أفرج عنه بعد ذلك، وولي نيابة دار العدل بالديار المصرية.\rوفي سنة اثنتين وثمانين أيضاً، وصل من جهة تدان منكو، الجالس على كرسي الملك، ببيت بركة، نفران من فقهاء القفجاق، وهما مجد الدين أطا ونور الدين وأحضرا على أيديهما كتاباً من جهته بالخط المغلي، فقرئ فكان مضمونه، أنه دخل في دين الإسلام، وأنه أقام شرائع الملة المحمدية، وأوصى على الفقيهين الواصلين بكتابه، وأن يساعدا على الحج المبرور. وذكرا من ألسنتهما مشافهة، أن الملك سأل السلطان، أن ينعته نعتاً، يتسمى به من أسماء المسلمين، ويرسل إليه علماً خليفتياً، وعلماً سلطانياً، يقاتل بهما أعداء الدين. فجهز السلطان الفقيهين الى الحجاز ولما عادا جهزهما الى مقصدهما.\rوفيها، أمسك تبرك، كان بالحدث من جبال طرابلس. وكانت شوكته قد قويت، وانضم إليه جماعة كثيرة من أهل تلك الجبال، وتحصن بالحدث. فقصده التركمان، وتحيلوا عليه، حتى تمكنوا منه وأسروه وأحضروه، وكفى الله المسلمين شره.\rوفيها، خرج صاحب قبرص غازياً، لقصد الساحل، فرمته الريح الى جهة بيروت، فخرج منها، وقصد الإغارة على تلك الجهات. فكمن له أهل جبل الخروب، وخرجوا عليه، فقتلوا وأسروع من جماعته ثمانين رجلاً، وأخذوا له شيئاً كثيراً من المال والخيل والبغال، وركب في البحر، وتوجه الى صور، ولم يلبث أن هلك.","part":8,"page":322},{"id":3833,"text":"وفيها، وصل الى السلطان رسول أبونكيا، ملك سيلان، وأحضر كتاباً من حُق من ذهب. وقال الرسول، وهو الحاج أبو عثمان، هذا الكتاب بخط الملك، فلم يوجد من يقرأه. فسألوا عن مضمونه. فقال مضمونه. إن سيلان مصر، ومصر سيلان، وأنه قد ترك صحبة صاحب اليمن، في محبة السلطان. وقال أريد رسولاً من جهة السلطان، يُحضره رسولي، ورسولاً يقيم في عدن. والجواهر واليواقيت واللؤلؤ عندي كثير، والمراكب والقماش وغيره عندي. والبقم والقرفة وجميع ما يجلبه الكارم عندي. والرماح الكثيرة عندي. وعندي الفيلة. ولو طلب السلطان كل سنة عشرين مركباً، سيرتها إليه وأطلق تجار السلطان. وأنا لي سبع وعشرون قلعة، وفيها معادن: جواهر ويواقيت. والمغاص، وكل ما يحصل منها فهو لي. فأكرم السلطان هذا الرسول، وكتب جوابه وجهزه.\rوفيها، نجزت عمارة تربة، كان السلطان قد رسم لشاد الأمير علم الدين سنجر الشجاعي بعمارتها لوالده وولده الملك الصالح، بالقرب من مشهد السيدة نفيسة وعمرت. ونزل السلطان وولده إليها، وتصدقا، ورتبا وقوفها. ورسم السلطان بعمل تربة ومدرسة وبيمارستان بالقاهرة.\rعمارة التربة المنصورية والمدرسة والبيمارستان ومكتب السبيل\rقال، ولما رأى السلطان الملك المنصور التربة الصالحية، أمر بإنشاء تربة له، ومدرسة وبيمارستان ومكتب سبيل. فاشتريت الدار القطبية، وما يجاورها - وهي بين القصرين - من خالص مال السلطان، وعوض سكان الدار القطبية بالقصر المعروف بقصر الزمرد. وكان انتقال الدار القطبية منها الى قصر الزمرد، ثاني عشر ربيع الأول من السنة.\rوربت الأمير علم الدين الشجاعي مشداً على العمارة، فأظهر من الاهتمام بالعمارة والاحتفال، ما لم يسمع بمثله. فعمرت في أيسر مدة، ونجزت العمارة في شهور سنة ثلاث وثمانين وستمائة. وإذا شاهد الرائي هذه العمارة العظيمة، وسمع أنها عمرت في هذه المدة القريبة، ربما أنكر ذلك.\rولما كملت العمارة، وقف السلطان من أملاكه القياسرو والرباع، والحوانيت والحمامات، والفنادق والأحكار، وغير ذلك، من الضياع بالشام، ما يحصل من أجر ذلك وريعه وغلاته، في كل شهر جملة كثيرة. وجعل أكثر ذلك على البيمارستان ثم التربة بالقبة. وربت وقف المدرسة، إلا أنه يقصر عن كفايتها. ورتب لمكتب السبيل، من الوقف بالشام ما يكفيه.\rولما تكامل ذلك، ركب السلطان وشاهده، وجلس بالبيمارستان ومعه الأمراء، والقضاة والعلماء. فأخبرني بعض من شهد السلطان، وشهد عليه، أنه استدعى قدحاً من الشراب فشربه. وقال قد وقفت هذا على مثلي، فمن دوني. وأوقفه السلطان على الملك والمملوك، والجندي والأمير والوزير والكبير والصغير، والحر والعبد، والذكر والأنثى. وجعل لمن يخرج منه، من المرضى، عند برئه كسوة. ومن مات جهّزه، وكُفن ودفن. ورتب فيه الحكماء الطبائعية والكحالين والجرائحية والمجبرين، لمعالجة الرمدى والمرضى والمجرحين والمكسورين من الرجال والنساء. ورتب به الفراشين والفراشات، والقومة، لخدمة المرضى، وإصلاح أماكنهم وتنظيفها، وغسل ثيابهم، وخدمتهم في الحمام. وقرر لهم على ذلك، الجامكيات الوافرة.","part":8,"page":323},{"id":3834,"text":"وعملت التخوت والفرش والطراريح والأنطاع والمخدات واللحف والملاوات لكل مريض فرش كامل. وأفرد لكل طائفة من المرضى أمكنة تختص بهم. فجعلت الأواوين الأربعة المتقابلة للمرضى بالحميات وغيرها، وجعلت قاعة للرمدى، وقاعة للجرحاء، وقاعة لمن أفرط به الإسهال، وقاعة للنساء، ومكان حسن للممرورين من الرجال ومثله للنساء، والمياه تجري في أكثر هذه الأماكن. وأفردت أماكن، لطبخ الطعام، والأشربة والأدوية، والمعاجين وتركيب الأكحال، والشيافات، والسفوفات، وعمل المراهم والأدهان، وتركيب الترياقات، وأماكن لحواصل العقاقير، وغيرها من هذه الأصناف المذكورة. ومكان يفترق منه الشراب. وغير ذلك من جميع ما يحتاج إليه. ورُتب فيه مكان يجلس فيه رئيس الأطباء، لإلقاء درس طب، ينتفع به الطلبة، ولم يحصر السلطان، أثابه الله، هذا المكان المبارك بعده في المرضى، يقف عندها المباشر، ويمنع من عداها، بل جعله سهيلاً، لكل من يصل إليه، في سائر الأوقات، من غني وفقير. ولم يقتصر أيضاً فيه، على من يقيم به للمرضى، بل يرتب لمن يطلب، وهو في منزله ما يحتاج إليه، من الأشربة والأغذية والأدوية، حتى أن هؤلاء زادوا في وقت من الأقات، على ما تبين، غير من هو مقيم بالبيمارستان.\rولقد باشرته في شوال سنة ثلاث وسبعمائة، والى آخر رمضان سنة سبع وسبعمائة. فكان يصرف منه، في بعض الأيام، من الشراب المطبوخ خاصة، ما يزيد علي خمسة قناطير بالمصري، في اليوم الواحد، للمرتبين والطوارئ، غير السكر والمطابيخ من الأدوية وغير ذلك من الأغذية والأدهان والترياقات وغيرها ورتب في البيمارستان من المباشرين والأمناء، من يقوم بوظائفه، واتباع ما يحتاج إليه من الأصناف، وضبط ما يدخل الى المكان، وما يخرج منه خاصة، من غير أن يكون لهم تعلق في استخراج الأموال. وإنما يبتاعون الأصناف، ويحيلون بثمنها على ديوان صندوق المستخرج، ويكتبون في كل شهر، عمل استحقاق لسائر أرباب الجامكيات والجرايات من سائر أرباب الوظائف والمباشرين، يكتبه العامل، ويكتب عليه الشهور. ويأمر الناظر بصرفه، ويخلد في ديوان الصندوق ويصرف على حكمه. وهذه الطائفة من المباشرين بالبيمارستان، هم مباشرو الإدارة.\rوأما مباشرو الصندوق والرباع، فإليهم يرجع تحرير جهات الأوقاف، في الخلق والسكون والمعطل، واستخراج الأموال، ومحاسبات المستأجرين وصرف الأموال، بمقتضى حوالة مباشري الإدارة، ومباشرة العمارة، وعمل الاستحقاق لا يتصرفون في غير ذلك، كما لا يتصرف مباشرو الإدارة، في صرف الأموال، إلا حوالة بأوراقهم.\rوأما العمارة، فلها مباشرون ينفردون بها، من ابتياع الأصناف، واستعمال الصناع، ومَرَمّة الأوقاف، وغير ذلك مما يدخل في وظيفتهم، كما يفعل في الإدارة، وينقل عليهم من الصندوق من المال، ما يصرفونه لأرباب الأجر خاصة. ويكتبون في كل شهر، عمل استحقاق، بثمن الأصناف وأرباب الأجر، ويخصمونه بما أحالوا به على الصندوق، وما وصل إليهم من المال ويسوقونه الى فائض أو متأخر.\rوترفع كل طائفة من هؤلاء المباشرين حساباتهم، مياومة ومشاهرة ومساناة الى الناظرو المستوفي.\rهذا ما يتعلق بالمارستان.\rوأما القبة المباركة المنصورة، وهي التربة، فإنه رُتّب فيها خمسون مقرئاً، يقرأون كتاب الله تعالى، ليلاً ونهاراً بالنوب. وجُعل لكل منهم، في كل شهر عشرون درهماً. ورتب بها إمام، على مذهب الإمام أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، وله في كل شهر ثمانون درهماً من أصل الوقف، وفي كل سنة في ليلة ختم صلاة قيام رمضان، خلعة من خزانة السلطان، كاملة مسنجية مقتدرة ورُتّب بها ريس ومؤذنون، يعلنون الأذان، بالمأذنة الكبرى، ويقيمون الصلاة، ويبلغون خلف الإمام. وهم سبعة نفر. الرئيس، وله في كل شهر أربعون درهماً، والمؤذنون ستة، لكل منهم في كل شهر ستون درهماً.","part":8,"page":324},{"id":3835,"text":"ورتب فيها درس تفسير لكتاب الله تعالى، فيه مدرس يلقيه، رتب له في كل شهر مائة درهم، وثلاثة وثلاثون درهماً وثلث درهم، ومعيد له في كل شهر أربعون درهماً، وطلبهم عدتهم ثلاثون نفراً، لهم في كل شهر ثلاثمائة درهم، ودرس حديث يذكر فيه حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، له مدرس ومعيد وطلبة، لهم في كل شهر نظير ما لمدرس التفسير ومعيده وطلبته، وزيادة على ذلك قارئ، يقرأ الحديث، بين يدي المدرس، في أوقات الدروس، ويقرأ ميعاداً للعوام بين يديه أيضاً، في صبيحة كل يوم أربعاء، رتب له في كل شهر ثلاثون درهماً. ورُتب لخازن كتبها في كل شهر أربعون درهماً، ولخزانة كتبها من الختمات الشريفة، والربعات المنسوبة الخط، وكتب التفسير والحديث والفقه واللغة، والطب والأدبيات، ودواوين الشعر شيء كثير. ورُتب بها لخدام أزمة، يقيمون بالقبة، لحفظ حواصلها، ومنع من يعبر إليها في غير أوقات الصلوات، وهم ستة، لكل منهم في كل شهر خمسون درهماً، وغير هؤلاء من القومة والفراشين والبوابين.\rوأما المدرسة المباركة المنصورية، فإنه رتب بها إماماً شافي المذهب، له في كل شهر ثمانون درهماً، ورئيساً ومؤذنين، يعلنون بالأذان بالمئذنة الكبرى المذكورة، هم ومؤذنو القبة بالنوبة، وهم ريس وأربعة مؤذنين، لهم في كل شهر نظير ما لمؤذني القبة. ورُتب بها متصدر لإقراء كتاب الله، عز وجل، ورتب له في كل شهر أربعون درهماً. ورتب بها دروس للمذاهب الأربعة، الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة، لكل طائفة مدرس، له في كل شهر مائتا درهم، وثلاثة معيدين لكل منهم خمسة وسبعون درهماً، وغير هؤلاء من القومة والفراشين وبواب.\rوأما مكتب السبيل، فإنه رُتب فيه فقيهان يعلمان ستين صغيراً من أيتام المسلمين، كتاب الله تعالى. ورتب لهما جامكية في كل شهر، وجراية في كل يوم، وهي لكل منهما في كل شهر ثلاثون درهماً، وفي كل يوم من الخبز ثلاثة أرطال، وكسوة في الشتاء، وكسوة في الصيف. ورُتب للأيتام، لكل منهم، في كل يوم رطلان خبزاً، وكسوة في الشتاء، وكسوة في الصيف. وتنوّع السلطان، أجزل الله ثوابه، في وجوه البر والقربات. وهذه الجهات المباركة المرورة باقية مستمرة، يزيد وقفها وينمو، بحسن نية واقفها. قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه.\rولنرجع الى بقية حوادث سنين اثنتين وثمانين وستمائة وفيها، كانت وفاة الشيخ الإمام، عماد الدين أبو الفضل محمد ابن قاضي القضاة، شمس الدين أبي نصر محمد بن هبة الله الشيرازي، ببستانه بالمزه، في يوم الإثنين، سابع عشر صفر. وصلي عليه بعد صلاة العصر، بجامع الجبل، ودفن بتربة فيها قبر أخيه علاء الدين، رحمهما الله تعالى. وكان شيخ الكتابة، أتقن الخط المنسوب، وبلغ فيه مبلغاً عظيماً، حتى يقال إنه أتقن قلم المحقق، وكتبه أجود من شيخ الصناعة ابن البواب.\rوفيها، توفي الصاحب مجد الدين أبو الفدا اسماعيل بن إبراهيم بن أبي القاسم بن أبي طالب بن كسيرات الموصلي. وكانت وفاته في سابع عشرين شهر رمضان، بداره بجبل الصالحية. وكان رحمه الله كثير المروءة، واسع الصدر، كثير الهيبة والوقار، جميل الصورة، حسن المنظر والشكل، كثير التعصب لمن يقصده، محافظاً على مودة أصحابه وقضاء حوائجهم، كثير التفقد لهم، وأصله من الموصل، من بيت الوزارة. كان والده، وزير الملك المنصور عماد الدين زنكي ابن الملك العادل نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر. ثم باشر نظر الخزانة، للملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ثم نقله الى نظر الجزيرة العمرية، لما فتحها. ووصل الى الشام صحبة الملك المجاهد سيف الدين إسحاق، لما وصل في الدولة الظاهرية. وسكن دمشق، وولي نظر البر بها. ثم نقل الى نظر طرابلس، ثم أعيد الى دمشق فباشر نظر الزكاة بها. ثم انتقل الى صحابة الديوان بالشام، الى أن ملك سنقر الأشقر دمشق، فاستوزره كما تقدم. وتعطل بعد ذلك عن المباشرة، وسكن داره التي أنشأها بجبل قاسيون، جوار البيمارستان، فكان بها الى أن مات. قال شمس الدين الجزري: قلت له يوماً - وقد أضرته البطالة - يا مولانا لو ذكرت واحداً من أصحابك الأمراء، حتى يذكر بك السلطان، أو نائب السلطنة، فكاتب في أمرك فإن لك خدماً وتفضلاً على الناس، فنظر إلي وأنشد:","part":8,"page":325},{"id":3836,"text":"لذّ خمولي وحلا مره ... وصانني عن كل مخلوق\rنفسي معشوقي ولي غيرة ... تمنعني عن بذل معشوقي\rوفيها، في يوم الخميس عاشر شهر رمضان، توفي الملك العادل سيف الدين أبو بكر ابن الملك الناصر صلاح الدين داود، ابن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب. وكانت وفاته بدمشق، وصلي عليه بعد صلاة الجمعة، ودفن بالتربة المعظمية. وكان رحمه الله تعالى، قد جمع بين الرئاسة والفضيلة، والعقل الوافر، والخصال الجميلة. وكان مجانب الناس، محبوب الصورة، رحمه الله تعالى.\rوفيها، في سادس عشرين شعبان، توفي القاضي عز الدين ابراهيم ابن الصاحب الوزير الأعز، فخر الدين أبي الفوارس مقدام ابن القاضي كمال الدين أبي السعادات، أحمد بن شكر المصري. وكان قد ولي نظر الجيوش، بالديار المصرية، في شهر رمضان، سنة خمس وسبعين وستمائة، كما تقدم، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي الشيخ الإمام العلامة، العابد الزاهد، شمس الدين أبو محمد عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام، أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي، شيخ الحنابلة بالشام. وكان قد ولي قضاء القضاة على كره منه، في سنة أربع وستين كما تقدم. ثم ترك الحكم، وتوفر على العبادة والتدريس، وأشغال الطلبة، والتصنيف. ويقال إنه قطب بالشام. واستدل على ذلك بحرائي توافقت عليها، جماعة تعرفه، في سنة سبع وسبعين وستمائة أنه قطب، وكان أوحد زمانه. وكانت وفاته في يوم الإثنين، سلخ ربيع الآخر منها. ودفن بقاسيون، بتربة والده، قدس الله روحه. ومولده في السابع والعشرين من المحرم سنة سبع وتسعين وخمسمائة. ولما مات رثاه المولى الفاضل شهاب الدين محمود كاتب الإنشاء بقصيدة أولها:\rما للوجود وقد علاه ظلام ... أعراه خطب أم عداه مرام\rأم قد أصيب بشمسه فغدا وقد ... لبست عليه حدادها الأيام\rجاء منها:\rلكم الكرامات الجليلات التي ... لا تستطيع جحودها الأقوام\rوهي قصيدة تزيد على ستين بيتاً، ورثاه جماعة، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي الأمير علاء الدين كندغدي المشرقي الظاهري، المعروف بأمير مجلس. كان من أعيان الأمراء بالديار المصرية. وظهر قبل وفاته بمدة يسيرة، أنه باق على الرق. فاشتراه السلطان الملك المنصور بجملة وأعتقه، وقربه لديه. وكان شجاعاً بطلاً مقداماً. وكانت وفاته بالقاهرة، في يوم الجمعة مستهل صفر. ودفن بمقابر باب النصر، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي الأمير شهاب الدين أحمد بن حجي بن يزيد البرمكي، أمير آل مري، وكانت وفاته ببصرى. وكانت غاراته تنتهي الى أقصى نجد والحجاز. وأكثرهم يؤدون إليه إتاوة في كل سنة، فمن قطعها منهم أغار عليه. وكان يدعي أنه من نسل جعفر البرمكي، من العباسة أخت الرشيد. ويقول إنه تزوجها ورزق منها أولاداً. ولما جرى على البرامكة ما جرى، هرب أولاده منها الى البادية، فأحدهم جده، والله أْعلم. وكان يقول للقاضي شمس الدين بن خلكان البرمكي، أنت ابن عمي. وكانت بينهما مهاداة. وانتفع ابن خلكان به وباعتنائه، عند السلطان.\rوفيها، في سابع عشرين المحرم، كانت وفاة القاضي شمس الدين عيسى ابن الصاحب برهان الدين الخضر السنجاري. كان ينوب عن والده في الوزارة الأولى، في سنة ثمان وسبعين وستمائة. وولي نظر الأحباس، ونظر خانقاه سعيد السعداء. ثم ولي بعد ذلك تدريس المدرسة الصلاحية المعروفة بزين التجار، ثم قبض عليه مع والده، بعد انفصاله من الوزارة الثانية، كما تقدم. فلما أفرج عنه سكن المدرسة المعزية بمصر، وكان بها الى أن توفي. وكان حسن الصورة والشكل، رحمه الله تعالى.\rوفيها، في سادس عشر شوال، توفيت زوجة السلطان الملك المنصور، والدة ولده، الملك الصالح علاء الدين علي، رحمهما الله تعالى.\rوفيها، في يوم الأحد، ثاني عشر جمادى الأولى، توفي الشيخ ظهير الدين جعفر بن يحيى بن جعفر القرشي التزمنتي الشافعي، مدرس المدرسة القطبية بالقاهرة، وأحد المعيدين بمدرسة الشافعي، رحمه الله تعالى.","part":8,"page":326},{"id":3837,"text":"وفيها، في يوم السبت، ثاني عشرين شهر رجب، توفي الأمير علم الدين سنجر أمير جاندار، أحد الأمراء بالديار المصرية. وكانت وفاته بدمشق لما كان السلطان بها. ودفن بظاهرها، عند قباب التركمان، بميدان الحصار، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة ثلاث وثمانين وستمائة 1284\rتوجه السلطان الى الشام وعوده\rفي هذه السنة، توجه السلطان الملك المنصور الى الشام، وكان وصوله الى دمشق، في يوم السبت ثاني عشر جمادى الآخرة، ونزل بقعلتها. وكان جل توجهه الى الشام، بسبب رسل السلطان أحمد، فاستحضرهم وسمع رسالتهم، كما قدمنا ذكر ذلك. وأقام السلطان بدمشق، الى أن رتب أحوالها. وعزل الأمير علم الدين سنجر الداواداري، من وظيفته شاد الدواوين بدمشق، وأضاف هذه الوظيفة الى الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، وكان أستاذ دار السلطنة بالشام. فاجتمع له شاد الدواوين وأستاذ الدارية. ونقل أيضاً الأمير ناصر الدين الحراني، من ولاية مدينة دمشق الى نيابة السلطنة بحمص، وأضاف ولاية مدينة دمشق، الى الأمير سيف الدين طوغان، متولي البر. ثم عزم على الرحيل، والعود الى مقر ملكه، فبرز الأمراء أثقالهم الى ظاهر قلعة دمشق، فكانت حادثة السيل.\rحادثة السيل بدمشق\rوفي يوم الأربعاء، العشرين من شعبان، سنة ثلاث وثمانين وستمائة، الموافق الأول من تشرين الثاني، وهو خامس هاتور، أمطرت السماء، في أول الليل، وتوالى المطر وهطل وكثر، واشتد صوت الرعد، وتوالى البرق طول الليل الى أول النهار. ثم أقبل السيل وارتفع، حتى بلغ الى حد السيل الذي ذكرناه في سنة تسعة وستين وستمائة. وحمل جميع أثقال من برز ثقله من الأمراء المصريين والجند، وحمل الخيل والجمال والصناديق وغير ذلك. فيقال إنه عدم للأمير بدر الدين بكتاش النجمي، ما تزيد قيمته على أربعمائة ألف درهم وخمسين درهم، وصدم السيل باب الفراديس، فكسر أقفاله، وما خلفه من المتاريس، ودخل الماء الى المدرسة المقدمية، وبقي كذلك حتى ارتفع النهار. ثم جف الماء في يومي الأربعاء والخميس. ثم جاء مطر شديد، وهو دون المطر الأول، فهدم عدة مساكن، في جبل قاسيون، وبظاهر دمشق وحواضرها. ثم انحط الماء، وتوجه السلطان بعد أن نضب الماء، الى الديار المصرية. واستقل ركابه من دمشق، في يوم السبت الثالث والعشرين من شعبان، ووصل الى قلعة الجبل في يوم الثلاثاء التاسع عشر من شهر رمضان من السنة.\rوفاة الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا وشيء من أخباره\rوأمر ولده الأمير حسام الدين مهنا في هذه السنة، كانت وفاة الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا بن مانع بن حذيفة أمير العرب. وصُلي عليه بدمشق صلاة الغائب، في يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول. وقد ذكرنا ابتداء إمرته، في ابتداء الدولة الظاهرية. وكان رحمه الله رجلاً ديناً خيراً، انتفع الإسلام به، في مواطن كثيرة. وصلحت العربان في أيامه، وقل فسادهم، بل كاد يعدم، مع لينه وحسن سياسته. وكانت الإمرة قبله لابن عمه الأمير علي بن حذيفة. وكان كثير السفك للدماء، ويقتل مفسدي العرب، بأنواع القتل، فكانت له قدر كبيرة منصوربة، لاتزال على النار مملوءة ماء، والنار توقد تحتها، فمتى وقع له مفسد من العرب ألقاه فيها حياً، فيسقط لحمه لوقته. وقتل خلقاً كثيراً بذلك وبغيره من أنواع العذاب. هذا والفساد في أيامه مستمر، وأمر العرب لا يزداد إلا شدة. فلما ولي الأمير شرف الدين عيسى بعد وفاته، أنزل القدر وامتنع من سفك دم إلا بحكم الله. فعلم الله صدق نيته، وأصلح له من أمر العرب ما فسد في أيام غيره، وصلحت سيرتهم في أيامه، وانحسمت مادة أذاهم للقفول وغيرها، مَناً من الله تعالى.\rولما مات رحمه الله تعالى، فوض السلطان إمرة العرب بعده، لولده الأمير حسام الدين مهنا. وزاده السلطان إقطاعاً، وبسط يده، فسلك سهيل والده في الخير والإحسان. وأطاعه العرب كافة، وعظم شأنه عند الملوك وغيرهم. وهو على ذلك الى وقتنا هذا، الذي وضعنا فيه هذا الكتاب.\rوفاة الملك المنصور\rصاحب حماه وولاية ولده الملك المظفر","part":8,"page":327},{"id":3838,"text":"في حادي عشر شوال من هذه السنة، توفي الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالي محمد ابن الملك المظفر، تقي الدين محمود ابن الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر ابن شاهانشاه بن أيوب، صاحب حماه، رحمه الله تعالى. ومولده في الساعة الخامسة، من يوم الخميس لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، فتكون مدة حياته إحدى وخمسين سنة وستة أشهر وأربعة عشر يوماً. وملك حماه يوم السبت ثامن جمادى الأولى، سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وهو اليوم الذي توفي فيه والده، فتكون مدة مملكته بحماه، إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر وأربعة أيام.\rولما ورد الخبر بوفاته، رسم السلطان الملك المنصور، بتفويض ملك حماه، لولده الملك المظفر تقي الدين محمود، وأجراه مجرى والده في التشاريف والمكاتبات. وجهّز إليه التشريف والتقليد، صحبة الأمير جمال الدين أقوش الموصلي الحاجب، وجهّز معه عدة تشاريف لعمه الملك الأفضل، وابن عمه الأمير عماد الدين، وجماعة من أهل بيته وأمرائه.\rوفيها، في نصف ذي الحجة، توجه السلطان الى الشام.\rوفيها، في ثالث شهر رمضان، توفي الملك السعيد فتح الدين عبد الملك، ابن الملك الصالح عماد الدين اسماعيل ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب، رحمه الله تعالى. ودفن بتربة جدته، والدة السلطان الملك الصالح، داخل دمشق.\rوفيها، توفي قاضي القضاة نجم الدين أبو محمد عبد الرحيم ابن قاضي القضاة شمس الدين أبو الظاهر ابراهيم بن هبة الله بن المسلم بن هبة الله بن حسان بن محمد بن منصور بن أحمد البارزي، الجهني الشافعي، الحموي، قاضي حماه. وكانت وفاته ليلة الخميس عاشر ذي القعدة، سنة ثلاث وثمانين وستمائة. ومولده يوم الأربعاء، السادس والعشرين من المحرم سنة ثمان وستمائة بحماه. وتوفي بطريق الحجاز، وحمله أولاده الى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدفن بالبقيع. وكان رحمه الله تعالى، ممن صنّف التصانيف المفيدة، وسمع وحدّث، وولي قضاء حماه، بعد أبيه مدة طويلة. ثم هزل مدة يسيرة. وله نظم حسن ومشاركة في العلوم الكلامية والحكمية، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي قاضي القضاة جمال الدين أبو يعقوب يوسف بن أبي محمد عبد الله بن عمر الزواوي، قاضي المالكية بمدشق. وكانت وفاته بطريق الحجاز، قبل الحج بالقرب من تبوك، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي القاضي ناصر الدين أبو العباس أحمد بن أبي المعالي، محمد ابن منصور بن أبي بكر قاسم بن مختار الجدامي الجروي المالكي الإسكندري المعروف بابن المنير. وكانت وفاته بالاسكندرية، في ليلة الخميس، مستهل شهر ربيع الأول. ودفن بتربة والده، عند الجامع الغربي. ومولده بالاسكندرية، في ثالث ذي القعدة، سنة عشرين وستمائة. وكان فاضلاً عالماً، وله اليد الطولى في علم العربية والأدب، جيد النظم. باشر بالثغر عدة جهات. ثم ولي القضاء بالثغر، وولي الخطابة مدة يسيرة. ثم نكب في سنة ثمانين وستمائة. وهجم داره، ويقال إن الذين هجموا الدار، أدخلوا معهم قناني خمر، تحت ثيابهم، وادعوا أنها وجدت عنده، فعزل عن مناصبه. ثم توجه الى باب السلطان. وسعى فيمن سعى به، فنال بعضهم. وأعيدت إليه مناصبه، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي الأمير شمس الدين محمد ابن الأمير بدر الدين أبي المفاخر باخل ابن عبد الله بن أحمد الهكاري، متولي ثغر الاسكندرية. وكانت وفاته بالثغر، في يوم السبت حادي عشر شهر رجب. ودفن يوم الأحد، عند رباطه خارج باب رشيد، رحمه الله تعالى.\rوفيها، في ليلة الجمعة، ثالث عشرين ذي الحجة، توفي الشيخ الصالح العارف القدوة، أبو القاسم، وينعت وقار الدين، بن أحمد بن عبد الرحمن المراغي. والمراغة التي ينسب إليها، بلدة معروفة بإقليم إخميم. من البر الغربي. ودفن بالقرافة، بزاويته المشهورة، في يوم الجمعة، بعد الصلاة، رحمه الله وإيانا.\rواستهلت سنة أربع وثمانين وستمائة 1285 والسلطان الملك المنصور متوجه الى الشام. فوصل الى دمشق في يوم السبت، ثاني عشر المحرم. وتوجه الى المراقب، وافتتح الحصن على ما تقدم ذكره.\rمولد السلطان الملك الناصر","part":8,"page":328},{"id":3839,"text":"كان مولده المبارك الميمون، بقلعة الجبل، في يوم السبت الخامس عشر من شهر المحرم، سنة أربع وثمانين وستمائة، الموافق للثامن والعشرين من برمهات من شهور القبط. وطالع الوقت السرطان. فوردت البشائر على والده السلطان بمولده، وهو بمنزلة خربة اللصوص، قبل وصوله الى دمشق. فاستبشر السلطان بمولده، وتيمن به، وبلغ مقصوده، من فتح المرقب.\rوفيها، بعد عود السلطان من فتح المرقب، دخل الى الخزانة بدمشق، في يوم الخميس سابع جمادى الأولى. وولي القضاء محيي الدين بن النحاس الوزارة بدمشق، عوضاً عن الصاحب تقي الدين توبة التكريتي. وكان محيي الدين إذ ذاك، ناظر الخزانة. فخلع عليه خلعة الوزارة، وكانت الخلعة جبة عتابي حمراء، وفوقها فرجية زرقاء، مسنجبة مقندرة وطرحة. وعزل الأمير سيف الدين طوقان، عن ولاية مدينة دمشق، وأقره على ولاية البر خاصة. وولي مدينة دمشق الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجا، في يوم الجمعة، خامس عشر جمادى الأولى. ثم توجه الى الديار المصرية، في بكرة نهار الإثنين، ثامن عشر الشهر، ووصل الى قلعة الجبل، في يوم الثلاثاء تاسع عشرين شعبان. وكان قد أقام مدة بتل العجول.\rوفيها، وصلت رسل ملوك الفرنج، وأحضروا بين يدي السلطان، في يوم الثلاثاء سابع شهر رمضان. وقدموا ما معهم من التقادم، وهي: ما هو من جهة الأنبرور، ما حمله اثنان وثلاثون جملاً، سنجاب وسمور أربعة عشر، وسقلاط خمسة، وأطلس وبندقي ثلاثة عشر. وما هو من جهة الجنوية، سارسينا حملان، وسناقر ستة، وكلب أبلق، ذكر أنه أكبر من الأسد. وما هو من جهة الأشكري، حمل أطلس، وأربعة أحمال بسط. فقبلت تقدامهم، وأجروا على عاداتهم في الإحسان والصلة.\rوفيها، وصل رسول صاحب اليمن، وصحبته الهدايا والتقادم، وأحضر الى بين يدي السلطان، في يوم السبت مستهل ذي القعدة، وأحضر من الهدية علي ما نقل، ما هو: خدام أززمة ثلاثة عشر، خيل فحول عشرة، فيل واحد، كركدن واحد، نعاج يمنية ثمانية، طيور ببغاء ثمانية، قطع عود كبار ثلاثة، حملت كل قطعة منها على رجلين، رماح قنا أربعون حمل جمل. ومن أصناف البهار ما حمل على سبعين جملاً، ومن القماش ما حمل على مائة قفص، ومن تحف اليمن ما حمل على مائة طبق نحاس، فقبل ذلك منه، وأنعم على رسله وعليه على العادة.\rوفيها، في سادس ذي الحجة، وقع الحريق بقلعة الجبل المحروسة، فاحترقت الخزانة السلطانية والقاعة الصالحية.\rوفيها، في سلخ شهر رمضان، كانت وفاة الأمير سيف الدين أيتمش السعدي في محبسه.\rوفيها، كانت وفاة الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري الصالحي، بالقاهرة، ودفن بتربته بالشارع الأعظم.\rوفيها، في يوم الأربعاء، سابع عشر صفر، توفي الصاحب المشير عز الدين محمد بن علي بن ابراهيم بن شداد الأنصاري الحلبي، بالقاهرة، ودفن بسفح المقطم. وكان فاضلاً ديناً، رئيساً مؤرخاً، معظّماً عند الأمراء الأكابر محبوباً إليهم. ولازم الصاحب بهاء الدين مدة حياته. وكان الأمراء الأكابر يحملون إليه في كل سنة دراهم وغلة وكسوة وغير ذلك، رحمه الله تعالى.\rوفيها، في منتصف شعبان توفي الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير افتخار الدين أباز بن عبد الله الحراني، بمدينة حمص، وهو يومئذ نائب السلطنة بها، وحمل الى دمشق، ودفن بقاسيون، في يوم الخميس سابع عشر الشهر.\rوفيها، في يوم الأربعاء، سلخ شعبان، توفي الطواشي شبل الدولة كافور الصفوي الخزندار بقلعة دمشق. ودفن يوم الخميس مستهل شهر رمضان، بتربته بسفح قاسيون. كان رجلاً صالحاً، كثير الصدقة والمعروف والإحسان، رحمه الله تعالى، والحمد لله وحده.\rواستهلت سنة خمس وثمانين وستمائة 1286 في هذه السنة، أعيد الأمير علم الدين سنجر الدواداري، الى شد الشام، عوضاً عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر. وباشر الديوان في بكرة يوم الإثنين خامس عشر المحرم.\rوفيها، في سلخ ربيع الآخر، وصل تقي الدين توبة التكريتي من الديار المصرية الى دمشق. وقد أعيد الى الوزارة بالشام، عوضاً عن الصاحب محيي الدين بن النحاس.\rحادثة غريبة اتفقت بحمص","part":8,"page":329},{"id":3840,"text":"وفي هذه السنة، في سابع عشر صفر، ورد الى الأمير حسام الدين لاجين المنصوري، نائب السلطنة بالشام، كتاب من الأمير بدر الدين بكتوت العلائي وكان مجرداً بحمص، وصحبته من عسكر دمشق ألفا فارس، من مستهل هذه السنة، مضمونه بعد البسملة: يقبل الأرض وينهي أنه لما كان في اليوم الخامس رابع عشر صفر، وقت العصر، حصل بالغسولة الى جهة عيون القصب، غمامة سوداء الى الغاية، وأرعدت رعداً كثيراً زائداً. وظهر من الغمامة شبه دخان أسود، من السماء متصل بالأرض، وصور من الدخان، صورة أصَلة هائلة، مقدار العمود الكبير، الذي لا يحضنه جماعة من الرجال، وهي متصلة بعنان السماء، تلعب بذنبها فيتصل بالأرض، شبه الزوبعة الهائلة. وصارت تحمل الحجارة الكبار المقادير، وترفعها في الهواء، كرمية سهم نشاب وأكثر. وصار وقعها، وتلاطم الحجارة بعضها ببعض، يسمع له صوت هائل، من المكان البعيد. وما برح ذلك مستمراً في قوته، واتصل بأطراف العسكر المنصور. وما صادف شيئاً إلا رفعه في الهواء، كرمية نشاب وأكثر. وما صادف شيئاً من الأشياء، من السروج والجواشن، والعدد والسيوف، والتراكيش والقسي، والقماش والشاشات. والكلوتات، والنحاس، والأسطال، إلا صار طائراً في الهواء كشبه الطيور. ومن جملة ذلك، أنه كان في اسطبل المملوك، خرج آدم ملآن تطابيق بيطارية حمله في الهواء والجو، كرمية نشاب. ودفع من جملة ما دفعه، عدة من الجمال بأحمالها، قدر رمح وأكثر. وحمل جماعة من الجند والغلمان، وأهلك شيئاً كثيراً من السروج، التي صدفها، والرماح، وطحن ذلك، الى أن بقي لا ينتفع به. وأتلف شيئاً كثيراً مما صادفه في طريقه، وأضاع أشياء كثيرة من العدد والقماش، لمقدار مائتي نفر من الجند وأصحاب الأمراء، الى أن صاروا بغير عدة، ولا قماش. وغابت تلك الحية عن العين، في عنان السماء، فتوجهت في البرية، صوب الشرق. والذي عدم من قماش الجند، منه ما راح في الغمامة السوداء، ومنه ما أخذه بعض الجند، مع أن المملوك ركب بنفسه، ودار في المعسكر المنصور، واستعاد كثيراً مما عدم، وبعد هذا، عدم ما تقدم ذكره. وهذه الوقعة ما سمع بمثلها أبداً، ثم وقع بعد هذا يسير من مطر. ثم إن اللواحيق الكبار، حملها الهواء وهي منصوبة، وصارت مرتفعة في الجو، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\rوفي هذه السنة، في جمادى الأولى، أفرج السلطان عن الأمير شمس الدين قطلبجا أخي الرومي.\rوفيها، رسم السلطان بهدم القبة الظاهرية، التي بقلعة الجبل بالرحبة. فحصل الشروع في هدمها، في يوم الأحد، عاشر شهر رجب. وأمر ببناء قبة في مكانها، فعمرت، وكان الفراغ منها في شوال من هذه السنة.\rتوجه السلطان الى الكرك وما رتبه من أمر النيابة وعوده\rفي هذه السنة، في يوم الخميس، سابع شهر رجب، توجه السلطان الى غزة، ثم توجه من بعدها جريدة الى الكرك، فوصل إليها في شعبان، وصعد الى قلعتها، ورتب أحوالها. ورسم بتنظيف البركة التي فيها من الطين، فنظفت. وعمل فيها جميع من كان في خدمة السلطان، من المماليك والحاشية مدة سبعة أيام. واستناب بها الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصوري. ونقل الأمير عز الدين الموصلي منها الى نيابة السلطنة بغزة، وتقدمة العسكر بها. ولم يطل مقامه بها، فإنه نقل منها الى نيابة قلعة صفد.\rوعاد السلطان من الكرك، ونزل بغابة أرسوف، فأقام بها الى أن وقع الشتاء، وأمن حركة العدو، وعاد الى الديار المصرية. وكان وصوله الى قلعة الجبل، في يوم الإثنين رابع عشر شوال منها.\rوفيها، في شوال، أفرج عن الأمير بدر الدين بكتوت الشمسي، والأمير جمال الدين أقوش الفارسي.\rوفاة قاضي القضاة وجيه الدين، وتفويض القضاء بمصر\rوالوجه القبلي، لقاضي القضاة، تقي الدين ابن بنت الأعز في هذه السنة، في يوم الأربعاء، مستهل جمادى الأولى، كانت وفاة قاضي القضاة وجيه الدين عبد الوهاب ابن القاضي سديد الدين الحسين المهلبي، المعروف بالبهنسي، قاضي القضاة بمصر والوجه القبلي. وولي بعده، قاضي القضاة، تقي الدين بن عبد الرحمن ابن بنت الأعز، في يوم الأربعاء خامس عشر الشهر. وكان قاضي القضاة بالقاهرة والوجه البحري القاضي شهاب الدين الخويي.\rوفاة قاضي القضاة تقي الدين بن شاس المالكي\rوتفويض القضاء لقاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف المالكي","part":8,"page":330},{"id":3841,"text":"وفي هذه السنة، في ذي القعدة، كانت وفاة قاضي القضاة تقي الدين الحسين ابن الفقيه شرف الدين أبي الفضل عبد الرحيم ابن الفقيه الإمام مفتي الفرق جلال الدين أبي محمد عبد الله بن شاس الجذامي السعدي المالكي، قاضي قضاة المالكية بالديار المصرية. وفوض السلطان القضاء بعده، على مذهب الإمام مالك بن أنس، لقاضي القضاة زين الدين أبي الحسن علي ابن الشيخ رضي الدين أبي القاسم مخلوف ابن الشيخ تاج الدين أبي المعالي ناهض النويري المالكي، وهو يومئذ ناظر الخزانة السلطانية. وكان في ابتداء ترقيه يلي أمانة الحكم العزيز بالقاهرة. فاتفق أن السلطان الملك المنصور، في حال إمرته، ابتاع منه، من تركة بعض الأمراء، عدة بجملة، كانت الغبطة فيها للأيتام، فطالبه القاضي زين الدين بالمال، فتوقف عن أدائه، وقصد ردماً ابتاعه. وتحدث في ذلك مع القاضي زين الدين فامتنع عن رده. واقتضى الحال أن شكاه للملك الظاهر، وألزم بالقيام بالثمن. فبقي ذلك في خاطر السلطان. فلما ملك، انتفع بذلك عنده غاية النفع، ورتبه في الخزانة، ووثق به، وتمكن عنده تمكناً عظيماً. ثم فوض إليه القضاء، وأقره معه على الخزانة. واستمر في القضاء الى أن توفي، على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، في أخبار الدولة الناصرية.\rوفاة قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي وشيء من أخباره\rوفي هذه السنة، في يوم الإثنين، حادي عشر ذي الحجة، توفي بدمشق قاضي القضاة بهاء الدين أبو الفضل يوسف، ابن قاضي القضاة محيي الدين أبي الفضل يحيى، ابن قاضي القضاة محيي الدين أبي المعالي محمد، ابن قاضي القضاة، ركن الدين أبي الحسن علي ابن قاضي القضاة، مجد الدين أبي المعالي محمد ابن قاضي القضاة ركن الدين أبي الفضل يحيى بن علي بن عبد العزيز العثماني الأموي القرشي، المعروف بابن الزكي، قاضي قضاة الشافعية بدمشق. اجتمع فيه وله ما لم يجتمع في غيره، ولا له. كان من أحسن الناس صورة، وأكملهم قواماً، وهيئة وهيبة. وكان من العلماء الفضلاء في المذهب وعلم الأصولين والعربية، والمنطق، وعلم الكلام، والحساب، والفرائض، والنظم، وعلم البيان، وحل المترجم، والكتابة الجيدة الحسنة، مع الذكاء المفرط. وكان له دنيا عريضة من المال والعقار. وكانت داره بباب البريد، من أحسن الدور بدمشق وبستانه بالسهم الأعلى من أصح الغوطة وأطيبها هواء. وضيعته الملك قرية الميدانية، من غوطة دمشق. وكانت زوجته من أحسن النساء صورة وكان أولاده تامين الصورة. وجُمع له من المدارس بدمشق أجلها، وهي العزيزية والنقوية والفلكية والعادلية والمجاهدية والكلامسة وغيرها. وأنظار أوقاف كثيرة، وقضاء قضاة دمشق، وسائر أوقافها. فلما كمل له ذلك، أتاه الموت الذي لا حيلة فيه ولا دافع له، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي الأديب الفاضي، الشاعر المجيد، شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن يوسف بن أحمد الأنصاري اليمني المحتد المصري الدار والمولد، الشافعي الصوفي، المعروف بابن الخيمي، الشاعر المشهور، المبرز على نظرائه. وكانت وفاته بالقاهرة المعزية، بمشهد الحسين، في التاسع والعشرين من شهر رجب الفرد، سنة خمس وثمانين وستمائة. ومولده تخميناً في سنة اثنتين وستمائة. روى عن ابن باقا، وسمع من ابن البنا وغيره، وحدّث. وكان يعاني الخدم الديوانية، وله نظم كثير جيد. فمنه قصيدته المشهورة البائية، التي ادعاها الشيخ نجم الدين بن اسرائيل. وقد رأينا أن نذكر هذه القصيدة، وما وقع في أمرها، وما قيل في وزنها ورويها، وكيف حكم بها للمذكور. وأول القصيدة:\rيا مطلباً ليس لي في غيره أرب ... إليك آل التقصي وانتهى الطلب\rوما طمحت لمرأى أو لمستمع ... إلا لمعنى الى علياك ينتسب\rوما أراني أهلاً أن تواصلني ... حسبي علواً، بأني فيك مكتيب\rلكي ينازع شوقي تارة أدبي ... فأطلب الوصل، لما يضعف الأدب\rولست أبوح في الحالين ذا قلق ... باد وشوق له في أضلعي لهب\rوناظر كلما كفكفت أدمعه ... صوناً لحبك يعصيني وينسكب\rويدعى في الهوى دمعي مقاسمتي ... وجدي وحزني ونجوى وهو مختضب","part":8,"page":331},{"id":3842,"text":"كالطرف يزعم توحيد الحبيب ولا ... يزال في ليلة للنجم يرتقب\rيا صاحبي قد عدمت المسعدين فما ... عدني على وصبي لا مسّك الوصب\rبالله إن جزت كثباناً بذي سلمٍ ... قف بي عليها، وقل لي هذه الكثب\rليقضي الخد في أجراعها وطرا ... من تربها أؤدي بعض ما يجب\rومل الى البان من شرقي كاظمة ... فلي الى البان من شرقيها طرب\rوخذ يميناً لمغنى تهتدي بشذا ... نسيمه الرطب إن ضلت بك النجب\rحيث الهضاب وبطحاها يروضها ... دمع المحبين لا الأنداء والسحب\rأكرم به منزلاً تحميه هيهته ... عني وأنواره لا العمر والقضب\rدعني أعلل نفساً عزّ مطلبها في ... ه، وقلباً لعذر ليس ينقلب\rففيه عاهدت قدما حب من حسنت ... به الملاحة واعتزت به الرتب\rدان وأدنى وعز الحسن يحجبه ... عني وذلي والإجلال والرهب\rأحيا إذا مت من شوق لرؤيته ... لأنني لهواء فيه منتسب\rولست أعجب من حبي وصحته ... من صحتي إنما سقمي هو العجب\rيا لهف نفسي لو يحدى تلهفها ... هوناً ووا حرباً، لو ينفع الحرب\rيمضي الزمان وأشواقي مضاعفة ... يا للرجال ولا وصل ولا سبب\rهبت لنا نسمات من ديارهم ... لم يبق في الركب من لا هزه الطرب\rكدنا نطير سروراً من تذكرهم ... حتى لقد رقصت من تحتنا النجب\rيا بارقاً بأعالي الرقمتين بدا ... لقد حكيت ولكن فإنك الشنب\rأما خفوق فؤادي فهو عن سبب ... وعن خفوقك قل لي ما هو السبب\rويا نسيماً سرى من جو كاظمة ... بالله قل لي كيف البان والعذب\rوكيف جيرة ذاك الحي هل حفظوا ... عهداً أراعيه إن شطوا وإن قربوا\rأم ضيعوا ومرادي منك ذكرهم ... هم الأحبة إن أعطوا وإن سلبوا\rإن كان يرضيهم إبعاد عبدهم ... فالعبد منهم بذاك البعد مقترب\rوالهجر إن كان يرضيهم بلا سهب ... فإنه من قبيل الوصل محتسب\rولما بلغت هذه القصيدة نجم الدين محمد بن إسرائيل، ادعاها لنفسه، فاجتمع هو وابن الخيمي بعد ذلك بحضرة جماعة من الأدباء، وجرى الحديث في ذلك، فأصر ابن إسرائيل على أنها له، فتحاكما الى الشيخ شرف الدين عمر ابن الفارض، رحمه الله، وكان يومئذ هو المشار إليه في معرفة الأدب ونقد الشعر. فأشار أن ينظم كل واحد منهما أبياتاً على الوزن والروي فنظم ابن الخيمي:\rلله قوم بجرعاء الحمى غيب ... جنوا عليّ، ولما أن جنوا عتبوا\rيا قوم هم أخذوا قلبي فلم سخطوا ... وانهم غصبوا عيشي هام غضبوا\rهم العريب بنجد مذ عرفتهم ... لم يبق لي معهم مال ولا نسب\rشاكون للحرب لكن من قدودهم ... وفاترات اللحاظ السمر والقضب\rفما ألمّوا بحي أو ألم بهم ... إلا أغاروا على الأبيات وانتهبوا\rعهدت في دمن البطحاء عهد هوى ... إليهم وتمادت بيننا حقب\rفما أضاعوا قديم العهد بل حفظوا ... لكن لغيري ذاك العهد قد نسبوا\rمَن منصفي من لطيف فبهم غنج ... لدن القوام لإسرائيل ينتسب\rمبدل القول ظلماً لا يفي بموا ... عيد الوصال ومنه الذنب والغضب\rفي لثغة الراء منه صدق نسبته ... والمنّ منه برور الوعد والكذب\rموحد فيرى كل الوجود له ... ملكاً ويبطل ما يفضي به النسب\rفعن عجائبه حدث ولا حرج ... ما ينتهي في المليح المطلق العجب\rبدر ولكن هلالاً لاح إذ هو ... بالورديّ من شفق الخدين منتقب\rفي كاس مبسمه من حلو ريقته ... خمر ودر ثناياه بها حبب","part":8,"page":332},{"id":3843,"text":"فلفظه أبداً سكران يسمعنا ... من معرب اللحن ما ينسى له الأدب\rتجني لواحظه فينا ومنطقه ... جنايه يجتني من مُرّها الضرب\rقد أظهر السحر في أجفانه سقماً ... البرء منه إذا ما شاء والعطب\rحلو الأحاديث وألفاظ ساحرها ... تلقى إذا نطق الألواحُ والكتب\rلم يبق منطقه قولاً يروق لنا ... لقد شكت ظلمه الأشعار والخطب\rفداؤه ما جرى في الدمع من مهج ... وما جرى في سبيل الحب محتسب\rويح المتيم شام بارق من أضم ... فهزه كاهتزاز البارق الحرب\rوأسكن البرق من وجد ومن كلف ... في قلبه فهو في أحشائه لهب\rفكلما لاح منه بارق بعثت ... قطر المدامع من أجفانه سحب\rوما أعادت نسيمات الغوير له ... أخبار ذي الأثل إلا هزه الطرب\rواهاً له أعرض الأحباب عنه وما ... أجدت وسائله الحسنى ولا القرب\rونظم الشيخ نجم الدين محمد بن إسرائيل رحمه الله تعالى.\rلم يقض من حبكم بعض الذي يجب ... قلب متى ما جرى تذكاركم يجب\rولي، وفيٌ لرسم الدار بعدكمُ ... دمع متى جاد ضنت بالحيا السحب\rأحبابنا والمنى تدني مزاركم ... وربما حال من دون المنى الأدب\rما رابكم من حياتي بعد بعدكم ... وليس لي في حياة بعدكم أدب\rقاطعتموني فأحزاني مواصلة ... وحلتم فحلالي فيكم التعب\rرحتم بقلبي وما كادت لتسلبه ... لولا قدودكم الخطية السلب\rيا بارقاً ببراق الحزن لاح لنا ... أأنت أم أسلمت أقمارها النقب\rويا نسيماً سرى والعطر يصحبه ... أجزت حين مشين الخردُ العرب\rأقسمت بالمقسمات الزُّهر يحجبها ... سمر العوالي والهندية القضب\rلكدت تشبه يرقاً من ثغورهم ... ما در دمعي لولا الظلم والشنب\rوجيرة جار فينا حكم معتدل ... منهم ولم يُعتبوا لكنهم عتبوا\rما حيلتي قربوني من محبتهم ... وما حال دونهم التقريب والخبب\rوعُرِضتا على الشيخ شرف الدين بن الفارض. فأنشد مخاطباً لابن إسرائيل عجز بيت من أبيات ابن الخيمي:\rلقد حكيت ولكن فاتك الشنب\rوحكم بالقصيدة لابن الخيمي. واستحسن بعض من حضر المجلس من الأدباء أبيات ابن اسرائيل، وقال: من ينظم مثل هذه الأبيات، ما الحامل له على ادعاء ما ليس له؟. فقال ابن الخيمي: هذه سرقة عادة، لا سرقة حاجة. وانفصل المجلس. وفارق الشيخ نجم الدين بن إسرائيل من وقته الديار المصرية، وتوجه الى الشام. ولما بلغت هذه الواقعة القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان وهو إذ ذاك يتولى نيابة الحكم بالقاهرة، خلافة عن قاضي القضاة بدر الدين السنجاري، رحمهما الله تعالى، أرسل الى الشيخ شهاب الدين ابن الخيمي، يطلب منه الأبيات التي نظمها، وادعاها ابن اسرائيل، فذيلها بأبيات وهي:\rإن كان يرضيهم إبعاد عبدهم ... فالعبد منهم بذاك البعد مقترب\rوالهجر إن كان يرضيهم بلا سبب ... فإنه من لذيذ الوصل محتسب\rوإن هم احتجبوا عني فإن لهم ... في القلب مشهور حسن ليس يحتجب\rقد نزّه اللطف والإشراق بهجته ... عن أن تمنعها الأستار والحجب\rلا ينتهي نظري منهم الى رتب ... في الحسن إلا ولاحت فوقها رتب\rوكلما لاح معنى من جمالهم ... لبّاه شوق الى معناه منتسب\rأظل دهري ولي من حبهم طرب ... ومن أليم اشتياقي نحوهم حرب\rفالقلب يا صاح مني بين ذاك وذا ... قلب لمعروف شمس الدين منتهب\rإن الحديث شجون فاستمع عجباً ... حديث ذات الحبر حسناً كله عجب\rوشرع في مدحه وذكر أوصافه، الى نهاية سبعة وثلاثين بيتاً، تركنا إيراد بقيتها اختصاراً. وشعره، رحمه الله تعالى، كثير جيد مشهور. فالنرجع الى سياق أخبار الدولة المنصورية.\rواستهلت سنة ست وثمانين وستمائة 1287","part":8,"page":333},{"id":3844,"text":"في هذه السنة، تسلم الأمير حسام الدين طرنطاي صهيون، وعاود الأمير شمس الدين سنقر الأشقر الطاعة. وقد تقدم ذكر ذلك.\rوفيها، كانت غزوة النوبة الأولى. وقد تقدم ذكرها.\rتفويض قضاء القاهرة والوجه البحري للقاضي برهان الدين السنجاري\rونقلة القاضي شهاب الدين الخويي الى الشام ووفاة السنجاري وإضافة قضاء القاهرة للقاضي تقي الدين ابن بنت الأعز كان سبب هذه الولايات ما قدمناه، من وفاة قاضي القضاة بدمشق، بهاء الدين بن الزكي، في حادي عشر ذي الحجة، سنة خمس وثمانين. فلما اتصل خبر وفاته بالسلطان، رسم بتعيين قاض للشام. فعين قاضي القضاة شهاب الدين الخويي لذلك، فيما بلغني، القاضي شرف الدين ابراهيم بن عتيق، وكان إذ ذاك ينوب عنه، وأحضره لذلك. وسعى قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز، أن ينقل القاضي شهاب الدين الخويي الى الشام، ويستقل هو بقضاء المدينتين والعملين، فنتج سعيه الآن في أخذ الطرفين. وذلك أن القاضي شهاب الدين الخويي، طلع في يوم الأحد، خامس عشر المحرم، من هذه السنة، الى قلعة الجبل، وصحبته القاضي شرف الدين بن عتيق، الذي عينه لقضاء الشام. وحضر قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز المجلس، وطلب السلطان قاضي القضاة برهان الدين الخضر السنجاري، فخلع عليه، وفوض له قضاء القاهرة والوجه البحري ونقل القاضي شهاب الدين الخويي الى قضاء الشام، فتوجه الى دمشق، في ثالث عشر صفر، ووصل إليها في يوم الإثنين ثالث عشر شهر ربيع الأول. وأما القاضي برهان الدين، فإنه جلس للحكم بالقاهرة بالمدرسة المنصورية. وتقدم في الجلوس بدار العدل، على قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز، فتألم لذلك، وندم على سعيه في نقلة القاضي شهاب الدين الخويي الى الشام، وسعى أن يتوفر من حضور دار العدل. فبينما هو في ذلك، توفي قاضي القضاة برهان الدين السنجاري. وكانت وفاته في تاسع صفر من السنة، بالمدرسة المعزية بمصر، ودفن بتربة أخيه بدر الدين بالقرافة. فكانت مدة ولايته أربعة وعشرين يوماً، ومولده في سنة ست عشرة وستمائة. ولما مات، فوض السلطان قضاء القاهرة والوجه البحري لقاضي القضاة، تقي الدين عبد الرحمن ابن قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز. وخلع عليه، وجمع له القضاء بالمدينتين والعملين. وبلغني أنه صلى على القاضي برهان الدين، وعليه خلعة القضاء.\rخبر واقعة ناصر الدين بن المقدسي وأعيان دمشق\rومصادرة أكابر دمشق، وتوكيل ناصر الدين بن المقدسي عن السلطان","part":8,"page":334},{"id":3845,"text":"وفي هذه السنة، وصل ناصر الدين محمد ابن الشيخ عبد الرحمن المقدسي، الى الأبواب السلطانية. وكان قد حضر، ليرفع على قاضي القضاة بهاء الدين ابن الزكي أموراً. فاتفقت وفاة قاضي القضاة كما تقدم، فبطل عليه ما دبره من أمره، فعدل عن ذلك الى غيره. واجتمع بالأمير علم الدين سنجر الشجاعي، وزير الدولة، وتحدث معه في أمر بنت الملك الأشرف موسى ابن السلطان الملك العادل، وأنها أباعت أملاكها بدمشق، وأنه ثبت أنها حالة البيع كانت سفيهة، وقد حجر عليها عمها الملك الصالح، عماد الدين اسماعيل، ويستعيد الأملاك ممن ابتاعها، ويرجع عليهم بما تسلموه من الريع، في المدة الماضية، ويشتري هذه الأملاك للخاص السلطاني، فأجابه الى ذلك. وكتب يطلب سيف الدين أحمد السامري من دمشق، وكان قد ابتاع منها حرزما. فحضر في شهر رمضان، والسلطان إذ ذاك بغزة، فسيره الى الديار المصرية. فطلب منه ابتياع حرزما، فادعى أنه وقفها من مدة. فعند ذلك، سطر محضر، يتضمن ابنة الملك الأشرف، كانت في مدة كذا وكذا سفيهة، وذلك في زمن البيع، ولم تزل مستمرة السفه، الى تاريخ كذا وكذا. ثم صلحت واستحقت رفع الحجر عنها من مدة كذا وكذا. ولفّق بيّنة شهدت بذلك، وثبت على أخذ قضاء القضاة بالديار المصرية، وقد شاهدت أنا هذا المحضر. ولما ثبت ذلك في وجه سيف الدين السامري، بطل البيع من أصله. ثم طولب بما تحصل له من الريع، لمدة عشرين سنة، وكان مائتي ألف درهم وعشرة آلاف درهم، بعد الاعتداد له، بنظير الثمن الذي دفعه. فاشترى منه سبعة عشر سهماً، من قرية الزنبقية، بسبعين ألف درهم، وحمل مائة ألف وأربعين ألف درهم. وفوض السلطان وكالته، لناصر الدين المقدسي المذكور، فشرع في أذى أهل دمشق وأعيانها، فطلب جماعة منهم، في سنة سبع وثمانين، وهم الصدر عز الدين حمزة بن القلانسي، والصدر نصير الدين بن سويد، وشمس الدين ولد جمال الدين بن يمن، وجمال الدين بن صصري. وطلب أيضاً قاضي القضاة حسام الدين الحنفي، والصاحب تقي الدين توبة، وشمس الدين ابن غانم، فصودر هؤلاء. فأخذ من الصدر عز الدين بن القلانسي، فيما قيل، مائة ألف درهم وخمسون ألف درهم، ومن جمال الدين بن صصري، ثلاثمائة ألف درهم، قيمة ملك ودراهم. وحمل من نصير الدين ثلاثون ألف درهم، ومن ابن يمن، عن قيمة أملاك، مائة ألف درهم وتسعون ألف درهم، ومن شمس الدين بن غانم خمسة آلاف درهم، ومن قاضي القضاة حسام الدين ثلاثة آلاف درهم. واعتذر أكابر الدماشقة، أنهم حضروا على خيل البريد، وأن أموالهم وموجودهم بدمشق. وسألوا أن يقرر عليهم ما يحملونه. فطلب الأمير علم الدين سنجر الشجاعي وزير الديار المصرية، جماعة من تجار الكارم، وأمرهم أن يقرضوا الدماشقة مالاً يحملونه، ففعلوا ذلك. وكتب عليهم الحجج، وأعيدوا الى دمشق، وقاموا بالمبلغ لأربابه. وإنما فعل الأمير علم الدين الشجاعي ذلك، خشية أنهم إذا توجهوا الى دمشق، استشفعوا فيسامحوا. فأراد أن يكون ذلك في ذمتهم، لغير بيت المال. ثم عاد الدماشقة الى دمشق، وولي جمال الدين بن صصري نظر الدواوين بدمشق، وذلك في سنة سبع وثمانين وستمائة.\rوفي سنة ست وثمانين وستمائة أيضاً، توجه السلطان الى جهة الشام، واستقل ركابه من قلعة الجبل، في يوم الخميس سابع عشرين شهر رجب، ووصل الى غزة، وأقام بتل العجول، ثم عاد الى قلعة الجبل. وكان وصوله إليها، في يوم الإثنين ثالث عشرين شوال من السنة.\rوفيها، في تاسع عشر محرم، كانت وفاة علاء الدين ابن الملك الناصر، صاحب الشام، الذي كان في الاعتقال. وكان قد اعتقل، في أوائل الدولة المنصورية، في سابع عشر رمضان، سنة ثمان وسبعين وستمائة. وكان قد حصل له مرض المالنخوليا. فلما اشتد به، قتل نفسه. ومولده في سنة ثلاث وخمسين وستمائة.\rوفيها، في ليلة السبت، الثامن والعشرين، من شهر المحرم، توفي الشيخ الإمام، قطب الدين أبو بكر، محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن عبد الله ابن أحمد بن ميمون القيسي الشاطبي، المعروف بابن القسطلاني، بالمدرسة الكاملية، دار الحديث بالقاهرة، وهو مدرسها، ودفن من الغد، بالقرافة الصغرى. وكانت جنازته مشهورة، رحمه الله تعالى.\rوفيها، كانت وفاة الأمير سيف الدين قجقار المنصوري، نائب السلطنة بالمملكة الصفدية. وكان السلطان قد رباه في صغره، كالولد، رحمه الله تعالى.","part":8,"page":335},{"id":3846,"text":"وفيها، كانت وفاة الأمير علم الدين سنجر الباشقردي الصالحي بالقاهرة، في ليلة الثلاثاء، تاسع عشر شهر رمضان، ودفن بالقرافة. وكان من أكابر الأمراء المقدمين بالديار المصرية. وتولى نيابة السلطنة بحلب كما تقدم، وعزل بالأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري.\rواستهلت سنة سبع وثمانين وستمائة 1288\rعزل الأمير علم الدين سنجر الشجاعي عن الوزارة ومصادرته\rوتفويض الوزارة لقاضي القضاة، تقي الدين ثم الى الأمير بدر الدين بيدرا ُوفي هذه السنة، في يوم الخميس، ثاني عشر شهر ربيع الأول، عزل السلطان الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، عن الوزارة، وصادره وأخذ أمواله. وكان سبب ذلك، أن النجيب المعروف بكاتب بكجري، أحد مستوفي الدولة، برز له، وانتدب لمرافعته، بموافقة تقي الدين بن الجوجري، ناظر الدواوين ومباطنته له، وحاققه بين يدي السلطان. وكان من جملة ما حاققه عليه، وأغرى السلطان به، أنه قال للسلطان بحضوره، إنه أباع جملة من الرماح والسلاح، الذي كان في الذخائر السلطانية للفرنج. فاعترف الأمير علم الدين بذلك. وقال نعم أنا بعته بالغبطة الوافرة، والمصلحة الظاهرة. فالغبطة أني أبعتهم من الرماح والسلاح، ما عتق وفسد، وقلّ الانتفاع به، وبعته بأضعاف قيمته. والمصلحة، ليعلم الفرنج أنا نبيعهم السلاح هواناً بهم، واستحقاراً لأمرهم، وعدم مبالاة بهم. فكاد السلطان يصغي الى ذلك. فأجابه النجيب عن ذلك، بأن قال له يا مكثل، الذي خفي عنك أعظم مما لمحت هذا الكلام، الذي صورته أنت بخاطرك، وأعددته جواباً. وإنما الفرنج والأعداء لا يحملون بيع السلاح لهم، على ما ظننت أنت وزعمت. وإنما الذي يشيعونه بينهم وينقله الأعداء الى أمثالهم، أن يقولوا، قد احتاج صاحب مصر، حتى باع سلاحه لأعدائه، أو ما هذا معناه من الكلام. فعند ذلك احتد السلطان عليه، غاية الاحتداد، واشتد غضبه، وأمر بمصادرة الأمير علم الدين، على جملة كثيرة من الذهب، وألزمه أن لا يبيع فيما طلب منه، شيئاً من خيله وسلاحه ولا من عدة الإمرة ورختها، وأنه لا يحمل المطلوب منه إلا عيناً، ففعل ذلك. وبلغ السلطان، أن الأمير علم الدين قد ظلم الناس وصادرهم، وأن في اعتقاله جماعة كثيرة، قد مرّ عليهم شهور وسنون، وباعوا موجودهم، وصرفوه في أجرة المترسمين عليهم. واحتاج بعضهم الى أن استعطى من الناس بالأوراق. فرسم السلطان للأمير بهاء الدين بُعدي الدوادار، أن يكشف أمر المصادرين، ويطالع السلطان به. فخرج إليهم وسألهم، فذكروا ما هم فيه من الضرورة والفاقة، فأعلم السلطان بخبرهم. فرسم للأمير حسام الدين طرنطاي بالكشف عنهم، فأفرج عن جميعهم. ثم أفرج عن الأمير علم الدين في يوم الأربعاء، تاسع شهر ربيع الآخر من السنة.\rولما عزل السلطان الأمير علم الدين عن الوزارة، فوضها السلطان للأمير بدر الدين بيدرا، في يوم الثلاثاء سابع شهر ربيع الأول في السنة. ثم فوضت الوزارة لقاضي القضاة، تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز، في يوم الخميس التاسع عشر من شهر ربيع الآخر، مضافة إلى ما بيده من قضاء القضاة، ونظر الخزائن. ولم يترك نظر الخزانة، فربما جلس في اليوم الواحد في دست الوزارة، ومجلس الحكم، وديوان الخزانة. واستمر على ذلك مدة يسيرة، ولم يوف منصب الوزارة حقه العادي، لتمسكه بظاهر الشرع الشريف. ثم توفر من الوزارة، وفوضت للأمير بدر الدين بيدرا المنصوري، وكان أمير مجلس السلطان، ثم نقل الى الاستادارية، ثم الى الوزارة، واستقر كذلك الى آخر الدولة المنصورية.\rوفيها، في ليلة يسفر صباحها عن يوم الإثنين سادس عشر ربيع الأول، وقع الحريق في خزائن السلاح والمشهد الحسيني بالقاهرة، ثم طفئ.","part":8,"page":336},{"id":3847,"text":"وفيها، بنى السلطان الملك المنصور بابنة الأمير شمس الدين سنقر التكريتي الظاهري، وأفرج عن والدها من الاعتقال، وأمّره بالشام. ثم فارقها السلطان، فقيل في سبب فراقه لها، إن والدها زوج أختها من أحد مماليكه، فكره السلطان، وأنف منه، وفارقها بسببه. وقيل، بل تعاطت نوعاً من الكبر وأقامت لها من الجواري سلاح دارية وجمدارية وسقاة وغيرهن، مما يتعلق بالسلطنة، ففارقها السلطان لذلك. ولما انقضت عدّتها، أمر السلطان أن تزوج لأردى أولاد الأمراء سيرة، نكاية لها. فكشف عن سير أولاد الأمراء ممن اشتهر بسوء السيرة، فوق الاتفاق على جمال الدين يوسف بن سنقر الألفي، فزوجته منه.\rوفي هذه السنة، ولي القاضي بدر الدين محمد ابن الشيخ برهان الدين ابراهيم ابن جماعة الشافعي الكناني، قضاء القدس الشريف، والخطابة به. وتوجه من دمشق، في رابع شوال، ووصل الى القدس في يوم الإثنين حادي عشر الشهر. وولي الخطابة بالقدس، بعد وفاة الشيخ قطب الدين أبي الذكاء عبد المنعم ابن يحيى بن ابراهيم القرشي. وكانت وفاته، رحمه الله تعالى، بالقدس الشريف في يوم الجمعة، سابع عشر شهر رمضان، من هذه السنة.\rوولي بعد القاضي بدر الدين، تدريس المدرسة القيمرية، القاضي علاء الدين أحمد ابن قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز. وجلس لإلقاء الدرس بها، في يوم الأحد تاسع عشر شوال.\rوفيها، في شهر رمضان، فوض نظر الحسبة بدمشق للصدر شمس الدين ابن السلعوس. ووصل توقيعه بذلك من الأبواب السلطانية، عوضاً عن شرف الدين أحمد بن عز الدين عيسى بن الشيرحي. وكان ابن الشيرحي قد وليها، في جمادى الآخرة من السنة.\rوفيها، فوض قضاء المالكية بدمشق، لقاضي القضاة جمال الدين الزواوي.\rتوج ناصر الدين بن المقدسي الى دمشق\rوما فوض إليه من مناصبها، وما اعتمده في هذه السنة، توجه ناصر الدين بن المقدسي، من الأبواب السلطانية، الى دمشق. وقد فوض له السلطان الملك المنصور وكالته، ونظر الأوقاف بدمشق والشام أجمع. ومن جملة ذلك، نظر الجامع الأموي، والبيمارستانات الثلاثة، ونظر الأشراف والأسرى، والأيتام والصدقات، والأسوار والخوانق والربط وغير ذلك. وحضر صحبته مشدان، من الأبواب السلطانية، وهما بدر الدين القشتمري، وصارم الدين الأيدمري. فتردد الناس الى خدمته، وخافوا شره. ولزم أرباب السعايات والمرافعات بابه. وشرع يتتبع الناس فيما ابتاعوه من الأملاك، وقصد إثبات سفه من أباع، وأن يسلك في ذلك الطريق الذي سلكه في أمر ابنة الملك الأشرف. فامتنع القضاة بدمشق من موافقته على ذلك، وعضدهم الأمير حسام الدين نائب السلطنة. فمنع ناصر الدين القضاة الجامكية المرتبة لهم على مصالح الجامع الأموي. فلم يردهم ذلك إلا امتناعاً من موافقته على أغراضه. وشرع في عمارة الأملاك السلطانية، واستجد حوانيتاً على جسر باب الفراديس من الجانبين. وأصلح الجسر، قبل عمارة الحوانيت. ثم أصلح باب الجابية الشمالي، وكان مستقلاً فهدمه وعمره. ولم يكن له حسنة، غير إصلاح هذين الجسرين والباب، ومساطب الشهود بباب الجامع.\rوفي هذه السنة، في شهر رمضان المعظم، كبس بدر بن النفيس النصراني الكاتب بدمشق، وعنده امرأة مسلمة، وهم يشربون الخمر. فطولع الأمير حسام الدين نائب السلطنة بدمشق بذلك. فأمر أن يحرق النصراني، فبذل في نفسه جملة من المال، وسأل مخدومه الأمير سيف الدين كجكن في أمره، فلم يجب نائب السلطنة الى إبقائه. وأضرمت له نار بسوق الخيل، وألقي فيها. وأما المرأة، فقطع بعض أنفها، وشفع فيها فأطلقت.\rوفي هذه السنة، في مستهل رجب، توفيت الست غازية خاتون زوجة الملك السعيد، ودفنت عند والدتها، بالقبة الصالحية، بجوار مشهد السيدة نفيسة، بظاهر القاهرة.\rوفاة الملك الصالح\rوتفويض ولاية العهد الى الملك الأشرف","part":8,"page":337},{"id":3848,"text":"في هذه السنة، في يوم الجمعة رابع شعبان، توفي الملك الصالح علاء الدين علي ابن السلطان الملك المنصور، وكانت علته دوسنطاريا كبدية. وصلى عليه بالقلعة، قاضي القضاة، تقي الدين ابن بنت الأعز، وصلّى خلفه والده السلطان الملك المنصور، وأخوه الملك الأشرف، وصلى عليه خارج القلعة، قاضي القضاة معز الدين الحنفي. ودفن بتربته المجاورة لمشهد السيدة نفيسة. وحصل لوالده السلطان عليه من الألم، ما لا مزيد عليه. وخلف ولداً واحداً، من زوجته منكبك ابنة الأمير سيف الدين نوكيه، وهو الأمير مظفر الدين موسى، وله أخبار، ترد إن شاء الله تعالى.\rولما مات الملك الصالح، فوض السلطان ولاية العهد بعده، لولده الملك الأشرف صلاح الدين خليل. وركب بشعار السلطنة، في حادي عشر شعبان من قلعة الجبل، الى باب النصر. وشق المدينة، وخرج من باب زويلة، وعاد الى القلعة، والأمراء في خدمته. وكتب بذلك الى الشام، وسائر البلاد، وخطب له بولاية العهد، بعد أبيه على عادة أخيه الملك الصالح. وكتب تقليده فتوقف السلطان على الكتابة عليه. وسنذكر ذلك، إن شاء الله تعالى، في أخبار الملك الأشرف.\rوفي هذه السنة، توفي الأمير بدر الدين الأيدمري الصالحي، في ليلة يسفر صباحها عن يوم الإثنين، خامس المحرم. وتوفي الأمير فخر الدين اياز، المعروف بالمعزي الحاجب، في ليلة يسفر صباحها عن يوم الجمعة، العشرين من شهر ربيع الأول، وذلك عقيب عوده من الحجاز. وكان رحمه الله تعالى، من حسنات الدهر. وكانت الملوك تعتمد عليه في المهمات الجليلة. وتوفي الأمير سيف الدين بلبان العلائي الصالحي النجمي، المعروف بقول الله كريم الدين، رحمه الله تعالى، في يوم الثلاثاء سادس عشرين جمادى الآخرة منها، ودفن بتربته بالقرافة الصغرى. وهو خوشداش السلطان الملك المنصور، وسنقر الأشقر وغيرهما، كانوا كلهم مماليك الأمير علاء الدين أقسنقر الساقي العادلي. وكان السلطان يرعى له حق الخوشداشية ويكرمه. ويزوره إذا مرض في منزله، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي القاضي الخطيب، فخر الدين عبد العزيز ابن قاضي القضاة عماد الدين عبد الرحمن بن السكري. وكانت وفاته بالمدرسة المعروفة بمنازل العز بمصر، في رابع عشرين شوال. ومولده في سنة أربع وستمائة، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة ثمان وثمانين وستمائة 1289 في هذه السنة، في المحرم، توجه السلطان الى الشام، وافتتح طرابلس، وقد ذكرنا ذلك في الفتوحات.\rولما افتتح السلطان طرابلس، جهز الأمير حسام الدين طرنطاي، الى المملكة الحلبية، بطائفة من العسكر. وكان قد وصل الى السلطان، وهو بطرابلس، رسل صاحب سيس، يسألون مراحم السلطان، ويطلبون مراضيه. فطلب منهم السلطان تسليم مرعش، وبهسنا والقيام بالقطيعة على العادة، وخلع عليهم وأعادهم. ورحل عن طرابلس ونزل على حمص، وأقام بها أياماً. فعادت رسل سيس بهدية كثيرة، واعتذارات عن تسليم مرعش وبهسنا، وبذل جملة كثيرة من المال في كل سن. فرحل السلطان عن حمص، ودخل الى دمشق، في يوم الإثنين خامس جمادى الأولى.\rما اتفق بدمشق من المصادرات\rكان السلطان قد استصحب معه في هذه السفرة، الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، بعد عزله من الوزارة. فلما عاد الى دمشق من طرابلس، أمره أن يتحدث في تحصيل الأموال بدمشق، ومكّنه من ذلك، فأوقع الحوطة، على الصاحب تقي الدين توبة. فوجد له أخشاباً كثيرة وبضائع وسكّراً، فطرح ذلك على أهل دمشق، بأضعاف قيمته. فكان يحفظ لمن يطرح عليه منه الربع فما دونه. فحصل من ذلك تقدير خمسمائة ألف درهم. وكان غرضه بذلك، أن يطلع السلطان، على أن تقي الدين توبة قد حصل الأموال الكثيرة، لعداوة كانت بينهما. ثم شرع في مصادرات الناس، فهرب أكثر الدماشقة الى القرى والضياع، واختفوا منه. وطلب نجم الدين عباس الجوهري، بسبب ضيعة كان قد اشتراها من ابنة الملك الأشرف، بالبقاع العزيز. فطولب بما أخذه من ريعها، فكان خمسمائة ألف درهم، فحمل جوهراً، قُوّم له، بثمانين ألف درهم. فشدد عليه الطلب، فجاء الى مدرسته التي أنشأها بدمشق، وحفر في دهايزها، وأخرج خونجاه ذهب، مرصعة بالجوهر، وعليها قرقة مرصعة، فقوم ذلك بأربعة ألف درهم، وسبك الذهب، وكان سبعة آلاف دينار، ونقل الجوهر الى الخزانة.","part":8,"page":338},{"id":3849,"text":"وأظهر السلطان للأمراء، أن إقامته بدمشق، لانتظار الأمير حسام الدين طرنطاي. فوصل في سابع عشر شهر رجب. وتلقاه السلطان بالعساكر، وأقام بدمشق، الى يوم الخميس ثاني شعبان. فتوجه في هذا اليوم الى الديار المصرية، بعد أن حصل الإجحاف بأهل دمشق، واستصحب تقي الدين توبة مقيّداً. فلما وصل الى حمراء بيسان، مرّ عليه الأمير حسام الدين طرنطاي، والأمير زين الدين كتبغا، وهو بالزردخاناة، فسبهما أقبح سب، وكانت هذه عادته، وذكر ما فُعل به، وهما يضحكان من سبه لهما. فتوجها الى السلطان، وسألاه في أمره، وضمنها فأفرج عنه. وأخذاه عندهما. فتألم الأمير علم الدين الشجاعي لذلك ألماً شديداً. وكان قد كتب الى نابلس والقدس وبلد الخليل والبلاد الساحلية، يطلب الولاة والمباشرين، وأن يجهزوا الى غزة. فلما حصل الإفراج عن تقي الدين توبة، غضب الشجاعي وأظهر حرداً، وامتنع من الحديث في المصادرين، فكانت ذلك من الألطاف بمن طُلب. ووصل السلطان الى قلعة الجبل في يوم الثلاثاء.\rوفي هذه السنة، في يوم الثلاثاء ثامن عشري شعبان، وقت الظهر توفي بدمشق الملك المنصور شهاب الدين محمود ابن الملك الصالح اسماعيل ابن الملك العادل.\rوفيها، كانت وفاة الأمير علاء الدين الكبكي بالقدس الشريف، في شهر رمضان، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة تسع وثمانين وستمائة 1290 في هذه السنة، في أولها توجه الأمير حسام الدين طرنطاي، ومعه جماعة من الأمراء والعساكر، الى الوجه القبلي. فوصل الى منزلة طوخ دمنوا، قبالة مدينة قوص. وتصيد في هذه السفرة، ومهد البلاد، وقتل جمامة من العربان، وحرق بعضهم بالنار، وأخذ خيولهم وسلاحهم ورهائن أكابرهم، وعاد الى قلعة الجبل.\rوفيها، في شهر ربيع الأول، استدعى السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، من دمشق، على خيل البريد. فلما وصل الى بابه أكرمه، وقال له: اعلم أنني ما اشتريتك، وأمّرتك، ووليتك شاد الدواوين بالشام، إلا ظناً مني أنك تنصحني وتحصل أموالي، وتنهض في مصالح دولتي، فالتزم بتحصيل الأموال. فخلع عليه، وفوض له، مضافاً الى شدّ الشام، الحصون بسائر الممالك الشامية والساحل، وديوان الجيش. فعاد الى الشام، وكان وصوله الى دمشق، في يوم الأربعاء العشرين من شهر ربيع الآخر، وتعاظم في نفسه وكثر تجبّره.\rوفيها، أمر السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين جرمك الناصري، وذلك في جمادى الأولى.\rوفيها، جهز السلطان الأمير سيف الدين التقوي، الى طرابلس، واستخدم معه ستمائة فارس بطرابلس. وهو أول جيش استخدم بها. وكان الجيش قبل ذلك بالحصون.\rإيقاع الحوطة على ناصر الدين المقدسي وشنقه\rوفي هذه السنة، في جمادى الآخرة، برز أمر السلطان بالكشف على ناصر الدين بن المقدسي وكيله بالشام. فورد المرسوم الى دمشق، في ثاني عشرين الشهر، فكشف عليه، فظهرت له مخازي كثيرة. وسر الناس بذلك، فرسم عليه، وطولع السلطان بما ظهر عليه. فورد الجواب، في يوم الجمعة، تاسع عشر شهر رجب، أن يستخرج منه، ما التمسه، فطولب بذلك، وضرب بالمقارع، في يوم ورود المرسوم. وشرع في بيع موجوده، وحمل ثمنه، واستمر كذلك، وهو بالمدرسة العذراوية في النرسيم، الى يوم الخميس ثاني شعبان. فورد المرسوم السلطاني، يطلبه الى الأبواب السلطانية. فلما اجتمع الناس، بكرة نهار الجمعة، دخلوا عليه، فوجدوه قد شنق، فحضر أولياء الأمر والقضاة والشهود، وشاهده على تلك الصورة، وكتبوا محضراً بذلك. ودفن، واستراح الناس من شره.","part":8,"page":339},{"id":3850,"text":"وفي هذه السنة، رسم السلطان لنائب السلطنة بالشام، والأمير شمس الدين الأعسر، لعمل مجانيق، وتجهيز زردخاناة، لحصار عكا. فتوجه الأمير شمس الدين الأعسر، الى وادي مربين، وهو بين جبال عكا وبعلبك، وفيه من الأخشاب وأعواد المجانيق، أشياء كثير لا يمكن أن يوجد مثلها في غيره. وأخبرني جماعة أثق بأخبارهم، في سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وأنا يوم ذاك بالقرب من هذا الوادي، أن به عوداً قائماً طوله أحد وعشرون ذراعاً، بذراع العمل، ودوره كذلك، وأنهم حققوا ذلك، بأن صعد رجل الى أعلاه، ودلّى حبلاً الى الأرض، من أعلاه، وأداروا الحبل عليه، فجاء سواء، لا يزيد ولا ينقص. فتوجه الأمير شمس الدين الى هذا الوادي، وقرر على ضياع المرج والغوطة بدمشق مال، من ألفي درهم الى خمسمائة درهم، كل ضيعة بحسب متحصلها، لأجرة جر أعواد المجانيق، وكذلك ضياع بعلبك والبقاع. وجني المال، ونال أهل بعلبك والبقاع شدة عظيمة بسبب ذلك. وبينا الأمير شمس الدين بالوادي المذكور، وهو مهتم في قطع الأعواد وجرها، سقط عليه ثلج عظيم، فركب خيله، وخرج منه. وأعجله كثرة الثلج وترادفه، عن نقل أثقاله وخيامه، فتركها ونجا بنفسه، ولم يلو على شيء. ولو تأخر بسببها، واشتغل بحملها هلك هو ومن معه، وارتدمت أثقاله بالثلوج، وبقيت تحتها الى فصل الصيف، وتلف أكثرها.\rوفي هذه السنة أيضاً، فوض السلطان تقدمة العسكر بغزة والأعمال الساحلية، الى الأمير عز الدين أيبك الموصلي، عوضاً عن الأمير شمس الدين أقسنقر كرتيه. فتوجه إليها من دمشق، في رابع شهر رجب.\rوفيها، في شعبان، اشتد الحر بحماه، حتى شوى اللحم على بلاط الجامع، على ما حكاه الشيخ شمس الدين الجزري في تاريخه. ووقعت نار في دار صاحب حماه فاحترقت، وأرسل الله ريحاً واشتدت، فقويت النار واستمرت يومين وبعض الثالث، وما قدر أحد أن يتقدم إليها، فاحترقت الدار بما فيها، وكان صاحب حماه في الصيد.\rوفيها، في شعبان، خرج مرسوم السلطان الى الشام، أن لا يُستخدم أحد من أهل الذمة، اليهود والنصارى، في المباشرات الديوانية، فصُرفوا منها. وورد مثال بالإفراج عن المعتقلين.\rوفيها، ثار جماعة من الفرنج بعكا، فقتلوا جماعة من تجار المسلمين بها، كانوا قدموا للمتجر، تمسكاً بالهدنة، وذلك في شعبان. فادعى أهل عكا، أن ذلك إنما فعله الفرنج الغُرْب، وأنه ليس برضاهم. فكان ذلك من أكبر الأسباب التي أوجبت أخذ عكا، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوفاة قاضي القضاة نجم الدين المقدسي الحنبلي\rوتفويض القضاء بدمشق بعده للشيخ شرف الدين المقدسي وفي هذه السنة، في يوم الثلاثاء، ثاني عشر جمادى الأولى، توفي قاضي القضاة نجم الدين أبو العباس أحمد ابن قاضي القضاة شمس الدين أبي محمد عبد الرحمن المقدسي، قاضي الحنابلة بدمشق. فعين الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة ثلاثة، وكتب في حقهم الى السلطان، وهم الشيخ زين الدين بن المنجا، والشيخ تقي الدين سليمان، والشيخ شرف الدين الحسن. فورد المثال السلطاني، في غرة جمادى الآخرة، لنائب السلطنة، أن يفوض القضاء بدمشق للقاضي شرف الدين الحسن ابن الخطيب شرف الدين أبي العباس أحمد بن أبي عمر بن قدامه المقدسي. ففوض إليه نائب السلطنة القضاء، حسب الأمر السلطاني. وكُتب تقليده عن نائب السلطنة، وخلع عليه في يوم الإثنين تاسع الشهر. وجلس بجامع دمشق، وحكم بين الناس، على عادة القضاة قبله.\rوفيها، توفي الشيخ الإمام العالم، رشيد الدين أبو حفص عمر بن اسماعيل ابن مسعود الفارقي الشافعي. وكانت وفاته بالمدرسة الظاهرية بمدشق، في يوم الأربعاء، رابع شهر المحرم، ودفن بمقابر الصوفية. ويقال إنه وجد مخنوقاً، وكان من العلم والفضيلة بالمكان المشهور، وشهرته بذلك تغني عن وصف محاسنه، رحمه الله تعالى.\rوفيها، في ليلة الأحد الثامن والعشرين من شهر ربيع الآخر، توفي الطواشي شرف الدين مختص الظاهري، مقدم المماليك السلطانية، في الدولة الظاهرية والسعيدية والمنصورية، ودفن من الغد بالقرافة. وكان مهيباً سَلطاً على المماليك السلطانية، مبسوط اليد فيهم، ذا حرمة وافرة، رحمه الله تعالى.\rوفاة السلطان الملك المنصور\rسيف الدين قلاون، رحمه الله","part":8,"page":340},{"id":3851,"text":"كانت وفاته، رحمه الله تعالى، بمنزلة مسجد تبر، وهي المنزلة الأولى، وذلك في العشر الأخير من شوال، فقامت به علته الى أن مات، رحمه الله تعالى، وحمل الى قلعة الجبل ليلاً، واستمر بها الى آخر يوم الخميس غرة المحرم سنة تسعين وستمائة. ففي هذا اليوم قال: أرسل السلطان الملك الأشرف، الى التربة المنصورية بالقاهرة جملة يصدق بها. فلما كان في ليلة الجمعة المسفرة عن ثاني المحرم، نقل رحمه الله تعالى، من القلعة الى تربته التي أنشأها بالقاهرة وأدخل من باب البرقية، وصُلّي عليه بالجامع الأزهر، ثم حمل منه الى التربة. ونزل قبره الأمير بدر الدين بيدرا، والأمير علم الدين سنجر الشجاعي. وفرق في صبيحة ذلك اليوم، جملة من الذهب على الفقراء. وكانت مدة سلطنته إحدى عشرة سنة وشهرين وأربعة عشر يوماً.\rوخلّف من الورثة، أولاده الخمسة، وهم السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل، وهو الذي ملك بعده، والسلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد، وهو سلطان هذا العصر، والأمير أحمد - مات في سلطنة أخيه الملك الأشرف - وابنتان، وهما دار مختار الجوهري، واسمها التطمش، ودار عنبر الكمالي، وزوجته والدة السلطان الملك الناصر.\rتسمية نواب السلطان الملك المنصور ووزرائه\rناب عن السلطان الملك المنصور، رحمه الله تعالى، بأبوابه الشريفة في أول سلطنته، الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي، ثم استعفي كما تقدم. واستقر في نيابة السلطنة، الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوري، واستمر الى أن كانت وفاة السلطان. وناب عن السلطان بدمشق، بعد استعادتها من الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، الأمير حسام الدين لاجين السلحدار المنصوري، المعروف بالصغير. وناب عن السلطنة بالمملكة الحلبية في ابتداء الدولة، الأمير جمال الدين أقش الشمسي، الى أن مات، ثم الأمير علم الدين سنجر الباشقردي الى أن عزل، وولي الأمير شمس الدين قراسنقر الجوكان دار المنصوري الى آخر الدولة. وناب عن السلطنة بحصن الأكراد، الأمير سيف الدين بلبان الطباخي المنصوري، وبالكرك الأمير عز الدين أيبك الموصلي، ثم الأمير ركن الدين بيبرس الداواداري المنصوري. وناب عن السلطنة بالمملكة الصفدية في ابتداء الدولة، الأمير علاء الدين الكبكي وغيره، وتقدم ذكرهم. وناب عن السلطنة بغزة وحمص، جماعة قد تقدم ذكرهم.\rوأما الوزراء، فوزر للسلطان، رحمه الله تعالى، ستة نفر، أربعة من أرباب الأقلام، وهم الصاحب برهان الدين الخضر السنجاري مرة بعد أخرى، والصاحب فخر الدين ابراهيم بن لقمان، والصاحب نجم الدين حمزة بن محمد الأصفوني، وقاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز، وقد تقدم ذكر ولايتهم في أثناء أخبار الدولة. ومن الأمراء اثنان الأمير علم الدين سنجري الشجاعي، كان يتولى شد الدولة المنصورية وتدبيرها. فإذا شغرت الوزارة من متعمم، جلس مكان الوزير، وكتب على عادة الوزراء، وولى وعزل، واستخدم وصرف. ثم استقل بالوزارة، بعد وفاة الصاحب نجم الدين حمزة بن الأصفوني. وكان في وزارته وشده، كثير العسف والمصادرات، محصلاً للأموال من وجوهها وغير وجوهها شديداً على المباشرين. قد أوقع الرعب في قلوبهم، حتى كرهه الخاص والعام، وتمنوا زوال الدولة بسببه، واستمر في الوزارة الى أن عزل كما تقدم. وولى الأمير بدر الدين بيدرا المنصوري الى آخر الدولة.\rوولي القضاء في الأيام المنصورية، بالديار المصرية والشامية، جماعة قد تقدم ذكرهم.\rوملك السلطان الملك المنصور، من المماليك الأتراك والمغل وغيرهم، ما لم يملكه ملك بالديار المصرية في الإسلام قبله. فيقال إن عدتهم بلغت اثني عشر ألفاً، وتأمّر منهم في الأيام المنصورية جماعة كثيرة. ومنهم من ناب عن السلطنة الشريفة في الممالك الشامية والديار المصرية. ومنهم من استقل بالسلطنة وخطب له على المنابر، وضربت السكة باسمه، على ما نذكر ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. وبقايا المماليك المنصورية الى الآن، هم أعيان الأمراء في وقتنا هذا.\rولما مات الملك المنصور، ملك بعده ولده الملك الأشرف.\rالملك الأشرف صلاح الدين خليل\rابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاون الصالحي","part":8,"page":341},{"id":3852,"text":"وهو الثامن من ملوك دولة الترك بالديار المصرية. ملك الديار المصرية والبلاد الشامية، وما أضيف الى ذلك من الممالك الإسلامية والأقطار الحجازية، بعد وفاة والده السلطان الملك المنصور رحمه الله تعالى.\rوكان جلوسه على تخت السلطنة بقلعة الجبل المحروسة، في يوم الأحد المبارك السابع من ذي القعدة، سنة تسع وثمانين وستمائة، ولم يختلف عليه إثنان. لأن الأمراء، أرباب الحل والعقد، ونواب السلطنة بسائر الممالك، مصراً وشاماً، مماليك والده، ومن عداهم من الأمراء الصالحية، لم يظهر منهم إلا الموافقة والطاعة والانقياد، والمبادرة الى الحلف. وقد تقدم أن السلطان الملك المنصور كان قد جعل له ولاية العهد من بعده، بعد وفاة أخيه الملك الصالح علاء الدين علي، وركّبه بشعار السلطنة، وتأخرت كتابة تقليده، وطلب ذلك مرة أخرى، والسلطان يتوقف في الإذن بكتابة التقليد. ثم تحدث مع السلطان الملك المنصور فرسم بكتابته، فكتب - وقد شرحنا مضمونه في الجزء الثامن من كتابنا هذا - فلما قدم الى السلطان، ليكتب عليه، توقف وأعاده الى القاضي فتح الدين ابن عبد الظاهر، صاحب ديوان الإنشان، ولم يكتب عليه. فأرسل الملك الأشرف الى القاضي فتح الدين، يطلب التقليد، فاعتذر أنه لم يقدمه للعلامة. وقدمه ثانياً الى السلطان، فردّه. وقال يا فتح الدين: أنا أولى خليلاً على المسلمين. ثم أرسل الملك الأشرف يطلبه، فخشي فتح الدين أن يقول إن السلطان امتنع من الكتابة عليه؛ واعتذر أيضاً. وخاطب السلطان في معناه، وقدمه إليه، فرماه به. وقال: قد قلت لك إنني ما أولى خليلاً على المسلمين. فأخذ التقليد بغير علامة، وخرج. واتفق من خلال ذلك، خروج السلطان ووفاته.\rفلما تسلطن الملك الأشرف، طلب فتح الدين بن عبد الظاهر، وقال له: أين تقليدي. فأقام وأحضره إليه، وهو بغير علامة السلطان، واعتذر أن السلطان الملك المنصور، شغلته الحركة والفكرة في أمر العدو عن الكتابة عليه. فقال له السلطان الملك الأشرف: يا فتح الدين، إن السلطان امتنع أن يعطيني، فأعطاني الله. ورمى له التقليد، فكان عنده بغير علامة. ثم عند ابنه المرحوم علاء الدين، الى أن مات رحمه الله تعالى.\rقال بعض الشعراء يمدحه:\rفداك يا عادل يا منصف ... أرجى من الغيث الذي يوصف\rأغنى عباد الله عن نيلهم ... فجودك البحر الذي يعرف\rأطاعك الناس اختياراً وما ... أذلهم رمح ولا مرهف\rكم ملكت مصر ملوك وكم ... جادوا وما جادوا ولا أسرفوا\rحتى أتى المنصور أنسى الورى ... بفعله سائر ما أسلفوا\rما قدموا مثل تقاه ولا ... مثل الذي خلفه خلفوا\rفته على الأملاك فخراً بما ... نلت فأنت الملك الأشرف\rقال، وخلع الملك الأشرف على سائر الأمراء وأرباب المناصب. ثم ركب بشعار السلطنة، في يوم الجمعة بعد الصلاة، الثاني عشر من الشهر. وسيّر بالميدان الأسود؛ والأمراء والعساكر في خدمته. وطلع الى قلعة الجبل، قبل أذان العصر. ويقال إن الأمير حسام الدين طرنطاي، كان قد قصد اغتيال الملك الأشرف، في يوم ركوبه، وأنه عزم على قتله عند ابتداء التسيير، إذا قرب من باب الإصطبل، وأن السلطان شعر بذلك. فلما سيّر السلطان أربعة ميادين، والأمير حسام الدين ومن وافقه عند باب سارية. فلما انتهى السلطان الى رأس الميدان، وقرب من باب الإصطبل، وفي ظن الناس أنه يعطف الى جهة باب سارية، ليكمل التسيير على العادة، عطف الى جهة القلعة، وأسرع وعبر من باب الإسطبل. ولما عطف، ساق الأمير حسام الدين ومن معه، ملء الفروج، ليدركه. فما وصل الى باب الاسطبل، إلا والسلطان قد دخل منه، وحف به مماليكه وخواصه، فبطل على طرنطاي ما دبره. وبادر السلطان بالقبض عليه.\rالقبض على الأمير حسام الدين طرنطاي وقتله\rوعلى الأمير زين الدين كتبغا واعتقاله","part":8,"page":342},{"id":3853,"text":"لما استقل السلطان الملك الأشرف في السلطنة، وقف الأمير حسام الدين طرنطاي بين يديه في نيابة السلطنة، على عادته مع السلطان الملك المنصور أبيه. وكان الملك الأشرف يكره الأمير حسام الدين طرنطاي أشد الكراهية لأمور: منها ما كان يعامله به من الاطراح لجانبه، والغض منه، واهنة نوابه، وأذى من ينسب إليه. ومنها ترجيح جانب أخيه، الملك الصالح على جانبه، والميل إليه. ولما مات الملك الصالح، وانتقلت ولاية العهد بعده، الى الملك الأشرف مال إليه من كان يميل عنه، وتقرب الى خاطره من كان يجفوه. ولم يزد ذلك الأمير حسام الدين إلا تمادياً في الإعراض عنه، وجرياً على عادته، في أذى من ينتسب إليه. وأغرى السلطان الملك المنصور، بناظر الديوان الأشرفي، شمس الدين محمد بن السلعوس، حتى ضربه وصرفه على ما نذكر ذلك، وعامله بمثل هذه المعاملة، والملك الأشرف لا يستطيع دفع ذلك، لتمكن الأمير حسام الدين من السلطان الملك المنصور، ويكتم ما عنده منه، ويصبر من ذلك، على ما لا يصبر مثله على مثله.\rفلما ملك السلطان الملك الأشرف، تحقق الأمير حسام الدين أنه يحقد عليه أفعاله، وأن خاطره لا يصفو له. فشرع في إفساد نظامه سراً، وإخراج الأمر عنه. وتحقق السلطان ذلك، ووشى به بعض من باطنه. فلما نزل السلطان من الركوب في يوم الجمعة، الثاني عشر ذي القعدة، استدعاه فدخل عليه، وهو يظن أن أحداً لا يجسر أن يقدم عليه، لمهابته في القلوب، ومكانته من الدولة، وظن أن السلطان لا يبادره بالقبض عليه. ولما استدعاه السلطان، نهاه الأمير زين الدين كتبغا المنصوري، عن الدخول على السلطان وحذّره، وقال له: والله أخاف عليك منه، فلا تدخل عليه، إلا في عصبة وجماعة، تعلم أنهم يمانعون عنك أن لو وقع أمر. وقال له: - فيما حكي لي - والله لو كنت نائماً، ما جسر خليل ينبهني. وقام ودخل على السلطان، فحمل زين الدين كتبغا الإشفاق عليه، أن دخل معه. فلما صار طرنطاي بين يدي السلطان، وكان قد قرر مع الأمراء الخاصكية القبض عليه، فبادروا الى ذلك، وقبضوا على يديه، وأخذوا سيفه. فصرخ كتبغا، وجعل يقول: إيش عمل، إيش عمل، يكرر ذلك. فأمر السلطان بالقبض على كتبغا، فقبض عليه واعتقل، ثم أفرج عنه بعد ذلك.\rوأما طرنطاي، فإنه لما قبض عليه، أمر بقتله، فقتل. وقيل إنه عوقب بين يدي السلطان حتى مات. وقيل كانت وفاته في ثامن عشر ذي القعدة، وبقي ثمانية أيام، بعد وفاته، ثم أخرج من القلعة، ليلة الجمعة سادس عشرين الشهر، وقد لفّ في حصير، وحمل على جنوية، الى زاوية الشيخ أبي السعود. فغسله الشيخ عمر السعودي، وكفنه ودفنه، خارج الزاوية. وبقي كذلك، الى أن ملك الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري، فأمر بنقله الى تربته التي أنشأها بالقاهرة، بمدرسته التي بجوار داره بخط المسطاح.\rولما قبض السلطان عليه، ندب الأمير علم الدين سنجر الشجاعي لإيقاع الحوطة على موجوده، واستصفاء أمواله، لما كان بينهما من العداوة. فنزل الشجاعي الى دار طرنطاي التي بالقاهرة، وحمل ما في خزانته وذخائره. وطلب ودائعه، ونبش مواضع من داره، وشعثها. وحمل من أمواله الى الخزائن وبيت المال جملة عظيمة، يقال إن جملة ما حمل من ماله، ستمائة ألف دينار عيناً، ومن الدراهم سبعة عشر ألف رطل ومائة رطل بالمصري، ومن العدد والأقمشة والخيول والمماليك ما لا يحصر قيمته كثرة. ويقال إنه كان قد جمع ذلك وادّخره، لطلب السلطنة لنفسه، فلم ينل ما تمناه.\rووقف الأمير علم الدين الشجاعي، بعد القبض على طرنطاي، أياماً قلائل، من غير أن يخلع عليه خلع النواب، ولا كتب تقليده، ولم يشتهر ذلك. ثم فوضت النيابة، للأمير بدر الدين بيدرا.\rتفويض نيابة السلطنة الشريفة للأمير بدر الدين بيدرا المنصوري\rلما قبض على الأمير حسام الدين طرنطاي كما تقدم، قام الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، بوظيفة النيابة أياماً قلائل، كما ذكرناه. ثم فوض السلطان النيابة عن السلطنة، للأمير بدر الدين بيدرا المنصوري. وخلع عليه، على عادة نواب السلطنة، وأجرى عليه، ما كان جارياً على الأمير حسام الدين طرنطاي، من الإقطاعات وغيرها.","part":8,"page":343},{"id":3854,"text":"وفي هذه السنة، رسم السلطان بطلب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، شاد الدواوين بالشام، فوصل البريد الى دمشق يطلبه، في رابع ذي الحجة منها، فتوجه الى الأبواب السلطانية، في ثامن الشهر. ولما وصل الى بين يدي السلطان، ضربه مرة بعد أخرى، وبقي في الترسيم، الى أن حضر الصاحب شمس الدين بن السلعوس فسلّمه إليه. وولى شاد الدواوين بدمشق، الأمير سيف الدين طوغان المنصوري. وأعاد السلطان الصاحب تقي الدين توبة التكريتي الى وزارة الشام. فوصل الى دمشق، في خامس المحرم، سنة تسعين وستمائة. وأوقع الحوطة على موجود الأمير شمس الدين سنقر الأعسر. حسب المرسوم السلطاني.\rوفيها، رسم السلطان الملك الأشرف، بإحضار الأمير بدر الدين بكتوت العلائي، من حمص الى الباب السلطاني، في ذي الحجة، فحضر.\rوفيها، في ذي الحجة، رسم السلطان بتجديد تقليد الأمير حسام الدين لاجين المنصوري، نائب السلطنة بالشام، فكُتب. وزاده السلطان على إقطاعه المستقر، الى آخر الأيام المنصورية، خرستا، وجهز ذلك على يد مملوكه شمس الدين أقسنقر الحسامي. وأعطى أقسنقر إمرة عشرة طواشية. فوصل الى دمشق في ثامن عشر ذي الحجة من السنة.\rوفيها، في الخامس والعشرين من ذي الحجة، كان وفاة الأمير الحاج علاء الدين طيبرس الوزيري. وكان ديّناً كثير الصدقة والمعروف، قليل الأذى، وخلّف أموالاً عريضة، فأوصى بثلاثمائة ألف درهم من ماله، تنفق في العساكر وأوقف مدرسة بمصر، على طائفة الشافعية والمالكية، وأوقف خاناً بظاهر دمشق، على الصدقات، ريعه في كل شهر تقدير خمسمائة درهم، وله آثار حسنة، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة تسعين وستمائة 1391 في هذه السنة، في سادس المحرم، أفرج السلطان عن الملك فخر الدين عثمان ابن الملك المغيث فتح الدين عمر ابن الملك العادل، سيف الدين أبي بكر، ابن الملك الكامل ابن الملك العادل صاحب الكرك والده. وكان قد اعتقل في الدولة الظاهرية، في رابع عشر شهر ربيع الأول، سنة تسع وستين وستمائة، كما قدمنا ذكر ذلك. وكانت اعتقاله عشرين سنة، وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوماً. ولما أفرج السلطان عنه، رتّب له راتباً جيداً. ولزم داره، واشتغل بالمطالعة والنسخ، وانقطع عن السعي، إلا للجمعة أو الحمام، أو ضرورة لابد منها.\rتفويض الوزارة للصاحب شمس الدين ابن السلعوس وشيء من أخباره\rكان الصاحب شمس الدين محمد بن فخر الدين عثمان بن أبي الرجا، بن السلعوس قد توجه الى الحجاز الشريف، قبيل وفاة السلطان الملك المنصور. فاتفقت وفاة السلطان وسلطنة الملك الأشرف في غيبته. فكتب السلطان إليه كتاباً يعلمه أنه قد ملك، ويستحثه على سرعة الوصول إليه. فوصل إليه كتاب السلطان، وهو في أثناء الطريق، وقد عاد من الحجاز الشريف. فاجتمع من كان بالركب، من الأعيان والكتاب، وانضموا إليه، وركبوا في خدمته، وسايروه وعاملوه من الآداب بما يعامل به الوزراء وعظموه، فكان كذلك، الى أن وصل الى باب السلطان. وكان وصوله، في يوم الثلاثاء، العشرين من المحرم سنة تسعين وستمائة. فاجتمع بالسلطان، ففوض إليه السلطان الوزارة، في يوم الخميس، الثاني والعشرين من الشهر، وخلع عليه. وكان الأمير علم الدين سنجر الشجاعي يتحدث في الوزارة في هذه المدة، قبل وصوله، من غير تقليد ولا تشريف.\rوكان شمس الدين بن السلعوس هذا، تاجراً من أهل دمشق، ولم يكن من التجار المياسير. ولكنه كان يأخذ نفسه بالحشمة والرئاسة. حتى كان التجار فيما بينهم ينعتونه بالصاحب استهزاء به. ثم تعلق بالخدم، وانتمى الى تقي الدين توبة التكريتي وزير دمشق، في الدولة المنصورية، فاستخدمه في بعض الجهات. وتنقل الى أن ولي نظر الحسبة بدمشق، في شهر رمضان، سنة سبع وثمانين وستمائة كما تقدم. ثم ولي نظر ديوان الملك الأشرف بالشام، فأظهر الاجتهاد، واستأجر للملك الأشرف ضياعاً بالشام، وعمل له متجراً، وحصل من ذلك أموالاً، فتقدم عند الملك الأشرف، ومال إليه.","part":8,"page":344},{"id":3855,"text":"وحضر الى باب الملك الأشرف، في صفر، سنة ثمان وثمانين وستمائة. واستناب عنه في نظر الحسبة بدمشق والديوان الأشرفي، القاضي تاج الدين أحمد ابن القاضي عماد الدين محمد بن الشيرازي. ولما حضر الى باب الملك الأشرف، نقله الى نظر ديوانه نيابة، عوضاً عن تاج الدين بن الأعمى. وخلع عليه خلع الوزارة. واستمر في نظر ديوان الملك الأشرف ووكالته، الى جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وستمائة. فاتفق أن الملك الأشرف، خلع عليه خلعة سنية، تشبه خلع الوزراء. فرآه السلطان الملك المنصور، وعليه تلك الخلعة، فأنكر هيئته، وسأل الأمير حسام الدين طرنطاي عنه. فقال هذا وزير الملك الأشرف، وذكر مساوئه للسلطان. فغضب السلطان الملك المنصور لذلك، وأنكره. وأمر بإحضاره، فأحضر بين يديه، فأنكر عليه كونه خدم ولده، بغير أمره، ولا أمر نائبه، ولا وزيره. وأمر السلطان بنزع تلك الخلعة، التي ألبسها، فنزعت. وسلمه الى شاد الدواوين يومئذ، وهو الأمير زين الدين أحمد الصوابي، وأمر بمصادرته، والإخراق به، وضربه. وأرسل إليه الأمير حسام الدين طرنطاي، أن يوقع به الأهنة والإخراق، ويبادر بضربه. وأرسل إليه الملك الأشرف، الى مشد الدواوين، يستوقفه عند ذلك، ويتوعده إن ناله منه سوء. فخاف للشد المذكور غائلة الملك الأشرف، وتوقف عن الإخراق به. ورسم عليه في قاعة، كان المشد يجلس فيها، في وقت استراحته. ثم تلطف الملك الأشرف في أمره، مع الأمير حسام الدين طرنطاي، وراسله بسببه. وتكررت رسائله إليه، والى غيره في معناه، حتى حصلت الشفاعة فيه عند السلطان، فأطلقه. وأمر السلطان بصرفه، فصرف، ولزم داره. وكانت هذه الواقعة من أضرر شيء على الأمير حسام الدين طرنطاي، ومن أكبر أسباب القبض عليه وقتله.\rواستمر الصاحب شمس الدين بداره الى زمن الحج، فتوجه الى الحجاز الشريف. واتفقت وفاة السلطان الملك المنصور، وسلطنة الملك الأشرف، كما تقدم، فكتب إليه يعلمه بذلك. ويقال إن السلطان كتب بخطه إليه، بين سطور الكتاب، يا شقير، يا وجه الخير، عجل بالسير، فقد ملكنا. ويقال إنه لما حملت الى السلطان الملك الأشرف، أموال طرنطاي، ووضعت بين يديه، جعل يقلبها ويقول:\rمن عاش بعد عدوه ... يوماً فقد بلغ المنى\rثم يقول أين أنت يا ابن السلعوس.","part":8,"page":345},{"id":3856,"text":"فلما وصل ابن السلعوس الى السلطان، فوض إليه الوزارة، ومكّنه من الدولة تمكيناً عظيماً، ما تمكن وزير قبله مثله في دولة الترك. وجرّد في خدمته جماعة من المماليك السلطانية، يركبون في خدمته، ويترجلون في ركابه، ويقفون بين يديه، ويمتثلون أوامره. فعظم بذلك شأنه، وتعاظم في نفسه واستخف بالناس. وتعدى أطوار الوزراء، حتى كان أكابر الأمراء يدخلون الى مجلسه، فلا يستكمل لهم القيام. ومنهم من لا يلتفت إليه. وكان في بعض الأوقات يستدعي أمير جاندار وأستاذ الدار، على كبر مناصبهما. فكان إذا استدعى أحداً منهما، يقول اطلبوا فلاناً أمير جاندار، وفلاناً أستاذ للدار، يسمى كل واحد منهما باسمه، دون نعته. ثم ترفّع عن هذه الرتبة الى الاستخفاف بنائب السلطنة الأمير بيدرا، وعدم الالتفات الى جهته ومشاركته في بعض وظيفته، والاستبداد عنه، ومعارضته فيما يقصد فعله، وتعطيل ما يؤثره. هذا، والأمير بدر الدين بيدرا يصبر على جفاه، ولا يمكنه مفاجأته لما يشاهده من ميل السلطان إليه. حتى أخبرني شهاب الدين بن عبادة: قال: رأيت الصاحب شمس الدين في بعض أيام المواكب، قد قام من مجلس الوزارة، يقصد الدخول الى الخزانة، فصادف ذلك خروج الأمراء من الخدمة، هم ونائب السلطنة. فكان الأمراء الأكابر يبادرون الى خدمته ومنهم من يقبل يديه، وكلهم يخلي له الطريق، ويومئ بالرجوع بين يديه، فيشير إليه بالانصراف. فلما وطئ عتبة باب القلة برجله، توافى هناك، هو والأمير بدر الدين، نائب السلطنة. فسلّم كل منهما على الآخر، وأومأ له بالخدمة، إلا أن النائب خدم الوزير، أكثر من خدمة الوزير له. قال: لقد رأيته، وقد رجع مع الصاحب، ولم يسامته في مشيه، بل كان النائب يتقدمه يسيراً، ويميل بوجهه الى جهة الصاحب ويحدثه. فكانا كذلك الى أن وصلا الى المصطبة، التي يجلس عليها أستاذ الدار وناظر البيوت، وهي من داخل الباب الثاني، من باب القلة لجهة الخزانة، على باب الفراش خاناه قديماً. وهذا الموضع الآن، هو أحد أبواب الجامع الذي عمر في أيام السلطان الملك الناصر. وسنذكر إن شاء الله تعالى، خبر هذا الجامع في الأيام الناصرية. قال: فما انتهينا الى ذلك المكان، مسك الصاحب بدر الدين بيدرا، نائب السلطنة، وأشار إليه بالرجوع. قال: وسمعت الصاحب يقول له: بسم الله يا أمير بدر الدين؛ لم يزده على ذلك، وهذا أمر لم يسمع بمثله. والذي شاهدته أنا، غير مرة ولا مرتين، أن الصاحب كان إذا أراد الركوب الى القلعة، اجتمع ببابه نظار النظار وشاد الدواوين ووالي القاهرة ووالي مصر، ومستوفي الدولة، ونظار الجهات، ومشدّي المعاملات؛ وغير هؤلاء من الأعيان. ثم يحضر قضاة القضاء الأربعة ومن يتبعهم. فإذا اجتمع هؤلاء كلهم ببابه، عرّفه حجّابه أن الموكب قد كمل. وكان كمال الموكب عندهم، حضور قضاة القضاة الأربعة، فيخرج عند ذلك، ويركب ويسوق الناس بين يديه على طبقاتهم. فيكون أقرب الناس إليه، قاضي القضاة الشافعية، وقاضي القضاة المالكية، يكونان أمامه، وأمامهما قاضيا القضاة الحنفية والحنبلية؛ ثم نظار النظار والأعيان، ومستوفي الدولة، ونظار الجهات على قدر مراتبهم. ويستمر القضاة معه، الى أن يستقر في المجلس. فينصرفون ثم يعودون عشية النهار الى القلعة، ويركبون في موكبه بين يديه الى أن يصل الى داره؛ حتى أنه تأخر ليلة بالقلعة الى قرب العشاء الآخرة، وغلق باب القلعة. وانقلب موكب الصاحب، الى جهة باب السلطان، وجاء القضاة ووقفوا على بغالهم، بظاهر باب الاسطبل السلطاني، ولم ينصرفوا حتى خرج وركب، وساقوا في خدمته، الى داره على عادتهم، لم يخلوا بها. وكان لا ينتصب قائماً لبعض أكابرهم، ولم ينتظم هذا لوزير قبله. ولما عظم موكبه، وبقي الأكابر، يزدحمون في شوارع القاهرة، ويضيق بهم لكثرة من معه، ويزدحم الغلمان، انتقل الى القرافة، وسكنها بسبب ذلك. ثم كان من أمره ما نذكره، إن شاء الله تعالى في موضعه.\rالقبض والإفراج على من نذكر من الأمراء، وعنه","part":8,"page":346},{"id":3857,"text":"وفي يوم الجمعة، سابع صفر، أمر السلطان بالقبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير سيف الدين جرمك الناصري، وعدّد لهما ذنوباً كثيرة. وكان مما عدّه على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، أن قال هذا ما أحسن إليه أحد، إحسان طرنطاي، فإنه مازال يدافع عنه السلطان المنصور ويمنعه من القبض عليه، إذا أراده. ويقول له، والله لا يقبض عليه، حتى يقبض على قبله. ووفى له طرنطاي بما عاهده عليه، بصهيون، لما استنزله منها. ولم يرع له حق هذا الإحسان العظيم والذب عنه. وكان هو أكبر أسباب القبض عليه، فإنه أفشى سره.\rوأفرج السلطان في هذا اليوم، عن الأمير زين الدين كتبغا المنصوري، وأعاد عليه إمرته، وأنعم عليه إنعاماً كثيراً. وكان قد قبض عليه، كما تقدم لما همّ بالمدافعة عن طرنطاي.\rفتوح عكا وصور وصيدا وحيفا\rقد ذكرنا أن السلطان الملك المنصور، والد السلطان، كان قد أهمه أمر عكا وتجهز لغزوها. وخرج لذلك، وعاجلته المنية، دون الأمنية. فلما استقر أمر السلطان الملك الأشرف، وخلا وجهه، ممن كان يقصد مناوأته، صرف اهتمامه الى عكا وغزوها. وندب العساكر من الديار المصرية، وسائر الممالك والحصون. وأمر نواب السلطنة بالممالك الشامية والساحلية، ونواب القلاع والحصون، بتجهيز الزردخانات وأعواد المجانيق والحجارين وغيرهم. وندب الأمير عز الدين أيبك الأفرم، أمير جاندار لذلك. فتوجه من الباب السلطاني، ووصل الى دمشق، في سلخ صفر. فجهزت أعواد المجانيق من دمشق، وبرزت الى ظاهرها في مستهل شهر ربيع الأول، وتكامل ذلك، في يوم الخميس ثاني عشر الشهر. وتوجه بها الأمير علم الدين سنجر الداواداري، أحد الأمراء بالشام، ثم فرقت على الأمراء مقدمي الألوف، فتوجه كل أمير ومضافوه منها، بما أمر بنقله. ثم توجه الأمير حسام الدين لاجين، نائب السلطنة بالشام، في آخر الجيش، ببقية العسكر، في يوم الجمعة، العشرين من شهر ربيع الأول. وندب السلطان أيضاً، الأمير سيف الدين طغريل الإيقاني الى الحصون والممالك يستنجدهم على سرعة تجهيز المجانيق والآلات، فبادر النواب الى ذلك.\rووصل الملك المظفر صاحب حماه الى دمشق، في ثالث عشرين شهر ربيع الأول، بعسكر حماه، وصحبته مجانيق وزردخانات. ووصل الأمير سيف الدين بلبان الطباخي، نائب السلطنة بالفتوحات، بعساكر الحصون وطرابلس وما معها، بالمجانيق، والزردخانات، في رابع عشرين الشهر، ووصل سائر النواب، وتوجهوا الى عكا. هذا ما كان من أمر نواب الممالك الشامية وعساكرها.\rوأما السلطان الملك الأشرف، فإنه لما عزم على التوجه الى عكا، أمر بجمع القراء والعلماء والقضاة والأعيان، بتربة والده السلطان الملك المنصور. فاجتمعوا في ليلة الجمعة، الثامن والعشرين من صفر، وباتوا بالقبة المنصورية، يقرأون القرآن. وحضر السلطان الى التربة في بكرة النهار، وتصدق بجملة من المال والكساوي، ثم عاد الى قلعة الجبل. واستقل ركابه منها، في ثالث شهر ربيع الأول. وجهز السلطان آدره العالية الى دمشق، فوصلوا الى قلعتها، في يوم الاثنين، سابع شهر ربيع الآخر. ووصل السلطان الى المنزلة بعكا، في يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر. ووصلت المجانيق الى عكا في اليوم الثاني، من وصوله، وهي اثنان وتسعون منجنيقاً، ما بين افرنجي وقرابغا وشيطاني، فنصبت وتكامل نصبها في أربعة أيام، وأقيمت الستائر.\rوكان الفرنج، لما بلغهم اهتمام السلطان وعزمه، كاتبوا ملوك البحر، وسألوهم إنجادهم، فأتوهم من كل مكان. واجتمع بعكا منهم جموع كثيرة، فقويت نفوسهم، ولم يغلقوا أبواب البلد. واسمتر الحصار وعملت النقوب، الى السادس عشر من جمادى الأولى.\rفلما كان في يوم الجمعة السابع عشر من الشهر، أمر السلطان أن تضرب الكوسات جملة واحدة، وكانت على ثلثمائة جمل. فلما ضربت، هال أهل عكا ما سمعوه منها. وزحف السلطان بالعساكر، قبل طلوع الشمس من هذا اليوم. فما ارتفعت الشمس، إلا والصناجق السلطانية على أسوارها.\rولما أشرف المسلمون على فتح عكا، وتحقق من بها ذلك، خرجت طائفة منهم، نحو عشرة آلاف رجل مستأمنيم، فرّقهم السلطان على الأمراء، فقتلوا عن آخرهم. وأرسل السلطان جماعة من الأسرى، الى الحصون الإسلامية.","part":8,"page":347},{"id":3858,"text":"وكانت مدة الحصار على عكا، منذ حل ركاب السلطان، الى أن فتحت، أربعة وأربعين يوماً. واستشهد من الأمراء على حصارها، الأمير علاء الدين كشتغدي الشمسي، ونقل الى جلجولية ودفن بها، والأمير عز الدين أيبك المعزي، نقيب العساكر، والأمير جمال الدين أقش العتمي، والأمير بدر الدين بيليك المسعودي، والأمير شرف الدين قيران السكري، وأربعة من مقدمي الحلقة، وجماعة يسيرة من العسكر.\rوكانت عكا بيد الفرنج، منذ استرجعوها من السلطان، الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوف، في سنة سبع وثمانين وخمسمائة، والى هذا التاريخ مائة سنة وثلاث سنين، وأمر السلطان الآن بإخرابها، فخربت.\rوفتح الله تعالى على يد السلطان، في بقية الشهر، من المدن المشهورة الساحلية، صور، وصيدا، وحيفا، وعثليث، بغير قتال. وذلك أن الله تعالى، أوقع في قلوب أهلها الرعب، لما فتحت عكا، وعلموا أنهم لا يقدرون على حفظها، ففارقوها ونجوا بأنفسهم. فملكها السلطان، فأمر بهدمها جميعها فهدمت. ثم فتحت صيدا وبيروت، على يد الأمير علم الدين الشجاعي، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوأكثر الشعراء ذكر هذا الفتح. فكان ممن امتدح السلطان، وذكر هذا الفتح من الشعراء، الشيخ الفاضل بدر الدين محمد بن أحمد بن عمر المنبجي التاجر المقيم بالقاهرة، فقال:\rبلغت في الملك أقصى غاية الأمل ... وفُتّ شأو ملوك الأعصر الأول\rوحزت رق العلى بادج مجتهداً ... وجزت غاباتها سبقاً على مهل\rونلت بالحول دون الناس منفرداً ... ما لم ينله ملوك الأرض بالحيل\rفطل بدولتك الميمون طائرها ... فإنها غرة في أوجه الدول\rواسعد بهمتك العليا التي وصلت ... لك السعود بحبل غير منفصل\rفأنت للدين والدنيا صلاحهما ... وفيهما حمل ضيم غير محتمل\rفكم بلغت مراداً بت تأمله ... بعزمك الباتر العاري من الفلل\rوكم فتحت حصوناً طالما رجعت ... لليأس عنها الملوك الصيد في خجل\rحررت من عكة الغراء ما عجزت ... عنه الملوك بعزم غير منتشل\rعقيلة المدن أمست من حصانتها ... وصونها من ليالي الدهر في عقل\rوقد دعتها ملوك الأرض راغبة ... وعطفها عنهم بالتيه في شغل\rصدت عن الصيد لا تلوي فلم تطل ... الأوهام منها الى وصل ولم تصل\rأم لهم برّة ك؛م رام خطبتها ... بعل سواك، فلم تذعن ولم تنل\rحتى أمرت فأمست وهي طائعة ... بعد الإباء لأمر منك متثل\rمازال غيرك فيها طامعاً وعلى ... يديك، قد كان هذا الفتح في الأزل\rفتحاً تطاول عن نثر يحوط به ... وصفاً، وعن نظم شعر محصد الطّول\rقصدْتَها فأصيبت بعدما فجعت ... في أهلها من أسود الغيل بالغيل\rفي جحفل لجب كالليل أنجمه ... تبدو لرائيه من قُضْب ومن أسل\rتمم المهامِه من وعر ومن أكم ... وطبّق الأرض من سهل ومن جبل\rتخالهم وجياد الخيل تحتهم ... لليأس في الروع آساداً على قلل\rلا تنظر العين منهم إن هم لبسوا ... لامات حربهم يوماً، سول المقل\rصدمتها بجيوش لو صدمت بها ... صم الجبال، أزالتها ولم تزل\rفأصبحت بعد عز الملك خاضعة ... من ذلة الملك طول الدهر في سمل\rأمست خراباً وأضحى أهلها رمماً ... وسطرتها يد الأيام في المثل\rفسَلْبُ بزتها عنها وقد عطلت ... ألذ للطرف من حَلْي ومن حلل\rومحو أثارها منها وقد خربت ... أشهى الى النفس من روض الربى الخضل\rبالأشرف السيد السلطان زال عنا ... التثليث وابتهج التوحيد بالجدل\rتدبير ذي حكم في عز منتقم ... وعمر مقتبل في رأي مكتهل\rراحت وقد سلبت أرواحهم بشبا ... الهندي أموالهم من جملة النقل","part":8,"page":348},{"id":3859,"text":"هدمت ما شيدوا، فرقت ما جمعوا ... نقضت ما أبرموه غير محتفل\rوعندما أصبحت قفراً بلادهم ... من السواحل بعد الأهل في العطل\rرحلت عنها، ولكن كم أقمت بها ... من خوف بأسك جيشاً غير مرتحل\rلازلت ذا رتب في المجد سامية ... وسؤدد بنواصي الشهب متصل\rوقال المولى شهاب الدين أبو الثنا محمود الحلبي كاتب الإنشاء، لما عاين النيران في جوانب عكا، وقد تساقطت أركانها وتهدمت جدرانها:\rمررت بعكا بعد تخريب سورها ... وزند أوار النار في وسطها وار\rوعاينتها بعد التنصر قد غدت ... مجوسية الأبراج تسجد للنار\rوقال أيضاً:\rالحمد لله زالت دولة الصُّلب ... وعز بالترك دين المصطفى العربي\rهذا الذي كانت الآمال لو طلبت ... رؤياه في النوم لاستحيت من الطلب\rما بعد عكا وقد هدت قواعدها ... في البحر للشرك عند البر من أرب\rعقيلة ذهبت أيدي الخطوب بها ... دهر أو شدت عليها كف مغتصب\rلم يبق من بعدها للكفر إذ خربت ... في البر والبحر ما ينجى سوى الهرب\rكانت تخيلها آمالنا فترى ... إن التفكر فيها أعجب العجب\rأم الحروب فكم قد أنشأت فتناً ... شاب الوليد بها ولاً ولم تشب\rسوران بر وبحر حول ساحتها ... دارا، وأدناهما أنأى من القطب\rخرقاء أمنع سوريها وأحصنه ... غُلْبُ الكماة، وأقواه على النوب\rمصفح بصفاح، حولها شرف ... من الرماح وأبراج من اليلب\rمثل الغمامة تهدي من صواعقها ... بالنبل أضعاف ما تهدي من السحب\rكأنما كل برج حوله فلك ... من المجانيق برمي الأرض بالشهب\rففاجأتها جنود الله يُقدِمها ... غضبان لله لا للملك والنشب\rليت أبي أن يرد الوجه عن أمم ... يدعون رب الورى سبحانه بأب\rكم رامها ورماها قبله ملك ... جم الجيوش فلم يظفر ولم يصب\rلم يلهه ملكه، بل في أوائله ... نال الذي لم ينله الناس في الحقب\rلم ترض همته إلا التي قعدت ... للعجز عنها ملوك العجم والعرب\rفأصبحت وهي في بحرين ماثلة ... ما بين مضطرم ناراً ومضطرب\rجيش من الترك تَرْك الحرب عندهم ... عار، وراحتهم ضرب من الوصب\rخاضوا إليها الردى والبحر فاشبته ال ... أمران واختلفا في الحال والسيب\rتسنموها فلم يترك ثباتهم ... في ذلك الأفق برجاً غير منقلب\rتسلموها فلم تخل الرقاب بها ... من فتك منتقم أو كف منتهب\rأتوا حماها فلم تدفع وقد وثبوا ... عنها مجانيقهم شيئاً ولم يثب\rيا يوم عكا لقد أنسيت ما سبقت ... من الفتوح وما قد خُطّ في الكتب\rلم يبلغ النطق حد الشكر فيك فما ... عسى يقوم به ذو الشِّعر والخطب\rكانت تُمني بك الأيام عن أمم ... والحمد لله شاهدناك عن كثب\rأغضبت عباد عيسى إذ أبدْتهم ... لله أي رضى في ذلك الغضب\rوأطْلع الله جيش النصر فابتدرت ... طلائع الفتح بين السمر والقضب\rوأشرف المصطفى الهادي الهشير على ... ما أسلف الأشرف السلطان من قرب\rفقرّ عيناً بهذا الفتح وابتهجت ... ببشره الكعبة الغراء في الحجب\rوسار في الأرض مسرى الريح سمعته ... فالبر في طرب والبحر في حرب","part":8,"page":349},{"id":3860,"text":"وخاضت البيض في بحر الدماء فما ... أبدت من البيض إلا ساق مختضب\rوغاص زرق القنا في زرق أعينهم ... كأنها شطن يهوى الى قلب\rتوقدت وهي تروى في نحورهم ... فزادها الري في الإشراق واللهب\rأجرت الى البحر بحراً من دمائهم ... فراح كالراح إذ غرقاه كالحبب\rوذاب من حرّها عنهم حديدهم ... فقيدتهم به ذعراً يد الرهب\rتحكمت فسطت فيهم قواضيها ... قتلاً وعفت لحاويها عن السلب\rكم أبرزت بطلاً كالطود قد بطلت ... حواسه فغدا كالمنزل الخرب\rكأنه وسنان الرمح يطلبه ... برج هوى ووراه كوكب الذنب\rبشراك يا ملك الدنيا لقد شرفت ... بك الممالك واستعلت على الوثب\rما بعد عكا، وقد لانت عربكتها ... لديك شيء تلاقيه على تعب\rفانهض الى الأرض فالدنيا بأجمعها ... مدت إليك نواصيها بلا نصب\rكم قد دعت، وهي في أسر العدا زمناً ... صيد الملوك فلم تسمع ولم تجب\rلبيتها يا صلاح الدين معتقداً ... بأن ظنّ صلاح الدين لم يخب\rأسلت فيها كما سالت دماؤهم ... من قبل إحرازها بحراً من الذهب\rأدركت ثأر صلاح الدين إذ غضبت ... منه لسرّ طواه الله في الكتب\rوجئتها بجيوش كالسيول على ... أمثالها بين أجام من القضُب\rوحطتها بالمجانيق التي وقفت ... أمام أسوارها في جحفل لجب\rمرفوعة نصبوا أضعافها قبلت ... للجزم والكسر منها كل منتصب\rورضتها بنقوب ذلك شمماً ... منها وأبدت محياها بلا نقب\rوبعد صحبتها بالزحف فاضطربت ... رعباً وأهوت بخديها الى الترب\rوغنت البيض في الأعناق فارتقصت ... أجسادها لعباً منها مع اللعب\rوخلِّقت بالدم الأسوار فابتهجت ... طيباً ولولا دماء القوم لم تطب\rوأبرزت كل خود كاعب نُثرَتْ ... لها الرؤوس وقد زفت بلا طرب\rظنوا بروج البيوت الشم تعقلهم ... فاستعقلتهم ولم تطلق ولم تهب\rفأحرزتهم ولكن للسيوف لكي ... لا يلتجي أحد منهم الى هرب\rوجالت النار في أرجائها وعلت ... فأطفأت ما بصدر الدين من كرب\rأضحت أبا لهب تلك البروج وقد ... كانت بتعليقها حمالة الحطب\rوأفلت البحر منهم من يخبر من ... يلقاه من قومه بالويل والحرب\rوتمت النعمة العظمى وقد ملكت ... بفتح صور بلا حصر ولا نصب\rأختان في أن كلاً منهما جمعت ... صليبة الكفر لا أختان في النسب\rلما رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب\rإن لم يكن ثمّ كون البحر منصبغاً ... بها إليها والألسن اللهب\rفالله أعطاك ملك البر وابتدأت ... لك السعادة ملك البحر فارتقب\rمن كان مبدأه عكا وصور معاً ... فالصين أدنى من كفيه من حلب\rعلا بك الملك حتى إن قبته ... على الثريا غدت ممدودة الطنب\rفلا برحت عزيز النصر مبتهجاً ... بكل فتح قريب المنح مقترب\rوعمل الشعراء في هذا الفتح قصائد كثيرة، اقتصرنا منها، على ما أوردناه، فلنذكر خلاف ذلك.\rالقبض على الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام","part":8,"page":350},{"id":3861,"text":"وفي هذه السنة، والسلطان على حصار عكا، قُبض على الأمير حسام الدين لاجين المنصوري، نائب السلطنة بالشام. وسبب ذلك، أن الأمير علم الدين سنجر الحموي المعروف بأبي خرص، سعى الى السلطان به، ثم أوهم الأمير حسام الدين المذكور من السلطان، وقال إنه قد عزم على القبض عليك، فحمله الخوف على أنه ركب من الوطاق بعكا ليلاً، وقصد الهرب. فركب الأمير علم الدين سنجر الدواداري، وساق خلفه. فأدركه، وقال له، بالله لا تكن سبب هلاك هذا الجيش، فإن هذا البلد قد أشرف الناس على فتحه. ومتى علم الفرنج بهروبك، قويت نفوسهم، وركب العسكر خلفك، وانصرفت عزائم السلطان عن حصار عكا إليك. فوافقه، ورجع الى خيمته، وظن أن ذلك يستتر، ولا يشعر السلطان به. وكان ذلك في ثامن جمادى الأولى. فلما كان في اليوم الثاني من هذه الحادثة، خلع السلطان عليه، وطيّب قلبه، ثم قبض عليه في الثالث، وجهّزه الى قلعة صفد، تحت الاحتياط، ثم جُهّز منها الى قلعة الجبل.\rرحيل السلطان عن عكا ودخوله الى دمشق\rوما قرره من أمر النيابة بها، وبالكرك وغير ذلك ولما قضى السلطان الوطر من فتح عكا وما يليها، عاد الى دمشق. فكان وصوله إليها، في الساعة الثالثة من يوم الإثنين، ثاني عشر جمادى الآخرة، ودخل دخولاً ما دخله ملك قبله. وزينت البلد أحسن زينة، ونزل بالقلعة. وفي يوم دخوله الى دمشق، فوض نيابة السلطنة بالشام الى الأمير علم الدين سنجر الشجاعي المنصوري. ورتب الأمير جمال الدين أقش الأشرفي في نيابة الكرك، عوضاً عن الأمير ركن الدين بيبرس الدواداري المنصوري، بحكم استعفائه من النيابة بها. وأقره السلطان في جملة الأمراء بالديار المصرية.\rوفي هذا اليوم، قبض السلطان على الأمير علم الدين سنجر أرجواش المنصوري النائب بقلعة دمشق. وسبب ذلك، أنه وقف بين يدي السلطان، وكان الأمير شرف الدين بن الخطير الرومي، يكثر من البسط بين يدي السلطان على الأمراء وغيرهم. ويقصد بذلك أن يشرح خاطر السلطان ويضحكه. وكان السلطان في بعض الأوقات، ينظر إليه نظراً يفهم منه مراد السلطان في البسط على من يشير إليه. فنظر إليه السلطان وأومأ إليه أن يبسط على أرجواش. فنظر ابن الخطير الى علم الدين أرجواش، وكان لا يعرف البسط ولا يعانيه، ولا يزال في تصميم. فقال ابن الخطير للسلطان: كان لوالد المملوك بالروم، حمار أشهب أعور، أشبه شيء بهذا الأمير علم الدين، فضحك السلطان، وغضب أرجواش، وقال هذه صبيانية، فاشتد غضب السلطان لذلك، وأمر بالقبض عليه. وضرب بين يدي السلطان ضرباً كثيراً مؤلماً. ثم أمر أن يقيد ويلبس عباءة، ويستعمل مع الأسرى، ففعل به ذلك. ثم رسم بحمله على خيل البريد، الى الديار المصرية مقيداً. فتوجه البريدية به، وحصلت الشفاعة فيه، فرد من أثناء الطريق. ثم أفرج السلطان عنه، بعد أن أوقع الحوطة على موجوده، وكان يحتوي على جملة كثيرة من الأموال والعدد. وأعاده السلطان الى نيابة القلعة، في شهر رمضان، فاستمر بها الى أن مات.\rوفي يوم الأحد، ثامن عشر جمادى الآخرة، رتب السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، في شد الشام على عادته، وكان قد أفرج عنه قبل ذلك. ونقل الأمير سيف الدين طوغان، من الشد الى ولاية البر، على عادته الأولى.\rوفيها، في يوم الأربعاء، ثاني عشر شهر رجب، ولي القاضي محيي الدين ابن النحاس نظر الشام، عوضاً عن تقي الدين توبة، وبطل اسم الوزارة بدمشق، وولي شرف الدين أحمد بن عز الدين عيسى بن الشيرجي، نظر الحسبة، عوضاً عن تاج الدين بن الشيرازي، في ثاني عشر الشهر.\rفتوح برج صيدا\rكان قد بقي بصيدا برج عاص، فندب السلطان لحصاره، الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، فتوجه لذلك، في يوم الثلاثاء رابع شهر رجب. ووصل الى صيدا وحاصر البرج، وافتتحه في يوم السبت، خامس عشر الشهر. وعاد الأمير علم الدين الى دمشق، بعد فتحه، على خيل البريد، فوصل إليها عند رحيل السلطان الى الديار المصرية، وذلك في يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رجب. وكان وصوله الى قلعة الجبل، في يوم الإثنين تاسع شعبان، ودخل من باب النصر وخرج من باب زويلة.\rفتح بيروت","part":8,"page":351},{"id":3862,"text":"لما توجه السلطان الى الديار المصرية، أمر الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، أن يتوجه إليها، فتوجه وافتتحها في يوم الأحد ثالث عشرين شهر رجب. وذلك أن الأمير علم الدين سنجر وصل إليها؛ وكانت داخلة في الطاعة، فتلقاه أهلها وأنزلوه بقلعتها. فأمرها أن ينقلوا أولادهم وحريمهم وأثقالهم الى قلعتها، ففعلوا ذلك، وظنوه شفقة عليهم. فلما صاروا بالقلعة، قبض على الرجال، وقيدهم وألقاهم في الخندق، وملك البلد. وعاد الأمير علم الدين الى دمشق، فوصل إليها، في يوم الجمعة سابع عشرين شهر رمضان من السنة. ولم يبق بالساحل أجمع، من الفرنج أحد، وخلا الساحل بجملته منهم. ولم يتأخر بالبلاد الشامية غير فلاحيها النصارى، وهم داخلون في الذمة، يؤدون الجزية.\rولما فتح السلطان هذا الفتح، أوقف منه ضياعاً على تربة والده السلطان الملك المنصور، وهي: الكابرة من عكا، وتل المفتوح منها، وكردانه وضواحيها منها. ومن ساحل صور معركه، وصريفين. وأوقف على تربته ضياعاً، وهي قرية الفرج من عكا، وقرية شفر عمر منها، وقرية الحمراء منها، وقرية طبرنية من ساحل صور.\rذكرى إنقاذ ولدي السلطان الملك الظاهر ووالدتهما الى بلاد الأشكري وفي هذه السنة، أمر السلطان بإخراج ولدي السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، وهما الملك المسعود نجم الدين خضر، والملك العادل بدر الدين سلامش، من الاعتقال، وجهزهما ووالدتهما الى ثغر الاسكندرية، صحبة الأمير عز الدين أيبك الموصلي، أستاذ الدار العالية. فتوجه بهم، وسفّرهم منها الى البحر المالح، الى القسطنطينية. فلما وصلاها، أحسن الأشكري إليهما، وأجرى عليهما ما يقوم بهما وبمن معهما. فاتفقت وفاة الملك العادل بدر الدين سلامش هنا، فصيبّرته والده بالصبرة، وجعلته في تابوت، ولم تدفنه الى أن عادت به الى الديار المصرية، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rالإفراج عن الأمير بدر الدين بيسري الشمسي وغيره من الأمراء\rوفي هذه السنة، في يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان، أمر السلطان بالإفراج عن الأمير بدر الدين بيسري الشمسي الصالحي النجمي. وكان السلطان الملك المنصور، قد اعتقله في أوائل دولته، كما تقدم ذكر ذلك، فأفرج السلطان عنه الآن. وكُتب له إفراج شريف سلطاني، ونسخته بعد البسملة: الحمد لله على نعمه الكاملة، ومراحمه الشاملة، وعواطفه التي أضحت بها بدور الإسلام بازغة غير آفلة، ومواهبه التي تجول وتجود وتحيي رميم الآمال في يومها بعد رمسها بأمسها، في أضيق اللحود، ويقرّ لها بالفضل كل جحوده.\rأحمده حمداً يعيد سالف النعم، ويفيد آنف الكرم الذي خص وعم. ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة نؤدي حقوقها ونجتنب عقوقها. ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبعوث بمكارم الأخلاق، والموصوف بالعلم والحلم على الإطلاق، صلاة لاتزال عقودها حسنة الأنساق، ونسلم تسليماً كثيراً.\rوبعد، فإن أحق من عومل بالجميل، وبلغ من مكارم هذه الدولة القاهرة، الرجا والتأميل، من إذا ذكرت أبطال الإسلام، كان أول مذكور. وإذا وصفت الشجعان، كان إمام صف كل شجاع مشهور. وإذا تزينت سماء الملك بالنجم، كان بدرها المنير. وإذا اجتمع ذوو الآراء على امتثال أمر، كان خير مشير، وإذا عدت أوصاف أولي الأمر كان أكبر أمير. كما تجمّلت المواكب بحلوله بأعلى قدر، وتزينت المراتب منه بأبهى بدر. وهو المقر الأشرف العالي المولوي الأميري الكبيري - وذكر ألقابه، فقال - البدري بيسري الشمسي الصالحي النجمي الملكي الأشرفي. فهو الموصوف بهذه الأوصاف والمدح، والمعروف بهذه المكارم والمنح.\rفلذلك، اقتضى حسن الرأي الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الأشرفي الصلاحي، لازالت الكُرب في أيامه تُكشَف، والبدور تكتسي في دولته الغراء، إشراقاً ولا تخسف، أن يفرج عنه في هذه الساعة، من غير تأخير، ويمثل بين يدي المقام الأعظم السلطاني بلا استئذان نائب ولا وزير، إن شاء الله تعالى.","part":8,"page":352},{"id":3863,"text":"وجعل هذا الإفراج في كيس أطلس أصفر، وختم عليه بخاتم السلطان، وتوجه به الى باب الجب، الأمير بدر الدين بيدرا، والأمير زين الدين كتبغا، وجماعة من أكابر الأمراء. وأخرج الأمير بدر الدين من الجب، وقرئ عليه هذا الإفراج، ورسم بكسر قيده، وأحضر له التشريف السلطاني. فقال بيسري: لا يفك القيد من رجلي، ولا ألهس التشريف، إلا بعد أن أتمثل بين يدي السلطان، وصمم على ذلك. فأُعلِم السلطان بذلك، فرسم بفك قيده، وأن يُحضَر الى بين يدي السلطان بملبوسه، الذي كان عليه في الجب. فحضر الى بين يدي السلطان، فانتصب له قائماً. وتلقاه وأكره، وألبسه التشريف، وأجلسه الى جانبه، وأنعم عليه بالأموال والأقمشة، وأمّره لوقته، بمائة فارس، وأقطعه إقطاعاً وافراً، من جملته منية بني حصيب، دريستا، بالجوالي والمواريث الحشرية، وقرّبه السلطان لديه، وأدناه إليه. وكان يخلو به ويؤانسه ويبرّه، ويضاعف له الإنعام، حتى أن الأمير بدر الدين بيسري، انتسب الى الأشرفية، وكان فيما مضى من عمره في الأيام الظاهرية وغيرها، يكتب بيسري الشمسي، فصار يكتب بيسري الأشرفي.\rوفيها، في يوم الجمعة رابع شهر رمضان، أفرج السلطان عن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير حسام الدين لاجين المنصوري، والأمير ركن الدين بيبرس صقصوا، والأمير شمس الدين سنقر الطويل، من الاعتقال، وأمرهم على عادتهم.\rوفيها، أمر السلطان بالقبض على الأمير علم الدين سنجر الداواداري، فقبض عليه من دمشق، وجهز الى الأبواب السلطانية مقيداً. وكان وصوله الى قلعة الجبل في يوم الخميس، سابع عشر شهر رمضان.\rعزل قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز عن القضاء ومصادرته\rوفي هذه السنة، عزل السلطان قاضي القضاة، تقي الدين عبد الرحمن ابن قاضي القضاة، تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز. من منصب القضاء، بالديار المصرية، لأمور، منها ما كان في نفس الصاحب شمس الدين الوزير منه، ومنها أنه كان في الدولة المنصورية، يراعي خاطر الملك الصالح، ويقدّمه على الملك الأشرف. فذكّر الوزير السلطان بذلك، فعزله وانتدب لمرافعته جماعة، وشهد عليه آخرون بأمور برأه الله منها. وأوغلوا في الكلام عليه، ورموه بالعظائم. وكان محاشا منها. فرسّم عليه، وصودر، ونكل به.\rوكان قصد الوزير الإخراق به، بالضرب، فحماه الله تعالى منه، ثم تشفع فيه الأمير بدر الدين بيدرا، نائب السلطنة، مع ما كان بينهما من الشحناء، فأفرج السلطان عنه. وكان سبب هذه الشفاعة، أن الأمير بدر الدين بكتاش الفخري، أمير سلاح، كان له اعتناء بقاضي القضاة تقي الدين، فلما امتحن بهذه المحنة، ورسم بمصادرته، ضمّه إليه، وعزم على سؤال السلطان في أمره، والشفاعة فيه. وكان السلطان قد قبض على الأمير سنجر الحموي، المعروف بأبي خرص، وكان للأمير بدر الدين بيدرا به اعتناء، فتحدث مع الأمير بدر الدين أمير سلاح، أن يشفع فيه، فاعتذر عن ذلك، أنه يقصد أن يشفع في قاضي القضاة ولا يمكنه أن يشفع في اثنين في وقت واحد. فاتفقا أن الأمير يشفع في قاضي القضاة. وأمير سلاح يشفع في أبي خرص. فشفعا فيهما. فأفرج عنهما.\rتفويض القضاء بالديار المصرية لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعي\rلما عزل السلطان، قاضي القضاة تقي الدين عن القضاء، أشار الصاحب شمس الدين ابن السلعوس الوزير، بتفويض القضاء، للقاضي بدر الدين أبي عبد الله محمد ابن الشيخ برهان الدين أبي إسحاق ابراهيم بن أبي الفضل سعد الله ابن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر بن عبد الله الكناني الشافعي الحموي. وكان يتولى قضاء القدس الشريف والخطابة كما قدمنا. فاستدعاه الصاحب شمس الدين، في يوم الأربعاء، تاسع شهر رمضان، فتوجه البريد إليه. وكان وصوله الى القاهرة في يوم الإثنين، رابع عشر شهر رمضان، سنة تسعين وستمائة. وكانت ولايته من قبل السلطان الملك الأشرف، في يوم الخميس، سابع عشر الشهر. وفوّض إليه مع القضاء، وتدريس المدرسة الصالحية، خطابة جامع الأزهر، وغير ذلك. وهذه ولاية قاضي القضاة بدر الدين الأولى.","part":8,"page":353},{"id":3864,"text":"وفي هذه السنة، في شوال، أمر السلطان بإخراج الخليفة الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد، وأن يخطب للناس بجامع القلعة، ويذكر السلطان في خطبته. فخطب في رابع عشرين شوال، وعليه شعار بني العباس، وهو متقلد سيفاً. فلما فرغ من الخطبة، لم يصلّ بالناس. وقدم قاضي القضاة بدر الدين، فصلى بهم صلاة الجماعة. واستمر يخطب بالقلعة، واستناب عنه بجامع الأزهر القاضي صدر الدين عبد البر ابن قاضي القضاة تقي الدين بن رزين.\rوفيها، في ليلة الإثنين، رابع ذي القعدة أمر السلطان باجتماع القضاة والفقهاء والأعيان والقراء، بتربة والده السلطان الملك المنصور، فاجتمعوا. وبات نائب السلطنة والوزير بالقبة المنصورية في تلك الليلة. فلما كان وقت السحر، من يوم الجمعة، وحضر السلطان والخليفة الى التربة، والخليفة لابس السواد، وخطب الخليفة خطبة بليغة. حرض فيها على أخذ العراق، وكان يوماً مشهوداً. وتصدق السلطان بصدقات وافرة، وعاد هو والخليفة الى قلعة الجبل.\rوكتب السلطان الى دمشق أن يُعمل مهم، مثل ما عمل بالقبة المنصورية. فاهتم الأمير علم الدين الشجاعي نائب السلطنة بدمشق بذلك. وجمع الناس له في ليلة الإثنين، حادي عشر الشهر، بالميدان الأخضر، أمام القصر الأبلق. واجتمع الناس لتلاوة القرآن، من ظهر يوم الأحد الى نصف الليل، من ليلة الإثنين، ثم تكلم الوعاظ، وانصرف الناس في بكرة النهار.\rمتجددات كانت بدمشق\rفي هذه السنة، في شوال شرع الأمير علم الدين الشجاعي، نائب السلطنة بدمشق، في عمارة آدر بقلعتها اقترحها السلطان عليه. واهتم بذلك، وطلب الرخام من سائر الجهات. وكملت عمارة ذلك، في آخر سنى إحدى وتسعين.\rوفيها، في تاسع شوال، أمر السلطان الملك الأشرف بالقبض على الأمير سيف الدين قرارسلان، وجمال الدين أقوش الأفرم المنصوريين، فقبض عليهما الأمير علم الدين الشجاعي واعتقلهما بالقلعة. وأقطع السلطان إقطاعيهما للأميرين عز الدين أزدمر العلائي، وشمس الدين سنقر المسّاح.\rوفيها، في ثاني شوال، أمر الأمير علم الدين الشجاعي، بإخراب ما على جسر الزلابية بدمشق، من الحوانيت، وبإخراب جميع ما هو مبني على نهر بانياس ونهر المجدول من تحت القلعة، الى باب الميدان الأخضر، والى الخانقاه، فأخربت المسايح ودار الصناعة، وبيوت ومساكن وخانات ودار الضيافة، وحمام كان بني للملك السعيد، والمسايح على نهر بردى، والسقاية التي تعرف بالعجمي، وسقاية أرجواش، ولم يبق غير المساجد.\rوفيها، في يوم الخميس، ثالث عشر ذي الحجة، زاد الأمير علم الدين الشجاعي في الميدان الأخضر الصغير، الذي فيه القصر الأبلق، مقدار سدسه من جهة الشمال الى قريب النهر، حتى صار بين حائط الميدان والنهر مقدار ذراع ونصف ذراع بالعمل. وقسم الحيطان على الأمراء والأجناد وبعض عوام البلد. وعمل هو بنفسه ومماليكه، فلم يوفر أحد نفسه من العمل، فكانت عمارة ذلك في يومين.\rوفيها، في العشر الآخر من ذي الحجة، قبض على الشيخ سيف الدين الرجيحي وهو من ذرية الشيخ يونس. وجهز من دمشق الى الباب السلطاني، على خيل البريد.\rوفي هذه السنة، في أوائلها، كملت عمارة قلعة حلب. وكان الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصوري، نائب السلطنة بحلب، قد شرع في عمارتها في الأيام المنصورية، فكملت الآن، وكتب عليها اسم السلطان الملك الأشرف. وكان هولاكو قد خرّبها كما تقدم ذكر ذلك.\rوفيها، في يوم الخميس، ثالث عشر رجب، كانت وفاة الأمير بهاء الدين يمك الناصري، مقدم الميسرة بدمشق، ودفن بسفح قاسيون، بمقبرة الرباط الناصري. وكان رجلاً عاقلاً قليل الاجتماع بالناس.","part":8,"page":354},{"id":3865,"text":"وفيها، كانت وفاة الأمير سابق الدين لاجين العمادي، رحمه الله تعالى. كان يتولى الأعمال القوصية قديماً، في الدولة المعزبة، الى أوائل الظاهرية، وعمّر بمدينة قوص مدرسة معروفة به. ثم ولي في الدولة الظاهرية الأعمال الشرقية. وكانت وفاته بالقاهرة، في العشر الآخر من شهر رمضان منها، وذلك بعد عزله من الأعمال الشرقية، وعمر نحو اثنتين وثمانين سنة. وكان ديّناً خيراً، كثير الصدقة والإحسان، أميناً عفيفاً، ما سمع عنه، أنه ارتكب معصية قط، ولا شرب خمراً، ولا ارتشى، ولا أتى مكروهاً. وكان محترماً عند الملوك. وأصله مملوك الصاحب عماد الدين، وزير صاحب الجزيرة. ثم انتقل مع أستاذه في أواخر الدولة الكاملية، وتقدم في الدولة الصالحية وما بعدها، وولي الولايات. وكانت الولايات يومذاك لا يصل إليها إلا أكابر الأمراء وتقاتهم، رحمه الله تعالى.\rوفيها، في العشرين الآخر من شهر رمضان، توفي الأمير علاء الدين أيدكين الصالحي، نائب السلطنة بصفد بها، رحمه الله تعالى.\rوفيها، كانت وفاة الأمير سيف الدين قطز المنصوري. وكان من أكابر المماليك المنصورية، وأكابر الأمراء. وكانت وفاته بحمص. وكان مجرداً بها، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة إحدى وتسعين وستمائة 1291 - 1292 في هذه السنة، في يوم الجمعة، رابع عشر صفر، وقع بقلعة الجبل حريق عظيم في بعض الخزائن، وأتلف شيئاً كثيراً من الذخائر والنفائس والكتب.\rوفيها، في يوم الخميس، حادي عشر شهر ربيع الأول، أمر السلطان أن يجمع القراء والعلماء والأكابر، بالقبة المنصورية، لقراءة ختمة شريفة، فاجتمع الناس لذلك. ونزل السلطان من الغد، لزيارة قبر والده، وتصدق بأموال جزيلة.\rوفيها، في تاسع عشرين شهر ربيع الأول، في يوم الجمعة، خطب الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد، بجامع قلعة الجبل، خطبة بليغة، حث فيها على الجهاد، وأمر بالنفير، وصلّى بالناس الجمعة.\rتوجه السلطان الى الشام\rوفي هذه السنة، في الساعة الثامنة من يوم السبت، ثامن شهر ربيع الآخر استقل ركاب السلطان الى جهة الشام، بجميع العساكر. فوصل الى دمشق، في يوم السبت سادس جمادى الأولى، وأمر بالنفقة على جميع العساكر في ثامن الشهر، ووصل صاحب حماه لتلقي السلطان. ثم عرض السلطان الجيوش، وقدمهم أمام ركابه الى جهة حلب، وتوجه هو من دمشق في الساعة الخامسة من يوم الإثنين، سادس عشر جمادى الأولى، ووصل الى حلب في ثامن عشرين الشهر.\rفتوح قلعة الروم وتسميتها قلعة المسلمين","part":8,"page":355},{"id":3866,"text":"كان فتوح هذه القلعة، في يوم السبت، حادي عشر رجب، سنة إحدى وتسعين وستمائة. وذلك أن السلطان رحل من حلب بسائر العساكر المصرية والشامية، في رابع جمادى الآخرة، ونزل على قلعة الروم، يوم الثلاثاء ثامن الشهر وحاصرها وضايقها، ونصب عليها عشرين منجنيقاً، خمسة منها إفرنجية، وخمسة عشر قرابغا وشيطانية. ورمى بالمجانيق، وعملت النقوب، فيسّر الله فتحها. وكانت مدة المقام عليها، الى أن فتحت، ثلاثة وثلاثين يوماً. وكان للأمير علم الدين الشجاعي في فتحها النصيب الأوفى، فإنه تحيّل في عمل سلسلة بالقرب من شراريف القلعة، وأوثق طرفها بالأرض، فتمسك الجند بها، وطلعوا الى القلعة. وكان ممن طلع الى القلعة، سيف الدين أقبجا، أحد مماليك الأمير بدر الدين بكتاش الفخري، أمير سلاح، ولم يكن من أعيان مماليكه، بل كان في خدمة ولده صلاح الدين خليل. فتحيل وطلع الى سور القلعة، وقاتل قتالاً شديداً، وجرح ثم رجع، والسلطان ينظر إليه. فسأل عنه، فعرف به، فأرسل إليه خلعة، وأنعم عليه بمال، ووعده بإقطاع، وأمر أستاذه الأمير بدر الدين، أن يذكر السلطان، إذا عاد الى حلب، فلم يفعل. ثم صار بعد ذلك، من جملة مقدمي الحلقة. وتأمّر بعد ذلك، في سنة عشرة وسبعمائة بطبلخاناة، وتولى عمل الفيوم من الديار المصرية. وفتحت القلعة عنوة، وقتل من كان بها من المقاتلة، وسبيت النساء والذرية، ووجد فيها بطرك الأرمن، فأخذ أسيراً. ومحا السلطان عن هذه القلعة، تسميتها بالروم، وسماها قلعة المسلمين. ووصل الى الزردخاناة السلطانية، من الأسرى ألف أسير ومائتا أسير. واستشهد عليها من الأمراء: الأمير شرف الدين بن الخطير، وشهاب الدين بن ركن الدين أمير جاندار. ورتب السلطان الأمير علم الدين الشجاعي لعمارة القلعة، وأمره بإخراب ربضها وإبعاده عنها. فتأخر لذلك، وصحبته عسكر الشام.\rولما تم هذا الفتح، أنشئت كتب البشائر الى الممالك. وكان مما كتب الى دمشق، كتاب من السلطان الى قاضي القضاة شهاب الدين الخويي ونسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، أخوه خليل بن قلاوون.\rصدرت هذه المكاتبة الى المجس السامي، القاضي الأجل، - وذكر ألقابه ونعوته - خصه الله بأنواع التهاني، وأتحفه بالمسرات التي تُعوذ بالسبع المثاني. وأورد على سمعه، من بشائر نصرنا وظفرنا، ما يستوعب في وصفه ومدحه الألفاظ والمعاني.","part":8,"page":356},{"id":3867,"text":"نبشره بفتح ما سطرح الأقلام الى الأقاليم أعظم من بشائره، ولا نشرت برد المسرات، بأحسن من إشارته وأشائره. ولا تفوهت ألسنة خطباء هذا العصر على المنابر، بأفصح من معانيه، في سالف الدهر وغابره، وهو البشرى بفتح قلعة الروم، والهنا لكل من رام بالإسلام نصراً ببلوغ ما رام وما يروم. ونَقصّ أحسن قصص هذا الفتح المبين، والمنح الذي تباشر به سائر المؤمنين، ونُساوي في الإعلان والإعلام به كل من قرّ عيناً من الأبعدين والأقربين. ونخضّ بمسرى مبشراته الحكام ليعموا بنشرها عامة الناس. ونفرض لكل ذي مرتبة عليه منه نصيباً يجمع من الابتهاج والأنواع والأجناس. وذلك أنا ركبنا لغزوها، من مصر، وقد كان مَن قبلنا من الملوك، يستبعد مداها، ويناديها فلا يجيب إلا بالصد والإعراض صداها، ويسائل عن جبالها، فتحيل في الجواب على النسور المهومة، ويستشير أولي الرأي في حصرها، فلا يسمع إلا الأقوال المثلوبة والآراء المتلومة. ومازلنا نصل السرى، ونرسل الأعنة الى نحوها، فتمدّ الجياد أعناقها إليها مداً، ينقطع بين قوتها وقوته السير. واستقبلنا من جبالها كل صعب المرتقى، وعر المنتقى، شاهق لا يلقى به مسلك ولا يلتقى. فمازالت العزائم الشريفة تسهل حزونه، والشكائم تفجر بوقع السنابك على حجارته عيونه، والجياد المطهمة ترتقي، مع امتطاء متونها بدروع الحديد متونه. فلما أشرف عليها منا أشرف سلطان، جعل جبلها دكاً، وحاصرناها حصاراً ألحقها بعكا وأخواتها، وإن كانت أحصن من عكا. ونصبنا عليها عدة مجانيق تنقض حجارتها انقضاض النسور، وتقبض الأرواح من الأجسام وإن ضرب بينها وبينهم بسور، وتفترس أبراجها بصقور صخور افتراس الأسد الهصور. هذا والنقوب تسري في بدناتها سريان الخيال، وإن كانت جفونها المسهدة، وعمدها الممددة وحفظتها المجندة، ورواسيها على جبل الفرات موطدة. وقد خندقوا عليها خندقاً جرت فيه الفرات من جانب ونهرز مرزبان من جانب، ووضعها واضعها على رأس جبل يزاحم الجوزاء بالمناكب، وسفح صرحها الممدد فكأنه عرش لها على الماء وإذا رمقها طرف رائيها اشتبهت عليه بأنجم السماء. ومازالت المضايقة تقص من حبلها أطرافه، وتستدر بحلبها أخلافه، وتقطع بمسائل جلاد معاولها وجدالها خلافه. وتورد عليها من سهامها كل إيراد لا يجاوب إلا بالتسليم، وتقضي عليها بكل حكم لا نقابل توبته إلا بالتحكيم.\rولما أذن الله بالفتح الذي أغلق على الأرمن والتتار أبواب الصواب، والمنح الذي أضفى على أهل الإيمان من المجاهدين أثواب الثواب. فتحت هذه القلعة بقوة الله ونصره، في يوم السبت حادي عشر شهر رجب الفرد. فسبحان من سهل صعبها، وعجل كسبها، وأمكن منها ومن أهلها، وجمع شمل الممالك الإسلامية بشملها. فالمجلس السامي يأخذ خطه من هذه البشرى، التي بشرت بها ملائكة السماء، ملك البسيطة وسلطان الأرض. وتكاثر على شكرها كل من أرضى الله طاعة وأغضب من لم يرض، من ذوي الإلحاد، وممن حاد الله وحاد، وممن ينتظر من هذا الإيعاز إنجاز الإيعاد، فلا ينجيه الإمضاء هرباً ولا الإبعاد. فإنه بفتح هذه القلعة وتوقلها، وحيازة ثغرها ومعقلها، تحقق من بسيحون وجيحون، أنهم بعد فتح باب الفرات، بكسر أقفال هذه القلعة لا يرجون أنهم ينجون.\rوما يكون بعد هذا الفتح، إن شاء الله إلا فتح المشرق والروم والعراق، وملك البلاد من مغرب الشمس الى مطلع الإشراق. والله تعالى يمدنا من دعواته الصالحة، بما تعدو به عقود الآمال حسنة الاتساق، إن شاء الله.\rكتب يوم الفتح المبارك سنة إحدى وتسعين وستمائة، حسب المرسوم الشريف.\rوكُتب عن الأمير علم الشجاعي، نائب السلطنة بدمشق، الى قاضي القضاة، شهاب الدين الخويي أيضاً. وهو من إنشاء الفاضل شرف الدين القدسي، ما مثاله بعد البسملة: ضاعف الله مسار الجناب العالي المولوي القضائي الشهابي - وذكر ألقاه ونعوته - ولازالت وفود البشائر إليه تترى، وعقود التهاني تُنص إليه نظماً ونيراً. وفواتح الفتح تتلى عليه لكل آية نصر يسجد لها القلم في الطرس شكراً، وتشتمل على أسرار الظفر فيأتي الإسماع من غرابتها بما لم يحط به خبراً. وتتحفه بظهور أثر المساهمة فتهدي إليه سروراً وأجراً.","part":8,"page":357},{"id":3868,"text":"المملوك يستفتح من حمد الله على ما منح من آلائه، وفتح على أوليائه، ووهب من الإعداء على أعدائه، ويسّر من الظفر الذي أيد فيه بنصره وأمدّ بملائكه سمائه، ما يستديم الإنجاد بحوله، ويستزيد به الأمداد من فضله وطوله. ويوالي من الصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ما يستدر به أخلاف الفتوح، ويسترهف بيمنه الصوارم التي هي على من كفر بالله ورسوله دعوة نوح. ويهدي من البشائر ما تختال به أعطاف المنابر سروراً، ويتعطر بذكره أفواه المحابر حبوراً، وترشف الأسماع موارد وارده، فيستحيل في قلوب الأعداء ناراً وفي قلوب الأولياء نوراً. ويبادر مساهمة الحاضر في استماعه كل بادٍ فينقلب الى أهله مسروراً.\rوينهي أنه أصدرها والنصر قد خفقت بنوده، وصدقت وعوده، وسار بمختلفات البشائر في كل قطر بريده. والأعلام الشريفة السلطانية، قد امتطت من قلعة الروم صهوة لم تذلّ لراكب. وحلت من قنتها وقلتها بين الذروة والغارب. وأراقت أسنتها من دمائهم ما ترك الفرات لا يحل لشارب. ومدّ الأيمان بها أطنابه، وأعجلت السيوف المنصورة الشرك أن يضم للرحلة أثوابه. واستقرت بها قدم الإسلام ثابتة الى الأبد، وقتّلت بأرجائها، سيوف أهل الجمعة، حتى رق أهل السبت لأهل الأحد. وأذهب الله عنها التثليث حتى كاد حكم الثلاثة أن يسقط من العدد، وتبرّأ منهم من كان يغرهم بإمداده، حتى الفرات لمجاورتهم، ودّت النقص خوفاً أن يطلق على زيادتها اسم المدد. ونطق بها الأذان فحرس الجرس. وعلت بها كلمة الإيمان، فأضحت لها بعد الإبتذال آية الحرس. وأسمعت دعوة الحق ما حولها من الجبال فسمعت وهي الصم، ولبّت الداعي بلسان الصدى الناطق عن شوامخها الشم.\rوكانت هذه القلعة المذكورة للثغور الإسلامية بمنزلة الشجى في الحلق، والغلة في الصدر، والخسوف الطارئ على طلعة البدر. لا تخلو من غل تضمره، في لين تظهره، وغدر تستره، في عذر تورده وتصدره. وقد سكن أهلها الى مخادعة الجار، وموادعة التتار، وممالاتهم على الإسلام بالنفس والمال، ومساواتهم لهم حتى في الزي والحال. يمدونهم بالهدايا والألطاف، ويدلونهم على عورات الأطراف. وهم يتقون بمسالمة الأيام، ويدعون أن قلعتهم لم تزل من الحوادث في زمام، ويغترون بها. ولولا السطوات الشريفة، لحق بمثلها أن يغتر. ويسكنون الى حصانتها كلما أومض في حلك السحب برق ثغرها المفتر.\rوهو حصن صاعد منحدر، بارزه مستدير، لا يطأ إليه السالك إلا على المحاجر، ولا تنظره العيون حتى تبلغ القلوب الحناجر، كأنه في ضمائر الجبال حب يقتل وهو كامن، ويجرف الظاهر وهو باطن. قد أرخت عليه الجبال الشواهق ذوائبها، ومدت عليه الغمائم أطنابها ومضاربها. وقد تنافست فيه الرواسي الرواسخ فأخفاه بعضها عن بعض وتقاسمته العناصر فهو للنكاية والرفعة والثبات ومجاورة الفرات مشترك بين النار والهواء والماء والأرض. وقد امتدت الفرات من شرقيها كالسيف في كف طالب ثأر، واكتنفها من جهة الغرب نهر آخر استدار نحوها كالسور وانعطف معها كالسوار. وفي قنة قلتها جبل يرد الطرف وهو كليل، ويصل النظر الى تخيل هضابه فلا يهتدي الى تصورها بغير دليل، وكذلك من شرقها وغربها، فلا تنظرها الشمس وقت الشروق، ولا يشاهدها القمر وقت الأصيل. وحولها من الأودية خنادق لا يعرف فيها الهلال إلا بوصفه، ولا الشهر إلا بنصفه.","part":8,"page":358},{"id":3869,"text":"وأما الطريق إليها فيزل الذرّ عن متنها. ويكل طرفُ الطرف عن سلوك سهلها فضلاً عن حزنها. وبها من الأرمن عصب جمعهم التكفور، ومن التتار فرق زيادتهم للتغوير، قد بذلوا دونها النفوس، وتدرعوا للذب عنها لبوس. وأقدموا على شرب كأس الحمام، خوفاً أن يكفرهم التكفور؛ ويحرمهم خليفتهم الحاكم بها، كتبغا نميكوس. وإذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم، وفسح في ميدان الضلالة آمالهم، فلما تراءت الفئتان، نكص على عقبية، وترك كلاً منهما يعض من الندم يديه. وحين أمر مولانا السلطان، خلّد الله سلطانه، الجيوش المنصورة بالنزول عليها، والهجوم من خلفها ومن بين يديها، ذللت مواطئ جيادها صهوات تلك الجبال. وأحاطت بها من كل جانب إحاطة الهلال بالهلال. وسلكوا إليها تلك المخارم، وقد تقدمهم الرعب هادياً وأقدموا على قطع تلك المسالك والمهالك، بالأموال والأنفس، ثقة بأنهم لا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً. فلم يكن بأسرع من أن طار إليهم الحمام، في أجنحة السهام. وخضّبت الأحجار تلك الغادة العذراء للضرورة، وللضرورات أحكام. وأزالت النقابة عنها نقاب احتشامها. ودبّت في مفاصلها دبيب السقم في عظامها، مع أنها مستقرة على الصخر الذي لا مجال فيه للحديد، ولكن الله أعز بالنصر سلطاننا فجاءت أسباب الفتح على ما يريد. وأقيمت المجانيق المنصورة أمامها فأيقنوا بالعذاب الأليم، وشاموا بروق الموت من عواصف أحجارها التي ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وساهموها صلاة الخوف، فلسهامهم الركوع، ولبروجهم السجود، ولقلعتهم التسليم. ولم تزل تشن عليهم غارة بعد غارة، وتسقيهم على الظمأ صوب أحجارها، وإن من الحجارة، وهي مع ذلك تظهر الجلد والجد، وتغضب غضب الأسير، على القد. وتخفي ما تكابد من الألم، وتشكو بلسان الحال شكوى الجريح الى العقبان والرخم، الى أن جاءت من الأنجاد ما كانوا يأملون. وسطت مجانيقهم فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. وكلما سقطت أسوارها، وتهتكت بيد النقوب أستارها، وتوهم الناظر أنها هانت، رآها المباشر في تلك الحالة أشد ما كانت، وثبتت على الرمي والارتماء، وعزّت على من اتخذ نفقاً في الأرض أو سلّماً في السماء، واستغنت بمكان السور، وانقضت أحجارها على أسوار الحرب انقضاض النسور.\rوكان الفتح المبارك في صباح يوم السبت، حادي عشر رجب الفرد، سنة إحدى وتسعين وستمائة بالسيف عنوة. فشفت الصوارم من أرجاس الكفر العلل بقمع العدى وكبتها. وسطا خميس الأمة يوم السبت، على أهل يوم الأحد، فبارك الله بخميس الأمة في سبتها.\rفليأخذ القاضي من هذه البشرى، التي أصبح الدين بها عالي المنار، بادي الأنوار. ضارب مضارب دعوته على الأقطار، ذاكراً بموالاة الفتوح أيام الصدر الأول من المهاجرين والأنصار. وليشعها على رؤوس الإشهاد ويجعلها في صحف الفتوح السالفة بمنزلة المعنى في القرينة والمثل في الاستشهاد. ويمدّ الجيش بهمته التي ترهف الهمم، وأدعيته التي تساعد الساعد وتؤيد اليد وتقدم القدم. ويشارك في الجهاد حتى يكون في نكاية الأعداء على البعد كسهم أصاب ورامية بذي سلم. ويستقبل من البشائر بعدها ما تكون له هذه بمنزلة العنوان في الكتاب، والأحاد في الحساب، وركعة النافلة بالنسبة الى الخمس، والفجر الأول قبل طلوع طلعة الشمس.\rوالله تعالى يجعل شهاب فضله لامعاً، ونور علمه في الأفاق ساطعاً، ويتحفه من مفرقات التهاني بكل ما يغدو لشمل المسرات جامعاً، إن شاء الله تعالى. كتب في يوم الفتح المذكور.\rوكتب غير ذلك من كتب البشائر، اقتصرنا منها ما أوردناه.\rثم رحل السلطان من قلعة الروم الى حلب، فأقام بها بقية شهر رجب، ونصف شعبان. وعزل الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري عن نيابتها. ورتب بها الأمير سيف الدين بلبان الطباخي المنصوري. وجعل الأمير عز الدين أيبك الموصلي شاد الدواوين. وقيل إنه ولاه قلعة الروم وما جمع إليها، فامتنع من قبول هذه الولاية. فغضب السلطان وأمر بالقبض عليه، وفوض ذلك الى الأمير جمال الدين أقش الفارسي فبقي بها أياماً وتوفي، فأعاد السلطان الأمير عز الدين الموصلي. ورحل السلطان عن حلب الى دمشق، فكان وصوله إليها، في يوم الثلاثاء العشرين من شعبان فأقام بها بقية شعبان وشهر رمضان وبعض شوال.","part":8,"page":359},{"id":3870,"text":"وفيها، حصل لجمال العسكر مرض، سلّت منه حتى جافت الوطاقات منها. ولم يجد الأمراء من الجمال ما يحملون عليه أثقالهم، فحملوها على البغال والأكاديش.\rتوجه الأمير بدر الدين بيدرا وبعض العساكر\rالى جبال الكسروان واضطراب العسكر وفي هذه السنة، في شعبان توجه الأمير بدر الدين بيدرا بمعظم العساكر المصرية، وصحبته من الأمراء الأكابر، الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري، والأمير بدر الدين بكتوت الأتابكي، والأمير بدر الدين بكتوت العلائي وغيرهم، وقصد جبال الكسروان. وأتاهم من جهة الساحل، الأمير ركن الدين بيبرس طقصوا، والأمير عز الدين أيبك الحموي وغيرهما. والتقوا بالجبل، وحضر الى الأمير بدر الدين بيدرا من أثنى عزمه، وكسر حدته. فحصل الفتور في أمرهم، حتى تمكنوا من بعض العسكر، في تلك الأوعار، ومضايق الجبال، فنالوا منهم. وعاد العسكر شبه المنهزم، وطمع أهل تلك الجبال، فاضطر الأمير بدر الدين الى إطابة قلوبهم والإحسان إليهم. وخلع على جماعة من أكابرهم، فاشتطوا في الطلب، فأجابهم الى ما التمسوه، من الإفراج عن جماعة منهم، كانوا قد اعتقلوا بدمشق، لذنوب وجرائم صدرت منهم. وحصل للكسروان من القتل والنهب والظفر، ما لم يكن في حسابهم. وحصل للأمراء والعسكر من الألم لذلك، ما أوجب تصريح بعضهم بسوء تدبير الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة، ونسبوه الى أنه إنما أهمل أمرهم، وفتر عن قتالهم، حتى تمكنوا مما تمكنوا منه لطمعه، وأنه تبرطل منهم وأخذ جملة كثيرة، ولهج الناس بذلك. وتوجه الأمير بدر الدين بيدرا بالعساكر الى دمشق. فتلقاه الملك الأشرف، وأقبل عليه وترجل لترجله عند السلام عليه. فلما خلا به، أنكر عليه سوء اعتماده وتفريطه في العسكر، فمرض لذلك، حتى أشاع الناس أنه سقي. ثم عوفي في العشر الأوسط من شهر رمضان، فتصدق السلطان بجملة كثيرة، شكراً لله تعالى على عافيته، وأطلق جماعة كثيرة ممن كان في السجون. وتصدق هو أيضاً بجملة، ونزل عن كثير مما كان قد اغتصبه من أملاك الناس، بالإيجار الذي هو على غير الوجه الشرعي. وجمع العلماء والقضاة والقراء والمشايخ، في العاشر من شهر رمضان، بالجامع بدمشق لقراءة الختمة. وأشعل الجامع في هذه الليلة، كما يشعل في نصف شعبان.\rهرب الأمير حسام الدين لاجين والقبض عليه واعتقاله\rوالقبض على طقصوا وفي هذه السنة، في ليلة عيد الفطر، هرب الأمير حسام الدين لاجين من داره بدمشق. فنودي عليه، من أحضره فله ألف دينار، ومن أخفاه شنق. وركب السلطان في خاصكيته وجماعة من الأمراء. وترك سماط العيد، وساق في طلبه، وعاد بعد العصر، ولم يظفر به.\rواتفق أنه التجأ الى طائفة من العرب كان يثق بصحبتهم. فقبضوا عليه وجيء به الى السلطان فاعتقله. وقبض أيضاً على الأمير ركن الدين بيبرس طقصوا، وجهز الى قلعة الجبل. وكان السبب في القبض على طقصوا، أنه كان قد تكلم على الأمير بدر الدين بيدرا. وقال إنه ارتشى من الكسروان. فوجد بيدرا عليه، وأسرها في نفسه، وتربص به الدوائر. فلما قبض على الأمير حسام الدين لاجين، خاطب بيدرا السلطان في القبض على طقصوا، لأن لاجين كان قد تزوج ابنته، فقبض عليه.\rتفويض نيابة السلطنة بالشام والفتوحات وعود السلطان الى الديار المصرية\rوفي هذه السنة، فوض السلطان نيابة السلطنة بالشام الى الأمير عز الدين أيبك الحموي الظاهري، عوضاً عن الأمير علم الدين سنجر الشجاعي. وفوّض نيابة السلطنة بالفتوحات للأمير سيف الدين طغربل الإيغاني، عوضاً عن الأمير سيف الدين بلباني الطبانجي، بحكم انتقاله الى نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية كما تقدم. ثم عاد السلطان الى مقر ملكه بقلعة الجبل. وكان رحيله من دمشق، في الثلث الأخير من ليلة الثلاثاء عاشر شوال. وكان قد رُسم لأهل الأسواق بدمشق أن يخرج كل واحد منهم، وبيده شمعة يوقدها، عند ركوب السلطان، فخرجوا بأجمعهم. ورتبوا من باب النصر أحد أبواب دمشق، الى مسجد القدم. ولما ركب السلطان، اشتعلت تلك الشموع، وساق وهي كذلك الى نهاية ذلك الجمع. وكان وصول السلطان الى قلعة الجبل، في يوم الأربعاء ثاني ذي القعدة.\rعدة حوادث كانت في خلال فتح قلعة الروم وقبله وبعده","part":8,"page":360},{"id":3871,"text":"في هذه السنة، في أواخر شهر ربيع الآخر، ورد البريد من الرحبة الى دمشق، يخبر أن طائفة من التتار، أغاروا على ظاهر الرحبة، واستاقوا مواشي كثيرة. فجرد نائب السلطنة إليها جماعة من عسكر دمشق، في ثامن عشرين الشهر.\rوفيها، في العشر الأوسط من جمادى الأولى، تزوج الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، بابنة الصاحب شمس الدين بن السلعوس، على صداق مبلغه ألف دينار وخمسمائة دينار عيناً، عجّل من ذلك خمسمائة دينار.\rوفيها، بعد أن توجه السلطان الى قلعة الروم بأيام يسيرة، تسوّر عبد أسود الى أسطحة أدر الحرم السلطانية بقلعة دمشق. فأُمسك وقُرّر، فذكر أن أحد المؤذنين بجامع القلعة نصب له سلّماً، وأصعده الى هناك. فطولع السلطان بذلك، فورد المرسوم بقطع أطرافهما وتسميرهما، ففعل ذلك بهما.\rوفيها، في شعبان طلّق الملك المظفر، صاحب حماه، زوجته، وهي ابنة خاله الملك الناصر صلاح الدين يوسف، ابن الملك العزيز محمد، ابن الملك الظاهر غازي، ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فعاب الناس عليه ذلك، واستقبحوه منه. وتوجهت هي من حماه الى الديار المصرية، فتوفيت بعد وصولها إليها بعشرين يوماً.\rوفيها، بعد أن توجه السلطان من دمشق الى الديار المصرية، استعفي القاضي محيي الدين بن النحاس، من مباشرة نظر الدواوين بالشام، فأعفي من ذلك. ورتب في نظر الخزانة عوضاً عن أمين الدين بن هلال. ورتب في نظر الدواوين جمال الدين ابراهيم بن صصري.\rوفيها، أفرج السلطان عن الأمير علم الدين سنجر الدواداري، بعد عوده من قلعة الروم، وأمر بإحضاره من الديار المصرية الى دمشق، فأحضر، فخلع عليه السلطان، واستصحبه معه الى الديار المصرية وأمّره.\rوفيها، رتب السلطان الأمير شمس الدين قراسنقر الجوكندار المنصوري، في مقدمة المماليك السلطانية.\rالقبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر\rوجرمك الناصري ووفاتهما، ووفاة طقصوا والإفراج عن الأمير حسام الدين لاجين وفي هذه السنة، لما عاد السلطان الى الديار المصرية، قبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير سيف الدين جرمك الناصري. وأمر بإعدامهما، وإعدام طقصوا ولاجين. فكان الذي تولى خنق لاجين، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري، فتلطف به، وانتظر أن تقع به شفاعة. فشفع فيه الأمير بدر الدين بيدرا، فأمر السلطان بالإفراج عنه، وهو يظن أنه قد مات. فسلّمه الله تعالى، لما كان له في طي الغيب ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى. وقيل إن السلطان قبض على سنقر الأشقر من دمشق.\rوفيها، في منتصف شهر رمضان، توفي القاضي فتح الدين محمد ابن القاضي محيي الدين عبد الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر، صاحب ديوان الإنشاء. وكانت وفاته بدمشق، ودفن بسفح قاسيون. ومولده في أحد الربيعين، سنة ثمان وثلاثين وستمائة. وكان قد تمكّن في الدولة المنصورية، والدولة الأشرفية تمكناً كثيراً، وتقدم على أبيه وغيره. ولما اعتلّ، رحمه الله، كتب إلى أبيه:\rإن شئت تنظرني وتنظر حالتي ... قابل إذا هب النسيم قبولا\rلتراه مثلي رقة ولطافة ... ولأجل قلبك لا أقول عليلا\rوهو الرسول إليك من ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا\rولما مات، أجرى السلطان الملك الأشرف جامكيته وجرياته وراتبه، على ولده القاضي، علاء الدين علي، واستقر في جملة كتاب الإنشاء. وولى صحابة ديوان الإنشاء، بعد وفاة القاضي فتح الدين، القاضي تاج الدين أبو الظاهر أحمد ابن القاضي شرف الدين أبي البركات سعيد بن شمس الدين أبي جعفر محمد ابن الأثير الحلبي التنوخي، فلم يلبث إلا شهراً أو قريباً من شهر، وتوفي الى رحمة الله تعالى. وكانت وفاته، يوم الخميس تاسع عشر شوال من هذه السنة، بظاهر غزة. ودفن هناك رحمه الله تعالى. وولي بعده صحابة ديوان الإنشاء، ولده القاضي عماد الدين إسماعيل، واستمر الى آخر سنة اثنتين وتسعين وستمائة.\rوفيها، في يوم السبت العشرين من شوال، توفي الأمير سابق الدين الميداني بدمشق، ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة اثنتين وتسعين وستمائة 1292 - 1293","part":8,"page":361},{"id":3872,"text":"في هذه السنة، في أولها، فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والحصون، الى الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصوري، عوضاً عن الأمير سيف الدين طغربل الإيغاني، بحكم استعفائه من النيابة، وسؤاله. فوصل الى دمشق في سابع عشرين المحرم، وصحبته خمسة أمراء بطبلخاة، وتوجه الى جهته.\rوفيها، في صفر، حصل ببلاد غزة والرملة ولد والكرك، زلزلة عظيمة، كان معظمها بالكرك، فإنها هدمت ثلاثة أبراج قلعتها. فندب الأمير علاء الدين أيدغدي الشجاعي من دمشق، وصحبته الصناع لعمارة ما انهدم بالكرك.\rوفيها، أمر السلطان بالقبض على الأمير عز الدين أزدمر العلائي، أحد الأمراء بدمشق: فقُبض عليه، وجهز الى الأبواب السلطانية في غرة شهر ربيع الأول.\rتوجه السلطان الى الصعيد\rوفي هذه السنة، توجه السلطان الى جهة الصعيد للصيد، واستصحب معه الصاحب شمس الدين بن السلعوس، وترك الأمير بدر الدين بيدرا بقلعة الجبل. وانتهى السلطان الى مدينة قوص، وتصيد بها. وأمر الحجاب والنقباء أن ينادوا في العسكر أن يتجهزا لغزو اليمن. ثم عاد السلطان الى قلعة الجبل.\rولما كشف الصاحب شمس الدين بن السلعوس الوجه القبلي في هذه السفرة، وُجِدت الجهات الجارية في ديوان الأمير بدر الدين بيدرا من الإقطاعات والمشتروات والحمايات، أكثر مما هو جار في الخاص السلطاني. ووجد الشون السلطانية بنواحي الوجه القبلي، خالية من الغلال والحواصل، وشون الأمير بدر الدين بيدرا مملوءة. فأنهى ذلك الى السلطان وأطلعه عليه، فتغير السلطان على بيدرا. واتصل هذا الخبر به، فقصد تلافيه. وجهز للسلطان تقدمة عظيمة، كان من جملتها، خيمة أطلس معدني أحمر، بأطناب ابريسم بأعمدة صندل، محلاة ومفصلة بالفضة المذهبة، وبسطها ببسط الحرير، وما يناسب هذه الخيمة من التقادم. وضرب هذه الخيمة بالعدوية، فنزل السلطان بها ساعة من نهار، وما أظهر البشاشة للتقدمة، ولا استحسنها مع عظمها. ثم ركب وطلع الى قلعة الجبل، وارتجع بعض جهات بيدرا للخاص السلطاني.\rتوجه السلطان الى الشام وأخذ بهسنا من الأرمن\rوإضافتها الى الممالك الإسلامية وفي هذه السنة، بعد عود السلطان من جهة الصعيد، تجهز بعساكره الى الشام. وأمر الأمير بدر الدين بيدرا، أن يتوجه بالعساكر الى دمشق على الطريق الجادة. وتوجه الصاحب بالخزانة إليها، وركب السلطان على الهجن، وفي خدمته جماعة من الأمراء والخاصكية. وتوجه الى الكرك وشاهد حصنها ورتب أموالها، وتوجه منها الى دمشق. فكان وصوله إليها، في تاسع جمادى الآخرة. ووصل نائب السلطنة والصاحب قبله بثلاثة أيام.\rولما حلّ ركابه بدمشق، أمر بتجهيز العساكر الى بلاد سيس، فوصل رسل صاحب سيس، يسألون مراحم السلطان وعواطفه، ويبذلون له الرغائب. فاتفق الحال على أن يسلموا لنواب السلطان بهسنا ومرعش وتل حمدون. فأعاد السلطان رسله، وصحبتهم الأمير سيف الدين طوغان والي بر دمشق، فتسلمها وبلادها. ووصل البريد بذلك في العشر الأول من شهر رجب. ودقت البشائر لذلك. ورتب السلطان في نيابة السلطنة ببهسنا، الأمير بدر الدين بكتاش المنصوري، وعين لها قاضياً خطيباً. واستخدم بها رجالاً وحفظة. ثم وصل الأمير سيف الدين طوغان، وصحبته رسل سيس، بالحمل والتقادم. وكان وصولهم الى دمشق، في ثامن عشرين شهر رجب بعد عود السلطان، فتوجهوا الى الديار المصرية.\rوهذه بهسنا من أعظم القلاع وأحصنها، ولها ضياع كثيرة. وهي في فم الدربند، وكانت بيد ملوك الإسلام بحلب، الى أن ملك هولاكو حلب. وكان النائب بها من جهة الملك الناصر، الأمير سيف الدين العقرب، فأباعها لصاحب سيس، بمائة ألف درهم، أعطاه منها ستين ألف درهم، وتسلمها الأرمن أهل سيس، وبقيت في أيديهم الى الآن.\rالقبض على الأمير حسام الدين مهنا ابن عيسى وإخوته","part":8,"page":362},{"id":3873,"text":"وفي هذه السنة، في ثاني من شهر رجب، توجه السلطان من دمشق الى حمص، بجماعة من العساكر، وأعاد ضعفة العساكر الى الديار المصرية. ثم توجه السلطان من حمص الى سلمية، في ضيافة الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى. فلما قدّم للسلطان ضيافته، أمر بالقبض عليه، وعلى إخوته فقبض عليهم، وهو على الطعام، وجهّزه تحت الاحتياط، صحبة الأمير حسام الدين لاجين، فوصل به الى دمشق، في يوم الأحد سابع شهر رجب. ووصل السلطان الى دمشق، في بقية النهار. وجعل السلطان إمرة العرب، بعد القبض على مهنا، لابن عمه الأمير محمد بن أبي بكر علي بن حذيفة. ثم أمر السلطان الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة، أن يتوجه بالعساكر الى الديار المصرية، هو والصاحب شمس الدين والخزانة، كما حضرا من حمص. فتوجها من دمشق في يوم الخميس حادي عشرة شهر رجب. وتوجه السلطان بعدهما، ببعض الأمراء والخاصكية. وركب من دمشق في الساعة السابعة من يوم السبت ثالث عشر الشهر. وأراد بذلك الانفراد بنفسه وخواصه، والانفراد بهم في الصيد، وأن لا يشتغل بالعساكر. ووصل الى غزة، في بكرة يوم الأربعاء سابع عشر الشهر. ووصل الى القاهرة في الثامن والعشرين من شهر رجب.\rهدم قلعة الشوبك\rوفي هذه السنة، في شهر رجب، أمر السلطان الأمير عز الدين أيبك الأفرم، أمير جاندار أن يتوجه الى قلعة الشوبك ويهدمها، وذلك عند توجه السلطان من دمشق الى حمص. فراجعه في ذلك، وبيّن له فساد هذا الرأي، فانتهره، فتوجه إليها وهدمها، وأبقى القلة. وكان هدمها من الخطأ، وسوء التدبير، فإن القلاع والحصون معاقل الإسلام، وذخائر المسلمين، وإليها يلجأون في أوقات الشدائد والحصارات، ومنازلة الأعداء، وهو أمر لا يؤمن.\rوبعد عود السلطان الى الديار المصرية، رسم السلطان للأمير سيف الدين طوغان، أن يتوجه الى نيابة السلطنة، بقلعة المسلمين، عوضاً عن الأمير عز الدين أيبك الموصلي المنصوري. وولى الأمير سيف الدين استدمر كرجي بر دمشق، عوضاً عن طوغان.\rحادثة السيل ببعلبك\rوفي هذه السنة، في رجب، وصل كتاب النائب ببعلبك، يخبر أنه وقع على مدينة بعلبك، أمطار وثلوج كثيرة جداً، وأن المطر كان ينزل وكأنه قد جبل بطين، وأن السيل وصل الى باب بعلبك، المسمى بباب دمشق، وعلا حتى وصل الى شرفات السور. ثم انحدر بعد ذلك، واقتلع كروماً كثيرة، ونقل أحجاراً وصخوراً، وطم أكثر الطرقات، وأنه أحصى ما أفسد ببعلبك، وكانت قيمته تزيد على مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار.\rوفيها، أمر السلطان، بالقبض على الأمير عز الدين أيبك الأفرم، أمير جاندار، فقبض عليه في شوال، ووقعت الحوطة على موجوده وحواصله بالديار المصرية والشام.\rختام الملك الناصر، وما حصل من الاهتمام بذلك\rوفي هذه السنة، أمر السلطان بالاهتمام لختان أخيه الملك الناصر، ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور، وأن ينصب القبق تحت قلعة الجبل مما يلي باب النصر. فنصب في العشرين من ذي الحجة، ورماه الأمراء والأكابر ومن له ولمثله عادة بذلك. وفرّق السلطان الأموال على من أصابه. وكان ممن أصابه الأمير بدر الدين بيسري الشمسي الصالحي. فرماه ما لم يرمه غيره قبله. وذلك أنه كان قد اقترح سرجاً وطئ الرادفة جداً. فلما رآه السلطان، قال له قد كبرت يا أمير بدر الدين، فاقترحت هذا السرج، ليسهل عليك الركوب. فقال: إن كان المملوك قد كبر، فقد رزقت ستة أولاد، وهم في خدمة السلطان ولم أكن أقترح هذا السرج إلا لأجل القبق. ثم ساق الأمير بدر الدين نحو صاري القبق. والعادة جارية أن الرامي لا يرميه إلا إذا صار بجانب الصاري. فساق الى أن تعدى الصاري، فما شك الناس أنه فاته الرمي. ثم استلقى على ظهر فرسه، حتى صار رأسه على كفل الفرس، فرماه وهو كذلك، بعد أن تعداه، فأصاب القرعة وكسرها. فصرخ الناس لذلك واستعظموه. وظهرت للسلطان فائدة السرج، فأمر أن ينعم عليه بما بقي في ذلك الوقت، من المال المرصد للإنعام فأعطيه، وكان خمسة وثلاثين ألف درهم. وخلع عليه، وعظم في صدور الناس، زيادة عما عندهم من تعظيمه. وعلموا عجزهم عن الإتيان بما أتى به، وفعل ما فعله.\rثم كان الختان المبارك، في يوم الإثنين، الثاني والعشرين من ذي الحجة. ونثر الأمراء الذهب الكثير في الطشوت حتى امتلأت.","part":8,"page":363},{"id":3874,"text":"وفيها، في ليلة الثلاثاء حادي عشر صفر، توفي الأمير الصالح شمس الدين أبو البيان، نبا ابن الأمير نور الدين أبي الحسن علي ابن الأمير شجاع الدين هاشم ابن حسن بن حسين، أمير جاندار المعروف بابن المحفدار، بداره بالروضة، قبالة مصر، بعد أن صلى العشاء الآخرة، بسورة \" هل أنى على الإنسان حين من الدهر \" فلما فرغ من الصلاة، سجد سجدة، فمات في سجدته، وكانت عادته أن يسجد عقيب صلاته، ويدعو الله في سجوده. ودفن من الغد في القرافة بتربته، بقرب تربة الإمام الشافعي. وكان رحمه الله تعالى، ديناً حسن السيرة والوساطة، احتوى على أوساط جميلة، يثق الملوك به ويعلمون خيره وديانته، رحمه الله تعالى.\rوفيها، في ليلة الأربعاء، ثاني عشر جمادى الآخرة، توفي الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، ابن الملك القاهر ناصر الدين محمد ابن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادي بن مروان، ببستانه المعروف ببستان سامه، بالسهم، ظاهر دمشق. وصلي عليه ظهر يوم الأربعاء بالجامع المظفري، ودفن بتربته بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى. ذكر وفاته الشيخ شمس الدين الجزري.\rوفيها، توفي القاضي محيي الدين عبد الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر. كانت وفاته بالقاهرة في يوم الأربعاء ثالث رجب الفرد، ودفن بالقرافة، رحمه الله تعالى. وفضائله وشهرته بالرئاسة والآداب، تغني عن شرح. وقد قدمنا من كلامه في كتابنا هذا، ما يقف عليه في مواضعه، وله شعر رقيق.\rفمن شعره قوله:\rما غبت عنك لجفوة وملالِ ... يوماً ولا خطر السلوّ ببالي\rيا مانعي طيبَ المنام ومانحي ... ثوب السقام وتاركي كالال\rعن من أخذت جواز منعي ريقك الم ... عسول يا ذا المعطف العسال\rعن ثغرك النظام أم عن شعرك ال ... فحام أم عن جفنك الغزّالي\rفأجابني أنا مالك شرع الهوى ... والحسنُ أضحى شافعي وجمالي\rوشقائق النعمان أينع نبتها ... في وجنتي وحماه رشقُ نبالي\rوالصبر أحمد للمحبّ إذا ابتلا ... ه الحبُ في شرع الهوى بسؤال\rوعلى أساري الحبّ في حكم الهوى ... بين الأنام عرفت بالقَفّال\rوتفقّه العُشاق فيّ فكلَّ مَن ... نقل الصحيح أجزته بوصالي\rوفيها، في يوم الخميس، سابع عشر شعبان، كانت وفاة قاضي القضاة معز الدين النعمان بن الحسن بن يوسف، قاضي الحنفية بالديار المصرية، ودفن يوم الجمعة بالقرافة. وولي قضاء الحنفية بعده، قاضي القضاة شمس الدين أحمد السروجي الحنفي.\rوفيها، كانت وفاة الملك الأفضل نور الدين علي ابن الملك المظفر محمود، وهو عم الملك المظفر ابن الملك المنصور صاحب حماه. وقد تقدم ذكر نسبه في مواضع من كتابنا هذا. وتوفي بدمشق في يوم الإثنين، مستهل ذي الحجة. وصُلي عليه بجامعها، في الثالثة من النهار، ونقل لوقته الى حماه، فدفن بها، رحمه الله. وهو والد الملك المؤيد عماد الدين اسماعيل صاحب حماه في وقتنا هذا.\rوفيها، كانت وفاة الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف، ابن الملك المسعود صلاح الدين أقسيس، ابن الملك الكامل ناصر الدين محمد، ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب، قبل العصر من يوم الخميس، خامس شهر رجب من السنة.\rومولده بالكرك، بعد العشاء الآخرة، من ليلة الأربعاء سادس عشر شوال، سنة تسع وخمسين وستمائة، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة ثلاث وتسعين وستمائة 1293 - 1294\rمقتل السلطان الملك الأشرف\rصلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمهما الله تعالى","part":8,"page":364},{"id":3875,"text":"كان مقتله رحمه الله، في يوم السبت ثاني عشر المحرم، سنة ثلاث وتسعين وستمائة. وذلك أنه توجه الى الصيد بجهة البحيرة. وركب من قلعة الجبل في ثالث المحرم، وعزم على قصد الحمامات الغربية. وتوجه الصاحب شمس الدين ابن السلعوس الى ثغر الاسكندرية، لتحصيل الأموال، وتجهيز تعابي الأقمشة. فوجد نواب الأمير بدر الدين بيدرا بالثغر قد استولوا على المتاجر والاستعمالات وغير ذلك. فكاتب السلطان بذلك، وعرفه أنه لم يجد بالثغر ما يكفي الإطلاقات، على جاري العادة. فغضب السلطان لذلك غضباً شديداً، واستدعى بيدرا بحضور الأمراء، وأغلظ له في القول، وشتمه وتوعده فتلطف بيدرا في الجواب حتى خرج من بين يدي السلطان، وجمع أعيان الأمراء من خوشداشيته، وهم الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر المنصوريان وغيرهما، فاتفقوا على الوثوب به. وكان السلطان قد أعطى الأمراء الأكابر دستوراً، أن يتوجهوا الى إقطاعاتهم، وانفرد هو بخاصكيته. وفي أثناء ذلك، ركب السلطان في نفر يسير من مماليكه للصيد بقرب الدهليز، بمنزلة تروجة. فانتهز بيدرا الفرصة، وركب وصحبته لاجين وقراسنقر وبهادر، رأس نوبة، وأقسنقر الحسامي، ونوغيه، ومحمد خواجا، وطرنطاي الساقي، والطنذغا، رأس نوبة، ومن انضم إليهم. وتوجهوا نحو السلطان، وكان بينهم وبينه مخاضة، فخاضوها وقدموا عليه. فقيل إن بيدرا ضربه بالسيف، فالتقاه بيده، فلم يعمل عملاً طائلاً، فسبّه لاجين، وضربه بالسيف ضربة هدلت كتفه، وأخذته السيوف حتى قتل، في التاريخ الذي ذكرناه.\rوحكي عن شهاب الدين أحمد بن الأشل، أمير شكار، في كيفية مقتل السلطان. قال: لما رحل الدهليز والعسكر، جاء الخبر الى السلطان أن بنزوجة طيراً كثيراً، فساق، وأمرني أن أسوق في خدمته، فسقت معه. وقال لي: عجّل بنا، حتى نسبق الخاصكية. فسقنا فرأينا طيراً كثيراً، فصرع منه بالبندق. ثم التفت إليّ وقال لي: أنا جيعان، فهل معك ما آكل. فقلت: والله ما معي غير رغيف واحد وفروج في صولقي، ادخرته لنفسي. فقال: ناولنيه، فناولته له، فأكله جميعه. ثم قال لي: امسك فرسي، حتى أنزل أبول. وكنت كثير البسط معه. فقلت: ما فيها حيلة، السلطان راكب حصان، وأنا راكب حِجْر، وما يتفقان. فقال لي: انزل أنت، واركب خلفي حتى أنزل أنا.\rقال: نزلت وناولته عنان فرسي، فأمسكه. وركبت خلفه. ثم نزل وقعد على عجزه وبال، وبقي يعبث بذكره، ويمازحني. ثم قام، وركب حصانه، ومسك فرسي حتى ركبت. فبينما أنا وهو نتحدث، وإذا بغبار عظيم قد ثار نحونا. فقال لي السلطان: اكشف لي خبر هذا الغبار، ما هو. قال: فسقت وإذا أنا بالأمير بدر الدين بيدرا والأمراء معه. فسألتهم عن سبب مجيئهم. فلم يكلموني ولا التفتو إليّ، وساقوا على حالهم، حتى قربوا من السلطان، فابتدره الأمير بدر الدين بيدرا، وضربه بالسيف. فقطع يده. ثم ضربه لاجين على كتفه فحله، وسقط على الأرض. وجاء بهادر، رأس نوبة، فوضع السيف في دبره، وأنكأ عليه حتى أطلعه من حلقه، واشترك من ذكرنا من الأمراء في قتله.\rوهذه الحكاية تدل على أن السلطان، كان قد انفرد عن مماليكه، ولم يكن معه غير شهاب الدين أمير شكار، الحاكي وبقي الملك الأشرف ملقى في المكان، الذي قتل فيه يومين. ثم جاء الأمير عز الدين ايدمر العجمي متولي تروجة وأهلها إليه، وحملوه إليها في تابوت. وغسلوه في الحمام وكفنوه، وجعلوه في تابوت، ووضعوه في بيت المال، في دار الولاية بنزوجة، الى أن حضر من القاهرة الأمير سيف الدين كوجبا الناصري. فنقله في تابوته الى تربته، التي أنشأها بظاهر القاهرة، بجوار مشهد السيدة نفيسة، ودفن بها في سحر يوم الخميس الثاني والعشرين من صفر، من هذه السنة. وكانت مدة سلطنته، ثلاث سنين وشهرين وأربعة أيام.\rوكان رحمه الله تعالى، ملكاً شجاعاً كريماً، خفيف الركاب، مظفراً في حروبه. ولم يخلف ولداً ذكراً. وإنما مات عن بنتين، وزوجته أردكين أمهما ابنة الأمير سيف الدين نوكيه. وورثه معهن أخواه السلطان الملك الناصر، ودار مختار الجوهري.\rخبر الأمير بدر الدين بيدرا ومن معه من الأمراء الذين وافقوه\rوما كان منهم، ومقتل بيدرا","part":8,"page":365},{"id":3876,"text":"قال: ولما قتل السلطان الملك الأشرف، عاد الأمير بدر الدين بيدرا، ومن معه من الأمراء الى الوطاق. فتقرر بينهم أن السلطنة تكون لبيدرا، ولقب الملك القاهر، وقيل الملك الأوحد. ثم ركبوا وقبضوا على الأمير بدر الدين بيسري، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، أمير جاندار، وقصدوا قتلهما. فشفع فيهما بعض الأمراء. وكان بالدهليز السلطاني من الأمراء: الأمير سيف الدين برلغي، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار، والأمير بدر الدين بكتوت العلائي، وجماعة من المماليك السلطانية. فركبوا في آثار بيدرا ومن معه. وكان الأمير زين الدين كتبغا المنصوري في الصيد، فبلغه الخبر، فلحق بهم. وجدوا في طلب بيدرا ومن معه. فلحقوه على الطرابة. فلما التقى الجمعان، أطلق بيدرا الأميرين اللذين كان قد قبض عليهما، ليكونا عوناً له، فكانا عوناً عليه.\rوتقدم الأمراء، وحملوا على بيدرا حملة منكرة، فانهزم هو ومن معه، فأدركوه فقتل. وهرب لاجين وقراسنقر، فدخلا القاهرة واختفيا بها، ثم ظهرا بعد ذلك، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوحكى الأمير سيف الدين أبو بكر الجمقدار، نائب أمير جاندار. قال: أرسلني السلطان أول النهار، الى الأمير بدر الدين بيدرا، أن يتوجه في تلك الساعة بالعسكر، ويسوق تحت الصناجق، فأتيته فأخبرته بما أمر به السلطان، فنفر في وجهي، وقال السمع والطاعة. ثم قال: لم يستعجلني؟ ورأيت في وجهه أثر الغيظ والغضب، وما لم أعهده منه. ثم تركته، وتوجهت الى الزردخاناة وحملتها، وحملت ثقلي. وتوجهت أنا ورفيقي الأمير صارم الدين الفخري والأمير ركن الدين بيبرس أمير جاندار. فبينما نحن سائرون عند الماء، إذ نحن بنجاب سائق، فأخبرنا بمقتل السلطان. فتحيرنا في أمرنا، وإذا بالصناجق السلطانية قد لاحت وقربت. والأمير بدر الدين بيدرا تحتها، والأمراء محدقون به. فتقدمنا وسلمنا عليه، فقال له الأمير ركن الدين بيبرس، أمير جاندار، ياخوند، هذا الذي فعلته كان بمشورة الأمراء. فقال: نعم، أنا قتلته بمشورتهم وحضورهم، وها كلهم حاضرون. وكان من جملة من معه، الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر، والأمير بدر الدين بيسري، وأكثر الأمراء سائقون معه. ثم شرع يعدد مساوئ السلطان الأشرف ومخازيه، واستهتاره بالأمراء، ومماليك أبيه، وإهماله لأمور المسلمين، ووزارته ابن السلعوس. قال: ثم سألنا، هل رأيتم الأمير زين الدين كتبغا؟ قلنا: لا. فقال له بعض الأمراء: ياخوند، هل كان عنده علم من هذا الأمر الذي وقع؟ فقال: نعم، وهو أول من أشار به. فلما كان في اليوم الثاني، إذا نحن بالأمير زين الدين كتبغا، قد جاء في طُلب كبير، فيه من المماليك السلطانية نحو ألفي فارس، وجماعة من العسكر والحلقة، والأمير حسام الدين أستاذ الدار؛ فالتقوه بالطرانة في يوم الأحد أول النهار، ففوّق الأمير زين الدين كتبغا نحو بيدرا سهماً، وقال له يا بيدرا، أين السلطان. ثم رماه به، ورمى جميع من معه. فقتل بيدرا، وتفرق جمعه. وكانت الإشارة أن أصحاب كتبغا، شدوا مناديلهم من رقابهم الى تحت أباطهم، ليعرفوا من غيرهم. ثم حمل رأس بيدرا الى القاهرة، وطيف به. هذا ما كان من خبر مقتل بيدرا.\rولما قتل السلطان، كان الأمير علم الدين سنجر الشجاعي نائب السلطنة، بقلعة الجبل، فاحترز على المعادي، وأمر أهلها أن لا يعدّوا بأحد من الجند من بر الجيزة الى ساحر مصر. ثم حضر الأمراء الذين قتلوا بيدرا، وهم الأمير زين الدين كتبغا، والأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير سيف الدين برلغي، والأمراء الخاصكية، وهم الأمير سيف الدين طغجي، والأمير عز الدين طقطاي، والأمير سيف الدين قطبية، وغيرهم من المماليك السلطانية. فراسلوا الأمير علم الدين سنجر الشجاعي في طلب المعادي، فأرسلها إليهم، فعدوا بجملتهم، وطلعوا الى القلعة. واجتمعوا واتفقوا كلهم مع الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، على أن تكون السلطنة، للسلطان ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور. فنصبوه في السلطنة، وكان ما نذكره.\rالملك الناصر ناصر الدين محمد\rابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي","part":8,"page":366},{"id":3877,"text":"وهو التاسع من ملوك دولة الترك بالديار المصرية. وأمه أشلون خانون ابنة سكناي بن قراجين بن جنكاي نوين، ملك الديار المصرية والممالك الشامية والساحلية والحلبية والفراتية، وغير ذلك مما هو مضاف الى هذه الممالك من القلاع والحصون والثغور والأعمال.\rوجلس على تخت السلطنة بالديار المصرية، بقلعة الجبل، بعد مقتل أخيه، السلطان الملك الأشرف، صلاح الدين خليل، وذلك في رابع عشر المحرم، سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وعمره يومذاك تسع سنين سواء، فإن مولده في يوم السبت، خامس عشر المحرم، سنة أربع وثمانين وستمائة كما تقدم، وذلك باتفاق الأمراء المنصورية، ومن بقي من الأمراء الصالحية النجمية وغيرهم، وإجماعهم على سلطنته.\rواستقر أن يكون الأمير زين الدين كتبغا المنصوري، نائب السلطنة الشريفة، والأمير علم الدين سنجر الشجاعي وزير الدولة ومدبّرها، والأمير ركن الدين بيبرس المنصوري الدوادار، وأعطي إمرة مائة فارس وتقدمة ألف. وجعل إليه أمر ديوان الإنشاء في المكاتبات والأجوبة والبريد. وحصلت النفقة في العساكر، واستُحلفوا للسلطان الملك الناصر، فحلفوا بأجمعهم.\rهذا ما كان بالديار المصرية ومقر السلطنة.\rوأما الشام، فإنه كُتب عن السلطان الملك الأشرف كتاب الى نائب السلطنة بدمشق، وجهز مع الأمير سيف الدين ساطلمش، وسيف الدين بهادر التتاري. فوصلا به الى دمشق، في يوم الجمعة رابع عشرين المحرم من هذه السنة. ومضمونه: إنا قد استنبنا أخانا، الملك الناصر، ناصر الدين محمداً، وجعلناه ولي عهدنا، حتى إذا توجهنا الى لقاء عدو، يكون لنا من يخلفنا. ورسم فيه، أن يحلف الناس له، ويقرن اسمه باسم السلطان في الحطبة. فجمع نائب السلطنة الأمير عز الدين أيبك الحموي الظاهري الأمراء والمقدمين والقضاة والأعيان، وحلفوا على ذلك. وخطب له في يوم الجمعة هذا بولاية العهد، بعد الملك الأشرف. وكان ذلك بتدبير الأمير علم الدين الشجاعي. واستمر الحال على ذلك، والخطبة للملك الأشرف، ثم من بعده لأخيه الملك الناصر، بولاية العهد، الى حادي عشر شهر ربيع الأول فورد المثال السلطاني الناصري بالخطبة له استقلالاً بالسلطنة. فخطب له في دمشق، في يوم الجمعة الحادي عشر، من الشهر المذكور. وورد البريد الى الشام، بإيقاع الحوطة على موجود الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر، والأمير بدر الدين بيدرا وغيرهم من الأمراء أصحاب بيدرا في اليوم الثامن من ورود المرسوم الأول بالخطبة للسلطان بولاية العهد، فوقعت الحوطة على موجودهم وحواصلهم.\rخبر الأمراء الذين وافقوا بيدرا على قتل السلطان الملك الأشرف\rلما استقر الحال في سلطنة السلطان الملك الناصر، أمر بطلب الأمراء الذين وافقوا بيدرا على قتل أخيه الملك الأشرف. فأول من وجد منهم، الأمير سيف الدين بهادر رأس نوبة، والأمير جمال الدين آفش الموصلي الحاجب، فضربت رقبتاهما وأحرقت جثتاهما بالمجاير، ثم حصل الظفر بعدهما بسبعة من الأمراء وهم: طرنطاي الساقي، وسيف الدين الناق الساقي الحسامي ويقال له عناق السلاح دار، وسيف الدين أروس الحسامي السلاح دار، وشمس الدين أقسنقر الحسامي، وعلاء الدين الطنبغا الجمدار، وناصر الدين محمد خواجا، فاعتقلوا بخزانة البنود. وكان الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، يتوجه إليهم ويعاقبهم، ويقررهم على من باطنهم. واستمر ذلك الى يوم الإثنين خامس صفر. ثم قطعت أيديهم وأرجلهم، وسمروا على الجمال، وطيف بهم، وأيديهم في أعناقهم، وماتوا شر ميتة. ثم وجدوا بعد قجقر الساقي، فشنق في سنق الخيل. وأما الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر، فإنهما هربا واختفيا. وكان من أمرهما، ما نذكره إن شاء الله تعالى. هذا ما كان من أمر هؤلاء.\rأخبار الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس الوزير\rوما كان من أمره، منذ فارق السلطان الأشرف الى أن مات","part":8,"page":367},{"id":3878,"text":"كان الصاحب شمس الدين المذكور، قد توجه الى ثغر الاسكندرية كما ذكرنا، وطالع السلطان في حق الأمير بدر الدين بيدرا، بما أوجب هذه الفتنة العظيمة. ولما وصل الصاحب الى الاسكندرية، ضيق على أهل الثغر، وشدد عليهم الطلب. وعزم على مصادرة أعيانهم، وذوي الأموال منهم. وأمر بإيجاد مقارع لعقوبة أهل الثغر. فبقي الناس من ذلك في شدة عظيمة، لا يرجون خلاصاً إلا ببذل الأموال والأبشار؛ وأهان متولي الثغر.\rفبينما الناس على مثل ذلك، إذ وقعت بطاقة لمتولي الثغر، في عشية النهار، تتضمن خبر مقتل السلطان. فكتمها المتولي عن الصاحب وغيره، وصبر الى أن دخل الليل، وجاء الى باب الصاحب، واستأذن عليه، فأذن له. فوقف بين يديه على عادته. فقال له الصاحب: ما الذي جاء بك في هذا الوقت، هل ظهرت لك مصلحة يعود نفعها؟ فقال: يا مولانا، لم يخف عن علمك أن أهل هذا الثغر غزاة مرابطون، وما قصد أحد أذاهم، فتم له مقصوده، والذين يراه المملوك، أن يحسن مولانا إليهم، ويطيب خواطرهم، ويفرج عنهم - هذا اللفظ أو معناه - فسبه الصاحب أقبح سب. وهم أن يوقع به، والوالي لا يزيده أن يقول: مولانا يروض نفسه، فلا فائدة في هذا الحرج. والصاحب يزيد في سبه، والإغلاظ له، ويتعجب من إقدامه على مخاطبته بمثل هذه الألفاظ. فلما أفرط الصاحب في سبه، وزاد به الحرج، تقدم إليه بالبطاقة. وقال يقف مولانا على هذه. فلما قرأها، سقط في يده، وخاطبه بياخوند. فقال له المتولي: ما الذي تختار. فقال: الخروج من هذه الساعة. فلم يؤاخذه المتولي، بما صدر منه في حقه وفتح له باب المدينة، وأخرجه وعرض عليه أن يجهز معه من يوصله القاهرة فامتنع. وخرج من الثغر في ليلته. ولو أصبح به لقتله أهله. واستمر به السير الى أن وصل القاهرة ليلاً. فبات بزاوية الشيخ جمال الدين ابن الظاهري، ولم ينم في معظم الليل. وركب بكرة النهار من الزاوية، وجاء الى داره، وهو على هاله وهيئته. وحضر للسلام عليه القضاة وأعيان الدولة ونظارها. فعاملهم بما كان يعاملهم به من الكبر، وعدم القيام لأكابرهم. ثم استشار بعض الناس فيما يفعل، فأشار بعضهم عليه بالاختفاء الى أن تسكن هذه الفتنة، وتستقر القاعدة. فقال هذا لا نفعله ولا نرضاه لعامل من عمالنا. فكيف نختاره لأنفسنا، واستمر على ذلك خمسة أيام.\rوكانت رسالة دور السلطان الملك الأشرف قد خرجت الى الأمير زين الدين كتبغا، مضمونها الشفاعة في أمره، وأنه لا يؤذى. وذكروه بمحبة السلطان له. وأنهم إنما قاموا في طلب ثأر السلطان، وقتل أعدائه. وأما هذا فهو أخلص أولياء السلطان بخدمته، وأدومهم على طاعته - هذا للفظ أو معناه؟ \" ، فسكن أمره في هذه الأيام الخمسة الماضية. فغضب الأمير علم الدين الشجاعي، واجتمع بالأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة وغيره من أكابر الأمراء. وقال: هذا الصاحب هو الذي أوقع بين السلطان ومماليكه وأمرائه ونائبه. وإنما قُتل السلطان بسبب هذا، فاتبع رأيه فيه.\rفلما كان في اليوم السادس، وهو اليوم الثاني والعشرين من المحرم، طلع الصاحب شمس الدين بن السلعوس الى قلعة الجبل، فحضر الى الأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة، فسلّمه للأمير علم الدين الشجاعي، فسلمه الشجاعي للأمير بهاء الدين قراقوش الظاهري، وكان من أعدائه، ليطالبه بالأموال فضربه ضرباً شديدً. فأنكر عليه الأمير علم الدين. ثم سيّره الى الأمير بدر الدين المسعودي، شاد الدواوين، وهو نشو ابن السلعوس. فإنه كان قد طلب من دمشق للمصادرة، لما قتل مخدومه الأمير حسام الدين طرنطاي، وكان يتولى ديوانه بالشام. فأحسن الصاحب إليه، وأفرج عنه، وولاه شد الدواوين بالديار المصرية. فلما سلّم إليه، عاقبه واستصفى أمواله. وكان يجلس لمصادرته وعقوبته في المدرسة الصاحبية التي بسويقة الصاحب بالقاهرة. ولم يزل يعاقبه الى أن مات تحت الضرب، وقيل إنه ضرب بعد موته، ثلاثة عشر مقرعة، ولم يعلم أنه مات. وكانت وفاته في يوم السبت عاشر صفر سنة ثلاث وتسعين وستمائة، ودفن بالقرافة.\rالخلف الواقع بين الأميرين علم الدين سنجر الشجاعي\rوزين الدين كتبغا، ومقتل الشجاعي","part":8,"page":368},{"id":3879,"text":"كان الأمير علم الدين الشجاعي قد استمر في الوزارة وتدبير الدولة، وأحكم أمرها، وهابه الناس. فلما كان في يوم الخميس، ثاني عشرين صفر، من هذه السنة، اجتمع الأمراء بمساطب باب القلعة على العادة، ينتظرون فتح باب القلعة، ليركبوا في خدمة الأمير زين الدين كتبغا، نائب السلطنة. فلم يشعروا إلا وقد خرجت رسالة على لسان الأمير جاندار، يطلب جماعة من الأمراء، وهم سيف الدين قبجاق، وبدر الدين عبد الله السلاح دار، وسيف الدين قبلاي، وركن الدين عمر السلاح دار أخو تمر، وسيف الدين كرجي، وسيف الدين طرقجي، فدخلوا الى الخدمة السلطانية. وقام الأمراء للركوب، فبينما هم يسيرون تحت القلعة، بالميدان الأسود، جاء إثنان من ألزام الأمير علم الدين الشجاعي، وهما الأمير سيف الدين قنغر، وولده حاروشي. فأخبرا الأمير زين الدين كتبغا أن الأمراء الذين استدعوا اعتقلوا، وأن الشجاعي قد دبّر الحيلة عليك وعلى الأمراء، إذا طلعتم الى القلعة، ودخلتم الى الخوان أن يقبض عليكم. فعرّف كتبغا الأمراء الذين معه في المواكب الصورة. فتوقفوا عن الطلوع الى القلعة، وتوهموا أن الشجاعي اتفق مع الأمراء المنصورية والأمراء البرجية، والمماليك السلطانية. وكان بالموكب الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار، والأمير سيف الدين برلغي، أمي مجلس، فأمسكوهما في الموكب، وأرسلوهما الى ثغر الاسكندرية.\rوأخبرني الأمير ركن الدين بيبرس، في ليلة الثامن من شوال سنة سبع وسبعمائة، أنه ضرب على رأسه بدبوس، وأراني أثر الضربة.\rوكان قد ذكر لي ذلك، في أثناء ذكره لسالف خدمة السلطان، وما لقيه وقاساه.\rولما مسكا، حصلت مفاوضة بين الأمير علم الدين سنجر البندقداري، وبين الأمير زين الدين كتبغا. فقال البندقداري له: ابن لاجين، أحضره. فقال: ما هو عندي. فقال: بل هو عندك. فجرد البندقداري سيفه ليضرب به كتبغا، فضربه بدر الدين بكتوت الأزرق، ممولك كتبغا بسيفه، حل كتفه ثم ألقوه عن فرسه، وذبح بسوق الخيل.\rوتوجه الأمير زين الدين كتبغا ومن معه من الأمراء، الى الباب المحروق وخرجوا منه ونزلوا بظاهر السور، وأمروا مماليكهم وألزامهم وأجنادهم أن يلبسوا عددهم. وأرسل الأمير زين الدين كتبغا نقباء الحلقة، وطلب المقدمين فحضروا إليه، وراسل السلطان الملك الناصر، في طلب الأمير علم الدين الشجاعي. وقال إن هذا قد انفرد برأيه في القب ضعلى الأمراء. وبلغنا عنه ما أنكرناه، ونختار حضوره ليحاقق عما نقل عنه. فامتنع عن الحضور. ثم طلع السلطان على البرج الأحمر، وتراءى للأمراء، فنزلوا وقبلوا الأرض من مواقفهم. وقالوا نحن مماليك السلطان، ولم نخلع يداً عن طاعة، وليس قصدنا إلا حفظ نظام الدولة، واتفاق الكلمة، وإزالة أسباب المضار والفساد عن المملكة. واستمر الحصار سبعة أيام، وكان الشجاعي ينزل إليهم، ويناوشهم القتال، ومعه طائفة من الأمراء وهم: الأمير سيف الدين بكتمر، السلاح دار، وسيف الدين طفجي، وجماعة من المماليك السلطانية. ثم فارقه الأمراء والمماليك، فكانوا يتسللون عشرة عشرة. فلما رأى حاله انتهت الى هذه الغاية، قال إن كنت أنا الغريم، فأنا أتوجه الى الحبس طوعاً مني، وأبرأ الى الأمراء مما نقل إليهم عني. وحضر الى باب الستارة السلطانية، وحلّ سيفه بيده، وذهب نحو البرج. وتوجه معه الأمير سيف الدين الأقوش، والأمير سيف الدين صمغار، ليحبساه بالبرج الجواني. فوثب عليه مملوك الأقوش، فقتله وحز رأسه. وأنزلوه الى الأمير زين الدين كتبغا، وقد لُفّ في بقجة. فأمر بأن يطاف برأسه القاهرة ومصر، وظواهرهما. فطاف به المشاعلية على رمح، وأشهروا قتله. ثم طلع الأمير زين الدين كتبغا والأمراء الى القلعة، في يوم الثلاثاء سابع عشرين صفر، وأفرج عن الأمراء الذين اعتقلوا، وجددت الأيمان، وأنزل من كان بالأبراج والطباق، من المماليك السلطانية، الذين اتهموا بهذه الفتنة. فأُسكنت طائفة منهم في مناظر الكبش، وطائفة في دار الوزارة، وطائفة في الميدان الصالحي والميدان الظهري. واعتقل منهم جماعة. وكان من خبرهم، بعد ذلك، ما نذكره في سنة أربع وتسعين وستمائة.\rعدة حوادث كانت في سنة ثلاث وتسعين وستمائة\rخلاف ما قدمناه من ولاية وعزل وغير ذلك، والوفيات","part":8,"page":369},{"id":3880,"text":"في هذه السنة، في تاسع عشر صفر، عزل قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة الشافعي عن القضاء بالديار المصرية. وأعيد قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز الى القضاء. واستقر قاضي القضاة بدر الدين في تدريس مدرسة الشافعي ومشهد الحسين. فلم يزل كذلك، الى أن توفي قاضي القضاة، شهاب الدين محمد بن أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر الخويي قاضي القضاة الشافعي بدمشق. وكانت وفاته بدمشق في يوم الخميس، خامس عشر شهر رمضان من هذه السنة. ومولده في رابع عشرين شوال، سنة ست وعشرين وستمائة، وقيل في رجب من السنة. ففوض الملك الناصر محمد بن قلاوون القضاء بعد وفاته لقاضي القضاة، بدر الدين بن جماعة، فتوجه الى الشام. وكان وصوله الى دمشق في رابع عشر ذي الحجة من السنة.\rوفيها، في تاسع عشرين صفر فوضت الوزارة للصاحب الوزير تاج الدين محمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب الوزير بهاء الدين علي، المعروف بابن حنا. وفوضت وزارة الصحبة، لابن عمه الصاحب عز الدين ابن الصاحب محيي الدين ابن الصاحب بهاء الدين، وكانا يجلسان جميعاً في شباك الوزارة، وبوقع الصاحب تاج الدين.\rوفيها، في سلخ صفر. أفرج عن الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي. وكان الملك الأشرف قد اعتقله، في يوم السبت ثاني شوال، سنة اثنتين وتسعين وستمائة.\rوفيها، في يوم عيد الفطر، ظهر الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر المنصوريان، من الاستتار، وكانا عند هربهما، أطلعا الأمير سيف الدين بتخاص الزيني، مملوك كتبغا على حالهما. فأعلم أستاذه بهما، وتلطف في أمرهما. فتحدث الأمير زين الدين كتبغا مع السلطان، فعفا عنهما، وأمّرهما كما كانا أول مرة. وتلطف كتبغا في إظهار لاجين تلطفاً حسناً. وهو أنه تحدث مع الأمير بدر الدين بكتاش الفخري، أمير سلاح في إحضاره. فركب معه، ووقف تحت قلعة الجبل، ولم يزل الى أن أذن له، وأصلح بينه وبين الأمراء والمماليك السلطانية، وزال ما بينهم من الوحشة. وكان كتبغا في أمر لاجين، كالباحث عن حتفه بظلفه. فإنه فعل معه، ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوفي هذه السنة، قصر النيل فلم يوف، وانتهت زيادته الى خمسة عشر ذراعاً، وثلث ذراع. فارتفعت بسبب ذلك الأسعار. وكان من الغلاء ما نذكره بعد.\rوفي هذه السنة، في رابع عشرين ربيع الأول، كانت وفاة الملك شهاب الدين غازي ابن الملك المعز مجير الدين يعقوب ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب، بداره بالخور بدمشق، ودفن بتربتهم بقاسيون، رحمهم الله تعالى.\rوفيها، كانت وفاة الصاحب فخر الدين ابراهيم بن لقمان الأسعردي. وقد قدمنا ذكر وزارته مرة بعد أخرى. وكان إذ عزل عن الوزارة، أخذ دواته وعاد الى ديوان الإنشاء، وكتب من جملة الكتاب. وأصله من المعدن، من أعمال أسعرد. فلما فتح الملك الكامل آمد، كان ابن لقمان يكتب على عرصة الغلة، وينوب عن ناظر البيوت بها. وكان بهاء الدين زهير، صاحب ديوان الإنشاء للملك الكامل، وبعده للملك الصالح، وهو يومئذ وزير الصحبة. فكانوا يستدعون من صاحب أسعرد أصنافاً، فتأتي الرسائل بالأصناف بخط ابن لقمان، فتعرض على بهاء الدين زهير، فيعجبه خطه وعبارته. فطلبه فحضر الى خدمته، وتحدث معه، فعرض عليه أن يسافر صحبته الى الديار المصرية، فأجاب الى ذلك. وسر به، فاستصحبه معه، وناب عنه بديوان الإنشاء الى الأيام الصالحية. ثم استقل بعد ذلك بصحابة ديوان الإنشاء، ووزر كما تقدم. ولما انفصل من الوزارة قال: جاءت فما كثّرت، وراحت فما أثّرت. وله نظم حسن، وقد قدمنا ذكر شيء من كلامه، رحمه الله تعالى.\rوفيها، في يوم الخميس، منتصف جمادى الآخرة، توفي الأمير بدر الدين بكتوت العلائي، وكانت وفاته بالقاهرة. وقد عظم شأنه، وسمت همته، حتى تعرض لطلب بعض الأكابر الأمراء الخاصكية الأشرفية، مقدمي الألوف. فيقال إنه سقي سماً فمات، سامحه الله تعالى.\rوفيها، في يوم الخميس، خامس شعبان، توفي الملك الحافظ غياث الدين أبو عبد الله محمد ابن الملك السعيد معين الدين بن شاهانشاه ابن الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فروخ شاه بن شاهانشاه بن أيوب، وصُلي عليه بعد صلاة الجمعة بجامع دمشق، ودفن بتربة ابن المقدم، بمقبرة باب الفراديس، رحمه الله.\rواستهلت سنة أربع وتسعين وستمائة","part":8,"page":370},{"id":3881,"text":"1294 - 1295\rفتنة المماليك\rلما كان في ليلة العاشر من المحرم، من هذه السنة، تجمعت المماليك السلطانية، الذين في الكبش، ومناظر الموادين، وحرقوا باب السعادة، ودخلوا منه الى المدينة. وطلبوا خوشداشيتهم المعتقلين بها، الذين بدار الوزارة، للركوب معهم، فما أجابوهم لذلك. فكسروا خزانة البنود، وأخرجوا من كان بها من خوشداشيتهم، ونهبوا الاسطبلات التي تحت القلعة. وركبوا الخيول، وداروا عليها تحت القلعة، من جهة سوق الخيل، طول الليل. فلما كان من الغد، ركب الأمراء الذين في القلعة وقصدوهم، وتصافّوا واقتتلوا يسيراً. ثم جاء الأمير سيف الدين الحاج بهادر، السلاح دار، الحلبي، وهو يومئذ أمير حاجب، فهزمهم فتفرقوا في ضواحي القاهرة وشوارعها، فأُخذوا وجيء بهم. وجلس الأمير زين الدين كتبغا بباب القلعة، وضربت رقاب بعضهم بين يديه، وفرق بعضهم على الأمراء، وغرّق بعضهم سراً. وكانت هذه الحادثة سبباً لحركة الأمير زين الدين وركوبه في السلطنة.\rسلطنة السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري\rوهو العاشر من ملوك دولة الترك بالديار المصرية كان جلوسه على تخت السلطنة في يوم الأربعاء، حادي عشر المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة. وكان سبب ذلك، أنه لما ملك السلطان الملك الناصر، واستقر هو في نيابة السلطنة كما تقدم، شرع يمهد القواعد لنفسه في مدة نيابته، ويقرر الأحوال، ويستميل الأمراء. فلما كان في أول هذه السنة، انقطع في دار النيابة، بقلعة الجبل، وادّعى الضعف. وإنما كان انقطاعه لتقرير أمر السلطنة له. وركب السلطان الملك الناصر، وجا الى دار النيابة للسلام عليه وعيادته فلما اتفقت فتنة المماليك المتقدمة، جلس الأمير زين الدين كتبغا في اليوم الثاني منها، بدار النيابة. وجمع الأمراء، وذكر لهم أن ناموس السلطنة، وحرمة المملكة، لا يتم لصغر سن السلطان الملك الناصر. فاجتمعت آراء الأمراء على إقامة الأمير زين الدين كتبغا في السلطنة. وحلفوا له، وقُدم له فرس النوبة بالرقبة الملوكية، وعليها ألقابه. وركب من دار النيابة، قبل أذان العصر، من هذا اليوم. ودخل من باب القلة الى الأدر السلطانية، والأمراء مشاة في خدمته. ودخل على تخت السلطنة، وتقلب بالملك العادل. وحجب السلطان الملك الناصر، وجعله في بعض القاعات هو وأمه. وعامله بما لا يليق أن يعامله به. فكانت مدة سلطنة الملك الناصر هذه - وهي السلطنة الأولى - سنة واحدة إلا ثلاثة أيام. ولم يكن له في هذه المدة من الأمر شيء. وإنما جرى عليه أمر السلطنة، وخطب باسمه على المنابر، وضربت السكة باسمه. وأما غير ذلك من الأمر والنهي، والولاية والعزل، والإطلاق والمنع، والتأمير وإعطاء الإقطاعات، وغير ذلك من الأوامر، فللأمير زين الدين كتبغا النائب، الملقب الآن بالملك العادل.\rوفي يوم الخميس ثاني عشر المحرم، مد الملك العادل زين الدين كتبغا سماطاً عظيماً، وجلس على عادة الملوك. ودخل الأمراء إليه، وقبلوا يده، وهنوه بالسلطنة وخلع على الأمير حسام الدين لاجين المنصوري، وفوض إليه نيابة السلطنة، وجعل الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي، أمير جاندار، والأمير يسف الدين الحاج بهادر الحلبي، أمير حاجب. وأمر أن تُجهّز الخلع لسائر الأمراء والمقدمين، وللوزيرين الصاحب تاج الدين وابن عمه عز الدين، وقضاة القضاة وأرباب المناصب، ومن جرت عادتهم بالخلع، والمماليك السلطانية الذين كانوا بدار الوزارة، كونهم لم يوافقوا خوشداشيتهم، على إقامة الفتنة.\rوركب الناس بالتشاريف، في يوم الخميس، تاسع عشر المحرم. ولما جلس على تخت السلطنة، كتب الى نائب السلطنة بدمشق، وسائر النواب بالممالك الشامية والأعمال، يخبرهم بخبر سلطنته، ويطلب منهم بذل اليمين. وكل أجاب بالسمع والطاعة، وبادر الى الحلف، وما اختلف عليه إثنان.","part":8,"page":371},{"id":3882,"text":"ومن غريب ما حكي في أمر الملك العادل هذا، أن هولاكو لما استولى على حلب، وملك الشام أجمع، كما تقدم، وعزم على تجريد العساكر الى الديار المصرية، أحضر نصير الدين الطوسي، وقال له: تكتب أسماء مقدمي عساكري، وتنظر أيهم يملك مصر، ويجلس على تخت السلطنة بها. فكتب أسماءهم، وحسب ودقق النظر، فما ظهر له، أنه يملك الديار المصرية إلا كتبغا، فذكر ذلك لهولاكو. وكان كتبغا نوين صهر هولاكو، فقدّمه على العساكر وسيره، فقتل في وقعة عين جالوت، كما تقدم. وكان كتبغا هذا، في عسكر كتبغا نوين، فسبي وهو شاب. ولعله كان في سن بلوغ الحلم أو نحوه. وأخّر الله السلطنة بالديار المصرية لهذا الاسم. وكان بين الحادثين ست وثلاثون سنة.\rولما ملك كتبغا، شرع في تأمير مماليكه وتقدمتهم. فكان أول من أمر منهم أربعة، وهم سيف الدين بتخاص، وجعله أستاذ الدار، وسيف الدين أغرلو وبدر الدين بكتوت الأزرق، وسيف الدين قطلوبك. وركب هؤلاء بالإمرة في يوم واحد. وركب هو بشعار السلطنة على عادة الملوك في يوم الأربعاء، مستهل شهر ربيع الأول. وأقر نواب السلطنة على حالهم في الأيام الناصرية وفوض الوزارة بدمشق للصاحب تقي الدين توبة التكريتي على عادته، في الأيام المنصورية. وكان وصوله الى دمشق، لمباشرة هذه الوظيفة، في سادس عشر صفر. وكتب السلطان له توقيعاً، برد ما أخذ منه، في الدولة الأشرفية.\rتفويض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر بن الخليل\rوفي يوم الثلاثاء، خامس عشرين جمادى الأولى من هذه السنة، عزل السلطان الصاحب تاج الدين، وفوض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن الخليلي. وكان هذا الصاحب فخر الدين قد ولي نظر ديوان الملك الصالح علاء الدين علي ابن السلطان الملك المنصور. فلما مرض واشتد به الوجع، دخل الصاحب فخر الدين عليه وبكى، وأظهر الألم الشديد وقال أخشى إن قدر الله تعالى أمراً محتوماً، والعياذ بالله، أن أوذي، ويتمكن مني الأمير علم الدين الشجاعي. وطلب الملك الصالح والده السلطان الملك المنصور وأوصاه أن لا يتعرض إليه. ولا الى أحد من ديوانه بأذية، وأن لا يمكن الأمير علم الدين الشجاعي منهم. فلما مات الملك الصالح، أحسن السلطان المنصور إليه، وولاه نظر النظار بالديار المصرية، ونظر الصحبة، ثم عزل في الدولة الأشرفية. وباشر نظر ديوان الملك العادل، في مدة نيابته عن السلطنة، وفوض إليه نظر الدواوين، ثم الوزارة.\rوفي هذه السنة، قصر النيل ولم يوف، فحصل الغلاء واشتد البلاء بالديار المصرية. وتوقف الغيث بالشام، فاستسقى الناس، مرة بعد أخرى، وأجدبت برقة وأعمالها، وبلاد المغرب ونواحيها. وعمّ الغلاء أكثر البلاد والممالك، شرقاً وغرباً وحجازاً. واختصت مصر من ذلك البلاء العظيم. وبلغ سعر القمح عن كل أردب مائة درهم وخمسين درهماً، والشعير مائة درهم. واستمر الى سنة خمس وتسعين وستمائة.\rوفيها، فوض السلطان قضاء العساكر بالشام، للقاضي نجم الدين محمد بن صصري وكان بالديار المصرية. فعاد الى دمشق متولياً هذه الوظيفة، وكان وصوله إليها في يوم الثلاثاء سادس عشرين شهر رمضان.\rوفيها، فوض السلطان الملك العادل، الخطابة والإمامة، بالجامع الأموي بدمشق، لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة، مضافاً الى ما بيده من القضاء والتدريس. فصلى بالناس صلاة الظهر، من يوم الخميس الخامس من شوال، وخطب يوم الجمعة السادس من الشهر، واجتمع له القضاء والخطابة، ولم يجتمع ذلك لقاضي قبله بدمشق، فيما عرفناه، ونقل إلينا.\rالقبض على الأمير عز الدين أيبك الخازندار نائب السلطنة بالفتوحات\rوولاية الأمير عز الدين أيبك الموصلي المنصوري","part":8,"page":372},{"id":3883,"text":"وفي هذه السنة، رسم السلطان الملك العادل، بالقبض على خوشداشه، الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصوري، نائب السلطنة، بالفتوحات الطرابلسية. وندب لذلك أميرين، فتوجها الى دمشق على خيل البريد، فوصلا إليها، في تاسع عشرين شوال. وجرد من دمشق الأمير عز الدين أيبك كرجي، والأمير سيف الدين استدمر كرجي بسبب ذلك. فلما توجهوا إليه، لم يمتنع عليهم، وقال: قد كنت عزمت على مفارقة هذه المملكة. والتوجه الى باب السلطان، فقبض عليه. وكان وصوله الى الأبواب السلطانية، في يوم الخميس حادي عشرين ذي القعدة من السنة، فاعتقل. واستمر في الاعتقال، الى يوم الخميس رابع عشرين صفر سنة خمس وتسعين وستمائة. ولما قبض عليه، فوضت نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات، للأمير عز الدين أيبك الموصلي المنصوري.\rوفيها أيضاص، رسم بالحوطة على القاضي مجد الدين يوسف بن القباقبي ناظر المملكة الطرابلسية. وندب الأمير شمس الدين الأعسر لذلك. فتوجه الى طرابلس، في العشر الأوسط من شوال، وأوقع الحوطة على موجوده. فيقال إنه وجد في جشاره، ما ينيف على سبعين رأس بغالاً وأكاديش جياد. وجهز الى الديار المصرية، فتكمل حمله، فيما ادعاه ألف ألف درهم. ثم أعيد بعد ذلك الى نظر المملكة الطرابلسية، وكأنه لم يصادر. فبلغني أنه جلس ليلة، وهو يضحك مع أصحابه بطرابلس. فقال له بعضهم: أخذ منك ألف ألف درهم، وأنت تضحك. فقال: والله أقدر أنفق في جيش مصر - وأرى أن هذا الكلام، إن كان قاله، فهو من التغالي في القول - والله أعلم.\rوفاة الملك المظفر يوسف بن عمر صاحب اليمن\rوفي هذه السنة، كانت وفاة الملك المظفر شمس الدين أبي المظفر يوسف ابن الملك المنصوري نور الدين عمر بن علي بن رسول، صاحب اليمن، في شهر رمضان، بقلعة تعز. وكان جواداً شهماً، عفيفاً عن أموال الرعايا، قليل التطلع الى ما بأيديهم، حسن السيرة فيهم، يمنع أصحابه من التطرق الى ظلم أحد. وكانت مدة ملكه، بالبلاد اليمانية، نحو خمس وأربعين سنة.\rوكان للملك المظفر من الأولاد خمسة، وهم الملك الأشرف ممهد الدين عمر، والملك المؤبد هزبر الدين داود، والواثق ابراهيم، والملك المسعود تاج الدين حسن، والملك المنصور زين الدين أيوب. وللملك المسعود هذا ولد اسمه أسد الإسلام محمد. وللملك المنصور ولد اسمه مأمور الدين عيسى. ولما مات الملك المظفر هذا، ملك بعده ولده الملك الأشرف ممهد الدين عمر، وهو ولي عهده. فلما ملك نازعه أخوه الملك المؤيد هزبر الدين داود في الملك. وكان المؤيد يوم ذاك ببلاد الشحر، فجمع جمعاً من الجحافل، وتوجه الى ثغر عدن، وحاصر الثغر ثلاثة عشر يوماً. وكان متوليه الأمير سيف الدين بن برطاس، فملك المؤيد الثغر، واستولى على ما به. فاقترض أموال التجار وأموال الأيتام التي بمودع الحكم. وتوجه من ثغر عدن نحو تعز. فجرد الملك الأشرف لقتاله الشريف علي بن عبد الله، بجماعة من الجيش، وولده جلال الدين بن الأشرف. فتوجهوا والتقوا، فيما بين تعز وعدن، بمكان يسمى الدعيس. واقتتلوا فخذل الجحافل المؤيد، وتفرقوا عنه، وبقي في نفر يسير. فتقدم إليه جلال الدين ابن أخيه، وأشار عليه بالدخول في الطاعة، وحذر عاقبة المخالفة. وقال له: الملك الأشرف أخوك، ولا يقتلك، وأنت بينك وبين الأشراف حرب قبل هذا الوقت، فإن ظفروا بك قتلوك. وأشار عليه بعض أصحابه بمثل ذلك، فرجع الى قولهم، ورجع الى الطاعة. فأراد جلال الدين أن يتوجه به الى والده الملك الأشرف على حاله. فامتنع عليه الشريف علي بن عبد الله، وقال: إن أمر هذا الجيش إلي. وقيّد المؤيد، وحمله الى قلعة تعز، فاعتقله بها الى أن مات الملك الأشرف. وكانت وفاته في سنة ست وتسعين وستمائة. فأخرج من الاعتقال ليلاً، قبل دفن أخيه، فأمر بدفنه. وأصبح الحراس بالقلعة، فدعوا للملك المؤيد، وترحّموا على الملك الأشرف. وكان مُلك المؤيد باتفاق عمته الشمسية، وقيامها في أمره. واستمر في الملك الى أن مات، في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى. في موضعه.\rوفيها، في يوم السبت، رابع شهر ربيع الأول، توفي الأمير بدر الدين بكتوت الأقرعي بدمشق، ودفن بمقابر باب الصغير.","part":8,"page":373},{"id":3884,"text":"وفيها، كانت وفاة الصاحب عز الدين ابن الصاحب محيي الدين أحمد ابن الصاحب الوزير بهاء الدين علي بن محمد، رحمهم الله تعالى.\rوفيها، في شهر رجب توفي بالقاهرة، الأمير بدر الدين بكتوت الفارسي الأتابكي، رحمه الله تعالى.\rوفيها، في وقت السحر، من يوم السبت عاشر شعبان، توفيت ملكة خاتون، ابنة الملك الأشرف موسى ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب. وهي زوجة الملك المنصور ابن الملك الصالح اسماعيل وأم ولديه. وهي التي كان ناصر الدين بن المقدسي أثبت سفهها في الدولة المنصورية، واستعاد أملاكها من سيف الدين المسامري وغيره، كما تقدم ذكر ذلك، رحمهما الله تعالى.\rواستهلت سنة خمس وتسعين وستمائة 1295 - 1296 في هذه السنة، اشتد الغلاء بالديار المصرية، وكثر الوباء وانتهى سعر القمح الى مائة درهم وسبعة وستين درهماً، عن كل أردب، وقيل إنه بلغ مائة وثمانين. وأعقب ذلك وباء عظيم. وغلت الأسعار في سائر الأصناف. وبلغ ثمن الفرج عشرين درهماً. وسمعت أن بعض الناس اشترى فراريج لمريض عنده، فوزن لحمها، فكان بوزن الدراهم التي اشتراه بها. فتقوّم عليه لحم الفراريج، الدرهم بدرهم فضة. وبيعت البطيخة، الرطل بأربعة دراهم نقرة. وأبيعت السفرجلة، بثلاثين درهماً، هذا بالقاهرة ومصر. وأما الصعيد الأعلى، وهو عمل قوص وما يجاوره، فإن القمح لم يزد ثمنه، على خمسة وتسعين درهماً الأردب. وأعقب هذا الغلاء بالقاهرة فناء عظيم. كان يحصر من يخرج من باب المدينة من الأموات في اليوم الواحد، فيزيد على سبعمائة أو نحوها، هذا من داخل المدينة، من أحد الأبواب. والقاهرة بالنسبة الى ظواهرها، كالشارع الأعظم، والحسينية والأحكار، جزء لطيف. وعجز الناس عن دفن الأموات أفراداً، فكانوا يحفرون الحفرة الكبيرة، ويرصّ فيها الأموات، من الرجال والنساء، ويُجعل الأطفال بين أرجلهم، ويردم عليهم. وبعض الأموات لم يجدوا من يواريهم في قبورهم، فأكلتهم الكلاب، وأكل الأحياءُ الكلاب. وكان الفناء أيضاً بالأعمال البرانية عن القاهرة ومصر، حتى خلت بعض القرى وأطراف المدينة، لفناء أهلها بالموت.\rثم انحطت الأسعار بالديار المصرية في شهر رجب، ونزل سعر القمح الى خمسة وثلاثين درهماً الأردب، والشعير بخمسة وعشرين درهماً الأردب وكان أكبر أسباب هذا الغلاء وتزايده بالديار المصرية، خلو الأهراء السلطانية من الغلال، وذلك أن السلطان الملك الأشرف، كان قد فرّق الغلال، وأخلى الأهراء منها بالإطلاقات للأمراء وغيرهم، حتى نفد ما في الأهراء. وقصر النيل بعد ذلك، فاحتاج وزير الدولة الى مشتري الغلال للمؤونة والعليق، فتزايدت الأسعار بسبب ذلك.\rوفيها أيضاً، قل المطر بدمشق وبلاد حوران، وجفّ الماء حتى شق ذلك على المسافرين. فكان المسرف يسقي دابته بدرهم، ويشرب بربع درهم. فلما اشتد ذلك على الناس، أشار قاضي القضاة، بدر الدين محمد بن جماعة، بقراءة صحيح البخاري بدمشق. وتقرر الاجتماع لسماعه بالجامع الأموي، تحت النسر في سابع صفر. وطُلِب الشيخ شرف الدين الغزاري لقراءته. فأنزل الله تعالى الغيث في تلك الليلة قبل الشروع في القراءة. ثم قرئ الصحيح، ووقع المطر في آخر يوم من كانون الأول، واستمر يومين وبعض ليلة، فاستبشر الناس بذلك وترادف نحو جمعه. ثم جاء بعد ذلك ثلج كثير، في مستهل شهر ربيع الأول. ثم ارتفع السعر، وبلغ سعر القمح، عن كل غرارة مائة درهم، وخمسة وستين درهماً. واشتد الغلاء بالحجاز أيضاً فأبيعت غرارة الشعير بالمدينة، بسبعمائة درهم، وغرارة القمح بألف درهم. وأبيعت بمكة، شرفها الله تعالى، بألف درهم ومائة درهم. ثم جاء المطر بدمشق في ثاني جمادى الآخرة.\rحادثة عجيبة بالشام","part":8,"page":374},{"id":3885,"text":"وفي هذه السنة، في العشر الأول من المحرم، استفاض بدمشق وشاع، وكثر الحديث عن قاضي جبة أعسال، من قرى دمشق، أنه تكلم ثور بقرية من قرى جبة أعسال. وهو أن الثور خرج ليشرب من ماء هناك، ومعه صبي فلما فرغ من شربه، حمد الله، فتعجب الصبي. وحكى ذلك لمالك الثور، فشك في قوله. وخرج في اليوم الثاني بنفسه، فلما شرب الثور، حمد الله. وحضر في اليوم الثالث جماعة، وسمعوه يحمد الله، بعد شربه. فكلمه بعضهم، فقال الثور: إن الله كان قد كتب على الأمة سبع سنين جدباء ولكن بشفاعة النبي، صلى الله عليه وسلم، أبدلها الله بالخصب. وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمره بتبليغ ذلك، وأنه قال له يا رسول الله، ما علامة صدقي عندهم. قال: إنك تموت عقيب الأخبار. - قال الحاكي لذلك - ثم تقدم الثور الى مكان مرتفع فسقط ميتاً. فأخذ أهل القرية من شعره للتبرك، وكفن ودفن. حكى هذه الحادثة، شمس الدين محمد بن ابراهيم الجزري في تاريخه حوادث الزمان، والله أعلم.\rوفيها، في العشر الأوسط، من شهر ربيع الآخر، قتل بدمشق جماعة بالليل في الدروب. ومعظم من قتل، من حراس الدروب، واستمر ذلك عدة ليال. وفي كل يوم يوجد قتيل وإثنان. ولم يعدم لأحد شيء، مع ذلك، ولا سرق منزل. فاحترز متولي المدينة في ذلك. وبقي يركب طول الليل، في جماعة كثيرة، ويطوف البلد، والأمر يتزايد. فلما كان في العشر الأوسط، من جمادى الأولى، مُسك فقير مولّه، فاعترف أإنه هو الذي قتل الحراس، فسمر وبقي يومين، ثم خنق في اليوم الثالث.\rوفود الأويراتية من بلاد التتار\rفي هذه السنة، وردت طائفة من التتار، تسمى الأويراتية، ومقدمهم طرغاي، ووصلوا الى الشام. وكانوا على ما قيل، ثمانية عشر ألف بيت. وكان السبب في هربهم من بلادهم، أن طرغاي، هذا المذكور، كان متفقاً مع بيدو ابن طرغاي على قتل كيختو. فلما صار الملك الى غازان، خافه طرغاي على نفسه، أن يقتله بعمه كيختو. وكان مقيماً بتمانه بين بغداد والموصل. وكان اشتبغا مقيماً بتمانه بديار بكر. فأرسل غازان بولاي ومعه تمان الى ديار بكر، عوضاً عن اشتبغا، وأوصاه بحفظ الطرقات على طرغاي، وأن يساعد من يندب لقتله، ثم جهز غازان أميراً يسمى قطغوا في ثمانين فارساً للقبض على طرغاي ومن معه، من أكابر قبيلة أويرات. فاتفق طرغاي، ومن معه من الأمراء، وهم ألوص وككباي، وقتلوا قطغوا ومن معه. وعبروا الفرات الى جهة الشام، فتبعهم بولاي بتمانه، فقاتلوه وهزموه، وقتلوا أكثر من معه.\rولما وردت مطالعات نواب الشام الى السلطان الملك العادل بوصولهم، اهتم بأمرهم. وكتب الى نائب السلطنة بدمشق، أن يتوجه الأمير علم الدين سنجر الدواداري، بجماعة الى الرحبة لتلقيهم. فتوجه من دمشق في غرة شهر ربيع الأول. ثم توجه بعده، الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، شاد الدواوين بالشام، ليلقاهم أيضاً. وجهّز السلطان أيضاً، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري، من الديار المصرية الى دمشق، بسبب ذلك، فوصل إليها في ثاني عشرين شهر ربيع الأول. ثم أردفه بالأمير سيف الدين بهادر الحاج الحلبي الحاجب، فأقاما بدمشق، الى أن وصل أعيان الأويراتية الى دمشق، صحبة الأمير شمس الدين الأعسر. وكان وصولهم في يوم الاثنين، ثالث عشرين شهر ربيع الأول، وعدتهم مائة وثلاثة عشر نفراً، والمقدم عليهم طرغاي، ومن أكابرهم ألوص وككباي. فتلقاهم نائب السلطنة والأمراء، واحتفل بقدومهم احتفالاً كبيراً. ثم توجه بهم الأمير شمس الدين قراسنقر، الى الديار المصرية في يوم الإثنين سابع عشر ربيع الأول. وتوجه بعده الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحاجب، على خيل البريد الى الأبواب السلطانية، في حادي عشر الشهر. ولما وصلوا الى باب السلطان بالغ في إكرامهم، وأحسن إليهم، وخلع عليهم، وأمّرهم بالطبلخاناة. وهم على دين الكفرة، ويأكلون في شهر رمضان، ولا يذبحون الخيل ذبيحة ولا نحراً، بل يربطون الفرس، ويضربونه على وجهه حتى يموت، فيأكلونه بعد ذلك. وكانوا يجلسون مع الأمراء بباب القلة، فأنفت نفوس الأمراء من ذلك وكرهوه، حتى أوجب ذلك خلع السلطان، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.","part":8,"page":375},{"id":3886,"text":"وأما بقية الأويراتية، فإن السلطان كتب إلى الأمير علم الدين سنجر الدواداري أن يتوجه بهم الى الساحل فينزلهم به، فتوجه بهم. ولما مروا بمدشق، أنزلهم بالمرج، ولم يمَكّن أحداً منهم من دخول المدينة. ورسم بإخراج الأسواق إليهم للبيع والشراء بالمرج، الى الكسوة والصنمين. وفعل ذلك في كل منزلة الى وصل بهم الى أراضي عثليت، وامتدوا في بلاد الساحل. ورسم السلطان بإقامة الأمير علم الدين سنجر الدواداري معهم، الى أن يحضر السلطان الى الشام، ومات منهم خلق كثير. وأخذ الأمراء أولادهم الشباب للخدمة، وكانوا من أجمل الناس، وتزوج الجند وغيرهم من بناتهم. ثم انغمس من بقي منهم في العساكر، وتفرقوا في الممالك الإسلامية، ودخلوا في دين الإسلام. وبقاياهم في الخدمة الى وقتنا هذا.\rوفاة قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن بن بنت الأعز\rوتفويض القضاء للشيخ ابن دقيق العيد وفي هذه السنة، في يوم الخميس، سادس عشر جمادى الأولى، توفي قاضي القضاة، تقي الدين أبو القاسم عبد الرحمن ابن قاضي القضاة تاج الدين أبي محمد عبد الوهاب بن بنت الأعز، قاضي القضاة الشافعي، بالديار المصرية، ودفن بالقرافة، في تربة والده، رحمهما الله. وفي يوم وفاته، توفي كاتبه نور الدين بن السوسي، وكان خصيصاً به. وحملت جنازتاهما معاً.\rوقد قدمنا من ذكر أخبار قاضي القضاة تقي الدين هذا وولاياته القضاء والوزارة ونظر الخزائن، ما نستغني الآن عن إعادته، رحمه الله تعالى. ولما مات، فوض السلطان قضاء القضاة بالديار المصرية، لشيخنا الإمام العلامة، تقي الدين بقية المجتهدين أبي الفتح محمد ابن شيخ الإسلام مجد الدين علي بن وهب بن مطيع القشيري، المعروف بابن دقيق العيد. وكانت ولايته في يوم السبت ثامن عشر الشهر المذكور. ولما ولي القضاء كان كثير التطلع الى أخبار نوابه بالأعمال البرانية. وكان يذكرهم بكتبه المشتملة على المواعظ والتحذيرات، من عواقب الغفلة والإهمال. فكان مما كتب به، الى بعض نوابه، في سنة سبع وتسعين. وقيل إنه كتب الى جميع النواب مثل ذلك. وكان مضمون كتابه الذي نقلت نسخته هذه: بسم الله الرحمن الرحيم، الفقير الى الله تعالى، محمد بن علي.\r\" يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودُها الناسُ والحجارةُ عليها ملائكة غلاظٌ شدادٌ لا يَعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون \" . هذه المكاتبة الى، فلان، وفقه الله لقبول النصيحة، وأتاه لما يقر به قصداً صالحاً، ونية صحيحة. أصدرناها إليه، بعد حمد الله الذي \" يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور \" ، ويمهل حتى يلتبس الإمهال بالإهمال على المغرور، تذكّره بأيام الله، \" وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون \" . وتحذره صفقة من باع الآخرة بالدنيا، فما أحد سواه مغبون. عسى أن يرشده بهذا التذكار وينفعه وتأخذه هذه النصائح بحجزته عن النار، فإني أخاف أن يتردى، فيجز من ولاه، والعياذ بالله، معه.\rوالمقتضى لإصدارها ما لمحناه من الغفلة المستحكمة على القلوب، ومن تقاعد الهمم عن القيام بما يحبّ الرب على المربوب، ومن أنسهم بهذه الدار وهم يزعجون عنها، ومن علمهم بما بين أيديهم من عقبة كؤود، وهم لا يتحققون منها، ولاسيما القضاة الذين يحملون عبء الأمانة، على كواهل ضعيفة، وظهروا بصور كبار، وهمم نحيفة. والله إن الأمر لعظيم، وإن الخطب لجسيم، ولا أرى مع ذلك أمناً ولا قراراً، ولا راحة، اللهم إلا رجلاً نبذ الآخرة وراءه، واتخذ إلهه هواه، وقصر همه وهمته على حظ نفسه من دنياه. فغاية مطلبه الحياة والمنزلة في قلوب الناس وتحسين الزي والملبس، والركبة والمجلس، غير مستشعر خيبة حاله، ولا ركاكة مقصده، فهذا لا كلام معه، فإنك لا تسمع الموتى، وما أنت بمسمع من في القبور. فاتق الله الذي يراك حين تقوم؛ واقصر أملك عليه، فالمحروم من أمله غير مرحوم. وما أنا وأنتم أيها النفر، إلا كما قال حبيب العجمي، وقد قال له قائل: ليتنا لم نخلق فقال قد وقعتم فاحتالوا. وإن خفي عليك بعض هذا الخطر، وشغلتك الدنيا، أن تقضي من معرفته الوطر. فتأمل من كلام المبوة القضاة ثلاثة، وقوله صلى الله عليه وسلم لمن خاطبه مشفقاً عليه: لا تأمرن على إثنين، ولا تَلين مال اليتيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.","part":8,"page":376},{"id":3887,"text":"وما أنا والسير في متلف ... يبرح بالذّكر الضابط\rهيهات جف القلم، ونفذ أمر الله، ولا راد لما حكم. ومن هناك شمّ الناس في الصديق رضي الله عنه، رائحة الكبد المشوي. وقال الفاروق: ليت أم عمر لم تلده. واستسلم عثمان وقال من أغمد سيفه، فهو حر. وقال علي: - والخزائن بين يديه مملوءة - من يشتري مني سيفي هذا، ولو وجدت ما ما أشتري به رداء ما بعته. وقطع الخوف نياط قلب عمر بن عبد العزيز، فمات من خشية العرض. وعلق بعض السلف في بيته سوطاً، يؤدب به نفسه إذا فتر. أفترى ذلك سدى؟ أو وضح إنا نحن المقربون وهم البعداء؟ وهذه أحوال لا توجد في كتاب السلم ولا الإجارة ولا الجنايات. نعم إنما تنال بالخضوع والخشوع، وبأن تظمأ وتجوع، وتحمي عينك الهجوع. ومما يعينك على الأمر الذي دعوت إليه، ويزودك في سيرك الى الغرض عليه، أن تجعل لك وقتاً تعمره بالفكر والتدبير، وأناة تجعلها معدة لجلاء قلبك. فإنه إن استحكم صدأه، صعب تلافيه. واعرض عنه من هو أعلم بما فيه، واجعل أكثر همومك لاستعداد المعاد، والتأهب لجواب الملك الجواد. فإنه يقول: \" فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون \" .\rومهما وجدت من همتك قصوراً، واستشعرت من نفسك عما بدا إليها نفوراً، فاجأر إليه وقف ببابه واطلب منه، فإنه لا يعرض عمق صدق، ولا تعزب عن علمه خفايا الضمائر، ألا يعلم من خلق.\rوهذه نصيحتي إليك، وحجتي بين يدي الله، إن فرطتَ، عليك، اسأل الله لي ولك، قلباً واعياً، ولساناً ذاكراً، ونفساً مطمئنة، بمنّه وكرمه.\rوفي هذه السنة، عزل القاضي جمال الدين بن الشربشي نفسه من نيابة الحكم بدمشق، عن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وذلك في الجمعة، رابع عشرين شهر رجب. فوقع اختيار قاضي القضاة، بدر الدين بن جماعة في النيابة عنه، على القاضي جمال الدين سليمان بن عمر بن سالم الأذرعي، المعروف بالزرعي قاضي زرع. فأحضره منها واستنابه بدمشق، وذلك في يوم الإثنين تاسع عشر شوال من السنة.\rوفيها، قدمت والدة الملك العادل بدر الدين سلامش ابن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس من بلاد الأشكري، الى دمشق. وكان وصولها في حادي عشر رمضان. ونزلت بدار الحديث الظاهرية بدمشق. وأرسل إليها نائب السلطنة الأمير عز الدين أيبك الحموي الظاهري، التحف والهدايا والألطاف، وخدمها أتم خدمة. ثم توجهت من دمشق الى القاهرة في عشية الجمعة، ثامن عشر رمضان.\rتوجه السلطان الملك العادل وعزدل نائب السلطنة بدمشق\rالأمير عز الدين الحموي، وتولية الأمير سيف الدين أغرلوا العادلي وغير ذلك وفي هذه السنة، توجه السلطان الملك العادل الى الشام بجميع العساكر. وكان استقلال ركابه من قلعة الجبل، في يوم السبت سابع عشر شوال، بعد الزوال. ووصل الى دمشق في الساعة الخامسة من يوم السبت، خامس عشر ذي القعدة، والأمير بدر الدين بيسري حامل الجتر على رأسه. وحضر في خدمته نائب السلطنة، الأمير حسام الدين لاجين، والصاحب فخر الدين بن الخليلي ونزل الوزير بدار الملك الزاهر. وفي يوم وصوله الى دمشق، توجه الى زيارة قبر والده، الشيخ مجد الدين بجبل الصالحية. فلقيه القاضي تقي الدين سليمان الحنبلي، وسلم عليه، فعرّف به. فأمر أن يركب بغلته الجنيب، فركبها، وحضر معه الى تربة والده. فلما فرغ من القراءة، ولاّه الصاحب قضاء القضاة على مذهبه، فقبل. وخلع عليه في بكرة النهار، وعلى بقية القضاة. وكان قاضي الحنابلة قبله، القاضي شرف الدين الحسن ابن الشيخ شرف الدين عبد الله بن محمد بن قدامة المقدسي قد توفي، وكانت وفاته في أول ليلة الخميس، الثاني والعشرين من شوال، ودفن ضحى يوم الخميس، رحمه الله تعالى.\rولما استقر السلطان بدمشق، خلع على الأمراء والمقدمين، وعلى الصاحب تقي الدين توبة، والشيخ نجم الدين بن أبي الطيب، وولاه وكالة بيت المال، وعلى شهاب الدين الحنفي.","part":8,"page":377},{"id":3888,"text":"ثم شرع الصاحب فخر الدين في مصادرات الولاة والمباشرين. ورسّم على الأمير شمس الدين الأعسر شاد الدواوين بدمشق، وعلى الأمير سيف الدين استدمر كرجي والي البر، وعزله عن ولاية البر. وولى الأمير علاء الدين ابن الجاكي عوضه، وطلب منهما الأمال، ورسّم على سائر المباشرين، وطلب من كل منهم حامكية سنة. واستخرج من شهاب الدين بن السلعوس ثماين ألف درهم، وكان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر باقياً على ولايته، وهو الذي تولى المستخرج من المصادرين، استدمر وغيره. وهو مع ذلك يحمل ما تقرر عليه من الأموال.\rوفي يوم الإثنين رابع عشر ذي القعدة، وصل الملك المظفر صاحب حماه الى خدمة السلطان بدمشق، فتلقاه السلطان وأكرمه. ثم جرد السلطان جماعة من العسكر المصري، وعسكر دمشق الى جهة حلب.\rوفي يوم الجمعة، ثامن عشرين ذي القعدة، حضر السلطان الى جامع بني أمية وصلى به الجمعة. وخلع على الخطيب قاضي القضاة بدر الدين بن جمامة، وزار مصحف عثمان.\rوفي يوم الإثنين مستهل ذي الحجة، حضر الأمير عز الدين الحموي الظاهري، نائب السلطنة بدمشق، الى خدمة السلطان. فأنكر عليه سوء اعتماده، وطمع نفسه، وما بلغه عنه من بسط يده في أخذ المصانعات. وأخذ السلطان خيوله المسوّمة وأمواله وأقمشته، ثم عزله عن النيابة، وفوضها لمملوكه الأمير سيف الدين أغرلوا العادلي، وباشر النيابة من يومه. ثم خلع بعد ذلك على الأمير عز الدين الحموي، وأنعم عليه بإقطاع أغرلوا بالديار المصرية. وانتقل الحموي عند عزله من دار السعادة، ونزل بداره المعروفة بالجيشي التي بالقصاعين.\rوفيها، في ثامن ذي الحجة، فوض السلطان وزارة الشام، لوكيله شهاب الدين الحنفي، عوضاً عن تقي الدين توبة، وكان قبل ذلك يلي الحسبة بدمشق. وخلع عليه خلعة الوزارة في يوم عيد الأضحى. ثم توجه السلطان في ثامن عشر ذي الحجة، الى جهة حمص، وتصيّد في تلك الجهة. ودخل حمص في تاسع عشر ذي الحجة، وحضر إليه نائب السلطنة بحلب، وبقية النواب. وانسلخت السنة والسلطان بمخيمه على جوْسِيه، وهي قرية من قرى حمص، كان قد اشتراها.\rوفي هذه السنة، توفي الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي، أمير جاندار. وكانت وفاته بمصر، في يوم الأربعاء، السادس والعشرين من صفر سنة خمس وتسعين وستمائة. ودفن بتربته بالرصد. وكان رحمه الله تعالى، كثير الخير والإحسان الى خلق الله تعالى. وعمّر المدارس والمساجد والجوامع، وله بإسنا من عمقل قوص، مدرسة موقوفة على طائفة الشافعية. وبقوص مدرسة على ساحل البحر كذلك، وبجوار المدرسة مسجد له، يجتمع فيه الفقراء الأعجام القرندلية في شهر رمضان من كل سنة، ويذبح في كل يوم رأس غنم، وما يحتاجون إليه من التوابل والخبز. وله بمصر مدرسة، وبكرسي الجسر جامع، وبالرصد جامع، وغير ذلك من الأماكن الشريفة المبرورة. ووقف عليها الأوقاف المبرورة الوافرة، رحمه الله تعالى.\rوتوفي أيضاً بالديار المصرية جماعة من الأمراء، منهم الأمير بدر الدين بيليك الحسني أبو شامة، وهو الذي كان يندب الى الكشف بالوجه القبلي بالديار المصرية، في الدولة المنصورية، وما بعدها، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة ست وتسعين وستمائة 1296 - 1297 والسلطان الملك العادل بمخيمه على جوسيَه. ثم رحل منها وعاد الى دمشق، فدخلها في يوم الأربعاء ثاني المحرم. وفي يوم الجمعة، حضر السلطان الى الجامع، وصلى بالمقصورة، وأخذ من الناس قصصهم. ورأى شخصاً بيده قصة، فتقدم إليه بنفسه خطوات، وأخذ القصة منه.\rوفيها، أقر السلطان الملك العادل، الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك السعيد ابن الملك الصالح عماد الدين اسماعيل ابن الملك العادل سيف الدين بن أبي بكر محمد بن أيوب، وجعله من أمراء الطبلخاناة بدمشق، وذلك في يوم الخميس سابع عشر المحرم.\rوفيها، في يوم الإثنين، حادي عشرين المحرم، قبض على الأمير سيف الدين استدمر كرجي، واعتقل بالقلعة، وعزل الأمير سيف الدين سنقر الأعسر، عن وظيفة الشد، وولي عوضه الأمير فتح الدين بن صبره.\rعود السلطان الملك العادل الى الديار المصرية\rوخلعه من السلطنة ورجوعه الى دمشق","part":8,"page":378},{"id":3889,"text":"وفي بكرة نهار الثلاثاء، الثاني والعشرين من المحرم، توجه السلطان بعساكره نحو الديار المصرية، وقد أجمع أكابر الأمراء على خلعه. فلما انتهوا الى منزلة العوجا، جلس السلطان في الدهليز، وحضر الأمراء الى الخدمة، وطلب الأمير بدر الدين بيسري الشمسي طلباً مزعجاً. وكان قد توجه الى الزيارة، فلما حضر، لم يقم له على عادته. ويقال إنه كلّمه بكلام غليظ، ونسبه الى أنه كاتب التتار، وحصل بينهما مفاوضة، ثم نهض السلطان من المجلس.\rوقام الأمراء، واجتمعوا في خيمة الأمير حسام الدين لاجين، نائب السلطنة، وتكلموا فيما وقع. فسأل الأمير بدر الدين بيسري، الأمير حسام الدين عن موجب إغلاظ السلطان له. فقال: إن مماليكه قد كتبوا عنك كتباً الى التتار، وأحضروها إليه، ونسبوك الى أنك كتبتها، ونيته إذا وصل الى قلعة الجبل، أن يقبض عليّ وعليك، وعلى أكابر الأمراء، ويقدم مماليكه. فأجمعوا عند ذلك على خلعه. وركب الأمير حسام الدين لاجين، والأمير بدر الدين بيسري، والأمير شمس الدين قراسنقر، والأمير سيف الدين قبجاق، والأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبي الحاجب ومن انضم إليهم. واستصحبوا معهم حمْل نقّارات، وساقوا الى باب الدهليز. وحركت النقارات حربياً، وذلك في يوم الإثنين الثامن والعشرين من المحرم، سنة ست وتسعين وستمائة. فلما مروا بخيمة بكتوت الأزرق العادلي قتلوه. وركب بتخاص العادلي، وتوجه الى باب الدهليز فقتلوه أيضاً. ولما شاهد الملك العادل ذلك، خرج من ظهر الدهليز، وركب فرس النوبة، وعبر على القنطرة التي على ماء العوجا، وساق ركضاً، وأدركه خمسة أو ستة من مماليكه. واستقر به السير الى دمشق. ودخل قلعتها، فكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rسلطنة السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري\rوهو السلطان الحادي عشر من ملوك الترك، بالديار المصرية. وهو من مماليك السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون. اشتراه في زمن إمرته مرتين. وكان من مماليك الملك المنصور نور الدين علي ابن الملك المعز أيبك، فلما سُفِّر الى بلاد الأشكري، تأخر بالقاهرة، فاشتراه السلطان الملك المنصور، في أيام إمرته بسبعمائة وخمسين درهماً. ثم تبين بعد ذلك أنه من مماليك الملك المنصور ابن الملك المعز، وقيل له إنه غائب ولا يصح بيعه إلا من حاكم شرعي، فاشتراه ثانياً من قاضي القضاة، تاج الدين بن بنت الأعز، بما يزيد عن ألف درهم. وباعه على الغائب، بالغبطة له. وقد شاهدت أنا عهديته في جملة عُهَد المماليك المنصورية السيفية، وشدّ عن تحقيق الثمن الثاني، إلا أنه يزيد على ألف درهم. ولعل ذلك ألف وخمسون درهماً. وكان يوم ذاك يدعى شقير. كذا رأيت عهديته لاجين المدعو شقير، وكان في البيت المنصوري يعرف بلاجين الصغير. وتأمر وناب عن السلطنة بدمشق، وهو لا يعرف بين الناس إلا بلاجين الصغير. وسألت بعض أكابر الأمراء من المماليك المنصورية، الذين كانوا في خدمة السلطان، في زمن إمرته، عن لاجين الكبير، الذي مُيّز هذا بالصغير بسببه، فما عرفوه. ولعل هذه الشهرة وقعت عليه وقوع اللقب، والله أعلم.\rوتنقل لاجين هذا في خدمة السلطان الملك المنصور، من وظيفة الأوشاقية الى السلاح دارية. ولما قبض عليه السلطان الملك الأشرف، بعد عزله من نيابة الشام، ثم أفرج عنه وجعله سلاح داراً كما كان، في خدمة أبيه السلطان الملك المنصور، قبل أن يستنيبه بدمشق. وقد تقدم من أخباره وتنقلاته، ما نستغني الآن عن إعادته.","part":8,"page":379},{"id":3890,"text":"مُلِّك بمنزلة العوجاء من بلاد الساحل. وذلك أنه لما هرب الملك العادل كتبغا من الدهليز، وتوجه نحو دمشق، في الثامن والعشرين من المحرم، سنة ست وتسعين وستمائة، اجتمع الأمراء وتشاوروا فيمن ينصب في السلطنة. فاتفقوا على إقامته في السلطنة، وتقلب بالملك المنصور. وشرط الأمراء عليه شروطاً فقبلها والتزمها. منها أن يكون معهم كأحدهم، وأن لا ينفرد برأي دونهم، وأن لا يبسط أيدي مماليكه فيهم، ولا يقدمهم عليهم، وحلّفوه على ذلك، فحلف عليه. فقال له الأمير سيف الدين قبجاق المنصوري: - وكان من جملة الأمراء المشار إليهم - نخشى أنك إذا جلست في المنصب، تنسى هذا الذين تقرر بيننا وبينك، وتقدم مماليكك، وتخوّل منكوتمر. فكرر الحلف أنه لا يفعل ذلك، ولا يخرج عما التزمه. فعند ذلك، حلفوا له وركب بشعار السلطنة، وتوجه بالعساكر نحو الديار المصرية.\rولما وصل الى غزة، حمل الأمير بدر الدين بيسري الجتر على رأسه. ثم رحل منها، وكان وصوله الى قلعة الجبل، وجلوس على تخت السلطنة، في يوم الجمعة عاشر صفر، سنة ست وتسعين وستمائة. ثم ركب بشعار السلطنة، وشقّ المدينة في يوم الخميس سادس عشر صفر.\rورتب في نيابة السلطنة بالديار المصرية مقر ملكه، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري، وجعل الأمير سيف الدين سلار أستاذ الدار، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار أمير جاندار، والأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبي حاجباً. واستمر الصاحب فخر الدين بن الخليل في الوزارة برهة، ثم عزله على ما نذكره إن شاء الله. وفوض نيابة السلطنة بالشام الى الأمير سيف الدين قبجاق المنصوري.\rهذا ما كان بالديار المصرية، فلنذكر أخبار الملك العادل كتبغا.\rأخبار الملك العادل\rوما اعتمده بدمشق وما كان من أمره الى أن انتقل الى صرخد لما فارق الملك العادل الدهليز والأمراء، توجه الى دمشق. وقدم قبله أحد مماليكه ليعلم مملوكه الأمير سيف الدين أغرلوا نائب السلطنة بدمشق ما تجدد، ويخبره بوصول السلطان. فوصل أمير شكار في بكرة نهار الأربعاء، سلخ المحرم. فجمع نائب السلطنة بدمشق الأمراء، وركب جماعة من العسكر، وأمرهم بالوقوف خارج باب النصر.\rثم وصل الملك العادل الى دمشق، في وقت العصر من اليوم المذكور، ومعه أربعة أو خمسة من مماليكه. ودخل الى القلعة، واستقر بها، وحضر الى خدمته الأمراء، وخلع على جماعة. وأمر بإيقاع الحوطة على حواصل الأمير حسام الدين لاجين ونوابه. ثم وصل الأمير زين الدين غلبك العدلي في يوم الخميس، مستهل صفر، بجماعة يسيرة من المماليك العادلية. وجلس شهاب الدين الحنفي وزير الملك العادل في الوزارة بالقلعة. ورتب أحوال السلطنة. وأمّر العادل جماعة من دمشق، ووضع بعض المكوس، وقرئ بذلك توقيع في يوم الجمعة سادس عشر صفر.\rوفي يوم السبت رابع عشرين الشهر، وصل الأمير سيف الدين كجكن وجماعة من الأمراء، كانوا معه بالرحبة مجردين، فلم يدخلوا دمشق، وتوجهوا الى جهة ميدان الحصا. وأعلن باسم السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين، وخرج إليه الأمراء بدمشق، طائفة بعد طائفة. فلما علم الملك العادل بذلك، وتحقق انحلال أمره، وتخاذل الناس عنه، وثبات قدم الملك المنصور في السلطنة، وانضمام الناس إليه، أذعن الى الطاعة، والدخول فيما دخل الناس فيه. وقال للأمراء: السلطان الملك المنصور، هو خوشداشي، وأنا في خدمته وطاعته، وأنا أكون في بعض القاعات بالقلعة الى أن يكاتب السلطان، ويرد جوابه بما يقتضيه رأيه في أمري. فعند ذلك اجتمع الأمراء بباب الميدان، وحلفوا بأجمعهم للسلطان الملك المنصور، وكتبوا إليه بذلك.","part":8,"page":380},{"id":3891,"text":"وتوجه البريد إليه بالخبر، ودخل الأمير سيف الدين جاغان الى القلعة ورتب من يحفظ الملك العادل بها، الى أن يرد جواب السلطان المنصور في أمره، وغلق أبواب دمشق، في يوم السبت خلا باب النصر. وركب عسكر دمشق بالسلاح، وأحاطوا بالقلعة حفظاً لها، وخوفاً أن يخرج الملك العادل منها، ويقصد جهة أخرى قبل ورود جواب السلطان في أمره. ثم دقت البشائر في وقت العصر من يوم السبت المذكور، وأعلن باسم السلطان الملك المنصور. وقرأ المؤذنون في ليلة الأحد الخامس والعشرين من الشهر بالمآذن \" قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء \" الى آخر الآية. ودعوا للملك المنصور، ودعا له قارئ المصحف، بعد صلاة الصبح وضربت البشائر على أبواب الأمراء، وأظهروا الفرح والسرور بسلطنته، وفتحت أبواب البلد وزينت، وفتح الناس حوانيتهم.\rوفي يوم الأحد المذكور، اجتمع القضاة بدار السعادة، وحضر الأمراء والعساكر، وحلفوا للملك المنصور. وتولى التحليف القاضي شمس الدين بن غانم، بحضور الأمير سيف الدين أغرلوا، نائب السلطنة، وحلف هو أيضاً، وأظهر السرور بسلطنة الملك المنصور. وقال: السلطان، أعز الله تعالى نصره، هو الذي عينني لنيابة السلطنة، وأستاذي كان قد استصغرني، فأشاد هو بي، فأنا نائب السلطان الملك المنصور. ثم توجه هو والأمير سيف الدين جاغان الى الأبواب السلطانية.\rوخطب للملك المنصور حسام الدين لاجين، بجوامع دمشق، في يوم الجمعة، مستهل شهر ربيع الأول، سنة ست وتسعين وستمائة. وكان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، قد حضر من جهة السلطان الملك المنصور الى ظاهر دمشق، في ليلة الأحد رابع صفر. وأرسل الى الأمراء كتباً كانت معه، وحلف جماعة منهم. وتوجه الى قارا في ليلته، وكان بها جماعة من الأمراء المجردين، فاجتمع بهم، وقرر الأمر معهم، وكتب الى السلطان بذلك. ثم رجع وأقام بلد بجماعته، حفظاً للبلاد بتلك الجهة. فلما بلغه استقرار الأمور بدمشق، توجه إليها، ودخلها في يوم الخميس، سابع عشرين صفر. فتلقاه الناس، واشتعلت الشموع لمقدمه نهاراً، وحضر الأكابر والأعيان الى خدمته. ونودي بدمشق، من له مظلمة، فليحضر الى دار الأمير شمس الدين سنقر الأعسر.\rثم وصل الأمير حسام الدين أستاذ الدار الى دمشق، بجماعة من العسكر. وجمع الأمراء بدار السعادة، بحضور القضاة. وقرئ فيهم عليهم كتاب السلطان، يتضمن استقراره في الملك، وجلوسه على تخت السلطنة، بقلعة الجبل، واجتماع الكلمة عليه، وركوبه بالخلع الخليفية، والتقليد من أمير المؤمنين، الحاكم بأمر الله، أبي العباس أحمد.\rثم وصل الأمير سيف الدين جاغان الحسامي، من الأبواب السلطانية، في عشية يوم الإثنين، حادي عشر شهر ربيع الأول. ودخل في كبرة نهار الثلاثاء، الى قلعة دمشق، هو والأمير حسام الدين أستاذ الدار، والأمير سيف الدين كجكن، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، واجمتعوا بالملك العادل. فحلف للسلطان الملك المنصور يميناً مستوفاة مغلظة، أنه في طاعة السلطان الملك المنصور وموافقته، وإخلاص النية له، وأنه رضي بالمكان الذي عينه له، وهو قلعة صرخد، وأنه لا يكاتب ولا يستفسد أحداً، الى غير ذلك، مما اشترط عليه. ثم وصل الأمير سيف الدين قبجاق المنصوري، نائب السلطنة بالشام، الى دمشق في يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الأول، ونزل بدار السعادة، على عادة النواب.\rوخرج الملك العادل من قلعة دمشق، وتوجه الى صرخد، في ليلة الثلاثاء تاسع عشر شهر ربيع الأول. وتوجه معه مماليكه، وجرد معه جماعة من العسكر الشامي، الى أن وصل الى قلعة صرخد.\rفكانت مدة سلطنة الملك العادل، منذ جلس على تخت السلطنة، بقلعة الجبل، في يوم الأربعاء حادي عشر المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة، والى أن فارق الدهليز بمنزلة العوجا، وتوجه الى دمشق، في يوم الإثنين الثامن والعشرين من المحرم، سنة ست وتسعين وستمائة، سنتين وسبعة عشر يوماً، والى أن خلع نفسه من السلطنة بدمشق، في يوم السبت رابع عشرين صفر، شهراً واحداً، وأحد عشر يوماً.","part":8,"page":381},{"id":3892,"text":"ولما وصل الأمير سيف الدين جاغان الى دمشق، أحضر على يديه توقيعاً للصاحب تقي الدين توبة، بوزارة دمشق على عادته، وتوقيعاً للقاضي أمين الدين بن هلال، بنظر الخزانة، عوضاً عن تقي الدين توبة، وتوقيعاً للشيخ أمين الدين العجمي بنظر الحسبة بدمشق. فباشر كل منهم ما فوض إليه. ثم خلع على الأمراء والمقدمين، والقضاة، وأعيان الدولة بدمشق، في يوم الإثنين ثاني شهر ربيع الآخر. فيقال إن عدة التشاريف التي فرقت ستمائة تشريف.\rالإفراج عن جماعة من الأمراء\rوفي هذه السنة، أفرج السلطان الملك المنصور عن جماعة من الأمراء المعتقلين، وهم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير سيف الدين برلغي الأشرفي، والأمير شمس الدين الركن السلاح دار، وغيرهم من المماليك السلطانية. وأعطى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير إمرة بالديار المصرية، والأمير سيف الدين برلغي إقطاعاً بدمشق، فتوجه إليها.\rوفيها، أمّر السلطان الملك المنصور جماعة من مماليكه، وهم الأمير سيف الدين منكوتمر، والأمير علاء الدين ايدغدي شقير، والأمير سيف الدين بيدوا، والأمير سيف الدين جاغان، والأمير سيف الدين بهادر المعزي.\rتجديد عمارة الجامع الطولوني وترتيب الدروس به، والوقف على ذلك\rوفي هذه السنة، أمر السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين بتجديد عمارة الجامع الطولوني. وندب لذلك الأمير علم الدين سنجر الدواداري. وأقر لعمارته من خالص ماله، عشرين ألف دينار عيناً. فاهتم الأمير علم الدين، المشار إليه، بعمارته وعمارة أوقافه. وابتاع السلطان من بيت المال منية أندونه، من الأعمال الجيزية، ووقفها على المدرسين والمشتغلين وأرباب الوظائف بالجامع. ورتب فيه درساً لتفسير كتاب الله العزيز، ودرساً لحديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودروساً للفقه على المذاهب الأربعة. وجعل لهذه الدروس مدرساً لكل طائفة، ومعيدين وطلبة. ورتب دروساً للطب، وميعاداً للرقائق، وشيخاً للسبحة، ومكتب سبيل، وغير ذلك من أنواع البر. ورتب لهم الجامكيات المتوفرة، واستمر ذلك الى الآن.\rوفي هذه السنة، نقل السلطان، الخليفة الحاكم بأمر الله أبا العباس أحمد العباس أمير المؤمنين، من البرج الذي كان يسكنه بقلعة الجبل الى مناظر الكبش. وأجرى عليه وعلى أولاده الأرزاق الواسعة، ووصله بالصلات الجزيلة، وصار يركب معه في الموكب. والتمس الخليفة من السلطان الإذن في الحج، فأذن له في سنة سبع وتسعين وستمائة، وجهزه بما يحتاج إليه.\rتفويض القضاء بالديار المصرية والشام لمن يذكر\rوفي هذه السنة، حضر الى الأبواب السلطانية جماعة من قضاة الضاة والأعيان بدمشق، منهم قاضي القضاة حسام الدين الحنفي الرومي، وقاضي القضاة جمال الدين المالكي، والقاضي إمام الدين القزويني، والرئيس عز الدين حمزة بن القلانسي وغيرهم. فلما وصلوا، أكرمهم السلطان، وأحسن إليهم، وخلع عليهم. وفوض الى قاضي القضاة حسام الدين الحنفي قضاء القضاة بالديار المصرية، وعامله بما لم يعامل به أحداً من الإكرام والتقريب والبر والتشاريف. وأقر ولده القاضي جلال الدين على قضاء الشام. وفوض الى القاضي إمام الدين القزويني الشافعي، قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام الشافعي. وكتب تقليده في رابع جمادى الأولى، عوضاً عن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة. واستقر بيد القاضي بدر الدين الخطابة بالجامع الأموي بدمشق، وتدريس المدرسة القيمرية، وأعيد القاضي جمال الدين الزواوي المالكي الى دمشق على عادته، وخلع عليهما، فكان وصولهما الى دمشق في ثامن شهر رجب. وجلس القاضي إمام الدين للحكم بالمدرسة العادلية، وامتدحه الشعراء. فكان ممن امتدحه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني بقصيدته التي أولها:\rتبدّلت الأيام من عسرها يسرا ... فأضحت ثغور الشام تفتر بالبشرى","part":8,"page":382},{"id":3893,"text":"وأما الرئيس عز الدين حمزة بن القلانسي، فإنه تأخر بالديار المصرية مدة، ثم عاد الى دمشق، فوصلها في الخامس والعشرين من شهر رمضان. وقد خلع عليه خلع الوزراء، تشريفاً كاملاً بطرحة ومنديل هنكري مزركش، وخلع على ولديه. واستعاد له من ورثة السلطان الملك المنصور، ما كان قد صودر به، وأُخذ منه في الأيام المنصورية. وأثبت ذلك في وجه وكيل الورثة المنصورية، وتعوض عنها أملاكاً، من الأملاك المنصورية. فذكر أن قيمتها أضعاف ما أخذ منه، منها حصة بقرية الرمثا وغير ذلك.\rوفيها، ولي الأمير سيف الدين جاغان الحسامي شد الشام، وباشر ذلك في يوم الإثنين العشرين من شهر رجب، عوضاً عن الأمير فتح الدين بن صبره.\rتفويض الوزارة بالديار المصرية للأمير شمس الدين سنقر الأعسر\rوفي هذه السنة، تقدم أمر السلطان بطلب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر المنصوري، من دمشق، على خيل البريد. فركب منها في سابع عشر جمادى الآخرة. ووصل الى الأبواب السلطانية في الشهر المذكور، فأكرمه السلطان وأحسن إليه، وشرّفه وأمّره بالديار المصرية. ثم فوض إليه الوزارة، وتدبير الدولة، بالديار المصرية والممالك الشامية.\rوكان جلوسه في دست الوزارة، في السادس والعشرين من شهر رجب. وعزل الصاحب فخر الدين بن الخليلي، وسلّم إليه، ليستخرج منه مالاً. واستمر في الوزارة الى يوم السبت ثالث عشرين ذي الحجة، فقبض عليه لأمور أنكرها السلطان، وظهرت له منه.\rالقبض على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب السلطنة\rوتفويض نيابة السلطنة للأمير سيف الدين منكوتمر وفي هذه السنة، في يوم الثلاثاء منتصف ذي القعدة، قبض السلطان على نائبه وخوشداشه، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري واعتقله. وأمر بإيقاع الحوطة على موجوده وحواصله، بالديار المصرية والبلاد الشامية. وفوّض السلطان، بعد القبض عليه، نيابة السلطنة بمقر ملكه، لمملوكه الأمير سيف الدين منكوتمر الحسامي.\rوفي هذه السنة، بعد القبض على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري، ركب السلطان الملك المنصور الى الميدان، للعب بالكرة، فتقنطر به فرسه، فسقط الى الأرض، وانكسر أحد جانبي يديه وبعض أضلاعه. ووجد شدة عظيمة لذلك. واحتاج المجبرون الى كسر عظم الجانب الآخر من يده، لأجل صحة الجبر، فإنه لا يجبر أحد الجانبين، وإن انجبر قصر عن الجانب الآخر، فتعذر الانتفاع باليد، واضطر الى ذلك، وتوقف عن الإجابة إليه. فدخل عليه الأمير شمس الدين سنقر الأعسر - وكان ذلك قبل القبض عليه - وقال له: أنا حصل لي مثل هذا، فلما احتجت الى كسر النصف الآخر، ضربته بدقماق حديد، فانكسر ثم جبر. وكلمه في ذلك بكلام فيه غلظ واستخفاف. ولم يسلك ما جرت العادة به من الآداب الملوكية. فكان هذا من أسباب القبض عليه كما تقدم.\rواستمر السلطان على الانقطاع لهذه الحادثة، الى أن كملت صحته، وصح ما جبر من يده وجسده. ثم ركب في حادي عشر صفر، سنة سبع وتسعين وستمائة فاستبشر الناس بذلك، ودقّت له البشائر بمصر والشام.\rوفي سنة ست وتسعين وستمائة، في الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول كانت وفاة الشيخ الإمام، السيد الشريف ضياء الدين مفتي المسلمين، أبي الفضل جعفر ابن الشيخ العارف القطب اتفاقاً، عبد الرحيم بن أحمد بن مجنون الحسيني الشافعي، رحمه الله. وكان قد ولي وكالة بيت المال، في أول الدولة المنصورية، مدة لطيفة، ثم عزل نفسه.\rوفيها، في ليلة الثلاثاء، سادس عشرين ربيع الأول، توفي الشيخ الإمام الحافظ جمال الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ محمد بن عبد الله الظاهري، وولده محمد، عتيق السلطان الملك الظاهر غازي. ودفن بتربته بمقبرة باب النصر، ظاهر القاهرة، رحمه الله تعالى.\rوفيها، في يوم الإثنين ثامن عشر شعبان، توفي الصدر سيف الدين أحمد ابن محمد بن جعفر الساوي بدمشق، ودفن بداره، جوار المدرسة الكروسية، داخل دمشق. وكان كبير المحل في النفوس، مشهور المكانة عند الخليفة المستعصم بالله وغيره. وقد تقدم ذكره في الدولة المنصورية. وكان حسن الشعر إلا أنه كان كثير الهجاء. وأهاجيه مشهورة، منها الأرجوزة التي عملها في مباشري الدولة المنصورية الناصرية بدمشق، وهي مشهورة.","part":8,"page":383},{"id":3894,"text":"وفيها، في ليلة الخميس الثالث والعشرين من ذي القعدة، كانت وفاة الأمير عز الدين أزدمر العلائي، أحد الأمراء بدمشق. وهو أخو الحاج علاء الدين طيبرس الوزيري، رحمهما الله تعالى.\rوفيها، كانت وفاة الصاحب محيي الدين أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن ابراهيم بن النحاس الأسدي. وكانت وفاته ببستانه بالمزة، في سلخ ذي الحجة ودفن في مستهل المحرم. ولي الوزارة بالشام مراراً. ولما توفي، كان مدرساً بالمدرسة الريحانية والظاهرية وناظر الخزانة، رحمه الله تعالى.\rواستهلت سنة سبع وتسعين وستمائة 1297 - 1298\rوصول الملك المسعود نجم الدين خضر\rومن معه من القسطنطينية الى الديار المصرية كان السلطان قد كتب الى الأشكري، صاحب القسطنطينية، في سنة ست وتسعين وستمائة، إذ تُجهّزوا أولاد الملك الظاهر الى الديار المصرية مكرمين، هم ومن معهم. فجهز إليه الملك المسعود نجم الدين خضر ووالدته. وأحضر الملك العادل سلامش في تابوت مصبراً. وكان قد مات بالقسطنطينية. وكان وصولهم في هذه السنة، فأكرمهم السلطان، وأحسن إليهم. وكان قد تزوج إحدى بنات الملك الظاهر، فلذلك كتب بإحضارهم، ودفن الملك العادل بدر الدين سلامش. ثم استأذن الملك المسعود السلطان في الحج، فأذن له، فحج في هذه السنة. وجهزه السلطان بما يحتاج إليه. ولما عاد، سكن القاهرة المعزية.\rوفي هذه السنة، كتب تقليد الأمير سيف الدين قبجاق المنصوري، بنيابة السلطنة الشريفة بالشام المحروس، وجهز إليه إلى دمشق، فوصل إليه في يوم الأربعاء مستهل شهر ربيع الأول، يزينه التشريف السلطان والسيف والحياصة والفرس. ويقال إنه تولى نيابة دمشق في هذه المدة الماضية بغير تقليد، فوصل إليه الآن، فجدد الحلف للسلطان بحضور القضاة والأمراء. وركب بكرة نهار الخميس، وعليه التشريف، وقبّل عتبة باب السر بقلعة دمشق على العادة.\rتوجه الملك السلطان الناصر الى الكرك وإقامته بها\rوفي هذه السنة، جهز السلطان الملك المنصور حسام الدين الملكَ السلطان الناصر الى الكرك، فتوجه إليها، وتوجه في خدمته الأمير سيف الدين سلار أستاذ الدار، فوصل إليها في رابع شهر ربيع الأول. فأخبرني قاضي القضاة زين الدين علي بن مخلوف المالكي، عن خبر إرساله الى الكرك. قال: طلبني الملك المنصور حسام الدين، وقال لي: إعلم أن السلطان الملك الناصر ابن أستاذي، وأنا والله في السلطنة مقام النائب عنه. ولو علمت أنه الآن يستقل بأعباء السلطنة ولا تنخرم هذه القاعدة، ويضطرب الأمر، أقمته وقمت بين يديه. وقد خشيت عليه في هذا الوقت، وترجح عندي إرساله الى قلعة الكرك. فيكون بها الى أن يشتد عضده، ويكون من الله الخير. والله ما أقصد بإرساله إليها إبعاده ولكن حفظه، وأما السلطنة فهي لي. وأمثال هذا الكلام. قال: فشكرته على ذلك، ودعوت له. ولعل السلطان الملك المنصور، إنما قال هذا القول تطبيباً لقلب قاضي القضاة، لا حقيقة، وكان في طي الغيب كذلك.\rولما توجه السلطان الملك الناصر الى الكرك، توجه في خدمته جماعة من مماليكه ومماليك أبيه السلطان الملك المنصور، منهم الأمير سيف الدين بهادر الحموي المنصوري وهو أكبرهم سناً، وهو القائم في خدمته مقام اللالا، والأمير سيف الدين أرغون المنصوري الناصري الدوادار، وكان قد تربى في خدمة السلطان من صغره، وسيف الدين طيدمر جوباش، رأس نوبة الجمدارية وغيرهم.\rوكان النائب بالكرك يوم ذاك، الأمير جمال الدين أقش الأشرفي المنصوري وكان في خدمة السلطان الملك الناصر بالكرك، وهو باق على نيابته بها.\rالقبض على الأمير بدر الدين بيسري الشمسي وغيره","part":8,"page":384},{"id":3895,"text":"وفي هذه السنة، في سادس شهر ربيع الآخر، قبض السلطان على الأمير بدر الدين بيسري الشمسي الصالحي. واعتقله بالقاعة الصالحية، بقلعة الجبل. وكان مكرماً في اعتقاله، وأحضر إليه زوجته المنصورية، والدة أحمد ابن السلطان الملك المنصور. وكان سبب ذلك أن السلطان ندبه في هذه السنة لكشف جسور الجيزية وإتقانها. وهذه الوظيفة بالنسبة له إطراح كثير له ولعظامته، وإن كانت كثيرة في حق غيره. فتوجه الى الجيزية بسائر مماليكه وألزامه. فاجتمع معه جمع كثير، يقال إنهم كانوا نحو سبعمائة. وكان يحضر الى الخدمة في يومي الإثنين والخميس. ويعود الى مخيمه. فلما تكامل إتقان الجسور، استأذن في عمل ضيافة للسلطان هناك. فأذن له واهتم لها اهتماماً كثيراً. وحصل بسببها جملة من الأغنام والأصناف وغير ذلك. وقرر مع السلطان أنه يحضر هذه الضيافة. فأوهم نائبه الأمير سيف الدين منكوتمر، السلطان من خروجه وحذره منه. وأحضر بهاء الدين أرسلان، أستاذ دار الأمير بدر الدين بيسري، وهو ابن مملوكه بدر الدين بيليك، أمير مجلس. وكان قد ربى أرسلان هذا كالولد. فلما كبر قدّمه على جماعة من أكابر مماليكه الذين كانوا في منزلة أبيه، وجعله أستاذ داره، وأحسن إليه إحساناً كثيراً، فخدعه الأمير سيف الدين منكوتمر ولاطفه ووعده بإمرة طبلخاناة، إن هو أنهى الى السلطان، أن مخدومه الأمير بدر الدين بيسري يقصد اغتياله. فأطمعت أرسلان نفسه، بما وعده منكوتمر، ووافقه على ما قصده. وحضر الى السلطان وأوهمه من أستاذه أنه إن حضر ضيافته قبض عليه وقتله. ثم عضّد ذلك أن الأمير بدر الدين بيسري، أرسل الى منكوتمر يطلب منه الدهليز السلطاني، ليُنصب في مكان المهم، ولم يشعر بما وقع. فرُسم بتسليم الدهليز لمماليك الأمير بدر الدين بيسري، وأن يتوجه مقدم الفراشين السلطانية ومن معه لنصبه، ولم يطلع السلطان على ذلك. فلما حُمل الدهليز السلطاني على الجمال، ومرّ به المماليك والغلمان، تحت القلعة ليتوجهوا به الى الجيزية، رآه السلطان من القلعة. فأرسل الى الأمير سيف الدين منكوتمر، وسأله عن أمره، فأنكر أن يكون اطلع على شيء من حاله. وقال إن مماليك بيسري أخذوه من الفراش خاناة السلطانية من غير استئذان. ثم قال للسلطان، هذا مما يحقق صدق ما نقل عنه، وأغراه به. فأمر السلطان بإعادة الدهليز الى الفراش خاناة.","part":8,"page":385},{"id":3896,"text":"وكان الحامل للأمير سيف الدين منكوتمر على ذلك أن أستاذه الملك المنصور حسام الدين، كان قد عزم على أن يجعله ولي عهده بعده، كما فعل السلطان الملك المنصور، والملك الظاهر بأولادهما، ويقرن اسمه مع اسمه في الخطبة، لأن لاجين لم يكن له ولد ذكر. فتحدث في ذلك مع الأمير بدر الدين بيسري، فأنكره غاية الإنكار وأجاب عنه بأقبح جواب، وردّه بأشنع ردّ. فكان مما حكى أنه قال للسلطان: اعلم أن مملوكك هذا الذي أشرت إليه، لا يصلح للجندية، وقد أمّرته وقدمته، فصبر الناس لك على هذا. وجعلته نائب السلطنة، ومشّيت الأمراء والجيوش في خدمته، فأجابوا الى ذلك، طاعة لك، وطلباً لرضاك، مع ما تقدم من أيمانك عند السلطنة، أنك لا تقدم مماليكك على الأمراء، ولا تمكنهم منهم. ثم لم تقنع له بما خوّلته فيه، ومكنته منه، ورفعته من قدره، حتى تقصد أن تجعله سلطاناً مثلك، هذا لا يوافقك الناس عليه أبداً. وحذره من ذلك غاية التحذير، ونهاه عنه، وعن الحديث فيه مع غيره. ولعمري لقد بالغ في النصيحة له. فأعلم السلطان منكوتمر، بما دار بينه وبين الأمير بدر الدين بيسري في أمره، وبما أجاب به في معناه. فرأى منكوتمر أنه منعه مُلكاً عظيماً، وسلبه أمراً جسيماً. وعلم أنه لا يتم له هذا الأمر، الذي أشار به السلطان، ولا يتمكن منه، مع بقاء بيسري وأمثاله من الأمراء. فشرع في التدبير عليهم، وأغرى مخدومه بهم. وابتدأ بالتدبير على بيسري. وعلم أنه إن ينقل عنه أمراً، ربما أن السلطان لا يتلقاه بقبول، فأخذه من مأمنه. وتحيّل على أستاذ داره أرسلان، حتى أنهى عنه ما أنهاه. ثم عضد ذلك بواقعة الدهليز، فتحقق ما نقل عنه. ولما وقع ذلك، أطلع عليه بعض الأمراء الأكابر، فراسلوا الأمير بدر الدين بيسري، وأعلموه، بما اطلعوا عليه وكان ممن راسله في ذلك، الأمير سيف الدين طقجي الأشرفي وغيره من الأمراء، وحذروه من السلطان، وحلفوا له على الموافقة والمعاضدة. فلم يرجع الى قولهم، ولا أصغى إليهم. ثم أرسل إليه سيف الدين أرغون، أحد مماليك الملك المنصور، وخاصكيته وأقربهم عنده، يخبره أن السلطان قد عزم على القبض عليه، ويحذره من الحضور الى الخدمة، وإنه إن حضر يكون في أهبة واستعداد. وكان الحامل لأرغون على ذلك، أن أستاذه أمّر غيره من مماليكه، ولم يؤمره بطبلخاناة مع اختصاصه به، وإنما أعطاه إمرة عشرة، فوجد في نفسه. ومن العجب أن كل واحد، من السلطان وبيسري، أُتي في هذا الأمر من مأمنه، وأذاع سره أخص الناس به. فإن أرسلان كان من بيسري بالمكان الذي ذكرناه، كأعز أولاده عنده، وأرغون هذا كان من أخص المماليك المنصورية الحسامية، حتى لقد بلغني أنه أعطاه في يوم واحد، سبعين فرساً، وغير ذلك. فحمل أرسلان الطمع بالإمرة، وحمل أرغون الغيرة من تقديم أمثاله عليه. ففعلا ما فعلا، ونقلا ما نقلا.\rوحضر الأمير بدر الدين بيسري الى الخدمة، في يوم الإثنين السادس من شهر ربيع الآخر. فأخبرني ركن الدين بيبرس الجمدار، أحد المماليك البدرية، الذين كانوا معه، يوم القبض عليه، أنه لما عبر الى الخدمة، تلقاه السلطان قائماً على عادته. وجلس إلى جانبه، وبالغ السلطان في إكرامه. ولما قدم السماط، امتنع الأمير بدر الدين من الأكل، واعتذر بالصوم. فأمر السلطان برفع مجمع من الطعام لفطوره، فرفع له. وبقي السلطان يحادثه سراً، ويؤانسه ويشغله عن القيام، الى أن رفع السماط. وخرج الأمراء، وقام الأمير بدر الدين معهم على عادته. فلما انتهى الى بعض الإيوان، استدعاه السلطان، فعاد إليه. فقام له أيضاً وجلس معه، وحدّثه طويلاً. والحجاب والنقباء يستحثون الأمراء على الخروج. ثم قام بيسري، فاستدعاه السلطان أيضاً، فعاد إليه. وقام السلطان له، وجلس معه وتحدثا.","part":8,"page":386},{"id":3897,"text":"قال الحاكي لي: ورأيت السلطان قد ناوله شيئاً من جيبه، ما أعلم ما هو، فتناوله الأمير بدر الدين، ووضعه في جيبه، وقبّل يد السلطان وفارقه. وقد خلى المجلس والدهاليز إلا من المماليك السلطانية. فلما خرج، أتاه الأمير سيف الدين طقجي، والأمير علاء الدين ايدغدي شقير الحسامي، وعدلا به الى جهة أخرى. وقبض ايدغدي شقير على سيفه، وأخذه من وسطه، ونظر إليه طقجي وبكى عند القبض عليه. وتوجها به الى المكان الذي جهز لاعتقاله به. ولم يزل الأمير بدر الدين معتقلاً الى أن مات، في الدولة الناصرية على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rوقبض السلطان أيضاً على الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبي الحاجب، ونُقل الأمير سيف الدين كرد أمير آخور الى الحجبة. وقُبض على الأمير شمس الدين سنقر شاه الظاهري. وقبض أيضاً في أواخر السنة على الأمير عز الدين أيبك الحموي الظاهري.\rوفي جمادى الأولى، أمر السلطان بمصادرة القاضي بهاء الدين بن الحلي ناظر الجيوش المنصورة، وأخذ خطه بألف ألف درهم، وعزله عن الوظيفة. وأُحضر عماد الدين بن المنذر، ناظر جيش الشام، فولاه النظر. وكان قد جلس في نظر الجيش، فيما بين عزل بهاء الدين وحضور ابن المنذر، القاضي أمين الدين المعروف بابن الرفاقي. فلما وصل ابن المنذر، فوض إليه النظر. ومرض أمين الدولة، وانقطع في داره لما حصل له من الألم.\rوفي هذه السنة، أقيمت الخطبة وصلاة الجمعة بالمدرسة المعظمية بسفح قاسيون، ولم تكن قبل ذلك، وخطب بها مدرسها شمس الدين بن الشرف بن العز الحنفي، في يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر، باتفاق الملك الأوحد ناظر المدرسة.\rإعادة الصاحب فخر الدين عمر بن الخليلي الى الوزارة\rوفي هذه السنة، في جمادى الأولى، رسم السلطان بإعادة الصاحب الوزير فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين عبد العزيز الخليلي الى الوزارة فعاد، وصادر ألزام الأمير شمس الدين سنقر الأعسر.\rتجريد العساكر الى سيس وما فتح من قلاعها\rوفي هذه السنة، جرّد السلطان الأمير بدر الدين بكتاش الفخري الصالحي أمير سلاح، والأمير حسام الدين لاجين الرومي، أستاذ الدار، والأمير شمس الدين آقسنقر كرتاي، ومن معهم من مضافيهم. وأمرهم أن يتوجهوا الى بلاس سيس. فتوجهوا من القاهرة، في جمادى الأولى، والمقدم على الجيش أجمع الأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح.\rوكان وصولهم الى دمشق في يوم الخميس، خامس جمادى الآخرة، وتوجهوا منها في ثامن الشهر. وجرّد معهم من عسكر دمشق، الأمير ركن الدين بيبرس العجمي الجالق، والأمير سيف الدين كجكن، والأمير بهاء الدين قرا أرسلان المنصوري ومضافيهم. وجرد العسكر الصفدي، ومقدمه الأمير علم الدين أيدغدي الإلْدِكزي. وجرد جماعة من العسكر الطرابلسي، والملك المظفر صاحب حماه بعسكرها.\rولما اتصل خبر تجريد العسكر بصاحب سيس، جهز رسله الى الأبواب السلطانية، يستعطف السلطان، ويسأله مراحمه، فلم تجدِ رسالته نفعاً. ووصلت هذه العساكر الى حلب. وأردف السلطان هذه العساكر بالأمير علم الدين سنجر الدواداري، أحد مقدمي العساكر بالديار المصرية، ومضى فيه، فخرج مسرعاً، وأدرك الجيش بحلب. وجرد من العسكر الحلبي الأمير علم الدين المعروف بالزغلي والأمير علم الدين سنجر الحلبي، ومضافيهما. وتوجهت هذه الجيوش بجملتها الى بلاد سيس. فلما نزلوا بالعمق، افترقت العساكر فرقتين. فتوجه الأمير بدر الدين بكتاش، أمير سلاح، والأمير حسام الدين أستاذ الدار، والأمير ركن الدين الجالق، والأمير بهاء الدين قرا أرسلان، والعسكر الصفدي من عقبة بغراس الى باب اسكندرونة، ونازلوا تل حمدون. وتوجه الملك المظفر صاحب حماه، والأمير علم الدين سنجر الدواداري، والأمير شمس الدين آقسنقر كرتاي، وبقية الجيش من عقبة المريت. وصار نهر جهان بين الفريقين وكان دخولهم الى دربند سيس، في يوم الخميس، رابع شهر رجب.","part":8,"page":387},{"id":3898,"text":"ولما صاروا ببلاد سيس، اختلف الأمير بدر الدين أمير سلاح، والأمير علم الدين الدواداري بالإغارة والاقتصار عليها. وقال أنا المقدم على هذه الجيوش كلها، وأنا آخركم عهداً بالسلطان، وإنما رسم السلطان بالإغارة. فاضطر أمير سلاح ومن معه، لموافقة الدواداري، وقطعوا جهات من مخاضة العمودين، وتوجهوا للإغارة. فتوجه صاحب حماه والدواداري، ومن معهما الى سيس نفسها. وتوجه أمير سلاح ومن معه الى ناورزه، وأقاموا عليها يوماً وليلة. ورحلوا الى أذنة، واجتمعت الطائفعتان بها، بعد أن قتلوا من ظفروا به من الأرمن، واستاقوا ما مروا به من الأبقار والجواميس. وعادوا من أذنة الى المصيصة بعد الإغارة، وأقاموا بها ثلاثة أيام، حتى نصبوا جسراً مرت العساكر عليه، ورجعوا الى بغراس، ثم الى مرج أنطاكية. وأقاموا ثلاثة أيام، ورحلوا الى جسر الحديد بأرض الروج، عازمين على العود الى الديار المصرية، بالعساكر المصرية الى مستقرها.\rوكان الأمير بدر الدين أمير سلاح، لما نازعه الدواداري في التقدمة، ومنعه من الحصار، وصمم على الاقتصار على الإغارة، قد كتب الى الأمير سيف الدين بلبان الطباخي، نائب السلطنة بالمملكة الحلبية، يعلمه بما وقع والتمس منه مطالعة السلطان بذلك. فطالع بصورة الحال، فورد الجواب من السلطان، والعساكر بالروج، يتضمن الإنكار على الأمير علم الدين الدواداري، كونه ادعى التقدمة على الأمير بدر الدين أمير سلاح، واقتصر على الإغارة، وأن الدواداري إنما خرج مقدماً على مضافيه خاصة، وأن التقدمة على سائر الجيوش للأمير بدر الدين أمير سلاح. ورسم السلطان أن العساكر لا تعود، إلا بعد فتح تل حمدون. وإن عادت قبل فتحها، فلا إقطاع لهم بالديار المصرية؛ الى غير ذلك من الحث على فتحها. فعند ذلك، عطفت العساكر من الروج الى جهة حلب، ووصلوا إليها، وأقاموا بها ثمانية أيام، وتجهزوا منها بما يحتاجون إليه. ودخلوا الى بلاد سيس بأثقالهم، وعبروا بجملتهم من عقبة بغراس. وجرد الأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح، الأميرين سيف الدين كجكن، وبهاء الدين قرا أرسلان، الى إياس، فأكمن لهم الأمن في البساتين، فلم تتمكن العسكر من قتالهم، ورحلوا شبه المنهزمين، فأنكر أمير سلاح وسبهم، فاعتذروا بضيق المسلك والتفاف الأشجار، وعدم التمكن من العدو. ثم رحل بجميع الجيش، ونزل على تل حمدون، فوجدها خالية، وقد انتقل من بها من الأرمن الى قلعة نُجيمة، فتسلمها، في سابع شهر رمضان، وسلمها للأمير علم الدين الشيباني، النائب ببغراس.\rولما دخل الجيش الى بلاد سيس، جرّد الأمير سيف الدين الطباخي، نائب السلطنة بحلب، طائفة من عسكرها، ومن انضم إليهم من التركمان وغيرهم، ففتحوا قلعة مرعش، في عاشر شهر رمضان أيضاً. ثم جاء الخبر الى العسكر أن وادياً تحت قلعة نجيمة وحموص قد امتلأ بالأرمن، وأن المقاتلة من قلعة نجيمة يحمونهم. فندب إليه طائفة من العسكر، فرجعوا ولم يبلغوا غرضاً. ثم سيّر طائفة ثانية، فرجعوا كذلك. فرحل الأمراء بجملتهم في نفر من أعيان الجيش وأقويائه، وقاتلوا أهل نجيمة، حتى ردوهم الى القلعة.","part":8,"page":388},{"id":3899,"text":"ثم تقدم الجيش الى الوادي، وقتلوا من به من الأرمن، وأسروا ونهبوا، ونازلوا قلعة نجيمة، ليلة واحدة. ثم خرج العسكر الى الوطاة، وبقي صاحب حماه وأمير سلاح، في مقابلة من بالقلعة، حتى خرج العسكر، خشية أن يخرج أهل نجيمة، فينالوا من أطراف العسكر. ثم خرجوا بجملتهم واجتمعوا بالوطاة. فوصل البريد بكتب السلطان، يتضمن أنه بلغه أن تل حمدون أخليت، وأنها أخذت بغير قتال ولا حصار، وانتقل من بها الى قلعة نجيمة. وأمر بمنازلة قلعة نجيمة وحصارها، الى أن تفتح، فعادت العساكر إليها وحاصروها. واختلف أمير سلاح والدواداري أيضاً، فقال الدواداري: إن هذا الجيش بجملته إذا نازل هذه القلعة، لا يظهر من اجتهد وقاتل، ممن تخاذل وعجز. والقتال عليها إنما هو من وجه واحد. والرأي أن يتقدم في كل يوم مقدم ألف، ويزحف بجماعته ليظهر فعله، واستقل القلعة واستصغرها وحقّر أمرها. وكان في جملة كلامه أن قال: أنا آخذ هذه القلعة في حجري. فاتفق الأمر على أن يتقدم الدواداري بألفه، للزحف في أول يوم. فزحف بمن معه حتى لاحف السور. فأصابه حجر منجنيق في مشط رجله، فقطعه وسقط الى الأرض. فتبادر الأرمن بالنزول إليه، وكادوا يأسرونه. فحمل أمير سلاح بجماعته، حتى حجزهم عنه. وأخرج الدواداري على جنوية، وحمل الى وطاقه. وعادوا الى حلب، ثم توجه منها الى الديار المصرية. وقد سكنت نفسه، ونقصت حرمته عما كانت عليه، وكان قبل ذلك له حرمة وافرة. وقتل الأمير علم الدين سنجر طقصها الناصري، على هذه القلعة. وزحف الأمير شمس الدين آقسنقر كرتاي في اليوم الثاني، وانتهى الى سور القلعة ونقبه، وخلّص منه ثلاثة أحجار. واستشهد من مماليكه وأجناده أحد عشر رجلاً، ونفران من الحجارين.\rثم زحف أمير سلاح، وصاحب حماه، وبقية الجيش. ورتّبهم أمير سلاح طوائف، طائفة تتلو أخرى. وقرر معهم، أن يردف بعضهم بعضاً. وتقدموا بالجنويات، حتى وصلوا الى السور، وأخذوا مواضع النقوب، وأقاموا الستائر. ولازموا الحصار عليها واحداً وأربعين يوماً. وقد اجتمع بها جمع كثير من الفلاحين والنساء والصبيان من أهل القرى المجاورة لها، فقلّت المياه بالقلعة. فاضطر الأرمن الى إخراجهم منها، فأخرجوهم في ثلاث دفعات. فأخرجوا في المرة الأولى مائتي رجل، وثلاثمائة امرأة ومائة وخمسين صبياً. فقتل العسكر الرجال، وتفرقوا النساء والصبيان. ثم أخرجوا في المرة الثانية مائة وخمسين رجلاً، ومائتي امرأة، وخمسة وسبعين صبياً، ففعلوا بهم كذلك. ثم أخرجوا جماعة أخرى في المرة الثالثة. ولم يتأخر بالقلعة إلا المقاتلة، وقلّت عندهم المياه، حتى اقتتلوا بالسيف على الماء، فسألوا الأمان فأعطوه، وسلموا القلعة في ذي القعدة من السنة. وخرجوا منها، وتوجهوا الى مأمنهم.\rوفي أثناء هذا الحصار، وصلت الى العسكر مفاتيح النقير وحجر شغلان وسرقند كار وزنجفره وحموص، وتتمة أحد عشر حصناً من حصون الأرمن. وسلم الأمير بدر الدين أمير سلاح هذه الفتوح الى الأمير سيف الدين استدمر كرجي أحد الأمراء بدمشق، وجعله نائباً بها. فلم يزل استدمر بهذه الحصون، الى أن بلغه حركة التتار وقربهم، فأباع ما بها من الحواصل وتركها خالية، فاستولى الأرمن عليها.\rولما تكامل هذا الفتح، عادت العساكر الى حلب، ونزلوا بها، ليريحوا خيولهم. وترادف عليهم الأمطار وتزايدت، حتى سكنوا الخانات والدور. ثم أردفهم السلطان بتجريدة أخرى، من الديار المصرية، صحبة الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير سيف الدين طقطاي، والأمير مبارز الدين أوليا ابن قرمان، والأمير علاء الدين ايدغدي شقير الحسامي. فوصلوا الى دمشق، في ذي القعدة، وتوجهوا الى حلب، وأقاموا بها مع العسكر. وجهز صاحب سيس رُسلاً الى الأبواب السلطانية يسأل عواطف السلطان ومراحمه. واستمر العسكر بحلب ينتظرون ما يرد عليهم، من أبواب السلطان. فأقاموا عليها شهوراً، إلا الأمير حسام الدين أستاذ الدار، فإنه توجه الى الأبواب السلطانية، على خيل البريد. وكان عود هذا العسكر الى الديار المصرية، ووصوله الى القاهرة، في منتصف شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وتسعين وستمائة، بعد مقتل السلطان بثلاثة أيام على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rحادثة غريبة ظهر فيها آية من آيات الله عز وجل","part":8,"page":389},{"id":3900,"text":"وفي سنة سبع وتسعين وستمائة، في العشر الأول، من جمادى الأولى، ورد على السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين، مطالعة مضمونها: أن شخصاً بقرية جينين، من الساحل الشامي، كانت له زوجة، فتوفيت الى رحمة الله تعالى. فحملت بعد تغسيلها وتكفينها ودفنت. فلما عاد زوجها من المقبرة، تذكر أن منديله وقع في القبر، وفيه جملة من الدراهم. فأتى الى فقيه القرية، فاستفتاه في نفش القبر. فقال له في ذلك يجوز نبشه وأخذ المال منه. ثم تداخل الفقيه المفتي في ذلك شيء في نفسه. فقام وحضر معه الى القبر، فنبش الزوج القبر ليأخذ المال، والفقيه على جانب القبر. فوجد الزوج زوجته مقعدة مكتوفة بشعرها، ورجليها متكوفتين بشعرها، فحاول حل كتافها، فلم ينحل له ذلك، فأمعن في ذلك، فخسف به وبزوجته. ولم يوجد أو لم يعلم للخسف منتهى. وأما الفقيه فإنه أقام مغشياً عليه يوماً وليلة أو ليلتين. - نسأل الله أن يسترنا ولا يفضحنا، وأن لا يؤاخذنا بسوء أفعالنا - ولما وردت المطالعة على السلطان بهذه الحادثة، عرضها على شيخنا قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العبد وغيره. وكتب يستعلم عن سيرة هذه المرأة والزوج المخسوف بهما، فما علمت ما وردت عليه من الجواب في ذلك.\rروك الإقطاعات بالديار المصرية وتحويل السنة\rوفي سنة سبع وتسعين وستمائة أيضاً، رسم السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين، بروك الإقطاعات والمعاملات والنواحي والجهات بالديار المصرية. وندب لذلك من الأمراء، الأمير بدر الدين بيليك الفارسي الحاجب، والأمير بهاء الدين قراقوش الظاهري، المعروف بالبريدي.\rوتوجه الكشاف الى الأقاليم البرانية، بالوجهين القبلي والبحري، ومسحوا البلاد مساحة روك، وحرروا الجهات وعادوا. وانتصب لهذا جماعة من الكتاب، كان المشار إليه فيهم، تاج الدين عبد الرحمن المعروف بالطويل، وهو أحد مستوفيي الدولة، من مسالمة القبط، وممن يشار إليه في معرفة صناعة الكتابة، ويعتمد على قوله، ويرجع إليه فيها، فرتب ذلك على حسب ما اقتضاه رأي السلطان في تقريره.\rواستقر في الخاص السلطاني الأعمال الجيزية والأطفيحية وثغر الاسكندرية وثغر دمياط ومنفلوط وكفورها، وهو، والكوم الأحمر من الأعمال القوصية، وفي كل إقليم بلاد.\rوتقرر إقطاع نيابة السلطنة من أعظم الإقطاعات وأكثرها متحصلاً. فكان من جملته بالأعمال القوصية، مرج بني هميم وكفورها، وسمهود وكفورها، ودواليبها ومعاصرها، وحَرَجَة مدينة قوص وأدفو. وهذه النواحي يزيد متحصلها من الغلال خاصة، على مائة ألف وعشرة آلاف أردب، خارجاً عن الأموال والقنود والأعسال والتمر والأحطاب وغير ذلك. وفي كل إقليم من الديار المصرية نواحي ومعاصر، فكان في خاصه سبع وعشرون معصرة، لاعتصار قصب السكر.\rوكان نجاز الروك في ذي الحجة سنة سبع وتسعين وستمائة. واستقبل به سنة ثمان وتسعين الهلالية. وحوّلت السنة الخراجية من سنة ست وتسعين الى سنة سبع وتسعين. وهذا التحويل جرت به العادة، بعد انقضاء ثلاث وثلاثين سنة، تحول سنة، وهو التفاوت فيما بين السنة الشمسية والقمرية. فيجمع من ذلك في طول السنة، ما ينغمس به سنة. وهو حجة ديوان الجيش في اقتطاع التفاوت الجيشي. وقيل إن قوله تعالى: \" ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً \" ، إن التسعة هي هذا التفاوت، ما بين السنتين، والله تعالى أعلم. وهذا التحويل لا ينقص بسببه شيء من الأموال البتة، وإنما هو تحويل بالأقلام خاصة.\rولما نجز هذا الروك، أقطعت البلاد للأمراء والأجناد دربسته، لم يستثن منها غير الجوالي والمواريت الحشرية، فإن ذلك جعل في جملة الخاص السلطاني. واستثنيت الرزق الأحباسية المرصدة لمصالح الجوامع والمساجد، والربط والزوايا، والخطباء والفقراء. واستقرت في سائر البلاد على ما يشهد به ديوان الأحباس. وما عدا ذلك من سائر الأموال وغيرها، دخل في الإقطاع.","part":8,"page":390},{"id":3901,"text":"وفي هذه السنة، كانت وفاة الأمير عز الدين الجناجي، نائب السلطنة ومقدم العسكر بغزة. وكان قبل وفاته قد أودع عند بخر الدين الأعزازي التاجر بقيسارية الشرب بدمشق صندوقاً، ولم يطلع على ذلك إلا خزنداره. وكان الصندوق المودع عنده قبل ذلك وديعه، عند بعض أصحاب الأمير المذكور، فأخذ منه، ثم أودع عند فخر الدين. واتفقت وفاة خزندار الأمير، وهو الذي اطلع على الوديعة قبل وفاة مخدومه بأيام. ثم مات الأمير، فلما اتصلت وفاته بفخر الدين الاعزازي، اجتمع بقاضي القضاة إمام الدين الشافعي بدمشق، وعرفه خبر الوديعة. فأمره بالتأني في أمرها؛ حتى تثبت وفاة المذكور، ويتحقق أمر ورثته، ففعل ذلك. وفي أثناء ذلك، طلب الأمير سيف الدين جاغان؛ شاد الدواوين بالشام، الوديع الأول وطالبه بما عنده من الوديعة. فادعى أن الجناجي استعاد ذلك منه، فلم يصدقه، وقصد ضربه وعقوبته، بسبب ذلك. فأتاه فخر الدين المذكور واعترف أن الوديعة عنده، وأحضر الصندوق الى الديوان السلطاني. وفُتح واعتبر ما فيه، فكان فيه من الذهب اثنان وثلاثون ألف دينار، ومائتا دينار، وأربعة وثلاثون ديناراً، وحوائص ذهب، وطرز زركش بتتمة خمسين ألف دينار، هكذا نقل إليّ ثقة.\rوفيها، توفي الأمير سيف الدين بلبان الفاخري، أمير نقباء العساكر المنصورة بالأبواب السلطانية، وكانت وفاته في رابع عشر ربيع الآخر. وأعطي إقطاعه سيف الدين بكتمر الحسامي الطرنطاي أمير آخور. وكان السلطان، قبل ذلك أمّره بعشرة طواشية، فنقله الآن الى إمرة الطبلخاناة. ثم تنقّل بعد ذلك في المناصب والنيابات عن السلطنة والوزارة وغير ذلك، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى في مواضعه.\rوفيها، في يوم الإثنين حادي عشر جمادى الأولى، كانت وفاة الأمير سعد الدين كوجا الناصري. وكان يتولى نيابة دار العدل، وتولى ثغر الاسكندرية وكان بيده إمرة عشرة طواشية.\rوفيها، توفيت الخاتون الجليلة الكبرى، نسب خاتون، ابنة الملك الجواد مظفر الدين يونس بن شمس الدين مودود ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر أيوب، في العشر الأوسط في شهر ربيع الأول. ودفنت عند والدها بقاسيون، رحمهما الله تعالى.\rواستهلت ثمان وتسعين وستمائة في هذه السنة، في أولها جهز السلطان الأمير جمال الدين أقش الأفرم، والأمير سيف الدين حمدان بن صلغاي الى الشام، وأمرهما أن يتوجها الى دمشق، ويخرجا نائب السلطنة الأمير سيف الدين قبجاق وبقية العسكر الى البلاد الحلبية. فوصلا الى دمشق على خيل البريد، في يوم الأربعاء سابع المحرم. فتجهز الأمير سيف الدين قبجاق نائب السلطنة، وخرج بسائر عساكر دمشق حتى بحرية القلعة، وجماعة الأمير علم الدين سنجر أرجواش نائب القلعة، وتأخر بدمشق الأمير سيف الدين جاغان. وكان خروج نائب السلطنة من دمشق، في عشية الأربعاء، رابع عشر المحرم، وبات بالميدان الأخضر. وركب في بكرة النهار؛ وتوجه بالعساكر الى جهة حمص. وكان سبب هذه الحركة ظاهراً، أن السلطان بلغه أن التتار قد عزموا على الدخول الى البلاد الإسلامية بالشام. وعلم الأمير سيف الدين قبجاق، أن الأمر ليس كذلك. فإن القصاد قبل ذلك بيسير، حضروا إليه من بلاد الشرق، وأعلموه أن التتار كانوا قد تجهزوا وعزموا على الحضور الى الشام. فلما كانوا بأثناء الطريق، وقعت عليهم صواعق كثيرة، وأهلكت منهم خلقاً كثيراً، فتفرقوا في مشاتيهم، ولم يرد خلاف ذلك. والقصاد لا تصل الى الباب السلطاني بالديار المصرية، إلا بعد الاجتماع بنائب السلطنة بدمشق، فاستشعر الأمير سيف الدين قبجاق السوء، وعلم أن هذه الحركة إنما هي تدبير عليه، وعلى غيره من الأمراء. فأوجب ذلك توجههم الى التتار.\rمفارقة من نذكر من نواب السلطنة والأمراء\rالخدمة السلطانية، ولحاقهم بقازان ملك التتار وفي هذه السنة، في شهر ربيع الآخر، توجه الأمير سيف الدين قبجاق المنصوري، نائب السلطنة بالشام، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، أحد مقدمي الجيوش المنصورية المصرية، والأمير فارس البكي الساقي، نائب السلطنة بالمملكة الصفدية، والأمير سيف الدين بزلار، والأمير سيف الدين عزار الصالحي، الى بلاد التتار، والتحقوا بملكها قازان محمود.","part":8,"page":391},{"id":3902,"text":"وسبب ذلك أن الأمير سيف الدين منكوتمر، نائب السلطنة، ثقلت عليه وطأة الأمراء الأكابر. وقصد القبض عليهم أولاً، وإقامة خوشداشيته ليصفو له الوقت، ويخلص له الأمر، ويتمكن السلطان بما قصده من تفويض ولاية العهد بعده له. فحسّ للسلطان القبض على من تقدم ذكرهم، فقبض عليهم. ثم شرع في التدبير على من بالشام من الأمراء والنواب، الذين يعلم منهم الممالاة والمناوأة. فجهز الأمير علاء الدين ايدغدي شقير الى حلب، كما تقدم، وأردفه بالأمير سيف الدين حمدان بن صلغاي، وعلى يده كتاب الى نائب السلطنة بالمملكة الحلبية، بالقبض على الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، وعلى الأمير فارس الدين البكي، والأمير سيف الدين طقطاي، والأمير سيف الدين بزلار، والأمير سيف الدين عزار. ومن يعذر عليه القبض عليه، يتحيّل في سقيه. فسقي الأمير سيف الدين طقطاي فمات بحلب، في أول شهر ربيع الأول. واتصل الخبر ببقية الأمراء، فاحتاطوا لأنفسهم، واحترزوا في مأكلهم ومشربهم وملبسهم. وأعمل الأمير سيف الدين الطباخي الحيلة في القبض عليهم، وذلك بعد خروجهم من سيس. فجهز سماطاً، واحتفل به، وتحدث مع الأمراء أن يتوجهوا معه، ويحضروا السماط، فامتنعوا من ذلك، واعتذروا له، وتوجهوا الى خيامهم. فلم تجمع هذه المكيدة. وكان السلطان قد كتب الى الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، أن يجهز طُلبه وأثقاله الى المملكة الطرابلسية، ويكون نائباً عن السلطنة بها، وذلك بعد وفاة الأمير عز الدين أيبك الموصلي. وأن يحضر هو بنفسه الى الأبواب السلطانية، على خيل البريد، ليوصيه السلطان مشافهة. فأظهر البشر لذلك، وعلم أنه خديعة.\rولما كان في مساء النهار، الذي عمل الطباخي فيه السماط، اجتمع الأمير سيف الدين الطباخي النائب بحلب، والأمير سيف الدين كجكن، والأمير علاء الدين ايدغدي شقير، وأرسلوا الى الأمير بكتمر السلاح دار والبكي ومن معهما، يطلبونهم للحضور لمشورة. وأن سبب هذا الاجتماع، أن بطاقة وردت في البيرة في أواخر النهار، تتضمن أن التتار أغاروا على ما حول البيرة، فأجابوا بالامتثال، وأنهم يحضرون الى الخدمة في إثره. فعاد، وركبوا في الوقت على حميّه.\rفأما بزلار فإنه ساق هو وخمسة نفر، وعبر الفرات الى رأس العين وانتهى الى سنجار فتوفي بها. وأما الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير فارس الدين البكي، والأمير سيف الدين عزار، فإنهم توجهوا الى حمص، واجتمعوا بالأمير سيف الدين قبجاق، وأطلعوه على جلية الحال، وحلفوه لأنفسهم، وحلفوا له. وكتب الى السلطان يعلمه بما وقع من الاختلاف، وبوصول الأمراء إليه، ويسأل لهم الأمان وأن يطيب السلطان خواطرهم. وسيّر بذلك الأمير سيف الدين بلغاق ابن الأمير سيف الدين كونجك الخوارزمي على خيل البريد. فوصل الى دمشق، في يوم السبت خامس شهر ربيع الآخر، وتوجه منها الى باب السلطان.\rوكتب الأمير سيف الدين قبجاق الى الأمير سيف الدين جاغان، وهو بدمشق، يطلب منه أن يرسل إليهم مالاً وخلعاً من الخزانة، لينفق المال على الأمراء، ويخلع عليهم، ويطيب خواطرهم. فلم يجب الى ذلك. وكتب إليه يلومه على إغفاله أمر الأمراء، الذين وصلوا إليه، وهم طلبة السلطان، وكونه تمكن من القبض عليهم، ولم يفعل. وكتب إليه الأميران سيف الدين كجكن، وعلاء الدين ايدغدي شقير، وهما يلومانه وينكران عليه كونه أقر هؤلاء الأمراء عنده، مع تمكنه من القبض عليهم، وقد علم خروجهم على الطاعة وأغلظا له في القول، وتوعداه، أنه متى لم يقبض عليهم، حضروا إليه، وقبضوا عليه وعليهم. وكاشفاه في القول مكاشفة ظاهرة. فتسلل عن الأمير سيف الدين قبجاق من معه من العسكر الشامي، وعادوا الى دمشق، أولاً فأولاً. فكتب الى جاغان في ذلك، وأن يردهم إليه، فلم يفعل. وشكر جاغان من حضر.","part":8,"page":392},{"id":3903,"text":"فرأى الأمير سيف الدين قبجاق أن أمره قد انتقص، وبلغه أن العسكر المجرد بحلب قد توجه نحوه. فركب في ليلة الثلاثاء، ثامن شهر ربيع الآخر من حمص، هو والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير فارس الدين البكي، والأمير سيف الدين عزار، وقبضوا على الأمير علاء الدين أقطوان النائب بحمص، واستصحبوه معهم الى القريتين، ثم أخذوا فرسه وأطلقوه. وتوجهوا في جماعة، يقال إن عدة من صحبهم من ألزامهم ومماليكهم خمسمائة فارس. وتوجهوا لا يلوون على شيء، وتعقبهم الأمير سيف الدين كجكن والأمير علاء الدين ايدغدي شقير، في طائفة من العسكر الى الفرات، فما أدركوهم، ووجدوا بعض أثقالهم فأخذوها.\rثم ورد عليهم الخبر بقتل السلطان، فانحلت عزائمهم، وتفللت آراؤهم. وساق سيف الدين بلبان القصاص البريدي الى رأس عين، ولحق الأمير سيف الدين قبجاق بها. وأعلمه بمقتل السلطان، وسأله الرجوع بمن معه. وحلف له على صحة ما أخبره به، فظن أن ذلك مكيدة. ثم تحقق الحال بعد ذلك وقد تورط، وصار في بلاد العدو، فلم يمكنه الرجوع.\rولما وصل الأمراء الى رأس عين، بلغ مقدم التتار بتلك الجهة خبر وصولهم، فخافهم. ثم تحقق أنهم حضروا الى خدمة الملك قازان، فحضر إليهم وأكرمهم، وخدمهم صاحب ماردين، وقدم لهم أشياء كثيرة. وقصد بولاي مقدم التتار، بتلك الناحية، أن الأمراء يتوجهون الى جهة قازان على خيل البريد. ويتأخر من معهم من أتباعهم وألزامهم عن الوصول الى البلاد، حتى يرد المرسوم. فامتنع قبجاق من ذلك، وأبى إلا الدخول بالطُلب والجماعة الذين معه، فامتنع التتار عليه. فيقال إنه أخرج إليهم كتاب الملك قازان إليه، وهو في بالشت ذهب. فعند ذلك خضعوا له، ومكنوه مما أراد، من الدخول بالطُلب. وتوجهوا كذلك، ودخلوا الى الموصل بطُلبين، والتقاهم أهل البلد. وتوجهوا من الموصل، وانتهوا الى بغداد. فخرج إليهم عسكر المغل والخواتين والتقوهم. ثم توجهوا الى قازان، وهو يومئذ بأرض السيب من أعمال واسط. فأكرمهم وأحسن إليهم، وأوجب ذلك وصول قازان بجيوشه الى الشام على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rمقتل الملك المنصور حسام الدين\rلاجين المنصوري ونائبه منكوتمر كان مقتلهما في ليلة يسفر صباحها عن يوم الجمعة، الحادي عشر من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وتسعين وستمائة. وسبب ذلك، أن السلطان كان قد فوض الأمور الى مملوكه نائبه الأمير سيف الدين منكوتمر، وقصد التخلي والراحة والدعة، وعزم على أنه إذا خلي وجهه من الأمراء، وقبض على من يخشى غائلته منهم، فوّض إليه أمر السلطنة، واحتجب هو، على قاعدة الخلفاء. وإنما كان يمنعه من ذلك، وجود أكابر الأمراء، الذين لا يوافقونه على الرأي هذا. فلما قبض على من ذكرنا من أكابر الأمراء، وأبعد من بقي منهم بالتجريد الى جهة الشام، استخف حينئذ منكوتمر، بمن بقي منهم، واستبد بالأمر. وآخر ذلك، أن السلطان رسم له أنه إذا كُتب مرسوم سلطاني بإنعام أو غيره، بغير إشارته، يقطعه بعد العلامة السلطانية. فثقلت وطأته على الناس، وأنفت نفوس الأمراء من ذلك، وكرهوا بقاء الدولة، وأحبوا زوالها بسببه، مع إحسان السلطان إلى كثير منهم. وكان الأمير سيف الدين كرجي، أحد الأمراء المماليك السلطانية، قد اختص بخدمة السلطان، وتقدم عنده، وجعله مقدماً على المماليك السلطانية، على ما كان عليه الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري، في الدولة الأشرفية. فبقي كرجي هو الساعي في مصالح المماليك السلطانية والمتلقي لمصالحهم، فانضموا إليه ودخلوا تحت طاعته، وقويته شوكته بهم، وشوكتهم به. فثقل ذلك على منكوتمر، وعمل على إبعاده. وحسّن الى السلطان أن يبعثه الى نيابة السلطنة بالفتوحات ببلاد سيس.","part":8,"page":393},{"id":3904,"text":"وكان قد تقدم من الأمراء، قبل كرجي، الأمير سيف الدين تمربغا، فعمل عليه منكوتمر وأبعده وأخرجه الى الكرك. ثم نقله من الكرك الى طرابلس، في جملة الأمراء، فمات بها. فلما اتصل الخبر بكرجي، حضر الى بين يدي السلطان، وتضرر واستعفي من هذه الولاية فأعفاه السلطان، وشرع في العمل على منكوتمر. واتفق أن الأمير سيف الدين طقطاي، أحد الأمراء الخاصكية، وهو نسي الأمير سيف الدين طقجي، خاطب منكوتمر في أمر فأغلظه في القول، وسبّه، فشكا ذلك الى الأمير سيف الدين طقجي، فأسرّها في نفسه. واجتمع هؤلاء الأمراء، وتشاكوا فيما بينهم، وذكروا سوء سيرة منكوتمر فيهم، وقبح فعله واستخفافه بهم. وعلموا أنهم لا يتمكنون منه، مع بقاء السلطان مخدومه، فاجتمع رأيهم على اغتيال السلطان.\rفلما كان في هذه الليلة المذكورة، جلس السلطان يلعب الشطرنج مع إمامه نجم الدين بن العسال، وكان قد تقدم عنده، وعنده قاضي القضاة حسام الدين الحنفي، وكانت له عادة بالمبيت عند السلطان في بعض الليالي. فدخل عليه كرجي على عادته، فسأله السلطان عما فعل. فقال: قد أغلقت على الصبيان في أماكن مبيتهم، وكان قد رتب بعضهم في أماكن من الدهليز. فشكره السلطان وأثنى عليه. وذكر للقاضي حسام الدين خدمته للسلطان، وملازمته الخدمة. فقبّل كرجي الأرض، ثم تقدم لإصلاح الشمعة التي بين يدي السلطان، فأصلحها وألقى فوطة خدمة كانت بيده على نمجاة السلطان. وكان سلاح دار النوبة قد وافقه وباطنه على قتل السلطان. ثم قال كرجي للسلطان: ما يصلي مولانا السلطان العشاء، فقال نعم، وقام للصلاة. فأخذ السلاح دار النمجاه من تحت الفوطة. فعند ذلك، جرد كرجي سيفه، وضرب السلطان به على كتفه، فأراد السلطان أخذ النمجاه فلم يجدها. فقبض على كرجي، ورماه تحته، فضربه السلاح دار بالنمجاه على رجله، فقطعها. فانقلب السلطان على ظهره، وأخذته السيوف، حتى قتل. وهرب ابن العسال الإمام الى خزانة، وصرخ قاضي القضاة حسام الدين عند ضرب السلطان، لا يحل هذا لكم، فهم كرجي بقتله. ثم تركه، وأغلق كرجي الباب عليه، وعلى السلطان.\rثم خرج كرجي الى الأمير سيف الدين طقجي، وقد استعد هو أيضاً، وهو ينتظر ما يفعله كرجي، فأعلمه بقتل السلطان. ثم توجهوا الى دار النيابة، وقد أغلقت. فطرق كرجي الباب، واستدعى الأمير سيف الدين منكوتمر برسالة السلطان، فأنكر حاله، واستشعر السوء، وامتنع من الإجابة. ثم قال له: كأنكم قتلتم السلطان، فقال: نعم قتلناه، وسبّه. فعند ذلك ذلّ منكوتمر، وضعفت نفسه، واستجار بالأمير سيف الدين طقجي، فأجاره وحلف له أنه لا يؤذيه، ولا يمكن من أذاه، فاطمأن ليمينه وخرج إليهم. فأرسلوه الى الجب، وأنزلوه إليه، فلما رآه الأمراء، قاموا إليه، وظنوا أن السلطان نقم عليه، وسألوه عن الخبر. فأخبرهم بقتل السلطان، فسبوه، وذكّروه بسوء فعله، وقصدوا قتله، ثم تركوه.\rثم رجع كرجي بعد اعتقال منكوتمر الى مجلسه. وقال لطقجي: نحن ما قتلنا السلطان لإساءة صدرت منه إلينا، وإنما قتلناه بسبب منكوتمر، ولا يمكن إبقاءه. ثم قام، وتوجه الى الجب، وأخرجه وذبحه من قفاه على باب الجب.\rفكانت مدة سلطنة الملك المنصور حسام الدين لاجين، منذ فارق الملك العادل الدهليز، وحلف الأمراء له بمنزلة العوجا، في يوم الإثنين الثامن والعشرين من المحرم سنة ست وتسعين وستمائة، والى أن قتل في هذه الليلة، سنتين وشهرين وثلاثة عشر يوماً، ومنذ خلع الملك العادل نفسه بدمشق، وحلف له، واجتمعت الكلمة عليه بمصر والشام، في يوم السبت رابع عشرين صفر من السنة المذكورة الى هذا التاريخ الذي قتل فيه، سنتين وشهرين إلا ثلاثة عشر يوماً. ودفن بتربته بالقرافة، ودفن نائبه منكوتمر بالتربة أيضاً.","part":8,"page":394},{"id":3905,"text":"وكان رحمه الله تعالى ملكاً عادلاً، يحب العدل ويعتمده، ويرجع الى الخير ويميل إليه، ويقرب أهله. وكان حسن العشرة، يجتمع بجماعة من المتعممين والعوام، ويأكل طعامهم. وكان أكولاً، ولم يكن في دولته وأيامه ما يعاب وينكر، إلا انقياده الى مملوكه نائبه منكوتمر، والرجوع الى رأيه، وموافقته على مقاصده حتى كان عاقبة ذلك قتلهما. وأثرت موافقته له، من الفساد على العباد والبلاد وسفك دماء المسلمين، ما لم يستدرك. وذلك أن الأمراء الذين فارقوا الشام، وتوجهوا الى التتار خوفاً منه، أوجب توجههم الى قازان، وصوله الى الشام وخراب البلاد، وسفك الدماء، على ما نذكره بعد في موضعه إن شاء الله تعالى.\rوبلغني أن الملك المنصور هذا مازال يستشعر القتل، منذ قتل السلطان الملك الأشرف، وأنه في يوم الخميس بعد العصر، العاشر من شهر ربيع الآخر، وهو اليوم الذي قتل فيه عشيته، أحضر إليه ندب نشاب ميداني، من السلاح خاناة السلطانية. فجعل يقلبه فردة فردة، ويقتل كل فردة منها، ويقول عند فتلها، من قتل قتل، وكرر هذا القول مراراً. فقتل بعد أربع ساعات من كلامه أو نحوها. وأجرى الله هذا الكلام على لسانه، والنفوس حساسة في بعض الأحيان.\rوحكي لي بعض من أثق به، عن الأمير بدر الدين بكتوت العلائي حكاية عجيبة تتعلق به، وبالسلطان الملك الأشرف، أحببت ذكرها في هذا الموضع، فالشيء بالشيء يذكر.\rقال بكتوت العلائي: كنت في خدمة السلطان الملك الأشرف في الصيد، وأنا يومئذ والأمير حسام الدين لاجين سلاح دارية، نحمل السلاح خلف السلطان. فاجتمعنا بحلقة صيد، وكانت النوبة في حمل السلاح خلف السلطان للأمير حسام الدين. وقد تقدمت إليه أنا، في مكان من الحلقة، وإذ أنا بلاجين قد أدركني، وأعطاني سلاح السلطان. وقال: خذ السلاح، وتوجه الى السلطان، فإنه قد رسم بذلك. فأخذت السلاح، وتوجهت الى خدمة السلطان. وساق لاجين في مكاني الذي كنت به من الحلقة. فلما انتهيت الى السلطان، وجدته وهو على فرسه، وقد جعل طرف عصا المقرعة على رأس النمازين، والطرف بجهته، وكأنه في غيبة من حسه. فلما جئت قال لي: يا بكتوت والله، التفتّ الى ورائي، فرأيت لاجين خلفي، وهو حامل سلاحي، والسيف في يده، فخيّل إليّ أنه يريد أن يضربني به، فنظرت إليه، وقلت له يا أشقر، أعط السلاح لبكتوت يحمله، وتوجه أنت مكانه. قال بكتوت العلائي: فقلت للسلطان، أعيذ مولانا السلطان بالله، أن يخطر هذا بباله، ولاجين أقل من هذا، وأضعف نفساً أن يخطر هذا بباله، فضلاً عن أن يقدِم عليه، وهو مملوك السلطان، ومملوك السلطان شهيد، وتربية بيته الشريف. هذا معنى كلامه.\rقال: وشرعت أصرفه عن هذا. فقال لي: والله ما عرفتك إلا ما خطر لي وتصورته. قال بكتوت العلائي: فخشيت على لاجين، كون هذا السلطان يتخيل هذا الأمر فيه، وينكفه عنه. وأردت أن أنصحه، فاجتمعت به في تلك الليلة في خلوة. وقلت له: بالله عليك، تجنب هذا السلطان، ولا تكثر من حمل السلاح، ولا تنفرد معه. فسألني عن موجب هذا الكلام. فأخبرته بما ذكره السلطان لي، وبما أجبته. فشرع يضحك ضحكاً كثيراً ويتعجب. فقال، ما ضحكي إلا من إحساسه، والله لما نظر إلي، وقال لي يا أشقر كنت قد عزمت على تجريد سيفه وقتله به. قال بكتوت العلائي: فعجبت من ذلك غاية العجب. ولنرجع الى سياقة الأخبار بعد مقتلهما، إن شاء الله تعالى.\rما اتفق بعد مقتل الملك المنصور ونائبه منكوتمر،\rمن الحوادث والوقائع المتعلقة بأحوال السلطنة بمصر والشام، الى أن عاد السلطان الملك الناصر","part":8,"page":395},{"id":3906,"text":"لما قتل الملك المنصور حسام الدين لاجين، ونائبه الأمير سيف الدين منكوتمر، كان بالقلعة من الأمراء، غير طقجي وكرجي، الأمير عز الدين أيبك الخزندار، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وسيف الدين سلار الأستادار، والأمير حسام الدين لاجين الرومي أستاذ الدار، وكان قد وصل على خير البريد من حلب، بعد خروجه من بلاد سيس، والأمير جمال الدين آقش الأفرم، وكان قد عاد من دمشق، بعد إخراج نائبها والعسكر منها الى حمص، كما تقدم، والأمير بدر الدين عبد الله السلاح دار، والأمير سيف الدين كرد الحاجب، هؤلاء الأمراء المشار إليهم. فاجتمعوا، واتفقت آراؤهم على مكاتبة السلطان الملك الناصر وإحضاره من الكرك، وإعادة السلطنة إليه، وأن يكون الأمير سيف الدين طقجي الأشرفي نائب السلطنة، وانفصل الحال على ذلك.\rثم سمت بالأمير سيف الدين طقجي نفسه، الى طلب السلطنة لنفسه، وتقرير النيابة لكرجي. وتأخر الإرسال الى السلطان الملك الناصر. وركب الأمير سيف الدين طقجي في يوم السبت حادي عشر، شهر ربيع الآخر، في موكب النيابة، والأمراء في خدمته. وعاد الى القلعة، وجلس. ومدّ السلطان السماط، وقد تفوه الناس له بالسلطنة، ولكرجي بالنيابة.\rحكى تاج الدين عبد الرحمن الطويل، مستوفي الدولة، قال: طلبني الأمير سيف الدين طقجي، وسألني عن إقطاع نيابة السلطنة، فذكرت له بلاده وعبرها ومتحصلاتها، وما انعقدت عليه جملة ذلك، فاستكثره، وقال هذا كثير، وأنا لا أعطيه لنائب. ورسم أن يوفّر منه جملة، تستقر في الخاص. ولم يبرز المرسوم بذلك. ثم خرجت من عنده، فطلبني كرجي، وسألني عن إقطاع النيابة، كما سألني طقجي، فأخبرته بذلك. فاستقلّه، وقال أنا ما يكفيني هذا، ولا أرضى به. وشرع يسأل عن بلاد يطلبها زيادة على إقطاع منكوتمر.\rقال: فعجبت من ذلك، كونهما جعلا فكرتهما وحديثهما في هذا الأمر، قبل وقوع سلطنة هذا، ونيابة هذا.\rمقتل سيف الدين طقجي وسيف الدين كرجي\rكان مقتلهما في يوم الإثنين، رابع عشر شهر ربيع الآخر، من السنة المذكورة. وذلك أن الأمير بدر الدين بكتاش الفخري، أمير سلاح، وصل من غزاة سيس، في هذا اليوم، هو ومن معه. وقد اتصل به خبر مقتل السلطان فاتفق الأمراء الأكابر على الخروج لتلقيه. وعرضوا ذلك على الأمير سيف الدين طقجي، وأشاروا أن يركب معهم. فامتنع من ذلك، وأظهر عظمة وكِبراً. فقالوا له إن عادة الملوك تتلقى أكابر الأمراء، إذا قدموا من الغزاة، سيما مثل هذا الأمير الكبير، الذي هو بقية الأمراء الصالحية. وقد طالت غيبته، وفتح هذه الفتوح. ولاطفوه، الى أن ركب معهم، وخرج للقائه. فلما التقوا، سلموا عليه، وسلّم عليهم. ثم قال الأمير بدر الدين بكتاش، أمير سلاح، للأمراء: أنا عادتي إذا قدمت من الغزاة، يلتقاني السلطان. وكيف ما أجراني على عادتي. وكان قد علم بمقتل السلطان. وإنما أراد بذلك فتح باب للحديث. فقال له طقجي: - وهو الى جانبه - السلطان قتل. فقال: ومن قتله. قال بعض الأمراء: قتله كرجي، وهذا. - وأشار الى طقجي فقال: لابد من قتل قاتله، ونفر في طقجي، وقال له: لا تسوق الى جانبي. فرفس طقجي فرسه، وبرز عنه. فحمل عليه أحد المماليك السلطانية، فضربه بسيفه، فقتل. واتصل خبر مقتله بكرجي، وكان قد تأخر في طائفة من المماليك السلطانية، تحت القلعة. فهرب وقصد جهة القرافة فأدركوه عند قبور أهل الذمة، ببساتين الوزير، فقتل هناك، ولقي عاقبة بغيه.\rقضى الله أن البغي يصرع أهله ... وأن على الباغي تدور الدوائر\rولما قُتل الأمير سيف الدين طقجي، توجه الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح الى داره بالقاهرة، واستقر بها. وكانت غيبته في غزوة سيس هذه، أحد عشر شهراً وأياماً. وحضر إليه بعض الأمراء الأكابر، واستشاره في أمر السلطنة. فأشار بإعادة السلطان الناصر، ووافق رأيه رأيهم واتفقت الآراء على أن ترجع الحقوق الى نصابها، وتقرّ السلطنة الشريفة بيد من هو أحق وأولى بها، وتعود السلطنة الى من نشأ في حجرها وليداً، وتخول من منصبها الشريف طارفاً وتليداً. وندبوا الأمير سيف الدين آل ملك الجوكندار، والأمير علم الدين سنجر الجاولي، فتوجها الى خدمة السلطان الملك الناصر بالكرك، على خيل البريد، لإحضاره. وطالعه الأمراء بما وقع، وما اجتمعت الآراء عليه.","part":8,"page":396},{"id":3907,"text":"وبقي الأمر بالديار المصرية مشتركاً، بعد مقتل طقجي، بين الأمراء، الى أن وصل السلطان الملك الناصر من الكرك. وكانت الكتب تصدر، وعليها خط ستة من الأمراء وهم: الأمير سيف الدين سلار، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير عز الدين أيبك الخزندار، والأمير جمال الدين آفش الأفرم، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندار، والأمير سيف الدين كرد الحاجب. وصدرت الكتب في بعض الأوقات، وعليها خط ثمانية، خط هؤلاء الستة والأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار، والأمير بدر الدين عبد الله السلاح دار.\rوجلس الأمير عز الدين أيبك الخزندار، في ابتداء الأمر في مرتبة النيابة. فإن الأمراء دعوا له حق التقدمة في خدمة البيت المنصوري. وكان له رأي فاسد في مملوك، كان عند الأمير سيف الدين طقجي، اسمه تستاي، فطلبه وهو في المجلس بالدركاه، بباب القلعة، وألح في طلبه فأحضر إليه. فلما رآه، لم يتمالك رؤيته، أن لفّ شعره على يده، وقام من الدركاه، وخدم الأمراء، وتوجه بالصبي الى داره. وكان غرضه من المناصب والتقدم في الدولة، تحصيل هذا المملوك، فاشتغل به عما سواه، وفارق المجلس، وقد ظفر بما تمناه. فعلم الأمراء عند ذلك، سوء تدبيره، وقلة دينه، وأنه لا يعتمد عليه في شيء، ولا يصلح للتقدم، وأنه لم يكن فيه من الصبر، عن غرضه الفاسد، التأني بعض ساعة، حتى ينقضي ذلك المجلس، ويتفرق ذلك الجمع الكثير، وشاهدوا فعله بحضرتهم، وعدم تحاشيه منهم. فتقدم الأمير سيف الدين سلار عند ذلك وصار يجلس في مرتبة النيابة، الى أن حضر السلطان الناصر من الكرك.\rهذا ملخص ما كان بالديار المصرية.\rوأما دمشق وما اتفق بها، بعد توجه الأمير سيف قبجاق، نائب السلطنة بها، منها: فإن الأمير سيف الدين بلغاق الخوارزمي، لما توجه الى الديار المصرية، من جهة الأمير سيف الدين قبجاق - كما قدمنا ذكر ذلك - وصل الى القاهرة، في يوم السبت ثاني عشر، شهر ربيع الآخر، بعد مقتل الملك المنصور لاجين، فاجتمع بالأمير سيف الدين طقجي، وهو صاحب الأمر يومئذ، وأوصله ما كان على يده من المطالعات من جهة الأمير سيف الدين قبجاق، فقرئت عليه. وقال نكتب بإطابة قلبه، وقلوب الأمراء. ثم كان من قتل طقجي ما قدمناه. فكتب الأمراء الثمانية على يده الى الأمراء بدمشق، بما وقع من قتل السلطان ونائبه منكوتمر، وطقجي وكرجي. وأن الحال قد استقر على عود الدولة الناصرية، وإطابة قلوب الأمراء. فوصل الى دمشق في يوم السبت، تاسع عشر الشهر، وكان المتحدث بها يومئذ الأمير سيف الدين جاغان الحسامي. فقبض الأمير بهاء الدين قرا أرسلان المنصوري السيفي على جاغان وحسام الدين لاجين الحسامي، وكان قد ولي بر دمشق، في أوائل سنة ثمان وتسعين وستمائة، واعتقلهما بقلعة دمشق. وأوقع الحوطة على نواب الأمراء الأربعة المقتولين، وحواصلهم بدمشق. وجمع الأمراء بدمشق، وحلّفهم للسلطان الملك الناصر، وتحدث بدمشق حديث نواب السلطنة. ولم تطل مدته، فإنه مات في ثاني جمادى الأولى، فيقال إنه سقي.\rثم وردت كتب الأمراء، مدبري الدولة بالديار المصرية الى دمشق، في يوم السبت، رابع جمادى الأولى، وهي مؤرخة بالسادس والعشرين من شهر ربيع الآخر، أن يستقر الأمير سيف الدين قطلبك المنصوري السيفي، في وظيفة الشد بالشام، عوضاً عن جاغان. فباشر في يوم الإثنين بعد العصر، وكان الملك المنصور لاجين قد جهزه الى حلب، يتحدث في الأموال والحصون، ويشارك الأمير سيف الدين الطباخي في الأمر، فوصل الى دمشق، ونزل بالقصر الأبلق. واتفق قتل السلطان وهو بدمشق، فلم يمكنه التوجه الى حلب وأقام بالميدان. فلما ورد هذا الكتاب، انتقل من القصر، وسكن دار الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، وتحدث في الأموال وغيرها. وبقي هو المشار إليه، الى أن وصل الى نائب السلطنة بدمشق.\rعود السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد ابن السلطان\rالملك المنصور سيف الدين قلاوون الى السلطنة ثانياً","part":8,"page":397},{"id":3908,"text":"قد ذكرنا أن الأمراء أرسلوا الى خدمة السلطان الأميرين سيف الدين آل ملك الجوكندار، وعلم الدين سنجر الجاولي، فتوجها الى السلطان، فوجداه يتصيد بجهة بحور الكرك. فلما شاهداه ترجلا، وقبّلا الأرض بين يديه، وقدّما إليه مطالعات الأمراء، وأعلماه بهذه الحوادث. فركب من وقته وعاد الى الكرك، وتجهز منها، وركب الى الديار المصرية.\rوكان وصوله الى قلعة الجبل، في يوم السبت الرابع من جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة. وجلس على تخت السلطنة، في يوم الإثنين سادس الشهر المذكور، فكأنه المعنيّ بقول القائل:\rقد رجع الحق الى نصابه ... وأنت من دون الورى أولى به\rما كنت إلا السيف سلته يد ... ثم أعادته الى قرابه\rوركب في ثاني عشر الشهر بشعار السلطنة. ولما جلس، استشار الأمراء الأكابر، فيمن يرتبه في النيابة والوظائف. فوقع الاتفاق على أن يكون الأمير سيف الدين سلار المنصوري الصالحي نائب السلطنة بالأبواب الشريفة، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار العالية، والأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار المنصوري أمير جاندار، والأمير جمال الدين أقش الدواداري الأفرم الحاجب، نائب السلطنة بالشام، والأمير سيف الدين كرد الحاجب، نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية وما معها، عوضاً عن الأمير عز الدين أيبك الموصلي المنصوري، وكان قد توفي الى رحمة الله تعالى، في صفر من هذه السنة. وأحضر الأمير سيف الدين قطلبك المنصوري من الشام، ورتب أمير حاجب بالأبواب السلطانية. وأقر السلطان الصاحب الوزير فخر الدين عمر بن الخليلي على وزارته. وخلع السلطان على الأمراء والأعيان، على جاري العادة.\rوتوجه الأمير جمال الدين آفش الأفرم الى دمشق، على خيل البريد، فكان وصوله إليها، في يوم الأربعاء ثاني عشرين جمادى الأولى. وأفرج عن الأمير سيف الدين جاغان الحسامي، في يوم الأربعاء، تاسع عشرين الشهر، حسبما رسم به من الأبواب السلطانية. فتوجه الى الديار المصرية، فوجد البريد وهو في أثناء الطريق، بإعادته الى الإمرة بدمشق، فعاد واستقر.\rوفي يوم الخميس حادي عشر جمادى الآخرة، خلع على الأمراء والأعيان بدمشق، ولبسوا تشاريف السلطان، ووصل طلب نائب السلطنة، الأمير جمال الدين في هذا اليوم، فتلقاه والأمراء في خدمته، وعليه التشاريف، ودخل دخولاً حسناً.\rوفيها، في شهر رجب، توجه الأمير سيف الدين كرد الحاجب، لنيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية.\rوفيها، رسم السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين كجكن، أحد الأمراء الأكابر المقدمين بدمشق. فقبض عليه في يوم الجمعة، ثاني عشرين شهر رجب، واعتقل بقلعة دمشق. ثم جُهّز الى الأبواب السلطانية مقيداً، ثاني شهر رمضان، هو وحمدان وأخوه، ولدا صلغاي. وجرد معهم مائة فارس من عسكر الشام. فوصلوا بهم الى الأبواب السلطانية.\rالإفراج عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر\rوتفويض الوزارة إليه وفي هذه السنة، في شهر رمضان، أفرج عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر العزي المنصوري، وفوض إليه وزارة المملكة الشريفة، وتدبير الدولة بالديار المصرية، وعزل الصاحب فخر الدين الخليلي.\rوفود سلامش بن أقال بن بيجو وأخيه قطقطوا\rومن معهما، وعود سلامش وقتله كان سلامش هذا، قد جهزه قازان ملك التتار الى بلاد الروم، مقدماً على تمان، وقيل بل كان معه خمسة وعشرون ألف فارس. وأمره قازان أن يأخذ عساكر الروم، ويتوجه الى الشام من جهة سيس، وأن قازان يحضر بنفسه، ببقية جيوشه من جهة الفرات، وأن يكون اجتماعهم على حلب، ثم يعبرون بجملتهم الى الشام. فلما وصل سلامش الى بلاد الروم، خلع طاعة قازان، وحدثته نفسه بالملك، وكاتب ابن قرمان أمير التركمان، فأطاعه وانضم إليه في عشرة آلاف فارس. وكتب الى السلطان المنصور لاجين، يستنجده على قازان. ووصل برسالته وكتبه الى الأبواب السلطانية، مخلص الدين الرومي. فكتب السلطان الى دمشق بتجهيز العساكر لنصرته وإنجاده.","part":8,"page":398},{"id":3909,"text":"ولما اتصل بقازان خبر خروجه عن الطاعة، انثنى عزمه عن قصد الشام، في هذه السنة. وجرد العساكر الى سلامش في أوائل جمادى الآخرة، وكانوا خمسة وثلاثين ألفاً، مع ثلاثة مقدمين، ومرجعهم الى بولاي. فتوجهوا الى سلامش، وكان قد جمع نحو ستين ألف فارس. وهو يحاصر سيواس، فإنها كانت قد عصت عليه. فأتته العساكر شهر رجب، والتقوا، ففارقه من كان معه من عسكر التتار، والتحقوا ببولاي، وكذلك عسكر الروم، ولحق التركمان بالجبال. وبقي سلامش في دون خمسمائة فارس، ففر من سيواس الى بلاد سيس، ووصل الى بهسنا في أواخر شهر رجب، ثم وصل الى دمشق يوم الخميس، ثاني عشر شعبان، وصحبته الأمير بدر الدين الذردكاش نائب بهسنا، فتلقته عساكر دمشق بأحسن زي صحبة نائب السلطنة بدمشق.\rثم توجه سلامش الى الأبواب السلطانية، في يوم الأحد خامس عشر شعبان، على خيل البريد، فوصل الى الأبواب السلطانية، وهو وأخوه قطقطوا، فأكرمهما السلطان والأمراء، وأحسنوا إليهما. وخيّر سلامش بين المقام بالديار المصرية أو العود. فسأل أن يجرد السلطان معه جيشاً، ليتوجه الى بلاد التتار، ويأخذ عياله؛ ويرجع الى خدمة السلطان. فجهزه السلطان الى حلب. ورسم أن يجرد معه الأمير سيف الدين بكتمر الجلمي، وأعانه. فوصل الى دمشق في الحادي والعشرين من شهر رمضان. وتوجه في الثالث والعشرين من الشهر، صحبة الأمير بدر الدين الذردكاش. ولما وصل الى حلب، جرد معه الأمير سيف الدين بكتمر الجلمي حسب المرسوم. فساروا الى بلاد سيس، فشعر بهم صاحبها والتتار الذين بتلك الأعمال. فأخذوا عليهم الطرق والمضايق، والتقوا واقتتلوا، فقتل الجلمي، ولجأ سلامش الى بعض القلاع. فأرسل قازان في طلبه، واستنزله فحمل إليه فقتله.\rواستقر قطقطو ومخلص الدين الرومي في الخدمة الشريفة السلطانية بالديار المصرية. فأنعم السلطان على قطقطو بإقطاع، وعلى مخلص الدين براتب.\rوفي هذه السنة، في شهر رمضان، وصل رسول صاحب سيس ورسول صاحب القسطنيطينية بتحف وهدايا، وتقادم للسلطان. فوصلوا الى دمشق في رابع الشهر، وتوجهوا منها الى الأبواب السلطانية، في سادسه. ويقال إن مضمون رسالة صاحب القسطنطينية، الشفاعة في صاحب سيس، والله أعلم.\rوصول الفرنج الى الشام\rوتكسير بعضها، ورجوع ما سلم منها وفي هذه السنة، في العشر الآخر من شعبان، وصل الى بيروت مراكب كثيرة. وبطش للفرنج فيها جماعة كثيرة من المقاتلة، يقال إن البطش كانت ثلاثين بطشة، في كل بطشة منها، نحو سبعمائة. وقصدوا أن يطلعوا من مراكبهم الى البر، وتحصل إغارتهم على بلاد الساحل. فلما قربوا من البر، أرسل الله عز وجل عليها ريحاً مختلفة. فغرقت بعض هذه المراكب، وتكسر بعضها. ورجع من سلم منهم على أسوأ حال، وكفى الله تعالى شرهم. وحكي عن الريّس ببيروت، أنه قال: والله لي خمسون سنة، ألازم هذا البحر، فما رأيت مثل هذه الريح، التي خرجت على هذه المراكب، وليست من الرياح المعروفة عندنا.\rوفي هذه السنة، عزل قاضي القضاة حسام الدين الرومي الحنفي عن القضاء بالديار المصرية، وأعيد الى القضاء بدمشق عوضاً عن ولده القاضي جلال الدين. وكان وصوله الى دمشق في يوم الخميس، سادس ذي الحجة. ولما عزل فوض القضاء بالديار المصرية، على مذهب الإمام أبي حنيفة، للقاضي شمس الدين أحمد السروجي الحنفي، على عادته.\rوفيها، كانت وفاة الأمير الزهد بدر الدين الصوابي فجأة في ليلة الخميس، تاسع جمادى الأولى، ودفن بسفح قاسيون بكرة النهار. وكان أميراً ديناً صالحاً، خيراً كثير البر والصدقة. وروى الحديث النبوي، وكان له في الإمرة نحو أربعين سنة. وكان من مقدمي الألوف وأمراء المائة بالشام، رحمه الله تعالى.","part":8,"page":399},{"id":3910,"text":"وفيها، كانت وفاة بدر الدين بيسري الشمسي الصالحي النجمي، الأمير الكبير المشهور في معتقله، بالقاعة الصالحية، بقلعة الجبل المحروسة، وأخرج ودفن بتربته. وكان الملك الناصر، لما عاد الى المُلك، رسم بالإفراج عنه. فوقف الأمراء في ذلك، وحسنوا للسلطان إبقاءه على ما هو عليه. فرجع الى رأيهم وأبقاه، فمات بعد ذلك بمدة يسيرة. وكان رحمه الله تعالى، كريم النفس، عالي الهمة، يعطي الكثير ويستقله، وكان عليه في أيام إمرته لجماعة كثيرة من مماليكه وأولادهم، وخدامه، الرواتب الوافرة من اللحم والتوابل والجرايات والعليق. فرتب لبعضهم في كل يوم سبعين رطلاً من اللحم بالمصري، وما يحتاج إليه من التوابل والخضراوات والحطب، وسبعين عليقة، ولأقلهم خمسة أرطال، وخمس علائق، ولبعضهم عشرين رطلاً وعشرين عليقة، هذا زيادة من جهته على ما لهم من الإقطاعات السلطانية. وبلغ ما يحتاج إليه في كل يوم بسماطه ودوره المرتب عليه فيما بلغني، ثلاثة آلف رطل لحم، وثلاث آلاف عليقة. وكان ينعم بألف دينار عيناً، وبألف أردب غلة، وبألف قنطار من العسل. ويتصدق على الفقراء بألف درهم وخمسمائة درهم. ولا يعطي أقل من ذلك إلا في النادر عند التعذر. ولا يفعل ذلك عن امتلاء ولا سعة. مازال عليه لأرباب الديون أربعمائة ألف درهم، وأكثر من ذلك. وإذا وفى ديناً، اقترض خلافه، يتكرم بذلك. ولا يتجاسر أحد من مماليكه وألزامه أن يعدله عن ذلك، ولا يشافهه في الإمساك عنه، والاختصار منه. وإن كلمه أحد منهم، أنكر عليه، وربما ضربه، وأهانه، وعزله عن وظيفته، وإن كان أستاذ دار أو مباشراً عنده. وكانت مكارمه كثيرة مشهورة وعطاياه وصلاته وافرة مذكورة، ما رأى أهل عصره من أمثاله في المكارم والعطايا والإنفاق والهبات والصلات مثله، رحمه الله تعالى، ومات وعليه من الديون، ما يزيد على أربعمائة ألف درهم، ورتب بعده من موجوده وأملاكه، رحمه الله تعالى.\rوفاة الملك المظفر\rصاحب حماه وفي يوم الخميس، الحادي والعشرين من ذي القعلة، كانت وفاة الملك المظفر تقي الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماه، بها. ودفن ليلة الجمعة، آخر الليل عند أبيه رحمهما الله تعالى. ومولده في الساعة العاشرة، من ليلة الأحد، خامس عشر المحرم، سنة سبع وخمسين وستمائة. وأمه عائشة خاتون بنت الملك العزيز غياث الدين محمد ابن الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب. فيكون عمره، رحمه الله تعالى، إحدى وأربعين سنة وعشرة أشهر وسبعة أيام، ومدة ملكه بحماه خمس عشرة سنة وشهراً واحداً ويوماً واحداً، رحمه الله تعالى. وانقطع ملك حماه بعده من البيت الأيوبي سنين، الى أن أعاده السلطان الملك الناصر في سلطنته الثالثة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه. ولما مات، فوضت نيابة السلطنة بحماه الى الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري، كما تقدم، وتداولها جماعة من النواب يأتي ذكرهم، إن شاء الله تعالى، في مواضعه.\rوفيها، توفي الملك الأوحد نجم الدين يوسف ابن الملك الناصر صلاح الدين داود ابن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوف، رحمهم الله تعالى، في ليلة الثلاثاء الرابع والعشرين من ذي الحجة بالقدس الشريف، ودفن من الغد برباطه عند باب خطه شمالي الحرم، وكان من المشهورين بالجلالة والتقدم في المجالس، وعند الملوك، وكان كثير الإحسان الى الضعفاء، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي نجم الدين أيوب ابن الملك الأفضل علي ابن الملك الناصر داود بدمشق، وصلي عليه يوم الجمعة، رابع عشر ذي الحجة، رحمه الله تعالى.\rوفيها، كانت وفاة الشيخ الإمام حجة العرب بهاء الدين أبي عبد الله محمد بن ابراهيم بن محمد بن نصر بن النحاس الحلبي النحوي بالقاهرة، في يوم الثلاثاء سابع جمادى الأولى، في الثالثة من النهار. وأخرج من الغد، ودفن بالقرافة، ومولده بحلب، في يوم الأربعاء، سلخ جمادى الآخرة، سنة سبع وعشرين وستمائة، رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي تقي الدين توبة بن علي بن مهاجر التكريتي، في ليلة الخميس، ثاني جمادى الآخرة بدمشق. ودفن بتربته بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.","part":8,"page":400},{"id":3911,"text":"وفيها، كانت وفاة الأمير جمال الدين آقش المغيثي، متولي البيرة، وكان له بها نحو أربعين سنة.\rتوجه السلطان الى الشام\rوفي هذه السنة، تواترت الأخبار بحركة التتار، فندب السلطان الجيوش المصرية وجردها. وكان قد جرد في جمادى الآخرة، الأمير سيف الدين بلبان الحبيشي ومضافيه، والأمير بدر الدين عبد الله السلاح دار ومضافيه، والأمير جمال الدين آقش الموصلي المعروف قتال السبع، والأمير مبارز الدين الرومي أمير شكار ومضافيه، فوصلوا الى دمشق، في سابع شهر رجب. فلما قويت الأجناد الآن، جرد الأمير سيف الدين قطلبك الحاجب ومضافيه، والأمير سيف الدين نوكيه التتاري ومضافيه، فوصلوا الى دمشق في يوم الإثنين رابع عشرين ذي الحجة. ثم توجه السلطان بعد ذلك، بالعساكر المنصورة. فاستقل ركابه الشريف من قلعة الجبل في الرابع والعشرين من ذي الحجة. واستناب في غيبته بقلعة الجبل المحروسة، الأمير ركن الدين بيبرس الدواداري المنصوري.\rواستهلت سنة تسع وتسعين وستمائة والسلطان الملك الناصر متوجه بالجيوش الى الشام، فوصل الى غزة في المحر، ونزل بتل العجول.\rالفتنة التي أثارها الأيرواتية بهذه المدينة\rلما حل ركاب السلطان بمنزلة تل العجول، اتفق جماعة من الأويراتية، الذين وفدوا الى الديار المصرية، في الأيام العادلية الزينية، مع الأمير سيف الدين برلطاي، أحد الأمراء المماليك السلطانية الذين كانوا بدار الوزارة، على إثارة فتنة. فبينما الأمراء في الموكب، لم يشعروا إلا وقد شهر برلطاي سيفه، وحمل نفسه وكرّ صوب الدهليز المنصور السلطاني، فأُمسِك. وسيره السلطان الى الأمراء، فقتل لوقته. وقبض على جماعة من المماليك السلطانية، وسيروا الى قلعة الكرك، واعتقلوا بها. وقبض على جماعة من الأويراتية، فشنقوا بظاهر غزة. وكان من اتهم بمباطنتهم قطلوبرس العادلي، فطُلم فلم يوجد. واختفى مدة، ثم حصل الظفر به، بعد ذلك، فشنق بسوق الخيل تحت القلعة.\rوأقام السلطان الناصر بهذه المنزلة مدة، ثم رحل منها، وتوجه نحو دمشق، فوصل إليها في يوم الجمعة، ثامن شهر ربيع الأول، ونزل بقلعتها. وهذه السفرة، هي أول وصول السلطان الملك الناصر الى دمشق، وحال وصوله، أمر بخروج العسكر الشامي، فخرج من دمشق، وتلته العساكر المصرية. ثم توجه السلطان في أعقابهم، الى جهة حمص، لقتال التتر، ودفعهم عن الشام، وكان رحيله من دمشق، في وقت الزوال، من يوم الأحد سابع عشر شهر ربيع الأول.\rوقعة غازان ملك التتار بمجمع المروج ببلاد حمص\rكانت هذه الوقعة يوم الأربعاء، الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول، سنة تسع وتسعين وستمائة. وذلك أن السلطان الملك الناصر، لما رحل من دمشق، الى جهة حمص، تواترت الأخبار بوصول التتار الى وادي الخزندار. فسار السلطان إليهم، وحث السير. فقطع ثلاث مراحل، في مرحلة واحدة، فأشرف على مجمع المروج، وقد تعبت خيول العساكر الإسلامية، وركب غازان في جيوش التتار، ومن انضم إليها من الكرج والأرمن وغيرهم، ومعه الأمير سيف الدين قبجاق، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير فارس الدين البكي، والأمير سيف الدين عزاز. والتقى الجمعان في الخامسة من النهار المذكور. فحملت الميسرة الإسلامية على ميمنة التتار، فهزمتها أقبح هزيمة، وقتل من التتار خلق كثير. فلما عاين غازان انهزام ميمنته، اعتزل في نحو ثلاثين فارساً، وعزم الفرار. فمنعه الأمير سيف الدين قبجاق، وثبته ومناه بالظفر. وكان قصده بذلك، فيما قال بعد عوده، القبض على غازان عند استمرار الهزيمة بجيوشه.\rثم ركبت فرقة من التتار، كانت لم تشهد الحرب، واجتمعوا كراديس، وحملوا حملة منكرة، وقصدوا قلب العساكر الإسلامية، وضعفت الميمنة الإسلامية عن لقاء ميسرتهم. فكان من الهزيمة ما كان، وذلك بعد العصر من اليوم المذكور.\rمن استشهد وفقد، في هذه الموقعة من المشهورين","part":8,"page":401},{"id":3912,"text":"كان من استشهد وفقد من الأمراء والمشهورين، في هذه الوقعة، الأمير سيف الدين كرد، نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية، والأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير عز الدين أيدمر الحلبي، أحد الأمراء بالديار المصرية، والأمير سيف الدين بلبان التقوي، من أمراء طرابلس، والأمير ركن الدين بيبرس الغتمي، النائب بحصن المرقب، والأمير صارم الدين أزبك، النائب بقلعة بلاطنس، والأمير بدر الدين بيليك المنصوري المعروف بالطيار، من أمراء دمشق، قتل في عوده بعد الوقعة، والأمير سيف الدين نوكيه التتاري، والأمير جمال الدين أقش كرجي الحاجب، والأمير جمال الدين أقش المطروحي، حاجب الشام، فقدوا نحو ألف فارس من الحلقة والمماليك السلطانية وأجناد الأمراء ومماليكهم. وهؤلاء الأمراء، منهم من استشهد في المعركة، ومنهم من أصابته جراحة، فمات بعد انفصال الوقعة فيعد شهيداً، ومنهم من عدم ولم تتحقق وفاته. وعدم قاضي القضاة حسام الدين الحنفي الرومي، والقاضي عماد الدين اسماعيل ابن الأثير الموقع. وقتل من التتار فيما ققيل نحو أربعة عشر ألف.\rولما تمت الهزيمة، وشاهد غازان من قتل من أصحابه وكثرتهم، وقلة من قتل من العساكر الإسلامية، بالنسبة الى من قتل من التتار، ظن أن هذه الهزيمة مكيدة، واستجرار لعساكره، فتوقف عن اتباع العساكر الإسلامية، حتى تبين له صحة الهزيمة. ثم سار من مكان الوقعة الى حمص، وبها الخزائن السلطانية، فسلمها متوليها محمد بن الصارم، من غير ممانعة، ولا مدافعة، ثم رحل عنها الى جهة دمشق ونزل بالغوطة.\rما اتفق بدمشق بعد الوقعة ومفارقة العساكر الإسلامية في مدة\rاستيلاء التتار عليها، الى أن فارقوا البلاد، وعادوا الى الشرق كانت الأخبار وصلت إليهم بانهزام الجيوش الإسلامية، وتحققوها في يوم السبت، مستهل شهر ربيع الآخر. فتوجه من أمكنه السفر الى الديار المصرية في هذا اليوم. فكان ممن توجه قاضي القضاة إمام الدين الشافعي، وقاضي القضاة جمال الدين الزواوي المالكي، وابن الشيرازي، ومتولي مدينة دمشق، ومتولي برها، ومحتسب المدينة، وجماعة كبيرة من أهل البلد، ممن قدر على الانتزاح، وفي ليلة الأحد، أحرق المعتقلون بسجن باب الصغير بابه، وخرجوا منه، وكانوا نحو مائة وخمسين. وتوجهوا الى باب الجابية، وكسروا الأقفال، وخرجوا منه. وبقي البلد لا حامي له، ولا ممانع عنه. فاجتمع أكابر دمشق، في يوم الأحد الثاني من الشهر، بمشهد علي بالجامع الأموي. واتفقوا على أن يتوجهوا الى الملك غازان، ويسألوا الأمان لأهل البلد. فتوجه قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وهو الخطيب يومئذ، والشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ زين الدين الفارقي، والقاضي نجم الدين بن صصري، والقاضي شمس الدين الحريري، والقاضي جلال الدين ابن القاضي حسام الدين، وفخر الدين ابن الشيرجي، وعز الدين بن الزكي، ووجيه الدين بن متجا، والرئيس عز الدين حمزة بن القلانسي، وابن عمه الصدر شرف الدين، وأمين الدين بن شقير الحراني، والشريف زين الدين بن عدنان، ونجم الدين بن أبي الطيب، وناصر الدين بن عبد السلام، وشريف الدين بن الشيرجي، وشهاب الدين الحنفي، والشيخ محمد بن قوام البالسي، وجلال الدين أخو القاضي إمام الدين، وجماعة كبيرة من القراء والفقهاء والعدول. وتوجهوا بعد صلاة الظهر، من يوم الإثنين، ثالث الشهر، واجتمعوا بالملك غازان، وهو عند النبك، وهو سائر. ونزلوا عن مراكبهم. وقبّل بعضهم الأرض، فوقف غازان بفرسه لهم. وترجل جماعة من التتار عن خيولهم. وتكلم الترجمان بينهم وبين الملك غازان، وسألوا الأمان لأهل دمشق. وكان المخاطب له عن أهل دمشق، فخر الدين بن الشيرحي. فقال غازان: الذي حضرتم بسببه من الأمان قد أرسلناه قبل وصولكم. وقدموا ما كان معهم من المأكول، فلم يكن له وقع عندهم. وأذن لهم في الرجوع الى دمشق، فرجعوا. وكان وصولهم بعد صلاة العصر، من يوم الجمعة، سابع الشهر. ولم يُخطب في هذه الجمعة لسلطان.\rوكان قد وصل الى دمشق، في يوم الخميس، سادس الشهر أربعة من التتار، من جهة غازان، ومعهم الشريف القمّي. وكان قد توجه قبل توجه الجماعة، هو وثلاثة من أهل دمشق الى غازان. فعاد وبيده أمان لأهل دمشق.","part":8,"page":402},{"id":3913,"text":"ثم وصل بعد صلاة الجمعة، الأمير اسماعيل وجماعة من التتار. فنزلوا بالبستان الظاهري، بطريق القابون. ثم ركب الأمير اسماعيل في يوم السبت، ودخل الى دمشق، وجاء الى مقصورة الخطابة بالجامع الأموي، لقراءة الفرمان. وقرأه أحد العجم الواصلين صحبة الأمير اسماعيل، وبلّغ عنه المجاهد المؤذن، ومضمونه: بقوة الله تعالى، ليعلم أمراء التومان والألوف والمائة، وعموم عساكرنا المنصورة، من المغول والتازيك والكرج وغيرهم، ممن هو داخل تحت ربقة طاعتنا. إن الله لما نوّر قلوبنا بنور الإسلام، وهدانا الى ملة النبي، عليه أفضل السلام \" أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين \" .\rولما أن سمعنا أن حكام مصر والشام خارجون عن طريق الدين، غير متمسكين بأحكام الإسلام، ناقضون لعهودهم، حالفون بالأيمان الفاجرة، ليس لديهم وفاء ولا ذمام، ولا لأمورهم التئام ولا انتظام، وكان أحدهم إذا تولى، سعى في الأرض ليفسد فيها، ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد. وشاع من شعارهم الحيف على الرعية، ومدّ الأيدي العارية، الى حرمهم وأموالهم، والتخطي عن جادة العدل والإنصاف، واركابهم الجور والإعساف، حملتنا الحمية الدينية، والحفيظة الإسلامية، على أن توجهنا الى تلك البلاد، لإزالة هذا العدوان، وإماطة هذا الطغيان، مستصحبين الجم الغفير من العساكر.\rونذرنا على أنفسنا، إن وفقنا الله تعالى بفتح تلك البلاد، أزلنا العدوان والفساد، وبسطنا العدل والإحسان في كافة العباد، ممتثلاً للأمر الإلهي: \" إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلك تذكرون \" . وإجابة لما ندب إليه الرسول، صلى الله عليه وسلم، \" إن المُقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين الدين، يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا \" . وحيث كانت طويتنا مشتملة على هذه المقاصد الحميدة والنذور الأكيدة. منّ الله علينا بتبلّج تباشير النصر المبين، والفتح المستبين. وأتمّ علينا نعمته، وأنزل علينا سكينته، فقهرنا العدو الطاغية، والجيوش الباغية، وفرقناهم أيدي سبا، ومزقناهم كل ممزق، حتى جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا فازدادت صدورنا انشراحاً للإسلام، وقويت نفوسنا بحقيقة الأحكام، منخرطين في زمرة من حبّب إليهم الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون، فضلاً من الله ونعمة.\rفوجب علينا رعاية تلك العهود الموثقة، والنذور المؤكدة. فصدرت مراسيمنا العالية، أن لا يتعرض أحد من العساكر المذكورة على اختلاف طباقاتها لدمشق وأعمالها، وسائر البلاد الإسلامية الشامية، وأن يكفوا أظفار التعدي عن أنفسهم وأموالهم وحريمهم، ولا يحوموا حول حماهم بوجه من الوجوه، حتى يشتغلوا بصدور مشروحة، وآمال مفسوحة بعمارة البلاد، وبما هو كل واحد بصدده من تجارة وزراعة وغير ذلك. وكان هذا الهرج العظيم، وكثرة العساكر، فتعرّض بعض نفر يسير من السلاحية وغيرهم، الى نهب بعض الرعايا وأسرهم، فقتلناهم ليعتبر الباقون، ويقطعوا أطماعهم عن النهب والأسر، وغير ذلك من الفساد. وليعلموا أنا لا نسامح بعد هذا الأمر البليغ البتة، وأن لا يتعرضوا لأحد من أهل الأديان، على اختلاف أديانهم، من اليهود والنصارى والصابئة. فإنهم إنما يبذلون الجزية عنهم، من الوظائف الشرعية، لقول عليّ عليه السلام: \" إنما يبذلون الجزية، لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا \" . وللسلاطين موصّون على أهل الذمة الطيعين، كما هم موصون على المسلمين، فإنهم من جملة الرعايا. قال صلى الله عليه وسلم: \" الإمام الذي على الناس، راع عليهم، وكل راع مسؤول عن رعيته \" .\rفسبيل القضاة والخطباء والمشايخ والعلماء والشرفاء والأكابر والمشاهير وعامة الرعايا، الاستبشار بهذا النصر الهني والفتح السني، وأخذ الحظ الوافر من السرور، والنصيب الأكبر من البهجة والحبور، مقبلين على الدعاء لهذه الدولة القاهرة، والمملكة الظاهرة، أناء الليل وأطراف النهار.\rوكتب في خامس ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وستمائة.","part":8,"page":403},{"id":3914,"text":"ولما قرئ هذا الفرمان، حصل للناس بعض الطمأنينة، وجلس التتار بالمقصورة الى أن صلوا العصر، وعادوا الى منزلتهم بالبستان الظاهري. وأغلق الأمير علم الدين سنجر أرجواش أبواب قلعة دمشق، وامتنع بها في أول هذه الحادثة.\rواجتمع أهل دمشق في يوم الأحد تاسع الشهر بالقيمرية، واهتموا في تحصيل الخيل والبغال والأموال، ليرضوا بها التتار، ونزل غازان ملك التتار بالغوطة، في يوم الإثنين العاشر من الشهر، وأحدقت الجيوش بالغوطة؛ وقتلوا طائفة من أهل القرى.\rووصل الأمير سيف الدين قبجاق، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، وغيرهما في هذا اليوم، ونزلوا بالميدان. ولما مروا بالقلعة، خاطبوا الأمير علم الدين سنجر أرجواش، نائب القلعة، وأشاروا عليه بتسليمها، فسبهم أقبح سب.\rوفي بكرة نهار الثلاثاء، حادي عشر الشهر، ورد مثال الأمير اسماعيل نائب التتار، يأمر العلماء والمشايخ والرؤساء، أن يتوجهوا الى القلعة، ويتحدثوا مع نائبها في تسليمها، وأنه متى امتنع من ذلك، دخل الجيش البلد ونهبها، وسفكت الدماء. فاجتمع جماعة كثيرة الى باب القلعة، وسألوا الأمير علم الدين سنجر أرجواش، أن يرسل إليهم رسولاً، فامتنع وسبهم أقبح سب. وقال: قد وردت عليّ بطاقة من السلطان، أنه جمع الجيوش بغزة، وكسر الطائفة التي اتبعتهم من التتار، والسلطان يصل عن قريب بعساكره.\rثم دخل قبجاق دمشق في يوم الأربعاء ثاني عشر الشهر، وجلس بالمدرسة العزيزية، وأمر العلماء والأكابر بمراجعة أرجواش في تسليم القلعة، فتوجهوا إليه، فلم يسمع كلامهم. وكُتب في هذا اليوم بالعزيزية فرامانات من شيخ الشيوخ نظام الدين محمود بن علي الشيباني، ومقدم من مقدمي التتار، ذكر أنه رضيع الملك غازان، ومن قبجاق، فلم تُجد نفعاً.\rوفي يوم الجمعة رابع عشر الشهر ربيع الآخر خطب لغازان على منبر دمشق، بما رسم لهم به من الألقاب والنعوت وهي مولانا السلطان، الملك الأعظم، سلطان الإسلام والمسلمين، مظفر الدنيا والدين، محمود غازان. وصلى بالمقصورة جماعة من المغل. وحضر الى المقصورة، عقيب الصلاة الأمير سيف الدين قبجاق، وصعد هو والأمير اسماعيل الى سدّة المؤذنين. واجتمع جمع كثير من عامة الناس تحت النسر. وقرئ عليهم تقليد بتولية الأمير سيف الدين قبجاق الشام أجمع، وعيّن فيه مدينة دمشق وحلب وحما وحمص وغير ذلك، من الأعمال والجهات. وجعل إليه أن يولي القضاة، والحكماء والخطباء، وغيرهم. ونثر على الناس الذهب والدراهم، فاستبشر الناس بولاية قبجاق، ظناً منهم أنه يرفق بهم. وحضر في هذا اليوم شيخ الشيوخ نظام الدين محمود بن علي الشيباني، الى المدرسة العادلية. وأحضرت إليه ضيافة، وأظهر العتب على أهل البلد، كونهم لم يترددوا إليه. وذكر أنه يصلح أمرهم، ويتفق معهم، على ما يفعل، في أمر القلعة. فقال بعض من حضر إن الأمير سيف الدين قبجاق يَخبِر أمر متولي القلعة. فقال شيخ الشيوخ: خمسمائة من قبجاق ما يكونون في خاتمي، وعظّم نفسه تعظيماً كثيراً.\rوفي يوم السبت خامس عشر الشهر، ابتدئ بنهب جبل الصالحية، وما به من الترب والمدارس وغيرها. فتوجه الشيخ تقي الدين بن تيمية الى شيخ الشيوخ، فركب إليهم في يوم الثلاثاء. فلما وصل الى جبل الصالحية، هرب من به من التتار، ودخل أهل الجبل الى دمشق عرايا في أسوأ حال.\rوتوجه التتار الى قرية المزة، فنهبوها وسبوا أهلها. وتوجهوا الى داريا، وفعلوا كذلك، وقتلوا جماعة من أهلها، وقتل أهلها جماعة من التتار. فتوجه الشيخ تقي الدين بن تيمية، يوم الخميس الى الملك غازان، وهو بتل راهط، فدخل عليه ليشكو له ما جرى من التتار بعد أمانه، فلم يمكّن من ذلك. وقيل له: إن شكوت إليه أمراً، يقتل بعض المغل، فيكون ذلك سبب الاختلاف، وتدور الدائرة على أهل دمشق. فعدل الشيخ عن الشكوى الى الدعاء، وفارقه واجتمع بالوزيرين سعد الدين، ورشيد الدين، وتحدث معهما. فذكرا أن جماعة من المقدمين الأكابر، لم يصل إليهم من مال دمشق شيء، ولابد من إرضائهم. وأمر الوزير بإطلاق الأسرى.","part":8,"page":404},{"id":3915,"text":"ثم اشتد الأمر على أهل دمشق، في طلب الأموال وحصار القلعة. وجاء منجنيقي. فالتزم بأخذ القلعة، وقرر أن يكون نصب المجانيق عليها بالجامع الأموي. فأجمع أرجواش رأيه، أنه متى نصب المجانيع بالجامع، رمى عليها بمجانيق القلعة. وكان ذلك يؤدي الى هدم الجامع. فانتدِب رجال من أهل القلعة، بعد أن تهيأت أعواد المجانيق، ولم يبق إلا نصبها. وخرجوا بالحمية الإيمانية، وهجموا الجامع، ومعهم المناشير، فأفسدوا ما تهيأ من أعواد المجانيق. ثم جددوا غيرها، واحترزوا عليها. وحضر جماعة من المغل يبيتون بالجامع. فيقال إنهم انتهكوا حرمته، واركبوا فيه المحارم، من شرب الخمور والزنا، وطرح القاذورات والنجاسات، وقلّ حضور الناس فيه، حتى أنه لم تقم فيه صلاة العشاء الآخرة، في بعض الليالي. ونهب التتار سوق باب البريد.\rوتحول الناس من حول الجامع، وزهدوا في قربه لمجاورة التتار. فانتدِب رجل من أهل القلعة. وبذل نفسه، والتزم بقتل المنجنيقي. وخرج الى الجامع، والمنجنيقي بين المغل، وهو في ترتيب العمل. فتقدم إليه، وضربه بسكين فقتله. وهجم رجال القلعة، فتفرق المغل عن القاتل، وحماه أصحابه، فلجأ الى القلعة، وبطل على التتار ما دبروه من عمل المجانيق. واضطر أرجواش الى هدم ما حول القلعة، من المساكن والمدارس والأبنية ودار السعادة، وطواحين باب الفرج، وغير ذلك. كل ذلك احترازاً على حفظ القلعة، وأن يتطرق العدو إليها. وحصل من إفساد التتار والأرمن وإخرابهم الأماكن، بإفسادهم الصالحية، وحرق جامع التوبة بالعُقيبة وغير ذلك، ما بقيت آثاره، بعد ذهاب العدو زمناً طويلاً. ثم أعاد المسلمون ذلك، والحمد لله تعالى، الى أحسن ما كان.\rواشتد الأمر على أهل دمشق في طلب الأموال، في أواخر شهر ربيع الآخر، وأوائل جمادى الأول، وطلب من البلد ما لا يتحمله أهله. وتولى استخراج الأموال، والمطالبة بها من أهل دمشق، صفي الدين السنجاري، وولد الشيخ محمد ابن الشيخ علي الحرير. وغلت الأسعار بدمشق هذه المدة.\rثم رجع غزان الى بلاد الشرق، يوم الجمعة، ثاني عشر جمادى الأولى ونزل قطلوشاه نائبه بدمشق وجماعة كثيرة من التتار معه، وجعل نيابة الشام الى الأمير سيف الدين قبجاق، ونيابة حلب وحمص الى الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، ونيابة صفد وطرابلس والسواحل الى الأمير فارس الدين البكي ولما توجه غازان، استصحب الوزير معه، من أكابر دمشق بدر الدين ابن فضل الله، وعلاء الدين علي ابن الصدر شرف الدين محمد بن القلانسي، وشرف الدين بن الأثير.\rوفي يوم السبت ثالث عشر جمادى الأولى، رسم التتار بإخلاء المدرسة العادلية، ووقف جماعة منهم على بابها يفتشون من يخرج منها، ويأخذون ما أحبوا من أمتعتهم، وعجز أهلها عن نقل أثاثهم. ودخل التتار إليها، عقيب خروجهم منها، وكسروا أبواب البيوت، ونهبوا ما بها، وأخلى التتار ما حول القلعة، وطلعوا الى الأسطحة، ورموا منها النشاب على القلعة. فعند ذلك، أمر أرجواش بإحراق ذلك كما تقدم. وكان إحراق المدرسة العادلية في الحادي والعشرين من جمادى الأولى.\rوفي يوم الجمعة تاسع عشر الشهر، قرئ على سدة الجامع كتابان: أحدهما يتضمن تولية الأمير سيف الدين قبجاق النيابة بالشام، والثاني يتضمن تولية الأمير ناصر الدين يحيى بن جلال الدين شد الشام. وتضمن أحد الكتابين أن يصرف ما كان لخزائن السلاح، من مال الجامع في مصالح السبيل الى الحجاز الشريف. ويتضمن أيضاً أن غازان يعود الى الشام في فصل الخريف، ويتوجه الى الديار المصرية، وأنه توجه الى البلاد ونزل نائبه قطلوشاه في ستين ألف فارس لحماية الشام، الى غير ذلك مما تضمنه.\rواستمر قطلوشاه بعد توجه غازان أياماً يحاصر القلعة، فلم يتهيأ له منها ما يريد، فجمع له قبجاق مالاً من أهل البلد، فأخذه وعاد الى بلاد الشرق. وكان رحيله في يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من جمادى الأولى. وتوجه الأمير سيف الدين قبجاق لوداعه. وعاد في يوم الخميس الخامس والعشرين من الشهر، ودخل الى دمشق، من باب شرقي، وشق البلد، وخرج من باب الجابية، وكانا مغلقين في مدة مقام التتار، ففتحا له الآن، ونزل بالقصر الأبلق.","part":8,"page":405},{"id":3916,"text":"وعاد الأمير يحيى بن جلال الدين والصفي السنجاري بجماعة من التتار، وشقوا البلد، وتوجهوا الى القصر أيضاً. ثم نودي في البلد، في يوم الجمعة، أن يتوجه الناس الى ضياعهم وقراهم. وكان قد نودي في أول هذا النهار، أن لا يخرج أحد الى الجبل والغوطة، وأن لا يخاطر بنفسه، ولا يغرر بنفسه.\rوفي تاسع عشر جمادى الأولى، دخل الأمير سيف الدين قبجاق، ومن معه الى المدينة، ونزلوا بدار الأمير سيف الدين بهادر آص، وما يجاورها من الأدر، بقرب مأذنة فيروز.\rوفي يوم الثلاثاء، مستهل جمادى الآخرة، وثانيه، نودي في دمشق بأمر الأمير سيف الدين قبجاق أن يخرج الناس الى أماكنهم. وانضم الى قبجاق جماعة من الجند في أول هذا الشهر، يركبون في خدمته، ويترجلون في ركابه، وفتحت أبواب البلد، إلا ما بجوار القلعة منها.\rوفي يوم الجمعة رابع الشهر، ضربت البشائر بالقلعة. وفي يوم الإثنين سابع جمادى الآخرة، أمّر الأمير سيف الدين قبجاق، أستاذ داره علاء الدين، وطاجار، وركبا بالشرابيش والطبلخاناة. ثم أمّر ثلاثة في العشر الأوسط من الشهر، وركبوا بالشرابيش والطبلخاناة. وأمر بإدارة الخمارة بدار ابن جراده، فأظهرت الخمور والفواحش، وضمنت في كل يوم ألف درهم، واستمر الحال على ذلك بقية جمادى الآخرة وبعض شهر رجب.\rكان غازان قد جرد من عسكره عشرين ألف فارس، صحبة بولاي، وأشبقا وحجك وهولاجو، فنزلوا بالأغوار. وشنوا الغارات ونهبوا، ووصلت غاراتهم الى بلد القدس والخليل، ودخلوا الى غزة، وقتلوا بجامعها خمسة عشر نفراً من المسلمين، ثم رجعت هذه العساكر الى دمشق، وعادت الى بلاد الشرق، في ثاني شهر رجب، واستصحبوا معهم أمين الدين شقير الحراني.\rوعاد التتار بجملتهم في ثامن شهر رجب، لما بلغهم اهتمام السلطان، وخروج العساكر. ولم يفتح غازان شيئاً من القلاع الشامية، بل امتنعت بجملتها، اقتداء بقلعة دمشق. وتمسك نواب القلاع من تسليمها، واعتذروا أنهم لا يمكنهم ذلك إلا بعد تسليم قلعة دمشق، فسلمت القلاع بجملتها.\rثم توجه الأمير سيف الدين قبجاق والأمراء الى خدمة السلطان الملك الناصر على ما نذكره.\rولما توجه قبجاق من دمشق، دبّر أمر البلد الأمير علم الدين أرجواش. وأعيدت الخطبة بدمشق باسم السلطان في يوم الجمعة السابع عشر من شهر رجب. وكانت انقطعت من سابع شهر ربيع الآخر، فانقطعت مائة يوم. وفي هذا اليوم أبطل ما كان جدد من المنكرات، وأغلقت الخمارات، وأريق ما فيها، وكسرت المواعين، وشقت الظروف. وتولى ذلك الشيخ تقي الدين بن تيمية وأصحابه.\rهذا ما كان بدمشق، فلنذكر ما اعتمده السلطان عند عوده.\rما اعتمده السلطان الملك الناصر عند عوده الى الديار المصرية\rمن الاهتمام بأمر الجيوش والعساكر لما كان من أمر هذه الحادثة ما قدمناه، رجع السلطان من مكان الوقعة الى الديار المصرية. وتفرقت العساكر، فأخذت كل فرقة طريقاً. وكان وصول السلطان الى قلعة الجبل، في يوم الأربعاء، ثاني عشر شهر ربيع الآخر ولم يصحبه في هذه السفرة إلا بعض خواصه، والأمير سيف الدين بكتمر الحسامي أمير آخور، والأمير زين الدين قراجا، في نفر يسير. وخدم الأمير سيف الدين بكتمر، المشار إليهم، السلطان في هذه السفرة أتم خدمة. فكان يركبه وينزله ويشده خيله، ويشتري لها العليق، ويسقيها، الى غير ذلك من أنواع الخدمة.","part":8,"page":406},{"id":3917,"text":"ثم ترادفت الجيوش الى الديار المصرية متفرقة. ووصل النواب بالممالك الشامية. وكان فيمن وصل الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري. فمشى في خدمة نائب السلطنة الأمير سيف الدين سلار، وجلس بين يديه، وكان يرمّل علامته إذا كتب. ووصلت العساكر، وعدمت خيولهم وأقمشتهم وأموالهم، وأثقالهم وأسلحتهم. فجرد السلطان الاهتمام، وأخرج الأموال الكثيرة، وأنفق في الجيوش، ووسع عليهم، وسلم الى كل نائب من نواب الشام نفقة عسكره. فسلم الى الأمير جمال الدين أقش الأفرم نفقة عسكر الشام، والى الأمير سيف الدين بلبان الطباخي نفقة عسكر حلب، والى الأمير سيف الدين كراي المنصوري نفقة عسكر صفد. وسلّم نفقة عسكر طرابلس الى الأمير شرف الدين قيران الدواداري، ثم الى الأمير سيف الدين قطلبك. وكانت النفقة في الجيوش ذهباً. ورخص سعر الذهب بالديار المصرية، حتى بلغ صرف الدينار سبعة عشر درهماً وارتفعت أسعار العدد والسلاح والأقمشة والدواب. ومع ذلك فلم تمض الأيام القلائل على العسكر، حتى كملت عدتهم وخيولهم، وجميع ما يحتاجون إليه من الأسلحة والأقمشة.\rوجهّز السلطان الى نواب الحصون بالشام أجمع القصاد بالملطفات يعلمهم ما هو عليه، من الاهتمام وسرعة حركة ركابه، ويحثهم على حفظ الحصون. فوصلت القُصّاد إليهم، فامتثلوا ذلك، وحفظوا الحصون، وكافأهم على اهتمامهم بها وحفظها. ولما تكامل ما تحتاجه العساكر، توجه السلطان بهم، لقصد الشام.\rتوجه السلطان بالعساكر الى جهة الشام، ووصوله الى منزلة الصالحية\rوإرسال الجيوش الى دمشق والممالك الشامية، وعود الأمراء الى الخدمة السلطانية ورجوع السلطان الى قلعة الجبل وما تقرر من أمر النواب وفي تاسع شهر رجب، من هذه السنة، توجه السلطان بجميع العساكر والنواب الى الشام، لدفع التتار. فاتصل به عود التتار ومفارقتهم الشام، فأقام بالصالحية، وتوجه نائبه الأمير سيف الدين سلار، وأستاذ داره الأمير ركن الدين بيبرس الى الشام، وصحبتهما سائر النواب والأمراء. ورحلوا من الصالحية في الثاني والعشرين من هذا الشهر. وكانت الملطفات قد سيرت الى الأمراء سيف الدين قبجاق، وسيف الدين بكتمر، وفارس الدين البكي، بالحضور الى الخدمة السلطانية، ومراجعة الطاعة، واستدراك ما فرط، فأجابوا بالسمع والطاعة. وبادروا بالحضور الى الخدمة الشريفة السلطانية، واجتمعوا بالامراء بمنزلة سكرير. وتوجهوا الى خدمة السلطان، وهو مقيم بمنزلة الصالحية، وذلك في العاشر من شعبان. فركب السلطان وتلقاهم وأكرمهم وأحسن إليهم، وعاد وهم في خدمته الى قلعة الجبل. وكان وصوله إليها في رابع عشر شعبان، وأسكن الأمراء المذكورين بالقلعة، وأجرى عليهم الإقامات، وشملهم بالإنعام.\rوأما الأمير سيف الدين سلار والعساكر، فإنهم توجهوا الى دمشق. وكان وصول الأمير جمال الدين أقش الأفرم نائب السلطنة بدمشق إليها بالعسكر الشامي، في يوم السبت عاشر شعبان.\rوفي يوم الأحد وصل الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب السلطنة بحلب بعساكرها، وكان قد فوض إليه نيابتها، والأمير سيف الدين قطلبك نائب الفتوحات الطرابلسية جميعاً.\rوفي يوم الإثنين، ثاني عشر الشهر، وصلت ميسرة الجيوش المصرية، ومقدمها الأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار. وفي يوم الأربعاء، رابع عشر الشهر، وصل قلب الجيش، وفيه الأمير سيف الديار سلار، نائب السلطنة الشريفة، والمماليك السلطانية، والعادل زين الدين كتبغا المنصوري في خدمته، ونزلت العساكر بالمرج.\rوقرر الأمير سيف الدين سلار النواب بالممالك على ما رسم به السلطان له عند سفره. فأقر الأمير جمال الدين أقش الأفرم على عادته بدمشق. وفوض الى الأمير زين الدين كتبغا الملقب - كان - بالملك العادل، نيابة السلطنة بالمملكة الحموية، عوضاً عن الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري المذكور، وذلك بحكم أن الأمير سيف الدين بلبان الطباخي استعفى من النيابة بحلب واستقر في جملة الأمراء المقدمين بالديار المصرية، على إقطاع الأمير شمس الدين أقسنقر كرتيه، بحكم وفاته. وفوض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات الى الأمير سيف الدين قطلوبك المنصوري. وأعاد الأمير سيف الدين كراي المنصوري الى نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية على عادته.","part":8,"page":407},{"id":3918,"text":"وفوض قضاء القضاة الشافعية بدمشق لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الحموي، في خامس شهر شعبان، بحكم وفاة القاضي إمام الدين عمر ابن القاضي سعد الدين بن الكرجي القزويني القونوي. وكانت وفاته بالقاهرة، في يوم الثلاثاء خامس عشرين شهر ربيع الآخر، ودفن بالقرافة. وفوض قضاء القضاة الحنفية، لقاضي القضاة شمس الدين محمد ابن الشيخ صفي الدين الحريري، في يوم الأربعاء الحادي والعشرين من الشهر.\rوفوض شاد الدواوين بالشام، الى الأمير سيف الدين أقجبا المنصوري. وولى بر دمشق للأمير عز الدين أيبك التجيبي. وفوض حسبة دمشق لأمين الدين الرومي، إمام المنصور لاجين.\rوأقام سيف الدين سلار نائب السلطنة، والأمير ركن الدين بيبرس بدمشق، الى أن استقرت أحوالها، وترتبت وظائفها. ثم رجعا الى الديار المصرية. وكان رحيلهما من دمشق بالجيوش المصرية المنصورة، في يوم السبت ثامن شهر رمضان. ووصلا الى خدمة السلطان بقلعة الجبل، في يوم الثلاثاء، ثالث شوال. ولما وصلا، فوّض الى الأمير سيف الدين قبجاق نيابة السلطنة بالشوبك. وأعطى الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار إمرة مائة فارس وتقدمة ألف، بالديار المصرية، والأمير فارس الدين البكي الساقي، إمرة بدمشق. واستقرت الحال على ذلك.\rما اعتمده الأمير جمال الدين أقش نائب السلطنة بدمشق\rبعد عودة العساكر المصرية لما عاد الأمير سيف الدين سلار والعساكر المصرية من دمشق، وخلا وجه الأمير جمال الدين أقش الأفرم، نائب السلطنة بالشام، تتبع مَن أذى المسلمين عند التتار، وتجاهر بذلك. فعامل كلاً منهم بما نذكره، مما أدى إليه اجتهاده، واقتضاه رأيه وتدبيره. فكحّل الحاج مندوبه، وسمر الشريف القمي، وابن العوني البرددار، وابن خطلبشا المزي، وحملهم على الجمال، ثم أطلق ابن العوني، بعد ثلاثة أيام. وشنق كاتب مسطبة الولاية بدمشق، وابراهيم مؤذن بيت لِهْيا، ورجلاً من اليهود. وقطع لسان ابن طاعن، وقطع يد ورجل أحد من أمّرهم قبجاق، فمات بعد ثلاثة أيام. وكحّل الشجاع همام، فمات بعد ليلة.\rثم توجه في العشرين من شوال الى جبال الكسروان والدرزية، وقصد استئصال شأفتهم، لما عاملوا به العساكر الإسلامية، عند هزيمتها، من السلب والأذى. فالتزموا برد ما أخذوه من أقمشة العسكر، وحمل ما ترد عليهم، وعاد الى دمشق، في يوم الأحد ثالث ذي القعدة من السنة.\rوألزم أهل دمشق أرباب الحوانيت بتعليق الأسلحة في حوانيتهم، وأمروا برماية النشاب، ونودي بذلك. وحضرت رسالة قاضي القضاة بذلك الى فقهاء المدارس. وعرض عوام البلد في الحادي والعشرين من القعدة، فحضروا بالسلاح. وقدم على أهل كل سوق رجلاً منهم. ثم عرض السادة الأشراف، في يوم الخميس رابع عشرين الشهر، بالعدة الكاملة، مع نقيبهم نظام الملك.\rوفي هذه السنة، كانت وفاة الأمير الطواشي حسام الدين جلال المغيثي الجلالي، نسبة الى الملك المغيث ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب. وكانت وفاته في تاسع شهر ربيع الآخر، بمنزلة السوادة، وحمل الى قطيا، ودفن بها. وكان قد مرض بدمشق، فأعيد، ولم يشهد الوقعة. وكان رحمله الله تعالى ديناً خيراً.\rوفيها، توفي القاضي علاء الدين أحمد ابن قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن خلف بن بدر العلائي. وكانت وفاته.\rوصليت عليه فيمن صلى، وكانت جنازته مشهودة، ودفن بتربتهم بالقرافة رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي الأمير سيف الدين جاغان الحسامي بأرض البلقاء من الشام.\rوفيها، توفي الأمير علم الدين سنجر الدواداري بحصن الأكراد، في ثالث شهر رجب وكان قد انصرف من الوقعة، والتحق بحصن الأكراد، فمات به، رحمه الله تعالى.","part":8,"page":408},{"id":3919,"text":"وفيها، توفي والدي، رحمه الله تعالى، تاج الدين محمد عبد الوهاب ابن أبي عبد الله، محمد بن عبد الدائم بن منجا بن علي البكري، التيمي القرشي المعروف بالنويري. وقد تقدم ذكر باقي نسبه، عند ذكر مولدي في سنة سبع وسبعين وستمائة. وكانت وفاته رحمه الله، قبل أذان المغرب، من يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وتسعين وستمائة، بالمدرسة الصالحية النجمية، بقاعة التدريس المالكية. وكان ابتداء مرضه، في يوم الأربعاء، الرابع عشر من الشهر. ومولده بمصر بالمدرسة المعروفة بمنازل العز سنة ثمان عشرة وستمائة. ومات رحمه الله تعالى، ولم تفته صلاة. ولقد توضأ لصلاة العصر، من يوم وفاته أربع مرات، وكان به ذرب، ثم صلى صلاة العصر جالساً. ومات قبل أذان المغرب من يومه. وكان آخر كلامه، بعد أن دعا الله تعالى لي بخير، التلفظ بالشهادتين. ثم قبض رحمه الله تعالى، ودفن من الغد، في يوم الجمعة الثالث من النار، بتربة قاضي القضاة زين الدين المالكي، بالقرافة، رحمه الله تعالى وإيانا.\rواستهلت سنة سبعمائة يوم الجمعة والسلطان الملك الناصر بقلعة الجبل، ومدبرو الدولة، ونواب المملكة من ذكرناهم.\rجباية المقرر على أرباب الأملاك والأموال\rبالديار المصرية والشام وفي هذه السنة، في أولها قرر ناصر الدين محمد بن الشيخي، أحد الأمراء بالديار المصرية، ومتولي القاهرة، أن يستخرج من أرباب العقارات والأموال مالاً سماه مقرر الخيالة، وانتصب لاستخراج ذلك بدار العدل، تحت قلعة الجبل. وأحضر أرباب الأموال والأملاك، وقرر على كل منهم بحسب قدرته، واستخرج من ذلك تقدير مائة ألف دينار. وتعدّى ضرره الى سائر الناس، حتى أراد أن يستخرج من العدول الجالسين بسوق الوراقين، من كل عدل عشرين ديناراً، ومن كل عاقد أربعين ديناراً. فنهض قاضي القضاة زين الدين المالكي في ذلك، وتحدث مع الأمراء في ذلك. وذكر ضرورة العدول وفاقتهم واحتياجهم، وأن جلوسهم في سوق الوراقين، لتحصيل أقواتهم، ولو قدروا على القوت ما جلسوا، وقام في ذلك أتمّ قيام، حتى اندفعت عنهم هذه المظلمة، وأعفوا منها. واستُخرج من سائر الأعمال والبلاد والقرى بالديار المصرية، قررت على كل بلد من البلاد المقطعة، واستخرجت الأموال من الرعايا والفلاحين.\rوأما دمشق، فإنه رُسم باستخراج أجرة أربعة أشهر من أرباب الأملاك والأوقاف التي بدمشق وظاهرها، ومن الضياع، التي ضمانها أكثر من أمدائها ثلث ضمانها. وإن كانت أمداؤها أكثر من ضمانها، استخرج عن كل مدى، ستة دراهم وثلثا درهم - والمُدى أربعون ذراعاً في مثلها، يكون تكسيره ألف ذراع وستمائة ذراع، بذراع العمل - فنال الناس من ذلك شدة. وكان المال المطلوب، عن ما تحصل في سنة تسع وتسعين وستمائة.\rوفيها، في المحرم، كثرت الأراجيف بحركة التتار، فجفل أهل الشام أجمع، منهم من التجأ الى الحصون، وأكثرهم وصلوا الى الديار المصرية، حتى امتلأت القاهرة ومصر منهم. وكان سعر القمح، قبل وصول هذه الجفول، عن كل أردب عشرين درهماً. فنزل الى خمسة عشر درهماً، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.\rتوجه السلطان الملك الناصر بالعساكر الى الشام وعوده\rلما كثرت الأراجيف وقويت الشناعة، بقرب التتار، توجه السلطان بالعساكر الى الشام. واستقل ركابه من منزلة مسجد التبن، وهي المنزلة الأولى من قلعة الجبل، في يوم السبت ثالث عشر صفر، ووصل الى غزة، ونزل بمنزلة بدعرش، وأقام بها. وتوالت الأمطار وكثرت، واشتد البرد، وانقطعت الأجلاب عن العسكر، حتى عدمت الأقوات. واستمر السلطان بهذه المنزلة الى سلخ شهر ربيع الآخر. ثم عاد الى القاهرة، فكان وصوله الى قلعة الجبل في يوم الإثنين، حادي عشر جمادى الأولى، بعد أن جرد من منزلته بدعرش، الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار ومضافيه، والأمير بهاء الدين يعقوبا الشهرزوري ومضافيه. فتوجهوا الى دمشق بألفي فارس، فوصلوا إليها، في سابع جمادى الأولى.\rولما ظهر بدمشق عود السلطان الى الديار المصرية، خرج من بقي من الدماشقة الى الديار المصرية. وذلك أن متولي دمشق، كان يمر بالأسواق فيقول للناس: ما يجلسكم ها هنا، وأي شيء تنتظرون، وأشباه هذا الكلام. ثم نودي بدمشق في تاسع جمادى الأولى، من أقام، فدمه في عنقه، ومن عجز عن السفر فليتحصن بالقلعة.","part":8,"page":409},{"id":3920,"text":"وفي مدة مقام السلطان بمنزلة بدعرش، توفي الأمير سيف الدين بلبان الطباخي. واستعفي الأمير سيف الدين كراي المنصوري من نيابة السلطنة بصفد، فأعفي منها؛ وأقطع إقطاع الأمير سيف الدين الطباخي بالديار المصرية. وفوضت نيابة المملكة الصفدية الى الأمير سيف الدين بتخاص المنصوري، أحد أمراء الشام.\rوصول غازان الى الشام وعوده وما فعلته جيوشه\rكان من خبر غازان في هذه السنة، أنه وصل بجيوشه الى بلاد حلب، ونزل بقرون حماه الى بلاد سرمين. وبعث معظم جيوشه الى جبال أنطاكية وجبال السماق. فنهبوا من الدواب والأغنام والأبقار شيئاً كثيراً. وسبوا من النساء والصبيان وأسروا من الرجال خلقاً كثيراً. وكانوا في سنة تسع وتسعين وستمائة لم يصلوا الى هذه الجهة، فظن الناس أنهم لا يقصدونها في هذه السنة. فاجتمع بها خلق كثير، فقُتلوا وأُسروا وسُبوا. ورخصت الأسرى من المسلمين، حتى بيع الأسير والأسيرة بعشرة دراهم. واشترى الأرمن منهم خلقاً كثيراً، وسيروا في المركب الى بلاد الفرنج. وأرسل الله تعالى على غازان وجيوشه أمطاراً كثيرة وثلوجاً، حتى هلك كثير منهم. فرجع بعساكره الى بلاد الشرق، وقد نفق من خيولهم ما لا تحصى كثرة، فرجعوا شبه المكسورين. وعجزت كل طائفة من المسلمين والتتار، عن ملاقاة الأخرى. وكان رجوعهم في جمادى الآخرة. وغلت الأسعار في هذه السنة بدمشق، فبيعت غرارة القمح بثلثمائة درهم، ورطل اللحم بتسعة دراهم، ثم رخصت الأسعار.\rوفيها، استعفى الأمير سيف الدين قطلبك المنصوري من نيابة المملكة الطرابلسية، فأعفي. وفوضت النيابة بها الى الأمير سيف الدين استدمر كرجي.\rوفيها، فنيت الأبقار بالديار المصرية فناء، لم يسمع بمثله. وحُكي لي أن بعض مشايخ البلاد بأشموم طناح، كان يملك ألف رأس وأحد وعشرين رأساً من بقر الخيس، فمات منها ألف رأس وثلاثة رؤوس، وبقي له ثمانية عشر رأساً، وغلت الأبقار بعد هذا الفناء، حتى كادت تعدم. وبيع الثور منها بألف درهم وما يقارب هذا الثمن، واستعمل الناس في السواقي بالديار المصرية لإدارتها، الخيل والجمال والحمير.\rأهل الذمة وتغيير لباسهم\rوما تقرر في ذلك، والسبب الذي أوجبه في هذه السنة، وصل وزير بلاد المغرب الى الديار المصرية، بسبب الحج. وتكلم مع الأمراء في أمر أهل الذمة، وذكر ما هم فيه من الذل والصغار ببلاد المغرب، وأنهم لا يمكنونهم من ركوب الخيل والبغال، ولا يستخدمونهم في المناصب، وذكر أشياء كثيرة من هذا القول. فرسم أن يعقد مجلس بحضور الحكام، وندب لذلك قاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي، فجلس بالمدرسة الصالحية. وحضر القاضي مجد الدين بن الخشاب، وكيل بيت المال، وجماعة من الفقهاء، وأحضر بطرك النصارى وجماعة من أساقفتهم، وأكابر قسيسيهم، وأعيان ملتهم وديان اليهود وأكابر ملتهم، وسئلوا عما أقروا عليه في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، من عقد الذمة. فلم يأتوا عن ذلك بجواب. وبحث الفقهاء في ذلك، فاقتضت المباحث الشريفة بين العلماء، أن يميز النصارى بلبس العمائم الزرق غير الشعري، واليهود بلبس العمائم الصفر. وتميز نساء أهل كل ملة كذلك بعلامة تظهر. ولا يركبون الخيول ولا يحملون سلاحاً، ويركبون الخيول الحمر بالأكف عرضاً من غير تزيين لها ولا قيمة، ويتجنبون أوساط الطرق للمسلمين في مجالسهم عن مراتبهم، ولا يرفعون أصواتهم على أصوات المسلمين. ولا يعلو بناؤهم على بناء المسلمين، ولا يظهرون شعانينهم، ولا يضربون بالنواقيس. ولا ينصّرون مسلماً ولا يهودونه. ولا يشترون من الرقيق مسلماً ولا من سباه مسلم، ولا من جرت عليه سهام المسلمين. ومن دخل منهم الحمام يميز نفسه بعلامة عن المسلمين، بجرس في حلقه. ولا ينقشون فصوص خواتيمهم بالعربية، ولا يعلمون أولادهم القرآن، ولا يستخدمون في أعمالهم الشاقة مسلماً، ولا يرفعون النيران. ومن زنى منهم بمسلمة قتل.\rوقال بطرك النصارى بحضرة جماعة العدول: حرّمت على أهل ملتي وأصحابي مخالفة ذلك، والعدول عنه. وقال رئيس اليهود وديانهم: أوقعت الكلمة على أهل ملتي وطائفتي في مخالفة ذلك، والخروج عنه.","part":8,"page":410},{"id":3921,"text":"ونظمت المكاتيب بذلك، ورسم بحمل الأمراء على حكمها. وكتب الى سائر أعمال الديار المصرية بإجرائهم على ذلك. وكتب الى أمراء الشام بذلك، فالتزموا به في شعبان من السنة.\rوتقرر بدمشق أن تلبس النصارى العمائم الزرق، واليهود العمائم الصفر، والسامرة العمائم الحمر. واستقر ذلك في سائر المملكة. إلا بالكرك، فإن النائب بها الأمير جمال الدين آفش الأشرفي، رأى إبقاءهم على حالتهم. واعتذر أن أهل الكرك نصارى، وأن المسلمين بها قليل، وأن هذا القدر يؤدي الى ظهور كثرتهم للغريب، وما أشبه هذه الأعذار. فاستقر ذلك بالكرك والشوبك الى الآن.\rوأخبرني الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصوري في سنة إحدى وسبعمائة وهو يومئذ أستاذ الدار السلطانية وشاد الدواوين بدمشق، قال: ركبت في الموكب مع الأمير جمال الدين آقش الأفرم، نائب السلطنة بها، فمر بنا طائفة من أهل الذمة، بالأقمشة النفيسة والعمائم اللانس. قال: فشق ذلك عليّ كونهم لم يتميزوا بعلامة. فذكرت ذلك لنائب السلطان، وقررت معه أن يأمر بتغيير هيأتهم، وأن تلبس النصارى العمائم الزرق، واليهود العمائم الصفر، والسامرة العمائم الحمر. وتقرر أن يطالع في ذلك، فورد مثال السلطان بذلك، قبل وصول المطالعة إليه، ووافق تاريخ تلبيسهم بالديار المصرية، التاريخ الذي حدثت نائب السلطان فيه بسببه. ولما منعوا من الاستخدام بالديار المصرية، أسلم جماعة كثيرة من أعيانهم، لأجل مناصبهم. فاستمروا بعد إسلامهم على ما كانوا عليه.\rوقد وقفت على كتاب الدر الثمين في مناقب المسلمين ومثالب المشركين، تصنيف محمد بن عبد الرحمن بن محمد الكاتب. وهو كتاب خدم به السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوف، رحمه الله تعالى.\rوقد رأيت أن أذكر منه نبذة في هذا الموضع، لتعلقه به، فالشيء بالشيء يذكر. جاء في الكتاب المذكور، في صدره، بعد تفويض السلطان الملك الناصر المشار إليه، نثراً، والاستشهاد بأبيات من الشعر في معناه. ثم قال: وكان مولانا الملك الناصر، خلد الله ملكه، وأبقى دولته، لما ملّكه الله الديار المصرية والشامية وما قاربها. ووعده على لسان عدله، أن يفتح على يديه مشارق الأرض ومغاربها. انتصر لله، وتعصب لدينه، واجتهد في رضاه، والعمل بحكم كتابه، وسنة نبيه، ولحقته الحمية الإسلامية، وسار السيرة العمرية. وأمر بصرف الذمة وأن لا يتصرفوا ما بقيت هذه الأمة. وسطرها الكاتبان في صحائف حسناته. وأثبتها المؤرخون في محاسن سيرته، ونظمها الشعراء في مدائح عقد مدائحه. وشغله النظر في مصالح الإسلام، عن تميم هذا الاهتمام، والأعمال بخواتيمها. ونرجو من الله، أن يبادر بتكميلها وتتميمها. ولقد قيل إن الشريف مسعود بن المحسن المعروف بالبياضي، رؤي في المنام بعد موته، فقبل له ما فعل الله بك. قال: غفر لي بأبيات قلتها، وكتبت بها الى الراضي وهي:\rيا ابن الخلائف من قريش والأؤلى ... طهرت أصولهم من الأدناس\rقلدت أمر المسلمين عدوهم ... ما هكذا فعلت بنو العباس\rحاشاك من قول الرعية أنه ... ناس لقاء الله أو متناسي\rما العذر إن قالوا غدا هذا الذي ... ولّى اليهود على رقاب الناس\rأتقول كانوا وفّروا أموالهم ... فبيوتهم قفر بلا آساس\rلا تذكرن إحصاءهم ما وفّروا ... ظلماً وتنسى مُحصيَ الأنفاس\rوخَف القضاء غداً إذا وافيت ما ... كسبت يداك اليوم بالقسطاس\rفي موقف ما فيه إلا شاخص ... أو مهطع أو مُقنع للراس\rأعضاؤهم فيه الشهود وسحتهم ... نار وخازنهم شديد الباس\rإن عطل اليوم الديون مع الغنى ... فغداً يؤديها مع الإفلاس\rلا تعتذر عن صرفهم بتعذر الم ... تصرفين الحُذَّق الأكياس\rما كنت تفعل بعدهم لو أهلكوا ... فافعل وعدَّ القوم في الأرماس","part":8,"page":411},{"id":3922,"text":"ثم قال المصنف محمد بن عبد الرحمن: قرأت أن النصيحة من الدين. وقرأت: \" وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين \" . ثم ذكر ما ورد في كتاب الله تعالى من التحذير، فبدأ بقوله تعالى: \" ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن يُنزّل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم \" وقوله تعالى: \" ود كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق \" وقوله تعالى: \" ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتّبع ملتهم قُل إن هُدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير \" .\rثم ذكر نسخة كتاب كتب الى عمر بن الخطاب، عن أهل الذمة، فقال: قال عبد الرحمن بن عثمان: كتبنا الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في نصارى أهل الشام ما نسخته: هذا كتاب لعبد الله عمر، أمير المؤمنين، من نصارى أهل الشام ومصر.\rلما قدمتم علينا، سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا، وأهل ملّتنا. وشرطنا على أنفسنا، أن لا نحدث في مدائننا، ولا فيما حولها، ديراً ولا كنيسة، ولا قلاية، ولا صومعة لراهب. ولا نجدد ما خرب منها، ولا ما كان في خطط المسلمين، وأن نوسع للمارة ولبني السبيل. وأن ننزل من مرّ بنا من المسلمين ثلاث ليال، نطعمهم. ولا نأوي في كنائسنا ولا في منازلنا جاسوساً، ولا نكتم عيناً على المسلمين. ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شرعنا، ولا ندعو إليه أحداً. ولا نمنع أحداً من ذوي قرابنتا الدخول في دين الإسلام، إن أراد، وأن نوقّر المسلمين، ونقوم لهم في مجالسنا، إذا أرادوا الجلوس. ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم، في قلنسوة، ولا عمامة ولا نعلين، ولا فرق شعر. ولا نتسمى بأسمائهم، ولا نتكنى بكناهم. ولا نركب بالسروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئاً من السلاح ولا نحمله. ولا ننقش على خواتمنا بالعربية. وأن نجز مقادم رؤوسنا. ونلزم زيّنا حيث كنا، وأن نشد الزانير على أوساطنا، وأن لا نظهر صلباننا، ولا نفتح كتبنا في طرق المسلمين ولا أسواقهم. ولا نضرب بنواقيسنا، في كنائسنا، في شيء من حضرة المسلمين. ولا نخرج في شعانيننا، ولا طاغوتنا. ولا نرفع أصواتنا مع مواتانا. ولا نوقد النيران في طرق المسلمين ولا أسواقهم. ولا نجاورهم بموتانا. ولا نتخذ من الرقيق، من جرت عليه سهام المسلمين. ولا نطلع عليهم في منازلهم، ولا تعلو منازلنا منازلهم. فلما أتيت أمير المؤمنين عمر بالكتاب زاد فيه: ولا نضرب أحداً من المسلمين.\rشرطنا ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان. فإن نحن خالفنا في شيء مما اشترطناه لكم علينا، وضمناه عن أنفسنا، وأهل ملتنا، فلا دية لنا عليكم، وقد حل بنا ما حل بغيرنا، من أهل المعاندة والشقاق. فكتب عمر رضي الله عنه: امض ما سألوه، والحق فيه حرفين، اشترطهما عليهم، مع ما شرطوه، أنه من ضرب مسلماً عمداً فقد خلع عهده.\rقال عبد الرحمن بن عثمان: وأجمع العلماء بعد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على أنه متى نقض الذمي عهده، بمخالفة شرط من هذه الشروط المأخوذة عليهم، فالإمام مخيّر بين القتل ولاأسر. ويلزمهم مع ذلك أن يتميزوا عن المسلمين في اللباس والزي، ولا يتشبهون بهم في أمر من أمور زيهم. ويشدون الزنانير في أوساطهم. ويكون في رقابهم خواتم رصاص أو نحاس أو جرس، يدخل معهم في الحمام. وليس لهم أن يلبسوا العمائم والطيلسان.\rوأما المرأة فتشد الزنار من تحت الإزار، وقيل من فوق الإزار وهو الأولى. ويكون في عنقها خاتم رصاص، يدخل معها الحمام. ويكون أحد خفيها أسود، ليبقى مشتهراً ظاهراً، والآخر أبيض.","part":8,"page":412},{"id":3923,"text":"ويركبون الحمير بالأكف، ولا يركبون بالسروج. ولا يتصدرون في المجالس ولا يبدأون بالسلام. ويلجأون الى أضيق الطرق. ويُمنعون أن يعلو بناؤهم على أبنية المسلمين، وتجوز المساواة، وقيل لا تجوز، بل يُمنعون. ويجعل الإمام عليهم رجلاً يكتب أسماءهم وحلاهم، ويستوفي عليهم ما يأخذون به من هذه الشرائط. وإن زنى أحد منهم بمسلمة، أو أصابها بنكاح، برئت منه الذمة. وقال أبو هريرة: أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بهدم كل كنيسة استجدّت بعد الهجرة، ولم يبق إلا ما كان قبل الإسلام. وسيّر عروة بن محمد، فهدم الكنائس بصنعاء. وصانع القبط على كنائسهم بمصر، وهدم بعضها، ولم يبق من الكنائس إلا ما كان قبل بعثة النبي، صلى الله عليه وسلم. هذا آخر ما لخصناه من الكتاب المذكور. فلنرجع الى تتمة حوادث سنة سبعمائة.\rوصول رسل غازان ملك التتار وما وصل\rعلى أيديهم من المكاتبة وما أجيبوا به وفي هذه السنة، في ذي القعدة، وصل رسل غازان الى البلاد الشامية، وهم الأمير ناصر الدين علي خواجا، والقاضي كمال الدين موسى بن يونس، ورفيقهما. فوصل البريد من حلب بوصولهم. فرُسم بتوجه الأمير سيف الدين كراي المنصوري لإحضارهم. فتوجه على خيل البريد فأحضرهم الى الأبواب السلطانية. وكان وصولهم الى قلعة الجبل، في ليلة الإثنين، خامس عشر ذي الحجة. وأحضروا بين يدي السلطان، في عشية نهار الثلاثاء، فخطب كمال الدين خطبة في معنى الصلح، واتفاق الكلمة، ورغب فيه. ثم أخرج كتاباً نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم. بقوة الله تعالى، وميامين الملة المحمدية فرمان السلطان محمود غازان.\rليعلم السلطان الملك المعظم الناصر، أنه في العام الماضي، بعض عساكرهم المفسدة، دخلوا أطراف بلادنا، وأفسدوا فيها، لعناد الله وعنادنا، كماردين ونواحيها، وجاهدوا الله بالمعاصي فيمن ظفروا به من أهلها، وأقدموا على أمور بديعة، وارتكبوا آثاماً شنيعة، من محاربة الله وخرق ناموس الشريعة. فأنفنا من تهجمهم، وغرنا من تقحمهم. وأخذتنا الحمية الإسلامية، فحدتنا على دخول بلادهم، ومقاتلتهم على فسادهم. فركبنا بمن كان لدينا من العساكر، وتوجهنا بمن اتفق منهم أنه حاضر. وقبل وقوع الفعل منا، واشتهار الفتك عنا، سلكنا سنن سيد المرسلين، واقتفينا آثار المتقدمين. وافتدينا بقول الله: \" لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل \" . وأنفذنا صحبة يعقوب السكرجي، جماعة من القضاة والأئمة والثقات. وقلنا: \" هذا نذير من النذر الأولى أزفت الأزفة ليس لها من دون الله كاشفة \" .\rفقابلتهم ذلك بالإصرار، وحكمتم عليه وعلى المسلمين بالأضرار، وأهنتموهم وسجنتموهم. وخالفتم سنن الملوك في حسن السلوك. فصبرنا على تماديكم في غيّكم، وخلودكم الى بغيكم، الى أن نصرنا الله، وأراكم في أنفسكم قضاه. \" أفأمنوا مكرَ الله فلا يأمن مكر الله \" . وظننا أنهم حيث تحققوا كنه الحال، وآل بهم الأمر الى ما آل، أنهم ربما تداركوا الفارط في أمرهم، ورتقوا ما فتقوا بغدرهم، وأوجه إلينا وجه عذرهم، وأنهم ربما سيروا إلينا حال دخولهم الى الديار المصرية، رسلاً لإصلاح تلك القضية. فبقينا بدمشق غير متحثحثين، وتثبطنا تثبط المتملكين المتمكنين. فصدهم عن السعي في صلاح حالهم التواني، وعللوا نفوسهم عن اليقين بالأماني.\rثم بلغنا، بعد عودنا الى بلادنا، أنهم ألقوا في قلوب العساكر والعوام، وراموا جبر ما أوهنوا من الإسلام، أنهم فيما بعد يلقوننا على حلب أو الفرات. وأن عزمهم مصر على ذلك لا سواه. فجمعنا العساكر وتوجهنا للقياهم. ووصلنا الفرات مرتقبين ثبوت دعواهم، وقلنا ولعلهم وعساهم. فما طلع لهم بارق، ولا ذرّ شارق. فتقدمنا الى أطراف حلب، وتعجبنا من بطئهم غاية العجب. فبلغنا رجوعهم بالعساكر، وتحققنا نكوصهم عن الحرب. وفكرنا في أنه متى تقدمنا بعساكرنا الباهرة وجموعنا العظيمة القاهرة، ربما أخرب البلاد مرورها، وبإقامتهم فيها فسدت أمورها. وعم الضرر العباد، والخراب البلاد. فعدنا بُقيا عليها، ونظرة لطف من الله إليها.\rوها نحن الآن أيضاً مهتمون بجمع العساكر المنصورة، ومشحذون غرار عزماتنا المشهورة، ومشتغلون بصنع المجانيق وآلات الحرب، وعازمون بعد الإنذار \" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً \" .","part":8,"page":413},{"id":3924,"text":"وقد سيرنا حاملي هذا الفرمان: الأمير الكبير ناصر الدين علي خواجه، والإمام العالم ملك القضاة، كمال الدين موسى بن يونس. وقد حملناهما كلاماً يشافهاهم به. فليثقوا بما تقدمنا به إليهما. فإنهما من الأعيان المعتمد عليهما، لنكون كما قال الله تعالى: \" قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين \" . فيعدوا لنا الهدايا والتحف. فما بعد الإنذار من عاذر. وإن لم يتداركوا الأمر، فدماء المسلمين وأموالهم مطلولة بتدبيرهم، ومطلوبة منهم عند الله على طول تقصيرهم.\rفليمعن السلطان لرعيته النظر في أمره. فقد قال صلى الله عليه وسلم: \" من ولاه الله أمراً من أمور هذه الأمة، واحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم. احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره \" . وقد أعذر من أنذر، وأنصف من حذّر. والسلام على من اتّبع الهدى.\rكتب في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة سبعمائة بجبال الأكراد، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى وآله الطاهرين.\rفقرئ كتابه، ورسم بإنشاء جوابه، فكتب. وهو من إنشاء المولى القاضي علاء الدين علي ابن المولى المرحوم فتح الله محمد ابن القاضي المرحوم محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر. وأعاد السلطان رسله، من غير أن تصحبهم رسولاً، بل استحضرهم بمنزلة الصالحية، وأنعم عليهم وجهزهم، فتوجهوا في سنة إحدى وسبعمائة.\rونسخة الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، بقوة الله تعالى، وميامين الملة المحمدية.\rأما بعد حمد الله، الذي جعلنا من السابقين الأولين، الهادين المهتدين، التابعين لسنة سيد المرسلين، بإحسان الى يوم الدين. والصلاة على سيدنا محمد والسلام على آله وصحبه الذين فضل الله من سبق منهم الى الإيمان في كتابه المكنون. فقال سبحانه وتعالى: \" والسابقون السابقون أولئك المقربون \" بإقبال دولة السلطان الملك الناصر.\rكلام محمد بن قلاوون: ليعلم السلطان المعظم، محمود غازان، أن كتابه ورد، فقابلناه بما يليق بمثلنا لمثله من الإكرام. ورعينا له حق القصد، فتلقيناه منا بسلام. وتأملناه تأمل المتفهم لدقائقه، المستكشف عن حقائقه. فألفيناه قد تضمن مؤاخذت بأمور، هم بالمؤاخذة عليها أحرى، معتذراً في التعدي بما جعله ذنوباً لبعض، طالب بها الكل. والله تعالى يقول: \" ولا تزرُ وازرةٌ وزر أخرى \" .\rأما حديث إغارة من أغار على ماردين من رجّالة بلادنا المتطرفة، وما نسبوه إليهم من الإقدام على الأمور البديعة والآثام الشنيعة، وقولهم: إنهم أنفوا من تهجمهم، وغاروا من تقحمهم، واقتضت الحمية ركوبهم في مقابلة ذلك، فقد تلمّحنا هذه الصورة التي أقاموها عذراً في العدوان، وجعلوها سبباً الى ما ارتكبوه من طغيان. والجواب عن ذلك أن الغارات من الطرفين، لم يحصل من المهادنة والموادعة، ما يكف يدها الممتدة، ولا يفتر هممها المستعدة. وقد كان آباؤكم وأجدادكم على ما عملتم من الكفر والشقاق، وعدم المصافاة للإسلام والوفاق. ولم يزل ملك ماردين ورعيته منفذين ما يصدر من الأذى للبلاد والعباد عنهم، متولين كبر مكرهم، والله تعالى يقول: \" ومن يتولّهم منكم فإنه منهم \" .\rوحيث جعلتم هذا ذنباً، موجباً للحمية الجاهلة، وحاملاً على الانتصار، الذي زعمتم أن همتكم به ملية، فقد كان هذا القصد، الذي ادعيتموه، يتم بالانتقام من أهل تلك الأطراف، التي أوجب ذلك فعلها، والاقتصار على أخذ الثأر ممن ثار اتباعاً لقوله تعالى: \" وجزاء سيئة سيئة مثلها \" ، لا أن تقصدوا الإسلام بالجموع الملفّقة، على اختلاف الأديان، وتطأوا البقاع الطاهرة بعبدة الصلبان، وتنتهكوا حرمة البيت المقدس، الذي هو ثاني بيت الله الحرام، وشقيق مسجد رسول الله، عليه الصلاة والسلام. وإن احتججتم أن زمام الغارة بيدنا، وسبب تعدّيهم من سُنّتنا. فقد أوضحنا الجواب عن ذلك، وأن عدم الصلح والموادعة، أوجب سلوك هذه المسالك.","part":8,"page":414},{"id":3925,"text":"وأما ما ادعوه من سلوك سنن المرسلين واقتفاء آثار المتقدمين، في إنفاذ الرسل أولاً، فقد تلمحنا هذه الصورة، وفهمنا ما أوردوه من الآيات المسطورة، والجواب عن ذلك أن هؤلاء الرسل ما وصلوا إلينا إلا وقد دنت الخيامُ من الخيام، وناضلت السهام السهام، وشارف القومُ القوم. ولم يبق للقاء إلا يوم أو بعضُ يوم، وأشرعت الأسنّة من الجانبين، ورأى كل خصمه رأي العين. وما نحن ممن لاحت له رغبة راغب، فتشاغل عنها ولهى، ولا ممن يُسالم فيقابل ذلك بجفوة النفار، والله تعالى يقول: \" وإن جنحوا للسلم فاجنح لها \" . كيف والكتاب بعنوانه. وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، يقول: \" ما أضمر إنسان شيئاً إلا ظهر، في صفحات وجهه وفلتات لسانه \" .\rولو كان حضور هؤلاء الرسل والسيوف وادعةٌ في أغمادها، والأسنة مستكنّة في أعوادها، والسهام غير مفوقة، والأعنة غير مطلقة، لسمعنا خطابهم وأعدنا جوابهم.\rوأما ما أطلقوا به لسان قلمهم، وأبدوه من غليظ كلمهم في قولهم: فصبرنا على تماديكم في غيكم، وإخلادكم الى بغيكم. فأيّ صبر ممن أرسل عنانه الى المكافحة، قبل إرسال رسل المصالحة، وجاس خلال الديار قبل ما زعمه من الإنذار والأعذار وإذا فكروا في هذه الأسباب، ونظروا فيما صدر عنهم من خطاب، علموا العذر في تأخير الجواب، وما يتذكر إلا أولو الألباب.\rوأما ما تحججوا به مما اعتقدوه من نصره، وظنوه من أن الله جعل لهم على حزبه الغالب في كل كرةٍ الكرة. فلو تأملوا ما ظنوه ربحاً، لوجدوه هو الخسران المبين. ولو أنعموا النظر في ذلك، لما كانوا به مفتخرين، ولتحققوا أن الذي اتفق لهم، كان غرماً لا غنماً، وتدبروا معنى قوله تعالى، \" إنما نُملي لهم ليزدادوا إثماً \" . ولم يخف عنهم من أبلتهم السيوف الإسلامية منهم. وقد رأوا عزم من حضر من عساكرنا، التي لو كانت مجتمعة عند اللقاء، ما ظهر خبرٌ عنهم.\rفإنا كنا في مفتتح ملكنا، ومتبدأ أمرنا، حللنا بالشام للنظر في أمور البلاد والعباد. فلما تحققنا خبركم، وقفونا أثركم، بادرنا نقدّ أديم الأرض سيراً، وأسرعنا لندفع عن المسلمين ضرراً وضيراً، ونؤدي من الجهاد السنة والفرض ونعمل بقوله تعالى: \" وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض \" فاتفق اللقاء بمن حضر من عساكرنا المنصورة، وثوقاً بقوله تعالى: \" كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة \" وإلا فأكابركم يعلمون وقائع الجيوش الإسلامية، التي كم وطئت موطئاً يغيظ الكفار. فكُتب لها به عمل صالح، وسارت في سبيل الله، ففتح الله عليها أبواب المناجح. وتعددت أيام نصرتها، التي لو دققتم الفكر فيها لأزالت ما حصل عندكم من لبس، ولما قدرتم على أن تنكروها، وفي تعب من يجحد ضوء الشمس. ومازال الله لنا نعم المولى ونعم النصير. وإذا راجعتموهم قصّوا عليكم نبأ الاستظهار، ولا ينبئك مثل خبير.\rومازالت تتفق الوقائع بين الملوك والحروب، وتجري المواقف التي هي بتقدير الله، فلا فخر فيها للغالب، ولا عار على المغلوب. وكم ملك استظهر عليه، ثم نصر، وعاوده التأييد. فجبر بعدما كسر، خصوصاً ملوك هذا الدين، فإن الله تكفل لهم بحسن العقبى. فقال سبحانه: \" والعاقبة للمتقين \" .\rوأما إقامتهم الحجة علينا، ونسبتهم التفريط إلينا، في كوننا لم نسيّر إليهم رسولاً، عندما حلوا بدمشق فنحن عندما وصلنا الى الديار المصرية، لم نزد على أن اعتددنا وجمعنا جيوشنا من كل مكان. وبذلنا في الاستعداد غاية الجهد والإمكان وأنفقنا جزيل الأموال في العساكر والجحافل. ووثقنا بحسن الخلف، لقوله تعالى: \" مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل \" .\rولما خرجنا من الديار المصرية، وبلغنا خروج الملك من البلاد، لأمر حال بينه وبين المراد، توقفنا عن المسير، توقف من أغنى رُعْبُه عن حث الركاب، وتثبتنا تثبت الراسيات \" وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب \" وبعثنا طائفة من العساكر لمقاتلة من أقام بالبلاد، فما لاح لنا منهم بارق ولا ظهر. وتقدمت فتخطفت من حمله على التأخر الغرر؛ ووصلت الفرات فما وقفت للقوم على أثر.","part":8,"page":415},{"id":3926,"text":"وأما قولهم: أننا ألقينا في قلوب العساكر والعوام، أنهم فيما بعد يلتقوننا على حلب أو الفرات، وأنهم جمعوا العساكر ورحلوا الى الفرات والى حلب، مرتقبين وصولنا. فالجواب عن ذلك، أنه من حين بلغنا حركتهم، جزمنا، وعلى لقائهم عزمنا، وخرجنا وخرج أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله، ابن عم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الواجب الطاعة على كل مسلم، المفترض المبايعة والمتابعة على كل منازع ومسلم، طائعين لله ولرسوله في أداء فرض الجهاد، باذلين في القيام بما أمرنا الله تعالى غاية الاجتهاد، عالمين أنه لا يتم أمر دين ولا دنيا إلا بمشايعته. ومن والاه فقد حفظه الله وتولاه. ومن عانده أو عاند من أقامه، فقد أذله الله.\rفحين وصلنا الى البلاد الشامية، تقدمت عساكرنا الى السهل والجبل، وتبلغ بقوة الله تعالى في النصر الرجاء والأمل. ووصلت أوائلها الى أطراف حماه وتلك النواحي، فلم يقدم أحد منهم عليها. ولا جسر أن يمد حتى ولا الطرف إليها. فلم نزل مقيمين، حتى بلغنا رجوع الملك الى البلاد، وإخلافه موعد اللقاء، والله لا يخلف الميعاد. فعدنا لاستعداد جيوشنا التي لم تزل تندفع في طاعة الله تعالى، اندفاع السيل، عاملين بقوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل \" .\rوأما ما جعلوه عذراً في الإقامة بأطراف البلاد، وعدم الإقدام عليها، وأنهم لو فعلوا ذلك، ودخلوا بجيوشهم، ربما أخرب البلاد مرورها، وبإقامتهم فيها فسدت أمورها، فقد فهم هذا المقصود. ومتى ألِفت البلاد والعباد منهم هذا الإشفاق ومتى اتصفت جيوشهم بهذه الأخلاق؟ وها آثارهم موجودة ودعاوى خلافها بمشاهدة الحال مردودة. وهل هذا اعتماد من رمق شخص الإسلام بإنسانه؟ كيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" المسلم من سلم الناس من يده ولسانه \" . وأسارى المسلمين عندهم في أشد وثاق، وفي يد الأرمن والتكفور منهم، ما يخالف ما ادعوه من إشفاق.\rوقد كان المسلمون غزوا عسكر أبغا، وقتلوا من قتلوا من التتار، وحصل لهم التمكن في البلاد والاستظهار، واستولوا على ملك آل سلجوق، وما تعرضوا لدار ولا جار، ولا عفوا أثراً من الآثار. وما حصل لمسلم منهم ضرر ولا أذى في ورد ولا صدر. وكان أحدهم يشتري قوته بدرهمه وديناره، ويأبى أن تمتد الى أحد من المسلمين يد أضراره. هذه سنة أهل الإسلام، وفعل من يريد لملكه الدوام.\rوأما ما أرعدوا به وأبرقوا، وأرسلوا به عنان قلمهم وأطلقوا، وما أبدوه من الاهتمام بجمع عساكرهم، وتهيئة المجانيق، الى غير ذلك مما ذكروه من التهويل، فالله تعالى يقول: \" الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل \" .\rوأما قولهم: وإلا فدماء المسلمين مطلولة، فما كان أغناهم عن هذا الخطاب، وأولاهم بأن لا يصدر إليهم عن ذلك جواب، ومن قصد الصلح والإصلاح، كيف يقول هذا القول، الذي عليه فيه من جهة الله، ومن جهة رسوله أي جناح؟ وكيف يضمر هذه النية، ويتبجح بهذه الطوية؟ ولم يخف مواقع الزلل من هذا القول وخلله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول \" نية المرء أبلغ من عمله \" . وبأي طريق تهدر دماء المسلمين، التي من تعرض إليها، يكون الله له في الدنيا والآخرة مطالباً وغريماً، ومؤاخذاً بقوله تعالى: \" ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً \" .\rوإذا كان الأمر كذلك، فالبشرى لأهل الإسلام، بما نحن عليه من الهمم المصروفة الى الاستعداد، وجمع العساكر التي يكون لها الملائكة الكرام، إن شاء الله تعالى من الأمجاد والاستكثار من الجيوش الإسلامية المتوفرة العدد، المتكاثرة المدد، الموعودة بالنصر، الذي يحفها في الظعن والإقامة، الواثقة بقوله صلى الله عليه وسلم: \" لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على عدوهم الى يوم القيامة \" . المبلغة في نصر دين الله آمالاً، المستعدة لإجابة داعي الله إذ قال: \" انفروا خفافاً وثقالاً \" .","part":8,"page":416},{"id":3927,"text":"وأما رسلهم، وهم فلان وفلان، فقد وصلوا إلينا، ووفدوا علينا، وأكرمنا وفادتهم، وغزرنا لأجل مرسلهم من الإقبال مادتهم، وسمعنا خطابهم، وأعدنا جوابهم هذا، مع كوننا لم يخْفَ علينا انحطاط قدرهم، ولا ضعف أمرهم. وأنهم ما دعفوا الأفواه الخطوب إلا لما ارتكبوه من ذنوب. وما كان ينبغي أن يُرسلَ مثل هؤلاء لمثلنا من مثله. ولا ينتدب لهذا الأمر المهم إلا من يُجمع على فصل خطابه وفضله.\rوأما ما التمسوه من الهدايا والتحف، فلو قدموا من هداياهم حسنة، لعوضناهم بأحسن منها. ولو أتحفونا بتحفة لقابلناهم بأجمل عوض عنها. وقد كان عمهم الملك أحمد، راسل والدنا السلطان الشهيد وناجاه بالهدايا والتحف من مكان بعيد. وتقرب الى قلبه بحسن الخطاب، فأحسن له الجواب، وأتى البيوت من أبوابها، بحسن الأدب، وتمسك من الملاطفة بأقوى سبب.\rوالآن، فحيث انتهت الأجوبة الى حدها، وأدركت الأنفة من مقابلة ذلك الخطاب غاية قصدها، فنقول: إذا جنح الملك للسلم، جنحنا لها، وإذا دخل في الملة المحمدية، ممتثلاً ما أمر الله به، مجتنباً ما عنه نهى، وانضم في سلك الإيمان، وتمسك بموجباته، تمسك المتشرف بدخول فيه لا المنان، وتجنّب التشبه بمن قال الله عز وجل في حقهم: \" قل لا تمنّوا عليّ إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان \" . وطابق فعله قوله، ورفض الكفار الذين لا يحل له أن يتخذهم حوله، وأرسل إلينا رسولاً من جهته يرتّل آيات الصلح ترتيلاً؛ ويروق خطابه وجوابه، حتى يتلو كل أحد عند عوده \" يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً \" . صارت حجتنا وحجته المركبة على من خالف ذلك، وكلمتنا وكلمته قامعة أهل الشرك في سائر الممالك، ومظافرتنا له تكسب الكافرين هوانا؛ والمشاهد لتصافينا يتلو قوله تعالى: \" واذكروا نعمة الله عليكم إذا كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً. وينتظم إن شاء الله تعالى شمل الصلح، أحسن انتظام. ويحصل التمسك من الموادعة والمصافاة بعروة ولا انفصال لها ولا انفصام. وتستقر قواعد الصلح، على ما يرضي الله ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، إن شاء الله تعالى.\rكتب في ثامن وعشرين المحرم سنة إحدى وسبعمائة.\rوفي سنة سبعمائة، ولي الأمير فارس الدين البكي الساقي نيابة السلطنة بحمص.\rوفيها، توجه الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وزير الدولة ومدبّرها، الى الممالك الشامية لكشفها، ووصل الى المملكة الحلبية، وعاد الى الديار المصرية، في سنة إحدى وسبعمائة، وعزل عن الوزارة في غيبته.\rوفيها، توجه الأمير سيف الدين بكتمر الجوكان دار، أمين جاندار؛ الى الحجاز الشريف؛ وتصدق بصدقات عظيمة. فيقال إنه أنفق في هذه السفرة خمسة وثمانين ألف دينار عيناً.\rوفي هذه السنة، توفي الأمير عز الدين أيدمر الظاهري؛ وهو الذي ناب عن السلطنة بالشام، في الدولة الظاهرية والسعيدية. وكانت وفاته برباطه بجبل الصالحية، في يوم الأربعاء ثاني شهر ربيع الأول ودفن هناك رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي الشيخ زين الدين عبد الرحمن ابن الشيخ برهان الدين ابراهيم بن سعد الله بن جماعة، أخو قاضي القضاة بدر الدين. وكانت وفاته بحماه في سابع شعبان. وكان رجلاً صالحاً ديناً خيراً. ومولده في شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين وستمائة رحمه الله تعالى.\rوفيها، توفي الأمير عز الدين أيبك كربي الظاهري بدمشق، في عاشر ذي القعدة، ودفن بسفح قاسيون. وكان من أعيان أمراء الشام، مقدمي الألوف. وورثه بناته، وأخوه الأمير بدر الدين بكتوت العديمي المنصوري.","part":8,"page":417}],"titles":[{"id":1,"title":"الفن الأول","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":"السماء","lvl":1,"sub":1},{"id":1,"title":"القسم الأول","lvl":2,"sub":2},{"id":1,"title":"في السماء وما فيها","lvl":2,"sub":3},{"id":1,"title":"الباب الأول","lvl":2,"sub":4},{"id":1,"title":"خلق السماء","lvl":2,"sub":5},{"id":1,"title":"الباب الثاني:","lvl":2,"sub":6},{"id":1,"title":"في هيئة السماء","lvl":2,"sub":7},{"id":3,"title":"الباب الثالث:","lvl":2,"sub":0},{"id":3,"title":"الملائكة","lvl":2,"sub":1},{"id":3,"title":"الباب الرابع: من القسم الأول من الفن الأول","lvl":2,"sub":2},{"id":3,"title":"الكواكب المتحيرة","lvl":2,"sub":3},{"id":11,"title":"الباب الخامس من القسم الأول من الفن الأول","lvl":2,"sub":0},{"id":11,"title":"الكواكب الثابتة","lvl":2,"sub":1},{"id":13,"title":"القسم الثاني من الفن الأول","lvl":2,"sub":0},{"id":13,"title":"الآثار العلوية","lvl":2,"sub":1},{"id":13,"title":"السحاب والثلج","lvl":2,"sub":2},{"id":18,"title":"الباب الثاني:","lvl":2,"sub":0},{"id":18,"title":"النيازك، والصواعق","lvl":2,"sub":1},{"id":21,"title":"الباب الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":21,"title":"الهواء","lvl":2,"sub":1},{"id":22,"title":"أسماء الرياح اللغوية","lvl":2,"sub":0},{"id":22,"title":"الرياح بلفظ الجمع","lvl":2,"sub":1},{"id":22,"title":"ما يتمثل به في ذكر الهواء","lvl":2,"sub":2},{"id":22,"title":"وصف الهواء وتشبيهه","lvl":2,"sub":3},{"id":23,"title":"الباب الرابع:","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":"النار","lvl":2,"sub":1},{"id":31,"title":"القسم الثالث من الفن الأول","lvl":2,"sub":0},{"id":31,"title":"الليالي والأيام والشهور والأعوام","lvl":2,"sub":1},{"id":31,"title":"الباب الأول","lvl":2,"sub":2},{"id":31,"title":"الليل والأيام","lvl":2,"sub":3},{"id":32,"title":"ما قيل في الليل وأقسامه","lvl":2,"sub":0},{"id":32,"title":"الليالي المشهورة","lvl":2,"sub":1},{"id":32,"title":"ما يتمثل به في ذكر الليل","lvl":2,"sub":2},{"id":32,"title":"وصف الليل وتشبيهه","lvl":2,"sub":3},{"id":33,"title":"ما وصف به من الطول","lvl":2,"sub":0},{"id":34,"title":"ما وصف به من القصر","lvl":2,"sub":0},{"id":35,"title":"ما وصف به من الإشراق","lvl":2,"sub":0},{"id":35,"title":"ما وصف به من الظلمة","lvl":2,"sub":1},{"id":35,"title":"تباشير الصباح","lvl":2,"sub":2},{"id":37,"title":"الأيام التي خصت بالذكر","lvl":2,"sub":0},{"id":37,"title":"أيام أصحاب الملل الثلاث","lvl":2,"sub":1},{"id":37,"title":"ما يتمثل به في ذكر النهار","lvl":2,"sub":2},{"id":37,"title":"وصف النهار وتشبيهه","lvl":2,"sub":3},{"id":38,"title":"مما وصفت به الآلات","lvl":2,"sub":0},{"id":39,"title":"الباب الثاني:","lvl":2,"sub":0},{"id":39,"title":"في الشهور والأعوام","lvl":2,"sub":1},{"id":39,"title":"الأشهر العربية","lvl":2,"sub":2},{"id":42,"title":"ما يختص بالسنة من القول","lvl":2,"sub":0},{"id":42,"title":"النسيء ومذهب العرب فيه","lvl":2,"sub":1},{"id":43,"title":"السنة التي يضرب بها المثل","lvl":2,"sub":0},{"id":43,"title":"الباب الثالث","lvl":2,"sub":1},{"id":43,"title":"الفصول","lvl":2,"sub":2},{"id":43,"title":"وصف فصل الربيع","lvl":2,"sub":3},{"id":47,"title":"ما قيل في فصل الصيف","lvl":2,"sub":0},{"id":47,"title":"ما قيل في فصل الخريف","lvl":2,"sub":1},{"id":47,"title":"ما قيل في فصل الشتاء","lvl":2,"sub":2},{"id":48,"title":"ما قيل في فصل الربيع","lvl":2,"sub":0},{"id":48,"title":"الباب الرابع:","lvl":2,"sub":1},{"id":48,"title":"مواسم الأمم وأعيادها","lvl":2,"sub":2},{"id":53,"title":"القسم الرابع من الفن الأول","lvl":2,"sub":0},{"id":53,"title":"في الأرض، والجبال، والبحار","lvl":2,"sub":1},{"id":53,"title":"الباب الأول","lvl":2,"sub":2},{"id":53,"title":"مبدأ خلق الأرض","lvl":2,"sub":3},{"id":54,"title":"الباب الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":54,"title":"أسماء الأرض","lvl":2,"sub":1},{"id":55,"title":"الباب الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":55,"title":"في طول الأرض ومسافاتها","lvl":2,"sub":1},{"id":55,"title":"من القسم الرابع من الفن الأول","lvl":2,"sub":2},{"id":56,"title":"الباب الرابع","lvl":2,"sub":0},{"id":56,"title":"الأقاليم","lvl":2,"sub":1},{"id":56,"title":"من القسم الرابع من الفن الأول","lvl":2,"sub":2},{"id":57,"title":"ما يتمثل به مما فيه ذكر الأرض","lvl":2,"sub":0},{"id":59,"title":"الباب الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":59,"title":"الجبال","lvl":2,"sub":1},{"id":61,"title":"الباب السادس:","lvl":2,"sub":0},{"id":61,"title":"في البحار والجزائر","lvl":2,"sub":1},{"id":71,"title":"الباب السابع","lvl":2,"sub":0},{"id":71,"title":"العيون والأنهار والغدران","lvl":2,"sub":1},{"id":71,"title":"من القسم الرابع من الفن الأول","lvl":2,"sub":2},{"id":77,"title":"في وصف الماء وتشبهه","lvl":2,"sub":0},{"id":81,"title":"ذكر عباد الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":81,"title":"القسم الخامس من الفن الأول:","lvl":2,"sub":1},{"id":81,"title":"في طبائع البلاد","lvl":2,"sub":2},{"id":81,"title":"الباب الأول","lvl":2,"sub":3},{"id":81,"title":"\" في طبائع البلاد، وأخلاق سكانها \"","lvl":2,"sub":4},{"id":82,"title":"الباب الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":82,"title":"في خصائص البلاد","lvl":2,"sub":1},{"id":82,"title":"من القسم الخامس من الفن الأول","lvl":2,"sub":2},{"id":83,"title":"بناء الملائكة الكعبة","lvl":2,"sub":0},{"id":83,"title":"زيارة الملائكة البيت الحرام","lvl":2,"sub":1},{"id":84,"title":"هبوط آدم إلى الأرض، وبنيانه الكعبة","lvl":2,"sub":0},{"id":86,"title":"فضل البيت الحرام","lvl":2,"sub":0},{"id":87,"title":"طواف سفينة نوح )ع( بالبيت","lvl":2,"sub":0},{"id":88,"title":"تخير إبراهيم عليه السلام موضع البيت","lvl":2,"sub":0},{"id":88,"title":"حج إبراهيم عليه السلام واذانه بالحج","lvl":2,"sub":1},{"id":89,"title":"مسألة إبراهيم عليه السلام الأمن والرزق لأهل مكة","lvl":2,"sub":0},{"id":90,"title":"أسماء الكعبة ومكة","lvl":2,"sub":0},{"id":90,"title":"في فضل الركن الأسود","lvl":2,"sub":1},{"id":91,"title":"فضل استلام الركن الأسود، واليماني","lvl":2,"sub":0},{"id":91,"title":"فضل الطواف بالكعبة","lvl":2,"sub":1},{"id":91,"title":"ما جاء في فضل زمزم","lvl":2,"sub":2},{"id":92,"title":"اتساع منى أيام الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":92,"title":"ولم سميت منى","lvl":2,"sub":1},{"id":92,"title":"في فضائل مقبرة مكة","lvl":2,"sub":2},{"id":92,"title":"من خصائص مكة","lvl":2,"sub":3},{"id":93,"title":"خصائص المدينة المشرفة وأسمائها","lvl":2,"sub":0},{"id":108,"title":"الباب الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":108,"title":"\" في المباني القديمة \"","lvl":2,"sub":1},{"id":117,"title":"الباب الرابع","lvl":2,"sub":0},{"id":117,"title":"\" فيما وصفت به المعاقل والحصون \"","lvl":2,"sub":1},{"id":117,"title":"من القسم الخامس من الفن الأول","lvl":2,"sub":2},{"id":119,"title":"الباب الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":119,"title":"\" فيما وصفت به القصور والمنازل \"","lvl":2,"sub":1},{"id":123,"title":"الفن الثاني","lvl":1,"sub":0},{"id":123,"title":"الإنسان وما يتعلق به","lvl":1,"sub":1},{"id":124,"title":"القسم الأول","lvl":2,"sub":0},{"id":124,"title":"اشتقاقه، وتسميته، وتنقلاته، وطبائعه..","lvl":2,"sub":1},{"id":124,"title":"الباب الأول من القسم الأول من الفن الثاني","lvl":2,"sub":2},{"id":124,"title":"اشتقاقه، وتسميته،..","lvl":2,"sub":3},{"id":126,"title":"ترتيب أحواله وتنقل السن به","lvl":2,"sub":0},{"id":126,"title":"ظهور الشيب وعمومه","lvl":2,"sub":1},{"id":127,"title":"الباب الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":127,"title":"أعضاء الإنسان وتشبيهها","lvl":2,"sub":1},{"id":128,"title":"تفصيل أوصافه","lvl":2,"sub":0},{"id":128,"title":"وصف به الشعر","lvl":2,"sub":1},{"id":128,"title":"شعور النساء","lvl":2,"sub":2},{"id":129,"title":"الشيب والخضاب","lvl":2,"sub":0},{"id":130,"title":"ذم الشيب","lvl":2,"sub":0},{"id":131,"title":"مدح الخضاب","lvl":2,"sub":0},{"id":132,"title":"ذم الخضاب","lvl":2,"sub":0},{"id":133,"title":"وجه الأنثى","lvl":2,"sub":0},{"id":133,"title":"صفاء الوجه ورقة البشرة","lvl":2,"sub":1},{"id":136,"title":"عوارض العين","lvl":2,"sub":0},{"id":136,"title":"كيفية النظر وهيئته","lvl":2,"sub":1},{"id":137,"title":"وصف العيون على لفظ التأنيث","lvl":2,"sub":0},{"id":138,"title":"أدواء العين","lvl":2,"sub":0},{"id":138,"title":"مما قيل في أرمد","lvl":2,"sub":1},{"id":139,"title":"ومما قيل في أرمد غطى عينيه بشعرية","lvl":2,"sub":0},{"id":139,"title":"ترتيب البكاء","lvl":2,"sub":1},{"id":140,"title":"تقسيم ماء الفم","lvl":2,"sub":0},{"id":140,"title":"ترتيب الضحك","lvl":2,"sub":1},{"id":140,"title":"طيب الريق والنكهة","lvl":2,"sub":2},{"id":140,"title":"طيب الريق على لفظ التذكير","lvl":2,"sub":3},{"id":141,"title":"طيب الريق على لفظ التأنيث","lvl":2,"sub":0},{"id":142,"title":"من محاسنها","lvl":2,"sub":0},{"id":142,"title":"في مقابحها","lvl":2,"sub":1},{"id":142,"title":"ترتيب الأسنان","lvl":2,"sub":2},{"id":143,"title":"في السواك","lvl":2,"sub":0},{"id":143,"title":"من محاسنه","lvl":2,"sub":1},{"id":143,"title":"في ترتيب العي","lvl":2,"sub":2},{"id":143,"title":"حسن الحديث والنغمة","lvl":2,"sub":3},{"id":145,"title":"وصفها على لفظ التأنيث","lvl":2,"sub":0},{"id":146,"title":"وصفه على لفظ التأنيث","lvl":2,"sub":0},{"id":149,"title":"ومما وصف به العذار","lvl":2,"sub":0},{"id":151,"title":"مما مدحت به اليد","lvl":2,"sub":0},{"id":152,"title":"وصفها على لفظ التأنيث","lvl":2,"sub":0},{"id":154,"title":"مما ورد على لفظ التأنيث","lvl":2,"sub":0},{"id":156,"title":"الرأس والشعر","lvl":2,"sub":0},{"id":156,"title":"ذكر الوجه","lvl":2,"sub":1},{"id":156,"title":"من ذكر العين","lvl":2,"sub":2},{"id":156,"title":"ذكر الأنف","lvl":2,"sub":3},{"id":156,"title":"ذكر الفم، واللسان، والأسنان","lvl":2,"sub":4},{"id":156,"title":"ذكر الأذن","lvl":2,"sub":5},{"id":156,"title":"ذكر العنق","lvl":2,"sub":6},{"id":156,"title":"ذكر اليد","lvl":2,"sub":7},{"id":156,"title":"ذكر الصدر والقلب","lvl":2,"sub":8},{"id":157,"title":"ذكر الظهر والبطن والجنب","lvl":2,"sub":0},{"id":157,"title":"ذكر الكبد والدم والعروق","lvl":2,"sub":1},{"id":157,"title":"ذكر الساق والقدم","lvl":2,"sub":2},{"id":157,"title":"من الرجال","lvl":2,"sub":3},{"id":159,"title":"من النساء","lvl":2,"sub":0},{"id":160,"title":"الباب الثالث من القسم الأول من الفن الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":160,"title":"الغزل، والنسيب، والهوى..","lvl":2,"sub":1},{"id":196,"title":"مما قيل في المذكر","lvl":2,"sub":0},{"id":219,"title":"الباب الرابع من القسم الأول من الفن الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":219,"title":"الأنساب","lvl":2,"sub":1},{"id":249,"title":"القسم الثاني من الفن الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":249,"title":"الأمثال المشهورة","lvl":2,"sub":1},{"id":249,"title":"الباب الأول","lvl":2,"sub":2},{"id":249,"title":"في الأمثال","lvl":2,"sub":3},{"id":250,"title":"حرف الهمزة","lvl":2,"sub":0},{"id":254,"title":"حرف الباء","lvl":2,"sub":0},{"id":255,"title":"حرف التاء","lvl":2,"sub":0},{"id":255,"title":"حرف الثاء","lvl":2,"sub":1},{"id":255,"title":"حرف الجيم","lvl":2,"sub":2},{"id":256,"title":"حرف الحاء","lvl":2,"sub":0},{"id":257,"title":"حرف الخاء","lvl":2,"sub":0},{"id":257,"title":"حرف الدال","lvl":2,"sub":1},{"id":258,"title":"حرف الذال","lvl":2,"sub":0},{"id":258,"title":"حرف الراء","lvl":2,"sub":1},{"id":258,"title":"حرف الزاي","lvl":2,"sub":2},{"id":259,"title":"حرف السين","lvl":2,"sub":0},{"id":259,"title":"حرف الشين","lvl":2,"sub":1},{"id":259,"title":"حرف الصاد","lvl":2,"sub":2},{"id":260,"title":"حرف الضاد","lvl":2,"sub":0},{"id":260,"title":"حرف الطاء","lvl":2,"sub":1},{"id":260,"title":"حرف الظاء","lvl":2,"sub":2},{"id":260,"title":"حرف العين","lvl":2,"sub":3},{"id":261,"title":"حرف الغين","lvl":2,"sub":0},{"id":261,"title":"حرف الفاء","lvl":2,"sub":1},{"id":262,"title":"حرف القاف","lvl":2,"sub":0},{"id":262,"title":"حرف الكاف","lvl":2,"sub":1},{"id":263,"title":"حرف اللام","lvl":2,"sub":0},{"id":263,"title":"حرف الميم","lvl":2,"sub":1},{"id":265,"title":"حرف النون","lvl":2,"sub":0},{"id":265,"title":"حرف الهاء","lvl":2,"sub":1},{"id":265,"title":"حرف الواو","lvl":2,"sub":2},{"id":266,"title":"ما جاء في أوله لا","lvl":2,"sub":0},{"id":267,"title":"حرف الياء","lvl":2,"sub":0},{"id":282,"title":"الباب الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":282,"title":"أوابد العرب","lvl":2,"sub":1},{"id":286,"title":"الباب الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":286,"title":"أخبار الكهنة","lvl":2,"sub":1},{"id":296,"title":"الباب الرابع","lvl":2,"sub":0},{"id":296,"title":"الكنايات والتعريض","lvl":2,"sub":1},{"id":301,"title":"الباب الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":301,"title":"الألغاز والأحاجي","lvl":2,"sub":1},{"id":304,"title":"القسم الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":304,"title":"المدح، والهجو، والمجون..","lvl":2,"sub":1},{"id":304,"title":"الباب الأول وفيه ثلاثة عشر فصلا","lvl":2,"sub":2},{"id":304,"title":"في المدح","lvl":2,"sub":3},{"id":317,"title":"من انتهى إليهم الجود في الجاهلية","lvl":2,"sub":0},{"id":321,"title":"الإعطاء قبل السؤال","lvl":2,"sub":0},{"id":339,"title":"الباب الثاني وفيه أربعة عشر فصلا","lvl":2,"sub":0},{"id":339,"title":"في الهجاء","lvl":2,"sub":1},{"id":355,"title":"احتجاج البخلاء وتحسينهم للبخل","lvl":2,"sub":0},{"id":367,"title":"الاقتصاد في المطاعم والعفة عنها","lvl":2,"sub":0},{"id":368,"title":"أخبار الأكلة","lvl":2,"sub":0},{"id":370,"title":"الفرارين الذين حسنوا الفرار على قبحه","lvl":2,"sub":0},{"id":375,"title":"أخبار أهل الغدر وغدراتهم المشهورة","lvl":2,"sub":0},{"id":382,"title":"الباب الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":382,"title":"المجون والنوادر والفكاهات والملح","lvl":2,"sub":1},{"id":413,"title":"الباب الرابع","lvl":2,"sub":0},{"id":413,"title":"في الخمر","lvl":2,"sub":1},{"id":430,"title":"الباب الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":430,"title":"في الندمان والسقاة","lvl":2,"sub":1},{"id":432,"title":"الباب السادس","lvl":2,"sub":0},{"id":432,"title":"في الغناء والسماع","lvl":2,"sub":1},{"id":435,"title":"ما استدلوا به على إباحة الغناء","lvl":2,"sub":0},{"id":435,"title":"من الأحاديث النبوية","lvl":2,"sub":1},{"id":440,"title":"في توهين دلائل التحريم","lvl":2,"sub":0},{"id":448,"title":"أقسام السماع وبواعثه","lvl":2,"sub":0},{"id":450,"title":"العوارض التي يحرم معها السماع","lvl":2,"sub":0},{"id":451,"title":"آثار السماع وآدابه","lvl":2,"sub":0},{"id":458,"title":"من سمع الغناء من الصحابة والتابعين","lvl":2,"sub":0},{"id":459,"title":"من سمع الغناء من الأئمة والعباد والزهاد","lvl":2,"sub":0},{"id":461,"title":"من غنى من الخلفاء وأبنائهم","lvl":2,"sub":0},{"id":471,"title":"من غنى من الأشراف والعلماء","lvl":2,"sub":0},{"id":472,"title":"من غنى من الأعيان والأكابر والقواد","lvl":2,"sub":0},{"id":475,"title":"أخبار سعيد بن مسجح","lvl":2,"sub":0},{"id":477,"title":"أخبار سائب خاثر","lvl":2,"sub":0},{"id":478,"title":"أخبار طويس","lvl":2,"sub":0},{"id":479,"title":"أخبار عبد الله بن سريج","lvl":2,"sub":0},{"id":484,"title":"أخبار معبد","lvl":2,"sub":0},{"id":485,"title":"أخبار الغريض","lvl":2,"sub":0},{"id":491,"title":"أخبار محمد بن عائشة","lvl":2,"sub":0},{"id":493,"title":"أخبار أبن محرز","lvl":2,"sub":0},{"id":493,"title":"أخبار مالك بن أبي السمح","lvl":2,"sub":1},{"id":495,"title":"أخبار يونس الكات","lvl":2,"sub":0},{"id":496,"title":"أخبار حنين","lvl":2,"sub":0},{"id":496,"title":"أخبار سياط","lvl":2,"sub":1},{"id":497,"title":"أخبار الأبجر","lvl":2,"sub":0},{"id":498,"title":"أخبار أبي زيد الدلال","lvl":2,"sub":0},{"id":499,"title":"أخبار عطرد","lvl":2,"sub":0},{"id":500,"title":"أخبار عمر الوادي","lvl":2,"sub":0},{"id":500,"title":"أخبار حكم الوادي","lvl":2,"sub":1},{"id":501,"title":"أخبار ابن جامع","lvl":2,"sub":0},{"id":502,"title":"أخبار عمرو بن أبي الكنات","lvl":2,"sub":0},{"id":503,"title":"أخبار أبي المهنأ مخارق","lvl":2,"sub":0},{"id":507,"title":"أخبار يحيى بن مرزوق المكي","lvl":2,"sub":0},{"id":508,"title":"أخبار يزيد حوراء","lvl":2,"sub":0},{"id":509,"title":"أخبار فليح بن أبي العوراء","lvl":2,"sub":0},{"id":509,"title":"أخبار إبراهيم الموصلي","lvl":2,"sub":1},{"id":512,"title":"نبذة من أخباره مع البرامكة","lvl":2,"sub":0},{"id":519,"title":"أخبار علويه","lvl":2,"sub":0},{"id":521,"title":"أخبار أخبار معبد اليقطيني","lvl":2,"sub":0},{"id":523,"title":"أخبار محمد الرف","lvl":2,"sub":0},{"id":524,"title":"أخبار محمد بن الأشعث","lvl":2,"sub":0},{"id":524,"title":"أخبار عمرو بن بانة","lvl":2,"sub":1},{"id":525,"title":"أخبار عبد الله بن العباس الربيعي","lvl":2,"sub":0},{"id":528,"title":"أخبار وجه القرعة","lvl":2,"sub":0},{"id":529,"title":"أخبار محمد بن الحارث بن بسخنر","lvl":2,"sub":0},{"id":529,"title":"أخبار أحمد بن صدقة","lvl":2,"sub":1},{"id":530,"title":"أخبار أبي حشيشة","lvl":2,"sub":0},{"id":532,"title":"أخبار جميلة","lvl":2,"sub":0},{"id":536,"title":"أخبار عزة الميلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":537,"title":"أخبار سلامة القس","lvl":2,"sub":0},{"id":539,"title":"أخبار حبابة","lvl":2,"sub":0},{"id":541,"title":"أخبار خليدة المكية","lvl":2,"sub":0},{"id":541,"title":"أخبار متيم الهشامية","lvl":2,"sub":1},{"id":543,"title":"أخبار ساجي","lvl":2,"sub":0},{"id":543,"title":"جارية عبيد الله بن عبد الله بن طاهر","lvl":2,"sub":1},{"id":543,"title":"أخبار دقاق","lvl":2,"sub":2},{"id":544,"title":"أخبار قلم الصالحية","lvl":2,"sub":0},{"id":544,"title":"أخبار بصبص جارية ابن النفيس","lvl":2,"sub":1},{"id":545,"title":"أخبار جواري ابن رامين","lvl":2,"sub":0},{"id":546,"title":"أخبار عنان جارية الناطفي","lvl":2,"sub":0},{"id":548,"title":"أخبار شارية جارية إبراهيم بن المهدي","lvl":2,"sub":0},{"id":550,"title":"أخبار بذل","lvl":2,"sub":0},{"id":551,"title":"أخبار ذات الخال","lvl":2,"sub":0},{"id":552,"title":"أخبار دنانير البرمكية","lvl":2,"sub":0},{"id":553,"title":"أخبار عريب المأمونية","lvl":2,"sub":0},{"id":560,"title":"أخبار محبوبة","lvl":2,"sub":0},{"id":561,"title":"أخبار عبيدة الطنوبرية","lvl":2,"sub":0},{"id":561,"title":"الباب السابع:","lvl":2,"sub":1},{"id":561,"title":"حاجات المغني ووصف القيان والآلات","lvl":2,"sub":2},{"id":565,"title":"القسم الرابع من الفن الثاني وفيه أربعة أبواب","lvl":2,"sub":0},{"id":565,"title":"في التهاني والمراثي والزهد والتوكل","lvl":2,"sub":1},{"id":565,"title":"الباب الأول","lvl":2,"sub":2},{"id":565,"title":"في التهاني والبشائر","lvl":2,"sub":3},{"id":581,"title":"الباب الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":581,"title":"في المراثي والنوادب","lvl":2,"sub":1},{"id":607,"title":"الباب الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":607,"title":"في الزهد والتوكل","lvl":2,"sub":1},{"id":619,"title":"ملحق لهذا الفصل","lvl":2,"sub":0},{"id":629,"title":"أعمال المتوكلين","lvl":2,"sub":0},{"id":632,"title":"الباب الرابع","lvl":2,"sub":0},{"id":632,"title":"في الأدعية","lvl":2,"sub":1},{"id":641,"title":"والغدو والرواح والصلاة والصوم، والجماع والنوم، والورد والصدر","lvl":2,"sub":0},{"id":654,"title":"النمط الأول من نظم الأسماء اسمه الله","lvl":2,"sub":0},{"id":654,"title":"النمط الثاني","lvl":2,"sub":1},{"id":654,"title":"النمط الثالث","lvl":2,"sub":2},{"id":655,"title":"النمط الرابع","lvl":2,"sub":0},{"id":655,"title":"النمط الخامس","lvl":2,"sub":1},{"id":655,"title":"النمط السادس","lvl":2,"sub":2},{"id":655,"title":"النمط السابع","lvl":2,"sub":3},{"id":656,"title":"النمط الثامن","lvl":2,"sub":0},{"id":656,"title":"النمط التاسع","lvl":2,"sub":1},{"id":656,"title":"النمط العاشر","lvl":2,"sub":2},{"id":657,"title":"القسم الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":657,"title":"في الملك وما يشترط فيه","lvl":2,"sub":1},{"id":657,"title":"الباب الأول","lvl":2,"sub":2},{"id":657,"title":"شروط الإمامة الشرعية والعرفية","lvl":2,"sub":3},{"id":659,"title":"الباب الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":659,"title":"في صفات الملك وأخلاقه","lvl":2,"sub":1},{"id":660,"title":"الباب الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":660,"title":"فيما للملك على الرعايا","lvl":2,"sub":1},{"id":663,"title":"الباب الرابع:","lvl":2,"sub":0},{"id":663,"title":"في وصايا الملوك","lvl":2,"sub":1},{"id":669,"title":"الباب الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":669,"title":"فيما يجب على الملك للرعايا","lvl":2,"sub":1},{"id":670,"title":"صفة الإمام العادل.","lvl":2,"sub":0},{"id":671,"title":"الظلم وسوء عاقبته","lvl":2,"sub":0},{"id":672,"title":"الباب السادس","lvl":2,"sub":0},{"id":672,"title":"في حسن السياسة، وإقامة المملكة","lvl":2,"sub":1},{"id":675,"title":"من اشتهر بالحلم واتصف به","lvl":2,"sub":0},{"id":682,"title":"الباب السابع","lvl":2,"sub":0},{"id":682,"title":"المشورة وإعمال الرأي","lvl":2,"sub":1},{"id":685,"title":"الباب الثامن","lvl":2,"sub":0},{"id":685,"title":"حفظ الأسرار والإذن والحجاب","lvl":2,"sub":1},{"id":688,"title":"ما قيل في الحجاب.","lvl":2,"sub":0},{"id":689,"title":"النهي عن شدة الحجاب.","lvl":2,"sub":0},{"id":689,"title":"الباب التاسع","lvl":2,"sub":1},{"id":689,"title":"الوزراء وأصحاب الملك","lvl":2,"sub":2},{"id":689,"title":"وصفة الوزير وما يحتاج إليه","lvl":2,"sub":3},{"id":691,"title":"وزارة التفويض","lvl":2,"sub":0},{"id":691,"title":"الشرط الأول وهو التنفيذ","lvl":2,"sub":1},{"id":692,"title":"الشرط الثاني فهو الدفاع.","lvl":2,"sub":0},{"id":692,"title":"فالقسم الأول في دفاعه عن الملك من أوليائه:","lvl":2,"sub":1},{"id":692,"title":"والقسم الثاني في دفاعه عن المملكةأحدها أن يق","lvl":2,"sub":2},{"id":693,"title":"الشرط الثالث وهو الإقدام","lvl":2,"sub":0},{"id":694,"title":"الإقدام على دفع المضار","lvl":2,"sub":0},{"id":694,"title":"الشرط الرابع وهو الحذر","lvl":2,"sub":1},{"id":694,"title":"الحذر من الله تعالى:","lvl":2,"sub":2},{"id":694,"title":"الحذر من السلطان","lvl":2,"sub":3},{"id":695,"title":"وأما حذره من زمانه","lvl":2,"sub":0},{"id":696,"title":"حذره من أهل الزمان","lvl":2,"sub":0},{"id":696,"title":"التقليد والعزل","lvl":2,"sub":1},{"id":696,"title":"فأما تقليد التقرير","lvl":2,"sub":2},{"id":697,"title":"وأما تقليد التدبير","lvl":2,"sub":0},{"id":697,"title":"وأما تدبير الأموال","lvl":2,"sub":1},{"id":697,"title":"شروط التقليد على مباشرة خرجها","lvl":2,"sub":2},{"id":698,"title":"العزل فضربان:","lvl":2,"sub":0},{"id":699,"title":"حقوق السلطان على وزيره","lvl":2,"sub":0},{"id":699,"title":"حقوق الوزير على السلطان","lvl":2,"sub":1},{"id":699,"title":"وزارة التنفيذ","lvl":2,"sub":2},{"id":700,"title":"السفارة بين الملك وأجناده","lvl":2,"sub":0},{"id":700,"title":"أن يمد الملك برأيه ومشورته؛","lvl":2,"sub":1},{"id":700,"title":"أن يكون عينا للملك ناظرة","lvl":2,"sub":2},{"id":701,"title":"أن يفتدي راحة الملك بتعبه","lvl":2,"sub":0},{"id":701,"title":"ما تتميز به وزارة التفويض","lvl":2,"sub":1},{"id":702,"title":"عهودها ووصاياها.","lvl":2,"sub":0},{"id":705,"title":"صفاتهم","lvl":2,"sub":0},{"id":706,"title":"وصايا أصحاب السلطان","lvl":2,"sub":0},{"id":707,"title":"وأما ما يأخذ به نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":708,"title":"الآداب في محادثة السلطان","lvl":2,"sub":0},{"id":708,"title":"مؤاكل الملك","lvl":2,"sub":1},{"id":708,"title":"آداب الأكل بين يدي الرئيس","lvl":2,"sub":2},{"id":709,"title":"الباب العاشر","lvl":2,"sub":0},{"id":709,"title":"قادة الجيوش، والجهاد..","lvl":2,"sub":1},{"id":723,"title":"الجهاد وفضله.","lvl":2,"sub":0},{"id":723,"title":"أسماء العساكر","lvl":2,"sub":1},{"id":723,"title":"نعوت العسكر في الكثرة","lvl":2,"sub":2},{"id":724,"title":"وأما أسماء مواضع القتال","lvl":2,"sub":0},{"id":724,"title":"وأما أسماء غبار الحرب:","lvl":2,"sub":1},{"id":726,"title":"الغزو في البحر.","lvl":2,"sub":0},{"id":726,"title":"القتال في البحر","lvl":2,"sub":1},{"id":727,"title":"أسماء السيف وصفاته","lvl":2,"sub":0},{"id":729,"title":"ومن أسماء أجزاء السيف","lvl":2,"sub":0},{"id":729,"title":"ومما يضاف إلى السيف:","lvl":2,"sub":1},{"id":729,"title":"ومن أسماء قرابه وآلته:","lvl":2,"sub":2},{"id":729,"title":"حمائله:","lvl":2,"sub":3},{"id":729,"title":"حليته:","lvl":2,"sub":4},{"id":729,"title":"وأما ما وصفته به الشعراء:","lvl":2,"sub":5},{"id":731,"title":"الرمح","lvl":2,"sub":0},{"id":731,"title":"وأما الأسماء، والنعوت، والأوصاف:","lvl":2,"sub":1},{"id":732,"title":"ومن أسماء السنان","lvl":2,"sub":0},{"id":732,"title":"ومن أسماء ما يعقد عليها","lvl":2,"sub":1},{"id":732,"title":"وأما إذا حمله الرجل وطعن به:","lvl":2,"sub":2},{"id":732,"title":"وأما ما وصفه به الشعراء:","lvl":2,"sub":3},{"id":733,"title":"القوس العربية","lvl":2,"sub":0},{"id":733,"title":"فأما أجزاؤها","lvl":2,"sub":1},{"id":733,"title":"أسماء القوس ونعوتها","lvl":2,"sub":2},{"id":734,"title":"الوتر","lvl":2,"sub":0},{"id":734,"title":"وأما أصوات القوس:","lvl":2,"sub":1},{"id":734,"title":"وإذا وتر القوس أو أخذ عنها وترها","lvl":2,"sub":2},{"id":735,"title":"وأما إذا حمل القوس أو اتكأ عليها:","lvl":2,"sub":0},{"id":735,"title":"ذكر ما قيل في تركيب القوس","lvl":2,"sub":1},{"id":735,"title":"أما تركيب القوس:","lvl":2,"sub":2},{"id":735,"title":"وأما مبدأ عملها:","lvl":2,"sub":3},{"id":735,"title":"وأما معنى الرمي:","lvl":2,"sub":4},{"id":735,"title":"ما قيل في السهم","lvl":2,"sub":5},{"id":735,"title":"وللسهم أسماء وصفات ونعوت نطقت بها العرب:","lvl":2,"sub":6},{"id":736,"title":"أسماء النصل","lvl":2,"sub":0},{"id":736,"title":"وإذا أصاب السهم يقال:","lvl":2,"sub":1},{"id":737,"title":"وأما ما يضاف إلى الرامي:","lvl":2,"sub":0},{"id":737,"title":"وأما أوعية السهام:","lvl":2,"sub":1},{"id":737,"title":"وأما ما وصف به القوس والسهم من النظم والنثر.","lvl":2,"sub":2},{"id":739,"title":"ذكر ما قيل في الجنة.","lvl":2,"sub":0},{"id":739,"title":"وأما ما وصف به حامل الترس:","lvl":2,"sub":1},{"id":739,"title":"وأما البيضة:","lvl":2,"sub":2},{"id":739,"title":"ومن أسماء أجزائها:","lvl":2,"sub":3},{"id":739,"title":"وأما ما يوصف به لابسها:","lvl":2,"sub":4},{"id":739,"title":"الدرع","lvl":2,"sub":5},{"id":739,"title":"ومن أسماء أجزاء الدرع:","lvl":2,"sub":6},{"id":739,"title":"وأما ما يوصف به لابس الدرع:","lvl":2,"sub":7},{"id":739,"title":"وأما إذا لم يكن عليه درع ولا مغفر:","lvl":2,"sub":8},{"id":741,"title":"الباب الحادي العشر:","lvl":2,"sub":0},{"id":741,"title":"في القضاة والحكام","lvl":2,"sub":1},{"id":744,"title":"إذا دعي إلى الولاية أو خطبها","lvl":2,"sub":0},{"id":746,"title":"ما يعتمده في جلوسه","lvl":2,"sub":0},{"id":747,"title":"الباب الثاني عشر","lvl":2,"sub":0},{"id":747,"title":"ولاية المظالم","lvl":2,"sub":1},{"id":747,"title":"في الجاهلية والإسلام.","lvl":2,"sub":2},{"id":749,"title":"ما يختص بنظر متولي المظالم","lvl":2,"sub":0},{"id":751,"title":"ما ينبغي أن يعتمده ولاة المظالم","lvl":2,"sub":0},{"id":754,"title":"توقيعات متولي المظالم","lvl":2,"sub":0},{"id":754,"title":"وما يترتب عليها من الأحكام.","lvl":2,"sub":1},{"id":756,"title":"الباب الثالث عشر","lvl":2,"sub":0},{"id":756,"title":"الحسبة وأحكامها","lvl":2,"sub":1},{"id":756,"title":"موافقتها أحكام القضاء","lvl":2,"sub":2},{"id":757,"title":"قصورها عن أحكامه.","lvl":2,"sub":0},{"id":757,"title":"وأما الوجهان في زيادتها على أحكام القضاء","lvl":2,"sub":1},{"id":757,"title":"الفرق بينهما","lvl":2,"sub":2},{"id":757,"title":"المتعلق بحقوق الله تعالى","lvl":2,"sub":3},{"id":759,"title":"في حقوق الآدميين","lvl":2,"sub":0},{"id":765,"title":"الباب الرابع","lvl":2,"sub":0},{"id":765,"title":"الكتابة وأصناف الكتاب","lvl":2,"sub":1},{"id":859,"title":"أبو عبد الله محمد بن الخياط","lvl":2,"sub":0},{"id":859,"title":"أبو حفص عمر بن الأصغر الأندلسي","lvl":2,"sub":1},{"id":859,"title":"يعاتب بعض إخوانه:","lvl":2,"sub":2},{"id":860,"title":"أبو الوليد بن طريف","lvl":2,"sub":0},{"id":860,"title":"ذو الوزارتين","lvl":2,"sub":1},{"id":861,"title":"ومن كلام الوزير الكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":861,"title":"الأسعد محيي الدين أبي علي","lvl":2,"sub":1},{"id":893,"title":"عبد الله بن عبد الظاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":910,"title":"تاج الدين عبد الباقي","lvl":2,"sub":0},{"id":916,"title":"أبيات في هذا الباب","lvl":2,"sub":0},{"id":923,"title":"وقلم التصرف","lvl":2,"sub":0},{"id":924,"title":"اشتقاق تسمية الديوان","lvl":2,"sub":0},{"id":925,"title":"ما تفرع عن كتابة الديوان","lvl":2,"sub":0},{"id":925,"title":"من أنواع الكتابات","lvl":2,"sub":1},{"id":925,"title":"ذكر مباشرة ديوان الجيش","lvl":2,"sub":2},{"id":925,"title":"وسبب وضع الدواوين وأول من وضعها في الإسلام","lvl":2,"sub":3},{"id":926,"title":"حاجات كاتب الجيش","lvl":2,"sub":0},{"id":926,"title":"على ما استقر في زماننا هذا من المصطلح","lvl":2,"sub":1},{"id":935,"title":"جهات أموال الهلالى","lvl":2,"sub":0},{"id":935,"title":"ووجوهها وما يحتاج إليه مباشرها","lvl":2,"sub":1},{"id":950,"title":"وما يسلكه المباشر ويعتمده فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":950,"title":"الناتج من الحسبانات","lvl":2,"sub":1},{"id":950,"title":"ما ينتج عن التعليق من الحسبانات بعد المخازيم","lvl":2,"sub":2},{"id":963,"title":"حضور الضامن","lvl":2,"sub":0},{"id":963,"title":"من يضمن في الذمة","lvl":2,"sub":1},{"id":964,"title":"من أعار المقر شيئا","lvl":2,"sub":0},{"id":964,"title":"ليرهنه على ما في ذمته كتب في ذيل المسطور:","lvl":2,"sub":1},{"id":964,"title":"إذا أقر رب الدين","lvl":2,"sub":2},{"id":964,"title":"أن الدين المقر به كان من مال غيره كتب:","lvl":2,"sub":3},{"id":964,"title":"فصل","lvl":2,"sub":4},{"id":965,"title":"فيه تصح في الذهب والفضة","lvl":2,"sub":0},{"id":968,"title":"إن كان المبيع بئرا","lvl":2,"sub":0},{"id":969,"title":"إن كان المبيع مركبا","lvl":2,"sub":0},{"id":969,"title":"المتبايعان في غير بلد المبيع","lvl":2,"sub":1},{"id":969,"title":"وإن كانت الدار المبيعة في بلد والمتبايعان في بلد آخر","lvl":2,"sub":2},{"id":970,"title":"إبراء ذمة المشتري","lvl":2,"sub":0},{"id":970,"title":"فصل وإن أبرأ البائع ذمة المشتري من الثمن","lvl":2,"sub":1},{"id":970,"title":"اشترى رجل دارا","lvl":2,"sub":2},{"id":970,"title":"لرجل على رجل دين","lvl":2,"sub":3},{"id":971,"title":"باع الوكيل حماما","lvl":2,"sub":0},{"id":986,"title":"إن استأجر دارا","lvl":2,"sub":0},{"id":986,"title":"إن استأجر بأجرة حالة","lvl":2,"sub":1},{"id":987,"title":"معاقدة حمولة","lvl":2,"sub":0},{"id":987,"title":"استأجر دارا بدار","lvl":2,"sub":1},{"id":987,"title":"إن استأجر مركبا","lvl":2,"sub":2},{"id":987,"title":"فصل وإن استأجر بغلا","lvl":2,"sub":3},{"id":987,"title":"فصل إذا أجر رجل عبده أو ولده","lvl":2,"sub":4},{"id":987,"title":"فصل وإن أجرت امرأة نفسها لمطلقها","lvl":2,"sub":5},{"id":988,"title":"فصل وإن استأجر رجل لولده دارا","lvl":2,"sub":0},{"id":991,"title":"إذا كلف الحاكم الوصي بإثبات أهليته","lvl":2,"sub":0},{"id":992,"title":"فصل في إسجال الوصية ومحضر الوصي","lvl":2,"sub":0},{"id":992,"title":"فصل إذا قبضت الكافلة نفقة ولدها","lvl":2,"sub":1},{"id":992,"title":"فصل إذا خلف الموصي زوجة مشتملة على حمل","lvl":2,"sub":2},{"id":993,"title":"فصل إذا علق رجل عتق عبده على موته","lvl":2,"sub":0},{"id":993,"title":"فصل إذا دبر رجل عبده","lvl":2,"sub":1},{"id":993,"title":"فصل وإن عجز المكاتب من أداء ما كوتب عليه","lvl":2,"sub":2},{"id":995,"title":"فصل إذا زوج الصغير أو المراهق للصغيرة أو المعصرة","lvl":2,"sub":0},{"id":995,"title":"فصل في صداق المحجور عليه من قبل الحاكم","lvl":2,"sub":1},{"id":996,"title":"فصل إذا أصدق رجل عن موكله","lvl":2,"sub":0},{"id":996,"title":"زواج الحر من أمة","lvl":2,"sub":1},{"id":996,"title":"إن زوج جاريته لعبده","lvl":2,"sub":2},{"id":996,"title":"فصل وإن تزوج رجل أخرس بامرأة ناطقة","lvl":2,"sub":3},{"id":997,"title":"فصل في فرض زوجة","lvl":2,"sub":0},{"id":997,"title":"فصل وإن قبضت المرأة كسوتها","lvl":2,"sub":1},{"id":998,"title":"فصل في فرض امرأ مطلقة ظهرت حاملا","lvl":2,"sub":0},{"id":998,"title":"فصل إذا قرر القاضي للمحجور عليه من ماله له ولزوجته","lvl":2,"sub":1},{"id":998,"title":"فصل إذا سافر الزوج عن زوجته وتركها بغير نفقة","lvl":2,"sub":2},{"id":1001,"title":"فصل في محضر وفاة وحصر ورثة","lvl":2,"sub":0},{"id":1001,"title":"فصل إذا مات رجل وخلف أبوين وأخوين","lvl":2,"sub":1},{"id":1001,"title":"فصل إذا مات قوم بعد قوم","lvl":2,"sub":2},{"id":1001,"title":"فصل إذا مات العبد وخلف سيده","lvl":2,"sub":3},{"id":1001,"title":"فصل إذا أراد إثبات ملكه لدار","lvl":2,"sub":4},{"id":1001,"title":"فصل إذا أثبت رجل أنه باع بالإجبار والإكراه","lvl":2,"sub":5},{"id":1002,"title":"ما يكتب بعيب في جارية","lvl":2,"sub":0},{"id":1002,"title":"فصل إن شهد لإنسان أنه من أهل الخبرة","lvl":2,"sub":1},{"id":1002,"title":"فصل إذا شهد برشد إنسان","lvl":2,"sub":2},{"id":1002,"title":"فصل في نسب رجل شريف","lvl":2,"sub":3},{"id":1002,"title":"فصل في عدالة رجل","lvl":2,"sub":4},{"id":1002,"title":"فصل في إعسار رجل","lvl":2,"sub":5},{"id":1002,"title":"إسلام ذمي","lvl":2,"sub":6},{"id":1003,"title":"إقرار متبايعين","lvl":2,"sub":0},{"id":1003,"title":"مثال إسجال بثبوت مبايعة بشهود الأصل","lvl":2,"sub":1},{"id":1004,"title":"فصل في ثبوت إسجال حاكم على حاكم","lvl":2,"sub":0},{"id":1006,"title":"فصل إذا ورد مثل هذا الكتاب من قاض إلى قاض","lvl":2,"sub":0},{"id":1008,"title":"فصل: إذا وقف رجل دارا على أولاده","lvl":2,"sub":0},{"id":1018,"title":"الفن الثالث","lvl":1,"sub":0},{"id":1018,"title":"الحيوان الصامت","lvl":1,"sub":1},{"id":1018,"title":"القسم الأول وفيه ثلاثة أبواب","lvl":2,"sub":2},{"id":1018,"title":"السباع وما يتصل بها","lvl":2,"sub":3},{"id":1018,"title":"الباب الأول","lvl":2,"sub":4},{"id":1018,"title":"الأسد والبير والنمر","lvl":2,"sub":5},{"id":1022,"title":"الباب الثاني:","lvl":2,"sub":0},{"id":1023,"title":"الفهد والكلب والضبع والنمس","lvl":2,"sub":0},{"id":1024,"title":"ولد الذئب من الكلبة","lvl":2,"sub":0},{"id":1026,"title":"كلاب الصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":1029,"title":"الباب الثالث: مما قيل في","lvl":2,"sub":0},{"id":1029,"title":"السنجاب والثعلب والخنزير","lvl":2,"sub":1},{"id":1036,"title":"القسم الثاني: وفيه ثلاثة أبواب","lvl":2,"sub":0},{"id":1036,"title":"الوحوش والظباء","lvl":2,"sub":1},{"id":1036,"title":"الباب الأول فيما قيل في","lvl":2,"sub":2},{"id":1036,"title":"الفيل والزرافة والمها والأيل","lvl":2,"sub":3},{"id":1039,"title":"وصف الفيل نظما","lvl":2,"sub":0},{"id":1042,"title":"وصف الزرافة","lvl":2,"sub":0},{"id":1043,"title":"وصف المها","lvl":2,"sub":0},{"id":1044,"title":"الباب الثاني: فيما قيل في","lvl":2,"sub":0},{"id":1044,"title":"الحمر الوحشية والوعل واللمط","lvl":2,"sub":1},{"id":1045,"title":"ما وصف به الوعل","lvl":2,"sub":0},{"id":1046,"title":"الباب الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":1046,"title":"الظبي والأرنب والقرد والنعام","lvl":2,"sub":1},{"id":1046,"title":"غزال المسك","lvl":2,"sub":2},{"id":1049,"title":"ما وصفت به النعامة","lvl":2,"sub":0},{"id":1049,"title":"القسم الثالث من الفن الثالث وفيه ثلاثة أبواب","lvl":2,"sub":1},{"id":1049,"title":"الدواب والأنعام","lvl":2,"sub":2},{"id":1049,"title":"الباب الأول من هذا القسم","lvl":2,"sub":3},{"id":1049,"title":"في الخيل","lvl":2,"sub":4},{"id":1052,"title":"شرح غريب هذين الحديثين","lvl":2,"sub":0},{"id":1053,"title":"ذكر ما ورد من أن الشيطان لا يخبل من في داره فرس عتيق، ولا يدخل دارا","lvl":2,"sub":0},{"id":1054,"title":"ما قيل من الإباحة والكراهة","lvl":2,"sub":0},{"id":1056,"title":"ذكر ترجيح إناث الخيل على فحولها وترجيح فحولهاعلى إناثها","lvl":2,"sub":0},{"id":1057,"title":"وما يذم عن عصمها ورجلها","lvl":2,"sub":0},{"id":1057,"title":"ما يحل منه وما يحرم وكيفية.","lvl":2,"sub":1},{"id":1063,"title":"ترتيبها في السن","lvl":2,"sub":0},{"id":1063,"title":"تسميتها","lvl":2,"sub":1},{"id":1063,"title":"الوجه وما فيه","lvl":2,"sub":2},{"id":1063,"title":"مما لم يذكر في خلق الإنسان","lvl":2,"sub":3},{"id":1064,"title":"العنق وما فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":1064,"title":"الظهر وما اتصل به","lvl":2,"sub":1},{"id":1064,"title":"الصدر","lvl":2,"sub":2},{"id":1064,"title":"الذراعان","lvl":2,"sub":3},{"id":1064,"title":"ألوانها وشياتها","lvl":2,"sub":4},{"id":1064,"title":"وغررها وحجولها وعصمها وما فيها من الدوائر","lvl":2,"sub":5},{"id":1066,"title":"وأما الشية وجمعها شيات","lvl":2,"sub":0},{"id":1067,"title":"ما في الفرس من الدوائر","lvl":2,"sub":0},{"id":1068,"title":"طبائعها","lvl":2,"sub":0},{"id":1069,"title":"ما يستحب من أوصافها","lvl":2,"sub":0},{"id":1071,"title":"عيوبها","lvl":2,"sub":0},{"id":1071,"title":"فأما التي في خلقتها","lvl":2,"sub":1},{"id":1071,"title":"وأما العيوب التي في جريها","lvl":2,"sub":2},{"id":1072,"title":"وأما العيوب التي تطرأ عليها وتحدث فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":1083,"title":"الثاني من القسم الثالث من الفن الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":1083,"title":"البغال والحمير","lvl":2,"sub":1},{"id":1083,"title":"بغلات الرسول","lvl":2,"sub":2},{"id":1084,"title":"وصف البغال","lvl":2,"sub":0},{"id":1087,"title":"ما يتمثل به في ذكر الحمار","lvl":2,"sub":0},{"id":1087,"title":"المدح والذم في وصفها","lvl":2,"sub":1},{"id":1089,"title":"الباب الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":1089,"title":"الإبل والبقر والغنم","lvl":2,"sub":1},{"id":1089,"title":"تسميتها","lvl":2,"sub":2},{"id":1090,"title":"أسماء ما يركب منها","lvl":2,"sub":0},{"id":1090,"title":"ما اختصت به النوق","lvl":2,"sub":1},{"id":1090,"title":"أوصافها في السير","lvl":2,"sub":2},{"id":1090,"title":"ألوان الإبل","lvl":2,"sub":3},{"id":1090,"title":"ترتيب سيرها","lvl":2,"sub":4},{"id":1090,"title":"المسير عليها والنزول للراحة والإراحة","lvl":2,"sub":5},{"id":1090,"title":"أصناف الإبل وطبائعها","lvl":2,"sub":6},{"id":1091,"title":"ما ملكه الرسول من الإبل","lvl":2,"sub":0},{"id":1092,"title":"وصف الإبل","lvl":2,"sub":0},{"id":1095,"title":"ترتيب سن الغنم","lvl":2,"sub":0},{"id":1096,"title":"القسم الرابع من الفن الثالث وفيه بابان","lvl":2,"sub":0},{"id":1096,"title":"ذوات السموم","lvl":2,"sub":1},{"id":1096,"title":"الباب الأول في ذوات السموم القواتل.","lvl":2,"sub":2},{"id":1096,"title":"الحيات والعقارب","lvl":2,"sub":3},{"id":1099,"title":"أسماء الحيات وأوصافها","lvl":2,"sub":0},{"id":1099,"title":"منافع لحوم الحيات","lvl":2,"sub":1},{"id":1100,"title":"وصف الأفاعي","lvl":2,"sub":0},{"id":1102,"title":"الباب الثاني فيما هو ليس قاتلا بفعله من دواب السموم","lvl":2,"sub":0},{"id":1102,"title":"ما لايقتل من دواب السموم","lvl":2,"sub":1},{"id":1109,"title":"القسم الخامس من الفن الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":1109,"title":"أجناس الطير وأنواع السمك","lvl":2,"sub":1},{"id":1110,"title":"الباب الأول من القسم الخامس من الفن الثالث في","lvl":2,"sub":0},{"id":1110,"title":"سباع الطير","lvl":2,"sub":1},{"id":1116,"title":"الأنيقي","lvl":2,"sub":0},{"id":1116,"title":"القطامي","lvl":2,"sub":1},{"id":1117,"title":"الباب الثاني من القسم الخامس من الفن الثالث في","lvl":2,"sub":0},{"id":1117,"title":"كلاب الطير","lvl":2,"sub":1},{"id":1119,"title":"الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":1119,"title":"بهائم الطير","lvl":2,"sub":1},{"id":1121,"title":"الديكة في الأحاديث","lvl":2,"sub":0},{"id":1123,"title":"وصف الشعراء","lvl":2,"sub":0},{"id":1124,"title":"ومما قيل في الدجاجة والديك","lvl":2,"sub":0},{"id":1128,"title":"وأما الزرزور","lvl":2,"sub":0},{"id":1131,"title":"القبرة","lvl":2,"sub":0},{"id":1131,"title":"حسون","lvl":2,"sub":1},{"id":1132,"title":"الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":1132,"title":"بغاث الطير","lvl":2,"sub":1},{"id":1140,"title":"الباب الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1140,"title":"الطير الليلي","lvl":2,"sub":1},{"id":1141,"title":"الباب السادس","lvl":2,"sub":0},{"id":1141,"title":"الهمج","lvl":2,"sub":1},{"id":1148,"title":"الباب السابع","lvl":2,"sub":0},{"id":1148,"title":"أنواع الأسماك","lvl":2,"sub":1},{"id":1153,"title":"الباب الثامن ويشتمل هذا الباب على ذكر شيء مما وصفت به آلات الصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":1153,"title":"آلات الصيد","lvl":2,"sub":1},{"id":1162,"title":"الفن الرابع","lvl":1,"sub":0},{"id":1162,"title":"النبات","lvl":1,"sub":1},{"id":1163,"title":"القسم الأول:من هذا الفن في أصل النبات وما تختص به أرض دون أرض","lvl":2,"sub":0},{"id":1163,"title":"أصل النبات","lvl":2,"sub":1},{"id":1163,"title":"أصل النبات وتربيته","lvl":2,"sub":2},{"id":1164,"title":"ترتيب أحوال الزرع","lvl":2,"sub":0},{"id":1164,"title":"الباب الثاني:","lvl":2,"sub":1},{"id":1164,"title":"ما تختص به أرض دون أرض","lvl":2,"sub":2},{"id":1164,"title":"وما يستأصل شأفة النبات الشاغل للأرض عن الزراعة:","lvl":2,"sub":3},{"id":1166,"title":"الباب الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":1166,"title":"الأقوات والخضراوات","lvl":2,"sub":1},{"id":1172,"title":"وصفهما وتشبيههما","lvl":2,"sub":0},{"id":1183,"title":"القسم الثاني من الفن الرابع وفيه ثلاثة أبواب","lvl":2,"sub":0},{"id":1183,"title":"الأشجار","lvl":2,"sub":1},{"id":1183,"title":"الباب الأول من هذا القسم من هذا الفن","lvl":2,"sub":2},{"id":1183,"title":"فيما ثمره قشر لا يؤكل","lvl":2,"sub":3},{"id":1191,"title":"الباب الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":1191,"title":"فيما لثمره نوى لا يؤكل","lvl":2,"sub":1},{"id":1191,"title":"نعوتها","lvl":2,"sub":2},{"id":1198,"title":"الباب الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":1198,"title":"ثمانية أصناف","lvl":2,"sub":1},{"id":1208,"title":"القسم الثالث من الفن الرابع وفيه بابان","lvl":2,"sub":0},{"id":1208,"title":"الفواكه المشمومة","lvl":2,"sub":1},{"id":1208,"title":"الباب الأول من هذا القسم من هذا الفن فيما يشم رطبا ويستقطر:","lvl":2,"sub":2},{"id":1208,"title":"ما يشم رطبا ويستقطر","lvl":2,"sub":3},{"id":1218,"title":"الباب الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":1218,"title":"ما يشم رطبا ولا يستقطر","lvl":2,"sub":1},{"id":1218,"title":"فأما البنفسج وما قيل فيه","lvl":2,"sub":2},{"id":1225,"title":"القسم الرابع:من الفن الرابع","lvl":2,"sub":0},{"id":1225,"title":"الرياض والأزهار","lvl":2,"sub":1},{"id":1225,"title":"الباب الأول","lvl":2,"sub":2},{"id":1225,"title":"وصف الرياض","lvl":2,"sub":3},{"id":1229,"title":"الباب الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":1229,"title":"الأزهار","lvl":2,"sub":1},{"id":1235,"title":"الباب الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":1235,"title":"الصموغ","lvl":2,"sub":1},{"id":1242,"title":"الباب الرابع","lvl":2,"sub":0},{"id":1242,"title":"الأمنان","lvl":2,"sub":1},{"id":1244,"title":"القسم الخامس من الفن الربع","lvl":2,"sub":0},{"id":1244,"title":"أصناف الطيب والبخورات","lvl":2,"sub":1},{"id":1244,"title":"والغوالي والندود والمستقطرات والأدهان والنضوحات وأدوية الباه والخواص","lvl":2,"sub":2},{"id":1244,"title":"الباب الأول","lvl":2,"sub":3},{"id":1244,"title":"المسك وأنواعه","lvl":2,"sub":4},{"id":1247,"title":"الباب الثاني في العنبر وأنواعه ومعادنه","lvl":2,"sub":0},{"id":1249,"title":"الباب الثالث","lvl":2,"sub":0},{"id":1249,"title":"العود وأنواعه","lvl":2,"sub":1},{"id":1253,"title":"الباب الرابع","lvl":2,"sub":0},{"id":1253,"title":"الصندل وأصنافه","lvl":2,"sub":1},{"id":1253,"title":"الباب الخامس","lvl":2,"sub":2},{"id":1253,"title":"السنبل الهندي","lvl":2,"sub":3},{"id":1254,"title":"الباب السادس","lvl":2,"sub":0},{"id":1254,"title":"القسط وأصنافه","lvl":2,"sub":1},{"id":1255,"title":"الباب السابع","lvl":2,"sub":0},{"id":1255,"title":"عمل الغوالي والندود","lvl":2,"sub":1},{"id":1257,"title":"تصنعه وتبخر به الكعبة وصخرة بيت المقدس في كل جمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1259,"title":"الباب الثامن","lvl":2,"sub":0},{"id":1259,"title":"الرامك والسك","lvl":2,"sub":1},{"id":1270,"title":"الباب التاسع","lvl":2,"sub":0},{"id":1270,"title":"النضوحات والمياه المستقطرة","lvl":2,"sub":1},{"id":1271,"title":"تصعيد للتميمي","lvl":2,"sub":0},{"id":1272,"title":"خلوق آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":1272,"title":"ماء خلوق للبصري","lvl":2,"sub":1},{"id":1273,"title":"ميسوس آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":1275,"title":"الباب العاشر","lvl":2,"sub":0},{"id":1275,"title":"الأدوية في الباه و الجماع","lvl":2,"sub":1},{"id":1275,"title":"ومن يتصل بذلك من أدوية الذكر والأدوية المعينة على الحبل والمانعة وغير","lvl":2,"sub":2},{"id":1276,"title":"دواء آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":1276,"title":"دواء آخر","lvl":2,"sub":1},{"id":1276,"title":"دواء آخر عجيب الفعل في زيادة الباه","lvl":2,"sub":2},{"id":1277,"title":"دواء آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":1277,"title":"دواء عجيب الفعل","lvl":2,"sub":1},{"id":1277,"title":"جوارش يقوي الباه","lvl":2,"sub":2},{"id":1278,"title":"جوارش التفاح","lvl":2,"sub":0},{"id":1278,"title":"الراسن المربي","lvl":2,"sub":1},{"id":1278,"title":"الشقاقل المربي","lvl":2,"sub":2},{"id":1278,"title":"الجزر المربى","lvl":2,"sub":3},{"id":1278,"title":"الإهليلج الكابلي","lvl":2,"sub":4},{"id":1278,"title":"التفاح","lvl":2,"sub":5},{"id":1278,"title":"الجوز","lvl":2,"sub":6},{"id":1279,"title":"سفوف آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":1279,"title":"حقنة تغسل الأمعاء","lvl":2,"sub":1},{"id":1279,"title":"حقنة أخرى","lvl":2,"sub":2},{"id":1279,"title":"حقنة أخرى","lvl":2,"sub":3},{"id":1279,"title":"حقنة أخرى","lvl":2,"sub":4},{"id":1279,"title":"حقنة تسمن الكلى","lvl":2,"sub":5},{"id":1279,"title":"حقنة لانقطاع الجماع","lvl":2,"sub":6},{"id":1279,"title":"حقنة للرازي تهيج الباه","lvl":2,"sub":7},{"id":1280,"title":"صفة أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":1280,"title":"صفة أخرى","lvl":2,"sub":1},{"id":1280,"title":"صفة أخرى","lvl":2,"sub":2},{"id":1280,"title":"صفة أخرى","lvl":2,"sub":3},{"id":1280,"title":"مسوح يمرخ به الذكر والعانة","lvl":2,"sub":4},{"id":1280,"title":"مسوح آخر يمرخ به الذكر يزيد في الإنعاظ","lvl":2,"sub":5},{"id":1280,"title":"مسوح آخر ملوكي","lvl":2,"sub":6},{"id":1280,"title":"مسوح آ خر ينعظ ويزيد في الباه","lvl":2,"sub":7},{"id":1280,"title":"مسوح آخر","lvl":2,"sub":8},{"id":1280,"title":"مسوح آخر","lvl":2,"sub":9},{"id":1280,"title":"مسوح آخر","lvl":2,"sub":10},{"id":1280,"title":"مسوح آخر","lvl":2,"sub":11},{"id":1280,"title":"مسوح آخر","lvl":2,"sub":12},{"id":1280,"title":"للذكرالمرخى","lvl":2,"sub":13},{"id":1281,"title":"مسوح آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":1281,"title":"ضماد على الإبهام","lvl":2,"sub":1},{"id":1281,"title":"صفة دواء آخر","lvl":2,"sub":2},{"id":1281,"title":"صفة دواء آخر","lvl":2,"sub":3},{"id":1281,"title":"صفة دواء آخر يزيد في اللذة عند الجماع","lvl":2,"sub":4},{"id":1281,"title":"صفة دواء آخر يحدث من اللذة ما لا يوصف","lvl":2,"sub":5},{"id":1282,"title":"فمن ذلك صفة دواء يعظم الذكر ويصلبه ويعين على الجماع","lvl":2,"sub":0},{"id":1282,"title":"صفة دواء آخر يعظم الذكر ويحسن منظره","lvl":2,"sub":1},{"id":1282,"title":"صفة دواء آخر لذلك","lvl":2,"sub":2},{"id":1282,"title":"دواء آخر","lvl":2,"sub":3},{"id":1282,"title":"صفة دواء آخر","lvl":2,"sub":4},{"id":1282,"title":"صفة دواء آخر","lvl":2,"sub":5},{"id":1282,"title":"صفة دواء آخر","lvl":2,"sub":6},{"id":1282,"title":"فمن ذلك صفة دواء يضيق الفرج","lvl":2,"sub":7},{"id":1282,"title":"صفة دواء آخر فيه منافع","lvl":2,"sub":8},{"id":1283,"title":"صفة دواء آخر يضيق القبل","lvl":2,"sub":0},{"id":1283,"title":"دواء آخر","lvl":2,"sub":1},{"id":1283,"title":"دواء آخر","lvl":2,"sub":2},{"id":1283,"title":"دواء آخر","lvl":2,"sub":3},{"id":1283,"title":"دواء آخر","lvl":2,"sub":4},{"id":1283,"title":"دواء آخر","lvl":2,"sub":5},{"id":1283,"title":"دواء آخر مثله","lvl":2,"sub":6},{"id":1283,"title":"دواء آخر مثله","lvl":2,"sub":7},{"id":1283,"title":"صفة دواء آخر","lvl":2,"sub":8},{"id":1283,"title":"دواء يجفف الرطوبة","lvl":2,"sub":9},{"id":1283,"title":"صفة دواء آخر مثله","lvl":2,"sub":10},{"id":1283,"title":"صفة جواء آخر","lvl":2,"sub":11},{"id":1283,"title":"قرص يقطع الصنان","lvl":2,"sub":12},{"id":1283,"title":"يقطع رائحة العرق","lvl":2,"sub":13},{"id":1283,"title":"يذهب رائحة الإبط","lvl":2,"sub":14},{"id":1284,"title":"لأصحاب الأمزجة الحارة","lvl":2,"sub":0},{"id":1284,"title":"صفة دواء آخر يقطع العرق، وينفع أصحاب الأمزجة الحارة","lvl":2,"sub":1},{"id":1284,"title":"سنون آخر","lvl":2,"sub":2},{"id":1284,"title":"صفة سنون آخر يقوي الأسنان ويجلوها","lvl":2,"sub":3},{"id":1284,"title":"صفة حب آخر يزيل البخر","lvl":2,"sub":4},{"id":1284,"title":"ينفع من البخر","lvl":2,"sub":5},{"id":1284,"title":"صفة دواء آخر","lvl":2,"sub":6},{"id":1284,"title":"حب ملوكي","lvl":2,"sub":7},{"id":1285,"title":"صفة دواء آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":1285,"title":"دواء آخر","lvl":2,"sub":1},{"id":1285,"title":"دواء آخر","lvl":2,"sub":2},{"id":1285,"title":"صفة دواء آخر وهو من الأسرار","lvl":2,"sub":3},{"id":1285,"title":"دواء آخر مثله","lvl":2,"sub":4},{"id":1285,"title":"صفة دواء آخر يفعل ما تقدم","lvl":2,"sub":5},{"id":1285,"title":"وتمنع من الجماع وتسكن الشهوة","lvl":2,"sub":6},{"id":1286,"title":"صفة دواء آخر يقطع شهوة الجماع البتة","lvl":2,"sub":0},{"id":1286,"title":"صفة دواء آخر","lvl":2,"sub":1},{"id":1286,"title":"الباب الحادي عشر","lvl":2,"sub":2},{"id":1286,"title":"فيما يفعل بالخاصية","lvl":2,"sub":3},{"id":1287,"title":"شيء من الحواص","lvl":2,"sub":0},{"id":1287,"title":"خواص الحروف والأسماء","lvl":2,"sub":1},{"id":1289,"title":"الفن الخامس ويشتمل على خمسة أقسام","lvl":1,"sub":0},{"id":1289,"title":"التاريخ","lvl":1,"sub":1},{"id":1291,"title":"القسم الأول من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1291,"title":"آدم وحواء","lvl":2,"sub":1},{"id":1291,"title":"الباب الأول - من هذا القسم في مبدأ خلق آدم وحواء - عليهما السلام - وما","lvl":2,"sub":2},{"id":1291,"title":"مبدأ خلق آدم","lvl":2,"sub":3},{"id":1299,"title":"حمل حواء وولادتها","lvl":2,"sub":0},{"id":1299,"title":"مبعث آدم إلى أولاده","lvl":2,"sub":1},{"id":1300,"title":"قتل قابيل هابيل","lvl":2,"sub":0},{"id":1301,"title":"الباب الثاني من القسم الأول من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1301,"title":"شيث وأولاده","lvl":2,"sub":1},{"id":1302,"title":"الباب الثالث من القسم الأول من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1302,"title":"إدريس )ع(","lvl":2,"sub":1},{"id":1304,"title":"الباب الرابع من القسم الأول من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1304,"title":"قصة نوح )ع(","lvl":2,"sub":1},{"id":1307,"title":"ودعوته لابنه سام","lvl":2,"sub":0},{"id":1308,"title":"الباب الخامس من القسم الأول من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1308,"title":"قصة هود )ع(","lvl":2,"sub":1},{"id":1316,"title":"الباب السادس من القسم الأول من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1316,"title":"قصة صالح )ع(","lvl":2,"sub":1},{"id":1322,"title":"الباب السابع من القسم الأول من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1322,"title":"أصحاب البئر","lvl":2,"sub":1},{"id":1322,"title":"المعطلة والقصر المشيد وما كان من أمرهم وهلاكهم","lvl":2,"sub":2},{"id":1323,"title":"الباب الثامن من القسم الأول من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1323,"title":"أصحاب الرس","lvl":2,"sub":1},{"id":1323,"title":"وما كان من أمرهم","lvl":2,"sub":2},{"id":1326,"title":"القسم الثاني من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1326,"title":"إبراهيم الخليل","lvl":2,"sub":1},{"id":1326,"title":"نمروذ بن كنعان","lvl":2,"sub":2},{"id":1328,"title":"ميلاد إبراهيم","lvl":2,"sub":0},{"id":1333,"title":"على نمروذ وقومه","lvl":2,"sub":0},{"id":1336,"title":"الباب الثاني من القسم الثاني من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1336,"title":"قصة لوط )ع(","lvl":2,"sub":1},{"id":1337,"title":"الباب الثالث من القسم الثاني من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1337,"title":"إسحاق ويعقوب","lvl":2,"sub":1},{"id":1338,"title":"الباب الرابع من القسم الثاني من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1338,"title":"قصة يوسف )ع(","lvl":2,"sub":1},{"id":1341,"title":"النسوة اللاتي قطعن أيديهن","lvl":2,"sub":0},{"id":1341,"title":"الخباز والساقي","lvl":2,"sub":1},{"id":1342,"title":"رؤيا الملك","lvl":2,"sub":0},{"id":1342,"title":"وتعبيرها وما كان من أمر يوسف وولايته","lvl":2,"sub":1},{"id":1344,"title":"دخولهم المرة الثانية","lvl":2,"sub":0},{"id":1346,"title":"دخولهم في الدفعة الثالثة","lvl":2,"sub":0},{"id":1347,"title":"وارتحاله عن بلد الريان","lvl":2,"sub":0},{"id":1347,"title":"الباب الخامس من القسم الثاني من الفن الخامس","lvl":2,"sub":1},{"id":1347,"title":"قصة أيوب )ع(","lvl":2,"sub":2},{"id":1350,"title":"الباب السادس من القسم الثاني من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1350,"title":"ذي الكفل","lvl":2,"sub":1},{"id":1351,"title":"الباب السابع من القسم الثاني من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1351,"title":"شعيب )ع(","lvl":2,"sub":1},{"id":1354,"title":"القسم الثالث من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1354,"title":"موسى والأنبياء من بعده","lvl":2,"sub":1},{"id":1354,"title":"الباب الأول من القسم الثالث من الفن الخامس","lvl":2,"sub":2},{"id":1354,"title":"موسى )ع(","lvl":2,"sub":3},{"id":1356,"title":"وما كان من أمره وإلقائه في التابوت","lvl":2,"sub":0},{"id":1357,"title":"رجوع موسى إلى أمه","lvl":2,"sub":0},{"id":1358,"title":"وما كان بينه وبين شعيب وزواجه ابنته","lvl":2,"sub":0},{"id":1359,"title":"خروجه من مدين","lvl":2,"sub":0},{"id":1359,"title":"ومناجاته ومبعثه إلى فرعون","lvl":2,"sub":1},{"id":1361,"title":"معجزاته أمام فرعون","lvl":2,"sub":0},{"id":1361,"title":"خبر السحرة","lvl":2,"sub":1},{"id":1361,"title":"واجتماعهم وما كان من أمرهم وإيمانهم","lvl":2,"sub":2},{"id":1363,"title":"بناء الصرح","lvl":2,"sub":0},{"id":1363,"title":"الآيات التسع","lvl":2,"sub":1},{"id":1364,"title":"مسخ قوم فرعون","lvl":2,"sub":0},{"id":1367,"title":"قتل الماشطة","lvl":2,"sub":0},{"id":1368,"title":"قتل آسية بنت مزاحم امرأة فرعون","lvl":2,"sub":0},{"id":1368,"title":"انقطاع النيل","lvl":2,"sub":1},{"id":1368,"title":"وكيف أجراه الله عز وجل لفرعون","lvl":2,"sub":2},{"id":1368,"title":"غرق فرعون وقومه","lvl":2,"sub":3},{"id":1369,"title":"وطلبه الرؤية وخبر الصاعقة والإفاقة","lvl":2,"sub":0},{"id":1375,"title":"وافتتان بني إسرائيل به","lvl":2,"sub":0},{"id":1377,"title":"خبر الحجر","lvl":2,"sub":0},{"id":1377,"title":"وهلاكهم بالصاعقة وكيف أحياهم الله - عز وجل - وبعثهم من بعد موتهم","lvl":2,"sub":1},{"id":1385,"title":"وخبر القربان والتابوت والسكينة وصفة النار","lvl":2,"sub":0},{"id":1386,"title":"ذكر ما أنعم الله تعالى به على بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر","lvl":2,"sub":0},{"id":1388,"title":"ومسيرهم إلى أريحا، وقصة عوج بن عوق وخبر التيه","lvl":2,"sub":0},{"id":1390,"title":"ودخولهم القرية","lvl":2,"sub":0},{"id":1391,"title":"وخبر بلعم بن باعورا وما يتصل بذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":1395,"title":"الباب الثاني من القسم الثالث من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1395,"title":"ما كان بعد موسى عليه السلام","lvl":2,"sub":1},{"id":1395,"title":"وفتح أريحا وغيرها","lvl":2,"sub":2},{"id":1405,"title":"دعاؤه على قومه","lvl":2,"sub":0},{"id":1405,"title":"وما حل بهم من القحط وخبر اليسع حين اتبع إلياس","lvl":2,"sub":1},{"id":1405,"title":"رفع البلاء عن قومه","lvl":2,"sub":2},{"id":1405,"title":"واستمرارهم على الكفر ورفع إلياس وهلاك آجاب الملك وامرأته، ونبوة اليسع","lvl":2,"sub":3},{"id":1407,"title":"نبوة أشمويل","lvl":2,"sub":0},{"id":1408,"title":"الملك طالوت","lvl":2,"sub":0},{"id":1408,"title":"وإيتان التابوت وخبر جالوت","lvl":2,"sub":1},{"id":1409,"title":"قصة التابوت","lvl":2,"sub":0},{"id":1409,"title":"وصفته وما قيل فيه","lvl":2,"sub":1},{"id":1410,"title":"إتيان التابوت إلى بني إسرائيل وسبب عوده","lvl":2,"sub":0},{"id":1411,"title":"مسير طالوت بالجنود وخبر النهر الذي ابتلوا به","lvl":2,"sub":0},{"id":1412,"title":"داود يقتل جالوت","lvl":2,"sub":0},{"id":1416,"title":"خلافة داود )ع(","lvl":2,"sub":0},{"id":1419,"title":"ابتلاء داود بالخطيئة","lvl":2,"sub":0},{"id":1425,"title":"وخبر الصحيفة وابتداء أمر الخاتم","lvl":2,"sub":0},{"id":1433,"title":"مطابخ سليمان","lvl":2,"sub":0},{"id":1433,"title":"ذكر خبر الرزق الذي سأل سليمان الله تعالى أن يجريه على يديه","lvl":2,"sub":1},{"id":1434,"title":"وابتداء أمره","lvl":2,"sub":0},{"id":1436,"title":"ذكر خبر وادي النمل وما قيل فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":1437,"title":"ذكر خبر البعوض وما قيل فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":1437,"title":"ذكر خبر الخيل وما قيل فيها","lvl":2,"sub":1},{"id":1438,"title":"بساط سليمان - ع","lvl":2,"sub":0},{"id":1438,"title":"صخر الجني","lvl":2,"sub":1},{"id":1439,"title":"كرسي سليمان - ع - وما انتهى إليه أمره","lvl":2,"sub":0},{"id":1441,"title":"ميلاد بلقيس","lvl":2,"sub":0},{"id":1441,"title":"وكيف كان وسبب ملكها","lvl":2,"sub":1},{"id":1443,"title":"سليمان وبلقيس","lvl":2,"sub":0},{"id":1443,"title":"وسبب زواجه بها","lvl":2,"sub":1},{"id":1445,"title":"قصر بلقيس","lvl":2,"sub":0},{"id":1446,"title":"وادي القردة","lvl":2,"sub":0},{"id":1446,"title":"خبر الرجل الذي قبض بأرض الهند","lvl":2,"sub":1},{"id":1446,"title":"خبر الفتنة وذهاب خاتم سليمان - ع - ورجوعه إليه","lvl":2,"sub":2},{"id":1450,"title":"ذكر عزم سليمان - ع - أن يطوف على نسائه","lvl":2,"sub":0},{"id":1450,"title":"وفاة بلقيس","lvl":2,"sub":1},{"id":1453,"title":"الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1453,"title":"شعيا وإرميا - ع","lvl":2,"sub":1},{"id":1461,"title":"بختنصر مع دانيال","lvl":2,"sub":0},{"id":1467,"title":"الباب الرابع من القسم الثالث من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1467,"title":"يونس بن متى - ع - و بلوقيا","lvl":2,"sub":1},{"id":1479,"title":"الباب الخامس من القسم الثالث من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1479,"title":"زكريا ومن بعده","lvl":2,"sub":1},{"id":1480,"title":"أن يرزقه الله عز وجل الولد","lvl":2,"sub":0},{"id":1480,"title":"مولد يحيى بن زكريا","lvl":2,"sub":1},{"id":1481,"title":"صفة يحيى بن زكريا","lvl":2,"sub":0},{"id":1481,"title":"نبوة يحيى - ع","lvl":2,"sub":1},{"id":1482,"title":"مقتل يحيى وأبيه زكريا","lvl":2,"sub":0},{"id":1494,"title":"إحياء سام بن نوح","lvl":2,"sub":0},{"id":1495,"title":"إخباره عن الغيوب","lvl":2,"sub":0},{"id":1496,"title":"عدة معجزات له","lvl":2,"sub":0},{"id":1498,"title":"المائدة من السماء","lvl":2,"sub":0},{"id":1502,"title":"ما قالته الشياطين الثلاثة","lvl":2,"sub":0},{"id":1504,"title":"الباب السادس من القسم الثالث من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1504,"title":"أخبار الحواريين","lvl":2,"sub":1},{"id":1514,"title":"التذبيل","lvl":2,"sub":0},{"id":1527,"title":"القسم الرابع من الفن الخامس ويشتمل على خمسة أبواب","lvl":2,"sub":0},{"id":1527,"title":"ملوك الأصقاع ووقائع العرب","lvl":2,"sub":1},{"id":1527,"title":"الباب الأول","lvl":2,"sub":2},{"id":1527,"title":"ذي القرنين","lvl":2,"sub":3},{"id":1536,"title":"الباب الثاني من القسم الرابع من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1536,"title":"ملوك الأصقاع","lvl":2,"sub":1},{"id":1537,"title":"ابن البرهمن","lvl":2,"sub":0},{"id":1554,"title":"بناء الأهرام","lvl":2,"sub":0},{"id":1561,"title":"كهان مصر","lvl":2,"sub":0},{"id":1562,"title":"ملوكها بعد الطوفان","lvl":2,"sub":0},{"id":1566,"title":"هاروت وماروت","lvl":2,"sub":0},{"id":1573,"title":"أشمون وبنيه","lvl":2,"sub":0},{"id":1576,"title":"أتريب الملك","lvl":2,"sub":0},{"id":1578,"title":"صابن قبطيم بن مصريم","lvl":2,"sub":0},{"id":1592,"title":"عون","lvl":2,"sub":0},{"id":1592,"title":"ومافعله في غيبة الوليد وخبر المدينة التي بناها","lvl":2,"sub":1},{"id":1593,"title":"عود الوليد إلى مصر","lvl":2,"sub":0},{"id":1603,"title":"الباب الثالثمن القسم الرابع من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1603,"title":"ملوك الفرس","lvl":2,"sub":1},{"id":1610,"title":"أخبار بختنصر","lvl":2,"sub":0},{"id":1613,"title":"ملوك الطوائف","lvl":2,"sub":0},{"id":1613,"title":"الملوك الساسانية","lvl":2,"sub":1},{"id":1626,"title":"كسرى أنوشروان","lvl":2,"sub":0},{"id":1631,"title":"خطبة أنوشروان","lvl":2,"sub":0},{"id":1638,"title":"حيلة لأبرويز","lvl":2,"sub":0},{"id":1639,"title":"هلاك أبرويز","lvl":2,"sub":0},{"id":1642,"title":"ملوك اليونان وأنسابهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1643,"title":"مكايد الإسكندر","lvl":2,"sub":0},{"id":1645,"title":"ذكر شيء من أخبار الإسكندر","lvl":2,"sub":0},{"id":1649,"title":"كلام الحكماء عند وفاة الإسكندر","lvl":2,"sub":0},{"id":1653,"title":"أصحاب الكهف","lvl":2,"sub":0},{"id":1657,"title":"ملوك الروم المتنصرة","lvl":2,"sub":0},{"id":1659,"title":"ملوك الروم بعد الإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":1662,"title":"الباب الرابع من القسم الرابع من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1662,"title":"ملوك العرب","lvl":2,"sub":1},{"id":1679,"title":"الباب الخامس من القسم الرابع من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1679,"title":"أيام العرب في الجاهلية","lvl":2,"sub":1},{"id":1700,"title":"مقتل كليب وائل","lvl":2,"sub":0},{"id":1713,"title":"القسم الخامس من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":1713,"title":"أخبار الملة الإسلامية","lvl":2,"sub":1},{"id":1713,"title":"الباب الأول من القسم الخامس من الفن الخامس","lvl":2,"sub":2},{"id":1713,"title":"سيرة رسول الله","lvl":2,"sub":3},{"id":1724,"title":"سبب تسميته وكنيته","lvl":2,"sub":0},{"id":1725,"title":"حفره زمزم","lvl":2,"sub":0},{"id":1727,"title":"استسقاؤه لبني قيس وهذيل","lvl":2,"sub":0},{"id":1728,"title":"نذره نحر ابن","lvl":2,"sub":0},{"id":1729,"title":"امرأة عرضت نفسها عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":1734,"title":"تسميته محمدا وأحمد","lvl":2,"sub":0},{"id":1735,"title":"من أسمائه في الكتب المنزلة","lvl":2,"sub":0},{"id":1735,"title":"ومن اسمائه ونعوته","lvl":2,"sub":1},{"id":1743,"title":"اختلاف قريش","lvl":2,"sub":0},{"id":1768,"title":"خبر مازن الطائي","lvl":2,"sub":0},{"id":1772,"title":"فترة الوحي","lvl":2,"sub":0},{"id":1773,"title":"فرض الصلاة عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":1776,"title":"من أسلم بدعاء أبي بكر","lvl":2,"sub":0},{"id":1794,"title":"رجوعهم إلى مكة","lvl":2,"sub":0},{"id":1795,"title":"ذكر ما ورد في توهين هذا الحديث والكلام عليه في التوهين والتسليم","lvl":2,"sub":0},{"id":1798,"title":"الهجرة الثانية إلى الحبشة","lvl":2,"sub":0},{"id":1800,"title":"إرسال قريش إلى النجاشي","lvl":2,"sub":0},{"id":1805,"title":"تعاقد قريش على بني هاشم","lvl":2,"sub":0},{"id":1806,"title":"العائدين من أرض الحبشة","lvl":2,"sub":0},{"id":1807,"title":"ذكر من قدم من أرض الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر،","lvl":2,"sub":0},{"id":1808,"title":"من مشركي قريش وما انزل فيهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1818,"title":"ما قيل في الاسراء","lvl":2,"sub":0},{"id":1827,"title":"من شهد العقبة","lvl":2,"sub":0},{"id":1829,"title":"أول من هاجر","lvl":2,"sub":0},{"id":1830,"title":"اجتماع قريش في دار الندوة","lvl":2,"sub":0},{"id":1832,"title":"هجرة رسول الله","lvl":2,"sub":0},{"id":1832,"title":"خبر الغار","lvl":2,"sub":1},{"id":1833,"title":"ذكر خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه من الغار،","lvl":2,"sub":0},{"id":1836,"title":"قدوم الرسول إلى المدينة","lvl":2,"sub":0},{"id":1836,"title":"خروج الرسول من قباء","lvl":2,"sub":1},{"id":1838,"title":"بناء مسجد الرسول","lvl":2,"sub":0},{"id":1839,"title":"ذكر بناء المسجد الذي أسس على التقوى وهو مسجد قباء","lvl":2,"sub":0},{"id":1839,"title":"حمى المدينة","lvl":2,"sub":1},{"id":1839,"title":"المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار","lvl":2,"sub":2},{"id":1840,"title":"كتاب الرسول لأهل المدينة","lvl":2,"sub":0},{"id":1842,"title":"أخبار المنافقين","lvl":2,"sub":0},{"id":1846,"title":"المنافقين من أحبار يهود","lvl":2,"sub":0},{"id":1848,"title":"ذكر شيء من أخبار يهود الذين نصبوا العداوة لرسول الله صلى الله عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":1848,"title":"عبد الله بن سلام ومخيريق","lvl":2,"sub":1},{"id":1853,"title":"ذكر سؤال أحبار يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتراطهم على انفسهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1853,"title":"كتاب الرسول ليهود خيبر","lvl":2,"sub":1},{"id":1854,"title":"ما قاله الأحبار في القرآن","lvl":2,"sub":0},{"id":1856,"title":"فتنة شأس بن قيس","lvl":2,"sub":0},{"id":1857,"title":"فيمن أسلم منهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1860,"title":"قصة الرجم","lvl":2,"sub":0},{"id":1862,"title":"الذين سحروا الرسول","lvl":2,"sub":0},{"id":1863,"title":"ذكر الكلام على مشكل حديث السحر","lvl":2,"sub":0},{"id":1864,"title":"الشاة المسمومة","lvl":2,"sub":0},{"id":1864,"title":"الحوادث بعد الهجرة","lvl":2,"sub":1},{"id":1865,"title":"صرف القبلة إلى الكعبة","lvl":2,"sub":0},{"id":1866,"title":"خبر الأذان","lvl":2,"sub":0},{"id":1867,"title":"فرض الحجاب على أزواج الرسول","lvl":2,"sub":0},{"id":1867,"title":"غزوة المريسيع","lvl":2,"sub":1},{"id":1868,"title":"حديث الإفك","lvl":2,"sub":0},{"id":1874,"title":"هجرة أم كلثوم بنت عقبة","lvl":2,"sub":0},{"id":1875,"title":"اتخاذ الرسول المنبر","lvl":2,"sub":0},{"id":1876,"title":"دخل في الاسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":1878,"title":"مسجد الضرار","lvl":2,"sub":0},{"id":1879,"title":"إسلام كعب بن زهير","lvl":2,"sub":0},{"id":1895,"title":"الخبر بمصاب أهل بدر","lvl":2,"sub":0},{"id":1895,"title":"من شهد بدرا","lvl":2,"sub":1},{"id":1899,"title":"من استشهد في بدر","lvl":2,"sub":0},{"id":1899,"title":"قتلى المشركين في بدر","lvl":2,"sub":1},{"id":1903,"title":"أسرى بدر","lvl":2,"sub":0},{"id":1904,"title":"ذكر خبر أسارى بدر وما كان من فدائهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1905,"title":"فداء عمرو بن أبى سفيان","lvl":2,"sub":0},{"id":1905,"title":"فداء أبى العاص بن الربيع","lvl":2,"sub":1},{"id":1907,"title":"فداء الوليد بن الوليد بن المغيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":1907,"title":"من من عليه الرسول","lvl":2,"sub":1},{"id":1907,"title":"اسلام عمير بن وهب","lvl":2,"sub":2},{"id":1920,"title":"خبر مقتل حمزة","lvl":2,"sub":0},{"id":1921,"title":"من استشهد يوم أحد","lvl":2,"sub":0},{"id":1922,"title":"قتلى المشركين يوم أحد","lvl":2,"sub":0},{"id":1923,"title":"ما أنزل من القرآن","lvl":2,"sub":0},{"id":1938,"title":"قصة برصيصا","lvl":2,"sub":0},{"id":1943,"title":"خبر غورث","lvl":2,"sub":0},{"id":1943,"title":"خبر جابر","lvl":2,"sub":1},{"id":1951,"title":"من استشهد من المسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":1951,"title":"ما أنزل من القرآن","lvl":2,"sub":1},{"id":1955,"title":"حكم رسول","lvl":2,"sub":0},{"id":1960,"title":"سرية أبى عبيدة","lvl":2,"sub":0},{"id":1969,"title":"بيعة الرضوان","lvl":2,"sub":0},{"id":1970,"title":"هدنة قريش","lvl":2,"sub":0},{"id":1973,"title":"رجوع الرسول إلى المدينة","lvl":2,"sub":0},{"id":1977,"title":"خبر أبى بصير","lvl":2,"sub":0},{"id":1983,"title":"من استشهد في خيبر","lvl":2,"sub":0},{"id":1984,"title":"قسم غنائم خيبر","lvl":2,"sub":0},{"id":1985,"title":"تسمية من قسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":1986,"title":"خبر الحجاج بن علاط","lvl":2,"sub":0},{"id":1992,"title":"من آستشهد يوم مؤتة","lvl":2,"sub":0},{"id":1995,"title":"خبر حاطب","lvl":2,"sub":0},{"id":1998,"title":"خروج الرسول من المدينة","lvl":2,"sub":0},{"id":1999,"title":"مجئ العباس بأبى سفيان","lvl":2,"sub":0},{"id":2000,"title":"دخول مكة","lvl":2,"sub":0},{"id":2002,"title":"من أمر الرسول بقتلهم","lvl":2,"sub":0},{"id":2003,"title":"إسلام أبى قحافة","lvl":2,"sub":0},{"id":2004,"title":"دخول الرسول المسجد","lvl":2,"sub":0},{"id":2005,"title":"سرية إلى العزى","lvl":2,"sub":0},{"id":2005,"title":"سرية عمرو","lvl":2,"sub":1},{"id":2005,"title":"سرية سعد بن زيد","lvl":2,"sub":2},{"id":2006,"title":"سرية إلى بني جذيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":2015,"title":"قدوم وفد هوازن","lvl":2,"sub":0},{"id":2017,"title":"من بايع الرسول من قريش","lvl":2,"sub":0},{"id":2017,"title":"مقالة الأنصار","lvl":2,"sub":1},{"id":2018,"title":"آستخلاف عتاب بن أسيد","lvl":2,"sub":0},{"id":2019,"title":"خبر الوليد بن عقبة","lvl":2,"sub":0},{"id":2022,"title":"مرور الرسول بالحجر","lvl":2,"sub":0},{"id":2023,"title":"أخبار المنافقين","lvl":2,"sub":0},{"id":2023,"title":"الثلاثة الذين خلفوا","lvl":2,"sub":1},{"id":2027,"title":"حج الرسول والوفود","lvl":2,"sub":0},{"id":2031,"title":"ذكر من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2031,"title":"وفد غفار","lvl":2,"sub":1},{"id":2033,"title":"أزد شنوءة","lvl":2,"sub":0},{"id":2033,"title":"همدان","lvl":2,"sub":1},{"id":2034,"title":"وفادة الطفيل بن عمرو","lvl":2,"sub":0},{"id":2035,"title":"نصارى الحبشة","lvl":2,"sub":0},{"id":2036,"title":"من وفد بعد الهجرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2036,"title":"عبس","lvl":2,"sub":1},{"id":2036,"title":"سعد العشيرة","lvl":2,"sub":2},{"id":2036,"title":"جهينة","lvl":2,"sub":3},{"id":2037,"title":"مزينة","lvl":2,"sub":0},{"id":2037,"title":"سعد بن بكر","lvl":2,"sub":1},{"id":2038,"title":"أشجع","lvl":2,"sub":0},{"id":2038,"title":"خشين","lvl":2,"sub":1},{"id":2038,"title":"الأشعرين","lvl":2,"sub":2},{"id":2038,"title":"سليم","lvl":2,"sub":3},{"id":2039,"title":"دوس","lvl":2,"sub":0},{"id":2040,"title":"أسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":2040,"title":"جذام","lvl":2,"sub":1},{"id":2040,"title":"من وفد بعد فتح مكة","lvl":2,"sub":2},{"id":2040,"title":"ثعلبة","lvl":2,"sub":3},{"id":2040,"title":"أسد","lvl":2,"sub":4},{"id":2041,"title":"وفد تميم","lvl":2,"sub":0},{"id":2044,"title":"فزارة","lvl":2,"sub":0},{"id":2044,"title":"مرة","lvl":2,"sub":1},{"id":2044,"title":"محارب","lvl":2,"sub":2},{"id":2044,"title":"كلاب","lvl":2,"sub":3},{"id":2045,"title":"رؤاس بن كلاب","lvl":2,"sub":0},{"id":2045,"title":"عقيل بن كعب","lvl":2,"sub":1},{"id":2046,"title":"جعدة","lvl":2,"sub":0},{"id":2046,"title":"قشير بن كعب","lvl":2,"sub":1},{"id":2046,"title":"بني البكاء","lvl":2,"sub":2},{"id":2046,"title":"كنانة","lvl":2,"sub":3},{"id":2046,"title":"باهلة","lvl":2,"sub":4},{"id":2046,"title":"هلال بن عامر","lvl":2,"sub":5},{"id":2047,"title":"عامر بن صعصعة","lvl":2,"sub":0},{"id":2049,"title":"ثقيف","lvl":2,"sub":0},{"id":2052,"title":"عبد القيس","lvl":2,"sub":0},{"id":2052,"title":"بكر بن وائل","lvl":2,"sub":1},{"id":2052,"title":"أعشى بن قيس","lvl":2,"sub":2},{"id":2053,"title":"تغلب","lvl":2,"sub":0},{"id":2053,"title":"حنيفة","lvl":2,"sub":1},{"id":2054,"title":"شيبان","lvl":2,"sub":0},{"id":2054,"title":"أهل اليمن","lvl":2,"sub":1},{"id":2056,"title":"تجيب","lvl":2,"sub":0},{"id":2056,"title":"خولان","lvl":2,"sub":1},{"id":2056,"title":"جعفي","lvl":2,"sub":2},{"id":2057,"title":"مراد","lvl":2,"sub":0},{"id":2057,"title":"زبيد","lvl":2,"sub":1},{"id":2057,"title":"كندة","lvl":2,"sub":2},{"id":2058,"title":"الصدف","lvl":2,"sub":0},{"id":2058,"title":"سعد هذيم","lvl":2,"sub":1},{"id":2058,"title":"بلي","lvl":2,"sub":2},{"id":2058,"title":"بهراء","lvl":2,"sub":3},{"id":2058,"title":"عذرة","lvl":2,"sub":4},{"id":2059,"title":"سلامان","lvl":2,"sub":0},{"id":2059,"title":"كلب","lvl":2,"sub":1},{"id":2059,"title":"جرم","lvl":2,"sub":2},{"id":2060,"title":"الأزد وأهل جرش","lvl":2,"sub":0},{"id":2060,"title":"غسان","lvl":2,"sub":1},{"id":2060,"title":"الحارث بن كعب","lvl":2,"sub":2},{"id":2062,"title":"عنس","lvl":2,"sub":0},{"id":2062,"title":"الداريين","lvl":2,"sub":1},{"id":2063,"title":"بسم الله الرحمن الرحيم","lvl":2,"sub":0},{"id":2063,"title":"الرهاويين","lvl":2,"sub":1},{"id":2064,"title":"غامد","lvl":2,"sub":0},{"id":2064,"title":"وفد النخع","lvl":2,"sub":1},{"id":2064,"title":"بجيلة","lvl":2,"sub":2},{"id":2065,"title":"خثعم","lvl":2,"sub":0},{"id":2065,"title":"حضرموت","lvl":2,"sub":1},{"id":2065,"title":"أزدعمان","lvl":2,"sub":2},{"id":2066,"title":"غافق","lvl":2,"sub":0},{"id":2066,"title":"بارق","lvl":2,"sub":1},{"id":2066,"title":"ثمالة والحدان","lvl":2,"sub":2},{"id":2066,"title":"مهرة","lvl":2,"sub":3},{"id":2066,"title":"حمير","lvl":2,"sub":4},{"id":2067,"title":"جيشان","lvl":2,"sub":0},{"id":2067,"title":"سلول","lvl":2,"sub":1},{"id":2068,"title":"نجران","lvl":2,"sub":0},{"id":2074,"title":"خبر إسلام الجن","lvl":2,"sub":0},{"id":2075,"title":"ذكر إخبار الجن أصحابهم","lvl":2,"sub":0},{"id":2076,"title":"خبر سواد بن قارب","lvl":2,"sub":0},{"id":2077,"title":"خبر خفاف بن نضلة","lvl":2,"sub":0},{"id":2080,"title":"رسائله الى الملوك","lvl":2,"sub":0},{"id":2081,"title":"ذكر إرسال عمرو بن الأمية الضمري إلى النجاشي","lvl":2,"sub":0},{"id":2081,"title":"ملك الحبشة وإسلامه","lvl":2,"sub":1},{"id":2081,"title":"ذكر إرسال دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم","lvl":2,"sub":2},{"id":2083,"title":"ذكر إرسال عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك الفرس","lvl":2,"sub":0},{"id":2083,"title":"ذكر إرسال حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس","lvl":2,"sub":1},{"id":2084,"title":"ذكر إرسال شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر","lvl":2,"sub":0},{"id":2084,"title":"إرسال سليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة","lvl":2,"sub":1},{"id":2085,"title":"أزواج الرسول وخواصه","lvl":2,"sub":0},{"id":2094,"title":"فاطمة","lvl":2,"sub":0},{"id":2094,"title":"عمرة","lvl":2,"sub":1},{"id":2094,"title":"العالية","lvl":2,"sub":2},{"id":2095,"title":"أسماء","lvl":2,"sub":0},{"id":2095,"title":"أميمة","lvl":2,"sub":1},{"id":2095,"title":"قتيلة","lvl":2,"sub":2},{"id":2096,"title":"عمرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2096,"title":"أسماء","lvl":2,"sub":1},{"id":2096,"title":"مليكة","lvl":2,"sub":2},{"id":2096,"title":"ابنة جندب","lvl":2,"sub":3},{"id":2097,"title":"الغفارية","lvl":2,"sub":0},{"id":2097,"title":"خولة","lvl":2,"sub":1},{"id":2097,"title":"خولة","lvl":2,"sub":2},{"id":2097,"title":"شراف","lvl":2,"sub":3},{"id":2097,"title":"ليلى","lvl":2,"sub":4},{"id":2098,"title":"ليلى بنت حكيم","lvl":2,"sub":0},{"id":2098,"title":"أم شريك","lvl":2,"sub":1},{"id":2098,"title":"الشنباء","lvl":2,"sub":2},{"id":2098,"title":"أم هانئ","lvl":2,"sub":3},{"id":2099,"title":"ضباعة","lvl":2,"sub":0},{"id":2099,"title":"صفية بنت بشامة","lvl":2,"sub":1},{"id":2099,"title":"جمرة","lvl":2,"sub":2},{"id":2099,"title":"سودة القرشية","lvl":2,"sub":3},{"id":2099,"title":"أمامة بنت حمزة","lvl":2,"sub":4},{"id":2100,"title":"مارية بنت شمعون","lvl":2,"sub":0},{"id":2100,"title":"إبراهيم","lvl":2,"sub":1},{"id":2101,"title":"زينب","lvl":2,"sub":0},{"id":2102,"title":"رقية","lvl":2,"sub":0},{"id":2102,"title":"فاطمة","lvl":2,"sub":1},{"id":2103,"title":"أم كلثوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2103,"title":"الحارث","lvl":2,"sub":1},{"id":2104,"title":"قثم","lvl":2,"sub":0},{"id":2104,"title":"الزبير","lvl":2,"sub":1},{"id":2104,"title":"حمزة","lvl":2,"sub":2},{"id":2104,"title":"العباس","lvl":2,"sub":3},{"id":2105,"title":"صفية","lvl":2,"sub":0},{"id":2105,"title":"عاتكة","lvl":2,"sub":1},{"id":2106,"title":"أروى","lvl":2,"sub":0},{"id":2106,"title":"أميمة","lvl":2,"sub":1},{"id":2106,"title":"برة","lvl":2,"sub":2},{"id":2106,"title":"أم حكيم","lvl":2,"sub":3},{"id":2106,"title":"أنس بن مالك","lvl":2,"sub":4},{"id":2106,"title":"هند وأسماء","lvl":2,"sub":5},{"id":2106,"title":"ربيعة بن كعب","lvl":2,"sub":6},{"id":2106,"title":"عبد الله بن مسعود","lvl":2,"sub":7},{"id":2107,"title":"عقبة بن عامر","lvl":2,"sub":0},{"id":2107,"title":"بلال","lvl":2,"sub":1},{"id":2107,"title":"سعد","lvl":2,"sub":2},{"id":2107,"title":"ذو مخمر","lvl":2,"sub":3},{"id":2107,"title":"بكير","lvl":2,"sub":4},{"id":2107,"title":"أبو ذر الغفاري","lvl":2,"sub":5},{"id":2111,"title":"خاتم النبوة","lvl":2,"sub":0},{"id":2111,"title":"شعر رسول الله","lvl":2,"sub":1},{"id":2112,"title":"عدد شيب","lvl":2,"sub":0},{"id":2112,"title":"من خضب الرسول","lvl":2,"sub":1},{"id":2112,"title":"صفاته المعنوية","lvl":2,"sub":2},{"id":2133,"title":"معجزاته","lvl":2,"sub":0},{"id":2154,"title":"استغفاره","lvl":2,"sub":0},{"id":2155,"title":"وفاة الرسول","lvl":2,"sub":0},{"id":2157,"title":"ذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه","lvl":2,"sub":0},{"id":2170,"title":"وأما وقت دفنه صلى الله عليه وسلم ومدة مرضه","lvl":2,"sub":0},{"id":2171,"title":"ذكر ما نال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله من الحزن","lvl":2,"sub":0},{"id":2174,"title":"الباب الثاني من القسم الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":2174,"title":"الخلفاء الراشدين","lvl":2,"sub":1},{"id":2175,"title":"فضائله","lvl":2,"sub":0},{"id":2180,"title":"صفته","lvl":2,"sub":0},{"id":2181,"title":"بيعة أبى بكر","lvl":2,"sub":0},{"id":2185,"title":"ذكر ما تكلم به أبو بكر الصديق","lvl":2,"sub":0},{"id":2186,"title":"انفاذ جيش أسامة","lvl":2,"sub":0},{"id":2187,"title":"من ادعى النبوة","lvl":2,"sub":0},{"id":2191,"title":"غزوة أبي بكر","lvl":2,"sub":0},{"id":2192,"title":"عقد أبى بكر","lvl":2,"sub":0},{"id":2193,"title":"طليحة الأسدى","lvl":2,"sub":0},{"id":2195,"title":"تميمم وسجاح","lvl":2,"sub":0},{"id":2197,"title":"مسير خالد إلى البطاح","lvl":2,"sub":0},{"id":2198,"title":"مسيلمة الكذاب","lvl":2,"sub":0},{"id":2199,"title":"ذكر الحروب الكائنة بين المسلمين وبين مسيلمة وبين أهل اليمامة وقتل","lvl":2,"sub":0},{"id":2202,"title":"ثابت بن قيس","lvl":2,"sub":0},{"id":2202,"title":"أهل البرحين","lvl":2,"sub":1},{"id":2205,"title":"وقعة المثنى","lvl":2,"sub":0},{"id":2206,"title":"وقعة الولجة","lvl":2,"sub":0},{"id":2206,"title":"وقعة أليس","lvl":2,"sub":1},{"id":2206,"title":"وقعة فرات","lvl":2,"sub":2},{"id":2206,"title":"بعد فتح الحيرة","lvl":2,"sub":3},{"id":2206,"title":"فتح الأنبار","lvl":2,"sub":4},{"id":2207,"title":"فتح عين التمر","lvl":2,"sub":0},{"id":2207,"title":"دومة الجندل","lvl":2,"sub":1},{"id":2207,"title":"وقعة مصيخ","lvl":2,"sub":2},{"id":2207,"title":"وقعة الثنى والزميل","lvl":2,"sub":3},{"id":2207,"title":"وقعة الفراض","lvl":2,"sub":4},{"id":2208,"title":"فتوح الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":2208,"title":"ذكر مسير خالد بن الوليد إلى الشام","lvl":2,"sub":1},{"id":2209,"title":"وقعة أجنادين","lvl":2,"sub":0},{"id":2209,"title":"وقعة اليرموك","lvl":2,"sub":1},{"id":2211,"title":"ما وقع في خلافته","lvl":2,"sub":0},{"id":2211,"title":"سنة إحدى عشرة","lvl":2,"sub":1},{"id":2211,"title":"سنة اثنتى عشرة","lvl":2,"sub":2},{"id":2211,"title":"وفاته","lvl":2,"sub":3},{"id":2212,"title":"من أخباره وأحواله","lvl":2,"sub":0},{"id":2213,"title":"أولاده وأزواجه","lvl":2,"sub":0},{"id":2216,"title":"أسماء قضاته","lvl":2,"sub":0},{"id":2217,"title":"فضائله ومناقبه","lvl":2,"sub":0},{"id":2218,"title":"صفته","lvl":2,"sub":0},{"id":2219,"title":"الفتوحات والغزوات","lvl":2,"sub":0},{"id":2219,"title":"فتوح دمشق","lvl":2,"sub":1},{"id":2220,"title":"ذكر شيء مما قبل في أمر مدينة دمشق ومن بناها.","lvl":2,"sub":0},{"id":2220,"title":"غزوة فحل","lvl":2,"sub":1},{"id":2221,"title":"ساحل دمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":2221,"title":"بيسان وطبرية","lvl":2,"sub":1},{"id":2221,"title":"مرج الروم","lvl":2,"sub":2},{"id":2221,"title":"فتح بعلبك","lvl":2,"sub":3},{"id":2222,"title":"فتح حلب","lvl":2,"sub":0},{"id":2223,"title":"فتح قيسارية","lvl":2,"sub":0},{"id":2223,"title":"بيسان وأجنادين","lvl":2,"sub":1},{"id":2224,"title":"فتح بيت المقدس","lvl":2,"sub":0},{"id":2224,"title":"حمص","lvl":2,"sub":1},{"id":2225,"title":"فتح الجزيرة وأرمنية","lvl":2,"sub":0},{"id":2226,"title":"فتوح العراق","lvl":2,"sub":0},{"id":2227,"title":"وقعة النمارق","lvl":2,"sub":0},{"id":2227,"title":"وقعة السقاطية","lvl":2,"sub":1},{"id":2227,"title":"وقعة الجالينوس","lvl":2,"sub":2},{"id":2227,"title":"وقعة قس الناطف","lvl":2,"sub":3},{"id":2228,"title":"وقعة أليس الصغرى","lvl":2,"sub":0},{"id":2228,"title":"وقعة البويب","lvl":2,"sub":1},{"id":2229,"title":"سوقي الخنافس وبغداد","lvl":2,"sub":0},{"id":2230,"title":"القادسية وأيامها","lvl":2,"sub":0},{"id":2234,"title":"يوم أرماث","lvl":2,"sub":0},{"id":2235,"title":"أغواث","lvl":2,"sub":0},{"id":2237,"title":"يوم عمواس","lvl":2,"sub":0},{"id":2237,"title":"ليلة الهرير","lvl":2,"sub":1},{"id":2237,"title":"يوم القادسية","lvl":2,"sub":2},{"id":2239,"title":"ماكان بعد القادسية","lvl":2,"sub":0},{"id":2240,"title":"بهرسير","lvl":2,"sub":0},{"id":2240,"title":"فتح المدائن","lvl":2,"sub":1},{"id":2240,"title":"المدائن الشرقية","lvl":2,"sub":2},{"id":2241,"title":"غنائم أهل المدائن","lvl":2,"sub":0},{"id":2242,"title":"وقعة جلولا","lvl":2,"sub":0},{"id":2243,"title":"ولاية عتبة بن غزوان","lvl":2,"sub":0},{"id":2244,"title":"تكريت والموصل","lvl":2,"sub":0},{"id":2244,"title":"فتح ماسيذان","lvl":2,"sub":1},{"id":2245,"title":"فتح قرقيسيا","lvl":2,"sub":0},{"id":2245,"title":"فتح الأهواز","lvl":2,"sub":1},{"id":2245,"title":"صلح الهرمزان","lvl":2,"sub":2},{"id":2246,"title":"فتح رامهرمز","lvl":2,"sub":0},{"id":2247,"title":"فتح السوس","lvl":2,"sub":0},{"id":2247,"title":"مصالحة جند يسابور","lvl":2,"sub":1},{"id":2247,"title":"انسياج الجيوش","lvl":2,"sub":2},{"id":2248,"title":"غزوة فارس","lvl":2,"sub":0},{"id":2248,"title":"وقعة نهاوند","lvl":2,"sub":1},{"id":2251,"title":"فتح دينور والصيمرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2251,"title":"فتح همذان","lvl":2,"sub":1},{"id":2252,"title":"فتح أصبهان وقم وقاشان","lvl":2,"sub":0},{"id":2252,"title":"فتح قزوين وأبهروزنجان","lvl":2,"sub":1},{"id":2252,"title":"فتح الري","lvl":2,"sub":2},{"id":2253,"title":"قومس وجرجان","lvl":2,"sub":0},{"id":2253,"title":"فتح أذربيجان","lvl":2,"sub":1},{"id":2253,"title":"فتح الباب","lvl":2,"sub":2},{"id":2254,"title":"فتح موقان","lvl":2,"sub":0},{"id":2254,"title":"غزو الترك","lvl":2,"sub":1},{"id":2254,"title":"غزو خراسان","lvl":2,"sub":2},{"id":2256,"title":"شهروز والصامغان","lvl":2,"sub":0},{"id":2256,"title":"فتح توج","lvl":2,"sub":1},{"id":2256,"title":"فتح اصطخر","lvl":2,"sub":2},{"id":2256,"title":"فتح فساور رابجرد","lvl":2,"sub":3},{"id":2257,"title":"فتح كرمان","lvl":2,"sub":0},{"id":2257,"title":"سجستان","lvl":2,"sub":1},{"id":2257,"title":"مكران","lvl":2,"sub":2},{"id":2257,"title":"بيروذ","lvl":2,"sub":3},{"id":2258,"title":"سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد","lvl":2,"sub":0},{"id":2258,"title":"فتوح مصر","lvl":2,"sub":1},{"id":2258,"title":"ذكر مسير عمرو إلى مصر","lvl":2,"sub":2},{"id":2259,"title":"ذكر حصار القصر","lvl":2,"sub":0},{"id":2260,"title":"إرسال المقوقس إلى عمرو في طلب الصلحك","lvl":2,"sub":0},{"id":2263,"title":"مسير عمرو لقتال الروم وما كان من الحروب بينهم.","lvl":2,"sub":0},{"id":2265,"title":"ذكر الفتح الثاني وما وجد بالإسكندرية","lvl":2,"sub":0},{"id":2266,"title":"من قال أن مصر فتحت عنوة.","lvl":2,"sub":0},{"id":2266,"title":"اخبار الاسكندرية وبنائها وما اتفق في ذلك.","lvl":2,"sub":1},{"id":2269,"title":"تحول عمرو بن العاص من الإسكندرية:","lvl":2,"sub":0},{"id":2269,"title":"خبر أصل النيل وكيف كانت عادة القبط.","lvl":2,"sub":1},{"id":2270,"title":"ما قرر في أمر الجزية من الخراج","lvl":2,"sub":0},{"id":2270,"title":"خبر المقطم","lvl":2,"sub":1},{"id":2271,"title":"خبر خليج أمير المؤمنين","lvl":2,"sub":0},{"id":2272,"title":"الخبر عن فتح الفيوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2272,"title":"فتح زويلة","lvl":2,"sub":1},{"id":2272,"title":"غزوات الروم","lvl":2,"sub":2},{"id":2273,"title":"ما اتفق في خلافته","lvl":2,"sub":0},{"id":2273,"title":"فرض العطاء","lvl":2,"sub":1},{"id":2274,"title":"بناء الكوفة والبصرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2275,"title":"عزل خالد بن الوليد","lvl":2,"sub":0},{"id":2276,"title":"بناء المسجد الحرام","lvl":2,"sub":0},{"id":2276,"title":"عزل المغيرة بن شعبة","lvl":2,"sub":1},{"id":2277,"title":"ولاية كعب بن سور","lvl":2,"sub":0},{"id":2278,"title":"عام الرمادة","lvl":2,"sub":0},{"id":2278,"title":"طاعون عمواس","lvl":2,"sub":1},{"id":2280,"title":"قدومه إلى الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":2282,"title":"إجلاء يهود خيبر","lvl":2,"sub":0},{"id":2282,"title":"عزل سعد","lvl":2,"sub":1},{"id":2283,"title":"مقتل عمر","lvl":2,"sub":0},{"id":2285,"title":"قصة الشورى","lvl":2,"sub":0},{"id":2289,"title":"أولاده وأزواجه","lvl":2,"sub":0},{"id":2291,"title":"عمال عمر","lvl":2,"sub":0},{"id":2291,"title":"كتابه","lvl":2,"sub":1},{"id":2291,"title":"قضاته:","lvl":2,"sub":2},{"id":2292,"title":"صفته وفضائله","lvl":2,"sub":0},{"id":2292,"title":"بيعة عثمان","lvl":2,"sub":1},{"id":2293,"title":"ذكر الفتوحات والغزوات في خلافة عثمان","lvl":2,"sub":0},{"id":2293,"title":"أهل الاسكندرية","lvl":2,"sub":1},{"id":2293,"title":"غزوة أرمينية","lvl":2,"sub":2},{"id":2294,"title":"غزو معاوية الروم","lvl":2,"sub":0},{"id":2294,"title":"فتح كابل","lvl":2,"sub":1},{"id":2294,"title":"افريقية وفتحها","lvl":2,"sub":2},{"id":2295,"title":"جزيرة قبرس","lvl":2,"sub":0},{"id":2296,"title":"نقض أهل فارس","lvl":2,"sub":0},{"id":2296,"title":"طبرستان","lvl":2,"sub":1},{"id":2296,"title":"الصواري","lvl":2,"sub":2},{"id":2297,"title":"خراسان","lvl":2,"sub":0},{"id":2297,"title":"فتح كرمان","lvl":2,"sub":1},{"id":2298,"title":"سجستان","lvl":2,"sub":0},{"id":2298,"title":"خروج قارن","lvl":2,"sub":1},{"id":2299,"title":"ذكر ما وقع في خلافة عثمان","lvl":2,"sub":0},{"id":2299,"title":"عام الرعاف","lvl":2,"sub":1},{"id":2299,"title":"عزل سعد","lvl":2,"sub":2},{"id":2299,"title":"توسيع المسجد الحرام","lvl":2,"sub":3},{"id":2299,"title":"حج عثمان بالناس","lvl":2,"sub":4},{"id":2299,"title":"زواجه","lvl":2,"sub":5},{"id":2300,"title":"عزل أبي موسى","lvl":2,"sub":0},{"id":2300,"title":"الزيادة في مسجد النبي","lvl":2,"sub":1},{"id":2300,"title":"أتمام عثمان الصلاة","lvl":2,"sub":2},{"id":2301,"title":"عزل الوليد بن عقبة","lvl":2,"sub":0},{"id":2301,"title":"جمع القرآن","lvl":2,"sub":1},{"id":2302,"title":"سقوط خاتم النبي","lvl":2,"sub":0},{"id":2302,"title":"خبر أبي ذر","lvl":2,"sub":1},{"id":2304,"title":"سنة إحدى وثلاثين","lvl":2,"sub":0},{"id":2304,"title":"سنة اثنتين وثلاثين.","lvl":2,"sub":1},{"id":2304,"title":"وفاة عبد الرحمن بن عوف.","lvl":2,"sub":2},{"id":2305,"title":"سنة إحدى وثلاثين","lvl":2,"sub":0},{"id":2308,"title":"سنة أربع وثلاثين","lvl":2,"sub":0},{"id":2309,"title":"الخلاف على عثمان","lvl":2,"sub":0},{"id":2310,"title":"غلام علي لعثمان","lvl":2,"sub":0},{"id":2311,"title":"إرسال عثمان إلى الأمصار","lvl":2,"sub":0},{"id":2312,"title":"سنة خمس وثلاثين","lvl":2,"sub":0},{"id":2314,"title":"مقتل عثمان","lvl":2,"sub":0},{"id":2321,"title":"أزواجه وأولاده","lvl":2,"sub":0},{"id":2321,"title":"كتابه وقضاته","lvl":2,"sub":1},{"id":2321,"title":"عماله","lvl":2,"sub":2},{"id":2322,"title":"مما رثى به من الشعر","lvl":2,"sub":0},{"id":2323,"title":"رضي الله عنه","lvl":2,"sub":0},{"id":2323,"title":"رضي الله عنه","lvl":2,"sub":1},{"id":2323,"title":"صفته","lvl":2,"sub":2},{"id":2323,"title":"رضي الله تعالى عنه","lvl":2,"sub":3},{"id":2323,"title":"نبذة من فضائله","lvl":2,"sub":4},{"id":2324,"title":"بيعة علي","lvl":2,"sub":0},{"id":2324,"title":"رضي الله تعالى عنه","lvl":2,"sub":1},{"id":2327,"title":"تفريق عماله وخلاف معاوية","lvl":2,"sub":0},{"id":2327,"title":"رضي الله عنهما","lvl":2,"sub":1},{"id":2328,"title":"ابتداء وقعة الجمل","lvl":2,"sub":0},{"id":2331,"title":"مسير علي إلى البصرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2331,"title":"وما اتفق له في مسيره ومن انضم إليه ومراسلته أهل الكوفة","lvl":2,"sub":1},{"id":2332,"title":"إرسال علي إلى أهل الكوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":2332,"title":"وعود رسله وإرسال غيرهم","lvl":2,"sub":1},{"id":2335,"title":"مراسلته طلحة والزبير","lvl":2,"sub":0},{"id":2336,"title":"اجتماع قتلة عثمان بذي قار وتشاورهم","lvl":2,"sub":0},{"id":2337,"title":"مسيره الى البصرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2337,"title":"ومن معه من ذي قار ووقعة الجمل","lvl":2,"sub":1},{"id":2344,"title":"مقتل طلحة","lvl":2,"sub":0},{"id":2344,"title":"رضي الله عنه وشيء من أخباره","lvl":2,"sub":1},{"id":2345,"title":"مقتل الزبير بن العوام","lvl":2,"sub":0},{"id":2345,"title":"رضي الله عنه وشيء من أخباره","lvl":2,"sub":1},{"id":2347,"title":"وقعة صفين","lvl":2,"sub":0},{"id":2347,"title":"وابتداء أمرها","lvl":2,"sub":1},{"id":2349,"title":"إرساله إلى معاوية وجوابه","lvl":2,"sub":0},{"id":2350,"title":"الموادعة بين علي ومعاوية","lvl":2,"sub":0},{"id":2350,"title":"في شهر المحرم وما كان بينهما من المراسلة والأجوبة في الشهر","lvl":2,"sub":1},{"id":2353,"title":"الحروب بعد الأيام الستة","lvl":2,"sub":0},{"id":2359,"title":"رفع أهل الشام المصاحف","lvl":2,"sub":0},{"id":2359,"title":"وما تقرر من أمر التحكيم وكثاب القضية","lvl":2,"sub":1},{"id":2362,"title":"اجتماع الحكمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2364,"title":"أخبار الخوارج","lvl":2,"sub":0},{"id":2364,"title":"خبرهم بعد صفين","lvl":2,"sub":1},{"id":2365,"title":"خبرهم عند توجيه الحكمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2366,"title":"اجتماع الخوارج بعد الحكمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2368,"title":"قتال الخوارج","lvl":2,"sub":0},{"id":2370,"title":"أخبار من خرج بعد أصحاب النهروان","lvl":2,"sub":0},{"id":2371,"title":"خلافه مع الخريت بن راشد","lvl":2,"sub":0},{"id":2374,"title":"ما اتفق في مدة خلافته","lvl":2,"sub":0},{"id":2374,"title":"سنة ست وثلاثين","lvl":2,"sub":1},{"id":2376,"title":"سنة سبع وثلاثين","lvl":2,"sub":0},{"id":2376,"title":"سنة ثمان وثلاثين","lvl":2,"sub":1},{"id":2376,"title":"خبر عبد الله بن الحضرمي","lvl":2,"sub":2},{"id":2377,"title":"سنة تسع وثلاثين","lvl":2,"sub":0},{"id":2378,"title":"سنة أربعين","lvl":2,"sub":0},{"id":2378,"title":"مقتل علي بن أبي طالب","lvl":2,"sub":1},{"id":2383,"title":"أزواج علي","lvl":2,"sub":0},{"id":2383,"title":"تسليم الخلافة لمعاوية","lvl":2,"sub":1},{"id":2386,"title":"سعد بن أبي وقاص ووفاته","lvl":2,"sub":0},{"id":2387,"title":"أخبار سعيد بن زيد","lvl":2,"sub":0},{"id":2387,"title":"الباب الثالث من القسم الخامس من الفن الخامس","lvl":2,"sub":1},{"id":2387,"title":"الدولة الأموية","lvl":2,"sub":2},{"id":2388,"title":"قدوم عمرو بن العاص على معاوية وصلحه معه","lvl":2,"sub":0},{"id":2388,"title":"مقتل محمد بن أبي حذيفة","lvl":2,"sub":1},{"id":2389,"title":"ملك عمرو بن العاص مصر","lvl":2,"sub":0},{"id":2392,"title":"سرايا معاوية إلى بلاد علي","lvl":2,"sub":0},{"id":2393,"title":"مسير بسر إلى الحجاز واليمن","lvl":2,"sub":0},{"id":2395,"title":"الغزوات والفتوحات","lvl":2,"sub":0},{"id":2395,"title":"غزوة السند","lvl":2,"sub":1},{"id":2396,"title":"غزوة القسطنطينية","lvl":2,"sub":0},{"id":2396,"title":"فتح جزيرة أرواد","lvl":2,"sub":1},{"id":2397,"title":"أخبار الخوارج","lvl":2,"sub":0},{"id":2398,"title":"خبر المستورد الخارجي","lvl":2,"sub":0},{"id":2400,"title":"عروة بن أدية وأخيه مرداس بن أدية","lvl":2,"sub":0},{"id":2401,"title":"الحوادث في أيام معاوية","lvl":2,"sub":0},{"id":2401,"title":"صلح معاوية وقيس بن سعد","lvl":2,"sub":1},{"id":2402,"title":"استعمال معاوية المغيرة بن شعبة على الكوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":2402,"title":"استعمال بسر بن أرطاة على البصرة وعزله","lvl":2,"sub":1},{"id":2403,"title":"سنة اثنتين وأربعين","lvl":2,"sub":0},{"id":2403,"title":"قدوم زياد بن أبيه على معاوية بن أبي سفيان","lvl":2,"sub":1},{"id":2403,"title":"سنة ثلاث وأربعين","lvl":2,"sub":2},{"id":2404,"title":"وفاة عمرو بن العاص وشيء من أخباره","lvl":2,"sub":0},{"id":2404,"title":"سنة أربع وأربعين","lvl":2,"sub":1},{"id":2405,"title":"عزل عبد الله بن عامر عن البصرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2405,"title":"استلحاق معاوية بن أبي سفيان زياد بن أبيه وهو ابن سمية","lvl":2,"sub":1},{"id":2407,"title":"سنة خمس وأربعين","lvl":2,"sub":0},{"id":2407,"title":"ولاية زياد البصرة وخراسان وسجستان","lvl":2,"sub":1},{"id":2408,"title":"عمال زياد بن أبيه","lvl":2,"sub":0},{"id":2409,"title":"سنة ست وأربعين","lvl":2,"sub":0},{"id":2409,"title":"وفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد","lvl":2,"sub":1},{"id":2409,"title":"سنة سبع وأربعين","lvl":2,"sub":2},{"id":2409,"title":"سنة ثمان وأربعين","lvl":2,"sub":3},{"id":2410,"title":"سنة تسع وأربعين","lvl":2,"sub":0},{"id":2410,"title":"وفاة الحسن بن علي","lvl":2,"sub":1},{"id":2411,"title":"سنة خمسين","lvl":2,"sub":0},{"id":2411,"title":"وفاة المغيرة بن شعبة","lvl":2,"sub":1},{"id":2411,"title":"ولاية زياد الكوفة","lvl":2,"sub":2},{"id":2411,"title":"نقل المنبر من المدينة إلى الشام","lvl":2,"sub":3},{"id":2412,"title":"وفاة الحكم بن عمرو الغفاري","lvl":2,"sub":0},{"id":2412,"title":"سنة إحدى وخمسين","lvl":2,"sub":1},{"id":2415,"title":"سنة اثنتين وخمسين","lvl":2,"sub":0},{"id":2415,"title":"سنة ثلاث وخمسين","lvl":2,"sub":1},{"id":2416,"title":"وفاة زياد بن أبيه","lvl":2,"sub":0},{"id":2416,"title":"سنة أربع وخمسين","lvl":2,"sub":1},{"id":2417,"title":"استعمال عبيد الله بن زياد على خراسان","lvl":2,"sub":0},{"id":2417,"title":"سنة خمس وخمسين","lvl":2,"sub":1},{"id":2417,"title":"سنة ست وخمسين","lvl":2,"sub":2},{"id":2418,"title":"مراسلاته في شأن البيعة","lvl":2,"sub":0},{"id":2418,"title":"إرسال معاوية إلى مروان بن الحكم وأمر البيعة","lvl":2,"sub":1},{"id":2419,"title":"من وفد إلى معاوية من أهل الأمصار","lvl":2,"sub":0},{"id":2419,"title":"مسير معاوية إلى الحجاز","lvl":2,"sub":1},{"id":2421,"title":"استعمال سعيد بن عثمان","lvl":2,"sub":0},{"id":2421,"title":"سنة سبع وأربعين","lvl":2,"sub":1},{"id":2421,"title":"سنة ثمان وأربعين","lvl":2,"sub":2},{"id":2421,"title":"عزل الضحاك عن الكوفة","lvl":2,"sub":3},{"id":2421,"title":"سنة تسع وخمسين","lvl":2,"sub":4},{"id":2422,"title":"عزل عبيد الله بن زياد","lvl":2,"sub":0},{"id":2422,"title":"سنة ستين","lvl":2,"sub":1},{"id":2423,"title":"شيء من سيرته وأخباره","lvl":2,"sub":0},{"id":2424,"title":"صفة معاوية وأولاده وأزواجه","lvl":2,"sub":0},{"id":2425,"title":"إرسال الوليد الى الحسين","lvl":2,"sub":0},{"id":2426,"title":"استعمال عمرو بن سعيد على المدينة","lvl":2,"sub":0},{"id":2427,"title":"مقدم الحسين إلى مكة","lvl":2,"sub":0},{"id":2428,"title":"استعمال عبيد الله على الكوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":2430,"title":"ظهور مسلم بن عقيل","lvl":2,"sub":0},{"id":2433,"title":"سنة إحدى وستين","lvl":2,"sub":0},{"id":2433,"title":"مسيرة الحسين بن علي","lvl":2,"sub":1},{"id":2443,"title":"ما تكلم به الحسين","lvl":2,"sub":0},{"id":2450,"title":"ما كان بعد مقتل الحسين","lvl":2,"sub":0},{"id":2454,"title":"الاختلاف في مقر رأس الحسين","lvl":2,"sub":0},{"id":2456,"title":"مقتل أبي بلال مرداس","lvl":2,"sub":0},{"id":2457,"title":"سنة اثنين وستين","lvl":2,"sub":0},{"id":2458,"title":"سنة ثلاث وستين","lvl":2,"sub":0},{"id":2458,"title":"وقعة الحرة","lvl":2,"sub":1},{"id":2460,"title":"سنة أربع وستين","lvl":2,"sub":0},{"id":2460,"title":"إحراق الكعبة","lvl":2,"sub":1},{"id":2460,"title":"وفاة يزيد بن معاوية","lvl":2,"sub":2},{"id":2463,"title":"ولاية عبد الله بن الحارث البصرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2463,"title":"مقتل مسعود الأزدي","lvl":2,"sub":1},{"id":2464,"title":"خبر أهل الكوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":2465,"title":"خبر خراسان","lvl":2,"sub":0},{"id":2466,"title":"بيعة عبد الله بن الزبير","lvl":2,"sub":0},{"id":2467,"title":"فراق الخوارج عبد الله","lvl":2,"sub":0},{"id":2468,"title":"مقتل نافع بن الأزرق","lvl":2,"sub":0},{"id":2468,"title":"محاربة المهلب الخوارج","lvl":2,"sub":1},{"id":2469,"title":"خبر التوابين","lvl":2,"sub":0},{"id":2475,"title":"ذكر وثوب المختار بالكوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":2478,"title":"ذكر عمال المختار بن أبي عبيد","lvl":2,"sub":0},{"id":2478,"title":"قتل المختار","lvl":2,"sub":1},{"id":2482,"title":"بيعةالمثنى العبدي للمختار بالبصرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2482,"title":"ذكر مخادعة المختار ومكره بعبد الله بن الزبير","lvl":2,"sub":1},{"id":2483,"title":"ذكر امتناع محمد ابن الحنفية من مبايعة عبد الله بن الزبير","lvl":2,"sub":0},{"id":2484,"title":"ذكر مسيرة إبراهيم بن الأشتر لحرب عبيد الله بن زياد","lvl":2,"sub":0},{"id":2485,"title":"ذكر ولاية مصعب بن الزبير البصرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2488,"title":"خبر كرسي المختار الذي كان يستنصر به","lvl":2,"sub":0},{"id":2489,"title":"أخبار نجدة","lvl":2,"sub":0},{"id":2490,"title":"ذكر الخلاف على نجدة وقتله وتولية أبي فديك","lvl":2,"sub":0},{"id":2490,"title":"الحوادث أيام عبد الله بن الزبير","lvl":2,"sub":1},{"id":2490,"title":"سنة أربع وستين","lvl":2,"sub":2},{"id":2490,"title":"سنة خمس وستين","lvl":2,"sub":3},{"id":2490,"title":"بناء ابن الزبير الكعبة","lvl":2,"sub":4},{"id":2491,"title":"حرب عبد الله بن خازم","lvl":2,"sub":0},{"id":2491,"title":"سنة ست وستين","lvl":2,"sub":1},{"id":2491,"title":"الفتنة بخراسان","lvl":2,"sub":2},{"id":2492,"title":"سنة سبع وستين","lvl":2,"sub":0},{"id":2493,"title":"سنة ثمان وستين","lvl":2,"sub":0},{"id":2493,"title":"حصار الري وفتحها","lvl":2,"sub":1},{"id":2493,"title":"مقتل عبيد الله بن الحر","lvl":2,"sub":2},{"id":2495,"title":"سنة تسع وستين","lvl":2,"sub":0},{"id":2496,"title":"سنة سبعين","lvl":2,"sub":0},{"id":2496,"title":"يوم الجفرة","lvl":2,"sub":1},{"id":2496,"title":"سنة واحد وسبعون","lvl":2,"sub":2},{"id":2496,"title":"سنة اثنان وسبعون","lvl":2,"sub":3},{"id":2496,"title":"سنة ثلاث وسبعون","lvl":2,"sub":4},{"id":2497,"title":"ذكر السبب في بيعة مروان","lvl":2,"sub":0},{"id":2498,"title":"موقعة مرج راهط","lvl":2,"sub":0},{"id":2500,"title":"مسيره إلى مصر","lvl":2,"sub":0},{"id":2500,"title":"البيعة لعبد الملك","lvl":2,"sub":1},{"id":2501,"title":"وفاة مروان","lvl":2,"sub":0},{"id":2502,"title":"مقتل عمرو بن سعيد","lvl":2,"sub":0},{"id":2504,"title":"عصيان الجراجمة","lvl":2,"sub":0},{"id":2505,"title":"خبر عمير","lvl":2,"sub":0},{"id":2506,"title":"يوم الحشاك","lvl":2,"sub":0},{"id":2507,"title":"الحرب بعد مقتل عمير","lvl":2,"sub":0},{"id":2507,"title":"يوم البشر","lvl":2,"sub":1},{"id":2508,"title":"ذكر مسير عبد الملك بن مروان إلى العراق","lvl":2,"sub":0},{"id":2508,"title":"قتل مصعب بن الزبير","lvl":2,"sub":1},{"id":2510,"title":"مع زفر","lvl":2,"sub":0},{"id":2512,"title":"مقتل عبد الله بن خازم","lvl":2,"sub":0},{"id":2512,"title":"مقتل عبد الله بن الزبير","lvl":2,"sub":1},{"id":2515,"title":"ذكر نبذة من سيرته رضي الله عنه وأخباره","lvl":2,"sub":0},{"id":2516,"title":"مبايعة أهل مكة","lvl":2,"sub":0},{"id":2516,"title":"أخبار الخوارج","lvl":2,"sub":1},{"id":2517,"title":"مقتل أبي فديك الخارجي","lvl":2,"sub":0},{"id":2517,"title":"حرب الأزارقة","lvl":2,"sub":1},{"id":2518,"title":"ذكر الاختلاف بين الأزارقة ومفارقة قطري بن الفجاء","lvl":2,"sub":0},{"id":2519,"title":"مقتل قطري بن الفجاءة","lvl":2,"sub":0},{"id":2520,"title":"ذكر خروج صالح بن مسرح التميمي وشبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني","lvl":2,"sub":0},{"id":2521,"title":"بيعة شبيب بن يزيد","lvl":2,"sub":0},{"id":2521,"title":"حروب شبيب وعنزة","lvl":2,"sub":1},{"id":2521,"title":"ذكر مسيرة شبيب إلى بني شيبان وإيقاعه بهم ودخولهم معه","lvl":2,"sub":2},{"id":2521,"title":"شبيب وسفيان الخثعمي","lvl":2,"sub":3},{"id":2522,"title":"شبيب وسورة","lvl":2,"sub":0},{"id":2522,"title":"شبيب والجزل","lvl":2,"sub":1},{"id":2523,"title":"ذكر مسير شبيب إلى الكوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":2523,"title":"محاربة شبيب أهل البادية","lvl":2,"sub":1},{"id":2523,"title":"دخول شبيب الكوفة","lvl":2,"sub":2},{"id":2524,"title":"محاربة شبيب","lvl":2,"sub":0},{"id":2524,"title":"ذكر محاربته الأمراء الذين ندبهم الحجاج لقتاله وقتال محمد بن موسى بن","lvl":2,"sub":1},{"id":2525,"title":"ذكر محاربته عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث وعثمان بن قطن وقتل ابن قطن","lvl":2,"sub":0},{"id":2526,"title":"ذكر محاربة عتاب بن ورقاء وزهرة بن حوية وقتلهما","lvl":2,"sub":0},{"id":2528,"title":"قدوم شبيب الكوفة وانهزامه عنها","lvl":2,"sub":0},{"id":2528,"title":"مهلك شبيب","lvl":2,"sub":1},{"id":2529,"title":"خروج مطرف","lvl":2,"sub":0},{"id":2530,"title":"الغزوات والفتوحات","lvl":2,"sub":0},{"id":2530,"title":"ذكر غزو عبيد الله بن أبي بكرة رتبيل","lvl":2,"sub":1},{"id":2531,"title":"ذكر مسير عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى رتبيل وما ملكه من بلاده","lvl":2,"sub":0},{"id":2531,"title":"ذكر غزو المهلب بن أبي صفرة ما وراء النهر","lvl":2,"sub":1},{"id":2532,"title":"ذكر دخول الديلم قزوين وقتلهم","lvl":2,"sub":0},{"id":2532,"title":"ذكر فتح قلعة نيزك بباذغيس","lvl":2,"sub":1},{"id":2532,"title":"فتح المصيصة","lvl":2,"sub":2},{"id":2532,"title":"الحوادث الكائنة في أيام عبد الملك بن مروان منذ استقل بالأمر خلاف ما","lvl":2,"sub":3},{"id":2532,"title":"حوادث","lvl":2,"sub":4},{"id":2532,"title":"ولاية أخيه الجزيرة وأرمينية","lvl":2,"sub":5},{"id":2533,"title":"أربع وسبعون","lvl":2,"sub":0},{"id":2533,"title":"ولاية الحجاج بن يوسف العراق وما فعله عند مقدمه","lvl":2,"sub":1},{"id":2535,"title":"وثوب أهل البصرة بالحجاج","lvl":2,"sub":0},{"id":2536,"title":"ما كلم به الحجاج أنس بن مالك رضي الله عنه وشكواه إياه وما كتب به عبد","lvl":2,"sub":0},{"id":2537,"title":"ولاية سعيد بن أسلم السند وقتله وولاية مجاعة بن سعر التميمي ووفاته","lvl":2,"sub":0},{"id":2537,"title":"خبر الزنج","lvl":2,"sub":1},{"id":2538,"title":"سنة","lvl":2,"sub":0},{"id":2538,"title":"الدنانير والدراهم الاسلامية","lvl":2,"sub":1},{"id":2538,"title":"سنة سبع وسبعين","lvl":2,"sub":2},{"id":2538,"title":"مقتل بكير بن وساج","lvl":2,"sub":3},{"id":2539,"title":"سنة ثمان وسبعون","lvl":2,"sub":0},{"id":2539,"title":"سنة تسع وسبعون","lvl":2,"sub":1},{"id":2539,"title":"سنة ثمانون","lvl":2,"sub":2},{"id":2539,"title":"مقتل بحير بن ورقاء","lvl":2,"sub":3},{"id":2540,"title":"ذكر خلاف عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج وما كان بينهما من","lvl":2,"sub":0},{"id":2541,"title":"ذكر الحرب بين الحجاج وابن الأشعث وانهزام ابن الأشعث من البصرة إلى","lvl":2,"sub":0},{"id":2542,"title":"وقعة دير الجماجم","lvl":2,"sub":0},{"id":2544,"title":"الوقعة بمسكن","lvl":2,"sub":0},{"id":2545,"title":"ذكر مسير عبد الرحمن إلى رتبيل وما كان من أمره وأمر أصحابه","lvl":2,"sub":0},{"id":2547,"title":"سنة واحد وثمانون","lvl":2,"sub":0},{"id":2547,"title":"سنة اثنان وثمانون","lvl":2,"sub":1},{"id":2547,"title":"وفاة المهلب بن أبي صفرة ووصيته لبنيه وولاية ابنه يزيد خراسان","lvl":2,"sub":2},{"id":2548,"title":"سنة ثلاث وثمانون","lvl":2,"sub":0},{"id":2548,"title":"ذكر بناء مدينة واسط","lvl":2,"sub":1},{"id":2549,"title":"سنة أربع وثمانون","lvl":2,"sub":0},{"id":2549,"title":"سنة خمس وثمانون","lvl":2,"sub":1},{"id":2552,"title":"ذكر وفاة عبد العزيز بن مروان وولاية عبد الله بن عبد الملك مصر والبيعة","lvl":2,"sub":0},{"id":2552,"title":"سنة ست وثمانون","lvl":2,"sub":1},{"id":2552,"title":"وفاة عبد الملك بن مروان","lvl":2,"sub":2},{"id":2553,"title":"ذكر وصيته بنيه عند موته","lvl":2,"sub":0},{"id":2553,"title":"أولاده وأزواجه","lvl":2,"sub":1},{"id":2553,"title":"أخباره وعماله","lvl":2,"sub":2},{"id":2553,"title":"الأمراء بمصر وقضاتها","lvl":2,"sub":3},{"id":2554,"title":"الغزوات والفتوحات","lvl":2,"sub":0},{"id":2554,"title":"قتيبة ونيزك","lvl":2,"sub":1},{"id":2554,"title":"غزوة بيكند وفتحها","lvl":2,"sub":2},{"id":2555,"title":"غزو نومشكث وراميثنة وصلح أهلها وقتال الترك والصغد وأهل فرغانة","lvl":2,"sub":0},{"id":2555,"title":"غزو بخارى وفتحها","lvl":2,"sub":1},{"id":2556,"title":"غدر نيزك وفتح الطالقان","lvl":2,"sub":0},{"id":2557,"title":"غزوة شومان وكش ونسف وفتح ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":2557,"title":"صلح خوارزم شاه وفتح خام جرد","lvl":2,"sub":1},{"id":2558,"title":"فتح سمرقند","lvl":2,"sub":0},{"id":2559,"title":"غزو الشاش وفرغانة","lvl":2,"sub":0},{"id":2559,"title":"فتح مدينة كاشغر","lvl":2,"sub":1},{"id":2562,"title":"الغزوات إلى بلاد الروم وما فتح منها وغزوات الصوائف على حكم السنين","lvl":2,"sub":0},{"id":2562,"title":"فتح طوانة وغيرها من بلد الروم","lvl":2,"sub":1},{"id":2562,"title":"الحوادث الكائنة في أيام الوليد بن عبد الملك خلاف ما قدمناه","lvl":2,"sub":2},{"id":2562,"title":"سنة ست وثمانون","lvl":2,"sub":3},{"id":2562,"title":"سنة سبع وثمانون","lvl":2,"sub":4},{"id":2563,"title":"سنة ثمان وثمانون","lvl":2,"sub":0},{"id":2563,"title":"سنة تسع وثمانون","lvl":2,"sub":1},{"id":2563,"title":"سنة تسعون","lvl":2,"sub":2},{"id":2564,"title":"سنة واحد وتسعون","lvl":2,"sub":0},{"id":2564,"title":"سنة اثنان وتسعون","lvl":2,"sub":1},{"id":2564,"title":"سنة ثلاث وتسعون","lvl":2,"sub":2},{"id":2565,"title":"سنة أربع وتسعون","lvl":2,"sub":0},{"id":2565,"title":"مقتل سعيد بن جبير","lvl":2,"sub":1},{"id":2565,"title":"وفاة زين العابدين","lvl":2,"sub":2},{"id":2567,"title":"وفاة الحجاج","lvl":2,"sub":0},{"id":2568,"title":"وفاة الوليد سنة","lvl":2,"sub":0},{"id":2569,"title":"قتل قتيبة بن مسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":2571,"title":"ولاية خراسان","lvl":2,"sub":0},{"id":2572,"title":"محاصرة القسطنطينية","lvl":2,"sub":0},{"id":2573,"title":"جرجان وطبرستان","lvl":2,"sub":0},{"id":2574,"title":"وفاة سليمان","lvl":2,"sub":0},{"id":2576,"title":"خروج شوذب الخارجي","lvl":2,"sub":0},{"id":2578,"title":"وفاة عمر","lvl":2,"sub":0},{"id":2578,"title":"نبذة من سيرته","lvl":2,"sub":1},{"id":2580,"title":"مقتل شوذب","lvl":2,"sub":0},{"id":2580,"title":"الغزوات والفتوحات في خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان","lvl":2,"sub":1},{"id":2580,"title":"غزوة الترك","lvl":2,"sub":2},{"id":2581,"title":"غزو الصغد","lvl":2,"sub":0},{"id":2581,"title":"ذكر الوقعة بين سعيد الحرشي أمير خراسان وبين الصغد","lvl":2,"sub":1},{"id":2582,"title":"ظفر الخزر بالمسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2582,"title":"فتح بلنجر وغيرها","lvl":2,"sub":1},{"id":2583,"title":"ذكر استيلاء يزيد بن المهلب بن أبي صفرة على البصرة وخلعه يزيد بن عبد","lvl":2,"sub":0},{"id":2586,"title":"ولاية مسلمة","lvl":2,"sub":0},{"id":2586,"title":"البيعة لهشام","lvl":2,"sub":1},{"id":2586,"title":"مقتل يزيد بن أبي مسلم","lvl":2,"sub":2},{"id":2586,"title":"استعمال سعيد الحرشي","lvl":2,"sub":3},{"id":2586,"title":"عزل عبد الرحمن عن مكة والمدينة","lvl":2,"sub":4},{"id":2587,"title":"أخبار الخوارج","lvl":2,"sub":0},{"id":2587,"title":"وفاة يزيد","lvl":2,"sub":1},{"id":2588,"title":"الغزوات والفتوحات في أيام هشام بن عبد الملك على حكم السنين","lvl":2,"sub":0},{"id":2589,"title":"غزوة مسلم الترك","lvl":2,"sub":0},{"id":2589,"title":"غزاة عنبسة","lvl":2,"sub":1},{"id":2589,"title":"خبر أشرس","lvl":2,"sub":2},{"id":2590,"title":"وقعة كمرجة","lvl":2,"sub":0},{"id":2591,"title":"عزل أشرس عن خراسان واستعمال الجنيد بن عبد الرحمن، وقتاله الترك","lvl":2,"sub":0},{"id":2591,"title":"مقتل الجراح","lvl":2,"sub":1},{"id":2592,"title":"وقعة الجنيد بالشعب","lvl":2,"sub":0},{"id":2593,"title":"غزو مسلمة وعوده","lvl":2,"sub":0},{"id":2593,"title":"بلاد الترك","lvl":2,"sub":1},{"id":2595,"title":"غزوات نصر","lvl":2,"sub":0},{"id":2596,"title":"ولاية أسد خراسان","lvl":2,"sub":0},{"id":2598,"title":"خلع الحارث","lvl":2,"sub":0},{"id":2599,"title":"عزل عاصم","lvl":2,"sub":0},{"id":2600,"title":"قتل المغيرة وبيان","lvl":2,"sub":0},{"id":2600,"title":"خبر الخوارج","lvl":2,"sub":1},{"id":2602,"title":"عزل خالد القسري","lvl":2,"sub":0},{"id":2604,"title":"قتل البطال","lvl":2,"sub":0},{"id":2604,"title":"ذكر صلح نصر بن سيار مع الصغد","lvl":2,"sub":1},{"id":2604,"title":"وفاة هشام","lvl":2,"sub":2},{"id":2607,"title":"مقتل خالد القسري","lvl":2,"sub":0},{"id":2608,"title":"مقتل الوليد","lvl":2,"sub":0},{"id":2612,"title":"اضطراب أمر بني أمية","lvl":2,"sub":0},{"id":2614,"title":"الاختلاف بين أهل خراسان","lvl":2,"sub":0},{"id":2615,"title":"حرب أهل اليمامة","lvl":2,"sub":0},{"id":2616,"title":"وفاة يزيد","lvl":2,"sub":0},{"id":2617,"title":"خلع إبراهيم","lvl":2,"sub":0},{"id":2618,"title":"الحارث بن سريج","lvl":2,"sub":0},{"id":2618,"title":"انتقاض أهل حمص","lvl":2,"sub":1},{"id":2618,"title":"خلاف أهل فلسطين","lvl":2,"sub":2},{"id":2619,"title":"خلع مروان","lvl":2,"sub":0},{"id":2620,"title":"خروج الضحاك","lvl":2,"sub":0},{"id":2620,"title":"الخيبري الخارجي","lvl":2,"sub":1},{"id":2621,"title":"أخبار شيبان الحروري","lvl":2,"sub":0},{"id":2621,"title":"مقتل الحارث","lvl":2,"sub":1},{"id":2623,"title":"مقتل الكرماني","lvl":2,"sub":0},{"id":2624,"title":"أبي حمزة المختار","lvl":2,"sub":0},{"id":2625,"title":"مقتل أبي حمزة","lvl":2,"sub":0},{"id":2625,"title":"مقتل عبد الله بن يحيى","lvl":2,"sub":1},{"id":2626,"title":"أخبار بني أمية","lvl":2,"sub":0},{"id":2626,"title":"الباب الرابع من القسم الخامس من الفن الخامس","lvl":2,"sub":1},{"id":2626,"title":"أخبار الدولة العباسية","lvl":2,"sub":2},{"id":2630,"title":"ولايته أمر الشيعة","lvl":2,"sub":0},{"id":2630,"title":"إظهار الدعوة بخراسان","lvl":2,"sub":1},{"id":2632,"title":"هرب أمير خراسان من مرو","lvl":2,"sub":0},{"id":2632,"title":"مقتل ابني الكرماني","lvl":2,"sub":1},{"id":2633,"title":"قدوم قحطبة","lvl":2,"sub":0},{"id":2634,"title":"مقتل نباتة","lvl":2,"sub":0},{"id":2634,"title":"وفاة نصر","lvl":2,"sub":1},{"id":2635,"title":"مقتل عامر","lvl":2,"sub":0},{"id":2635,"title":"دخول قحطبة نهاوند","lvl":2,"sub":1},{"id":2636,"title":"فتح شهرزور","lvl":2,"sub":0},{"id":2637,"title":"خروج محمد القسري مسودا","lvl":2,"sub":0},{"id":2638,"title":"مقتل إبراهيم","lvl":2,"sub":0},{"id":2642,"title":"هزيمة مروان بالزاب","lvl":2,"sub":0},{"id":2643,"title":"مقتل مروان بن محمد","lvl":2,"sub":0},{"id":2645,"title":"من قتل من بني أمية","lvl":2,"sub":0},{"id":2646,"title":"ذكر الخلاف على أبي العباس السفاح وأخبار من خالف وخلع","lvl":2,"sub":0},{"id":2646,"title":"ذكر خلع أبي الورد وأهل قنسرين ودمشق","lvl":2,"sub":1},{"id":2646,"title":"أهل الجزيرة وخلعهم","lvl":2,"sub":2},{"id":2647,"title":"قتل أبي سلمة الخلال","lvl":2,"sub":0},{"id":2647,"title":"أخبار ابن هبيرة","lvl":2,"sub":1},{"id":2648,"title":"ولاية يحيى","lvl":2,"sub":0},{"id":2649,"title":"عمال السفاح","lvl":2,"sub":0},{"id":2649,"title":"دخول ملك الروم ملطية وقاليقلا","lvl":2,"sub":1},{"id":2650,"title":"خلع بسام","lvl":2,"sub":0},{"id":2650,"title":"خبر الخوارج","lvl":2,"sub":1},{"id":2650,"title":"خروج زياد بن صالح","lvl":2,"sub":2},{"id":2651,"title":"وفاة السفاح","lvl":2,"sub":0},{"id":2652,"title":"خروج عبد الله","lvl":2,"sub":0},{"id":2653,"title":"مقتل أبي مسلم الخراساني","lvl":2,"sub":0},{"id":2657,"title":"خروج سنباذ بخراسان","lvl":2,"sub":0},{"id":2657,"title":"خروج ملبد الشيباني","lvl":2,"sub":1},{"id":2657,"title":"خلع جمهور بن مرار","lvl":2,"sub":2},{"id":2658,"title":"خروج الراوندية","lvl":2,"sub":0},{"id":2659,"title":"خلع عبد الجبار","lvl":2,"sub":0},{"id":2659,"title":"فتح طبرستان","lvl":2,"sub":1},{"id":2660,"title":"خلع عيينة","lvl":2,"sub":0},{"id":2660,"title":"نكث الإصبهبذ","lvl":2,"sub":1},{"id":2661,"title":"ظهور محمد بن عبد الله","lvl":2,"sub":0},{"id":2661,"title":"وثوب السودان بالمدينة","lvl":2,"sub":1},{"id":2661,"title":"بناء بغداد","lvl":2,"sub":2},{"id":2663,"title":"البيعة للمهدي","lvl":2,"sub":0},{"id":2663,"title":"ذكر وفاة عبد الله بن علي وخبر عيسى بن موسى","lvl":2,"sub":1},{"id":2663,"title":"خروج حسان","lvl":2,"sub":2},{"id":2664,"title":"خروج استاذ سيس","lvl":2,"sub":0},{"id":2664,"title":"بناء الرصافة","lvl":2,"sub":1},{"id":2665,"title":"قتل المورياني الوزير","lvl":2,"sub":0},{"id":2665,"title":"وفاة المنصور","lvl":2,"sub":1},{"id":2666,"title":"وصية المنصور","lvl":2,"sub":0},{"id":2668,"title":"من سيرة المنصور","lvl":2,"sub":0},{"id":2669,"title":"ظهور المقنع","lvl":2,"sub":0},{"id":2669,"title":"خلع عيسى","lvl":2,"sub":1},{"id":2670,"title":"قتل عبد السلام الخارجي","lvl":2,"sub":0},{"id":2672,"title":"وفاة المهدي","lvl":2,"sub":0},{"id":2672,"title":"من سيرته وأخباره","lvl":2,"sub":1},{"id":2673,"title":"ظهور الحسين","lvl":2,"sub":0},{"id":2674,"title":"وفاة الهادي","lvl":2,"sub":0},{"id":2675,"title":"ظهور يحيى","lvl":2,"sub":0},{"id":2676,"title":"الفتنة بدمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":2676,"title":"الفتنة بالموصل","lvl":2,"sub":1},{"id":2676,"title":"الفتنة بمصر","lvl":2,"sub":2},{"id":2676,"title":"خروج الوليد بن طريف","lvl":2,"sub":3},{"id":2677,"title":"ولاية علي بن عيسى","lvl":2,"sub":0},{"id":2678,"title":"كتاب العهد","lvl":2,"sub":0},{"id":2678,"title":"إيقاع الرشيد بالبرامكة","lvl":2,"sub":1},{"id":2684,"title":"ذكر القبض على عبد الملك بن صالح","lvl":2,"sub":0},{"id":2684,"title":"غزو الروم","lvl":2,"sub":1},{"id":2684,"title":"مسيره إلى الري","lvl":2,"sub":2},{"id":2685,"title":"فتح هرقلة","lvl":2,"sub":0},{"id":2688,"title":"وفاة الرشيد","lvl":2,"sub":0},{"id":2688,"title":"من سيرته وأخباره","lvl":2,"sub":1},{"id":2689,"title":"خلاف أهل حمص","lvl":2,"sub":0},{"id":2689,"title":"خروج السفياني","lvl":2,"sub":1},{"id":2690,"title":"أخبار الأمين والمأمون","lvl":2,"sub":0},{"id":2692,"title":"محاربة علي وطاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":2694,"title":"خلع الأمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2695,"title":"البيعة للمأمون بمكة والمدينة","lvl":2,"sub":0},{"id":2695,"title":"تجهيز الأمين الجيوش","lvl":2,"sub":1},{"id":2695,"title":"وثوب الجند","lvl":2,"sub":2},{"id":2696,"title":"حصار بغداد","lvl":2,"sub":0},{"id":2696,"title":"مقتل الأمين","lvl":2,"sub":1},{"id":2699,"title":"من أخباره","lvl":2,"sub":0},{"id":2700,"title":"وثوب الجند بطاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":2700,"title":"خلاف نصر","lvl":2,"sub":1},{"id":2700,"title":"ولاية الحسن","lvl":2,"sub":2},{"id":2700,"title":"ابن طباطبا العلوي","lvl":2,"sub":3},{"id":2702,"title":"أبي السرايا وقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":2703,"title":"ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة","lvl":2,"sub":0},{"id":2704,"title":"هرثمة","lvl":2,"sub":0},{"id":2705,"title":"وثوب الحربية ببغداد","lvl":2,"sub":0},{"id":2705,"title":"ولاية منصور","lvl":2,"sub":1},{"id":2706,"title":"البيعة لعلي","lvl":2,"sub":0},{"id":2706,"title":"فتح جبال طبرستان","lvl":2,"sub":1},{"id":2706,"title":"مبايعة ابراهيم","lvl":2,"sub":2},{"id":2706,"title":"أخبار إبراهيم","lvl":2,"sub":3},{"id":2707,"title":"خلع ابراهيم","lvl":2,"sub":0},{"id":2708,"title":"اختفاء ابراهيم","lvl":2,"sub":0},{"id":2708,"title":"قتل ذو الرئاستين","lvl":2,"sub":1},{"id":2709,"title":"وفاة علي الرضا","lvl":2,"sub":0},{"id":2709,"title":"قدوم المأمون بغداد","lvl":2,"sub":1},{"id":2710,"title":"ولاية طاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":2710,"title":"ولاية عبد الله بن طاهر الرقة وغيرها","lvl":2,"sub":1},{"id":2710,"title":"وفاة طاهر بن الحسين أمير خراسان واستعمال ابنه طلحة","lvl":2,"sub":2},{"id":2711,"title":"ظفر المأمون بإبراهيم","lvl":2,"sub":0},{"id":2714,"title":"بناء المأمون ببوران","lvl":2,"sub":0},{"id":2717,"title":"فتح الإسكندرية ومصر","lvl":2,"sub":0},{"id":2718,"title":"خلع أهل قم المأمون","lvl":2,"sub":0},{"id":2718,"title":"استيلاء الموصل","lvl":2,"sub":1},{"id":2718,"title":"غزاة المأمون إلى الروم","lvl":2,"sub":2},{"id":2719,"title":"فتح هرقلة","lvl":2,"sub":0},{"id":2719,"title":"المحنة بالقرآن","lvl":2,"sub":1},{"id":2721,"title":"وفاة المأمون","lvl":2,"sub":0},{"id":2722,"title":"أخباره وسيرته","lvl":2,"sub":0},{"id":2724,"title":"خلاف محمد العلوي","lvl":2,"sub":0},{"id":2725,"title":"محاربة الزط","lvl":2,"sub":0},{"id":2725,"title":"بناء سامرا","lvl":2,"sub":1},{"id":2726,"title":"ذكر القبض على الفضل بن مروان بن أحمد بن عمارة الوزير","lvl":2,"sub":0},{"id":2726,"title":"بابك الخرمي","lvl":2,"sub":1},{"id":2727,"title":"قدوم الأفشين","lvl":2,"sub":0},{"id":2728,"title":"خروج الروم إلى زبطرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2728,"title":"فتح عمورية","lvl":2,"sub":1},{"id":2729,"title":"ذكر القبض على العباس بن المأمون وحبسه والأمر بلعنه ووفاته","lvl":2,"sub":0},{"id":2729,"title":"مخالفة مازيار","lvl":2,"sub":1},{"id":2732,"title":"عصيان منكجور","lvl":2,"sub":0},{"id":2732,"title":"ذكر القبض على الأفشين وحبسه ووفاته وصلبه","lvl":2,"sub":1},{"id":2732,"title":"خروج المبرقع بفلسطين","lvl":2,"sub":2},{"id":2732,"title":"وفاة المعتصم","lvl":2,"sub":3},{"id":2733,"title":"الفتنة بدمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":2734,"title":"مسير بغا إلى الأعراب","lvl":2,"sub":0},{"id":2734,"title":"أحمد بن نصر","lvl":2,"sub":1},{"id":2736,"title":"الفداء مع الروم","lvl":2,"sub":0},{"id":2736,"title":"وفاة الواثق","lvl":2,"sub":1},{"id":2739,"title":"القبض على محمد الزيات","lvl":2,"sub":0},{"id":2740,"title":"إيتاخ وقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":2740,"title":"رجل يدعي النبوة","lvl":2,"sub":1},{"id":2741,"title":"مشهد الحسين","lvl":2,"sub":0},{"id":2741,"title":"وثوب أهل أرمينية بعاملهم","lvl":2,"sub":1},{"id":2742,"title":"غضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد وولاية يحيى بن أكثم القضاء","lvl":2,"sub":0},{"id":2742,"title":"مسير الروم إلى مصر","lvl":2,"sub":1},{"id":2743,"title":"وثوب أهل حمص بعاملهم","lvl":2,"sub":0},{"id":2743,"title":"الفداء بين المسلمين والروم","lvl":2,"sub":1},{"id":2743,"title":"غارة البجاة بمصر","lvl":2,"sub":2},{"id":2745,"title":"مقتل المتوكل","lvl":2,"sub":0},{"id":2747,"title":"خلع المعتز والمؤيد","lvl":2,"sub":0},{"id":2747,"title":"وفاة المنتصر بالله","lvl":2,"sub":1},{"id":2749,"title":"الفتنة ببغداد","lvl":2,"sub":0},{"id":2749,"title":"قتل أوتامش الوزير","lvl":2,"sub":1},{"id":2750,"title":"قتل باغر التركي","lvl":2,"sub":0},{"id":2751,"title":"مسيره إلى بغداد","lvl":2,"sub":0},{"id":2751,"title":"البيعة للمعتز بالله","lvl":2,"sub":1},{"id":2752,"title":"حصار المستعين ببغداد","lvl":2,"sub":0},{"id":2753,"title":"أخبار المستعين","lvl":2,"sub":0},{"id":2754,"title":"حال وصيف وبغا","lvl":2,"sub":0},{"id":2754,"title":"خلع المؤيد وموته","lvl":2,"sub":1},{"id":2754,"title":"الفتنة بين الأتراك والمغاربة","lvl":2,"sub":2},{"id":2754,"title":"قتل وصيف","lvl":2,"sub":3},{"id":2755,"title":"وفاة محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعي","lvl":2,"sub":0},{"id":2755,"title":"مقتل بغا الصغير","lvl":2,"sub":1},{"id":2755,"title":"خلع المعتز بالله وموته","lvl":2,"sub":2},{"id":2756,"title":"قبيحة أم المعتز بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":2757,"title":"اختفاء صالح بن وصيف","lvl":2,"sub":0},{"id":2757,"title":"قتل صالح بن وصيف","lvl":2,"sub":1},{"id":2757,"title":"خلع المهتدي وموته","lvl":2,"sub":2},{"id":2758,"title":"من سيرة المهتدي","lvl":2,"sub":0},{"id":2759,"title":"خلافة المعتمد على الله","lvl":2,"sub":0},{"id":2759,"title":"عزل عيسى","lvl":2,"sub":1},{"id":2760,"title":"الفتنة بالموصل","lvl":2,"sub":0},{"id":2761,"title":"أخبار الوزراء","lvl":2,"sub":0},{"id":2762,"title":"مسيره إلى مصر","lvl":2,"sub":0},{"id":2763,"title":"خلاف محمد وعلي","lvl":2,"sub":0},{"id":2764,"title":"قبضه على ابنه المعتضد","lvl":2,"sub":0},{"id":2764,"title":"وفاة الموفق","lvl":2,"sub":1},{"id":2765,"title":"البيعة للمعتضد بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":2765,"title":"وفاة المعتمد على الله","lvl":2,"sub":1},{"id":2766,"title":"ذكر حبس عبد الله بن المهتدي وقتل محمد بن الحسن","lvl":2,"sub":0},{"id":2766,"title":"ذكر قصد المعتضد بني شيبان وصلحه معهم وإغارته على الأعراب","lvl":2,"sub":1},{"id":2767,"title":"مسيره إلى ماردين","lvl":2,"sub":0},{"id":2770,"title":"وفاة المعتضد","lvl":2,"sub":0},{"id":2779,"title":"قتل غلام المعتضد بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":2781,"title":"وفاة المكتفي بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":2782,"title":"خلع المقتدر","lvl":2,"sub":0},{"id":2784,"title":"القبض على ابن الفرات","lvl":2,"sub":0},{"id":2785,"title":"عزل الخاقاني","lvl":2,"sub":0},{"id":2786,"title":"خروج الحسين","lvl":2,"sub":0},{"id":2786,"title":"وزارة ابن الفرات","lvl":2,"sub":1},{"id":2787,"title":"يوسف بن أبي الساج","lvl":2,"sub":0},{"id":2789,"title":"عزل ابن الفرات","lvl":2,"sub":0},{"id":2790,"title":"مقتل الحلاج","lvl":2,"sub":0},{"id":2792,"title":"عزل حامد بن العباس","lvl":2,"sub":0},{"id":2794,"title":"القبض على ابن الفرات","lvl":2,"sub":0},{"id":2794,"title":"وزارة أبي القاسم الخاقاني","lvl":2,"sub":1},{"id":2794,"title":"مقتل ابن الفرات وولده","lvl":2,"sub":2},{"id":2795,"title":"وزارة أبي العباس","lvl":2,"sub":0},{"id":2796,"title":"عزل أبي العباس","lvl":2,"sub":0},{"id":2796,"title":"المقتدر ومؤنس","lvl":2,"sub":1},{"id":2797,"title":"عزل علي بن عيسى","lvl":2,"sub":0},{"id":2797,"title":"الحرب بين نازوك وهارون","lvl":2,"sub":1},{"id":2797,"title":"خلع المقتدر بالله","lvl":2,"sub":2},{"id":2798,"title":"عودة المقتدر إلى الخلافة","lvl":2,"sub":0},{"id":2800,"title":"هلاك الرجالة المصافية","lvl":2,"sub":0},{"id":2800,"title":"عزل ابن مقلة","lvl":2,"sub":1},{"id":2800,"title":"خروج صالح والأغر","lvl":2,"sub":2},{"id":2801,"title":"عزل سليمان","lvl":2,"sub":0},{"id":2801,"title":"عزل الكلوذاني","lvl":2,"sub":1},{"id":2802,"title":"ذكر تأكيد الوحشة بين مؤنس والمقتدر","lvl":2,"sub":0},{"id":2802,"title":"ذكر مسير مؤنس إلى الموصل","lvl":2,"sub":1},{"id":2802,"title":"عزل الحسين","lvl":2,"sub":2},{"id":2802,"title":"استيلاء مؤنس على الموصل","lvl":2,"sub":3},{"id":2803,"title":"مقتل المقتدر بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":2805,"title":"خبر عبد الواحد","lvl":2,"sub":0},{"id":2806,"title":"ذكر استيحاش مؤنس وأصحابه من القاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":2806,"title":"القبض على مؤنس","lvl":2,"sub":1},{"id":2807,"title":"مقتل مؤنس","lvl":2,"sub":0},{"id":2808,"title":"وزارة أبي جعفر","lvl":2,"sub":0},{"id":2808,"title":"القبض على طريف","lvl":2,"sub":1},{"id":2808,"title":"خلع القاهر","lvl":2,"sub":2},{"id":2810,"title":"مقتل هارون","lvl":2,"sub":0},{"id":2810,"title":"مقتل ابن الشلمغاني","lvl":2,"sub":1},{"id":2812,"title":"رجل ادعى النبوة","lvl":2,"sub":0},{"id":2812,"title":"القبض على ابني ياقوت","lvl":2,"sub":1},{"id":2812,"title":"البريدي وتقدمه","lvl":2,"sub":2},{"id":2813,"title":"ابن مقلة وناصر الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":2813,"title":"القبض على ابن مقلة","lvl":2,"sub":1},{"id":2813,"title":"عزل أبي جعفر","lvl":2,"sub":2},{"id":2814,"title":"وزارة الفضل","lvl":2,"sub":0},{"id":2814,"title":"حرب البريدي","lvl":2,"sub":1},{"id":2815,"title":"ابن رائق والبريدي","lvl":2,"sub":0},{"id":2815,"title":"استيلاء بجكم على الأهواز","lvl":2,"sub":1},{"id":2816,"title":"استيلاء معز الدولة على الأهواز","lvl":2,"sub":0},{"id":2816,"title":"الحرب بين بجكم والبريدي","lvl":2,"sub":1},{"id":2817,"title":"قطع يد ابن مقلة ولسانه","lvl":2,"sub":0},{"id":2817,"title":"استيلاء بجكم على بغداد","lvl":2,"sub":1},{"id":2818,"title":"ذكر مسير الراضي بالله وبجكم إلى الموصل وظهور ابن رائق ومسيره إلى الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":2818,"title":"وزارة البريدي","lvl":2,"sub":1},{"id":2819,"title":"وفاة الراضي بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":2820,"title":"مقتل بجكم","lvl":2,"sub":0},{"id":2820,"title":"ذكر إصعاد أبي عبد الله البريدي إلى بغداد","lvl":2,"sub":1},{"id":2820,"title":"عود البريدي إلى واسط","lvl":2,"sub":2},{"id":2821,"title":"إمارة كورتكين الديلمي","lvl":2,"sub":0},{"id":2821,"title":"ذكر عود محمد بن رائق إلى بغداد وولايته إمرة الأمراء","lvl":2,"sub":1},{"id":2822,"title":"وزارة البريدي","lvl":2,"sub":0},{"id":2822,"title":"استيلاء البريدي على بغداد","lvl":2,"sub":1},{"id":2823,"title":"قتل ابن رائق","lvl":2,"sub":0},{"id":2823,"title":"عود المتقي لله إلى بغداد","lvl":2,"sub":1},{"id":2823,"title":"الحرب بين ابن حمدان والبريدي","lvl":2,"sub":2},{"id":2823,"title":"ما اتفق لسيف الدولة بواسط","lvl":2,"sub":3},{"id":2824,"title":"حال الأتراك","lvl":2,"sub":0},{"id":2824,"title":"عود سيف الدولة إلى بغداد","lvl":2,"sub":1},{"id":2824,"title":"إمارة توزون","lvl":2,"sub":2},{"id":2824,"title":"المتقي وتوزون","lvl":2,"sub":3},{"id":2825,"title":"مسير المتقي إلى الموصل","lvl":2,"sub":0},{"id":2825,"title":"قتل أبي يوسف البريدي","lvl":2,"sub":1},{"id":2825,"title":"وفاة أبي عبد الله البريدي","lvl":2,"sub":2},{"id":2825,"title":"خلع المتقي وسمله","lvl":2,"sub":3},{"id":2827,"title":"وفاة توزون","lvl":2,"sub":0},{"id":2827,"title":"استيلاء معز الدولة على بغداد","lvl":2,"sub":1},{"id":2828,"title":"خلع المستكفي","lvl":2,"sub":0},{"id":2829,"title":"إعادة القرامطة الحجر الأسود","lvl":2,"sub":0},{"id":2830,"title":"استيلاء الروم على المصيصة","lvl":2,"sub":0},{"id":2830,"title":"استيلاء الروم على عين زربة","lvl":2,"sub":1},{"id":2830,"title":"ضمان الحسبة والقضاء","lvl":2,"sub":2},{"id":2830,"title":"ظهور المستجير بالله","lvl":2,"sub":3},{"id":2832,"title":"ملك الروم مدينة أنطاكية","lvl":2,"sub":0},{"id":2832,"title":"ملك الروم ملازكرد","lvl":2,"sub":1},{"id":2832,"title":"مقتل ملك الروم نقفور","lvl":2,"sub":2},{"id":2832,"title":"الفتنة ببغداد","lvl":2,"sub":3},{"id":2833,"title":"خلع المطيع لله نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":2833,"title":"الحوادث في أيام خلافته","lvl":2,"sub":1},{"id":2834,"title":"القبض على الطائع","lvl":2,"sub":0},{"id":2835,"title":"تسليم الطائع","lvl":2,"sub":0},{"id":2836,"title":"البيعة لولي العهد","lvl":2,"sub":0},{"id":2836,"title":"الفتنة بمكة","lvl":2,"sub":1},{"id":2836,"title":"ذكر البيعة لولي العهد","lvl":2,"sub":2},{"id":2837,"title":"ملك الروم مدينة الرها","lvl":2,"sub":0},{"id":2837,"title":"وفاة القادر بالله","lvl":2,"sub":1},{"id":2838,"title":"ذكر الحوادث في أيام القائم","lvl":2,"sub":0},{"id":2839,"title":"أرسلان البساسيري","lvl":2,"sub":0},{"id":2840,"title":"ذكر استيلاء أبي الحارث البساسيري على العراق","lvl":2,"sub":0},{"id":2841,"title":"مقتل رئيس الوزراء","lvl":2,"sub":0},{"id":2841,"title":"عود الخليفة إلى بغداد","lvl":2,"sub":1},{"id":2843,"title":"غرق بغداد","lvl":2,"sub":0},{"id":2844,"title":"وفاة القائم بأمر ال","lvl":2,"sub":0},{"id":2845,"title":"ذكر الحوادث في أيام المقتدي","lvl":2,"sub":0},{"id":2845,"title":"الفتنة ببغداد بين الشافعية والحنابلة","lvl":2,"sub":1},{"id":2845,"title":"رسالة إلى السلطان ملكشاه","lvl":2,"sub":2},{"id":2846,"title":"عزل عميد الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":2847,"title":"وفاة المقتدي","lvl":2,"sub":0},{"id":2848,"title":"ذكر الحوادث في أيام المستظهر بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":2849,"title":"وفاة المستظهر","lvl":2,"sub":0},{"id":2850,"title":"هرب أبي الحسن","lvl":2,"sub":0},{"id":2851,"title":"ظهور قبور الأنبياء","lvl":2,"sub":0},{"id":2851,"title":"حرب دبيس بن صدقة","lvl":2,"sub":1},{"id":2852,"title":"الإختلاف مع السلطان محمود","lvl":2,"sub":0},{"id":2853,"title":"حصار الموصل","lvl":2,"sub":0},{"id":2853,"title":"حرب السلطان مسعود","lvl":2,"sub":1},{"id":2854,"title":"مقتل المسترشد بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":2855,"title":"ذكر الحرب بين عسكر الخليفة الراشد بالله وعسكر السلطان مسعود","lvl":2,"sub":0},{"id":2856,"title":"مسير الراشد إلى الموصل","lvl":2,"sub":0},{"id":2858,"title":"عون الدين بن هبيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2858,"title":"حصر تكريت","lvl":2,"sub":1},{"id":2859,"title":"ووقعة بكمزا","lvl":2,"sub":0},{"id":2860,"title":"وفاة المقتفي","lvl":2,"sub":0},{"id":2861,"title":"ملك قلعة الماهكي","lvl":2,"sub":0},{"id":2861,"title":"إجلاء بني أسد من العراق","lvl":2,"sub":1},{"id":2862,"title":"وفاة المستنجد","lvl":2,"sub":0},{"id":2862,"title":"مقتل الوزير أبي جعفر","lvl":2,"sub":1},{"id":2863,"title":"هرب قطب الدين قايماز","lvl":2,"sub":0},{"id":2864,"title":"مقتل الوزير عضد الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":2864,"title":"فتنة ببغداد وهدم بيعة اليهود","lvl":2,"sub":1},{"id":2864,"title":"وفاة المستضيء بأمر الله","lvl":2,"sub":2},{"id":2864,"title":"القبض على ابن العطار","lvl":2,"sub":3},{"id":2865,"title":"انهزام عسكر الخليفة من طغرل","lvl":2,"sub":0},{"id":2865,"title":"ملك الخليفة خوزستان","lvl":2,"sub":1},{"id":2866,"title":"ملك الوزير همذان","lvl":2,"sub":0},{"id":2866,"title":"ملك أصفهان","lvl":2,"sub":1},{"id":2867,"title":"وفاة الناصر","lvl":2,"sub":0},{"id":2869,"title":"مقتل المستعصم بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":2871,"title":"مسيره إلى بلاد الشرق","lvl":2,"sub":0},{"id":2872,"title":"الباب الخامس من القسم الخامس من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":2872,"title":"الدولة الأموية ببلاد الأندلس","lvl":2,"sub":1},{"id":2877,"title":"خروج سليمان وعبد الله","lvl":2,"sub":0},{"id":2877,"title":"خروج جماعة أخر","lvl":2,"sub":1},{"id":2878,"title":"غزو الفرنج","lvl":2,"sub":0},{"id":2878,"title":"فتنة تاكرتا","lvl":2,"sub":1},{"id":2878,"title":"وفاة هشام","lvl":2,"sub":2},{"id":2879,"title":"غزو الفرنج","lvl":2,"sub":0},{"id":2879,"title":"خلافة بهلول","lvl":2,"sub":1},{"id":2880,"title":"مسير سليمان لقتال الحكم","lvl":2,"sub":0},{"id":2880,"title":"استيلاء الفرنج على برشلونة","lvl":2,"sub":1},{"id":2880,"title":"استيلاء الفرنج على مدينة تطيله","lvl":2,"sub":2},{"id":2880,"title":"إيقاع الحكم بأهل قرطبة","lvl":2,"sub":3},{"id":2881,"title":"إيقاع الحكم بأهل طليطلة","lvl":2,"sub":0},{"id":2882,"title":"عصيان أهل ماردة","lvl":2,"sub":0},{"id":2882,"title":"غزو الفرنج","lvl":2,"sub":1},{"id":2882,"title":"عصيان حزم على الحكم","lvl":2,"sub":2},{"id":2882,"title":"عودة أهل ماردة","lvl":2,"sub":3},{"id":2882,"title":"وقعة الربض بقرطبة","lvl":2,"sub":4},{"id":2883,"title":"غزو الفرنج","lvl":2,"sub":0},{"id":2884,"title":"غزو البربر بناحية مورور","lvl":2,"sub":0},{"id":2884,"title":"وفاة الحكم","lvl":2,"sub":1},{"id":2884,"title":"إيقاعه بأهل إلبيرة","lvl":2,"sub":2},{"id":2885,"title":"محاصرة طليطلة وفتحها","lvl":2,"sub":0},{"id":2886,"title":"الحرب بين موسى والحارث","lvl":2,"sub":0},{"id":2886,"title":"خروج المشركين إلى الأندلس","lvl":2,"sub":1},{"id":2887,"title":"وفاة عبد الرحمن","lvl":2,"sub":0},{"id":2888,"title":"الحرب بين المسلمين والفرنج","lvl":2,"sub":0},{"id":2888,"title":"خروج المجوس إلى الأندلس","lvl":2,"sub":1},{"id":2889,"title":"وفاة الأمير محمد","lvl":2,"sub":0},{"id":2893,"title":"أخبار المنصور","lvl":2,"sub":0},{"id":2894,"title":"المظفر","lvl":2,"sub":0},{"id":2897,"title":"أخبار شنشول ومقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":2898,"title":"قيام هشام على محمد","lvl":2,"sub":0},{"id":2898,"title":"قيام سليمان","lvl":2,"sub":1},{"id":2903,"title":"عود الدولة الأموية بمدينة قرطبة","lvl":2,"sub":0},{"id":2905,"title":"أخبار مدينة طليطلة","lvl":2,"sub":0},{"id":2905,"title":"ولاية المأمون","lvl":2,"sub":1},{"id":2906,"title":"أخبار خلف الحصري","lvl":2,"sub":0},{"id":2910,"title":"وقعة الزلاقة","lvl":2,"sub":0},{"id":2911,"title":"انقراض الدولة العبادية","lvl":2,"sub":0},{"id":2914,"title":"الباب السادس من القسم الخامس من الفن الخامس","lvl":2,"sub":0},{"id":2914,"title":"أفريقية وبلاد المغرب","lvl":2,"sub":1},{"id":2918,"title":"بناء مدينة القيروان","lvl":2,"sub":0},{"id":2920,"title":"خروج كسيلة","lvl":2,"sub":0},{"id":2922,"title":"فتح قرطاجنة وتخريبها","lvl":2,"sub":0},{"id":2922,"title":"حروب حسان والكاهنة","lvl":2,"sub":1},{"id":2923,"title":"فتح جزيرة الأندلس وشيء من أخبارها","lvl":2,"sub":0},{"id":2927,"title":"غزو جزيرة سردانية","lvl":2,"sub":0},{"id":2928,"title":"عبيد الله بن الحبحاب","lvl":2,"sub":0},{"id":2929,"title":"حنظلة بن صفوان","lvl":2,"sub":0},{"id":2929,"title":"أخبار عبد الرحمن بن حبيب","lvl":2,"sub":1},{"id":2930,"title":"مقتل عبد الرحمن","lvl":2,"sub":0},{"id":2932,"title":"تغلب ورفجومة","lvl":2,"sub":0},{"id":2938,"title":"أخبار عبد الله بن الجارود","lvl":2,"sub":0},{"id":2949,"title":"انتقال إبراهيم إلى تونس","lvl":2,"sub":0},{"id":2950,"title":"اعتزال إبراهيم الملك","lvl":2,"sub":0},{"id":2953,"title":"انهزام زيادة الله","lvl":2,"sub":0},{"id":2954,"title":"ما كان من أخبار زيادة الله","lvl":2,"sub":0},{"id":2957,"title":"أخبار زيري بن مناد","lvl":2,"sub":0},{"id":2957,"title":"بناء مدينة آشير","lvl":2,"sub":1},{"id":2958,"title":"الحرب بين زيري وزناتة","lvl":2,"sub":0},{"id":2958,"title":"مقتل زيري","lvl":2,"sub":1},{"id":2959,"title":"أخبار يوسف بلكين","lvl":2,"sub":0},{"id":2960,"title":"أخبار خلف بن خير","lvl":2,"sub":0},{"id":2961,"title":"وفاة أبي الفتوح يوسف","lvl":2,"sub":0},{"id":2962,"title":"مقتل عبد الله","lvl":2,"sub":0},{"id":2963,"title":"أخبار أبي الفهم","lvl":2,"sub":0},{"id":2964,"title":"خروج محمد إلى زناتة","lvl":2,"sub":0},{"id":2964,"title":"وفاة المنصور","lvl":2,"sub":1},{"id":2966,"title":"خلاف الأمير باديس واخوته","lvl":2,"sub":0},{"id":2968,"title":"وفاة باديس","lvl":2,"sub":0},{"id":2969,"title":"قتل الروافض","lvl":2,"sub":0},{"id":2970,"title":"مسير المعز لحرب حماد","lvl":2,"sub":0},{"id":2970,"title":"الصلح بين المعز وحماد","lvl":2,"sub":1},{"id":2970,"title":"مقتل القائد","lvl":2,"sub":2},{"id":2971,"title":"خروج العرب إلى المغرب","lvl":2,"sub":0},{"id":2972,"title":"وفاة لقائد بن حماد","lvl":2,"sub":0},{"id":2972,"title":"المعز بن باديس \"","lvl":2,"sub":1},{"id":2973,"title":"الحرب بين المعز والعرب","lvl":2,"sub":0},{"id":2973,"title":"انتقال المعز إلى المهدية","lvl":2,"sub":1},{"id":2973,"title":"وفاة المعز بن باديس","lvl":2,"sub":2},{"id":2974,"title":"خروج حمو","lvl":2,"sub":0},{"id":2974,"title":"حرب بني حماد والعرب","lvl":2,"sub":1},{"id":2975,"title":"بناء مدينة بجاية","lvl":2,"sub":0},{"id":2977,"title":"استيلاء تميم على مدينة تونس","lvl":2,"sub":0},{"id":2977,"title":"استيلاء مالك على القيروان","lvl":2,"sub":1},{"id":2977,"title":"ملك الروم زويلة","lvl":2,"sub":2},{"id":2977,"title":"خبر شاه ملك التركي","lvl":2,"sub":3},{"id":2978,"title":"ملك تميم مدينة قابس","lvl":2,"sub":0},{"id":2979,"title":"وفاة تميم بن المعز","lvl":2,"sub":0},{"id":2980,"title":"وفاة يحيى بن تميم","lvl":2,"sub":0},{"id":2981,"title":"حصار رافع المهدية","lvl":2,"sub":0},{"id":2981,"title":"استيلاء الفرنج على جزيرة جرب","lvl":2,"sub":1},{"id":2981,"title":"ملك الفرنج مدينة طرابلس","lvl":2,"sub":2},{"id":2982,"title":"استيلاء الفرنج على المهدية","lvl":2,"sub":0},{"id":2983,"title":"انقراض دولة بني زيري","lvl":2,"sub":0},{"id":2983,"title":"ما اتفق للحسن بن علي","lvl":2,"sub":1},{"id":2985,"title":"مقتل الجوهر الجدالي","lvl":2,"sub":0},{"id":2985,"title":"خروجهم إلى السوس","lvl":2,"sub":1},{"id":2985,"title":"استيلائه على سجلماسة","lvl":2,"sub":2},{"id":2986,"title":"بناء مدينة مراكش","lvl":2,"sub":0},{"id":2986,"title":"سبب لثام المرابطين","lvl":2,"sub":1},{"id":2987,"title":"أخبار يوسف بن تاشفين","lvl":2,"sub":0},{"id":2987,"title":"استيلائه على غرناطة","lvl":2,"sub":1},{"id":2987,"title":"ملك جزيرة الأندلس","lvl":2,"sub":2},{"id":2988,"title":"حيلة لأمير المسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2988,"title":"ولاية أمير المسلمين","lvl":2,"sub":1},{"id":2989,"title":"محاربة الفرنج","lvl":2,"sub":0},{"id":2989,"title":"الفتنة بقرطبة","lvl":2,"sub":1},{"id":2989,"title":"اسحاق بن علي","lvl":2,"sub":2},{"id":2990,"title":"أخبار محمد بن تومرت","lvl":2,"sub":0},{"id":2991,"title":"خبر الونشريسي","lvl":2,"sub":0},{"id":2992,"title":"ترتيب أصحاب المهدي","lvl":2,"sub":0},{"id":2992,"title":"حصار مراكش","lvl":2,"sub":1},{"id":2993,"title":"محمد بن تومرت","lvl":2,"sub":0},{"id":2993,"title":"خروجه للغزو","lvl":2,"sub":1},{"id":2994,"title":"استيلاؤه على تلمسان","lvl":2,"sub":0},{"id":2994,"title":"ملكه مراكش","lvl":2,"sub":1},{"id":2995,"title":"ظفره بدكالة","lvl":2,"sub":0},{"id":2995,"title":"ملكه جزيرة الأندلس","lvl":2,"sub":1},{"id":2996,"title":"حصار الفرنج مدينة قرطبة","lvl":2,"sub":0},{"id":2996,"title":"ملكه مدينة بجاية","lvl":2,"sub":1},{"id":2997,"title":"ظفره بصنهاجة","lvl":2,"sub":0},{"id":2997,"title":"الحرب بينه والعرب","lvl":2,"sub":1},{"id":2997,"title":"البيعة لإبنه","lvl":2,"sub":2},{"id":2998,"title":"استعمال أولاده","lvl":2,"sub":0},{"id":2998,"title":"ملكه مدينة المرية","lvl":2,"sub":1},{"id":2998,"title":"ملكه مدينة المهدية","lvl":2,"sub":2},{"id":3000,"title":"أيقاعه بالعرب","lvl":2,"sub":0},{"id":3000,"title":"وفاته","lvl":2,"sub":1},{"id":3001,"title":"عصيان غمارة","lvl":2,"sub":0},{"id":3002,"title":"غزوة الفرنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3002,"title":"ملك أبي يعقوب مدينة قفصة","lvl":2,"sub":1},{"id":3002,"title":"وفاة أبي يعقوب","lvl":2,"sub":2},{"id":3003,"title":"أخبار الملثمين","lvl":2,"sub":0},{"id":3004,"title":"ملك الفرنج مدينة شلب","lvl":2,"sub":0},{"id":3004,"title":"غزوة الفرنج بالأندلس","lvl":2,"sub":1},{"id":3005,"title":"ما فعله الملثم بإفريقية","lvl":2,"sub":0},{"id":3005,"title":"وفاة أبي يوسف يعقوب","lvl":2,"sub":1},{"id":3007,"title":"وفاة أبي عبد الله","lvl":2,"sub":0},{"id":3007,"title":"وفاة يوسف بن محمد","lvl":2,"sub":1},{"id":3008,"title":"تسمية ملوك بني مرين","lvl":2,"sub":0},{"id":3009,"title":"أخبار جزية صقلية","lvl":2,"sub":0},{"id":3009,"title":"أول من غزا جزيرة صقلية","lvl":2,"sub":1},{"id":3011,"title":"فتح مدينة بلرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3011,"title":"وفاة محمد الأغلب","lvl":2,"sub":1},{"id":3011,"title":"فتح قصريانة","lvl":2,"sub":2},{"id":3012,"title":"ما فتح من بلاد قلورية","lvl":2,"sub":0},{"id":3013,"title":"فتح قلعة طبرمين","lvl":2,"sub":0},{"id":3013,"title":"فتح رمطة","lvl":2,"sub":1},{"id":3013,"title":"وقعة الحفرة على رمطة","lvl":2,"sub":2},{"id":3014,"title":"اخلاء طبرمين ورمطة","lvl":2,"sub":0},{"id":3015,"title":"وثوب أهل صقلية","lvl":2,"sub":0},{"id":3016,"title":"استيلاء الفرنج على صقلية","lvl":2,"sub":0},{"id":3017,"title":"جزيرة أقريطش","lvl":2,"sub":0},{"id":3017,"title":"تنصر أهل أقريطش","lvl":2,"sub":1},{"id":3018,"title":"ما استولىعليه الفرنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3018,"title":"الباب السابع من القسم الخامس من الفن الخامس","lvl":2,"sub":1},{"id":3018,"title":"من طلب الخلافة من الطالبيين","lvl":2,"sub":2},{"id":3025,"title":"غلبته على فارس وأخذها منه وقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":3031,"title":"حبس أولاد الحسن","lvl":2,"sub":0},{"id":3031,"title":"حملهم إلى العراق","lvl":2,"sub":1},{"id":3039,"title":"مسير عيسى بن موسى","lvl":2,"sub":0},{"id":3043,"title":"تسمية المشهورين","lvl":2,"sub":0},{"id":3045,"title":"مسير إبراهيم ومقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":3053,"title":"الحسن بن زيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3055,"title":"ثم ظهر بالري في سنة خمسين ومائتين أيضا","lvl":2,"sub":0},{"id":3055,"title":"ملك الحسن بن زيد جرجان","lvl":2,"sub":1},{"id":3055,"title":"وفاة الحسن بن زيد","lvl":2,"sub":2},{"id":3056,"title":"محمد بن زيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3056,"title":"مقتل محمد بن زيد","lvl":2,"sub":1},{"id":3057,"title":"أخبار الناصر للحق","lvl":2,"sub":0},{"id":3058,"title":"الحسن بن القاسم","lvl":2,"sub":0},{"id":3059,"title":"ملك أسفار جرجان","lvl":2,"sub":0},{"id":3060,"title":"محمد بن الحسين الحسنى","lvl":2,"sub":0},{"id":3060,"title":"الباب الثامن من القسم الخامس من الفن الخامس","lvl":2,"sub":1},{"id":3060,"title":"الزنج والقرامطة والخوارج","lvl":2,"sub":2},{"id":3065,"title":"دخول الزنج الأبله","lvl":2,"sub":0},{"id":3065,"title":"أخذ الزنج الأهواز","lvl":2,"sub":1},{"id":3065,"title":"انهزام الزنج","lvl":2,"sub":2},{"id":3065,"title":"انهزام الزنج بالأهواز","lvl":2,"sub":3},{"id":3066,"title":"أخذ الزنج البصرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3066,"title":"مسير المولد لحرب صاحب الزنج","lvl":2,"sub":1},{"id":3067,"title":"حرب منصور الخياط والزنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3067,"title":"مسير الموفق لقتال الزنج","lvl":2,"sub":1},{"id":3067,"title":"مقتل يحيى البحراني","lvl":2,"sub":2},{"id":3068,"title":"عود الموفق إلى سامرا","lvl":2,"sub":0},{"id":3068,"title":"دخول الزنج الأهواز","lvl":2,"sub":1},{"id":3069,"title":"انتداب الموفق لحرب الزنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3071,"title":"دخول الزنج واسط","lvl":2,"sub":0},{"id":3072,"title":"الزنج وأحمد بن ليثوية","lvl":2,"sub":0},{"id":3073,"title":"دخول الزنج رامهرمز","lvl":2,"sub":0},{"id":3074,"title":"حرب أبي العباس والزنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3076,"title":"مسير الموفق لقتال الزنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3077,"title":"استيلاء الموفق على طهيثا","lvl":2,"sub":0},{"id":3077,"title":"إجلاء الزنج عن الأهواز","lvl":2,"sub":1},{"id":3078,"title":"محاصرة مدينة صاحب الزنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3080,"title":"عبور الموفق إلى مدينة صاحب الزنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3082,"title":"إيقاع أبي العباس بالأعراب","lvl":2,"sub":0},{"id":3084,"title":"إحراق قصر صاحب الزنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3085,"title":"غرق نصير صاحب الشذا","lvl":2,"sub":0},{"id":3086,"title":"إحراق قنطرة صاحب الزنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3086,"title":"انتقال صاحب الزنج إلى الجانب الشرقي وإحراق سوقه","lvl":2,"sub":1},{"id":3087,"title":"استيلاء الموفق على مدينة صاحب الزنج الغربية","lvl":2,"sub":0},{"id":3089,"title":"استيلاء الموفق على مدينة صاحب الزنج الشرقية","lvl":2,"sub":0},{"id":3090,"title":"مقتل صاحب الزنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3096,"title":"ما فرضه قرمط","lvl":2,"sub":0},{"id":3097,"title":"دعوة القرامطة","lvl":2,"sub":0},{"id":3101,"title":"صفة الدعوة الثانية","lvl":2,"sub":0},{"id":3101,"title":"صفة الدعوة الثالثة","lvl":2,"sub":1},{"id":3102,"title":"صفة الدعوة الرابعة","lvl":2,"sub":0},{"id":3103,"title":"صفة الدعوة الخامسة","lvl":2,"sub":0},{"id":3103,"title":"صفة الدعوة السادسة","lvl":2,"sub":1},{"id":3104,"title":"صفة الدعوة السابعة","lvl":2,"sub":0},{"id":3104,"title":"صفة الدعوة الثامنة","lvl":2,"sub":1},{"id":3105,"title":"صفة الدعوة التاسعة","lvl":2,"sub":0},{"id":3106,"title":"العهد الذي يؤخذ على المخدوعين","lvl":2,"sub":0},{"id":3111,"title":"ابتداء دعوة القرامطة","lvl":2,"sub":0},{"id":3112,"title":"انتفاض الدعوة","lvl":2,"sub":0},{"id":3113,"title":"أخبار أبي سعيد الجنابي","lvl":2,"sub":0},{"id":3114,"title":"استيلاء أبي سعيد الجنابي على هجر","lvl":2,"sub":0},{"id":3116,"title":"الحرب بين القرامطة أصحاب أبي سعيد وأهل عمان","lvl":2,"sub":0},{"id":3116,"title":"الحرب بين القرامطة والمعتضد","lvl":2,"sub":1},{"id":3117,"title":"مقتل أبي سعيد الجنابي","lvl":2,"sub":0},{"id":3118,"title":"أخبار الصناديقي ببلاد اليمن","lvl":2,"sub":0},{"id":3118,"title":"ظهور القرامطة بالشام","lvl":2,"sub":1},{"id":3119,"title":"الحسن بن زكرويه","lvl":2,"sub":0},{"id":3120,"title":"حربهم مع محمد بن سليمان","lvl":2,"sub":0},{"id":3123,"title":"خبر قتل زكروية","lvl":2,"sub":0},{"id":3124,"title":"إرسال زكرويه بن مهرويه القاسم بن أحمد ودخوله الكوفة وما كان من أمره","lvl":2,"sub":0},{"id":3126,"title":"زكرويه بن مهرويه وقتاله","lvl":2,"sub":0},{"id":3130,"title":"أخبار من ظهر من القرامطة بعد مقتل زكرويه بن مهرويه","lvl":2,"sub":0},{"id":3131,"title":"سليمان بن الحسن","lvl":2,"sub":0},{"id":3131,"title":"أخذ أبي طاهر الحاج","lvl":2,"sub":1},{"id":3134,"title":"دخول أبي طاهر الكوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3137,"title":"من ظهر منهم بسواد العراق","lvl":2,"sub":0},{"id":3138,"title":"مسير أبي طاهر إلى مكة","lvl":2,"sub":0},{"id":3141,"title":"وفاة أبي طاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":3141,"title":"إعادة الحجر الأسود إلى الكعبة","lvl":2,"sub":1},{"id":3141,"title":"ملك القرامطة دمشق","lvl":2,"sub":2},{"id":3145,"title":"وفاة الحسن بن أحمد","lvl":2,"sub":0},{"id":3146,"title":"استيلاؤهم على الكوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3146,"title":"ظفر الأصغر بالقرامطة","lvl":2,"sub":1},{"id":3147,"title":"قتل مساور بندارا","lvl":2,"sub":0},{"id":3148,"title":"استيلاء مساور إلى الموصل","lvl":2,"sub":0},{"id":3148,"title":"اختلافهم على مساور","lvl":2,"sub":1},{"id":3149,"title":"وفاة مساور","lvl":2,"sub":0},{"id":3149,"title":"محاربة محمد بن خرزاد لهارون","lvl":2,"sub":1},{"id":3149,"title":"خروج محمد بن عبادة","lvl":2,"sub":2},{"id":3150,"title":"انهزام هارون","lvl":2,"sub":0},{"id":3150,"title":"مقتل هارون","lvl":2,"sub":1},{"id":3150,"title":"الباب التاسع من القسم الخامس من الفن الخامس","lvl":2,"sub":2},{"id":3150,"title":"ملوك ومماليك البلاد الشرقية","lvl":2,"sub":3},{"id":3151,"title":"وفاة نصر وقيام إسماعيل","lvl":2,"sub":0},{"id":3151,"title":"ملك إسماعيل خراسان","lvl":2,"sub":1},{"id":3152,"title":"ملكة طبرستان","lvl":2,"sub":0},{"id":3152,"title":"ذكر القبض على محمد بن هارون ووفاته","lvl":2,"sub":1},{"id":3152,"title":"ذكر وفاة إسماعيل وولاية ابنه أحمد","lvl":2,"sub":2},{"id":3153,"title":"أحمد بن إسماعيل","lvl":2,"sub":0},{"id":3153,"title":"ذكر استيلاء أحمد بن إسماعيل على سجستان","lvl":2,"sub":1},{"id":3153,"title":"ثم خالف أهل سجستان على الأمير أحمد","lvl":2,"sub":2},{"id":3154,"title":"ذكر مقتل الأمير أحمد وولاية ابنه نصر","lvl":2,"sub":0},{"id":3154,"title":"نصر بن أحمد","lvl":2,"sub":1},{"id":3154,"title":"ذكر خروج إسحاق بن أحمد وابنه إلياس","lvl":2,"sub":2},{"id":3154,"title":"ذكر مخالفة منصور بن إسحاق","lvl":2,"sub":3},{"id":3155,"title":"ذكر خروج إلياس بن إسحاق بن أسد ثانيا","lvl":2,"sub":0},{"id":3155,"title":"ذكر استيلاء السعيد على الري","lvl":2,"sub":1},{"id":3156,"title":"ذكر مخالفة جعفر بن أبي جعفر بن أبي داود","lvl":2,"sub":0},{"id":3156,"title":"ذكر خروج أبي زكريا وأخويه ببخارى","lvl":2,"sub":1},{"id":3156,"title":"ولاية محمد بن المظفر خراسان","lvl":2,"sub":2},{"id":3157,"title":"ذكر وفاة الأمير السعيد نصر بن أحمد","lvl":2,"sub":0},{"id":3157,"title":"نوح بن نصر","lvl":2,"sub":1},{"id":3157,"title":"ذكر مخالفة أبي علي بن محتاج","lvl":2,"sub":2},{"id":3158,"title":"ذكر استعمال المنصور بن قراتكين على خراسان","lvl":2,"sub":0},{"id":3159,"title":"ذكر عود أبي علي إلى خراسان","lvl":2,"sub":0},{"id":3159,"title":"ذكر وفاة الأمير الحميد نوح بن نصر","lvl":2,"sub":1},{"id":3159,"title":"ولاية عبد الملك بن نوح","lvl":2,"sub":2},{"id":3159,"title":"ولاية منصور بن نوح","lvl":2,"sub":3},{"id":3159,"title":"ذكر الصلح بين الأمير منصور وبين بني بويه","lvl":2,"sub":4},{"id":3159,"title":"ذكر وفاة الأمير منصور","lvl":2,"sub":5},{"id":3159,"title":"ولاية المنصور","lvl":2,"sub":6},{"id":3161,"title":"ذكر عود نوح إلى بخارى ووفاة بغراجان","lvl":2,"sub":0},{"id":3161,"title":"أبي علي بن سيمجور وفايق","lvl":2,"sub":1},{"id":3162,"title":"ذكر وفاة الأمير نوح بن منصور","lvl":2,"sub":0},{"id":3162,"title":"ولاية منصور بن نوح","lvl":2,"sub":1},{"id":3163,"title":"القبض على الأمير منصور وسمله","lvl":2,"sub":0},{"id":3163,"title":"ولاية عبد الملك بن نوح","lvl":2,"sub":1},{"id":3163,"title":"انقراض الدولة السامانية","lvl":2,"sub":2},{"id":3163,"title":"ذكر إسماعيل بن نوح وما اتفق له بخراسان","lvl":2,"sub":3},{"id":3165,"title":"ملك يعقوب هراة وبوشنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3165,"title":"ذكر استيلائه على كرمان","lvl":2,"sub":1},{"id":3165,"title":"ذكر ملكه فارس","lvl":2,"sub":2},{"id":3166,"title":"ذكر قصد يعقوب فارس وملكه بلخ وغيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":3166,"title":"ذكر ملكه نيسابور","lvl":2,"sub":1},{"id":3167,"title":"ذكر دخوله طبرستان","lvl":2,"sub":0},{"id":3167,"title":"ذكر عود يعقوب إلى بلاد فارس","lvl":2,"sub":1},{"id":3168,"title":"حرب الموفق ويعقوب","lvl":2,"sub":0},{"id":3168,"title":"ذكر استيلاء يعقوب على الأهواز وغيرها","lvl":2,"sub":1},{"id":3169,"title":"ذكر وفاة يعقوب بن الليث وولاية أخيه عمرو","lvl":2,"sub":0},{"id":3169,"title":"ولاية عمرو بن الليث","lvl":2,"sub":1},{"id":3169,"title":"ذكر أسر عمرو بن الليث","lvl":2,"sub":2},{"id":3170,"title":"ذكر أخباره وشيء من سيرته","lvl":2,"sub":0},{"id":3170,"title":"أحمد الخجستاني","lvl":2,"sub":1},{"id":3171,"title":"رافع بن هرثمة","lvl":2,"sub":0},{"id":3172,"title":"أسفار بن شيرويه","lvl":2,"sub":0},{"id":3173,"title":"مقتل أسفار","lvl":2,"sub":0},{"id":3174,"title":"ملك مرداويج","lvl":2,"sub":0},{"id":3174,"title":"ملك طبرستان وجرجان","lvl":2,"sub":1},{"id":3174,"title":"حرب مرداويج وهارون","lvl":2,"sub":2},{"id":3175,"title":"وشمكير ومرداويج","lvl":2,"sub":0},{"id":3175,"title":"مقتل مرداويج","lvl":2,"sub":1},{"id":3176,"title":"ملك وشميكر بن زياد","lvl":2,"sub":0},{"id":3176,"title":"ما فعله الأتراك بعد قتل مرداويج","lvl":2,"sub":1},{"id":3177,"title":"وفاة وشمكير","lvl":2,"sub":0},{"id":3177,"title":"ملك ظهير الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3177,"title":"ملك شمس المعالي","lvl":2,"sub":2},{"id":3177,"title":"خلع قابوس","lvl":2,"sub":3},{"id":3178,"title":"ملك أنوشروان","lvl":2,"sub":0},{"id":3178,"title":"أخبار سبكتكين","lvl":2,"sub":1},{"id":3179,"title":"ولايته قصدار وبست","lvl":2,"sub":0},{"id":3179,"title":"غزوه الهند","lvl":2,"sub":1},{"id":3179,"title":"ملكه خراسان","lvl":2,"sub":2},{"id":3179,"title":"وفاه ناصر الدولة","lvl":2,"sub":3},{"id":3180,"title":"سلطنة يمين الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3180,"title":"استيلاء محمود على خراسان","lvl":2,"sub":1},{"id":3180,"title":"غزوة الهند","lvl":2,"sub":2},{"id":3181,"title":"ملكه سجستان","lvl":2,"sub":0},{"id":3181,"title":"غزوه بهاطية وملكها","lvl":2,"sub":1},{"id":3181,"title":"غزوة المولتان","lvl":2,"sub":2},{"id":3181,"title":"غزوة كواكير","lvl":2,"sub":3},{"id":3182,"title":"عبور عسكر ايلك خان إلى خراسان","lvl":2,"sub":0},{"id":3182,"title":"انهزام ايلك خان من يمين الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3182,"title":"غزوه الهند وعوده","lvl":2,"sub":2},{"id":3182,"title":"غزوة بهيم نغز","lvl":2,"sub":3},{"id":3183,"title":"غزوة بلاد الغور","lvl":2,"sub":0},{"id":3183,"title":"ملكه قصدار","lvl":2,"sub":1},{"id":3183,"title":"فتح نادرين","lvl":2,"sub":2},{"id":3183,"title":"غزوة تانيشر","lvl":2,"sub":3},{"id":3184,"title":"قتل خوارزم شاه","lvl":2,"sub":0},{"id":3184,"title":"غزوة قشمير وقنوج","lvl":2,"sub":1},{"id":3185,"title":"أخبار الخانية","lvl":2,"sub":0},{"id":3186,"title":"قدرخان وأولاده","lvl":2,"sub":0},{"id":3186,"title":"طفغاج خان وولده","lvl":2,"sub":1},{"id":3187,"title":"غزوة الهند والأفغانية","lvl":2,"sub":0},{"id":3188,"title":"فتح قلعة بلاد الهند","lvl":2,"sub":0},{"id":3188,"title":"فتح سومنات","lvl":2,"sub":1},{"id":3190,"title":"ملكه الري وبلد الجبل","lvl":2,"sub":0},{"id":3190,"title":"ملك مسعود همذان","lvl":2,"sub":1},{"id":3190,"title":"غزوة للمسلمين بالهند","lvl":2,"sub":2},{"id":3191,"title":"وفاة يمين الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3191,"title":"سلطنة محمد بن محمود","lvl":2,"sub":1},{"id":3191,"title":"خلع جلال الدولة محمد","lvl":2,"sub":2},{"id":3191,"title":"مسيره إلى الهند","lvl":2,"sub":3},{"id":3192,"title":"مخالفة نيالتكين ومقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":3192,"title":"القبض على السلطان وقتله","lvl":2,"sub":1},{"id":3192,"title":"سلطنة جلال الدولة محمد بن محمود","lvl":2,"sub":2},{"id":3193,"title":"سلطنة مودود بن مسعود","lvl":2,"sub":0},{"id":3193,"title":"مخالفة محمود بن مسعود على أخيه مودود، ووفاة محمود","lvl":2,"sub":1},{"id":3193,"title":"وفاة مودود","lvl":2,"sub":2},{"id":3193,"title":"مقتل عبد الرشيد","lvl":2,"sub":3},{"id":3194,"title":"ملك فرخ زاد","lvl":2,"sub":0},{"id":3194,"title":"ملك إبراهيم بن معود","lvl":2,"sub":1},{"id":3194,"title":"غزو ابراهيم الهند","lvl":2,"sub":2},{"id":3195,"title":"وفاة ابراهيم","lvl":2,"sub":0},{"id":3195,"title":"ملك علاء الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3195,"title":"ملك أرسلان","lvl":2,"sub":2},{"id":3195,"title":"ملك بهرام شاه","lvl":2,"sub":3},{"id":3196,"title":"وفاة بهرام شاه","lvl":2,"sub":0},{"id":3196,"title":"ملك خسروشاه","lvl":2,"sub":1},{"id":3196,"title":"ملك ملكشاه","lvl":2,"sub":2},{"id":3197,"title":"الحرب بينه وبين السلطان سنجر","lvl":2,"sub":0},{"id":3197,"title":"ملكه غزنة","lvl":2,"sub":1},{"id":3197,"title":"خروج غياث الدين","lvl":2,"sub":2},{"id":3198,"title":"ملك سيف الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3198,"title":"ملك محمد بن سام","lvl":2,"sub":1},{"id":3198,"title":"ملك غياث الدين غزنة","lvl":2,"sub":2},{"id":3198,"title":"ملك شهاب الدين لهاوور","lvl":2,"sub":3},{"id":3198,"title":"مسير شهاب الدين إلى الهند","lvl":2,"sub":4},{"id":3199,"title":"ظفر الهنود بالمسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":3199,"title":"ظفر المسلمين بالهنود","lvl":2,"sub":1},{"id":3199,"title":"الحرب بين شهاب الدين وملك بنارسي الهندي","lvl":2,"sub":2},{"id":3199,"title":"ملك الغورية بلخ","lvl":2,"sub":3},{"id":3200,"title":"ملك شهاب الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3200,"title":"ملكه أنهلوارة","lvl":2,"sub":1},{"id":3200,"title":"وفاة غياث الدين","lvl":2,"sub":2},{"id":3201,"title":"استقلال شهاب الدين بالملك وما فعله ورئة أخيه","lvl":2,"sub":0},{"id":3201,"title":"حصره خوارزم","lvl":2,"sub":1},{"id":3202,"title":"قتل شهاب الدين بني كركر","lvl":2,"sub":0},{"id":3202,"title":"مقتل شهاب الدين","lvl":2,"sub":1},{"id":3202,"title":"ما اتفق بعد وفاة شهاب الدين","lvl":2,"sub":2},{"id":3202,"title":"وفاة بهاء الدين سام","lvl":2,"sub":3},{"id":3203,"title":"ملك علاء الدين غزنة","lvl":2,"sub":0},{"id":3203,"title":"ملك تاج الدين الدز غزنة","lvl":2,"sub":1},{"id":3203,"title":"غياث الدين محمود","lvl":2,"sub":2},{"id":3204,"title":"عود علاء الدين وجلال الدين ابني بهاء الدين سام","lvl":2,"sub":0},{"id":3205,"title":"عود تاج الدين الدز إلى غزنة","lvl":2,"sub":0},{"id":3205,"title":"ما تفق لغياث الدين محمود مع تاج الدين","lvl":2,"sub":1},{"id":3206,"title":"مقتل غياث الدين محمود","lvl":2,"sub":0},{"id":3207,"title":"أخبار تاج الدين الدز","lvl":2,"sub":0},{"id":3208,"title":"امارة أبي الهيجاء","lvl":2,"sub":0},{"id":3208,"title":"مخالفة عبد الله بن حمدان","lvl":2,"sub":1},{"id":3208,"title":"القبض على بني حمدان","lvl":2,"sub":2},{"id":3209,"title":"أخبار الحسين بن حمدان","lvl":2,"sub":0},{"id":3209,"title":"ناصر الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3210,"title":"ولاية ناصر الدولة امرة الأمراء بالعراق","lvl":2,"sub":0},{"id":3211,"title":"القبض على ناصر الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3212,"title":"أخبار سيف الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3213,"title":"اختلال دولته","lvl":2,"sub":0},{"id":3213,"title":"وفاة سيف الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3214,"title":"عدة الدولة الغضنفر","lvl":2,"sub":0},{"id":3215,"title":"فساد حال عدة الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3216,"title":"سعد الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3217,"title":"مقتل أبي فراس الحارث","lvl":2,"sub":0},{"id":3217,"title":"استيلاء قرعويه على حلب","lvl":2,"sub":1},{"id":3218,"title":"الصلح بين سعد الدولة وقرعويه","lvl":2,"sub":0},{"id":3218,"title":"تولية سعد الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3218,"title":"خلاف بكجور على الأمير سعد الدولة وما كان من أمره","lvl":2,"sub":2},{"id":3220,"title":"وفاة سعد الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3221,"title":"أبي الفضائل","lvl":2,"sub":0},{"id":3221,"title":"ما كان بين لؤلؤ الجراحي وبين العزيز نزار صاحب مصر","lvl":2,"sub":1},{"id":3222,"title":"الصلح بين أبي الفضائل والعزيز نزار صاحب مصر","lvl":2,"sub":0},{"id":3222,"title":"ابتداء حال بويه، ونسبه، وما كان من أمره","lvl":2,"sub":1},{"id":3223,"title":"أخبار عماد الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3224,"title":"خروج عماد الدولة بن بويه عن طاعة مرداويج، ومخالفته له، وملكه أصفهان","lvl":2,"sub":0},{"id":3224,"title":"استيلائه على أرجان وغيرها، وملك مرداويج أصفهان","lvl":2,"sub":1},{"id":3224,"title":"الاستيلاء على شيراز","lvl":2,"sub":2},{"id":3225,"title":"واقعة غيبة","lvl":2,"sub":0},{"id":3225,"title":"تولية عماد الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3226,"title":"وفاة عماد الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3226,"title":"أخبار ركن الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3226,"title":"ملك ركن الدولة","lvl":2,"sub":2},{"id":3227,"title":"ما قرره ركن الدولة بين بنيه وما أفرده لكل منهم من الممالك","lvl":2,"sub":0},{"id":3227,"title":"وفاة ركن الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3227,"title":"معز الدولة بن بويه","lvl":2,"sub":2},{"id":3228,"title":"مسيره إلى كرمان","lvl":2,"sub":0},{"id":3228,"title":"استيلاء معز الدولة على الأهواز","lvl":2,"sub":1},{"id":3229,"title":"استيلائه على بغداد","lvl":2,"sub":0},{"id":3229,"title":"الحرب بين معز الدولة، وناصر الدولة بن حمدان","lvl":2,"sub":1},{"id":3230,"title":"اقطاع البلاد وتخريبها","lvl":2,"sub":0},{"id":3230,"title":"استيلاؤه على البصرة","lvl":2,"sub":1},{"id":3230,"title":"ملك معز الدولة الموصل","lvl":2,"sub":2},{"id":3231,"title":"وفاة الوزير الصيمري","lvl":2,"sub":0},{"id":3231,"title":"ما كتب على مساجد بغداد","lvl":2,"sub":1},{"id":3231,"title":"وفاة الوزير المهلبي","lvl":2,"sub":2},{"id":3232,"title":"وفاة معز الدولة بن بويه","lvl":2,"sub":0},{"id":3232,"title":"ذكر أخبار عز الدولة بختيار","lvl":2,"sub":1},{"id":3232,"title":"ذكر أخبار عز الدولة بختيار","lvl":2,"sub":2},{"id":3232,"title":"الحوادث أيام عز الدولة بختيار","lvl":2,"sub":3},{"id":3233,"title":"خروج مشيد الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3233,"title":"عزل أبي الفضل","lvl":2,"sub":1},{"id":3233,"title":"الفتنة بين بختيار وأصحابه","lvl":2,"sub":2},{"id":3234,"title":"حيلة لبختيار","lvl":2,"sub":0},{"id":3234,"title":"ذكر ما اتفق لبختيار بعد قبضه على الأتراك، ووفاة سبكتكين وقيام الفتكين","lvl":2,"sub":1},{"id":3235,"title":"استيلاء عضد الدولة على العراق","lvl":2,"sub":0},{"id":3236,"title":"عودة بختيار إلى ملكه","lvl":2,"sub":0},{"id":3238,"title":"مقتل عز الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3238,"title":"عضد الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3239,"title":"القبض على ابن العميد","lvl":2,"sub":0},{"id":3240,"title":"استيلاء عضد الدولة على العراق","lvl":2,"sub":0},{"id":3240,"title":"استيلاء عضد الدولة على ملك بني حمدان","lvl":2,"sub":1},{"id":3241,"title":"عمارة عضد الدولة بغداد","lvl":2,"sub":0},{"id":3241,"title":"قصد عضد الدولة أخاه فخر الدولة، وأخذ بلاده","lvl":2,"sub":1},{"id":3241,"title":"ذكر ملك عضد الدولة بلد الهكارية","lvl":2,"sub":2},{"id":3242,"title":"ذكر وفاة عضد الدولة وشيء من أخباره وسيرته","lvl":2,"sub":0},{"id":3243,"title":"مؤيد الدولة أبي منصور بويه ابن ركن الدولة بن بويه","lvl":2,"sub":0},{"id":3243,"title":"فخر الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3244,"title":"ذكر أخبار مجد الدولة، وكنف الأمة أبي طالب رستم بن فخر الدولة بن ركن","lvl":2,"sub":0},{"id":3245,"title":"أخبار صمصام الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3245,"title":"ذكر ملك شرف الدولة أبي الفوارس شيرذيل بن عضد الدولة العراق","lvl":2,"sub":1},{"id":3245,"title":"والقبض على صمصام الدولة","lvl":2,"sub":2},{"id":3245,"title":"سمل صمصام الدولة","lvl":2,"sub":3},{"id":3246,"title":"سمل صمصام الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3246,"title":"وفاة شرف الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3246,"title":"ملك بهاء الدولة وضياء الملة","lvl":2,"sub":2},{"id":3246,"title":"قيام صمصام الدولة ببلاد فارس","lvl":2,"sub":3},{"id":3246,"title":"مسير أبي على بن شرف الدولة إلى بلاد فارس","lvl":2,"sub":4},{"id":3247,"title":"مسير بهاء بهاء الدولة إلى الأهواز، والصلح بينه وبين صمصام الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3247,"title":"ظهور أولاد بختيار","lvl":2,"sub":1},{"id":3248,"title":"مقتل صمصام الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3248,"title":"ملك بهاء الدولة فارس","lvl":2,"sub":1},{"id":3248,"title":"وفاة عميد الجيوش","lvl":2,"sub":2},{"id":3249,"title":"ذكر وفاة بهاء الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3249,"title":"ملك سلطان الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3249,"title":"قتل فخر الملك","lvl":2,"sub":2},{"id":3249,"title":"ولاية ابن سهلان العراق","lvl":2,"sub":3},{"id":3250,"title":"ملك مشرف الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3250,"title":"الصلح بين سلطان الدولة وأخيه مشرف الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3251,"title":"الخلف بين مشرف الدولة والأتراك وعزل الوزير ابن المغربي","lvl":2,"sub":0},{"id":3251,"title":"وفاة سلطان الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3251,"title":"وفاة مشرف الدولة","lvl":2,"sub":2},{"id":3251,"title":"سلطنة جلال الدولة","lvl":2,"sub":3},{"id":3252,"title":"شغب الأتراك ببغداد","lvl":2,"sub":0},{"id":3252,"title":"وثوب الجندية","lvl":2,"sub":1},{"id":3253,"title":"قتل بارسطغان","lvl":2,"sub":0},{"id":3254,"title":"الصلح بين جلال الدولة وأبي كاليجار","lvl":2,"sub":0},{"id":3254,"title":"مخاطبة جلال الدولة بملك الملوك","lvl":2,"sub":1},{"id":3254,"title":"ذكرى وفاة جلال الدولة","lvl":2,"sub":2},{"id":3255,"title":"أخبار السلطان شاهنشاه","lvl":2,"sub":0},{"id":3255,"title":"ابتداء ملكه","lvl":2,"sub":1},{"id":3255,"title":"عودة أبي الفوارس إلى فارس","lvl":2,"sub":2},{"id":3255,"title":"ملك أبي كاليجار العراق","lvl":2,"sub":3},{"id":3256,"title":"ملك أبي نصر","lvl":2,"sub":0},{"id":3256,"title":"جامع أخبار ملوك بني بويه عدة من ملك منهم ستة عشر ملكا","lvl":2,"sub":1},{"id":3257,"title":"أخبار سلجق بن يقاق","lvl":2,"sub":0},{"id":3259,"title":"ما اتفق بين طغرلبك وداود","lvl":2,"sub":0},{"id":3260,"title":"ملك داود وطغرلبك","lvl":2,"sub":0},{"id":3261,"title":"ملكه جرجان وطبرستان","lvl":2,"sub":0},{"id":3261,"title":"مسير إبراهيم ينال إلى الري وهمذان","lvl":2,"sub":1},{"id":3261,"title":"خروج طغرلبك إلى الري","lvl":2,"sub":2},{"id":3262,"title":"ملك ينال قلعة كنكور","lvl":2,"sub":0},{"id":3262,"title":"غزو ابراهيم ينال الروم","lvl":2,"sub":1},{"id":3262,"title":"الوحشة بين طغرلبك وأخيه إبراهيم ينال والاتفاق بينهما","lvl":2,"sub":2},{"id":3263,"title":"ملك طغرلبك أصفهان","lvl":2,"sub":0},{"id":3263,"title":"استيلاء ألب أرسلان على فسا","lvl":2,"sub":1},{"id":3263,"title":"استيلاء طغرلبك على أذربيجان","lvl":2,"sub":2},{"id":3263,"title":"دخول طغرلبك بغداد","lvl":2,"sub":3},{"id":3265,"title":"مسير السلطان إلى الموصل","lvl":2,"sub":0},{"id":3266,"title":"عودة السلطان إلى بغداد","lvl":2,"sub":0},{"id":3267,"title":"مفارقة إبراهيم ينال الموصل وما كان من آمره إلى أن قتل","lvl":2,"sub":0},{"id":3267,"title":"وفاة جغري بك داود","lvl":2,"sub":1},{"id":3268,"title":"زواج طغرلبك بابنة الخليفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3269,"title":"وصول السلطان إلى بغداد بابنة الخليفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3269,"title":"وفاة طغرلبك","lvl":2,"sub":1},{"id":3270,"title":"السلطان عضد الدولة","lvl":2,"sub":0},{"id":3270,"title":"القبض على عميد الملك","lvl":2,"sub":1},{"id":3270,"title":"ملك عضد الدولة ختلان","lvl":2,"sub":2},{"id":3271,"title":"الحرب بين السلطان وبين شهاب الدولة قتلمش وموته","lvl":2,"sub":0},{"id":3271,"title":"فتح مدينة آني","lvl":2,"sub":1},{"id":3272,"title":"تقرير ملكشاه في ولاية العهد بالسلطنة من بعد أبيه","lvl":2,"sub":0},{"id":3273,"title":"عصيان ملك كرمان","lvl":2,"sub":0},{"id":3273,"title":"اقامة الخطبة بحلب","lvl":2,"sub":1},{"id":3273,"title":"استيلاء السلطان على حلب","lvl":2,"sub":2},{"id":3273,"title":"خروج ملك الروم إلى خلاط وأسره","lvl":2,"sub":3},{"id":3274,"title":"ملك أتسز بيت المقدس ودمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":3275,"title":"تزويج ولي العهد بابنه السلطان.","lvl":2,"sub":0},{"id":3275,"title":"ملك السلطان قلعة فضلون.","lvl":2,"sub":1},{"id":3275,"title":"مقتل ألب أرسلان","lvl":2,"sub":2},{"id":3276,"title":"جلال الدولة ملكشاه.","lvl":2,"sub":0},{"id":3276,"title":"الحرب بين السلطان ملكشاه وبين عمه قاورد بك.","lvl":2,"sub":1},{"id":3276,"title":"استيلاء تكش على بعض خراسان.","lvl":2,"sub":2},{"id":3277,"title":"قتل أبي المحاسن بن أبي الرضا.","lvl":2,"sub":0},{"id":3277,"title":"ملك السلطان حلب وغيرها.","lvl":2,"sub":1},{"id":3277,"title":"دخول ملكشاه بغداد","lvl":2,"sub":2},{"id":3278,"title":"ملك شاه ما وراء النهر","lvl":2,"sub":0},{"id":3278,"title":"عصيان سمرقند وفتحها","lvl":2,"sub":1},{"id":3278,"title":"وصول السلطان إلى بغداد.","lvl":2,"sub":2},{"id":3279,"title":"ملك السلطان اليمن","lvl":2,"sub":0},{"id":3279,"title":"مقتل الوزير نظام الملك","lvl":2,"sub":1},{"id":3279,"title":"ابتداء حال نظام الملك وشيء من سيرته وأخباره.","lvl":2,"sub":2},{"id":3280,"title":"وفاة ملكشاه","lvl":2,"sub":0},{"id":3280,"title":"أخبار السلطان بركياروق","lvl":2,"sub":1},{"id":3280,"title":"قتل تاج الملك","lvl":2,"sub":2},{"id":3281,"title":"انهزام بركياروق من عمه تتش ودخوله إلى أصفهان ووفاة أخيه محمود","lvl":2,"sub":0},{"id":3281,"title":"مقتل أرسلان أرغو","lvl":2,"sub":1},{"id":3281,"title":"ملك بركياروق خراسان","lvl":2,"sub":2},{"id":3282,"title":"ظهور السلطان محمد طبر ملكشاه والملك سنجر وخروجهما على أخيهما السلطان","lvl":2,"sub":0},{"id":3282,"title":"إقامة الخطبة لمحمد ببغداد","lvl":2,"sub":1},{"id":3282,"title":"إعادة الخطبة ببغداد للسلطان بركياروق.","lvl":2,"sub":2},{"id":3283,"title":"الحرب بين السلطانين بركياروق ومحمد والخطبة لمحمد ببغداد.","lvl":2,"sub":0},{"id":3283,"title":"حال السلطان بعد الهزيمة وانهزامه أيضا من أخيه سنجر.","lvl":2,"sub":1},{"id":3283,"title":"الحرب بين السلطانين بركياروق ومحمد ثانيا، وقتل مؤيد الملك.","lvl":2,"sub":2},{"id":3283,"title":"حال محمد بعد الهزيمة واجتماعه بأخيه سنجر.","lvl":2,"sub":3},{"id":3284,"title":"ما فعله بركياروق، ودخوله إلى بغداد.","lvl":2,"sub":0},{"id":3284,"title":"وصول السلطان محمد، وسنجر إلى بغداد، ورحيل بركياروق عنها.","lvl":2,"sub":1},{"id":3284,"title":"الصلح بين السلطان بركياروق وأخيه محمد.","lvl":2,"sub":2},{"id":3285,"title":"أخبار الباطنية","lvl":2,"sub":0},{"id":3285,"title":"ما استولوا عليه ببلاد العجم","lvl":2,"sub":1},{"id":3286,"title":"قتل الباطنية وسببه","lvl":2,"sub":0},{"id":3286,"title":"وفاة لسلطان بركياروق ووصيته لولده ملكشاه بالملك","lvl":2,"sub":1},{"id":3286,"title":"الخطبة لملكشاه بن السلطان بركياروق ببغداد","lvl":2,"sub":2},{"id":3286,"title":"أخبار السلطان محمد","lvl":2,"sub":3},{"id":3287,"title":"قتل الأمير أياز","lvl":2,"sub":0},{"id":3288,"title":"خروج منكبرس على السلطان محمد والقبض عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":3288,"title":"ملك السلطان محمد قلعة شاه دز من الباطنية وقتل ابن عطاش","lvl":2,"sub":1},{"id":3289,"title":"القبض على الوزير وقتله، ووزارة أحمد بن نظام الملك","lvl":2,"sub":0},{"id":3289,"title":"قتل الأمير صدقة بن مزيد","lvl":2,"sub":1},{"id":3291,"title":"وفاة السلطان محمد","lvl":2,"sub":0},{"id":3292,"title":"السلطان سنجر","lvl":2,"sub":0},{"id":3293,"title":"القبض على الوزير محمد","lvl":2,"sub":0},{"id":3293,"title":"الحرب بين السلطان سنجر وبين ابن أخيه محمود بن محمد","lvl":2,"sub":1},{"id":3295,"title":"قدوم السلطان سنجر إلى الري","lvl":2,"sub":0},{"id":3295,"title":"ملك السلطان سنجر مدينة سمرقند من محمد خان وملك محمود بن محمد","lvl":2,"sub":1},{"id":3295,"title":"مسير السلطان إلى غزنة وعوده","lvl":2,"sub":2},{"id":3296,"title":"الحرب بين السلطان سنجر وخوارزم شاه","lvl":2,"sub":0},{"id":3296,"title":"انهزام السلطان سنجر من الأتراك الخطا، وملكهم ما وراء النهر","lvl":2,"sub":1},{"id":3296,"title":"انهزام السلطان سنجر من الغز، وأسره، وذكر أحوال الغز","lvl":2,"sub":2},{"id":3297,"title":"هرب سنجر شاه من اسر الغز","lvl":2,"sub":0},{"id":3297,"title":"وفاة السلطان سنجر شاه","lvl":2,"sub":1},{"id":3299,"title":"مسير الملك مسعود ابن السلطان","lvl":2,"sub":0},{"id":3300,"title":"عصيان الملك طغزل على أخيه السلطان محمود .","lvl":2,"sub":0},{"id":3301,"title":"مقتل الأمير منكبرس","lvl":2,"sub":0},{"id":3301,"title":"مقتل الأمير علي بن عمر","lvl":2,"sub":1},{"id":3301,"title":"ذكر عصيان الملك مسعود على أخيه السلطان محمود والحرب بينهما والصلح","lvl":2,"sub":2},{"id":3302,"title":"ذكر طاعة الملك طغرل لأخيه السلطان محمود","lvl":2,"sub":0},{"id":3303,"title":"ذكر قتل الوزير السميرمي","lvl":2,"sub":0},{"id":3303,"title":"ذكر قتل الأمير جيوش بك","lvl":2,"sub":1},{"id":3303,"title":"ذكر ظفر السلطان محمود بالكرج","lvl":2,"sub":2},{"id":3304,"title":"ذكر وصول الملك ودبيس بن صدقة إلى العراق وعودهما","lvl":2,"sub":0},{"id":3304,"title":"ذكر مقتل البرسقي وملك ابنه عز الدين مسعود","lvl":2,"sub":1},{"id":3305,"title":"ذكر ما فعله دبيس بن صدقة وما كان من أمره","lvl":2,"sub":0},{"id":3305,"title":"ذكر وفاة السلطان محمود وشيء من أخباره وملك ابنه داود","lvl":2,"sub":1},{"id":3307,"title":"ذكر الحرب بين السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر شاه وهزيمة مسعود وسلطنة","lvl":2,"sub":0},{"id":3307,"title":"ذكر الحرب بين السلطان طغرل بن محمد وبين أخيه الملك داود بن محمود","lvl":2,"sub":1},{"id":3307,"title":"ذكر عود السلطان مسعود بن محمد إلى السلطنة وانهزام طغرل","lvl":2,"sub":2},{"id":3308,"title":"ذكر عود الملك طغرل إلى الجبل وانهزام السلطان مسعود","lvl":2,"sub":0},{"id":3308,"title":"وفاة الملك طغرل","lvl":2,"sub":1},{"id":3309,"title":"قتل الأمير دبيس بن صدقة","lvl":2,"sub":0},{"id":3309,"title":"ذكر اجتماع الأطراف على حرب السلطان مسعود وخروجهم عن طاعته","lvl":2,"sub":1},{"id":3309,"title":"ذكر الحرب بين السلطان مسعود والملك داود ومن معه من الأمراء","lvl":2,"sub":2},{"id":3310,"title":"ذكر قتل الوزير الدركزيني ووزارة ابن الخازن وزير قراسنقر","lvl":2,"sub":0},{"id":3310,"title":"ذكر اتفاق بوزابة وعباس على الخروج عن طاعة السلطان مسعود","lvl":2,"sub":1},{"id":3310,"title":"ذكر قتل عبد الرحمن طفايرك وعباس صاحب الري","lvl":2,"sub":2},{"id":3311,"title":"ذكر قتل الأمير بوازية","lvl":2,"sub":0},{"id":3311,"title":"ذكر الخلف بين السلطان وجماعة من الأمراء ووصولهم إلى بغداد وماكان منهم","lvl":2,"sub":1},{"id":3312,"title":"وفاة السلطان مسعود .","lvl":2,"sub":0},{"id":3312,"title":"سلطنة ملكشاه بن محمود","lvl":2,"sub":1},{"id":3312,"title":"سلطنة محمد بن محمود","lvl":2,"sub":2},{"id":3313,"title":"سلطنة سليمان شاه","lvl":2,"sub":0},{"id":3313,"title":"ذكر عود السلطان محمد من أصفهان إلى مقر ملكه","lvl":2,"sub":1},{"id":3313,"title":"ذكر وصول سليمان شاه بن محمد طبري إلى بغداد وخروجه بالعساكر وحربه هو","lvl":2,"sub":2},{"id":3314,"title":"وفاة السلطان محمد","lvl":2,"sub":0},{"id":3314,"title":"ذكر مسير سليمان شاه بن محمد طبر إلى همذان","lvl":2,"sub":1},{"id":3314,"title":"سلطنة أرسلان شاه","lvl":2,"sub":2},{"id":3314,"title":"السلطان طغرل بن أرسلان","lvl":2,"sub":3},{"id":3315,"title":"ذكر الحرب بين طغرل وجيوش الخليفة الناصر لدين الله وظفره بهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3315,"title":"ذكر اعتقال طغرل وخلاصه وما كان من أمره إلى أن قتل، وانقراض الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3315,"title":"مقتل السلطان طغرل","lvl":2,"sub":2},{"id":3316,"title":"ذكر استيلائه على حمص وغيرها من ساحل الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3316,"title":"ذكر ما تقوله في طلب السلطنة","lvl":2,"sub":1},{"id":3316,"title":"ذكر ملكه ديار بكر وأذربيجان وعوده إلى الشام","lvl":2,"sub":2},{"id":3316,"title":"ذكر عود تتش إلى البلاد وملكه همذان وغيرها","lvl":2,"sub":3},{"id":3317,"title":"ذكر انهزام بركياروق منه","lvl":2,"sub":0},{"id":3317,"title":"ذكر قتل تاج الدولة تتش","lvl":2,"sub":1},{"id":3317,"title":"ذكر حال الملك رضوان وأخيه دقاق بعد قتل أبيهما تتش","lvl":2,"sub":2},{"id":3318,"title":"ذكر الحرب بين الملكين رضوان وأخيه دقاق","lvl":2,"sub":0},{"id":3318,"title":"ذكر ملك دقاق مدينة الرحبة.","lvl":2,"sub":1},{"id":3318,"title":"وفاة الملك دقاق","lvl":2,"sub":2},{"id":3319,"title":"من ملك حلب بعد الدولة السلجتقية","lvl":2,"sub":0},{"id":3320,"title":"تاج الملوك بورى بن أتابك","lvl":2,"sub":0},{"id":3321,"title":"حصار الفرنج دمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":3321,"title":"شمس الملوك اسماعيل","lvl":2,"sub":1},{"id":3322,"title":"ذكر ملكه قلعة بانياس","lvl":2,"sub":0},{"id":3322,"title":"ذكر ملكه مدينة حماة","lvl":2,"sub":1},{"id":3322,"title":"ذكر ملكه شقيف تيرون ونهبه بلد الفرنج","lvl":2,"sub":2},{"id":3322,"title":"ذكر مقتل شمس الملوك وملك أخيه شهاب الدين محمود","lvl":2,"sub":3},{"id":3323,"title":"شهاب الدين محمود","lvl":2,"sub":0},{"id":3323,"title":"ذكر ملكه مدينة حمص","lvl":2,"sub":1},{"id":3323,"title":"ذكر ملك جمال الدين محمد ابن تاج الملوك بورى بن طعرتكين","lvl":2,"sub":2},{"id":3323,"title":"مجير الدين ابق","lvl":2,"sub":3},{"id":3324,"title":"الملك سليمان","lvl":2,"sub":0},{"id":3324,"title":"فتح مدينة أنطاكية","lvl":2,"sub":1},{"id":3325,"title":"قتل الملك سليمان قتلمش","lvl":2,"sub":0},{"id":3325,"title":"قلج أرسلان بن سليمان","lvl":2,"sub":1},{"id":3325,"title":"قتل الملك قلج أرسلان","lvl":2,"sub":2},{"id":3326,"title":"الملك عز الدين قلج","lvl":2,"sub":0},{"id":3326,"title":"ذكر تسليمه البلاد لبنيه وبني أخيه وما جعل لكل منهم","lvl":2,"sub":1},{"id":3326,"title":"قتل نور الدين","lvl":2,"sub":2},{"id":3326,"title":"وفاة ركن الدين سليمان","lvl":2,"sub":3},{"id":3327,"title":"ذكر ملك غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن","lvl":2,"sub":0},{"id":3327,"title":"ذكر ملكه مدينة أنطاكية","lvl":2,"sub":1},{"id":3327,"title":"ذكر ملك علاء الدين كيقباذ بن غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود","lvl":2,"sub":2},{"id":3328,"title":"ذكر اجتماع كيقباذ والأشرف على حرب جلال الدين خوارزم شاه وانهزامه منهما","lvl":2,"sub":0},{"id":3328,"title":"ذكر ملك غياث الدين كيخسرو ابن الملك علاء الدين كيقباذ غياث الدين","lvl":2,"sub":1},{"id":3329,"title":"ذكر أحوال أولاد السلطان غياث الدين كيخسرو بعد وفاة أبيهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3331,"title":"قتل ركن الدين قلج","lvl":2,"sub":0},{"id":3331,"title":"ذكر خبر البرواناه معين الدين سليمان وأصله وتنقله","lvl":2,"sub":1},{"id":3332,"title":"قسيم الدولة أقسنقر التركي","lvl":2,"sub":0},{"id":3332,"title":"ذكر قتل قسيم الدولة","lvl":2,"sub":1},{"id":3332,"title":"عماد الدين أتابك زنكي","lvl":2,"sub":2},{"id":3333,"title":"ابتداء حال عماد الدين زنكي وترقيه وتنقله في الولايات","lvl":2,"sub":0},{"id":3334,"title":"ولاية عماد الدين زنكي","lvl":2,"sub":0},{"id":3334,"title":"ولاية عماد الدين زنكي الموصل وأعمالها","lvl":2,"sub":1},{"id":3336,"title":"ذكر ملك عماد الدين حلب","lvl":2,"sub":0},{"id":3336,"title":"ذكر ملكه مدينة حماه","lvl":2,"sub":1},{"id":3336,"title":"ذكر ملكه حصن الأثارب وهزيمة الفرنج","lvl":2,"sub":2},{"id":3337,"title":"ذكر حصره مدينة آمد وملكه قلعة الصور","lvl":2,"sub":0},{"id":3337,"title":"ذكر ملكه قلاع الأكراد الحميدية","lvl":2,"sub":1},{"id":3337,"title":"ذكر حصره مدينة دمشق","lvl":2,"sub":2},{"id":3338,"title":"غزاة العسكر إلى بلاد الفرنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3338,"title":"ذكر ملكه قلعة بعرين وهزيمة الفرنج","lvl":2,"sub":1},{"id":3339,"title":"ملك عماد الدين بعلبك","lvl":2,"sub":0},{"id":3340,"title":"ذكر ملكه شهرزور وأعمالها","lvl":2,"sub":0},{"id":3340,"title":"ذكر ملك عماد الدين زنكي قلعة آشب وغيرها من بلاد الهكارية","lvl":2,"sub":1},{"id":3340,"title":"ذكر صلحه والسلطان مسعود","lvl":2,"sub":2},{"id":3341,"title":"ذكر ملكه بعض ديار بكر","lvl":2,"sub":0},{"id":3341,"title":"ذكر فتح الرها وغيرها من بلاد الجزيرة مما هو بيد الفرنج","lvl":2,"sub":1},{"id":3342,"title":"ذكر مقتل نصير الدين جقر، وولاية زين الدين على كورجك","lvl":2,"sub":0},{"id":3342,"title":"مقتل عماد الدين زنكي","lvl":2,"sub":1},{"id":3343,"title":"ملك سيف الدين غازي","lvl":2,"sub":0},{"id":3343,"title":"حصر الفرنج دمشق","lvl":2,"sub":1},{"id":3344,"title":"وفاة سيف الدين غازي","lvl":2,"sub":0},{"id":3344,"title":"الملك العادل نور الدين","lvl":2,"sub":1},{"id":3344,"title":"الغزوات والفتوحات النورية","lvl":2,"sub":2},{"id":3344,"title":"ذكر عصيان مدينة الرها وفتحها الفتح الثاني ونهبها","lvl":2,"sub":3},{"id":3344,"title":"فتح حصن العريمة","lvl":2,"sub":4},{"id":3344,"title":"انهزام الفرنج بيغرا","lvl":2,"sub":5},{"id":3345,"title":"قتل البرنس صاحب أنطاكية","lvl":2,"sub":0},{"id":3345,"title":"فتح حصن أفامية","lvl":2,"sub":1},{"id":3345,"title":"أسر جوستكين وفتح بلاده","lvl":2,"sub":2},{"id":3346,"title":"حصر قلعة حارم وفتحها","lvl":2,"sub":0},{"id":3346,"title":"ذكر ملكه بانياس وما قرره على طبرية وأعمالها","lvl":2,"sub":1},{"id":3346,"title":"ذكر فتح المنيطرة","lvl":2,"sub":2},{"id":3346,"title":"ذكر فتح صافيثا وعريمة","lvl":2,"sub":3},{"id":3346,"title":"ما استولى عليه نور الدين","lvl":2,"sub":4},{"id":3346,"title":"ذكر ملكه مدينة دمشق","lvl":2,"sub":5},{"id":3347,"title":"ذكر ملكه بعلبك","lvl":2,"sub":0},{"id":3347,"title":"ذكر ملكه قلعة جعبر","lvl":2,"sub":1},{"id":3347,"title":"ذكر ملكه الديار المصرية","lvl":2,"sub":2},{"id":3347,"title":"ذكر ملكه الموصل","lvl":2,"sub":3},{"id":3347,"title":"وفاة نور الدين","lvl":2,"sub":4},{"id":3349,"title":"الملك الصالح اسماعيل","lvl":2,"sub":0},{"id":3350,"title":"ذكر مقتل سعد الدين كمشتكين وحصر الفرنج حارم","lvl":2,"sub":0},{"id":3350,"title":"وفاة الملك الصالح اسماعيل","lvl":2,"sub":1},{"id":3351,"title":"قطب الدين مودود","lvl":2,"sub":0},{"id":3351,"title":"ذكر القبض على الوزير جمال الدين محمد بن علي ابن منصور","lvl":2,"sub":1},{"id":3352,"title":"ذكر فراق زين الدين الموصل وتحكم قطب الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3353,"title":"ذكر وفاة قطب الدين مودود وملك ولده سيف الدين غازي","lvl":2,"sub":0},{"id":3353,"title":"سيف الدين غازي","lvl":2,"sub":1},{"id":3353,"title":"ملك غارى بلاد الجزيرية","lvl":2,"sub":2},{"id":3353,"title":"ذكر حصره أخاه زنكي بسنجار","lvl":2,"sub":3},{"id":3354,"title":"ذكر وفاة سيف الدين غازي","lvl":2,"sub":0},{"id":3354,"title":"ذكر ملك عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي","lvl":2,"sub":1},{"id":3354,"title":"ذكر تسليم حلب إلى عماد الدين زنكي وأخذ سنجار عوضا عنها","lvl":2,"sub":2},{"id":3354,"title":"ذكر القبض على مجاهد الدين قايماز","lvl":2,"sub":3},{"id":3355,"title":"ذكر اطلاق مجاهد الدين قايماز وما كان من العجم وانهزامهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3355,"title":"ذكر وفاة عز الدين مسعود","lvl":2,"sub":1},{"id":3356,"title":"عماد الدين زنكي","lvl":2,"sub":0},{"id":3357,"title":"معز الدين سنجر شاه","lvl":2,"sub":0},{"id":3357,"title":"ذكر مقتله وملك ولده معز الدين محمود","lvl":2,"sub":1},{"id":3357,"title":"الباب الحادي عشر من القسم الخامس من الفن الخامس","lvl":2,"sub":2},{"id":3357,"title":"الدولة الخوارزمية والجنكزخانية","lvl":2,"sub":3},{"id":3358,"title":"خوارزم شاه اتسز","lvl":2,"sub":0},{"id":3359,"title":"وفاة خوارزم شاه تكش","lvl":2,"sub":0},{"id":3360,"title":"السلطان علاء الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3362,"title":"استيلاء خوارزم شاه على الغورية","lvl":2,"sub":0},{"id":3362,"title":"ملكه ترمذ وتسليمها للخطا","lvl":2,"sub":1},{"id":3363,"title":"ملكه الطالقان","lvl":2,"sub":0},{"id":3363,"title":"أسر خوارزم شاه وخلاصه","lvl":2,"sub":1},{"id":3364,"title":"قتل الحسين بن خرميل","lvl":2,"sub":0},{"id":3365,"title":"عوده إلى بلاد الخطا وظفره بهم وأسر مقدمهم وملكه ما وراء النهر","lvl":2,"sub":0},{"id":3365,"title":"واقعة أفنت الخطا","lvl":2,"sub":1},{"id":3366,"title":"ملك خوارزم شاه كرمان","lvl":2,"sub":0},{"id":3366,"title":"ملكه غزنة وأعمالها","lvl":2,"sub":1},{"id":3367,"title":"عزمه على المسير إلى العراق وقصد بغداد، ومراسلته في طلب آل سلجق ببغداد","lvl":2,"sub":0},{"id":3368,"title":"مسيره إلى العراق وما اتفق له","lvl":2,"sub":0},{"id":3370,"title":"قصد السلطان بغداد وما رتبه من أحوال مملكته وعوده بعد مسيره","lvl":2,"sub":0},{"id":3370,"title":"عود السلطان إلى بلاد ما وراء النهر ووصول رسل التتار إليه وما اتفق من","lvl":2,"sub":1},{"id":3371,"title":"ما اعتمده السلطان من سوء التدبير لما قصده التتار","lvl":2,"sub":0},{"id":3371,"title":"ما وقع بين السلطان علاء الدين خوارزم شاه وأمه وأخواله من الاختلاف","lvl":2,"sub":1},{"id":3373,"title":"ما اتفق للسلطان بعد ملك التتار","lvl":2,"sub":0},{"id":3373,"title":"وفاة السلطان علاء الدين","lvl":2,"sub":1},{"id":3374,"title":"جلال الدين منكبرتي","lvl":2,"sub":0},{"id":3374,"title":"مسير جلال الدين من نيسابور إلى غزنة","lvl":2,"sub":1},{"id":3375,"title":"الحرب بين جلال الدين وتولى خان بن جنكزخان وانهزام التتار وقتل تولى خان","lvl":2,"sub":0},{"id":3375,"title":"الحرب بين جلال الدين وجنكزخان وانهزام جلال الدين","lvl":2,"sub":1},{"id":3376,"title":"حال جلال الدين بعد عبوره ماء السند","lvl":2,"sub":0},{"id":3376,"title":"ما كان بين جلال الدين وقباجة من وفاق وخلاف","lvl":2,"sub":1},{"id":3377,"title":"الحوادث بعد كسر جلال الدين قباجة وما جرى بينه وبين شمس الدين ايلتتمش","lvl":2,"sub":0},{"id":3378,"title":"طلوع جلال الدين من الهند ووصوله إلى كرمان وما جرى له من الحوادث إلى أن","lvl":2,"sub":0},{"id":3379,"title":"مسيره صوب خوزستان","lvl":2,"sub":0},{"id":3379,"title":"ملكه أذربيجان ومراغة","lvl":2,"sub":1},{"id":3379,"title":"كسر السلطان الكرج","lvl":2,"sub":2},{"id":3380,"title":"عوده من دوين إلى تبريز وتركه الميمنة ببلاد الكرج","lvl":2,"sub":0},{"id":3381,"title":"ملك السلطان كنجة","lvl":2,"sub":0},{"id":3381,"title":"نكاح السلطان بنت طغرل","lvl":2,"sub":1},{"id":3381,"title":"عوده إلى بلد الكرج وفتحه تفليس","lvl":2,"sub":2},{"id":3381,"title":"المصاف الكائن بينه وبين التتار بظاهر أصفهان","lvl":2,"sub":3},{"id":3382,"title":"ما آل إليه أمر غياث الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3383,"title":"مسير السلطان إلى خلاط ومحاصرتها","lvl":2,"sub":0},{"id":3383,"title":"الحوادث في مدة حصار خلاط","lvl":2,"sub":1},{"id":3383,"title":"مسير رسول السلطان إلى الديوان العزيز واجتماعه بالخليفة وما اتفق له","lvl":2,"sub":2},{"id":3385,"title":"ملكه مدينة خلاط","lvl":2,"sub":0},{"id":3385,"title":"مسيره إلى بلد الروم وانهزامه من عسكري الشام والروم","lvl":2,"sub":1},{"id":3386,"title":"وصول مقدمة التتار إلى تخوم أذربيجان","lvl":2,"sub":0},{"id":3386,"title":"كبسة التتار السلطان وهو بحد شيركبوت","lvl":2,"sub":1},{"id":3386,"title":"القبض على شرف الملك وزير السلطان وقتله","lvl":2,"sub":2},{"id":3388,"title":"رحيل السلطان صوب كنجة وتملكها ثانيا","lvl":2,"sub":0},{"id":3388,"title":"نزول السلطان بلد آمد وكبس التتار له وما كان من أمره","lvl":2,"sub":1},{"id":3389,"title":"مقتل السلطان جلال الدين وانقراض الدولة الخوارزمية","lvl":2,"sub":0},{"id":3390,"title":"جنكزخان التمرجي","lvl":2,"sub":0},{"id":3392,"title":"خروجهم إلى البلاد الاسلامية","lvl":2,"sub":0},{"id":3392,"title":"استيلاء جنكزخان على بخارا","lvl":2,"sub":1},{"id":3394,"title":"ما فعلته طائفة المغربة من التتار","lvl":2,"sub":0},{"id":3394,"title":"استيلائهم على مازندران ووصولهم إلى الري وهمذان","lvl":2,"sub":1},{"id":3394,"title":"مسيرهم إلى أذربيجان وقتالهم مع الكرج","lvl":2,"sub":2},{"id":3395,"title":"ملكهم مدينة مراغة","lvl":2,"sub":0},{"id":3395,"title":"ملكهم همذان وقتل أهلها","lvl":2,"sub":1},{"id":3396,"title":"مسيرهم إلى أذربيجان وملكهم أردويل وغيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":3396,"title":"وصولهم إلى الكرج","lvl":2,"sub":1},{"id":3396,"title":"وصولهم إلى دربند شروان","lvl":2,"sub":2},{"id":3397,"title":"ما فعلوه باللان وقفجاق","lvl":2,"sub":0},{"id":3397,"title":"ما فعلوه بقفجاق والروس","lvl":2,"sub":1},{"id":3397,"title":"عود التتار إلى ملكهم","lvl":2,"sub":2},{"id":3398,"title":"ملك التتار خراسان","lvl":2,"sub":0},{"id":3399,"title":"ملكهم مدينة غزنة","lvl":2,"sub":0},{"id":3399,"title":"ملكهم مدينة خوارزم","lvl":2,"sub":1},{"id":3400,"title":"عود طائفة من التتار إلى همذان وغيرها وهم غير التتار المغربة الذين","lvl":2,"sub":0},{"id":3401,"title":"وفاة جنكزخان","lvl":2,"sub":0},{"id":3402,"title":"ملك أوكتاي بن جنكزخان","lvl":2,"sub":0},{"id":3402,"title":"الحروب بين التتار والسلطان","lvl":2,"sub":1},{"id":3403,"title":"طاعة أهل أذربيجان للتتار","lvl":2,"sub":0},{"id":3403,"title":"دخول التتار ديار الجزيرة","lvl":2,"sub":1},{"id":3404,"title":"وفاة أوكتاي خان","lvl":2,"sub":0},{"id":3404,"title":"جلوس منكوقان بن تلي خان بن جنكزخان على تخت القانية","lvl":2,"sub":1},{"id":3404,"title":"دخول التتار بلاد الروم","lvl":2,"sub":2},{"id":3405,"title":"تجريد منكوقان العساكر إلى بلاد الروم وما استولوا عليه منها","lvl":2,"sub":0},{"id":3406,"title":"مهلك منكوقان وما حصل بين اخوته من التنازع في القانية","lvl":2,"sub":0},{"id":3406,"title":"ملك قبلاي بن تولى خان بن جنكزخان القانية وهو الخامس من ملوكهم","lvl":2,"sub":1},{"id":3407,"title":"ملوك البلاد الشمالية","lvl":2,"sub":0},{"id":3407,"title":"ملك بركة بن باطوخان","lvl":2,"sub":1},{"id":3408,"title":"ملك منكوتمر","lvl":2,"sub":0},{"id":3408,"title":"مسير عساكر منكوتمر إلى بلاد القسطنطينية","lvl":2,"sub":1},{"id":3409,"title":"ملك تدان منكوا","lvl":2,"sub":0},{"id":3409,"title":"ملك تلابغا","lvl":2,"sub":1},{"id":3409,"title":"مقتل تلابغا","lvl":2,"sub":2},{"id":3410,"title":"ملك طقطا","lvl":2,"sub":0},{"id":3410,"title":"ايقاع طقطا بجماعة من أمرائه","lvl":2,"sub":1},{"id":3410,"title":"ابتداء الخلف بين طقطا ونوغيه","lvl":2,"sub":2},{"id":3411,"title":"الواقعة الأولى بين طقطا ونوغيه","lvl":2,"sub":0},{"id":3411,"title":"الوقعة الثانية وقتل نوغيه","lvl":2,"sub":1},{"id":3411,"title":"أولاد نوغيه","lvl":2,"sub":2},{"id":3412,"title":"ما اتفق طراي بن نوغيه وصراي بغا بن منكوتمر من الخروج عن طاعة الملك","lvl":2,"sub":0},{"id":3412,"title":"أزبك بن طغولجا بن منكوتمر بن طغان ابن باطوخان بن دوشي خان بن جنكزخان","lvl":2,"sub":1},{"id":3412,"title":"ملوك ما وراء النهر من ذرية جنكزخان","lvl":2,"sub":2},{"id":3413,"title":"استيلاؤه على بغداد","lvl":2,"sub":0},{"id":3414,"title":"استيلاء التتار على ميافارقين","lvl":2,"sub":0},{"id":3415,"title":"وفاة بيجو مقدم التتار","lvl":2,"sub":0},{"id":3415,"title":"استيلاء هولاكو على حلب","lvl":2,"sub":1},{"id":3416,"title":"استيلاء التتار على دمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":3417,"title":"الأقاليم التي ملكها هولاكو","lvl":2,"sub":0},{"id":3418,"title":"مهلك هولاكو","lvl":2,"sub":0},{"id":3418,"title":"ملك أبغا بن هولاكو","lvl":2,"sub":1},{"id":3419,"title":"قتل سليمان البرواناه","lvl":2,"sub":0},{"id":3420,"title":"وفاة أبغا بن هولاكو","lvl":2,"sub":0},{"id":3420,"title":"ملك توكدار بن هولاكو","lvl":2,"sub":1},{"id":3420,"title":"ما اتفق بين توكدار وبين أرغون ابن أخيه أبغا","lvl":2,"sub":2},{"id":3420,"title":"مقتل توكدار بن هولاكو","lvl":2,"sub":3},{"id":3421,"title":"ملك أرغون بن أبغا","lvl":2,"sub":0},{"id":3421,"title":"ملك كيخاتو بن أبغا","lvl":2,"sub":1},{"id":3421,"title":"ملك بيدو بن طرغاي","lvl":2,"sub":2},{"id":3422,"title":"ملك غازان بن أرغون","lvl":2,"sub":0},{"id":3422,"title":"مسير غازان إلى الشام ووقعة مجمع المروج","lvl":2,"sub":1},{"id":3424,"title":"مسير غازان إلى الشام وعوده وتجريد عساكره وانهزامها بمرج الصفر","lvl":2,"sub":0},{"id":3424,"title":"وفاة غازان","lvl":2,"sub":1},{"id":3424,"title":"ملك خدابندا بن أرغون","lvl":2,"sub":2},{"id":3424,"title":"قتل قطلو شاه","lvl":2,"sub":3},{"id":3425,"title":"خبر مدينة قنغر","lvl":2,"sub":0},{"id":3425,"title":"وفاة خدابندا","lvl":2,"sub":1},{"id":3425,"title":"الباب الثاني من القسم الخامس من الفن الخامس","lvl":2,"sub":2},{"id":3425,"title":"ملوك الديار المصرية","lvl":2,"sub":3},{"id":3426,"title":"عصيان العباس","lvl":2,"sub":0},{"id":3426,"title":"خلاف لؤلؤ على أحمد","lvl":2,"sub":1},{"id":3427,"title":"وفاة أحمد بن طولون","lvl":2,"sub":0},{"id":3428,"title":"ولاية أبي جيش خمارويه","lvl":2,"sub":0},{"id":3428,"title":"مسير إسحاق بن كنداجق ومحمد بن أبي الساج إلى الشام","lvl":2,"sub":1},{"id":3429,"title":"وقعة الطواحين","lvl":2,"sub":0},{"id":3429,"title":"اختلاف محمد بن أبي الساج وإسحاق بن كنداجق والخطبة لخمارويه بالجزيرة","lvl":2,"sub":1},{"id":3430,"title":"اختلاق خمارويه ومحمد ابن الساج والحرب بينهما.","lvl":2,"sub":0},{"id":3430,"title":"الدعاء لخمارويه بطرسوس","lvl":2,"sub":1},{"id":3430,"title":"الفتنة بطرسوس","lvl":2,"sub":2},{"id":3430,"title":"زواج المعتضد بابنة خمارويه","lvl":2,"sub":3},{"id":3431,"title":"مقتل أبي الجيش خمارويه","lvl":2,"sub":0},{"id":3431,"title":"ولاية أبي العشائر","lvl":2,"sub":1},{"id":3431,"title":"عصيان دمشق","lvl":2,"sub":2},{"id":3431,"title":"ولاية أبي موسى","lvl":2,"sub":3},{"id":3431,"title":"انقراض الدولة الطولونية","lvl":2,"sub":4},{"id":3432,"title":"إبراهيم الخليجي","lvl":2,"sub":0},{"id":3432,"title":"استيلاء حباسة على الإسكندرية","lvl":2,"sub":1},{"id":3433,"title":"وصول أبي القاسم بن المهدي إلى الديار المصرية","lvl":2,"sub":0},{"id":3435,"title":"وفاة الإخشيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3435,"title":"ولاية أبي القاسم أنوجور","lvl":2,"sub":1},{"id":3435,"title":"قيام أبي نصر","lvl":2,"sub":2},{"id":3436,"title":"وفاة الوزير أبي بكر","lvl":2,"sub":0},{"id":3436,"title":"وفاة أبي القاسم","lvl":2,"sub":1},{"id":3436,"title":"ولاية أبي المسك","lvl":2,"sub":2},{"id":3439,"title":"ابتداء أمرهم وأول من قام منهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3443,"title":"أخبار أبي عبد الله الشيعي","lvl":2,"sub":0},{"id":3445,"title":"انتقال أبي عبد الله الشيعي","lvl":2,"sub":0},{"id":3447,"title":"تغلبه على مدينة ميلة","lvl":2,"sub":0},{"id":3447,"title":"الحرب بين أبي عبد الله الشيعي وبين أبي الحوال محمد بن أبي العباس","lvl":2,"sub":1},{"id":3447,"title":"تغلب أبي عبد الله الشيعي على مدينة سطيف","lvl":2,"sub":2},{"id":3447,"title":"خروج إبراهيم بن حنبش إلى بلد كتامة","lvl":2,"sub":3},{"id":3448,"title":"هرب زيادة الله إلى المشرق","lvl":2,"sub":0},{"id":3448,"title":"رجوع أبي عبد الله الشيعي إلى إفريقية","lvl":2,"sub":1},{"id":3448,"title":"خروج أبي عبد الله الشيعي إلى سلجماسة","lvl":2,"sub":2},{"id":3449,"title":"رحيل عبد الله من الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3451,"title":"مقتل أبي عبيد الله","lvl":2,"sub":0},{"id":3452,"title":"أخبار من خالفه","lvl":2,"sub":0},{"id":3452,"title":"بناء مدينة المهدية","lvl":2,"sub":1},{"id":3453,"title":"بناء مدينة المسيلة","lvl":2,"sub":0},{"id":3453,"title":"وفاة المهدي","lvl":2,"sub":1},{"id":3453,"title":"بيعة القائم بأمر الله","lvl":2,"sub":2},{"id":3454,"title":"وفاة القائم بأمر الله","lvl":2,"sub":0},{"id":3454,"title":"بيعة المنصور بنصر الله","lvl":2,"sub":1},{"id":3454,"title":"وفاة المنصور","lvl":2,"sub":2},{"id":3454,"title":"بيعة المعز لدين الله","lvl":2,"sub":3},{"id":3455,"title":"خبر إرسال القائد جوهر الكاتب بالعساكر إلى الديار المصرية","lvl":2,"sub":0},{"id":3455,"title":"ذكر خبر وصول جوهر القائد بالعساكر إلى الديار المصرية","lvl":2,"sub":1},{"id":3458,"title":"إقامة الخطبة ، وضرب السكة بمصر، للمعز لدين الله في الدعاء له على","lvl":2,"sub":0},{"id":3458,"title":"خروج تبر الإخشيدي","lvl":2,"sub":1},{"id":3459,"title":"فتوح الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3459,"title":"استيلاء القرامطة على دمشق","lvl":2,"sub":1},{"id":3460,"title":"خروج المعز لدين الله من بلاد المغرب إلى الديار المصرية 43 وما رتبه","lvl":2,"sub":0},{"id":3461,"title":"مكاتبة المعز لدين الله القرمطي وجواب القرمطي له.","lvl":2,"sub":0},{"id":3462,"title":"فتوح طرابلس الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3462,"title":"وفاة المعز لدين الله","lvl":2,"sub":1},{"id":3463,"title":"بيعة العزيز بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":3463,"title":"حرب أفتكين وعساكر العزيز","lvl":2,"sub":1},{"id":3464,"title":"حرب أفتيكن وأسره","lvl":2,"sub":0},{"id":3464,"title":"فتوح اللاذقية","lvl":2,"sub":1},{"id":3465,"title":"فتح قنسرين وحمص","lvl":2,"sub":0},{"id":3466,"title":"وفاة العزيز بالله وشيء من أخباره وأخبار وزيره يعقوب بن كلس ومن ولي","lvl":2,"sub":0},{"id":3466,"title":"أخبار الوزير يعقوب بن كلس","lvl":2,"sub":1},{"id":3467,"title":"بيعة الحاكم بأمر الله","lvl":2,"sub":0},{"id":3467,"title":"القبض على الوزير عيسى","lvl":2,"sub":1},{"id":3467,"title":"مخالفة منجوتكين بدمشق وحربه وأسره وسبب ذلك","lvl":2,"sub":2},{"id":3468,"title":"الفتنة بين المشارقة والمغاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":3469,"title":"قتل برجوان الخصي","lvl":2,"sub":0},{"id":3469,"title":"ما شذ به الحاكم بأمر الله","lvl":2,"sub":1},{"id":3470,"title":"بناء الجامع المعروف باسم راشده","lvl":2,"sub":0},{"id":3470,"title":"بناء الجامع المعروف بالحاكم الذي هو باب النصر وباب الفتوح بالقاهرة","lvl":2,"sub":1},{"id":3470,"title":"أبي ركوة","lvl":2,"sub":2},{"id":3472,"title":"خروج آل الجراح على الحاكم","lvl":2,"sub":0},{"id":3473,"title":"أحمد بن محمد القشوري وقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":3473,"title":"هدم كنائس الديار المصرية","lvl":2,"sub":1},{"id":3474,"title":"البيعة بولاية العهد لأبي القاسم عبد الرحيم","lvl":2,"sub":0},{"id":3474,"title":"إحراق مصر وقتال أهلها","lvl":2,"sub":1},{"id":3474,"title":"غيبة الحاكم بأمر الله","lvl":2,"sub":2},{"id":3477,"title":"مولد الحاكم ومدة عمره وملكه وأولاده وكتابه ووسائطه وقضاته ونقش خاتمه","lvl":2,"sub":0},{"id":3477,"title":"بيعة الظاهر لإعزاز دين الله","lvl":2,"sub":1},{"id":3477,"title":"مقتل الحسين بن دواس","lvl":2,"sub":2},{"id":3478,"title":"وفاة الظاهر لإعزاز دين الله على ابن الحاكم بأمر الله وشيء من أخباره","lvl":2,"sub":0},{"id":3479,"title":"بيعة المستنصر بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":3480,"title":"عود حلب إلى ملك ملك الديار المصرية","lvl":2,"sub":0},{"id":3480,"title":"الوحشة الواقعة بين أبي القاسم الجرجرائي وأمير الجيوش أنوشتكين الدزبري","lvl":2,"sub":1},{"id":3480,"title":"شبيه الحاكم بأمر الله وقتله","lvl":2,"sub":2},{"id":3480,"title":"وفاة الوزير صفي الدين أبي القاسم أحمد بن علي الجرجرائي وشيء من أخباره","lvl":2,"sub":3},{"id":3481,"title":"مقتل أبي سعيد التستري","lvl":2,"sub":0},{"id":3482,"title":"مقتل الوزير الحسن بن علي","lvl":2,"sub":0},{"id":3483,"title":"فتنة خراب مصر","lvl":2,"sub":0},{"id":3484,"title":"ناصر الدولة والأتراك","lvl":2,"sub":0},{"id":3485,"title":"الصلح بين ناصر الدولة والأتراك","lvl":2,"sub":0},{"id":3485,"title":"حرب ناصر الدولة وتاج الملوك","lvl":2,"sub":1},{"id":3485,"title":"الغلاء الكائن بمصر","lvl":2,"sub":2},{"id":3486,"title":"هلاك عرب الصعيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3487,"title":"بناء باب زويلة بالقاهرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3487,"title":"وفاة أمير الجيوش","lvl":2,"sub":1},{"id":3487,"title":"وفاة المستنصر بالله","lvl":2,"sub":2},{"id":3488,"title":"بيعة المستعلي بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":3489,"title":"ما اتفق لنزار ومن معه","lvl":2,"sub":0},{"id":3489,"title":"الاستيلاء على بيت المقدس","lvl":2,"sub":1},{"id":3490,"title":"استيلاء الفرنج على بلاد اسلامية","lvl":2,"sub":0},{"id":3490,"title":"ملكهم مدينة أنطاكية","lvl":2,"sub":1},{"id":3491,"title":"مسير المسلمين لحرب الفرنج وما كان من أمرهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3492,"title":"ملكهم معرة النعمان","lvl":2,"sub":0},{"id":3492,"title":"استلائهم خذلهم الله تعالى على البيت المقدس","lvl":2,"sub":1},{"id":3493,"title":"ظفر المسلمين بالفرنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3493,"title":"قتل كندفري","lvl":2,"sub":1},{"id":3493,"title":"أخبار صنجيل الفرنجي","lvl":2,"sub":2},{"id":3494,"title":"ملك الفرنج جبيل وعكا","lvl":2,"sub":0},{"id":3495,"title":"ملك الفرنج جبلة وبلنياس","lvl":2,"sub":0},{"id":3495,"title":"ملكهم مدينة صيدا","lvl":2,"sub":1},{"id":3495,"title":"حصن الأثارب","lvl":2,"sub":2},{"id":3496,"title":"حصر مدينة صور وفتحها","lvl":2,"sub":0},{"id":3496,"title":"وفاة المستعلي بالله","lvl":2,"sub":1},{"id":3497,"title":"بيعة الآمر بأحكام الله","lvl":2,"sub":0},{"id":3497,"title":"إنشاء ديوان التحقيق","lvl":2,"sub":1},{"id":3497,"title":"حل الإقطاعيات","lvl":2,"sub":2},{"id":3497,"title":"أخذ الفرما","lvl":2,"sub":3},{"id":3498,"title":"نهب ثغر عيذاب","lvl":2,"sub":0},{"id":3498,"title":"مقتل الأفضل شاهنشاه","lvl":2,"sub":1},{"id":3500,"title":"إمرة الجيوش للمأمون البطائحي","lvl":2,"sub":0},{"id":3501,"title":"القبض على المأمون","lvl":2,"sub":0},{"id":3502,"title":"أخبار أبي نجاح بن فنا","lvl":2,"sub":0},{"id":3502,"title":"مقتل الآمر بأحكام الله","lvl":2,"sub":1},{"id":3503,"title":"بيعة الحافظ لدين الله","lvl":2,"sub":0},{"id":3503,"title":"بيعة الحافظ لدين الله الثانية","lvl":2,"sub":1},{"id":3504,"title":"الخلاف بين ابني الحافظ لدين الله","lvl":2,"sub":0},{"id":3504,"title":"مقتل حسن بن الحافظ","lvl":2,"sub":1},{"id":3504,"title":"وزارة بهرام الأرمني","lvl":2,"sub":2},{"id":3504,"title":"خروج بهرام من الوزارة ووزارة رضوان ابن الولخشي","lvl":2,"sub":3},{"id":3506,"title":"وفاة بهرام الأرمني","lvl":2,"sub":0},{"id":3506,"title":"وفاة الحافظ لدين الله","lvl":2,"sub":1},{"id":3507,"title":"بيعة الظافر بأعداء الله","lvl":2,"sub":0},{"id":3507,"title":"قيام العادل بن السلار","lvl":2,"sub":1},{"id":3508,"title":"ما فعله الفرنج بالفرما","lvl":2,"sub":0},{"id":3508,"title":"مقتل العادل بن السلار","lvl":2,"sub":1},{"id":3509,"title":"مقتل الظافر بأعداء الله وأخويه","lvl":2,"sub":0},{"id":3510,"title":"بيعة الفائز بنصر الله","lvl":2,"sub":0},{"id":3510,"title":"خروج عباس من الوزارة","lvl":2,"sub":1},{"id":3510,"title":"وزارة الصالح أبي الغارات","lvl":2,"sub":2},{"id":3511,"title":"وفاة الفائز بنصر الله","lvl":2,"sub":0},{"id":3511,"title":"بيعة العاضد لدين الله","lvl":2,"sub":1},{"id":3511,"title":"مقتل طلائع بن رزيك","lvl":2,"sub":2},{"id":3512,"title":"ظهور حسين بن نزار وقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":3512,"title":"انقراض دولة بني رزيك","lvl":2,"sub":1},{"id":3513,"title":"وزارة شاور الأولى","lvl":2,"sub":0},{"id":3514,"title":"وزارة الضرغام بن سوار","lvl":2,"sub":0},{"id":3514,"title":"قدوم شاور من الشام وعوده إلى الوزارة ثانيا وقتل الضرغام","lvl":2,"sub":1},{"id":3514,"title":"غدر شاور بشيركوه","lvl":2,"sub":2},{"id":3515,"title":"عود أسد الدين شيركوه إلى الديار المصرية بالعساكر الشامية وانفصاله","lvl":2,"sub":0},{"id":3516,"title":"وصول الفرنج إلى القاهرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3516,"title":"قدوم شيركوه إلى مصر","lvl":2,"sub":1},{"id":3517,"title":"مقتل شاور","lvl":2,"sub":0},{"id":3517,"title":"انقراض الدولة العبيدية","lvl":2,"sub":1},{"id":3518,"title":"أخبار الدولة العبيدية","lvl":2,"sub":0},{"id":3519,"title":"الملك الأفضل نجم الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3520,"title":"ابتداء حال الملك الأفضل نجم الدين أيوب وأخيه أسد الدين شيركوه","lvl":2,"sub":0},{"id":3521,"title":"وزارة الملك المنصور","lvl":2,"sub":0},{"id":3521,"title":"الملك الناصر صلاح الدين","lvl":2,"sub":1},{"id":3522,"title":"مقتل مؤتمن الخلافة جوهر","lvl":2,"sub":0},{"id":3522,"title":"الحوادث في الأيام الناصرية","lvl":2,"sub":1},{"id":3523,"title":"وصول الملك الأفضل نجم الدين أيوب والد الملك الناصر إلى الديار المصرية","lvl":2,"sub":0},{"id":3523,"title":"إبطال الأذان بحي على خير العمل","lvl":2,"sub":1},{"id":3523,"title":"ما أنشأه الملك الناصر صلاح الدين بالقاهرة ومصر من المدارس والخوانق","lvl":2,"sub":2},{"id":3523,"title":"تفويض القضاء بالديار المصرية للقاضي صدر الدين بن درباس","lvl":2,"sub":3},{"id":3523,"title":"وفاة الملك الأفضل","lvl":2,"sub":4},{"id":3523,"title":"عمارة قلعة الجبل والسور","lvl":2,"sub":5},{"id":3524,"title":"قتل جماعة من المصريين","lvl":2,"sub":0},{"id":3525,"title":"ما استولى عليه الملك الناصر","lvl":2,"sub":0},{"id":3526,"title":"استيلائه على اليمن","lvl":2,"sub":0},{"id":3526,"title":"ملكه مدينة دمشق","lvl":2,"sub":1},{"id":3526,"title":"ملكه مدينة حمص وحماه","lvl":2,"sub":2},{"id":3527,"title":"حصره حلب","lvl":2,"sub":0},{"id":3527,"title":"انهزام عسكر سيف الدين غازي من الملك الناصر وحصره حلب ثانيا","lvl":2,"sub":1},{"id":3527,"title":"وانهزام غازي","lvl":2,"sub":2},{"id":3528,"title":"ما ملكه الملك الناصر من بلاد الملك الصالح بعد هذه الوقعة","lvl":2,"sub":0},{"id":3528,"title":"حصره مدينة حلب والصلح عليها","lvl":2,"sub":1},{"id":3528,"title":"نهبه بلاد الإسماعيلية","lvl":2,"sub":2},{"id":3528,"title":"عبوره الفرات","lvl":2,"sub":3},{"id":3528,"title":"ملكه مدينة سنجار","lvl":2,"sub":4},{"id":3529,"title":"ملكه مدينة آمد","lvl":2,"sub":0},{"id":3529,"title":"ملكه تل خالد وعين تاب","lvl":2,"sub":1},{"id":3529,"title":"ملكه حلب","lvl":2,"sub":2},{"id":3529,"title":"فتح الملك الناصر حارم","lvl":2,"sub":3},{"id":3529,"title":"حصار الموصل","lvl":2,"sub":4},{"id":3530,"title":"ملكه ميافارقين","lvl":2,"sub":0},{"id":3530,"title":"عوده إلى بلد الموصل والصلح بينه وبين صاحبها","lvl":2,"sub":1},{"id":3531,"title":"غزوات الملك الناصر","lvl":2,"sub":0},{"id":3531,"title":"غزوه بلاد الفرنج","lvl":2,"sub":1},{"id":3531,"title":"محاصرة الشوبك وعوده عنها","lvl":2,"sub":2},{"id":3531,"title":"وصول أسطول صقليه إلى ثغر الإسكندرية وانهزامه","lvl":2,"sub":3},{"id":3532,"title":"وقعة مرج عيون","lvl":2,"sub":0},{"id":3532,"title":"هدم بيت الأحزان","lvl":2,"sub":1},{"id":3533,"title":"مسيره إلى بلاد الأرمن","lvl":2,"sub":0},{"id":3533,"title":"مسيره إلى الشام","lvl":2,"sub":1},{"id":3533,"title":"الإغارة على الغور","lvl":2,"sub":2},{"id":3534,"title":"غزوة الكرك والشوبك","lvl":2,"sub":0},{"id":3534,"title":"فتح عكا ونابلس وحيفا","lvl":2,"sub":1},{"id":3534,"title":"فتح تبنين وصيدا","lvl":2,"sub":2},{"id":3535,"title":"فتح عسقلان وما يجاورها","lvl":2,"sub":0},{"id":3535,"title":"فتح بيت المقدس","lvl":2,"sub":1},{"id":3536,"title":"رحيله ومحاصرة صور","lvl":2,"sub":0},{"id":3536,"title":"فتح هونين","lvl":2,"sub":1},{"id":3536,"title":"فتح حصن برزية","lvl":2,"sub":2},{"id":3536,"title":"فتح قلعة دربساك","lvl":2,"sub":3},{"id":3537,"title":"فتح قلعة بغراس","lvl":2,"sub":0},{"id":3537,"title":"الهدنة مع صاحب إنطاكية","lvl":2,"sub":1},{"id":3537,"title":"فتح الكرك والشوبك","lvl":2,"sub":2},{"id":3537,"title":"فتح قلعة صفد","lvl":2,"sub":3},{"id":3537,"title":"فتح كوكب","lvl":2,"sub":4},{"id":3538,"title":"مسير السلطان من مرج العيون إلى صور وما كان عليه من الوقائع","lvl":2,"sub":0},{"id":3539,"title":"محاصرة الفرنج لعكا","lvl":2,"sub":0},{"id":3540,"title":"رحيل السلطان عن منزلته وتمكن الفرنج من حصار عكا","lvl":2,"sub":0},{"id":3540,"title":"وصول العسكر المصري في البر 130 والأسطول في البحر","lvl":2,"sub":1},{"id":3540,"title":"خبر ملك الألمان","lvl":2,"sub":2},{"id":3541,"title":"الوقعة العادلية على عكا","lvl":2,"sub":0},{"id":3542,"title":"وصول الكندهري إلى عكا","lvl":2,"sub":0},{"id":3542,"title":"ما كان من أمر الفرنج بعد وصول ابن ملك الألمان إلى عكا وما اتخذوه من","lvl":2,"sub":1},{"id":3543,"title":"وصول ملك افرنسيس","lvl":2,"sub":0},{"id":3543,"title":"وصول ملك الإنكلتير","lvl":2,"sub":1},{"id":3543,"title":"استيلاء الفرنج على عكا","lvl":2,"sub":2},{"id":3544,"title":"ما كان بعد أخذهم عكا","lvl":2,"sub":0},{"id":3544,"title":"هدم عسقلان","lvl":2,"sub":1},{"id":3545,"title":"وفاة الملك الناصر","lvl":2,"sub":0},{"id":3546,"title":"من ملك من أولاده وأقاربه","lvl":2,"sub":0},{"id":3546,"title":"أخبار الملك العزيز","lvl":2,"sub":1},{"id":3546,"title":"استيلاء الفرنج على جبيل","lvl":2,"sub":2},{"id":3547,"title":"مسير الملك العزيز إلى الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3548,"title":"خروج الملك العزيز لقصد الشام ثانيا ورجوعه وقصد العادل والأفضل الديار","lvl":2,"sub":0},{"id":3548,"title":"ملك الملك العزيز دمشق","lvl":2,"sub":1},{"id":3550,"title":"استيلاء الفرنج على بيروت","lvl":2,"sub":0},{"id":3550,"title":"وفاة سيف الإسلام","lvl":2,"sub":1},{"id":3550,"title":"وفاة الملك العزيز","lvl":2,"sub":2},{"id":3550,"title":"سلطنة الملك المنصور","lvl":2,"sub":3},{"id":3551,"title":"وصول الملك الأفضل إلى القاهرة واستقراره في تدبير دولة المنصور","lvl":2,"sub":0},{"id":3551,"title":"مسير الملك الأفضل إلى الشام وحصار دمشق وعوده عنها وخروجه عن الديار","lvl":2,"sub":1},{"id":3553,"title":"الغلاء المشهور","lvl":2,"sub":0},{"id":3553,"title":"وفاة القاضي الفاضل","lvl":2,"sub":1},{"id":3555,"title":"الأمراء الصلاحية والملك العادل","lvl":2,"sub":0},{"id":3556,"title":"اتفاق الملوك الأيوبية","lvl":2,"sub":0},{"id":3557,"title":"زلزال في مصر والشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3557,"title":"واستهلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة:","lvl":2,"sub":1},{"id":3557,"title":"عمارة المسجد الجامع بقاسيون","lvl":2,"sub":2},{"id":3557,"title":"وفاة الملك المعز صاحب اليمن","lvl":2,"sub":3},{"id":3558,"title":"حصار ماردين","lvl":2,"sub":0},{"id":3559,"title":"قصد العادل بلاد الفرنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3559,"title":"ذكر انتقال السلطنة من دار الوزارة بالقاهرة إلى قلعة الجبل","lvl":2,"sub":1},{"id":3559,"title":"ورود رسل الخليفة الناصر لدين الله بالخلع للملك العادل وأولاده ووزيره","lvl":2,"sub":2},{"id":3560,"title":"استيلاء الملك الأوحد على خلاط","lvl":2,"sub":0},{"id":3561,"title":"حصار الملك العادل سنجار","lvl":2,"sub":0},{"id":3563,"title":"بناء القبة على ضريح الإمام الشافعي","lvl":2,"sub":0},{"id":3563,"title":"عزل الصاحب صفي الدين عبد الله بن علي بن شكر","lvl":2,"sub":1},{"id":3565,"title":"ذكر حادثة الأمير عز الدين أسامة واعتقاله والاستيلاء على قلاعه","lvl":2,"sub":0},{"id":3565,"title":"وفاة الملك الأوحد","lvl":2,"sub":1},{"id":3565,"title":"قيام أهل مصر على الملك الكامل ورجمه","lvl":2,"sub":2},{"id":3566,"title":"استيلاء الملك المسعود على اليمن","lvl":2,"sub":0},{"id":3567,"title":"ذكر القبض على الصاحب الأعز","lvl":2,"sub":0},{"id":3568,"title":"ذكر مصادرة الصاحب صفي الدين بن شكر ونفيه من الديار المصرية","lvl":2,"sub":0},{"id":3569,"title":"ذكر مسير السلطان إلى الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3570,"title":"قصد الفرنج جزين","lvl":2,"sub":0},{"id":3570,"title":"تخريب حصن الطور","lvl":2,"sub":1},{"id":3570,"title":"وفاة السلطان الملك العادل","lvl":2,"sub":2},{"id":3571,"title":"أولاد السلطان الملك العادل","lvl":2,"sub":0},{"id":3571,"title":"ذكر أخبار السلطان الملك الكامل ناصر الدين ابن السلطان الملك العادل","lvl":2,"sub":1},{"id":3571,"title":"نزول الفرنج على ثغر دمياط","lvl":2,"sub":2},{"id":3572,"title":"وصول الملك المعظم عيسى","lvl":2,"sub":0},{"id":3572,"title":"ذكر وصول الصاحب صفي الدين بن شكر ووزارته","lvl":2,"sub":1},{"id":3573,"title":"خراب القدس","lvl":2,"sub":0},{"id":3573,"title":"ذكر استيلاء الفرنج على دمياط","lvl":2,"sub":1},{"id":3573,"title":"ذكر عود الملك المعظم شرف الدين عيسى إلى الشام وما اعتمده","lvl":2,"sub":2},{"id":3574,"title":"وفاة ست الشام ابنة أيوب","lvl":2,"sub":0},{"id":3575,"title":"واستهلت سنة سبع عشرة وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3578,"title":"واستهلت سنة ثماني عشرة وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3578,"title":"انهزام الفرنج واستعادة ثغر دمياط","lvl":2,"sub":1},{"id":3579,"title":"ذكر رجوع السلطان إلى القاهرة وإخراج الأمراء إلى الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3579,"title":"واستهلت سنة تسع عشرة وستمائة:","lvl":2,"sub":1},{"id":3580,"title":"ذكر توجه الملك المسعود بن الملك الكامل من اليمن إلى الحجاز، وما اعتمده","lvl":2,"sub":0},{"id":3581,"title":"واستهلت سنة عشرين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3581,"title":"ملك الملك المسعود مكة","lvl":2,"sub":1},{"id":3581,"title":"عصيان الملك المظفر شهاب الدين","lvl":2,"sub":2},{"id":3582,"title":"واستهلت سنة إحدى وعشرين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3582,"title":"ذكر وصول الملك المسعود من اليمن","lvl":2,"sub":1},{"id":3582,"title":"واستهلت سنة ثنتين وعشرين وستمائة:","lvl":2,"sub":2},{"id":3582,"title":"ضرب الفلوس بمصر","lvl":2,"sub":3},{"id":3583,"title":"واستهلت سنة ثلاث وعشرين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3583,"title":"ذكر وصول رسول الخليفة إلى الملوك أولاد السلطان الملك العادل، وطلب","lvl":2,"sub":1},{"id":3584,"title":"واستهلت سنة أربع وعشرين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3585,"title":"هدم مدينة تنيس","lvl":2,"sub":0},{"id":3585,"title":"ذكر الوحشة الواقعة بين السلطان الملك الكامل وبين أخيه المعظم","lvl":2,"sub":1},{"id":3585,"title":"وفاة الملك المعظم عيسى","lvl":2,"sub":2},{"id":3586,"title":"واستهلت سنة خمس وعشرين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3587,"title":"واستهلت سنة ست وعشرين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3587,"title":"تسليم بيت المقدس للفرنج","lvl":2,"sub":1},{"id":3588,"title":"ذكر توجه السلطان إلى دمشق وحصارها، وأخذها من ابن أخيه: الملك الناصر","lvl":2,"sub":0},{"id":3588,"title":"ذكر تسليم دمشق للملك الأشرف","lvl":2,"sub":1},{"id":3589,"title":"ذكر أخذ مدنية حماه وتسليمها للملك المظفر","lvl":2,"sub":0},{"id":3589,"title":"ذكر وفاة الملك المسعود، صاحب اليمن","lvl":2,"sub":1},{"id":3590,"title":"واستهلت سنة سبع وعشرين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3590,"title":"ذكر استيلاء الملك الأشرف على بعلبك","lvl":2,"sub":1},{"id":3591,"title":"واستهلت سنة ثمان وعشرين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3592,"title":"واستهلت سنة تسع وعشرين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3592,"title":"واستهلت سنة ثلاثين وستمائة:","lvl":2,"sub":1},{"id":3592,"title":"ذكر استيلاء السلطان الملك الكامل على آمد وحصن كيفا","lvl":2,"sub":2},{"id":3593,"title":"ذكر توجه رسول السلطان الملك الكامل إلى بغداد، وعوده هو ورسول الخليفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3593,"title":"ونسخة التقليد","lvl":2,"sub":1},{"id":3598,"title":"ذكر ركوب الملك العادل بشعار السلطنة","lvl":2,"sub":0},{"id":3601,"title":"واستهلت سنة إحدى وثلاثين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3601,"title":"مسير الملك الكامل إلى بلاد الروم","lvl":2,"sub":1},{"id":3603,"title":"واستهلت سنة اثنتين وثلاثين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3603,"title":"إنشاء جامع التوبة بالعقيبة بدمشق","lvl":2,"sub":1},{"id":3604,"title":"واستهلت سنة ثلاث وثلاثين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3605,"title":"واستهلت سنة أربع وثلاثين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3605,"title":"ذكر وقوع الوحشة بين السلطان الملك الكامل وأخيه الملك الأشرف","lvl":2,"sub":1},{"id":3605,"title":"وفاة الملك العزيز","lvl":2,"sub":2},{"id":3606,"title":"واستهلت سنة خمس وثلاثين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3606,"title":"وفاة الملك الأشرف","lvl":2,"sub":1},{"id":3607,"title":"ذكر ملك الملك الصالح عماد الدين إسماعيل - ابن الملك العادل - دمشق،","lvl":2,"sub":0},{"id":3608,"title":"وفاة السلطان الملك الكامل","lvl":2,"sub":0},{"id":3609,"title":"ذكر ما اتفق بدمشق بعد وفاة السلطان الملك الكامل في هذه السنة","lvl":2,"sub":0},{"id":3609,"title":"ذكر ما وقع بين الملكين: الناصر والجواد وهرب الناصر إلى الكرك","lvl":2,"sub":1},{"id":3610,"title":"ذكر أخبار الملك الصالح نجم الدين أيوب ببلاد الشرق في هذه السنة","lvl":2,"sub":0},{"id":3610,"title":"ذكر أخبار السلطان الملك العادل","lvl":2,"sub":1},{"id":3611,"title":"ذكر ما وقع في هذه السنة من الحوادث - خلاف ما تقدم","lvl":2,"sub":0},{"id":3611,"title":"واستهلت سنة ست وثلاثين وستمائة:","lvl":2,"sub":1},{"id":3611,"title":"ذكر القبض على الصاحب صفي الدين مرزوق ومصادرته واعتقاله","lvl":2,"sub":2},{"id":3612,"title":"ذكر خروج دمشق عن الملك العادل وتسليمها لأخيه الملك الصالح نجم الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3613,"title":"ذكر أخبار الملك الجواد، وما كان من أمره بعد تسليم دمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":3614,"title":"ذكر مخالفة الأتراك على السلطان الملك العادل، وتوجههم إلى أخيه الملك","lvl":2,"sub":0},{"id":3615,"title":"ذكر وصول الملك الناصر داود - صاحب الكرك - إلى السلطان الملك العادل","lvl":2,"sub":0},{"id":3615,"title":"ذكر عود السلطان الملك العادل من بلبيس إلى قلعة الجبل","lvl":2,"sub":1},{"id":3616,"title":"قتال الفرنج وفتح القدس","lvl":2,"sub":0},{"id":3616,"title":"وفاة الملك المجاهد","lvl":2,"sub":1},{"id":3616,"title":"ذكر وصول رسل الخليفة إلى السلطان الملك العادل بالتشاريف","lvl":2,"sub":2},{"id":3617,"title":"ذكر القبض على السلطان الملك العادل وخلعه","lvl":2,"sub":0},{"id":3617,"title":"الملك الصالح نجم الدين أيوب","lvl":2,"sub":1},{"id":3618,"title":"ذكر استيلاء الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن السلطان الملك العادل","lvl":2,"sub":0},{"id":3619,"title":"ذكر القبض على الملك الصالح نجم الدين أيوب واعتقاله بقلعة الكرك","lvl":2,"sub":0},{"id":3619,"title":"ذكر إطلاق الملك الصالح من الاعتقال بالكرك، وما كان من أمره إلى أن ملك","lvl":2,"sub":1},{"id":3620,"title":"ذكر سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب بالديار المصرية وهو السلطان","lvl":2,"sub":0},{"id":3620,"title":"ذكر عود الملك الناصر داود إلى الكرك","lvl":2,"sub":1},{"id":3621,"title":"ذكر عدة حوادث وقعت في سنة سبع وثلاثين وستمائة - خلاف ما قدمناه","lvl":2,"sub":0},{"id":3622,"title":"واستهلت سنة ثمان وثلاثين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3623,"title":"ذكر مسير الملك الصالح إسماعيل، صاحب دمشق، منها لقصد الديار المصرية،","lvl":2,"sub":0},{"id":3623,"title":"تسليم صفد وغيرها للفرنج","lvl":2,"sub":1},{"id":3624,"title":"واستهلت سنة تسع وثلاثين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3624,"title":"ذكر صرف قاضي القضاة شرف الدين ابن عين الدولة عن القضاء بمصر والوجه","lvl":2,"sub":1},{"id":3624,"title":"ذكر وفاة قاضي القضاة شرف الدين ابن عين الدولة، وشيء من أخباره","lvl":2,"sub":2},{"id":3628,"title":"شيخ الإسلام عبد العزيز في مصر","lvl":2,"sub":0},{"id":3629,"title":"واستهلت سنة أربعين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3630,"title":"ذكر الإتفاق والاختلاف بين الملكين الصالحين: نجم الدين أيوب صاحب مصر،","lvl":2,"sub":0},{"id":3631,"title":"واستهلت سنة اثنتين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3631,"title":"ذكر الواقعة الكائنة بين عسكر مصر - ومن معه من الخوارزمية - وبين عسكر","lvl":2,"sub":1},{"id":3632,"title":"ذكر وفاة الملك المظفر تقي الدين محمود صاحب حماه وملك ولده المنصور","lvl":2,"sub":0},{"id":3632,"title":"واستهلت سنة ثلاث وأربعين وستمائة:","lvl":2,"sub":1},{"id":3632,"title":"ذكر استيلاء الملك الصالح نجم الدين أيوب على دمشق، وأخذها من عمه الملك","lvl":2,"sub":2},{"id":3633,"title":"ذكر وفاة الأمير الصاحب معين الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3633,"title":"ذكر محاصرة الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك دمشق، وما حصل بها من الغلاء","lvl":2,"sub":1},{"id":3634,"title":"واستهلت سنة أربع وأربعين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3634,"title":"وقعة الخوارزمية","lvl":2,"sub":1},{"id":3635,"title":"ذكر استيلاء جيش السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب على بعلبك، وخروج","lvl":2,"sub":0},{"id":3635,"title":"ذكر وفاة الملك المنصور صاحب حمص، وقيام ولده الملك الأشرف","lvl":2,"sub":1},{"id":3636,"title":"ذكر توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى الشام، وما استولى","lvl":2,"sub":0},{"id":3636,"title":"واستهلت سنة خمس وأربعين وستمائة:","lvl":2,"sub":1},{"id":3636,"title":"وفاة الأمير عز الدين أيبك","lvl":2,"sub":2},{"id":3637,"title":"واستهلت سنة ست وأربعين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3637,"title":"ذكر توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية إلى","lvl":2,"sub":1},{"id":3637,"title":"ذكر وفاة الملك المظفر شهاب الدين غازي وقيام ولده الملك الكامل","lvl":2,"sub":2},{"id":3638,"title":"واستهلت سنة سبع وأربعين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3639,"title":"ذكر استيلاء الفرنج على ثغر دمياط","lvl":2,"sub":0},{"id":3639,"title":"ذكر استيلاء السلطان على قلعة الكرك وبلادها","lvl":2,"sub":1},{"id":3639,"title":"ذكر وفاة الملك السلطان الصالح نجم الدين أيوب","lvl":2,"sub":2},{"id":3640,"title":"ذكر خبر الأمير فخر الدين أبي الفضل يوسف ابن الشيخ، وقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":3640,"title":"الملك المعظم غياث الدين تورانشاه","lvl":2,"sub":1},{"id":3640,"title":"بسم الله الرحمن الرحيم","lvl":2,"sub":2},{"id":3644,"title":"ذكر عدة حوادث كانت في سنة سبع وأربعين وستمائة، غير ما تقدم","lvl":2,"sub":0},{"id":3645,"title":"واستهلت سنة ثمان وأربعين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3645,"title":"أسر ملك الفرنج ريدا فرنس","lvl":2,"sub":1},{"id":3646,"title":"مقتل السلطان الملك المعظم","lvl":2,"sub":0},{"id":3646,"title":"ملك شجرة الدر","lvl":2,"sub":1},{"id":3647,"title":"وكانت المناشير والتواقيع تخرج باسمها. ويكتب عليها ما صورته: والدة","lvl":2,"sub":0},{"id":3647,"title":"ذكر استعادة ثغر دمياط من الفرنج وإطلاق ريدا فرنس","lvl":2,"sub":1},{"id":3647,"title":"انقراض الدولة الأيوبية من مصر","lvl":2,"sub":2},{"id":3647,"title":"الأيوبيون في غير الديار المصرية","lvl":2,"sub":3},{"id":3647,"title":"أما السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف، بن الملك العزيز، بن الملك","lvl":2,"sub":4},{"id":3647,"title":"ذكر استيلاء الملك الناصر على دمشق","lvl":2,"sub":5},{"id":3648,"title":"ذكر توجه رسول السلطان الملك الناصر يوسف إلى الديوان العزيز ببغداد، وما","lvl":2,"sub":0},{"id":3649,"title":"بسم الله الرحمن الرحيم","lvl":2,"sub":0},{"id":3650,"title":"الحرب بين الملك الناصر والملك المعز","lvl":2,"sub":0},{"id":3651,"title":"ذكر اتصال السلطان الملك الناصر بابنة السلطان علاء الدين كيقباذ","lvl":2,"sub":0},{"id":3651,"title":"وفي سنة أربع وخمسين وستمائة","lvl":2,"sub":1},{"id":3651,"title":"وفي سنة ست وخمسين وستمائة:","lvl":2,"sub":2},{"id":3652,"title":"الملك الناصر ومراسلته هولاكو","lvl":2,"sub":0},{"id":3655,"title":"وأما الملك المغيث فتح الدين عمر ابن السطان الملك العادل، بن السلطان","lvl":2,"sub":0},{"id":3658,"title":"وأما الملك الموحد تقي الدين عبد الله ابن الملك المعظم تورانشاه، بن","lvl":2,"sub":0},{"id":3660,"title":"وأما الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن","lvl":2,"sub":0},{"id":3660,"title":"وأما الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقي الدين محمود،","lvl":2,"sub":1},{"id":3661,"title":"وأما الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك المنصور إبراهيم، بن الملك","lvl":2,"sub":0},{"id":3661,"title":"إنتهاء الدولة الأيوبية","lvl":2,"sub":1},{"id":3662,"title":"ذكر أخبار الأتراك وابتداء أمرهم وكيف كان سبب الاستيلاء عليهم، واتصالهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3662,"title":"الملك المعز عز الدين أيبك","lvl":2,"sub":1},{"id":3663,"title":"ذكر الحرب الكائنة بين الملك المعز والملك الناصر صاحب الشام، وانتصار","lvl":2,"sub":0},{"id":3663,"title":"واستهلت سنة تسع وأربعين وستمائة:","lvl":2,"sub":1},{"id":3664,"title":"واستهلت سنة خمسين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3664,"title":"واستهلت سنة إحدى وخمسين وستمائة:","lvl":2,"sub":1},{"id":3664,"title":"ذكر الصلح بين الملكين: المعز والناصر","lvl":2,"sub":2},{"id":3665,"title":"ذكر خبر عريان الصعيد، وتوجه الأمير فارس الدين أقطاي إليهم وإبادتهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3665,"title":"فارس الدين أقطاي","lvl":2,"sub":1},{"id":3666,"title":"الأمراء البحرية","lvl":2,"sub":0},{"id":3668,"title":"ذكر مخالفة الأمير عز الدين أيبك الأفرم وخروجه عن الطاعة، وتجريد العسكر","lvl":2,"sub":0},{"id":3669,"title":"ذكر تفويض قضاء القضاة بالديار المصرية للقاضي: تاج الدين عبد الوهاب بن","lvl":2,"sub":0},{"id":3671,"title":"زلزال المدينة النبوية","lvl":2,"sub":0},{"id":3673,"title":"احتراق مسجد المدينة","lvl":2,"sub":0},{"id":3673,"title":"واستهلت سنة خمس وخمسين وستمائة:","lvl":2,"sub":1},{"id":3673,"title":"مقتل السلطان الملك المعز","lvl":2,"sub":2},{"id":3674,"title":"الملك المنصور نور الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3674,"title":"ذكر أخبار الوزراء، ومن ولي وزارة الملك المنصور إلى أن استقر في الوزارة","lvl":2,"sub":1},{"id":3676,"title":"واستهلت سنة ست وخمسين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3676,"title":"واستهلت سنة سبع وخمسين وستمائة:","lvl":2,"sub":1},{"id":3676,"title":"ذكر القبض على الملك المنصور، وعلى أخيه قاآن، واعتقالهما","lvl":2,"sub":2},{"id":3676,"title":"الملك المظفر سيف الدين قطز المعزى","lvl":2,"sub":3},{"id":3677,"title":"واستهلت سنة ثمان وخمسين وستمائة:","lvl":2,"sub":0},{"id":3677,"title":"ذكر وصول البحرية والشهرزورية إلى خدمة السلطان الملك المظفر","lvl":2,"sub":1},{"id":3677,"title":"ذكر خبر المصاف الكائن بين السلطان الملك المظفر ومن معه من الجيوش","lvl":2,"sub":2},{"id":3678,"title":"ذكر مسير السلطان الملك المظفر إلى دمشق ووصوله إليها","lvl":2,"sub":0},{"id":3679,"title":"ذكر مقتل السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز، ونبذة من أخباره","lvl":2,"sub":0},{"id":3681,"title":"الملك الظاهر ركن الدين بيبرس","lvl":2,"sub":0},{"id":3682,"title":"تفويض الوزارة إلى الصاحب الوزير بهاء الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3682,"title":"القبض على جماعة من الأمراء المعزية","lvl":2,"sub":1},{"id":3683,"title":"تفويض قضاء القضاء بالديار المصرية","lvl":2,"sub":0},{"id":3684,"title":"ما اعتمده السلطان في ابتداء سلطنته ورتبه","lvl":2,"sub":0},{"id":3684,"title":"بناء قلعة الجزيرة","lvl":2,"sub":1},{"id":3684,"title":"وصول من يذكر من الملوك إلى خدمة السلطان","lvl":2,"sub":2},{"id":3685,"title":"وصول المستعصم إلى مصر","lvl":2,"sub":0},{"id":3688,"title":"استيلاء الأمير علم الدين سنجر الحلبي على دمشق وسلطنته بها","lvl":2,"sub":0},{"id":3689,"title":"ما اتفق بحلب في أمر النيابة","lvl":2,"sub":0},{"id":3689,"title":"وصول طائفة من التتار","lvl":2,"sub":1},{"id":3690,"title":"الغلاء الكائن بحلب","lvl":2,"sub":0},{"id":3690,"title":"اختلاف العزيزية والناصرية","lvl":2,"sub":1},{"id":3691,"title":"ما اتفق للسلطان بالشام في مدة مقامة بدمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":3691,"title":"ركوب السلطان إلى الميدان بدمشق.","lvl":2,"sub":1},{"id":3692,"title":"الصلح مع ملوك الفرنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3692,"title":"الغارة على العرب والفرنج","lvl":2,"sub":1},{"id":3692,"title":"عود السلطان إلى الديار المصرية","lvl":2,"sub":2},{"id":3692,"title":"أخذ الشويك","lvl":2,"sub":3},{"id":3694,"title":"الأمير شمس الدين سلار","lvl":2,"sub":0},{"id":3694,"title":"عود رسل السلطان من جهة الأنيرور","lvl":2,"sub":1},{"id":3694,"title":"عود رسل السلطان من جهة صاحب الروم ووصل رسله","lvl":2,"sub":2},{"id":3695,"title":"عود رسل السلطان من جهة الأشكري","lvl":2,"sub":0},{"id":3695,"title":"حضور الأمير شمس الدين أقش البرلي العزيزي إلى الديار المصرية","lvl":2,"sub":1},{"id":3696,"title":"القبض على علاء الدين طيبرس","lvl":2,"sub":0},{"id":3696,"title":"الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري","lvl":2,"sub":1},{"id":3697,"title":"وصول جماعة من التتار إلى خذمة السلطان","lvl":2,"sub":0},{"id":3697,"title":"إنفاذ الرسل إلى الملك بركة","lvl":2,"sub":1},{"id":3698,"title":"تفويض نيابة السلطنة بالشام إلى الأمير","lvl":2,"sub":0},{"id":3698,"title":"وفاة شيخ الإسلام عز الدين","lvl":2,"sub":1},{"id":3703,"title":"البيعة للإمام الحاكم بأمر الله","lvl":2,"sub":0},{"id":3703,"title":"القبض على الملك المغيث","lvl":2,"sub":1},{"id":3704,"title":"أخد الكرك","lvl":2,"sub":0},{"id":3704,"title":"القبض على الأمراء","lvl":2,"sub":1},{"id":3705,"title":"وصول \" رسل \" الملك بركة","lvl":2,"sub":0},{"id":3706,"title":"توجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية","lvl":2,"sub":0},{"id":3706,"title":"وصول التتار المستأمنين","lvl":2,"sub":1},{"id":3707,"title":"المدرسة الظاهرية","lvl":2,"sub":0},{"id":3707,"title":"وفاة الملك الأشرف مظفر الدين","lvl":2,"sub":1},{"id":3707,"title":"جلوس السلطان بدار العدل","lvl":2,"sub":2},{"id":3708,"title":"جلوسه بدار العدل وما قرره من مشاركة أمناء","lvl":2,"sub":0},{"id":3708,"title":"وصول جماعة من عسكر شيراز","lvl":2,"sub":1},{"id":3709,"title":"سلطنة الملك السعيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3709,"title":"ختام الملك السعيد ومن معه","lvl":2,"sub":1},{"id":3710,"title":"خبر غازية الخنافة","lvl":2,"sub":0},{"id":3710,"title":"وصول رسل الملك بركة","lvl":2,"sub":1},{"id":3710,"title":"توجه السلطان إلى الإسكندرية","lvl":2,"sub":2},{"id":3711,"title":"واقعة مع الفرنج بالأندلس","lvl":2,"sub":0},{"id":3711,"title":"مقتل الزين الحافظي","lvl":2,"sub":1},{"id":3713,"title":"الحريق بالقاهرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3714,"title":"تفويض القضاء لأربعة حكام","lvl":2,"sub":0},{"id":3716,"title":"القبض على الأمير شمس الدين سنقر الأقرع","lvl":2,"sub":0},{"id":3716,"title":"القبض على الأمير شمس الدين سنقر الرومي","lvl":2,"sub":1},{"id":3717,"title":"وفاة قاضي القضاة بدر الدين السنجاري","lvl":2,"sub":0},{"id":3718,"title":"عمارة جسر دامية","lvl":2,"sub":0},{"id":3719,"title":"الوثوب على الأمير عز الدين الحلى وضربه بالسكين","lvl":2,"sub":0},{"id":3719,"title":"عود السلطان إلى الديار المصرية","lvl":2,"sub":1},{"id":3720,"title":"إقامة الجمعة بالجامع الأزهر","lvl":2,"sub":0},{"id":3720,"title":"القصر الأبلق","lvl":2,"sub":1},{"id":3720,"title":"توجه السلطان إلى الشام","lvl":2,"sub":2},{"id":3721,"title":"وفاة قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز","lvl":2,"sub":0},{"id":3724,"title":"وصول الشريف بدر الدين مالك بم منيف","lvl":2,"sub":0},{"id":3724,"title":"تسمير من يذكر بالقاهرة","lvl":2,"sub":1},{"id":3724,"title":"أخذ الزكاة من عرب الحجاز","lvl":2,"sub":2},{"id":3724,"title":"ظهور الماء بالقدس","lvl":2,"sub":3},{"id":3725,"title":"الحبيس النصراني ومقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":3725,"title":"إيقاع الحوطة السلطانية على الأملاك","lvl":2,"sub":1},{"id":3726,"title":"وصول الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من بلاد التتار","lvl":2,"sub":0},{"id":3727,"title":"تجديد الحلف للملك السعيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3728,"title":"توجه السلطان على البريد إلى الديار","lvl":2,"sub":0},{"id":3730,"title":"وفاة الأمير عز الدين أيدمر الحلى","lvl":2,"sub":0},{"id":3730,"title":"توجه السلطان إلى الحجاز","lvl":2,"sub":1},{"id":3731,"title":"توجه السلطان إلى الشام جريدة","lvl":2,"sub":0},{"id":3732,"title":"القبض على الملك العزيز فخر الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3733,"title":"حادثة السيل بدمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":3734,"title":"سفر الشواني الإسلامية إلى قبرس","lvl":2,"sub":0},{"id":3734,"title":"عود السلطان إلى قلعته ووصول رسل اليمن","lvl":2,"sub":1},{"id":3735,"title":"القبض على من يذكر من الأمراء","lvl":2,"sub":0},{"id":3736,"title":"توجه السلطان إلى الكرك ثم إلى الشام وعزل","lvl":2,"sub":0},{"id":3737,"title":"عود السلطان من حلب ورجوعه إلى","lvl":2,"sub":0},{"id":3737,"title":"إيقاع الحوطة على القاضي شمس","lvl":2,"sub":1},{"id":3738,"title":"توجه السلطان إلى الصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3739,"title":"توجه السلطان إلى الديار المصرية على خيل البريد","lvl":2,"sub":0},{"id":3740,"title":"اعتقال الشيخ خضر","lvl":2,"sub":0},{"id":3741,"title":"طلسم باب القصر بالقاهرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3743,"title":"الملك شمس الدين بهادر","lvl":2,"sub":0},{"id":3744,"title":"نكتة غريبة","lvl":2,"sub":0},{"id":3744,"title":"ورود كتاب متملك الحبشة","lvl":2,"sub":1},{"id":3747,"title":"شنق الطواشي شجاع الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3747,"title":"متجددات اتفقت بعد وصول السلطان","lvl":2,"sub":1},{"id":3747,"title":"توجه السلطان إلى اشبيلية","lvl":2,"sub":2},{"id":3747,"title":"اتصال الملك السعيد بابنة الأمير","lvl":2,"sub":3},{"id":3749,"title":"توجه السلطان إلى الكرك","lvl":2,"sub":0},{"id":3750,"title":"وصول جماعة من أمراء الروم","lvl":2,"sub":0},{"id":3751,"title":"آثار مسجد بجوار دير البغل","lvl":2,"sub":0},{"id":3752,"title":"غزوات السلطان الملك الظاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":3752,"title":"ما استولى عليه من القلاع","lvl":2,"sub":1},{"id":3752,"title":"فتوح سواكن","lvl":2,"sub":2},{"id":3752,"title":"فتوح خيبر","lvl":2,"sub":3},{"id":3752,"title":"فتوح قرقيسيا","lvl":2,"sub":4},{"id":3752,"title":"أخد بلاطنس وخبرها","lvl":2,"sub":5},{"id":3753,"title":"تسليم صهيون وبرزية","lvl":2,"sub":0},{"id":3753,"title":"الإسماعيلية وابتداء أمرهم","lvl":2,"sub":1},{"id":3754,"title":"استيلاء السلطان على بلاد الإسماعيلية","lvl":2,"sub":0},{"id":3755,"title":"فتوح العليقة والرصافة","lvl":2,"sub":0},{"id":3755,"title":"فتوح بقية حصون الدعوة","lvl":2,"sub":1},{"id":3756,"title":"أخبار هذه الحصون","lvl":2,"sub":0},{"id":3757,"title":"غزوات السلطان وفتوحاته","lvl":2,"sub":0},{"id":3759,"title":"محاصرة التتار البيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3761,"title":"فتوح قيسارية","lvl":2,"sub":0},{"id":3761,"title":"التوجه إلى عثليث","lvl":2,"sub":1},{"id":3761,"title":"فتوح أرسوف","lvl":2,"sub":2},{"id":3763,"title":"ما ملكه السلطان لأمرائه","lvl":2,"sub":0},{"id":3765,"title":"قصد البرنس صاحب طرابلس حمص","lvl":2,"sub":0},{"id":3765,"title":"إغارة العساكر على طرابلس بالشام","lvl":2,"sub":1},{"id":3766,"title":"إغارة العسكر على صور","lvl":2,"sub":0},{"id":3766,"title":"فتوح صفد","lvl":2,"sub":1},{"id":3768,"title":"غزوة سيس وأسر ملكها","lvl":2,"sub":0},{"id":3769,"title":"قتل أهل قارة وسي ذراريهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3770,"title":"وقعة مع الفرنج","lvl":2,"sub":0},{"id":3770,"title":"الصلح مع بيت الإسبتار","lvl":2,"sub":1},{"id":3770,"title":"فتوح يافا","lvl":2,"sub":2},{"id":3771,"title":"فتوح شقيف أرنون","lvl":2,"sub":0},{"id":3772,"title":"توجه السلطان إلى طرابلس","lvl":2,"sub":0},{"id":3773,"title":"فتوح أنطاكية","lvl":2,"sub":0},{"id":3775,"title":"أخبار أنطاكية","lvl":2,"sub":0},{"id":3777,"title":"ما اعتمده السلطان في قسمة غنائم وأنطاكية وإحراقه","lvl":2,"sub":0},{"id":3778,"title":"صلح القصير على المناصفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3778,"title":"فتوح حصن بغراس من الديوية","lvl":2,"sub":1},{"id":3778,"title":"الإغارة على صور","lvl":2,"sub":2},{"id":3778,"title":"الإغارة على بلاد كركر وأخذ شرموشاك","lvl":2,"sub":3},{"id":3778,"title":"الإغارة على عكا","lvl":2,"sub":4},{"id":3779,"title":"فتوح قلعة صافيتا","lvl":2,"sub":0},{"id":3781,"title":"فتوح حصن عكار","lvl":2,"sub":0},{"id":3782,"title":"صلح طرابلس","lvl":2,"sub":0},{"id":3782,"title":"فتوح القرين","lvl":2,"sub":1},{"id":3782,"title":"صلح صور وما تقرر من المناصفة","lvl":2,"sub":2},{"id":3782,"title":"منازلة التتار البيرة وكسرهم على الفرات","lvl":2,"sub":3},{"id":3783,"title":"فتوح كينوك","lvl":2,"sub":0},{"id":3783,"title":"إغارة عيسى بن مهنا على الأنبار","lvl":2,"sub":1},{"id":3784,"title":"الإغارة على مرعش","lvl":2,"sub":0},{"id":3784,"title":"غزوة سيس","lvl":2,"sub":1},{"id":3785,"title":"أخبار بلاد سيس","lvl":2,"sub":0},{"id":3785,"title":"وفاة الأبرنس صاحب طرابلس","lvl":2,"sub":1},{"id":3786,"title":"غزوة النوبة","lvl":2,"sub":0},{"id":3787,"title":"غزوات النوبة في الإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":3788,"title":"غزوة الروم وقتل التتار","lvl":2,"sub":0},{"id":3791,"title":"ما اعتمده الأمير شمس الدين محمد بك بن قرمان","lvl":2,"sub":0},{"id":3792,"title":"وصول أبغا إلى بلاد الروم ومشاهدته مكان","lvl":2,"sub":0},{"id":3793,"title":"وفاة السلطان الملك الظاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":3794,"title":"الملك السعيد ناصر الدين محمد","lvl":2,"sub":0},{"id":3795,"title":"وفاة الأمير بدر الدين بيليك الخزندار","lvl":2,"sub":0},{"id":3796,"title":"القبض على من يذكر من الأمراء","lvl":2,"sub":0},{"id":3797,"title":"وفاة الشيخ خضر وشيء من اخباره","lvl":2,"sub":0},{"id":3800,"title":"توجه السلطان إلى الشام وإقامته بدمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":3801,"title":"وفاة الصاحب بهاء الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3803,"title":"عود الأمراء من الغزاة","lvl":2,"sub":0},{"id":3804,"title":"وصول السلطان إلى قلعة الجبل وما كان من أمره","lvl":2,"sub":0},{"id":3807,"title":"عزل الصاحب برهان الدين السنجاري عن الوزارة، وتفويضها","lvl":2,"sub":0},{"id":3808,"title":"أخبار الأمير شمس الدين سنقر الأشقر","lvl":2,"sub":0},{"id":3808,"title":"التقاء العسكر المصري والعسكر الشامي","lvl":2,"sub":1},{"id":3809,"title":"تجريد العساكر الى دمشق، وحرب سنقر الأشقر وانهزامه","lvl":2,"sub":0},{"id":3810,"title":"توجه الأمير الى صهيون","lvl":2,"sub":0},{"id":3810,"title":"انتظام الصلح بين السلطان الملك المنصور وبين سنقر الأشقر","lvl":2,"sub":1},{"id":3811,"title":"خبر الملك السعيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3811,"title":"وفاة الملك السعيد","lvl":2,"sub":1},{"id":3812,"title":"الصلح بين السلطان والملك المسعود وانتقاض ذلك وإخراجه من الكرك","lvl":2,"sub":0},{"id":3813,"title":"فتوحات وغزوات شهدها السلطان","lvl":2,"sub":0},{"id":3813,"title":"عبور التتار الى الشام","lvl":2,"sub":1},{"id":3814,"title":"فتوح قلعة قطيبا","lvl":2,"sub":0},{"id":3815,"title":"فتوح ثغر الكختا","lvl":2,"sub":0},{"id":3815,"title":"فتوح حصن المرقب","lvl":2,"sub":1},{"id":3815,"title":"غزوتي النوبة الأولى والثانية","lvl":2,"sub":2},{"id":3816,"title":"تجريد الجيش في المرتبة الثانية الى النوبة","lvl":2,"sub":0},{"id":3817,"title":"فتوح طرابلس الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3818,"title":"أخبار طرابلس الشام، منذ فتحها المسلمون في خلافة عثمان الى وقتنا هذا","lvl":2,"sub":0},{"id":3821,"title":"ما اتفق في الدولة المنصورية على حكم السنين","lvl":2,"sub":0},{"id":3821,"title":"ما تجدد بدمشق، بعد أن فارقها الأمير شمس الدين سنقر الأشقر","lvl":2,"sub":1},{"id":3822,"title":"تفويض نيابة السلطنة بالشام للأمير حسام الدين لاجين","lvl":2,"sub":0},{"id":3822,"title":"عزل قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان","lvl":2,"sub":1},{"id":3823,"title":"إعادة الصاحب برهان الدين السنجاري الى الوزارة وعزله","lvl":2,"sub":0},{"id":3823,"title":"تفويض السلطنة ولاية العهد للملك الصالح","lvl":2,"sub":1},{"id":3823,"title":"توجه السلطان الى غزة، وعوده الى الديار المصرية","lvl":2,"sub":2},{"id":3824,"title":"توجه السلطان الى الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3824,"title":"ما تقرر من المهادنات مع الفرنج وبيت الاسبتار","lvl":2,"sub":1},{"id":3825,"title":"حادثة الأمير سيف الدين كوندك ومن معه، والقبض عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":3826,"title":"وفاة قاضي القضاة تقي الدين رزين، وولاية القاضي وجيه الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3828,"title":"تفويض نيابة السلطان بحلب للأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري","lvl":2,"sub":0},{"id":3828,"title":"وصول رسل أحمد سلطان، وهو توكدار ابن هولاكو، ملك التتار","lvl":2,"sub":1},{"id":3829,"title":"الظفر بملك من ملوك الكرج وإمساكه","lvl":2,"sub":0},{"id":3830,"title":"توجه السلطان الى الشام وعوده","lvl":2,"sub":0},{"id":3830,"title":"عزل قاضي القضاة عز الدين ابن الصائغ الشافي عن القضاء","lvl":2,"sub":1},{"id":3831,"title":"وصول الشيخ عبد الرحمن ومن معه","lvl":2,"sub":0},{"id":3833,"title":"عمارة التربة المنصورية والمدرسة والبيمارستان ومكتب السبيل","lvl":2,"sub":0},{"id":3837,"title":"توجه السلطان الى الشام وعوده","lvl":2,"sub":0},{"id":3837,"title":"حادثة السيل بدمشق","lvl":2,"sub":1},{"id":3837,"title":"وفاة الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا وشيء من أخباره","lvl":2,"sub":2},{"id":3837,"title":"وفاة الملك المنصور","lvl":2,"sub":3},{"id":3838,"title":"مولد السلطان الملك الناصر","lvl":2,"sub":0},{"id":3839,"title":"حادثة غريبة اتفقت بحمص","lvl":2,"sub":0},{"id":3840,"title":"توجه السلطان الى الكرك وما رتبه من أمر النيابة وعوده","lvl":2,"sub":0},{"id":3840,"title":"وفاة قاضي القضاة وجيه الدين، وتفويض القضاء بمصر","lvl":2,"sub":1},{"id":3840,"title":"وفاة قاضي القضاة تقي الدين بن شاس المالكي","lvl":2,"sub":2},{"id":3841,"title":"وفاة قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي وشيء من أخباره","lvl":2,"sub":0},{"id":3844,"title":"تفويض قضاء القاهرة والوجه البحري للقاضي برهان الدين السنجاري","lvl":2,"sub":0},{"id":3844,"title":"خبر واقعة ناصر الدين بن المقدسي وأعيان دمشق","lvl":2,"sub":1},{"id":3846,"title":"عزل الأمير علم الدين سنجر الشجاعي عن الوزارة ومصادرته","lvl":2,"sub":0},{"id":3847,"title":"توج ناصر الدين بن المقدسي الى دمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":3847,"title":"وفاة الملك الصالح","lvl":2,"sub":1},{"id":3848,"title":"ما اتفق بدمشق من المصادرات","lvl":2,"sub":0},{"id":3849,"title":"إيقاع الحوطة على ناصر الدين المقدسي وشنقه","lvl":2,"sub":0},{"id":3850,"title":"وفاة قاضي القضاة نجم الدين المقدسي الحنبلي","lvl":2,"sub":0},{"id":3850,"title":"وفاة السلطان الملك المنصور","lvl":2,"sub":1},{"id":3851,"title":"تسمية نواب السلطان الملك المنصور ووزرائه","lvl":2,"sub":0},{"id":3851,"title":"الملك الأشرف صلاح الدين خليل","lvl":2,"sub":1},{"id":3852,"title":"القبض على الأمير حسام الدين طرنطاي وقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":3853,"title":"تفويض نيابة السلطنة الشريفة للأمير بدر الدين بيدرا المنصوري","lvl":2,"sub":0},{"id":3854,"title":"تفويض الوزارة للصاحب شمس الدين ابن السلعوس وشيء من أخباره","lvl":2,"sub":0},{"id":3856,"title":"القبض والإفراج على من نذكر من الأمراء، وعنه","lvl":2,"sub":0},{"id":3857,"title":"فتوح عكا وصور وصيدا وحيفا","lvl":2,"sub":0},{"id":3860,"title":"القبض على الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3861,"title":"رحيل السلطان عن عكا ودخوله الى دمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":3861,"title":"فتوح برج صيدا","lvl":2,"sub":1},{"id":3861,"title":"فتح بيروت","lvl":2,"sub":2},{"id":3862,"title":"الإفراج عن الأمير بدر الدين بيسري الشمسي وغيره من الأمراء","lvl":2,"sub":0},{"id":3863,"title":"عزل قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز عن القضاء ومصادرته","lvl":2,"sub":0},{"id":3863,"title":"تفويض القضاء بالديار المصرية لقاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة","lvl":2,"sub":1},{"id":3864,"title":"متجددات كانت بدمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":3865,"title":"توجه السلطان الى الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3865,"title":"فتوح قلعة الروم وتسميتها قلعة المسلمين","lvl":2,"sub":1},{"id":3870,"title":"توجه الأمير بدر الدين بيدرا وبعض العساكر","lvl":2,"sub":0},{"id":3870,"title":"هرب الأمير حسام الدين لاجين والقبض عليه واعتقاله","lvl":2,"sub":1},{"id":3870,"title":"تفويض نيابة السلطنة بالشام والفتوحات وعود السلطان الى الديار المصرية","lvl":2,"sub":2},{"id":3870,"title":"عدة حوادث كانت في خلال فتح قلعة الروم وقبله وبعده","lvl":2,"sub":3},{"id":3871,"title":"القبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر","lvl":2,"sub":0},{"id":3872,"title":"توجه السلطان الى الصعيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3872,"title":"توجه السلطان الى الشام وأخذ بهسنا من الأرمن","lvl":2,"sub":1},{"id":3872,"title":"القبض على الأمير حسام الدين مهنا ابن عيسى وإخوته","lvl":2,"sub":2},{"id":3873,"title":"هدم قلعة الشوبك","lvl":2,"sub":0},{"id":3873,"title":"حادثة السيل ببعلبك","lvl":2,"sub":1},{"id":3873,"title":"ختام الملك الناصر، وما حصل من الاهتمام بذلك","lvl":2,"sub":2},{"id":3874,"title":"مقتل السلطان الملك الأشرف","lvl":2,"sub":0},{"id":3875,"title":"خبر الأمير بدر الدين بيدرا ومن معه من الأمراء الذين وافقوه","lvl":2,"sub":0},{"id":3876,"title":"الملك الناصر ناصر الدين محمد","lvl":2,"sub":0},{"id":3877,"title":"خبر الأمراء الذين وافقوا بيدرا على قتل السلطان الملك الأشرف","lvl":2,"sub":0},{"id":3877,"title":"أخبار الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس الوزير","lvl":2,"sub":1},{"id":3878,"title":"الخلف الواقع بين الأميرين علم الدين سنجر الشجاعي","lvl":2,"sub":0},{"id":3879,"title":"عدة حوادث كانت في سنة ثلاث وتسعين وستمائة","lvl":2,"sub":0},{"id":3881,"title":"فتنة المماليك","lvl":2,"sub":0},{"id":3881,"title":"سلطنة السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوري","lvl":2,"sub":1},{"id":3882,"title":"تفويض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر بن الخليل","lvl":2,"sub":0},{"id":3882,"title":"القبض على الأمير عز الدين أيبك الخازندار نائب السلطنة بالفتوحات","lvl":2,"sub":1},{"id":3883,"title":"وفاة الملك المظفر يوسف بن عمر صاحب اليمن","lvl":2,"sub":0},{"id":3884,"title":"حادثة عجيبة بالشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3885,"title":"وفود الأويراتية من بلاد التتار","lvl":2,"sub":0},{"id":3886,"title":"وفاة قاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن بن بنت الأعز","lvl":2,"sub":0},{"id":3887,"title":"توجه السلطان الملك العادل وعزدل نائب السلطنة بدمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":3888,"title":"عود السلطان الملك العادل الى الديار المصرية","lvl":2,"sub":0},{"id":3889,"title":"سلطنة السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري","lvl":2,"sub":0},{"id":3890,"title":"أخبار الملك العادل","lvl":2,"sub":0},{"id":3892,"title":"الإفراج عن جماعة من الأمراء","lvl":2,"sub":0},{"id":3892,"title":"تجديد عمارة الجامع الطولوني وترتيب الدروس به، والوقف على ذلك","lvl":2,"sub":1},{"id":3892,"title":"تفويض القضاء بالديار المصرية والشام لمن يذكر","lvl":2,"sub":2},{"id":3893,"title":"تفويض الوزارة بالديار المصرية للأمير شمس الدين سنقر الأعسر","lvl":2,"sub":0},{"id":3893,"title":"القبض على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب السلطنة","lvl":2,"sub":1},{"id":3894,"title":"وصول الملك المسعود نجم الدين خضر","lvl":2,"sub":0},{"id":3894,"title":"توجه الملك السلطان الناصر الى الكرك وإقامته بها","lvl":2,"sub":1},{"id":3894,"title":"القبض على الأمير بدر الدين بيسري الشمسي وغيره","lvl":2,"sub":2},{"id":3897,"title":"إعادة الصاحب فخر الدين عمر بن الخليلي الى الوزارة","lvl":2,"sub":0},{"id":3897,"title":"تجريد العساكر الى سيس وما فتح من قلاعها","lvl":2,"sub":1},{"id":3899,"title":"حادثة غريبة ظهر فيها آية من آيات الله عز وجل","lvl":2,"sub":0},{"id":3900,"title":"روك الإقطاعات بالديار المصرية وتحويل السنة","lvl":2,"sub":0},{"id":3901,"title":"مفارقة من نذكر من نواب السلطنة والأمراء","lvl":2,"sub":0},{"id":3903,"title":"مقتل الملك المنصور حسام الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3905,"title":"ما اتفق بعد مقتل الملك المنصور ونائبه منكوتمر","lvl":2,"sub":0},{"id":3906,"title":"مقتل سيف الدين طقجي وسيف الدين كرجي","lvl":2,"sub":0},{"id":3907,"title":"عود السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد ابن السلطان","lvl":2,"sub":0},{"id":3908,"title":"الإفراج عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر","lvl":2,"sub":0},{"id":3908,"title":"وفود سلامش بن أقال بن بيجو وأخيه قطقطوا","lvl":2,"sub":1},{"id":3909,"title":"وصول الفرنج الى الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3910,"title":"وفاة الملك المظفر","lvl":2,"sub":0},{"id":3911,"title":"توجه السلطان الى الشام","lvl":2,"sub":0},{"id":3911,"title":"الفتنة التي أثارها الأيرواتية بهذه المدينة","lvl":2,"sub":1},{"id":3911,"title":"وقعة غازان ملك التتار بمجمع المروج ببلاد حمص","lvl":2,"sub":2},{"id":3911,"title":"من استشهد وفقد، في هذه الموقعة من المشهورين","lvl":2,"sub":3},{"id":3912,"title":"ما اتفق بدمشق بعد الوقعة ومفارقة العساكر الإسلامية في مدة","lvl":2,"sub":0},{"id":3916,"title":"ما اعتمده السلطان الملك الناصر عند عوده الى الديار المصرية","lvl":2,"sub":0},{"id":3917,"title":"توجه السلطان بالعساكر الى جهة الشام، ووصوله الى منزلة الصالحية","lvl":2,"sub":0},{"id":3918,"title":"ما اعتمده الأمير جمال الدين أقش نائب السلطنة بدمشق","lvl":2,"sub":0},{"id":3919,"title":"جباية المقرر على أرباب الأملاك والأموال","lvl":2,"sub":0},{"id":3919,"title":"توجه السلطان الملك الناصر بالعساكر الى الشام وعوده","lvl":2,"sub":1},{"id":3920,"title":"وصول غازان الى الشام وعوده وما فعلته جيوشه","lvl":2,"sub":0},{"id":3920,"title":"أهل الذمة وتغيير لباسهم","lvl":2,"sub":1},{"id":3923,"title":"وصول رسل غازان ملك التتار وما وصل","lvl":2,"sub":0}]}